إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

بديع الزمان سعيد النورسي

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
مؤلف رسائل النور ومؤسس جماعة النور
بديع الزمان سعيد النورسي
نظرة عامة عن حياته وآثاره

تأليف: إحسان قاسم الصالحي

محتويات

الإهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أجيال الشباب المقبلة من وراء الغيب وإلى أبطال أمة الإسلام الآتين على سفائن الإيمان إلى كل هؤلاء الذي نظر إليهم الأستاذ النورسي بعين بصيرته فأحبهم وكتب إليهم ووضع ثقته وأمله فيهم ..

إلى هؤلاء الذين سيتفتح عنهم القدر قريبا نهدي كتابنا هذا آملين أن يجدوا فيه نور الأمل ومفتاح الحياة الإيمانية الخالدة .

المقدمة

للمآسي الدامية في تاريخ الشعوب وللأحداث الجسام والمنعطفات عن المسارات الأصيلة في حياة الأمم رجال عظماء وعباقرة أفذاذ تمتد يد العناية الإلهية لتبعث بهم في وسط هذا النقيع وتزج بهم بين هذا الضجيج الهائل ليمسكوا بناصية الأحداث ويحولوا بين شعوبهم وبين السقوط في مهاوي الضياع والانفلات الرهيب من دائرة تاريخهم وحضارتهم .

وبديع الزمان سعيد النورسي هو واحد من هؤلاء العظماء القي الله تعالي على كاهله مسؤولية النهوض بتجديد الحياة في الإيمان الراكد في القلوب وبعبء التصدي لهذا التيار الجارف المكتسح الذي كاد يسلخ الشعب التركي المسلم عن تاريخه ودينه وإسلامه .

وما هذا الكتاب إلا محاولة متواضعة تتناول حياة هذا الإنسان العظيم الخصب الزخار والوقوف على شاطئ بحره العميق الغور الواسع المدي الذي لا تنفذ درره ولا تنتهي لآلئه .

ونستطيع أن نقول أن كتابنا هذا يكشف عن مسألتين :

الأولي : أنه يكشف عن فترة تاريخية من حياة تركيا الحديثة وما تركته شخصية الأستاذ النورسي من آثار عميقة واضحة المعالم في الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية في الشعب التركي هذا التأثير الذي ما زال ساريا يفعل فعله ويؤدي دوره حتى بعد وفاته رضي الله عنه .

وهذا الأثر واضح مشهود نلمس آثاره لمس اليد ويعترف به حتي أعداؤه وخصومه .

الثاني: أن هذا الكتاب يستعرض حياة أحد كبار دعاة الإسلام في العصر الحديث فمن خلال دراسة حياته نستطيع أن نؤكد حقيقة من أعظم حقائق التاريخ وهي أن هذا لدين الإلهي العظيم دين حيوي خالد قادر على العطاء في كل زمان ومكان وأن هذه الحيوية قادرة على أن تنهض بالشعوب والأمم وتلقي بين أيديها بزمام العالم إذا توافرت لها القلوب الواعية السليمة والعقول الذكية والأذهان والإخلاص الكامل والعمل الجاد .

ولعل كتابنا هذا أوفي ما ظهر عنه في اللغة العربية حتي الآن نسأله تعالي أن نوفق إلى إظهار جوانب أخري من حياة وآثار هذا الأستاذ القدير في المستقبل .

والكتاب يتألف من ثلاثة أقسام :

القسم الأول: يتناول سيرة حياته بشئ من التفصيل .

القسم الثاني : وهو دراسة تحليلية لرسائل النور تلك الرسائل التي ألفها طيلة ( 23) سنة من حياته التي قضاها بين السجن والنفي والتشريد .

القسم الثالث : وهو نماذج مستلة مترجمة من كليات رسائل النور .

وقد رجعنا في كل قسم من الأقسام الثلاثة إلى المصادر الأصلية باللغة التركية من مطبوع ومخطوط .

نسأل الله العلي القدير أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم أنه قريب مجيب .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين المؤلف

إحسان قاسم الصالحي

القسم الأول: سيرة مختصرة لحياة بديع الزمان سعيد النورسي 1293 – 1379هـ 1873 -1960 م

توطئة

قبل أن نتناول سيرة الأستاذ ( بديع الزمان سعيد النورسي) لابد لنا أن نمر مرورا سريعا على بعض الأحداث الكبيرة للمرحلة الزمنية التي عاشها والمآسي التي تركت جروحا عميقة في وجدانه وضميره وهو يشاهد أمته تعاني منها وتئن تحت وطأتها .

فقد ولد – رحمه الله – في عهد السلطان ( عبد الحميد الثاني ) أواخر عمر الدولة العثمانية الآيلة للسقوط وعاصر تكالب العداء وتزاحمهم للقضاء على هذه الدولة يحدوهم الحقد ألاسود على الإسلام في شخص دولة الخلافة ورغم ما بذله السلطان عبد الحميد من جهود للمحافظة على دولته المترامية الأطراف طيلة ثلاث وثلاثين سنة متوسلا بدهائه السياسي والإفادة من الظرف الدولي ومحاولته إيقاظ العالم الإسلامي وتنبيهه إلى ضرورة لمزيد من الوحدة والتماسك فيما بين شعوبه أمام الأعاصير الهابة من أوروبا الموتورة ألاّ إن ذلك كله جاء بعد فوات الأوان . لأن الدوائر الأجنبية كانت قد استطاعت أن توجد في قلب الدولة نفسها ركائز استخدمتهم في اللحظة المناسبة لهزّ شجرة الدولة من الجذور والإجهاز بعد ذلك على جذعها وأغصانها فالمؤامرات كانت قد حبكت بدقة متناهية في دهاليز وأقبية المخابرات الأجنبية فلم يستطع السلطان منع الانقلاب الذي خططت له القوي الخارجية واستخدمت زمرة من جمعية الإتحاد والترقي لتنفيذه .

وبعد تنحية السلطان عن الحكم تولّت أجهزة الإعلام العالمية حملة واسعة نجحت في تشويه سمعة هذا السلطان المظلوم وتصويره بـ ( السلطان الأحمر) أو السفّاح والجلاد خلافا للحقيقة والواقع حيث أثبتت الوثائق الرسمية والبحوث التاريخية المتأخرة زيف تلك الحملات جميعها ولعل موقفه المتشدد من الصهيوني ( عما نوئيل قره صو) ورفضه التنازل عن شبر من أرض فلسطين لليهود يفسر باعث تلك الحملات المسعورة .

ثم جاء الاتحاديون بالسلطان ( محمد رشاد) فأصبحوا يمررون من خلاله ما يريدونه من سياسات للدولة الجديدة ويزحفون أيضا إلى مناصب المسؤولية ومواقع القيادة حتي يستطيعوا التأثير في الحياة الاجتماعية وتقريبها خطوة بعد أخري نحو النماذج الحياتية للحضارة الأوروبية التي كانوا شغوفين بها .

ومع أن الاتحاديين كانوا يتغنون بشعار " الحرية " الأخوة المساواة" ألا أنهم فرضوا دكتاتورية حمراء دامية وتصيدوا معارضيهم غيلة على قوراع الطرق وقاموا بتصفيات جسدية لمن يتوسمون فيه المعارضة لهم ولم يكتفوا بهذا بل جّروا الدولة العثمانية إلى الحرب العالمية الأولى دون مبرر مما أدي في خاتمة المطاف إلى تمزقها شر ممزق .

هرب قادة الاتحادين خارج البلاد تاركين الأمة تعاني نتائج هذه الحرب المدمرة التي أوقعت البلاد تحت وطأة الجيوش الأجنبية .

جاء بعد وفاة السلطان محمد رشاد – الذي توفي أثناء الحرب – السلطان محمد وحيد الدين الذي كان يكره الاتحاديين جاء هذا السلطان والدولة قد خسرت الحرب واستولي الانكليز واليونان والإيطاليون والأرمن على مناطق مختلفة من تركيا وحتي استانبول نفسها كانت تحت الاحتلال الانكليزي أى أن السلطان كان في واقع الأمر أسيرا بيد الانكليز.

تلك هي الصورة البائسة التي خلفتها الحرب وراءها شعب مهزوم قد أنهكته الحرب يئن تحت وطأة أقدام الغزاة وجروح عميقة في وجدان هذه الأمة التي فقدت كل شئ بنته بعرقها وجهادها وعقيدتها في عدة قرون .

ومما يثير الإعجاب أن بديع الزمان رحمه الله كان قد توقع حدوث هذه الكارثة الرهيبة فكثيرا ما نبه المعنيين والمسئولين من سلاطين وحكام بان القرن الآتي هو " قرن العلم " لذا فإن المدارس الدينية القائمة آنذاك والتي كانت مقتصرة على الدراسات الدينية فحسب لا تخرج أجيالا من الشباب قادرة على التصدي للمغرمين بالحضارة الغربية مالم تطعم هذه لدراسات بالعلوم الكونية الحديثة لذا فقد حذر وأنذر وأعذر في خطبه الكثيرة ومقالاته العديدة وتأليفه ومقابلاته الشخصية وتجواله في المدن والأرياف .. كل ذلك لإيقاظ الأمة والمسئولين من هذه الغفلة التي طال أمدها ومن الكارثة المتوقعة ولكن صيحاته هذه لم تلق سوي آذان صم وقلوب عمي غلف لا تعي حتي وقعت الكارثة .

لم يعد الشعب التركي يملك غير الإيمان العميق يتحدي به الأعاصير الهوج ويتقي به سهام الأعداء وحراب المستعمرين فما أن هتف بهذا الشعب هاتف الإيمان وصرخ بوجدانه صارخ الإسلام إلا وانتفض انتفاضة مذهلة فوقف يحشد ما بقي من قواه ويهئ ما تبقي له من طاقات وقرر ان يخوض حربا تحريرية ضد الغزاة وهي التي تسمي ب، " حرب الاستقلال" .

هنا نري الأستاذ – رحمه الله – يقف في مقدمة الصفوف وفي أول الخنادق في استانبول لا يرضي بمغادرتها غلى أى مكان آخر , ويؤدي واجبه المقدس ضد المحتلين بأفضل ما يمكن ..

أما السلطان وحيد الدين فقد أشار من طرف خفي إلى حرب الاستقلال وأغلب الظن أنه هو الذي مهد لقواد تلك الحرب الهروب خفية إلى الأناضول ليقودوا هذا الشعب المؤمن ويخضوا به الحرب ضد الغزاة .

لقد كان الشعب مستعدا للتضحية بكل غال ونفيس من أجل عقيدته وحريته ولم يكن على استعداد مطلقا أن يسلم زمامه لأي شخص يشم منه رائحة معاداة الإسلام لذا فقد كانت حرب الاستقلال معارك قادتها عقيدة الجهاد في سبيل الله إذ لم تكن هناك أية فكرة أخري يمكن أن تستنهض الهمم وتوحد الأمة للدخول في معارك ضاربة ضد جيوش عدة دول في ظروف بالغة السوء .

ولكن ما أن استقر الأمر بيد مصطفى كمال وأصبح الرجل الأول في البلاد حتي ألغي الخلافة واستبدل بالقوانين الشرعية قوانين سويسرية وصفي جميع معارضيه ممن كانوا معه من القواد وفرض الحياة الغربية على الأمة فرضا وقننها قانونا وجعل مخالفتها جريمة يعاقب عليها صاحبها بأشد العقوبات واستبدل الحروف العربية حروفا لاتينية وحوّل الأذان الشرعي غلى الأذان باللغة لتركية .. إلى آخره من الإجراءات الرهيبة .

هنا... وفي هذا المنعطف الخطير في حياة الأمة وأمام هذه الأعاصير الهائلة المزعزعة للحياة الاجتماعية بأسرها ظهر بديع الزمان أيضا ليحمل هموم الأمة ويقوم بأعباء رسالة نذر لها نفسه وحياته وكل لحظة من وقته بعيدا عن المحافل السياسية وأروقتها وأنكب على تأليف ( رسائل النور) ونشرها بين طبقات الأمة في ظروف غاية في الدقة والصعوبة ليهيئ بها مجتمعا إسلاميا كاملا يتدفق بالحيوية والإيمان والآن نترك القارئ الكريم ليطلع بنفسه على عمل هذا الرجل العظيم في شأن دعوة من أعظم الدعوات على الإطلاق وهي دعوة الإسلام .

الفصل الأول: حياته الأولي 1293 – 1343هـ 18731926م

مولده:

بين الجبال الشم الرواسي الضاربة بقممها المكسوة بالثلوج في السماء النقية الصافية ومع أنداء الفجر ولد سعيد النورسي في قرية " نورس" وهي احدي قري قضاء " خيزان" التابع الولاية ( بتليس) شرق الأناضول سنة ( 1293هـ - 1873م)*.

كان والده " الصوفي ميرزا" ورعا يضرب به المثل لم يذق حراما ولم يطعم أولاده من غير الحلال حتي أنه إذا عاد بمواشيه من المرعي شدّ أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين وتقول أمه " نورية " أنها ما أرضعت أطفالها إلاّ وهي على طهر ووضوء .

نشأته :

ظهرت مخايل النبوغ والذكاء على ( سعيد الصغير) منذ طفولته حيث كان دائم السؤال والاستطلاع لكل ما استغلق عليه فهمه فكان يحضر مجالس الكبار ويصغي إلى ما يدور بينهم من مناقشات في مسائل شتي ولا سيما علماء قريته الذين كانوا يجتمعون في منزل والده ليالي الشتاء الطويلة ويمر بخاطره مرة سؤال ظريف : إذ يقول عن نفسه :[ كنت قد حدّثت خيالي ف يعهد صباي أى الأمرين تفضل ؟ قضاء عمر سعيد مع سلطنة الدنيا وأبهتها على أن ينتهي ذلك إلى العدم أم وجودا باقيا مع حياة اعتيادية ذات مشقة ؟ فرأيته يرغب في الثانية ويتأفف من ألأولي قائلا : أنني لا أريد العدم بل البقاء كان أنوفا عزيز الجانب لا يقبل الضيم وينفر من الظلم منذ صغره وقد تأصلت وقويت هذه الأخلاق عنده عندما بلغ مبلغ الرجال وانعكست على كل تصرفاته مع من قابلهم من مسئولين وحكام .

خطوته الأولي نحو العلم :

تلقي علومه الأولي في كتاب قرية " " طاغ" على يد " محمد أفندي " سنة ( 1882) وكان يتلقي على أخيه الكبير " الملا عبد الله" درسا في عطلة الأسبوع .. إلا أنه لم يلبث في هذه القرية طويلا فاستمر على دراسته في قرية " بيرمس" .

كان نظام المدارس " الكتاب" في شرق الأناضول آنذاك قائما على أعطاء حق فتح المدارس العلمية الدينية لكل عالم مجاز . وتكون مصاريف الطلاب على عاتق منشئ المدرسة إن كان قادرا على ذلك وإلاّ فإن هذه المصاريف تعطي من زكاة الأهلين ومن تبرعاتهم لذا كان طلاب المدارس الدينية ينتشرون في القري لجمع الزكاة لتأمين مصاريفهم ولكن" سعيدا الصغير" لم يكن يرضي لنفسه أن يأخذ زكاة أو صدقة لذلك فإن أصدقاءه عندما توزعوا في القري لجمع الزكاة والصدقات لم يذهب معهم مما أثار تقدير وإعجاب القرويين الذين جمعوا له فيما بينهم مساعدة مالية وقدّموها له إلاّ أنه رفض أن يأخذها فاضطروا إلى إعطائها لأخيه " الملا عبد الله ".

وفي سنة ( 1888م) ذهب إلى " بتليس" والتحق بمدرسة الشيخ " أيمن أفندي " ولم يلبث فيها طويلا كذلك لأن الشيخ هذا رفض تدريسه لصغر سنه وأوكله إلى شخص آخر مما حز هذا في نفسه لذلك فقد قصد إلى مدرسة " مير حسن ولي " في " مكس " ثم إلى مدرسة في واسطان " كواش" وبعد شهر واحد فقط ذهب مع صديق اسمه " ملا محمد" إلى مدرسة في قضاء " بايزيد" التابعة لولاية " آغري" .

وهنا بدأت الدراسة الدينية الأساس في حياة ( سعيد ) إذ أنه لم يكن قد قرأ حتي الآن سوي النحو والصرف .

أجازته العلمية :

في هذه المدرسة وتحت رعاية الشيخ " محمد جلالي " قضي ( سعيد) ثلاثة أشهر في دراسة جادة ومكثفة حيث قرأ جميع الكتب التي كانت تدرس عادة في مثل هذه المدارس الدينية كان يقرأ في اليوم الواحد من متون أصعب الكتب مأتي صفحة ويفهمها دون الرجوع إلى الهوامش والحواشي.

وكان في هذه الثناء منقطعا عن العالم يقضي معظم أوقاته وخاصة في الليالي – بجانب ضريح الشاعر الولي " أحمد خاني " حيث كان يستمر في القراءة على ضوء الشموع وبعد انتهاء الأشهر الثلاثة أخذ إجازته العلمية من الشيخ " محمد جلالي ".

الذكاء الخارق :

وفي سنة 1889م ذهب إلى " بتليس " وحضر بعض دروس الشيخ " محمد أمين " ومن هناك إلى مدينة " شيروان" حيث كان فيها أخوه الكبير ( الملا عبد الله) ومنها إلى " سعرد " حيث ذهب إلى مدرسة العالم المعروف " فتح الله أفندي " الذي سأله :

- كنت تقرأ " السيوطي " في السنة الماضية فهل تقرأ " الجامي " هذه السنة ؟

- لقد قرأته كاملا .وبدأ ( فتح الله أفندي ) يسرد له أسماء الكتب ويجيبه ( الملا سعيد ) بأنه قرأها كاملا حتي أصبح يتعجب من أمره ويقول له أخيرا :

- لقد كنت مجنونا في السنة الماضية فهل ما زلت على جنونك حتي الآن ؟

عند ذلك أبدي ( الملا سعيد) استعداده للامتحان في تلك الكتب وفعلا فإنه لم يتردد أمام أىّ سؤال كان مما أدهش العالم أعجبه وأخيرا قال له :

- حسنا .. إن ذكاءك خارق ولكن دعنا نري قوة حفظك فهل تستطيع أن تقرأ بضعة أسطر من هذا الكتاب مرتين وتحفظها ؟ ومد له كتاب "مقامات الحرير" أخذ ( الملا سعيد) الكتاب وقرأ صفحة واحدة منه مرة واحدة فإذا بها كافية لحفظها مما أذهل العالم " فتح الله أفندي " وجعله يقول :

- إن اجتماع الذكاء الخارق مع القوة الخارقة للحفظ شئ نادر جدا وهناك قرأ الملا سعيد كتاب " جمع الجوامع " في أصول الفقه لأبن السبكي بمعدل ساعة أو ساعتين في اليوم لمدة أسبوع وكانت هذه القراءة كافية لحفظ الكتاب عن ظهر قلب وقد دفع هذا العالم " فتح الله أفندي " إلى كتابة العبارة الآتية على غلاف الكتاب :" لقد جمع في حفظه " جمع الجوامع " جميعه في جمعة".


سعيد المشهور :

- ولم يلبث أن انتشرت شهرة هذا الشاب الخارق فأقبل عليه علماء المدينة يجادلونه ويحاولون إحراجه بأسئلتهم وقد أفحمهم جميعا مما جعلهم يطلقون عليه " سعيدي مشهور " أى سعيد المشهور .

- ثم ذهب إلى " بتليس" ومنها إلى مدينة ( تللو) حيث اعتكف مدة في احدي أماكن العبادة وحفظ هناك من " القاموس المحيط " للفيروز آبادي حتي باب السين .

- في سنة ( 1892م) ذهب الملا سعيد إلى ماردين حيث بدأ يلقي دروسه في جامع المدينة ويجيب عن أسئلة قاصديه وقد أحسّ والي المدينة" نادر بك" لوشاية البعض بأن هذا الشخص خطر وأنه يحدث بلبلة في المدينة لذلك قرر نفيه من المدينة فسيق بصحبة الجندرمة( الشرطة ) ويداه مغلولتان .. إلى مدينة " بتليس" .

وقد عرف " عمر باشا " والي بتليس آنذاك بعد مدة قصيرة من وصول ( الملا سعيد ) فضيلة هذا الشاب العالم ومنزلته فأحبه وأصر عليه أن يقيم معه في منزله امتنع ( الملا سعيد) في أول الأمر ولكن الوالي ألحّ عليه كثيرا إلى أن جعله يقبل خصص له غرفة في بيته .

وقد وجد الملا سعيد هنا الفرصة لمطالعة كثير من الكتب العلمية وحفظ كتبا عديدة منها عن ظهر قلب كما طالع كثيرا من كتب علم الكلام والمنطق والنحو والتفسير والحديث والفقه فحفظ أكثر من ثمانين كتابا من أمهات كتب العلوم الإسلامية وكان يكرر يوميا قراءة تلك الكتب عن ظهر قلب ويختمها كل ثلاثة أشهر وفي هذه المدينة أخذ آخر دروسه الدينية من العالم الفاضل الشيخ " محمد الكفروي "

الملا سعيد في ( وان ) :

وفي سنة (1894م) ذهب إلى ( وان) بدعوة من واليها ( حسن باشا ) حيث بقي عنده ثم في منزل ( طاهر باشا ) ولقد هيأ الله له ظروف الالتقاء ببعض أساتذة العلوم الحديثة ( من جغرافية وكيمياء وغيرهما ) وحينما دخل معهم في نقاش شعر بقصوره في هذه العلوم مما جعله يقبل على تعلمها بشغف عظيم حتي أتقنها وأصبح متمكنا منها لدرجة أنه كان قادرا على التأليف ومناقشة المختصين فيها .

ففي مدة قصيرة جدا استطاع أن يتقن الرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافية وغيرها ولتعدد قابلياته ولذكائه الخارق قد ذاعت شهرته وأطلق عليه لقب " بديع الزمان".

الخبر المدهش:

فيهذه الفترة وأثناء أقامته في ( وان) قرأ في الصحف المحلية خبرا مدهشا هزّ كيانه كله هزا عنيفا فقد نشرت الصحف ما قاله وزير المستعمرات البريطاني ( غلادستون) في مجلس العموم البريطاني وهو يخاطب النواب وبيده نسخة من القرآن الكريم مادام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم لذلك فلا مناص لنا من أن نزيله من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به ..

زلزل هذا الخبر كيانه زلزالا شديدا وصمم بينه وبين نفسه على أن يكرس كل حياته لإظهار إعجاز القرآن وربط المسلمين بكتاب الله حيث قال : " لأبرهن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها ".

لذلك فقد قرر إنشاء جامعة إسلامية في شرق الأناضول باسم " مدرسة الزهراء" لخدمة القرآن لتحقيق فكرته هذه فقد شدّ الرحال إلى استانبول وبقي هناك في بيت أحد أصدقائه سنة ونصف سنة في محاولة لإقناع المؤولين بفكرته والظاهر انه لم يوفق في مسعاه ... فرجع إلى ( وان) .

إلى استانبول مرة أخري :

رجع إلى استانبول مرة أخري سنة 1907م" حيث سكن في ( خان الشكرجي ) في منطقة ( فاتح) كان هذا الخان مقرا لكثير من المفكرين والأدباء أمثال الشاعر المشهور ( محمد عاكف ) ومدير الرصد الأستاذ " فاتح" ومدرس اللغة المشهور الأستاذ " جلال " وغيرهم ..

وأثناء إقامته في استانبول علق لوحة على باب غرفته كتب فيها هنا يجاب عن كل سؤال وتحل كل مشكلة دون أن يسأل هو أحدا من الناس .

كان هذا إعلانا غريبا وإدعاء مثيرا مما زاد على شهرته – التي سبقته إلى استانبول – من رغبة الكثيرين في رؤيته .

يسرد السيد " حسن فهمي باش أوغلو" ذكرياته حول هذا الموضوع:

عندما جاء شاب يدعي " بديع الزمان " إلى استانبول كنت أدرس في مدرسة ( الفاتح) وسمعت أنه علق لوحة على باب غرفته يقول فيها ما معناه : ( هنا يحل كل أمر معقد ويجاب عن كل سؤال ولكنه لا يسأل أحدا ) وقد تبادر إلى ذهني أن صاحب مثل هذا الادعاء لابد ان يكون مجنونا ولكن توالي الثناء على " بديع الزمان " من قبل الجميع من الطلاب والعلماء الذين قاموا بزيارته أثار في نفسي الرغبة في زيارته وقد قررت أن أختار أعقد الأسئلة وأدقها لأسأله وكنت آنذاك أعتبر من المتقدمين المتفوقين في المدرسة .

وأخيرا – وفي احدي الأمسيات – اخترت من الكتب التي تبحث في " الإلهيات " بعض الموضوعات المعقدة التي لا يمكن الإجابة عنها إلا بمجلدات من الكتب .

وفي اليوم التالي ذهبت لزيارته ووجهت إليه الأسئلة وقد كانت أجوبته عجيبة وخارقة ومدهشة إذ أجابني وكأنه كان معي بالأمس ينظر إلى تلك الكتب فأصبحت موقنا مطمئنا بان علمه ليس كسبيا – كعلمنا – بل هو علم لدني. ويزوره عالم اسمه " حسن أفندي " قضي عمره المديد في التدريس ولم يغب عن التدريس إلا يوما واحدا وهو يوم زيارته لـ " بديع الزمان"سعيد النورسي" وفي اليوم التالي لزيارته حضر إلى الدرس قائلا لطلابه :" لم أشاهد مثله أبدا .. أنه من نوادر الخلق .. لم يجئ مثله قط .."

وفي استانبول قددّم سعيد النورسي عريضة إلى السلطان " عبد الحميد " يطلب فيها فتح المدارس التي تعلّم العلوم الرياضية والفيزياء والكيمياء .. الخ بجانب المدارس الدينية في شرق الأناضول حيث يخيم الجهل والفقر على سكانه .

ثم يقابل السلطان نفسه وأثناء مقابلته ينتقد الاستبداد و نظام الأمن والاستخبارات لقصر ( يلدز) مما أثار نقمة حاشية السلطان التي لا تمثل فكرة السلطان فأحالوه إلى محكمة عسكرية .

وفي هذه المحكمة تكلم بجرأة كبيرة مما حدا برئيس المحكمة إلى إحالته إلى الأطباء لفحص قواه العقلية وقد أصدرت لجنة الأطباء التي كانت مؤلفة من طبيب تركي وطبيب أرمني وطبيب رومي وطبيبين يهوديين قرارا بوضعه في مستشفي " طوب طاش " للمجاذيب.

أول تهمة في أول محكمة :

وهناك عندما يحضر الأطباء لفحص قواه العقلية يبادره سعيد النورسي ويحدثه حديثا يأخذ بمجاميع قلب الدكتور الذي يضطر إلى كتابة ما يأتي في تقريره :

" لو كانت هناك ذرة واحدة من الجنون عند بديع الزمان فمعني ذلك أنه لا يوجد على وجه الأرض كلها عاقل واحد " وعلى أثره أرسل بديع الزمان إلى وزارة الداخلية حيث قابله الوزير وجرت بينهما المحاورة الآتية :

الوزير : أن السلطان يخصك بالسلام مع مرتب بمبلغ ألف قرش وعندما تعود إلى بلدك سيجعل مرتبك ثلاثين ليرة كما أرسل لك ثمانين ليرة هدية سلطانية لك .

بديع الزمان : لم أكن أبدا متسوّل مرتب , ولن أقبله ولو كان ألف ليرة لأنني لم آت لغرض شخصي وإنما لمصلحة البلد فما تعرضون علىّ ليس سوي رشوة السكوت .

الوزير : أنك بهذا ترّد الإرادة السلطانية والإرادة لا ترّد

بديع الزمان : أنني أردّ لكي يستاء السلطان ويستدعيني عند ذلك أستطيع أن أقول له قولة الحق .

الوزير : أن العاقبة ستكون غير سارة.

بديع الزمان : تعددت الأسباب والموت واحد فلئن أعدم فسوف أرقد في قلب الأمة علما بأنني عندما جئت إلى استانبول كنت واضعا روحي على كفي .. اعملوا ما شئتم فأني أعني ما أقول .. أنني أريد أن أوقظ أبناء الأمة ولا أقوم بهذا العمل إلا لأنني فرد من هذا البلد لا لأقتطف من ورائه مرتبا لأن خدمة رجل مثلي للدولة لا تكون إلا بإسداء النصائح وهذه لا تتم إلا بحسن تأثيرها وهذا لا يتم إلا بترك المصالح الشخصية فأنني معذور إذن عندما أرفض المرتب .

الوزير : إن ما ترمي إليه من نشر المعارف في بلدك هو موضع دراسة في مجلس الوزراء حاليا .

بديع الزمان إذن فلم يتأخر نشر المعارف ويستعجل المرتب ؟

لماذا تؤثرون منفعتي الشخصية على المنفعة العامة للأمة .

في سلانيك:

ثم ذهب إلى " سلانيك" وتعرف هناك على كبار شخصيات الاتحاد والترقي ولكونه شخصا يدعو إلى الحرية وإلة مبدأ الشورى الإسلامي فقد لقي ترحيبا من قبل قادة الاتحاد والترقي ولكنهم مع ذلك لم يستطعيوا أن يجعلوه تابعا لهم إذ بقي مستقل الفكر والشخصية وعندما شعر من بعضهم بعدم الاستقامة وبعداء للدين قال لهم :

لقد اعتديتم على الدين ظهوركم للشريعة .

وهناك في سلانيك طلب اليهودي المشهور " عمانوئيل قره صو " - رئيس المحفل الماسوني - وعضو مجلس المبعوثان ( النواب ) العثماني مقابلته طمعا في التأثر على بديع الزمان وجر هذه الشخصية المشهورة إلى صفة وقد قبل بديع الزمان مقابلته وتمت المقابلة ولكن ما لبث أن خرج اليهودي من عنده قائلا :

" لقد كاد هذا الرجل العجيب أن يزجني بحديثه في الإسلام وقره صو هذا هو أول صهيوني ماسوني عمل في علقب الخلافة وخلع السلطان عبد الحميد .

مفهوم الحرية

وعندما أعلنت المشروطية الثانية في الدولة العثمانية في (23 تموز سنة 1908م) صرف جل همه إلى إلقاء الخطب , وكتابة المقالات مبينا فيها مفهوم الحرية في الإسلام وتأثير الإسلام في الحياة السياسية وطالبا بتحكيم الشريعة الغراء ومحذرا من التفسير الخطأ للحرية حيث شعر بأن هناك محاولات خبيثة وأيديا خفية تحاول أن تستفيد من هذه ( المشروطية ) لخدمة أغراض مناهضة للإسلام فكان يقول :" بني وطني لا تسيئوا تفسير الحرية كي لا يذهب من أيديكم لا تصبوا العبودية العفنة في قوالب براقة وتسقونا من علقمها أن الحرية لا تتحقق ولا تنمو إلا بتطبيق أحكام الشريعة ومراعاة آدابها ".

لقاء مع شيخ الأزهر :

حضر استانبول في هذه الأثناء شيخ الأزهر وهو الشيخ " بخيت الطيعي " وأراد علماء استانبول – الذين عجزوا عن إلزام سعيد النورسي – أن يقوم بمناظرته وقد قبل الشيخ بخيت ذلك وانتهز فرصة وجوده في مقهي قرب جامع " أياصوفيا" بعد انتهاء الصلاة ليبدأ الحديث معه أمام جمع من العلماء ويوجه إليه السؤال الآتي :

- ما رأيك في الحرية الموجودة الآن في الدولة العثمانية ؟ وماذا تقول في مدينة أوروبا؟

- فأجابه سعيد النورسي :

- إن الدولة العثمانية حبلي حاليا بجنين أوروبا وستلد يوما ما أما أوروبا فهي أيضا حبلي بجنين الإسلام وستلد يوما ما .

- وأمام هذا الجواب الموجز العميق لم يتمالك الشيخ ( بخيت) نفسه من القول :

- أنني أوافق على كلامه وأنني أحمل هذا الرأي نفسه ولا يمكن المناظرة والمناقشة مع هذا الشاب.

- وفي ( 5 نيسيان سنة 1909م) تشكلت جمعية الاتحاد المحمدي في استانبول وأعلن عن تشكيلها بعد اجتماع ديني حاشد في جامع أيا صوفيا حيث ألقي فيه " بديع الزمان" خطبة رائعة ولم يكن من مؤسسي الجمعية وإنما من الداعين إليها والمناصرين لها .

- حادثة 31 مارت سنة 1325 رومي :

- كتب لكثيرون عن هذه الحادثة محللين فالذين كتبوا بعد عزل السلطان " عبد الحميد" يعزون أسباب هذه الحادثة إلى السلطان عبد الحميد ويعتبرونها محاولة لحركة انقلابية دبرها السلطان للإطاحة بالاتحاد والترقي .

ولكن الكتب التاريخية المتأخرة بعد ظهور كثير من الوثائق والمذكرات الشخصية للذين عاصروا تلك الحركة تنفي هذه التهمة وتسلط الأضواء على الأسباب الحقيقية لهذه الحادثة الدموية وتتهم الاتحاد والترقي بتدبيرها أو استغلالها للإطاحة بالسلطان عبد الحميد .

والمرجّح أن هذه الحركة حدثت نتيجة تشابك عدة أسباب منها : إحساسا الشعب ببعد جمعية الإتحاد والترقي عن الدين وعلاقتهم الوطيدة بالماسونيين واليهود ومنها أن جمعية الإتحاد والترقي أشاعت جوا من الإرهاب في البلد إذ اغتيل " حسن فهمي بك" صاحب جريدة ( سربستي ) الذي كان يهاجم جمعية الإتحاد والترقي بمقالات عنيفة – فوق جسر " غلطة" – ولم يعثر على قاتله كما اغتيل إسماعيل ماهر باشا . وشاع في البلد بأن جمعية الإتحاد والترقي سوف تسرح جميع الضباط الذين ترقوا عن طريق الخدمة الطويلة في الجيش ولن يبقي في الجيش سوي المتخرجين من الكلية العسكرية كما شاع بين الناس بأن جمعية الاتحاد والترقي قد باعت ( البوسنة ) و( الهرسك) وجزيرة ( كريت ) من البلقان .

في مثل هذا الجو المتوتر والمشحون ضد جمعية الإتحاد والترقي وقعت هذه الحادثة , إذ نشبت عصيان بين أفراد الطابور العسكري الذي كان قد أرسل من قبل الاتحاديين من مدينة ( سلانيك) إلى استانبول لحماية المشروطية وكان مقره في " طاش قشلة " فقد ثار الجنود وحبسوا ضباطهم في القشلة واجتمعوا في منتصف ليلة 31 مارت 1325 رومي الموافق " 13 نيسيان 1909م" في ساحة " السلطان أحمد "حيث انضم إليهم بعض الجنود من المعسكرات الأخري معلنين عصيانا دام أحد عشر يوما راح ضحيته بعض الأشخاص ... وساد جو من الهرج والمرج وإطلاق الرصاص عبثا وكان الجنود يهتفون :

- نريد الشريعة ... نريد الشريعة ..

- انتهت هذه الحادثة بوصول جيش الحركة إلى استانبول في ( 23 نيسان) حيث سيطر على الوضع وعزل السلطان عبد الحميد في ( 27 نيسان 1909) كما أعلنت الأحكام العرفية وشكّلت محكمة عسكرية لمحاكمة المسئولين عن هذه الحادثة ..

- محاكمة :

- وكان " سعيد النورسي " من الذين إلى اعواد المشانق علما بأن دور بديع الزمان سعيد النورسي في هذه الحادثة كان دورا مهدئا إذ كان ينصح الجنود بالعودة إلى ثكناتهم احترام أوامر ضباطهم .. وقد خطب في الجنود عدة خطب بهذا المعني .. ولطن الظاهر أن المحكمة كانت تتهمه لكونه كان يكتب فيمن يكتب في جريدة "وولقان " أى البركان ) التي نشرت مقالات عنيفة ضد الاتحاد والترقي .

- وفي المحكمة – ومنظر جثث خمسة عشر من المشنوقين تشاهد عبر النافذة – بدأ الحاكم العسكري " خورشيد باشا " بمحاكمة بديع الزمان قائلا له :

- - وأنت أيضا تدعو إلى تطبيق الشريعة ؟ أن من يطالب بها يشنق هكذا ( مشيرا بيده إلى المشنوقين ) ..

فقام بديع الزمان سعيد النورسي وألقي على سمع المحكمة كلاما رائعا نقتطف منه ما يأتي :

" لو أن لى ألف روح لما ترددت أن أجعلها فداء لحقيقة واحدة من حقائق الإسلام .. فقد قلت أنني طالب علم لذا فأنا أزن كل شئ بميزان الشريعة أنني لا أعترف إلا بملة الإسلام إنني أقول لكم وأنا واقف أمام البرزخ الذي تسمونه ( السجن) في انتظار القطار الذي يمضي بي إلى الآخرة لا لتسمعوا أنتم وحدكم بل ليتناقله العالم كله إلا لقد حان للسرائر أن تنكشف وتبدو من أعماق القلب فمن كان غير محرم فلا ينظر إليها :

أنني متهيء بشوق لقدومي للآخرة .. وأنا مستعد للذهاب مع هؤلاء الذين علقوا في المشانق ... تصورا ذلك البدوي الذي سمع عن غرائب استانبول ومحاسنها فأشتاق إليها أنني مثله تماما في شوقي إلى الآخرة والقدوم إليها . إن نفيكم أياي إلى هناك لا تعتبر عقوبة إن كنتم تستطيعون فعاقبوني المعاقبة الوجدانية . لقد كنت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد والآن فإنها تعادي الحياة وإذا كانت هذه الحكومة هكذا ,

فليعش الجنون .

وليعش الموت .

وللظالمين فلتعش جهنم ..".

وفي جلسة واحدة فقط يصدر حكم ببراءة بديع الزمان سعيد النورسي من تلك المحكمة الرهيبة التي شنقت العشرات (12).

بعد براءة بديع الزمان من المحكمة العرفية غادر مدينة استانبول متوجها إلى ( وان) سنة 1910م" عن طريق ساحل البحر الأسود.. حيث بدأ يلقي دروسه ومحاضراته متجولا بين القبائل والعشائر يعلمهم أمور دينهم ويرشدهم إلى الحق .

وهناك ألف كتابه " المناظرات " الذي طبع في استانبول سنة " 1913م".

إلى الشام :

وفي شتاء سنة 1911 م ( 1327هجرية) زار ديار الشام حيث كانت أخته هناك , وألقي خطبة باللغة العربية في الجامع الأموي في دمشق مخاطبا لعلماء وجمعا غفيرا من المصلين وقد طبعت خطبته هذه في كراسة تحت عنوان " الخطبة الشامية " التي شخص فيها أمراض الأمة الإسلامية وعلاجاتها منها :

1- اليأس والقنوط الذي ما زال يجد أسباب الحياة في نفوسنا .

2- موت الصدق في حياتنا الاجتماعية والسياسية .

3- حب العداوة .

4- تجاهل الرابطة الروحية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض .

5- ذيوع الاستبداد ذيوع الأمراض المعدية المختلفة .

6- حصر الهمة في المنفعة الشخصية دون الالتفات إلى النفع العام .

ثم بين الدواء لكل مرض من الأمراض المذكورة مبتدأ ب" الأمل .. ومن دمشق ذهب إلى بيروت ومنها سافر إلى استانبول عن طريق البحر للسعي مرة أخري وراء تحقيق غايته في إنشاء " جامعة الزهراء" فيقابل السلطان " محمد رشاد" ويشترك في السياحة التي قام بها السلطان إلى " روملي".

وقد أخذ وعدا من السلطان ومن جمعي الاتحاد والترقي بفتح دار للفنون الإسلامية ( جامعة إسلامية ) في الشرق إلا أن أحداث الحرب العالمية الأولى قضت على هذا المشروع .

بديع الزمان قائدا ومفتيا :

وفي سنة 1912 م وقبيل نشوب " حرب البلقان " عين بديع الزمان قائدا للقوات الفدائية التي تشكلت من المتطوعين المسلمين القادمين من شرقي الأناضول .

وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح بديع الزمان عضوا في " تشكيلات خاصة " وهي مؤسسة سياسية وعسكرية وأمنية سرية شكلت بأمر من السلطان ووظيفتها هي المحافظة على وحدة أراضي الإمبراطورية ومحاربة اعدائها .

ومن بين أعضائها كثير من الكتاب ورجال الفكر أيضا وكان بديع الزمان من أنشط أعضاء قسم " الاتحاد الإسلامي " في هذه المؤسسة .

وقد قامت هيئة من علماء الدين الأعضاء في هذه المؤسسة بإصدار فتوي ( الجهاد) وهم :

1- شيخ الإسلام خيري أفندي .

2- الشيخ السنوسي ( الواعظ على الولايات الشرقية ).

3- حمدي يازر.

4- محمد أسعد أفندي .

5- بديع الزمان سعيد النورسي.

وقام السيد محمود أسعد أفندي بكتابة نص الفتوي ومع أن بديع الزمان كان من أنصار الصلح المنفرد , وكان معارضا لدخول الحرب إلا أن عندما اندلعت ودخلت فيها الدولة العثمانية حمل السلاح وأسرع إلى جبهة القتال , وقد قامت " تشكيلات خاصة " بالاستفادة من جميع القدرات المتاحة لها لنشر فتوي الجهاد في جميع أنحاء الدولة العثمانية وفي جميع الممالك الإسلامية التي كانت مستعمرة بيد الأجانب وقد طبعت الفتوي بجميع لغات المسلمين .

وبعد أن شارك في إصدار فتويا جهاد رجع إلى مدينة " وان " وهناك شكل من طلابه ومن المتطوعين المدنيين رفقا للجهاد وبدئوا التدريب على القتال وقد خاطب طلابه قائلا لهم.

" تهيأوا واستعدوا .. أن زلزالا شديدا أوشك على الأبواب ". وأشتهر طلابه بدقة التصويب والجرأة الكبيرة حتي أن عصابات الأرمن المتعاونة مع القوات الروسية كانت تتهيب لقاء هؤلاء المجاهدين .

في الحرب العالمية الأولى :

كانت معارك دامية تجري في جبهة " القفقاس" في الحرب العالمية الأولى , وكانت روسيا تحاول الاندفاع نحو الأناضول وفي ( 16 شباط سنة 1916م) استطاعت الجيوش الروسية – التي كانت ثلاثة أضعاف لجيش العثماني – الدخول إلى مدينة أرضروم..

وأثناء هذه المعارك كان " سعيد النورسي " يقاتل هو وطلابه الجيش الروسي بكل ما أوتوا من جهد وفي هذه المعارك وفي خنادق القتال ألف سعيد النورسي " إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز " باللغة العربية فكان يملي وتلميذه " الملا حبيب " يكتب .

وعندما دخل الجيش الروسي إلى مدينة " بتليس" كان سعيد النورسي وطلابه يدافعون عن المدينة ببسالة نادرة حيث جري قتال شديد في شوارع المدينة وأزقتها إلا أن القوة الروسية كانت متفوقة إلى درجة كبيرة على القوة الصغيرة المدافعة عن البلدة .

وخلال المعركة جرح سعيد النورسي جرحا بليغا وسقط في بركة للماء تحت أحد الجسور مع أحد طلابه وبقي في تلك الحالة ثلاثين ساعة مغشيا عليه نتيجة استمرار النزف وعندما رأي تلميذه أن النزف المستمر والبرد الشديد سيقضيان على أستاذه ذهب وأخبر الجنود الروس بالأمر .

