تطور الحركة الوطنية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تطور الحركة الوطنية فى مصر

من سنة 1937 – إلى سنة 1948

بقلم: د/ عبد العظيم محمد رمضان

محتويات

تقديم

تعالج هذه الدراسة تاريخ حركة التحرر الوطني فى مصر من إبرام معاهدة 1936 إلى نهاية الحرب العالمية الثانية . وهي مرحلة تاريخية هامة تنفرد بخصائص وسمات تميزها عن غيرها . فهي مرحلة تهادن أو شبه تهادن بين مرحلتين ثوريتن :المرحلة الأول هى التي بدأت بثورة 1919 وانتهت بإبرام معاهدة 1936 , المرحلة الثانية هي التي بدأت بانتهاء الحرب العالمية الثانية وانتهت بإلغاء معاهدة 1936 وحريق القاهرة وقيام ثورة 23 يوليو التي قوضت العهد القديم كله . وقد شهدت هذه المرحلة استنفاد معاهدة 1936 لأغراضها , بتجربة المحالفة أثناء الحرب العالمية الثانية , وبزوال الخطر الفاشي الذي كان عاملا رئيسيا فى إبرامها ثم دخول العلاقات الدولية مرحلة جديدة يحكمها ميثاق الأمم المتحدة وتوازن القوي العالمي الجديد . وفى خلال هذه المرحلة تجمعت العوامل وتهيأت الظروف التى ساعدت على اتجاه هذه مصر , وبصورة حاسمة , إلى الوحدة العربية بعد طول تردد بين وحدات كثيرة تنازعها على مدي العشرينات والثلاثينيات وقد حدد هذا الاتجاه سياسة مصر ليس فقط بالنسبة للمرحلة التالية وإنما بالنسبة لمستقبلها البعيد.

وهناك جملة أسباب دعت إلى قيامي بهذه الدراسة . أولا أن هذه المرحلة تعد أقل المراحل تعرضا للضوء من الباحثين فى تاريخ الحركة الوطنية ربما لأنها مرحلة تهادن بين مرحلتين ثوريتين . ثانيا إن هذه المرحلة لم تعالج من قبل فى إطار المقاييس العلمية التاريخية إذ لا توجد دراسة علمية شاملة تمتد على طول هذه الفترة وتنطبق عليها هذه المقاييس . ثالثا, أنه بعد أن توليت دراسة المرحلة السابقة لها من 1919 إلى 1936 , والتي كانت موضوع كتاب صدر لى عام 1968 فقد اقتضت خدمة تاريخ مصر المعاصر , وإعادة كتابة التاريخ القومي , أن أتولي معالج المرحلة التالية لها .

وتختلف جوانب وعناصر ووسائل حركة التحرر الوطني فى هذه المرحلة عن المرحلة السابقة لها من كل الوجوه ففيما يختص بالصراع السياسي فقد حكمته من بدايته إلى نهايته ظروف الصراع العالمي الكبير بين الديمقراطية والفاشية . وقد تأثرت مصر بهذا الصراع لحد بعيد فقد انقسمت القوي الوطنية إزاء الفاشية إلى فريقين:

الفريق الأول ويضم كافة القوي الديمقراطية الممثلة فى الوفد وكان يري فى الفاشية خطر ا استعماريا داهما يفوق فى خطورته وبأسه الاستعمار القديم . وهذا الخطر لا يهدد حدود مصر الغربية والجنوبية فحسب بل ويهدد نظامها الديمقراطي الليبرالي الذي ناضلت من أجله أشد النضال واعتبرته مساويا تماما لطلب الاستقلال . وقد سارعت هذه القوي إلى مهادنة الاحتلال والتحالف معه , وأبرمت معه معاهدة 1936 أما الفريق الثاني فقد بهرته انجازات الفاشية والنازية فى بلادها وخلبت لبه التشكيلات شبه العسكرية التى تميزت بها ورأي فى هذه التشكيلات وسيلة سهلة لوثوب إلى الحكم فسارع إلى تأسيسي تنظيمات مماثلة وأخذ يستهدي فى سياسته ونضاله بالأساليب الفاشية والنازية ويتطلع إليها باعتبارها مثلا أعلي وترتب على ذلك نتائج هامة أولها :

أن القوي الأوتوقراطية فى مصر وعلى رأسها القصر قد أدركت مبلغ ما يمكن أن تفيده من قيام الأنظمة الفاشية فى مصر فى ضرب القوي الديمقراطية وعلى رأسها الوفد فسارعت إلى احتضان هذه الأنظمة وسارعت هذه الأنظمة إلى أحضان تلك القوي بحكم المصالح المتبادلة وبذلك تلون الصراع السياسي الداخلي فى هذه المرحلة بنفس الصبغة التي كانت تلون الصراع العالمي.ثانيا – أن هذه التنظيمات الفاشية بحكم عدائها المذهبي للديمقراطية الليبرالية , وبحكم تعاطفها مع القوي العالمية التي تتخذها مثلا أعلي , وبحكم تحالفها مع القصر , وقد وقفت من معاهدة 1936 موقفا عدائي, والتمست من العيوب والخطايا التى خلفت بها المعاهدة سندا لموقفها دون رعاية الظروف والدوافع التي دعت لعقدها .

ثالثا- وهذه النتيجة مترتبة بدورها على النتيجتين السابقتين – أن النضال ضد الاحتلال البريطاني فى هذه الفترة قد انتقل من يد القوي الديمقراطية التي يمثلها الوفد والتى لم تكن تملك إلا أن تحترم توقيعاتها على المعاهدة وإلا أن تلتزم بتنفيذها – إلى يد القوي الفاشية والقصر.

وعلى هذا النحو , فقد شهدت هذه المرحلة ما يمكن أن نسميه " بالثورية الزائفة" وهي الثورية التى كانت تنتحلها القوي الفاشية والأوتوقراطية , وتخدع بها الجماهير مدعية أنها موجهة ضد الاحتلال البريطاني بينما هى مصوبة لخدمة مآربها الخاصة ومصالحها الذاتية, وهدفها إخضاع إرادة الجماهير لإرادة الفرد وغرضها داخلي لا خارجي .

وفى الوقت نفسه فإن الحكم على العمل الوطني فى هذه المرحلة لم يعد هينا فمن ناحية القوي الديمقراطية فإن موقفها فى وجه الخطر الفاشي وتعاونها مع الاحتلال البريطاني لتحطيمه يعد بالعيار الأيديولوجي موقفا صحيحا. ولكنه بالمعيار الوطني وهو معيار محاربة الاحتلال يعد موقفا متهادنا أما من ناحية القوي الفاشية فإن موقفها ضد الانجليز وتآمرها مع المحور فى هذه الفترة يبدو بالمعيار الوطني موقفا صحيحا ولكنه بالمعيار الأيديولوجي يعد موقفا مشبوها .

فإذا انتقلنا إلى الجانب الثاني من جوانب هذه الحركة وهو النضال الدستوري , فإنه يختلف أيضا عنه فى المرحلة السابقة فى عدة أمور : أولها, أن النضال الدستوري قبل معاهدة 1936 كان يستمد قوته من علاقته الوثيقة بالقضية الوطنية . إذ كان الحكم الدستوري بعد صدور دستور 1923 يعد مدخلا ضروريا لحل القضية الوطنية فلما سويت تلك القضية على الأسس التى قررتها معاهدة 1936 فقد النضال الدستوري قدرا كبيرا من أهميته لدي الجماهير , ولم يعد يستنفر إليه الحماس القديم الذى يستنفره قد استطاعت بثورتها الزائفة وبتشكيلاتها شبه العسكرية أن تجتذب إليها كثيرا من الأنصار والمؤيدين وخصوصا من بين الشباب. ففقد النظام الدستوري عناصر هامة كانت سندا له وعضدا فى المرحلة السابقة ثالثا أن القصر وهو معقل الأوتوقراطية كان قد برز فى خلال هذه المرحلة كمعقل وطني ضد الاحتلال بحكم العداء الشخصي بين الملك فاروق والسير مايلز لامبسون من جهة , وبحكم انحياز فاروق للقوي الفاشية العالية من جهة أخري فاستطاع أن يجتذب إليه كثيرا من العناصر الشابة المتطرفة وخصوصا من بين ضباط الجيش كما اكتسب شعبية بين بعض فئات الشعب وقد أضعف ذلك كله من فاعلية النضال الدستوري.

فإذا انتقلنا إلى الصراع الاجتماعي وهو الجانب الثالث من جوانب الحركة الوطنية فإننا نجد أن التنظيمات الفاشية التي ظهرت فى هذه الفترة قد استطاعت بثورتها وترويجها للاشتراكية الوطنية كما تزعمها النازية ومتاجرتها بشعارات الرجوع إلى حكم الإسلام واشتراكية الإسلام أن تضلل الكثير من العناصر الوطنية الثورية سواء بين العمال أو المثقفين وتنحرف بهم عن طريق النضال الحقيقي ضد الطبقات المستغلة إلى نضال مشبوه لحساب القصر والأوتوقراطية ولذلك فقد خلت هذه المرحلة مما حفلت به المرحلة السابقة من تنظيمات اشتراكية ذات قيمة نضالية ولم يكن إلا فى خلال الحرب العالمية لثانية حين أخذت بعض الحلقات والتجمعات الماركسية فى الظهور ولكنها كانت تعتمد بالدرجة الأولي على القيادات الأجنبية ولم تحدث أثرا فى المحيط العام ومن الغريب أن اختفاء التنظيمات الاشتراكية الوطنية الفعالة فى هذه المرحلة قد حدث فى الوقت الذي طفت فيه قضية الإصلاح الاجتماعي إلى السطح بعد تسوية القضية الوطنية وفى الوقت الذي ظهرت فيه بعض الدعوات الإصلاحية!

هذا فيما يختص بجوانب الحركة الوطنية أما عناصر هذه الحركة فقد تعرضت لتغيير فى هذه المرحلة فمن ناحية فقد ظهرت عناصر سياسية جديدة هى العناصر الفاشية التى تحدثنا عنها ونعني بها حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين كما ظهرت أحزاب سياسية جديدة إلى جانب الأحزاب التقليدية , وهي الحزب السعدي وحزب الكتلة الوفدية كذلك ظهر عنصر جديد هو عنصر المستقلين وهم جماعة من الساسة المرتزقة الذين لا ينتمون لحزب معين وإنما ينتمون للمصالح المالية الاحتكارية الأجنبية فى غالبيتهم ويبيعون ولاءهم لمن يدفع الثمن وكان القصر عادة هو الذي يدفع الثمن وهو الوزارة ومقاعد البرلمان كذلك ظهر عنصر هام جديد على المسرح الوطني لم يكن له دور منذ ثورة عرابي وهذا العنصر هو ضباط الجيش فإذا انتقلنا إلى وسائل الحركة لتحقيق أهدافها , نجد أنها قد اختلفت عنها فى المرحلة السابقة فمن ناحية الوفد فقد اتجه إلى تنفيذ بنود معاهدة 1936 الخاصة بجلاء القوات البريطانية عن المدن المصرية إلى منطقة القنال وكذا تقوية الجيش المصري ورفع كفايته ليصبح وحدة قادرا على الدفاع عن قنال السويس – حسب الشرط الذي نصت عليه المعاهدة لجلاء القوات البريطانية . ولكنه لم يلبث أن طرد من الحكم فى نهاية ديسمبر 1937 . فلما نشبت الحرب العالمية الثانية وعمدت بريطانيا إلى بسط سيطرتها السياسية والاقتصادية على البلاد وتكشف أن المعاهدة تنفذ من طرف واحد هو مصر – أخذ الوفد يشن عليها الحملات الهائلة , مما أدي إلى تعبئة الشعور الوطني ضدها , والاتجاه بميول الشعب المصري نحو المحور وقد استغلت قوي القصر هذه الظروف فى تحريك الجماهير بغية الاستيلاء على الموقف ولكن ذلك أخل بمركز بريطانيا إخلالا خطيرا فأقدمت على التدخل فى حادث 4 فبراير المشهور .

أما القوي الفاشية فقد اقتصر نضالها ضد الاحتلال فى الفترة السابقة على نشوب الحرب العالية الثانية على كتابة المقالات الرنانة وإلقاء الخطب الحماسية أما تشكيلاتها العسكرية فقد استخدمت فى محاربة القوي الديمقراطية دون الانجليز وبعد نشوب الحرب اقتصرت جهود حزب مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين على تخزين الأسلحة انتظارا للفرصة المناسبة ولكن جماعة مصر الفتاة صفيت بعد حركة رشيد عالي الكيلاني وجماعة الإخوان المسلمين آثرت استخدام أسلحتها فى ميدان الخصومة الداخلية بعد انتهاء الحرب وهكذا لم يثمر كفاح الثورية الزائفة إلا زيفا.

وقد شهدت هذه المرحلة أيضا نشاط العناصر العسكرية الساخطة على الاحتلال ومحاولاتها الالتحام بقاعدة شعبية تساندها , وجرت محاولات مع الإخوان المسلمين لتنسيق العمل كما جرت محاولات مع جيش المحور وتم تخزين بعض الأسلحة ولكن هذا النشاط أحبط وتم تصفية التنظيم السري قبل أن يأخذ فاعليته وقبض على بعض أعضائه .

ومن ذلك يتضح جليا أن هذه المرحلة من مراحل التحرر الوطني فى مصر هي مرحلة متميزة تنفرد بسمات وخصائص تختلف عن سمات وخصائص المرحلتين السابقة واللاحقة لها . وعندما أخذت فى معالجتها رأيت أن الضرورة تقتضي أن أتبع منهج المزج بين التقسيم الزمني والتقسيم الموضوعي وبمعني آخر دراسة الموضوع فى إطار التقسيم الزمني لأن الاقتصاد على التقسيم الموضوعي وحده بإفراد فصل للحركة السياسية وآخر للحركة الدستورية وثالث للوفد .. الخ , وهو – كما رأيت – أشبه بتمزيق الحركة إلى شرائح وعينات مع أ، الواجب هو دراسة الحركة ككائن حي يزخر بالنشاط ويتفجر بالحياة .

ويبدأ الفصل الأول من هذه الدراسة بسقوط الجبهة الوطنية التى أبرمت معاهدة 1936, وموقف الأحزاب من هذه المعاهدة , والجدال الذي ثار بعد إبرامها حول مصير الأحزاب . ثم تدهور العلاقات بين الوفد والعرش , والأزمات التي تتابعت وصلتها بإحياء الخلافة الإسلامية وأزمة الجيش وأزمة تعيين يوسف الجندي وزيرا ثم انقسام قيادة الوفد – على اعتبار أن هذه الأحداث تمثل العوامل المؤثرة فى نتيجة المعركة الدستورية الكبري التى نشبت فى النصف الثاني من عام 1937 وقد درست فى هذا الفصل النزاع حول مشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان من واقع المذكرات الرسمية المتبادلة وقضية الزعامة المقدسة وتشكيل القمصان الزرقاء ثم انفصال النقراشي وأحمد ماهر من الوفد وتناولت الأزمة الدستورية الكبري متتبعا مقدماتها وأحداثها كما تناولت موقف الانجليز من هذه الأزمة ومحاولة خلع الملك فاروق عن العرش فى ديسمبر 1937.

وقد خصصت الفصل الثاني لدراسة الحركة الفاشية فى مصر فتتبعت حركة مصر الفتاة منذ نشأتها فى أواخر العشرينات إلى أواخر الثلاثينيات وعنيت بدراسة الإطار الأيدلوجي لها وعلاقتها بالقوي السياسية فى مصر وتحليل نشأتها فى حقل العمل الوطني وناقشت مسألة عمالتها لإيطاليا وهي التي أعلنها النحاس باشا رسميا من فوق منبر مجلس النواب . كما عنيت فى القسم الثاني من هذا الفصل بدراسة الحركة فى عامي 1938 و 1939 أى فى سني ازدهارها وعنف صراعها ليس فقط مع الوفد , وإنما مع حكومة الانقلاب لهدم النظام القديم كله , وأزحت الستار عن علاقتها بالقصر الذي كان الصراع بداخله يدور على أشده بين الأوتوقراطية كما يمثلها علي ماهر باشا , والفاشية كما يمثلها محمد كامل البنداري باشا وتعرضت لاتصالات فاروق بإيطاليا وكشفت طرفا من الخصومة الشخصية بينه وبين السفير البريطاني السير مايلز لامبسون وهي التي كان لها دورها فى حادث 4 فبراير.

وكما عنيت بدراسة حركة حزب مصر الفتاة كذلك عنيت بدارسة حركة الإخوان المسلمين التى أفردت لها الفصل الثالث وقد درست فى هذا الفصل نشأة الحركة فى عام 1928 وأسباب وعوامل انتشارها حتي نشوب الحرب العالمية الثانية كما ألقيت الضوء على أيديولوجية الإخوان وصلاتهم بالقصر وانحرافهم إلى العمل السياسي , وعلي الرغم من الصبغة الفاشية التى تجمع بينهم وبين جماعة مصر الفتاة إلا أنني للم أدمج الحركتين فى فصل واحد لأن حركة مصر الفتاة إنما هي حركة أوحت بها التنظيمات السياسية فى أوربا أما الإخوان المسلمون فهم حركة قذفها تيار إسلامي محتضر.

وقد عالجت فى الفصل الرابع تاريخ الحركة الوطنية فى مصر خلال الحرب العالمية الثانية . فتتبعت موقف مصر من الاشتراك فى الحرب وكيف انتقلت من فكرة الدخول فى حرب هجومية إلى فكرة الحرب الدفاعية حتى استقرت أخيرا على الوقوف موقف الحياد , أو بمعني أدق موقف الدولة غير المحاربة كما تعرضت لحادث 4 فبراير فى دراسة مطولة : واتبعت ذلك بدراسة الأحداث الهائلة التى عصفت بمصر مع وصول قوات الماريشال روميل إلى العلمين وعنيت عناية خاصة بتحقيق الروايات التى أثيرت عن خطة الانجليز لتدمير مصر أثناء انسحابهم ثم تحقيق الخطط التى كانت تعدها إيطاليا وألمانيا لمصر فى حالة نجاحهما فى غزوها , وقد عالجت فى القسم الأخير من هذا الفصل الكبير انسلاخ مكرم عبيد باشا من الوفد وحققت قصة الكتاب الأسود , وتتبعت مؤامرات القصر لإقالة الحكومة الوفدية وكذلك مؤامرات الانجليز لفصل شمال السودان عن جنوبه وفصله عن مصر .

ونظرا لأن الفترة الخاضعة للبحث قد شهدت ميلاد جامعة الدول العربية , فقد رأيت أن الضرورة تقضي بدراسة هذا الحدث الكبير الذي كان نقطة تحول فى حياة مصر , وحتي لا تبدو مثل هذه الدراسة معلقة فى الفراغ , وتطبيقا للمنهج المتخذ فى هذه الرسالة وهو منهج الدراسة الرأسية التى تتبع كل حدث تاريخي وكل ظاهرة تاريخية إلى أصولها البعيدة مهما امتدت هذه الأصول عبر الحقب وخلال المراحل التاريخية – فقد مهدت لميلاد جامعة الدول العربية بدراسة مطولة لنشأة وتطور الفكرة العربية فى مصر أوضحت فيها كيف كانت فكرة القومية العربية مجهولة ليست فقط فى مصر بل وفى العالم العربي كله حتي القرن التاسع عشر على الرغم من وجود مقوماتها وكيف كانت مضطهدة في مصر قبل الحرب العالمية الأولى , ثم انتقلت بالفكرة بعد الحرب عبر الفكرة الشرقية التى آويتها عناية خاصة , نظرا لأنها تعد جسر الانتقال بين الجامعة الإسلامية والجامعة العربية وقد عنيت عناية خاصة بدراسة دور بريطانيا فى قيام جامعة الدول العربية .

وبهذا الفصل تنتهي هذه الدراسة الشاقة التى استغرق إعدادها ست سنوات ( 1964 – 1970) وجري تنقيحها وتزويدها بما يجد من إضافات على مدي ثلاث سنوات أخري .

فإذا انتقلنا إلى المادة التاريخية لهذا البحث فهي تنقسم إلى قسمين القسم الأول مصادر أصلية والقسم الثاني دراسات ونعني بالمصادر الأصلية المواد الأولية المجردة من المعالجة التاريخية وهى تنقسم فى هذا البحث إلى خمسة أقسام :

1- وثائق رسمية

ونعني بها ما صدر عن وزارات الحكومة ومصالحها والجهات الرسمية فى الدولة من قوانين وأوامر وتشريعات وإحصاءات وتعدادات والبيانات الرسمية والقرارات , والكتب الملونة وما صدر عن مجلسي البرلمان من مضابط الجلسات وملاحق القوانين والقرارات وما نشر من أحكام ومحاكمات وغير ذلك .

وتعتبر مضابط البرلمان ذات أهمية خاصة فى هذا البحث وخصوصا فى أثناء الحرب العالمية الثانية . فمن المحقق أن الناقشات البرلمانية أثناء هذه الحرب تعد قبس الضوء الوحيد تقريبا وسط ظلماء الحكام العرفية والظروف الاستثنائية التى كانت تمر بها البلاد ولو أن البرلمان كان موقوفا أثناء الحرب , كما كان الحال أثناء الحرب العالمية الأولى لضاعت كثير من الحقائق وأسدل الستار على كثير من الأحداث التى كشفتها المناقشات البرلمانية وحدها والأمثلة على ذلك كثيرة منها أن الحكومة البريطانية هي التي طلبت من الحكومة المصرية إعلان الأحكام العرفية بعد إعلان الحرب ومنها رد الحكومة البريطانية على مذكرة الوفد المصري التي قدمها فى أول أبريل [[1940]] ثم رد الوفد على الرد البريطاني ومنها المسائل المتعلقة بالمعتقلين أثناء الحرب إلى غير ذلك من الحقائق التاريخية الهامة .

وتعتبر من أهم المصادر الرسمية فى دراسة الحركة الوطنية مجموعة محاضر اللجنة العامة المتفرعة من لجنة الدستور وقد صدرت عام 1934 وقيمة هذه المحاضر أنها تحوي عرضا بديعا للفكر البورجوازي الليبرالي فى مصر متصادما مع الفكر الأوتوقراطي ولا مندوحة عن الاطلاع عليها لفهم جذور الصراع الدستوري الذي دار فى مصر بعد صدور دستور 1923.

وقد أفاد هذا البحث كثيرا من الكتاب الأبيض الذي أصدرته حكومة الوفد عام 1943 وضمته جميع بيانات الحكومة وقرارات مجلسي البرلمان بشأن الأسئلة والاستجوابات عما ورد بالكتاب الأسود وما يتعلق بها من مسائل سبق إثارتها فى مجلس البرلمان وأهمية هذا الكتاب أنه لا يتضمن فقط ردود الوزراء الوفديين على الاتهامات الموجهة إليهم وإنما يتضمن الاتهامات نفسها التى وجهها مكرم باشا فى شكل أسئلة موجهة من الشيوخ والنواب وبذلك أعانني على معرفة ما تضمنه الكتاب الأسود الذي لم يتسير لى الحصول عليه .

كذلك أفاد هذا البحث من تقرير عن " الجيش" عثرت عليه فى وثائق قصر عابدين وذلك لما يعكسه من وجهة النظر الموالية للقصر فى القرارات التى أصدرتها حكومة الوفد عام 1937 للسيطرة على الجيش وقد احتوي الملف الموجود فى قصر القبة والخاص بحادث 4 فبراير

( مكتب حسن يوسف) وثائق غاية فى الأهمية منها المحضر التفصيلي لاجتماعي الزعماء بالقصر يوم 4 فبراير لمناقشة الإنذار البريطاني ثم مناقشة حادث الدبابات وهو واحد من محاضر رسمية ثلاثة والمحضر الثاني نشره مصطفي مؤمن فى كتابه " صوت مصر " , أما المحضر الثالث فقد أذاعه محمود حسن باشا , كبير المستشارين الملكيين فى الصحف اليومية ونشرته جريدة الأهرام يوم 22 نوفمبر 1945 , ومن الوثائق الهامة أيضا لموجودة فى الملف المذكور , بعض المنشورات السرية التى وزعتها أحزاب الأقلية ودوائر القصر فى أعقاب الحادث, وقد نسخ هذا الملف بمعرفة وإشراف مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر وهو محفوظ به.

ومن أهم الوثائق المنشورة المرافعات والشهادات التي أدلي بها الزعماء السياسيون فى قضايا الاغتيال السياسي مثل قضية اغتيال أمين عثمان باشا وقضية اغتيال النقراشي باشا وقد أسدي لطفي عثمان خدمة طيبة للبحث التاريخي حين جمع جلسات المحاكمة الأولي فى كتاب تحت عنوان :" المحاكمة الكبري فى قضية الاغتيالات السياسية " وتعتبر الشهادات التى أدلي بها الزعماء والساسة أثناء نظر القضية من أهم المصادر التاريخية فى الكشف عن خفايا حادث 4 فبراير وبعض الجوانب السياسية الأخري .

وقد أصدر مركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر الكتاب الهام : " النظام والوزارات المصرية " عن الفترة من28 أغسطس 1878 إلى 18 يونيه 1953. وهو ن جمع وترتيب فؤاد كرم ومراجعة وإشراف مركز الوثائق . ويحوي كافة الأوامر العالية والإرادات السامية ,والقوانين , والمراسيم , والقرارات , والخطابات وغيرها من الوثائق المتعلقة بالنظارات والوزارات فى الفترة المذكورة.

2- وثائق تاريخية

ونعني بها ما صدر عن الأحزاب السياسية فى مصر من قرارات وتقارير ومذكرات وما صدر عن الزعماء السياسيين من خطب وأحاديث وتصريحات وبيانات ومراسلات وآراء ومساجلات , وما نشرته الصحف من مقالات تعبر عن اتجاهات الرأى العام أو تعبر عن وجهات نظر حزبية وهذا المصدر فى دراسة الحركة الجماهيرية يعتبر أهم المصادر الأساسية ويقف جنبا إلى جنب مع الوثائق الرسمية الهائل الذي يحوي بين ضفتيه هذه الوثائق الهامة , على أن القليل منها قد جمع ونشر فى كتب او كتيبات وهي التي نحن بصدد الحديث عنها فى هذا الجزء من المصادر .

وتعتبر خطب النحاس باشا والزعماء الوفديين فى مؤتمر الوفد الكبير الذي عقد فى يومي 9, 10 يناير سنة 1935 وفى المؤتمر الذي عقد فى نوفمبر 1943 من أهم المصادر الأساسية فى الكشف عن خطة الوفد فى مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع . وقد أصدرت جريدة الحوادث ملحقا خاصا يحوي الخطب التى ألقيت فى المؤتمر الأخير تحت عنوان :" مستقبل مصر كما رسمه الزعيم [[مصطفي النحاس]] وأقطاب الوفد المصري , نوفمبر 1943". وقد أفادني بصفة خاصة خطاب النحاس باشا فى هذا المؤتمر الذي رسم فيه خطة الوفد بإزاء قضية الوحدة العربية , والسودان وقضية الجلاء عن مصر بعد الحرب كما أفدت أيضا من خطاب كامل صدقي باشا فى هذا المؤتمر وكان رئيسا لديوان المحاسبة فى الكشف عن بعض جوانب الصراع بين أجنحة البورجوازية المصرية الكبيرة ومما يذكر أن جريدة الأهرام أعادت نشر هذا الخطاب كاملا فى عددها الصادر يوم 17 نوفمبر 1943 وذلك لأهميته. ومن أهم الخطب فى هذه المرحلة أيضا تلك التى ألقاها الدكتور أحمد ماهر فى الترويج لفكرة دخول مصر الحرب العالمية الثانية . وقد جمع محمد إبراهيم أبو رواع هذه الخطب فى كتاب بعنوان :" الشهيد أحمد ماهر " وقد صدر منه جزءان فقط فيما أعلم . كذلك تعتبر من أهم الخطب فى تلك الفترة تلك التى ألقاها محمد طلعت حرب باشا . وقد جمعت بعضها لجنة تخليد ذكري محمد طلعت حرب وهي التي احتفلت بذاكرة بقاعة الاحتفالات بجامعة القاهرة يوم 20 فبراير 1957, وذلك بالإضافة إلى بعض المقالات والبيانات الأخري .ومن الواضح أن الرجوع إلى هذه الخطب والبيانات أمر أساسي فى دراسة الجناح المالي من البورجوازية المصرية .

وقد جمع الدكتور يوسف نحاس مقالاته التى كتبها عن المسائل القطنية منذ عام 1914 حتى عام 1953 فى مجلد كبير بعنوان :" القطن فى خمسين عاما ". وكان أولي أن يسميه " القطن فى أربعين عاما "!

وهو ذو أهمية كبيرة فى تبع السياسة القطنية فى غضون هذه الحقبة الطويلة وما تعرضت له البلاد من أزمات وضائقات . وأهمية هذه المقالات أنها كتبت بقلم متخصص فى دراسة شئون القطن كذلك نشر محمد خطاب صاحب المشروع المعروف بوضع حد أعلى للملكية الزراعية سنة 1944 مجموعة مقالات نقدية كتبها منذ سبتمبر 1945 فى كتاب بعنوان :" المسحراتي" وبعضها ذو أهمية خاصة فى الكشف عن التيارات الخفية التى كانت تجري لإجهاض مشروعه أمام مجلس الشيوخ ويعتبر من التقارير الهامة الحزبية ذلك الذي أصدرته لجنة البحوث الاقتصادية بالهيئة السعدية عام 1944 تحت عنوان : " تقرير لجنة البحوث الاقتصادية " وهو وثيقة هامة تكشف السياسة الاقتصادية لهذا الحزب الذي تختلف الآراء فى هويته وقد أصدر المؤتمر الأول للطلاب العرب فى أوربا الذى عقد فى بروكسل من 27- 29 ديسمبر 1938 كتابا هاما يحوي عرضا لجسته وقراراته ولجانه ويشمل بالإضافة إلى ذلك التقارير التي أقرها المؤتمر عن الأهداف القومية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية , وتعد هذه التقارير أول معالجة لحركة القومية العربية أهدافها ووسائل تحقيقها فيما أعلم .

3- المذكرات الشخصية

هى من المصادر الأساسية فى هذا البحث واستخدام هذا المصدر يجب أن يقترن بالحذر الشديد لأن التجرد عند الكتابة عن الذات خارج عن إرادة البشر كما أن ذاكرة الكاتب كثيرا ما تخونه فى تسجيل بعض الوقائع, فتضيع الحقيقة وأذكر أنني فى أثناء معالجتي لنشأة مقاطعة لجنة ملنر , أثناء إعدادي رسالتي للماجستير تبينت أن عبد الرحمن فهمي قد أخطأ فى مذكراته خطأ فادحا , إذ زعم أن سعد زغلول قد كلفه بتشكيل لجنة من أناس معروفين ومتفقين مع الوفد فى مبادئه كى تتكلم مع اللجنة باسم الوفد ولما كانت هذه الرواية تناقض الخطة الأساسية التى كان ينتهجها سعد زغلول فى ذلك الحين فلذلك عقدت مقارنة بين المذكرات والرسائل المتبادلة بين عبد الرحمن فهمي وسعد زغلول انتهيت منها إلى أن هذه الواقعة لم تحدث أصلا و بل أن سعد زغلول قد حذر منها فى نفس الرسائل واستنتجت من ذلك أن طول الفترة بين وقوع الحوادث وكتابة المذكرات , ربما كان السبب فى سقوط عبد الرحمن فهمي فى هذا الخطأ الكبير , وسوف يري القارئ فى هذا البحث الذي بين يديه بعض النماذج لتفنيد ما ورد من وقائع فى بعض المذكرات خاصة فى الفصل الخامس .

وتعد مذكرات الدكتور محمد حسين هيكل من المصادر الهامة فى هذه الرسالة . وهي نافذة هامة للإطلال على ما كان يدور فى معسكر أحزاب الأقلية سواء أكانت خارج الحكم أمدخله , والجزء الثاني ذو أهمية خاصة لأنه يصاحب أحداث الرسالة من بدايتها إلى نهايتها.

وتعتبر مذكرات محمد التابعي :" من أسرار الساسة والسياسة" ومن المصادر الهامة فى دراسة هذه المرحلة , نظرا لأن التابعي معاصر للأحداث وكان فى الموقع إلي يتيح له رصدها و ليس فقط لمكانته الصحفية حينذاك , بل لأنه ربما كان الوفدي الوحيد الذي استطاع أن يجمع بين وفديته وصداقته لأحمد حسين باشا , وقد ترددت بين أن أضع مذكرات التابعي فى قائمة التراجم , نظرا لأنها بالدرجة الأولي ترجمة لحياة أحمد حسين باشا , وبين أن أضعها فى قائمة المذكرات , وقد اخترت الأمر الأخير لأن التابعي اعتمد على مذاكرته ويومياته وحدها فى الترجمة لأحمد حسين باشا , فهي على هذا النحو مذكرات التابعي عن أحمد حسين باشا , وليست ترجمة التابعي لحياة أحمد حسين وقد تعرضت لبعض ما ورد بها بالتنفيذ خصوصا دور أحمد حسين باشا فى مقابلة كفرعشما.

ومن المصادر الأساسية أيضا مذكرات أنور السادات التي نشرت تحت عناوين مختلفة وقد اخترت الطبعة التى أصدرتها دار الهلال تحت عنوان :" أسرار الثورة المصرية " وتعد هذه المذكرات , بالإضافة إلى مذكرات قائد السرب حسن عزت المنشورة تحت عنوان : أسرار معركة الحرية " المصدرين الوحيدين اللذين يتناولان حركة الضباط الأحرار فى الفترة الخاضعة للبحث . وقد صدرت مؤخرا مذكرات كمال الدين رفعت تحت عنوان :" حرب التحرير الوطنية بين إلغاء معاهدة 1936 وإلغاء اتفاقية 1954" إعداد مصطفي طيبة وقد مست مسا خفيفا نشاط الضباط خلال الحرب العالمية الثانية ومن المصادر الهامة فى دراسة التنظيمات السرية خلال الحرب مذكرات وسيم خالد الذي كان على صلة بحسين توفيق .

وللمرحوم الشيخ حسن البنا مذكرات صدرت تحت عنوان " مذكرات الدعوة والداعية " تعتبر على جانب كبير من الأهمية فى الكشف عن نشأة الحركة وتطوراتها . وقد ضمنها الكثير من خطبة ومراسلاته وقرارات الجماعة فى المناسبات المختلفة وهي مصدر أساسي فى دراسة حركة الإخوان , بالإضافة إلى ما ورد بجريدة الإخوان المسلمين التي صدرت عام 1933 وبعض صحف تلك الفترة .

وقد نشر أحمد حسين بعض الكتب التى تحوي مذكراته ونشاطه ونشاط حزبه , منها " إيماني " الذي صدرت منه – فيما أ‘لم – طبعتان : الأولي تتوقف إلى ما قبل معاهدة 1936 والثانية تنتهي عند توقف مباحثات صدقي – ستانسجيت, وتختلف عن الطبعة الأولي بالحذف والإضافة وقد تحدث أحمد حسين فى كلتا الطبعتين عن نشأته ونشأة جماعة مصر الفتاة وضمنها الثير من خطبه ومرافعاته كذلك أصدر أحمد حسين كتابه :" من وراء القضبان" وهو يحوي ذكريات سجنه وهربه وإعادة سجنه خلال الحرب العالمية الثانية كما أصدر ثلاث قصص تحوي مذكراته الشخصية تحت العناوين الآتية :" أزهار"." الدكتور خالد"و" احترقت القاهرة" . ومن الخطأ البالغ الاعتماد على هذه المذكرات المتفرقة التى أصدرها أحمد حسين فى دراسة الحركة الفاشية لأن المصدر الأساسي لدراسة نشأة الحركة ومراحلها الأولي هو صحف عام 1928 ثم جريدة الصرخة عام 1930 و 1933 وما بعدها ذاتها فى عامي 1938, 1939 على وجه الخصوص.

وقد أصدر جلال الدين الحمامصي كتابا بعنوان :" معركة نزاهة الحكم " تحدث فيه عن دوره فى إصدار الكتاب الأسود عام 1943 وأورد مقتطفات كثيرة وهامة من هذا الكتاب وهو يعتبر من المصادر الأساسية التى تكشف عن دور القصر خاصة أحمد حسين باشا فى إخراج هذا الكتاب إلى حيز الوجود , ويعد بالإضافة إلى الكتاب الأبيض الذي أصدرته حكومة الوفد أهم مصدرين لدراسة موضوع الكتاب الأسود.

ومن أهم المذكرات التى تلقي الأضواء على اتصالات العرب بالمحور خلال الحرب العالمية الثانية مذكرات عثمان كمال حداد سكرتير المفتي الخاص , التي نشرها تحت عنوان :" حركة رشيد عالي الكيلاني ". وكذا مذكرات رشيد الكيلاني, المنشورة فى الكتاب الذى صدر بعد ثورة 14 تموز تحت عنوان :" أسرار الثورة العراقية ومذكرات محمد علي الطاهر , المجاهد الفلسطيني المعروف وقد صدر منها مجلدان الأول تحت عنوان : معتقل هاكستيب" والثاني تحت عنوان :" ظلام السجن". وقد أفدت من المجلد الأخير على وجه الخصوص.

4- أحاديث شخصية

وقد استعنت فى هذه الدراسة ببعض المصادر الحية , وأعني بها بعض الشخصيات السياسية التى شاركت فى الحلبة السياسية فى مصر , وقد اكتفيت بثلاثة هم : الأستاذ محمد صبيح ومحمد كامل البنداري ( باشا) ومحمود سليمان غنام ( باشا) وأود أن أوجه إليهم خالص شكري وتقديري فى هذه المناسبة لما حبوني به من عطف ورقة . وقد أعانني ما تلقيته منهم معلومات فى توضيح بعض غوامض البحث ,وإن كنت أعترف بأن هذا المصدر من مصادر المعلومات من أخطر المصادر وإذا لم يتوجه الباحث للقاء مسلحا بالمعرفة الكاملة لدقائق موضوع الحديث فإن المعلومات التى سيحصل عليها سوف تكون مهزوزة ومشكوك فيها لحد كبير كما أنه إذا لم يعتصم بالموضوعية المطلقة والتجرد التام فإن تأثره عند إعداد بحثه بهذه الشخصيات ذات الدربة والمهارة والدبلوماسية الكبيرة وما لقيه منها من عطف قد يهوي به وببحثه إلى هوة ليس لها قرار .

5- صحف ومجلات

6- تعتبر الصحف فى هذه الدراسة – كما ذكرت – المستودع الكبير الذي يحوي فى باكنه الوثائق التاريخية الهامة الضرورية لدراسة الحركة الوطنية وبالنسبة لهذا البحث فإن هذا المستودع قد امتد عمقا إلى الثلث الأخير من القرن الماضي واقترب حتي نهاية الخمسينيات من هذا القرن وليس من المتوقع بطبيعة الحال أن نحيط فى هذا التقديم للمصادر بكل ما أفاد به البحث من هذا المصدر الأساسي ولكن يكفي أن تتعرض بالإشارة لبعض المساجلات والمقالات التي توضح أهمية هذا المصدر.


فمن أهم المساجلات التى وقعت فى هذه الفترة تلك التي دارت بين محمود غالب باشا ومكرم عبيد باشا وكان ميدانها الصحف حول مسألة توليد الكهرباء من خزان أسوان وقد استمرت من 11 إلى 26 أغسطس 1937 وكان مكرم عبيد فيها فى الموقع الذي يمكنه من تدعيم بياناته بالمستندات الرسمية التى نشر بعضها مصورا وقد ألقت أضواء هامة على هذا النزاع الخطير الذى كان نقطة البداية فى أخطر انشقاق حدث فى الوفد بع انشقاق عام 1921 .

وقد كتب أحمد حسين سلسلة من المقالات فيما بين 19 يونيه و20 يوليه 1939 تعد من أخطر المقالات التي كتبت قبل الحرب العالمية الثانية , وهي تحت عنوان : من أجل الله والوطن , ومن أجل الملك" وقد تناول فيها أمورا على جانب كبير من الأهمية منها العلاقة بين الملك فاروق والسير مايلز لاميسون ,ومؤامرات علي ماهر باشا على الوفد والخلاف الخطير الذي نشب بين علي ماهر باشا ومحمد محمود البنداري وكان أحمد حسين فى تلك الفترة فى الموقع الذي يستطيع أن يري فيه ما يجري وراء لكواليس ويسجل أدق الأخبار وذلك بحكم صلته بكل من علي ماهر باشا ومحمد كامل البنداري باشا وتعتبر هذه المقالات بالإضافة غلى المقالات التى تنشرها جريدة مصر الفتاة مفتاحا من أهم المفاتيح لمعالجة السنتين السابقتين على قيام الحرب العالمية الثانية .

وتعتبر المقالات التي نشرتها جريدة السياسة الأسبوعية وملحقها الأدبي فى النصف الثاني من العشرينيات عن الفكرة الشرقية بالإضافة إلى ما نشرته مجلة الرابطة الشرقية حول هذا الموضوع وما نشرته مجلة الهلال طوال العشرينيات والثلاثينيات وما صدر عن " الأستاذ" للنديم وصحيفة " الجريدة" لأحمد لطفي السيد من المصادر الهامة لدراسة تطور الفكرة العربية فى مصر كما تعتبر مقالات " المنار" للشيخ رشيد رضا ومقالات " جريدة الإخوان المسلمين " من المصادر الأساسية فى دراسة التيار الإسلامي وحركة الإخوان المسلمين .

وتعتبر المذكرة التى قدمها الوفد لحكومة البريطانية فى أول أبريل 1940 من أهم الوثائق التى لا غني عنها فى معرفة الدور الذي لعبه الانجليز أثناء المرحلة الأولي من الحرب للسيطرة على اقتصاديات البلاد واستغلالها لحساب بيوت المال الانجليزية وأذكر فى هذه المناسبة قصة طريفة توضح متاعب البحث , ذلك أن هذه المذكرة كانت قد عقدت مقارنة بين ما تخسره مصر من حيادها أثناء الحرب لتدخل انجلترا وما تكسبه الدول المحايدة الأخري من هذا الحياد فى تصريف حاصلاتها, وضربت المذكرة مثلا بأن صادرات القطن الأمريكي إلى " اسوج" قد زادت إل أربعة أضعاف ما كانت عليه فى الوقت الذى كانت تجارة القطن المصري تكسد فيه وتبور .

وقد استلفت نظري اسم " أسوج" الوارد فى المذكرة . وعلى الرغم من أنه كان مألوفا لدي كاسم دولة من دول شمال أوروبا إلا أنني حين أردت التأكد من موقعه فى جميع الأطالس والقواميس الجغرافية التى اقتنيها أو فى دار الكتب او مكتبة الجامعة لم أعثر له على أثر وقد اقتضاني ذلك الرجوع إلى مذكرة الوفد فى جريدة أخري للتثبت من أن ورودها بجريدة الأهرام التى استقيته منها لم يكن خطأ مطبعيا ولكن جريدة المصري الى رجعت إليها أوردت نفس الاسم ! وبناء على ذلك أجريت اتصالا بمحمود سليمان غنام ( باشا) الذي أبدي اعتذاره لعدم تذكره الاسم . فأجريت اتصالات ببعض أساتذة الجغرافيا وقد هداني الدكتور أحمد إسماعيل المدرس بقسم الجغرافيا بجامعة القاهرة إلى أن الاسم إنما هو اسم عربي قديم لدولة السويد , ولكنه عندما أراد أن يستوثق هو الآخر من القواميس الجغرافية والأطالس بمكتبة قسم الجغرافية لم يعثر له على أثر ! ومن الطريف أنني عثرت بعد ذلك على هذا الاسم بقاموس " المنجد" على الرغم من أنه قاموس عام وليس قاموسا جغرافيا متخصصا ! وقد استغرق البحث فى هذه النقطة وقتا واقتضي جهادا غير قليل على الرغم من أن الموضوع ليس أساسيا فى البحث وكان من الممكن التجاوز عنه بأيسر جهد ودون أى تأثير

ثانيا –دراسات

ولقد كان من الضروري أن يطلع الباحث على ثمرات قرائح ونتائج دراسات بعض الباحثين الذين أضاءوا بدراساتهم بعض جوانب الطريق وهذا الاطلاع ضروري وهام لسببين : السبب الأول الاستعانة بالنتائج الإيجابية التى توصلت إليها هذه الدراسات والاسترشاد بها فى بعض نقاط البحث . أما السبب الثاني فهو مناقشة هذه الآراء فى ضوء النتائج التى توصل إليها هذا البحث لإقرارها أو تفنيد الجوانب السلبية منها . وهذه العملية , بصفة عامة ضرورية جدا لتقدم البحث العلمي فكل بحث جديد ينبغي أن يشكل مراجعة للأبحاث السابقة عليه وأن يرتفع على الجوانب البناءة منها ويهدم الجوانب السلبية فيها . وأذكر أيضا أنني عندما أخذت فى إعداد الفصل الخاص بتطور الأيديولوجية العربية فى مصر سعيت جهدي للإطلاع على كتاب الأستاذ أنيس صايغ :" الفكرة العربية فى مصر " الصادر فى عام 1959 ببروت ولكني للأسف الشديد لم يتيسر لى الحصول عليه رغم ما كلفت به بعض الأصدقاء من شرائه من بيروت ومع أنني مضيت فى بحثي حتى انتهائه , متتبعا الفكرة العربية فى المصادر الأولي وهى صحف ذلك العهد ومع اطمئناني للنتائج التى توصلت إليها إلا أنني كنت أحس بأن عملي ينقصه الاطلاع على هذا الكتاب وسنحت لشقيقي الأصغر فرصة السفر إلى لبنان فعهدت إليه بهذه المهمة . وقد نجح مشكورا فيما فشل فيه غيره . واستكملت بحثي بمناقشة آراء الأستاذ أنيس صايغ والاستعانة ببعض النتائج التى حققها.

ولن يتسع المقام فى هذا التقديم للإشارة إلى جميع الدراسات الهامة التى رجعت إليها ولكنى سوف أكتفي بإبرازهم أهم تلك الدراسات سواء منها ما أفاد البحث عن قرب أو ما أفاده عن بعد . ويعتبر كتاب المرحوم عبد الرحمن الرافعي :" فى أعقاب الثورة المصرية " الجزء الثالث ( 19361951) من الكتب القليلة التي تغطي الفترة الخاضعة للبحث ويمتاز بتحامل غريب على الوفد , حتي ليتحدث عن عودته إلى الحكم بعد وزارت النقراشي وصدقي وإبراهيم عبد الهادي , تحت عنوان :" عودة الحكم المطلق "! ولذلك فهو تاريخ للحركة الوطنية من وجهة نظر الحزب الوطني وليس من وجهة نظر تاريخية مجردة وهذا الحكم ينسحب على كتب الوطني وليس من وجهة تاريخية مجردة وهذا الحكم ينسحب على كتب المرحوم الرافعي ابتداء من (مصطفي كامل ".

وإن كان ذلك لا يقلل من أهمية الجهد الذي بذله الرافعي فى تتبع الأحداث زمنيا والتعليق عليها بما يراه وإثباته النصوص الكاملة لما ورد فى الصحف من البيانات والقرارات والمنشورات وغيرها .

ومن أهم الدراسات التى انتفعت بها فى الجزء الأول من الفصل الذى عقدته عن " الأيديولوجية العربية فى مصر " كتاب برنارد لويس :" العرب والتاريخ" وقد ترجمه نبيه أمين فارس ومحمود يوسف زايد فى بيروت وهو دراسة تحليلية على جانب كبير من الأهمية ثم كتاب أنيس صايغ :" تطور المفهوم القومي عند العرب " ويكاد يكون أحسن دراسة قدمها على صغر حجمه وكذلك الكتاب الهام للدكتور عبد الملك عودة :" معالم المجتمع العربي" ويحوي دراسة تحليلية جادة وممتعة وقد أفدت بصفة خاصة من القسم الأول منه ويمتاز الكتاب بتبويبه الموضوعي .

وقد أفدت لحد كبير من الدراسة التاريخية الهامة التى قدمها أستاذي الدكتور محمد أنيس عن حادث 4 فبراير ونشرتها جريدة الأهرام فى الفترة من 5 إلى 10 فبراير 1967 . وأهمية هذه الدراسة بالنسبة لهذا البحث أهمية خاصة فهي أول دراسة أكاديمية تعالج موضوعا كبيرا ومتكاملا من مواضيع هذا البحث وقد تغلغل بها الدكتور محمد أنيس إلى جذور الحادث فأضاء مساحة كبيرة من تاريخ هذه الفترة وبالإضافة إلى ما أفاده الباحث مما احتوته الدراسة من معلومات هامة وتحليل بديع فقد أفاد بصفة خاصة من نصوص وثائق وزارة الخارجية الألمانية التى كان إيرادها فى هذه الدراسة إضافة هامة لتاريخ مصر المعاصر ولقد كان من الطبيعي أن تختلف الدراسة التى قدمتها فى هذه الرسالة لحادث 4 فبراير عن الدراسة التى قدمها أستاذي الدكتور محمد أنيس من جميع الوجوه , وذلك بحكم التبويب المختلف فى كلتا الدراستين فضلا عن أنني حرصت على أن أعالج الزوايا أو الجوانب التى لم يتعرض لها أستاذي فى دراسته وأن أبدأ من حيث انتهي هو فالدراستان على هذا النحو متكاملتان.

ثالثا- المراجع الأجنبية

فإذا انتقلنا إلى المراجع والمصادر الأجنبية نجد من الضروري الإشادة بالدراسة التى قدمها "جورج كيرك" وهو من الباحثين المتخصصين فى شئون الشرق الأوسط عن : الشرق الأوسط في الحرب ( 19391945) وقد أصدرها المعهد الملكي للشئون الدولية وهى عرض لشئون الأوسط يتتبع الأحداث السياسية حسب تسلسل وقوعها الزمنى فى كل قطر بالأستاذ إلى الوقائع الهامة والجزء الخاص بمصر يمتاز بالتركيز والشمول إن كان يعبر عن وجهة البريطانية وأهميته الكبري – فى الواقع – تكمن فى أنه يضع يد الباحث على قائمة من المصادر الأجنبية الهامة التى ربما تعذر على الباحث التعرف عليها بدون الرجوع إلى هاذ المرجع الهام , وللمؤلف دراسة أخري تحت عنوان : موجز تاريخ الشرق الأوسط " وقد ترجمتها إلى العربية الأستاذ عمر الإسكندري وراجعها الدكتور سليم حسن وصدرت فى سلسلة الكتاب . وتمتاز بما تميزت به الدراسة السابقة بالتركيز والشمول والدراستان لا غني عنهما فى تتبع الأحداث الهامة . وقد قدم المؤلف فى عام 1961 تاريخه الوجيز:" السياسة العربية المعاصرة " وهي تختلف عن الدراستين السابقتين فى أنها دراسة تحليلية تتناول التطورات التي حدثت فى العالم العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين حتى صدور الدراسة عام 1961.

وتعتبر الدراسة التى قدمها وليم شيرر عن :" قيام وسقوط الرايخ الثالث" من أ÷م الدراسات التى تعالج تاريخ الحرب العالمية الثانية وهي تعتد بصفة أساسية على وثائق وزارة الخارجية الألمانية التي وقعت فى يد الحلفاء عن غزو ألمانيا ولا تداني هذه الدراسة فى أهميتها إلا الدراسة التى قدمها المستر ونستون تشرشل تحت عنوان :" الحرب العالمية الثانية " والتى استند فيها وزراء بريطانيا أثناء الحرب وقد صدر فى ستة أجزاء ولكن المستر تشرشل أصدر طبعه مختصرة منها فى مجلد واحد عام 1957 بعد أن أضاف إليها فصلا خاصا عن الأحداث الأوربية من انتهاء الحرب إلى تاريخ صدور هذه الطبعة وقد ترجمت الطبعة المختصرة إلى العربية عدة ترجمات تحت عنوان " مذكرات تشرشل" وصدرت فى طبعات مختلفة.

وتعتبر " يوميات شيانو" وهو الكونت شيانو الذى كان وزيرا لخارجية ايطاليا أثناء الحرب , وكذلك الحرب , وكذلك أوراقه الخاصة التى صدرت تحت عنوان :" " أوراق شيانو الدبلوماسية " من أهم الوثائق التي أفاد بها البحث . سوف يلاحظ القارئ عند الاطلاع على ثبت المصادر الأجنبية أنني رجعت إلى طبعتين من هذه المذكرات كما أنني رجعت إلى ترجمتين لأوراق شيانو الدبلوماسية هما الترجمتان الانجليزية والفرنسية وتفسير ذلك موجود فى الفصل فى الجزء الذي عقدته لمعالجة سياسة ايطاليا وألمانيا إزاء مصر.

وقد كان من حسن حظي أن أطلعت على أوراق هاري هوبكنز الخاصة وهو ممثل الرئيس روزفلت الشخصي ومستشاره الأول فى البيت الأبيض , وقد نشرها صديقه وزميله فى البيت الأبيض " روبرت شيروود" عام 1948 فى شكل ترجمة لحياة هاري هوبكنز بعنوان :" أوراق البيت الأبيض الخاصة بهاري هوبكنز" وأضاف إليها ذكرياته الخاصة . والترجمة صدرت فى جزأين وتستند إلى عدد هائل من الوثائق وقد أفدت بها بصفة خاصة فى معالجة الروايات التى أثيرت حول خطة الانجليز لتدمير مصر عند انسحابهم منها أثناء الحرب .

كذلك كان من حسن حظي ان أطلعت على وثائق وزارة الخارجية البريطانية (f.o) فى الفترة من 1936 إلى 1944 ثم على " يوميات كيلرن" التى نشرت مؤخرا وقد دعمت البحث بكافة الإضافات الهامة التى قدمتها هذه الوثائق واليوميات والتي تزيد عما أوردته الوثائق المصرية ومن ثم فيمكن القول فى اطمئنان تام أن هذا البحث يعتبر أول بحث أكاديمي عن هذه الفترة يستند إلى الوثائق المصرية والانجليزية مجتمعة وأملي ان أكون قد وفقت فى إلقاء أكبر شعاع من الضوء على أوسع رقعة من تاريخ هذه الحركة.

مصر الجديد فى 21 أبريل 1973

دكتور عبد العظيم رمضان

الفصل الأول: الصراع بين الديمقراطية والأتوقراطية

انهيار الجبهة الوطنية الجبهة الوطنية أثناء المفاوضات

تعتبر الفترة الممتدة من إبرام معاهدة 1936 إلى قيام الحرب العالمية الثانية من أهم الفترات فى تاريخ مصر المعاصر . ذلك أنها شهدت أشد المعارك الحزبية عنفا وأكبر هزائم الديمقراطية حسما كما شهدت أهم انقسام فى قيادة الوفد بعد الانقسام الكبير الذي وقع فى عام 1921 .

وفى هذه الفترة ارتفع المد الفاشي في مصر إلى ذري لم يبلغها من قبل ونشب صراع مرير بين القوي الديمقراطية والقوي الفاشية والأوتوقراطية وعانت الحياة النيابية من هذا الصراع الشئ الكثير وهناك عدة أسباب جعلت هزيمة الديمقراطية فى هذه الفترة أشد نكرا من أية هزيمة سابقة أولها أن النضال الدستوري كان يستمد قوته قبل إبرام معاهدة 1936 من صلته الوثيقة بالقضية الوطنية فلما سويت هذه القضية على الأسس التى قررتها المعاهدة فقد النضال الدستوري جزءا كبيرا من قوته ولم يعد يستنفر إليه الحماي القديم الذى كان يستنفره قبل تسوية القضية الوطنية .

ثانيا : أن هذه الهزيمة وقعت فى مستهل عهد جديد حصلت فيه البلاد على قدر كبير من استقلالها الداخلي والخارجي واعتلي العرش فيه ملك جديد فكانت استهلالا سيئا لهذا العهد وسابقة ظلت تلقي بظلها الأسود الكثيف على الحياة الدستورية حتي قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 .

ثالثا - إن هذه الفترة شهدت نمو قوي سياسية جديدة لا تتخذ الديمقراطية شهدت نمو قوي سياسية جديدة لا تتخذ الديمقراطية الليبرالية مثلا أعلي وقد اجتذبت هذه القوي إليها كثيرا من الأنصار والمؤيدين وخصوصا من بين الشباب فخسر النضال الدستوري عناصر هامة كانت سندا وعضدا له ضد الأوتوقراطية , وتأثرت الحياة الدستورية بذلك أيما تأثير.

ونقطة البداية فى المعركة الدستورية التى انتهت بانهيار الحكم الديمقراطي فى 30 ديسمبر 1937 هي سقوط الجبهة الوطنية وكانت الجبهة الوطنية قد تألفت فى أوائل ديسمبر 1935 من جميع الأحزاب السياسية فى مصر فيما عدا الحزب الوطني لإعادة دستور 1923 وإبرام المعاهدة مع بريطانيا وقد ـالفت تحت ضغط شديد من الطلبة الذين رفعوا شعار الوحدة والائتلاف فى أعقاب الأحداث الجسيمة والمحزنة التى أعقبت تصريح هور الأول فى 9 نوفمبر 1935,وقابل الوفد هذه الدعوة فى بداية الأمر فى تحفظ واشترط أن يطالب الجميع بإعادة دستور 1923 فورا وأولا ومن غير تأجيل . ولكن الأحرار الدستوريين لم يقبلوا هذا الشرط بحجة أن الوحدة والائتلاف إنما يكونان لهدف واحد هو عقد المعاهدة مع بريطانيا , وإنه إذا عقدت هذه المعاهدة عاد الدستور وتولت الأغلبية الحكم وقد رفض الوفد بطبيعة الحال تعليق قيام الحياة الدستورية على عقد المعاهدة مع بريطانيا .

