تربيتنا الروحية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تربيتنا الروحية


بقلم : الشيخ سعيد حوى

محتويات

إهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

تربيتنا الروحية

سعيد حوى

دار الكتب العربية

بيروت - دمشق

حقوق الطبعة محفوظة

الطبعة الأولى

1399 هـ - 1979م

إهداء

درج الناس على أن يعدوا كتبهم لجهة ما ولم أعتد ذلك لأن كتبي هدية متواضعة مني لأمتي ولكن عندما تتجسد الأمة في رجال فقد يكون ذلك مبرراً لأن يجعل الإنسان هدية الأمة هدية لهم ولذلك فإنني أهدي هذا الكتاب لبركات بلاد الشام ورّاث النبوة فيها أمثال: الشيخ حسن حبنكه والشيخ ملا رمضان والشيخ عبد الفتاح أبي غدة وكنت أتمنى لو صدر هذا الكتاب والشيخ محمد الحامد والشيخ مصطفى السباعي والشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ أحمد البيانوني والشيخ خالد الشقفه، كنت أتمنى لو صدر هذا الكتاب وهم أحياء، لكانوا شركاء في الإهداء من أجل أن يمنوا علي بتصحيح خطأ.

ملاحظة

كنت قد أزمعت أن أخرج هذه الرسالة تحت عنوان / تصوف الحركة الإسلامية المعاصرة / ثم فكرت أن أخرجها تحت عنوان / الحياة الروحية لجند الله / ولكن لملابسات متعددة جعلتها تحت عنوان / تربيتنا الروحية / وإنما ذكرت هذه الملاحظة هنا لأن مضمون الرسالة قد يكون مرتبطاً بالعنوان الأصيل لها فليلاحظ القارئ ذلك.

مقدمة

هذه هي الرسالة التاسعة في سلسلة "في البناء". وكنت متردداً أن أجعلها هي والرسالة الثامنة التي عنوانها (جولات في الفقهين الكبير والأكبر) ثم رأيت أنه قد لا تتاح لي فرصة الكتابة في موضوع الفقهين الكبير والأكبر ثم إن سلسلة الأساس في النهج قد تغني إلى حد كبير عنها ولذلك جعلت هاتين الرسالتين جزءاً من / سلسلة في البناء / لأن رسالة جولات لها صلة في البناء الثقافي للحركة الاسلامية ولأن هذه الرسالة لها صلة في البناء الروحي والثقافي لهذه الحركة فاستقررت على أن تكون هاتان الرسالتان من هذه السلسلة. والذي دعاني إلى كتابة هذه الرسالة أمور:

1- حاجة الحركة الإسلامية إلى نظرية واضحة عن التصوف وعن السير الروحي بآن واحد. إن النظرة الواضحة عن التصوف تعصم عن الانجراف في تياره الغالي أو في التيار المعادي على غير بصيرة. والسير الروحي لأبناء الحركة الاسلامية شيء لا بد منه ومن ثم كان الفقه فيه كالفقه في قضايا التنظيم والتنفيذ والتعريف وغير ذلك من أمور لا يسع المسلم المعاصر أن لا يكون له صلة نظرية وعملية فيها.

2- ندرة الكتاب الصوفي المحرر على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية حتى إنني كنت استشعر حرجاً أن أذكر لإنسان كتاباً في التصوف وذلك لأن الكثير من كتب التصوف داخلها ما لا يرتاح له العليم فتجد عبارات غير منضبطة أو شطحات غير متزنة أو تصحيحاً لأمر على حساب أمر فكان لا بد من كتاب يضع الأمور في مواضعها ليكون بمثابة ميزان يستطيع المسلم منه أن ينطلق ليقرأ في كتب التصوف على بصيرة فيما ينبغي أن يأخذ أو يدع على ضوء ضوابط سليمة ترتاح لها قلوب المنصفين.

3- إن كثيرين ممن كتبوا في هذا العلم جعلوه علم الخاصة مع أنه العلم الذي يطالب به كل إنسان لإرتباطه بقضايا يطالب بها كل إنسان لصحة القلب وزكاة النفس وغير ذلك من أمور كلها تكليفية في حق عامة الخلق فكان لا بد من كتاب يجعل الأمر في محله.

4- ثم إن هذا العلم في مسيرته التاريخية اختلط فيه أكثر من أي علم آخر أمور جعلته أحياناً كالألغاز وجعلته أحياناً وكأنه شيء آخر غير العلم وغير النصوص وجعلته أحياناً مستقلاً عن علوم التوحيد والفقه وأصول الفقه بل جعلته أحياناً إلهامياً له قوة الوحي في التشريع أو في التقرير وكل ذلك عجيب غريب في علم يجب أن يكون كبقية العلوم الاسلامية محرراً منقحاً، إنه من العجيب ان قارئ كتب التصوف يشعر أنه أمام ألغاز وراء الدين وبدلاً من أن يكون هذا العلم طريقاً للتحقق بالنصوص جعلوا التصوف شيئاً وراء النصوص وذلك ما يجرح كبد الفقيه ومن ثم فإني لم استشعر اطمئناناً إلا نادراً أن أدل إنساناً على كتاب تصوف ما لم يكن هذا الإنسان فقيهاً وعنده وسوسة الفقيه في تقليب الرأي فيما يقرأ، فيما إذا كان ما يقرؤه منطبقاً على النصوص. وإذا كان من طبعي ألا أقول ما يجرح مشاعر مسلم في قضية تحتمل أكثر من وجه فإني لا أرغب في التدليل بأن أنقل وأقبل وأرد.

ولعل أبشع ما في الأمر أن نجد كثيراً من المتحذلقين يأتون إلى آية من آيات الله لا تفهم إلا من وجه واحد ويحاولون أن يعطوها مضامين أخرى ويبنون على مثل هذا جبالاً من الأمور والمسائل والأمر كله وهم أو تحريف وكان يغنيهم عن هذا كله الوقوف عند النصوص ومحاولة فهمها وتفهيمها والسير للتحقق بها إنه لو كان ذلك لكان جيداً بل وكمالاً وهذا الذي نريد تحقيقه في هذه الرسالة وهذا الذي حاولناه مع غيره في سلسلة / الأساس في المنهج/ .

5- ثم إن أكثر المشتغلين في هذا العلم تصوراتهم الإسلامية قاصرة ومفاهيمهم ضيقة ويعيشون بعيدين عن عصرهم وعن بديهيات الإسلام التي لا ينبغي أن تغيب عن مسلم معاصر. فأن يبقى هذا هذا العلم قصراً على هؤلاء فإن في ذلك إبقاءً لمريدي السير إلى الله في أجواء غير صحيحة فكان لا بد للحركة الإسلامية الجهادية أن تبلور هذا الموضوع كما بلورت غيره من الأمور التي تشكل ألف باء الفهم للإسلام وللعمل المعاصر من أجله. ولئن مرت عصور كان للتصوف الجاهل وللصوفية الجهلة دور في إغفال قضية الجهاد فقد آن الآوان أن يعود التصوف إلى وضعه الطبيعي فيكون في خدمة قضية الجهاد كما هو الشأن في كثير من الحالات التي انبثق فيها عن التربية الصوفية عمل جهادي وإن ننس فلا ننسى ثورة الشيخ سعيد الكردي النقشبندي في تركيا وثورة الشيخ شامل النقشبندي في تركستان وحركة عالم كبير في الهند التي هي أثر عن جهود الشيخ الفاروقي المجددي وحركة السنوسيين في ليبيا وحركة الدراويش في السودان. هذه معان وغيرها كثير سنراها كانت دافعاً نحو تأليف هذه الرسالة.

وكل مسلم في الحقيقة سائر إلى الله ما دام يفعل ما أمره الله عز وجل وله حظه من مقامات السير بذلك ولكن البحث عن الكمال الوصول إليه وإتيان البيوت من أبوابها ومعرفة المصادر والموارد والبدايات والنهايات والحدود والقيود للمقامات كلها دنياها وعلياها. هذا الذي يطلق عليه اسم السير الكامل ومن هنا ندرك غلط الذي لا يتصور أي سير لله عز وجل إلا من خلال التصوف. وندرك خطأ الذي يأخذ على أصل وجود طريق التصوف والسير فيه وهو شيء ذكرناه في كتاب جولات رداً على من ينكر وجود علم التصوف وهنا نريد أن نرد على غلاة الصوفية الذين لا يتصورون سيراً إلى الله بدون سير على يدي أهل الطريق إذ الصحابة رضوان الله عنهم ومن بعدهم إلى أن تقعدت قواعد علم التصوف ما كان لهم همٌّ إلا دراسة الكتاب والسنة وتطبيق ذلك فإن لم يكن هذا سيراً فما هو السير؟ ومن هذه النقاط البسيطة يستطيع المسلم أن يدرك بعض ملامح هذه الرسالة فلنكتف في هذه المقدمة بذلك. ولا شك أن الكتابة في هذا الموضوع ستثير كثيرين أصبح التصوف عندهم هو رأس البلاء وسبب الفساد. ولا شك أن هناك أسباباً كثيرة أوصلت هؤلاء إلى مثل هذه النتائج وهذا الوضع وجود هذه الأسباب ومع وجود هؤلاء الناس كتبت هذه الرسالة واعتبر كتابتي لها فريضة، فنحن في عصر مادي وهذا يقتضي منا أن نقابله بفكر مكافئ وبحيوية روحية عالية ونحن في عصر شهواني جاهلي وهذا يقتضي منا أن نقابله بأشواق روحية راقية مع تأمين الشهوات المباحة وإبقاء منافذها مفتوحة، ونحن في عصر قلما يوجد فيه من يضبط نفسه على مقتضى الأدب الإسلامي الرفيع وهذا يقتضي منا إلحاحاً على التربية النفسية الرفيعة وإذا كان هذا كله طريقه التصوف الصحيح السليم فإن الكتابة في ذلك أصبحت ضرورية، ثم إن الحركة الإسلامية الحديثة وهي حركة تجديدية في كل جوانب المجتمع الإسلامي لا بد... وأحد ملامحها الأصيلة أنها حقيقة صوفية من أن تكتب في هذا الموضوع فتجدد فيه معيدة إياه إلى أصوله الصحيحة ومنابعه الصافية ومبعدة عنه ما علق به من دخن كثير فتضع الأمور في مواضعها في هذا العلم وغيره. وإذا كانت هناك حساسيات عند أتباع هذا العلم فلا يقبلون مناقشة في عبارة من عبارات أهله أو في تصرف من تصرفاتهم، وإذا كانت هناك حساسيات عند المنكرين عليه فلا يقبلون اسمه ولا أهله ولا مباحثه ولا الكلام فيه فإن المجددين في هذه الأمة لا يسعهم أن يقابلوا أمثال هذا كله إلا بكلمة الحق الصادقة والواضعة الأمور في مواضعها فهذا وحده الذي يحسن بالعالم وتصلح به الأمة وإذا لم يفعل العالم ذلك فإنه لا يكون قد أدى الأمانة، أمانة العلم في جيله.

إن تسعين بالمائة من الأمة الإسلامية خلال قرون متعددة لهم صلة بالتصوف وأهله بشكل من الأشكال إما بالاشتغال فيه أو بالتلمذة على أهله أو بالصلة بهم أو بالثقة فيهم أو بالانتساب الاسمي لهم أو لمن تتلمذ عليهم ولا زال التصوف وأهله حتى الآن هم الذين يصلون إلى بيئات ومناطق لا يصل إليها غيرهم فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا الأمر وحده كاف لأن يعطي المبرر الكبير للكتابة في هذا الموضوع لتحريره وتنقيحه ووضع الأمور في مواضعها فيه فلا يكفي أن تذكر الخطأ في شيء وإنما عليك أن تبين الصواب فيه ولا يكفي أن تهدم بل عليك أن تبني وعليك دائماً أن تقدم البديل الصالح للمبدل عنه الخاطئ خاصة إذا كان ما أنت فيه يستحيل الاستغناء عنه أو التفريط فيه أو تجاهله. لا بد من صيغة صحيحة كبديل عن الأساس الواهي أو الضعيف ولا بد من بيان الحق في كل أمر ومن جملة ذلك مباحث علم التصوف وأفعال أهله وأقوالهم وهذا وحده مبرر كاف للكتابة في هذا الموضوع على أن الأمر أوسع من ذلك وضرورات الكتابة في هذا الموضوع أكبر بكثير مما يظنه الظانون فالقلب والروح والنفس والعقل والجسد وأشياء كثيرة كبيرة كلها تقتضي بياناً من العاملين في الدعوة إلى الله وإذا لم يؤدواة واجب البيان الصحيح يبقى للضلال سلطانه على النفوس بواسطة البيان الخاطئ ويبقى للمستغلين لقضايا التطلعات العليا للقلوب والأرواح سلطانهم على من يسمع لهم دون أن يكون لديه ميزان صحيح أو معرفة سليمة من خلالها يعرف ما يسمع وما لا يسمع وما يقبل وما لا يقبل وما يجب فيه الرفض وما يجوز فيه القبول وما محل ما يلقى إليه وما يدعى إليه في شرع الله... وإني لأظن أن أكثر ما سيذهب الإتكار علي فيه في هذه الرسالة هو قضية الاسم فهناك ناس لا يطيقون أن يسمعوا اسم تصوف وصوفية ولهؤلاء أقول على رسلكم فهذا التاريخ بيني وبينكم إنه لم ينكر خلال العصور اسم التصوف أحد من الناس لأنه اصطلاح على علم كعلم النحو والبديع والمعاني والفقه وغير ذلك ولا مشاحة في الاصطلاح كما يقول العلماء وحتى في عصرنا هذه فتاوى ابن تيمية خرج منها مجلدان تحت اسم التصوف والأخلاق ولم أر على ذلك منكراً فأرجو التأني في الإنكار على قضية لا مبرر للإنكار فيها أصلاً إذ ما مبرر الإنكار على اسم مباح أطلق على علم من العلوم حتى أصبح علماً عليه فإذا تجاوزنا هذه النقطة وينبغي تجاوزها فإن المضمون هو الذي ينبغي أن يكون محل النقاش فليكن همنا هو الوصول إلى الحق في المضمون أكثر من مناقشة في جانب لا يترتب على النقاش فيه أي طائل.

ولقد حاولنا في هذه الرسالة أن نقدم نوعاً من التصوف المحرر على أصول الكتاب والسنة ومذاهب أهل الحق لإيماننا أن هذا وحده الذي يجب أن يكون وأن يصير إليه الناس جميعاً. فالطريق إلى الله لا يمكن أن يلغى بل يجب أن يوجد ولكن ينبغي أن يحرر ويدقق وتحرر مسائله تحريراً دقيقاً فليس الصوفية ولا غيرهم معصومين والمعصوم هو الكتاب والسنة وقديماً قال أكبر أعلام الصوفية في عصره أبو سليمان الداراني رحمه الله "ربما وقعت النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة لأن الله عز وجل ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها لي فيما سوى ذلك" ومن هنا ندرك خطأ الصوفي الذي يريد أن يجعل كل حرف قاله صوفي معصوماً والذي يريد أن يجعل لكتب الصوفية من العصمة ما للكتاب والسنة، إن أمثال هؤلاء لا فارق بينهم وبين غلاة اليهود والنصارى الذين قال الله عز وجل فيهم {إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم} فإن كان رأينا في أمثال هؤلاء كذلك فرأينا في الذين يرفضون أصل علم التصوف وما فيه لمجرد أن وجد خطأ فيه هو أن هؤلاء يجانبون الرأي الصحيح في هذا الموضوع فيقابلون خطأ بخطأ ويتصرفون برد فعل انفعالي غير عقلاني ولا متزن في هذا الموضوع... ولقد حاولنا في هذه الرسالة أن نضع قدم المسلم في سير إلى الله صحيح وخال من الخطأ وحاولنا أن نرسم الطريق لوجود طبقة من الورّاث الكاملين لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحملون دعوة الله كاملة ويربون الناس ظاهراً وباطناً على الحق فإن أصبنا في ذلك فلله الحمد وإن أخطأنا فإننا نستغفر الله ونحن على استعداد إذا قامت الحجة على خطأ منا أن نتراجع عنه جهرة فإن الحق وحده هو الذي نحرص عليه ونحرص على التمسك به وإنّ في قول الله عز وجل {ونكتب ما قدموا وآثارهم} لعظة لنا ولغيرنا تحول دون مجانبة الحق خشية من الخلق، ونحب أن نؤكد أنه إذا كنا في هذه الرسالة قد حاولنا ابراز ماهية سير صوفي محرر فحملنا خلال ذلك على انحراف وصححنا خطأ وأيدنا حقاً فإننا في ذلك نأت بدعاً من الأمر فلم يزل العلماء خلال العصور يقررون السير إلى الله ويؤيدونه ويهاجمون المتصوفة الخاطئين أو المبتدعين أو الجاهلين ولم يزل المتصوفة أنفسهم يبرزون الجوانب الإيجابية في هذا العلم ويحملون على الخطأ في التطبيق ولنضرب على ذلك مثالين مثالاً عن العلماء ومثالاً عن الصوفية:

1- في مقدمة كتاب / كفاية الأخيار / في فقه الشافعية يقول مؤلفه: "أعلم أن طلاب العلم مختلفون باختلاف مقاصدهم، وهممهم مختلفة باختلاف مراتبهم فهذا يتطلب الغوص في البحر ونحوه لنيل الدرر الكبار وهذا يقنع بما يجد في غاية الإختصار، ثم هذا القانع صنفان أحدهما ذو عيال قد غلبه همُّ الرزق والآخر يتوجه إلى الله تعالى بصدق وجد فلا الأول يقدر على ملازمة الخلق والسالك مشغول بما هو بصدده ليله ونهاره مع نفسه في قلق فأردت..." لاحظ قوله: والسالك مشغول بما هو بصدده ليله ونهاره مع نفسه في قلق، فهنا كلام عن سالكين متوجهين إلى الله عز وجل وفي مقام آخر من كتابه يحمل على الصوفية. من هذا كله ندرك أدب العلماء فالسلوك إلى الله مطلوب، وجوانب الخطأ تُقَوَّمُ هي وأهلها في الله ولننتقل إلى المثال الآخر.

2- في قصيدة المباحث الأصلية لابن البنا السرقسطي وهي قصيدة لها عند الصوفية مقام كبير، يقول في مقام من هذه القصيدة: هذا الطريق من أجل الطرق، فأفهم هديت وأقتده بنطق.

ثم هو نفسه يقول في مقام آخر:

فهذه طريقة قد درست

وشجرة أغصانها قد يبست

كانت إذن موارداً شريفة

فاستبدلت مذاهباً سخيفة

قد أسست على صحيح العقل

وإنها الآن بمحض الجهل

يدعى الذي يمشي عليها سالك

وسالكوها اليوم حزب هالك.

ثم يقول بعد أبيات:

يا قاصداً علم الطريق السالف

لا تقتد بهذه الطوائف

ما منهم من علم المقصودا

منه ولا الوارد والمورودا

لم يعرفوا حقيقة الطريقة

فالقوم جهال على الحقيقة

فاحذرهمو خشية يفتنوكا

وأترك سبيلاً لم يزل متروكاً.

وإذن فما جرينا عليه هو أدب العلماء والصوفية بآن واحد خلال العصور نقول هذا ليعرف الصوفي والعالم بآن واحد أننا لم نأت بدعاً من الأمر بل ما نحن فيه هو الذي يجب أن يصار إليه والعبرة للتحقيق والحكم الفصل للنصوص قال تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} الصدر مفتوح لكل كلمة حق تقال سواء قالها صوفي أو سلفي بلا حساسية من أحد فلا يليق بطالب علم أن يكون إلا عاشقاً للحق باحثاً عنه إذا عثر عليه اعتنقه أما ما سوى ذلك فشأن أهل الأهواء...

1- إن للتصوف فيما آل إليه جانبين: جانباً عملياً وجانباً نظرياً والجانب العملي منه ما هو متفق مع السنة ومنه ما يخالفها والجانب النظري فيه منه ما هو من باب الكشوفات والإلهامات ومنه ما كان شرحاً لطريقة التحقق بالعقائد وأخلاق النفس. والمعركة القائمة حول التصوف إنما تدور بسبب بدع الأعمال وبسبب الكشوفات والإلهامات وسنحاول أن نضع الأمور في مواضعها في الكثير من هذه الأمور في هذه الرسالة إن شاء الله تعالى.

2- إن علينا في أمر التصوف واجبين: الأول: أن ندل الإنسان عل السير الصحيح إلى الله عز وجل ليصل المسلم بذلك إلى أن يكون عنده مناعة ضد الوقوع في أسر جاهل أو جهل وكل ذلك من أجل الوصول إلى تربية صوفية رفيعة وواقعية وهذا الذي حاولنا فعله ولكن هذا كما قلت سيدخلني في صراعات مع جهات متعددة بعضها صوفي وبعضها سلفي وبعضها ذو حساسية خاصة أمام هذه الأمور. سيقول بعض الصوفية إن هذا ما شم رائحة الذوق الصوفي وأنه لم يعرف اصطلاحاتنا وأنه لا يحق له أن يتكلم في شيء لا يعرفه وسيقول بعض أعداء التصوف إن في هذا الكتاب خدمة لحلقات الصوفية القائمة. إذ كثيرون سيقرؤونه ويقتنعون بالسير وتكون الحصيلة أن يذهبوا إلى شيخ من شيوخ الصوفية غير المتحققين بما ذركت والذين يربون على الغلط فيسلكون على يديه وسينسون ما ذكرت أو يفتنون بغيره. وسيتهمنا بعض الناس أننا قطاع طريق ومناعون للخير. ولعله لهذه الأسباب ولأسباب كثيرة مثلها بقيت متردداً آماداً كثيرة في الكلام عن هذه المواضيع فكم مرة وصلت إلى قناعة بضرورتها وكم مرة وصلت إلى قناعة بأن على ألا أفعل وأن أكتفي بسلسلة / الأساس في المنهج / عنها وأخيراً شرح الله الصدر للكلام ولله الحمد ولم يعد في العمر فسحة حتى أحسب للخلق حساباً ولم يعد في النفس مكان لأن يثنيني مدح المادحين أو قدح القادحين عن أن أقول لهذه الأمة الحبيبة إليّ: أمتي الإسلامية كل ما ينبغي أن يقال لها. وبالإجمال أقول لأصناف الناس الذين ذكرتهم.

i. لقد تتلمذت في باب التصوف على من أظنهم أكبر علماء التصوف في عصرنا وأكثر الناس تحققاً به وأذن لي بعض شيوخ الصوفية بالتربية وتسليك المريدين واشترطت عليه أن لا أقيد نفسي بطريقة وألا أتقيد في هذا الشأن إلا بالكتاب والسنة. أقول هذا ليعرف الصوفية أنني أتكلم بفضل الله عن علم وذوق وليعرف غيرهم أنه لا يستهويني إلا الكتاب والسنة.

ii. إن الله عز وجل يقول: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} فنحن مهمتنا التبصير والله عز وجل يقول {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه}.

iii. إنني حريص على أن يوجد نوع من التصوف السلفي له شيوخه وحلقاته: حلقات العلم والذكر وليس أمالي غير هذا الطريق.

iv. لست حريصاً على أن ينفض الناس عن شيوخهم ولست حريصاً على أن ينقطع خير بل على العكس من ذلك أتمنى أن تزداد الصلات الطيبة بين الناس وأن تكثر حلقات الخير والعاملون لها ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيماً على أصول الشريعة وفروعها وألا يكون على حساب واجبات أخرى.

v. لقد ظهر من خلال التجربة للحركة الإسلامية المعاصرة أن الشيء إذا لم تكن أبعاده واضحة لا يؤتي ثماره والحركة الإسلامية المعاصرة اعتمدت التربية الصوفية فكراً وسلوكاً بشكل مجمل فقد ذكر الأستاذ البنا في رسالة التعاليم كيف أن مرحلة من المراحل طابعها صوفي من جانب وفي جانب آخر وذكر في رسالة المؤتمر الخامس أن من خصائص دعوتنا أنها حقيقة صوفية وترك في مذكراته لمريد التربية الخاصة الحرية في أن يسلك طريق ذلك وذلك في معرض الكلام عن موقفه من التصوف ولكن الذي حدث أن تفصيلاً سلفياً في السير إلى الله لم يتم فكان من آثار ذلك أن كثيرين من أبناء الحركة الإسلامية كانوا يستشعرون فراغاً وخواء روحياً فأدى ذلك ببعضهم إلى السلوك على يد شيخ أو شيوخ لم يعرفوا حقيقة الدعوة الإسلامية المعاصرة وضرورتها فحرفوهم أن صرفوهم عن واجبات هي في الذروة من فرائض الله في هذا العصر.

vi. وأخيراً فإن عصرنا عصر الشهوة وعصر النزوة وعصر المادية ولا بد أن نقابل هذه الأشياء فيه بما يكافئها ويقابلها وبجزم أقول: إن التربية الصوفية وحدها هي التي تقابل ذلك: فالشهوة لا يحل مشكلتها المقال وحده بل لا بد من الحال ولا بد من البيئة والتربية، والمادية لا يكافئها الكلمة وحدها بل لا بد من الشعور والذوق والاحساسات الإيمانية مع المقال، والتمرد لا يعالج بالكلمة وحدها بل يعالج بالإخبات لله والتقوى والورع والأدب وهذه طريقها العملي هو التصوف، فإذا اتضح هذا كله لم يبق إلا أن يناقش مناقش ولماذا اسم التصوف والجواب كما قلت من قبل ولماذا اسم النحو ولماذا اسم البديع ولماذا اسم الصرف؟ إنه مجرد اصطلاح على علم نشأ كما نشأت بقية الاصطلاحات وتأكد خلال العصور، ومن الابتداء أحب أن أسجل (ولو كررت) أكثر من أمر حول هذه الرسالة.

1- إنني أريد في هذه الرسالة أن أضع قدم المسلم في طريق السير إلى الله ليذوق حقيقة الإيمان وبنفس الوقت أريد أن يتعرف المسلم على معنى الحقيقة الصوفية التي هي إحدى سمات دعوة الأستاذ البنا رحمه الله ولم أرد أن استوعب موضوع التصوف من بدايته إلى نهايته فذلك بحث هو أليق بالدراسات العليا وبأهل الإختصاص، وأنا أكتب لكل إنسان.

2- كما أنني أريد من هذه الرسالة ورسالة / جولات في الفقهين / أن أضع قدم المسلم على الطريق للدراسات الصوفية بحيث يقرأ كتب التصوف وبيده ميزان أو مصباح على ضوئه يسير، وبه يزين ما يقرأ، ومن ثم فأنا لا أعتبر هذا الكتاب إلا سلماً للقراءة في كتب التصوف وخاصة كتب / المحاسبي والغزالي رحمهما الله وخاصة الرسالة القشيرية للعالم الفارس المجاهد أبي القاسم القشيري ولا أنس أن أذكر برسالة المسترشدين للمحاسبي وتعليقات الشيخ عبد الفتاح أبي غدة حفظه الله عليها.

3- ليست هذه الرسالة كما سنرى بديلاً عن الصحبة والاجتماع ولا تغني عن توجهات الشيوخ العالمين العاملين الواعين البصيرين بأحوال العالم وأحوال المسلمين والقادرين على نقل الإنسان من حالة دنيا إلى حالة عليا في الصلاح ولكنها تدل على النوعية التي ينبغي أن يبحث عنها الإنسان ليأخذ عنها وتدله على طبيعة الأخذ وتحذره من جوانب الخطأ وهي في الوقت نفسه كافية كنقاط علاّم على الطريق إلى الله إذا فقد الإنسان أمثال هؤلاء أو هي زاد الطريق ريثما يعثر الإنسان على أحد منهم يستريح للأخذ عنه عقل العالم ويستروح له قلب الفقيه ثم إذا أخذ منه على بصيرة على أنه إذا التزم الإنسان بما فيها فإنني مطمئن إلى أنها تغنيه وتكفيه في سيره إلى الله بما فيه نجاته عند الله إن شاء الله ثم أنني أجيز كل مسلم أحس منه نفسه فهماً صحيحاً لها وطبقها وظهرت عليه آثار التطبيق أن يقرئها وأن يربي عليها وخاصة طلاب العلم من خريجي كلية شريعة أو أزهر أو متخرجين على شيوخ.

4- إنني لم أبق في هذه الرسالة على فراغ ولم أنشئ علماً من عند نفسي بل أخذت الكثير مما تيسر لي أن أقرأه من كتب الصوفية ما أن لي تجربتي، ونحن في عصر يمر على هذه الأمة يختلط فيه الخير بدخن، قال حذيفة سائلاً رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن[1] أذكر هذا لأنه قد يقول قائل إن كاتب هذه الرسالة قد نقل النقل الفلاني عن الكتاب الفلاني الذي فيه كيت وكيت مما قد أعتبره أنا في نفسي من الدخن الكثير، بفعل ذلك ليسفه الرسالة وصاحبها ويهدم قيمة هذا الجزء الذي نقلته وإني لأرجو أن لا يقع المنصف في مثل هذا لأن الخير قد يختلط بالدخن فقد نجد كتاباً فيه الدخن الكثير ولكن فيه الخير الكثير أيضاً فإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يحول بيننا وبين أخذ الخير وجود هذا الدخن كما لا يصح لإنسان أن يلزمني بكل كلمة قالها مؤلف في كتاب على أن كلمته تمثل رأيي بمجرد أنني نقلت عبارة أو سريت على مسرى صاحب هذا الكتاب.

5- إنني أفهم حركة الأستاذ البنا ودعوته على أنها حركة حاولت أن تجمع فيها كل الخير الموروث محررة إياه من دخنه وكل الخير اللازم لهذه الأمة على أن يكون بلا دخن بل إنني أفهم أن هذا هو الواجب الأول للحركة الإسلامية المعاصرة. لقد انطلق العمل السياسي في الأرض الإسلامية بلا ضوابط ولا قيود وأراده الأستاذ البنا بناءاً منضبطاً بالإسلام خالياً من الدخن منطلقاً على أساس صحيح. وانطلقت الحركة السلفية في أكثر الأقطار بمفاهيم غامضة وأحياناً خاطئة وبطرق يختلط فيها الهدم بالبناء فأرادها الأستاذ البنا سلفية منضبطة واضحة المعالم تعرف ما ينبغي تهديمه وما ينبغي بناءه وورثت الأمة الإسلامية إرثاً ضخماً من كتب التصوف ودوائره المتمثلة بمئات الطرق الصوفية وفي خضم الإرث تجد خيراً كثيراً ودخناً كثيراً فأرادها حقيقة صوفية... وقل مثل ذلك في كل شيء ولم يكن حسن البنا رحمه الله مخطئاً عندما جعل من سمات دعوته أنها حقيقه صوفية لأمور:

أ‌- لأن التصوف نزعة أصيلة في النفس البشرية فلا بد أن تكون جزءاً من دعوتنا ولا بد أن تكون لنا مدرستنا الخاصة فيها.
ب‌- لأنه ليس أمامنا خيار في الرفض المطلق للإرث الصوفي ولا في القبول المطلق فكان لا بد من وجود ميزان للأخذ وميزان للرفض.
ت‌- إنه بدون الاستفادة من التجربة الصوفية قد لا نستطيع أن نعالج الكثير من أمراض النفس البشرية التي عقدتها مسيرة الحياة وطبيعة العصر فكما أن الكثير من المسائل اليومية احتجنا للإجابة عليها لرأي الفقيه فإن الكثير من المسائل العقلية والروحية والنفسية نحتاج فيها لتجربة المجرب وفيما كتبناه في رسالة جولات وفي هذه الرسالة ما يكفي للإقناع بأن الأستاذ البنا كان على غاية الصواب إذ جعل من سمات دعوته الرئيسية أنها حقيقة صوفية.

6- لقد جعل الأستاذ البنا رتبة النائب واحدة من رتب العضوية داخل الجماعة الإسلامية وإنني إذ أعتبر أن نقطة البداية في صحة أمتنا هو المجدد كما أوضحت ذلك في رسالة من أجل خطوة إلى الأمام... / من سلسلة في البناء / فإنني أعتبر أن وجود طبقة من الوراث الكاملين يغطون احتياجات الدعوة بما يسع الأمة أعتبر ذلك هو الخطوة اللاحقة التي لا بد منها بعد وجود المجدد وأي فشل في ذلك إنما هو فشل في الصميم وإنني أعتبر أن رتبة النائب في الجماعة هي التي تقابل كلمة الوارث الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي تقابل رتبة الشيخ المربي في اصطلاح الصوفية وإنني أحلم من خلال هذه الرسالة أن أساعد على وجود النائب في الحركة الإسلامية بحق فلا تبقى هذه الرتبة بلا مضمون صحيح.... إن الصوفية عندهم اصطلاح المرشد الكامل ولقد كان الأستاذ البنا مرشداً كاملاً بشهادة كبار الصوفية أنفسهم وكان كذلك مجدداً والأخوة النواب هم خلفاؤه الحقيقيون وهي قضية يجب أن تأخذ مضمونها الكامل في الدعوة. ولا يصح أن نربط بين هذه الرتبة وبين زي بعينه فحتى الصوفية تجاوزوا هذا المعنى فكم من مرشد عندهم لا يقيد نفسه بزي العلماء أو هيئة تخالف ما ألفه الناس هذا مع حرصنا على الزي الإسلامي والهيئة النبوية، إن هذا كله يجعل هذه الرسالة جزءاً من البناء الإسلامي.

لقد جربت كثيراً ورأيت كثيراً ونادراً ما وجدت كمالاً في النفس أو إحساناً في السلوك أو قدرة على التعامل العاقل إلا إذا وجدت تربية إسلامية صوفية صافية وذلك لأن مفاتيح النفس البشرية إنما هي في هذه التربية وأصولها وقواعدها لأن الصوفية هم الذين ورثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تربية النفس وتزكيتها وتخصصوا لذلك وتفرغوا له وفطنوا لما لم يفطن له غيرهم وقامت لهم فيه أسواق من التجارب الثرة في كل عصر فما لم يأخذ الإنسان عنهم تبقى نفسه بعيدة عن الحال النبوية، إن الصوفية هم الذين ملكوا العلم الذي تتهذب به النفوس البشرية، إنْ في علاقتها مع الله عز وجل أو فيما سوى ذلك من القدرة على التعامل مع الناس... ولقد درجت الحركات الماسونية على أن تسمي الإنسان الذي لم ينتسب إلى المحافل الماسونية حجراً غشيماً لأنه ليس منحوتاً بحيث يمكن أن يأخذ محله المناسب في بناء المجتمع والذي نقوله: إن الماسونية يمكن أن تنحت الحجارة ولكن تبقى الحجارة حجارة في قسوتها {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} لكن التصوف والبيئات الصوفية هي القادرة على إيجاد الإنسان في كمالاته كلها الإنسان الذي يقوم بفرائض العبودية لله والإنسان الذي يقدم أعظم العطاء في باب التعامل مع الآخرين فيقوم بذلك مجتمع كله أدب وكله تراحم وكله عطف وكله مودة وكله إيثار وكله لطف... ولكن خلط بعض الصوفية الخير بكثير من الدخن فأثر على الهيكل العام للبناء ومهمتنا في هذا العصر أن نوجد التربية الصوفية الكاملة الصافية وذلك بزرع بيئات صوفية صافية على أن يأخذ التصوف محله في مجموع الإسلام فلا يكون ملاذاً لكسل أو هرباً عن جهاد....

وهناك ناس يطرحون دائماً سؤالاً وفي كل حال إذا أعيتهم الحجج وهو: أليس في الكتاب والسنة ما يغني عن هذا الكتاب والجواب: نعم ولكن هذا الكتاب يجمع المثل إلى المثل ثم إنه ليس كل إنسان بقادر على أن يقرأ الكثير ويستوعب الجميع ويربط بين المواضيع ولا بد للإنسان من أساس موضح ونقطة انطلاق سريعة المتناول ومن ثم كان هذا الكتاب فإذا كان الكتاب مقيداً بالكتاب والسنة ومحرراً على ضوء ذلك فالانكار عليه خطأ لأن المنكر عليه ينبغي أن ينكر على أي كتاب ألف إذْ أليس في الكتاب والسنة ما يغني ويكفي... وهذا الذي ذكرته في الجواب ههنا هو في الحقيقة السر في نشأة هذا العلم ونشأة كل علم لقد وجد علم التصوف واستقر... وكما قررنا في رسالة جولات لم يكن ممكناً ألا يوجد وأن لا يستقر فعندما تقرأ الكتاب والسنة تجد كلاماً كثيراً عن القلب والإيمان والذوق وأمراض القلوب ودواء هذه الأمراض وتجد كلاماً عن صمم القلب وعماه وعن سلامته وسقمه وعن تقواه وفسوقه، وعن النفس البشرية عن زكاتها وعن فجورها وأمثال هذه المعاني فشيء عادي أن يسجل علماء المسلمين كل ما له علاقة بهذه المعاني وهذه القضايا ضمن سجل خاص وأن ينشأ نتيجة لذلك علم خاص في كل ما له علاقة في حيثيات هذه المعاني، وكان هذا العلم هو علم التصوف والسلوك فليس المستغرب إذن أن يوجد هذا العلم بل المستغرب ألا يوجد إذ دأب علماء المسلمين أن يكتبوا في كل موضوع على حدة فيضموا الشيء إلى نطيره ومثيله ويشرحوا ويفصلوا ويجيبوا على أي سؤال له علاقة في هذا الموضوع ومن ثم وجد العلم وتطور وحدث له ما يحدث لكل علم من التصدي له ممن ليس من أهله والتأليف فيه ممن يتقنه أو لا يتقنه ومن منحرف فيه ومستقيم، إنه ليس غريباً أن يوجد العلم الذي يسجل فيه المسلمون خلال تاريخهم ملاحظاتهم وتجاربهم الخاصة في موضوع السير من الغفلة عن الله إلى اليقظة ومن الشرود إلى الالتزام ومن مرض النفس والقلب إلى صحتها ولكن المستغرب ألا يوجد، فإذا وجد العلم ووجد المختصون فيه ووجد الآخذون له فقد قام سوقه كيف وهو علم يحتاجه كل مسلم، وإذا كان كذلك فشيء عادي أن تقوم له مدارس وأن يكثر فيه الأخذ والرد وأن توجد أشياء كثيرة ترافق هذا العلم وتعتبر من مكملاته أو لوازمه وشيء عادي أما الطريق الأقصر للراغب أن يتعلم أو يتعرف أو يعمل، أن يقرأ هذا العلم في كتبه وأن يأخذه من معدنه، وفي هذا المقام يقال ما يقال في غيره من العلوم: الكتاب والسنة فيهما بيان كل شيء ومن ذلك ما له علاقة في هذا العلم ولكن..

هل كل إنسان أحاط في الكتاب والسنة وعنده قدرة أن يجمع النظير إلى النظير وأن يعرف تفصيل المجمل وأن يضع الأمور في مواضعها وهل الناس متساوون في الفهم وفي بعد النظر وفي عمق الإدراك، إن الذين ينفرون المسلم العادي عن أخذ العلوم عن كتبها وأهلها يطوِّلون عليه الطريق بل يمنعونه من الوصول فكما لا يقال للمسلم تتبع موضوع الناسخ والمنسوخ من كتب التفسير إن أردته وكما لا يقال للمسلم تتبع أسباب النزول من مطولات كتب التفسير مع وجودها فيها بل يقال له أقرأ كتاب الناسخ والمنسوخ لفلان وأسباب النزول لفلان فهكذا هنا وفي كل علم فذلك الطريق الأقصر لتحصيل العلم والتعرف عليه. فإذا كان لا بد من وجود علم فلا بد كذلك من تحريره وتنقيحه فكيف إذا حدث لهذا العلم ما حدث لعلم التصوف من كونه سار في واد التصوف العملي سار في واد آخر. ونقصد بعلم التصوف ههنا التصوف العلمي المحرر على ضوء الكتاب والسنة والمرضي من قبل العلماء الراسخين في العلم فإذا اتضح هذا كله فإن عذرنا في كتابة هذه الرسالة أصلاً وفي تسميتها هذه التسمية أصبح قائماً... وإنما أطلنا في الاعتذار لكتابة هذه الرسالة وأطلنا في تبيان الضرورات التي ألجأتنا لكتابتها لأن كثيرين من إخواننا الذين نحبهم ويحبوننا يتمنون لنا ولأنفسهم أن نبقى في معزل عن المعارك العلمية الدائرة رحاها بين المسلمين اليوم لنكون أداة جمع للجميع على الخير ونشكل قاسماً مشتركاً بين الجميع لصالح معركة الإسلام وأنا أحرص على ما يحرصون ولكن عملية البناء لأنفسنا لا تعفينا عن أن نطرق هذه المواضيع وعملية البناء تأتي دائماً في الدرجة الأولى...

ولقد أهملت في هذا الكتاب بحث كثير من الأمور التي لا أعتبر أن بحثها يخدم شيئاً من الناحية النظرية أو العملية إلا خدمات استثنائية لا تذكر لاعتقادي أن مثل هذه الأمور يجدها الإنسان في أي كتاب ولا يترتب على قراءتها في هذه الكتب ما يمكن أن يسبب ضرراً أصلاً ولذلك أعفيت نفسي من الإشارة إلى كثير من المباحث حرصاً مني على أن تبقى هذه الرسالة مختصرة جداً لا يمل منها قارئها ولا يضيع قارئها في ثنايا الحيثيات عن الجوهر الأصيل وأنا من طبيعتي أنني لا أحب أن أكتب في أمر إلا حيث أجد ضرورة لذلك وبالقدر الذي تحتاجه هذه الضرورة وههنا الأمر كذلك فإذا رأى راءٍ أنني لم أسر في هذا التأليف على الطريق المعتادة عند المؤلفين من كونهم يهتمون بذكر الاسم وسبب التسمية وغير ذلك مما يعتبرونه أركاناً في التأليف في أي علم فذلك لاعتقادي أن هذا متوافر في أي كتاب آخر والذي أحرص عليه هو أبعد من أن تكون هذه الرسالة إضافة لكتاب في علم على ما لذلك من مبررات ولكن أعتبر ذلك مهمة المختصين ولا أعتبر نفسي واحداً من هؤلاء في أي اختصاص وإنما أنا مساعد في عملية البناء فما تقتضيه هذه العملية أعتبر من واجبي أن أبذل فيه جهداً بقدر استطاعتي أقول هذا معتذراً عن القصور الذي يمكن أن يؤاخذني فيه قارئ هذه الرسالة إذا لم يجد فيها بعض ما يجب أن يكون على أنني أظن أنني لم أفرط في جوهر ينبغي أن يعرف ولا يصعب على القارئ أن يمد يده إلى مثل الرسالة القشيرية – لأبي القاسم القشيري أو لكتاب قواعد التصوف للشيخ أحمد الرزوق ليجد جواباً على أي موضوع أهملته أو أهملت التوسع فيه وكم أتمنى له طبع هذان الكتابان مع التعليق المختصر عليهما من فقيه صوفي...

وأخيراً أقول: إن الكتابة في موضوع السير إلى الله ضرورة تقتضيها ضرورات متعددة فهذا الإنسان له ما يسمى بالنفس وما يسمى بالعقل وما يسمى بالقلب وما يسمى بالروح وكل واحد من هذه المعاني عوالم عجيبة غريبة لا تنكشف للإنسان إلا من خلال السير إلى الله عز وجل ومن ثم كان السير إلى الله عز وجل ضرورياً للإنسان ليعرف الإنسان ذاته وما انطوى عليه ومن ثم كان الإنسان الذي لا يسير إلى الله لا يعلم شيئاً كثيراً عن آفاق النفس وآفاق الذات وهذا سبب أول يدفع الإنسان نحو السير إلى الله عز وجل. والسير إلى الله عز وجل هو الطريق الوحيد للمعرفة الصحيحة الذوقية الشعورية لله عز وجل فإن الإنسان يجهل الكثير عن خالقه عز وجل ما لم يسر إلى الله عز وجل حتى لو كان مؤمناً ففارق كبير بين الإيمان العقلي النظري وبين الإيمان الشعوري الذوقي وهذا سبب ثان يدفع الإنسان إلى السير إلى الله عز وجل والنفس البشرية تمرض ولا تصح إلا بسلوكها الطريق الصحيح إلى الله عز وجل، والنفس البشرية مطالبة بعظيم من الأخلاق ولا تنال الفلاح بدونه وهذا لا تتحقق به بدون السير إلى الله عز وجل وهذا سبب آخر يدفع إلى السير إلى الله عز وجل.. ومن ثم كان السير إلى الله عز وجل واجباً على درجات تختلف باختلاف الاستعدادات فلا بد من سير وعلى قدر الهمم تكون درجات السائرين قال تعالى: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس].

وقال {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج]. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "لوكان الإيمان في الثريا لناله رجال من أبناء فارس" (رواه البخاري)... والسير إلى الله عز وجل يقتضيه التنفيذ الواعي الحكيم لأوامر الله عز وجل فالذي لا يعرف أصول السير إلى الله والغاية منها يفوته الكثير من تنفيذ الأوامر الإلهية كقوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وكقوله تعالى {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} كما يقتضيه تذوق المعاني الإسلامية الواردة في الكتاب والسنة كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} وكقوله عليه الصلاة والسلام "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"[2] فالسير إلى الله ضروري والكتابة فيه ضرورية ودفع الأوهام فيه ضروري وإنهاء الغلوّ في شأنه ضروري... وكل ذلك دافع إلى كتابة هذه الرسالة على أنه كما قلنا من قبل: "إننا نعتقد أن كل مسلم سائر إلى الله ما دام يفعل ما أمره الله عز وجل وله حظ من مقامات السير بذلك ولكن البحث عن الكمال والوصول إليه وإتيان البيوت من أبوابها ومعرفة المصادر والموارد والبدايات والنهايات والحدود والقيود للمقامات كلها دنياها وعلياها هذا الذي يطلق عليه اسم السير الكامل.

ومن هنا ندرك غلط الذي لا يتصور أي سير إلى الله عز وجل إلا من خلال التصوف ورداً على غلاة الصوفية الذين لا يتصورون سيراً إلى الله بدون سير على أيدي أهل الطريق إذ الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى أن تقعدت قواعد علم التصوف ما كان لهم همٌّ إلا في دراسة الكتاب والسنة وتطبيق ذلك. فإذا لم يكن هذا سيراً فما هو السير ومن هذه النقاط البسيطة يستطيع المسلم أن يدرك بعض ملامح هذه الرسالة فلنكتف في هذه المقدمة بذلك. ولشعورنا أن مجموعة من الأمور تحتاج إلى تصحيح قبل البدء بعرض موضوعات هذه الرسالة الخاصة بالتصوف جعلنا الباب الأول فيها / مدخل إسلامي عام / فإلى الباب الأول.

[1] رواه البخاري ومسلم.

[2] رواه أبو نعيم في الحلية وهو حديث حسن ومعناه في الصحيح.

الباب الأول - مدخل إسلامي عام

الباب الأول
مدخل إسلامي عام

الإسلام كما قال الأستاذ البنا "نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو حق وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء" وقال رحمه الله "فإننا نعتقد أن الإسلام معنى كامل ينتظم شؤون الحياة جميعاً ويتفي في كل شأن ويضع له نظاماً محكماً دقيقاً ولا يقف مكتوفاً أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس" وهذا الذي قاله الأستاذ البنا عن الإسلام هو عين الحق في شأن الإسلام وهو من أهم البديهيات التي غابت عن أذهان الكثير من المسلمين فضلاً عن غيرهم مع أن نصوص القرآن واضحة في هذا الشأن قال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} فكلمة / تبياناً لكل شيء / واضحة في أن القرآن قد غطى الحياة البشرية كلها بأعطائها الجواب الشافي في شؤون الهداية في كل أمر، وإنما غطى القرآن الحياة البشرية إما بالجواب المباشر وإما بقول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وحاله الذي هو شرح للقرآن، وإما بما أحال عليه الكتاب والسنة من طرق من خلالها تستنبط أحكام الإسلام في الأحوال العادية والأحوال لاستثنائية بما يسع الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وههنا مواضيع متعددة غفل عنها الكثيرون أو جهلها الكثيرون، فكما غفل كثير من الناس أو جهلوا قضية شمول الإسلام فقد جهلوا أو أغفلوا أخرى وهي قضية الإيمان إذ الإيمان بالإسلام كله شرط لاعتبار الإنسان مسلماً فإذا كان القصور العام عن الإسلام مخدوشاً فشيء عادي أن تكون قضية الإيمان نفسها مخدوشة... وكثيراً ما يحدث لبس في موضوع الصلة بين الإسلام والإيمان وكثيراً ما يحدث خطأ في فهم النصوص التي تذكر الإيمان والإسلام فاقتضى ذلك أن نوضح هذه القضايا.

إن كلمة الإسلام تطلق على الدين الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم والذي فصلته نصوص الكتاب والسنة وهو بهذا المعنى كما رأينا نظام شامل كامل يسع مسائل الحياة البشرية كلها ففيه العقائد وفيه العبادات وفيه الشرائع وله مؤيداته فهو عقائد وشرائع وشعائر وهو تغطية كاملة شاملة لأمر الدنيا والآخرة بما يسع الزمان والمكان. وتطلق كلمة الإسلام على وضع الإنسان الذي دخل في الإسلام فيقال: فلان أسلم بمعنى دخل في الإسلام ويقال إسلام فلان بمعنى إستسلام فلان وعمله في هذا الدين ومن ثم تطلق كلمة الإسلام على العمل فإذا أسلم قلب الإنسان وجوارحه لله في كل ما كلفه الله به ظاهراً وباطناً فذلك المسلم الحق قال تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وإذا أسلمت جوارح الإنسان دون قلبه فذلك المنافق ما دام كذلك وأما الإيمان فيطلق على مجرد التصديق القلبي مع الإذعان كما يطلق أحياناً على إيمان القلب وما يقتضيه ذلك الإيمان من آثار عملية وذلك هو الإيمان الكامل الذي وقر في القلب وصدقه العمل، قال تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً} [الأنفال: 02] وقال {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 16] وعلى هذا فالإيمان الكامل تصديق القلب وإذعانه مع عمل الجوارح بمقتضيات ذلك. فالإيمان الكامل والإسلام الكامل سواء بمعنى واحد إذ الإسلام الكامل إستسلام القلب والجوارح والإيمان الكامل هو تصديق القلب وتصديق الجوارح ومن ثم نجد القرآن يقول {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 26-27] فهؤلاء مسلمون ومؤمنون إيمانهم هو عين إسلامهم وإسلامهم هو عين الإيمان الكامل وأحياناً يتخلف الإيمان عن الإسلام كأن يدخل أحد في الإسلام ويعمل بأعماله ولم يصل نور الإيمان الكامل إلى قلبه. قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 15] فههنا عمل بالإسلام وتخلف في نورانية القلب في الإيمان إلا أن الآية تشعر أن العامل بالإسلام هو على الطريق للتحقق بالإيمان القلبي، فههنا إذاً نجد فارقاً بين كلمتي الإسلام والإيمان، إذا أدركنا مبدئياً هذه المعاني أصبحنا نستطيع أن نفهم لماذا تذكر بعض الأمور أحياناً على أنها من الإسلام ولماذا تذكر نفس هذه الأمور على أنها من الإيمان ولماذا تذكر بعض الأمور في سياق الكلام عن الإيمان المحض بمعنى التصديق وأحياناً تذكر بعض الأمور في سياق الكلام بمعنى عمل الجوارح وإستسلامها وفي هذه الجوانب كلها يقع نوع من الغلط أو يوجد نوع من القصور في الفهم والتصور. والملاحظ أنه كما حدث قصور في التصورات حول الإسلام فقد وجد قصور في التصورات حول مقامات السير في دين الله، وقصور في العمل في هذه المقامات نفسها هو أثر عن القصور في التصور العام.

إنه في الأحوال العادية إذا قبلت الدخول في دين الله – الإسلام – فعلي أن أعرف ماهية دين الله وعلي أن أعرف ما هو واجب الوقت في حقي وأن أنفذه سلباً أو إيجاباً تنفيذاً لأمر أو انتهاءً عن نهي وسيترتب على عملي في الإسلام أن يتنور قلبي وأن يزداد نور الإيمان فيه وكلما زدت في العمل ازداد نور الإيمان حتى يرتقي القلب إلى مقام الإحسان "أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه أبو نعيم في الحلية وهو حديث حسن) إذ مقام الإحسان هو ذروة مقام الإيمان بدليل الحديث "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله شاهدك حيثما كنت" (رواه الطبراني وأبو نعيم وهو ضعيف). وبقدر نمو الإيمان والتحقق بمقام الإحسان سنعكس ذلك على سلوكي استقامة وعملاً وإحساناً وبذلك أتحقق بالتقوى التي هي هبة الله لعباده قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} وبقدر الاستمرار على تقوى الله نكون مؤدين حق الشكر ونحن في سبيل الترقي فيه وهو أعلى المقامات وأرقاها، قال تعالى: {اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور}. وما التقوى إلا الطريق الموصل لهذا المقام، قال تعالى: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} [آل عمران: 123] إنه بقدر وضوح قضية الإسلام وما يجب عليّ فيه من عمل هو واجب الوقت وهذا يختلف سعة وشمولاً باختلاف أحوال الناس وبقدر وضوح قضية الإيمان في جانبيه العملي والذوقي وبقدر وضوح قضية الإحسان في جانبيها القلبي والذوقي والعملي وبقدر وضوح قضية التقوى في جوانبها القلبية والتصورية والسلوكية وبقدر وضوح قضية الشكر في القيام بحقوق العبودية الكاملة لله شكراً، إنه بقدر هذا كله يكون السير في دني الله صحيحاً وهذه مواضيع كثيرة فصلت فيها في أمكنة متعددة من سلسلة / في البناء / والأخطاء في شأنها كبيرة وكثيرة والأخطاء فيها كثيرة ولكثرة الأخطاء فيها فلا علينا لو عرضنا هذه القضية بتوسع أكثر مكررين بعض المعاني كعادتنا عندما نريد من القارئ أن يتنبه لقضية ما بشكل أدق...

رأينا أن الإسلام دين الله وأن الله عز وجل لم يترك قضية إلا وقد ذكر حكمها إما صراحة أو استنباطا فالإسلام على هذا هو مجموع أحكام الله في كل قضية في العقائد والعبادات وأنظمة الحياة، ويدخل في الإسلام الإيمان بنصوص الكتاب والسنة وبطرق استنباط الأحكام من الكتاب والسنة وعلى هذا فالإسلام شيء واسع إلى حد لا يتصور ويكفي لنتصور هذه السعة أن ينظر الإنسان إلى هذا الإرث الضخم من الكتب الفقهية التي تبلغ عشرات الآلاف وإلى هذا الإرث الضخم في كتب أصول الفقه وفي كتب العقائد وفي كتب التصوف وفي غير ذلك من التآليف من تفاسير وشروح لكتب السنة إلى غير ذلك. فإذا كان هذا هو الإسلام فما مجموع ما يكلف به الإنسان؟ وماذا ينبغي أن يأخذ كل فرد على حدة من هذا الدين؟ وما هي مقامات السير في هذا الدين إلى الله عز وجل؟... على الإنسان أن يقبل هذا الدين ويؤمن به فإذا قبله فعليه أن يبدأ العمل فيما هو مفروض عليه منه أو مندوب وأن يترك ما هو محرم عليه أو مكروه فيبدأ يتعلم ويتعرف ويأخذ حظه من الصلاة والزكاة والصوم وإذا جاءت أشهر الحج وكان عليه حجٌّ حجَّ ويذكر الله ويقيد نفسه بالكسب فلا يأخذ إلا حلالاً فهذا حظه من الإسلام بمعنى الاستسلام العملي لله وبالمعنى الوارد في قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات] ومن الآية ندرك أن استمرار الإنسان بالقيام بأعمال الإسلام يرشحه ليأخذ حظه من مقام الإيمان القلبي، لاحظ قوله تعالى: {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} يقول النحاة إن / لما / تؤذن كثيراً بتوقع ثبوت ما بعدها نحو / بل لما يذوقوا عذاب / أي إلى الآن لم يذوقوه وسوف يذوقونه. طبق هذا المعنى على قوله {ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} أي إلى الآن لم يدخل وسوف يدخل إذا استمررتم على ما أنتم عليه ولاحظ أنه سيدخل إلى القلوب، والمراد بالقلوب هنا القلوب التي في الصدور قال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46].

وهذا الموضوع سنتوسع فيه في ما بعد. إن الإنتقال من الإيمان العقلي إلى الإيمان القلبي الذوقي هو المقام الثاني من مقامات السير إلى الله في دين الله عز وجل إن كثيرين يبقى إيمانهم في حدود الأعمال الظاهرة والأقوال الظاهرة لاحظ هذا الحديث الصحيح: "سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي فههنا ظاهرة عبر عنها الحديث "إيمانهم لا يجاوز حناجرهم" فهو لا ينتقل من الحناجر إلى القلب أي لا يتجاوز الكلام إلى الفؤاد، إنها ظاهرة مرضية تعني انقطاع الإنسان عن السير في دين الله ووقوفه عند المرحلة الأولى منه... فإذا استطاع الإنسان أن يتجاوز هذه المرحلة فيصل عندئذ الإيمان إلى قلبه فإن هذا الإيمان يزداد ويزداد حتى يصبح شعوراً بصفات الله عز وجل وأفعاله وعندئذ يصل الإنسان إلى مقام الإحسان الذي عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (رواه مسلم). إن مقام الإحسان هذا هو ذروة الإيمان فإذا تمكن الإيمان في القلب أصبح إحساناً ولذلك ورد في الحديث "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله شاهدك حيثما كنت" (رواه الطبراني وأبو نعيم).

وبالجمع بين الحديثين ندرك أن الإحسان هو أفضل الإيمان ومن تعريف الإحسان في الحديث ندرك أن الإحسان هو عبادة الله في حالة شعورية محددة. والعبادة بشكل عام في دين الله توصل إلى مقام في دين الله أرقى وهو مقام التقوى قال تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 22] والتقوى هي مرحلة النضج الكامل للتفاعل مع الإسلام والإيمان والإحسان فهي علم وعمل وهي ملكة قلبية وسلوك وهي حالة ينسجم فيها العقل مع القلب مع الجوارح وهي في النهاية هبة الله لمن أسلم وعمل وأحسن قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17] فالتقوى هبة الله لمن اهتدى والهداية بدايتها الإيمان بالله قال تعالى {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11] والطريق إليها المجاهدة، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 70] إيمان بالله يرافقه مجاهدة النفس بالقيام بالعبادة وأعمال الإسلام توصل إلى التقوى التي هي إيمان واتباع كتاب كما ورد في أوائل سورة البقرة وهو موضوع فصلنا فيه كثيراً في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / فإذا تحقق الإنسان بالتقوى أوصلته التقوى إلى مقام الشكر وهو أعلى المقامات في السير في دين الله تعالى... ودليلنا أن التقوى توصل إلى الشكر قوله تعالى: {فاتقوا الله لعلكم تشكرون} فالشكر ذروة المقامات وقليل أهله وهو مقام الرسل عليهم الصلاة والسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفلا أكون عبداً شكوراً" رواه البخاري.

وقال تعالى {اعملوا آل داوود شكراً وقليلٌ من عبادي الشكور} [سبأ: 13] فأن يعمل الإنسان شكراً لله على منِّه بأن يسخر كل شيء أعطاه الله إياه في الطريق الأحب إلى الله على ضوء شرع الله دون أن يهمل أمراً لله تاركاً المحرمات والمكروهات مقيماً الفرائض والواجبات والمندوبات على حالة قلبية هي حالة الشكر لله عز وجل، إن هذا هو ذروة السير في دين الله... إذا اتضحت هذه المعاني كلها أصبح بالإمكان أن ندرك مجموعة الأخطاء التي يقع الناس فيها في هذا الباب، فهناك ناس يقفون عند أن عليهم أن يصلوا ويصوموا.. ويؤمنوا ويعبدوا.. دون أن يكون عندهم تصور عام لدين الله ودون أن يصلوا إلى التقوى بمعناها الواسع الذي هو الإلتزام المطلق بشرع الله في الشؤون الفردية والشؤون العامة وفي تحقيق الإسلام في النفس وعلى الأرض، ومن ثم فمع أنهم يسلمون بالتقوى إلا أنهم لا يعرفون مضمونها الحقيقي وقد يتوهمون أنها المقام الأدنى من المقامات فهي دون الإحسان عندهم وينتج عن ذلك أن تصورهم لمقام الشكر خاطئ وبالتالي فإن تحققهم ضعيف أو قاصر، وهناك ناس يبنون تصورهم على فهم قاصر لحديث شريف يفضلونه عن سواه من النصوص ويظنون أنه قد اجتمع فيه كل شيء مع أنه تفصيل لبعض المعاني وتبيان لأهمية بعضها وله محلة في مجموع دين الله فلا يفهم منفصلاً عن النصوص بل يفهم في محله من مجموع النصوص، هذا الحديث هو الحديث المشهور الذي تحدث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وهو موضوع توسعنا فيه في مقدمة كتابنا عن الإسلام فليراجع هناك، فالحديث بين أهمية أركان الإسلام بالنسبة لمجموع الإسلام وبين ماذا يدخل في كلمة الإيمان وأعطانا مفهوماً دقيقاً لموضوع الإحسان في دين الله فهو مبين لدين الله من حيث إنه فصّل في قضايا مهمة في دين الله ولا يعني أن هذا وحده هو دين الله.

وكما وقع الكثير من الناس في أغلاط حول ما مر فقد وقعوا في أغلاط حول قضية التكليف والمكلف وأنواع التكاليف:

1- من بين المخلوقات المشاهدة كلف الله عز وجل الإنسان. وكلف الجن من المخلوقات المغيبة عنا قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] فما هو التكليف؟ ومن هو المكلف؟ وما هي التكاليف؟

أما التكليف فله تعريفان: التعريف الأول أنه إلزام ما فيه كلفة والتعريف الثاني أنه طلب ما فيه كلفة والفارق بين التعريفين أن التعريف الأول فيه إشارة إلى التكليف بفعل الواجب وترك المحرم وأن التعريف الثاني يدخل فيه فعل المندوبات وترك المحرمات ومن التعريف ومن اسم التكليف نفهم أن ما كلف الله عز وجل به عباده فيه شيء ما من المشقة فالذين يتصوورن أن الدين هو لصالح الراحة فقط بمعناها العامي مخطئون، وأما المكلف فهو الإنسان البالغ العاقل السليم الحواس الذي بلغته دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو كذلك الجني العاقل الذي بلغته دعوة الرسل وكان سليم الحواس وقال علماؤنا: إن الجن مكلفون من لحظة خلقهم فلا يتوقف تكليفهم على البلوغ. وأما التكاليف فمنها العقلي ومنها الفكري ومنها العلمي ومنها العملي. والمكِّلف هو الله عز وجل بواسطة الرسل عليهم الصلاة والسلام فالإنسان لم يخلقه الله عبثاً بل خلقه ليكلفه ولم يخلق الله عز وجل هذا الكون بلا حكمة بل خلقه لحكمة لا تتحقق دون وجود تكليف.

2- وأول الواجبات هو معرفة الله عز وجل ثم معرفة الرسل ثم معرفة شريعة الله عز وجل ثم معرفة ما يلزم كل مكلف من هذه الشريعة على حدة تفصيلاً ثم معرفة ما يلزم لتحقيق هذه الواجبات إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والالتزام بكل ما يقتضيه ذلك من عمل إن في التعليم أو في التطبيق كذلك من باب الواجبات وفي هذا المقام تجد أخطاء كثيرة، فمثلاً التصور العام الصحيح عن شريعة الله فريضة يهملها الكثير ومجموع ما يطالب به كل إنسان من علم وعمل قضية لا يعرف الكثير حيثياتها فيعرضونها عرضاً قاصراً مبتوراً ومعرفة لوازم القيام بكثير من الواجبات المفروضة تغيب عن كثير من الناس فيهملون نتيجة لذلك فرائض ومن ثم كان من فرائض هذا العصر البيان المستوعب لهذه الشؤون.

3- ويدخل في باب معرفة الله معرفة صفاته وأسمائه وأفعاله وما يجب له وما يستحيل في حقه وما يجوز وهو باب واسع فيه أكثر الخلق بأخطاء كثيرة وعصم الله أهل السنة والجماعة فيه قال تعالى: {سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين} [الصافات: 160-161] فعباد الله المخلصون هم الذين وصفوا الله عز وجل بكل كمال. ويدخل في باب معرفة الرسول معرفة ما يجب في حقه وما يستحيل وما يجوز ومعرفة مجموعة من المسائل في هذا المقام. ويدخل في باب معرفة شريعة الرسول أن يكون عند الإنسان تصور عام عن هذه الشريعة وأصولها وفروعها وبديهياتها ومعالمها، ويدخل في باب ما يلزم كل مكلف من معارف تخصه أن يعرف الإنسان ما يجب عليه من مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان ومقام التقوى ومقام الشكر ويختلف ذلك من إنسان لإنسان سعة وشمولاً ويدخل في باب التعرف على الطريق لتحقيق الواجبات معرفة الطريق لأداء كل فريضة ولإقامتها سواء كانت فريضة عينية أو كانت فريضة كفائية ومن جملة ذلك في عصرنا أن يعرف الإنسان الطريق إلى جعل كلمة الله هي العليا في قطره وفي مجموع أقطار الأمة الإسلامية ومجموع العالم وهذا كله هو الأساس العملي للعمل فهناك فرائض في باب العلم وفرائض في باب العمل.

4- وهناك تكليفات كلف الله عز وجل بها كل إنسان على حدة ولكن هناك تكليفات كلَّف بها مجموع الأمة وقد أطلق علماؤنا على هذا كله تعبير فروض العين وفروض الكفاية والناس كثيراً ما يغلطون في هذا الموضوع فكثيراً ما ينظرون إلى موضوع فروض الكفايات نظرة قاصرة هذه النظرة القاصرة تتعطل بها فروض الكفايات، فمثلاً من المعلوم أن فرض الكفاية يبقى فرض عين حتى يقوم وأحياناً يتعين إنسان ما أو مجموعة ما بعينها لإقامة فرض كفاية وعندئذ يصبح فرض الكفاية في حق هؤلاء فرض عين وكثيراً ما يحدث أن قضية النظرة الشاملة لفروض الكفاية تنعدم عند بعض الناس فينعدم نتيجة لذلك الوجيه نحوها فتبقى الأمة الإسلامية في حال قصور أو تخلف أو تأخر، وكثيراً ما يحدث أن تغيب عن بعض الناس معرفة الطريق لتحقيق الوصول إلى فروض الكفاية كما يغيب عنهم معرفة الطريق لمعرفة الوصول إلى التحقق بفرض العين وفي ذلك ما فيه.

5- وقد رأينا في هذا الباب أن المكلّف هو العاقل البالغ السليم الحواس الذي بلغته الدعوة فالبالغ إذن هو المكلف ولكن مرحلة ما قبل البلوغ لها أحكامها في شريعة الله عز وجل وإذا كان الإنسان نفسه غير مكلف بها فغيره مكلف في حقه بأن يؤهله لمرحلة ما بعد البلوغ، فما هي مجموع القضايا التي ينبغي أن يعطاها كل إنسان قبل البلوغ وكم من المسلمين يفطن لها؟ ويعطيها حقها؟ إن هذه كذلك من جملة المسائل التي يقع فيها الكثير في أخطاء أو في تصورات قاصرة أو ضعيفة وسبب ذلك كله ضياغ التعليم الصحيح وفقدان الإنسان المستوعب لرسالة الله عز وجل إلا القليل ممن أكرمه الله عز وجل. وكما وقع الكثير من الناس في أخطاء حول ما مر فقد وقعوا في أخطاء حول نظرتهم إلى أشياء في ذواتهم أو من ذواتهم أو بشكل عام في النظرة إلى ذواتهم. فمثلاً يعرف الإنسان عن نفسه أن له عقلاً ويتكلم الإنسان عن شيء اسمه القلب وشيء اسمه الروح وشيء اسمه النفس وشيء اسمه الحياة وهذه الأمور كلها من ألصق الأشياء في الإنسان ولكنك تجد في هذا المقام أغلاطاً لا تكاد تحصر منها أغلاط عند غير المسلمين وأغلاط عند المسلمين ولا يستغرب القصور عند الكافر إن فاته الإدراك الصحيح لهذه الأمور، ولكن المسلم الذي عنده الجواب الصحيح لهذه الأمور هو الذي يستغرب في حقه ألا تكون واضحة لديه. ومن ثم نجد خلطاً عند الكثيرين حول التصور عن العقل الشرعي والعقل الذي هو أداة التفكير وخلط في الكلام عن جهاز التفكير الذي هو الدماغ وعن القلب الذي هو شيء آخر موجود في الصدر، ونجد خلطاً بين الكلام عن القلب الحسي وعن القلب الآخر كما نجد عدم وضوح في التصورات عن النفس والروح. متى تكون النفس عين الروح ومتى تكون النفس والروح عين القلب وعين العقل ومتى تكون المسألة غير ذلك ثم الحياة وصلتها بهذه الأشياء. حياة الحيوان المنوي ثم حياة الجنين قبل نفخ الروح فيه ثم حياة الجنين بعد نفخ الروح فيه، هناك أخطاء كثيرة حول هذه الأمور بعضها صغير وبعضها لا يترتب عليه شيء وعلى كل فإنه من المناسب أن نقول كلمة في هذا الموضوع ولهذه الكلمة أهميتها بالنسبة لمجموع هذه الرسالة كما أن هذه الرسالة ستوضح بعض هذه الأمور شيئاً فشيئاً...

يختلط على الكثير فهم قضية العقل والقلب والروح والنفس في المصطلح الإسلامي فيقعون نتيجة لذلك بأغلاط متلاحقة وكثيراً ما يدخل الكتاب الإسلاميون في أبحاث ومناقشات نتيجة للغموض في هذا الشأن والسر في ذلك والله أعلم أن الشارع أعطى هذه الأمور مصطلحات خاصة يستعملها الناس على معان أخرى ومن ثم يقع اللبس في هذا الشأن وهو لبس يؤدي أحياناً إلى كفر أو إلى إنكار معلوم من الدين بالضرورة ولنضرب مثالاً على ذلك: تطلق كلمة القلب على القلب الحسي الذي محله الصدر والشارع يطلق كلمة القلب على قلب آخر محله الصدر مرتبط بالقلب الحسي هو محل الإيمان والكفر، وألف الشعراء والكتاب أن يتحدثوا عن القلب كمحل للعواطف من حب وبغض ولا شك أن الصلة قائمة بين القلب في كلام الشعراء والأدباء وبين القلب الذي هو محل الكفر والنفاق والإيمان كما سنرى ولا شك أن القلب الحسي شيء وهذا القلب شيء آخر ألا ترى مثلاً في عصرنا حيث أبدلوا قلباً حسياً بقلب حسي لم تتغير نتيجة لذلك العواطف.. إذا ادركت هذا المعنى عرفت الفارق بين القلب في اصطلاح الشارع والقلب في اصطلاح الناس والخلط في ذلك سبَّبَ أخطاءً كثيرة.. وكما حدث هذا في موضوع القلب حدث هذا في موضوع الروح والنفس والعقل وأدى ذلك إلى الوقوع في أغلاط مرتبطة في العقائد. ومن ثم كان علماؤنا يعتبرون الكلام عن هذا الموضوع جزءاً من أبحاث العقائد وهي كذلك جزء رئيسي من أجزاء علم التصوف بل هي محوره الرئيسي لأن هناك جانباً غيبياً في هذه الأمور والأمور الغيبية يكون التفصيل فيها من اختصاص الشارع فالشارع وحده هو الذي يحدثنا عنها وموقفنا منها هو الإيمان والتسليم وهذا مظهر آخر من مظاهر كونها من أبحاث العقيدة... غير أن هذه الأمور وإن كانت غيبية إلا أن لها علاماتها ويستطيع صاحبها أن يحسها كما يستطيع الآخرون أن يستشعروا آثارها ومن ثم فهي قضايا غيبية من ناحية محسة من نحاية أخرى، للتجربة البشرية والإحساسات البشرية دخل كبير في التعرف عليها ومن ثم كان هذا الموضوع متداخلاً تتداخل فيه قضايا العقائد بقضايا التصوف بقضايا المادة بقضايا العلم والتجربة ومن ثم كانت كل طائفة من الخلق عندها في هذه الأمور تصورات تختلف عن تصورات طوائف أخرى ولكل طائفة في هذا الشأن دعاوى في هذه الأمور.

والمسلم الحق العليم هو وحده الذي يضع الأمور في مواضعها في هذه الشؤون لأنه على نور من ربه، وربه دلّه على الطرق العملية التي توصله إلى معرفة كل أمر بطريقة، فما يوصل إليه التجريب فالطريق إليه التجريب وما يوصل إليه العقل فالطريق إليه العقل وما يوصل إليه بيان الشارع فالطريق إليه هذا البيان وهكذا فإذا اتضح هذا فلنبدأ الحديث عن هذه المعاني ولا يفوتنا قبل ذلك أن نسجل ههنا أمراً هو: إن أمور العقائد الإسلامية لا تنفصل عن قضايا التحقق والتذوق والسلوك وأن الكلام عنها بشكل مجرد لا بد أن يكمله كلام عنها في مكان آخر ومن ثم نجد الكلام عن القلب أو الروح أو النفس موزعاً بين كتب العقائد والتصوف. وكون التصوف أصابه ما أصابه وكون علم العقائد تعقد كثيراً حتى صعب على الإنسان العادي فهم مسائله فقد غابت معان كثيرة عن المسلم ونحن هنا بسبيل جلاء التصور العام عن النفس والروح والقلب والعقل ونبدأ بما قاله حجة الإسلام الغزالي في إحيائه: قال تحت عنوان (بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي): إعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب. ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا: اللفظ الأول: لفظ القلب: وهو يطلق لمعينين: أحدهما: اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم... هو منبع الروح ومعدنه ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا تتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود للبهائم...

ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلاً عن الآدميين. والمعنى الثاني: هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاتب والمعاقب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين أحدهما: أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة، والثاني: أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر الروح وذلك مما لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس لغيره أن يتكلم فيه، والمقصود أنّا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها. اللفظ الثاني: الروح: وهو أيضاً يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنين: أحدهما: جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثالها السراج وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى وليس شرحه من غرضنا إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلاً و (المعنى الثاني) هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله {قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] وهو أمر عجيب رباني تعجز... العقول والأفهام عن درك حقيقته.

اللفظ الثالث: النفس: وهو أيضاً مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان: أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه، وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون: لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك" رواه البيهقي في الذهن بإسناد ضعيف وله شاهد. المعنى الثاني. هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة. قال تعالى في مثلها {يا أيتها النفس المطمئنة. إرجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 28-29] والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه، قال تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 02] وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء وقد يجوز أن يقال: المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات.

اللفظ الرابع: العقل: وهو أيضاً مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان: أحدهما: أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صورة العلم الذي محله القلب، والثاني أنه قد يطلق ويراد به العلم المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه والعلم صفة حالّة فيه والصفة غير الموصوف والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم، وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك فإذا قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة وهي: القلب الجسماني، والروح الجسماني، والنفس الجسمانية الشهوانية، والعلوم، بهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ومعنى خامس، وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان. والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ أطلق لمعنيين وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف الألفاظ وتواردها فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون: هذا خاطر العقل وهذا خاطر الروح وهذا خاطر القلب وهذا خاطر النفس وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء، ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي.

وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء، وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواساطة القلب فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها". (انتهى). من كلام الغزالي ندرك أن النفس والعقل والقلب والروح تأتي أحياناً بمعنى واحد وإنما تختلف التسميات باختلاف الصفة التي للروح البشرية فإذا غلبت الشهوة هذه الروح سميت نفساً وإذا غلبت الروح الشهوة المحرمة سميت عقلاً وإذا أصبحت لها مواجيدها الإيمانية سميت قلباً وإذا عرفت الله حق المعرفة وأعطته العبودية الخالصة سميت روحاً، كما أن هذه الأشياء تأتي أحياناً ويراد بها شيء آخر غير ما ذكرناه فقد يراد بالنفس الدم وقد يراد بها الحياة ويطلق الناس اسم العقل أحياناً على مادة التفكير وهي الدماغ ويطلقونه أحياناً على الذكاء ويطلقونه أحياناً على المعنى المنظم للجسم وكل ذلك مرتبط بالدماغ وقد يذكرون الروح ويريدون بها مجرد الحياة ثم ما هي هذه الحياة؟ فإنهم يختلفون في الجواب، ونتيجة لهذا كله فإن مجموعة من الأخطاء في هذه المقامات تقع ومجموعة من التشويشات كذلك تقع إذ يأتي مثلاً كافر إلى نص محمول على معنى في هذه الشؤون فيحمله على معنى آخر فيها ليشوش على الجهلة، ونجد بعض المسلمين تستقر بهم أحد الملاحظ في هذه الشؤون فيحملون عليها كل هذه المعاني في كل الأحوال فمثلاً تبدأ رحلة الحياة بالنسبة للإنسان منذ تخلقه حيواناً منوياً ولكل حيوان منوي حياته الخاصة به فإذا ما اتحد الحيوان المنوي بالبويضة وجدت قطعة حية مرتبطة بحياة جسد الأم حتى إذا بلغ كذا شهراً دخلته الروح فبدأ حركته الخاصة به فالحياة الخلوية موجودة قبل وجود الروح وهي لا تناقضها ولا تعارضها. ويأتي كافر يخلط بين قضية الروح والحياة عن عمد فيحاول أن يشوش كما فعل بعضهم إذ جاؤوا إلى قوله تعالى {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} [البقرة: 29] فقالوا إن هذا النص محمول على أن الحيوان المنوي ميت بينما هو حي والمراد بالنص الحالة التي كانت لأجزاء الحيوان المنوي قبل تخلقه فإن أجزاءه ليست إلا ذرات ميتة صارت غذاء ثم منها وجد الحيوان المنوي فبدأت رحلة حياة الإنسان ثم... فالحياة الخلوية إذن شيء ومجيء الروح بعد ذلك شيء آخر ولا يتناقضان بل هما شيئان متكاملان.