وهكذا أسر " سعيد النورسي " من قبل " الروس وأرسل إلى حد معسكرات الأسر في قوصترما " في شرقي روسيا"

عزة المؤمن الأسير :

وذات يوم قدم هناك إلى المحكمة الحربية بتهمة إهانة القيصر والجيش الروسي .

أما قصة ذلك فهي كما يأتي :

كان خال القيصر والقائد العام للجبهة الروسية " نيكولا نيكولافيج" يزور معسكر الأسري فقام جميع الأسري لأداء التحية ما عدا ( سعيد النورسي ).

لاحظ القائد العام ذلك فرجع ومرّ ثانية أمامه .. فلم يقم له كذلك وفي المرة الثالثة وقف أمامه وجرت المحاورة الظريفة الآتية بينهما بوساطة مترجم للقائد :

- الظاهر أنك لم تعرفني ؟

- بلي ... لقد عرفتك أنك نيكولا نيكولا فيج خال القيصر والقائد العام في جبهة القفقاس.

- إذن فلم تستهين بي ؟

- كلا أنني لم أستهن بأحد وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي .

- وماذا تأمرك عقيدتك؟

- أنني عالم مسلم أحمل في قلبي إيمانا فالذي يحمل في قلبه إيمانا هو أفضل من الذي لا إيمان له ولو أنني قمت لك كنت إذن قليل الاحترام لعقيدتي ومقدساتي لذلك فإنني لم أقم لك .

- إذن فإنك بإطلاقك علىّ صفة عدم الإيمان تكون قد أهنتني وأهنت جيشي وأمتي والقيصر كذلك فيجب تشكيل محكمة عسكرية للنظر في هذا الأمر .

- تشكلت المحكمة العسكرية وقدم إليها سعيد النورسي بتهمة إهانة القيصر والأمة الروسية والجيش الروسي.

- ويسود حزن في معسكر الأسري ويلتف حوله الضباط الأسري من الأتراك والآلمان والنمساويين ملّحين عليه القيام بالاعتذار للقائد الروسي وطلب العفو منه إلا أنه رفض ذلك بإصرار قائلا لهم : " إنني أرغب في الرحيل إلى الآخرة والمثول بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن أعمل بما يخالف إيماني ".

- وتصدر المحكمة قرارها بالإعدام وفي يوم التنفيذ تحضر ثلة من الجنود على رأسها ضابط روسي لأخذه إلى ساحة الإعدام ويقوم سعيد النورسي من مكانه بإنتهاج قائلا للضابط الروسي :

- أرجو أن تسمح لى قليلا لأؤدي واجبي الأخير " فيقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين .

- وهنا يأتي القائد العام ليقول له بعد فراغه من الصلاة .

- أرجو منك المعذرة كنت أظنك قد قمت بعملك قاصدا إهانتي ولكنني واثق الآن أنك كنت تنفذ ما تأمرك به عقيدتك وإيمانك لذا فقد أبطلت قرار المحكمة , وأنني أهنئك على صلابتك في عقيدتك وأرجو المعذرة منك مرة أخري .

- ذكريات السر :

- وبعد أن مكث سعيد النورسي في الأسر مدة سنتين وأربعة أشهر وأربعة أيام أستطاع الهرب منه إثر حدوث الثورة البللشفية وما تبعها من اضطراب وفوضي فوصل إلى ألمانيا حيث استقبل هناك استقبالا كبيرا ومنها توجه إلى استانبول .

- وسجل سعيد النورسي ذكرياته عن أيام أسره هذا قائلا :

- كنت أسيرا أثناء الحرب العالمية في مدينة بعيدة جدا في شمالي شرقي روسيا تدعي "قوصترما" كان هناك جامع صغير للتتار على حافة نهر " فولغا" المشهور .. كنت ضجرا من بين زملائي الضباط الأسري فآثرت العزلة , إلا أنه لم يكن يسمح لى بالتجوال في الخارج دون إذن ورخصة ثم سمح لى بأن أظل في ذلك الجامع بضمانة أهل حيّ التتار وكفالتهم فكنت أنام فيه وحيدا وقد اقترب الربيع وكانت الليالي طويلة جدا في تلك البقعة النائية ... كان الأرق يصيبني كثيرا في تلك الليالي الحالكة السواد المتسربلة بأحزان الغربة القاتمة حيث لا يسمع إلا الخزير الحزين لنهر " فولغا" والأصوات الرقيقة لقطرات الأمطار ولوعة الفراق في صفير الرياح .. كل ذلك كان كافيا لأن يوقظني – مؤقتا – من نوم الغفلة العميق .. ورغم أنني لم أكن أعد نفسي شيخا بعد ولكن الذي يري الحرب العالمية لابد أن يشيب حيث مرت أيام يشيب من هولها الولدان وكأن سرا من أسرار الآية الكريمة " يوما يجعل الولدان شيبا " المزمل/17"

- قد سري فيها ومع أنني كنت قريبا من الأربعين إلا أنني وجدت نفسي كأنني في الثمانين من عمري ..

- في تلك المظلمة الطويلة الحزينة وفي ذلك الجو الغامر بأسي الغربة ومن واقعي المؤلم الأليم جثم على صدري يأس ثقيل نحو حياتي وموطني فكلما ألتفت إلى عجزي وانفرادي انقطع رجائي وأملي ولكن جاءني المدد من القرآن الكريم .. فردد لساني :" حسبنا الله ونعم الوكيل" وقال قلبي باكيا أنا غريب .. أنا ضعيف .. أنا عاجز .. أنشد الأمان .. أطلب العفو .. أخطب العون في بابك يا إلهي .

- أما روحي التي تذكرت أحبابي القدامي في بلدي وتخيلت موتي في هذه الغربة فقد تمثلت بأبيات نيازي المصري وهي التي تبحث عن صديق : " مررت بأحزان الدنيا وأطلقت جناحي

- نحو العدم

- طائرا في شوق صائحا في كل لحظة

- صديق !.... صديق ..."!

- على أى حال .. فقد أصبح" عجزي " و" ضعفي" في تلك الليالي المحزنة الطويلة والحالكة بالفرقة والرقة والغربة وسيلتين للتقرب إلى الله سبحانه وشفيعين متضرعين إليه حتي أنني لا أزال مندهشا كيف استطعت – بعد أيام قليلة – من الفرار وأقطع بصورة غير متوقعة مسافة لا يمكن قطعها مشيا على الأقدام إلا في عام كامل علما أنني لست ملما باللغة الروسية فلقد تخلصت من الأسر بصورة عجيبة محيرة , بفضل العناية الآلهة التي أدركنني بناء على عجزي وضعفي ووصلت استانبول مارا بـ " وارشو" وفينا".

- وهكذا أكملت سياحة الأسر بصورة تدعو إلى الدهشة لسهولتها حيث أكملت سياحة الفرار الطويل بسهولة ويسر كبيرين بحيث لم يكن لينجزها أشجع الأشخاص وأذكاهم وأمكرهم وممّن يلّمون باللغة الروسية .

في دار الحكمة الإسلامية

وفي استانبول عين عضوا في "دار الحكمة الإسلامية " تقديرا له في ( 13 أغسطس عام 1918 ) دون علمه حيث كانت عضوية الدار لا توجه لا للأشخاص والعلماء البارزين إذ كان من أعضائها الشاعر المعروف " محمد عاكف " والعالم " إسماعيل حقيق " والمفسر المعروف " حمدي ألماللي" وشيخ الإسلام " مصطفي صبري " و" سعد الدين باشا " وغيرهم .

ولم يشارك سعيد النورسي في اجتماعات دار الحكمة لما كان يحس به من حاجة حقيقية إلى الراحة بعد ما قاساه من عاناء أيام الأسر وعندما تكرر غيابه أرسل طلبا يرجو إعفاءه من هذه العضوية وفي هذه الفترة كانت الحكومة قد خصصت له مرتبا ولم يأخذ من هذه المرتب سوي ما يقيم به أوده والباقي طبع به بعض الرسائل وأمر بتوزيعها مجانا على المسلمين .

يقول ابن أخيه " عبد الرحمن " الذي كان يعيش معه في هذه الفترة في رسالة بعث بها إلى عمه عبد المجيد :

" إنني محتار من أحوال عمي ( سعيد ) فقد أطفأ عندي جميع الآمال الدنيوية فالحكومة تعطيه مرتبا جيدا وأنا أقوم بادخار ما يفضل عن مصاريفنا وقد ألف كتاب عدة واستدعاني مرة قائلا : أذهب واستدع مدير المطبعة الفلانية ذهبت وعندما قدّم مؤلفاته إلى المدير قال لى : يا عبد الرحمن ! هات ما ادخرته من نقود وادفعها للسيد المدير فنفذت له ما أراد وعندما ذهب المدير امتلأت عيناي بالدموع ولكنّي بدأت أعزي نفسي قائلا :

هذه الكتب ستطبع وستباع وإن النقود سترجع وسأدخرها ولكن بعد عدة أيام أرسلني مرة أخري لاستدعاء المدير وفي هذه المرة قال للمدير:" أرجو أن تكتب على كتبي بأنها توزع مجانا على أفراد الأمة الإسلامية ".

عندما خرج المدير شعرت بأن الرابطة الروحية التي كنت أحسها تجاه عمي الكبير قد تزحزحت ولم أستطع أن أتمالك نفسي عن البكاء فقلت له : يا عمي ! كنت أدخر بعض النقود لكي أقوم بتعمير بيتنا الذي خربته الحرب والآن فقد قتلت ذلك الأمل .. أيجوز ذلك ؟

وابتسم عمي قائلا لي :

- يا ابني ... يا عبد الرحمن ! إن الحكومة كانت تعطينا مرتبا كبيرا وليس لى أن أخذ منه إلاّ كفاف النفس أما ما زاد من ذلك فيجب أعادته إلى بيت المال لذا فإنني قمت بإعادته إلى المسلمين ولا أعتقد بأنك ستفهم هذا ولكن أعلم بأن الله إن شاء فسيعطيك بيتا في أى مكان من هذا الوطن الحبيب.

نذير الصحوة :

وعندما تتوالي المصايب والهزائم على الدولة العثمانية وتدخل جيوش الدول الاستعمارية تركيا وتعقد معاهدة " سيفر " يحس سعيد النورسي بهذه الطعنات وكأنها توجه إلى قلبه :

" لقد كنت أحس بأن هذه الضربات التي وجهت إلى العالم الإسلامي كأنها وجهت إلى أعماق قلبي ".

ويكتب عن هذه الفترة من حياته قائلا :

عندما رجعت من الأسر كنت أسكن مع ابن أخي " عبد الرحمن " في منزل فخم على قمة " جاملجة" في استانبول ويمكن أن تعتبر هذه الحياة التي كنت إحياها – من الناحية الدنيوية بالنسبة لأمثالنا – حياة مثالية ذلك لأنني قد نجوت من الأسر وكانت وسائل النشر مفتوحة أمامي في " دار الحكمة الإسلامية " وبما يناسب مهنتي العلمية وأن الشهرة والصيت والإقبال على تحف بي بدرجة لا أستحقها , وأنا ساكن في أجمل بقعة ن استانبول " جاملجة" وكل شئ بالنسبة لى على ما يرام حيث أن ابن أخي " عبد الرحمن" – رحمه الله – معي وهو في منتهي الذكاء والفطنة فهو تلميذ ومضح وخادم وكاتب معا حتي كنت أعده ابنا معنويا لي وبينما كنت أحس بأني أسعد شخص في العالم نظرت إلى المرآة ورأيت شعيرات بيضاء في رأسي وفي لحيتي وإذا بتلك الصحوة الروحية التي أحسست بها في السر في جامع " قوصترما" تبدأ بالظهور فأخذت أنعم النظر وأفكر مدققا في تلك الحالات التي كنت أرتبط بها قلبيا وكنت أظنها هي مدار السعادة الدنيوية فما من حالة أو سبب دققت النظر فيه إلا رأيت: أنه سبب تافه وخادع لا يستحق العلق به ولا الارتباط معه وفضلا عن لذلك وجدت في تلك الأثناء قلة وفاء – بل عدمه – من صديق حميم يعد من أوفي الأصدقاء لى وبشكل غير متوقع وبصورة لا تخطر على بال ... كل ذلك أدي إلى النفرة والامتعاض من لحياة الدنيا فقلت لقلبي :

- يا تري هل أنا منخدع كليا فأري الكثيرين ينظرون إلى حياتنا – التي يرثي لها من زاوية الحقيقة – نظر الحسد والغبطة فهل جن جنون جميع هؤلاء الناس ؟ أما أنا في طريقي إلى الجنون لرؤيتي هؤلاء المفتونين بالدنيا مجانين بلهاء ؟! وعلى كل حال .. فالصحوة التي صحوتها برؤية الشيب جعلتني أري أولا فناء ما ارتبط به من الأشياء المعّرضة إلى الفناء والزوال؟

- ثم التفت إلى نفسي فوجدتها في منتهي العجز ! ... عندها صرخت روحي وهي التي تنشد البقاء دون الفناء وتشبثت بالأشياء الفانية متوهمة فيها البقاء صرخت من أعماقها "ما دامت فانية – جسما فأى فائدة أرجوها من هذه الفانيات ؟ وما دمت عاجزة فماذا انتظر من العاجزين ؟... فليس لدائي دواء إلا عند الباقي السرمدي وإلا عند القدير الأزلي " فبدأت أبحث وأستقصي.


وفي هذا الأثناء وقوات الاحتلال الانكليزي تحتل استانبول ( 16 ارت 1920) ألف بديع الزمان كتابه :" الخطوات الست " وأخذ ينشره سرا بمساعدة طلابه وأصدقائه .. يهاجم بديع الزمان في هذا الكتاب الانكليز بلهجة قوية رادعة ويحكم الشبهات التي أثيرت آنذاك ببراهين قاطعة مفندا حججهم ويلفت أنظار المسلمين إلى أطماعهم ويحارب اليأس الذي تسلط على كثير من النفوس ويشدّ العزائم .

- ومن سلسلة المؤامرات على الإسلام وجه الانكليز عن طريق كنيسة " انكليكان" ستة أسئلة إلى المشيخة الإسلامية ليجيب عنها بستمائة كلمة فوجهت المشيخة هذه الأسئلة إلى بديع الزمان وكان جوابه " إن هذه الأسئلة لا يجاب عنها بستمائة كلمة ولا بست كلمات.. ولا بكلمة واحدة .. بل ببصقة واحدة على الوجه الصفيق للإنكليزي اللعين "

- وبعد أن انهارت الدولة العثمانية ومزقت ظهرت رغبة عند بعض المثقفين الأكراد في إنشاء دولة كردية في الولايات الشرقية من تركيا ولكون سعيد النورسي كردي الأصل وذا منزلة كبيرة في نفوس أهالي الولايات الشرقية أرسل إليه أحد الصحفيين رسالة يطلب فيها الانضمام إلى الداعين لتكوين هذه الدولة وقد أجابه سعيد النورسي برسالة مطولة قال فيها :

- " يا رفعت بك... سأكون معك إن حاولت إحياء الدولة العثمانية .. وأنا مستعد للتضحية بنفسي في السبيل أما تكوين دولة كردية .. فلا !"

وكذلك تسلّم الاقتراح نفسه والطلب من السيد عبد القادر رئيس جمعية " تعالي الأكراد" فكان جوابه هو الرفض أيضا .

فتوي :

- بدأت حركة المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي في الأناضول فاصدر شيخ الإسلام عبد الله أفندي تحت ضغط المحتلين الانكليز فتوي ضد هذه الحركة والقائمين بها ولكن سرعان ما قام ستة وسبعون مفتيا مع ستة وثلاثين عالما وأحد عشر نائبا بإصدار فتاوي مضادة حيث أيدوا تلك الحركة وشجعوا على قتال المحتلين وكان بديع الزمان أحد هؤلاء العلماء حيث قال :

- " إن فتوي تصدر عن مشيخة وإدارة هي تحت ضغط الانكليز وأمرتهم لابد أن تكون غير سليمة ولا يجوز الانصياع لها ذلك لأن الذين قاموا بمقاومة احتلال الأعداء لا يمكن اعتبارهم عصاه لذا يجب سحب هذه الفتوي "


مع مصطفى كمال :

ولاشتهار بديع الزمان بعدائه للمحتلين فقد دعي إلى أنقرة مركز حركة المقاومة – من قبل مصطفى كمال للإنضام إليهم إلا أنه رفض الدعوة قائلا :

" أنني أريد أن أجاهد في أخطر الأمكنة وليس من وراء الخنادق وأنا أري أن مكاني هذا أخطر من ألأناضول ".

ولكن الدعوة تكررت فأرسل إلى أنقرة بعض طلابه ثم ذهب هو إليها سنة 1922 قبيل عيد الأضحى حيث استقبل في المحطة استقبالا حافلا غلا أنه لم يسعد في أنقرة كثيرا إذ لاحظ بأسف بالغ أن معظم النواب لا يؤدون الصلاة كما أن تصرفات مصطفى كمال وسلوكه المعادي للإسلام أحزنه كثيرا لذلك فقد قرر أن يطبع بيانا في 19/1/ 1923 يتضمن عشرة مواد موجها إلى النواب يعظهم ويذكرها بالإسلام مستهلا بـ:

" يا أيها المبعوثون .. أنكم لمبعوثون ليوم عظيم ".

وكان من نتيجة هذا البيان الذي وزع بين النواب وتولي إلقاءه الجنرال كاظم قره بكر ( القائد الأول لحركة الاستقلال ) إن ما يقارب ستين نائبا من النواب قد استقاموا على التدين وأقاموا الصلاة حتي إن مسجد بناية المجلس لم يعد كافيا للمصلين فانتقلوا إلى غرفة أكب منه .

لم يرض مصطفى كمال عن هذا البيان فاستدعي بديع الزمان وحدثت بينهما مشادة عنيفة وكان مما قاله مصطفى كمال :

- لا ريب أننا بحاجة إلى أستاذ قدير مثلك لقد دعوناك إلى هنا للاستفادة من آرائك المهمة ولكن أول عمل جهودكم هنا هو بث الفرقة بين أهل هذا المجلس .

- فأجابه بديع الزمان مشيرا إليه بإصبعه في حدة " باشا .. باشا .. أن أعظم حقيقة تتجلي بعد الإيمان هي الصلاة وإن الذي لا يصلي خائن وحكم الخائن مردود .."


لذلك فكر مصطفى كمال بإبعاده عن أنقرة بحجة تعيينه واعظا عاما للولايات الشرقية وبمرتب مغر ولكن سعيد النورسي رفض هذا الطلب .

آثاره :

نزي أنه خلال هذه الفترة أى بعد مجيئه من الأسر وطيلة مكوثه في استانبول مع فترة بقائه في أنقرة نشر رسائل وكتبا باللغة التركية والعربية .

فأول ما نشره هو " إشارات الإعجاز" ثم في سنة " 1921 " قزيل إيجاز في المنطق ". وفي سنة " 1922" نشر " السنوحات " أما في سنة " 1923" فقد نشر الرسائل الآتية :

" رموز إشارات , لمعات , شعاعات من معرفة النبي صلي الله عليه وسلم نقطة من معرفة الله".

وفي أنقرة ألف : ذيل الذيل – الأحباب باللغة العربية وأجزاء أخري من المثنوي العربي النوري .

وقد أورد في هذه الرسائل دلائل قاطعة على وجود الله ووحدانيته محاولا بذلك التصدي لموجة الشك والإلحاد ولبعد عن الدين التي ظهرت بين أوساط المفتونين بالغرب حيث يصف هذه الحالة في مقدمة " رسالة الطبيعة ".

دعيت لزيارة " أنقرة" سنة 1338هـ( 1922م) وشاهدت فرح المؤمنين وابتهاجهم باندحار اليونان أمام الجيش الإسلامي ألا أنني أبصرت – خلال موجة الفرح هذه – زندقة رهيبة تدب بخبث ومكر وتتسلل بمفاهيمها الفاسدة إلى عقائد أهل الإيمان الراسخة بغية إفسادها وتسميمها... فتأسفت من أعماق روحي وصرخت مستغيثا بالله العلي القدير ومعتصما بسور هذه الآية الكريمة :

قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض "( سورة إبراهيم /10)

من هذا الغول الرهيب الذي يريد أن ينقض على أركان الإيمان ويعمل معاولة في أسسه وأصوله, فجئت- ضمن هذه الرسالة – ببرهان قوي حاد قاطع يقطع رأس تلك الزندقة ويدحرج أشلاءها وقد صنفتها بالعربية واستقيت معانيها وأفكارها من نور هذه الآية الكريمة لإثبات بداهة وجود الله سبحانه ووضح وحدانيته وقد طبعتها في مطبعة " يني كون " في أنقرة .. إلا أنني لم ألمس أثار البرهان الرصين في مقاومة الزندقة وإيقاف زحفها إلى أذهان الناس وسبب ذلك – على ما أظن – كونه مختصرا ومجملا جدا فضلا عن قلة الذين يتقنون العربية في تركيا وندرة المهتمين بها آنذاك لذا فقد انتشرت أوهام ذلك الإلحاد واستشرت في صفوف الناس مع الأسف الشديد مما اضطرني إلى إعادة كتابة تلك الرسالة ببراهينها بالتركية مع شئ من البيان والتوضيح فكانت هذه الرسالة .....

رحلة إلى " وان" ( 1923):

غادر أنقرة بعد أن لمس عن كثب الحالة المزرية لمجلس المبعوثان ( النواب ) وشعر بالنوايا الخفية السيئة لتي كان يكنها للإسلام الكثير من أعضائه أصابه حزن عميق جعله يكثر من التهجد والعبادة والشكوي إلى الله مما آلت إليه حالة المسلمين فقضي الكثير من أوقاته في " وان" قرب إحدي خرائب مهجورة قديمة على جبل " أرك" واستمر على الاعتكاف والانزواء وكأن الله يهيئه لمواجهة الخطوب الهائلة والأعاصير المدمرة التي أوشكت أن تهب على الإسلام يقول عنه أحد طلابه :

" كان يقوم لصلاة التهجد كل ليلة وكنت أحيانا أراه وهو يصلي فلا استطيع النوم وعندما كان يراني مستيقظا يقول لى :" ما دمت مستيقظا فتعال وشاركني في الدعاء " ولكن كنت أجهل قراءة أى دعاء فكان يقول لي : سأدعو أنا وردت أنت بعدي : آمين ".

وكنت أغفوا أحيانا أثناء الدعاء فكان ينظر إلى ويقول :

لقد كنت أنا أيضا مثلك .. ولكن ستتعود ".

ثورة الشيخ سعيد بيران :

نشبت ثورة في الأقاليم الشرقية في تركيا بقيادة " الشيخ بيران " الذي كان زعيما بارزا بين العشائر الكردية وكانت هذه الثورة موجهة ضد سياسة مصطفى كمال الذي أثار نقمة الشعب باتجاهه المعادي للدين الإسلامي .

وقبيل اندلاع الثورة أرسل الشيخ " سعيد بيران" رسائل إلى الأستاذ سعيد النورسي يطلب منه الاشتراك معه في الثورة ضد حكومة أنقرة فرفض لعدم رغبته في إهراق دم المسلمين الأبرياء في حركة لا أمل فيها .

ونسجل هنا حوار جري بينه وبين " حسين باشا " رئيس احدي العشائر الكردية :

حسين باشا  : أريد أن أستشيرك في أمر إن جنودي حاضرون والخيول موجودة وكذلك الأسلحة والذخائر وأنا انتظر أمرا منكم.

سعيد النورسي : ماذا تقول ؟ ما الذي تنوي فعله ؟ ومن ستحارب ؟

حسين باشا: سنحارب مصطفى كمال .

سعيد النورسي: ومن هم جنود مصطفى كمال ؟

حسين باشا : ماذا أقول .. أنهم جنود !!

سعيد النورسي : إن جنوده هم أبناء هذا الوطن هم أقرباؤك وأقربائي فمن تقتل ؟ ومن سيقتلون؟ فكر .. وافهم ! أنك تريد أن يقتل الأخ أخاه ..

حسين باشا : إن الموت لأفضل من مثل هذه الحياة .

سعيد النورسي : وما ذنب الحياة ؟ إذا كنت قد مللت حياتك فما ذنب المسلمين المساكين ؟

حسين باشا : ( متحيرا) لقد أفسدت على عزيمتي ورغبتي ولا أدري كيف سأقابل عشيرتي التي هي بانتظار عودتي وسيظنون أنني جبنت .. لقد أضعت قيمتي بين العشيرة .

سعيد النورسي : وماذا لو كانت قيمتك صفرا بين الناس وكنت مقبولا عند الله تعالي ؟

وعندما قال له " حسين باشا " بأنه يريد من ثورته تطبيق الشريعة الإسلامية قال له سعيد النورسي أتريد تطبيق الشريعة الإسلامية أن تطبيق الشريعة لا يكون بهذه الطريقة فلو قلت لك :

يا حسين باشا تعالي مع جنودك الثلاثمائة لتطبيق الشريعة فإن جنودك – وهم في طريقهم إلى هنا سيقومون بنهب وسلب وقتل كل من يمرون عليهم في الطريق .. وهذا مخالف للشريعة ".

وهذا يدل على أن الأستاذ سعيد النورسي – مع عدم رغبته في إهراق دماء المسلمين – لم يكن يثق في هؤلاء الأشخاص ومدي وعيهم الإسلامي ومدي قدرتهم على تمثيل الإسلام .

ولكن موقفه هذا لم ينجه من غضب حكومة أنقرة إذ بدأت الحكومة – بعد إخفاق حركة شيخ سعيد بيران – بالقبض على رؤساء العشائر الكردية وزعمائهم ونقلهم ونفيهم إلى مدن أخري ووضعهم تحت المراقبة وبالرغم من كون الأستاذ سعيد النورسي متفرغا للعبادة في أطلال مهجورة على قمة جبل فإن الحكومة أرسلت مفرزة لاعتقاله علما بأن عشائر مدينة " وان" – التي كان الأستاذ سعيد النورسي موجودا فيها – لم تشترك في هذه الحركة بتأثير منه كما سبق آنفا .

اعتقال ونفي 1925 :

صعدت المفرزة إلى الجبل واعتقلت العالم المنقطع للعبادة ونقل إلى استانبول عن طريق " أرضروم " فـ" طرابزون" وتمت الرحلة على زحافات تجرها الخيول فوق الثلج التي كانت تغطي الجبال في ذلك الشتاء القارس .

بقي في استانبول تحت الحراسة مدة عشرين يوما حيث صدر الأمر بنقله إلى مدينة ( بوردور) التي بقي فيها سبعة أشهر وطيلة مدة إقامته تلك تفرغ للعبادة وفي تأليف رسالة " المدخل إلى النور " وهي عبارة عن دروس قرآنية استنسخت باليد وتداولها طلابه ومحبوه ومن ثم نقل إلى " إسبارطة" حيث بقي عدة أشهر .

إلى " بارلا" على متن زورق:

ولم يدعوه هنا أيضا إذ صدرت الأوامر بنفيه هذه المرة إلى ناحية " بارلا" النائية .

ويقص " شوكت دميرآي" وهو الجندي المكلف بنقل الأستاذ النورسي إلى ناحية " بارلا" ذكرياته فيقول:

" كنت في مدينة " أغريدير" عندما استدعوني إلى مركز البلدية صباح أحد الأيام .. فذهبت إليه وكان هناك القائمقام وآمر الجندرمة مع أعضاء هيئة البلدية وشخص معمم في العقد الرابع من عمره يلبس جبة وله هيئة وقورة .

خاطبني آمر الجندرمة قائلا :

- اسمع يا بني عليك أن تأخذ شيخنا هذا المعروف ببديع الزمان إلى " بارلا" إن وظيفتك هذه مهمة جدا وعندما تسلمه إلى المخفر هناك دعهم يوقعوا على الأوراق الرسمية ثم أخبرنا بذلك قلت له حسنا يا سيدي .

- خرجت مع الشيخ وفي الطريق قلت له :

- يا شيخنا أنت بمثابة والدي وأن هذه وظيفة كلفت بها فأرجو إن لا تستاء مني .

- ثم يستمر في وصف الرحلة بالقارب الشراعي فيقول :

- " كان الجو باردا فالفصل شتاء ومياه لبحيرة متجمدة هنا وهناك واحد جذافي القارب في المقدمة يكسر الثلوج بعصا طويلة في يده ويفتح بذلك طريقا للقارب الشراعي .

- بدأ الشيخ بديع الزمان بتوزيع بعض الزبيب اليابس وبعض الحلوي علينا كنت أتفحصه بدقة فوجدته هادئا كل الهدوء إذ كان يتأمل في البحرة والجبال المحيطة بنا ..

ولكون النهار قصيرا فقد أزف وقت صلاة العصر بسرعة أراد أن يصلي واقفا فوجهنا القارب باتجاه القبلة سمعت صوتا يقول :

الله أكبر !... لم أكن قد سمعت في حياتي كلها تكبيرة بهذه الرهبة والخشوع شعرت بأن الشعر في أجسادنا قد وقف لم تكن حركاته وأطواره تشبه أطوار الشيوخ الذين عرفناهم ..

كنا نحاول جهدنا أن نبقي على القارب باتجاه القبلة وعندما انهي الشيخ صلاته التفت ألينا قائلا :

شكرا لكم يا أخوتي لقد أتعبتكم !

كان شخصا متواضعا ودمث الأخلاق .

الفصل الثاني: ظهور رسائل النور 1343هـ - 1926م

بارلا:

وصل الأستاذ سعيد النورسي إلى إلى منفاه ( بارلا) من أعمال " إسبارطة" في غرب الأناضول في شتاء سنة 1926م حيث قضي الليلة الأولي في مخفر الشرطة ثم خصص لإقامته بيت صغير يتألف من غرفتين ويطل على مروج ( بارلا) وبساتينها الممتدة إلى بحيرة " أغريدير" وهناك على بعد أربع ساعات من البلدة وعلى جانب من البحيرة الجميلة التي تملك جزيرتين في وسطها كانت تنتصب جبال " أغريدير" المكسوة بأشجار الصنوبر .

وفي تلك الفترة كانت تركيا تعيش دورا حالكا جدا من الاستبداد والطغيان والعداء الصريح الشرس للدين ومحاولة إطفاء نور الله ومحاربة شريعته باسم التمدن والحضارة .

استمرت هذه الفترة مدة ربع قرن من الزمان " حتي سنة 1950 م" وكانت النية معقودة على قطع صلة الأمة التركية بإسلامها قطعا جذريا فلما رأوا صعوبة ذلك خططوا لكي ينشأ الجيل المقبل نشأة بعيدة عن الإسلام وذلك بتجفيف كل الينابيع التي تغذي روحه وعقله بالإسلام ومبادئه الفطرية ..

فمنعوا تدريس الدين في المدارس وبدلوا حروف الكتابة العربية إلى الحروف اللاتينية وأعلنوا علمانية الدولة وشكلوا محاكم زرعت الخوف والإرهاب في طول البلاد وعرضها حيث نصبت المشانق للعلماء المسلمين ولكل من تحدثه نفسه بالاعتراض على السلطة الحاكمة.

ومن سلسلة محاربة الإسلام اعتقال الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي وهو العالم الورع المتفرغ للعبادة ونفيه إلى "

بارلا" وهي بلده صغيرة نائية لكي يخمل ذكره ويقل تأثيره ويطويه النسيان ويجف هذا النبع الإسلامي الفياض .

ولكن شاء الله تعالي أن تكون هذه البلدة الصغيرة مصدرا لإشعاع إسلامي أضاء فيما بعد أرجاء تركيا ووصل أشعاعه إلى كل قرية وكل ناحية وكل مدينة فيها .

كان هناك نبع أمام البيت الصغير – يجري فيه الماء صيفا وشتاء – كما كانت هناك شجرة الدلب&&&&& الضخمة الباسقة تنتصب أمام البيت تغرد أغصانها العديدة المتشابكة آلاف الطيور الصغيرة في فصلي الربيع والصيف .

صنع أحد النجارين غرفة خشبية غير مسقفة صغيرة وضعت بين أغصان هذه الشجرة العالية فكان الأستاذ يقضي فيها أغلب أوقاته في فصيل الربيع والصيف متعبدا به ومتأملا ومتفكرا ومؤلفا لرسائل النور حتي انبلاح الصباح في معظم الأحيان فيلا يعرف أهالي ( بارلا) متي ينام الأستاذ ؟! ومتي يستيقظ؟ ولا يمر أحد قرب تلك الشجرة في سكون الليل إلا ويسمع همهمة العالم المتعبد المتهجد .

قضي الأستاذ سعيد النورسي في هذه البلدة وفي هذا البيت ثماني سنوات ونصف سنة ألف فيها معظم رسائل النور لذلك فقد كان هذا لبيت أول " مدرسة نورية "

كان الأستاذ معتل الصحة دائما وكان قليل الإقبال على الطعام بل يمكن القول بأنه قضي عمره وهو نصف شبعان ونصف جائع إذ كان يقضي يومه الكامل بإناء صغير من الحساء مع كسرات من الخبر, ويأتيه طعامه من بيت أحد الجيران وكان يدفع ثمن الطعام دائما وبإصرار إذ كان شعاره الذي طبقه طول حياته هو ألا يأخذ شيئا من واحد دون مقابل وقضي حياته كلها على ما أدخره سابقا من الليرات الذهبية وعلى الاقتصاد الكامل والبركة الربانية .

كانت عيون السلطة تترصد الأستاذ وتراقب حركاته وسكناته في " بارلا" لذلك فإن الأهالي كانوا يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه فكان يقضي أكثر وقته في البيت أو يخرج في فصل الربيع والصيف إلى جبال " أغريدير" ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين ألشجار متأملا ومتعبدا .

عزلة ووحشة:

يقول عن هذه الفترة واصفا عزلته ووحشته وغربته :

حينما كنت في منفاي – ذلك الأسر الأليم – بقيت وحدي منفردا منعزلا عن الناس على قمة جبل " جام" المطلة على مراعي " بارلا" ... كنت أبحث عن نور في تلك العزلة ... وذات ليلة في تلك الغرفة الصغيرة غير المسقفة المنصوبة على شجرة صنوبر عالية على قمة ذلك المرتفع إذا بشيخوختي تشعرني بألوان وأنواع من الغربة المتداخلة – كما جاء ذلك في المكتوب السادس بوضوح – ففي سكون تلك الليلة حيث لا أثر ولا صوت سوي صدي الحزين لحفيف الأشجار وهمهمتها .. أحسست بأن ذلك الصدي الأليم قد أصاب صميم مشاعري ومس أعماق شيخوختي وغربتي فهمست الشيخوخة في أذني منذرة :

- كما أن النهار قد تبدل إلى هذا القلب الحالك ولبست الدنيا كفنها الأسود فسوف يتبدل نهار عمرك إلى ليل وسوف ينقلب نهار الدنيا إلى ليل البرزخ وسوف يتحول نهار صيف الحياة إلى ليل شتاء الموت فأجابتها نفسي على مضض :

- نعم كما أنني غريبة هنا عن بلدتي ونائية عن موطني فإن مفارقتي لأحبائي الكثيرين خلال عمري الذي ناهز الخمسين ولا أملك سوي تذارف الدموع وراءهم هي غربة تفوق غربتي عن موطني .. وأني لأشعر في هذه الليلة غربة أكثر حزنا وأشد ألما من غربتي على هذا الجبل الذي توشح بالغربة والحزن فشيخوختي تنذر بدنو من موعد فراق نهائي عن الدنيا وما فيها ففي هذه الغربة المكتنفة بالحزن ومن خلال هذا الحزن الذي يمازحه الألم بدأت أبحث عن نور وعن قبس أمل وعن باب رجاء وسرعان ما جاء " الإيمان بالله" لنجدتي ولشد أزري ومنحني أنسا عظيما بحيث لو تضاعفت آلامي ووحشتي أضعافا مضاعفة لكان ذلك الأنس كافيا لشفاء نفسي .

بداية التعارف :

كان أهالي " بارلا" يرون هذا العالم وهو يخرج من بيته متوجها إلى الجبل أو عائدا إلى منزله من الجبل فلا يجرأ أحد منهم أن يكلمه فهو شخص غير مرغوب فيه من قبل السلطة فلم الدخول في مشكلات مع السلطة وهم في غني عنها ؟!... ولكن :

" في أحد الأيام وكان الوقت صيفا خرج الأستاذ من بيته متوجها إلى الجبل كعادته ... كان الجو صحوا والشمس مشرقة وما أن وصل الأستاذ إلى قمة الجبل حتي تلبدت السماء بالغيوم السوداء منذرة باقتراب عاصفة .. وفعلا ما لبثت السماء أن أرعدت وأبرقت وبدأت الأمطار تسقط بغزارة .. كان الأستاذ وحيدا على قمة الجبل ليس له من ملجأ يتقي فيه سيل المط ر المنهمر سوي الأشجار التي لم تكن هي الأخري كافية لتمنع عنه البلل وبعد مدة ليست بالقصيرة خفت شدة المطر وأخذ ينزل رذاذا فانتهز الأستاذ الفرصة وقفل راجعا إلى البلدة وقد تبلل من رأسه حتى أخمص قدميه وفي الطريق تمزق حذاءه فدخل البلدة وهو يحمل حذاءه بيده ويغوص في الطين بجواربه الصفوية البيضاء .

وهناك بالقرب من نبع الماء كان جمع من أهالي " بارلا" مجتمعين يتحدثون شاهدوا هذا المنظر المؤثر منظر العالم الجليل المهيب المنفي عن موطنه ... الوحيد... المقاطع من قبل الجميع وهو يحمل حذاءه الممزق بيده ويغوص في الطين بجواربه وقد تلطخت ثيابه بالطين خيم سكون ثقيل على الجميع وتجاذبت الكثيرين عاطفتان مختلفتان عاطفة الإسراع لمد يد المساعدة إليه وعاطفة الخوف من عيون السلطة المترصدة لكل حركة من حركاته وأخيرا يندفع من الجمع شخص اسمه " سليمان" ويصل إليه حيث يأخذ الحذاء من يده ويغسله في الحوض ثم يرافقه حتي منزله ويصعد ويصعد معه إلى غرفته .

كانت هذه بداية التعارف وقد ظل السيد " سيلمان" تلميذا وفيا للأستاذ يساعده ويعاونه ويتتلمذ على يديه ثماني سنوات وكان هو أول حلقة وصلت بينه وبين الآخرين حتي بدأت حلقة التلاميذ تتسع شيئا فشيئا وبدأ الأستاذ ينشر رسائله الموسومة بـ " رسائل النور " سرا وازدادت هذه الحلقات ونشط أفرادها في دراسة رسائل النور هذا العمل من اعتقال ومطاردة وتعذيب عن طيب خاطر واطمئنان نفس .

رسائل النور :

في تلك السنوات الحالكة كان الإسلام يتعرض لزلزال كبير في تركيا فالحرب ضد الإسلام تقودها الحكومة بكل أجهزة الدعاية الإعلام التي تملكها وبأقلام جميع المنافقين والمتزلفين وأعداء الإسلام من الكتاب والصحفيين في الوقت الذي كممت فيه أفواه دعاه الإسلام وحيل بينهم وبين الدفاع عن عقيدتهم لذلك فقد تعرضت أسس الإسلام وأصوله ومبادئه الأولية إلى الشك والإنكار في النفوس كثير من الشباب الذي لم يكن يجد أمامه مرشدا وموجها لذلك فقد قرر الأستاذ سعيد النورسي أن يحمل تلك الأمانة الكبرى على كاهله وأن يحاول " إنقاذ الإيمان " في تركيا .

نعم .. إنقاذ الإيمان تلك كانت هي المسألة الرئيسية التي لا تحتمل التأجيل أو التسويف أو الاهتمام بأى أمر عداها لذلك فإنه كان يصحح مفاهيم الذين يزورنه وهم يتصورون أنه شيخ طريقة صوفية فكان يقول لهم :

" أنني لست بشيخ طريقة فالوقت الآن ليس طرق صوفية بل وقت إنقاذ الإيمان " فنري أن من أولي الرسائل التي ألفها هي ( رسالة الحشر) حيث أن مسألة البعث ووجوم يوم القيامة ويوم الحشر أصبحت تصور من قبل الدوائر الملحدة وكأنها خرافة أو أسطورة لا سند لها من دليل عقلي او علمي وقد شرح الأستاذ في هذه الرسالة مسالة البعث والحشر مستلهما من الأسماء الحسني موردا فيها شواهد الموت ويقظته نوع من البعث النباتات تذبل تموت ثم لا تلبث أن تورق وتزهر من جديد .. أنها عملية بعث جديد تتكرر أمام أنظارنا على الدوام فلم الاستغراب إذن من البعث يوم القيامة؟!

كان تأليف " رسائل النور" ونشرها شيئا متميزا وفريدا في تاريخ الدعوات الإسلامية المعاصرة ذلك لأن الأستاذ سعيد النورسي لم يكن يكتب كثيرا من رسائله بيده لكونه نصف أمي " من حيث القدرة الكتابية" وإنما كان يملي هذه الرسائل على بعض طلابه في حالات من الجيشان الروحي والوجداني وبعد ذلك تتداول النسخة الأصلية بين التلاميذ الذين يقومون بدورهم استنساخها باليد ثم ترجع هذه النسخ جميعها إليه لكي يقوم بتدقيقها واحدة وتصحح أخطاء الاستنساخ إن وجدت ولم يكن لديه أية كتب أو مصادر يرجع إليها عند التأليف سوي القرآن الكريم وقد ساعده على ذلك ما وهبه الله من ذاكرة خارقة وقدرة عجيبة على لحفظ فكان يستقي عند تأليفه رسائله من مخزونات محفوظاته في مصادر العلوم الدينية التي كان قد قرأها في بداية حياته .

السبيل إلى نشر رسائل النور :

كانت الحروف العربية قد بدلت إلى حروف لاتينية وحظر الطبع والنشر بها وأغلقت مطابعها فكانت هذه الطريقة " طريقة الاستنساخ باليد سرا هي الطريقة الوحيدة والعملية لنشر مؤلفات رجل منفي ومراقب قد سدت في وجهه جميع سبل التأليف والنشر وخاصة وأنه كان يريد – بالإصرار على الكتابة بالحروف العربية المحافظة عليها من الاندثار والنسيان .

فعندما بدأت حلقات الطلاب تتسع بدأت الرسائل تصل إلى القري والنواحي القريبة من ( بارلا) وبدأت الأيدي تتلقف سرا هذه الرسائل وتتدارسها وتهربها حتي إلى المدن البعيدة حيث بدأت تكتسب قلوبا جديدة وأرواحا عطشي إلى الهداية والنور في تلك الصحراء المحرقة والمظلمة الحالكة .

أخذت الحكومة تطارد ( طلبة النور) وتداهم منازلهم وتفتيش بيوتهم فيتقبل الطلبة هذه المضايقات بصدر رحب ويقين ثابت بأن السجن هو أقل ما يمكن أن يدفعوه من ضريبة الإيمان وانه ليس إلا " مدرسة يوسفية" كما كان الأستاذ يطلق عليه استلهما من الآية الكريمة في سورة يوسف :" فلبث في السجن بضع سنين ".

بدأت عشرات ثم مئات ثم آلاف من طلبة النور رجالا ونساء في الانكباب على استنساخ ( رسائل النور) ساعات عديدة من الليل والنهار حتي أن بعضا منهم قضي سبع سنين لم يغادر منزله وهو مكب على هذه المهمة .