ثم تجددت المحاولات حين عادت الاضطرابات من جديد عقب تصريح هور الثاني فى 5 ديسمبر 1935 واشتد الضغط على الأحزاب من أجل الأخري على تأليف الجبهة الوطنية بغرض إعادة الدستور وعقد المعاهدة فى وقت واحد وكان ذلك إعلانا بتوقف الصراع الحزبي إلى حين .

فكيف إذن تجدد الصراع بين الأحزاب ومن هو المسئول عن انهيار لجبهة الوطنية ونشوب المعركة الدستورية التى انتهت لصالح الحكم المطلق ولصالح الفاشية ؟ إن الدكتور هيكل يلقي المسئولية على الوفد , فيقول : إن مسلك الحكومة لوفدية فى الحكم كان مصطبغا بالصبغة الحزبية وقائما على محاباة أنصارها ومحاربة خصومها وإن ذلك كان دليلا على أن الوفد لم يعتبر عقد المعاهدة ختام عهد وبدء عهد جديد فى النضال الحزبي بل رأي استدامة هذا النضال بعد المعاهدة على نحو ما كان قبلا .

وفى الحقيقة أن من العسير القول بأن الصراع الحزبي قد توقف تماما بعد تأليف الجبهة الوطنية وإنما يمكن القول أنه هدأ فقط وكنت حدته , ولكن جذوته ظلت متقدة تحت الرماد تغذيها الرواسب القديمة والمرارة لكامنة فى النفوس. وخير دليل على ذلك أن المفاوضات نفسها وهى التي توحدت الجبهة الوطني من أجلها , كانت ميدانا هاما من ميادين الصراع الحزبي وسوقا للمزايدات الوطنية من جانب زعماء الأقلية الذين عرفوا بالاعتدال . ولقد كان السبب فى ذلك ما كان قد أخذ يتضح شيئا فشيئا فى أذهان هؤلاء الزعماء من أن استقرار العلاقات بين مصر وانجلترا سوف يتبعه بطبيعة الحال استقرار الحالة السياسية فى مصر واستقرار الحكم بالتالي فى يد الوفد ومع ما يترتب على ذلك من أضرار محققة تصيبي مصالح أحزاب الأقلية ومصالح أنصارها عندئذ بدا لزعماء الأقلية أنهم يقفون بين نارين أو بين مصلحتين : مصلحة البلاد من جانب ومصلحة أحزابهم من جانب آخر وكان الاختيار صعبا ذلك أن الظروف التى جرت فيها المفاوضات كانت ظروفا صعبة تضغط على يد مصر ضغطا شديدا وتدفعها دفعا شديدا لإبرام المعاهدة وهذه الظروف هى ظروف الحرب الإيطالية الحبشية وما كانت تنذر به من قيام حرب عالمية لا تبقي ولا تذر , وتعاني فيها مصر ما عانته فى الحرب العالمية الأولى .

لذلك فقد اتجهت سياسة زعماء الأقلية فى ذلك الحين إلى التطرف على اعتبار أنه المرفأ الأمين لأحزابهم فإذا خضع الانجليز كسبت هذه الأحزاب فخر تحقيق أهم المكاسب الوطنية على أيديها وإذا تمسك الانجليز بموقفهم فشلت المفاوضات وعادت الظروف السياسية التي كانت تهيئ المناخ المناسب لهذه الأحزاب للوصول إلى الحكم .

وهذا يفسر الموقف الذي اتخذه محمد محمود باشا من " المسألة العسكرية " فلقد كان واضحا من قبل أن تبدأ المفاوضات أن انجلترا تريد " تطبيق الأحكام العسكرية الواردة فى مشروع معاهدة 1930 على الحالة التى تغيرت عما كانت عليه من قبل وبمعني آخر أنها كانت تبغي التراجع فى الحقوق التى كسبتها مصر فى معاهدة 1930 والمتعلقة بالأحكام العسكرية وقد قبلت جبهة المفاوضة التفاوض مع انجلترا على هذا الشرط للظروف التى بيناها وفى حسبانها مبدأ التعويض الذي اعترفت به انجلترا فى مباحثات جون سيمون – صدقي عام 1932 إذ أشار الأول إلى أن " كل ربغات تبديها انجلترا عن بعض المسائل فإنها تعوض مصر عن ذلك فى مسائل أخري " وبذلك كان واضحا أن المفاوضات سوف تدور فى هذه الدائرة أى حول إجابة رغبات انجلترا فى المسألة العسكرية وتعويض مصر عنها فى مسائل أخري .

مع ذلك فقد انتاب محمد محمود باشا التطرف فجأة حين أرادت انجلترا إضافة النص على معاونة مصر فى حالة " قيام حالة دولية مفاجئة يخشي خطرها " حتى دفعة التحمس إلى المناداة بقطع المفاوضات ومن أجل ذلك سافر من الإسكندرية إلى القاهرة ليجتمع بعبد العزيز فهمي باشا ومحمود عبد الرزاق باشا والدكتور محمد حسين هيكل ليشرح لهم الحالة ويشكو لهم من أن " المفاوضين الآخرين لا يتحمسون" حماسة لقطع المفاوضات" وقد استقر الأمر بعد التشاور على الأخذ باقتراح لعبد العزيز فهمي باشا بأن يتمسك محمد محمود باشا فى مسألة الامتيازات بإلغائها الإلغاء التام وبضرورة النص فى صلب المعاهدة على معاونة انجلترا لمصر على هذا الإلغاء فإذا رفضت انجلترا هذا الطلب انسحب محمد محمود باشا من هيئة المفاوضة وله كل العذر فى تصرفه .

وهنا لابد من توضيح نقطتين حول موقف محمد محمود باشا :

أولاهما أن عبد العزيز فهمي باشا – كما رأينا – وليس محمد محمود باشا هو صاحب المشورة بان يكون التعويض عن المسألة العسكرية فى مسألة الامتيازات. أما محمد محمود باشا فقد كان موقفه الأساسي هو الانسحاب من هيئة المفاوضة فى حالة إصرار بريطانيا على إضافة النص السالف ذكره

ثانيا- أنه وإن كان عبد العزيز فهمي باشا هو صاحب المشورة لسالفة الذكر , إلا أنه لا يجب أن يتبادر إلى الذهن أنه صاحب فكرة المطالبة بإلغاء الامتيازات أثناء المفاوضات . وفى الحقيقة أن الوفد كان قد هاجم الامتيازات الأجنبية هجوما عنيفا فى مؤتمره المشهور الذي عقد فى يناير 1935 والذي حدد فيه برنامجه فى المجالات الداخلية والخارجية وكان مما قاله محمد صبري أبو علم إن الامتيازات الأجنبية إنما تظلل برايتها فريقا من الأجانب المتجرين بالمواد المخدرة والسموم وإنه من أ‘جب العجب أن ترث مصر الامتيازات عن تركيا فتلغيها تركيا وتتخلص منها الولايات التابعة لها وتبقي مصر تجر أذيالها ؟ كذلك من أعجب العجب أن يكون السودان وهو جزء من مصر محررا منها وتبقي مصر فى أغلالها ؟ وإن الامتيازات قد ألغيت فى جميع الدول " فهل للعالم أن يحدثنا لماذا تبقي بمصر ؟" ثم ختم محمد صبري أبو علم كلامه بأنه " من الواجب العمل على إلغاء الامتيازات الأجنبية ... فإن مصر التى نهضت مطالبة بحقها فى الحياة الاستقلال التام وبمكانتها بين الأمم لا ترضي أن تبقي طويلا فى رق الامتيازات دون أم العالم " فلما برزت ظروف الحرب الايطالية – الحبشية اتفق الوفد مع نسيم باشا على تقديم مذكرة للمندوب السامي لإعادة الدستور وعقد معاهدة بين البلدين يترتب عليها إلغاء الامتيازات قد تحدد فى مناسبتين قبل الدخول فى مفاوضات ومعني ذلك أن هذه كانت من المسائل المعروضة فى مفاوضات 1936 وأنها لم تكن من بنات أفكار محمد محمود باشا أو عبد العزيز فهمي باشا أما عن فضل محمد محمود باشا فى هذه المسألة فهو على النحو الذي أورده الدكتور أحمد ماهر باشا قطب الوفد , فى خطابه الذي ألقاه أمام مجلس الشيوخ عن المعاهدة إذ ورد فيه قوله :" وأري لزاما على أن أعلن من فوق هذا المنبر ما قدمه محمد محمود باشا من خدمات كبري فقد كان دولته معارضا فى مسألة النقطة العسكرية كما كان الكثيرون منا معارضين لبعض أحكامها وكان لموقفه أثر كبير فى تذليل كثير من الصعوبات فإنكم تعلمون أن للمفاوضين الانجليز شعورا وإدراكا فهم إذا شعروا أن ما يعرضونه يقبل بسهولة أبدو التشدد من جانبهم ولكن حين كانوا يعلمون أن دولة محمد محمود باشا وهو الرجل المعروف عندهم بالاتزان والاعتدال فى الحكم معارض فى هذه النصوص وإنه لا يقبلها على مضض يخففون كثيرا من غلوائهم وأعتقد أن هذا كان خير معوان لدولة النحاس باشا فى إقناع السير ما يلزلا مبسون وغيره ".

الجدال حول مصير الأحزاب بعد المعاهدة على كل حال فعندما أخذت أدوار المفاوضات بعد الاتفاق على المسألة العسكرية تدنو من نهايتها وتبدو الأمور مبشرة بإبرام المعاهدة عاد القلق على مصير أحزاب الأقلية بعد المعاهدة يلح من جديد على زعمائها وقد تبدي ذلك فى شكل قضية طرحها الزعماء فى ذلك الحين قصدوا بها تأمين مستقبل أحزابهم وهي : من الذي سيقوم بتنفيذ المعاهدة؟ هل ينفذها الوفد وحده , أو تنفذها الجبهة الوطنية ؟

وقد استطاع زعماء الأقلية أن يجذبوا إليهم اهتمام السلطات الانجليزية المسئولة فى مصر وفى لندن التي فاتحت فعلا زعماء الوفد فى هذه المسألة وعرض فى ذلك الحين اقتراحان : أحدهما يقول بإدخال زعماء الأقلية وممثلون للوفد صاحب الأغلبية وبعض العسكريين من المصريين وبعض رجال القانون من مصريين وأجانب . وقد رفض الوفد أيضا هذا الاقتراح لأن معناه- على حد رأيه – قيام حكومة غير مسئولة إلى جانب الحكومة المسئولة . ثم عرضت المسألة بحذفيراها فى لندن أثناء وجود الوفد الرسمي فيها فصرح زعماء الوفد بأنهم يرحبون ببقاء الجبهة الوطنية ودوتم الاتحاد بين الأحزاب جميعها على شرط أن يقف زعماء الأقلية موقفا صريحا أثناء عرض المعاهدة على البرلمان المصري أما إذا تركوا أحزابهم تطعن فى المعاهدة وتنادي برفضها وفضلوا هم الصمت البليغ للظهور بمظهر التطرف , ولم يؤيدوا المعاهدة تأييدا صريحا ففي هذه الحالة لا يكون الوفد مسئولا عن بقاء الجبهة الوطنية ويتخذ لنفسه الموقف إلي تحتمه الظروف.

على أن هذا الموقف من جانب الوفد لم يرض جريدة " السياسة" لسان حال الأحرار الدستوريين فقد خرجت فى أعقاب توقيع المعاهدة بمقال هام عن " الحياة السياسية المصرية بعد المعاهدة" عالجت فيه المسألة بشكل آخر , فقد تساءلت عما إذا كانت انجلترا تريد أن تكون مسئولية تنفيذ المعاهدة على الهيئات السياسية الممثلة فى الجبهة الوطنية التى تولت المفاوضة وتولت توقيع المعاهدة , أم تعود الحالة البرلمانية الطبيعية إلى نصابها فتتولي حكومة الوفد التنفيذ وتتحمل تبعته ويكون للمعارضة أن تراقبها فى هذا التنفيذ ؟ وقد ناقشت الجريدة هاتين الفكرتين فرفضت أولا فكرة استمرار الجبهة الوطنية إلى جانب الوزارة الحزبية القائمة فى الحكم على اعتبار أن هذا الوضع إنما كان " شاذا شذوذا لم يبرره إلا حرص المصريين على أن تسوي هذه المسائل التي كانت معلقة بين الدواتين " أما أن يستمر هذا الشذوذ فإنه يعتبر " افتئاتا على الدستور وعلى الحياة البرلمانية" ثم انتقلت الجريدة إلى مسألة العودة إلى النظام البرلماني فاشترطت لذلك أن يتطور هذا النظام وفق الحال الجديدة – أن يقام التكوين الحزبي فى مصر على أساس غير أساسه القائم " ليعود النظام البرلماني إلى صورته الطبيعية " أى أن الجريدة لم تعتبر النظام الحزبي الموجود فى ذلك الحين والذي كان يسمح للوفد بأغلبيته الساحقة تكوينا طبيعيا بل تكوينا شاذا .. ثم خيرت الجريدة المصريين بين أن يأخذوا بالنظام الفاشستي الذي يريد ألا يكون فى بلد ما إلا حزب واحد وتفكير واحد واتجاه واحد للبحث وقالت :ط وقد لا نخطيء إذا قلنا إن فكرة البرلمانية والفاشستية تجد كل منهما فى مصر أنصارا إذا عرضا للبحث ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا أن الروح الفاشستية تلقي تأييدا أشد حرارة من الروح البرلمانية بمعناها الصحيح على النحو الذي تفهم به فى انجلترا . ولما كان الوفد هو الحزب الذي يلقي التأييد الأشد حرارة فى مصر فإن إشارة جريدة السياسة إلى ذلك فى هذا المقام كان معناها اتهام الوفد الحقيقة بالفاشية وهو ما أدركه الصحافة الوفدية بوضوح.

على هذا الأساس نشأت فكرة حل الأحزاب السياسية وإعادة تكوينها وكان الأساس الثاني ما أخذت تطلقه أحزاب الأقلية فى أثناء المفاوضات وبعدها من أن مهمة الوفد تنتهي بإبرام المعاهدة وذلك استغلال للمادة الرابعة من قانون الوفد التي تقضي بأن " الوفد يقوم ما دام العمل الذي انتدب لأجله قائما وينفض بانفضاضه ". وقد عبر فكري أباظة عن هذه الفكرة بعد المعاهدة على صدر مجلة المصور بصورة كاريكاتورية تمثل النحاس باشا وهو يقدم لمصر المعاهدة قائلا :" ها قد أمضيت المعاهدة وانتهت مهمتي , فاقبلي منا هذه الهدية ".

وفى ذلك الحين أخذت تتردد الحجج التي تؤيد هذه الدعوة أولها أن الأحزاب القائمة كانت قد تكونت حول القضية الوطنية ونشأت بسببها فقد تفرغت كلها – فيما عدا الحزب الوطني – عن الوفد وكان الخلاف الرئيسي الذي قاد إلى الانشقاق هو الخلاف حول حل القضية المصرية أما وقد اتفق جميع الزعماء على الحل الذي تضمنته معاهدة 1936 فقد زال السبب الرئيسي للخلاف , ووجب إعادة النظر فى تكوين الأحزاب ,ولقد كان عبد الرحمن الرافعي يري بالنسبة لهذا الموضوع أنه من الخير لهذه الأحزاب أن تندمج فى الحزب الأقوى أو تؤلف كتلة واحدة تضمها جميعا بعد أن أتحدث وجهتها فى السياسة الوطنية وفى الأسس التي تريد أن تبني عليها مستقبل البلاد وكان من رأيه أيضا أن تعدد الأحزاب بعد موافقتها على المعاهدة لا فائدة منه البلاد.

أما الحجة الثانية فهي أن هذه الأحزاب كانت قد قامت لتحقيق هدف سياسي أساسي هو الحصول على الاستقلال فلم تعن لهذا السبب بالمسائل الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ولكن بعد أن أبرمت المعاهدة فقد وجب أن يعاد تكوينها على مبادئ جديدة تتناول الشئون الداخلية ولقد كان من هذا الرأي حمد الباسل باشا.

ثالثا- وهذه الحجة متعلقة بتنفيذ المعاهدة – أن الأحزاب السياسية بالشكل الذى كانت عليه , لا تصلح لتنفذ المعاهدة , لأن الرابطة بينها ضعيفة ولأن الأغراض والشهوات أفسدتها الغرض الوطني الذي قامت لأجله . ولما كانت البلاد قد أصبحت فى عهد جديد يقتضي التعاون والتشاور فى المسائل التى تناولتها المعاهدة , فى الأعمال التي وقع عليها رؤساء الأحزاب وتعهدوا بتنفيذها مثل المسألة العسكرية وما تحتها من بناء الثكنات وإنشاء الطرق وتدريب الجيش ومثل مسألة الامتيازات وفرض الضرائب والقضاء المختلط, وغير ذلك مما تضمنته نصوص المعاهدة – وهي مسائل تحتاج كلها إلى تشاور الأحزاب وتفاهمهم على ما يجب أن يوافقوا عليه فى البرلمان وتنفذه السلطة التنفيذية ولما كان هذا التفاهم والتشاور لا يمكنان ما دامت الأحزاب المصرية بحالتها التى هى عليها وهى الحالة التى لا تسود فيها الثقة والإخلاص للمصلحة العامة بينها لهذا فقد وجب أن يعاد النظر فى كوين الأحزاب حتي يمكن التفاهم بينها بسهولة .

نبتت هذه الحجج جميعها فى المعسكر المعادي للوفد . ولعل هذا كان السبب الأول فى رفضها . وقد رد الوفد عليها جميعها مفندا إياها واحدة وراء الأخرى : فالنسبة لنقطة انتهاء مهمة الوفد , فقد رد الوفد بأن مهمته لا تنتهي بتوقيع المعاهدة وإنما تنتهي بتنفيذها لن التنفيذ فى الحقيقة هى الذي يحقق الاستقلال أما التوقيع وحده فلا يؤدي إلى شئ وبمعني آخر أن العبرة بالتنفيذ وليست بالتوقيع لهذا رأي الوفد أنه من الضروري أن تستمر له صفته القومية إلى حين الانتهاء من تنفيذ المعاهدة .

أما بالنسبة لفكرة إعادة تكوين الأحزاب فقد رد الوفد بأنه إذا جازت هذه الفكرة بالنسبة لحزب من الأحزاب فهي لا تجوز بالنسبة له لأنه ليس حزبا سياسيا بل هو " وكيل الأمة الأمين الساهر على حقوق ومصالحها " كما رد على الحجة التى تقول بأن الأحزاب القائمة لا تقوم على مبادئ تتناول الشئون الداخلية بأن هذا الكلام لا ينطبق عليه : لأنه صاحب برنامج مرسوم للإصلاحات الاجتماعية فى مختلف النواحي هو الذي أعلنه فى المؤتمر الوفدي الكبير إلي عقد عام 1935".

أما بخصوص إدماج أحزاب الأقلية فى الحزب الأقوي , وهو الوفد فقد كان فى الوفد – فى الحقيقة – رأيان : أحدهما يري أن البلاد قد وصلت إلى مرحلة يجب على زعمائها فيها العمل متضافرين لتحقيق المستقبل الباهر لمصر , وأن الوفد لذلك يجب أن يعتبر توقيع المعاهدة خاتمة عهد وفاتة عهد آخر وذلك بأ، تندمج الأحزاب كلها فى حزب واحد على نحو ما حدث فى 1919, ثم يترك للزمن أن يفعل بعد ذلك فعله فى تكييف الأمور وتنظيم الأحزاب تنظيما جديدا فى مصر . وكان صاحب هذا الرأى الدكتور أحمد ماهر ( وسنري أنه وثيق الصلة بانسلاخه مع النقراشي من الوفد) أما الرأى الثاني , وكان على رأسه النحاس باشا فكان يري أن الأخذ بالرأى السابق سوف يترتب عليه تعديل الوزارة تبعا لتعديل النظام الحزبي وبمعني آخر تأليف وزارة قومية وهو أمر يخالف سياسته بشكل قاطع وقد انتصر الرأى الأخير .

موقف أحزاب الأقلية من المعاهدة.

بقيت الأحزاب – إذن – بنفس تكوينها السابق على المعاهدة ورفض الوفد اندماجها فيه بأية صورة من الصور أو اشتراكها معه فى الحكم بأى شكل من الأشكال وأحست أحزاب الأقلية أنها قد سعت إلى حتفها بظلفها وأنها قد شاركت بأيديها فى القضاء على الظروف السياسية التى كانت تهيئ لها الحكم والتغيير عن مصالحها ومصالح أنصارها ومؤيديها , وانعكس ذلك داخل الأحزاب فى الاجتماعات التي عقدتها للنظر فى المعاهدة. فقد أخذت تتذبذب فى ذلك الحين تذبذبا مؤلما بين التطرف والاعتدال , حتى رأينا حزبا كحزب الإتحاد نشأ فى أحضان القصر ورعايته وكان لسان حاله والمعبر عن مصالحه تبلغ نسبة عدد الأعضاء المعارضين للمعاهدة إلى الموافقين عليها النصف تقريبا ! فقد وافق على المعاهدة باشا ! أما موقف حزب الأحرار الدستوريين فكان أشد وأنكي فقد شن أعضاؤه حملة شديدة على المعاهدة فى أول جلسة عقدها الحزب حتي شعر محمد محمود باشا وهو الذي كان يمثل الحزب فى جبهة المفاوضة , بأن الحملة ليست موجهة إلى موضوع المعاهدة بقدر ما هي موجهة إلى شخصه بالذات وحتي إنه اتفق مبدئيا قبل أن يصدر الحزب قراره على أ،ه صدر القرار بالرفض فحينئذ يقدم استقالته .

ولقد كان فقائد الحملة على المعاهدة فى حزب الأحرار الدستوريين هو الدكتور هيكل يؤيد فى موقفه الهلباوي بك والسيد خشبة باشا . ولم تكن مواقف الدكتور هيكل السياسية أو مواقف حزبه السابقة من المشروعات التى سبقت مشروع معاهدة 1936 وتخوله حق قيادة حركة المعارضة فقد أبدي عطفه على مشروع المعاهدة بين ثروت باشا والسير أوستن تشمبرلن على الرغم من أن هذا المشروع كان أسوأ مشروع توصل إليه اتفاق مصر – انجليزي وعلى الرغم من أن هذا المشروع أيضا لم يكن يحدد أى أجل لجلاء القوات البريطانية عن الأراضي المصرية كما دافع عن مشروع محمد محمود – هندرسون رغم نظر انه كان أقل فى مزياه من مشروع معاهدة 1936. ومع ذلك فعند نظر معاهدة 1936 فى مجلس الشيوخ وقف يحللها تحليلا بارعا انتهي منه إلى أنها لا تحقق الاستقلال بل ولا تصل بمصر إلى مركز الدمنيون ثم ترك للشيوخ الخيار فى قبولها أو رفضها قائلا : من أراد الاستقلال أو نظاما الدمنيون فليرفضها ومن أراد " تغيير الحالة التى سئمناها " دون اهتمام بنتائج هذا التغيير لعل فى الحركة بركة فلقبلها " على أن تعدل بأسرع ما يستطاع تعديلا يزيل ما بها من مساس باستقلال مصر ".

وكان من الطبيعي أن يثير موقف الدكتور وموقف حزبه غضب الصحف الوفدية , وخصوصا عندما طالت المناقشات وتأخر الحزب فى إصدار قراره بشأن المعاهدة , بعد أن أصدرت كافة الأحزاب قراراتها بالموافقة. فقد أبدت صحف الوفد عجبها لهذا الموقف من حزب" كان ينادي دائما بوجوب الاتفاق مع انجلترا بأى شكل وبأي ثمن ولكنهم الآن لا يعجبهم العجب ولا الصيام فى رجب"

ثم ازداد غضب الوفد والصحف الوفدية حينما أصدر الحزب أخيرا قراره بقبول " لا يعفير من العمل لتعديلها فى النفط التي تمس الاستقلال فى اقرب فرصة ممكنة" وقد هاجم الوفديون هذا القرار فوصفه أحدهم بأنه كان " قبولا هو الرفض , ورفضا هو القبول " بينما وصفه آخر بأنه " قرار ذو وجهين ينطق بما يسود حزب الأحرار من حيرة وتردد واضطراب " وقد سئل الدكتور هيكل فى ذلك الوقت : متي تكون تلك الفرصة التي يسعي فيها لتعديل المعاهدة ؟ فكان رده بأن هذه الفرصة " ستحين وستحين قريبا !" بينما صرح أحمد خشبة باشا بأن هذه الظروف ترجع إلى الأمة , فإذا تضافرت لتعديل المعاهدة لم تجد انجلترا بدا من الإصغاء , أما إذا تخاذلت فإنها لا تصل إلى ما تريد".

وبهذا التخبط والاضطراب بين الاعتدال والتطرف كان حزب الأحرار الدستوريين يجاهد ليبقي رأسه فوق السطح فى خضم العهد الجديد ولكنه لم يلبث أن سقط فى فترة ركود طويلة قبل أن تتاح له فرصة البعث من جديد بعد انشقاق الوفد وانعكس هذا الركود على جريدته ولسان حاله " السياسة " فاحتجبت عن الظهور.

الوفد يدعم مركزه

كان تحت تأثير موقف الأحزاب السالفة الذكر , أن أخذ الوفد يسير فى الحكم سيرة حزبية ويعمل على تدعيم مركزه ونفوذه فى أنحاء البلاد , فقد استولي على مراكز النفوذ الإداري فى القري التي كانت واقعة تحت سيطرة الأحزاب الأخري وخاصة الأحرار الدستوريين وعمد إلى فصل عدد كبير من هؤلاء العمد فى مختلف القطر حتي بلغ عددهم 173 عمدة فيما بين 9 مايو 1936 و 29 ديسمبر 1937.

وكان معظم هؤلاء من أخلص رجال الأحرار الدستوريين وفى مقدمتهم عمدة الزرابي الذي كان من رجال محمد محمود باشا المقربين وعمدة اسنا الذي كان عضوا فى مجلس إدارة حزب الأحرار الدستوريين كما قامت الحكومة فى الوقت نفسه بإحالة بعض الضباط الموالين للأحرار الدستوريين إلى المعاش , كما حدث بالنسبة للقائمقام عبد الحميد بك كمال مأمور ضبط القنال الذي كان صديقا لحزب الأحرار الدستوريين وكان لا يفتأ يقيم الدليل على صداقته للحزب فى مختلف المناسبات .

ثم أخذا الوفد فى تدعيم مراكز نفوذه السياسي فى المدن والقري عن طريق تنظيم لجان الحزب وكانت تنظيمات الشبان الوفديين, أو فريق القمصان الزرقاء التي انتشرت فى عهد حكومة الوفد مظهرا لهذا الدعم فى ذلك الحين .

كذلك عمد الوفد إلى مكافأة أنصاره ورجاله وتعويضهم عما لحقهم من آثار الجهاد والنضال فى سبيل الدستور والاستقلال وكانت الرتب والنياشين هى المكافآت التي رأى الوفد أن يكافئ بها أنصاره بحجة الابتهاج بالمعاهدة . ومن الواضح أنه كان يبغي من هذه الإنعامات رفع مرتبة هؤلاء الأنصار من أعضاء لجان الوفد المركزية فى الأقاليم الذين كانوا فى الغالب ينحدرون من أصول بورجوازية متواضعة إلى مرتبة خصومه السياسيين الذين كانوا يبزونهم فى الجاه والثروة لانحدارهم فى غالبيتهم من طبقة الأعيان وملاك الأراضي وهذا ما يفضحه الدكتور هيكل عند تناوله مسألة الانعامات فهو يقول أما الذين أنعم عليهم بالرتب المختلفة من عامة الشعب.

وممن لم يكن لهم بالمفاوضين أية صلة فكانوا يعدون بالمئات ومنهم كثيرون أنعمم عليهم برتبة البكوية ولم يكن أحدهم يطمع فى أن ينال رتبة أو لقبا طيلة حياته وكان أكثر هؤلاء من أنصار الوفد ومن أعضاء لجانه المركزية فى الأقاليم هناك ضج منافسوهم ومن يبزونهم فى الجاه والثروة والعلم من أهل الريف ورأوا فى هذه الانعامات من الميل الحزبي ما لا يتفق وموجب العدل وشكا هؤلاء إلى أحزابهم ذلك الحيف وهذا التفريق فى المعاملة بغير مسوغ ورأى رجال الأحزاب أنفسهم أن الوفد انتهز فرصة قيام الوصاية على العرش ليقوي نفسه على حساب الأحزاب الأخري".

ولقد كان حقيقا بالوفد مع ذلك أن يدرك أنه بهذه الانعامات على رجاله وأنصاره ومحاولته رفعهم إلى طبقة خصومه السياسيين , إنما يبتعد بهم فى الوقع عن الطبقات الجماهيرية التى يستمد منها أغلبيته الساحقة التى توصله إلى الحكم . ولم تكن فكرة إلغاء الرتب والألقاب المدنية مجهولة فى ذلك الحين ففي عام 1924 هز سعد زغلول صرح هيبتها ونفوذها حين عين نجيب الغرابلي أفندي وزيرا فى وزارته رغم معارضة الملك فؤاد لهذا السبب . وفى أكتوبر 1936 نادي فكري أباظة عاد الوفد فى الحكم على أثر انتخابات 1936 جعل على رأس الهيئة التشريعية للبلاد اثنين من الأفندية هم : أحمد ماهر أفندي رئيسا لمجلس النواب ومحمود بسيوني أفندي رئيسا لمجلس الشيوخ وقد أبرزت الصحف الوفدية هذا الاختيار فى فخر واعتزاز وقالت إن الرئيسين" لا يقلان عظمة وكفاءة ومكانة فى قلوب الشعب عن كثير من الباشوات " واستدلت بذلك على ان الألقاب قد فقدت أهميتها وقالت : إن الكثيرين يرون أن الوقت قد حان لإلغائها كما فعلت تركيا والعراق .

وعلى كل حال فقد تركت حركة الانعامات بالرتب والنياشين على أنصار الوفد" أثرا مكظوما " فى نفوس الأحرار الدستوريين والأحزاب الأخري – على حد تعبير الدكتور هيكل ولما كانت هذه الحركة قد أتت بعد حركة فصل العمد فقد كان ذلك إيذانا بانهيار الجبهة الوطنية .

وفى الحق لقد جاءت المناسبة لإعلان هذا الانهيار رسميا عندما حان موعد إجراء المباحثات مع الدول الأجنبية لإلغاء الامتيازات . فعلي الرغم من أسباب الخلاف التى ذكرناها , فقد رأى النحاس باشا دعوة كل من صدقي باشا ومحمد محمود باشا وعبد الفتاح يحى باشا إلى حضور الاجتماع الذي دعا إليه أعضاء الجبهة الوطنية للنظر فى موضوع مؤتمر الامتيازات وموقف الأعضاء المصريين منه على أن الزعماء الثلاثة رأوا أن مسلك الوزارة فى الحكم وقيام الخصومة بينها وبين المعارضة قد جعل المناقشة حتي فى مسألة قومية كمسألة الامتيازات غير ميسورة ولهذا فقد أبدوا اعتذارهم عن عدم تلبية الدعوة ورأوا أن يأخذ هذا الاعتذار صورة عنيفة فأرسلوا بردهم على دعوة النحاس باشا مع سائق سيارة محمد محمود باشا.

وكان من الطبيعي أن يثير هذا التصرف ثائرة الصحف الوفدية التي كتب تحلل هذا الاعتذار بأنه لا يخرج عن كونه أحد أمرين : إما أنه يرجع إلى رغبة الأقلية فى إضعاف الوزارة الوفدية أمام الأجانب وتسديد الطعنات إلى ظهرها وهي على أبواب مفاوضة الدول لإلغاء الامتيازات وإما أن الغرض منه إظهار غضبهم من عدم اشتراكهم فى الوزارة لتنفيذ المعاهدة . على أن الحقيقة ان زعماء الأقلية كانوا قد تلقوا درسا من اشتراكهم فى الوفد فى المفاوضات السابقة التى أدت إلى إبرام معاهدة 1936 وهو أن هذا الاشتراك لا يفيد منه سوي الوفد ولا نتيجة له سوى استتباب الأمور له واستقرار الحكم فى يده ومن هنا كان الرفض وبه سقطت الجبهة الوطنية رسميا .

تدهور العلاقات بين الوفد والعرش

تدخل الانجليز فى تعيين مجلس الوصاية

رأينا فى الصفحات الماضية كيف تدهورت العلاقات بين الوفد والأحزاب وتجددت الخصومة بينها جميعا حتى انتهت بسقوط الجبهة الوطنية بما كانت تمثله من معني الوحدة القومية والائتلاف ففتح الباب بذلك لصراع عنيف كانت الأقدار تدخر ظروفه فى ذلك الحين وفي تلك الأثناء كانت الأحوال تتدهور فى جبهة أخري هي جبهة القصر وكانت الظروف فى هذه الجبهة فى بداية تاريخ هذه الفترة , مواتية للوفد بما لم يسبق له نظير , فلم يحدث منذ ألف سعد زغلول وزارة الشعب الأولي فى مستهل عام 1924 , أن تهيأ لوفد ما تهيأ له بعد وفاة الملك فؤاد فقد سبقت وفاة هذا الملك الأوتوقراطي العنيد عودة دستور 1923 فى 12 ديسمبر سنة 1935 بعد جهاد شاق عنيف فانفتح الباب لتولي الوفد الحكم اعتمادا على الإرادة الشعبية التى كانت تأتي به فى كل انتخابات حرة ثم قامت الجبهة الوطنية فى ديسمبر 1935 فلم يعد الوفد يلقي معارضة ضده من الأحزاب الأخرى كما قبلت انجلترا تسوية المسألة المصرية على أسس مشروع معاهدة 1930 بشرط تطبيق الأحكام العسكرية الواردة فيه على الحالة التى تغيرت عما كانت عليه من قبل فبدت القضية الوطنية على وشك الحل . ثم مات الملك فؤاد ليخلفه صبي لما يبلغ بعد سن الرشد , فباتت الظروف مهيئة الاستقرار الحياة النيابية واستتاب الأمور للوفد لأمد طويل .

ولقد أدرك الانجليز هذه الحقيقة فكتبت جريدة سبكتاتور الانجليزية تقول :" ليس هناك الآن شئ يصد الوفديين الذين يستطيعون الاعتماد على أغلبية كبري فى الانتخابات واستطردت :

ولكن إذا أدي هذا إلى تصلب المفاوضين المصريين فإن المفاوضات عندئذ ستحبط". على أن أكبر ما أخذ الانجليز يوجهون إليه جهودهم فى ذلك الحين هو الحيلولة دون الوفد وتشديد قبضته على الموقف الداخلي عن طريق تعيين أعضاء مجلس الوصاية حسب هواه , وكان الوفد قد أظهر هذه النية فقد صرح وفدي كبير بأن للبرلمان الحق فى أن يرفض أيا شاء من الذين عينهم الملك فؤاد , أعضاء فى مجلس الوصاية وكان معني ذلك كما لاحظت جريدة الديلى تلغراف أن أغلبية الوفد فى البرلمان يمكن أن تصر على أن يكون أعضاء مجلس الوصاية من المشايعين للوفد , وهو أمر تظهر خطورته إذا اقترن بالمشروع الذي قالت الجريدة أن الوفد كان يبذل نشاطا فى تنفيذه وهو أن يمد البرلمان أجل سن الرشد للملك أربع سنوات أخري بدعوي أن هذا يساعد على جعل خلافته فى مستوي واحد مع عادة البلاد الأخرى المألوفة وعندئذ تتعرض البلاد لخطر الوقوع زمنا طويلا تحت دكتاتورية تامة لحزب واحد.

ولقد كان بناء على هذه الإشارة وغيرها مما ورد فى الصحف الانجليزية أن تحركت الحكومة البريطانية بسرعة لاحتلال الموقع الذي كان يريد أن يحتله الوفديون وكانت الصحف البريطانية هي التي كشفتى هذا التحرك فقد كتبت جريدة " الديلي تلغراف" عما وصفته بأنه " حركة تؤيد تعيين عضوا واحد على الأقل من كبار أعضاء الأسرة الملكية ضمن أعضاء مجلس الوصاية " ووصفت الجريدة هذا الرجل بأنه " رجل يعتقدون أن املك فؤاد أبعد اسمه " تقصد الأمير محمد على كما تبين فيما بعد . وقد فهمت جريدة كوكب الشرق الوفدية ما تعينه هذه الحركة من جانب الانجليز فكتبت تقول :ط الظاهر أن السياسة البريطانية رغم الخطة القائمة الآن فى سبيل التفاهم والوفاق للوصول إلى عقد المعاهدة ترمي إلى جعل مجلس الوصاية هدفا لها كما كانت تضع العرش فى الحوادث السابقة فى مثل هذا الموضع على أننا إذا رجعنا إلى نظرية الوفد فى تنصيب مجلس الوصاية نجد أن الوفد فى كل ما رمي إليه , كان متجها إلى التقدير الدستوري فحسب فلم ينظر فى وجهته إلى الأشخاص , بل إلى تعزيز سلطة الأمة ".

وفى الواقع أن المقالات عن خطورة الوفد على العرش , قد برزت فجأة فى الصحف الانجليزية بمناسبة وفاة الملك فؤاد وقد تفاخرت جريدة " الأيكونومست" بما كان الاحتلال يسبغه عليه من الحماية وقالت " لقد كان من المحتمل أن يجد الملك فؤاد نفسه فى مركز معقد لو أنه وجد نفسه أمام الوفد دون وجود جيش الاحتلال الذي كان فيه القضاء على كل احتمال لقيام ثورة تستبدل بأوتوقراطية تقليدية حكومة حزب واحد من الخاصة من الطراز التركي الذي ظهر بعد الحرب "

ولم تلبث بريطانيا أن تدخلت تدخلا فعليا فى تعيين مجلس الوصاية فقد اجتمع السير مايلز لا مبسون مع الزعماء المصريين لمناقشة هذه المسألة وكتبت الصحف البريطانية تعقب على هذا الاجتماع بقولها : إن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الزعماء وافقوا على أن يؤيد البرلمان تعيين الأعضاء من رجال معتدلين ليست لهم نزعة حزبية ثم نشرت جريدة الديلي تلغراف لمكاتبها فى القاهرة برقية يوضح فيها أن " الأمل قد قوي باختيار الأمير محمد على إلى حد كبير لأنه أصلح أعضاء الأسرة الملكية للوصاية ويمكن الاعتماد عليه فى إحاطة منصبه بمظاهر المهابة والاحترام الصحيحة ومقاومة المساعي الفاسدة والعمل لترويج العلاقات الانجليزية – المصرية ".

ولقد جرت الأمور وفقا لما أشارت إليه الصحف الانجليزية فقد اجتمع البرلمان بمجلسيه فى يوم 8 مايو 1936 حيث فتح المظروف المحتوي على وثيقة الوصاية على العرش التي حررها الملك فؤاد . وكان تاريخها 21 يونيه 1922 وقد تضمنت اختياره محمد توفيق نسيم باشا وعدلي يكن باشا ومحمود فخري باشا أوصياء على العرش فلم يأخذ البرلمان بهذا التشكيل وقرر بالإجماع تأليف مجلس الوصاية من كل من : الأمير محمد على وعبد العزيز عزت باشا ومحمد شريف صبري من : الأمير محمد على , وعبد العزيز عزت باشا , ومحمد شريف صبري باشا( خال الملك فاروق) وقد ذكر الرافعي أن هذا الاختيار ثبت وفقا لما اتفقت عليه الأحزاب وقتئذ ولكن الحقيقة – كما أوضحنا – أنه تم وفقا لتدخل بريطانيا واتفاقها مع الأحزاب .

وفى الواقع أن جميع الأحزاب لم تكن تؤيد إدخال أحد من الأسرة الملكية فى مجلس الوصاية – كما أشارت إلى ذلك الصحف البريطانية نفسها – كما أن غالبية آراء الجبهة الوطنية ( الوفد) لم تكن موافقة على اختيار الأوصياء من رجال لم يشتغلوا بالسياسة ولم يعرفوا الحزبية والسبب فى ذلك فيما يختص بأحزاب الأقلية على الأقل , أن الأمير محمد على وهو من كانت تصر على تعيينه السلطات البريطانية لم يكن على وفاق أبدا مع الملك الراحل وكثيرا ما كان يضطر إلى الالتجاء إلى المندوب السامي البريطاني فى مصر أو إلى السلطات البريطانية العليا فى لندن لإنصافه من عمه الملك فؤاد كما كانت الكراهية شديدة بينه وبين الملك ثم بينه وبين كبار موظفي السراي أما فيما يختص بالوفد فقد كان الوفد راغبا – كما ذكرنا فى تعيين أعضاء مشايعين له حتي يسهل له السيطرة على القصر والوزارة والبرلمان .

أزمة وزارة القصر

على كل حال فإن تعيين مجلس الوصاية على هذا النحو قد حقق هدفه المنشود للقصر والانجليز فقد حفلت فترة الوصاية بالمنازعات الدستورية التى ألحقت أفدح الأضرار بالحياة الدستورية فيما عبد وكان أهم المنازعات ما دار حول " وزارة القصر " التي كان الوفد يريد إنشاءها فى ذلك الحين .

وهناك فى هذا الموضوع هي أن الوفد لم يكن أول من فكر فى إنشاء وزارة القصر سنة 1936 وإنما كانت هذه الفكرة مثار مناقشات طويلة وممتعة للغاية فى لجنة الدستور عام 1922 بعد أن أثارها عبد اللطيف المكباتي عند مناقشة القرار 77 من قرارات اللجنة العامة الخاص بمسئولية الوزارة واستقالتها فقد اقترح المكباتي فى ذلك الوقت أن تضاف إلى نص القرار فقرة بوجوب " أن يستقيل مع الوزارة من يكون فى درجتهم من الموظفين فى معية الملك , كرئيس الديوان الملكي ورئيس التشريفات ". وكان مما ساقه فى تعزيز هذا الاقتراح أ، الملك لا يعمل بمفرده بل يسترشد فى آرائه بآراء المقربين إليه من كبار رجال البلاط . فإذا كان هؤلاء الرجال ليسوا من رأي الوزارة فى السياسة العامة وقع التنافر بين الوزارة والسراي- ولما كانت اللجنة قد قررت أن الملك يملك ولا يحكم , وأن الوزارة هي المسئولة عن السياسة العامة فيجب ن يكون كبار رجال البلاط من رأى الوزارة يبقون معها إذا بقيت ويسقطون معها إذا سقطت توحيدا للسياسة العامة وحرصا على عدم الخلف ومنعا للاحتكاك المضر .

وقد أيد إبراهيم الهلباوي بك هذا الرأى مع تعديل بسيط فقد أوضح أن كبار رجال البلاط الذين هم فى درجة الوزراء يجب خصوصا فى عهد التطور الآلي أن يكونوا مسئولين أمام أسوة بالوزراء ولا تأتي مسئوليتهم لمحض كونهم كبار رجال البلاط بل يجب أن يكونوا وزراء فعلا ولكن بلا وزارة وأن يحضروا مناقشات مجلس الوزراء مقابل الواجب الذي سيحملونه وقال إن بقاء كبار رجال السراي مسئولين أمام الملك دون غيره لا يصح أن يستمر بل يجب أن يكون للأمة إشراف عليهم كما يجب أن يكون لهم صوت مع الوزراء فى إدارة الشئون العامة يقاسمون الوزراء المسئولية العامة والثقة العامة .

على أن اقتراح المكباتي بك وتعديل الهلباوي بك لم يلبثا أن تعرضا لهجوم شديد من الشيخ بخيث وعلى المنزلاوي بك وزكريا نامق بك , بحجة أن سقوط كبير الأمناء وكبير ديوان الملك مع الوزراء لا معني له طالما أنهما لا عملان مع الوزارة وليس من المصلحة أن يكون وزراء بلا وزارة , وكان مما ساقه المنزلاوى بك , أنه قد يوجد فى بلاط الملك من يستطيع أن يدس للوزارة عند الملك ويكون له من التأثير عليه أكثر مما لكبير ديوانه وكبير أمنائه . فهذا الاقتراح لا يمنع الضرر " فضلا عن أن النظام المقترح لا نظير له فى الممالك الأخرى غير انجلترا ولدينا متسع من الوقت بعد تشكيل البرلمان أن ننظر فى إيجاد هذا النظام أو عدم إيجاده ".

وقد وقف عبد العزيز فهمي بك من اقتراح المكباتي وتعديل الهلباوي موقفا خاص , فقد أثني عليهما كل الثناء ولكنه رأي أن الظروف الموجودة لا تسمح بالأخذ بهما " وكنت أرجو أن حالتنا تسمح به – لأنكم بعد أن قررتم أن حكومتنا دستورية وأن الوزارة مسئولة أمام البرلمان وأن الملك لا يعمل بنفسه وإنما يعمل بواسطة وزرائه وأن الملك غير مسئول مطلقا وأن شخصه مقدس وذاته مصونة لا تمس وإن أى أمر من أوامر الملك لا يخلي الوزير أو الموظف من المسئولية – بعد هذا كله وجب عليكم أن تحتفظوا بكرامة لملك ألا تعبث بها وشابة الواشين أو دسيسة الدساسين وأن تضمنوا لكل فريق حقوقه وللوزارة حقوقها فى تدعوا فى البلاط من يدس الدسائس للوزارة بل يجب أن يكون كل من حول الملك على رأى الوزارة حتي لا ينتقد من حول العرش على الوزارة انتقادا يضر بمصلحة البلاد فمن الجائز أن يأتي ملك سماع للوشاية ويكون بجانبه ن رجال بلاطه من يدس الدسائس للوزارة وهو يعلم أن من حق الملك أن يقيل الوزارة و وأن يعين من يخلفهم فهل من مصلحة البلد أن يسقط الملك كل يوم وزارة ويعين غيرها عملا بنصائح رجال بلاطه ؟.. أظن أن وحدة الفكر بين الوزراء والقائمين حول العرش واجبة , ما دمتم قررتم أن الملك فوق الأحزاب وأن ذاته مقدسة وأنه يعمل برأي برلمانه . لذلك أري أن اقتراح المكباتي بك فى محله وممكن الأخذ به , ولكن يؤلم ضميري أن نأخذ به قبل تعديله كاقتراح حضرة هلباوي بك . نعم يؤلم ضميري أن يكون على كبار رجال البلاط أن يتركوا مراكزهم عند سقوط الوزارة دون أن يكون لهم حق حضور جلسات مجلس الوزراء والمداولة معهم , إذ كل واجب يقابله حق . ولكن فى إعطاء هذا الحق من الصعوبات مالا يخفي ما أن حالة بلدنا بلدنا لا تطيق الأخذ باقتراح حضرة مبكاتي بك , لأن الملكية عندنا لها نعرة وجدة وكل جدة لها شدة والشدة لا تؤخذ بالشدة وإنما تؤخذ باللين ز. والخلاصة أن أثني كل الثناء على اقتراح حضرة مكباتي بك وتعديل حضرة الهلباوي بك ولكن مع الأسف الشديد أري ان الظروف الحالية لا تسمح بالأخذ بهما وهكذا انتهي الاقتراحان بالرفض من اللجنة العامة للدستور فى جلسة 7 سبتمبر 1922.

رفضت اللجنة العامة للدستور إقرار كل من اقتراح المكباتي بك وتعديل الهلباوي بك وقد دفعت الحياة النيابية ثمن هذا الرفض غاليا , بل لقد دفع عبد العزيز فهمي بك نفسه هذا الثمن أيضا عندما طرد من الحكم شر طردة فى أزمة كتاب " الإسلام وأصول الحكم " وقد تناول ذلك فى خطبته المشهورة يوم 30 أكتوبر 1925 فوصف نفوذ حسن نشأت باشا ودوره فى البلاط بقوله :" لقد وضع يده على وزارت ثلاث برمتها من وزارة الدولة هى : الخارجية والحربية والأوقاف . لا يعين فيها رئيس ولا مرؤوس ولا يبث فيها أمر إلا برأيه ليس هذا فقط بل إن أوامره كما يعرف كل ساكن فى البلاد أصبحت مقدسة نافذة فى كل وزارة أخري من الوزارات وفى كل مصلحة من مصالح الحكومة المختلفة ينصعق الوزير والوكيل والمدير والمأمور والعمدة والشيخ والخفير إذا ذكر أسمه , وإن كان شخصه مختفيا وراء الحجاب ".

فلما عزل نشأت باشا فى 10 ديسمبر من ذلك العالم , بناء على تدخل اللورد لويد وجد القصر بديلا له فى زكي الأبراشي باشا ناظر الخاصة الملكية الذي برز فى عهد صدقي باشا وأخذ يمد نفوذه فى كل مكان ويتدخل فى شئون الحكم والسياسة كما يشاء – حسب اعتراف صدقي باشا نفسه – وظل الإبراشي يمارس نفوذه حتى خرج من منصبه بناء على طلب نسيم باشا الذي استعان أيضا فى إخراجه بالمندوب السامي السير مايلز لامبسون .

لذلك فلما ولي الوفد الحكم فى 10 مايو 1936 أعلن النحاس باشا , فى كتابه إلى الأوصياء بتأليف الوزارة أنه سوف يجعل من أغراض وزارته " تحقيقا للثقة العظيمة التى أسدتها الأمة إلى الوفد المصري فى الانتخابات الأخيرة ان ينشئ وزارة جديدة باسم وزارة القصر " لتمكين صلات الولاء والثقة بين العرش والأمة, وتوطيد النظم البرلمانية على الأسس الديمقراطية المعمول بها فى البلاد العريقة فى الحكم النيابي وقد حدد النحاس المعمول بها فى البلاد العريقة فى الحكم النيابي " الديلي هرالد" فقال : أنها ستكون القيام بالمهام التي يقوم بها فى الماضي رئيس الديوان الملكي .

على أن هذه الفكرة التى تضمنها كتاب تأليف الوزارة لم تلبث أن قوبلت بهجوم شديد من جانب الانجليز ومن جانب مجلس الوصاية فالبر غم من أن وزارة القصر مأخوذة من النظام الدستوري الانجليزي إلا أن الصحف الانجليزية وقفت من الفكرة موقفا يفيض بالدس والوقيعة فقد نشرت " التايمز" مقالا وصفت فيه الغاية من هذه الفكرة بأنها " على ما يلوح إنشاء منصب وفدي للمخابرات فى مكان تعود الوفد أن يعده من الأماكن له " وقالت إن هذا الاقتراح قد أثار انتقادا كبيرا فى مصر فإن الشعب الذي هو شديد الميل للملك الشاب قد يتسرب إليه الشك فى أن الوفد يريد أن يبتكر وسيلة يبسط بها نفوذه على الملك مع أنه يحسن به أن يترك ذلك للأوصياء " ثم ذكرت أنه من المحتمل أن وزير القصر سوف يصير فى النهاية شيئا خطير الأهمية ونقلت عن خصوم الوفد قولهم أن هذا الوزير سوف يصبح " عمدة القصر"

أما مجلس الوصاية فقد أبدي بدوره اعتراضه على الفكرة مقترحا أرجاءها إلى أن يبلغ الملك سن الرشد , وقد نشرت مجلة المصور فى ذلك الحين مقالا يمثل وجهة نظر مجلس الوصاية بقلم " قانوني ضليع" لعله علي ماهر باشا – ذكر فيه أن مجلس الوصاية " يري أن الوصاية أمانة فى عنقه , ومن واجب الأمانة ألا يتصرف فى حق يخص الملك . فالأصل أن السلطة وإدارة أ‘مال البلاد كلها كانت فى يد الجالس على العرش وقد تنازل عنها – ما عدا حقه فى إدارة ديوانه الخاص – منذ نشأة الحكم النيابي فى 1878 , وقد توفي الملك الراحل ولم يتنازل عن هذا الحق ولهذا فإن مجلس الوصاية يري أن يرجئ هذه الفكرة إلى أن يبلغ الملك سن الرشد"

هكذا أصبح المشروع يواجه حلفا من الانجليز ومجلس الوصاية وفى ذلك الحين كانت الظروف تسير على نحو يدعو إلى الحذر من جانب الوفد . فقد كانت المفاوضات بين الجانبين المصري والبريطاني تواجه صعوبات تهدد بالفشل فقد طلب الانجليز العدول عن النص الوارد فى مشروع 1930 الذي يقضي بجلاء الجيوش البريطانية عن القطر المصري عندما يتمكن الجيش المصري من استكمال معداته وطلبوا أن يدور البحث بعد عشرين عاما على تحديد مكان الجيش البريطاني فقط وتخفيض حدده كما طلبوا أن تحل انجلترا محل تركيا فى حق الدفاع عن مصر وقناة السويس على أن يكون لمصر حق التعاون فى المشروع .

وقد رفض الجانب المصري بطبيعة الحال هذين المطلبين ولما اشتد الخلاف وتهددت المفاوضات بالفشل سافر المندوب السامي إلى لندن فى يوم2 يونيه لبحث الموضوع مع حكومته وبقي بها إلى 29 يونيه 1936.

وبسبب هذه الظروف لم يشأ الوفد أن يقف وقف التصلب من مسألة وزارة القصر فأعلن إرجاء بحث هذا المشروع والاحتفاظ بمنصب رئيس الديوان الملكي فى مشروع ميزانية الديوان الملكي العالي فى مشروع ميزانية الدولة الجديدة – بعد أن كان قد اتجه إلى إلغاء المنصب المذكور بسبب مشروع وزارة القصر على أنه مع ذلك لم يشأ أن يكون تراجعه مطلقا ففي يوم 21 يونيه 1936 عين عبد الفتاح الطويل وكيل وزارة برلمانيا لشئون القصر . وقد جاء فى مذكرة النحاس باشا إلى مجلس الوزارة فى هذا الشأن أنه " رأى أن الغرض الذي توخاه من إنشاء وزارة القصر يمكن تحقيقه بإنشاء وكيل وزارة برلماني فيما يختص بشئون القصر ويلحق برئاسة مجلس الوزراء ".

وقد حقق عبد الفتاح الطويل الآمال المرجوة منه لحد بعيد فلم يكد يستقر فى القصر حتي أخذ يضع فى يده كل شئونه وكل أنواع معاملاته مع الحكومة حتي أنه أصدر تعليماته بمنع أى موظف من موظفي الحكومة من أن يتصل بموظفي القصر الملكي والعكس بالعكس , إلا بواسطة وأصبح على كبير الأمناء ورئيس الديوان الملكي بالنيابة وناظر الخاصة الملكية وموظفي مكتب الأوصياء ألا يباشر أحد منهم عملا فى أى وزارة إلا بعد أن يكلم فيه عبد الفتاح الطويل باشا . ولما كانت هذه الإجراءات جديدة تماما على تقاليد القصر فسرعان ما أثارت ضجة فى ذلك الحين فى دوائر القصر ودوائر الأوصياء .

وبهذا الانتصار الجزئي أو بهذه الهزيمة الجزئية للوفد تحت ضغط ظروف المفاوضات المصرية البريطانية انتهي النزاع حول وزارة القصر ذلك أن النحاس باشا فى الواقع لم يتمسك فيما بعد بهذه الوزارة حين أعاد تأليف وزارته عند تولي الملك سلطاته الدستورية كما أ،ه لم يتمسك أيضا بوكالة القصر عند إلغاء وظائف وكلاء الوزارات البرلمانيين الأخريين وذلك بسبب الخلافات الداخلية التى ظهرت فى ذلك الحين بين محور النقراشي - ماهر ومحور النحاس – مكرم ومع ان هذه المسألة أثيرت أثناء الأزمة الدستورية بعد ذلك إلا أن إثارتها لم يترتب عليها أى إجراء تنفيذي وبذلك دخلت المسألة فى عالم النسيان .

أزمة " الحفلة الدينية" وصلتها بإحياء الخلافة الإسلامية .

فى الوقت الذي كانت تتدهور فيه العلاقات بين النحاس باشا ومجلس الوصاية وخاصة مع الأمير محمد على كانت العلاقات بينه وبين الملك فاروق , الذي لما يكن قد باشر سلطته الدستورية بعد تجتاز أزمات عنيفة وقد وقع أول صدام حول ما عرف فى ذلك الحين بمسألة " الحفلة الدينية" وتتلخص فى أن الأمير محمد على رئيس مجلس الوصاية اقترح أن تشمل حفلات تولية الملك فاروق على حفلة دينية تقام فى القلعة ويقلد فيها شيخ الأزهر الملك سيف جده محمد على ويحضرها الأمراء فى الملابس التى كان يرتديها أسلافهم فى عهد محمد على ثم يقسم الجميع له يمين الولاء والإخلاص . أو تقام حفلة دينية بعد حفلة أداء اليمين الدستورية أمام البرلمان يؤم فيها الملك الناس على أثر التتويج على اعتبار أنه الإمام الذي ينوب عنه الأئمة وتصدر باسمه أحكام الشريعة وقد رحب علماء الأزهر بهذا الاقتراح وأرسلوا إلى الأمير يؤيدون فيها اقتراحه ويشكرونه عليه.