لاحظ أن حالة الجنون التي يسميها الصوفية الجذب، فالجنون حالة مرتبطة بالدماغ أحياناً بينما الجذب حالة مرتبطة بالقلب فللدماغ صلة بما يسميه الناس عقلاً وللقلب صلة بما يسميه الناس عقلاً والعقل الشرعي مرتبط بالدماغ من ناحية وبالقلب من ناحية أخرى ومن ثم قال العلماء: إن العقل هو القلب وتشهد لذلك نصوص كثيرة والمراد به ههنا العقل الشرعي الذي يضبط الإنسان به تصرفاته على مقتضى شرع الله، لاحظ أن نوعاً من الأدوية يسكن الأعصاب فنجد الإنسان إذا أخذها هادئاً لا يستثار ولاحظ أن نوعاً من الأدوية يجعل الإنسان في حالة هيجان كامل وهكذا نجد أن ما يلقى في الدم يؤثر على حالة الإنسان بشكل عام ومن ثم فالدم يمكن أن يكون في بعض الحالات هو النفس وقد تطلق كلمة النفس على الذات كلها وقد تطلق على التصرفات الشهوانية والعصبية للإنسان والناس يغلطون في هذه المقامات فيسمون شيئاً باسم شيء وتكون الجهة مختلفة ونحن ههنا لسنا بسبيل التفصيل ولكنا نريد أن نوضح نقطة من النقاط التي يقع فيها الغلط ونظن أن الأمر اتضح نوع وضوح كاف لمعرفة هذا الجانب ولنختصر الكلام في هذا الموضوع بما يلي:

إن هناك حياة للجسم قبل حلول الروح فيه وإن هناك نفساً للإنسان هي أثر مجموعة العوامل الفيزيولوجية والبيئية في الجسد بعد وجود الروح فيه وإن هناك دماغاً للإنسان ينظم قضية الجسد كلها وللروح تعلق به وإن هناك قلباً حسياً للإنسان وللروح تعلق به فالجنين في بطن أمه قبل حلول الروح فيه يستمد حياته من حياة أمه ولكنه بعد حلول الروح فيه تصبح له حياته الكاملة المستقلة نوع استقلال.

ومن ثم فعندما تسحب هذه الروح من الإنسان فيما بعد يموت وبهذا نفهم الفارق بين حياة الجنين بدون روح وهو في بطن أمه قبل نفخ الروح فيه وموته فيما بعد إذا سحبت الروح منه، وإذا حلت الروح في الجسد تأثرت بالعوامل الفيزيولوجية والبدنية المختلفة فأثرت عوامل الشهوة والغضب فيها فإما أن تتغلب على ذلك بسلوك الطريق الموصلة إلى ذلك أو تغلبها عوامل الشهوة والغضب وههنا معترك الصراع بين هدي الأنبياء لإبقاء الروح على طبيعتها السليمة وبين غواية شياطين الإنس والجن في أن يجعلوا الورح تتابع الهوى، إن الفقهاء يسمون الدم نفساً فيقولون مثلاً: إذا مات حيوان ليس له نفس سائلة ووقع في الماء... ومرادهم بهذا الدم. وعَنْوَنَ صاحب المنتقى لأحد الأبواب بقوله "باب ما لا نفس له سائلة لم ينجس بالموت" لاحظ الآن هذا الكلام الطبي يقول الدكتور الطبيب خالص كنجو: وما هو السر في هذا الميل الجنسي، إنه يعود إلى عملية الإباضة الداخلية حيث ينفجر جريب صغير حامل للبويضة ليقترن بها من المبيض إلى البوق حيث يحدث اللقاح في الثلث الوحشي النهائي منه وهذه الأخيرة ظاهرة تحتاج للوقوف عليها وتندلق الهرمونات من هذه القربة الصغيرة إلى داخل الجسم بكثرة مما يرفع التوتر الجنسي عند المرأة وهذا بدوره يعود إلى الحلقة الخفية حلقة التبادل المتعاكس ما بين النفس والجسم". إذن للدم ومحتوياته صلة كبيرة بالروح وتأثير عليها. في حديث ضعيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الغضب جمرة في قلب ابن آدم" فللأشياء الموجودة في الدم صلة بقضية الشهوة وقضية الغضب وإذن فللتركيب الجسمي تأثيره على الروح وهذا التأثير يقوى أو يضعف والإنسان يستسلم لهذا التأثير أو يقاومه أو يسعى للتحكم فيه. والمهم أن هناك صلة بين الجسد وتركيبه ومواده وعالم الروح ولكل منهما تأثيره على الآخر والرسل عليهم الصلاة والسلام هم الذين دلونا على حدود التعامل ما بين الجسد والروح أو ما بين النفس الشهوانية والروح. وكما وقعت أخطاء في التصورات كما مر فقد وقعت أخطاء حول قضية التقليد والإجتهاد وقضية ما لا يسع الإنسان جهله وما يسعه جهله وما يسعه أن يقلد فيه وما لا يسعه أن يقلد فيه وما يجب عليه أن يرفضه بداهة لأنه يناقض المعلومات من الدين بالضرورة وما يمكن أن يكون للبحث والتحقيق فيه سبيل ولإدراك طرف من هذا الشأن، نقول:

1- يفرق علماؤنا بين التقليد في أصول الشريعة وبين التقليد في فروع الشريعة وبين التقليد في الواضحات البديهيات وبين التقليد في المشتبهات وهذه قضايا (نادراً ما ندر) من يضعها في مواضعها ويعرف حدود مسائلها وقد كثر الجهل بها حتى بين الذين يتصدرون للعلم والتعليم ويعرفهم الناس باسم العلماء ومن ثم عمت البلوى وطمت ولم تعد الأمور واضحة عند الكثير من الناس فالأصل في كل ما علم من الدين بالضرورة لا يجوز على خلاف بين العلماء في حدود عدم الجواز هل يصل إلى الكفر أو إلى الفسوق والأصل عندهم أن التقليد لغير العالم في فروع الشريعة التي لا يستطيع الإنسان العادي أن يعرف حكم الله فيها بنفسه أن يقلد فيها من هو مظنة معرفتها. وهم الأئمة المجتهدون وحدود هذه المعاني واسعة، فما هي هذه العقائد التي لا يجوز التقليد فيها وما هي بديهيات الشريعة التي لا يسع مسلماً إلا أن يعرفها؟ وما هي الفروع التي يسع المسلم أن يجهلها فيقلد فيها؟ كثيراً ما يكون قصور في التعبير عن هذه الأشياء. إن معرفة الله والطريق إلى التعرف على رسل الله عليهم الصلاة والسلام ومعرفة الأدلة التي تدل على الله وصفاته ومعرفة الأدلة التي تثبت أن محمداً رسول الله. كل ذلك من الأصول ومعرفة أصول الشريعة الإسلامية وأنها الكتاب والسنة والاجماع وما اعتمده الكتاب والسنة والاجماع من معايير وموازين متفق عليها كل ذلك من الأصول وما كان واضحاً في الكتاب والسنة والاجماع من أمور إذا كان هناك تواتر لفظي أو معنوي فكله من باب الأصول. إن القرآن كله متواتر اللفظ وكثير من نصوص السنة متواتر اللفظ أو المعنى وكل ما كان من هذا القبيل إذا كان واضح المعنى قطعي الدلالة فإن مدلوله يكون من باب المعلوم من الدين بالضرورة لا يسع مسلماً جهله والتقليد فيه مما لا ينبغي.

2- غير أن هناك فارقاً بين التقليد في بعض أنواع العقائد والتقليد في بعضها الآخر والتقليد في بعض الأصول والتقليد في الفروع فهناك قضايا تقليد الشارع وحده فيها هو الواجب وقضايا: القناعة العقلية مع الشرعية هي الواجب وفي الفروع تقليد الأئمة هو الواجب لغير المجتهد مع معرفة الدليل إذا كان المرء عالماً وتقليد الأئمة فيها هو الواجب للعامي ولا يلزم بمعرفة الدليل وهذه كذلك من غوامض المسائل في هذا المقام.

3- ويدخل في الأصول والبدهيات الشرعية أمور كثيرة: منها معرفة الله ومعرفة السير القلبي إليه ومنها معرفة الرسول ومنها معرفة ضرورة اتباع الكتاب والسنة ومنها معرفة الواجبات والمحرمات ومعرفة أنواع من السنن الثابتة بالمتواترات ويدخل في ذلك أشياء كثيرة من جملتها معرفة وجوب تزكية النفس وقضايا الإيمان القلبي والعقلي ومنها التصور العام للإسلام ومنها وجوب الجهاد لإعلاء كلمة الله ومنها وجوب الحكم بما أنزل الله ومنها وجوب معرفة أن الأمة الإسلامية أمة واحدة وأن وحدتها السياسية واجبة وقضايا كثيرة لا تدخل تحت حصر، وفي هذا الكتاب بيان لبعض القضايا ووضعها في محلها.

4- وهذه الأمور التي يجوز فيها تقليد الشارع وحده والأمور التي يجب أن يصل فيها الإنسان إلى قناعة عقلية لا يشترط فيها أن يحسن الإنسان تعدادها ولا ذكر التفصيلات في شأنها وإنما يكفي فيها أنه لو سئل الإنسان عنها ألا ينكرها وأن يذكر بعض الأدلة الإجمالية فيها. إذا أدركت حدود التقليد فإنك تجد محل الغلط الكثير في هذا الشأن حيث تجد إنساناً يقلد حيث لا يجوز التقليد وإنساناً يتحرج عن التقليد حيث يجوز التقليد وإنساناً تدفعه الثقة فيقلد في الأخطاء المنسوبة إلى إنسان وقد تكون مكذوبة عليه وكل ذلك لا بد للمسلم أن يحرر ذاته منه... وهكذا ومن خلال ما مر عرفنا أن هناك أغلاطاً في التصور العام عن الإسلام وأغلاطاً في التصور حول قضية الإيمان وأغلاطاً في التصور العام عن مقامات السير في دين الله وأغلاطاً في قضية التكليف وأغلاطاً في التصورات عن النفس والعقل والقلب والروح وكل ذلك تنعكس سلبياته على المسلم وعلى الحياة الإسلامية نوع إنعكاس وإذا بحثنا عن سبب مجموعة الأغلاط التي ذكرناها فإننا نجد أن سببها يعود إلى فقدان العلم الصحيح المستوعب الشامل وخاصة عند العلماء الذين عنهم يأخذ الآخرون المفاهيم والتصورات والذين هم القدوة العملية وإليهم المرجع...

النظرة الكلية الشاملة للإسلام أحياناً نجدها مفقودة، الفهم الصحيح المستوعب للكتاب والسنة تجده قاصراً... التصور العام عن طرق استنباط الأحكام الشرعية نجده ضعيفاً... العلوم التي انبثقت عن الكتاب والسنة من فقه وتوحيد وتصوف نجد التصورات في شأنها إما قاصرة أو ضعيفة أو غير شاملة أو فيها أخطاء، ما يلزم من جوانب أخرى كلها ضروري لاستكمال الثقافة الإسلامية المتكاملة نجده مهزوزاً أو معدوماً... القدوة الصالحة في هذا كله والبيئات الصالحة لعطاء هذا كله تكاد تكون محصورة...

من أجل بعض هذا كتبنا كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / وكتبنا رسالة جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأصولهما / وكتبنا هذه الرسالة لأن التصوف ودوائره كان من أهم الأسباب التي عن طريقها تسلل الغلط إلى كثير من الدوائر... وقبل أن نبدأ الكلام فيه نحب أن نعتذر لعلمائنا وشيوخنا الأجلاء إذ أننا ونحن نتهم بالقصور ونوزع التهم يميناً وشمالاً لم نقصد أن نمس منهم أحداً / حاشا لله / ولكن نريد أن ترتفع هممنا وهمم إخواننا طلاب العلم لنحصل جميعاً ما ينبغي لنا من كمال. وإنما فصلت في هذا المدخل في هذه الأمور التي ذكرتها حتى لا يغيب عن بال أحد محل بحثنا في هذه الرسالة بالنسبة لمجموع ما يحتاجه الإنسان وأن هذه الرسالة ليست إلا تصحيحاً لبعض الأمور في جانب واحد وكل ذلك للتنبيه على أن هذه الرسالة جزء من كل، هذا الكل هو سلسلة / في البناء / ولنبدأ الكلام في علم التصوف.

الباب الثاني - في مجالات علم التصوف الأصيلة

الباب الثاني
في مجالات علم التصوف الأصيلة

نجد في كتب هذا العلم عشرات الآلاف من المسائل تجدها في معرض تقرير مسائله أو في ذكر قضايا تاريخية أو في معرض الكلام عن أئمته وأعلامه المشتغلين فيه، ولكن مجالات هذا العلم الأصيلة ترجع إلى مجموعة أمور وكلها يكمل بعضها، وبعضها متداخل ببعضها الآخر فهو في مباحثه الرئيسية يبحث في الروح وفي القلب وفي العقل وفي النفس كما يبحث في الجانب التحقيقي من علم العقائد. كما يبحث في الجانب الباطني القلبي من قضايا الفقه ثم هو الجانب العملي التحقيقي بالكتاب والسنة وهو محاولة للتحقق الكامل بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسيرهم في مقامات الإسلام والإيمان والإحسان والتقوى والشكر وغير ذلك ومباحثه هذه ذات جانبين: نظري مكمل وعملي متبع، ونستطيع أن نقول إن هذه هي مجالات هذا العلم الرئيسية، ولكن ككل علم لا بد أن تنشأ بسبب مجالاته الرئيسية مجالات أخرى متفرعة عن هذه المجالات وهذا كله يقتضي اصطلاحات لغوية ومصطلحات علمية وتعبيرات خاصة كما يقتضي وجود مدارس وأئمة، ويقتضي وجود تجارب ووقائع كما اقتضى وجود خطأ وصواب وهذا يحتاج إلى تحقيق وتحرير وتنقيح، وهذا كله اقتضى ضوابط وقواعد تضبط الشطط وتبعد عن الانحراف وتبقي الأمور في إطارها الصحيح وكل هذا ارتبط بهذا العلم وأصبح أجزاءً فيه وهذا الباب تعريف في مجالات هذا العلم الرئيسية كما حددناها، فلنتعرض لها باختصار لندرك طبيعة هذا العلم من خلال معرفتنا لهذه المجالات الرئيسية فيه.

1- الروح في علم التصوف:

ليس في هذا العلم في أصوله بحث في قضايا الروح أو ماهيتها فهذا شيء محكوم بالنصوص، والنصوص لم تتحدث عن هذه الماهية {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} [الإسراء: 85]... فالبحث عن ماهية الروح تكلف، وأهل هذا العلم بعيدون عن التكلف، وإنما كلامهم في الروح يدور حول قضيتين هما:

إرجاع الروح إلى أصل معرفتها وإرجاعها إلى كمال عبوديتها. فالله عز وجل قال: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172]... قال: أبي بن كعب جمعهم فجعلهم أرواحاً ثم صورهم فاستنطقهم فتكلموا ثم أخذ عليهم العهد والميثاق وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى... فالروح في أصل الخلقة عارفة بالله مقرة له بالعبودية معترفة أنه ربها ولكن هذه الروح بمخالطتها الجسد تبدأ تطرأ عليها الطوارئ فتفقد من معرفتها وعبوديتها نتيجة لذلك ونتيجة لسماعها وتلقيها وأخذاً من بيئتها كما قال عليه السلام "يولد الإنسان على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" رواه البخاري وغيره. فالروح تبدأ تتأثر بمجموعة العوامل التي تحيط بها من جسد وبيئة ويترتب على ذلك ما يترتب من بعد كثير أو قليل عن معرفتها الخالصة بالله وعبوديتها له وهذا يقتضي ارجاعاً لها إلى أصلها وإلى كمالها... وكثيراً ما يقع الناس في غلو يبعدهم عن الفطرة أو في تقصير يبعدهم عن العبودية، قال تعالى {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 172]، وقال تعالى عن أهل الكتاب {وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 26].

إن إرجاع الروح إلى وضعها الأصيل الكامل ليس عملية سهلة وكذلك لا يتقنها كل إنسان وعلى كل حال تبقى قضية مطلوبة من الإنسان، وهذا العلم يبحث فيما يبحث في هذا الشأن. فالروح ينبغي أن تعود إلى معرفتها الكاملة بالله وهذا يقتضي فيما يقتضي أن نتحقق بأسماء الله مع العبودية الكاملة لله. وهذا طريقه علم صحيح ومجالسة مع أهل ذلك وذكر الله عز وجل، قال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً. الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً} [الفرقان: 58]. لاحظ قوله تعالى {فاسأل به خبيراً} إن هذا النص يحتمل أكثر من معنى أحدها أن تسأل العارفين في الله عن الله. وفي وصية لقمان لابنه يقول تعالى: {وابتع سبيل من أناب إليّ} [لقمان: 16] فالرجاعون إلى الله طريقهم مسلوكة، فالعلم بالله وصفاته والعلم بالعبودية الخالصة لله وطريقها والأخذ عن أهل ذلك والاقتداء بهم مع الذكر الكثير معه وتذكر الآخرة طريق الروح إلى العودة. ونلح على قضية الذكر لأنه بالذكر يتم التحقق الكامل بأسماء الله وبمعرفته، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما يرويه عن ربه "وأنا معه إذا ذكرني" (متفق عليه). فالله عز وجل مع العبد إذا ذكره العبد ومعية الله للعبد آثارها كثيرة من جملتها رعاية الله للعبد فلا يخطئ ولا يزل ومن جملتها أن يحققه الله عز وجل بأسمائه فمعية الله لروح الإنسان تجعل هذه الروح تأخذ عن أسماء الله وصفاته بقدر ما تذكر هذه الروح وتتقرب إلى الله بذكر أسمائه. فهذا أول مجال من مجالات علم التصوف.

2- القلب في علم التصوف:

عن القلب في كتاب الله وسنة رسوله كلام كثير فالله عز وجل أخبرنا عن القلب كثيراً {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 47] فالقلب يعمى، وقال تعالى {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنةً للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبُهُم} [الحج: 53] فالقلوب تقسو، وقال تعالى {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً} [البقرة: 11] فالقلوب تمرض. وقال تعالى {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 15] وقال تعالى {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} [البقرة: 8] فالقلب يصيبه الختم ويكون عليه الران، وقال تعالى {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا} [الأنعام: 114] فالقلب الكافر يصغي لوسوسة شياطين الإنس والجن وقال تعالى {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 87]. فاللقلب وضعه الصحي الذي يكون به سليماً وقال تعالى: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} [الحجرات: 04] فالقلب يمتحن كما يمتحن الجسد وبالتالي فإنه يسقط أو ينجح، وقال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} [الأعراف: 179] فهناك قلوب لا تعقل، وقال تعالى {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 25] فالإنسان يريد ولكن القلب لا يطاوع. وقال تعالى {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 11] فلا هداية لقلب إلا بالإيمان بالله، وقال تعالى {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم، ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: 17] فهذه حالة للقلب يطبع الله بها على قلب صاحبها، وهكذا تجد كلاماً كثيراً عن القلب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول عليه الصلاة والسلام "ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" رواه البخاري ويقول عليه الصلاة والسلام: "تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مَجخيّاً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه" رواه مسلم قال أبو خالد فقلت لسعد يا أبا مالك: ما أسودُ مرباد؟ قال: شدة البياض في سواد، قلت فما مجخياً؟ قال منكوساً. ويقول عليه الصلاة والسلام: "إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من الكتاب وعلموا من السنة. يقول حذيفة: ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر كوكب ثم ينام النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من إيمان ولقد أتى عليّ زمان، وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلماً ليردنه على دينه وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه عليّ ساعيه وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً" رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي ويقول عليه الصلاة والسلام: "القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن فسراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدم فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه" قال ابن كثير عن سند هذا الحديث وهذا اسناد جيد حسن... وهكذا نجد كلاماً كثيراً عن القلب في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام... هذا القلب ما هي علامات صحته وسقمه، وما هي موازين استقامته وانحرافه وما هي ضوابط كمالاته ونقصانه وكيف نعيد الإبصار الصحيح إليه والسمع الغيبي إليه، كيف يستنير وكيف يظلم. ما هو طريق السير إلى تنويره، كل ذلك جزء من علم التصوف وكل ذلك له اختصاصيوه والمتتبعون له والعالمون فيه ولا يجوز أن تخلو الأمة الإسلامية منهم ومتى خلت الأمة منهم فهذا يعني أن أنواعاً من العلوم بدأت ترفع من الأرض. أخرج الترمذي بإسناد قال عنه حسن غريب عن أبي الدرداء قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدرون منه على شيء فقال زياد ابن لبيد الأنصاري كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثكلتك أمك زياد إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم، قال جبير فلقيت عبادة بن الصامت فقلت ألا تسمع ما يقول أخوك أبو الدرداء فأخبرته الذي قال فقال صدق إن شئت حدثتك بأول علم يرفع أول علم يرفع من الناس الخشوع يوشك ن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً..." والآن لاحظ هذه النصوص:

قال تعالى {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم – أي السورة المنزلة – رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 127] وقال تعالى {قل هو (أي القرآن) للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} وقال تعالى {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} [الأنفال: 02] وقال تعالى: {قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى روحمة للمؤمنين} [يونس: 57] وقال تعالى {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37] وقال تعالى {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] وقال تعالى {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 25] إنك ترى من ملاحظة هذه النصوص موازين تعرف بها صحة القلب ومرضه من خلال أحواله مع القرآن وندرك من خلالها كيف أن لبعض الناس قلباً، وإذا فبعضهم لا قلب له والقلب في هذا كله هو غير القلب الأحمر الذي ينظم عملية توزيع الدم والذي يشترك فيه الإنسان والحيوان، إنه قلب آخر مرتبط بذلك القلب نوع ارتباط ومحله الصدر. قال تعالى {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. وقال تعالى: {وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 11] وهو موضوع مر معنا من قبل.

هذا الموضوع: موضوع القلب صحته ومرضه، جزء رئيسي من مباحث علم التصوف، فالصوفية العاملون تقريباً هم أبرز من تكلم في هذا الموضوع خلال العصور حتى أصبحوا أهل الاختصاص ولكن لما غلب الجهل على المتكلمين في هذا العلم. اختلط الأمر حتى أصبح ما هو طريق صحة للقلب علامة على الخطأ ومن ثم فقد عمت أمراض القلوب فكان ذلك جزءاً من أمراض هذا العصر وكان شيئاً طبيعياً أن يكون جزءاً من أجزاء التجديد الإسلامي المعاصر أحياء هذا الجانب. مما مر تتبين أهمية هذا الجانب من علم التصوف، وتتبين كذلك أهمية هذا العلم، ومن النصوص التي ذكرناها ومن الملاحظات التي أبديناها يصبح بالإمكان أن نضع خطوطاً عريضة لقضية القلب هي بمثابة نقاط علاّم على الطريق الأقوم لهذا الموضوع.

i. إن عالم القلب عالم واسع ومرضه وصحته قضيتان دقيقتان يتوقف عليهما خراب الدنيا والآخرة أو عمارها. فالقلب إذا كان مريضاً رافق ذلك في الدنيا مواقف متناقضة خاطئة يبقى الإنسان معها في قلق وحيرة وكان عاقبة أمره إلى بوار وخسار {ومن يضلل فلن تجد له سبيلاً}.

ii. إصلاح القلب يحتاج إلى علم وعمل وصحبة. العلم، ليعلم الإنسان ما هية الصحة من المرض والعمل لإنهاء المرض وطرده والصحبة لاستمرار الهمة في السير. والمذاكرة في شأنه حتى لا يتصور تصور ما دون الصحة صحة، وهذه الأمور كلها بعض مباحث هذا العلم، علم التصوف.

3- العقل في علم التصوف:

يلاحظ في المصطلحات الإسلامية أن هناك العقل التكليفي والعقل الشرعي، فالعقل التكليفي يملكه كل إنسان ما لم يكن مجنوناً وبه يكلف الإنسان فهذا حدا أدنى من العقل يملكه الإنسان المكلف وبسببه يكلف ويحاسب ويكون مسؤولاً أمام الله عن تصرفاته ثم بعد ذلك، الناس قسمان، فقسم فقهوا عن الله وعقلوا خطابه فآمنوا به والتزموا فيه فهؤلاء هم العقلاء الحقيقيون وفريق لم يفقه عن الله ولم يلتزم فهؤلاء لا عقل لهم: العقل الشرعي قال تعالى حاكياً ما يقوله أهل النار {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير} [الملك: 11]. هذا النوع من العقل مقره القلب وله درجات فهناك العقل الشرعي الكامل الذي مظهره ضبط الإنسان وشهواته على أمر الله مع الفهم عن الله والتسليم له. هذا النوع من العقل وكيفية الوصول إليه هو أحد مباحث علم التصوف.

كيف تفقه قلوبنا عن الله؟ كيف يكون ضبطنا لأنفسنا على مقتضى أمر الله، ما هو الطريق لذلك؟ كل ذلك من مباحث علم التصوف ولا شك أن هذا مرتبط بقضية الإرادة الخيّرة وتقويتها ومخالفة النفس الأمارة بالسوء وتربيتها فموضوع العقل هذا مرتبط بعالم القلب من ناحية وعالم النفس من ناحية أخرى... إن القلب عندما يكون ضعيفاً أمام قوة النفس الأمارة بالسوء فإنه يستسلم لرغباتها وأهوائها المخالفة لشرع الله وكلما قوي القلب بدأ يستعصي على هذه الرغبات ولكنه يبقى ضعيفاً أمام بعضها الآخر فمع كراهيته للمعصية نجده مغلوباً على أمره أحياناً أمام هوى نفسه الأمارة وهكذا نجد الناس أنواعاً تتدرج قوة ضبطهم لأنفسهم من الصفر إلى المائة بالمائة على حسب كمالهم. الضبط الكامل هو العقل الشرعي الكامل، فكيف تتم عملية الارتقاء بالعقل من نقطة البداية حيث يبدأ الفقه عن الله حتى نقطة النهاية حيث ينضبط سلوك الإنسان انضباطاً تاماً على أمر الله في كل شيء، هذا الجانب يبحثه علم التصوف ويتكلم فيه.

والانضباط على أمر الله لا يعني أن يخرج الإنسان من شهوات نفسه كلها، فالإنسان مبتلى بهذه الشهواةت وقد أعطاه الشارع المسار الصحيح لتحقيق الشهوات المباحة وفتح له منافذ للخلاص من الشهوات المحرمة وهذا كله جزء من الطريق، فالسير الحقيقي إلى الله سير يتفق مع الفطرة... ولا يعارضها ولا يحاربها... نجد مسلماً راغباً في التوبة من الزنا مثلاً فإذا وجد في ظرف شهواني وجد نفسه مغلوباً على أمره مساقاً إلى المعصية من قبل نفسه وشيطانه مع كراهيته لما هو فيه كيف يفعل هذا المسلم ليقوى قلبه على دفع المعصية والبعد عنها؟

هناك مجموعة أمور عليه أن يفعلها. أن يزداد نور قلبه، أن تزكو نفسه، أن يسير في الطريق الصحيح لقضاء شهوته في حدود المباح أو أن يخفف من دوافع الشهوة بواسطة بعض الرياضات من تحكم بالتعذية وإتعاب للجسد وتخفيف للطعام وبعد عن مثيرات الشهوة وغير ذلك. كل ذلك جزء من العلاج ليتغلب المسلم على المعصية، وتغلبه على المعصية هو عقل في حقه بالنسبة لهذا الموضوع، غير أن الأمر واسع جداً: فهناك الشهوات الحسية وهناك الشهوات المعنوية كحب الرئاسة والجاه والحرص على الدنيا وغير ذلك. وهناك ضبط الجوارح ومنها اللسان على أمر الله، وهناك ضبط النفس والقلب على أمر الله. وهناك السير نحو تحقيق الأوامر كلها. كل ذلك أثر من آثار وجود العقل الشرعي عند الإنسان، وهذا العقل الشرعي حتى يصل إليه الإنسان فيصبح هو مسيِّره بشكل عفوي غير متكلف له سيره وأصوله وهذا كله أحد مجالات هذا العلم ومباحثه الرئيسية، والسير العملي الصحيح في هذا العلم هو في الحقيقة سير للوصول إلى العقل الشرعي الكامل، فالراغبون في هذا العلم عليهم أن يرغبوا في مثل هذا، والمعترضون عليه عليهم ألا يعترضوا على مثل هذا.

4- النفس في علم التصوف:

بعض الصوفية يعتبر هي النفس الروح بعد مخالطتها الجسد، فمخالطة الروح للجسد جعلت للجسد تأثيرات عليها، هذه التأثيرات سببها احتياجات الجسد في الأصل. إذ تتبناها الروح فإذا ما أصبح للجسد مطالب مرضية ولم يكن هنالك ضبط للنفس وصلاح في القلب فإن مطالب النفس تصبح لا نهاية لها والجسد يسير في خدمتها نحو البوار، والروح عندما خالطت الجسد أصبح لها تطلعاتها ومن تطلعاتها الرغبة في الخلود الحسي أو المعنوي وهو الموضوع الذي استغله الشيطان في إزلال آدم {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 121] وهكذا تتولد عند النفس معان تصل في أحيان كثيرة إلى أمراض وهذه الأمراض يتولد بعضها عن بعض وتتزايد أو تتناقص ولكنها تبقى أمراضاً ومن ثم جاءت شرائع الله عز وجل بمجاهدة هذه النفس حتى تستقيم، يقول عليه الصلاة والسلام "والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله" وقال تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 41]. رواه الترمذي وابن حبان وهو صحيح ومن ثم كانت نقطة البداية في الصحة النفسية أو الرضى النفسي، عدم الرض عن النفس أو الرضى عنها، يقول ابن عطاء في الحكم "أصل كل معصية وشهوة غفلة، الرضى عن النفس وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا عنها ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأي علم لعالم يرضى عن نفسه وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه" وقال الشيخ زروق [وأصول الأخلاق المذمومة ثلاثة: الرضى عن النفس وخوف الخلق وهم الرزق فيتولد من الأول الشهوة والغفلة والمعصية ومن الثاني الغضب والحقد والحسد ومن الثالث المرض والطمع والبخل، ثم قال: لكن التزام أصل واحد ينفي جميعها وهو عدم الرضى عن النفس في جميع الأحوال والحذر منها في كل الأوقات] وقال السلمي "وأما أخلاق النفس فمنها الكبر والعجب والفخر والخيلاء والغش والبغض والحرص والأمل والحقد والحسد والضجر والجزع والهلع والطمع والجمع والمنع والجبن والجهل والكسل والبذاء والجفاء واتباع الهوى والازدراء والاستهزاء والتمني والترفع والحدة والسفه والطيش والمراء والتحكم والظلم والعداوة والمنازعة والمعاندة والمخالفة والمغالبة والمزاحمة والغيبة والبهتان والكذب والنميمة والتهويش وسوء الظن والمهاجرة واللؤم والوقاحة والغدر والخيانة والفجور والشماتة... إلى غير ذلك مما يكثر تعداده فيجب على المريد معرفتها ومجانبتها والمجاهدة في تبديلها بأحسن منها فمن لم يعرف ذلك لم يزدد مع مرور الأيام إلا إدباراً، فتبدل الكبر بالتواضع والحدة بالتؤدة والكذب بالصدق وبالله التوفيق". واستطراداً نقول، إن أصول المعالجة كما يراها أئمة السلوك إلى الله تكمن في مخالفة النفس إذا طالبت بمعصية أو بتوسع في المباح، وفي احتمال الأذى من الخلق في طاعة الله، وفي التحكم بلباسها ضمن الحدود الشرعية والمسنونة، ولنرجع إلى أصل الموضوع:

قال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس: 11-12] وقال تعالى {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 54] وقال تعالى {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 02] وقال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} [الفجر: 28-30] هذه آيات ذكرت حالات للنفس، فهناك نفس مزكاة ونفس مدساة ونفس أمارة بالسوء ونفس لوامة ونفس مطمئنة تستحق من الله الرضى وهي في ذاتها / راضية عن الله. يفهم من هذا كله ومن قوله تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 41] إن النفس بحاجة إلى مجاهدة. قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] هذه المجاهدة ما هي، وما هي حدودها؟ وما هي وسائلها المشروعة؟ وما هي كمالات النفس المزكاة التي ينبغي أن تتحقق بها، كل ذلك أحد مباحث علم التصوف الرئيسية وهو احد مجالات هذا العلم. إن تزكية النفس هي احدى أمهات أمور التصوف بل إنها لتكاد أن تكون علماً على هذا العلم وهي قضية أهملت في هذه الأمة تقريباً إلا عند هذه الطائفة مع أن من المقاصد الرئيسية لبعثة الرسل عليهم السلام تزكية النفس، قال تعالى {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة} [البقرة: 151] إنك نادراً ما تجد من يتكلم في شأن تزكية النفس وهو عارف ما هية هذه التزكية وطريقها من خارج هذه الطائفة ولكي يكون الأمر واضحاً فحاول أن تقارن بين آثار علماء المسلمين خلال العصور وأخص من منهم تكلم في هذا الموضوع فإنك لا تجد إلا القليل من خارج هذه الطائفة أعطى هذا الموضوع حقه أو أغناه. وحتى ابن القيم رحمه الله وهو أحد الأفذاذ الذين تكلموا في هذا الموضوع كانت نشأته وتربيته الأولى صوفية ثم تتلمذ على ابن تيمية فأعطى التصوف اتجاهاً سلفياً ولولا النشأة الأولى ما استطاع ابن القيم أن يفيض فيما أفاض فيه ولولا ابن القيم ما وجد في مدرسة ابن تيمية من يتكلم في هذا العلم ويخصه بالتأليف... ومما مر معنا ندرك أن تزكية النفس تحتاج إلى مزك وتحتاج إلى مجاهدة من قبل صاحبها وهذا يقتضي علماً، علماً بكمالات النفس ونقائصها وعلماً بطريق التحقق في الكمالات وطرق التخلص من النقائص وكل ذلك هو أحد مجالات علم التصوف الرئيسية.

5- التصوف والجانب التحققي من علم العقائد:

في علم العقائد عادة تعرض مسائل الاعتقاد وتعرض الأدلة عليها وتذكر عادة أمهات الأمور التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة والجماعة وغيرهم ولا يشار إلى الجانب الذوقي والعاطفي والشعوري والتحققي والطريق إلى ذلك إلالماماً فمثلاً يعرض في علم العقائد إن الله عز وجل متصف بالسمع والبصر والكلام والإرادة والقدرة والحياة والعلم ولكن أن يستشعر العبد أن الله يسمعه وأن الله يراه وأن يتذوق القلب وهو يقرأ القرآن أن القرآن كلام الله وأن يستشعر الإنسان أن كل شيء مخلوق هو أثر قدرة الله عز وجل... هذه المعاني وأمثالها لا تبحث عادة في كتب علم العقائد وإنما تبحث عادة في كتب التصوف، فهي التي تبحث عن تذوق معاني العقيدة مع ملاحظة أن هذا التحقق ليس من باب المندوبات بل أحياناً يكون من باب الفرائض، ونلاحظ أن السنة أعطت قضية التذوق لمعاني العقيدة الكثيرة الكثير "ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً" مسلم والترمذي "ثلاث من كن فيه وجد فيهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" رواه الشيخان والترمذي والنسائي. في كتاب للعقائد قد تقرأ كلاماً عن الإيمان وحده وعن الكفر ومظاهره وعن النفاق وتعريفه ولكن كتب التصوف هي التي تتحدث عن الطريق للتحقق العملي بمعاني الإيمان والطريق العملي للتحقق باليقين والاطمئنان وطرق التخلص من النفاق، وهذه كلها قضايا لا يكفي فيها أن يعرف الإنسان حدها فقد يعرف الإنسان حدها ويبقى بينه وبين حقائقها بعد إذا لم يسر في طريق ذلك {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولماّ يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 14] أخرج الطبراني في الكبير بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه حرملة بن زيد فجلس بين يديه فقال يا رسول الله: الإيمان ههنا: وأشار إلى لسانه، والنفاق ههنا وأشار إلى صدره ولا نذكر الله إلا قليلاً فسكت عنه صلى الله عليه وسلم فردد عليه ذلك حرملة فأخذ صلى الله عليه وسلم بطرق حرملة فقال: اللهم إجعل له لساناً صادقاً وقلباً شاكراً وأرزقه حبي وحب من يحبني وصبيِّر أمره إلى الخير. فقال حرملة يا رسول الله: إن لي إخواناً منافقين كنت فيهم رأساً ألا أدلك عليهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم من جاءنا كما جئتنا استغفرنا له كما استغفرنا لك ومن أصر على دينه فالله أولى به ولا تخرق على أحد ستراً" وهكذا نجد أن قول اللسان شيء وما في القلب شيء آخر، فما هو الطريق للتحقق بمعاني العقيدة؟

تجد إنساناً يحفظ الكثير عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه بعيد عن الاقتداء به وتجد إنساناً لا يعرف إلا القليل ولكنه حريص على الاقتداءن تجد إنساناً قد أخذ حظه من وراثة النبوة في صفاتها الضرورية كالأمانة والتبليغ والصدق والفطانة وتجد إنساناً يتكلم في مثل هذا وهو أبعد الناس عن ذلك فمجرد العلم شيء والسير للتحقق وطرق ذلك شيء آخر فما هو العلم الذي يدل على الطريق ويكمل الجوانب التي تتحدث عنها كتب العقائد عادة؟

إن هذا العلم هو علم التصوف من بين العلوم الإسلامية ولئن خالط هذا العلم الكثير فهذا لا يلغيه أو يجعلنا نتحسس منه بل علينا أن نصفيه ونعطيه حدوده وحقوقه، فعلم العقائد هو الذي يقيد علم التصوف، وعلم التصوف هو الذي يكمل علم العقائد من حيث إنه الجانب التحققي فيه فإذا زاد على ذلك بأن ناقضه أو أوجد عقائد جديدة تخالف كتاباً وسنة أو تخالف عقائد أهل السنة والجماعة خلال العصور كما ورثت عن السلف فههنا الانحراف والزيغ والابتداع الخبيث، عندما تقرأ في كتاب صوفي أو تسمع من صوفي كلمة لم ترد في كتاب أو سنة أو لم تجر عادة على ألسنة السلف مما ليس من قبيل الاصطلاح أو من قبيل الفهم الصحيح للنصوص، أو من قبيل التحقق بمعنى مذكور في الكتاب والسنة فلا عليك أن ترده وأنت مطمئن على أن ما فعلته هو عين التصوف الحق وليس سواه وهؤلاء أئمة السلوك الذين أجمعت الأمة على قبولهم... يقول أبو سليمان الداراني ربما وقعت النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة فإن الله ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يضمنها لي فيما سوى ذلك" ومن وصايا أئمة السلوك المشهورة قول أحدهم "يا بني كن محدثاً صوفياً ولا تكن صوفياً محدثاً" وما ذلك إلا لأن الصوفي المحدث يجعل النص من وراء الهوى أما المحدث الصوفي فيجعل الهوى من وراء النص. عندما تجد في كتاب أو تسمع من إنسان فهماً لنص يخالف فهم أئمة الاعتقاد أو أئمة الاجتهاد أو أئمة التفسير أو قواعد الفقه فأسقطه بدون تردد.

إن التصوف هو التحقق، فإذا ما أراد أهله أن يعطونا عقائد جديدة أو اجتهادات فقهية جديدة أو تصورات خاطئة أو بناءات فاسدة في قضايا العقائد على أحاديث موضوعة أو ضعيفة فلا ينبغي أن نتردد في الرد، بل إن مثل هذه المعاني هي أول ما يحمل عليه الحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" رواه البخاري. ترى أي حدث أكبر من أن تحدث في قضايا العقائد بما لم يجر على قلب صحابي أو على لسانه، بل لو نطق به أحد أمام ذلك الجيل لقتلوه أو عزروه بلا تردد... اللهم إننا سلم لمن سالمت، حرب لمن حاربت، برآء من كل ما خالف ما كان عليه هدي رسولك صلى الله عليه وسلم وأصحابه. لقد أصبح من علامات الوصول عند متأخري الصوفية أن يقول الإنسان "أنا الله" وأصبح علامة على الفتوح أن يقول قائل إن الكون هو الله، فوالله ما لهؤلاء إذا قالوها إلا السيف يقطع رقابهم مهما لبسوا من مسوح الترهب وتزيوا بأزياء الصلاح. جاء القرآن ليقول: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} [المائدة: 75] وهؤلاء يقولون عن كل شيء إنه الله، ترى هل يتردد مسلم في أن يستعمل السيف مع هؤلاء... أنا أقول هذا الكلام وأنا أعلم ما يتأولون به هذا الكلام ولكن والله لأن نقتل من يقول هذا وإن كان له تأويل أفضل ألف مرة أن نعتقد بصلاحه أو نسكت عليه مهما كان له من تأويل وأي تأويل يمكن أن يقبله قلب مسلم لإنسان يقول "أنا الله" أو مثال ذلك من الكفر اللعين الخبيث. إن التصوف الحق هو التذوق للعقيدة الحق فإذا ما زاد على ذلك أصبح زندقة ولم يعد تصوفاً. على أننا نقول: إن علينا ألا نتسرع في الحكم بالكفر إلا بعد التثبت من فهمنا ومن نسبة القول إلى صاحبه. وعبارة: هذا النص كفر والله أعلم بصاحبه عبارة حكيمة إذا وافقت محلها حقيقة. وبعد هذا الاستطراد نرجع لنقول:

إن من مجالات علم التصوف الرئيسية هذا الجانب الذي أسميناه بالجانب التحققي بالعقائد الإسلامية. عقائد أهل السنة والجماعة، أما ما سوى ذلك فليتق الله أهله. ترى هل فهم أحد من سلف هذه الأمة أن العذاب في مثل قوله تعالى {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً} [النبأ: 31] بأن العذاب ههنا من العذوبة. وهل فهم أحد من السلف مثل قوله تعالى {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل} [فاطر: 37] ترى هل فهم أحد من سلف هذه الأمة من مثل هذه الآية أن الكفار يتلذذون بالعذاب حتى لو عرض عليهم أن يخرجوا من النار ما خرجوا. أليس ربط هذه المعاني بالتصوف إثباتاً لعقائد مناقضة لما عليه السلف ولما ذكره أهل السنة والجماعة في كتبهم أليس هذا هو الضلال والكفر بعينهما. شيء عجيب مثل هذه الاتجاهات والأعجب من ذلك أن يعتبر القائلون بمثل هذا أنهم عارفون بالله وأنهم أهل الحقيقة، تالله إنهم لأجهل خلق اله بالله وإنهم لأهل حقيقة الكفر.

إن الله عز وجل قال: {وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين} [الزخرف: 15] أن يجعل أحد لله من عباده جزءاً فذلك كفر مبين. أترى هؤلاء الذين يقولون بأن الكون هو جزء من الذات الإلهية تكثف: أفهؤلاء عارفون بالله؟ يا ويلهم، يا ويلهم، اللهم إنا نبرأ إليك من تأويل الجاهلين وغلو الغالين وانتحال المبطلين... إن هذا النوع من التصوف الذي يحرف النصوص عن مواضعها والذي يثبت عقائد مناقضة أو مخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة ليس تصوفاً إسلامياً بل هو الضلال عن الحق، إن التصوف الذي نعرفه والذي ندعوا إليه هو التصوف الذي يتحقق به الإنسان بمعاني العقيدة، صاحبه عارف بالله معرفة أهل السنة والجماعة، له معرفة ذوقية شعورية تتفق مع محكمات الكتاب والسنة، صاحبه متحقق بالقدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في الظاهر والباطن صاحبه يستشعر أمر الآخرة وكأنه رأي عين، وقل مثل ذلك في استشعاره أمور العقيدة كلها أما أن يكون للصوفية عقائد خاصة بهم فإن هذا هو الضلال عن التصوف نفسه كما أراده أئمته الذين تكلموا فيه وابتدؤوه علماً منبثقاً عن الكتاب والسنة يحترم الفهم الصحيح والتذوق الصحيح للنصوص. أما أن يحرف النصوص عن مواضعها فذلك طربق اليهود مع كتبهم لا طريق المسلمين، تالله لقد ضل هؤلاء أكثر من ضلال النصارى، فالنصارى جعلوا المسيح جزءاً لله وهؤلاء جعلوا كل شيء جزءاً لله. التصوف الحق تحقق بأمور العقيدة فقط ولا زائد على ذلك.

6- التصوف كمكمل لعلم الفقه:

تبدأ كتب الفقه عادة بأبحاث الطهارة من حيث الفعل والقول ولكنها نادراً ما تتحدث عن المعاني القلبية التي ينبغي أن ترافق عملية الطهارة ثم تتحدث عن الصلاة، شروطها وأركانها وواجباتها وسننها وآدابها ومكروهاتها ومفسداتها ولكنها لا تتحدث عن المعاني الباطنة التي ينبغي أن ترافقها كالخشوع مثلاً، والطريق إليه والعوامل المؤدية إليه، مع أنه علم من العلوم بشهادة النصوص بل هو أول علم يرفع من الأرض كما ورد في الحديث الذي مر في هذا الباب.

فما هو العلم الذي يكمل علم الفقه في هذه الشؤون؟ لا شك أنه علم التصوف فهو العلم الذي يبحث عادة عن مثل هذه الشؤون ولا تقتصر مهمة علم التصوف عند هذه الشؤون إذ يكمل علم الفقه في النواحي الباطنة كتعليم الإخلاص والطريق إليه، بل هو الذي ينمي استعداد الإنسان بالالتزام بالأحكام الفقهية، بل إن الإنسان لا يكمل التزامه إلا إذا كمل سيره، ومن ثم فقد تحدث أئمة السلوك عن الفناء في أفعال الله وعن الفناء في صفاته وعن الفناء في ذاته وهي مواضيع سنرى ما فيها ثم يتحدثون عن الفناء في الأحكام فالنتيجة العادية للمعرفة الذوقية لله عز وجل هي الالتزام الكامل بأحكامه ومن هنا نفهم ضلال بعض المحسوبين على التصوف إذ يعتبرون السير إلى الله قرين التفلت من أحكامه، وكيف يكون الأمر كذلك والله عز وجل يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" ولذلك قال الجنيد في طائفة جعلت الوصول إلى الله قرين التفلت من أحكام الشريعة، قال في هؤلاء: "نعم وصلوا ولكن إلى سقر"، وقديماً قال الفقهاء: "من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق ومن جمع بينهما فقد تحقق" فالتصوف لا بد منه كمكمل للفقه، والفقه لا بد منه كحاكم للتصوف وكحاكم للعمل وموجه له ومن فاته شيء من ذلك فقد فاته نصف الأمر...

التصوف والفقه علمان متكاملان فإذا تعارضا فذلك الخطأ أو الضلال أو الانحراف والمقصود بالتعارض أن ينطلق بعيداً عن الفقه مع أن الفقه هو الحاكم أو يبتعد الفقيه عن التطبيق فذلك علامة على فسوق القلب. يقول الشيخ أحمد الزروق في كتابه / قواعد التصوف / : "يحكم الفقيه على الصوفي ولا يحكم الصوفي على الفقيه" فإذا ما اتضح الأمر نقول: عندما نقول على الفقيه أن يتصوف أو على الصوفي أن يتفقه فعلينا أن نكون واضحين في أن المراد أن يشمل علم الفقيه ما له علاقة بالأحكام وما له علاقة بطريق العمل والتحقق، وأن يشمل علم الصوفي ما يلزمه من الأحكام التي يحتاج إليها وأن يرافق ذلك كله عمل صحيح على ضوء العلم الصحيح ولذلك قال كبار أئمة السلوك كالشيخ الرفاعي "إن نهاية العلماء والصوفية واحدة، نقول هذا ههنا لأن بعض جهلة الصوفية يقذفون في وجه كل إنسان هذه العبارة "من لا شيخ له فشيخه الشيطان" يقولها صوفي جاهل وهو يدعو لشيخه الجاهل، ويقولها صوفي جاهل وهو يدعو لشيخه العليم. ويقولها صوفي مخطئ وهو لا يعرف أن يضعها في مواضعها... إن من لا شيخ له، أي من لا يوجد من يعلمه العلوم الشرعية. أي الإنسان الجاهل الذي لا يتعلم ويرفض التعليم فهذا إنسان شيخه الشيطان، أما الإنسان الذي يسير على ضوء العلم فهذا إمامه العلم والشريعة.

ومن القواعد التي ذكرها الشيخ زروق في كتابه / قواعد التصوف / موضوع احتياج المريد للشيخ فقال: إن التقوى لا تحتاج إلى شيخ لوضوحها، وقال: "واللبيب يكفي الكتاب في ترقيه ولكنه لا يسلم من رعونة نفسه" فالمهم إذن هو قدرة الإنسان على التعلم ثم أخذ العلم والسير على ضوء هذا العلم... هذا هو الحد الأدنى الذي افترضه الله على عباده وهذا يمكن أن يتوفر للإنسان إذا كان عنده قدرة على التعلم والفهم من خلال مطالعات شخصية في الكتب المعتمدة الموثقة كما يمكن أن يأخذه الإنسان من العلماء العاملين سواء كانوا ممن اصطلح على تسميتهم أنهم صوفية أولاً وهو موضوع سنراه ولكننا أحببنا أن نؤكده بأن نذكره أكثر من مرة، ولنعد إلى موضوعنا، أن علم التصوف وعلم الفقه علمان متكاملان ولا بد منهما لكل إنسان مع ملاحظة أن ما يحتاجه إنسان منهما يختلف عما يحتاجه إنسان آخر ويبقى التوسع فيهما أو في واحد منهما من فروض الكفايات في حق الأمة ومن باب المندوبات في حق كل مسلم وبهذه الفقرة أدركنا مجالاً رئيسياً من مجالات علم التصوف.

7- التصوف والجانب العملي التحققي بالكتاب والسنة:

الكتاب والسنة نصوص، والمسلم مكلف بالفقه لها والتحقق فيها، فإذا وجد فقه للنصوص، دون تحقق فيها كان هناك خلل ومن ثم نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان خلقه القرآن" ونجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحفظون بعض القرآن فيتفقهون بما حفظوه ثم يعملون به ثم ينتقلون إلى غيره. والعلماء العاملون والصوفية المحققون خلال تاريخ هذه الأمة هم الذين اجتمع لهم الفقه والتحقق بآن واحد. ما هو الإيمان وما هي حقيقته وكيف التحقق بذلك؟ ما هو الإسلام وما هي حقيقته وكيف التحقق بذلك؟ ما هو الإحسان وما هي حقيقته؟ وكيف التحقق بذلك؟ ما هي التقوى؟ وما هي حقيقتها وكيفية التحقق بذلك؟ ما هو الشكر وما هي حقيقته وكيفية التحقق بذلك؟ وقل مثل ذلك في الصبر والتسليم والرضا والتوكل ومحبة الله والاخلاص... وقل مثل ذلك في الحلم والكرم والعفة والتواضع وعدم الاستشراف لما في أيدي الآخرين، والزهد والورع والخشوع... وقل مثل ذلك في آداب الظاهر والباطن.

إن في الصلاة أو في الزكاة أو في الصوم أو في الحج أو في السفر أو في الجهاد أو في التفاصح والمذاكرة أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في أدب الصحبة والجوار أو في البر وصلة الأرحام إلى غير ذلك مما تحدثت عنه النصوص... الفقه الصحيح للنصوص والتحقق الصحيح بها يمثل الأخذ الكامل للكتاب والسنة.

وقد بذل العلماء الربانيون كامل الجهد للوصول إلى فقه الكتاب والسنة، وبذل الصوفية المحققون كامل الجهد للتحقق بالكتاب والسنة لتبقى معانيها حية تتمثل بأناسي هم محل القدوة خلال العصور وبذلك كله بقي ويبقى الإسلام حياً، ولا يأتي الخلل إلا من فهم خاطئ أو قاصر أو من تحقق قاصر أو ناقص وقد وجد هذا وهذا فكان ما كان، ولا بد من عودة كاملة لهذا وهذا حتى يصلح الأمر ويحيا الإسلام.

والمطالعة الكبرى تكون عندما يجتمع فهم خاطئ وتحقق خاطئ. وأبشع ما نرى ذلك عند جهلة الصوفية فعندئذ يقع في هذه الأمة ما وقع في غيرها من تحريف للكلم عن مواضعه وتحقق في مسارب الضلال وههنا تأتي مهمة العلماء الربانيين في ارجاع الأمور إلى نصابها في نفي تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، عند قوله تعالى {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يَشَقّقُ فيخرج منه الماء} [البقرة: 75] وقف بعض جهلة الصوفية، فأرجع الضمير في كلمتي منه إلى الله عز وجل وذلك تحريف للكمل عن مواضعه وفهم جاهل للنصوص لم يقل به أحد من هذه الأمة وأمثال ذلك ما أكثره عند أمثال هؤلاء فإذا ما سكت العالم أمام هذا الهراء فماذا بقي من معالم للعلم بل للإسلام لم تهدم.

إن واجب العالم العامل في هذا المقام أن يعيد الأمر إلى نصابه من أجل سلامة الفهم وأن يحقق المسلم بما يستوجبه الفهم الصحيح للنص في الفرار من قسوة القلب بمعرفة أسبابها والفرار من موجباتها والتحقق بما يقابلها من إخبات لله رب العالمين وخشوع له، إن هذا هو المجال الصحيح للعالم والصوفي أو للعالم الصوفي وما سوى ذلك فليس من العلم في شيء ولا من التصوف في ورد ولا صدر وفي هذا المقام نذكر هذا النص: أخرج الدارمي عن معاذ أنه قال: إنه يفتح القرآن على الناس حتى تقرأه المرأة والصبي والرجل فيقول الرجل قرأت القرآن فلم أُتّبع ثم يقوم به فيهم فلا يتبع، ثم يحتظر في بيته مسجداً فلا يتبع، فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع وقمت به، فلم أتبع واحتظرت في بيتي مسجداً فلم أتبع، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلي أتبع. قال معاذ: فإياكم وما جاء به فإنه ضلالة" وأخرج أبو داوود عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: إن وراءكم فنناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والعبد والحر والصغير والكبير، فيوشك قائل أن يقول ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن وما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره فإياكم ما أبتدع فإنما أبتدع ضلالة وأحذركم زلّة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق وقال إجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه فإنه لعله يراجع وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً".

إن المجال الصحيح للتصوف الصحيح هو التحقق الصحيح بالنصوص على ضوء الفهم الصحيح، فالصوفي الحق هو الذي لا يكتفي بمجرد الفهم بل يحاول أن يجمع مع الفهم التحقق حيث يفوت غيره ذلك. أما ما سوى ذلك فليس تصوفاً بل هو انحراف وضلال... عندما تعرف السنة يقال في تعريفها: هي ما أُثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، والصفة على أنواع منها الصفة الحسية ومنها الصفة المعنوية، والصفة المعنوية أو الباطنة يسميها الصوفية حالاً، والصوفية المحققون هم من أكثر خلق الله حرصاً على التحقق بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الظاهرة والباطنة، فكما أنهم حريصون على الاقتداء به في لباسه وطعامه وشرابه وهيئته فهم حريصون على الاقتداء به باطناً وعلى أن يتحققوا بحاله عليه الصلاة والسلام وهم في هذا كله على غاية من التحقق والتتبع، وهو أمر يفوت الكثير من المسلمين الكثيرُ منه؟ وهؤلاء يأخذون الكثير، الكثير فيه (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى يسمع من جوفه أزيز كأزيز المرجل) رواه أبو داود والترمذي من كثرة خشوعه عليه الصلاة والسلام. هذا حال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب اللباس إليه القميص أي ما يسمى باصطلاح الناس اليوم / الكلابية / فهذه صفة، والصوفية أكثر الناس مسارعة إلى التحقق بصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية والحالية، فهذا مجال رئيسي آخر للتصوف الحق، فإذا أدرك إنسان ما ذكرناه في هذه الفقرات السبع، أدرك بالتالي ما هية علم التصوف ومجاله الحقيقي، وأدرك بالتالي جوانب الغلو والانحراف عن هذا العلم، كما أدرك خطأ الذين يحاربونه كله، وأدرك من خلال ذلك كثيراً من الأسباب التي تدعو بعض الناس إلى أن يحاربوا هذا العلم بسبب انحرافات بعض المنتسبين إليه وعلى أهل العلم في كل عصر أن يضعوا الأمور في مواضعها، دون حساسيات من ناحية، ودون وجل ودون خوف من لومة اللائمين بالباطل فذلك جزء من التحقق بقوله تعالى {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} نسأل الله أن يجعلنا منهم...

وشيء عادي، وهذه مجالات أن يعتبر التصوف، علماً وأن يكون لهذا العلم اصطلاحاته ككل علم ومن ثم نجد في هذا العلم اصطلاحات حال ومقام وبقاء وفناء وقبض وبسط وغير ذلك من اصطلاحات كثيرة وكلها يعبر عن معان صحيحة في الأصل ولو أعطاها بعض المنتسبين الغلاة لهذا العلم مفاهيم خاطئة فهذا لا يؤثر على جوهر الحقيقة. وكما نشأت لهذا العلم وفيه اصطلاحات فقد وجد عند أهل هذا العلم كثير من الأمور اعتمدوها لإقامته، وللتحقق بمضامينه كأثر عن نص أو أثر عن تجربة. هذه الأمور أصبحت جزءاً كذلك من هذا العلم. ما دام الأصل المعتمد في هذا العلم أن الفقه الصحيح هو الحاكم فلا حرج في أمر يعتمد إذا كانت الفتوى الصحيحة المستقيمة تجيزه. أما إذا كان غير ذلك فهو مردود على صاحبه كائناً من كان. وبهذا كله نكون قد أدركنا حقيقة من حقائق التصوف الأولية، إذا عرفنا مجالات هذا العلم الأصيلة. وإذا أردنا الآن أن نبسط الأمر بعد أن أدركنا أبعاد هذا العلم وآفاقه ومجالاته الرئيسية فإننا نستطيع أن نقول: إن التصوف باختصار هو السير إلى الله في الطريق الذي حدده الله لمرضاته. والصوفية يعبرون عن هذا بكلمة: السير إلى الله، ومعناها في الحقيقة ما ذكرناه، فليكن الباب الثالث في هذا الموضوع، وهو في الحقيقة بداية الكلام عن الجانب النظري والعملي في هذا العلم ومن الآن فصاعداً علينا أن نعطي للعمل محله بعد الفهم.

الباب الثالث - في السير إلى الله

الباب الثالث
في السير إلى الله
"ماذا يعني؟ ما هي أركانه؟ ما هي نقطة البداية فيه؟

السير إلى الله يعني الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي ومن قلب كافر أو منافق أو فاسق أو مريض أو قاس إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسد غير منضبط بضوابط الشرع إلى جسم منضبط انضباطاً كاملاً بشريعة الله عز وجل، وبالجملة من ذات أقل كمالاً إلى ذات أكثر كمالاً في صلاحها وفي اقتدائها برسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وحالاً. هذا كله داخل في عباراتهم في تعريف السير إلى الله وهو في مجمله كله سير إلى الله عز وجل. وبعضهم يقصر السير إلى الله على حالة وحيدة وهي حالة الانتقال من الإيمان العقلي إلى الإيمان الذوقي، ومن حالة الشعور القلبي بأفعال الله إلى الشعور بصفاته إلى الاستغراق الروحي، أو ما يسمى عندهم بمقام الفناء ثم مقام البقاء ولكن هذا في الحقيقة أحد مظاهر السير وواحد من أجزائه ومرحلة فيه.

وما أكثر الأغلاط التي ترافق هذا الموضوع عند الكثير من الناس وما أكثر الأوهام التي تصيب تصورات الناس في هذا الشأن. وما أكثر ما يختلط الجوهر بالعرض والحقيقة بالخطأ في هذا الموضوع، ولذلك كان الكلام في هذا الموضوع صعباً ومحيراً، وتقريبه وتبسيطه أمراً فيه مشقة كبيرة، فكثيراً ما تصبح الوسائل غايات والبدايات نهايات، وما هو كالمقدمة لما بعده يصبح وكأنه كل شيء ولنضرب على ذلك مثلاً: بعضهم يعتبر الوصول إلى القلب السليم المطمئن هو ذروة السير إلى الله ويعتبرون ذلك غاية الغايات وينسون واجبات كثيرة. إن الوصول إلى القلب السليم هدف ولكن القلب السليم هو الذي أصبح يتلقى أوامر الله بمنتهى التسليم والرضى ويسير الجسم به على حسب أوامر الله بكامل القوة والحيوية والجدية، ومن أوامر الله الأمر بالجهاد وجعل كلمة الله هي العليا... فأن ترى صوفياً مشغولاً بقضية القلب السليم طوال حياته وهو ناس أوامر الله باعلاء كلمته وغافل عن واجبات الوقت الكثيرة ويعتبر ما هو فيه هو الكمال مع تفريطه بكثير من الواجبات... مثل ذلك غلط كبير، إن لم نقل أكثر من ذلك، إن الفارق بين صاحب القلب السليم وغيره كما يكون في جوهر القلب يكون في صلاح العمل، وقوة الأخذ بكتاب الله وأحكامه، وقديماً كان ادعاء المعرفة بالله عاملاً من عوامل الفرار من الورع... فأي معرفة هذه تلك التي ينطفي بها مع الإنسان نور ورعه؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بالله، كان أكثر خلق الله خشية ومن ثم قال عليه السلام "إني لأتقاكم لله وأكثركم له خشية" (متفق عليه).

إن الكلام عن السير إلى الله ليس سهلاً...

أولاً: لأنه لا يمكن حصره وضبطه. وثانياً: لأن الناس في هذا الشأن أصناف ولكل مشربه الذي ألفه وحصر فيه ما لا يدخل تحت حصر وينظر إلى الأمور كلها بمنظاره الخاص به ويحاسبك على ذلك وهذا كذلك مظهر من مظاهر الغلط في هذا الشأن ومن العجيب أنك تجد عند كثير من الناس القاعدة المسلمة والعمل المخالف، فمثلاً من عبارات الصوفية المشهورة على لسان كل واحد منهم "لله طرائق على عدد الخلائق" وهي عبارة واضحة المعنى تشير إلى أن طرق الوصول إلى الله كثيرة جداً ولكنك تجد الكثيرين يربطون بين الوصول وبين معان بعينها هذه المعاني قد لا يستطيعون إقامة الدليل على اعتمادها في السنة الثابتة أصلاً فكيف يعلق أمر الوصول إلى الله وهو من أهم الأمور الشرعية على الإطلاق بقضايا لم تكن النصوص فيها واضحة وضوحاً كاملاً تدل على مفاهيم بعض من هؤلاء للأمور الآنفة الذكر، أجدني مضطراً لعرض قضية السير إلى الله عز وجل مرة ومرة ومرة بشكل ثم بآخر ليتضح الأمر في هذا الشأن وليتجنب المسلم الأغاليط، وأهم من هذا كله ليأخذ حظه من السير إلى الله على بصيرة.

إن كثيرين من الناس ربطوا بين التصوف والألغاز وجعلوه مليئاً بالأسرار فضخموا وأوهموا حتى أصبح التصوف علماً على الشيء الذي لا يمكن فهمة أصلاً، وجعلوا التصوف شيئاً خاصاً بطبقة من الناس وهو في أصله ومضمونه مطالب به كل الناس، فهل كان واحد من الصحابة إلا وله سيره الخالص إلى الله عز وجل وهل الصحابة إلا قدوة الخلق في كل شيء؟ ولماذا الدعاوى والتبجحات؟ هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو الذي تمر عليه أكثر الطرق الصوفية على شك في ذلك، عندما سأله بعضهم: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا إلا فهماً أوتيه عبد من كتاب الله وما في هذه الصحيفة ولم يكن في الصحيفة إلا بعض الأحكام الشرعية. هذا هو الأمر: الإنسان كلما صفا حاله مع الله، دق فهمه عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إني أريد أن أرجع في التصوف إلى أصوله الصحيحة ليكون زاداً للجميع ثم لكل إنسان سقفه وفهمه وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بمعان ولكنها ليست من قبيل التكليف العام للأمة ثم إن تفسير هذه المعاني معروف، فلا يجوز لأحد أن يحملها على ما ينقض الشريعة، لقد خص حذيفة رضي الله عنه بتعريفه على المنافقين، وسر ذلك واضح وهو أن يوجد في جيل الصحابة من يضع الأمور في مواضعها إذا أصبح لواحد من المنافقين وضع ما يمكن أن يؤثر على المجتمع الإسلامي، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: "أخذت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين، جراباً بثثته بينكم، وجراباً لو ذكرته لقطع مني هذا الحلقوم" رواه البخاري والجراب الثاني لمح عنه أبو هريرة عندما كان يقول: أعوذ بالله أن تدركني سنة وإمرة الصبيان وقد يتبين بعد ذلك أنه يعني إمرة يزيد بن معاوية، وإذن فالأمر مرتبط بقضية أحداث سياسية معينة ستجري على هذه الأمة لأنه لو تكلم بها لقتل بسبب ما سيتركه كلامه من آثار، ثم لو كان ما عند أبي هريرة مما كلفت به الأمة لأظهره، ثم لا يصلح كلامه متكئاً لأي إنسان يدعي أن هذا الذي خص به هو من نوع من كذا وكذا مما لا يتفق مع أصل شرعي، إذ في هذه الحالة يستطيع كل مدع وكل عدو للإسلام وكل زنديق: وكل باطني أن يدعي أن ما هو فيه وما يدعو إليه هو من مثل هذا الجراب: هذا كلام ساقط لا تقوم به حجة ليس هناك في الإسلام ظاهر ينقض باطناً ولا باطن ينقض ظاهراً ومن ادعى ذلك فإنه كافر بإجماع المسلمين {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنِ وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: 109] "وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها سواء" رواه ابن ماجة بحجة الأسرار صار لكل قضية رموزها، وبحجة معرفة أسرار الذات الإلهية، طرح بعضهم قضية وحدة الوجود حتى أصبح المسلم عند هؤلاء إذا لم يقل بها لا يكون عارفاً بالله، ونجد بعضهم يراوغ في هذا الشأن فإن جاءه متشرع فسرها له بشكل وإن جاءه مستسلم فسرها له بشكل آخر، ونحن لا نحاسب الناس على نياتهم ولكن نحاسبهم على أقوالهم. قال بعض الصوفية:

وما الكون في التمثال إلا كثلجة

وأنت لها الماء الذي هو نابع

فما الثلج في تمثالنا غير مائه

وغيران في حكم قضته الشرائع

ماذا يفهم الفاهم من هذين البيتين سوى أن هذا الكون هو الذات الإلهية بعينها ولكنها تكثفت فصارت كوناً، كالماء تكثف فصار ثلجاً، فالشرائع تقول إن الثلج غير الماء أي أن الكون غير المكوِّن ولكن صاحب هذا القول يقول: إن الثلج هو الماء وبالتالي الكون هو الله أو هو جزء من الذات الإلهية تكثف. وعبر بعضهم عن هذا الموضوع بالمثال التالي: إن هذا الكون بالنسبة للذات الإلهية كله كموج البحر فلا هو عين البحر وليس غيره. ونقول: إن موج البحر هو جزء من البحر. لهؤلاء نقول: أفهمونا قوله تعالى {وجعلوا له من عباده جزءاً، إن الإنسان لكفور مبين} [الزخرف: 15] ما المراد بهذا؟ أليست هذه الآية واضحة في الإنكار على من جعل لله تعالى جزءاً وأن من جعل ذلك كافر بيِّن الكفر... فهل الاسرار المدعاة في التصوف نتيجتها أن نضل كما ضلت أمم سابقة؟ نعوذ بالله من ذلك.

نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحس فيها بأحدية الذات الإلهية ويستشعر فيها اسم الله الصمد وهي حالة يستشعر فيها السالك فناء كل شيء ولكن هذا الشعور لا بد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق وأن هناك مخلوقاً وأن الخالق غير المخلوق. إن التصوف هو تذوق العقيدة لا تقريرها بما يخالف النصوص والفهم الصحيح لها ولا يفوتنا ههنا أن نقول إن هناك ناساً يؤولون مثل هذا الكلام الذي ذكرناه تأويلات يتفق ظاهرها مع شرع الله، وقد سمعنا بعض شيوخنا يحمل البيتين على محمل مقبول شرعاً، أمثال هؤلاء الناس نحاسبهم على أقوالهم ونكل نياتهم إلى الله عز وجل، فإذا كانت أقوالهم في هذا الشأن كاعتقادهم فيه فنرجو لهم السلامة وإلا فنصوص الكتاب ظاهرة في الحكم عليهم... إن التصوف علم يحتاجه كل الناس ويسع كل الناس وقد يدق فهم بعض السالكين لبعض النصوص وقد يفهم بعض السالكين إلى الله من معاني النصوص ما لا يشعر به الآخرون وكل ذلك لا غبار عليه إذا لم ينقض نصاً أو يخالف نصاً إو إجماعاً، غير أنا نرى كثيراً من الكلام عند طبقات من الصوفية لا نرى له مثيلاً في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، ولا في عصر تابعي التابعين، ويخالف النصوص ويخالف الاجماع. ثم بعد ذلك يقدم التصوف للأمة على أنه هو هذا ويريد أصحابه هؤلاء من الأمة أن تسلم لهم بذلك ومن لم يسلم يا ويله من الألسنة الحداد والقلوب المنكرة... لهؤلاء نقول على رسلكم: إن الله حد حدوداً وأنزل شرائع ونصوصاً هي الفيصل بين الحق والباطل وهي وحدها الحكم والميزان وما سوى ذلك ضلال وأوهام...

على ضوء ما ذكرناه من اعتبارنا أن التصوف هذا شأنه سنعرض قضية السير إلى الله غير أننا نحب أن ننبه إلى أننا ونحن نحاول أن نفهم التصوف علماً للجميع ونرسم ملامح للطريق تسع الجميع، أن علينا أن نتأنى في الحكم... فقد نقل عن كثير من أئمة التصوف بعض المعاني وكثير منها يمكن أن يكون له وجهه الفقهي والعلمي والشرعي ومن ثم فعلينا أن نتأنى في الحكم على ما نقرؤه من كتبهم وما نسمعه من أقوالهم وما نراه فيمن حولنا، علينا أن نتأنى في الحكم ليكون حكمنا على بصيرة، فإذا اطمأننا إلى أن حكمنا على قضية ما حكم صحيح شرعاً، وأن ما حكمنا عليه أنه خطأ لا يحتمل غير ذلك، على أننا في هذه الرسالة سنضع كثيراً من الأمور في نصابها بحيث يتضح وجه الخطأ أو الصواب في كثير من الأمور ما له علاقة في التصوف وأهله ولنبدأ بالمقصود:

إن ركني السير إلى الله اللذين يستحيل سير بدونهما هما العلم والذكر فلا سير إلى الله بدون علم ولا سير إلى الله بدون ذكر، فالعلم هو الذي يوضح الطريق والذكر هو زاد الطريق وأداة الترقي قال عليه الصلاة والسلام "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالماً ومتعلماً" رواه ابن ماجه وهو صحيح نحن بحاجة إلى العلم لنعرف الأوامر الإلهية، ولنعرف حكمتها فننفذ الأوامر ونحقق الحكمة، ونحن بحاجة إلى الذكر ليكون الله معنا في سيرنا إليه، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي "وأنا معه إذا ذكرني" (متفق عليه) وسترى قضية الذكر وأهميتها في السير إلى الله بشكل واضح في تفصيلات تأتي. فركنا السير إلى الله علم وذكر ويستحيل أن يكون سير إلا بذلك، غير أن السُلاّك على نوعين:

نوع غلب عليه الذكر مع أخذه حظه من العلم ونوع غلب عليه العلم مع أخذه حظه من الذكر وكل واحد منهما واصل في النهاية بإذن الله عز وجل، ولا شك أن العلم المراد منه هو العلم بالكتاب والسنة وما يحتاجه السالك في سيره قبل أي شيء آخر، وأن المراد بالذكر هو الذكر المأثور أو المندوب إليه الداخل ضمن أوامر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام في باب الذكر... إن الناس بشكل عام نوعان، نوع رغبته في العلم كبيرة وقدرته على العلم موجودة ونوع قدرته على العلم محدودة وطاقته على العبادة والعمل والذكر كبيرة فهذا طريقه الإكثار من الذكر ولا بد له من العلم، ولقد قال ابن البنا السرقسطي "والقوم في هذا على فرقين، وحكمهم فيه على ضربين:

الفرقة الأولى:

"ففرقة طريقهم مبنية / على العقائد وحسن النية" وهذا يقتضي علماً وحسن توجه إلى الله.

قالوا فإن النفس كالمرآة

ينطبع الماضي بها والآتي

أي مما هو مستقر في أصل الخلقة للروح من معرفة الله والعبودية له والتسليم لأمره ماضياً وحاضراً ومستقبلاً (وإنما يعوقها أشياء) أي يعوق الروح عن أصل معرفتها أشياء هي "ترك المحاذاة أو الصداء" أي يعوقها عن معرفتها وعبوديتها إما غفلتها أو الصدأ المتراكم عليها بسبب الذنوب أو الغفلة، وإذا كان الأمر كذلك، فالعلاج هو إزالة الصدأ بحسن التوجه إلى الله عز وجل وذلك لا يتم إلا بذكر "قالوا وإن العين قد تغور" أي يذهب ماؤها والمراد بالعين هنا أصل الفطرة "وإنما يخرجها الحفير" أي يرجع الماء في العين بعد نضوبه الحفر وذلك عن طريق الذكر "وهذه طريقة الإشراق" أي هذا النوع من السير إلى الله يسمى طريق الإشراق. قال ابن عجيبة وتسمى طريقة الجلاء والتصفية لأنها مبنية على تصفية القلوب والسرائر بتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل، أقول وهذا كله لا يتم إلا بعلم وذكر "كانت وتبقى ما الوجود باقي" فهي طريقة في السير إلى الله مستمرة لأن كثيرين يسهل عليهم بعد أخذ حظهم من العلم أن يستغرقوا في الذكر والعبادة.

الفرقة الثانية:

"وفرقة قالت بأن العلما

من خارج بالاكتساب أسمى"

أي أرفع وأعظم فهذه طريقة الأصل فيها العلم ولا بد من الذكر "وشرطوا العلوم في اصطلاحه" أي في اصطلاح هذا النوع من السير "إذ لا غنى للباب عن مفتاحه" فالعلم هو مفتاح الوصول إلى الله عز وجل ولكن أي نوع من العلم؟

"فليس للطامع فيه مطمع

ما لم تكن فيه علوم أربع"

فهذه العلوم مع الذكر هي شرط الوصول وقد حددها "وهي علوم الذات والصفات" أي معرفة ذات الله وصفاته وأسمائه "والفقه والحديث والحالات" أي وعلم الفقه وعلم الحديث أي والقرآن ثم علم الأحوال والمقامات والمنازلات ومخادع النفوس ومكايدها وما يجري مجرى ذلك "وهذه طريقة البرهان" أي هذا النوع من السير، سير قائم على الدليل التفصيلي في كل قضية "وهي لكل حازم يقظان" أن كلاً من الطريقتين لا بد له من علم وعمل، وأول العمل الذكر، ولكن كما قلنا من قبل. طريقةٌ: العلم فيها له المقام الأول من حيث نسبة العمل وللذكر المقام الثاني، وطريقة: الذكر فيها له المقام الأول من حيث نسبة ما يقضى فيه من الوقت، وللعلم المقام الثاني فلا بد في كل من الطريقتين من علم وعمل، ولذلك يقول ابن البنا نفسه

"إذا الطريق العلم ثم العمل

ثم هبات بعدها تؤمل"

وإنما قيدنا الأولية في الطريقين من حيث نسبة ما يعطى لكل منهما من الوقت لأن الأولية الملطقة في كل من الطريقتين للعلم لأن العلم هو الإمام ولذلك قالوا:

"وكل من بغير علم يعمل

أعماله مردودة لا تقبل"

فالعلم هو البداية في كل شيء لكل أنواع السُلاّك إلى الله عز وجل ولذلك قال: ابن البنا: "فإن أتى القوم أخو فتون"، الفتون كما قال في مختار الصحاح هو الإفتتان، أي إذا جاء الشيوخ إنسان مفتتن بما يقطع عن الله وبما يشغل القلب عنه من ذنب وغيره "وقال يا قوم اتقبلوني" "فقبلوه صادقاً أو كاذباً" فذلك أدبهم مع الله، قال تعالى {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين} [الأنعام: 55] ولذلك قال "إذ كان محتوماً عليهم واجباً" أي أن يقبلوا كل من جاءهم ثم بيّن بماذا يأمرونه ابتداءً فقال: "وحذروه من ركوب الإثم وأمروه باقتباس العلم" لاحظ قضية العلم كبداية "وأمروه بلزوم الطاعة والماء والقبلة والجماعة" "وقرروا فيه شروط التوبة وأمروه بلزوم الصحبة" "ثم أمروه بعلم ظاهرة"، لاحظ قضية العلم "حتى استقامت عنده السرائر"...إن ركني الطريق كما قلنا علم وذكر، ولا بد من تحديد لقضية العلم ومن تحديد لقضية الذكر، فكل إنسان يطالب من العلم بقدر حاله وبقدر احتياجه، وهو موضوع يختلف باختلاف الناس والبيئات واختلاف العصور، فهناك قضايا يطالب بها كل إنسان، وقضايا يطالب بها إنسان دون إنسان لم يكن الصحابي مثلاً بحاجة إلى أن يتعلم علوم اللغة العربية لأنه يفهمها ويتكلمها على السليقة، ولم يكن بحاجة إلى علم تجويد لأنه يتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن كما أنزل ويؤديه كذلك، وكثير من الشبه والبدع وأنواع من الكفريات وزخارفها لا يصادفها جيل ويصادفها جيل آخر، أو لا يصادفها إنسان في مكان ويصادفها إنسان في مكان آخر، وكثير من الأمور يطالب بها جيل ولا يطالب بها جيل آخر، فمثلاً لا يطالب جيل يعيش في ظل دولة إسلامية بالعمل لإقامة دولة إسلامية ولا بالعلوم اللازمة لذلك، ولكن جيلاً فقد الدولة الإسلامية مثلاً لم يعد يعيش في قطر كلمة الله هي العليا فيه، مثل هذا الجيل بحاجة إلى أن يعرف العلوم اللازمة لإقامة فريضة الله هذه، إن قضية العلم والذكر كركنين في السير إلى الله لا بد أن تفهم فهماً صحيحاً، خاصة في عصرنا الذي غفل الناس فيه كثيراً عن فرائض وضيعوا كثيراً من طاقاتهم في الدفاع عن قضايا ليست من باب السنن، وهي إما من باب المباحات أو من باب البدع، وكل ذلك لا يستأهل أن يقف المسلم المعاصر عنده طويلاً...