النساء في طريق النور:

وقد ساهمت النساء في هذه الحملة مساهمة فعالة جدية فالفتيات اللآئي كن يعرفن الكتابة ساهمن في الكتابة والاستنساخ واللآئي يجهلنها كن يقلدن الكتابة تقليدا أى يقمن بالكتابة على طريقة النقش والتصوير وقد أتت بعض النسوة إلى الأستاذ سعيد النورسي قائلات له " يا أستاذنا .. أننا – لكي نشارك في خدمة رسائل النور – قررنا القيام بالأعمال اليومية لأزواجنا لعلهم يتفرعون كليا لكتابة " رسائل النور"

بقيت رسائل النور عشرين سنة تنتشر بهذه الطريقة وبعد ذلك طبعت لأول مرة بـ( الرونيو) ولم يقدر لها أن تطبع في المطابع الاعتيادية ألا سنة 1956 م هذا باستثناء رسالة الحشر التي طبعت منها خفية في استانبول بوساطة أحد طلابه .

موجة جديدة:

كانت موجة محاربة الإسلام في تصاعد مستمر ففي كل سنة تقريبا هناك قرار جديد أو ( منجزات جديدة) حسب تعبير السلطة الحاكمة وما هو إلا معول لهدم ركن من أركان الإسلام .

ففي سنة ( 1932 م) صدرت الأوامر بمنع الأذان الشرعي للصلاة في تركيا هذا الأذان الذي كان ينطلق منذ مئات السنين في أرجاء البلاد فأصبح الأذان يردد باللغة التركية فكانت مصيبة جديدة أدمت القلوب وأدمعت العين .. أين ذلك الأذان الذي كانت تهفو إليه القلوب وتخشع له النفوس من هذا الأذان الذي تنفر منه القلوب وتنبو عنه الأسماع ؟!

وفي المسجد الصغير الذي كان يصلي فيه الأستاذ سعيد النورسي إماما لبعض القرويين كانوا يصرون على الأذان وإقامة الصلاة داخل المسجد باللغة العربية .

وما لبث أن ترامي هذا الخبر الخطير إلى سمع مدير الناحية الذي رتب كمينا داخل المسجد فأخفي بعض الجندرمة في المسجد في القسم المخصص للنساء لكي يتم القبض على " المجرمين" .. في حالة التلبس بالجريمة..

سيق هؤلاء القرويون في عز الشتاء مشيا على الأقدام وفي طرق مغطاة بالثلوج حتي ( أغريدير)

لنستمع إلى أحد هؤلاء – وهو مؤذن المسجد – يروي ذكرياته عن هذه الحادثة إذ يقول :

كم آذونا في مسألة الأذان عندما اخترعوا لنا أذانا تركيا .. كان هناك معلم معاد للأذان الشرعي – باللغة العربية – وبعض علماء الدين يقولون يجب إطاعة أوامر أولي الأمر أما أنا فكنت أقول : لا أعرف مثل هذه الطنطنة المسماة بالأذان التركي الغريب وأني لى العلم بأن ( حفلة صاخبة ) تعد لي !؟.

ففي أحد الأيام داهمة مسجد الأستاذ سعيد النورسي وقبضوا علي ( عبد الله جاويش ومصطفي جاويش وسليمان وعلىّ أنا ) طرودا الباقين .. أخذونا إلى مدينة( أغريدير) مشيا على الأقدام فوق الثلوج وهناك أودعونا السجن ومنع والجميع من التحدث معنا وفي أحد الأيام أحضروني عند المدعي العام وكان عنده ضباط برتبة عميد وعقيد قالوا لي :

حسبما فقد أعطيت لهذا الكردي ( يقصد الأستاذ) مئة وخمسا وعشرين ليرة ذهبية .. فما مقدار الذخيرة التي اشتريتموها بهذا المبلغ ؟!

قلت : إن الحكومة التركية تشبه سفينة وأنتم أعلم بما يدخل ويخرج من هذه السفينة إن الأستاذ لا يملك مدفعا ولا بندقية بل هو يريد نشر الاطمئنان والوئام .

سألني : هل عندك أطفال ؟

قلت : نعم .

قال : إذا لم تصدق , ولم تقل الحقيقة فالشنق ينتظرك !

قلت : إن هذا الشخص ليس إلا خادما للقرآن فماذا يعمل بالمدفع والبندقية إن بندقيته ومدفعه هو القرآن لاغير .

وعندما انعقدت المحكمة سألني الحاكم:

من الذي إذن بالعربية ؟

قررت أن أتظاهر بالصمم فوقفت ساكنا دون جواب وكأنني لم أسمع السؤال .

التفت إلى الحاكم سائلا : هل اسمك سليمان؟

قلت : لما كان الوقت شتاء فقد حضرت قبل يوم الحاكم قلت لك ما اسمك ؟

لقد نمت في الخان يا سيدي.

فغضب الحاكم شديدا والتفت حوله صائحا :

اخرجوا هذا القذر من ارسباطة إلى الاعتقال :

نقل الأستاذ ذلك إلى إسبارطة سنة ( 1934 م) حيث ظل هناك أشهرا منكبا على تأليف رسائل النور وهي : رسالة الاقتصاد ورسالة الإخلاص والتستر , والإشارات الثلاثة والمرضي والشيوخ هذه الرسائل جميعها من ( اللمعات) حيث كانت كل من سوزلر( الكلمات والمكتوبات ( مكتوبات قد تم تأليفهما.

وفي صباح باكر من أيام نيسان سنة ( 1935 م) هاجمت قوة من الجندرمة بيت الأستاذ واعتقلوه بعد إجراء تفتيش دقيق في جميع إرجاء ذلك البيت المتواضع في ذلك اليوم داهمت الشرطة منازل مئة وعشرين من طلبة النور من مختلف لمناطق حيث وضعت الأغلال في أيديهم وفي يد أستاذهم ومرشدهم سعيد النورسي وسيقوا جميعا إلى سجن مدينة " اسكي شهر " بانتظار محاكمتهم بتهمة " تشكيل جمعية سرية تعادي السلطة القائمة وتسعي لقلبه ".

وقد اتخذت السلطات الحكومية إجراءات أمن مشددة على طول الطريق فالجنود بكامل أسلحتهم يسيطرون على طريق ( إسبارطة افيون) ومدينة إسبارطة تحت المراقبة العسكرية .

كانت التهم كبيرة منها .

1- تأليف جمعية سرية .

2- العمل على هدم الثورة الكمالية .

3- تشكيل طريقة صوفية .

4- إثارة روح التدين بنشر رسالة " التستر للنساء"

فلو ثبتت هذه التهم لكان الإعدام جزاءها وقد بثوا فعلا شائعات في البلد من أن طلبة النور وأستاذهم سوف يعدمون وذلك لغرض إلقاء الرعب في قلوب الناس وتحذيرهم من الانخراط في صفوف طلبة النور .

لمعات من ظلمات السجن : ( المدرسة اليوسفية الأولي ):

وضع الأستاذ سعيد النورسي في سجن انفرادي مسلطين عليه مضايقات كثيرة بهدف التأثير في روحه المعنوية ولكن الأستاذ رغم هذه المضايقات كان مستمرا في تأليف رسائل النور ففي هذا السجن ألف اللمعة الثامنة والعشرين واللمعة التاسعة والعشرين واللمعة الثلاثين مع الشعاع الأول والثاني كما أن كثيرا من المجرمين في هذا السجن قد تابوا إلى الله وبدأوا اتباع الطريق لمستقيم .

لم يسفر التحقيق الطويل مع للأستاذ ومع طلبته عن شئ يمكن الاستناد إليه في الحكم بإدانته أو إدانة طلابه إلا أن المحكمة حكمت عليه بالسجن أحد عشر شهرا بسبب رسالته عن " تستر النساء " وهي اللمعة الرابعة والعشرون .

الدفاع المشهور:

وقد ترافع الأستاذ أمام المحكمة وألقي دفاعا مشهورا(39) نقتطف منه ما يأتي :-

يا حضرات الحكام :

لقد جئ بي إلى هنا بتهمة أنني شخص رجعي اتخذ الدين سبيلا إلى الإخلال بالأمن العام وأنني أقول لكم .

إن أمكانية عمل شئ لا يستدعي وقوعه ولا المعاتبة عليه فعود الكبريت يمكنه إحراق بيت ولكن هذا الإمكان لا يعني ارتكاب أى جريمة أن انشغالي بعلم الإسلام لا يخدم إلا رضي الله تعالي وحاشا أن يخدم أى غرض كان غير ذلك .

لقد سألتم هل أنا ممن يشتغل بالطرق الصوفية ؟ وإنني أقول لكم إن عصرنا هذا هو عصر حفظ الإيمان لا حفظ الطريقة إن كثيرين يدخلون الجنة بغير الانتماء إلى طريقة صوفية ولكن أحدا لا يدخل الجنة بغير إيمان .

وتقولون : من أين تأتي بالمال لجمع الناس من حولك في جمعية وأنني اسأل هؤلاء ومن أين لهم الوثائق التي أثبتوا بها أنني اشتغلت بجمعية أو قمت بأي نشاط يحتاج إلى المال ؟

وتعترضون قائلين أنني لست موظفا في ما أعمل فيه وللتدريس مديرية خاصة ينبغي أن أتلقي الأذن منها أولا ولكن أقول لكم :

لو أن أبواب القبور كلها أغلقت وأعدم الموت من الوجود لجاز أن ينحصر الأذن في دائرتكم أما وأن ثلاثين ألف جنازة تنادي كل يوم نداء الموت , وتوقع على حكمه فإن هذا يعني أن ثمة وظائف وواجبات أخري أهم كثيرا مما انحصر في دائرتكم وأحكامكم .

طريفة:

أثناء حمي البحث والتفتيش عن طلبة النور وعن الأذلة التي تدينهم عثر بين كتب رسائل النور على كتاب كتب على غلافه بخط اليد عبارة " يعود إلى رمضان " .

من رمضان هذا ؟ وأين يعمل ؟ ولماذا لم يقبض عليه حتي الآن ؟

لا شك أنه شخص مهم إذ أن أسمه مسجل على أحد الكتب ! إلا إن جميع طلبة النور ينكرون معرفتهم به إذن فهو من أبرز أعوان سعيد النورسي وتصدر الأوامر المشددة بتفتيش جميع القري والمدن القريبة وتفتيش كل بيت للعثور على هذا الشخص الرهيب .. رمضان .

وأخيرا يعثر في قرية بعيدة على قروي بسيط لا يقرأ ولا يكتب اسمه " رمضان" ويعتقل هذا المسكين ويرسل مكبلا بالأصفاد وفي حراسة مشددة إلى سجن " اسكي شهر " ومع أن المسكين حلف مرّات ومرات بأنه لا يستطيع أن يقرأ ويكتب وأنه لم ير في حياته أية رسالة من رسائل النور وأنه لم يلتق ببديع الزمان إلا أن جميع اعتراضاته وتوسلاته تذهب أدرج الرياح ويقضي في السجن شهرين كاملين حتي يقوم أحد المسئولين بتدقيق ذلك الكتاب ويتبين أنه يبحث عن الصوم وآدابه وحكمته في شهر رمضان .

نفي بديع الزمان إلى قسطموني:

بعد أن قضي بديع الزمان في سجن " أسكي شهر " مدة سجنه البالغة احد عشر شهرا نفي إلى مدينة " قسطموني" في ربيع سنة ( 1936 م) إذ اقتيد إلى مخفر الشرطة حيث قضي فيه مدة ثلاثة أشهر نقل بعدها إلى بيت صغير يقع أما المخفر مباشرة لكي يكون تحت المراقبة الدائمة كان البيت مؤلفا من طابقين: الطابق الأرضي مخزن للوقود أما الطابق الثاني فكان مكونا من غرفتين , وكان بديع الزمان يدفع إيجار هذا البيت بنفسه.

بقي بديع الزمان في " قسطموني " سبع سنين أستمر خلالها في كتابة رسائل النور مثل " الشعاع السابع " رسالة الآية الكبرى " وكذلك الشعاع الثالث – رسالة " المناجاة " – والشعاع الرابع والشعاع السادس والشعاع الثامن والتاسع مع تبيض الخامس .

سعاة بريد النور :

في هذه الفترة استمر بديع الزمان في مراسلة طلابه بشتي الوسائل متخطيا العيون المترصدة لحركاته إذ كانت رسائله تنقل سرا ثم تستنسخ ثم توزع على القري والنواحي والمدن القريبة فتشكلت بهذا " سعاة بريد النور" الذين كان واجبهم ينحصر في نقل الرسائل من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة كما انتظمت وقويت مسألة استنساخ الرسائل فهناك بعض الطلبة الذين استنسخوا وحدهم أكثر من ألف نسخة وانتشرت في أرجاء تركيا تدريجيا منتصرة على جيوش الظلام ومعلنة بأنه لا يمكن إطفاء نور الإسلام أبدأ ثم جمعت هذه الرسائل التي تشمل نواحي دقيقة في العقيدة ورد الشبه المضللة حول بعض الأحاديث الشريفة وكثيرا جدا من فقه الدعوة إلي الله تحت عنوان " ملحق قسطموني".

توبة سكير :

كان بديع الزمان يخرج من بيته ويتجول في السهول والجبال القريبة كما كان يصعد في أحيان كثيرة إلى قلعة " قسطموني " الأثرية حيث يجلس هناك متأملا ومنشغلا بتصحيح أو بتأليف رسائل النور وكانت الحكومة تترصد حركاته وتراقبه .

ففي احدي المرّات وعندما كان جالسا على حائط القلعة مرّ من هناك شخص سكّير يترنح في مشيه سالكا الطريق المؤدي إلى بيوت الدعارة ( التي أصبحت علنية ) وصل السكّير إلى القرب من الحائط الذي يجلس عليه بديع الزمان , وتسمّر في مكانه لا يتقدم خطوة إلى الأمام ولا يتأخر خطوة إلى الوراء وهو يتطلع إلى فوق .. إلى العالم الجليل المتسربل بالملابس البيضاء , تطلّع إليه بديع الزمان لحظة ثم ابتسم له وسلّم عليه ثم قال له :

" – ارجع يا أخي .. لا تذهب إلى هناك ! بل أرجع واغتسل وتب إلى الله وابدأ بالصلاة ".

نفذ هذا الصوت المملوء محبة وإشفاقا إلى قلب السكّير فلم يحسّ إلاّ والدموع تطفر من عينيه ثم تنتابه نوبة من البكاء وهو يقفل راجعا إلى بيته ويحتار رجل الأمن المكلف بمراقبة حركات بديع الزمان ويسرع إلى السكّير آخذا بتلابيبه وصارخا في وجهه: قل لى بسرعة , أجبني بسرعة , ماذا قال لك ذلك الكردي ؟ّ

مقابلة مع الوالي :

كان بديع الزمان مراقبا من قبل ولاة" قسطموني" وقد كان " عوني دوغان" ومدحت آلتي أوق " من أشد الولاة وأكثرهم إزعاجا له فكان يبحثان عن أى مبرر ليزعجاه .

ولما كان بديع الزمان لا يزال محتفظا بملابسه وعمامته خلافا لقانون الأزياء فقد استدعاه الوالي " مدحت آلتي أوق" إلى مقره الرسمي فجاء بديع الزمان إلى مقر الوالي يحيط به رجال الشرطة وكان ثائرا فالظاهر أن أحدهم حاول نزع عمامته في الطريق دخل إلى غرفة الوالي قائلا له بحدة :

اسمع يا مدحت ليس هناك سوي حاجز رقيق بيننا وبين الموت الذي تخشونه فإذا أقتحمنا هذا الحاجز لم يبق شئ يمكن الخشية منه لذلك فاتخذ ما تحب من إجراءاتك القانونية.

أصفّر وجه الوالي , وارتبك ولم يجد جوابا وبصعوبة بالغة وصلت أصابعه إلى الجرس الموضوع على مكتبه ليضغط عليه مستدعيا رجاله ليأخذوا بديع الزمان إلى بيته دون أن يجسر وهو الوالي المشهور بفظاظته وقسوته بمطالبة الأستاذ بتبديل قيافته.

مع طلاب المدارس :

في تلك السنوات الحالكة حذفت دروس من المدارس كما حذفت كلما " الخالق , الرب , الله جل جلاله " من الكتب المدرسية ووضعت بدلا منها كلمات " الطبيعة التطور , الوطنية , القومية , ... الخ " فقد كانت الغاية مسخ مفهوم ( الإله) ومسخ فكرة ( الخالق ) من الأذهان ونشر مفهوم أن الإيمان بالله سبحانه يترافق مع الجهل , وأن من علامات الثقافة والعلم إنكار وجود الله . ولعلّ من المفيد أن ننقل ترجمة الفقرة الأخيرة من مادة كلمة لفظ الجلالة " الله" الواردة في ( دائرة معارف الحياة ) التركية المطبوعة في استانبول سنة ( 1932 م) الجزء الأول لكي يتضح الجو الفكري السائد آنذاك عند مدعي العلم والتوجيه في تركيا بعد أن نقرأ مفهومهم عن كيفية نشوء فكرة الإله عند الإنسان البدائي وكيفية تطورها ومجئ الأديان تنتهي بالأسطر الآتية :

إن الفكرة التي تريد الأديان الموجودة أن تبثها هي : أن الله واحد وأنه هو الذي خلق الكون . ولكن التقدم العلمي بدأ يوضح شيئا فشيئا بأن هذه الفكرة باطلة وأنه لا وجود لشئ اسمه ( الله). وقد انتشرت فكرة عدم الاعتقاد بالله بين أوساط المثقفين.

وهكذا كانت معاول الهدم تهدم الإيمان بالله في نفوس الجيل الجديد وتثير الحيرة فيها , ويتحدث السيد " عبد الله يكن" مؤلف " يني لغات " " القاموس الجديد " عن حيرته هذه عندما كان طالبا في المدرسة المتوسطة فيقول بأن مدرسيه لم يكونوا يتحدثون مطلقا عن ( الله ) فكان يذهب هو وصديق له يدعي " رفعت " لزيارة بديع الزمان :

" كنا أنا وصديقي رفعت نزوره على الدوام يتحدث معنا عن أهمية الإيمان وعن وحدانية الله وأن الإنسان لم يخلق للعيش بدون ضوابط وكنا نحس في أعقاب كل زيارة بأننا قد ولدنا من جديد وكانت نفوسنا تطفح بالسعادة المعنوية وبالبشر والفرح ..)" وقد أحس بديع الزمان بضرورة كتابة رسالة عن هذا الموضوع الخطير لكي يكون وسيلة إنقاذ الآلاف ومئات الآلاف من الجيل الجديد الحائر الذي يبحث عن نور لقلبه وهداية لروحه يقول بديع الزمان في مقدمة هذه الرسالة :-

جاءني فريق من طلاب الثانوية في " قسطموني " قائلين : عرفنا بخالقنا فإن مدرسينا لا يذكرون الله لنا ! فقلت لهم : إن كل علم من العلوم التي تقرأونها يبحث عن الله دوما ويعرف بالخالق الكريم بلغته الخاصة فأصغوا إلى تلك العلوم دون المدرسين .

فمثلا لو كانت هناك صيدلية ضخمة في كل قنينة من قنانيها أدوية ومستحضرات حيوية وضعت فيها بموازين حساسة وبمقادير دقيقة فكما أنها ترينا أن وراءها صيديلا حكيما وكيميائيا ماهرا كذلك صيدلية الكرة الأرضية التي تضم أكثر من أربعمائة ألف نوع من الأحياء – نباتا وحيوانا – وكل واحد منها في الحقيقة زجاجة مستحضرات كمياوية دقيقة وقنينة مخاليط حيوية عجيبة تري – حتي للعميان – صيدليّها الحكيم ذا الجلال وتعرف خالقها الكريم سبحانه بدرجة كمالها وانتظامها وعظمتها ومدي نسبتها قياسا على تلك الصيدلية لتي في السوق وذلك وفق مقاييس علم الطب الذي تقرأونه .

تهمة جديدة ومحاكمة أخري :

كانت الحركة النورية في توسع دائم وفي نشاط مستمر ذخرها الشوق والإيمان المتوهج في القلوب ولم تنفع كل التدابير الحكومية في بناء سد أمام هذه الحركة أو إيقاف تقدمها وتوسعها إلاّ أنها أمام هذا الأمر توسلت مرة أخري بأسلوب المحاكمة والسجن .

في 31 آب سنة 1943 م- بينما الأستاذ بديع الزمان مصاب بحمي شديدة – نتيجة دس السم له بتدبير من البوليس السري على الأغلب – داهمت الشرطة منزله وقلب البيت رأسا على عقب ولكنها لم تعثر إلا على بعض الرسائل التي تبحث مسائل الإيمان والخرة والأخلاق .. الخ وفي 18 ايلول من السنة نفسها قامت الشرطة بمداهمة المنزل مرة أخري على أمل العثور على أى دليل للاتهام يسوغ لها سوق بديع الزمان إلى المحكمة ومع أنها لم تعثر إلاّ على كتب وسائل من النوع السابق إلاّ أنها قامت بتوقيف الأستاذ بديع الزمان في " 20 أيلول" حيث سيق برفقة الشرطة إلى " أنقرة" مع مئة وستة وعشرين من طلاب النور جمعوا من مختلف المدن .

أما التهمة الموجهة إلى بديع الزمان وإلى طلابه فهي كسابقاتها : تأليف جمعية سرية وتحريض الشعب على الحكومة العلمانية ومحاولة قلب نظام الحكم ثم تسمية مصطفى كمال بـ" الدجال " و" هادم الدين" .

التبليغ واجب:

سغّر بديع الزمان إلى أنقرة بإحدي سيارات النقل العمومية في أواخر شهر رمضان وفي يوم شديد الحر ما كانت وطأته شديدة على العالم الصائم البالغ من العمر سبعين عاما ولكنه وهو في الطريق لا ينسي أن يؤدي واجب التبليغ والإرشاد إذ يلتفت إلى حارسه قائلا له :" هل يمكن الإيعاز إلى السيد السائق بأن يقف السيارة ؟ أنه ( لا إكراه في الدين ) ألا أنه عندي بعض النصائح أريد أن أسديها للركاب ".

وقّف السائق والتفت الزمان إلى الركاب مخاطبا : أن هذه الليلة ستكون ليلة القدر على أغلب الاحتمال إن ثواب قراءة القرآن الكريم وفي أيام رمضان الأف أما في ليلة القدر فهو ثلاثون ألف حسنة فلو عرض أحدهم عليكم خمس ليرات ذهبية لقاء عمل ما أما ترغبون في الحصول عليها ؟!

أجاب الركاب : " نعم ... نرغب في ذلك .."

فقال لهم ك أذن فليقرأ كل مسلم منكم الآن سورة ( الفاتحة) ثلاث مرات وسورة ( الإخلاص ) مرة واحدة وآية الكرسي مرة واحدة فإنها ستكون لكم ذخرا في حياتكم الأبدية ".

وفي الطريق عندما يحين وقت الإفطار تقف السيارة حيث يفطر الأستاذ بديع الزمان مع الركاب ويصلي معهم صلاة المغرب .

وإلى أنقرة ينتحر :

وفي أنقرة يلبه الوالي " نوزاد طان دوغان " حيث تجري بينهما مناقشة حول زيّه إذ يحاول الوالي تبديل زيّه قسرا فيّرد عليه الأستاذ بديع الزمان من أنه شخص منزو وأن قانون الأزياء لا يشمله وأن هذه العمامة لا ترفع إلا مع هذا الرأس مشيرا إلي عنقه .

ومن تجليات القدر الداعية للتأمل أن هذا الوالي الفظ الذي تلفظ بكلمات جارحة مهينة ضد الأستاذ قد انتحر في (9 تموز سنة 1964 ) بإطلاق رصاصه على صدغه ..

سجن دينزلي ( المدرسة اليوسفية الثانية ):

ومن ( أنقرة) أرسل الأستاذ إلى " أسبارطة " ومنها إلى مدينة " دينزلي" حيث أودع في سجنها وعندما قامت الحكومة بتأليف لجنة تدقيق رسائل النور لتبين ما إذا كانت تحتوي على موضوعات سياسية أو على أية تهمة من التهم المذكورة سابقا اعترض الأستاذ على هذه اللجنة التي رآها قد شكلت من أشخاص جهلاء غير مؤهلين لإصدار الرأي في رسائله قائلا :

" إن هؤلاء الخبراء – الذين لا خبرة لهم على الإطلاق – غير مؤهلين لتدقيق رسائل النور , لذلك فإنني أطالب بتأليف لجنة عليا في أنقرة تتألف من أهل العلم. وإذا لزم الأمر فليقدم متخصصون وعلماء من أوروبا لتدقيق هذه الرسائل فإذا وجدوا فيها أى عنصر يستوجب العقاب فأنني أرضي بذلك العقاب ".

وفعلا ألفت الحكومة لجنة أخري من علماء وخبراء قاموا بدراسة وتدقيق جميع رسائل النور وكانت النتيجة أنهم لم يعثروا فيها على أى شئ يكون موجبا للتهمة وجاء في قرارهم :

" ليس لبديع الزمان فعالية سياسية كما لا يوجد أى دليل كان على أنه يؤسس طريقة صوفية أو قائم بإنشاء أية جمعية وأن مواضيع كتبه تدور كلها حول المسائل العلمية والإيمانية وهي تفسير القرآن الكريم "

قضي بديع الزمان مدة تسعة أشهر موقوفا في سجن " دينزلي " في زنزانة انفرادية " وكان طلابه أيضا مسجونين في نفس السجن وقد توفي منهم اثنان أثناء السجن كانا من أقرب التلاميذ إلى قلبه وألف أثناء مكوثه في سجن" دنيزلي" رسالة " الثمرة " كان يكتبها على قصاصات من الورق ويضعها في علب الكبريت ويرميها خفية من شباك ردهته إلى طلابه وهم بدورهم يستنسخونها .

دفاع رائع :

وأثناء مدة التوقيف عقدت محكمة الجزاء الكبري عدة جلسات للمحاكمة وقد ألقي بديع الزمان دفاعا رائعا أمام هذه المحكمة نورد جزءا منه هنا :

نعم .. نحن عبارة عن جمعية وأنها لجمعية تحوي في كل عصر على ( أربعمائة) مليون من الأعضاء المنتسبين إليها وهم في كل يوم يعبرون خمس مرات دائما عن أتم علاقتهم بالدستور العظيم لهذه الجمعية وهم يتسابقون دائما إلى تحقيق أهم شعائرها ألا وهو " إنما المؤمنون أخوة" فنحن من أفراد هذه الجمعية المقدسة العظيمة , وظيفتنا تعريف هؤلاء الإخوة المؤمنين بحقائق القرآن تعريفا علميا راسخا وذلك تعاون منا على اعتناق أنفسنا من سجن الأبدية الذي يتهددنا .

بأي وجه حق تستطعيون إيقاف حركة " رسالة النور " وإنما هي عبارة عن خدمة حقائق [[القرآن]] و[[القرآن]] حقيقة مرتبطة بعرش الله العظيم ومن ذا الذي يستطيع أن يجرأ فيقف في وجه حقيقة ترتبط بعرش الله تعالي؟.

أنني لا أتوجه في بياني هذا إلى أعضاء هذه المحكمة فقط بل إلى تلك الجماعة المتآمرة في اسبارطة أيضا . أنني لا عجب كيف يتهم أناس يتبادلون فيما بينهم تحية القرآن وبيانه ومعجزاته باتباعهم للسياسة والجمعيات السرية ؟! على حين يحق لمارق مثل ( الدكتور دوزي) أن يفتري على القرآن وحقائقه في وقاحة وإصرار ثم يعتبر ذلك أمرا مقدسا لأنه حرية للرأي والفكر هذه حرية للرأي والفكر ...

أما نور القرآن الذي يأبي إلا أن يشع في أفئدة ملايين المسلمين المرتبطين بدستوره فهو خطورة تنهال عليها ألفاظ الشر والخبث والسياسة !

إنكم تتهمونني بمعاداة " الجمهورية ولكن أقول لكم أنني منذ كنت طالب علم يؤتي لي بطعامي من الخبز والحساء كنت آكل نصيبي منه ثم أنثر ما ما بقي منه بين جماعات من النمل كانت بالقرب مني – تقديرا لجماعتها وتقديسا لنظامها وأخوتها – أنكم تستطيعون أن تعلموا من هذا مدي تقديري لحقيقة الجمهورية الصالحة على أن أكبر دليل على تقديسي الجمهورية هو احترامي لخلفاء الإسلام فقد كانوا إلى جانب كونهم خلفاء رؤساء جمهورية أيضا ولقد كانت حياتهم حياة جمهورية لا في الإدعاء اللفظي فقط بل في الحقيقة والواقع .

أما عن الجمهورية العلمانية فنحن نعلم أنها تلك التي لا تتعرض للدين في خير أو شر ولكن ها أنتم أولاء تفسحون الطريق أمام كل جريمة وفاحشة خلقية , وكذب على الله والكون باسم الحرية الوجدانية الفكرية حتي إذا تنبهتم لآية من القرآن تفسر وتجلي حقائقها رفعتم أصواتكم بالنكير وقلتم : جمعية سرية سياسية وخطورة !!

إن المسألة إذن من الخطورة والإجرام بحيث تحاولون أن تستروها برداء العلمانية فإن كان الأمر كذلك فاعلموا أنه لو كانت لى ألف روح فأنا على استعداد ان افدي كل ذلك في سبيل أهم حقائق الكون غلا وهو دين الله تعالي وسأحتمي منكم بحصن واحد فقط هو :" حسبنا الله ونعم الوكيل ".

أنكم تدرون ثم تقولون : إن أعمالي الدينية ما هي إلا استغلال ووسيلة للإخلال بالأمن . ولكن أقول لكم بالمقابل : أن دعواكم هذه ليست إلا استغلالا ووسيلة لإعدام الدين باسم المحافظة على الأمن .

أنكم تعلمون أن رسالة النور تضيء منذ عشرين عاما فهل سجلتم منذ ذلك اليوم إلى الآن حادثة واحدة أخلت بالأمن ؟ إذن فإن تلك المادة ذات الرقم " 163" ما هي إلا عبارة عن كرة تقذفون بها إلى حيث أردتم وما أرادتكم إلا معاداة الدين .

إذن فاسمعوا يا من بعتم بدنياكم ونكستم في الكفر المطلق أنني أقول بمنتهي ما أعطاني الله من قوة افعلوا كل ما يمكنكم فعله فغاية ما نتمناه أن نجعل رؤوسنا فداء لأصغر حقيقة من حقائق الإسلام .

نحن في كل لحظة ننتظر أحكام إعدامكم أن السجن الخارجي على هذه الحال أسوأ مئة مرة من ذلك السجن الداخلي . وتقولون : لماذا لا تلبس قبعتنا منذ عشرين عاما مرة واحدة ؟ ولم تكشف عن راسك لمحكمتنا مرة واحدة مع أن سبعة عشر مليونا انسجموا مع هذا اللباس ؟

وأنني أقول : ليسوا سبعة عشر مليونا ولا سبعة ملايين بل لا يوجد اقل من القليل لبسوها بمحض إرادتهم واختيارهم اللهم لا حفنة من الحمقي الذين يلهثون وراء رذيلة وانحطاط أوروبا .

إن مثلي ممن ترك الحياة الاجتماعية منذ خمس وعشرين سنة لا يقال عنه في هذا مخالف أو معاند , وافرضوا أنه عناد فما دام أن مصطفى كمال بنفسه لم يقدر أن يكسر نادي , وأن محكمتين وحكومة ثلاث ولايات لم تستطع التأثير في فما أنتم وخطبكم حتي تضيعوا الوقت في هذا العبث ؟

ويقول في موضوع آخر من دفاعه :

هذه هي الحقيقة ونحن نقول بكل قوة :

أيا من بعتم دينكم بدنياكم أيها الكافرون التعساء أنفقوا ما شئتم ستكون الدنيا وبالا عليكم لقد فديت هذه الدعوة المقدسة بملايين الأبطال ونحن مستعدون لأن نفديها بأرواحنا أننا نفضل البقاء في السجن ألف مرة على أن نري الحرمات تنتهك في ظل هذا الاستبداد لا يمكن أن يقال أن هناك حرية , حرية العلم أو حرية الضمير أو حرية التعبير أو حرية الدين وبقي على طلاب الحرية أن يموتوا أو يبقوا في السجون محتمين بالله تعالي قائلين :" حسبنا الله ونعم الوكيل ".

إن الدعوي المقامة على رسائل النور ليست مسألة شخصية أو شيئا بسيطا حتي يقلل من شأنها أنها مسألة تهم الأمة والوطن والدولة وتهم الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي بأسره سيتابع هذه المسألة بإهتمام بالغ .

نعلن بأننا منتسبون إلى الجماعة الإسلامية التي ينتسب إليها أكثر من ثلاثمائة مليون مسلم فنحن حزب الله ونحن أخوة متضامنون ... خدم [[القرآن]] .. وجند الله وحزبه أيها السادة ! يا رئيس المحكمة ! أنكم إذ تصدرون هذه الأحكام على رسائل النور وطلابها وتدعون لكفر والإلحاد وتحاولون حجب الحقائق القرآنية والإيمانية عن عيون البشر وتريدون بذلك سد الطريق الذي سار عليه ملايين بل مئات الملايين من المسلمين ووصلوا إلى السعادة الأبدية الحقيقة فلن تجنوا سوي حقدهم وازدارئهم .

أن الزنادقة والمنافقين غرروا بكم وصفعوا العدل والحق وانحرفوا بالدولة عن وظيفتها الأساس إلى مشاغل لا فائدة منها واتخذوا من الاستبداد جمهورية والردة نظاما ومن الجهل والسفه مدنية ومن الظلم قانونا وبذلك خانوا وطنهم وضربوه ضربة ما كان لأجنبي أن يرب مثلها.

وبالرغم من صدور قرار المحكمة في 15 / 6/ 1944 بتبرئته من جميع التهم المسندة إليه إلا أنه لم يطلق سراحه.

وهذا تصرف عجيب في تاريخ العدالة بل احتجز في أحد الفنادق لمدة شهرين ريثما تأتي التعليمات الحكومية بحقه من العاصمة ( آنقرة) .

جاءت التعلميات أواخر ىب 1944 أخيرا بنفيه – وهو الشخص الذي برأته المحكمة وبرأت كل رسائله – إلى قضاء " أميرداغ " من أعمال ولاية " افيون" .

في أمير أذاغ – ( 1944 )

وضع الشيخ في إقامة جبرية في أحد البيوت ووضع على بابه حارس لا يفارق الباب لمراقبة حركات وسكنات الشيخ العالم المنفي .

كان من عادة بديع الزمان الخروج في فصل الصيف إلى السهول والبساتين القريبة من " امير داغ" وكانت الشرطة تتعقبه ي نزهته هذه وفي إحدي المرات تعرضوا له بالأذي إذ نزعوا عمامته من رأسه وساقوه إلى مخفر الشرطة بحجة مخالفته لقانون الزّي .

وهنا أيضا وباعتراف الطبيب الرسمي آنذاك في " أمير داغ " دسوا له السم في طعامه حيث قضي الشيخ أسبوعا طريح الفراش يتلوّي من آلامه ولكن الله سبحانه نجاه من كيد أعدائه . ويضيق صدر بديع الزمان من هذه المعاملة , ومن هذا الوضع الذي لا يفرق كثيرا عن السجن الانفرادي فيكتب رسالة إلى رئيس قوي الأمن في ولاية " أفيون " قائلا له:

لأ لا أدري لماذا لا تعير بالا إلى المعاملة غير القانونية وغير المنصفة التي اتعرض لها والتي لم ير لها شبيه حتي الآن ؟ فمثلا عندما أرغب في الذهاب إلى الجامع وفي الأوقات التي يكن فيها خاليا تقريبا - لكي أفوز بثواب صلاة الجماعة مع أفراد قليلين فإن الأوامر الصادرة تحظر على وبشكل قاطع الذهاب إلى الجامع فآي قانون يوجب هذه المعاملة على شخص يعاني من الغربة والمرض والشيخوخة وضيق اليد ! وأية مصلحة فيها ؟ ثم أى بأس هنالك في قبول صداقة بعض الأفراد الذين يقومون بمساعدتي في بعض شؤوني الضرورية وأنا أعيش وكأنني في سجن انفرادي في غرفة باردة وفي جو من الغربة والمرض والفقر والشيخوخة وأى قانون يمنع هذا ؟ أى قانون يمنع تصالي مع شخص أو شخصين يرغبان في تأدية بعض الخدمات الضرورية لي والتي لا أستطيع أنا القيام بها ؟

ويكتب في إحدي رسائله لكي يسمع المؤولين في أنقرة : إذا كان الحاكم والمدعي واحدا فإلي من ترفع الشكوي ؟ لقد حرت طويلا في هذه المشكلة .. أجل إن حالتي اليوم , وأنا طليق مراقب أشد علىّ بكثير من الأيام التي كنت مسجونا فيها أن يوما واحدا من هذه الحياة يضايقني أكثر من شهر كامل في سجني المنفرد ذاك . لقد منعت رغم ضعفي وتقدمي في السن في هذا الشتاء القارس من كل شئ على أنني منذ عشرين سنة أعاني مأساة حبس منفرد . أنني أقول أن أهم وظيفة إنسانية لهذه الحكومة هي حفظ حقوقي التي لا يستطيع أحد إنكارها ذلك لأنها بعد مراقبة دامت تسعة أشهر لما كتبته في ظرف عشرين سنة اضطرت أن تعترف ببراءته ولكن هناك يد خفية – لكي تخدم النفوذ الأجنبي – لا تبالي أن تجعل من الحبة قبة في سبيل تجريمي وإسكاتي وهناك أيضا غاية واحدة لهم : هي أن ينفد ما لدّي من صبر ثم أقول : حسبي هذا القدر . نعم .. إن تجريدي من حقوقي الإنسانية كلها – بعد هذا كله – إنما هو حطة بل أشد أنواع الظلم .

لقد سمعت أن المسؤلين عهدوا إلى حكومة هذه المنطقة أعاشتي الدنيوية أنني اشكر هؤلاء الناس ولكنني أعلن لهم أن حريتي في أداء واجبي هي أهم من كل شئ فهي أول ركن من دستور حياتي .

إن إقصائي عن حريتي بحبائل الأوهام الكاذبة يجعلني أمل حياتي مللا شديدا مهما اكتنفها من مغريات العيش لا أقول الحبس أو السجن أنني لأفضل ذلك لقبر المظلم على هذه الحالة . أن على هؤلاء الذين يقولون أنهم لا يريدون ظلمي ويحكمون ببراءتي أن يردّوا على قبل كل شئ حريتي وأن لا يدنو غ إليها بسوء أنني أتمكن أن أعيش بدون طعام ولكني لا يمكن أن أعيش بدون حريتي ..

نعم أن ذاك الذي عاش طوال تسع سنوات على مبلغ لم يزد على ( 200) ليرة تركية دون أن يعرض نفسه معها إلى ذل الصدقة والمسألة والتعرض للزكوات والهدايا لا ريب أنه اليوم أحوج إلى الحرية منه إلى العيش .

ولكني أقول : أنه مما يعوضني عن عشرة من الناس يحال بيني وبينهم أن مليونا من المسلمين يعكفون على دراسة رسائل النور التي انتشرت فيما بينهم أنهم إن استطاعوا أن يسكتوني أمام الناس فلن يستطيعوا إسكات رسائل النور التي تصل إلى شغاف القلوب .. إن كل نسخة منها تقوم مقامي في الكلام والبيان ولن تسكتها أى قوة كانت على الأرض.

في محكمة أفيون " المدرسة اليوسفية الثالثة" :

هل كان مرور اثنتين وعشرين سنة على حياة النفي والإقامة الجبرية والمراقبة والترصد لشيخ بلغ عمره الخامسة والسبعين عاما يكفي بالنسبة إلى جالاوزة أنقرة آنذاك ؟!

كلا .. فالبوليس السري يترصد حركاته وسكناته ويترصد حركة طلابه ويبحث عن أية حجة أو مسوغ كان للقبض عليهم ..

وفي يوم 23 كانون الثاني سنة 1948 م داهم البوليس بيت الأستاذ بديع الزمان وبيوت من طلبة النور حيث سيقوا جميعا إلى سجن مدينة " افيون" ثم أشيع جو من الإرهاب في عدة مدن منها " أسبارطة" ودنيزلي , وآيدن , وآفيون " حيث اعتقل فيها أربع وخمسون شخصا من طلبة النور .

وفي هذه المرة أيضا كانت التهمة الموجهة هي التهم السابقة نفسها التي حوكم الأستاذ وطلابه بموجبها والتي برئوا منها ألا الإتهام بتشكيل جمعية سياسية والسعي ضد نظام الحكم .. الخ هذه النغمة المكررة دامت جلسات المحكمة مدة طويلة وصدر القرار أخيرا في 6 كانون الأول سنة 1948 بالحكم على الأستاذ بديع الزمان بالسجن لمدة عشرين شهرا وبالحكم مددا مختلفة على عدد من طلابه وتبرئة البعض الآخر .

وقد قام الأستاذ بديع الزمان بالاعتراض على هذا القرار في محكمة التمييزلتي سرعان ما قررت بطلان الحكم استنادا إلي قرار محكمة " دنيزلي" التي برأت الأستاذ الذي كان متهما بالتهمة نفسها .

وانعقدت المحكمة مرة ثانيا للنظر فيما إذا كان عليها أن تتبع قرار محكمة التمييز أم لا ؟ وتتعمد المحكمة أن تطيل في هذه المسألة وأن تؤجل الجلسات شهرا بعد شهر وبالرغم من أنها أقرت أخيرا قرار محكمة التمييز إلا أنها تتعمد إطالة إجراءات إطلاق سراح الأستاذ بديع الزمان حتي يقضي في السجن المدة التي سبق أن حكم بها وذلك لئلا يستفيد من قرار التبرئة .

فتأمل المستوي الهابط الذي تنحدر إليه المحكمة والألاعيب الرخيصة التي توسلت بها لإيذاء شيخ لم ينقموا منه إلاّ أنه يقول وفي هذا السجن قضي فيه الأستاذ بديع الزمان عشرين شهرا عومل معاملة قاسية فالبرغم من شيخوخته ومرضه وبالرغم من الشتاء القرس فقد تركوه وحده في زنزانة كبيرة عارية تسع ستين شخصا ... تركوه دون مدفأة بينما كان الثلج يتراكم على زجاج نافذته ودسوا له السم في طعامه ولكن الله حفظه وعندما حاول بعض طلابه إسعافه ومساعده ضربوهم ضربا مبرحا وأدميت أرجلهم على الفلقة) .

وفي هذا السجن أهتدي على يديه كثير من المجرمين والقتلة كما أنه استمر على التأليف فألف " الشعاع الخامس عشر " الذي هو رسالة " الحجة الزهراء " وتتناول الأدلة القاطعة على وجود الله سبحانه وتعالي ووحدانيته وعلى صدق نبوة محمد صلي الله عليه وسلم .

وعندما اضطرت المحكمة إلى إخلاء سبيله – بعد أن قضي في السجن عشرين شهرا ظلما ودون وجه حق إذ قرار المحكمة كان هو التبرئة – فإنهم لم يطلقوا سراحه في الوقت المعتاد بل أطلقوه في ( 20 أيلول سنة 1949 ) في الفجر حيث خرج بصحبة شرطيان وعدد من طلابه إلى بيت قد أعّ له .

مراحل حياة بديع الزمان :

بعد خروجه من سجن " آفيون" تبدأ المرحلة الثالثة من حياة بديع الزمان سعيد النورسي .

فيا تري ما هذه المراحل وماذا تعني ؟ لنشرح ذلك باختصار .