لم تكن مسألة " الحفلة الدينية" فى حقيقة الأمر إلا إشارة صغيرة لتحرك تيار إسلامي كير تسبح فيه أطماع ملكية قديمة تتعلق بإحياء الخلافة الإسلامية وكان هذا التيار الذي تمتد جذوره إلى ما وراء الثورة القومية التى اشتعلت فى مارس 1919 قد أخذت يشتد شيئا فشيئا فى السنوات العشر السالفة بسبب ما اعتبر فى ذلك الحين أنه موجة من موجات الإلحاد حملها معه التيار القومي وتحت اشتداد العدوان الفرنسي والإيطالي فى سوريا وفى شمال أفريقيا , وتزايد الخطر الصهيوني فى فلسطين ونشاط التبشير المسيحي كما برزت أنياب حادة لهذا التيار منذ أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات تمثلت فى حركة الإخوان المسلمين التى انتشرت انتشارا سريعا وكانت تعمل للخلافة الإسلامية على اعتبار أنها رمز للوحدة الإسلامية ومظهر للارتباط بين أمم الإسلام .

ولقد كان الأزهر الشريف على رأس التيار الإسلامي المطالب بإحياء الخلافة وكانت مكانته فى العالم الإسلامي تجعله رمزا للجامعة الإسلامية بعد زوال الخلافة وفى الأزهر , الذي كان بحكم المادة 153 من الدستور المصري يخضع لسلطة الملك المباشرة التحمت آمال التيار الإسلامي بمطامع الملك فؤاد ف الخلافة وكان هذا الجانب فى الحقيقة أحد جوانب الصراع بين الملك فؤاد وسعد زغلول الذي كان يقف على رأس التيار القومي ومنذ ذلك الحين أصطبغ التيار الإسلامي بالصبغة الرجعية الأوتوقراطية بعد أن أصبح القصر رمزه السياسي والأزهر رمزه الديني بينما وقف الوفد فى الجانب الآخر ممثلا للتيار القومي الديمقراطي الليبرالي.

وقد اتخذت المعركة حول " الحفلة الدينية" فى يونيه 1937, شكلا شبيها بالمعركة التى دارت حول ترشيح الملك فؤاد للخلافة فى عام 1926. فكما وقفت صحافة القصر ( جريدة الاتحاد) فى عام 1926 تؤيد ترشيح الملك فؤاد للخلافة وإقامة مؤتمر الخلافة , فى وجه صحافة الوفد والأحرار الدستوريين فكذلك وقفت صحيفة البلاغ لسان القصر فى عام 1937, تؤيد إقامة الحفلة الدينية فى وجه المعارضة المتزايدة من صحف الوفد ولقد كانت الحجة التى استندت إليها جريدة البلاغ فى إقامة الحفلة الدينية , هى فائدتها فى " تثبيت مكانة مصر فى البلاد الإسلامية, وهي مكانة نحب أن نري وزراءنا حريصين عليها متمسكين بأهدابها ساعين إلى تقويتها لمصلحة مصر والإسلام . ولا يجهل وزراؤنا أنه لما كثر الحديث فى مسألة الخلافة منذ اثنتي عشرة سنة اتجهت أنظار المسلمين وزعمائهم فى العالم كله إلى مصر ورأوا فيها البلاد الوحيدة التى تستحق الصدارة . وإلى هذه اللحظة لا يزال المسلمون ينظرون إلى مصر بهذه العين فما نحسب الوزراء إلا عاملين على استبقاء هذه المكانة .

على أن الوفد كانت له وجهة نظر أخري . فقد كان من رأي النحاس باشا أن الأخذ بهذه المقترحات إنما يتضمن فى حقيقة الأمر " إقحاما للدين فيما ليس من شئونه , وإيجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية".

وكان من رأيه ألا ينفذ إلا ما ورد فى الدستور فى هذا الخصوص , وهو إن الملك قبل أن يتولي سلطانه ويباشرها يقسم اليمين الدستوريين أمام الهيئة المشتركة من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ولا شئ غير ذلك وقد مست الصحف الوفدية نقطة أخري هى أن إقامة الحفلة الدينية إلى جانب حفلة أداء اليمين أمام البرلمان إنما يكون معناها أن " الملك يتلقي سلطته أو بضعها من غير البرلمان".

وقد أثارت النقطة الأخيرة ثائرة القصر لأن السؤال الذي برز فى ذلك الحين هو : هل يتولي الملك الحكم بحكم الوراثة , أو يتولاه بحكم أداء اليمين أمام البرلمان ؟. وقد ناقش محمد عبد القادر حمزة هذه المسألة فى صحيفة البلاغ فقال :" يقول الحكوميون ( الوفديون) أن الدستور قرر أن يحلف الملك اليمين أمام البرلمان , فلا يصح أن تقام بجانب هذه الحفلة حفلة أخري يكون معناها أنه يتلقي سلطته أو بعضها من غير البرلمان . ففي هذا يخطئ الحكوميون لأن الملك لا يحلف اليمين أما البرلمان ليتلقي بذلك سلطته منه بل هو يحلف اليمين لغرض احترام الدستور والقوانين والمحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه . أما حق الجلوس على العرش وحق السلطة المخولة للجالس على العرش فهو يتلقاها بحكم الوراثة أولا , وبحكم الدستور ثانيا من غير أن يكون للبرلمان أو لأية هيئة أخري شأن فى هذا أو ذلك".

ثم عالج المسألة من زاوية أخري فى مقال آخر فقال :" إذا قبل القصر ما يقول به الوفد من أن الملك يملك سلطته من البرلمان الذي يمنحه حق جلوسه على العرش بعد اليمين الذي يحلفها أمامه لا تنهي الأمر بنا إلى شئ يشبه نظام الجمهورية لا إلى نظام الملكية الوراثية " وفى مقال ثالث أنكر عبد القادر حمزة إنكارا شديدا أن حلف اليمين أمام المجلسين هو بمثابة " المبايعة الشرعية " فى العهد الحديث لأن المجلسين إنما يمثلان – حسب قوله – بعض السلطة التشريعية التي هي جزء من سلطات الأمة بأسرها ومن هذه الأمة تصدر المبايعة بما ارتضيت قديما وحديثا من الولاية فى بيت محمد على الكبير.

على هذا النحو اتخذت المعركة شكلها الأيديولوجي بين التيار الإسلامي الأتوقراطي الفاشي الذي كان على رأسه القصر ويؤيده شيخ الجامع الأزهر والأزهريون وتسانده الجماعات الفاشية الجديدة مثل جماعة مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين – وقد زحفت كتائب الجماعة الأخيرة إلى القصر فى يوم مباشرة الملك سلطته الدستورية " لتتابع الملك على كتاب الله وسنة رسوله "!

وبين التيار القومي الديمقراطي الليبرالي الذي كان يمثله الوفد وتؤيده الغالبية الكبري من الجماهير وقد عبر النحاس باشا عن رأي هذا التيار بوضوح فى خطابه الذي ألقاه فى مجلس النواب فقال :" الإسلام لا يعرف سلطة روحية , وليس بعد الرسل وساطة بين الله وبين عباده. فلا معني إذن للإحتجاج فى هذا الشأن بما نص عليه الدستور من أن دين الدولة هو الإسلام أو بمكانة مصر لدي الأمم الإسلامية بل إن هذه المكانة نفسها تسلتزم أن ننزه الدين عن إقحامه فيما ليس من مسائل الدين وليس أحرص مني ولا من الحكومة التي أتشرف برئاستها على احترام الإسلام وتنزيه الإسلام , كما أنه ليس حرص منا على التزام أحكام الدستور. ولكن الاحتفال بمباشرة جلالة الملك لسلطته الدستورية شئ آخر فهو مجال وطني يجب أن يتباري فيه سائر المصريين مسلمين وغير مسلمين ".

ولقد وقف التيار القومي العربي إلى جانب التيار القومي المصري فى ذلك الحين فى مسألة الخلافة ! فكتب أمين سعيد يقول :" يجدر بدعاة إحياء الخلافة , إذا كانوا يريدون خدمة بلادهم ومليكهم خدمة صحيحة , أن يسعوا لإنشاء اتحاد عربي برئاسة ملك مصر , يجمع شكل البلدان التي ينطق أهلها الضاد . وهو ما سعي إليه محمد على باشا الكبير وإبراهيم باشا فى أثناء النهضة الكبري وعملا لجله . فإن إنشاء اتحاد عربي يضم 60 مليونا من النفوس برئاسة ملك مصر , يعزز شأن مصر كثيرا , ويجعلها فى مقدمة الدول مقاما . أما إضافة لقب الخلافة إلى ألقاب صاحب عرشها فلا يقدم ولا يؤخر كثيرا من الناحية المادية , ولو كان فى الخلافة فائدة مادية لا تخلي عنها الترك وتركوها."

أزمة الجيش

انتهت المعركة حول الحفلة الدينية برفض النحاس باشا رفضا قاطعا أقامتها متمسكا بما ورد فى الدستور بهذا الخصوص وهو أن الملك قبل أن يباشر سلطته الدستورية يحلف اليمين الدستورية أمام هيئة المجلسين مجتمعين. وكان هذا الرفض أول درس تقلنه فاروق فى كراهية النحاس وكراهية الوفد, ولم يلبث أن وقع اشتباك آخر قبل تولي الملك سلطاته الدستورية أيضا . وكان حول الجيش.

وأهمية الجيش بعد إبرام معاهدة 1936 هى أنه كان قد أصبح حجر الزاوية فى قضية الاستقلال والجلاء . وكان جلاء القوات البريطانية عن البلاد مرهونا ببلوغه " درجة الأهلية اللازمة للدفاع عن قناة السويس وحده" ولذلك فقد رأى الوفد أنه من الضروري أن يضع هذه القوة الوطنية العزيزة بعيدا عن سلطة القصر وتسلطه . فانتهز فرصة عهد الوصاية وسن قانونا بإنشاء مجلس الدفاع الأعلي وهيئة أركان الجيش قطع فيه الصلة ما بين الجيش والملك من الناحية الفعلية فقد تضمن هذا القانون أن يتألف مجلس الدفاع الأعلى من رئيس مجلس الوزراء ( رئيسا) ومن وزير الحربية والبحرية ( نائبا للرئيس) و كان من وزير الأشغال ووزير المالية , ووزير المواصلات , والوكيل الدائم لوزارة الحربية والبحرية ورئيس هيئة أركان الحرب ( أعضاء ) . ولم يذكر أية إشارة إلى القائد الأعلي للجيش وهو الملك رغم أن الأمر الملكي السابق بتشكيل مجلس الجيش كان يتضمن هذه الإشارة . وقد كان لهذا الإغفال معناه الذي فهمه القصر , وهو أن الملك لم تبق له بالجيش صلة وأن القيادة العليا , التي هي له بنص الدستور قد صارت حبرا على ورق لأن المجلس صار مؤلفا " من وزراء وموظفين يعينهم الوزراء)

ثم نص القانون رقم 72 لسنة 1937 أيضا على أن المجلس يختص " بإبداء الرأى فى كل ما يتعلق بسياسة الدفاع عن البلاد , وتنظيم القوات المكلفة به وسياسة التجنيد ,ما يتصل بذلك كله من المسائل المالية وغيرها ويقدم اقتراحاته إلى مجلس الوزراء" فصارت القيادة العليا بذلك لغير الملك أى لرئيس مجلس الوزراء.

ثم منح القانون رئيس هيئة أركان الحرب كل اختصاصات القائد العام بصراحة لا لبس فيها ولا إبهام . فهو المسئول أمام وزير الحربية والبحرية عن " القيادة العامة للجيش , والإشراف على أدارته , ومراقبة حالة قوات الجيش , وإبداء الرأي فى وسائل التوفيق بين حالة الجيش ومقتضيات سياسة الدفاع عن البلاد" فخرجت الاختصاصات الفعلية من يد الملك , وتأكدت له الصفة الشكلية .

ثم استدارت الحكومة الوفدية إلى يمين الجيش فرأت أن صيغتها قد وضعت قبل الدستور و فخلت بطبيعة الحال من أية إشارة إليه , أنها تضمنت حلف الضابط بأن يكون " خادما مخلصا أمينا" لك " مطيعا" لأوامره الكريمة . فرأت تعديل هذه اليمين , بإدخال الدستور عليها وحذف العبارة المذكورة وجعلت " الإخلاص " للوطن والملك , " والطاعة " للدستور وقوانين الأمة المصرية . فأصبحت صيغة اليمين الجديد هى :" احلف بالله العظيم وبشرفي العسكري أن أكون مخلصا للوطن ولحضرة صاحب الجلالة فاروق الأول ملك البلاد وقائد قواتها الأعلي , وأن أكون مطيعا للدستور ولقوانين الأمة المصرية ..الخ".

ولقد كان الوفد محقا فى الخطوات السابقة تماما . ذلك أنه بالرغم من أن حق قيادة قوات الدولة هو بطبيعته من اختصاص رئيس السلطة التنفيذية ما دام هو المكلف باستتاب النظام والأمن فى الداخل والمحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه فى الداخل والخارج وبالرغم من أن الدستور ينص على أن " الملك هو القائد الأعلي للقوات البرية والبحرية – ألا أن استعمال حق قيادة الجيش على هذا الوجه أى قيام الملك بقيادة الجيش بنفسه وإصدار الأوامر إليه ووضع خطط الدفاع والهجوم كان أمرا غير مستطاع فى عصر الحروب العالمية الأولي ذلك . فالبرغم من أن دساتير أغلب الممالك التى خاضت غمار تلك الحرب كانت تمنح رئيس الدولة حق قيادة الجيوش فإن واحدا منهم لم يفكر فى استعمال هذا الحق . بل لقد أثبتت الحرب أن رؤساء الدول لم يتنحوا فقط عن استعمال هذا الحق من الناحية الفعلية , بل لقد كفوا عن استعماله أيضا من الناحية الشكلية . ففي فرنسا روعيت هذه القاعدة من الوجهة الشكلية فى بداية الحرب فكانت الحكومة تصدر الأوامر للجيش باسم رئيس الجمهورية , ولكن باستمرار الحرب وظهور عيوب هذا النظام تنحت الحكومة فى النهاية عن قيادة الجيش الشكلية .

صدر قانون إنشاء مجلس الدفاع الأعلى فى يوم 31 يوليه 1937 أى بعد يومين فقط من مباشرة فاروق لسلطته الدستورية . ولما كانت البلاد غير مهددة بحرب أو بخطر حرب فى ذلك الحين , وكان مجلس الجيش الذي أنشئ فى عام 1925 ما يزال قائما , ويمكنه بتعديل بسيط فى كيفية تشكيله أن يضطلع بمهمة مجلس الدفاع الأعلى فقد كان من الطبيعي أن يدور داخل القصر السؤال عن الأسباب التى أدت بحكومة الوفد إلى تجاهل مجلس الجيش وإنشاء مجلس الدفاع الأعلى بالشكل الذي صدر به وفى تقرير رفع للملك فاروق وموجود بمكتبه رئاسة الجمهورية , وضح فيه كاتبه نقطة الاختلاف الجوهرية بين مجلس الجيش ومجلس الدفاع الأعلى وتكمن فى مرجع التصديق على قرارات كل من المجلسين ففي مجلس الدفاع الأعلى جعل القانون السلطة المصدقة على قراراته هى " مجلس الوزراء " بينما المصدق على قرارات مجلس الجيش هو " الملط " وقد علق الكاتب على هذا الاختلاف بأنه " اختلاف له مغزاه يدعو إلى التساؤل ويثير ظلا من الشك حول الغرض الأصلي من إنشاء مجلس الدفاع الأعلى ".

وعلى كل حال فإن ما أثير فى ذلك الحين موضوع تعديل يمين الجيش بحكم اتصاله بحفلات التولية . وكان خبر هذا التعديل قد نشر فى جريدتي ليتولي سلطاته الدستورية فاعترض على هذا التعديل محمد عبد القادر حمزة فى البلاغ ونشر عدة مقالات عنيفة أوضح فيها أن إقحام الدستور فى اليمين يتضمن إقحام السياسة فى واجبات الجيش , وأن الجيش وظيفته فقط الدفاع والطاعة فيما يصدر إليه من الأوامر , وليس من وظائفه إقامة نظام سياسي معين والمحافظة على هذا النظام وحمايته وفى الوقت نفسه أعلن فاروق أنه لن يقبل تعديل اليمين بالشكل الذي رأته الوزارة .

ولقد كان على الوزارة الوفدية إزاء هذه المقاومة إما أن تتراجع أو تتمسك بموقفها وتصمد وقد آثرت الأمر الثاني , فاجتمعت وقررت الموافقة على مشروع التعديل . إزاء هذه قرر القصر إيقاف الترتيب الذي كان معدا من قبل بأن يحلف الجيش اليمين فى اليوم التالي لتولي الملك سلطته الدستورية , وأن يؤدي وزير الحربية اليمين بالنيابة عنه . وأمر فاروق بدعوة جميع الضباط العاملين وغير العاملين على اختلاف رتبهم إلى حفل شاي بقصر عابدين حضره ضباط البعثة العسكرية البريطانية حيث وقف أثناء توديعه لهم يقول بصريح العبارة :" على سبيل النصيحة أقول لكم : لا تشتغلوا بالسياسة !" وقد ظل الجيش لا يؤدي اليمين بالصيغة الجديدة للملك فاروق طوال عهد الحكومة الوفدية حتي أقيلت هذه الوزارة فأداها بصيغتها القديمة فى عهد وزارة الانقلاب .

أزمة تعيين يوسف الجندي وزيرا

فى ذلك الحين كانت هناك أزمة أخري بين الوفد والملك حول حق رئيس الوزراء فى اختيار أعضاء وزارته .

وقد نشأت هذه الأزمة حين أعاد النحاس باشا تأليف وزارته بعد تولي الملك سلطاته الدستورية وقد رشح فيها يوسف الجندي وزيرا للمعارف . فقد رفض الملك قبول هذا الترشيح بحجة أن نزاهة يوسف الجندي إبان وكالته البرلمانية لوزارة الداخلية لم تكن فوق الشبهات . وقد انتابت الدهشة النحاس باشا وكل الوفديين : فقد كان الجندي ذا تاريخ مشهور فى الحركة الوطنية فهو الذي رفع علم الاستقلال فى مدينة زفتي فى عام 1919 وكان مشهودا له بالبراعة البرلمانية الممتازة فى المعارضة , وفوق ذلك كان يشغل وظيفة الوكيل البرلماني لوزارة الداخلية فى الوزارة المستقلة. لذلك فقد برز هذا السؤال الهام : من الذي يقف وراء عدم تعيين يوسف الجندي وزيرا ؟ وقد ردت الصحف الوفدية على هذا السؤال فقد نشرت خبر مقابلة فى الإسكندرية تمت بين الملك فاروق وعلي ماهر باشا قبل تشكيل الوزارة , قيل أن علي ماهر باشا أشار فيها على الملك بأمور معينة : بعضها يتصل بتشكيل الوزارة , ومن يقبلون فيها ومن يرفضون وبعضها الآخر يتصل بمسائل أخري لا تقل خطورة وشأنا .

وفى الواقع أن هذا الرفض كان يحتاج إلى دربة سياسية لا تتوفر إلا فى رجل كعلي ماهر باشا . فقد كانت القائمة التي قدمها النحاس باشا للملك بأسماء أعضاء الوزارة الجديدة تفوح منها رائحة انشقاق فى الوفد لا تغيب عن أنف خبير كأنف علي ماهر باشا الذي سنتبين دوره فى هذه المسألة فيما بعد . فقد أبعد النحاس باشا من القائمة أسماء النقراشي ومحمد صفوت ومحمود غالب وعلي فهمي , فكان هذا الإبعاد دليلا على أن الوفد يمر بمرحلة دقيقة يمكن الاستفادة منها واستغلالها إلى أبعد مدي .

وقد صدق تقدير علي ماهر باشا . فلم يكن فى وسع النحاس باشا فى ذلك الوقت , إلا أن ينزل على اعتراض الملك لعدة أسباب هامة : أولها , إن الظروف الدقيقة التى كان يمر بها الوفد داخليا بعد استبعاد النقراشي وزملائه كانت غير ملائمة للاشتباك. ثانيا , أن موقف النحاس كان ضعيفا ففي ذلك الحين كان قد قدم استقالة وزارته الأولي إلأى الملك بمناسبة مباشرته سلطاته الدستورية وقبلت الاستقالة فعلاء وكان إصراره على تعيين يوسف الجندي كفيلا بتحقيق هدف القصر فى الإطاحة به بأسهل السبل وبدون إقالة . ثالثا وهذا أهم الأسباب فلأن هذا الحادث كانت له سابقة فى عهد وزارة سعد باشا , إذ اعترض الملك فؤاد على " على الشمسي باشا " بحجة أنه موال للخديو عباس . وقد نزل سعد باشا على اعتراض الملك . ولكنه لما قام بالتحقيق فى صحة ما نسب إليه , وثبت له أن التهمة لا تنهض على أساس , عاد إلى الملك فؤاد وأصر على تعيينه فى الوزارة , وعين الشمسي باشا فعلا وزيرا للمالية فى يوم 19 نوفمبر 1924.

لهذا كانت جميع الدلائل تشير إلى أن نزول النحاس باشا على اعتراض الملك فاروق وكان نزولا مؤقتا فمن ناحية فقد أضاف النحاس وزارة المعارف التي كان مرشحا لها يوسف الجندي إلى عبد السلام فهمي جمعة وزير التجارة والصناعة ولم يعين لها وزيرا آخر . ومن ناحية أخري فقد اجتمعت الهيئة الوفدية البرلمانية بأغلبية الساحقة لتلقي القفاز فى وجه الملك وتعلن " تقديرها لحضرة الأستاذ يوسف الجندي "

وثقتها التي لا حد لها بالنحاس باشا وبالوزارة الدستورية وقد أبرزت الصحف الوفدية النية على الإصرار على هذا الطلب فقالت أن النحاس باشا لا يعاود الكلام فى هذا الموضوع لمجرد الرغبة فقط في تولية يوسف الجندي الوزارة أو لتغليب رأيه على رأي الملك وأنسا " لأنه كان على [[مصطفي النحاس]] واجب مزدوج فى ذلك : واجبه كرئيس ليوسف الجندي فى وزارة الداخلية , وواجبه كرئيس له فى الهيئة الوفدية . هذا الواجب المزدوج يقضي عليه بأن يبدد أى شك يلحق يوسف الجندي . وإلى أن يتبدد هذا الشك لا يكون [[مصطفي النحاس]] قد أبرأ ذمته ". ومعني هذه الإشارة الصريحة من الصحيفة الوفدية أن موضوع يوسف الجندي سوف يظل أمانة في عنق النحاس لا يمكن أن يبرئ ذمته إلا بتعيينه وزيرا فى الوزارة .

هذا العرض السابق يبين الخطأ الذي وقع فيه الدكتور هيكل فى معالجته لهذه المسألة حين كتب يقول:" لو أن الأمور كانت تجري فى مجراها الدستوري السليم , لوجب الأثير النحاس باشا أية ثائرة بسبب هذا الحادث بعد أن وقع مرسوم بتأليف الوزارة , من غير أن يشرك فيها الأستاذ الجندي . فتوقيع مرسوم التأليف معناه أنه اقتنع حجة الملك فارتضاها . فإن لم يكن قد اقتنع فقد كان واجبا عليه بحكم الدستور أن يرفض تأليف الوزارة ... تري أكان الغرض مما ينشر فى صحفه يومئذ عن البحث الدستوري , نوعا من الإرهاب غير المنتج؟ أم كان ترضية أفلاطونية للأستاذ الجندي ؟. أم قصد به إلى توجيه الرأي العام وجهة خاطئة ؟. أحسب البحث لم يكن جديا ".

وعلى كل حال فلم تلبث الأمور أن أخذت تجري فى مجري آخر غير ما كان يرسم النحاس باشا فلم يلبث الوفد أن انفجر بأعنف انشقاق منذ عام 1921 حين أذاع محمود غالب باشا بيانه المشهور فى يوم 11 أغسطس 1937 حول موضوع مشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان. ومنذ ذلك الحين شغل الوفد بالدفاع والهجوم , والكر والفر , والانقسام والالتئام وانهالت عليه الطعنات والمؤامرات من جميع الجبهات إلى أن طرد من الحكم شر طردة فى يوم 30 ديسمبر 1937.

انقسام الوفد

النزاع حول مشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان

على هذا النحو أخذ المسرح السياسي فى مصر يتهيأ لمعركة كبري بين الديمقراطية والأوتوقراطية فقد انهارت الجبهة الوطنية التى تألفت لتسوية المسألة الوطنية بين مصر وبريطانيا فسقط علم الائتلاف والوحدة القومية . وتدخل الانجليز فى تعيين مجلس الوصاية لحماية العرش , فكفوا يد الوفد عن الاستفادة من الظروف التى هيأها موت الملك فؤاد فى تقوية قبضته على الموقف الداخلي . ووقف مجلس الوصاية مؤيدا بالانجليز فى وجه مشروع وزارة القصر فبقي قائما هذا الركن من أركان الفساد والتآمر ضد الحكم الدستوري فى القصر ثم تدهورت العلاقات بين الوفد والملك فاروق بسبب الأزمات السالفة الذكر , فبدت الأمور منذروة بمعركة طويلة ما بقي فاروق على العرش.

ومع كل هذه العوامل والأسباب فمن المحقق أنها كانت قاصرة عن النيل من الوفد لولا الانشقاق الكبير الذي وقع فيه . فبعد اختفاء شخصية الملك فؤاد القوية المستبدة , وانسحاب الانجليز من مسرح الصراع الداخلي بإبرام معاهدة 1936 , كان الوفد قد أصبح فى الحقيقة الفارس الوحيد بعد سقوط الفرسان أو أصبح القوة الوحيدة ذات الشأن الباقية على مسرح السياسة المصرية فقد رأينا كيف ضعف شأ، أحزاب الأقلية بعد إبرام المعاهدة , حتي كفت صحافتها عن الظهور وأخلدت إلى سكون الموت . وأما جلالة الملك فاروق , فلم يكن سوي صبي صغير فى مواجهة زعامة سيطرة على النفوس وطوت المصريين تحت جناحيها هى زعامة الوفد.

ولعل هذا يفسر لماذا نعد الانسلاخ الكبير الذي حدث فى الوفد فى عام 1937 , أسوأ الانسلاخات الثلاثة التي حدثت فى تاريخ الوفد حتي ذلك الحين. لقد كان الانسلاخ الأول في عام 1921 عامل قوة للوفد وليس عامل ضعف لأنه استخلص للوفد ثوريته بعد انسحاب المعتدلين وكان الانسلاخ الثاني فى عام 1932 من هذا النوع أيضا . فقد صهر النضال ضد عهد صدقي باشا أعضاء الوفد , فبقي بعضهم صامدا واحترق البعض الآخر . أما الانسلاخ الثالث فى عام 1937 فكان شيئا مختلفا لقد كان صراعا على السلطة داخل الوفد بعد انتهاء مرحلة التصارع من أجل الاستقلال وكان بعيدا فى أسبابه عن القضية الوطنية وقد أحدث صدما وثلما فى البناء اليدمقراطي الكبير الذي كان يمثله الوفد فاستطاعت قوي الرجعية أن تنفذ خلاله وتضرب ضربتها وتحقق أغراضها فى هدم الحياة الديمقراطية التي ظلت تتربص بها دواما منذ صدور دستور 1923 ثم إقامة الحياة الأوتوقراطية والفاشية مكانها ويعتبر العامل المباشر فى هذا الانسلاخ الذي حدث فى الوفد استبعاد النقراشي باشا ومعه زملاؤه الثلاثة الذين أشرنا إليهم من الوزارة الوفدية التى أعاد النحاس باشا تأليفها بعد تقديم استقالته بمناسبة تولية الملك فاروق سلطاته الدستورية . وكانت مسألة تقديم استقالة الوزارة فى هذه المناسبة قد تعرضت لبحث من رجال القانون الوفديين الذين رأي بعضهم أنه يجوز من الوجهة الدستورية" المصرية’" ألا ترفع الوزارة استقالتها على أثر تولية الملك لأن الدستور المصري لم ينص صراحة على هذه الحالة على أنه حين قبل لنحاس باشا وجهة النظر الأخري التي تقول بتقديم الاستقالة أدرك الكثيرون أنه ينوي إدخال تعديل على وزارته . وقد تحقق ذلك فعلا , فقد ألف النحاس باشا الوزارة , بعد أن استبعد منها محمود فهمي النقراشي باشا ومحمد صفوت باشا ومحمود غالب باشا وعلي فهمي باشا , وأدخل بدلهم أربعة جدد هم : محمود بسيوني, ومحمد محمود خليل بك ومحمد صبري أبو علم وعبد الفتاح الطويل.

وكان من الطبيعي أن يحدث إبعاد الوزارة الأربعة خاصة النقراشي , دهشة كبيرة , ليس فقط فى داخل البلاد , بل وفي خارجها ايضا . فالنقراشي باشا – كما كتبت النيوز كرونيكل فى تعليقها – كان قد قضي أعواما طويلة وهو من أقرب زملاء النحاس باشا إليه وكان يعد فى نظر الدوائر الوطنية والأجنبية نابغة التنظيم فى الوفد , لذلك فقد تنبأ الناس بأن خروج لنقراشي سوف يترتب عليه انشقاق فى الوفد , وأن الدكتور أحمد ماهر , الذي كان صديقه الحميم سوف ينضم إليه فى وقت قريب.

وفى الحق لقد اهتبلت المعارضة فرصة العمر , أو فرصة البعث فأخذت جريدة البلاغ تنفخ فى نار الخلاف ونشرت عدة مقالات معروفة للعقاد , أخذ يؤلب فيها الوزراء المبعدين كل منهم فى مقال خاص , على الوفد وعلى زعامته , ولم تلبث الأمور أن تفجرت على نحو عنيف عندما نشر محمود غالب باشا أحد الوزراء أن تفجرت على نحو عنيف , عندما نشر محمود غالب باشا , أحد الوزراء المبعدين , فى يوم 11 أغسطس 1937, أى بعد أسبوع واحد من تأليف الوزارة الجديد – بيانا مطولا فى الأهرام أراد به أن يشرح أسباب إبعاده من الوزارة ولكنه وجه فيه اتهامات خطيرة إلى الوزارة تمس نزاهة الحكم , وتتعلق بمشروع توليد الكهرباء من خزان أسوان وبعد يوم واحد رد عليه مكرم عبيد باشا ببيان مطول أيضا دافع فيه عن موقف الوزارة الوفدية من المشروع ولم يلبث الموضوع أن اتخذ شكل مساجلة طويلة بين محمود غالب باشا ومكرم عبيد باشا امتدت على فترة طويلة من يوم 11 أغسطس 1937 إلى 26 من نفس الشهر و وتلتها وتخللتها حملة صحفية محمومة من جرائد المعاضة خاصة جريدة البلاغ , حفلت هي الأخري بمختلف الاتهامات الموجهة للوزارة بخصوص موقفها من المشروع وزاد من أهمية المعركة أن محمود غالب باشا أشار فى بيانه الأول إلى أن النقراشي باشا اطلع عليه قبل نشره ووافق عليه , كما أن الدكتور أحمد ماهر قد زاره بعد نشر البيان وأبدي عدم اعتراضه على شئ مما جاء فيه وهكذا تعرض الوفد للمرة الثانية بعد حادث قضية سيف الدين الملفق للاتهام التقليدي من جانب خصومه بالفساد السياسي وعدم النزاهة فى الحكم .

ومن البيانات التي أذاعها كل من محمود غالب باشا ومكرم عبيد باشا ومما حوته من وثائق نشرت لأول مرة عن هذا المشروع وما نشر من اتهامات فى صحف المعارضة للوزارة متعلقة بهذا الموضوع أيضا يمكن تحديد أربع تهم رئيسية وجهت لكل من مكرم عبيد باشا وزير المالية وعثمان محرم باشا وزير الأشغال :

أولا:- أنهما اختارا شركة معينة هي الشركة الكهربائية الانجليزية ودخلا فى مفاوضات معها لتنفيذ المشروع دون مناقصة.

ثانيا - أنهما أرادا الارتباط مع الشركة المذكورة على تنفيذ المشروع دون دراسة كافية , وقبل عرضه على خبراء عالميين للتحقق من أنه أحسن مشروع من الوجهة الفنية والاقتصادية وعلاوة على ما فيه من مخالفة صريحة لقانون وهى إعطاء شطر كبير منه إلى الشركة المذكورة بدون مناقصة .

ثالثا- أنهما سعيا إلى الارتباط مع الشركة المذكورة قبل العرض على البرلمان .

رابعا – أنهما أهملا الأخذ بالمشروع الذي وضعه مدير مصلحة الميكانيكا والكهرباء , عبد العزيز أحمد بك رغم أن النفقات فى مشروع عبد العزيز بك ثلاثة ملايين جنيه وفى مشروع الشركة سبعة ملايين من الجنيهات ,ورغم أن الحكومة فى عام 1932 كانت قد اعتمدت هذا المشروع وطبعته على نفقتها فى الجريدة الرسمية .

هذه هى الاتهامات الأربعة الرئيسية والخطيرة التى أريد بها تلويث سمعة الوفد والطعن فى نزاهة الحكم الشعبي وصرف جماهير الشعب عن قيادته وبدراستنا لهذه الاتهامات في ضوء الوثائق والأسانيد المصورة التي نشرها الوفد لتدعيم دفاعه وما نشره محمود غالب أيضا من المستندات والمكاتبات والمراسلات تتضح الحقائق الآتية :

أولا- أن الأدوار الأولي لمشروع توليد لكهرباء من خزان أسوان لم تتم فى عهد الوزارة الوفدية وإنما تمت فى عهد وزارة نسيم باشا عندما تقدمت خمس شركات لجنة 13 فبراير 1935 تشكيل لجنة فنية لفحصها برئاسة وزير المالية احمد عبد الوهاب باشا , وقرر بتاريخ 29 مايو 1935 " الترخيص للجنة المذكورة بالمفاوضة مع أصحاب الطلبات المذكورة حسب ترتيبها ".

ثم فوض للجنة أن تقتصر على التفاوض مع الشركة الكهربائية البريطانية ( التى كانت فى أول الترتيب ) إذا وصلت إلى اتفاق معها , وأن تعرض نتيجة مفاوضاته وتفصيلات المشروع ونص العقد الذي تري منحه للشركة على مجلس الوزراء قبل إبرامه نهائيا.

ثانيا – لما شكلت الوزارة الوفدية , وجدت أنها أمام مشروع اتفاق توصلت إليه المفاوضات التي دارت بين الشركة واللجنة الوزارية التي تكونت فى عهد وزارة نسيم باشا وقد شمل هذا الاتفاق جميع الشروط الفنية والمالية أى أن الأمر كان فى حكم الانتهاء .

ثالثا- لم تشأ الوزارة النحاسية الوقوف عند الحد الذي توصلت إليه اللجنة الوزارية السالفة الذكر بل دخلت فى مفاوضات جديدة مع الشركة حصلت بمقتضاها على مكاسب هامة بالنسبة للمشروع فقد تم الاتفاق على :

أ‌- طرح جزء كبير من مشروع الكهرباء مضافا إلى مشروع السماد فى مناقصة علنية بحيث يصبح ثلاثة أرباع المشروع معروضا فى المناقصة .

ب‌- أما الربع الباقي – الذي رأت الشركة تعذر المناقصة فيه لأسباب فنية – فيعرض على خبير عالمي للاستشارة فيما إذا كان يحقق من الوجهة الفنية أحسن الأغراض المقصودة منه, وما إذا كانت تكاليف التى قدرت 1,830,775جنيها مقدرة على أساس معقول ومعتدل ويتفق فى الوقت نفسه مع تحمل الشركة مسئولية العمل ونتائجه .

ت‌- أن يعرض المشروع بأكمله على خبير عالمي آخر لبحثه من جهة سلامة الخزان .

ث‌- لم تقتصر الوزارة على مشروع السماء بل توسعت فى بحث إنشاء مصانع للحديد والمفرقعات .

ج‌- تنازلت الشركة عن مبلغ 167 ألف جنيه فوق السعار .

ح‌- اشترطت الوزارة عرض المشروع على البرلمان للموافقة عليه .

رابعا- ولقد وقع الخلاف داخل الوزارة حول المشروع عندما عرضت المذكرة الخاصة به على مجلس الوزراء للموافقة عليه وفيها اقتراح بتعيين الخبير الرسمي للحكومة الانجليزية للفصل فى مسألة مشروع الكهرباء فقد ابدي غالب باشا رأيه بأن يحال الأمر فى خبيرين بدلا من خبير واحد بينما كانت غالبية الوزراء تري الاقتصار على خبير واحد لما يكلفه كثرة الخبراء من تكاليف باهظة وعندئذ هدد غالب باشا بالاستقالة وأيده فى ذلك النقراشي باشا من خبير واحد لإزالة الاعتراض وبعث الطمأنينة فوافق محمود غالب باشا وسحب استقالته , وتم الاتفاق على إعداد صيغة كتاب إلى الشركة بهذا المعني يشترك فى وضعه كل من محمود غالب باشا نفسه والدكتور أحمد ماهر ومكرم عبيد باشا وتم فعلا ذلك وبه أصبح القرار اجماعيا .

ومن هذا يتبين أن الخلاف داخل مجلس الوزراء كان حول عدد الخبراء فقط . وقد اعترف محمود غالب باشا بهذه الحقيقة فقد ذكر أنه لما عرض المشروع على مجلس الوزراء قبل السفر إلي مؤتمر الامتيازات , أبدي اعتراضه على البت فى مشروع خطير كهذا قدرت نفقاته بمبلغ 7 ملايين من الجنيهات وكسور قبل التحقق من أنه أصح مشروع من الوجهة الفنية وتمسك بطلب التريث حتي تستحضر الوزارة خبراء عالميين لأخذ رأيهم فيه وفى مشروع عبد العزيز أحمد بك وغيرهما ثم تقرر ما تراه ولا تقدم على تنفيذ قرارها إلا بعد موافقة البرلمان عليه , وأخيرا وبعد أن ابدي استعداده للاستقالة ومعه النقراشي باشا ومحمد صفوت باشا استقر الرأي على كتابة خطاب إلى الشركة فى صيغة روعي فيها إرجاء البت فى المشروع حتي يؤخذ رأي خبراء عالميين فيه بدلا من الخبير الانجليزي الواحد كما كان متفقا مع الشركة الانجليزية.

خامسا – أما بشأن الاتهام بأن وزيري المالية والأشغال أرادا الارتباط مع الشركة قبل العرض على البرلمان فقد رد مكرم عبيد على ذلك من اقع المذكرة التي رفعها إلى مجلس الوزراء, وقد جاء فيها :" وما بنا من حاجة إلى القول بأن المشروع بأمله سيعرض على البرلمان ولن ينفذ إلا إذا أقره كما استشهد بما جاء فى خطابه عن الميزانية حوالي منتصف مارس – أى قبل قرار مجلس الوزراء ببضعة أسابيع – وقد ورد فيه :" وغني عن البيان أن المشروع بعد أن يستكمل بحثه ويستوفي شرائطه المالية سيعرض على البرلمان بأكمله حتي لا يبرز إلى الوجود إلا إذا اقررتموه". وقد ابرز مكرم عبيد نقطة هامة فى الموضوع فقد ذكر أن الشركة ما كانت لتقبل أن ترتبط بعقد ما وتنفق تنفيذا له مئات الألوف من الجنيهات ثم إذا جاء البرلمان ورفض المشروع ضاعت عليها أموال طائلة ورجعت بخفي حنين وإن فى ملف المشروع خطابا من الشركة تطلب فيه عرض المشروع على البرلمان فى أقرب فرصة لأنها لا يمكنها أن تخطو خطوة إيجابية للقيام بالمشروع أى الاستعداد له إلا إذا وثقت من أن الصيغ أصبحت نهائية بمصادفة البرلمان .

ومن الطريف أن مكرم عبيد استشهد بكتابة إلى ممثلي الشركة الذي اشترك فى وضعه معه محمود غالب باشا وأقره الدكتور أحمد ماهر وقد جاء فى الفقرة الأخيرة منه :" ومن المفهوم كما أخبرتكم أن المصادفة النهائية على أى اتفاق لا تتم إلا بمصادفة البرلمان بعد عرض الأمر عليه من جميع نواحيه ". وقد دفع محمود غالب عبيد يحشرها فى خطابه إلى مثلي الشركة تغطية لمركزه وزير الأشغال أمام الشركة وأمام الرأى العام وهو دفع غير مقبول طبعا إذ لا يتصور أن يختلق وزير مالية وقائع لم تحدث فى خطاب رسمي لممثلي شركة أجنبية دون أن يتعرض للتكذيب والإنكار وسقوط هيبته أمام الرأى العام .

سادسا - بقي الاتهام الرابع الخاص بإهمال وزارة الوفد مشروع عبد العزيز أحمد بك المشار إليه . وقد تبين أن الوزارة لم ترفض هذا المشروع , وإنما رفضته اللجنة الفنية التى تكونت فى عهد وزارة نسيم باشا . وقد ذكر كرم عبيد أنه اطلع على المشروع بنفسه لدراسته من الناحية المالية ووجد أنه يكلف أموالا طائلة تزيد كثيرا عن مشروع الشركة ومع ذلك فإنه زيادة فى الاحتياط , اشترط على مندوبي الشركة أن تعرض مشروع عبد العزيز بك أحمد على الخبير العالمي فإذا وافق عليه أخذت الوزارة به كما رد مكرم عبيد على ما أشارت إليه جريدة البلاغ من أن النفقات فى مشروع عبد العزيز بك ثلاثة ملايين من الجنيهات وفى مشروع الشركة سبعة ملايين فقط و بقوله : أن هذا ليس صحيحا وأنه الجريدة قد خلطت بين المشروعين فإن مشروع عبد العزيز أحمد بك خاص بالكهرباء فقط ولا يدخل فيه مصنع السماد وهو إذا سلم جدلا مع " البلاغ" بأنه يكلف ثلاثة ملايين من الجنيهات فقط فهي على كل حال أكثر من تكاليف مشروع الشركة الخاص بالكهرباء والذي يقل بمقدار ائتي ألف جنيه حيث كان يقدر 25 مليون جنيه و 800 ألفا فقط.

على هذا النحو سقطت كل التهم التي وجهها محمود غالب باشا إلى وزارة الوفد بخصوص مشروع توليد الكهرباء من مساقط المياه بأسوان . ولقد أتاحت المشادة التي دارت حوله لوزارة الوفد أن تبرز طابعها الوطني فى معالجتها للمشروع فقد رأينا كيف أنها توصلت مع الشركة إلى أفضل ما وصلت إليه وزارة نسيم باشا . فبعد أن كان المشروع مطروحا كله للمساومة , تقرر طرح ثلاثة أرباعه فى منافسة علنية وعرض الربع الباقي على خبراء عالميين لإبداء الرأي فيه من الناحية الفنية والتكاليف وقد اتخذت الوزارة قرارا آخر هاما فقد رفضت الترتيب المالي الذي اتخذ فى عهد نسيم باشا وكان يقضي بأن يكون للحكومة 51 فى المائة من الأسهم وللشركة 49 فى المائة, وأصرت على ان يكون لمشروع حكوميا محضا فلا يعطي امتيازه لأية شركة بل يكون ملكا للحكومة وتحت إدارتها , حتي تحتفظ بمنابع القوة الطبيعية فى البلاد فى أيديها وقد نصت على ذلك المذكرة المرفوعة إلى مجلس الوزراء من وزارة الأشغال بالاتفاق مع وزارة المالية حيث جاء فيها :" ورأت الحكومة فى تمويل هذا المشروع أن يكون مصريا وطنيا صميما , ولذلك قررت أن تستأثر بحيازة الأسهم جميعها حتي تضمن لنفسها السيطرة التامة على هذا المشروع الوطني من جميع نواحيه على ان هذا لا يمنع الحكومة بل فى نيتها أن تنزل للجمهور المصري عن كمية من الأسهم التى تكتتب فيها وستشترط لذلك أن يكون المكتتبون مصريين بحيث تكون الشركة مصرية صميمة موزعة أسهمها بين الحكومة المصرية وبين جمهور صميم من المصريين.."

قضية الزعامة المقدسة

هذه قصة الأنواع حول مشروع توليد الكهرباء من مساقط المياه بأسوان من واقع البيانات والوثائق التي أذاعها الطرفان المتنازعان ولقد ذكرنا أن غالب باشا أشار إلى أن النقراشي باشا قد اطلع على بيانه الهجومي الأول قبل شنره , وأنه وافق عليه كما أن الدكتور أحمد ماهر قد زاره بع نشره ,أنه وافق عليه كما أن الدكتور أحمد ماهر قد زاره بعد نشر البيان وأبدي عدم اعتراضه على أى شئ مما جاء فيه . ولقد كان لتلك الإشارة رنين فى أوساط الرأي العام المصري والأجنبي . ذلك أن النقراشي باشا كان يعد – كما ذكرنا – نابغة التنظيم فى الوفد , وكان كما وصفته جريدة التايمز أحد زعماء الوفد الأربعة البارزين وضابط الاتصال بينهم وبين الصحف الأجنبية ومنظم صفوفهم الأكبر وقد وصفته جريدة " الدلي وركر" الشيوعية البريطانية بأنه " ينتمي إلى حزب اليسار فى الوفد ويمثل الآراء الرحبة الواسعة بين الموظفين والمستنيرين والطلبة وجزء من طبقت العمال " أما الدكتور أحمد ماهر فكان رفيق الجهاد القديم والعقل المدبر فى الحركة السرية التي أظهرت أثناء ثورة 1919.

وكان يؤلف مع النقراشي ومكرم والنحاس فريق الوفد القديم فقد عين الدكتور ماهر عضوا فى الوفد فى نوفمبر 1924 وعين النقراشي عضوا سنة 1927 بعد جهاد طويل فى صفوف الوفد وقد اعتقلا بعد استقالة وزارة سعد باشا فى 1924 وحوكما وبرأتهما المحكمة سنة 1926 وكان الزعماء الأربعة يمثلون قوة التطرف فى الوفد و فعندما اقترح السير برسي لوري نفى يناير 1932 فكرة تأليف وزارة قومية برياسة عدلي باشا لإبرام المعاهدة التى انتهت إليها مفاوضات 1930 مع بريطانيا , ووعد بأن تشير الحكومة البريطانية فى هذه الحالة بإعادة دستور 1923 . رفض النحاس هذه الفكرة التي رأي فيها مساومة فى حقوق البلاد لا يرتضيها وأصر على أن دستور الأمة يجب أن يعود إليها بلا شرط ولا قيد , ولم يؤيده فى هذا الرأي سوي مكرم عبيد وأحمد ماهر والنقراشي وذلك فى وجه أعضاء الوفد الآخرين والأمر الذي أدي إلى الانسلاخ الثاني فى الوفد .

لكل هذه الأهمية للنقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر أحدثت إشارة محمود غالب باشا إليهما فى بيانه حول مشروع توليد الكهرباء تلك الاهتمامات الواسعة فى صفوف الرأى العام المصري والأجنبي, ولعل هذه الإشارة وما تلاها من نزاع أدي إلى فصل النقراشي من الوفد , هي التي أوحت بذلك الخطأ الكبير الذي وقع فيه الكثير من الكتاب , وهو أن فصل النقراشي من الوفد إنما كان بسبب موقفه من مشروع توليد الكهرباء ذلك أن فصل النقراشي باشا من الوزارة ثم من الوفد لا يعود إلى موقفه من النزاع حول المشروع وإنما يعود بالدرجة الأولي إلى مواقف كثيرة سابقة على موقفه من المشروع , بل ولاحقه له , مما سنبين فيما بعد. ومن الأمور ذات الدلالة فى هذا المقام أن الصحف المعارضة للوفد والمؤيدة للنقراشي باشا لم تذكر من بين أسباب الخلاف التى أدت إلى إخراج النقراشي باشا من الوزارة مسألة موقفه من مشروع توليد الكهرباء بل إن النقراشي باشا نفسه لم يجعل من قضية نزاهة الحكم ميدانا للمعركة بينه وبين الوفد , كما فعل محمود المعركة بين وبين النحاس باشا , وهما : قضية الزعامة المقدسة وقضية القمصان الزرقاء وهما قضيتان تتعلقان بحرية الرأي وبالديمقراطية عماد الوفد وأساس شعبيته على أن ذلك كله قد سبقته ومهدت له حوادث لم يسبق لها نظير فى تاريخ الوفد كانت فى حد ذاتها دليلا على ما يمكن أن ينزفه مثل هذا الحزب الكبير ين ينفصل عنه منظم صفوفه الأكبر ونابغة التنظيم فيه فعلي أثر تلك الإشارة من محمود غالب باشا إلى النقراشي وماهر . وبينما السجال يدور على أشده بينه وبين مكرم عبيد باشا طالبت جريدة " كوكب الشرق " الوفدية المتطرفة و بفصل النقراشي وماهر من الوفد " لأن اشتراك عضوين كبيرين من أعضاء الوفد فى الحملة التي بدأها غالب باشا هو علة من العلل وخراج ممتلئ بالصديد , أو سرطان خبيث مما لا مناص من معالجته بالوسائل الناجحة من فصم , أو قصم أو ما أشبه ذلك من الوسائل التي عالجنا بها مثل هذه الأزمات فى ظروف سابقة !"

وكان رد فعل هذه الدعوة من جانب الجريدة الوفدية , مخالفا لكل ردود فعل الدعوات المماثلة لها فى تاريخ الوفد , فلم تخرج المظاهرات تجتاح فورا بيوت المغضوب عليهم تصب عليهم الإهانات والشتائم والاعتداءات, وإنما وقع حادث غريب : فقد اجتمعت فى النادي السعدي , بعد يوم واحد حشود كبيرة من طلبة الجامعى المصرية والجامعة الأزهرية وطلبة الدارس العالية والثانوية وأعضاء لجان الشبان الوفديين ووقف خطباؤهم يكليون الثناء للنقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر , ويشيدون " بالمواقف الوطنية الخالدة " التي سجلها تاريخ الجهاد الوطني لهذين الزعيمين , وأخذوا يطالبون ببقاء كتلة الوفد سليمة واتخذوا فى النهاية القرارات الآتية :

أولا – تمسكهم بوحدة الوفد تحت زعامة الرئيس الجليل , على إحداث ثغرة فى صفوف كتلة الوفد المصري.

ثانيا– إعلان ثقة الشباب بالزعيم [[مصطفي النحاس]] وصحبه الأوفياء : النقراشي ومكرم وماهر وحامد محمود وبقية أعضاء الوفد .

ثالثا– الإهابة بالزعماء أن يزيلوا أسباب النزاع فى الحال بما فيها مصلحة البلاد وسعادة الوطن وحفظ كتلة الوفد سليمة .

ولقد كان اتخاذ هذه القرارات العلنية الصريحة بعد ما ظهر من تأييد النقراشي للحملة التى شنها غالب باشا على الوزارة , وبعد أن طالبت جريدة " كوكب الشرق " الوفدية بفصلهما من الوفد حدثا لا سابقة له – كما أشرنا – ولهذا ففي اليوم التالي اجتمعت حشود أخري من الطلبة فى النادي السعدي حيث جرت محاولة من بعض زعماء الشباب لمراجعة قرارات اليوم السابق التي اتخذت باسم الطلبة ولكن هذا الطلب قوبل بعاصفة من الذين حضروا الاجتماع الأول الذين كانوا فيما يبدو - يشكلون الغالبية أيضا فى هذا الاجتماع – وانتهي الأمر باتخاذ قرارات أشد من القرارات السابقة فى تأييد النقراشي باشا إذ أضيف إليها الأعراب عن " شديد العطف والتقدير لنعالي النقراشي باشا رجل العمل الصامت " وفى نفس اليوم خرجت مظاهرات تعلن تأييدها للنقراشي باشا .

هذا هو المأزق الذي واجهه الوفد لأول مرة فى تاريخه والذي وقفت إزاءه جريدة " كوكب الشرق " ذاهلة تقول :" أما أن الحال قد وصلت با إلى مأزق – أو بتعبير آخر – إلى موقف دقيق فيما يختص بالوفد وزعامته وبحق الرئيس فى إقصاء من أفصي من وزارته فذلك مالا شك فيه ولا نكران له ألا تري وألا تسمع ما تري وتسمع من شبان يجتمعون ويتناقشون ويتشاجرون ومن جماعات من الناس يذهبون إلى النادي السعدي ممثلين اللجان الوفد فى القاهرة وفى غيرها ومن هتافات ومظاهرات مختلفة المناحي متشبعة فى وجهات النظر وفى الميول المفهومة وغير المفهومة أفلا تحكم وتجزم فى هذا الحال على أن هناك أزمة صغيرة كانت أو كبيرة أو أن هناك موقفا دقيقا يدعو إلى الحكمة فى تناوله وإلى تصريف الأمور تصريفا صادقا صحيحا قويا وسرعا أيضا !

وهكذا تراجعت الجريدة الوفدية من موقف المطالبة باستخدام " وسائل الفصم القصم " إلى المطالبة باستخدام " الحكمة" وفي الواقع أن المحاولات لإعادة النقراشي باشا إلى الحظيرة الوفدية أو بمعني آخر للحيلولة دون خروجه منها كانت قد بدأت حتى من قبل إبعاده من الوزارة فقد اجتمع به النحاس باشا وصارحه بأنه وإن كان قد رأي أن يشكل وزارته الجديدة بدونه بعد أن أصبح التعاون بينهما فى الوزارة صعبا لتعدد الخلاف فى الرأي وتعدد استقالات النقراشي فى الوزارة صعبا لتعدد الخلاف بدونه بعد أن أصبح التعاون بينهما فى الوزارة صعبا لتعدد الخلاف فى الرأى وتعدد استقالات النقراشي باشا إلا أنه مع ذلك و يري الانتفاع بمواهب ونشاط النقراشي باشا فى ميادين أخري ولهذا فهو يقترح عليه تعيينه فى منصب عضوية مجلس إدارة شركة قنال السويس .

ولقد كان منصب عضوية مجلس إدارة شركة قنال السويس فى ذلك الحين يعد من أهم المناصب وأحفلها بالامتيازات فقد كان التعيين فيه لمدي حياة الشركة التى تنتهي فى عام 1968 وكان مجموع المرتب طوال هذه المدة يبلغ 160 ألفا من الجنيهات . يضاف إليها سفر العضو لحضور جلسات مجلس الإدارة بباريس على نفقة الشركة ونزوله فى أحد فنادق الدرجة الأولي عدا ما يتمتع به من تخفيض كبير فى أجور السفر بأية باخرة من بواخر الشركات التي تمر فى قناة السويس . لهذا فلا عجب إذا شكر النقراشي للنحاس هذا العرض , حتي تملكه التأثر الشديد – كما يقول التابعي – فقام وعانق النحاس باشا . وأعتقد الجميع أن المسألة قد سويت , وأن السحابة قد انقشعت وأن خروج النقراشي باشا من الوزارة لن يؤثر على علاقاته بزملائه أعضاء الوفد أو على مركزه فى الهيئة الوفدية ولكن الأمور لم تليث أن أخذت تتجه اتجاها آخر فقد نشرت قصة هذا العرض السخي مجلة " آخر ساعة " الوفدية يوم 98 أغسطس 1937 وأكدت الخبر جريدة الأهرام فى عددها الصادر يوم 10 أغسطس 1937 . وكان من الطبيعي أن تقوم ضجة فى دوائر المعارضة ذد هذا العرض الذي اعتبر بمثابة رشوة وأحس النقراشي باشا على الفور كأنما قصد بدفع هذا الخبر إلى الصحف الوفدية إحراجه والانتقاص من شأنه وكان رد الفعل هو صدور بيان غالب باشا بعد ثلاثة أيام فقط من ظهور الخبر الأول مرة فى جريدة آخر ساعة وقد صدر البيان بدون أن يمهره النقراشي باشا بإمضائه أو يشترك فيه لأن الأمل فى المنصب كان لا يزال باقيا على أن الصحف المعارضة لم تلبث أن اغتنمت الفرصة وأخذت تهاجم العرض على أن الصحف المعارضة لم تلبث أن اغتنمت الفرصة وأخذت الصلة بعلي ماهر باشا بأنه " رشوة واضحة الأركان " وأن النقراشي باشا " ليس هو الذي تدفعه مبادئه لقبول رشوة سترمي به غلى حيث لا قيامة له بعد ذلك " وفى الوقت نفسه أخذت الأنباء ترد بأن الشركة تعارض فى تعيين النقراشي باشا رغم إصرار الحكومة على التعيين , وإزاء ذلك كله أرسل النقراشي باشا كتابا إلى مكرم عبيد باشا يوم 20 أغسطس 1937 يخبره فيه إنه " قرر عدم قبوله منصب العضوية فى شركة قناة السويس "

وقد اعتبر هذا الرفض من جانب النقراشي باشا فى ذلك الحين بمثابة إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية بينه وبين النحاس باشا ولما كانت المظاهرات ألمؤيدة لا تزال تجتاح شوارع لقاهرة فلهذا وفي نفس اليوم أ‘لن لنحاس باشا الحرب على النقراشي لباشا فى خطاب تاريخي بالإسكندرية قال فيه :ط قامت شراذم من هنا وهناك, يعبثون بالوحدة المقدسة , ويقولون :ط كيف لا يؤخذ النقراشي فى الوزارة ؟. إذا كان النقراشي يفرض على [[مصطفي النحاس]] فلا كان [[مصطفي النحاس]]" . وفى نفس المكان ألقي مكرم عبيد بخطاب مشهور أثار فيه قضية " الزعامة المقدسة" فقد ابرز ما تمثله من معني الوحدة , ودعا الناس الي نصرتها بمن يحاول الخروج عليها قائلا :" ما كان لكرم وللنقراشي , أو لغيرهما من رجال الوفد أن يحاول احد منهم أن يتعالي على الزعامة أو يهدم من بنيانها ولئن شاء كرم فى يوم من الأيام أن يتزعم فيجب أن يهدم ".