إذا اتضح إلى حد ما موضوع العلم والذكر كركنين في السير إلى الله فقد آن لنا أن ندخل لب الموضوع بشكل أوسع، إن لب الموضوع في السير إلى الله هو الوصول إلى القلب السليم، ففي الحديث "إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" رواه البخاري إن صلاح القلب به صلاح النفس، وصلاح الجسد وهو صلاح للروح، إذ في هذه الحالة تكون الروح في وضعها الصحيح، وهو نقطة البداية في الاستقامة، وبهذا الصلاح يكون استعداد الإنسان للتلفي عن الله كاملاً، والقدرة على الخلاص من الفتنة متوفرة بإذن الله، ومن ثم فنقطة البداية الصحيحة لحياة إسلامية كاملة هي صلاح القلب وإصلاحه، والسير إلى الله في جوهره هو هذا السير في القلب نحو صلاحه ثم الاستمرار به في حالة الصلاح والقيام بحقوق العبودية الخالصة لله عز وجل حتى الموت، وفي هذه الدائرة أغلاط كثيرة يقع فيها السُلاّك إلى الله عز وجل ستتبين لنا شيئاً فشيئاً.

الباب الرابع - في ماهية السير القلبي إلى الله

الباب الرابع
في ماهية السير القلبي إلى الله

يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي مر معنا من قبل: "القلوب أربعة، قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط عليه غلافة، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة، يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت على الأخرى، غلبت عليه" في هذا الحديث "بيان لأنواع القلوب البشرية بالنسبة لقضية الإيمان وواضح من الحديث أن القلب الكافر الذي ربط على غلافه والقلب المنكوس لا فائدة منهما في قضية الإيمان، والقلب الذي فيه مثل السراج يزهر هذا هو القلب الهدف وهو القلب السليم وهو غاية سير السائرين في عملية إصلاح القلب، والقلب الذي هو محل العلاج هو القلب الذي لا زال فيه بقية من نور الفطرة أو هو القلب الذي فيه بقية من إيمان مثل هذا القلب هو محل العلاج، وهو القلب الذي يفترض على أصحابه فرضاً أولياً أن يسيروا في الطريق إلى صلاحه وإصلاح هؤلاء الفريضة الأولى في حقهم هي السير نحو صلاح قلوبهم حتى تصل إلى أن تكون القلب المؤمن العارف ولا شك أن القلب الكافر والقلب المنافق الفريضة الأولى في حق أصحابهما هي الإسلام والإيمان ولكن هذا مما لا نطمع فيه، إذ لا محل عند هؤلاء للسماع أصلاً فضلاً عن الاستجابة، قال تعالى {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصمّ الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادِ العُمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} وإذن فالفريضة الأولى في حق مرضى القلوب هي إصلاح قلوبهم ثم الاستمرار بها في حالة معينة في إعطائها الزاد اليومي اللازم والغذاء الذي تحتاجه، وهي قضية تختلف من إنسان لإنسان ثم ملاحظتها من فترة وأخرى بالقيام بعملية تجديد الإيمان فيها وهكذا الشأن حتى الوفاة. ولن يستطيع أحد أن يحافظ على سلاخمةخ قلبه وصحته وهو مقصر في فريضة من الفرائض أو هو مستمر عل منكر من المنكرات لاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه ليغان على قلبي حتى استغفر في اليوم مائة مرة" أخرجه مسلم وأبو داود، فأنت ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل شيئاً ما ليبقى قلبه على حال معين، ثم إنه عليه الصلاة والسلام يقول: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" أخرجه الطبراني في الكبير وأخرجه غيره وهو حديث حسن، ويقول عليه الصلاة والسلام "جددوا إيمانكم... قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا، قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" رواه الإمام أحمد بإسناد جيد. إنه من خلال هذه النصوص ندرك صحة ما قلناه... إن المرحلة الأولى هي الانتقال بالقلب من مرض إلى صحة ثم المرحلة الثانية إعطاء هذا القلب الزاد اليومي والزاد اللازم كل حين ليبقى القلب محافظاً على حالته الإيمانية الرفيعة ويبقى هذا هو الشأن في حق كل إنسان حياته كلها حتى يلقى الله عز وجل، قال تعالى {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} أي الموت فإن به انكشاف الأمور الغيبية على حقيقتها... والطريق إلى إصلاح القلب العلمُ ثم العمل بالإسلام، ومحل الذكر في العمل هو الأول فهذه قضايا ثلاث. يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك من فقه دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" أخرجه الشيخان، من هذا الحديث ندرك أن طبيعة القلوب تتحدد وتتبين من خلال موقفها من العلم والهدى الذي بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتلقي والعلم هو الذي به تتبين حقيقة القلوب. إن تجاوب القلوب مع الوحي أو عدم تجاوبها، أخذها للعلم أو عدم أخذها له، كل ذلك متوقف أولاً على العلم، فالعلم هو الأول كوسيلة للإصلاح، لكن القلوب تتفاوت في مواقفها وعلى كل فإذا كانت القلوب من النوع الذي يحفظ ولا ينبت أو من النوع الذي لا يحفظ ولا ينبت وكان فيها إيمان فإنه لا بد من عملية إصلاحية علاجية وههنا يأتي كوضع ضروري دورُ المربي والولي والمرشد أو الشيخ الكامل.

بشكل عام ندرك من هذا الحديث أن العلم لا بد منه ومع العلم، العمل بالإسلام كطريق لا بد منه لتتسلل أنوار الإيمان شيئاً فشيئاً إلى القلب حتى يستنير كله، قال تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}. فالإيمان لم يدخل ولكنه على وشك الدخول بسبب الإسلام وأعمال الإسلام. فكل عمل من الإسلام يفعله الإنسان إذا صحت النية فيه له نوره الذي يتسلل إلى القلب فإذا تصورنا الآن إنساناً قلبه فيه إيمان ونفاق وتصورنا أن هذا الإنسان قطع مدد النفاق عن قلبه بتركه الفسوق وأعمال الكافرين وبتركه المعاصي وتصورنا أن هذا الإنسان أقبل بهمة ونشاط على أعمال الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وجهاد وذكر وقراءة قرآن وغير ذلك، مثل هذا الإنسان لا يلبث بعد فترة حت يستنير قلبه ويصل بسرعة إلى القلب المؤمن الذي فيه مثل السراج يزهر، والفرائض كلها لا بد منها كطريق في عملية الإصلاح هذه ومن الفرائض الصلاة وهي ذكر ولكن باب الذكر أوسع، والذكر في قضية القلوب له المكان الرفيع، قال تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ولكن الوصول إلى الحالة التي يعطي الذكر فيها القلب اطمئناناً يعتبر وضعاً متقدماً في السير الإيماني ولذلك جاء قوله تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.... والفلسفة الكثيرة في هذا المقام لا تغني شيئاً عن العمل الكثير، إبه بقدر الهمة على العلم وعلى العمل وخاصة الذكر يستطيع الإنسان أن يقطع مراحل كبيرة، ولحكمة ما نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد كلفوا بالآيات الأولى من سورة المزمل سنة كاملة {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً. إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً إن لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} [المزمل: 1-8]، أن يقبل المسلم على صلاته فريضة ونافلة وأن تكون له أوراده الكثيرة من الأذكار وقراءة القرآن مع سيره إلى إصلاح قلبه بسرعة كبيرة وذلك بقدر ما يبذل من جهد وطاقة فالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى... فإذا وصل إلى طمأنينة القلب وحياته وتنوره بقي عليه أن يحافظ على هذه الحالة وأن يزيد نورانية قلبه وذلك بالمحافظة على حد أدنى من الأوراد المتعددة تكفي احتياجات قلبه. وهذه الاحتياجات تختلف باختلاف الناس فالإنسان المضطر لخلطة بيئات فاسدة أو كافرة تختلف حاجات قلبه عن إنسان يعيش ليلاً ونهاراً في بيئة المسجد وفي أجواء الصالحين. ولذلك نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى أنواع كثيرة من الأذكار والأوراد وترك بعد الفرائض والواجبات للإنسان حرية الإختيار للمندوبات وما أكثرها ثم على كل مسلم أن يلاحظ حالة القلبي في كل فترة فيجدد إيمانه بالإقبال على كلمة التوحيد ولذلك نلاحظ أن الله عز وجل فرض علينا فرائض سنوية كالصوم والزكاة وبعضها عمرية كالحج، وكل ذلك له محله في قضية استمرارية الإيمان وتجديده وحياته وصلاح القلب وفي دوائر مما ذكرناه تقع أغلاط كثيرة يرتكبها كثير من الناس فلنحاول أن نحدد بعض هذه الأغلاط من خلال عرض بعض الأمور:

أولاً: ما أمر الله عز وجل الإنسان بشيء ولا نهاه عن شيء إلا وفي ذلك حكمة ومصلحة للإنسان ومجموعة ما فرض الله عز وجل على الإنسان وشرعه له هو الذي فيه دواؤه وعلاجه. فلو حدث أن الإنسان عطل أمراً ما من الأوامر فلا بد أن يترتب على ذلك فساد في نفسه وفيمن حوله. هذه ناحية والناحية الثانية أنه ما من أمر ولا نهي شرعه الله عز وجل إلا وفي ذلك حكمة فإذا لم يحقق الإنسان الحكمة من تنفيذه الأمر يترتب على ذلك فساد في نفسه وفساد فيمن حوله ولنضرب على ذلك أمثلة تبين المراد: فرض الله عز وجل الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والكسب الحلال وصلة الأرحام وبر الوالدين وغير ذلك من الفرائض وكل فريضة يخاطب بها الإنسان إذا أتى بها ترتب على ذلك مصلحة لا تتحقق إلا بها وإذا تركها ترتبت على ذلك مفسدة لا تزول إلا بإقامتها، فهذا القتال في سبيل الله عندما يكون فريضة فيهمل يترتب على ذلك كما قال الله عز وجل {فهل عسيتم إن توليتم} أي عن إقامة فريضة القتال {أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} [محمد: 22] فحيث لا يكون قتال في سبيل الله يوجد إفساد وقطيعة رحم. وهكذا قل في أي فريضة تعطل أو أي حرام يرتكب لا بد أن يترتب على ذلك فساد، قال تعالى {فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: 16] ثم كل فريضة شرعها الله عز وجل إنما شرعها لحكمة، فهذه الصلاة قال الله عز وجل فيها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] وقال تعالى فيها {وأقم الصلاة لذكري} فعندما يؤدي الإنسان الصلاة ولكنه يكون فيها غافلاً عن ذكر الله ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا يكون قد أدى حكمة الصلاة، وقل مثل ذلك في كل فريضة.

فهذا الصوم شرعه الله عز وجل كطريق موصل للتقوى وضبط النفس، قال تعالى {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 184] ويقول عليه الصلاة والسلام "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري فلو أن إنساناً صام ولم يحقق حكمة الله التي من أجلها شرع الصوم لا يكون قد أقام الفريضة حق القيام ومن ثم ندرك أن المربين الذين لا يربون على أن يحقق المسلم الحكمة التي من أجلها كان الأمر والنهي هؤلاء مقصرون ولا يمكن أن تستقيم مع تقصيرهم نفس الإنسان ولا حياة الناس. وفي موضوعنا الذي نحن فيه لا يمكن أن يتم صلاح للقلب البشري أصلاً بهذا التفريط... وفي إغفال هذه القضية يكمن أهم أغلاط بعض المتصدرين للتوجيه والتربية من الصوفية وغيرهم ومن ثم فلا تصلح على يدهم القلوب ولو ادعوا في ذلك الدعاوي العريضة وخدعوا بذلك أنفسهم ومريديهم والمسلمين... أن يكون للمسلم موقف من كل شيء سلباً أو إيجاباً هذا واجب وقته فهو ضد الكفر وأهله ونظامه ومع الإسلام وأهله ونظامه... أن يعطي المسلم ولاءه للمسلمين ويحجبه عن الكافرين... أن يعمل المسلم من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وذلك لا يكون إلا إذا كان الإسلام حاكماً والمسلمون حاكمين... هذه كلها فرائض فعندما تجد مربياً يربي على تعطيلها بل على محاربة أهلها فكيف يستقيم قلب الإنسان على مثل هذا التضليل... إن هؤلاء لا تصلح بهم القلوب بل تفسد بهم العقول والقلوب والأرواح والأجساد والفرد والمجتمع والانسانية... هؤلاء ليست قلوبهم ربانية ولا محمدية... هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حياد في الصراع بين الكفر والإسلام؟ هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمحون لأنفسهم أن يروا الكفر البواح وهم لا يعملون على إنهائه؟ ماذا فعل أبو بكر للردة؟ والآن هذه الردة مستشرية في كل مكان وكأن الدنيا عند بعض الناس في غاية الإسلام... ولو أن هؤلاء اقتصروا على موقف العاجز واعترافه لهان الخطب ولكنهم مع عجزهم يربون على العجز ويفلسفون له ويحاربون من يتحملون في الله عبء الصراع مع الكفر وأهله وما أقساه من صراع... إنهم في هذا لا يخرجون عن كونهم نماذج تنطبق عليهم إلى حد كبير أو قليل هذه الآيات: {وإنّ منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً} [النساء: 71-72] {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً أشحةً عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حدادٍ أشحةً على الخير أولئك لم يؤمنوا...} [الأحزاب: 19] إن من لم يفهم المسألة كذلك فإنه يكون على غلط عظيم في فهم قضية القلب السليم.

ثانياً: ومن مظاهر الغلط الرئيسية التي يقع فيها بعض ممن يتصدرون لعملية اصلاح القلوب من الصوفية والعلماء وغيرهم. أن الكثير منهم تغيب عنه أن من شروط صلاح القلب أو إصلاحه التخلي عن معان، كما أن من شروط ذلك التحقق بمعان. فالذكر بأنواعه وأعمال الإسلام بأنواعها، كلها قضايا ذات صلة بإصلاح القلب وعدم التفريط بالقيام بحق الأمر والنهي شرط لصلاح القلب وإصلاحه. وفي هذا المقام يقع بعض الناس في غفلة عن البديهيات ولتوضيح هذا المقام فلنستعرض بعض المعاني. قال تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههمه ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه، يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 44] فههنا مرض يستحيل معه شفاء القلب والعلة الرئيسية ههنا هي وجود الإنسان الذي عنده استعداد لسماع الأكاذيب وعنده استعداد للتجسس على المسلمين لحساب الكافرين {سماعون للكذب} وما أكثر الذين يسعون الإشاعات الكاذبة ويصدقونها في المسلمين {سماعون لقوم آخرين} وما أكثر الذين يتطوعون في نقل أخبار المؤمنين للكافرين... من هذا المثال ندرك أن قضية صلاح القلب لها شروطها السلبية كما أن لها شروطها الإيجابية ولكن القليلين هم الذين يدركون ذلك.

ب- قال تعالى {ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة: 13-14] لاحظ أن قسوة القلب ههنا عقوبة على نقض الميثاق بمعان فيها فما هي هذه المعاني؟ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل ونصرتهم وإقراض الله قرضاً حسناً، والآن لاحظ أن الله عز وجل جعل قوم المسلم: سمعنا وأطعنا عهداً وميثاقاً... قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 8] والآن فلنسائل أنفسنا أي شيء أخذ العهد به على بني اسرائيل في هذه الآية لم يؤخذ علينا؟ من صلاة أو زكاة أو إيمان بالرسل أو نصرة لهم أو إقراض لله عز وجل، قال تعالى: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} [الأحزاب: 45-46]، {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه...} [الفتح: 8-9]، فلو أن المشتغلين في صلاح القلوب لم يلاحظوا مثل هذا فأهملوا شيئاً منه كنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصرة شريعته ونصرة سنته ونصرة دينه ونصرة حملة شريعته فكيف يتم صلاح القلب والحالة هكذا... ومن هذا المثال ندرك كذلك أن قضية صلاح القلب لها شروطها السلبية والإيجابية. ولعله من هذا المثال والذي قبله نعلم أن من الشروط الأولى لصلاح القلب الانتماء الصحيح لجماعة المسلمين الحقيقية والإخلاص لها وفيها ومحاربة أعداء الله معها بدلاً من أن نكون عوناً لهم وجواسيس عليها، إن الانتماء لجماعة المسلمين المتمثلة بالحق وأهله هو الطريق الصحيح لنصرة الرسل عليهم الصلاة والسلام "أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" رواه البخاري والجماعة أن تكون على الحق ولو كنت وحدك، هذا ما فسرها به ابن مسعود رضي الله عنه... فأن نجد ناساً يحاربون التجمع على الحق ونصرته فذلك خطأ وضلال وأنى يكون مع ذلك صلاح قلوب؟ اعتبر بعضهم حسن البنا رحمه الله مخطئاً لأنه تدخل في السياسة وكأن المسلم بالخيار... وكل الاتجاهات الكافرة تتجمع لتصل إلى الحكم لتحقق أهدافها الكافرة التي بها القضاء على الإسلام... كأن المسلم في الخيار والشأن كذلك أن لا يتجمع على الإسلام لينصره ويحول دون القضاء عليه، كأن هؤلاء لم يفهموا من الإسلام أبده بديهياته التي تقول بأن كلمة الله يجب أن تكون العليا وأن على المسلم أن يسير في طريق ذلك، وكيف تكون كلمة الله هي العليا إذا لم يعمل المسلمون لذلك بطريق ذلك؟ كل اتجاه كافر يعمل للوصول إلى الحكم في عصر أصبح الحكم يتدخل في الصغيرة والكبيرة، فإلى من نوكل بقاء الإسلام واستمراره بعد أن كلفنا الله بذلك بقوله تعالى {ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} [محمد: 4] وقال {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} [محمد: 31] أم نريد أن نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}؟ [المائدة: 27] إن إصلاح القلب هو إحدى مهمات الرسل الأساسية فإذا تصدر لها من يريد أن يتصدروا لمقام الأنبياء دون دفع ثمن ذلك فيا فداحة الكارثة، قال تعالى {وكأين من بني قاتل معه ربيون كثير} [آل عمران: 146] وفي قراءة ورش {وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير} وإذن فكثير من الرسل قتلوا... ولقد رأيت ممن يدعون أنهم يسيرون في طريق إصلاح القلوب من يعتبرون القتل علامة على عدم الكمال فهل هؤلاء يعقلون؟ هذا عمر قتل... وهذا عثمان قتل، وهذا علي قتل، وهذا طلحة قتل وهذا الزبير قتل، فهل هؤلاء لم يكملوا والقاعدون عن الجهاد هم الكُمّل؟ أهذه تربية للقلوب أم إفساد لها؟ نعوذ بالله أن نضل أو نضل، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام أحمد "لو لا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" ويقول: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله" رواه مالك وقال تعالى عن أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم والذين مر ذكرهم معنا في هذه الفقرة {سمّاعون للكذب أكالون للسحت} أي للحرام والرشا... هذه النصوص وأمثالها تدلنا على كثرة الشروط السلبية والايجابية لصلاح القلب من بعد عن اللقمة الحرام وبعد عن الكلمة الزائدة وغير ذلك وكثيرون من الذين يشتغلون في تربية الناس لا يفطنون لمثل هذا.

ثالثاً: لا يصل القلب إلى أن يكون مؤمناً خالص الإيمان فيه مثل السراج يزهر، إلا إذا وصل إلى معرفة الله معرفة ذوقية قلبية صافية والإنسان بقدر معرفته بالله، يزداد خضوعاً لأحكامه وتطبيقاً لها والتزاماً بها وأخذاً بقوة لها مهما ترتب على ذلك من خرق عادات أو ضغط مجتمع أو انحراف سلطة. فالتلقي الكامل عن الله والعمل بشريعته وأخذ كتابه بقوةذلك مقتضى صلاح القلب، قال تعالى {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} [مريم: 11] {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: 55] وقال الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً} [الجاثية: 18] هذا كله يشير إلى أن الوصول إلى القلب العارف هو مقدمة التلقي الكامل عن الله عز وجل ومن هنا نفهم خطأ الذين يتصورون أن السير إلى معرفة الله لا يتطلب أخذ الأحكام ثم يتصورون أنه إذا وصل الإنسان إلى المعرفة فلا عليه لو فرط في الأحكام. وهذا هو محل الخطأ الكبير عند الكثير من الناس هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر خلق الله معرفة لله وأكثرهم جهاداً في سبيله وأكثرهم التزاماً بأحكام شريعته فأين هذا النَفَس الآن عند الذين يشتغلون في قضايا القلوب "لا بد من وضع الأمور في مواضعها في هذه الشؤون كلها" مما ذكره صاحب الرسالة القشيرية عن اثنين من كبار الصوفية كانا في قتال أهل الكفر فالتفت أحدهما إلى الآخر يقول أتحس الآن بمتعة كتلك التي تمتعت بها ليلة عرسك؟ ثم قال: أما أنا فكذلك، فأنظر بالله عليك وحال هذا الصنف من الصوفية الذين يجددون في القلب تذكر حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان أحدهم يرى أحلى أيامه يوم جهاد كما قال خالد رضي الله عنه: ما ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب في يوم شديد زمهريره أحب إلي من أن أكون على رأس كتيبة من المهاجرين أصبح قوماً أو أمسيهم" وقارن بين هذا الحال وحال الذين ألفوا الدعة والمتعة في أشد عصر وأصعبه يمر على الإسلام والمسلمين، وباختصار نقول: إن السير القلبي يعني الوصول إلى الإيمان الخالص ومعرفة الله الكاملة. وأن لذلك طريقه السلبي والايجابي وأن ذلك كله هو مقدمة الأخذ الكامل القوي لشريعة الله عز وجل وإقامة أحكامه وجعل كلمة الله هي العليا.

وفيما بين البداية والنهاية يوجد قصور وتقصير وأغلاط وإهمال، ونسأل الله أن يلهمنا الحق وأن يجعلنا من العاملين.

الباب الخامس - في الأوراد والواردات وفي أجواء آيات المشكاة

الباب الخامس
في الأوراد والواردات وفي أجواء آيات المشكاة

قال تعالى: {الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دُرّيٌ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 35-36-37-38] إن فهم هذه الآيات من أعظم العون على فهم قضية القلوب وقضية السير إلى الله عز وجل ولذلك سنحاول أن نتفهمها من خلال أقصى ما نستطيع من عرض مبسط لها.

في الآية مثل: أحد أجزائه المشكاة والمصباح والزجاجة.

المشكاة: هي الكوة غير النافذة في الجدار، والمصباح هو السراج، والزجاجة هي القنديل الذي يحوي السراج المنير.

هذه الأجزاء الثلاثة في المثل ماذا تقابل؟ إنها تقابل في الإنسان المؤمن ثلاثة أشياء، جسده وقلبه والنور الموجود في هذا القلب، فالجسد يقابله المشكاة، والقلب يقابله الزجاجة والنور يقابله السراج الموجود في قلب الزجاجة ودليلنا على ما ذهبنا إليه من أن جسد المؤمن يقابل المشكاة وأن قلبه يقابل الزجاجة وأن النور الموجود في قلبه يقابل السراج الموجود في قلب الزجاجة، ما قاله ابن كثير: وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى {الله نور السموات والأرض مثل نوره} قال هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال {الله نور السموات والأرض} فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبي بن كعب يقرؤها "مثل نور من آمن به" فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره. وهكذا رواه سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك "مثل نور من آمن بالله" من هذا النقل ندرك أن ما اتجهنا إليه صحيح "فالله نور السموات والأرض" بمعنى أنه هاديهما فلا هداية في السموات والأرض إلا بنوره، جل جلاله، ثم ضرب مثلاً لهدايته الأشياء بنوره بهداية المؤمن وضرب لهذه الهداية الأمثلة العظيمة لتتبين عظمة هدايته وجلالها، وإذن فالمشكاة جسد المؤمن الذي يحوي قلبه، والزجاجة هي قلب المؤمن الذي يحتوي نور القلب الذي به يهتدي المؤمن فيرى الأشياء على حقائقها ويسير على هدى من ربه بسبب هذا النور، هذه هي المرحلة الأولى في هذا المثل، ثم تأتي المرحلة الثانية في المثل: هذه الزجاجة التي تحتوي المصباح هذا القلب الذي يحتوي النور يشبه في شدة نوره الكوكب المضيء الذي يشبه الدر لفرط ضيائه وصفائه ونلاحظ هنا أنه دمج الكلام عن الزجاجة ومصباحها أي القلب ونوره بأن شبه الجميع بالكوكب الدري فالسراج مضيء والزجاجة نفسها مضيئة لصفائها ونقائها وهذه هي المرحلة الثانية في المثل، ثم تأتي المرحلة الثالثة: هذا المصباح في الزجاجة من أين يوقد؟ من أين يستمد نوره، كيف تستمر نورانيته؟ أو نقول: هذا النور في القلب أو هذا القلب المنور من أين يستمد نورانيته وما هو المدد الذي يأتيه؟ وما هو المولد لهذا النور؟ قال تعالى {يوقد} أي هذا المصباح في الزجاجة، أي النور الموجود في قلب المؤمن "من شجرة مباركة" أي كثيرة المنافع "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال النسفي: يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل الوسط منهما..." والزيتونة هنا شريعة الله عز وجل قال ابن كثير: فشبه المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يشبهه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف، لاحظ قول ابن كثير "والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق" فالزيتونة هنا إذن هي شريعة الله وهي لا شرقية ولا غربية بل هي ربانية خالصة ونحن في عصرنا ندرك معنى كون شريعة الله لا شرقية ولا غربية بشكل أوسع مما كان السابقون يدركونه بعد أن أصبح الشرق علماً على الشيوعيين والغرب علماً على الرأسماليين، وهذه هي المرحلة الثالثة من المثل، ثم تأتي المرحلة الرابعة من المثل: هذه الشجرة المباركة التي يستمد منها القلب نوره، هذه الشريعة النافعة التي يستمد منها القلب نوره كم هو عظيم نور زيتها؟ قال تعالى {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} قال النسفي: وصفت الزيت بالصفاء والوميض وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار" فما أعظم نورانية ههذ الشريعة التي تمد نور القلب؟ وما أعظم بالتالي نور هذا القلب الذي يستمد نورانيته من شريعة هذه شأنها ولذلك قال تعالى: {نور على نور} فهذه هي المرحلة الخامسة من المثل: قال النسفي: أي هذا النور الذي يشبه به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور، وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه" قال ابن كثير: وقال السدّي في قوله تعالى {نور على نور} قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه. كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما الا بصاحبه، لاحظ قوله: كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا.

وبهذا ينتهي المثل الذي ضربه الله عز وجل لتوضيح نوع هدايته وعظمها... ومن خلال المثل أدركنا أن العمل بشريعة الله هو الذي يمد نور الإيمان بالمدد الدائم وقد رأينا كلمة السدّي الأخيرة في هذا الموضوع حيث قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما الا بصاحبه، من هنا نعلم أن العمل بالقرآن هو المدد الدائم للقلب الذي به يبقى سراج القلب مشتعلاً وبه يبقى الانسان مهتدياص وبقدر ما يعمل الانسان بهذا القرآن يزداد نور قلبه اجتماعاً واضاءة وتعكس المشكاة أي الجسد هذا النور فتضيء الطريق لصاحب النور ولغيره... ولنستمر في عرض الآية، مما مر من الآية ندرك عظيم هداية الله وندرك وضوح نوره ولكن لماذا يبقى ناس على الكفر، والجواب أن هؤلاء لا يريد الله هدايتهم ولذلك قال تعالى {يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم}. أي يهدي بنور شريعته أو يهدي الله من يشاء لأهل الإيمان حتى يأخذوا منهم ويهتدوا بهديهم. والآن تأتي الآية الثانية لتبين لنا أين نجد هذا النوع من الناس الذين هذا شأن قلوبهم في النور والهداية.

قال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} قال النسفي: أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد والمشكاة هي جسد المؤمن فهذا النوع إذن من القلوب وأهلها فطنة وجوده المساجد ومن هنا ندرك أن نقطة الانطلاق في التربية الإيمانية العالية هي المساجد... ثم تستمر الآيات في وصف هذا النوع من الناس {يسبح له فيها} أي في المساجد {بالغدو والآصال} أي بأداء الصلاة فيها صلاة الفجر وغيرها {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} ذكرت لنا الآية ماهية الأعمال التي بها يكون المدد النوراني للقلب وهي التسبيح والذكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخوف مما يكون في اليوم الآخر ثم بين ربنا عز وجل بماذا سيتكرم على هؤلاء فقال {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب}...

وقبل أن نبدأ بتبيان الهدف الذي من أجله سقنا الكلام في هذه الآيات نحب أن نسجل بعض الملاحظات استطراداً:

1- كتب أحد أساتذة جامعة دمشق ومعروف عنه أنه ذو فكر يساري كتاباً عن الشموع والقناديل في الأدب العالمي وصل في نهايته على أنه لم يسجل في تاريخ العالم في وصف الشموع والقناديل أبلغ مما سجلته آية {الله نور السموات والأرض}.
2- نلاحظ من الآيات أهمية التربية المسجدية وأن الانطلاقة الإيمانية الصحيحة هي التي تبدأ من المسجد، وفي الحديث "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وهو حديث صحيح.
3- هذه الآيات ألف بعضهم الرسائل المطولة فيها ولذلك فنرجو ألا يظن أحد أننا أعطيناها حقها من البحث... كل ما في الأمر أننا ذكرنا في تفسيرها ما يساعد على فهم ما نحن بصدده من هذه الرسالة.

وبعد...

فلماذا تحدثنا عن الآيتين اللتين صدرنا بهما هذا الباب؟ لقد تحدثنا عن هاتين الآيتين لنعرف الصلة بين العمل في الشريعة وبين نورانية القلب ولنعلم أن العمل في الشريعة له وارادته على القلب وأن لكل نوع من العمل وارادته النورانية إلى قلب المسلم وأن هناك أعمالاً بعينها وارادتها في المقام الأعلى ولذلك خصتها الآيات في الذكر وهي التعلق في المساجد وكثرة الذكر والتسبيح وإقامة الصلوات وإيتاء الزكوات والخوف من اليوم الآخر فمن طمع أن يكون قلبه مستنيراً دون أن يكون له أعماله وأوراده فإنه لا يكون قد أتى البيوت من أبوابها... ولعله من خلال ما مر أدركنا فكرة الورد والوارد التي يتحدث عنها الصوفية كثيراً.

إن ورد الإنسان هو ما رتبه على نفسه من أنواع الطاعات والعبادات والوارد هو ما يكرم الله عز وجل به قلب الإنسان من فيوضات وأنوار ومعان، وإذا أدركنا قضية الورد والوارد أدركنا ضرورة أن يكون للمسلم أوراده اليومية وسننقل فيما يأتي بعض عبارات ابن عطاء الله السكندري في قضية الورد والوارد ونعلق عليها لتتضح بعض جوانب هذا الموضوع من خلال كلام الصوفية بعد ما رأينا شيئاً مما تشير إليه النصوص فيه قال ابن عطاء: "تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال" أقول إن الله عز وجل فرض على المسلم فرائض متنوعة وطالبه بأعمال كثيرة لأن القلب البشري يحتاج إلى أنواع من الواردات المتعددة فلكل عمل آثاره في القلب إذا صحت النية وصلاح القلب بالقيام بالأعمال كلها، فكل عمل يخلف نوعاً من الأحوال في القلب وكل حال يحتاج إلى نوع من العمل الصالح حتى يكون... وقال ابن عطاء: "من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بالواجبات" أقول: في ذلك إشارة إلى أن المسلم عليه ألا يفرط في فريضة على حساب نافلة وهي قضية يغفل عنها أكثر الخلق، فأكثر الخلق يجهلون فرائض الوقت وما أكثرها ويستغرقون أوقاتهم بأمور هي من باب المباحات وبعضها من باب البدع ويظنون أنفسهم أنهم يحسنون صنعاً، وقال ابن عطاء: "إذا رأيت عبداً أقامه الله تعالى بوجود الأوراد وأدامه عليها مع طول الإمداد فلا تستحقرن ما منحه مولاه لأنك لم تر عليه سيما العارفين ولا بهجة المحبين فلولا وارد لما كان ورد" يفهم من كلام الشيخ أنه متى وجد الورد فقد وجد الوارد، أحس به صاحبه أم لم يحس، أحس به الآخرون أو لم يحسوا وقد بين الشيخ أهمية الورد للإنسان وأدب بعض جهلة الصوفية الذين يحتقرون أهل الأوراد إذا لم تظهر عليهم بعض المعاني وقال مؤكداً أهمية الورد (لا يحتقر الورد إلا جهول الوارد يوجد في الدار الآخرة والورد ينطوي بإنطواء هذه الدار وأولى ما يعتنى به ما لا يخلف وجوده... ورود الإمداد يحسب الاستعداد وشروق الأنوار على حسب صفاء الأسرار" وقال "مطالع الأنوار القلوب والأسرار نور مستودع في القلوب مدده من النور الوارد من خزائن الغيوب، نور يكشف لك به عن آثاره ونور يكشف لك به أوصافه" في هذه الفقرة إشارة إلى أنواع من الواردات الإلهية على القلب والآثار التي تتركها فيه وقال مبيناً أنواعاً من الأحوال لها أنواع من الواردات "إن أردت ورود المواهب عليك صحح الفقر والفاقة / إلى الله / لديك، تحقق بذلك يمدك بعزه وتحقق بعجزك يمدك بقدرته وتحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته" وقال "قوم تسبق أنوارهم أذكارهم وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم وقوم تتساوى أذكارهم وأنوارهم وقوم لا أذكار ولا أنوار نعوذ بالله من ذلك ذاكر ذكر ليستنير قلبه فكان ذاكراً، وذاكر اسنتار قلبه فكان ذاكراً والذي استوت أذكاره وأنواره فبذكره يهتدى وبنوره يقتدى" وقال حاضاً أهل الذكر ألا يتركوا أورادهم بسبب بقاء غفلة القلوب "لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز" وقال مبيناً حكمة تعدد الطاعات في الشريعة: "لما علم الحق منك وجود الملل لون لك الطاعات وعلم منك وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات" كعند طلوع الشمس وكحجره علينا أن نصوم يومي العيد وأيام التشريق" وقال مبيناً محل الصلاة وأهمية وارداتها: "الصلاة طهور للقلب من أدناس الذنوب واستفتاح لباب الغيوب، الصلاة محل المناجاة ومعدن المصافاة تتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها شوارق الأنوار، علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها وعلم احتياجك إلى فضله فكثر أمدادها" أقول إن هذا القلب البشري يحتاج إلى أدوية وأغذية وفي الصلاة دواء وغذاء وفي الصوم دواء وغذاء وفي الذكر دواء وغذاء وفي الجهاد دواء وغذاء وفي صلة الأرحام دواء وغذاء وفي العلم دواء وغذاء وبعض الناس كالأنبياء هذا كله في حقهم غذاء وترقيات ولعله بهذا كله أدركنا أهمية الأوراد في حياة المسلم وفي إصلاح قلبه وقي ترقيه فلننتقل إلى باب آخر.

الباب السادس - البداية الصحيحة في التربية الإسلامية بعد الإيمان العقلي

الباب السادس
في أنّ البداية الصحيحة في التربية الإسلامية بعد الإيمان العقلي وبعد واجب الوقت هي التركيز على القلب وخطورة الفشل في إصلاحه

في التربية الإسلامية نقطة البداية هي الإيمان فقد ورد في أكثر من أثر عن الصحابة هذا المعنى. "كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن" وقد تحدثنا في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / عن السر في ذلك وهنا نقول باختصار. إن القرآن له خصائصه ومن خصائصه أنه لا يأخذ الإنسان منه حظاً إلا إذا كان مؤمناً فهو لا يلامس القلوب إلا إذا كانت هذه القلوب مؤمنة ولذلك قال تعالى {وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً على رجسهم وماتوا هم كافرون} [التوبة: 125-126]. لاحظ كيف أن السورة بالنسبة للذين في قلوبهم مرض تحدث تأثيراً عكسياً فبَدَلاً من أن تكون زيادة إيمان في حقهم تكون عامل زيادة في المرض، وعلى هذا فنحن إذا ما أردنا أن يلامس القرآنُ القلب البشري ملامسة صحيحة بحيث يستفيد هذا القلب من القرآن، فإن علينا أن نطبب هذا القلب أولاً بأن نجعله مؤمناً خالص الإيمان. وعلى هذا فأهم نقطة يركز عليها المربي منذ الابتداء هي إصلاح القلب وأي فشل في هذا الشأن فيه دليلٌ إما على جهل المربي أو على عدم صدق المريد أو على أن المنهج خاطئ أصلاً. إن نقطة البداية الصحيحة هي التركيز على القلب حتى تصل به إلى الصحة لأنه بمثل هذا النوع من السير تطمئن على وضع الإنسان وعلى خروجه من دائرة إغراء الشيطان ووسوسته وفتنته سواء كان الشيطان شيطان إنس أو جن. قال تعالى: {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون. ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون} [الأنعام: 112-113]. لاحظ ههنا إن الذي يصغي قلبه إلى شياطين الإنس والجن ويرضى هذه الوسوسة هو الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة فإذا ما أردنا أن نخرج إنساناً عن دائرة وساوس الشياطين فإن علينا أن نبدأ بالقلب وإصلاحه. وعندما نقول القلب فلا يعني هذا إهمال الفكر بل من جملة ما يصلح به القلب العلمُ والفكر والمعرفة مع الذكر والعمل وغير ذلك مما رأيناه وسنراه في هذه الرسالة...

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصحاب تجد ظاهرة واضحة وهي أن الصحابي إذا أسلم نجده في بداية إسلامه في غاية الإندفاع لدرجة الغلو حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان كان يتدخل لإرجاع بعض الأصحاب إلى دائرة الإعتدال. وهذه الحالة تجدها دائماً في كل حالة صدق مع الله وإذا توجه إنسان إلى الله إما بعد حياة جاهلية أو بعد قبول للفهم الحق لدين الله عز وجل في هذه المرحلة من الإندفاعية الصادقة يجب أن يكون كل جهدنا منصباً على نقل قلب الإنسان من المرض إلى الصحة لأننا إذا فشلنا في ذلك فإننا نعرض هذا الإنسان للإنقطاع عن السير إلى الله أو لترك دعوة الله أو للإنحراف عن أمر الله أو باختصار فإننا نعرضه لقبول إلقاءات الشيطان. وما أخطرها ولتوضيح هذا المقام لا بد من فهم هذه الآيات: قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يُحْكِمُ الله آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 52-53-54]. لاحظ في الآيات قوله تعالى: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم}. فمن كان في قلبه مرض أو كان قلبه قاسياً، هذا الذي يفتتن بالقاء الشيطان. فإذا ما أردنا أن نجنب إنساناً ما فتنة الشيطان فعلينا أن ننقل قلبه من مرضه إلى صحته ومن قسوته إلى خشوعه، ثم لاحظ في الآيات قوله تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم}. إنك تجد في هذا النص أن العلم هو الطريق لصلاح القلب وإصلاحه فأهل العلم هم الذين يخرجون من إلقاءات الشيطان بخشوع أكثر ويقين أعلى وإيمان أرقى وهذا يؤكد ما ذكرناه من قبل من أن أحد ركني السير إلى الله العلمُ وأن الذي لا يدرك هذا خاطئ وواهم جداً...

أسرعنا في ذكر هاتين الملاحظتين حول الآيات استعجالاً للمقصود والذي من أجله سقنا الآيات إلا أن الآيات تحتاج إلى وقفة أوسع فلنحاول عرضها لأن هذه الآيات من الآيات التي يكثر الأخذ والرد حول معناها ونحن في هذه السطور القليلة سنقدم خلاصة في شأنها لا يعثر عليها الإنسان إلا بمشقة {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى}. ماذا يتمنى الرسول أو النبي؟ إن أمنية الرسول أو النبي إنما هي في قومه وأتباعه أن يرتفع بهم إلى مقام العبودية الكاملة إلى مقام الصديقية الكبرى. إن مثل هذا هو أمنية الرسول والنبي عليهم الصلاة والسلام جميعاً فماذا يفعل الشيطان؟ إن الشيطان في مثل هذه الحالة يحاول أن يقطع الطريق على أمنية الرسول والنبي بإلقاءاته الإلقاءات الخبيثة في قلوب محل أمنية الرسول قال تعالى: {إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته}. أي في قلوب محل أمنيته وهم قومه وأتباعه وهذا الذي يدل عليه السياق فإذا ألقى الشيطان إلقاءاته فإن من سنة الله عز وجل {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} إن من سنة الله عز وجل إبطال إلقاءات الشيطان وإحكام الآيات في القلوب على مقتضى العلم والحكمة وقد بين الله عز وجل سنته هذه بالآيتين التاليتين فقال: {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض}، أي المنافقين {والقاسية قلوبهم} أي المشركين أو المرضى بقسوة القلب ولو لم يكن شركاً فهؤلاء وهؤلاء هم الذين يقبلون إلقاءات الشيطان فيفتنون بها. ثم قال تعالى: {وإن الظالمين لفي شقاق بعيد}، دلت الآية على أن مرضى القلوب وقساتها ظالمون وأنهم في خلاف بعيد عن الحق".

إن هؤلاء هم الذين يقبلون إلقاءات الشيطان ثم قال تعالى: {وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم}، أي إن إلقاءات الشيطان في قلوب أهل العلم لا يترتب عليها إلا زيادة إيمان بالقرآن وزيادة خشوع للقرآن واطمئناناً به ثم قال تعالى: {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم}، أي في الفهم والسلوك. إن القلب البشري إذا قبل الحق اندفع فيه ثم تأتيه هجمة معاكسة من الشيطان، هذه الهجمة إما أن يسقط فيها إنسان أو يرتفع بسببها إنسان، يسقط مرضى القلوب وقساتها وينجح أصحاب العلم وأصحاب القلوب السليمة والمربي الذي لا يدرك أبعاد هذه الأمور فيلاحظها ويعرف كيف يتوقعها ويتصرف أمامها، مرب فاشل... إذا أدركنا معنى الآيات التي مرت معنا أصبح بإمكاننا أن ندرك مضمون الحديث الذي مر معنا أكثر من مرة في هذه الرسالة. "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين". على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مرباد كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه". فالفتن تعرض على القلوب بشكل مستمر فأي قلب هو الذي ينكر هذه الفتن فلا يقبلها؟ إن الآيات هي التي دلتنا على هذا النوع من القلوب. إنه القلب السليم من المرض والقلب غير القاسي لأن القلب المريض والقلب القاسي كلاهما قابل لإلقاء الشيطان ومن ثم ندرك بوضوح إن نقطة البداية الصحيحة في التربية الإسلامية هي التركيز على القلب للوصول به إلى حالة الصحة وأن كل فشل في ذلك إنما هو فشل في الصميم في إيجاد المسلم الحق المستقيم على أمر الله المستمر على دينه...

إن الفشل في إصلاح قلب الإنسان يخرج لنا نماذج مرضية من البشر كل منها متعب وضال. يخرج لنا نوعاً من الغلاة لا يطاقون وكلهم تعب وإتعاب كالخوارج ففي الحديث الصحيح "يخرج في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فأقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". رواه الشيخان.

لاحظ هذا النوع من الناس "إيمانهم لا يجاوز حناجرهم" أي لم يصل إلى قلوبهم وكما يخرج لنا هذا النوع من الناس يخرج لنا أصنافاً من الفساق والمنافقين والكاذبين والمرتدين حتى من أبناء المسلمين إنه حيث لا قلب سليم فثم الهلاك الدنيوي والأخروي فلا تذكر بقرآن لأن القرآن يحتاج إلى قلب سليم {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37]. وحيث لا قلب سليم فلا نجاة عند الله ولا وعظ ينفع قال تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: 16] {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89]. إنه لا بد من جهد متواصل في أنفسنا للوصول إلى القلب السليم ولا بد من جهد متواصل مع كل مسلم بل مع كل إنسان للوصول إلى القلب السليم. وعلينا أن نركز منذ الابتداء مع كل من توجه إلى الله لكي نصل به إلى القلب السليم تلك هي البداية الصحيحة فقط...

إن الإنسان بين أمرين إما أن يوجه قلبه سلوكه كله أو يكون قلبه موجهاً بأشياء كثيرة. فالقلب عندما يكون قليل النور ضعيف الإيمان أو اليقين أو عندما يكون مريضاً أو قاسياً فإنه في هذه الأحوال كلها يكون موجَّهاً. النفس تتغلب عليه فنجده مستسلماً أمام شهوات النفس مستسلماً أمام أمراضها، الكبر يوجه قلبه ثم ذاته، والحسد يوجه قلبه ثم ذاته، وقل مثل ذلك في كل مرض. والشهوة الجنسية تسيطر على قلبه فيستسلم لها وشهوة البطن تسيطر عليه فيستسلم لها ومغريات الحياة الدنيا تسيطر عليه فيستسلم لها وإيحاءات الشياطين شياطين الإنس والجن تسيطر عليه فتوجهه ويخضع لها ويفتتن بها. وقراراته الفعلية تكون مريضة ومتأثرة بهذه المعاني كلها. إن هذا كله بعض ما يترتب على عدم صلاح القلب أما إذا صلح القلب فإنه يكون هو الموجّه، إنه من ناحية يتخلص من إيحاءات الشياطين ثم هو يرفض الإستسلام لشهوات النفس وبنفس الوقت يكون هو الموجه لسلوك الإنسان على ضوء شريعة الله عز وجل والفارق كبير جداً بين الحالتين حالة أن يكون القلب هو الموجه وحالة أن يكون القلب هو الموجَّه "إستفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك" (رواه البخاري في التاريخ).

ولذلك فكما قلنا إن أول ما يحرص عليه المربي هو أن ينقل القلب البشري إلى آفاقه العليا في الإيمان والنور {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه}. ومن هنا ندرك أهمية الأوراد الكثيرة المتعددة للإنسان في إبتداء سيره وأهمية إستغراق الإنسان في الأذكار وأهمية الإعتكافات والخلوات المليئة بالتعبد والتحنث والذكر والعلم وغير ذلك ولأمر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعبد الليالي ذوات العدد في غار حراء ثم جاءه الوحي وهو هناك، ولأمر ما واعد الله موسى عليه السلام أربعين ليلة على الجبل، فإذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم أصفى خلق الله فطرة وأرقاهم قلوباً سُيّروا في مثل هذا الطريق فما بال بقية الخلق.

وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كلفوا حوالي سنة بقيام الليل إلا قليلاً فما ذلك إلا لما تقتضيه عملية بناء أنفس ذلك الجيل العظيم {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو أنقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}، لاحظ الصلة بين قوله تعالى: {إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}، وبين الأمر بقيام الليل إلا قليلاً، إن نقطة البداية الصحيحة في التربية الإسلامية التركيز على القلب ولكون الصوفية أول ما يبدأون يبدأون بما له صلة في ذلك فإنك تجدهم أنجح الناس في تربية الإنسان المستقيم على أمر الله وسواء فعلها الصوفية أو لم يفعلوها فإن السنة النبوية والوحي الإلهي قد دلنا على نقطة البداية هذه.

إنك عندما تأتي للإنسان من لحظة البداية وأنت تعلمه تقول له: يا أخي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من لازم الإستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" رواه أبو داوود. ثم تطالب هذا الأخ بملازمة الإستغفار أياماً تطول أو تقصر على حسب حاجة قلبه. ولا يظنن ظان أن المسألة تحتاج إلى مئات بل إلى الآلاف وعشرات الآلاف حتى يستقر معنى الإستغفار وحقيقته في القلب. وحتى يصبح الإستغفار خلقاً للإنسان ليؤدي دوره الدائم في جلاء القلب. قال ابن كثير: وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي ابن ماجه من طرق... عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت فذلك قول الله تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} قال الترمذي: حسن صحيح ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها تعلو قلبه فهو الران الذي قال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، فإذا إشتغل الإنسان في الإستغفار حتى ظهرت عليه ثمراته لفت نظر الأخ إلى الإقبال على الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها طريقة فضلى للوصول إلى القلب المنور، فالحديث الشريف يقول: "من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً"، رواه أحمد ومسلم وأبو داوود. وإذا صلى الله علينا أخرجنا من الظلمات إلى النور قال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43]، فيطلب منه أن يلازم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً طوالاً وأن يكررها عشرات الآلاف حتى تؤتي ثمارها في إصلاح القلب وتنوره والمسألة لا حد لها إلا ظهور الآثار فإذا ما ظهرت ثمار ذلك في تنور حال الأخ لفت نظره إلى الحديث الشريف الذي رواه أحمد والنسائي والحاكم: "جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" فيبدأ الأخ الإستغراق بذكر لا إله إلا الله أياماً طوالاً وبعشرات الآلاف حتى يصبح قلبه موحداً خالصاً مستنيراً إستنارة كاملة وهكذا.

ثم يلفت نظر الأخ إلى الإستغراق بقراءة القرآن والتأمل في معانيه فقد قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57]، لاحظ قوله تعالى {وشفاء لما في الصدور}، فيختم الختمات الكثيرة مع التأمل والتدبر، وخلال ذلك كله يعود نفسه على ورد دائم كورد الدعاء الذي ذكره الأستاذ البنا في نهاية المأثورات /100/ مرة استغفار/100/ مرة صلاة على رسول الله/ ص / 100/ مرة لا إله إلا الله. قل هو الله أحد ثلاث مرات، وهكذا مع ملازمة قراءة ما تيسر من القرآن وجزء في اليوم يعتبر ورداً معتدلاً هذا مع شيء من قيام الليل وملازمة صلوات الجماعة وإقامة السنن الرواتب وسنة الضحى وهذا كله مع العلم أن هذا كله ربما قذف في الأخ إلى قمة القلب السليم منذ الابتداء بإذن الله وعندئذٍ فعليه أن يرتب أوراده بحيث يأخذ قلبه دواءه وغذاءه اللازمين ليبقى قلبه على إستمرارية إيمانية عالية ولعله من المناسب هنا أن نقول: إن أصلح الإخوان وأقوى الإخوان ينبغي أن يتولوا أمر التربية للأخ في نهاية سيره لأن البداية المحرقة هي التي توصل إلى النهاية المشرقة وفي حكم ابن عطاء "من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة" والملاحظ أننا لم نقيد ما ذكرناه من الأذكار الحارقة في المرحلة الأولى للسير بعدد معين لأن حالة الناس القلبية مختلفة واحتياجات كل واحد منهم تختلف عن احتياجات الآخر فالقلب الذي ظلمته كثيرة لا يكفيه القليل بينما قلب آخر. إقبال قليل على الذكر قد ينقله من حال إلى حال ثم إن التقيد بعدد فيما لا نص فيه قضية فيها أخذ ورد كثيران عند الناس والأستاذ البنا إكتفى بستجيل الخلاف في هذا الموضوع ولكنه لم يرجح شيئاً ولذلك فنحن نؤثر أن يترك هذا لفراسة الأخ المربي ورؤيته احتياجات الأخ المسلم كما يترك هذا لإحساسات الأخ نفسه وبعضهم يرى السبعين ألفاً لكل نوع من أنواع الذكر المطلق كافية في مرحلة الإبتداء لنقل المسلم من حالة إلى حالة خاصة في الأذكار الثلاثة التي ذكرناها الإستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا إله إلا الله وبعض المشتغلين بالتصوف وبعض الكاتبين فيه يعتبرون أن القفزة العالية نحو معرفة الله لا بد فيها من ذكر الإسم المفرد أي لفظ الجلالة / الله / فهم يعتبرون أن تعرف القلب على الله وصفاته وأسمائه بشكل لا يغيب فيه القلب عن الله لا بد له من ذكر الإسم المفرد ويذكرون في ذلك حججاً ويعتبرون أن ذكر هذا الإسم هو بمثابة دواء للقلب فإن تذكر لفظ الجلالة / الله / بشكل مستمر فهذا طريق تعرف القلب الذوقي على الله ثم بعد ذلك تبدأ تستشعر معنى صلاتك وأورادك وهذا موضوع سنتعرض له فيما بعد وههنا نذكره لمجرد أن نجعل هذا الموضوع يطرق سمعنا من ناحية ومن أجل أن نؤكد ههنا أن معرفة الله ليس هذا شرطاً فيها كما يقول هؤلاء فالإيمان العالي والقلب المنور يمكن أن يصل إليه الإنسان عن مثل هذا الذكر وعن طريق غيره وإن كان لهذا الذكر آثاره السريعة العملية المجربة في هذا الموضوع...

فيما مر ركزنا على أن نقطة البداية الصحيحة هي التركيز على القلب وحتى لا يفهمنا أحد فهماً خاطئاً نقول: إن الواجب الأول في حق الإنسان كما ذكره علماء التوحيد على خلاف بينهم في بعض الدقائق هو المعرفة العقلية لله ثم بعد ذلك واجب الوقت وهذا لا يتناقض مع ما ذكرناه فالمعرفة العقلية ثم واجبات الوقت هي التي عنها تصل الأنوار إلى القلوب وتبدأ عملية إصلاح القلب وبدون هذا يستحيل سير قلبي أصلاً وعلينا أن ندرك دائماً معنى واجب الوقت فهو معنى دقيق يغيب عن كثير من الناس فقد يدخل الإنسان في الإسلام في وقت ضحى مثلاً ويكون في هذه اللحظة واجب الوقت في حقه هو الجهاد فعليه أن يجاهد وقد يكون مديناً والجهاد في حقه فرض عين فيصبح واجب الوقت في حقه قضية الدين وأمر الجهاد وقد يسلم في قوت ظهر مثلاً فواجب الوقت في حقه تعلم الطهارة وكيفية أداء الصلاة وخاصة صلاة الظهر وقد يكون الوقت رمضان فواجب الوقت في حقه الإمساك عن المفطرات بقية يومه، وقد يكون على أهبة الإقدام على معصية فواجب الوقت يكون زائداً على ذلك هو ترك المعصية ومع هذا كله فقد يأتيه والده في ذلك الوقت ويطلب منه مطالب مباحة فيكون من واجبات وقته تنفيذها وقد يكون في نفس الوقت يمارس عملاً من أعمال الكسب فواجب وقته أن يعرف حكم هذا العمل شرعاً ويلتزم بما ألزمه الله عز وجل.

وهكذا نجد أن قضية واجب الوقت من الأمور المهمة جداً ونادراً ما يفطن لها حتى من يتصدرون للعلم ولذلك يفوت خير كثير، إنك تلاحظ في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تفضيلاً للجهاد على غيره أو تفضيلاً للذكر على غيره أو تفضيلاً للصلاة على غيرها أو تفضيلاً للحج على الجهاد وسر ذلك كما يقول العلماء يعود إلى مجموعة حالات. حالة يكون فيها شيء هو واجب الوقت في حق إنسان فهذا هو الأفضل في حقه أو حالة يكون فيها شيء هو الواجب الأرقى في لحظة على غيره أو حالة يكون فيها شيء شرط قبول أو شرطاً لتحقيق حالة الإخلاص في شيء آخر وهي قضايا دقيقة لا يفطن لها إلا فقيه حكيم إن هناك حالات أخر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عن وقتها بسبب الجهاد كما حدث يوم الخندق، وقال لأصحابه مرة "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة"، فأنت تلاحظ من الحديث الأخير كيف أن واجب السرعة في الحركة الجهادية كان واجب الوقت الذي تؤجل الصلاة بسببه وهو موضوع قد نبحثه في محل آخر. وإنما أشرنا إليه ههنا حتى لا يفهم فاهم ونحن نتحدث عن كون البداية الصحيحة في التربية الإسلامية هي التركيز على القلب أننا غافلون عن الواجبات الأولى... ولعله من خلال هذا الباب كله أدركنا مجموعة أغلاط يقع فيها الناس في مواضيع هذا الباب منها إهمال المعرفة العقلية لله ومنها الغلط في معرفة واجب الوقت وخاصة في بعض مواضيع تعتبر في عصرنا من أخطر المواضيع كواجب العمل لإقامة الحكم الإسلامي وإعادة الوحدة الإسلامية والخلافة الإسلامية فهذه من واجبات العصر ومع ذلك تجد من علماء المسلمين والعياذ بالله من يعمل في الطريق المعاكس لها من محاربة العاملين لذلك ومن موالاة الذين يعملون ليل نهار في إفساد الأموال والأعراض والقضاء على الإسلام... ومما يقع فيه الغلط ما ذكرناه في موضوع التربية القلبية وقد رأينا ذلك كله في هذا الباب.

الباب السابع - في ضرورة الورد اليومي والدورات الروحية

الباب السابع
في ضرورة الورد اليومي والدورات الروحية

لعله إتضح من الأبواب الأخيرة ضرورة بعض الأمور وحتى لا يبتعد العلم عن العمل في هذا البحث وهو في الأصل بحث عملي فإننا نحب أن نخرج بالشيء العملي بعدما عرفنا كثيراً من الأسس النظرية التي تساعدنا على فهم هذه الجوانب العملية.

إننا بإختصار ندعو المسلم إلى العلم وإلى أن تكون له في حياته دورات روحية وأن تكون له أوراد يومية ولا يعجزنا أن ندرك ضرورة ذلك من خلال ما مر معنا ولكن لزيادة التأكيد والتوضيح نذكر بعض المعاني:

أ- العلم:

في حديث رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل أول ما يعلمه الصلاة أو قال: علمه الصلاة" وفي هذا الموضوع أكثر من حديث صحيح، نلاحظ من مثل هذا النص ضرورة الفقه فيما يلزم الإنسان وقد رأينا من قبل ضرورة العلم وقضية العلم وتحدثنا عنها كثيراً في هذه السلسلة سلسلة / في البناء / فتحدثنا عن البدايات والنهايات وما بين ذلك، إن البدء في السير العلمي الشامل إن في المدارسة أو في المطالعة الشخصية أو في التلقي أو في حضور الحلقات العلمية الإسلامية العامة أو الخاصة شيء لا بد منه ولكل قضية محاذيرها التي لا بد للمسلم أن يلاحظها وفي هذه السلسلة بمجموعها تبيان للمحاذير التي لها صلة بهذه القضايا وأشباهها وههنا نقول:

1- إجعل نصب عينيك أن تصل إلى ثقافة إسلامية هادفة ومبرمجة، متكاملة بحيث لا تضيع من مهم عن أهم ولا تضيع مهماً.

2- ستجد الكثيرين الذين يريدون أن يحجزوك على صيغة معينة من فكرهم وسنرى أن التحقيق ليس معهم فتأن كثيراً وتثبت كثيراً ولا تجعل التعصب بأسرك فتترك بعض الحق ولا تجعل حب الرجال مانعاً لك عن الوصول إلى الحق الخالص ومعرفته في كل قضية.

3- مهما درست فلا تبقى بعيداً عن الكتاب والسنة ومحاولة الفهم الصحيح لنصوصهما، واجعل للحفظ من الكتاب والسنة نصيباً من وقتك وجهدك.

4- ستصادف جهلة كثيرين يثنونك عن العلم أو عن أنواع منه أو يصرفونك إلى أنواع غير مفيدة منه على حساب أنواع أخرى أو يحفرون لك أبواباً من العلم لا بد منهما هؤلاء لا تصغ لهم مهما رأيت من صلاحهم. فالصلاح شيء وأن يستحق إنسان مقام الإرشاد في نفسك شيء آخر ولذلك وجد ما يسمى في التاريخ بالمرشد الكامل الذي احدى مواصفاته أن يكون عالماً بالمذاهب الأربعة قادراً على الفتوى بها وغير ذلك من المواصفات التي تؤهله لأن يعطيه إنسان ما مقام الإرشاد في نفسه وهو موضوع سنعرج عليه في هذه الرسالة، إذا تنبهت لهذه النقاط الأربعة وسرت في طريق العلم فإنك ستصل بإذن الله إلى خير.

ب- الدورات الروحية:

إننا ندعو المسلم إلى أن تكون له دورات روحية في حياته ما إستطاع إلى ذلك سبيلاً وبالقدر الذي يتيسر له فإن استطاع أن تكون دورته أربعين يوماً فليفعل وإن استطاع ثلاثة أيام أوسبعة أيام أو ثمانية أيام أو أكثر أو أقل أو شهوراً فليفعل، فإن استطاع أن يتفرغ لهذه الدورة بما لا يضيع عملاً ولا واجباً كان بها وإلا فليفعل ما استطاع بما لا يضيع عياله ولا عمله الذي يكسب منه قوته ولا واجباته اليومية، وإن استطاع أن يربط بين الدورة وبين بعض الشهور كرمضان أو الأشهر الحرم أو العشر الأول من ذي الحجة أو غير ذلك مما ورد فيه نصوص تدل على خصوصيته كان ذلك وإلا فمتى تيسر ولينظم برنامج الدورة بحيث يكون مردودها الروحي عالياً فإذا استطاع أن يجمع بين صيام وقيام وصلوات جماعة وقراءة قرآن وأنواع من الأذكار كان بها وإلا فما استطاع من ذلك وإذا اقتصر على نوع من الذكر كالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا إله إلا الله أو الاستغفار أو الجمع بين التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد فذلك طيب وإذا جمع بين هذا كله يكون طيباً، إن مثل هذه الدورات ترتقي بالإنسان إرتقاءات كبيرة وتنقل قلبه من حال إلى حال، وإن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير مما يجعلنا نستأنس لمثل هذا مثل اعتكافه عليه الصلاة والسلام فقد ثبت أنه اعتكف عليه الصلاة والسلام في رمضان وغيره واعتكف في بعض السنين عشرين يوماً ومثل خلوته عليه الصلاة والسلام في غار حراء وهي مع كونها قبل النبوة إلا أنها كانت من توفيق الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ومثل الأمر في ابتداء الإسلام بوجوب قيام الليل على كل مسلم ثم فسخ الوجوب ولكن الندب بقي وهناك نصوص تشير إلى أرقام مثل الحديث الذي رواه ابن ماجه والترمذي "من صلى في مسجد جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقاً من النار". ترى لو أن مسلماً قرر فيما بينه وبين نفسه أن يقيم دورة روحية لنفسه مدتها أربعون يوماً أو أقل أو أكثر فماذا يترتب على ذلك: لا شك أن إيمانه سينمو ومعاني التوحيد في قلبه ستترسخ وسيعطيه ذلك صفاء فكر وحسن تأمل هذا عدا عن معان كثيرة أخرى كلها ضروري في عصر غلبت عليه المادة وطغت الشهوات فإذا ما كرر ذلك كل فترة في حياته فإن ذلك محل رجاء أن يبقى نور الإيمان في قلبه عظيماً وأن يبقى الإيمان في قلبه جديداً وإذا أردنا أن نقترح جدول دورة من هذه الدورات فبالإمكان مثلاً أن يكون في هذا الجدول:

1- صلوات الفرائض جماعة.

2- إقامة السنن الرواتب كلها.

3- المحافظة على سنة الضحى وسنة قيام الليل والوتر.

4- بالإمكان أن يكون من البرنامج صلاة التسابيح يومياً.

5- أن يخصص لنفسه برنامج ختمات من القرآن خلال الدورة.

6- أن يضع في حسابه الإشتغال بأوراد الذكر من استغفار إلى صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى توحيد إلى غير ذلك من الأذكار المطلقة وليحاول أن يذكر كلاً منها سبعين ألفاً. فعدد السبعين تتحقق فيه الكثرة.

7- أن يضع في حسابه تطبيق الأوراد المرتبطة بشيء كأوراد الصلاة وأوراد القوم وغير ذلك. وإذا رأى من نفسه مللاً من نوع اشتغل بنوع آخر ويستطيع الواحد منا أن يتصرف على ضوء ذلك.

8- صيام ما تيسر من الأيام مع الإقلال من الطعام والكلام والخلطة. إن بعض الناس قد يقولون: هذه عطالة وبعضهم يقولون هذه بطالة وبعضهم يقولون الكثير ليصرفوا المسلم عن هذا. إن هؤلاء جميعاً موازينهم خربة وتفكيرهم الإيماني سقيم إن ذرة من الإيمان لا يعادله شيء فإذا كانت ذرة من الإيمان يخرج بها الإنسان من النار وتقيه الخلود فيها فما بالك إذا كانت هذه الدورات تجعل إيمان الإنسان كالجبال فتعطيه طمأنينة القلب وترفعه عن هواجس النفس وتجنبه وساوس الشيطان وفتنته.

إن على كل مسلم أن يفكر في مثل هذا، وإن على المربين في الأمة الإسلامية أن يعطوا لذلك أهمية خاصة ويكفي كل مسلم ليدرك صحة ما ذكرناه أن يتذكر هذين الحديثين: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم" رواه الطبراني. "جددوا إيمانكم، قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا قال: أكثروا من قول لا إلا الله" رواه أحمد. إذا كان الإيمان وهو موجود يحتاج، إلى تجديد فكيف بالقلوب الغافلة، فكيف بالقلوب المصفحة، فكيف بالقلوب التي فيها ظلمة، فكيف بالقلوب التي فيها وساوس، فكيف بالقلوب الحائرة، فكيف بالقلوب القلقة فكيف بالقلوب الشاكة، فكيف بالقلوب التي غزتها الأمراض والشهوات، إن هذه كلها إذا أرادت أن تقفز قفزة سريعة فوق هذه الحال لا بد لها من دورات روحية مكثفة ذات برنامج روحي والبرنامج الذي إقترحناه ههنا نموذج فقط وإلا فلو أن مسلماً خصص لنفسه أياماً يشتغل بها مثلاً في الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم فقط مع قيامه بالفرائض فإن لذلك آثاره الطيبة على قلبه. المهم ألا ينسى مسلم نفسه من دورة روحية أو دورات في حياته.

ح- الأوراد اليومية:

إنه لا بد للمسلم من غذاء روحي يومي، هذا الغذاء يتمثل بالقيام بالفرائض والواجبات اليومية والمداومة على ما يمكن من المندوبات بالقدر المستطاع الذي يعطي القلب احتياجاته من الغذاء والدواء والذي يكون به المسلم في ترق دائم... هذا الورد اليومي الذي يرتبه المسلم على نفسه ينبغي أن يلاحظ فيه أن يجعل له حداص أدنى لا بد أن يؤديه ثم بعد ذلك إن وجد فراغاً أو إقبالاً من النفس زاد، وإذا رأى من نفسه كسلاً أو مللاً تصرف معها بما يحسن من سياسة حكيمة للنفس. وإذا غلبته نفسه فكسلت لسبب من الأسباب فإنه إن استطاع أن يعوض ذلك عوض وإلا استأنف من جديد في أول لحظة تفيء نفسه فتعود إلى ما رتبه لها صاحبها من أوراد يومية والنصوص في قضية الأوراد اليومية كثيرة منها. الذي مر معنا وللتأكيد والتوضيح نذكر بعض النصوص ونعلق عليها.

1- قال شقيق: "مرض عبد الله فعدناه فجعل يبكي فعوتب فقال لا أبكي لأجل المرض لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المرض كفارة وأنا أبكي أنه أصابني على حال فترة ولم يصبني في حال إجتهاد لأنه يكتب للعبد من الأجر إذا مرض ما كان يكتب له قبل أن يمرض فمنعه منه المرض"، من مثل هذا النص ندرك أن المسلم العامل تكون له أوراده اليومية الخاصة ولذلك نجد عبد الله بن مسعود يبكي على أن مرضه جاء وهو في غير الحالة العليا من العمل اليومي.

2- يستأنس لهذا الموضوع بكل ندب ندبنا فيه لعمل سواء كان هذا العمل ذكراً أو غيره.

3- من حديث صحيح لعائشة رضي الله عنها أنها روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" (متفق عليه)، وفي رواية عنها "وكان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه"، وهذا يدل على أن هناك أعمالاً معينة كان فيها نوع من الإلتزام اليومي في حياة آل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن قوله عليه الصلاة والسلام "خذوا من الأعمال ما تطيقون"، ما يشير إلى أن المسلم ينبغي أن يرتب لنفسه عملاً يومياً في حدود طاقته.

4- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن ليغان على قلبي حتى أستغفر في اليوم مائة مرة" رواه مسلم، وملازمته عليه الصلاة والسلام لقيام الليل ولأعمال معينة كل ذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام كانت له أوراده اليومية وهو أسوة كل مسلم فالأوراد اليومية في حياة المسلم هي زاده اليومي الذي لا ينبغي أن يهمله وعلى هذا فإننا ندعو كل مسلم أن يرتب لنفسه ورده اليومي، ويدخل في ذلك تنظيم أوقاته لترتيب أمر الصلاة فرضها ونفلها وتخص بالذكر قيام الليل وسنة الضحى لغفلة الناس عنهما، ويدخل في ذلك أوراد الصلوات، ويدخل في ذلك قراءة القرآن. والحد المعتدل في ذلك جزء لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لابن عمرو بن العاص عن القرآن "إقرأ القرآن في كل شهر"[1]. ويدخل في ذلك الاستغفار اليومي والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومياً والتهليل والتسبيح يومياً ويدخل في ذلك ملاحظة الأيام التي ندبنا إلى عمل خاص بها أن نخصها بعمل ما كالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته وكقراءة سورة الكهف فيها. ويدخل في ذلك أن تلاحظ الأوراد والأذكار التي ربطت بمناسبته ويدخل في ذلك ملاحظة الأيام التي ندبنا إلى صومها، وأخيراً يدخل في ذلك العلم وكل عمل يقتضيه حق العلم... إن الأوراد التي ندبنا إلى الإكثار منها بدون حدود يستطيع الواحد منا أن يرتب على نفسه منها بالقدر الذي لا يشق عليه وعلى حسب احتياجات قلبه وبما لا يتعارض مع القيام بواجبات أخرى...

وإذا أردنا أن نقدم نموذجاً تقريبياً لأوراد المسلم اليومية فبإمكاننا أن نقول:

1. صلوات الجماعة، ورواتب الصلوات وأذكارها وقيام الليل وسنة الضحى.
2. إستغفار يومي بما لا يقل عن مائة مرة.
3. لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بما لا يقل عن مائة مرة.
4. صلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بما لا يقل عن مائة مرة.
5. قراءة قل هو الله أحد ثلاث مرات.
6. قراءة جزء من القرآن.
7. أذكار الأوقات والأعمال كأذكار الطعام والنوم والدخول والخروج.
8. الإكثار بعد ذلك من ذكر الأذكار التي ندبنا إليها بشكل مطلق كالإستغفار أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التهليل أو الحوقلة أو التسبيح أو التحميد أو غير ذلك مما فيه ندب خاص،

وهذه بعض نصوص تشير إلى ما ذكرناه: "عن أعز مزينة رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ليغان على قلبي حتى أستغفر في اليوم مائة مرة". وفي رواية "توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي مائة مرة في اليوم" رواه مسلم وأبو داوود. وعن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في اليوم مائة مرة"، كانت له عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه، "ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"، للشيخين والموطأ والترمذي. وأخرج النسائي عن أبي طلحة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ذات يوم والبشرى في وجهه، فقلنا: إن لنرى البشرى في وجهك، قال: إنه أتاني الملك فقال: يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أنه لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً"، وروى الطبراني في الأوسط والصغير عن أنس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ومن صلى علي عشراً صلى الله عليه بها مائة مرة، ومن صلى علي مائة كتب الله بين عينيه براءة من النفاق وبراءة من النار وأسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء" وأخرج أبو داوود عن ابن عباس رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم "من لزم الإستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب"، وأخرج الطبراني في الكبير عن محمد بن يحيى بن حيان عن أبيه عن جده "أن رجلاً قال يا رسول الله أجعل ثلث صلاتي عليك؟ قال نعم إن شئت، قال الثلثين؟ قال نعم. قال: فصلاتي كلها؟ قال: إذن يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك".

وأخيراً نقول: إن المسلم عليه أن يرتب لنفسه برنامجاً خاصاً يومياً وآخر أسبوعياً يكمل البرنامج اليومي وآخر شهرياً يكمل اليومي والأسبوعي وآخر سنوياً يكمل الثلاثة الأول وآخر عمرياً يكمل ما قبله بحيث يؤدي واجباته كلها، ويملأ حياته بالخير ويكون في حال نرق دائم ومن خلال الدورات الروحية، ومن خلال البرنامج اليومي ومن خلال إقامة ما ندبنا إليه أو أفترض علينا أسبوعياً كحقوق يوم الجمعة أو من خلال ما شرع لنا سنوياً كصيام رمضان أو شهرياً أو أسبوعياً كالصيام المندوب أو ما أفترض علينا عمرياً كالحج ومن خلال إقامة واجب الوقت وواجب الحال وواجب المناسبة كصلاة الجنازة أو عيادة المريض أو إطعام الجائع أو إحسان إلى الجار أو بر الوالدين أو صلة الرحم أو جهاد مفروض أو مندوب من خلال هذا كله يَكْمُل المسلم ويلقى الله وهو عنه راض وإن العلم والدورات الروحية والأوراد اليومية هي الزاد الذي لا بد منه لإقامة هذا كله.

وبهذا الباب يكون قد اتضح لنا كثير من جوانب السير إلى الله وقد آن الأوان لأن ننتقل إلى جوانب آخرى في هذا الموضوع لها صلة بعالم النفس وتزكيتها وهو الجانب المكمل للكلام عن القلب ومن ثم فسيأخذ هذا الموضوع معنا مجموعة من الأبواب اللاحقة في هذه الرسالة.

[1] راجع حادثة ابن عمرو بن العاص عن البخاري ومسلم وأبي داوود والنسائي.

الباب الثامن - في النفس ومطالبها وأمراضها

الباب الثامن
في النفس ومطالبها وأمراضها وصلة
ذلك بعالم القلب والسلوك

نلاحظ أن هناك نماذج أحياناً في الحديث عن القلب والنفس لدرجة يشعر الإنسان من خلال بعض النصوص وبعض كلام الصوفية بأنهما شيء واحد، ويلاحظ أحياناً من خلال مطالعة بعض النصوص ومن خلال كلام الصوفية أنهما شيئان منفصلان وقد تحدثنا في بداية هذه الرسالة عن قضايا العقل والقلب والروح والنفس وههنا نضيف ما يعمق الفهم. في الحديث الشريف "لا يدخل الجنة من كان في قلبه حبه من كبر" رواه مسلم، إننا نجد في هذا الحديث أن القلب نفسه يمرض بمرض الكبر ونجد النص القرآني يقول {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} [الشمس: 09-10]، ولا شك أن من التزكية للنفس أن يطهرها الإنسان من الكبر، بل من أول معاني التزكية أن يطهر الإنسان نفسه من الشرك الذي هو المظهر الأرذل للكبر، قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} [الأعراف: 46]. وإنما الصرف في هذا للقلب، قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46]، إنك تجد ههنا تداخلاً بين قضية النفس والقلب. ولكنك تجد كذلك قوله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 02]. ونجد عند الصوفية شيئاً يسمونه الهاجس النفسي وله صلة بأوامر النفس للقلب فههنا حالة ثانية من حالات الكلام عن القلب والنفس، وقال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28]، وقال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} [الفجر: 27]، فههنا قلب يطمئن في الذكر ونفس وصلت إلى الإطمئنان وقال تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية}، والظن محله القلب لأن له صلة بالإعتقاد قال تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} [البقرة: 46]، من كل هذه المعاني التي ذكرناها ندرك أن الكلام عن النفس أحياناً يعنى الكلام عن القلب وأحياناً لا يعني ذلك وهذا هو الذي نقلناه عن الغزالي في أول هذه الرسالة إذ يذكر أن النفس والقلب والعقل والروح تأتي أحياناً بمعنى واحد وأحياناً يكون لكل مدلوله ولتوضيح هذا المقام في قضية القلب والنفس فلنعرض الأمر عرضاً مبسطاً:

إذا جرح الإنسان في معركة أو حدث معه نزيف كثير يحس الإنسان بعطش شديد وهكذا يحس بطلب ملح على الشرب فيطلبه ومهما أراد أن يقاوم ذاته فمنعها عن الطلب يجد نفسه أحياناً مغلوباً فههنا دافع جسدي غلب القلب، وبدون شعور من الطفل يبدأ بأكل التراب عندما يكون جسمه بحاجة إلى الكلس. وقاعدة عامة: إذا احتاج الجسم لنوع من الغذاء وجدت عنده مطالب لأنواع من الطعام تحتوي ذلك فيجد الإنسان نفسه أحياناً مدفوعاً بدوافع شديدة نحو نوع من الطعام بعينه.

ومن المعروف في عالم الحيوان والإنسان أن الإفرازات الجنسية المطروحة في الدم توجد عند الإنسان والحيوان هواجس واندفاعات وتخيلات ومتطلبات تكون قاسية أحياناً وكثيراً ما يستسلم ناس لها ولا حرج في استسلام قلب لدافع شهوة مباحة وفي الحلال ولكن الكارثة عندما يستسلم الإنسان لها في الحرام، وهناك نوع من العقاقير إذا استعملها الإنسان زادت في حدة طبعه. ونوع آخر يساعده على الهدوء، ونوع آخر يمكن أن يوجد عنده رغبة في العزلة أو نوع من كراهية الناس، ومن ثم ندرك تأثير طبيعة الغذاء على تصرفات الإنسان، وبذلك ندرك حكمة تحريم أنواع من الحيوانات أو الأطعمة في الإسلام. إن نوع ما يلقى في الدم من أغذية أو افرازات يؤثر على الجملة العصبية فيتلقى القلب البشري مطالب، هذه المطالب هي التي يمكن أن تكون جزءاً مما يسميه الصوفية هواجس النفس، وهذه الهواجس أقسام فمنها الطلب الحرام ومنها الطلب المباح ومنها الطلب الذي لا بد منه الذي يكون تأمينه من باب الفروض وهكذا...