المرحلة الأولي " سعيد القديم "

هي المرحلة التي يطلق فيها سعيد النورسي على نفسه اسم " سعيد القديم " وتستمر حتي إقامته الجبرية في " بارلا"" سنة 1926م

في هذه المرحلة نري أن سعيد النورسي يحاول خدمة الإسلام بالخوض في غمار الحياة السياسية ومعتركها ويحاول صدر التيار المعادي وينصحه أو نراه يكتب المقالات السياسية العنيفة في جريدة " وولقان" ونراه يحاول التأثير في رجال الاتحاد والترقي لدفعهم إلى الجانب الإسلامي كما نراه يذهب إلى آنقرة ويحاول تقوية الجناح الإسلامي عند النواب ويحاول صد التيار المعادي للإسلام أما السنين الثمانية ألخيرة من هذا المرحلة فهي تعتبر مرحلة انتقالية إلى سعيد الجديد .

المرحلة الثانية " سعيد الجديد "

وهي المرحلة التي يطلق فيها على نفسه اسم " سعيد الجديد " وتبدأ هذه المرحلة من بداية حياته في منفاه في " بارلا" 1926م وتستمر هذه المرحلة حتي خروجه من سجن آفيون سنة 1949 . في هذه المرحلة الثانية نري أن " سعيدا الجديد " قد طلّق الحياة السياسية تحت شعاره المعروف " أعوذ بالله من الشيطان والسياسة" وأخذ على عاتقه مسألة " إنقاذ الإيمان" في تركيا وذلك بعد أن أيقن استحالة خدمة الإسلام بالدخول في معترك السياسة ودهاليزها وصراعاتها العقيمة خاصة بعد أن سدت المدارس الدينية وحولت مئات الجوامع والمساجد إلي مخازن أو اسطبلات أو مراكز للشباب فتحول سعيد النورسي من العمل السياسي وصرف اهتمامه إلى النواحي الإيمانية والقضايا الاعتقادية ففّوت على أعداء الإسلام كل فرصة أو حجة للوقوف أمام نشاطه وبالغرم من أنه قدم إلى المحاكم ست مرات فإن هذه المحاكم لم تكن تجد أى دليل ملموس على أنه يقوم بشئ مخالف للنظام أو الأمن وبالرغم ما تحاول هي هدمه وأنها تهدم ما تحاول هي بناءه فإن المحاكم لم تكن تجد دليلا قانونيا ضده فضلا عن أن الأستاذ سعيد النورسي ايقن بثاقب بصره أنه ما لم ينشئ جيلا مؤمنا بالله ورسوله حتي أعماق قلبه ووجدانه فإن كل سيكون عبثا لا جدوي منه .

وهل يمكن خدمة الإسلام بأناس لا يملكون سوي إنصاف الإيمان ؟... وهل يمكن ذلك وبنفوس لم تعرف الإسلام جيدا ولم تتشرب به ؟. ألا يكون ذلك أكبر تشويه لصورة الإسلام وأكبر أذي يمكن إلحاقه به ؟

إن هذه النظرة العميقة المتأنية والبعيدة عن الارتجال والعجلة ونفاذ الصبر قد تكن درسا مفيدا للكثيرين وتبرهن على أن في الوسع خدمة الإسلام بعيدا عن السياسة وصراعاتها .

أعوذ بالله من الشيطان والسياسة :

ويعلل الأستاذ سعيد النورسي سبب انسحابه من ميدان السياسة في تلك الفترة وانتقاله إلى سعيد الجديد بما يأتي :

لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب العشر سنوات عله يخدم الدين والعلم عن طريقها فذهبت محاولته أدراج الرياح إذ رأي :

إن تلك الطريق ذات مشاكل ومشكوك فيها وإن التدخل فيها فضولا – بالنسبة إلى فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب وهي ذات خطورة وأن أغلبها خداع وأكاذيب وهناك احتمال أن يكون الشخص آلة بيد الأجنبي جون أن يشعر . وكذلك فإن الذي يخوض غمار السياسة : أما أن يكون موافقها لسياسة الدولة أو معارضا لها فإن كنت كنت موافقا فالتدخل فيها – بالنسبة إليّ فضول ولا يعنيني حيث أنني لست موظفا في الدولة ولا نائبا في برلمانها فلا معني – عندئذ – لممارستي الأمور السياسية وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة فلابد أن أتدخل – في حنيه – أما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة فإن كان التدخل فكريا فليس هنالك حاجة إليّ أيضا لأن الأمور واضحة جدا فالجميع يعرفون المسائل مثلي فلا داعي إلى الثرثرة وإن كان التدخل بالقوة أى بأن أظهر المعارضة لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه بإحداث المشاكل فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار حيث يبتلي الكثرون بجريرة شخص واحد فلا يرضي وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتالمين من بين عشرة احتمالات لأجل هذا فإن سعيدا لقديم قد ترك السياسة ومجالسها الدنيوية كما ترك السيجارة وقراءة الجرائد .

المرحلة الثالثة " سعيد الثالث"

تبدأ هذه المرحلة التي يطلق فيها سعيد النورسي على نفسه اسم " سعيد الثالث " منذ خروجه من سجن مدينة آفيون وحتي وفاته سنة 1960 وتتميز الأوضاع في تركيا في هذه المرحلة بعودة الأحزاب السياسية إلى النشاط بعد أن كان حكم الحزب الواحد وقد توضحت هذه المرحلة بشكل جلي ابتداء من سنة 1950 وهي السنة التي فاز فيها الحزب المعارض " الحزب الديمقراطي في الانتخابات فوزا ساحقا وأقصي بذلك " حزب الجمهوري " من الحكم الذي حارب الإسلام مدة ربع قرن .

نري هنا أن ( سعيدا الثالث) زاد على " سعيد الجديد" نشاطا آخر وهو قيامه بالتدريس الجماعي لرسائل النور إضافة إلى قيامه بدعوة ونصح السياسيين ورجال الحكم بإتباع الإسلام والاسترشاد به وبيان أن الطريق الصحيح الوحيد هو طريق الإسلام من دون أن يدخل بنفسه إلى ساحة السياسة بل بقي أيضا بعيدا عنها يصرف كل جهده لتربية النفوس وتقوية الإيمان وتذكير الناس بالله واليوم الأخر , مع تنبيه مستمر إلى طلبته أن يتخذوا العمل الإيجابي بالنداء شعارا لهم دون الخوض في الدفاع عن حقوقهم بالقوة المادية أو الالتفات إلى التيارات المعادية والانشغال بها .

إلى أمير داغ مرة أخري :

بعد خروجه من سجن " آفيون" بقي بديع الزمان في أحد البيوت في مدينة آفيون مدة شهرين حيث كان ينتصب أمام بينه شرطيان يراقبان زواره وطلابه أى كان هناك سجن آخر بمظهر آخر .

ولكن نري بعض التغير في حياة الأستاذ بعد سجن آفيون فسابقا لم يكن يسمح الأستاذ لأحد أن يبيت في الدار لذلك فإن باب مسكنه كان يقفل من المغرب حتي فجر اليوم التالي أما لآن فلتقدمه في السن ولحاجته إلى الرعاية فإن بعض طلابه أصبحوا يبيتون في إحدي غرف البيت ولا يدخلون عليه إلا إذا طلبهم .

في تلك السنة أى ( سنة 1949 ) راجت رسائل النور رواجا كبيرا إذ سمح لها بعد قرارات البراءة التي أصدرتها مختلف الحاكم بالطبع على الرونيو فأصبحت ألاف النسخ المطبوعة تنتشر في القري والنواحي والمدن فتكسب آلاف الأنصار وتشعل جذوة الإيمان في آلاف القلوب .

وهكذا فرضت " حركة النور" نفسها على واقع المجتمع التركي فلم يعد بوسع أحد أن يتجاهلها فهذه المحاكم المتلاحقة للأستاذ بديع الزمان ولطلابه لم تستطع أبدأ أن تكون سدا مانعا أمام هذه الحركة بل شاءت حكمة الله أن تكون هذه المحاكم نفسها وسيلة فعالة في نشر رسائل النور ذلك لأن المرافعات الرائعة التي كان يلقيها الأستاذ بديع الزمان في المحاكم – حيث المحاكم كانت علنية – كانت خير وسيلة لشرح غاية رسائل النور وفضح مرامي وأهداف الذين يقفون ضدها وكانت هذه المرافعات تستنسخ من قبل طلاب النور وتوزع سرا بين الناس كما أن المحاكم وما كان يسبقها من توقيف للأب النور وما يعقبها من الحبس كانت وسيلة للتعارف بين طلاب النور الذين احضروا من مختلف القري والنواحي والمدن فكانت السجون هي أماكن تعارفهم وتآلفهم وتصادقهم وتعلم الحروف العربية وتجديد العهد بينهم على نذر أنفسهم لخدمة الإسلام حقا أنها كانت " مدرسة يوسفية ".

كانت محكمة آفيون قد قررت مصادرة رسائل النور ولكن محكمة التمييز نقضت هذا القرار استنادا إلى محكمة الجزاء الكبري في " دينزلي" كانت قد أصدرت قرارها ببراءة رسائل النور وأجازت تداولها وعلى أثر ذلك انعقدت المحكمة مرة أخري لإعادة النظر في هذا الموضوع وبينما كانت المحكمة مستمرة في عقد جلساتها تبدلت الحكومة في أنقرة إذ جاء الحزب الديمقراطي غلى الحكم سنة 1950 م بعد فوزه في أول انتخابات حرة تجري في تركيا مطيحا بحزب الشعب الجمهوري الذي يحكم البلاد مدة ربع قرن من الزمان والذي تميز عهده بالعداء الشديد للإسلام .

وعند مجئ الديمقراطي إلى الحكم أصدر عفوا عاما في البلاد ... وهكذا أغلقت هذه القضية .

بعد أن قضي الأستاذ مدة شهرين في مدينة آفيون اتجه مع بعض طلابه إلى " امير داغ " حيث قضي فيها سنتين وبعدها توجه في زيارة إلى مدينة " اسكي شهر " سنة 1951 م وكانت هذه أول زيارة حرة يقوم بها إذ أنه لم يكن يستطيع ذلك قبل عام ( 1950 م) وهناك التقي طلابه القدامي والطلاب الجد .

بقي الأستاذ شهرا ونصف شهر في هذه المدينة في فندق " يلدر" التقي فيها جميع أصناف الشعب الذين كانوا يتقاطرون لزيارته .

الفصل الثالث: أواخر حياته 1368 – 1379هـ 19501960م

سنة 1950  :

استبشر المسلمون بمجئ ( الحزب الديمقراطي ) إلى الحكم لا لأن هذا الحزب كان حزبا إسلاميا بل لسببين رئيسين:

1- أنه أزاح من الحكم أشرس عدو للإسلام .

2- أنه أعطي بعض الحرية للنشاط الإسلامي وارجع الأذان الشرعي .

لذلك فقد أرسل الأستاذ بديع الزمان برقية تهنئة لرئيس الجمهورية الجديد " جلال بايار" تمني فيها أن يوفقه الله لخدمة الإسلام وقد ردّ عليه رئيس الجمهورية ببرقية شكر .

محكمة أخري في استانبول :

بعد مدنية " اسكي شهر" توجّه الأستاذ بديع الزمان إلى مدينة " إسبارطة" حيث بقي فيها سبعين يوما ألتقي طلابه مستعيدا ذكري سنوات نفيه التي قضاها فيها .

في تلك الأيام قام بعض طلابه في استانبول بطبع رسالة " مرشد الشباب" بالحروف الجديدة مما تسبب في إقامة دعوي ضده بحجة مخالفته للمادة ( 163 ) في الدستور التركي وهي المادة التي تحظر أى نشاط يستهدف إقامة الدولة على أسس دينية . وقد استدعي الأستاذ بديع الزمان إلى استانبول للمثول أمام محكمة الجزاء الكبري وحدد يوم 22 كانون الثاني 1952 م للنظر في هذه الدعوي وخلال هذه الفترة كتب بحوث رسالة ( مفتاح إلى عالم النور ).

توجه بديع الزمان إلى استانبول ونزل في فندق " آق شهر " كانت هذه أول زيارة لمدينة استانبول بعد غيبة دامت سبعة وعشرين عاما.

استانبول .. تلط المدينة الجميلة .

استانبول ... مدينة الجوامع والمنابر .. المدينة التي قضي فيها سنوات لا ينساها من عمره والتي ترك فيها مئات من أصدقاء العمل قبل أن تبدأ سنوات النفي والسجن والوحدة التي أخذت من عمره ربع قرن من الزمان .

وما أن وصل إلى استانبول حتي بدأ سيل الأصدقاء القدامي بالوفود عليه .

كانت مقابلات مؤثرة .. يا للذكريات الكثيرة البعيدة ... البعيدة !

ذكريات كلها جهاد في سبيل الله وفي سبيل رسوله الحبيب.

كما توافد عليه سيل من طلاب النور ومن الشباب الجامعي لمؤمن الذين كانوا يتحرقون شوقا إلى رؤية مرشدهم الكبير .. إلى رؤية الشخص الذي قضي عمره كله مجاهدا في سبيل الله في أحلك السنوات والذي حمل في يده سراج الهداية وسط أعتي العواصف دون أن تلين له قناة أو تفتر له همة.

المحكمة :

انعقدت المحكمة في يوم 0 22 – كانون الثاني – 1952 ) وجاء الأستاذ يحف به المئات من طلبة النور .

كانت قاعة المحكمة قد امتلأت بجموع من الشعب الذين حضروا لمتابعة هذه القضية ولرؤية هذا الشيخ الذي شغل تركيا كل هذه السنين كما امتلأت ممرات المحكمة وامتد الازدحام إلى الشارع .

جلس الأستاذ في المكان المخصص للمتهمين وبدأ الإدعاء العام بقراءة تقرير الخبراء المكلفين بتدقيق رسالة " مرشد الشباب " تم استجواب الأستاذ كان تقرير الخبراء يقول باختصار ما يأتي :

" أن المؤلف يحاول في رسالته هذه نشر الفكرة الدينية وأنه يحاول رسم طريق معين للشباب بوساطة هذه الأفكار وأنه يدعو النساء إلى الاحتشام وعدم السير والتجول بملابس تكشف عن أجسامهم لأن ذلك يصادم الفطرة ويخالف الإسلام والآداب القرآنية .

كما أن المؤلف يدعو إلى تدريس الدين وهو بذلك يؤيد إقامة نظام الدولة على أسس دينية .. الخ "

وبعد الانتهاء من قراءة صيغة الاتهام قام الأستاذ بديع الزمان للردّ على ما ورد أعلاه قائلا ما خلاصته :

" إن خمسا وثلاثين سنة من عمره يعطي مثالا جيدا لا يقبل الشك بأنه لم يشتغل بالسياسة مطلقا ولم تكن له أية علاقة بأية أمور دنيوية أو تيارات ضارة .

أن ما يهمه ويشغل باله هو أن يخدم القرآن وأن يوضح الحقائق الإيمانية .

وأنه حاول ولا يزال يحاول بكل جهده أن ينفذ الإيمان وأن قرارات البراءة الصادرة من محاكم مختلفة تعطي الدليل القاطع على ذلك .

أما بخصوص رسالة " مرشد الشباب" فإن قيام الشباب بطبعها يجب أن يكون مبعث سرور ارتياح ذلك لأن هذه الرسالة تحاول إنقاذ الشباب والشابات من التيارات العديدة التي تعمل على هدم بنية المجتمع ونخر جسمه".

وبذلك انتهت الجلسة الأولي للمحكمة على أن تعاود انعقادها في 19 شباط .

وعند انعقاد الجلسة الثانية في موعدها المحدد كان هناك ازدحام أشد إلى درجة تعذر على الشرطة السيطرة على الناس المتدافعين .

وفي هذا الجو من الزحام والتدافع لم يكن من الممكن إجراء لمحكمة لذلك فقد توجه رئيس المحكمة إلى الموجودين قائلا لهم :

إذا كنتم تحبون الشيخ فأفسحوا لنا المجال لكي نستطيع الاستمرار في إجراءات المحاكمة .

وعلى أثر هذا الطلب فقد بدأ الجمهور بالتراجع وهكذا بدأت المحاكمة إذ استدعي صاحب المطبعة الذي قام بالطبع كما استمع إلى شهادة الشرطة ثم قام بديع الزمان وقدم اعتراضه على تقرير الخبراء وحينما أدركته صلاة العصر طلب الأستاذ السماح له بتأدية الصلاة وقد أجيب إلى طلبه إذ أعلن رئيس المحكمة انتهاء الجلسة الثانية . وفي الجلسة الثالثة التي انعقدت في ( 5 مارت سنة 1952 ) اتخذت الحكومة احتياطات أمن مشددة فوزعت مئات من رجال الشرطة أمام المحكمة وداخلها حيث استطاعت بذلك تنظيم السيطرة على الآلاف من محبي وطلاب الأستاذ بديع الزمان .

في البداية استمعت المحكمة إلى شهادة الطالب الجامعي الذي قام يطبع هذه الرسالة ثم ألقي محامو بديع الزمان بدفاعاتهم وردّوا على التهم الموجهة إليه .

وأخيرا توجه رئيس المحكمة إليه متسائلا:

- هل هناك ما ترغب في قوله زيادة على ما قلت ؟

- أرجو أن تسمحوا لى بزيادة كلمة واحدة .

- تفضلوا

- أنني لست أهلا لكلمات الثناء التي أضفاها علىّ موكلي المحترمون إذ أنني لست سوي خادم عاجز للقرآن وللإيمان وليس عندي ما أقوله سوي هذا .

وأخيرا أصدرت المحكمة قرارها بالبراءة

محكمة صامسون 1953 :

بعد براءته من محكمة استانبول ذهب الأستاذ سعيد النورسي إلى " أمير داغ " فهناك له ذكريات كثيرة وطلاب وأصدقاء عديدون وفي أحد أيام رمضان خرج الأستاذ سعيد النورسي وحده يتجول في الحقول المحيطة بالمدينة دون أن يدري بأن عريف شرطة مع ثلاثة من أفراده يتعقبونه .

ولم يستطع الأستاذ أن يتم تجواله إذ لحقه هؤلاء وعرضوا عليه أن يلبس القبعة وعندما قادوه إلى مركز الشرطة احتج الأستاذ على هذه المعاملة وأرسل عريضة إلى وزارة الداخلية في أنقرة شجب فيها هذه التصرفات الرعناء كما أرسل صورة من عريضته إلى أحد طلابه في أنقرة ليتتبع الموضوع عند المراجع الرسمي ومن أنقرة قرر بعض طلابه إرسال نسخة من هذه العريضة إلى جريدة إسلامية تصدر في صامسون باسم الجهاد الأكبر حيث نشرت هناك .

في هذه الأثناء وقعت حادثة الصحفي المعروف " أحمد أمين يالمان" إذ حاول شاب مسلم أن يغتاله فأطلق عليه عدة رصاصات لم تنل منه مقتلا ." أحمد أمين يالمان " صحفي مشهور من طائفة "

الدونمة"وكان سجل هذا الصحفي بالذات سجلا حافلا بالعمل ضد الإسلام منها مطالبته بتشكيل دويلة أرمنية في تركيا كما طلب أن تقوم الولايات المتحدة باستعمار أراضي تركيا عسكريا لإدارة شئونها حيث لم تصل تركيا إلى المستوي الذي تستطيع فيه لإدارة نفسها !!

وقد استغلت هذه الحادثة استغلالا كبيرا كل الجرائد والمجلات المعادية للإسلام وجميع المحافل اليهودية الماسونية التي غاظها جو الحرية النسبي الذي بدأت تتنفسه لحركات الإسلامية في تركيا فأرادت أن تظهر بأن إعطاء أية حرية لمثل هذه الحركات ستكون نتيجتها ظهور الرجعية والإرهاب .. الخ.

كما وجدت صحف المعارضة ( وهي صحف حزب الشعب ) في هذه الحادثة فرصة ذهبية لها لكي تشفي غيظها من هزيمتها فى الانتخابات ولكي تكيل التهم للحكومة بأنها قد أرسلت الحبل على الغارب للرجعية وأنها أن لم تتدارك الموقف بحزم فإن مصيرا أسود ينتظر تركيا !.

كانت حملة صحفية رهيبة لم يستطع رجال الحزب الديمقراطي الحاكم أن يقفوا أمامها هذا فوق وجود جناح معاد للإسلام في هذا الحزب أيضا فصدرت الأوامر يغلق جميع الجرائد والمجلات الإسلامية واعتقال جميع الكتاب والمفكرين المسلمين العاملين فيها فاعتقل الأستاذ " نجيب فاضل" الجنرال المتقاعد " جواد رفعت أتيلخان " و" عثمان يوكسل" وغيرهم ..

كل ذلك مقابل قطرات قليلة من دم يهودي عاث ولسنوات عدة فسادا في تركيا وطعن الشعب التركي المسلم في ظهره في مواقف كثيرة .

قد اعتقل في هذه الحملة من الاعتقالات المدير المسئول عن جريدة " الجهاد الأكبر " واحد طلبه النور وهو السيد " مصطفي صونغور الذي كان من المسئولين النشيطين في تلك الجريدة .

وسيقا معا إلى المحكمة في مدينة" صامسون" وقد أصدرت المحكمة قرارها بالحكم عليهما ولكن محكمة التمييز الغت هذا القرار وأصدرت قرارها بالبراءة .

ولكن قضيو أخري ثارت إذ فتحت دعوي في مدينة " صامسون" ضد الأستاذ بديع الزمان بسبب مقالة نشرت في جريدة " الجهاد الأكبر تحت عنوان ( أكبر برهان ) وطلب مثوله أمام محكمة " صامسون" ولكن الأستاذ كان آنذاك مريضا فضلا عن تقدمه في السن إذ كان في الثمانين من عمره .

وبالرغم من حصوله على تأييد طبي من طبيبه قضاء " أميرداغ" وكذلك من مدينة " اسكي شهر" إلا أن محكمة " صامسون" أصرت على حضوره .

وبناء على هذا الإصرار توجه إلى استانبول في طريقه إلى صامسون ولكن مرضه اشتد بعد وصوله إلى استانبول فلم يعد بإمكانه مواصلة السفر فأستحصل تقريرا طبيا من الهيئة الصحية وأرسله إلى المحكمة .

كان التقرير الطبي هذا يؤيد بأنه حالة الأستاذ بديع الزمان لا تسمح أبدا بالسفر لا برا ولا بحرا ولا جوا ولكن المدعي لعام بالرغم من هذا التقرير الطبي الواضح القاطع كان يطالب بشدة بحضوره ومثوله أمام المحكمة .

كان هذا الإصرار شيئا غريبا غير طبيعي وغير إنساني أيضا.. ومن لطف الله تعالي أن المحكمة لم تأخذ بوجهة نظر المدعي العام إذ قررت استنادا إلى التقرير الطبي – أن تقوم محكمة استانبول باستجواب الأستاذ نيابة عنها .

وأخيرا وبعد انتهاء جميع الإجراءات اللازمة أصدرت المحكمة قرارها بالبراءة إذ لم تجد في تلك المقالة ما يؤاخذ عليها .

بديع الزمان وبطريرك الروم :

قضي الأستاذ في استانبول ثلاثة أشهر تقريبا أمضي معظمها في بيت أحد طلابه المقربين .

في تلك السنة ( 1953 ) كانت استانبول تتهيأ للاحتفال بمرور خمسمائة عام على فتحها .

وقد اقيم فعلا احتفال مهيب دعي إليه الأستاذ بديع الزمان مع المدعوين الرسميين , وفي هذا الاحتفال التقي بطريرك الروم " آشنو كراس " وأثناء اللقاء جري بينهما الحوار الآتي :

سعيد النورسي : يمكن أن تكونوا من أهل النجاة يوم القيامة إذا آمنتم بلدين النصراني الحق بشرط الاعتراف بنبوة سيدنا " محمد" صلي الله عليه وسلم وبالاعتراف بالقرآن الكريم كتابا من عند الله .

البطريرك: أنني أعترف بذلك.

سعيد النورسي : حسنا , فهل تعلنون ذلك أمام الرؤساء الروحانيين الآخرين ؟

البطريرك : أجل أنني أقول ذلك ولكنهم لا يقبلون .

عودة إلى مدينة الذكريات " بارلا"

بعد قضائه ما يقارب ثلاثة أشهر في استانبول حنّ الأستاذ إلى زيارة المدن التي قضي فيها فترات لا يمكن نسيانها من حياته .

فزار " أمير داغ " ثم توجه إلى اسكي شهر" ومنها إلى إسبارطة بقي فيها ثمانين يوما . ومن إسبارطة توجه مع رهط من تلاميذه إلى مدينة الذكريات " بارلا" .. المدينة التي شهدت أول انبثاق الحركة النور ولرسائل النور ... المدينة التي سيق إليها منفيا فبارك الله له في أيام النفي وجعل تلك الأيام من أعز الأيام على قلبه وجعل ذكريات هذه البلدة من أحب الذكريات إلى نفسه .

وها هو اليوم يعود إليها ولكن بعد عشرين عاما حافلا بالإحداث والمواقف والابتلاءات .

يعود إليها طليقا يحف به بعض ثمار دعوته ... طلاب يتلألأ النور في جباههم المضيئة وتطفح قلوبهم بحب الله ورسوله .

ويسمع أهل البلدة بقدوم الأستاذ فيخرجون رجالا ونساء وأطفالا وشبابا لرؤيته ويقفز الأطفال الصغار وهم يرددون :

" جاء الشيخ .. جاء الشيخ "!

أنهم لم يروا هذا الشيخ الوقور ولكنهم سمعوا عنه من آبائهم وأمهاتهم .

وبينما كان الأستاذ يتقدم نحو البيت الذي بقي فيه ثماني سنوات إلى البيت الذي كان أول مدرسة نورية مرّ من أمام بيت تلميذه القديم " مصطفي جاويش وهو النجار الذي عمل له الغرفة غير المسقفة بين أغصان الشجرة التي كان يقضي فيها ساعات العبادة والتأمل .

مرّ أمام دار تلميذه ورأي القفل الكبير على باب الدار كان تلميذه القديم الوفي قد توفي 1937 بينما كان الأستاذ يعيش في منفاه في " قسطموني" مات هذا الرجل ولذلك لم يتيسر له اللقاء معه بعد خروجه من بارلا ولم يشعر والدموع تتساقط من عينيه وتبلل خده وأخيرا وصل إلى بيته السابق إلى مدرسته الأولي حيث كانت شجرته الحبيبة تنتصب أمامه كأنها – هي الأخري ترحب به جاشت في نفسه العواطف وطلب من طلابه ومن الأهالي أن يتركوه وحده .

ثم ذهب إلى تلك الشجرة التي قضي معها أكثر من ثماني سنوات أحتضنها وأجهش ببكاء طويل .

كانت هذه الشجرة قطعة من حياته ومن ذكرياته كم من ليال قضاها بين أغصانها يتهجد ويذكر الله ! كم من ساعات قضاها يؤلف رسائل النور ويسمع حفيف أغصانها وأوراثها وتغريد الطيور عليها كم من ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الحالكة أرق في غرفته فلم يكن له أنيس في وحدته غير صوت هذه الشجرة تعصف بها الرياح أو يسمع صوت قطرات الأمطار على أوراقها لقد كانت له أنسا في وحدته وسلوته في وحشته وصديقا في غربته .

وها هو الآن يرجع إليها بعد عشرين عاما يتحسسها ويريد أن يضمها إلى صدره ولا يمالك نفسه من البكاء عند لقائها .

وبعد ذلك صعد إلى غرفته واختلي بنفسه هناك مدة ساعتين تقريبا كان يبكي وهو يستعيد ذكريات أيامه الطويلة التي قضاها هنا وكان الناس والطلاب لمحيطون بالبيت يسمعون نشيج الشيخ فتدمع أعينهم كذلك .

محكمة آفيون تبرئ ساحة رسائل النور ( 1956 )

كانت محكمة آفيون قد شكلت لجنة من الخبراء لتدقيق رسائل النور سنة ( 1948 م) وإبداء الرأي حولها , ورؤية ما إذا كانت تحوي ما يؤاخذ عليه القانون التركي .

وقد استمرت هذه المحكمة طيلة ثماني سنوات وأخيرا أصدرت رأيها بتاريخ 25 / 5/ 1956 استنادا إلى التقرير المقدم من لجنة الخبراء بأن هذه الرسائل تخلو من أى عنصر مخالف للقانون .

كان هذا القرار يعني أن بالإمكان طبع رسائل النور وتوزيعها علنا وفعلا شمر طلاب النور عن سواعدهم فبدأت المطابع في استانبول وفي أنقرة وفي صامسون وفي أنطاكيا بطبع هذه الرسائل . وكانت الملزمات تأتي إلى الأستاذ قبل الطبع فيقوم بتصحيحها .

كان الأستاذ فرحا بطبع رسائل النور ويقول :

" هذا هو عيد رسائل النور كنت أنتظر مثل هذا اليوم لقد انتهت مهمتي إذن وسأرحل قريبا .

وعندما كان يخرج لأمر ما سرعان ما يعود قائلا لطلابه : لابد أن الملزمات قد جاءت .. لا يجوز لنا أن ندعها تنتظر يجب العودة حالا "

الأستاذ في الانتخابات العامة 1957  :

في سنة 1957 جرت الانتخابات العامة في تركيا وكان هناك حزبان رئيسيان يتنافسان على الحكم وهما الحزب الديمقراطي الحاكم وحزب الشعب المعارض مع أحزاب صغيرة لا تؤثر كثيرا في سير الانتخابات وبالرغم من أن الحزب الديمقراطي لم يكن حزبا إسلاميا إلا أن جو الحرية الذي ساد تركيا عقب تولية الحكم وانحسار وجه العداء الوحشي للإسلام كل ذلك كان يعطي مسوغا كافيا لحركات الإسلامية في تركيا أن تصوت بجانب الحزب الديمقراطي .

ومع أن الأستاذ سعيد النورسي لم يدخل الحياة السياسية ولم يؤلف حزبا سياسيا ولم يعلن عن أية نشاطات سياسية كانت إلاّ أنه قرر إعطاء صوته للحزب الديمقراطي في تلك الأيام وفعلا ذهب إلى صندوق الاقتراع وأدلي بصوته لصالح الحزب الديمقراطي .

أواخر أيامه :

قضي الأستاذ سعيد النورسي مع طلبته سنواته الأخيرة في مدينة اسبارطة وكان أحيانا يقوم بزيارة " بارلا" وكذلك " امير داغ " ولتقدمه في السن فإنه كان في أكثر الأحيان طريح الفراش .

كان قليل اللقاء الناس ولا يستطيع قبول زيارة المئات من الزوار وكان يقول :

" إن قراءة رسائل النور أفضل مئة مرة من الحديث معي ".

وكان طلابه يقدرون وضعه فلا يدخلون عليه إلا إذ طلبهم ومع ذلك فإنه لم يكن منقطعا عن العالم الخارجي كليا إذ كان يتتبع الأخبار وعين احد طلبته ليقرأ أهم ما في الجرائد فكان يهتم بأخبار طبع رسائل النور وبالمحاكمات المتعددة لطلاب النور .

ففي ( 16 نيسان سنة 1958 ) اعتقل جميع من كان في خدمة الأستاذ من طلاب النور يعملون في نشر الرسائل في أنقرة واستانبول وارسباطة وقد تقدم للدفاع عنهم المحامي " بكر برق " واجتمع هذا المحامي في سجن أنقرة بطلاب النور لمسجونين وقال لهم : أنني أحب أن أخذ رأيكم في مسألة تخصكم فهل تحبون أن أسعي إلى إطلاق سراحكم من السجن في أقرب فرصة أم ترغبون أن اسعي للدفاع عن دعوتكم وشرحها دون الاهتمام بقضية إطلاق سراحكم أجاب طلاب النور معا :

نرجو منك أن تحصر جهدك في بيان وشرح دعوتنا السامية فنحن رضوان أن نبقي في السجن سنوات عديدة .

وقد أدرك هذا المحامي أنه ليس أمام أناس اعتياديين بل هو أمام أناس نذروا أنفسهم لدعوتهم وقد أخذ هذا المحامي على نفسه مهمة الدفاع في جميع المحاكم التي سيق إليها طلاب النور .. وما أكثرها !

لقاء الوداع :

بدأ الأستاذ سعيد النورسي في أواخر أيامه بسلسلة من السفرات وكأنه كان يريد أن يؤدع طلابه.

ففي 19 كانون الأول لسنة 1959 سافر إلى " أنقرة" منها إلى " أمير داغ" ومنها إلى " قونيا " ومنها إلى " أنقرة" أيضا ومنها إلى " استانبول" في 1/1/1960 حيث بقي فيها يومين ثم رجع إلى " أنقرة" مرة أخري وقد أجري مندوب مجلة ( التايم) معه تحقيقا صحفيا طويلا ونشر في 6/1/ 1960 ثم رجع " إلى قونيا " ومنها- وفي اليوم نفسه توجه إلى " اسبارطة".

هذه الزيارات المتلاحقة أثارت رعب وسخط الأوساط المعادية للإسلام فأخذت صحفها تشن حملة عنيفة على الأستاذ وتثير الرأي العام ضده مختلفة سلسلة من الأكاذيب والافتراءات وكأن هناك فتنة دامية ستحل بالبلد .

لذلك فأن الأستاذ ما أن رجع إلى أنقرة في 11/1/ 1960 حتي أبلغته الحكومة بأن من الأفضل له أن يقيم في أمير داغ وفعلا رجع الأستاذ إلى " أميرداغ " ولكنه طلب من الحكومة أن تسمح له بالإقامة شهر في ( أمير داغ ) وشهرا في ( اسبارطة ).

في 20/ 1/ 1960 وجه الأستاذ بديع الزمان من " أمير داغ" إلى إسبارطة وبعد أن أمضي مدة فيها توجه إلى أفيون وبعد أن امضي فيها يوما واحدا راجعا إلى أمير داغ .

في شهر مارت من تلك السنة كان مريضا جدا إذ كان مصابا بذات الرئة وفي اليوم الثامن عشر من الشهر نفسه اشتد عليه المرض وغاب عن وعيه مرات عديدة ثم استغرق في النوم واستيقظ قبل صلاة الصبح حيث توضأ واستبدل ملابسه وكأنه قد عوفي من مرضه تماما وصلي صلاة الصبح ثم استدعي طلابه حيث ودّعهم واحدا واحدا قائلا لهم وعيناه تفيضان بالدمع :

- استودعكم الله ... أنني راحل .

وبعد أن ودّع أصدقاءه الآخرين توجه بالسيارة إلى إسبارطة وبقي هناك فترة فكان يؤم طلابه في صلاة العشاء أما في صلاة التراويح – إذ كان ذلك في أوائل شهر رمضان المبارك – فأن تلميذه السيد " طاهري موطلو" كان يقوم بالإمامة .

وقد استمر تحسن صحته حتي العاشر من رمضان ثم عاوده المرض كذلك وارتفعت درجة حرارته .

وفي أحد الأيام فتح عينيه قائلا لطلابه الذين كانوا يتناوبون السهر عليه : سنذهب !!

وعندما سأله أحدهم:

يا أستاذنا أين سيذهب ؟

إلى أروفة .. فتهيأوا!!

وقد اعتقد بعض طلابه أن الأستاذ لا يتكلم وهو في وعيه إذ ليس من المعقول أن يخرج للسفر وهو في هذه الحالة هذا فوق أن سيارتهم كانت معطوبة وتحتاج إلى وقت لتصليحها .

عرضوا الأمر على الأستاذ وهم يأملون أن يغير رأيه في السفر فأجابهم:

هيئوا سيارة أخري ألا نستطيع أعطاء مأتي ليرة ؟! إنني مستعد أن أبيع جبتي إذا لزم ألأمر أمام هذا الإصرار أسرع طلابه إلى استئجار سيارة أخري ونزل الأستاذ محمولا على أيدي طلابه وانطلقت السيارة متوجهة إلى أورفة وهي تحمل الأستاذ مع ثلاثة من طلابه .

ملاحقة حتي الموت :

وعندما شاهد الشرطي المكلف بمراقبة الأستاذ سفره أسرع بإبلاغ مركز الشرطة بذلك وقد احتد مسئولو الأمن لذلك واستقدموا أحد طلابه حيث أمطروه بوابل من الأسئلة :

- لماذا رحل أستاذكم ؟ وإلى أين ؟ ولماذا لم تحيطونا علما بذلك ؟

- أنكر الكل معرفته باتجاه سفر أستاذه وقال أنه من الممكن أن يكون قد توجه إلى " أغريدير" .

- بدأت البرقيات والتلفونات والاتصالات بين مختلف مراكز الأمن في مدن تركيا وكأن رجلا خطيرا قد هرب من سجنه وأعطيت أوصاف السيارة ورقمها إلى جميع مراكز الشرطة ونقاط التفتيش كان الجو ممطرا وقد عمد طلاب الأستاذ إلى تغطية رقم السيارة بالطين لكي لا تعرف وانطلقت السيارة تنهب الأرض باتجاه أورفة وبعد سفرة طويلة متعبة في جو عاصف وصلوا إلى أورفة في ( 21 مارت ) حيث نزلوا في فندق " ابك بالاس" وسرعان ما طوقت الشرطة الفندق ودخل أحد المسئولين ليبلغ الأستاذ – وهو طريح الفراش بأن عليه أن يغادر المدينة فورا وأن يرجع إلى إسبارطة فالأوامر صادرة من وزير الداخلية نفسه ويدور الحوار هكذا:

الشرطي : هناك أمر من وزير الداخلية يجب أن ترجع إلى إسبارطة بديع الزمان : عجيب أمركم .. أنني لم آت إلى هنا لكي أغادرها . اني قد أموت .. ألا ترون حالي ؟ ( ويلتفت إلى طلابه ) .. اشرحوا أنتم حالي .

ويساق ثلاثة من طلابه إلى مركز ويبدأ الاستجواب معهم :

- لماذا أتيتم هنا؟ من أعطاكم الإذن بذلك؟

- نحن تبع لأستاذنا ننفذ ما يقوله لنا دون مناقشة.

- قولوا لأستاذكم بأن هناك أوامر مشددة من السلطات العليا وأن عليكم أن تتركوا " أورفة حالا وترجعوا إلى " اسبارطة" وإذا لم تستطيعوا الرجوع بسيارتكم فسنجهزكم بسيارة إسعاف .

- أنه مريض جدا ولا يستطيع تحمل مشقات سفر يستغرق أربع وعشرين ساعة أخري .

- يجب أن تراجعوا كما أتيتم فلدينا أوامر من السيد الوزير ويجب أن تتركوا " أورفة " حالا .

- لا نستطيع التدخل في شؤون أستاذنا . فإذا أحببتم اعرضوا الأمر عليه وإذا أمرنا بالذهاب فسنذهب .

- يحتد مدير الأمن :

- ماذا تعنون ؟ ألا تستطيعون أن تعرضوا عليه أمر كان ؟

- نعم . لا نستطيع .

- وهنا يصرخ مدير الأمن :

- إذا كنتم مرتبطين بأستاذكم فأنني أيضا مرتبط برؤسائي وأنا أعطيكم مهلة ساعتين فقط لترك هذه المدينة والرجوع إلى " اسبارطة"

- انتشر خبر نية السلطة في إخراج الأستاذ بديع الزمان من المدينة بين الأهالي فولّد هيجانا عاما بين أفراد الشعب وتجمع عدة آلاف من الأهالي حول الفندق وترامي الخبر إلى رئيس شعبة الحزب الديمقراطي في أورفة فأسرع إلى مدير الأمن وخاطبه بحدة :

- إذا أخرجتم الأستاذ بديع الزمان من هنا فستجدوني أمامكم .. لن تستطعيوا أن تلمسوا شعرة منه ولا أن تنقلوه خطوة واحدة ... أنه ضيفنا.

- سيدي إن الأوامر صادرة من فوق .. من الوزارة نفسها لذا يجب أن يرجع حيث أتي :

- كيف يعود ّ ألا ترون أنه في أشد حالات المرض ولا يستطيع لحراك ؟ أنه أتي إلينا ضيفا ولا داعي هناك لكل هذا التشدد.

وبينما كان هذا الحوار يجري في مديرية الأمن أسرع بعض طلاب النور إلى المستشفي واصطحبوا الطبيب الحكومي إلى الفندق لفحص الأستاذ واستحصال تقرير طبي في عجزه عن السفر .

حضر الطبيب إلى الفندق وأجري كشفا طبيا على الأستاذ بديع الزمان فوجده فى أشد حالات المرض ووجد أن حرارته قد بلغت الأربعين درجة فكتب تقريرا طبيا بذلك موضحا وجوب استراحته وعدم انتقاله إلى مكان .

ولكن مدير الأمن كان مصرا على موقفه .. يجب أن يترك المدينة وقرر أن يأتي إلى الفندق ليقابل الأستاذ بنفسه ويأذن الأستاذ لمدير الأمن بالدخول عليه حيث يبلغه مدير الأمن بأن الأوامر قطعية وأن عليه أن يترك المدينة راجعا إلى إسبارطة .

بديع الزمان قائلا :- أنني الآن في الدقائق الأخيرة من عمري لا أستطيع الرجوع وقد أموت هنا أن وظيفتك الآن هي تهيئة الماء لغسلي بعد الوفاة . يخرج مدير الأمن وأفراد الشرطة من الغرفة متأثرين ومنكسين رؤوسهم .

ويقوم الأهالي والجمعيات والتنظيمات المختلفة بإمطار أنقرة بسيل من البرقيات لتي تستنكر بشدة هذا الموقف البعيد عن جميع القين الإنسانية .

ويتقاطر الناس أفواجا على الفندق فالكل يريد أن يري الأستاذ وأن يلقي عليه النظرة الأخيرة وبالرغم أنه لم يكن يقبل سابقا مثل هذه الزيارات – لكون صحته لا تساعد على ذلك – فإنه في هذه المرة لم يرد أحد بل قابل المئات والمئات ودعا لهم واحدا واحدا.

اللحظات الأخيرة :

في المساء ارتفعت درجة حرارته لم يعد يتكلم بل كانت شفتاه تختلجان بالدعاء .

وفي الساعة الثانية والنصف صباحا يتحسس أحد طلابه حرارته فيجدها قد انخفضت قليلا فيغطيه ويقوم بإشعال الموقد في الغرفة وهو يحمد الله على تحسن صحة الأستاذ .

ولكن الصباح يقترب ولا يقوم الأستاذ لصلاة الصبح .. يكشف أحدهم عن وجهه فيعرف الحقيقة لقد انتقل أستاذه إلى بارئه .

التقويم في الحائط يشير إلى يوم الأربعاء الخامس والعشرين من رمضان سنة 1379هـ ( 23 مارت 1960م)

ينتشر الخبر في الفندق فيصعد مدير الفندق إلى غرفة المرحوم ليتلقي مع مدير الأمن الذي كان في طريقه إليها يسأله مدير الأمن :

- ما الخبر

- مدير الفندق :

- لقد توفي .

- هل توفي حقا ؟

- نعم !

- وينتشر الخبر في " أورفة " أول الأمر فتتجمهر الألوف حول الفندق ثم ينتشر ل الخبر في المدن التركية الأخرى ويبدأ سيل من الناس بالوفود إلي المدينة وعلى أكتاف طلابه ومحبيه وعشرات الآلاف من المشيعين وبينما المطر ينزل رذاذا من السماء يواري الأستاذ العظيم بالتراب في مقبرة " أولو جامع"

- انقلاب عام 1960 م وقضية رفات الأستاذ :

- وقع انقلاب عسكري في 27 مارس سنة 1960 أطاح بالحزب الديمقراطي وسيق أعضاء الحكومة إلى المحكمة التي أطلق عليه اسم " محكمة الدستور" وانتهت هذه المحكمة ا بتنفيذ حكم الإعدام برئيس الوزراء " عدنان مندرس " وعلى اثنين من وزرائه وبمدد مختلفة للوزراء وللمسئولين السابقين في حكومة الحزب الديمقراطي .

