تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السري

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السري

د. السيد عبد الستار

غلاف-كتاب-تجربتي.jpg


محتويات

مقدمة الناشر

بقلم: أحمد رائف

هذا هو عنوان الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ العزيز وهو أيضا عنوان المقدمة التي شرفني الدكتور السيد بكتابتها لكتابه النفيس الذي اقتضى منه لقدر غير يسير من التجرد والأمانة والشجاعة لكتابته.

ونحن نأمل الخير والثواب من الله ونرجوه، وندعو أن يكون هذا جهد في سبيله، يغفر الله لنا به ذنوبنا، ويتجاوز عن سيئاتنا، ويكون بإذنه تعالى سببا من أسباب تصحيح المسيرة للمسلمين العاملين من أجل رفعة الإسلام.

ويكون تنبيها لأولئك الذين جعلوا الدين مغنما وسببا في تحصيل المال وجمعه والوجاهة في الدنيا، والتطاول على رقاب العباد، في تجهم يفترض تقوى لا وجود لها، مع حمل الألقاب العظيمة، والتي كانت من نصيب آخرين ظلما وعلوا واستكبارا في الأرض ومكر السيئ.

والدكتور السيد عبد الستار إنما يريد بكتابه هذا أن يساهم في مسيرة تصحيح الإخوان المسلمين ذلك الجمهور العريض المخلص، والذي أسلم قياده إلى صفوة منها قلة جاهلة من الناس تريد مغنما وتطلب دينارا أو درهما، وتبحث عن مكسب رخيص على حساب شباب صغير حسن النية ومنهم من لا يجد قوت يومه.

وكثير من الشباب الإخواني مخلص ومستقيم، ولا يتردد في تنفيذ أوامر لقيادة هي في بعض الأحيان جاهلة وقد تكون أيضا مغرضة، ولكنه يثق بهم ويظن بهم الخير، ويرى أنهم يأخذونه إلى طريق الآخرة الصحيح، ونحن لا شك نجد من بين هذه القيادة من هو على الخير، فهي ليست كلها فاسدة، وإن كان فيهم من على هذه الصفة فإن فيهم من ليس كذلك، وتعرفهم بسيماهم وفي لحن القول.

وعندما يغلب الهوى والشح وحب المال تكون الدعوة والجماعة مشروعا استثماريا جذابا، يحصد من خلاله المال الكثير، وهذا لم يكن في الماضي، بل هو الآن.

وقد يظن القارئ الكريم حين يمر على هذه السطور أن الكتاب سب وشتم، هذا غير صحيح، فالسب والشتم شيء، والنقد والتصحيح شيء آخر، وكاتب الكتاب وكاتب المقدمة من ذؤابة الإخوان المسلمين، وقد يظن أحد أنني من "المكفرة" فأكفر الملأ من الإخوان وأنا لا أفعل فالله أعلم بالنفوس وما تكنه الصدور، وإن لم يرض ذلك بعض الصبية المهازيل ومعهم بعض الشيوخ الحمقى، صار الجهاد عندهم أن يأمروا الناس فيطيعوهم، وأن يأخذوا منهم فيعطوهم. والكل داخر لهم ينتظر منهم ما يطلبون.

الدكتور السيد عبد الستار له تجربة عريضة في عالم الإخوان المسلمين، وقد سجل تجربته بأمانة وصدق، وله ملاحظات ينبغي الانتباه إليها والالتفات لها، فقد انتبه الرجل إلى النظام السري يحاول العودة لكي يدير الحركة في داخل جماعة الإخوان المسلمين، وقد بين ذلك بصورة لا تدع مجالا للشك والالتباس، وهو ما يعرض الجماعة للدمار.

ولقد قدر لي أن أكون مشاهدا لنشأة النظام السري الحديث وقد كان أثناء وجودي في المعتقل عندما قام على إنشاء هذه السرية الحديثة الأستاذ مصطفي مشهور، وهو الذي جعلها وسيلة وغاية وفلسفة وسلوكا.

وقد نجح السريون بالفعل في الاستيلاء على الجماعة في يناير 1996 بوصول مصطفي مشهور إلى موقع المرشد، والرجل مجبول عليها وعاش حياته في الجماعة قياديا في التنظيم السري القديم أو الأول الذي كان يرأسه عبد الرحمن السندي والذي أمر بإنشائه حسن البنا في عام 1938 بناء على نصيحة عزيز المصري باشا؛

وكان الغرض منه مقاومة الإنجليز ومحاربة اليهود في فلسطين، وتشعبت أعماله إلى اغتيال الخازندار والنقراشي باشا.. وحدثت حوادث أقلقت الرأي العام وأثارت شغبا كبيرا في مصر .. مثل حادث السيارة الجيب وحادثة المحكمة.

وقد ناقش الدكتور عبد الستار حادثة السيارة الجيب عرضا داخل صفحات الكتاب، ليبين لهم ما هم فيه من ضياع وضلال.

وهذا الحادث من الحوادث العجيبة التي كان ينبغي أن يكون نبراسا لمن يعمل في جماعة الإخوان بعد ذلك أو يتجه إلى العمل السري بها، فمن خلال هذا الدرس كان ينبغي أن يتعلموا ويفهموا، ولكنهم لم يفعلوا.

الذي لم يذكره الدكتور عبد الستار في تحليله القيم عن حادث السيارة الجيب أن الدكتور حازم النهري أحد أعضاء التنظيم السري والذي من الطريف ذكره أنه كان أحد أصدقاء جمال عبد الناصر المقربين وذلك لم يمنعه من الحكم عليه بالسجن ولكنه ممن أطلق سراحه مبكرا؛

والشاهد في هذه القصة أنه طلب من المسئول في الجهاز السري نقل جميع محتويات الشقة المؤجرة التي كان يستخدمها الجهاز السري لتخزين متفجرات وبعض الأسلحة ويخبأ فيها وثائق وخرائط وخطط استراتيجية وما إلى ذلك بسبب اضطراره لتسليمها إلى صاحبها في خلال شهرين في موعد غايته 15/ 11/ 1948

وحيث إن اليوم أزف ولم يتم نقل أي من المحتويات ساد الارتباك، وتطوع إبراهيم محمود بأن تنقل المحتويات إلى العباسية، وتم البحث عن سيارة لنقل هذه الأشياء، وتطوع كمال عبد المجيد بسيارة جيب بدون نمر كان قد اشتراها من متعهدين يشترون الأشياء من الجيش الإنجليزي، وبطبيعة الحال عندما انكشفت القضية تم اعتقالهم وسؤالهم، ونجوا من القضية بعد لأي.

والقصة معروفة بعد ذلك، فقد اشتبه في السيارة الجيب مخبر سري كان يسكن في نفس بناية إبراهيم محمود، وقد تعطلت وهي محملة بالممنوعات السياسية رافضة التحرك إلى الأمام إلى الخلف.

وارتبك الفريق الذي صاحب السيارة (أحمد عادل كمال، طاهر عماد الدين، ومصطفى كمال عبد المجيد، وإبراهيم محمود، وأظن أن كان هناك آخرون)، وأطلق كل من الجميع ساقيه للريح وأمسكوا بهم وأودعوهم في قسم الوايلي.

وفي موقع آخر قريب من الحادثة كان مصطفي مشهور يرتدي نفس الملابس التي يرتديها من قبض عليهم من باب الصدفة المحضة، ويحمل في يده حقيبة بها أوراق مهمة جدا من أوراق النظام الخاص؛

حيث كان من المفترض أن يجتمع قادة النظام في بيته، وكان قد أوصى أهله باستبقاء من يأتي ريثما يجد مكانا يواري فيه هذه الأوراق ويعود لهذا الاجتماع، وقد صدق حدسه، وجاءت الشرطة وقبضت على قادة النظام، وجاء عبد الرحمن السندي يسعى وهو يخشى فوجد البيت وقد أحاطت به الشرطة من كل جانب، فانصرف ولكنه قبض عليه فيما بعد.

لقد أطلقت حادثة الجيب العنان لخيال الكثير من البسطاء في مصر يضخمون ويعظمون من أمرها.

لقد كنت في حوالي الثامنة منه العمر في ذلك الوقت وأذكر أن أحد أعيان شبين القناطر والموثوق بهم كان يتحدث لوالدي عن ما كان في السيارة الجيب من قدرات هائلة حيث كان زر يوصلك مباشرة للتهاتف مع الملك في قصر عابدين وأزرار أخرى إذا ضغطت عليها أرسلت صاروخا إلى فلسطين وأن هذه السيارة الجيب مصفحة ضد الرصاص وقد قام على صناعتها الألمان خدمة للإخوان الذين يحاربون اليهود.

قد تكون هذه القصة مضحكة لنا الآن ولكنها مبكية أيضا لطالما اشتاق الشعب المصري والأمة الإسلامية جمعاء إلى بطولات ترد لها كرامتها ولطالما وضعوا ثقتهم وأمالهم فيمن يرفعون كتاب الله شعارا ومنهاجا لتكون العزة بالله ولكن أدعو القارئ العزيز ليتأمل معي الحقائق بعد أن عرفت.

هل هذا العمل وأقصد به حادثة السيارة الجيب يمكن اعتباره من مفاخر الجهاز السري كما هو متداول عند الكثير وإلى الآن ما هي تبعاته وأبعاده وكيف أثرت على مسيرة الإخوان؟ أؤكد أنني لا أشك في النوايا حينئذ فأغلب من قاموا بهذه الحادثة من الشباب المنفعل الذي باع نفسه لخدمة الله، ولكن أين القيادة وبعد النظر والاستفادة مما جرى فيما تلا؟

مصطفي مشهور هو الذي بقي من النظام السري متمسكا به وبسياسة العمل السري، وظل على ولائه للشرعية الإخوانية المتمثلة في المرشد العام، وفي مكتب الإرشاد، وكان مسئولا عن الإخوان في أوقات كثيرة.

ومن طريف ما يروى عنه، وهناك طرائف كثيرة أنه عندما كان مسئولا في سجن جناح بالواحات عن الإخوان هو كان هناك عدد كبير من الشيوعيين مسجونين معهم أصدر أوامر بعدم الاختلاط بالشيوعيين، وناقشه في هذا المفكرون من أمثال عبد الحليم خفاجي ويوسف كمال؛

ولكن الأوامر هي الأوامر فكانوا يتحايلون عليها، ويلتقون سرا بالشيوعيين، كان هناك شخص يسمى محمد شلبي من شعبة العباسية رفض تنفيذ هذا الأمر وتحداه علنا، فصدر ضده قرار بالفصل من الجماعة ومن الدعوة ومن التكافل، والذي أصدره هو مصطفي مشهور، وقد راجعه البعض في هذا القرار، ولكنه أصر عليه.

والمتأمل في قرار الفصل وهو قرار مشهور ومعروف يجد أنه تجاوز الفصل من الجماعة إلى الدعوة، ولا أدري كيف يفصل إنسان من دعوة!! ثم الفصل من التكافل ... يعني لا يعطي من الطعام الذي يتكافلون به بينهم ... وهذا غاية في القسوة! فالكلاب في الواحات كانوا يتكافلون معها ... فكيف يحرمون الأخ محمد شلبي؟!

عرفت مصطفي مشهور في معتقل أبي زعبل بعد عودتي إليه من معتقل القلعة عبر رحلة طويلة، وهناك رأيت مكانته بين الإخوان القدامى من إخوان "العشرات" وهم الذين قضوا عشر سنوات في السجن دون أن يؤيدوا الحكومة، وكنا في أوقات ما قبل هزيمة يونيو ألحظ اعتبارا له من بين الإخوان، وبعد هزيمة يونيو زاد هذا الاعتبار إلى ما يشبه المسئولية، وهذا كلام لا دليل عليه إنما هي ملاحظات للمراقب شديدة الوضوح.

وعندما انتقلت إلى معتقل طرة السياسي ومكثنا فيه حتى تم الإفراج عنا صار من الواضح للمراقب أن تنظيما سريا يدير الجماعة داخل المعتقل وهو على رأسه وربما كان من الطبيعي أن يكون هذا في مكان مثل الذي كنا فيه.

وقد عرفت من بعض الأصدقاء في ذلك الوقت أن هناك شبه تنظيم وأن هناك تحديد للمسئولين في البلدان المختلفة، وقلت إن هذا أمر طبيعي لأناس قضوا حياتهم في السجون والمعتقلات، وقد مات عدوهم الأكبر جمال عبد الناصر فمن الطبيعي أنهم يتهيئون ليخرجوا إلى النور وهم في حالة منظمة.

ومن الطريف أنني اشتركت في هذا التنظيم السري دون أن أدري لتحقيق عملية محددة وهي إخراج كتاب "دعاة لا قضاة" من إعداد المرحوم حسن الهضيبي، وكان الكتاب يذهب إلى المستشفى نصا مكتوبا به الأحاديث الصحيحة والآيات بأرقامها من المصحف فتذهب للأستاذ المرشد ليعمل على إعداد الصيغة النهائية للكتاب، وقد أخذ هذا وقتا طويلا، واشترك فيه عدد من علماء الجماعة وفقهائها والذين قل عددهم في هذه الأيام.

وبعد الانتهاء من الكتاب وإعداده بالصورة النهائية وكان مكتوبا في كشكول من الكشاكيل التي يتعامل بها التلاميذ، صارت عملية تمرير هذا الكشكول على مجموعة من المعتقلين الذين انفردوا بفكر خاص بهم، وكان على رأسهم الأستاذ محمد قطب وشكري مصطفي وعلي عبده إسماعيل، وكثير مما يسمون "بالقطبيين"، أصحاب الفكر الجديد في عالم الإخوان المسلمين.

وطلب محمد قطب ترتيب جلسة مع الأستاذ الهضيبي ليستفسر منه على بعض النقاط، واشتركت مع المرحوم مأمون الهضيبي والأستاذ طاهر أبو سعدة لترتيب هذه الجلسة في المسجد القديم الموجود في فناء المعتقل، في ساعة قائظة من ساعات الصيف حيث يهرب الجميع إلى الظل.

وانتهى الاجتماع بين الاثنين على عدم وفاق واقتناع من ردود الأستاذ الهضيبي، وهي التي لم يقبلها محمد قطب.وبعد هذه المقابلة كانت الثانية مع الأستاذ علي إسماعيل وكانت مقابلة ناجحة، انتهت بمبايعة للمرشد العام.

وسبق أصحاب هذا الفكر القطبي من قبل منهم بيعة المرشد إلى المسجد القديم حيث بايعوا الأستاذ، وبقي نفر لم يفعل هذا منهم شكري مصطفي.ولذلك تفصيل سوف أتناوله في كتابي القادم عن تاريخ الإخوان المسلمين.

التنظيم السري في داخل جماعة الإخوان انقطع لأقل من عامين ثم عاود العمل من جديد واشتد عوده في سنة 1969 وأصبح هو الذي يدير الإخوان في المعتقل، ويقبل في الجماعة من يشاء ويستبعد من يشاء بشكل قد لا يخلو من الهوى، وكان يقوم بهذا الحاج حسني عبد الباقي ومعه أحمد الملط وأيضا مصطفي مشهور الذي سرعان ما صار هو في المقدمة، وأصبح يستخدم زميليه في حل المشكلات، ويرسلهم هنا وهناك للكلام أو التفاهم، أو لأخذ البيعة.

وكان النشاط واضحا للمدقق والمراقب، ولكن خفي عن أعين المباحث، والعملاء الذين يقومون بتبليغ الأخبار.لا شك أن الذي قام بهذا العمل السري يتمتع ببراعة شديدة، وقام بدور عظيم في محنة قاسية، ولكن أن تستمر الجماعة على نفس المنوال بعد تغير الظروف والأحوال فيكون هذا سبب في مفاسد لا يعلم آخرها إلا الله.

لقد استطاع الدكتور السيد عبد الستار أن يكشف باقتدار كيف تجزر هذا التنظيم السري حتى الآن ووصل إلى نخاع الجماعة وأصبح هو العمود الفقري لها مما يهدد شمسها للأفول.فليس من المعقول أن تقيم جماعة مثل الإخوان تنظيما سريا داخلها يديرها وهي جماعة قد حرم القانون عملها.

والأصوب والأقرب للتقوى وللفائدة أن يتم التفاهم مع الدولة من أجل أن تكون خطوات الجماعة ونشاطاتها في النور وتحت رقابة الجميع، فلا يأتي من يتأول ويقول إن المرشد يتقاضى خمسين ألفا أو أربعين، وعضو المكتب يأخذ ثلاثين وهذا يأخذ كذا وذاك يأخذ كذا ... هذا يسيء لجماعة الإخوان وإن لم يظهر هذا اليوم فقد يدمرها غدا.

ولا شك أن مسؤولية الخلل مشتركة فكيف تكون جماعة كالإخوان المسلمين محظورة قانونا؟ إن في ذلك انتقاص لقدرة النظام الحاكم من استيعاب والتعامل مع شريحة كبيرة من المجتمع، الذي هو قائم ومسئول عن أمنه وحمايته!

لقد ولدت سياسة الحظر واقع السرية، وولدت السرية واقعا أمنيا أوجدته سياسة الحظر وجعلته شرعيا وأصبحنا ندور في ساقية تدمي أيدينا وأرجلنا، ويظل المواطن المصري لا يدري لماذا وإلى أين؟ فلا يمكن لجماعة بحجم الإخوان أن تمارس نشاطها في المجتمع المصري، والقانون يحظر عليها ذلك بهذا التوسع والحجم الكبير، والانتشار الظاهر في كل مكان.

الآن الآن وليس غدا هو الوقت المناسب لنخرج من هذه الدوامة ونأخذ خطوات شجاعة نصحح فيها المسار، تكون غايتنا التعايش السلمي الذي لا بديل له، لنصل إلى المجتمع المسلم والأسرة المسلمة والفرد المسلم، أليست هذه مقاصدنا؟ فمن يربي الآن ومن يوجه ومن يعلم؟ والقادة والأتباع مشغولون بمواجهات وانتخابات وصفقات!

وربما يكون من المناسب أن نعرض لحديث مبادرة نسبت إلي، وهي قصة عميت على الإخوان، وذكرت محرفة ثم أنكرت، وكان فضيلة المرشد حفظه الله هو الذي أفشى سرها، وجعل هذا وذاك يسألونني عنها، ثم بعد عدة تصريحات هنا وهناك أنكر القصة بكاملها؛

وزاد في الشعر بيتا بأن أنكر معرفته بي، وربما يكون هذا نوع من الشتم ينبغي لمثلي أن يتسامح فيه ويغفر كما تعلمنا في مدرسة الإخوان على يد الأساتذة القدامى الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فقضي نحبهم وليس منهم من ينتظر.

ذهبت إلى 20 ش المنيل بعد تحديد موعد مع الأستاذ مهدي عاكف في العاشرة صباحا من يوم الإثنين التاسع من يونيو عام 2008، وجلست إليه وكان معه د. محمد حبيب ود. رشاد البيومي ود. محمد مرسي، والأستاذ مسعود السبحي، وعدد آخر حوالي ثلاثة أو أربعة لا أعرفهم.

وكان حديثي إليهم أنني أريد أن أساعد في رفع الإصر والأغلال عن الذين يذهبون كل أسبوع للحبس بسبب أو بغير سبب، ونريد أن ننظر في أحوال المسجونين والأموال المصادرة والحرب التي تدور بين الحكومة وبين الإخوان في احتقان يضر الناس والمواطنين ولا داعي له ولا فائدة منه ... أو هذا على الأقل هو رأيي ... يعني نريد تهدئة بين الإخوان وبين الحكومة تستدعيها الظروف وتمليها تبعات الدعوة لقوم يعلمون.

وقلت إن هناك من يستطيع تدبير هذا الصلح بشرط أن يترك الإخوان الانتخابات لفترة لا تقل عن عشر سنوات، وكنت أنا الذي اقترح عليه هذا البند، ورحب به ترحيبا كبيرا.

وطلب مهدي عاكف أن يزوره حسني مبارك في المنيل لتحقيق هذا الهدف، وقلت له: هذا لن يتم، فهو يزور رؤساء الدول، واقتنع، وقد كتبتها الآن لأنه أنكرها وما كان ينبغي له ذلك، وجلست معهم ثلاث ساعات نناقش هذه القصة، وقلت لهم ضمن ما قلت إننا لن نذهب في الغد الشهر العقاري لتسجيل شيء بين الحكومة وبين الإخوان، ولكننا سنبدأ التفاوض وقد يأخذ هذا التفاوض سنة، وسوف تهدأ الأمور بين الجانبين.

وأخبرني المرشد أنه سيرد علي بعد الاجتماع مع مكتب الإرشاد بعد أسبوع، وقلت لهم هذه لا تستحق الانتظار أسبوع بل العمل عليها على الفور، وقالوا: لا بد من مكتب الإرشاد.

المهم أن الدكتور رشاد البيومي لم يتصل بعد أسبوع كما قال المرشد بل أنا الذي اتصلت عدة مرات حتى علمت أنهم قد رفضوا هذه المبادرة دون فحصها لحاجة في أنفسهم وأنهم يرون المصلحة في هذا.

وكان يمكن أن ينتهي الموضوع عند هذا الحد، ولكني فوجئت بالمرشد يقول في اجتماع بالجيزة للإخوان وتنقله الفضائيات إنني ذهبت إليه وأنه رحب بالمبادرة ووافق عليها وأنني الذي لم أذهب إليه ثانية، وهذا لم يحدث وهو غير الحقيقة، وكررها في أماكن مختلفة ووسائل الإعلام تطلب مني التعليق، وأنا أهرب منها حتى لا أحرج المرشد.

وطلبت الأستاذ رشاد البيومي تليفونيا وقلت له:

إنه من غير اللائق أن يقول المرشد غير الحقيقة وأنت من الشهود على ما دار، وربما لا يكون من المناسب أن أقول إن المرشد يكذب.

وفي هذه الليلة كرر المرشد كلامه بأنه وافق على ما قلت وأنا الذي ذهبت ولم أعد إليه.وجاءني الأستاذ جمال عنايت وسجل برنامجا تليفزيونيا لمحطة الأوربت وذكرت فيه حقيقة ما جرى.

والذي جرى أن الإخوان قد جاءتهم فرصة ذهبية من الحكومة وأنا شاهد على ذلك، فرفضوها ولم يفكروا حتى في فحصها ولهم في هذا الباب باع طويل وحكايات لا تنقضي، وقلة وعي بالسياسة وما ينبغي أن يقال ويفعل، وهذا بسبب سيطرة النظام السري على الجماعة وشئونها، والذي يمنع الجماعة من الانهيار بسبب هذا النظام السري هو حجم الجماعة وضخامتها وحيويتها والشباب الصاعد فيها.

الأستاذ الدكتور السيد عبد الستار بكتابه القيم الذي بين يدينا "تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السري" يقدم عملا عظيما يسعى لأن يساعد في تصحيح أوضاع تحتاج إلى تصحيح، وهو في نظري جندي من جنود الدعوة الأوفياء، ولو كان الأمر بيدي لوضعته في مكانه المناسب بين صفوة القادة من الجماعة، لأنه يمكن أن يقدم لها الفائدة المرجوة ويجتاز بها المحن والمخاضات التي هي لا بد قادمة.

الدكتور السيد عبد الستار من إخوان السبعينات الذين قاموا بشأن الجماعة، وعملوا على وجودها من جديد في المجتمع المصري والعالم، أتساءل إذا لم يمكن السيد عبد الستار من الأخذ بنصاب الأمور في الجماعة هو ومن مثله ممن أخلصوا لله وجاهدوا في الله حق جهاده فلمن يترك صف القيادة؟

أخشى أن لا يتبقى لنا مع الزمن إلا الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وأنا أقصد أحدا من الموجودين الآن، ولكن أخشى أن الذي يأتي بعدها يكون كذلك ممن سيلحقون بالغ الضرر لمكانة الجماعة بين الناس ويفقدونها قيمتها التي صنعتها آلام الذين اعتقلوا وسجنوا وضحوا في سبيلها بكل مرتخص وغال، وسوف تضيع الأمانة، وسنسأل جميعا عن ضياع هذه الأمانة.

اقرأ هذا الكتاب أيها القارئ العزيز ولتكن قراءته دافعا لتعديل مسار جماعة الإخوان المسلمين فهي في النهاية شأن وطني وإسلامي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أحمد رائف القاهرة في 1 نوفمبر 2009

كلمة لا بد منها

كل التقدير والاحترام للإخوان الذين وردت أسماؤهم في هذه الدراسة، وإيماني الراسخ أنهم جميعا اجتهدوا فأصابوا أحيانا وأخطأوا أحيانا، ومن جانبي فالحب في الله موصول لهم جميعا والدعاء لمن توفاه الله منهم بالمغفرة والرحمة والقبول واجب لا ينفك عني ولا أنفك عنه.

(والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) (الحشر: 10)

وإني لأرجو الله أن تكون هذه المراجعات مقبولة لدى إخواني وأحبتي وأبنائهم وأقاربهم ومحبيهم، وعليهم أن يدركوا أن المجتمع له الحق في مساءلة كل من تعرض للعمل العام ومصالح المسلمين موظفا أو متطوعا محتسبا.

وما ورد في هذا الكتاب من انتقادات للبعض فهو من باب (كل الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله) وأول من تطبق عليه هذه القاعدة هو الكاتب نفسه، كما أن ما ورد في هذه الدراسة في مجموعه لا يبرر تعديات الأنظمة الحاكمة على حريات المواطنين وفي مقدمتهم الإخوان وعلى الجميع (الأنظمة والمواطنين ومنهم الإخوان) الالتزام بالدستور والقانون؛

بل ما يجب لفت الأنظار إليه أن مصادرة الحريات والعسف بالدستور والتدخل في شئون القضاء وغير ذلك من أخطاء النظم الحاكمة المتعاقبة هي التي أعطت مبرر لنفر من الإخوان أن يضلوا عن المنهج القويم والطريق المستقيم فكريا وتنظيميا فينقلبوا على الأغلبية ويشكلوا تنظيما سريا فيما بينهم ويزجوا بالغالبية العاقلة من الإخوان في حروب خاسرة لم يكن للإخوان فيها ناقة ولا جمل وما تزال هذه الأوضاع الخاطئة قائمة حتى كتابة هذه الشهادة في مارس 2009.

السيد عبد الستار المليجي

مقدمة الطبعة الأولى

دمعات على الإخوان

بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، والحمد لله ولي الصالحين، لا عز إلا في طاعته ولا غنى إلا في الافتقار إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، و تركنا على المحاجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، المبعوث رحمة للعالمين وشفيعنا يوم الدين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم... وبعد ..

في العشرينات من عمري اقتنعت بأن جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي أفضل الجماعات الإسلامية المصرية، وذلك على أساس أنها تختلف عن جماعات التكفير وهجرة المجتمع حيث لا تعتبر نفسها جماعة المسلمين ولا تعتبر الخارج عنها كافرا؛

وتعتقد أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وتعتقد أن أحكام الشريعة الإسلامية هي الأفضل لحياة البشر، وأن الشريعة الإسلامية كاملة وبكمالها تمت على المسلمين نعمة الله السابغة، ورأيتها أفضل التنظيمات الإسلامية المعاصرة العاملة على ساحة الدعوة وذلك لأنها تؤمن أن التنظيم وسيلة وليس غاية وأن الحب في الله بين الأفراد أقوى من الروابط التنظيمية؛

فهي جماعة ومجتمع وملاذ آمن وليست معسكرا من ضباط وعساكر أو بارونات يأمرون وعبيد يسمعون ويطيعون، ورأيتها أفضل الأحزاب السياسية التي تحاول الوصول إلى الحكم وذلك لإيمانها أن القيادة الناصحة سباقة بالعمل وقدوة في الميدان، وأن أمير القوم خادمهم وأن المال العام له حرمة لا تمس ومن هنا ولأسباب أخرى كان اختياري لها لتكون الفريق الذي أعمل معه طيلة عمري؛

ومن يومها وأنا مستغرق في أداء ما أنا مكلف به من الأعمال، لم أنظر قط إلى داخل الإخوان المسلمين طيلة عشرين سنة من العمل المتواصل (1975–1995)، كل جهدي كان توجيه العمل الإصلاحي ناحية المجتمع وإخواني يحمون ظهري، وبينما أنا منهمك في أداء واجباتي شعرت بآلام جراح نازفة؟ طعنات في ظهري؟ الطعنات تتكاثر وأنا أقاوم آلامها؟!

يبدو أنني مجبور على أن ألتفت إلى الخلف، وعندما التفت اكتشفت ..؟! أنه المرض القديم العضال يتجدد ... السريون عادوا من جديد لعادتهم اللعينة؟ كنت أعتقد أنهم تابوا بعدما خابوا لمرات عدة؟!

وتحت شدة آلام الطعنات التي وجهت لي ممن كنت أعتبرهم إخواني، اكتشفت أننا جماعة من البشر ومنا الصالحون ومنا دون ذلك وأننا طرائق قددا، واكتشفت الأسس التي اجتمعنا عليها لم تأخذ حظها من الفهم والتطبيق وأننا في حاجة ماسة لإدارة حوار داخلي أخوي لتصحيح الأخطاء؛

فبادرت بلقاء المسئول الأول المرشد العام، ونقلني بدوره إلى مكتب الإرشاد فسمعوا تفاصيل وجهة نظري بكل شفافية من جانبي، وانتظرت الرد ولكنه تأخر، ثم مارسوا الرد عمليا، فانطلقت حملة داخلية لتشويه سمعتي، رسائل إلى كل مكان تأمر بمحاصرتي وانخرطوا يبنون سدا عازلا بيني وبين إخواني الذين جندت حياتي للتواصل معهم، ولم أجد وسيلة غير الكتابة والتواصل بالمراسلة فكانت رسائلي إلى مكتب الإرشاد ليصححوا أنفسهم ومن حولهم، وكان الرد مزيدا من التعنت وسوء المعاملة؛

وتأكدت ساعتها أن الأمور فيها شيء مختبئ غير الذي أرى وأسمع وتبين بالدراسة والبحث أن الانحراف عن الأصول قد بلغ الذروة، ولا بد قبل الموت من شهادة، لا بد من إبلاغ الصادقين من الإخوان والأخوات، وتنبيه الغافلين إلى الأخطار المحدقة بنا جميعا.

إن الإخوان المسلمين جماعة عريقة في المجتمع المصري، وهي جزء أصيل من التاريخ المعاصر لا يمكن إغفاله أو إهماله من باحث منصف أو داعية مخلص، وهي ميراث قومي للمجتمع المصري والعربي والإسلامي الذي تأثر بها إيجابا أو سلبا وخاصة أولئك الذين التفوا حولها وشاركوا في وجودها وساهموا في استمرارها ولو بدفع اشتراك من خمس قروش في الماضي البعيد أيام الشعب المفتوحة أو بدفع العمر كله حركة وسكونا وحرية وسجونا وإقامة وسفرا في سبيل نهضتها وتحقيق حلمها في نصرة الإسلام وسيادته على سائر المذاهب الأرضية؛

نحن جماعة ملك لأمتها ويجب أن تؤدي لأمتها هذا الحق ومن الخطأ البين أن يتصرف بعضنا على أنهم ملاك الإخوان المسلمين وحدهم دون غيرهم ورسم سياسات حركتها من خلال همساتهم الثنائية في أوكارهم المظلمة أو بلغة الصم والبكم التي لا يفهمها الذين يسمعون ويبصرون ويتكلمون، إن زمان اعتبار الإخوان شأنا خاصا بعدد من أعضائها دون كوادرها المعروفة وأعضائها وجمهورها يجب أن ينتهي؛

لو أضفنا إلى ذلك أننا في زمان الفضائيات التي غزت كل بيت بوجهة نظرها حول الإخوان في الماضي والحاضر والمستقبل فإن الواقع يفرض علينا نحن الإخوان أن نضع المعلومات الصحيحة عنا وبأنفسنا أمام الرأي العام وفي مقدمته جمهور الإخوان والمحبين لها في مصر والعالم.

إن الحياة داخل الإخوان ومعها وتولي المسئولية فيها وعنها وتحمل أعباء الدفاع عن وجودها وإنفاق كل غال وثمين في سبيل نهضتها يحملنا نحن قادة الإخوان المسئولية عن مراجعة أعمالنا ومدى انضباطنا على الإسلام ثم على المنطلقات العقدية التي أعلناها وتعاهدنا على نصرتها ومدى نجاحنا في ذلك؛

ويحملنا المسئولية عن الأجيال المقبلة وتوعيتهم بما وفقنا الله فيه حتى يهتدوا بنوره وا وقع منا من أخطاء حتى يتجنبوها، وهذا الكتاب محاولة للقيام بهذا الدور، إنني أدرك أن ما أقوم به يخشاه الكثيرون لأسباب يبدون بعضها ويخفون أكثرها؛

وأوضح هذه الأسباب ما يتصورونه خصوصيات وأسرار وهو في الواقع معلوم بتفاصيله لدى البسطاء في أجهزة الأمن حسب اعتراف الأستاذ المرشد محمد عاكف في جريدة الشروق حيث قال أنا لا أعرف عدد الإخوان والأم يعرف كل شيء، هذه الأزمة المعلوماتية سهلت انتشار الشائعات بيننا وسهلت مهمة السريين الجدد في النيل من إخوانهم ومعارضيهم والنيل من تماسكنا والانقضاض على من يختلفون معهم في الرأي واستبعاد الكثيرين من أهل الفضل وترتب على ذلك إدخالنا في مشكلات كنا في غنى عنها؛

نحن جماعة قامت على التعارف والتفاهم والتكافل والشفافية ولم ولن تقم على الظلاميات والغيبة والنميمة والتدابر والتحاسد والقطيعة بأي حال، إنني أجري تجربة للشهادة على نفسي وإخواني الذين عايشتهم وعايشوني في الدنيا قبل أن أدلي بها بين يدي ربي يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والهدف هو تبصرة نفسي وإخواني والأمة التي وثقت فينا بما يجب أن تكون عليه أي جماعة إسلامية تتحمل مسئولية النصح والتغيير.

ولا يفوتني في هذه المقدمة أن أذكر الجميع بأن هذه شهادة مبنية على وقائع ومعايشات ومكابدات وحوارات وليس على إشاعات، وليس مطلوب من المسلم في شهادته إلا أن يشهد أمام الله والتاريخ بما يرى ويعلم والله قبل ذلك وبعده هو الأعلم وهو يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، وأفوض أعمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، والله أكبر ولله الحمد.

اللهم هذا الجهد وعليك التوفيق، وهذا الدعاء وعليك الإجابة اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه اللهم آمين.

الفقير إلى عفو مولاه السيد عبد الستار عبد السلام المليجي

ملخص الكتاب

كعادتنا في البحوث العلمية البحتة والتطبيقية نطالب صاحب البحث بتصديره بملخص يعطي للقراء فكرة موجزة عن بحثه وما توصل إليه من نتائج وأهم ما يوصي به من توجيهات، وقد رأيت أن أستن بهذه السنة في كتابي هذا وأقدم للقارئ ملخصا للكتاب في هذه القصة القصيرة:

عودة أصحاب المناقير ...؟

في العشرين من عمري بدأت أبحث عن الحرية والعدالة والمساواة، ليس لنفسي ولكن لكل الذين أعرفهم ولكل المجتمع الذي أنتمي إليه، ووجدت في سوق الحياة مجموعات كثيرة تقول إنها تقدم هذه الأشياء النادرة، الحرية والعدالة والمساواة؛

تفرست في الوجوه طويلا ثم اخترت هذه المجموعة، سألتهم من أنتم قالوا نحن الإخوان المسلمون، سألتهم عن وقبل أن أسمي ما أبحث عنه قالوا عندنا كل شيء، تحب عدل ... عندنا، تحب سياسة ... عندنا، تحب جهاد ... عندنا، تحب تشتغل وبس .. عندنا، تحب الحرية ... عندنا تحب تدخل السجن ... عندنا، تحب ما تحبش حاجة خالص ... عندنا ... تحب فول وعدس وطعمية ... عندنا، تحب كباب وكفتة ومهلبية ... عندنا، ولو عايز تستفيد وتفيد اتفضل عندنا وارفع اليافطة زينا؟

مالك يا بني حيران ليه؟! هكذا أفاقني أكبرهم سنا وهو يناديني ... تعال يا بني ... أنا عمك أبو هاني ..! كانت العروض التي انهالت على سمعي تأتي من جهات عدة وأفواه عدة، وأحيانا كانت الأصوات تتقاطع، والآن ... الآن يتحدث واحد فقط، إنه أبو هاني ... أنت الآن يا ولدي في أمان تام ... كانت يده تمسك بيدي ... أحسست ساعتها أننا جميعا فوق سطح الماء ... نحن نمشي على الماء ... نحن إذا أولياء الله الصالحون ...

أمامي حملة اللافتات الجميلة ... اللافتات مسطر بها كل أحلامي ... المسلمون قادمون ... الفرد المسلم .. البيت المسلم ... الأسرة المسلمة ... الحكومة المسلمة ... أستاذية العالم ... صلاح الدين قادم ... تحرير فلسطين مهمتنا ... الدولة الإسلامية العالمية ... دولة الخلافة قادمة ..

أبو هاني يضمني ضمة اختلفت لها أضلاعي ثم أرسلني ... ناديت بأعلى صوتي ... خذوني معكم .. أنا بادور عليكو من زمااااااان، أغيب عن كل ما حولي .. أنسى زوجتي، أنسى أولادي ... أنسى أهلي، أنسى أبي وأمي أنسى زملائي ..

اليوم لا شيء في حياتي غير أبو هاني والذين معه ... أنطلق مع أبو هاني إلى ما يريد ... أحسست أن الماء تحت أقدامي يتحول إلى دوامة .. الدوامة تشتد وأنا أغوص في الماء، أغيب عن المكان وأغيب عن الزمان .. عالم جديد تحت الماء ...

أنفي يتحول إلى خياشيم .. أطرافي تتحول إلى زعانف ... سباحة لا تنتهي مهما طالت ساعات النهار ... كانت طبقات الماء تحجب الشمس عنا ... كلما غصنا نحو القاع قلت الإضاءة وانعدمت الرؤية حتى صارت الحياة من حولنا ضبابية بامتياز؛

لم نعد نتعرف على أنفسنا بسهولة كما كنا فوق الماء ... حوارات ومناقشات لا تنتهي مهما طالت ساعات الليل، تحت الماء لا فرق بين الصيف والشتاء ... الكل يغوص ويسبح ويدور وينساب هنا وهناك ...

فجأة تشدني يد عنيفة قوية ... ترفعني على سطح الماء ... لحظة خانقة أمر بها حتى أستعيد القدرة على التنفس بالرئتين ... يأتيني متعجلا شخص متوحش يبادرني بلكمات قاضية في مواضع قاتلة ... أدخل في غيبوبة أفيق فأجدني معصوب العينين وأصوات متداخلة تلف المكان ورائحة كريهة تزكم أنفي .. صوت جهوري يصخ أذني ...

أنت مع مين يا بن ... (كلمة نابية على أبي) .. استجمعت ما بقي لي من قوة ورددت عليه ... رد علي سريعا .. بعشرين كرباج ... فقدت الوعي بعد الخامس على الأكثر ... أفقت في زنزانة مكتظة بأمثالي ... تسمعت أصواتهم .. كان كل شيء في جسدي متورم وعيوني مغلقة؛

تحسست وجوههم لأتأكد أنهم بشر ... كانوا جميعا متورمين مثلي ... تكررت أيام الكرابيج ... مضى على وجودي في العذاب المقيم عشرة أشهر .. سمعت صوتا آتيا من بعيد .. إفراج إفراج ... باب الزنزانة يفتح ويد تجرني خارجها وتلقي بي في الطريق العام ...

مرة أخرى على الأسفلت .. جريت بهمة وتسرع مبتعدا عن المكان الكريه ولساني يردد الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ... مررت بالبحر الذي غصت فيه من قبل ... نفس الناس ما زالوا في نفس المكان .. الشعارات هي هي .. كل شيء عندنا .. الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والخلافة والسجن والتعذيب وصلاح الدين وفلسطين والتمكين وأستاذية العالم ...

الحق نفسك يا سيد ... القطار يتحرك يا تركب يا متركبش .. اركب يا سيد ... اجري يا سيد ... اشبط يا سيد ... لاحظت هذه المرة أن الوجود تغيرت ... المنادي هذه المرة ليس أبو هاني إنه أبو عابد ... لغة لطيفة وصورة جميلة .. بادرني بالقول .. أنت فين يا سيد .. إنه يعرفني!!

أجبته بفخر .. كنت مع أبو هاني .. أعرف ذلك يا ولدي .. هكذا بادرني ... اليوم أنت في أمان تام فلا تخف وا تحزن .. وضمني ضمة اختلفت لها أضلاعي ...

ثم رفعني بكل قوته فانطلقت في السماء بسرعة الصاروخ ... لم يترك يدي هذه المرة ... لا توجد دوامة ... لا يوجد ماء .. أتنفس بالرئتين وأسبح في الفضاء بقوة دفع محسوسة ... كل من معي أراهم رأي العين .. دائما حولي .. يتنفسون بالرئتين مثلي ...

لسنا في حاجة إلى خياشيم وزعانف .. بقينا على حالتنا البيولوجية المعتادة ... نظرت تحت قدمي فوجدت بساط سحريا يحملني والكل عليه قد استوى ... أبو عابد في المقدمة يشير بيده نحو هدف ... نتجه جميعا ناحيته بكل قوة وعزيمة .. آيات القرآن تتلى وتملأ الآفاق ... الملائكة تحفنا من كل ناحية ... نستشعر وجودها ... نكاد نصافح الملائكة .. رائحة الحب في الله لها عبق وتأثير منعش ...

من حين لآخر تأتينا طيور غريبة لها مناقير حادة ... تنقرنا ... تؤلمنا ... ندفعها برفق ... نحاول الحفاظ على ما نحن فيه من نعيم الأخوة في الله ... الطيور الجارحة ذات المناقير الحادة تتجمع فوق بساط من نار .. ترقبنا ... تتوعدنا .. أبو عابد يثبتنا بالقول الطيب ويبشرنا بقرب الوصول ويوصينا بالصبر والمثابرة .. الطيور الغريبة تتكاثر على بساط أبو عابد وتنقره بقسوة .. يجرح ... ينزف دما أحمر زعفرانيا له رائحة المسك .. يتألم قليلا ثم يموت مبتسما .. يهبط فجأة بساطنا السحري .. نرسوا في المكان الذي انطلقنا منه ... يظهر أبو هاني .. يناديني ..

أرد عليه: لن أعود إلى الدوامة .. يطاردني .. لا يدركني يرسل خلفي من يأتي بخبري .. لا يتمكن، مخابرات أبو هاني تكتب تقريرا تكذب فيه .. يقول التقرير: إني مفقود .. تمضي الأيام ويأتي الرجل المتوحش .. يشد وثاقي ... يعزلني عن كل العالم ... الزنزانة ليست كالزنزانة .. في النزلاء طيور النقر الموجع .. من أين أتوا؟؟ ولماذا يأتون هنا؟!

صوت من خلف السور العالي يجيب سؤالي .. جاءوا في أثرك .. أنت لديهم مطلوب الرأس .. كتبوا عنك كتابا أسود .. قالوا فيه .. قامتك صارت عشرة سنتيمترات .. أنفك قدر البقلة ... عينك سارت أضيق من ثقب الإبرة .. أذنيك توارت حتى إنك لا تسمع شيئا بالمرة .. قالوا إنك صرت نحيلا .. عند خروجك من محبسك يمكن حبسك في منديل .. أولادك قالوا ... لا !!

نحن رأيناه قريبا .. لم يتغير .. والدنا أفضل مما كان .. والدنا يتلوا القرآن .. والدنا يكتب شعرا يرفع قدر الإنسان .. والدنا أكمل ديوانا أسماه (أسير الأوطان) ... والدنا في محبسه أكمل سفرا علميا أسماه (نباتات القرآن) .. صوت الشخص المتوحش يوقظني .. إنذار إنذار .. لا تكتب أشعار .. لا تحلم بالدار .. الدار مصادرة ممن يجرح بالمنقار .. الشخص المتوحش نادى .. يفرج عنه ويذهب حيث يشاء .. وأين سيذهب؟! أين الدار؟! .. الدار اشتعلت فيها النار .. هل يعني هذا نهاية مشوار؟! ..

هل ضاعت آمالي في الحرية .. هل خلت الأرض من الأخيار..؟! .. أبدا أبدا ... من سلك دروب الخير وجب عليه الاستمرار .. من أتقن فن الزرع وجب عليه الصبر مع الأشجار .. حتى تنبثق الأزهار، ويأتي يوم الإثمار.

وقصيدة زجلية:

سألوني عن الإخوان قلتلهم .. كان ياما كان
البنا شايل سبحته ... وعلى القهاوي بهمته ... ومهمته الإنسان

يحكي حكاوي النبي .. للشامي والمغربي ... والصحب والخلان

كانت سعادة وفرح ... والحب وياه طرح ... عطر وزهور وحنان

شرع الكريم مذهبه .. حب النبي مطلبه .. أرضك يا مصر أمان

يا مرحبة بالصحابة .. يا مطبطبة ع الغلابة .. ولا أبرهة ولا خان

أعوذ بالله العظيم

من وسوسة شيطان

ركب دماغ الغلابة .. لازم تكونوا ديابة ... ومكشرين أسنان

سرق الغنا والربابة .. سرق النبي والصحابة ... زرع الفتن ألوان

نسي الجميع البداية ... وراح زمان الهداية ... وغوينا أرض الجان

أعوذ بالله العظيم
من وسوسة شيطان

قسم الفريق نصين ... أيقظ غراب البين ... واتمكن الشيطان

نص الهدى والدين .. ونص تحت الطين ... دولة ديدان ستان

دبحونا بالسكين ... قطعت وريد الدين ... صبح الجهاد عدوان

جعلوا حياة النور ... ظلمة وعليها سور .. والكل صار حيران

من يزرع الآلام؟ .. من يسرق الأحلام؟ .. ومين من الإخوان؟

أعوذ بالله العظيم

من وسوسة شيطان

غير قاموس الحياة ... والفقر طلبوا الجاه ... وكبيرنا بيزنس مان

جعل الجنون مفاهيم .. وزعيم يزق زعيم ... ومحكمة وحرمان

ولا نصر ولا تمكين .. تنظيم من المساجين ... واتفرقوا الإخوان

يا شمس يا شموسة .. يا مدورة يا عروسة ... يا منورة الأكوان
على الجميع اشهدي ... العادي والمهتدي ... للواحد الديان

الفصل الأول:من تاريخ التصحيح الداخلي في جماعتنا

حتى لا يتصورالقارئ العزيز أن ما أقوم به من محاولة لتصحيح مسار الجماعة الإخوانية بدعة جديدة، فقد رأيت أن يكون الفصل الأول من الكتاب تأريخا لمحاولات التصحيح السابقة، وليكون الكل على بينة من أمره، أمينا على مستقبله فيما بقي من العمر ويوم لقاء ربه، فقد اخترت لبيان هذا التاريخ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاث نماذج تمثل ثلاث مراحل من حياة جماعتنا،

الأربعينيات وتمثلها محاولة الأستاذ أحمد السكري، والثانية في التسعينيات معبرا عنها في دراسة متكاملة تمت بلجنة إخوانية لرفع واقع الجماعة وسبيل النهوض بها، والثالثة اليوم في عصر شبكة المعلومات وثورة الاتصالات وتمثلها مدونة أحد الإخوان من خلال مقالة منشورة بها، وسأترك القارئ ليحكم بنفسه على الأطراف جميعها، فإلى هذه النماذج الثلاث من محاولات التصحيح:

المحاولة الأولى:صفحة مطوية وناصح مظلوم

أهمية هذه الصفحة تكمن في شدة الشبه بين ظروف الدعوة اليوم والظروف التي مرت بها وقت كتابة هذه الرسالة وأقصد بها رسالة الأستاذ: أحمد السكري وكيل جماعة الإخوان (الرجل الثاني في الجماعة) إلى الأستاذ: حسن البنا المرشد العام (الرجل الأول في الجماعة)، ومن يطالع كتاب البنا (مذكرات الدعوة والداعية ص: 33) سوف يدهش من قوة عاطفة البنا وحبه لأخيه الأكبر أحمد السكري؛

لدرجة أنه يقول فيه نصا:

(كنت أمضي الأسبوع في دمنهور، وأعود ظهر الخميس إلى المحمودية حيث أمضي ليلة الجمعة وليلة السبت، ثم أعود صباح السبت إلى المدرسة فأدرك الدرس الأول في موعده، وكانت لي في المحمودية مآرب كثيرة تقضى في هذه الفترة، غير زيارة الأهل وقضاء الوقت معهم، فقد كانت الصداقة بيني وبين الأخ أحمد أفندي السكري قد توثقت أواصرها إلى درجة أن أحدنا ما كان يصبر أن يغيب عن الآخر طول هذه الفترة أسبوعا كاملا دون لقاء)

ويدهش المرء من تحول هذا الحب إلى البغضاء والقطيعة بين هذين الأخين.

من هو أحمد السكري؟

نقلا عن الأستاذ عباس السيسي من إخوان الإسكندرية المشاهير الثقات والمعايشين للرجلين يقول:

(ونحن على هذه الحال من الفقر والضعف والفاقة ... إذا بالأستاذ أحمد السكري وكيل الإخوان المسلمين العام ينقل من مدينة المحمودية سكرتيرا لمدرسة رشيد الابتدائية ... وزارنا في الجمعية وتعجب لحالنا ... وطلب منا أن نبحث عن دار للجمعية أوسع من هذه وأن نشتري لها أثاثا مناسبا ... فلما شرحنا له ظروفنا المالية وأن هذا ليس في طاقتنا قال لنا إنه سوف يقوم بالدعوة إلى الجمعية لزيادة الأعضاء وزيادة المالية.
وذهب الأستاذ السكري يخطب في المساجد ويشرح أهداف دعوة الإخوان المسلمين وخاصة في خطب الجمعة، ولقد كان الأستاذ أحمد السكري خطيبا مفوها ومؤثرا يأخذ الألباب ومجامع القلوب يحرك العواطف والمشاعر وله حنجرة صافية.
ولم تمض أسابيع حتى تقدم كثير من الناس للانضمام إلى الجمعية واستأجرنا دارا أخرى أوسع وأرحب في منزل الجارم تزيد على الخمس حجرات ويقع أمامها فناء وأما الفناء ميدان فسيح واشترينا بعض الكراسي ومكتبا ومنضدة للخطابة ... واشترينا قطعة من الجوخ الأخضر طرزنا عيها (الإخوان المسلمون شعبة رشيد) وتحتها يقع هلال وفي وسطه مصحف وهذا هو شعار الإخوان المسلمين في هذا الوقت.

وكان الأمير عمر باشا طوسون في زيارة لمدينة رشيد وذهب ليصلي الجمعة في مسجد (أبو مندور) وهو مكان سياحي مشهور في رشيد وكان الأستاذ السكري هو خطيب الجمعية وبعد الصلاة تقابل مع الأمير الذي تبرع لجمعية الإخوان بمجموعة من الكتب التاريخية عن مصر والسودان وكانت هذه الكتب هي باكورة عمل مكتبة في الجمعية.

الأستاذ السكري والمرشد الأول

يقول الأستاذ عباس السيسي:

فوجئنا ذات يوم بإعلان في صدر عدد من مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية بتكوين لجنة للتحقيق مع الأستاذ أحمد السكري الوكيل العام ل[[جماعة الإخوان المسلمين

والأساتذة:

كمال عبد النبي وحسين عبد الرازق والأستاذ أمين مرعي رئيس الإخوان بالإسكندرية، وفزع الإخوان في كل مكان لهذا النبأ الذي يتوقعون أن يؤدي إلى فتنة شديدة قاسية بين صفوف الإخوان لما ينتهزه أعداء الدعوة من فرصة للانقضاض على الجماعة والثأر منها.

لاحظ: مصطلحات (فوجئنا) و (فزع الإخوان في كل مكان) لتدرك أن مشكلة تغييب الإخوان عما يجري في جماعتهم وصدور قرارات علوية من هيئات معينة يعتبر مشكلة قديمة وأليمة في وقت واحد. المؤلف.

قرارات الهيئة التأسيسية

عقدت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين اجتماعها العادي الدوري الثالث يوم الخميس 14 من المحرم 1367 الموافق 27 نوفمبر 1947 وأقرت عدة قرارات منها القرار رقم (5) بالموافقة التامة على قرار المرشد العام وبإعفاء الإخوان محمد عبد السميع الغنيمي أفندي وسالم غيب أفندي وأحمد السكري أفندي من عضوية الجماعة بناء على تفويض الهيئة السابقة لفضيلته ولما تعرفه الهيئة من تصرفات الأستاذ أحمد السكري قبل الإعفاء وبعده فإنها تقرر بالإجماع اعتباره ناقضا للعهد حانثا لليمين على الجماعة محاربة للدعوة وكذلك كل من اتصل به أو ناصره.

وكذلك القرار رقم (6) بقبول الاستقالتين المقدمتين من الأستاذين أمين إسماعيل أفندي ومحمود عساف أفندي من عضوية الهيئة مع شكرهما على جهودهما السابقة في خدمة الدعوة.

(لاحظ عزيزي القارئ غلظة الصفات التي استعملها حملة المباخر وحيودها عن الحقيقة لمجرد أن الأستاذ السكري كان لا يعلق في شعبة المحمودية علامات، ولا يضع بها أعلام ولا شعارات، وكان يرى أن هذا يعكر صفو الدعوة ويقلل من ربانيتها، وكان يرى أن حزب الوفد في هذا الوقت أقرب الأحزاب إلى الإخوان من حيث المطالب الوطنية ولم يكن يلزم غيره بشيء من ذلك؛

كما أن المرشد كان في منزلة الأخ الصغير بالنسبة له ولاحظ أن أحمد السكري يعتبر مؤسس لجمعية الإخوان وشريكا أصيلا في بعثها للحياة، كما لاحظ أن ما يسمى بالهيئة التأسيسية جاءت بعد عشر سنين من انتشار الدعوة وكانت كلها من تعيين الأستاذ البنا واختياره الشخصي بعدما ترك المحمودية وترك الإسماعيلية واستقر بالعاصمة؛

وكان الأستاذ السكري يعتبر من أفضل مقدمي الدعوة لطبقة المثقفين والساسة والوجهاء إلى جانب العامة والفقراء وهو ما يتضح بجلاء من وصف الأستاذ عباس السيسي لمجهوداته في الإسكندرية؛

فأين العهد الذي نقضه وأين الحنث الذي جاء بالقرار المضحك وشر البلية ما يضحك، وكيف وصفوه بأنه محارب للدين مرة واحدة، إنهم يقولون بالفم المليان إن الدين هو حسن البنا وكل من يختلف معه يكون محاربا للدين، وهو نفس القول الذي تقوله الحكومات الديكتاتورية عندما تنتقد الرئيس فيقولون إنك تحارب الوطن، وتبقى مشكلة الجماعة في الوشايات التي تهدف إلى التقرب من المسئول على حساب تشويه سمعة الآخرين ووصفهم بما سبق من الكلام الحرام الذي لا يقره عاقل أو عالم) المؤلف.

خطاب الأستاذ أحمد السكري

وقد وجه الأستاذ أحمد السكري خطابا مطولا إلى الأستاذ المرشد إلى صحيفتي "صوت الأمة" و "الكتلة" ويعتبر حسب علمي أول محاولة للتصحيح الداخلي على هذا الوزن وهذا المستوى الراقي، ويعتبر بذلك الأستاذ أحمد السكري من السباقين بالخير الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر وبأحسن الأساليب المتاحة في هذا الوقت؛

وعندما يتناول هذا الموضوع مؤرخ منصف سوف يذكر التاريخ قيمة أحمد السكري لا سيما أن الوقائع التاريخية التالية للرسالة أثبتت أن كل ما نصح بإصلاحه كانت ثغرات في صفنا وانحرافات في مسيرتنا ولو أخذنا بنصيحته لتجنبنا الكثير من العقبات التي تراكمت في طريقنا وأودت بحياة مرشدنا وحل جماعتنا وتقويض مسيرتنا خلال عام ونصف فقط من تاريخ هذا الخطاب التاريخي.

وفيما يلي رسالة الناصح الأمين الأستاذ أحمد السكري:

بسم الله الرحمن الرحيم
أخي المحترم الأستاذ حسن البنا
السلام عليك ورحمة الله وبعد،

فقد تسلمت خطابيك الموقعين معا، أحدهما ما أسميته "خطابا رسميا" تفصلني فيه من جماعة الإخوان المسلمين، مستندا في هذا الإجراء كما تقول إلى تفويض الهيئة التأسيسية لك أن تقصي من تشاء، وتفصل من تشاء بغير حساب، والثاني خطابك المطول الذي حددت فيه الأسباب التي دعتك إلى فصلي ثم طلبت فيه أن أستقيل أنا بيدي من الدعوة التي نشأت فيها ولها، وإلا فلا مفر من قبول خطابك الرسمي الذي تقطع به صلتي بهذه الدعوة وبإخواني الأعزاء الأبرار.

تنكير

ولا أكتمك الحق يا أخي ما كنت لأتصور يوما من الأيام أن يبلغ بك الأمر، فيطاوعك قلبك وضميرك وتطاوعك هذه العاطفة التي دامت بيننا سبعة وعشرين عاما كنت المثل الأعلى لوفاء المحبين وإخلاص المؤمنين، وتنسى كل ذلك في طرفة عين وكأنك تريد أن يشهد الناس مأساة أليمة لأمثالنا ونحن دعاة الإخاء والحق.
وزاولت عملك "بالإسماعيلية" وأنشأت بها شعبة أخرى، وفتح الله لك القلوب وتعددت فروع الجماعة فآثرك على نفسه وبايعك على الرياسة وطلب إلى الناس أن يبايعوك حتى ارتفع شأنك، وأينع هذا النمو الذي رويناه بدمائنا وأرواحنا وما علم الناس وما علمت من أخيك إلا ما يرفع شأن الدعوة وشأنك وظل وما زال حتى يلقى الله طاهر القلب عف اليد؛
فهو بالله مستعين به جل علاه، وله سبحانه الفضل والمنة والشكل الجزيل، فلما أقبلت الدنيا عليك كان لك الناصح الأمين والمشير الصادق ينبهك إلى مواطن الخير لتسلكها وإلى مواطن الشر لتجتنبها، فإذا ما سرت على الهدى سار معك بكل جهده وقوته وإذا ما استبد بك الهوى نصح وألح في النصيحة راجيا أن يهديك الله إلى الحق وأن يعود القائد إلى صوابه فيعود التوفيق إلى مكانه.
أفيكون له منك يا أخي جزاء سنمار، بدل أن تنتهج الخطى مثلي فتكن من المصطفين الأخيار؟

أسباب الفصل:

لقد حددت في خطابك المطول الأسباب التي دعتك إلى فصلي، وهي كما تقول ثلاثة:
أولها: أننا اختلفنا في أسلوب التفكير وتقدير الظروف والإخلاص والأحوال.
ثانيها: أننا اختلفنا في وسائل العمل.
ثالثها: أننا اختلفنا في الشعور نحو الأشخاص.
هذه هي الأسباب الثلاثة التي دعتك إلى أن تختار هذا الظروف بالذات لتفجر هذه القنبلة، وتقطع ما أمر الله به أن يوصل ولعل الناس حين يطلع عليهم هذا النبأ ولعل الإخوان حين يفجعون بهذا الخبر، لا يدرك أكثرهم السر في اختيارك هذا الظرف بالذات لهذا الإجراء الشاذ الأليم.
وإني لأحمد الله على أن هذه الأسباب التي دعتك إلى فصلي فلم تستطع ولن تستطيع أن تنسب إلي ما يخدش أمانتي لدعوتي، أو يمس شرفي أو كرامتي التي أحيا بها وأعيش.
وإنه ليعز علي ويؤسفني كل الأسف أن أضطر إلى الرد عليك بعد أن فشلت جهود وسطاء الخير بيننا من خيرة الرجال وكرام الإخوان حتى مساء الأمس، بسبب تمسكك بموقفك ورفضك اتباع الخطة المثلى التي تصلح ذات بيننا وتحقق للدعوة أهدافها الكريمة وتصونها من عبث العابثين ثم تماديك في ألسنة السوء في الأقاليم لتشويه سمعتي والحط من كرامتي زورا وبهتانا مما لا يسعني إزاءه إلا أن أوضح الحقيقة في كثير من الإيجاز والاختصار، ليكون الناس والإخوان على بينة من الأمر إبراء لذمتي وإعذارا لله ولهم بعد أن عجزت عن تقويم ما اعوج وإصلاح ما فسد.

ضرورة التحكيم:

ولقد كنت أفهم يا أخي لو لم تسيطر عليك العناصر المغرضة وتضغط على يدك لتقطع يمينك بنفسك أن يفضي هذا الخلاف في الرأي إلى أن نحتكم إلى إخواننا في الله، أصحاب هذه الدعوة والمضحين في سبيلها في كل قطر ومكان، ليقضوا بيننا بروح الإسلام ومنهاج القرآن وإنا لحكهم خاضعون، ولعمري هذا ما أوصى به الإسلام وفرضه القرآن:
(فإذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، (وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين). (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) إلخ ما ورد في كتاب الله حثا على التحكيم والإصلاح وترهيبا من الفرقة والشقاق؛
كما كنا نبين للإخوان الكرام سبيلا لاستنارة بأسباب الخلاف فلا يتعدى محيطهم على الرأي العام، وكنا لا نحرمهم من ثواب الله، إذا وفقوا لإصلاح ذات بيننا وإن أحببت كذلك فإلى ذوي الرأي من أفاضل رجال العروبة والإسلام ليكون الجميع علينا شهودا.

استبداد

أما إنك تستبد وحدك بالأمر، وتنتزع ممن حضر من إخوان الهيئة التأسيسية يوم 9 يوليو الماضي رغم معارضة ذوي الرأي منهم تفويضا بإقصاء من تشاء وفصل من تشاء هربا من التحكيم وفرارا من مواجهة الموقف، ودون تمكين من تتهمه أو يتهمك من إبداء رأيه والدفاع عن نفسه فإن هذه ديكتاتورية يأباها الإسلام وتأباها الشرائع والقوانين وتتنافى مع المنطق والخلق؛
وإن قلت إن مبايعة الإخوان لك تقتضيك التصرف الفردي في شئون الدعوة وشئونهم فإن الحق يرد عليك في ذلك بأن البيعة هي في حدود ما أنزل الله وما رضي عنه، لا في تحكيم الهوى والخروج على المبادئ ومسايرة أهل الدنيا على حساب الدعوة وأبنائها المخلصين.
وأمامك سيدك ومولاك صلى الله عليه وسلم كان يستشير أصحابه في الأمر (وأمرهم شورى بينهم) وكان يرجع أحيانا إلى رأي صحابته وأنصاره حتى في أخص شئونه، ومسألة "الحباب" في غزوة بدر وحادثة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وغيرها كل ذلك سجله التاريخ في صفحات الرسول المشرقة الوضاءة، وهكذا كان قادة الإسلام وأصحابه، ما استبد أحدهم بأمر ولا حكم هواه في شأن والحق أبلج، والإسلام واضح المعالم لا يقف مع الهوى ولا يخضع لشهوات النفوس واستبداد الآراء.

عهد وعهد:

يا أخي لقد سارت سفينتنا طوال هذه المدة وسط الأنواء والأعاصير ولكن باسم الله مجراها ومرساها وكانت تمخر عباب محيط الحياة الخضم وتشق طريقها غير مبالية برياحه الهوج، ولا متلكئة عند شطآنه الملتوية وضفافه العوج حتى بهرت الأنظار وأخذت بمجامع القلوب والأفكار كيف لا والله كان غايتها والرسول ربانها والقرآن دستورها والجهاد سبيلها والموت في سبيل الله أسمى أمانيها.
كانت كذلك فما بالها اليوم أصبحت تتعثر في كل واد وتكاد جذوتها تستحيل إلى رماد وأخذت ترتطم بالصخور ويكاد يفقد قادتها الهدى والرشاد والنور؟ بل ما بال هذه الجرذان والحشرات قد قفزت على قاع السفينة تفسد الغذاء الصافي وتلوث البلسم الشافي وتنهش جدرانها، فتكاد تغرق في اليم السحيق؟ ومن هنا يا أخي نشب الخلاف بيني وبينك.

أسباب الخلاف الحقيقية:

تقدمت إليك بالدواء أرجو به الإنقاذ والشفاء فأخذتك العزة وأشحت بوجهك، وقربت إليك أهل الفساد ورميت بالدعوة في أحضان السياسة والسياسيين، وضحيت بأهل الرأي والإخلاص والسداد.
نعم رأيت الصف قد اعوج وحدثت أمور داخلية وأخرى خارجية لم يرض ضميري إلا أن أقف منها موقف الناصح الأمين الحريص على دعوته والحارس لرسالته، وازنت بين أمرين أحلاهما مر، إما أن أعلن غضبي وأتنحى كما فعل بعض الإخوة الأعزاء وتزداد الحال سوءا والفساد باطلا وإما أن أصبر وألح في النصيحة عسى أن يستقيم الأمر؛
ففضلت الثاني وآثرت الانتظار على أمل غلبة الحق وإصلاح الحال وإذا بك يا أخي لا تبالي بصيحات الأحرار، بل عملت على إقصائهم الواحد تلو الآخر، ولم تبال كذلك بما نسب من المسائل الخلقية إلى بعض من صدرتهم للقيادة والإرشاد بعد أن ثبت ما ثبت واعترفت أنت بما وقع، وماذا كان عيك ونحن دعاة الفضيلة والأخلاق، لو أصغيت إلى قول الرسول: "والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" فتضرب بذلك المثل الأعلى في الانتصار للحق (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).

تدهور وانزلاق:

ولم تكن هذه المسائل الخلقية وحدها بيت الداء، بل وجدت الدسائس والفتن الداخلية والدعايات الباطلة ضد الأحرار وارتباك النظم وفساد الإدارة مرتعا خصبا داخل صفوفنا فإذا ما أضفنا إليها أمرين رئيسيين استطعنا أن ندرك شر ما وصلنا إليه من تدهور واضطراب لا يخفيه هذا الطبل الأجوف والدعايات الفارغة التي تمتلئ بها الجريدة كل يوم.

مساومة واستسلام:

وعدت من الحجاز فوجدتني محموما وزرتني بالمستشفى وتحدثت إلي أننا على مفترق الطريق بين الوفد والحكومة وعرضت المقترحات والعروض التي لا محل لذكرها الآن، وعرفت موقفي وإصراري على التمسك بكياننا، وحذرتك بخطابي المؤرخ في 15 ديسمبر سنة 1946 من الانزلاق في السياسة وإغراء أهلها، وأهبت بك أن نظل هكذا أغنياء بأنفسنا أعزاء بإخواننا وهذا سر قوتنا.
وشاعت الشائعات حول اتصالاتك بفئة معينة من رجال السياسة ومساومتهم لك على إخراجي من الدعوة ليصفوا لهم الجو، واعترافك إلي بذلك في المستشفى، وفي يوم 4 يناير 1947 حين زرتني بمنزلي وطلبت إلي التنحي عن الجريدة، وعن وكالة الإخوان، وعن نشاطي في الدعوة وقلت بالحرف الواحد إن هذا بناء على طلب هذه الفئة من رجال السياسة والذين أحتفظ بذكر أسمائهم الآن، ولما عاتبتك بشدة على سماحك لهؤلاء أن يتدخلوا في شئوننا أصررت وقلت إنك توافقهم على ذلك.
ثم سارت الأمور من سيئ إلى أسوأ، فكونت اللجنة السياسية المعروفة ووقفت في سبيلك أمنعك من هذا التصرف المشين، ثم اكتشافي عن طريق الصدفة لاتصالك ببعض الشخصيات الأجنبية والمصرية وهالني ما حدثني عنه أحدهم يوم 7 فبراير سنة 1947.

تنفيذ المؤامرة:

وبدأت بتنفيذ المؤامرة ففاجأتنا بقرار إيقافي مع زميلي الكريمين، وكان كل اتهامك لي أمام الهيئة هو وقوفي في سبيلك مما أسميته "تمردا على القيادة" ووقفت آنذاك موقفا كريما فلم أشأ أن أكشف الستار عما وراء الكواليس حرصا على الدعوة وأملا في الإصلاح.

أما هذان الأمران فهما:

  1. دخول بعض العناصر الانتهازية المأجورة في صفوفنا بإيعاز من رجال السياسة وتدخل سادتهم في شئوننا، وتضحيتك بأغلى رجال الدعوة في سبيل رضاهم.
  2. الإغراق في السياسة الحزبية تبعا لذلك إغراقا تاما وتقلبك في هذه السياسة وتناسي أهدافنا السامية مما جعلنا موضع مساومة للجميع.
ولا أظنني في حاجة إلى أن أذكرك ولو على سبيل الإيجاز بما وصلت إليه أسهم الإخوان من الانحطاط عقب تولي صدقي باشا الحكم، بسبب تغلب هذه العناصر النفعية عليك في مسايرته، وما كان من سخط الناس علينا واشتباكنا بعد ذلك مع الوفديين في بورسعيد وغيرها؛
ثم طلبك إلي بإلحاح أن أسافر إلى الإسكندرية للتفاهم مع الوفديين وذهابك بنفسك مع أحد الإخوان إلى منزل أحد أقطابهم ليلا تعرض عليه التعاون معهم لكف حملاتهم، ثم تغلب العناصر النفعية عليك ثانية لنقض هذا التفاهم وإذكاء نار الفتنة والحرب الأولية بيننا وبين الوفد إرضاء للحكومة القائمة.

محاولة الإنقاذ:

وتفاقم الخطب وازدادت الحال سوءا نتيجة لهذا التقلب والتذبذب، فضلا عما حدث من الفتن الداخلية المنوه عنها فتقدمت إليك أنا والإخوان الكريمان الدكتور إبراهيم حسن وحسين بك عبد الرازق بمذكرة للإنقاذ نرجوا فيها تدعيم القيادة بالمخلصين؛
ووضع سياسة ثابتة للدعوة تحقق أهدافها العليا، وتطهر الصفوف من المفسدين فوعدت بالتنفيذ بعد أن تعود من الحجاز، واضطرب الحال في مصر بعد سفرك نتيجة لمشروع (صدقي – بيفن) المشئوم مما اضطرني إلى قيادة الحركة الوطنية مع الإخوان الأمجاد البواسل وعادت أسهم الإخوان إلى الارتفاع والتقدير.
وضربت ضربتك الثانية فأخرجتني من الجريدة التي لا يعلم الناس أن سر تدهورها هو سيطرتك عليها، وشل نشاطي فيها بعد شهر ونصف من صدورها كما هو ثابت عندي من الأدلة والمستندات، ووقفت أنا أيضا موقفا كريما من ذلك.
وبعد ذلك يا أخي أسفرت وكشفت القناع متماديا بالدعوة في الانزلاق السياسي مع الغفلة التامة عن أهدافنا ومبادئنا مما جعلنا مضغة في الأفواه، وجعل الجميع يتحدثون عن أننا صرنا سلعة تباع وتشترى لا تنفع إلا للدعاية والتهريج.
وها أنت تضرب ضربتك الأخيرة تحت ضغط هذه الفئة من رجال السياسة ولو كانت الضربة منك لقبلتها ولكنها بيد عمرو لا بيدك، فتبعدني عن الدعوة، وأنت أولى بالإبعاد وتفصل ابنها الأول وأنت أولى بأن تخلع عنك رداءها إن كنت من المنصفين.

إعذار .. بل إنذار:

يا أخي إني أدعوك بدعوة الإسلام وأذكرك بما كتبته إليك مرارا وتكرارا آلي أن تعود إلى مبادئ هذه الدعوة وتخلع عنك رداء السياسة الحزبية، وتجاهد معنا في سبيل المثل العليا التي عاهدنا الله عليها، وإما أن تتخلى ليحمل اللواء (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)
وإلا فإني مضطر لأن أكشف اللثام وأظهر ما خفي واستتر وأحمل مع إخواني الأطهار لواء الدعوة الخفاق، نرفعه ونعزه ونقاتل دونه (حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) وحسبك أنت دنياك ومن يحوطك من أهلها وإن شعرت أن بيدك سيف المعز وذهبه، فإني معي ربي سيهدين، ومعي بعد ذلك كرام الإخوة المؤمنين (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).
أما خطابيك فقد ضربت بهما عرض الحائط، وهما باطلان شكلا وموضوعا وقد أثبتهما على أساس هار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

بعد عام واحد فقط لا غير من خطاب النصح:

جاء في نشرة الحادية عشر مساء أمر عسكري بحل جماعة الإخوان المسلمين (8 – 12 – 1948)، وعلى أثر ذلك وقبل إذاعة هذا القرار كان البوليس قد حاصر جميع شعب الإخوان واستولى على جميع ممتلكاتهم في أنحاء القطر المصري؛
وفي نفس الوقت تم القبض على مئات من الإخوان حتى تجاوز عدد المقبوض عليهم الخمسين ألفا واعتقلوا في معتقل الطور ومعتقل هايكستب في ألماظة بالقاهرة وفي معتقل العامرية بالإسكندرية ومعتقل أبي قير الذي سماه الإخوان معتقل باكستان، هذا بخلاف سجن مصر قره ميدان وجميع أقسام البوليس في القطر المصري.

نص بيان قرار حل الإخوان المسلمين

أصدر عبد الرحمن عمار وزير الداخلية الساعة الحادية عشر مساء في اليوم الثامن من ديسمبر 1948 بيان حل جماعة الإخوان من الإذاعة المصرية، ثم نشرته جميع الصحف، كما أذاعته جميع محطات الإذاعة العالمية.

أولا: أوضحت تحقيقات الجناية العسكرية العليا رقم 853 سنة 1947 قسم الجمرك بالإسكندرية حقيقة أغراض هذه الجماعة وأنها تهدف إلى قلب النظم السياسية للهيئة الاجتماعية متخذة في ذلك طرقا إرهابية بواسطة فريق من أعضائها دربوا تدريبا عسكريا وأطلق عليهم "فريق الجوالة".ثم ذكر البيان اثني عشر واقعة جنائية مما هو معروف في مثل هذه البيانات ....

لاحظ

  1. أن أسباب الحل الاثني عشر في قرار الحل كانت جميعها متعلقة بالنشاط السياسي والعسكري وليس الدعوي ولا الأخلاقي ولا الخدمي وهو ما حذر منه الأستاذ أحمد السكري.
  2. دقة البيان الحكومي وهو يذكر أن المخالفات كانت (بواسطة فريق من أعضائها) وهو يقصد التنظيم السري وليس كل الإخوان.

مقتل النقراشي باشا رئيس الحكومة ووزير الداخلية:

عاشت مصر كلها تتوقع رد فعل حل جماعة الإخوان، وعاش الناس في كل لحظة يترقبون حدثا هائلا حتى كان صباح الثامن والعشرين من ديسمبر 1948 حين توجه محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحكومة ووزير الداخلية من منزله إلى مبنى وزارة الداخلية؛
ودخل الوزير إلى بهو المبنى واقترب من المصعد وفتح له كي يدخله وهناك وأمام هذا المصعد كان يقف شاب يرتدي ملابس ضابط بوليس فحياه الضابط تحية عسكرية ثم أسرع فأخرج مسدسه وصوبه إلى صدر رئيس الحكومة فأرداه قتيلا في الحال، وهجم الحرس الخاص بعد ذلك على الضابط القاتل حيث تمكنوا من القبض عليه؛
وعرف بعد ذلك أن المتهم شاب في الثانية والعشرين من عمره واسمه (عبد المجيد أحمد حسن) الطالب بكلية الطب البيطري بالقاهرة، وقد اعترف بالجريمة، وأذيع الخبر من جميع محطات الإذاعة العالمية وتناوله الناس بسرعة البرق وخرجت صحف المساء تصف الحادث وتتهم جماعة الإخوان بتدبيره قبل أن يتم أي تحقيق، وامتلأت جميع الشوارع برجال البوليس السري والعلني وشددت الحراسات على جميع السفارات والشركات والكباري وغيرها.

استشهاد الإمام حسن البنا المرشد العام:

بعد أن قتل محمود فهمي النقراشي باشا وسار شباب الحزب السعدي من خلف النعش في الجنازة الرسمية يهتف الثأر ... الثأر، لم يعد هناك شك في أن مؤامرة يتم ترتيبها لاغتيال الأستاذ الشهيد حسن البنا أخذا بالثأر وتمت عملية الاغتيال في 12/ 2/ 1949؛
ولم يشيع جثمان الأستاذ الشهيد حسن البنا سوى المصفحات والمدافع الرشاشة ووالده ونساء بيته رحمة الله عليه فقد دعي الأستاذ البنا لأكثر من لقاء لمفاوضة الحكومة في جمعية الشبان المسلمين وهناك كانت الحكومة قد نصبت كمين الاغتيال المكون من بعض الضباط والجنود الذين أطلقوا الرصاص على الإمام الشهيد حسن البنا وهو خارج من جمعية الشبان المسلمين.
وبالمناسبة لا يهمني كثيرا ما قاله المعارضون للأستاذ أحمد السكري، ولا يهمني ما قاله مناصروه ولكن تهمني رسالته من حيث موضوعيتها، وحرصه على تقديم النصيحة مكتوبة وفي أحسن لغة أدبية وإسلامية، ويهمني أن أثبت ورودها في تاريخنا الداخلي وكيفية التعامل مع الناصحين لنا من إخواننا، وكيف نرد عليهم وكيف نتعامل معهم؛
كما يهمني أن أثبت أنه بعد عام وربع فقط من هذه الرسالة، تحقق كل ما حذر منه الأستاذ أحمد السكري وعاث الجهاز الخاص فسادا في الأرض وراح يهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وفلت الزمام وطاشت السهام حتى أودت بحياة المرشد العام وأصبحت جماعتنا ملطخة بدماء المصريين وهي اللعنة التي تلاحقنا حتى اليوم، فهل من معتبر؟!