على هذا النحو حسم النحاس باشا موقفا كان يبلبل صدور الوفديين ولا يستفيد منه سوي النقراشي باشا وأنصاره , فلقد كان الخلاف بين الطرفين حتي ذلك الحين يقسم لجان الوفد إلى قسمين قسم كبير يطالب ببقاء كتلة الوفد سليمة , وتضييق شقة الخلاف , وقسم صغير يعلن ثقته بالنحاس باشا والوزارة فقط . وكان النقراشي باشا يجد مرتعه الخصيب فى الفريق الأول . فلما ألقي النحاس ومكرم خطابيهما السالفي الذكر فى الإسكندرية , تحدد موقف النقراشي باشا كمناهض للزعامة وبالتالي أصبح على اللجان الأولي الوفدية قد توقفت عن إذاعة قرارات الثقة بالنقراشي باشا إلى جانب النحاس باشا بينما بقي أنصار النقراشي ينادون بكتلة الوفد سليمة وحفظ وحدته من التمزيق.

ولقد ترتب على هذا الاستقطاب أن أخذت المناقشات بين شباب الطرفين تتخذ شكلا حادا وتنقلب فى معظم الأحيان إلى صدامات دموية وقد وقع أول صدام فى اجتماع الإسكندرية يوم 20- أغسطس فقد هتف فريق من الوفديين للنقراشي باشا ولزعيم الوفد ووحدة الوفد فحدثت مشادة وأصيب عدد من الطلبة والعمال .

وقد تكرر هذا الصدام بصورة أكبر فى السرادق الذي أقيم إلى جانب بيت الأمة للاحتفال بذكري سعد يوم 23 أغسطس 1937 وقد حضره كل من النحاس باشا والنقراشي باشا . فبالرغم من أن النحاس باشا توجه إل النقراشي باشا وصافحه بين هتافات الحاضرين بحياة الزعيمين والوفد والتضامن إلا أن الحالة ما لبثت أن تطورت عندما أخذ أنصار النقراشي باشا وعلى رأسهم الدكتور محمد حلمي الجيار يهتفون بحياته من حين لآخر , مما أدي إلى مهاجمتهم من جانب الآخرين ومعهم بعض القمصان الزرق . وارتفعت العصي وأصيب الدكتور الجيار فى رأسه بضربات شديدة . وعبثا حاول المحاولون أن يهدئوا الحالة المضطربة , أو يسكتوا الهاتفين من كل جانب للنحاس وللنقراشي . فقد أدلي النقراشي على أثره بتصريح هجومي إلى مندوب شركة رويتر ندد فيه بالقمصان الزرق " أتباع النحاس باشا " لمهاجمتهم أنصاره أثناء الاجتماعات التى عقدت بالإسكندرية والقاهرة وأتهم الحكومة بأنها " تكسب التأييد باستعمال أساليب عنيفة" وأكد عزمه على أن يري بلاده " محكومة بحكومة سليمة البنيان , تنشر العدل , وتقوم بحفظ الأمن العام والطمأنينة , وتعمل لمصلحة البلاد طبقا للدستور " وقال فى النهاية :" وفى خلال الأسابيع المقبلة أى إلى أن يعود البرلمان إلى الاجتماع سنثبت الحكومة هل هي قوية عادلة أو ضعيفة عليلة "

وما لبث النقراشي باشا أن أتبع هذا التصريح ببيانه الشهير الذي أصدره فى 7 سبتمبر 1937 وأثار فيه قضية حرية الرأي فى مصر فى وجود ما أسماه " نظرية الزعامة الجديدة" وفي وجود القمصان الزرقاء فقد تناول فى هذا البيان موقف النحاس باشا حين استبعده وزملاءه من الوزارة الجديدة بحجة تحقيق انسجام الوزارة بحيث لا يكون بين أعضائها ورئيسها خلاف , فقال : أن نفوس المواطنين من جميع الطبقات لم تقتنع بهذا الاتجاه الخطر , فقد أدرك الجميع بالفطرة السليمة أن الانسجام الذي روعي فى تأليف الوزارة الجديدة ليس معناه – كما هو حاصل فى البلاد النيابية – تمثيل الوزارة الأغلبية التى تسندها بحيث تمثل الاتجاهات والآراء المتنوعة فيها دون أن يتعرض ذلك مع وجود الانسجام اللازم لحسن سير العمل , وإنما هو انسجام من نوع جديد معناه عدم مخالفة رأي الرئيس فيما يطرح على مجلس الوزراء لبحثه وتقريره من المشروعات والمسائل العامة وهو اتجاه لا يستقيم فى شئ مع طبيعة المسئولية الوزارية فضلا عن مخالفته لروح الحكم النيابي والقواعد الدستورية ثم اتهم النقراشي باشا حكومة الوفد بتدبير الاجتماعات العامة لتعزيز معني الزعامة الجديد الذي نودي به فى اجتماع الإسكندرية ( خطاب مكرم عبيد السالف الذر) وهو أن لا رأى مع رأى الزعيم ومن خالفه فليلزم داره بين الخمول والرحمان من شرف خدمة البلاد . وقال : إن الأقدار شاءت أن تطبق هذه النظرية تطبيقا عمليا لا يبقي بعده مجال للتأويل فى القصد منها فقد صحبتها عصي ذو القمصان الزرقاء تهوي على رؤوس من لم يؤمنوا بها من الوفديين المجتمعين , وأخرج البعض منهم جرحي فى عهد الحكم الدستوري الذي ينادي بحماية الحريات ثم طبقت " نظرية الزعامة الجديدة عمليا مرة أخري فى اجتماع لجان الوفد فى الذكري لعاشرة لسعد باشا , بإعمال عصي الفرق الزرقاء فى رؤوس الوفديين المخلصين من نواب وغير نواب لأنهم ينادون بكتلة الوفد وأعضائه بغير تفريق ولأنهم لا يؤمنون بنظرية الزعامة الجديدة وطالب النقراشي بحل جميع فرق القمصان الزرق " تلك الفرق التي قاومت فكرة وجودها منذ نشأت " فإذا أدت الوزارة الحاضرة هذه الرسالة فستؤدها البلاد فى ذلك وإذا هي قصرت فتسحاسب عن تقصيرها بما لا يغني عنه ذوو القمصان ولا النظريات الجديدة الخطرة ولا اضطهاد الرأي المعترض ثم اختتم النقراشي باشا بيانه قائلا:" أن ما يراد اليوم, هو فرض جو على البلاد لا يسمع فيه صوت يخالف صوت الزعيم ولا رأى بغير مشيئته , ومثل هذا الجو لا يعيش فيه غير الإمعات , ولا تترعرع فى ظله المواهب الصالحة وهيهات ان تخضع له مصر وهيهات أن تدين الأمة إلا للحياة الدستورية الحرة الصحيحة ".

هكذا اختار النقراشي باشا فى ذكاء أن تدور المعركة بينه وبين النحاس باشا فى إطار موضوعي يجتذب إليه جماهير الوفد الفقيرة وفئاته المثقفة ويستطيع أن يقسمها فعلا حسب قوة حجة كل من الطرفين المتنازعين وكانت القضية التى طرحها النقراشي باشا هي : هل فكرة الزعامة المقدسة ووجود فرق القمصان الزرقاء مما يتفق مع الديمقراطية أو إنهما من الخصائص المميزة للدكتاتورية ؟.

وقضية الزعامة المقدسة بين الديمقراطية والدكتاتورية – في الحقيقة – إحدي القضايا الهامة فى تاريخ مصر المعاصر وقد برزت أثناء الخلاف بين سعد زغلول وأعضاء الوفد المعتدلين حول مشروع ملنر فقد أراد هؤلاء ممارسة حق الغالبية فى تقرير سياسة الوفد تجاه المشروع ولكن سعد زغلول لم يكترث بهذا الرأي لأنه يخرج فى رأيه عن حدود توكيل الشعب للوفد بالدفاع عن قضيته وأطلق كلمته المشهورة :" المسألة ليست مسألة أغلبية , وإنما مسألة توكيل ".

فأخضع سعد زغلول بهذه الكلمة القاعدة الديمقراطية للقاعدة القانونية وكان فى ذلك محقا .

ومنذ ذلك الحين جري التقليد على ألا يكترث زعيم الوفد – سواء أكان سعد زغلول أم [[مصطفي النحاس]] بعده – برأي أغلبية أعضاء الوفد فى المسائل الهامة التي يكون فيها على معرفة باتجاهات الرأي العام وميول الأمة وطاقاتها وإمكانياتها فقد قام سعد زغلول فى عام 1921 بفصل عشرة من أعضاء الوفد ولم يتبق معه من المؤيدين سوي أربعة فقط كذلك فصل النحاس باشا فى عام 1932 ثمانية أعضاء من الوفد , ولم يبق معه سوي ثلاثة فقط وأصبح هذا التقليد من خصائص زعامة الوفد.

وفى الواقع أن زعامة الوفد كانت تستمد نفوذها وسيطرتها من مصدرين هامين : لمصدر الأول , إجماع الأمة لى تأييدها اجماعا شبه تام فكانت بفضل هذا الإجماع مصدرا هاما من مصادر توحد الأمة وتماسكها إزاء قضيتها الوطنية .

المصدر الثاني – ما اكتسبته هذه الزعامة للسبب المذكور (ارتباطها بفكرة الوحدة القومية وقضية الاستقلال) من احترام فى نفوس المصريين بلغ حد القداسة . وكانت الصحف الوفدية تؤكد على هذا المعني فى المناسبات العديدة ففي مقال نشرته جريدة " كوكب الشرق " قالت :" ما خلت نهضة عامة من زعامة , ولا أقفرت حركة وطنية من قيادة ولا قامت ثورة إلا على توجيه . ومن ثم كان للزعيم فى الحركات القومية قداسة لا يمسها شئ , ومقام لا ترتفع إليه ظلال شبهة , وأوج لا يبلغه اتهام . إن الجماعات هي التي تختار زعماءها ولكن هذا الاختيار نفسه لا يلب ثان يحيط ذاته بالقداسة والتكريم الواجبين للمعني المتمثل به فإن الزعيم هو الجماعات نفسها فى فرد كما أن الجماعات هى الفرد نفسه ممثلة فيه " وعندما وقع الشقاق بين النقراشي والنحاس سارع مكرم عبيد إلى تأكيد هذا المعني فى الخطاب السالف الإشارة إليه فقد أوضح فى فخر ا، المصريين كانوا أسبق الأمم جميعا فى ابتكار فكرة الزعامة الشعبية وتركيزها وتوحيدها ," فأقمنا من سعد زعيما فإذا الزعامة تسعي مستعادة إليه وإذا الأمة تتوحد طوائفها تحت لوائه الخفاق وقامك من بعده مصطفي ,وكان شأنه شأن سعد إذ توحدت فى زعامة الطوائف الأديان وتركزت فيها شئون الأمة وآمالها فكان لنصر حليفها وانتزعت من يد القدر استقلالا محفوفا بالصعاب وسيادة كانت مصفدة بالأغلال " ثم حذر مكرم من التراخي فى التمسك بفكرة الزعامة بعد تسوية القضية الوطنية قائلا :" أننا فى هذا الوقت أحوج إلى الزعامة ووحدة القيادة منا فى أى وقت آخر نعم إننا حصلنا على الاستقلال والدستور وألغينا الامتيازات ولكن المعاهدة مجرد وثيقة ولا تصبح الوثيقة حقيقى إلا إذا نفذت وأحكم تنفيذها وليس أقدر على هذا التنفيذ من ذلك الزعيم الذي يرجع إليه أكبر الفضل فى العمل لها والحصول عليها .. أنه إذا بدا لمكرم فى يوم من الأيام أن ينفصل عن النحاس فليذهب مكرم وليبق النحاس".

وفى الحقيقة أن زعيم الوفد للسببين السالفي الذكر : ارتباط فكرة الزعامة بالوحدة القومية والاستقلال وما اكتسبته هذه الزعامة من قداسة بسبب هذا الارتباط لم يكن يعتبر نفسه زعيم حزب , وإنما زعيم الأمة بكل طبقاتها وعناصرها وقد أكد النحاس هذا المعني فى الخطاب الذي ألقاه فى طنطا يوم 10 سبتمبر 1937 فقال :" ما كنت ى يوم من الأيام رئيس حزب أوهيئة , بل زعيم أمة بأسرها , من خرج عليها صبت عليه غضبها, ومن وقف فى طريقها كان من يقف أما التيار الجارف يكتسحه فيلقه فى قاع اليم فلا يجد لنفسه مخرجا ولا إلى الحياة طريقا ".

ولقد كان النحاس بهذا القول يريد أن يبرر فارقا هاما بين الوفد وأى حزب آخر من الأحزاب الديمقراطية فطبقا للقاعدة الديمقراطية فإن رئيس الحزب لابد أن يخضع لرأي غالبية الأعضاء لأن هيئة الحزب بأكملها تعتبر المعبرة عن مصالح القطاع الذي يمثله الحزب بكل تناقضاته أما زعيم الوفد فكان يعتبر نفسه وحده المعبر عن مصالح الأمة , دون أعضاء هيئة الوفد جميعها ومن ثم فهو لا يدين بسلطان لغير الأمة إن شاءت منحته تأييدها فى خلافة مع خصومه وإن شاءت منعته عنه .

هذا الفارق بين الوفد وغيره من الأحزاب الأخرى التي كانت تدين بالديمقراطية الليبرالية كان من الطبيعي أن يكون من أهم المآخذ على الوفد من جانب خصومه فقد هوجمت فكرة قداسة الزعامة ووجوب طاعتها على اعتبار أنها تتنافي مع الوضع الدستوري والحياة الديمقراطية . وقد ذهب بعض الخصوم الذين انفصلوا من الوفد إلى اعتبار أنفسهم خارجين على " الزعامة" فقط وليس على " الوفد" نفسه فكانت السيدة روز اليوسف , ولم تكن قد انتمت لأى حزب بعد خروجها على الوفد , تردد كثيرا أنها " لم تخرج على الوفد , ولكنها خرجت على الزعامة لأنها لمحت من خلالها الديكتاتورية التى تتنافي مع المبادئ الدستورية وكانت صحيفتها تشير فى المناسبات إلى أنها " ليست منضوية تحت لواء حزب من الأحزاب , إذ أنها وفدية النزعة ولكنها ليست نحاسية . وفارق كبير بين هذه وتلك ".

وقد تساءل العقاد فى إحدي مقالاته عن ضرورة وجود الزعامة فى بلد كمصر أو فى البلاد الديمقراطية على ألإطلاق . وقال :" إنما تكون الزعامة فى بلد خاضع للسلطان الأجنبي أو فى بلد ليس فيه برلمان ولا حكومة نيابية ولهذا فإن للطليان والألمان والروسين زعيما ولم يكن للزعامة مكان فى بلاد الديمقراطيين الدستورين . فلماذا تبقي الزعامة المزعومة فى مصر , ,انتم تقولون إننا مستقلون وإنكم حريصون على المغالطة لأنه كان يعلم جديا أن اللابد لم تحصل على حريتها أو استقلالها الكامل بمعاهدة 1936 ولكنه كان يريد تثبيت الاتهام بأن زعامة الوفد تشبه ديكتاتورية النازية والفاشية وإذ كيف تتحقق الديمقراطية مع فكرة تقديس الزعامة ؟".

ولق كان من الطبيعي أن تتصدي الصحافة الوفدية ضد هذا الاتهام وتدافع عن الزعامة ففي مقال لجريدة الجهاد قالت :" إن الزعامة التي تدعون أيها الناس أنها منافية للدستور هي التي برزت بأنصارها إلى الانتخابات العامة فنالت من الأمة إجماعا بتأييدها فإذا صح أنها تسمي دكتاتورية فهي دكتاتورية الأمة لا دكتاتورية الفرد . والزعامة التى تنطق بلسانها تنطق بلسان الأمة" وفى خطاب النحاس باشا فى عيد الجهاد الوطني سنة 1937 تساءل قائلا :" يقولون دكتاتورية وإخلال بالدستور فهل هم يعقلون ؟ وهل هم يستحون؟.

أنحن للتجديد ؟ أنحن تفاخرنا بيد من حديد؟ أنحن ألغينا الدستور إلغاء وأبدلناه بدستور ملفق جديد ؟. أنحن أجرينا الانتخابات على أساس الإكراه والتزوير ؟. أنحن قتلنا الأبرياء , وروينا أرض الوطن بدماء الشهداء ؟ أنحن تسترنا على المجرمين وحمينا العابثين من عدالة القانون ؟ حاشا لله . بل الدستور قائم والبرلمان قائم , والحرية شاملة تبسط ظلها على الجميع بالسواء والقانون والقضاء هما الفيصل فى الصغير والكبير يخضع لهما المؤيدون كما يخضع لهما المعارضون ".

وقد عني الوفد عناية خاصة بمناقشة اتهامات النقراشي فقد ناقش أولا مسألة حرية رئيس الحكومة فى اختيار وزرائه فأكد أن حق رئيس الوزراء فى اختيار الأعضاء الذين يتعاونون معه حق طبيعي لا يتنافي مع القاعدة الديمقراطية ثم ناقش مسألة حرية الوزراء فى إبداء آرائهم فى المسائل التي تعرض عليهم دون أن يترتب على معارضتهم فيه إبعادهم من الحكم فكشف أن إبعاد النقراشي باشا من الوزارة الجديدة لم يكن يرجع إلى مخالفته لرأى الرئيس وزملائه بل لما دأب عليه من التهديد بالاستقالة كلما وقع خلاف فى الرأي بينه وبين الغالبية فى هيئة الوفد أو فى مجلس الوزراء وقد عدد النحاس باشا فى خطابه الذي ألقاه فى بني سويف يوم 17 سبتمبر 1937 ست ناسبات قدم فيها النقراشي باشا استقالته . إحداها بسبب معارضته فى فصل العقاد من الهيئة الوفدية وأخري بسبب معارضته فى ترشيح نجيب الهلالي علي مبادئ الوفد مع أنه غير وفدي فى دائرة الدكتور على الجيار العضو فى الهيئة الوفدية وثالثة لأنه أراد إصدار " صحيفة رسمية " للهيئة الوفدية فى أعقاب فصل العقاد والتبرؤ من جريدة روز اليوسف وقد رفض النحاس إصدار هذه الصحيفة " لأسباب تتصل بالعدالة عامة, وبالمصلحة الوفدية خاصة " ثم قدم النقراشي استقالته مرة أخري فى عهد الوزارة بسبب مشروع توليد الكهرباء من مساقط المياه بأسوان وعاد فقدم استقالته السادسة بسبب اعتراضه على قانون ملحق الطلبة وكانت هذه الاستقالة الأخيرة – كما وصفها النحاس باشا – أغرب استقالاته, لأنها صدرت من وزير غير مختص بينما كان الوزير المختص ورجال المعارف يؤيدون فكرة امتحان الملحق.

وقد شرح محمود سليمان غنام فى بيانه الذي أذاعه ردا على بيان النقراشي باشا , ومعني التهديد بالاستقالة "كما يفهمه الساسة فى أرقي البلاد الدستورية " فاستدل بعبارة للسير ادوود جراي , وزير خارجية بريطانيا فى كتابه :" خمسة وعشرون عاما" فى وزارة الخارجية جاء فيها:" إن تذرع العضو فى هيئة تقوم على الشورى, بالتهديد بالاستقالة كأداة لتغليب رأيه على رأي الأغلبية فى تلك الهيئة, إنما هو بمثابة تصويب مسدس إلى رأس الهيئة التى هو عضو فيها . وهذا أشبه بأساليب رجال العصابات منه بأساليب الساسة ورجال الحكم وأصحاب الرأي واستطرد الأستاذ غنام قائلا :ط فإذا كان النحاس باشا لم يشرك النقراشي باشا فى الوزارة الجديدة عند تأليفها فليس ذلك لرغبة منه فى أن يتحكم ويستبد بل لأنه أراد أن يقي زملاءه ونفسه شر التحكم والاستبداد بالرأي".

القمصان الزرقاء

كان الميدان الثاني الذي اختاره النقراشي باشا لينازل النحاس باشا فيه هو القمصان الزرقاء وكان الاتهام الذي وجهه النقراشي للنحاس هو أن يستخدم هذه التشكيلات فى اضطهاد حرية الرأي بين الناس وإرهاب الخصوم والأعداء وممارسة حكم أقرب إلى الحكم الفاشي والنازي .

وفى الحقيقة أن فرق القمصان الزرقاء كانت أضعف نقطة فى دفاع حكومة الوفد وأكبر مأخذ عليه حتي بين الكتاب المنصفين . على اعتبار ا، وجودها يعد منافيا لنظام الدستوري وإن كان من المؤكد أن معارضتي الوفد لم يكونوا مخلصين فى مهاجمة هذه التشكيلات باسم الدستور فقد سبق ظهور هذه القمصان قمصان أخري هي القمصان الخضراء التي ألفها أحمد حسين وكانت لا تلقي من المعارضة إلا كل عطف وتشجيع لا لسبب إلا لمناهضتها للوفد العدو المشترك.

فما هو الأصل فى نشأة هذه القمصان الزرقاء ؟. أن أول حقيقة نبرزها فى هذا الموضوع هي أن هذه الفرق لم تصطنعها حكومة الوفد عن اعتلائها الحكم للاستعانة بها فى مواجهة القمصان الخضراء كما يذهب الكتاب والمؤرخون . وإنما نشأت هذه الفرق قبل اعتلاء الوفد الحكم وفى ظروف ثورة 1935 فنشأتها على هذا النحو تختلف أساسا عن نشأة القمصان الخضراء – كما سوف يظهر لنا فيما بعد . ولقد كان صاحب الفكرة فى تأليف هذه الفرقة محمد بلال, الذي كان طالبا بكلية الطب , وعضو لجنة الطلبة التنفيذية بها وقد ألف بلال فرقته الأولي من طلبة كلية الطب , وكانت تسير أثناء الثورة فى طوابير منتظمة وهي تحمل علما خاص ذا لونين , هما الأحمر والسود دلالة على الثورة والحزن على الشهداء .

وكان قد سبق هذه الفكرة – فى الحقيقة – تطورات فى تنظيمات الوفد الداخلية , ساعدت على نشأة هذه الفرق بالشكل الذي صارت إليه . فقد استحدث الوفد إلى جانب لجانه التي كانت منظمة تنظيما خاصا بأعمال الانتخابات لجانا أخري للشبان الوفديين لتنظم جهود الشباب الوفدي الانتخابات لجانا أخري للشبان الوفديين لتنظيم جهود الشباب الوفدي وكان صاحب الفكرة فى إنشاء هذه اللجان , زهير صبري الذي عرض الفكرة علي رئيس الوفد فوافق عليها . وأخذت من ثم تتكون لجان الشباب الوفدي فى القاهرة والإسكندرية وغيرهما من مدن القطر المختلفة وكانت هذه اللجان تختلف عن بعض لجان الشبان التي وجدت من قبل فى أن الأولي كانت على نظام لجان الوفد أما اللجان الأخيرة فكان الغرض منها تكوين جنود صالحين وقد تطورت هذه الحركة فى الإسكندرية على يد ممدوح رياض الذي عمل على تنظيم الشبان فى فرق مكونة من عدد محدود لها شكل معين وقواعد مرسومة وكان هذا التنظيم يقوم على لجان تتفرع عنها فرق تضم كل منها أحد عشر عضوا تربطهم روابط العمل أو الإقامة وقد دربت هذه الجماعات على مبادئ أساسها الطاعة والنظام .

ويتضح من ذلك أن الوفد كان يعمل - فى استحياء – على امتصاص رغبة الشباب الوفدي وغيره فى الانخراط فى تنظيمات شبه عسكرية على نحو ما كان يفعل الشباب فى أوروبا وفى جماعة مصر الفتاة فلما قامت ثورة الطلبة فى أواخر عام 1935 وظهرت فكرة تكوين فرق القمصان الزرقاء كان من الطبيعي أن تكون لجان الشباب الوفدي هى النواة الأولي لهذه الفرق وقد أعلن عن قيام هذه التنظيمات فى المؤتمر الكبير الذي دعت لانعقاده رابطة الشبان الوفديين يوم 5 يناير 1936 بالنادي السعدي وحضره مكرم عبيد باشا وقد تكلم محمد بلال فى ذلك المؤتمر عن فرق الطلبة الوفديين وتأليفها وشروعه فى تكوينها وذكر ان كل فرقة ستؤلف من أحد عشر شابا بما فيهم الرئيس على أن تيقن كل منهم نوعا من أنواع الرياضة ثم خاطب الشباب قائلا :" لن نكون سادة إلا إذا كنا جنودا فلنكن جنودا فى سبيل مصر لاسترداد الحقوق المغصوبة يجب أن نكون جنودا كما كان شباب انجلترا وفرنسا وألمانيا وايطاليا يجب أن نكون جنودا كما كان شباب انجلترا وفرنسا وألمانيا وايطاليا أن شعارنا مصر والوفد والشباب لأن الشباب قوام الوفد والوفد قوام الأمة .

وقد استطاع محمد بلال ن يؤلف فرقتين نظاميتين ارتدي أعضاؤها القمصان الزرقاء والبنطلونات الرمادية وكانت الفرقة الأولي تتألف من طلبة الجامعة وقد أطلق عليها اسم " فرقة عبد الحكم الجراحي " أما الثانية فكانت تتألف من طلبة دار العلوم وقد أسميت " فرقة طه عفيفي" وهما اسما الشهيدين الأولين اللذين أسلما الروح فى سبيل الدستور والوطن أثناء الثورة . وفى يوم 10 يناير قام محمد بلال باستعراض على رأس 1500 من شباب القمصان الزرقاء فى الشوارع المؤدية إلى النادي السعدي وكانت كلما مرت فرقة بالمشاهدين هتف قائدها :" جهادنا" فيرد أفراد فرقته :" لمصر" فيهتف :" شبابنا" فيرددون :" للملك والوفد" فيهتف :" شعارنا" فيقولون :" طاعة وجهاد" وقد سارع إلى مكان الاستعراض المستر " كين بويد" بنفسه واستوضح محمد بلال عن هذه الفرق فرد عليه بأن الغرض منها تعويد الشباب على النظام والطاعة والإقدام بحيث يكونون سواعد مصر فى الحاضر وأملها المرجو فى المستقبل وأنكر أن الفرق قد تألفت لأغراض انتخابية ومع أن " كين بويد" أظهر اقتناعه بما قاله محمد بلال إلا أن وزارة الداخلية لم تلبث أن أذاعت أوامر مشددة إلى رجال البوليس بمنع هذه الفرق من السير فى الشوارع وعدم التعرض لأعضائها فى أنديتهم الخاصة على أن ذلك لم يمنع تكوين الفرق فى ميع جهات القطر وانتشارها.

وقد أتبعت الفرق فى معسكراتها أنظمة الجيش فكانت تطهي طعامها وتقضي كل حاجات المعسكر وكانت تلقي فى كل محاضرتان فى الأسبوع , إحداهما دينية , والأخرى وطنية وكانت الفرق تمضي أحيانا إلى صحراء الأهرام أو المقطم حيث تتمرن على إقامة المعسكرات وحركات الالتفاف والانتشار والتقدم والتقهقر والهجوم والدفاع والتفاهم بالإشارات.

وقد تكونت هيئة القيادة الأولي لفرق القمصان الزرقاء من خمسة أعضاء هم : محمد بلال ومحمد يونس وعماد الجندي وأحمد لطفي وأحمد الشافعي . وقد اشتركت هذه الهيئة فى تكوين الفرق وإنشائها منذ بدئها ثم تألفت لجنة بمعرفة مكرم عبيد باشا لتحقيق مبادئ الفرق وأغراضها وإظهارها بالمظهر اللائق الذي يتفق مع زعامتها وكان من بين أعضاء هذه اللجنة العسكريين مثل الأميرالاي حافظ بك صدقي والأميرالاي أمين بك الرشيدي واليوزباشي محمود الجندي بالإضافة إلى بعض المنظمين المعروفين أمثال : ممدوح رياض وحسن يس زعيم الطلبة . ثم تألف بعد ذلك مجلس شرف حسب لائحة أخري اشترك فى وضعها ممدوح رياض وكان أعضاؤه : ممدوح رياض وإبراهيم عبد لهادي , ومحمود سليمان غنام ومحمد شعراوي وأحمد حمزة .

ولقد أثار إعلان تأليف القمصان الزرقاء فى يناير 1936 قلق الأحزاب المعارضة على الرغم من الهدنة المعقودة بينها وبين الوفد في الجبهة الوطنية فقد اعتبرت تأليف هذه الفرق عملا عدائيا من الوفد موجها إلى الهيئات الأخرى وقالت بعض صحف هذه الأحزاب أن المقصود بهذا التنظيم هو الإرهاب واستخدام القوة للإقناع وقد رد على ذلك الدكتور أحمد ماهر ردا بليغا فقد ذكر أن الوفد ليس فى حاجة إلى استخدام وسائل العنف للحصول على الثقة والكثرة وإنما أراد الوفد أن يؤكد التضامن فى صفوفه وان يدعم القواعد التي تقوم عليها لجانه وتشكيلاته . وفى مقال آخر , قرع أحزاب الأقلية تقريعا شديدا لهذا الاتهام فقد كتب يقول :" من الغريب أ، تؤخذ حركة اللجان الوفدية على وجه لا يتفق مطلقا مع الواقع وأن يقال عنها أنها حركة إرهاب أو تنظيم له ... إذ من المعلوم أن الوفد قبل تنفيذ فكرة الجبهة إنما كان يدرك أن ذلك سوف ينشئ صلة جديدة بينه وبين أحزاب ظلت طويلا تخاصمه وتعاديه وتستعين بالسلطات على مقاومته وهى مع ذلك لا تؤلف فى البلاد غير أقليات صغيرة للغاية لم تكن لتعيش مطلقا لولا وجود شخصيات فردية ذات صفة فى نفسها وأن هذه الأحزاب ف ى توثق الصلة العامة التي ينطوي عليها قيام جبهة وطنية إنما تتخذ قوة جديدة فى حاضرها لم تكن لها فى ماضيها وأنه حرصا على المصلحة العامة ينبغي بقاء الجبهة فى مستواها إذا ما خلصت النيات وسلمت النفوس من المآرب الخاصة فليس للقول إذن بأن إرهابا يراد تنظيمه فى الأوساط الوفدية ولا أى معني تقبله العقول فليست الأغلبية الكبري التى يمثلها الوفد بحاجة إلى وسائل إرهاب أو أساليب تخويف إزاء الأقليات الصغيرة التى من مصلحتها استمرار البقاء فى الجبهة بعد أن أعطتها هذا المستوي الجديد ".

على أنه بالرغم من هذا الرد فقد مضت أحزاب الأقلية فى توجسها من فرق القمصان الزرقاء وخصوصا بسبب انضمام كثير من العمال إليها ومن الطريف أن هذه المسألة بالذات كانت تشغل بال بعض الجهات داخل الوفد نفسه ومن العناصر التي انضمت إلى النقراشي باشا فيما عبد وقد ظهر ذلك عندما رأي يوسف الجندي تقسيم الفرق إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول للطلبة والثاني للعمال والثالث خليط من الطبقات فاعترض على ذلك ممدوح رياض وكانت حجته فى هذا الاعتراض عند النحاس باشا أن " تنظيم العمال على هذه الصورة يجعلهم أداة لتنفيذ مآرب طبقتهم ونقاباتهم وعلى ذلك رؤي ضم الموظفين إلى العمال فكانت هناك فرق عمال وموظفي العنابر وعمال وموظفي أبي زعبل وعمال وموظفي التنظيم وعمال وموظفي السكك الحديد وعمال وموظفي المطبعة الأميرية.

ولقد أخذت صحف أحزاب الأقلية تعبر عن سخطها على دخول العمال فى فرق القمصان الزرقاء فوصفت هذه الفرق بأنها تحوي بين صفوفها " العاطلين " والمجرمين " وتصدت لذلك جريدة " المصري " فكتبت تقول : " الواقع أن بين الفرق عمالا , وعمالا كثرين وإنما الباطل كل الباطل أنهم عاطلون ثم أنهم لذلك مجرمون ذلك أن نظام الفرق رياضي بحت وليس دليلا على بطالة العامل أنه يشغل جزءا من وقت فراغه اليومي فى الرياضة لأن فرق الشباب لا تمد أفرادها بمال بل هي تجمع منهم اشتراكات نقدية عند انتسابهم لها وتلزمهم بدفع أثمان ما يلبسون ثم هي تجمع منهم اشتراكات نقدية أخري دورية كل شهر . فإذا صدق إدعاء هؤلاء الكتاب بأن ذوي القمصان الزرق عاطلون فمن أين لهم المال الذي يدفعونه ؟ وختمت الجريدة مقالها بقولها :" حرام والله أن تطعنوا الشبانا فى أعز ما للمرء وهو الشرف بل الأجدر بكم أن تكشفوا عن قصدهم ليظهر للملأ فى كل مناسبة أنكم لا ترضون لهذه الأمة خيرا إذا جاء الخير عن طريق الوفد.

ومع ذلك فقد أتهم أحمد حسين رئيس مصر الفتاة هذه الفرق أثناء مدافعته عن نفسه فى قضية لجنة العفو بأن 70 فى المائة منها هم المتشردين والمشبوهين الذين رأوا فى القميص الأزرق حماية من البوليس والقانون " أما القمصان الخضر فلا يرتديها إلا طلاب الجامعتين وخيرة الشباب"

ولم يكن موقف الجرائد الأجنبية من القمصان الزرق أقل عداء من الجرائد الأجنبية مكن القمصان الزرق أقل عددا من الجرائد الوطنية المعادية . فقد نعتتهم بشر النعوت, ووصف مراسل الديلي تلغراف معسكراتهم بأنها " مصدر اضطراب" دائم للبوليس لأنها بؤر لفساد الأخلاق ومركز للجرائم". ثم قال إن في القاهرة عدة معسكرات يقطنها أصحاب القمصان الزرقاء , الذين لا منازل لهم , ولا سبب للرزق فيما يظهر ".

ومما لا شك فيه أن اشتباكات عديدة قد وقعت بين القمصان الزرقاء وخصومهم وخصوصا للقمصان الخضراء على أنه إنصافا للحقيقة, فإن هؤلاء الذين كانت تثبت مخالفتهم للنظام من شباب القمصان الزرقاء كانت النيابة تبادر إلى التحقيق معهم كما تحقق مع سائر الناس . وكان المجلس الأعلي للفرق يصدر البيانات بأنه لن يتواني عن اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد كل فرقة يثبت عليها خالفة النظام بغير ما هوادة, وأنه على استعداد لتحقيق كل شكوي ضد أية فرقة أو أى فرد من فرق الشباب وعندما وقع اشتباك بين القمصان الزرقاء بالسيدة زينب والبوليس , قرر المجلس الأعلي للشباب الوفدي حل الفرقة وإنشاءها من جديد وإلغاء معسكرها . وكلف محمد بلال بتنفيذ هذين القرارين. كما أنشئت رقابة على أفراد الفرق تتولاها فرقة خاصة تسمي :" الفرقة السرية" يرتدي أفرادها الزي المدني , ومن مهامها مراقبة الأعضاء الذين يشك فى أمرهم من الناحية السياسية أو الخلفية كما كانت مهمتها أيضا التحري عن طالبي التطوع لمعرفة سلوكهم قبل قبولهم وعن أعمال ضابط الفرق أيضا.

على أن هذا كله لا يجب أن يقنعنا بأن هذه الفرق كانت تلتزم دواما بقواعد العدل والبعد عن المحاباة بالنسبة لخصومها لأننا لا يجب أن ننسي أنها كانت فرقا حزبية قبل كل شئ , وكانت هذه الصبغة تصبغ أعمالها كلها بصبغة التحيز ضد الخصوم.

ومع ذلك فإن هذه الاعتداءات التي ارتكبها الفرق لم تكن فى الحقيقة لتختلف قليلا أو كثيرا عن الخط الديماجوجي للجماهير الوفدية فى اعتداءاتها على خصومها فمنذ بدء الخصومات السياسية الحديثة بين سعد وعدلي تعتبر اعتداءات الجماهير الوفدية على خصومها اعتداءات تقليدية وقديمة , وسببها – فيما أري – ليس عدم توفر النضج السياسي . كما يقول خصوم الوفد وإنما لأن النظام الدستوري المصري كان يسمح للقوي الرجعية بالتآمر فى الظلام على سحق إرادة الأمة .

لهذا كانت الجماهير الوطنية , حين تشتم رائحة المؤامرات التي تدبر فى الخفاء للعبث بإرادتها تجد نفسها فى موقف دفاع شرعي تفقد فيه رشدها السياسي , ضد القوي التي تأتمر بها فتلجأ إلى مواجهة التآمر بالعنف والعدوان . ولقد كانت الجماهير الوفدية حتي فى أثناء وجود الوفد فى الحكم تجد نفسها فى نفس موقف الدفاع الشرعي أيضا لأنه على الرغم من أن وجود الوفد فى الحكم كان يجعله فى مركز السلطة إلا أن حق الإقالة فى يد الملك كان يجعله فى نفس حالة العجز التي كان يجد نفسه فيها قبل الحكم. بل أنه من المعروف دائما عن الوفد أنه فى المعارضة أقوي منه فى الحكم.


كانت نقطة الضعف فى تشكيلات القمصان الزرقاء ما كان يبدو من أوجه الشبه بينها وبين التشكيلات الفاشية والنازية وقد استغلت صحف المعارضة والانجليز ذلك فى شن الحملة على الفرق والمطالبة بحلها وقد اهتمت الصحافة الوفدية بالرد على هذا الاتهام . ففي مقال نشرته جريدة الجهاد الوفدية قالت : لو كان الشبه موجودا بين التشكيلات الوفدية وتشكيلات النازي والفاشي " لما بقي فى مصر معارض كما انه لم يبق فى ألمانيا ولا فى ايطاليا معارض بفضل ذوي القمصان ". وقالت : ولقد وجدت فرق النازي والفاشيستي لإحداث انقلاب فى نظام الحكم بالإستناد إلى قوة الشباب . وقد أحدثت هذا الانقلاب وسيطرت على الدولة واندمجت فيها أما فرق القمصان الزرقاء فإنها تابعة لقائدها الأعلى الذي جاهد فى سبيل الدستور حتي ناله وفي سبيل الدستور حتي وطد دعائمه"

وقد ألقي ممدوح رياض خطبة فى مؤتمر الشبان الوفديين فى الإسكندرية يوم 19 يناير 1936 دافع فيها عن القمصان الزرقاء, فأبرز فروقا ثلاثة بينها وبين التشكيلات الفاشية والنازية : أولها أن التشكيلات الفاشية والنازية ترتكز فى نشأتها على الفكر الديكتاتورية بينما ترتكز التنظيمات الوفدية على الفكر الديمقراطية ثانيا , أن التنظيمات الأولي ترمي فى وجودها إلى تدعيم النظام الدكتاتوري أما التنظيمات الوفدية فترمي إلى تدعيم روح الديمقراطية والسهر على صيانة الحياة الدستورية الحقة " أما الفارق الثالث فقد قال ممدوح رياض أنه يتعلق بقضية الحرية الاستقلال " فمن الجلي الواشح أن القوي الساعية للتحرير كلما نظمت كلما أجدت"

ويلاحظ فيما يختص بعبارة " السهر على صيانة الحياة الدستورية الحقة " أن ممدوح رياض لم يفسر هذا التناقض وهو كيف يمكن صيانة الحياة الدستورية الحقة . بوسائل فاشية حقة ؟ . وفى الواقع أن هذا التناقض الأساسي وعجز الوفد عن الاعتراف به بشجاعة هو السبب فى الفشل الذريع الذي مني به تنظيم القمصان الزرقاء . ذلك أنه إذا كان وجود مثل هذه التشكيلات شبه العسكرية منافيا لنظام الدستوري الصحيح , فإن وجودها فى ظل نظام دستوري ناقص , خلو من كل الضمانات الدستورية لحمايته إنما هو بديل ضروري للضمانات الدستورية غير المتوفرة وبمعني آخر إذا كان النظام الدستوري المصري مفتقرا إلى الضمانات الدستورية لحمايته فإن توفير الحماية له لأى شكل حتى ولو كان هذا الشكل يحمل ملامح فاشية ونازية يعتبر من وجهة نظرنا لا غبار عليه ولا استقرار الحياة الدستورية نفسها حتي تتولي التشريعات أداء هذا الدور.

ومن المؤكد أ، القصر كان يفكر مرتين قبل الأقدام على إقالة حكومة الوفد لو كانت تشكيلات القمصان الزرقاء بالفاعلية المطلوبة بل أن القصر كان يفكر فعلا فى ذلك رغم ضعف هذه التشكيلات وقد أكد هذه الحقيقة الدكتور هيكل فى مذكراته فقد ذكر أن ولاة الأمور كانوا" يخشون, إذا أقال الملك النحاس باشا , أن تضطرب العاصمة بالثورة , وأن تجري فيها الدماء وأن ينتقل الاضطراب منها إلى الأقاليم وأن يفلت زمام الأمر وينتقل إلى الغوغاء " ولهذا فلما استطاع محمد محمود باشا الصمود فى وجه إحدي المظاهرات التي هاجمت بيته احدث ذلك أثره فى تفكير أولي الأمر " فقد استطاع هذا الزعيم بمفرده أن يقاوم سلطان النحاس باشا وحكومته وقد كفي ظهور البوليس ليولي المتظاهرون الأدبار .

كذلك اعترف بهذه الحقيقة أحمد حسين , رئيس مصر الفتاة ورجل القصر المعروف فى ذلك الحين فقد ذكر أن علي ماهر ومعه جميع ساسة الجيل القديم كانوا يخشون أن يعقب إقالة النحاس باشا حوادث جسام يضطرب فيها الأمن وتغرق البلاد فيها فى فتنة ضخمة " وكان للقمصان الزرقاء نصيب فى هذا الجو من الرهبة ".

وكانت الجرائد المعارضة لا تفتأ تشير إلى خطورة القمصان الزرقاء ففي مقال لجريدة البلاغ قالت :" إنما الغرض أن تكون هذه الفرق قوة شبه عسكرية يستعملها حزب , ولا خفاء فى هذا ولا غموض . فإنها تنظم على الطريقة العسكرية ولها فرقة أساس ولها سلاح رأي منه الناس العصي والخناجر ... وهي تحلف يمينا بالولاء والطاعة إلى آخر رمق ".

ومن الغريب أن الوفد لم ينتبه إلى هذه الحقيقة ولم يعمل على تقوية هذه التشكيلات وزيادة فاعليتها لحمل القصر على التفكير قبل الإقدام على الإقالة بل إن النحاس فعل العكس بوحي من اقتناع باطني – فيما يبدو – بمنافاة وجود القمصان مظهريا للنظام الدستوري وتأثرا بالهجمات الشديدة على القمصان من جانب المعارضة القصر للتخلص منها قبل الإقالة ففي يوم 5 ديسمبر 1936 أصدر قرارا أتبع فيه الفرق لإدارته شخصيا, وحظر فيه على الجنود حمل العصي أو الأسلحة من أى نوع كان , أو أن يسيروا فى الشوارع أو يوجدوا فى الحفلات مرتدين القميص الأزرق فى غير الأوقات والمناسبات التي يحددها المجلس الأعلى . وجعل مخالفة حكم هذه المادة الفصل حتما من الفرق وفى إبان اشتداد الأزمة بين الحكومة والقصر وحين كانت الإقالة على وشك الوقوع أصدر قائد الفرق " بناء على إشارة من النحاس باشا " بيانا أعاد فيه التنبيه إلى أن أعضاء الفرق جميعا " لا يجوز لهم حمل سلاح من أى نوع مهما كان حجمه أو وضعه حتي لا ندعه للخصوم مجالا لسوء تأويل حركتنا البريئة". بل لقد دبرت فى ذلك الحين الاعتداءات على معسكرات القمصان الزرقاء على يد القصر والمعارضة حتي أصدرت وزارة الداخلية التعليمات إلى مختلف أنحاء القاهرة لحمايته من الحوادث الطارئة".

وهكذا انقلب القمصان الزرقاء من مصدر قوة وهيبة للوفد إلى مصدر قوة لخصومه حتي أصبح القصر – كما لاحظت جريدة " برمنجهام بوست" " اقوي مما كان عليه فى العهد الأخير للملك فؤاد" وأصبح الوفد – كما قالت الجريدة أيضا – " أضعف مما كان وفى الحق أن فرق القمصان الزرقاء كانت سلاحا ذا حدين . وقد اختار النحاس باشا الحد الذي ذبح به نفسه وحزبه فأقيل – فى وجود القمصان الزرقاء – أسوأ إقالة فى تاريخه وتفرق القمصان أيدي سبا عند أول طلقة أطلقتها حكومة محمد محمود باشا وأزيلت معسكراتهم بين ليلة وليلة فى جميع أنحاء البلاد.

فصل النقراشي باشا من الوفد

ظلت مناوشات القمصان الزرق فى الفترة السابقة على قيام المعركة بين النقراشي باشا والنحاس باشا قاصرة على بعض الاشتباكات مع القمصان الخضر وخصوصا بعد أن اتهم النحاس باشا من فوق منبر مجلس النواب , جماعة مصر الفتاة بأنها على اتصال بدولة أجنبية مما سنتناوله فى حينه . فلما وقع الشقاق بين النقراشي باشا والنحاس باشا , وانقسم الوفد إلى معسكرين , ,أخذ النقراشي يستغل موهبته ونبوغه فى التنظيم فى حشد الأنصار لتأييد قضيته , وقف القمصان الزرق على الفور إلى جانب النحاس باشا بحكم تبعيتهم لزعيم الوفد شخصيا منذ قرار 5 ديسمبر 1936 . فقد تصدوا لإسكات أنصار النقراشي باشا فى المؤتمرات والاشتباكات .

ومن المرجح أن هذا التصدي من جانب القمصان الزرق , وقد حدث بدون تعليمات من النحاس باشا ففي مقال لجريدة " التايمز" البريطانية ذكرت أن أصحاب القمصان الزرق شرعوا فى الاعتداء بقسوة على كل من يرون أنهم من أنصار النقراشي باشا " دون أن ينتظروا تعليمات زعماء الحزب" وقالت أنه من المفهوم أن النحاس باشا نفسه ينظر إلى حركات أصحاب القمصان الزرق باستهجان شديد ويود أن يحل فرقهم ولكنه قبل فى الوقت الحاضر مشورة بعض أعوانه بألا يتخذ عملا ضدهم.ولقد كان بسبب مساندة القمصان الزرق للنحاس باشا , أن وقف النقراشي باشا يطالب بحل فرقهم فى بيانه المشهور فى 7 سبتمبر 1937 المشار إليه ويقول عن نفسه أنه قاوم فكرة وجودها منذ نشأت".

ولم يكن النقراشي باشا صادقا فى قوله فمن الثابت أنه كانت له ولأصدقائه المخلصين الذين خرجوا معه من الوفد اليد الطولي فى تأليف هذه الفرق وتنظيمها وقد أعترف الدكتور أحمد ماهر بهذه الحقيقة من فوق منبر مجلس النواب بعد فصله من الوفد .

بل لقد كان مقر النقراشي باشا مأوي لذوي القمصان الزرقاء فى معظم أوقاته قبل تأليف الوزارة وكان يتولي تنظيمهم أحيانا ويستعرض فرقهم ويحييهم بتحيتهم الخاصة فى كثير من المناسبات وكان لأصدقائه المقربين نفس الدور : فقد كان الدكتور حلمي الجبار وهو أشد الناس المتحمسين له . رئيسا لفرق القمصان الزرقاء بالدقهلية إلى يوم الانشقاق . أما ممدوح رياض فقد رأينا الدور الذي لعبه فى إنشاء هذه الفرق وقد خرج من الوفد مع النقراشي باشا واصدر بيانا مطولا اعترف فيه بدوره فى تأليف الفرق وكشف عن اعتراضه على تأليف فرق خاصة للعمال حتي لا تتخذ أداة لتنفيذ مآرهم نقاباتهم وكان إبراهيم عبد الهادي أيضا ممن أسهموا فى تنظيم هذه الفرق والإشراف عليها.

ولقد أشارت الصحف الوفدية بعد فصل النقراشي باشا إلى محاولات بذلها وأنصاره لشراء أكبر عدد من ذوي القمصان الزرقاء وذكرت أن الذي قام بالتمويل ممدوح رياض وجفري بطرس غالي , بعد أن نصح البعض بذلك على أساس أن ذوي القمصان الزرقاء هم من طبقات فقيرة وأنه من أجل اكتسابهم وضمهم لابد من اتفاق الأموال وسواء أكانت هذه القصة صحيحة أم مختلفة فلا شك أن فشل النقراشي باشا فى اجتذاب ولاء القمصان الزرق منذ البداية رغم موهبته فى التنظيم ودوره ودور أنصاره فى إنشاء هذه الفرق يعتبر أمرا جديرا بالملاحظة خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار أمرين : أولهما أن هذه الفرق كانت تتكون ف معظمها من عناصر عمالية وشعبية فقيرة . والثاني ا، النقراشي باشا نجح مع الطلبة فى تحويل الكثيرين منهم إلى صفة مناصرة قضية العرض فى أثناء الأزمة الدستورية .

وعلى كل حال فعندما تفاقمت الأزمة بين النقراشي باشا والنحاس باشا لم يجد هذا بدا من أن يطلب غلى هيئة الوفد استصدار قرار بفصله على أن الدكتور أحمد ماهر وقف يعارض هذا الطلب بكل قوته بحجة أنه عمل تحت راية الوفد ثمانية عشر عاما ف يجوز فى شرعه إلا نصاف أن يحاسب هذا الحساب السريع ولا أقل من أن يعطي فرصة أخري وكان مما قاله أن النقراشي كان معذورا خصوصا بعد تلك الحملات القوية التى شنتها جريدة كوكب الشرق وبقية الصحف الوفدية .

وقد أسفرت المحاولات عن حل يقوم على ان يعقد الوفد اجتماعا يحضره النقراشي باشا ويصدر بيانا يعلن فيه استمساكه بالزعامة وتشييده بنزاهة الحكم القائم . ويشترك النقراشي باشا فى التوقيع على هذا البيان وقد حمل الدكتور أحمد ماهر هذا الحل إلى النقراشي باشا , ولكنه اشترط لقبوله حل جماعة القمصان الزرقاء , وأن يعلن هذا في بيان الوفد , ولما قيل للنقراشي باشا أنه ليس من المعقول أن يعرض الوفد فى بيان كهذا لمسألة القمصان , وأن له بعد عودته إلى هيئة الوفد أن يثير مسألة القمصان ويناقش فيها وللوفد أن يقرر فيها ما تراه أغلبيته رفض هذا الرأي .

وبناء على ذلك اجتمع الوفد المصري فى يوم 13 سبتمبر 1937 واتخذ قرارا بفصل النقراشي باشا من عضويته بإجماع آراء كل من [[مصطفي النحاس]] باشا ومكرم عبيد باشا ومحمود بسيوني وعبد السلام فهمي جمعة باشا وأحمد حمدي سيف النصر باشا ومحمود التربي ومحمد يوسف بك ومحمد الشناوي بك . وقد حاول الدكتور أحمد ماهر فى هذا الاجتماع أن يعتبر الوفد النقراشي " مستقيلا" بدلا من "منفصلا" من هيئة الوفد . ولكن هذا الاقتراح رفض وأصرت الأغلبية على أن تستعمل الصيغة نفسها التي استعملها الوفد فى قرارته السابقة فى نفس الأحوال المشابهة , وهي اعتبار النقراشي باشا " منفصلا" لا" مستقيلا" . وإزاء هذا أعلن الدكتور أحمد ماهر أنه يعترض على الفصل وأنه يعتبر النقراشي " لا يزال عضوا فى الوفد " وصدر قرار الوفد وفيه هذه الإشارة .

وقد خرج الدكتور أحمد ماهر من الاجتماع يبرر موقفه بقوله : أن النحاس باشا قد خير الأعضاء بين شخصه وبين النقراشي باشا , وجعل مدار الرأي على هذا المحور الدقيق . ثم قال :" وقد انضم إلى هذا العامل الخطير عامل آخر الوفد القضاه فى الموضوع, وهم من الوزراء هم فى نفس الوقت يعدون أنفسهم متصلين بأساس الدعوي, وإني مع تقديري لزمالتهم ,لا أستطيع أن أري فى الجميع بين صفتي الخصم والحكم أمرا عاديا أو شيئا مألوفا باعتبار النقراشي باشا لا يزال عضوا فى الوفد فقال :" إن القيمة العملية لهذا الرأي هي أنني أري لسعادة النقراشي باشا على من الحقوق ما لسائر حضرات أعضاء الوفد ولا أري ان هناك أمرا من الأمور التي تطرح على الوفد يصح أن يكون سرا بالنسبة له ذلك أنني سأشاوره فى الأمر , وأشركه فى كل ما يعرض على الوفد من الأمور ".

وقد استقبلت الصحف الوفدية هذا الموقف الغريب من الدكتور أحمد ماهر بالاستهجان والهجوم الشديد ففي مقال لجريدة المصري وجهت إلى الدكتور ماهر هذا السؤال :" إذا قررت غالبية أعضاء مجلس النواب فصل عضو من أعضائه , فهل يقرر حينئذ دون عدوان على النظام النيابي الدستوري وإخلال به أنه يعتبر أن العضو الذي تقرر فصله لا يزال نائبا له ما لزملائه النواب من الحقوق وعليه وما عليهم من الواجبات النيابية ؟.وماذا تكون النتيجة العملية لذلك.

أما " كوكب الشرق" فكانت أعنف ف ردها كالعادة فقد تساءلت:" فى أى البلاد يحصل هذا ؟ وأى معني كان إذن لفصل النقراشي باشا من الوفد إذا كان عضو من أعضائه البارزين يشاوره ويشاركه فى كل ما سيعرض على الوفد من الأمور الهامة والمسائل الخطيرة ؟"

ثم قالت :" لقد كان الأحسن والأشرف للدكتور ماهر إذا كان قد رأي أن أغلبية الوفد الساحقة قد قررت ما قررت وهو غير راض ولا مقتنع ولا محترم لرأى الغالبية – أن يعلن فى نفس الجلسة أنه لا يمكن له أن يبقي عضوا فى الوفد إذا كان النقراشي ليس معه"

ولقد أصابت " كوكب الشرق " فى عبارتها الأخيرة إلى أبعد الحدود . ولكن الدكتور ماهر كانت له أسبابه القوية التي تدفعه إلى الحرص على عضوية الوفد .. لأن المخطط الذي كان مدبرا فى ذلك الحين – كما سوف نري – كان يقوم على الاستيلاء على الوفد من الداخل وليس على هدم الوفد كما فى المحاولات السابقة وكان الدكتور أحمد ماهر هو المرشح للقيام بعملية الاستيلاء فى هذا المخطط.

وعلى كل حال ففي يوم 15 سبتمبر 1937 اجتمع الوفد بالسكندرية حيث قرر ضم أحد عشر عضوا جديدا إلى هيئته هم : محمد صبري أبو علم وعبد الفتاح الطويل ويوسف الجندي ومحمد سلمان الوكيل باشا ومحمد الغازي باشا وبشري حنا باشا ومحمد الحفني الطرزي باشا وكمال علما باشا وأحمد مصطفي عمرو باشا وفهمي ويصا بك , وسيد بهنس بك . وبهذا الفصل والضم قطع الوفد ما بينه وبين آل بيت سعد زغلول . ففيما يختص بالنقراشي باشا , فقد رأينا كيف تم فصله . وفيما يختص بالسيدة أم المصريين فقد رفضت عقد اجتماع الوفد فى بيت الأمة لإصدار القرار بفصل النقراشي باشا . فعقد الوفد لأول مرة اجتماعه فى مكان آخر غير بيت الأمة مع وجوب اجتماعه فيه الإصدار قراراته . وفيما يختص بأمين يوسف فقد أرسل برقية إلي الدكتور أحمد ماهر يؤيده بها فى موقفه المناصر للنقراشي باشا .ومن قبل ذلك كان قد خرج كل من فتح الله بركات وبهي الدين بركات من الوفد . ثم انقلب بيت سعد زغلول حربا على الوفد بقيادة الأخوين مصطفي وعلى أمين بعد أن أصدرا جريدة أخبار اليوم فى خدمة القصر وبهذه الخاتمة المؤسفة انقلب " بيت الأمة" إلى بيت خصوم الأمة ".