- كما بدت عداء لجميع التيارات والحركات الإسلامية في تركيا ومنها حركة " طلاب النور "

- وكأن حقد

- أعداء الإسلام وغيظهم على الأستاذ سعيد النورسي لم ينته حتي وفاته فأرادوا الانتقام منه وهو في القبر فقاموا بعمل لا يقع مثله في التاريخ إلاّ نادرا .. قاموا بنقل رفات هذا العالم الجليل إلى جهة غير معلومة وإليكم التفاصيل :

في يوم 11 تموز سنة 1960 توجه وإلى مدينة " اورفة" مع القائد العسكري للقطاع الشرقي بطائرة عسكرية إلى مدينة قونيا حيث كان شقيق الأستاذ سعيد النورسي الشيخ " عبد المجيد " حيث استدعي إلى قصر الوالي وقيل له :

سنقوم بنقل رفات أخيك الشيخ سعيد النورسي من أورفة . وسيتم هذا النقل على افتراض طلبك أنت , لذا وقع على هذه الورقة .

ولكني لم أطلب هذا .

لا داعي للإطالة .. وقع على هذه الورقة .

وهكذا أجبر المسكين تحت التهديد والوعيد على تنفيذ طلبهم ولننقل هنا باختصار مذكرات المرحوم الشيخ " عبد المجيد" في نقل رفات شقيقه :

" في بداية شهر تموز أى بعد مرور خمسة أشهر على وفاة شقيقي جاءني ظهر أحد الأيام شخص عرفت فيما بعد أن اسمه ( إبراهيم يوكسل) وأنه رئيس شعبة الأمن قائلا لى بأن الوالي يستدعيني .

فذهبت معه إلى نيابة الولاية حيث شاهدت ثلاثة من جنرالات الجيش مع الوالي كان أحدهم ( جمال تورال ) والأخر ( رفيق تولكا) خاطبني ( جمال تورال ) قائلا :

إن زوارا عيدين من الولايات الشرقية والجنوبية يأتون لزيارة قبر شقيقكم وكما تعلمون فإننا نعيش ظروفا دقيقة لذا فإننا نريد أن ننقل رفات شقيقكم – بمعاونتكم أيضا - إلى أواسط الأناضول فنرجو توقيع هذه الورقة ".

ومد إلى بعريضة مكتوبة على لساني قرأتها ثم قلت :

ولكني لم أطلب هذا .. أرجوكم دعوه يرتاح على الأقل في قبره فأصروا على موقفهم وقالوا بأنه لا مناص من التوقيع .

وبعد التوقيع توجهنا إلى المطار حيث أقلتنا طائرة عسكرية إلى أورفة .

وهناك توجهّنا إلى بناية عسكرية عرضوا علىّ الطعام فرفضت إذ كنت مرهقا وفي حالة نفسية سيئة وفي الثالثة ليلا ذهبنا إلى المقبرة كان هناك تابوتان اثنان في صحن الجامع وبعض الجنود اقترب مني طبيب عسكري وقال :

- لا تقلق ولا تحزن ز سننقل الأستاذ إلى الأناضول .

وعلى اثر كلام الدكتور جاشت نفسي فأجهشت بالبكاء استدعي الدكتور الجنود قائلا لهم :

"ـ سننقل الأستاذ من هذا التابوت إلى التابوت الثاني " ولكن الجنود كانوا يترددون ويخافون :" لا نستطيع ذلك سيسخط علينا الله "

قال لهم الطبيب :

يا إخواني نحن مأمورون, وليس أمامنا سوي التنفيذ قام الجنود بهدم القبر وإخراج التابوت منه وفتحوا التابوت قلت في نفسي :

- لابد أن عظام أخي الحبيب قد أصبحت رمادا ولكن ما إن لمست الكفن حتي خيل إلىّ أنه توفي بالأمس كان الكفن سليما ولكن مصفرا بعض الشئ من جهة الرأس وكانت هناك بقعة واحدة على شكل قطرة ماء .

- وعندما كشف الطبيب الكفن عن وجهه نظرت إليه كان هناك شبه ابتسامة على وجهه .

- احتضنا ذلك الأستاذ العظيم الظلوم ووضعناه في التابوت الأخر الكبير الذي كان الجنود قد جلبوه وقد ملألنا الفراغ حوله بالأعشاب .

- وعندما تم كل شئ ذهبنا إلى المطار كانت الشوارع خالية من الأهلين ومليئة بالجنود المدججين بالسلاح حيث أعلن منع التجول في المدينة .

- لم تسع الطائرة الأولي التابوت الكبير فجلبوا طائرة ثانية وضعنا التابوت فيها وجلست بجانبه .

- ....كان الحزن والأسي يملآن قلبي وكانت عيوني مليئة بالدموع وقد اتجهت الطائرة إلى ( أفيون ) ومنها نقل التابوت بسيارة إسعاف إلى مدينة ( إسبارطة ) حيث دفن في مكان ما لا يزال مجهولا .

الختام

هذا هو تاريخ عاش مجاهدا في سبيل الله وقضي ثمانيا وعشرين عاما من حياة النفي والسجن والمضايقات التي كانت لا تكاد تنتهي .

ولكنه استطاع وحده – بفضل من الله – أن يهز تركيا من أقصاها إلى أقصاها أن يقذف الرعب في قلوب اعداء الإسلام حتي أن هذا الرعب لم ينته بوفاته بل بقي يخيفهم وهو في مثواه الأخير !

نقلوا رفاته إلى جهة مجهولة فهل مسح هذا أو زال خوفهم ورعبهم ؟! فإن الذين تتلمذوا على يديه وحملوا نبراس الإسلام بأيديهم سيكونون دائما وأبدا مصدر قلقهم ورعبهم .

وصدق الله العظيم : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي .."( المجادلة /21)

القسم الثاني: دراسة تحليلية وموجزة لرسائل النور

ملحوظة:

نود أن نذكر القارئ الكريم أن هذه الدراسة وأن كانت موجزة ومقتضبة إلا أنها تعطيه فكرة عامة واضحة عن بعض جوانب رسائل النور ذلك ما استطعنا ونرجو أن نوفق في جعل كل موضوع من موضوعاتها ما يستحق أن يكون مادة دراسة مستفيضة وكاملة إن شاء الله .

الأستاذ قبيل كتابة الرسائل

يصف الأستاذ سعيد النورسي حالته الروحية أثناء وجوده في استانبول قائلا :

( هوت صفعات عنيفة قبل ثلاثين سنة على رأس " سعيد القديم الغافل "... ففكر في قضية " الموت حق " ووجد نفسه غارقا في الأوحال .. استنجد .. وبحث عن طريق وتحري عن منقذ يأخذ بيده .. رأي السبل أمامه مختلفة .. حار في ألمر وأخذ كتاب ( فتوح الغيب ) للشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه وفتحه متفائلا ووجد أمامه العبارة الآتية :

أنت في دار الحكمة فاطلب طبيبا يداوي قلبك ..

يا للعجب !.. لقد كنت يومئذ عضوا في " دار الحكمة الإسلامية " وكأنما جئت إليها لأداوي جروح الأمة الإسلامية والحال إنني كنت أشد مرضا وأجدر بالعلاج من أى شخص آخر .. فالأولي بالمريض أن يداوي نفسه قبل أن يداوي الآخرين .

نعم هكذا خاطبني الشيخ : أنت مريض .. ابحث عن طبيب يداويك!..

قلت : كن أنت طبيبي أيها الشيخ !

وبدأت اقرأ ذلك الكتاب كأنه يخاطبني أنا بالذات .. كان شديد اللهجة يحطم غروري فأجري عمليات جراحية عميقة في نفسي .. فلم أتحمل ولم أطقه صبرا .. لأني كنت أعتبر كلامه موجها إلىّ نعم هكذا قرآته إلى ما يقارب نصفه .. لم استطيع إتمامه .. وضعت الكتاب في مكانه ثم أحسست بعد ذلك بفترة بأن آلام الجراح قد ولّت وخلفت مكانها لذائذ روحية عجيبة .. عدت إليه وأتممت قراءة كتاب " أستاذي الأولي " واستفدت منه فوائد جليلة وأمضيت معه ساعات طويلة أصغي إلى أوراده الطيبة ومناجاته الرقيقة ..

ثم وجدت كتاب " مكتوبات " للإمام الرباني أحمد الفروقي السرهندي مجدد الألف الثاني فتفاءلت بالخير تفاؤلا خالصا وفتحته فوجدت فيه عجبا .. حيث ورد في رسالتين منه لفظه " ميرزا بديع الزمان" فأحسست كأنه يخاطبني باسمي إذ كان اسم أبي " ميرزا" وكلتا الرسالتين كانت موجهتين إلى ميرزا بديع الزمان فقلت :

- يا سبحان الله ... أن هذا يخاطبني أنا الذات لأن لقب سعيد القديم كان بديع الزمان ومع أنني ما كنت أعلم أحدا قد اشتهر بهذا اللقب غير " الهمداني " الذي عاش في القرن الرابع الهجري فلابد أن يكون هناك أحد غيره قد عاصر الإمام الرابع السرهندي وخوطب بهذا اللقب ولا بد أن حالتي شبيهة بحالته حتي وجدت دوائي بتلك الرسالتين..

والإمام الرباني يوصي مؤكدا في هاتين الرسالتين وفي رسائل أخري أن:

" وحد القبلة" اتبع إماما ومرشدا واحدا ولا تشتغل بغيره ! لمتوافق هذه الوصية – آنذاك – استعدادي وأحوالي الروحية .. وأخذت أفكر مليا :

أيهما اتبع ! أأسير وراء هذا أم أسير وراء ذاك ؟... احترت كثيرا وكانت حيرتي شديدة جدا إذ في كل منهما خواص وجاذبية لذا لم أستطع أن أكتفي بواحد منهما ..

وحينما كنت أتقلب في هذه الحيرة الشديدة .. إذ يخاطر رحماني من الله سبحانه وتعالي يخطر على قلبي ويهتف بي :

- بداية هذه الطرق جميعها .. ومنبع هذه الجداول كلها .. وشمس هذه الكواكب السيارة ... أنما هو (القرآن الكريم) فتوحيد القبلة الحقيقي إذن لا يكون إلاّ في القرآن الكريم ... فالقرآن هو أسمي مرشد ..وأقدس أستاذ على ألإطلاق ... ومنذ ذلك اليوم أقبلت على القرآن واعتصمت به واستمددت منه .. فـ الكلمات" ( سوزلز) والأنوار المستقاة من القرآن الكريم ( أى رسائل النور ) إذن ليست مسائل علمية فحسب وإنما مسائل قلبية وروحية وأحوال إيمانية ...ز فهي بمثابة علوم إلهية نفيسة ومعارف ربانية سامية.

- كيف كانت تكتب الرسائل ؟

- لم يكن هناك أىّ مصدر عند المؤلف سوي القرآن الكريم فكان يستلهم من الآية الكريمة معانيها ويعيش حالات قلبية وروحية خالصة في أجوائها فيملي على المختصين بالكتابة من الطلبة – بسرعة فائقة

- ما يفتح الله عليه و وما يرد على قلبه من معاني الآية الكريمة ولم يكن لتلك السنوحات والفتوحات القلبية من وقت معيّن ولا مكان معين لذا فقد أحاط به طلبته ليل نهارا ولم يترك أى فتح رباني يفتح عليه قلبه وأية خاطرة إلا ويمليها عليهم فيسجلونها فضلا عن قد كتب بعض رسائله بنفسه ولا سيما في السجون .

- ولنستمع إلى احد طلبته المختصين , وأول كتاب رسائل النور :-

"كنا نذهب مع الأستاذ إلى أماكن خالية . كان يجلس في مكان وينظر إلى نقطة معينة وكان يملي علّى بسرعة وكنت اكتب بسرعة أيضا فكان يشير إلىّ : أن أكتب ولا يحول نظرة من تلك النقطة التي ركز عليها أولا ثم يقول : قف .. ثم يدعوني إلى الكتابة مرة أخري فهناك رسائل كتبناها في ساعة واحدة وبعضها في ساعتين فأنا أقسم أنني كنت أقضي يوما أو يومين في استنساخ رسالة قد كتبناها في ساعة أو ساعتين".

ومثل ذلك أنه أملي رسالة الحشر وهو يغدو ويروح ذهابا وإيابا على ضفاف بحيرة " بارلا" ويردد أربعين مرة :

فانظر إلى أثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها أن ذلك لمحيي الموتي وهو على كل شئ قدير سورة الروم /50

وهي رسالة قيمة جدا إذ تثبت الحشر بأدلة فطرية يستسيغها كل إنسان ويقنع بها .

أما رسالة " المعجزات الأمدية " فقد أملاها على بعض طلبته خلال ثلاثة أو أربعة أيام وفي شعب الجبال والبساتين وبمعدل ساعتين أو معجزات الرسول صلي الله عليه وسلم مع ذكر ما فيها من تقول وروايات كل ذلك دونما مراجعة مصدر.

لذا كان الأستاذ يعتبر الرسالة هبة وإنعاما إلهيا وإحسانا وفضلا منه سبحانه ليس إلا . إذ لم يكن حظه من التأليف إلا الوقوف أمام الآية الكريمة بتوسل وتضرع إلي العلي القدير وطلب المدد منه أن يفتح الله عليه فما أن ينشرح قلبه لمر حتي فورا وبسرعة يكاد الكتاب لا يلحقون به ولهذا أكّد الأستاذ كثيرا بعدم ربط الرسائل بشخصه فيحطون من قيمتها إذ الإنسان له أخطاء وله عيوب قد سترها الله حيث يقول :[ إن عادة أهل الضلالة والطغيان هي تحطيم صالح كتاب لا يفي بغرضهم فلابد إذن إلاّ ترتبط الرسائل المرتبطة بنجوم سماء القرآن الكريم بسند متهرئ مثلي قابل الاعتراض والنقد والسقوط ]

وما أجمل تشبه نفسه والرسائل كي يفهم القارئ أن الرسائل اللطيفة هذه ليست ملكه , إذ يقول ( لا تبحث ما في عناقيد العنب اللذيذة من خصائص في سيقانها اليابسة فأنا كتلك الساق اليابسة لتلك الأعناب اللذيذة .. ولو بلغ صوتي إلى أرجاء العالم كافة لكنت أقول بكل ما أوتيت من قوة : إن سوزلر ( الكلمات) جميلة رائعة وأنها حقائق وأنها ليست مني وإنما أي شعاعات التمعت من حقائق القرآن الكريم فلم أجمّل أنا حقائق القرآن بل لم أتمكن من إظهار جمالها وإنما الحقائق الجميلة للقرآن هي التي جمّلت عباراتي :

وما مدحت القرآن بكلماتي ولكن مدحت كلماتي بالقرآن )

وفي النص الآتي دليل أخر نضيفه إلى هذا الموضوع [في هذا الوقت الذي يبدوا – في الظاهر - انحسارا وتقهقرا لتلك الدعوات الحقة القوية جدا والتي ينضوي تحت لوائها الملايين من المؤمنين المستعدين لكل تضحية على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم وطرقهم أمام الضربات العنيفة لهذه الضلالة الرهيبة ..

في هذا الوقت تحملت " رسالة النور" جميع تلك الهجمات وحملت على عاتقها الأعباء كافة فشقّت طريقها سابقة جميعا في طريق الإيمان .

لذا فلا يمكن أن يسند تأليفها إلى رجل عاجز نصف أمي قضي حياته بين المنفي والسجن وتحت رقابة سلطات الدولة وتنفيرها الناس من حوله بالدعات المغرضة فمثل هذا الرجل لا يمكن أن يكون مالكا لها ولا يمكن أن يفتخر بها لنفسه فهي ليست نابعة من ذكائه ومهارته إنما هي : معجزة من معجزات القرآن الكريم وإحسان من إحسانات الرحمة الإلهية وكل ما في الأمر أن هذا الرجل وآلافا من أصدقائه قد مدوا أيديهم إلى تلك الهدية الغالية النفيسة فوقع الخيار عليه في نشرها .

وليس أدل على ذلك من أن هناك من الرسائل ما قد كتبت في ست ساعات وأخري في ساعتين وبعضها في ساعة واحدة وأخري في عشر دقائق .

فأنا أقسم – أنه لو كان لو حدة ذكاء سعيد القديم وقوة حافظته لما تمكنت أن أكتب في عشر ساعات ما كتب أنذاك في عشر دقائق ولا يمكنني أن أكتب في يومين ما كتب في ساعة.

فالرسالة التي تبحث عن ماهية " أنا " ( الذات الإنسانية ) والتي كتبت في ست ساعات لا يمكن أن تكتب لا من قبلي ولا من قبل الفلاسفة والعباقرة الباحثين في ستة أيام .

فنحن إذن مع أننا مفلسون ليس لنا شئ إلاّ أننا أصبحنا خداما ودلالين في معرض أغلي المجوهرات ].

ما رسائل النور ؟

إن الذي يراقب سلوك طالب النور عن كثب ليعجب كل العجب من صلته الوثيقة بـ" رسائل النور " ذلك لأنه لا يكاد يغادرها أو يفارقها مطلقا آناء الليل وأطراف النهار.

إلاّ أن هذا العجب يزول حينما يعلم يقينا أن :" رسائل النور " ليست رسائل اعتيادية لشرح مفاهيم الإسلام فحسب وإنما هي ( تفسير قيم القرآن الكريم) بل هي تفسير يتصف بعدة خصائص معينة ومهمة جدا قد لا نجدها مجتمعة هكذا في غيرها من التفاسير وبالأخص في عصرنا هذا فما هذه الخصائص البارزة التي تتصف بها رسائل النور حتي جعلتها بحق تفسيرا للقرآن الكريم يخص هذا العصر ؟

وما تلك الصفات التي تحلي بها المؤلف هذه الرسائل الأستاذ النورسي " رحمه الله " بحيث أهّلته ليكون مفسرا للقرآن حقا وأن يتولي مهمة الريادة والإمامة "؟

يجيب عن هذه الأسئلة طالب النور الأمثل ( زبير كوندوز آلب " في محاضرته التي ألقاها في جامعة أنقرة سنة 1950 نقتبس منها ونفصل بعض فقراتها وعندها ندرك تماما سرا هذا الالتفاف الشديد حول رسائل النور من قبل " طلبة النور ".

من خصائص رسائل النور

( أولا ) أستاذية القرآن الكريم :

إن القرآن الكريم كان هو وحده الأستاذ والمرشد للمؤلف دائما فلم يغادره إلى أى كتاب أخر ولم يتخذ غير مصدرا ولم يسترشد دونه مرشدا, وهذا ما شوهد منه طيلة حياته في التأليف حيث لم تكن لديه ثمة مكتية ولا حتي أى مصدر يعتمد عليه أو يرجع إليه .

(ثانيا) إبراز القرآن بصفائه الكامل :

( آ) إن القرآن الكريم هو كتاب الله الأقدس وهو يضم بين دفتيه حقائق جميع العلوم لذا فإن المفسر يجب أن يكون علامة حقا ومتخصصا في كل علم من العلوم سواء اللغوية أو الشرعية أو لعلوم الكونية وله فكر واسع واطلاع شامل ونظر ثاقب وإخلاص تام ودهاء سام واجتهاد عميق نافذ وله من القوة القدسية والعناية الربانية نصيب وافر كل ذلك حتي يتمن من أن يوضح تلك الحقائق على نصاعتها ويكشف عن تلك المعاني الواسعة العميقة على حقيقتها وإلا فستبقي بعض الحقائق مستورة وغير واضحة .

(ب) وينبغي – كذلك – ألا يبقي المفسر تحت تأثير أذواقه الشخصية ولا يختلط نهجه واجتهاداته بتفسيره وذلك لكي تبقي الحقيقة صافية نقية لا شائبة فيها ومصونة من أهواء المؤلف .

فهذه الخصيصة أى ( لإبراز حقائق القرآن بصفائها الكامل ) هي ما نراها في الرسائل وفي حياة الأستاذ – رحمه الله - فلقد أخذ عن جدارة فائقة بناصية العلوم كافة في زمانه حتي لقب بـ" بديع الزمان " إذ وهب ذكاء خارقا وعقلا نيرا وعناية ربانية واضحة في حياته فضلا عن أنه حرص في الرسائل إبراز صفاء الحقائق القرآنية فلم تختلط فيها الأهواء لما رزقه الله من الإخلاص التام والمراقبة الشديدة لمداخل النفس لذا لا تري الرسائل ذات صبغة معينة وغنما صبغتها القرآن والقرآن وحده .

ثالثا تجرد المفسر : أى أنه لا يبتغي من وراء عمله سوي رضاء الله سبحانه من دون أن يتحول نظره إلى أى غرض كان من الأغراض الدنيوية سواء المادية أو المعنوية لئلا يخالف الآية الكريمة " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " فكل ثمن دون مرضاة الله قليل فهذه الحالة من الإخلاص التام الأتم لابد أن تكون ظاهرة واضحة في واقع حياة المفسر نفسه ولا شك أن سيرة حياة الأستاذ نفسها نموذج رائع لهذا الإخلاص .

( رابعا ) جدة القرآن ومخاطبته الطبقات كافة : ( آ) إن احتفاظ القرآن لكريم بجدته وطراوته ونضارته وفتوته هو إحدي معجزاته الكبري إذ أن القرآن الحكيم " وجها " لكل عصر يتوجه إليه لسدّ حاجات ذلك العصر حتي لكأنه قد أنزل لذلك العصر بالذات وهو كذلك لذا فإن التفسير الأمثل لهذا العصر هو الذي يكشف ذلك الوجه المتوجه المطل على عصرنا هذا للقرآن الكريم والذي يسوق البراهين المثبتة لسّد حاجات العصر .

(ب) ولابد – كذلك – أن يخاطب الطبقات البشرية كافة ابتداء من العلوم وانتهاء بالخواص بأسلوب سهل وشائق إذ القرآن الكريم فلابد أن يتصف دون أخري ولا لمدارك أناس دون آخرين فلابد أن يتصف تفسيره كذلك بهذه الصفة بحيث يمكن أن يستفيد منه الإنسان أيا كان مستواه وأن يسدّ حاجة أهم مشكلات عصره وألا يبقي التفسير مقصورا على فئة معينة ويحرم منه الآخرون .

فلعل اتصاف رسائل النور بهذه الخصيصة هو من أوضح صفاتها بحيث نري أنها تخاطب المستويات المختلفة والمتحلقة حولها فكل الناس – دون استثناء – يغترفون من منهلها القرآني العذب وكل الناس يجدون فيها حاجتهم وبغيهم – بلا صعوبة – سواء في ذلك الصغير والكبير والأمي والعالم والرجل والمرأة ... الخ .

( خامسا) الإيجابية في الإثبات : إن الدلائل والبراهين التي يسوقها المفسر ويفهمها ويدرسها في إثبات حقائق الإيمان والقرآن لابد أن تكون دلائل قوية وبراهين دامغة بحيث لا يمكن أن تجرح أو تفند أبدا لذا فلا حاجة للركون إلى النظريات أو الآراء العلمية التي تتبدل بتبدل الأزمان أو يفهمها قوم دون قوم بل لا يترك أى موضوعا دون أدّلة ثبوية راسخة . فالمفسر إذن يتخذ لنفسه قاعدة ( الإيجابية في الإثبات ) فتلك هي المحاكم التي زادت على " الألف" – ورسائل النور مظان الهجوم الهادف من قبل الأعداء كلهم – لم تتمكن ولو مرة واحدة أجل ولو مرة واحدة ! من أن تجد ثغرة أو ثلمة – صغيرة أو كبيرة – في تلك الدلائل القوية الباهرة والغلابة أبدأ .

( سادسا) : مخاطبة جميع لطائف الإنسان: كما أن القرآن يخاطب " العقل والروح والوجدان معا بحيث يطمئن كلا منها ويغذيها ويعطيها نصيبها الوافر منه بسهولة بالغة كذلك ينبغي أن يكون تفسيره أيضا بليغا جدا ونافذا إلى الأعماق بحيث ينير العقل والقلب والروح والوجدان والنفس وغيره ويسكب الطمأنينة في كل منه ويكون قويا ومؤثرا إلى درجة بحيث يمسك بزمام النفس الأمارة بالسوء ويسخرها لا ... بل يلزم الشيطان إلزاما . وهذا هو ما يجده بالضبط قارئ الرسائل من إشباع وارتواء لجميع أقطار النفس والروح والعقل والفطرة والوجدان وغيرها من الطائف الربانية في الإنسان مع إلزام صارم للشيطان وطرد لهمزاته وحفظ للنفس في الإنسان مع إلزام صارم للشيطان وطرد لهمزاته وحفظ للنفس من وساوسه .

( سابعا) تقويم السلوك: إن القرآن الكريم قد حول – كما نعلم مجتمعا كاملا إلى مجتمع جديد وأنقذ كل إنسان من الأنانية والعجب وغيرهما من الصفات التي تحول دون أدراك الحقائق ورسّخ بدلا منها صفاتا وخصالا سامية حميدة التواضع والتضحية وغيرهما .

لذا لابد أن يكون تفسيره – وكذلك المفسر نفسه – مغيرا لسلوك الفرد ومقوما بل منقذا له من تلك الصفات الهابطة هذا وما واقع طالب النور الذي يعيش في ذلك المجتمع – وقد تطهر من لوثات الضلالة والنفاق لشدة ارتباطه اليومي بالرسائل – إلاّ دليل عملي علي تأثير الرسائل في تقويم السلوك .

( ثامنا ) : إتباع السنة الشريفة : إن إتباع السنة النبوية قولا وعملا , هو الطريق الأقوم للوصول إلى روح المعاني السامية للقرآن الكريم وبغيرها لا يمكن الوصول إليها بصواب وسلامة لذلك فإن إتباع السنة الشريفة – ضمن مذهب أهل السنة والجماعة – له الأساس للمفسر الذي يقوم بالتفسير فلابد أن يكون إذن عاملا بعلمه وعظيم التقوي وعظيم الزهد وعظيم الإخلاص وعظيمة الثبات في خدمة الدين وعظيم الصدق وعظيم الوفاء والتضحية ومع اقتصاد وقناعة عظيمين.

وخلاصة القول :

أن يكون المفسر – برسائله القرآنية – أهلا لنفحات العبودية الخالصة والتقوي العظيمة والقوة القدسية الربانية لأنوار الرسالة النبوية حتي يصبح أهلا بحق لأن يطلق عليه صفة ( خادم القرآن ) وظاهر أن جميع طلاب النور وجميع الذين شاهدوا الأستاذ وعاشروه يشهدون باتصافه بتلك الصفات النبيلة بل حتي الأعداء الألدّاء لم يتمكن أحد منهم أن ينال من خصاله الحميدة شيئا فهو لذلك قد حاو حقا على صرف لقب ( خادم القرآن " باستحقاق وامتياز .

( تاسعا) الاستعلاء على الضغوط والصعاب : أن على المفسر الذي يوضح المسائل القرآنية أو الشرعية ألا يبقي تحت اى نوع من أنواع الضغط أو التأثير من أى جهة أو تيار أو شخص فليس له – مثلا – أن يفني تحت تأثير تلك الضغوط بفتوي . وإنما عليه أن يستهين بالموت وأن يمتلك قوة وصلابة إيمانية وشجاعة إسلامية بحيث يتمكن وحده أن يتحدث العالم بأسره دون تردد أو إحجام .

نعم إن الذي ينشر رسائله القرآنية في فترة عصيبة جدا وأحكام الإعدام تنفذ بالجملة , بل ترمي إلى إزالة القرآن الكريم وإطفاء نوره وتحظر حتي نشر أية رسالة كانت حول الدين وقضاياه .. نعم , إن الذي ينشر رسائله في مثل هذه الظروف وفي الفترة بالذات لهو حقا .

مرشد فذّ ... ومفسر عظيم مرموق.... ورائد مقدام كامل للإسلام وهكذا كان واقع أستاذنا سعيد النورسي رحمه الله .

لقد وصف الأستاذ الرسائل بقوله :

[ إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم وتفسير قيم له وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي , ورشحة من رشحات ذلك البحر وشعاع من تلك الشمس وحقيقة ملهمة من كنز العلم وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته ]

[ فهي ليست كالمؤلفات الأخرى التي تستقي من مصادر متعددة من العلوم والفنون فلا مصدر لها سوي القرآن الحكيم ولا ترجع إلا إليه فلم يكن عند المؤلف أى كتاب حين تأليفها ].

وإذا قيل : كيف تعدّ رسائل النور تفسيرا للقرآن الكريم مع أنها لا تشبه التفاسير المتداولة؟

فالجواب : " التفسير نوعان "

الأول: هو تفسير اللفظ والعبارة والجملة في الآية الكريمة .

والآخر : إثبات الحقائق والإيمانية للقرآن الكريم إثباتا مدعما بالحجج الرصينة والبراهين الواضحة .

وقد ثبت بشهادة ألوف من العلماء المحققين أن رسالة النور هي من هذا القسم " الثاني " من التفاسير بل من أثمنه وأسطعه وأكمله وأكثره قيمة ).

ويعيد المؤلف هذا المعني دائما إلى الأذهان من أن رسائل النور تفسير للمعاني التي أتي القرآن الحكيم فهي :

[ وليست طريقة " صوفية " إنما هي حقيقة وهي نور مترشح من الآيات القرآنية فلم تؤخذ من علوم الشرق ولا من فنون الغرب بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم تخص هذا العصر ] .

فهي تفسير يختلف تماما عن التفاسير الأخرى إذ أن لكل تفسير عصره فلا شك أن تفسيرا ألف في عصر سابق وفي مجتمع إسلامي لا يشبه يصد تيار الضلالة المهاجمة في هذا العصر فتلك التفاسير كانت تخاطب المؤمنين فحسب .

[ أما رسائل النور – وهي المعجزة المعنوية للقرآن الكريم – لا تستفيد من بقايا الإيمان فحسب بل تقوم بإنقاذ الإيمان وإثباته بإقامة البراهين الساطعة والدلائل الكثيرة لذا فقد بات كل من يمعن النظر فيها يحكم : أنها أصبحت كالخبر والدواء في هذا العصر ] .

ولعل الوصف الآتي يكون جامعا لجواب ذلك السؤال الذي قد يرد إلى بعض الأذهان : ما طابع رسائل النور ؟ والذي سبق وأن سألنا عنه في البداية :-

[ لما كانت الألوان السبعة لشمس القرآن الكريم تتجلي بوضوح في منشور حقائق رسائل النور فهي إذن : كتاب شريعة وعقائد وكتاب دعاء وحكمة وكتاب عبودية ودعوة وكتاب ذكر وفكر وكتاب حقيقة وتصوف وكتاب منطق وعلم كلام وكتاب حث على العمل والجام للمعارضين وإسكات لهم ]

هذا عدا رسالة واحدة وهي " إشارات الإعجاز " التي ألفها أثناء الحرب العالمية الأولى وفي ساحة الجهاد ضد الروس وباللغة العربية فهي تشبه بقية التفاسير الاعتيادية .

نخلص من هذا كله إلى أن رسائل النور تفسير لمعاني القرآن الحكيم وهي تعالج القضايا الأساسية في حياة الفرد إذ تنشئ عنده تصورات إيمانية جديدة وتهدم التصورات الفاسدة والسلوك الضعيف فإنها تدور حول معاني ( التوحيد ) بدلائل متنوعة ( حقيقة الآخرة ) و( صدق النبوة ) و ( عدالة الشريعة ) إلى آخره من الأمور التي ركز عليها القرآن الكريم) .

علاوة ما تبحثه من أمور الدعوة إلى الله ومحبة الرسول صلي الله عليه وسلم والشوق إلى الآخرة وأمور اجتماعية وسياسية مختلفة لذا قال الأستاذ بحقها :

( إن رسائل النور قد حلّت أكثر من مائة من أسرار الدين والشريعة والقرآن الكريم ووضحتها وكشفتها ولأجمت أعتي المعاندين الملحدين وأفحمتهم وأثبتت كالشمس ما كان يظن بعيدا عن العقل كالحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني للمعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة حتي أدخلت بعضهم إلى حظيرة الإيمان فرسائل هذا شأنها لابد أن العالم – وما حوله – بأجمعه سيكون ذا علاقة بها ولابد أنها حقيقة قرآنية تشغل هذا العصر والمستقبل , وتأخذ جل اهتمامه وأنها سيف ماسيّ بتار في قبضة أهل الإيمان ) .

طريقة عرض الموضوع :

يستلهم موضوع كل رسالة من آية أو عدة آيات تتصدر الرسالة ثم تستهل بمقدمة مركزة تلخص الموضوع ثم تتدرج في الموضوع طريقتها في عرض الموضوع تختلف عن الطرق المعتادة لعرض الموضوع والتي تتدرج من البسيط إلى المعقد .

تبدأ الرسائل بما يصعب فهمه ويستغلق على القارئ أمره فتثير عنده الانتباه وتشركه في فهم جوانب الموضوع وحل مغاليقه لذا لا يظل القارئ في موقف المتفرج والمشاهد وإنما ترغمه الرسالة على التتبع الجدي والدراسة البطيئة المتقنة كي يصل إلى الفهم المطلوب أى أن الرسائل تجعل من القارئ دارسا لها ولا تجعله ناظرا فيها نظرة العجلان .

فالموضوع يتدرج بالوضوح رويدا رويدا فلا يشعر القارئ إلاّ وقد توصل إلى تذوق لذة تلك الآيات التي تصدرت الرسالة دون أن يجد في نفسه حائلا بينها وبينه ودون أن يشعر بملء وضجر وكأن الموضوع يأخذه في نزهة بين بساتين الإيمان ورياضة لاستنشاق نسائمه فيشعر بالمعاني الدقيقة في القرآن الكريم ويعيش في أجوائه المباركة فضلا عن أن كل رسالة من الرسائل تقيم عند القارئ أيضا بصورة متدرجة بناء تصورتا جديدا نابعا من القرآن الكريم بعد أن تهدم كثيرا مما بنته جاهلية الفلسفات أو الخرافات أو الأفكار والتصورات الخاطئة والتافهة في المجتمع ووسيلتها فى ذلك هي إقامة الحجج الفطرية والبراهين الدامغة بحيث يسلم بها الإنسان حتي لو كان من اعتي المعاندين كل هذا مع إشباع للروح وشفاقية في اختيار الكلمات والعبارات وإطلاق للخيال في مجالاته وإشراق لروح الأمل وإثارة لكوامن التأمل والتفكير .

هذا وقد يعرض الموضوع بكامله أحيانا بشكل سؤال وجواب أو يرد السؤال والجواب أثناء سرد الموضوع أو في ثناياه وذلك لإثارة الانتباه وتحفيز لتفكير عند القارئ وقد يكون بعض الأسئلة حقيقة أى وجهت إلى الأستاذ من قبل بعض تلاميذه أو هي أسئلة وشبهات ووساوس تلقيها شياطين الجن والإنس في قلب المؤمن أو هي كائنة من النوعين ورسالة ( حكمة الاستعاذة) خير مثال لهذا النوع من عرض المادة .

الأسلوب :

رغم أن الرسائل تبحث موضوعا أساسا واحدا وهو " الإيمان " إلا أنها لا تبحث هذه المسألة العظيمة العميقة بأسلوب تقليدي على وتيرة واحدة بل إن الأسلوب يتغير حسب المواقف والموضوعات فتري الأسلوب اللين الرقيق جدا حتي تكاد تشعر أنه همسات قلب أو أنفاس رقيقة حية وتري الأسلوب العلمي الدقيق وتري في الدفاع – خاصة – الأسلوب القوي الهادر كالأمواج وكنه نذير جيش .

وليست هذه الأساليب والأجواء مفصولا بعضها عن بعض وإنما قد تجدها وتتجول فيها في الرسالة الواحدة فتستنشق نسائم الربيع الإيماني مع إثارة كوامن التفكير وتحفيز قدرة التأمل وإقامة موازين علمية دقيقة وسياحات روحانية سامقة .

ولكن الأسلوب نفسه يتغير من موضوع إلى آخر أيضا حسب " المخاطب فتري رسالة النوافذ مثلا تخاطب الملحدين والمؤمن عندها في مقام الاستماع بينما رسالة المعراج والجاحد عندها في مقام الاستماع فأسلوب الخطاب في كل منهما ظاهر الاختلاف .

جاء في مقدمة رسالة المعراج تعليل لهذا النمط من الأسلوب :

إن المعراج نتيجة من النتائج التي تترتب بعد ما تستقر أركان افيمان وأصوله وهو نور يستمد ضياءه من أنوار الأركان الإيمانية ولا يمكن إثبات " المعراج" بالذات للذين يجحدون أركان الإيمان من لا دين لهم من الملحدين ولا يمكن أن يبحث كذلك مع الذين لم يؤمنوا بالله ولم يتعرفوا على الرسول صلي الله عليه وسلم ولم يرتضوا الإيمان بالملائكة ولا بالوحي إذ يلزم إثبات تلك الأسس لهم مقدما .

لهذا فقد اتخذنا المخاطب هنا : المؤمن الذي يستبعد المعراج والذي ساوره الشك والشبهة مع أننا نسرد شيئا بين حين وآخر لذلك المستمع الملحد.

ومن أعجب ما في أسلوب رسائل النور أنه رغم الترابط الوثيق بين فقرات البحث في كل الرسائل فإن كل فقرة منها تعطيك معني كاملا بحيث تستطيع أن تفهمها وحدها وتستفيد منها دون الرجوع إلى أصل الموضوع فرغم أن جميع الموضوعات منسوجة نسجا بديعا بل سبوكة سبكا محكما فإن قراءة أية رسالة أو أية فقرة كانت من الرسالة تلبي حاجة في نفس القارئ وإن لم يبذل جهدا , أو يصرف وقتا طويلا في إتمام جميع ما في الرسالة أو مجموعة الرسائل ورغم ما يشعر به القارئ من سلاسة الأسلوب وعمق المعاني وسعة الخيال إلا أنه غالبا ما يتوقف على جملة لا يغادرها إلا بعد إعادتها بل حتي لى كلمة والسر في ذلك نسمعه من المؤلف نفسه حيث يصف حالة جهاده مع النفس في مقدمة المثنوي العربي النوري :

[ لا تظنن أني باختياري أشكلت عليك عبارة هذه الرسالة إذ هذه الرسالة مكالمات فجائية مع نفسي في وقت مدهش والكلمات إنما تولدت في أثناء مجادلة هائلة كإعصار يتصارع فيها الأنوار مع النيران يتدحرج رأسي – في آن واحد – من الأوج إلى الحضيض ومن الحضيض إلى الأوج من الثري إلى الثريا إذ سلكت طريقا غير مسلوك في برزخ بين العقل والقلب ودار عقلي من دهشة السقوط والصعود فكلما صادفت " نورا " نصبت عليه علامة لأتذكره بها وكثيرا ما أضع " كلمة" على ما يمكن لى التعبير عنه للتنبيه والتذكير لا للدلالة فكثيرا ما نصبت كلمة واحدة على نور عظيم ..]

أسلوب مخاطبة العارضين :

لرسائل النور أسلوبها الخاص مع المعارضين حيث أن المعارضين عندها قسمان :

قسم هم أهل الضلالة وهم الذين يعارضون الحقائق الإيمانية ويرفضونها بل يصدونها ويحاربونها بشتي الوسائل والسبل سواء بالقوة أو بإثارة التهم أو ببث الأفكار المناوئة والدعايات المضللة وقسم آخر هم مسلمون إلا أنهم يعترضون على بعض فقرات جاءت فيها أو طريقتها في العمل لخدمة الإسلام .

( أ) – مع أهل الضلالة:

يتصف أسلوب الرسائل مع هؤلاء بالهجوم العنيف وذلك بدحض أباطيلهم بإيراد الأدلة القوية الكافية وتفنيد اتهاماتهم الظالمة مع التذكير المستمر بأن هناك عذابا ينتظرهم في الدنيا كما أن هناك عذابا أليما في الآخرة .

فنري أن هذا الهجوم لا يفتر أبدا ولا يلين ويتصف بصفة مهمة وهي عدم تحديد السماء والأشخاص على الأغلب فالرسالة تعبر عن هؤلاء على الإطلاق دون التقييد فمثلا تقول أهل الضلالة أهل السفاهة المنافقون أهل الكفر والزندقة وهكذا .. والقارئ اللبيب يفهم من سياق الموضوع ومن خلال مفردات الصفات المذكورة والأعمال والتصرفات التي قاموا بها من هم هؤلاء الضالون والمنافقون في كل عصر وفي كل مصر .

والرسالة لا تكتفي بالهجوم أو الكشف عن السيئات لظاهرة لأهل الضلالة فحسب وإنما تغزو أفكارهم وحججهم الواهية ونقاط استنادهم الفكري فتغزوها في جحورها وتشن هجوما شديدا عليها حتي آخر معقل من معاقل الضلالة والأفكار المناوئة للإسلام محطمة جميع الأسس المتهرئة التي يقوم عليها بناء تصورهم الفكري وأباطيلهم لتشويه حقائق الإسلام وجماله المقدس كاشفة عن دسائسهم في التفريق بين المسلمين وصدهم عن التلذذ بنعمة الإيمان والذي يلفت النظر هو : أن الرسائل مع بيانها بيانا كافيا لجميع حقائق الإيمان دون كتمان أى جزء منها ومع تفنيدها لجميع أباطيل الخصوم وإحصائها لصفات أهل النفاق ومع تشخيصها الأعداء وكشفها عن هوياتهم .. مع كل هذا لم يتمكن العدو المتسلط أن يجد ثغرة في الرسائل ليدخل منها باسم القانون وبالأخص في مثل تلك الظروف الحرجة حيث أن القانون ينص على العلمانية والأعداء – الداخليين والخارجيين – قد انقضوا على تركيا وتكالبوا عليها فرغم تلك المحاكمات التي زادت على " الألف" لم تتمكن أية هيئة قضائية من تمييز أو جزاء أو أية هيئته تحقيقه من أن تجد مستمسكا غير قانوني في رسائل النور مع ما لديهم من لجان تدقيق وخبراء علماء متحققين ينكبون على دراسة الرسائل أشهرا بل أعواما .

فمثلا لقد اتهم الأستاذ ومعه تلاميذه حين نشر " الشعاع الخامس " الذي يبحث عن " الدجال " بأنه يقصد به " مصطفى كمال وأعوانه " إلا أن الخبراء قرروا في جميع تلك المحاكمات أن ": الشعاع الخامس ليس فيه ذكر مصطفى كمال وإنما هو شرح لبعض الأحاديث الشريفة الواردة حول الدجال وفتنة أخر الزمان .

لذا غدت خاصة من خصائص رسائل النور ... أنها - مع توضيحها لمفاهيم الإيمان والإسلام – لا يمكن أن تصارع وذلك لأنها لا تثير حفيظة المخالفين لها ولا تأخذ قارئيها العزة بالإثم لأنها تذكر تلك المفاهيم دون أن تتقيد بزمان أو مكان معين وما هذا إلاّ توفيق رباني قد وهب الله سبحانه هذا الرجل الفقيه الحكيم بمحض فضله ونعمته .