المحاولة الإصلاحية الثانية

نص الدراسة التي أعدتها لجنة إخوانية جامعة لرفع واقع الجماعة وبيان سبل النهوض بها، والتي سلمت إلى الأستاذ مصطفي مشهور بوصفه المرشد العام للجماعة في هذا التاريخ أغسطس 1999.

فكرتها: بعد ستة أشهر من خروجي من المعتقل السياسي في أكتوبر 1998، وقد تبين لي أن الأمور في الجماعة قد تغيرت كثيرا عما تركناها عليه في أكتوبر 1995.

ونظرا لأن التقارير التي كانت تكتب عني من قبل (محمد الصروي)، (محمود عزت) وتصل إلى (مصطفي مشهور) قد وضعتني في جانب المعارضين للسياسات المعمول بها من قبل السريين الجدد، وبالإضافة إلى اعتراضاتي السابقة على العمل من وراء ظهر الأستاذين عمر التلمساني ومحمد حامد أبو النصر؛

لم تسند إلي أية أعمال بالجماعة طيلة الستة أشهر تلك، فتطوعت بنفسي وتقدمت إلى فضيلة المرشد العام المرحوم مصطفي مشهور أن أستغل خبراتي في العمل ومعلوماتي حول الواقع والإخوان وأقدم له دراسة حول تحسين دور الجماعة وأن يكون ذلك بمساعدة لجنة أشكلها ممن أثق في قدراتهم فقبل المقترح وعرض الأمر على مكتب الإرشاد فوافقوا على المبدأ ولكنهم رفضوا أن أقوم بتشكيل لجنتي بنفسي وقالوا: (نحن نشكل اللجنة ويكون أحد أعضائها) فقبلت ذلك وشكلت اللجنة من قبل مكتب الإرشاد على النحو التالي:

  1. أ د. محمد علي بشر (عضو مكتب الإرشاد ورئيس اللجنة).
  2. أ د. السيد عبد الستار المليجي (صاحب الاقتراح وعضو باللجنة).
  3. أ د. شريف أبو المجد (عضو باللجنة).
  4. أ د. محمود حسين (عضو باللجنة).
  5. أ د. أسامة نصر (عضو باللجنة).
  6. م. محمد أبو الناس (عضو باللجنة).
  7. د. أنور شحاتة (عضو باللجنة).
  8. د. حلمي الجزار (عضو باللجنة).
  9. 15 أحتفظ بأسمائهم لأسباب.

أنجزت اللجنة عملها خلال شهرين من الاجتماعات ثم تفرغت لصياغة التقرير في غضون شهر كامل توخيا ليكون في الصورة اللائقة من حيث الشكل والمضمون وبما يلين قلوب أعضاء مكتب الإرشاد عليه وتقدمنا بالدراسة المرفقة في الربع الثاني من عام 1999 للأستاذ مصطفي مشهور ... وقد علمت أنه حولها إلى الأستاذ مأمون الهضيبي بوصفه رئيس اللجنة السياسية في هذا الوقت ...

وانتهى الأمر بالإهمال التام للدراسة ولم يكلف نفسه حتى بالاجتماع باللجنة أو استيضاح ما لم يكن واضحا له مما يدل على رفضه للمشروع برمته وهو المشروع الذي كتب بواسطة لجنة شكلها مكتب الإرشاد بنفسه.

وفي تلك الأيام شعرت أن مكتب الإرشاد ليس لديه الرغبة في الاستفادة من جهود الإخوان من خارجه وأنه يرى في نفسه الكفاية والقدرة على عمل كل شيء، وقررت يومها مغادرة مصر إلى بلد آخر عسى أن أجد فيها صحبة إخوانية جديدة فأستفيد منها وتستفيد مني، وبالفعل في 15/ 8/ 2000 غادرت الوطن مضطرا وحزينا إلى جامعة بوردو بالولايات المتحدة حيث حصلت من جامعة قناة السويس على منحة دراسية لدراسة الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية؛

وهناك في إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية وبجوار الجامعة عثرت على مركز إسلامي أسس حديثا وكان كل شيء فيه جديد، فعشت مع رواده أياما إيمانية هادئة وتعاونت مع إدارته في بدء مدرسة لأطفال المسلمين، وإنجاح دراسة مستقرة مسائية للكبار يومي السبت والثلاثاء؛

وقدمت محاضرات منتظمة في موضوع الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وسجلتها كاسيت وفيديو لصالح جامعة إسلامية خاصة، وقدر الله أن أرتبط ويرتبط بي كل رواد المركز وتنشأ بيني وبينهم رابطة حب في الله عوضني كثيرا عن مشاعر الإحباط التي لاقيتها مع مكتب الإرشاد في هذا الوقت، ثم تطورت علاقتي بإدارة المركز أكثر فأكثر على مر السنين، ومنذ عام فقط تقدم رئيس المركز الإسلامي وخطب ابنتي لابنه وتم الزواج بفضل من الله ونعمة.

وإلى حضراتكم أول رسالة مكتوبة إلى مكتب الإرشاد كنت صاحب فكرتها وشاركت في إخراجها وصياغتها ويا ليت مكتب الإرشاد التفت إليها وعمل بما جاء فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ... وبعد،،،

فالمشاركون في هذه الدراسة قد استعرضوا في جلسات مطولة الأوضاع في مصر خاصة والأمة العربية والإسلامية عامة واستنتجوا من هذا الاستعراض أن مصر كلها كغيرها تمر بمرحلة حرجة من تاريخها تحاول فيه القوى العالمية أن تهيمن وتسيطر على مقدراته من خلال مشروع يهدف إلى إضعاف مصر داخليا وخارجيا لتكن أداة طيعة في أيدي القوى العالمية ولحرمانها من دورها القيادي في الدائرة العربية والإسلامية.

  • وتدارس المشاركون في هذه الدراسة تاريخ الحركة الإسلامية في مصر وعلاقتها بالحكومات المتعاقبة من العشرينات وحتى الآن، واستنتجوا أن توتر العلاقة بين تلك الحكومات والحركة الإسلامية أيا كانت أسبابه يعد من المعوقات البارزة في طريق استكمال الوطن المصري لمظاهر قوته التي تمكنه من مجابهة كافة التحديات الخارجية والداخلية.
  • والمشاركون في هذه الدراسة يدركون أن دعوة الإخوان المسلمين منذ نشأتها وحتى الآن قد تميزت بكونها الدعوة الإسلامية المعاصرة التي جددت الإسلام وأحيت الجهاد السياسي منادية بأن الإسلام دين ودولة وكان لها السبق في اعتبار هذا نصا دستوريا في معظم البلدان العربية وخاصة مصر، وكان لها في كل عصر جهادها السياسي واجتهادها المعتبر في هذا الشأن، وعى ذلك فالإخوان لن يلتفتوا إلى الدعوات المنادية بنبذ السياسة تجنبا للأخطار وطلبا للراحة، بل الأولى أن تبقى على مسيرتها مسترشدة بكتاب الله وسنة رسوله شريطة أن تعمل دائما على تحسين أدائها السياسي بما يحقق أهدافها الإصلاحية الخيرة في كافة المجالات.
  • كما استعرض المشاركون في هذه الدراسة موقف الإخوان المسلمين في بلدان أخرى كالأردن واليمن والجزائر واستنتجوا أن العمل السياسي في هذه البلدان قد نما نموا واضحا واكتسب خبرات معتبرة وأرض متسعة، وكان ذلك متوازيا مع نمو القدرات الدعوية والتربوية التي تمثل القاسم المشترك لكافة الإخوان في جميع أنحاء العالم بالإضافة إلى تحسين العلاقة مع أنظمة الحكم وزيادة الانفتاح على المجتمع.
  • وآمن المشاركون في هذه الدراسة أن الإخوان المسلمين في مصر بما لهم من تاريخ ناصع وحاضر قوي قادرون بإذن الله أن يكون لهم دور سياسي إيجابي وفعال ومؤثر في إطار من الود والسماحة وحسن الصلة بالآخرين الذي تميزت به دعوتهم على مر السنين ونطقت به كافة وثائقهم المنشورة والتي عبرت دائما عن توجهنا السلمي وحرصنا على المصلحة العليا للوطن المصري باعتباره أرضا إسلامية وباعتبار أهله أمة مسلمة قد أوجب الله على كل مسلم أن يسهر على حمايتها ويعمل على رقيها ونهضتها لتبقى دائما في صدارة الأمم آمنة مطمئنة، عزيزة قوية.
  • وفي جو من الحرص والكامل على مصلحة الأمة المصرية والحب العميق لها، تشارك فريق من الإخوان المسلمين لتقديم هذه الدراسة لتكون بمثابة مشروع سياسي للمرحلة الراهنة يحقق للإخوان المسلمين الاستمرار والفاعلية في المجال السياسي، ويعظم من استفادة الوطن بما تمتلكه جماعتنا من قوى بشرية وقدرات إصلاحية وتصورات ورؤى تخدم قضية الإصلاح وتدعم مسيرته الوطنية.
  • وقد ركز المشاركون في هذه الدراسة على ما تمتلكه جماعتنا من إمكانيات بالدرجة الأولى ومع ذلك لم يفوتهم أن يتوجهوا إلى كل المخلصين في مصر من الشعب والحكومة أن يمدوا لهم يد العون ويشاركونهم هذه المهمة الإصلاحية، أو على الأقل يميط كل أذى يعترض طريقهم ليتمكنوا بعون الله ومساندة المخلصين من إنجاز ما يأملونه من الخير لأهلهم وذويهم.
  • وعلى ذلك فقد جاءت الدراسة مشتملة على الموضوعات الآتية:
  1. تحديد الهدف العام للمرحلة.
  2. توضيح لحقيقة التحدي الذي تواجهه الامة والإخوان جزء منها.
  3. توصيف الواقع السياسي الحالي لكل من الإخوان ونظام الحكم وطبيعة العلاقات بينهما.
  4. توصيف حالة النجاح التي يأملون الحصول عليها مرحليا.
  5. دراسة متسعة لكل حالة من حالات النجاح تشمل العوامل المؤثرة وخياراتنا التي تحقق هذا النجاح.
  6. إبراز القواعد الحاكمة للسير في هذه المهمة.
  7. مجالات العمل السياسي الرئيسية.
  • والمشاركون في هذه الدراسة كلهم أمل أن يولي لها الاهتمام المناسب باعتبار أن توتر العلاقة بين الإخوان والحكومة لها الأثر السلبي الواضح في مدى نجاحنا في كافة مشروعاتنا الإصلاحية الأخرى في المجال الدعوي والتربوي والمحلي والعالمي، ومدركين أن الأمر تعدى ذلك إلى درجة أن نظم الحكم أصبحت تضحي بإغلاق كل باب للخير مخافة أن يلج منه الإخوان المسلمون.

ونسأل الله التوفيق وأن تكون هذه الدراسة من العلم الذي تنتفع به أمتنا وجماعتنا.

أولا: الهدف العام للمرحلة:

يرى المشاركون في الدراسة أن الهدف المعقول والممكن في هذه المرحلة هو:(الحفاظ على الاستمرار المؤثر والعمل على زيادة الفاعلية).
ويعني ذلك أن نكون مؤثرين وفي حالة تستعصي على التغييب وشل الفاعلية، وأن نكون قادرين على الاستفادة من إمكانيات المجتمع والعمل معه وبه على تعويق المشروعات المضادة للإسلام دين الأمة وعقيدتها، وأن يكون لدينا القدرات على رصد تك المخططات والتوعية بأخطارها.

ثانيا: حقيقة التحدي الذي تواجهه الأمة والإخوان جزء منها:

يرى المشاركون أن أهم عناصر هذا التحدي هي:

  1. تعرض المجتمع المصري لمحاولات لطمس هويته الإسلامية ومظاهر ذلك بادية في السلوكيات المخالفة في الملبس والاهتمامات الفردية والجماعية، ويمتد ذلك لمحاولات طمس الهوية الإسلامية على مستوى السياسات الداخلية والخارجية، وتضافر قوى عالمية على ذلك بما تمتلكه من إمكانيات إعلامية واقتصادية وعسكرية ضاغطة.
  2. كافة مشروعات التغيير المضادة للهوية الإسلامية على المستوى الداخلي والخارجي ذات حجم كبير يتطلب جهدا مكافئا للتعامل معها واستنفارا كاملا لكل ما نملك من طاقات.
  3. يعتبر المشروع الصهيوني والنظام العالمي الجديد للهيمنة على المنطقة واسترقاقها أكبر التحديات وأبرزها.
  4. يتعرض الإخوان لحملات تشويه منظمة وتلفيق تهم مزورة لأفراد والجماعات في الوقت الذي لا نمتلك فيه وسيلة إعلامية للرد على ذلك.
  5. تواجه الإخوان بجهود مضنية:
(أ) لإقصائها عن كافة الواجهات العامة حتى المساجد.
(ب) لتغييب اسمها ورموزها إعلاميا.
(ج) لضرب العناصر الفاعلة فيها.
(د) لصرف أفرادها عن دعوتهم بأساليب التشكيك وبث الفرقة ومحاولات الاختراق والتنصت والتعذيب.

ثالثا: واقعنا الحالي:

تدارس المشاركون الواقع الحالي لجماعتنا وللأطراف الأخرى في المجال السياسي، واجتهدوا في توصيفه على النحو التالي:
  1. أن النظام في خصومة معنا ومع قبوله بوجودنا فإنه يعم على تحجيمنا لأقل درجة يستطيعها، والعلاقة بينه وبيننا علاقة أمنية بالدرجة الأولى، وتتسم بإلقاء التعليمات وإغلاق أبواب الوساطات.
  2. الممارسات الحالية للنظام تهدف إلى إحكام قبضته على الشعب بكل طوائفه، والقضاء على الهامش الديمقراطي على ضآلته ويتمثل ذلك في التوسع في القوانين الاستثنائية والإصرار على استمرار حالة الطوارئ واستحداث قوانين جديدة للتعيين (للعمداء والعمد) واستمرار حالة تزوير الانتخابات بطريقة فجة على كافة مستوياتها من اتحادات الطلبة إلى مجلسي الشعب والشورى وما بينهما وفرض الحراسة على أهم النقابات وتجميد نشاط الأخرى.
  3. يمر الإخوان في عمومهم بمرحلة من عدم وضوح الرؤية المستقبلية وما ينبغي عمله في المجال السياسي في هذه المرحلة وما بعدها في المستقبل القريب ... وخارج مجال اللجان المعنية بمثل هذه الدراسات يبقى القطاع الكبير من الإخوان وفي ذهنه تساؤلات حيرى حول وسائل التغيير السياسي المناسبة للمرحلة ويصل التردد إلى درجة إنكار البعض منا لما أصدرناه وآمنا به من مبادئ في هذا المجال مثل وثيقة الشورى وتعدد الأحزاب.
  4. تدل الدراسة الواقعية أن وجودنا في بعض القطاعات ما يزال مستمرا، ولكن تأثير هذا التواجد يختلف من قطاع إلى آخر، وعلى العموم فتأثيرنا في حالة تراجع ملحوظ بالإضافة إلى أن هناك قطاعات ليس لنا فيها أي تأثير يذكر مع أهميتها البالغة.
  5. صفنا ما زال متماسكا من فضل الله علينا ولكن ذلك يرجع لوجود قيادات السبق الدعوي، وارتباط الإخوان الوثيق بدعوتهم، إلا أن المناخ التنظيمي وضعف العمل المؤسسي، وكثرة الإجراءات الاستثنائية قد أدى إلى حالة من الفتور وضعف البذل والتضحية.
  6. يمر الإخوان بحالة ضعف في مجال رصد مخططات الأعداء، ويرجع ذلك لكثرة الانشغالات الداخلية وعدم وجود مؤسسة صحفية في ذلك، وبالتالي فتصورنا حول هذه المخططات الهدامة ليس على المستوى المطلوب وأصبحنا نتحرك لمواجهتها بردود الأفعال والقدرة على القيام بدور فعال لتوعية الأمة بهذه المخططات ليس على المستوى المطلوب، وأهم أمثلتها مشروعات الهيمنة السياسية والاقتصادية تحت شعار العولمة والأبعاد الحقيقية للتطبيع مع الصهاينة.

رابعا: حالة النجاح المأمولة في المرحلة:

يرى المشاركون أن لدينا الإمكانيات المؤهلة لبلوغ حالة من النجاح في المجال السياسي تخرج بنا مما نمر به من أزمة، وتؤهلنا للعبور نحو نجاحات أكبر في مرحلة تالية وتوصيف حالة النجاح المأمولة على النحو التالي:
  1. أن يتحقق لنا الحصول على مساحة وحرية أكبر للعمل والحركة تنظمها علاقات شبه تفاوضية مع النظام يغلب عليها الطابع السياسي وليس الأمني ويدعمها واقع دعوي وحركي مؤثر.
  2. أن يتحقق هامش ديمقراطي حقيقي مناسب يستوعب كافة التيارات السياسية الوطنية.
  3. أن يحفظ أفرادنا بثباتهم وتماسكهم والتفافهم حول قياداتهم واستعدادهم للبذل والتضحية والتخلص من مظاهر الضعف وعدم وضوح الرؤية وذلك كنتيجة لتفعيل كافة مؤسساتنا وتنقية المناخ التنظيمي ووقف الإجراءات الاستثنائية ما لم تضطرنا إليها ضرورة ملجئة.
  4. أن يكون لنا حضور دائم ومؤثر في حياة الأمة تتحسن به صورتنا وتتحقق به شرعيتنا.
  5. أن نتمكن من الرصد الجيد للمشروعات والمخططات المضادة للإسلام، ونقوم بدور فعال في التوعية بأخطار تلك المخططات وتعويقها.

خامسا: الخيارات الاستراتيجية:

يرى المشاركون أن حالات النجاح السابق ذكرها تتأثر بعوامل عدة وهذه العوامل يترتب عليها خيارات استراتيجية محددة لتحقيق النجاح في كل حالة على النحو التالي:
(1) حالة علاقتنا بنظام الحكم:

يؤثر في هذه الحالة عدة عوامل منها:

  1. الصورة الذهنية السيئة المفتعلة عنا لدى الرئيس والمحيطون به.
  2. المشروع الصهيوني والأمريكي الكاره لوجودنا.
  3. أصحاب المطامع في المنطقة الكارهون لمبادئنا.
  4. ضعف الصلة بالصفوة صاحبة التأثير.
  5. ممارساتنا الخاطئة في هذا المجال وأبرزها:
(أ) طرح أنفسنا كبدائل للنظام.
(ب)لغة الخطاب السياسي والدعوي توحي بأننا جماعة عنف.
(ج)عدم إدراكنا للمساحة المسموح بها لحركتنا (الخطوط الحمراء) مثال انفرادنا بنقابة المحامين وترشيح الأعداد الكبيرة في مجلس الشعب.
(د)غياب العلاقات الإنسانية والعامة مع رموز النظام على كافة المستويات.
(ه)زيادة حجم الظهور في بعض المواقف بشكل يوحي بالتحدي وخاصة الجنازات القيادية.
الخيارات الاستراتيجية في هذا المجال:
  1. إيجاد قنوات اتصال وتفاوض مع رموز النظام الحالي والمستقبلي واختيار أفرادنا المناسبين لذلك بعناية ودقة مع الإعداد الجيد لهذه المهمة.
  2. الاهتمام بالعلاقات الإنسانية مع كافة رموز النظام في المناسبات الوطنية والإسلامية والشخصية (التهاني – التعازي ... إلخ).
  3. إظهار المصالح المترتبة على وجودنا في الساحة في كل مجال من مجالات الحياة.اقتصاديا (حثنا على العمل والإنتاج وانحيازنا للمنتج المحلي ودعوتنا للإتقان والأمانة بهدف الاكتفاء الذاتي ... إلخ).أمنيا استعابنا للمتدينين في عمل سلمي نبذا للعنف انتهاجنا للوسائل السلمية في التغيير منهجنا بطبيعته يقاوم جرائم المخدرات والغش والتزوير والاغتصاب حركتنا تحافظ على الوحدة الوطنية وتقف بحزم ضد القوى الخارجية التي تعمل على النيل منها.اجتماعيا إعلائنا لشأن الأسرة والسلم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.وطنيا مشاركتنا للدولة في مواجهة المشروع الصهيوني ومقاومة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد والحفاظ على الكيان الدستوري للدولة، وإعلاء شأن القضاء في إطار الشريعة الإسلامية.
  4. التزام الخطاب الدعوي وإبعاده تماما عن لغة التجريح والهجوم والتكفير والمقاطعة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ....) (النحل – 125).
  5. التزام الموضوعية العلمية الكاملة في طرح مشروعاتنا الإصلاحية بدلا من لغة التجريح والهجوم والعمومية على مشروعات الدولة، وانتهاج ذلك في التعبير عن وجهة نظرنا في كافة المسائل، فدعوتنا عرفت باحترامها للرأي الآخر وإنها لا تسعى لهدمه وترى تحقيق الفائدة من كافة الآراء.
  6. التأكيد على التزامنا بنظام الشورى والتعددية الحزبية في إطار قيم وثوابت الأمة ولكل إنسان الحق في تشكيل حزبي أو الانضمام للحزب الذي يريد والقضاء العادل النزيه هو الجهة التي تملك مسئولية البت في أمور وقضايا الأحزاب.

(2) حالة التهميش الديمقراطي:

يؤثر في هذه الحالة عدة عوامل منها:

  1. الاستقطاب الحاد بين الإخوان والنظام وما يترتب عليه من توتر دائم.
  2. ظهورنا بحجم أكبر من حقيقتنا.
  3. اكتنازنا لكوادر بشرية وفيرة قادرة على إثراء الحياة السياسية واستنزافها في العمل الداخلي ومشاكله.
  4. تضييق شروط التوثيق عندنا في العمل العام يحرمنا من توظيف كوادر وطاقات هائلة ليست معنا ويحرمها من نصرتنا (إخوان الفكرة، عموم المتدينين، عموم المخلصين للقضية الوطنية).

الخيارات الاستراتيجية في هذا المجال:

  1. تقوية التحالف القائم بيننا وبين حزب العمل ودعم الثقة بيننا وبين قياداته.
  2. تفعيل دور الأحزاب السياسية بحث عناصر مناسبة للعضوية فيها بالتنسيق مع قيادتها بما يحقق لها الانتعاش الحركي حسب طاقتها واستمرار التعاون معها في إطار وثيقة الوفاق الوطني.
  3. التقدم بحزب سياسي يمثلنا والاستمرار في ذلك كوسيلة إعلان لجديتنا في اختيار أسلوب التغيير الديمقراطي الذي آمنا به والتقدم بأحزاب نوعية تهتم بقضايا مثل البيئة والصحة وزيادة الإنتاج وحماية المنتج المحلي ومعالجة البطالة.

(3) حالة الوجود الدائم والمؤثر في حياة الأمة:

بالرغم من وجود الاهتمام النظري بذلك في مشروع التوجهات غير أن عددا من السلبيات المصاحبة للحركة أفقدنا الاستفادة من هذه التوجهات ومن ذلك:

  1. قلة الدراية بأساليب الاتصال مع بعض القطاعات مع غياب لفقه الأولويات.
  2. عدم اتخاذ آليات متابعة للخطط من جانب المستويات القيادية المختلفة.
  3. ضعف المبادرة بالأعمال المناسبة أمام كل حدث.
  4. حالة الاستعلاء على بعض قطاعات الأمة المؤثرة (الأحزاب المختلفة، الجمعيات الخيرية، الجماعات الدينية الأخرى، مؤسسات الدولة).
  5. الهجوم الإعلامي علينا والتشريعات المقيدة لحركتنا والإرهاب والتخويف لمن يتصل بنا.

الخيارات الاستراتيجية لهذه الحالة:

  1. إعطاء أولوية للقطاعات الأكثر تأثيرا سياسيا واجتماعيا (الصفوة، رجال الأعمال، العائلات العريقة، الشباب، المرأة).
  2. الحفاظ على تواجدنا فيما نحن فيه من قطاعات (الطلبة، المهن).
  3. اتباع آلية متابعة واضحة لكل ما نقره من خطط وتوجهات.
  4. العمل على توريث الدعوة وإعطاء مرونة عالية في حدود الفعاليات السلمية لكافة مستوياتنا القيادية والتخلي عن المركزية في الإدارة.
  5. مد جسور من الأخوة والحب والتعاون مع كافة قطاعات المجتمع المشاركة في ظاهرة الدعوة الإسلامية والإصلاح السياسي والاجتماعي والتعبير بصدق عن إيماننا بأننا جماعة من المسلمين ولسنا وحدنا جماعة المسلمين.
  6. التأكيد على أننا جزء من نسيج المجتمع نشأنا فيه وفيه نعيش وهو مجال تعاملنا ومركز اهتمامنا وتفعيل وحماية مؤسسات المجتمع في مقدمة اهتماماتنا.
  7. سرعة الرد المناسب على الشبهات المثارة حولنا بأحسن الأساليب.

(4) حالة تماسك الصف والالتفاف حول القيادة والاستعداد للبذل والتضحية:

يرى المشاركون في هذه الدراسة أن هذا الموضوع من أهم ما تأثرت به المرحلة، ففيما يتعلق بهذه الحالة، فإن جماعتنا تمر بحالة غير مسبوقة على الأقل فيما عاشه المشاركون من التاريخ الدعوي، منذ خروج الإخوان ليستأنفوا دعوتهم وحتى الآن لم تواجهنا حالات استقالة أو إقالة كما حدث في السنوات 96 – 99؛
كما أن بعض أفراد الصف تتحرك بالهمس واللمز المتبادل بين مستويات قيادية مختلفة وبين القاعدة الإخوانية ... كما أن هناك جو من الشعور بالغربة وضعف الثقة لدى مجموعات إخوانية كانت قبل محنة 95 متآخية متحابة على قلب رج واحد، وأما قاعدة أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية فقد نسيها بعضنا، وأصبح كل ذي رأي جديد يوصف بخروجه على الصف أو تعاطفه مع الخارجين عليه وأنه لا يحترم القيادة مع أننا مأمورون بحسن الظن في الإخوان؛
وتأتي تصرفات المستويات القيادية المختلفة في مثل هذه الحالات عصيبة وبالغة الحساسية يصل بها الأمر إلى تجنب صاحب الرأي الجديد وعزله عن الاجتماعات الخاصة والعادية، وقد يصل الأمر للأسف الشديد إلى مقاطعته، ومع أن هذه الحالة تختلف من محافظة إلى أخرى فلا خلاف أنها في القاهرة والجيزة وهما محافظتي القيادة والقدوة، تصل إلى حد يثير القلق.

ويرى المشاركون في الدراسة أن أهم السلبيات التي أدت إلى ذلك هي:

  1. تعطيل مهمة مجلس الشوري الأساسية في الجماعة رغم إمكانية التغلب على الظروف الأمنية بأساليب عدة، وفوت ذلك علينا الفرصة بالاستفادة برأي المجلس في السياسة العامة وألقى عبء القرارات على ثقله على كاهل مكتب الإرشاد.
  2. النقص الواضح في اللوائح وعدم معرفة الغالبية بالمتوفر منها.
  3. ضعف الوعي الانتخابي وما ينبغي من المواصفات لكل مهمة قيادية.
  4. أسلوب التربية قد يطبع الإخوان على التعصب للرأي الواحد ومعاداة الرأي الآخر بالرغم من أن كلاهما اجتهاد لصاحبه وليس قرارا صادرا عن الجماعة.
  5. بعض المسئولين لا يستوعب أفراده بالحوار حول رؤاهم ويلجأ لأسلوب الاتهام.
  6. الضوابط الشرعية الحاكمة للمعاملات ليست واضحة للقواعد وخاصة في الجوانب المالية.

الخيارات الاستراتيجية:

  1. تفعيل مجلس الشوري يرفع العبء عن كاهل المكتب ويحفظ للقادة مكانتهم ويحفظ للصف تماسكه وأخوته.
  2. تفعيل آليات الشورى وابتكار وسائل لذلك كاستطلاع رأي الإخوان والاتصال البريدي بهم وصندوق الاقتراحات والنصح ... إلخ.
  3. التحاور مع القاعدة في وجود مسئوليهم وتشجيع الرؤى والأفكار المفيدة والابتكارية.
  4. تبني سياسة تربوية تنتج إخوانا أكثر حبا لحرية الرأي واحتراما لوجهة نظر الآخرين وإن كانت مخالفة لما ألفناه.
  5. الالتزام اللائحي الكامل من كل المستويات القيادية ليكونوا قدوة لغيرهم ومحاسبة كل مخالف في هذا الشأن.
  6. إعلاء قيمة العمل المؤسسي ونبذ ما عاداه.
  7. إطلاع مجلس الشوري على تقرير سنوي لحالة الإخوان العامة وتقرير يؤكد مراعاة الضوابط المالية.
  8. المسارعة باعتبار اللائحة أهم ما يدرسه فرد الإخوان ليلتزم بها ويحاسب غيره على مخالفتها.
  9. التعرف على الأماكن الشاغرة وصفات من يشغلها ومن له حق التصويت وطريقة الانتخاب قبل إجراء انتخاب للجماعة.

(5) حالة الرصد الجيد للمخططات المعادية للإسلام وتعويقها:

تأثرت هذه الحالة بعدة سلبيات في مقدمتها:

  1. كثرة الانشغالات بمشاكلنا الداخلية.
  2. غياب المؤسسات المتخصصة في هذا المجال لدينا.
  3. ضعف الاستفادة من المؤسسات القائمة لدى غيرنا في هذا المجال.
  4. ضعف الاستفادة من المعلومات المتاحة لدى أفرادنا والمتصلين بهم في الداخل والخارج ممن لهم صلة بالمعلومات في هذا المجال.
  5. غياب الخريطة الصحيحة التي توضح ترتيب المشروعات المضادة للإسلام حسب خطورتها.
  6. ضعف توظيف الوسائل المتاحة للتوعية بخطورة تلك المخططات وبخاصة الجاري منها ومن أمثلة تلك الوسائل المتاحة (القنوات الفضائية – شبكة المعلومات الدولية).

الخيارات الاستراتيجية:

  1. إقامة مؤسسة متخصصة في هذا المجال على الأقل ما لم نتمكن من إقامة عدة مؤسسات وتوفير عدد من الإخوان القادرين على إنجاز تلك المهمات لإدارتها.
  2. الاستفادة بكافة إمكانيات الإخوان المتعلقة بهذه القضية من خلال تلك المؤسسات.
  3. المسارعة بالاستفادة بالمتوفر من الإمكانيات لدى الغير وخاصة أجهزة الإعلام الخاصة للتوعية بخطورة تلك المخططات.
  4. الاستفادة من المؤسسات التعليمية والدينية في هذا المجال.

(6) مجالات العمل السياسي الرئيسية:

يرى المشاركون في هذه الدراسة أن المجالات المتاحة الآن لممارسة العمل السياسي قد تنوعت وانتشرت بما يتيح فرصة لمن أراد العمل والفاعلية ومن هذه المجالات:

  1. الأحزاب السياسية وبلغ عددها في مصر 14 حزب غير عدد في الطريق.
  2. مؤسسات العمل الأهلي ذات التأثير في المجال.
  3. مراكز البحوث والدراسات المتخصصة.
  4. الإعلام والإنتاج الإعلامي.
  5. النقابات والروابط والنوادي.
  6. جمعيات حقوق الإنسان.
  7. الصحافة بمعناها المتسع.

القواعد الحاكمة:

من الجدير بالذكر في نهاية هذه الدراسة أن نذكر أنفسنا بعدد من القواعد الحاكمة عند حدوث أي تعارض بين مصلحتين معتبرتين بما يرفع ذلك التعارض ويحل المشكلة:

  1. مراعاة التخصص الوظيفي للمؤسسات.
  2. مراعاة التخصص الوظيفي للأفراد.
  3. فيما يتعلق بطاقات المجتمع فمهمتنا التوظيف قبل التجنيد.
  4. مراعاة التوازن الدقيق بين حجم الظهور وقدرتنا الحقيقية.
  5. مراعاة البعد الزمني وأهمية الوقت في مشروعات الاستمرار الفعال.

ونسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد والقبول ...

التعليق على الرسالة:

لنا أن نلاحظ أن هناك جهدا بذل في الصياغة حتى لا يفهم البعض في مكتب الإرشاد أنها تلومه شخصيا أو تتهمه بالتقصير، أي أنها قصدت أن تكون مخففة، ومع ذلك تعامل معها مكتب الإرشاد بعصبية شديدة وحدة بالغة فيها ثم ألقى بها في سلة المهملات.
ولاحظ أيضا أن الهدف الذي وضعته اللجنة للمرحلة كان هدفا متدنيا وبسيطا وهو مجرد أن يكون هدفنا الحفاظ على مجرد الوجود ومحاولة زيادة الفاعلية، وهذا يدل على شعور اللجنة بالمأزق الذي تمر به جماعتنا، فلا حديث عن دولة موعودة ولا رائحة لما يسمى أستاذية العالم بل نحن نستهدف فقط مجرد الوجود والنص الوارد بالدراسة يشير إلى خطورة ما آلت إليه الجماعة تحت إدارة السريين وجاء على النحو التالي:
أولا: الهدف العام للمرحلة:
يرى المشاركون في الدراسة أن الهدف المعقول والممكن في هذه المرحلة هو:
(الحفاظ على الاستمرار المؤثر والعمل على زيادة الفاعلية).
كما أرجو من القارئ المهتم أن يراجع ما هو متعلق بموضوع الكتاب مباشرة وهو البند الرابع المعنون (حالة تماسك الصف والالتفاف حول القيادة والاستعداد للبذل والتضحية) ليتبين له أن ما أثرته عام 2008 عن حالة الصف الإخواني وما يعتريه من الأمراض ليس إبداعا ولكنه كان مثارا منذ عام 1999 وأن لجنة إخوانية قالت ذلك وكتبته في وثيقة ولم يقل أحد يومها إن هناك خروج أو انشقاق لأن مكتب الإرشاد من وقتها دفن جثة الحب في الله ولم يقم لها عزاء ولا حتى جنازة.
كما سوف تلاحظ أن اللجنة حددت سنوات الهدم في صف الإخوان الداخلي بي 1996 و 1999 وتذكر مع اللجنة ن تكون شخصية المرشد العام في هذه الفترة لتدرك أنني لا أقو جديدا، والسؤال المهم هل ستقف معي في معركة الإصلاح الداخلي للإخوان المسلمين أم ستبقى واضعا رأسك في الرمال كالنعامة أم تستمر على مقولة (كله تمام يا فندم)، تمنياتي أن تكون مع الإصلاح وأن ترفع رأسك لترى أن الآخرة خير وأبقى وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
(يرى المشاركون في هذه الدراسة أن هذا الموضوع من أهم ما تأثرت به المرحلة، ففيما يتعلق بهذه الحالة، فإن جماعتنا تمر بحالة غير مسبوقة على الأقل فيما عاشه المشاركون من التاريخ الدعوي، منذ خروج الإخوان ليستأنفوا دعوتهم وحتى الآن لم تواجهنا حالات استقالة أو إقالة كما حدث في السنوات 96 – 99، كما أن بعض أفراد الصف تتحرك بالهمس واللمز المتبادل بين مستويات قيادية مختلفة وبين القاعدة الإخوانية، كما أن هناك جو من الشعور بالغربة وضعف الثقة لدى مجوعات إخوانية كانت قبل محنة 95 متآخية متحابة على قلب رج واحد.
وأما قاعدة أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية فقد نسيها بعضنا، وأصبح كل ذي رأي جديد يوصف بخروجه على الصف أو تعاطفه مع الخارجين عليه وأنه لا يحترم القيادة مع أننا مأمورون بحسن الظن في الإخوان، وتأتي تصرفات المستويات القيادية المختلفة في مثل هذه الحالات عصبية وبالغة الحساسية يصل بها الأمر إلى تجنب صاحب الرأي الجديد وعزله عن الاجتماعات الخاصة والعادية، وقد يصل بها الأمر إلى تجنب صاحب الرأي الجديد وعزله عن الاجتماعات الخاصة والعادية، وقد يصل الأمر للأسف الشديد إلى مقاطعته، ومع أن هذه الحالة تختلف من محافظة إلى أخرى فلا خلاف أنها في القاهرة والجيزة وهما محافظتي القيادة والقدوة، تصل إلى حد يثير القلق).

المحاولة الإصلاحية الثالثة

جماعة تحتضر .. أم نحن؟

كتبها د. حامد حسين

(نقلا عن مدونة أمواج في بحر التغيير) أخي الحبيب:

قرأت موجتك الأخيرة (ربانيتنا وأخوتنا هل يوما تعود؟)، فأثارت في نفسي كوامن الشجن وفجرت بداخلي بحارا من الحيرة التي أعاني منها منذ فترة طويلة)، كانت دموعي تلاحقني وأنا أنتقل من سطر لسطر فيها، شعرت أنها تمسني وتلمسني عن قرب وتعبر عن حالي؛
أنا يا أخي الكريم في أواخر الثلاثينات وأعمل مدرسا بأحد الكليات النظرية، انتميت لهذه الدعوة صغيرا وتدرجت في مراحلها المختلفة من الأشبال وحتى الآن، اعترف بفضل دعوتي علي، فلم يساعدني ويحفزني على التفوق سوى إخواني وقد نشأت في أسرة متواضعة لم تنل حظا وافرا من التعليم في أحد مناطق مصر الشعبية، غير الإخوان حياتي وأنا ابن العشر سنين، علموني كيف أحب الناس وكيف أفعل الخير وأساعد الناس بلا مقابل سوى الرجاء في ثواب الله ورضاءه عني؛
علمني الإخوان أن لا أعيش لنفسي بل أعيش للناس وأعمل جاهدا لرسم البسمة على شفاههم، تدرجت في مراحل التعليم وحافظت على تفوقي إلى أن تم تعييني بالجامعة كمعيد وأنهيت رسالة الدكتوراه وعمري لم يتجاوز الـ 31، ولا أنسى أبدا كيف كان إخواني يقفون ورائي ويدعمونني بكل ما يستطيعون من جهد وتشجيع، كان نجاحي هو نجاحهم، كان الجميع يعتبرون تفوقي شارة ووساما على صدورهم لأنني ابن الدعوة وتلميذها الذي تميز وأصبح بتفوقه فخرا للدعوة ونموذج لأبنائها، عشت أياما وأحلاما جميلة مع إخواني؛
كنت أشعر أننا نسبح معا نحو الجنة، يغمرني حبهم ويحتويني لطفهم وتحييني مشاعرهم الدفاقة التي حكيت عنها في موجتك ومرت الأيام وتبدلت الأحوال، وأصبت بما أصابك وأصاب الكثيرين غيرنا من جفاف روحي وإجداب في المشاعر وقسوة للقلوب وتفكك لروابط الأخوة التي بيننا لم يحدث هذا فجأة بل بدأت بوادر المشكلة في منتصف التسعينات (لاحظ أنه تاريخ تولي السريين للسلطة في الإخوان – الكاتب)
وكنا نشعر بها ونتاجهلها أو ننكرها، كان البعض يتعلل بكثرة الأعباء الإدارية وأحيانا الحياتية، ولم أقتنع يوما بمثل هذا الكلام، لأن تجربتي الشخصية مع إخواني في الحي الذي أسكن به تبرهن على خطأ هذه المبررات.
كانت ظروفي المالية متعثرة وكنت أعمل مع الدراسة لأساعد أهلي، وكان أغلب إخواني في منطقتنا الشعبية من رقيقي الحال، الذين يعملون أكثر من عمل لمواجهة أعباء ومسئوليات الحياة، ولكن لم يؤثر ذلك على روحنا وإخوتنا ومشاعرنا وروحانيتنا، بالعكس، كنا نشعر بروحانيات عالية ونحن نستشعر تضحيتنا بالجهد لنوازن بين أعمالنا الدعوية وبين أعمالنا الحياتية، لم نكن ننام كثيرا، لم يكن عندنا أي وقت لنضيعه؛
فالكل يعمل في منظومة متكاملة يبتغي رضا الله، كانت الروح غير الروح الرخوة التي نعيشها الآن سألت نفسي كثيرا بعد أن قرأت موجتك عن أسباب الجفاف والرخاوة والجفاء الذي نحن نعانيه الآن، نظرت للأمر طويلا فوجدت أنه أكبر من الأسباب التي ذكرتها وتكلم عنها من علقوا هنا، أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، أنه يتعلق بعملنا الدعوي وأدائنا، أنه يتعلق بأفكارنا ورؤانا، أنه يتعلق بحال جماعتنا المتدهور الذي لا يخفى على أحد؛
دعني أوضح أكثر، أن ربانيتنا وأخوتنا وترابطنا هو نتاج طبيعي لعملنا وبذلنا الدعوى، أن تجدد مشاعرنا وأرواحنا مرتبط بتجدد أفكارنا وحيويتها، هي معادلة واضحة الأركان، كنا نعمل بروح الفريق الواحد ونتجمع على فكرة واضحة المعالم ونتحرك باستراتيجية نؤمن بصحتها وتميزها وفعاليتها؛
وكنا نرى ثمار بذلنا في المجتمع، كان اجتماعنا على النجاح والعطاء يعمق أخوتنا ويرفع روحانيتنا ويضاعف تألفنا وقربنا، كنا نعرف إلى أين نمضي ... كنا نعرف ماذا نريد ... كانت ثقتنا في قيادتنا مبنية على العقل وليس العاطفة لأننا نعرف كيف تفكر وماذا تستهدف، ومرت الأيام وتغيرت الأحوال، أصابتنا الحيرة والشرود، صرنا نتخبط في الرؤى، لا ندري إلى أين تسير جماعتنا ولا ندري ما تريد؟
شاخت أفكارنا وأصبحت وسائلنا وآلياتنا تقليدية لدرجة جعلت إنتاجيتنا تنحدر انحدارا مريعا، توقفنا عند هذا الحد وأصبحنا نتحدث أكثر عن الماضي وإنجازاته بدلا من أن نتحدث عن الحاضر أو المستقبل وتصوراته، نتلقى ضربات النظام برخاوة ولا نفكر كيف نواجهها؛
أصابنا الجمود بعد أن تحولت وسائلنا إلى ثوابت، وأصابنا التجميد بعد أن ارتضينا بقوانين اللعبة الحقيرة التي خطها النظام وامتثلنا لها، نحن الآن أسرى للجمود والتجميد، صرنا كالإسفنجة التي تمتص أي صدمة وتتعلل بالصبر والحكمة والأناة وارتضاء تحمل مشقة ووعورة الطريق، دون أن نفكر كيف تغير حالها، صار المربون يربتون على الأكتاف ويخدرون المشاعر بتأويلات تسكينية للآيات والأحاديث، أما المجتمع الذي تحدثنا كثيرا على العمل معه والانفتاح عليه؛
هذا المجتمع أصبح بعيدا عنا بدرجة أكبر من الماضي، لم تعد خطوات الناس تصاحب خطونا كما كنا، لم يعد الناس يمتنون لنا بنفس الشكل، زاد الطين بلة انتخابات 2005 التي أتت بكتلة نيابية كبيرة لنا أصبحت في محك الاختبار مع المجتمع الذي يرمي بكل آماله على الإخوان في التغيير والإصلاح، سقطنا في الفخ، الذي نصبه لنا النظام باحتراف؛
لم يكن نجاحنا عبثيا بل كان مصيدة لنا، ليتآكل آخر رصيد لنا في قلوب الناس بعد أن ضحك علينا النظام وجعلنا دليلا لشرعيته وديكوره الديمقراطي، ولتموت آمال الناس في الاعتماد على الإخوان كآمالهم في التغيير كنا نسأل إلى أين نحن ماضون؟
فكانت الإجابة علينا بوجوب الثقة في القيادة التي تعرف أكثر مما نعرف!! كنا نسأل ونقول هناك مشكلة ولنتنبه لها حتى لا تتفاقم فيقولون لنا:لا تجلدوا الذات، الدعوة بخير، ويكفي أنها مستمرة وموجودة الآن بعد ثمانين عام من الحرب عليها!!
كنا نسأل كيف سنتعامل مع المجتمع ومع الناس مع ما طرأ من طفرات اجتماعية وتقنية وسلوكية أصبحت معها وسائلنا وخططنا تاريخية تراثية لا تصلح للتعامل مع هذا الواقع فكانت الإجابة: اخلصوا نياتكم والنتائج على الله صدمتنا الإجابات وتوالت الإحباطات، فلم نعد نتربى كما يجب، ولم نعد نعمل كما ينبغي؛
فهربنا إلى أنفسنا وذواتنا لنتصوف تصوفا سلبيا، نكثر من أعمال الخير الفردية ونحرص على الحج والعمرة والصدقات، ونحضر مناشطنا التربوية ونصمت لفقدنا الأمل في التغيير، علاقتنا بالجماعة صارت علاقة اجتماعية نحرص عليها لأنها تشبع بداخلنا غريزة وحاجة الانتماء لجماعة، كثيرون مثلي على نفس الحال صارت علاقتهم بالجماعة على نفس الحال؛
ارتضينا بهذا الوضع وارتضت به الجماعة، فلم تحاول تغييره أو حتى التفكير في أسبابه، بل حتى الاعتراف بأنه مشكلة، تضاءل سقف طموحاتنا لأقصى حد، وانطلق قطار السكون والرخاوة ليركب أفرادا جددا فيه كل يوم، لتتغير سمات الصف وصفاته ويتكون صف جديد تصلح تسميته الخاملين الصابرين المحتسبين المتعايشين.
انزوى كل فرد إلى نفسه فتآكلت مساحة الأخوة وقست القلوب وزاد الجفاف هل أدركت الآن أخي ما السبب، ماذا تريد من أفراد انقسموا على أنفسهم وتاهوا داخليا وغرقوا في بحر الحيرة، لا يدرون إلى أين هم ماضون؟! لا يعرفون لماذا هم مستمرون بنفس الشكل والوسائل رغم أنها أثبتت فشلها؟!
نشعر بالاغتراب الداخلي، لا نجد أنفسنا في الجماعة ولا في أعمالنا المكررة التي لا تؤدي إلى شيء، مللنا من الربت على الأكتاف وتهدئة وتنويم العقول، لا ندعو إلى انفعال ولا إلى مواجهة فنحن أنضج من ذلك حتى لا يخرج مدعو الحكمة ويقولوا متهورون لا يدركون طبيعة الطريق لا نجلد جماعتنا بل نصارحها خوفا على مصلحتها؛
بل ندعو إلى الاعتراف بالمشكلة والتعاطي معها بالاهتمام الكافي، كفانا تسكينا للمشاعر وكفانا صمتا وتجاهلا، إذا استمر الوضع هكذا سيتسع الخرق وتزداد الفجوة، إذا لم تشعر القيادة وتعترف بالمشكلة وتتعامل معها بشكل سريع وموضوعي فإنهم سيتحملون ذنب انفراط عقد هذه الجماعة المباركة التي ستصبح ذكرى تاريخية يحن إليها البعض، ليس هذا تشاؤما ولا خيالا، من يحلل الوضع الراهن بدقة يدرك ذلك، نحن بحاجة إلى وقفة نرى بها أين نحن؟ نحن بحاجة إلى وقفة لنراجع أخطاءنا وآلياتها، ولا يخرج أحد الآن ليسألني كيف؟
فالإجابة على كيف، تأتي بتبني الجماعة كلها للعمل على الإجابة على كيف، المهم أن نشعر أن هناك مشكلة وأزمة ونتكاتف معا على الخروج من هذا الكهف المظلم الذي دفعنا إليه.
نعم نحن بحاجة إلى تأسيس جديد للجماعة يبعد الشيخوخة عن أفكارها ويطور أداءها ويعطيها بعدا مستقبليا مبنيا على خبراتها المتراكمة تاريخيا، بحاجة إلى تأسيس جديد يضم أفرادها ويحتويهم ويربط بينهم برباط الأخوة الناتجة عن البذل والعمل ووضوح الرؤية والهدف، بحاجة إلى تواصل دائم بين الأفراد والقيادة التي ترجع إليهم وتشاركهم التفكير وتستشيرهم قبل اتخاذ القرارات، بحاجة إلى استيعاب كل المخلصين وإن اختلفوا مع الجماعة؛
ليس كل من ينتقد الجماعة وأداءها وأفكارها هو شخص تم العبث بأفكاره ويتم التشكيك في نواياه، تمتلك الجماعة ثروة لا تقدر بثمن تتمثل في هذا الشباب الطاهر الذي يكتب وينتقد ويفكر خوفا على دعوته وحرصا عليها، تمتلك الجماعة كوادر بشرية هائلة بإمكانيات لا تتوافر لأي تيار آخر، عند الإخوان من الإمكانيات البشرية والمادية ما يؤهلهم ليكونوا جيل النهضة الذي يصنع التغيير ويرسم معالم النهضة للأمة كلها، ولكن إن تم استغلال وتوظيف وإدارة هذه الطاقات إدارة سليمة، رغم كل المعوقات ورغم بطش النظام الحاكم وتآمر النظام الدولي الجديد، أمامنا آلاف الفرص والمساحات التي نتحرك فيها من أجل وطننا وأمتنا وفكرتنا؛
ارجعوا إلى قواعد الجماعة الذين انشغلتم عنهم بالسياسة ولم تنجح أيضا في السياسة واسمعوا لهم ستجدون آلاف الأفكار وآلاف المقترحات التي ستكون رؤية متكاملة للتطوير، يا أولي الأمر فينا راجعوا أنفسكم، واسألوها؟ هل أنتم راضون عن وضعنا الآن؟
هل أنتم مصممون على الاستمرار بنفس الطريقة وتجاهل كل دعوات المراجعة وتصحيح الرأي؟ افترضوا مرة أننا نواجه مشكلة وفكروا في أسبابها وطرق علاجها بعد أن أصبحت مظاهرها واضحة لكل ذي عينين، لا تنفصلوا عن أبنائكم وقواعدكم ولا تحقروا من شأنهم كما جرى ببرنامج الحزب، هذه الجماعة هي ملك الأمة وملك كل إنسان آمن بالإسلام كمنهج حياة، ليس لأحد أن يستأثر بها وبرؤيتها ومواقفها لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيكم إن لم تسمعوها اللهم قد بلغت اللهم فاشهد د. حامد حسين.
بعرض هذه المحاولات الإصلاحية الثلاث يمكننا أن نقترب من المشكلة التي يحاول هذا الكتاب علاجها ونكون قد أثبتنا أن محاولتي ليست فردية كما يزعم البعض ولكنه صراع تاريخي ومستمر بين الإخوان وبين التنظيم السري قديمة وجديدة.

الفصل الثاني :الحياة في حضن الوطن

(كيف عشنا قبل الإخوان)

مسيرة حياة موجزة

إنه لأمر كريه أن أحدثك عزيزي القارئ عن أعمالي، ولكن لا بد مما ليس منه بد، لكي تكون على بينة بالإنسان الذي تأخذ عنه فتقبل أو ترفض وفي الحالتين أنت حبيب إلى قلبي لأنك حر وأنا عاشق للحرية والأحرار؛
فها هو العمر يمضي وتنقضي أيامه المعدودات، وها أنا العبد الفقير إلى رحمة ربه على مشارف الستين من العمر، والحمد لله أني ما زلت حيا، والحمد لله أني قادر بفضل ربي أن أراجع ما قدمت فأتوب عما اقترفت وأكثر مما أعتقد أنه يبيض صفحتي عند ربي، خلال هذه الحقبة من الحياة تقلبت بين جنبات الوطن من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه في رحلة الحياة التي ركبت فيها كل صعب وسهل، امتطيت الحمار والقطار، والطائرة والباخرة، والدراجة والسيارة وكان هدفي دائما الوصول إلى حيث يعيش المصريون ... أهلي وعشيرتي؛
وقد نجحت في ذلك إلى حد ما، وتحاورت معهم في رفح على خط النار حيث المحتلون الصهاينة، وبكيت كثيرا لحال أهلنا في فلسطين على الناحية الأخرى من الحدود، وسمعت بأذني رصاصات الصهاينة تصرخ في أحشائهم وهي أحشائي، وسعيت إلى أهلي في أقصى الغرب مارا بالعريش والمساعيد ورمانة وبالوظة وبورسعيد ودمياط وبلطيم وجمصة ورشيد والإسكندرية ومرسي مطروح مستحثا الجميع لنجدة إخوانهم في الإسلام والعروبة، وما زلت أفعل ذلك والحمد لله.
وسحت في دلتا النيل زائرا قراها وعزبها ومدنها حتى بلغت القاهرة، وصعدت متجها إلى مصر العليا حتى بلغت أسوان وبحيرتها، حملت همومي على كتفي ووضعت روحي على كفي غير عابئ بالذين يحاولون تحديد إقامتي في ثوبي واختزال قضيتي في لقمتي؛
وطرت مبشرا بما أحمل من مبادئ خارج حدود وطني في بلدان عربية وإسلامية وآسيوية وإفريقية وأوروبية وأمريكية، مررت بقصور الحكام وما فيها من زينة وتفاخر مرور المستعجلين المعتبرين، وأقمت بأكواخ الفقراء والمساكين وعشت مع الأسرى والمحاصرين والمعتقلين والمسجونين، وذقت مرارة السجن أعواما تقلبت فيها بين الجوع والحرمان وقسوة القيود وغلظة السجان وآلام التعذيب إلى حد الموت وآلام الضغوط النفسية حتى مشارف الاختناق، ولولا برهان من ربي ورحمة لكنت من الهالكين.
ودخلت حلبة الحياة السياسية من أوسع أبوابها وأرحبه باب الإيثار وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، وأكرمني الله على ذلك سمعة حسنة وحبا من الناس لدرجة العناق والبكاء عند الفراق، وتعرضت لمضايقات المخالفين من إخواني فحاصروني لبضع سنين، وتدرجت في سلم العلم من أوله حتى درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم فالأستاذية في العلوم؛
فلم أشعر إلا أنني أمام بحر من العلم لم آخذ منه إلا كما يأخذ المخيط من البحر، وكتبت حتى اليوم عشرون كتابا منشورة وعدد لم ينشر بعد، وتشرفت بدراسة الإسلام الحنيف فالتحقت بكلية الشريعة والقانون وحصلت فيها على درجة العالمية الأزهرية بفضل الله ونعمته؛
وقدمت خبرتي هدية لأمتي، فساهمت في الزراعة وقدمت رسالة دكتوراه في تحسين إنتاجية نبات طبي مصري من الزيوت والألياف والمستخلصات الطبية، وأشرفت على أربع رسائل دكتوراه وأربعة رسائل ماجستير متعلقة بالنبات وعلومه ونشرت حتى اليوم عشرين بحثا تخصصيا في مجال علم الفسيولوجيا؛
وساهمت في الصناعة حيث شغلت منصب رئيس المعامل وضبط الجودة في جميع مصانع وشركات الشريف ومصانع أخرى وتمكنت من إدخال ثمانين علميا لهذه المؤسسات بعد تدريبهم ليعملوا تحت إشرافي، وساهمت في التشييد والبناء فبنيت قرابة السبعين وحدة سكنية منخفضة التكاليف للشباب؛
وكان فضل الله علي في باب المال درب من الخيال، فقد تقلبت في أعمال كثيرة جليلة وصغيرة طلبا للرزق الحلال وسعيا للعفاف، وكنت كلما أديت حق الله في المال زاد عطاء الله لي، وكان هذا الإنفاق بمثابة بذرة ينميها الله حتى تصير شجرة وارفة تثمر سترا جميلا وخيرا وفيرا وبشرى عاجلة، وما زلت أطمع في ما هو خير من ذلك في الآخرة، ولا حرج على فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
ولم أكن المسافر وحده في صحراء الحياة في ظل حكومات أسكرتها قوة البنادق ومجتمعات شاحت بوجهها عن القيم النبيلة والمبادئ العليا، وإنما كانت واحدا من كتيبة مجاهدة، ولم يكن لفرد مثلي قدرة على تحمل المشقات، ولكن نداوة الأخوة في الله وحلاوة الصحبة في طريق الحق كان معينا ومساعدا ووليا ومرشدا ونهرا رقراقا ألفنا الحياة إلى جواره وينبوعا عذبا ومنهلا حلوا قصدناه وقت أن اشتد العطش بالكثيرين، وما تزال دعوتنا قائمة حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
وكانت هذه الرحلة على طولها وعمقها وشقائها وحلوها ومرها بحثا جادا عن الحرية والتحرر في مواجهة نظام عالمي جديد يريد إعادة الساعة للوراء، وإحياء زمن الاسترقاق والعبودية، كانت بحثا عن الحرية في أوسع معانيها ... حريتي وحرية الوطن والمواطنين والإنسانية جمعاء ... حرية العقيدة ولقمة العيش وحرية الكلمة والرأي؛

وقد لاقيت الكثير في هذا السبيل حتى تمثلت قول أحمد شوقي:

فمن يغتر بالدنيا فإني
لبست بها فأبليت الثيابا

جنيت بروضها وردا وشوكا

وذقت بكأسها شهدا وصابا

فلم أر غير حكم الله حكما

ولم أر دون باب الله بابا
ولم أكن فيما ألاقيه وأعانيه وأكابده من المتاعب والمشقات والغربة على أرض الوطن إلا واحدا من الملايين المطحونة من أبناء هذه الأمة هؤلاء المبعدين عن الوطن رغم بقائهم على أرضه وتشبثهم بكل حبة من رماله فلم ولن أرحل ولم ولن أفكر في ذلك أبدا، وكنت وما زلت واحدا من المحرومين من حقوقهم الأساسية في الحرية والعدالة والمساواة؛
ولكن شاءت إرادة الله أن أكون ضمن الطليعة المهمومة بحال أمتها في الزمان الصعب، ومن هنا كانت متاعبي وما لاقيت جزاء الصدق في المواطنة، والحرص على دفع ضريبتها، والوقوف إلى جوار الشعب اليتيم، إن آخر انتخابات نزيهة خضتها كانت عضوية مجلس إدارة نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعتي أو عريني الأول (2005) ومن فضل الله ورحمته أنني حصلت على المرتبة الأولى بين الزملاء المرشحين وهم جميعا من الأساتذة العلماء الفضلاء، وكل ما أتمناه أن يكون ذلك من بشرى رسول الله للمؤمنين وأن يعينني على القيام بواجبي تجاه إخواني وأمتي.

وهناك بعض التفاصل:

قريتنا المصرية في مطلع الثورة:

ولدت عام 1951 في قرية مصرية عادية من قرى محافظة كفر الشيخ، ما زلت أذكرها في الخمسينيات من هذا القرن ترقد في هدوء وسكينة وسط بساط من الزرع الأخضر الممتد بلا نهاية، عدد من البيوت الريفية التي تحيط بربوة عالية، وعلى قمة هذه الربوة تقبع بيوت بعض الفلاحين المحبين للسكن في الروابي رغم صعوبة الصعود وأخطار الهبوط المفاجئ ومشقة الطريق الملتوي؛
وفي الناحية القبلية يطالعك مسجدنا القديم المجاور لضريح "سيدي مصباح"، وفي مدخل القرية البحري تجد سراية العمدة عبد القوي بوريشة الإقطاعي القادم لقريتنا من ألبانيا وآخرين يقولون إنه من بلاد المغرب، وعلى بعد مسافة أمتار من السراية دوار العمدة الكبير بأسواره المرتفعة كأنه قلعة حصينة.
هكذا يبدو لك المنظر من بعيد عندما تكون قادما من عاصمة المحافظة أو البندر أو مدينة كفر الشيخ، فإذا بلغت القرية وسرت في شوارعها واجهتك كلابها بالنباح، ولكنها لا تؤذي أبناء الحي، فهي تفرق جيدا بين العدو والصديق؛
فإذا توغلت في القرية أكثر سوف تلتقي بتجمعات الفلاحين عند بقالة عم عبد المجيد أبو شتيه وعم عبد الغفار بريدان وعم عوض عبد المجيد وعم أحمد شلبي وقد خرج الناس ومعظمهم يحمل الشاي والسكر والدخان، معظمهم لم يدفع نقودا، ولكنه يسحب على النوتة أو ما يسمونه "الشكك"، وهو دين يرد في مواسم المحاصيل الزراعية أو عند تحسن الأحوال.
ومن داخل المحلات يصل إليك هدير الضحكات العالية التي تعبر عن سعادة بلا حدود، وقد أنصت الجميع للمذياع الكبير الذي يعمل بالبطارية الكبيرة السائلة، بينما يذاع عليهم برنامج ساعة لقلبك الذي ينتظرونه بشغف دون غيره من البرامج الأخرى؛
وكثيرا ما يكون الاجتماع حول الأوبريتات التي أحبوها وحفظوها مثل أوبريت أدهم الشرقاوي بطل مقاومة الإنجليز المحتلين الذي كلمهم بكل لسان، ورفع شعاره التاريخي (ومنين يجينا النوم طول ما الخونة دول عايشين) مرزوق العتقي الذي حلت كل مشاكله وانتهى فقره بوقوعه على جزيرة في بحر الظلمات وقد عاد منها بالكنوز؛
وعلي بابا والأربعين حرامي الذين حاولوا قتله بالاختفاء في أربعين قدرة وفي كل قدرة حرامي وفي إيده خنجر حامي، وعواد الذي باع أرضه فهزأته القرية وزفه أطفالها وسفهاؤها بأغنية (عواد باع أرضه يا ولاد ... شوفوا طوله وعرضه يا ولاد ...) وتبرأ منه الجميع إلا أمه التي عملت بالليل والنهار حتى أعادتها إليه.
وعندما يقترب المساء يتوافد الناس على بيوتهم من الحقول ويعود المسافرون من البندر أو من العزب المجاورة، ومع العائدين من الحقول تعود المواشي والأغنام والخيول ليأوي كل إلى منامه أو حظيرته، وفي البيوت يجدون النساء قد أعدت مصابيح الكيروسين بأنواعها المختلفة ومنها المصابيح الأكثر إتقانا قد صنعت من الزجاج ولها شريط قطني معزول ومزود بجهاز لخفض الشريط ورفعه، وعلى النار زجاجة طويلة تنظم حركة الهواء ليكون الضوء نقيا وقليل الدخان؛
ومن هذا المصباح نمرة خمسة ونمرة عشرة ونمرة خمستاشر كما يسمونه في بلدنا وكل قرانا المصرية، فإذا انتهى الكلاف من ربط الحيوانات تحلق الناس حول ما رزقهم الله لوجبتهم الرئيسية في العشاء، وجل الناس يأكل أرزا وطبيخا وهم اسم عام لكل ما يصنعونه بالصلصة الحمراء والبصل المقلي في السمن (التقلية)، وأحيانا وعلى فترات أسبوعية يأكلون مع الطبيخ لحوم البقر والجاموس، وأحيانا الدجاج أو الإوز والبط.
ويأتي بعد ذلك شرب الشاي الذي يتعاطونه حتما بعد الأكل، فإن بقيت عندهم طاقة فبعضهم يسهر قليلا عند كبير الحي أو في جوار البقالين ليستمتعوا بسماع الراديو والأنس ينور "الكلوبات" الشديدة الإضاءة وسط ظلام الليل الدامس الذي يلف القرية وما حوت من بيوت وأبراج حمام.
وهكذا تدور عجلة الحياة في سلاسة ورتابة طوال الأسبوع، نهارهم في الحقول وليلهم في البيوت، حتى إذا كان يوم الجمعة غسلوا أطرافهم وتوجهوا لصلاة الجمعة في المسجد القديم ليقف بينهم الشيخ يقرأ خطبة الجمعة من كتابه الأصفر، وقد أمسك السيف الخشبي في يده ثم لا يلبث أن يدعو للسلطان العثماني وعساكره بالنصر والتأييد ليفيق الفلاحون من نومهم ويهبوا واقفين ليؤدوا ركعتي الجمعة وينصرفوا وقد أيقنوا أنهم أدوا ما فرضه الله عليهم من واجبات.

وإلى جوار هذه الصورة الهادئة المعالم الخلابة المنظر كانت قريتنا المصرية لا تخلو من المتاعب.

صراع العائلات:

فكم سمعت حكايات من كبار القوم عن هذه المعركة التي دارت بين عائلتنا وعائلة بريدان لمدة أربعين سنة؛ بسبب تعدي أحد أفراد العائلة الأخرى على قطيع الإوز المملوك لعائلتنا، مما ترتب عليه قتل (إوزة)، وظل القوم يتقاتلون لهذا السبب أربعين سنة في معركة تسمى عركة (الوزة).

فرق تسد:

كان من أسباب الخلاف بين الناس تلك الإشاعات التي يثيرها الإقطاعي الكبير بالقرية صاحب القصر الوحيد والدوار الكبير الذي يمتلئ بأعداد المواشي والأغنام والخدم والحشم.
وكانت هذه الخلافات بين الناس تدفعهم للخصومة والتحاكم وما يجره ذلك من مصروفات باهظة يضطرون فيها لبيع ممتلكاتهم من أرض ومواشي؛ حيث يتقدم مثير الفتن ليشتري بأرخص الأسعار فيغتني ويفتقر الآخرون.

إقطاع وفقر:

هكذا تضخمت ثروات البعض وتدنت أحوال الكثيرين، فهذه أسر الفلاحين في أغلبيتها تتبلغ بالخبز الجاف وقليل من المش واللبن الرايب والسريس والجلوين.
وعلى النقيض من ذلك عدد من كبار القوم ينصرفون صباحا إلى البندر أو يرسلون أبناءهم فيعود من سافر محملا بأنواع من اللحم والفاكهة والحلوى وما لذ من الأطعمة الشهية والهدايا بعد ما يقضون يوما سعيدا في التنزه بين جنبات المدينة والتهام الجيلاتي والتمتع بعصير القصب المثلج، وعند مدخل القرية يجدون الكلافين وهم خدم المواشي ينتظرونهم ليحملوا ما أحضروه من أثقال ولفائف وأقفاص بينما السيد يسير أمامه متأبطا بالجرنال ولو كان لا يعرف القراءة.
وفي سراية الإقطاعي الكبير أو قل إقطاعي الإقطاعيين حيث يملك عشرة أضعاف ما يمتلكه أغنياء القرية أو يزيد، ترى في سرايته صورة لحياة الملوك بكل ما فيها من إبهارات وإمكانيات، وزوارة من عيه القوة يأتون وقت الغروب رجال ونساء متفرنجات يسهرون حتى مطلع الفجر وتصل رنات ضحكات النساء إلى كل مسامع الفلاحين فيسارعون إلى تسور الدوار ليختلسوا النظرات إلى نساء البندر والحسناوات، ورجال الترف وما كرسوه أمامهم من لحوم ومشروبات؛
ولم يكن غريبا زيارة مأمور المركز لهذه الحفلات ليشاركهم بعض الوقت ويخرج قافلا إلى المدينة بعد تشديد الحراسة على المكان بكل قوة الخفراء وشيخهم وهو ما يقطع أن شخصيات هامة للغاية تقضي ليلتها في قريتنا النائية بعيدا عن أعين الصحافة وأحقاد الطبقات الوسطى وما بها من مثقفين يطلبون الحرية والمساواة وينددون بفساد الطبقة الحاكمة.

الرجل الخامس:

وفي هذه القرية المصرية الجميلة المنظر الممتلئة بالعمل والمشقات والانفعالات كان مولدي 1951، وقد سبقني إلى الحياة سبعة أشقاء غير أن البنات في بلدنا في هذا الوقت لا يحسبون في التعداد، عادات جاهلية قديمة تطل برأسها في بلدنا بعد ألف عام أو يزيد من القضاء عليها ببعثة النبي؛
نعم كنت الخامس في الأولاد والسابع في الأشقاء، فقد سبقني للحياة أخواتي فوقية وهدية وإخواني عبد السلام وراجح ومحمد وعلي ومولودان لم تكتب لهما الحياة إلا شهور ثم عاش من الأشقاء الذين ولدوا بعدي حمدي وناصر ونادية والمولود الرابع عشر توفاه الله وهو صغير.

جدتي لأبي (الوتد):

في العقد السادس من عمرها تستقبل الصبيان بترحاب شديد، وتحب الأولاد بشغف، وترى فيهم مستقبلا مصانا بالعزوة والقوة، وما إن يولد الواحد منا حتى تدور حوله كالنحلة عناية ورعاية وغالبا ما تنتهي مهمة الأم فور الولادة كلنا يحبها ويلوذ بها ولا عجب أن يسارع قلمي بالكتابة عنها قبل أمي فهي التي تفتحت عيوننا على قسماتها الجميلة ووجهها السمح شاهق البياض والمحلى بالوشم الجميل الذي ينزل من شفتها السفلى مزينا كل ذقنها على شكل ورقة شجر خضراء، ومن أجمل ما فيها بعد رسمها اسمها، إنها الحاجة ... أكابر سلطان أبو حلوة.
وكم كانت تتفاخر بكونها ابنة سلطان أبو حلوة شيخ مشايخ عرب منطقته (برقامة) بمحافظة البحيرة، وزوجة الحاج عبد السلام المليجي بكفر الشيخ، وكانت رحمها الله تقوم على خدمتنا ليلا طويلا، فتحكي الحكايات وتهدهد حتى نخلد إلى نوم عميق، ونستيقظ في الصباح الباكر لنجدها على سجادة الصلاة تدعو لأبي وأولاده واحدا كل باسمه وكل واحد منا يكمن تحت الغطاء في انتظار ورود اسمه في الدور فيتهلل وجهه ونتبادل نظرات الفرح على ما تولينا جدتنا من عناية ورعاية.
كان نهارها سبحا طويلا من العمل الممتد بين رعاية قطيع الطيور الضخم من الأفراخ البياضة والكتاكيت الجميلة والبط البلدي والخضيري بألوانه الرائعة والأرانب وديوك الرومي مع عناية خاصة بعدد من ذكور البط والرومي إعدادا لوليمة قرب موعدها، فإذا حلت شهور الصيف أضيف لذلك قطيع من الإوز الذي يقضي معظم وقته سباحة في الترعة القريبة؛
ثم يعود قبيل الغروب حيث تقوم بمراجعة أعداده وما كان لها أن تنام إن غابت إوزة كبيرة أو صغيرة إلا أن تبعث الكلافين ليقلبوا القرية رأسا على عقب حتى تحضرها، ولم يكن لها قدرة على صعود طوابق أبراج الحمام، فكانت تستعين بشقيقتي هدية في العاشرة من عمرها فيما يتعلق بأمر الأبراج، وهي واقفة على رأسها حتى تتم كافة أعمال البرج من نظافة ورعاية لأفراخ الحمام الصغيرة ...
وكم كانت مهمة صناعة الألبان تأخذ من وقتها فهي تشرف على حلب اللبن من الجواميس بواسطة الشغالة مرتين في اليوم تماما وقت بزوغ الشمس من كل يوم، ووقت الغروب عند عودة الجواميس من الحقل؛
ثم تبدأ مسيرة الألبان من تخزين الجديد وفحص الآنية المرتبة بدقة بعد تعقيمها في الفرن حصيلة كل يوم بعد الذي يليه في مكان خاص بذلك ومهيأ لتخمير اللبن (حاصل اللبن)، حيث يتحول إلى اللبن الرايب وعلى سطحه طبقة سميكة من القشدة ناصعة البياض فتجمعها وتخضها لاستخراج الزبدة، وتضع بعض اللبن الرايب في الحصيرة المخصصة لصناعة الجبن، وقسم منه يدخل في غذاء البيت والباقي وهو القسم الأكبر يدخل في غذاء قطيع الطيور المختلفة.

الفارس المثقف:

هذه صورته لا تفارق مخيلتي، فارس على صهوة فرسه الأبيض، كنت رديفه في رحلاته يغدو بها ويروح في تواضع جم وخطوات متحسبة طالما كان السير في شوارع القرية فإذا كان خارجها على الطريق المؤدي لحقولنا زاد سرعته حتى درجة العدو، فإذا بلغ المكان المقصود هم الرعاة إليه فسلمهم لجام فرسه ليربطوه في شجرة الصفصاف بجوار الساقية وانصرف مع بقية الفلاحين ليتفقد الزراعات؛
ويشير لهم بما هو لازم للحقل من رعاية، وكثيرا ما يستمر ذلك حتى وقت الظهيرة، فإذا حضر الغذاء تركهم لذلك وذهب يعتني بفرسه حتى ينتهوا فيجلس ليتناول معهم الشاي، فإذا انتهوا بدأوا أعمالهم وعاد هو قافلا إلى البيت، وقد أدى مهمته نصف الأسبوعية.
كان حريصا على ساعة ينامها في وقت الظهيرة فهي تعينه على سهر الليل مع الفلاحين الذين يتجمعون عنده كل ليلة لرسم خطة الغد وإتماما حسابات الأمس، وقد خصص لكل فلاح صفحات في الدفتر الكبير، فلا تفلت شاردة ولا واردة من التسجيل سحبا وإيداعا حتى إذا جاء وقت الحصاد وجمع المحصول ارتفعت أصوات الفلاحين ينكرون ما عليهم من مديونيات؛
فيقوم إلى دفتره ويفتح الصفحة ويجهد نفسه في تذكيرهم مقدما الأمارات الدالة والقرائن الواضحة حتى يقتنعوا، ومع ذلك لم يكن ينصرف أحدهم إلا وهو راض وسعيد، ولماذا لا يرضى وهو آمن تماما على نفسه وأولاده وبيته ويأخذ ما يطلب من قوت وملبس ومسكن، وعنده بقرة حلوب ورصيد من القمح والذرة والشعير والفول والتبن المخصص لمواشيه؛
فإذا حل العيد ذهبوا جميعا إلى البندر لشراء لوازم العيد من ملبس وحلوى وتمر وزبيب وخروب وحلوى عفش الجناين (الفوندام) وكل لوازم الكعك والبسكويت من فانيليا ورائحة الموز وملبن الحشو، أيام جميلة هادئة، ليت الزمان توقف بنا في هذه الواحة الجميلة، ولكن هيهات فمن كتبت عيه خطا مشاها، وعجلة الأيام لا بد لها من الدوران حتى يتجرع كل إنسان كأس الحياة بحلوها ومرها ويجني وردها ويشاك يشوكها.

الإصلاح الزراعي:

ما أن صدرت قوانين الإصلاح الزراعي حتى تغيرت نفوس الفلاحين، وشعروا أن الحكومة اليوم معهم، وتغيرت لغة الحوار بينهم وبين أبي ولو من باب الدعابة، كان أحدهم إذا غضب يرفع صوته في وجه أبي قائلا (إحنا في عهد عبد الناصر، واللي ما لوش أهل الحكومة أهله)، أما أبي فقد كان من الذين فرحوا بقوانين الإصلاح الزراعي الجديد، فهو يملك من الأرض في حدود المقرر (54 فدان) ولم تصادر منه، والإقطاعي الذي أضير من القوانين كان من أعدائه على طول الخط، وخالنا الحاج عبد الحميد غازي صار أمين الفلاحين في مجلس الأمة؛
ومكتب التعاونيات آل إلى كنفنا وتولاه أبي بالكامل بعد أن تلقى ثلاث دورات تدريبية بالقاهرة والإسكندرية على نظرية التعاونيات وفوائدها، وتولى أبي تأسيس أول جمعية زراعية تعاونية بالتعاون مع بنك التسليف الزراعي، وكانت تلك أسباب كافية لعدم وجود صراع بين عائلتنا والثورة الجديدة.
هكذا كانت تمضي أيام أبي وأنا طفل أرقب الحياة من حولي في أيام عمري الأولى، ولم يكن يفوته قبل النوم أن يفرد ذراعيه وهو مستلق على ظهره في سريره النحاسي الجميل فأنام على ذراع وينام شقيقي الذي يكبرني على الذراع الآخر، ويشرع أبي في حكايات جميلة منتقاة حتى نخلد إلى النوم فيحملنا إلى حيث ننام كل يوم، ويعود هو إلى حجرته ليشرع في نومه، وقد انتهت أمي من كل متعلقات العشاء وتهيأت لتلحق به في حجرة النوم.وكم أثرت حكايات أبي في نفسي، وعشت حتى اليوم أذكرها ولا أحسب أنها تنسى.

كيف تصطاد الأسد:

كان أبي يدربنا على الشجاعة وينزع فتيل الخوف من نفوسنا، فليس هناك أقوى من الأسد ولا أشجع منه، وهو ملك الغابة، ولكنك بعقلك تستطيع اصطياده، ولكن كيف؟

يروي لنا أبي:

"هناك سلاح مخصوص لاصطياد الأسود، ولكن لا يستخدمه إلا الرجل الشجاع جدا الذي لا يخاف من الأسد، والسلاح المخصص لذلك هو عبارة عن سكينة لها نصلين ويد واحد في المنتصف، ويصفها لنا بالتمثيل ويمسكها الشجاع، فيكون هناك نصل أعلى يده ونصل أسفل يده، ويتوجه الشجاع للغابة حيث يوجد الأسد ويستثيره بحركات يده؛
فإذا زأر الأسد يزأر الشجاع كذلك، فإذا هجم الأسد يهجم الشجاع ويقدم يده بسرعة في وجه الأسد وبها السكين، فيسارع الأسد بالتهام يده ويفتح فاه الكبير ليقضمها ولكن السكين المزدوجة يدخل نصلها في فكه العلوي وفكه السفلي فيصرخ من الألم، ويخر طائعا للشجاع فيسحبه إلى حيث يقيده بالحبال ويقلم أظافره ويكسر أنيابه، ويستخدمه في الركوب والعمل ...".
قد يرى الكبار في ذلك حكايات خرافية ولكننا في سن الصغر لم نكن نحسبها كذلك، ولعلها أفضل كثيرا من حكايات توم وجيري الأمريكية الصنع.