في الشريعة الإسلامية إذا تاقت نفس الإنسان للجماع أصبح الزواج في حقه واجباً شرعياً عليه إذا استطاع، فإذا كثر التوق لدرجة خاف فيها الغلبة على نفسه فقد أصبح الزواج في حقه مفروضاً وعليه أن يضبط نفسه ريثما يتزوج. والطعام والشراب اللذان لا بد منهما لإستمرار الحياة البشرية ولجعل الإنسان في حالة يقوم بها بواجباته فريضة من الفرائض على الإنسان، مثل هذه المطالب تأمينها للنفس شيء عادي ولكن النفس إذا طالبت يفعل هو في ذاته معصية كان ذلك من باب الأمر بالسوء {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي}، إذا أدركنا هذه القضية عرفنا لم يفرق بعضهم بين النفس والقلب فهؤلاء يريدون بالنفس هنا طلبات الجسد وحاجاته ورغباته التي يمليها على القلب، فالقلب ههنا شيء والنفس شيء آخر، ولكن بعضهم يعبر عن القلب بالنفس من باب أن القلب هو ذات الإنسان ونفس الإنسان هي ذاته فؤلاء لا يفرقون في هذا المقام بين نفس وقلب، وفي هذا المقام، يقال إن المراد بالقلب هو النفس ويكون المراد بمرض القلب ومرض النفس واحداً ويكون المراد بتزكية القلب وتزكية النفس شيئاً واحداً فالقلب هنا هو عين النفس. والنفس ههنا هي عين القلب وعلى مثل هذا المقام تحمل هذه النصوص {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم} [البقرة: 151] {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" رواه البخاري... والمسلم مكلف بمعالجة مطالب نفسه سلباً أو إيجاباً ومكلف بتطبيب قلبه ونفسه بتزكية هذا القلب وتزكية هذه النفس من خلال الخلاص من أمراضه كالحسد والكبر والعجب وحب الدنيا ومن خلال تحقيق هذه النفس أو هذا القلب بأخلاقه العليا من إخلاص وتوكل وخشية وغير ذلك "وفي هاتين القضيتين تفريط خطير وغلط كبير" بعض الناس يهمل قضية المطالب وعلاجها ويهمل قضية الأمراض والأخلاق النفسية العليا، وبعض الناس لا يفرق بين المطالب الضرورية للنفس فيحاربها وبين المطالب التي يجب حربها فعلاً، وبعض الناس لا يعرف أصلاً ما هي موازين الصحة وجوانب المرض فلا يعرف بماذا يتحقق ولا مما يتخلص وههنا تأتي أهمية المرشد الكامل أو الوارث النبوي الكامل أو العالم العامل أو الولي المرشد. والإسلام جاء فيه تفصيل لكل شيء ومن جملة ذلك آفاق القلب والنفس ومعالجة أمور النفس والقلب وطرق العلاج وموازين الصحة والمرض وذلك شيء لا يمكن أن يكون في هذا العالم جواب صحيح عليه إلا في الإسلام، ولا تفسير كامل له إلا في الإسلام، وإن الذين كتبوا في هذه الشؤون من أمثال حجة الإسلام الغزالي كتبوا في الحقيقة في أرقى الأمور وأعلاها على الإطلاق وإنه لخسارة للبشرية كلها ألا تقرأ ما كتب أمثال هؤلاء...

تبدأ الشهوة الجنسية تتفتح عند الإنسان شيئاً فشيئاً وذلك أمر عادي ويحاول بعض الناس أن يعتبر ذلك ظاهرة مرضية بل يفكرون في القضاء عليها وذلك خطأ في فهم الأشياء أصلاً، وفي الإسلام أنت مطالب أن تتزوج لتحقق الحكمة في وجود هذه الشهوة أصلاً وعليك بعد الزواج أن تضبط هذه الشهوة ضمن الحدود المباحة، وقبل الزواج عليك أن تعالج هذه الشهوة بالضبط وأنواع العلاج ريثما تتزوج وقد يكون العلاج بالصوم وباختيار نوعية الطعام، وقد يكون باستعمال العادة السرية فقد أجاز بعض الفقهاء استعمال العادة السرية إذا كثرت الشهوة الجنسية لصرف الشهوة لا لجلبها وقد يكون العلاج في استغراق الإنسان في العمل والذكر وأنواع الرياضات الجسمية وقد يكون في هذا كله، وههنا تكمن مهمة الإنسان في هذه المرحلة، فلو طالبته نفسه بزنا أو لواط أو غير ذلك مما هو محرم فعليه أن يقطع الطريق عليها. فلو أن القلب طاوع النفس ههنا أي طاوع مطالب الجسد فإنه يكون مريضاً إذا غلبت عليه الشهوة المحرمة، ومن هنا ندرك موقف المسلم من مطالب النفس والمراد بالنفس هنا مطالب الجسد، وندرك ماذا يعني مرض النفس والنفس ههنا القلب وندرك لم في (بعض الأحيان) يعبر العلماء بالنفس عن القلب ويعبرون بالنفس على معنى مختلف عن القلب...

بعض الناس يسيرون في طريق محاربة كل مطلب للنفس كائناً ما كان وهذا خطأ ففي الحديث "إن لنفسك عليك حقاً" رواه البخاري، وبعض الناس يعطون أنفسهم كل ما تشتهيه وهذا خطأ قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40-41] قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والمجاهد من جاهد نفسه في الله" رواه الترمذي وابن حبان، والمسلم الحق على ضوء العلم يعمل فيضبط النفس عن شهواتها المحرمة ويمنعها أن تتوسع في المباح خشية مطالبته بالحرام، هذا في أمر مطالب الجسد، ثم هو يزكي نفسه أي قلبه ههنا من كل مرض فيمنع أمراض القلب أن تؤثر على سلوكه ويحاول تطهير القلب من أصل المرض كما يحاول أن يحقق القلب بأخلاق الصحة وأن يعطي هذه الأخلاق مداها في سلوكه وهذه العملية كلها يخلط الكاتبون في الحديث عنها فيعتبرون مطالب النفس كلها أمراضاً كأمراض القلب وهو موضوع يلاحظ أثناء مطالعة كلام الكاتبين في هذه الشؤون...

{ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة، اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} [إبراهيم: 24-25-26]، عندما تأخذ كملة "لا إله إلا الله"، مداها في القلب فإنها تحرق كل الأمراض وتوجد في القلب أخلاقاً لها ثمراتها في السلوك كالمحبة لله والإخلاص له والخوف منه والتوكل عليه ويستقيم جسد الإنسان وعقله على منهج الإسلام أي على منهج لا إله إلا الله، أما إذا كان القلب فيه كفر أو نفاق أو فسوق فإن ظلمة القلب وآثار ذلك في سلوك الإنسان لا بد أن تظهر فمع الكفر أو النفاق أو الفسوق يكون الحسد. وفي الحديث الصحيح "ولا يجتمعان في قلب عند مؤمن الإيمان والحسد"، والحسد له ثمراته الخبيثة في الحياة البشرية وهكذا يترتب على إهمال صحة القلب ومرضه أي على إهمال تزكية النفس ومجاهدتها ما يترتب. وتضيع بين مطالب النفس وأمراض القلب أحياناً محاكمات الدماغ في كثير من الأمور وعقل الإنسان يتأثر بهذا كله. فيكون التناقض أحياناً بين الذات والفكر والسلوك. والإسلام عالج هذا كله علاجاً حكيماً فوجد بذلك كله الإنسان الحق وبدون ذلك فلا إنسان ولا إنسانية ومن ثم نقول. حينما يوجد الإسلام يكون الإنسان وإلا فلا والدعاة إلى الله الذين لا يدركون هذه المعاني يفرطون في أهم الأمور على الإطلاق...

أحياناً تكون مطالب الجسد عاتية تصعب السيطرة عليها وأحياناً تكون لينة تسهل اليسطرة عليها والمسلم مكلف في كل حال أن يبذل جهداً للإستقامة على أمر الله وإذا غُلب فَواقَع المعصية فعليه أن يتوب إلى الله مباشرة وأمراض النفس أحياناً تكون معقدة وأحياناً تكون بسيطة والقلوب بعضها يستعصي على العلاج وبعضها كثير الإستجابة له وبعضها سريع الإمتصاص لمظاهر الصحة. وطبيعة القلوب في الأصل مختلفة: فقلب لين وقلب شديد وهذه مواضيع متعددة سنراها ولأمر ما تعددت العبادات وتعددت الأعمال وأنواع القربات وفي ذلك كله حكمة. والحياة البشرية لا تصلح إلا بذلك ولكل حالة مرضية داؤها ولكل حالة صحية طريقها الموصل إليها وأسبابها الدالة عليها... وإذا عرفنا قضية القلب والنفس ومتى تعتبر النفس هي القلب والقلب هو النفس ومتى يكون القلب غير النفس في الإصطلاح وإذا عرفنا ما هية المرض القلبي والنفسيي وإذا أدركنا مبدئياً قضية العلاج وقضية الصحة وأن لذلك كله طريقه وإذا أدركنا مبدئياً تأثيرات ذلك كله على السلوك إذا أدركنا ذلك أصبح بالإمكان أن نبني على هذا الأساس فننتقل إلى باب آخر ملاحظين إنه إذا ذكرنا النفس من الآن فصاعداً فالمراد بها هذا الجانب الذي تعني فيه النفس القلب. فإذا قلنا تزكية النفس أو أمراض النفس فالمراد تزكية القلب أو أمراض القلب ولكن أحياناً قد يراد بتزكية النفس معالجة مطالبها حتى لا تطلب إلا خيراً ومعالجة إستقامة الجسد فالمعنى ههنا أعم. فليلاحظ القارئ ذلك أثناء كلامنا. ولن يفوته من خلال السياق أن يدرك ذلك إن شاء الله.

الباب التاسع - في سلم الأمراض وسلم الصحة

الباب التاسع
في سلم الأمراض وسلم الصحة

يولد الإنسان على الفطرة كما ورد في الحديث الذي رواه الشيخان "ما من مولود إلا يولد على الفطرة – فطرة الله التي فطر الناس عليها – فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وكما ورد في الحديث الذي رواه أحمد "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً". هذه الفطرة يكون فيها القلب على حاله الأكمل والروح على حالتها المثلى، فالقلب خال من الأمراض مشتغل بنور التوحيد، والروح عارفة بالله مقرة له بالعبودية ثم يحدث ما يحدث بعد ذلك من غفلة أو انحراف. تبدأ هذه الغفلة برؤية عالم الأسباب والتعلق بها من لحظة أن يلتقم الطفل ثدي أمه، ثم بعد ذلك يبدأ يرضع من البيئة أخلاقها وآدابها وعقائدها وغير ذلك مما يترتب عليه ما يترتب من انحراف أو غفلة أو نسيان... وجاء الإسلام لإرجاع الإنسان إلى هذه الفطرة. قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 20-21-22]. من هذه الآيات نعلم: أن الفطرة هي إقامة الإنسان وجهه لدين الله دون التفات عن ذلك إلى غيره، وأنها الإنابة إلى الله والتقوى وإقام الصلاة ونفي الشرك وبقدر اجتماع هذه المعاني في إنسان يكون على الفطرة، وبقدر ما يفرط في واحدة منها يكون مفرطاً في قضية الفطرة. وإقامة الوجه لدين الله ونفي الشرك، يدخل تحتهما معان كثيرة والتقوى يدخل تحتها معان كثيرة جداً فصلناها في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / وإقامة الصلاة حق القيام مرتبطة بأمور كثيرة لها صلة بقضايا القلب وخشوعه وغير ذلك من أعمال جسد وتوجه قلب. ومن أدرك هذه المعاني كلها أدرك حقيقة الفطرة بصرف النظر عن الفلسفات والتعقيدات والتفصيلات فنحن ههنا نكتب لمسلمين مؤمنين فقط فإذا اتضح هذا فلنر المسألة في جانبها الأكثر تبسيطاً...

إذا استنار القلب بنور التوحيد الخالص فرأى الأشياء كلها فعلَ الله استقبل كل المصائب بالصبر والتسليم والرضى وإذا استنار القلب بنور التوحيد نما عنده التوكل على الله والإخلاص لله والخشوع والإخبات. وإذا استنار القلب بنور التوحيد فرأى النعم كلها صادرة عن الله نمت عنده محبة الله والرغبة بشكر الله. وكل ذلك أثر عن التوحيد الخالص الذي هو أثر عن معرفة الله وصفاته وأسمائه وأفعاله والشعور بذلك. وإذا استنار القلب بنور معرفة الله وتوحيده توجه القلب كله لدين الله ولم يلتفت عنه يميناً وشمالاً وعندئذ ينتفي الشرك كله كبيرة وصغيرة. ومن مثل هذا القلب تؤدى الصلاة كاملة لله كمظهر أرقى للعبودية لله وتقديم واجب الشكر له وبشكل تلقائي تكون خشية الله في هذا القلب كبيرة فيكون التلقي عن الله كاملاً {الله أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23] ومن مثل هذا القلب ينبثق سلوك منسجم مع دين الله وهذه هي التقوى. ومجموع هذه الأمور هي الفطرة الكاملة...

وبقدر الخلل في التوحيد اعتقاداً أو شعوراً يوجد الشرك الأكبر أو الأصغر فإذا وجد الشرك الأكبر انطفأ نور الفطرة كله، وإذا وجد الشرك الأصغر كأن يعمل الإنسان عملاً لغير الله رغبة في جاه أو دنيا أو غير ذلك، إذا وجد هذا خيمت ظلمة نفسية على القلب، وإذا انعدم الصبر وجد الكفر وإذا قل الشكر وجد نوع من الظلمة يقابل ذلك... وبقدر خفوت نور التوحيد تظهر أمراض العُجب والرياء والحسد والكبر والغرور وغير ذلك من الأمراض. إذ لو كان الإنسان يرى أن الله عز وجل هو المعطي ما وجد الحسد ولو عرف الإنسان أن الله عز وجل هو خالق كل شيء ما وجد عجب ورياء، ولو عرف الإنسان مقام العبودية ما وجد عجب وغرور، ولو كان الإنسان عبداً لله حقاً ما وجد الجبروت، ولو كان في القلب خشية من الله ما وجد ظلم لعباده ولا انحراف عن أمره... ومن ههنا ندرك أصل المرض وبدء الصحة فأصل المرض الشرك، وبدء الصحة التوحيد، وإذا أدركنا ذلك عرفنا معنى قوله تعالى: {إنما المشركون نجس}. فالشرك هو النجاسة التي تجعل أصحابها عين النجس لكونها تصبغ أجسادهم، وسلوكهم وأنفسهم وعقولهم وأرواحهم بها فتصبح ذواتهم نجسة نجاسة غير محسوسة ولكنها نجاسة...

مما مر ندرك أن الدرجة الأولى في سُلّم الارتقاء هي التوحيد وأن الدرجة الأولى في سلم الخرابات هي الشرك الأكبر أو الأصغر ثم عن التوحيد تبدأ الصحة، وعن الشرك تتفرع الأمراض القلبية والسلوكية من كبر وعجب وفخر وخيلاء وبخل وغش وبغض وحرص وأمل وحقد وحسد وضجر وجزع وهلع وطمع وجمع ومنع وجبن وجهل وكسل وبذاء وجفاء واتباع الهوى وازدراء واستهزاء وتمنٍ وترفع وحدة وسفه وطيش وغلواء وتحكم وظلم وعداوة ومنازعة ومعاندة ومغالبة ومزاحمة وغيبة وبهتان وكذب ونميمة وتهويس وسوء ظن ومهاجرة ولؤم ووقاحة وغدر وخيانة وفجور وشماتة إلى غير ذلك...

هذه الأمراض النفسية والقلبية وغيرها كثير إذا وجدت في القلب أثرت، على نور التوحيد ومنعت نور الإيمان والتوحيد من التسلل إلى القلب {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم} [الحجرات: 15]. فالإيمان لم يدخل ولكنه على وشك الدخول، إذ هذا الذي يقتضيه استعمال كلمة "لما" في اللغة العربية.

وإذن فإن هناك حالة يوجد فيها عمل ولكن توجد موانع تمنع من وصول الأنوار إلى القلوب ومن مظاهر ذلك حالة الذين حدثنا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة أن إيمانهم لا يجاوز تراقيهم هذا مع أننا نحقر صلاتنا مع صلاتهم وصيامنا مع صيامهم. فهذا كله يدل على أن هناك حالات للقلب إذا وجدت فإن أنوار الإيمان نفسها لا تصل إلى القلب وقد ذكر ابن عطاء الله السكندري بعض عبارات في حكمه توضح هذا المقام فقال: "كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته" وقال "أنوار أذن لها في الوصول، وأنوار أذن لها في الدخول ربما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشواً بصور الآثار فارتحلت من حيث نزلت، فرغ قلبك من الأغيار يملأه بالمعارف والأسرار"... هذه المعاني كلها تصل بها إلى قضية مجاهدة النفس والتخلص من أمراضها كجزء من السير إلى الله.

إن هناك مطلباً للنفس وهناك مرض للنفس، وهناك استجابة للنفس ومطالبها واندفاعات سلوكية هي أثر عن أمراضها. والمسلم في هذه الدوائر كلها مكلف، فهو مكلف بأن يعطي النفس مطالبها العادلة وأن يجاهد مطالبها الظالمة الآثمة، وهو مكلف في إزالة المرض بالسير في طريق الشفاء، ومكلف بنفس الوقت ألا يستجيب لأوامر المرض والأمر صعب دقيق والمستعان هو الله جل جلاله، وإذا أردنا أن ندرك بعض هذه الأمور عن طريق قريب يكفي أن نتأمل بعض الاستعاذات التي علمنا إياها الله جل جلاله أو رسوله عليه الصلاة والسلام. فقد علمنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من أمور كثيرة ومن تأمل لبعض نماذج هذه الاستعاذات ندرك كثيراً من جوانب ما ذكرناه، وهذه نماذج:

أ‌- {قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب. ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد} [الفلق] ألا ترى في الاستعاذة بالله من شر حاسد إذا حسد أن للحسد في القلب آثاره الشريرة في السلوك وعلى المحسود؟...
ب‌- أخرج الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر قال: يا رسول الله مرني بكلمات أقولهن إذا أمسيت وإذا أصبحت: قال: "قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه". قال: "قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك". ألا ترى في قوله عليه الصلاة والسلام "أعوذ بك من شر نفسي" أن النفس لها مطالبها الشريرة وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون لنفسه مطلب إلا في الله ولكنه التعليم.
ت‌- أخرج الشيخان عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" ألا ترى في استعاذته عليه الصلاة والسلام بالله من العجز والكسل والجبن والبخل إشارة إلى أمراض منها الجسدي النفسي ومنها النفسي الخالص الذي له آثاره السيئة في الحياة.
ث‌- أخرج أبو داوود عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق". ألا ترى في هذا الحديث إشارة إلى مجموع أمراض قلبية ونفسية.
ج‌- أخرج أصحاب السنن عن شَكَل بن حُميد قلت يا رسول الله: علمني تعوذاً أتعوذ به. فأخذ بكفي وقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي ألا ترى ههنا أن للمنيّ شراً... رواه أبو داوود والترمذي وقال حديث حسن.

هذا طريق قريب أخذنا منه قضية الأمراض النفسية والقلبية. ولكن الأمر أوسع من ذلك. ونحن هنا خطتنا الإجمال، فإذا كان الأمر كذلك فإنه مع الأذكار والأوراد والعلم لا بد من عملية بحث عن طرق الشفاء من أمراض القلب والنفس لتتم لنا عملية السير إلى الله، إن كل مرض للقلب ينبثق منه إذا أطاعه الإنسان سلوك، فالحسد تنبثق عنه محاولات الإساءة إلى المحسود، والحقد تنبثق عنه عمليات الانتقام، والبخل ينبثق عنه المنع وهكذا قل في كل مرض قلبي أو نفسي... وما آفات اللسان وأنواع كلامه الآثم من سخرية واستهزاء وغيبة ونميمة وغير ذلك إلا أثراً عن الأمراض القلبية والنفسية، وما مواقف الإنسان المحرمة واستجابته لدواعي الشهوات إلا أثراً عن أمراض القلب والنفس وهكذا... وههنا لا بد من شيئين: معرفة بالأمراض ومجاهدة للنفس حتى لا يستجيب لها ومجاهدة للتخلص من هذه الأمراض. فالأذكار والأوراد والأعمال وخاصة في حالات تعقيد القلب والنفس بأنواع من الأمراض ليست كافية وحدها لإزالة هذه الأمراض بل لا بد من علم ولا بد مع العلم من مجاهدة والذكر هو زاد السير ولازمه وبسبب هذا نجد عند الصوفية اصطلاحات المجاهدة والتخلية والتحلية والتزكية. وفي هذا المقام يظهر احتياج الكثيرين للمرشد المربي ذي الفراسة الصادقة البصير بأمراض النفوس وطرق معالجتها...

وبشكل عام إن العلم بأمراض النفوس يساعد على طب النفوس والعلم بمظاهر الصحة يساعد على السير في طريقها، وكنا من قبل ذركنا أن العلم جزء من السير إلى الله فليلاحظ أن جزءاً من هذا العلم ما له علاقة بهذا الموضوع وقد فضل الغزالي في إحيائه في هذه المواضيع بما لم يسبق إليه ولم يلحق فيه وذكرنا من قبل أهمية الذكر والعبادة والأوراد في السير إلى الله فليكن ذلك على ذكر منا. وههنا وضح لدينا أمر وهو ضرورة مجاهدة النفس لمنعها من هواها ولتخليصها من أمراضها ولتحليتها بجوانب صحتها وذلك شيء مكمل لقضية الأوراد في السير إلى الله، وهذا هو الجانب العملي الثاني في رحلتنا إلى الله وفي سيرنا كذلك في هذه الرسالة. فليكن الباب القادم حديثاً عن المجاهدة وأركانها كنقطة انطلاق نحو صحة النفس والقلب.

وفي طريق الخلاص من أمراض القلب وفي عملية عودة بالذات نحو الفطرة. ولن يتم ذلك لأحد إلا بتوفيق من الله. قال تعالى: {لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء} [النور: 22]. ولذلك فالمستعان على هذا هو الله وحده ولقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيناه: "اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" رواه مسلم. وإذا كان الشأن كذلك فالمستعان هو الله ولكن الله عز وجل ربط الأمور بمسبباتها، ولقد جعل الله عز وجل من مهمات رسوله صلى الله عليه وسلم تزكية الأنفس، قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 51-52]. فنحن مكلفون بالأخذ بالأسباب للوصول إلى نفس مزكاة مع الاستعانة بالله جل جلاله...

نقطة البداية في الصحة إذن كلمة التوحيد وتنور القلب بها، ونقطة البداية في المرض أو الموت كلمة الشرك أو عدم تنور القلب تنوراً كاملاً بكلمة التوحيد. عن الأول تنبثق كل مظاهر الحصة الظاهرة أو الباطنة، وعن الثاني تنبثق كل الأمراض الظاهرة أو الباطنة، ومن ثم فإن المرشدين الكمل لا يكون لهم هم مثل أن ينقلوا قلب المريد إلى التوحيد. فمتى استنار القلب بنور التوحيد وانسجم سلوك الإنسان مع ذلك من خلال علم شامل وذكر دائم والتزام صحيح فإن كمالاً لا مثيل له يوجد في النفس فيحدث تغييراً هائلاً فيها. ويترتب عليه في أنفس الانسانية أو في أنفس شعب من شعوبها إذا تفاعلت هذه الأنفس مع كلمة التوحيد ما لا يخطر بالبال من كمالات ويظهر من ثمرات ذلك ما يحير العقول ويدهشها.

هؤلاء العرب قبل الاسلام لم تكن لهم ثقافة عريقة ولم تكن لديهم عادات حضارية متأصلة ولم تكن لهم تجربة في الحكم والإدارة ولم تكن لهم قدرة على ضبط الانفعالات، وما شئت أن تتحدث عن قصورهم في كثير من الأمور فإنك تستطيع أن تتحدث. هذا عدا عن جهل بالله عز وجل وعدم وجود نظرة كلية عندهم في شؤون الحياة، عندما قبلوا كلمة التوحيد حق القبول وتحققوا بها حق التحقق كما شهد الله بذلك لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه يوم الحديبية "وألزمهم كلمة التقوى – أي كلمة التوحيد – وكانوا أحق بها وأهلها". فكانوا أهل كلمة التوحيد وانسجم سلوكهم مع كتاب التوحيد "القرآن" بما يتفق مع هذه الكلمة فماذا كان؟ كل شيء اختصر لهم اختصاراً، وإذا بهذا الشعب الجاهل أصبح شعباً معلماً وأصبح قدوة في الخير وملك من الإمكانيات ما استطاع به أن ينهي دولاً عظمى وأن يوجد نظاماً جديداً في العالم وأخذت شعوب العالم نفسها دين هذا الشعب ديناً لها.

والآن والمسلمون في أوضاعهم الحاضرة كما نرى: إن هناك شعوباً في العالم وصلت إلى ذروة في القوة والمدنية ووجدت عندها عادات وتقاليد في شأن الحكم والسياسة والإدارة. ووجد عندها وعي سياسي عظيم وقدرات إدارية هائلة ودراسات واسعة في كل شيء وإن هذا كله لا يمكن أن يلحق به المسلمون في أوضاع من السير العادي فضلاً عن أن يكون لهم دور السبق، فضلاً عن أن يكون لهم دور العطاء، فضلاً عن أن يكون لهم دور المعلم، إن شيئاً واحداً هو الذي يختصر لهم الطريق:

كلمة التوحيد وانسجام سلوكي معها على ضوء الكتاب والسنة من خلال علم وعمل وتفاعل والتزام. إن هذا وحده هو الذي يختصر الطريق فيوجد بذلك الإنسان السليم الكامل قلباً وعقلاً وجسداً، وعياً وأخلاقاً وسلوكاً، خبرة في النفس وقدرة على تعليمها وتهذيبها وإدراكاً لكل لوازمها وبهذا نجد شعوباً تقفز بسرعة من حال إلى حال، من حال القهر السياسي والعبودية السياسية، من حال التخلف المدني والتخلف السلوكي إلى غير ذلك. فالعمل يقوى والانتاج يتوسع ودوائر التعامل العادي تنمو وقل غير ذلك في كل شيء.

ومن هنا ندرك فظاعة جريمة الذين يريدون أن يحولوا بين الحركة الإسلامية وبين أن تؤدي دورها كاملاً في صياغة شعوب الأمة الإسلامية على ضوء كلمة التوحيد وكتاب التوحيد لتوجد أمة نموذجية معلمة قائدة كبديل عن هذه الأمة التي أفسدتها ثقافات فاسدة وحكومات فاسدة مفسدة واستعمار طويل مديد حاول خلال فترة استعمارة الفعلي أو المتشكل بأشكال جديدة أن لا يبقي قيمة إلا دمرها. إن كلمة التوحيد متى استقرت في القلب ونورته تفرع عنها التوكل والإخلاص والصبر والشكر والاحسان والتقوى والعمل بالإسلام من صلاة وزكاة وشورى وانتصار من الظلم وصلة رحم وحسن خلق وحسن جوار وكلمة طيبة في محلها وقدرة على الجهاد وأخلاقيته الرفيعة وغير ذلك من مئات الأخلاق بينما كلمة الشرك يتفرع عنها الرضا عن النفس وما يستتبع ذلك من غفلة وشهوة وخطيئة وما يتفرع عن ذلك من أمراض كالكبر والعجب والحسد وغير ذلك مما مرت معنا صورته.

وإن كثيراً من أمراض الشرك قد يغطيها موقف منفعل من إنسان أو ثقافة تجريبية في أمة ولكن ذلك بمثابة تغطية للمرض لا قضاء عليه والآن لنتذكر ما ورد في هذا الباب والذي قبله. وخاصة لنتذكر قضيتين:

الأولى: أن هناك أمراضاً في القلب متى وجدت تحول دون وصول الأنوار إلى القلب وهذا يقتضي عملية استكشاف لهذه الأمراض وسير في طريق التخلص منها وحمل النفس على معان أخرى.

الثانية: أن علل هذه الأمراض الرئيسية منها ما هو فكري ومنها ما هو نفسي والفكر علاجه العلم والتأمل. ولكن النفس علاجها المجاهدة وهذا يقتضي منا كلاماً عن المجاهدة. وهو في الحقيقة الأثر المباشر الذي ينبغي أن ينبثق عن العلم الصحيح وعن الذكر الدائم. فإذا كنا من قبل قلنا: إن ركني السير إلى الله العلم والذكر. فإن العلم الصحيح لا بد أن ينبثق عنه مجاهدة للنفس مباشرة، والزاد المعين على هذه المجاهدة هو الذكر وإذا لم يتولد عن العلم مجاهدة فإنه لا يكون علماً صحيحاً. يقول ابن عطاء "ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه. وأي علم لعالم يرضى عن نفسه". وهو معنى صحيح، فالرضى عن النفس يتولد عنه ما رأيناه من قبل من كبر وعجب وغرور وغير ذلك، فحيث ما وجد رضى عن النفس لا يكون علم وحيثما وجد علم صحيح وجد عدم رضىً عن النفس فوجدت مجاهدة، فالمجاهدة هي الانبثاق الأول عن ركني السير إلى الله. الذكر والعلم وبدونها لا يكون سير كامل إلى الله فليكن الباب العاشر فيها.

الباب العاشر - في المجاهدة وأركانها

الباب العاشر
في المجاهدة وأركانها

قال تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] من هذه الآية ندرك أن الهداية إلى الطرق الموصلة إلى الله ورضوانه هي أثر المجاهدة. فالمجاهدة كسب الانسان، والهداية هبة الله للإنسان، والمجاهدة والهداية كلاهما لا يتم إلا بتوفيق الله وبمعونته لذلك علمنا ربنا أن نقول في صلاتنا {إياك نعبد وإياك نستعين} فالمجاهدة هي وسيلة الهداية القلبية إلى الله ورضوانه. والهداية هي مقدمة التقوى. قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}. فالتسلسل إذن على الشكل التالي: مجاهدة توصل إلى هداية. وهداية توصل إلى تقوى وكل ذلك لا يتم إلا بتوفيق الله ومعونته وعطائه. ومن هنا ندرك أن نقطة البداية الصحيحة في السير إلى الله هو المجاهدة ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام "والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله". وإنما كان هذا هو المجاهد لأن الهداية إلى السبل والتي منها القتال في سبيل الله لا تكون بلا مجاهدة ومن ثم فالقتال نفسه لا يكون قتالاً مقبولاً إلا بعد هداية ولا هداية إلا بعد مجاهدة إلا إذا شاء ربك أن يعطي عبده بلا سبب... وههنا وفي هذه الدوائر توجد أغلاط كثيرة فهناك ناس تصورهم عن المجاهدة خاطئ وهناك ناس يقفون عند المجاهدة ولا يصلون إلى السبل، قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: 16]. فهم يشتغلون فيما يتصورونه مجاهدة ولا يصلون إلى السبل بأن يفهموها ويسيروا في مسالكها، وهناك ناس يتنقلون من مجاهدة إلى سير في السبل ولكنهم لا يصلون إلى حقيقة التقوى. إن في الفهم أو في الملكة أو في السلوك وكل ذلك منشؤه الجهل وكل ذلك سببه أن نقطة البداية التي هي المجاهدة ليست صحيحة وعلى هذا فلا بد من فهم لقضية المجاهدة، ولا بد من فهم لقضية التقوى ولا بد من فهم لقضية السبل. والموضوع متداخل البدايات والنهايات، كثير الوشائج. فمعرفة التقوى جزء من المجاهدة، والتقوى نفسها بعضها أثر المجاهدة وبعضها من المجاهدة. وفي كتاب "جند الله ثقافة وأخلاقاً" بيان واسع لهذه الشؤون فليراجع.

ونحن هنا بسبيل أن نرسم صورة لقضية مجاهدة النفس في أسسها العامة التي نصل بها إلى ان تتخلص النفس من أمراضها، وتتحقق بمعاني صحتها مفترضين أن السائر في هذا الطريق سائر في طريق العلم الصحيح ومستوعب لما يلزمه من العلم ابتداء وانتهاءً فليلاحظ ذلك. تبدأ المجاهدة من نقطة الإيمان بالله ووحدانيته وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا يحس المسلم الناشئ في بيئة إسلامية بأن الأمر ههنا في باب المجاهدة يحتاج إلى ذكر وهذا خطأ كبير.

فأكبر شيء على الاطلاق أن يستطيع الإنسان أن يقفز من كفر إلى إيمان أو أن يعلن إيمانه في بيئة تستنكر الإيمان أو تسخر من أهله. قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن: 12]. ثم تأتي المرحلة الثانية في المجاهدة وهي القيام بفروض الوقت من صلاة إذا جاء وقتها أو صيام رمضان إن جاء أو أداء زكاة إذا حال الحول أو أداء حج إذا حضر وقته وكان الإنسان مستطيعاً، أو نكاح إذا كانت الدوافع الجنسية إليه كبيرة وتيسر ذلك للإنسان أو ضبط معاملة من بيع أو إجارة على مقتضى الشرع إن كان يمارسها أو صلة رحم وبر والدين إن كان هناك رحم ووالدان وغير ذلك من فروض الوقت ولكل إنسان فروض وقته التي قد تتفق مع فروض الآخرين وقد تختلف على حسب حاله ووضعه وغير ذلك. فهناك مريض لا يستطيع الصوم فليس الصوم في هذه الحالة فرض وقته وهناك إنسان لا يملك مالاً فهذا ليس عليه زكاة وهناك إنسان ميت والداه فهذا ليس عليه في هذا الشأن واجب بر والديه بل هناك في حقه مندوبات تلاحظ. وبعد ملاحظة فرض الوقت لا بد من ملاحظة أدب الوقت. فما هو أدب وقت الصباح ووقت السحر ووقت الغروب. وما هو أدب الكون في سفر أو في عرس أو في مأدبة أو في سجن أو مع مجموعة أو في مدرسة أو دكان أو في نزهة أو في فرح أو في ترح وهي قضايا مكملة لفروض الوقت. وكما أن هناك ملاحظة وتطبيقاً لموضوع فروض الوقت وآدابه فهناك ضبط النفس عن المحرمات والمكروهات التي تطالب فيها النفس أو يصادفها السائر خلال سيره. فهذا جانب ثان في المجاهدة.

ثم جزء ثالث في المجاهدة وهي قضية ما يرتبه الإنسان على نفسه من نوافل العبادات من صلاة وزكاة وصيام واعتكاف وحج وأدعية وأذكار وقراءة قرآن ويدخل في ذلك ما مر معنا من قضايا الدورات الروحية والأوراد اليومية فهذا الجانب الثالث. ثم تأتي القضية الرابعة: وهي التي نطلق عليها أركان المجاهدة: إن الذين تكلموا عن أركان المجاهدة ذكروا أركاناً أربعة هي: العزلة والصمت والسهر والجوع. وسنتكلم عنها بإجمال ليعود الأخ إذا أراد تفصيلاً إلى الكتب الموسعة كالإحياء وغيره. ثم تأتي القضية الخامسة وهي عملية تأمل النفس والقلب، واكتشاف الأمراض ومعالجتها. وهي القضية الأخيرة للمجاهدة واحدى ثمارها الرئيسية. والقضيتان الأخيرتان هما محل التفصيل فيما يأتي وهما اللتان تدور حولهما عبارات الكثيرين إذا تكلموا في موضوع المجاهدة وفي هذا الباب سنكتفي بذكر أركان المجاهدة. وفي الباب التالي سنعرض لقضية معالجة الأمراض، فلنبدأ الكلام عن الأركان الأربعة للمجاهدة ولنبدأ بالعزلة:

ليست العزلة هي الأصل في حياة المسلم بل الخلطة الصالحة والاجتماع الطيب والألفة للخير وأهله. هذا هو الأصل في حياة المسلم وفي الأحاديث التالية مصداق ما قلناه:

"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" رواه أحمد وغيره. "المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" رواه أحمد. "يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار" رواه الترمذي. "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية". والجانب المكمل لهذا الأصل في حياة المسلم أنه يعتزل الكفر والنفاق والفسوق وأهل ذلك ويعتزل المجالس التي فيها استهزاء بآيات الله وغير ذلك مما ينبغي العزلة عنه قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {واعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً} [مريم: 19]. {قد كان لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء، أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: 04]. وقال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه، ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه" رواه أبو داود. وقال عليه الصلاة والسلام: "مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة" لمسلم والنسائي. وقد كره الفقهاء مخالطة الفساق ورفع الكلفة معهم. من هذا كله ندرك ما هو الأصل في حق المسلم في قضية الخلطة والعزلة.

ولعل أوضح شيء في هذا الباب قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة عندما سأله: فيم تأمرني إن أدركني ذاك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قال فإن لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام. قال: "اعتزل تلك الفرق كلها / أي فرق الضلال / ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" رواه البخاري. فلا عزلة عن الجماعة الإسلامية، والعزلة كل العزلة عن الضلال وأهله. هذا هو الأصل العام في حياة المسلم في قضية الخلطة والعزلة.

فإذا اتضح هذا الأصل ندرك متى تجب العزلة المطلقة في حياة المسلم؟ وإذا وجبت فعليه أن يجاهد نفسه ليحملها عليها لأن من طبيعة النفس أنها تألف الأنس بالناس. ولكن إذا تأملنا الحديث الشريف: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق... إذا تأملنا هذا الحديث ندرك أن الحالات التي تجب العزلة المطلقة على الإنسان حالات عارضة أو طارئة أو مؤقتة ومن ثم فنحن نبحث في معرض السير إلى الله موضوع العزلة كركن من أركان المجاهدة كدواء لقلب الإنسان ونفسه وضرورة ذلك أحياناً في حياة المسلم... هذا هو ما نعنيه، وهذا أقصى ما نراه للمسلم في هذا الباب إلا إذا كان هناك ظرف خاص أو وضع عارض أو طارئ. فالتقوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً ومن ثم فمحل بحثنا ههنا إذن هو العزلة كدواء للقلب ومحلها في المجاهدة. فلنر بعض عبارات الصوفية في هذا الشأن. يقول ابن عطاء: "ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه. ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة، كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته، أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابة غفلاته، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته".

في هذه الكلمة لخص ابن عطاء مجموع المعاني التي يحتاج الإنسان فيها إلى عزلة كدواء. متى اشتهر الإنسان كثرت علائقه وإذا كثرت علائقه ضاع كثير من وقته بسبب هذه العلائق، وإذا ضاع كثير من وقته تعذر عليه تكميل نفسه علماً وعملاً وحالاً. فهذه حالة من أجلها تطلب العزلة وإذا خلا الإنسان بنفسه وجال بفكره في ملكوت السموات والأرض، انعكس ذلك على قلبه صلاحاً. فهذه حالة ثانية من أجلها تطلب العزلة. وما دام الإنسان يخالط فصفاء قلبه ضعيف وانطباع الأشياء في هذا القلب قوي، وعزلة معها فكر وذكر تساعده على جلاء مرآة قلبه. وما دام الإنسان في خلطة فكثير من مثيرات الشهوات يمكن أن تجر قلبه والعزلة تقطعه عن مثل هذا. وذلك يساعد قلبه على التحرر من رق الشهوات فهذا جانب آخر تساعد عليه العزلة.

وما دام الإنسان على خلطة فالغفلة تغلبه فإذا أتيحت له عزلة مع ذكر وفكر فإن هذا يساعده على يقظة قلبه ما دام القلب كثير الخلطة فهو كثير الهفوات. وهذا يحول بينه وبين فهم دقائق الأسرار. والعزلة تساعده على الخلاص من هفوات القلب وعلى التأهل لصالح فهم دقائق الأسرار. هذه مجموعة من المعاني التي اعتمدت من أجلها العزلة الشاملة أو العزلة الجزئية كجزء من مجاهدة النفس، بل كركن فيها مع ملاحظة أن ذلك كله ينبغي أن يكون مرحلياً في حياة الإنسان وألا يكون على حساب واجبات الوقت وآدابه وتضييع حقوقه، ولعل في خلوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل الوحي ما يمكن أن يستأنس فيه للعزلة الشاملة.

وفي سنة الاعتكاف ما يمكن أن يستأنس فيه للعزلة الحزئية. وعلى كل الأحوال فالعزلة إذا لم يكن فيها تضييع حق أو واجب فهي من باب المباحات حتى ولو لم يترتب عليها أي مصلحة أما إذا ترتب عليها مصالح من إصلاح قلب أو تحصيل علم أو زيادة إيمان فإنها تنتقل من كونها مباحة إلى ما هو أرقى من ذلك. فإذا تعينت طريقاً لتحقيق فرض أو للتخلص من حرام فقد تأخذ طابع الفرضية. ولم يزل كل المفكرين في العالم يجدون في العزلة فرصة للتأمل وإنتاج الأفكار. ولذلك كان الإنكار على من يعتزل عزلة مؤقتة، شاملة أو جزئية للتخلص من داء أو لتحقيق مصلحة علمية أو إيمانية ما دام ليس على حساب حق أو أدب وقت. إن من ينكر ذلك، إبصاره للأمور ضعيف وآفاقه الفكرية ضيقة. ونكتفي بهذا القدر في الإشارة إلى الركن الأول من أركان المجاهدة في اصطلاح السائرين إلى الله.

ولننتقل إلى الركن الثاني من أركان المجاهدة في اصطلاح السائرين إلى الله، وهو الصمت. إن تهذيب اللسان في الإسلام من أهم الأمور على الاطلاق ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من يضمن لي ما بين لحييه أي لسانه، وما بين فخذيه أضمن له الجنة" رواه أبو داوود. ويقول عليه السلام "أو لا أدلك على ملاك الخير كله". قال: "كف عليك هذا وأشار إلى لسانه". قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به. قال: "ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم". أوكما قال عليه الصلاة والسلام. فضبط اللسان على مقتضى شرع الله من أهم الأمور على الإطلاق ومن أصعبها على الإنسان وعلى النفس البشرية. والأصل في قضية اللسان، ألا يستعمله الإنسان إلا في الخير وأن يضبطه عن كل شر بل أن يضبطه عن اللغو فضلاً عن الشر.

قال عليه الصلاة والسلام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" رواه البخاري. وقال تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} [النساء: 114]. وقال تعالى: {وتناجوا بالبر والتقوى} [المجادلة: 10]. وآفات اللسان التي ينبغي أن يجنب المسلم لسانه إياها كثيرة جداً ذكرها الغزالي في إحيائه وعددها فلتراجع هناك. وعلى هذا فالأصل في موضوع اللسان أن يحفظه الإنسان من دائرتي الإثم واللغو وأن يستعمله في دائرة الخير، والتمييز بين ما هو خير وشر وما هو لغو وحق يحتاج إلى علم واسع وضبط كثير للنفس.

فاللسان هو أداة التعبير الأولى عن النفس، والنفس ميالة لأشياء كثيرة واللسان أقرب الطرق للتعبير عن هذه الأشياء. وما أكثر الأشياء التي تميل إليها النفس ولا يصح أن تظهر على اللسان. النفس ميالة للفخر وميالة للسباب والخصام إذا غضبت وميالة للمسامرة حتى في اللغو وميالة أحياناً لانتقاص الآخرين وميالة لأن تشعر الآخرين بفضلها، كل ذلك وأمثاله كثير مما لا ينبغي أن يعطي المسلم نفسه مداها فيه. وعليه أن يعود نفسه على الانضباط في ذلك ومقدمة ذلك كله التحكم في اللسان. ومقدمة التحكم في اللسان تعويد الإنسان نفسه على الصمت ثم الكلام المنضبط على الأصول. ومن لم يعود نفسه على الصمت صعب عليه أن يعتاد وزن كلماته قبل أن يتكلم. فهذه واحدة من جملة معان اعتمد بسببها تعويد الإنسان نفهس على الصمت جزءاً من المجاهدة وضرورة من ضرورات السير إلى الله عز وجل. وقد يحسن أن يقول الإنسان الكلمة الخيرة ولكن قد لا يحسن أن يقول الكلمة الحكيمة. فمثلاً أن تذكر الناس في الآخرة وأن تحذرهم من سخط الله وأن تذكرهم بناره هذا خير، ولكن إذا فعلت ذلك على مائدة الطعام لا تكون حكيماً. ولذلك كره الفقهاء للإنسان أن يذكر بمثل هذه الشؤون في مثل هذه الحال لأن ذلك يتنافى مع أدب المقام فهذا مثال يوضح كيف أن الكلمة قد تكون خيرة ولا تكون حكيمة وهذا موضوع واسع جداً لا يستطيعه أحد إلا بتوفيق من الله ولذلك قال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}. وتعويد الإنسان نفسه على الصمت مقدمة لاعتياد الإنسان على أن يحاكم كلمته قبل أن يقولها. وهذه حكمة ثانية من حكم اعتماد تعويد الإنسان نفسه على الصمت كجزء من مجاهدة النفس وركن من أركان ذلك، ولا شك أن اللسان هو أحد منافذ الخطأ الرئيسية والكبرى. فإذا ما أفلح الإنسان في ضبطه يكون قد قطع شوطاً كبيراً في تهذيب نفسه واستقامتها.

والصمت مقدمة في الضبط، فمن نجح في الصمت أصلاً كان على أن ينجح في الكلام المنضبط أقدر بتوفيق الله. وأخيراً فإننا لو تذكرنا الحديث الشريف "لولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" لو تذكرنا هذا الحديث لوجدنا أن التزيد في الحديث عامل من عوامل حجب القلب عن الغيب ولذلك كان الصمت طريقاً لصلاح القلب. كل هذه المعاني جعلت الصمت ركناً من أركان المجاهدة ولكن أي صمت؟ الصمت الذي هو دواء والذي هو مقدمة في ضبط اللسان فهو صمت مرحلي، والصمت حيث لا يكون الكلام واجباً أو مفروضاً. أما إذا كان الكلام واجباً أو مفروضاً كأمر بمعروف أو نهي عن منكر أو تعليم واجب فالصمت عندئذ حرام. ضمن هذه الشروط يحسن الصمت كجزء من مرحلة في حياة الإنسان، فالصمت وسيلة لا غاية ولمرحلة في الحياة ريثما تستقيم النفس لا لكل الحياة... على ضوء ذلك كله نفهم قضية الصمت كركن من أركان المجاهدة للنفس. فلننتقل إلى الركن الثالث من المجاهدة وهو الجوع: يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه الطبراني بإسنادحسن: "عليكم بالحزن فإنه مفتاح القلب. قالوا يا رسول الله وكيف الحزن؟ قال: أحنفوا أنفسكم بالجوع وأظمؤوها". من هذا الحديث نرى كيف أن الجوع يمكن أن يكون دواءً للنفس في بعض أحوالها وأمراضها.

ويقول عليه الصلاة والسلام "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". رواه البخاري. وكذلك نجد في هذا الحديث كيف أن الجوع يمكن أن يكون دواء للنفس في بعض حالاتها لأن الصوم من جملة معانيه أنه جوع وعطش فإذا رافق الصوم توسع كثير في الأكل ليلاً لم يؤد الغرض منه في كسر حدة الشهوة، فالصوم نهاراً، وعدم التوسع في الطعام ليلاً هو الدواء لهذه الحالة.

إذا اتضح من هذين الحديثين كيف أن الجوع يمكن أن يكون علاجاً لبعض حالات النفس نكون قد وضعنا الأساس الذي نفهم على ضوئه فكرة اعتماد الجوع كركن من أركان المجاهدة في مرحلة من مراحل الحياة، ومراحل السير إلى الله. فلنر بشكل أوسع ما يعمق إدراكنا لهذه القضية... القاعدة العامة في الإسلام في موضوع الطعام هي: أن الأكل والشرب بالقدر الذي يقيم أود الإنسان حتى يستطيع القيام بالفروض والواجبات. الأكل بهذا القدر فرض والتوسع في الطعام لدرجة الشبع مباح، والاسراف فيه حرام، قال تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}، والإسراف قضية نسبية تختلف باختلاف الناس وأحوالهم واختلاف العصور والأوضاع الاقتصادية. وإذا كان الأكل حتى الشبع مباحاً فأن يعطي الإنسان نفسه كل شهواتها حتى المباحة. إن ذلك يتنافى مع الذوقية الإسلامية والروحانية العامة للإسلام.

ثم إن النصوص تشير إلى السمنة كمرض في المجتمع الإسلامي. ففي الحديث في ذم خَلْفٍ طالح يأتي بعد سلف صالح "يشهدون ولا يستشهدون. ويخونون ولا يأتمنون ويظهر فيهم السمن"، متفق عليه. فالتوسع في الطعام، وإهمال قضايا الجسم حتى يصل الإنسان إلى السمنة موضوع مرضي في المجتمع الاسلامي والنصوص واضحة في ذلك من كل ذلك ندرك أنه، وإن كان الأكل حتى الشبع مباحاً فإن الشبع الدائم في حياة المسلم ليس هو الأصل ولذلك نجد الحديث الصحيح يقول "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن لم يكن فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" رواه الترمذي. أو كما قال عليه الصلاة والسلام. هذا هو الأصل الأغلبي في حياة المسلم، فإذا أهمل المسلم هذا الأصل فبطرت نفسه أو استعصى عليه ضبطها أو حتى وهو يلاحظ هذا الأصل إن استعصت عليه نفسه أو بطرت فإن عليه أن يدواي ذلك كله بالجوع، بالصوم أو بدون صوم، وكذلك الحال لو أنه أصابته سمنة مرضية نتيجة لإهمال نفسه فعليه أن يداوي نفسه بالجوع غير المضر أو بنوع من السياسة يتخلص فيها من هذا الحال، ولئن كان الجوع علاجاً والشبع مباحاً

- فلا بد من ملاحظة الضرر في الحالية فكل ما أدى إلى ضرر جسمي أكيد فهو محرم وكل ما أدى إلى ضرر محتمل فهو مكروه ومن ثم فلا بد من ملاحظة ذلك.

وعلى ضوء ذلك كله نفهم قضية الجوع كركن من أركان المجاهدة، ولا تنس أن الصوم كجزء من المجاهدة بالجوع هو الأرقى...

وبقي الركن الرابع في باب المجاهدة وهو السهر: إن عدم تحكم المسلم في نومه قد يترتب عليه تفريط خطير في كثير من الأمور فصلاة الفجر جماعة قد تتعرض للخطر والاستغفار بالأسحار قد يتعرض للخطر، وقيام الليل والتجهد قد يضيعان وصلاة العشاء في جماعة وأوراد ما بعد الفجر وأشياء كثيرة يمكن أن يصيبها خلل نتيجة لعدم تنظيم الإنسان نومه وتعويد نفسه على التحكم في شأن النوم وخاصة في عصرنا الذي غلبت في طرائق الحياة الغريبة على بلادنا. إن الغربي ينتهي من عمله فينام ثم تأتي فرصة لهوه ومتعته فيستمر بها إلى وقت متأخر من الليل ثم ينام إلى ساعة متأخرة ليذهب إلى العمل. هذا هو الوضع الغالب هناك وهو وضع أصبح هو الغالب على الكثير منا بحكم ارتباط حياة الإنسان المعاصر بأجهزة التلفزيون ونشرات الأخبار في الراديو وغير ذلك. هذا الوضع تضيع معه كثير من الفروض والنوافل والسنن الإسلامية ولذلك لا بد له من علاج وأمر النوم في كل عصر يحتاج إلى علاج وتحكم ولكنه في عصرنا يزداد الطلب له.

وإن لليل في الإسلام لشأناً خاصاً، قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً}، فأن ينشئ الإنسان لعبادة في الليل فذلك ثقيل عليه وله بذلك أجر وإن لعبادة الليل من الصفاء ما ليس لغيرها ومن التأثير في النفس ما ليس لغيرها ومن الفهم للمعاني فيها ما ليس لغيرها وقد جاءت هذه الآية في سياق قوله تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً إن ناشئة الليل هي أشد وطأً وأقوم قيلاً إن لك في النهار سبحاً طويلاً واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} [المزمل: 01-08]. إن لليل في الاسلام لشأناً وتكفي هذه الآيات السابقة لإدراك ذلك. ومن مظاهر هذا الشأن ما نجده في الأحاديث التالية: أخرج الترمذي بإسناد حسن "قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات" وأخرج الستة إلا النسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفر فأغفر له".

وإن لقيام الليل في الإسلام لشأناً وكذلك للدعاء والاستغفار في الثلث الآخر من الليل، وكذلك لصلاة العشاء وصلاة الفجر في جماعة، وكذلك لأوراد ما بعد الفجر "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما صلى الليل كله" رواه مسلم ومالك (إن هاتين الصلاتين "الصبح والعشاء" أثقل الصلاة على المنافقين ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً عل الركب) رواه أبو داوود وغيره. "من صلى الصبح جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" من كل ذلك ندرك ما هية المراد بمجاهدة النفس في شأن السهر ولما كان السهر ركناً من أركان المجاهدة ومن كل ذلك ندرك أن السهر نفسه ليس هدفاً بل قد يكون مكروهاً إذا لم يتحقق الهدف منه ففي الحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعده" (متفق عليه).

السهر الذي يرافقه لغو مكروه فكيف إذا رافقه حرام. أما السهر الهادف المليء بالعلم والعمل والذكر والقيام وقراءة القرآن بما لا تضيع معه صلاة جماعة... مثل هذا السهر هو المراد فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسهر هو أبو بكر على شؤون المسلمين (متفق عليه) وكان من سنة داوود عليه السلام أنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه ثم ينام سدسه. إذا أدركنا قضية السهر فلنتذكر أن النوم حاجة عادية للإنسان وعندما نطالبه بالسهر فإنما نطالبه بتعويد نفسه على حياة إسلامية كاملة ومن ثم فعلى المسلم أن يعوض احتياجات جسمة إلى النوم في أوقات أخرى إذا فاته حظه من ذلك في الليل ولذلك كان من السنة القيلولة وهي نومة ما قبل الظهر ومن فاتته يستطيع أن يعوضها فيما بعد الظهر والأمر واسع وبهذا كله أدركنا مضمون هذا الركن الرابع من أركان المجاهدة.

ومن الملاحظ أن لهذه الأركان صلة ببعضها فمن شبع كثيراً احتاج إلى النوم الكثير ومن لم يجاهد نفسه بالصمت قد يضيع عليه سهره والعزلة تساعد على التحكم في قضايا السهر والصمت والطعام. ولعله من خلال عرضنا لقضية أركان المجاهدة، عرفنا لم اعتبرت هذه القضايا الأربعة أركاناً فيها. إنه إذا استطاع المسلم أن يتحكم في كلامه وطعامه ونومه وخلطته فقد أصبح على أبواب الخير كله وقد أصبح بإمكانه أن يتحكم فيما سوى ذلك وأن يمر الإنسان على دورات في حياته ينظم فيها هذه الشؤون لينطلق بعد ذلك في حياة تنضبط فيها هذه الأمور ضمن حدين أدنى وأعلى فإن ذلك هو الوضع العادي في حياة المسلم.

ولنعد الآن إلى فكرة الدورات الروحية ليضيف إليها عنصر المجاهدة مع الأوراد والأعمال الأخرى. إفرض أنني قررت أن أقيم لنفسي دروة روحية نفسية مقدارها أربعين يوماً وليس الأربعون شرطاً كما رأينا من قبل. ولكن هناك نصوص كثيرة يمكن أن نستأنس بها لموضوع الأربعين يوماً. منها قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ومنها قوله عليه الصلاة والسلام "من صلى أربعين يوماً في جماعة لم تفته التكبيرة الأولى كتب الله له براءتين، براءة من النار وبراءة من النفاق" رواه الترمذي بإسناد حسن. ومنها هذه الرواية: قال عمر لرجل: كم رابطت؟ قال: رابطت ثلاثين. قال: ألا رابطت أربعين، فالأربعون أذن لها ما يستأنس فيه، فإذا قررت أن أقضي هذه الأربعين بأقل قدر من الخلطة مع عدم التفريط بالواجبات ورتبت أمر طعامي بحيث أكتفي باللقيمات فيها ورتبت أمر سهري ونومي في اليوم بما يحقق أهداف السهر والنوم ورتبت أمر كلامي بحيث لا أقول إلا ما يلزم هذا مع ترتيب أمور العلم والصلاة والصوم والأوراد وقراءة القرآن مما مر معنا من قبل فإنني بذلك أكون قد جمعت في هذه الدورة أنواعاً من المجاهدة والمعالجة بآن واحد فإذا رتبت هذا كله مع قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مع قضية الدعوة إلى الله، أو مع قضية عمل جهادي أو تدريب جهادي أو مع برنامج علمي مكثف فإن الدورة يكون مردودها كبيراً، على أنه يمكن أن يكون لكل قضية دورة نلاحظ بها هذه القضية بشكل أخص مع بقية الواجبات. على أنه إذا فاتنا أن نرتب هذه الأمور من خلال دورات طويلة فلنرتب ذلك بشكل آخر. وإذا فاتتنا قضية الدورات مع التفرغ فبالإمكان أن نرتبها مع العمل الحياتي وما لا يدرك كله لا يترك جله وطريق الجنة صعب ويحتاج إلى ثمن. "ألا إن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة". رواه الترمذي.

الباب الحادي عشر - في السير إلى الله من بدايته إلى نهايته

الباب الحادي عشر
في السير إلى الله من بدايته إلى نهايته
وفيه: قضية معالجة أمراض النفس البشرية
كجزء من المجاهدة وأنواع السائرين

يبدأ السير إلى الله عادة بانبعاث الهمة أي توجه الإرادة إلى الله. وههنا يكون غموض وقد يحدث خطأ، ولنتصور أن انبعاث الهمة أو توجه الإرادة رافقه تعرف على مرشد كامل فماذا يفعل المرشد الكامل أي الوارث النبوي الكامل؟ الجواب البسيط أن المرشد يسير كل إنسان بحسب ما يليق بحاله فمن كان عنده استعداد عالٍ جداً سار به في طريق الوراثة النبوية الكاملة، ومن كان استعداده أدنى سار به في طريق أقل مشقة ومن كان حاله أدنى أعطاه بقدر حاله. وهكذا نجد بشكل تلقائي دوائر بدايتها دائرة السائرين في طريق الوراثة وأخراها طبقة المبتدئين والحواشي والمتبركين والدائرين في فلك حلقة الشيخ وهكذا وكل ذلك منضبط بضوابط ولكن فراسة الشيخ تبقى ذات صلة كبيرة في السير هذه صورة للسير ولكن قد لا يوجد الشيخ المرشد الكامل فما العمل؟ وكيف تكون صورة السير. كل ذلك نحب أن تمسه مساً رفيقاً في هذا الباب وستأتي في أبواب لاحقة، قضية الشيخ المرشد الكامل وما له صلة بهذه المعاني ونرى هناك خطورة شأنها وكثرة الأغلاط فيها وكثرة المدعين لمقامها بل لو قلنا إنها علة العلل في كل أغلاط الصوفية لم نبتعد كثيراً فلنؤجل الكلام عن هذا الموضوع إلى هناك ولنتكلم ههنا مفترضين حالتين فقط: الأولى وجود المرشد الكامل أي الوارث النبوي الكامل، أي الولي المرشد في اصطلاح القرآن والثانية عدم وجوده.

إذا جاء إنسان إلى مرشد كامل فالمفروض أن يكون عنده استعداد للطاعة في المعروف وأؤكد على كلمة الطاعة في المعروف لأن ما سواها لا يجوز وبالتالي فالولي المرشد يدله على ما ينبغي فعله بما يناسب حاله. وبشكل عادي يأمره بالعلم والذكر. ولكن يسير كل إنسان في العلم بما يناسب حاله وفي الذكر بما يناسب حاله وهمته ووقته. ومن خلال العلم والذكر وفي أجواء الوعظ وحضور حلقات الذكر وفي جو المذاكرة تظهر إمارات الصدق عليه وعلامات القبول لديه ويرى مدى استعداده لسير أرقى وأعلى. وفي هذه المرحلة لا بد من تنبيهه على شروط التوبة ولا بد من الاستغفار الكثير ولا بد من التخلص من حقوق العباد بطريق ذلك. وفي هذه المرحلة لا بد من أن يفهم قضية جماعة المسلمين ووجوب تحرير ولائه لهم لأنه بدون ذلك لا يشم رائحة الإيمان الذوقي، ومما يلاحظه الشيوخ أنه من جاءهم كائناً من كان قبلوه على أمل أنه إذا عاش في أجواء الإيمان أن ينتقل من طور إلى طور. هذه هي المرحلة الأولى في السير وهي بمثابة حرث الأرض وبذرها بالنسبة للسالك وعبر عن هذه المرحلة بعضهم بقوله "فإن أتى القوم أخو فتون. وقال يا قوم أتقبلون؟


تقبلوه صادقاً أو كاذباً

إذ كان محتوماً عليهم واجباً

وحذروه من ركوب الإثم

وأمروه باقتباس العلم

وأمروه بلزوم الطاعة

والماء والقبلة والجماعة

وقرروا فيه شروط التوبة

وأمروه بلزوم الصحبة

ثم أمدوه بعلم ظاهر

حتى استقامت عنده السرائر

المرحلة الثانية: وهي مطالبة المريد بالمجاهدة المنظمة لنفسه من تعويد لها على صمت حكيم وجوع معتدل هادف وعزلة مربية وسهر مليء بالخير مما مر معنا من قبل ذلك بمثابة تطييب للأرض المبذورة وههنا تبدأ تظهر للمريد نتيجة للمجاهدة وللأوراد وللعلم صفات نفسه وأمراضها وعندئذ يبدأ الشيخ تنبيهه على ذلك. وهذه المرحلة بمثابة قلع الحشائش الضارة من الأرض وإبقاء النبات الطيب فيها أو بمثابة تقليم الشجر وتخليصه من شوكه وأعواده غير المهذبة. فهي بالنسبة للإنسان تهذيب وتشذيب. وما أقل العارفين في هذا العلم الذين يعرفون الصحة من المرض ويعرفون ما ينبغي تشذيبه وما ينبغي إبقاؤه في هذه المرحلة، بل ما أكثر الذين يميتون الطيب ويبقون الخبيث. ولنا عودة على هذا الموضوع. وفي تبيان هاتين المرحلتين من السير قال بعضهم:

إذ للمريد عندهم حدود

لأجلها قيل له مريد

فعندها رد إلى الأوراد

كالصمت والصوم مع السهاد

وعاملوه بالمعاملات

إذ علموا مختلف العلات

لكن أحالوه على الأعمال

لأجل ما فيها من النوال

إذ الطريق العلُم ثم العمل

ثم هبات بعدها تؤمل

حتى إذا أحكم علم الظاهر

وأبصروا القبول فيه ظاهر

ألقوا إليه من صفات النفس

ما كان فيها قبل ذا من لبس

وهي إذ أنكرتها فلتعرف

إحدى وتسعين وقيل نيف

وفي هذه المراحل كلها بل وفي كل المراحل يبقى السير العلمي موجوداً وتبقى المجاهدة قائمة على تفاوت في الشدة، وتبقى الأذكار والأوراد والأعمال مطلوبة وهكذا، يقول ابن عطاء: "لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين، لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك، ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك".

ثم تأتي المرحلة الرابعة وهي ظهور ثمرات البذور، بذرة الفطرة وبذرة التعليم، بذور التوحيد وبذور معرفة الله عز وجل، وبقدر ما تكون المعرفة بالله كاملة، تكون الثمار مرجوة ومن ثم فإن التركيز في هذه المرحلة يكون على شيئين: على تعميق المعاني الذوقية وعلى أن تظهر ثمرات التوحيد في سلوك الإنسان: "فالتصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف". ففي مجال معرفة الله يؤكدون على الوصول إلى الفناء بالأفعال والصفات والذات. وفي مجال ثمرات ذلك يؤكدون على التخلق بأسماء الله مع العبودية الكاملة لله، وفي هذه المقامات تقع أغلاط وتقع انحرافات وتكون شطحات.

ويستمر السير ليكمل الإنسان في مقام التعامل الأرقى مع الحق ومع الخلق بآن واحد على مقتضى الشريعة، فإذا ما اجتمع له مع هذا كله علم بالكتاب والسنة وعلم بتزكية النفس وتربيتها، وعلم بكل ما يلزم المسلم من علوم لنفسه ولغيره وأشياء أخرى كثيرة فإن هذا الإنسان استحق أن يجاز بمرتبة الإرشاد. والسائرون بعد ذلك درجات، فمنهم من يستأهل أن يصل إلى درجة نقيب يكون بمثابة الواسطة بين الشيخ وبقية المريدين ومنهم من تكون مهمته التلقي والتنفيذ ومنهم من يبقى في فلك الجميع سائراً. إلتزامه قليل ومحبته كثيرة ولكل محله في السير.

ولنفرض فرضاً أن المرشد الكامل لم يوجد وهو الغالب في عصرنا، إذ أنني لا أعلم أن أحداً في هذا العصر توفرت فيه شروط المرشد الكامل إلا حسن البنا رحمه الله. ففي هذه الحالة يكون أدب السائر إلى الله الإلحاح على العلم والإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمذاكرة مع كل من يمكن أن يأخذ عنه شيئاً وحسن التأدب مع جميع المتصدرين للإرشاد مع تمحيص كل ما يسمعه على ضوء العلم والفقه وعدم الالتزام بشخص بعينه بأن يعطيه بيعة إلا بعد معرفته بحدود البيعة المتعارف عليها عند الصوفية.

وإنه في النهاية واصل بإذن الله إلى كل خير ولا يسمع لدعاوي جهلة الصوفية الذين يدعي كل واحد منهم أنه إذا لم يسلك الخلق على يد شيخهم فإنهم لا يعرفون الله ولا يصلون إليه. فهذه جهالة مركبة فكبار العارفين بالله كالشيخ الرفاعي رحمه الله يقولون: نهاية العلماء والصوفية واحدة، فما يصل إليه الصوفيون بكثير العبادة مع قليل العلم يصل إليه العالم بكثير العلم مع قليل العمل، يقول ابن عطاء: "وصولك إل الله وصولك إلى العلم به"... وفي هذه الأمور كله توجد أخطاء وأغلاط ومغالطات ومسالك خاطئة.

ومن خلال عرض الخطأ والصواب سندرك بإذن الله موضوع السير إلى الله بشكله الصحيح:

1- إن فكرة المريد واسمه عند الصوفية أخذت من قوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناك عنهم زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}. فالإرادة إذن لله والمريد، مريد الله، وعلامة مريد الله أنه يعبد الله صباح مساء أي في كل الأوقات ورسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه مأمور بأن يلزم هؤلاء وأن يصبر نفسه معهم ولا يسمح لعينه أن تتطلع إلى سواهم رغبة في زينة الحياة الدنيا. ومأمور بألا يطيع الغافل عن وحي الله، وألا يطيع المتبعين أهواءهم والسائرين وراءها. وقد رأينا شيوخاً يعتبرون المريدين عبيداً لهم ويعمقون معنى الإرادة للشيخ دون أن ينبهوا تلاميذهم على جوهر الإرادة ولمن هي. كما رأينا بعضهم بقدر ما يتعالى على تلاميذه يتواضع لأصحاب الدنيا وبعضهم يطيع الكافرين في المؤمنين المسلمين ويتقرب إلى الكافرين بحرب أهل الإسلام.

2- إنه لا سير إلى الله إلا بسحب الولاء من أهل الكفر والنفاق والفسوق وإعطائه لأهل الإيمان وجماعة المسلمين. يقول عليه الصلاة والسلام "أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" (من حديث رواه البخاري) وقال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71]. ولقد رأينا شيوخاً لا يهمهم أن يكون مريدهم معطياً ولاءه للكفر وأهله ما دام ملتزماً به، بل رأينا شيوخاً إذا أعطى المريد ولاءه للعاملين للإسلام هجروه بل طردوه، وإذا أعطى ولاءه لغير الاتجاهات الإسلامية سكتوا عنه بل حبذوا له ذلك.

3- إنه لا سير إلى الله بلا علم وذكر، ولقد رأينا شيوخاً لا يعطون المريد علماً أو ذكراً طوال حياته بل يعلقونه بأشخاصهم وكأن ذلك وحده هو الإسلام.

4- وفي موضوع المجاهدة إما أنك تجد تفريطاً أو إفراطاً فإما مجاهدة غالية على غير سنة وإما إعطاء للنفس هواها حتى رأينا من مدعي السلوك إلى الله من الفسوق ما تضج منه الأرض. نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

5- وفي موضوع الشيوخ والإرشاد ما أكثر الدعاوي وأكثر الأخطاء وأكثر العصبية المظلمة وهذا موضوع سنراه تفصيلاً، وكم من شيخ يطالب مريده بالتسليم المطلق وهو لا يصلح أن يسلم عقلاً أو قلباً في زمن مضى. فكيف في عصر لا يصلح للتصدر فيه للإرشاد إلا من اجتمع له من العلم والتربية والوعي ما يسع العصر وأهله وأنى ذلك إلا...

6- وفي موضوع معالجة الأمراض، ما أندر من يذاكر في هذا بل ما أندر من يفطن لأمهات الأمراض بل ما أكثر من يعتبر الصحة مرضاً والمرض صحة، وما أندر من يركز على أمراض العصر وأمراض المسلمين. وعند هؤلاء يصبح التطلع للجهاد مرضاً. والعمل لتكون كلمة الله هي العليا رجزاً، بل الكلام في ذلك يحتاج إلى غُسل كالجنابة. ألا قاتل الله الجهل. وعند الكثيرين من هؤلاء لا قواعد ولا ضوابط ولا سير نحو حياة إسلامية كاملة... ثم وثم...

7- وفي موضوع السير إلى الله أصلاً ما أكثر الجهل وما أكثر الغلط، فالسير إلى الله ملخصه كلمتان:

انتقال في النفس من حالة دنيا إلى حالة أرقى وعلم صحيح بالله، يقول ابن عطاء:

لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين

وصولك إلى الله، وصولك إلى العلم به

وإلا فجل ربنا أن يتصل به شيء أو يتصل هو بشيء

قربك منه أن تكون مشاهداً لقربه.

وكثيرون من الناس يظنون الكفر وصولاً إلى الله وتغلب عليهم أوهام ما أكثرها.

8- ويرافق السير إلى الله عند الكثيرين غرور يحتقرون به الناس جميعاً من زهاد لعباد لعلماء كما يرافقه تحذلق وتشدق ورغبة في فلسفة الأمور مما يذكرنا بقول معاذ رضي الله عنه "وإن وراءكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والعبد الحر والصغير والكبير. فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن وما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة".

9- ومعرفة الله ينبثق عنها أخلاقية معينة والتزام معين وكل ذلك مفصل بالسنة وما أكثر ما تفقد هذه الأخلاقية وهذا الالتزام... هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قضوا حياتهم في الجهاد حتى دفنوا في كل أرض وتحت كل سماء وعند الكثيرين من هؤلاء يصبح التفكير في الجهاد جريمة، وأخلاقية الصحابة معروفة، وعند الكثير من هؤلاء نجد اهتمامات الصحابة تكاد تكون معدومة.

10- وما أكثر ما يتصدر لمقامات إرشاد الخلق أكثر الناس جهلاً، وهذا مقام لا يصح أن يصدر فيه من لم يرث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والعمل والحال.

11- ويرافق السير إلى الله اجتماع وإنشاد وتصحبه أمور ويتطلب آداباً وفي كل واحدة من هذه نجد طاقات عند الكثير ممن لهم صلة بهذه الشؤون. فليكن الباب اللاحق في مساعدات السير ومنشطاته والأغلاط فيها.

الباب الثاني عشر - مساعدات السير ومنشطاته

الباب الثاني عشر
مساعدات السير ومنشطاته

يلاحظ بشكل واضح أن إقبال الناس على الله وعلى السير إليه يزداد في حالات، كما أن السالك إلى الله عز وجل تمر عليه فترات من الكسل وذلك شيء عادي، هذه الحالات التي تزيد من إقبال الإنسان على الله تعالى أو تجدد همته إن فترت كثيرة منها الاجتماع على علم أو على قراءة قرآن أو على ذكر أو على مذاكرة ومنها الإنشاد ومنها المطالعة في كتب السير إلى الله وقصص الصالحين، وعلينا أن نلاحظ أن بعض هذه الأمور قد يحقق من ناحية فرضاً، ويكون بنفس الوقت منشطاً على السير أو مجدداً للهمة كالاجتماع على علم مفروض مثلاً. وفي قضايا الاجتماع أو قضايا الإنشاد أو قضايا المطالعة في كتب السير إلى الله، وقصص الصالحين وكلها مساعدة على السير توجد أمور لا بد من ملاحظتها وهناك أخطاء يجب التنبيه عليها وقبل أن نبدأ عرض هذه الأمور نحب أن نشير إلى قضيتين: الأولى يقول عليه الصلاة والسلام "لكل عامل شرة ولكل شرة فترة، فإن سدد وقارب فأرجوه وأن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه". أخرجه الترمذي وقال عنه حسن صحيح.

الشرة: النشاط. والفترة: الكسل. والسائر إلى الله عليه أن يلاحظ نفسه بشكل دائم وعليه أن يحسن سياستها، فإذا وجد من نفسه فترة حاول أن يحتفظ بحد أدنى من العمل وإن فاته هذا الحد حاول أن يقضيه، ومن جملة ما يسوس به نفسه في حالة الفترة، الاستفادة من منشطات السير التي سنذكرها، وإذن فمنشطات السير هي جزء في الحقيقة من سياسة النفس في أمر السير إلى الله، وليست كل هذه السياسة.

الثانية: لكل قلب طاقة معينة على تحمل ثقل الأعمال، فإذا حمل القلب فوق طاقته فربما حدثت فيه انتكاسة. وكذلك النفس إذا حملت فوق طاقتها أو لم تعط حاجاتها الضرورية أو بعض مطالبها المباحة فإنها تغلب الإنسان عندئذ، ولذلك فعلينا دائماً أن ننتبه إن كنا آخذين أو معطين إلى هذا الموضوع، وفي الحديث "خذوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا" أخرجه مالك والشيخان والنسائي واللفظ لمسلم. وفي الحديث الآخر "سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يُدخل أحَدكَم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة" أخرجه الستة وعلينا أن نلاحظ في موضوع منشطات السير ألا ينقلب بعضها إلى خلاف المقصود عندما يثقل كثيراً على النفس، أو يتجاوز ببعضها أكثر مما وضع له.

ولا بد أن تعرف الحكمة في كل منها أصلاً، ولكون قضية الاجتماع بالذات تترتب عليها مصالح كثيرة، فسنتحدث بشيء من التفصيل المعتدل عنها مبتدئين بها:

1- الاجتماع:

للاجتماع في الاسلام أهمية كبيرة لما يترتب عليه من آثار حميدة بل هو لا بد منه في حالات كثيرة لإقامة فرائض أو واجبات أو سنن فضلاً عن تحصيل خيرات كثيرة فهناك اجتماعات الصلوات وخاصة صلاة الجمعة وصلاة العيدين وهناك الاجتماع لأمر جامع يهم المسلمين، وهناك الاجتماع على علم أو ذكر أو مذاكرة. ويدخل في الاجتماع على العلم، الاجتماع على القرآن أو السنة أو علوم الكتاب والسنة أو الاجتماع على اللغة العربية أو الاجتماع على الفقه أو التوحيد أو التصوف المحرر أو علم أصول الفقه أو علم السيرة والتاريخ الإسلامي أو الدراسات الإسلامية الحديثة أو التعرف على التآمر على الإسلام، أو دراسات فقه الدعوة. كما يدخل في الاجتماع على العلم الاجتماع على دراسة أمر يحتاجه الإسلام والمسلمون. كل ذلك يدخل في الاجتماع على العلم سواء أخذ ذلك طابع اجتماع في حلقة عامة أو خاصة منتظمة أو طارئة، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام مسلم "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده".

لايحظ ماذا يترتب على الاجتماع على كتاب الله من تنزل سكينة وغشيان رحمة وحف ملائكة وذكر الله عز وجل لأهل ذلك، وماذا يترتب على ذلك من خيرات، فمثلاً غشيان الرحمة يترتب عليه تأليف القلوب واجتماعها. قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 119] فالمرحومون هم الذين لا يختلفون. ومن التعرض لرحمة الله، الاجتماع على كتاب الله، وتنزل السكينة يترتب عليه زيادة الإيمان. قال تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} [الفتح] والاجتماع على ما ذكرناه كله له صلة مباشرة في القرآن، أو له صلة بخدمة القرآن، أو له صلة بتحقيق أهداف القرآن، أو له صلة بتحقيق ما يعصم عن البعد عن القرآن وكله يدخل في الاجتماع على العلم وفي الحديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر" أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. حمل بعضهم هذا الحديث على العلم وبعضهم على الذكر، وفي الحديث الآخر يشير إلى أن الانخراط في حلقة العلم إيواء لله عز وجل "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفا عليه فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة. أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" أخرجه الشيخان ومالك والترمذي. والاجتماع على العلم تترتب عليه مصالح كثيرة من انبعاث همة أو تعرف على حكم جديد، أو تذكر لقضية ينبغي تذكرها، وكل ذلك إذا كان العلم علماً صحيحاً والنية مخلصة والقائم به أهل لذلك. إذ تجتمع في ذلك الصحبة والتلقي وامتصاص الحال القلبي الصالح، وكل ذلك يساعد على السير إلى الله وقد قالوا:

قد يرتجى الشفاء للسقيم

مهما يكن ملازم الحيكم

والشيخ الحكيم يعرف كيف يرتب أمر الاجتماعات على العلم بحيث يسير كل فرد في ما يناسبه من سير علمي من خلال حلقات عامة وخاصة، ويلاحظ دائماً استعداد السائرين كما يلاحظ أن يرتب جلسات واعظة مهذبة وليلاحظ في ذلك السنة وسيرة الصحابة" أخرج الشيخان والترمذي عن شقيق قال: "كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك تذكرنا كل يوم قال: أما أنه يمنعني من ذلك، أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا" وأخرج البخاري عن عكرمة أن ابن عباس قال: "حدث الناس مرة في الجمعة فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاثاً ولا تُمِلَّ الناس هذا القرآن. ولا ألفيتك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتُمِلّهُمْ. ولكن أنصت. فإذا أمروك فحدثّهم وهم يشتهونه وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك" ومما ينبغي أن يلاحظه الشيخ أن يسير في الحلقات الخاصة كل مجموعة على قدر استعدادها وهمتها.

وهناك الاجتماع على الذكر، والأصل فيه ما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر. فإن وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك. فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك. فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تحميداً وأكثر لك تسبيحاً. فيقول: فما يسألون؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون لو رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: فممّ يتعوذون؟ فيقولون: يتعوذون من النار. فيقول: هل رأوها؟ فيقولون لا والله ما رأوها. فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة. فيقول: أشهدكم أني غفرت لهم. قال يقول ملك من الملائكة، فلان فيهم ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم".

من هذا الحديث ندرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض على الاجتماع على الذكر ورسم لنا الأصل الجامع الذي تقوم عليه حلقة الذكر من تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد ودعاء، فلو أن مجموعة اجتمعت على / سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر / وختمت جلستها بدعاء واستعاذة فإنها تكون قد حققت سنة الاجتماع على الذكر كما وردت في الحديث، والذي يناقش في سنّية ذلك، أي في ثبوته في السنة، يخالف الفهم البديهي لهذا الحديث الذي مر معنا، وإذا كانت سنة الاجتماع على الذكر واردة في مثل هذا الحديث الصحيح فهناك نصوص أخرى تشير إلى مثل هذا، من ذلك ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد عن معاوية رضي الله عنه.