(ب) – أما أسلوبها مع الذين اعترضوا عليها من علماء الدين وشيوخ المتصوفة فهو أسلوب الدفاع والدفاع وحده دون الهجوم ودون التهوين من شخصياتهم ورؤسائهم ولا من آرائهم مع بيان صواب وجهة نظر رسائل النور لذا لا تري في جميع الرسائل جرحا لهيئة أو جماعة مطلقا – لا من قريب ولا من بعيد – وقد وضع الأستاذ رحمه الله أسسا للتعامل مع هؤلاء يسير بعضهم – في تلك الفترة غبار الشبه حول الرسائل . فكتب يقول :

" لما كان أولياء الله الصالحون لا يمكنهم أن يعرفوا الغيب – إن لم يلهموا من قبل الله سبحانه وتعالي – حيث لا يعلم الغيب إلا الله لذا فإن الولي الصالح لا يستطيع أن يطلع على حقيقة وواقع الحال عند الآخر بل ربما يعاديه لعدم علمه بحقيقته وما حدث ما حدث فيما بين بعض العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين يدل على هذا بوضوح وهذا بمعني أن وليين اثنين إذا ما أنكر أحدهم على الأخر فإن ذلك لا يسقطهما من مقام الولاية ومنزلتها إلا إذا كان هناك أمر أو اجتهاد بين الخطأ . لذا :

1- إتباعا بدستور الآية الكريمة " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس " .

2- وحفاظا على إيمان المؤمنين من التصدع , وذلك بالمحافظة على حسن الظن القائم بينهم وبين شيوخهم أو رؤسائهم.


3- وبناء على ما يلزم من إنقاذ طلاب رسائل النور المخلصين من سورة الغضب المضرة – مع كونها محقة – على اعتراضات باطلة

4- واجتنابا لما قد يستفيد منه أهل الإلحاد من هذه الخصومة بين طائفين من أهل الحق بجرح أحدهما بسلاح الأخر واعتراضاته وإخفاء بريق أحدهما بدلائل الأخر .

على طلبة النور حسب الأسس المذكورة : ألا يواجهوا المعارضين بالحدة والتهور ومقابلتهم بالمثل بل عليهم إن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب مع إظهار روح المصالحة يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم فحسب مع إظهار روح المصالحة والإجابة بوضوح عن النقاط التي اعترص عليها حيث أن الأنانية في عصرنا هذا قد تطاولت واشرأبت بعنقها حتي أصبح كل شخص لا يريد أن يذيب أنانبيته – التي هي كقطعة ثلج بطول قامته – ولا يرغب في تغييرها بل يسوغ لنفسه ويرها معذورة دائما – وها هنا ينشأ النزاع والخصومة ويكون موضع استفادة أهل الباطل والضلالة على حساب أصحاب الحق وأهله )

أسلوب الاستثناء :

أن تدهور الأخلاق الفظيع في الغرب وكثرة المظالم التي عانتها – وتعانيها – البشرية بأيدي الغربيين مع أسباب كثيرة أخري أعطت المسوغ الكافي كي يكون هدفا لهجوم لا هوادة فيه لكثير من الكتاب والمفكرين .

فهل في الرسائل هجوم هكذا على الغرب ومفكريه ؟

نعم ولا في الوقت نفسه . إذ أن الرسائل تهاجم الغرب ولكنه ليس كل الغرب وإنما تستثني منه الطيب النافع تم تشدد الهجوم على القسم الفاسد ..

ننقل للقارئ الكريم فقرة من المحاورة التي يجريها الأستاذ مع الغرب وهي محاورة لطيفة عميقة جدا نجد في مستهلها هذا الاستثناء بوضوح ونري أن هذا الأسلوب لا يسري على الغرب وحده وإنما هو قاعدة التخاطب مع جميع المعارضين فالرسائل تستل الطيبين من مجموع الخبثاء وتستنقذ الفكر الجيد من بين أنقاض الأفكار المضللة والنظريات الفاسدة وتنتشل الفئة البريئة من بين لجماعات والهيئات التي أثير حولها غبار الشبهات وهكذا نري عملية التحليل والفرز والاستثناء هي في مقدمة أى كلام حول موضوعات يختلط فيها النافع بالضار والطيب بالخبيث مما يجعل القارئ يشعر في هذا الأسلوب التجرد الكامل والموضوعية الحقة والأخذ بالحيطة والحذر والاحتراز من توريط من هم خارج صفوف المعارضين فلا يلتبس إذن أمر الطيب بالنافع مع الخبيث المضر ولا يؤخذ البرئ بجريرة المتهم أو المجرم فالهجوم إذن لا ينصب إلا على الخبثاء من الغربيين دون الطيبين منهم ويبدأ غزو حصون الفلسفات المضللة المادية بعد ما تفصل من ذوي الدين من جماعة " الاتحاد والترقي " – مثلا – من بين الذين يحملون الأفكار المعادية للإسلام وهكذا ..

والخلاصة أن أسلوب الاستثناء هذا خاصة من خصائص رسائل النور مع جميع من له علاقة معها سواء الأشخاص الرسميين أو العلماء أو الطوائف أو الأحزاب أو الأفكار أو الفئات ..

تبدأ المحاورة بوصف للحالة النفسية عند سعيد القديم وسعيد الجديد ..

( حينما سار " سعيد الجديد " عن طريق التأمل والتفكر انقلبت تلك العلوم الأوروبية الفلسفية وفنونها التي كانت مستقرة - إلى حدّ ما - في أفكار " سعيد القديم " إلى أمراض قلبية نشأ منها مصاعب ومعضلات كثيرة في تلك السياحة القلبية فما كان من " سعيد الجديد إلاّ القيام بتمخيض فكرة والعمل على نفضه من أدران الفلسفة المزخرفة ولوثات الحضارة السفيهة فرأي نفسه مضطرا لكبح جماع ما في روحه من أحاسيس نفسانية منحازة فهي محاورة مقتضبة من ناحية ومسهبة من ناحية أخري .

ولئلا يساء الفهم لابد أن ننبه : أن أوروبا اثنتان .

أحداهما هي أوربا النافعة للبشرية بما استفاضت من النصرانية الحقة وأدّت خدمات لحياة الإنسان الاجتماعية بما توصلت إليه من صناعات وعلوم تستند على العدل والإنصاف فلا أخاطب – في هذه المحاورة – هذا القسم من أوربا وإنما أخاطب أوربا الثانية ( الوجه الآخر منها ) تلك التي تعفنت بظلمات الفلسفة الطبيعية وفسدت بالمادية الجاسية وحسبت سيئات الحضارة حسنات لها وتوهمت مساوئها فضائل فساقت البشرية إلى السفاهة وأردتها الضلالة والتعاسة .

ولقد خاطبت في تلك السياحة الروحية الشخصية المعنوية الأوربية بعد أن أثنيت محاسن الحضارة وفوائد العلوم النافعة فوجهت خطابي إلى تلك الشخصية التي أخذت بيدها الفلسفة المضرة التافهة والحضارة الفاسدة السفيهة وخاطبتها قائلا :

يا أوروبا الثانية : أعلمي جيدا أنك قد أخذت بيمنيك الفلسفة المضلة السقيمة وبشمالك المدنية المضّرة السفيهة ومن ثم تدعين :

" إن سعادة الإنسان بهما " ألا شلت يداك وبئست الهدية هديتك ولتكن وبالا عليك وستكون .

أيتها الروح الخبيئة التي تنشر الكفر وتبث الجحود تري عل يمكن أن يسعد إنسان بمجرد تملكه ثورة طائلة وترفله في زينة ظاهرة خادعة وهو المصاب في روحه وفي وجدانه وفي عقله وفي قلبه بمصائب هائلة ؟ وهل يمكن أن نطلق عليه أنه سعيد ؟! ألا ترين أن من يئس من أمر جزئي وانقطع رجاؤه من أمل وهمي وخاب ظنه من عمل تافه كيف يتحول خياله العذب مرا علقما وكيف يتعذب مما حوله من أوضاع لطيفة فتضيق عليه الدنيا – كالسجن – بما رحبت !.. فكيف بمن أصيب – بشؤمك بضربات الضلالة في أعمق أعماق قلبه .

وفي أغوار روحه حتي انقطعت – بتلك الضلالة – جميع آماله فانشقت عنها جميع آلامه فأي سعادة يمكنك أن تضمني لمثل هذا المسكين الشقي ؟ وهل يمكن أن يطلق لمن روحه وقلبه يعذبان في جهنم وجسمه فقط في جنة كاذبة زائلة .. أنه سعيد ؟

لقد أفسدت – أيتها الروح الخبيثة – البشرية حتي طاشت بتعاليمك فتقاسي منك العذاب المرير بإذاقتك إياها عذاب الجحيم في نعيم جنة كاذبة .. الخ ]

تلك المحاورة اللطيفة الدقيقة التي تبين فيها كيف ضللت الحضارة الغربية الفاسدة البشرية وأودتها المهالك .

أما بالنسبة إلى عمليات الاستلال والاستثناء في الفلسفة فنختار ما جاء في مقدمة كتاب ( عصا موسي ) .

(... أما الفلسفة التي تهاجمها رسائل النور وتصفعها بصفعاتها القوية فهي الفلسفة المضرة وحدها وليست فلسفة على إطلاقها ذلك لأن قسم الحكمة ن الفلسفة التي تخدم الحياة الاجتماعية البشرية وتعين الأخلاق والمثل الإنسانية وتمهد للرقي الصناعي فهي في وفاق ومصالحة مع القرآن بل هي خادمة لحكمة القرآن في تعارضها ولا يمكنها ذلك لذا فرسائل النور لا تتصدي لهذا القسم من الفلسفة .

أما القسم الثاني من الفلسفة فكما أنه أصبح وسيلة للتردي في الضلالة والإلحاد والسقوط في هاوية المستنقع الآسن للفلسفة الطبيعية فإنه ينتج كذلك السفاهة واللهو والغفلة والضلالة ويعرض بخوارقه التي هي كالسحر الحقائق المعجزة للقرآن الكريم .

لذا فإن رسائل النور تتصدي لهذا القسم الضال من الفلسفة في أغلب أجزائها بنصبها موازين دقيقة وسوقها البراهين الدامغة فتصفعها القوية فيحين أنها لا تلتفت إلى القسم النافع منها ومن هنا لا يعترض طلاب المدارس الحديثة على رسائل النور بل ينضوون – وعليهم أن ينضووا – تحت لوائها دون تردد ..).

أسلوب ردّ الشبهات :

أما فيما الشبهات الواردة على الإسلام أو علي الآيات الكريمة أو ألأحاديث الشريفة سواء من جهلة المسلمين أو من شياطين المستشرقين فإن الرسائل تردها جميعا دون الذكر الصريح للشبهة إلاّ فيما ندر والرد ردا مقنعا بحيث لا يترك زاوية من الزوايا الخفية في الشبهة إلا ويقتحمها فمن كانت لديه تلك الشبهة فقد شفي قلبه منها ومن لم تكن لديه شبهة فلم يتكدر صفو قلبه وفكره ؟

جاء ذلك في مقدمة رسالة المعجزات القرآنية :

( إن كل آية من الآيات الواردة في هذه الرسالة إما أنها قد انتقدت من قبل الملحدين أو اعترض عليها من قبل أهل العلم الحديث أو أصبحت معرضة لوساوس شياطين الجن والإنس وشباتهم .

فهذه " الكلمة الخامسة والعشرين " قد بينت حقائق تلك الآيات ونكتها البلاغية على أوضح وجه بحيث أثبتت أن كان يظنه الملحدون وأهل العلم من نقاط ضعف ونقص ليست إلاّ لمعات من الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم .

ولكيلا يتكدر – صفو الأذهان والقلوب لم تذكر شبهاتهم بل أجيب عنها إجابات قاطعة سوي ما ذكر منها في بعض الآيات في المقام الأول من لكلمة العشرين ).

فهذا الأسلوب في الرد على الشبهات والشكوك هو خلاف ما دأب عليه المتكلمون السابقون حيث الرسائل تبين الحقيقة وحدها بيانا مقنعا واضحا إلى حد أنها ترغم المخالف على التسليم والقبول من غير أن تتعرض لشكوكه ولا إلي بسط دلائله ولا إلى ما تردي فيه من أودية الضلالة وذلك كي لا تتأثر أفكار المؤمنين ولا تتلوث وتتلون بلونها وبهذا الأسلوب سدت الرسائل سبل انتشار الشبهات والأوهام الفاسدة بين الناس . وقد أوضح بيان الطلبة الجامعيين من طلاب رسائل النور الذي أصدروه فيما بعد سنة 1950 هذا الأسلوب على ضوء قاعدة لطيفة وضعها الأستاذ أوضح بيان :

( نعم لو كانت لنا مئات الأيادي وملايين الملايين من الدنانير لحصرنا جميعها وصرفناها في خدمة الإيمان والقرآن فلا نري ثمة مجالا للاهتمام التيارات الباطلة فالعمر قصير والوقت ضيق ولقد قال الأستاذ :" إن الاشتغال بالفناء فناء والفساد فساد " لذا فإن إيضاح المسائل الباطلة والاهتمام بحسن تصويرها من الأسباب المؤدية إلى تضليل الأذهان الصافية وتلويثها, وكثيرا ما يدرس المرء الأمور الباطلة قاصدا إثبات بطلانها وجعل ذلك الإثبات وسيلة لإظهار الحق إلا أنه أثناء ذلك تتلون صحيفة فكره وتنصبغ شيئا فشيئا من غير أن يشعر فيتناقض وفاؤه وتجرده وإخلاصه السابق تدريجا وتتضاءل صلابته الدينية وعندها لا يمكنه أن يميز الصواب من الخطأ فيلتبس عليه الأمر

والعياذ بالله ..

إما رسائل النور . فإنها تزيل الظلمة عن القلب نهائيا وتنوره بنور الإيمان الذي لا يزال يريه الحق حقا والباطل باطلا فلا يلتبس عليه الأمر .)

أسلوب بديع لدراسة التاريخ وتفسيره :

لا شك أن الأسلوب الغالب على كتب السيرة والتاريخ هو التقيد بالتسلسل الزمني حيث تذكر الحوادث المهمة وفق التواريخ ولكن قد يأخذ البعض منها بالعبر والفوائد الفقهية بينما يدعها آخرون دون استنباط شئ .

إلاّ أننا دققنا النظر في القرآن الكريم نري أن له أسلوبا خاصا في سرد الحوادث إذ قد يسلط الأضواء على حوادث دقيقة جدا لا يمكن أن يذكرها التاريخ مطلقا ذلك لاستخلاص العبر العظيمة التي تكتنفها ولبيان قدرة الله سبحانه واطلاعها وعلمه بالأمور ما ظهر منها وما خفي ولتوضيح سنته في الكون وكثير غيرها .

وكذلك لا يتقيد بالتسلسل الزمني وإنما يذكر جزءا من الحادثة أو القصة في سورة والجزء الأخر في سورة أخري مثلا حسب سياق السورة وموضوعاتها.

فقارئ الرسائل أيضا يشعر ضمنا أنه يقرأ السيرة والتاريخ الإسلامي وفق المنهج القرآني وليوفق مناهج كتب السير والحوادث حيث لا توجد رسالة خاصة تأخذ من السيرة حوادث خاصة وحوادث مهمة في عصر الراشدين ونتفا من العهد الأموي والعباسي والسلاطين الأوائل من العهد العثماني كل ذلك تراه مبثوثا في أرجاء الرسائل ويأتي حسب المقام والموضوع المناسب أما العهد الخير للعثمانيين ففي الرسائل تفاصيل ذلك العهد مع موازينه الاجتماعية والسياسية .

لذا فالقارئ يجد نفسه أنه لا يقرأ السيرة فحسب بل يعيش مع التاريخ عيش مشاركة تماما .

وكذلك تسلط الرسائل الأضواء على حوادث الخلافات والفتن التي تدور حولها المناقشات فتحللها تحليلا دقيقا :

1- من وجهة النظر الدنيوية الأخذ بالأسباب الظاهرة.

2- من وجهة القدر الإلهي والرحمة الربانية .

ثم تستخلص الحكمة الإلهية في المسألة بحيث لا تدع في أى جزء كان من زوايا النفس الإنسانية تساؤلا عن الموضوع مع تأكيدها عدم الخوص في مثل هذه المسائل النابعة عن اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حيث أفضوا إلى ما قدموا وفقا لنهج أهل السنة والجماعة .

والخلاصة فإن قارئ رسائل النور يكون قد أحاط بأهم الحوادث التاريخية مع استنباطاتها وفقهها وعبرها وقد تذوقها قلبيا وفهمها وأدرك مراميها عقلا وقبل كل ذلك عرف شيئا من الحكمة الإلهية وراء الأحداث ولا شك أن هذا هو المطلوب من دراسة التاريخ .

نكتفي هنا بمثال واحد – حرصا على الاختصار – فهناك أمثلة مماثلة كثيرة جدا حول هذا الموضوع استخلاص الحكمة الإلهية وراء الأحداث ".

جاء في رسالة المعجزات الأحمدية في الإشارة المنكتة الخامسة من المكتوب التاسع عشر من كتاب المكتوبات ما يأتي :-

( فإن قيل : ما حكمة تلك الفتنة الدموية الرهيبة التي أصابت الأمة الإسلامية في عصر الراشدين عصر السعادة والنور حيث أنهم لم يكونا يستحقونها ؟ وأين يكمن وجه الرحمة فيها ؟.

الجواب : كما أن ألمطار الغزيرة المصحوبة بالعواصف في الربيع تثير قابلية كل طائفة من النباتات والبذور والأشجار وتكون سببا في نموها وتفتحها وتزايد قواها فتفتح كل منها إزهارها الخاصة بها وتتسلم كل منها وظيفتها الفطرية .

كذلك الفتنة التي ابتلي بها الصحابة الكرام والتابعون أثارت بذور القابليات المختلفة ونبهتها في كل منهم وأخافت كل طائفة منهم بأن الإسلام في خطر وأن النار أخذت تعلو مما جعل كلا منهم يسرع إلى حفظ الإسلام ويأخذ على عاتقه – حسب قابليته – وظيفة من الوظائف الكثيرة لجمه شمل الإسلام فسعوا بكل جد وإخلاص فمنهم من قام بحفظ العقائد والحقائق الإيمانية ومنهم من أقام بحفظ القرآن الكريم وهكذا انضوت كل طائفة تحت وظيفة من الوظائف وسعت في سبيل أداء مهمتها سعيا حثيثا فتفحت زهور متنوعة الألوان من بذور بذرت في جميع الأقطار بسبب تلك الأعاصير الهوجاء ... العنيفة فانطلقت رياضيا من الورود والأزاهير.

إلاّ أنه – ويا للأسف – ظهرت أشواك أهل البدع بين تلك الرياض البديعة ... أى كأن يد القدر قد مخضت ذلك العصر بجلال وإدارته بشدة وعنف مما أثار الغيرة عند ذوي الهمة وألهب عواطفهم وبعثت تلك الحركة المنبعثة عن المركز كثيرا من المجتهدين العظام والمحدثين والحفاظ والأصفياء والأقطاب إلى العالم الإسلامي وألجأتهم إلى الهجرة وهيجت المسلمين شرقا وغربا وبصرتهم للاستفادة من خزينة القرآن الحكيم) .

أما تاريخ الحركة الإسلامية في تركيا وبالأخص ( حركة النور ) فهي الأخرى مبثوثة بين ثنايا الرسائل وبالأسلوب السابق نفسه فقد يعرض بعض حوادثها للعبرة أو للحث على لعمل أو بيان ثمرة الإخلاص لله بحيث من يقتطفها من الرسائل يمكنه أن يحصل على سير الدعوة من بدايتها .

نظرة تحليلية إلى الخلافات الفكرية :

تدعو رسائل النور إلى نصب ميزان العدالة الإلهية الذي يزن به الله سبحانه أعمال المكلفين يوم الحشر وإلى إقامته في الدنيا كذلك عند ذكر الأشخاص أو الجماعات .

لذا تري أنها عندما تضع موازين وقياسات بين المختلفين في أمر ما لاتنحاز إلى جهة دون أخري ولا تغمط حق أحدهما دون الآخر فتذكر الحسنات والسيئات وتذكر الأسباب الداعية إلى الأخطاء بدراسة العوامل المؤثرة مع عوامل المحيط ... وغيرها من الأمور.

هذا دأب الرسائل في الخلافات التاريخية سواء بين مفكري الإسلام أو بين الجماعات أو أي شكل من أشكال تلك الخلافات وبدراسة النص الآتي يتمكن القارئ أن يلم ببعض الجوانب التحليلية الدقيقة والموضوعية الخالصة لنظرة رسائل النور إلى أى خلاف كان من الخلافات الفكرية في التاريخ :

لا يمكن لأحد أن ينكر فضل " أهل لسنة والجماعة" في حفظ الحقائق القرآنية والإيمانية والسنة النبوية الشريفة على المحجة البيضاء كما تركها الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم فالعلم الإسلامي بأسره مدين لهم معترف بفضلهم عليه جزاهم الله عن أمة الإيمان والإسلام كل خير ... وببركة هذا العمل لعظيم كانت الأكثرية المطلقة من الأولياء الصالحين قد ظهرت من بين صفوف هذه الجماعة المباركة ... ولكن شوهد وعرف أولياء آخرون في طريق تخالف أصول السنة والجماعة وخارجه عن بعض قواعدهم وطرائفهم ..

لقد انقسم الناس – في شأن هؤلاء الأولياء – إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : وهم الذين أنكروا ولايتهم وصلاحهم وذلك لمخالفتهم أهل " السنة والجماعة " .. بل قد ذهبوا إلى أبعد من الإنكار حيث كفروا بعضهم ..

القسم الثاني : وهم الذين أقروا بولايتهم ورضوا عنهم واتبعوهم ودافعوا عن طريقتهم قائلين :" إن الحق ليس محصورا على سبيل أهل السنة والجماعة" .. فشكلوا بهذا القول والاعتقاد فرقه مبتدعة وانساقوا إلى الضلالة ناسين أن المهتدي لنفسه ليس من شرطة أن يكون طريقا لهداية الآخرين ... فإن وجد من يعذر شيوخهم على أخطائهم وشطحاتهم لأنهم مجذوبون إلا أن إتباعهم ليس لهم العذر في إتباعهم في الصواب منهم والخطأ ..

القسم الثالث : وهم الذين سلكوا طريقا وسطا حيث لم ينكروا ولاية أولئك وصلاحهم إلا أنهم لم يرضوا بطريقتهم ومنهجهم.. وقالوا: أن ما تفوهوا به من الأقوال المخالفة للصول الشرعية أما أنها ناشئة عن غلبة الأحوال – القلبية والوجدانية – عليهم مما جعلهم في حالة ذهول عما يقولون .. أو أنها شطحات نعجز عن معرفة معانيها وفهم مراميها وما ترمز وتومئ إليه من معان وأفكار ..

أما أصحاب القسم الأول – وبالأخص علماء أهل الظاهر فقد أنكروا بنية الحفاظ على طريقة أهل السنة – ولاية أولياء عظام ورفضوها مع الأسف – ولم يكتفوا بذلك بل ذهبوا – مضطرين - إلى أبعد منه فحكموا بضلالتهم .

أما أصحاب القسم الثاني : وهم المتطرفون بتأييد شيوخهم وقبول كل ما يجئ منهم اقبلوا على طريقهم وأداروا ظهورهم لطريق الحق وعافوها لما يضمرون من حسن الظن المفرط بشيوخهم حتي أنجرف البعض منهم إلى الضلالة دون أن يشعر ..)

هذا وقد يتبادر إلى ذهن القارئ: ما رأي رسائل النور في كل من شيخ الإسلام " ابن تيمية " وتلميذه المخلص " ابن قيم الجوزية " وهل لهما ذكر في الرسائل ثم ما رأي الرسائل كذلك في الشيخ محي الدين بن عربي وطريقته ؟

ونحن – حرصا على الاختصار – نقتطف هذه الفقرة التي تذكر فيها الأستاذ النورسي الشيخ ابن تيمية وابن قيم الجوزية في رسالة أرسلها إلى أحد تلاميذه وهو في " امير داغ" فيصفما بـ"الجهبذين الداهيين" والمثيرين للإعجاب " و" المشهورين " ويصف كتبهما كذلك بأنها من المؤلفات ذات الجاذبية القوية جدا والعجيبة جدا ( ... أنه منذ فترة نري – بين العلماء في استانبول – تتداول مؤلفات عجيبة جدا ذات جاذبية لابن تيمية وابن قيم الجوزية اللذين هما من الجهابذة الدهاء المشهورين المثيرين للإعجاب ) أما بالنسبة إلى الشيخ محي الدين بن عربي فسنقتطف فقرتين من رسالتين مختلفتين : إحداهما تحلل شخصيته والأخرى طريقته :

" لا يسعني الوقت الكافي لوضع ميزان بين الإفراط والتفريط بحق هذا الشخص فاكتفي بما يأتي :

( أنه – أى محي الدين بن عربي – لا ينبغي أن يكون مرشدا أو قدوة في جميع ما كتبه رغم أنه شخص مقبول ومهتد ...

ولكن لمخالفته القواعد الثابتة لأهل السنة فإنه يمضي غالبا دون ميزان في الحقائق لذا أفادت بعض أقواله – ظاهرا – الضلالة عير أنه برئ من الضلالة إذ الكلام قد يبدوا كفرا بظاهرة ولا يكون القائل به كافرا ..)

ويحدد رأيه في كتبه في ختام الرسالة نفسها قائلا :

( لذا فإن قراءة كتب محي الدين لما يضر في زماننا هذا وبالأخص آراءه في وحدة الوجود ).

أما رأي رسائل النور حول طريقة " محي الدين " وغيره فقد فصلت فيها كثيرا وحللتها من جميع جوانبها وبخاصة في المكتوب التاسع والعشرين إلاّ أن الفقرة التالية تلقي ضوءا واضحا على أسلوب الرسائل في وزن مثل هذه الأفكار حسب المنهج القرآني وأن جميع الطرق والمناهج غير النابعة من القرآن لا توصل الإنسان إلى الحقيقة ولا إلى الاطمئنان القلبي :

( إن طريقة " محي الدين بن عربي " ومنهجه في الحصول على الاطمئنان القلبي الدائم هو في وقله " لا موجود إلا هو " إلى ان انتهي به الأمر إلى حد إنكار الكائنات قاطبة .

وهناك آخرون قالوا :" لا مشهود إلاّ هو لأجل الحصول على ذلك الاطمئنان فأوصلهم هذا المبدأ إلى حالة عجيبة ذهلوا فيها عن الكائنات وأسدلوا بينهم وبينها ستائر النسيان ..

أما المعرفة المستقاة من " القرآن الكريم " فإنها تسكب الاطمئنان الكامل في القلب دون أن تحكم " بالعدم " على الكائنات ودون أن تسترها بستار الذهول والنسيان المطلق وهي – المعرفة القرآنية - التى تنقذ الكائنات وتسبغ عليه المعني والمغزي وتبرؤها من العبثية واللامعني وتجعلها مسخرة لحكمة الله ومشيئته فيغدوا كل شئ منها نافذة نوارنية تطل على معرفة الله الخالق العظيم سبحانه وتعالي ... )

ضرب الأمثال:

لا يخفي ما لضرب الأمثال من أهمية تقريب المفاهيم وتبسيطها وغرسها في الذاكرة بحيث أن الموضوع يمكن تذكره بمجرد ذكر المثال وكذا صلاحيته للتفاهم مع مختلف المستويات العقلية والعلمية .

فالقرآن الكريم – وكذلك الحديث الشريف – قد ضربا أمثالا كثيرة لتقريب الحقائق العظيمة لإفهام الإنسان وتعمقها .

وحيث أن رسائل النور تفسير للقرآن الكريم فإنها كذلك قد أوردت كثيرا من ألأمثال حتي يمكن أن يعد ضرب الأمثال طابعها المميز .

ومن هنا كان هذا الإقبال من العالم والجاهل والشاب والشيخ والرجل والمرأة على قراءتها وكل هذا الاعتراف من منهلها العذب الصافي .؟

وهكذا فسر الأستاذ النورسي سر القوة في الرسائل عندما وجه إليه السؤال الآتي :

( لماذا نجد تأثيرا غير اعتيادي فيما كتبته في ( سوزلر) " الكلمات المستقاه من القرآن الكريم مما لا نجده في كتابات العارفين والمفسرين إلا نادرا فما يفعله سطر واحدا منها من التأثير لا تفعله صحيفة كاملة من غيرها وما نجده في الصحيفة الواحدة منها لا نجده في كتاب على حده ؟الجواب : وهو جواب لطيف :

لما كان الفضل يعود إلى إعجاز القرآن الكريم وليس إلى شخصي فسأقول دون حرج نعم هو كذلك على الأغلب .. لأن الكلمات " سوزلر"

ليس تصورا وإنما هي تصديق "

ولا إسلاما وإنما هي إيمان . زلا معرفة وإنما هي شهادة وشهود.

ولا تقليدا وإنما تحقيق .

ولا التزاما وإنما هي إذعان .

ولا تصوفا وإنما هي حقيقة .

ولا ادعاء وإنما برهان في ثنايا الدعوي .

وحكمة هذا السر هي :

إن الأسس الإيمانية رصينة متينة فى العصور السابقة وكان الانقياد تاما وحتي لو لم تكن لدي العارفين أدلة – في الأمور الفرعية – فإن توصيحاتهم كانت مقبولة وكافية .

أما في الوقت الحاضر وحيث أن الضلالة العلمية قد مدّت يدها إلى الأسس الإيمانية وأركانها فقد وهبني الله سبحانه وتعالي وأحسن إلىّ – وهو الحكيم الرحيم – كما يهب لكل صاحب داء دواءه المناسب شعلة من ( ضرب الأمثال ) التي هي من أسطع معجزات القرآن رحمة منه جل وعلا لعجزي وضعفي وفقري واضطراري في كتاباتي التي تخص خدمة القرآن فله الحمد والمنة حيث أظهرت بمنظار ( ضرب الأمثال ) الحقائق البعيدة جدا قريبة جدا .

ولوحدة الموضوع في ( ضرب الأمثال ) جمعت أكثر المسائل تشتتا وتفرقا .

ويسلم ( ضرب الأمثال ) أوصلت إلى أسمي الحقائق وأعلاها بسهولة ويسر .

ومن نافذة ( ضرب الأمثال ) حصل يقين إيماني بالحقائق الغيبية والأسس الإسلامية أقرب إلى الشهود.

فكما أن العقل والخيال والوهم حتي النفس والهوي اضطر إلى الاستسلام كذلك الشيطان قد ألقي السلاح .

والخلاصة : أنه مهما يظهر من قوة التأثير والجمال في كتاباتي فهي ليست غلا من لمعات ( ضرب المثال ) في القرآن الكريم ) وليس حظي من ذلك إلا مجرد الطلب مع شدة الحاجة والتضرع مع منتهي العجز فالداء مني والدواء من القرآن ).

مفعول الرسائل:

إن الذي يستمر في قراءة الرسائل لا يجد في نفسه نشوه روحية وشفافية فحسب وإنما يكتسب غذاء روحيا وعقليا لذيذا وسعة في الأفق وخصوبة في الخيال حيث أنها تشبع جميع اللطائف المندرجة في الإنسان فيأخذ كل حقه وذلك :

( إن الرسائل ليست – كبقية مصنفات العلماء – تسير وفق خطي العقل وأدلته ونظراته ولا تتحرك – كما هو الشأن في الأولياء الصوفية – بمجرد أذواق القلب وكشوفاته إنما تتحرك بخطي اتحاد العقل والقلب معا وامتزاجهما وتعاون الروح واللطائف الأخرى فتحلق إلى أوج العلا وتصل إلى مراق لا يصل إليها نظر الفلسفة المهاجمة فضلا عن أقدامها وخطواتها فتوصل أنوار الحقائق الإيمانية إلى عيونها المطموسة.

والسر في هذا التأثير لعميق لجميع الجوارح ومن ثم إشباعها هو في القوة الفائقة التي في معانيها ومراميها إذ ( أنها تحاول أولا إقناع المؤلف نفسه ثم تخاطب الآخرين ) أى أن المؤلف لا يكتب شيئا ألا وهو مقتنع به تمام الاقتناع بل قد شهده شهود قلب وعاني منه معاناة حقيقة عميقة فهي ليست نقولا من مصادر ولا هي تصور فكري فحسب .

(لذا فالدرس الذي اقنع نفس المؤلف الأمارة بالسوء إقناعا كافيا وتمكن من إزالة وساوسها إزالة تامة لهو درس قوي بلا شك وهو خالص أيضا بحيث يتمكن – وحده – أن يصد تيار الضلالة الحاضرة التي اتخذت ( شخصية معنوية) بتشكيلاتها الجماعية المنظمة بل أن يجابها ويتغلب عليها .

فهذه الرسائل إذن تخاطب النفس البشرية مهما كانت طاغية وقاسية حتي تزغمها على الانصات .. جاء ذلك في مقدمة المثنوي العربي النوري :

( إن هذه الرسالة نع تفسير شهودي لبعض الآيات القرآنية وما فيها من المسائل أزاهير اقتطفت من جنات الفرقان الحكيم فلا يوحشنك ما في عبارتها من الإشكال والإجمال والإيجاز فكرر مطالعتها حتي ينفتح لك سر تكرار القرآن أمثال :

( له ملك السموات والأرض) ولا تخف من تمرد النفس لأن نفسي الأمارة المتجبرة انقادت وذللت تحت سطوة ما في هذه الرسالة من الحقائق بل إن شيطاني الرجيم أفحم وانخنس .. كن من شئت .. فلا نفسك اطغي ولا أعصي من نفسي ولا شيطانك أغوي ولا اشقي من شيطاني ) لذلك فإن الرسائل تورث القناعة الكافية عن التلاميذ وتغرس الثقة المطلقة بأركان الإيمان عندهم بحيث :

( تنشئ درجة من القناعة عند تلاميذها أكثر بكثير مما عند مريدي المدارس الصوفية والتي يومنها المقام الرفيع لمرشدهم و" شيخهم " ذلك بما فيها من حجج قاطعة التي تسري إلى الآخرين فتقنعهم أيضا بينما تبقي قناعة أولئك المريدين خاصة بهم وحدهم ).

وعندما سئل الأستاذ رحمه الله لماذا يجد القارئ إيمانا وإذعانا في قلبه ويشعر بشوق دائم ولذة جديدة عند قراءة الرسالة أكثر بكثير مما يجده في كتب أخري ؟ أجاب :

( إن مصنفات أغلب العلماء السابقين والكتب القديمة للأولياء الصالحين تبحث عن ثمار الإيمان ونتائجه وفيوضات معرفة الله سبحانه ذلك لأنه لم يكن في عصرهم تحد واضح ولا هجوم سافر يقتلع جذور الإيمان وأسسه إذ كانت تلك الأسس متينة ورصينة أما الآن فإن هناك هجوما جماعيا منظما على أركان الإيمان وأسسه لا تستطيع تلك الكتب التي كانت تخاطب المؤمنين فحسب أن تقف أمام هذا التيار القوي ولا أن تقاومه وتصده أما رسائل النور فلأنها معجزة من معجزات القرآن العظيم فإنها تقوم بإنقاذ الإيمان وإثباته بإقامة البراهين الساطعة ولدلائل العديدة

نعم إن الذي يقرأ رسالة من رسائل النور يظل في نشوة روحية وشدّ روحي معها حتي لكأن الرسالة قد كتبت له بالذات لذا فهو يطالعها باستمرار ويشعر حاجة دائمة إليها ويحس شوقا هائلا نحوها و ولعل هذا هو السر في أن طالب النور لا يجد في نفسه ميلا لدراسة كتب أخري متفرقة لما يجده من ذوق وإشباع لروحه وعقله وقلبه في الرسائل, إلا من أراد التخصص في موضوع معين . ذلك أم تفتحه رسائل النور من آفاق علمية وروحية وقلبية في زمن يسير جدا قد لا تعلمه مجلدات من الكتب الأخرى أن القارئ لا يجد حدثا أو مشكلة إمامة إلا والرسالة قد يحثتها أو حلتها سواء منها النفسية أو العائلية أو الاجتماعية أو السياسية

( تنور هذا العصر الذي يليه وتخاطب الإنسانية قاطبة بحقائق القرآن الكريم فتستجيب لحاجات الإيمان والإسلام والفكر والروح والقلب والعقل كافة بما يكفي كلا منها )

ومن أجل هذا فطالب لا يصرفه وقته سدي ولو كان جزءا يسيرا جدا وإنما يحييه بدراسة الرسائل والوصول إلى تذوق المعرفة الإيمانية للآيات والأحاديث فينور عقله وروحه معا , ويري على نفسه شوقا دائما إلى العمل وتطبيق ما أمرت به الشريعة إذ لا يري في الرسائل وصايا وتعليمات وواجبات تسرد له سردا , أو تذكر كنقاط وإنما تشريده – مثلا – إلى أهمية السنة النبوية ومكانته فتأخذ بيده بحنان ولطف وتوصله بالأداة العقلية والفطرية والسياحة الروحية إلى حضرة الرسول الأعظم صلي الله عليه وسلم فتغسل أدران الروح وتزيل شوائب العقل وتفتح عين القلب إلى أمور تعذرت عليه رؤيتها فلا يري في نفسه إلا أنه يصبح ويمسي مع الرسول الحبيب " صلوات الله عليه وسلامه" وصحبه الكرام رضوان الله عليهم فلا يري في نفسه تكاسلا في تطبيق السنن والأدعية ولا تقاعسا عن دعوة الناس بعد ان امتلأ قلبه بنور المحبة .

مصنفات رسائل النور :

أن عدد أجزاء ( رسائل النور ) يتجاوز ( 130) رسالة باللغة التركية ضمت في مجلدات من الحجم المتوسط وهي :

1- سوزلر " الكلمات" وتضم 33 رسالة ( كلمة ) في 650 صفحة .

2- مكتوبات ( المكتوبات ) وتضم 33 رسالة ( مكتوب ) في 540 صفحة .

3- لمعلر " اللمعات " وتضم 33 رسالة ( لمعة) في 430 صفحة .

4- شعاعلر " الشعاعات" وتضم 15 رسالة ( شعاع) في 640 صفحة .

5- وهيكل هذا الرسائل جميعها هو البحوث الإيمانية المسائل التي تمس أركان الإيمان وخصائصه ووسائله فيما عدا الأخيرة ( شعاعات)

- التي تضم إضافة إلى تلك البحوث قضايا دفاع الأستاذ رحمه الله وبعض تلاميذه أمام المحاكم المختلفة .

- وهناك ( ملاحق ) ألحقت – بعدئذ – بالرسائل وهي :

1- ملحق بارلا 210 صفحة .

2- ملحق قسطموني 204 صفحة .

3- ملحق أمير داغ في جزئين 384 صفحة و220 صفحة .

وهذه الملاحق هي مجموعة رسائل توجيهيه في أساليب الخدمة للقرآن الكريم في ظروفها المختلفة ومراحلها . وفي أمور متفرقة من المسائل التي تواجه الفرد المسلم في دعوته كان الأستاذ يوجهها إلى تلاميذه خفية من السجون .

هذا وأن هناك بعض الرسائل في مسائل إسلامية دقيقة أو لتثبيت الجماعة المؤمنة كان رحمه الله لا يرغب في أن تنشر في أوساط ليست مؤهلة لقراءتها إلا أن كثرة المراقبة والتفتيش والمحاكم أخرجت هذه الرسائل وكشفتها لذا ضمت بعضها مع الملاحق وطبعت بشكل مستقل في مجلد واحد مثل " ختم التصديق الغيبي " في 220 صفحة وهو عبارة عن موضوعات ورسائل لتثبيت أهل الإيمان أمام تحديات الكفر والضلالة مستخرجة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال الأئمة والأولياء والصالحين .

وهناك رسائل أخري مستقلة في كتب صغيرة منها " المدخل إلى النور " و" مفتاح لعالم النور " وهي آخر رسالة كتبها الأستاذ و" المحاكمات " و" ترجمة الحياة " سنوحات" و" مناظرات " ومما يلفت النظر أن هناك رسائل ليست إلاّ بضع صفحات بينما هناك كتاب كامل يعتبر رسالة واحدة والملاحق ( التى هي أربعة مجلدات ) تعتبر رسالة واحدة وهي المكتوب السابع والعشرون علما أن هذه جميعها لم تؤلف في فترات منتظمة وإنما استغرق تأليفها من سنة 1927 م إلى سنة 1950 م وكان الأستاذ رحمه الله يشير إلى تلاميذه بوضع هذه الرسالة في اللمعات مثلا ووضع الأخري في الشعاعات وهكذا .. وكان يأخذ بمشورة طلابه المخلصين .. فمثلا إن أول رسالة كتبت هي " رسالة الحشر " بينما هي " الكلمة العاشرة " .

أما الرسائل باللغة العربية فقد سبقت الرسائل المذكورة باللغة التركية إذ انقطع التأليف باللغة العربية بانتهاء الدول العثمانية إلاّ أن الأستاذ ضم مؤلفات ( سعيد القديم ) إلى رسائل النور أيضا واعتبرها نوي وشتلات لرسائل النور فـ ( إشارات الإعجاز في مظان الثلاثون ) في الرسائل " والمثنوي العربي النوري" الذي يضم إحدي عشرة رسالة باللغة العربية عده الأستاذ ( اللمعة الثالثة والثلاثون ) واللمعة التاسعة والعشرون جميعها باللغة العربية وكذلك ( الحزب الأكبر النوري ) .

ومن المعلوم أن جميع هذه الرسائل ( بالغتين التركية والعربية ) كانت بالحروف العربية حتي 1955 حيث إذن الأستاذ بنشر التركية منها بالحروف اللاتينية كى لا يحرم طلاب المدارس الحديثة من رسائل النور .

وقد تخصصت الآن" دار سوزلر للنشر " في استانبول بمهمة طبع ونشر أجزاء رسائل النور سواء في مجلدات كالكلمات والمكتوبات واللمعات والشعاعات أو بشكل مستلات كان الأستاذ قد أشار إليها مثل : رسالة الطبيعة ورسالة الحشر ورسالة الآية الكبري ورسالة النوافذ .. الخ ..

أدب الرسائل:

أنه أدب رفيع جدا ويكفي أن يصف سيد شعراء الترك محمد عاكف " أدب الأستاذ رحمه الله بقوله .

( إن شكسبير وهيجوا وإضرابهما لا يبلغان إلاّ إلى مرتبة تلميذ بديع الزمان في الأدب والفلسفة ).

وحسبنا هذا لكي نصف أدبه أدب رفيع جدا .

وحيث أن البلاغة هي الكلام بمقتضي الحال أى ليس فيه أطناب ممل ولا إيجاز مخل فلا شك أن قاريء الرسائل يصل إلى هذه النتيجة بمجرد قراءته لها فيشعر أنه يقرأ أبلغ ما كتب باللغة التركية حيث لا استطرادات كثيرة ولا حشو في الكلام مطلقا مما جعل الأستاذ " محمد حرب عبد الحميد " يعدّ الأستاذ سعيد النورسي أحد الثلاثة الذين وجهوّا وحوّلوا تيار الأدب التركي في مقالة له في مجلة البلاغ الكويتية .

فليس في أدب رسالة النور تقعر كما في أدب أواخر الدولة العثمانية ولا تمشدق بالألفاظ الإفرنجية التي نراها في الأدب التركي الحديث وإنما جمع روعة الأداء واختيار الكلمات وعمق المعاني وشفافية الروح .

ويكفي القارئ الكريم أن يقرأ الرسالة ويتذوقها فلا يحس بنفسه إلاّ وكأنه يقرأ شعرا رقيقا لما فيها من الخيال الخصب والوصف البديع ومخاطبة الوجدان ويري نفسه كذلك أمام حجج وبراهين منطقية تقوّم فكره وعقله لذا فلا ينتهي من رسالة إلاّ والعقل قد أخذ حظه الكامل والروح قد ارتوت والقلب والخيال كل قد أخذ نصيبه بحيث يمكنك أن تطلق على كل رسالة أنها علمية وروحية وقلبية فهي ليست لواحدة منها فحسب وإنما مندمجة وممتزجة مزجا بديعا متقنا في أسلوب أدبي رفيع .