وجائزة على التقدم في دروس الشجاعة:

سمعني أبي وهو في ساعة القيلولة في حجرة نومه أنشد بيتا لعنترة بن شداد يقول فيه:

حصاني كان دلال المنايا
فخاض غمارها وشرى وباعا

وسيفي كان في الهجيا طبيبا

يداوي رأس من يشكو الصداعا
فهب من نومه وخرج من حجرته وفاجأني بحضوره أمامي وسألني: من علمك هذا الشعر؟ فقلت: الشيخ في الكتاب النهارده. فقال: أنا مبسوط منك ولك هذه الجائزة وأعطاني نصف فرنك (عملة فضية مسدسة الشكل قيمتها قرشين تكفي لشراء زجاجة مياه غازية ويبقى ربعها تعريفة).

عزوتنا علم ورجال:

في هذه الحقبة الأولى من حياتي حقبة الخمسينيات من القرن الماضي لم تكن رغبة الدراسة المنتظمة والمدارس لها وجود يذكر في قريتنا، فالناس هنا معظمهم يعمل في الزراعة أو بالنظارة على الفلاحين والأرض توفر لهم جميعا كأجراء وملاك كافة احتياجاتهم المعيشية وبوفرة مرضية لهم ...
وكان يمكن أن يكون مصيرنا إلى رعاية الأرض بعد الشهادة الابتدائية، ولكن أبي كانت له رغبة في أن يكون أولاده من الطبقة المتعلمة، ولعل أبي كان يعوض فينا ما فاته من الدرجات العلمية وهو الذي اضطرته ظروف وفاة والده وهو صغير أن يترك الأزهر قبيل الثانوية الأزهرية ويتفرغ لرعاية أملاكه التي ورثها من الأرض الزراعية، أصر والدي على أن يدفع بنا إلى صفوف الدراسة وكان ذلك صعبا؛
فلم يكن في قريتنا غير المدرسة الابتدائية بينما الإعدادية والثانوية كانت في بلاد بعيدة عن قريتنا مسافة يصعب الوصول إليها، وترتب على ذلك انتقالنا إلى تلك البلاد للإقامة فيها ويعني ذلك فتح بيوت جديدة ومصروفات وانشغالات للأسرة بأولادها الذين تغربوا في سن مبكرة؛
ومع ذلك فقد كان أبي يرفع شعارا للمرحلة يرضي به الجميع، فقد كانت عائلة المليجي ترى في الرجال عزوة وقوة، وكان أبي يرى في العلم سلاحا وحصنا حصينا لسعادته في الدنيا والآخرة، وكثيرا ما أجهد نفسه لإقناع الناس بتعليم أبنائهم وهو يقول: (فلتكن) "العزوة علم ورجال"، ولم يحرم البنات من التعليم كلية وإن اضطرته الظروف أن يوقفه عند المرحلة الابتدائية لصعوبة تغرب البنات أو استحالته في تلك الأيام.
كانت مصر في تلك الأيام الخوالي تبدأ نهضة تعليمية شاملة مواكبة لطبيعة القائمين بالثورة العسكرية عام 1952، فقد كان معظمهم من أبناء الطبقة المعدومة أو المتوسطة، وقد حصلوا على مؤهلاتهم بشيء من الصعوبة، ولذلك رأوا في التعليم مساواة لهم مع أبناء الطبقة الغنية الإقطاعية، ودفعهم ذلك لاعتبار التعليم أداة لإكثار نوعهم في مجالات العمل المختلفة، ومصدرا للأنصار الجدد ووسيلة لغرس مبادئهم في عقول المتعلمين؛
ونشطت عملية الحث على التعليم ومعها نشطت حركة بناء المدارس الابتدائية والإعدادية في القرى ذات العدد الكبير نسبيا، ولست بناس كيف كنا نخرج من قريتنا جماعات من الأولاد متجهين إلى مدارسنا في الصباح الباكر، فمنا الماشي ومنا الراكب حمارا ومنا الصغير الذي خرج معهم مرافق من أهله فيتجه بعضنا إلى مدرسة القرية، وأما الكبار فكانوا يتجهون إلى أقرب مدينة لنا وهي مدينة كفر الشيخ ليلتحقوا بالمدارس الإعدادية والثانوية.

أمي:

كانت الزوجة الصالحة التي رسم صورتها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أقسم عليها أبرته، وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه"، لا أنسى كيف كانت أمي تستقبل أبي من سفره مرحبة فرحة وتقبل يده بعد مصافحته، صورة غابت اليوم في مصرنا إلا من رحم، ولم يكن أبي بأقل منها تعلقا بها واحتراما لها وغيرة عليها.
لم تكن أمي تفارق بيتها إلا لضرورة قصوى، والضرورات في بلدنا لخروج السيدات محدودة كذلك، ولا تعدو زيارة الأم لابنتها المتزوجة مرتين أو ثلاثة في العام، وتقديم العزاء والتهنئة، وإذا حل مرض شديد يوجب العرض على الطبيب ولا شيء بعد ذلك تقريبا يوجب خروج المرأة من بيتها؛
وفي بلادنا لخروج العفيفات إلى الطريق طقوس وتقاليد مرعية، فملابس الخروج ساترة سترا كاملا وأحيانا يغطون بشاشة خفيفة، وألوان الملابس سوداء أو لون قريب من ذلك، الخروج غالبا في ظلام الليل، وتخرج الأم ومعها مرافقين من أبنائها، يشكلون لها موكبا مهابا، فأحدنا يمسك "بالكشاف" يضيئ الطريق وأحدنا تتوكأ عليه وثالثنا خلفنا يحرس ويبعد الكلام النابحة على المارة إذ تصادف المرور بها، فإن كان الخروج سفرا وإلى المدينة للعلاج في العادة فالجميع في سيارة خاصة ذهابا وإيابا، ونساء البيوت المحترمة لا يركبن المواصلات العامة، وهكذا ظلت أمي في بيتها طيلة حياتها، وما تزال على هذا المنوال حتى وفاتها.
وكم جلس أبي يقص علينا كيف تعب في البحث عن زوجة له وهو شاب حتى إذا حفيت قدماه دله قريب له على رجل صالح اسمه الحاج محمد صالح غازي بقرية المنشاة الصغرى بمركز قلين المجاور لمركز كفر الشيخ يجد عروسه التي يبحث عنها، وكانت تصغر أبي وقتها بسنة كاملة، فكان هو في الخامسة عشر وهي في الرابعة عشر، وظلت أمي حتى قبل وفاة أبي بأيام تقول له: "يا راجل يا عجوز أنت أكبر مني" مداعبة له ومتمسكة بهذا الفارق الزمني الضئيل في مصلحتها.
وعلى تطاول الأيام ومرورها لا أذكر شجارا لأبي مع أمي، ولم يكن هناك من ينادي بما يسمى حقوق المرأة، وكذلك لم تكن هناك حقوق متنازع عليها بين الآباء والأمهات من الأصل.
ومنذ عام 1934 تاريخ زواج أبي وأمي، أنجبت أمي أربعة عشر مولودا، عاش منهم اثني عشر، وتوفي أحدهم في السنة الأولى وآخر في السنة الرابعة، وتلك صورة مكررة في بلادنا المصرية وليست فريدة أو نادرة في هذا الجيل القديم الذي نظر إلى الإنجاب والرعاية للأبناء على أنه مهمة مقدسة، ولم يكن في مصرنا من يفكر لنفسه وفي نفسه فقط حتى يقول أكتفي بعدد كذا وكذا من الولد لأحيا حياة سعيدة، ولم يدر بخلد أحد قط أن الأولاد وفلذات الأكباد يمثلون مصدر تعاسة وشقاء.

عائلات مترامية الأطراف:

كالأوتاد التي تثبت الخيمة أو كالجبال التي تثبت الكرة الأرضية كانت العائلات المصرية، والعائلات في بلادنا أقوى من الشركات متعددة الجنسيات فكم كان للعائلات من احترام ومهابة وعلاقات وعهود وأحيانا صراعات وقتال؛
ولكن العائلات كانت طابعا اجتماعيا أصيلا وعرفا إنسانيا راسخا، هذه عائلة المليجي عائلتنا تترامى أطرافها، فتشمل تجمعات إنسانية في محافظات أخرى هي الجيزة والمنوفية وكفر الشيخ والمنيا والشرقية ودمياط، وما زلت أكتشف امتدادات لها حتى اليوم.

زيارة لجدي وجدتي لأمي:

يكاد القلب يقفز من الفرح فالليلة نذهب لزيارة جدي لأمي ذلك الرجل الصالح المسمى الحاج محمد صالح غازي بالمنشأة الصغرى ومصدر سعادتي يكمن في جمال الطريق الخلاب المزدان بأشجار الكافور والجازوارين، وما تضيفه على الطريق من ظلال وارفة، وما تلقيه على المكان من جمال وروعة، وما يتهادى عليها من طيور، فإذا كان الليل فإن متعة متابعة الطريق المضاء بمصابيح السيارة مسلية ومبهرة لمثل هذا السن.
وفي بيت جدي نلقى تحارب وعواطف وحميمية منقطعة النظير، فهذه أمي تسارع إلى أمها بالأحضان، وهذا خالي مصطفى يعود مسرعا من وابور الطحين الذي تملكه العائلة فيغير ملابس العمل ويرتدي ملابس الاستقبال ويدخل علينا باشا كعادته ويتوالى وصول الأهل جميعا أخوالي محمد وخليل وعبد الرحمن والسيد وزينب ونفيسة ونجتمع جميعا نحن وهم والكثير من أقربائهم، فهذا يقبلني وذاك يدفع في يدي ورقة مالية وذاك يدفع الحلوى في يدي، حتى إذا ذهب بعض الوقت دعانا جدي لتناول الطعام في الحجرة الأخرى، فإذا بسفرة هائلة عليها أنواع اللحم والدجاج والبط المحمر والشوربة الساخنة والمكرونة التي أحبها كثيرا على بساطتها ويتبع ذلك تقديم الفاكهة حسب الموسم.
فإذا جاء وقت الرحيل تعلقت بأبي راجيا أن يتركني عند جدي ليوم أو يومين، فقد كان بيته محببا إلى نفسي كثيرا، وكان جدي جميل الطلعة باسم الوجه خفيض الصوت دائم الحرص على وضوئه وفي كفه أثر من رطوبة الماء وفي وجهه نور الوضوء والصلاة، ولكن أبي لم يكن يوافق على ذلك لصعوبة السفر لإعادتي.

صيد الذئاب:

ما أروعه من منظر ذلك الذي أستمتع به عندما نعود قافلين ليلا وكشافات السيارة تقلب صفحات الجمال أمام عيني، أشجار مرتفعة وزراعات متنوعة من القطن والأرز والذرة وغيرها ... وترع ومصارف تمر كشريف السينما متسارعة بسرعة السيارة.
وفجأة يظهر وسط الحقول على بعد عشرين مترا تقريبا بريق عينيه تلمع كأنها الماس أو الفضة تحت وقع نور السيارة، فإذا بأبي يأمر السائق بالتوقف والعودة للخلف قليلا للبحث بالضوء عن عيونه مرة أخرى، فإذا برقت أمره بضبط نفسه على هذا الوضع، ويخرج أبي بندقيته من نافذة السيارة ويعدل من موضعه حتى يضبط التصويب بين العينين تماما ويضرب؛
فإذا بصرخة الذئب تملأ الآفاق، ثم يسقط مقتولا، ويهبط أبي من السيارة ومعه السائق وكشاف بالبطارية ويتابع الذئب المقتول حتى يصل إليه فيجزون رأسه بالسكين ويأتون بها لاستخدامها في تخويف البوم التي تهاجم أبراج الحمام كما كانت عقيدة الناس في بلادنا ...

تلك صورة لا أنساها وأحداث لها مكان في العقل والقلب لا تمحيه أحداث الأيام وإن عظمت فكما يقول المثل:

"التعلم في الصغر كالنقش على الحجر".
وكان للذئاب في محافظتنا شأن وقصص في الخمسينيات من القرن الماضي لكونها محافظة شبه خالية في نصفها الشمالي، يملؤها السبخ والطين أو تغطيها مساحات من المستنقعات التي يملؤها نبات البردي ونبات الغاب (البوص) والتي تعتبر ملاذا آمنا لمثل الذئاب والثعالب والقطط البرية، وكثيرا ما كانت هذه الحيوانات تهاجم الناس وما يملكون من مواشي وطيور.

المولد والسباق:

منذ ثلاثة أيام ووالدي وشقيقي الأكبر عبد السلام طالب الثانوية العامة ومعهم عدد من العمال يعملون بجد ويصلون الليل بالنهار للاستعداد للبطولة القادمة، فقد حان موعد المولد (مولد سيدي طلحة المدفون بكفر الشيخ)، مهرتنا البيضاء (نعناعة) بطلة السباق منذ ثلاث سنين، والمحافظة على مستواها يتطلب جهدا في الإعداد، الفرس تغسل وتنظف بالماء والصابون والفرشاة الخاصة ثم يمشط لها شعرها بمشط حديدي خاص حتى يبدو جسمها لامعا جذابا، ويقدم لها علف خاص مشكل من القمح والشعير وقليل من سكر النبات وأما بقية السكر المقرر لها فيقدمه تارة أبي وتارة لقما في فمها، فتهز ذيلها وترفع رأسها شكرا لمن فعل.
وهناك في المولد المنصوب يقضي الناس بعض أوقاتهم في أكل وشرب وكلام حتى إذا جاء وقت العصر نصبوا حلبة سباق الخيل وعلا غبار السباق، وأصوات الخيل وحميت المنافسة بين الخيول وما حملت من الفرسان.
وفي المساء يسهر الناس بالسرادقات التي تتنافس على جذب الزائرين بما تعرضه من غناوي وموواويل لمطربين ومطربات مشهورين في بلادنا وما حولها من النجوع والقرى.

الملاليم الطاهرة:

عملة منقرضة كانت جل أمل الصغار في الخمسينيات من القرن الماضي والمليم وهو جزء من عشرة أجزاء من القرش الذي كان يكتب عليه عشر مليمات مصرية، وبهذا المليم نشتري حلوى أو حزمة جرجير أو فجل كما قال بيرم التونسي مقاوما فرض الضرائب على الفقراء:يا بائع الفجل بالمليم واحدة .... كم للعيال وكم للمجلس البلدي؟
وكم سعينا صغارا لامتلاك الملاليم وتجميدها في قروش وخمسات وعشرات القروش الورقية توطئة للدخول في مشروعات استثمارية كبيرة من نوع المشاركة في عنزة وأحيانا بطة أو إوزة مقبلة على موسم البيض والأفراخ، ولم يكن الحصول على هذه الثروة من القروش بالسهل أو اليسير فمن أراد لنفسه ثروة هائلة من هذا النوع فدونه الأعمال الصعبة في الأجازة الصيفية؛
وكم عملت (خولي) على أنفار الدودة أي مشرفا على الصغار الذين يعملون في مقاومة دودة القطن بقطع الورقات التي تحمل بيضها من على أشجار القطن ولفترات تمتد لشهرين أو ثلاثة فإذا أثمر القطن وجنى الفلاحون القطن يمكن لأحدنا أن يعمل في جمع المخلفات بأرض المحصول ليجمع وزنا قليلا من القطن ويبيعها لنفسه في السوق بهدف الحصول على قروش خاصة يبدأ بها مشروعات اقتصادية من نوع العنزة والبطة وما في مستواها، وهكذا يتعود الصغار بالقرية على التعب والكد كطريق للملكية الخاصة تحت رعاية الآباء وأحيانا إعانتهم بدفع الفارق المتبقي لاكتمال مشروعات الأولاد الصغيرة والكبيرة في عيونهم.

الكتاتيب:

هي المدارس ذات الفصل الواحد التي كانت لا تخلو منها قرية مصرية وعلى بساطتها وخلوها تقريبا من كل مظاهر الزينة فقد كانت مجدية في غرس كثير من القيم العليا في نفوس روادها.
وفي هذه الكتاتيب المفروشة بالحصير والتي تدار بمدرس واحد هو سيدنا الشيخ المحفظ والمعلم والمربي تعلم الكثيرون من أبناء هذا الوطن وقياداته فيما بعد الحساب والإملاء والقرآن والسنة والأخلاق الفاضلة.
كان شيخنا محمد زرير يعلم أولاد القرية مقابل قروش معدودة في الشهر أو عدد من أرغفة الخبز وقطع الجبن من أولاد الفقراء، وفي الكتاب يتم كل شيء بالتلقين المباشر بصوت الشيخ حتى إذا تعود الطفل يمكن أن يعمل معه من يكبره سنا ويسبقه حفظا في المراجعات والواجبات.
ألواح الإردواز أو الألواح الخشبية والأقلام المصنوعة من البوص والحبر المصنوع من الهباب الأسود وقطعة من القماش القديم هي كل ما يلزم المتعلمين من وسائل ولا حاجة لملبس خاص أو لون مميز ولكن المهم هو ستر العورة حسب القدرة والاستطاعة ببدلة أو جلباب أو حتى بيجامة.
فإذا جاء وقت الظهر تدافع الأولاد على مكان أعد للوضوء وصلى بهم الشيخ جماعة وأحيانا يؤمنا فتى متقدما لتدريبه على الإمامة فقد حفظ من القرآن ما يؤهله لذلك.
فإذا انقضت الأجازة الصيفية انصرف معظمنا إلى مدرسته وبقي القليل جدا مواصلا دراسته بالكتاب إلى جوار المدرسة.

يا عزيز يا عزيز كبة تاخد الإنجليز:

هكذا خرج أطفال القرية يدقون على صفائح فارغة ويرفعون أصواتهم ناظرين إلى السماء كلما سمعوا أزيز الطائرات العابرة على بلادنا إبان العدوان الثلاثي عام 1956، وكلنا يردد هذه الأرجوزة خلف كبير منا يقودنا في نشاط وحماسة لنطوف بشوارع القرية داعين الله أن يصب جام غضبه على الإنجليز الأعداء، صائحين يا عزيز يا عزيز كبة تاخد الإنجليز (أي مصيبة تقع بهم).
وعندما عدت إلى البيت وجدت أشقائي الأكبر مني قد عادوا سعداء من المدرسة لأنهم أخذوا أجازة لأجل غير مسمى حتى تنتهي الحرب التي أشعلتها ثلاث دول أوروبية هي إنجلترا وفرنسا والصهاينة المحتلين لفلسطين منذ العشرينات من هذا القرن.
لم يكن يشغلني الأمر كثيرا في هذه السن ولكنني فرحت كثيرا بعودة إخوتي من المدرسة لنقض معا وقتا ممتعا في مطاردة الطائرات بالهتافات ولعب الكرة الشراب في جرن القرية.

مدرستنا الابتدائية:

هناك في وسط الحقول الخضراء بنى أحد الإقطاعيين قصره وسط أرضه الخصبة وعاش ينعم بحياة رغدة حتى قامت الثورة فكان ممن ابتلاهم الله بصدور قرارات الاستيلاء على معظم ممتلكاته ومنها هذا القصر الجميل ليتحول قصره إلى مدرسة ابتدائية لقريتنا والعزب المجاورة لها.
ومن العجيب أن المدرسة كان يطلق عليها اسم صاحب القصر "مدرسة عوض أيوب"، وكأن اله أراد له أن يستفيد من ممتلكاته ولو بتخليد الذكرى.
في تلك المدرسة الفخمة تعرضت لنسمات العلم الأولى وما زلت أذكر الكثيرين من زملائي وزميلاتي وألتقي بهم في الحياة العامة وكذلك ناظر المدرسة الأستاذ خضر جنيدي من بلدة ميت الديبة مركز قلين ومن نفس قريته مدرس التربية الفنية الأستاذ: حلمي راجح، وحامد مدرس الفصل، والأستاذ توفيق من بلدة شابة التي تبعد عن المدرسة مسافة 5 كم، كان يقطعها يوميا على دراجته؛
وكذلك الأستاذ: صلاح جامع وكمال وعبد الرحمن وآخرين تاهت مع الأيام حروف أسمائهم، ولكن بصمات تلك المرحلة باقية على مخيلتي شاخصة في خيالي أستفيد بها كثيرا في فهم تصرفات أولادي في هذه السن وأذكر من المواقف العملية ما يمثل مواقف تربوية راقية تؤكد على أثر القدوة في حياة الإنسان.

أيام خالدة في أبو عجيلة:

كثيرين من أبناء هذا الجيل في بلادنا لا يعرفون "أبو عجيلة" وما يدريهم بأبو عجيلة إنها نقطة على حدود مصر وفلسطين دارت فيها معاركة حامية الوطيس إبان العدوان الثلاثي (الصهيوني، الإنجليزي، الفرنسي) المشترك على مصر عام 1956 في 26 سبتمبر وقد اختارت وزارة التربية والتعليم هذه الملاحم الجهادية لتقديم قصتها لنا بالسنة الأولى الإعدادية؛
وكم كان مفيدا للطلبة في هذه السن أن تمتلئ نفوسهم حماسة ووطنية وحبا لمصر وكرها لأعداء العروبة والإسلام الصهاينة والإنجليز والفرنسيين الذين حاربونا في أبو عجيلة وكل سيناء ومدن قناة السويس.
وعندما كنت أقف في الفصل أطالع القصة بين يدي المدرس كنت أشعر وكأنني في ميدان المعركة أتحرك مع الجنود ويظهر ذلك على نبرة صوتي وحركات يدي، وإذ بالمدرس يبتسم سعيدا بما أصنع ويشكرني في النهاية على حسن إلقائي.

كاد المعلم أن يكون رسولا:

ولكن يكن الأمر موقوفا على مجرد منهج دراسي محترم وفعال في إيجاد المواطن المزود بجملة من القيم النبيلة ولكن الأهم من ذلك القدوة الصالحة التي تتمثل في إدارة المدرسة.
فهذا ناظر المدرسة الأستاذ: سعيد الديب في الخمسين من عمره ما تزال صورته ماثلة أمامي وهو يقطع الممر الطويل الكائن أمام الفصول ليتأكد بنفسه من سير الدراسة واستتباب النظام العام والهدوء التام، وأحيانا يستأذن من مدرسة الفصل ويدخل ونقوم له تحية وإكبارا، ويشرع في تقديم النصائح الأبوية والتربوية لنا أو يحدثنا عن شأن من شئون المدرسة ثم يحينا وينصرف.
وأما أستاذ التربية البدنية فكان كتلة من العضلات وشعلة من النشاط وفي "حوش" المدرسة توجد ألعاب الكرة الطائرة، وكرة الباسكت (السلة) وتنس الطاولة ومعدات الجمباز الحصان والمتوازي والعقلة مع إمكانية لعب كرة القدم والبنج بونج (تنس الطاولة) ... إلخ.
هكذا كانت المدرسة الإعدادية مزودة بكل وسائل الرياضة المطلوبة لبناء الجسم السليم فإذا كانت حصة التربية البدنية مارسنا رياضات الإحماء، ثم يقسمنا المدرس مجموعات حسب استعدادنا لتمارس كل مجموعات الرياضة المحببة إليها؛
وكان ذلك يمتد حتى في الأجازة الصيفية فكانت المدرسة تفتح أبوابها للراغبين في الرياضة من طلابها عصرا ومساء، وفي مدرسة كفر الشيخ الإعدادية في هذا الوقت يتوفر قسم للعلوم الزراعية يتكون من مزرعة جميلة بها صوبة زجاجية وأخرى للظل (خشبية) ومنحل ومعمل للصناعات الغذائية وكانت أجمل أوقاتنا في هذا المرزعة الجميلة الظليلة الأخاذة.
هكذا مضت أيامنا الأولى بالمدرسة الإعدادية بين مدرسة أحبها ومسكن بسيط ألجأ إليه وقت نومي واستذكار دروسي، فإذا كانت الأجازة انصرفنا إلى هواياتنا الخاصة بين رياضة كرة القدم ورسم اللوحات الزيتية والعناية بحديقة المنزل والنزهة بين الحقول وصيد السمك بالصنارة ..

أول مرة أسمع عن الإخوان:

في غضون صيف عام 1963 زارنا الدكتور عبد الله رشوان المحامي لعلاقة قرابة بيننا وبينه عن طريق جدتي لأبي، وكان عيدا بالقرية حيث أقمنا له الولائم ودعونا الأقارب ليكونوا في استقباله وأفهمني أبي أنه شخصية هامة جدا في مصر (القاهرة)؛
وأفهمني أبي بصوت منخفض أنه من الإخوان المسلمين، وكان من حسن تصرف الدكتور عبد الله رشوان زيارته لعائلة بريدان المتخاصمة مع عائلتنا (الملايجة) ومحاولته الإصلاح بين العائلتين، وأذكر أننا أقمنا في المساء حفلا تباري فيه الشباب لتقديم الشعر والنثر ترحيبا بالدكتور عبد الله رشوان
وبالمناسبة فإن د. عبد الله رشوان هو صاحب أطول دفاع عن الحركة الإسلامية قدمه في قضية الفنية العسكرية ويعتبر من الرعيل الأول لجماعة الإخوان ومن المقربين لقلب وعقل الأستاذ عمر التلمساني وهو اليوم يقيم بمدينة نصر بشارع محمود طلعت متفرغا للكتابة ورعاية الأحفاد.

الغربة الثانية:

في صيف عام 1966 استقر المقام بأخي محمد في الإسكندرية طالبا بكلية الزراعة ورأى والدي أن يجمع شتات أولاده بقدر ما تسمح به الظروف، وفي هذا الوقت كان شقيقي عبد السلام في المدرسة الثانوية بطنطا وكان شقيقي راجح بكلية الشرطة بالعباسية بالقاهرة؛
وكنت أنا في مدينة كفر الشيخ بالمدرسة الإعدادية، ولم يكن قابلا للحركة على طاولة الشطرنج أمام أبي إلا هذا الجندي الصغير بالمدرسة الإعدادية بكفر الشيخ، وبالفعل وبعد مجهود مشكور من الوالد والأشقاء نقلت إلى مدرسة أمير البحر الإعدادية بالإسكندرية بمنطقة محرم بك لأكون برفقة شقيقي محمد بكلية الزراعة بالإسكندرية.
وأقمت معه بشقة مفروشة بالدور الرابع بالمنزل رقم 96 ش تانيس بالإبراهيمية وعلى مسافة 200 متر من البحر على وجه التقريب وفي هذه البيئة الجديدة ابتسمت لي الحياة بصدق يناسب سني وتطلعاتي، واستفدت من إقامتي مع من هم أكبر مني ولكثرة علاقتي بأصدقاء أخي وبقية الطلاب الجامعيين بالشقة كأني دخلت الجامعة في سن مبكرة، وزاد على ذلك أن شقيقي كان في بعض الأيام يصحبني لتناول طعام الغذاء في معظم المدينة الجامعية، وكانت الصحبة بالشقة خليط من الطلاب العرب والمصريين؛
فهذا محمد الجرف الفلسطيني شاب جاد ومهذب من غزة يدرس بالآداب ومحمد الأردني يدرس بالحقوق وقليل الكلام وكثير التدخين والثالث أحمد السعدني الدمياطي والرابع هو عبد الرازق الشبراوي طالب الزراعة أيضا من أبناء كفر البطيخ بدمياط، والخامس والسادس أنا وأخي محمد الطالب بكلية الزراعة بالإسكندرية، وكان يقضي جل وقته بالكلية ولا يعود إلا متأخرا، كما كان له نشاط ثقافي في مجال الرسم والكاريكاتير، يشغل به بعض وقته ويعبر عن أفكاره التي كانت متعلقة في معظمها بالجامعة وأعضاء هيئة التدريس والطلاب.
كانت أيامي في الإسكندرية سهلة وممتعة وكنت مسرورا بنقلتي الجديدة إلى مدينة هادئة ونظيفة في هذا الوقت من الستينات وتكاد ترتدي أجمل أثوابها في فصل الشتاء حيث ينزل المطر الغزير كل يوم مرة أو مرتين ويجففها الهواء المنطلق والمتدفق عليها من الشوارع المطلة على البحر ومنها شارعنا.
لقد كانت الحياة بالإسكندرية كلها سعادة وهناء دراسيا ومعيشيا ولم أشعر يوما أنني أحتاج لشيء ولم أحصل عليه.

حرب 1967:

طالعنا في الصحف نبأ الحرب والتحرشات العسكرية الجارية في سيناء، قيل عودتنا إلى القرية كالعادة كل صيف ونحن في موسم الامتحانات ومشغولون بها تماما وفي ذاكرتي اليوم صور الطيارين المصريين في قاعدة جوية متقدمة والرئيس عبد الناصر يخطب فيهم، كانوا بملابس القتال وقمة الاستعداد، ومضى شهر مايو ومضت معه الامتحانات وعدنا للقرية حيث لا جرائد ولا تلفاز وتابعنا كل شيء عن طريق الراديو وبيانات أحمد سعيد التي بشرتنا بالنصر المبين؛
وكان أبي في خلسة يسمع وحده إذاعة صوت إسرائيل وكنا نرى في وجهه حزنا غير مبرر ولم يقل لنا حقيقة الموقف ودخل في نوبة صمت حزين وكئيب لم يكن له من وجهة نظرنا مبرر غير كونه يخفي علينا أخبار الهزيمة، وفي يوم 9 يونيو عرفنا الحقيقة المرة ثم انصرفنا لنشاطنا الصيفي المعتاد بالقرية، كرة القدم عصرا حتى المغرب وفي الصباح في المرسم مع اللوحات والألوان وأحيانا بين حقوقنا ومزارعنا نتمشى ونصطاد السمك ونأكل الذرة المشوي.

المدرسة الثانوية:

انتقلت إلى المدرسة الثانوية بشارع منشا بمحرم بك ولم تكن تبعد كثيرا عن المدرسة الإعدادية ولذلك لم يتغير شيء في حركتي اليومية، ومضت الحياة روتينية كالعامين الماضيين ولم يتغير في حياتي سوى حصة التربية العسكرية التي كنت حريصا عليها وحريص على ارتداء بدلة الفتوة العسكرية.
في هذه العام كان أخي راجح بالقاهرة قد تخرج من كلية الشرطة وتسلم عمله بقسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وانتقل بعد عام إلى قسم شرطة باب الشعرية.
وفي محاولة جديدة لجمع شتات الأبناء الخارجين في سبيل تحصيل العلم اتفقت رغبة والدي مع رغبة شقيقي ضابط الشرطة في أن يكون له رفيق بالقاهرة ليتم نقلي إلى مدرسة خليل أغا الثانوية بشارع الجيش بالقاهرة لأقيم مع شقيقي بشارع الشيخ قمر بحي السكاكيني باشا على بعد أمتار من شارع رمسيس.

العاصمة:

توجهت إلى القاهرة في أكتوبر من عام 1969، لم أسترح لصورة المدينة العامة وشعرت بفارق كبير بين الإسكندرية ذات الحدود المعروفة والبحر الممتد إلى ما لا نهاية وهذه القاهرة المتسخة الخانقة التي يمتد فيها الزحام والضجيج إلى ما لا نهاية.
ولم تنتهي السنة إلا وانتقل أخي إلى العمل في وحدات جديدة سميت وحدات الاحتياطي المركزي وفي شقتنا الصغيرة ذات المتاع المتواضع عشت مع أخي ضابط الشرطة الذي كان يقضي معظم وقته خارج البيت وأيام عطلاته عند خطيبته أو معها في نزهة أو في الأسواق باحثا عن هدية لها تناسب قدرته المالية؛
وهكذا مضت أيامي الدراسية، وفي الطريق إلى المدرسة كنت أصطحب صديقا من أسرة فلسطينية يدعى سمير ولكنه لم يحدثني قط عن فلسطين ولا عن سبب وجوده بعيدا عنها، فإذا بلغنا المدرسة أسرعت إلى أصدقائي الذين آنست إليهم وهم خمسة من الجزائر مقتدر وعبد الحميد والطيب وأبو القاسم وسعيد ونيجيري يدعى أبو بكر ومسيحي مصري يدعى بشارة ومصري يدعى فتحي؛
وكان القاسم المشترك بين هؤلاء جميعا هو الاهتمامات والجدية خلافا لبقية التلاميذ الذين تبدو عليهم مظاهر السطحية والانشغال بالكلام العيب والحكايات الصغيرة، كما أن مجموعة الأصدقاء التي تآلفت معها كانت تجمعني بها مشاعر الغربة عن القاهرة، وكانوا من مرحلة سنية تزيد على بقية الطلاب لكونهم مبعوثين من بلاد أخرى، ولا يشترط فيهم سن معينة، ولعل هذه التركيبة البشرية الجديدة كانت الشيء الجديد في العاصمة عن بقية المدن الأخرى التي مررت بها.

القاتل والمقتول في شقتنا:

في يوم من أيام 1969 وبعد عصر ذلك اليوم طرق باب شقتنا طارق وتوجهت لأفتح له الباب فإذا بعبد السلام ابن خالي الطالب بكلية الهندسة جامعة الأزهر يدخل علينا في حالة من الإعياء والإرهاق وتوجه لتوه إلى حجرة النوم وتمدد على السرير وعليه علامات الحزن والألم ورحت أتجاذب معه أطراف الحديث، فأخبرني بأنه كان ضحية مظاهرة طلابية يتصدرها طلبة كلية الهندسة بجامعة عين شمس ومعهم طلبة من جامعة الأزهر ينادون بإعادة محاكمة القادة الذين تسببوا في هزيمة 5 يونيو عام 67
فقد صدرت ضدهم أحكام مخففة لا تناسب الجريمة التي ارتكبوها وما ترتب عليها من تدمير لسلاح الجو المصري برمته، وأخرج من جيبه منشورا دونت فيه مطالب الطلاب بعد مقدمة قصيرة ولا أذكر من هذه المطالب شيئا الآن أكثر مما قاله لي وزاد بقوله وقد تعرضت لنا الشرطة واشتبكنا معها بالحجارة.
وبعد حوالي ساعة طرق الباب آخر فخرجت لأفتح الباب فإذا به شقيقي ضابط الشرطة في ملابس مدنية غير ملابسه العسكرية التي خرج بها وكان في حالة من الإعياء والإرهاق كابن خالي الطالب تماما بالإضافة إلى كدمات واضحة في وجهه وبقايا دماء في رأسه وعلى ملابسه؛
وكان يرافقه أحد لا أعرفه انصرف مسرعا بمجرد أن اطمأن إلى أن شقيقي دخل البيت، وارتمى متهالكا إلى جوار ابن خاله على ذات السرير ولم أشأ أن أسأله فقد كان موقفا محرجا لأنه جرح وسقط على الأرض تحت أقدام الجنود الفارين أمام هجوم الطلبة بالحجارة، ولولا فضل الله الذي سخر له من حمله من على الأرض وألبسه ملابس مدنية لقتل تحت أقدام الطلاب أو بأيديهم.

وفاة عبد الناصر وجنازته المليونية:

وفي مايو 1970 وفي الوقت الذي استعد فيه للامتحانات تزوج شقيقي ضابط الشرطة وانتقل إلى شقته في مصر الجديدة وتركني بصحبة أخي الأصغر حمدي الذي انتقل إلى المدرسة الإعدادية بالقاهرة، واندلعت الحرب في الأردن بين الملك حسين والفدائيين الفلسطينيين في معركة أيلول الأسود؛
وبلغ عدد القتلى 1600 قتيلا من الجانبين، وعقد مؤتمر قمة عربي للمصالحة بين الجانبين بالقاهرة وفي اليوم الأخير لهذا المؤتمر عاد جمال عبد الناصر من المطار بعد وداع الملوك والرؤساء في حالة مرضية شديدة، ومات لتوه في الساعة الخامسة والنصف من مغرب يوم 28 سبتمبر 1970.
مع الآلاف من المواطنين اندفعت خارج الشقة أتدحرج على السلم نحو الشارع ثم إلى كوبري القبة حيث منزل الرئيس عبد الناصر، لم أفكر في وسيلة مواصلات تنقلني من شارع الشيخ قمر بحي السكاكيني إلى حيث بيت الرئيس كما لم يفكر في ذلك كل الملايين التي خرجت تودع الرئيس المحبوب والأمل الباقي لنحقق النصر على إسرائيل؛
هناك كان البكاء والنحيب والذهول، الأعداد تزايدت وبقي الناس حتى مطلع الفجر، وفي اليوم التالي مرت الجنازة من أمام شارعنا وسرت معها حتى تواري الجثمان في التراب، ويوم الجمعة التالية خرجنا لاستقبال الرؤساء السادات والقذافي والأسد وهم يصلون في مسجد عبد الناصر، وهكذا أصبح المرحوم جمال عبد الناصر وتولى السلطة الرئيس السادات.

إلى الجامعة:

كان ذلك في أكتوبر 1970 عندما توجهت إلى كلية العلوم بجامعة عين شمس بالعباسية بالقاهرة لا يزيد وزني عن 65 كجم نحيف بالنسبة لطولي الذي يبلغ 180 سم أرتدي بدلة كاملة وفي يدي حقيبة جلدية سوداء وبعد أيام قليلة استقر رأي أن ألتحق بقسم الأحياء (البيولوجي) وفي المدرج الكبير بدأت المحاضرات التي كانت تجمع القسم كله وأحيانا السنة الأولى كلها.
وكما يقول المثل (الطيور على أشكالها تقع) فقد تشكلت مجموعتنا سريعا من عدد من الطلاب التقليديين وفي المقابل كانت هناك مجموعات من الطلبة والطالبات المتفرنجين (أولاد مصر الجديدة) ومجموعة ثالثة من الطالبات المحافظات وعددهن قليل.
وبعد شهر من الدراسة تقريبا رحت أتجول في الكلية وما حولها وكانت الأحوال لا تسرني كثيرا، وخاصة أهم قضية تشغل الذهن في ذلك الوقت وهذه السن وهي علاقة الطلبة بالطالبات وما يشوبها من مخالفات لم أتعود عليها، ولم يكن بذهني أسباب واضحة لموقفي الرافض ولكنها آثار التربية العائلية المحافظة، وأينما ذهبت كان يؤلمني أن أرى الطالبات بملابس قصيرة يجلسن في أوضاع مخجلة مع الطلبة ويتبادلن النكات والضحكات وفرقعة الأيادي بالتصفيق والهزار؛
وعندما قررت أن أتوجه لمكتبة الكلية فلم أجد حالتها أفضل من الحدائق العامة المحيطة بها، كان جوا خائفا بالنسبة لي ولم أفرج بالجامعة التي حلمت بها، وعلى المستوى العلمي والدراسي فلم تكن لدى صعوبة في شيء وسعدت كثيرا بالمحاضرة القومية التي كنا ندرس فيها كتاب "الصهيونية العالمية وإسرائيل" ويدرسه لنا، أ. د. حسن أنور فوده وفي تقديم هذه المادة كان محاضرنا يبذل طاقة خارقة في البيان والشرح مصورا الصهيونية بالسرطان الذي ينتشر في جسد الأمة العربية ليقضي عيها ويحضنا على مقاومته بكل وسيلة وأولها الإلمام بالفكر الصهيوني وخطورته على البشرية.
ومضت السنة الأولى على هذا النحو وقبل نهايتها بقليل عثرت على مبنى قديم متسخ في بقعة مهجورة من الكلية عليه ورقة باهتة مكتوب عليها (المسجد) وبه حصيرة ممزقة والتراب يعو كل شيء فيه وفي نهايته صنبور تحته بركة إسمنتية مليئة بالطحالب الخضراء والفطريات.

الموت يهزني من الأعماق:

سمعت عنه كثيرا وشاركت في تشييع الجنازات كلما تصادف وجودي وحالة الموت حاضرة ولكنني حتى هذه اللحظة لم أكابد الموت وألمسه عن قرب، وبينما أنا في شقتنا في صيف عام 1971 جاءت زوجة أخي للمرة الأولى بدونه تخبرني أنه مريض وانصرفت من الباب على الفور ولم يكن بلاغها بالصورة المزعجة فتباطأت حتى المساء؛
ثم سعيت لزيارته في شقته بمصر الجديدة، كان في حجرة نومه وحوله عدد من الزوار من أسرة زوجته وهو يشكو من ألم في الناحية اليمني أسفل بطنه، ولكن لم يكن يبدي أي مظاهر للضعف فقد كان شابا في الثامنة والعشرين من عمره وضابط بالأمن المركزي برتبة نقيب يؤدي تدريبات رياضية عنيفة كل يوم.
وانتظرت حتى خرج الضيوف ثم استمعت إليه وقد بدت عليه علامات التعب ولم يخفها عني كما كان متماسكا أمام الضيوف، قال: ... من ثلاثة أيام وبعد معركة خاضتها كتيبتي في إجلاء المهاجرين من السويس عن المساكن التي استولوا عليها بمدينة نصر وهي مملوكة للحكومة شعرت بعد هذه العملية أن بطني تؤلمني ويظهر أن الناس دعوا علينا لأننا ضربناهم ورميناهم في الشارع، وسارعت بسؤاله: هل حضر الطبيب؟
فقال: وكتب أدوية كثيرة وأشار إليها بيده ثم قال: ولكنني لا أشعر بتحسن في الحالة، وبعد أن تناولنا أحوالنا وأخبار الأهل في البلد طلب مني أن لا أبلغهم بشيء لأن الأمر بسيط وسلمت عليه وعدت إلى سكني ولكن مشاعر القلق كانت قد أخذت مني كل مأخذ؛
عدت في اليوم التالي ولم ألحظ على صحته أي تقدم فالحرارة مرتفعة وتصل أحيانا إلى 40 درجة والألم مستمر في أسفل البطن وبادرته بضرورة استشارة طبيب آخر لكنه فضل استكمال العلاج لمدة خمسة أيام حسب إرشادات الطبيب وبعدها نستشير طبيب آخر في اليوم التالي حصلت على اسم طبيب في الحميات؛
وتوجهت إليه قبل زيارتي لأخي، محاولا اصطحابه معي ولكنه اعتذر وواعدني الصباح الساعة العاشرة وتوجهت لأخي وأقنعته بذلك، وتقابلت مع الطبيب في العاشرة من صباح اليوم التالي، وفحصه بدقة وأخذ تاريخ المرض؛
وقال: أحتاج لتحاليل دم حديثة وأجرينا التحاليل وعرضتها على الطبيب في مساء اليوم فأبدى انزعاجا واضحا وراح يسألني عن تخصصي في العلوم فأخبرته، فقال: احتمال كبير أن تكون الإصابة (لو كيميا) أي سرطان في الدم وأفضل نقله إلى مستشفى الحميات بالعباسية، وكتب توصية بذلك لتسهيل الدخول، وتفاوضت مع أخي وزوجته طالبة الطب وقبلوا بعد ثلاثة أيام من الجدل والتفاوض وكانت الحالة تزداد سوءا وأخيرا تم إدخاله مستشفى الحميات.
كانت الأحداث تمضي متسارعة وفكرت في كل وسيلة للشفاء، ولم أفكر لحظة أن هذا الفتى سيموت بعد أيام معدودات، كان فنانا حاذقا يرسم اللوحات الزيتية فتبدو لوحاته كان الطبيعة الجميلة قد رفعت لك على الحائط أو كأنك تنظر إليها من نافذة مطلة، وكان يحب المرح والغناء وفعال في أداء الواجبات، ومنجز في المهمات ومنقذ في الملمات، وكان فرحة أبيه الأولى وثمرة جهاد طويل من أجل تعليم الأولاد والنهوض بهم.
في المستشفى استقبلنا الأطباء بشيء من الاهتمام وراحوا يأخذون البيانات وما أن أبلغتهم أنه ضابط شرطة نظر بعضهم إلى بعض بطريقة متشفية وغير كريمة، ولم أكن أدري أن المشكلة بين الشعب والشرطة بلغت هذا الحد من السوء، دخلت الريبة في نفسي وظل الحال كذلك طيلة اليوم الأول والثاني، وفي اليوم الثالث ألححت عليهم في ضرورة عمل شيء، وترددت على حجرة الأطباء لأكثر من مرة
فصرخ أحدهم في وجهي يغضب (يحتاج لجراحة والجراح في مستشفى عين شمس وأرسلنا في طلبه ويمكنك الذهاب لاستعجاله) وسارعت لأبلغه بذلك ثم انصرف ولكن بمجرد وصولي إيه وجدته يودع الحياة، وقد حضرت زوجته لزياراته وانتحت جانبا تبكي بحرارة وهو يقول بصوت مسموع "عليه العوض ... عليه العوض ...".
ولاحظت أن قدماه فارقت الحياة بالفعل وأن الموت يزحف ناحية نصفه العلوي وفي لحظات كان الموت بلغ رأسه وتنبهت إلى أن الروح تخرج من الفم فهممت أن أضع يدي على فمه لكنه أمسك بيدي وبقوة وفي لحظات كالبرق صعدت الروح إلى بارئها تاركة لنا كيانا ماديا لا أكثر وهرولت إلى الطبيب أستدعيه فوجدت الممرضة سبقتني وأحضرته فأخرج السماعة وقاس النبض ثم وضعها في رقبته وغطى الجسد وانصرف مهرولا وقال وهو عند الباب: البقية في حياتكم.
هكذا انتهت الحياة ... وهكذا عايشت الموت بالحركة البطيئة وشاهدت حالة عملية للموت وتشبعت نفسي بهذه الأيام وما تزال ولا أحسب حدثا أثر في حياتي مثل هذا الحدث، وأصرت إدارة المستشفى على وضع الجثة في الثلاجة وشعرت بالبرد يقتلني وهم يدفعون أخي إلى الثلاجة ورجوتهم أن يمهلوني ساعة واحدة وسأحضر السيارة وأنصرف به إلى البيت
ولكنهم رفضوا بحجة التعليمات وبعد ساعتين من الظهر حضر حماه الحاج محمود الطلياوي وكوكبة من الأقرباء والجيران وانخرط معظمهم في بكاء حار، وانصرفت الزوجة إلى بيتها في سيارة أبيها، وجاء الحانوتي وتوجه للثلاجة وقام بإجراءات الغسل وحضرت قوة من الشرطة ومعهم سيارة إسعاف خاصة وعدد من زملائه بالوحدة وحملوه معه في سيارة واحدة وتوجهنا إلى بلدتنا بكفر الشيخ.
كانت رحلة شاقة وطويلة وثقيلة وكلما مررت بحقل رأيته يتمشى وسط الحقول فيشتد بكائي ونحيبي، وكلما اقتربنا من القرية تذكرت أبي ووقع المفاجأة عليه فتنهمر دموعي ويزداد نحيبي ولكن الأمر كان أكثر مما تخيلت وعلى بعد حوالي 3 كيلو مترات من القرية وجدت رجالات العائلة وطلائع القرية قد خرجت لاستقبال الجثمان وجلهم بغير هيئة الخروج المعتادة؛
آلاف من الناس صغارا وكبارا وعواجيز يتوكأون على العصي وقد أضناهم الحزن على فتى قريتهم وسندهم في الحكومة أما والدي فلم أره إلا عندما بلغنا أمام بيتنا فوجدته مستندا على رجلين لا يقوى على النهوض أو الحركة وأشار لي من بعيد أن أمضي إلى المقابر وفهمت أنه يريد إنهاء الأمر بسرعة فلم يعد يحتمل.
وتحركت السيارة إلى المقابر وحمل الناس والجنود النعش وتعالت الأصوات بالنحيب وتحجرت الدموع في الأعين من الحزن وهبط الحاملون بالجثة إلى مثواها الأخير وفور إحكام غلق المقبرة أطلقت القوات المرافقة إحدى عشرين طلقة وانتهى الأمر وعاد كل فريق إلى حيث أتى ولا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون.
فور الانتهاء من مراسم الدفن عدت إلى بيتنا فوجدته مكتظا بالنساء المتشحات بالسواد كل الحجرات والطرقات والصالات والتراسات مفروشة باللون الأسود ويلفها حزن عميق، بصعوبة بالغة تعرفت على أمي وأخواتي ورحت أنقل قدماي من موضع إلى آخر حتى بلغت مكانهم وسط السيدات المعزيات؛
وما أن بلغت المكان حتى أمسكت أمي بيدي وتقوت بي وقامت واقفة واحتضنتني وهي تقول:
"استحملت ازاي يا ولدي موت أخوك قدامك؟) (وليه يا بني مقلتناش إنه عيان) ... وانخرطت في البكاء والنحيب .. هناك في حديقة المنزل سمعت صوت أخي علي الذي يكبرني مباشرة وهو يصح في ذهول تام" ودوني لأخويا أبات معاه في التربة ... أخويا ما يباتش لوحده ... يتجيبوه هنا أو أروح أنا معاه هناك) ... الناس من حوله يمسكون به ويقولون "وحد الله يا مسلم .. أخوك عند اللي خلقه ... كلنا حانموت يا ابني وحد اله وحد الله"
هكذا كانت حالة الأسرة ... مفاجأة وذهول وكلمات ملتاعة وإحساس بالخسارة وحزن وبكاء ونحيب وظلت الحالة على هذا النحو حتى المساء وصلى الجميع المغرب وعلى صوت المقرئ في الصلوان الكبير ... كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) ... وهنا خشع كل شيء وهدأ الجميع وسكنت النفوس واستسلمت لحكم الله وقضائه.

نشاط ديني بالكلية:

أفرزت تجاربي منذ نكسة 1967 وحتى موت أخي اهتماما بالغا بالدين وشرعت في إصدار مجلة حائطية أسميتها (الإيمان) واستوحيت هذا الاسم من كتيب صغير للشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر كان يحمل نفس العنوان، وكنت أعبر فيها عن وجهة نظري، وكانت الأولى بالكلية في ذلك الوقت، واقتبست معظم مادة العدد الأول من كتاب الإيمان للشيخ عبد الحليم محمود، لم أصدق نفسي عندما وضعت مجلتي في إطار خشبي كان معدا للإعلانات؛
فقد اجتمع عدد كبير من القراء وبعد لحظات انخرطوا ينتقدون ما كتبت وانبرى آخرون يدافعون عن المجلة وما جاء فيها، ووصل الأمر إلى درجة الاشتباك وصاح أحد الطلاب في وجه المعارض للمجلة قائلا: أنت مش عاجبك الكلام لأنك شيوعي معفن، ولأول مرة أسمع عن هذه الكلمة فلم أكن تعاملت من قبل ع هذا المسمى (شيوعي).
وفي صباح اليوم التالي وجدت مجلة بمساحة تصل إلى ضعف مجلتي وعنوانها "رياض بصلة يرد على المليجي"، وكان رياض بصلة هذا لقب لطالب يساري (هو اليوم من أصدقائي ولي به علاقة طيبة وفي مركز مرموق ومشرف للعلميين المصريين)، وفي اليوم الثالث وجدت مجلة ثالثة بمساحة كبيرة عنوانها "زيكو يرد على بصلة"
وهكذا صار المكان حول مجلة (الإيمان) ساحة للنقاش بين الإسلام وخصومه وراح (زيكو) وهو المعيد بالجيولوجيا يبحث عني في كل مكان حتى قابلني وصحبني إلى مكتبه وقدم لي الواجب وشجعني على الكتابة متوعدا كل من ينتقدني بالرد الفوري عليه (هو الأستاذ الدكتور عبد المحسن زيكو أستاذ الجيولوجيا بجامعة الزقازيق).
كررت إصدار مجلتي وزادت معارفي حول الموضوع الديني وتبين لي أن هناك مجموعة بالجامعة تسمى بالناصريين يترأسهم الطالب نبيل صفار (رحمة الله عليه) وكان شبه متفرغ لنشر الفكر الناصري حتى كبرت سنه عن أقرانه بوضوح.
كان يساندني في كل ما أقوم به من نشاط أصدقائي بالمسجد ووجدت في هذه المعركة الجديدة طعما جديدا للحياة فأعطيتها جل وقتي.

قف من أنت؟

هكذا قالها وهو يهرول خلفي قاصدا لحاقي بعد ما خرجت من المسجد قاصدا الانصراف إلى محطة المترو وتوقفت والتفت فإذا به أحد المترددين على المسجد ومن تعودت على رؤيته في معظم الصلوات إنه الطالب محمد نزار زغموط سوري ويعمل والده في دول الخليج ويدرس بالطب، ابتسم لي وابتسمت له مرحبا وسار إلى جواري وشرع يتعرف علي، وتعرفت عليه، وأبدى لي إعجابه كثيرا بما أكتب ودعا لي بكلمات رقيقة كانت جديدة على مسامعي.
تكرر لقائي به في اليوم التالي وصارت بيننا صداقة خاصة على مر الأيام ورحنا معا نتوجه للواقع من حولنا بالنقد وعدم الرضا، كان معظم كلامي حول الواقع ينصب على قيم أساسية كالحياء والشهامة والرجولة والعيب ومصحة الوطن وشرف أبنائه، أما هو فكان كلامه يستند إلى الدين ويتعامل مع المواقف بميزان الحلال والحرام وكانت وجهة نظرنا واحدة في معظم الأحيان ولكن بمرجعيتين مختلفتين، وإن اتفقنا في النتيجة.
أعجبني كثيرا أسلوبه وقررت أن أستكمل نقصي العلمي بالدين وعلى محطة المترو تفحصت الكتب المعروضة عند بائع الجرائد فلمحت كتابا بعنوان (الإسلام) لأحد علماء الأزهر فاشتريته وتفحصته في رحلتي إلى البيت، فأعجبني كثيرا فقد كان يتحدث عن الإسلام بمنظور شامل للعقيدة والأخلاق والعبادات والشرائع، وأكملت الكتاب قراءة في البيت، وفي اليوم التالي عرضت الكتاب عليه فنظر إليه باستخفاف واضح ووعدني بكتاب أفضل من ذلك.

الوجه الآخر للدين:

في يوم من الأيام ونحن منصرفون إلى محطة المترو دار بيننا هذا الحوار ...
قال صديقي: إلى متى ستظل تسألني وتتكلم دون عمل؟
فقلت على الفور: وأي عمل هذا غير ما أعمل؟
قال: مطلوب منا أن نعلم الناس المنهج الصحيح في الحياة.
وكان السؤال الطبيعي: وهل هناك منهج صحيح غير ما عليه المسلمون في بلادنا؟
فقال: الناس مسلمين بالاسم ولا يعرفون عن الإسلام شيء وهذا الذي يوقعهم في الخطأ سنين طويلة ثم يكتشفون ذلك ويحاولون العودة ولكن بعد فوات الأوان وضياع العمر ولو تعلموا أولا قبل العمل لتجنبوا هذه الخسارة، كان كلامه مقنعا ولم أتردد في تلبية دعوته للعلم الديني في حلقة دراسية يقيمها مع أصدقائه في بيت أحدهم وقد أعطاني العنوان فوجدته قريبا من بيتي.

التنظيم الإسلامي الأول في حياتي:

كان اللقاء بمنزل لأخ الزميل بكلية الطب سامي حامد غيتة رائعا وجميلا ومريحا للنفس فقد قابلني والده بترحاب وكان رجلا طيبا في الستين من عمره ونادى على والده قائلا: "قاب زميلك يا سامي وفي حجرة الصالون وجدت صديقي بين خمسة من الأصدقاء (عبد الله دغيش، إبراهيم حرحش، عادل عبد الخالق،محمد نزار زغموط، عرفة حسن) وقد خلعوا أحذيته خارج الحجرة".
وتحلقوا حول منضدة حجرة الجلوس وقد أمسك كل واحد منهم مصحفا وراحوا يتابعون تلاوة أحدهم وما أن انتهى حتى بدأ آخر يكمل السورة وهكذا وعندما جاء دوري كان طبيعيا أن أفعل مثلهم حتى مر علينا جميعا الدور وقرأ كل منا عشر آيات تقريبا.
بعد ذلك قال أحدهم فلنتعارف وقدم كل منهم نفسه اسما وعملا وسنا وحالة اجتماعية وفعلت وكانوا جميعا طلابا بالجامعة.وتناولوا بعد ذلك كتاب تفسير ابن كثير وراحوا يطالعون تفسير بعض الآيات التي تلوناها.

قيادات من كتب:

في أثناء هذا الخضم من الأحداث القومية والعالمية التي تجري حولنا، وقعت أيادينا على جملة من الكتب الهامة التي بلورت لنا نوعا من المنهجية في التغيير.
برز أمامنا في هذه الفترة التاريخية كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن للأستاذ العلامة الداعية أبو الأعلى المودودي حيث راح الأستاذ المودودي من خلال كتابه عن مصطلحات (الله ،الرب ،الدين ،العبادة) يشرح الكثير من معاني الإسلام، وحق الله على العباد.
صادفنا كتاب التوحيد للشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ولكننا مررنا عليه سريعا فلم نجد فيه ما نتوقف عنده بالنظر لغلبة البيئة السعودية عليه، ولكننا اكتسبنا حساسية بالغة تجاه مظاهر الوثنية المنتشرة في العالم كعبادة الأصنام والأبقار البوذية في آسيا، وعبادة النار، والغلو في تزيين المساجد والأضرحة.
ووضعنا أيادينا على كنز مكنون لم نكن طالعناه من قبل وهو كتاب (رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين) للإمام النووي، وأصبحت الكتب الإسلامية أهم سلعة نشتريها، وعندما طبعت دار الشروق تفسير الظلال لسيد قطب بلغ ثمنه أربعة وعشرين جنيها للستة أجزاء وهو مبلغ باهظ لأمثالنا، وأمام الرغبة العارمة في القراءة بعت جهاز التلفاز الذي أملكه بعشرين جنيها واشتريت الظلال وكان جامعا لعلوم كثيرة.

تحولات متسارعة:

كان للزاد الروحي والثقافي الذي نتلقاه في جلستنا الخاصة الأسبوعية أعظم الأثر على حركتنا في الحياة في هذه الفترة، ففي الحي الذي أعيش فيه، التزمت المسجد في صلاة المغرب والعشاء والفجر على الأقل، فلم أكن أتخلف عن الصلاة في المسجد.
وقد شكل التدين بالنسبة لي سياجا حاميا من الوقوع في تيارات التحلل وما يجره على الشباب من عادات التدخين والمخدرات والجنس، التي نبتت بذورها مع انتشار الشيوعية في الستينيات.
وفي حي النزهة بمصر الجديدة استكملنا بناء مساجد (الفرقان، السيدة عائشة، السيدة خديجة)، ورحت أجوب هذه المساجد داعيا إلى اتباع القرآن والسنة، ومنظما حلقات لدراسة الكتب الإسلامية.
وقد التف حول الدعوة بالمساجد جمهور جديد كان جله من ضباط القوات المسحة وأصحاب المصانع والتجار، وعدد من المواطنين الليبيين الفارين من القذافي، ولا أنسى أحدهم عندما عانقني وبكى بحرارة، عندما خطبت الجمعة حول وجوب الحكم بالشريعة تحقيقا لإسلامية المجتمع، وكأنني قد هيجت عواطفه وأعدت له ذكريات آلمته وتعرفت على كبرائهم في مصر أمثال الأستاذ عبد الرزاق أبو حجر ومحمد الدراط وعوض المنقوش.
واستحدثنا بالمساجد عادات إسلامية كانت قد ماتت، في مقدمتها الاعتكاف وعقد القرآن وعقيقة المولود، وصلاة العيدين خارج المساجد، وكان أعظم مظاهر النهضة في الحي، انتشار الزي الإسلامي، وتبرع بعض السيدات بتفصيله مقابل قروش زهيدة.
وانتقل الصحب بالمسجد لمزيد من الدراسة بالمنازل، وتسابق الناس بالمسجد على دعوتي لحضور حلقات العلم بالبيت، وكان الواحد من المسلمين يجمع عائلته رجالا ونساء ليسمعوا كلام الله وأحاديث رسوله، ولفنا جميعا جو من المحبة والبركة تحت راية الإسلام، وكأننا دخلناه من جديد.
وفي الجامعة كثرت لقاءات المتدينين، وبرزت فيهم قيادات شابة، وغيرنا ملابسنا إلى ما اعتقدنا أنه أكثر سترا للعورة، فارتدينا قمصانا طويلة تصل إلى الركبة، وأطلقنا لحانا، ووضع بعضنا أغطية على رأسه، وزاد بعضنا توغلا في الأمر فأصر أن يكون لباسه أخضر تشبها بالسندس الأخضر في الجنة؛
وكان أمير الخضر في كلية الطب أخي وحبيبي الدكتور ماهر سالم، وأمسك بعضنا في يده عصا تيمنا بعصا موسى ومدعيا أنها من السنة وإذا سئل عن السبب قال أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ثم راح يلوح بها في وجه السائل ضاحكا وهو يقو ولي فيها مآرب أخرى.
وكثرت المحاضرات الدينية، وراحت إدارات الكليات توافق على ذلك، وعقدت المحاضرات في المدرجات أو في المساجد، وفتحت الجامعات للمشايخ (محمد الغزالي، سيد سابق، إبراهيم عزت) وزارنا بكلية العلوم مرة الشيخ: ناصر الدين الألباني، والشيخ: محمد نجيب المطيعي، والدكتور: كامل البوهي من إذاعة القرآن الكريم؛
كما تعرفنا على الشيخ حافظ سلامة أمير الدعوة بالسويس وأعظم المشيدين للمساجد المليونية أثناء عمله الدؤوب في بناء مسجد النور بالعباسية وكنت مع آخرين من الزملاء نعبر شريط القطار خلف كية علوم عين شمس وننضم للعمال المشتغلين بالمسجد تطوعا ومعنا في ذلك الشيخ حافظ سلامة شخصيا وقد خلع طربوشه والجاكت وشمر عن ساعديه وراح يحمل التراب والأسمنت في همة ونشاط.
وظهر في هذه الآونة نجم الشيخ: محمد متولي الشعراوي، وقدم من خلال برنامج "نور على نور" الأسبوعي للأستاذ: أحمد فراج لونا جديدا من التفسير المبهر، وشاركته في حلقتين بالأسئلة ما زلت أحتفظ بتسجيلاتها حتى اليوم وكان ذلك في أول سنة 1973
حيث توجهت لموقع تسجيل الحلقات لأدعوه ليلقي محاضرة بعلوم عين شمس ولكنه اعتذر لكثرة مشاغله ودعاني لأسمع الحلقات أثناء التسجيل ضمن الجمهور المدعو، وارتفع صوت الشيخ: عبد الحميد كشك بمسجد عين الحياة بشارع مصر والسودان، والشيخ: عبد اللطيف المشتهري بمساجد الجمعية الشرعية، والشيخ إبراهيم عزت بمسجد أنس ابن مالك؛
ونمت الحياة الإسلامية بالجامعة في ظل ذلك كله، وانتقل الحجاب إلى طالبات الجامعة، وأقبلت عليه فتيات مصر بما لم يكن متوقعا، وأقمنا له معارض، وكنا عاجزين عن الوفاء بالطلبات المقدمة إلينا، وبدأنا بالجامعة مع بقية الزملاء ندخل عالم المطبوعات، وساعدتنا مطبعة الجامعة، وطبعنا في مطبعة جامعة عين شمس مجلة شهرية، وملزمة عن الحجاب،
وكتيب عن تجويد القرآن الكريم، وكتيب بعنوان (من نقرأ ولماذا نقرأ؟) رصدنا فيه قائمة بأسماء العلماء المعتمدين عندنا، والكتب المرشحة لثقافة الشاب المسلم في أقسام الثقافة الإسلامية المختلفة، بادئة بالعقيدة ثم العبادات، ثم الأخلاق ثم الشريعة والتاريخ الإسلامي؛
وتطورت فكرة العمل الإسلامي من الناحية التنظيمية، من لجنة صغيرة تسمى اللجنة الدينية تتبع اللجنة الثقافية باتحاد الطلبة، إلى منظمة منفصلة تسمى الجمعية الدينية، ثم انتهت إلى ما عرف بالجماعة الإسلامية، وتعتبر كل هذه التشكيلات منظمات طوعية، يلتقي الطلاب المتدينون تحت لافتتها من خلال قناعتهم بمبادئها وسلوكها، ويمارسون العمل بطريقتها كل على حسب قدرته وبكامل إرادته.
وفي قسم النبات بكلية العلوم جامعة عين شمس كانت حياتي الدراسية التخصصية، وكم دارت بيننا حوارات كزملاء سبعة في السنة الثالثة (أربع طالبات وهن: أميرة حسنين، عبلة نصار، زينب علوان، هدى صبحي، وثلاث طلاب وهم: السيد المليجي، محمد الدمرداش، أحمد غريب) والطالبات الأربعة اليوم أساتذة بكلية علوم عين شمس ومحمد الدمرداش أستاذ بعلوم دمياط وأحمد غريب أستاذ بعلوم الزقازيق وكان معنا طالب مسيحي واحد يسمى "قزمان" لم يتحمل الحياة وسط مجموعة تقضي معظم وقتها في مناقشات حول الإسلام، فتقدم بطلب نقل إلى قسم آخر في كلية أخرى بعد شهرين من الدراسة بالرغم من أننا كنا نحسن علاقتنا معهم بكل وسيلة ممكنة.
في هذه الأيام من السبعينيات، لمع في عالم الكنيسة شخصية البابا شنودة، وكان له دور كبير في تأليبهم على إساءة معاملة المسلمين ...! في محاولة واضحة لإثبات التفوق المادي والمعنوي، واستمعنا لأول مرة عن مخططات للكنيسة حول إقامة دولة مسيحية في الصعيد أو سيناء؛
واستمعنا لإشاعات حول تدريبات وأسلحة تخزن بالكنائس، وحدثت بالفعل أحداث تقاتل بين المسلمين والمسيحيين بالأحياء والجامعات، ترتب عليها أضرار بالغة بالوحدة الوطنية، وخسارة فادحة لأتباع الكنيسة، مما جعل فريقا منهم يثور على إدارة البابا، ولم ينعدل الميزان إلا بعد أن ثبت له خطأ تصوره واستحالة العمل بفكرته.
ولا أنسى التعصب المجنون لأعضاء هيئة التدريس المسيحيين في هذه الفترة بكلية علوم عين شمس ...! وخاصة في قسمي الرياضيات والكيمياء، والقسمان من الأقسام الأساسية بالكلية، وكل الطلاب يدرسون بهما، فكانوا يتتبعون الطلاب المتدينين بالإساءة في المعاملة لدرجة ملحوظة.
وفي نفس الوقت يجتمعون بصورة ملحوظة، مشكلين جماعة ضغط نفسية وإعلامية في مواجهة الحركة الإسلامية، وسمعنا ونحن طلاب عن اجتماعات تعقد لهم مع الطلبة المسيحيين بالكنيسة لتنظيم عملهم بالكلية، ولتقوية الطلبة المسيحيين دراسيا ... بهدف إشغال المواقع المتقدمة في السنوات النهائية، وتمهيدا لشغل مواقع بهيئة التدريس بالكلية.
ولم يكن ذلك ليغيب على كثيرين من أعضاء هيئة التدريس المسلمين، الذين قاوموا ذلك بشدة، ونجحوا في دفع الطلاب المسلمين دراسيا، وانتهى الأمر بالمسيحيين الأقباط إلى اليأس والانصراف عن ذلك، وصار أمرهم موكولا إلى قدرات الطلاب وطموحاتهم دون توجهات أو تدخلات من الكنيسة وعناصرها.
وحتى نهاية عام 1973م كانت هناك بقايا من الشيوعيين في أعضاء هيئة التدريس، مصدرها المبعوثين إلى روسيا للحصول على الدكتوراه، وكان نصيب قسم النبات واحدا من هؤلاء، هو د. عبد السلام شعبان كما كان بقسم الكيمياء واحدا هو د. عبد الرحمن موسى ولم نكد نلتقي في قاعة الدرس حتى اصطدم بي واصطدمت به في نقاش جدلي حول الله وقدرته؛
وكانت إجابتي عليه عنيفة وشديدة، وصارت مشكلة، ظلت تؤثر في علاقتي به حتى تخرجت، ولكنه اليوم بفضل الله أستاذا فاضلا محترما وصاحب مدرسة علمية مرموقة ومن أحبابي وقد تغيرت فكرته وطريقته في الحياة كثيرا؛
أما أستاذ الوراثة (د: أحمد الكباريتي) فكم ضج بالحوار بيني وبينه حول كون العوامل الوراثية (الجينات) مطلقة التصرف في نقل الصفات الوراثية أم لا؟، وضربت له كثيرا من الأمثلة في مجال إثبات أن الأمر كله لله، غير أنه كان أستاذا فاضلا، يؤمن بالله وبمحدودية علم الإنسان إلى جانب علم الله، ولذلك كان متقبلا لمناقشاتي وناصحا أمينا في مجال الدعوة بالتي هي أحسن (رحمة الله عليه).
وبرز في حياتي العلمية الأستاذ الدكتور حسن أنور فودة أستاذي ومعلمي وقدوتي العلمية الأولى وكذلك الأخت الفاضلة الدكتورة رئيفة أحمد حسنين التي شجعتني كثيرا على الاستمرار في طريق البحوث العلمية، جزاهم الله عنا خيرا كثيرا؛
قسم النبات بعمومه كان له سمعة محترمة، وصبغة متدينة، زادت مع الأيام حتى صار من المشهود هم بذلك، ويعد قسم النبات بعلوم عين شمس حتى يومنا هذا نموذجا في التزامه وجديته، وفي هذا القسم العلمي العريق والمحترم حصلت على الماجستير والدكتوراه وما زلت أعتبره مدرستي العلمية وجميع أعضاء التدريس به أصدقاء الحياة.

عام في القوات المسلحة:

التحقت بالقوات المسلحة المصرية في أكتوبر 1974، نظرا لكوني معيدا بالجامعة فقد رشحت جنديا ولمدة سنة واحدة فقط، كانت القوات المسلحة خارجة لتوها من حرب أكتوبر 1973، لم تكن هناك بعد رؤية واضحة لطبيعة المعركة القادمة من حيث كونها حربية قتالية أم سلمية تفاوضية؛
القوات المسلحة كانت ما تزال على حالتها وفي حالة ترقب واستعداد ملموسين، التحقت بقوات الدفاع الجوي ومركز تدريبها في الفيوم منطقة اللاهون، كانت من أسعد أيام الحياة، لقد وحشتني البندقية أم روحين في بيتنا ومسدس أبي واليوم أمتلك بندقية آلية سريعة الطلقات، وأحرس المعسكر ليلا وأنام في موقع الخدمة، أوقات الخدمة ما تزال تحمل الأسماء العثمانية، البرنجي (6 – 10م) والكنجي (10 – 2 ص) والشنجي (2 – 6ص).
كنا نداعب الشاويشية فنقول لهم لو أخذنا الحرف الأول من كلمات الخدمة الثلاث تطلع الخدمة كلها (بكش)، وبالجملة كانت أيام الجيش كلها جميلة وممتعة، يوم ضرب النار كان اليوم الوحيد الذي يسوده التوتر، المطلوب في هذا اليوم استلام الذخيرة بدقة وتسليم الفارغ بدقة حتى لا تتسرب الذخيرة هنا أو هناك، كما أنه من المهم المحافظة على أرواح الجنود في ميدان الرماية.
انتهت فترة التدريب بسلام وأصبحنا مؤهلين للترحيل إلى وحدات الدفاع الجوي، في هذه الأيام زارني في مركز التدريب شاويش من طرف ضابط كبير، كان الضابط الكبير مواظبا على حلقة التلاوة التي كنت أديرها عقب الفجر في مسجد السيدة عائشة بمنطقة النزهة، إنه اللواء زكي عبد العزيز، من أبناء مدينة قها ويسكن قبالة المسجد ومن المواظبين على صلاة الفجر، عشت بقية السنة المقررة لي في كنف اللواء زكي عبد العزيز مكرما بالوحدة.

عبيد في سجن الوحدة:

حادثة واحدة كادت تدخلي السجن الحربي ولكن الله سلم، فمع أول ضوء لنهار جديد وزقزقة العصافير الغادية تعزف أمتع الموسيقى، وبينما أقف حارسا بالموقع وسلاحي في كتفي ينفتح أمامي باب حديدي ويخرج منه طابور من العبيد الذين رأيتهم من قبل في فيلم سبرتكوس محرر العبيد، أجسام نحيلة ومريضة ومنهكة ووجوه صفراء باهتة وملابس ممزقة وخلف العبيد شخصا مفترسا يمسك بعصى غليظة ويضربهم بلا رحمة على رءوسهم وعظام أرجلهم وهم يجرون متألمين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة؛
كان المنظر رهيبا بما يكفي لحتمية التقدم لإنقاذ هؤلاء المساكين من الوحش الذي يفترسهم، وقد كان، وجدتني أنقض بك قوتي على الجلاد الشرس وأشتبك معه في معركة بالأيدي والأرجل لأمنعه من جريمته النكراء؛
وهنا كانت المفاجأة فقد استنجد الجلاد بضحاياه وصاح فيهم بأعلى صوته (بتتفرجوا علي يا ولاد الـ ...) وتدخل الضحايا لصالح جلادهم وانهالوا علي ضربا وركلا حتى أعطوني علقة ساخنة أصابت كل مكان في جسدي وأخذوا بندقيتي العهدة وفروابها بينما كنت طريحا على الأرض؛
سارعت بالقيام وتوجهت للضابط النوبتجي وأبلغته بما حدث وسارع هو بدوره واسترجع البندقية من شاويش السجن ووضعت أنا رهن المحاكمة، وتدخل اللواء زكي عبد العزيز فألغى كل شيء ونجوت بأعجوبة من السجن الحربي، وعلى رأي المثل (ما ناب المخلص إلا تقطيع هدومه) وما أكثر العبر في هذه الواقعة العجيبة ...!

هيا بنا نبني الوطن:

لم أنتظر حتى انتهاء سنة القوات المسلحة لأستفيد بما تلقيته من علوم بالكلية، وقبل أن يصلني خطاب التكليف بالعمل الحكومي توجهت إلى كل من أعرف بحثا عن عمل، وقدر الله لي الخير فوجدت العمل، اصطحبني رفيق المسجد الحاج محمود صالحين (رحمة الله عليه وعلى والديه وجميع ذريته ومن يحب) مدير العلاقات العامة بشركة الكيماويات العملاقة (سويسفارما) ليس إلى شركته ولكن لشركة حديثة التكوين تقع بشارع أبي سنمبل بمصر الجديدة
وصعد بي إلى الدور الأول حيث إدارتها الكائنة في شقة صغيرة، هناك التقيت بالمدير العام الأخ عبد اللطيف أحمد الشريف، يكبرني بسبع سنين تقريبا، يكاد يطير من على الأرض وهو يمشي من قوة النشاط وخفة الحركة مع أنه قصير وبدين ولكنها قوة روح وإشراقة أمل؛
كان معي نعم الأخ والصديق، لم يضيع لحظة من الوقت وبسرعة فهم عني كل شيء، أخرج من يده قلم جاف وكأنه حاوي يقدم لعبته للجمهور، فكك القلم إلى أجزائه وهو يقول هذا جسم القلم من البولي ستيرين وأنتجناه، وهذه أنبوبة الحبر مصنوعة من البولي إيثيلين وصنعتها، وهذا السن النحاسي وما به من بلية أنتجناه أيضا، وفي الأنبوبة يوجد الحبر الجاف ودي مهمتك؟! هل تستطيع أن تصنع لنا الحبر الجاف؟
لم أنتبه سريعا للسؤال لأنه جاء مباغتا، وعندما أفقت قلت بالتأكيد ممكن ولكن الأمر يحتاج بحث ودراسة ومعمل، قال على الفور: كل ما تطلبه سيكون عندك وابدأ فورا، وكانت البداية التي لم ولن يكون لها نهاية مثل كل عمل صالح يمتد أجره حتى يبلغ الجنة والجنة باقية؛
من هذا اليوم اكتشفت عالم جديد وعمل فريد وجهد مفيد وتسابق مع الفرسان، وتواجد في قلب الميدان، وما أحلى العمل إذا كان شعاره (هيا بنا نبني الوطن) (هيا بنا نلحق بالعالم المتقدم صناعيا) (هيا بنا نغني بلادنا عن الحاجة لمن يعاديها)؛
وبغير دخول في التفاصيل الرائعة لقصة الحبر الجاف فالفصل الأول فيها كان معاناة البحث عن خاماته التسعة، والفصل الثاني كان تأسيس معمل أبحاث الحبر وإنتاج العينات والفصل الثالث كانت تصميم مصنع تجريبي وإنتاج أول كمية صناعية، وخلال أربعة أشهر كان أمام عبد اللطيف الشريف المدير العام لشركات ومصانع الشريف 2 طن من حبر القلم الجاف؛
وتوالت التكاليف وتوالت بفضل الله النجاحات الصناعية التي تعاون عليها فريق من الجادين يشرفني أن أكون واحدا منهم، وخلال خمس سنين 19751980 تحقق الحلم واكتفت مصر نهائيا من جميع أنواع البلاستيك المصنع، وانتهى من الجمارك تقريبا ما يسمى بلاستيك مصنع مستورد، ثم شرعنا في الخطوة التالية وهي إنتاج خامات البلاستيك وحققنا بفضل الله نجاحا مبهرا في مجال أهم الخامات (بي . في . سي)
وأصبح فريق الكيماويين العاملين معي بقسم المعامل وضبط الجودة فوق الثمانين وعلى رأسهم الكيميائي عثمان عمر عثمان صاحب ومدير الشركة الوطنية لصناعة البلاستيك بالعاشر من رمضان، وبنينا معا أول مركز أبحاث مسمى مركز الاستشعار عن بعد بالشارع المواجه لمطار القاهرة أول طريق مصر الإسماعيلية، وقد استولت عليه جهة ما ولأسباب ما.
وقبل أن يحدثنا فلان وعلان عن الجودة بعشرين سنة أصدرت كتابي المسمى (الطرق العلمية لضبط الجودة) عام 1983 وهو الأول في هذا المجال باللغة العربية وطبعته الثالثة متوفرة بدار الوفاء اليوم، وتوسعت الشركة العملاقة بسرعة الصاروخ من شقة وبدروم عمارة عام 1975 إلى مدينة صناعية بالعاشر من رمضان ومنطقة صناعية بشبرا الخيمة ومنطقة صناعية بجسر السويس ومنطقة صناعية بمنطقة الخانكة ومخازن وجراجات في كل أنحاء مصر وأكثر من خمسين منفذ بيع بمصر وتصدير للخارج، وهذا وبالله التوفيق.