الحقيقة حول انسلاخ النقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر من الوفد

رأينا من العرض السابق مدي فساد الأسس التي استند إليها النقراشي باشا فى محاربته للنحاس باشا ومدي بطلان الأسباب التي قام عليها موقف الدكتور أحمد ماهر المؤيد للنقراشي باشا . ومن قبل تبينا مدي التجني فى اتهامات محمود غالب باشا للوزارة الوفدية بخصوص موقفها من مشروع توليد الكهرباء من مساقط المياه بأسوان .

ومن أجل ذلك يثور هذا السؤال : لماذا إذن انشق النقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر على الوفد ؟ وهل كان هذا الانشقاق وليد الظروف أو أنه كان وليد تواطؤ وتآمر مسبق هذا هو السؤال الشاق الذي علينا أن نجيب عليه فى هذه المحاولة .

ولقد كان النحاس باشا هو الذي اتهم صراحة النقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر بالتواطؤ مع القصر وقد ذكر أن هذا التواطؤ يرجع إلى ما قبل الانشقاق بوقت طويل , وبالتحديد إلى أوائل عهد الحكومة الوفدية عندما نشب النزاع بين الوزارة وعلي ماهر باشا فقد شارك القطبان الوفديان علي ماهر باشا فى هذه الحرب ضد الوفد , ولكن النحاس أخذ يلاطفهما " حرصا منا على الوحدة فى الوفد ". ولكن هذه الحركة " أخذت تنمو ويتسع نطاقها عقب عودتنا من لندرة, ومقتضاها العمل على أن يتخلص الملك من النحاس بطريقة دستورية عندما يتولي سلطته الدستورية وذلك بأن يقرر أنه لا يستطيع العمل معه ثم يعهد بتأليف الوزارة إلى النقراشي باشا أو غيره من الوفديين وكان النقراشي قد اتفق على هذه الخطة مع أحد الأوصياء , وكان يزعم أنه ضامن نجاحها اعتمادا على شيوخ ونواب من البرلمان يقبلون الوزارة الجديدة ويستمرون فى العمل معها احتفاظا بالبرلمان ".

ويقول النحاس باشا : إن النقراشي والدكتور ماهر طلبا فى ذلك الحين الاجتماع به وبمكرم عبيد سعيا لأن يتولي الدكتور ماهر وزارة الحربية وأن يتولي النقراشي باشا وزارة المعارف ولكن النحاس باشا رفض – كما يقول – " هذه اللعبة"! لأن معناها " أن أحمد ماهر يضع يده على الجيش , والنقراشي على أبنائنا الطلبة " فلما أعيد تأليف الوزارة بعد التولية " تقدم الأمير محمد على إلى السراي قائلا أنه اتفق مع الرجال السياسيين ومنهم رؤساء الأحزاب على ضرورة التخلص من النحاس باشا دستوريا على أن يعلن جلالة الملك عدم إمكانه العمل معه . وفوق ذلك تقدم عرض من جميع الأحزاب بتكوين وزارة الكفاءات وأن أحمد ماهر والنقراشي وعلي ماهر موافقون على ذلك .

هذه هي الاتهامات التي وجهها النحاس باشا للنقراشي باشا وأحمد ماهر بخصوص تواطئهما مع القصر قبل الانشقاق. ولما كانت هذه الاتهامات قد صدرت من النحاس إبان معركة حزبية حامية الوطيس فإن التعويل عليها بدون مناقشتها لا يساعد على حسم هذه المسألة من الوجهة التاريخية الموضوعية .. وأول ما نلاحظه على هذه الاتهامات أنها لا توضح السبب فى الأفاق الفجائي بين علي ماهر باشا وشقيقه الدكتور أحمد ماهر وقد كان الشقيقان على خلاف سياسي قديم منذ انسلاخ أنصار عدلي من الوفد :ذلك فإن الانسلاخ الأخير فى الوفد وهو الذي يقول النحاس عنه أنه تم بناء على تواطؤ ومؤامرة لم ينشأ إلا عندما اتخذ النحاس باشا الخطوة الأولي فيه باستبعاد النقراشي ومعه الوزراء الثلاثة من الوفد فقامت المعركة على اثر ذلك يضاف إلى هذا أنه طبقا لأقوال الوفديين فإن النقراشي باشا قبل منصب عضوية مجلس إدارة شركة قناة السويس عندما عرضها عليه [[مصطفي النحاس]] باشا ولم يعلن رفضه للمنصب إلا تحت تحريض صحف المعارضة التي اتهمت العرض بأنه رشوة واضحة الأركان . فلو أن هناك مؤامرة مسبقة لرفض النقراشي المنصب منذ البداية .

على أنه من الجانب الآخر فإن هناك بعض الحقائق التي تقف إلى جانب اتهامات النحاس باشا .

( أولها ) أن الخلاف بين النقراشي باشا والنحاس باشا لم ينشأ فى الحقيقة بسبب إبعاده من الوزارة , وغنما هو خلاف قديم – كما رأينا – استمر عدة أدوار , ترتب عليه عدة استقالات قدمها يهيء عادة مناخا صالحا للتآمر والتواطئ .

ثانيا – إن العلاقات بين الدكتور أحمد ماهر والنحاس باشا كانت قد تأثرت بسبب اختلاف وجهة نظر كل منهما من السياسة الحزبية بعد المعاهدة فبينما كان الدكتور أحمد ماهر يري أن توقيع المعاهدة يجب أن يضع حدا للصراع الحزبي وأنه ينبغي أن تندمج الأحزاب كلها فى حزب واحد , كان النحاس يرفض هذا الرأي ويري فيه مضار الوزارة الائتلافية التي ترفضها سياسته بكل شدة ومن المعقول فى هذه الحالة أن الدكتور أحمد ماهر أخذ ينظر إلى النحاس باشا كعقبة فى سبيل تحقيق الوحدة القومية وكعنصر من عناصر الصراع الحزبي الضار بمصلحة البلاد وأن يسعي بالتالي للتخلص منه والحلول مكانه.

ثالثا- أنه وأ، كانت العلاقات السياسية بين الدكتور أحمد ماهر وشقيقه علي ماهر باشا هى علاقات تنافر وتضاد بعد أن اتجه كل منهما اتجاها سياسيا مخالفا للآخر إلا أن عدم رضاء الدكتور أحمد ماهر عن سياسة النحاس باشا كان من شأنه بطبيعة الحال أن يقرب ما بينه وبين شقيقه علي ماهر باشا فى السياسة, ويجمع بينهما فى نهاية الأمر .

رابعا – أن الدكتور أحمد ماهر كان صديقا حميما للنقراشي باشا الذي عرفنا خلافاته مع النحاس باشا من قبل تأليف الوزارة الوفدية وهذه العلاقة تمثل الحلقة المفقودة التي تربط بين الدكتور أحمد ماهر وشقيقه من جانب وتربط بينه وبين النقراشي باشا من جانب آخر .

خامسا – كانت القضية الوطنية فى ذلك الحين قد تمت تسويتها بإبرام معاهدة 1936 وأصبح الانجليز حلفاء لمصر , وللوفد بالتالي فلم يعد فى وسع النحاس باشا رمي من يخالفه بالخيانة وهي التهمة التي كانت تقضي عادة على مستقبل المنشقين على الوفد بالخذلان ومن المؤكد أن هذه الحقيقة كانت موضوعه فى الاعتبار فعلا . ففي مقال لقرياقص ميخائيل – وهو من أنصار النقراشي باشا – ردا على مقال لجريدة " المانشيستر جارديان" كانت تنبأت فيه بالفشل للنقراشي باشا استنادا إلى أن كل زعيم انفصل عن الوفد , مهما كانت مقدرته السياسية والشخصية , لم يتمكن, بعدد خروجه من الحصول على تأييد يذكر من الرأى العام – قال قرياقص مخائيل:" كان السبب الأكبر فى خذلان الزعماء المصريين الذين تركوا الوفد قبل النقراشي باشا أن الوفد حمل أتباعه على الاعتقاد بأن المنشقين آلات فى أيدي البريطانيين وأنه يعملون ضد مصالح بلادهم أما مركز النقراشي باشا فقوي , لأن زملاءه السابقين يتهمونه بأنه متطرف وفوق ذلك يجاهر النحاس باشا وزملاؤه الآن بولائهم لبريطانيا فلا يستطيعون مهاجمة غيرهم من رجاء مثل هذا الولاء "

سادسا – كشفت جريدة " روز اليوسف" التي كانت وثيقة الصلة بعلي ماهر باشا قبل أن يذيع محمود غالب باشا بيانه الأول بثلاثة أيام عن " مقابلات هامة بين إحدي الجهات وبين شخصيات كبيرة بصدد تأليف وزارة قوية تقوم بأعباء الالتزامات التي ارتبطت بها البلاد بموجب المعاهدة". والمهم هنا أن المجلة ذكرت أن هذه الوزارة لن تكون وزارة قومية بل ستكون" وزارة تؤيدها أغلبية برلمانية على أية حال " وكان مما قالته : أن بعض البوادر قد ظهرت نتيجة لهذه الأحاديث , منها " حزب جديد يوشك على الظهور غالبية أعضائه من الوفديين وسواهم . ومن بين أعضاء هذا الحزب سوف تؤلف الوزارة الجديد " ثم أوردت الجريدة الأسماء المرحة لرياسة الوزارة وفيها اسم الدكتور أحمد ماهر . كما أوردت من الأسماء المرشحة للوزارات اسم النقراشي باشا !.

وهذا الخبر الذي نشرته المجلة الوثيقة الصلة بالقصر قبل أن يفجر غالب باشا الخلاف بثلاثة أيام يعتبر أول إشارة بخصوص تعيين أحمد ماهر رئيسا لوزارة تؤيدها غالبية من الوفديين ومن أعضائها النقراشي باشا . وكانت الإشارة الثانية بعد أكثر من أربعة أشهر – كما سوف نري – عندما دخلت الخطة فى دور التنفيذ الفعلي .

سابعا – ومن الدلائل على وجود التواطؤ والتآمر أن الخطة التي قام بها النقراشي باشا منذ بدايتها تتفق مع الهدف المطلوب منها وهو الاستيلاء على الوفد من الداخل بواسطة الدكتور أحمد ماهر الأمر الذي يوجد وحدة ورابطة لم تكن لتتحقق لو أن الانشقاق جاء وليد الظروف. فقد سارت المعركة على النحو التالي :

1- كانت الحملة التي قادها النقراشي باشا , موجهة أساسا إلى زعامة الوفد وليس إلى الوفد نفسه . وكان حريصا على الظهور بمظهر الغيرة على مبادئ الوفد ومبادئ الدستور وإظهار الزعامة فى مظهر الانحراف والخروج على مبادئ الوفد.

2- ظلت اللجان الوفدية التي انشقت على الوفد مع النقراشي باشا تحتفظ باسمها كلجان الوفد المركزية حتي بعد فصل النقراشي باشا من الوفد بوقت طويل ومن الأمثلة على ذلك تلك الدعوة التي وجهها كل من حسين فتوح بك وعبد الحليم رافع المحامي باسم " اللجنة التنفيذية العامة للجان الوفد بالقاهرة " لأعضاء هذه اللجنة ولأعضاء رابطة الشبان الوفديين واللجان المركزية بالقاهرة وممثلي العمال الوفديين وذلك للاجتماع بمكتب النقراشي باشا للبحث فى تنظيم الاشتراك فى استقبال الملك عند عودته إلى العاصمة والاحتفال بإزاحة الستار عن تمثال سعد زغلول . وقد نشرت هذه الدعوة فى جريدة الأهرام يوم 10 نوفمبر 1937 وكان الغرض منها أن يظل النقراشي وأنصاره داخل الحظيرة الوفدية حتي يتم الاستيلاء على قيادته بواسطة الدكتور ماهر الذي لم يكن قد فصل بعد من الوفد وحينئذ يصبح الوفد كله تحت سيطرة ماهر والنقراشي .

3- ظل الدكتور أحمد ماهر حتي بعد إصدار الوفد قرارا بفصله بالإجماع فى 3 يناير 1938" لارتكابه فى حق الدستور والوفد إثما لا يغتفر " عن صحة إشاعة تقول بتأليفه حزبا جديدا أبدي دهشته للمندوب قائلا:" كيف تؤلف حزبا جديدا ونحن أعضاء وحزبنا هو الوفد ؟. أن ما يشاع حول هذا الموضوع لا يقصد به إلا إظهارنا بمظهر الخارجين على الوفد مع أن الأمر بالعكس فنحن نعمل لحفظ كيان الوفد وإعادته إلى مكانته الأولي " وكان السبب فى هذا الإصرار من جانب الدكتور ماهر بعد فصله من الوفد أنه كان يعول فى ذلك الحين على تتغلب فى النواب الوفديين فى مجلس النواب مصلحتهم فى البقاء فى كراسي النيابة والاحتفاظ بالبرلمان على تمسكهم بزعامة النحاس باشا فيمنحون الدكتور ماهر ثقتهم وتأييدهم فلما فضل النواب الوفديون التضحية بكراسي النيابة على اختيار الدكتور ماهر زعيما للوفد جن جنون صحافة القصر فكتبت مجلة " روز اليوسف" فى 7 فبراير 1938 تصف هؤلاء النواب بأفحش النعوت وتقول أنهم " كانوا وصمة فى جبين الحياة النيابية , وأنهم لم يكونوا نوابا ولكنهم كانوا نعاجا يقودهم النحاس باشا يمينا فينقادون" وقالت إن صدور المرسوم الملكي بحل مجلس النواب قد أسدل الستار على " أكبر مهزلة مثلت على مسرح السياسة المصرية ".

مع أن الأمر كان على العكس مما قالته المجلة وهو أن موقف النواب الوفديين كان موقفا فريدا يمثل قمة الشجاعة السياسية والتضحية بالمصلحة الشخصية فى سبيل المبادئ ... ولكن هكذا كان رد فعل فشل الخطة .

ثامنا – ولقد كان من الجائز أن تقصر بعض هذه الأدلة الدامغة على إقامة الحجة على تواطؤ النقراشي باشا والدكتور أحمد ماهر مع القصر لو أن خطتهما السياسية بعد خروجهما من الوفد كانت خطة ديمقراطية أصيلة تقوم على احترام الدستور واحترام الحياة النيابية الحقة وتتفق مع لمبادئ التى ادعيا أنهما خرجا من أجلها من الوفد ولكن تاريخ هذين الرجلين بعد انسلاخهما من الوفد كان عدوانا مستمرا على الدستور وحربا لا هوادة فيها على الحريات وإرادة الشعب فقد أقرا إقالة الوزارة وأقرا تزييف الانتخابات وقبلا أن ينجح أنصارهما بالضغط والإرهاب وارتضيا الوضع غير الدستوري الذي ترتب على إقالة الوزارة الوفدية . وقد فعلا ذلك ولما تبرد بعد نيران خطبهما الملتهبة التي أتهما فيها النحاس باشا والوزارة الوفدية بالبطش بالحريات والدكتاتورية والسير فى الحكم سيرة حزبية ! وقد سارا فى هذه الخطة إلى النهاية فكانت حكومات السعديين من أشد الحكومات التي شهدتها البلاد تعسفا ودكتاتورية وبطشا بالحريات وإرهابا لمجموع الشعب , وكان عهدا النقراشي باشا وإبراهيم عبد الهادي باشا من العهود المظلمة التي لا تقارن إلا بعهد صدقي باشا فى أوائل الثلاثينيات . وهذا كله ينهض دليلا على زيف الحجج التي انتفضا من أجلها على زعامة الوفد ويدمغ انسلاخها من الوفد بالتواطؤ والاتفاق المسبق والتآمر .

المعركة الدستورية الكبري

علي ماهر باشا بين ولائه للقصر وعدائه للوفد

لا يمكن تصور مقدار التدمير الشديد الذي أصاب هيبة الوفد من جراء تلاحق هذه التصدعات فى صفوفه . فقد أثارت الاتهامات التي أطلقها محمود غالب باشا حول نزاهة الحكم الدستوري ما تثيره مثل هذه الاتهامات عادة بالنسبة للرجل العادي من إساءة وقتية إلى سمعته مهما ثبتت براءته. ثم نشبت المعركة بين النقراشي باشا والنحاس باشا حول الزعامة والقمصان الزرقاء وأسلوب الوفد فى الحكم , وهي المعركة التي قسمت الجماهير الوفدية والجان الوفدية فى ذلك الحين بين مؤيد ومعارض وانتهت بفصل النقراشي باشا من الوفد . ثم كان الموقف المثير للدكتور أحمد ماهر فى مساندة النقراشي باشا والذي ظهر فيه التحدي الصارخ للنحاس باشا شخصيا ولهيئة الوفد مجتمعه فاهتز كيان الحزب من جراء هذه العوامل لحد كبير.

وكانت تلك هى الفرصة التي انتهزتها الأوتوقراطية للخروج من مكمنها . فلقد أشرنا إلى التواطؤ الذي تم بين علي ماهر باشا وبين شقيقه الدكتور أحمد ماهر والنقراشي باشا , وكانت الأقدار وحدها هي التي هيأت لعلي ماهر باشا أن يحتل فى تلك الظروف الدقيقة والحاسمة موقفه إلى جانب الملك الجديد ليلعب الدور الرئيسي فى إفساد الحياة الدستورية وتغليب كفة الأوتوقراطية على كفة الديمقراطية .

وعلي ماهر باشا كان مستشارا للملك أحمد فؤاد ورجله الأول فى حزب الإتحاد وكان صاحب الفتوي فى إقالة النحاس باشا الأولي فى يونيه 1928 وهي أول إقالة فى تاريخ الحكم النيابي فى مصر.

وكان علي ماهر باشا يعتبر نفسه خادما للعرش وأمينا لأسرة محمد على ومن المحتمل – كما يري الدكتور محمد أنيس – أنه اختار هذا الاتجاه لنفسه متأثرا بتاريخ والده محمد ماهر باشا الذي كان شديد الاخلاص لعباس الثاني و والذي ضايق كرومر كثيرا حتى تخلص منه على أثر حادثة الحدود المشهورة فى عام 1894. وكان علي ماهر وقتئذ فى الحادية عشرة من عمره حين حدثت هذه الحادثة ولابد أنها أثرت فى نفسه وفى اختياره لعلاقته بالقصر وعندما مات الملك أحمد فؤاد كان علي ماهر باشا يتولي الحكم . وقد ظهرت مواهبه فى خدمة مولاه الجديد حين وجه عنايته بعد مناداته بالأمير فاروق ملكا على مصر , إلى معالجة مشكلتين هامتين ثبتتا فى ذلك الوقت : الأولي هي الناحية عن عدم بلوغ الملك سن الرشد المقرر بالأمر الملكي الخاص بولي العهد والثانية هي الناجمة عن القانون الذي يحدد سن الرشد لإدارة الأموال الخاصة . وفى معالجته لهاتين المشكلتين لم ير فى البداية بدا من التسليم با يقضي به الأمر الملكي الصادر فى 13 أبريل 1922 فى شأن نظام توارث العرش من جعل سن الرشد السياسي للملك ثماني عشرة سنة هلالية , ومن ضرورة تولي مجلس الوصاية لحقوق العرش حتي يبلغ الملك سن الأهلية السياسية ولكنه لم يستسغ أن يكون الملك وقد أشرف على السابعة عشرة من سني حياته , قاصرا على إدارة شئونه ولهذا فقد عرض على مجلس الوزراء مذكرة استند فيها غلى رأي رئيس لجنة القضايا وشيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية , جاء فى ختامها:" وليس من شك فى أن جلالة مليكنا المحبوب الذي أشرف على السابعة عشرة والذي دلت آثاره بصورة واضحة على نضوجه حائز للشروط اللازمة لأن يعتبر راشدا من الناحية الشخصية والمالية ". وعلى هذا أعلن رشد الملك من هذه الناحية وقد وصفت الصحف المصرية هذا العمل فى حينه بأنه أبرع وأمهر عمل قام به علي ماهر باشا فى خدمة التاج فقد أصبح الملك بذلك يسيطر على أمواله ويرأس أسرته رياسة فعلية ويجد مجالا كبيرا لسلطان وبرزت شخصيته بهذا السلاح القوي رغم نظام الوصاية .

ثم تخلي علي ماهر باشا عن رياسة الوزارة للنحاس باشا بعد أن أسفرت الانتخابات الحرة التي أجراها عن الأغلبية المألوفة للوفد , ولكنه لم يركن إلى السكون والراحة, ويقنع بكرسيه فى مجلس الشيوخ, بل شرع يعد الخطط ويحكم التدابير للعودة إلى الحكم . ويقول أحمد حسين , رئيس مصر الفتاة وحليف علي ماهر باشا فى تلك الفترة أن منزل علي ماهر باشا قد تحول إلى " معسكر يعمل لتوجيه الضربات للوفديين . فكان يستقبل كبار الموظفين , فله فيهم بعض أصدقاء , أو قل صنائع.. وكانوا يمدونه بأسرار الحكومة ما جري وما سيجري, وكان بعض النواب من جميع الهيئات يتصلون به كذلك ويسرون له بعض ما يجري بين جدران هيئاتهم وكان علي ماهر يسمع من هؤلاء وهؤلاء , ثم يذيع ما يسمع هن وهناك ويتصل بالصحفيين ويقربهم إليه , ويفضي إليهم بالمعلومات ويدفعهم إلى كتابتها لتنال بذلك من حكومة الوفد , فما من فضيحة عرفت عن حكومة الوفد , إلا وكان علمها يصل إليه وكان يغذي كل فريق من خصوم الوفد بما يعرف أنه يذكي حماسته فى الهجوم على الوفد متظاهرا بالغيرة والوطنية والتطرف ".

ولقد كان من الطبيعي أن يثير هذا النشاط انزعاج الوفديين ويثير الهواجس فى نفوسهم وخصوصا فى فترة حاسمة كانت جهودهم فيها موجهة نحو تسوية القضية الوطنية على مائدة المفاوضة مع الانجليز فلما تكللت هذه المفاوضات بالنجاح رأت مجلة آخر ساعة أن تنتهز الفرصة لسد الباب فى وجه دسائس علي ماهر باشا وغيره فطالبت فى مقال جرئ نشر يوم 15 نوفمبر سنة 1936 بإجراء تسوية أخري مع القصر على غرار التسوية مع الانجليز تحدد فيها بشكل واضح ما هي حقوق العرش , وما هي حقوق الأمة وقد جاء فى هذا المقال الهام تحت عنوان :" تعالوا تتفق على ما لله وما لقيصر , قبل أن نستقبل العهد الجديد": " اليوم أو غدا تبرم المعاهدة ويتأكد استقلال مصر , أو بعبارة أخري ينتقل استقلالها من دائرة النظريات والفروض , إلى دائرة الحقائق العملية وتصبح فى مصر سلطتان لا ثالث لهما : سلطة الأمة , وسلطة العرش وتزول سلطة قصر الدوبارة وسلطان فخامة المندوب , ومعني هذا أن يبدأ فى مصر عهد جديد الكلمة الأولي فيه لمصر والمصريين والخير فى أن يعرف الفرد ما له وما عليه وأن تلتزم كل سلطة حدها لا تتعداه . والشر فى أن تختلف السلطات حول ما لله وما لقيصر ويتفتح بابا الدسائس على مصراعيه وتصرف الهمم عن أسباب الإصلاح إلى أسباب الشقاق والعراك ويوقف العمل الجديد حتي يصفي حساب القديم والحساب القديم حكايته معروفة : ما هي حقوق العرش وما هي حقوق الوزارة وحقوق البرلمان ؟. وكان اختلاف وجهات النظر سببا أصيلا من أسباب عدم الاستقرار وأقول :" عدم الاستقرار" حتى لا أندرج إلى الكلام عن الانقلابات السياسية العديدة الضربات التى نزلت بالدستور والبرلمان فهل هناك اليوم مصلحة لأحد فى أن تظل قائمة أسباب هذا الخلاف ؟ وأن تستغل عند اللزوم ؟ وأن تقسم قوي مصر ويعطل نشاطها وتصرفها عن النهوض بأعباء العهد الجديد , لا لسبب إلا لأن حقوق العرش لم تحدد وحقوق الأمة لم تحدد أو حددت فى هذه وتلك تحديدا لم يقره الطرفان ولم يرض به الطرفان , ومن هنا كان سبب الخلاف ؟ وتعالوا نتفق على ما لله وما لقيصر ثم نوجه جهودنا ونستقبل العهد الجديد..".

على أن هذه الدعوة لم تلق صدي من جانب أحد من رجال القصر وخصوصا من جانب علي ماهر باشا , على لرغم من أنه سعي إليها فيما بعد. وكان السبب فى ذلك أن إجراء مثل هذه التسوية فى ظل الظروف المواتية للوفد لن يكون أبدا فى صالح القصر و وإنما سيكون فى صالح الوفد . وكان علي ماهر باشا يطمح حينذاك فى أن يقلب الميزان لصالح العرش وذلك عن طريق تغيير الصورة القديمة التقليدية المترسبة فى أذهان الناس عن الملك.

وهذا هو سر عشرات القصص التي حيكت فى ذلك الحين , منذ اعتلاء فاروق العرش لرفعه فى عين شعبه إلى مقام لم يتحقق من قبل لأحد من أسلافه . وقد حيكت هذه القصص بشكل مخطط ومرسوم فقد كان بعضها يستهدف التقرب إلى الطبقة العاملة , كتلك القصة التي حيكت حول إعادة الملك عاملا مفصولا مظلوما إلى عمله !. وبعضها كان يهدف إلى إظهار فاروق فى مظهر الوطني المتحمس لبضائع بلاده لإرضاء الرأسمالية الصناعية الجديدة كتلك القصة التي تروي تشجيعه للأميرات على شراء البضائع العريضة كتلك القصة الملفقة التي تتحدث عن حب فاروق لسعد زغلول وهو طفل .

وقد أريق مداد كثير فى التغني بديمقراطية فاروق , حتي تغني بذلك الخطباء فى خطبهم فقد قص محمد علي علوبة باشا مثلا فى إحدي خطبه كيف أن فاروقا رأي مرة بعض العمال يعملون فى تكسير الأحجار فذهاب إليهم ووقف يشهد أعمالهم وفيما هم يجدون فى العمل ضرب واحد منهم حجرا فطارت شظية منه أصابت قدمه وسال دمه " فما كان من الملك ابن الملك ابن الملك " – على حد تعبير علوبة باشا –" إلا أن أسرع إلى هذا العامل وانحني على التراب , ثم أخرج منديله وبر طبه قدم الجريح ووقف إلى جانبه يواسيه , حتي جاء الطبيب فاشترك جلالته معه فى تضميد جرح أخيكم العامل ".

ولمعالجة ما كان معروفا من جهل فاروق بسبب عدم استكماله دراسته , روت " المصور" القصة الآتية , ننقلها دون تعليق , وهي تحت عنوان :" جلالة الملك أثري مفاجئ ". قالت المجلة :" يلذ للأساتذة سليم بك حسن ومستر كارتر , وجبره, أن يعلموا أنه قد ظهر لهم منافس عظيم قطع فن الحفر والتنقيب خطوات واسعة بغير أن يعلم الجمهور شيئا . هذا الأثري الكبير هو جلالة الملك شخصيا ." فقد علم جلالته من دراسته أن سراي المنتزه سراي أثرية , وأن رحابها الواسعة كانت مقرا لسلطات رومانية وأغريقية اختزنت فيها وخبأت آثارا غالية قيمة فشرع بيده وذهنه شخصيا فى العمل بالنهار والليل واكتشف مجموعة من أثمن ما يعتز به الأثريون ولعل هذا السر الفني هو الذي حبب جلالته فى الإسكندرية طوال ذلك الوقت ... وقد استخرج جلالته قطعا تاريخية هامة ونظم متحفا , ثم أخذ يطبق العلم على العمل ويدون ملاحظاته ويتمني العالم الفني اليوم لو ينشر جلالته هذه المباحث"!.

وقد حرص البرنامج الموضوع للملك على أن يواظب على أداء صلاة الجمعة فى أحد الجوامع الكبري فى كل أسبوع . وكانت الصحف تنشر صورة الملك على صدرها وهو خارج من المسجد أو وهو يؤدي الصلاة فى خشوع أو وهو يمسك بمسبحته فى ورع وتقوي شديدين. كل ذلك لإبراز تدين هذا الشاب الوسيم وسط الجماهير الإسلامية العريضة التي تخلبها هذه المظاهر إلى أبعد الحدود .

لم يكن علي ماهر باشا بعيدا عن هذه الحملة الدعائية الضخمة لفاروق فقد كتبت المصور فى ذلك الحين تقول : إن " بعض المعجبين برسم الخطط الملكية يهمسون بأن دولة علي ماهر باشا لا يزال فى خدمة مليكه "! ثم ذكرت أن " بعض ذوي المقام " تقصد الوفديين – " أصبحوا يخشون أنه إذا حدث تصادم فى الاختصاص وجدوا أنفسهم أمام تيار شعبي فى جانب الملك ".

وفى الواقع أن هذا تماما ما كان يرمي إليه علي ماهر باشا : إيجاد تيار شعبي يقف إلى جانب الملك عند اللزوم فى مواجهة التيار الشعبي الموالى للوفد , ويعوض عن الحماية التي كان يسبغها الانجليز على العرش قبل معاهدة 1936 . فلقد أدرك علي ماهر باشا أن الانجليز لم تعد لهم مصلحة فى حماية القصر بعد تسوية القضية المصرية وتحسن العلاقات بينهم وبين الوفد . وأدرك فى الوقت نفسه أن الوفد بتحالفه مع الانجليز على النحو الذي قررته المعاهدة قد فقد سلاح التطرف الي كان يشد إليه الجماهير دوما والذي كان أقوي أسلحته فى مواجهة الخصوم . فتلقي هذا السلاح من يد الوفد ووضعه فى يد الملك ليظهره فى مظهر البطل الوطني الذي لا يهاب شيئا مستغلا كراهية الشعب للإنجليز التي لم تغير منها المعاهدة شيئا قليلا أو كثيرا.

وهذا يفسر موقف علي ماهر باشا شخصيا من المعاهدة, فقد تغيب عن جلسة مجلس الشيوخ التي أخذت فيها الأصوات على المعاهدة وصرح لمندوبي الصحف بأنه كان يجب الاكتفاء بإمضاء النحاس باشا , حتي لا تتقيد جميع الأحزاب بالمعاهدة فيكون لها فى المستقبل أن تطلب تعديلها أو رفضها . ثم حمد الله على أنه لم يوقع المعاهدة ولم يتقيد بها ففي وسعه إذا ولي الحكم , أن يؤدي واجبه كاملا نحو الوطن والتاريخ .

ولقد افلح علي ماهر باشا فى اجتذاب حب الشعب وولائه للملك وهو ما توضحت مظاهره فى حفلات التولية كل الوضوح ثم أخذ يستدير لإظهار الوفد فى مظهر المعتدي على حقوق الملك الشاب الصغير والمستهتر بأبسط الواجبات نحوه . وذلك لإيجاد فجوة فى العلاقات بين الوفد والشعب – وكانت قوة الوفد تنبع من قدرته على تمثيل الشعب والتعبير عن رغباته وأمانيه . وهذا يفسر سلسلة المقالات التي نشرت فى جريدة البلاغ فى أعقاب حفلات التولية وفى إبان ارتفاع شعبية الملك إلى قممها . فقد حمل عبد القادر حمزة باشا على النحاس باشا حملة شديدة لمخالفته قواعد السلوك فى حضرة صاحب الجلالة الملك " حمل على النحاس لأنه " يتحلل فى حضرة الملك ما تقضي به التقاليد ويقضي به واجب الإجلال". وساق على سبيل لمثال أن النحاس باشا شوهد فى أثناء مصافحة الملك لمستقبليه فى محطة الإسكندرية وهو يصافحهم بدوره من ورائه . وأنه فى إحدي حفلات التولية التي أقامها النحاس فى قصر الزعفران خلع طربوشه وهو يجلس بجانب الملك فى الحديقة وبقي برأسه عاريا مع أن الملك لم يخلع طربوشه , كما أن النحاس باشا أيضا حضرا متأخرا إلى حفلة الشاي التي أقيمت بقصر عابدين .

ثم استأنف البلاغ حملتها على النحاس باشا . فنشرت فى صدر صفحتها الأولي صورة للنحاس باشا وهو يصافح الملك منتصب القامة , " كأنه يصافح شخصا عاديا " ونشرت إلى جانبها للمقارنة , صورة لأحد رجال السلك الدبلوماسي الأجنبي وهو يصافح الملك فى انحناءة خفيفة " علامة على أنه يتشرف بمصافحة الملك " كما نشرت صورة ثالثة لمكرم عبيد باشا فى حضرة الملك , فى يوم استقباله فى البرلمان لحلف اليمين الدستورية وهو يضع يديه خلف ظهره " كما يفعل الإنسان وهو واقف فى موقف غير رسمي ".

وكان من الطبيعي أن يسارع الوفد إلى إفساد هذه الخطة بإنكار التهمة أولا والتباري مع صحف القصر والمعارضة فى إظهار ولائه للملك .

ثانيا فكانت صحفه تنشر الروايات التي يوعز بها القصر عن ديمقراطية الملك وورعه وتقواه .... الخ حتي لا ينفصل عن الشعب الذي كان لا يفتأ يظهر عواطفه للمك فى ذلك الحين وفى كل مناسبة بشكل حار ومتدفق وعلى هذا النحو أرسيت فى هذه المرحلة المبكرة أسس التسابق فى الزلفي والخنوع للملك مما ظهر أثره فى الحياة السياسية فيما بعد .

ومن المؤكد أ، الملك فاروق لم يكن كما تصوره الشعب فى ذلك الحين من أعنف مراحل الصراع بين الديمقراطية والأوتوقراطية وعندما مات الملك فؤاد تحدثت الصحف المصرية كثيرا عن كتابات تركها لأبنه بخط يده قالت إن الملك فاروق أصبح بعد قراءاتها :" المصري الأوحد الذي يعرف أسرار الدولة على حقيقتها والذي كشف وحده حقائق الماضي البعيد والقريب ".

وكانت هذه الكتابات على نوعين : النوع الأول حوادث دونها الملك فؤاد فى مذكرات خاصة باللغة الفرنسية . والنوع الثاني تعليقات وآراء دونها الملك بالفرنسية أيضا على بعض المقالات والكتب عن مصر . وقد أشارت إليها مجلة آخر ساعة الوفدية بعد وفاة الملك بشهر واحد وذكرت أن الملك فؤاد كان إذا قرأ مقالا أو قصاصة أو كتابا عن مصر لم يكتف بقراءته بل أبدي رأيه وقام بتدوينه كتابة بخط يده بالفرنسية على هامش المقال الذي يقرأه . وأن الملك فاروق أولي هذه الآراء اهتماما كبيرا عندما آل الملك إليه , فكان يطالعها بإمعان شديد ويستوعب ما فيها من ملاحظات وتعليقات ويسترشد بها فى دراسة تاريخ مصر السياسي ويري فيها أوفي دراسة لذلك التاريخ . ولما كان مضمون هذه الآراء والملاحظات لا يمكن إلا أن يكون مضمونا أوتوقراطيا فإن فاروق يكون بذلك قد بدأ حياته بنفس الأفكار التي انتهت بها حياة والده.

تعيين علي ماهر رئيسا للديوان الملكي

كان مخطط علي ماهر باشا يهدف إلى الوقوف إلى الحكم بخطوتين: الأولي , رئاسة الديوان , والثانية , رئاسة الوزارة . وهذا المخطط يبدو منطقيا للغاية بالنسبة لرجل مثل علي ماهر باشا لا يضع إرادة الشعب فى حسابه . وكان أمل على باشا فى رياسة الديوان يبدو بعيد المنال قبل انقسام الوفد وحين كان يسيطر سيطرة كاملة على الموقف بعد إبرام المعاهدة ولكن بهد الانقسام وبعد أن تمزقت صفوف الوفد ونزفت منه الدماء غزيرة فقد سنحت الفرصة له لتحقيق خطوته لأولي فى سبيل الحكم.

وكان منصب رئيس الديوان الملكي قد تعرض للإلغاء – كما رأينا عندما أعلن النحاس باشا مشروع إنشاء وزارة القصر فى كتاب تأليف وزارته الأولي . فلما ووجه باعتراض القصر والانجليز أعيد الاحتفاظ به فى مشروع ميزانية الديوان العالي فى مشروع ميزانية الدولة الجديدة. ثم استقر المنصب نهائيا عندما تألفت الوزارة الجديدة دون أن يعين فيها النحاس باشا وزيرا للقصر أو وكيلا برلمانيا للبلاط .

وكان من الطبيعي أن يعمل الوفد على شغل هذا المنصب بمرشح من عنده . وكان عبد الفتاح الطويل هو المرشح الأول لرئاسة ديوان الملك , نظرا لأنه تولي منصب الوكيل البرلماني لشئون القصر وكان أكثر المرشحين خبرة بهذه الشئون . على أن هذا الترشيح لم يلق قبولا لدي الملك فاروق الذي اعترض عليه بحجة ان رئيس الديوان بطبيعة عمله ومنصبه يعتبر حلقة الاتصال بين الملك والوزارة , وهو الحكم والميزان وهو مطالب بتسوية أية مشكلة أو خلاف فى الرأي قد يقوم بين القصر والوزراء . فيجب لهذا أن يكون رجلا مستقل الرأي, محايدا لا يميل مع الهوي , لا رجل حزب قد أقسم يمين الولاء والطاعة لرئيس حزبه وإلا فكيف يمكن لرجل حزبي مثل عبد الفتاح الطويل إذا اختلف القصر مع الوزارة فى أمر من الأمور , أن يتحرر من هواه الحزبي وأن لا يميل بكفة الميزان ؟ وقال فاروق : أنا أريد أن يكون إلى حانبي رئيس ديوان يقول دائما كلمة الحق , ويسوي المشاكل ويصون حقوقي لا رجل وفدي سوف يكون همه أن يأخذ مني لكي يعطي حكومة حزبه وإذا وقعت فى خلاف مع لنحاس وجدت أنني قد وقعت فى خلاف مع النحاس وعبد الفتاح لطويل وتصبح المشكلة مشكلة مع رئيس الحكومة ومع رئيس الديوان .

ويلاحظ ا، هذا الرد يقوم على مبدأ أن الملك يملك ويحكم , ولا يقوم على مبدأ المناقشات الطويلة التي جرت فى لجنة الدستور حول ضرورة وضع كبار رجال السراي تحت إشراف الأمة ووجوب مقاسمتهم الوزراء المسئولية العامة والثقة العامة على أن فاروق لم يكن ليدرك فى مثل عمره وثقافته هذه المناقشات الدستورية وإنما لقنه الرد – كما يقول التابعي – عبد الوهاب طلعت باشا الذي كان يقوم فى ذلك الحين بدور همزة الوصل بينه وبين علي ماهر باشا .

لم يجد النحاس بدا من العدول عن ترشيح عبد الفتاح الطويل وأخذ يعرض على التوالي الأسماء الآتية :

الدكتور حافظ عفيفي الذي كان يشغل منصب سفير مصر فى لندن حينذاك ولم يكن وفديا وإنما كان مستقلا . ثم نجيب الهلالي الذي كان مستقلا أصبح وفديا ثم أمين يوسف الذي كان يشغل منصب وزير مصر المفوض فى واشنطن ولكن فاروق رفض هذه الأسماء كلها وأعلن بصريح العبارة أنه " سوف يعين من يشاء فى أى وقت يشاء "

عندئذ أدرك الوفد أن فاروق مصمم على رفض أى مرشح يتقدم به إليه لأنه يريد تعيين علي ماهر باشا رئيسا للديوان وكان هذا أكثر مما يستطيع الوفد أن يسمح به فقد كان كان علي ماهر باشا فى ذلك الوقت يعد أعدي أعداء الوفد , حتي كانت مجلة" روز اليوسف " تطلق عليه من باب التندر :" عفريت الزعامة " ومن ثم فإن تعيينه رئيسا للديوان رغم إرادة الوفد كان يعد هدما لمبدأ مسئولية الوزارة وكان يتناقض فى الوقت نفسه حتي مع المنطق الذي رفض به فاروق تعيين عبد الفتاح الطويل وهو أن رئيس الديوان يجب أن يكون الحكم والميزان وألا ينحاز إلى حزب من الأحزاب .

لهذا ناقشت مجلة " آخر ساعة " الوفدية هذه النقطة فى مقال طويل أثبتت فيه أن علي ماهر باشا لن يستطيع أن يكون الحكم والميزانلا بالنسبة للوفد ولا بالنسبة حتى للأحزاب الأخري . فقد سردت تاريخ علي ماهر الطويل مع الوفد , واشتراكه فى كل انقلاب دستوري فى وزارة زيور باشا عام 1925, وفى وزارة محمد محمود باشا عام 1928, وفى وزارة إسماعيل صدقي باشا عام 1930 . وذكرت أنه فى كل هذه الوزارات أصيبت الحريات بسوء بل عطل الدستور مرة وألغي إلغاء فى المرة الأخيرة فعلي ماهر باشا إذن – كما قالت الجريدة كان خصما سياسيا عنيدا للوفديين فى جميع أدوار الجهاد أو الكفاح السياسي وذلك منذ انفصل عن الوفد عام 1921 فكيف يستطيع الوفديون أن يرحبوا بتعيينه أو يطمئنوا لى وجوده فى منصب كبير خطير مثل منصب رئيس الديوان ؟.

ثم انتقلت المجلة لمناقشة الموضوع من زاوية علاقة علي ماهر باشا بالأحزاب الأخرى فقالت أنه لم يفلح قط فى كسب ثقة حزب من هذه الأحزاب : فالأحرار الدستوريين وزعيمهم لا يطمئنون إليه بل لعله أبغض الناس عند محمد محمود بعد [[مصطفي النحاس]] ! وهو لا ينسي مقالبه أيام وزارته الأخيرة حين كان داخل الوزارة حربا فى الخارج عليها وعليه أما الشعبيون وصدقي باشا فهم يكرهونه أيضا كراهية التحريم ولا ينسون له استقالته المشهورة أيام حكم صدقي باشا فإذا كانت هذه علاقة الرجل مع جميع الأحزاب السياسية فى مصر , فهل من المصلحة أو مما يفيد المصلحة العامة أن يتم تعيينه رئيسا للديوان الملكي , مع أن رئيس الديوان مطالب بكم عمله ومهام منصبه الدقيق أن يكون رجلا تطمئن وترتاح إلى نزاهة مشورته كافة الأحزاب ؟.

بينما كان هذا الجدل يجري حول تعيين رئيس الديوان أخذ النحاس باشا ومكرم باشا يجوبان الأقاليم فى برنامج مخطط لشرح وقائع الأزمة مع النقراشي باشا فى القاهرة وللتلويح فى الباطن بقوة الوفد بعد ان تخلخل مركز الوفد ومركز الحكومة لحد كبير فنظمت فى ذلك الحين مظاهرات وفدية هائلة لإظهار الولاء للنحاس باشا ودبرت اجتماعات عديدة لتأييد الوزارة الثقة بها , وفى نفس الوقت التأثير . على القصر حتي لا ينتهز فرصة الخلافات الداخلية للقيام بأى إجراء غير دستوري وهذا ما فهمه القصر وفهمته دوائر المعارضة بوضوح ففي خطاب مفتوح لأحد الشيوخ الوفديين الموالين للنقراشي باشا قال أنه لا يفهم معني لهذه الرحلات " إلا أن يكون الغرض منها موجها إلى جهة معينة لقصد معين كم ربطت مجلة روز اليوسف بين هذه الرحلات وبين ما سمته فزع الوزارة من " النتيجة المحتومة "

تقصد الإقالة .

وفى نفس الوقت قرر النحاس باشا أن يدعو إلى عقد دورة غير عادية للبرلمان لاستكشاف مقدار تأثير الخلافات الداخلية فى نفوس النواب والشيوخ الوفديين ومدي تأثر الأكثرية البرلمانية التي يستند إليها بانتقال أصوات النقراشيين من صفوف الوفديين إلى صفوف المعارضين وقد استند النحاس باشا فى استصدار المرسوم الملكي بعقد هذا الاجتماع غير العادي للبرلمان غلى تنفيذ أحكام المادة 41 من الدستور التي تقضي بان تعرض على البرلمان فى دورة غير عادية كل المراسيم بقوانين التي تصدر لضرورة عاجلة فى أثناء فترة ما بين الدورتين وكانت الوزارة قد اضطرت إلى استصدار مراسيم بقوانين خاصة بامتحان طلبة المعاهد الدينية كما كانت فى ذلك الحين على وشك استصدار مراسيم بقوانين بتنفيذ معاهدة موتترو قبل 10 أكتوبر ومراسيم بقوانين أخري خاصة باعتمادات لجيش المصري إلى غير ذلك فوجب من ثم عرض هذه المراسيم بقوانين فى دورة غير عادية .

وقد فاجأت هذه الحركة دوائر الأحزاب المعارضة التى تبنيت أنها لم تكن قد استعدت بعد ولم تكن قد نظمت صفوفها لمواجهة ما سمته بتعديل الوزارة ثقة البرلمان ولكن النحاس رد على هذه الحجة بأن المعارضة أمامها فسحة طويلة تستعد فيها ما تشاء " وسواء أطال الوقت أم قصر فهي فاشلة فى محاولاتها "

عند ذلك أخذت المعارضة توجه جهودها لمنع الوزارة من طرح مسألة الثقة فى الدورة غير العادية , استنادا إلى أن اجتماع البرلمان فى دورة غير عادية لنظر أمر معين بالذات وارد فى الدعوة غير العادية يمنع من نظر أية مسألة أخري لم ترد فى الدعوة وقد انضم الدكتور أحمد ماهر رئيس مجلس النواب بطبيعة الحال إلى المعارضة فى هذا الرأي . فنشر بحثا دستوريا دلل فيه على أن جلس الناب يعتبر مقيدا بالأعمال التي وردت فى مرسوم الدعوة على ان لجنة الشؤون الدستورية التي أحيلت إليها المسألة من مجلس النواب أصدرت فتواها بحق المجس الوزارة طرح مسألة الثقة بها على المجلس .

على أن القصر لم يتنظر انعقاد الدورة غير العادية للبرلمان فقيل ميعاد الانعقاد بيومين اتصل سعيد ذو الفقار باشا بالنحاس باشا من القصر الملكي بالإسكندرية ليبلغه أن الملك فاروق قد أصدر أمرا ملكيا بتعيين علي ماهر رئيسا للديوان الملكي اعتبارا من يوم 20 أكتوبر 1937.

ولقد كان هذا النبأ أشبه تماما بإعلان الحرب من جانب القصر على الوزارة فقد وصل إلى النحاس باشا وهو طريح الفراش , فأمر على الفور بعقد اجتماع لمجلس الوزراء لمناقشة المسألة كما قرر دعوة الهيئة الوفدية للنواب والشيوخ لاجتماع فى يوم 23 أكتوبر 1937. وكان الوزراء قد حجزوا دواوينهم لحضور المولد الأحمدي , فألغوا هذا الحجز وكان أمام الوزراء احد أمرين : أما الاستقالة وأما معالجة الأزمة بالوسائل السياسية وعند نظر موضوع الاستقالة تبين أن تقديمها يحقق هدف القصر الأسمي فى إزاحة النحاس باشا , وكان هذا كافيا لاستبعاد الفكرة أما معالجة الأزمة بالرق السياسية فقد انتهي الوزراء إلى تقديم الطلبات الآتية إلى القصر لتنظيم العلاقة بين الوزارة وبينه وأولها إلغاء المرسوم الذي صدر فى أعقاب النكسة التى أعقبت مقتل السردار واستصدرته وزارة زيور باشا قاضيا بأن يكون تعيين موظفي القصر والديوان الملكي بأوامر يصدرها الملك .

ثانيا إنشاء وزارة القصر . ثالثا , إلغاء المرسوم الصادر فى صيف عام 1930 والذي يقضي بأن تكون إحالة كبار الموظفين إلى المعاش بمراسيم . رابعا , أن يقتصر حق الملك فى تعيين الموظفين الذين يعينون بمراسيم على التوقيع .

وقد تعرض موقف النحاس بسبب عدم تقديم استقالة وزارته فى هذه المناسبة لنقد بعض الكتاب على اعتبار أن الحرص على أحكام الدستور كان يقتضي أن يستمسك بضرورة موافقته على تعيين علي ماهر باشا – كما فعل سعد زغلول حينما عين الملك فؤاد حسن نشأت باشا وكيلا للديوان الملكي – ولو أدي الأمر إلى استقالته لأن تثبيت أحكام الدستور يحتاج إلى جهد وكفاح وتضحيات فسكوته على هذا التعيين يعد عليه من الناحية الدستورية .

على أن الحقيقة أن استقالة الوزارة فى تلك الظروف لم تكن تؤدي إلى تثبيت أحكام الدستور إلا إذا كان الخلاف سوف يطرح للتحكيم على لشعب ليقول كلمته فى حرية تامة أما والملك فاروق يتربص بالحياة النيابية ويروم فرض وزارة قصر على الشعب فإن تثبيت أحكام الدستور كان يقضي بأن تصمد الوزارة فى موقعها طالما هي حائزة لثقة الشعب مصدر السلطات ومهما كلفها ذلك من تضحية ومن جهد وكانت الصحافة الوفدية فى ذلك الحين تضغط على هذه النقطة بصفة خاصة فكانت لا تفتأ تذكر بأن بقاء الوزارة فى مناصبها " ليس سوي نتيجة طبيعية لأحكام الدستور ونصوصه"

وعلى كل حال فقد أثبتت الحوادث أن تعيين علي ماهر باشا رئيسا لديوان لملكي كان بداية صاخبة لمرحلة هامة من مراحل العلاقات بين الوفد والقصر فقد انتقل الصراع فيها من لغة المذكرات والمقالات إلى لغة المظاهرات والمصادمات فى الشوارع وقد دخل القصر فى هذه المرحلة تؤيده كافة القوي السياسية المعارضة لوفد بينما دخلها الوفد منشقا ترتفع فيه بين الحين والآخر صيحات التمرد والتحدي من أعضائه .

فبعد يومين فقط من تعيين علي ماهر باشا أخذت المظاهرات الموالية للقصر تجوب شوارع القاهرة لتهاجم معسكرات القمصان الزرق هاتفة بحياة الملك . وفى الوقت نفسه حدثت اضطرابات خطيرة فى الجامعة معادية للوفد أطرت مديرها أحمد لطفي السيد باشا إلى أ، يطلب إلى الحكومة تعطيل الدراسة أسبوعا حتى تهدأ الحال . ولكن الحكومة أبت أن تعترف بأن هذه الاضطرابات التي تمت يتحريض خصومها بلغت درجة من الخطورة تقتضي إقفال الكليات , ورأت أن تعطيل الدراسة لن يجدي لأن التحريض سيتجدد حالما تستأنف الدراسة وقد ترتب على هذا الرفض أن قدم لطفي السيد باشا استقالته من منصبه معلنا انه لم يعد يستطيع أن يتعاون مع الحكومة على أساس خطتها نحو الجامعة .

وفى الوقت نفسه الذي كانت المظاهرات الموالية للقصر تجتاح القاهرة كانت صحف القصر والمعارضة ترفع عقيرتها مدافعة عن حق الملك فى تعيين موظفي قصره وقد بلغ الأمر بالدكتور هيكل أن أخذ يسوق فى ذلك الحين الأسانيد على أن حق الملك فى تعيين علي ماهر باشا هو " حق طبيعي " " لأن لكل حق دستوري مظاهره العملية بطبيعة الحال , فالبرلمان هو الذي يعين موظفيه ويرقيهم ويؤدبهم ويقيلهم . ومجلس الوزراء هو الذي يعين كبار الموظفين : بعضهم بمرسوم وبعضهم بقرار ورئيس الوزراء هو الذي يختار رجال مكتبه ممن يكونون موضع ثقته . كما يختار كل وزير رجال مكتبه ممن يكونون موضع ثقته وطبيعي أن يكون للملك مثل ما للبرلمان وللوزراء من مظاهر السلطان فى استعمال حقوقه وأن يكون له مثل حريتهما فى تعيين موظفي ديوانه وخاصته ليختار لهما من الأشخاص من يكونون موضع ثقته ".

وقد جند العقاد كل ما يملك من قوة منطق وبلاغه حجة للدفاع عن حقوق الملك ضد حقوق الشعب وقد لجأ فى هذه المقالات إلى منطق دستوري عجيب . ففي إحدي مقالاته زعم أن " ضمانا واحد فى مصر أظهرت الحوادث أنه أشرف ضمان وأقدر ضمان وأولي ضمان من المصريين بالحماية والصيانة ذلك هو ضمان لحقوق الدستورية فى أيدي المليك الكريم حرسه الله ! ذلك هو الضمان الذي لا خطر فيه على أحد بل فيه الوقاية من جميع الأخطار ذلك هو الضمان الذي يفديه المصريون بأرواحهم وأموالهم فيفدون أنفسهم بلادهم "

وفى مقال آخر ادعي العقاد أن " حقوق الملك هي حقوق الأمة ! تغار عليها كما تغار على أعز الحقوق الدستورية لتوطيد الأمور وحماية الناس من أغلاط الوزارات على توالي القيام والسقوط وقال :" هنا يتجلي لنا أن الأمة تحمي حق الملك لأنه يحميها وتضمن حق الملك لأنه يضمنها وترفع حق الملك على حقوق أخري لأنه الحق الباقي لها على تعاقب العهود وتتابع الأحزاب واختلاف الميول والأحوال ".

أما مجلة روز اليوسف فقد شددت حملتها على الوزارة لمحاولتها مد أصبعها فى شئون موظفي القصر ووصفت ذلك فى أحد أعدادها بأ،ه " دلالة على عدم الذوق ليس إلا !" وأبدت سرورها ليقظة السراي !.. وفى مقال آخر أبدت غيرة متناهية لتخليد ذكري الملك فؤاد لأنه فى نظرها –" هو اذلي نهض بمصر وبوأها هذا المركز السامي بين الأمم " ومن الغريب أن المجلة كانت تصف نفسها فى ذلك الحين بأنها " وفدية النزعة " وإن كانت غير " نحاسية" وأنها لم تخرج على " الوفد خرجت على " الزعامة ".

ولقد كان على الوفد أن يقبل التحدي الذي فرضه القصر بتسير المظاهرات ضده فأخذ يجابهها فى بعض الأحيان بالقمع " لحماية أغلبية الطلبة الراغبين فى العلم ن أن تعتدي عليهم أقلية ضيئلة مشاغبة ".

كما سمح فى أحيان أخري بتسيير المظاهرات الموالية له " لأبطال التأثير الكاذب للمظاهرات المؤيدة للقصر فى الجمهور " وقد بلغ الأمر أن شنت الجماهير الوفدية هجوا شاملا على خصومها السياسيين بمناسبة عيد الجهاد الوطني اجتاحت فيه دار " مصر الفتاة " وحزب الشعب وبيت محمد محمود باشا ومكتب النقراشي باشا الذي اتخذه فى شارع المدابغ ليستقيل فيه أنصاره وهنا أدرك خصوم الوفد أن باع الجماهير الوفدية فى المظاهرات باع طويل لا يباري خاصة أ،ه يلقي تغاضي البوليس ولذلك قرر زعماء المعارضة تقديم عريضة إلى الملك وجهوا فيها الاتهامات التقليدية إلى الوفد بعدم إتباع الطرق الدستورية فى الحكم والاستعانة بفرق القمصان الزرق وقدم هذه العريضة وفد مكون من محمد محمود باشا وحلمي عيس باشا وإسماعيل صدقي باشا وحافظ رمضان باشا وحسن صبري باشا ومحمود فهمي القيسي باشا وكان الأخيران يمثلان المستقلين .

الأزمة الدستورية

على كل حال فإن سيطرة مظاهرات القصر على الشارع انتهت عندما أطلق عز الدين عبد القادر حفيد أحمد عرابي باشا أربع رصاصات على سيارة النحاس باشا يوم 28 نوفمبر 1937 واعترف بأنه عضو فى جمعية مصر الفتاة وأنه ارتكب جريمته لأنه قرأ المعاهدة فلم تعجبه , فلقد ترتب على المحاولة وفشلها أن نشط الوفد لاقتناص الفرصة بتصفية جماعة مصر الفتاة وتعقب أعضائها فى كافة الأقاليم حتي بلغ عدد المعتقلين ثلاثمائة معظمهم من أصحاب القمصان الخضر كما تعقب الوفد أيضا أنصار النقراشي باشا وقبض على الدكتور حلمي الجيار الذي كان يعد من أبرزهم ثم أطلق سراحه بعد خمسة أيام وتقهقر خصوم الوفد , فكتبت " البلاغ" تستنكر محاولة عز الدين عبد القادر وتصفها بأنها إجرام فى العمل وفساد فى التفكير وأن المعاهدة " وقعتها الجبهة المتحدة وقبلها البرلمان بأغلبية تقرب من الإجماع ورضيت بها البلاد بعد ذلك وأقبلت على تنفيذها حتي لقد كانت وما زالت تأخذ علي الحكومة أنها تتواني فى هذا التنفيذ".