وهذا هو سر رسائل النور يتذوقها كل من يتعامل معها بقلب سليم ويكمن هذا السر في أن الرسالة لا تخاطب فئة دون أخري ولا شخصا دون آخر وإنما تخاطب الفطرة الإنسانية وكينونتها فالعالم المختصص والديب المتمرس يجد حاجته فيها والشاب المتعلم يجد بغيته فيها ومما أنها تناجي وتناغي الطفل كذلك المرأة برقة واضحة وتشفي غليل الرجل كذلك فالكل يجد فيها نصيبه وحقه بل الكل يرتوي منها .

أما الشعر في الرسائل فهناك أبيات من الشعر العربي تساق للاستشهاد وهناك رد قوي على التشاؤم المفرط لأبي العلاء المعرّي وتفنيد للبيت الآتي:

ألا ليت الشباب يعود يوما ....... فأخبره بما فعل المشيب

بفتح آفاق الشباب الدائم الخالد في رياض الجنة بحيث تبقي إعادة الشباب في الدنيا أمرا تافها جدا .

أما الشعر الفارسي فهو أيضا كثير في الرسائل للاستشهاد أيضا وبالأخص شعر جامي والشيخ حافظ الشيرازي مع ردّ قوي على عمر وترد مقاطع في بعض الرسائل باللغة الفارسية وربما تشكل جزءا كبيرا من الرسالة شعر أو نثرا كما في الكلمة السابعة عشرة .

أما الشعر التركي فليس في الرسائل استشهاد كثير به إلاّ أبيات معدودة للشاعر الصوفي نيازي المصري وفضولي البغدادي كما في ( رسالة الشيوخ) .

وفيها أيضا نثر منظوم للأستاذ نفسه يشبه الشعر إلاّ أنه ليس بشعر حيث روعي فيه المعني أكثر من الوزن والقافية .

ورغم أن الأستاذ من أصل كردي إلا أنه لم يكتب فقرة كاملة باللغة الكردية حيث أن اللغة التركية يومئذ كانت لغة الدولة ورعاياها ولغة الحضارة العثمانية .

وهل هناك تكرار في رسائل ؟

لا شك أن البحث في الموضوع الواحد في ( 130) رسالة خلال فترة زمنية تمتد إلى ربع قرن يكون فيه التكرار الكثير بشكل أو آخر ولكن التكرار في الرسائل نادرا ما يحس به أحد حيث أن لموضوع الذي يكرر يضاف إليه معني جديدا أو يصاغ صياغة جديدة أو ينظر إليه من زاوية أخري أو يلون بلون جديد مما ينفي عنه الملل ولعل هذا هو السر الكامن في تكرار الآيات القرآنية .

أما الإحالة فما من رسالة إلا وفيها ( إحالة ) إلى رسالة أخري قد بسط فيها الموضوع بشكل أخر إجمالا أو تفصيلا أو إيضاحا لنقطة منها .. وهكذا نري إحالات كثيرة في الرسائل مما تجعلها كأنها رسالة واحدة.

أى الرسائل أفضل :

لما كان قارئ الرسائل يجد جواب جمع الأسئلة التي تحوم حول فكره وعقله وردّ جميع الوساوس والشبهات التي يلقيها شياطين الجن والإنس في قلبه وخياله لذا فإنه ما أن يقرأ رسالة إلاّ ويقول كأن هذه الرسالة قد كتبت لى فهي من أحسن ما قرأته ثم ينتقل إلى أخري ويقول هذه أفضل وهكذا ... حتي تكون جميع الرسائل عنده أخري ويقول هذه أفضل وهكذا .. حتي تكون جميع الرسائل عنده حسنة وجيدة بحيث لا يمكنه أن يميز بين واحد وأخري . ورغم هذا فإن الأستاذ رحمه الله قد ضم احدي عشرة حجة من الحجج الإيمانية مع احدي عشرة مسألة من رسالة الثمرة في مجموعة وسماها " عصا موسي" ليبطل بها عمل سحرة الضلالة العلمية وليفجر بها ينابيع الإيمان وضم كذلك " المعجزات وسماها " ذو الفقار " وقدّم في بداية كل مجموعة ما يأتي :

( في هذا لعصر الغريب كما أن أهل الإيمان في أشد الحاجة إلى رسائل النور وأن معلمي المدارس الحديثة بحاجة ماسة إلى " عصا موسي " فإن علماء الشريعة كذلك ومعلمي القرآن الكريم هم في أشد الحاجة إلى " ذو الفقار " .

بهذا أشار إلى أن " عصي موسي ) يستفيد منها طلاب الجامعات وإن علماء الشريعة يرون بغيتهم في " ذو الفقار ".

وجمع كذلك مجموعة أخري من المسائل الدقيقة في العقيدة كالقضاء والقدر وحكمه خلق الإنسان والعالم والروح ودمار العالم وسماها فطالب النور بعد أن يستيقن الإيمان ويستقر في قلبه بدراسته ل ( الكلمات ) ينتقل إلى ( المكتوبات ) ليغترف أجوبة الأسئلة كثيرة جدا أو ليعيش في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ينتقل إلى " اللمعات " ليعيش مع الأنبياء عليهم السلام وليأخذ حذره من الشيطان ومكائده وضلالات العلوم الحديثة حتي يرقي في النهاية إلى تذوق معاني السماء الحسني بعد أن أخذ حصته منها في " الكلمات ".

أما إذا رأي في نفسه خوفا أو ترددا أمام أهل الضلالة وملاحقتهم له فعليه أن يقرأ " الشعاعات" حيث فيها التوحيد الخالص وأمور الدجال ودفاع الأستاذ في المحاكم وحيث أن الأحداث اليومية ومجاهدة النفس والناس يوميا فلابد أن طالب النور بحاجة إلى فقه العمل لذا فقد وجه الأستاذ رسائله في هذا الصدد إليهم من السجون والمعتقلات وفي ظروف مختلفة وحثهم على العمل الدائب والشوري فيما بينهم والحذر من مكائد أهل الضلالة والشيطان كل ذلك وغيره من الأمور الدقيقة يجدها الطالب في " الملاحق ".

هذا لا يعني أن الطالب لا ينتقل من مجموعة إلى أخري إلا بعد مرحلة وإنما يعني أن لكل مجموعة نكهتها الخاصة بها .

أما الموازين الاجتماعية والسياسية فإن رسالة " الخطبة الشامية " تضم أسسها العامة وتحتوي الرسائل الأخري نتفأ منها أيضا كما نجد في " السنوحات " و" المناظرات " إقامة للموازين الدقيقة التي يتمكن بها تلميذ رسائل النور من وزن الأحداث حسب المفهوم الإيماني فضلا عما ضمته الملاحق من تلك الأمور .

وفي رسائل الأستاذ الموجهة إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في عهد الحزب الديمقراطي موازين دقيقة رائعة .

مع السنة النبوية الشريفة :

لا تخلو رسالة من رسائل النور من ذكر الرسول صلي الله عليه وسلم أو جانب من جوانب حياته المباركة بأسلوب شائق جدا بحيث تشعر بالأدب الجم والتعظيم اللائق تحت تأثير تلك العبارة وغالبا ما يسبق الحديث الشريف ما يهيء القلب والعقل والروح لتقبله حتي تشعر بأنك ماثل أما قائله صلي الله عليه وسلم فيشع ذلك الحديث بنوره في قلبك ويسري بفعله في أعصابك وجوارحك هذا وإن رسائل خاصة في السنة ودلائل النبوة ومعجزاته صلي الله عليه وسلم ومعرفة أصول الحديث وكيفية الاستزادة من محبته عليه السلام لا يقرأها أى مسلم حتي يغمر قلبه حبا وإجلالا لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام .

وفي ثنايا كثير من الرسائل أسئلة وأجوبة حول بعض الأحاديث الشريفة التي قد يظن – أول وهلة – أنه – أى الحديث – بعيد عن الواقع أو لا يسلم به العقل إلاّ أن الرسالة تشرح البعاد الشاسعة لذلك الحديث وأسراره وحكمه الكثيرة فترد جميع الشبهات الواردة عليه وتزيل جميع الوساوس والشبه في زوايا العقل والقلب وفي الوقت نفسه تصد تلك الهجمات الموجهة إلى الحديث الشريف من قبل أهل الضلالة بإسم العلم الحديث بحجج عقلية مستساغة

والذي يمعن النظر في الرسائل بصورة عامة والتي تبحث عن السنة بصورة خاصة ( وبالأخص في المعجزات الأحمدية ) يكتسب خبرة في كيفية التجوال في كتب الصحاح والسنن إذ تدله على تلك الرياض الوارفة فتنقله بين بساتينها المزهرة الفواحة فيستنشق عبيرها مع خذه القدر الكافي مما يلزم لكل مسلم من معرفة مصطلح الحديث الشريف أو التهم الموجهة إليه إلاّ ويجد جوابه الشافي المقنع فيها بحيث تطمئن إليه النفس .

فمسائل الدجال ونزول عيسي عليه السلام والمهدي والخضر ومسائل حول الملائكة وأشراط الساعة وثواب الأعمال وغيرها .. قد أشبعت بحثا وتوضيحا بحيث يرتاح إليه القلب وتسكن إليه الجوارح .

وقد تناولت الرسائل أيضا تلك الأحاديث التي اتخذت ذريعة للهجوم على أمهات كتب الحديث من قبل أهل البدع فدافعت عن تلك الأحاديث وأبرزت جوانب خفية منها بما يلجم أى معاند ومكابر كان .

أما الأحاديث التي تضمنتها الرسائل بصورة عامة فهي على الأغلب بصيغتها العربية وقد تري أنها تذكر بالمعني أحيانا لذا ذكر الأستاذ في مقدمة رسالة المعجزات الأحمدية ما يأتي :

مع الفقه :

هناك رسالة خاصة في " الاجتهاد " تبين أن هناك ستة من الأسباب التي تحول في الوقت الحاضر دون ولوج هذا الباب المفتوح.

لذا فإن رسائل النور لا تورد مسألة – ولو كانت جزئية – خلافا لآراء الأئمة المجتهدين مطلقا ولا تذكر أسماءهم إلاّ مع الاحترام والتوقير الذي يليق بهم .

أما المصطلحات الفقهية والأصولية فإنها ليست مجموعة في رسالة معينة وإنما مبثوثة في كثير من الرسائل وترد في مكانها ومقامها المناسب فمثلا تري في الفقرة الآتية تعريفا لمصطلحين فقهيين علما أن الموضوع ليس بموضوع فقه :

(سؤال : لماذا تنقل ( المعجزات ) باهتمام بالغ مثلما نقلت الأحكام الشرعية الضرورية الأخري نقلا متواترا وبطرق متعددة ؟

الجواب : لأن هناك في أغلب الأوقات حاجة ماسة إلى معظم الأحكام الشرعية لأكبر عدد من الناس فهي ( فروض عين) لما لها علاقة بكل شخص أما المعجزات فلا حاجة لكل إنسان بها وحتي لو فرضنا أن هناك حاجة إليها فيكفي سماعها مرة واحدة فهي مثل ( فروض كفاية ) يكفي أن يعلم بها عادة بعض الناس وهكذا بقية المصطلحات ترد بين ثنايا موضوع آخر أو بشكل سؤال وجواب وهو أيسر للفهم والاستيعاب (ولعل من ألطف الثمرات التي قدمتها مدرسة رسائل النور أنها وحدت بين وجهات النظر المختلفة لأصول الدراسة والتفكير بين المدرستين العقلية ( الفقهية) والقلبية) الصوفية ) وأزالت ما بينهما من المناقشات والخلافات الظاهرة التي أعاقت التقدم والمضي في تبليغ الإسلام فوق سعيها الحثيث في تمكين الوحدة بين صفوف أهل الإيمان حيث أنها تقنع عقول أهل هذا العصر حتي تحقق لدي أصحاب العقول النيرة إنما أنتجه هذا العصر من التفرقة لا تلم شملها إلاّ رسائل النور )

هذا وفي الرسائل حث لعلمائنا اليوم ودعوة موجهة إليهم ليدرسوا رسائل النور ويقفوا في صف واحد ضد الضلالة المهاجمة دون أن تحول بينهم وبين ذلك ( الغرور العلمي ) أو الخلافات الجزئية أو الخلود إلى الدعة ولا يكونوا من الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة مع توجيهات متتالية كان الأستاذ يوجهها إلى تلاميذ النور في مواجهة اعتراضات مثل هؤلاء العلماء على رسائل النور وقد بسطنا القول فيها في " أسلوب مخاطبة المعارضين " فلا داعي للتكرار .

أما مع العلماء الذين يتصدون لإرشاد الناس ووعظهم فقد شخصت رسائل النور الداء فيهم وبينت العلاج حيث جاء :

( .... لقد استمعت إلى الوعاظ فلم تؤثر في نصائحهم ووعظهم فتأملت في السبب وجدت أنه هناك ثلاثة أسباب علاوة على قساوة قلبي :

1- أنهم يتناسون الفرق بين الحاضر والماضي فيبالغون كثيرا في تصوير دعاويهم محاولين تزويقها دون إيراد الأدلة الكافية التي لا بد منها للتأثير وإقناع الباحث عن الحقيقة فالزمن الحاضر أكثر حاجة إلى إيراد الأدلة .

2- أنهم عند ترغيبهم بأمر ما وترهيبهم منه يسقطون قيمة ما هو أهم منه , فيفقدون بذلك المحافظة على الموازنة الدقيقة التي هي في الشريعة ( أى بين المهم والأهم) .

3- إن مطابقة الكلام لمقتضي الحال هي أرقي أنواع البلاغة فلابد أن يكون الكلام موافقا لحاجات العصر إلا أنهم لا يتكلمون بما يناسب تشخيص العلة لهذا العصر . وكأنهم يجرون الناس إلى الزمان الغابر فيحدثونهم بلسان ذلك الزمن .

فعلي الوعاظ والمرشدين المحترمين أن يكونوا محققين كي يتمكنوا من الإثبات والإقناع , وأن يكونوا أيضا حكماء مدققين كي لا يفسدوا توازن الشريعة , وأن يكونوا بلغاء مقنعين كي يوافق كلامهم حاجات العصر وعليهم أن يوازنوا الأمور بموازين الشريعة ..)

وتعيد رسائل النور وتكرر الدعوة إلى الوفاق والتصالح بين المدارس المختلفة ( فلقد قلت مئة مرة وأعيدها أيضا :

أنه لابد من الوفاق والتصالح بين أهل المدارس الفقهية والمدارس الحديثة والمزايا الصوفية لأجل وحدة الهدف وذلك بتبادل الأفكار وميل بعضها لبعض ذلك لأننا نري – مع السف – أن تباين أفكارهم كما أنها تفرق الوحدة , فإنها توقف الرقي والتقدم كذلك ) .

مع على الكلام :

إن رسائل النور لا تنتقص من علم الكلام والتصوف كمصادر للمعرفة – رغم ما بينها من بون شاسع – ألا أنها تعدهما قاصرين وناقصين إذا ما عرضنا أمام المنهج القرآني الحكيم فهناك نصوص كثيرة حول هذا ألا أننا نقتطف النص الآتي :

( .. حقا إن معرفة الله المستنبطة بدلائل " علم الكلام " ليست هي المعرفة الكاملة ولا تورث الاطمئنان القلبي في حين أن تلك المعرفة متي ما كانت على نهج القرآن الكريم المعجز فإنها تصبح معرفة تامة وتسكب الاطمئنان الكامل في القلب نسأل الله العلي القدير أن يجعل كل جزء من أجزاء رسائل النور بمثابة مصباح يضيء السبيل القويم النوراني للقرآن الكريم....

وكما أن معرفة الله الناشئة من علم الكلام ناقصة وقاصرة ... فإن المعرفة الناتجة عن طريق التصوف أيضا ناقصة ومبتورة بالنسبة نفسها أمام المعرفة المستقاة من القرآن الكريم مباشرة من قبل " ورثة الأنبياء ".

ولقد شبهنا في " كلمات" أخري من رسائل النور لبيان الفروق بين الذين يستلهمون نهجهم من القرآن الكريم والذين يسلكون نهج علماء الكلام بمثال :

إنه لأجل الحصول على الماء هناك من يأتي به بوساطة أنابيب من مكان بعيد يحفره في أسفل الجبل وآخرون يجدون الماء أينما حفروا ويفجرونه أينما كانوا فالأول سير في طريق وعر وطويل والماء معرض فيه للانقطاع والشحة ... وهذا هو مسلك علماء الكلام إذ يثبتون واجب الوجود باستحالة الدور والتسلسل غير المتناهي للأسباب .

أما منهاج القرآن الحكيم فهو يجد الماء ويفجره في كل مكان وبيسر كامل فكل آية من آياته الجليلة تفجّر الماء أينما ضربت – كعصا موسي – وتستقري.

وفي كل شئ له آية تدل على أنه واحد .

.... ثم إن الإيمان لا يحصل بالعلم فحسب , إذ أن هناك لطائف كثيرة للإنسان لها حظها من الإيمان فكما أن الأكل إذا ما دخل المعدة ينقسم ويتوزع إلى مختلف العروق حسب كل عضو من الأعضاء كذلك المسائل الإيمانية العروق حسب كل عضو من الأعضاء كذلك المسائل الإيمانية الآتية عن طريق العلم إذا ما دخلت معدة العقل والفهم فإن كل لطيفة من لطائف الجسم – كالروح والقلب والسر والنفس وأمثالها _ تأخذ حصتها منها وتمصّها حسب درجتها .

فإن كانت فاقدة غذاء لطيفة من اللطائف فالمعرفة إذا ناقصة مبتورة ... وتظل تلك اللطيفة محرومة منها ).

ومن هنا يمكننا القول بأن رسائل النور قد شقت طريقا جديدا في علم الكلام بل هو في حقيقة " علم كلام قرآني " – إن صح لتعبير – حيث تري أسلوب العرض القرآني لمسائل وجود الله سبحانه والوحدانية والنبوة والآخرة والقضاء والقدر بشكل واضح جلي يخاطب قلب الإنسان وفكره وعقله وخياله بل جميع لطائفه معا ولا يحصر الكلام في العقل أو الذوق ويورد أمثلة مادية ملموسة من واقع المرء وبيئته من النباتات والحيوانات والنجوم ومن النفس الإنسانية .. الخ .

ثم أنها لا تجمع بين الآيات المتشابهات في موضوع واحد ولا في مكان واحد وإنما توزع تفسيرها على جميع الرسائل وهذا أيضا أسلوب قرآني .

ومحور جميع المسائل هو " أسماء الله الحسني " حيث تحل الرسائل بهذه ألأسماء المقدسة جميع المشاكل والأمور وتحول الدنيا إلى ميدان امتحان وعمل وتضع بيد الإنسان موازين دقيقة قرآنية كي يزن بها الأمر ومن هنا أصبحت جميع العلوم الكونية وسائل وألسنة تنطق بالوحدانية ونوافذ تطل على الآخرة.

ولئن كان التوصل إلى العقيدة الخالصة والإيمان الكامل والظفر بالحقائق المحضة – فيما مضي – محصورا في المدارس الفقهية ومناهجها وقضاء خمس عشرة سنة من العمر فيها فأن طريقة رسائل النور تختصر المسافة والزمن إذ يمكن الحصول على تلك النتائج الإيمانية الخالصة والحقائق الإسلامية الصافية في خمسة عشر شهرا بل خمسة عشر أسبوعا بدلا من تلك السنين الطويلة .

لذا أصبحت خاصة من خصائص رسائل النور ( طي الإقدام لا طي الإقدام ) وحقا أن من يديم مطالعة الرسائل بدقة ورؤية يتمكن من الاطلاع على فيها من الحقائق فكما أنه ينقذ نفسه من المهالك كذلك يكون عالما مرشدا في هذا العصر ).

فمسألة القضاء والقدر مثلا التي أسهب فيها المتكلمون دون إن يحصدوا منها شيئا وحيّروا القارئ والمتعلم , وكذا الذين قلّوهم من بعدهم نري أن ( رسالة القدر ) ( الكلمة السادسة والعشرين ) يفهمها المرء دون تكلف ولا صعوبة , علما أنها لا تدع سؤالا يرد إلى العقل ولا شبهة ترد إلى القلب إلاّ وتجيب عنها وأسلوبها في هذا أسلوب مبتكر بديع ورصين مع أنه بسيط مستساغ .

مع التصوف :

قد يتصور الذي لم يطلع علىّ رسائل النور أنها رسائل صوفية وإن الأستاذ أحد شيوخ الصوفية وأن جماعة النور جماعة من الصوفيين. وهذا الخطأ ناجم من الخلط بين الزهد والتصوف وعدم التمييز بينهما .

نعم إن الأستاذ رحمه الله كان زاهدا حقا ولكنه لم يكن صوفيا ولا صاحب طريقة مطلقا لذا فليس رسائل النور رسائل صوفية ولا طلابها من الصوفيين إذ كان الأستاذ يقول دائما : ليس هذا العصر بعصر تصوف وطريقة إنما هو عصر إنقاذ الإيمان .

فبين بهذا إن المهمة الأساس للمسلم في هذا العصر هي إنقاذ الإيمان وليس التصوف وأوضح ذلك في قوله .

فأني أخال أن لو كان الشيخ " عبد القادر الكيلاني " و" النقشبندي" و" الإمام الرباني " وأمثالهم في أقطاب الإيمان رضوان الله عليهم أجمعين .. أجل لو كان هؤلاء في عصرنا هذا لبذلوا كل ما وسعهم لتقوية " الحقائق الإيمانية " والعقائد الإسلامية ذلك لأن منشأ السعادة الأبدية فيهما وأن أى تقصير مهما كان فيهما يعني الشقاء الأبدي :

إذ لا يمكن الدخول إلى الجنة دون إيمان بينما هناك الكثيرون يدخلونها دون تصوف ولا يمكن للإنسان أن يعيش من دون خبز ولكنه يمكنه ذلك دون فاكهة .

فالتصوف فاكهة والحقائق الإسلامية خبز ولما كان الصعود إلي الحقائق الإيمانية بالسير والسلوك يستغرق فيما مضي أربعين يوما إلى أربعين سنة فلا يعقل أبدأ إلا يبالي بطريق – لو وجدت في الوقت الحاضر – توصل إلى تلك الحقائق في أربعين دقيقة ..!

نعم فالذين يقرأون ثلاثا وثلاثين كلمة " من كتاب " سوزلر" ( الكلمات ) بدقة وإمعان يقرون بهذا ) .

ثم تري في الرسائل مقارنات تعقد بن كتب الصوفية ورسائل النور فالأولي تصف الأذواق والفيوضات لمن ارتقي إلى درجة الأولياء بينما الثانية تخاطب كل إنسان وتريه لحقائق الإيمانية وتحثه على إنقاذ إيمانه الذي فيه سعادته .

إن الدواوين والمؤلفات السابقة تقول :

كن ( وليا) ثم أرق في المقامات والدرجات وانظر وتناول الفيوضات بينما رسائل النور تقول : كن من شئت وافتح عينيك فحسب وانظر وشاهد الحقيقة وأنقذ إيمانك الذي هو مفتاح سعادتك الأبدية ) لذا جاءت الرسائل للمستويات كافة بخلاف الكتب الصوفية التي تقتصر على فئة معينة .

وتلفت الرسائل النظر إلى الفرق بين طالب النور والمريد الصوفي إن للأول حججا وبراهين يتمكن بها أن يغزو بينما الآخر له قناعة ذاتية وشخصية حيث :

أن قبول أقوال الأشخاص العظام لا يفيد اليقين والقطعية – في علم المنطق – بغير دليل بل ربما تكون قضية مقبولة يقتنع بها الإنسان بالظن الغالب أما البرهان الحقيقي – كما هو في المنطق – فلا ينظر إلى مكانه الشخصي القائل وإنما إلى الدليل الذي لا يجرح .

فجميع حجج رسائل النور هي من هذا القسم أى من البرهان اليقيني وأن ما يراه أهل ( الولاية الصوفية ) من الحقائق في العمل والعبادة والسلوك والرياضة الروحية وما يشاهدونه من الحقائق الإيمانية وراء الحجب فرسائل النور أيضا مثلهم غير أنها في موضع العلم شقت طريقا إلى الحقيقة من خلال العلم وفي موضع السلوك والأوراد فتحت سبيلا إلى حقيقة الحقائق ضمن براهين منطقية وحجج عقلية وفي موضع علم التوصف والطريقة فتحت طريق ( الولاية الكبرى) ضمن علم الكلام وعلم العقيدة وأصول الدين لذا فقد انتصرت على الضلالات الفلسفية المعاصرة وتغلبت عليها في حين أن تيار ( الحقيقة ) و ( الطريقة ط قد تراجع أمامها ) .

لهذا فقد حصل عند طالب النور يقين في دعوته الناس إلى الإيمان لا تصرفه عنها جميع الدعوات الأخرى ومنها الصوفية وإن كانت على كثير من الصواب .

( أن ما نراه من حصيلة خدمتنا وجهودنا في ترسيخ الإيمان وتحقيقه في القلوب لكاف بأن يعطينا قناعة تامة بحيث لو ظهر من هو بمرتبة عشرة أقطاب من " أقطاب الصوفية " وتمكن من سوق آلاف من الناس إلى مراتب الولاية الصوفية فغن عمله هذا لا ينقص من أهمية عملنا وقيمته ولا من ثمراته شيئا فنحن واثقون كل الثقة ومطمئنون كل الاطمئنان على حصيلة أعمالنا )

هذا وإن المكتوب التاسع والعشرين يبحث هذا الموضوع ( الولاية والتصوف ) من كل جوانبه ويبين أن للقلب مجاله كما أن للعقل مجاله وإن العمل القلبي يكون بالذكر والتفكير وأن أفضل وأحسن طريقة هي إتباع السنة الشريفة وإن أهم أساس من أسس الولاية هو " الإخلاص " وأن القوة النافذة فيها هي المحبة وحيث أن الدنيا دار عمل وسعي وليست دار جزاء وثواب لذا لا تطلب فيها اللذائذ والأذواق ولا يقصد فيها الكرامات لهذا كله ينبغي الالتزام بالشريعة إذ الحقيقة والطريقة وسيلتان لخدمة الشريعة .

ثم يبين ( ثماني ورطات) لطرق الصوفية ويرد في موضوع مستقل آخر على القائلين بوحدة الوجود بحجج قوية منطقية يسلم بها الجميع .

وحيث أنه يكن أن يلج في كل جماعة –ومنها الصوفية – من هم ليسوا من أهلها لذا لا يمكن أن يغمط حق الذين تصدوا للكفر والزندقة ورفعوا راية الإيمان في ظروف حالكة وجددوا الهمم والعزائم عند المسلمين فأضاءوا السبل أمام الأجيال من أمثال الإمام الغزالي والإمام أحمد الفاروقي السرهندي الرباني والإمام الشاه النقشبندي والشيخ عبد القادر الكيلاني وغيرهم كثير بحجة أخطاء وقعت فيها طائفة تسموا بـ ( الصوفية ) .

لذا فإن الرسائل تذكر أسماء هؤلاء المجددين العظام بالاحترام اللائق بمرتبتهم ومكانتهم ثم إن الرسائل لا تذكر الصوفية قدحا ولا مدحا على التعميم وإنما تضع أصبع الاتهام على أمور خالف فيها بعضهم قواعد أهل السنة والجماعة وترحب فى الوقت نفسه بالبطولات المعنوية الرائعة وبالخدمات الجليلة التي قدموها في ميدان الإيمان ونشر الإسلام وذلك بمقتضي العدل الإلهي الذي يزن الناس جميعا يوم الحشر الأكبر وهو رجحان الحسنات السيئات من حيث الكمية والنوعية فرب حسنة من نوعية ممتازة - وإن كانت ضئيلة – تمحوا سيئات كثيرة جدا .

أما العبادات القلبية من إخلاص وتوكل ودرجات الخوف والرجاء والمحبة والتخلص من الرياء والعجب التكبر .. فهي الميدان والأول والواسع لرسائل النور فتري تأكيد الإخلاص باستمرار وأبحاثا وعلاجات دقيقة جدا لأمراض الوساوس القلبية والخواطر الخبيثة وسبل مداخل الشيطان في النفس أو صفوف الجماعة المسلمة وكذلك معاني الصبر والوفاء والإيثار إلى آخر المعاني التي افتقدها المسلمون في الوقت الحاضر حتي غدت غير مألوفة لديهم ..

ومن أبرز ما تهدف إليه رسائل النور في ألإنسان هو إثارة ملكة التفكر عنده وقابلية التأمل لديه إذ بدونهما لا يمكن أن يكون الإخلاص والإيمان والعمل ذاتيا .

مع العلوم الكونية :

مما لا يختلف فيه اثنان إن القرآن والسنة الشريفة قد حثا على طلب العلم فلا غرابة إذن أن هذا الحث أيضا في رسائل النور مع وضع لأسس وقواعد البحث العلم وما يجب أن يتحلي به كل باحث ودفع وتشويق إلى التخصص في مادة واحدة دون صرف الجهود غلى عدة علوم حيث : ( إن شخصا – ولو خارقا – إنما بتخصص ويصير صاحب ملكة في أربعة فنون أو خمسة فقط ) .

ولما كان القرآن الكريم مصدر الهام رسائل النور – كما أعلنه الأستاذ مرارا – فلابد أنه يعرض هذا الموضوع من استلهام الآيات القرآنية أيضا فنري أن الرسائل توجه الأنظار إلى " استأذية القرآن " للإنسانية أيضا فنري يحث البشر على السعي الذائب والعمل المتواصل للوصول إلى ما ذكره من معجزات الأنبياء عليهم السلام وكأنه يدلهم بها ( على أن نظائر تلك المعجزات سوف تتحقق فى المستقبل بالمضي في مضمار العلم فيحث الإنسان على ذلك وكأنه يخاطبه بـ: هيا اعمل وابذل الوسع لتنجز ما يقارب هذه المعجزات .. هيا اقطع مسافة شهرين في يوم واحد كسليمان عليه السلام اعمل على مداوة أشد الأمراض استعصاء كعيسي عليه السلام . استخرج الماء الذي يبعث الحياة من الصخور وأنقذ البشرية من العطش كعصا موسي عليه السلام .. ابحث عن المواد التي تقيك شر الحرق بالنار وألبسها كإبراهيم عليه السلام .. التقط أبعد الأصوات والصور من أقصي لمشرق والمغرب لتسمع وتري كما فعل بعض الأنبياء.. ألن الحديد كالعجين مثل داود عليه السلام واجعله كالشمع حتي يكون أساسا لجميع الصناعات البشرية فكما تستفيدون – تلك الفوائد الجمة – من الساعة والسفينة اللتين هما من معجزات يوسف ونوح عليهما السلام .. استفيدوا كذلك من دروس معجزات الأنبياء استفادتكم من الساعة والسفينة .. اعملوا على محاكاتهما وتقليدهما ).

ولكن الدراسة المنهجية في المدارس التي يتضخم في أذهان الطلبة أمر العلم والتكنولوجيا حتي تجعله مصدر السعادة والرفاه وتهمل - في الوقت نفسه – مصدر السعادة النابعة من القرآن الكريم والسنة الشريفة تدفع الطلاب – والناس بدورهم – إلى الجرأة ليتساءلوا: ( لما لم يصرح القرآن الحكيم بما هو مهم في نظر الإنسان من خوارق المدنية الحاضرة ..؟ وإنما اكتفي برمز مستتر وإيماء خفي ..؟).

فتجيب الرسائل بما يأتي :

( أن خوارق المدنية البشرية لا تستحق أكثر من هذا القدر إذ أن الوظيفة الأساس للقرآن الكريم هي تعليم ( شؤون الربوبية وكمالاتها ووظائف العبودية وأحوالها ) .

لذا فإن حق تلك الخوارق البشرية وحصتها من تلك الدائرتين لا ينال إلا مجرد رمز ضعيف وإشارة خفية .. فإن أدعت حقها وطالبتها من دائرة الربوبية فعندما لن تحصل على حظها إلا بحق ضئيل جدا فمثلا : إذا طالبت الطائرة لبشرية القرآن الكريم قائلة :

- أعطني حقا للكلام موقعا بني آياتك ...

فلابد أن طائرات " الربوبية " التي هي الكواكب السيارة والأرض والقمر ستقول بلسان القرآن الكريم :

- أنك تستطعين أن تأخذي مكانك هنا ولكن بمقدار جرمك لا أكثر ..)

- وهكذا تسرد الرسالة ما يستعظمه الإنسان من نتائج الاكتشافات العلمية أنها حقيرة وصغيرة بل تافهة أمام عظمة مخلوقات الله سبحانه وتعالي وأما وظيفة العبودية للإنسان على الأرض .. وهو يري أن ما كان يظنه قبل سنين من الأمور العظيمة والتي يطلق عليها خطأ " معجزات العلم "

- أصبحت من الأمور المألوفة والبديهية .

- لذا نري أن الرسائل تذكر الأمثلة العلمية وتخوض في أغلب العلوم المعروفة ملتقطة منها أمثلة واقعية يفهمها القارئ ويستسيغها حيث أنها تقر بالحقائق التي أتت بها العلوم الحاضرة إلا أنها تعزو سبب الضلالة الناشئة في العلوم الحاضرة إلى حصر النظر في الأسباب الظاهرة دون رؤية يد القدرة الحكيمة التي تهئ وتسير تلك الأسباب وفق نظام دقيق كما جاء في المسألة السادسة من رسالة الثمرة " عرفنا بخالقنا ":

- كذلك تري مثل هذه الأمثلة من العلوم عند شرح معني الأسماء الحسني وفي رسالة الذرة الرائعة التي هي برهان ساطع على اتخاذ رسائل النور كل علم وسيلة لبيان التوحيد والآخرة والنبوة ..

- نخلص مما سبق أن الرسائل تنتهج مع العلوم الكونية الأسلوب الآتي :

1- أن قمة العلوم ونهاية حدودها قد خطها الأنبياء عليهم السلام بمعجزاتهم و أن جميعها تستند على الأسماء الحسني وتنتهي إليها .

2- أن ما يستعظمه الإنسان – من المكتشفات الحديثة – سوف يكون من الأمور البسيطة في المستقبل لذا لا يستحق ذلك الإعجاب إلاّ بقدر ما يذكر بعظمة الله سبحانه .

3- أن جميع ما اكتشفه العلم ليس إلاّ أثر من الله سبحانه في الوجود وهو أحسن وسيلة لرؤية حكمته سبحانه وقدرته وعظمته .

4- لذا لابد من إثارة عنصر التفكير عند الإنسان عند النظر في ملكوت السموات والأرض أى تعويدة على العبادة الفكرية .

5- ولابد من سرد الأمثلة لتمهيد العقل وتهيئة النفس وتحضيرها لقبول الآيات والأحاديث بإذعان كامل حيث ضاقت العقول التي سقيت بغير ماء الإسلام في المدارس أمام كثير من الآيات والأحاديث الشريفة .

ولما كانت الرسائل تجعل القارئ ينظر إلى الكون وكأنه كتاب رباني مفتوح وقد نقشت فيه نقوش أسمائه الحسني جل جلاله لذا فإنه يفهم بكل سهولة حكمة المخلوقات أو الحوادث أو الأمور المختلفة تحت أنوار تجليات تلك الأسماء الحسني حيث قد شرحت مفصلا في الرسائل المختلفة حتي غدت العلوم الحاضرة في حقيقتها آفاقا لتجليات تلك الأسماء .

ومن هنا يمكننا أن نفهم سبب النجاح الذي أحرزه ( مركز البحوث العلمية ) الذي شكله طلاب النور في الآونة الأخيرة والذي أصدر كتيبات علمية إيمانية على مستوي راق حتي طبعت منها في السنة الواحدة عشر طبعات إذ قام بإصدارها أساتذة أكفاء تشربوا بمفاهيم رسائل النور ووعوها وعيا كاملا , فتمكنوا من صياغة العلم الحديث بأسلوب إيماني بديع مراعين فيها إثارة التأمل والتفكر عند القارئ مع عرض لأحدث المكتشفات العلمية ونظرياتها ومن ثم الوصول إلى الحكيم المدبر في جميع هذه الثار المبثوثة أما عين الإنسان ولا نعلم مثيلا لهذا الأسلوب باللغة العربية كي نتمكن من مقارنته .

مع الفلسفة :

إن أهل الضلالة والإلحاد يستندون دائما على الأسس الفاسدة للفلسفة الطبيعية المادية فيوهمون بعض المسلمين بأن لهم أسسا علمية يركنون إليها لصد حقائق الإسلام .

لذا نري الرسائل تشن هجوما عنيفا وباستمرار على تلك الأفكار والكلمات والأسس الفاسدة التي يستند عليها الماديون الطبيعيون ولا تكتفي بإيراد بضعة أدلة وإنما تسرد الدلائل تلو الدلائل وتعقبها بأمثلة غزيرة ومتنوعة حتي تري بوضوح بيّن أن الطرفين التي يسلكها المنكرون من الماديين الطبيعيين هي بعيدة كل البعد عن المسلمات المنطقية والعقلية بل يمجها العقول السليمة وأنها محض خرافة خرقاء وسلوكها في ذلك هو بخطوات منطقية عقلية فمثلا جاء في مقدمة رسالة الطبيعة :

أيها الإنسان :

أعلم أن هناك كلمات رهيبة تفوح منها رائحة الكفر النتنة تخرج من أفواه الناس وترددها ألسنة أهل الإيمان دون علمهم بخطورة معني ما يقولون وسنبين ثلاثا منها هي الغاية في الخطورة :

أولاهما : قولهم عن الشئ :" أوجدته ألسباب " أن الأسباب هي التي توجد الشئ المعين .

ثانيهما قولهم عن الشئ : تشكل بنفسه " أى أن الشئ يتشكل من تلقاء نفسه يوجد نفسه وينتهي إلى صورته التي انتهي إليها كما هي .

ثالثهما: قولهم عن الشئ :" اقتضته الطبيعة " أى أن الشئ طبيعي والطبيعة هي التي أوجدته واقتضته ..)

ثم تذكر الرسالة تلك المحاولات وتوضحها بأمثلة عليمة سلسلة متنوعة لا تذر غبارا للشبهة والوسوسة في القلب والعقل وهكذا يلمس القارئ الأسلوب العلمي المنطقي الرصين والمحاورة الهادئة الرزينة وكما ذكرنا في ( أسلوب الاستثناء ) فأن الرسائل لا تهاجم الفلسفة بصورة مطلقة وإنما تستثني منها المفيدة فقد جاء في مقدمة ( المدخل إلى النور ) ما يأتي :

( إن الضربة التي أهوت بها هذه الرسالة على الفلسفة هي الفلسفة المضرة للبشرية والتي تعادي الدين وليس ذلك القسم من الفلسفة الذي يقف موقف الصداقة منه والذي ينفع البشرية ..)

ولابد للباحث في الفلسفة أن يسير أغوارها ويفتش عن جذورها المتشعبة وإلا فلا تسمي تلك البحوث التي تأخذ بالقشور وبعض الأمثلة البسيطة أنها بحوث رصينة أو علمية دقيقة ..فرسالة " أنا" مثلا مثال رائع جدا على ما ذكرنا فهي رسالة قيمة جدا فيها لتحليل الدقيق لجذور الفلسفات جميعها والمقارنة بينها وبين الأديان والنبوة .

وبعد مقدمة رائعة تذكر .. ( إذا عرفت هذه المقدمة فتعال لندخل إلى الحقيقة ..

أعلم أن في تاريخ الإنسانية – منذ زمن آدم عليه السلام – تياران عظيمان يمتدان إلى عصرنا هذا وسلستان فكريتان قد تشعبتا إلى جميع طبقات الناس وفئاتهم وكأنهما شجرتان عظيمتان أحداهما سلسلة النبوة والدين والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة وكلما كانت هاتان السلستان ممتزجتين أى أن الفلسفة كانت تابعة ومنقادة للدين عاش مجتمع الإنسانية في صفاء وسعادة وكلما افترقتا تجمع الخير والنور كله حول سلسلة النبوة والدين وتكتلت الشرور والضلالة حول سلسلة الفلسفة .. فعلينا إذن أن نجد منشأ هاتين السلسلتين .

ثم تسرد التفاصيل الدقيقة مع المقارنة بين السلستين إلى أن تذكر ( .. نعم أن الذي أرضع الفراعنة والنماريد وكان السبب في نشوئهم هو الفلسفة القديمة لمصر وبابل التي ارتقت إلى درجة السحر.. وكذلك فإن الذي مكن آلاف الآلهة من عقول اليونان في القديم وولد الأصنام هو مستنقع الفلسفة الطبيعية ووحلها .. نعم أن الذي لا يري نور الله بسبب من الأسباب الطبيعية فإنه يمنح لكل شئ الوهية ويسلطها على نفسه ).

وبعد لابد لك من يتصدي لموضوع الفلسفة أن يدلي برأيه في الفلاسفة والشعراء الذين ظهروا في التاريخ الإسلامي والذين افتنوا بالفلسفة اليونانية .. فما رأي الرسائل فيهم ؟... جاء ذلك في رسالة " أنا" .

( لم ينل حكماء الإسلام الدهاة أمثال بان سينا والفارابي وغيرهم من الذين افتتنوا بهذه الفلسفة المنهارة الأسس واغتروا ببريقها فانضوا إليها, لم ينل هؤلاء أدني درجة من درجات الإيمان عند المؤمن الاعتيادي, بل لم يحكم عليهم الإمام الغزالي وهو حجة الإسلام بأنهم قد نالوا حتي تلك الدرجة . وإن أئمة المعتزلة الذين هم من العلماء المتبحرين من المتكلمين فأنهم أيضا اغتروا بمظاهر الفلسفة وزينتها ووثقوا صلتهم بذلك النهج فحكموا العقل لذا لم يتمكنوا أن يصعوا إلا إلى درجة المؤمن المبتدئ الفاسق وكذلك أبو العلاء المعري الذي هو من مشاهير شعراء المسلمين والمعروف بتشاؤمه ويأسه وقنوطه وعمر الخيام المشهور بنحيبه وبكائه ونواحه. لما سلكا طريق الفلسفة وتلذذا بمسلك الهوي والنفس صفعتهما أكفّ التحقير والإهانة فأتهما بالكفر والزندقة والتضليل .

وفي حاشية للرسالة نفسها يرد الأستاذ باستعلاء إيماني رائع على سؤال هو :

" وإن قلت فما تكون أنت حتي تخوض في الميدان أمام هؤلاء المشاهير أمثال أرسطو وأفلاطون وتتدخل في طيران الصقور مع أنك كذبابة ؟"

( أقول : لما كان القرآن الكريم أستاذي الأزلي ومرشدي في طريق الحق فلا أري مضطرا لأن أهتم بصقورهم تلامذة الفلسفة الملوثة بالضلالة والعقل المبتلي بالأوهام فمهما كنت أدني منهم إلا أن أستاذهم أدني بدرجات لا حّ لها من أستاذي فبفضل أستاذي الأزلي وبهمته لم تبل قدمي المادة التي غرفوا فيها )

وهكذا تري في هذه الرسالة وفي جميع الرسائل أستاذية القرآن ومنهجه الحكيم في كل أمر من الأمور حتي أنها في نهاية هذه الرسالة تظهر في سياحة خيالية صعوبة الوصول إلى الحقيقة عن طريق الفلسفة أو عن طريق العقل المجرد وسهولة ذلك في المنهج القرآني وذلك بأسلوب رائع جدا .