"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا". ومن ذلك ما أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليبعثن الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور على منابر اللؤلؤ يغبطهم الناس، ليسوا بأنبياء ولا شهداء. قال: فجثا أعرابي على ركبتيه، فقال: يا رسول الله: صفهم لنا نعرفهم. قال: هم المتحابون في الله من قبائل شتى وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه". من مثل هذه النصوص، انطلق الصوفية في الإلحاح على حلقات الذكر، فقاسوا على هذه الأصول ثم توسعوا في ذلك توسعات في اعتماد أنواع من الأذكار على طرائق شتى، نظموا من أجلها أنواعاً من حلقات الذكر حتى أصبح لكل شيخ طريقة، طريقته الخاصة به في الذكر الذي يجتمع عليه إخوانه ودمج بعضهم مع الذكر الإنشاد وتفننوا في أنماط الذكر الإنشادي على جلوس وقيام وحركات وتحركات وحدث نتيجة لذلك إنكار كثير وخلافات كثيرة ومناقشات طويلة. وهذا كله سببه عدم التقيد في الحدود الواضحة الدليل. وقد جعل الأستاذ البنا رحمه الله الاجتماع اليومي على الذكر جزءاً من أدب المسلم. وجمع لذلك ورد الوظيفة الكبرى واختصره بالوظيفة الصغرى، ومع أنه ورد مسنون إلا أن بعضهم أنكر عليه الجمع والاجتماع وهو إنكار جاهل. ولقد قلت مرة لأحدهم: افرض أن صحابياً كان يلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يسمع منه ما يندب إليه عليه الصلاة والسلام من أوراد الصباح والمساء. ثم إن هذا الصحابي التزم بها جميعاً جامعاً إياها بعضها إلى بعض، فهل يكون بذلك آثماً، وأضيف لو أن مجموعة م الصحابة دعا لهم أحدهم بمثل هذا كله أو طلبوا منه مثل ذلك فهل يكونون آثمين بعد أن حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصل الذكر وعلى أصل الاجتماع؟ وعلى كل حال فأن يرتب الشيخ جلسة ذكر في الأسبوع مرة أو أكثر من ذلك أو جلسة يومية على حسب الاستعداد واحتياج السائرين فإن في ذلك كله خيراً كثيراً. ولذلك دليله الأصيل من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة في عصر طغت المادة فيه على الروح وأصبح ظمأ القلب كبيراً، ونحن موقفنا من حلقات الذكر التي اعتادها بعض الصوفية بكل ما فيها موقف الفقهاء. ويبدو أن الفقهاء لم يرتاحوا للكثير مما حدث في هذه الدوائر واختلفت عباراتهم في الشدة واللين. ولن نسمح لأنفسنا أن ندخل معركة مع أحد لفعله وجه فقهي إلا أننا في الوقت نفسه نحب أن يكون منطلقنا في شأننا كله: السنة.

فنحن نعمل لتأسيس حلقات الذكر التي لا يعترض عليها فقيه، وندعو الناس إليها ولا ندخل في معركة مع أحد لتصرفه وجه فقهي، ولكن نشرح له وجهة نظرنا دون الدخول معه في نقاش نصل به معه إلى المراء المذموم، ولقد ارتاح الكثيرون من علماء بلادنا لنوع من حلقات الذكر سموها مجالس الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع الناس فيها وهم ساكتون يصلي كل منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل منفرد ثم بعد ذلك يقرؤون شيئاً من القرآن ثم يذكرون الله عز وجل بصيغة لا إله إلا الله ثم يختمون بدعاء، وبعضهم يفعل ذلك صبيحة يوم الجمعة وبعضهم يفعله في غير ذلك وبعضهم زاد على ذلك وبعضهم أدخل معاني جعلته محل الإنكار، وعلى كل الأحوال فنحن بحاجة إلى حلقات ذكر مقبولة فقهاً وعلماً لها أدلتها الواضحة أو أنها سائرة على أصول واضحة... وهناك الاجتماع على مذاكرة بين اثنين أو أكثر يتذاكرون فيها فيما يقربهم إلى الله والأصل في ذلك حديث ابن رواحة أنه كان إذا لقي الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعال نؤمن بربنا ساعة وفي ذلك يقول عليه الصلاة والسلام يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى فيها الملائكة". والمذاكرة تكون بين أخوين في الله وتكون بين الشيخ وسالك إلى الله ومواضيعها لا يمكن إحصاؤها، والاجتماع الإسلامي كله سواء كان اجتماع صلاة أو اجتماع خطبة وعظة أو اجتماعاً على العلم أو الذكر أو المذاكرة كله ينشط الإنسان نحو السير إلى الله إذا كان الأمر مستقيماً فيه.

ولذلك كره الصحابة أن يعتزل الإنسان الناس إلى صحراء وما يشبهها إلا في حالات خاصة جداً لما يترتب على ذلك من بعد عن خير أو غلظة في طبع. وفي الحديث: "من بدا جفا..." رواه أبو داوود والترمذي وحسنه والنسائي. وعلى الشيخ أن يلاحظ في ترتيبه أمر الاجتماعات وضع الناس وأحوال السائرين وتأثير ذلك على واجباتهم الدينية وأعمالهم الدنيوية وأن يلاحظ الرفق في الشأن كله فذلك أدب المسلم "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" (متفق عليه) "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه" رواه مسلم. "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه" رواه مسلم. "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً" (متفق عليه).

وقبل أن ننتقل عن هذا فلنذكر شيئين:

الأول: إن من علامة صلاح جلسة العلم أو الذكر أو المذاكرة أن يخرج الإنسان منها وهو أحسن حالاً وأرقى إيماناً ولكن هذا لا يحس به إلا ذو قلب سليم، أما القلب المريض فلا عبرة لمشاعره ما دام مريضاً.

الثاني: ذكرنا الاجتماع في هذا الباب كمنشط للسير وهو أمر محسوس فليجرب الواحد منا مثلاً نفسه وهي على فترة وغفلة أي إذا كانت أوراده القرآنية وغيرها غير منتظمة أو أن نفسه عازفة عنها ليجرب مثل هذا الإنسان أن يحضر جلسة ذكر أو علم أو مذاكرة مع صالح ثم ليلاحظ بعد ذلك إقبال نفسه على الله، إنه من المجرب أن إقباله يكون أكثر، بل أن كثيرين يكاد يكون الاجتماع في حقهم نقطة انطلاق جديدة ولعل هذا أحد أسرار فرضية صلاة الجمعة وخطبتها ولذلك فإنه من الأهمية بمكان للمسلم في الأوضاع العادية أن يكون له صلة بحلقات علم وذكر وصلة بجلسات مذاكرة مع صالحين وعلى شيوخ المسلمين أن يلاحظوا ذلك.

2- الإنشاد:

عرف الحداء في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحابة أثناء العمل وحدا بعضهم أثناء السير. وشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً في الحداء. وقال الصحابة الشعر وكان قسم من هذا الشعر ينشد، تنشده الجواري أو ينشده الرجال أثناء سير أو عمل. ومن المألوف عند العرب أن يتغنوا بالشعر ومن شعرهم: "تغن بالشعر إما أنت قائله" إلا أن سماع الصحابة رضوان الله عنهم الأغلب إن لم يكن الدائم هو للقرآن الكريم وسماع الشعر إلقاء أو إنشاداً كان موجوداً ولكن إما في مناسبة أو في وقت راحة أو في وقت فرح أو عرس. وفي الحديث الذي ذكره ابن كثير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ألفين أحدكم يضع إحدى رجليه على الأخرى يتغنى ويدع سورة البقرة يقرؤها فإن الشيطان ينفر من البيت تقرأ فيه سورة البقرة. وإن أصغر البيوت الجوف الصفر من كتاب الله" أخرجه ابن مردويه والنسائي في عمل اليوم والليلة. إن هذا يؤكد أن الأصل في السماع في حياة الصحابة هو القرآن. والشعر له محله، ولكن هو كالملح في الطعام في حياتهم، أما الإنشاد فإنه له محله كذلك عندهم ولكنه قليل في هذه الحياة الحافلة بجلائل الأمور. وهذه أول نقطة تؤخذ على بعض الصوفية هي أن الإنشاد والتمتع بالصوت الجميل أخذ حظاً كبيراً من حياتهم أكثر بما لا يقاس عما كان في حياة الأصحاب رضوان الله عليهم.

وفي حياة الصحابة نجد شعرهم يملأ حياتهم اليومية في صراعهم مع الكفر وفي تعبيرهم عن أشواقهم فهو يغطي الحياة الإسلامية كلها فهو يحرك مجموعة المشاعر الإسلامية، فهو تارة يحرك مشاعر جهاد وتارة هو يعبر عن مشاعر حنين لوطن وتارة هو تعبير عن عزة مسلم، وتارة هو رثاء حار وتارة هو توجه إلى الله. وكثير من الصوفية حصروا دوائر الإنشاد بنوع من المعاني التي تحرك بعض العواطف الصالحة ولكن لا تحرك كل العواطف التي ينبغي أن تتحرك عند المسلم. والحركة الإسلامية عوضت هذا النقص ولكنها أهملت تحريك عواطف الحب الإلهي والوجد الروحي وغير ذلك مع أن هذا كله كان للأستاذ البنا فيه دور وكان يفعله الأستاذ أحياناً كما حدثنا بذلك من سمعه من الأستاذ رحمه الله وهذه نقطة تسجل على كل حال، وفي شعر العرب وغير العرب إجمالاً للرمز وللمجاز والكناية محل فقد يعبرون عن المعنى المعنوي بأسلوب حسي وقد يستشهدون ببيت وضع في الأصل لخطاب جهة فيخاطبون به جهة أخرى. وعند العرب أساليب كثيرة في الخطاب والتخيل فقد يخاطبون الميت وكأنهم يتصورونه حياً، ويخاطبون الجماد وكأنه يعقل، وكل ذلك موجود في شعرهم. ومن شعر العصر النبوي قول زيد الخير وهو على فراش الموت بعيداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فليت اللواتي عدنني لم يعدنني

وليت اللواتي غبن عني عُوّدي

وقال كعب بن زهير لأخيه بجير:

سقاك بها المأمور كأساً روية

فأنهلك المأمون منها وعلّك

فههنا شبه الهداية التي أخذها بجير بخمرة تشرب وشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالساقي وهذا كله جزء من طريقة العرب في الخطاب. والصوفية انطلاقاً من هذه المعاني انطلقوا بالتعبير عن المعنويات بشكل حسي فاستعملوا لفظ الخمرة للتعبير عن معان واستعملوا لفظ السكر للتعبير عن معان ثم توسعوا وتوسعوا حتى كثر الإنكار عليهم من جاهل وعليم واتهموا نتيجة للتوسعات بالشرك والكفر. وحدثت نتيجة لذلك مناقشات طويلة في شؤون كثيرة. ولا شك أن سعة اللغة العربية وطرق الأداء فيها تساعد الكثيرين على أن يتملصوا من أي ممسك يأخذه الحرفيون ولا شك أن الحرفية في قضايا الأدب والعاطفة ليست هي الطريقة المثلى في الفهم. وهناك الحد الذي يقبله العليم ولا ينكره الحرفي ولا يؤدي بالعامي إلى أن يفهم مفاهيم خاطئة.

هذا الحد هو الذي ينبغي البحث عنه وتنبيه ونشره واعتماده... وقد لحظ الصوفية ملحظاً وهم يعتمدون النشيد وهو أن النفس إذا عرضت عليها الحق من حيث تستروح فإن قبولها للحق يكون أجود ومن ثم اعتبروا الإنشاد في حق المبتدئ بمثابة مراعاة له، إذ من خلال إلفة نفسه للصوت الحسن يمكن أن يتشرب بعض المعاني من الحق. كما لحظوا أن النشيد بمثابة الميزان الذي يزن به الإنسان مقدار ما عنده من معان كالحب لله ورسوله وغير ذلك من معان عليا، وقد حاولوا أن يصوغوا السير إلى الله كله شعراً ومن خلال السماع لهذا الشعر يعرف الإنسان مقامه، وتتحرك همته لما هو أعلى. ولا شك أن للغناء وللشعر آثاراً في تشكيل عواطف الإنسان، وقد نجح الصوفية في تقوية كثير من العواطف من خلال النشيد وفاتهم بعض... وكان للصوفية دور كبير في أن استطاعوا أن يوجدوا نوعاً من البديل لأمور فاسقة، ولذلك فمما استقر عليه أمر الناس في العصور المتأخرة أن أهل الفسوق يجتمعون في أفراحهم وأنسهم ومتعهم على غناء وموسيقى وأن أهل الخير: الإنشاد والسماع عندهم هو البديل من ذلك كله، وقد شجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنشاد في الأعراس مراعاة لنفسية الأنصار مما يصلح أن يكون أصلاً في هذا الموضوع...

وعبر مسيرة التاريخ الإسلامي عَلقَ بالإنشاد أمور كثيرة واعتمد الكثيرون فيه معاني وصار لأهل كل طريق ولأهل كل بلد أسلوب نشيد أو عادات مرتبطة بالنشيد، بل أصبح لكل طريق نوع من النشيد هو علم عليهم، وحدث خلال ذلك كله صراع طويل بين الفقهاء وأهل هذه الدوائر حول معان تقال أو عادات توجد. وورث أهل عصرنا هذا كله، وككثير من الخير الذي ورثناه فإن الدخن يخالطه وارتبط بموضوع الإنشاد قضية هذا الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف الناس في هذا الموضوع موقفين: موقفاً متشدداً منكراً على الناس اجتماعهم من أجل الاحتفال بمثل هذا، وموقفاً محبذاً، وقامت معركة طويلة ولا زالت تقوم حتى الآن بسبب من ذلك.

ولو أنك حللت قضية المولد فإنك تجدها ترجع إما إلى سرد فقرات من السيرة أو إنشاد بيت من الشعر في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا إن سلم مما ينكر عليه لأسباب علمية فلا حرج فيه، وحتى ابن تيمية رحمه الله فطن إلى ما يترتب على الاجتماع على المولد من معان طيبة يستحق الناس بسببها أجراً، وحتى ابن الحاج في المدخل وهو من أشد الناس على البدع اعتبر أن للمسلمين عيداً ثالثاً لمحت له النصوص هو عيد المولد أخذاً من قوله عليه الصلاة والسلام "ذلك يوم فيه ولدت" من حديث رواه مسلم. والواقع العملي يشهد أن لاحتفال المسلمين بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم من البركات في التذكير وفي التوبة وفي التعليم ما لا تحصى آثاره، والأستاذ البنا يعتبر من مهمات الحركة الإسلامية إحياء المناسبات الاسلامية وتذكير الناس بها ومن ثمّ فإنه يكاد يكون من البديهيات في فقه الدعوة الإسلامية المعاصرة أن تعطى قضية المولد النبوي والاحتفال به على طريقة مدروسة علمية مقبولة فقهاً أهمية خاصة...

بعد هذا كله أصبح بإمكاننا أن نقول:

1- إن الإنشاد في فقه الدعوة الإسلامية المعاصرة شيء له محله على أنه يبقى كالدواء وفي حدود ضيقة كالملح للطعام.

2- إنه لا بد من اختيار دقيق لما ينشد في حلقاتنا ودوائرنا بحيث يغطي مجموعة العواطف الإسلامية ولا يخرج عن الكلام المرضي عند الفقيه وهذا يقتضي أن يتدخل الفقيه في اختيار الشعر للمنشد وألا نسمح للمنشد أن يقول ما شاء في دوائرنا.

3- إن الإنشاد إذا روعي فيه هذه المعاني ولم يؤثر وجوده على واجب وقت أو أدبه فإنه يكون مهيجاً على السير إلى الله بكل لوازم السير من رغبة في الكمال إلى حض على الجهاد إلى تثبيت على الطريق إلى تهييج على العمل إلى تأكيد للصراع مع الكفر وهي قضايا محسة لا ينكرها إلا إنسان ضيق الأفق.

4- أن نتخير للمناسبات الإسلامية أنواعاً من الشعر يلاحظ فيه المعنى والأداء على أن يكون جزءاً من برنامج كلي يحقق أهدافاً قريبة أو بعيدة... ضمن هذا الإطار كله نفهم قضية الإنشاد وعلى ضوء ذلك اعتبرناه من منشطات السير إلى الله.

أما ما سوى ذلك فإن لنا عليه ملاحظات: فمثلاً إن الإكثار من السماع والاسترواح للصوت الحسن وإن كان نشيداً يوجد عند أصحابه استرخاء نفسي، هذا الاسترخاء النفسي قد يتسبب عنه إهمال للواجبات أو استعداد للوقوع في الشهوات. فالسماع أحياناً يكون غذاء للقلب وأحياناً يكون غذاء للنفس ولذلك قال صاحب المباحث الأصلية "وإنما أبيح للزهاد وندبه إلى الشيوخ باد".

وهو على العوام كالحرام

عند الشيوخ الجلة الاعلام

وكان بعض الشيوخ لا يرى في السماع بأساً ولكنه يخشى أن يؤثر على نفوس سامعيه من حيث يوجد عندهم استرخاء عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان بعض الشيوخ يخشى من زلة الإنسان في السماع كأن يحمل معنى يليق بالشيوخ ولا يليق برسول الله صلى الله عليه وسلم على رسول الله، أو كأن يحمل معنى لا يليق بالله على الله وهذا كله لا بد أن يلاحظ. ولنا أكثر من عودة على موضوع الإنشاد فلنكتف ههنا بذلك ولنذكر المنشط الثالث من منشطات السير وهو المطالعة في كتب السير إلى الله وقصص السائرين.

ثالثاً: المطالعة في كتب السير إلى الله وقصص الصالحين:

هناك بعض أئمة الصوفية أجمعت الأمة على قبولهم مثل الجنيذ رحمه الله ومثل الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله. إن الشيخ الجيلاني رحمه الله أجمعت الأمة على قبوله حتى ابن تيمية رحمه الله يقول إن كراماته منقولة إلينا تواتراً، أمثال هؤلاء الأئمة إذا قرأ الإنسان لهم يفطن لقضايا في السير فتتحرك بذلك همته بشكل خاص وهناك أئمة قبلتهم أكثر الأمة وناقشهم بعضها في بعض الأمور نقاشاً كحجة الإسلام الغزالي رحمه الله الذي يقول عنه العقاد: إن العالم كله شرقه وغربه لم يعرف قبله مفكراً، وكابن القيم رحمه الله وكل من هذين الاثنين كتب في الذروة في بعض أمور السير إلى الله، والعليم البصير في دين الله لا يفوته أن يدرك مواطن النقد الصحيح، وليس من أحد معصوماً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن المطالعة في كتب هؤلاء العلماء الفقهاء الذين تكلمواة في أمر السير إلى الله تحرك الهمة نحو الله بشكل عجيب، وهذا شيء مجس واضح يستطيع كل إنسان أن يدركه من خلال التجربة، ليحاول أحدنا أن يمسك الجزء الأول من الاحياء مثلاً وليقرأ كتاب تلاوة القرآن فيه ثم ليجرب أن يقرأ القرآن بعد ذلك. إنه لا شك سيجد أن حضور قلبه مع القرآن قد اختلف عما كان قبل ذلك، وقل مثل ذلك في كل بحث بحثه الغزالي رحمه الله فإنك عندما تقرؤه تجد نفسك قد انتقلت إلى وضع أكمل.

إن المطالعة في كتب السير إلى الله تهيج على السير إلى الله تساعد على الكمال فيه ومن ثم فإن السائر إلى الله ينبغي أن يكون له حظ من ذلك، ولا شك أن من أمهات كتب السير إلى الله الرسالة القشيرية، وإحياء علوم الدين، فليحاول المسلم أن يكون لهذين الكتابين حظ من دراسته مع ملاحظة أنه لا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وكما يساعد على السير وينشط له ويهيج عليه ويبعث إليه مطالعة كتب السير إلى الله فكذلك قراءة قصص السائرين إلى الله فإن فعلها في رفع الهمة يكاد يكون منقطع النظير وإن في كتاب صفة الصفوة أو حلية الأولياء من ذلك لزاداً كبيراً للسالك، ولنا ههنا ملاحظات:

1- إن أكثر كتب التصوف لا يرتاح لكثير من عباراتها الفقيه ومن ثم فلا بد أن يكون الإنسان دقيقاً فيتخير إذ يقرأ وإذا قرأ أن يدقق.
2- إن بعض الكتب التي عرضت قصص الصالحين دخل فيها من الانحراف ما لا يستقيم مع عقل ولا شرع مما ننزه القلم عن ذكره وننزه العلماء المنسوبة إليهم هذه الكتب أن يكونوا ذكروا مثل هذا الكلام فعلينا أن ننتبه لذلك.
3- إن كثيرين وأغلوا في دراسة كتب السير إلى الله وقراءة كتب الصالحين حتى نسوا الكتاب والسنة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياة الصحابة. ولذلك فلا بد أن نعطي هذا الموضوع محله إذ لا يجوز أن تكون أي دراسة على حساب الإهمال للكتاب والسنة والسيرة وحياة الصحابة، ولنكتف بهذا القدر..

عرضنا في هذه الفقرات الثلاث الماضية لثلاثة منشطات في موضوع السير إلى الله وعرضنا بعض ما يؤخذ على الموجود من بعضها ليكون المسلم على بصيرة في الأخذ وقد يكون من المناسب أن نختم هذا الباب بمقترحات عملية في هذا الشأن تكون بين يدي الدعاة إلى الله والشيوخ والمسلمين لها صلة بموضوع هذا الباب:

1- إنني أتمنى أن تقام في كل مسجد الحلقات المتعددة: حلقات الذكر وحلقات العلم وأن يكون للإنشاد دوره أحياناً في ذيل بعض الحلقات.

2- إن هناك حلقات تحتاج إقامتها إلى شروط كثيرة وهناك حلقات لا يتطلب إنشاؤها مثل هذه الشروط فعلينا أن نبذل أقصى جهد لإنشاد الحلقات على ضوء ما يتوفر لدينا.

3- بالإمكان إنشاء الجلسات التالية في كل مسجد.

a. جلسة ذكر، جلسة صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمكن أن تدمج الجلستان فتكون الجلسة عل الشكل التالي: تبدأ الجلسة مثلاً بعد صلاة الصبح يوم الجمعة أو بعد صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر من يوم الجمعة أو في يوم آخر يبدأ الحاضرون بشكل منفرد وسري يصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصيغة التي يرتاحون لها، والصيغة التي تحقق تنفيذ الحد الأدنى من الأمر بالصلاة عليه وهي قولنا اللهم صل على محمد وآله وسلم / ويمكن اعتماد زمن بعينه كثلث ساعة مثلاً أو عدد بعينه بحيث لا يرهق الحاضرين ثم بعد ذلك يبدأ ذكر ونحن جلوس كقولنا / سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر / حوالي مائة مرة، ثم يمكن أن يكون بعد ذلك شيء من الإنشاد المنتقى شعره ثم نختم الجلسة بشيء من قراءة القرآن. ويمكن حذف فقرة الإنشاد إذا لم تتوفر شروطها، والمهم في الجلسة ألا تكون طويلة وألا يكون فيها ما يمكن أن يشكل مأخذاً لفقيه.

b. جلسة قرآنية: كأن يجلس الناس في المسجد بعد صلاة ما ثم توزع عليهم أجزاء القرآن بحيث يقرأ كل منهم جزءاً بما يغطي ختمة أو ختمتين أو أكثر أو أقل على حسب العدد وبعد أن يقرأ كل منهم جزأه والأحسن ملاحظة زمن محدد يقرأ بعضهم قراءة جهرية مرتلة ثم يكون درس خفيف بعد ذلك كقراءة بعض الأحاديث النبوية من كتاب ككتاب رياض الصالحين أو قراءة فقرة من السيرة ثم يكون دعاء وانصراف.

c. ويمكن أن ترتب بعض الجلسات بحيث يجتمع فيها ذكر وعلم وإنشاد، كأن تبدأ الجسلة بذكر / سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر / مائة مرة ثم يكون درس وعظ ثم يكون شيء من الإنشاد ثم يكون شيء من تلاوة القرآن ودعاء وانصراف، ويمكن أن تقدم بعض الفقرات على بعض.

d. تتولى لجنة في كل مسجد أمر متابعة قضية الحلقات العلمية العامة والخاصة بحيث يكون في كل مسجد سير نحو التحقق بفروض العين، وإيجاد مختصين بما يغطي فروض الكفايات الدينية في المنطقة وإذا لم تتوفر في مسجد بعض المعاني من وجود شيخ يدير أمر بعض الحلقات أو وجود من يعطي بعض العلوم فإن أهل المسجد عليهم أن يبحثوا عمن يساعدهم في ذلك وعلى الآخرين أن يفعلوا. إنك ترى المسلمين يحرصون على تأليف اللجان لإصلاح بناء المسجد أو إنشاء مساجد دون أن يفعلوا الشيء نفسه لعمارة المسجد بما من أجله وجد المسجد وهو وضع ينبغي أن يكمل نفسه. إنه ينبغي أن يقوم تنافس بين المساجد وأهلها على ترتيب عمارة المساجد حساً ومعنى.

e. تتولى لجنة في المسجد متبرعة أو منتخبة أو مختارة أمر إحياء المناسبات الإسلامية كإحياء مناسبة المولد والترتيب لها بحيث تعطي مردوداً كبيراً في تفهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي تذكير المسلمين بإسلامهم وفي ربطهم في المسجد وكإحياء مناسبات الهجرة ومناسبات إنقاذ القدس من الصليبيين في / 27 / رجب وهو اليوم الذي يحتفل فيه المسلمون بحادثة الإسراء والمعراج وكتذكير المسلمين في المواسم، موسم رمضان وموسم الحج والتذكير بحق العشر الأوائل من ذي الحجة.

f. وإن كثيراً من هذه الأشياء يمكن ترتيبها وإقامتها في البيوت زيادة على المسجد كما أن التحضير لشؤون إحياء المسجد يمكن أن يتم في البيوت. إننا لو استطعنا أن نوجد مثل هذه الأجواء في المساجد والبيوت نكون قد هيأنا الفرص لكل مسلم من أجل أن يسير إلى الله نوع سير بتوفير كل الشروط الجاذبة إلى السير أو الحاضة عليه أو المنشطة له وهذا يقتضي من كل مسلم مهما كان وضعه وكانت مشاغله أن يبذل جهداً في هذا السبيل بالمشاركة والدعوة والحضور والتشجيع على ذلك بنفسه وماله ولسانه.

الباب الثالث عشر - في الصحة القلبية والنفسية ومحلّها من دوائر التكليف

الباب الثالث عشر
في الصحة القلبية والنفسية ومحلّها من دوائر التكليف

يقول ابن عطاء في قضية الوصول إلى الله عز وجل "وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به" هذا هو الوصول أن تعرف الله عز وجل حق المعرفة، معرفة أخذ العقل حظه منها والقلب حظه منها والروح حظها منها دون أن يرافق ذلك تجسيم أو تشبيه أو مماسة أو اتصال أو حلول أو اتحاد معرفة يشهد فيها الانسان قربه من الله عز وجل وقرب الله منه. قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان} [البقرة: 187] فإذا عرفت الله عز وجل حق المعرفة معرفة يجتمع لك فيها التسليم العقلي والذوق القلبي فقد وصلت وذلك لا يتم بلا سلوك طريق ذلك. وإذا تم ذلك فلذلك ثمراته الكثيرة إذ كل خير إنما هو انبثاق عن هذه المعرفة {ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} [ابراهيم: 24].

فثمرات المعرفة الحقيقية لله عز وجل شيء لا يستطاع إحصاؤه ومن أول ذلك التحقق بمقام العبودية لله وذلك أعلى المقامات على الإطلاق. والعبودية كاسمها تقتضي طاعة ظاهرة وباطنة لله في كل شيء... إن الوصول إلى الله يعني معرفته جل جلاله، معرفة أنه موجود ومعرفة صفاته، صفات الجلال والجمال وصفات الوجود من علم وقدرة وإرادة وحياة وسمع وبصر وكلام، وصفات السلب التي تنفي بها عن الله عز وجل ما لا يليق بذاته ومعرفة اسمائه ومعرفة أفعاله وأن يتملى القلب ذلك كله وأن يستشعره ذوقاً وذلك معنى زائد على مجرد المعرفة العقلية ولكن المعرفة العقلية هي المقدمة العادية لذلك، ومما يدخل في المعرفة لله عز وجل معرفة معاني النصوص المتشابهة وحملها على محاملها الصحيحة وتذوق ذلك فالسالكون لهم أذواقهم لهذه النصوص مع التنويه بما لا يتحسس جزءاً منه غيرهم. وفي هذه المقامات ضل كثير وغوى كثير وضاقت عبارات الكثيرين وفهمت عبارات الكثيرين على غير مرادهم.

ومن فتح الله له في هذه الشؤون باب الفهم والذوق على مقتضى العلم استطاع أن يفهم الخطأ من الصواب واستطاع أن يميز بين ما يجب رده من هذه العبارات وبين المحامل الصحيحة لهذه العبارات وكثيراً ما يحدث أن نجد إنساناً يحمل على كلمة بأنها كفر مع أن لها محملاً صحيحاً، وكثيراً ما نجد إنساناً يدافع عن كلمة وليس لها وجه وإنما هي البدعة أو الكفر أو الضلال، والقليل القليل من خلق الله هم الذين يضعون الأمور في مواضعها ويصلون إلى حالة تكون معرفتهم بها في الله كاملة حتى إذا تكلموا في ذلك تكلموا عن حق وعلم. قال تعالى: {سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين} إن تذوق السالكين لمعنى اسم الله الأول ولمعنى اسم الله الظاهر واسمه الباطن ولمعنى اسمه الصمد ولمعنى اسمه القريب ولغير ذلك من أسماء الله عز وجل تذوق أعمق بكثير من أي تذوق عقلي والذين يتكلمون في هذه المعاني يفطنون لأمور لا يفطن لها غيرهم ويعبرون عنها تعبيراً لا يستطيعه غيرهم، وأقصد بذلك المحققين من هؤلاء والمدققين ومن عبارته مقيدة بالعلم والنصوص.

أما الذين حرّفوا وبدّلوا فهؤلاء ليسوا هم المقصودين في هذا المقام ولعل من أول ثمرات المعرفة التمكن من التعبير العالي والصافي. وفي ذلك يقول ابن عطاء "تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث صار التنوير وصل التعبير. كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت لهم إشارته. ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار، عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والتحقيق والعبارة قوت لعائلة المستمعين" فأول ثمرات الوصول الكاملة إلى الله القدرة على التعبير الصحيح عن الذات الإلهية والدلالة الصحيحة عليها. وانظر مثل هذه العبارات لترى بوضوح حقيقة هذه الثمرة. قال ابن عطاء "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك".

لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه، تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك وتارة يغيض ذلك عنك فيردك إلى حدودك فالنهار ليس منك إليك ولكنه وارد عليك. دل بوجود آثاره على وجود أسمائه وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه وبوجود أوصافه على وجود ذاته إذ محال أن يقوم الوصف بذاته" إن الوصول إلى الله هو المظهر الأعلى للصحة القلبية والنفسية في الإسلام وهي العلامة الرئيسية على هذه الصحة. ولكن هذا الوصول يتفرع عنه أمور كثيرة هي كلها علامات على صحة القلب والنفس ولذلك فنحن سنعرض قضية علامات الصحة القلبية والنفسية بحيث نفتهم هذه العلامات بشكل أوضح وأعمق فنقول:

شرحنا من قبل كيف أن لكل عبادة حكمتها وأنوارها وأن المسلم عليه أن يعمل كما أمر وأن يحقق الحكمة التي من أجلها كان الأمر. وههنا نحب أن نكمل تسلسل هذا الشأن. إن تنفيذ الأمر وتحقيق الحكمة من الأمر يترتب عليه آثار في القلب وفي النفس. هذه الآثار مهمتها تكميل الذات والارتقاء بالتحقق بالكمالات العليا لها فالحكمة في الأمر في النهاية هي تكميل الذات وتحقيقها بأرقى المقامات. وأرقى المقامات التحقق بأسماء الله عز وجل مع العبودية الكاملة له فالله عز وجل متصف بالصفات العليا وله الأسماء الحسنى مع الربوبية. ونحن كما لنا أن نأخذ من كل اسم من أسماء الله تعالى التي كلفنا بالتحقق بها ولكن مع العبودية.

وحجة الإسلام الغزالي حاول في كتابه / المقصد الاسنى في شرح أسماء الله الحسنى / أن يبين ما يمكن أن يأخذه العبد من كل اسم من هذه الأسماء. فاسم الله المؤمن واسمه الكريم واسمه التواب واسمه الشكور واسمه الصبور كل ذلك يمكن كما أن يأخذ المؤمن حظه منه وهكذا... فالمسلم كما أن عليه أن يعمل أن يلاحظ الحكمة من العمل وعليه أن يتابع تكميل ذاته كهدف للعمل، وكثيرون من الناس يبقون في الدائرة الأولى على ضعف فيها دون أن ينتقلوا إلى الدائرتين الأخيرتين. وبعضهم قد يقفز إلى الدائرة الثانية ولكن لا ينتقل إلى الدائرة الثالثة فضلاً عن دائرة أخرى رابعة سنراها. وهذه نقطة: الغموض فيها علة عدم التطلع إليها ولذلك فإنها تحتاج إلى وضوح تام فلنقف أكثر من وقفة حول بعض المعاني حتى يتضح هذا المقام... قال تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون، والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بشهاداتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون} [المعارج: 19-35] لاحظ أن خلق الهلع الذي مظهره الجزع عند المصيبة والمنع عند النعمة لا يتخلص منه إنسان إلا إذا اجتمعت فيه مجموعة أمور، الصلاة والإنفاق والتصديق باليوم الآخر والإشفاق من عذاب الله وحفظ الفروج والقيام بالشهادة صدقاً وعدلاً، فمن اجتمعت له مجموعة الأمور هذه تخلص من مرض وتحقق بصحة ومن ثم فبشكل تلقائي متى تحقق إنسان بمجموع هذه المعاني انتفت عنده صفة الهلع أي وجد عنده خلقا الصبر والكرم.

فالتحقق بالصبر والكرم علامة إقامة هذه المعاني كلها ونحن مكلفون بمجموع هذا، مكلفون بهذه الأعمال ومكلفون بالصبر وبالكرم وكما أن عليّ كمسلم أن أبذل جهداً في العمل لإقامة الصلاة فإن عليّ كذلك أن أحقق نفسي بالصبر والكرم من خلال مجاهدة النفس ومعرفة حدود الصبر والكرم. وتحقيقي بالصبر والكرم مظهر من مظاهر صحة القلب والنفس وعلامة على صحة طريقي ولكن الصبر والكرم يحتاجات إلى بذل جهد خاص فيهما فالله عز وجل قال: {وأحضرت الأنفس الشح} [النساء: 128] فما من حالة إلا والشح حاضر عندها وعلى صاحبها أن يتغلب على شحه بمجاهدة نفسه وبسلوك الطريق الموصل إلى لذلك ولكن كم من الناس يبدأ تلك البداية وينتهي هذه النهاية. لاحظ الآن كم يترتب على الفشل في الوصول إلى مقامي الصبر والكرم من آثار سيئة إنه ما لم يصبر الإنسان فإنه يكفر فالصبر إذن بدونه لا يكون إيمان وإذا لم يكن إيمان فلا شيء أبداً، والشح متى وجد لم يعد بالإمكان إطلاقاً أن يكون هناك تعاون بين المسلمين على أمر بل تنعدم إمكانية العمل الجماعي أصلاً ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام "إذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثال القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم" أبو داوود والترمذي وقال حسن غريب لاحظ أن الشح المطاع هو الحلقة الأولى التي إذا وجدت فقد حل للإنسان أن يعتزل الناس لأنه لا فائدة من عمل جماعي أصلاً.

لاحظ من المثال المذكور كيف أن هناك أمراً وحكمة من هذا الأمر وآثاراً نفسية تترتب على ذلك وكيف أننا مكلفون بهذا كله. فالدائرة الثالثة من هذه الدوائر هي التي نسميها الحصة النفسية والقلبية ولنضرب مثالاً آخر. قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذين بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم. التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 113-114] لاحظ من الآيتين أن اجتماع خصال الإيمان والتوبة والعبادة والحمد والسياحة التي هي الصوم أو الرحلة في الله والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي التي ينبثق عنها وجود بيع نفس ومال لله فلا جهاد كاملاً إلا إذا توفرت هذه المعاني كلها. وأنا كمسلم مطالب بالتحقق بهذه الخصال ومطالب بأن أبيع نفسي لله فلو أن إنساناً عمل بهذه ثم لم يبع نفسه وماله لله فإنه يكون قد قصر في التكليف.

إن هناك أعمالاً ينبثق عنها حال نفسي وعن هذه الحالة النفسية تنبثق أعمال وتصرفات فهذه دائرة رابعة تنبثق عن الصحة القلبية، من المثالين السابقين ندرك أن هناك أعمالاً تستتبع وجود حالة نفسية وقلبية وهذه الحالة نحن مطالبون بها كما أننا مطالبون بالطريق الموصلة لها كما أننا مطالبون بالأعمال التي تنبثق عنها. هذه الحالة النفسية والقلبية التي نحن مطالبون بها هي الوضع الصحي للنفس وللقلب. ووجودها هي علامة الصحة وعلامة على استقامة السير وكثير من المسلمين تغيب عنهم قضية الصحة النفسية والقلبية بكل أبعادها كما تغيب عنهم كثير من الأعمال الموصلة إليها أو التي تنبثق عنها وهي نقطة خطر. وحتى الآن لم يتضح الشيء الذي نريده فلنضرب أمثلة أخرى. قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 46] وقال تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 15] فالصلاة من آثارها ترك الفحشاء والمنكر والهدف من إقامة الصلاة هو ذكر الله عز وجل على الطريقة التي اختارها الله لنا والذكر من آثاره في القلب أن يعطيه اطمئناناً. قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] فطمأنينة القلب هي الحالة الصحية له ونحن مطالبون بالوصول إليها والطريق إلى ذلك هو الذكر ومن الذرك الصلاة ونحن مطالبون بذلك ومن آثار الصلاة العملية الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ونحن مطالبون بذلك. فالدوائر الثلاث بل الأربع إذن التي من جملتها الصحة القلبية والنفسية كلها مطالبون بها وعلينا أن نحصلها علماً وعملاً... قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 184]. فالصيام فريضة وحكمة هذه الفريضة الوصول إلى التقوى. والتقوى ملكة في القلب ينبثق عنها سلوك معين ونحن مطالبون بالجميع وأحد أجزاء هذا الجميع هو الصحة القلبية والنفسية والروحية والعقلية التي ينبثق عنها سلوك معين والتي تكون كأثر عن عمل معين، وفي دائرة من هذه الدوائر يقع أحياناً نوع القصور أو التقصير. إذا اتضحت هذه الأمور فلنحاول أن نتحدث الآن عن معان من خلالها ندرك المراد من الصحة القلبية والنفسية والروحية بعد أن عرفنا محلها في دوائر التكليف...

يلاحظ أن القرآن قال عن النفس مرة {إن النفس لأمارة بالسوء} وهي حالة مرضية للنفس وقال مرة: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} وهي حالة أرقى للنفس إذ تلوم صاحبها على الشر إذا واقعه. وقال: {يا أيتها النفس المطمئنة} فههنا حالة أرقى للنفس إذ أخذت حظها من الاطمئنان واليقين والملاحظ أن النفس المطمئنة هي التي يقال لها {ارجعي إلى ربك راضية مرضية}. فدل ذلك على أن النفس المطمئنة هي التي رضي الله عنها وسيرضيها. فالنفس المطمئنة إذن هي الحالة الصحية العليا للنفس. والطريق إلى هذه النفس المطمئنة هي ما قاله الله عز وجل: {ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} [الرعد: 27-28].

فالطريق إلى النفس المطمئنة الإنابة إلى الله والإيمان وكثرة الذكر ونحن مكلفون بذلك كله، فهذا نموذج على الصحة النفسية والقلبية وعلى الطريق الموصلة إليها ولنا الآن أن نسيح سياحة ثم نرجع إلى الموضوع الأصلي. يتحدث الصوفية عن شيء اسمه حال، وعن شيء اسمه مقام. ويعتبرون الحال هو مقدمة المقام فمثلاً أول ما يبدأ الإنسان يشتغل بالذكر يصل إلى طمأنينة مؤقتة للقلب لا تلبث أن تزول، فهذا حال فإذا تابع الإنسان الذكر وصل إلى طمأنينة دائمة للقلب فهذا مقام. ونحن مطالبون في كل مظهر من مظاهر الصحة القلبية والنفسية أن نصل إلى المقام لنتمكن فيه ولكن كثيرين تغيب عنهم ماهية مقامات الصحة كما يغيب عنهم العمل من أجلها. إننا مطالبون بالحلم إلا إذا انتهكت حرمات الله، فعندئذ نحن مطالبون بألا يقوم لغضبنا شيء حتى نقيم أمر الله. هكذا شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب لشخصه وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لا يقوم لغضبه شيء فههنا مقامات مقام الحلم ومقام الغضب لله، والحلم لا يأتي دفعة واحدة وإنما الحلم بالتحلم فعندما يبدأ الإنسان يجاهد غضبه يفشل مرة وينجح مرة. فالحلم ههنا حال حتى يتمكن الإنسان من مقام الحلم فلا يغضب إلا حيث يجب عليه شرعاً أن يغضب، عندئذ يتمكن الإنسان من مقام الحلم ويكون في حالة صحية قلبية ونفسية.

كم هي مجموع الأخلاق القلبية والنفسية التي نحن مطالبون بها؟ إن مجموع هذه الأخلاق إذا أصبحت لدينا كمقامات وتمكنا منها فعندئذ نكون قد ملكنا الصحة القلبية والنفسية وهي احدى دوائر التكليف الأربع التي نحن مطالبون بها. قلنا من قبل: إن في دين الله مقامات هي الإسلام والإيمان والإحسان والتقوى والشكر، والشكر له جانب قلبي وآخر عملي وكذلك الإسلام والإيمان فأن يحصل الإنسان الجانب القلبي في هذه المقامات فذلك علامة صحة القلب والعقل والنفس ولكنها دائرة من دوائر التكليف... قال تعالى: {وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}. فالروح مقرة لله بالعبودية فبقدر تحقق الإنسان بالعبودية لله ظاهراً وباطناً تكون صحة.

والله عز وجل خلق آدم على صورته أي على صفته كما عليه جماهير العلماء وإذاً فبقدر ما يأخذ الإنسان حظه من أسماء الله مع التحقق بالعبودية وعدم منازعة الله جل جلاله فيما هو من شأنه وحده جل جلاله فذلك علامة على الصحة. الرأفة في محلها والرحمة في محلها والكرم في محله والعفو في محله وإذلال من يستحق الإذلال وإعزاز من يستحق الإعزاز كل ذلك في حقنا مطلوب وهو تحقق بأسماء الله مع العبودية ولكن الكبرياء والعظمة من شأن الله وحده لأنهما من خصائص الربوبية فأن ينازع الإنسان رب العزة وخصائصه فذلك مرض. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي "العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني شيئاً منهما عذبته" رواه البرقاني في مستخرجه، ورواه غيره والحديث صحيح.

والتحقق بما ينبغي التحقق فيه وترك ما لا ينبغي أن يكون من مظاهر الصحة القلبية والنفسية والروحية للإنسان فرض الله عز وجل عليك أن يتحقق قلبك بمعان وحرم عليك أن يكون فيه معان فأن يكون قلبك كذلك سلباً وإيجاباً فذلك علامة الصحة. فرض عليك ألا يكون في قلبك مودة للكافرين وفرض عليك أن تحبه وتحب رسوله وأن تحب أهل الإيمان، فرض عليك ألا تخاف غيره وفرض عليك أن تخافه وتخشاه وحده. فرض عليك أن ترجوه وفرض عليك ألا تقنط من رحمته وفرض عليك أن لا تأمن من مركه وفرض عليك ألا تتكبر وألا تبطر.

فكل ما فرض عليك من أعمال القلوب وما حرمه عليك من أعمالها أن يصبح قلبك مطابقاً لما يحبه الله عز وجل في شأنه فذلك علامة الصحة. فرض عليك الصبر والتسليم والرضا والتوكل فإن تتحقق بهذا كله، فذلك علامة الصحة. فرض عليك أن تجلو مرآة قلبك وأن تجلو عين بصيرتك وطالبك بأن يتأمل قلبك آياته وأن ترى أفعاله وأن تستشعر صفاته وكل ذلك إن تحققت به فذلك من علامات الصحة وكل ذلك لن يتم إلا بذكر كثير وعلم غزير ومجاهدة شاملة ومذاكرة دائمة مع أهل ذلك. وأصل الأصول الذي عنه ينبثق كل شيء هو تعميق التوحيد في القلب. قال تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون}. لاحظ أن الوحي إنما يتنزل للإنذار بوحدانية الله ليترتب على ذلك الالتزام بتقواه فكلما تعمق التوحيد في القلب ترتب على ذلك كل خير، ولا يتعمق التوحيد إلا بذكر، وإن الأذكار كلها إن هي إلا تعميق لقضية التوحيد.

فسبحان الله تنزيه لله، والحمد لله اعتراف بأنه المنعم وحده والله أكبر نفي لتعظيم غيره في القلب، ولا حول ولا قوة إلا بالله نفي أن يكون هناك فاعل سواه. فهل اتضحت بعد هذا كله معالم الصحة القلبية والنفسية عند المسلم. ومحلها في دوائر التكليف؟ لا أجدني حتى الآن مطمئناً إلى أنني أفلحت في التعبير عما أريد فلأبذل محاولة أخيرة: هناك في الإسلام أوامر ونواه ولكل أمر حكمته ولكل نهي حكمته وتنفيذ الأوامر واجتناب النواهي مع تحقيق حكمة الأمر وتحقيق حكمة اجتناب النهي يترتب عليه حال قلبي ونفسي، هذه الحالة هي مظهر الصحة القلبية والنفسية، فإذا صح القلب والنفس انبثق كأثر عن ذلك سلوك جديد هو ماء صاف وثمر طيب، هو نبع الفطرة وثمار الإيمان. يظهر ذلك في معاملة الحق والخلق فهذه أربعة دوائر. دائرة تنفيذ الأمر واجتناب النهي ودائرة تحقيق الحكمة في ذلك ودائرة ما يترتب على ذلك من صحة قلب ونفس. ودائرة ما ينبثق عن هذه الصحة من آثار ونحن مكلفون بهذه الدوائر كلها على تفاوت في درجات التكليف في كل مرحلة، وكثيرون من الناس يغلطون أو يقصرون في فهم هذه الدوائر والتحقق بها، وعلامة الصحة الكاملة هي التحقق بهذه الدوائر كلها والصحة القلبية والنفسية هي محور الصحة العامة والصحة القلبية والنفسية محورها معرفة الله والتحقق بأسمائه مع العبودية الكاملة له جل جلاله، وليكن هذا خاتمة هذا الباب ولعله قد وضح المراد.

الباب الرابع عشر - في الرُوى والكشف والإلهام والكرامة ومحلّها في دين الله

الباب الرابع عشر
في الرُوى والكشف والإلهام والكرامة ومحلّها في دين الله
والأخطاء الشائعة عنها وفيها في بعض الدوائر

الشيء الجوهري في السير إلى الله هو التحقق والشعور والذوق لقضايا الإسلام والإيمان والتقوى والإحسان والشكر وأن ينسجم السلوك مع ذلك وأن تصبح النفس مزكاة والقلب منوراً والروح عارفة بالله مستسلمة له والعقل شرعياً. وبكلمة واحدة العبودية الخالصة لله فإنها غاية مطلب الصديقين وهي أشرف المقامات على الاطلاق وهي الوص اللازم الأرقى لرسول الله صلى الله عليه وسلم {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 01]. {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً} [الكهف: 01]. إن السالك إلى الله عز وجل هذه همومه أو هذا همه، وما سوى ذلك يفرجه إذا كان علامة على فضل الله عز وجل فهو يفرح به لأنه علامة على ذلك وبشارة على القبول {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس]. فقد يجد السالك إلى الله الرؤيا الصالحة أو الكشف وقد يحس بالإلهام وقد تظهر على يده كرامة، وكل ذلك كما قلنا ليس هدفاً للسالك بحد ذاته وإنما هو محل فرحه لأنه علامة على القبول أو بشارة للسالك بأمر فإذا اتضح هذا نكون قد عرفنا ما هو الهدف بالنسبة للسالك، وههنا أول خطأ يقع فيه بعض الصوفية إذ يجعل بعضهم الهدف هو الوصول إلى الكشف أو إلى الكرامة أو غير ذلك من معان هي علامات على صحة السير وليست هدفاً في السير إذ المراد هو وجه الله عز وجل، قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}. على أنه إذا كان بعض الصوفية يغلطون في جعل ما ليس هدفاً هدفاً فإنه من الملاحظ من التتبع التاريخي أن هذه المعاني من كشف أو إلهام أو رؤيا صالحة أو كرامة وهي أمور نجدها بكثرة في النصوص وفي حياة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المعاني نادراً ما تجدها إلا في دوائر الصوفية ونادراً ما تجد حديثاً عنها يشبه الحديث عنها في النصوص كما نجده عند الصوفية وهذا دليل على أن التصوف الصحيح سير صحيح في طريق القدوة الصالحة بدليل ظهور ثمرات الاقتداء كاملة.

هذا ابن تيمية رحمه الله يذكر أن كرامات الشيخ عبد القادر الجيلاني منقولة تواتراً، وللشيخ ابن تيمية على الشيخ الجيلاني من الثناء ما لم يظفر به أحد إلا قليلاً. وفي ذلك كله دليل على أن السير إلى الله على طريقة الصوفية المحققين له فضله وثمراته ولكن كما سنرى فإن بعض الصوفية يغلو في بعض هذه الأمور أو يخطئ فيها وههنا كذلك مأخذ آخر.

ولنبدأ عرض الموضوع من بدايته:

1- الكشف:

وصف الله عز وجل سيدتنا مريم عليها السلام بأنها صديقة قال تعالى: {وأمه صديقة} ومن المعروف في علم العقائد أن الله عز وجل لم يبعث رسولاً إلا رجلاً. قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم} [يوسف: 109]، فمريم إذن صديقة فليست نبية ولا رسولاً ومع ذلك ذكر القرآن أن الملائكة خاطبتها {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} [آل عمران: 43]، {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً. قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً} [مريم: 17-18-19]، وإذن فمن الممكن شرعاً أن يكشف الله عز وجل لغير الأنبياء والرسل عن الملائكة بحيث يسمع إنسان من غير الرسل أو يرى ملكاً، هذه الحالة لو حدثت لمسلم يسميها الصوفية كشفاً. هذا الكشف نجد نصوص السنة ذاكرة إمكانيته، ومجد نماذج له في حياة الصحابة، ونجد تاريخ التصوف الإسلامي المحقق زاخراً بمثل هذه المعاني. ومن قرأ سيرة الغزالي وما كتبه وهو إنسان موثوق رأى الكثير من هذا إن فيما وقع للغزالي نفسه أو فيما نقله عن أمثاله وذلك حجة كافية في حق المنصف، إذ أن الغزالي رجل صدق عند جماهير هذه الأمة ولنر ما يدل على إمكانية الكشف ووقوعه في جيل الصحابة وطرق الوصول إليه من النصوص:

أ‌- في الحديث رقم / 262 / من كتاب الترغيب والترهيب ما يلي: "عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم شديد الحر نحو بقيع الفرقد. قال: وكان الناس يمشون خلفه. قال: فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه فجلس حتى قدمهم أمامه فلما مر ببقيع الفرقد إذا بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين. قال: توقف النبي عليه الصلاة والسلام فقال: من دفنتم ههنا اليوم؟ قالوا: فلاناً وفلاناً. قالوا يا نبي الله وما ذاك قال: أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، وأخذ جريدة رطبة فشقها ثم جعلها على القبرين. فقالوا: يا نبي الله، لم فعلت هذا؟ قال: ليخفف عنهما. قالوا يا رسول الله حتى متى يعذبان؟ قال: غيب لا يعلمه إلا الله، ولولا تمرغ قلوبكم، وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" رواه أحمد واللفظ له. لاحظ قوله عليه الصلاة والسلام "لولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" فهذا يدل على ماهية المانع من الكشف ويدل على امكانية الكشف ويدل على الطريق إلى الكشف هو عدم التزيد في الحديث وتصفية القلب، ولتصفية القلب طرقها المذكورة في النصوص كما سنرى.

ب‌- في الحديث /9662 / من كتاب جمع الفوائد ما يلي: حنظلة بن الربيع الأسيدي أحد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين وإذا خرجنا من عنده عافَسْنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً: قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل ذلك. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال: وما ذاك؟ قلت نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات" للترمذي ومسلم بلفظه.

لاحظ قوله عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده لو تدومون عل ما تكونون عليه عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طريقكم..." إن هذا الحديث يدل على أنه يمكن لكل صحابي إذا حافظ على الحال الذي يحصله حال جلوسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا داوم مع ذلك عل الذكر أن يصير إلى حالة تصافحه فيها الملائكة ولعله من هذين الحديثين ندرك أن الصمت إلا فيما لا ينبغي والذكر من الأسباب التي يصل بها الانسان إلى الكشف...

ت‌- في الحديث / 6731 / من جمع الفوائد ما يلي: روى البخاري عن أسيد بن حضير: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكتت، فقرأ فجالت فسكت فسكتت، ثم قرأ فجالت فانصرف وكان ابنه يحيى قريباً منه فأشفق أن تصيبه ولما أخره رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال: أشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريباً فانصرفت إليه ورفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها. قال وتدري ما ذاك؟ قال لا والله قال تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم. لاحظ أن أسيداً رأى ثم لاحظ قوله عليه السلام تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى عنهم. من هذا النص نرى إمكانية الكشف ووقوعه للصحابة وكيف أن قراءة القرآن طريق للكشف. ونجد في حياة الصحابة أكثر من نص يتحدث عن رؤية بعض الصحابة للجن مع أن الجن من عالم الغيب وسنرى في سلسلة / الأساس في المنهج / أدلة كثيرة عليه ونصوصاً ندرك إمكانية الكشف وندرك وقوعه للصحابة فإذا ما وجدنا ناساً ساروا في التصوف المحرر إلى منتهاه وحدثونا مع كونهم عدولاً عن مثل ذلك فلا تستغرب أصل وقوعه كما نستدل بذلك على صحة الطريق ولكن ههنا أكثر من غلط يقع فيه بعض الصوفية:

- إن بعضهم يعتبر الكشف أصلاً زائداً على الكتاب والسنة يمكن أن تثبت به حقائق غيبية زائدة على ما ذكر في الكتاب والسنة، وبعضهم يعتبر أن كل ما قاله صوفي في هذا المجال واجب التصديق فكأنها نبوة جديدة، أو كأن غير الرسول يمكن أن يكون معصوماً، وفي ذلك من الضلال ما فيه.
- يربط بعض الصوفية بين تصديق بعض الناس في أمر الكشف وبين التسليم لهم في كل أمر دون التحقق من الحكم الشرعي في هذه الشؤون وبالتالي نجد كثيرين من أتباع الشيوخ يتابعون شيوخهم وكأن شيوخهم معصومون. هذا مع أن الكشف قد يؤتاه انسان استدراجاً ثم يختم له بسوء والعياذ بالله وفي قصة بلعم التي تحدثت عنها آيات الأعراف وما يقوله المفسرون في ذلك وما تشير إليه الروايات الاسرائيلية ما يشير إلى ذلك.
- يربط بعض الصوفية بين الكشف وترك التكليف فيرون أن الإنسان متى كشف له شيء من أمر الغيب وما أكثر ما يتوهون في هذا الشأن سقط عنه التكليف فلا صلاة ولا صيام ولا غير ذلك ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}. وهؤلاء كفار بإجماع الأمة إذ اليقين في الآية هو الموت بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي يعبد ربه حتى مات. ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبد ربه حتى الموت وهم لا يعبدون، أبلغوا من اليقين أكثر منه عليه الصلاة والسلام / ألا لعنة الله عليهم / وفي أمثال هؤلاء يقول الجنيد "وصلوا ولكن إلى سفر" وأخيراً نقول: إن الكشف ممكن وهو مما يمكن أن يصادفه السالك إلى الله وهو من مظاهر فضل الله وابتلائه ولكنا جميعاً مقيدون بالنصوص، لا بالكشف والكشف لا تثبت به عقيدة جديدة ولا يزاد به على النصوص ولا تتعبد به الأمة ولا تكلف الأمة بتصديق أصحابه ولكن لا حرج على من صدق العدول فيه إذا كان تصديقاً لنصوص الكتاب والسنة وإنما قلنا بأن الأمة لا تكلف بتصديق أصحابه حتى ولو كانوا صادقين لأن قلوبهم ليست معصومة في أمر الغيب واحتمال التوهم قائم ولأن الكشف قد يكون امتحاناً لإنسان أو للناس فينزل به صاحبه أو غيره. بهذه القيود كلها ندرك محل الكشف في شريعة الله عز وجل ونستطيع على ضوئها أن نقرأ في كتب الصوفية وإذا ما صادفنا كلام عن كشف عرفنا حدود الأخذ والرد.

ولنتذكر ما قلناه في الابتداء من كون السالك ليس همه الكشف وغيره مما يمكن أن يصادف السالك أثناء سيره الذي لا نهاية له وإنما همه الآخرة ومراده وجه الله. أخرج الترمذي عن أنس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع عليه شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" وزاد في رواية "فلا يمسي إلا فقيراً ولا يصبح إلا فقيراً، وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرع" وبمناسبة الكلام عن الكشف نقول: إن أدب السالك إلى الله ألا يتطلع إلى الكشف وفي ذلك يقول ابن عطاء: "تشوقك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوقك إلى ما حجب عنك من الغيوب" ثم من آداب السالكين إلى الله ومن آداب الشيوخ بل من أدب كل إنسان أنه إذا كشف له من عيوب الناس شيئاً أن يسترها وألا يتكلم بها وأن يكون خلقه الرحمة في هذا المقام مع محاولة التطبيب والعلاج مع وجود الحذر فالمكاشف لا تثبت بكشفه حجة في حق الغير من الناحية الشرعية وحتى كشفه في حق نفسه يبقى محل تهمة لأنه يخشى أن يكون فتنة له من الله عز وجل. يقول ابن عطاء: "ربما أطلعك على غيب ملكوته وحجب عنك الاستشراف على أسرار العباد. من اطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الإلهية كان اطلاعه فتنة عليه وسبباً لجر الوبال إليه" ولننتقل إلى شيء آخر يمكن أن يصادفه السالك وهو الإلهام.

2- الإلهام:

لندرس بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب وما قاله بعض الناس في شأن عمر رضي الله عنه لنرى من خلال ذلك ظاهرة يمكن أن توجد عند الرجل المسلم. يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الشيخان: "لقد كان فيمن كان قبلكم ناس محدّثون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر" قال السيوطي في تفسير (محدثون) أي ملهمون. وأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: "إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه فيقول له: كل حديثي حق إلا ما أمرتني أن أحبسه". من هذه النقول ندرك أن شيئاً ما يمكن أن يقع في قلب الرجل المسلم هذا الشيء غيبي المصدر ولكنه معلم وموجه ومذكر وله حكم الحقيقة بآن واحد. هذا الشيء يمكن أن يتحقق فيه أفراد في هذه الأمة بلا شك وأن يناله من فضل الله أفراد. إن ظاهرة الإلهام في المجتمع الإسلامي وفي القلب المسلم ظاهرة ممكنة الوقوع شرعاً ووقوعها كحقيقة خلال التاريخ شيء لا شك فيه ولا شبهة بل كثيراً ما يصادفها الإنسان في نفسه أو فيمن حوله إن كان له شيء من سير قلبي إلى الله عز وجل. إذا اتضح هذا الأصل بشكل مبدئي نقول: إن القلب الإيماني يشبه في أحد جوانبه جهاز الاستقبال لأنواع من الموجات فهو يستقبل خواطر شيطانية، كما أنه يستقبل واردات ربانية أو هواجس نفسية وهي قضية أدلتها من النصوص موجودة وأدلتها من الإحساسات البشرية الراقية موجودة وتختلط على أكثر الخلق ولا يدرك أسرارها إلا القليل، إنك تجد حتى الكافرين تحدثوا عن عالم النفس فتحدثوا عن شعور ولا شعور، وتحدثوا كيف تطفو قضايا من اللاشعور إلى الشعور وتحدثوا عن تداعي أفكار وتحدثوا كيف عن حدس وعن ظن وعن إلهام وكل ذلك تحدثوا عنه كأثر من آثار التأمل الباطني ومحاولة استكشاف عالم النفس. وتحدث حتى الكافرون عن ضمير وتأنيب ضمير وأمثال هذه المعاني. وهي قضية ما خرجوا عن كونهم وهم يتحدثون عنها مسجلين لإحساسات معينة لدى أنفسهم أو أنفس آخرين، ونحن المسلمين كأصل عام نقبل الملاحظة ونشترك مع الناس في تسجيلها ولكن شتان بين كثير من تعليلاتنا وتعليلات الآخرين، فتعليلاتنا علم خالص وتعليل الآخرين ظن خالص ثم إن غير المسلمين يقفون دائماً عند حدود لا يتجاوزونها فمثلاً: الكافر لا يستطيع أن يسجل شيئاً عن ظاهرة القلب الإيماني والإحساسات القلبية التي توجد في حالة وجوده ولكن المسلم يحس بذلك ويستطيع تسجيله ومن ثم فآفاق الإحساس القلبي والروحي عند المسلم آفاق لا يتطاول إليها أحد يضاف إلى ذلك أن المسلم وهو يسجل الإحساس القلبي الغيبي عنده النصوص القطعية التي بها يستطيع أن يطمئن إلى أن إحساساته صحيحة إذ أن النصوص الربانية تبين له حقائق عالم النفس والقلب والعقل وما يمكن أن يحدث فيها ولها فإذا ما أحس بمعنى ووجد النص يتحدث عنه أدرك المطابقة بين الحقيقتين الكبيرتين: حقيقة الصدق في النص وحقيقة حاله الذي هو فيه وأنه حال صالح

وبشكل عام فالقلب يستقبل أربعة أنواع من الإيحاءات:

أ‌- الإيحاء الشيطاني: قال تعالى: {شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً} [الأنعام: 113]. وقال تعالى: {ألم ترى أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} [مريم: 85]. وقال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر} [البقرة: 269].\
ب‌- الإيحاء النفسي: قال تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء}. وقال تعالى: {ولا أقسم بالنفس اللوامة}.
ت‌- الخاطر الملكي: يقول عليه الصلاة والسلام: "في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق للحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم".
ث‌- الإلهام الرباني: قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]. ويسمي العلماء الإيحاء الشيطاني وسوسة، والإيحاء النفسي هاجساً، ويسمون القاء الملك في القلب خاطراً، ويسمونه الإلقاء الرباني وارداً أو إلهاماً وهذه قضايا محسة مذاقة عند من كان له قلب وأن يكون للإنسان قلب يحس به وقلب لا يحس به هذه قضية تحدث عنها القرآن. قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب...} وحدد الله مكان هذا القلب في الصدر حتى لا يشتط بالإنسان فكره فقال: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}. قلنا إن من كان له قلب يحس بالإلقاءات المتنوعة ويعرفها ويميز فيما بينها وقد جعل بعضهم علامات لكل نوع من أنواع الإلقاءات ليجتمع العلم والذوق للإنسان فيميز بين أنواع هذه الإلقاءات. ولقد فصل في ذلك الشيخ أحمد الزروق في كتابه قواعد التصوف فذكر أن من علامات الخاطر الشيطاني السرعة وضيق القلب، وزواله بالذكر وأن الهاجس النفسي كثير الإلحاح. وأن الخاطر الملكي يتمكن بالذكر وتصحبه برودة في القلب وأن الوارد الرباني يكون في شأن التوحيد وذكر دقائق في هذا المقام يحسن أن تراجع.

إذا اتضح هذا كله ندرك كيف أن المسلم الحي القلب وحده من بين بني البشر يحس بشيء اسمه القلب، ويحس بمجموعة التيارات التي تهب على هذا القلب، فبينما يحس الكافر بقضية النفس وخواطرها فقط، نجد المسلم يشترك مع الكافر بهذه الاحساسات مع تصفية لها وارتقاء فيها ويحس بأشياء كثيرة، وله آلة استقبال غير معطلة، هذه الآلة فيها حياة ولها خصائص، ومن ثم فالتركيب العام للجانب الآخر للإنسان المسلم يختلف اختلافاً جوهرياً عن كل إنسان في هذا العالم.

ومن ثم ندرك أن كثيراً من الأمور الغيبية هي في حق المسلم محسة مذاقة ولكنه إحساس بآلة أخرى غير الحواس الظاهرة وذوق بآلة أخرى غير الآلات الظاهرة وكذلك ندرك أن المسلم بشكل دائم يتلقى توجيهاً مباشراً من عالم الغيب بواسطة الإلهام والخواطر الملكية كما تلقى التوجيه الموحى إليه عن طريق النبوة والوحي والمتمثل بالكتاب والسنة. فالمسلم العليم بالكتاب والسنة يتحرك في كل أمر على ضوئهما ويسدده مع ذلك إلقاءات غيبية في قلبه ولكن: ذكرنا من قبل أن أنواع الإلقاءات التي تقذف في قلب العبد المؤمن ليست فقط الإلقاءات الربانية والإلقاءات الملكية بل هناك إلقاءات نفسانية وإلقاءات شيطانية.

والقلوب ما عدا قلوب الأنبياء غير معصومة ولا تستطيع دائماً التمييز ولذلك فإن المسلم مكلف بالنص المعصوم وعليه أن يزين كل ما ورد إلى قلبه بميزان النص المعصوم ولذلك قال أبو سليمان الداراني "ربما وقعت النكتة من كلام القوم في قلبي فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة لأن الله عز وجل ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة ولم يمضنها لي فيما سوى ذلك". ولنفرض أن المسلم وصل إلى حالة أصبح بإمكان قلبه أن يميز بين الإلقاءات لكن احتمال الغلط يبقى وارداً واحتمال الفتنة الربانية للقلب يبقى وارداً من باب الابتلاء والامتحان ليبقى المؤمن ملتزماً بالنص ومتحركاً على ضوء العلم ومن ثم نجد الكتاب والسنة يحدثاننا عن قضية امتحان القلب فكما أن الجسد يمتحن فكذلك القلب يمتحن. قال تعالى: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى}. وقال عليه الصلاة والسلام "تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً فأي قلب أنكرها..." ومن هذا كله ندرك أنه لا بد من قلب من نوع معين ولا بد من قلب يرفض الفتن ولا بد من ميزان، والميزان هو الكتاب والسنة والقلب المعين هو القلب السليم الذي يرفض الفتن ولا يقبلها والذي وعد بعد الوصول أن يحفظ من الفتن ولكن لا يعني أنه لا يفتن بل يفتن ولكن الفتنة لا تضره. وبعد هذا الكلام كله أصبح بإمكاننا أن نعرف مواطن الغلط عند بعض الصوفية.

- لقد تصور بعض الصوفية أن بإمكانهم أن يستغنوا من خلال الخاطر والكشف والإلهام عن دراسة الكتاب والسنة وعن العلم بالعقائد والفقه والسير البصير إلى الله وقواعد ذلك وبهذا يكونون قد أفقدوا أنفسهم الميزان وحيث لا ميزان فالتقدير خاطئ. قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} [الحديد: 25]. إنه متى أضعنا الميزان وجد الضلال قال عليه الصلاة والسلام "إني تارك فيكم شيئين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي" رواه الحاكم بلفظ (تركت...) ورواه غيره.

- لقد تصور بعض الصوفية أنه يمكن أن تصل بعض القلوب إلى العصمة فاعتبروا كل ما يلقى فيها وكأنه وحي منزل وبذلك جعلوا قلوب الأولياء كقلوب الأنبياء وهذا كفر وضلال فالله عز وجل تعبد الخلق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكيف نجعل على قدم المساواة ما يلقى به في بعض القلوب بما ألقي في قلب محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء: 193]. فأين ذلك القلب وذلك الوحي من قلوب أخرى وإلقاءات أخرى مختلطة ومهما ادعى المدعون أن قلباً يرقى إلى حيث يدرك ما يلقى فيه فإن أحداً لا يجوز أن يدعي عصمة القلب وإلا فإنه يكفر.

- انطلق كثير من الصوفية بلا ميزان وبتصور أن قلوب الشيوخ معصومة فضلوا وأضلوا. قال لي بعضهم على لسان كبير من الصوفية "بقرآني بآياتي لو أمرني الشيخ أن أسجد للات لسجدت" فيا ويلاه من مثل هذا. هل هذا يجوز لمسلم أن يعتقد أن ما أمره الشيخ به يجوز له تنفيذه ولو كان كفراً أليس هذا هو عين ما فعله النصارى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} وذلك كما فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم. ويدافع بعض الناس عن أمثال هؤلاء بأن هذا يريد كذا وأن الشيخ يستحيل أن يأمره إلا بخير ونقول: هل هناك شك بأن السجود للات والعزى شرك فكيف يعلن عن استعداده للطاعة حتى في مثل هذا، إن مجرد الإعلان عن الاستعداد للطاعة في مثل هذا كفر فلا يضلنك يا أخي عن الطريق المبصر تأويلات الجاهلين وكما كان شيخنا محمد الحامد رحمه الله يتمثل بقول:

خلِّ عنك الأوهام يا ام عمرو

ودعينا من طيشك المعهود

وهكذا وباختصار رأينا ما يمكن أن يصادفه السالك من إلهامات وخواطر ورأينا حدود ذلك وجوانب الخطأ التي وقع فيها بعض الصوفية في هذا المقام. وبمناسبة الكلام عن الخواطر والإلهامات نقول: إنه لا شيء يساعد السالك إلى التمييز بين الخواطر والهواجس وغيرها مثل أكل الحلال والورع فيه فقد قالوا: من عرف ما يدخل في جوفه عرف ما يهجس في نفسه وقضية أكل الحلال والورع في شأن الكسب تعتبر من بديهيات الاسلام في حق كل مسلم فضلاً عن سائر في طريق الولاية العظمى ولذلك لم نتكلم عنها كثيراً في هذا الكتاب لأن البحث المفصل فيها والطريق للتدقيق في شأنها محله كتب الفقه. على أن الغزالي في المجلد الثاني من الاحياء عقد لذلك بحثاً هو من أحلى وأعذب وأجود ما يقرأ في هذا المقام. ولننتقل إلى قضية أخرى تعرض للسالكين وهي قضية المقامات والرؤى.

3- الرؤى والمنامات:

للرؤى والمنامات في الحياة البشرية دور كبير وقد كان هذا الدور كبيراً في كل العصور وفي عصرنا بالذات أصبح للرؤيا تفسيرات متعددة وأصحاب هذه التفسيرات لهم اتجاهات شتى، والماديون بشكل عام يعتبرون الأحلام والرؤى المنامية من باب هواجس النفس وتداعي الأفكار ولكن هذا لا يفسر كل أنواع الرؤى التي يراها أصناف من الناس ومن ثم كان كلامهم يدور حول نوع واحد من أنواع الرؤى وقد كان المسلمون هم السابقين بفضل الوحي إلى تصنيف الرؤى إلى أنواع ثلاثة: الرؤى التي هي أثر عن هواجس النفس وتداعي الأفكار وهي التي تسمى الرؤى النفسية والرؤى التي يتدخل فيها الشيطان بأن يتسلط في نوم الانسان على محل تداعي الفكر منه فيلقي إليه ما يلقي فتتوجه رؤياه نتيجة لتلك بهذه الإلقاءات وهي الرؤيا الشيطانية ثم يأتي النوع الثالث من الرؤى وهي الرؤى الروحية الربانية وهذا النوع من الرؤى شيء مهم جداً لأنه يكون مبشراً أو منذراً أو مخبراً أو محذراً إلى غير ذلك من معان هي في الذروة من توجيه الإنسان والتأثير في سلوكه أو في توجهاته ولقد استطاع علماء المسلمين من خلال ما قصه الله عز وجل علينا في القرآن من رؤى وتفسيراتها كرؤيا يوسف ورؤيا العزيز ورؤيا ابراهيم ومن خلال الرؤى التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسرها أو رآها أصحابه وفسرها لهم عليه الصلاة والسلام أو من خلال القواعد المستنبطة والاستقراءات الواسعة أن يكتبوا في موضوع الرؤى أدق الكتب العلمية وأن يضعوا القواعد التي بها تعرف ما إذا كانت الرؤيا شيطانية أونفسانية أو ربانية ثم ماذا تعني رموز الرؤى الربانية لأن الغالب في الرؤى أن تكون رمزية كما نرى هذا واضحاً في سورة يوسف سواء في ذلك رؤيا يوسف نفسه عليه السلام أو رؤيا العزيز.

والسالكون إلى الله عز وجل والسائرون إليه والمقبلون عليه حظهم من الرؤى المبشرة كبير وفي الحديث الذي أخرجه مالك والبخاري وأبو داوود "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات، قالوا وما المبشرات؟ قال الرؤيا الصالحة" فالروح كلما شفت انطبع فيها أثناء النوم معان من عالم الغيب هذه المعاني ذات مغزى كبير ولها دورها الكبير في توجيه الانسان ولو أننا تأملنا هذا الحديث الصحيح "رؤيا المسلم جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة". لو تأملنا هذا الحديث لأدركنا أهمية الرؤيا بالنسبة للقلب المسلم وإذا عرفنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسأل أصحابه يومياً تقريباً عما إذا أحدهم رأى رؤيا إذا عرفنا هذا أدركنا جهل الذين لا يعطون للرؤيا أهمية.

ولكن إذا كان للرؤيا مثل هذه الأهمية فلا شك أن التمييز بين أنواع الرؤى مهم وأن الهجوم على تعبير الرؤى ممن لا يتقن ذلك خطأ كبير لما يترتب عليه من مفاسد كثيرة إذ أكثبر الرؤى تأتي بثوب رمزي فظاهرها شيء وتأويلها شيء آخر وأحياناً يكون ظاهرها مخيفاً وتأويلها مبشراً والتأويل الخاطئ في غاية الخطورة وكل ذلك يقتضي علماً في تعبير الرؤى وتأنياً في التعبير إذ تفسير الرؤيا في كثير من الأحوال يشبه الفتوى في كون المسألة قد تكون مرتبطة بعدة أبواب ولكل رؤيا مفاتيحها وقد يكون مفتاحها في اسم أو في إشارة خفية ومن القواعد الرئيسية أن الرؤيا في حق الأنبياء وحي ولذلك يبنون عليها الأحكام فهذا سيدنا ابراهيم بنى على رؤياه أنه قرر ذبح اسماعيل عليه السلام ولكنها في حق غير الأنبياء ليست وحياً.

فالرؤى في حق غير الأنبياء يمكن أن تكون نفسية أو شيطانية أو ربانية فهي مختلطة وحتى الرؤيا الربانية تأتي في كثير من الأحيان بشكل رموز وقد يخطىء المعبر ولأمر ما استعمل القرآن لفظة الظن قال تعالى على لسان يوسف: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما}، فمع أن يوسف عليه السلام كان يعبر بإلهام رباني ومع ذلك أشعرتنا الآية أن التعبير يبقى للظن فيه نصيب هذا مع ملاحظة أن ظن في اللغة تأتي أحياناً بمعنى يتقن وعليها تحمل الآية ومن ثم فإجماع المسلمين متفق على أن الرؤيا في حق غير الأنبياء لا يجوز وإن تكون مصدر تشريع وحتى قالوا لو أن الإنسان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو الذي لا يمكن أن يتمثل الشيطان بصورته فأمره أمراً يخالف الشريعة فإننا نقول له إنك واهم ويحرم عليه أن يبني على رؤياه فكيف فيما سوى ذلك من الرؤيا والذي حدث في شأن الرؤيا عند بعض الصوفية أنهم:

- يبنون على الرؤى مواقف تناقض شريعة الله عز وجل وتناقض أحكام الله فما أكثر ما بنى صوفي على رؤيا فاتخذ موقفاً كأن يعطي ولاءه لكافر بناء على رؤيا فأين النصوص...!

- ربما يوجه الشيخ رؤيا المريد في اتجاه لا يخدم حتى مصلحة المريد الأخروية وبما لا يتفق مع أصول تعبير الرؤيا.

- كثيراً ما حدث أن أقام بعض الشيوخ بناءً على رؤى أعمالاً هي من باب البدع عند الفقهاء.

- كثيراً ما كانت الرؤى سبباً في إعطاء حجم لأمور أو إعطاء صفة لم يعطها الشارع كأن نجد شيخاً يعتبر العمل الفلاني أعظم عند الله من عمل آخر بينما النصوص على خلاف ذلك. وهكذا نجد أن الرؤى التي يصادفها السالكون إلى الله كما يصادفها غيرهم كانت في كثير من الأحيان سبباً في خطأ شرعي فأبدلت النعمة بذلك فصارت بسبب الجهل إما طريقاً للكفر أو معبراً لخطأ شرعي أو لضلال. هذه نماذج ثلاثة ذكرناها في هذا الباب مما يمكن أن يصادفه السالك إلى الله وكيف يمكن أن تؤدي بسبب الجهل أو الخطأ أو غير ذلك إلى انحرافات ولذلك أردنا أن نبين حدود هذه الأمور. ولننتقل إلى قضية أخرى تصادف السالك إلى الله أو يسمع عنها وللناس في شأنها أغلاط كثيرة وتقوم بسببها توهمات كثيرة وهي قضية الكرامات.

- الكرامات: عقد الشيخ النووي رحمه الله في كتاب رياض الصالحين باباً ذكر فيه بعض الكرامات فلنر ما ذكره الشيخ قال: باب كرامات الأولياء وفضلهم:

في كرامات الأولياء
وفضلهم

قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}. وقال الله تعالى: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37]. وقال تعالى: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقاً، وترى الشمس إذا طلعت عليهم تزاورُ عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال} [الكهف: 16].