على أن سيطرة الوفد على الموقف لم تستمر لأكثر من أسبوعين فقط ثم انفجرت الأزمة الدستورية فى منتصف شهر ديسمبر لتستمر إلى نهايته ولتشهد فيها أعنف الاضطرابات وأشد الصدامات وكانت الأزمة قد تبلورت حول نوعين من المسائل النوع الأول يتعلق بأهم المبادئ الأساسية فى الدستور وهي التي تدور حول حقوق العرش وحقوق الأمة , وهل الملك يملك ولا يحكم والنوع الثاني ويتعلق بالخلاف حول بعض الأعمال او المواقف التي اتخذتها الوزارة الوفدية مثل القمصان الزرق ويمين الجيش المصري .

وفيما يتعلق بالنوع الأول فإن علي ماهر باشا كان قد أيدي رأيه بأ، الكلمة لنهاية يجب أن تكون للملك فى تعيين كبار الموظفين وفي حالة الموظفين المعينين بمرسوم إلى المعاش , وفى تقديم مشروعات القوانين للبرلمان وفى الرتب والنياشين لرجال الدولة وكذلك ومن باب أولي فى تعيينات رجال السراي .

على أن الوفد رفض وجهة النظر هذه تماما لأن الأمر فى نظره كان متعلقا بأهم المبادئ الأساسية فى الدستور وهو معرفة من الذي يباشر أمور الحكم فيها فعلا ؟. وقد بين الوفد أ، مرد ذلك إلى المواد 48, 57, 60, 62 من الدستور وهي التي تنص على أن " توقيعات الملك فى شئون الدولة يجب لنفاذها أن يوقع عليها رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصون " وأن " أوامر الملك شفهية أو كتابية لا تخلي الوزراء من المسئولية " وأن " مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة " وأن الملك يتولي سلطته بواسطة وزرائه "- فهذه النصوص المتعددة يقوي بعضها بعضا وتنهتي إلى نتيجة واحدة هي النتيجة التي أظهرتها فى أعمالها اللجنة التي وضعت مشروع الدستور ولخصتها فى قولها : إن الوزارة هي التي تملك سلطة العمل فعلا وتباشر جميع أمور الحكم مستقلة من غير مقاسم . وأن " لمبدأ الأساسي " يترتب على ارتفاع مسئولية الحكم عن الملك وقصرها على الوزراء لأنه ما دامت الوزارة فى قيامها بالسلطة التنفيذية هي المسئولية أمام مجلس النواب عن السياسة العامة وعن أ‘مالها كلها فليس بمقبول أن يقاسمها الملك سلطة العمل ولا أن يكون له صوت معدود فى مداولاتها .

وقد بين الوفد رأيه فى أوجه الخلاف على هذا الأساس فرأي أن لا ضرورة لعرض المراسيم التي تقدم بها مشروعات القوانين على الملك لأن عدم إمضاء هذه المراسيم وتأخيرها من جانب الملك يترتب عليه حرمان من عرض مشروعاتها على البرلمان أو تأخير عرضها فى وقت ملائم . وظافر من نصوص الدستور أ،ه لا يشترط تقديم مشروعات القوانين بمراسيم التي تصدر لهذا الغرض للملك وإن كانت هذه الطريقة قد تقررت فيما بعد كإجراء شكلي لأن حق الملك فيما يتعلق بالقوانين إنما يأتي بعد بحثها فى البرلمان وتقديمها للتصديق والإصدار .

ثم تناول الوفد مسألة تعيين كبار الموظفين وفصلهم فذكر أنه " ما من شك فى أن الوزارة هي المسئولة عنهم وعن تصرفاتهم أمام البرلمان فلا يجوز أن تحرم من حق تعيينهم أو فصلهم وتبقي مسئولة عن عملهم " وإذا تخلت الوزارة عن هذه المسئولية لم يبق أحد مسئولا عن أعمالهم ( لأن الملك مرتفع عن المسئوليات )".

ثم انتقل إلى مسألة تعيين الشيوخ وكان الخلاف قد دار حول شغل مقعدين خليا فى مجلس الشيوخ فقد رشحت الوزارة محمود فهمي وكيل وزارة المواصلات والأستاذ حسين نافع فوافق القصر على الأول ولم يوافق على تعيين الثاني وطلب من الوزارة ان تختار غيره فاختارت الوزارة فخري عبد النور بك . فلم يوافق القصر أيضا واقترح اسم عبد العزيز فهمي باشا ولكن النحاس رفض تعيينه رفضا باتا , " لأنه هو الذي قال عن دستور الأمة أنه ثوب فضفاض" وأبدي عبد استعداده للتنازل عن تعيين فخري عبد النور على ان يتنازل القصر عن عبد العزيز فهمي باشا ويتقدم بمرشح آخر ولن القصر رفض ذلك . وقد شرح الوفد حق الوزارة فى تعيين الشيوخ فقال : إن هذا التعيين مسلم به من جميع الجهات لأنه يصدر بمرسوم فلا محل للتفريق بين مرسوم ومرسوم . وفوق ذلك فإن أعمال لجنة الدستور ناطقة بأن تعيينهم من حق الوزارة وكل المناقشات التي دارت فى هذا الموضوع تفيد أن جميع الأعضاء كانوا مسلمين بهذا الحق , وهو أن الحكومة تعينهم " من أنصارها ومظاهريها " فإذا أضيف إلى ذلك رأي المسيو " فإن دن بوش " وهو الذي قبل الملك فؤاد وسعد باشا قبول تحكيمه فى الموضوع تبين ان حق الوزارة فى تعيين الشيوخ لا يصح أن يكون محل جدل . كما أن المسيو " بيولا كازللي " فى 19 فبراير 1924 أفتي بأن الملك ليس له فى ذلك حقوق شخصية وأن القول بغير ذلك تأييد للأوتوقراطية .

ثم تعرض الوفد لمسألة منح الرتب والنياشين فقرر أن منح هذه الرتب والنياشين شأن من شئون الدولة بلا جدال وهو بلا شك داخل فى مسئولية الوزارة واستدل بأن المسيو " بيولا كازللي " قد أيد هذا الرأى وذكر ا،ه فضلا عن ذلك فقد تم الاتفاق على هذا الرأي بين الملك فؤاد وسعد باشا وأعلن الأخير هذا الاتفاق فى حينه .

ثم تناول الوفد مسألة تعيين كبار موظفي السراي فأوضح بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء الموظفين يعتبرون موظفين فى الحكومة ويتقاضون مرتباتهم منها .ومن ثم فلا جدال فى أن تعيينهم يعتبر من شئون الدولة وأن رئيس مجلس الوزراء يجب أن يوقع عليها طبقا لنصوص المادة 60 من الدستور وهي التي تقرر أن توقيعات الملك فى شئون الدولة يجب لنفاذها أن يوقع عليها رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصون ثم ذكر أن هذه المسألة قد أثيرت أثناء حياة الملك فؤاد وتم الاتفاق على ذلك ووقع سعد زغلول أمر تعيين وكيل الديوان العالي حسن نشأت باشا فى ذلك الوقت تصحيحا للأمر الملكي الذي صدر من غير إمضائه مما يدل على أن هذه الأوامر الملكية لا تنفذ إلا بتوقيع رئيس الوزراء .

وقد اختتم الوفد دفاعه البليغ فى المذكرة التي قدمها بهذا الشأن قائلا : أنه لا يريد أن يتعرض بالبحث لموضوعات أخري غير ما حصل الخلاف عليها فعلا . ولكن الأساس الذي تحل به الموضوعات الأخرى وأمثالها أساس واحد وهو ارتفاع لملك عن المسئوليات ووضعها كلها على عاتق الوزارة حتي إن المذكرة الرسمية الصادر من وزير الحقانية مع الدستور اعتبرت الوزارة مسئولة عن جميع ا‘مال الملك بما فيها تصريحاته السياسية .

ولم يلبث الوفد أن وضع ما يمكن أن يعد أسلوب عمل ثابت لمعالجة الموضوعات بينه وبين القصر فاقترح أنه كلما جدت مسألة من المسائل يتفاهم فيها مجلس الوزراء مع القصر شفويا, فإذا لم يؤد التفاهم إلى اتفاق يصدر مجلس الوزراء قرارا فى المسألة , ثم يرسله إلى القصر . فإذا لم يوافق القصر يعيده غلى مجلس الوزراء مشفوعا برأيه فإذا أصر مجلس للقصر فى هذه الحالة أن يناقش ولا أن يتعارض وإنما عليه أن يوافق وقد هال جريدة البلاغ هذا المشروع بشكل كبير ولكن جريدة المصري " ردت بقولها :" إذا أريد عكس ذلك فهلا يكون الأمر تنظيم دكتاتورية أو أوتوقراطية . وفى هذه الحالة ماذا تكون قيمة مجلس الوزراء ؟".

وإزاء تثبت القصر بموقفه , جدد الوفد طلب البحث فى المطالب التي تقدم بها على أثر تعيين علي ماهر باشا والخاصة بإنشاء وزارة القصر وغيرها من المطالب التي أشرنا إليها ولكن لقصر رفض البحث فى رأيه مسألة خارجة عن المسائل التي يقوم الخلاف عليها فى ذلك الوقت بينه وبين الوزارة .

وأحس الوفد بالخطر فأخذ يسرع فى وضع مشروع لصيانة الدستور على نسق مشروع محاكمة الوزراء الذي قدمه عام 1930 ورفضه الملك فؤاد وهو الذي كان يقضي بمحاكمة الوزراء الذين يقدمون على قلب دستور الدولة أو حذف حكم من أحكامه أو تغييره أو تعديله بغير الطريقة التي رسمها الدستور وكانت جريدة المصري قد أشارت إلى تفكير الوزارة فى وضع هذا المشروع الجديد فى أعقاب حادث الاعتداء على النحاس باشا وأوضحت أن الوزارة لم تنتقل فى بحثها إلى مرحلة التفاصيل , ولكن الغرض منه سيكون القضاء على كل من شأنه أن يساعد على الجرائم بغية محاربة الحياة النيابية ".

وقد ردت " البلاغ" على ذلك فى حينه فنصحت الوزارة بأن تعدل عن هذا المشروع " لمصلحتها هى لا لمصلحة غيرها " لأن وضع قانون لحماية الدستور معناه اتهام " جهات معينة" بأنها تتآمر على الدستور وقالت الجريدة : لقد جربت الوزارة ذلك فى سنة 1930 فعرفت أى جو من سوء الظن خلقت حولها إذ وضعت مشروع القانون الذي وضعته إذ ذاك لمحاكمة الوزراء وقد اعتبرت جريدة المانشستر جارديان هذا المشروع الذي كان اهتمام الوزارة به يتزايد مع تفاقهم الأزمة النقطة الرئيسية التي يدور حولها الخلاف بين الوزارة والقصر .

الجيش والأزمة الدستورية

ولقد كان تحت وطأة تأزم الموقف أن أخذ الوفد فى ذلك الحين يقوم بمحاولة لعجم عود الجيش لمعرفة هل يقف إلى جانبه فى موقعه من السراي ؟ وقد أشارت إلى هذه المحاولة جريدة " الديلي تلغراف " التي تحدثت عن شعور الوفد بالخطر وكيف أن هذا الشعور يبد جليا حتي بين أصدقاء النحاس باشا الذين يتساءلون جهارا :" ألا يمكن عمل شئ يمكن به اجتناب هذه الكارثة التي تخشي وقوعها ؟". وأشارت الجريدة إلى محاولة الوفد الاتصال بالجيش فقالت أن بعض كبار الوفدين قد جسوا فى الأسبوع السابق نبض كبار ضباط الجيش المصري لمعرفة هل ضلع الجيش مع الوفد ؟. ولكنها علمت من ثقة ا، الضباط أجابوا بأن لا علاقة لرجال الجيش بالسياسة. وقد سارعت جريدة البلاغ فأثنت على الجيش وحمدت الله على السلامة وشكرت لرجاله الحازمين صحة إدراكهم لواجباتهم وحرصهم على الالتزام بها واتقائهم أن يخرجوا عنها بينما نفت جريدة المصري هذه المحاولة نفيا باتا . على أن الوفد – كما مر بنا – كان قد أظهر فى الحقيقة نيته منذ اعتلاء فاروق العرش بأن يجعل الجيش حارسا للدستور حين سعي لإدخال " الطاعة " له فى اليمين التي يحلفها الضباط ثم إصداره قانون مجلس الدفاع الأعلي الذي نقل السيطرة على الجيش من الملك إلى رئيس الورزاء وبذلك يكون الوفد قد افصح عن نيته فى هذا المسألة دون خفاء .

محاولة الاستيلاء على الوفد من الداخل

وبتصاعد الموقف وتأزم العلاقات بين الوزارة والقصر , وتعذر الاتفاق بينهما دخلت خطة الاستيلاء على الوفد من الداخل فى مرحلة التنفيذ ويفهم مما كتبه الدكتور هيكل أن الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر كان صاحب فكرة تولي الدكتور أحمد ماهر رياسة الوزارة بدلا من النحاس باشا فهو يقول :" كان الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر من مستشاري القصر فكان وثيق الصلة بعلي ماهر باشا قابلته يوما بمنزل لطفي باشا السيد بمصر الجديد ودار الحديث حول من يخلف النحاس باشا ووزارته وكان رأي الشيخ أن يخلفه الدكتور أحمد ماهر يؤيد النقراشي باشا وغالب باشا فى موقفهما من النحاس باشا ومكرم باشا ولأن تولية الوزارة يؤدي إلى انقسام الوفد وضعفه ".

وقد كانت جريدة التايمز أول من نشر خبر هذه الفكرة فى منتصف شهر ديسمبر فقد ذكرت أنه من المرجح أن يستبدل الملك بالنحاس باشا رجلا آخر مثل الدكتور أحمد ماهر للمزايا الآتية :

أولا: أن هذا التعيين يدل على أن الوفد لا يزال صاحب السلطة لأن الدكتور ماهر لم يترك الوفد بصفة رسمية ولم ينبذ مبادئه الوفدية .

ثانيا أن كثيرا من الثقات يعتقدون أن الدكتور أحمد ماهر يستطيع إذا أيدته وزارة قومية تضم كبار الوفديين من أصحاب السمعة الطيبة , أن ينال على الأرجح الثقة حتي من المجلس الحالي , وبذلك تنقذ البلاد من الاضطرابات ومن نفقات الانتخابات العامة ويعارض بعضهم هذه الفكرة بحجة أن أحد من المنشقين على الوفد لم يفلح حتى الآن فى تحدي السلطة التى استقرت لزعامة الوفد . ولكن يرد على ذلك بأن الظروف الآن وقد تغيرت تماما " لأن التحدي موجه الآن إلى الأشخاص الذين يتولون زعامة الوفد لا إلى الوفد نفسه وفوق ذلك يوجه التحدي إلى الطريقة التي تسير بها دفة الإدارة الداخلية فى البلاد , بعد أن فات مصر الآن باستقلالها .

ثالثا : أما الميزة الثالثة فهي أنه إذا تولي الدكتور أحمد ماهر رياسة الوزارة وشقيقه إلى جانب الملك فإنه يحتمل كثيرا أن تصبح العلاقات بين القصر والوزارة الوفدية أسلس قيادا مما هى الآن .

وفى اليوم التالي سارعت جريدة القصر " جريدة البلاغ " إلى تحبيذ الفكرة والدعوة لها . فكتبت تقول : إذا ألف الدكتور ماهر الوزارة فلن يكون مثله إلا كمثل النوتي يري السفينة مشرفة على الغرق بخطأ قائدها فيتولي القيادة بدلا منه مصلحة البلاد لا تحقق بالخلاف بين القصر والوزارة ولا بوجود وزارة تجعل كل همها منأواة حقوق الملك فالرجل الذي يأتي فيزيل الخلاف ويجعل العلاقة بين الوزارة والقصر علاقة تفاهم وتعاون هو رجل يؤدي أجل خدمة لبلاده ويستحق التأييد ثم قالت إذا نحي النحس اليوم من رياسة الوزارة مكرها أو غير مكره , وألفت وزارة برياسة رجل كالدكتور أحمد ماهر فمن هو الذي لا يري أن الشبه عظيم بين هذا الموقف والموقف فى نوفمبر 1924؟ وأنه لو كان سعد زغلول هو الموجود الآن مكان النحاس لوافق على تأليف هذه الوزارة وأيدها .

ومن المعروف أن سعد زغلول كان قد أعلن فى مجلس النواب عقب مقتل السردار وبعد استقالته أنه يؤيد كل وزارة تعمل لمصلحة البلاد ولكن من الغريب أن تجد جريدة البلاغ أوجه شبه بين الموقف فى نوفمبر 1924 والموقف فى عام 1937 مع أن ظروف الموقف الأول كانت ظروف نكسة أليمة وكان سعد زغلول قد اضطر إلى الاستقالة تحت ضغط اعتداء بريطاني جسيم على استقلال البلاد . وعلى كل حال فإن هذه المقارنة تعكس إحساس القصر بقوته وفى يده حق الإقالة وحل مجلس النواب بينما لم يكن فى يد الوفد وهو فى سلطة الحكم بإرادة الشعب إلا أن ينتظر حكم الإقالة !

النحاس أو الثورة

ولعل هذا بالضبط ما دفع الجماهير الوفدية فى حركة من حركات الدفاع عن النفس إلى الانطلاق فى شوارع القاهرة فى الليلة نفسها فى مظاهرات صاخبة وهي تهتف :ط النحاس أو الثورة" " لا استقالة ولا إقالة " الدستور فوق الجميع " وقد سارع مكرم عبيد ويوسف الجندي ليمنعا هذه المظاهرات وليخطب مكرم قائلا : أن أعدي أعداء النحاس باشا والوفد والوزارة هم الذين يهتفون مثل هذه الهتافات ولكن المظاهرات مضت ع ذلك تشق طريقها وهي تردد هذه الهتافات وقد علقت جريدة " الديلي تلغراف " البريطانية على ذلك بقولها : إذا كانت الحكومة مخلصة حقا فى دعوتها بالكف عن المظاهرات فإن ذلك يدعو إلى الاعتقاد بأنه لم يعد فى طاقتها امتلاك زمام القوات التى خلقتها بأيديها ثم ذكرت أن معظم المتظاهرين كانوا من عمال الترسانة والمطبعة الأميرية الذين يعملون دائما طوعا لأوامر الوفديين .

على أن الموقف فى عام 1937 كان يختلف عنه فى عام 1924 عندما هتفت الجماهير الوفدية : سعد أو الثورة ففي عام كان النقراشي داخل الوفد ينظم مثل هذه المظاهرات أما فى عام 1937 فكان النقراشي فى داخل القصر يدبر مظاهرات أخري مضادة ففي اليوم التالي مباشرة سارت مظاهرات ضخمة لحساب القصر من طلبة الأزهر ودار العلوم وبعض طلبة الجامعة وتوجهت إلى قصر عابدين حيث حياها الملك فاروق " ست مرات " من شرفة القصر وهي تهتف بحياته وضد الوزارة . وقد ذكرت جريدة البلاغ أنه عندما سمع الملك هتافا يقول " الله مع الملك " قال " نعم الله معنا " ثم قامت هذه المظاهرات بالاعتداء على سيارة مكرم باشا بعد دخوله إلى القصر الملكي وقد اعترفت جريدة البلاغ بتدبير هذه المظاهرات ردا على مظاهرات الجماهير الوفدية . فقالت :: أنها جاءت فى وقتها من غير تقديم ولا تأخير . وما كانت إلا جوابا على تلك المظاهرة التي ذهبت إلى القصر تنادي بالنداء الآثم : نداء النحاس أو الثورة .

الوفد بين النحاس باشا والدكتور أحمد ماهر

على أن أهم ما كان على الوفد أن يواجهه فى ذلك الحين هو إحباط مؤامرة القصر بإسناد رياسة الوزارة إلى الدكتور أحمد ماهر وخصوصا بعد أن أخذ القصر يذيع أن أحمد ماهر معه 120 نائبا فى البرلمان . وكانت الخطوة التي اتخذها النحاس باشا هي أنسب الخطوات وأكثرها صوابا فقد دعا لعقد الهيئة الوفدية يوم 23 ديسمبر 1937 فى النادي السعدي , لتقرر ما تراه بالنسبة للموقف , ولتحدد موقفها بينه وبين الدكتور أحمد ماهر . ولكن المسألة كانت قد أصبحت واضحة تمام الوضوح فلم تكن مسألة اختيار بين زعيمين وإنما كانت مسألة اختيار بين قضيتين قضية الديمقراطية التي كان يمثلها النحاس باشا وقضية الأوتوقراطية التي أصبح لدكتور أحمد ماهر يمثلها كما أن المسألة أيضا أضحت مسألة انقسام الوفد أو وحدته , قوته أو ضعفه , بقائه أو فنائه .

وانعقد الاجتماع التاريخي يوم 23 ديسمبر 1937 حيث وقف النحاس باشا يشرح على مدي ساعتين ونصف موقفه وموقف وزارته فى الخلاف مع القصر ابتداء من الحفلة الدينية إلى مسألة عضوية مجلس الشيوخ ثم وقف الدكتور أحمد ماهر ليشرح هو الآخر , فى خطاب خطير وجهة نظره ليس فقط فى الخلاف بين الوزارة والقصر بل وأيضا فى التحول الذي طرأ على الكفاح الشعبي بعد المعاهدة فانتقد أولا موقف الوزارة فى الخلاف بينها وبين القصر قائلا : أنه كان من المستطاع تفادي هذا الخلاف لو عالجت الوزارة فقال : إنه يتصور موقف الملك حين تخلي الوزارة القائمة مكانها :سيقول الملك إنه ملك دستوري بطبعه وقد دعا على أثر تبوئه العرش رئيس الأكثرية ليستشيره فيمن يلي الحكم , فلما عرف رغبته فى أن يقوم بذلك بنفسه عهد إليه بتأليف الوزارة وأعانه على العمل ! ولكن لم تمض أشهر قليلة حتي شعر رئيس الحكومة أنه غير مستطيع العمل . ولما لم يستقل بنفسه استعلت حق الدستور فى إقالته . ثم أردت تمكين الأكثرية من الحكم تحقيقا لروح الدستور .

" هذا ما أتصور أن يكون عليه موقف الملك الدستوري أما ما سيكون له عليه موقف الأكثرية فإنها إن رفضت الحكم هيأت لجلالة الملك القول بأنها تسلك سبيلا غير دستورية إذ أنها تنشئ صلة شاذة بعمل معارضة فلا ولاية الحكم وتسوغ لجلالته الاتجاه إلى الأقلية , وما يترتب على ولايتها الحكم من حل البرلمان والحكم من غير دستوره .. ستقولون : لا بأس وسنجاهد فى سبيل الدستور ونلجأ إلى الأمة .. ولكني أخشي ألا تصادف دعوة الجهاد فى هذا السبيل من النجاح ما كانت تصادفه فى الماضي وذلك لأسباب كثيرة أهمها ما يأتي :

أولا- لقد كان أكبر حافز يحفز الأمة لتلبية داعي الجهاد , أن الدعوة كانت نصبه على حمل الانجليز على الاعتراف باستقلالنا , وتحديد علاقتنا معهم على هذا الأساس . وقد تحقق هذا الغرض الآن فليس من سبيل لاستخدامه من جديد.

ثانيا- كنا نقول إن هناك اعتداء على الدستور , ولكن جلالة الملك يقول اليوم أنه قد جرب التعاون مع الأكثرية فلم تفلح التجربة.ثالثا – إن الناس لم ينعموا فى عهد الدستور بما يجعلهم يهبون للدفاع عنه بوحي ضمائرهم وقد كنا نحن على ذلك !.

ثم شرع الدكتور ماهر فى شرح النقطة الأخيرة فأخذ على الوزارة عدة أمور :

1- محاولة إخضاع الطلبة .

2- إغداق النعم على العمال حتي أبطرتهم وجرأتهم على الإخلال بالنظام والتحكم فى رؤسائهم , وتوجيههم للاعتداء على خصوم الحكومة وقد اعتبر الدكتور ماهر نقل وكيل المطبعة الأميرية استجابة لرغبة العمال عملا شبيها " بأعمال البلشفية "!

3- تصرفات الحكومة مع الصحافة " ذلك أن الحكومة تصادر الصحف ولا تحيلها على المحاكم ".

4- استجابة الوزارة لمطالب الطوائف كما حدث بالنسبة للمعلمين والمحامين الشرعيين وغيرهم ومحاولة تعديل قوانين الدراسة لاجتذاب الطلبة وقد اعتبر الدكتور أحمد ماهر هذه الاستجابة ضعفا وخضوعا: " إن سياسة الحكومة تصدر فى تصرفاتها مع الطوائف عن نظرية خاطئة فهي لا تحقق لطائفة مطلبا إلا إذا خشيت بأسها , أو أمنت نفعها ".

ثم قال إن هذه التصرفات قد " أساءت إلى النظام الدستوري وجعلت الناس لا يرون فارقا كبيرا بين عهده وبين العهود الأخرى . وليس من شك فى أن هذه التصرفات تضعف من حجتنا إذا لجأنا إلى الأمة نستفتيها وتجعلنا نشك كثيرا فى نتيجة الاستفتاء وإذا ما استحضرنا أمام أعيننا جميع هذه النتائج ورأينا أن الملك يوفر علينا التعب ويهيئ لناس سبيل العمل , فإنا نكون مخاطرين إذا لم نقبل هذا العرض الكريم .

أعتقد ألدكتور أحمد ماهر أنه بهذا البيان الانهزامي البليغ , قد افلح فى بث روح اليأس فى نفوس أفراد الهيئة الوفدية وأثار فيهم الحرص على مراكزهم وكراسيهم البرلمانية وأقنعهم بعدم المخاطرة وقبول " العرض الكريك " ولكن هذا البيان كان قد مشق الموقف كله . ولهذا فقد اتخذ الشيوخ والنواب الوفديون القرارات الآتية :

" أولا – ثقتهم بالنحاس باشا وبوزارته الدستورية وتأييدهم له كل التأييد فى موقفه الدستوري الحالي .

ثانيا – إن كل وفدي يخرج على تضامن الهيئة الوفدية فيقبل تشكيل أية وزارة أو الاشتراك أو تأييد أية وزارة أخري غير الوزارة الحالية التي يرأسها النحاس باشا رئيس الوفد المصري يعتبر مفصولا من الوفد ومن الهيئة الوفدية وخارجا على وحدة الأمة وعاملا على تقويض دستورها ".

وقد وافق الجميع على هذه القرارات ما عدا الدكتور أحمد ماهر والدكتور حامد محمود وإبراهيم عبد الهادي وهنا وقف النحاس باشا وطلب من المؤيدين أن يقسموا معه اليمين الآتية :" أقسم بالله العظيم أن أحترم هذا القرار برمته , وأن أنفذه بإخلاص ما دمت حيا ". فأقسم الجميع ما عدا ثلاثة .وعلى هذا النحو حسمت الهيئة الوفدية موقفا كان خليقا لو أسئت معالجته أن يهدم الوفد ويقوض أركانه ويغير مجري الحركة الوطنية . وهذا يدعونا للمقارنة بين هذا الموقف من جانب النواب والشيوخ الوفديين ومواقف أخري لنواب وشيوخ الأحزاب الأخرى فى ظروف مماثلة ولكن الموقف اختلفت فتغيرت النتائج تماما .

والموقف الأول لنواب وشيوخ حزب الشعب من رئيسهم صدقي باشا عندما خرج من الحكم فى 21 سبتمبر 1933 ليخلفه عبد الفتاح يحى باشا فعلي الرغم من أن هؤلاء أعلنوا فى البداية ثقتهم بصدقي باشا واعتمادهم على " زعامته الرشيدة" وبناء على ذلك قرر صدقي باشا ضرورة تمثيل الحزب فى الوزارة الجديد تمثيلا كافيا كما قرر فصل إبراهيم فهمي كريم باشا وعلى المنزلاوي بك من الحزب لمخالفتهما قرار الحزب بعدم قبول منصب الوزارة إلا أنه لم يكد يستبين لشيوخ ونواب حزب الشعب أن الملك سوف يجري انتخابات جديدة تأتي بأغلبية لحزب الإتحاد لو أصروا على موقفهم حتي تراجعوا بدون قيد ولا شرط وفي أسلوب مخز للغاية فقد استصدروا قرارا ببقاء الوزيرين المفصولين فى الحزب, ثم أعلنوا تأييدهم لعبد الفتاح يحى باشا واعتبروه ما يزال عضوا فى الحزب رغم استقالته منه منذ عام مضي ! وكان أنكي من ذلك وأمر أنهم نصبوه رئيسا عليهم بعد مضي شهر لهول ما رأي وعاني .

أما حزب الأحرار الدستوريين فقد تعرض شيوخه ونوابه للاختبار حين طرد علي ماهر باشا محمد محمود باشا من رياسة الوزارة فى أغسطس 1939 وتولاها مكانه فقد استمر الشيوخ والنواب الدستوريين فى تأييد علي ماهر باشا كأن لم يحدث شئ . ثم لما أراد محمد محمود باشا أن يستقيل الوزراء الدستوريون من وزارة حسن صبري باشا لم تقابل هذه الرغبة بأدنى اهتمام أو اكتراث فإن عبد المجيد إبراهيم صالح بك الذي تلقي هذا الأمر من رسول محمد محمود باشا , أجاب على الرسول نيابة عن الوزراء الدستوريين بعدم إمكان النزول على " رغبة الباشا".

وكانت قمة الاستهانة برغبة رئيس الحزب عندما اعتبر عبد المجيد صالح بك أن الرسالة التي تسلمها لا تستحق العرض على زملائه الوزراء . وقد علق الدكتور هيكل على ذلك بقوله: ولو أن هذه الرسالة أبلغت إلى المجتمعين أ إلى الوزراء لكان أكبر الظن أن يجيبوا بمثل ما أجاب به عبد المجيد ب إبراهيم "!.

وعلى كل حال فعلي هذا النحو فشلت خطة الاستيلاء على الوفد من الداخل وأفلتت زعامة الو من يد الدكتور أحمد ماهر بعد أن ظن أنه قاب قوسين أو أدني منها وكان الدكتور أحمد ماهر بعد أن ظن أنه قاب قوسين أو أدني منها وكان الشبان الوفديون ق عرفوا قبل انقضاض الاجتماع موقف الدكتور ماهر من القرار الذي اتخذه الوفد فتعرضوا له بالإهانة والهتافات العدائية عند خروجه منه وتدافعوا عليه حتي زلفت قدمه على السلم ولم ينقذه إلا أمين عثمان وقد صبت " البلاغ" جام غضبها على قرار الهيئة الوفدية و وعلى اليمين التى أداها الأعضاء , ووصفت هذه اليمين بأنها " يمين غير دستورية " وأن الغرض منها ومن القرار هو " التحكم فى إرادة الملك "," وتعطيل أعظم سلطة دستورية , وهى سلطة جلالة الملك التي لم تعط له عبثا , وإنما أعطيت له لتكون ضمانا للأمة "! ثم أوردت الجريدة فتوي دينية لأحد كبار العلماء تنص على أن اليمين التي أداها الشيوخ والنواب الوفديون " غير ملزمة للذين أقسموها "! وإن لهؤلاء أن يتركوا ما أقسموا عليه إلى ما هو خير منه ولو كان مخالفا لهذا القسم ولا كفارة!.

اقتراح لجنة التحكيم

وقد سارت الأمور بعد ذلك فى طريق الإقالة لقد أسفرت النتيجة الأولي للمعركة عن تراجع النحاس باشا فى مسألتي القمصان الزرق ويمين الجيش المصري . وربما كان هذا التراجع تسليما فى حقيقته بالفشل الذريع الذي لاقاه النحاس باشا فى هاتين المسألتين فقد انقلب القمصان الزرق من أداة دفاع فى يد الوفد إلى أداة هجوم فى يد خصومه وأما يمين الجيش فقد أثبتت تجربة عجم عود ضباط الجيش عن ضلع هؤلاء الضباط مع الملك وحرصهم على عدم الزج بأنفسهم فى الصراع الدستوري ومن هنا لم تعد ثمة جدوي من الصمود فى هذين الميدانين.

وأما مسألة تعيين الشيوخ فقد أصر النحاس باشا على أن ترشح السراي مرشحا آخر غير عبد العزيز فهمي باشا ولكن علي ماهر باشا رفض وطلب تأليف لجنة تحكيم للبث فى جميع المسائل الدستورية موضع الخلاف بين الوزارة والقصر على أن تنتظم اللجنة رئيس الوزراء القائم وجميع رؤساء الوزارات والقصر على أن تنتظم اللجنة رئيس الوزراء القائم ورئيس الديوان الملكي القائم ورؤساء الديوان السابقين ووزير الحقانية القائم ووزراء الحقانية السابقين ورئيس لجنة قضايا الحكومة ورئيس محكمة النقض والإبرام .

وقد قبل الوفد فكرة التحكيم دون أشخاصها فقد رأي أن تأليف هيئة التحكيم على هذا النحو المقترح لا يقوم ضمانا عادلا للرأي الذي تصدره الهيئة ذلك أن أكثر الأعضاء سيكونون من الذين اشتركوا اشتراكا فعليا فى تعطيل الدستور أو أحدثوا انقلابات فى حكم البلاد أو اشتركوا فى ذلك . ومن البديهي ان رأي هؤلاء يمكن التنبؤ به فى ذلك الحين بل يمكن الجزم بما سيكون علي وقد رأي الوفد بدلا من ذلك أن يجتمع مجلسا النواب والشيوخ فى هيئة مؤتمر يتولي بحث أوجه الخلاف الدستورية والفصل فيها أو يعهد بها إلى اللجنة الدستورية البرلمانية على أن يضاف إليها رئيس مجلسي الشيوخ والنواب ومحمد محمود باشا بوصفه زعيم المعارضة البرلمانية ولكن علي ماهر باشا رفض هذا الاقتراح وأصر على قبول لجنة التحكيم بحذافيرها وأشخاصها وبذلك أصبح واضحا أن القصر قد قرر أن يضرب ضربته الحاسمة .

الانجليز والأزمة الدستورية

خلال هذه الأزمة الدستورية وعلى امتدادها لم يقف الانجليز متفرجين بل شاركوا فى كل مراحلها بالوساطة بين الوفد والقصر وكان ضابط الاتصال بينهم وبين الحكومة الوفدية هو أمين عثمان الذي اقترح عليهم فى ذلك الحين خلع الملك فاروق عن العرش .

ففي يوم 29 نوفمبر 1937 أى فى اليوم التالي لمحاولة اغتيال النحاس باشا زار الأمير محمد على السير مايلز لامبسون فى دار السفارة البريطانية" وكما كان متوقعا" – كما يقول السير مايلز لامبسون –" كان الأمير محمد على يري الأمور بمنظار قاتم , ولكني حذرته قائلا أنه من وجهة نظري الشخصية , فإن الملك فاروق يلعب بالنار ويقدم على مخاطرة جسيمة تعرض العرش للخطر سواء كسب المعركة ضد النحاس أم لا !".

" وفى المساء " كما يقول السير مايلز لامبسون – " زارني أمين عثمان وقال أنه يري لزاما عليه أن يحثنا بقوة على ألا نقف جانبا نظرا لأن النحاس باشا يعتقد أن الملك فاروق سوف ينتصر فى النهاية إذا وصلت المعركة إلى مشهدها الأخير فبعد أن يصدر أمر إقالته سوف يتحاشي دعوة البرلمان للانعقاد أو يزيف الانتخابات . وعندئذ فإن الوفد سيطلق لنفسه العنان وسيغرق كل شئ فإدارة البلاد ستصبح مستحيلة وكل تقدم سيتوقف وحتي تنفيذ المعاهدة ستسد فى وجهه الطريق وكل من فى الوفد سيعتقد أننا قد لعبنا بهم وخدعناهم وسيعتقد ذلك كل إنسان أيضا وعندئذ ستثور روح العداوة القديمة لتمرر علاقاتنا أن كل مصري يتوقع تدخلنا وأنه لأمر حيوي لكل من مصلحة مصر وبريطانيا أن تقف بشكل قاطع وراء النحاس باشا وإلا فلن نري أمامنا إلا طريقا لا نهاية له من الفوضي والعلاقات المشدودة على أننا يجب أن نجعل تأييدنا للنحاس مشروطا بتخليه عن سياسة الاحتكار فيضم إليه العناصر الصالحة مثل عبد الوهاب( فى شركة قناة السويس ) وعلى الشمسي ( لوزارة الخارجية ) وأحمد ماهر ( للحربية) .

ثم علق السير مايلز لامبسون على هذا الكلام في كتابه لوزير الخارجية البريطانية فلاحظ أن تنفيذ هذه النصيحة " يفترض مسبقا أننا سوف نكون مستعدين للتعامل بصراحة مع الملك فاروق دون أى اعتبار لما قد يقودنا إليه ذلك . لأن الملك قد لا يعير نصيحتنا اى اهتمام وعندئذ فماذا سوف نفعل " ثم رد على هذا السؤال قائلا : إن أمين عثمان " قد اعترف بأن ذلك سوف يعني ان نكون مستعدين للمضي بالأمور إلى نهايتها المريرة" ! واقترح لامبسون أن يعمل النحاس على تقوية مركزه بل وأن يسحب الأرض من تحت أقدام خصومه عن طريق إدخال أحمد ماهر فى وزارته فورا نظرا لأن أى وزارة بديلة لوزارة النحاس تتركز حول اسمه وقال أن أمين عثمان تعهد بالسعي لتحقيق ذلك على الرغم من عدم استعداد النحاس وأحمد ماهر للموافقة على ذلك , ولكنه رجا السير مايلز لامبسون أن يفكر فيما نصحه به " لأن القرار هام بدرجة حيوية ويجب اتخاذه بسرعة وإلا أصبح الوقت متأخرا".

وقد أخذ لامبسون بعد ذلك يعرض رأيه فى الفكرة لوزير خارجية حكومته فقال إنه يري من الصعب حد كبير التغاضي عنها لأن أمين عثمان رجل صافي الذهن وعملي ودوافعه ليست محلا لشك بأي حال " وأنك" – مخاطبا وزير الخارجية – " سوف تلاحظ أن النهج الذي يلح فى أتباعه يطابق لحد كبير ذلك الذي ناقشته فى الفقرتين السادسة والسابعة من برقيتي رقم 675 . وهذا النهج له بعض الأغراء لأننا على وجه التأكيد لا نرغب فى أن نخسر النحاس , ولكن هل نحن مستعدون لدفع الثمن المحتمل لمساندته ضد الملك فاروق ؟ وهل نحن على وجه الخصوص مستعدون لأن نمضي بالأمور إلى نهايتها المرة ؟ إن ذلك يعني استخدام القوة بل إنه قد يعني خلع الملك عن العرش . إن هذه الخطوة الأخيرة قد تكون من جميع الوجوه إنقاذا للموقف , وهي على المدي الطويل , قد توفر حيرة ومتاعب لا نهاية لها لأنه إذا كان الملك قد بدأ حكمه على هذا النحو , فما الذي سيصبح يفعله فيما بعد عندما يمتلك زمام الأمر ؟. فضلا عن ذلك فإن الأمير محمد علي الذي يليه فى ولاية العرش صاحب خبرة كبيرة وسيكون لبحث هذه الخطوة الشديدة ؟ أنني أجد من الصعب النصح بها " على أن الرد من المستر ايدن فى اليوم التالي 30 نوفمبر 1937 ويتضمن ما يلي :

" اهتمت بفكرة توسيع قاعدة تشكيل الحكومة الوفدية , وإنني على استعداد لمساندة النحس إذا وافق على ذلك ولكني سأكون غير راض لحد كبير لو أنني ذهبت إلى حد قبول فكرة خلع الملك فاروق بأي حال إلا عقد قرانه وبعد أن تقل لحد ما شعبيته الحالية . وعلى ذلك فعليك فورا – ما لم تر مانعا أو تكون حوادث الثماني والأربعين ساعة الأخيرة قد جعلتك تعدل عن رأيك – أن تتصرف على النحو الآتي:

(أ‌) اضغط على النحاس باشا ليقبل توسيع وزارته على النحو المقترح.

(ب‌) اطلب مقابلة الملك فاروق واستحثه بأشد لغة على التعاون مع الحكومة الحالية على الأسس العريضة وأن يتخلي عن سياسة العناد ووخز الإبر.

وإني أترك لك استخدام ما تشاء من الأدلة لتبرهن له على أن ما قدمته من تأكيدات بأن حكومة جلالة الملك سوف تسانده , إنما هي مشروطة بأن يتصرف بشكل دستوري وبحكمة . وإني لعلي ثقة بأنك قادر على أن تفعل ذلك دون أن تتعرض فى الوقت الحاضر لخصومته الدائمة . وإني أقول ذلك دون تردد لأني أعلم من رسالتك الأخيرة فى 17 نوفمبر للسير ل. ألولفانت أنت تقدر مزايا جلالته الطيبة ولأني بما ينبغي عمله بالتحديد وسأوافق فيما تكون أعمال الملك فيه دستورية ".

وقد رد السير مايلز لامبسون فى يوم 2 ديسمبر 1937 فأبلغ المستر إيدن بأنه لا توجد مخالفة محددة لنص مكتوب أو عادة دستورية قد أرسيت يمكن إثباتها على فاروق . ولكن روح الاتجاه العام للملك هي التي تخالف الدستور بمعني أنه يظهر علانية كراهيته وعدم ثقته بوزارته التي أصبح عملها بالتالي صعبا لدرجة كبيرة فإذا نحن نحينا جانبا الخلاف المشروع فى الآراء حول المسائل السياسية فإن الملك لم يترك فرصة تمر دون أن يظهر نفوره الشخصي من النحاس ومكرم ( وعلى سبيل المثال , فقد رفض دعوة مكرم عبيد بوصفه وزيرا للخارجية بالنيابة , لحفل غداء للمستر دف موبر على الرغم من دعوة وزير الحربية ) كما أن جلالته يتآمر بنشاط مع عناصر المعارضة وقد سمح بنشر حديثه مع رئيس الوزراء فى جريدة المعارضة البلاغ على الرغم مما فيه من حرج.

وفى 17 ديسمبر كتب المستر ايدن إلى السير مايلز لامبسون يقول : كلما تأخرت فرصة مقابلة الملك فاروق للتحدث معه بشأن الخطوط التي أثرتها فى برقيتي رقم 560 المؤرخة 30 نوفمبر كلما زاد خطر أن ي يفترض الملك أن حكومة جلالة الملك لا تفكر فى أنه يجب أن يلام لموقفه فى النزاع الحالي وأنها ستقابل إقالة النحاس باشا بهدوء وعلى ذلك فعليك أ تفعل كل ما بوسعك للإسراع فى أن يقرر النحاس باشا توسيع حكومته ومع ذلك فنظرا لاحتمال حدوث تأخير غير مستحب بسبب مرض رفعته وللأسباب الكامنة فى صعوبة الموقف أفلا يكون الأفضل لو أنك طلبت مقابلة جلالة الملك دون انتظار موافقة رفعته وتتكلم معه بشدة عن ضرورة الكف عن العناد ووخز الإبر وتنصح جلالته – إذا لم تر اعتراضا – بأن يضغط على النحاس باشا لتوسيع وزارته على الخطوط المقترحة يتعهد بأنه إذا وافق النحاس باشا فإنه يستطيع أن يعتمد على تعاون جلالته معه طالما سار بوزارته سيرا مرضيا.

على أن الدكتور ا؛مد ماهر لم يلبث أن رفض الانضمام إلى وزارة النحاس باشا عندما طلب إليه ذلك المندوب السامي فى يوم 16 ديسمبر بحجة أن مكرم عبيد يسيطر على الوزارة لحد كبير , وقال أنه يستعبد أن يقبل ذلك الآخرون مثل على الشمسي . وبذلك صرف الانجليز النظر عن فكرة توسع وزارة النحاس باشا ولما أنت نتيجة دراسة السفير البريطاني قد أثبتت أن الملك فاروق لم يرتكب فى ذلك الحين مخالفة معينة لنص مكتوب فى الدستور أو عادة دستورية مرعية كما أن الشرطين اللذين تمسك بهما المستر ايدن قبل خلع فاروق , وهما : زواجه وتدهور شعبيته لم يتحققا إلى ذلك الحين – فقد اقتصر تخل دار السفارة البريطانية على محاولة التوفيق بين القصر وحكومة الوفد والوصول إلى حل وسط . ولكن هذه المحاولات لم تسفر عن نجاح وانتهت المعركة يوم 30 ديسمبر حين تلقي النحاس أسوأ إقالة فى تاريخه فقد ورد بها :" نظرا لما اجتمع لدينا من الأدلة على أن شعبنا لم يعد يؤيد طريقة الوزارة فى الحكم , وأنه يأخذ عليها مجافاتها لروح الدستور وبعدها عن احترام الحريات العامة وحمايتها وتعذر إيجاد سبيل لاستصلاح الأمور على يد الوزارة التي ترأسونها لم يكن بد من إقالتها تمهيدا لإقامة حكم صالح يقوم على تعرف رأي الأمة .. الخ" والسؤال الآن :هل كان اقتراح خلع الملك فاروق صادرا من أمين عثمان تطوعا منا أم أنه كان موعزا به من النحاس أو مكرم عبيد وكلاهما كان المسيطران على الوفد فى ذلك الحين ؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نلاحظ أولا فكرة الجمهورية لم ترد أصلا فى المراسلات السالفة الذكر وإنما وردت فكرة اعتلاء الأمير محمد على الحكم بدلا من فاروق . ولما كانت علاقة النحاس ومكرم بالأمير محمد على فى ذلك الحين على أسوأ ما تكون , إن لم تكن أسوأ من علاقتهما بفاروق فلذلك نستبعد تماما ا، يكون النحاس ومكرم عبيد وراء فكرة خلع الملك فاروق , وتكون هذه الفكرة من عنديات أمين عثمان .

على كل حال فبإقالة النحاس باشا على هذا النحو انتقل الحكم إلي يد القصر , وكانت تلك هي بداية الطريق الطويل إلى حادث فبراير 1942 .

الفصل الثاني: الحركة الفاشية فى مصر

مصر الفتاة

جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة

لم يبدأ سياسي مصري شاب حياته السياسية فى العشرينيات من هذا القرن كما بدأ أحمد حسين . لقد بدأ معظم السياسيين المصريين البارزين حياتهم السياسية فى حظيرة الوفد حين كان يركب قمة الموجة الثورية ثم انشقوا عليه أما أحمد حسين فبدأ – على خلاف ما يقول به لاكور _ بالخروج على الوفد وعلى الخط الجماهيري الذي كانت تسير فيه الحركة الوطنية وهذه حقيقة مثيرة فى تاريخ أحمد حسين النضالي . إذ أنّي لمن عرف أحمد حسين فى المراحل الخيرة من حياته السياسية مدافعا باسم الاشتراكية ان يتصور أنه بدأ حياته السياسية جنديا متحمسا من جنود حزب الأعيان ! أو أنّي لمن أدرك تطرف أحمد حسين السياسي الذي قاده لمهاجمة معاهدة 1936 أن يتصور أنه أبدا حياته السياسية بتأليف جماعة حزبية للترويج لمشروع معاهدة محمد محمود – هندرسن! أو أنّي لمن رأي أحمد حسين يضرب بمعوله فى صرح الملكية فى مصر عام 19501951 أن يتصور أنه بدأ وعاش معظم سني حياته السياسية خادما مطيعا من خدام العرش .

وتعتبر تقلبات أحمد حسين السياسية والسريعة فى بعض الأحيان أحد المعالم البارزة فى حياته حتي أنه فى أولي مراحل حياته السياسية قطع المسافة من أقص الاعتدال إلى أقصي التطرف فى فترة قياسية لا تتجاوز سنتين فقط ! وهذه الحقيقة تقودنا إلى معالجة المدخل الذي دلف منه أحمد حسين إلى الحياة السياسية ففي شهر أغسطس 1929 عاد رئيس الوزراء محمد محمود باشا إلى مصر من لندن , وفى جعبته مشروع المعاهدة الذي توصل إليه مع المستر هندرسون ليعرضه على الشعب المصري والبرلمان بعد أن أعلن المستر هندرسون أن هذا المشروع يمثل أقصي ما يمكن له أن يوصي حكومته بقبوله . وكان تقدير محمد محمود باشا لموقف الوفد من المقترحات يقوم على أحد احتمالين الأول أن يرفض الوفد المقترحات كما رفض من قبل مشروع ثروت – تشمبرلين . وكان من المتوقع حينئذ أن تتوتر العلاقات بين الوفد وحكومة العمال البريطانية وتستمر تجربة محمد محمود اللادستورية إلى مداها ( كان محمد محمود باشا قد عطل الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات " قابلة لتجديد"). أما الاحتمال الثاني فهو أن يوافق الوفد على المقترحات لما تضمنت من تقدم نسبي فى المطالب الوطنية وفى هذه الحالة كان محمد محمود يأمل بعد أن تحققت آمال البلاد على يديه أن يفوز بثقة الشعب وثقة النواب فى البرلمان الذي ستعرض عليه المقترحات للتصديق .

على أن خطة الوفد السياسية والتي بناها فى ذلك الحين على النتائج المتوقعة لهذين الاحتمالين كانت تقوم على رفض الإدلاء برأيه صحيحا ". لأن مناقشة هذه المقترحات – كما قال النحاس وقتئذ – فى ظل الدكتاتورية " نقمة وفتنة " وفى ظل الدستور نور ورحمة وعصمة", وكانت حجة الوفد كذلك أنه لا معني لتقرير مصير الأمة , وهي مقهورة فى الداخل مهدرة حقوقها وحريتها "ّ

هكذا رسم الوفد الخط السياسي الصحيح للجماهير الوطنية لتتخذ فيه مواقعها إزاء مقترحات محمد محمود – هندرسن . وقد أدرك محمد محمود باشا أن استمساك الوفد بقراره هذا كفيل باقتلاعه من الحكم فلم تكن ثمة قوة مناصرة له فى ذلك الحين يستطيع الاعتماد عليها فى مداومة التحيد فالشعب تواق إلى الخلاص من حكمه والانجليز قد أوضحوا له فى مناسبات عديدة إصرارهم على أن يتم الاتفاق مع حكومة نيابية – وكانت ذروة تمسكهم بذلك عندما صاغوا المشروع على أنه مقترحات بعد أن كان قد صيغ من قبل على أ،ه مشروع معاهدة أما القصر فلم تكن العلاقة بينه وبين محمد محمود باشا على ما يرام فقد كان لملك فؤاد يميل إلى نقل مقاليد الحكم إلى أيدي أنصاره من المؤمنين بالحكم الأوتوقراطي وعلى رأسهم علي ماهر باشا وزير المالية فى وزارة محمد محمود باشا وهكذا كان مركز محمد محمود باشا يتحرج يوما بعد يوم .

فى هذه الظروف والأمة تقف هذا الموقف إزاء مقترحات المعاهدة لتحصل على دستورها واستقلالها معا اتخذ أحمد حسين موقعه فى الجانب الآخر فلم يتردد على حد قوله – عندما عرض عليه بعض المتصلين بمحمد محمود باشا أن يعمل لمناصرة المعاهدة فى قبول الدعوة وتنفيذها فألف مع بعض الشباب ومنهم حافظ محمود جماعة أسماها " جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة " أصدرت أولي بياناتها على صفحات جريدة السياسة يوم 20 أغسطس 1929 بعنوان :" جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة واستعارت فيها لنفسها بوصفها مكونة من الشباب صفة التعبير عن " اصدق إحساسات الأمة " وأدعت أنها سوف تطون بعيدة عن الأحزاب جميعا وأن رائدها فى تأييد المعاهدة هو أنها الفرصة الوحيدة للسير بالبلاد غلى الأمام ! ثم أخذت هذه الجماعة تحت ستار البعد عن الأحزاب تسعي لتعيين شخصية كبيرة مستقلة على رأسها لإضفاء الصفة الاستقلالية عليها , فحاولت إقناع الأمير عمر طوسون برعايتها منتهزة فرصة ما أعلنه الأمير من أن مشروع المعاهدة " حسن فى جملته , وأنه أفضل مشروع قدمته انجلترا لمصر إلى الآن ". ولكن الأمير طوسون لم يشأ فيما يبدو أن ينغمس فى هذه المسألة وخصوصا وقد كانت له تحفظات أبداها على المشروع فعقدت الجماعة اجتماعا بمنزل إبراهيم بك فتحي بالعباسية حضره عد من " كبار الأعيان والمفكرين والأدباء " يتقدمهم عبد الخالق مدكور باشا واللواء أحمد فطين ونصبت فيه عبد الخالق مدكور باشا رئيسا للجمعية بالقاهرة .

وواضح أن حزب الأحرار الدستوريين كان وراء الجماعة , يمدها بماله ورجاله تعزيزا لجهوده فى الدعوة لمشروع المعاهدة فقد أخذت تتوالي أخبار تأليف اللجان الفرعية للجماعة فى الأقاليم على صفحات جريدة السياسة بالذات . وكانت تسمي نفسها لجان أنصار المعاهدة وكانت هذه اللجان تحرص على إعلان شكرها العظيم " لبطل المعاهدة وزعيم البلاد محمد محمود باشا " وبعضها كان يتخذ الشعار الذي أصبح فيما بعد شعار مصر الفتاة  :" مصر فوق الجميع ".

وفى يوم 24 أغسطس 1929 شن أحمد حسين أول هجوم له على الوفديين فوصف موقفهم من مشروع المعاهدة بأنه " موقف واصف غالي باشا الذي أبدي رأيه فى مصلحة المشروع ووصفه بأنه الرجل الذي كان لولا ظروف خاصة أحق بأن يتولي زعامة الوفديين من رئيسهم ( الجليل) الحالي ! وتحدي النحاس باشا أن يعلن انشقاق واصف باشا عن الوفد وخروجه عليه وقال فى النهاية أنهم الوفديين) " مساكين مضطربون يحسبون أنهم يستطيعون بهذا السكوت المزري أن يهربوا من الواقع ولكن الواقع يصدمهم الصدمة بعد الصدمة فهم لن يفيقوا من وهمهم إلا لينزلوا منكبين على وجوههم إلى قبرهم السياسي الذي حفروه بأيديهم الجانية ".

ولم يلبث أحمد حسين أن أخذ يظهر على المسرح السياسي فى ركاب الأحرار الدستوريين ويبرز فى اجتماعاتهم وحفلاتهم فقد ألقي خطبة عصماء بين يدي محمد محمود باشا فى حفلة أقامها شبان الأحرار الدستوريين يوم 31 أغسطس 1929 , طلب فيها إلى زعيم حزب الأعيان أن يقبل زعامة مصر وأن يكون لها " كموسوليني" فى إيطاليا ".

وشرح فى هذه الخطبة الهامة حاجة مصر إلى زعيم من دم فرعوني . ثم خاطب محمد محمود باشا قائلا:" وهذا الزعيم هو أنت , أنت يا بن الصعيد , الذي بقي محافظا على استقلاله ستة آلاف عام. وإذن فبلسان الشباب الحر بلسان مصر الفتاة أسألك أن تكون زعيما للشباب فى الوزارة أو خارجها على السواء لا تظنن وقد جئت بالمعاهدة ان عملك قد انتهي لا والله فإنه لم يكد يبدأ فإلى العمل إذن والشباب يؤيدك ويرفع لواءك... وأخير يا سادة أرجو أن تهتفوا معي وقوفا إجلال لمصر : فلتحيي مصر . مصر فوق الجميع فليحي زعيم الشباب ". ثم قدم لمحمد محمود باشا طاقة زهر باسم الشباب الحر تقبلها محمد محمود باشا مسرورا .

هكذا كانت نشأة أحمد حسين السياسية متحمس من متحمسي شباب الأحرار الدستوريين لمشروع المعاهدة ومعتدل من أشد المعتدلين على مسرح السياسة المصرية بالنسبة للقضية الوطنية ولكنه فى نفس الوقت ذو نزعة فاشية لا يستطيع إخفاءها فهو لا يجذبه فى محمد محمود باشا سوي ما تصوره من وجه الشبه بين دكتاتورية ودكتاتورية موسوليني وسوي إعجابه بوسائله فى الحكم . ومن الطريف أن محمد محمود باشا نفسه أنكر وجود شبه بينه وبين موسولين " لأن هذا الأخير – كما قال محمد باشا _ " يؤمن بالدكتاتورية اما أنا فأؤمن بالنظام البرلماني وما التدابير التي اتخذتها إلا إجراءات وقتية ".

لهذا فلما سقط محمد محمود باشا وخابت آمال أحمد حسين فيه كموسوليني آخر يتزعم مصر تقدم بنفسه ليتقمص الدور وينشي فى العام التالي جريدة الصرخة ويكتب فى العدد الأولي منها داعيا إلى " مليشيا فرعونية " لأنه بهذه الطريقة استقلت الممالك ".