ومن الجدير بالذكر وللتاريخ فإن المؤسسين لشركتي ومصانع الشريف بوصفها أو تجربة صناعية متكاملة في حياة الصحوة الإسلامية في السبعينيات هم:

  1. عبد اللطيف أحمد الشريف بكالوريوس تجارة ومنصبه رئيس مجلس الإدارة والمدير العام.
  2. حسن عبد المنعم ليسانس آداب ومن إخوان إمبابة المحكومين في 1954، ومنصبه نائب المدير العام.
  3. أحمد رجائي بكالوريوس هندسة والمهندس الأول بالشركة، صديق عبد اللطيف من مجموعة مسجد الشعراوي أو كوبري القبة سابقا جمال عبد الناصر حاليا.
  4. محمد حلمي أبو عيطة بكالوريوس تربية رياضية وعمل لفترة بمصر للطيران ثم انتقل للعمل بالشريف كرئيس قسم المشتريات الخارجية (الاستيراد) وهو اليوم صاحب مجموعة شركات (مصر الحجاز) وحاص على دكتوراه في إدارة الأعمال.
  5. أحمد عبيد عيسوي ليسانس آداب قسم اجتماع ومن إخوان السويس المحكومين 1954 ومنصبه بالشركة رئيس قسم المبيعات والتحصيل.
  6. محمد يونس محاسب من عرب جهينة ومنصبه المدير المالي والمشرف على عمل الميزانيات، وهو اليوم صاحب محلات التجار العرب بشارع مكرم عبيد.
  7. سعد سرور من إخوان السويس المحكومين 1954 ومنصبه رئيس قسم شئون الأفراد.
  8. عادل فريد مهندس ومن إخوان المنوفية المحكومين 1954 ومنصبه بالشركة رئيس المصانع.
  9. السيد عبد الستار المليجي معيد بكلية العلوم والكيميائي الأول بالشركات ومنصبه رئيس معامل الأبحاث وضبط الحودة.
  10. محمد الشناوي من إخوان القاهرة المحكومين 1954 وعمله ضابط فني سابق بالقوات الجوية ومنصبه بالشركة الأب الروحي العمال وإمام المسجد بالمصانع ومشرف على مبيعات الدرجة الثانية.
  11. صبري سابق رئيس قسم السكرتارية والأرشيف.
  12. رأفت عياد أمين المخازن.
  13. نور الدين محمود محاسب ونائب رئيس المشتريات الخارجية.
  14. عبد الله مسعود وعمل ضابط سابق بالجيش وزميل لوالد عبد اللطيف الشريف رئيس الحملة وأعمال النقل والإنشاءات الجديدة.
  15. محمد عبد الفتاح فني سابق بشركة العبوات الدوائية ورئيس الورشة بالشريف.
وتعاون مع الشركة من مندوبي الشركات (د. فاروق برقاوي – مصري بورسعيدي ويعمل ممثل شركة هولز الألمانية لمنطقة الشرق الأوسط) (جورج قسيس مندوب شركة باير الألمانية) (جلال عبد الحميد – ممثل شركة باسف الألمانية) (وجيه فهمي – ممثل شركات بيرلوخر وسينسيناتي الألمانية) (أحمد أبو النجا ممثل شركة مونت إديسون الإيطالية). وسامي علي حسن وأشرف سعد موردين عملة أجنبية.وحسين بالبوفيه – وهاشم – الحلاق الخصوصي – ودكانه يقع في شارع المنصورة بمصر الجديدة.

ولحق بهؤلاء فيما بعد طبقة تالية أذكر منها:

  1. عثمان عمر عثمان كيميائي بالمعامل وضبط الجودة.
  2. أحمد حجازي ويوسف قتة ومسعد الشافعي بإدارة الاستثمار.
  3. فؤاد هارون وأنور عزت ومحمد عبد الفتاح ومشهور مصطفي مشهور مهندسين بالمصانع.
  4. حسين السبكي وسعيد بالمشتريات الداخلية.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الفرصة التي سنحت لي لم تصرفني عن قبول العمل معيدا بكلية العلوم جامعة المنيا فأستأذنت عبد اللطيف الشريف وتسلمت عملي واتفقنا ضمنيا أن عملي معه سيكون (بالمقطوعية) وهذا يعني أنني أملك الحرية الكاملة في ترتيب جدول أعمالي حسب ظروفي؛
وكانت تجربة رائعة لمعنى الحرية في العمل العلمي وتحمل المسؤليات الجسام طوعا لا كرها وهو الشيء الذي رفع من روحي المعنوية وجعلني أصل الليل بالنهار ضمن منظومة عمل متعدد بين البحث العلمي المتعلق بالصناعة وإدارة منظومة الجودة في المصانع وبين بحوث الماجستير والدكتوراه بعلوم عين شمس وبين التدريس بالمنيا وبني الحركة الإسلامية ضمن صحوة جيل السبعينيات الواعدة، في هذه الفترات من العمر كانت ساعات التأمل والتفكير والراحة الأساسية في القطار وما توفيقي إلا بالله.

الحياة في المنيا لأربعة عشرة سنة:

يعرف الجميع كلمتي كلما ذكرت المنيا (معكم ... وقلبي في المنيا) فمنذ تركت القوات المسلحة وتسلمت عملي كمعيد بكلية العلوم جامعة المنيا في يناير 1976 وأنا حتى اليوم متيم بالمنيا، لقد وجدت فيها كل ما كنت أحبه وأتمناه.
في المنيا وجدت أجمل مواقع نهر النيل، ويعتبر كورنيش المنيا لوحة فنية ربانية مبهرة وخاصة وقت شروق الشمس أيام الشتاء، وتتجلى عظمة الخالق وروعة الجمال الأخاذ عندما تغطي أرصفة الكورنيش بزهور البوانسيانا الحمراء المتساقطة على خضرة الحديقة الموازية للنهر على مد البصر؛
وهناك تلمع مياه النهر الخالد ملونة بلون الشمس التي تطل عليك من خلف الجبل الممتد موازيا للبر الشرقي، وأحيانا تلمح الجزر المتناثرة متوارية خلف الضباب حتى ساعة بعد شروق الشمس وهو الوقت الذي تبدو لك هذه الجزر بكامل زينتها وروعة حلتها الخضراء، فإذا أدركت هذا الجمال فاعلم أنك في مدينة المنيا.
وفي محافظة المنيا تعرفت على أوفى الناس وأحسنهم خلقا ودينا وكرما، عشت بينهم لا أشعر بغربة قط ورغم تقلبات الأيام والليالي فما يزال عهد الأخوة بيننا وثيقا تحوطه وترعاه وتقويه أحداث الحياة بحلوها ومرها.

أسرة كلية العلوم وجامعة المنيا:

في كلية علوم المنيا كنا أسرة واحدة وما زلنا حتى اليوم، الطلاب الذين درست هم العلوم في المنيا يبعثون لي اليوم أبناءهم وأبناء أقربائهم لأعتني بهم في دراستهم الجامعية في تواصل رائع بين المعلم وطلابه الذين تخرجوا وتوظفوا وتزوجوا وكبر أبناؤهم ودخلوا الجامعات وما تزال حلاوة أيام الصبا تحلي أفواهنا وتنعشنا نحن أصحاب الرءوس البيضاء؛
وأذكر من الطلبة بكل خير حشمت خليفة ومحمود أبو المعاطي وأحمد زكي وجمال عبد الصمد وعادل خضر، وأما الزملاء الذين بدأنا معهم وما زلنا أسرة واحدة فأذكر منهم أ. د. سامي كامل أول رئيس للقسم من أبناء المنيا، عادل العشماوي وهو الآن أستاذ بكلية العلوم بالإسماعيلية، وعصام أبو القاسم وهو اليوم أستاذ بكلية العلوم جامعة طنطا؛
وجيهان شعبان وهي اليوم أستاذة بعلوم المنيا ومحمود المحلاوي وهو اليوم رئيس قسم الجيولوجيا بعلوم المنيا وزوجته وفاء زهران الأستاذة بعلوم المنيا ونجيبة إبراهيم وهي اليوم أستاذة بعلوم المنيا وزوجها المرحوم د. علي ومصطفى الفقي وزوجته أميرة وكلاهما اليوم أساتذة بالكلية، وفي قسم الرياضيات مصطفى الصباغ ومحمد السعيد ود. شوقي وممدوح حسن ومحمد ربيع وفي الطبيعة رابح وسعد قناوي رحمة الله عليه وعلي حسنين ومحمد رفعت وفي الكيمياء خالد أبو حديد وعايدة لطفي ولطفي مدكور وفتحي فهيم.
وعلى مستوى الجامعة خارج كلية العلوم فقد تعرفت وتآخيت مع الطلاب محي الدين عيسى وأبو العلا ماضي بالهندسة وإبراهيم ذنون بالزراعة، والمعيد مدحت خشبة ومحمد شوقي ود. زكريا ود. محمد دهيم ودسوقي شملول وكرم زهدي وفؤاد الدواليبي وأسامة حافظ وعاصم عبد الماجد وحسن يوسف وآخرين من الأحباب مطبوعة صورهم وأصواتهم في قلبي وعقلي بالرغم من نسيان أسمائهم اليوم فسلام عليهم جميعا إلى يوم الدين.

الرجل الذي قل ودل:

إنه العالم الجليل الذي شد انتباهي من أول يوم بلغت فيه المنيا في يناير 1976، أحببته كثيرا وأحبني وصاحبته متعلما فلم يبخل علينا بشيء قط وكانت من أحلى لحظات العمر حضوره درسه الخاص فوق سطح بيته المتواضع القريب من المسجد، كان لديه دفتر كبير يشبه دفاتر الحسابات يسجل في صفحاته ملاحظاته اليومية معلقا على المواقف بتوجيهات إيمانية أتمنى لو تنشر، إنه الشيخ محمود عبد المجيد العسال إمام المنيا بلا منازع وشيخ وإمام مسجد الإيمان بمدينة المنيا، أو مسجد تحت الكوبري كما يطلقون عليه؛
في هذا المكان الذي كان مهجورا أقام الشيخ محمود العسال صرحا للتوعية وتقديم الخدمات الاجتماعية، وكانت مؤسساته تتكون من المسجد وسكن الطلبة الوافدين من خارج المدينة ومطعم ومغسلة ملابس وقاعات للدرس وكان العنوان الواضح لحركة الشيخ محمود العسال (تاكل وتشرب وتنكسي وتتعلم) أما هو في ذاته فقد كان شخصية مهابة من الجميع مسلمين ومسيحيين وحكومة وأهالي؛
خطبته على المنبر تقل عن العشر دقائق ولكنها تكفيك زادا إيمانيا لعام أو يزيد وخطة عمل لعمرك وعمر من تحب، وهو مع ذلك دقيق الحجم بسيط الملبس والمأكل والمشرب ولذلك لا عجب أن أسميه بحق خير الرجال ... الذي قل ودل فهو قليل ومتقلل من كل أعراض الدنيا ومع ذلك دال على الخير بكل معانيه، رحمة الله عليك يا شيخ محمود وعلى والديك وذريتك إلى يوم الدين.

نهاية رداميس:

في المنيا كانت أروع نماذج الرجولة ونصرة المظلوم، فأهل المنيا لم يقبلوا أن يظلمني عميد الكلية (أ. د. رداميس بطرس فهيم) بسبب ارتباطي بالمواطنين وبالطلاب خارج قاعات الدرس وأراد أن يحدد إقامتي وفق معاييره التي لم تكن ترضيني ولا ترضي الله من وجهة نظري؛
وما أن حرمني من التدريس ودفعني عنوة لأختار جامعة أخرى أنتقل إليها حتى انتفضت محافظة بأسرها تهز القطر بشجاعتها وقوة نصرتها لمعيد نحيف ضعيف حتى تأخذ الحق له من عميد متغطرس يمشي مسعرا خده مختالا بالبايب الذي يمارس رضاعته كبرا وخيلاء ويمثل المستعمرين ولا يمثل المسيحيين من قريب ولا بعيد يومها اعتصم الطلاب بالكلية ولم يفضوا اعتصامهم حتى تدخل وزير التعليم العالي (أ. د. مصطفى كمال حلمي) فأعادني للعمل وأوقف العميد سنة كاملة عن العمل في سابقة لا ولن تتكرر، حقا إن الحب في الله يصنع المعجزات.

موقعة الكوبري:

خلال عام 1977 اشتد الصراع بين طلاب الجماعة الإسلامية والأجهزة الأمنية كما كانت طبيعة المرحلة في كل جامعات مصر، وفي يوم من أيام الصراع قرر الطلاب الخروج بمظاهرة تطوف مدينة المنيا منددة باعتقال بعض طلاب الجماعة الإسلامية؛
وعلى الفور تحركت قوات مكافحة المظاهرات وأغلقت طريق مصر أسوان من المدخل الشمالي والمخرج الجنوبي حتى يمنع وصول الطلاب إلى المدينة التي يفصلها عن الجامعة ترعة الإبراهيمية عدا كوبري واحد قبالة كلية الزراعة، ونحو هذا الكوبري اندفعت جموع الطلاب من جميع الكليات تسابق القوات عدوا ولكنهم فوجئوا بوجود قوات في الناحية الأخرى من الكوبري مدججة بالأسلحة والعصي والقنابل المسيلة للدموع وبدأوا في الاشتباك مع الطلاب بالفعل.
انسحب الطلاب وباتوا ليلتهم مبعثرين وسط الزراعات والعزب ولكنهم عادوا وتجمعوا في صلاة الظهر بمسجد كلية الزراعة وهناك صليت بهم وألقيت فيهم كلمة حماسية ألهبت مشاعرهم فخرجوا معاودين المحاولة للوصول إلى المدينة، وكانت المعركة الشرسة مرة ثانية عند الكوبري وفي هذه المرة اجتاز الطلاب الكوبري ومروا أمام المدينة الجامعية القديمة.
ومن هذا الموقع بدأوا الزحف نحو المدينة مرددين هتافاتهم المعتادة، إسلامية لا شرقية ولا غربية ... يا حرية فينك أمن الدولة بيننا وبينك ... وهناك تحركت القيادات الأمنية وعنفت الجنود وراحت تمنعهم من التقهقر فهجموا واستبسلوا فردوا الطلاب أمتارا إلى الخلف، في هذه اللحظة كنت قد نجحت في الوصول إلى خلفية القوات واختلط بالقيادة ورحت أسمع بوضوح كافة الأوامر والتوجيهات التي يصدرها قادة القوات، أيقن الطلاب أنهم لن يستطيعوا المرور فاندفعوا نحو المدينة الجامعية وتحصنوا بها؛
كان الوقت قد بلغ قرابة المغرب، وراح الطلاب يوقعون أعمدة الكهرباء المحيطة بالمدينة ويسدون بها المسافات بين العمارات حتى لا تلاحقهم قوات راكبة في المدينة، وبالفعل لم تستطع القوات الدخول فبدأت بإطلاق النار على كل من يظهر بالنوافذ الخارجية للمدينة لتخويف الطلاب من استخدام النوافذ كقواعد رمي للحجارة، وجاء الليل وسكنت الأصوات والحالة على ما هي عليه من التوتر والمراقبة والتحفز من الطرفين.

الدروع البشرية:

لم يكتف الطلاب بوضع المتاريس وتكديس كميات من الزلط فوق أسطح العمارات وتعيين ناضورجية فوق كل عمارة لرصد حركة القوات المحاصرة للمدينة، ولكن خوفهم من المداهمة الليلية والقبض والاعتقال دفعهم إلى الأسوأ، قام الطلاب بالقبض على جميع الطلاب المسيحيين بالمدينة في هذه الليلة وبلغ عددهم قرابة العشرين، وحبسوهم في شقة واحدة من شقق المدينة، لكنهم في نفس الوقت أفهموهم أن هذه محاولة لفك الحصار وعدم التعرض للطلاب بالاعتقال؛
وبعد حوار وأخذ ورد قبل الطلاب المسيحيون المهمة وتعاطفوا مع زملائهم طلاب الجماعة الإسلامية، وأعلن الطلاب في ميكرفون المسجد أن أي محاولة لاقتحام المدينة سوف يترتب عليها ذبح جميع الطلاب المسيحيين، وبلغ الخبر كافة الأوساط المسيحية وكان لحركتها أثر ملموس وعاجل.
ومر يوم والوضع على هذا الحال، وفي عصر اليوم التالي استدعت الحكومة الشيخ محمد نجيب المطيعي ليقوم بالوساطة بين الطلاب والقوات الأمنية التي تحاصرهم وشكل الطلاب لجنة لتمثيلهم وكنت واحدا من هذه اللجنة، عرضنا شروط الطلاب على الشيخ وكانت إطلاق سراح المعتقلين وفك الحصار عن المدينة وانصراف القوات وعدم القبض على أي طالب من جامعة المنيا بسبب هذه الأحداث، والعجيب أن الأمر لم يأخذ وقتا وبسرعة انسحبت القوات وأفرج عن المعتقلين وقمنا بتسليم الطلاب المسيحيين إلى الشيخ المطيعي، وظلت هذه الوقائع فيما بيننا تسمى موقعة الكوبري حتى اليوم.

عفاريت العجل:

تعتبر الدراجات (العجل) من أهم وسائل المواصلات الداخلية في مدينة المنيا، ولم يكن بالمنيا في السبعينيات غير العجلة أو الحنطور الذي تجره الخيل، وتمشيا مع الواقع ففي أوقات السخونة بين الشباب والشرطة كانت الدراجات تستخدم من الطرفين، وفي أثناء الحصار كانت الأوامر التنظيمية تخرج من المسجد إلى المدينة بواسطة الطلاب راكبي الدراجات؛
وفي لحظة واحدة يتحرك عشرات الطلبة راكبي الدراجات في حركة متسرعة وخلفهم مباشرة مخبر بدراجته لكل طالب بدراجته، وهنا يبدو المنظر وكأنه سباق دراجات في لحظة الانطلاق، وما هي إلا دقائق حتى يكون الجميع كأنهم عفاريت ظهرت واختفت حيث لاذ كل بقرينه وذهب إلى بعيد، اللهم احفظنا.

صباح الحبر:

ظلت الأوضاع متوترة وعدائية بين الجماعة الإسلامية في المنيا والأمن بشكل واضح، وكان المخبرون يمثلون عناصر التجسس على الطلاب في الجامعة والأحياء، وفي الأقاليم فإن معرفة الأشخاص نسبا وعلاقات اجتماعية وتوجهات تكون متوفرة لدى المخبرين أكثر من الضباط؛
والمخبر في الأقاليم يعتبر موظفا في الحكومة ولديه راتب شهري، ولذلك تجد عليه بعض علامات الشبع والاستقرار المعيشي ومن ذلك ارتداءه للجلابيب الصوف في الشتاء والسكروتة الحريرية في الصيف، وهذه الصورة الظاهرية الحسنة كانت وقتها مستفزة للطلاب في الشتاء للجماعة الإسلامية حقدا وحسدا للمخبرين؛
وتطوع أحدهم بعملية تشويه للمخبر في حارته، وتفتق ذهنه عن سلاح جديد وهو سلاح الحبر، وانتظر مرور المخبر تحت شرفته وعاجله بدلق الدواية على رأسه، وملابسه اعتبرته الجهات الأمنية نقضا للهدنة وإعلان حرب الدواية فقامت بمحاصرة المكان وتمشيط الحي حتى تمكنت من اعتقا الطالب.

روسية كرم زهدي:

كرم زهدي في هذه الآونة طالب بمعهد التعاون بأسيوط ولكنه هنا في المنيا كل يوم يمارس القيادة في الجماعة الإسلامية بطريقته، نحيف البدن متوقد الفكر مفتوح العينين كأنه صقر يتأهب للانقضاض دائما وأطول ما فيه اليدين والجبهة، يتعامل مع خصومه بنظرة مستهينة وحركة منسحبة ثم بهجمة بالروسية لا تخطئ أنف أو جبهة الخصم الذي يتدهول لحظات كافية لفرار كرم وكأنه فص ملح وداب؛
حتى أن ضباط المباحث ميزوا الجميع بالبصمة وأما كرم فقد كانت بصمته الروسية، وكثيرا ما استدلوا بها على قيامه بالفعل مؤكدين للنيابة هذه فعلة كرم والدليل الروسية كما وصفها الشاكي، كرم الآن هو الشيخ كرم زهدي المحامي بالإسكندرية ومن قيادات الجماعة الإسلامية بمصر.

قنبلة الشطة:

لم يتوقف تفكير الجماعات الإسلامية بالمنيا عن استحداث أسلحة موجهة مع قوات الأمن، وأصبحت الحياة تجري بين الطرفين على شاكلة لعبة القط والفأر، وكان من أسلحة الشباب العجيبة قنبلة الشطة، حيث قاموا بتخزين كميات من الشطة السوداني المعبأة في أكياس بلاستيك (قوة 100 جرام وقوة 200 جرام وقوة نصف كيلو)، وعند الصدام كانوا يشعلون النار في الكيس ويلقونه على الجنود فيصابون بالسعال والدموع بدرجة أشدو وأوجع من القنابل المسيلة للدموع المستوردة من أميركا.

بيضة مفخخة:

بدأ بعض الطلاب في جامعة المنيا على مشارف نهاية الثمانينات يتجه تفكيره للصدام المسلح مع الدولة والنظام ويمثلها أمامه الشرطة، وكان من علامات ذلك أن زارني بعضهم وعرض علي أن أساعدهم بوصفي معيدا بكلية العلوم في عمل قنبلة صغيرة ولو (قد البيضة) كما قال كبيرهم، ولأنني كنت متعاطفا معهم فلم أشأ ردهم بعنف أو استهزاء ورحت أحاول أن أردهم عن ذلك بالحسنى؛
فقلت لهم، وماذا بعد تصنيع القنبلة الصغيرة، ماذا تفعلون بها أمام قوة الدولة، وفجأني ما يفكرون به ولم أكن متوقعا الجواب بالمرة حيث قال المتحدث، إحنا ناويين نتسلل إلى معسكر الأمن المركزي ونضرب القنبلة فيخاف الكل ويهرب فناخد ما فيه من السلاح ونتسلح بسلاحهم؛
وهنا تبين لي أن التعقد الفكري وكراهية النظام قد تجاوز الحد، ومع ذلك قلت لهم افترضوا أننا نجحنا في السيطرة على كل محافظة المنيا وقطعنا طريق مصر أسوان وقسمنا مصر نصفين، ماذا سنفعل مع القوات الجوية والمدرعات والمصفحات؟
وهنا فقط تبين لهم أن الأمر ليس سهلا كما يفكرون فانصرفوا ولم يعاودوا الاتصال بي في مثل هذه المسائل، ولكنني وجدت فيما بعد أن معظم الذين حاورتهم في هذه الليلة كانوا ضمن المتهمين بالمشاركة في عمليات اغتيال السادات والهجوم على مديرية أمن أسيوط بعد ذلك بعامين تقريبا.

الضرب بالمعروف والنهي عن الموسيقى:

في شارع الحسيني أطول شوارع المنيا التجارية محلات تبيع الأشرطة الكاسيت ومن الطبيعي أن يقوم المحل بالإعلان عن بضاعته، وشيئا فشيئا ارتفعت أصوات الأغاني في الشارع وأصبحت من سماته،الجماعة الإسلامية اعتبرت ذلك منكرا يجب تغييره باليد بعد النصح باللسان؛
وبالفعل توجهوا في مجموعات لنصح المحلات ومطالبتها بوقف إذاعة الأغاني،المحلات لم تقبل النصيحة واستمرت فقررت الجماعة الهجوم، وفجأة انقلب شارع الحسيني إلى مهرسة كبرى طالت المحلات التي تبيع الأغاني ومن حاول إنقاذها من التدمير وسرعان ما وصلت قوات الأمن وعمت الفوضى، وبالرغم من انسحاب الشباب من المواجهة أو خوفا من الاعتقال فإن المحلات اشترت سلامتها وامتنعت عن إذاعة الأغاني لفترة طويلة.

منعوا الشيخ:

أعلنت الجماعة الإسلامية عن محاضرة للشيخ عبد الحميد كشك في كلية الآداب بالمنيا، ولم يكن قد تم الاتفاق معه أصلا، فلما ذهب الشباب لدعوته اعتذر عن الحضور لأسباب تخصه، ووجد الشباب نفسهم في ورطة، ولكن الصراع مع الشرطة دفعهم لتحميلها المسئولية عن ذلك، تركوا الأمر على ما هو عليه وحضرت آلاف من أهل مراكز المنيا لرؤية الشيخ كشك شخصيا وسماع محاضرته؛
ووسط هذه الجموع المحتشدة المنتظرة وقف أمير الجماعة ليعلن في تمثيلية محبوكة أن الأمن منع الشيخ من الحضور وحرمونا وحرموكم من رؤيته، وهاج الجمهور هياجا شديدا وخرجوا في مظاهرات طويلة يهتفون، منعوا الشيخ ... يا حرية فينك فينك أمن الدولة بينا وبينك ... منعوا الشيخ منعوا الشيخ ...

التلمساني لا يدخل القفص:

مرت موقعة الشيخ واستضافت المنيا الأستاذ عمر التلمساني ليلقي محاضرة بمسجد الرحمن بعد العشاء، كان الأستاذ عمر عائدا يومها من زيارة أسيوط، كعادته بدأ فور وصوله بزيارة محافظ المدينة أولا وبالطبع يكون عند المحافظ رؤساء الأجهزة الأمنية والحزبية وتمت المرحلة الأولى وفي المساء فاجأنا الأمن بإزالة السرادق قبل المحاضرة بدقائق وأصر أن تتم بالمسجد الذي لا يسع غير مئة فرد؛
ومنع التواجد تماما بالساحة أمام المسجد ودفع الجمهور بالقوة ليتفرق في الشوارع والطرقات وبدت العملية كلها انتقاما من مظاهرة (منعوا الشيخ ...) تحرك موكب الأستاذ عمر نحو المسجد ومعه قرابة المئة من المرافقين ولم نشأ نخبره بما حدث وصحبناه إلى المسجد في هدوء تام، وأثناء صلاة العشاء والكل مشغول بها؛
كان تنفيذ ما خططنا له، سحبنا تضمها والميكرفون والكرسي وصعد الأستاذ عمر وبدأ المحاضرة مباشرة بدعوة المدعوين للاقتراب من المسجد وقال أنا واثق أن رجالات الأمن سوف يساعدونكم على الوصول فأرجو التعامل معهم بكل رفق ولين؛
حاول بعض الضباط التدخل لمنع ذلك ولكننا صنعنا حول المنصة سدا منيعا لم ينفذ منه أحد منه أحد منهم رغم شدة التدافع رغم شدة التدافع بيننا وبينهم، أحد الضباط تعمد تفتيشي ذاتيا بحركة سريعة لوجود محفظتي في الجيب الداخلي للجاكيت ظنا منه أنني أحمل سلاحا، وفي لحظات اندفع الجمهور نحو الساحة وتمت المحاضرة والمحاورة والكل وقوف على قدميه.

شركة المديرين الستة:

تمشيا مع الظرف الجديد بعد تخرج الدفعة الأولى من شباب الصحوة الإسلامية بالمنيا ومستفيدا بتجربتي في الصناعة والحياة فقد وجدت من المهم أن يكون لهم عمل، ونتج عن المشاورة الاتفاق في إقامة شركة تعمل في مجال مواد البناء (الرخام والكربونات وكسر الصخور المستخدم في صناعة البلاط)، تعتبر المنيا شرق النيل مصدرا أساسيا لهذه المواد؛
وبالفعل تأسست الشركة من ستة شركاء هم المهندس علي عمران (رئيس مجلس الإدارة) والدكتور السيد عبد الستار مدير المعامل وضبط الجودة والمهندس محي الدين عيسى (المدير العام) المهندس أبو العلا ماضي (مدير الإنتاج) والجيولوجي حشمت خليفة مدير المبيعات والتسويق والجيولوجي جمال عبد الصمد (مدير المصانع).
واتخذنا للشركة مقرا يعتبر من أعجب المباني التي رأيتها، مبنى يطل على النيل مساحته 20 مترا مربعا، نعم عشرين ... لا تتعجب فقد كان مكونا من أربعة أدوار يربطهم سلم، فكان المبنى أقرب إلى المئذنة منه إلى الإدارة ولكنه كان كافيا للغرض ...
وخلال عام 1980 اشترينا من سوق الخردة بروض الفرج كسارة حجارة ضخمة تنتج عشرين طنا يوميا وغربا ورخصنا محجرا وبدأنا الإنتاج والبيع، وفور قيام الجماعة الإسلامية باغتيال السادات قبض على المديرين الستة ضمن المتهمين بالاغتيال، وحقق معي بشأن الشركة وكان سؤال المحقق الذي أضحكني بعمق هو، إذا كانت الشركة من ستة مديرين فمن هم العاملون معكم؟ من هم موظفو الشركة؟
وعندما تمالكت من الضحك أجبته، لو تركتونا سنة واحدة كان ممن يشتغل عندنا حد، ولكن بعد اليوم لن يعمل معنا أحد ولن يشتري منا أحد، وبالفعل فور خروجنا نحن الستة من المعتقل لم تقبل أي شركة أو مصنع أن يشتري منا بضاعة حتى مصنع بلاط محمد شاكر المحسوب على الإخوان المسلمين رفض التعامل معنا تماما، وكان لا بد من البحث عن عمل آخر.

محاولة فك رقبة:

بصدور قرارات الاعتقال في 3 سبتمبر أصبح قطار الصعيد من المواقع الخطرة الملغمة بالمخبرين الباحثين عن شباب الصحوة المطلوب اعتقالهم وجلهم من الصعيد، لم أتردد في العودة للمنيا صباح يوم 4 سبتمبر فقد كنت قلقا على إخواني هناك وكان ضروريا أن أكون معهم، وفي القطار وبعد محطة بني سويف سمعت في العربة المجاورة جلبة وضجيجا وعراكا، جريت مندفعا لأتفقد الحادث، وجدت عددا من المخبرين يشهرون مسدساتهم نحو شاب ويطلبون منه أن يسلم نفسه وهو في ركن من العربة يرفض التسليم ومتأهب للمقاومة بصورة هستيرية ولا يتوقف عن توجيه السباب لهم وللحكومة التي ينتمون إليها؛
لم أكن أعرفه ولكن سحنته ولغة كلامه دلت على أنه من شباب الصحوة الإسلامية، حاولت أن أعطيه فرصة للهرب فتدخلت نحو المخبرين مدعيا المصالحة وحجزت بينهم وبينه ولكنهم فطنوا لمرادي فدفعني أحدهم بقوة خارج الحلبة، وتلقفني آخر وهكذا أفسدوا خطتي، وبعد قليل تمكنوا من وضع الكلبشات في يده، وربطوا معه مخبر في اليد الأخرى، كل هذا والقطار منطلق ناحية المنيا، وقبل المحطة بقليل حاصرني المخبرون وفعلوا بي ما فعلوا معه، وفورا حضرت قوة من الشرطة وتسلمتني في محطة المنيا ثم ذهبت بي إلى مديرية أمن المنيا.

فيش وتشبيه أول مرة:

في مديرية الأمن مكثت يومين وخلالهما تم عمل أول ملف لي بالمنيا، وتطلب ذلك عمل فيش وتشبيه، وأثناء حركتي بالمدينة من المديرية إلى الأدلة الجنائية كنت أتمنى أن ألتقي بأي شخص يعرفني حتى أبلغ أسرتي بوجودي بالمديرية، وبالفعل قابلت مدرس مساعد زميلي بزراعة المنيا ويسكن معي في استراحة الجامعة فتوجهت نحوه أناديه، فلما وجدني والكلبشات في يدي أشاح بوجهه بعيدا وفص ملح وداب، حزنت كثيرا لموقفه، ولكن ما العمل والخوف وحش كاسر يأكل الرجولة والمرؤة إلا من رحم ربي؟

الفولي ينقذ الموقف:

إنه أخي وصديقي المهندس محمد محجوب الفولي، من عرب المنيا وأعيانها، ربطتنا به علاقة أخوية وحب في الله وكان من أنصار الصحوة الإسلامية، وكان له قرابات في أماكن مرموقة بالمحافظة ومنهم ضباط شرطة برتب عالية، وبدون أن يقترب مني أرسل لي في المساء وجبة ساخنة وإفطار في صباح اليوم التالي؛
وسعى لفك أسري ونجح في ذلك وأغلق المحضر على ذلك ولم يصدر قرار باعتقالي وفور خروجي من المديرية وجدته عند الباب في انتظاري وحملني بسيارته إلى استراحة الجامعة، حيث بت ليلتي وغادرت إلى القاهرة في اليوم التالي.

لا مفر من المعتقل:

لم يمض وقت طويل بعد هذه الحادثة حتى اغتيل السادات يوم وقفة عيد الأضحى وانقلبت الأمور رأسا على عقب، وفي يوم العيد استقبلت أخويا محيي الدين عيسى وأبو العلا ماضي وتوجهت بهم نحو الملاذ الآمن الذي أعددته لهم، وأثناء عودتي للقاهرة يوم 9 أكتوبر 1981 كانت القاهرة كلها كمائن ضبط المطلوبين للاعتقال من الشباب، وفي الكمين المحاصر لمكاتب شركات الشريف قبض علي وتوجهوا بي إلى قسم مصر الجديدة ومن هناك ركبت سيارة الترحيلات متوجها إلى سجن أبو زعبل، وفي أبو زعبل وجدت كل من أعرفهم تقريبا وبدأنا سنة أولى سجن.

رسائل الوفاء للسجناء:

من توفيق الله لك أن يذكرك الناس بالخير بعد الموت، والسجن مقبرة الأحياء، والمسجون السياسي من أمثالنا عادة لا يجد من يسأل عنه سوى أهله ومضطرين أحيانا، أما عموم الناس فما يزالون يعتبرون الخلاف مع الحكومة خط أحمر لا يجب الاقتراب منه؛
ومع ذلك هناك بشر في مصر ما يزالون يملكون القدرة على تخطي حواجز الخوف ومراسلة المساجين السياسيين من زملائهم وليكن ما يكون، والحمد لله أن وهب لي من هؤلاء من راسلني واتصل بأهلي في محنتي الأولى، الزملاء بكلية علوم المنيا جمعوا تبرعات من بينهم واشتروا حلوى ولعب أطفال وأرسلوا بها إلى بيتي في القاهرة الزميلة سهام إبراهيم المدرسة المساعدة بقسم الكيمياء فزارت أسرتي وخففت عنها ما هي فيه، والزميل مصطفى الصباغ المدرس المساعد بقسم علم الحيوان رشح مكاني في البعثة التي كانت من حقي قبل الاعتقال ومن بريطانيا أرسل لي خطابا رائعا يقول فيه إنه مستعد فور خروجي من المعتقل أن يعود للكلية ويتنازل عن البعثة لصاحبها الأصلي؛
وأما الزميلة الدكتورة جيهان شعبان فقد أرسلت خطابا مؤثرا للغاية بالرغم من أن زوجها المستشار شكري العميري في سلك القضاء وهو الأمر الذي قد يضر بموقفه ولكنني بتعامي مع هذه الأسرة الكريمة الصديقة أدرك أنه من الرجال العظام الذين لا يتأخرون عن الواجب ويسعده أن تكون زوجته كذلك.

أ‌.د. أحمد راضي يصنع المعروف:

على النقيض من المحترمة للزملاء بالكلية تصرفت إدارة الجامعة بحمق شديد فأصدر رئيس الجامعة قرارا بتحويلي من معيد بقسم النبات إلى موظف بمكتبة الكلية متذرعا زورا بأنني لم أتقدم برسالة الماجستير؛
وقد فاتت المهلة المسموح بها ومفهوم لدى الجميع أن القرار كان سياسيا وبإيعاز من جهات أمنية تريد تصفية وجود الإسلاميين بالجامعات، وفي مثل هذه الحالات ينص القانون عى ضرورة موافقة وزير التعليم، فلما عرض الأمر على أ. د. مصطفى كمال حلمي الوزير في هذا الوقت أشر على الخطاب بضرورة أخذ رأي قسم النبات في مثل هذه الحالة بوصفه القسم المختص؛
وفعلا عاد الخطاب إلى الجامعة وحوله رئيس الجامعة إلى القسم وهنا حدثت المعجزة قام أ. د. أحمد فرج راضي رئيس القسم وعلى نفس الخطاب حتى لا يلغى بكتابة ما معناه (السيد: السيد عبد الستار المليجي المعيد بقسم النبات يؤدي عمله بنجاح ورسالته للماجستير معدة للمناقشة ولا داعي لاتخاذ أي قرار مثل هذا بحقه)
ووقع باسمه وصفته وصور الخطاب بهذه الحالة وأعاده إلى رئيس الجامعة، هنا وقع رئيس الجامعة في حيص بيص، وانتظر حتى سفر الوزير خارج مصر في عمل واستخدم صلاحياته الخاصة وأصدر قرارا بوصفه يأخذ بعض صلاحيات الوزير حال سفره، وحولت بالفعل إلى وظيفة إدارية بينما كنت وراء القضبان.

عميد وخائف ومرعوب:

فور الإفراج عني توجهت إلى الكلية فوجدت الحالة لا تسر، الجميع حزين على ضياع مستقبلي العلمي وضياع وظيفتي التي يعتبرونها مرموقة، مدير المكتبة أبلغني بخجل وتأثر أنه مضطر أن يكتب تقريرا عني لو تغيبت عن الحضور يوميا ووقعت في دفتر الحضور والانصراف؛
توجهت للعميد ليتدخل بإصلاح الخطأ فوجدته في حالة يرثى لها من الخوف والرعب وأصر على معاملتي كإرهابي متهم باغتيال الرئيس وكموظف مفروض عليه وبصورة متعسفة وراح يقول (أنت عندي موظف ولست معيدا والموضوع انتهى وم تدخلنيش في موضوعك ...) خرجت من عنده وتوجهت مباشرة لمحطة القطار وغادرت وعدت إلى القاهرة وأنا لا أعرف تحديدا كيف أتصرف.

الأرزاق على الله يا سيد:

بعد طول تفكير قررت أن أفسد خطة القضاء على مستقبلي العلمي بأيسر الطرق تقدمت بطلب إجازة بدون مرتب، ووافق عليها العميد فورا وكأنه يتخلص من مشكلة أو مصيبة، وعدت للقاهرة وقررت أن أرفع أمري للقضاء وتوجهت للمرحوم الأستاذ عمر التلمساني في مكتبه بالتوفيقية؛
استمع مني ووافقني على قراري وأعطاني كارت وعليه توصية للأستاذ محمد عصفور المحامي الشهير، في مساء نفس اليوم توجهت إلى مكتب المحامي فوجدته بالحجز وسكرتيرته تتحدث عنه كأنه رئيس جمهورية ولا يمكن لقاؤه بدون حجز موعد مسبق؛
ثم أردفت بصرامة بالغة (انتو ح تموتوا الأستاذ ولا إيه؟!) أظهرت لها كارت الأستاذ عمر فتغير كل شيء وأحضرت لي كرسيا وقبلت مني دفع 200 جنيه لفتح ملف القضية، وقالت الأتعاب مع الأستاذ، الحمد لله كان المبلغ معي، دخلت بعد قليل، كان مكتبه بالفعل مكتب رئيس جمهورية، لقيني بترحاب شديد وقدمت له الكارت وعرفته بنفسي ولم يسألني عن صلتي بالأستاذ عمر التلمساني؛
نظر فيما أعددت من أوراق، وقال سنأخذ منك أقل أتعاب 500 جنيه بس، قلت له ممكن الأسبوع القادم قال نعم في أي وقت، وبعد أن دفعت المبلغ وحتى اليوم لا أعرف أي شيء عن هذه القضية وما آلت إليه في القضاء الإداري؛
توجهت لجامعة عين شمس لأسجل لدرجة الدكتوراه، واعتمدت على الله وما أملكه من خبرات فدخلت في شراكة لإقامة مصنع كيماويات وبويات وكان أجر إدارتها كافيا لحياتي وزيادة، مكثت مضطرا في إجازة بدون راتب 8 سنوات وكان رزق اله لي فيها أضعاف مرتب الحكومة ولم أتأخر كثيرا في الحصول على الدكتوراه عن زملائي الذين سافروا في بعثات على نفقة الدولة.

أ‌.د. حسن فودة يبعث الأمل:

لم يكن التسجيل للدكتوراه أمرا سهلا لمن ليس معيدا بالجامعة ولا توجد جهة تصرف عليه ومتابع من أمن الدولة أينما ذهب، ولكن العلاقة الإنسانية التي ربطتني بأساتذتي كان لها أعمق الأثر في تخطي كافة الصعاب التي واجهتني في مساري العلمي، واستطاع أستاذي الفاضل حسن أنور فودة أن يحجز لي مكانا في معمل الأبحاث ووجهني بطريق غير مباشر أن أقوم بشراء الكيماويات اللازمة على نفقتي الخاصة، والحمد لله أنهيت رسالة الدكتوراه وحصلت على الدرجة العلمية بجامعة عين شمس.

أ‌.د. محمود الريس يعدل الكفة:

فور حصولي على الدكتوراه توفي إلى رحمة الله رئيس الجامعة الذي أوقفني عن العمل بدون وجه حق وتولى المسئولية بعده أ. د. محمود الريس، توجهت إليه والتقيت به وشرحت له الموضوع بشفافية كاملة وتقدمت له بطلب عودتي لعملي، وبالفعل وافق على أن أعود بإعلان إلى نفس وظيفتي وفرح بذلك رئيس قسم النبات وقتها أخي أ. د. سامي كامل ووافق على الإعلان وعدت إلى عملي وأقام الزملاء بالكلية حفلا بهيجا بهذه المناسبة وقالوا كلاما ذرفت له عيني دموع الفرح بعودة المياه إلى مجاريها، والحمد لله رب العالمين.
هكذا عشت في المنيا وفي المنيا شاركت في بناء صرح الدعوة الإسلامية في الجامعة وخارجها، وفي المنيا كانت سنوات من الكر والفر بين مفاهيم الإسلام وجماعاته ومحاولات رتق الصفوف وتوحيد الجهود وكانت النتائج بفضل الله أفضل مما نتوقع ونأمل والأهم من ذلك أنني ما زلت متعلقا بالمنيا ومحبا لكل من فيها حتى من اختلف معي في الرأي من أبناء هذه المحافظة المتميزة بطيبة القلب وصفاء الروح في تناغم خلاق بين الطبيعة والإنسان، فسلام على المنيا مكانا وسكانا إلى يوم الدين.

الإسماعيلية مدخل فلسطين:

غادرت المنيا إلى كلية العلوم بالإسماعيلية في يناير 1991، ومع أن سجلي السياسي كان يمنع قبولي في أي جامعة مصري أخرى ولكن رسالة توصية كريمة من أستاذي حسن أنور فودة إلى رفيقه أ. د. أحمد دويدار عبد البسيوني والذي كان يشغل وقتها منصب نائب رئيس الجامعة
وكذلك شجاعة وكر أ. د. أحمد خضير رئيس الجامعة وأ. د. حلمي منصور رئيس قسم النبات بالعلوم سهل لي مهمة النقل إلى الجامعة الجديدة ولله ثم لهم يرجع الفضل في إتمام هذا الانتقال الذي قصر مسافة السفر الأسبوعية بالنسبة لي 250 كم وهي المسافة من القاهرة إلى المنيا إلى 120 كم وهي المسافة من القاهرة إلى الإسماعيلية؛
ومن أعاجيب الأقدار أن أول ترشيح لي بالعمل معيدا بلغني أثناء الخدمة بالجيش كان لكلية علوم الإسماعيلية، وقتها في عام 1975 لم يكن للإسماعيلية محطة سفر أعرفها ولم أستطع التوصل لطريقة أسافر بها وبينما أنا كذلك بلغني خطاب آخر بالتكليف على جامعة المنيا فركبت القطار وذهبت إليها بسهولة ويسر ورضيتها موطنا لعملي الرسمي أو الحكومي أو الميري وكان بها الخير العميم الذي أوضحت بعض جوانبه، في الإسماعيلية عشت وما زلت حياة الزائر المتعجل وأكاد بعد 18 عاما بها لا أعرف الكثير من طرقات المدينة وأجهل كل مراكزها وقراها، حياتي كلها مع مجتمع الكلية الصباحي ومجتمع الأتوبيس الذي ينقلنا بين الجامعة والقاهرة؛
ومع ذلك فمن فضل الله علينا أن رصيد الحب والأخوة والتواصل مع الزملاء يزيد ولا ينقص وعندما ترشحت لعضوية نادي أعضاء هيئة التدريس من عامين حصلت على أعلى الأصوات بجامعة قناة السويس والحمد لله رب العالمين، ويبقى أجمل ما في الإسماعيلية أنها تذكرني دائما أنني أقترب من سيناء ثم فلسطين فبوابات القدس فالمسجد الأقصى، اللهم ارزقنا الصلاة فيه بعد تحرير أرضه من دنس المعتدين.

الفصل الثالث:جيل السبعينيات ... صحوة واعدة ونهاية غامضة!

البدايات

لعله من المفيد قبل أن نتعرض لفترة السبعينيات أن أوضح معنى العنوان، فكلمة جيل تعني زمنيا قرابة ثلث قرن (35 سنة تقريبا) ومجتمعيا تعني البشر الذين مرت عليهم تلك السنون وهم عاقلون راشدون وما قدموا به من فعاليات، وجيل السبعينيات هم مواليد 1948–1955 وواقعيا هم الذين كانت أعمارهم في عام 1970 حول العشرين وهم اليوم تتراوح أعمارهم حول الخمسة والخمسين، وأما كلمة الإسلامي فتعني وجود فاعلين آخرين من توجهات ليست محسوبة على الإسلاميين؛

وأنا هنا أكتب عن الإسلاميين عرفا دون غيرهم كما أنه من الضروري وحتى لا يساء فهمي فإنني أعتبر الإسلاميين لغة كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن الإسلاميين عرفا هم المشاركون منهم في الصحوة الإسلامية شكلا وموضوعا خلال فترة السبعينيات التي نتحدث حولها.

كانت نكسة 1967 وهزيمتنا أمام الصهاينة وما وقع للجيش المصري خلال حرب الأيام الستة السوداء هي الباعث الحثيث لمشاعر الشباب الذي أحس أنه خدع لوقت طويل وأن الهزيمة كانت بسبب فشل النظام الاشتراكي الناصري وما عاناه من الفساد في معظم القطاعات واتفق مع هذا التفسير الناصريون أنفسهم وبدت جبهتهم في حالة انقسام وتشتت.

وقد علا صوت بعض الإسلاميين مبكرا ليقول إن الهزيمة كانت نتيجة لما قام به النظام من تعديات على الشريعة الإسلامية والبعد عن الدين لا سيما في الإعلام والتعليم والسياسة والاقتصاد، وقد وجدت هذه المقولة صدى واسعا لدى الكثيرين من الشباب والكبار؛

ومع أن مؤتمر القمة المنعقد بالخرطوم عقب الهزيمة مباشرة أعلن لاآته الثلاث التاريخية في مواجهة إسرائيل (لا صلح ... لا تفاوض ... لا اعتراف) إلا أن ثقة الشباب بالنظام الناصري كانت قد انتهت وبغير رجعة وحدثت عدة ثورات طلابية في مواجهة النظام لا تعدو أن تكون ردود أفعال نفسية ولم تكن لها صبغة محددة ولكن الغالب عليها الشعور الوطني العام لدى قطاعات الطلاب المشاركة بضرورة التغيير ونوجز من هذه الثورات الطلابية.

ثورة فبراير 1968:

حيث قامت مجموعات من طلبة حقوق القاهرة في مسيرة متجهة لمجلس الأمة منددة بالأحكام المخفضة التي صدرت ضد قيادات سلاح الجو المصري الذي تسبب في هزيمتنا بعد ما تحطم سلاح الجو كله على الأرض وبدون طيران بينما كان القادة يغطون في نومهم العميق صباح 5 يونيو بعدما قضوا ليلة حمراء وصفتها المصادر بعد ذلك بما لا يمكن كتابته في كتاب مثل هذا.
غير أن طلاب الحقوق لم يبقوا وحدهم وانضم إليهم في صباح السبت 14/ 12/ 1968 طلاب كلية الهندسة وعدد من طلاب الجامعة من كليات أخرى وقد حاصرتهم قوات الأمن حتى مقر المجلس وخدعوهم بالوعد أن مطالبهم سوف تجاب ولكن عليهم تسجيل أسماء قيادتهم ومطالبهم... وفي نفس الليلة كان الجميع بالمعتقلات والسجون بعدما قبض عليهم من منازلهم.

في هندسة عين شمس كانت معركة شرسة بين الطلبة والبوليس الذي لم يستطع منع الطلاب حيث تقع الكلية وسط الأحياء السكنية فأطلق النار في المليان فوقع عدد من الطلاب جرحى وكذلك من المواطنين فتفرق الكل أمام ضراوة القتال.

وظلت الأحداث حية في ذلك الوقت حتى استقر أمر الطلبة على ضرورة الاعتصام حتى تجاب مطالبهم وقد بلغ عدد المعتصمين حوالي 500 طالب بهندسة القاهرة انخفض بالليل إلى حوالي 200 طالب وقد أوجز البيان الصادر هذه المطالب بعد مقدمة طويلة في الآتي:
  1. الإفراج فورا عن جميع المعتقلين من الطلبة.
  2. إطلاق حرية الرأي والصحافة.
  3. اختيار مجلس أمة حر يمارس الحياة النيابية.
  4. إبعاد المخابرات والمباحث عن الجامعات.
  5. إصدار قوانين للحريات والعمل بها.
  6. التحقيق الجدي في مقتل العمال المتظاهرين بحلوان.
  7. إعادة محاكمة المتهمين في الطيران.
  8. التحقيق في انتهاك حرمة الجامعات واعتداء الشرطة على الطلبة.

ثورة 1969 بالإسكندرية:

أطلق شرارتها تلك المعاملة الدموية التي لاقاها طلاب المعهد الديني بالمنصورة عندما تظاهروا في 21/ 11/ 1968 مطالبين بتحسين أحوال الدراسة والعمل للأزهريين خريجي المعهد.
وقد التهب حماس الطلبة بجامعة الإسكندرية وخرجوا في مظاهرات صاخبة شارك فيها المواطنون وازدحم ميدان محطة الرمل بالمتظاهرين الذين طوقتهم قوات الأمن وأمطرتهم بالقنابل المسيلة للدموع ولكنهم واصلوا مظاهراتهم مطالبين بتغيير النظام برمته ومحاكمة المسئولين فيه.
وفي الوقت الذي صدرت فيه الأوامر للجيش أن يتحرك هطلت على الإسكندرية أمطار غزيرة لم يثبت لها أحد وخلت الشوارع من الناس والشرطة وكان ذلك سببا لانتهاء الثورة وفي المساء كالعادة واصلت قوات الحكومة اعتقال الناس والطلبة الذين شاركوا في التظاهرات.
وفي يوم 11 يناير 1969 فتحت الجامعات للدراسة بعد قرار إغلاقها الذي استمر قرابة العشرين يوما.
ومع استمرار غياب التيار الإسلامي في الجامعات في هذه الفترة وكذلك استمرار الاحتلال الصهيوني لسيناء والإحساس العام بالهزيمة والضياع فقد نمت بالجامعات التيارات اليسارية في مواجهة نظام الحكم الناصري لكنها لم تلق القبول لدى الطلبة أو المصريين عموما ... وظلت حالة الركود الفكري والسياسي تخيم على الجامعات حوالي أعوام 69/70، 70/71 ولكن العام الدراسي 71/72 شهد بعض الإرهاصات لنمو الحركة الإسلامية وتمثل ذلك في:
  1. صدور بعض الصحف التي تنادي بضرورة العودة للإسلام والاحتكام للقرآن: مثل جريدة (آراء حرة) التي أصدرها الطالب وائل عثمان بهندسة القاهرة، ومجلة الإيمان التي كنت أصدرها بعلوم عين شمس.
  2. ظهور ما يسمى (جماعة شباب الإسلام) بهندسة القاهرة ثم حصولها على موافقة الاتحاد العام للطلبة بأن يكون لها أفرع في الجامعات والكليات باعتبارها جناحا من أجنحة الاتحاد.
وقد أشهرت الجمعية نفسها في مؤتمر ضخم بجامعة القاهرة حضره الشيخ محمد الغزالي، وكان يرأس هذه الجماعة الطالب عدلي مصطفى ويساعده الطالب عصام الغزالي ومن أعضائها الطالب وائل عثمان صاحب كتاب "أسرار الحركة الطلابية" والطالب عصام الشيخ بالهندسة ونبيل يس بالعلوم.

الإسلاميون وفترة النمو الكبرى:

تعد فترة السبعينيات بمثابة فترة النمو الكبرى ومرحلة استعادة الهوية الإسلامية، واستعادة سيادة الطابع الإسلامي في المظهر العام والحركة الاجتماعية، وسيادة اللغة العربية والألفاظ الإسلامية، وأضحى الإسلام بالجملة هو موضوع ومحور المناقشات العامة والخاصة؛
ففي مرحلة السبعينيات سادت الجماعة الإسلامية وعلا صوت الدعوة إلى الله وامتلأت الجامعات والأحياء بالمساجد، واحتشد الناس صفوفا بين يدي الله خاشعين ضارعين ...
وتداول الرأي العام ألفاظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشورى، والحجاب والنقاب، كما انتشرت الكتب الإسلامية ومعارض الكتاب الإسلامي والمحاضرات الإسلامية، وصارت الجامعات معبرة عن حالة التدين الجديدة في الأمة ومنبرا عاما تعبر فيه عن وجهة نظرها تجاه القضايا العامة، ومما لا شك فيه أن ذلك لم يكن مخططا له من قبل الذين أسسوا الجامعة المصرية في بداية القرن العشرين.
وطبيعة عملية النمو الكبرى هذه لا تختلف عن أي عملية طبيعية أخرى، فقد كانت محكومة بالتدرج والزيادة المضطردة بقدر ما توفر لها من عناصر النجاح والدفع إلى الأمام.
فأما عناصر النجاح فقد تمثلت في الظروف التاريخية والظروف السياسية والاقتصادية التي مرت بها الحياة المصرية والتي يمكن تفصيلها على النحو التالي:

أولا: سقوط الناصرية:

فلقد مات جمال عبد الناصر معنويا عام 1967 في الخامس من يونيو ودفن عام 1970 في 28 أغسطس، كانت هزيمتنا أمام شراذم اليهود عام 1967 أكبر تنبيه لنا جميعا أننا نسير في طريق خاطئ ومصير مشئوم طالما تقودنا هذه المجموعة التي كشفتها الهزيمة؛
فإذا هم جماعة من الفاسدين الذين يتقلبون بين أحضان الممثلات، وخرج الزعيم على الناس يبكي في انكسار وذلة محاولا تبرير ما حدث بأنه خيانة من جانب الأصدقاء، وانشغل الناس يفلسفون أسباب الهزيمة وكانت النتيجة التي اتفق عليها أكثر الناس ضرورة العودة إلى الله فليس لها من دون الله كاشفة، وترتب على ذلك عودة الكثيرين إلى دين الله أفواجا، وأول هؤلاء شباب الجامعات.

ثانيا: جذوة الإيمان الكامنة:

نجح فريق العلمنة والإذلال أن ينثر بعض الرماد على جذوة الإيمان فيغطيها بعض الوقت، ولكنها كانت موجودة وحية في نفوس الكثيرين من الأساتذة والمربين الذين التقطونا في بداية مرحة السبعينات من على أعتاب المساجد كأنهم يلتقطون حبات الياقوت والمرجان فرحين بنا سعداء بلقائنا وكأنهم كانوا يبحثون عن أولاد لهم قد فرقت بينهم أيام وأحداث.
في جامعة عين شمس التي بدأت فيها أولى خطواتي على طريق الله ما زلت أذكر حتى الآن الأستاذ الدكتور عبد الغني الوشاحي رحمه الله أستاذ طب الأطفال وهو يحملني مع آخرين في سيارته (الفولكس) الصغيرة إلى مسجد في مكان لم أكن أعرفه في ذلك الوقت (مسجد أنس بن مالك بالدقي) حيث نستمع إلى حديث طيب ومؤثر من الشيخ إبراهيم عزت ثم يعيدنا الأستاذ الجليل بسيارته إلى حيث كنا، ولا أحسب أنه كان يفعل ذلك بتكليف من أحد إلا حب الله ومرضاته ورغبته في مساعدة هذه النباتات الضعيفة من أمثالنا أن تنمو وتزدهر وتثمر.
وأذكر آخرين كانت لهم أدوار مشابهة من أمثال الأستاذ الدكتور محمد الكريمي أستاذ الفسيولوجيا بكلية الطب أيضا والذي كان يتبنى معسكراتنا في بدايتها، وفي كلية العلوم أذكر الدكتور محمود الخشان أستاذ الطبيعة الذي كان يجالسنا بالمسجد ويساعدنا على التحصيل، وأذكر الدكتور عبد المحسن زيكو الذي بحث عني أياما بعدما أخرجت أول مجلة حائط إسلامية حتى لقيني وأحسن ضيافتي وتعهدني بالصحبة إلى محاضرات الشيخ محمد الغزالي بجامعة القاهرة.

ثالثا: صراع الديكة بين الشيوعيين والرأسماليين:

في بداية السبعينات بدأ توجه السادات نحو الغرب عامة وأمريكا خاصة، وتخاصم مع الروس وطردهم من مصر، ولم يكن ذلك إلا مقدمة للارتماء في أحضان أمريكا، وهذا ما تم بعد ذلك في اتفاقية السادات، بيجن المسماة (بكامب ديفيد) المشئومة؛
وليس هذا مجال الحديث عنها، ولكن ترتب على هذا التوجه غضب الشيوعيين على السادات، في مهب الريح، ولجأ إلى اللعبة السياسية المعروفة بضرب الاتجاهات السياسية بعضها ببعض، فأغمض عينه عن التيار الإسلامي المتنامي ليسود بالجامعة ويحل محل الشيوعيين؛
وما زلت أذكر وأنا طالب بالجامعة في بداية السبعينات معسكراتنا الإسلامية التي كانت تعقد بالمدينة الجامعية وباشتراك رمزي، وكان يأتينا مندوب من وزارة الشباب يوزع علينا الجوائز في نهاية المخيم، كما كانت تصاريح المحاضرات والندوات غاية في السهولة واليسر من قبل القائمين على إدارة الجامعة في ذلك الوقت؛
وقد ساهم ذلك كله في الإسراع والتعجيل بسيادة الإسلاميين في الجامعات أثناء فترة السبعينات، كما أنني أذكر أن مطبعة جامعة عين شمس المركزية طبعت لي شخصيا كتيبا عن الحجاب الإسلامي وآخر عن قواعد تجويد القرآن الكريم بموافقة من إدارة كلية العلوم.
ولكن ... هل تم ذلك دفعة واحدة، أم صار في مراحل وخطوات.كما أوضحت سابقا، تم ذلك محكوما بسنة التدرج ومصانا بخطوات ثابتة مما أعطاه صفة الشباب والدوام إلى يومنا هذا، ويمكننا أن نلخص خطوات الحركة الدعوية الإسلامية بالجامعات على النحول التالي:
  1. مرحلة (القطاع الديني) في معسكر النشاط الصيفي العام.
  2. مرحلة (اللجنة الدينية) المنبثقة من اللجنة الثقافية باتحاد الطلاب.
  3. مرحلة (الجماعات الدينية).
  4. مرحلة (الجماعات الإسلامية) – (19731977).
  5. مرحلة استلام اتحادات الطلاب وتأكيد الثقة في الإسلاميين (19771979).
  6. مرحلة انقلاب السلطة وتحرشها بالإسلاميين.
  7. مرحلة الصدام والمواجهة.

وفيما يلي نلقي الضوء على تلك المراحل:

(1) مرحلة القطاع الديني في معسكر النشاط الصيفي:

كان المعسكر الصيفي من الوسائل المتبعة لحشد الشباب حول الفكر الحكومي، وفي كل إجازة صيفية يعقد هذا المعسكر ويقسم فيه الطلاب إلى قطاعات منها القطاع الديني إلى جانب القطاع الرياضي والقطاع الفني والقطاع الثقافي والقطاع السياسي ... إلخ.
ووسط هذا الحشد الطلابي المتنوع كان القطاع الديني في عام 1970/ 1971 يمثل موطن السخرية من ناحية الشكل والمضمون ...
ففي جامعة عين شمس حيث تخرجت كان المسئول عن القطاع الديني فتاة طالبة بكلية البنات!! تدعى صفاء نقف خلفها كل صباح في الطابور وكانت تتمايل أمامنا في الحركات الرياضية، في هذه المرحلة السنية الخطيرة، ودعك من تفاصيل أخرى حول القطاع الديني وطريقة معاملته بين القطاعات وما يطلق عيه من نكات وتهكمات، لقد كانت حقا تجربة قاسية على نفوسنا نحن القلة المتدينة التي قدمت إلى المعسكر منخدعة بالاسم (القطاع الديني).
وأما المعسكر فكان صورة للحياة الجامعية في ذلك الوقت فهو معسكر مشترك ومختلط بين فتيات وفتيان الجامعة، يمضون يومهم في البرامج وهم مشغولون عنها، فإذا جاء العصر حيث تنتهي فترات البرامج يجلس الجميع في الحديقة الواسعة على شكل شلل ومجموعات من البنين والبنات يتمازحون باللسان والأيادي والأرجل حتى ساعة متأخرة من الليل فيتوجهون كل إلى حجرته البنين في مبنى والبنات في المبنى الآخر.
وأما المادة الدينية التي كانت تقدم في معسكر القطاع الديني فكانت اجتهادات الطلبة المشتركين لبعضهم ومطالعاتهم الخاصة ... يتحاورون حولها في خيمة خاصة أعدت لهم ... وأذكر أننا كنا نتصارح معا في هذه الخيمة الخاصة ونبدي استياءنا عن الحالة العامة للمعسكر، وأذكر في هذه المرحلة أيضا أن شابا من كلية الطب هو الزميل عبد العزيز سويلم ..
كان يتسلل إلى خيمتنا بعد العصر من كل يوم ويعلمنا قراءة القرآن وتجويده وكنا نتشرب المعلومات بسرعة بالغة حتى خرجنا بعد عشرة أيام ومعظمنا يجيد التلاوة بدرجة عالية، وأحسب أن هذه كانت أكبر الفوائد التي تحققت لي شخصيا.ومن الفوائد الهامة أيضا، أننا تعارفنا وتعاهدنا على أن تدوم صلتنا على طول العام المقبل.

وعموما تميزت هذه المرحلة بما يلي:

  1. قلة أعداد المتدينين إلى حد الندرة.
  2. لا توجد فتاة واحدة تغطي شعرها ولا شاب ملتح.
  3. لا توجد مطبوعات إسلامية ولا محاضرات إسلامية.
  4. الصلاة لمن أراد ولم يشر إليها برنامج المعسكر.
  5. قيادات المعسكر وإدارته من اليساريين أو الناصريين مع صعوبة التفريق بينهما.
  6. العلاقات السائدة بين الأعضاء من الجنسين تحكمها تصورات ومبادئ غربية أو شيوعية.
وكانت حالة الجامعة مطابقة تماما للتوصيف السابق على طول فترة العام الجامعي.

ثانيا: مرحلة النشاط الديني المنبثق من اللجنة الثقافية (1972):

كانت الاتحادات الطلابية مثلها كالاتحادات العمالية والنقابية تمثل مرتعا خصبا لممارسة عملية تطويع الأفكار للسياسة العامة التي تهدف إليها الأجهزة الحاكمة حتى صار شكل الجامعة العام كأنها جامعة في موسكو أو واشنطن، ولم يكن غريبا أن ترى تحت كل شجرة من أشجار الجامعة طالبا وطالبة قد تعانقا وإلى جوارهما آخران قد جلسا ممددين يتداعبان بالأيدي والأرج؛
والويل لمن يحاول مجرد الاعتراض حيث يواجه بعبارات الاستهزاء ويوصف بأنه متخلف أو رجعي أو متزمت أو فلاح أو إلى آخر قائمة الألفاظ المحفوظة، فإن توجه إلى مسئول بالجامعة كانت الإجابة المشهورة: وأنت مالك؟ أي ما شأنك بهم؟

ولم تنجح الحكومة المصرية في مواجهة المد الشيوعي في الجامعة وانطبق عليها المثل القائل (سمن كلبك يأكلك) فعندما حاول الرئيس المصري أن يوجد لنفسه قاعدة شعبية تسانده أبت عليه الجامعة وما سمي بعد ذلك مراكز القوى، وكانت هذه القاعدة الطلابية تبعا لها ومن هنا جندت هذه المراكز التابعين لها ليقوموا بحملة مضادة لسياسة الرئيس الجديد؛

وفجأة امتلاك حوائط الجامعات خاصة القاهرة وعين شمس بمجلات حائط تسخر من الرئيس المصري السادات ومن سياسته، ورسمت له صورا كاريكاتيرية من أقبح الأوضاع وكذلك زوجته مما أشعل في صدره نار الانتقام.
أسست الحكومة خطتها في مقاومة هذا الاتجاه على أساس ضربه باتجاه آخر، ولعله من المعلوم لدى أجهزة الأمن والمسئولين في الإعلام والثقافة والتربية والأخلاق أنه لا يقضي على الشيوعية وما شابهها إلا الإسلاميين وإنفاذا لهذا المخطط وليس لأية دوافع أخرى اتخذت الحكومة عدة خطوات كان أهمها:
  1. اتصال الحكومة سرا بالقلة المتدينة من الطلاب ومثل الدولة في هذه الاتصالات على ما أذكر أ. د. أحمد كمال أبو المجد أ. د. صوفي أبو طالب وأ. د. رفعت المحجوب.
  2. رفع شعارات إسلامية والإعلان عنها والدعاية لها بأكبر قدر ممكن في أجهزة الإعلام ومن أشهر هذه الشعارات "دولة العلم والإيمان".
  3. الإفراج عن معتقلي الإخوان المسلمين.
  4. السماح لبعض علماء الإسلام بدخول الجامعة لإلقاء المحاضرات وأذكر من هؤلاء الشيخ محمد الغزالي السقا والشيخ سيد سابق والشيخ إبراهيم عزت، ود. حامد حسين من علماء الأزهر، وترتب على ذلك تنشيط حقيقي للدعوة الإسلامية في الجامعات المصرية بدت مظاهره في المجلات الإسلامية وفي الدعاية الصريحة للعودة للإسلام وإعلان ذلك في المحاضرات العامة واللقاءات الخاصة مع الطلاب وخلال عام 1973 اتسع النشاط الإسلامي ليشمل النواحي التالية:
  1. عقد حلقات تعليمية بالمسجد لتعليم قراءة القرآن ولعل أول ما طبع بالجامعة في هذا المجال هي مذكرة علم التجويد.
  2. التفكير في إيجاد شكل منظم لإدارة العمل الإسلامي فوجد ما يسمى بمسئول حلقة التجويد ومسئول المسجد ومسئول الطالبات ومسئول الإعلام لعمل مجلات الحائط ... إلخ.
  3. المطالبة بأن تكون لنا كإسلاميين حصة مالية في ميزانية الاتحاد وكانت في جامعتي عين شمس على ما أذكر 75 جنيها في العام للإنفاق على النشاط الديني.
  4. عمل قسم خاص بالمسجد كمصلى للطالبات.
بتصاعد النشاط الإسلامي والذي كان ينمو ويزداد بسرعة ملحوظة كان لا بد من الصدام مع الاتجاهات العلمانية سواء كان ليبرالية أو شيوعية، ولكن نصيحة الكبار كانت تؤكد أن الصراع بين الإسلاميين وخصومهم لا بد أن يستمر في خط الدعوة والبيان وأنه من الخطأ تحويله إلى مشاجرات، حققنا بعض التقدم في خط سير الدعوة كان من أهم مظاهره أن بعض الطالبات قد تجرأت وحضرت إلى الجامعة وعلى رأسها غطاء يخفي شعرها وبعضهن بدأن يخفين سيقانهن بارتداء البنطلون أسفل ما يسمونه بالجونلة، ولكن لم يكن هناك ما يسمى بالزي الإسلامي المعروف لدينا الآن.
أما من ناحية الوضع الرسمي للمتدينين فكانت الاتحادات ما تزال تسيطر عليها غيرهم وكذلك النشاطات الكبيرة كالمعسكرات والرحلات والندوات وحفلات التكريم للمتفوقين والأسر الثقافية الخاصة، ولكن هجومهم على الدين والمتدينين بدأ يتراجع شيئا ما.
وفي آخر العام الدراسي ينصرف كل منا إلى بيته ولم يكن هناك أي تفكير في أن نلتقي لممارسة العمل الإسلامي أثناء الأجازة الصيفية.

ثالثا: مرحلة الجماعة الدينية:

لم يستغرق هذه المرحلة طويلا، كان عمرها حوالي ستة شهور بداية من عام 1973 ولم تكن سوى مرحلة انتقالية من مراحل العمل الخائف المتوجس الذي لا يشعر قوته الذاتية إلى مرحلة العمل الصريح للإسلام ومعاداة غيره والجهر بذلك.
وتبلور ذلك في جمع المسئولين عن الأنشطة الإسلامية بالمسجد تحت مسئول واحد أطلق عليه اسم الأمير وسمي هذا التكوين بالجماعة الدينية التي سرعان ما غيرت اسمها إلى الجماعة الإسلامية
وذلك لأسباب:
أولا: أن الحركة التبشيرية في هذا الوقت كانت قد تصاعدت وذلك بتولي الباب شنودة رئاسة الأقباط في مصر، ووقعت أحداث الخانكة المشهورة والتي جرت على أثرها معركة بين المسلمين والنصارى.
ثانيا: أن أجهزة الإعلام كانت ما تزال تضرب على وتر أن الأديان كلها صحيحة وأن ما عليه النصارى أو اليهود يسمى دينا وله وجه من الصحة بينما الشباب الإسلامي يعتقد أن الدين عند الله الإسلام.
ثالثا: رغبة الشبيبة الإسلامية أن تعود الأمة لاسمها الذي أراده الله لها (هو سماكم المسلمين من قبل).من أجل ذلك لم يكتب لاسم الجماعة الدينية أن يستمر طويلا فتغير بعد ستة أشهر تقريبا إلى "الجماعة الإسلامية" ذلك الاسم الذي دارت حوله الأحداث بعد ذلك.
رابعا: مرحلة الجماعة الإسلامية: أو سمها إن شئت مرحلة المعسكرات الإسلامية ويصح أيضا أن تطلق عليها اسم مرحلة الترشيد في العمل الإسلامي وتقع أحداث هذه المرحلة منذ عام 1973 وحتى 1977.
فلم تكد تمر شهور ثلاثة منذ بداية عام 1973 حتى صار اسم الجماعة الإسلامية هو الاسم المقبول لدى جميع المتدينين بالجامعات المصرية وكأننا كنا على موعد ولم تمانع أية كلية أو أية جامعة في أن تضع لنفسها هذا الاسم (الجماعة الإسلامية بكلية ....).
وفي البداية كانت الجماعات الإسلامية بكليات الجامعة منفصلة تماما عن بعضها البعض، بل لم تكن موجودة في بعض الكليات وآخر الكليات إقامة للجماعة الإسلامية عادة كليتي الآداب والحقوق ومعاهد اللغات الأجنبية، وذلك يرجع لطبيعة الدراسة وكذلك التكوين النفسي والتربوي لطلاب هذه الكليات والمعاهد، وأسبق الكليات كانت الطب والهندسة والعلوم.
وقبل نهاية العام الدراسي بشهر تقريبا بدأ التفكير الجاد في أن يكون للجماعة الإسلامية معسكر منفصل عن الأنشطة الفنية والرياضية وما شابه ذلك.
والمعسكر الإسلامي يبدأ الإعداد له بطلب يقدم من أحد أمراء الجماعة الإسلامية للسيد مدير الجامعة يطلب فيه السماح بإقامة المعسكر في أرض المدينة الجامعية وباستخدام حجراتها وصالات الطعام بها مع تكلفة مبدئية للدعم المالي المطلوب صرفه من الجامعة يسلم إلى إدارة المدينة الجامعية، وفي العادة كان يرفق بالطلب البرنامج اليومي للمعسكر والمحاضرين وكذلك قائمة بالمسئولين من الطلبة، وكان يختار أستاذ من أعضاء هيئة التدريس كمشرف عام على المعسكر.
ولم يحدث مرة أن اعترضت إدارة الجامعة على إقامة المعسكرات التي كان يحضرها من (500 – 800) طالب في المتوسط ولمدة عشرة أيام.أما أسباب موافقة الجامعات على إقامة هذه المعسكرات فكانت كثيرة منها السياسي ومنها الأمني ومنها الاجتماعي.

فمن الناحية السياسية:

كانت الاتجاهات المعادية لحكومة السادات ممثلة في الناصريين ما تزال لها نوع من القوة والسطوة في الجامعات، وكان يعقد في جامعة عين شمس ما يسمى المؤتمر الناصري العام الدولي الذي يجمع ممثلين للناصريين من البلاد العربية الأخرى كل عدة أعوام وكانت حاجة الحكومة المصرية ماسة لدفع النشاط الإسلامي حتى تكون له قوة حقيقية تقف في وجه هذا التيار.
ومن ناحية أخرى كانت التحضير قائما على أشده لحرب أكتوبر 1973، ولم تجد الحكومة المصرية وسيلة للتعبئة العامة أفضل ولا أيسر من إذكاء الروح الإسلامية في الجنود والشعب، فلم يكن مقبولا مقاومة الحركة الإسلامية بالجامعات بينما أجهزة الإعلام تدعو لأخذ الثأر وإعادة الأرض المغصوبة.

ومن الناحية الأمنية:

فإن أجهزة الأمن تدرك دائما أن النشاط العلني يمنع تواجد الأنشطة السرية كأمر طبيعي، ولذلك يسهل عليها متابعة هذه الأنشطة العلنية ورصد نموها وحركتها مما يسهل التعامل معها في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب.
أما الطرف الآخر وهو الشعب فكان إقباله جارفا نحو الإسلام ودعاته خاصة بعد هزيمة يونيو 1967، وكانت المؤشرات كلها تشير إلى أن الأمة أصبحت تفكر بجدية في بديل للتجارب الفاشلة التي مرت عليها منذ داهمتنا حكومات العساكر سواء كانوا غربيين أو شرقيين.
لكل ما سبق من ظروف فإن إدارة الجامعة تركت الحبل على الغارب للجماعات الإسلامية، ولكن هذا لم يكن يعني أنها تركت الحبل من يدها خاصة وأن إدارة الجامعة نفسها كالعادة تكون مربوطة بحبل آخر تمسك به السلطات الحاكمة، وكلهم مربوط بحبل غليظ تمسك به القوة العظمى التي تحكم العالم.
وهكذا بدأت مرحلة المعسكرات الإسلامية وسط هذه الظروف البالغة التعقيد، وإثباتا للحقيقة فقد كان الشباب الإسلامي لا يهتم بالتحليل السياسي للأوضاع التي يعمل في ظلها ولم نكن نفكر في غير التدين والعمل بالإسلام كما نعي ونفهم.
ومرحلة المعسكرات الإسلامية التي نحن بصدد الحديث عنها أخذت أهميتها وتسميتها من خلال الإنجازات الكثيرة التي كانت تتحقق أثناء المعسكرات.ففي المعسكر الصيفي ينضم إلى النشاط الإسلامي بالجامعة أكبر عدد من الطلاب الذين تعرف أقدامهم طريق العمل الإسلامي لأول مرة.
وفي المعسكر الإسلامي المجال الخصب لتعارف الشاب المتدين بأقرانه تعارفا كاملا من خلال المعايشة اليومية الكاملة ومدارسة ما تيسر من الأحكام الإسلامية المتعلقة بقضايا المجتمع الداخلي والعالمي. والمعسكرات الإسلامية الصيفية كانت الفرصة للتحضير خطة العمل الإسلامي أثناء العام الدراسي القادم مع دراسة ما تم إنجازه في العام السابق وتلافي الأخطاء التنفيذية.