- عن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن أصحاب الصّفة كانوا أناساً فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس" أو كما قال، وأن أبا بكر رضي الله عنه جاء بثلاثة، وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأن أبا بكر تعشّى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صلى العشاء، ثم رجع فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء وقد عرضوا عليهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت فقال: يا غُنثر، فجدّع وسبّ، وقال: كلوا لا هنيئاً والله لا أطعمه أبداً. قال: وأيم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا! قالت: لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات! فأكل منها أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان (يعني يمينه) ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين قوم عهدٌ فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلاً مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون. وفي رواية: فحلف أبو بكر لا يطعمه، فحلفت المرأة لا تطعمه، فحلف الضيف أو الأضياف أن لا يطعمه أو يطعموه حتى يطعمه، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان! فدعا بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربت من أسفلها أكثر منها، فقال: يا أخت بني فراس ما هذا!؟ قالت: وقرة عيني إنها الآن لأكثر منها قبل أن نأكل، فأكلوا وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه أكل منها. وفي رواية: أن أبا بكر قال لعبد الرحمن: دونك أضيافك فإني منطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فافرغ من قراهم قبل أن أجيء، فانطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده، فقال: اطعموا. فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء رب منزلنا، قال: اقبلوا عنا قراكم فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقين منه، فأبوا فعرفت أنه يجد عليّ، فلما جاء تنحيت عنه، فقال: ما صنعتم؟ فأخبروه. فقال: يا عبد الرحمن، فسكت، ثم قال: يا عبد الرمن، فسكت: فقال: يا غُنثر أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت، فخرجت فقلت: سل أضيافك، فقالوا: صدق، أتانا به، فقال: إنما انتظرتموني والله لا أطعمه الليلة، فقال: الآخرون:والله لا نطعمه حتى تطعمه، قال: ويلكم مالكم لا تقبلون عنا قراكم؟ هات طعامك، فجاء به فوضع يده فقال: بسم الله، الأولى من الشيطان، فأكل وأكلوا. متفق عليه. قوله "غُنثر" بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنه ثم ثاء مثلثة هو: الغبي الجاهل. وقوله "فجدع" أي شتمه والجدع: القطع. قوله: "يجد عليّ" هو بكسر الجيم: أي يغضب.

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناسُ محدثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فإنه عمر" رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية عائشة. وفي روايتهما قال ابن وهب: "محدّثون" أي ملهمون.

- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: شكا أهل الكوفة سعداً (يعني ابن أبي وقاص) رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستعمل عليهم عمّاراً، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها: أصلي صلاتي العشاء فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين، قال: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة يسأل عنه أهل الكوفة، فلم يدع مسجداً إلا سأل عنه ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، فقال: أما إذ نشدتنا فإنّ سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن! وكان بعد ذلك إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير الراوي عن جابر بن سمرة: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن. متفق عليه.

- وعن عروة بن الزبير أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم وادعت أنه أخذ شيئاً من أرضها، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أرضين" فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. متفق عليه. وفي رواية لمسلم عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بمعناه، وأنه رآها تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وأنها مرت على بئر في الدار التي خاصمته فيها فوقعت فيها فكانت قبرها.

- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ عليّ ديناً فاقض واستوص بأخواتك خيراً، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه فجعلته في قبر على حدة. رواه البخاري.

- وعن أنس رضي الله عنه أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد منهما واحد أتى أهله. رواه البخاري من طرق. وفي بعضها أن الرجلين أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، رضي الله عنهما.

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهطٍ عيناً، وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهداة بين عسفان ومكة، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع فأحاط بهم القوم، فقالوا: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً. فقال عاصم بن ثابت: أيها القوم أما أنا فلا أنزل على ذمة كافر، الهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم. فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب، وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم، قال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إنّ لي بهؤلاء أسوة (يريد القتلى) فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب زيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيباً، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بد، فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها فأعارته، فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب. فقال: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، فوالله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيباً، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، وقال:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً

على أي جنب كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبراً الصلاة، وأخبر (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) أصحابه يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناسٌ من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يوءتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلاً من عظمائهم، فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً. رواه البخاري. قوله "الهداة": موضع. و"الظلة" السحاب. و"الدبر": النخل. وقوله "اقتلهم بدداً" بكسر الباء وفتحها، فمن كسر قال: هو جمع بدة بكسر الباء وهي: النصيب ومعناه: متفرقين في القتل واحداً بعد واحد، من التبديد.

وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة سبقت في مواضعها من هذا الكتاب. منها حديث الغلام[1] الذي كان يأتي الراهب والساحر. ومنها حديث جريج[2] وحديث أصحاب الغار[3] الذين أطبقت عليهم الصخرة، وحديث الرجل الذي سمع صوتاً في السحاب[4] يقول: اسق حديقة فلان، وغير ذلك. والدلائل في الباب كثيرة مشهورة، وبالله التوفيق.

- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. رواه البخاري.

هذا ما ذكره الشيخ النووي في كتابه رياض الصالحين عن كرامات الأولياء وفضلهم وبه تعرف وجود الكرامة ووجوب الإيمان الشرعي بها. وفي كتب التوحيد عادة تبحث قضية الكرامات والخوارق للعادات بشكل عام فيذكرون هناك المعجزة والإرهاص والكرامة والإهانة والاستدراج ومن المعلوم أن السحر لا يدخل في باب الخوارق لأنه جزء من عالم الأسباب والكرامة على نوعين: منها ما هو خرق لعادة ومنها ما كان على مقتضى عالم الأسباب ولكنه من مظاهر التوفيق الإلهي ويسميه العلماء / معونة / والتفريق بين أنواع الخوارق للعادات ومعرفة كل منها كل ذلك من مباحث علم التوحيد فلتراجع هناك والذي نحب أن نقف عنده هنا هو: أن الكرامة ثابتة شرعاً وأن هذا يكاد يكون من المعلوم من الدين بالضرورة ولكن التمييز بينها وبين أنواع الخوارق الأخرى دقيق جداً كما أن التمييز بين الخوارق وبين السحر أصلاً يحتاج إلى دقة كثيرة. وكل ذلك ليس محل بحثنا هنا وإنما محل بحثنا هنا نقطتان: النقطة الأولى أن الكرامة وقعت وتقع في دوائر التصوف وأن أعداء التصوف بشكل عام يحاولون أن ينكروا أن تكون هناك كرامة أصلاً تقع للمنتسبين للتصوف بل هم يحاولون أن يعطوا هذه الكرامات أسماء أخرى وهذا خطأ وغلو.

لقد ذكرنا من قبل أن ابن تيمية رحمه الله ذكر أن كرامات الشيخ عبد القادر الجيلاني منقولة تواتراً بل كان الشيخ ابن تيمية لا يذكر الشيخ الجيلاني إلا ويعقب على ذلك بقوله / قدس الله سره / فإنكار أصل الكرامة لطبقات الصوفية إنكار غير علمي وليس في محله لا تؤثر فيهم ومن كونهم يضربون أنفسهم بالرصاص أو بالسيوف ولا يؤثر ذلك فيهم وهذه قضية منتشرة ومشتهرة محسة وقد تتبعها الكثير من المنكرين فرجعوا عن الإنكار والواقع المشاهد أن ما يحدث لهؤلاء لا يمكن أن يكون سحراً لأن السحر جزء من عالم الأسباب وههنا لا تجد لعالم الأسباب محلاً كما أنه لا يمكن أن يكون من باب الرياضات الروحية لأن هؤلاء قد تحدث للواحد منهم هذه الخوارق من دون رياضة أصلاً بل بمجرد أن يأخذ البيعة عن الشيخ بل أحياناً بدون بيعة.

وقد حدثني مرة نصراني عن حادثة وقعت له شخصياً وهي حادثة مشهورة معلومة جمعني الله بصاحبها شخصياً بعد أن بلغتني الحادثة من غيره وحدثني كيف أن حضر حلقة ذكر فضربه أحد الذاكرين بالشيش في ظهره فخرج الشيش من صدره حتى قبض عليه بيده ثم سحب الشيش منه ولم يكن لذلك أثراً أو ضرر. إن هذا الشيء الذي يجري في طبقات أبناء الطريقة الرفاعية ويستمر فيهم هو من أعظم فضل الله على هذه الأمة إذ من رأى ذلك تقوم عليه الحجة بشكل واضح على معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء.

إن من يرى فرداً من أفراد الأمة الإسلامية يمسك النار ولا تؤثر فيه كيف يستغرب أن يقذف ابراهيم في النار ولا تؤثر فيه؟ وإن من يرى فرداً من أفراد أمة محمد عليه الصلاة والسلام يخرج السيف من ظهره بعد أن يضرب فيه في صدره ثم يسحب السيف ولا أثر ولا ضرر هل يستغرب مثل هذا حادثة شق صدره عليه الصلاة والسلام. إن هذا الموضوع مهم جداً ولا يجوز أن نقف منه موقفاً ظالماً ومحله في إقامة الحجة في دين الله على مثل هذه الشاكلة، إن الحجة الرئيسية لمنكري هذا الموضوع هي أن هذه الخوارق تظهر على يد فساق من هؤلاء كما تظهر على يد صالحين وهذا صحيح.

والتعليل لذلك هو أن الكرامة ليست لهؤلاء بل هي للشيخ الأول الذي أكرمه الله عز وجل بهذه الكرامة وجعلها مستمرة في أتباعه من باب المعجزة لرسولنا عليه السلام فهي كرامة للشيخ الذي هو الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله وقد تكون استدراجاً في حق بعض أتباعه الفساق وإني لأطمع أن يوجد من يتتبع هذا الأمر من طلاب العلم النشيطين ويكتب في هذه الطريقة وشيخها وأتباعه من يوم وجودها حتى عصرنا وأن يتتبع ما يجري عند هؤلاء وأن يأخذ شهادات من شهده من أصناف شتى ولقد استطردت في هذا الموضوع لأنه ذروة ما ينصب عليه الإنكار وعلى كل حال فتسجيلي هنا لهذا الموضوع إنما هو لفت نظر وليس تحقيقاً في كل حيثياته وخاصة حول متى يجوز أن يملس الإنسان النار أو يضرب نفسه بمؤذ ومتى لا يجوز. مثل هذه الأمور لها أجوبتها الفقهية ورأيي فيها هو رأي الفقهاء كائناً ما كان وأهم شيء عندي وهو الذي سجلت من أجله هذه النقطة هو ألا نقف من الكرامات أصلاً موقف المنكر وألا نتعامل مع أهلها بحساسية بل أن نعطي للتحقيق مداه هذا هو الأصل فمن نقلت لنا كراماته نقلاً صحيحاً ولم يكن هناك مأخذ شرعي على صاحبها فما هو المانع أن نعتبر ذلك كرامة من الله عز وجل ولقد كان لبعض شيوخنا من الكرامات ما هو الظاهر والواضح وأكرر أنني أتمنى أن يتابع موضوع الكرامات مع غيره إلى نهاياته وأنني أعتبر الخدمة في هذا الموضوع من أعظم الخدمات التي تقدم لدين الله في هذا العصر، إذ أن الكرامات امتداداً للمعجزات وهي من مظاهر حجج الله على خلقه بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

النقطة الثانية: يقول ابن عطاء في حكمه: "ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه". وقال: "ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامة". قدمنا بهاتين العبارتين لهذه النقطة للتدليل عليها من كلام الصوفية أنفسهم: إن بعض الصوفية يعتبرون الكرامة دليل الولاية ويعتبرون الولاية مظنة العصمة فمتى ظهرت كرامة على يد شيخ اعتبروا ذلك علامة على العصمة وإن أعطوا العصمة هنا اسم الحفظ ثم بنوا على ذلك وجوب الالتزام بالشيخ ووجوب استشارته في كل شيء ووجوب الالتزام بكل ما قاله ويأخذون عنه الفتوى والسلوك في كل أمر وهو موضوع يترتب عليه ما يترتب من فساد أحياناً يقول الإمام مالك: إن من شيوخي من استسقي به ولا أقبل حديثه... تأمل هذه العبارة العظيمة لتدرك ما نريده. إن أولياء هذه الأمة كثيرون وإنهم بفضل الله ليتكاثرون فإذا أعطت كل مجموعة من المسلمين شيخها صفة الإمامة المطلقة المحوطة بهالة الولاية فكم سيترتب على ذلك من انقسامات وتشتتات وأخطاء.

إن من ظهرت كرامته وكان مستقيماً فتلك مظنة ولايته وهو أهل لأن يتبرك به وتطلب دعواته ولكن إن لم يكن فقيهاً لا تأخذ الفتوى عنه. وإن لم يكن خبيراً باصطلاحات العلوم لا تأخذ العلوم عنه وإذا لم يكن ذا وعي على ما يجري حولنا فلا نسلمه قيادتنا في أمور السياسة فالكرامة شيء وأن يكون الإنسان دور الإمامة شيء آخر. هذا موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام: لقد أعطي الخضر بعض الميزات ولكن من الأفضل هو أو موسى؟ إنه موسى عليه السلام ومن الذي أعطاه الله منصب الإمامة والقدرة؟ إنه موسى عليه السلام. إن الفهم العميق للأمور ووضع كل شيء في محله ومعرفة ما نأخذ من كل إنسان وما هو المحل الذي تضع فيه كل إنسان في جسم هذه الأمة الإسلامية الكريم. إن هذا من أهم ملامح المسلم الواعي الحكيم.. إذا استوعبت كل ما مر في هذا الباب من الكلام عن الكشف والرؤى والإلهام والكرامات فقد آن لك أن تستوعب بدقة كلام الأستاذ البنا رحمه الله حين قال في رسالة التعاليم عند بند الفهم:

4- وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة ويقذفها الله في قلب من يشاء من عباده ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه.

5- والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة.

6- وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وكل ما جاء عن السلف رضي الله عنهم موافقاً للكتاب والسنة قبلناه وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع ولكننا لا نعرض للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا.

7- ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 63]. والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم أو بعد مماتهم فضلاً أن أن يهبوا شيئاً من ذلك لغيرهم. والجزء الأخير من الفقرة الأخيرة من كلامه عليه الرحمة لنا عودة عليه فإلى باب آخر عن الشيخ والبيعة لما لأهمية ذلك في قضية التصوف ولكثرة الأغلاط التي تحيط بهذا الموضوع.

[1] انظر الحديث رقم 30 ص 17.

[2] انظر الحديث رقم 259 ص 88.

[3] انظر الحديث رقم 12 ص 6.

[4] انظر الحديث رقم 560 صفحة 169.

الباب الخامس عشر - قضية الشيخ والبيعة

الباب الخامس عشر
قضية الشيخ والبيعة

قال تعالى: {ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً}. دلت هذه الآية على أن الغاية في القدرة على الهداية هو الولي المرشد إذ الآية تبين أن الولي المرشد نفسه لا يخرق مراد الله إذا أراد الله اضلال انسان ومن ثم نعلم أن الدعوة إلى الله عز وجل تكون أكمل ما تكون إذا وجد الولي المرشد وعندما يضع الانسان يده بيد الولي المرشد يكون ذلك أجود ما يكون في باب الهداية إلى الله وإلى طريقه وإذا كان الرسل عليهم السلام في الأصل هم الهداة الحقيقيين إلى الله عز وجل فالأولياء المرشدون هم الوراث الكاملون للأنبياء في باب الدعوة إلى الله عز وجل. ومن هذا المعنى الذي ذكرناه ندرك أهمية وجود الولي المرشد لصلاح الدعوة إلى الله عز وجل وإذ أحاط بهذا الأمر كثير من الخطأ والغلط والدعاوى الكاذبة والأوهام المضللة فلا بد أن نذكر الكثير الكثير حوله وسنعرض معاني متناثرة في فقرات متوالية يضمها أن لها صلة بعنوان الفصل كل منها يوضح جانباً من جوانب هذا الموضوع.

1- قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} التوبة. يستشهد كثير من الصوفية بهذه الآية على أن الله عز وجل أمر بالكون مع الصادقين ويعتبرون من حيث المبدأ أنهم هم الصادقون والذي نقوله إن الله عز وجل قد حدد صفات الصادقين تحديداً دقيقاً فمن اتصف بهذه الصفات فهو الصادق ومن لم يتصف بذلك فليس كذلك فلنر هذه الصفات. قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}. وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 178]. وقال تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً} [الأحزاب: 24]. وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون} [الحشر: 09]. فالصادقون مؤمنون، موقنون مصلون مزكون متقون صابرون وافون بالعهود منتظرون أن يقتلوا في سبيل الله فالشيخ المربي ينبغي أن يكون متصفاً بهذه الصفات جميعاً ويربي عليها وإلا فلا يصلح للكون معه ولا يكون ممن يستأهل مقام الإرشاد.

2- قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 63-64]. هذا تعريف لمجرد الولي. وهو من اجتمعت له صفة الإرشاد فوق صفة الولي فمن لم يكن مؤمناً تقياً كيف يسمى ولياً فضلاً عن أن يسمى ولياً مرشداً ومن ثم فينبغي أن يلاحظ الكثيرون هذا أو الولاية جزء المشيخة وأو الولاية ركناها إيمان وتقوى ولا إيمان ولا تقوى بلا التزام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم...

من الفقرتين السابقتين ندرك بعض أمهات الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الشيخ وإذا كان الشيخ مرشداً فلا شك أن إرشاده ينبغي أن يكون ضمن توجيهات الآية القرآنية {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 124]. من هذه الآية نفهم أن الإرشاد يقتضي فقهاً في دين الله ثم انذاراً فمن لم يكن فقيهاً لا يصلح لمقام الإنذار ومن لم يقم بمهمة الانذار لا يؤدي حق الله في فقهه وذلك مظهر من مظاهر الوراثة الكاملة لرسل الله عليهم السلام {رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165]. والتفقه في دين الله يقتضي فقهاً في الكتاب والسنة وفقهاً في الإيمان والإسلام والإحسان والتقوى والشكر ومن لم يجتمع له الفقه في هذا كله وتفصيلاته ما يلزم له لا يكون فقيهاً في دين الله عز وجل ومن لم يحسن التربية على هذا كله لا يصلح لمقام الإرشاد ومن لا يحسن تعليم هذا كله وغيره لا يصلح لمقام الإرشاد الكامل أي مقام الشيخ الذي يخدم خدمة كاملة في موضوع السير إلى الله عز وجل.

3- قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 126]. هذه الآية تحدد بعضاً من واجبات النبوة وبالتالي بعضاً من صفات الوارث أي الشيخ في الاصطلاح الصوفي أي الولي المرشد في الاصطلاح القرآني فلا بد للشيخ أن يكون حكيماً يدعو إلى طريق الله بالحكمة. والحكمة معنى زائد على مجرد العلم. قال تعالى: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} [البقرة: 270]. فالحكمة عطاء من الله عز وجل فقد يكون الانسان عالماً بالكتاب والسنة ولكن لا يقول الكلمة المناسبة في محلها ولا يتصرف التصرف المناسب، إن الحكيم هو الذي يقول الكلمة المناسبة ويتصرف التصرف المناسب ضمن حدود الشريعة ومن ذلك قضية الدعوة. والحكمة عطاء رباني وتحتاج إلى توفيق رباني في الأنفاس والحركات وكما أن الشيخ لا بد أن يكون حكيماً، لا بد أن يكون قادراً على الموعظة الحسنة وما أكثر الذين يعظون ولا يحسنون وما أكثر الذين لا يعظون أصلاً كما أن الشيخ ينبغي أن يكون قادراً على النقاش وإقامة الحجة لا بالطريقة الحسنة فقط بل بالطريقة الحسنى وذلك كله من أدب الشيخ وينبغي أن يكون جزءاً من تكوينه ولا يتم هذا للشيخ إلا بعلم وتربية ومجالسة وذكر كثير. قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب:22]. إن رجاء الله واليوم الآخر والذكر الكثير يوصلان إلى التأسي الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتي تبعاً لذلك الكمال كله.

4- قال تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 152]. فالوارث أي الشيخ ينبغي أن يرث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فيذكر الناس بآيات الله في الكون والتاريخ ويربي النفس البشرية ويطهرها من عيوبها ويخلصها من أمراضها ويعلم الناس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إذ هي عين الحكمة ويعلم الناس كل ما يلزمهم في أمر دينهم من فقه إلى غيره وهذا لا يتأتى للشيخ إذ لم يكن عالماً في الكتاب والسنة قادراً على تربية النفس البشرية محيطاً بعلوم الإسلام والثقافة الإسلامية عارفاً بعصره وبالتاريخ. وههنا يطرح الناس فكرة هي أنه لا يشترط بالشيخ ذلك لأن كثيراً من كبار الأولياء تتلمذ عليم كبار العلماء.

نقول إننا لا ننفي أن يكون ولياً قادراً على التربية والهداية مع قصور باع في علوم الكتاب والسنة والفقه وغير ذلك. ولا ننكر أن يستطيع مثل هذا أن يفيد كبار العلماء في هذا الجانب ولكن هذا شيء والوارث الكامل شيء آخر، والشيخ الكامل والمرشد الكامل هو الذي نتحدث عنه والمشكلة الكبيرة أن كثيرين يعتبرون شيوخهم هم الوراث الكاملين مع أنهم لم يرثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعض الأمر والشيوخ أنفسهم يسكتون عن غلو تلاميذهم بهم بحجة أن المريد يستفيد بقدر ثقته بالشيخ إلا أن هذا يترك آثاراً سيئة في المجتمع الإسلامي إذ لا يعرف مريدُ أمثال هؤلاء الشيوخ من الذين يشكلون القيادات الحقيقية للمسلمين. ولقصور شيوخهم في باب العلم فإنهم يفتونهم الفتاوى القاصرة في الشؤون العامة أو الخاصة وفي ذلك ما فيه من خلل...

5- روى الإمام مسلم عن حنظلة بن الربيع الأسيدي أحد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قلت نافق حنظلة. قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي العين. وإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل ذلك. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله. فقال وما ذاك؟ قلت نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً. فقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات". من هذا الحديث نفهم أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حالاً يترقى به أصحابه حتى إنه ليعدل الذكر في كون ملازم الجلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل إلى ما يصل إليه الذاكر الدائم إلى حالة يمكن أن تصافحه بها الملائكة. وقد ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في روايات صحيحة عنهم كيف أنهم أنكروا قلوبهم بعد أن فرغوا من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هذا يدل على أن الأحوال القلبية كانت محسوسة من خلال مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوده بين الصحابة وأن من مظاهر هذا الحال أن يستشعر الصحابي وكأنه يرى الجنة والنار رأي عين. من هذا كله ندرك أن الشيخ الوارث ما لم يكن عنده شيء من هذا الحال فإنه لا يكون وارثاً نبوياً كاملاً، ومن خلال الواقع نجد أن الذين ليس لهم سير صوفي لا يستطيعون أن ينقلوا هذه الاحساسات إلى غيرهم كما أنهم هم أنفسهم لا يستشعرون بها. ومن ثم فإننا نقول: إن كل طالب علم ينبغي أن يتحقق بهذه المعاني بسلوك الطريقة الموصلة إلى ذلك وإننا لنرجو أن يكون هذا الكتاب موضحاً لكل حيثيات هذا السلوك.

من خلال النصوص التي ذكرناها ندرك بعض صفات الولي المرشد أو الوارث الكامل أو المرشد الكامل أو الشيخ. فهو ولي مرشد حكيم داعية إلى الله معلم لآيات الله معلم للكتاب والسنة قادر على تزكية النفس، قادر على نقل القلب البشري إلى آفاق الاستشعار لكثير من أمور الغيب قادراً على النقل إلى مقامات الإسلام، وهذا كله يقتضي أن يتجمع فيه علم معين وعمل معين وحال معين ليكون معلماً مربياً من خلال القدوة والتعليم بآن واحد وعليه أن يتحقق بصفات الصادقين التي من جملتها الجهاد بالنفس والمال وقد رأينا جملتنا من قبل. هذه قضايا لها حكم البديهيات لتعطي إنساناً صفة الوارث الكامل لظهورها في النصوص ووضوحها. والآن لنر بعض ما يقوله الصوفية أنفسهم في قضية الشيخ ننقلها مع شيء من التعليق مستأنسين بشرح بعض الشارحين:

"عار لمن لم يرضى العلوما" أي لم يعانها ويمهر فيها حتى تصير طوع يده ليكون على بينة من ربه. "ويعلم الموجود والمعدوما" أي يعلم الوجود الواجب والوجود العارض والعدم الواجب والعدم العارض. "ولم يكن في بدئه فقيهاً" أي ينبغي أن يكون الفقه هو السابق على كل شيء إذ لا ينبغي لإنسان أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه. "وسائر الأحكام ما يدريها" أي لا يعرف حكم الله في الأمور التي تواجهه أو تصادفه أو يمكن أن يبتلي فيها. "والحد والأصول واللسانا" المراد بالحد علم المنطق. وبالأصول علم أصول الفقه وباللسان علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وغير ذلك.

"والذكر والحديث والبرهانا" المراد بالذكر القرآن وبالحديث السنة وبالبرهان علم العقائد التوحيدية "ولم يكن أحكم علم الحال" المراد بعلم الحال علم التصوف أي ينبغي على الشيخ كذلك أن يتقن علم الحال والمقام بحيث يكون سلك طريق الأحوال ثم سكن في المقامات "ولا درى مقاصد الرجال": أي لا يستطيع أن يفهم عبارات العلماء في تصريحهم وتوضيحهم وإشارتهم ورموزهم وألغازهم ومقاصدهم في ذلك كله". "ولم ينزه صفة المعبود" بأن يعرف الله حق المعرفة منزهاً إياه عن الحدوث أو الحلول أو الاتحاد أو المشابهة أو المشاكلة أو غير ذلك مما لا يجوز عليه جل جلاله. "ولا درى مراتب الوجود" أي من وجود عارض ووجود واجب ووجود مشاهد ووجود مغيب "والنفس والعقل معاً والروحا" أي لا يعلم على ماذا تطلق كلمة النفس وعلى ماذا تطلق كلمة العقل وعلى ماذا تطلق كلمة الروح ومتى يكون المحل واحداً ومتى يكون المراد مختلفاً وليس المراد معرفة الكنه كما مر معنا من قبل "ويدري منه صدره المشروحا" أي ولم يدر أيضاً معنى الصدر المشروح بالإسلام وما علامة شرحه من تجاف عن دار الغرور وإنابة إلى دار الخلود وغير ذلك "وعلم سر النسخ والمنسوخ" أي ولم يعرف قضية الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة لأنه بدون هذا العلم يضل ويضل، ثم قال الشيخ "أن يتعاطى رتبة الشيوخ" أي من لم يجتمع له كل ما مر فعار عليه أن يتصدر للمشيخة. وطبعاً المراد بها هنا الإرشاد الكامل أما ما سوى ذلك من نصيحة ومذاكرة وتعليم وإفادة بالمقال أو بالحال فهذا بابه مفتوح لأفراد الأمة. ففي الحديث: "بلغوا عني ولو آية".

وقال صاحب المباحث في مكان آخر من قصيدته في شأن الشيخ ما سنذكره مع شيء من التعليق الخفيف عليه "وإنما القوم مسافرونا" السفر عنا عبارة عن الانتقال من مقام إلى مقام كالانتقال من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان ثم إلى مقام الإحسان ثم إلى مقام التقوى ثم إلى مقام الشكر. ومن رؤية أفعال الله عز وجل إلى استشعار صفاته وأسمائه ومن عالم الحس إلى عالم المعنى ومن أمراض النفس إلى صحتها وكل ذلك قد مر من قبل "لحضرة الحق وظاعنونا" أي مسافرون إلى الله عز وجل منتقلون في سيرهم إليه من مقام إلى مقام.

من مقام الغفلة إلى مقام اليقظة ومن مقام اليقظة إلى مقام الحضور إلى غير ذلك. "فافتقروا فيه إلى دليل" أي فافتقروا في سفرهم هذا إلى دليل يدلهم على الطريق وهو الشيخ الذي من صفاته ما سيأتي بعد هذا الشطر "ذي بصر بالسير والمقيل" أي لا بد أن يكون الشيخ بصيراً بأحوال السير ومنازله فيسيِّر كل مريد بحسب طاقته وجهده ويراعي احتياجات السالك إلى الراحة "قد سلك الطريق ثم عادا" أي لا بد أن يكون الشيخ قد سلك طريق السلوك من بدايته إلى نهايته ثم عاد بعد أن عرف ليدل غيره ولذلك قال "ليخبر القوم بما استفادا" أي ليخبر المريدين بما استفاده من علوم الأذواق وأنوار الشهود ولذلك قالوا: لا بد للشيخ أن يكون له علم صحيح وذوق صريح وهمة عالية وحالة مرضية "وجاب منها الوهد والآكاما" الوهد: المكان المنخفض. والآكام جمع أكمة وهي المكان المرتفع، وجاب بمعنى نقب وقطع وههنا بمعنى: دخل وسلك، والمراد أن الشيخ ينبغي أن يكون ذاق طعم الخمول والذلة على المؤمنين والعزلة الهادفة وأمثال ذلك مما هي بمثابة المنخفضات في الطريق إلى الله، كما ذاق طعم المشقات في الطريق من أمر بمعروف ونهي عن منكر وجهاد ومجاهدة "وراض منها الرمل والرغاما" راض المكان اختبره. والرغام التراب. والمراد أن الشيخ ينبغي أن يكون عارفاً بالطريق لينها الذي يشبه الرمل وصعبها الذي يشبه التراب الصلب وبالتالي فإنه يسير كل مريد على حسب همته وعلى حسب الطريقة المناسبة له من طول وقصر وصعوبة وسهولة "وجال فيها رائحاً وغادياً" أي يشترط في الشيخ أن يكون ماهراً في الطريق سار فيه صباح مساء إشارة إلى علم البدايات والنهايات "وسار كل فدفد ووادياً". الفدفد: الوضع الذي فيه غلظ وارتفاع. والوادي: المسيل. وأشار بالفدفد والوادي إلى ما يلقاه المريد من الامتحانات والتسهيلات والتوفيقات والعطاءات "وعلم المخوف والمأمونا" أي يعلم الأمور التي يخاف على المريد منها فيأمره بالبعد عنها كالركون إلى التعظيم والتبجيل والدعة والكسل والدنيا ويعلم الأمور التي ينال بها المريد الرضى من الله عز وجل حتى يكون من الذين لا خوف عليم ولا هم يحزنون من إقامة الفرائض والإكثار من النوافل ومن صحبة الصالحين وموالاة أهل الحق "وعرف الأنهار والعيونا". الأنهار هنا علوم الشريعة. والعيون هنا منابع الفطرة فالشيخ يعرف علوم الشريعة ويعرف كيف تتفجر ينابيع الفطرة وكيف يفجرها "قد قطع البيداء والمفاوز" البيداء: الصحراء. والمفاوز: جمع مفازة وهي الصحراء الشاسعة الأطراف. والمراد بالبيداء هنا أرض النفس حال شهوانيتها ورعوناتها. والمراد بالمفاوز المسافات البعيدة عن رضوان الله عز وجل: "وارتاد كل حابس وحاجز". الارتياد هو التقدم أمام القوم لاختبار الأمكنة وما فيها والحابس هو الذي يحبسك عن بلوغ المراد. والحاجز هو الذي يحجز هو الذي يحجز بينك وبين مرادك فلا بد للشيخ أن يعرف ما يحبس عن السير من وقوف عند مظهر من مظاهر الكون مثلاً وأن يعرف ما يحجز من الوصول إلى الله من ملل من المجاهدة وركون إلى الراحة وغير ذلك "وحل في منازل المناهل". المنهل هو الموضع الذي ينزله الركب بشرط أن يكون فيه ماء والمعنى أنه يشترط في الشيخ أن يكون حل في منازل السائرين من يقين وورع وزهد وخوف ورجاء وتوكل وصبر ورضى وتسليم ومشاهدة وتزكية وفناء عما سوى الله وبقاء في الله "وكل شرب كان منه ناهل" الناهل: الشارب. أي يشترط في الشيخ أن يكون قد شرب من مياه هذه المقامات بأن ذاقها وتحقق بها "فعندما قام بهذا الخطب". الخطب: هو الشأن الجسيم. أي عندما تحقق بهذه الأمور كلها التي مرت معنا من بداية هذه الأبيات "قالوا جميعاً أنت شيخ الركب". قال له اخوانه وشيوخه وعارفوه لقد وصلت إلى رتبة المشيخة وآن لك أن تجاز بالتسليك إلى ملك الملوك.. "والسفر المذكور بالقلوب" أي السفر الذي مر معنا فيما مضى هو سفر القلوب إلى حضرة علام الغيوب وهو بالتفصيل من أربعة مواطن إلى أربعة مواطن: من موطن الذنب والغفلة إلى موطن التوبة واليقظة، ومن موطن الحرص على الدنيا إلى موطن الزهد فيها وطلب الآخرة، ومن موطن مساوئ النفوس وعيوب القلوب إلى موطن التخلية منها والتحلية بأضدادها. ومن شهود الكون إلى شهود رب الكون "اعبد الله كأنك تراه". ثم يكون بعد ذلك سير "والشيخ بمنزلته الطبيب". فكما أن الشيخ بمثابة شيخ الركب في معرفة الطريق فهو أيضاً بمثابة الطبيب للقلوب "يعلم منها الغث والسمينا" الغث: اللحم الذي ليس سميناً. والمراد بالغث هنا القلب الضعيف من العلم والعمل والحال والضعيف اليقين والخافت النور والمراد بالسمين القلب المليء بالعلم والعمل والنور والحال والمعرفة فالشيخ ينبغي أن يكون بصيراً بهذا وهذا ويسير بهذا وهذا على مقتضى ما يناسب كلاً منهما "ويدرك الصلب معاً واللينا" الصلب: الشديد اليبوسة. واللين: ما قابل ذلك. والمراد بالقلب هنا القلب القاسي من كثرة الذنوب والغفلة أو القلب الشديد على أعداد الله والمراد باللين هنا: القلب الخاشع أو القلب الرحيم بخلق الله. فالشيخ يعرف طبيعة هذا وهذا ويسير كل انسان بما هو مؤهل له أو بما بناسب حاله نحو الأرقى في حقه بما يحقق الحكمة التي جعل الله عز وجل بها قلوب عباده متفاوتة "قد أحكم التشريح والمفاصل". المراد بالتشريح هنا المعرفة بعلاج الأمراض القلبية والنفسية والروحية والمراد بالمفاصل هنا معرفة علاج الجوارح. المراد أن الشيخ يعرف واجبات القلب وواجبات الجسد ويعرف كيف يداوي انحراف القلب وانحراف الجسد "وصار علم الطب فيه حاصل". أي حصل أمر الطب الديني كله حتى أصبح علم الطب كله فيه أي عنده فهو قادر على أن يعالج كل حالة تواجهه على أي مستوى في قلب الإنسان أو جسده ليكون على مقتضى الشرع. وفي محل هذا الإنسان مع غيره من المسلمين، وفي موقف المسلمين من غيرهم بالفتوى والإرشاد والنصيحة والتربية والتأديب والجهاد وغير ذلك "وكان عشاباً وصيدلاني" العشاب: هو الذي يعرف أعيان الأعشاب ومنافعها وخواصها. والصيدلاني هو الذي يعرف أنواع الأدوية والعقاقير. والمراد أن الشيخ كما أنه طبيب يصف الداء ويصف الدواء فإنه في الوقت نفسه يعرف الأدوية وخواصها ويعرف كيف يركبها فهو طبيب وصيدلي بآن واحد في قضايا أمراض القلوب. "قدحاً وكحالاً ومارستاني". القدح في اصطلاح الأطباء قديماً: هو جراحة العيون وجراح العيون قديماً يسمى القداح والكحال هو الذي يعرف أدوية العين ويعالجها بالكحل والمارستاني هو المدير العام للمستشفى العام للأمراض المتعددة. والمراد أن الشيخ ينبغي أن يكون خبيراً بجراحة عين البصيرة ومداواتها عارفاً بمجموع الأمراض قادراً على مداواة أصحابها جميعاً "أمهر في الأعراض والأخلاط". الأعراض ما يطرأ على الجسم من حالات. والأخلاط ما اجتمع في المعدة من العلل الناشئة عن اختلاط الأغذية المختلفة "من أسقلا جالينوس أو بقراط". جالينوس وبقراط طبيبان. والأسقل كما يبدو كتابهما الطبي ومراد المؤلف أن الشيخ ينبغي أن يكون أمهر في علم القلوب ومداواتها من هذين الطبيبين في تطبيب الأجساد، ومراده بالأعراض ما يعرض للمريد من القواطع والشواغل كميله للرئاسة والجاه وتقدمه للتصدر في شأن قبل الكمال فيه وأمثال ذلك وأراد بالأخلاط الخواطر الرديئة والمقاصد الدنيئة التي يمكن أن تشوش حال بعض المريدين "ويعلم البسيط والمركبا". البسيط: هو ها هنا القلب غير المعقد والمركب هنا هو القلب المعقد أو البسيط هو ما كان أقرب إلى الفطرة. والمركب هو الذي خالط الفطرة فيه ما عكرها فالشيخ ينبغي أن يكون عارفاً بهذه وهذا وما يصلح لكل، وكيف يسيّر كلاً من أصحاب هذين القلبين "وما بدا منها عليه واختبا". بعض أخلاق القلوب تظهر بشكل واضح في سلوك الإنسان وبالتالي يسهل على الانسان اكتشافها وبعض قضايا القلوب تكون غامضة وتحتاج إلى فراسة دقيقة لإدراكها والشيخ ينبغي أن يكون ذا بصيرة وفراسة يدرك فيها حال مريده الظاهر والخفي "والطبع والمزاج والتركيبا". الطبع ما جبل عليه الإنسان من خوف أو شجاعة أو كرم أو بخل والمزاج هنا التركيب النفسي للإنسان من كونه بارد الطبع أو حاره، أو حاد المزاج أو هادئه. والتركيب هنا اختلاط الشيء بغيره كاختلاط الأصيل بالدخيل والعليل بالسليم. فالشيخ ينبغي أن يكون عارفاً بالطباع والسجايا والأمزجة والاختلاطات النفسية والقلبية وعلى ضوء هذه المعرفة يسير أصحابها بما يصلحهم ويقربهم إلى الله بما يحقق الحكمة على ضوء الشريعة وكما ينبغي أن يكون عارفاً ذلك كله ينبغي أن يعلم "والكون والتحليل والترطيبا"، المراد بالكون هنا واقع الإنسان من صحة أو مرض والمراد بالتحليل هنا تذويب ما تعقد في قلب الإنسان من علل والمراد بالترطيب هنا المعرفة بطرق تليين ما صلب ويبس من القلوب والمعنى أن الشيخ ينبغي أن يكون ماهراً بأحوال القلوب عارفاً بعللها عالماً بعلاجها مهما كان شأنها وواقعها. فالأمراض القلبية بارشاداته تتحلل وجفوة القلوب بمجالسته ومذاكرته تزول "فعندما صلح له التحصيل". أي بعدما حصل هذه المقامات التي مرت معنا كلها على التمام والكمال "يممه السقيم والعليل" أي قصده المرضى على اختلاف أنواع أمراضهم "فكان يبريهم من الأمراض" أي يشفيهم بإذن الله من الأمراض القلبية والنفسية مما مر معنا بعضها "والساخط القلب يعود راضي". أي من كان قلبه ساخطاً أصبح بعد الشفاء راضياً. فمن علامات الشفاء الرضا عن الله في كل حال ولذلك كان من دعاء المسلم (والحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل النار).

وليس هذا طب جالينوس

وإنما يختص بالنفوس

هذا تنبيه من المؤلف على أن الطب المذكور في الأبيات ليس هو طب الأبدان بل طب النفوس لتستقيم على أمر الله وطب القلوب لتصح من الأمراض والعيوب فتنخرط في سلك من أتى الله بقلب سليم

فهكذا الشيوخ قدماً كانوا يا حسرتي إذ سلفوا وبانوا

كأن الشيخ يريد أن يقول إنه لم يبق من هذا النوع من الشيوخ أحد وهي كلمة تقال للتحسر ولرفع الهمة للوصول إلى رتبة المشيخة بحق وإلا فإن الأمة لم تخل من الوارث الكاملين في كل عصر والحمد لله. ومن عرف شيخنا محمداً الحامد رحمه الله عرف ما قلناه...

في المجموعة الثانية من الأبيات التي نقلناها ذكر صاحب المباحث ثلاث نقاط رئيسية في قضية الشيخ:

- أن يكون الشيخ قد سار في الطريق من مبداه إلى منتهاه وعرف كل خفاياه حتى أصبح قادراً على أن يدل أصناف الخلق جميعاً على هذا الطريق.
- أن يكون الشيخ بصيراً بأنواع القلوب وأنواع أمراضها قادراً بإذن الله على تطبيبها.
- أن يكون عارفاً بأنواع الأدوية القلبية وما يناسب منها للأدواء.

والآن لنر بعض عبارات ابن عطاء في الشيخ: قال ابن عطاء:

"لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله ربما كنت مسيئاً فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من أسوأ حالاً منك" "ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه فأي علم لعالم يرضى عن نفسه وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه". "من رأيته مجيباً على كل ما سئل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله". "تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث صار التنوير وصل التعبير، كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز، من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت إليهم إشارته. ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار، عباراتهم ما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد. فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين والعبارة قوت لعائلة المستمعين. وليس لك إلا ما أنت له آكل، ربما عبر عن المقام من استشرف عليه وربما عبر عنه من وصل إليه وذلك يلتبس إلا على صاحب البصيرة".

بعد أن رأينا نموذجاً من النصوص ونموذجاً من كلام الصوفية مما ندرك به قضية الشيخ لنتساءل الآن: إذا كانت هذه مهمة الشيخ في تربيته للمريد من جانب علمي وروحي يبقى أن نتبين ما هي مهمة الشيخ في عصرنا الذي استشرق فيه الردة وسيطر فيه الكفر وما تأثيرات ذلك وانعكاساته على تربية المريدين؟ ثم ما هي مهمة الشيخ في عصر لم يعد للمسلمين فيه دولة. وكيف تكون الصلة بينه وبين غيره وهكذا ليكون المسلمون صفاً واحداً ويداً واحدة وجماعة واحدة.

لأشرح تصوري عن هذا الموضوع وبعد ذلك نقف وقفات، تبدأ رحلة الأمة المريضة إلى الصحة بوجود المجدد ونوابه الذين ينقلون الانسان إلى صحته في جوانب ثلاثة: الإلتزام والخصائص والثقافة في رسالتنا التي عنوانها "من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك" ذكرنا بعض مظاهر المرض في الأمة الإسلامية أو في بعض منها وقلنا هناك باختصار أن الطريق إلى الصحة يبدأ بوجود نموذج الصحة الأول المتمثل بالنسبة للأمة الإسلامية في كل عصر أو قرن أو جيل بالمجدد ثم بالوارث الكاملين الذين ينطلقون في عملية التجديد حتى نهاياتها مبتدئين بإيجاد المسلم الكامل ومنتهين بإعلاء كلمة الله حيث وصلت إلى ذلك قدراتهم. وهناك في رسائل أخرى من هذه السلسلة تحدثنا كثيراً عن الدواعي التي تجعل نقطة البداية في الصحة هي نظريات المجدد في العمل التجديدي لحياة الاسلام والمسلمين لا بد أن ينطلق الوراث ليصوغوا المسلم صياغة كاملة ويرتقوا بكل مسلم إلى قمته التي تستأهلها طاقاته وهمته واستعداداته. وهذا يعني بشكل مبدئي أن توجد طبقة من الوراث تغطي احتياجات هذه الأمة وذكرنا في أكثر من رسالة من هذه السلسلة أن اصطلاح النائب في كلام الأستاذ البنا رحمه الله هو الذي يقابل كلمة الوارث الكامل أو الشيخ أو غير ذلك مما اصطلح عليه الناس كرمز إلى عالم عامل مرب وتكلمنا كثيراً في هذه السلسلة عن العمل الاسلامي والتربية الإسلامية. وههنا نحب أن نبرز نقطة فقط وهي: ما هي مهمة الوارث الأولى في تكوين الإنسان المسلم في عصرنا؟ لا شك أن هناك ثلاث دوائر يحتاجها المسلم المعاصر وهي التي تحتوي كل ما يمكن أن يتصوره أحد في باب تكوين المسلم سواء كان المتصور صوفياً أو فقيهاً أو مجاهداً. هذه الدوائر الثلاث هي: العلم والأخلاق الأساسية وما يتفرع عنها ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم وما يلزم لذلك من تربية ووعي وسلوك والتزام. وعلة العلل أن المسلم المعاصر تفوته واحدة من هذه أو اثنتين أو الثلاثة أو يأخذ بعض هذه الثلاثة بضعف.

تصور أن مسلماً عنده علم ولكن الأخلاق الأساسية تفوته أو واحداً منها. إن الأمر لا يستقيم على ذلك. وتصور أنما يقتضيه الالتزام بجماعة المسلمين من تربية ووعي وغير ذلك ليس موجوداً فإن الأمر كذلك لا يستقيم. إن علة العلل تكمن في ضياع واحدة من هذه الثلاثة أو أخذها بشكل قاصر، ويدخل في العلم في رأينا: الثقافة الإسلامية بأصولها وفورعها التي أحصيناها في كتاب جند الله ثقافة وأخلاقاً ويدخل في العلم تحصيل الثقافة المعاصرة حتى لا يكون الإنسان غريباً عن عصره وعما يجري فيه ويدخل في العلم الثقافة التأهيلية إما لاختصاص حياتي أو لاختصاص داخل العمل الإسلامي المعاصر.

وأما الأخلاق الأساسية فهي التي تحدثت عنها آيات الردة في سورة المائدة وقد فصلنا الكلام في شأنها في كتاب / جند الله ثقافة وأخلاقاً / وهي محبة الله والذلة على المؤمنين كل المؤمنين والعزة على الكافرين كل الكافرين والجهاد في سبيل الله وتحرير الولاء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

وأما لزوم جماعة المسلمين فيقتضي معرفة ماهية جماعة المسلمين والشروط التي يجب أن تتوفر فيها حتى تكون هي جماعة المسلمين، كما يقتضي معرفة بالقواعد التي يقوم عليها العمل الإسلامي وتسير عليها الجماعة كما يقتضي عقلية شورية تقبل الشورى وتنزل على مقتضياتها على ضوء قواعد الشورى الإسلامية. إذا اتضح هذا كله وكان هذا كله ضرورياً فماذا يحدث الآن؟

تجد شيخاً يزعم أنه يسير المريد في طريق الجنة وتفوته التربية على الذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والجهاد وتحرير الولاء وتجد شيخاً يعلم بعض مسائل الفقه أو التوحيد وينسى تعليم الكتاب أو السنة أو السيرة وحياة الصحابة أو تاريخ الأمة الإسلامية أو غير ذلك مما يلزم لثقافة اسلامية متكاملة وتجد من يدعو إلى دعوة الأستاذ البنا نفسه وتفوته أمور كثيرة في الثقافة أو الأخلاق أو التربية الجماعية الاسلامية وفي احدى هذه الدوائر يكمن الخلل ويبقى الحال كما نرى.

إن مهمة الشيخ هذا كله، ولا شك أن استعدادات الناس متفاوتة ولكن حداً أدنى مما يلزم لكل إنسان لا بد من تواجده ومهمتنا أن نرتفع بالناس لا أن ينزلنا الناس إلى ما يريدون. إذا أدركنا هذه السطور القليلة أصبح بإمكاننا أن ندرك نقاط الخلل في رتبة المشيخة المعاصرة وعرفنا ما يلزم للارتفاع بهذه الرتبة. وأتمنى لكل مسلم كان دون هذه القمة التي ذكرت أن يسير على يد من يستطيع أن يصل به إلى هذه القمة أو يضع لنفسه برنامجاً يستكمل به نقصه. وقديماً كانت الإجازة التي يعطيها الشيوخ شهادة لإنسان بالتحصيل والقدرة على التكميل وحبذا لو وجود هذا بشكله المفصل في عصرنا خاصة لرتبة الوراثة الكاملة أو المشيخة المربية أو لرتبة النائب في اصطلاح الأستاذ البنا. وإنني أعتبر أن المهمة الأولى لجماعة المسلمين هي أن توجد طبقة من النواب أو الشيوخ الكمل تستوعب احتياجات المسلمين التعليمية التربوية السلوكية. وبمناسبة المرور على كلمة الإجازة نقول باختصار في شأنها: إن الإجازة شهادة على أهلية إنسان ما لنوع من العلم فالإجازة في علم شهادة من أهله على أن إنساناً يملك النضج أو حده الأدنى في هذا العلم. والإجازة في التربية شهادة على أن إنساناً ما يملك النضج أو حده الأدنى الذي يؤهله للتربية. ولا شك أن الشهادة من أهلها تبعث على الاطمئنان. ومن ثم تشترط الإجازة للاستقلال بالعلم والتربية أما للتعاون والمساعدة على العلم والتربية فهذه فيها سعة إذا وجد الأساس الصالح، إذا استوعبنا ما مر نكون قد أدركنا رتبة المشيخة كما يحتاجها عصرنا وأدركنا حال المشيخة في وضعها الحاضر.

تصور الآن إنساناً يتصدر لرتبة المشيخة وهو لا يعرف عصره وليس قادراً على الفتوى المستوعبة للزمان والمكان والأشخاص جاءه مريد يستفتيه في شؤونه العامة أو الخاصة أو يستفتيه في شؤون الإسلام والمسلمين إلى أين يمكن أن تصل فتاواه.

ولذلك حذرنا في هذا البحث من الالتزام المطلق بشيخ بل نصحناه وننصحه بما يلي:

- أن يكون الالتزام المطلق لجماعة المسلمين وإمامهم حيثما وجدت جماعة المسلمين وإذا لم تكن موجودة فعليه إيجادها والعمل من أجل ذلك.

- أخذ الخير أنى وجده وتحرير كل ما يسمعه على ضوء العلم الصحيح فإذا استوعب المسلم هاتين القضيتين وكان بيده الميزان الصحيح وهو العلم الصحيح فلا عليه بعد ذلك أن يجالس كل أحد ويستفيد من كل أحد، ولا شك أنه سيجد كاملاً وأكمل وعالماً وأعلم وذا حال طيب وذا حال أطيب فيأخذ من هذا أكثر من هذا وكل ذلك طيب ولكن إياه والإلتزام المطلق إلا لجماعة المسلمين إمامهم لأنه إذا أعطينا لأنفسنا أن يلتزم كل منا بشيخ التزاماً مطلقاً فكيف يكون للمسلمين جماعة واحدة؟ ولذلك قال السيوطي "رجل أعطى العهد لشيخ ثم أعطاه لآخر أي العهدين يُلزمه؟ قال لا هذا ولا ذاك ولا أصل لذلك". (إذ الأصل الوحيد هو لزوم جماعة المسلمين وإمامهم) فإذا كان الشيخ هو إمام المسلمين المنبثق عن شوراهم أو كان من جماعة المسلمين وأنا وإياه ملتزمان بالجماعة وأمرت أن ألتزم به على ضوء قواعد الجماعة فالالتزام به التزام بجماعة المسلمين ولا تناقض وذكرنا من قبل أن الصوفية بحثوا حالة لا يجد فيها الإنسان مرشداً كاملاً فقالوا بأن العلم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كافيان للإنسان لأنه الله عز وجل وعد من يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي هو عليه ففي الحديث: "من صلى علي صلاة صلى الله بها عليه عشراً". وإذا صلى الله على الإنسان أخرجه من كل ظلمة إلى كل نور {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} إن التسليم لغير المرشد الكامل والالتزام المطلق بغير جماعة المسلمين وإمامهم خظآن كبيران. وأكثر الصوفية الآن تغيب عنهم هاتان القضيتان فعلى كل مسلم أن يراجع نفسه في هذا الشأن فيترك العصبية العمياء لشيخه إذ يعطيه مقاماً غير مقامه ويترك هذه السيوبة عن جماعة المسلمين، فإن الإلتزام بجماعة المسلمين هو واجب شرعي، وقد ذكرنا في رسالة المدخل من هذه السلسلة شروط اعتبار مجموعةٍ ما جماعة المسلمين فلتراجع. فإذا كانت هذه الجماعة موجودة فنلتزم بها وإلا فلنوجدها، ومن العبارات الشائعة عند الصوفية عبارة تقول: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان". وهي عبارة تنقل عن واحد من كبار الصوفية، ونحب أن نكون واضحين ونحن نناقش هذا الأمر.

إن علماء الأصول لم يعتبروا رأي الصحابي نفسه ملزماً للأمة فكيف رأي غيره؟ وإنما يكسب قول أي إنسان قوة بقدر ما تؤيده النصوص فعلينا أن نتذكر دائماً هذا الأصل فإذا اتضح هذا الأصل نقول: إن هذه العبارة صحيحة في صورة واحدة وهي: أنه لو وجد إنسان جاهل وليس عنده قدرة على أن يتعلم لنفسه العلوم الشرعية فهذا إنسان يسير في عباداته ومعاملاته وتصرفاته على غير علم فهذا لا شك شيخه الشيطان أما الإنسان القادرعلى أن يتعلم بنفسه وهو يسير على ضوء العلم الصحيح فهذا شيخه العلم الصحيح وشيخه الكتاب. أما الإنسان الذي يأخذ العلم عن أهله فهذا له شيوخه. فإذا أدركنا هذا عرفنا محل هذه العبارة وعرفنا الخطأ المتعمد أو الجاهل الذي به يحاول بعض الناس أن يحملوا هذه العبارة على من لا شيخ صوفياً له وبالتالي منهم يتكئون عليها للدعوة إلى شيوخهم وقد يكون شيوخهم جهالاً يحتاجون إلى شيوخ.

ومن المفاهيم الشائعة عند بعض الصوفية أي مستحيل وصول إلى الله إلا عن طريق شيخ صوفي وهذا وهم كبير وقد رأينا عبارة ابن عطاء "وصولك إلى الله وصولك إلى العلم به". فمعرفة الله عز وجل بابها مفتوح لمن سلك طريق ذلك سواء كانت المعرفة الذوقية أو المعرفة العلمية وإن تعليق المعرفة بالله على وجود شيخ من طراز خاص وتأثيم من لا يسلكون على يد أمثال هذا الشيخ. إن هذا يعني أن ملايين المسلمين ماتوا وهم جهال بالله وبعضهم المفسر وبعضهم المحدث. والحق أن الاصطلاح على المشيخة الصوفية جاء متأخراً في العصور الإسلامية فهل كان الناس قبل ذلك لا يعرفون الله وهم أفضل الأجيال على الإطلاق. والمناقشات الفارغة في هذا المقام لا تغني عن الحق شيئاً. أدبنا كمسلمين أن نأتي البيوت من أبوابها ولكل شيء بابه الذي نلج إلى البيت من خلاله ولكن إنسان أحواله ولكل إنسان أوضاعه. والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً فهذا إنسان في حقه أن يذهب إلى شيخ فقيه الأمر فرض، وهذا إنسان في حقه أن يذهب إلى عالم بالتوحيد الأمر فرض، وهذا إنسان في حقه أن يذهب إلى شيخ صوفي الأمر فرض، والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً.

يقول الشيخ أحمد الزروق في موضوع الشيوخ "وقد تشاجر فقراء الأندلس من المتأخرين في الاكتفاء بالكتب عن المشايخ فكتبوا للبلاد فكل أجاب على حسب فتحه، وجملة الأجوبة دائرة على ثلاثة (أولها) النظر للمشايخ: فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب للبيب حاذق يعرف موارد العلم ولشيخ التربية تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح. قال شارح بداية السلوك: وقل إن يوجد لغلبة الهوى، وشيخ الترقية يكفي عنه اللقاء والتبرك وأخذ كل ذلك من وجه واحد يعني أن أخذ ذلك عن الشيخ في الأوجه الثلاثة أتم للنجح وأبلغ للمراد. (ثانيها) النظر لحال الطالب فالبليد لا بد من شيخ يربيه، واللبيب تكفي الكتب في ترقيه لكنه لا يسلم من رعونة نفسه وإن وصل لابتلاء العبد برؤية نفسه. (ثالثها) النظر للمجاهدات: فمجاهدة التقوى لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها والاستقامة تحتاج للشيخ في بيان الأصلح منها وقد يكتفي عنه اللبيب بالكتب ومجاهدة الكشف والترقية لا بد فيها من شيخ يرجع إليه في فتوحها كرجوعه عليه السلام في عرضه على ورقة بن نوفل لعلمه بأخبار النبوة ومبادئ ظهورها حين فاجأه الحق وهذه الطريقة قريبة من الأولى والسنة معها والله تعالى أعلم" (انتهى). لاحظ قوله: فالتقوى لا تحتاج إلى شيخ. والتقوى كما عرفناها تفصيلاً في كتاب جند الله ثقافة وأخلاقاً هي مطلب الله عز وجل من عباده لأنها تحتوي ما قبلها وتضع قدم الإنسان فيما هو أرقى منها كمقام الشكر ولا تقوى أصلاً إلا بمعرفة الله عز وجل.

وقد آن الأوان بعد الذي ذكرناه في هذا الباب أن تتبين ضرورة الشيخ في العلم والتربية فقد استجرنا التوضيح ومناقشة الأخطاء إلى كلام عن موضوع الشيخ قد يفهم منه فاهم أن الشيخ لا محل له أصلاً لذلك أحببنا أن نوضح هذه النقطة:

1- إن الشيخ البصير في الأمور يختصر لك الطريق فبدلاً من أن تنصب في الطريق أي طريق سواء كان طريق تحصيل علم ما أو طريق الاستدلال على صلاح القلب أو طريق التخلص من مرض فإنه يختصره لك.
2- إن الشيخ الكامل يجنبك الخطأ في الفهم أو الخطأ في السلوك أو الخطأ في التصورات التي يمكن أن تنشأ عن سير الإنسان نفسه.
3- إن الشيخ من خلال صحبته تأخذ منه حالاً وتأخذ منه سمت العلماء وأدبهم.
4- إن مجرد قبول الإنسان أن يأخذ العلم أو التربية عن أهلها يحرره من كثير من الأمراض كمرض الغرور أو العنجهية أو الكبر.
5- وكل حالة يفترض على إنسان تحصيل شيء ولا يستطيع تحصيله إلا من جهة ما فإن الأخذ عن هذه الجهة في حقه يصبح فرضاً من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
6- وإذا كان الشيخ صالحاً وداعياً إلى هدى فإن الانتفاع به في الدنيا والآخرة تدل عليه النصوص.
7- والتجمع حول شيخ والمشاركة في حلقات العلم والذكر والتآخي الخاص في هذه الأجواء تترتب عليه مصالح كثير في الدنيا والآخرة وكل ذلك غيض من فيض في محل الشيخ ومكانه. ونحن بقدر ما نركز على أن تزول الأخطاء من التصورات والسلوكيات في باب الشيخ فإننا نركز على أن نقطة الانطلاق الصحيحة هي وجود الولي المرشد.

فصل في البيعة:

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رسول الله يأخذ البيعة على الدخول في الإسلام وعلى أعمال من الإسلام وكانت البيعة في أحد أوجهها بيعة لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ثم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت صيغة وحيدة للبيعات هي البيعة السياسية بمعنى أنه لا توجد إلا بيعة واحدة هي البيعة التي تعطى لأمير المؤمنين ولما اختلفت الاتجاهات في الأمة الإسلامية بقيت البيعة تعطى على أساس الولاء الشخصي لجهة في إطار سياسي مرتبطاً بالحكم والسلطان وبقي الأمر على ذلك حتى القرن الخامس للهجرة حيث وجدت البيعة للشيخ في بعض الهيئات على أساس التزام بأعمال أو شيء من ذلك، وفصل هذا النوع من البيعات للشيوخ عن الإطار السياسي فأصبح بعض الناس لهم بيعتان: بيعة للسلطان على الطاعة في الأحوال العامة وبيعة للشيخ على الإلتزام بالتقوى وأصبح كل شيخ يأخذ البيعة على مريديه في هذا الإطار واستمر الأمر على ذلك حتى سقوط الدولة الإسلامية وانتهاء الحكم الإسلامي في كثير من الجهات. وغلب الجهل على الناس فغابت عنهم قضية الخلافة وضرورة العمل من أجلها وغاب عن كثير من الناس ضرورة العمل لإقامة الحكم الإسلامي في أقطارهم وضاع في خضم ذلك فكرة البيعة السياسية وبقيت في بعض الدوائر فكرة البيعة الصوفية. فخلط بعض الصوفية بين البيعة للإمام وبين البيعة للشيخ واعتبروا أن البيعة للشيخ لها نفس شروط البيعة تلك وأن لها أحكامها وأنها تغني عنها ولذلك صحح الفقهاء هذا الموضوع فقالوا: كما في تنقيح الفتاوى الحامدية عن السيوطي "رجل أعطى العهد لشيخ ثم أعطاه لآخر أي العهدين يلزمه؟ قالوا لا هذا ولا ذاك ولا أصل لذلك". وواضح أن البيعة الصوفية ذات صفة غير ملزمة من هذا الحديث الذي رواه مسلم وهو فيما يسمى في اصطلاحنا اليوم بالبيعة السياسية "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".

فلو أن هذه البيعات التي تعطى للشيوخ لها حكم البيعة المعروفة لجاز لنا أن نقتل كل الشيوخ ما عدا شيخاً واحداً ما داموا جميعاً يأخذون البيعات وهذا لا يقول به أحد، ثم إن كثيراً من المجموعات الإسلامية صارت تأخذ عهوداً وبيعات على المنتسبين لها وهذه البيعات كلها إن كانت على عمل بعينه فإن لها حكم النذر أو اليمين أو كانت لأخذ ولاء شخص لجهة معينة فإنها تكون بيعة غير ملزمة بل أحياناً تكون واجبة الفسخ إلا في حالة واحدة وهي البيعة لإمام المسلمين وجماعتهم ولكن حتى تتوفر في جهة ما شروط كونها هي الجماعة الإسلامية وحتى يوجد من له أحكام للإمام هذا موضوع له مواصفاته الكثيرة. والعاملون للإسلام الآن إما أنهم مجموعات ليست مرشحة لأن تكون جماعة المسلمين أو أن بعضهم يعمل لتوفير شروط الجماعة في ذاته وهو مرشح لذلك، أو أن بعضهم توفرت فيه وفي قياداته شروط الجماعة المسلمة والبيعة في كل حالة من هذه الحالات لها أحكامها ودرجة إلزامها وبشكل عام نقول:

1- إن شيوخنا كانوا يرون أن البيعة التي تعطى للشيخ عند الصوفية هي بيعة على التقوى ولذلك فإنهم يكتفون فيها بوضع اليد وقراءة قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليهُ اللهَ فسيؤتيه أجراً عظيماً} دون أن يضيفوا شيئاً آخر، إن البيع في هذا الإطار أي بأن يلحظ فيها ألا تكون لها أحكام البيعة العامة وبحيث لا تحول دون الإلتزام بجماعة المسلمين وإمامهم، إن البيعة بهذا الشكل لا حرج فيها.

2- إن البيعة الملزمة الوحيدة هي التي تعطى لجماعة المسلمين وإمامهم ولكن على الإنسان قبل أن يعطي هذه البيعة أن يتأكد من أن هذه الجماعة وإمامها متوفرة بها الشروط اللازمة وعلى فرض أن أعطاها وتبين له أن الأمر ليس كذلك فإنه يكون في حل من هذه البيعة ولكن يبحث هل عليه كفارة يمين أو لا؟ هذا يختلف باختلاف الصيغة التي أديت بها البيعة.

3- يمكن أن تأخذ جهة مأذونة بيعة ما على أعمال إسلامية بعينها والالتزام في هذه الحالة التزام بالعمل وإذا عجز الإنسان عن هذا العمل فينظر هل عليه كفارة يمين أو لا؟ وبشكل عام أنا أدعو كل مسلم إلى التريث في أمور النذور والأيمان والعهود والبيعات إلا إذا اقتضاه واجب شرعي أن يفعل شيئاً من ذلك وأقترح على الحركة الإسلامية بعد أن تضع كل القواعد التي بها تصبح هي جماعة المسلمين بحق وإمامها إمامهم أن تأخذ البيعة للقيادة المنبثقة عن هذه القواعد ويطيب لي في هذا المقام أن أسجل نقطة هي: إن كثيرين من المسلمين أنفسهم يصيبهم اليأس وهم يرون المآسي التي رافقت سلسلة الخلافة حتى سقوطها. ويصيبهم اليأس وهم يرون كيف أن الانحراف عن الحكم الإسلامي بدأ مبكراً جداً في تاريخ الأمة الإسلامية ويصيبهم اليأس وهم يرون الحال والواقع الذي عليه المسلمون أنفسهم ويصيبهم اليأس وهم يرون واقع القوى العالمية ويتعجبون أن يتكلم أمثالنا في الأسس الصحيحة للانطلاق ويتصورون أن هذا أشبه بالأحلام ونقول لهؤلاء جميعاً: هل نحن مكلفون أو لا؟ فإذا كنا مكلفين من الله بعمل فعلينا أن نفعل ولا علينا بعد ذلك إذا فرط غيرنا بالتكليف فنحن طلاب جنة عرضها السموات والأرض وماذا يضيرنا إذا ربحناها وخسرها غيرنا.

إن أهل كل عصر مكلفون بإقامة الإسلام كله فهم لا يسألون عن تقصير السابقين ولا تفريط اللاحقين. إن هذه هي نقطة التفكير السليم فيما نحن فيه إذا كنا مسلمين حقاً، على أننا مع هذا نقول: إن ما حدث من انحرافات أعطانا دروساً، وإن ما كان من مآسي فإن علينا أن نعمل كي لا يتكرر مرة ثانية، وإن واقع المسلمين الحالي ليس صعب التغيير إذا سرنا في الطريق الصحيح. وإن القوى العالمية لا تساوي شيئاً مع وعد الله لنا {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً}. ولحكم كثيرة قال ربنا بعد هاتين الآيتين: {لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير}. إننا نملك بفضل الله نقطة البداية الصحيحة وهي الانطلاق عن اجتهاد إنسان مجدد لا يشك عارفوه أنه من أولياء الله عز وجل وهو الأستاذ البنا رحمه الله وعلينا أن ننطلق بدفعة التجديد في هذه الأمة مهما كلفنا ذلك وإنا لنرجو ثمرات ذلك في الدنيا والآخرة {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}.

الباب السادس عشر - في الأخلاق والآداب

الباب السادس عشر
في الأخلاق والآداب

الأدب هو الباب الذي انعكاساته على كل موضوعات السير إلى الله عميقة وبعيدة فسوء الأدب يفسد السلوك كله فهو يفسد العمل ويفسد القلب ويفسد آثار الذكر وآثار الصمت وآثار الخلوة والعزلة ويستحيل معه الأخذ من الشيوخ ومن ثم فلا سير بلا أدب مع الحق والخلق ومن ثم قالوا: والله ما فاز إلا بحسن الأدب ولا سقط من سقط إلا بسوء الأدب: إن حسن الأدب أصلاً تعبير عن كمالات النفس وعن انضباطها وعن التحكم في نزواتها وذلك وحده علامة خير بينما سوء الأدب دلالة على أن النفس لا تزال متلطخة برعوناتها عاجزة عن الانضباط ضمن المسار الصحيح. ولا شك أن الأدب له مظهران: مظهر علمي ومظهر التزامي وسلوكي وككل شيء فالمظهر العلمي يسبق السلوك والالتزام عادة.

ومن ثم فلا بد من تحديد صحيح لموضوع الآداب، ولكن موضوع الآداب أوسع من أن يحيط به باب إذ العادة أن كل باب من أبواب الفقه في الغالب أو من أبواب التصوف لا بد أن تدخل فيه قضايا هي من باب الآداب، ومن ثم فنحن لا نطمع هنا أن نذكر كل شيء بقدر ما نطمع أن نذكر أمهات في هذا الباب لا تغني عن معرفة أخواتها في أبواب أخرى. وهذه كلها لا تغني عن التأدب بالكتاب والسنة. إن الكتاب والسنة هما مظهر البناء الأخلاقي والسلوكي واجتهادات الأئمة المنبثقة عن ذلك لا تغني عن دراسة الأساس بل هي استنباط دقيق لما ورد فيهما. ومن ثم فنحن نعتبر دراسة سلسلة / الأساس في المنهج / هي التغطية الكاملة لكل ما يلزم المسلم لانطلاق صحيح شامل وإذن فكلامنا في هذا الباب ذو حدود ضيقة جداً فليلاحظ ذلك...

لقد كان بعض شيوخنا ينبه على ضرورة الأدب مع الله ومع الإنسان ومع الحيوان ومع الأشياء ويضرب لنا مثلاً على أن الأشياء إذا أحسنت التعامل معها خدمتك وإذا لم تحسن لم تخدمك. يضرب لنا مثلاً على ذلك باستعمالنا لابريق الوضوء فلو أنك استعملته بلطف أخذاً ووضعاً خدمك كثيراً وإلا لم يخدمك فإذا كان هذا محل حسن الأدب مع الأشياء فما بالك بالأحياء. لا بد أن نتعامل مع كل شيء بالأصول الصحيحة للتعامل على ضوء شريعة الله قبل كل شيء وبعد كل شيء. لا بد من الأدب الرفيع مع الله عز وجل شكراً وعبودية خالصة ورغبة ورهبة فدوائر الآداب إذن واسعة جداً وعلينا أن نأخذ منها حظوظنا، إنه من الملاحظ أن بعض البيئات بشكل عام لم تستطع أن تصل عملياً حتى الآن إلى آداب عامة تصبح بمثابة ألف باء في التعامل اليومي ولهذا تأثيراته الكبيرة على الحياة بشكل عام بينما استطاعت بعض البيئات أن تصل إلى اعتماد كثير من الآداب المتعارف عليها في كل جانب من جوانب الحياة في طريق كلامها وفي طبيعة لباسها المناسب لكل مناسبة وفي طريق التعامل مع الآخرين في كل وضع وفي طريقة التقديم والتأخير إلى آخر ما يدخل في باب التعامل العام ونحن المسلمين أغنى الخلق بعلم الآداب على الإطلاق وليس الأمر هكذا فقط بل أدبنا في كل حالة هو الأدب الأرقى ولكن هذه الآداب نجدها متناثرة ههنا وههنا في كتب الفقه وفي كتب شروح الحديث وكتب التصوف المختلفة وكتب التفسير.

وأولاً وقبل كل شيء فإن الكتاب والسنة ما تركا أدباً ولا خلقاً طيباً إلا بيناه ولكن كتاباً جامعاً للسنة كلها بشكل عملي لا نجده في كل بيت وفهماً صحيحاً للقرآن لا يسعى إليه كل مسلم ثم قراءة مستوعبه لكتب الفقه والتصوف نادراً ما يحصلها إنسان بشكلها الكامل وكل ذلك أدى إلى انحسار قضية الآداب أو وجودها في بيئات محدودة وبشكل جزئي وأحياناً فإن هناك مفاهيم خاطئة وسلوكاً خطراً يأخذ طابع الأدب. هذا كله يحتاج إلى علاج، وبداية العلاج وجود كتاب التفسير المناسب ووجود كتاب السنة الجامع والمتوفرة في جمعه وخدمته شروط متعددة وكذلك التأليف المناسب في الفقه والتصوف.

ولذلك وكما ذكرنا فإننا سنذكر شيئاً ما في هذا الباب لأن الأمر أوسع من أن يذكر في باب من كتاب صغير وعلينا أن نلاحظ أن قضية الآداب في اصطلاح الصوفية أوسع منها في اصطلاح الفقهاء فالفقيه يتحدث عن الأدب كمكمل للفرائض والواجبات والسنن ولكن الصوفي يذكر أشياء هي من باب الفرائض في بحث للآداب لأن الأدب عنده هو السلوك والتعامل مع الله عز وجل ومع خلقه وهذه قضية ينبغي أن يتنبه إليها الإنسان، ونحن في هذا الباب سنجري على ذكر بعض الآداب على طريق الصوفية وعلى هذا فما نذكره هنا تحت عنوان هذا الباب قد يكون فرضاً وقد يكون واجباً وقد يكون سنة أو هو مباح فليلاحظ ذلك. ومجموع ما سنذكره في هذا الباب إنما هو فصول متفرقة يجمعها كلها أنها آداب وأخلاق إما مع الحق أو مع الخلق أو هي من باب الخصائص وكما قلنا من قبل إنه بدون إحاطة في الكتاب والسنة فإننا لا نطمع أن نتعرف على مجموع الأخلاق والآداب الإسلامية. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن فما نذكره هنا وما يذكره غيرنا إنما هو تنبيه على بعض الأمور ولا يطمع أحد في الإحاطة. إنه للوصول إلى كمال النفس الذي هو العبودية الخالصة لله لا بد أن نحقق شروط السير وبقدر ما يكون تفريط في هذه الشروط يكون الوصول عسيراً أوناقصاً أو مستحيلاً وإذن فالمسألة تحتاج إلى معرفة بالشروط وكل شرط يحتاج إلى آداب. وما من خُلق ينفصل عن أدب فلن نتحقق بكمال إذا لم يرافق ذلك أدب فالتواضع كصفة للنفس يحتاج إلى مظهر هو أدب والحلم كصفة للنفس يحتاج إلى مظهر هو أدب واحترام المسلم وإكرامه كصفة للنفس يحتاج إلى مظهر هو أدب وبقدر ما يكون السير صحيحاً وبقدر ما تتحقق شروط السير وبقدر ما تتوفر الآداب يكون الوصول إلى مظهر الكمال أكيداً وبقدر ما يكون الكمال تكون القدرة على التكميل لمن أقامه الله هذا المقام. فقضية الآداب والأخلاق إذن قضية واسعة والصوفي من أولى سماته التتبع لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب والتحقق بها ومن ثم قالوا: التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في التصوف فإذا اتضحت هذه المعاني كلها فلنبدأ عرض بعض الفصول في موضوع هذا الباب.

فصل جامع في موضوع الأخلاق والآداب:

عقد صاحب المباحث الأصيلة فقرة لقضية الأخلاق والآداب في الطريق ننقله ههنا مع تعليمات خفيفة على كلمات فيه: "وللطريق ظاهر وباطن". أي للطريق إلى الله ظاهر وباطن سيفسرها في بيتين آتيين وباختصار ظاهرها ما يتعلق بإصلاح الجوارح الظاهرة وباطنها ما يتعلق بإصلاح العوالم الباطنة "تعرف منه صحة البواطن". أي أن ظاهر الطريق تعرف منه صحة بواطن السالكين. أخبر أن استقامة الظواهر دليل تعرف منه استقامة البواطن وعبر عن الاستقامة بالصحة، فصحة الظاهر عنوان صحة الباطن ثم فسر ظاهر الطريق بقوله: "ظاهرة الآداب والأخلاق". "مع كل خلق ما له خلاق". الخلاق: النصيب. فظاهر الطريق الأدب مع خلق الله حتى مع من ليس لهم نصيب في الآداب فضلاً عن غيرهم.

والأدب هو الموقف الأفضل من كل وضع نواجهه على مقتضى شريعة الله. فهناك حالات يكون الأدب فيها هو الغضب وحالات الأدب الأرقى فيها هو الإحسان وكظم الغيظ وهو معنى دقيق لا يفطن له إلا موفق ولا يعرف أن يضع كل شيء في محله إلا عالم وحكيم كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يغضب لنفسه ولكن إذا انتهكت حرمات الله فإنه لا يقوم لغضبه شيء وإذا وُجد منكرٌ فإنه لا ينتهي سخطه إلا بانتهاء هذا المنكر ثم فسر باطن الطريق بقوله: "باطنه منازل الأحوال". الوارد الإلهي إذا نزل في القلب أحدث أثراً. هذا الأثر يسمى حالاً ومنازل الأحوال هي القلوب ولكنه في البيت أراد الأحوال القلبية الصالحة نفسها بدليل أنه ذكر المقامات بعد ذلك مصاحبة للأحوال فقال: "مع المقامات لذي الجلال".

الفارق بين الحلال والمقام أن الحال يتحول فيذهب ويجيء بخلاف المقام فإنه رسوخ وتمكين فباطن الطريق إذاً الأحوال والمقامات في السير لذي الجلال الله رب العالمين فكأنه قال: باطن السائر إلى الله بين حال ومقام وهو في انتقال دائم من حال إلى مقام ومن مقام إلى مقام. وهذا كله هو باطن الطريق. ولنا عودة على هذا الموضوع، ثم بدأ المؤلف يتكلم عن الأدب فقال: "والأدب الظاهر للعيان". "دلالة الباطن في الإنسان". هذا داخل فيما تقدم من أن صحة الظواهر تدل على صحة البواطن "وهو أيضاً للفقير سند". أي ستند إليه الفقير حالاً فيرتفع إلى المقامات العلى ديناً ودنياً لأن القلوب مجبولة على حب أهل الأدب "وللغني زينة وسؤدد". فالأدب يزين الفقير ويشرفه ويرفع قدره ومراده بهذا البيت أن الأدب لا يستغني عنه غني أو فقير "وقيل من يحرم سلطان الأدب". أي يمنع منه ولم يوجد فيه شيء منه "فهو بعيد ما تدانى واقترب". التداني والقرب بمعنى واحد والمعنى أن من لا أدب عنده فهو بعيد عن الله وعن خلقه مهما تصور دنوه في زعمه واقترابه في وهمه قال أبو حفص: التصوف كله أدب لكل وقت أدب ولكل حال أدب ولكل مقام أدب فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال ومن ضيع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب مردوده من حيث يظن القبول "وقيل من تحبسه الأنساب فإنما تطلقه الآداب". أي قال بعضهم من تحبسه الأنساب عن الارتقاء في المراتب تطلقه الآداب المرضية إلى أرفع المراتب، وبعد أن بين محل الأدب في الحياة بشكل عام رجع إلى التصوف فقال: "فالقوم بالآداب حقاً سادوا... منه استفاد القوم ما استفادوا".. القوم هنا هم الصوفية، أي ما ساد الصوفية وشرفوا إلا بالآداب وما استفادوا من العلوم والمعارف والأنوار والأسرار والكرامات الحسية والمعنوية إلا بالأدب ثم ذكر بعض آدابهم فقال: "إذ نصحوا الأحداث والأصاغر". الأحداث جمع حدث وهم من لم تنبت لحيته والأصاغر جمع صغير وهو هنا ما كان في السن دون الحدث، نبه على أن من أهم أخلاق الصوفية نصحهم الخالص لصغار السن والمُردَان أقول: مع ملاحظة احتياط الصوفية من صحبة المردان وخوفهم على قلوبهم وحالهم من هذه الصحبة فهم ينصحون مع احتياطهم لأنفسهم في عدم النظر وعدم الخلوة وفي الاحتياط في المصافحة وغيرها "وحفظوا السادات والأكابر". المراد بالسادات هنا العباد والزهاد والصالحون والعلماء العاملون والمريدون السالكون الذين لم يبلغوا رتبة المشيخة. والمراد بالأكابر ههنا المشايخ. وحفظ السادات والأكابر إنما يكون بالتوقير وبالاحتشام وبإعطاء الرتبة حقها من كل وجه. ثم ذكر آدابهم في الكلام فقال: "واجتبنوا ما يؤلم القلوبا".