أما الفلاسفة المحدثون والنظريات المادية الحديثة فهي بلا شك تستند في جذورها الأصلية على الفلسفة المادية القديمة ولما كانت قد أثبتت بطلان تلك الجذور وتفاهتها فلا حاجة إذن من حصر الموضوع في فلسفة معينة بالذات . وهكذا لا تجد اسم ( كانت ) و(نيتشة) وغيرهما ولا أذكر لنظرية دارون وغيره من الذين نفثوا بنظرياتهم الخبيثة سموما في عقول أبناء هذا العصر إلا أنك تقرأ بالتفصيل أدلة مقنعة وقوية جدا لدحض أى حجج وبراهين لإثبات الوحدانية والفعالية المستولية على الكون وذلك في رسالة " الطبيعة " وفي بحث ( هو الله ) اللذين يعتبران من السيوف البتارة والمطارق الشديدة على رؤوس أهل الضلالة والكفر من الماديين والمتفلسفين .

المنهج الاستدلالي :

لا يمكن أن يذكر شئ في الرسائل إلا ومعه – أو قد سبقه – برهان ودليل لإثباته سواء كانت تلك الأدلة شرعية نقلية أو أدلة عقلية أو فطري أو تستند أحيانا إضافة لما سبق على كلام المجددين العظام أو على أمثلة مقنعة بحيث تدع القارئ يطمئن إلى جميع ما يرد في الرسائل ولعل هذا هو السر في إلزامها المعاندين وإلجامها لهم.

أما طريقتها في الاستشهاد بالآيات أو الأحاديث أو اية قاعدة شرعية كانت فأنها تمهد العقل وتهيئ النفس لقبول ذلك الدليل الشرعي على وجهه الصحيح وليس العكس كأن تذكر الآية أو الحديث ثم تستطرد في الشرح .

فهذا الأسلوب المبتكر لرسائل النور – وبالأخص في زماننا هذا -جدير بالإعجاب حيث أن أغلب العقول والنفوس قد انصبغت بآراء الفلاسفة الماديين ورانت على القلوب السيئات مما حجبت الناس عن إدراك مرامي الآية أو الحديث أو أى دليل شرعي آخر لذا لا نري في الرسائل لاستشهاد الكثير بهما إلا بعد مقدمات تأخذ بأطراف النفس والعقل والروح .

هذا وإن الرسائل تربي عند القارئ على معرفة الدليل ووزن الكلام المقرؤ والمسموع بميزان الإسلام .

حيث تقول :

( ليس هناك من يوصم نفسه بالفساد بل غالبا ما يظهر المفسد نفسه بمظهر الصلاح والصواب نعم أنه مثل مشهور ( ما من أحد يقول لمخيضه حامض ) فعليكم أن تختبروا كل قول تسمعونه ولا تقبلوا أى كلام كان دون اختبار وامتحان فللكلام الفاسد رواج في عصرنا هذا حتي كلامي أى كلام كان يظل على هامش تفكيركم حتي إذا ما نجح في الاختبار وظهر صدقه وبأن معدنه الذهبي عند ذلك احفظوه في القلوب أما إذا كان صدأ – ومن معدن رخيص – فاطرحوه أرضا غير مأسوف عليه )

أما منهج الرسائل في سوق البراهين فمن الأفضل أن نقتطف هنا ما دار في اجتماع طلبة النور للدراسات العليا في ( كولن / آلمانيا الغربية ) في الشهر الرابع سنة 1979 الذي يعتبر خلاصة موضوعنا .

لقد ركّز الأستاذ سعيد النورسي – رحمه الله – جل مساعيه على بيان ( حقيقة) الإيمان التي تبعث الطمأنينة في الفرد والسعادة في المجتمع بدلا من مجرد تقديم وصفات اجتماعية غير قابلة للتطبيق .

لذا وجهت رسائل النور الأنظار إلى الضروريات الدينية ومسلماتها التي لا تتأثر بتقادم الزمن ولا بالاكتشافات العلمية فشرحت المسائل وفصلتها من هذه الزاوية سواء في ميدان العقائد أو في ميدان الاجتماع إذ الإيمان – كما يعرفه الأستاذ نفسه – هو نور ناشئ من التصديق بالضروريات الدينية تفصيلا وبما سواها إجمالا ومن هنا كان الحجر الأساس في رسائل النور هو الحقائق الإيمانية .

ويمكننا ان نلاحظ سبب اختيار رسائل النور هذا المنهج من تعبير الأستاذ نفسه في ( إشارات الإعجاز) :

( كما أن دلالة النار إلى الدخان – التي هي دلالة المؤثر على الثر – تسمي " بالبرهان اللميّ) كذلك فإن دلالة الدخان على النار - أى دلالة الأثر على المؤثر – تسمي بـ ( البرهان الأني ّ) وأن البرهان الأني هذا هو أسلم من الشبهات ).

فالأستاذ رجح الاستدلال بالأثر على المؤثر السالم من الشبهات وهو الطريق الأصوب للاستدلال ولا سيما في عصرنا هذا الذي اتخذ المادة أساسا لكل شئ لذا ساق الأستاذ الأمثلة المادية الملموسة كدليل في المسائل الإيمانية بخلاف علماء الغرب – المتدينين – الذين رجحوا الاستدلال بالمؤثر على الأثر حيث ساقوا المسائل التي استعصت على العلم الحديث – والتي لم يتمكن من كشف نتائجها وتوضيحها بعد – كشواهد لإثبات عظمة الخالق ودلائل قدرته سبحانه وكأنهم أعطوا – بهذا – فضل ما اكتشفه العلم إلى العلم نفسه وما عجز عنه إلى الله سبحانه  ! ولكن حينما توضح المسألة – بعد الكشف العلمي – وتصبح من الأمور البديهية فإن تلك الأدلة الإعتقادية سوف تتضعضع وبدورها يضعف الإيمان .. وقد انهار الإيمان عند بعضهم فعلا .

غير أن الأستاذ النورسي الذي رجح الاستدلال النابع من الأثر إلى المؤثر فقد وجه الأنظار إلى ( حكمة) كل شئ وكل حادثة من حوادث الاستدلال النابع من الثر إلى المؤثر فقد وجه الأنظار إلى ( حكمة ) كل شئ وكل حادثة من حوادث الكون سواء في ذلك علمت نتيجتها أم لم تعلم بعد . واختار التعريف بالمؤثر الحقيقي بصفاته الجليلة وأسمائه الحسني لذا فكلما يتقدم العلم ويعلن للأوساط حكما جديدا بكشفه عن كيفية نشوء الحوادث يصبح وسيلة لفهم أوضح للمسائل الإيمانية وبهذا يصدق نهج رسالة النور في دعواها :

( كلما يشيب الزمان فإن القرآن يزداد شبابا ونضارة أكثر وتستبين رموزه ) .

نهج رسائل النور في مخاطبة الناس :

وضح الأستاذ نهج رسائل النور في مخاطبة الناس ولم لا تهزم رغم جميع التحديات والعراقيل التي تضعها الضلالة والتيارات المعادية أمامها وذلك في مقدمة رسالة الخطبة الشامية ننقل ذلك النص باختصار :

( إن رسائل النور التي هي تفسير حقيقي للقرآن الكريم – وذلك بسر إعجازه – إذ تثبت كما أن في الانغماس ي مهاوي الضلالة جحيما معنويا في هذه الدنيا تؤكد أن في الإيمان نعيما معنويا في هذه الدنيا أيضا وهي تبرهن كذلك كما أن في المعاصي والفساد والمتع المحرمة آلاما مبرحة روحية فإن في عمل الحسنات والخصال الحميدة والالتزام بالحقائق الشرعية لذائذ روحية أشبه ما تكون بملذات الجنة وهكذا فإنها بذلك تنقذ أهل السفاهة وأرباب الضلال من التمادي والاستمرار ما دامت لهم مسكة من عقل وذلك لأن عصرنا هذا يتميز بطابعين عجيبين:

الطابع الأول :

هو التعامي عن رؤية العاقبة وترجيح درهم اللذة المائلة على كثير من اللذات الآتية .. وما ذلك إلا بسبب طغيان المظاهر المادية على عقل الإنسان وفكره والسبيل الوحيد لإنقاذ أهل السفاهة من الناس من سفههم هو : إظهار الألم المبرح في تلك الملذات عينها والغالبة على حسهم .

وكما تشير الآية الكريمة ( ويستحبون الحياة الدنيا ) فإن المرء في زماننا هذا مع علمه بنعم الآخرة ولذاتها التي تشبه الماس يفضل عليها المتع الدنيوية الشبيهة بالقطع الزجاجية المتكسرة وبذلك ينساق وراء أرباب الضلالة بعد أن كان أهل الإيمان بسبب ذلك الحب الدنيوي وسره الخفي وليس هناك من سبيل لإنقاذه من خطر الانسياق ذاك سوي إثبات عذاب جهنم وآلامها في الدنيا نفسها وهذا هو النهج الذي تسير عليه رسائل النور وإلا فإنه في عصرنا هذا الذي نواجه فيه تعنت الإلحاد وضلالات العلوم الحديثة واعتياد السفاهة وإتباع الهوي بعد أن يحاول المرء تعريف البارئ عزوجل وإثبات جهنم والتخويف من عذابها والابتعاد بالناس عن الشرور والسيئات فقد يتعظ واحد من بين عشرة أشخاص أو ربما واحد من عشرين ... ثم يقول بعد سماع الوعظ : إن الله غفور رحيم .. على ان جهنم بعيدة جدا فيستمر في سفاهته وينهزم قلبه وروحه أما طغيان المظاهر المادية .

وهكذا فإن رسائل النور في معظم موازناتها التي تعقدها إذ تبين العواقب الرهيبة التي تترتب على الكفر والضلال في هذه الدنيا تنفر كذلك أشد الأنانيين عنادا وتمردا عن الخوض في ملذاتهم غير المشروعة وسفاهتهم المشؤمة وتدفع بالعقلاء منهم إلى طرق باب التوبة والاستغفار .

الطابع الثاني :

إن الضلال المترتب على الإلحاد والعلوم الطبيعية والتمرد المتولد عن الكفر العنادي في الماضي ليعتبران من الضألة بحيث لا تذكر إذا ما قيس بما عليه الوضع في وقتنا الراهن .

لذلك فقد كانت دراسات محققي الإسلام وأدلتهم كافية لسد احتياجات ذلك العصر لقد كان كفر عصرهم شكّيا فكانوا يزيلونه بسرعة , ثم أنه لما كان الإيمان بالله شائعا بين طوائف الناس كان من اليسير هداية الكثيرين إلى الصراط السوي وإنقاذهم من السفاهة والضلالة بتعريف الله سبحانه لهم والتخويف من عذابه أم اليوم فقد تغير الحال إذ بينما كان يوجد في الماضي ملحد واحد في بلد من البلاد يمكن العثور الآن على مئة كافر في القرية الواحدة وقد زاد عدد الذين يسلب إيمانهم بسبب ضلالات لعلوم والفنون ويقفون بعناد وتمرد في وجه حقائق الإيمان والمعتقدات الراسخة إضعاف الماضي مئة مرة ولما كان هؤلاء المعاندون المتمردون يعارضون الحقائق الإيمانية بغرور فرعوني وتضليلات مدهشة فلا مناص من أن يقابلوا بحقائق قدسية في قوة القنبلة الذرية لتنفجر على رؤوسهم وتحطم مبادئهم وأسسهم فتوقف زحفهم وتحمل قسما منهم على التسليم بالإيمان .

وهكذا فإننا نحمد الله أجزل الحمد على أن رسائل النور التي ما هي إلا بلسم شاف الجروح عصرنا الدامية ومعجزة معنوية من معجزات القرآن والحكيم المعجز البيان ولمعة من لمعاته – قد استطاعت بموازناتها العديدة أن تحارب أشد المعاندين تمردا بسيف القرآن الماسي , وتنصب الحجج والأدلة على الوحدانية الإلهية والحقائق الإيمانية بعدد ذرات الكون .

ولعل هذا هو السر في أنها في جهادها المستمر الذي دام أكثر من خمسة وعشرين عاما لم تغلب مرة واحدة في وجه أشد الحملات شراسة بل كانت هي الغالبة على الدوام ).

ترجمة رسائل النور :

أ‌- الترجمة العربية :

كان الأستاذ النورسي ( رحمه الله) يرغب في أن تترجم الرسائل التي يكتبها إلى العربية فوقع اختياره علي أخيه – الملا عبد المجيد – من بين الملّمين باللغة العربية ليقوم بترجمة بعض رسائله وقد ترجم ( رسالة الإخلاص ) ( التستر) الاقتصاد ) ومجموعة ( عصا موسي ) ... إلاّ أن هذه الترجمات جاءت ضعيفة أفقدت الرسائل الكثير من جمالها وروائها ومع هذا فقد وافق عليها الأستاذ لعدم وجود أفضل منها في حينه ولحين أن يهيئ الله مني يقوم بالترجمة بشكل أفضل وأحسن .

وقد قام الأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي لأول مرة – جزاه الله خيرا - بتعريف الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في كراس صغير ثم على صفحات الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في كراس صغير ثم على صفحات مجلة حضارة الإسلام) السورية تحت عنوان "

سعيد النورسي – أعجوبة الثورة الإسلامية في تركيا" ثم في كتاب (من الفكر والقلب ).

والنشر في بيروت لبعض أجزاء رسائل النور فجاءت ترجمتهم أفضل مما سبق منها " ذو الفقار " و" رائد الشباب " و" رسائل النور لا تنطفيء" و" الخطبة الشامية ".

وقد قامت كذلك مجلة ( التربية الإسلامية ) الصادرة ببغداد ( العراق ) بنشر مقالات من ترجماتنا وما زالت تنشرها بفضل الله ثم وفقنا المولي القدير على ترجمة ونشر قسم من كليات رسائل النور وهي كالآتي :

1- رسالة الحشر

2- قطوف من أزاهير النور ( وهي مجموعة المقالات المنشورة في مجلة التربية الإسلامية خلال أربع سنوات

3- الآية الكبرى .

4- زهرة النور : وهي تضم الرسائل ( المرضي والمناجاة ورسائل ملحقة بهما ) .

5- الملائكة وبقاء الروح والحياة الآخرة .

6- الشيوخ .

7- الشكر ثمرة الحياة وغاية الكائنات وهي تضم الرسائل الثلاث الأساس ( رمضان الاقتصاد , الشكر )

8- حقائق الإيمان وهي تضم ثلاث حقائق عن الصلاة من كتاب الكلمات ورسالة حكمة الاستعاذة ورسالة مذكرات في المعرفة الإلهية .

9- الإيمان وتكامل الإنسان : مع خصائص رسائل النور تفسيرا للقرآن الكريم .

10- حقيقة التوحيد أو التوحيد الحقيقي مع رسالة نقطة من معرفة الله ورسائل ملحقة أخري .

11- لإخلاص والإخوة .

12- الثمرة من شجرة الإيمان .

13- كلمات صغيرة في لعبادة والعقيدة

14- الطبيعة

15- السنة النبوية سنة كونية وحقيقة روحية .

16- النوافذ .

(هذه الثلاثة الأخيرة قراءات في فكر النورسي يتعلق بالأستاذ أديب إبراهيم الدباغ ) .

17- مختارات من المثنوي العربي النوري اختارها الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ وقدم لها مقدمة رائعة أما الترجمة إلى الكردية فقد قام بها الأستاذ فاروق رسول يحيي فترجم ونشر منها :

" بيماران " ( المرضي) "بيران" ( الشيوخ ) " ووته بجوكة كان " ( الكلمات الصغيرة ) سرووشت" ( الطبيعة) .

ب‌- الترجمة الانكليزية:

أسس طلبة النور في أمريكا معهدا باسم ( معهد رسالة النور ) فاصدر ترجمات لكثير من الرسائل منها عن سيرة الأستاذ و" الآية الكبري " و" الطبيعة " و" المعجزات الأحمدية " و" مقتطفات من الرسائل " و" الإخلاص " و" الإخوة" والحشر" وغيرها إضافة إلى إصدار مجلة شهرية باسم " النور" .

ت‌- وقد بدأت ترجمات الرسائل تأخذ طريقها في كل من ألمانيا وايطاليا وفرنسا والهند وباكستان بلغاتها .

القسم الثالث: نماذج مستلة من كليات رسائل النور المترجمة

من " اللمعات "

الحق يعلو

أيها الصديق ! سألني أحدهم ذات يوم :

لما كان " الحق يعلو" أمر حق لا مراء فيه , فلم ينتصر الكافر على المسلم وتغلب القوة على الحق ؟

قلت : تأمل في النقاط الأربع الآتية تنحل المعضلة .

النقطة الأولي :

لا يلزم أن تكون كل وسيلة من وسائل كل حق حقا كما لا يلزم أيضا أن تكون كل وسيلة من وسائل كل باطل باطلا :

فالنتيجة إذن : أن وسيلة حقة ( ولو كانت في باطل ) غالبة على وسيلة باطلة ( ولو كانت في الحق ) .

وعليه يكون : حق مغلوب لباطل مغلوب بوسيلته الباطلة أى مغلوب مؤقتا وإلا فليس مغلوبا بذاته وليس دائما لأن عاقبة الأمور تصير للحق دوما .

أما القوة فلها من الحق نصيب وفيها سر للتفوق كامن في خلقتها تصير للحق دوما .

النقطة الثانية:

بينما يجب أن تكون كل صفة من صفات المسلم مسلمة مثله إلاّ إن هذا ليس أمرا واقعا ولا دائما!

ومثله لا يلزم أيضا أن تكون صفات الكافر جميعها كافرة ولا نابعة من كفره .

وكذا الأمر في صفات الفاسق لا يشترط أن تكون جميعها فاسقة ولا ناشئة من فسقه .

إذن صفة مسلمة يتصف بها كافر تتغلب على صفة غير شروعة لدي المسلم وبهذه الوساطة ( والوسيلة الحقة يكون ذلك الكافر غالبا على ذلك المسلم ( الذي يحمل صفة غير مشروعة ).

ثم أن حق الحياة في الدنيا شامل وعام للجميع والكفر ليس مانعا لحق الحياة الذي هو تجل للرحمة العامة والذي ينطوي على سر الحكمة في الخلق .

النقطة الثالثة :

لله سبحانه وتعالي تجليان – يتجلي بهما على المخلوقات – وهما تجليان شرعيان صادران من صفتين من صفات كماله جل وعلا .

أولهما :

الشرع التكويني – أو السنة الكونية – الذي هو المشيئة والتقدير الإلهي الصادر من صفة " الإرادة الإلهية " .

والثاني:

الشريعة المعروفة الصادرة من صفة " الكلام الرباني "

فكما أن هناك طاعة وعصيانا تجاه الأوامر الشرعية المعروفة كذلك هناك طاعة وعصيان تجاه الأوامر لتكوينية ( أى السنن الكونية والحياتية )

وغالبا ما يري الأول – مطيع الشريعة والعاصي لها – جزاءه وثوابه في الدار الآخرة والثاني مطيع السنن الكونية والحياتية والعاصي لها – غالبا ما ينال عقابه وثوابه في الدار الدنيا .

فكما أن ثواب الصبر النصر , وجزاء البطالة والتقاعس الذل والتسفل .

كذلك ثواب السعي الغني , وثواب الثبات التغلب مثلما أن نتيجة السم المرض وعاقبة الترياث والدواء الشفاء والعافية .

وتجتمع أحيانا أوامر الشريعتين معا في شئ ... فلكل جهة .

فطاعة الأمر التكويني الذي هو حق هذه الطاعة غالبة – لأنها طاعة لأمر إلهي - على عصيان هذا الأمر بالمقابل لأن العصيان – لأي أمر تكويني – يندرج في الباطل ويصبح جزءا منه .

فإذا ما أصبح حق وسيلة لباطل فيسنتصر على باطل أصبح وسيلة لحق وتظهر النتيجة .

حق مغلوب أمام باطل ّ! ولكن ليس مغلوبا بذاته وغنما بوسيلته إذن فـ " الحق يعلو " يعلو بالذات والعقبي هي المرادة – فليس العلو قاصرا في الدنيا – إلا! أن التقيّد والأخذ بحيثيات الحق مقصود ولابد منه .

النقطة الرابعة :

إن ظل حق كامنا في طور القوة – أى لم يخرج إلى طور الفعل المشاهد أو كان مشوبا بشئ آخر أو مغشوشا وتطلب الأمر كشف الحق وتزويده بقوة جديدة وجعله خالصا زكيا يسلط عليه – مؤقتا – باطل حتي يخلص الحق – نتيجة التدافع – من كل درن فيكون طيبا .

ولتظهر مدي قيمة سبيكة الحق الثمينة جدا .

فإذا ما انتصر الباطل في الدنيا – في مكان وزمان معينين – فقد كسب معركة ولم يكسب الحرب كلها لأن " العاقبة للمتقين " هي المآل الذي يؤول إليه الحق .

وهكذا الباطل مغلوب – حتي في غلبه الظاهر وفي " الحق يعلو" سر كامن عميق يدفع الباطل قهرا إلى العقاب في عقبي الدنيا أو الآخرة فهو يتطلع إلى العقبي وهكذا الحق غالب – مهما ظهر أنه مغلوب - !.

من المناظرات

ما الذي ألقانا في غياهب الضياع ؟

سؤال :

ما الذي ألقانا في غياهب الضياع وأقعدنا عن معالي الأمور ؟

الجواب :

إن الحياة حركة وفعالية أما الشوق فجوادها وهو مطية الهمة فحالما تمتطي همتكم صهوة جواد الشوق تنشد معالي الأمور في ميادين معركة الحياة أذاب" اليأس " أو ما يصادفها هذا لعدو الألد هو الذي يفت من قوة الهمة .. فعليكم أن تضربوه بسيف الآية الكريمة ( لا تقنطوا) .

ثم يشن " حب الظهور وميل التفوق " هجومه هذا الميل المغروز في الإنسان يحاول التحكم على خدمة الحق الخالصة من الحسد والمنازعة فيهوي بضرباته على رأس الهمة ويطرحها الأرض من علي جوادها ... فعليكم أن تبعثوا إليه حقيقة الآية الكريمة :( كونوا قوامين لله)

ثم يبرز إلى الميدان " الاستعجال " فيزل قدم الهمة ويقلبها على عقبيها بطفراته خطوات ترتب الأسباب والمسببات فتشوش مراحل العلل التي وضعها الله سبحانه في سننه الكونية .. فعليكم أن تحتموا منه بالخندق الأمين للآية الكريمة : ( اصبروا وصابروا ورابطوا ) .

ثم يتصدي لها " الرأي الشخصي المستبد والتفكير الانفرادي الذي يبدد أعمال الإنسان رغم أنه مكلف بفطرته رعاية حقوقه ضمن رعايته لحقوق الآخرين . فعليكم أن تصدوه بالحقيقة الشامخة في الحديث الشريف ( خير الناس أنفعهم للناس ) .

ثم يخرج إلى ساحة المعركة عدو آخر وهو : " التقليد" فيجد الفرصة سانحة لتقليد الكسالي والمتخلفين وبه يقصم ظهر الهمة .. فعليكم الاقتداء بسر الآية الكريمة : ( وعلى الله فيتوكل المتوكلون) .

على الله لا علي غيره فاجعلوا التوكل عليه سبحانه حصنا حصينا للهمة ثم يلوح العدو الغدار وهو " التسويف " الناجم من العجز وفقدان الثقة بالنفس فينشأ منه تأجيل الأعمال الأخروية من اليوم إلى الغد وهكذا حتي يمسك يدّ الهمة ويقعدها عن النهوض .. فعليكم تحدّيه بالحقيقة الشاهقة , تلك هي حكمة الآية الكريمة .. ( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) كيلا تبلغ يد العدو أذيال الهمة . ثم يدخل الساحة العدو الملحد وهو :" التدخل في ما هو موكول أمره إلي الله " فينزل هذا التدخل ضرباته القاسية ولطماته الموجعة على وجه الهمة حتي يعمي بصرها .. فعليكم أن ترسلوا عليه الحقيقة الدائبة والرابحة دوما وهي الآية الكريمة ( فاستقم كما أمرت ) كي تقفه عند حده فلا يتجاوزه إذ ليس للعبد أن يتآمر على سديه .

وأخيرا يقبل " حب الراحة والدعة " الذي هو أم المصائب ووكر الرذائل فيصفد الهمة الكريمة بسلاسله وأغلاله ويقعدها عن طلب معالي الأمور ويقذفها في هاوية السفالة والذلة .. فعليكم أن تخرجوا على ذلك السفاح الساحر البطل المجاهد في الآية الكريمة ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعي).

حقا إن لكم في الجهاد وتحمّل المشاق راحة كبري وأن الذي يملك فطرة حساسة راحته في السعي والعمل .


من رسالة الأخوة :


دساتير في الأخوة

أن عدوانك للمؤمن مبين من حيث الحياة الشخصية فإن شئت فاستمع إلى بضعة دساتير هي أساس هذا الوجه الرابع .

الدستور الأول :

عندما تعلم أنك على حق في سلوكك وأفكارك يجوز لك أن تقول " إن مسلكي حق أو هو أفضل " ولكن لا يجوز لك أن تقول :" إن الحق هو مسلكي أنا فحسب " لأن نظرك الساخط وفكرك الكليل لن يكونا محكا ولا حكما يقضي على بطلان المسالك الأخرى وقديما قال الشاعر :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا

الدستور الثاني :

" عليك أن تقول الحق في كل ما تقول ولكن ليس ل كان تذيع كل الحقائق وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه ولكن ليس صوابا أن تقول كل صدق ".

لأن من كان على نية غير خالصة – مثلك – يحتمل أن يثير المقابل بكلامه فيحصل عكس المراد .

الدستور الثالث :

إن كنت تريد أن تعادي أحدا فعاد ما ما في قلبك من العداوة واجتهد في إطفاء نارها واستئصال شأفتها وحاول أن تعادي من هو أعدي عدوك وأشد ضررا عليك تلك هي نفسك التي بين جنبيك فقاوم هواها واسع إلى إصلاحها ولا تعاد المؤمنين لأجلها .

وإن كنت تريد العداء أيضا فعاد الكفار والزنادقة فهم كثيرون .

وأعلم أن صفة المحبة محبوبة بذاتها جديرة بالمحبة كما أن خصلة العداوة تستحق العداء قبل أي شئ آخر .

وإن أردت أن تغلب خصمك فأحسن إليه , فبه تخمد نار الخصومة أما إذا قابلت إساءته بمثلها فالخصومة تزداد حتي لو أصبح مغلوبا – ظاهرا – فقلبه يمتلئ غيظا عليك فالعداء يدوم والشحناء تستمر بينما مقابلته بالإحسان تسوقه إلى الندم وقد يكون صديقا حميما لك إذ أن من شان المؤمن أن يكون كريما فإن أكرمته فقد ملكته وجعلته أخا لك حتي لو كان لئيما – ظاهرا – إلا أنه كريم من حيث الإيمان وقد قال الشاعر .

إذ أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

نعم أن الواقع يشهد : أن مخاطبة الفاسد بقولك له : " أنك صالح أنك فاضل .." ربما يدفعه إلى الصلاح وكذا مخاطبة الصالح :" أنك طالح, أنك فاسد ..." ربما يسوقه إلى الفساد لذا استمع بإذن القلب إلى قوله تعالي :

" وإذا مروا باللغو مروا كراما " الفرقان : 72 "

( وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن غفور رحيم ) التغابن :14)

وأمثالها من الدساتير القرآنية المقدسة ففيها التوفيق والنجاح والسعادة والأمان .

الدستور الرابع :

إن الذين يملأ قلوبهم الحقد والعداوة تجاه إخوانهم المؤمنين إنما يظلمون أنفسهم أولا علاوة على ظلمهم لإخوانهم وفضلا عن تجاوزهم حدود الرحمة الإلهية , وذلك لأن :

الحاسد كلما يري نعمة تحل بمحسوده تضطرم نفسه في عذاب شيد إذ العداء الناشئ من الحسد دونه العذاب الأليم لأن الحسد أشد إيلاما للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبه بلهيبه اما المحسود فلا يمسه من الحسد شئ أو يتضرر طفيفا .

وعلاج الحسد هو : أن يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده ويتأمل فيها ليدرك أن ما ناله محسودة من أعراض دنيوية – من مال وقوة ومنصب - إنما هو أعراض زائلة فانية فائدتها قليلة مشقتها عظيمة .

أما إذا كان الحسد ناشئا من دوافع أخروية فلا حسد أصلا ولو تحرك عرق الحسد حتي في هذه الأمر فالحاسد أما أنه مراء يحبط حسناته الأخروية في الدنيا أو أنه يسئ الظن بمحسوده فيظلمه .

ثم أن الحاسد في حسده يسخط على قدر الله لأنه يحزن من مجئ فضل الله ورحمته على محسودة ويرتاح من نزول المصائب عليه أى كأنه ينتقد القدر الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة ومعلوم أن : من ينتقد القدر يصرعه , ومن يعترض على الرحمة الإلهية يحرم منها .

تري هل هناك إنصاف يرضي أن يمتلئ صدر المؤمن لسنة كاملة غيظا وحقدا على أخيه لشئ جزئي تافه لا يساوي العداء عليه ليوم واحد ؟! علما أنه لا ينبغي أن تنسب السيئة التي أتتك من أخيك المؤمن إليه وحده وتدينه بها لأن .

أولا : القدر الإلهي له حظه في الأمر فعليك أن تستقبل حظ القدر هذا بالرضي والتسليم .

ثانيا : إن للشيطان والنفس الأمارة بالسوء حظهما كذلك فإذا ما أخرجت هاتين الحصتين لا يبقي أمامك إلا الإشفاق على أخيك بدلا من عدائه لأنك تراه مغلوبا على أمره أماما نفسه وشيطانه فتنتظر منه بعد ذلك الندم على فعلته وتأمل عودته إلي صوابه .

ثالثا: عليك أن تلاحظ في هذا الأمر تقصيراتك بالذات تلك التي لا تراها أو لا ترغب أن تراها فاعزل هذه الحصة أيضا مع الحصتين السابقتين تر الباقي حصة ضئيلة جزئية فإذا استقبلتها بهمة عالية وشهامة رفيعة أى بالعفو والصفح تنجو من ارتكاب ظلم وتتخلص من إيذاء احد بينما – وبحقد مستديم وعداء لا يفتر فلا جرم أن تنطبق عليك صفة " ظلوما جهولا؟ وتكون أشبه بذلك اليهودي الأحمق الذي صرف أموالا طائلة لقطع زجاجية لا تساوي شيئا وبلوارت ثلجية لا تلبث أن تزول ظنا منه أنه الماس .

وهكذا فقد بسطنا أمامك ما يسببه العداء من أضرار لحياة الإنسان الشخصية فإن كنت حقا تحب نفسك فلا تفسح له مجالا ليدخل قلبك وإن كان قد دخل فعلا واستقر فلا تصغ إليه بل استمع إلى حافظ الشيرازي" ذي البصيرة النافذة إلى الحقيقة أنه يقول "

" دنيانة تاعسيتي أرزدبنزاعي "

أى " إن الدنيا لها لا تساوي متاعا يستحق النزاع عليه , لأنها تافهة أعراضها زائلة فانية "

فلئن كانت الدنيا العظيمة وبما فيها تافهة هكذا فما بالك بجزء صغير منها واستمع إليه أيضا حيث يقول :

آسايش دوكيتي تفيياين دوحرفست
بادوستان مروت بادشمنان مدارا

أى : نيل الراحة والسلامة في كلا العالين توضحه كلمتان معاشرة الأصدقاء بالمروءة والإنصاف ومعاملة الأعداء بالصفح والصفاء "

إذا قلت : أن الأمر ليس في طوقي فالعداء مغرور في كياني مغمور في فطرتي فليس لى خيار فضلا عن أنهم قد جرحوا مشاعري وآذوني فلا أستطيع التجاوز عنهم .

فالجواب : إن الخلق السئ إن لم يجر أثره وحكمه وإن لم يعمل بمقتضاه وعرف صاحبه تقصيره فلا ضير ولا ينجم منه ضرر فما دمت لا تملك الخيار من أمرك ولا تستطيع أن تتخلص من العداء فإن شعورك بأنك مقصر في هذه الخصلة وإدراكك أنك لست على حق فيها ينجيانك – بإذن الله – من شرور العداء الكامن فيك لأن ذلك يعد ندما معنويا وتوبة خفية واستغفارا ضمنيا ونحن ما كتبنا هذا المبحث إلا ليضمن هذا الاستغفار المعنوي فلا يلتبس على المؤمن الحق والباطل ولا يوصم خصمه المحق بالظلم .

ولقد مرت يوم رجلا عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل حتي بلغ به الأمر إلى حد تكفيره وذلك لخلاف بينهما حول أمور سياسية بينما رأيته قد أثني - في الوقت نفسه – على منافق يوافقه في الرأي السياسي ! فأصابتني من هذه الحادثة رعدة شديدة واستعذت بالله مما آلت إليه السياسة وقلت : " أعوذ بالله من الشيطان والسياسة ومنذئذ انسحبت من ميدان الحياة السياسية ..

من رسالة " مرقاة السنة وترياق رض البدعة"

النقطة العاشرة : حب الله ورسوله

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله في هذه الآية الكريمة إيجاز معجز حيث أن معاني كثيرة قد اندرجت في هذه الجمل الثلاث وهي كالآتي :

تقول الآية الكريمة :

" إن كنتم تؤمنون بالله فلابد أنكم ستحبونه فما دمتم تحبونه فستعملون أذن وفق الشكل الذي يحبه .. وتشبهكم " به " ليس إلا في إتباعه فمتي ما اتبعتموه يحبكم الله ومن المعلوم أنكم تحبون الله كي يحبكم الله ".

وهكذا فهذه الجمل ما هي إلا بعض المعاني المختصرة المجملة للآية لذا يمكن القول :

أن أسمي مقصد للإنسان وأعلاه هو : أن يكون أهلا لمحبة الله .. فنص هذه الآية يبين لنا طريق ذلك المقصد الأسنى إنما هو في أتباع " حبيب الله " والاقتداء بسنته المطهرة فإذا ما أثبتنا في هذا المقام ثلاث نقاط فستتبين الحقيقة المذكورة بوضوح .

النقطة الأولي :

لقد جبل هذا الإنسان على محبة غير متناهية لخالق الكون وذلك لأن الفطرة البشرية تكن حبا للجمال وودا للكمال وافتتانا بالإحسان وتتزايد تلك المحبة بحسب درجات الجمال والكمال والإحسان حتي تصل إلى أقصي درجات العشق ومنتهاه فيستقر في القلب الصغير لهذا الإنسان الصغير عشق بكبر الكون . إذ أن نقل محتويات ما في مكتبة من كتب وخزنها في القوة الحافظة للقلب – وهي بحجم حبة عدس يبين أن : قلب الإنسان يمكنه أن يضم الكون ويستطيع أن يحمل " حبا " بقدر الكون .

فما دامت الفطرة البشرية تملك استعدادا للمحبة تجاه الإحسان والجمال والكمال .. وأن الخالق الكون جمالا مقدسا غير متناه ثبوته متحقق بداهة بآثاره الظاهرة في الكائنات .. وأن له كمالا قدسيا لا حدود له ثبوته محقق ضرورة بنقوش صنعته الظاهرة في هذه الموجودات .. وإن له إحسانا غير محدود – ثابت الوجود يقينا يمكن لمسة ومشاهدته ضمن أنعامه وآلائه الظاهرة في جميع أنواع الأحياء .. فلابد أنه سبحانه يطلب محبة لا حد لها من الإنسان الذي هو أجمع ذوي الشعور للشوق وأشدهم رغبة في التعرف عليه .

نعم كما أن كل إنسان يملك استعدادا غير محدود من المحبة تجاه ذلك الخالق ذي الجلال كذلك الخالق سبحانه هو أهل ليكون محبوبا لأجل جماله وكماله وإحسانه أكثر من أى أحد كان حتي إن ما في قلب الإنسان المؤمن من أنواع المحبة ودرجاتها للذين يرتبط بهم بعلاقات معينة ولا سيما ما في قلبه من حب تجاه حياته وبقائه , وتجاه وجوده ودنياه وتجاه نفسه والموجودات بأسرها إنما هي ترشحات من تلك الاستعدادات المحبة الإلهية بل حتي أشكال الإحساسات العميقة بالمحبة – عند الإنسان – ما هي إلا تحولات لذلك الاستعداد وما هي إلاّ رشحاته التي اتخذت أشكالا مختلفة .

ومن العلوم أن الإنسان مثلما يتلذذ بسعادته الذاتية فهو يتلذذ أيضا بسعادة الذين يرتبط بهم بعلاقة ومحبة ومثلما يحب من ينقذه من البلاء فهو يحب من ينجي محبيه من المصائب أيضا .

وهكذا فإذا ما فكر الإنسان – وروحه مفعمة بالامتنان لله – في إحسان واحد فقط مما لا يعد ولا يحصي من الإحسان العظيمة التي غمر بها الله سبحانه وتعالي الإنسان وشمله بها فإنه سيفكر على النحو الأتي :

إن خالقي الذي أنقذني من ظلمات العدم الأبدية ومنحني منحة الخلق والوجود ووهب لي دنيا جميلة استمتع بجمالها هنا على هذه الأرض فإن عنايته أيضا ستمتد إلى حين اجلي فينقذني كذلك من ظلمات العدم الأبدي والفناء السرمدي وسيهب لي – من فضل إحسانه – عالما أبديا باهرا زاهرا في عالم البقاء في الآخرة .. وسينعم على – سبحانه وتعالي – بحواس ومشاعر ظاهرة وباطنة لتستمتع وتلذذ في تنقلها بين أنواع ملذات ذلك العالم الجميل الطاهر .

كما أنه سبحانه سيجعل جميع الأقارب وجميع الأحبة من بني جنسي الذين أكن لهم حبا عميقا وارتبط بهم بعلاقة وثيقة سيجعلهم كذلك أهلا لهذه الآلاء والإحسانات غير المحدودة .. وهذا الإحسان – من جهة – يعود على كذلك إذ أنني أتلذذ بسعادة أولئك وأسعد بها .. فما دام في كل فرد حب عميق وافتتان بالإحسان كما في لمثل :

البدي غير المحدود سيقول :

لو كان لى قلب بسعة الكون لاقتضي أن يملأ حبا وعشقا تجاه ذلك الإحسان الإلهي وأنا مشتاق لملئه ولكن رغم أنني لست على مستوي تلك المحبة فعلا إلاّ أنني أهل لها بالاستعداد والإيمان وبالنية والقبول وبالتقدير والاشتياق وبالالتزام والإرادة..

وهكذا ينبغي قياس ما يظهره الإنسان من المحبة تجاه " الجمال " وتجاه الكمال ط بمقياس ما أشرنا إليه مجملا من المحبة تجاه " ألإحسان "

أما الكافر الملحد فهو يري الوجود كله عبثا لا معني له ويري وجوده نفسه لا معني له أيضا لذا فهو يستخف بالموجودات من حوله ويستهين بها ويمتهنها يناصبها كآيات دالة على الخالق المحسن العظيم والإنسان – دائما – عدو ما يجهله ولا يفهمه .

النقطة الثانية :

إن محبة الله تستلزم السنة الطاهرة لمحمد صلي الله عليه وسلم لأن حب الله هو العمل بمرضياته وأن مرضياته تتجلي بأفضل صورها في ذات محمد صلي الله عليه وسلم والتشبه بذاته المباركة في الحركات والأفعال يأتي من جهتين :

إحداهما :جهة حب الله سبحانه وإطاعة أوامره والحركة ضمن دائرة مرضياته هذه الجهة تقتضي ذلك الإتباع حيث أن أكمل إمام وأمثل قدوة في هذا الأمر هو " ذاته الشريفة " عليه الصلاة والسلام

وثانيتهما : جهة " ذاته المباركة " عليه الصلاة والسلام التي هي اسمي وسيلة للإحسان الإلهي غير المحدود للبشرية فهي إذا أهل لمحبة غير محدودة لأجل الله وفي سبيله .

والإنسان يرغب فطرة في التشبه بالمحبوب – ما أمكن – لذا فالذين يسعون في سبيل حب ( حبيب الله ) ويبذلون جهدهم للتشبه به يقتضي لهم حتما إتباع سنته الشريفة .

النقطة الثالثة :

فكما أن الله سبحانه وتعالي رحمة متناهية فله سبحانه كذلك محبة غير متناهية وكما أنه يحبب نفسه – بصورة غير محدودة بمحاسن الكائنات جميعا وبجمالها وزينتها إلى مخلوقات فإنه كذلك يحب مخلوقاته ولا سيما أصحاب الشعور منهم الذين يقابلون تحببه لهم ب الحب والتعظيم لذا فما أسمي مقصد الإنسان في مرضاة ربه وما أعظم وأجل سعيه في سبيل أن يكون موضوع نظر محبة الله الذي خلق الجنة بلطائفها ومحاسنها ولذائذها ونعمها بتجل من تجليات رحمته .

وبما أن أحد لا يمكنه أن يكون أهلا لمحبته سبحانه إلاّ بإتباع السنة الاحمدية كما نص عليه كلامه العزيز إذن فإتباع السنة المحمدية هو أعظم مقصد إنساني وأهم وظيفة بشرية ) .

مهمة رسائل النور

استمعت في هذه اليام ضمن محاورة معنوية لسؤال وجواب بين لكم خلاصة منهما :

قال أحدهما : إن التحشيدات العظيمة لرسائل النور وتسلحها بتجهيزات كلية وجهادها لأجل الإيمان والتوحيد تزداد باطراد وعلي الرغم من أن واحدة منها كافية لإلزام اعتي فلم توالي – وبهذه الدرجة من الحرارة والفعالية – تحشيدات جديدة لذلك ؟

قالوا جوابا له : " إن رسائل النور لا تعمر تخريبات جزئية لا ترمم بيتا صغيرا مهدما فحسب بل تعمر تخريبات عامة كلية , وترمم قلعة محيطة عظيمة – صخور منها كالجبال – تحتضن الإسلام وتحيط به وهي لا تسعي لإصلاح قلب خاص ووجدان معين فحسب بل تسعي – وبيدها أعجاز القرآن – لمداواة القلب العام وضماد الأفكار العامة المكلومة بالوسائل المفسدة التي هيئت لها وركمت منذ ألف سنة وتنشط لمداواة الوجدان العام الذي توجه نحو الفساد نتيجة تحطم الأسس الإسلامية وتياراته وشعائره التي هي المستند العظيم للجميع وبخاصة عوام المؤمنين . نعم أنها تسعي لمداواة تلك الجروح الواسعة الغائرة بأدوية إعجاز القرآن والإيمان .

فأمام هذه التخريبات الكلية الرهيبة والشقوق الواسعة والجروح الغائرة ينبغي وجود حجج دامغة وأعتدة مجهزة بدرجة حق اليقين وبقوة الجبال ورسوخها ووجود أدوية مجربة لها من الخواص ما يفوق ألف ترياق وترياق ( مضاد للسموم ) ولها من المزايا ما يضاهي علاجات لا حد لها .

هذه هي رسائل النور النابعة من الإعجاز المعنوي القرآن الكريم وفي الوقت الذي تقوم بها في هذا الزمان أتم الزمان قيام فهي تحظي بكونها مدار انكشاف لمراتب غير محدودة للإيمان ومصدر رقي في مدارجه السامية غير المتناهية ".

وعلى هذا المنوال جرت مكالمة طويلة فسمعتها كاملة وشكرت الله كثيرا . أجملتها لكم

سعيد النورسي