وكانت عملية التحضير هذه تتناول:

  1. الموضوعات الهامة على أساس المشكلات الفكرية التي تعرض للشباب.
  2. المحاضرين الذين سيتناولون هذه الموضوعات.
  3. المطبوعات التي تصدر.
  4. وقد انتشرت المعسكرات الإسلامية في جميع الكليات والجامعات المصرية حتى أصبحت أهم سمة لهذه المرحلة.
  1. ففي عام 1973 عقد المعسكر الإسلامي الأول لجامعات القاهرة وعين شمس.
  2. وفي عام 1974 عقد المعسكر الإسلامي الثاني لجامعات القاهرة وعين شمس والأول بالنسبة لجامعة الأزهر.
  3. وفي عام 1975 عقد المعسكر الإسلامي الثالث لجامعات القاهرة وعين شمس والثاني بالنسبة للأزهر والأول بالنسبة لجامعات المنصورة والزقازيق وطنطا.
  4. وفي عام 1976 عقد المعسكر الإسلامي الرابع لجامعات القاهرة وعين شمس والثالث بالنسبة للأزهر والأول بالنسبة لجامعات المنصورة والزقازيق وطنطا والأول بالنسبة لجامعة المنيا وأسيوط والإسكندرية.
  5. وفي عام 1977 كانت كل الجامعات المصرية قد بلغتها المعسكرات الصيفية الإسلامية وأصبحت تقليدا متبعا عند الجميع.

وفي العادة كان يسبق المعسكر العام بكل جامعة معسكرات مصغرة بكل كلية من كليات الجامعة كعملية تنشيطية استعدادا للمعسكر العام للجامعة الذي يمثل فيه عدد من طلاب الكليات الذين حضروا المعسكر الخاص بالكلية.والمعسكرات الإسلامية يمكننا أن نسميها معسكرات تعريف بالإسلام وتربية الأفراد على ذلك

ومن خلال البرنامج اليومي للمعسكر يمكنك أن تتبين ذلك بوضوح:

نموذج للبرنامج اليومي للمعسكر الإسلامي:

الذي يتكرر في جميع المعسكرات:

  1. 3.00 ص استيقاظ وتهجد
  2. 4.00 ص أذان الفجر
  3. 4.20 ص صلاة الفجر
  4. 4.50 ص أذكار الصباح
  5. 6.10 ص الاستعداد لطابور الرياضة.
  6. 6.30 ص طابور الرياضة.
  7. 7.30 ص الاستعداد للإفطار.
  8. 8.00 ص الإفطار
  9. 9.00 ص فترة حرة للقراءة.
  10. 10.00 ص محاضرة الصباح.
  11. 12 ظ صلاة الظهر.
  12. 12.45 ظ نوم وراحة.
  13. 2.30 ظ استيقاظ للغذاء
  14. 3.00 م صلاة العصر.
  15. 4.30 محاضرة المساء.
  16. 6.00 أذكار المساء.
  17. 7.00 م صلاة المغرب.
  18. 7.30م العشاء.
  19. 8.00 م صلاة العشاء.
  20. 8.30 م جلسات اللجان.
  21. 9.30 م النوم والراحة.

وكانت نتائج هذه المرحلة (19731977) كما يلي:

  1. أصبح الزي الإسلامي للطالبات هو السمة المميزة والجديدة للجامعات المصرية.
  2. انتشر الكتاب الإسلامي بالجامعات خاصة في أوساط الشباب عامة بما يجعه الكتاب الأول من ناحية الموضوعات والتوزيع والجودة في الإخراج والطباعة.
  3. أصبحت المحاضرات الإسلامية والدروس التربوية سمة من سمات الجامعة المصرية مما أثر كثيرا في تحسين أخلاق الطلاب وإشاعة الفضيلة بينهم وتنويرهم سياسيا واجتماعيا.
  4. برزت قيادات إسلامية من بين الشباب كان لها أثرها الملموس في توجيه الحركة الطلابية.
  5. تكون بالجامعات المصرية وكذلك الأوساط الطلابية رأي إسلامي عام.
وقد يسأل القارئ نفسه: كيف انتظرت الحكومة هذا الوقت الذي بلغ أربعة سنين دون مقاومة الحركة الإسلامية؟
وأجيب عليك فأقول:
أولا: هذه الإنجازات كانت تتم في هدوء بالغ وحذر شديد كما أنها كانت كلها مشغولة بداخل الحركة الإسلامية نفسها ولم تصدر أي نشرات تهاجم السياسيين أو تكدر الأمن العام.
ثانيا: أن الحكومات كانت مشغولة بنفسها وبصراعاتها الشخصية بين الناصريين واليساريين والساداتيين.
ثالثا: قبل ك ذلك وبعده إرادة الله الذي يقول للشيء كن فيكون.
رابعا: مرحلة استلام الاتحادات الطلابية (19771979)
إنها مرحلة الدخول في المناطق المحرمة ... إنها مرحة الوصول الإسلامي إلى منطقة السلطان والإدارة ولو على هذا المستوى الصغير مستوى إدارة اتحاد طلاب أو جامعة .. والوصول الإسلامي إلى مراكز التوجيه ... يعني إضاءة النور الأحمر في مكاتب المسئولين عن الإدارات الحكومية في الداخل والخارج على حد سواء.
وهذه المرحلة في حياة الجماعات الإسلامية جاءت نتيجة حتمية للمجهود المبذول في السنوات السابقة والتي أوضحت لجمهور الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات المبادئ الآتية:
  1. أن الجماعة الإسلامية تجمع الشباب الجاد في تدينه والصادق في دعوى الإسلام عقيدة وأخلاقا.
  2. أن أفراد هذه الجماعات قادرون على إدارة شئونهم بكفاءة أفضل من أقرانهم من أصحاب الانتماءات الحزبية الأخرى.
بهذه الخلفية لدى الرأي العام تقدمت الجماعات الإسلامية بأفراد منها في انتخابات الاتحادات الطلابية ... وكانت المفاجأة ... الجماعات الإسلامية تفوز بمرشحيها على جميع الاتجاهات الحزبية أو الفكرية .. بما فيها حزب الحكومة مع وفرة إمكانياته وضراوة حملته والتي استخدم فيها التهديد المسلح وخطف أفراد من الجماعة الإسلامية بطريقة سينمائية وتكرر ذلك على مستوى الجامعة والاتحاد العام لاتحاد طلاب الجمهورية ... وانتهت العملية الانتخابية بقائمة من الإسلاميين يشكلون رؤساء الاتحادات الطلابية للجامعات المصرية.

أما تشكيل مكتب الاتحاد العام لطلاب الجمهورية فكان أكثر وضوحا وتعبيرا على نمو الحركة الإسلامية:

  1. رئيس الاتحاد العام لطلاب الجمهورية: محمود طلعت جلال الدكش مستقل ومتعاطف مع الجماعات الإسلامية وهو مرشح الجماعات الإسلامية الذي اختاروه لتخفيف الصدمة على الحكومة إلى حد ما ويعمل اليوم طبيبا بوزارة الصحة.
  2. النائب الأول لرئيس الاتحاد للشئون العربية: أبو العلا ماضي أبو العلا جماعة إسلامية، وهو اليوم وكيل المؤسسين لحزب الوسط ومن رواد الحركة السياسية بمصر.
  3. النائب الثاني لرئيس الاتحاد للشئون الخارجية: محمد جلال قنديل مستقل ومتعاطف مع الجماعة الإسلامية.
  4. النائب الثالث لرئيس الاتحاد للشئون الداخلية: عادل أسعد الخياط جماعة إسلامية، ويعمل اليوم مهندسا مدنيا بسوهاج.
  5. النائب الرابع لرئيس الاتحاد لشئون الإعلام والنشر: محسن عبد الفتاح الشرقاوي جماعة إسلامية، ويعمل اليوم بتجارة الأجهزة الكهربية بالمنصورة حسب علمي.

خامسا: مرحلة الردة الديمقراطية والتحرش بالطلاب:

رغم أن الجهود الضخمة التي بذلتها الحكومة عن طريق عناصرها في الإدارة الجامعية وكذلك الأمن والتي تمثلت في تهديد المرشحين الإسلاميين وشطب عدد كبير منهم الأسباب مختلفة وكذلك تزوير الانتخابات لصالح المرشحين من الحزب الحاكم في بعض الكليات والدعاية الضخمة لهم، رغم كل ذلك كانت النتيجة تقول بصراحة كاملة إن طلاب الجامعات المصرية قبلوا قيادة الإسلاميين لهم، وبالطبع كانت هذه النتيجة مزعجة لكل الأوساط المعادية في الداخل والخارج ومن هنا بدأ التفكير الجاد في استخدام طريق آخر وأساليب جديدة للتعامل مع الجماعات الإسلامية.
وقد جرت الأحداث بعد ذلك في طريق دام وعنيف وأعلنت الحكومة حربها الشعواء على الطلاب عموما وجاءت إلى الجامعات بخيلها وخيلائها وأعلنت حالة الطوارئ القصوى في صفوفي "بلوكات" الأمن وقطعت آلاف الأشجار لتصنيع منها العصي الغليظة التي هي سمة المرحلة القادمة وأرسلت أمريكا عشرات الأطنان من القنابل المسيلة للدموع ذات التركيبات السامة (السيانيد).
أما التدريبات الحديثة لأفراد الأمن المركزي فكانت تتم على أساس تقسيم الجنود إلى قسمين: قسم يرتدي الملابس المدنية ويرفع شعارات إسلامية ويهتف بأعلى صوته "لا إله إلا الله"، "حسبنا الله ونعم الوكيل" والقسم الثاني يهجم عليه بالعصي الغليظة ويشبعه ضربا بالعصي والنعال والركل حتى تتفرق جماعتهم ... ثم يتبادلا المواقع مرة ثانية، وفي هذا إشارة كافية للاتجاهات الحكومية في المرحلة القادمة.
ومنذ اليوم الأول رفضت الجهات المباحثية تسليم مكتب الاتحاد العام لرئيس الاتحاد الجديد الذي انتخبه الطلاب وأغلق مكتب الاتحاد وجلس على بابه المخبرون في حالة استعداد لضرب أي لحية تقترب من باب الاتحاد، وقد ظل الاتحاد العام يمارس عمله من خلال المكاتب الفرعية بالجامعات ولمدة ستة أشهر كاملة بعد تشكيله.
ولم تصرف ميزانية الاتحاد المقررة لها كالعادة فكانت أنشطته تقوم على تبرعات الطلاب أو حصيلة مصروفاتهم .. كما أن الميزانية المخصصة للاتحاد من المجلس الأعلى للشباب والرياضة قد ألغيت تماما.
وفي شهر يونيو 1979 صدر أغرب قرار جمهوري في حياة الجامعات المصرية بإلغاء الاتحادات الطلابية كلية وإعادة تكوينها بتشكيل جديد يحول دون أن تكون كلمة الطلاب للطلاب ...
وقد أصدر المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب مصر مذكرة حول هذه القضية بعث بها إلى رئيس المجلس الأعلى للجامعات، أعرب فيها عن أمله في إعادة النظر في هذه اللائحة الجديدة وما تضمنته من قيود على الحركة الطلابية ...
ونحن ننقل هنا، نص المذكرة، لما لها من أهمية كبرى في إيضاح خطورة هذه اللائحة من ناحية، ومن ناحية أخرى، إيضاح الصورة الهادئة الواعية التي كانت تتعامل بها الجماعات الإسلامية مع الإدارة.

نص المذكرة:

السيد الأستاذ الدكتور رئيس المجلس الأعلى للجامعات.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ،،،
فقد فوجئت اتحادات طلاب الجمهورية المنتخبة شرعيا من القاعدة الطلابية، وفقا للقواعد المقررة قانونا، خلال العطلة الجامعية، بتجميد أموالها وإغلاق مقارها، وحظر اجتماعاتها بالطريق الإداري استنادا إلى قرار صدر من رئيس الجمهورية في التاسع عشر من يونيو 1979 برقم 265 بإلغاء لائحة اتحاد طلاب جمهورية مصر العربية، الصادر بالقرار الجمهوري رقم 235 لسنة 1976م.
(1) ولما كانت المادة 56 من الدستور تقضي بأن (إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطي حق يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية) فإن القانون يعتبر هو الأداة التشريعية التي تنظم بمقتضاه الاتحادات، وأن استخدام أية أداة تشريعية أخرى كقرار يصدر من رئيس الجمهورية أو من الوزير المختص يعتبر عملا غير دستوري ... ولا يعتد بما يقال من أن الاتحادات كانت منظمة من قبل بلائحة صادرة بقرار من رئيس الجمهورية؛
إذ أنه لم يكن هنالك محل للطعن في تلك اللائحة لعدم مخالفتها للأسس الديمقراطية المنصوص عليها في الدستور، سواء بقصر إنشائها على مستويات تنظيمية محددة أو تقييد نطاق نشاطها أو بتحديد قواعد تشكيلها بما يفقدها الصفة الطلابية، كما فعل قرار رئيس الجمهورية الأخير رقم 165 لسنة 1979 وهذه المآخذ التي شابت القرار المذكور هي التي اشترط الدستور من أجل تفاديها، وحماية حق إنشاء النقابات والاتحادات منها، أن تكون الأداة التشريعية المنظمة لهذه المنظمات هي القانون، وإعمالا لحكم المادة 56 المذكورة من الدستور، فإن جميع النقابات المهنية القائمة والنقابات العمالية واتحاداتها، واتحاد الغرف التجارية، والاتحادات التعاونية منظمة بقوانين.
(2) إننا نخشى أن يكون الدافع إلى إصدار القرار الجمهوري رقم 265 لسنة 1979، هو وجه من اتهامات، وجهتها إدارات المباحث العامة إلى الجماعات الإسلامية التي ينتمي إليها الكثيرون من أعضاء الاتحادات الطلابية عن مسئوليتها عن بعض حوادث فردية أو ردود انفعالية إذا صح وقوعها بالصورة المعروضة ودون بيان لملابساتها لا تقرها الاتحادات الطلابية، وهي شخصيات اعتبارية لها مجالس تنطبق باسمها وفقا لنص الدستور، ولا توافق عليها الجماعات الإسلامية نفسها، كما أعلنت في رسالة مطبوعة تعليقا على ما جاء بالخطاب المشار إليه، وذكرت فيها بوضوح أنها ترفض كل أشكال العنف والعمل السري، وتتصدى للأفكار المتطرفة أو المنحرفة.
(3) قصر التنظيم الجديد لاتحادات طلاب الجامعات على مستوى واحد، وهو اتحاد طلاب الكلية أو المعهد من الطلاب النظاميين بقسم البكالوريوس أو الليسانس وينبني على ذلك:
(أ) استبعاد طلاب الدراسات العليا من اتحاد الكلية أو المعهد في حين أن هذه الخبرة الطلابية وهذا المستوى الدراسي الأعلى يحققان نفعا مؤكدا للعمل داخل الاتحادات الطلابية.
(ب) إلغاء الاتحادات بالكليات والمعاهد التي تشملها الجامعة الواحدة وحل حلها جهاز إداري على مستوى الجامعة، أطلق عليه اسم "مجلس تنسيق الأنشطة الطلابية" وهو ما يؤدي إلى فقدان الجامعة الواحدة، مما يتعارض مع التسمية المتعارف عليها للجامعة بوصفها تجمع بين أصحاب الدراسات العلمية المتنوعة، في إطار واحد.
(ت) اختفاء الاتحاد العام لطلاب الجمهورية كقمة للحركة الطلابية في مصر والممثل الشرعي لطلابها في تنظيم الأنشطة المختلفة بين اتحادات الجامعات أو الاتصال بالمنظمات الطلابية المناظرة في الأخرى، وهو ما يضر بسمعة مصر أمام سائر دول العالم ذات الاتحادات والتنظيمات الطلابية.
(ث) إلغاء اتحاد الدارسين أبناء مصر خارج الوطن، وهو التنظيم الذي كان موجودا في ظل اللائحة الطلابية الملغاة، الأمر الذي يفقد الطلاب المصريون في خارج البلاد الصلة التي تجمعهم، مما يسهل التأثير على بعضهم واستقطابهم في تجمعات أخرى.
(4) كما نص القرار الجمهوري رقم 265 لسنة 1979 على تشكيل مجالس اتحادات الطلاب ذات المستوى الوحيد المسموح به داخل الكلية أو المعهد من العميد أو من ينيبه من أعضاء هيئة التدريس رائدا يرأس مجلس الاتحاد، ومن أحد عشر عضوا بنفس الصلاحيات في الحضور والتصويت ...
خمسة من أعضاء هيئة التدريس هم رواد اللجان الخمس المشار إليه (اللجان هي:الثقافية الفنية، لجنة الأسر، اللجنة الرياضية، لجنة الجوالة، اللجنة الاجتماعية والرحلات)، ورئيس جهاز رعاية الشباب بالكلية أو المعهد، كأمين لصندوق الاتحاد ... وهو ما يجعل عدد الطلاب في مجلس الاتحاد خمسة من اثني عشر، مما يفقد الاتحادات صفتها الطلابية.
(5) وقيد التنظيم الجديد نشاط الاتحادات الطلابية ذات المستوى الواحد، المنفصلة عن غيرها من الاتحادات على الوجه التالي:
(أ) حرمت هذه الاتحادات من أداء الخدمات الطلابية كطبع المذكرات الدراسية، ومنح الإعانات الاجتماعية، وعهد بها إلى صناديق التكافل الاجتماعي لطلاب الجامعات، المشكلة تشكيلا غير طلابي، في حين أن الاتحادات الطلابية قامت بنشاط واسع غير منكور النفع في مجال الخدمات الطلابية، وفي مقدمته طباعة الكتب العلمية وتوصيلها إلى الطلاب بثمن زهيد، مساهمة في حل مشكلة الكتاب الجامعي، ومشروع الزي المخفض للطالبات، ومشروع أتوبيسات الطالبات ومعسكرات العمل داخل الجامعة، ورحلات الحج والعمرة ومشروع الكتاب الإسلامي وندوات ومحاضرات عامة وإسلامية.
(ب) استبعد حل المشاكل الطلابية من اختصاص الاتحادات وعهد به إلى رواد مجاميع الطلاب داخل كل كلية ومعهد، وهم من أعضاء هيئة التدريس فيها ... ولا يوجد ما يمنع "بطبيعة الحال" من أن يتولى أعضاء هيئة التدريس الجامعية، معاونة الطلاب لحل مشاكلهم، بل هو ما يقتضيه دورهم كأساتذة وآباء، ولكن لا يقبل أن يؤدي ذلك إلى حرمان اتحادات الطلاب من الإسهام في حل مشاكل أعضائها من الطلاب.
(ت) حظر على اتحادات الطلاب أن يكون لها (نشاط فئوي أو سياسي أو عقائدي) وهو حظر غير مفهوم من ناحيتين.
فهل يتصور ألا يناقش طلاب الكلية أو المعهد، المستقبل المهني أو الفني أو العلمي لما يتخصصون فيه باعتباره نشاطا فئويا.وهل يعقل أن تمنع اتحادات الطلاب من ممارسة الأنشطة العقائدية بصفة عامة، بمعنى ألا تناقش في ندوات أو محاضرات الشئون الدينية، في الوقت الذي يطالب فيه بعض المسئولين بتدريس الدين في الجامعات؟
(6) إن إلغاء الاتحادات الطلابية المنتخبة شرعا، وفقا للقواعد المقررة من القاعدة الطلابية في أنحاء الجمهورية بقرار رئيس الجمهورية رقم 265 لسنة 1979 وليس بقانون كما نص عليه الدستور وإقامة تنظيم جديد لهذه الاتحادات يفتقر إلى الأسس القومية التي يتطلبها الدستور تقتضي منا بحكم الأمانة التي وضعتها القاعدة الطلابية على أكتافنا يوم أن منحتنا ثقتها لتمثيلهم ورعاية مصالحهم أن نتقدم إلى المجلس الأعلى للجامعات؛
وإلى مجالس الجامعات وإلى أعضاء هيئات التدريس فيها، بعرض وجهة نظرنا في القرار الجمهوري المذكور، طالبين المعاونة الجادة في إعادة النظر فيما تتضمنه من قضاء على الحركة الطلابية وإضعاف لفاعلية اتحادات الطلبة وإفقادها لصفتها التمثيلية مما يتعارض مع التصريحات بتعميق الجامعية، لتجعلها مسئولة مسئولية تاريخية عن تحقيق هذا الطلب ...
وإن ثقتنا في أستاذتنا تجعلنا نؤمن بأنهم لن يترددوا لحظة في الوقوف موقف المدافع عن الكيان الطلابي الديمقراطي داخل الجامعات، حفاظا على التقاليد، وصونا للقاعدة الطلابية من الالتجاء إلى العمل السري ... الأمر الذي يضر بهم، ولا يتفق مع الصالح العام ..
ونرجو لكل ذلك التفضل بعرض هذه المذكرة على المجلس الأعلى للجامعات، حيث إن القرار الجمهوري رقم 265 لسنة 1979 المعترض عليه صدر دون الاستماع إلى وجهة نظر الطلاب، لمخالفته للدستور، ولتعارضه مع الديمقراطية، ولانعكاسها الضار بالكيان الطلابي داخل الجامعات ...
وفقكم الله إلى ما فيه الخير للجامعات والصلاح لطلاب العلم ... المكتب التنفيذي لاتحاد طلاب مصر
وقد استطاع الاتحاد العام لطلاب الجمهورية أن ينظم العديد من المؤتمرات داخل الحرم الجامعي في مختلف الجامعات للتنديد باللائحة الجديدة، ومطالبة المسئولين علنا وفي برقيات مكتوبة بإلغائها والعودة إلى اللائحة القديمة، وكان موضوع اللائحة الطلابية هو جزء أساسي من كل مؤتمر أو ندوة طلابية، تتناول أي موضوع آخر؛
ولم تفلح كل تلك الجهود في أثناء القيادات السياسية والجامعية عن موقفهم المؤيد للائحة الجديدة، اللهم إلا في عام 1984، حيث حدثت بعض التعديلات الطفيفة، التي لا تغير من جوهر اللائحة شيئا ... وما زالت الحركة الطلابية في مصر تبذل جهودها من أجل المطالبة بإعداد لائحة طلابية حرة، ترضي الطلاب وتخرج من الجامعة.

مؤتمر الأزهر:

وكان المؤتمر الذي عقده اتحاد طلاب الجمهورية في جامعة الأزهر الشريف، وحضره أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة واحدا من المؤتمرات الهامة التي تناولت قضية اللائحة وقضايا أخرى وأعلنت فيها الجماعة الإسلامية، باعتبارها ممثلة لجموع الطلاب، رأيها في أكثر من قضية بوضوح، وأصدرت بيانا تحت عنوان "حقائق ... ومواقف" جاء فيه:
وسط هذه الظروف الحرجة التي تجتازها أمتنا وتمر بها الحركة الطلابية كان لا بد لنا من وقفة نحدد فيها معالم الطريق، ونضع النقاط على الحروف، ونذكر بحقائق يجب ألا تغيب عن الأذهان، ونعلن رأينا واضحا صريحا باسم جموع الطلاب الواعية:
أولا: إن الطريق الذي ارتضاه طلاب مصر هو الإسلام بشموله وكماله، نظرية سلوكا ... سياسة وحكما ... منهجا وطريقا، بل إنه الطريق الذي نرتضيه لأمتنا، ونرفض التقاط الفتات من فوق موائد الغرب تارة أو موائد الشرق تارة أخرى! ... بل ونرفض زيف الشعارات مهما كان بريقها، وخبث الكلمات مهما كان رنينها.
ثانيا: اتحاد طلاب مصر، وهو القناة الشرعية الممثلة لجموع الطلاب، يرفض الوصاية بكافة أشكالها، ويرفض الوصاة في كافة صورهم، سواء كانوا رواد لاتحادات الطلاب من داخل الجامعات أو من خارجها، بل نقول: "ارفعوا أيديكم عن طلاب مصر".
ثالثا: إننا نرفض رفضا قاطعا ما يجري الآن من تخطيط وتدبير من أجل تقييد الحركة الطلابية والحركة الإسلامية، أو التضييق عليهما سواء في صورة الحرس الجامعي أو "البوليس الجامعي" بل نعتبر ذلك ردة إلى عهود الكبت والإرهاب والظلم والطغيان، في الوقت الذي ترفع فيه شعارات الحرية والديمقراطية.
رابعا: إن اتحاد طلاب مصر لن يسمح بتشويه صورة الحركة الطلابية الإسلامية في جامعات مصر، والممثلة في الجماعات الإسلامية والتي أثبتت بحق نقاءها وإخلاصها ووعيها ووطنيتها، وهذا ما شهد به المسئولون في كافة مواقعهم.
خامسا: إن اتحاد طلاب مصر يرفض رفضا قاطعا التشكيك والاتهامات التي تكال جزافا لطلاب مصر، فطلاب مصر ليسوا "قصر" أو "لا ولاية لهم" أو "دون المسئولية" أو "لا وعي لهم" كما يتردد ويقال... هل كان لهم الولاية، وعلى مستوى المسئولية، يوم أن كانت ترفع الشعارات الزائفة، الفارغة المضمون؟! وهل أضحى الطلاب قصرا ولا ولاية لهم يوم أن رفضوا الزيف، واكتشفوا الحقيقة، وارتضوا الإسلام طريقا؟!
سادسا: إنه قد آن الأوان لتعرف جماهير الطلاب الواعي تاريخ الحركة الإسلامية في مصر قبل الثورة، والممثلة في الإخوان المسلمين، ودورهم الوطني الضخم والصادق والمخلص لا ينكره إلا حاقد أو جاهل أو جامد ... بل نقول إن ما قدمته الحركة الإسلامية من آلاف الشهداء على أرض فلسطين وضفاف القناة وصور البطولة النادرة، كانت سببا للتآمر الصهيوني الصليبي الشيوعي لضرب الإخوان المسلمين، والذي بات معلوما كل شباب مصر، فلننتبه قبل أن تمسح الحقائق ويزيف التاريخ مرة أخرى.
سابعا: إننا باسم طلاب مصر نستنكر أي أسلوب قد يمارس من أجل استعداء أساتذة الجامعات على أبنائهم الطلاب وطليعتهم الإسلامية، وإننا لنؤكد أن العلاقة بين الطلاب وأساتذة الجامعة هي علاقة الأبناء بآبائهم، ونحن ومعنا آباؤنا الأساتذة نربأ أن تتحول هذه العلاقة الشريفة الطاهرة إلى نوع من الوصاية أو الإرهاب أو الشك والريبة.
ثامنا: إننا نعلن أن هنالك حملة عالمية محمومة على الحركة الإسلامية في العالم أجمع، تمثلت في مئات المقالات والبرامج في الصحافة والإذاعات العالمية، وكلها تهدف إلى تصدير الشك والقلاقل واستعداء الحكام على الشعوب المسلمة في المنطقة بأسرها، وأن مصطلحات "التطرف الديني، والتستر وراء الدين" وغيرها قد صنعت في صحافة وإذاعات الغرب والمشرق، وبدأ تصديرها إلى صحافتنا، فلننتبه جميعا، ولتنتبه صحافتنا لهذا المخطط الآثم، الذي يريدها فتنة لا تخمد، ونارا لا تنطفئ.
تاسعا: إن موقف طلاب مصر من "حادثة التكفير والهجرة" كان واضحا غاية الوضوح، فك الشباب المسلم بجامعات مصر أعلن استنكاره لتلك الفعلة الشنعاء ... ولكن كما قال الإمام الراحل الشيخ عبد الحليم محمود: "إن صحت هذه الحادثة، فنحن لا نخطئ الفكر ونجرمه .. والفكر لا يرد عليه إلا بالفكر".
عاشرا: إننا من خلال بياننا هذا، ومن خلال مواقفنا الواضحة هذه، يحدونا أمل في أن تفهم وجهات نظرنا على وجهها الصحيح، ومن خلال اللقاءات المباشرة بممثلي الطلاب وكلنا بقلوب ملؤها الإيمان، وعقول ملؤها الحكمة نتوجه إلى رئيس الجمهورية بطلب لقاء قريب، حتى تتضح الصورة وتفهم المواقف على حقيقتها".
انتهى البيان ونلاحظ أن "اللهجة" قد تغيرت، بعد أن أدركت الجماعات الإسلامية أن المسئولين لم يحركوا ساكنا، وأنه لم يصدر منهم أي رد فعل إيجابي، للتفاهم حول مطالب الطلاب وقضاياهم.ونلاحظ أيضا إعلان الجماعة الإسلامية عن موقفها من حركة الإخوان المسلمين، وأنها تكن لها كل احترام.
وملاحظة ثالثة هامة وهي حرص الجماعة الإسلامية على توضيح موقفها من "حادثة التكفير والهجرة" والتي راح ضحيتها فضيلة الدكتور محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف الأسبق، وإدانتها للحادث في حالة ثبوت قيام عناصر التكفير به ...
والجدير بالإشارة أيضا أن الجماعات الإسلامية في مختلف الجامعات، قد أدركت خطورة المفاهيم والأفكار التي ينادي بها شكري أحمد مصطفى أمير جماعة المسلمين "جماعة التكفير والهجرة"، فوقفت بكل قوتها في وجه انتشار هذه الأفكار، واستعانت في ذلك بالكتب والعلماء لدرء هذا الخطر.
ملاحظة أخيرة على البيان الذي صدر عقب مؤتمر الأزهر الشريف، أن الذي أصدره هو الاتحاد العام لطلاب مصر الذي ألغته لائحة 1979، فقد ظل الاتحاد يحاول جاهدا أن يثبت وجوده، أملا في إعادة الشرعية القانونية له ... دون جدوى
وقد استغرقت هذه الفترة حوالي 18 شهرا كانت نتائجها كما يلي:
أولا: أضحت الجامعة إسلامية من ناحية الشكل العام والتيارات الفكرية، فمن ناحية الشكل العام أصبحت الفتاة المحجبة هي الظاهرة التي لا يخلو منها مدرج أو معمل أو ممر ولم يكن ذلك شكلا ظاهريا فقط ولكن أكده وجود المضمون الإسلامي لدى الغالبية من الطالبات، وكان ذلك واضحا كذلك في الأعداد الضخمة من الطلاب التي أعلنت انتماءها للجماعات الإسلامية بالشكل والمضمون، أما من ناحية التيارات الفكرية فلم يعد هناك صوت مسموع للناصرية أو الشيوعية أو الاتجاهات الحزبية الأخرى وتحول أفرادها القليلون إلى حالة من الكمون بعد أن انصرف جمهور الطلاب من حولهم دونما أي تعرض من الإسلاميين لهم بسوء أو أذى.
ثانيا: استطاع اتحاد الطلاب أن يمد يده إلى طلاب المدارس الثانوية الذين رغبوا في أن تكون لهم جماعات إسلامية في مدارسهم إعجابا بمن هم الأكبر سنا ودراسة وقد تكونت لهم جماعات إسلامية بالفعل في أكثر من مدرسة ثانوية، كما امتد نشاط طلاب الجماعات الإسلامية إلى أحيائهم السكنية ووجدت مساجد نشطة ها صوت مسموع يعبر عن فهم في الإسلام يشبه فهم الجماعات الإسلامية ويمارس العمل بنفس الطريقة التي تدعو بها الجماعات الإسلامية في الجامعة.
ثالثا: تمكن الطلاب من المساهمة الفعلية في إحياء بعض السنن الإسلامية التي أميتت في وعلى رأسها الأفراح الإسلامية وإعلانها في المساجد (الوليمة) الاجتماعات الإسلامية للتهنئة بالمواليد (العقيقة)، وكان أهم هذه المظاهر إحياء سنة صلاة العيدين خارج المساجد وحشد المسلمين في مظاهرة إسلامية رائعة ... وقد بلغ عدد المصلين في آخر صلاة عيد قبل اعتقالات سبتمبر 1981 حوالي 200 ألف مصل في ميدان عابدين بالقاهرة وكانت هناك بالقاهرة تجمعات للصلاة في أحياء أخرى، كذلك حذت كل المحافظات حذو القاهرة، أما الإسكندرية فكان اجتماعها الرئيسي في الاستاد الرياضي وهكذا خرجت الجموع الإسلامية من الأحياء متوجهة لمكان الصلاة هاتفة "الله أكبر ... الله أكبر" وأصبح الناس يعيشون طوال العام انتظارا ليوم صلاة العيد وما فيه من شهود الخير وعزة الإسلام.
رابعا: الشعور لدى المسئولين بالحكومة أن الدعوة التي تقوم بها الجماعات الإسلامية دخلت في طور التأثير على طوائف الشعب المختلفة، ذلك لأن الطالب الجامعي ليس مقيدا بكلية ولكنه يتحدث إلى أهله وإلى أصدقائه في الحي الذي يعيش فيه مما أسمع المجتمع بما يدعو إليه الجماعة الإسلامية ... استقر لدى الجهات الحكومية أن سياسة الحرية والديمقراطية المعلنة لن تجدي ... فتقرر إلغاء الاتحادات الطلابية ومصادرة حريات الطلاب الانتخابية.
خامسا: فهم جمهور الطلاب أن حكومتهم ليست جادة في تنشيط الدعوة الإسلامية وأن المسألة عند الحكومة لا تعدو أن تكون مجرد إحداث توازنات فكرية في المجتمع، فتنشيط الدعوة الإسلامية ليس رغبة في الإسلام ولكن لموازنة الحركة التبشيرية المسيحية وكذلك الإلحادية الشيوعية، وتأكد ذلك بالمواقف من الثورة الإيرانية واستضافة الشاه بمصر والعلاقات المصرية الأمريكية واتفاقية كامب ديفيد المرفوضة شعبيا.
سادسا: صعدت الحكومة حملتها ضد الطلبة المتدينين إلى درجة عالية فلم يكن يمر أسبوع بغير تحرش بهم والقبض عليهم ومحاكمتهم لأتفه الأسباب وكثيرا ما كانت الأسباب تفتعل، كذلك أصبحت مجالس التأديب للطلبة المتدينين ظاهرة يومية وكانت نتائجها مقررة قبل عقدها وهي الفصل عاما كاملا للطالب وحرمانه من الامتحانات أو الفصل من الجامعة أو الكلية، لمجرد أن يكتب كلمة على السبورة أو يعلق مجلة أو يهتف هتافا يعبر عن رأيه.
سابعا: كان لهذا التضييق الحكومي ومعاملة الطلبة كخصم لهم وليس كمسئول عنهم بالإضافة إلى نجاح الثورة الإيرانية على يد أبنائها العزل أكبر الدوافع لظهور الاجتهادات الجديدة للعمل الطلابي في الجامعة والتصدي بالقوة والقيام بالأنشطة الطلابية رغم أنف اللوائح الجديدة المقيدة لهذه الأنشطة وكذلك التصدي بالقوة والقيام بالأنشطة الطلابية رغم أنف اللوائح الجديدة المقيدة لهذه الأنشطة وكذلك التصدي لأفراد الإدارة الذين بدأوا في محاولة لإعادة الجامعة إلى شكلها القديم؛
وذلك بإعادة النشاطات المتعارضة مع فهم الطلبة الإسلاميين كالغناء الغربي وفرق الموسيقى الأجنبية ومعارض التماثيل واللوحات والصور الفاضحة وتحدي الشعور الإسلامي بمظاهر الخلاعة والمجون بين الفتيات والفتيان مع التهكم من الحجاب، وكان واضحا أن فخا حكوميا ينصب للحركة الإسلامية بالجامعات لإدخالها إلى حلبة العنف الذي لم تكن لديها أية مقدمات لخوضه.
وضاعت أصوات المحذرين وسط التحدي الحكومي لعواطف الشباب فوقعت عدة أحداث عنيفة في أكثر من جامعة كانت مقدمة طبيعية لتضرب الحكومة ضربتها الأمنية ومعها ورقة تقدمها للشعب كمبرر لهذه الضربة، ونذكر من هذه الأحداث على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر:
ففي أسيوط:
قررت الجامعة بإيعاز من الجهات الأمنية أن تزيد من الاستحكامات الداخلية والمتاريس داخل الجامعة، فبدلا من أن يكون للجامعة سور واحد أقامت الجامعة عدة أسوار داخلية فحصرت كل مبنى من مباني الجامعة في سور خاص، وكان الغرض من ذلك أن تكون الجامعة عبارة عن شوارع محيطة بالكليات فلا يعد ما يسمى بالحرم الجامعي وهذا يسهل لقوات الأمن الدخول إلى أعماق الجامعة دون اعتراض عليها، كما أن التعامل مع مجموعات صغيرة من الطلاب أسهل من التعامل مع الجماعة ككل؛
وفهم الطلاب أن هذه استعدادات لضربهم وتصفيتهم بالقوة فانقسموا فريقين:
الفريق الأول: رأى أنه من الحكمة الانسحاب من هذا الموقف ... فليست ظروف الطلاب مواتية لدخول هذه المعركة.
والفريق الثاني: استشعر في نفسه القوة والاستعداد لمواجهة الحكومة بالقوة وكانت حجته في ذلك أن التهاون مع الحكومة في هذا الأمر سيدفعها إلى الاستهتار بالشباب المسلم والتنكيل به.
وبالفعل قامت المجموعة الثانية بهدم بعض هذه الأسوار الداخلية وشرعت في هدم الباقي، وهنا تدخلت قوات الأمن التي كانت في حصار دائم للجامعات، وانهالت القوات بأعداد كبيرة، وكانت معركة دامية بين الطلبة وسلاحهم الحجارة والقيادات الحكومية وسلاحهم العصي والرصاص والقنابل المسيلة للدموع، وبالطبع فالنتيجة حتما كانت خسارة كبيرة من الجانبين واحتجاز عدد من الطلبة كأسرى وتقديمهم للمحاكمة فيما عرف "بقضية السور".
وفي المنيا:
كان ضبط النفس من الطلبة رائعا، فقد مضت سنة كاملة وقوات الأمن تحاصر الجامعة من كل مكان وكانت العربات العسكرية المكتظة بالجنود تجوب شوارع المدينة باستمرار، والدخول إلى الجامعة بإبراز تحقيق الشخصية وكذلك الدخول للكليات بالكرنيهات، مع انتشار المخبرين بأعداد كبيرة بين الطلاب ولم يكن عمل هؤلاء مجرد جمع المعلومات، ولكن عددهم الكبير كان يشير إلى احتمال استخدامهم كقوة ضاربة في حالة تأخر القوات الحكومية.
وأصبحت الجامعة مثل جامعة أسيوط كأنها وحدة عسكرية، الأمر فيها والنهي ليس للأساتذة والطلاب ولكن الأساتذة والطلاب جميعا عليهم إطاعة الأوامر العسكرية الصادرة من جهات خارج الجامعة تماما، وفي ظل هذه الظروف كانت التوقعات تشير إلى حتمية وقوع معركة بين الطلبة والقوات الحكومية؛
ولكن ذلك لم يحدث نظرا لعدم وجود سبب لذلك، فقد ظلت الجامعة تحترم القيم الدينية التي تعلمتها في السنوات السابقة وظل الأساتذة والطلاب كذلك حراسا أوفياء للمكاسب الإسلامية التي حققتها الجماعة الإسلامية.
ويبدو أن الأوامر كانت تحتم وقوع معركة بين القوات الحكومية والطلاب وكان لا بد من اختلاق سبب لذلك، وكان السبب إعلان مكتوب يدعو فيه أحد المدرسين بالجامعة إلى حفلة غنائية تعقد في المدرج الكبير بالجامعة، وتحرك الطلبة على الفور لمحاولة منع الحفلة المختلطة بين الطلبة والطالبات كالعادة، وأصر المدرس على ذلك؛
وفي وقت الحفلة سبق طلبة الجماعة الإسلامية إلى المدرج وجلسوا فيه وشرعوا يقرأون القرآن فتدخلت القوات الحكومية لتلقنهم الدرس المطلوب ولم يكن الضرب هذه المرة بالعصي ولكنه كان بأسياخ الحديد مما نجم عنه تهشم عدد من الجماجم ونقل عدد كبير من الطلبة إلى المستشفيات ولما سالت دماء الطلبة غزيرة اندمج بقية الطلاب الذي عز عليهم رؤية إخوانهم في هذه الحالة، فانهالت جموع الطلبة من المدينة الجامعية وكانت معركة رهيبة استخدم فيها الطلبة كل ما يملكون حتى هزموا القوات الحكومية هزيمة منكرة وطاردوهم في المزارع المحيطة بالجامعة حتى ساعة متأخرة من الليل ...
ولم تستطع قيادة القوات الحكومية أن تجمع أفرادها فعادوا متسللين فرادى إلى معسكرهم المجاور للجامعة، وعاد الطلبة إلى الجامعة ليسيطروا عليها ليلة كاملة في جو من الفوضى والذهول ... والغموض في نفس الوقت.
انتهت هذه المعركة بما عرف بقضية "الحفلة" والنتيجة عدد من الجرحى وعدد من الطلبة المفصولين من الجامعة وعدد من الممنوعين من دخول الامتحان لمدة سنة وآخرين لمدة سنتين.

وفي القاهرة:

كانت أحداث المسجد الشهيرة فقد خصص الطلبة حجرتين كبيرتين كمسجد للطالبات وإلى جواره حجرة ثالثة كمكتب ومكان خاص بتفصيل الزي الإسلامي وكانت هذه الحجرات فيما سبق مخصصة لاتحاد الطلبة وبوصفهم مسئولين شرعا بالانتخاب الحر عن الاتحاد فقط قاموا بهذا العمل قاصدين التصرف فيما يملكون؛
وعندما قررت الحكومة إزالة نشاط الجماعة الإسلامية من الجامعة أرسلت من يطلب إزالة المسجد والمكتبة ومقر الزي الإسلامي، ولم يقبل الطلبة ذلك وتجمهروا في المكان تلقائيا بغير توجيه، وعلى الفور تدفقت القوات الحكومية على المكان وكانت مستعدة في مكان قريب وحاصرت وشرعت في الاشتباك مع الطلبة المتجمهرين؛
ولكن الطلبة قرروا الانسحاب وعلى الفور تقدم الجنود الحكوميون نحو المسجد والمكتبة ومقر تفصيل الزي الإسلامي وفعلوا بالمكان الأفاعيل وكأنهم يأخذون بثأر قديم بينهم وبين المسجد.وحدثت أحداث قريبة من ذلك في جامعة الإسكندرية والمنوفية لسبب أو لآخر.

الحرب بالتفريق (عام 1980):

ارتكزت جهود النظام الحاكم في هذه المرحلة على ضرب الجماعة الإسلامية باتجاه إسلامي آخر ترى أنه أقل تأثيرا في مجتمعه ... إنها سياسة تنشيط الاجتهادات الشاذة في الإسلام وذلك لهدفين:
الأول: تفريق الشباب حول رايات عدة فيمكن تصفيتهم على مراحل بحيث يضرب كل تجمع على حدة دون إعانة من الآخر.
الثاني: إظهار الحركة الإسلامية بالجامعة على أنها مجموعات متناحرة وأن الأمن يتدخل ليس لوقف الحركة الإسلامية وإنما لفك الاشتباك بين هذه الجماعات.
  • فكانت المجموعة التي تحمل شعارات الاستخفاف بالتعليم المدني كعلوم الزراعة والتجارة والطب والهندسة والصيدلة والعلوم وكان شعارها حول هذه المسألة "علم لا ينفع وتركه لا يضر" وقد استطاعت هذه المجموعة أن تقنع عددا من الطلبة بترك الجامعات والعمل كبائعين متجولين يبيعون الترمس والهريسة وعسل النحل على أرصفة المدينة ... وقاد هؤلاء نفر من حي شبرا أشهرهم عبد الله بن عمر وأسامة القوصي من طب عين شمس، ومعظم الذين سافروا السعودية وبقوا هناك حتى حادثة احتلال الحرم المكي 1979.
  • وكانت المجموعة التي فهمت الإسلام على أنه عودة لواقع الجزيرة العربية في زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ولم تفرق بين ما كونه سنة واجبة الاتباع وبين ما هو عادة من عادات العرب فكانت المعارك الجدلية واليدوية حول "الجلباب والعصا" وضرورة دخول الجامعة بالجلباب والعصا والجلوس على الأرض والأكل عليها والاكتحال والتخضب بالحناء ... إلخ، كما نادت هذه المجموعة بحرمة قراءة الكتب الإسلامية التي ألفها دعاة معاصرون، وقادها وسيطر عليها جماعة التبليغ والدعوة ولكن بعد وفاة المرحوم الشيخ إبراهيم عزت.
  • وسمعنا عن الذين رفعوا شعار "الجماعة الإسلامية نحو فهم سلفي جديد" وكانت حجة هذه المجموعات الأخيرة أن الجماعة الإسلامية تسير متتبعة أثر الإخوان المسلمين، ولا بد أن يحدث لهم ما حدث للإخوان المسلمين من فرقة وتمزق إلى تنظيم علني وآخر سري وخلافات وصراعات واتهموا الإخوان بأنها جماعة تركت الجهاد وهادنت الحكومة، وترأس هؤلاء معظم قادة الجماعة الإسلامية بالصعيد وعلى رأسهم من الشباب كرم زهدي وأسامة حافظ من المنيا وناجح إبراهيم من أسيوط.
وحظيت معظم هذه الاتجاهات بتسهيلات إدارية غير مباشرة فعقدت لبعضها معسكرات بينما ألغيت معسكرات الجماعة الإسلامية تماما وقامت جامعات أخرى بتلبية رغبات مجموعة أخرى حتى سمنت وتضخمت واستشعرت أنها قوة، ومجموعة ثالثة سهلت لها الاجتماعات بالمساجد بينما حرم الآخرون.
وبالرغم من قلة عدد المنساقين وراء هذه التيارات إلا أنه شغلت الجماعة الإسلامية مدة عام كامل لإصلاح هذا العطب.وقبل أن تنتهي الجماعة الإسلامية من لم شملها وإصلاح ما فسد من ابنتها كان توقيت الضربة قد حان.

ثامنا: من المساجد إلى المعتقلات:

بدأ عام 1981 وما تزال الجماعة الإسلامية قوية فتية، وبالرغم من تصاعد المشاكل الداخلية إلا أن الجماعة الإسلامية كانت ماضية في عملها بانتظام، فالمؤتمرات كانت تعقد لمناقشة قضايا الأمة الداخلية والخارجية وكانت النشرات تصدر باستمرار تعبر عن حكم الإسلام في كل ما يدور من أحداث، وكانت توقع بالخط الواضح أسفل النشرة "الدكتورة حلمي الجزار الأمير العام للجماعات الإسلامية".
وفي عيد الفطر السابق على مقتل الرئيس السادات كانت صلاة العيد تضم 200 ألف مصل جاءوا تلبية لدعوة الجماعة الإسلامية للصلاة في ميدان عابدين بالقاهرة، ومثل هذا حدث في جميع المحافظات التي بها جامعات تقريبا، وكانت هذه مؤشرات صادقة تدل بوضوح على ثقة المواطنين في أبنائهم الذين يعملون تحت لواء الجماعة الإسلامية بقيادة الدكتور حلمي الجزار.
ومن ناحية أخرى فقد واكبت هذه الفترة الإعلان عن ميلاد أول اتحاد للجمعيات الخيرية الإسلامية مع جماعة الإخوان المسلمين وسمي هذا الاتحاد باسم "مؤتمر الدعوة الإسلامية الدائم".
وضم هذا الاتحاد جمعيات الخلفاء الراشدين ويمثلها الشيخ سليمان ربيع، وأبي بكر الصديق ويمثلها اللواء راشد، وشباب محمد، والهداية الإسلامية ويمثلها الشيخ حافظ سلامة، ونخبة من علماء الأزهر الشريف ويمثلها الشيخ محمد المطراوي إلى جانب ممثلين عن جماعة الإخوان المسلمين (أ. عمر التلمساني، د. أحمد الملط، أ. جابر رزق، أ. عبد المتعال الجبري، أ. محمد عبد المنعم (الإسكندرية)، أ. محمد المسماري (محامي).
وزيادة في إيضاح وجهة هذا الاجتماع فقد اختير الأستاذ عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمين، مسئولا عاما عن هذا المؤتمر.
كما أن بعض النقابات العامة كانت محسوسة النبض الإسلامي خاصة نقابة المحامين التي كانت تعلن رفضها الدائم للمعوقات المفروضة على الحركة الإسلامية ولمع في هذه المرحلة المرحوم محمد المسماري المحامي والمرحوم عبد الله سليم من العمار دقهلية والدكتور عبد الله رشوان، وكانوا جميعا متحلقين حول كبير المحامين الإسلاميين الأستاذ عمر التلمساني.

أما الطرف الآخر الذي تمثله الحكومة وحزبها "الحزب الوطني الاشتراكي" فكانت حالته كما يلي:

في الخارج كان السلام مع إسرائيل قد استقرت قواعده وأصبحت العلاقات في مرحلة ما بعد السياسة، ودخلت في مرحلة التبادل التجاري والثقافي والفني واقتربت من مرحلة التبادل "الكروي" أو الرياضي.
وكان التزاوج الحكومي مع الأمريكان يصل إلى درجة الاتحاد الفدرالي أو قبل ذلك بقليل، فالأمريكان لهم في مصر ثلاث قواعد عسكرية تحت اسم "تسهيلات عسكرية"، وكل كبيرة أو صغيرة لا تمضي حتى يعلن الرئيس المصري بغير أدنى حرج أنه في مشاورات مكثفة مع الرئيس الأمريكي، أما العلاقات العربية فكانت مقطوعة تماما إلا مع النميري وقابوس.
وفي الداخل شهدت البلاد ومعها العالم أجمع أغرب عرض عسكري لقوات الشرطة، فعرضت أسلحة ثقيلة ومصفحات وأنواع أخرى لا عهد للناس بها من أسلحة المطاردة ومقاومة التظاهر وتعقب الهاربين، وقد أقر ك من رأي هذه القوات أن الأمة مقدمة على حرب أهلية بين الناس والحكومة وتلك بشائرها.
ومن الغرائب أن طلبة الشرطة الذين حضروا الاحتفال المسائي اشتركوا لأول مرة في الغناء بفرقة موسيقية بما لا تعهده الأمة في العسكريين من قبل، وليس ذلك فقط بل تعمد المغني أن يقدم أغنية خليطا بين اللغة العربية والإنجليزية (فرانكو أراب) على موسيقى الجاز الأمريكي، كان ذلك مؤشرا واضحا لطبيعة الثقافة والتطلعات في جانب الحزب الوطني وحكومته وأجهزته العسكرية "راجع شريط الفيديو للحفلة لدى التليفزيون المصري".
واستكمالا لهذه الاستعدادات فقد كانت الحكومة قبل ذلك بعام قد شرعت في بناء سجن (الاستقبال الدامي) بمنطقة طرة حيث كان ذلك مؤشرا واضحا أيضا أن النية مبيتة لاستخدام سياسة المعتقلات كما اتضح بعد ذلك، ويسع هذا السجن ألفين من المعتقلين في المتوسط، يمكن أن تزاد عند الضرورة إلى أربعة آلاف.
ومما اتضح أيضا أن كشوفا قوامها ألفين من القيادات الوطنية المعارضة للسادات ومعها سبعة آلاف من الجماعات الإسلامية كانت قد أعدت لاعتقالها كدفعة أولى كما صرح بذلك الرئيس السادات في خطابه الذي أعقب عملية الاعتقال الأولى.
وكانت المشكلة العويصة أمام السادات وحزبه هو الاسم الذي تسمى به العملية، وعقد اجتماعا كبيرا باستراحة الرئيس بالإسكندرية كما قررت جريدة الحزب بعد مقتل الرئيس حضرته قيادات الحزب الوطني والقيادات الأمنية عامة والمباحثية ومستشاري الرئيس لشئون الأمن القومي ... إلخ.
وكان موضوع الاجتماع "الصياغة السياسية للضربة الأمنية القادمة والاسم الذي يطلق على هذه العملية".وعرضت أسماء كثيرة فاز من بينهم اسم "الفتنة الطائفية" وتقرر أن تكون القضية القادمة تحت اسم "قضية الفتنة الطائفية".
"والفتنة الطائفية" مصطلح سياسي مخترع منذ عهد الاحتلال الغربي ويقصد به تخويف المسلمين من التعرض للعقائد المسيحية واليهودية بالنقد.ولكنه استخدم هذه المرة استخداما سياسيا جديدا حيث اعتبر من يعترض على سياسة الحكومات وتصرفات الحاكم حتى في المسائل العائلية أو الشخصية متهما بإثارة الفتنة الطائفية.
وتحت هذا التجريم الجديد صدرت قرارات 5 سبتمبر وبموجبها دخلت قيادات مصر كلها المعتقل ممثلة في كل ما لا ينتمي إلى حزب الحاكم.فالإسلاميون شيوخا وشبابا ومعهم عينة من السياسيين على اختلاف اتجاهاتهم وعدد من الصحفيين والإعلاميين وعدد من المسيحيين سيقوا إلى المعتقلات على ذمة الفتنة الطائفية، وعاد زوار الفجر بعد انقطاع دام عشر سنين وأعلنت حالة الاستعداد القصوى في أجهزة الاعتقال والقمع ودهموا البيوت في أوقات نومها واستيقظ الأطفال على صراخ الأمهات اللاتي فقدن أزواجهن إلى مكان وزمان لا يعلمها إلا الله.
وبين عشية وضحاها كانت الجماعات الإسلامية مودعة في السجون ممثلة في قياداتها وعدد كبير من أفرادها والقسم الباقي بين هارب وخائف أو هارب يتحين الفرصة للانتقام.
وكانت خطابات الرئيس السادات التي أعقبت عملية الاعتقال والقبض من أكبر العوامل التي ساعدت على تأجج ثورة الانتقام من شخصه ومن نظامه، حيث تعرض للجماعات الإسلامية وعلماء الإسلام بكلام وسب وشتم واستهزاء بكل ما يمت للحركة الإسلامية بصلة من قريب أو بعيد؛
وكانت كلماته بحق الشيخ أحمد المحلاوي سقطة قاصمة لرئيس دولة ظهر متشفيا في أحد مواطنيه المعتقلين حيث قال عن المحلاوي (مرمي في السجن زي الكلب) وذكر الشيخ حافظ سلامة قائلا (راجل مجنون)، بهذه الاعتقالات وهذا الخطاب المستفز استكمل السادات في نظر الشباب المتدين كافة أسباب الحكم بالإعدام، وكان الحكم عند البعض نهائيا لا نقض فيه مما جعلهم يباشرون التنفيذ على النحو الوارد في ملفات القضية.

المفاجأة التي شلت الجميع:

إنها مفاجأة اغتيال السادات على المنصة وهذه إحدى الروايات الشائعة لكيفية اغتيال السادات.
في حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر يوم السادس من أكتوبر 1981 (وقفة عيد الأضحى) وبينما كانت فصول العرض العسكري تمضي برتابة وفق ما أعد لها فجأة ارتجت إحدى العربات وانحرفت إلى اليمين قليلا وتصور الحاضرون أن السيارة أصابتها لعنة الموتوسيكل وتعطلت؛
وعندما نزل منها ضابط ممتلئ قليلا تصوروا أنه سيسعى لإصلاحها وأنه سيطلب العون لدفعها إلى الأمام بعيدا عن المنصة، كما حدث من قبل في عروض عسكرية سابقة أقيمت في عهدي عبد الناصر والسادات لم شك أحد في عطل العربة الجرار بل إن قليلين هم الذين انتبهوا لذلك ...
وكان أول ما فوجئ به الحاضرون بعد ذلك هو رؤية الضابط الممتلئ الذي قفز من العربة وهو يلقي بقنبلة يدوية تطير في الهواء ثم ترتطم بسور المنصة منفجرة ... في ذلك الوقت كان المذيع الداخلي يحيي رجال المدفعية ويقول:
(إنهم فتية آمنوا بربهم!!) كان ذلك الضابط هو الملازم خالد الإسلامبولي الضابط العامل باللواء 333 – مدفعية ...
جرى خالد الإسلامبولي إلى العربة، وفتح بابها، وأمسك بمدفع رشاش ... عيار 9 مم، وكان ذلك الشخص هو عطا طايل ... وقبل أن ينتبه أحد، من الصدمة، ألقى خالد الإسلامبولي القنبلة اليدوية الدفاعية الثالثة في اتجاه المنصة، فسقطت بالقرب منها لكنها لم تنفجر هي الأخرى ... واكتفت بإخراج دخان كثيف منها ...
وقبل أن ينتهي الدخان، انفجرت القنبلة الرابعة، وأصابت سور المنصة أيضا ... وتناثرت شظاياها في أنحاء متفرقة .. لكن .. هذه الشظايا لم تصب أحدا .. وكان السبب هو سور المنصة الذي كان بمثابة (الساتر) الذي حمى من خلفها من شظاياها ... وكان رامي هذه القنبلة هو عبد الحميد عبد العال ... في تلك اللحظة انتبه أبو غزالة ..
وأحس أن ثمة شيء غير طبيعي يحدث .. وقد تأكد من ذلك بعد أن لمح الرشاش في يد خالد الإسلامبولي ... واكتشف أنه عار الرأس، ولا يضع البرية كالمعتاد ... وانتبه السادات هو الآخر ... وهب من مقعده واقفا ... وانتصبت قامته ... وغلا الدم في عروقه ... وسيطر عليه الغضب ... وصرخ أكثر من مرة: مش معقول ... مش معقول ... مش معقول .. وكانت هذه العبارة المكررة هي آخر ما قاله السادات ...

فقد جاءته رصاصة من شخص رابع كان يقف فوق ظهر العربة ويصوب بندقيته الآلية (عيار 7.92) نحوه وكان وقوف السادات، عاملا مساعدا لسرعة إصابته ... فقد أصبح هدفا واضحا، وكاملا، ومميزا ... وكان من الصعب عدم إصابته ... وخاصة أن حامل البندقية الآلية هو واحد من أبطا الرماية في الجيش المصري وقناص محترف ... كان ذلك هو الرقيب متطوع/ حسين عباس علي ... اخترقت الرصاصة الأولى الجانب الأيمن من رقبة السادات في الجزء الفاصل بين عظمة الترقوة وعضلات الرقبة ... واستقرت أربع رصاصات أخرى في صدره، فسقط في مكانه ... على جانبه الأيسر ... واندفع الدم غزيرا من فمه ... ومن صدره ... ووشاح القضاء الأخضر الذي كان يلف به صدره والنجوم والنياشين التي كان يعلقها ويرصع بها ثيابه الرسمية المميزة ...

بعد أن أطلق حسين عباس دفعة النيران الأولى، قفز من العربة، ليلحق بخالد وزملائه الذين توجهوا صوب المنصة ... في تشكيل هجومي، يتقدمهم خالد، وعبد الحميد على يمينه، وعطا طايل على شماله ... وبمجرد أن اقتربوا من المنصة أخذوا يطلقون دفعة نيران جديدة على السادات ... وهذه الدفعة من النيران أصابت بعض الجالسين في الصف الأول، ومنهم المهندسين سيد مرعي، والدكتور صبحي عبد الحكيم الذي سارع بالانبطاح أرضا ليجد نفسه وجها لوجه أمام السادات الذي كان يئن ويتألم ويلفظ أنفاسه الأخيرة ...
ومنهم فوزي عبد الحافظ الذي أصيب إصابات خطرة وبالغة وهو يحاول أن يكوم الكراسي فوق جسد السادات، الذي ظن أنه على قيد الحياة، وأن هذه المقاعد تحمي حياته، وتبعد الرصاصات المحمومة عنه ... كان أقرب ضباط الحرس الجمهوري إلى السادات عميد اسمه أحد سرحان ...
وبمجرد أن سمع طلقات الرصاص تدوي، سارع إليه وصاح فيه: انزل على الأرض يا سيادة الرئيس ... انزل على الأرض ... انزل ... ولكن ... كان الوقت كما يقول العميد أحمد سرحان متأخرا ... (وكانت الدماء تغطي وجهه وحاولت أن أفعل شيئا وأخليت الناس من حوله، وسحبت مسدسي وأطلقت خمسة عيارات في اتجاه شخص رأيته يوجه نيرانه ضد الرئيس، لم يذكر عميد الحرس الجمهوري من هو بالظبط الذي كان يطلق نيرانه على السادات ...
فقد كان هناك ثلاثة أمام المنصة يطلقون النيران (خالد، وعبد الحميد، وعطا طايل ... كانوا يلتصقون بالمنصة إلى حد أن عبد الحميد كان قريبا من نائب الرئيس حسني وقال له: أنا مش عايزك، إحنا عايزين فرعون ... وكان يقصد بفرعون أنور السادات!
وأشاح خالد لأبو غزالة قائلا: ابعد. قال ذلك، ثم راح هو وزملاؤه يطلقون الرصاص ... فقتل كبير الياوران، اللواء حسن عبد العظيم عام (51 سنة)؛
وكان الموت الخاطف أيضا من نصيب سبعة آخرين هم مصور السادات الخاص محمد يوسف رشوان (50 سنة) ... وسمير حلمي (63 سنة) وخلفان محمد من سلطنة عمان ... وشانج لوي أحد رجال السفارة الصينية ... وسعيد عبد الرؤوف بكر ... وقبل أن تنفذ رصاصات خالد الإسلامبولي، أصيب الرشاش الذي في يده بالعطب ... وهذا الطراز من الرشاشات معروف أنه سريع الأعطال خاصة إذا امتلأت خزانته (30 طلقة بخلاف 5 طلقات احتياطية)، عن آخرها ...
وقد تعطل رشاش خالد بعد أن أطلق منه 3 رصاصات فقط، مد خالد يده بالرشاش الأخرس إلى عطا طايل الذي أخذه منه وأعطاه بدلا منه بندقيته الآلية واستدار عطا طايل ليهرب ... لكنه فوجئ برصاصة تأتي له من داخل المنصة وتخترق جسده ...
في تلك اللحظة فوجئ عبد الحميد أيضا بمن يطلق عليه الرصاص ليجد رجلا يرفع طفلا ويحتمي به كساتر فرفض إطلاق النار عليه ... وقفز خلف المنصة ليتأكد من أن السادات قتل ... واكتشف لحظتها أنه لا يرتدي القميص الواقي من الرصاص ... وعاد وقفز خارج المنصة وهو يصرخ: الله أكبر الله أكبر!
في تلك اللحظة نفدت ذخيرة حسين عباس فأخذ منه خالد سلاحه وقال له: (بارك الله فيك ... اجر .. اجر ..) ونجح في مغادرة أرض الحادث تماما ... ولم يقبض عليه إلا بعد يومين ... أما الثلاثة الآخرون فقد أسرعوا بعد أن تأكدوا من مصرع السادات يغادرون موقع المنصة ... في اتجاه مسجد رابعة العدوية ... وعلى بعد 75 مترا وبعد قرابة دقيقة ونصف انتبه رجال الحراس وضباط المخابرات الحربية للجناة فأطلقوا الرصاص عليهم .. فأصابوهم فعلا ...
وقبضت عليهم المجموعة 75 مخابرات حربية وهم في حالة غيبوبة كاملة، وبعد أن أفاق الحرس من ذهول المفاجأة ... وبعد إصابة المتهمين الثلاثة، بدأ إطلاق النار عشوائيا على كل من يرتدي الزي العسكري، ويجري في نفس الاتجاه الذي كان يجري فيه الجناة فأصيب 3 أشخاص وفيما بعد ... ثبت من تحقيقات المحكمة أن عبد الحميد وعطا كانا ينزفان وهما يجريان ... وثبت أيضا أن رجال المجموعة 75 أخذوا أسلحتهم بعد إصابتهم ... وثبت كذلك بعض هذه الأسلحة كان بها ذخيرة، وقال العقيد محمد فتحي حسين (قائد المجموعة 75) أمام المحكمة؛
أن أسلحة بعض المتهمين كان فيها ذخيرة وأنهم لم يردوا على رجال المخابرات عندما أطلقوا عليهم الرصاص ... وكان عدم الرد على رصاص رجال المخابرات الحربية قناعتهم بانتهاء مهمتهم عند قتل السادات، ولأنهم اعتبروا أنفسهم شهداء منذ تلك اللحظة وفيما بعد شوهد ممدوح سالم في الفيلم التليفزيوني الإيطالي الذي صور الحادث وهو يلقي عددا من المقاعد في اتجاه السادات وشوهد وهو يشد حسني مبارك إلى أسفل .. وشوهد نائب رئيس وزراء سابق وهو يتسلل باحثا عن مهرب من هذا الجحيم.

مدرسة المعتقلات:

فور استعادة الدولة المصرية توازنها من وقع المفاجأة انتقلت السلطة تلقائيا لنائب الرئيس الذي أصدر فورا قرارا باعتقال كل من له نشاط ديني سياسي وبذلك أضيف عشرات الألوف من المعتقلين إلى الألف الذين تم التحفظ عليهم من قبل.
مثل الاجتماع الحاشد بالسجون للإسلاميين من جميع المحافظات المصرية من أسوان إلى الإسكندرية على اختلاف توجهاتهم وأعمارهم فرصة لم نكن نحلم بها ... فرصة في الحوار والدراسة العميقة لكل من هو معروض بالساحة السياسية وكل ما يخطط للحركة الإسلامية.
وكان معنا في المعتقلات في هذه الفترة عدد من الطلاب الوافدين بمدينة البعوث الإسلامية والقادمين للدراسة الإسلامية بالأزهر الشريف، مما جعل الاجتماع دوليا وليس محليا، وما زلت أذكر أسماء الثلاثة الأتراك الذين رافقوني في زنزانتي قرابة سبع شهور كاملة وهم الأخ، داوود تفير والأخ موسى كليكرك والأخ مصطفى أوزجان والأخير من كبار الصحفيين الأتراك الآن في مدينة اسطنبول في صحيفة (الزمان) التركية الإسلامية.
في المعتقلات عاشت المجموعات الإسلامية عاما كاملا تحولت خلاله المعتقلات إلى معسكرات عمل دائم، نظمت الندوات والمحاضرات وتكونت فرق للنظافة وفرق للتغذية وفرق للإعلام والصحافة وفرق للاحتفالات أقامت لنا أروع الاحتفالات بالعيدين والمناسبات الإسلامية.
وضرب جيل الصحوة الصغيرة والكبير مثالا رائعا في الصبر والثبات والرجولة أمام عنف النظام وضراوة التعذيب وعنت التحقيقات التي كانت تطول إلى ساعات الفجر كل يوم في ليل الشتاء البارد.وهكذا انتهت فترة السبعينيات لتخلف وراءها النتائج التالية.
أولا: تأكد أن سياسة تنشيط الاجتهادات الشاذة وتفريق العاملين تعتبر من أفعل الأسلحة لمحاربة الحركة الإسلامية وإضعافها.
ثانيا: أن الأمة المصرية تمتلك عقيدة إسلامية غضة طرية وفي حالة شوق وانتظار لاستئناف الحياة الإسلامية على أي مفهوم من المفاهيم المعتمدة.
ثالثا: أن الدعوة الإسلامية قد عبرت مرحلة التخويف بالسجن أو الإعدام فلم تعد هذه وسيلة مانعة أو مخيفة.
رابعا: لم يعد من الممكن تطويق الحركة الإسلامية حيث بلغت حدا من التكاثر والعمق بما لا يسمح بعملية التطويق أو المحاصرة.
خامسا: أن البيئة المصرية حبلى بميلاد جماعات إسلامية تعتبر الإخوان المسلمين ليسوا أهلا لقيادة الحركة الإسلامية وترفض الانضواء تحت قيادتهم.
هكذا كانت قصة الجماعات الإسلامية خلال عشر سنين، وكنت في ذلك مسجلا لما رأيته بعيني وعايشته بنفسي، وأرجو أن يكون ما كتبته موضحا لكثير من الغموض حول هذا الموضوع خاصة أن بعض الجهات تعمدت إثارة الدخان وإشاعة الشائعات حول هذه الظاهرة المصرية الصميمة.

جيل السبعينيات في طور جديد:

واصلت الصحوة الإسلامية جهودها بالجامعات والأحياء فور خروجها من المعتقلات في نهاية عام 1982، وبينما غابت قيادات هامة من الجماعة الإسلامية وراء القضبان بعد الحكم عليهم في قضية اغتيال الرئيس السادات، شرعت المجموعات الأخرى في العمل، في البداية الجديدة للعمل في فترة الثمانينات باتت الفوارق بين العاملين واضحة جلية.
فالتيار الذي اقترب من الإخوان وقبل العمل وفق منهج الإخوان شرع في تنظيم نفسه ولكن مع الكثير من التحديث في الأدوات الذي فرضته طبيعة العصر.
وأما التيار الذي اتخذ الجهاد المسلح طريقا للعمل الإسلامي فقد شكل لنفسه تجمعا منظما آخر وابتعد بمعظم عمله عن الجامعات، وترتب على تنظيماته وتدريباته موجة العمليات المسلحة التي هزت مصر منذ عام 1990 وحتى عام 1997 ومع صدور مبادرة وقف العنف في 5 يونيو 1997 نشطت مجموعة جديدة معترضة على المبادرة وقامت بالمذبحة المروعة في وادي الملوك بالأقصر والتي راح ضحيتها أكثر من 70 جلهم من السياح الأجانب؛
ثم صدرت المراجعات التي اتفق عليها قادة العمل المسلح في الداخل والخارج ونشرت للعموم في يناير 2002 وتوقفت موجة العنف كوسيلة للتغيير الداخلي حتى تفجرت دهب وشرم الشيخ والأزهر ثم الحسين 2009 والتي لم يعرف من وراءها حتى كتابة هذا المؤلف.
الفريق الأول الذي عملت معه وعايشته وما أزال أستأنف العمل على أصعدة ثلاث:
  1. الصعيد الأول هو الاهتمام بالدعوة الإسلامية بين الطلاب بالمدارس والجامعات.
  2. الصعيد الثاني الاهتمام بأعضاء هيئة التدريس بالجامعات.
  3. الصعيد الثالث العمل بالأحياء السكنية من خلال المساجد.
وسلكت الصحوة الإسلامية مسلكا قانونيا بحتا فجعلت وسيلتها للعمل:
  1. الاتحادات الطلابية.
  2. الأسر الجامعية المنبثقة من الاتحادات.
  3. نوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية.
  4. النقابات المهنية في أواخر الثمانينات.
والمجال هنا للتحدث عن دور جيل السبعينيات بالجامعات والأحياء والمدن من خلال الاتحادات الطلابية ونوادي أعضاء هيئة التدريس والمساجد.

جهود الإسلاميين بالجامعات في الثمانينات

أولا: من خلال الاتحادات الطلابية

في القاهرة تشكلت لجنة مركزية من حسب السن (السيد عبد الستار، عبد المنعم أبو الفتوح، حلمي الجزار، أنور شحاتة، أبو العلا ماضي) واللجنة كلها من جيل السبعينيات المنتمين للإخوان وكان عبد المنعم وقتها عضوا بمكتب الإرشاد الذي يرأسه الأستاذ عمر التلمساني؛
والحديث هنا متعلق بدورهم كمؤسسين في هذا الجيل ومنتمين إليه وسوف أفصل العلاقة بين اللجنة والإخوان في الفصل القادم، تشكلت لجنة معاونة في معظم المحافظات، في الإسكندرية (إبراهيم الزعفراني، خالد داوود، سعيد لطفي) في المنصورة (عاصم شلبي وآخرون) في قنا (مصطفى حسن وآخرون) في أسوان (أسامة عبد المعطي وآخرون) كما لحق بهؤلاء الأول أسماء أخرى على مدى 8 سنوات من العمل.
واعتمدت الصحوة الإسلامية بالجامعات خلال فترة الثمانينات أسلوب تحديد الأهداف وتقسيمها إلى أهداف مرحلية وأهداف نهائية وكذلك تحديد الوسائل بدقة كاملة وتوصيف العقبات المحتملة وكيفية التغلب عليها، وتعمق الإيمان في نفوس الشباب بضرورة الالتزام بكافة الأصول الإدارية الحديثة في القيام بالواجبات الدعوية فتشكل بالجامعات جهاز طلابي يتعامل من خلال تقسيم الواجبات وتحديد الاختصاصات والمتابعة والتقييم وتصحيح الأخطاء أولا بأول، وإدراكا لأهمية التدريب الإداري تأسس المركز العلمي للبحوث والدراسات (معبد) تحت إدارتي لقيام بهذا الدور الهام.
اختلفت فترة الثمانينات عن السبعينات في أساليب العمل ووسائل الدعوة وطريقة إدارتها.فقد لاحظت مجموعة العمل الجديدة عدة أخطاء في مرحة السبعينات وراحت تعالجها.
نذكر من هذه الأخطاء:
  1. أسلوب الجماهيرية العشوائية في تسيير الدعوة في الجامعات، وعولجت هذه الظاهرة بالتوجه لأعضاء هيئة التدريس والنظر إليهم باهتمام خاص.
  2. الخلط بين أعداء الإسلام كمنهج حياة وبين المعترضين على سلوكيات المتدينين من القيادات الجامعية حيث كان الخطاب النقدي الموجه من الإسلاميين في السبعينيات يعم كل من ينتمي إلى إدارة الجامعة بوصفه جزءا من النظام الحاكم، ولكن مرحلة الثمانينات شهدت لينا واضحا في خطاب الإسلاميين لمعظم الإداريين بالجامعة بوصفهم يتلقون أوامر ويكرهون على تنفيذها في مواجهة الحركة الإسلامية وكثيرا ما كانت تدور حوارات بين الإسلاميين وهؤلاء الإداريين حول كيفية التخلص من هذه الأوامر وكيفية إفشالها على أرض الواقع.
  3. الانصراف عن قضايا الطلبة الحياتية الملحة كمشكلة الكتاب والسكن والملبس والمواصلات والبطالة بعد التخرج والاكتفاء بعرض عموميات إسلامية يغلب عليها الجانب العاطفي أكثر من الجانب التفصيلي العملي والواقعي، وقد عالجت الحركة الإسلامية ذلك القصور بإجراء دراسات جيدة حول القضايا الهامة التي تهم الطلبة من خلال الاستبيانات واستطلاعات الرأي بأسلوب علمي لمعرفة أحاسيس الطلبة وما يشغل أذهانهم ويسيطر على أفكارهم ومشاعرهم، ثم انخرطت المجموعات الإسلامية في تلبية هذه الحاجات وتقديم الحلول المناسبة لها والتحاور حول تلك القضايا، والكتابة لشرحها وتحليل أسبابها، ووصف علاجها.
  4. ولاحظت مجموعة العمل بالجامعات انصراف معظم المتدينين عن التحصيل العملي التخصصي زهادة فيه أو انشغالا عنه، وشرعت مجموعة العمل الإسلامية في علاج تلك القضية بالوسائل الناجحة فرصدت جوائز للمتفوقين دراسيا من أبنائها وعقدت لهم حفلات تكريم على أعلى مستوى ورصدت الكثير لمساعدة الطلاب المتميزين وأقامت معسكرات خاصة للتحصيل العلمي في شهور ما قبل الامتحانات وكذلك أوقعت عقوبات وجزاءات على المتخلفين دراسيا من أبنائها والعاملين في صفها بالوقف عن ممارسة النشاط الإسلامي الدعوي حتى يجتاز الطالب مستوى معين من التفوق الدراسي.
  5. وانتبهت مجموعة العمل الإسلامية بالجامعات إلى قصور الدور النسائي حيث كان مقتصرا على الاهتمام بالزي الإسلامي طوال فترة السبعينيات ... فعمد الإسلاميون في فترة الثمانينات إلى الاهتمام بالجانب التربوي والثقافي حتى صارت منهن نماذج قادرة على أن تنقل فكرتها إلى غيرها بالإضافة إلى استمرارها على طريق الصحوة في مرحلة ما بعد التخرج من الجامعة.
وقد أثمرت تلك الجهود المبذولة من قبل الكتيبة الإسلامية العاملة بالجامعات ثمارا يانعة تمثلت في استمرار المسيرة الإسلامية أثناء فترة السبعينات وامتدادها للثمانينات بمعدل أفضل، كما ترسخت أقدام الإسلاميين بالجامعات وشكلوا عينة واضحة في أعضاء هيئة التدريس الجدد بالإضافة لفوزهم بأغلب المقاعد في الاتحادات الطلابية من خلال الانتخابات الحرة ... وكان ذلك تعبيرا عن سلامة التنظيم الإسلامي بالجامعات وقدرة مجموعة العمل على التعامل مع المتغيرات المحيطة.
ولا يفوتني أن أذكر بأن التوجه الإسلامي في الثمانينات كان يقضي بالعمل من خلال المنظمات العامة القانونية والتي يمثلها هنا بالجامعات الاتحادات الطلابية، مع أن اللائحة التي تحكم الاتحادات الطلابية لا تعطي إلا هامشا ضيقا من الحرية للطلاب وتجعل أمر الاتحادات برمته في أيدي المشرفين والإدارة الجامعية ولكن الطلبة الإسلاميين استطاعوا بعون الله ثم بحسن الصلة بالأساتذة أن يمارسوا قدرا جيدا من النشاط الدعوي والطلابي في ظل تلك اللائحة الجائرة.
ومن اللافت للنظر أن الإسلاميين بالجامعات لم ينسوا التنويه إلى مجلس الشعب بهدف إقرارها ولكنه لم يفعل .. فعاودوا التقدم لرئيس جامعة القاهرة ثم وزير التعليم فوعدهم ببعض التعديلات في حدود جامعته فقط على سبيل التجربة.
كما أن رؤساء الاتحادات بالجامعات حاولوا أكثر من مرة إعادة الاتحاد العام لطلاب الجمهورية إلى سيرته الأولى ولكن تصديات الحكومات المتعاقبة كانت وما تزال أشرس من قدرات الطلبة ولم تفلح جموع الطلاب في استرداد حقهم بإقامة الاتحاد العام لطلبة الجامعات المصرية كما كان من قبل ...