هذا أدبهم مع كل مسلم فلا يتكلمون مع مسلم بما يوجعه في قلبه ولو كان نصحاً فالوعظ إنما ينفع إذا كان على وجه الملاطفة والسياسة ويتأكد ترك ما يؤلم مع الزوجة والأهل وكذلك مع الإخوان ثم ذكر آدابهم في العمل فقال: "وابتدروا الواجب والمندوبا". أشار بذلك إلى كمال عبوديتهم وأنهم يبادرون إلى القيام بحقوق مولاهم واجبة كانت أو مندوبة ثم ذكر آدابهم مع الشيوخ والإخوان فقال: "وخدموا الشيوخ والإخوانا". خدمة المسلمين أمر عظيم في أصول السير إلى الله لما تخلفه في نفوس أصحابها من تواضع ولما تعمقه من مفهوم الذلة على المؤمنين وهو أصل من أصول الأخلاق في الإسلام من يم يعتد على خدمة فإن بينه وبين الذلة على المؤمنين حجاباً كثيفاً ولا شك أن خدمة الشيوخ لها فضلها الزائد لما فيها من توقير الكبار فضلاً وسناً، واعتاد الناس أحياناً أن ينكروا أو يستكبروا مثل هذا وهو إنكار في غير محله فقد كان ابن مسعود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أنس بن مالك متفرغاً لخدمته عليه السلام. إن الاستكبار عن خدمة الإخوان والشيوخ مسألة مرتبطة بالكبر والعنجهية وغير ذلك من أمراض ينبغي أن يجاهد الإنسان نفسه فيها "وبذلوا النفوس والأبدانا". أي في هذه الخدمة خدمة الشيوخ والإخوان. ثم بعد هذا ذكر آدابهم في العلم وغيره فقال: "وأنصتوا عند المذاكرات". بمعنى أن كلاً منهم يعطي أخاه فرصة أثناء المذاكرات العلمية حتى ينهي كلامه فإذا تم كلام المذاكر تكلم بما عنده من غير رفع صوت ولا خصام ولا خروج عن الأدب "واحترموا الماضي معاً والآتي". المراد بالماضي من تقدم من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين والعلماء العاملين فضلاً عن الأئمة المجتهدين واحترامهم ألا يذكروا إلا بإحسان وأن يعرف على ماذا يحمل كلامهم.

والمراد بالآتي احترامهم لأهل زمانهم ولو جاؤوا بعدهم أو حتى من سيجيئون وهم في كبر في السن فلا ينظرون إلى الأجيال اللاحقة باحتقار بل يعرفون أن فضل الله لا حد له "وسألوا الشيوخ عما جهلوا". وذلك لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم وهو معلوم من الدين بالضرورة وإنما يسألون عما يحتاجون إلى معرفته في الحال من عمل أو حال أو مقام "ووقفوا من دون ما لم يصلوا". أي أنهم لا يتحدثون عن مقام لم يصلوا إليه حديث الزاعم أو الموهم أنه وصل إليه أو أنهم لا يسألون إلا عما يلزمهم مما يناسب حالهم ابتعاداً بأنفسهم عن التكلف أو أنهم لا يتحدثون إلا عن علم فما لم يصل إليه علمهم يتوقفون فيه فهم يقفون عن الحديث في شيء لم يصلوا إلى علمه "وعملوا بكل ما قد علموا" فعلمهم عظيم وعملهم مكافئ لعلمهم إذ العمل هو نتيجة العلم فعلم بلا عمل وسيلة بلا غاية، ومن كلامهم: العلم يهتف بالعمل فإن وجده وإلا ارتحل ومن عمل بما علم أورثه الله علم ما لا يعلم "وآثروا واغتفروا واحتشموا". فهذه ثلاثة أخلاق من أخلاقهم في العلم وغيره فهم يؤثرون على أنفسهم في الكلام ويؤثرون على أنفسهم في صدور المجالس والمحافل وكل ما فيه تعظيم إلا إذا قدمهم غيرهم هذا فضلاً عن إيثارهم في اللقمة والمال والمنصب وغير ذلك وهم يحتشمون عن الكلمة غير العفيفة أو غير المهذبة في المذاكرة أو غيرها سواء هاجمهم غيرهم أو ترك الأدب فضلاً عن احتشامهم من أن يتصرفوا تصرفاً غير عفيف أو يقولوا كلمة غير حميدة.

والمراد بالاغتفار المسامحة والعفو عن جفوة الإخوان الذين هم بعد في طور التربية والصبر على الغلظة في المذاكرة وغيرها " واحتكموا بالعدل والإنصاف". فهم يحتكمون للعدل والإنصاف ويحكمون إن حكموا بالعدل والإنصاف فيحكمون بالعدل على بعضهم بعضاً وعلى أنفسهم ومن توجه عليه حق من الحقوق أنصف وأذعن وانقاد للحق ولا يتعصب ولا تستغزه حمية الجاهلية. والإنصاف هو الاعتراف بالحق متى ظهر من غير توقف وكانوا يقولون: الإنصاف من شيم الأشراف "فوردوا كل معين صاف". الماء المعين هو الماء الجاري الذي لا ينقطع والصافي هو الذي لا تغيير فيه. والمراد أن الصوفية لما حكموا بالعدل واتصفوا بالإنصاف شربوا من العلوم أعذبها وأصفاها "وبعضهم كان ولبعض عوناً". تحقيقاً لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى}. فيعين المسلم أخاه المسلم بنفسه وماله وجاهه وعلمه وهمته وحاله ومناصحته وموادته إلى غير ذلك. "يلقى لديه دعة وأمناً". الدعة: الراحة. والأمن: الأمان، أي كل منهم يلقى عند أخيه راحة في نفسه وأمناً على نفسه وعرضه وأمانته وسره ومقاصده "ينصره في الحق حيث كانا". تحقيقاً لقوله عليه السلام "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً فقال تأخذ على يديه فترده عن ظلمه" رواه البخاري. "فإن أساء قارضه إحساناً". أي فإن أساء صوفي إلى أخيه في قول أو فعل سامحه وبذل له إحساناً في مقابل إساءته فهو يبادله بالإساءة إحساناً تحقيقاً لقوله تعالى {ادفع بالتي هي أحسن}. ثم بعد أبيات يتحدث فيها عن قضية يظنها الناس أدباً وليست أدباً يقول "والقصد من هذا الطريق الأدب... في كل حال منه هذا المذهب". أشار في هذا البيت إلى أن الطريق مبنية على الآداب بل هي الهدف في الطريق فمن لا أدب له لا طريق له، وبالبيت الأخير تنتهي الفقرة التي عقدها صاحب المباحث الأصلية في الأخلاق والآداب وقد نقلنا بعض التعلقيات عليها مستأنسين بشرح ابن عجيبة لهذه القصيدة كعادتنا تقريباً حيث علقنا على ما ننقله من هذه القصيدة وبمناسبة شرح هذه الفقرة ذكر ابن عجيبة: يعني أن باطن الطريق هو محل تنزل الأحوال والمقامات وهي القلوب والأسرار لأنها باطنة لا يعلمها إلا الله والفرق بين الحال والمقام أن الحال يتحول فيذهب ويجيء بخلاف المقام فإنه رسوخ وتمكين قال في العوارف: كثر الاشتباه بين الحال والمقام واختلفت إشارات المشايخ في ذلك ووجود الاشتباه لمكان تشابهما في نفسهما وتداخلهما فتراءى للبعض الشيء حالاً وتراءى للبعض مقاماً وكلا الرأيين صحيح لوجود تداخلهما ولا بد من ذكر ضابط يفرق بينهما على أن اللفظ والعبارة عنهما تشعر بالفرق، فالحال سمي حالاً لتحوله والمقام مقاماً لثبوته واستقراره وقد يكون الشيء بعينه حالاً ثم يصير مقاماً مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود ثم تزول فلا يزال العبد حال المحاسبة تعاهده الحال ثم يحول الحال بظهور صفات النفس وتنضبط وتتملكها المحاسبة فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه ثم ينازله حال المراقبة فمن كانت المحاسبة مقامه تصير له المراقبة حالاً ثم يحول عنه حال المراقبة لتناوب السهو والغفلة في باطن العبد إلى أن ينقشع ضباب السهو والغفلة ويتدارك الله عبده بالمعونة فتصير مقام المراقبة مقاماً بعد أن كانت حالاً ولا يستقر مقام المحاسبة قراره إلا بنازل حال المراقبة، ولا يستقر مقام المراقبة إلا بنازل حال المشاهدة فإذا منح العبد نازل حال المشاهدة استقرت مراقبته وصارت مقامه ونازل المشاهدة أيضاً يكون حالاً ويجول بالاستتار ويظهر بالتجلي ثم يصير مقاماً وتتخلص شمسه من كشوف الاستتار ثم في مقام المشاهدة أحوال وزيادات وترقيات من حال إلى حال أعلى منه كالتحقق بالفناء والتخلص إلى البقاء والترقي من عين اليقين إلى حق اليقين يقين نازل يخرق شفاف القلب وذلك أعلى فروع المشاهدة. (انتهى).

وكذلك التوبة والورع والزهد والتوكل والرضى والتسليم تكون أحوالاً ثم تصير مقامات فما دامت مجاهدة فهي أحوال فإذا كانت ذوقاً فهي مقامات وقد قالوا: الأحوال مواهب لأنها موهبة من الله جزاء على الأعمال والمقامات مكاسب لأن التمكين منها مكتسب بدوام الأعمال وفي التحقيق كلها مواهب.

2- قال السلمي: وعلى كل جارحة آداب تختص به قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}. وقال بعض المشايخ: حسن الأدب مع الله تعالى أن لا تتحرك جارحة من جوارحك في غير رضى الله عز وجل. فأدب اللسان أن يكون رطباً بذكر الله تعالى وبذكر الاخوان بخير والدعاء لهم وبذل النصيحة والوعظ ولا يكلمهم بما يكرهونه ولا يغتاب ولا ينم "يعني لا يمشي بالنميمة" ولا يشتم ولا يخوض فيما لا يعنيه وإذا كان في جماعة تكلم معهم ما داموا يتكلمون فيما يعنيهم فإذا أخذوا فيما لا يعنيهم تركهم وأمسك ويتكلم في كل مكان بما يوافق الحال فقد قيل لكل مقام مقال وقيل خلق الله اللسان ترجماناً للقلب ومفتاحاً للخير والشر وقيل إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك والزم الصمت فإنه ستر للجاهل وزين للعاقل قال صلى الله عليه وسلم وله يكبُ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم. وآداب السمع ألا تسمع الفحش والخنا والغيبة والنميمة والمناكر. وأنشدوا:

أحب الفتى ينفي المناكر سمعه

كأن به عن كل فاحشة وقراً

بل يسمع الذكر والوعظ والحكمة وما يعود عليه بالفائدة ديناً ودنيا، ويحسن الإصفاء إلى مكلميه ومخاطبيه ملتذاً بذلك. وآداب البصر الفض عن المحارم وعن عيوب الإخوان وعن المنكرات وعن المحرمات فإن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وقيل من طاوع طرفه تابع حتفه أي موته وفي رواية من أرسل طرفه مات حتفه وأنشدوا:

وإنك مهما ترسل الطرف رائداً

لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

ترى ما الذي لا كله أنت قادر

عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ثم قال السلمي: وقيل من غض طرفه تسم ظرفه، وقيل: من كثرت لحظاته دامت حسراته ويكون نظره بالاعتبار والاستدلال على قدرة الله تعالى وعظمته وجميل صنعه عارياً عن حظوظ النفس الأمارة بالسوء...وآداب القلب مراعاة الأحوال السنية المحمودة والتفكر في آلاء الله ونعمائه وعجائب خلقه قال الله تعالى: {ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} [آل عمران: 19]. الآية ومن آداب القلب حسن الظن بالله وبجميع المسلمين وتطهيره من الظن والحسد والخيانة وسوء الظن وسوء المعتقد فإنها من الخيانة قال الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء: 37]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح بصلاحها سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب" رواه البخاري. وقال سري السقطي: القلوب ثلاثة قلب كالجبل لا يحركه شيء وقلب كالنخلة أصلها ثابت والريح يميل بها يميناً وشمالاً وقلب كالريشة يذهب مع كل ريح ولا يثبت.

وآداب اليدين: "البسط بالبر والإحسان وخدمة الإخوان وألا يستعين بها على معصية الله تعالى. وآداب الرجلين السعي بهما في صلاح نفسه وإخوانه ولا يمشي بهما مرحاً ولا يختال ولا يتبختر ولا يزهو فإنها مما يبغضه الله تعالى وألا يستعين بهما على المعاصي".

وأما الأخلاق فالمراد بها حسن الخلق مع كل مخلوق ومرجعها إلى الحلم والعفو والصبر أو تقول مرجعها إلى أن تعامل الخلق بما تحب أن تعامل به أو تقول: مرجعها إلى كف الأذى وبذل الفدا والإنصاف فيما ظهر وما بدا وحمل الجفاء وشهود الصفا ورمي الدنيا بالقفا وقال الغزالي: هو ملك النفس عند الشهوة والغضب ويرجع إلى ما تقدم.

3- بمناسبة قول المؤلف "فالقوم بالآداب حقا سادوا..." قال ابن عجيبة: قلت السؤدد: هو الشرف أي ما ساد القوم وشرفوا إلا بالآداب مع الله ومع رسوله صلى الله عليه وسلم ومع أشياخهم ومع سائر المسلمين، فالأدب مع الله بامتثال أمره واجتناب نهيه والاستسلام لقهره وقال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الحكم: هو حفظ الحدود والوفاء بالعهود والتعلق بالملك الودود والرضى بالموجود وبذل الطاقة والمجهود، والأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وإيثار محبته والاهتداء بهديه والتخلق بأخلاقه والأدب مع الأشياخ بحفظ الحرمة وحسن الخدمة وصدق المحبة والأدب مع المسلمين بأن تحب لهم ما تحب لنفسك أو أكثر وتقدمت آداب الجوارح فلا بد منها وكذلك آداب الأوقات وهي تعميرها بالطاعات. فأوقات العبد أربعة كما قال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه: وقت الطاعة ووقت المعصية ووقت النعمة ووقت البلية فوقت الطاعة مقتضى الحق منك شهود المنة ووقت المعصية مقتضى الحق منك تحقيق التوبة ووقت النعمة مقتضى الحق منك الشكر ووقت البلية مقتضى الحق منك الصبر فإذا قام العبد بهذه الآداب كلها حصل له الشرف التام والمنزلة الكبرى عند الخاص والعام.

4- وبمناسبة قول المؤلف "إذا نصحوا الأحداث والأصاغر..." قال ابن عجيبة: ونصحهم بغرس الخير في قلوبهم كما قال ابن أبي زيد في رسالته: وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليها. وقال السلمي رضي الله عنه والصحبة مع الأصاغر بالشفقة والإرشاد والتأديب والحمل على ما يوجبه حكم المذهب ويدلهم على ما يوجبه حكم المذهب ويدلهم على ما فيه صلاحهم لا على ما فيه مرادهم وعلى ما يفيدهم لا على ما يحبونه ويزجرهم عما لا يعنيهم.

5- وبمناسبة قول المؤلف "واجتنبوا ما يؤلم القلوبا..." قال ابن عجيبة: ويرحم الله القائل:

إذا شئت أن تحيا ودينك سالم

وجاهك موفور وعرضك صين

لسانك لا تذكر به عورة امرئ

فعندك عورات وللناس ألسن

وعينك إن أبدت إليك معايباً

فصنها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف وجانب من اعتدى

وفارق ولكن بالتي هي أحسن.

للشافعي

قال الشيخ زروق فهذه الأبيات جامعة لجميع ما يؤلم القلوب بطريق الاجتناب فمن عمل عليها سلم من هذه الآفات التي أصلها كلها التجسس عن أخبار الناس وسوء الظن بهم. (انتهى). ونختم هذا الفصل بكلمة ابن عطاء في الأدب. وبكلمة للجنيد "خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجاً لك سنستدرجهم من حيث لا يعلمون، من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد. وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد". ويقول الجنيد: "ما أخذنا التصوف عن القيل والقال والمراء والجدال وإنما أخذناه عن الجوع والسهر وكثرة الأعمال".

فصل في بعض آداب الشيوخ:

من أدب الشيوخ والمربين والدعاة أن يبدأوا مع الآخرين باللطف والإيناس والرفق قبل أي شيء ليصلوا إلى قلوبهم ويستكشفوا استعداداتهم ويزيلوا ما بينهم وبينهم من الحجب. فكثيراً ما يهجم المربي أو الشيخ أو الداعية على الآخرين بأنواع التكاليف وأنواع الطلبات فينفر الآخرون أو يفرون وفي ذلك من الخطأ في الأسلوب ما فيه بل ذلك يجافي الحكمة. إن هناك فارقاً بين مريد جاء إلى شيخ وطلب منه أن يقرأه كتاباً، إن مثل هذا لو بدأ معه في العلم مباشرة فذلك جيد ولكن أحياناً يأتي إنسان مسترشداً أو يبدأ إنسان مع مرب صلة جديدة ففي مثل هذه الحالة لو بدأت المسألة بالتعارف والسؤال والجواب والتعليق اللطيف ثم التكليف غير المرهق فإن ذلك يكون أجود في بعض الحالات وفي ذلك يقول الجنيد: إذا لقيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق فإن العلم يوحشه والرفق يؤنسه.

وعلق الإمام الغزالي على هذا بقوله: وبرفق الصوفية بالمتشبهين بهم ينتفع المبتدئ الطالب وكل من كان منهم أكمل حالاً وأوفر علماً كان أكثر رفقاً بالمبتدئ الطالب". ومن آداب الشيوخ والمربين والدعاة أن يحاولوا نقل الإنسان ولو نقلة بسيطة في الخير فكل نقلة في الخير مهما كانت قليلة فإنها تدفع بالإنسان إلى الله لأن الله عز وجل أنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه باعاً وعلى هذا فأي زحزحة للإنسان من حال إلى حال أعلى منه مع النية الصالحة تدفع الإنسان نحو باب الله عز وجل. ولذلك فإن المشتغلين في الدعوة والتربية عليهم أن يلاحظوا دائماً قضية نقل الإنسان نقلة ما مهما كانت بسيطة لأن هذه النقلة قد تكون مقدمة لما هو أعلى منها وأرقى. ومن آداب الشيوخ: الإنصات الكثير لكل متكلم ومعرفة ما يصدق وما لا يصدق والتمييز بين من يصدق وبين من لا يصدق ثم حدود الموافقة للآخرين وهذا كله نأخذه من قوله تعالى: {ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين}. ومن قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم}. فكل ما فيه مشقة بالمسلمين وإرهاق لهم لا يطيع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وكان من أدبه عليه الصلاة والسلام أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً". ثم إن الأدب الرئيسي للشيخ بعد التعليم هو التزكية والتزكية تدور بين تخلية وتحليه ومهمة الشيخ أن يبقي إخوانه دائماً في حالة ترق دائم وفي باب التحلية والتخلية أنت بين أمرين: إما أن تتحلى بخلق وتتخلى عن خلق ثم تنتقل إلى آخر وثم حتى تصل إلى الذروة وإلى الكمال وهذا طريق وإما أن تضرب بضربة واحدة أصل كل خلق ذميم وتتحقق بالأصل الذي ينبع عنه كل خلق حميد ثم يأتي كل شيء بعد ذلك ويكون الكمال وهذا طريق آخر. يقولون إن الاسكندر المقدوني قبل أن يبدأ فتح العالم مر على معبد وهناك قال له الكهنة إن العالم لا يفتحه إلا من استطاع أن يحل عقد هذه الكتلة من الخيوط المعقود بعضها ببعض فما كان من الاسكندر إلا أن ضرب الكتلة بسيفه فانحلت عقدها كلها وكذلك الشيخ الكامل إذا جاءه المريد الصادق فإنه بضربة واحدة يستطيع أن يحل له عقده كلها ليجعله ينطلق من جديد. إن أخصر طريق لتحقق النفس بكل كمال وتخليتها عن كل نقص أن توضع النفس في ظرف تتخلص فيه دفعة واحدة من ربوبيتها وتتخلق بعبوديتها متحلية بصفات الكمال وأعظم المربين هو الذي يستطيع أن يعرف كيف يضع المريد في نقطة البداية هذه وأصدق الطالبين من لا يبالي أن يفعل ما أمر به في سبيل الوصول إلى هذا...

ولنشرح المسألة: حضيض الأخلاق السافلة، الكبر والعجب والرضى عن النفس إذ عن هذه الأخلاق تنبع كل رذيلة فمتى كان في القلب شيء من هذا حجب عن الحق وعن قبوله وحجب عن الانتفاع وحجب عن الله وآياته وبدون أن يتخلص القلب من هذه الأمراض فلا فائدة ترجى منه ولا يتوقع أن يتفجر خيره بل كل خلق سيء يمكن أن يتراكم عنده، الحسد والحقد والعدوان والغل والبغي والصد عن سبيل الله وغير ذلك كثير ويكفي للتدليل على ذلك قوله تعالى:{سأصرف عن آياتي الذي يتكبرون في الأرض بغير الحق...} وإذاً فالطريق الأخصر هو أن يتخلى الإنسان عن هذه المعاني كلها دفعة واحدة وبداية ذلك أن يكون عنده استعداد للتلقي فمن رضي أن يكون تلميذاً وأن يضع نفسه في حجر التربية فإنه يتخلى مباشرة عن قسم كبير من هذه المعاني فإذا كان المربي عارفاً بالله عالماً بالشريعة خبيراً بأمراض النفوس أشار عليه بأمر ما أو ألزمه إياه فحرره من البقية الباقية من هذه المعاني من نفسه كأن يأمره بخدمة إخوانه أو يأمره بالتواضع لخلق الله والجلوس حيث انتهى به المجلس أو يأمره بالتلمذة على من دونه أو على مخالفة نفسه، فإذا فعل طالبُ اللهِ مثلَ هذا فإنه مباشرة يتحرر من كل قيد ويصبح وقد أسقط الخلق من اعتباره ولم يعد يرى إلا الخالق لينطلق مباشرة بقلب جديد. إن هذه مهمة الشيخ الأولى ثم تأتي بعد ذلك مهماته الأخرى ولكن هذا الطريق لن يتم له إلا إذا وجد صدق عند المريد، إن أكثر الناس لا يجتمع لهم العلم والشعور والعمل أو العلم والحال ولا يعرفون الطريق لاستكمال كل من هذه.

وهذا باب من الجهل عظيم ولا نقصد طبعاً العلم بالدنيا إن هناك علماً بالله وعلماً بشريعته ومع وجود علم الله وعلم بشريعته لا نجد تقوى أحياناً وإذا وجدت تقوى فلا نجد كمالاً في الأخلاق فما السر في ذلك؟ السر يعود إلى أن العلم بالله لم ينتقل من إطاره الفكري والعلمي إلى إطاره الذوقي والشعوري وإذا لم ينتقل إلى إطاره الذوقي والشعوري فإنه لا يكون موجهاً التوجيه الكامل وعجز المربين أحياناً يكمن في كونهم لا يعرفون الطريق إلى نقل الإنسان من العلم الاستدلالي بالله إلى العلم الشعوري به جل جلاله ومن ثم يبقى فارق كبير بين العلم والشعور {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} بين العلم والشعور والعمل المتناسب معهما وقد لا يكون السبب عجزاً في المربي وإنما زهد في الناس لعدم المعرفة بالقيمة الحقيقية للأشياء فمن كانت عنده أعلى قيمة في هذا الوجود لمعرفة الله وكان يعلم أن ما يزيده معرفة في الله يشترى بالأرواح مثل هذا قريب أن يحصل، أما من كانت قيمة هذه المعاني عنده قليلة فأنى له أن يبذل لذلك جهداً أو أن يعمل أن في ذلك عملاً. ولننتقل من هذه التعميمات إلى الجواهر: أن تعرف أن الله سميع وبصير وقدير هذا فرض الفروض عليك ولكن أن تشعر بأن الله يسمعك ويراك وأن كل شيء في هذا الكون فعله الله ثم أن يرى قلبك أن أفعالك كلها فعل الله هذا أثر صحيح للمعرفة الأولى.

إن مشكلة كثير من الخلق أن إحساساتهم القلبية تقف عند حد واحد لا تتعداه ومهمة المربي أن ينقل الإنسان في عالم الإحساسات من مرحلة إلى التي تأتي بعدها بشكل تلقائي وألا يبقيه عند إحساسات أدنى مع وجود إحساسات أعلى منها إن هذا هو طريق التربية الصحيح وهذا هو الطريق لاستكمال شرط العمل الصحيح فبقدر المعرفة الشعورية لله يكون الالتزام بأمره بقدر ما تعرف أن كل شيء فعله تتحقق بالتوكل وبقدر ما تعرف أن ما سواه فان يكون الإخلاص له وبقدر ما تعرف جلاله تخشى معصيته وبقدر ما تعرف من حماله تطيعه والشيخ مهماته تدور في هذه الدوائر أولاً فإذا فشل في هذه الدوائر فإنه على غيرها كذلك عاجز... إن مهمة الشيخ الأولى التعليم والتزكية وهذا يقتضي جهداً وترتيباً وتنظيماً لكثير من الأمور فالسير لا بد في من المذاكرة الدؤوب والحكمة الملهمة عند المربي، وتمر على الطالب فترات من الفتور وفترات من النشاط وفترات من الجدب الروحي وفترات من غلبة الشهوة ومن ثم كان الاجتماع العام وحضور الاجتماع العام ضرورياً لتأخذ روحه من أرواح إخوانه ويمتص قلبه من أحوال إخوانه وليسمع ما يستجيش بواعث الطموح نحو الربانية في قلبه فللاجتماع بركة خاصة وسكينة خاصة وتجليات خاصة... إذا اتضح هذا كله فهل للوصول إلى هذه المعاني طريق خاص وذكر خاص؟ الذي عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه والذي تؤيده السنة ويشهد له حال الأمة أنه ليس لذلك ذكر بعينه بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يلقن ورداً بعينه لكل صحابي وبدليل أن الطرق الصوفية لكل منها وردها مع أنها تقول إن النهاية واحدة فالمسألة إذن ترجع إلى حكمة المربي واستعداد الطالب وحاله فلكل ذكر آثاره في النفس والأنفس مختلفة والمهم أن يكون المربي عارفاً بتأثير كل ذكر على حال الإنسان وأن يعطي لكل إنسان ما يناسب حاله الذي هو فيه وأن يلفت نظره إلى أن يلاحظ ما تنبغي ملاحظته... فإذا أمره بلا إله إلا الله مثلاً يلفت نظره إلى معنى من معاني لا إله إلا الله مرة وإلى معنى آخر مرة أخرى أو بأمره بملاحظة المعاني واحداً بعد واحد في الجلسة الواحدة وإذا أمره بذكر اسم الله / الله / يأمره بملاحظة أن يقرأ الوجود الظاهر كله بهذا الاسم ثم يقرأ الوجود الغيبي كله بهذا الاسم ثم وثم. هذا كله من مهمات الشيخ الأولى ولكن له بجانب ذلك ومع ذلك وفوق ذلك مهمات. أن يربي المسلم على أنه جزء من أمة وأن يربيه على القدرة على الكون في الصف الإسلامي الواحد ثم أن يكون هو وإياه في هذا الصف سائرين في الطريق لتحقيق الأهداف الاسلامية على كل مستوى وتحمل ما يقتضي ذلك من تضحيات ومحن وما يستلزم ذلك من صراعات وأدوات صراع وبصر دقيق في مستلزمات ذلك. إن هذا كله أدب الشيخ بل واجبه، وفي مقابل ذلك فإن المريد لا بد أن يتحقق بالصدق في الطلب وأن يملك حسن الأدب وأول ذلك الاحترام الكامل الذي لا يمنع من قولة حق بل من النصيحة الخالصة يقدمها للشيخ. فنحن أمة يجمعها أدب احترام الصغير للكبير ورحمة الكبير للصغير في إطار النصيحة الخالصة فيما بين الجميع. والشورى الواسعة التي هي أدب الجميع مع ملاحظة أن لكل قضية دائرة من الشورى بحسب هذه القضية.

"فصل في الأخلاقية العامة للصوفي":

قال صاحب المباحث: "ونسبوا الصوفي للكمال" وذلك لوراثته العلم والعمل والحال وأخذه الكمال من مقامات الإسلام والإيمان والإحسان والتقوى والشكر أخذ من مقام الإسلام أعلى درجات العمل وأخذ من مقام الإيمان أعلى درجات اليقين والاطمئنان وأخذ من مقام الإحسان أعلى مراتب المراقبة والمشاهدة وأخذ من مقام التقوى كمال الاستقامة على أمر الله وأخذ من مقام الشكر خالص العبودية الظاهرة والباطنة "وضربوا معناه في المثال". وضربوا للصوفي أمثلة شبهوه بها تعبيراً عن تحصيله لهذا الكمال وهي ما سيأتي "فهو كالهواء في العلو". أي الصوفي كالهواء في اللطف وفي احتياج الخلق له مع عدم شعورهم بوجوده تقريباً فتصرفاته في غاية اللطف وفي غاية البساطة والناس في غاية الاحتياج إليه ولا يكادون يحسون به إلا عند فقده لكثرة اللطف وعدم التكلف وانسجام الفعل مع العقل والفطرة والسلوك القريب إلى النفس ثم هو كالهواء من حيث ارتفاعه عن الأرض مع مخالطته لها فهو مع أبناء جنسه من بني البشر ولكنه في علو الهمة وفي الإقبال على الله مباين للآخرين مرتفع عنهم لا مترفع وشتان بين الحالين "ثم كمثل الأرض في الدنو". فهو كالأرض للمسلمين يطؤونها وتتحملهم وتعطيهم من ثمارها الخيرة بل يطرح عليها كل قبيح وتعطي المليح فالصوفي في غاية التواضع وفي غاية الحلم وفي غاية التحمل وفي غاية العطاء "ثم كمثل النار في الضياء". أي هو كالنار في كونها تضيء من ناحية ومن ناحية أخرى تحرق ما يلقى فيها فالصوفي ينير للخلق الطريق ويحرق كل الأخلاق الرديئة في نفسه كما أنه يحرق من خلال الكلمة والقدوة والتوجه الأخلاق الرديئة عند كل من يخالطه أو يصحبه أو يتتلمذ عليه. "ثم كمثل الماء في الأرواء". فالصوفي يروي القلوب الظمأى إلى الخير المحتاجة إلى الري بالإيمان واليقين ويروي الأرواح الظمأى إلى معرفة الله والعبودية له. ويروي العقول الظمأى إلى الحقائق الخالصة، فالصوفي الكامل إذن هذا شأنه في لطفه وتواضعه وإنارته للطريق لخلق الله وريه لمريدي وجه الله عز وجل.

"فصل في طريقه حكيمة في الدعوة إلى الله":

كان بعض شيوخنا يرى أنه في عصرنا ينبغي أن نلاحظ أمراً مهماً في الدعوة إلى الله من أجل إرجاع المسلم إلى إسلامه. إن هناك كثيراً من الحالات يصادفك مسلم قد عقدته أشياء كثيرة حتى كاد الكفر أن يسرقه أو سرقه فعلاً فلم يبق له من الإسلام إلا الاسم، وفي كثير من الأحيان لا تجد فرصة لتقول لهذا الانسان شيئاً ثم نحن الآن في مرحلة ضعف فكان الشيخ ينصحنا أن نستعمل سلاح الإحسان، فالإحسان هو الذي يستخرج الخير من قلب الإنسان إن كان فيه خير، ومن الإحسان التحمل والصبر، ولقد كان من خلق رسولنا عليه السلام أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، إنه من خلال الإحسان يمكن أن نصل إلى بعض القلوب ومن خلاله نستطيع أن نقول كلمة أو نخفف حقداً ويكون ذلك كله وسيلة هداية. ولا بد من الإخلاص في هذا الشأن وغيره لا بد من ملاحظة أدب الوقت وحق الوقت وواجب الوقت ثم حكم الله في موقفنا المناسب من كل حالة. إذ ذكر علماؤنا أن الدعوة إلى الله بدايتها البيان ثم الوعظ ثم التعنيف ثم وثم وهذه النصيحة تصلح كمقدمة للبيان في بعض الحالات وتصلح إذا كان حق الشرع يقتضي منا ذلك، ولكن قد يكون حق الشرع في بعض الحالات أن نهجر أو نعنف أو غير ذلك وكل ذلك ينبغي أن يراعى، ولا يوفق إلى أن يضع الأمور في مواضعها إلا حكيم ولا حكمة إلا بتوفيق الله عز وجل.

"فصل في خلق عظيم يحرص عليه الصوفية":

من العبارات الصوفية المشهورة "الصوفية بخير ما تناكروا". هذه العبارة من أشهر العبارات المتوارثة في حلقات التصوف والمعنى أن الصوفية بخير ما أمر بعضهم بعضاً بالمعروف ونهى بعضهم بعضاً عن المنكر، أي هم بخير ما لم يسكت أحدهم عن منكر أخيه فضلاً عن سكوته عن منكر الآخرين والحقيقة أن المسلمين جميعاً لا يكونون بخير إلا بهذا الخلق فالله عز وجل قال: {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. فلا فلاح للإنسان إلا إذا اجتمع له إيمان مع عمل صالح وتواصن بالحق وبالصبر. فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر أحد أركان النجاة عند الله عز وجل ولقد استحق اليهود اللعنة من الله بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم وقد أنذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باستحقاقنا للعنة الله عز وجل وتشتيت قلوبنا كما حدث لليهود إذا لم يأمر بعضنا بعضاً بالمعروف ولم ينه بعضنا بعضاً عن المنكر إن من سنة الله عز وجل أنه لا يؤلف بين قلوب عباده إلا إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خلقاً من أخلاقهم قال الله عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله} [التوبة: 72].

فمن اجتمعت لهم هذه الصفات فقد وعدوا من الله عز وجل بالرحمة التي من آثارها وحدة القلوب على الله عز وجل: قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 119]. فالمحرومون هم الذين لا يختلفون، ولا مرحومين هذه الرحمة الخاصة إلا من اجتمع له مجموعة أخلاق من جملتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأين هذا من حال الناس اليوم حتى في دوائر العاملين للإسلام، وهذا مظهر من مظاهر الخلل، أما في دوائر الصوفية فالأمر في كثير من الأحيان يكون على عكس ذلك فبدلاً من أن يربى الإنسان على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة يربى على التسليم لحال الشيخ حتى لو رآه المريد على المنكر، وبدلاً من أن يعرف المريد على المعروف كله وعلى المنكر كله من خلال العلم الصحيح فإنك تجد الجهل بالمعروف والمنكر عاماً وطاماً في بعض الدوائر لدرجة يصبح فيها المعروف منكراً أو المنكر معروفاً وما أصعب ذلك وما أبعده عن هدي دين الله عز وجل، ولهذا كله فإنه لا بد من عودة كاملة إلى هذا الخلق حتى يأخذ طابع البديهية والعادة في الفكر والسلوك فيصبح الواحد منا بكل بساطة يقول لأخيه هذا خطأ يا أخي ويقول له الآخر: جزاك الله خيراً يا أخي وبكل أدب يقولها الصغير للكبير وبكل إخبات للحق يقبلها الكبير ولو جاءت على لسان الصغير، وبكل رحمة يقولها الكبير للصغير وبكل فرح يقبلها الصغير من الكبير وأما الشيخ فينبغي أن يهش لذلك ويبش ليعود المريدين على ذلك ولا بد للجميع من أن يقفوا موقفاً حازماً من المنكر حتى ينتهي مهما كلفنا ذلك مع ملاحظة أنه ينبغي أن يزال المنكر بالطريقة الحكيمة التي لا يترتب عليها منكر أكبر وألا يتجاوز في الإنكار الحدود الشرعية، ولحجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين بحث عن المنكر ما أظن أن الإنسان يعثر على مثله في بابه فليراجع.

"فصل في بعض آدابهم في الطعام":

من كلام صاحب المباحث الأصلية في هذا الموضوع: "وأدب القوم لدى الطعام". "فمنه ترك الاهتمام". أي آداب القوم عند تناول الطعام أو قبله كثيرة: فمنها عدم اهتمامهم به قبل الحاجة إليه إلا إذا كان على الإنسان مسؤولية في شأنه لغيره "وقله الذكر له إن غابا". أي من آدابهم قلة ذكر الطعام قبل حضوره لأن ذكره دليل تعلق النفس وتشوقها إليه "لكونه عندهم حجاباً". أي لأن ذكره حجاب عن أشياء كثيرة باشتغال النفس فيه لو لوعها به طلباً وذكراً فأن يكثر الإنسان من ذكره فذلك انشغال وتضييع لأوقات كثيرة في غير مهم هذا عدا عن كون ذلك من علامات ضمور الهمة وعدم المبالاة بالمروءات "بل أنزلوه منزل الدواء، عند العليل بغية الشفاء". أي أن الصوفية أنزلوا الطعام والشراب منزلة الدواء لقيام هذا البدن فلا يتناولون منه إلا قدر شفائه وهو ما به قوامه أخذاً من الحديث الصحيح "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه". فلا يتناولون منه إلا قدر قوام البدن ولا يذكرونه ولا يهتمون به إلا قليلاً اشتغالاً عنه بما هو أهم من ذكر أو فكر أو شهود أو معاملة ظاهرة وإذا تناولوه قصدوا به التقوي على طاعة الله "ولم يكن همهم بجمعه... وكسبه وفضله ومنعه". إذ أن هم السائر إلى الله الوصول إلى الله والوصول إلى رضوانه كما أن من آدابه أن يلحظ في كل عمل من أعماله أن يكون عمله كله طاعة لله وتنفيذاً لأمره جل جلاله فإذا أصبح تأمين الطعام في حقهم أو في حق عيالهم فرضاً أو واجباً أو سنة فهم عندئذ يعملون ملاحظين ذلك. قال ابن عجيبة "ومن اشتغل منهم بشيء من الأسباب فإن ذلك قياماً برسم العبودية وإن حصل منها شيء كانوا فيه أمناء على وجه أنهم خزان المملكة يترصدون سدّ الخلل فيمسكون ما أمروا بإمساكه ويرسلون ما أمروا بإرساله والمراد بالفضل في البيت زيادات الطعام فليس همهم زياداته وليس همهم بمنع الطعام عن خلق الله بل في غير ذلك مما ذكرناه "ولا استقلوه ولا عابوه". أي من آداب القوم عند حصول الطعام ألا يستقلوه بأن يصغروه ومن آدابهم ألا يعيبوا طعاماً تحققاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الحديث ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قط كان إذا اشتهاه أكله وإلا تركه" (متفق عليه). فهم لا يحتقرون الطعام ولو كان قليلاً في الحسن أو رديئاً فمن آدابهم أن يتلقوا القليل من صاحبه الذي أتى على يديه بالبسط والفرح والتعظيم والتكثير والتبريك ويبتدئون بأكله قبل غيره تطيباً لخاطر صاحبه ورفقاً بقلبه وكذلك يفعلون في الطعام الخشن أو الرديء "ولم يكن قصداً فيطلبوه". أي أن الطعام عند الصوفية لم يكن مقصوداً لعينه فإنهم لا يطلبونه على وجه يصبح هدفاً في حد ذاته كحال الجشعين والشهوانيين "والقوم لم يدخروا طعاماً". وهذا ذروة الأدب في شأن الطعام وغيره. قال تعالى: {ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}. فالصوفية المتقدمون في شأن الطعام وغيره، كانوا يأخذون قدر حاجتهم في الوقت ويتصدقون بالزائد... وقد اختلف اجتهاد المتأخرين منهم بعد انتشار الحرام وشح الناس وتعطل الأحكام في المجتمع الإسلامي حتى اعتبر بعضهم أن استفتاء الشيخ عن مريديه من أخلاقه وذلك لا يتأتى له إلا إذا كان ذا مال وهم في الأصل لا يحرمون الإدخار فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخر قوت تقدر لسنة في أخريات حياته عليه الصلاة والسلام فالموضوع إذن له أحواله المتعددة والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً "بل تركوا الحلال والحراما". تركوا الحرام تقوى وتركوا التوسع في الحلال ورعاً. قال ابن عجيبة: فتركوا الحلال زهداً وتركوا الحرام تقوى وتركوا المتشابه ورعاً "إلا يسيراً قدر ما تيسرا". أي إلا قليلاً من الحلال بالقدر المتيسر والذي دعاهم إلى التقلل حتى من الحلال تعذر الحلال المحض بسبب فساد المعاملات وضعف الفقه في الحلال والحرام عند أكثر الخلائق وقلة الورع ولذلك قال "إذ الحلال المحض قد تعذرا". الحلال المحض هو الخالص الذي لا شوب فيه ولا اختلاف، أو هو الحلال بالنسبة لعلم الله وذلك لم يكلفنا به الله عز وجل، ولما كثر الفساد وأصبح هذا النوع من الحلال الخالص قليلاً فإن الصوفية ألزموا أنفسهم بأن يأكلوا ضمن حدود الحاجة فيما لم يعلموا حرمته قطعاً وما أكثر هذا النوع، قال ابن عجيبة: وكثيراً ما يجري على ألسنة المتدنيين أن الحلال ضالة مفقودة أو معدوم وهو أمر يجعلونه عكازاً للاسترسال وأخذ كل ما والاهم. بل الحلال موجود ولو لم يكن موجوداً في كل زمان ما كلفنا بطلبه ولا انقطع أولياء الله إذ هو قوتهم وذلك باطل وإذا حرمت الكل حللت الكل وكل من بيده شيء يستأنف فيه حكم الله، ومن كلام ابن عجيبة: إذا فقد أي الحلال رأساً أقيم من عشرة أشياء: تجارة بصدق وإجازة بنصح وأعشاب الأرض غير المملوكة وهدية من أخ صالح وصيد البر حيث يباح وصيد البحر ومهر النساء بطيب نفس وقسمة المغنم على وجه شرعي والميراث على أصل مجهول والسؤال عند الحاجة".

أقول وللغزالي في إحيائه بحث نفيس في قضايا الكسب فليراجع ويمكن أن يتوصل إلى المال الحلال عن طرق أخرى غير التي ذكرها الشيخ وبعض العلماء قالوا: إن المال الحرام لا يتجاوز ذمتين فإذا وصل انسان إلى مال حرام ولم أعرف عينه ثم انتقلت ملكية هذا المال إليّ بطريق مشروع حتى بالهدية فإن هذا المال في حقي حلال على رأي هؤلاء ولذلك فإن أكثر العلماء مذهبهم عدم التدقيق في السؤال عن أصل الأشياء ولذلك ذهبوا إلى أن الحلال ما جُهل أصله "وجنبوا طعام أهل الظلم... والبغي والفساد خوف الإثم". قال ابن عجيبة: "أهل الظلم هم ملوك الجور والعمال المضروب على أيديهم وأهل البغي هم السراق والمحاربون وأهل الفساد من يتعامل بالربا وبالعاملة الفاسدة ولا يتحاش من الحرام". وقال الشيخ زروق "وأما تجنبهم طعام الظلمة ونحوهم فلوجوه "أحدها" ما في إرضائهم من الموالاة التي لا تحل أي لأنهم يفرحون بأكل طعامهم من أهل الصلاح والخير مع ما هم عليه من الظلم ما لم يخش الضرر الواضح "الثاني" ما فيه من تسلطهم على المنتسبين إما بسوء الظن بالجهل لاعتقادهم حرمة ما بأيديهم وأن من يأكله لا خلاق له فيستهينون بهذا الشخص بل بكل أهل جنسه يجعله حجة على غيره فمن لا يقدر أن يتوسع توسعه لورع أو ضيق حظيرة أي ضيق دائرة معرفته فيقول له فلان أكبر منك أكل طعامي وما تكون أنت منه فيؤذي ذلك "الثالث" ما فيه إعانتهم على ما هم فيه إذ يرون أنفسهم حينئذ أنهم من أهل الخير "الرابع" ما في ذلك من ميل النفس لهم ومحبتهم، حكى أبو نعيم في حليته أن ابن المبارك دخل على الخليفة فوعظه وذكّره فأعطاه مالاً فاشترى به عبيداً فأعتقهم فقال له محمد بن واسع في ذلك فقال له: ذكّرتهم بالله ووعظتهم وأخذت منهم مال الله وصرفته في وجهه فقال محمد ابن الواسع (الله) قسم قلبك الآن لهم كما كان؟ قال: لا. فاستغفر رحمه الله على الجميع "الخامس" ما في ذلك من تناول الشبهة من غير ضرورة فقد قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: من كان من فقراء هذا الزمان مؤثراً للسماع أكولاً لأموال الظلمة ففيه.

نزعة يهودية قال الله تعالى "سماعون للكذب أكالون للسحت". هل باختصار "السادس": ما يلحقه بسبب ذلك من الذلة وتغيير الحال كما اتفق لكثير من الناس واتخذو بعضهم أي بعض الكبراء سياسة فإذا رأي فقيراً ستظهر عليهم بالقوة وخافوا دعوة أو غيرها والوه واحتالوا عليه حتى يدخل في أيديهم فلا يمكنه التعزز عليهم وقد كان بعض مشايخ المغرب يقول: الفقير لا يمشي بالليل ولا يهرب بالنهار إن رأى ما يخاف ولا يأكل طعام الظلمة (قلت) لأن هذه كلها تورث الذل. "السابع" ما في ذلك من فتح باب التشويش باعتقاد الناس أن له عندهم جاهاً فيتوجهون له بطلب الشفاعة وذلك أمر لا يمكنه استيفاؤه وقلما تعلق به رجل فسلم في ديانته والله تعالى أعلم وهذا كله ما لم تكن ضرورة والمرء فقيه نفسه "بل أكلوا مما استبان حله غير الذي لا يعرفون أصله" قال ابن عجيبة: يعني أن القوم لا يأكلون إلا ما ظهر حله وتحققت اباحته لا يأكلون مما لا يعرفون أصله هل هو حلال أو حرام ولعل ذلك مع قيام الريبة والشك. أقول وقد مر معنا هذا الموضوع من قبل فراجعه.

"ولم يكونوا كرهوا الكلاما

عليه لكن كرهوا الارغاما"

قال ابن عجيبة: الكلام على الطعام حسن لأن السكوت على الطعام يدل على الشره. والنهمة ويستحب أن يكون بعلم أو بحكايات الصالحين ويكون الكلام بعد بلع الطعام لا في حال مضغة لأنه ربما يخرج شيء من فمة فيسقط في الطعام فيقذره على غيره فلا يتكلم الآكل ما دام الطعام في فمه وقد ذكر عن بعض المشايخ أنه استحب أن يسمى عند كل لقمة ويحمد عند ابتلاعها قال ابن الحاج وهذا أمر حسن لكن السنة لم ترد به وهي أحسن من كل ما سواها فلم يكن القوم يكرهون الكلام في حال الطعام ولكن كانوا يكرهون الإرغام أي التمتم على الإخوان في الأكل لما في ذلك من التكلف المنهي عنه بل الأدب في ذلك تركه يفعل ما يشاء وقد يكون قولك له سبباً في رفع يده حياءاً وإذا شعر صاحب الطعام أن ضيوفه يخجلون من الأكل عند حضوره فإنه يحاول أن يتغيب بحجة عمل أو غيره ليعطيهم فرصة يأخذون فيها حريتهم:

ويكرهون الأكل مرتين في اليوم والمرة في اليومين.

المراد باليوم هنا النهار. قال ابن عجيبة والمراد باليوم بياض النهار من الفجر إلى الغروب. وقال: ويفهم من كلام الناظم أن الممدوح هو الأكل مرة في اليوم يعني مرة في النهار ومرة في الليل وهو الوسط وأن الأكل مرة في اليومين تفريط كما أن الثلاثة في اليوم إفراط. قال الشيخ زروق: وهذا حكم من اعتدل مزاجه أو قارب فأما من انحرف إلى حد الإفراط أو التفريط فلا ينبغي أن يهمل حكمه بل يعمل بما يصلحه من غير إخلال ولا بعد عن الحق فإن الشبع المفرط الذي يفسد المعدة ويضيع الطعام من غير احتياج محرم والذي يثقل الأعضاء ولا يفسد شيئاً مكروه على خلاف فيه، والأولى بالشخص ألا يأكل حتى يجوع متوسطاً وهو الذي يشتهي ما يقوم به أوده أي قوامه من معتاد طعامه ولا يفرط إلى أن يشتهي كل خبز فإنه مضر بالفكرة مخل بالقوة ولا يفرط بحيث يأكل بالتشهي وهو طلب الطعام مقروناً بالشهوة، أقول يمكن أن يستأنس للأكل مرتين في الأربع والعشرين ساعة بالقياس على الصيام فأكلة للسحور وأكلة للفطور، ويقول تعالى في وصف حال أهل الجنة: {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً}.

وعلينا أن نلاحظ أنه ليست العبرة في أن يكون أكله بالليل أو النهار فإن بعض البلدان قد يكون نهارها ثلاثة وعشرين ساعة فالعبرة إذن أن يكون لنا في الأربع وعشرين ساعة أكلتان وهذا من باب الأدب ونلاحظ في حياة العرب بشكل عام قبل الإسلام وبعده أن لهم شربتين: شربة الصباح ويسمونها صبوحاً وشربة الليل أو المساء ويسمونها غبوقاً، وشرابهم في كان الحليب وقد وردت في نصوص السنة اشتقاقات الغبوق الغبوق وورد في صحيح السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب آخر سهره وقد اعتاد الناس في زماننا على شرب الشاي والقهوة بحليب أو غير حليب في كثير من الأوقات فإذا استطاع الإنسان أن تكون له أكلتان رئيسيتان في الأربع والعشرين ساعة وشربتان مساعدتان في الأربع والعشرين ساعة مع الاعتدال في كل ذلك فإنني أرجو ألا يكون بأس في ذلك ولا شك أن أهل عصرنا توسعوا في الطعام والشراب حتى ظهر فيهم السمن وأصابتهم الأمراض ولذلك لا بد من عودة إلى السنة في شأن الطعام ولا شك أن كثرة وجبات الطعام فليلاحظ ذلك وليلاحظ مجموع آداب المسلم في هذا الموضوع وغيره فإذا دعي المسلم فلذلك آدابه والوضع العادي له آدابه والوضع الاستثنائي له آدابه والإسراف دائماً حرام أو مكروه على حسب درجته.

وفضلوا الجمع على الإفراد

فيه لأجل كثرة الأيادي

فهم إذن يفضلون الأكل جماعة على الأكل فرادى لتحقيق سنة تكثير الأيدي على الطعام وفي ذلك من التماس البركة الحسية والمعنوية ما فيه كما أن فيه مراناً على العفة وعدم الحرص والشره لأن أكل الإنسان منفرداً دليل على البخل أو الحرص أو النهمة إلا لضرورة شرعية أو ضرورة عادية ويلاحظ الانسان من يأكل معه فقد قال الجنيد: "المؤاكلة مراضعة فانظروا من تآكلونه" "ولم يلقم بعضهم لبعض" أي أن الصوفية لم يكن من عادتهم أن يلقم بعضهم لبعض على وجه الملاعبة لما فيه من قلة الاحتشام والتوقير أما إذا كان على وجه التبرك أو الإيناس فلا بأس به بل قد يكون أحياناً أدب الوقت". "ولم يجل بصره بل يغض". من آداب القوم ألا يمدوا أبصارهم إلى من يأكل معهم بل يغضون أبصارهم وينظرون أمامهم لما في إجالة البصر من إخجال الآكلين خاصة وأن هيئة الانسان أثناء الأكل نوع عورة لا سيما إذا كان كبير السن:

ولم يروا فيه بالانتظار

فيذهب الوقت بلا تذكار

أشار في هذا البيت إلى أن مذهب الصوفية إذا حضر الطعام بادروا إليه بالأكل ولم يكن رأيهم فيه انتظار من كان غائباً بل يعزلون حقه ويأكلون حتى لا يضيع الوقت سدى. أقول: وهذا حيث لا كلفة أو كان هناك موعد "وكرهوا البطنة للإخوان". البطنة هي امتلاء البطن من الطعام، أخبر المؤلف أن الصوفية كرهوا الشبع أو الزائد فوقه إلى حد لا يضر وإلا حرم وعلل هذه الكراهية بقوله "فالبطن كالوعاء للشيطان". أشار بهذا إلى الحديث "أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (متفق عليه). ومراد المؤلف أن الشيطان من خلال ملء المعدة يصل بالإنسان إلى كثير من مراداته فكأن المعدة هي الوعاء الذي يضع فيه الشيطان أمنياته التي يريدها من الإنسان "وأمروا فيه بفتح الباب". أي فتح باب المنزل الذي يأكلون فيه ليدخل عليهم كل من يحتاج إلى الأكل وذلك من كرمهم وغنى قلوبهم فهم لا يدفعون من يأتيهم بل يقابلونه ويفرحون به وربما رأوا المنة عليهم في أكله معهم بل يعتقدون أنه هدية من الله إليهم لا سيما إن كان من إخوانهم أو من ذوي الحاجة، والمسألة على كل حال من باب الآداب وقد يوجد من الموانع من الأدب ما هو الأقوى من الأدب فيحول بين الإنسان وتطبيق الأدب والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً فمثلاً من كان مهيئاً طعاماً لعدد مخصوص ولا يسعه أن يؤمن لزائد عنهم فإن حقهم يتأكد على حقوق غيرهم "وأكلوا بالقصد والآداب". الأكل بالقصد أي من غير إفراط وتفريط فلا يزيد على الشبع المعتاد بل يقصر عنه ولكن لا إلى الحد الذي يختل فيه بدنه ولا يكبر اللقمة جداً ولا يصغرها... والأكل بالآداب أي مراعاة كل أدب من التسمية جهراً بابتدائه ونية التقوى على طاعة الله وغسل اليدين وخاصة إن كانت اليد وسخة والأكل على الأرض إن أمكن لا على مائدة مرتفعة والجلوس على احدى رجليه وهي اليسرى ورفع الأخرى وإلصاقها ببطنه إن أمكنه ذلك والأكل مما يليه إذا كان لا يختلف وتصغير اللقمة وتجويد المضغ وترك النظر إلى لقمة صاحبه، وليس من الأدب أن يلعق أصابعه قبل تمام الطعام ثم يردها في القصعة وليس من الأدب أن ينحني على الطعام بحيث يسقط من فمه شيء وليس من الأدب أن ينفض يده في القصعة ومن الآداب الحمد سراً بعد انتهائه من الطعام ولعق الأصابع إن أكل بها وغسلها ومسح الأيدي والفم وغسل ذلك بعد الطعام ومنها لقط ما سقط من الطعام منها الأكل باليمين إلا إذا كان من باب مساعدة الشمال لليمين وعدم جولان يده إلا أن يكون مع أهله وولده وحيث يباح الجولان "وفتحوا الباب لكل سار". هذا تأكيد ما مر معنا من قبل "وأكلوا بالرفق والإيثار". المراد بالرفق التأني في الأكل بحيث يصغر اللقمة ولا يرفع أخرى حتى يبلغ ما في فيه ويجيد المضغ ويلوك طعامه إلى أن يمضغه مضغاً ولا يظهر الشره والحرص بل يظهر القناعة والغنى عنه. والأكل بالإيثار هو أن يؤثر غيره على نفسه إن كان الطعام قليلاً أو كان فيه ما يشتهى فيقدمه لغيره ونختم هذا الباب بالتذكير بأن من الأدب تشييع الضيف إلى باب الدار وبالتذكير بقول أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال بعض مشايخ الصوفية: واجب على المضيف ثلاثة أشياء وعلى الضيف ثلاثة أشياء فأما على المضيف بأن يطعمه من الحلال ويحفظ عليه مواقيت الصلاة ولا يحبس عنه ما قدر عليه من الطعام وعلى الضيف أن يجلس حيث يجلسه وأن يرضى بما قدم إليه ولا يخرج إلا بعد استئذان...

"فصل من آدابهم في السماع":

رأينا أن الإنشاد مهيج على السير ومساعد عليه كما رأينا أنه يخدم خدمات متعددة ومن ثم اعتمده الصوفية وهو موضوع ذكرناه من قبل وبينا ما له وما عليه ورأينا كيف أن الأصل في سماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو استماع القرآن وما سوى ذلك كان عارضاً وضمن حدود فهو بالنسبة لمجموع قوت القلوب كالملح بالنسبة للطعام وعلى كل حال فكونه له أصله وكونه معتمداً فلا بد أن نلاحظ آدابه ومن ثم فقد تحدثوا في كتبهم عن السماع وآدابه. ولذلك فقد خصص صاحب المباحث الأصلية لذلك فقرة وكان جزء من هذه الفقرة حول آدابهم في السماع ولننقل بعض هذا الجزء من الفقرة مع شيء من التعليقات عليها مستأنسين بشرح ابن عجيبة: قال صاحب المباحث: "ولا يجوز عنده التكلم". أي لا ينبغي التكلم أثناء السماع لأن الكلام يبعد عن الفرض في السماع فإذا كانت جلسة السماع لحكمة فإن هذه الحكمة تنتفي بسبب وجود الكلام ثم قال: "ولا التلاهي لا ولا التبسم". وذلك لأن التلاهي عنه اشعار بعدم الأدب فيه وهذا يقتضي ألا يحضر أصلاً، وأما التبسم أثناءه فلما يشعر من الازدراء أو الاستهجان أو الاستهزاء أو غير ذلك ومن ثم فإنهم يعتبرونه إساءة أدب وبالجملة نقول: إن جلسات السماع إنما هي بمثابة الأدوية وبمثابة المساعدات على بعض المعاني فالإنسان بين أمرين إما أن يحضرها ويعطيها حقها وإما ألا يحضرها أصلاً:

والزعقات فيه والتمزيق

ضعف وهز الرأس والتصفيق

أي أن الصياح وتمزيق الثياب وتحريك الرأس وضرب الكف بالكف كل ذلك من مظاهر الضعف. قال ابن عجيبة بعد ذكره ما مر: إنما يصدر من ضعيف الحال الذي هو مغلوب للأحوال أما القوي المالك للأحوال فلا يصدر منه شيء من ذلك. أقول: إذا كان مثل هذا يعتبر ضعفاً فما بالك بمن يفعل أكثر من ذلك لقد آن الأوان أن يضبط السائرون إلى الله تصرفاتهم فلا يكونون محل الإنكار من العامة والخاصة بل محل الاستهجان. لقد آن الأوان لحياة روحية منضبطة بالحدود التي كان عليها الصحابة رضوان الله عنهم وضمن هذه الحدود فإننا لا نبالي بقول قائل. أما ما زاد على هذه الحدود فقد آن الأوان لنقسر أنفسنا على تركه فنرحم بذلك أنفسنا ونرحم المسلمين:

ولم يكن لأجله اجتماع

ولا لدى غيبته انصداع

وما ذلك إلا لأن السماع ليس ركناً في الطريق ولا شرطاً فيه فهو إن وجد كان وإذا لم يوجد لا يفتقد فليس هو محور الاجتماع وللأسف فإن كثيرين من الصوفية أصبح السماع هو الذي يجمعهم فأصبح المنشد هو مركز الاجتماع لا الشيخ ولا السير إلى الله وهذا إخراج للأمور عن مواضعها ثم ذكر الشيخ بعد ذلك كيف أن سماع القوم لا ترافقه آلة لهو فقال: "ولم يكن فيه مراستونا". أي مدنونون كعادة أهل اللهو إذا فرغ المغني من غنائه دندنوا له إظهار لتجاوبهم وانسجامهم "ولا طنابر ومسمعونا". الطنابر جمع طنبور وهو شبيه بالعود في صورته وقيل هو نفسه، والمسمعون هم المرصدون للغناء في الولائم يسمعون الناس غناءهم فنشيدهم إذن نشيد غير متكلف ولا ترافقه ما يرافق الغناء من آلات وعادات "وليس أيضاً كان فيه طار". الطار هو ما يكون له صحات "ولا مزاهر ولا تنقار". المزاهر جمع مزهر وهو المجلد من جهتين دون أن يكون له شراشر والتنقار في البيت هو فعل النقر فكل ما يسمى نقراً ليس موجوداً في حلقاتهم سواء كان نقر طبلة أو نقر كوبة وهي التي يسميها الناس الآن دربكة أو نقر عود "والشمع والفرش والتكالف... أحلف ما كانت يمين حالف". يعني أنهم لا يتكلفون بالسماع حتى يحضروا الشموع الموقدة والفرش الممهدة والوسائد المزوقة وإنما يحضرون له على حالة الفاقة والابتذال على ما يصادف الوقت والحال وليس مراده أنها محرمة بل مراده أن طريق القوم عدم التكلف. ثم ذكر صاحب المباحث أصل نشأة السماع عند القوم وأسباب وجوده وذكر بعد ذلك أن من آدابهم أن ينهوا جلسات السماع بالمذاكرة وشروح ما قيل فقال: "فإن تمادى وأتم الشعر". أي إن استمر المنشد في إنشاده حتى أتم قصيدته "أبدوا من الشرح عليه سفراً". السفر هو الكتاب والمراد أنهم بعد الإنشاد يتذاكرون فيما قيل ويشرحونه ليوضع الإنشاد على مواضعه في المعاني ليرتقي السامعون إلى أعلى درجات الإدراك لخفي المعاني فتنشط هممهم نحو تحصيل المقامات.

"فصل مختارات من توجيهات ابن عطاء":

"من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل". "اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل انطماس البصيرة منك". "الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها". "تشوقك إلى ما بطن فيك من العيوب خي من تشوقك إلى ما حجب عنك من الغيوب". "من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها". "من رأيته مجيباً عن كل ما سئل ومعبراً عن كل ما شهد وذاكراً كل ما علم فاستدل بذلك على وجود جهله". "الحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامات الأغترار". "لا يخاف عليك أن تلتبس الطريق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك". "كن بأوصاف ربوبيته متعلقاً وبأوصاف عبوديتك متحققاً، منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين". "الناس يمدحونك لما يظنون فيك فكن أنت ذاماً لنفسك لما تعلمه منها، المؤمن إذا مدح استحيا من الله تعالى أن يثني عليه بوصف لا يشهده من نفسه، أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس، إذا أطلق الثناء عليك ولست بأهل فاثن عليه بما هو له أهل". "إذا وقع منك ذنب فلا يكن سبباً ليأسك من حصول الاستقامة مع ربك فقد يكون ذلك آخر ذنب قدره عليك". "استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك". "خير علم ما كانت الخشية معه، العلم إن قارنته الخشية كان لك وإلا فعليك". "من أثبت لنفسه تواضعاً فهو المتكبر حقاً إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً فأنت المتكبر، ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع، التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئاً عن شهود عظمته وتجلي صفته".

"فصل في الأخلاق الجامعة":

في كتابنا / جند الله ثقافة وأخلاقاً / ذكرنا أن الأخلاق الأساسية للمسلم التي إليها مرجع كل خلق هي ما ذكره الله عز وجل في آيات الردة من سورة المائدة في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم، إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}. فهذه الآيات ذكرت أخلاقاً خمسة هي قوام أخلاقية حزب الله وأي تفريط في واحدة من هذه الأخلاق يعني انحرافاً ما عن هذه الأخلاقية الرفيعة وما أكثر الذين يفرطون، ونحيل القارئ إلى ذلك الكتاب وهو أحد أجزاء هذه السلسلة وفي رسالة / من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك / من هذه السلسلة أبرزنا كيف أن خصائص الجماعة المسلمة حددتها آيات سورة الشورى هذه {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}.

لاحظ أن الشورى كخصيصة من خصائص الجماعة الإسلامية جاءت بين الصلاة والإنفاق فما أكثر أهميتها إذن وما أشد تفريط المسلمين فيها ولاحظ أن الانتصار من الظلم والظالمين هو أحد خصائص الجماعة المسلمة قال النسفي: "وكانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ولاحظ أن الانتصار ينبغي أن يكون في حدود العدل ولاحظ خطأ الناس إذ يلومون المظلوم إذا انتصر ولا يلومون الظالم على بغيه والله عز وجل يقول: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق}. ثم لاحظ بعد ذلك كله تربية الكثير من صوفيي عصرنا ومحلها في مجموع هذه الأخلاق الجامعة لترى الانحراف في باب الأخلاق عند الكثيرين منهم بشكل واضح ولتعلم كيف أن تصوف الحركة الإسلامية المعاصرة هو التصوف الصحيح بإذن الله وتوفيقه.

هذه فصول متفرقة في بعض مواقع مهمة في كل منها لفتنا النظر إلى آداب أو أخلاق أو أحكام سلوكية ولم نرد إحاطة في الأمر بل أردنا أن نلفت النظر إلى قضية الآداب والأخلاق في التصوف بشكل أخص وفي الإسلام بشكل أعم ليعرف محل ذلك فإنه وإن كانت هذه الرسالة نقطة علام على الطريق فإنه من النقص فيها أن لا يكون بارزاً فيها بعض الأمور وفي الباب القادم سنذكر فصولاً متفرقات نعتبرها كذلك مما ينبغي أن يتعرض لها في كتاب عن التصوف ولو كان مختصراً ومن ثم كان الباب القادم "في فصول شتى".

الباب السابع عشر - في فصول شتى

الباب السابع عشر
في فصول شتى

هذا الباب فصوله شتى ولكن يجمعها أنه لا بد من إشارة إليها في رسالة تعرف على علم التصوف وتدل الإنسان على أن يأخذ حظه من هذا العلم سلوكاً وعملاً.

"فصل: في أن السير إلى الله لا يعني قطع احتياجات النفس ولا يعني شل الطاقات".

كثيراً ما يقع السالكون فضلاً عن غيرهم في خطأ كبير، هذا الخطأ هو تصورهم أن السلوك هو قطع لإحتياجات النفس البشرية وإنهاء لها أصلاً وتعطيل للطاقات بينما الحقيقة هي أن السلوك هو الوصول إلى حالة تعاد فيها الأمور كلها إلى حجمها وإلى أن تنبثق عن وضع صحيح. فمثلاً العلاقة الزوجية تنبثق في حالة من الحالات عن وضع شهواني بحت ولكن بعد الوصول تنبثق العلاقة الجسدية نفسها عن معان في النفس نورانية الأصل كثيرة الإشعاعات العاطفية المتكاملة ومن ثم فاللذات والمتع تزداد بعد الوصول بعد أن حدث انقلاب جذري في التركيب العام للنفس البشرية وللقلب البشري وما يقال في هذا الجانب يقال في جوانب أخرى، إنه بعد السير الكامل إلى الله عز وجل أي عندما يصبح التركيب العام للإنسان كله سليماً تنبثق الأشياء كلها على ضوء العلم وإذا بالتصرفات كلها في غاية السلامة والاستقامة والحكمة فالسير إلى الله منتهاه أن يصبح الإنسان حكيماً يضع الأمور في مواضعها. الحزم في محله والشجاعة في محلها والتأني في محله والمخاطرة في محلها وبذل النفس في محله وبذل المال في محله فالسير إلى الله يوصل إلى أن تنفجر الطاقات البشرية كلها في إطارها الصحيح طاقة العقل وطاقة الروح وطاقة الجسم وطاقة القلب وطاقة النفس في الحياة الاجتماعية وفي الحياة السياسية وفي الحياة الاقتصادية وفي دائرة الأسرة والحي والقطر والأمة والإنسانية. إن من لم يفهم السير إلى الله على أنه كذلك يكون خاطئاً ومن عرف حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم القدوة في كل شيء أدرك بداهة ما نقول.

"فصل في الإرادة والنية وتصحيحهما":

رأينا أن نقطة البداية في السير إلى الله هي إنبعاث الهمة أو توجه الإرادة نحو السير إلى الله عز وجل ومن ثم فلا بد من تصحيح لقضية الإرادة من ناحية ولا بد من تحسين النية وإصلاحها كذلك فالإرادة لا بد أن تكون خالصة لوجه الله وأن تكون متحررة من أي أمر من أمور الدنيا قال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} فإرادة وجه الله مع عبادته هي المقام الذي يجب أن نحرص عليه وألا نتخلى عنه وأن نصححه بشكل دائم فالصوارف دائماً كثيرة والقواطع كبيرة فالدنيا تحاول أن تصرفك عن إرادة وجه الله والشيطان يحاول أن يصرفك عن إرادة وجه الله والنفس لها تطلعاتها التي تنسيك بها إرادة التوجه إلى الله وأنت مكلف بتصحيح الإرادة وتحديد وجهة التوجه {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} وجرت سنة الله عز وجل أنه عندما يصدق إنسان بالتوجه إلى الله ويطلب ما يقربه إليه أن ينيله الله عز وجل ذلك، يقول صلى الله عليه وسلم "لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من أبناء فارس" (متفق عليه) والسالكون على يد الشيوخ أنواع فمنهم من يسلك وهمه أن يكون مرشداً للخلق إلى الحق ومنهم من همه أن يصل في نفسه إلى مرضاة الله وحسبه ذلك دون أن تكون عنده تطلعات أخرى ومنهم من تجذبهم حلقات السير إلى الله وليس لديهم وضوح لا في الهدف ولا في العمل ولكل من هؤلاء طريقه. وواجب الشيوخ أن يرتقوا دائماً من همة أدنى إلى همة أعلى وعلى الجميع أن يلاحظوا قضية الإخلاص لله تعالى في البدايات والنهايات ولابن عطاء كلام كثير في قضية الإرادة وتصحيحها ومن كلماته "ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك ولا تبرجت ظواهر المكونات لتصرفه عن السير إلى الله إلا ونادته حقائقها" {إنما نحن فتنة فلا تكفر}.

"فصل في الخدمة ومحلها في السير إلى الله":

في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كثير من مظاهر الخدمة في الله خدمة الصغار للكبار وخدمة الكبار للصغار وخدمة الأصحاب لبعضهم بعضاً "وحتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته يعمل في مهنة أهله" وخدم بعض الوفود بنفسه صلى الله عليه وسلم تكريماً لحالة خاصة ووفاء لوضع معين وكان يشارك أصحابه العمل عليه الصلاة والسلام وهذا أصل كبير في الحياة الإسلامية يوجه المسلمين في تواضعهم لبعضهم ورحمتهم لبعضهم وذلتهم لبعضهم فلا يأنف أحدهم من خدمة الآخر بل رحمة الكبير في الصغير تجعله يرعاه وتوقير الصغير للكبير تجعله يخدمه وتواضع الإخوان لبعضهم ومحبتهم في الله تزيل الأنفة والكبرياء في التعامل فيما بينهم وهذا هو الجو الإسلامي الصافي وقد فطن أهل السير إلى الله إلى أهمية الخدمة في تهذيب النفس فلاحظوا أن الإنسان الذي لا يأنف من خدمة الكبار والصغار إنسان تحرر من أمراض كثيرة كالعجب والخيلاء والكبر وغير ذلك وتحققه بأن واحد بمجموعة من الأمور كالتواضع والرحمة والإحترام والإكرام للمسلمين والذلة على المؤمنين وغير ذلك لذلك اعتبروا خدمة الإخوان والشيوخ في الله من أقرب الطرق التي توصل إلى الله لما يتحقق به المتبرع بالخدمة من مشاعر مخلصة مخبتة لله عز وجل ومن ثم كانت الخدمة أدباً عاماً عندهم لا يأنف منه الكبير ويندفع فيه الصغير فتبقى أجواؤهم في هذا المقام عذبة صافية خالية من الزخارف الكاذبة والبهارج الخادعة وبعيدة عن أجواء عنفوان النفوس وكبريائها، "ولقد كان بعض شيوخنا وهو في سن الثمانين يقدم لنا أحذيتنا ونحن في أول طلبنا للعلم مما كان له في أنفسنا أثر حميد في تعويدنا الخدمة والتواضع لجميع الخلق" إن طبيعة الخدمة في الله لا تستطيعها نفس إلا إذا اجتمع فيها إيمان بالله واليوم الآخر وثقة بأن المعز المذل هو الله وأن من تواضع لله رفعه الله وإيمان بأن الإنسان مأجور عند الله على خدمته لإخوانه وهكذا نجد أن الخدمة في الله دواء للنفس وغذاء للقلب من جهات متعددة.

"فصل في الخلوة":

قد يرغب المريد أن يقفز قفزة كبيرة في تنوير قلبه وقد يرى الشيخ أن مريداً ما يحتاج إلى وجبة روحية كبيرة كغذاء لقلبه أو كدواء لهذا القلب من وسوسة أو شكوك وريب أو غلبة نفس وهذا وغيره دعا بعض شيوخ الصوفية إلى اعتماد مبدأ الخلوة كاعتكافٍ مركّز يحقق فيه المريد أكبر قدر من المردود ويختلف الشيوخ في نوع من الأعمال المفضلة في الخلوة ومدتها المفضلة ولكن بشكل عام يكون الذكر والمذاكرة بعد القيام بفرائض الوقت هي محور الخلوة أما الزمن فالأصل أنه تابع لحال المريد ووقته وفراغه واحتياجات قلبه أو تحقيق الهدف الذي من أجله كانت الخلوة ونحن نفرق بين خلوة يعتمدها الإنسان لنفسه وبين خلوة تحت اشراف شيخ بصير فقيه فالخلوة التي تكون تحت اشراف شيخ يحدد الشيخ ما ينبغي أن يكون فيها من أذكار ومذاكرات ومكان. وأما إذا اختار الإنسان لنفسه أن يقوم بخلوة فإننا نفضل له أن يكون برنامجها: عشرات الآلاف من الإستغفار وعشرات الآلاف من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشرات الآلاف من لا إله إلا الله ثم بعد ذلك يستغرق. إما في كلمة التوحيد أو في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينهي خلوته. وكثيرون من الناس يناقشون قضية الخلوة والأمر لو وجد الانصاف لا يحتاج إلى هذا الاختلاف فلو أن إنساناً رأى أن يخلو بنفسه في غرفة ليقوم بأعمال مباحة دون أن يؤثر ذلك على واجب لما كان للإنكار عليه محل فكيف إذا خلا الإنسان لنفسه ليقدم لنفسه دواءاً أو غذاءاً.

إن الأمر واضح في كونه جائزاً ولقد كانت حياة الصحابة في غير أوقات الجهاد والعمل وإعطاء الحقوق خلوات على قراءة قرآن أو ذكر مع البعد عن الغلو أي في رمضان وفي خلوة الرسول صلى الله عليه وسلم في غار حراء قبل النبوة وبعدها ما يستأنس به لهذا الموضوع. وإن كثيرين من مفكري العالم فطنوا لما للخلوة الطويلة من تأثير كبير على صفاء الفكر والنفس وجودة القرارات فإعتمدوها وإنا لنتمنى للحركة الإسلامية أن تعتمد مبدأ الخلوات ذات العمل العبادي الروحي المركز وخاصةً للعناصر التي ترشحها لأمور التنفيذ ليكون اعتماد هذه العناصر للتنفيذ وقلوبهم منورة وحالهم صالح واستعداداتهم للتضحية في سبيل الله عالية وراقية بل إني أرى أن إعتماد مبدأ الدورات الروحية والخلوات المكثفة هي البداية الصحيحة للتربية الإسلامية الجهادية وما الخلوة إلا دورة روحية مكثفة في عصر غلب فيه الإنسان على أمره أمام طواحين الوقت والقلب والفكر والأعصاب.

"فصل في أدوية مناسبة لأوضاع معينة:"

"أخرج الإمام أحمد بسند صحيح كما في الترغيب والترهيب عن أبي هريرة أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال: امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين". تجد في هذا الحديث كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى لهذا الإنسان: الشاكي الدواء المناسب لحاله وفي حديث صحيح رواه مسلم "أن عمر قال يا رسول الله: لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر" ههنا حالة ذكرها عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حالة تنافي أحد مضامين ما يدخل في الحديث "لا يؤمن العبد حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" (متفق عليه). ولذلك أفهمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الحالة ليست هي الكمال وبمجرد التذكير بالوضع الكامل من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقل عمر إلى هذا الحال فهنا حالة بسيطة اقتضت علاجاً سريعاً هو الكلمة المبينة... ووافق العلاج استعداداً عالياً فإنتهت الحالة مباشرة. ولا ننسى أن لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعداد عمر الدور الأعظم بعد البيان. وهناك ناس صاحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم منافقون وماتوا وهم منافقون، وهناك ناس كانوا منافقين ندرك أن أمراض القلوب والنفوس أحياناً تكون معقدة وأحياناً تكون بسيطة وأحياناً يكون الدواء كلمة وبياناً وأحياناً لا يكفي البيان وحده دون أن يبذل المريض جهداً خاصاً.