مشروع القرش وفى الفترة من مارس 1930 إلى أكتوبر 1933 كان الإطار الأيديولوجي لدعوة مصر الفتاة قد أخذ يتبلور لقد فشل مشروع إصدار الصرخة لافتقار الجريدة إلى موزع يوزعها ولكن أحمد حسين سافر فى صيف 1930 إلى باريس لمشاهدة أعلامها ودراسة الحضارة والنهوض الأوروبي, وكان مما استلفت نظره من نواحي الضعف فى أوروبا " سريان الشيوعية الخربة المدمرة لكل ما هو جميل وروحي وكذلك الاشتراكية المتطرفة " فقد رأي أحمد حسين فى ذلك بدء النهاية لحضارة أوروبا ومدنيتها ! وقد عاد من فرنسا بعد شهر ونصف وأفكاره – على حد قوله – تتبلور وتتكون نهائيا وتتخذ صورة نهائية بضرورة بعض مصر بعثا جديدا " داخل طار الصبغة المصرية الإسلامية.

وفى يوم 21 أكتوبر 1933 أعل أحمد حسين , على صفحات جريدة الصرخة التي استأجرها من جديد تأليف جمعية مصر الفتاة ونشر برنامجها فى نفس العدد ولكنه لم يعلن ذلك فجأة فقد مهد لتأليف هذه الجمعية بخطوة انتقالية هامة هي التي تمثلت فى فكرة مشروع القرش وفى ذلك يقول :" بدأت أشعر برغبة قوية فى العمل فإذا بفكرة مشروع القرش إذن فى ظاهرها نشر روح الصناعة الوطنية وتشجيع الشعب على المساهمة بقروش زهيدة فى إنشاء الصناعات القومية ولكنها فى باطنها فكرة وخطوة تكتيكية ماهرة مرسومة بعناية للانتقال من العمل على مستوي حزب الأحرار الدستوريين إلى العمل على المستوي القومي إلى العمل على مستوي جمعيه مصر الفتاة ثم فيما بعد إلى العمل على مستوي حزب مصر الفتاة وفى الحق أن الكسب الذي حصل عليه الصناعة الوطنية منها لقد كسبت الصناعة الوطنية ثلاثين ألفا من الجنيهات فقط هى كل النجاح الذي حققه المشروع ولكن أحمد حسين كسب شهر قومية وأعوانا وأنصارا وخبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري سهلت له القيام بالخطوة الثانية وهي تأليف جمعية مصر الفتاة فى 21 أكتوبر 1933 .

ولقد بالغ أحمد حسين كثيرا فى تأثير مشروع القرش فى إيقاظ الوعي الاقتصادي وتشجيع الصناعات القومية وعلى أن يقظة الوعي الاقتصادي القومي فى الحقيقة ترجع لثورة 1919, فهي سابقة على المشروع بسنين طويلة . فمشروع القرش غذ نفى حقيقته فكرة ديماجوجية عزف فيها أحمد حسين بقرش صاغ واحد على وتر الحماس القومي للاستقلال السياسي والاقتصادي ليصلح بداية سياسية خاطئة تأثرت بالالتصاق بحزب الأحرار الدستوريين وليجني شعبية لم يكن ليحلم بها لولا هذا المشروع !

تأليف جمعية مصر الفتاة

كانت الخطوة التالية فى مخطط أحمد حسين – كما ذكرنا – تأليف جمعية مصر الفتاة وقد قامت هذه الجمعية على أكتاف أ‘وان أحمد حسين الذين أكتسبهم فى أثناء العمل فى مشروع القرش . وفي ذلك يقول :" هؤلاء الذني عملوا معي طوال عامين فى مشروع القرش , بدأوا يفهمون إيماني لكامل برسالتي المقبلة فإذا بي لم أكد أخرج من الكلية متمما تعليمي العالي حتي رأيتهم يتطلعون إلى ويطالبونني بخطوتي الثانية وأعني بها تأليف ما حدثتهم عنه وما وعدتهم به وهو جمعية مصر الفتاة ... عدت إلى بيتي وجلست أكتب برنامج الأحياء ووسيلته كتبت كل ما جري به القلم على القرطاس فكان ذلك برنامج مصر الفتاة عدت به إل إخواني وزملائي فوقعوا عليه فى الثالث عشر من أكتوبر 1933 . وكان الموقعون لا يزيدون عن الاثني عشر ورأيت أن تكون " الصرخة" هي لسان حال هذه الحركة , وهي التي جري على صفحاتها فى الإعداد الولي آمالي ف مصر الفتاة , وفي 21 أكتوبر 1933 وعلى صفحات العدد الثالث من الصرخة أعلنا برنامج مصر الفتاة ".

الإطار الأيديولوجي لدعوة مصر الفتاة

فما هي الخطوط الأساسية فى برنامج أحمد حسين ؟. إن البرنامج يستقي خطوطته النظرية من منابع فاشية ونازية فهو يطالب ببعث مجد مصر القديم وتأسيس إمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام وإشعال القومية المصرية بحيث تصبح كلمة " المصرية" هي العليا , وتصبح مصر فوق الجميع .

وهذا التأكيد على القومية المصرية يحدد موقف أحمد حسين ومكانه فى المعسكرين القومي والإسلامي فهو قومي متطرف , ولا ينتمي أبدا إلى المعسكر القومي والإسلامي فهو قومي متطرف ولا ينتمي أبدا إلى المعسكر الإسلامي وهذه الملاحظة على جانب كبير من الأهمية لأن شعارات أحمد حسين الإسلامية وتحطيم أنصاره الحانات قد يخدع البعض فينسبه إلى المعسكر الإسلامي على أن دعوته إنما تدور فى داخل الفكرة القومية وفى إطار فكرة الإمبراطورية المرية وإحياء الإسلام وشعائره وإعادة الدين الإسلامي إلى سابق مجده وقوته مقترن فى ذهنه بفكرة زعامة مصر للدول الإسلامية أو على حد قوله : " تبوؤ مصر مركزها الحقيقي فى زعامة الإسلام ومناداته فيما بعد بفاروق خليفة للمسلمين سوف نري أنها تمت فى الوقت الذي كان يرفع فيه راية الفاشية عالية فوق دار الحزب !

وتتضح الفكرة الفاشية عند أحمد حسين من موقف برنامجه من بعض القضايا . فالنسبة للدستور نراه يغفل تماما الإشارة إليه مع أن قضية الدستور عندما تألفت جمعية مصر الفتاة فى أكتوبر 1933 كانت هي القضية الأولي التي يشتد حولها النزاع بين الأحزاب والفرق السياسية كذلك نري البرنامج يركز على وجوب الولاء للملك وتعظيمه والالتفاف حول عرشه , ويجعل شعار الجمعية : الله – الوطن – الملك .

وهذا الاهتمام بالملكية مستمد فى الواقع من نشأة الفاشية الأولي فى إيطاليا ( كفكرة ) على " أن ريكو كورادين" الذي ألف ما أسماه بالجمعية القومية الايطالية , وكان من أهدافها تقوية سلطة الدولة ضد عوامل التفتيت, ورفع مكانه النظام الملكي , وتقوية التنظيمات العسكرية وتذكير الإيطاليين بالإمبراطورية الرومانية وحشد وتوحيد طاقات الشعب الايطالي نحو الفتح الاستعماري " . فالملكية فى هذا النظام مرتبطة بتقوية سلطة الدولة ضد عوامل التفتيت التي تنسب غلى الصراع الحزبي فى النظام الديمقراطي الليبرالي .

ويعتبر موقف برنامج أحمد حسين من قضية الحرية الاجتماعية متفقا مع طابع حزبه الفاشي . فلم يتعرض لسوء توزيع الملكية الزراعية بأي نقد ولم يتضمن اى مخطط إجمالي أو تفصيلي للنهوض بالعمال والفلاحين واكتفي بالإشارة إلى وجوب تعميم نظام التعاون فى كل مدينة وقرية وتنظيم التأمين الاجتماعي .

وقد اتضح البرنامج الشديد عن الإحاطة بالظروف السياسية والاقتصادية التي تحيط بالبلاد حينما اخذ يرسم الطريق الموصل إلى تكوين الإمبراطورية المصرية . فقد راح يطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة " بجرة قلم " وتمصير الشركات الأجنبية وجعل اللغة العربية هي اللغة الرسمية فى الحياة التجارية والاستيلاء على تجارة مصر الخارجية .. الخ . فمع أن هذه كلها كانت مطالب البلاد دون ريب إلا أن إيرادها على هذا النحو كان يتضمن تبسيطا للأمور إلى أقصي حد لأن شئون البلاد لم تكن فى إيدي بنيها , ,إنما كانت فى أيدي الانجليز. وكانت الخطوة الأولي دون ريب هي استخلاص يد البلاد من إغلال المحتلين ولكن البرنامج لم يرسم أى طريق عملي آخر للحصول على الاستقلال ن غير طريق المفاوضات فكشف عن عجزه وبعده عن الواقع .

على هذا النحو ظهرت أول حركة فاشية فى البلاد كصدي للحركات الفاشية والنازية فى أوروبا . وقد أعترف أحمد حسين بذلك , فقد ذكر أن الفكرة التي اوحت إل موسوليني أن يبتكر القميص الأسود في ايطاليا والتي أوحت إلى هتلر أن يبتكر القميص البني فى ألمانيا " هي التي أوحت لينا أن نفعل مثلما فعلوا ".

وقد حاول أحمد حسين أن يوحي بأن حركته قد نشأت كرد فعل لإفلاس الديمقراطية الليبرالية فى مصر ففي مقال له بجريدة الصرخة يوم 7 أكتوبر 1933 كتب يصف السنوات العشر السابقة على بدء حركته بأنها " عشر سنوات ضاعت هباء وتأخرت بها الأمة عشرين عاما إلى الوراء , وأنها ضاعت فى القيل والقال بين خطب ومناقشات ومفاوضات وبين خلافات حزبية نيران مستعرة وبرلمانات تشاد وبرلمانات تهدم ".

وقال :"وها نحن نستيقظ لنري أمة منهوكة , لنري ساستها يساومون على حقوقها لنري كراسي الحكم تباع وتشتري ". ثم أخذ يدعو إلى عشر سنوات أخري لا تشتغل الأمة فيها بالسياسة :" أني أدعوكم إلى عشر سنوات من الإيمان والعمل .. تعالوا نحارب الأمية ونضاعف الإنتاج أربع مرات , ونقيم الصناعات الزراعية ونحترف الصناعة وننشئ المصانع ونحتكر تجارتنا , ونستولي على مواردنا وننشئ الأساطيل تجوب البحار والطيارات فى الجو ترسل أزيز المجد والانتصار .. تعالوا نسترد ثروتنا ونلغي الامتيازات وتتخلص من الاحتلال فنؤلف إمبراطوريتنا من السودان ومصر تحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام ".

على أن الحديث عن فشل الحياة الديمقراطية على هذا النحو يقوم على مغالطة شديدة : لأن عمر الحياة النيابية فى ذلك الحين لم يكن قد تجاوز عشر سنوات تخللها انقلابات : الأول فى عهد زيور باشا , والثاني فى عهد محمد محمود باشا . ولم ينفرد الوفد فيها بالحكم إلا لمدة لا تزيد على ثلاثة عشر شهرا . وواضح أن فشل الحياة الديمقراطية أو نجاحها لا يمكن الحكم عليه من خلال هذه الفترة الخاطفة بانقلاباتها الدستورية .

ثانيا – أنه لو كان أحمد حسين جادا فى دعواه لكان قد أدرك أن الملك فؤاد يعتبر مسئولا رئيسيا عن اضطراب الحياة السياسية فى مصر وفشل الحكم الديمقراطي ولكان قد بني موقفه منه على هذا الأساس . ولكن أحمد حسين بني موقفه على وجوب الولاء للملك وتعظيمه والالتفاف حول عرشه , وجعل اسم الملك جزءا من شعار جمعيته .

ثالثا أن نزاع الأحزاب على الحكم وهو ما اعتبره أحمد حسين من معالم فشل الحياة الديمقراطية مرتبطا كل الارتباط بقضية الاستقلال بعد أ، ارتضيت البلاد المفاوضات وسيلة لحل القضية المصرية ولذلك فإن دعوته إلى الكف عن الاشتغال بالسياسة كان معناها إلغاء الأحزاب السياسية والدستور والبرلمان والمستفيد من ذلك هو القصر بطريق مباشر والانجليز بطريق غير مباشر لأن أحمد حسين لم يرسم طريقا بديلا للمفاوضات لتحرير البلاد من الاحتلال .

وفى الواقع ان الحركة الفاشية فى مصر كما ظهر من نشأتها قد قامت كجزء من الصراع التقليدي بين الأوتوقراطية. فمن الأمور الجديرة بالملاحظة أن الاهتمام بهذه المبادئ لم ينشأ إلا فى الدوائر المرتبطة بالقصر والمعارضة للوفد , والتي كانت الحياة الديمقراطية تسد فى وجهها طريق الوصول إلى الحكم . فقد كان حافظ رمضان , رئيس الحزب الوطني هو أول من فكر فى إيجاد تشكيلات تلبس قميصا معينا من لون معين ويطلق عليها اسم لون هذا القميص. وقد لقيت هذه الفكرة عند ظهورها نجاحا وترحيبا , حتي كان مكتب حافظ رمضان يكتظ كل مساء بالعشرات ممن جذبتهم هذه الفكرة , ووعدوا بأن يكونوا على رأس الفرق المشكلة عند تأليفها . وقد مات المشروع بعد أن مضي البحث فيه طويلا وبعد أن اختلف القائمون عليه على لون القميص المنتخب ولكنه لم يقبر تماما فقد التقط أحمد حسين الفكرة فألف جماعة مصر الفتاة واختار لها القميص الأخضر زيا رسميا فكان بذلك أول من أخرج مشروع القمصان فى مصر إلى الوجود السياسي .

ومن نشأة جمعية مصر الفتاة قامت صلة روحية وثيقة بينها وبين الحزب الوطني فكان أحمد حسين يعقد اجتماعات جمعيته السياسية فى تقرن اسم مصر الفتاة باسم الحزب الوطني وكانت الصحف الوفدية تقرن نشاط الحزبين بنشاط الرعايا الطليان بعد إبرام معاهدة 1936 وعندما أخذت الحكومة فى تصفية حزب مصر الفتاة فى أثناء الحرب العالمية الثانية اتجهت بعض قياداته إلى الالتحاق بالحزب الوطني هربا من الاعتقال والسجن والاضطهاد وكان على رأس هذا الفريق فتحي رضوان الذي استقال من حزب مصر الفتاة فى ذلك الحين بحجة عدم موافقته على سياسته فلما انتهت الحرب العالمية الآنية وتجدد النشاط الوطني أخذ حافظ رمضان يدعو إلى وجوب التحالف مع الاستعمار الآنجلو أميركي ومع دول البحر الأبيض لتكون مصر " خط دفاع ثان ضد الشيوعية ".

أما القصر وأحزاب الأقلية الأخرى فقد أدركت مدي ما تقيده من ظهور هذه العناصر الجديدة شبه العسكرية المعادية للديمقراطية فى مصر كأداة ذات فاعلية كبيرة فى ضرب القوي الديمقراطية الممثلة فى الوفد وحراسة مصالحها الاقتصادية والسياسية فسارعت إلى احتضانها وبسط نفوذها عليها وسارعت هذه إلى الارتماء فى أحضانها والاستفادة من نفوذها وقد ترتب على ذلك أن اصطبغ الصراع الداخلي فى هذه المرحلة بنفس الصبغة التي كانت تلون الصراع العالمي .

مصر الفتاة والوفد

لم تلبث الدعوة التي حملتها مصر الفتاة بعد ظهورها أن استثارت إليها عداء الوفد الشديد ونلاحظ ان عناية شديدة قد بذلت من جانب الصحف الوفدية ومن جانب رجال الوفد لمناقشة هذه الدعوة الجديدة فى ميدان النضال الوطني . وقد قام الهجوم الوفدي على محورين : المحور الأول : تجريح أحمد حسين نفسه – فقد وصفته الصحف الوفدية بأنه رجل " له ماض حافل بالاشتغال بالسياسة من نوع خاص لا يتفق مع اجتماع الأمة ومبدئها الذي ارتضته دينا لها ". ثم دعت الناس إلى أن يتذكروا موقفه حين كان يحمل لواء جماعة أنصار المعاهدة التى اقترحها المستر هندرسون , وقالت :" فشخص هذا ماضيه القريب هو آخر من تجوز على الناس خديعته أو تنسي الأمة حقيقته ثم هاجمت ما اعتبرته استغلال من جانب احمد حسين لسم مشروع القرش فى الدعوة الجديدة فطلبت غلى إبراهيم باشا رئيس مشروع القرش ان يفسر كسف يسمح لبعض أعضاء مجلس إدارة المشروع بنشر الدعوة لتأليف هيئته سياسية مبادئها علنا وتوزع نشراتها علنا فى الطرقات مع أن هذا العمل يخالف قانون المشروع الذي حرم الاشتغال بالسياسة فضلا عن منافاته للمبادئ التي قام عليها مشروع القرش والسياج المقدس بعضهم كان يجب أن يحاط به " وقد قام المشروع لخدمة الأمة لا ليقلبه بعضهم حربا على نهضتها السياسية " ثم اتهمت احمد سين صراحة بأنه ينفق على الجريدة من مال المشروع , وأنذرت بأن القانون لن يسمح لأحد أن يفلت من يده إذا استمر أ المرعي وتراءي له أن يواصل أية دعوة سياسية على حساب مشروع القرش والمشروع منها براء .

ثم اتجهت الصحافة الوفدية إلى تفنيد دعوة مصر الفتاة بترك العمل السياسي وإظهار بطلانها فقد وصفها العقاد بأنها " دعوة تعرض تيار لحقائق لعالمية وتعرض تيار الوطنية المصرية فى وقت واحد , ولا فائدة من ورائها لغير الاستعمار وآلاته المأجورة " وتساءل قائلا :" بودنا ا، نعرف كيف يستطيع لشاب المصري المتعلم أن يعمل فى تجارة البترول مثلا دون أن تصدمه السياسة البريطانية التي تريد أن تحول بين البترول الروسي الرخيص والسوق المصرية ؟ أو كيف يستطيع الشاب المصري المنتج أن يعمل فى تجارة القطن دون أن تصدمه هذه السياسة التي تستغل هذا المحصول ؟ أو كيف يستطيع الشاب المتعلم أن ينجح فى شركة دون أن يشعر بوطأة الامتيازات الأجنبية ؟ أو كيف يستطيع الشاب المصري المتعلم أن يهمل الأحزاب والانتخابات فى بلده وهو يري أصحاب المصالح الأجنبية فى هذا البلد لا يهملون شيئا من ذلك ولا يزالون يسعون ويدسون لتغليب فريق على فريق تبعا لما يرجونه من المنافع واللبانات ؟".

وتعرض مكرم عبيد لدعوة مصر الفتاة إلى الشباب بعدم الاشتغال بالسياسة بالشجب والتجريح فوصفها بأنها أخطر الدعوات وأخبثها , فهي نغمة ألفناها من المستعمرين منذ نزع الشباب إلى التحرر من ربقة الاستعمار .. وإذا كانت هناك طبقة من الأمة أول ن غيرها بالأشغال بالسياسة فهي طبقة الشباب لأنه لا حياة لمصر الفتاة إذا لم يكن فتيانها وفتياتها فى مقدمة العاملين لتحريرها وإنهاضها " وقد أوضح أهمية الاشتغال بالسياسة بالنسبة لمصر فقال :" إن السياسة فى مصر وفى كل أمة تسعي غلى تحقيق استقلالها وحريتها ليست كالسياسة فى غيرها من البلدان التى استكملت استقلالها وحريتها إذ السياسة عندنا هي السياسة الوطنية العليا , أى أن تتحرر أو لا تتحرر نوجد أولا نوجد فهي سياسة وجود أو لا وجود " أما الاهتمام بالمسائل الاقتصادية وطرح السياسة ظهريا فهو خطل " لأن فى ذلك تنافرا مع القواعد الأولي لعلم الاقتصاد نفسه فضلا عن تنافره مع الفكرة الوطنية والواقع أن الكيان الاقتصادي لأية أمة جزء لا يتجزأ من كيانها السياسي فلا يمكن أن تتوافر للبلاد حرية اقتصادية إذا لم تتوافر لها الحرية السياسية وذلك شأن الأمم كما هو شأن الأفراد . فإذا لم تتحقق سيادة الأمة سياسيا ودستوريا فالأمة تصبح من الوجهة الاقتصادية أسيرة للحاكمين ومن ورائهم المستعمرين .. قل إذن إن السبب الأول فى خرابنا الاقتصادي هو خرابنا السياسي .. إن الغرض الأول للاستعمار الحديث هو استغلال البلاد اقتصاديا واستعبادها ماليا فإذا شئنا أن تتحرر اقتصاديا فلنتحرر أولا من ربقة المستعمرين ولنتحرر ثانيا من ربقة الحكم الاستبدادي وعندئذ يأتي تحررنا الاقتصادي " ثم قال :" وليس معني ذلك ألا نهتم بشئوننا الاقتصادية بل على الضد من ذلك فإن واجب كل مصري أن يسعي إلى تشجيع المنتجات المصرية وتحرير الأسواق المصرية ولكن يجب ألا تنقلب الأوضاع فالحياة أولا , والثروة ثانيا فيلهتم إذن شبابنا المصري المجد بالسياسة والاقتصاد معا فكلاهما متساندان أما التفريق بينهما فإجرام فى حق الوطن ". ثم تحدث عن أولئك الذين يدعون أنهم " لا حزبيون " أو " مستقلون: أو طبقا لآخر صيغة " قوميون : فقال : إن هذه الصيغ كلها من العمل الاستعماري فى مصر وهي كلها أساليب مكشوفة لمحاربة الفكرة الوفدية وهي الفكرة الأساسية التي نصب المستعمرون أنفسهم لمحاربتها فى مصر "

إزاء هذا الهجوم العنيف من جانب الوفد رأي أحمد حسين – حسب قوله – أن يسعي لمقابلة النحاس باشا للتفاهم وفى ذلك يقول :" علمت أن خروجنا إلى الحياة قد أحفظ الوفديين وأغضبهم وهم لا ينظرون إلى حركتنا بعين الرضاء والارتياح , ويوجسون خيفة منها ويعتبرونها حركة مأجورة وموجهة ضدهم .. فقد أوحي إلى النحاس باشا ساعتئذ أن مصر الفتاة هذه الحركة الجديدة هي حركة مصطنعة وموجهة ضده وأن الموعز بها هو الإبراشي باشا . وأكد الشبهة عندهم أننا اتخذنا شعارا جماعتنا الله والوطن والملك .. لذلك فقد اعتقدت أنه يكون من المفيد أن اجتهد فى مقابلة النحاس باشا لأزيل ما علق برأسه من سوء تفاهم وأن أبين له كيف أن حركتنا هي حركة قومية بحتة نريد بها أن نعد جيلا جديدا من الشبان وأن نبعث فى الأمة روح الكفاح والجهاد ... ولما كان النحاس باشا قد اعتاد مقابلتي من قبل فقد رجوته أن يحدد لى ميعادا للمقابلة وقد سمح لى بالمقابلة ولقد كانت فى بيت الأمة ولست أذكر تاريخها بالضبط ولكنها كانت فى أوائل شهر نوفمبر 1933 .

" قابلت النحاس باشا فإذا بها يجابهني بأنني دسيسة وأنني لابد أن أكون مدفوعا من جهة من الجهات للقيام بهذا العمل لخص شكوكه أو بالأحري قرائنه على ما يقول فى المال الذي تصرف منه على هذه الحركة .. فشرحت له كيف أنني عقب خروجي من كلية الحقوق سعيت للحصول على قرض من بنك مصر مقداره مائتا جنيه أستعين به على مواجهة الحياة العملية .. وإني يا باشا مستعد أن أقدم لك كل الأوراق الخاصة بعملية القرض هذه أترك لك أن تتحري عن صحتها وهنا شرع النحاس باشا يناقشني فى صحة مبادئي والبرنامج الذي أذعته فقال : إن فى هذا البرنامج مالا يتفق مع جهادنا فليس فيه نص على الدستور وهل تفضل دستور سنة 1930 أو دستور 1923 وفيه بعض المبادئ الخطرة التي لا أكاد أفهمها خذ مثلا " الله" التي وضعتها فى أول شعارك فلست أراها إلا شعوذة لأن وضع كلمة " الله " فى برنامج سياسي هو شعوذة .. ( قلت ) : لا تنسي يا باشا إن الإسلام دين لا يفرق بين الدين والسياسة فالإسلام سياسة ولكنه سرعان ما انتقل إلى مناقشة باقي الشعار ..

" إلى هنا كان صاحب الدولة قد ضاق ذرعا بمناقشتي فى كل هذه التفاصيل فرأي أن يصرح لى بما فى دخيلة نفسه وما اعتقد أنه لب الموضوع فقال :" لا يوجد فى مصر إلا راية واحدة هي راية الوفد وكل وطني عامل يجب أن يعمل تحت لواء الوفد فكل حركة أو كل عمل من الأعمال لا يكون راية الوفد فهو لا يمكن إلا أن يكون دخيلا على الأمة ودسيسة من الدسائس فإذا كنت صادق النوايا وتريد خدمة بلادك فعلام إنشاء الجمعيات ووضع البرامج وإرسال النداءات؟ وإذا كان كل جندي يخرج على قائده ويؤلف لنفسه جمعية ويضع برنامجا إذن تشتتت الجهود وعمت البلد الفوضي فإذا كنت تريد أن تكون وطنيا فتعال بين إخوانك الشبان فى الوفد واندمج فى صفوفهم .

" قلت : هذا صحيح يا باشا وقد كان بودي للوفد ذلك , وأن افعل ذلك , وأن أعمل تحت لوائك كأصغر جندي . ولكن لا أكاد أري للوفد برنامجا ولا أري للوفد أهدافا فى هذه الأيام إلا للوصول إلى الحكم وأنا لا يمكن أن أكرس حياتي لهذه الغاية ولكني أريد أن أدعو للأخلاق وأن أدعو لدين وأن أدعو للعمل وأريد أن أكون عنيفا في جهادي.. وإني أعتقد أن مصلحة الوفد المحققة أن توجد إلى جانبه هيئة وطنية متطرفة كيما يكون هو بالنسبة لها معتدلا فبفضل الانجليز التعاون معه وإجابة مطالبه حتي لا يشجعوا التطرف ويتحول كل الإعنات وإرهاق الذي يصب الآن على الوفد صبا إلى هذه الهيئة الجديدة "!

" قال النحاس باشا : افعل ما يحلو لك , فقد أعذر من أنذر . إنني سوف اعتبرك خارجا عن الوحدة . والأمة لا ترحم الخوارج فكل من فكر فى أن يخرج علينا فقد هدمناه هدما , والأمة لا ترحم ".

نشاط مصر الفتاة الوطني

مضي أحمد حسين فى حركته دون أحجام .. ووجه هجماته الأولي للأجانب والامتيازات الأجنبية " سنكره الأجانب حتي يتنازلوا عن امتيازاتهم ذلك لأننا لن نقبل اليد التي تضعفنا ولا يمكن أن نكون ف خدمة أعدائنا " وأصدرت صحيفة النداءات إلى الشبان العاطلين لينشروا دعاية واسعة النطاق لإحلال اللغة العربية فى مركزها الطبيعي , " ففي مصر ما يزيد على خمسة آلاف بيت من البيوت الأجنبية , ما بين بنوك وشركات ودور تجارة وصناعة وهذه كلها لا تعرف العربية فى معاملاتها وتحتقر كل ما هو مصري وكل ما هو عربي .. أرغموها بقوة الرأي العام . يجب أن نقاطع هذه الشركات التي لا تتفاهم معنا بالعربية يجب أن تتجاهل اللغات الأجنبية حتي ولو كنا من أربابها .. وعندها فستوجد ألوف من الوظائف تكون من حق المصريين المشروع " . ثم أخذت جريدته تصدر النداءات بمقاطعة السجائر الأجنبية والعدول عن دور السينما الأجنبية إلى دور السينما المصرية وفى عدد 2 ديسمبر 1933 نشرت الجريدة على صفحتها الأخيرة صورة للسيطرة الأجنبية على الحياة الاقتصادية والسياسية فى مصر فى عشر نقاط , جاء فيها : الأراضي المصرية مرهونة للأجانب – رؤوس الأموال المصرية جلها ملك الأجانب – الديون المصرية كلها فى يد الأجانب – التجارة المصرية فى يد الأجانب – البرلمان المصري قاصر عن التشريع للأجانب – القضاء المصري قاصر عن الحكم على الأجانب – تجارة السموم فى مصر يروجها الأجانب – البوليس المصري قاصر عن إيقاف المجرمين الأجانب – الحكومة المصرية قاصرة عن فرض ضريبة على الأجانب – الشعب المصري لا يحترمه الأجانب ثم قالت الجريدة : هذا هو ما يهدم السيادة القومية هذا هو ما يسد علينا طريق الحياة : هذا هو ما يهدم السيادة القومية هذا هو ما يسد علينا طريق الحياة ويعرقل الإصلاح هذا هو ما يؤخرنا عن بلوغ المجد . وفي يوم 6 يناير 1934 دعت " الصرخة " اليونيت فى مصر إلى التنازل مصر لتوقيع العرائض لإلغاء المحاكم المختلطة الامتيازات الأجنبية .

ثم أخذ أحمد حسين يولي وجه شطر الجيش المصري ففي خطاب مفتوح وجهه إلى وزير الحربية نعي الضعف الذي يعيش فيه هذا الجيش ووصفه بأنه " جيش من المرضي جيش من الضعفاء جيش الجهلاء , جيش لا معنوية فيه ولا حياة أنه جيش يخضع لرئاسة سفنكس باشا وهذا الضعف الذي يعيش فيه هذا الجيش المصري عزاه أحمد حسين إلى " طول مدة الخدمة التي تصل إلى خمس سنوات يترك فيها الفلاح حقله لتخرب ويعيشها لا فى وسط المعارك والانتصارات وإنما فى خدمة بيوت الضباط وأولادهم " وطالب بأنقاض مدة الخدمة إلى سنة واحدة " وعندما سترون كيف ينقلب الجيش المصري إلى جيش يخيف أوروبا من جديد ".

وبعد ثلاثة أشهر من تأليف الجمعية أ‘لن أحمد حسين شروط الانضمام إليها وقد قسم العضوية إلى قسمين ك عضوية لجان وعشوية تشكيلات شبه عسكرية وفيما يتصل بعضوية اللجان ا‘لن أن لكل عدد من الأعضاء أن يكونوا من أنفسهم لجنة تحمل اسم منطقتهم وينتخبوا من بينهم رئيسا وسكرتيرا وأمينا للصندوق على أن يكتبوا محضرا رسميا باجتماعهم ويرسلوه إلى المركز الرئيس لاعتماده أما التشكيلات فقد أطلق على أعضائها اسم " المجاهدين" وذكر أ، هؤلاء المجاهدين ينتخبون من بين أعضاء الجمعية ليكونوا تشكيلات منظمة " يكون لها أثر فعال فى تنفيذ خطط الجمعية وبرامجها " وذكر أن هؤلاء المجاهدين فى داخل التشكيلات سوف يخضعون لنظام شبه عسكري أساسه الطاعة المطلقة والتفاني فى سبيل مصر , ويكون لهم زي خاص من قميص أخضر وبنطلون وحزام ولا يقدم لشخص إلا بعد أن يمضي مدة التجربة , ويعرف قواعد النظام ويحفظ الأناشيد والمبادئ , أما التشكيلات فهي تنقسم إلى فيالق وألوية وفرق وكتائب وأقسام , ورؤساء الفيالق يكونون هيئة أركان الجهاد . زلا يلتحق بتشكيلات المجاهدين إلا " شخص يقف نفسه على إعلاء كلمة الله وتقديس الوطن والالتفاف حول عرش الملك " ومن ثم فيجب أن يكون من ذوي الأعمال الحرة أو أن يكون قد أتم دراسته وقد انتهي المنشور بعودة إلى الشباب الذي سد الأجانب فى وجهه طريق الحياة فلم يجد عملا بعد أن أتم دراسته " والذي يتقد قلبه بنيران الوطنية المقدسة والذي يتألم مما يري فى مصر ويعرف أن لمصر دورا عظيما ينتظره العالم إلى الانضمام إلى الجمعية والجهاد معها.

وفى يوم ديسمبر 1933 نشرت الصرخة ما أسماه أحمد حسين " بالمبادئ العشرة " التي تؤهل معتنقها ليكون جنديا من جنود مصر الفتاة . وقد جاء فيها : لا تتكلم إلا بالعربية , ولا ترد من لا يخاطب بها , ولا تدخل محلا لا يكتب اسمه بالعربية – لا تشتر إلا من مصري ولا تلبس إلا ما صنع فى مصر ولا تأكل إلا طعاما مصريا – تطهر , فقاطع الخمور ودور اللهو الحرام والسينمات الأجنبية – تطهر : صل لربك وأم المسجد يوم الجمعة إن كنت مسلما , والكنيسة يوم الأحد إن كنت مسيحيا ويوم السبت إن كنت يهوديا – أحفظ نشيد " اسلمي يا مصر" ورتله بكل ثقة كل ليلة ماذا قدمت فى يومك من أجل بلادك , ومجدها وسر فى كل مكان واثقا من نفسك كمصري , وامتلئ إيمانا بمجدك وقوتك – احتقر كل ما هو أجنبي بكل نفسك , وتعصب لقوميتك إلى حد الجنون – بلاد هي مصر والسودان معا لا يتجزأن ولا ينفصلان – وغايتك أن تصبح مصر فوق الجميع دولة شامخة تتألف من صر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام – وليكن شعارك دائما : الله والوطن والملك.

بهذه المبادئ وبهذه الخطة السياسية حدد أحمد حسين خط كفاحه السياسي وهو خط يبتعد عن خط الكفاح السياسي الذي كان يقوده الوفد , والذي يقوم أساسا على محاولة الوصول إلى اتفاق مع بريطانيا بالاستناد إلى التحركات الجماهيرية والمساندة الشعبية كما يبتعد هذا الخط أيضا عن خطة المقاومة المسلحة للإنجليز , وهي البديل الطبيعي لفكرة الكفاح السلمي . ذلك أن تشكيلات مصر الفتاة لم تتعرض إطلاقا فى ذلك الحين لمعسكرات الانجليز بالهجوم أو الدخول معها فى أية اشتباكات , بل شغلت نفسها منذ نشأتها بمهاجمة البارات والسينمات وغيرها والاستعراضات فى الشوارع وإقامة المعسكرات فى سفح الأهرام ومهاجمة خصومها وإرهابهم إلى غير ذلك من الوسائل الفاشية الخالية من أى محتوي ثوري وهذا ما يدعونا إلى القول بأن هذه الحركة كانت انحرافا عن خط الكفاح الرئيسي والدخول بالقضية الوطنية فى دروي جانبية لا توصل غلى الهدف الأسمى المنشود وهو تحرير البلاد من الاحتلال البريطاني ..

على أن خطة التهييج التى اتبعتها مصر الفتاة على الرغم من ذلك . قد أوقعتها تحت طائلة القانون فلم يمض وقت طويل , حتي ألقي القبض على أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود وأودعوا السجن الاحتياطي لمدة خمسة وعشرين يوما ووجهت ليهم تهم تحسين المظاهرات والتحريض على الإضراب . ثم أفرج عنهم بكفالة بعد أن حولت القضية غلى محكمة الجنايات وبعد شهر آخر قبض على أحمد حسين مرة ثانية بسبب مقالته عن الجيش الجنايات فى 19 أبريل 1934 ثم توالت الاعتقالات مع مضي المجلة فى خطة التهييج فاتبع أحمد حسين خطة طبقات الوفد ولما قبض عليه وعلى أحمد الشيمي رأس الجمعية فتحي رضوان .

ولما قبض على فتحي رضوان ومحمود حجاج وحافظ محمود تولت طبقة ثالثة العمل . وكان من بينهم أفراد لا يزالون فى المدارس نظرا لافتقار الجمعية للقيادات .

وقد زعزعت هذه الاعتقالات فكرة الوفد عن دور الإبراشي باشا فى إنشاء جمعية مصر الفتاة فنلاحظ أن الصحف الوفدية قد كفت عن مهاجمة الجمعية مصر الفتاة على أعضائها بل إنه عندما قبض على أحمد حسين ورفيقه فى المرة الأولي وتقرر الإفراج عنهم بكفالة دفعها عنهم أحد الزعماء الوفديين على سبيل القرض . كذلك فقد تصدي بعض المحامين الوفديين للدفاع عن أحمد حسين وبعض أعضاء الجمعية فى تهمة الاعتداء على البوليس والتجمهر فى يونيه 1934, وكان عبد الفتاح الطويل فى دفع جزء منها كما اشترك حسن سرور المحامي ( وهو وفدي أيضا) فى دفع جزء آخر .

ولقد دفع هذا التقارب البعض إلى التساؤل لماذا لا تنضم جمعية مصر الفتاة إلى راية الوفد ؟ وقد أخطأ هؤلاء فى فهم الطبيعة الفاشية للجمعية فقد اعتذر أحمد حسين عن ذلك بكلام إنشائي نشره علي صفحات جريدته فى 9 يوليو 1934 قال فيه :" للوفد خططا سياسيا لا تفهمها . نحن نري أن لابد من الكفاح المتواصل , ولابد من التضحية المستمرة نحن نري أن لابد من أن نخلع عن أنفسنا رداء الخوف , وأن تتقدم إلى الأمام فى جرأة وشجاعة لكى نعيد لمصر حريتها المسلوبة ونحقق لها استقلالها الكامل . نحن نري أن الساعة قد حانت لتنظيم الصفوف وإيجاد قوة مادية تسهر على حماية الأمة وتحقيق برنامجها وهذا هو ما نفعله فى مصر الفتاة .. فليشرع الوفد بعمل جديد فليعلن خطة الكفاح المستميت فليعلن الحرب على الخوف وليدع للتضحية ولتنظيم الصفوف لخلق القوة فى نفوس الشباب نكن أول من ينضوي تحت لوائه ونكون لجنة من لجانه ".

وفى الواقع أن فكرة العمل فى صفوف الوفد أو الذوبان فيه لم تخطر إطلاقا ببال أحمد حسين فإن الخلاف الأيديولوجي بينهما كان يجعل من الوفد ألد أعدائه . ففي ذلك الحين كانت قد أخذت تتكون صلة عضوية بينه وبين المعسكر الأوتوقراطي المعادي للوفد على النحو الذي يرويه بنفسه لنا فيما يلي :

" فى هذه الأثناء اقترب منا أشخاص من كل طراز وعلى كل صنف واقترب منا وزراء سابقون وأعضاء فى أحزاب . واتصلنا بمختلف الهيئات والجماعات , تتعرف على أسرار الحياة المصرية , ونقف على شئونها ... وكنا نرحب بالمعونة تتلقاها من أى ناحية وتتلمس مظاهر التأييد . وكانت الحركة دائما أبدا فى حاجة إلى المال وكانت وسيلتنا لجمع المال أن نقنع بعض الأغنياء والمشتغلين بالسياسة بإعادتنا لمصلحة الوطن والأمة وطرقنا عدة أبواب وكان من بين هذه الأبواب علوية باشا , ومحمد محمود باشا وبهي الدين بركاب باشا . وكان على رأس هؤلاء حماسة ورغبة فى تأييد مصر الفتاة علي ماهر , ويليه محمد محمود ثم بهي الدين بركات . وهكذا مضت مصر الفتاة تشق طريقها وتواصل كفاحها . وفى هذا الأثناء تلخصت العقبة التي تعترض سير الإيمان الجديد فى الوفد و حزب الوفد . فهذه الزعامة المقدسة التي فرضها النحاس باشا على الأمة , وهذه الرغبة فى القضاء على الروح الجديدة التي نبعت من مصر الفتاة ومهاجمة مصر الفتاة ومحاولة خنقها – كل ذلك أدي بنا إلى اعتبار الوفد خصمنا الأول وضرورة العمل على صرعه والتغلب عليه وإراحة البلاد من كابوسه . فكان هؤلاء أعوانا على تحقيق هذه الفكرة وخاضوا المعركة إلى جوارنا فى هذا السبيل كل بأسلوبه وفى دائرة قدرته ولم يكن يهمنا فى ذلك الوقت تفاصيل ما يعملون, ولا الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها لأنفسهم من هدم الوفد ولم يكن يعنينا إذا كانوا مخلصين فيما يوجهونه من اعتراضات للوفد أم لا , لأننا كنا أصحاب المعركة وهؤلاء لم يزد عملهم فى كل ما عملوه أو قالوه عن تأييد ما نقول و تحبيذ ما نعمل . ولذلك فقد سرنا وكان من مصلحة كفاحنا أن يكون هناك تحالف بين هذه القوي المختلفة حتي نصل إلى تحقيق الهدف الذي نسعي له وهو تحرير البلاد من سيطرة الوفد , هذه السيطرة الفاسدة ".

وعلى ضوء هذه النظرية أخذت العلاقات بين أحمد حسين والوفد تسوء يوما بعد يوم واشتد النزاع والصراع بينهما فى عهد حكومة نسيم باشا خاصة لأن خطة نسيم باشا كانت تلقي التأييد الكامل من الوفد بل وتلقي التوجيه أيضا وقد اتهم أحمد حسين الوفد بأنه إنما يؤيد نسيم باشا حرصا منه على الحكم وعلى كراسي الحكم لأنه يعتبره القنطرة التي سيعبر عليها إليه .

فلما تأزم الموقف الدولي فى أعقاب الهجوم الإيطالي على الحبشة ووقف الشعور الوطني المصري مساندا قضية الأحباش اتخذ أحمد حسين موقفا معارضا فقد أعلن أنه على هؤلاء الذين يريدون الدفاع عن الحبشة أن يدافعوا عن مصر وهؤلاء الشجعان فليبرزوا شجاعتهم فى مصر والراغبون فى التضحية أمامهم الميدان فسيحا فى مصر .

ونسي أحمد حسين أن الأحرار فى كل مكان يتعاطفون ويتقاربون وقت المحن والشدائد وأن هذا المظهر من مظاهر التأييد الذي وقفته مصر تجاه الحبشة , كان يمثل فى نفس الوقت احتجاجا ورفضا لكل مظهر من مظاهر العدوان , وأن هذه المشاركة لبلد يعاني محنة قاسية على يد عدوان فاشي جسيم لم تكن تعني بحال تجاهل القضية السياسية للبلاد بل كان فيها ما يؤكدها ولكن أ؛مد حسين كان يري فى ذلك الحين أن مصر " لا تكسب قليلا أو كثيرا فى معاداتها ايطاليا وإظهار خصومتها العنيفة فى وقت كان الاستقلال فيه أثرا بعد عين , والانجليز يتحكمون فى كل شئ ". ولهذا فلا عجب إذا بدت دعوته فى ذلك الحين " دعوة غريبة شاذة " – على حد قوله , وأن أخذ الرأي العام يهجس بأنها دعوة مدسوسة وأن للإيطاليين فيها دخل . حتي لقد أشارت إلى ذلك صراحة مجلة اللطائف المصورة .

ولم يلبث أحمد حسين أن أوقع نفسه فى تناقض غريب ففي أثناء الثورة التى اندلعت فى أعقاب تصريح هور الأول فى 9 نوفمبر سنة 1935. وفى الوقت الذي أخذت الجماهير تتولي معالجة القضية الوطنية بطريقتها الخاصة طريقة العنف وتبدد بالثورة أحلام بريطانيا فى الاكتفاء " بالتعاون الودي " بديلا عن المعاهدة – وبمعني آخر بينما استسلمت الجماهير لدعوة التهييج التي أطلقها الوفد وهي الدعوة التي ظل ينتحلها أحمد حسين طوال السنتين السابقتين , وبدلا من أن ينخرط أحمد حسين فى قيادة العمل الشعبي وينصرف إلى تنظيم ثورة الجماهير, إذا به يترك فجأة طريق التهييج ويطير إلى أوروبا وانجلترا فى أثناء المعركة للدعاية للقضية المصرية كأن هذه القضية ما تزال مسألة دولية وكأن الأمر مع انجلترا أمر إقناع ودعاية فقد أعلن أحمد حسين على صفحات الجرائد عن اكتتاب عام أسفر عن مبلغ هزيل هو مائتا جنيه فقط , دفع الجزء الأكبر منه علي ماهر وصدقي باشا ومحمد محمود باشا وعلوبة باشا وغادر أحمد حسين القاهرة ومعه فتحي رضوان وفى وداعه علوبة باشا , يوم 4 ديسمبر 1935 أى فى اليوم السابق على تصريح هور الثاني فى 5 ديسمبر الذي فجر الثورة الثانية وتوجه إلى انجلترا ليخطب فى اجتماع حضره الطلبة المصريون المقيمون فى لندن وفى البلاد المجاورة قائلا :جئنا بكل إخلاص لعرض قضية مصر على الانجليز . جئنا نقول لهم إننا ونحن الاستقلال نستطيع ان نضع أيدينا فى أيديهم بإخلاص إذا احترموا استقلالنا وحريتنا".

ولما كان أحمد حسين لا يمثل أية أغلبية شعبية وكان الانجليز يعلمون ذلك بطبيعة الحال , فإن بعثته لم تسفر عن شئ هام اللهم إلا حدوث انقسام بين الطلبة المصريين فى أوروبا عندما أعلنت جمعية باريس أنها ترفض التعاون مع مندوبي جمعية مصر الفتاة الذين حضروا إلى أوروبا وأنها ستعمل لخدمة القضية المصرية تحت رعاية الوفد المصري وأرسلت تلغرافا بهذا النص غلى الصحف المصرية نشرته تحت العناوين العريضة .

وفى يوم 10 فبراير 1936 عاد أحمد حسين إلى مصر ليتحدث عن انطباعاته فى لندن , فأعلن أن الانجليز " خصوم شرفاء معقولون "! وأنه قد أحس ورفاقه بذلك " كما أحس زعيمنا سعد زغلول بالأمس ". ولكن بشرط واحد هو أن يكون خصومهم أقوياء .

ولكن أحمد حسين عاد ليجد أن الوفد قد ألف فرق القمصان الزرق فدخلت خصومته للوفد مرحلة جديدة فمع انه أظهر سروره فى البداية " لأن فكرة مصر الفتاة فى النظام والعسكرية قد انتصرت " إلا أنه عاد بعد أيام فهاجم هذه الحركة ووصفها بأنها " حركة زائفة" وأنها قامت على تقليد حركة القمصان الخضر فلن تلبث أن تزول كما زالت غيرها من الحركات الزائفة:

" ففي عشية وضحاها إذا بهم يلبسون قميصا أزرق , وفى عشية وضحاها إذا بنا نسمع عن القيادة والفرق والألقاب الضخمة والتي لا نعرف لها معني إلا الطبل والزمر كعادة القوم هؤلاء هم الذين يقلدون غيرهم ولذلك فإن حركتهم زائفة لا تلبث أن تزول كما زالت غيرها من الحركات الزائفة وستبقي مصر الفتاة لتواصل مهمتها ولتؤدي رسالتها".

على أن أحمد حسين عاد أيضا ليجد أن كبار مؤيديه قد أصبحوا فى دست الحكم ز فقد أصبح علي ماهر باشا رئيسا للوزارة كما أصبح غلوبة باشا وزيرا للمعارف وشرعت الحكومة على الفور فى الاعتراف بمصر الفتاة " كهيئة جديرة بالاحترام والتقدير" – على حد قول أحد قادة مصر الفتاة – وظهر ذلك فى المقابلات المتعددة التي تمت بين رئيس الوزراء وأحمد حسين وفى ظل هذه الظروف المواتية أخذ أحمد حسين يعمل على تثبيت دعائم جمعيته وينظم أعمالها الإدارية وماليتها بما يتفق واستقبال العهد الجديد.

فى تلك الأثناء كانت البلاد تجتاز مرحلة تاريخية فاصلة فقد مات الملك فؤاد بينما كانت إجراءات حصول البلاد على حريتها الداخلية والخارجية تسير فى طريقها المرسوم فكانت تلك نقطة التحول فى الموقف الداخلي كله فمن ناحية فقد اعتلي العرش شاب صغير هو فى سن أى شاب من شباب مصر الفتاة ومن الطبيعي أن يري شبابا مصر الفتاة فى هذا الملك الشاب , وهو جزء من شعارهم زعيما هيأته الأقدار لرعاية وحماية هذه الحركة الجديد وقيادتها عند اللزوم . وأن يري الملك بدوره فى هذه الحركة التي تقوم على الشباب جنودا يستطيع أن يستعين بهم عند اللزوم ومن الناحية الأخرى فإن علي ماهر باشا الذي شاءت الظروف أن يكون فى رئاسة الوزارة عند اعتلاء فاروق العرش وأن يقدم له أجل الخدمات وأن يقع فى نفسه أجل موقع , ويبسط عليه سيطرته ويخضعه لنفوذه – قد رأي – بعد أن اضطر إلى أن يتخلي عن الحكم الأحداث – أنه يكون قد أضاع فرصة العمر تحت الظروف التي كانت تحكم الأحداث – أنه يكون قد أضاع فرصة العمر إذا ترك الوفد يحكم دون منازع فى العهد الجديد فأخذ يرسم مخططاته ليعود مرة أخري إلى الحكم . وكان من الطبيعي أن يكون لمصر الفتاة دور كبير فى هذه المخططات على النحو الذي يرويه أحمد حسين فيما يلي:

" خرج علي ماهر من الوزارة وجاء الوفد وقد خرج علي ماهر بنية العودة إلى الحكم .. ومنذ اليوم الأول الذي بارح فيه الوزارة شرع يعد الخطط ويحكم التدابير للعودة إلى الحكم ونحن لا نري فى ذلك حرجا ولا تؤاخذ عليه علي ماهر, بل كنا نري هذه المحاولة من ناحيته متفقة مع برنامجنا فهو لا يقدر على القفز إلى الحكم إلا بعد إجلاء الوفد منه , والقضاء على سيطرة الوفد سواء فى الحكومة أو بين طوائف الأمة هو بغيتنا وأنشودتنا ذلك أننا نؤمن أن الوفد وسياسته هي السر الأول فى حالة الإفساد وقلب الأوضاع التي نشاهدها فى الحياة المصرية بأسرها .. من أجل ذلك توافقنا وعلى باشا ماهر على التخلص من الوفد هو يريد ذلك لأجل أن يقفز إلى كرسي الوزارة ونحن نريده لنحرر الأمة من ربقة الاستبعاد لهذا الصنم المعبود بالباطل ".

وقد ظهرت مظاهر هذا التوافق على النحو الأتي : فلقد ذكرنا أن خطة علي ماهر باشا كانت تقوم على تقوية الموقع الذي سوف يحكم منه ( القصر شعبيا بنقل مركز المقاومة ضد الانجليز إليه من الوفد الذي هادن .. ومن أجل ذلك كان موقفه الذي أشرنا إليه من المعاهدة وقد انعكست هذه الخطة على موقف أحمد حسين من المعاهدة أيضا . فإن أحمد حسين الذي ألف فى عام 1929 جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة للترويج لمقترحات محمد محمود – هندرسن على اعتبار أنها " الفرصة الوحيدة للسير بالبلاد إلى الأمام " لم يلبث أن إصدار فى يوم 6 سبتمبر 1936 بيانا أعلن فيه رفضه للقيود التي تضمنتها المعاهدة والتي " لا يمكن ان تقيد مصريا واحد" ووصف المعاهدة بأنها ينقصها العنصر الأساسي فى صحة العقود والالتزامات وهو عنصر الرضي ." ولا عبرة بالقول بان ممثلي الشعب المصري قد قبلوا المعاهدة وأن البرلمان سيصدق عليها لأن أحد الطرفين مغلوب على أمره والثاني هو الغالب " ثم وجه نداء إلى الأمة بجميع عناصرها أن تستأنف الكفاح السريع بحيث لا يمضي عام واحد ! حتي يكون التجنيد قد أصبح إجباريا وتضاعفت قوات الجيش عدة مرات وامتلكت مصر مئات الطائرات وألغيت الامتيازات وبرزت شخصية مصر الدولية فى جلاء وقوة . وعلينا أن نقضي على العبودية لأوروبا ومنتجات أوروبا وروح أوروبا... وفي كلمة: يجب أن نجند الشعب فى جميع الميادين , وهكذا لا يمضي عام واحد , أو عامان على الأكثر ! حتي تكون مصر مستعدة بجميع طبقاتها للتحرر من كل قيد يمس سيادتها من بعد أو قرب , مستعدة لأن تنكر هذه النصوص الجائرة ".

وبهذا البيان الممتلئ بالتغرير يهاجم أحمد حسين المعاهدة . فهو لا يرسم أى مخطط مدروس لانتزاع الاستقلال من الانجليز عن طريق القوة , وهي البديل الوحيد للمعاهدة , وإنما يقدم برنامجا ساذجا يقوم على مضاعفة قوات الجيش عشر مرات والحصول على مئات الطائرات فتصبح مصر بعد عام أو عامين على الأكثر مستعدة لتحرير نفسها من كل قيد ! كانت أمور البلاد فى أيدي بنيها واستخفافا بما يحف بإنشاء مثل هذا الجيش من ناحية النفقات الهائلة ومصدر التسليح والتدريب وغير ذلك من الأمور التي تنوء بها الدول الكاملة الاستقلال . وكيف كان أحمد حسين يستطيع أن ينفذ هذا المخطط الفخم لو أنه ولي الحكم فى ذلك الحين تحت أغلال الاحتلال ؟. أن هذا يبين بوضوح أن المسألة كانت مسألة الظهور فى ثوب التطرف لاجتذاب ولاء الشباب الأحداث سنا والأكثر حماسا لا لخوض المعركة ضد الانجليز, لأن ذلك لم يحدث – وإنما لمحاربة الوفد , وليكونوا فى خدمة الملك الجديد , وهذا ما حدث .

اتهام مصر الفتاة بالعمالة لايطاليا

فى ذلك الحين كانت علاقة أحمد حسين بالوفد قد دخلت مرحلة خطيرة حين أعلن النحاس باشا من فوق منبر مجلس النواب فى يونيه 1936 أن جمعية مصر الفتاة " تعمل لحساب دولة أجنبية ضد مصلحة البلاد ". وقد أعلن النحاس باشا هذا الاتهام الفريد فى حقل السياسة المصرية , بمناسبة استجواب تقدم به النائب هارون أبو سحلة لرئيس الوزراء عن أسباب مقاومة الحكومة لسفر بعض أعضاء مصر الفتاة فى رحلة إلى الصعيد بالقميص الأخضر . فقد ألقي النحاس باشا البيان الخطير الآتي :

" ثبت لوزارة الداخلية أن جمعية مصر الفتاة تعمل لحساب دولة أجنبية ضد مصلحة البلاد ( ضجة) ولذلك قررت الوزارة , حرصا على مصلحة الدولة , أن تمنع تجوال أعضاء هذه الجمعية فى القري بزي خاص وقد بذلت لرئيس الجمعية النصيحة الودية بالعدول عن السفر إلي الصعيد , فلما لم يستمع لهذه النصيحة , وسافر ومن معه إلى أسوان , لم يتعرض لهم أحد , ولكن اتخذت الإجراءات للحيلولة بينهم وبين التجوال فى القري بزي خاص والاتصال بالأهالي , وذلك للسبب الذي بيناه .... هذا ولم تتعرض الحكومة لجمعية مصر الفتاة فى المدن الكبري بل تركت أفرادها أحرارا يلبسون ما يشاءون فى حدود القانون , وقد سبق لهذه الجمعية أن طلبت عقد اجتماع عام بمدينة الفيوم فى شهر أبريل 1936 وصرحت وزارة الداخلية بعقد هذا الاجتماع على غير رأي مدير المديرية فتسبب عن هذا التصريح تجمهر كاد يؤدي إلى أخلال خطير بالأمن العام , واضطر البوليس إلى إطلاق النار , والمحافظة على أعضاء الجمعية إلى أن رحلوا من مدينة الفيوم فى فجر اليوم التالي عائدين إلى القاهرة . كما أنه وصلت لوزارة الداخلية أخيرا تقارير من حضرتي مديري أسوان وقنا تفيد عدم ارتياح الأهالي لوجود هذه الجماعة بين ظهرانيهم , وممن أمضوا هذه التقارير حضرة نائب اسنا المحترم. وإن هذه الجمعية التي تنطوي أغراضها وعلاقاتها على ما يضر بمصلحة الدولة الكبري لا يصح مقارنتها بجماعة الشبان الذين يلبسون القمصان الزرقاء والذين تقوم مبادئهم على احترام النظام والقانون والعمل لخير البلاد وينتمون إلى هيئة سياسية مسئولة ".