استمرت جهود الإسلاميين من خلال الاتحادات طوال أعوام 82، 83، 84 تتنامى وتزداد.وفي عام 1984 استطاع الإسلاميون إعادة الجامعات إلى صورتها العامة في السبعينيات واستطاعوا بفضل الله وعونه إزالة كل أثر للعدوان على الجامعات أثناء فترة اعتقالهم طيلة عام كامل بعد اغتيال السادات.

وفي عام 1984 والأعوام التي تليه فاز الإسلاميون بمعظم الاتحادات الطلابية بالجامعات المختلفة ومثلت الاتحادات الطلابية أوعية للنشاط الطلابي الإسلامي الأساسية.وفي جامعة القاهرة كبرى الجامعات على سبيل المثال تمكن الإسلاميون من الفوز بالاتحادات طوال سنوات 84، 85، 86، 87، 88، 89، حيث كانت لهم أغلبية ملموسة بمجلس اتحاد الجامعة.

القضايا الهامة التي اهتم بها الإسلاميون بالجامعات

واكبت الحركة الطلابية الإسلامية بالجامعات كافة الأحداث التي مرت بها أمتها في هذه الفترة من الناحية السياسية، كما هتمت بالقضايا الطلابية والعالمية.

من أهم القضايا التي اهتمت بها الاتحادات الطلابية الإسلامية:

  1. قضية فلسطين والمسجد الأقصى.
  2. قضية أفغانستان.
  3. قضية ضعف المسلمين وسبيل النهوض بهم.
  4. قضية بطلان الصلح مع الصهاينة المحتلين.
  5. قضية الحريات.
  6. قضية الشورى والديمقراطية.
  7. قضية حقوق الإنسان.
  8. قضية الفساد الاجتماعي والسياسي وكيفية مواجهته.
  9. قضية المشاركة السياسية والفاعلية الاجتماعية.
  10. قضية الانتخابات العامة والمشاركة فيها.

في إطار القضايا الطلابية:

  1. قضية الكتاب الجامعي وسبيل تيسيره للطلاب.
  2. قضية إسكان الطلاب بالمدن الجامعية.
  3. قضية النشاط الطلابي ورفع الوصاية عنه.
  4. قضية اللائحة الطلابية والمطالبة بإعادتها لأصلها.

في إطار القضايا الاجتماعية:

  1. قضية المخدرات والإدمان وسبل الوقاية منها.
  2. قضية الصحة والرياضة.
  3. قضية البيئة والتلوث.
  4. قضية ارتفاع الأسعار وقلة الدخل.
  5. قضية القدوة الصالحة وأهميتها للمجتمع.
  6. قضية التفوق العلمي وأهميته القومية.

في إطار القضايا الطارئة:

  1. قضية حرب الخليج وما ترتب عليها من أضرار.
  2. قضية مؤتمر مدريد ورفضه شكلا ومضمونا.
وهكذا مارست الاتحادات الطلابية دورا هاما في توعية جموع الطلاب نحو تلك القضايا مستخدمة الوسائل المختلفة للتوعية والإرشاد كالنشرة والكتاب والمحاضرة والمسرحية، والمعارض الفنية واللوحات الحائطية والمناظرات الفكرية ... إلخ.
كما واكب الاهتمام بتلك القضايا نشاط طلابي هائل من خلال لجان الاتحاد المختلفة.فلجنة الثقافة كانت معنية بالندوات والنشرات والمناظرات الفكرية.
ولجنة الجوالة أقامت معسكراتها في كل مكان وضمت إلى صفوفها عددا هائلا من الطلبة، ولجنة الرحلات نظمت رحلاتها إلى جميع أنحاء القطر وتوجت ذلك برحلات الحج والعمرة، ولجنة الرياضة أقامت المباريات والمسابقات الرياضية على مستوى عال من الجودة والالتزام حتى كانت حديث الجميع، ثم كان موجة أشرطة الكاسيت الهادفة إحدى ثمار هذه اللجان الطلابية المختلفة.

مواقف الخصوم:

تحالف الحزب الحاكم مع التيارات الغير إسلامية (الشيوعيون، اليساريون، الناصريون، المسيحيون) في محاولة لتطويق النشاط الإسلامي ومحاصرته وفض الطلاب من حوله، وكانت أهم أسلحتهم خلال أعوام: 87/ 88/ 89/ 1990.

  1. التشويه الإعلامي.
  2. الحصار الاقتصادي والمالي.
  3. اعتقال إسلاميين وفصلهم دراسيا.
  4. تهديد أولياء الأمور.
  5. إطلاق يد البوليس بالجامعات ونشر المخبرين.
  6. تزوير الانتخابات.
  7. شطب المرشحين الإسلاميين من قوائم الترشيح.
  8. تعيين الاتحادات بعد إلغاء الانتخابات.
  9. تكوين أسر نشاط مضادة ودعمها بكل ما تريد.
  10. إرهاب رؤساء الجامعات وعمداء الكليات وإرغامهم على إنفاذ مخططات التزوير. وتعودت ساحات الجامعات وقبيل كل انتخابات تجديد للاتحادات الطلابية السنوية أن تشهد سلسلة من الأحداث الدامية بين الطلاب وقوات الأمن.

وكانت الأمور ترتب على النحو الذي يحتم وقوع صدام بين قوات البوليس التي تملأ الجامعات وبين الطلاب أعضاء الاتحادات وجلهم من الإسلاميين، وعلى الفور يعتقل الطلاب ويقدمون للمحاكمة والتي تقضي في النهاية بفصل بعضهم من الجامعة وحرمان الآخرين من دخول الانتخابات، فإذا تقدم غيره قامت إدارة الجامعات بشطب معظم الطلاب فلا يبقى إلا المتقدمون من قبل جهات الإدغرة الحكومية.

وفي البداية كان الشطب جزئيا ولكن في نهاية الثمانينات كان كليا في معظم الجامعات.وبالرغم من تصاعد حملة الضغط الحكومي للطلاب في النصف الأخير من الثمانينات فقد صمدت الجبهة الإسلامية وقاومت وتشبثت بمواقعها وكانت تواجه عميلة الشطب بدفع أعداد كبيرة من الطلبة للترشيح فلجأت الإدارة الجامعية إلى إلغاء العملية الانتخابية كلية.

وتميزت نهاية فترة الثمانينات بتصاعد الحملة الحكومية في مواجهة الطلبة الإسلاميين وتحولت الجامعات في أعوام 88/ 89/ 90 إلى ثكنات عسكرية مليئة بالعنف الذي فاق كل حد.

الحرب بالأفكار المخالفة منذ بداية التسعينيات

أثمرت جهود الإسلاميين في الجامعات أثناء فترات السبعينيات والثمانينات ثمارا طيبة في معظم ميادين الحياة الجامعية، ولكن الخصوم لم يهدأ لهم بال وتنادوا فيما بينهم وعقدوا المؤتمرات واللجان لبحث كيفية مجابهة الإسلاميين.

وقد تمخضت كافة دراساتهم عن ميلاد جبهة عريضة مكونة من العناصر التالية:

  1. المجلس الأعلى للشباب والرياضة.
  2. جهاز رعاية الشباب بالجامعات.
  3. الحرس الجامعي.
  4. أعضاء الحزب الحاكم من أعضاء هيئة التدريس.
وبالرغم من أن هؤلاء قد اتفقوا على هدف ضرب الحركة الإسلامية ومواجهة الإسلاميين بالجامعات لكنهم اختلفوا في الوسائل المؤدية لذلك تماما.

جهود جيل السبعينيات: من خلال نوادي أعضاء هيئة التدريس

اهتمت مجموعة العمل الإسلامية بالجامعات اهتماما بالغا بأعضاء هيئة التدريس وتم ذلك من خلال التنسيق بين أعضاء هيئة التدريس المشهود لهم بالتدين والتفاوض معهم حول ضرورة أن يكون لهم دور اجتماعي بالجامعات، وكلفت شخصيا من مجموعة العمل بأن أتحمل مسؤولية الاتصال والتنسيق مع أعضاء هيئة التدريس، وبدأت هذه المهمة بإجراء دراسة ميدانية في معظم الجامعات لواقع الأستاذ الجامعي وكيفية النهوض بهذا الواقع، وصدرت الدراسة في أول مؤلف أصدره تحت عنوان (الأستاذ الجامعي ... الواقع والأمل)

كما أسست المركز العلمي للبحوث والدراسات ليكون وسيلة صحيحة وقانونية للقيام بهذا الدور، ولم تكد تنتصف الثمانينات حتى كانت نوادي أعضاء هيئة التدريس تملأ سمع المجتمع المصري وبصره، وكان طبيعيا أن تزداد أعداد الإسلاميين بالهيئة التدريسية بالجامعة نتيجة لهذا الاهتمام.

الثلاثاء 25 أغسطس 1987 الموافق 1 محرم 1408 كان يوما له تاريخ في حياتي، إنه اليوم الذي تحقق فيه تكوين تنظيمي للصحوة الإسلامية بين أعضاء هيئة التدريس تحت مسئوليتي، وفي هذا اليوم عصرا توافد على مدرسة المكفوفين بالإسكندرية بمنطقة زيزينيا ممثلين لهذا الكيان الجديد، وكان من بين هؤلاء المرحوم الدكتور يوسف عبد الرحمن الذي عبر عن فرحته بالمخيم والمشاركة فيه بأن ارتدى طاقية بيضاء ودخل المدرسة بهذه الهيئة وقابلته على الباب ومددت يدي برفق وأخذت الطاقية وداعبته قائلا (بكرة من حضرتك)

ولكن السبب كان لعدم لفت الأنظار لهوية المستأجرين، وفي هذا اليوم فجرا وضعت زوجتي توأما عبد الرحمن وأسماء وتوقع بقية فريق إدارة المخيم عدم حضوري حفلة الافتتاح، وما بين الفجر وقت الولادة والعصر موعد الافتتاح يسر الله أمري وأنهيت كافة ما هو مطلوب مني وودعت زوجتي والتوأمين وسافرت إلى المخيم قبل وصول الكثيرين إليه، وتكلم في الافتتاح المرحوم ممدوح الديري وضرب بحضوري المثل في التجرد للدعوة وتقديمها على ما عداها مستدلا بما فعلت؛

لقد كان الحب في الله والتفاني في أداء المهام الإيمانية منتهى أمانينا ومصدر سعادتنا حتى حلقت طيور الظلام في سمائنا فبدلت وغيرت ومررت طعم الحياة من حولنا، في نهاية عام 1987 كانت نوادي أعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية تتشكل معظم مجالسها من رجالات الصحوة الإسلامية الفتية، في القاهرة يرأس النادي أ. د. يوسف عبد الرحمن.

وفي الإسكندرية أ. د. نبيل هاشم وفي أسيوط أ. د. محمد السيد حبيب وفي الزقازيق أ. د. لطفي شهوان، وجميعهم من الإسلاميين ثم توالت جهود الإسلاميين في النوادي يرأسونها أو يعملون في مجالسها حتى نالوا ثقة الأوساط الجامعية في بقية الجامعات المصرية ... في المنصورة والمنيا والإسماعيلية وغيرها من الجامعات، نشطت نوادي أعضاء هيئة التدريس في ظل الإسلاميين نشاطا محمودا في كافة العمل الجامعي وأثمرت في ذلك ثمرات طيبة.

وعقدت النوادي المنتخبة حتى بداية التسعينيات ثلاثة وسبعين مؤتمرا مشتركا لها، وذلك لتبادل الرأي وإجراء المناقشات والحوارات حول أوضاع الجامعات المصرية وأعضاء هيئات التدريس وتوفير الجو الملائم لهم لتأدية رسالتهم الهامة من أجل التعليم والبحث العلمي.

وأصدرت النوادي عددا من الدراسات والتوصيات يجدر بنا دراستها للوقوف على حجم العمل الكبير الذي قامت به تلك النوادي (راجع كتاب الأستاذ الجامعي .. الواقع والأمل .. للمؤلف).

وأهم تلك التوصيات والتوجيهات يمكن إجمالها فيما يلي:

(1) وضعت النوادي مقترحا مفصلا لتعديل القانون الخاص بالجامعات (49 لسنة 72) طالبت فيه بـ:
(أ) الاستقلال المالي والإداري للجامعات.
(ب) اختيار كافة القيادات الجامعية عن طريق الانتخاب الحر المباشر.
(ج) ربط سياسة الشورى الجامعي باحتياجات المجتمع.
(د) ضمان حرية الرأي والتعبير والنشر والاجتماع بالجامعة ووضع الضمانات الكفيلة بتأمين الأعضاء على حاضرهم ومستقبلهم.
(2) وضعت النوادي اقتراحا تفصيليا لتصحيح هياكل رواتب أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم.
(3) إنشاء نظام التأمين الصحي من خلال كل نادي بالجامعات.
(4) إعادة جميع الأعضاء الذين نقلوا خارج الجامعة نتيجة قرارات سبتمبر 1981.
(5) الوقوف بحزم في مواجهة سياسات التطبيع مع الصهاينة وكافة مؤسساتهم العلمية.
(6) مكافحة التعديات البوليسية على الجامعات والمطالبة بإلزام الحرس الجامعي بمهمته المحددة في حراسة المنشآت الجامعية وتأكيد تبعيته لإدارة الجامعة.
(7) تأييد المطالب الطلابية الخاصة بإلغاء اللائحة الطلابية المجحفة والتي أصدرها الرئيس السادات لتقييد الحركة الطلابية.
(8) المشاركة الإيجابية بالرأي والاشتراك الفعلي في كافة القضايا القومية التي مرت بالأمة ومنها:
(أ) قضية الحريات والتعليم والديمقراطية.
(ب) قضية تطوير التعليم ومحاولات البعض محو الهوية الإسلامية للأمة تحت هذا الشعار والوقوف بحزم في مواجهة تلك المخططات.
(ج) قضية التنمية الزراعية وأهميتها وتوضيح خطورة التغلغل الصهيوني في مؤسساتنا الزراعية.
(د) قضية الحصار العلمي والتكنولوجي المفروض علينا من الغرب والأمريكان وكيفية التغلب عليه.
(هـ) قضية حقوق الإنسان عامة والإنسان المصري خاصة.
(و) التكامل العربي والإسلامي في كافة الشئون، والتعاون على درء الأخطار الخارجية التي تستهدفنا جميعا.
(ز) الوقوف بقوة مع الشعب العراقي في مواجهة الاستعمار الأمريكي.
(9) الاعتراض على تعيين المحافظين في مجالس الجامعات لتعارضه مع مبدأ استقلالها.
(10) المطالبة المتكررة والمستمرة من النوادي بإلغاء قانون الطوارئ وكافة القوانين المقيدة للحريات والتي اصطلح على تسميتها "بالقوانين سيئة السمعة"، والعودة لمعاملة الإنسان المصري بالقوانين العادية وعرضه على قاضيه الطبيعي.
(11) الرفض القاطع لإنشاء ما يسمى بالجامعة الأهلية لما يترتب عليها من مضار والمطالبة بالإنفاق على الجامعات القائمة واستكمال منشآتها ومعاملها وفي ذلك الاستغناء عن كل ما يقصد بإنشاء الجامعة الأهلية.
(12) رفض الاشتراك الصهيوني في عرض القاهرة للكتاب ومطالبة المسئولين بتنفيذ ذلك على الفور.
(13) مخاطبة الزعماء في إيران والعراق للوقف الفوري للحرب الطاحنة التي دارت بين البلدين.
(14) مؤازرة الشعب الأفغاني بقوة أثناء حربه ضد المحتلين الشيوعيين.
(15) المطالبة بتغيير اسم مجلس "تأديب أعضاء هيئة التدريس" الوارد بالقانون إلى مجلس المساءلة لأعضاء هيئة التدريس "وذلك حفاظا لكرامتهم واحترامهم.
(16) طالب المؤتمر الدائم لأعضاء هيئة التدريس بسرعة الأخذ بالشريعة الإسلامية في كافة القوانين تنفيذا لنصوص الدستور الذي اعتبرها المصدر الأساسي للتشريع.
(17) استطاعت نوادي أعضاء هيئة التدريس أن تكسر الحصار الحديدي الذي ضربته الدول حول الجامعات لتمنعها من أداء دورها نحو مجتمعها.
(18) أفرزت حركة النوادي شخصيات قيادية للعمل السياسي والاجتماعي على المستوى العام، استفادت منهم الأمة واسترشدت بهم في مواقفها الهامة والحاسمة.

تصاعد الصراع بين النوادي وخصوم التيار الإسلامي

نتيجة لهذه الحركة العريقة لنوادي أعضاء هيئة التدريس فقد وقع بالجامعات صراع بين توجهين:

التوجه الأول: والذي تدافع عنه نوادي أعضاء هيئة التدريس وهو التوجه الذي يؤمن بشمولية رسالة الجامعة واضطلاعها بالتربية المتكاملة لطلابها وضرورة تفاعلها مع مجتمعها وذلك ما نص عليه قانون تنظيم الجامعات الذي جاء في مادته الأولى:
"تختص الجامعات بكل ما يتعلق بالتعليم الجامعي والبحث العلمي الذي تقوم به الكليات والمعاهد التابعة لها في سبيل خدمة المجتمع والارتقاء به حضاريا، متوخية في ذلك المساهمة في رقي الفكر وتقدم العلم وتنمية القيم الإنسانية وتزويد البلاد بالمتخصصين والفنيين والخبراء في مختلف المجالات وإعداد الإنسان المزود بأصول المعرفة وطرائق البحث المتقدمة والقيم الرفيعة، ليساهم في بناء وتدعيم المجتمع وصنع مستقبل الوطن وخدمة الإنسان والإنسانية؛
وتعد الجامعات بذلك معقلا للفكر الإنساني في أرفع مستوياته ومصدرا لاستثمار وتنمية أهم ثروات المجتمع وأغلاها وهي الثروة البشرية، وتهتم الجامعات كذلك ببعث الحضارة العربية والتراث التاريخي للشعب المصري وتقاليده الأصيلة ومراعاة المستوى الرفيع للتربة الدينية والخلقية والوطنية وتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات الأخرى والهيئات العلمية العربية والأجنبية، وتكفل الدولة استقلال الجامعات بما يحقق الربط بين التعليم الجامعي وحاجات المجتمع والإنتاج.
والتوجه الثاني: الذي يريد أن تكون الجامعة مطيعة للحاكم تعبر عن مراده وتتحدث بلسانه، كما أن هذا التوجه بطبيعة الحال أراد أن يدخل الجامعة في صراعات حزبية ويفرض على إدارتها قبول الخضوع لتوجهات الحزب الحاكم كشرط أساسي لاستمرار المسئولين عن الجامعة في مناصبهم.

وقد زادت حدة هذا الصراع بين التوجهين المتصارعين بالجامعات في مواقف عديدة أشهرها:

(1) قضية أرض نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة، حيث خصصت أرض على النيل لإقامة ناد اجتماعي وثقافي إضافة لمبناه الصغير المنحشر وسط الحي السكني بجوار الجامعة.
وقد اتخذ النادي كافة الإجراءات القانونية الطبيعية بتسجيل الأراضي والعقارات وجهز الرسومات الهندسية وأعلن عن يوم وضع حجر الأساس ودعي إليه السيد رئيس الوزراء والسيد وزير التعليم.
وقبل الافتتاح بحوالي 12 ساعة توجهه قوات مسلحة تابعة لوزارة الداخلية واحتلت الأرض بالكامل وهددت من يقترب بإطلاق الرصاص عليه.
وكانت قضية ذائعة الصيت استنكرتها كافة الأوساط، ولكن أسفر غبار المعركة عن انتصار البندقية والمسدس وسياسة الاستيطان والغصب في مواجهة من المدنيين أعضاء هيئة التدريس وبقيت القضية بين الجامعة والحكومة مستعرة حتى عام 2000 حيث أعطيت للنادي أرضا بديلة بجوار مسجد صلاح الدين في قبالة الجامعة.

قرارات وتوصيات المؤتمر التاسع والستين:لنوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية:

انعقد المؤتمر العام التاسع والستون لنوادي هيئات التدريس بالجامعات المصرية بمقر نادي هيئة التدريس بجامعة القاهرة وبحضور جامعات القاهرة، والإسكندرية، وعين شمس، أسيوط، المنصورة، الزقازيق، بنها، المنوفية، حلوان، قناة السويس، طنطا، وقد ناقش المؤتمر القضايا المهنية والقومية التي اشتمل عليها جدول الأعمال وأصدر التوصيات التالية:

جامعة أسيوط:

(1) يؤيد المؤتمر العام قرارات وتوصيات المؤتمر الطارئ لأعضاء هيئة تدريس جامعة أسيوط على امتداد جلساته الأربع في 7، 14، 28/ 11، 8/12، ويستنكر المؤتمر بشدة موقف وممارسات رئيس جامعة أسيوط وما قام به من تحويل 63 عضو هيئة تدريس إلى النيابة العامة؛
ويعتبر ذلك سابقة خطيرة في تاريخ الجامعات المصرية، الأمر الذي سيترتب عليه عواقب غير مأمونة، ويعتبر المؤتمر أن أساتذة جامعة أسيوط قد مارسوا حقا مشروعا للأفراد والجامعات والنقابات في مصر بمقتضى قرار رئيس الجمهورية رقم 537 لسنة 1981 بشأن الموافقة على الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمنشورة في الجريدة الرسمية بتاريخ 14/ 4/ 1982؛
ويناشد المؤتمر السيد رئيس الجمهورية سرعة التدخل لاحتواء الأزمة وتطويق آثارها وبما يلبي رغبة القاعدة العريضة لأعضاء هيئة تدريس جامعة أسيوط، ويكلف المؤتمر العام المكتب الدائم بالاتصال وتكليف مجموعة من المحامين للتعاون مع المحامين بأسيوط في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية للدفاع عن حقوق أعضاء هيئة التدريس المحالين إلى النيابة العامة، فضلا عن التحقيقات الجارية الآن داخل الجامعة وما يترتب عليها.
كما يؤكد المؤتمر على ضرورة فتح أبواب الحوار بين النوادي والإدارات الجامعية للبحث عن أفضل السبل لحل مشاكل الجامعات لتجنب الاضطرابات والمحافظة على الاستقرار داخل الجامعات.

جامعة المنصورة:

(2) يدين المؤتمر العام موقف رئيس جامعة المنصورة وتدخله في شئون نادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، الذي وضع العراقيل أمام عقد المؤتمر العام بمقر النادي، ويعتبر ذلك محاولة لكتم الأصوات الحرة وخنق الأنفاس المخلصة، واعتداء على الديمقراطية التي ينادي بها السيد رئيس الجمهورية، وفتحا لباب القلاقل والتذمر والتوتر داخل الجامعة.

نوادي الجامعات:

(3) يحذر المؤتمر العام من خطورة إنشاء نواد باسم نوادي الجامعات لما قد يسببه ذلك من قلاقل واضطرابات في الأوساط الجامعية ويعتبر المؤتمر أن نوادي أعضاء هيئة التدريس القائمة بالجامعات المصرية هي الممثل الشرعي لأعضاء هيئة التدريس.
(4) لقد حققت نوادي أعضاء هيئة التدريس إنجازات كبيرة من خلال تعاونها مع وزراء التعليم السابقين أ. د. مصطفى كمال حلمي، أ. د. أحمد فتحي سرور، أ. د. عادل عز، مما كان له أثره الواضح في حسن الأداء للتعليم الجامعي وترسيخ معاني الانتماء والوطنية في الجامعة، إن المؤتمر العام يحرص على استمرار هذا التعاون با يخدم رسالة الجامعة في تحقيق الاستقرار والتنمية.

الاعتداء على السياح:

(5) يستنكر المؤتمر العام كل ممارسات العنف والإرهاب الموجهة للسياحة في مصر، وتعريض حياة السياح للخطر، الأمر الذي يتنافى مع قيم الإسلام وتعاليمه، ويناشد المؤتمر كافة القوى السياسية والنقابية والتجمعات الشعبية الوقوف ضد هذه المحاولات حفاظا على سمعة مصر وأمنها واستقراراها.

التطاول على الأزهر والقضاء:

(6) يحذر المؤتمر العام بشدة من الممارسات الصادرة من بعض الأقلام أو الأصوات التي تستهدف النيل من الأزهر الشريف ومن القضاء المصري العظيم وأساتذة الجامعات.
رئيس المؤتمر أ.د. بدر الدين غازي عطية
وتلك النماذج التي أوضحناها .. قليل من كثير نقصد به أن نوضح أن السياسات التي طبقتها الدولة في مواجهة حركة الطلاب الإسلاميين انسحب على أعضاء هيئة التدريس وحركتهم من خلال نواديهم ولكن بقدر حركتهم في مواجهة النظام ومعارضة سياساته.

ثلاثة تقارير خطيرة: لمواجهة الصحوة الإسلامية بالجامعات

التقرير الأول: حول مؤتمر الإعداد للقادة

مبنى المركز الكشفي، مدينة نصر الزمان 1/ 7/ 1992م

الذين يحضرون المؤتمر: مدعوون بصفة خاصة من قبل السادة رؤساء الجامعات، وهم أعضاء هيئة تدريس وموظفون من الجامعات ومختارون من الطلاب وذلك من جامعات: (الإسكندرية الأزهر الزقازيق قناة السويس المنيا أسيوط). ومعيدة واحدة من جامعة عين شمس، كلية الخدمة الاجتماعية.

المحاضرون: د. يوس والي، د. أسامة الباز، أ. محفوظ الأنصاري من جريدة الجمهورية، رئيس جامعة أسيوط، أ. عبد المنعم عمارة رئيس الشباب والرياضة، نور الدين فهمي رئيس جهاز الشباب، الشيخ محمد سيد طنطاوي مفتي وزارة العدل.

ومن الصف الثاني: د. خالد رفعت، من هندسة بورسعيد، د. عبد الوهاب زقطط، هندسة الزقازيق، د. حسن بكر، علوم سياسية أسيوط.

الهدف من المؤتمر: إعداد القادة الذي يحملون مفاهيم الحزب الوطني في محاولة لإعادة (شبه تنظيم طليعي بالجامعات).

الوسائل: محاضرات وحوارات جميعها حول الظاهرة الإسلامية وكيفية التغلب عليها.

ويدل التقرير الذي بين يدي على فشل الملتقى في تحقيق أهدافه ووقوع خلاف كبير في وجهات النظر بين المدعوين والمحاضرين وكثيرا ما أوصلتهم الحوارات إلى إيجابيات الظاهرة الإسلامية ولكن إصرار السيد عبد المنعم عمارة على التصدي لها كان الاتجاه الذي غلب، وقد فشل المجتمعون في التوصل لصيغة محددة للحركة نظرا لأن كل منهم ينتمي لجهة مختلفة.

وقد أبدى عبد المنعم عمارة اسيتاءه من أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة لأنهم رفضوا حضور حفلة بالجامعة في صحبته وحضر الحفلة وحده مع المحتفلين من أسرة الحزب الوطني بالجامعة.وقد أدلى كل من حضر بدلوه في المسألة وكان أشدهم على الشباب فضيلة المفتي الشيخ طنطاوي وبعض أفراد الصف الثاني.

التقرير الثاني: حول نادي حورس

(التنظيم الشبابي المكلف بمكافحة الإسلاميين في الجامعات المصرية)

والتقرير نشر على عددين بجريدة الشعب جاء في العدد الأول:

فكرة النادي: إحياء التنظيم الطليعي الذي شكله الاتحاد الاشتراكي في الستينيات ليكون جناحا شبابيا يتشبع بأفكار النظام مقابل الإمتاع والإنفاق على شهوات الشباب المنضمين إليه.
النشأة الحديثة: عقب الدورة الإفريقية حيث تم انتقاء فتيان وفتيات من الذين شاركوا في خدمات الدورة والترفيه عن اللاعبين والضيوف.
الأهداف: يلخصها السيد أشرف المهدي، مدير النادي فيقول: نريد أن ينقرض التيار الإسلامي تماما ويتم إصلاح مسار الاتحادات الطلابية.
التمويل: من خلال اشتراكات الأعضاء ومساهمات المجلس الأعلى للشباب والرياضية.
الانتشار: يوجد للنادي تجمعات في معظم المحافظات وعلى رأسها القاهرة، والإسكندرية، وأسوان والدقهلية والمنصورة، وجاري تأسيس فروع في كل من المنوفية، الإسماعيلية، بورسعيد.
التوجهات الفكرية: يقول رئيس النادي هناك ثلاثة مسائل لا دخل لنا فيها:
  1. الدين
  2. السياسة
  3. الأحزاب السياسية.
وما عدا ذلك يمكننا أن نقبله ونتعامل به.

أسباب الانتقادات الموجهة لحورس:

يقول رئيس النادي لعل السبب أن الشباب أثناء الدورة الأفريقية كانوا يسهرون معا إلى ساعة متأخرة فتيانا وفتيات وكثيرا ما كنا نبيت بالاستاد، وكان من الشباب من أوتي بأفعال تسيء إلى السمعة.وكذلك قد يكون السبب السرنجات المخدرة التي تم ضبطها مع الأعضاء عقب حفل يوم 27 فبراير الماضي.

سلوكيات أسرة حور في رحلة قطار الشباب إلى أسوان:

نقل التقرير وقائع كثيرة حول الحالة الأخلاقية المتردية لأعضاء التنظيم تصل إلى شرب الخمر والعبث الجنسي بين الفتيات والفتيان، والتطاول بالمطاوي ... وأن ذلك من الأمور المتعارف عليها في نادي حورس، بل إن بعض المشرفين يشارك الطلاب في هذه المهازل (طالع تقرير الشعب في عددي 5، 9 فبراير 1993).

التقرير الثالث: حول دراسة أعدتها جامعة المنوفية كلية الآداب

تحت عنوان: "الريادة المتكاملة للرعاية الطلابية".

وقد أرسلتها الجامعة للجامعات الأخرى بهدف الدراسة والمناقشة والتعميم.

ويعد التقرير محاولة جادة لمقاومة ظاهرة التدين بالأسلوب العلمي (كما يتصور صاحب التقرير) بالرغم من أن الدكتور صاحب التقرير حاول أن يغلف توجهاته تحت عنوان: "الريادة المتكاملة" والتقرير يبدي قلقه البالغ لوجود المتدينين بجامعة المنوفية ويصفهم كالعادة بالأوصاف المهينة.

ويحدد التقرير تسعة أهداف لتجربته التي يدعي أنها نجحت، ثم يشرح كيفية السير لتحقيق هذه الأهداف فيسرد كيف عقد كثيرا من الاجتماعات وكيف جند (4) طلاب بالتحديد أسماهم (بالرواد) لكل سنة دراسية ويشرح كذلك كيف كان الدور الرئيسي لهؤلاء منع الطلاب المتدينين (ويصفهم بالمتشددين) من إلقاء كلمات دينية بالمدرجات قبل الدروس والمحاضرات، وبدت المسألة على أنها خلاف بين الطلاب لا دخل للكلية فيه.

كما نسي نفسه تماما عندما قال في التقرير في صفحة (6) إن الطلاب الرواد المختارين كان من بين أدوارهم تذكير الأساتذة بمواعيد المحاضرات وهكذا أصبحوا أدوات لسيادته على الأساتذة أيضا وليس على الطلاب فقط، وهكذا تعب الدكتور كثيرا في هذا المجال بما يجعل لمطالبة في آخر التقرير وجاهة عند المسئولين.

وفي نهاية التقرير يقدم الأستاذ الدكتور مطالبه الآتية:

  1. ضرورة زيادة المكافأة المالية لأعضاء هيئة التدريس الذين يتفاعلون مع التجربة ومجازاة المتقاعسين عنها.
  2. يطبق ذلك على الطلاب أيضا فيفصل من الاتحاد ... المتقاعسون.
  3. يعاد النظر في قانون تأديب الطلبة بحيث تعطي للعمداء صلاحيات أوسع من ذلك.
  4. ضرورة العمل على تلبية حاجات الطلاب حتى لا يقعوا فريسة للتوجهات الإسلامية.

ماذا تعني هذه التقارير؟

تعني أن الجهات المناوئة للصحوة الإسلامية غيرت من خطتها القديمة المعتمدة على البطش البوليسي وأضافت إلى ذلك مواجهة تعتمد على الأفكار والتنظيمات المدنية، ويعتبر ذلك من أهم مكاسب الصحوة الإسلامية الجديدة التي بدأت مع جيل السبعينيات، وكان ذلك يعني أنها أجبرت الخصوم على الدخول في حوار حول القضايا المختلف عليها.

وكان ذلك لسببين:

الأول: استمرار الجماعة الإسلامية في الحوار الهادئ حول قضايا الإسلام والمسلمين ليضربوا المثل في القدرة على الحوار بالتي هي أحسن مبتعدين تماما عن العنف ووسائله.
الثاني: إن الجيل الجديد الذي نشأ في السبعينيات وامتد عمله في الثمانينات اتسم بسمات خاصة ولا يمكن وصفه بأنه مجرد امتداد لحركة الإخوان المسلمين القديمة ولكنه جيل استوعب تجربة الماضي واستفاد بها وتجنب ما وقعت فيه من الأخطاء (مثل التنظيمات السرية والعسكرة وسلطة الأمير المطلقة والصراع مع القيادة المعلنة وتكفير المخالفين واعتبار الحركة الإسلامية حركة انقضاضية على مجتمعها واعتبار القوة المادية من وسائل التغيير السياسي أو ما عرف بالخلع والإبعاد)
ومع قوة الصلة بقيادة الإخوان المسلمين متمثلة في مكتب الإرشاد والمرشد العام الأستاذ عمر التلمساني ولكن ذلك كان ضمن اتفاق واضح مفاده عدم وضع لافتة (الإخوان المسلمين) على الصحوة الإسلامية في الجامعات والأحياء، ولم يكن ذلك اعتباطا ولكن الجميع ممثلا في قيادة الإخوان وجيل السبعينيات كان يعي أن تجربة الإخوان المسلمين التاريخية لها ميزات ولها عيوب ومن الحكمة أن نجنب الصحوة الإسلامية الجديدة تحمل هذه العيوب التي ليس لها صلة بها ولا ذنب فيها.

أبرز معالم المرحلة:

الشخصيات:

في الفترة من 1970 وحتى منتصف الثمانينات برزت أسماء وشخصيات تمثل الصحوة الإسلامية، ويمكن تصنيف من أتذكر منهم على النحو التالي:

علماء وقادة:

  1. الشيخ محمد الغزالي السقا.
  2. الشيخ سيد سابق.
  3. الشيخ عبد الحميد كشك.
  4. الشيخ حافظ سلامة.
  5. الشيخ محمد نجيب المطيعي.
  6. الدكتور عيسى عبده.
  7. الشيخ محمود عيد.
  8. الشيخ أحمد المحلاوي.
  9. الشيخ محمود عبد المجيد العسال.
  10. الشيخ إبراهيم عزت.
  11. الشيخ عبد الرشيد صقر.

بالإضافة إلى علماء آخرين كنا نستريح له دون أن يقتربوا منا أو يشاركوا معنا في عمل ومنهم:

  1. الشيخ عبد الحليم محمود.
  2. الشيخ سليمان ربيع.
  3. الشيخ عبد اللطيف المشتهري.

القادة من الشباب:

في جامعة القاهرة:

برز منهم وائل عثمان وعصام الغزالي وعصام الشيخ وعبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وسناء أبو زيد وحلمي الجزار وأحمد عمر ومحمود الراوي وعصام سلطان.

في جامعة عين شمس:

برز في الطب ماهر سالم ومصطفى طلبة ومحي الزايط وأحمد دغيدي وأشرف عبد العظيم وعبد العزيز سويلم وفي العلوم عبد المحسن زيكو والسيد عبد الستار (مؤلف الكتاب) وطه عبد الخالق وبدوي محمد بدوي وشكري مصطفي وسيد شيبة وفي الهندسة محمد الدبيسي وأسامة حامد وأسامة خضر وفي الأزهر أسامة عبد العظيم وعبد الله سعد ومحمد رشدي وفي الكليات العسكرية برز كارم الأناضولي.
  • في جامعة المنيا علي عمران ومحي الدين عيسى وأبو العلا ماضي وحشمت خليفة وأحمد عبد العال ومحمد أبو المعاطي وأحمد زكي وجمال عبد الصمد وكرم زهدي وفؤاد الدواليبي وأسامة حافظ وحسن يوسف وأبو ستيت وإبراهيم ذا النون وحسين سليمان وعاصم عبد الماجد.
كما ظهر في الأحياء حسن الجمل بالمنيل بالقاهرة والشيخ محمد المطراوي بالمطرية وفي مصر الجديدة مجموعة مسجد الشعراوي (جمال عبد الناصر سابقا) ومنهم عبد اللطيف الشريف مؤسس مصانع الشريف ورأفت عياد ومحمد رجائي ومجموعة النزهة
ومنهم محمد السعيد عبد اللطيف المشتهري ومحمود صالحين ومحمد عطية عيسى وحلمي اللق والدكتور فتحي عبد الوهاب وسيد عي حسن شبراخيتي وأحمد حجازي ومحمد شريف الفخفاخ ومحمد شرف الدين ومحمد عبد السلام شرف الدين، ومجموعة شبرا وأشهرهم عبد الله عمر الذي أعدم في حادثة احتلال الحرم المكي مع جهيمان، ومجموعات مشابهة في كل محافظة مصرية.
ومن هؤلاء المنتمين للجيل الشهيد فتحي الشقاقي مؤسس تنظيم الجهاد الإسلامي في فلسطين وكان يدرس بجامعة الزقازيق وعدد من مؤسسي حركة حماس منهم موسي أبو مرزوق وخالد مشعل وأسامة حمدان.

المعالم العقدية للجيل:

مع ملاحظة أننا نتحدث عن تاريخ وليس عن الواقع اليوم فقد اختلفت عقيدة المشاركين في الصحوة الإسلامية تجاه المجتمع والحكومات والمؤسسات والنصارى، فالعلماء القادة الذين ذكرتهم كانت منطلقاتهم العقدية الشعور بأن سبب تخلفنا وهزيمتنا هو بعدنا عن الله وتفريطنا في تعاليم القرآن والسنة بالمعنى العام ولم يكن في خلدهم أن نبرتهم الحادة في نقد الواقع الديني سوف تؤدي إلى ما هو أبعد من ذلك لدى الشباب؛

ولكن الذي سيطر على شباب الصحوة كان الفكر التكفيري، وأهم السمات التي ظهرت وشاعت بين الجيل بالتصريح أو التلميح كانت:

  1. النظرة للمجتمع على أنه مجتمع جاهلي والدليل عند الشباب هو المعاصي الفاشية وفي مقدمتها سفور النساء وبيع الخمر وتداوله والتعامل بالربا والحكم بغير ما أنزل الله.
  2. النظر إلى الدولة ومؤسساتها وأجهزتها على أنها غير إسلامية وتصريح قطاع ملموس بأن الحكومات كافرة وكل من يعاونها أو يتبعها ويسير في ركابها وخاصة الشرطة والجيش.
  3. الاعتقاد بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي على شباب الصحوة والدليل المشهور فيما بيننا هو حديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) وفرضية تغيير المنكر القائم في النظام والحكومة والشعب ولو بالقوة.
  4. النظرة إلى الأقباط على أنهم أعداء يجب محاربتهم وقد تفاوت العداء للنصارى بين مجرد الكراهية والحذر في الوجه البحري إلى الشدة والعنف واستحلال الأموال والدماء عند الإسلاميين في الصعيد، وكان من أسباب ذلك التحول في الفكر المصري موقف البابا شنودة الذي بدأ فترته متشددا تجاه المسلمين ومعلنا لشعارات غريبة جديدة مثل وقوع ظلم على النصارى وتفرقة عنصرية وحرمان من الوظائف العليا في الدولة وهكذا تكهربت العلاقة بين المسلمين والنصارى وبرز مصطلح الفتنة الطائفية ليعبر عن هذه الحالة.
  5. النظر إلى القومية العربية كدعوة جاهلية هدفها صرف العرب عن دينهم واعتبار جامعة الدول العربية أداة استعمارية أسسها وأشرف عليها المحتل الإنجليزي وغزاها ميشيل عفلق لتكون بديلا عن الخلافة الإسلامية.
  6. النظر إلى العالم الغربي الغير مسلم (أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفيتي وإسرائيل) كدار حرب وقوى معادية للإسلام ويشمل ذلك الشعوب والحكومات دونما أي تفرقة.
  7. عدم الإحساس بوجود العالمين الآسيوي والأفريقي ولذلك لا أثر لهما في أدبيات المرحلة.

الفعاليات والسمات البارزة للصحوة والتأثير في المجتمع:

شاركت الصحوة الإسلامية لهذا الجيل في عدة ظواهر اجتماعية ميزتها وأبرزتها عدة فعاليات واقعية يمكن رصدها على النحو التالي:

ظاهرة الزي الإسلامي للنساء واللحى للرجال وأسلمة المناسبات:

من أهم ما تميزت به الصحوة ظاهرة الإقبال على الزي الإسلامي للنساء وإطلاق اللحية عند الرجال، لم يكن ذلك من موضوعات الحركة الإسلامية في الثلاثينات أو الأربعينات وحتى السبعينيات ومن الثابت أن جيل المتدينين قبل الصحوة في السبعينيات لم يكن ملتفتا لهذا حتى أن قادة مشاهير في الحياة الإسلامية كانوا يدخنون السجائر وزوجاتهم ونساؤهم سافرات كنساء الطبقات المتغربة؛
وكذلك التمسك بالمظاهرة الإسلامية في الأعراس ومناسبات الموالد وعادت للحياة مصطلحات الوليمة للعرس والعقيقة للمولود والوكيرة للمنزل الجديد وانتشرت أدعية المناسبات كدعاء السفر ودعاء الأكل ودعاء الشرب ودعاء الزواج ودعاء المساء ودعاء النوم ودعاء القيام من النوم و ... إلخ، كل هذه كانت إبداعات الصحوة الإسلامية من حيث إخراج بطون الكتب وتحويلها إلى حالة شعبية عامة.
صلاة العيدين خارج المسجد:
غدت صلاة العيدين خارج المساجد وفي الساحات العامة وسيلة الصحوة الإسلامية لحشد الشعب خلفها مرتين كل سنة في عيد الفطر وعيد الأضحى وقد أحسنت الدولة صنعا عندما تبنت ذلك ونظمت وزارة الأوقاف معظم الساحات بنفسها، ولكن يبقى هذا الإحياء لتلك السنة التي أميتت من إنجازات جيل السبعينيات الإسلامي.
تداول الأشرطة الإسلامية:
ومن هذه الإنجازات كذلك استخدام تكنولوجيا أشرطة الكاسيت لنشر المواعظ والمحاضرات الإسلامية، وقد أصبح الشريط الإسلامي من سمات جيل السبعينيات ولا حسب أن شريط كاسيت في الدنيا نافس شريط الشيخ عبد الحميد كشك خطباء جيل الصحوة الإسلامية في السبعينيات.
انتشار الكتب الإسلامية:
ومن الإنجازات التي ميزت الصحوة الإسلامية لجيل السبعينيات حب القراءة وتحصيل العلم وترتب على ذلك حب الكتب والاهتمام بتحديثها وحسن إخراجها وتلوين أغلفتها، وترتب على ذلك رواج غير مسبوق للكتاب الإسلامي ليأخذ مكان الصدارة في معظم معارض الكتاب العربية والإسلامية حتى يومنا هذا.
الزواج المبكر الإسلامي والأسرة المستقرة:
من الظواهر التي ترسخت مع ازدهار الصحوة الإسلامية لجيل السبعينيات ظاهرة الزواج بين الشبان الإسلاميين والشابات المسلمات بطريقة تشبه الزواج العرفي ولكن بضوابط إسلامية من حيث الإشهار بالمساجد والبساطة المتناهية في التجهيزات (منزل بمساحة عش العصافير وكنبة وقلة وكباية)
وكانت الريادة في ذلك لجماعة شكري مصطفي لولا أنها كانت تقوم بذلك من وراء أهل الشاب والفتاة أحيانا، غير أن الجماعات الإسلامية، بالجامعات فعلت نفس الشيء بعلم تام من أهل الشاب والفتاة فكان فعلا محمودا وحاميا للشباب من الوقوع في الرذيلة ومقبولا في الفقه الإسلامي، بهذه الطريقة حدثت مئات بل آلاف الزيجات الناجحة والتي ترتب عليها بيوت مستقرة حتى اليوم ونشأ عنها ذريات صالحة ندعو الله أن يبارك فيها ويرعاها.

شركات توظيف الأموال والبنوك الإسلامية:

نجحت الصحوة الإسلامية في السبعينيات في لفت نظر المجتمع إلى ضرورة التحري في باب الكسب المالي والتأكد من أن المال الذي في أيدينا مكتسب من حلال وينفق في حلال، وأصبح السؤال المطروح مجتمعيا: هل البنوك حلال وهل فوائد البنوك حلال وما هو الموقف من شهادات الاستثمار والصكوك وأوعية الادخار بالفوائد وما علاقة ذلك بالربا الحرم شرعا؛
وبناءا على هذا الطرح واللغط كان لا بد من تقديم بديل يستوعب المدخرات ويوظفها، وهنا تقدم عدد من الإسلاميين بالبديل وهو ما عرف بشركات توظيف الأموال الإسلامية، وكان في المقدمة شركة الشريف وصاحبها عبد اللطيف أحمد الشريف، وكانت شركة الريان وصاحبها محمد الريان وأولاده، وكانت شركة السعد وصاحبها أشرف سعد، وكانت شركة الحجاز للتنمية العقارية والتعمير وصاحبها أحمد عبيد عيسوي، وكانت شركة الحجاز للتجارة والصناعة وصاحبها المهندس محمد شاكر، ثم لحق بهذه المجموعة شركات أخرى مقلدة ومستفيدة من المناخ الذي هيأته الصحوة الإسلامية.
كما تأسس أول بنك إسلامي هو بنك فيصل الإسلامي المصري ولحق به فتح فروع إسلامية بالبنوك العامة الأخرى، وهكذا أصبح للصحوة الإسلامية بعدا اقتصاديا مؤثرا تأثيرا بالغا في مجريات الحياة اليومية للمواطنين.

الشباب يحج ويعتمر:

من أهم المظاهر التي رافقت الصحوة الإسلامية إقبال الشباب على الحج والعمرة بعدما كانت من أعمال كبار السن، ونشطت رحلات الحج والعمرة الجماعية وأصبحت منافسة للرحلات الترفيهية والذهاب إلى المصايف العامة، وفي رحاب البيت الحرام قويت رابطة الشباب وزاد تعارفهم على آخرين من العالم الإسلامي مما سهل نقل الصحوة المصرية إلى بلدان عربية وإسلامية أخرى بالإضافة إلى ما نقله طلبة الأزهر الوافدين إلى بلدانهم عند عودتهم إليها.

الأحداث الكبرى في المرحلة

أهمية إلقاء الضوء على هذه الأحداث ترجع إلى ضرورة النظر للصحوة الإسلامية في مصر كأحد مكونات البيئة الإنسانية والسياسية السائدة في العالمين العربي والإسلامي في هذه الآونة، وبالتأكيد كانت هذه الصحوة جزء من هذه المكونات البيئية مما جعلها تتأثر بها وتؤثر فيها بشكل واضح.

موت الزعيم:

اندلعت الحرب في الأردن بين الملك حسين والفدائيين الفلسطينيين في معركة أيلول الأسود، وبلغ عدد القتلى 1600 قتيلا من الجانبين، وعقد مؤتمر مصالحة بين الجانبين بالقاهرة وفي اليوم الأخير لهذا المؤتمر عاد جمال عبد الناصر من المطار بعد وداع الملوك والرؤساء في حالة مرضية شديدة، ومات لتوه في الساعة الخامسة والنصف من مغرب يوم 28 سبتمبر 1970؛
هكذا بدأت السبعينيات بدون جمال عبد الناصر وبدون زعيم يملأ الفراغ الذي خلفه في الساحة العربية والعالمية، وقد بدا المصريون بعد موت جمال عبد الناصر كالأيتام على مائدة اللئام، هذا هو الشعور العام الذي سيطر على الكافة من المواطنين بغض النظر عن كلام السياسيين والمحللين في بعد الحدث لأربعين سنة؛
عبر المصريون والعرب عن حبهم لعبد الناصر وحزنهم على فراقه بمظاهر عدة وفي مقدمتها الملايين الذين حضروا جنازته، الفقراء لم يذوقوا السعادة ولو كثرت مظاهرها ومهما زادت الأجور ولم يعرفوا الكرامة كما عاشوها في عهد عبد الناصر، المصريون منذ وفاة عبد الناصر لم يلتفوا حول زعيم واحد، وعاشت مصر من يومها جماعات متناحرة تحت مسمى التعددية، النسيج الوطني أصبح في أضعف حالاته، المشروع القومي لم يعد له وجود؛
الحرب التي بدأها فور الانسحاب المهين سميت حرب الاستنزاف وكانت جادة ومكلفة للصهاينة ومقدمة حقيقة لهزيمتهم ولكن وفاته حولت الحرب إلى لعبة سياسية انتهت بالصلح مع العدو والرضوخ لمطالبه، هذه الحالة الجديدة حولت المجتمع إلى الفوضى والتراخي والأنانية، وفي هذا الجو فشل الكل في أن يحقق تقدما على المستوى الوطني، هناك مكاسب تحققت على مستوى الحكومات المصرية ولكن الوطن بقي يعاني الفقر والجهل والمرض وبالجملة كان الوطن هو الضحية وبقينا حتى اليوم دولة من العالم الثالث المتخلف.

انهيار الناصرية تنظيميا:

تأثرت القوى الناصرية بموت جمال عبد الناصر تأثرا واضحا وتشرذمت إلى مجوعات متنازعة، ثم اصطدت بالسادات وتحطمت وخفت بريقها تماما طيلة السبعينيات والثمانينات ولم يعد لها دور يذكر في الجامعات أو الأحياء والمؤسسات، انتهت منظمة الشباب والتنظيم الطليعي وأخيرا ألغي الاتحاد الاشتراكي بقرار من السادات وحلت محله المنابر ثم الأحزاب ثم تلاشى كل شيء وبقي السادات هو الزعيم الأوحد ولكن البيئة حوله محليا وعالميا كانت آخذة في عكس هذا التيار الديكتاتوري.

ظهور الصحوة الإسلامية ونموها:

وفي هذه الساحة الخالية من الزعيم ومنظماته كان طبيعيا أن تنموا قوى جديدة، وكانت إرادة الله ثم الشعب أن تكون القوة الجديدة إسلامية شبابية.
السادات من جانبه وجدها فرصة لتسوية الأرض والقضاء على ما فيها من بقايا الناصرية واليسار المتصارعة، معه، كما وجد في الصحوة الإسلامية أقوى وسائل التعبئة القتالية ليخوض الحرب التي خطط لها.
أصبحت كل الساحات مفتوحة للصحوة الإسلامية بما في ذلك القوات المسلحة التي استقبلت عشرات الدعاة والعلماء وعقدت لهم لقاءات بمعظم الوحدات العسكرية ... ودخلنا الحرب في رمضان وكان التكبير شعارنا.

حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر:

مع أن السمة الغالبة على تلك الحرب كانت إسلامية عقائدية، لكنها لم تفلح في تقوية الصلة بين السادات وشباب الصحوة الإسلامية، ومن خلال المواقع التي كنت أشغلها في هذه الصحوة سواء في الجامعة أو الحي والمساجد أستطيع القول بأن الحرب بدأت وانتهت ولم يشعر بها غالبية الشباب المتدين، الحرب كانت في بداية الصحوة (1973) وفي هذا التاريخ كانت العقيدة المسيطرة على الشباب أن الحاكم فرعون والجيش جيش هامان والشباب المتدين يمثلون موسى وهارون؛
وكان الخطاب الديني السائد يتمحور حول التفكير وجاهلية المجتمع، ومن هنا لم يعر الشباب المتدين أي اهتمام لحرب يخوضها جيش لا يحكمون له بالإسلام أصلا، على الجانب الآخر فإن السادات زاد الطين بلة في نظر الشباب بدخوله مفاوضات الصلح وأعلن أنها كانت حرب تحريك وليست حرب تحرير، وهذا الخطاب بذاته يعتبر من المحرمات في عقيدة الشباب المتدين في هذه الآونة.

محاولة انقلاب الفنية العسكرية:

تعتبر حادثة الفنية العسكرية أقوى الأدلة على ما ذهبت إيه من حيث استقلالية الصحوة وعدم تبعيتها للسادات حيث كانت العملية برمتها انقلاب على السادات ومحاولة للقبض عيه، في البداية يجب أن نقرر أن تكرار تجربة الانقلابات العسكرية لإقامة دولة إسلامية كان تفكيرا طفوليا متكررا لأجيال متعاقبة من الإسلاميين بدأ من التنظيم السري بقيادة السندي ومرورا بتنظيم يوسف طلعت وتنظيم عبد الفتاح إسماعيل ثم الفنية العسكرية؛
وفي كل مرة كان الفشل هو سيد الموقف، فنحن هنا لا نتحدث عن بطولة أو إبداع ولكننا نعرض الواقع الذي تم بالفعل لكي نأخذ منه العبرة والعظة ونكف عن هذا المنهج الضال ونكف عن حشو أدمغة الشباب بالمفاهيم التي تدفعهم لتكرار لخطأ مرات ومرات؛
ومثل عملية اغتيال السادات تماما كانت عملية الفنية العسكرية محسوسة لدى العديد من الإسلاميين الذين دعاهم صالح سرية للمشاركة في الانقلاب، في منطقة النزهة بمصر الجديدة حيث إقامتي في هذا الوقت تحدث معي أحد الإسلاميين حول مدى استعدادي أن أشارك في عملية لقلب نظام الحكم وكعادتي بدأت مناقشته حول الموضوع؛
وعندما قلت له يجب أن يتلقى المشاركون تدريبا على الأسلحة أولا ثم يختار منهم من يصلحون، قال (يبدوا أنك من الذين يقولون لو نعلم قتالا لاتبعناكم ...) انسى الموضوع ولا تحدث به أحد، وبينما كنت في رحلة التخرج بالساحل الشمالي برفقة زملائي الستة بقسم النبات وبإشراف الدكتور سيد فرج خليفة (رحمة الله عليه) وحرمه الدكتورة سهام محمد علي، أعلنت الإذاعة المصرية نبأ العملية وفشلها والقبض على معظم العناصر التي شاركت فيها، تلقائيا نظر إلي الدكتور سيد فرج مداعبا وقائلا (دي عملة تعملوها يا شيخ سيد ... عايزين تموتوا الراجل وتقعدوا مكانه؟) لم أعلق على ما سمعت ولم أكن أرغب في فتح الموضوع أصلا.
التفاصيل برمتها موجودة في ملفات التحقيق في القضية التي بدأت فجر الخميس 18 أبريل 1974، في صباح هذا اليوم كانت اللجنة المركزية مجتمعة برئاسة السادات، وتقضي خطة الانقلاب بالتوجه للكلية الفنية العسكرية والهجوم عليها في الوقت الذي يكون فيه عضو التنظيم كارم الأناضولي الطالب بالكلية قد خدر الحراس بتوزيع جاتوه منوم عليهم، والاستيلاء على أسلحة الحراس وما وجد في الكلية ثم تتحرك المجموعة إلى حيث اجتماع السادات والقبض عليه ومن معه وإعلان بيان الثورة الإسلامية؛
العملية فشلت تماما لأن جندي الحراسة لم يأكل ولم ينم وبدأ بإطلاق النار على المتسورين القادمين من الخارج وفورا حضرت قوات إضافية وتعاملت معهم بالذخيرة الحية وقتل حوالي 13 من الطرفين وقبض على الباقين والبقية معروفة ... تعذيب وحشي واعترافات على بقية التنظيم وحاكمة ثم خلطة أحكام معتبرة شوية إعدام وشوية مؤبد وشوية عشرة أعوام سجن وشوية إفراج، ولم يعلن بالطبع وحتى تاريخه بيان الثورة الإسلامية الأول في مصر.

الإفراج عن الإخوان المساجين:

فور الانتهاء من حرب أكتوبر 1973 شرع السادات في الإفراج عن الإخوان المسجونين، وأعادهم إلى أعمالهم بنفس درجة زملائهم الذين لم يعتقلوا، وفي عام 1976 سمح لهم بإصدار مجلة الدعوة القديمة وصاحب الامتياز المرحوم صالح عشماوي؛
واعتبر مقر مجلة الدعوة بالسيدة زينب (9 ش بورسعيد) بمثابة المركز العام وأنا شخصيا حضرت فيه اجتماعات تنظيمية عدة، ثم انتقل المقر إلى 1 ش التوفيقية ورفع عليه شعار الإخوان علنا وما زال حتى اليوم بالرغم من وضعه تحت المصادرة والإغلاق، وشكل خروج معتقلي الإخوان متغيرا في طريق الصحوة الإسلامية سوف يفصل في باب خاص بهذا المولف.

قضية التكفير والهجرة:

هكذا عرفت قضية شكري مصطفي، شاب من أسيوط لم يستكمل دراسته في معهد التعاون الزراعي بأسيوط نتيجة لاعتقله في قضية تنظيم عبد الفتاح إسماعيل عام 1965، في المعتقل وتحت شدة التعذيب الوحشي آن بأن المعذبين لا يمتون للإسلام بصلة وأنهم كفار وكل من تعاون معهم والحكومة التي يأتمرون بأمرها ثم تمدد الموضوع في عقله فأضاف والشعب الساكت عليهم كافر مثلهم؛
وبذلك عمم التكفير على الجميع عدا هو ومن معه من الأنصار، وأطلق على جماعته (جماعة المسلمين)، في هذه الأثناء زارنا في مسجد الفرقان والسيدة عائشة بالنزهة بمصر الجديدة شاب نحيف عليه مظاهر البؤس والفاقة وعرفنا بنفسه (عبد المحسن تاجر بيض) هكذا باقتضاب شديد؛
وقال إنه مكلف من أمير المؤمنين شكري مصطفي لإبلاغنا بالحق الذي هم عليه، وطلب منا أن نناظره فإن كان على حق فقد وجبت في أعناقنا بيعته، وبالفعل اجتمعنا في بيت الأخ محمد شريف الفخفاخ ورأس الاجتماع الدكتور فتحي عبد الوهاب الأستاذ بالطاقة الذرية وخطيب وإمام المسجد الحديث وكنا قرابة العشرين؛
غير أنه اتضح خلال المناقشة أن تاجر البيض خال تماما من المعرفة بالدين وأنه مجرد مردد لمقولات شكري، وانتهى الحوار بتوجيه كلمات شديدة لشخصه وخرج شبه مطرود من الجلسة، وانتهت علاقتنا به من ذلك اليوم ولم نره إلا بالجرائد معتقلا أثناء نظر القضية؛
خلال عام 1976 بدأ شكري يفرض أفكاره على الناس بالقوة، وحدث هرج ومرج ومشاجرات وسالت دماء في أكثر من حي، ثم ارتكب التنظيم جريمة قتل المرحوم الشيخ محمد الذهبي لأنه رفض أفكارهم وكتب ونشر في الصحف أدلة تثبت أنهم على خطأ، وكان مقتله على أيديهم سببا مباشرا لاعتقالهم والحكم عليهم بالسجن والإعدام والمحاصرة.

انتفاضة 18 و 19 يناير 1977:

يوم 18 يناير 1977 فوجئ العالم كله بما حدث في مصر، فقد انتفض الشعب انتفاضة تصاعدت حدتها حتى أصبحت في اليوم التالي 19 يناير قتالا حقيقيا في الشوارع بين الجماهير وبين السلطة، لم يتوقف إلا بعد الاستعانة بالقوات المسلحة وفرض حظر التجوال؛
يومها قيل إن السبب كان قرارات اقتصادية اتخذتها الحكومة فاقمت من أزمة المعيشة، وطغى هذا اسبب في أجهزة الإعلام الرسمية على الأسباب الأكثر عمقا، فقد تبين من التحقيقات والمحاكمات التي لم تتوقف منذ ذلك التاريخ، إن الشعارات الأساسية التي رفعها الشعب خلال الانتفاضة كانت أكثر شمولا، رفعت الجماهير شعارات تطالب برفض قرار مجلس الأمن 242، وإلغاء اتفاقية فض الاشتباك ومقاومة السيطرة الأمريكية؛
والمشاركة في نشاط الثورة الفلسطينية على أرض مصر العربية وفتح الحدود لعملياتها العسكرية ضد إسرائيل، وتوجت الجماهير مطالبها بشعار إسقاط السلطة الخائنة لقد ظهرت هذه الهوية العربية التقدمية الوحدوية واضحة خلال المحاكمة التي بدأت منذ يوم أول أبريل (نيسان) 1978 أمام محكمة أمن الدولة العليا بالقاهرة، حيث واجه 176 معتقلا من الطلائع تهمة تحريض الشعب وتحريكه وقيادته؛
ووقف معهم أكثر من خمسين محاميا يدافعون عنهم، وقد اختار المحامون زميلهم الدكتور عصمت سيف الدولة لافتتاح الدفاع، فاستطاع بمرافعته التي استمرت أربعة أيام أن يحول المحاكمة من محاكمة 176 معتقلا من طلائع الشعب إلى محاكمة للنظام المصري في المرحلة التاريخية التي بدأت من عام 1973؛
فجاءت مرافعته تأريخا دقيقا لأحداث وأسرار تلك المرحلة، وكان من أبرز محاور الدفاع الذي أحدث صدى واسعا، ما أقام عليه الدليل القانوني، من أن مصر تعيش في ظل انقلاب غير شرعي وأن من حق الشعب مقاومته بكل الوسائل المتاحة، كما كشف عن أمر لم يكن أحد قد انتبه إليه من قبل؛
وهو أن الأحكام الدستورية المطبقة في مصر تمنع بنصوص صريحة التفاوض والصلح والاعتراف بإسرائيل وفيما يتصل بالصحوة الإسلامية فمن الأمانة أن نقرر أننا كإسلاميين لم نشارك في هذه الانتفاضة ولم ندرك أبعادها ووقعنا في الفخ الذي نصبه الإعلام الحكومي في ذلك الوقت وتعاملنا معها بعنصرية حزبية دون النظر إلى المصلحة الوطنية التي كانت تفرض على الجميع التحرك لوقف تيار الانزلاق نحو مزيد من التهميش للفقراء وفتح مصر لأطماع الامتيازات الأجنبية العربية ويومها أشاع الإخوان أنها حركة شيوعية أو ناصرية وكلاهما لا يصلحان للتغيير مما قلل من مشاركة الشباب الإسلامي في الانتفاضة.

اتفاقية كامب ديفيد:

اتفاقية كامب ديفيد عبارة عن اتفاقية تم التوقيع عليها في 17 سبتمبر 1978م بين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل الراحل مناحيم بيغن بعد 12 يوما من المفاوضات في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد في ولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن؛
حيث كانت المفاوضات والتوقيع على الاتفاقية تحت إشراف الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، ونتج عن هذه الاتفاقية حدوث تغييرات على سياسة العديد من الدول العربية تجاه مصر بسبب ما وصفه البعض بتوقيع السادات على اتفاقية السلام دون المطالبة باعتراف إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره
وتم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام 1979م إلى عام 1989م نتيجة التوقيع على هذه الاتفاقية ومن جهة أخرى حصل الزعيمان مناصفة على جائزة نوبل للسلام عام 1978م بعد الاتفاقية حسب ما جاء في مبرر المنح للجهود الحثيثة في تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط.

ردود الفعل:

أثارت اتفاقية كامب ديفيد، ردد فعل معارضة في مصر ومعظم الدول العربية، ففي مصر، استقال وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل لمعارضته الاتفاقية وسماها مذبحة التنازلات، وكتب مقال كامل في كتابه "السلام الضائع في اتفاقات كامب ديفيد" المنشور في بداية الثمانينات أن "ما قبل به السادات بعيد جدا عن السلام العادل"، وانتقد كل اتفاقات كامب ديفيد لكونها للم تشر بصراحة إلى انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة والضفة الغربية ولعدم تضمينها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وعقدت هذه الدول العربية مؤتمر قمة رفضت فيه كل ما صدر، ولاحقا اتخذت جامعة الدول العربية قرارا بنقل مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجا على الخطوة المصرية.
استنادا إلى مقال نشر في جريدة "القدس العربي" اللندنية فإن العرب لم يكونوا الوحيدين المقتنعين بأن الاتفاقية كانت وحسب التعبير السائد آنذاك تفريط في منجزات النصر العسكري العربي في حرب أكتوبر وتركيز السادات على استرجاع سيناء على حساب القضية الفلسطينية؛
فقد تلقى السادات انتقادات من الاتحاد السوفيتي ودول عدم الانحياز وبعض الدول الأوروبية، ففرانسوا بونسيه سكرتير عام الرئاسة الفرنسية في عهد الرئيس جيسكار ديستان قال لبطرس بطرس غالي في قصر الإليزيه ناصحا قبل أن توقع مصر اتفاقية السلام مع إسرائيل:
"إذا لم تتمكن من الوصول إلى اتفاق بشأن الفلسطينيين قبل توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية فكن على ثقة من أنك لن تحصل لهم على شيء فيما بعد من الإسرائيليين"، وحسب نفس المصدر فإن الفاتيكان كان على اعتقاد بأن السادات ركز بالكامل أهداف مصر وأهمل القضايا العربية الجوهرية الأخرى.
على الصعيد العربي كان هناك جو من الإحباط والغضب لأن الشارع العربي كان آنذاك لا يزال تحت تأثير أفكار الوحدة العربية وأفكار جمال عبد الناصر وخاصة في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن؛
واعتبر البعض الاتفاقية منافية لقرار الخرطوم في 1 سبتمبر 1967 والذي تم بعد هزيمة حرب الأيام الستة واشتهر بقرار اللاءات الثلاثة حيث قرر زعماء 8 دول عربية أنه لا سلام مع إسرائيل ولا اعتراف بدولة إسرائيل ولا مفاوضات مع إسرائيل، وحتى في الشارع المصري طالب المثقفون المصريون أمثال توفيق الحكيم وحسين فوزي ولويس عوض إلى الابتعاد عن "العروبة المبتورة" التي لا تروي العروبة إلا في ضوء المصلحة المصرية فقط.
ويرى البعض أن الاتفاقية كانت في صالح إسرائيل كليا حيث تغير التوازن العربي بفقدان مصر لدوره المركزي في العالم العربي وفقد العالم العربي أكبر قوة عسكرية عربية متمثلة بالجيش المصري وأدى هذا بالتالي إلى نشوء نوازع الزعامة الإقليمية والشخصية في العالم العربي لسد الفراغ الذي خلفته مصر وكانت هذه البوادر واضحة لدى القيادات في العراق وسوريا؛
فحاولت الدولتان تشكيل وحدة في عام 1979 ولكنها انهارت بعد أسابيع قليلة وقام العراق على وجه السرعة بعقد قمة لجامعة الدول العربية في بغداد في 2 نوفمبر 1978 ورفضت اتفاقية كامب ديفيد وقررت نقل مقر الجامعة العربية من مصر وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها وشاركت بهذه القمة 10 دول عربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعرفت هذه القمة باسم "جبهة الرفض"، وفي 20 نوفمبر 1979 عقدت قمة تونس العادية وأكدت على تطبيق المقاطعة على مصر، وازداد التشتت في الموقف بعد حرب الخليج الأولى إذ انضمت سوريا وليبيا إلى صف إيران؛
وحدث أثناء هذا التشتت غزو إسرائيل للبنان في عام 1982 بحجة إزالة منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان وتمت محاصرة للعاصمة اللبنانية لعدة شهور ونشأت فكرة "الاتحاد المغاربي" الذي كان مستندا على أساس الانتماء لأفريقيا وليس الانتماء للقومية العربية، الصحوة الإسلامية كانت ضد هذه الاتفاقية واعتبرتها خيانة في حق الإسلام والمسلمين ولكننا كإسلاميين لم نكن ناضجين سياسيا بالدرجة التي نستشعر بها خطورة ما يجري.

الثورة الإسلامية في إيران:

هي ثورة شعبية بامتياز ودينية بامتياز وناجحة بامتياز أيضا، نشبت عام 1979 وحولت إيران من نظام ملكي دستوري، تحت الشاه محمد رضا بهلوي، لتصبح جمهورية إسلامية عن طريق الاستفتاء.
آية الله أو الإمام، كما هو معروف في إيران، روح الله الخميني يعد القائد المباشر للثورة في مرحلتها الأخيرة ومؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما وضعه من نظريات للحكم وإدارة الدولة وتنمية هيئتها الثورية الإدارية.
إنها ثورة فريدة من نوعها باعتبارها مفاجأة على مسرح الأحداث الدولية، وذلك من حيث السرعة التي حدث بها التغيير العميق، وكذلك الدور القيادي للدين فيه، كما أنه كان يعتقد أن النظام محمي كما يجب من قبل الجيش والأجهزة الأمنية التي أنفق النظام عليها ميزانيات ضخمة، إضافة إلى انعدام الأسباب الاعتيادية المعروفة للثورة، كالأزمات المالية، أو الهزائم العسكرية، أو عصيان الفلاحين، أو التمرد العسكري.
كانت نتيجة الثورة نشوء جمهورية إسلامية بقيادة عالم دين منفي يبلغ من العمر ثمانين عاما وهو موسوي النسب نشأ في قرية خمين، مدعوما من مظاهرات متقطعة لكن شعبية وحماسية طافت شوارع إيران وطهران التي كانت آنذاك مدينة عالمية، كما تؤكد التقارير، هذه النتيجة وجهت صفعة مدوية لكثير من النظريات والفرضيات.
كانت الثورة الإيرانية من أهم روافد القوة وبعث الأمل بالنسبة للصحوة الإسلامية في مصر، وأنا اليوم أتذكر بقوة المظاهرات التي شاركت فيها في جامعة المنيا وهي تطوف طرقات كلية الآداب وهتافها .. (يا خميني قل لإيران ... مصر جاية بالقرآن) وقوات الأمن المصري تمنعنا بعنف من الخروج إلى الشارع.

جريمة احتلال الحرم المكي:

بدأت أحداثها فجر يوم 1 محرم 1400 الموافق 20 نوفمبر 1979، حين استولى 200 مسلح (مصادر أخرى تقول 500) على الحرم المكي أقدس بقاع العالم عند المسلمين، في محاولة لقلب نظام الحكم في المملكة العربية السعودية إبان عهد الملك خالد بن عبد العزيز، هزت العملية العالم الإسلامي برمته؛
فمن حيث موعدها فقد وقعت مع فجر أول يوم في القرن الهجري الجديد، ومن حيث عنفها فقد تسببت بسفك للدماء في باحة الحرم المكي، وأودت بحياة الكثير من رجال الأمن السعوديين والمسلحين المتحصنين داخل الحرم، حركت الحادثة بسرعة مشاعر الكثير من المسلمين بعضهم شجبها وأنكرها ووقف ضدها وآخرون تضامنوا معها، وكان من المتضامنين مع جهيمان بعض زملائنا الذين التحقوا بالتيار السلفي وأذكر منهم المرحوم عبد الله بن عمر من شبرا وقد صدر عليه حكم بالإعدام ونفذ الحكم مع جهيمان.

خلفية دينية وتاريخية وسياسية:

تؤمن بعض المذاهب الإسلامية بقدوم مجدد للدين كل مئة عام مستندين في ذلك إلى حديث الرسول محمد: "يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي دينها" كما يؤمن البعض بقدوم المهدي المنتظر والذي ينتسب إلى آل بيت الرسول، وأن اسمه يكون "محمد"، واسم أبيه "عبد الله" كما في إحدى الروايات، وأن المهدي سيضطر إلى اللجوء إلى المسجد الحرام هربا من "أعداء الله" أطراف المعادلة أصبحت كاملة من وجهة نظر جهيمان العتيبي قائد العملية، القرن هجري الجديد قادم، وصهره ورفيقه يسمى "محمد بن عبد الله"، و"الفساد" مستشر، و"البعد" عن الصراط المستقيم ظاهر، إذن، لم يبق إلى بيت الله الحرام ليلوذ إليه "المهدي المنتظر" وتتحقق البشارة.
وفي سياق آخر كان نشاط التيارات الإسلامية في أوجه، بداية بالصحوة الإسلامية في مصر، وبدء تشكل التيارات التكفيرية في بعض المناطق السعودية والعالم العربي، والتحركات الإسلامية في سوريا، ومن جانب آخر إبرام معاهدة كامب ديفيد، وما يبدو من أنه بدء الاعتراف العربي الرسمي بانتهاء عهد الحروب مع إسرائيل وبدء الاعتراف بوجودها الطبيعي؛
وأخيرا انتصار الثورة الإسلامية في إيران الذي ولد لدى تيارات إسلامية أخرى تصور إمكانية تكرار مشابه لما فعله الخميني في إيران، وتخوف الحكومات العربية والعالمية في نفس الوقت من نجاح حركات إسلامية في السيطرة على بلدان أخرى في المنطقة، ونشوء دول أو جمهوريات إسلامية خارج نطاق السيطرة، ومن الجدير بالذكر أن أحداث الحرم بدأت بعد 16 يوما على بدء أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران.

مبررات الهجوم:

وقد برر جهيمان العتيبي قائد العملية هجومه باعتباره محاولة لتصحيح الوضع الذي تسبب به آل سعود، الفاقدين للشرعية، حسب زعمه، بسبب فسادهم وتدميرهم لثقافة البلاد وحضارتها ونهجهم في اتباع الغرب وموالاته، إضافة إلى دعوته إلى مبايعة محمد عبد الله القحطاني، خليفة للمسلمين، وإماما لهم على أنه المهدي المنتظر.
وشكلت هذه الحادثة ردود فعل عنيفة وضارة بالحركة الإسلامية واعتبرت دليلا على ما يمكن أن تصل إليه درجة الانحراف الفكري لدى المتدينين.

اعتقالات 5 سبتمبر 1981:

مثلت تلك الاعتقالات القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة بين السادات والشعب المصري، السادات فقد أعصابه ونفذ صبره، وخطب في المواطنين غاضبا وشتاما ومهددا، قوائم المعتقلين شملت كافة التوجهات الفكرية ومثلت فقدان التوازن لدى القيادة السياسية؛
في يوم 4 سبتمبر تم القبض على حوالي ألف من المعارضة وبقي حوالي 4 آلاف شملتهم قوائم الاعتقالات، كلنا شعر أن مصر أصبحت على كف عفريت، وإن أخطارا مخيفة تحدق بالوطن، وقد تحقق ذلك بالفعل بعد شهر واحد واغتيل السادات وأصبحت مصر تواجه وضعا خطيرا غير مسبوق.

اغتيال السادات في 6 أكتوبر 1981:

حكاية حادثة المنصة منشورة في أكثر من كتاب وموقع وجريدة، المقصود هنا وضعها في جملة نتائج مرحلة كفاح جيل السبعينيات الإسلامي لإقامة ما يراه دولة إسلامية وكيف عايشت أنا الموضوع بصفتي أحد أفراد هذا الجيل، كما تقدم فإن الصحوة الإسلامية انقسمت إلى عدة مدارس فكرية نهاية السبعينيات، حدثت قطيعة بين المدارس السلمية والمدارس الحربية المسلحة، ليس ذلك كراهية ولكن لزوم السرية من قبل المسلحين؛
وعلى ذلك فقد انقطعت عني أخبار الموضوع تماما ولم أدر به إلا قبل حدوثه بشهر تقريبا حيث زارني أحد الشباب المنتمي للإخوان عن طريقي والمجند بالقوات المسلحة أن زملاءه من المنيا يدعونه للمشاركة في عملية اغتيال لقيادة كبيرة قد تكون الرئيس انتقاما منه لقيامه باعتقال الآلاف من إخوانهم وذويهم، وانتهى الأمر برفض الفكرة من قبلي لأسباب عقدية وتنظيمية؛
ولكن الإقدام على العملية تأكد لي من أكثر من ملاحظة على م ن أعرف أنهم أصبحوا في الفريق المسلح، وفي يوم العرض العسكري كنت أتابعه لحظة بلحظة بواسطة راديو ترانزستور صغير انتظارا للحظة إطلاق النار، وحدث ما كان متوقعا ومنتشرا بين الجماعات الإسلامية لدرجة التواتر، وأسرعت للنزول إلى الشارع لمتابعة الموقف وسط الناس؛
كان الجميع لا يصدق ما حدث حتى الجماعات الإسلامية، وانتهى الأمر بالنسبة لي إلى مزيد من الحذر والتخفي وانتظار المجهول، في اليوم التالي ذهبت لصلاة العيد في مسجد لا يعرفني فيه أحد، واخترت مسجد الثورة بشارع صلاح سالم بمصر الجديدة، وهناك وجدت عبد اللطيف الشريف وآخرين ولكن لم يسلم أحد على أحد، اللافت للنظر أن المشاعر كانت متشابهة والحيرة تشمل الجميع؛
أما الأغرب أن الخطيب تحدث عن صراع موسى وفرعون ونهاية فرعون وختم بالآية (فما بكت عليهم السماء ...) وفور نهاية الصلاة عدت إلى البيت وخرجت بعد قليل فقد كنت على موعد مع الأخوين محي الدين أحمد عبسي وأبو العلا ماضي من المنيا هاربين من الاعتقال ومسافرين معي لقضاء العيد في قريتنا بعيدا عن أعين الشرطة، وبدلا من التفكير في استكمال طريق الاستيلاء على السلطة فإن عملية الاغتيال أحدثت تأثيرا عكسيا وسلبيا، أصيبت الصحوة الإسلامية بالتشرذم والانسحاب والخوف وراح كل فريق يحاول بالكاد لملمة أطرافه والكمون لأجل غير مسمى.