فقد نجد إنساناً عاش في بيئة معينة اعتاد فيها العجرفة والكبر والعجب والإسراف والتطاول على الناس وغير ذلك. في مثل هذه الحالة لو جاء هذا الإنسان لشيخ وكان صادقاً في مجيئه فقد يأمره الشيخ بأمر ما يكون علاجاً لكل هذه الأحوال دفعة واحدة ومن ثم لا بد أن يكون الشيخ خبيراً بأمراض النفوس وطرق علاجها وأن يعالج هذه الأمراض بالأدوية الشرعية وقد رأينا في هذه الرسالة نماذج يكون فيها السفر أو العزلة أو السؤال أو غير ذلك علاجاً لبعض الحالات ثم إن القلوب نفسها تختلف واستعداداتها تختلف ولا بد للشيخ أن يلاحظ أنواع القلوب وأنواع استعداداتها ويسير بكل إنسان بما يوافق حاله. فقد يكون إنسان مرشحاً للنجاح في أمر فعليه أن يوجهه له ولذلك نلاحظ أن بعض فروض الكفايات يصبح في حق بعض الناس فرض عين لأنهم وحدهم المرشحون لأدائها فالله عز وجل جعل المسلمين يكمل بعضهم بعضاً فما أجهل من يريد أن يقصر المسلمين كلهم على بعض المعاني معطلاً معاني أخرى، عند قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} ذكر ابن كثير الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وغيره والذي فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة" من هذا النص ندرك أن القلوب نفسها تختلف وإن كانت جميعها في الذروة من الكمال ومن ثم فلا بد أن يلاحظ الشيخ استعدادات القلوب وأنواعها فيوجه كل قلب فيما هو مناسب له. فقلب غلبت عليه الرحمة يوجهه نحو التفرغ لدعوة الخلق إلى الله، وقلب غلب عليه حب التأديب للكفار يوجهه نحو التفرغ لقضية الجهاد. وبمناسبة الكلام عن مداواة القلوب أقول: إن كثيرين حتى من علماء المسلمين والعاملين للإسلام لا تقبل ذوقيتهم العامة كثيراً من تصرفات الشيوخ في معالجات بعض الأمراض كما أن بعضهم يشمئز أن يرى إنساناً ما يتصرف تصرفاً ما لا يتفق مع المألوف في علاج نفسه. إلى هؤلاء أنقل هاتين الروايتين:

أخرج الترمذي بسند قال عنه: "حسن غريب عن جُبير بن مطعم قال: يقولون فيّ التيه / أي العجب والاختيال والكبر / وقد ركبت الحمار ولبست الشملة وحلبت الشاة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "من فعل هذا فليس فيه من الكبر شيء" وأخرج الشيخان ومالك "وكان أبو هريرة يستخلف على المدينة فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيشق السوق ويقول: "طرّقوا للأمير حتى ينظر الناس إليه" أقول إنما كان يفعل ذلك أبو هريرة من باب مداواة نفسه ومعالجتها وهذا شيء نجد أمثلته كثيرة في حياة الصحابة حتى إن عمر رضي الله عنه كان يتصرف التصرف فيعاتبه عليه ابنه فيذكر له كيف أنه فعل ذلك علاجاً. إنه لا بد من عودة كاملة لحياة إسلامية كاملة تظهر فيها بشكل كامل أخلاقية جيل الصحابة في كل شيء.

"فصل في اللباس":

حاول بعض الصوفية أن يربطوا بين التصوف وبعض الأمور المرتبطة في اللباس والذي يقال في هذا المقام إن المسألة إن كان لها أصلها في السنة فالعبرة للسنة وإن كانت كعلاج مشروع لا يصل به الإنسان إلى ارتكاب مكروه أو محرم فلذلك كذلك وجهه. فإذن نحن ههنا لا نقيد أنفسنا بغير الأحكام المتعلقة باللباس ومما يمكن أن يقال في هذا المقام:

1- إن هناك نوعاً من اللباس محرماً على الرجال كالحرير أو ما كان لباساً خاصاً للنساء وهناك لباس محرم على المرأة وهو ما كان لباساً خاصاً بالرجال إلا لمصلحة قتال وهناك تفصيلات في مثل هذه المقامات يراها الإنسان في كتب الفقه.

2- بشكل عام لباس المرأة المسلمة ينبغي أن يكون ساتراً سابغاً لا يصف ولا يشف وأن لباس الرجل لا ينبغي أن يصف عورة وهناك تفصيلات محلها كذلك كتب الفقه.

3- الإسراف في اللباس لا ينبغي في حق الرجال والنساء والإسراف قضية نسبية تختلف بإختلاف أحوال الناس.

4- للزي العربي المتمثل بصور والمتمثل بمكملات أخرى فضل خاص لأنه به تتحقق مجموعة من المعاني لا تتحقق في غيره من كونه لا يصف عورة ومن كونه يستطيع الإنسان بشكل مريح أن يحقق سنناً كثيرة كالأكل جالساً وكالبول جالساً وغير ذلك.

5- يمكن أن يكون للإنسان لباس عمل يناسب عمله كالطيار والجندي وعلى هذا فلباس الراحة هو الذي نحرص أن يكون ذا وضع خاص، فالقميص / الذي يسميه الناس الآن كلابية في بعض الأقطار / هو أحب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن يكون لباس راحتنا كلابية وأن يكون هناك غطاء رأس كالقلنسوة أو العمامة أو الحطة فوق العمامة فذلك أكمل شيء.

6- أن يعتاد الإنسان على ألا يستعبده اللباس فذلك من أخلاق المسلم ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعس عبد الخميصة، وقال عليه الصلاة والسلام: "البذاذة من الإيمان..." رواه أحمد وابن ماجة، ومن مظاهر البذاذة أن نستعمل الثوب ولو تقادم وألا نلقي به بمجرد أن يكون أصابه شيء ما ولذلك أثر عند بعض الصحابة أنهم كانوا يرقعون ثيابهم وهو موضوع ينبغي أن يعطى أهميته لما يترتب عليه من فساد في الحياة الإقصادية والإجتماعية أن يلقي الإنسان ثوبه القديم ويلبس دائماً جديداً إن هذا إرهاق والموضوع يقيده ما إذا تصدق الإنسان بالقديم أو كان القديم لا يذهب هدراً بل يستفاد منه بشكل ما.

7- إن موضوع اللباس موضوع معقد يرتبط بأمور كثيرة فلكل أمة لباسها المرتبط بثقافتها وعادتها وكثيراً ما يكون لبس الإنسان لباس أمة أخرى هو أثر عن إعجاب بها وبحضارتها ونوع احتقار لأمته وهذا الموضوع ينبغي أن يعالج بمنتهى الحكمة في عصرنا فلا نتشدد فيه التشدد الذي يجعلنا نضخم المكروه فنجعله حراماً ولا نتساهل في التربية عليه حتى ننسى أن لنا زياً خاصاً هو المفضل وهو الأفضل. إنه لا يوجد لباس يرتاح فيه جسم الإنسان وترتاح منه أعضاؤه كزينا الذي ورثناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك "كان عمر رضي الله عنه يرسل إلى الجيوش الإسلامية موصياً أن يميتوا زي العجم الكافرين وقتذاك ويحيوا زي العرب". ولقد عرجنا على موضوع الزي والهيئة أكثر من مرة في هذه السلسلة لأهميته في موضوع ذاتيه الأمة.

8- يقول عليه الصلاة والسلام "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أحمد والعلماء حملوا هذا الحديث على من تشبه بقوم في أمر هو من باب الخصوصيات الدينية عندهم أما ما كان مشتركاً بين بني الإنسان أو كان في نوع التشبه في أمر عادي لا يهدم شعيرة إسلامية أو لا يتعارض مع سنة فالأمر واسع.

9- هناك حالة سنتحدث عنها فيما بعد وهي حالة يرى فيها الشيخ أن نوعاً من اللباس ضروري في حق إنسان إما لمقام أو كعلاج وهناك حالة يرى فيها الإمام أو الأمير أو جماعة المسلمين لإنسان أن يلبس لباساً ما كعملية تمويهية لتحقيق مصلحة فهاتان قضيتان لهما وضع خاص والفتوى تقدر زماناً ومكاناً وشخصاً والفتوى ههنا هي التي تحدد الحكم في حق الإنسان.

”فصل في العفة عن سؤال الناس":

ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً ففي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وأبو داوود والنسائي عن عون بن مالك الأشجعي قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال: ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكنا حديث عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلى ما نبايعك قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتصلوا الصلوات الخمس وتسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية قال: ولا تسألوا الناس شيئاً فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه". فهذه هي الحالة العليا في التربية الإسلامية وقد سمح للإنسان في بعض الحالات أن يسأل الناس حاجاته إما لوضع خاص أو لحالة اضطرارية وبقدر الحاجة. أخرج الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر"، وفي كل الأحوال جعل العمل هو الحالة الأكمل للإنسان وسمح بالسؤال كعلاج لحالة إستثنائية "واليد العليا خير من اليد السفلى"، هذا هو الأصل العام في هذا الموضوع ومحل التفصيلات في كتب التفسير والحديث والفقه وإنما عرجنا على هذا الموضوع هنا بسبب فهم خاطئ لتصرفات بعض الشيوخ فقد حدث مثلاً أن وجدت حالة معقدة لبعض أمراض القلوب عالجها بعض الشيوخ بأن طلب من صاحبها أن ينزل إلى السوق ويسأل الناس أن يعطوه، والواجب في هذا المقام أن يسأل الناس وهو ينوي أن يوصل صدقتهم لمستحقيها وإنما يفعل ذلك من باب الدواء فتوسع بعضهم في هذا الشأن وهو موضوع ينبغي أن يطوى بساطه في عصرنا وأن يرجع إلى المسألة في أصلها الصحيح كما ذكرناه.

"فصل في السفر":

كان للرحلة في الماضي وضع خاص إذ كانت أدب العالم لتحصيل العلم وأدب الصوفي لتحصيل العام والتربية عند أهل ذلك إذ يبدأ الإنسان فيأخذ ممن عنده علم أو حال في محيطه ثم يرحل لإستكمال الأمر، وأحياناً يكون السفر علاجاً لبعض الأحوال النفسية والقلبية فمثلاً قد يقع الإنسان في عشق أو في إثم بسبب وجوده في بيئة فيعالج الشيخ مثل هذه الحالات بأن يأمر المريد أن يسافر ليغير بيئته أو ينسى، وفي الحديث الذي قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الرجل الذي قتل مائة شخص كيف أن العالم أمره أن يترك أرضه إلى أرض أخرى رواه البخاري... في هذا الحديث ما يمكن أن يستأنس به لهذا الموضوع، فلصلة الرحلة بهذه القضايا التي ذكرناها وغيرها دأب علماء التربية أن يتحدثوا عن موضوع السفر في كتبهم فلننقل بعض عباراتهم مع شيء من التعليق عليها، يقول صاحب المباحث الأصلية "مذهبهم في جولة البلدان" "زيارة الشيوخ والإخوان"، أي هذا من مقاصدهم في السفر الزيارة في الله للإخوان في الله وللشيوخ العارفين بالله وذلك لنيل مقام ما أشار إليه الحديث الصحيح "وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتزاورين فيّ والمتباذلين فيّ" (رواه أحمد وابن حبان بلفظ مقارب أوله (حققت محبتي...)). "ثم اقتباس العلم والآثار"، أي هذا كذلك مقصد من مقاصدهم في السفر وهو طلب العلم عامة وطلب علم الحديث خاصة وهو المراد هنا بكلمة الآثار "أو رد ظلم أو للاعتبار"، أي ومن مقاصدهم في السفر رد المظالم إن كانت على واحد منهم وذلك فرض كما إذا كانت على الفقير دين أو قصاص أو حق من حقوق العباد فيسافر إليه ليرده أو يتحلل منه وقد اعتبر الشيخ زروق أن مما يدخل في باب رد المظالم رد ظلم العباد بعضهم عن بعض وجعله من تغيير المنكر وقال: "هذا على من يمكنه ذلك من غير نقص في دينه" وهذه لفتة كريمة من الشيخ زروق وما أجود أن يعتاد المسلمون على الخروج لمثل هذا ولجماعة الدعوة والتبليغ في عصرنا باع طويل في مثل هذا فجزاهم الله خيراً، وأدخل الشيخ زروق في هذا الباب فراراً من ظلم يلحق بالإنسان أو فراراً من أرض فيها ظلم وهو موضوع له صلة بقضية الهجرة ومن مقاصدهم في السفر السفر بقصد التأمل وأخذ العبرة، قال ابن عجيبة في شرح هذا المعنى: "الإعتبار بما يرى في سفره من جبال وعيون وبحار وأشجار وثمار وأصناف المخلوقات وضروب الكائنات" "أو للخمول أو لنفي الجاه" أي من مقاصدهم في السفر أن يسافروا فراراً من الشهرة أو فراراً من التعظيم وذلك يفعله المريد في ابتداء أمره ليستنى له الكمال وذلك لأن الشهرة والتعظيم في ابتداء أمر المريد قد تمنعانه من الكمال في العلم والسلوك فيكون السفر في حقه من باب الدواء والأخذ بالأسباب للوصول إلى الكمال ليستطيع إفادة خلق الله بشكل أكمل وليتمكن الإخلاص في قلبه بشكل أعمق، قال ابن عجيبة: "والمراد / أي في هذا المقام / بالجاه المضر أو الجاري على غير وجه مستقيم أو الذي يخشى منه نقماً أو شغلاً أو الذي تميل إليه النفس وتركن إليه" "أو للرسول أو لبيت الله"، أي من مقاصدهم في السفر زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وكذلك من مقاصدهم الحج والعمرة وزيارة بيت الله الحرام فهذه مجموعة الوجوه التي من أجلها أو من أجل واحد منها يسافر السالك إلى الله، قال الشيخ زروق: "كل هذه الوجوه تحتاج لتصحيح النية وتحقيق القصد فإن النفس خادعة وللأمور آفات"، وقال ابن عجيبة: "وبقي من فوائد السفر صحة البدن والقلب فقد قال عليه السلام: "سافروا تصحوا وتغنموا" (رواه البيهقي والطبراني في الأوسط).

ولنرجع إلى كلام صاحب المباحث "ولم تكن أسفارهم تنزهاً، بل كان لله فيها نحوه التوجها" وذلك أن الصوفي يحاول ألا يتصرف تصرفاً ولو كان مباحاً إلا بنية صالحة لأن النيات تجعل العادات عبادات "ولم تكن أيضاً بلا استئذان، للشيخ والآباء والإخوان" لينال دعواتهم ويأخذ وصاياهم ويستفيد من ملاحظاتهم وربما كانت لهم حاجة فقضاها وربما ترتب على سفره مضرة فيفطنونه لها "ولم يكن ذلك للفتوح" المراد بالفتوح في إصطلاحهم ما يعطيه الناس للإنسان من هدايا وصدقات فهذا مما لا ينبغي أن يفكر فيه الصوفي أصلاً. قال ابن عجيبة: "ولم تكن أسفارهم لقصد الدنيا فإن ذلك من الهمة الدنية" "أو لامرئ مبتذل ممدوح"، أي أن الصوفي لا يسافر من أجل أن يمدح الناس كفعل الشعراء في الماضي فهذا مما لا يخطر على بال سالك إلى الله وبعد ذلك ذكر صاحب المباحث بعض آداب السالك إلى الله إذا وصل بلداً.

فحيث ما حلوا بلداً فبالحرا

أن يقصدوا الشيخ وبعد الفقرا

أي من آدابهم إذا حلوا بلداً أن يقصدوا شيوخها وصالحيها والفقراء إلى الله فيها والمراد بهم السالكون إلى الله فيها، قال ابن عجيبة: "وقوله فبالحرا: أي بالأحروية والأولوية أن يقدموا الشيخ ثم بعد ذلك الفقراء وقال: وهذا الترتيب الذي ذكرنا هو مع الإختيار فإن تعذر لقاء المشايخ أولاً قدم الفقراء والفقراء كما قلنا اسم يطلقه الصوفية على أنفسهم أخذاً من قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله}، ثم ذكر صاحب المباحث آداب لقاء الأشياخ والجلوس معهم:

وإن للقوم هنا آداباً

إذ جعلوا كلامهم جواباً

أي أن الأصل عندهم السكوت إلا إذا سئلوا فيجيبون

فإن تعاطى الشيخ منهم قولاً قالوا وإلا فالسكوت أولى.

بمعنى إن طلب الشيخ منهم أن يتكلموا تكلموا وإلا فإن أدبهم السكوت ومن آدابهم انتظار خروج الشيخ من غير نداء عليه ولا رسول إليه وحسن الأدب في المجالسة والمؤانسة ومن آدابهم المشاركة في المذكرات العلمية مع حسن الأدب وكماله وحسن انتقاء العبارات بين يدي الكلام وفي حالة المخالفة في الرأي أو سماعه أو رؤيته خطأ شرعياً ثم ذكر صاحب المباحث أدب أهل البلد مع الوافد عليهم فقال: "وواجب علي أولي الإقامة" أي على الذين وفد عليهم المسافر "تفقد الوافد بالكرامة" قال ابن عجيبة في تفسير التفقد بالكرامة: وهو الذهاب إلى لقائه وإظهار المسرة في وجهه والفرح به وإراحته من شؤونه وتعلقاته وإنزاله في محل... "وهو يزور القوم في الحرام"، أي في البلد الحرام أي في مكة أي الوارد أحق أن يزار في محله إلا أن يكون بمكة فإن عليه أن يزور المجاورين لبيت الله الحرام لحرمة بيت الله الحرام وذلك "وإنما ذاك للإحترام" أي هو يبتدئ زيارة أهل الحرام احتراماً لهم لأنهم سكان بيت الله الحرام والمسألة ذات أوجه فالأصل أن العلم يؤتى، ثم ذكر الشيخ بعض آداب المضيف "ويبدأ الوارد بالسلام وبالطعام ثم الإكرام، وكلموه بعدها تكليماً، تأسياً بفعل إبراهيم"، عليه السلام أي يبدأون بالسلام ثم بالطعام والإكرام ثم بعد ذلك يكون الكلام كما فعل إبراهيم عليه السلام مع أضيافه سلام فإطعام فكلام، ويقدم من الطعام ما لا كلفة فيه وإذا أمكن الإكرام فلا مانع من غير تكلف مفرط ولا تفريط لأن التكلف يقطع طريق الكرم ويتعب الأهل والناس لدرجة أن الضيف بذلك يصبح ثقيلاً وهذا سبب كبير في انقطاع كثير من الخير لذلك كان أدب الصوفية في هذا المقام عدم التكلف وهو الكرم الإسلامي بعينه لأنه وحده الذي يسع الناس وبه يستمر خلق الكرم في هذه الأمة أما إذا بدأ التكلف فقد وجد العنت في المال وإعنات الأهل والإتعاب لهم. والتكلف مسألة تختلف من إنسان لإنسان فمن كان غنياً لا يعتبر ما يقدمه وإن كان كثيراً وغالي الثمن كلفة في حقه على عكس الفقير "وكرهوا سؤال هذا الوارد إلا عن الشيخ أو التلامذ" أي أنهم لا يسألونه عن أحوال الدنيا وأحاديثها فإن ذلك مما لا ينبغي ويقسي القلب بل يسألونه عن الشيخ والتلاميذ والسائرين إلى الله وحال الناس ليطمئن على صلاح أمر الإسلام والمسلمين فسؤالهم يلحظ فيه معنى شرعي وهو باب واسع إذا وجدت النية الصالحة إذ حتى السؤال عن الأمور الدنيوية إذا رافقته نية صالحة فإن ذلك يؤجر عليه الإنسان "وكرهوا تضييعه أوراده، كيف وقد جاء إلى الزيادة" أوراد الإنسان ما وظفه عليه شيخه أو ظفه على نفسه والمراد هنا ما كان يعمله في إقامته فإذا سافر بقي على ما كان عليه إلا إذا شق عليه ومن رحمة الله عز وجل بالإنسان أنه إذا كان له عمل وشغله عنه مرض أو سفر فإنه يكتب له أجر عمله فإذا لم يكن يشق عليه عمل الأوراد فإنه يداوم عليها أو على بعضها ولذلك قال في البيت: "كيف يترك أوراده بالكلية وهو إنما سافر لطلب الزيادة في حاله القلبي أو غير ذلك" "ومن يسافر في هوى النفوس فإنما يؤمر بالجلوس"، أي من لم يستحضر نية صالحة لسفره بحيث يحقق سفره مقصداً شرعياً فإن أهل التصوف لا يرون له السفر لأن من آدابهم ما ذكرناه سابقاً من أنهم يرغبون ألا يكون لهم عمل إلا إذا كانت لهم نية صالحة فيه حتى ولو كان مباحاً لتصبح أعمالهم كلها عبادات، هذا مجموع ما ذكره صاحب المباحث في فقرة السفر وقد ذكر بعضهم جوانب أخرى فلنذكر بعضها.

1- يفضل أن ينزل المسافر على أهل مشربه وألا يشق عليهم بأن يطيل المكث إلا إذا كان قد نزل في مكان أعد لذلك وأصروا عليه أما إذا كان هدفه الإقامة فعليه أن يسارع إلى محل إستقراره.

2- ينبغي لمن أراد السفر أن يتعلم أحكامه كأحكام القصر للصلاة والتيمم والقبلة وغيرها.

3- إذا كانوا جماعة فينبغي أن يؤمروا أحدهم ومن أدبه أن يستشيرهم.

4- قال ابن عجيبة ناقلاً: "ومن آدابهم ألا يجري بينهم في حديثهم هذا لي وهذا لك ولو كان كذا لم يكن كذا ولعل وعسى ولم فعلت ولم لم تفعل وما يجري مجراها فذلك من أخلاق العوام، ولا تجري بينهم المخاصمة ولا المجادلة ولا الاستهزاء ولا الإزدراء ولا المراجعة ولا المغالبة ولا الغلبية والتقصية لا تكون بينهم بل يكون كل واحد منهم للكبير كالإبن وللصغير كالأب وللنظير كالأخ..." وهذا ليس خاصاً بالسفر وإنما هو من أدبهم في الصحبة على الدوام، وفي السفر يكون أكبر همهم فيلاحظونه بشكل أوسع لأن السفر يسفر عن كل المعايب ولا يبقى على حاله في حال السفر إلا الصديق.

5- ومن آدابهم أن يدعوا بأدعية السفر ذهاباً وإياباً وأدعية الركوب ويكثروا من التكبير والتهليل والتسبيح وغير ذلك من الأذكار.

6- إن تيسر له أن يستصحب في عوده هدية لأهله وأقاربه وجيرانه فإنه طيب.

7- إذا استطاع أن يدخل بلده في النهار فذلك هو السنة والأدب ألا يطرق أهله ليلاً إلا إذا كان على موعد معهم أو أعلمهم بذلك لما في ذلك من مشقة عليهم أو لما يحتمل أن يحدثه لهم من إرباكات من وجل التساؤل عن سبب طرق الباب ومن الطارق وقد يكونون مستغرقين في النوم استغراقاً يتعبهم أو يتعبه.

"فصل في مقام الإحسان":

ذروة السير إلى الله أن يصل السائر في سيره إلى مقام الإحسان الذي عبر عنه الحديث الشريف "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك" من حديث رواه مسلم فهذان مقامان كل منهما يسمى إحساناً ويختلف الصوفية في أي المقامين أرقى، وظاهر الحديث أن العبادة وأنت في مقام "أن تعبد الله كأنك تراه" هو الأرقى وكل طريقة من الطرق اعتمدت بعض المعاني لتوصيل السالك على يد شيوخها إلى هذا المقام. والعلم والذكر هما الركنان ولكن هناك نوع من العلم له صلة بهذا المقام وهناك معان لا بد أن يلحظها السائر إلى الله أثناء ذكره ليصل إلى هذا المقام.

وبشكل عام فإن السائر إلى الله ليصل إلى مقام الإحسان فإنه يمر على ما يسميه الصوفية الفناءات والفناء في الأفعال بأن يحس الإنسان أن كل شيء فعل الله، والفناء في الصفات بأن يستشعر الإنسان صفات الله عز وجل والفناء في الذات وهو أن يستشعر الإنسان أولية الذات الإلهية وصمدانيتها. ومتى استقر في هذا المقام أحس بمقام الإحسان، ويحاولون في هذه الحالة أن ينقلوه إلى مقام المشاهدة مع رؤيته الخلق وهذا الذي يسمونه مقام البقاء وقد تكون النقلة سريعة إلى الفناء في الصفات مباشرة أو قد تكون إلى الفناء في الذات مباشرة ثم يبدأ السائر يستشعر ما سوى ذلك وكما قلنا فلكل طريقة ما تعتمده من ملاحظات أثناء الذكر أو أثناء السير لتصل بالمريد إلى هذه النتيجة ومجموع الملاحظات هذه إما أنها ملاحظات تجريبية دلت عليها التجربة وإما أنها نوع تطبيق لبعض الآيات القرآنية، وبإجماع الصوفية أن ذكر اسم الله (الله) هو أقوى أنواع الذكر تأثيراً في الإيصال إلى مقام الإحسان.يقول ابن عابدين: لا ذكر عند العلماء لصاحب مقام فوق الذكر بالاسم المفرد وأقول: وبإجماع العلماء كذلك أنه لا يشترط الاسم المفرد للوصول إلى الله ومن ظن غير ذلك فقد أخطأ وخالف الإجماع ولنا عودة على ذكر اسم الله المفرد في فصل مستقل غير أنا ههنا نحب أن نذكر نموذجين على الوصول إلى مقام الإحسان عند الشيوخ:

أ‌- من الأشياء التي يذكرها الشيخ الغزالي أنها موصلة إلى المراقبة أن يجتمع للإنسان المحاسبة الدائمة لنفسه مع الاستغفار فإن ذلك طريق كاملة للوصول إلى الإحسان ومما يذكره الغزالي كذلك أن يلازم الإنسان ذكراً واحداً / كسبحان الله / أو / الله / ويستمر في الذكر حتى يستقر الاسم في القلب ثم يستقر الشعور بمعناه في القلب.

ب‌- بعض الصوفية يُدخلون المريد في مرحلة الخلوة ويطالبونه بذكر اسم الله المفرد / الله / ويلفتون نظره في المرحلة الأولى أن يقرأ الكون الظاهر كله باسم الله تحقيقاً لقوله تعالى – في رأيهم - {اقرأ باسم ربك الذي خلق}. ثم في مرحلة لاحقة يطالبونه بقراءة الكون المغيب كذلك بهذا الاسم، ثم في مرحلة لاحقة يطالبونه وهو يذكر اسم الله / الله / أن يلاحظ أولية الله وصمدانيته من خلال بعض المعاني وبذلك يكونون قد أعطوه بذور مقام الإحسان ويطالبونه بعد ذلك بالاستمرار على الذكر والأوراد حتى تفرع هذه البذور فتملأ القلب وتخرج عنها بعد ذلك ثمارها، وعلى كل فإن الوصول إلى الله ليس مرتبطاً بصيغة بعينها، ولله طرائق على عدد الخلائق وقد يصل الإنسان إلى مقام الإحسان بصيغة أو بأخرى ما دامت الفرائض مؤداة والإقبال على الله موجوداً والعلم إمام والشيخ الكامل يختصر الطريق.

"فصل في ذكر الاسم المفرد":

الاسم العلم على الذات الإلهية هو لفظ الجلالة / الله / ولذلك أسموه الاسم المفرد لأنه الاسم الوحيد الذي يدل على الله ذاتاً وصفات وأسماء وأفعالاً بينما غيره يدل على ذات وصفة ثم هو لا يسمى به غير الله الله فهو مفرد من بين الأسماء كلها. ومن قال / الله / لا شك أنه ذكر الله عز وجل وحقق الأمر القرآني {واذكر اسم ربك}. فاسم ربنا هو الله فمن قال / الله / فقد ذكر الله عز وجل بلا شك ولا ريب ومن نازع في ذلك فإنه مخطئ كائناً من كان، إنه عندما نقول "سبحان الله" نكون قد سبحنا الله ونزهناه وبالتالي كذلك ذكرناه، وعندما نقول "الحمد الله" نكون قد حمدنا الله وشكرناه وبالتالي ذكرناه. ولكن عندما نقول / الله / نكون قد ذكرناه وكما أن التنويه في حد ذاته مطلوب وكما أن الشكر في حد ذاته مطلوب فذكر الله كذلك مطلوب ومن ذكر أي اسم لله عز وجل فقد ذكر الله. إن بعضهم يغالط في هذا المقام فيقول: لو أنك بدأت تذكر اسم إنسان / فلان فلان فلان / أو / يا فلان يا فلان يا فلان / فإنه يتضايق من ذلك ولا يكون لفعلك معنى وهذا قياس خاطئ فإن مجرد ذكر الله نحن مطالبون به ونفع ذلك لنا كبير وكثير إذ أن ذكر الله هو الذي يوقظ قلوبنا ويحييها فأن نقول / الله الله الله / فذلك ذكر الله وذلك نافع لقلوبنا لتبقى متذكرة ربها، إن ذكر الله بذكر أسمائه كلها هو ذكر والإنسان مأجور عليه، قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} وقد رأينا في القرآن كيف أن الله عز وجل يذكرنا بأسمائه مرات ومرات وكل ذلك لتبقى أسماؤه على ذكر منا وأن يدخل مع ذكر اسم الله صيغة من صيغ الدعاء أو معنى مرافقاً كالاستغفار والتسبيح والتوحيد والحمد والتكبير والتعظيم فذلك ذكر وزيادة ومن خالف في جواز هذا أو هذا أوقطع الطريق على هذا أو هذا فإنه خاطئ فمعرفة الله تتعمق في قلوبنا من خلال كل الأذكار ومن خلال كل الدعوات المأثورة ومن خلال ذكر أسماء الله عز وجل كلها. ترى لو قال قائل / الله رحيم / وكررها ليعمق في قلبه الشعور برحمة الله ولو قال قائل: / الله بصير / وكررها ليعمق في قلبه الشعور بأن الله يراه وهكذا في كل اسم لله عز وجل ليعمق في قلبه الشعور بالأسماء كلها هل يكون مأجوراً أو مأزوراً؟ إن من يخالف في مثل هذا من الأفضل ألا يدخل الإنسان معه في نقاش فإذا استقر هذا فإن اسم الله المفرد هو الذي تنطوي فيه كل الأسماء فلو أن إنساناً كرره ليستقر في قلبه الشعور بالذات الإلهية وصفاتها وأسمائها فمن أين يكون الإثم؟ إن الأجر لا شك حاصل بإذن الله والأثر في القلب موجود بإذن الله. قد يقول قائل نحن لا نجد في السنة تركيزاً على ذكر اسم الله عز وجل المفرد. ونقول: إن في الكتاب والسنة حضاً عاماً على الذكر وفي حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ذكر الصحابة بصيغ لم يتلقوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم حبذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكرها فأي ذكر لله عز وجل سواء من خلال ذكر اسم أو تسبيح أو من خلال دعاء أو صلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك فإنه داخل تحت العموميات العامة، وصاحبه منفذ للأمر ومأجور ومشكور، قال تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً}. لماذا يعتبر أئمة السير إلى الله ذكر اسم الله المفرد أقرب طريق للوصول إلى المعرفة الذوقية لله وللوصول إلى مقام الإحسان؟ إنهم يقولون: إنك عندما تسبح الله تتعمق في قلبك قضية التنزيه، وعندما تحمد الله تتعمق في قلبك قضية الشكر، وعندما تقول / لا إله إلا الله / تتعمق في قلبك قضية التوحيد وهي قضايا كلها متفرعة عن استقرار معرفة الله في القلب فإذا قلت / الله / وكررت ذلك حتى استقرت معرفة الله في القلب فإن تسبيحك وشكرك وتوحيدك يكون أكمل بكثير من تسبيح وتحميد دون أن يكون قلبك مستيقظاً على اسم الله الله ونحن مطالبون بأن نعمق في قلوبنا معرفة الله وتنزيهه وشكره وتوحيده وهذا كله يؤدي بشكل كامل إذا ذكرنا لفظ الجلالة / الله / مع ذكرنا لبقية الأذكار الواردة في السنة بل بعضهم يعتبر أن ذكر اسم الله المفرد إنما هو ذكر مرحلة لنصل إلى المعرفة الذوقية التي نصل فيها إلى أن نؤدي العبادات والأذكار والدعوات على كمالها. دعنا الآن ننظر إلى حكمة صيغ الذكر: لقد حضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملازمة الاستغفار وعلى ملازمة الصلاة عليه وعلى الإكثار من صيغ بعينها. إنك لو تأملت في حكمة تكرار صيغة من هذه الصيغ فإنك تجد احدى جوانب ذلك أن يستقر في القلب معنى معين، فهذا القلب تحتاج المعاني لكي تتعمق فيه إلى تكرار كثير.

إن القلب الذي لم تستقر فيه معرفة الله يحتاج إلى أن يذكر أسماء الله حتى تتعمق هذه المعرفة. ويقول أئمة السير إلى الله إن الجلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الإنسان من نورانيته ما لا يمكن أن يأخذه هذا الإنسان من أحد ومن ثم فنحن لإيصال القلب إلى قريب من هذه النورانية نطالب بمثل هذا النوع من الذكر على أن من لم يرتح قلبه إلى هذا النوع من السير فأي نوع من الذكر سواء كان قراءة قرآن أو أذكار بأي صيغة يوصله في النهاية إلى معرفة الله الذوقية وإلى مقام الإحسان وإنما في هذا اختصار طريق وإني بفضل الله عز وجل مع أني مأذون على طريقة الصوفية بتلقين الأوراد عامة بتلقين الاسم المفرد أقول: إن الشيخ لا ينبغي أن يقيد نفسه إلا بالسنة وأنه ينبغي أن يبقى المريد دائماً مرتاحاً إلى العمل الذي يكلفه فيه.

وأنا إذ عرضت قضية الاسم المفرد هذا العرض المختصر لم أرد أن ألزم المسلمين فيه بل أردت أن أبين وجهات النظر في شأنه فإذا وجد قلب لا يرتاح الاعتماد إلا ما ورد فيه ندب خاص عن رسولنا عليه السلام في العمل فإني أجله وأحترمه بل وأدفع فيه في هذا الطريق ولكني لا أرى له ولا لنفسي الإنكار على ما ينبغي اعتباره معروفاً، إن ذكر اسم الله المفرد للوصول في القلب إلى حالة معينة ثم للاستمرار بهذا القلب على هذه الحالة هو بمثابة الدواء والغذاء المركزين للقلب لا أكثر ولا أقل على أنه في غير الذكر بهذا الاسم يوجد الغذاء والدواء كذلك، فإذا اتضحت وجهة النظر في أصل ذكر الاسم المفرد بقي أن نذكر أن هناك من يذهب إلى مندوبيه ذكر الاسم المفرد ولكنه لا يرى جواز القصر في نطقه بأن يحذف حرف المد فلا يقال "الله" بدون مد وبعضهم لا يرى جواز مده أكثر من ست حركات في الوقف ونقول إن نطق لفظ الجلالة بالقصر في تكبيرة الإحرام خاصة يبطل الصلاة على رأي أكثر العلماء فهم لا يكتفون باعتبار ذلك لحناً في هذا المقام بل يجعلونه لحناً مبطلاً للصلاة، لكن في حاشية الشهاب على البيضاوي ما يلي "وقال الأسنوي رحمه الله: إنه لغة حكاها ابن الصلاح عن الزجاج فلا لحن فيه حنيئذ وفي التيسير إنه لغة جائزة في الوقف دون الوصل والأفصح اثباتها وإنما تملح به المولدون في أشعارهم كثيراً... الخ". وأما مد لفظ الجلالة فقد توسع فيه الفقهاء حتى إن بعض فقهاء الشافعية أجازوا مدها في تكبيرة الإحرام حتى الأربع عشرة حركة وبعضهم أجاز مدها أكثر من ذلك ولنكتف بهذا القدر من الكلام عن ذكر الاسم المفرد وقد ذكرنا من قبل كثيراً عن الذكر بشكل عام... وزيادة في التأكيد فإن الفصل القادم سنخصصه للذكر عامة ومحل الصلاة خاصة في قضية الذكر.

"فصل في الذكر":

قال تعالى عن الصلاة: {وأقم الصلاة لذكري} [البقرة: 185] وقال أثناء الكلام عن عبادة الصوم: {ولتكبروا الله على ما هداكم} [طه: 14]، وقال تعالى أثناء الكلام عن الحجج {ويذكروا الله في أيام معلومات} وقال تعالى في معرض الكلام عن رمي الجمار {واذكروا الله في أيام معدودات} وهكذا نرى أن العبادات إما ذكر وإما معنى لإقامة الذكر وإما معنى يساعدنا على الوصول إلى الذكر، ولذلك قلنا من قبل إن ركني السير إلى الله إنما هما الذكر والعلم وإذا أردنا أن نتبين ذلك بدقة نقول: إن المطلب الأعلى من الإنسان هو التقوى والتقوى لا تنال إلا بعلم وعبادة لأن العبادة تابعة للعلم ولقد قالوا:

وكل من بغير علم يعمل

أعماله مردودة لا تقبل

والعبادة هي الطريق إلى التقوى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} والتقوى هي التي بها ننال رضوان الله. قال تعالى: {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} والعبادة كما قلنا إما ذكر أومعنى يقام به الذكر ومن ههنا ندرك أهمية الذكر في دين الله"... ثم إن التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه الذكر {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العارفين والواصلين، على أن سيره ووصوله غير سير السائرين وغير وصول الواصلين وإن كان للسائرين حظ من السير والوصول، ولئن كان جزء السير التحقق بأسماء الله، ولئن كانت مراحل السير تتم بالانتقال من فناء إلى فناء فإن الذكر هو وسيلة ذلك كله وقد رأينا أن الله عز وجل عندما ذكر الحكمة في الأمر بالصلاة قال {وأقم الصلاة لذكري}، فالحكمة في الأمر بالصلاة هي ذكر الله عز وجل وعندما ذكر فريضة الصوم ذكر أثناء عرضها قوله تعالى {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} فمن الحكم التي يحققها الصوم أن يعظم الإنسان الله عز وجل على هدايته وذلك ذكر فهو من حكم عبادة الصوم... وعندما ذكر الله عزو جل الحج قال: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فالذكر مراد من فريضة الحج على الإنسان، ثم ان الله تعالى قال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} وقال واصفاً المنافقين {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً} وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت" رواه البخاري وإذا كان هذا شأن الذكر في السير إلى الله وفي العبادة فلا بد من مسح شامل لقضية الذكر وحديث شامل عنها:

1- نلاحظ ملاحظة أولية أن كل أمر لله عز وجل في نوع من الذكر قد تضمنته الصلاة ومن ثم فإن الصلاة هي أكمل مظهر من مظاهر تنفيذ الأوامر القرآنية بالذكر فهي المظهر الأعلى والأكمل لذكر الله عز وجل عدا عن كونها المظهر الأعلى للعبادة العملية بما تضمنته من ركوع وسجود وقنوت ومن ثم فالكلام عن الصلاة في موطن الكلام عن الذكر يعتبر البداية الصحيحة لكل كلام، لقد أمر الله عز وجل المسلم بالتسبيح والتكبير وقراءة القرآن والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليه والحمد والإستغفار والدعاء وكل ذلك ذكر ولكل ذلك أثره على النفس البشرية وتزكيتها وتعرفها على الله عز وجل وكل ذلك في الصلاة أو في الأذكار المحيطة بها ومن ثم فإن الصلاة هي أداء كامل للذكر ومن ثم جعل الله عز وجل الصلوات الخمس فريضة وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنن والنوافل للراغب في مزيد الخير ما يكمل... من الأوامر القرآنية في الذكر قوله تعالى: {وكبره تكبيراً} وقد جعل الله تكبيرة الإحرام في الصلاة فريضة وتكبيرات الإنتقال من القيام إلى الركوع ومن القيام إلى السجود ومن السجود إلى الجلوس سنناً، وسن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكبر الله عز وجل ثلاثاً وثلاثين بعد كل فريضة وفي ذلك كله تعليم وتأكيد للنفس وللعالم أن الله أعظم من كل شيء ومن الأوامر القرآنية قوله تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} وقوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم}. ومن التقريرات القرآنية {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وهي تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون} وتبدأ الصلاة بدعاء الثناء "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" وفي الركوع نقول "سبحان ربي العظيم" وفي السجود نقول "سبحان ربي الأعلى" ونسبح بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة ولما كانت الصلوات الخمس والنوافل المطلقة تسع ساعات كثيرة من الليل والنهار فإنك تجد كيف أن الصلاة تحقيق عملي لهذه الأوامر ومن خلالها يتعمق في النفس البشرية وفي العالم تنزه الله سبحانه وعلوه وعظمته واستحقاقه الحمد لأنه هو المنعم...

ومن الأوامر القرآنية قوله تعالى: {فاقرؤوا ما تيسر منه} أي من القرآن ومن المعلوم أن القرآن ذكر، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} والصلاة ركن من أركانها، قراءة القرآن، والله عز وجل أمرنا أن نحمده قال تعالى: {وقل الحمد لله..} ومن أذكار الصلاة "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"، والله عز جل أمرنا أن نصلي ونسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصلاة "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" "اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد" والله عز وجل أمرنا بالاستغفار {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} وقد سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول بعد كل فريضة أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله وهكذا نجد أن الصلاة وأذكارها قد كانت استيعاباً لأمهات الآيات القرآنية في باب الذكر فهي فريضة تحقق أوامر في الذكر وهي تحقيق أوامر أخرى لله عز وجل كالأمر بالركوع والسجود والقنوت وغير ذلك ومن ثم كانت الصلاة عمود هذا الدين الذي لا يقوم إلا به كما قال عليه الصلاة والسلام "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد..." من حديث رواه أبو داوود ومن ثم لا يكون الإنسان ذاكراً إلا بالصلاة وبالصلاة يكتب الإنسان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. فالصلاة تنزيه لله عز وجل وشكر له وعبودية له وخضوع له وتذلل له والمظهر الأول للقيام بالتكليف، وبمجرد أن تفعلها النفس البشرية فإنها مباشرة تنتقل من طور إلى طور، من طور الكبر والعجب والعنجهية والغرور إلى أضدادها من الصفات المجيدة فهي نقلة للنفس البشرية من إطار إلى إطار ومن وضع إلى وضع وإذا كان هذا مقام الصلاة في الإسلام ومقامها من الأمر بالذكر فلا بد من أن تأخذ صورة عنها كركن ركين في قضية الذكر.

الصلاة منها الفرائض ومنها النوافل ومنها الذي يتكرر يومياً ومنها الذي يأتي أسبوعياً ومنها الذي يتكرر سنوياً ومنها الذي يكون بمناسبة وللصلاة أذكارها التي هي جزء منها وأذكارها التي تتبعها أو تأتي بعدها وكل ذلك يصب في موضوع معرفة الله عز وجل وتزكية النفس البشرية مما يعمق موضوع القيام بالتكاليف الربانية كلها {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وفي كتاب الأساس في السنة وفقهها عرض شامل للصلاة وأذكارها والأذكار عامة وإذا عرفنا محل الصلاة في قضية الذكر فلنعرف أن الذكر خارج الصلاة مكمل للصلاة ولمقاصدها وفي الوقت نفسه هو عامل تنعكس آثاره على القيام الحق في الصلاة فمن خلال الحالة القلبية في الصلاة يعرف الإنسان حاله الحقيقي مع الله عز وجل، وبقدر ما يرتقي قلبه وتتعرف روحه على الله تكون صلاته مؤداة حقاً ومن ثم كانت الصلاة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم قرة عين "وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه الطبراني في الأوسط وغيره من حديث فبين الصلاة والأذكار تكامل فلا ذكر بدون صلاة والصلاة بدون أذكار يحيا بها القلب وترتقي بها الروح لا تكون خاشعة، والأذكار إذا لم تكن جزءاً من سير صحيح إلى الله عز وجل لا تؤدي الحكمة الكاملة منها ومن ثم ولقلة السير الحق إلى الله عز وجل ضاع علم الخشوع الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أول علم يرفع من الأرض ومن ثم ندرك أهمية علم التصوف في الحياة الإسلامية عامة ولنتم الكلام عن الذكر: بعد أن عرفنا أن الصلاة ذكر وعرفنا أن للصلاة أذكارها الداخلة فيها أو التابعة لها كالأذان والإقامة والدعاء بين الأذان والإقامة ينبغي أن تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحواله ومن ثم سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أذكاراً تسع أحوال الحياة كلها فمنها الأذكار المرتبطة بزمان ومنها الأذكار المرتبطة بمكان ومنها الأذكار المرتبطة بفعل، ومنها الأذكار المرتبطة بحوادث ومنها الأذكار اليومية ومنها الأذكار السنوية ومنها الأذكار الشهرية ومنها الأذكار العمرية ومنها الأذكار المطلقة عن العدد والزمان والمكان ومنها الأذكار المقيدة بعدد وأدب المسلم أن يعرف هذا كله وأن يحفظه وأن يأخذ حظه منه وقد ألفت في هذا كتب خاصة، وفي كتاب / الأساس في السنة وفقهها / عرض شامل لهذا كله.

والملاحظ أن الذكر والدعاء يندمجان في بعض الحالات وكل ذكر دعاء عملي وكل دعاء ذكر لله لأنه يجمع مع الاعتراف المعرفة والافتقار إلى الله عز وجل ومن ثم كان الدعاء كما ورد في الحديث "مخ العبادة" رواه الترمذي وهو ضعيف ولفظ أبي داوود والترمذي (الدعاء هو العبادة) وهو حديث حسن صحيح ولما كان الهم الأول للسالك إلى الله عز وجل هو المداومة على الذكر ولما كان لا يسهل على كل إنسان أن يحفظ الكثير من الابتداء درج أهل السير إلى الله عز وجل على اعتماد أذكار بعينها يأمرون بها المبتديء لتكون ورده اليومي ومحل دأبه الدائم ومن ثم تعددت الطرق... فطريقة اعتمدت أذكار بعينها وأخرى أذكاراً أخرى ولكل طريقة قولها: إن أذكارها لها ميزاتها في موضوع السلوك والحقيقة أن المرشد الكامل وارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الإرث يقتضيه أن يحيى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الذكر كما يحييها في غير ذلك والتركيز على ذكر بعينه ليس عليه مأخذ ولكن ما يشيع في بعض الدوائر أن فعل ذكر آخر غير الذكر المعتمد في الطريق يكاد يكون من الخطايا، غلو في دين الله مهمة الوارث الإخراج منه ونحب أن نقول: أن نقدنا ليس منصباً على حالات خاصة تعتبر ملازمة ذكر واحد من باب الدواء أو من باب الإيصال إلى معنى معين إلا أن هذه مرحلة قليلة بالنسبة إلى مجموع الزمن أما أن يعتبر ذلك هو الأصل الذي يكاد يحرم أن يرافقه غيره فهذا الذي نعنيه بكلمة / الغلو / والذي نحب أن نؤكده هو أن الوارث مهمته الإحياء وطريقته يجب أن تكون طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى كل إنسان ما يناسبه وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم المسلمين أنواع الأذكار بمناسباتها وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبقى لنا تراثاً في كل شيء فعلى الوارث أن يلاحظ ذلك، إن مجموع العبادات المفروضة والمسنونة ومجموع الأدعية والأذكار تعمق معرفة الله عز وجل في القلب كما أنها تؤدي واجبات الشكر له جل جلاله وأن القرآن هو المذكر بالله عز وجل وهو المعرف عليه وهو المعلم لنا في كل شيء ومن ثم كان ذكراً خالصاً وعلينا أن نعطي أرواحنا حقوقها من هذا كله لكي نكون ذاكرين لله حقاً عارفين حقاً عبيداً له حقاً.

"فصل في التوسل":

عقد المنذري في كتابه الترغيب والترهيب فصلاً عنوانه "الترغيب في صلاة الحاجة ودعائها" وكان أول حديث ذكره في هذا الفصل هذا الحديث (عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري قال "أو أدَعُك" قال يا رسول الله إنه قد شق علي ذهاب بصري، قال "فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه إلى ربي بك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفعه في وشفعني في نفسي" فرجع وقد كشف الله عن بصره رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب والنسائي واللفظ له وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صححي على شرط البخاري ومسلم وليس عند الترمذي "ثم صل ركعتين" ورواه الطبراني وذكر في أوله قصة، وهو أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد تصلِّ فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك، ورح إليّ حتى أروح معك فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على طنفسة وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أئت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم أدع بهذه الدعوات، فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط" قال الطبراني بعد ذكر طرقه والحديث صحيح، والطنفسة: اسم للبساط وتطلق على حصير من سقف يكون عرضه ذراعاً.

يلاحظ من هذه النقول أن عثمان بن حنيف في زمن خلافة عثمان علم إنساناً أن يتوجه إلى الله برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن الصحابة كانوا يرون جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله بعد وفاته وقد رأينا قول الطبراني إن الحديث صحيح وهو حجة في باب جواز التوسل إلى الله برسله بعد وفاتهم، قال تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} أي فسموه بها ونادوه بها، حاول بعضهم أن يفهم من هذه الآية أن الله عز وجل لا يدعى إلا بأسمائه وألا يتوسل إليه إلا بها وحرم أن يتوسل إلى الله عز وجل بأحد من خلقه كائناً من كان إلا إذا كان التوسل به صالحاً وكان حياً وفهموا التوسل في هذا المقام على أنه هو الدعاء وبناء عليه فقد حرموا التوسل بالأنبياء والرسل والصالحين ما داموا متوفين وقام جدل في هذا الشأن كثير وحاول بعضهم أن يعطي هذا الجدل مضموناً اعتقادياً فاعتبر التوسل بغير الأحياء شركاً واعتبر بعضهم أن عدم رؤية التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالأنبياء والصالحين أمواتاً أو أحياء زيفاً وضلالاً والرواية الصحيحة التي مرت معنا تدل على أن فكرة التوسل إلى الله برسوله عليه السلام كانت موجودة في جيل الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي احدى صيغ متعددة في كيفية الدعاء فإن يستعمل أحد الصحابة صيغة من الصيغ فذلك لا يدل على حرمة غيرها، وبالتالي فإن مجموع هذه الصيغ جائزة شرعاً ولكن إذا ارتاح إنسان لصيغة من هذه الصيغ فلا عليه أن يلتزمها وإذا رأى أن الدليل لا يجيزها فلا عليه لو ناقش في ذلك كما يناقش في أي قضية فقهية ليست إلا، ولذلك فإن الأستاذ البنا رحمه الله في هذا الموضوع اعتبر الخلاف من باب الإختلافات الفقهية وليس من باب الخلافات الاعتقادية فهي إذن في رأيه مسألة فقهية تتسع فيها وجهات النظر ويطالب بها الإنسان بما تطمئن إليه نفسه إن كان من أصحاب الدليل وإن كان من غير أهل الدليل فإنه يستطيع أن يقلد فيها أي مجتهد، يقول الأستاذ البنا رحمه الله في رسالة التعاليم في الفقرة / 15 / من بند الفهم: والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة" وقد اشتدت الأطراف المتنازعة في هذا المقام على الأستاذ البنا بسبب موقفه هذا وهو موقف ظالم من الجميع، ولو أن الجميع أنصفوا لاعتبروا كلام الأستاذ البنا هو النهائي في هذا الموضوع إذ أن هذا الموضوع ليس من باب الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والأدلة فيها تبقى من نوع الظنيات، ظنيات الدلالة أو ظنيات الثبوت وإذن للاجتهاد في هذا المقام نصيب ولكل مجتهد أجره وما اطمأنت إليه نفس الإنسان في هذا الشأن فلا عليه لو سار عليه وله أن يناقش غيره ولكن التكفير والتضليل في هذا الشأن خطأ وغلو في هذا المقام أكرر ما قلته أكثر من مرة في هذه السلسلة: من أنه من توفيق الله عز وجل للأستاذ البنا رحمه الله أن استطاع أن يطرح صيغة للفهم ببنود قليلة هذه الصيغة هي الوحيدة التي يمكن أن تشكل القاسم المشترك الذي يمكن أن يلتقي عليه المنصفون في هذه الأمة، وكل صيغة غير هذه الصيغة لا يمكن أن تكون المنطلق الصحيح لعمل إسلامي مشترك نحو أمة إسلامية واحدة ودولة إسلامية واحدة وجماعة للمسلمين واحدة وإن إنساناً لم يدرك هذه النقطة وأهميتها ولم يعرف حتى الآن إيجابيات دعوة الأستاذ البنا بينه وبين الوعي الإسلامي المعاصر وبينه وبين احتياجات العمل الإسلامي المعاصر هوة كبيرة، وإنه لجدير به أن يبكي على نفسه بدلاً من أن يحمل على هذا الإنسان أو يسفه اتجاهاً له تالله لم أجد ولا أتصور أن أجد أنه يمكن أن تكون انطلاقة صحيحة إلى الله وإلى خدمة دينه وإلى تصحيح أوضاع المسلمين المعاصرة ووضع قدمهم على طريق المستقبل بشكل سليم مراعى فيه كل ما تلزم مراعاته من أوضاع معاصرة ومن دروس مستقاة من تاريخ أمتنا وكل ذلك على ضوء فهم مستقيم إلا باعتماد اجتهاد الأستاذ البنا رحمه الله مجدد هذا العصر بلا نزاع عند العارفين وأهل الفضل.

"فصل في استغاثات الصوفية":

ألف في بعض دوائر الصوفية وغيرهم أن ينادى بعض الناس الصالحين من أحياء وأموات مستغيثاً بهم في تفريج كرب أو إزالة مكروه أو استجلاب نفع أو دفع ضرر. نرى مظاهر ذلك في الحياة العادية ونراه بشكل واضح أثناء الأزمات ونراه بشكل دائم في بعض حلقات الذكر. ويستعملون في حلقات الذكر كلمة / مدد / فتجد هذه الكلمة تتكرر مرات كثيرة في حلقة الذكر أثناء النشيد وأثناء الذكر والنشيد وفيما بين فقرات النشيد "مدد يا سيدي فلان" "مدد يا سيدي فلان" ومن مظاهر هذا الاتجاه ما نجده في بعض الدوائر عند العامة إذ ينادون الخضر عليه السلام "يا خضر" "خضر الحي يرعاك" تقولها المرأة لطفلها أو لغيره وبعض الشيعة تتوسع في هذا الموضوع حتى ليكاد يكون خطابهم لبعض الأئمة له مظهر الدعاء الخالص ولعل ما وجد في دوائر الشيعة هو الذي منه تسللت هذه الأمور إلى دوائر من الناس بعد أن أعطوها مضموناً آخر وفسروها تفسيرات أخرى، وإني أفرق في هذا الموضوع بين النداء الذي فيه طابع التوسل إلى الله فذلك له صلة في المسألة السابقة التي عرضناها في الفصل السابق فقد رأينا الحديث يقول: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي" فهذا دعاء ثابت علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعمى وقد خاطب الأعمى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم على البعد بعد أن توضأ وصلى ثم علمه عثمان بن حنيف لصاحب الحاجة إلى عثمان فما كان من هذا القبيل فالخلاف فيه هو الخلاف في المسألة السابقة، ومن ثم فإنني أفرق بين قول القائل "يا محمد إشفع لي إلى ربك" وبين قوله (يا محمد أشفعني) فالصورة الأولى جزء من موضوع التوسل وهذه صورة داخلة في موضوع فصلنا هذا وجزء من هذا الموضوع ما نجده عند بعض من يزورون قبور الصالحين إذ نجدهم يطلبون منهم طلبات مباشرة (يا فلان زوجني) (يا فلان اشفني) (يا فلان بع لي غرضي) وأمثال ذلك مما تتعدد صورة وتكثر مسائله والأستاذ البنا كان جازماً في هذا الموضوع فقال في الفقرة / 13 / و /14 / من بند الفهم: والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى {الذين آمنوا وكانوا يتقون} والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً في حياتهم أو بعد مماتهم فضلاً عن أن يهبوا شيئاً من ذلك لغيرهم.

وزيارة القبور أياً كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن الإستعانة بالمقبورين أياً كانوا ونداؤهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذرائع" إن من يدرس حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى فيها أن حماية جناب التوحيد هي أهم قضية على الإطلاق ولا شك أنه حتى في حالة وجود نوع من التأويلات لمثل هذه النداءات فإنها على الأقل باب من أبواب الشرك في حق بعض الناس، أنا أعلم أن بعضهم يعتبر أن مثل هذه النداءات تسلل لها موضوع النداءات للأولياء والشيوخ من بعض دوائر التشيع بدليل أن لفظة / مدد / التي يستعملها الصوفية من باب التبرك بذكر أسماء الصالحين وأن بعضهم يستند على إمكانية أن يكون للأرواح صلة بعالم الشهادة ولكن هذا وهذا ليسا كافيين لتبرير مثل هذه الأعمال التي يمكن أن تؤثر على أصل التوحيد، إن الله عز وجل أمرنا أن ندعو لمن سلف لا أن ندعوهم فوصف المؤمنين بقوله {والذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتنا أن نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فعندما تصبح المسألة معكوسة فبدلاً من أن ندعو لهم ندعوهم فذلك هو الخطأ الذي لا شك فيه وإننا نقول: الخطأ دون أن نتوسع أكثر من ذلك لما سنراه فيما بعد وفي رأيي الذي جعل هذا الخطأ ينتشر في بعض الدوائر شيئان:

الأول: أن بعض البلدان حكمتها الدولة العبيدية وبعض الناس تأثروا في الدعوة الباطنية بشكل عام وعند هؤلاء تصور عام حول الإمام من معرفته للغيب وسماعه لنداءات الخلق وإنك لتجد في كلام هؤلاء الكثير من مثل هذا وللأسف فإن كثيرين من تلاميذ شيوخ الصوفية يعتبرون شيوخهم كذلك، نحن لا ننكر الكشف ولكن أن يعتبر الشيخ عالماً بكل شيء وأنه في كل الحالات مستشرف على شؤون العالم... إن مثل هذه الاتجاهات لو ادعاها إنسان فإنه يكون قد ادعى مقاماً فوق مقام النبوة والرسالة أصلاً ومن درس حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومجموعة أقواله ومجموع ما قاله القرآن في رسولنا عليه الصلاة والسلام أدرك أن ما ذكرناه هو من باب البديهيات نحن لا نستعظم على قدرة الله شيئاً ولكن من باب الواجبات الشرعية ألا نعطي مخلوقاً أكثر مما أعطاه الله عز وجل فأن يدعي إنسان من المقامات ما لا يعطاه الأنبياء والمرسلون فهذا هو الضلال بعينه، إن تصوري العام أن حلقات الصوفية تسلل لها موضوع النداءات للأولياء والشيوخ من بعض دوائر التشيع بدليل أن لفظة / مدد / التي يستعملها الصوفية هي لفظة شيعية في الأصل والعجيب أن تجد بعضهم إذا قال الشيعي: / مدد يا علي / كفره وهو يقولها بكل راحة زاعماً أن تصوراته غير تصورات ذلك وصحيح قد تكون التصورات مختلفة ولكن جناب التوحيد مخدوش في الحالتين ومما تعجب منه الشيخ أبو الحسن الندوي وسجله في كتاب / مذكرات سائح في الشرق العربي / أنه رأى على باب أحد شيوخ الطرق في السودان حلقة ذكر يقول أهلها: / مدد يا سيدي حسن أنت سلطان الزمن / فعجب كيف يسكت الشيوخ على مثل هذا الذي يخدش جناب التوحيد.

في رأيي أن التأثر ببعض دوائر التشيع هو السبب الأول في انتشار هذه العادة في دوائر الصوفية وإن البديل عن ذلك كله هو / مدد يا رب / مدد يا الله / اللهمم مدد / وهكذا...

وأما السبب الثاني: في وجود هذه الأمور في دوائر الصوفية فهو وجود روايات قيس عليها حيث لا ينبغي القياس فلنر مثل هذه الروايات:

1- أخرج الطبراني في الكبير بإسناد قال عنه صاحب مجمع الزوائد: ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة: عن عتبة بن غزوان رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد أحدكم عوناً وهو بأرض وليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أعينوني، يا عباد الله أحبسوا فإن لله عباداً لا نراهم وقد جرب ذلك.

2- وأخرج الطبراني والبزار بإسناد قال عنه صاحب مجمع الزوائد ورجاله ثقات: عن ابن عباس رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد وأعينوني عباد الله".

3- أخرج أبو يعلى والطبراني في الكبير بإسناد قال عنه صاحب مجمع الزوائد: وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله أحبسوا فإن لله حاضراً في الأرض سيحبسه" هذه مجموعة الروايات التي استند إليها الصوفية في توسعاتهم في قضية نداءات الشيوخ والأولياء والطلب منهم وهي روايات إذا حققتها لا تصلح لهم حجة في شيء فالحديث الأول منقطع ولا يصلح للإحتجاج به خاصة في قضية مرتبطة بالعقائد والحديث الثالث ضعيف لا تقوم به حجة في قضايا الفقهيات فضلاً عن قضية مرتبطة بالعقائد وأما الحديث الثاني وهو الذي يرتقي إلى رتبة الحسن فإنه يتحدث عن الملائكة. فالنص فيهم فأن نحمله على غيرهم فذلك خطأ ثم إن قضايا الغيب تحتاج إلى نصوص وأين النصوص التي تقول: إن فلاناً كذا أو ان فلاناً كذا وقضايا الغيب لا تدخل في باب القياسات الفقهية أصلاً، إن هذا الموضوع يجب أن يستأصل من دوائر التصوف وغيره استئصالاً لما يترتب عليه من خدش لجناب التوحيد على أنه لوجود التأويل وما رأيناه من بعض متكآت لأصحاب ذلك علينا أن لا نتسرع في التفكير والرمي بالشرك إلا حيث كان الرمي في محله واضحاً برهانه بينة حجته ولذلك استعملنا كلمة الخطأ في بداية هذه الكلمة احتياطاً ولكن كلمة الخطأ بمعناها العام قد يدخل فيها ما هو كفر.

فصل في "ما يسمى شطحات الصوفية":

من أعظم المآسي ومن أفظع الانحرافات في تاريخ الإسلام والمسلمين ما أدخله الناس تحت عنوان / شطحات الصوفية / فإنه من الطامّات الكبرى والدخن الفظيع والبلاء الأعظم نتبرأ إلى الله ممن لا يبرأ من ذلك سئلت عائشة رضي الله عنها كما ورد في حديث صحيح: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل قالت سبحان الله لقد وقف شعري لما قلت...

مع أن هذه القضية خلافية ومع ذلك أقشعر من ذكرها جلد أمنا رضي الله عنها فبالله عليكم لو أن عائشة رضي الله عنها سمعت من يقول إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الله فكيف يكون موقفها فبالله لو أن أحداً من الصحابة سمع إنساناً يقول عن نفسه / أنا الله / فماذا يكون الموقف فوالله لا يكون الموقف معه إلا السيف يقطع رقبته، ولقد كان موقف المسلمين من هذا الموضوع هو هذا في كل العصور المشهود لها بالخيرية عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بل حتى فيما بعد ذلك حتى قتلوا الحلاج.

ذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء وفيها: أي في سنة / 301 / هجرية أدخل الحسين الحلاج مشهوداً على جمل إلى بغداد فصلب حياً ونودي عليه: "هذا أحد دعاة القرامطة فأعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع" ويقول كذلك السيوطي في نفس الكتاب "وفي سنة تسع أي بعد الثلاثمائة قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمرو والفقهاء والعلماء أنه حلال الدم وأنه في أحواله السيئة أخبار أفردها الناس بالتصنيف" والملاحظ أن ما بين سجنه وقتله كان حوالي تسع سنين مما يدل على أنه لم يتسرع في قتله فإذا كان الأمر كذلك حتى مقتل الحلاج وقد أجمعت الأمة على وجوب قتله أليس ذلك دليلاً على أن صدر هذه الأمة مجمع على لعنة من يتجرأ على الله بمثل ذلك وللأسف الكبير فإن هذا الذي قاله الحلاج فأجمعت الأمة على قتله به أصبح فلسفة تقرر وعلماً يدرس حتى وجد من يذكر أنه متى يجوز للإنسان أن يقول / أنا الله / ومتى لا يجوز ألا لعنة الله على من لا يتبرأون ممن لا يتبرأ من مثل هذا، أن يشاهد الإنسان أن كل شيء فعل الله ومن جملة ذلك أفعال الإنسان نفسه هذا شيء وأن يقول الإنسان عن نفسه أنه الله فهذا شيء آخر. أن يشهد الإنسان أن كل شيء قائم بالله هذا شيء وأن يقول إنسان عن نفسه / أنه الله / هذا شيء آخر، إنه لمن عمى القلب والبصر والبصيرة أن تستمر مثل هذه الطامات في الأمة مهما كانت التبريرات والتأويلات: ألا يخجل هؤلاء من الله ومن عباد الله وهم يتشدقون بمثل هذا الكلام لقد قال ربنا {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} وهؤلاء يريدون أن نسلم للواحد حاله وهو يقول / أنا الله / فأي جهل هذا وأي كفر هذا وأي دخن وأي دغل؟ وكيف يستريح قلب لسماع مثل هذا الدنس النجس ويعتبر هذا علماً تالله ما هو إلا تلبيسات الشيطان ووساوسه، ومع أنني في سيري إلى الله أذاقني الله من فضله من معاني اسمه الصمد جل جلاله وهو المقام الذي زل به هؤلاء وتالله لا أرى لهؤلاء إلا القتل إن أصروا على هذه التشدقات والدعاوي ولنر بعض ما يتمسك به هؤلاء الضالون: يقولون إن الحديث القدسي الصحيح يقول: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه التي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي فيها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه" رواه البخاري أقول: هل هذا مما يتمسك به كدليل على أنه يجوز للإنسان أن يقول عن نفسه إنه الله والحديث نفسه يقول: وما يزال عبدي يتقرب إلي... أيعمون عن كلمة العبد ويتمسكون بقضية مجازية ليقولوا كلمة هي الكفر بعينه، ويقولون إن الحديث القدسي "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني: قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي..." رواه مسلم أقول: هل هذا مما يتمسك به كدليل على مثل هذا والحديث نفسه يقول: مرض عبدي فلان، أيعمون عن كلمة / عبدي / ويتجرأون على الله هذه الجرأة، لقد قال الله عز وجل مبيناً أن خلافته عليه السلام عن الله كاملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} وقال جل شأنه {من يطع الرسول فقد أطاع الله } فهل قائل يقول بأن محمداً هو الله أو قال محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه ذلك يا ويلاه يا ويلاه كيف يقر لمسلم قرار وهو يسمع مثل هذا الكفر؟ وكيف سيتروح قلبه لسماع مثل هذا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنزله الله عز وجل هذه المنزلة بأمره أن يقول {قل إنما أنا بشر مثلكم} وهؤلاء يقولون / أنا الله / فمتى تثور في قلوب المسلمين عقيدة الحق الصافية التي كانت عليها الأجيال الأولى فيقتلون من تجرأ على مثل هذا الكلام لينقطع دابر هذا الكفر اللعين، إن اجماع الأمة منعقد حتى مقتل الحلاج على أن قائل مثل هذا الكلام واجب القتل فكيف يصبح مثل هذا الكلام وكأنه اللغة العادية في كثير من الدوائر إنه لشيء مؤسف مؤسف وإنه لشيء يجب أن تطهر منه هذه الأمة وذلك بإقامة حلقات التصوف المحرر من الزيغ والدغل: قال حجة الإسلام الغزالي في إحيائه: وأما الشطح: فنعني به صنعين من الكلام أحدثهما بعض الصوفية: أحدهما الدعاوي الطويلة العريضة في العشئق مع الله تعالى والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب والمشاهدة بالرؤية والمشافهة بالخطاب فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل اطلاقه كلمات من هذا الجنس ويستشهدون بقوله / أنا الحق / وبما حكي عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني سبحاني وهذا فن من الكلام عظيم ضرره على العوام حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم وأظهروا مثل هذه الدعاوي فإن هذا الكلام يستلذه الطبع إذ فيه البطالة من الأعمال مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل والعلم حجاب والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق. فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره وعظم في العوام ضرره حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة وأما أبو يزيد البسطامي رحمه الله فلا يصح عنه ما يحكى وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله عز وجل في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول: "إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني" فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.

الصنف الثاني من الشطح: كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائعة وفيها عبارات هائلة وليس وراءها طائل وتلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل يصدرها عن خبط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أن يشوش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه. ثم بعد كلام يقول الشيخ الغزالي: وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة كدأب الباطنية في التأويلات فهذا أيضاً حرام وضرره عظيم فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها من غير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به والباطن لا ضبط له بل تتعارض فيه الخواطر ويمكن تنزيله على وجوه شتى وهذا أيضاً من البدع الشائعة العظيمة الضرر، وإنما قصد أصحابها الإغراب لأن النفوس مائلة إلى الغريب ومستلذة له وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم كما حكيناه من مذاهبهم في كتاب المستظهري المصنف في الرد على الباطنية ومثال تأويل أهل الطامات قول بعضهم في تأويل قوله تعالى {إذهبا إلى فرعون إنه طغى} إنه إشارة إلى قلبه وقال: هو المراد بفرعون وهو الطاغي على كل إنسان وفي قوله تعالى {وأن ألق عصاك} أي كل ما يتوكأ عليه ويعتمده مما سوى الله عز وجل فينبغي أن يلقيه، وفي قوله صلى الله عليه وسلم تسحروا فإن في السحور بركة" متفق عليه أراد به الاستغفار في الأسحار وأمثال ذلك حتى ليحرفون القرآن من أوله إلى آخره عن ظاهره وعن تفسيره المنقول عن ابن عباس وسائر العلماء وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانها قطعاً كتنزيل فرعون على القلب فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا النقل بوجوده ودعوة موسى له كأبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفار وليس من جنس الشياطين والملائكة مما لم يدرك بالحس حتى بتطرق التأويل إلى ألفاظه وكذلك حمل السحور على الإستغفار فإنه كان صلى الله عليه وسلم يتناول الطعام ويقول "تسحروا" متفق عليه "وهلموا إلى الغذاء المبارك" رواه أبو داوود والنسائي فهذه أمور لا يدرك بالتواتر والحس بطلانها نقلاً بعضها يعلم بغالب الظن وذلك في أمور لا يتعلق بها الإحساس فكل ذلك حرام وضلالة وإفساد الدين على الخلق ولم ينقل شيء من ذلك عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الحسن البصري مع إكبابه على دعوة الخلق ووعظهم فلا يظهر لقوله صلى الله عليه وسلم "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" الرواية المعروفة لهذا الحديث: من قال في القرآن بغير علم وفي رواية برأيه فليتبوأ مقعده من النار، رواه الترمذي وغيره وقد صححه الترمذي وضعفه غيره معنى إلا هذا النمط وهو أن يكون غرضه ورأيه تقرير أمر وتحقيقه فيستجر شهادة القرآن إليه ويحمله عليه من غير أن يشهد لتنزيله عليه دلالة لفظية لغوية أو نقلية ولا ينبغي أن يفهم منه أنه يجب ألا يفسر القرآن بالاستنباط والفكر فإن في الآيات ما نقل فيها عن الصحابة والمفسرين خمسة معان وستة وسبعة وعلم أن جميعها غير مسموع من النبي صلى الله عليه وسلم فإنها قد تكون متنافية لا تقبل الجمع فيكون ذلك مستنبطاً بحسن الفهم وطول الفكر ولهذا دعا صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه فقال "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" رواه أحمد والطبراني "ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بأنها يغر مرادة بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو في نفسه حق ولكن لم ينطق به الشرع كمن يضع في كل مسألة يراها حقاً حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ظلم وضلال ودخول في الوعيد المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم لأنه مبطل للثقة بالألفاظ وقاطع طريق الاستفادة والفهم من القرآ، بالكلية فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الحق عن القوانين المحمودة إلى المذمومة فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي فإن اتبعت هؤلاء اعتماداً على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأول كنت كمن طلب شرف الحكمة باتباع من يسمى حكيماً فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ. (انتهى). كلام الغزالي.

"فصل في بعض ما يصادفه السائرون إلى الله":

1- مما يصادفه السائرون إلى الله عز وجل حالة الملل والكلل وهي حالة تواجه العاملين إذا لم يعطوا لأنفسهم راحة في العمل وقد أشار إلى هذه الحالة الحديث الشريف الصحيح "خذوا من الأعمال ما تطيقونه فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل" متفق عليه وإذن هناك حالة من الملل تصيب القلب وقد قال الإمام علي رضي الله عنه "روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت" وهذا كله يفيد أن حالة الملل حالة ينبغي أن يحتاط لها السالك إلى الله أولاً بأن لا يحمل نفسه فوق طاقتها وثانياً بأن يروح عن نفسه بإعطاء نفسه بعض حظوظها المباحة والحكيم ينوي نية صالحة وهو يعطيها هذه الحظوظ فتكون حتى راحته استجماماً وعبادة كما أن الحكيم إذا ملت نفسه من عمل فإنه يمكن أن ينقلها إلى عمل آخر فإذا شبعت نفسه من التلاوة مثلاً اشتغل في الذكر وإذا شبعت من الذكر اشتغل في العلم وإذا ملت من نوع من العلوم اشتغل في نوع آخر وإذا شبعت من العلوم الشرعية اشتغل في المطالعة العامة وإذا شبعت من هذا كله أعطى للتفكر والتأمل لنفسه نصيباً وبعد إعطاء الأهل حقوقهم من واجبات الوقت وهذا موضوع يلفت النظر إليه وتصعب الإحاطة في شأنه فليلاحظ ولاحظ هذه النقول قال ابن عطاء: "لما علم منك وجود الملل لون لك الطاعات وعلم ما فيك من وجود الشره فحجرها عليك في بعض الأوقات ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة فما كل مصل مقيم.

2- ومما يصادفه السائرون إلى الله حالتا القبض والبسط وهما حالتان متعاقبتان على القلب تعاقب الليل والنهار ويفرق أئمة السلوك بين القبض والبسط النفسي الذي سببه الحزن على فوات شيء وبين القبض القلبي الذي هو حالة سببها روحي، وبين البسط النفسي الذي سببه تمتع النفس بأمر دنيوي وبين البسط القلبي الذي سببه روحي وعلى السالك إلى الله أن يتنبه كثيراً لهاتين الحالتين وأن يحسن استقبالهما وعلاجهما فقد يجره القبض إلى سوء أدب مع الحق أو الخلق وقد يجره البسط إلى سوء أدب مع الحق أو مع الخلق. وضبط الإنسان نفسه عند البسط أشق لذلك قالوا: ولا يحافظ على حدود الأدب في البسط إلا قليل". وفي حكمة القبض والبسط يقول ابن عطاء: "بَسَطَك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه، العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل، البسط تأخذ النفس منه حظها بوجود الفرح والقبض لا حظ للنفس فيه". والقبض النفسي سببه الجهل في الله وهو عقوبة. قال تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله}. ولذلك قالوا: "لا تأتينا الهموم والغموم إلا من جهلنا بالحي القيوم". وأما القبض القلبي فقد يكون تعريفاً بالله وقد يكون أثراً من استشعار القلب لخشية الله والبسط النفسي هو أثر من آثار جهل بالله أو أثر من تلذذ النفس بمتعة حلال أو حرام وهذا النوع من البسط على الانسان أن يحتاط في شأنه كثيراً لأنه قد يكون أحياناً سبباً من أسباب مقت الله، وفي قصة قارون درس: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}. وأما البسط القلبي فهو أثر عن طاعة أو شعور بأنس أو غير ذلك من معان قلبية. قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}. وعلى كل حال فلا بد أن يراعي الإنسان حالتي القبض والبسط فيدرك أسبابهما ويتحكم فيهما فقد يكون القبض أثراً من آثار تضييع حقوق الوقت ولذلك قالوا: "من لم يراع الوقت فوقته كله مقت".

3- مما يصادفه السائرون إلى الله حالتا الفرق والجمع والمراد بالجمع أن يكون قلب الإنسان مجموعاً على الله، والمراد بالفرق الحالة التي لا يكون فيها القلب مجموعاً على الله أو أن يحس القلب بنوع من التشويش العام أو عدم الاطمئنان، وهو على أنواع منها أن يحس الإنسان بالخلق ويغفل عن الحق أو أن يحس الإنسان بقلق أو اضطراب أو تشويش أو شيء من هذا وأحياناً يعرف سبب ذلك وأحياناً لا يعرف. هاتان الحالتان تمران على السالك كثيراً أما غير السالك فإنه يكون في حالة فرق دائم لأن الأصل في حقه الغفلة حتى إذا استيقظ القلب وبدأ يستشعر حالات الفناء في الأفعال والفناء في الصفات والفناء في الذات عندئذ يمكن أن يحس بهذه الحالة حالة الفرق أو الجمع وأحياناً يصل الفرق إلى حالة من القوة يجد الإنسان نفسه فيها شبه عاجز عن أي عمل وأحياناً ينتقل الإنسان من حالة في الجمع تعتبر هي المقام الأرفع أو الرفيع إلى حالة في الفرق تكاد تكون وسوسة خالصة وفي مثل هذا المقام يقول ابن عطاء "ربما وردت الظلمة عليك ليعرفك قدر ما منّ به عليك". ومن النصوص التي ندرك بها قضية الفرق والجمع وتعاقبهما على القلب هذا النص:

"عن أبيّ قال كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة فأنكرتها عليه فدخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما صلى الله عليه وسلم فقرأ فحسن شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية فلما رأى ما قد عشيني ضرب في صدري ففضت عرقاً وكأني أنظر إلى الله تعالى فرقاً فقال لي: يا أبيّ أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف.... الخ". ففي هذا النص نجد فرقاً كبيراً أعقبه جمع عظيم.

ومن هذا النص ندرك أن للفرق أسبابه وللجمع أسبابه ومن هذه الأسباب ما نستطيع التحكم به ومنه ما لا طاقة لنا به والله عز وجل يقول: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} والسالك إلى الله يحاول إذا وقع في الفرق أن يعرف أسبابه وأن يتلافاها ويحاول ما استطاع أن يبقى في حالة جمع على الله. وبهذا ينتهي الباب الأخير في هذه الرسالة ولم يبق إلا كلمة ختام.

كلمة ختام

إني لأعلم أن هذا الكتاب سيثير مناقشات ومع ذلك فقد أرسلته للطبع وليس أمامي خيار في ألا أفعل. فالحركة الإسلامية وقد جعلت إحدى سماتها أنها حقيقة صوفية لا يسعها إلا أن تبين ماهية هذه الحقيقة الصوفية ولا يصح أن يبقى فراغ في هذا الشأن ولا أزعم أن كل ما ذكرته هنا هو رأي هذه الحركة لكني حاولت جاهداً أن أعتمد ما ظننته حقاً ثم ما ظننته رأي هذه الحركة.

ولقد اعتمدت حكم ابن عطاء والمباحث الأصلية كمرجعين لأنهما كتابان كان الأستاذ البنا يركز عليهما على نقدٍ له لبعض ما ورد فيها.

ولقد كنت أتمنى أن أكتب فصولاً وأن أنقل نقولاً عن أفذاذ هذه الأمة باتجاهاتها الرئيسية في تأييد ما ذهبت إليه في كل موطن وكم كنت حريصاً أن أنقل النقول الكثيرة عن ابن تيمية وابن القيم في قضية السير إلى الله من أجل أن يرى بعض الناس أن الحساسية في كثير من الأمور لا يقرها العلم.

وأستغفر الله على ما أخطأت وأشكره على ما أحسنت وأسأله لي ولشيوخي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات مغفرة منه ورحمة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.