حسني مبارك يفوز بالرئاسة:

باغتيال الرئيس السادات خلا منصبه، كان ذلك تحديدا عقب ظهر يوم السادس من أكتوبر 1981، نفس الساعة التي عبر فيها الجيش المصري قناة السويس 8 سنوات، مصر في هذه الساعة بغير رئيس وبغير حكومة وبغير قائد أعلى للقوات المسلحة، بموجب القانون يتولى نائب الرئيس السلطة، ولكن نائب الرئيس ضمن الجرحى في عملية الاغتيال، المجموعة التي خططت ونفذت عملية الاغتيال لم تصدق أنها نجحت، المكلفون بالمتابعة والاتصال ببقية الخلايا الإسلامية المسلحة تعطلت أدمغتهم وانهارت قواهم أمام ضخامة الحدث ومواجهة الواقع؛
المطلوب الآن حسب المعلن الإسلامي طيلة نصف قرن مضي هو الاستيلاء على السلطة وإقامة الدولة الإسلامية التي بشر بها الإخوان المسلمون في الأربعينات والتنظيمات السرية المنسوبة وعمر عبد الرحمن في تنظيم الجهاد، ولكن التقدم لاستلام مقاليد السلطة عمليا يحتاج لرجال وآليات، لأول مرة يكتشف الإسلاميون جميعا أن اغتيال رئيس النظام ومن حوله ممكن
ولكن تسلم مقاليد الوطن بهذه الطريقة لم يعد ممكنا، المغرر بهم جميعا يقفون وظهرهم للحائط، أربعة من المهاجمين قبض عليهم في أرض المعركة، الخامس استطاع الفرار وسط هرج ومرج غير مسبوقين، على جبل عرفات أقيمت احتفالات من حجاج الجماعات بمناسبة سقوط الفرعون قتيلا؛
اليوم التالي كان يوم عيد الأضحى، الحجاج غادروا عرفات متوجهين لرمي الجمرات ورشق إبليس بالحصى، الحجاج بعد أيام يعودون لبلدانهم وبعد شهور يندمجون في مجتمعاتهم، ويعود إبليس يوسوس في آذانهم وتعود ريمة لعادتها القديمة؛
وهنا في ساحة العملية في مصر وصبيحة العيد تتوجه مجموعة من الخلايا النائمة في محافظة أسيوط لتقدم كل ما أمكن تجهيزه وإعداده ليكون قربانا للدولة الإسلامية المنتظرة، عشرات من الشباب الصعيدي المحترق للثأر والانتقام من رموز الحكم عامة وضباط المباحث خاصة، قرابة ثلاث أجولة من الرصاص الحي وعشرات من الرشاشات (وشفرتها رياض الصالحين) وعشرات من المسدسات (وشفرتها فقه السنة) والتوجه لمديرية أمن أسيوط ومحاصرتها والهجوم عليها وقتل قرابة المائة من فقراء المسلمين المرتدين لملابس الشرطة بحكم وظيفتهم، شاشة التاريخ تعلن نهاية الفيلم وتبدو كلمة النهاية بعرض الشاشة، الثورة الإسلامية انتهت يا سادة؛
في اليوم الثالث كنت معتقلا ومودع بغرفة الحجز في قسم مصر الجديدة، علمت أن صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب تولى السلطة بحكم الدستور لحين إجراء الاستفتاء على من رشحه مجلس الشعب؛
وعلمت أن المجلس رشح نائب الرئيس محمد حسني مبارك لرئاسة الجمهورية وعلمت بعد يومين أو ثلاثة أنه فاز بمنصب الرئيس، وعقب توليه السلطة واستقرار الأمور صدر قرار بترحيلي إلى معتقل أبو زعبل، وحتى اليوم مارس 2009 ما زال الرئيس في موقعه وما زال معتقل أبو زعبل يستقبل مصريين جدد معظمهم من التنظيم السري المحسوب على الإخوان المسلمين.

النهاية الغامضة:

علامة الاستفهام الكبرى التي تظهر في الأفق بعد هذا العرض لظاهرة الصحوة الإسلامية في السبعينيات وما ترتب عليها من وقائع وتغيرات تصبح منطقية والسؤال الذي ينبغي أن نجيب عليه هو:
كيف تم ابتلاع هذه الحركة الشعبية الإسلامية العملاقة وأي مغارة عميقة سحيقة غيبت هذه الصحوة؟ وأي مؤامرة حيكت لهذا الشباب النقي التقي حتى ينتهي ومعه شعب بأثره إلى لا شيء تقريبا؟
ترى .. من هؤلاء الذين أضاعوا على الأمة فرصة لا تعوض وزمنا يصل إلى الثلاثين عاما من الجهد لتعود مصر إلى نقطة البداية في أواخر الأربعينيات، دولة تنتمي إلى العالم الثالث المتخلف وحكومة متهمة بكل ألوان الفساد؛
وإسلاميون متصادمون مع الجميع حكومة ونخبة وشعب، وسجون ومعتقلات وتزوير للانتخابات وطبقية مذرية وغني فاحش للقلة وفقر مدقع للغالبية وتعليم خاص للأغنياء وجهل ومرض للفقراء ... وبالجملة عادت ريمة لعادتها القديمة وانطبق علينا قول الشاعر (... فلا مصر استقلت ولا السودان داما) وعليه العوض في الصحوة الإسلامية إلا أن يتغمدنا الله برحمته.
الإجابة على هذه الأسئلة الحائرة تتطلب سرد الأحداث والوقائع حول ما تم بشأن مصادرة الصحوة الإسلامية واستلابها وهذا هو موضوع الفصول التالية.

الفصل الرابع السريون الجدد وإعادة بناء الإخوان

عندما صدرت قرارات السادات بإطلاق سراح من تبقى من الإخوان المسلمين المسجونين لم يكن تبقى من جماعة الإخوان شيء في الأرض المصرية، لا توجد أسر ولا شعب ولا مناطق، لا توجد كتب إخوانية ولا حتى المأثورات، المفرج عنهم خليط من إخوان الأربعينيات والخمسينيات ومن لحق بهم في السجون من تنظيمات 65؛

غالبية المفرج عنهم كانوا في حالة إحباط تام الغالبية العظمى منهم ولو وجهوهم نحو بلاد النفط لحاقا بمن فروا في الخمسينيات والستينيات طلبا للرزق عند ملوك كارهين للثورة ومجلسها، الباقون في الوطن وهم قلة القلة انبهروا لظاهرة الصحوة الإسلامية التي تنامت وترعرعت أثناء غيابهم وراء القضبان، بعض الإخوان المفرج عنهم رأى أن الواجب يقتضي توعية الشباب الإسلامي بهموم الحركة الإسلامية خلال نصف القرن الماضي وتعريفهم بأخطائها؛

رفع هؤلاء شعار (دعاة لا قضاة) وكان معظم الشباب يتهكم على ذلك ويسمى الكتاب الذي حمل هذا العنوان (الكتاب الأزرق)، وقال فريق الكتاب الأزرق بأن قضيتنا تحسين حالة الأمة دينيا وليس الحكم عليها؛

وفي ساحة العمل اليومي شباب الصحوة الإسلامية يسمع ويستفيد وينطلق مسرعا إلى أهداف لم تتبلور بعد، ألمع الشخصيات الإخوانية وأكثرها جاذبية كان الأستاذ عمر التلمساني، ما زلت أذكره جذاب تجمله صراحة كاملة ولغة عربية فصيحة أخاذة، وحوله دائما جابر رزق وأحمد الملط رحمة الله على الجميع.

في الإسكندرية تعرفنا على عباس السيسي ملك الدعوة بالفكاهة والقفشات ومعه محمود شكري ومحمد عبد المنعم، وفي الدقهلية نسمع عن الإمام الغائب محمد العدوي الذي لا يظهر على أحد ويرى أنه المرشد الحقيقي، في البحيرة الدسوقي بقنينة ومعه محسن القويعي، في طنطا أحمد البس ومعه لاشين أبو شنب، في المنوفية الشيخ عبد الخالق الشامي، وفرج النجار وأبو الفتوح عفيفي، في بني سويف العفيف الطاهر حسن جودة ومعه محمود الصعيدي ...

في المنيا الشيخ محمود العسال صاحب الهيبة والوقار وملك التقشف وصديق الطلاب الفقراء ينشر فيهم العلم والعمل ويطعمهم قوت القلوب ورحيق الروح بعدما بنا لهم سكنا جماعيا من تبرعات المحبين، مركز سمالوط كان متميزا من الأيام الأولى وبه كوكبة من الصالحين كبيرهم الحاج محمود الكيال صاحب التواشيح التي تنقلنا إلى أعلى عليين والمتميز في فقه المواريث ومعه أمين المركز المجتهد الوقور علي عمران وحولهما صف من العاملين بجد لنصرة الإسلام القماري وعبد الله وصالح وخليفة ومحمد محجوب.

في أسيوط الشيخ عبود والحاج أحمد فاضل ودسوقي شملول وفي منفلوط العمدة محمد حامد أبو النصر، في سوهاج الأستاذ عيسى عبد العليم وفي قنا د. طه وفي أسوان م. يوسف عليان، ومع روعة الباقين في الوطن؛

وما لهم من فضل السبق والإصرار على إعادة بناء ما تهدم فلم يكونوا على طريقة واحدة ولا ثقافة واحدة ولا فهما واحدا، ولذلك يلاحظ الخبير بإخوانه فروقات واضحة بين الإخوان من محافظة إلى أخرى، ولكن كان لا بد من اتفاق على طريقة للعمل، عندما جلسوا ليتفاهموا برزت خلافات الماضي وطلت رؤى قديمة حسبها البعض قد ماتت وانتهت؛

بعض الإخوان رفض العودة للماضي واعتباره تاريخا قد توقف وعارض مجرد وجد مسمى (الإخوان المسلمين) أو أي تنظيم لهم، وأعلن حربا على الفكر السري لما تسبب عنه من مآس تاريخية معروفة؛

البعض رأى بالإضافة إلى ما سبق العودة كمؤسسة فكرية تمارس التوجيه بالكتابة والنشر والدراسة والحوار (محمود عبد الحليم)، والبعض رأى أن التنظيم السري المحكم الحديدي هو الحل (مصطفي مشهور وأحمد حسنين ومن تأثر بهم من تنظيمات 65)، وغلب رأي القائلين بالعمل العام بين شباب الصحوة مع إصدار مجلة الدعوة وتأسيس دار نشر؛

واعتبار الإخوان رافدا فكريا من روافد الصحوة دون وضع لافتة الإخوان على الصحوة الإسلامية مبررا ذلك بعدم تحميل الجيل الجديد أخطاء السابقين وخلافاتهم ولأن هذا الجيل قد يأتي أعمالا تحمل على أنها من الإخوان وهي ليست كذلك، ورأى هذا الفريق وجود نظام تنسيق بين الإخوان ويس تنظيما سريا أو علنيا؛

وقال هذا الفريق فليكن بيننا نوع مبسط من التنسيق الإخوان فيه سواسية كأسنان المشط، وتبنى هذا الرأي عمر التلمساني وأحمد الملط وجابر رزق ومحمد سليم وصلاح شادي ومحمد فريد عبد الخالق وعبد اله رشوان وغالبية الإخوان الذين تواجدوا في مصر في هذا التاريخ، كما اتفق الجميع على رفض فكرة إعادة النظام الخاص السري رفضا قاطعا.

ويتفق معي في هذا السياق شهادة الأستاذ محمود عبد الحليم ورأيت من المفيد إثباتها هنا:

شهادة الأستاذ محمود عبد الحليم:

(عن كتاب حسام تمام "تحولات الإخوان المسلمين").
محمود عبد الحليم عاصر الأحداث الفاصلة في تاريخ جماعة الإخوان إذ انضم إليها في السنة الأولى من انتقالها من الإسماعيلية إلى القاهرة وشارك في تأسيس أول لجنة طلابية في تاريخها وكان واحدا من خمسة تأسس على أيديهم النظام الخاص للجماعة سنة 1940 وواحدا من مائة تشكت منهم أول هيئة تأسيسية للجماعة سنة 1941م وكان صاحب فكرة شعارها الذي ما زالت تحتفظ به إلى الآن "سيفان ومصحف" ومع ذلك ترك التنظيم في نهاية السبعينيات ليختفي تماما من الساحة الإخوانية.
  • لماذا توقفت في كتابك "الإخوان المسلمون ... أحداث صنعت التاريخ" عند بداية السبعينيات ولم تصدر جزءا رابعا عن تاريخ الجماعة في عهد السادات وعهد مبارك بما أسقط من الكتاب حقبة تاريخية كاملة رغم أن الكتابة عنها وفيها كانت أيسر بكثير ووثائقها وأحداثها وشخوصها ما زالت حاضرة؟
لأنني كنت أكتب عن تاريخ شاركت في صنعه وأحداث كنت قريبا منها أو ممن صنعوها وكنت في هذه الفترة في مواقع تسمح لي وتمنحني الحق في الكتابة عن الأحداث والتأريخ لها، أما فيما بعد الخروج من السجن وطوال الفترة التي تلته فقد اختلفت الحال بما ينزع عني أهلية الكتابة عنها لذا فضلت أن يقتصر كتابي على ثلاثة أجزاء فقط تتوقف أحداثها مع بداية عصر السادات لأن ما بعد ذلك لا يمكنني الكتابة عنه بما يفيد ولو كتبت لكنت غير صادق مع نفسي، لا تنس أنني لا أعتبر نفسي مؤرخا مهمته كتابة التاريخ بل أنا كتبت التاريخ كشاهد عليه وليس باحثا فيه أو مؤرخا له بالدرجة الأولى.
  • لكنك عضو بالهيئة التأسيسية للإخوان وهي أعلى هيئة بالجماعة ولم يعرف عنك الانفصال عنها كما أنك كنت المؤهل للكتابة في تاريخ الإخوان خاصة بعد أن أصدرت كتابك الذي يمكن اعتباره المرجع الأول لكل من يكتب عن تاريخ الإخوان، ألم يتح لك ذلك الاستمرار في تسجيل تاريخ الإخوان خاصة أن أحدا غيرك لم يتصد لهذه المهمة؟
لهذا قصة لم أشر إليها من قبل وربما لا يعرفها الكثيرون ... فبعد خروجنا من السجون في أوائل السبعينيات جرت مشاورات بين القيادة التاريخية للجماعة حول الكيفية والشكل الذي يمكن أن تعود به الجماعة إلى الوجود وتستعيد نشاطها داخل المجتمع المصري وعلاقتها خارجه واتصل بي الأخ عباس السيسي (من قيادات الإسكندرية)
وطلب رأيي في ذلك فاقترحت عليه فكرة جديدة تماما عما كان متداولا وقتها بين هذه القيادات وتقوم على التخلي تماما عن السعي لبناء تنظيم للجماعة على النحو والكيفية التي كانت عليها من قبل والابتعاد تماما عن الشكل التقليدي والمعروف للجماعة بما فيها اللافتة أو العنوان "الإخوان المسلمين" واقترحت أن يأخذ نشاطها وجهة ثقافية وفكرية بعيدا عن التنظيمات السرية والعمل السياسي المباشر تحاشيا لتكرار الصدام والمواجهة مع الأنظمة الحاكمة التي كنت قد وصلت بشأنها إلى قناعة أقرب لليقين بأن العلاقة معها قد صارت إلى الفراق الذي لا يرجى بعده لقاء.
  • وكيف تم التعامل مع فكرتك؟
جرت حولها بعض المشاورات والمناقشات ولكنها لم تأخذ الوقت الكافي للإنضاج ربما بسبب تسارع الأحداث والتفاعل السريع بين الإخوان والمجتمع والذي حال دون دراسة هذه الفكرة كأسلوب ومنهج جديد في العمل، والعودة وعاد الحال إلى ما كان عليه دون أي تغيير؛
ولم ينفذ من فكرتي سوى جزء بسيط منها ولكن دون المعنى والمغزى الذي كنت أقصده حيث اكتفت القيادات بتأسيس دار الطباعة التي أطلق عليها "الإسلامية" رغم أن هذه الصفة لم تكن تضيف إليها شيئا ولم تكن لتفيد خاصة وأن الجماعة كانت في بداية مسيرتها للعودة ومن المفترض أنها تحت الأنظار.
  • وهل أدى هذا الخلاف إلى الابتعاد أو الانفصال عن الإخوان؟
لا ... لم أشأ الانفصال رغم اختلاف القناعات وقبلت الاستمرار في العمل معهم ولكن كفرد وليس كقيادة كما كان الحال، ولكنني اخترت أن أعمل فيما أعتقد أنه أكثر فائدة ونفعا وهو تصحيح أفكار ومفاهيم الإخوان وتجلية بعض المواقف والأحداث التاريخية وهو ما عكفت عليه بعد خروجي من السجن وحرصت أن تظل بالإخوان جيدة باستمرار فقبلت مثلا العمل تحت مسئولية الأخ عباس السيسي الذي كان قد أصبح مسئولا عن محافظة الإسكندرية رغم أنه كان تلميذي قبل ذللك وتحت مسئوليتي؛
وإن كنت قد رفضت عرضا من الأستاذ عمر التلمساني بترشيحي كعضو في مكتب الإرشاد الذي كان قد أعيد تشكيله وقتها فقد كنت قد حددت وجهتي كما أن هذا المنصب يتطلب التواجد بالقاهرة أو السفر إليها أسبوعيا على الأقل وهو ما لم أكن مرحبا به أو قادرا عليه خاصة وأن حالتي الصحية ومعاناة السجن والتعذيب كانت تحول دون ذلك.
  • لكن هل يمكن النظر إلى هذه الواقعة كبداية لما صار يعرف بالخلاف بين من يقولون بأولوية الفكرة والدعوة ومن يقولون بأولوية الجماعة والتنظيم؟
أعتقد أن هذا الخلاف قديم في الجماعة وربما يرجع تاريخه إلى أوائل الخمسينيات التي شهدت فصل عدد من كبار الدعاة والقيادات من التنظيم بسبب مخالفات إدارية وتنظيمية أو بسبب خلافاتهم مع قيادات الجماعة.
  • وماذا عن موقفك ... هل أنت مع مبدأ الجماعة والتنظيم أولا أم مع الدعوة والفكرة غير المتقيدة بإطار تنظيمي؟
الأمور لا تحسب هكذا ... لا يمكن أن أدعو إلى إلغاء أو تفكيك الكيانات والتجمعات الإسلامية الموجودة تحت دعوى خاصة وأنها تمارس دورا مهما في الدعوة الإسلامية لكن ما أرفضه تماما هو أن تسجن فكرة ودعوة عالمية وتوضع عليها القيود باسم مصلحة التنظيم أو أن يدعي تنظيم أو جماعة ما أنه الممثل للإسلام أو أن يكون معيار التعامل مع الآخرين هو شكل العلاقة مع التنظيم
وأعتقد أن ذلك كله قناعات راسخة لدي حتى قبل أن ألتحق بتنظيم الإخوان وربما كان ذلك سببا للخلاف مع قيادات الإخوان في الخمسينيات فيما يخص واقعة فصل الشيخ محمد الغزالي من الجماعة لأنني رفضت مسلك بعض القيادات التي تعاملت معه بشكل غير لائق وتجاهلت قيمته كعالم وداعية له وزنه وعطاؤه الذي لا ينكره أحد؛
وظللت على علاقة وطيدة به وأذكر أننا التقينا بعدها وتعانقنا وكأن شيئا لم يحدث لأنني اعتبرت ما حدث مجرد تجاوزات إدارية وخلافات لا صلة لها مطلقا بتقييم الإنسان إسلاميا، كما أنني وقفت في صف عودة صالح عشماوي صاحب امتياز مجلة الدعوة بعد فصله من الجماعة حينما أقر بخطته وطلب العودة.المشكلة دائما فيمن يعطون لأنفسهم حق الحكم على الآخرين دينيا بحسب مواقعهم التنظيمية.

السريون الجدد يخالفون إجماع الإخوان

سارت الأمور في العلن على طريقة الأستاذ عمر التلمساني، ونال بطريقته ثقة جميع الأوساط الدعوية كالجامعات وجميع المؤسسات الدعوية كالأزهر والجمعيات الخيرية كالجمعية الشرعية وجمعية الخلفاء الراشدين وأنصار السنة المحمدية، وأقام درس الثلاثاء بمسجد الخلفاء الراشدين، وشرع في تأسيس اتحاد للجمعيات الإسلامية، وأصبح صديقا محببا للجميع حتى السادات غير أن المتعودين على العمل السري لم ترق لهم طريقة التلمساني، ومع كثرة الشباب المتدين وتهافته على كل قديم، ما كان للصياد المتربص أن تفوته الفرصة، وعادت ريمة لعادتها القديمة وبدأت فكرة تكوين نظام خاص جديد قديم وبنفس شخصياته القديمة (مصطفي مشهور وأحمد حسنين ومن تبعهم من بقايا تنظيمات 65 التكفيرية)؛

وكنت واحدا ممن بايعوا المرحوم الحاج مصطفى على السمع والطاعة في المنشط والمكره ضمن التنظيم الجديد ولكن بنية مختلفة عنهم كما تكشف فيما بعد، فقد كنت أتصور أنه يأخذ البيعة نيابة عن المرشد المعلن عمر التلمساني وأننا جميعا في مركب دعوي واحد، كما أنني في هذا العمر (حوالي خمسة وعشرين سنة) لم يكن لي أي دراية بتاريخ التنظيمات السرية الإخوانية؛

وعشت مع الحاج مصطفي مشهور أحلى سنوات العمر من مارس 1975 وحتى سفره فجأة في أغسطس 1981 قبل اعتقالات 3 سبتمبر 1981 الشهيرة، وعندما عاد الحاج مصطفي مشهور في وسط عام 1986 وجدني منهمكا في العمل ضمن منظومة الأستاذ عمر التلمساني بكل قوة ودأب، وزارني في بيتي بمدينة نصر وتداول معي الأمر وتأكد أنني ضمن فريق العمل الإخواني المكلف من الأستاذ عمر التلمساني فلم يفاتحني في شيء مخالف؛

ولكن من حيث الواقع العملي فقد بدأت متاعبي معه ومع الفريق الذي حوله، ومن تاريخ الانضمام الأول حتى اليوم جرت أحداث جسام يجدر بكل مخلص أن يعيها، ولنبدأ قصة المتاعب مع السريين الجدد من أولها.

كان الطبيب حديث التخرج محمود عزت يعمل بالعيادة الخاصة بمصنع الشريف في شبرا الخيمة، كنت وقتها رئيس المعامل وضبط الجودة بشركات ومصانع الشريف ومعيدا بكلية العلوم جامعة المنيا وطالب ماجستير بكلية العلوم بجامعة عين شمس وأحد أعضاء تنظيم إسلامي جديد بالقاهرة تشكل من بقايا تنظيم الفنية العسكرية بعد فشل المحاولة الأولى للإطاحة بنظام السادات، ولم يكن لي علاقة بالعيادة ولم ألتفت إلى وجود محمود عزت قط ولا أذكر السبب الذي دعاني من أجله لزيارته بالبيت.

كنت مشغولا في هذه الأيام بالعمل الإسلامي في حي النزهة ومساجدها التي كانت تعج بالنشاط الدعوي البعيد عن مسمى الإخوان المسلمين والمصبوغ بصبغة الجماعات الإسلامية أو الصحوة الإسلامية التي فصلناها في الفصل السابق، قبلت الدعوة وزرته في البيت، مد يده وأعطاني مصحفا وخيرني في تلاوة السورة التي أحبها؛

مباشرة عمدت إلى سورة غافر فقد كانت آخر ما حفظت من كتاب الله، أعجب كثيرا بطريقة تلاوتي فلم يدعني أكمل السورة وقال يكفي هذا القدر، ولما كانت صلاة الجمعة على الأبواب فقد هممت بالانصراف شاكرا له حسن استضافته ورغبته في التعرف على شخصي، على السلم وضع يده في جيبه وأعطاني ورقة مطوية بشدة حتى صارت بمساحة 4 سم مربع.

أخذتها واحتياطيا فتحتها على السلم وأخذت عنها فكرة سريعة ثم وضعتها في جيبي ولم أقرأ ما فيها بدقة حتى رجعت للمنزل عقب صلاة الجمعة.

كانت ورقة بسيطة للغاية مكتوبة بالقلم الرصاص وتبدأ بعرض ما في المجتمع من منكرات وتعلق ذلك على بعد المجتمع عن الدين وتعرض البديل تلقائيا بضرورة التمسك بالدين والعمل على نصرته والبحث عن الجماعة المناسبة للقيام بهذا الدور.

بعد مرور عدة أيام همس أحد الموظفين بمصانع الشريف ويدعى محمد عليوة برغبته في عقد تعارف بيني وبين الحاج مصطفي مشهور، وبطبيعتي كنت تواقا أن أعرف كل شيء عن التنظيمات الإسلامية ومناهجها وطرق عملها عسى أن أجد تنظيما أفضل مما أنا فيه ونضيف جهدنا إليه، فوافقت على الفور وحدد الموعد واصطحبني إلى بيته بكوبري القبة وتركني وانصرف.

مضى اللقاء الأول في التعارف التفصيلي على شخصي واتفقنا على الموعد القادم واستأذنته أن يحضر معي واحدا آخر من التنظيم الذي نشكله حتى ننقل الصورة جيدا لمن خلفنا وقبل الحاج مصطفى، وفي الموعد حضرت ومعي طالب بكلية طب عين شمس (عادل عبد الخالق من مصر الجديدة)؛

ووجدت عند الحاج رابع هو الأخ صيدلي (ممدوح الدسوقي)، واستمرت حواراتنا حول المبادئ العامة للدين ومواصفات الجماعة المسلمة التي ينبغي مبايعتها، كان الحديث من طرف واحد ونحن نستمع ونرد في حدود ضيقة جدا، وخلال شهرين من اللقاءات كان كل منا قد حدد طريقه واختار؛

قررت أن أعمل مع الإخوان ووفقا لفهم حسن البنا وبقيادة عمر التلمساني كمرشد وقيادة مصطفي مشهور المباشرة وكذلك ممدوح، وأما عادل عبد الخالق فقد رفض فكر الإخوان ونقل ذلك لبقية زملائنا في التنظيم الصغير، جلسنا جلسة أخيرة معا وحاولوا كثيرا استعادتي إليهم ولكنني أخبرتهم بقراري النهائي، ومن يومها كأن الأرض انشقت وابتلعتهم ولم تقع عيني على واحد منهم ولو قدرا.

لطلب الحاج مصطفي مشهور لقاء منفردا معي وأخبرته بما حدث فقال: أنت اليوم من الإخوان ووجبت في عنقك البيعة فمد يدك وبايعني، وكانت البيعة على بركة الله.

ما بعد البيعة:

دعاني الحاج مصطفى لحضور أول اجتماع إخواني موسع في بيت أحد الإخوان بعمارة الشريف بمصر الجديدة حضر الاجتماع معظم الإداريين بمصانع الشريف وجلهم من الإخوان المفرج عنهم حديثا (مجموعة الشريف) وقدمني الحاج مصطفى لهم وأردف قائلا: أخ جديد صحيح معضم ولكن عليكوا تنجدوه (من التنجيد) كان رحمة الله عليه من الظرفاء وضحكت وضحك الجميع وقضينا وقتا طيبا وبدأت الحياة التنظيمية المعتادة، عضوا بالأسر الإخوانية، ثم المسئول الثالث بأول قسم للجماعة وهو قسم الطلاب برئاسة مصطفي مشهور؛
ثم سفر الحاج مصطفى ثم اكتشاف التنظيم السري ثم العمل مع التنظيم الشرعي بقيادة التلمساني ثم عودة السريين وكشف مخططهم في العملية سلسبيل لقلب نظام الحكم في الإخوان ثم الانتقال القسري إلى قسم المهن وتولي المسئولية عن نقابة المهن العملية ثم إجراء الانتخابات والفوز بمقعد في مجلس الشوري
ثم كشف الاجتماع واعتقال المجتمعين ثم قضية 1995 أمام المحاكم العسكرية والحكم بسجني ثلاث سنوات ثم قضية حزب الوسط ثم الخروج من السجن ثم المواجهات مع السريين الجدد في أكثر من موقع حتى مرحلة كتابة الرسائل الإصلاحية فانتخابات 2005 فالمواجهات العلنية التي أكدت ضرورة إصدار هذا الكتاب لبيان الحالة التي وصلنا إليها بعد استيلائهم على جماعتنا، ويمكننا تقصي هذه الأحداث وملابسات حدوثها تحت العناوين التالية:

حالة الاقتراب من الجماعات الإسلامية:

عندما أفرج السادات عن الباقين من الإخوان في السجون كانت الصحوة الإسلامية بلغت الذروة في الجامعات، وكان طبيعيا أن يفرح الإخوان بهذه الصحوة بوصفها حققت ما عز عليهم أن يحققوه، وكانت الفرحة بادية على وجوه معظمهم بالفعل، ولكن بدت مشاعر فريق السريين مختلفة ووجهوا نقدا واضحا لسلوكيات الشباب واهتمامهم بالهدي الظاهر وحجاب المسلمة والخلافات في الفروع، ونسي معظم السريين أن المرحلة العمرية للشباب لها متعلقاتها النفسية والسلوكية؛
وبينما كان اقتراب الإخوان من شباب الصحوة يستهدف نقلهم إلى وضع أفضل من حيث الفهم والسلوك كان أسلوب السريين مختلفا وأهدافهم مغايرة لذلك فقد كثرت أحاديثهم وحكاياتهم حول السجون والزنازين والمحمصة والتعذيب والكرابيج والعروسة والتحقيقات؛
وكان قد صدر كتاب البوابة السوداء للأستاذ أحمد رائف في أبريل 1974 ليصب مزيدا من الزيت على النار المشتعلة بما قدمه من صورة تفصيلية لأحداث التعذيب في السجون الناصرية لأول مرة، ثم صدر كتاب في الزنزانة للأستاذ علي جريشة في نفس السياق، ومارس السريون أسوأ عملية تضعيف وتجريح لقادة الصحوة من العلماء مثل محمد الغزالي وسيد سابق وإبراهيم عزت وحافظ سلامة وعبد الحميد كشك والشيخ الشعراوي وبطرق عديدة؛
إن تجريح المخالفين في الرأي وإعداد لوائح اتهام لهم سيبقى وسيلة من وسائلهم المستنكرة، وطالت حملة التضعيف والجرح رموز الصحوة من الشباب مثل أسامة عبد العظيم وعبد الله سعد بجامعة الأزهر وقيل إنهم يتاجرون في الكتب الجامعية مستغلين مقاعد الاتحاد؛
وأنهم يتربحون من ذلك مبالغ طائلة تصل إلى عشرات الجنيهات، كما كان هناك عملية حصار مضروب على بعض الشخصيات الإخوانية بدون مبرر مفهوم مثل الأستاذ فريد عبد الخالق والأستاذ صلاح شادي والدكتور المحامي عبد الله رشوان والشيخ محمد المطراوي والشيخ عبد المعز عبد الستار وصالح عشماوي وصالح أبو رقيق وكان الحاج مصطفي مشهور يحذرنا كثيرا من التحدث إلى أحدهم أو مجرد الاقتراب من أشخاصهم؛
بالتوازي كان هناك تكبير وتضخيم لما وقع لبعض المعتقلين الإخوان من تعذيب، وكيف تعاملوا مع الجلادين بنظرات التحدي والاحتقار، بينما ضعف آخرون وبايعوا جمال عبد الناصر أو تراجعوا عن مبادئهم تحت ضغوط العائلات والأولاد، وسميت العملية (بالزحلوقة) التي تأخذ الأخ من ضعف إلى ضعف حتى يحصل على قرار الإفراج؛
وصور السجن في حد ذاته على أنه بطولة وتضحية بالرغم من أنه ليس كذلك وليس من اختيار أحد بإرادته، والمحصلة الطبيعية لمثل هذا العرض والدأب عليه أن انحلت عرى الوحدة بين شباب الصحوة وتنازعتهم توجهات متصارعة بين قيادات الإخوان أنفسهم وبينهم وبين التوجهات الإسلامية الأخرى وانتهى الأمر إلى التفتت والتنازع.

الصدام والمفاصلة بين الإخوان والجماعات الإسلامية:

لم يمض على خروج الإخوان من السجون غير أربعة أعوام حتى بدت ساحة الصحوة الإسلامية عام 1979 مليئة بالصراعات، وأصبح السؤال المطروح من قبل قادة الجماعات الإسلامية: من مع الإخوان ومن ليس معهم؟ وهل نقبل القيادات الإخوانية القديمة كقيادة للصحوة أم نبقي العلاقة معهم ودية تشاورية تعاونية؟ ومن الذي يمثل الإخوان تحديدا؟
وبطبيعة الحال بدأ كل فريق يبرز أسباب موقفه وحشد فريق الرافضين للإخوان انتقاداته للإخوان بالجمة ودون مقدرة على تبين الفروق بين أجنحتهم المتصارعة، وتصنف الشباب في معظمه مع أو ضد الإخوان وتاهت معالم الطريق من بين أقدام الصحوة الإسلامية وانتشرت في الجامعات صراعات الشباب على الإمامة في مساجد الكليات وفي مساجد الأحياء السكنية وبلغ الصراع حد استخدام الأسلحة البيضاء في أكثر من موقع (في المنيا حدثت معركة دامية يوم العيد على كورنيش النيل بين محبي الإخوان ومعارضيهم، وفي آبا الوقف مركز مطاي طعن بالسكين أحد مناصري الإخوان ... من قبل معارضي الإخوان)؛
واختلفوا كذلك حول من تصدر النشرات باسمه وتحت أي شعار، وبالجملة كثرت المهاترات التي أثرت كثيرا على تقدم الصحوة وحالت دون وحدتها، من ناحيتي كنت قد حزمت قراري وحددت وجهتي بالعمل مع الإخوان بقيادة عمر التلمساني كمرشد، ولكنني ويشهد على ذلك كل الذين تعاملت معهم في هذه المرحلة كنت أعتبر ذلك خصوصية تنظيمية لا يترتب عليها مقاطعة أي فصيل يعمل لنصرة الإسلام مهما كان توجهه الفكري وفهمه للدين، ولقد تعاملت مع طلبة الصحوة الإسلامية في جامعة المنيا خمس سنين قبل أحداث المنصة ولم يشعر أحد منهم أنني شيء غيرهم.
أنهت أحداث المنصة الموقف تلقائيا لمصلحة الإخوان حيث ركزت الشرطة عملها في مواجهة المنفذين الذين مروا بنفس الدورة التي مر بها النظام الخاص السري من قبل وانتهى الأمر إلى نبذ العنف وكتابة المراجعات وهو نفس ما آلت إليه مجموعة السريين بعد أحداث عدة من ممارسة العنف امتدت من الأربعينات وحتى أحداث تنظيم 65 مرورا بالصدام مع الثورة وتفكير وتدبير البعض لأكثر من مرة لاغتيال رئيس الدولة غير أن السريين الجدد لم يصدروا مراجعات حتى اليوم يعترفون فيها بأخطائهم.
وبانتهاء أحداث المنصة وصدور الأحكام بشأنها وعودتنا من السجون إلى المساجد انطلقنا نحن الإخوان بقيادة عمر التلمساني وفي غياب السريين الذين تركوا مصر وانسحبوا ينسجون خيوط العملية السرية الرابعة في مواجهة الإخوان والوطن؛
انطلقنا نحن في تحمل المسئولية الدعوية في ساحة شبه خالية من الجماعات الإسلامية تقريبا خلال فترة الثمانينات مما أتاح لنا فرصة عمل ذهبية تمكن بها فريق العمل بقسم الطلاب والمهن من التمدد بالجامعات واكتساب مقاعد الاتحادات الطلابية بالكامل تقريبا وكذلك مقاعد مجالس أندية أعضاء هيئة التدريس ...

موقفنا من السادات وعرض الجمعية:

لم ألتفت إلى ما قدمه الرئيس السادات للإخوان في شبابي، فقد كنت من أعدائه على طول الخط وكنت أنظر إليه كفرعون موسى، اليوم أطالع كتب الإخوان أنفسهم فأجد اعترافاتهم أنه:
  1. أصدر قرارا جمهوريا بالعفو والإفراج الفوري عنهم.
  2. أصدر قرارا جمهوريا بإعادتهم إلى أعمالهم.
  3. أصدر قرارا جمهوريا بأن يعودوا إلى أعمالهم على نفس درجة زملائهم الذين لم يعتقلوا.
  4. أصدر قرارا جمهوريا بإلغاء قانون المراقبة على المفرج عنهم.
  5. أغمض عينه تماما عن حركتهم الدعوية في الداخل والخارج.
  6. أعطى فرصة واسعة لتدفق رأس المال على كبرى شركات توظيف الأموال ومعروف أنها إخوانية التوجه والهوى.
  7. أعاد مجلة الدعوة منبرا هاما للإخوان 1976.
  8. عرض السادات بجد أن يكون للإخوان جمعية مشهرة قانونية، وعرض الأستاذ عمر ذلك على بقية الموجودين من الإخوان وأذكر أنهم رفضوا ذلك.
  9. تصالح مع المرحوم الأستاذ: عمر التلمساني وكان يدعوه بصفة رسمية لحضور الحفلات الرسمية لرئيس الجمهورية، وسمعت الأستاذ عمر يقول إن السادات استشاره في اتفاقية كامب ديفيد وقد تحفظ الأستاذ عمر عليها موضحا سبب ذلك التحفظ بأننا لن نستطيع مهما حاولنا أن نوقف الإفساد الصهيوني للمجتمع المصري عامة والشباب خاصة لو فتحنا حدودنا للصهاينة.
  10. كل ما فعله السادات من وجهة نظري كان اعتذارا للإخوان من السادات بلغة مفهومة (والحر تكفيه الإشارة ...)، ومع ذلك لم نستطع كحركة أن نشكل حالة وطنية تحدث التغيير المنشود بطريقة سلمية، وكما ضاعت فلسطين ونحن شهود وقعت اتفاقية كامب ديفيد ونحن شهود وانتهى السادات مقتولا ونحن شهود وانتهت فرصة الحركة الإسلامية في الحرية بنهايته مقتولا برصاصها.

الهروب المشين ونتائجه:

انتهت السبعينيات بخصام واضح بين الصحوة الإسلامية والسادات، السادات من جانبه شعر بمرارة من موقف الإخوان وأعلن ذلك مرارا وتكرارا، وراح يحمل الإخوان مسئولية تجييش الصحوة الإسلامية في مواجهته وقيادتهم لحركة التمرد عيه، والحقيقة أن هذه طبيعة فهمنا نحن شباب الصحوة للدين في هذه المرحلة، وإن كانت هناك مسئولية للإخوان فهي صمتهم على هذا الفهم وموافقتهم الضمنية عليه؛
لقد انتقد الإخوان أكثر تصرفات الشباب حتى قصر الجلباب وطول اللحية وقاوموا ذلك ونجحوا فيه ولكنهم لم يقاوموا حركة التمرد المسلح في مواجهة السادات بأي شيء بل كان بعضهم يتصور أنه صدام قد يؤدي إلى انتهاء الحكم وسقوط مع عدم قدرة الشباب على إدارة الدولة وأن الأمر سيؤول لهم في النهاية تلقائيا (نظرية الفوضى الخلاقة) وما تزال هذه عقيدة بعض أعضاء مكتب الإرشاد حتى اليوم؛
وهكذا أصبح السادات معزولا عن الإسلاميين ومكروها من الناصريين ومحاربا من اليساريين، فعلى من يتوكأ في شيخوخته السياسية والعمرية؟ لم يبق إلى جواره ناصحا إلا المتأمركين، ونجح هؤلاء في السيطرة على قراره وتوجهاته وصوروا له الأمر بطريقتهم ووضعوه في خيار واحد هو إما أنت وإما المعارضة؛
وتصرف السادات مثل كل القادة العسكريين وتعامل مع الموضوع بلغة (اتغدى بيه قبل ما يتعشى بيك)، فكانت اعتقالات 3 سبتمبر 1981 التي شملت قادة المعارضة جميعا إسلاميين ومسيحيين وناصريين ويساريين، ووقع المحظور وكانت أحداث المنصة وانهارت الدولة المصرية تماما لمدة 24 ساعة على الأقل، ودخلنا نفق الطوارئ وقوانين الإرهاب وعصر الهامش الضيق المتاح للحريات أو الحياة على رصيف الوطن؛

وهنا ملاحظات هامة لم أرد أن يذكر أو أراد شكورا وهي:

منذ صدور قرارات الاعتقال ومباشرة تنفيذها من صباح 3 سبتمبر بالفعل كان طبيعيا أن يكون هناك قرار جماعي إخواني بشأن الموقف من ذلك وكيف ستكون طريقة المواجهة وبالفعل توجهت للمسئول المباشر عني تنظيميا في مصر الجديدة (محمود عزت) لمعرفة التوجيهات فلم أعثر له على أثر، وتوجهت للمسئول الأعلى (مصطفي مشهور) فلم أعثر له على أثر، وكان الأستاذ عمر التلمساني معتقلا؛
وبصراحة تأثرت كثيرا وشعرت بالحزن من هذا التصرف المشين، نحن الذين نخطب على المنابر قائلين للشباب إن القيادة الناصحة سباقة وهي التي تبادر بإنارة الطريق للجنود وإفهامهم طبيعة الموقف والتشاور معهم بشأن التدابير الواجب اتخاذها نحو الظروف التي تمر بها الدعوة والأفراد، والانتهاء إلى ما نسميه تقدير موقف أو حالة؛
ولكن لم يحدث شيئ من ذلك وحدثتني نفسي قائلة يبدو أن القيادة هربت وتركتني ومن خلفي وحدنا؟ وبقيت أياما وأنا خائف أترقب ولا أبيت في بيتي، وأقول لنفسي: هذه أفكار شيطانية وحتما سوف يتصل بك أحدهم ويبلغك بالمطلوب والموقف ولكن استمر غياب القادة.
في الخامس والعشرين من سبتمبر طرق باب بيتي بغير موعد أحد شباب الإخوان المجندين وكنت مسئولا عنه أيام الدراسة بكلية العلوم، وأبلغني بأن الجماعة الإسلامية قررت القيام بعمل عسكري انقلابي واسع ويرتبون لذلك، وقد أرسلوني لأعرف وجهة نظر الإخوان وليكونوا على علم بذلك حتى يتعاونوا معهم ويساعدوا في مرحلة نجاح الانقلاب.
(لاحظ أن المندوب في الواحد والعشرين وأنا في الثلاثين).
طلبت منه تأجيل الرد يوما واحدا، وخلال هذا اليوم ذهبت إلى كل مكان يحتمل أن أجد فيه أحد المسئولين ولكن بدون جدوى، عاد إلي وأخبرته أنني لم أجد مسئولي لأتخذ قرارا وليس أمامنا إلا العمل بالأصل وهو حرمة الاغتيالات، انصرف أخي المجند، وانتشرت إشاعة الاغتيال وبلغت درجة التواتر وبتنا (والراديوهات) على آذاننا ننتظر تنفيذ العملية؛
وبالفعل تمت العملية يوم 6 أكتوبر 1981 وكان يوم وقفة عرفات واهتزت الدنيا كلها بينما نحن الإخوان بغير قرار ولا رؤية واضحة نحو الموقف والسبب هروب القادة المشين ومن أشهر من هربوا في تلك الأيام مصطفي مشهور ومحمود عزت وجمعة أمين ومحمد البحيري ومحمد عبد المعطي الجزار وصبري عرفة الكومي وخيرت الشاطر ومحمد إبراهيم وكل رجال النظام الخاص وبقيت القيادة التقليدية عمر التلمساني وجابر رزق وأحمد الملط ومن على طريقتهم من شباب الصحوة الإسلامية.

قضية اختفاء محي وأبو العلا ومحمود الراوي:

أثناء فترة الهروب طيلة شهر سبتمبر 1981 توافد على القاهرة أعداد وفيرة من شباب الجماعات الإسلامية ممن كان مطلوبا اعتقالهم في وجه بحري ووجه قبلي، الجميع رأى أن الاختباء في القاهرة أسهل، وكان من بين هؤلاء إخواني م. محي الدين وم. أبو العلا ماضي وكلاهما من قيادات العمل الإسلامي بالمنيا وما حولها ولهم صلة وثيقة بالقيادات الإسلامية من كافة الاتجاهات؛
ولكنهم جزاهم الله خيرا اختاروني دون غيري ليكونوا ضيوفا علي، وقبلت مهمة إخفائهم ورأيت ذلك مكرمة، وفور اغتيال السادات كان لا بد أن يوضعوا في مكان أمين وقد كان والحمد لله وانضم إليهم م. محمود الراوي وملخص قصة الهروب يبدأ من الإحساس الكامل بأن الأخوين محي عيسي وأبو العلا ماضي لم يشاركوا في عملية الاغتيال وأنهما بريئان منها براءة كاملة.
وكانت الجماعات الإسلامية قد اندفعت في مواجهات مع النظام المصري بقيادة السادات ولكن من حيث الواقع فكانت الشرطة المصرية هي الممثل للحكومة على أرض الواقع ... ولذلك احترفنا في الجماعات الإسلامية كثيرا من عمليات تضليل الشرطة ومن ذلك تعود بعض الشباب على التوجه إلى محطات مترو حلوان والتقاط البطاقات الشخصية المفقودة من أصحابها والمعروضة في لوحة المحطة وكان من السهل نزع الصورة الأصلية ووضع صورة جديدة محلها.
وبهذه الطريقة حصلت على بطاقتين أحدهما باسم إبراهيم ووضعت عليها صورة محي والأخرى باسم حسن ووضعت عليها صورة أبو العلا.
وكانت المهمة الثانية البحث عن ملاذ آمن لدى شخصية شجاعة تفرست في كافة المحيطين بي وأخذت من بينهم المهندس محمد عبد السلام شرف الدين لأسباب عديدة ... أولها لم يكن له ملف سابق بالأمن المصري ولم يسبق اعتقاله أو التحقيق معه وثانيها أنه يمتلك الجرأة والشجاعة على القيام بهذا الدور وثالثها أنه يعمل بالمقاولات ذات الطبيعة الصعبة في قلب الصحراء وبعيدا عن الشواطئ في قلب البحر لإقامة الفنارات على الجزر ومد خطوط الكهرباء عالية الضغط ...
وكانت طبيعة عمله ومساعديه يجعلهم دائما بعيدا عن المناطق السكانية وتحول بينهم وبين الاحتكاك بالمواطنين أو الشرطة، وبالفعل فاتحته وقبل أن يسأل أجبت عن كافة استفساراته من حيث براءتهم من الاغتيال وقدرتهم على الالتزام بما يتفق عليه كونهم من اليوم مجرد عمال باليومية سيلتحقون به من أجل العمل كتراحيل ليس أكثر ... والأصل في هذه الحالات لا يطلب عقد عمل ولا بيانات شخصية ... وقبل مشكورا ذلك.
وفي يوم العيد التقيت بالأخوين وزيادة التمويه في خرجت بهم في رحلة طويلة بعيدا عن القاهرة لكشف ما قد يوجد من مراقبة لهم.
وتوجهت بهم إلى بلدتي بمحافظة كفر الشيخ ... ولكن الحياة لا تخلو من مفاجئات ... فبينما نحن على مسافة 20 كم من مدينة قطور في الطريق إلى بلدتنا خرجت سيارة صغيرة مسرعة من طريق جانبي واعترضت الأتوبيس فجأة واصطدم بها ثم انحرف يسارا ليصدم في شجرة ضخمة فتشطره نصفين ويقع تصادم مروع.
اقتلع الصدام كافة مقاعد الأتوبيس وتكردس الركاب عند المقدمة ووقعت كسور وجراحات وبدأ عويل المصابين ... انشغل الجميع بالحاثة وسارع أهل القرى نحو الموقع للإنقاذ وحضرت سيارات الشرطة والإسعاف وبدأت عملية إخلاء المصابين ...
وفي هذه اللحظات تذكرنا أننا في حالة هروب واكتشفنا أننا محاصرون بالشرطة من كل ناحية وأن نظارة محي الطبية قد تحطمت ويصعب عليه الحركة دونها ... ولكننا في أسرع من البرق استعدنا توازننا وجمعنا شملنا ولممنا شعثنا وأطلقنا أقدامنا للريح عدوا بعيدا عن الموقع ...
وبينما الكل متجه ناحية الحادثة كنا نحن نتجه بعيدا عنها وكأننا ذاهبون لاستدعاء الشرطة والإسعاف ... وعند أول منطقة سكنية ركبنا سيارة بالأجرة واتجهنا نحو الهدف ... كانت كل تصرفاتنا بالإشارة والنظرات وكافة أفعالنا آلية (أتوماتيكية) كأننا تروس ماكينة واحدة توافقت على فعل ما تريد.
وقبل العصر بلغنا بيت العائلة في قريتنا والتقطنا أنفاسنا وقدم لي ولضيوفي الغداء اللذيذ المعتاد في مثل أيام العيد ... ولكن خلال ساعة من الزمن بدأ أشقائي يشعرون بأن الأمر ليس طبيعيا ... فلم أتعود الذهاب إليهم بأغراب! يوم العيد من كل عام كما أنني لم أتعود زيارتهم بغير أهل بيتي.
في المساء طرق الباب كبير الخفراء في القرية وخرجت لمقابلته في الفرندة الخارجية حتى لا يدخل إلى المندرة ويلحظ وجود الهاربين وفور لقائه همس في أذني وشقيقي قريب يسمع "فيه إشارة وصلت من المركز بالإبلاغ عن أي أغراب يتواجدون بالقرية ثم أردف قائلا و كان عندكم حد غريب اتصرفوا فيه بسرعة
ولم يعطنا فرصة للتعليق وانصرف سريعا كان لا بد من مصارحة أشقائي بالأمر وكانوا على قدر المسئولية فقلت لهم تحملوا استضافتنا يوم أو يومين وسأتوجه للقاهرة لإتمام اللمسات الأخيرة المتعلقة بالمكان الذي سوف يقيمون فيه كان في خلدي أن أجهز لهم فراشا مناسبا وملابس كافية وأدوات نظافة لمدة طويلة.
وهكذا ... بالفعل في الصباح توجهت إلى القاهرة وتركتهم في البيت ... وما أن غادرت بيتنا حتى (كما حكي لي بعد ذلك) بدأ التليفزيون بعرض خمس صور لأفراد مطلوبين هم (عبود الزمر، ناجح إبراهيم، أبو العلا ماضي، محي الدين عيسى، طارق الزمر) لم يصدق أشقائي أن الصورة والأصل أصبحت في بيتنا؛
وتصرفوا بحكمة وشجاعة فلم ينتظروا للصباح ... وفي سيارة خاصة تم نقل الهاربين إلى مكان أمين بعيدا عن بيت الأسرة وفور خروجهم بأقل من ساعة كانت قوة من الشرطة تداهم البيت وتبحث عنهم ولكنها لم تعثر على غرباء، واعتبر ذلك بلاغا كاذبا، هنا في القاهرة لم أتمكن من بلوغ بيتي وتمت عملية اعتقالي قدرا في إحدى الكمائن ...
وتصرف الأخوين وفقا لخط السير الذي شرحته لهم والتقوا بالمهندس محمد شرف الدين وسكنوا المكان الجديد في منطقة بالصحراء الشرقية يقام بها مشروع جديد على أنهم مجرد عمال ترحيل.
ظل الإخوان على المنهج المتفق عليه ثمانية أشهر بينما كنت أنا في المعتقل تمارس معي كافة أنواع الضغوط المعتادة للاعتراف بمكانهم ولكن الله أعانني فلم يعرف مكانهم أحد إلا أطراف الموضوع الأربعة م. شرف والهاربين والعبد لله.
تشكلت فرق للبحث عنهم في كافة أنحاء الجمهورية وكانت تصل الفرق إلى معلومات شبه صحيحة فيأتون إلي في السجن لاستكمال المعلومات ولكن الله ألهمنا القدرة على إذابة ما لديهم من معلومات صحيحة وتحويلها إلى شيء غير ذي قيمة.
في نهاية المطاف مل الهاربان الهروب واقتربوا من المدينة المزدحمة وتحركوا في مطاعمها ... وحاولوا رؤية ذويهم وأصدقائهم على اعتبار أن التحقيقات في القضية انتهت من شهور ... وحبب إلى محي ومحمود الراوي التوجه إلى مدينة البعوث الإسلامية لزيارة أصدقاء لهم من المنيا طلبا لإرسال السلامات إلى ذويهم بالمنيا؛
وفور توجههم إلى المدينة وقعت عليهم أعين المخبرين وجلهم من المنيا ويعرفون محي لصفاته الفريدة (الطول الفارع والنحافة المتناهية والنظارة الطبية المقعرة ..) وتنادوا في نفس واحد محي الدين عيسى ... محي عيسي ... امسك ...، وتكاثروا بالعشرات في عملية مطاردة لمحي عيسي وهو يهرول بسرعة ناحية السور للخروج قفزا وقبل السور بقليل أمسك أحدهم بملابسه وعلى الفور لم يتردد محمود الراوي في التقاط قطعة من الحديد في الموقع وعاجل المخبر بضربة قاتلة على رأسه وسقط المخبر مغشيا عليه وتراجع المطاردون من هول المفاجأة وقفز محي ومحمود عدوا فوق السور ودخلوا بين مقابر الإمام وسكنوا أحد المقابر ...
أدركت الأجهزة الأمنية ما يحدث واجتمعت كافة فرق البحث في أقل من عشر دقائق ومعهم الصور المطبوعة ومواصفات الهاربين وطوقت المقابر قوات الأمن بالآلاف في حلقة محكمة وراح الباحثون يضيقون الحلقة شيئا فشيئا حتى لم يعد أمامهم سوى المقبرة الأخيرة ... توجهت إليها كافة الأسلحة وعلا صوت الميكرفون " ... ارم سلاحك ... ارفع إيدك ... سلم نفسك ..." أمامك دقيقتين ...
قبل مرور دقيقة واحدة خرج محي ومحمود رافعين أذرهم إلى السماء وتم القبض والكلبشة والربط مع الجنود وفي موكب مهيب سيق الاثنان إلى مكاتب التحقيقات وتحت التعذيب الوحشي دلا على عنوان أبو العلا ماضي وتوجهت القوات للقبض عليه وتمكنت من ذلك وتحت التعذيب الوحشي اعترفوا على المهندس محمد شرف وتم القبض عليه ووجهت المباحث له سؤالا واحدا .. من أوصل هؤلاء إليك؟
فقال: السيد عبد الستار المليجي .. وهنا اتحلت العقدة وتم الإفراج عنه بعد يومين وأحيلا الأخوة الثلاثة إلى سجن طرة وفي الصباح طالعت الخبر في الجريدة اليومية وبعد يوم واحد تم الإفراج عني ونظرا لكونهم بريئان من عملية الاعتقال فقد أفرج عنهم بعد شهور قليلة وأصبحت تلك الأحداث جزءا من التاريخ.

في سجون 1981:

بعدما تأكدت من سلامة خطة إخفاء الأخوين محي وأبو العلا بحيث لا يمكن تتبعهم عدت قافلا إلى القاهرة، ونظرا لتوقع وجود كمين في بيتي لمكتبي بإدارة مصانع الشريف بشارع أبو سمبل بمصر الجديدة لأستطلع الأمر ممن لم يغادروا القاهرة؛
وكنا في عطلة عيد الأضحى والوقت قبيل العشاء والمكان كله مظلم تقريبا، تحسست الموقع ولم أر ما يفلت الأنظار فتسللت إلى باب الإدارة في الطابق الثاني، وفور دخولي تابعني شخص غريب ودخل ورائي وعليه علامات التوتر، تفحصته بدقة ولمحت مسدسه في خصره وأدركت أنه كمين، سألني متماسكا: حضرتك المهندس محي عيسي؛
فقلت: لا أنا سيد عبد الستار، تركني وخرج وتذكرت وقتها أن محي عمل مهندسا بمصانع الشريف لمدة شهرين وطبيعي أن يتوقع هروبه هنا وعلى ذلك تشابهت هيئتي معه ولو من حيث الطول والرفع، وبعد حوالي دقيقتين عاد وطلب مني في لطف تحقيق الشخصية، وما أن رأى بطاقتي مدون بها في خانة العمل (معيد بكلية العلوم، جامعة المنيا) حتى عاد ينظر إلى بعد أن وضع البطاقة في جيبه وقال لازم نفحص حضرتك في القسم.
وفي قسم مصر الجديدة بميدان الجامع أحضروا ضابط أمن الدولة (كان اسمه عادل وعيناه خضراوان)، وما أن رآني حتى ظهرت عليه ابتسامة صفراء وهو يقول (الحمد على السلامة يا سي السيد) وفورا صدر قرار باعتقالي، في القسم مكثت خمسة أيام، وتقلب على أكثر من خمسة مخبرين في هيئات متنوعة وكلهم يحاول بأساليب متنوعة معرفة معلومات عن الهاربين؛
وكلما أخبرت أحدهم بأنه مخبر مكشوف يطلب الذهاب للحمام ثم لا يعود ويأتي آخر بأسلوب جديد، وفي نهاية المطاف كان الترحيل إلى أبو زعبل، وهناك سكنت عنبر 4 ووجدت به من سبقني من أبناء القاهرة والقليوبية وبدا العنبر كرنفالا للجماعات الإسلامية من كل لون، أكثر من عشر جماعات حتى كان منها ما يسمى نفسه جماعة الخشبتين الخلة والسواك؛
وممن سبقني للعنبر من الإخوان الأخ مختار نوح المحامي المصر على إقامة درس الثلاثاء الإخواني والشيخ عبد الهادي من أسوان ومجموعة فرماوية مثيرة للضحك في كل ما تأتي من أعمال وطبيب بيطري يدعى أحمد شبه مجنون ويدعي أن كل شيء في حياتنا ملوث بالخنازير؛
والعدد الإجمالي في العنبر الذي سعته عشرون يبلغ 72 معتقل وحمام واحد والطابور على الحمام مستمر بالحجز 24 ساعة، استقبلوني مرحبين مهللين مكبرين ولم يكن معي شيء تقريبا لأنني معتقل من الطريق وكنت ما زلت ببدلتي كاملة وبالكرافتة، صحيح كانت متسخة من النوم في الحجز ولكنها بقيت بدلة كاملة وآخر تمام.
بعد أسبوع خضنا ملحمة الحلاقة زيرو ونقلنا إلى العنبر السياسي من أجل إجرائها ثم عدنا إلى عنبر أربعة ويوم السادس والعشرين من أكتوبر جاءت النداهة المسائية، ونادت بالميكروفون (السيد عبد الستار المليجي ... لم هدومك واستعد للترحيل)
كان هذا يعني الذهاب إلى ساحة الموت بسجن التحقيقات بملحق طره، وبسرعة البرق لبست شرابي المبلول وحزائي ووضعت الكرافتة في جيبي وتسمرت على الباب الحديدي بلا وعي تقريبا، إنها لحظات الإقبال على الموت وهو الأمر الذي ينبغي خوضه بشجاعة وحزم.
ولم تمر دقيقة حتى رأيت خلفي كل العنبر مصطفا وراء الشيخ عبد الهادي يصلون من أجلي صلاة الحاجة، وبينما كان صوت دعائهم يرج الأرض والسماء جاء حاملي الكلبشات وقيدوني في أحدهم وأسرعوا بي إلى سيارة شرطة وفي المقعد الخلفي ربطوا معي صول آخر وجلس بجوار السائق ضابط مسلح بالرشاش؛
وفور خروجي للشارع سارت أمامي سيارة لا يكف ميكروفونها من تحذير المواطنين (على الجميع أن يركن يمين الطريق) وخلفي سيارة حراسة بها ست جنود مشهرين الرشاشات.
كانت زفة عظيمة مهيبة تشعرك أنه لا مناص من الإعدام مهما طالت التحقيقات، وفي الطريق من أبو زعبل إلى طره تذكرت كل الماضي وذكريات الطفولة ونضالات العشر سنين الفائتة واسترحت نفسيا لكل ما أديت وحمدت الله كثيرا وقلت في نفسي ليكن ما يكون فقد فعلت كل ما آمنت أنه يجب على فعله.
على أبواب سجن الاستقبال الرهيب عصبوا عيني بعصابة سوداء ثقيلة، وتقدم نحوي من راح يتأكد أنني لم أعد أر شيئا، مرت لحظات ثم سحبني جندي إلى داخل السجن الذي انفتحت بوابته بصوت مسموع، لم أتلق علقة الاستقبال المعتادة وسألت أول مسجون فأخبرني قائلا (النهار ده بس أوقفوا التعذيب لأن كمال السنانيري مات ... الله يرحمه ..)
استمرت التحقيقات ثلاثة أشهر ونصف حول قضية الاغتيال، وقضية تهريب الأخوين محي وأبو العلا وتأكدوا من أطراف أخرى أنهم كانوا بحوزتي حتى يوم اعتقالي، وانتهوا لقرار (سوف تبقى مكانهم حتى تدل عليهم) وبعد ثلاثة أشهر وأيام أعادوني إلى أبو زعبل، ويوم عودتي أحسست أنني دخلت الجنة بالفعل وكانت لحظة زوال الغمامة السوداء من على عيوني ورؤية النور والبشر في أبو زعبل ميلاد جديد.

براءتي من قضية الاغتيال:

أسفرت التحقيقات مع حوالي 800 من المهتمين بمعاونة مجموعة الاغتيال عن اتهام 302 منهم وتبرئة الباقين وكنت من بين الذين برأتهم التحقيقات بالسجون بينما نقل الباقين إلى نيابة أمن الدولة وبدأت محاكمتهم فور الحكم على مجموعة العشرين التي باشرت عملية اغتيال الرئيس.
لقاء جابر رزق كان أول من لقيني بسجن أبو زعبل فور عودتي من التحقيقات أخي جابر رزق (رحمة الله عليه) ما زلت أذكر محياه وهو يتسلق باب الزنزانة ليكلمني من فتحته الصغيرة ويقول (الحمد لله على سلامتك يا أخ سيد)
ولأنني عدت شبه عاري تقريبا من سجن الاستقبال فقد لاحظت عليه التأثر الشديد لما أنا عليه، وانسحب سريعا ليعود بعد دقائق ويناديني ويمد يده لي بغيار داخلي وجلباب بلدي شبه جديد وهو يقول جلابية أخوك لاشين إن شاء الله تيجي مقاسك؛
وبالفعل تحولت صورتي في دقائق من شحات إلى عمدة، دعوت له بالخير وما زلت حتى اليوم أترحم عليه كثيرا، وفي أول فسحة سارع إلي وجلس معي لأروي له كل ما وقع في سجن الاستقبال من تحقيقات وطمأنته أن التحقيقات لم تتناول أي شيء يتعلق بدوري في الإخوان.في التنظيم الأصيل للتلمساني والتعرف على عبد المنعم لأول مرة.
لم يمض على خروجي من السجن بضعة أيام حتى اتصل بي أخي جابر رزق واستضافني في بيته بشبرا، وأبلغني رسالة مؤداها أن الحاج مصطفي مشهور يسلم عليك ويقول لك اجمع من تعرفهم من قسم الطلبة وابدءوا العمل برئاسة أخيك عبد المنعم أبو الفتوح؛
وقلت: أنا لا أعرف عبد المنعم ولم يكن معنا في القسم فقال (الخميس القادم نصوم ونفطر سوى وأعرفك عليه)، وبالفعل تم ذلك وتعرفت على عبد المنعم أبو الفتوح وخلال شهر تقريبا وفي ظروف أمنية بالغة الشدة تكونت أول لجنة مركزية للاتصال والمتابعة بعد أحداث المنصة تحت قيادة الأستاذ عمر التلمساني والدكتور أحمد الملط والأستاذ جابر رزق
وشكلت اللجنة من (م. محمد سليم، د. محمد حبيب، د. ممدوح الديري، د. السيد عبد الستار، د. عبد المنعم أبو الفتوح، د. أنور شحاتة، وانضم إليها آخرون تباعا)، وكان لهذه اللجنة مهمتان، الأولى الاتصال بالمحافظات والثانية إعادة تكوين قسم الطلاب كأول أقسام الجماعة.
وتمت المهمتان بنجاح وبدت جماعة الإخوان لأول مرة منذ أحداث 1954 تعمل بانتظام وتوافق واضحين، ودعي إلى قسم الطلاب المركزي كل من د. حلمي الجزار والمهندس أبو العلا ماضي، وهنا ملاحظة هامة جدا:

التنظيم السري في الخارج:

تبين لي أن ما قمت به لم يكن بموافقة الحاج مصطفى وبدى ذلك فور عودته بعد ست سنوات من الهروب في الخارج حيث قابلني بفتور شديد ولم يفتح معي موضوع تنظيمه الجديد الذي شكله في الخارج من المبعوثين والمعارين في السعودية واليمن والخليج والكويت، من جانبي لم أشعر لحظة أنني أخطأت في شيء فالعهد الذي بيني وبني الحاج مصطفي مشهور كان على أساس أن التلمساني هو المرشد وهو ينوب عنه في البيعة لا أكثر؛
ولم أكن على علم بخلافات الإخوان القديمة، لقد طالعت مؤخرا هذا التاريخ بهدف التعرف على جذور المشكلة المزمنة وواضح أن عمر التلمساني كان طيلة عمره كما عرفناه عفا متعاليا على الصغائر مؤمنا بوحدة الصف ووحدة القيادة وضد التنظيمات السرية، بينما الحاج مصطفى كان يؤمن بجدوى العمل السري في تحقيق أهداف الدعوة وإيمانا منه بعقيدة إسلامية التنظيم وجاهلية ما عداه.

الإخوان والجامعات (قسم الطلاب):

بحمد الله وتوفيقه بلغ قسم الطلاب ذروة لم يصلها من قبل، وبلغت جماعة الإخوان درجة راقية من الثبات والنمو والتأثير، وأسسنا أول مركز دراسات متخصص في مجال رفع كفاءة الإخوان في شتى ما يحتاجونه من دورات وأسميته (المركز العلمي للبحوث والدراسات، معبد)؛
وكانت النتيجة رغم التضييقات الأمنية فوز طلبتنا بكافة مقاعد الاتحادات الطلابية تقريبا، وفوز أساتذتنا بكافة مقاعد مجالس إدارة نوادي هيئة التدريس عدا جامعة واحدة ألغيت فيها الانتخابات، (طالع كتاب تاريخ الحركة الإسلامية في ساحة التعليم "مكتبة وهبة" لتعرف كافة التفاصيل ولاحظ الصور المرفقة لأول اجتماع تنظيمي للإخوان تحت إدارة التلمساني وقبل هبوط التنظيم الخاص السري بالصراعات والفشل) هداهم الله.

صراع التنظيم السري مع تنظيم التلمساني ومظاهره:

لم يكد عام 1985 ينصرم حتى بدأت إرهاصات القلق على أعصاب التنظيم السري، وبدأت طلائعهم تتقاطر على مصر بغير مبررات معقولة لعودة المعارين، ولوحظ أنهم يأتون ويرفضون الاندماج فيما هو قائم، وبدءوا حملة من الشائعات حول إخوانهم الباقين هنا في رحاب الوطن؛
فنشروا مقولة (الحي أبقى من الميت) وكانت تعني أن العمل بالأحياء (التنظيم السري) يفضل على العمل بالنقابات والجامعات والمؤسسات العلنية، وبدأنا نشكو من شح الأفراد وقلة المعاونين في هذه المؤسسات، واقترح اعتبار الجامعة حي له إدارة مستقلة وبدأ العمل بالفعل بهذا المقترح، ثم ألغي المقترح وعدنا للمتاهة الأولى، كان الهدف هو إضعاف نقاط التميز لتنظيم التلمساني وتقوية العمل السري تحت قيادة جديدة وافدة، والترتيب لانتخابات مخططة تعطي للمبعوثين والمتسعودين والخلايجة المجندين للتنظيم السري مشروعية تنظيمية في القيادة.
في الحي الذي أعيش فيه (شرق القاهرة) نزل من السعودية أحد الإخوان الشراقوة ويدعى محمد العريشي، وتعرفت عليه أول مرة في منزل محمود غزلان بالمعادي بواسطة ممدوح الديري، وبعد سنة تقريبا أدمجوه في تنظيم الحي، وهو الذي تسبب في مشكلة الأزهر وظل ينفخ في نارها حتى انتهت بانفصال خيرة شباب الإخوان بجامعة الأزهر؛
ومن يومها والإخوان بدت كالأم التي تأكل أولادها، وهبط علينا من الكويت المهندس أشرف عبد السميع، وكان صريحا في كونه جاء على تنظيم مواز، فعندما دعوته للانضمام إلى أسرتنا لأننا كنا نسكن في بيت واحد صرح لي قائلا (أنا جاي من الكويت لأعمل مع الأستاذ العريشي) والعجيب أنه انتقل إلى الدقي فور انتهاء أول انتخابات وكأنه أدى المهمة وانصرف إلى غيرها كما أنه كان ضمن المعتقلين في العملية سلسبيل لقلب نظام الحكم في الإخوان.
وكان مما كشف وجود التنظيم السري وبدأ محاولاته الانقلابية الموقف التالي الذي لا أنساه للمهندس (أشرف عبد السميع): فقد دعاني لزيارته في بيته، ولما دخلت وجدت عنده اجتماعا به قرابة العشرين من الإخوان الذين أعرف معظمهم، وجلست حيث انتهى المجلس وكانت جلستي قدرا في قبالة الداخل إلى الصالة ولا بد للداخل أن يراني، فإذا به يطلب مني بغضب واضح الانتقال إلى زاوية في مكان لا يراه أحد ولأنني في بيته فلم يكن بمقدوري أن أخالفه؛
وبعد دقائق اتضح السبب، فقد وزع علينا أقلام رصاص وقصاصات ورق أبيض قائلا مطلوب منا أن نختار عدد كذا ليكونوا مجلس الشعبة (يعني هناك انتخابات بدأت دون علمي بالحي وأنا المتواجد قبل الداعي لها بخمسة عشرة سنة في الموقع يعني الجهاز السري اشتغل من ورانا ورتب الانتخابات كما يريد)
واتضح أنه تعمد إخفائي في هذه الزاوية حتى لا يراني الناخبون ولا يختارني أحد، ولكن كانت النتيجة على عكس ما أراد، قد يرى البعض أن هذا لعب عيال صغيرة، وأنا مع هذا البعض ولكنني أوضح بهذا المثل حجم شحنة الكراهية التي شحنوهم بها في الخارج ليفرغوها نارا حامية في قلوب الإخوان هنا
وفي نفس الحي ظهر الأخ (محمد مهدي عاكف) عام 1987 ومارس دورا خطيرا يتعلق بتصفية قسم الطلاب سوف أشرحه بعد قليل، وفي أمسية كنا فيها عند الأستاذ مختار نوح مدعويين على إفطار الخميس للتشاور حول انتخابات نقابة المحامين دخل علينا رجل لا نعرفه بصحبة عبد المنعم أبو الفتوح وعرف نفسه قائلا (أخوكم مسعود السبحي)
ولما لم يكن هناك سبب لوجوده فقد اعتبرته عنصرا جديدا من عناصر السريين، كانت طريقتهم دائما على هذا النحو، يأتي أحدهم فيندس وسطنا بصفته أخ جديد قادم من هنا أو هناك لا ليتعاون معنا ولكن ليشارك في محاصرتنا، ثم تقاطر العائدون واحدا تلو الآخر وكلهم بنفس الروح ونفس الجمود العاطفي والتخشب الإنساني، وكم كنت أستغرب المواقف قبل أن تكتمل عندي الصورة وتظهر معالمها الدميمة.
وفي غضون هذه الأيام كذلك هبط علينا مبعوث جديد يدعى (محمود حسين)، وكانت الرسالة أنه عائد إلى كلية هندسة أسيوط، وكلفنا أنا والأخ أبو العلا ماضي أن نستقبله في مطار القاهرة ونقوم بخدمته، وفي المطار تعرف عليه أبو العلا وعرفني به ولكن الغريب كان برود عاطفته نحونا مع أنها أول مرة نلتقي به؛
لقد كان لوحا ثلجيا يمشي بيننا على قدمين، قلت في نفسي يبدو أن هناك مصنع في أوروبا ينتج لمصر إخوان بلاستيك، وبمرور الأيام اتضح أنه من التنظيم السري الموازي وما شاء الله عليه، بسرعة الصاروخ ضرب الكل في أسيوط، ثم تعين في 2006 عضوا بمكتب الإرشاد بدون انتخابات (رجل مزكى على الشريعة السرية)، أنا أعرف من الإخوان الأفاضل بأسيوط العدد الوفير، ولكن لحكمة يعلمها الله لا يرقى أحدهم إلى مرتبة المعلبين في الخارج؟!

العملية ... سلسبيل .. لقلب نظام الحكم في الإخوان وتوابعها:

أنشأ التنظيم الجديد شركة (سلسبيل) صورة طبق الأصل من (المركز العلمي للبحوث والدراسات، معبد) من حيث الشكل والأدوار، (كاد المريب يقول خذوني فأنا تنظيم موازي).
فقد تأسس المركز العلمي للبحوث والدراسات (معبد) عام 1983 ليكون مساعدا للباحثين والدارسين بالجامعات المصرية على إتمام بحوثهم بمدهم بالمراجع والكيماويات والأجهزة، وشكله القانوني شركة توصية بسيطة، ونظرا لكوني مسئولا في هذا الوقت عن متابعة عمل الإخوان بين أعضاء هيئة التدريس؛
فقد كان مناسبا بحكم طبيعته أن يقوم بدور الاتصال والمتابعة بجميع الجامعات المصرية، وشكلت به لجنتان واحدة للخبراء والثانية للمستشارين، وشكلت اللجنتان بطريقة طبيعية وشفافة بمراسلة كافة عمداء الكليات المصرية، ومن ضمن الخبراء والمستشارين بالطبع الإخوان المتواجدين بالجامعات، ولذلك كان اجتماعهم بالمركز ونشاطهم من خلاله قانونيا ومنطقيا، وحتى يسهل الاتصال بالطلاب كنا نقيم باسم المركز كل عام مصيفا لتعليم لغة الكمبيوتر ودورات تصفية للتنمية البشرية المتكاملة، وقد أفادنا كثيرا في هذا المجال.
فور اكتمال طلائع الغزو المعد في أوروبا والسعودية والكويت واليمن تشكل منهم تنظيم مصغر تحت لافتة (شركة سلسبيل)، بمجلس إدارة مكون من: أحمد عبد المجيد بصفته (مالك الشركة الأم في لندن)، خيرت الشاطر (رئيس مجلس الإدارة)، حسن مالك (عضو)، محمد إبراهيم (عضو)، طاهر عبد المنعم (عضو)، عدد من الإخوان المراسلين بكل محافظة كما تأسس فرع لشركة سلسبيل بالمنيا تحت قيادة د. محمد سعد الكتاتني ود. كمال الفولي ليكون المسئول عن تسويق التنظيم السري في الصعيد؛
وبدا التنظيم يجمع معلومات تفصيلية حول جميع الإخوان ويسجلها في كروت باسم كل عضو، وجمعت المعلومات في شركة سلسبيل دون أي علم من الأستاذ عمر التلمساني أو العاملين معه؛
وبدأت هذه المنظمة الجديدة تصنف الإخوان دينيا تبعا لمواصفاتها الخاصة، وفور قدوم الحاج مصطفي مشهور فقد اعتمد على جهل الإخوان بالصراعات التاريخية الداخلية (بين إخوان الفضاء العام وإخوان الفضاء الخاص) أو بين النظام الخاص السري ومكتب الإرشاد وأعاد ترتيب الإخوان بالشكل الذي يتوافق مع اجتهاداته الشخصية، وطموحاته التنظيمية وتجنب التعامل معي وكافة الإخوان الذين يعملون مع الأستاذ عمر بوصفه المرشد الحقيقي للإخوان؛
حيث ارتكزت نظرية عمل الحاج مصطفي مشهور على اعتبار نفسه المرشد الحقيقي والأستاذ عمر التلمساني مجرد صورة مرشد (أو مرشد صورة) وهو نمط التفكير المسيطر على كل مجموعة التنظيم الخاص السري من السبعينيات، وعقيدتي أن هذا اجتهاد له عليه أجر واحد؛
ومن المعلوم تاريخيا أن تجربة العمل بهذه الطريقة جرت على الإخوان متاعب كثيرة وتسبب تاريخيا في قتل المرشد الأول حسن البنا بعدما غافلوه وقتلوا رئيس الوزراء النقراشي بغير إذنه وباجتهادهم الخاطئ، وهي نفسها طريقة التفكير التي عرقلت عمل المرشد الثاني حسن الهضيبي، وها هي اليوم تشق صف الإخوان، وتثير الشكوك والريبة فيما بينهم وتنتهي بهم إلى التنازع والفشل والحياة على رصيف الوطن.
ولكن كيف كانت نهاية المتورطين في العملية سلسبيل لقلب نظام الحكم في الإخوان؟ كان جهاز أمن الدولة وراءهم خطوة بخطوة وتركهم يعملون بدأب واجتهاد في جمع المعلومات الذي عجز هو عن جمعها عن الإخوان، ولما اكتملت عمليتهم ونضجت الثمرة وحان وقت قطافها تقدم ضباط أمن الدولة بقيادة العقيد محمد قمصان وقبضوا على المعلومات مرة واحدة بضربة واحدة في ساعة واحدة، وكانت قضية سلسبيل الشهيرة والتي لم تقدم لمحكمة رغم خطورتها لأن أجهزة الأمن اعتبرت مجلس إدارة سلسبيل أبطال أمنيون أدوا للمباحث خدمة جليلة.
وهكذا سلم الإخوان الكرام الأفاضل أعضاء النظام الخاص السري لمباحث أمن الدولة أهم وأخطر معلومات عن الإخوان بشكلهم الجديد، وهم جميعا شركاء عرفا وقانونا في المسئولية عن هذا الاختراق الأمني في الوقت الذي يدعون أنهم أحرص على الدعوة من غيرهم!!
والسؤال المطروح هو: هل تم التحقيق معهم من قبل أي جهة إخوانية؟ وما نتائج التحقيق؟ وما هي الدروس المستفادة؟ وأعجب من ذاك أن مجموعة سلسبيل مضت في مخططها فور خروجها من الحبس الاحتياطي وكأن شيئا لم يكن؟!

الإبعاد إلى النقابات وما ترتب عليه:

في الوقت الذي كان التنظيم السري يرتب الأمور لنفسه بطريقة متسرعة في الأحياء والمدن، كانت هناك خطوات تتخذ لوقف نشاط الأقسام الناجحة في الجماعة بحجة أنها تقدم للمجتمع قيادات غير راضية عن تصرفات النظام الخاص، وكان أقوى هذه الأقسام قسم الطلاب، فلقد نجح القسم في العمل من خلال الاتحادات الرسمية في كافة الجامعات بغير استثناء حتى الجامعة الأمريكية استطاع الأخ عصام سلطان (المحامي)، أن يكون فيها مجموعة عمل جيدة.
وعلى مستوى نوادي هيئة التدريس فقد صارت كل مجالسها من الإخوان تقريبا، كما كان قسم الطلاب هو المصدر الرئيسي للإخوان الجدد بغير منازع، وأدخل هذا القسم منذ عام 1982 وحتى سلبته مجموعة الخاص عام 1988 آلاف من الشباب في جماعة الإخوان.

انقلاب مهدي عاكف في قسم الطلبة:

كان من الطبيعي أن يكون العاملون في قسم الطلاب ولكن حدث العكس، ففي اجتماع عقد في بيتي بمدينة نصر حضر (محمد مهدي عاكف) برفقة (عبد المنعم أبو الفتوح) وأخبرنا أنه سيتولى رئاسة القسم بقرار من مكتب الإرشاد، وما لم تكن هناك كالعادة أسباب مقنعة، فقد استخدموا سياسة الركل إلى أعلى.
واستطرد (محمد مهدي عاكف)، سيكون عبد المنعم مسئولا عن قسم النقابات المهنية.وكالعادة لم يترك فرصة للنقاش وانصرف بحجة أنه مسافر، ولفنا غم وهم كبيرين، كنا نحس من خلال مواقف كثيرة أن شيئا ما يدبر بليل ولكننا أمرنا بإحسان الظن.
ولم يطل الانتظار ففي الاجتماع التالي وكان في بيتي كذلك قال (محمد مهدي عاكف) بصفته رئيس القسم:
(أنا عارف أنكم عاملين رديف لكل واحد فيكم يا ريت يحضروا معاكم الاجتماع القادم)، وحضر معنا الرديف في الاجتماع الثالث، وفي الاجتماع الرابع وجدتني وحدي مع الرديف من القسم وهو يقول (رئيس القسم مكاني سيكون د. رشاد البيومي وسيدعوكم للاجتماع به قريبا)؛
بذلك قطعت رأس قسم الطلاب وفصلت عن جسده وصاروا به في توجهات جديدة ظهر آخرها في استعراض الأزهر المشهور وفي الملصق الذي غطى حوائط الجامعات وسبب المتاعب للطلبة وللجامعة وإدارتها ومنطوقة (طلاب الإخوان المسلمين)، وانتهى القسم إلى خارج الاتحادات وانتقل عمله إلى كشك على رصيف الجامعة أطلقوا عليه (الاتحاد الموازي) ..

قسم الطلبة في قبضة النظام الخاص:

ومن الجدير بالذكر توضيح ماذا حدث معي شخصيا بوصفي الوحيد الذي تركوه بعض الوقت من قيادة قسم الطلاب الأساسية، طلب مني الحاج مصطفي مشهور وبحكم المعرفة القديمة والراسخة بيننا أن أستمر في قسم الطلبة مسئولا عن أعضاء هيئة التدريس ولكن تحت رئاسة (محمود عزت)
وقلت له: يا عم الحاج تكفي رئاسة (رشاد البيومي)، ولماذا رئاسة أخرى وسيطة، فقال (اعتبره الأصل وأنت مساعده) فقلت منفعلا المفروض يا عم الحاج أن يكون لي مساعد إن أردتم ذلك لأنني أعمل في هذه المهمة لأكثر من خمس سنين، ثم إنني بصراحة لم أعد أثق في محمود عزت منذ أن تركني وحدي وسافر والمحنة على أشدها عقب أحداث المنصة، تغير وجه الحاج مصطفى وأحسست أنه أخذ الكلام على نفسه وقال:عموما فكر في الموضوع وأنت حر.
كان هذا آخر عهدي بقسم الطلاب وبالرغم من عدم صدور قرار واضح في اللقاء فلم أدع لحضور الاجتماعات من رئيس القسم الجديد حتى اليوم ومنذ عام 1989، وخلال أعوام أربعة بعد ذلك تركت مفتاح مكتبي (المركز العلمي للبحوث والدراسات) بمدينة نصر للأخ الدكتور (محمود أبو زيد) بطب القصر العيني وكثيرا ما كان يعقد اجتماعات متعلقة بقسم الطلاب في مكتبي وأنا أسكن فوقه مباشرة دون دعوتي للاجتماع، ومع ذلك فقد كنت أستريح كثيرا لموقفي هذا، كما أن ثقتي في محمود أبو زيد لم تتغير حتى اليوم.
خلال عام 1988 بدأت أتردد على نقابة المهن العلمية وأدرس القوانين المنظمة لها وأجمع المعلومات حول مجلسها وتاريخها، والحمد لله كان تاريخها مشرفا ومشجعا للعمل ضمن مجلسها مهما بدى عليه من ضعف في الأداء، وسريعا أبلغني عبد المنعم بوصفه رئيس قسم المهن بأن أنتقل إلى قسم المهن لأتحمل المسؤولية عن العلميين ونقابتهم وكان، واستمر العمل بنقابة العلميين حتى كانت قضية محاكمة المهنيين العسكرية عام 1995، وهي المحاكمات التي استغلها التنظيم السري لينقض على موقعي بالنقابة ويسلمه لأحد المتعاونين معه ويدعى أحمد حشاد ويعمل باحثا بهيئة المواد النووية.

الإخوان والنقابات:

تكفي هنا الإشارة إلى أن جميع قيادات قسم الطلاب تم إبعادهم إلى قسم المهن والنقابات بالإخوان ووجدنا أنفسنا نحن الفريق المتكامل مرة ثانية في قسم واحد جديد (عبد المنعم أبو الفتوح، السيد عبد الستار، أنور شحاتة، أبو العلا ماضي، محمد عبد اللطيف، صلاح عبد الكريم، حسام حسين)

وممثل لكل مهنة على النحو التالي: "حسب ذاكرتي"

الزراعيين: د. توفيق مسلم (المعلمين: أ. علي لبيب، الأطباء عبد المنعم أبو الفتوح، العلميين: السيد عبد الستار، الصيادلة تغيروا كثيرا، أطباء أسنان: تغيروا كثيرا، المحامين: مختار نوح، الصحفيين: محمد عبد القدوس، الإعلاميين: بدر محمد بدر، المهندسين: محمد علي بشر) وأصبحنا الفريق الذي أوكل إليه أخونة النقابات المهنية.

لم يكن ذلك تكريما من التنظيم السري المتربص بإخوانه والمصر على أن يقبض على مقاليد كل شيء ولكن فلسفتهم كانت تقوم على اعتبار قسم الطلاب من أهم الأقسام التي تشكل شخصية الفرد في المستقبل؛
وأن بقاءنا في قسم الطلاب معناه استمرار إدخال عناصر جديدة تفهم وتعمل على طريقة الإخوان المسلمين وليس على نمط السريين، ومن هنا وجب إبعادنا ثم دفننا في النقابات المهنية بوصفها بيئة شاقة أو أشغال شاقة، وكذلك فإن عادتهم القديمة هي الافتئات والسطو على مجهودات الآخرين وسلب ما تم تعميره وتشجيره من الأرض ودفع غيرهم إلى أرض صحراوية أخرى ولكن خاب ظنهم وطاش سهمهم وندموا كثيرا على ما فعلوا؛
ففي غضون عامين أصبحت النقابات المهنية أعلى صوت إخواني في مصر، وسمعت الدنيا كلها بالنقابات المهنية في مصر واستطاع فريق المبعدين أن يحقق بفضل الله تقدما ملموسا في حركة النقابات المهنية على كافة الأصعدة، وارتج لما حدث نظام الحكم فأصدر القانون 100/ لسنة 93 ليوقف زحفنا وما استطاع فكانت قضية النقابات المهنية عام 1995 وساقونا للمحاكمات العسكرية مع آخرين، وبذلك تراجع النشاط في النقابات المهنية؛
كما أن أعضاء النظام الخاص وجدوها فرصة ونحن وراء القضبان فأكملوا عمل النظام وملأوا مواقعنا بعناصرهم بعدما زودوهم بأسلحة فتاكة من الكراهية لأشخاصنا حتى يكونوا لنا بالمرصاد عند انقضاء فترة حبسنا.

أول انتخابات داخلية والترتيب لها ونهايتها:

ظل هذا الفريق السري من الإخوان يشعر أنه غريب في أوساط الجيل الإخواني الجديد وأن القيادة الطبيعية للجيل جلها ممن قادوا العمل الطلابي في السبعينات، وعلى الرغم من طيبة قلوب هذا الجيل وخلوه من ضغائن الماضي وطهارته من أدران الصراعات الداخلية القديمة
فلم يرق لفريق النظام الخاص أن يلتزم بخط الإخوان الجديد المعلن وهو توريث الدعوة بنقائها وطهارتها والإبقاء على جيل الصحوة في المقدمة وإحسان توجيهه وإبعاده عن الشقاق والنفاق وسوء العلاقات التنظيمية التي لوثت سمعة الإخوان في الأربعينيات الخمسينيات الستينيات، وبدأ هذا الفريق يستغل توجهات الجيل في تولي المسئوليات بالانتخابات فقرر أن تكون الانتخابات هي الوسيلة التي تحقق لهم مشروعية التحكم في الإخوان فماذا حدث؟
في سرية تامة وخلال ثلاث سنوات وهم يغيرون في البنية التصويتية بالقاهرة وغيرها ويغيرون الدوائر الجغرافية وينقلون الحدود من مكان إلى مكان وينقلون أفرادهم من محافظة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى وبأي سبب، وفجأة بدءوا العملية الانتخابية على النحو التالي:

يأتيك واحد من إخوان الحي وبيده ورقة استدعاء (نفس طريقة المباحث) مكتوب على الورقة (اجتماع الشعبة الليلة في منزل فلان والساعة كذا) ويعرض عليك الورقة على الباب ثم يضعها في جيبه ويفر هاربا دونما أن يعطيك فرصة للسؤال عن أي شيء ولا حتى سبب الاجتماع؛

في المكان تدخل فتجد معجنة بشرية يتصاعد منها لهيب حرارة الأنفاس، ستون شخصا في مساحة مخصصة لخمسة أو عشرة، المنظر كأننا معتقلين في سجن مهين، خليط لا تعرف معظمه ولا من أين أتوا وبعد دقائق يوزع على الحاضرين ورقة وقلم رصاص مبري؛
ويقول أحد الحاضرين مطلوب اختيار عدد كذا لمجلس الشوري وعدد كذا لمجلس المنطقة وأمامك دقيقة واحدة وتسلم الورقة، وقبل أن تمر دقيقته يبدأ الأستاذ في جمع الأوراق ويأخذ معه فردين آخرين وينتحيان إلى غرفة جانبية وبعد دقائق يخرجون علينا ويقولون النتيجة، انتهى الاجتماع متشكرين عظم الله أجركم، فيحمل كل واحد بلغته تحت إبطه مخافة إحداث صوت على السلم ويعود من حيث أتى.
وهناك تسأله زوجته: مالك يا راجل مسهم كده كان مصيبة وقعت على راسك؟ وهو يشير لها صه صه هذا أمر قالوا لنا في شأنه ولا تحدث به نفسك بعد اليوم.

مصطفي مشهور يسقط في انتخابات مجلس الشوري:

وهكذا تمت أول انتخابات إخوانية منذ عام 1948 فماذا كانت النتائج، كانت مصيبة على رأس السريين، فقد أسفرت عن مجلس شورى غالبيته من جيل السبعينات، وكان من نتائجها الفجة الكريهة أنا الحاج مصطفي مشهور نفسه الذي أشرف على إعداد الأمور كلها رسب في انتخابات القاعدة في شعبته، وأجريت محاكمة للمتهم بتدبير ذلك، ولا أعرف كيف سويت المسألة بالضبط لكن الذي أتيقن منه أنها أثرت بعمق في نفس الحاج مصطفي مشهور وزادت من حدته وتخوفاته.

انتخابات أول وآخر إرشاد:

بنفس طريقة الانتخابات السابقة جرت انتخابات مكتب الإرشاد فقد دعينا عدة مرات وألغي الموعد ثم دعينا واجتمعنا بالمقر الرئيسي في 1 شارع التوفيقية صباح الخميس 17 يناير 1995، وهناك توالت المفاجآت، مجلس الشوري المكون من 85 عضوا أضيف عليه بالتعيين 30 عضوا، معظم الإخوان السريين في حالة توتر أو توجس، تشعر من حركتهم وتجهمهم وكأننا مقدمون على حرب أو في ساحة القتال ...
أي حاجة غير الحب في الله، كانت التعاملات والملامح والتعليقات كلها تقول:اليوم يوم الملحمة، وأجريت الانتخابات بعد كلمة طلبها عصام العريان ولمدة خمس دقائق وكان خلفي رشاد البيومي يقول بصوت مسموع لسيد نزيلي ومتهكما على عصام:(حضرته لازم يتكلم ويخطب في كل اجتماع) وانتهت الانتخابات وأعيدت على المقعد الأخير بين محمود عزت وخيرت الشاطر.
لم تكن النتائج مغايرة لتوقعاتي فعن نفسي كنت أعتبر مكتب الإرشاد بمثابة لجنة حكماء وحتى هذه الانتخابات وما قبلها لم أحاول مرة مطالعة اللائحة ولم يشغلني يوما ما فعلوه، لقد كنت من المستغرقين للنخاع في القيام بواجباتي التنظيمية وهي المقدمة على ما عداها؛
ولم يكن هناك سوى مفاجأة واحدة غير منطقية وهي فوز سكرتير الأستاذ عمر التلمساني اللواء إبراهيم شرف بمقعد في مكتب الإرشاد، حيرتني كثيرا هذه الواقعة لأنني أعرف أنه مجرد سكرتير من الإخوان، ثم كانت المفاجأة أنه ضابط جيش وأنه على رتبة عقيد.
كان بيننا اتفاقات مشددة بعدم ضم الضباط لتنظيم الإخوان لغرضين الأول مخافة الاختراق المخابراتي، والثاني لأن هذا يزيد من تخوفات الدولة فالضباط وظيفتهم الحرب وليس الدعوة، وما زلت حتى اليوم أعتبر وجود الأخ إبراهيم شرف في مكتب الإرشاد نموذجا توضيحيا لطريقة تفكير مجموعة التنظيم السري الخرقاء.
ثم ماذا بعد:
لم يجتمع مجلس الشوري من يومها ولا مرة واحدة وكأن مهمته انتهت بانتخاب مكتب الإرشاد، ومن ناحية الواقع لم يعد له أي دور في الجماعة حتى القرار الوحيد وهو ضرورة السير في الإجراءات القانونية لإشهار حزب سياسي يمثل الإخوان، اعتبره مكتب الإرشاد غير ملزم وواقعيا وبعد مضي 13 عام لم يتقدموا خطوة واحدة نحو لجنة الأحزاب، أو نحو أي صيغة أخرى لاكتساب المشروعية القانونية.
ومن وجهة نظري المتواضعة فالسبب ليس لجنة الأحزاب ولا الأوضاع الأمنية فهذه نتائج وليست أسباب ولكن السبب الرئيسي أن إخوان النظام الخاص السري لا يستطيعون العمل في ظل أي قانون، أو لائحة إنهم أمة همجية بمفهوم الدولة الحديثة يرفضون القانون أو العهد أو الدستور أو اللائحة أو العدالة ... كل هذه المعاني تمثل أعداء بالنسبة لهم.
وأعتقد أن أية أوضاع قانونية سليمة داخلية أو تشريعية سوف تنهي دورهم واسأل التاريخ عنهم تنجي لك الحقيقة، فهذا حسن البنا يسيل دمه على الإسفلت والسبب الحقيقي جرائم القتل التي ارتكبوها بغير مشورته، وهذا حسن الهضيبي محاصر في بيته ثم مخبأ في مكان غير معروف والسبب تصرفات التنظيم الخاص وهؤلاء هم الإخوان المسلمون معلقون كالذبائح في ساحات السجن الحربي والسبب إقدام التنظيم الخاص على محاولة قتل جمال عبد الناصر باعترافاتهم هم وليس الحكومة، وهذا جهد التلمساني وفريق العاملين معه في مهب الريح والسبب هم هم أعضاء النظام الخاص؛
سيقول البسطاء من الإخوان كيف تقول ذلك وكان معهم ابن البنا وابن الهضيبي، وأقول: إن هذا جزء من سياسة الخداع للإخوان فمن المعروف أن الأستاذين المحترمين سيف الإسلام حسن البنا ومأمون حسن الهضيبي لم يكونا يوما مع من عكروا حياة أبويهم ولكن سياسة (حلق حوش) التي يمارسها أرباب النظام الخاص رأت ضرورة احتجازهما رهينة لدى النظام الخاص بأي ثمن والوسيلة إغرائهم بكراسي كبيرة يتوسدونها حتى لا ينضموا لأي فريق إخواني آخر فيكتسب بهم شرعية تاريخية؛
ولكن من حيث الواقع ليس لسيف الإسلام أي دور في سياسة التنظيم وأخيرا صرح عاكف في الصحف معلقا على ما أسماه انتخابات مكتب الإرشاد التي لم يفز فيها سيف الإسلام (الإخوان مش عايزينه) وهو يطلق كلمة الإخوان خداعا ولكن الواقع يعني إخوان النظام الخاص السري، وأما المرحوم مأمون الهضيبي فقد فعلوا به ما فعلوه بأبيه وأدخلوه على تنظيم لا يعرف عنه شيء وملأوا أذنه نارا تجاه من خالفهم في الرأي، وكثيرا ما كان يصاب بالغثيان الحقيقي عندما يلتقي ببعضنا فيكتشف أننا إخوان مسلمين عاديين جدا، وقد حدث هذا معي شخصيا ولذلك تفاصيل في باب الرسائل الإصلاحية.
وأما كون هذا آخر مكتب إرشاد فلأن الحاج مصطفي مشهور فور توليه القيادة بمظاهرة (بيعة المقابر) ألغى معظم نتائج الانتخابات وانقلب عليها وجمد مجلس الشوري واتبع سياسة التعيين في المواقع التي تخلو في مكتب الإرشاد أو غيره.

قضية 1995 وما ترتب عليها:

لم يمض يوما واحدا على انتخابات مكتب الإرشاد حتى بدأت عملية اعتقال مجلس الشوري بعدما تم تسجيله صوت وصورة، جرت عملية الاعتقالات على دفعات خلال عام 1995 وكان آخر مجموعة 9 أكتوبر من نفس العام واكتمل عددنا 82 متهم وقسمتنا الداخلية على رقمين لقضيتين 9، 11/ 95 عسكرية عليا ثم أضيفت علينا قضية 13/ 95 بها متهمين اثنين واحد خارج البلاد وواحد مقبوض عليه ... جرت المحاكمات بسرعة بالغة وصدرت أحكام على 54 والباقي براءة.
بدأنا في سجن مزرعة طره حتى صدور الأحكام وبعدها بأسبوع نقلنا إلى سجن ملحق طره، ومع أن الأمر يحتاج لمؤلف خاص ولكن الذي يهمنا هو مواقف فريق التنظيم السري مع إخوانهم في السجن (بالله عليك عزيزي القارئ خبرني: نروح فين بعد السجن حتى يؤمن هؤلاء بأننا إخوانهم وشركاؤهم في جماعة الإخوان؟!)؛
بدأ محمود عزت ومحمد الصروي يكتبا تقارير سرية حول الإخوان بالسجن ويرسلاها إلى الحاج مصطفي مشهور في الخارج عن طريق الزوجات الزائرات.
عندما أراد أن ننظم السجن ونعين مسئولا بالانتخابات رفض المساجين من أعضاء مكتب الإرشاد أن يدخلوا ضمن عملية التصويت وقالوا مخالفين لائحة الجماعة (نحن أعضاء مكتب الإرشاد بره وجوه) ووصل الأمر بمحمود عزت أن يفتح خطاب شخصي مرسل من أحد الإخوان لزوجته في الخارج ليتجسس عليه ويعرف ماذا يقول لزوجته، وكان يوما أسود من قرون الخروب بين الإخوان بعضهم وبعض لأن صاحب الرسالة أخبرته زوجته أن الخطاب وصلها مفتوحا وكاد صاحب الرسالة أن يقتل من فتح الخطاب كما كاد أن يموت هو من الصدمة النفسية والتوتر والتشنج.
عندما جاء دوري بحكم نتائج الانتخابات في تسلم إدارة السجن لمدة ثلاث شهور، تكاتفوا ليفسدوا كل عمل أقوم به ليثبتوا أنني غير قادر على الإدارة، وبلغ العراك معهم مبلغا عظيما ونكدوا علينا العيشة حتى في يوم العيد، ثم كانت واقعة الخريطة التي كشفت عقائدهم الكامنة في أعماق عقولهم وقلوبهم، فقد صنعت خريطة مجسمة مصر بغرض تذكير الإخوان المساجين بوطنهم الذي حرموا من الحركة بين جنباته، وحتى لا ينسوا معالمه بطول فترة الحبس؛
فقال أحدهم (هذا صنم يجب إزالته) ومنعوا أنصارهم من مساعدتي في إتمام القاعدة الخرسانية المخصصة للخريطة، لكنني مضيت وأتممت المشروع، وكان له أثر إيجابي في نفوس أولادنا أثناء الزيارة، لم نعقد حلقة دراسية أو علمية إلا حولوها نكد في نكد أو حرضوا الإخوان على مقاطعتها، حتى حلقة علوم القرآن من كتاب الشيخ مناع قطان حاولوا إفشالها.
كان أحدهم يقول ممنوع أي شيء سوى حفظ القرآن وبطريقة (سيدنا) وادعى أنه أخبر الناس بطريقة سيدنا، وهكذا صارت الأيام معهم ثقيلة وكئيبة وجمعوا علينا هم السجن وهم الخلافات والشحناء في معظم الأيام.
وفي الشهور الستة الأخيرة أصروا ونحن مغلق علينا في سجن مساحته لا تتجاوز ألف متر مربع أن يقسموا الإخوان إلى أسر؟! وعينوا على كل أسرة نقيب (لاحظ أننا قيادات الإخوان المسجونة بحكم محكمة عسكرية) والهدف هو تشديد الرقابة على حوارات الإخوان وكتابة تقارير حول ما يتداولونه من قضايا وأفكار.

للعلم والتاريخ:

قائمة المحكوم عليهم في القضية 8 والقضية 11 – لسنة 1995 أحد عشر من القاهرة والجيزة وهم:

  1. صبيح على صبيح صاحب شركة نسيج
  2. السيد عبد الستار المليجي أستاذ بكلية العلوم الإسماعيلية
  3. حسن الجمل صاحب شركة فراشة بالمنيل
  4. عبد المنعم أبو الفتوح طبيب
  5. عصام العريان طبيب
  6. رشاد نجم وكيل وزارة التموين على المعاش
  7. محي الزايط طبيب
  8. محمد سعد عليوة طبيب
  9. محمد الصروي مهندس بشكل أبو زعبل
  10. سيد نزيلي موظف بالشئون
  11. محمود عزت أستاذ بطب الزقازيق

أحد عشر من الإسكندرية:

  1. إبراهيم الزعفراني طبيب
  2. محمد حسين موظف
  3. السيد مصطفى سمك طبيب
  4. جمال ماضي
  5. مصطفى حلمي كيميائي بشركة الدخان
  6. فهمي عامر موظف بشركة سياحة
  7. أسامة مسعد مهندس زراعي
  8. محمد شحاتة
  9. عبد العزيز زويل موظف بنقابة أطباء الإسكندرية
  10. طلعت فهمي مدرس
  11. حامد المداح أصغرنا سنا 31 سنة والوحيد العازب ويعمل موظف بمستوصف للإخوان.

من بقية المحافظات:

  1. محمد خيرت الشاطر من المنصورة ويعمل مدير شركة حاسبات
  2. عاشور غانم موظف من المنوفية
  3. أحمد محمود مهندس من السويس
  4. بشير العبد مدرس من العريش
  5. علي عز الدين ثابت أستاذ بطب أسيوط
  6. أمين سعد مدرس بالشرقية
  7. محسن القويعي مهندس زراعي بدمنهور
  8. محمد سويدان مدرس ابتدائي بدمنهور
  9. جمال بطيشة مهندس من دمنهور
  10. طلعت الشناوي مدرس بسنفا دقهلية
  11. د. علي عمران باحث بمركز البحوث الزراعية بالمنيا
  12. محمود بسيوني مهندس بطوخ قليوبية
  13. محمود الكيال موجه بالتعليم من سمالوط المنيا
  14. محسن راضي صاحب شركة دعاية وإعلام في بنها
  15. أنور شحاتة طبيب من شبين منوفية
  16. محمد فؤاد عبد المجيد طبيب من كفر الشيخ
  17. محمود حسين فلسطيني وأستاذ في هندسة أسيوط
  18. رزق عبد الرشيد مهندس من منوف
  19. عبد الخالق الشريف محاسب من بني سويف
  20. على الداي طبيب عيون من دمياط
  21. محمد فرج مهندس دواجن من بورسعيد
  22. نبيل عزام مدرس وخطاط من بورسعيد
  23. الحاج حلمي مصطفى حمود كبير الإخوان في بورسعيد وتاجر أقمشة
  24. محمد طه وهدان أستاذ مساعد بزراعة الإسماعيلية
  25. محمد القصبي مدرس بمدرسة الإخوان بطنطا
  26. علي متولي مدرس بالشرقية
  27. محمد العريشي محاسب بالشرقية
  28. محمد السيد حبيب أستاذ بعلوم أسيوط
  29. محمد عبد الغني طبيب الزقازيق
  30. أحمد فرج مدرس بالفيوم
  31. عيسى عبد العليم موجه بسوهاج ولحق بهم في القضية 13/95 عبد الوهاب شرف الدين صاحب شركات خدمات بحرية بالسويس

ولحق بهم من قضية حزب الوسط كل من:

محمد مهدي عاكف موجه تربية رياضية على المعاش
  1. محمد بدوي موجه بالتعليم على المعاش
  2. مصطفى الغنيمي طبيب بطنطا
  3. الأستاذ الدكتور المحترم محمود العريني أستاذ بزراعة عين شمس على المعاش
  4. عبد الحميد الغزالي أستاذ بالاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة
  5. حسن جودة موجه بالتعليم على المعاش
  6. محمود أبو رية موظف بجامعة الدول العربية على المعاش ومن المنصورة.

قضية حزب الوسط ومن وراءها:

كانت قضية حزب الوسط وما جرى حولها من نقاشات كالقشة التي قصمت ظهر البعير، تصورت في البداية أن التشاتم بين الإخوان في الخارج على صفحات الجرائد كان مجرد خطة إعلامية لتوافق الحكومة على الحزب؛
ولكن اتضح أن المصيبة جلل والفتنة عارمة، بدا أرباب التنظيم السري منفعلين وراحوا يكيلون الشتائم لوكيل المؤسسين ومن معه، حاولت وقف نزيف الأخوة والحب في الله والعيش والملح ولكنهم استمروا في غرس أظافرهم في قلوبنا، أعددت محاضرة لساعتين مزودة بما استطعت من وسائل الإيضاح لأثبت في نهايتها أن الإخوان القائمين على الحزب صادقون في مسعاهم ومحبون لجماعتهم وأن أفضالهم كثيرة ولا ينبغي الهجوم عليهم من خلال معلومات من الجرائد، ولكن لم يستطع كل ماء الإخوة الذي بذلناه لهم أن يطفئ نار العداوة في نفوسهم، وانتهى الموضوع إلى قطيعة بين الإخوان.
تقاطرت التقارير على المتربصين بنا وحدثت اجتماعات وبانت العداوات التي كانت مستورة حتى مع زوجتي وأنا وراء القضبان بقضية الإخوان قالوا لها تنقلين أفكر زوجك للأخوات، وتعاملوا معها بغير ما يجب، وعندما خرجت قابلني الحاج مصطفي مشهور بوجه متغير وسألني عما سمعه عن وجهة نظري في قضية حزب الوسط أو محرقة حزب الوسط التي أججوها للإخوان؛
وقلت له كلاما مختصرا جدا حتى لا أفسد الجلسة الأولى ومجمله (ما رأيته في الموضوع هو ما سوف أقوله لله يوم القيامة لأنه حدود علمي وأنا مسئول أمام الله عما أعلم ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، طلب مني أن ألتقي في اليوم التالي بمكتب الإرشاد وذهبت والتقيت وأعدت كلامي أمامهم كما هو، رأيت في عيونهم الكثير من الغضب وسوء التقدير، تركت المكان وانصرفت بعدما أخبرتهم بأنني باق في الإخوان ومنتظر التكليف وأنني في بيتي حتى تجدون العمل المناسب لي بالجماعة.
زارني من الإخوان في بيتي من أعتز بأخوته وهو الأخ عبد الرحمن سعودي وأخبرني أنه علم بوجهات نظري قبل خروجي من السجن، ونصحني قائلا إخوانك في مكتب الإرشاد تحديدا وهذه نصيحتي لا يتحملون أي حوار في هذا الموضوع.

الانكماش التنظيمي والعودة إلى رفقاء الزنازين:

تواصلت مع الإخوان أزورهم وأطمئن على أحوالهم، فإذا بالوجوه تغيرت والمواقع تبدلت كل شيء قد تغير وتبدل، تأكدت أن المؤامرة قد اكتملت وأن التنظيم الخاص السري قد هدم كل ما بنيناه لا لفائدة ترجى ولكن فقط لتكون أمة هي أربى من أمة؛
وتذكرت قول الله تعالى (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة) (النحل: 92) كل المواقع تم احتلالها بأحد الرفقاء المساجين سابقا أو الهاربين الخلايجة أو المتسعودين أو مندوبيهم؛
حتى الذين عاشوا لأكثر من خمسين سنة بالخارج جاءوا ليأخذوا غنيمتهم من المناصب الفانية، وقيل لهم زورا وبهتانا (والله خير الشاهدين) أن جيل السبعينيات يوشك أن يستولي على قيادة الصحوة الإسلامية، فرصتنا اليوم وقيادتهم وراء القضبان أن نعيد القيادة المفقودة والسلطان القديم، هلموا إلى قصعتكم قبل فوات الأوان، وقد كان ،وراح الإخوان يأكل بعضهم بعضا عيانا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لقد كانت هناك مشكلة حقيقية يمكن أن تشق الإخوان شقا عندما هجموا على قسم الطلاب في منتصف الثمانينات وأشاعوا حوله أكاذيب كثيرة، ولكن قيادات القسم من جيل السبعينيات كانت أعقل من الكبار وبالصبر والمثابرة طوقنا الفتنة وكظمنا غيظنا وعفونا عن إخواننا وانصرفنا بكل ما نملك من جهد نحو النقابات المهنية كما أرادوا حتى أصبحت الأعلى صوتا في مصر.
وكان هناك مشكلة قاصمة يمكن أن تحدث لو حققنا فيما جرى لمجلس الشوري المنتخب في التسعينيات من حيث زيادة آخرين عليه والكذب أن ثمة لائحة تسمح بذلك، وعندما همش دوره حيث لم يجتمع سوى ليأتي بمن أرادوا ثم ألغي تماما بدون مبرر مقبول، ولكننا صبرنا واحتسبنا الأمر عند الله وطوقنا الفتنة وكظمنا غيظنا وعفونا عن إخواننا.
ثم كانت مشكلة حزب الوسط ونحن وراء القضبان فلم يتخلق من بيدهم الأمر بما يجب أن تكون عليه جماعة المسلمين، وسعى الشيطان بينهم وركب على أكتافهم وأغراهم بالسوء فحولوا الجماعة إلى ساحة حرب وجيشوا الجيوش ضد إخوانهم بحزب الوسط واشتعلت الفتنة هنا وهناك، ونقلوا إلينا كل سوءاتهم لتلاحقنا وراء القضبان، ولأن صبر الإنسان له حدود فإن مؤسسي الحزب رأوا أنه لم يعد ثمة سعة في النفوس وأن التنظيم السري يصر على إيذاء الإخوان والسير بهم في متاهاته القديمة السوداء ولم يجدوا بدا من الاستمرار في المشروع الذي أوصى به مجلس شورى الجماعة.
إن طريقة التنظيم السري القديمة هي هي، يكيل لك الضربات في الظلام بالمكر والخديعة والمقالب والدسائس ويشوه سمعة الإخوان في عيون بعضهم ويوغر صدورهم فإذا تحدثت مشيرا إلى مصادر التخريب قالوا: ألم نقل لكم إن هؤلاء كذا وكذا! وأنهم يفضحون الجماعة!
ولماذا لا يكون النصح داخليا؟ والجماعة لا تدري لسنين طويلة كم عانينا من هؤلاء وكم تحاورنا معهم وكم قاومنا غرورهم وشرورهم، وتحسب الجماعة أن الأمر وليد الساعة، نحن ندرك من نهاية الثمانينات أننا مقبلون على خطر الوقوع في براثن السريين ولكننا تريثنا طويلا في إعلان ذلك حتى أصبح هذا التأخير في البلاغ مما نعاتب عليه اليوم.

ضرب الحصار حول قيادات السبعينيات:

عقب هزيمة يونيو 1967، انتفضت مصر متجهة إلى الله فيما سمي بالصحوة الإسلامية كان على رأس هذه الصحوة علماء أجلاء وقادة ودعاة، وحولهم كوكبة من الشباب المقبل على الله، من هؤلاء العلماء نذكر، عبد الحميد كشك خطيب عين الحياة وإمام أكبر صلاة جمعة في العالم أجمع، ومحمد الغزالي السقا أفضل خطباء الأوقاف في ذلك الوقت، وسيد سابق صاحب كتاب فقه السنة، وعبد اللطيف المشتهري رئيس الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية، وجميل غازي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية، والشيخ حافظ سلامة مؤسس مسجد النور بالعباسية، والشيخ إبراهيم عزت إمام التبليغ والدعوة وسليمان ربيع مؤسس جمعية الخلفاء الراشدين، ومن الشباب الذي استجاب وأقبل وعمل تحت قيادتهم مئات بل آلاف، ومثل هؤلاء في المحافظات أمثال الشيخ أحمد المحلاوي في الإسكندرية.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: أين هذا الجيل من قيادة الحركة الإسلامية، ومن الذي نحاهم وحل محلهم، وكيف تم ذلك؟ لقد كان الشاغل الأعظم للسريين دائما أن يذكر لنا عيوب لهؤلاء الدعاة ويعتبرهم جبناء وجهلاء بالدين حتى لا يفكر أحد في الاقتراب منهم أو السير في ركابهم أو الرجوع إليهم في أي أمر من الأمور، لقد ارتكب التنظيم الخاص السري عملية إقصاء عنصرية بأساليب متنوعة حتى وضع نفسه في مكان المؤسسين من العلماء والشباب وراح يدعي لنفسه تاريخا في الحركة الإسلامية المعاصرة التي صادر جهود أبنائها لخدمة أهدافه الخاصة، ووضع شباكه في طريق الصحوة حتى استولى على محصولها من الرجال.
ومن المفيد هنا أن يعرف الجميع أن الوقت الذي بدأنا فيه تكوين تنظيم للإخوان كان المتفق عليه هو شعار (توريث الدعوة) بمعنى نقل خبرة الإخوان التاريخية للجيل الجديد ومساعدته على تفادي الأخطاء التي وقع فيها الإخوان تاريخيا؛
وكذلك تحذير الجيل الجديد من الفكر التكفيري الذي يبدأ بتكفير الحكام ثم ينسحب على المعاونين لهم ثم يتوسع فيشمل كل من هو خارج التنظيم السري، والتحذير الشديد من استخدام العنف المسلح كوسيلة للتغيير السياسي، ولكن ما إن اخضرت الأرض ونما زرعها الإسلامي الجديد حتى هجم عليها السريون فصادروها لأغراضهم وغيروا سماتها بدهان زائف ثم وضعوا خفراءهم على مداخلها.

تجربتي الشخصية مع السريين:

قد يكون ما حدث معي شخصيا نموذجا لما حدث مع الآخرين ولكنني آثرت أن أكتب عمما وقع لي توخيا لصدق الرواية والشهادة، فما أستشهد به أحداثا وقعت لي ومعي، وليست منقولة عن آخرين.

الحصار في النقابة وعدوانية التنظيم السري:

بعض الإخوان يتصور أن استبدال شخص بشخص في موقع نقابي حق مطلق للتنظيم السري للإخوان دون مراعاة حقوق أعضاء النقابة، أو اعتبار النقابات بمثابة امتداد تنظيمي للجماعة أو شعبة من شعبها، ومع اعتراضي المعلن على هذا الفهم ومقاومتي المستمرة لتبقي النقابات المهنية ملك لأعضائها بالتساوي؛
فإن المفترض أن يكون التغيير متعلقا بالكفاءة النقابية وليس لأغراض وصراعات تنظيمية، ولقد ثبت خلال غيابي ثلاث سنين معتقلا بسبب نشاطي الإخواني عامة والنقابي خاصة أن فريق السريين بالنقابة الذي تولى المسئولية قد أفسد معظم ما تم إصلاحه فيها؛
وعندما خرجت من السجن وجدت هذا الفريق قد ألغى أهم مشروعات النقابة وهو مشروع تكافل العلميين، كان حجم المال الذي توفر له أربعة ملايين جنيه، وعجز كبير السريين بالنقابة د. رشاد البيومي عن الاستمرار في المشروع أو استثمار المال للأعضاء في شكل قانوني آخر من أشكال الشركات على كثرتها، فصفوا المشروع وأعدموه وما تزال بعض أمواله باقية بغير تصرف حتى اليوم؛
كما أن جميع النشاطات المتميزة وعلى رأسها مشروع (السلع المعمرة) قد أوقفت لعجزهم عن إدارتها وسقوطهم ضحايا لعمليات نصب من أقرانهم في البزنس ومن آخرين، وأما مشروع المظلة الطبية فلم يتقدم خطوة واحدة للأمام ويمثل وصمة في جبين المشرف عليه لسوء إدارته؛
كما أن هذه الفئة أنهت دور مجلس النقابة ولم يعد يجتمع غير مرة واحدة في العام، وبالجملة عندما قامت لجنة بتقييم عمل هذا الفريق السري كشفت عن قصور فاضح في أدائهم النقابي وقصور مشين في تحمل الأمانة (التقرير سوف ينشر قريبا، ضمن كتاب الإخوان والنقابات)، وعجزوا حتى عن أن يجمعوا المتأخرات وعجزوا عن أن يتقدموا بتعديلات قانونية لمجلس الشعب تعوض النقابة عما فقدته بتوقف تحصيل الدمغات؛
وكما فشلوا في كل ما تقدم فقد فاجأوا الجمعية العمومية المنعقدة في 28/ 12/ 2008 بأنهم أجروا مبنى (دار العلميين) بمدينة نصر لشركة مصنعي الموبيليا الدمياطية وكما باعوا وأفشلوا وفشلوا في كل المشروعات السابقة فقد باعوا شرف المهنة وحولوا (دار العلميين) مخالفة لكل قرارات اللجان وهيئة المكتب والمجالس السابقة إلى دار للنجارين والأسترجية؛
لقد فشلوا في إدارة عمارة من ستة أدوار خالصة للعلميين، وسجل التاريخ أن 35 من القيادات السرية، عجزوا عن إدارة عمارة من ستة أدوار فتركوها للأسترجية والنجارين ليديروها لهم مقابل إيجار يقولون إنه مجزي وهو في الواقع مخزي، والحقيقة أن القيادات التي فعلت ذلك هم جميعا من التنظيم السري وهو الذي يتحمل تبعة هذا الفشل المريع، كل شيء يدل على تراجع وضعف وتهاون في الأمانات، فما معنى إبعاد الكفاءات وتثبيت الفاشلين في مواقع تخص العلميين المصريين؟!
نحن جميعا سمعنا عن الجاسوس الأمريكي على روسيا الذي لم يكن له عمل تخريبي سوى تعيين الفاشلين والاستغناء عن الناجحين، فهل يحوز أن تكون هذه سياسة للمتدينين عندما يمسكون بالسلطة؟
فور خروجي من المعتقل السياسي كابدت مع هؤلاء في النقابة عيشة كئيبة وكلما وصلتهم وحاولت التقرب إليهم فاجأوني بعدوان جديد حتى كان آخر مجلس في 11 – 10 – 2008 (مطعون في صحته أمام القضاء الإداري) ومع أنني غبت عن المجلس لأعطيهم فرصة التصرف بكل حرية ودرءا لأي تصرف يزيد الجفوة لكنهم فاجأوا المجلس بموضوع لم يكن مدرجا بجدول أعماله وهو إعادة انتخاب هيئة المكتب ورشحوا في مكاني أقرب الإخوان العلميين إلى قلبي والغائب عن النقابة معارا للسعودية منذ عشر سنين؛
وقطعوا بذلك صلة الأخوة بيني وبينه بلا رحمة أو تعقل متصفين بكل ما نهى الله عنه (... يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ...)، إن طبيعة السريين القديمة الجديدة أنهم إذا حكموا أو ملكوا لدغوا لدغات يتصورون أنها مميتة متناسين حكم الله المبرم (... ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ...)
هؤلاء منذ استيلائهم على هيئة المكتب في غيابي لا يعقدون مجلس النقابة إلا مرة واحدة في العام قبل عرض الميزانية على جمعيتهم العمومية وبذلك لا يسمحون لأعضاء مجلس النقابة أن يطلعوا على محاضر مجلسها إلا بعد مرور عام كامل وهي فترة كافية لينسى الأعضاء ما تم في المجلس خوفا من كشف ما بالمحضر من مخالفات لإرادة العلميين، وكم ستكشف الأيام عن مخازي لهؤلاء، إن تجربتنا في العمل النقابي كشفت بوضوح أن الإخوان ليسوا نسيجا واحدا، وأننا أجنحة متباينة لم تتحاور أو تتفاهم مع بعضها بالتي هي أحسن، حتى انطبق علينا قول الشاعر:
(يعاف الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضا عيانا)
كانت فترة اعتقالي من عام 1995 وحتى عام 1998 بسبب نشاطي النقابي والدعوي فترة عابرة في حياتي، وأشعر أنني نسيتها تماما بعد ترك باب المعتقل بمتر واحد، وفورا توجهت إلى نقابة المهن العلمية عقب خروجي من المعتقل لأمارس عملي أمينا عاما لها كما كنت يوم اعتقالي، لم أفكر لحظة أن أحدا بالمهن العلمية ينكر الدور الذي أدته النقابة طيلة الخمس سنين التي توليت فيها منصب الأمين العام، وكانت المفاجأة أنني وجدت الذي شغل موقعي (د. أحمد حشاد) يرفض ترك منصب الأمين العام ويرفض عودتي إليه، ويواصل قائلا: (الإخوان أمروني بكده)، سألته: أي إخوان تقصد؟ لم يرد.
توجهت للدكتور: رشاد البيومي بوصفه المحرك الأساسي لتصرفات الدكتور أحمد حشاد ولكونه تعين في مكتب الإرشاد ونحن وراء القضبان وسألته صراحة، هل هناك قرار بإبعادي عن هيئة مكتب النقابة؟ فقال لا ولكن الإخوان شايفين إنه يعني مفيش بأس من إنه يكون فيه حاجة يعني ... وبقى وقتا ملموسا لا يجد عبارة مفيدة، تدخلت مقاطعا؛
وقلت: ستكون فضيحة يا دكتور إذا قال الناس إن الحكومة أعادت السيد عبد الستار إلى عمله مكرما فور انتهاء فترة حبسه بينما إخوانه في الله أزاحوه عن مكانه بغير مبرر، لم يرد كعادة أرباب التنظيم السري ...
وواصلت حديثي: إذا كان الأمر كذلك وحتى نخفف من الفضيحة فعلينا أن نستر الموضوع ونخرجه بطريقة إنسانية، واقترحت عليه أن يدعوني ويرحب بي أمينا عاما كما كنت أمام المجلس الذي سوف ينعقد بعد أسبوع وأنا من جانبي سوف أعتذر بحجة انشغالي بأعمالي البحثية التي تأخرت ثلاث سنوات بسبب الحبس، ووافقني على ذلك وانصرفنا، وجاء يوم المجلس وعشت لحظات طيبة مع أعضائه الذين واسوني كثيرا على حبسي وبدأت وقائع الجلسة.
وانتظرت أن يقوم الدكتور ببدء خطوات السيناريو المتفق عليه ولكن كانت المفاجأة عكس ذلك، فيصرح الدكتور المحترم قائلا: نرحب بأخينا الدكتور سيد في مكان الأخ فلان الذي سافر للإعارة ونتمنى له التوفيق مع إخوانه الأمناء المساعدين، ونشكر الدكتور فلان على مجهوداته في موقع الأمين العام ونبارك له استمراره في الموقع.
كان الموقف يمثل لي صدمة جديدة في أشخاص ابيضت منهم الرءوس، وكيف يتصرف بالمخالفة على ما اتفقنا عليه مع أن النتيجة واحدة، ولقد مر على ذلك اليوم عشر سنين والموقف لا يغادر خاطري، لاحظوا معي أن الذي خالف الحل الإنساني عضو عين بمكتب الإرشاد وواحد من التنظيم السري الجديد وهو هو نفس الشخص الذي سعيت إليه بصحبة د. ممدوح الديري عام 1983 في وجود المرحوم عمر التلمساني للمعاونة في نشاط قسم الطلاب بجامعة القاهرة فأبى وقابلنا بجفاء شديد ورفض التعاون معنا بإصرار وتعلل أنه مشغول برسالته للدكتوراه؛
اليوم بعد أن أخضرت الأرض وتثبتت أركان الإخوان بمجلس نقابة المهن العلمية، يدعي ملكيتها لنفسه ويتخذ إجراءات في مواجهة من سبقه بالعمل وبطريقة مذرية، وبدون أسباب معلنة، ويدرك كل من يتصل بالنقابة أن سيادته يشغل منصب وكيل النقابة ومع أهمية ذلك إداريا فلا يأتيها غير مرات معدودة في كل عام، منهم مرة عند انعقاد الجمعية العمومية.
ويعلم الجميع بالنقابة أن فريق التنظيم السري لم يعد له عمل سوى إعاقة عمل السيد عبد الستار وسد منافذ الهواء عليه، فهل هذه تصرفات إسلامية؟ أو حتى إنسانية؟ أو تتصل بأي صلة بأمانة العمل النقابي؟
ولا يتصور القارئ أن المسألة شخصية ترجع لشخصي أو حالة فردية ولكنها نفس حالة الفساد الذي لحقت نقابة المحامين وقصتها منشورة ومشهورة حتى صارت نموذجا للتفسخ الإخواني بسبب سوء إدارة التنظيم السري، واليوم لا يوجد بالنقابة مختار نوح ولا خالد بدوي ولا جمال تاج الدين وهم الثلاثة الأول الذين أوكلنا إليهم تثبيت وجود الإخوان في مجلس نقابة المحامين، وفي الانتخابات الأخيرة تمكنت قائمة الحزب الوطني من كنس فريق التنظيم السري بزعامة طوسون كنسا وأنهى كل شيء ... فهل يعترف السريون مرة واحدة بفشلهم في كل مجال؟
وكذلك الحال في المهندسين والصيادلة والأطباء والتجاريين والزراعيين والصحفيين وسوف أفصل ذلك بمشيئة الله في الكتاب القادم حول الإخوان والنقابات ليرى الجميع أن النقابات مرت بمرحلتين مختلفتين مرحلة ازدهار ثم مرحلة انكسار وتراجع بسبب سياسات التنظيم السري وسيرى الجميع أن التنظيم السري أوجد مشكلة عويصة بكل نقابة من النقابات مما قلل من قدرتها وشل حركتها.

الحصار في الطباعة والنشر:

تأسست دار الطباعة والنشر الإسلامية لتكون مطبعة لكتب الإخوان بالدرجة الأولى، وفرحت كثيرا بتأسيسها ووضعت كل مدخراتي القليلة آن ذاك (800 جنيه) أسهما بها، وعندما حدثت مشكلة توظيف الأموال وهجمت الحكومة على الشركات سارعت بتأليف كتابي الثاني لأوضح الموقف لعموم الناس بصفتي كنت رئيسا لمراقبة الجودة بمصانع وشركات الشريف ومن القريبين من كافة الشركات التي طالتها قرارات نيابة الأموال العامة؛
أوضحت في الكتاب خطورة ما اتخذته الدولة من قرارات وضررها على الاقتصاد المصري وأضفت مع ذلك موقف الحكومة في قضية سلسبيل وموقفها في قضية اغتيال الدكتور فرج فودة المسلم، وكان الكتاب برمته صحيفة اتهام لتصرفات الحكومة وعنوانه (الإسلاميون والإرهابيون) وكل ما فيه يقول إن الحكومة تصرفت في الموضوع بدوافع سياسية وليست اقتصادية، وتوجهت طبعا بكل شجاعة وثبات نحو مطبعتنا الغراء لتطبع الكتاب ..
أخذوا مني الكتاب وطبعوه فورا وغلفوه بالسيلوفان وأرسلوه للتوزيع، وبعد حوالي شهر كلمني موظف بالشركة اسمه حسن وطلب مني زيارتهم، هناك وجدتهم جمعوا الكتاب من السوق وطالبني الموظف باستلام الكمية اليوم وليس غدا (ألفين كتاب تقريبا)، وبعد عدة أيام وجدت بالبريد خطابا يقول (خصمنا ثمن الطباعة من أسهمك بالشركة وباقي عليك مبلغ كذا يرجى المسارعة بسداده)، وحتى اليوم لا أعرف لماذا تصرفوا على هذا النحو المشين لأي دار نشر محترمة.
الكتاب الثاني معهم كان الأول في سلسلة تحت عنوان (النصر أو الشهادة) وفكرتها كانت اختيار شخصية نموذجية معاصرة في كل مؤسسة وتقديمها في كتاب لتكون قدوة للجيل، ووقع اختياري الأول على أهم مؤسسة وهي القوات المسلحة المصرية، واخترت من بين أبطالها اللواء صاعقة جمال عبد المجيد غانم، البطل الذي هزم شارون في الثغرة ومنعه بالقوة والشجاعة من الوصول إلى الإسماعيلية؛
كان رحمة الله عليه نموذجا وقدوة لكل ضابط مجاهد بحق يرجو الله واليوم الآخر، جمعت كل المعلومات حول شخصه من المهد إلى الشهادة وتوجهت لمطبعتنا بنية صافية، وكما حدث سابقا أتموا الطباعة ثم فاجأوني بطلب ثمنها، قلت لهم أنا قدمته لكم لتنشروه، قالوا: نحن هنا دار طباعة، وقد انفصلنا تماما عن دار النشر، ادفع واستلم وتعاقد مع دار النشر ومكتبهم في الأوضة التانية، ودفعت وأخذت كتابي ورحلت واعتقلت بعد ذلك بأسبوع في قضية النقابات وتصورت ليلتها أن الكتاب هو السبب لكثرة ما فيه من انتقادات لاتفاقية كامب ديفيد.
بعد انتهاء فترة حبسي متهما بإدارة جماعة الإخوان المسلمين سارعت إلى مطبعتنا للمرة الثالثة (كم كنت على نياتي وكم كنت لا أرى من إخواني أي عيب مهما عظم؟!)
وتقدمت لهم بأهم مؤلف كتبته في فترة السجن على مدى ثلاث سنين وعنوانه (علم النبات في القرآن الكريم) وهو كتاب علمي متأدب يهدف إلى نشر الثقافة العلمية في ثوب قرآني، ولكنهم هذه المرة كانوا صرحاء فلم يعدوا بطباعته فورا ولكن وعدوا بدراسة ذلك؛
وبعد حوالي سنة كنت قد سافرت إلى أمريكا لبعض أبحاثي في الهندسة الوراثية ومن هناك اتصلت واطمأن على الكتاب وسمعت بأذني ما لا ينسى، الأخ محمد الجزار يقول للأخ حسن: قله مش ح نطبعله حاجة، وصمت وبيده السماعة ينتظر لمدة دقيقة حتى يستجمع قواه ويقول لي د. محمد الجزار بيوعدك أن تنتهي المراجعة خلال أسابيع وكان المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قد عاد من حائل بعد هروب ربع قرن وبسرعة قلدوه منصب كبير المراجعين بدار الطباعة والنشر (مهنة تنظيمية كمهنة الرقيب).
وهكذا حرمني التنظيم السري ومن أواخر الثمانينات من الدار التي كنت من أوائل المساهمين فيها، اليوم بفضل الله طبعت كتبي الهيئة المصرية للكتاب والهيئة المصرية لقصور الثقافة ومكتبة وهبة ودار الشروق الدولية ودار الوفاء وجاري التعاقد مع دور أخرى بفضل الله ورحمته وليهنأ السريون بدار نشرهم المحترمة!

الحصار في مجال صلة الإخوان والتراحم بينهم:

من تصريحات السيد الهمام المرشد العام محمد مهدي عاكف لجريدة البديل قوله عندما سألوه عن شخصي (وهو بيجينا من وقت لآخر ...) وهو اعتراف صريح بأنني لم أقطع صلتي بأحد رغم كل الإساءات التي ارتكبوها في حقي؛
ويعلم الله أنني حاولت صلة هذا الفريق بكل وسيلة ممكنة وقبلت التنقل من مهمة إخوانية إلى أخرى دونما ملل ورغم ملاحظتي أنها كانت مجرد عملية احتواء وتعطيل وتجميد ولكنني اعتبرتها وما زلت شعرة معاوية حتى يحكم الله بيني وبينهم، وكنت كلما تأزمت نفسي ذهبت لمن أتوسم فيه التعقل والفهم ليتوسط بيني وبين فريق السريين المفترين، ذهبت إلى الإسكندرية وشرحت الموقف للأستاذ محمد عبد المنعم فراح يضرب كفا على كف مستغربا من أفعالهم، ووعدني بالتدخل ولم يصلني رده.
رافقت د. محمد سعد الكتاتني من مصر الجديدة إلى شقة البرلمانيين بالمنيل وشرحت له كافة تفاصيل المؤامرات الدائرة في الصف وكان تعليقه (يعني استولوا على الأموال والتنظيم) ثم أردف قائلا: إذا كانوا يفعلون ذلك بواحد إخواني حتى النخاع فماذا هم فاعلون مع غيره؟
ولأكثر من سنة لم يرد علي بشيء، عندما فكرت في موضوع الجمعية كمخرج من الأزمة الداخلية أكثر من الخارجية، ولاحظت التوتر والهياج في استقبال المشروع توجهت للأستاذ إسماعيل الهضيبي فرفض التدخل أو حتى التعليق وقال أنا من السبعينات راكن لأني معترض على طريقة العمل واليوم ليس لي رأي في أي شيء، وتوجهت للأستاذ محمد فريد عبد الخالق وتحمس للوساطة وأتمنى له التوفيق، وكذلك د. عبد الحميد الغزالي ود. إبراهيم الزعفراني ... فهل ينجحون؟ أتمنى الهداية والتوفيق للجميع.

مع الإخوان في أمريكا:

فور عودتي لعملي بكلية العلوم جامعة قناة السويس وبعد غياب ثلاث سنين خلف القضبان استقبلني الأستاذ الدكتور: أحمد شكري رئيس الجامعة استقبالا حسنا وأخبرني أنه حافظ على حقي في البعثة العلمية ولم يعطها لأحد غيري، وأعلمني أنه باستطاعتي أن أبدأ إجراءات السفر للدولة والجامعة التي أفضلها لمدة ست شهور بحثية، شكرته كثيرا على موقفه وانصرفت لإتمام إجراءات السفر؛
واستطعت الحصول على موافقة جامعة بولاية إنديانا الأمريكية وكانت هي الأنسب لتخصص الهندسة الوراثية الذي رغبت التدريب على فنونه، هناك كان في استقبالي بالمطار أخوين كريمين من المبعوثين المصريين (طارق زايد مبعوث جامعة الزقازيق وجهاد قنديل مبعوث جامعة عين شمس) وعلى رأس المستقبلين أ. د. رونالد كولبو رئيس القسم المضيف بالجامعة وكانت لحظات سعادة وتعارف على عالم جديد وصحبة جديدة؛
وعشت مع المصريين والعرب بالمركز الإسلامي هناك ستة أشهر هنية، من معمل الأبحاث إلى المسجد الأنيق مرورا بطبيعة خلابة ومع صحبة إسلامية سمحة ومحبة غامرة.
وتعرفت في هذه الأيام على كبير المسلمين بالمدينة المهندس محمد صبحي (أبو هاني) وأسرته الكريمة وأثمرت محبتنا في الله بعد خمس سنين من التزاور زواج ابنه هاني بابنتي أسماء وصرنا متصاهرين ببركة الأخوة الطاهرة ونسأل الله دوام الود بيننا.
قبل عودتي بشهر ونصف تعرفت هناك على د. صلاح سلطان ذكرني بحضوره عضوا في مخيم للإخوان كنت ضمن إدارته، وصل بنا الحوار إلى أن طلب مني أن أعاونه في تدريس مقرر حول الإعجاز العلمي في القرآن لتقديمه لطلبة ما أسماه (الجامعة الإسلامية الأمريكية) بولاية ميتشجن، ولبيت له طلبه رغم ضيق الوقت وصعوبة الإمكانيات، كتبت المقرر في مذكرة وسجلته مشروحا على ستة أشرطة فيديو وستة أشرطة كاسيت وأرسلت له المجموع مع امتحان تحريري للدارسين.
وعقب انتهاء الستة أشهر عدت قافلا إلى الوطن ومستريحا لما تم تجاوزه في الستة أشهر المتاحة، والحمد لله فلم يكن أحد من السريين في هذه البقعة من العالم.

تدخل السريين بالحصار في الجامعة الصغيرة:

بعد عودتي من أمريكا بشهرين حضر للقاهرة د. صلاح سلطان رئيس الجامعة الصغيرة والتقى بي في نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة وألح في ضرورة عودتي لمساعدته في إدارتها، وفور عودته لأمريكا أرسل لي كافة الأوراق اللازمة لاستخراج التأشيرة الأمريكية، قبل سفري توجهت للحاج مصطفي مشهور وأبلغته بما أنا عازم عليه وسألته إن كان هناك ثمة توجيهات لي أو للإخوان في أمريكا يراها أو يكلفني بها واتفقنا على أن يسجل ذلك على شريط فيديو؛
وحضرت بالفعل اليوم التالي بعد الاتفاق مع مصور الروضة المعتاد، أثناء تصوير الحوار بيني وبين الحاج مصطفى كان هناك اثنان يقفان ويتابعان كل ما يقال وكأنهما يقفان على الجمر (محمود عزت ومسعود السبحي)
وما أن انتهى الحديث حتى تقدما للمصور وصادروا الشريط بحجة المونتاج والمراجعة، وانتهى الوقت ولم يعيدا لي الشريط وسافرت من غيره، بلغت أمريكا 24/ 8/ 2001 وكانت المفاجأة، أن التنظيم السري الذي صادر الشريط استدعى أحد أفراده بالكويت ([[عبد الوارث سعيد]) ونقله إلى نفس الجامعة وتسلم نفس العمل الذي تعاقدت عليه عشت شهرا واحدا أتأمل (التنظيم الخاص السري) وأفراده وسوء تصرفاتهم وظلامية أفكارهم، بوقوع أحداث 11/ 9 توقف العمل بالجامعة، وفي أول فرصة للسفر حصلت عليها أسرعت بالعودة إلى بيتي وأسرتي مرددا قول ربي (الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين).

حتى أنت يا بروتس؟!

أثناء هذه المواقف المخزية للتنظيم السري اتصلت بمدير مكتب الإخوان في لندن (إبراهيم منير) بصفته وبحكم موقعه التنظيمي ولأنه يعرفني جيدا والتقينا في أعمال إخوانية مشتركة في لندن واستانبول وغيرها من العواصم وسافرنا معا وأكلنا عيش وملح في بيته بلندن؛

نقلت له ما حدث ودعوته أن يتدخل فإذا به يقول (ما أنت يا دكتور موقفك مش واضح)، أدركت من كلامه ولهجته أن الأمر كما توقعت، إنها تعليمات التنظيم الخاص السري وهو أحد أفراده القدامى (مجموعة إمبابة التي شاركت في حادث المنشة).

انتخابات مجلس الشعب 2005:

لم تشهد الساحات بلبلة وخداعا كما حدث معي في انتخابات 2005، باختصار شديد التقيت قدرا بالأستاذ الدكتور فاروق فهمي أستاذي في الكيمياء بجامعة عين شمس قبل الانتخابات بشهرين، وتجاذبنا أطراف الحديث حول المشكلة المالية المتعلقة بنقابة المهن العلمية وعدم قدرتها على دفع معاشات الأعضاء؛
وانتهينا إلى أن عدم تواجد ممثل للعلميين بمجلس الشعب سبب في تفاقم المشكلة، واقترح علي أن أترشح في الانتخابات للعمل على تمرير قانون تطوير ودعم نقابة المهن العلمية المقدم للمجلس من قرابة ثلاثة أعوام ولا يوجد في المجلس من يتبناه، وعندما عرضت الأمر على عائلتي بكفر الشيخ اتفق هذا مع رغبتها وكانوا قد عرضوا علي ذلك من شهر فات.
توجهت على الفور إلى لجنة الانتخابات بمكتب الإرشاد وعرضت عليهم فقبلوا وسألوني عن الموقع المناسب للترشح وقلت لهم بلدي بكفر الشيخ فوافقوا وطلبوا التنسيق مع الإخوان في كفر الشيخ، تمسك إخوان كفر الشيخ بمن رغبوهم ولم يوافقوا على إخلاء مقعد فئات من بين 18 مقعد بالمحافظة، نقلت ذلك للجنة فوجهوني للترشح في كوبري القبة شريطة موافقة مسئول المنطقة (الترزي/ عبد المنعم دحروج
وتوجهت إليه فوافق، أبلغت اللجنة ومضيت في تحضير الأوراق وأتممتها وتوجهت في أول يوم لأقدمها، وفي طابور المتقدمين وجدت الأخ الفاضل الدكتور الشيخ عبد الحي الفرماوي، سألته عن دائرته الانتخابية فقال (كوبري القبة) فئات، فقلت: يعني ح نترشح ضد بعض؟!
استغرب كثيرا، وقال يبدوا أن الأمر فيه خطأ، وعرض أن نتصل برئيس اللجنة (د. محمد حبيب) طلبته على تليفوني الموبيل فلم يرد، طلبه الدكتور عبد الحي فرد عليه وأبلغه أن يمضي في ترشحه بكوبري القبة، تناولت التليفون المحمول وتكلمت مع د. محمد حبيب فأبلغني أنهم نقلوا د. عبد الحي من دائرته الطبيعية بالمطرية ليترشح بكوبري القبة وسوف نبحث لك عن دائرة أخرى تترشح فيها، من جانبي أيقنت أنها حلقة جديدة من سلسلة مهازل التنظيم السري السوداوية ورددت في نفسي (وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا)
لقد كان من الأولى مصارحتي برغبتهم في عدم ترشحي حتى لا أستخرج الأوراق الرسمية وأسير في الإجراءات وهي مكلفة ومرهقة كذلك، وأفقت على نداء د. حبيب ... ألو ... ألو ... فقلت له: سأنتظر حتى اليوم قبل الأخير لتقديم أوراق الترشيح فإن لم يصلني رد فسوف أترشح في الدائرة التي أراها مناسبة.
لم يصلني رد كما توقعت وترشحت حيث محل إقامتي ومعظم معارفي بالقاهرة بحي النزهة بمصر الجديدة، لم يكتف التنظيم السري بما جرى بل جند نفسه لمحاربتي ومساعدة مرشح الحزب الوطني د. حمدي السيد وتمكينه من الفوز، جندوا من كانوا تحت إدارتي الإخونية لمدد طويلة ليقولوا للناخبين انتخبوا مرشح الحزب الوطني ولا تنتخبوا أخانا؛
وكانت أعجوبة الانتخابات ومسار استهجان العقلاء، ولولا أن الدائرة مضاف عليها المرج والسلام وبركة الفيل والكيلو أربعة ونص ومناطق عشوائية لم يكن لي بها علم لتحقق فوز ملموس مع أن الدعاية التي سمحت بها السلطات الحكومية والإخوانية لم تتجاوز العشرة أيام الأخيرة من رمضان.
والسؤال: ماذا يضير السريين لو نجح أحد الإخوان بمقعد في المجلس ولو بمجهوده الفردي وبمساعدة أهله وعزوته ومحبيه؟ وإذا كان أرباب التنظيم السري يعتبرون مرشح الحزب الوطني جدير برعايتهم ومساعدتهم بينما أحد الإخوان يلقى منهم العداء والعنت إلى هذا الحد، فعلى أي معيار عقلي أو نقلي يمكن فهم سلوكيات هذه الفئة؟!
هكذا تبدوا مواقف هذه الفئة الباغية مع من يعارضها بالرأي حتى ولو كان من الإخوان المسلمين عند العامة والخاصة.

حتى دعم فلسطين حاربوه عنادا:

في اجتماع للقوى الوطنية بمكتب الإرشاد تقرر عقد عدة مؤتمرات لدعم المحاصرين في غزة وتقرر أن يكون مؤتمر الإخوان في شرق القاهرة بمبنى دار العلميين بمدينة نصر تحت إدارة لجنة الإغاثة قرابة 600 ألف جنيه تبرعات لفلسطين، وشاركني في إدارته من الحي د. مصطفى النجار صاحب مدونة أمواج في بحر التغيير وهو شاهد على مجريات المؤتمر الأول كلها؛
وفي الموعد كانت النقابة قد جهزت المكان لاستقبال الفين من شرق القاهرة، وعشرة متحدثين من القوى الوطنية، ولكن حضر المتحدثون جميعا ولم يحضر الجمهور ولا أحد من الحي، وكان أمرا غريبا، وتبين أنهم ندموا على المشاركة في المؤتمر الأول فأصدر التنظيم السري تعليمات بإفشال الثاني لأن المؤتمرات تديرها لجنة برئاستي، وهكذا وصل عنادهم وضررهم إلى فلسطين وتصرفها.

التجسس على الإخوان:

عدة مواقف معي شخصيا، الأول فور خروجي من سجن طره عام 1998، قبل مضي عشرة أيام على خروجي جاءتني دعوة من شركة صناعية أعمل معها كمستشار علمي لأكون ضمن وفدها المسافر إلى معرض دولي صناعي بألمانيا، وهناك التقيت ببعض معارفي من الإخوان وحملتهم السلام إلى الدكتور كمال الهلباوي كبير الإخوان بلندن؛
وما أن بلغه سلامي حتى هاتفني والمرسال عنده وتكلم معي طويلا مواسيا على فترة الحبس وشارحا لي بعض مضايقات إخوانه له في الغربة، وعندما عدت من رحلتي كتبت رسالة عادية وفكاهية إلى الأستاذ محمد عاكف حيث كان ما يزال في السجن، إلى هنا الأمور عادية، ولكن بعد أيام طلبني الحاج مصطفي مشهور لأزوره، وزرته بالفعل، وفاجأني وهو يقول: صحيح أنت أرسلت لإخوانك المساجين، فقلت وكل علامات الاستغراب على وجهي: نعم، وإيه العيب في كده؟
واستطردت ... الرسالة عادية جدا ومرسلة للأستاذ عاكف وهو تنظيميا المسئول عن السجن في هذه المرحلة، غير أنه رحمة الله عليه لم يكن يتحمل أي شيء يمر دون علمه وبموافقته حتى خطابات الود بين الإخوان تحاور معي بشأن ما ورد في الرسالة وكان غير الراضين عن توصيف لوضع أ. كمال الهلباوي وأبى رغبته في أن أتوقف عن الكتابة للإخوان بالسجن، السؤال هو: من أبلغ مشهور بخطاب المليجي إلى عاكف؟ والإجابة واضحة: إما عاكف نفسه وإما الجواسيس.
الموقف الثاني متعلق بالشيخ عبد المنعم تعيلب وترجع معرفتي به من عام 1985 وما بعدها، في وقتها كان الشيخ يعيش في مكة كواحد من الإخوان الهاربين إلى السعودية، أما أنا فكنت أصحب فوجا كل عام من أعضاء هيئة التدريس لأداء فريضة العمرة، كنا نستأجر بيتا واسعا مناسبا للمعتمرين ونعقد حلقات منزلية لتدريس المفاهيم الإخوانية التي ترغب في تزويد المعتمرين بها؛
وحتى يبدو الأمر عاديا كنا نستضيف علماء مصريين مقيمين هناك ومنهم سيد سابق وعبد المنعم تعيلب، هنا في القاهرة عام 1998 وعقب انتهاء فترة حبسي علمت أن التنظيم السري استدعى الرجل بعد غياب 50 سنة هاربا في السعودية ليعينه رئيس حي شرق القاهرة في التنظيم السري، وهو ما اعتبرته من جانبي انقلابا على نتائج انتخابات 1994 وأما الواقعة فتتلخص في مكالمته لي لزيارته في بيته؛
وعندما زرته في بيته إذا به يقول لي: الكلام اللي سمعت إنك تتداوله مع زوارك من الإخوان من شأنه أن يعرضك لمتاعب داخل الجماعة ...قلت له: كلام إيه ومن بلغك؟ فقال (مش مهم مين بلغني المهم الكلام) فقلت: أعتقد أن من حق الإخوان أن يزوروا أخاهم بعد غيابه محبوسا بقضيتهم ثلاث سنين ومن حقي أن أقول لهم ما أرى أنه في مصلحة الإخوان، ولو أن كلامي فيه شيء فنناقشه معا في جلستنا؛
أما الذي ليس من حقك هو أن تتجسس علي في بيتي مخالفا شرع الله نقطة احتدمت الجلسة ويبدو أن الشيخ لم يتوقع ردي عليه أو لم يكن مستعدا فسكت ثم استأذنته وخرجت غاضبا ولم أره من يومها والسؤال المطروح هو: من أبلغ الشيخ بحوار جرى مع عدد من الإخوان في بيتي؟
إنهم الجواسيس، لقد كان بوسع الشيخ أن يدير معي حوارا أخويا علميا راقيا حول الموضوع مباشرة فيفيد ويستفيد ولكنها الطريقة السرية الإرهابية التي تقوم على إرهاب الأعضاء بإيهامهم أنها تعرف كل شيء عنهم وتسمع سرهم ونجواهم.

الموقف الثالث: تجسس على حزب العمل:

فور خروجي من السجن السياسي نهاية عام 1998 زارني مهنئا الأستاذ عادل حسين (رحمة الله عليه) ثم كرر الزيارة مرتين ليحدثني عن سوء معاملة مكتب الإرشاد له ولحزب العمل وطلب مني التوسط في ذلك، وسوف أضع التفاصيل التي انتهت إليها تلك العلاقة في كتاب قادم بإذن الله حول علاقتنا بالقوى الوطنية؛
وقبل انتخابات عام 2000 لمجلس الشعب زارني مسئول بحزب العمل وأخبرني بأن هيئة الحزب ترغب في ترشيحي ممثلا لحزب العمل الإسلامي في الانتخابات القادمة، وكان جوابي واضحا وصريحا بأن الأمر يتطلب موافقة مكتب الإرشاد قبل ذلك ووعدته أن تتم زيارتهم خلال الأسبوع وأخبره بالنتيجة؛
وبعد هذا اللقاء بيوم واحد فوجئت بأحد الإخوان بالحي (أحمد شوشة) يزورني صباحا في مكتبي بمدينة نصر ويخبرني أن الأستاذ مأمون عايزك تزوره في البيت، وتوجهنا مباشرة لبيته الواقع بالقرب من ميدان الجامع بمصر الجديدة، وكان المفاجأة أنه يكلمني عما دار بيني وبين الأستاذ عادل حسين ويقول: يا دكتور سيد أنت من قيادات الإخوان فكيف تترشح على قوائم حزب العمل؟
وأوضحت له أنني عرض على ذلك وكانت إجابتي واضحة بأن الأمر يتطلب موافقة مكتب الإرشاد، وكنت عازما على زيارتكم بالروضة خلال يوم أو يومين لأستطلع رأي مكتب الإرشاد، فقال: أنا أبلغك أن مكتب الإرشاد لا يوافق على هذا الترشيح، وقلت: وأنا ملتزم بقرار مكتب الإرشاد ولن أترشح على قوائم حزب العمل رغم عدم قناعتي بالقرار.
انصرفت من عنده وأنا غير مستريح البتة لهذه الطريقة من السلوك التجسسي على الإخوان وعلى حزب العمل، ولكنني عندما راجعت تاريخ النظام الخاص وجدت أن التجسس على الأحزاب والجمعيات والجماعات والإخوان كان من أهم أدواره ولهم في ذلك قصص وروايات يفخرون بها؛
ومن أشهرها قصة الحاج أسعد السيد أحمد الذي كلف من قبل الجهاز السري بالتجسس على حزب مصر الفتاة فانضم لحزب مصر الفتاة وترقى في صفوفه حتى وصل إلى أن يكون في الحرس الحديدي الذي أنشأه الحزب لحراسة زعيمه أحمد حسين ثم كشف أمره عندما قبض عليه في قضية السيارة الجيب مع الإخوان.

خلاصة ما تقدم

يمكننا تلخيص ما تقدم في النقاط التالية:

  1. في عام 1975 كان ما تبقى من الإخوان المسلمين في مصر عدد محدود من الأفراد، فالذين وقعت عليهم الأحكام في قضايا 1954، 1965 انفضوا عن الدعوة في عمليات مبايعة جماعية معروفة ومن بقي على إخوانيته وخرج منهم توجه مباشرة نحو بلاد النفط، لم يكن هناك كتاب واحد للإخوان ولا حتى المأثورات ولم يكن هناك أسرة ولا شعبة ولا قسم طلبة ولا قسم مهن ولا مرشحين ولا غيره ولا أحد يمكن أن يتلفظ بكلمة إخوان.وأما الجماعات الإسلامية تحت مسمى الصحوة الإسلامية في الجامعات والمدارس والمساجد فكانت ملء السمع والبصر موجودة بالمساجد والمدارس والجامعات، والحجاب الذي لم تتطرق إليه جماعة الإخوان من قبل أصبح أوضح ظاهرة على المجتمع المصري ومع الحجاب اللحى والجلابيب، وأما الكتاب الإسلامي فقد غدا الأول انتشارا وتوزيعا وربحية، كل هذا تم في غياب تام للإخوان.
  2. لم يكن هناك اتفاق على طريقة عمل محددة لإعادة تكوين الجماعة في مصر وسعى كل واحد حسب اجتهاده في موقعه، وكان من أبرز هؤلاء الأستاذ عمر التلمساني في القاهرة.
  3. تبنى قادة التنظيم السري القديم (مصطفي مشهور وأحمد حسنين وأتباعهم من تنظيم 65، (وليس كل من اعتقل في قضية 65 يدخل في زمرتهم) فكرة إعادة التنظيم السري الخاص واعتبار رئيس التنظيم هو المرشد الحقيقي ولا مانع من وجود مرشد صورة حسب تعبيراتهم لصرف نظر أجهزة الأمن عن المرشد الحقيقي، وعندما طرحت الفكرة رفضت بشدة وإنكار من غالبية قادة الإخوان القدامى وبرز من الرافضين للنظام الخاص أسماء عمر التلمساني ومحمد فريد عبد الخالق ومحمد حامد أبو النصر وإسماعيل الهضيبي ومحمود عبد الحليم وصلاح شادي وأحمد الملط وجابر رزق