كان هذا البيان مفاجأة للنواب والرأي العام.. وكان السؤال الذي برز فى ذلك الحين : من هي الدولة التى كان يعنيها النحاس باشا ؟. وقد تولت الصحف الوفدية الرد على هذا السؤال . فقد أكثرت فى ذلك الوقت من الحديث عن الدعاية الإيطالية فى مصر . وكان مما ذكرته أن مقدار ما أنفقته فى حلال العام السابق قد بلغ عشرين ألف جنيه , وأنه تقرر زيادة المبلغ إلى الضعف فى عام 1936 . وقد ربطت بعض هذه الصحف بين المبالغ التي تنفقها الدعاية الايطالية وبين الجمعية وخصوصا من معاهدة 1936 فتساءلت عن لمصدر الذي ينفق منه أحمد حسين وربطت بين نشاطه فى معارضة المعاهدة ونشاط الإيطاليين فى مصر فى إقناع الأهالي بضرر المعاهدة والتحالف مع الانجليز ونشرت المجلة صورة تلغراف وزعته وكالة الشرق العربي ذكر فيه مراسل الوكالة فى روما أن الحكومة الإيطالية وافقت على القرار الذي اتخذه أخيرا مكتب الدعاية الفاشية فى الشرق بإيجاد جو معاد للمعاهدة المصرية الانجليزية وتشجيع القائمين بمعارضتها فى مصر لأن الدوائر الإيطالية تعتقد أن هذه المعاهدة موجهة إلى نفوذ ايطاليا فى الشرق وإلى التوسع الاستعماري الإيطالي فيه . وفي يوم 18 أكتوبر 1936 نشرت مجلة آخر ساعة خبرا أوردت فيه أن دار السفارة البريطانية بعثت إلى الجهات المصرية المختصة بصور مستندات حصل عليها قلم المخابرات البريطانية , وهي تثبت بالدليل القاطع وجود صلة بين إدارة الدعاية الأجنبية المذكورة وبين بعض المعارضين فى مصر وقالت أن هذه المستندات لابد أن تكون قد عرضت على رئيس الوزراء .

كانت علاقة الوفد بأحزاب الأقلية عندما ألقي النحاس باشا اتهامه ضد جمعية مصر الفتاة , هي علاقة التحالف والائتلاف على النحو الذي أرسته الجبهة الوطنية . لذلك فلم تستمر المناقشة طويلا فى مجلس النواب حول هذا الاتهام , على أنه مع ذلك جرت بعض المحاولات من بعض النواب لاستجلاء الموضوع وحمل النحاس باشا على إلقاء مزيد من الضوء عليه ولكنها كانت محاولات فاشلة فقد وقف النائب فكري أباظة يقول أنه نظرا لخطورة التهمة التي " تهم أعداء هذه الجمعية كما تهم أصدقائها" ونظرا لأن كثيرا من الشباب متصل بهذه الجمعية فإنه يري تأجيل الاستجواب حتي تودع الحكومة وثائق الاتهام فى المجلس ليطلع عليها الأعضاء حتي ولو فى جلسة سرية فإذا تبين لهم أن هذه التهمة الخطيرة ثابتة استطاعوا أن يحولوا دون خطر هذه الجمعية على البلاد , أما إذا كانت التقارير محل نظر استطاع النواب أن يناقشوا بالحجة والمنطق , على أن النحاس باشا رفض رفضا باتا إيداع الوثائق فى مجلس النواب قائلا أن " الوزارة مثبتة مما قدم إليها من الأدلة .. وإن هذه المسائل تتعلق بسياسة الدولة العامة .. وهي من أسرار الدولة , ولا يمكن أن تتقدم بها ولن تتقدم لأن أسرار الدولة فوق كل اعتبار , والوزارة مسئولة أمامكم , فأما أن تعطوها ثقتكم , وإما أن تسحبوا منها هذه الثقة والرأي الأخير لكم ".

وقد حاول فكري أباظة إلقاء الشبهات على التقارير , فأبدي اعتقاده بأنها وضعت فى العهود السابقة على عهد الوفد " وهي عهود طالما جرحناها وطالما طعنا فى تقاريرها " " فأخشي كل الخشي أن تكون هذه التقارير أيضا مع الحكومة .. فإذا كانت هذه اللطمة صحيحة سحقنا هذه الجمعية وأبدنا هذا الوباء . وأما إذا كانت هذه التقارير مختلفة استطعنا مناقشة ما ورد بها بكل هدوء وسكون لنري إذا كان فى الإمكان إزالة هذه الوصمة .

ولكن النحاس باشا أكد أن التقارير " وضعت فى عهد الوزارة الحاضرة فى هذا العهد الجديد وتوفرت لدينا منذ تبوأنا مقاعد الوزارة لأني لا أبحث فى الماضي ولا أريد أن أبحث عنه ولكني أبحث عن الحاضر وعن سلامة الدولة وحفظ الأمن فى الوقت الحاضر ".

وقد حاول النائب عبد المجيد إبراهيم صالح ( من الأحرار الدستوريين ) أن يدفع الحكومة إلى رفع الدعوي العمومية على رؤساء الجمعية لمحاكمتهم على الجرائم التى اقتنعت الحكومة بصحتها " وعندئذ يتقدم هؤلاء النفر بالدفاع عن أنفسهم أمام القضاء المقدس فإما أن يحكم عليهم وإما أن يحكم ببراءتهم ".

ولكن النحاس باشا رفض هذا الاقتراح أيضا لأنه " يتنافي والخطة التي أبنتها لحضراتكم هذه الخطة هي أن الحكومة لا تريد أن تقدم أدلة سواء للمجلس او لأية هيئة أخري , والمحاكمة لا تكون إلا عند تقديم الأدلة إلى الجهة التي ستصدر الحكم ".

وقد تساءل النائب السابق كيف يسمح رئيس الوزراء " باعتباره رئيسا شعبيا ورئيسا رسميا للدولة" – وقد اقتنع دولته بخطر تلك الدعاية أن يباح لهذا النفر أن يتجولوا فى المدن ويبثوا دعايتهم الخطيرة ثم يتركوا أحرارا؟.

وقد رد النحاس باشا بأن الحكومة " تريد المحافظة على سلامة الدولة مع إباحة الحرية لكل من يريد " وأوضح أن سياسة الحكومة هي منع تجوال أعضاء الجمعية فى القري وإباحة الحرية المطلقة لها فى زيها واجتماعاتها وخطبها فى المدن " حيث يتسني لكل إنسان أن يقاومها وأن يناقشها وأن يعترض على كل ما يبدو منها وأن يدركه كنه ما تغمز .. وحيث الاستعداد هنا واف , والبوليس يقظ متنبه يحضر كل اجتماع ويسمع كل ما يلقي فيه , فإذا أي بوادر شر منعها فى الحال ".

إزاء هذا الإصرار من جانب النحاس باشا أدرك النواب أن لا جدوى من المناقشة فوافقوا على إنهائها . وبذلك ظل الاتهام معلقا فوق رأس مصر الفتاة .

وما حدث بعد ذلك لا يساعد كثيرا على حسم هذه المسألة . فقد تقدم أحمد حسين إلى النائب العام طالبا أن يحقق فى هذا الاتهام . فاعتذر بأن الحكومة لم تكلفه بذلك . فطلب رفع الدعوي العمومية على النحاس باشا . فرفض أيضا لأن النحس باشا متمتع بالحصانة البرلمانية . وفى شهر أكتوبر من العام التالي وفى ظروف انشقاق الوفد ونشوب المعركة الدستورية رفع أحمد حسين قضية ضد النحاس باشا بصفته الشخصية وبصفته وزيرا للداخلية يطلب فيها مبلغ عشرة ألاف جنيه على سبيل التعويض لما ناله من أضرار أدبية بسبب تصريحه فى مجلس النواب ".

على أن النحاس باشا نفسه لم يلبث بعد إقالته مباشرة أن تقدم ببلاغ إلى النائب العام يطلب فيه التحقيق مع أحمد حسين قائلا أنه حينما كان وزيرا للداخلية ورئيسا للحكومة اطلع على تقارير رسمية وأوراق مختلفة تظهر أن جمعية مصر الفتاة كانت تتلقي إعانات مالية فى أوقات مختلفة من علي ماهر ومحمد محمود وإسماعيل صدقي وبهي الدين بركات ومحمد علي علوبة وعباس حليم وعبد الخالق مدكور وغيرهم ممن وردت أسماؤهم فى التقارير والأوراق المذكورة هذا فضلا عما جاء فى هذه التقارير من صلة هذه الجمعية بمصادر أجنبية مضي النحاس باشا فى بلاغه فذكر أن المعلومات التي وصلت إليه تثبت فوق الصلة المالية , صلة أخري سياسية تدل على الاتفاق فى لأغراض والخطط ,حتي أن أحمد حسين كان وثيق الصلة بهذه الشخصيات الكبيرة ويتلقي أوامرها ويعرف أسرارها وخططها وانتهي النحاس باشا بطلب التحقيق مع جميع الشخصيات الكبرى التي ذكرها .

ولقد كان هذا البلاغ بطبيعة الحال فرصة طيبة لأحمد حسين ليحسم هذا الاتهام المعلق على رأسه , وخصوصا بعد أن انتهي حكم الوفد وأصبح جميع أصدقاء أحمد حسين فى مراكز السلطة ولكن النائب العام – كما قالت جريدة مصر الفتاة – " لم ير فى هذا البلاغ ما يستحق مجرد النظر إليه فأهمله وتغاضي عنه "!! وفى الوقت نفسه فإن أحمد حسين الذي كان متحمسا لإجراء التحقيق معه عندما كان النحاس باشا مصرا على عدم التحقيق قد فقد حماسته فجأة عندما تهيأت الظروف لذلك ففي مارس من العام التالي أعلن عن تنازله عن الدعوي المدنية المرفوعة منه ضد النحاس باشا وساقت جريدته أسباب هذا التنازل على الوجه الأتي : فقد ذكرت أن " النائب العام قد أهمل بلاغ النحاس باشا وتغاضي عنه بعد أن رأي أنه لا يستحق مجرد النظر إليه ولذلك فقد ثبت بواسطة الجهات المسئولة , وبواسطة النيابة أن مصر الفتاة تعمل فى وضح النهار لمصلحة الله والوطن . ولهذا سقطت فرية النحاس باشا !.

ومصر الفتاة اليوم بحمد الله عالية الصوت مرهوبة الجانب فلم تعد ضرورة لهذه القضية خصوصا وأن الوقت قد فات عليها ونحن اليوم بإزاء معارك جديدة تتطلع للمستقبل فلسنا نرغب فى الوقوف طويلا أما هذا الماضي بل نمر عليه مرور الكرام حتي تتهيأ للأخطار المقبلة علينا من كل صوب " وهكذا تنازل أحمد حسين بنفسه عن الفرص التي تهيأت له لإثبات براءته من تهمة العمالة لدولة أجنبية عن طريق حكم قضائي .

ولقد كان من الضروري مع ذلك أن نعالج هذه المسألة الهامة ونلقي عليها من الأضواء ما قد يمكننا من إصدار حكم تاريخي فيها وفى ذلك نطرح النقاط الآتية :

أولا – أن تاريخ مصر الفتاة منذ نشأتها وعلى الرغم من صبغتها الفاشية التي لا شبهة فيها لم يكن فيه ما يشير بحال من الأحوال إلى وجود " علاقة خاصة " بينها وبين ايطاليا , أو علاقة التابع بالمتبوع, بل كان فيه – على النقيض – ما يدل على أن العلاقة بينهما كانت علاقة جفاء وخصومة . وحتي نزيل ما قد يبدو فى هذا القول من تناقض نوضح أمرين : الأول أن الفاشية كأيدلوجية , لم يكن فيها ذلك المبدأ الأساسي فى الشيوعية الذي يحتم وحدة الحركة الشيوعية وعالميتها, وهي وحدة الطبقة العمالية المناضلة فى جميع أنحاء العالم على حساب ككافة الروابط القومية . وبالتالي فإن اعتناق المبادئ الفاشية لم يكن يستلزم بالحتم تلقي الأوامر والتوجيهات من مركز الفاشية فى ايطاليا.

ثانيا – أن الحركة الفاشية التي قامت فى ايطاليا وهي التي كانت تمثل أعلى مراحل الاستعمار كان من الطبيعي أن تلقي التنديد من الحركات الوطنية فى البلاد التي تعاني من الاستعمار كما حدث فى مصر عند هجوم الإيطاليين على الحشة ولقد دأبت جريدة مصر الفتاة ( الصرخة) منذ نشأتها على التنديد بإيطاليا ومحاولاتها الاستعمارية ففي عددها الصادر فى 23 ديسمبر 1933 هاجمت فى عنف الدعوة التي وجهتها ايطاليا إلى الطلبة الشرقيين فى أوروبا لعقد مؤتمر فى روما . وكان مما وصفت به الجريدة ايطاليا فى هذا المقال أنها الدولة التي لا يعرفها الشرق إلا طاغية جبارة فى طرابلس تقتل أبناءه وتستحل حرماته وتستعمر أرضه والتي يعرفها طامعة فى غير طرابلس من بلاد الشرق وفى يوم 30 ديسمبر أعادت الكلام فى هذا الموضوع ونبهت إلى خطر تجميع الشبان الشرقيين فى أوربا فى روما لاتخاذهم وسيلة للدعاية لها . وفى 7 أكتوبر 1933 نشرت مقالا هاجم فيه كاتبه موسوليني قائلا : أنه " آخر من يجب أن نتحدث عنه فى مصر .. فهو الذي اغتصب منا جغبوب والذي يتهيأ فى أقرب فرصة لغزو مصر , والذي يقتل أبطال المسلمين فى طرابلس بلا حساب , والذي لا يمثل لنا شيئا جليلا". وفي عام 1934 زار أحمد حسين ايطاليا وعاد منها ليكتب مقالين احدهما بعنوان :" أربعة أيام فى نابلي وفى روما , أو لقد خيبت ايطاليا حسن ظني فيها " والثاني بعنوان :" نذير مصر الفتاة فى روما " وقد نشر هذان المقالان مع مقال ثالث تحت عنوان :" للعبرة الاستعمار الايطالي فى طرابلس الغرب وفظائعه " فى جريدة الصرخة مما اعتبرته ايطاليا تحريضا على كراهتها وازدرائها وتحقيرها فطلبت من وزارة الداخلية أن تتدخل فى الموضوع فكلفت الوزارة النيابة برفع الدعوي العمومية.

فعلاقة مصر الفتاة بإيطاليا منذ قيامها إذن لم تكن علاقة مودة وتقرب وإنما كانت علاقة جفاء وخصومة وقد ظلت كذلك حتي كانت الحرب الإيطالية – الحبشية التى وقف فيها أحمد حسين موقفه المعروف حين أعلن أن مصر لا تكسب قليلا أو كثيرا بمعاداة ايطاليا وهو موقف قد يكون منشؤه كراهة انجلترا وليس حب ايطاليا فترتب على ذلك أن اتهمت دعوته بأنها دعوة مدسوسة وأن للإيطاليين فيها دخل ومنذ ذلك الحين ظلت هذه التهمة تتأرجح بين الشك واليقين حتى ألقي النحاس باشا بيانه السالف الذكر الذي قرب به هذه التهمة خطوات كثيرة من باب اليقين .

وهنا نصل إلى تقويم بيان النحاس بابا من الناحية التاريخية . أن هذا البيان الخطير على الرغم من إلقائه فى قاعة مجلس النواب وعي الرغم من صدوره من رئيس الحكومة وزعيم الغالبية الشعبية فى الوقت نفسه إلا أنه لا يمكن أن يرتقي من كونه بيانا سياسيا عن خصم سياسي ليصبح حكما قضائيا دامغا . وهناك جملة أسباب لذلك أولها أنه يستند إلى تقارير وضعت ف عهد الحكومة الوفدية أى فى عهد حكومة تخاصم جمعية مصر الفتاة . وهذا وحده يلقي الشبهات حول قيمة هذه التقارير وعلى واضعيها, ويلق بالشبهات بالتالي على البيان السياسي الذي بني عليها لأن ما بني على ضلال فهو ضلال .

ثالثا– أنه على الرغم من أن النحاس باشا قد أكد أنه قد تثبت بنفسه من الأدلة التي قدمت إليه قبل إلقاء بيانه . إلا أنا لا يجب أن ننسي أن النحاس باشا كان خصما سياسيا لجمعية مصر الفتاة والخصم لا يصلح أن يكون حكما فيها فهي أدلة مشكوك فيها والشك لمصلحة المتهم على الدوام .

بقيت خطة مصر الفتاة بإزاء ايطاليا . وفى الواقع أنه على الرغم من أننا سوف نري العلاقات بينهما تتحسن بعد أن يرفع أحمد حسين علم الفاشية عاليا فوق درا حزبه , إلا أن هذا الارتباط الإيديولوجي – كما ذكرنا – لم يكن من شأنه إيجاد رابطة ولاء أو تبعية كما هو الحالة فى الشيوعية . ولذلك فإننا سوف نري جريدة مصر الفتاة تهاجم المارشال بالبو أثناء زيارته لمصر عندما أدلي بتصريح تحدث فيه عن حماية ايطاليا للإسلام فقد ندت " باليد الثقيلة القاسية التي يبسطها لجنرال بالبو على أهل طرابلس والعنف والابتكار فى ألوان الاضطهاد الذي يعامل به سكانها". ثم تقول إن من الإسلام أن يثور أهل طرابلس على الحكم الإيطالي لبلادهم فى ماضيه وحاضره ومستقبله .

وفى رأيي أن أحمد حسين لم يكن عميلا لايطاليا وإن اتهام النحاس باشا له بأنه كان يعمل ضد مصلحة وطنه كان إسرافا فى الاستنتاج لأن الخط السياسي الذي انتهجه أحمد حسين على الرغم من أنه كان يبتعد عن الخط السياسي للكثرة الجماهيرية إلا أنه كان بعيدا أيضا عن الالتقاء مع الخط الاستعماري لايطاليا وهو ما يكشفه بوضوح سوء علاقاته بهاء.

على أن اتهام النحاس باشا – مع ذلك – كان لابد أن يترك أثره المحتوم . فكما يقول أحمد حسين :" شرع كل مصري يعتدي علينا , فلا نجد بوليسا يجرؤ على مؤاخذته, ولا نيابة تجرؤ على محاسبته لأنه يضرب فى لأشخاص قال عنهم رئيس الوزراء أنهم خونة صنيعة دولة أجنبية, وفى مذكرة رفعها أحمد حسين إلى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ قال إن أعضاء الجمعية كانوا محل اعتداء على طول الخط فى جميع أحاء القطر . ففي المحلة وفى منوف وفى بورسعيد وقعت حوادث كان جنود مصر الفتاة فيها محل اعتداء شنيع. وقد قرر الأستاذ مصطفي مرعي , الذي كان يترافع في حادثى دمنهور التي وقعت يوم 2 أغسطس 1936 بين القمصان الخضر والقمصان الزرق أ، هذا الحادث يعتبرا أثرا من آثار السخط على جماعة مصر الفتاة بعد تصريح النحاس باشا . وقال أنه ترتب على هذا التصريح أن اعتقد رجال الإدارة أن واجبهم ترضية الحكومة عن طريق مطاردة رجال مصر الفتاة والتهاون فى حمايتهم .

على أن أحمد حسين بعد أن تلقي الضربة الأولي لم يلبث أن استجمع قواه جنوده من مركز الدفاع إلى مركز الهجوم وقد ساعده على ذلك عاملان أولهما : أن النحاس باشا إزاء النقد المستمر والعنيف من الصحف المعارضة والأجنبية لفرق القمصان الزرق – وهو النقد الذي بلغ ذروته فى هجوم النقراشي على هذه الفرق قد أخذ يراجع نفسه دستوريا فى جدوي بقاء هذه الفرق , وأخذ من ثم يصدر التعليمات واللوائح لتحويل هذه الفرق إلى مجرد فرق رياضية وحرم عليها حمل السلاح – كما ذكرنا . ثانيا أنه فى الوقت الذي كان النحاس يعمل فى إضعاف شوكة فرق القمصان الزرق, كان القصر ورجال الأحزاب الأخري يعملون على تدعيم فرق القمصان الخضر وتعزيزها لمساندتهم فى المؤامرة التي كانت تبيت للحكم الدستوري من جهة ولحمايتهم من سخط الشعب عندما أخذت تفوح رائحة الإقالة . ومن الثابت أن فرق القمصان الخضر كانت تقوم على ذلك الحين بمهمة حراسة خصوم الوفد ففي مقال لجريدة مصر الفتاة فى معرض تعيير زعماء الأحزاب بفضلها عليهم قالت :" كانوا لا يستطيعون عمل اجتماع صغير أو كبير إلا بعد أن يمدهم جنود مصر الفتاة بحمايتهم "!.

وهكذا تجاوز الصراع بين مصر الفتاة والوفد كل حد . وبلغ ذروته حين أقدم عز الدين عبد القادر على محاولة اغتيال النحاس باشا يوم 28 نوفمبر 1937 وقبض على أحمد حسين وفتحي رضوان ومحمد صبيح والدكتور نور الدين طراف وغيرهم من أعضاء مصر الفتاة وبدا كان نهاية الجمعية متآمر كثير الشغب وأداة فاشية يعظم خطرها فى يد القصر وأحزاب الأقلية ولكن إقالة النحاس باشا بعد شهر واحد غيرت مصير الجمعية وانتقلت بها إلى مرحلة جديدة وطور جديد.

ارتفاع المد الفاشي

سقطت حكومة الوفد . وجاءت حكومة محمد محمود باشا . فأصبح جميع حلفاء أحمد حسين القدامي فى مركز السلطة : ففي الديوان الملكي علي ماهر باشا وفى رياسة الحكومة محمد محمود باشا وفي وزارة المعارف بهي الدين بركات باشا وفى وزارة الصحة محمد كامل البنداري باشا وفى كل ركن من أركان الوزارة أو دوائر الحكومة حليف من حلفاء الأمس – على حد قول أحمد حسين وفى يوم 8 يناير تم الإفراج عن أحمد حسين وفتحي رضوان ومحمد صبيح ونور الدين طراف وغيرهم من أعضاء مصر الفتاة .

وقد سارع أحمد حسين إلى الاستفادة من الظروف المواتية فعقد مؤتمر كبير دعا إليه محمد علوبة باشا وحامد العلايلي بك وحسن أنيس باشا وعبد الله لملوم بك وغيرهم ووقف يهاجم أعمال الوزارة الوفدية ويصف سياستها بأنها " سياسة تخريب وخيانة للقضية الوطنية " ثم اتهم مكرم عبيد باشا بأنه " يريد أن يجعل نفسه زعيما للقبط , ويدفع بهم إلى إحاطته إحاطة السوار بالمعصم " – إلى آخر هذه النغمة الممقوتة القديمة ... . وقد ظهرت " القمصان الخضر " فى هذا المؤتمر على الرغم ما صرح به محمد محمود باشا من أنه لن يسمح ببقاء حركة القمصان الملونة . فقد حضر رئيس فرقة المجاهدين فى حزب مصر الفتاة بلباسه الأخضر , وصرح فى المؤتمر بأنه كان من المنتظر أن تظهر الأقمصة الخضراء فى الاجتماع ولكن رئيس الحزب أمر بألا يظهروا , وأن يكتفي بظهوره هو بلباسه الأخضر دلالة على وجودهم واستمساكهم بمبادئهم .

وقد دل هذا الحادث على أن الحكومة تكيل بمكالين , لأنها كانت فى ذلك الحين قد هدمت معسكرات القمصان الزرق وشتت جماعتهم .

على أن هذه الظروف السياسية السالفة الذكر لم تلبث أن أخذت تنقلب إلى اتجاه معاكس , بشكل سريع ذلك أن الصراع على السلطة لم يلبث ان أخذ يقسم حلفاء أحمد حسين إلى فريقين أو إلى معسكرين حسب تعبير الدكتور هيكل : معسكر القصر ومعسكر الوزارة . أو معسكر علي ماهر باشا ومعسكر محمد محمود باشا وفيما يتصل بالمعسكر الأول فإن الدور الذي رسمه علي ماهر باشا لوزارة محمد محمود باشا كان يقضي بأن تكون وزارة انتقال بين حكم الأغلبية وحكم القصر المباشر أو بمعني آخر أن تكون سلما يوصله إلى كرسي رياسة الوزارة وكان علي ماهر باشا قد أبعد نفسه عن كرسي الحكم عمدا بعد إقالة النحاس باشا لأسباب هامة : أولها, أنه أراد ألا ينكشف أمام فاروق كطامع فى الحكم , فى الوقت الذي يريد الظهور فيه فى مظهر المتعفف الزاهد فى كل شئ إلا فى خدمة مولاه .. ثانيا أنه كان يخشي أن تعقب إقالة النحاس باشا حوادث جسام يضطرب فيها الأمن وتغرق فيها البلاد فى الفتنة فيواجه هذا الموقف العصيب وحده فيجهض فرصته فى الحكم لفترة أطول وأكثر أمنا وكان للقمصان الزرق نصيب فى إيجاد هذا الجو من الرهبة . ثالثا , أنه كان من المهم جدا بالنسبة له توفير جو الاستقرار اللازم لبقائه فيما بعد فى الحكم لمدة دائمة . وكانت الوسيلة لذلك تحطيم قوة الوفد وقوة الأحزاب . وكان تأليف وزارة محمد محمود باشا وفيها كل هذا الحشد من رؤساء الوزارات لسابقين ورؤساء الأحزاب الموجودين فى ذلك الوقت يحقق هذا الغرض لأن قيام التصارع بين هذه الوزارة والوفد من شأنه أن ينهمك الطرفين معا فيها لكان معا فلا تكون هناك قوة سوي قوة علي ماهر باشا ليحكم البلاد بلا نزاع. على هذا النحو كانت نظرة علي ماهر باشا إلى وزارة محمد محمود باشا . وكان فى هذه النظرة مطمئنا إلى حقيقة بارزة فى هذا الموضوع هي- كما يقول أحمد حسين – أنه إذا حان وقت التغيير فلن تكون هناك حاجة لإقالة محمد محمود باشا " فهو ليس كالنحاس , ويكفي أن يوعز له جلالة الملك بالاستقالة لكي يستقيل " وهذا ما حدث فعلاء على أن نظرة محمد محمود باشا إلى وزارته كانت تختلف كل الاختلاف . فعلي الرغم من سابق تجربته مع القصر إلا أنه كان يعتبر حزبه الحزب الثاني فى البلاد ومن حقه أن يحكم باسمه لا باسم القصر . ولهذا فلما أراد علي ماهر باشا أن ينتهز فرصة الأيام الأولي فى وزارته وعرض عليه المضي فى فكرة التحكيم التي رفضتها الوزارة الوفدية قبل إقالتها وذلك بغرض إرساء الأحكام الدستورية التي تؤكد حق الملك فى أن يملك ويحكم معا – تخلص محمد محمود باشا من الاستجابة لهذا الطلب بقوله لعلي ماهر باشا : أن الأمور بينهما لن تكون فى حاجة إلى تحكيم وأن العمل سيستمر فى حدود التعاون التام .

وقد فهم علي ماهر باشا بطبيعة الحال من كلمة التعاون معني التسليم بحكم القصر وإجابة رغباته وتنفيذ إشاراته .. ولكن محمد محمود باشا لم يكن يرمي إلى هذا المعني فقد تحمل فى صبر وجلد تدخل علي ماهر المباشر فى شئون الحكم واتصاله به قبل الانتخابات فلما انتهت الانتخابات وجد من حقه أن يحكم البلاد لصالح حزبه وأن أغلبيته فى البرلمان هي مقياس تحول الرأي العام لصالحه , على الرغم أن هذه الأغلبية كانت قد جاءت عن طريق لتلاعب والتزوير وتحت سمع القصر وبصره بل وبمساهمته أيضا !.

وكان بناء على ذلك أ، رأي علي ماهر باشا أنه ن الضروري أن يعيد إلى ذاكرة محمد باشا المكدودة تلك الحقيقة التي لابد أ،ه نسيها بسبب مصي وقت طويل على بقائه خارج الحكم منذ وزارته الأولي وزارة اليد الحديدية هذه الحقيقة هي أن وزارة الانقلاب ليست سوي إطار دستوري زائف لحكم القصر الحقيقي لذلك فقد أخذ يدبر سلسلة التصرفات المشيرة والمهينة التى يرويها الدكتور هيكل فى مذاكراته والتي أشعرت محمد محمود باشا بما لا يدع مجالا للشك, وأنه لا يملك من قوة حقيقية سوي ما يستمده من سلطان الحكم وأنه رهن إشارة القصر يرتفع بإشارة منه ويسقط بإشارة منه .

فأين إذن اختار أحمد حسين مكانه فى هذا الصراع ؟ لقد اختاره بالطبع إلى جوار علي ماهر باشا فبالإضافة إلى أنه جندي أمين من جنود القصر , فإن نجاح خطة علي ماهر باشا فى الإطاحة بالأحزاب التقليدية للوصول إلى الحكم فى النهاية بعد فشل علي ماهر باشا المتوقع . يقول أحمد حسين :" إننا قوم عمليون , ولا تزال البلاد فى حاجة إلى اسم ضخم . ولما كان علي ماهر هو آخر هذه الأسماء الظنانة وهو الذي لا يزال حتي الآن بغير تجربة كاملة وهو فى النهاية جم النشاط والذكاء وهو الرجل الذي لم يفتر عن تأييدنا تأييدا كاملا طوال ست سنوات : يمدنا بالمال , ويفتح لنا بابه حيث كان فى الليل وفى النهار , وفى أى وظيفة كان فيها . فلا عجب إذا رآنا الناس نأخذ جانب علي ماهر باشا وندعو لرفعة إلى الوزارة ليكون مقدمة لحكم الشباب ومقدمة لثورة الإصلاح الكبري ".

هكذا انقلب أحمد حسين على محمد محمود باشا وعلى أصدقاء الأمس من أعضاء وزارته . وأخذ يشن عليهم هجمات اشد وأنكي مما كان يشنه الوفديون لأنها كانت هجمات الصديق الذي يعرف الكثير ليقوله والذي اشترك فى الكثير أيضا فقد فضحت جريدته فى شكل مهين كيف ألف علي ماهر باشا الوزارة لمحمد محمود باشا " باستثناء خشبة باشا الذي أدخل فى آخر لحظة "! وكيف أن علي ماهر باشا هو " الذي جعل من محمد محمود باشا بطل الانقلاب الحاضر ".

كما فضحت الجريدة تدخل الوزارة فى الانتخابات وتلاعبها فيها وتزويرها لها ومحاولة إنجاحها المرشحين الدستوريين حتي على حصاب حلفائها السعديين حتي أ، أحمد ماهر باشا هدد تهديدا صريحا بالانسحاب مع مرشحيه جملة من الانتخابات بعد أن وضحت له نوايا وزارة الداخلية ( كان يتولاها محمد محمود باشا نفسه ) وقد أبدت الجريدة لذلك استنكارها صراحة وعلانية لمحاولة محمد محمود باشا التمسك بحقوقه قائلة :" لقد سارت الأمور على الاعتراف للقصر بحقوقه فقد قبل محمد محمود باشا وزارة ألفها له رئيس الديوان ولم يتغير الأمر بعد الانتخابات فمحمد محمود باشا بعد الانتخابات هو محمد محمود باشا قبل الانتخابات , وتساءلت الجريدة أيضا : هل طردت حكومة الأغلبية من الحكم ليجئ محمد محمود ويطالب بمطالب منعت عن حكومة الأغلبية من الحكم ليجئ محمد محمود باشا ويطالب بمطالب منعت عن حكومة كانت تدعي يوما ا، الأمة معها ؟ وثم نقلت الجريدة فى صراحة مذهلة رأي الديوان الملكي فى الأغلبية التي حصلت عليها الوزارة نتيجة الانتخابات المزورة فقالت :" إن الديوان الملكي يعتقد أن الأغلبية التى نالتها الوزارة لا تدل فى وضوح تام على أن الرأي العام متجه ناحية حزب من الأحزاب !" وكانت قمة الاستهانة بمحمد محمود باشا حينما تحدثت الجريدة عن الأزمة بينه وبين القصر فوصفتها بأنها وصلت إلى درجة " اقتنع معها القصر أن محمد محمود باشا لا يصلح بحال لأن يكون طرف تعاون مريح يطمأن إلى بقائه واتجهت النية إلى قبول استقالته أن هي عرضت ! ولكن علي ماهر باشا هي الذي رجا بالحاح فى عدم قبولها حتي لا ينسب إليه كثرة تعديل الوزارة !".

القصر بين الأوتوقراطية والفاشية

بينما كانت الأمور تجري على هذا النحو بعد أن دب الخلاف بين الشركاء على قسمة الغنيمة التي وصلت إليهم دون كد أو جهد . حدث حادث صغير قد له أن يقلب علاقة أحمد حسين بعلي ماهر باشا رأسا على عقب كما انقلبت من قبل بينه وبين محمد محمود باشا وغيره من أصدقاء الأمس ذلك الحادث هو تعيين كامل البنداري باشا كيلا للديوان الملكي على اثر أزمة ثقة بينه وبين رئيسه ورئيس حزبه محمد محمود باشا .

ومحمد كامل البنداري باشا شخصية فريدة فى التاريخ المصري المعاصر لم تلق عناية بعد من المؤرخين المصريين , رغم أهمية الدور الذي لعبه فى هذه الفترة وسيطرته على مقدرات البلاد وكان من قبل تعيينه وكيلا للديوان الملكي وزيرا للصحة فى وزارة محمد محمود باشا " وحرا دستوريا صادق الولاء لحزبه "- كما يقول الدكتور هيكل وكانت قد نشأت علاقة وثيقة بينه وبين زعماء حزب مصر الفتاة عندما تولي الدفاع عنهم فى قضية الاعتداء على حياة النحاس باشا .

ويبدو أنه تأثر بمبادئ هذا الحزب وشعاراته عن التغيير , أو حدث التقاء بينهما فى وجهات النظر , فيقول أحمد حسين  : إن الرجل كان له مثل أعلي اصطنع نفسه من أجله ذلك المثل الأعلى هو " هذه الأهداف التي تسعي لتحقيقها مصر الفتاة فى النواحي السياسية والخلقية والاجتماعية وأن يتجه إليها بكل إيمان والعزيمة والعمل السريع ويقول البنداري نفسه أنه ناصر مصر الفتاة لمبادئها ولأنها كانت فى نظره تمثل " نتاجا جديدا من الثورة " ونبتا من الشباب.

ولهذا فعندما اختاره محمد محمود باشا وزيرا للصحة فى وزارته لم يلبث أن أخذ يشكو من أن زميله فى الوزارة والحزب قد أصبح أسير مبادئ انتعشت فى مخيلته وتجسمت عقيدته فقد كان أسير فكرة الدم الجديد ( التي تمثلها مصر الفتاة ) وثائرا على الجسم الوزاري الذي يشمله كما شكا محمد محمود باشا من أن البنداري أصبح دعاية ضد حكمه لا يعجبه أسلوب الحكم ولا وجهات الحكم .

وما حدث بعد ذلك ليس من اليسير حسمه : ففي حديث شخصي مع البنداري ( باشا) ذكر لى أنه بعد أن نقد الوزارة مرتين علنا فى خطابين ألقاهما فى وسط الشباب حصل شبه اتفاق داخل الوزارة على أنه سوف يستبعد منها إعادة تأليفها بعد الانتخابات وأنه كان يعرف ذلك على أنه فوجئ بعد تأليف الوزارة الجديدة بأن القصر الملكي يطلبه فذهب وكان أعضاء الوزارة الجديدة هناك ودعي لمقابلة الملك حيث طلب إليه أن يكون معه وكيلا للديوان وأن ذلك كان مفاجأة له ولكن الملك ألح عليه ثم زاره علي ماهر باشا ليقنعه بالقبول وكان واضحا أنه يكلمه باسم مولاه لا باسمه هو حتي قبل المنصب .

على أن مصدرين هامين آخرين يعالجان الموضوع من ناحية أخري على أساس أنه كانت هناك اتصالات بين البنداري باشا والقصر أثناء وجوده فى الوزارة وأ،ه كان بسبب هذه الاتصالات أن استبعد من الوزارة .. وأول هذين المصدرين فكري أباظة الذي كتب فى أثناء الأزمة بين البنداري باشا وعلي ماهر باشا مقالا طويلا وهاما تحت عنوان :" البنداري " ذكر فيه أن محمد محمود باشا كان يشكو من أن البنداري باشا كان ينفث خيالاته عن أسلوب الحكم ووجهات الحكم فى أرجاء السراي فترد الصدي أما المصدر الثاني فهو الدكتور هيكل زميل البنداري باشا فى الوزارة وعلي ماهر باشا أنه قيل فى ذلك الحين أن محمد محمود باشا لم يرشح كامل البنداري باشا لعضوية الوزارة الجديدة بحجة أنه رجل علي ماهر وأنه ينقل إليه ما يجري في مجلس الوزراء , ولم يكن محمد باشا ينكر أن يطلع الملك على ما يشاء من شئون الدولة لكنه كان يري أن يكون رئيس الوزراء هو وحده الذي ينقل إلى جلالة الملك مباشرة أو عن طريق الديوان ما يريد الوقوف عليه أما أن يصطفي رئيس الديوان وزيرا من وزرائه ينقل إليه ما يجري فى الوزارات وفى مجلس الوزراء فذلك مظهر من مظاهر عدم الثقة برئيس الوزارة وهو بعد عمل لا يليق أن يقوم به وزير..

ويقول الدكتور هيكل أنه عندما عرف ذلك رأي أن الخلاف يجسم فى غير موجب . فإذا صح أن البنداري باشا نقل إلى علي ماهر باشا شيئا من أنباء الوزارة فلا شبهة فى أنه أجاب عن حسن قصد عن أمور سأله رئيس الديوان عنها اقتناعا منه بأن تعاون الوزارة والديوان يحقق من المصلحة ما لا يحققه اختلافهما ولو أن رئيس الحزب نبهه ألا يتكلم مع رجال القصر إلا فى شئون وزارته لفعل واستطرد الدكتور هيكل قائلا : أ،ه قابل محمد محمود باشا فى كلوب محمد على بحضور لطفي السيد باشا وشرح له حجته وعاونه لطفي باشا على إقناع رئيس الحزب بأن كامل باشا لا يصح أن يكون موجبا لخلاف يستطيع علي ماهر باشا أن يستفيد منه إذا أدي الأمر إلى قطيعة .

على كل حال فعلي حسب الرواية التي يذكرها الدكتور هيكل فإن علي ماهر باشا حين رأي أن محمد محمود باشا لم يرشح البنداري باشا للوزارة الجديدة لهذا السبب رأي أنه مما يجرحه ويجرح اصطنعه " فالديوان هو سند الوزارة ومن حقه أن يطلع على كل ما دق وجل من شئونها لذلك فلما قدم محمد محمود باشا مرسوم الوزارة الجديد دون أن يون فيه اسم البنداري باشا نصح علي ماهر باشا الملك بأن يستبقيه ويكلفه بتقديم كشف آخر فلما جاء هذا الكشف خلو أيضا من اسم البنداري استبقي كذلك كما استبقي كشف ثالث وكشف رابع وكشف خامس – على نحو ما يرويه الدكتور هيكل – حتي رضي محمد محمود باشا أخيرا بتقديم كشف جديد فيه اسم كامل البنداري باشا ولكن إرادة علي ماهر باشا شاءت الاكتفاء بذلك فبعد أيام صدر مرسوم الوزارة الجديد دون أن يكون فيه اسم البنداري باشا وفى الصباح الباكر من غداة ذلك اليوم نشرت الصحف أمرا ملكيا بتعيين كامل البنداري باشا وكيلا للديوان الملكي!.

انتقل كامل البنداري باشا إلى معسكر القصر . ولكنه لم ينتقل إلى معسكر علي ماهر باشا ! فلقد ذكرنا أن البنداري باشا كان أسير فكرة الدم الجديد ولما كان علي ماهر باشا من رجال الدم القديم فقد كان ذلك كافينا ليتجه كامل البنداري باشا اتجاها آخر . وعلى ذلك فلم يكد يمضي شهران على تعيينه حتي كان علي ماهر باشا يرفع عقيرته بالشكوي , فقد نمي إلى عمله أن البنداري باشا أصبح رسول فكرة الدم الجديد فى القصر وداعية من دعاتها كما نقل إليه البعض أن البنداري باشا قال عنه أنه " عجز"!. ثم رفعت إليه تقارير تفيد أنه اجتمع ببعض الشبان البارزين فى مختلف الأحزاب , وتحادث معهم فى الشئون العامة ففهموا منه أن الملك يعتزم إجراء تطوير إداري , وأن يؤلف وزارة منهم نابذا العنصر القديم نبذ النواة . كما عرف علي ماهر أيضا أن البنداري باشا أصبح محورا الختام مصر الفتاة وأنه يتكلم معهم باسم مولاه لا باسمه هو وصار معلوما أنه يساندهم .

على أن أخطر ما فى الأمر كله , إن فاروق قد أصبح أسير البنداري وأسير فكرة الدم الجديد فقد كان من الطبيعي أن يشده هذا المعسكر الذي يتخذ " الملك" ركنا ركينا فى شعاراته والذي تقوم خطته على تزعم " الملك الشاب" للنظام الجديد وأن يؤثر هذا المعسكر على المعسكر الذي يتزعمه علي ماهر باشا والذي يقوم على الاحتفاظ بالإطار الديمقراطي , ويستعين بالأحزاب التقليدية القديمة ورجال الحكم الذين خاضوا المعارك الدستورية ضد والده الملك فؤاد , ويزعمون لأنفسهم الحق فى حكم البلاد لصالح أحزابهم . لقد أحس فاروق بأ،ه ينبغي أن ينتقل من الديمقراطية العفنة القديمة إلى النظام الفاشي الجديد , وكانت تلك هي القضية التي أصبحت تقسم القصر حولها إلى معسكرين متصارعين : معسكر البنداري وتؤيده مصر الفتاة ومعسكر علي ماهر باشا وقد باتت تؤيده الوزارة وأصر علي ماهر باشا على إخراج البنداري!

وكان من الطبيعي أن تتسرب أخبار هذه المعركة التي تدور داخل القصر إلى الصحف . فكتبت الصنداي تايمز تقول :" إن الوزارة الائتلافية الحالية قد تكون آخر محاولة لحفظ مظهر الحكم البرلماني الديمقراطي فى مصر " بينما خرجت " مصر الفتاة " بمقال خطير تحت عنوان :" إذا أخرج البنداري باشا من القصر فسيكون إخراجه آخر محاولة للديمقراطية للدفاع عن نفسه" وفى هذا المقال الهام أشارت المجلة إلى ما سبق أن أوردته عن التيارات التي ي تفق مع رغبة مليكها وطموحه إلى أن تحتل بلاده أرفع مركز بين الدول" وقالت : إن القراء " يذكرون أننا كتبنا أكثر من مرة عن حديث الديمقراطية وكيف ينبغي أن تفهم . وذكرنا أن الحياة الدستورية بوضعها الحاضر لم تعد لتلائم حاجات البلاد ولا تساير نزوح الشعب إلى مستوي أكرم من المستوي الذي هو عليه اليوم فتجربة البرلمان والحياة النيابية منذ أربع عشرة سنة دلت على أن الحكم عن طريقها وبوضعها هاذ دون تعديل جوهري , ابعد عن أن يفيد البلاد , بل على العكس قدم لها كل ضرر وآذي . فما دخلنا انتخابات إلا وخرجت الأمة منها منهوكة الأعصاب محطمة القوي . وليس حديث الانتخابات الأخيرة بسر حتي نعيده إلى الأذهان . ومن حسن الحظ أن كثيرين من الرجال , ومن الدوائر المسئولة بدئوا يحسون بالحاجة الماسة إلى إجراء هذا التعديل وأن يضربوا صفحا عن عربدة النحاس باسم الدستور وضجة وضجيجه بعد أن ثبت أن صياحه لا يساوي خردلة فى السياسة المصرية فكل تعديل قادم سيدل على طبيعة الاتجاه المنتظر : إما إلى العدول عن التجربة الدستورية إلى حكم ديمقراطي آخر يمتاز بسمة القوة والحرية والرغبة الصادقة فى الإنتاج , أو إلى المضي خطوات أخري فى متابعة التجربة الحاضرة , ونحن نعتقد أنه إذا كان من مظاهر هذا التعديل خروج البنداري باشا من القصر فسيكون إخراجه لحساب السياسة الحاضرة وسيكون آخر جهد تحاول به الديمقراطية أن تدافع عن نفسها "

على أن علي ماهر باشا لم يلبث أن أخطأ خطأ سياسيا جسيما كلفه بقاء كامل البنداري باشا فى القصر سنة كاملة , وخطوته لدي مولاه , ففي محاولة للضغط على فاروق وتهديده طلب مقابلة النحاس باشا رغم الدور الذي لعبه فى إقالته قبل بضعة أشهر . وتقول المصري أنه ألح وألحف فى الطلب . فاشترط النحاس أن تتم المقابلة فى بيته فى سان استفانو وإلا فهو معتذر عن مقابلة رئيس الديوان ولم يسع علي ماهر إلا النزول على شرط النحاس باشا .

وتمت المقابلة الشهيرة فى صيف عام 1938 التي أسئ فهمها فى ذلك الحين وفيما بعد . فقد فهمتها دوائر الوزارة على أنها موجهة ضدها كما فهمها التابعي كذلك . ومن الغريب أن أحمد حسين رغم قربه من مسرح الحوادث أساء فهمها هو الآخر فكتب يعزو طلبها من جانب علي ماهر باشا إلى رغبته فى التودد إلى النحاس باشا حين رأي فرصته فى الحكم قد دنت بسبب إفلاس وزارة محمد محمود باشا ( كان قد انقضي على تأليفها شهران فقط)!.

وواضح أن هذا السبب لا يبرر مقابلة علي ماهر باشا للنحاس باشا لأن علي ماهر باشا لم يكن لينتظر من النحاس باشا أن يؤيده في اعتلاء الحكم وهو يعلم أن هذا معناه انتقال الحكم إلى القصر بشكل مباشر . وفى الواقع أن المقابلة لم يكن لها هدف سوي ما ذكرناه وهو الضغط على فاروق وتهديده بالتعاون مع الوفد ليستجيب لرغبته ويقيل البنداري باشا ولكن المحاولة أنتجت أثرا عكسيا لأن فاروق – كما يقول أحمد حسين – غضب على رئيس ديوانه " ولأول مرة نظر إليه بغير العين التي اعتاد أن ينظر إليه بها ".

ولقد ترتب على ذلك بقاء البنداري باشا فى القصر سنة تقريبا ارتفع فيها المد الفاشي فى البلاد إلى أعلي ذراه , وعلى النحو الذي كان له تأثيره على الرأي العام حين نشبت الحرب العالمية الثانية ووقف الشعب المصري فيها عاطفيا مع الألمان .

أحمد حسين يرفع علم الفاشية عاليا فوق الحزب

اتبعت " مصر الفتاة " الخطوط الرئيسية الآتية فى الدعوة للنظام الفاشي :

أولا – مهاجمة النظام البرلماني فى عنف وإعلان إفلاسه فى تحقيق مطالب الشعب الوطنية والاجتماعية والاقتصادية ووجه المفارقة فى هذه النقطة أن الذين كانوا يقومون بمهاجمة النظام الديمقراطي هم المسئولون الرئيسيون عن فشله . لقد كتبت جريدة مصر الفتاة تقول :" نكره هذا النظام البرلماني الذي يقوم على تعطيل الأعمال وتعويق الإنتاج والذي يحول البلاد غلى مسرح من مسارح الخطابة والتمثيل : يجوع الناس والنواب يتخاصمون . والأمة يهددها الخطر من الداخل والخارج , ومحاضر الجلسات لا تضم إلا مناقشات أفلاطونية تؤخر أكثر مما تقدم والشعب فى حاجة إلى إنتاج وإلى إصلاح وإلي تجديد وإلى وثبات – والبرلمان لا يساير هذه الرغبة ولا يشبعها ونحن نريد فى نهاية الآمر نظاما تكون الكلمة فيه للجهال وهم في كل مكان الأكثرية بل نريد حدودا تحمي أصحاب الأذهان والمفكرين والأكفاء لتنتفع بهم الدولة " وواضح أن أحمد حسين يقصد " بالجهال" الكثرة الجماهيرية لأن هذه الكثرة هي التي لها الكلمة فى النظام الديمقراطي !

ثانيا – مهاجمة ساسة الجيل القديم كلهم ( وفدا وأحزابا)والدعوة لحكم جيل جديد على رأسه ففاروق :" هذا ملك شاب بتولي عرش بلاد فتية تريد أن تسير بل تركض حتي لا يدركها أحد ولا يشبهها شئ وهؤلاء ساسة الجيل القديم جاء الملك فوجدهم يسيطرون على مقدرات هذه الأمة بعقليتهم وتفكيرهم وأساليبهم التي كانت تصلح فى أيام ماضية فلم يصح فى منطق الحياة وطبيعة الزمن أن تصلح اليوم لم يكن اصطدام العهد الفاروقي بالوفد :

رئيسا وحكومة سياسة ألا مظهر هذه الحياة الجديدة التي تتمشي فى أوصال هذه الأمة مستمدة من حياة مليكها الشاب . ولم يكن سقوط هذا الجيل من الساسة القدماء فى احد معسكراتهم ونعني به المعسكر الوفدي إلا لعجزهم عن فهم هذه الحقيقة ومحاولتهم الوقوف فى طريق القدر وثمة معسكر جديد من معسكرات الجيل القديم يتولي اليوم الحكم فيه فطنة أكثر قليلا من فطنة ذلك المعسكر الذي أقصي ... وأنه ليسرع الخطي عسي أن يساير عجلة الزمن ولكن بعد يومين سيدركه اللغوب ويلهث. فإن أدركته عناية الله فسيهتدي إلى أ، ما قدم من عمل صالح هو كل ما يستطيع وأن من الخير أن يركن إلى الهدوء والراحة , ويراقب حيث هو هذه الكتائب الشابة الزاحفة وعلى رأسها الفاروق سيد شباب هذا العصر وأكثر أبناء مصر فهما لرسالة الشباب وإحساسها بها وتكيفا لها في أن تضع أقدامها ثم تشق طريقها ".

ثالثا – الدعوة لحكم مصر الفتاة على أنقاض العهد القديم ورجاله ولهذا غير أحمد حسين اسم مصر الفتاة من جمعية إلى حزب .. وكان أحمد حسين فى ذلك الحين يعتقد أنه قد بلغ درجة من القوة يستطيع بها الوصول إلى الحكم " بعد ثلاث سنوات " فقد ألقي خطبا فى شهر يونيه 1938 أعلن فيه أنه لن تمضي ثلاث سنوات حتي يصل إلى الحكم هو وحزبه " فلم أكد ألقي هذا التصريح حتي استبشرت به الأمة فرحا أما الشيوخ ورجال السياسة فقد أخذوا يسخرون ويهزئون وكذلك سخروا من قبل على كل مصلح وصاحب فكرة وإرادة , سخروا من هتلر وسخروا من موسوليني, ومن مصطفى كمال . ونحن لا يزعجنا ذلك بل يزيدنا إيمانا,نحن نريد الحكم لا لأننا نريد مالا أو جاها أو سلطانا.ز وإذا قدر لي أ، أكون فى الحكم " سوف ننصب موازين لنحاكم هؤلاء الذين أجرموا فى حق هذا الوطن , هؤلاء الذين خانوه وخانوا الشعب واستغلوا جهوده ونهبوا أمواله ".

رابعا – رفع راية الفاشية على الحزب رأي أحمد حسين من المناسب أن يرفع هذه الراية ن فوق مسرح الفاشية والنازية فى ايطاليا وألمانيا فقام برحلة إلى هذين البلدين وفى خلالها مر بانجلترا حيث أعلن من لندن " أنا سوف نثبت جدارتنا بالسير ببلادنا فى هذا الطريق الذين سلكه من قبل هتلر وموسوليني لا بل سوف نستطيع أن نحقق ما عجز عن تحقيقه " وفى ألمانيا صرح بأنه جاء إليها لتحقيق غرضين الأول زيادة معلوماته الخاصة وتجاربه بزيارة المنشآت الصناعية والاجتماعية والاطلاع على أساليب الجيش والطيران ومصانع الذخيرة وطريقه سير العمل فى إدارات الحكومة والمرتبات وأجبره العمل ودخل الفلاحين ( استعداد للحكم)!.

أما الغرض الثاني , فهو مقابلة أقطاب حزب النازي ومعرفة تاريخ الحزب وتحوله ومنشآته. وقد زعم فى حديث له فى ايطاليا أن " كل الشباب معنا , وكل طبقات الشعب المظلومة , وما أكثرها فى مصر معنا كذلك " كما صرح لجريدة " لافور فاشيستا" بأن حزبه يسير على مبادئ العصر الجديد " وأن مبادئه" تتشابه مع مبادئ روما وبرلين" " ونحن نرغب فى أن نقلد زعيمكم الدوتشي فيما أدخله من الإصلاحات الاجتماعية . ولهذا فإنني سأدرس قوانين العمل والنقابات التعاونية والأعمال الاجتماعية السارية فى بلادكم " وقال أيضا أن شبيبة حزب مصر الفتاة " تعتقد أن الدوتشي هو منشئ قواعد السياسة الاجتماعية الحديثة فى هذا العصر "

حديث له مع جريدة " جرنالي دي جنوا " أكد أن " الفاشية فيها الكثير من الإسلام " واعتبر الفاشية ديمقراطيا ونظاما دكتاتوريا وأن انكلترا وفرنسا تختصان بالديمقراطية وإيطاليا وألمانيا بالدكتاتورية. كلا يا صديقي هي ديمقراطية واحدة ولكنها مختلفة الصور حسب تقاليد كل أمة وعاداتها وما يتفق مع طبيعة شعبها دعني أقول لك أن ما أراه هنا هو الديمقراطية بعينها إذ ما هي الديمقراطية ؟ أليس معناها حكومة من الشعب تعمل لأجل الشعب لا لمصلحة فرد أو جماعة ؟ وهذا ما أراه مطبقا هنا على أجمل الصور ". ثم هاجم " النظم البرلمانية كما رسمتها فرنسا " وقال : أنها بضاعة أجنبية لن تعيش فى مصر ولنتروج ولا يمكن تطبيقها تطبيقا كاملا.

ومع ذلك سوف نسعي بهذه الطرق الدستورية الموجودة الآن فى مصر للوصول إلى الحكم وبعدها يكون لنا رأي آخر إذ يجب أن يعاد النظر فى هذا الدستور ليكون أكثر اتفاق مع حاجات مصر الحقيقية على أن أحمد حسين عاد فصرح بأن حزبه قد يلجأ إلى الثورة رغم أنه لا يبغيها :" نحن لا نبغي الثورة ولكننا قد نلجأ إليها إذا وجدنا مساومة أو مقاومة تبغي الانتقاص من حرية البلاد وحق الشعب ".

وفى أثناء زيارة أحمد حسين لإيطاليا عرض على موسوليني فكرة تعاون حركة مصر الفتاة مع ايطاليا ولكن الدوتشي اعتذر احتراما لاتفاق " الجنتلمان" الذي عقده مع انجلترا لتهدئة الحرب الباردة وكان اعتذاره قد وقع فى 17 أبريل 1938 أى قبل زيارة أحمد حسين لايطاليا بأربعة أشهر تقريبا وهذا الكلام يتفق مع حقيقة أن نشاط الدعاية الإيطالية الموجهة بالراديو ضد بريطانيا انتقل فى عام 1938 بعد هذا الاتفاق إلى ألمانيا .

وعندما عاد أحمد حسين إلى مصر يوم 14 أغسطس 1938 أخذ يواصل دعوته للفاشية ويجتذب إليها طبقات العمال :" ماذا فعل هتلر وموسوليني من أجل العمال فى ألمانيا وايطاليا ؟ لقد تولي موسوليني الحكم وبعده هتلر , وفي بلد كل منهما ملايين من العاطلين فإذا بهما يجعلان علهما الأول أن يوجدا عملا لكل عاطل , فكان فى ايطاليا خمسة ملايين عاطل فاستطاع موسوليني أن يوجد لهم العمل فى يوم وليلة وكان فى ألمانيا أكثر من هذا العدد فاستطاع هتلر فى يوم وليلة وكان فى ألمانيا أكثر من هذا العدد فاستطاع هتلر أن يوجد لهم العمل فى يوم وليلة ... وقد رأت الدولة أن تتداخل لحماية العامل فلم يعد من الممكن فى ايطاليا وفي ألمانيا فصل عامل من العمال لأي سبب من الأسباب إلا بعد الرجوع إلى الهيئات الرسمية التي عينتها الدولة .. وقد ادوا فى أجور العمال وحددوا ساعات العمل فكانت ايطاليا أول من أدخل نظام العمل أربعين ساعة فى الأسبوع أي ست ساعة ونصف تقريبا فى اليوم أما .. ألمانيا فقد حددت العمل بثماني ساعات فى اليوم .

وفى الوقت الذي كان أحمد حسين يواصل فيه دعوته للفاشية كانت جريدته تقدم المزيد لقرائها مما يعتنقه الحزب من مبادئ هذا المذهب وفلسفته فقد نشرت الجريدة لموسوليني بحثا بعنوان :" مذهب الفاشية يتضمن المبادئ الآتية :

" الفاشية تستنكر الاشتراكية والديمقراطية والمذهب الحر"..

الدولة الفاشية تعتبر الدين مظهرا من أعمق مظاهر الروح وهي من أجل هذا لا تحترمه فحسب , وإنما تحبه وتذود عنه " . " الدولة الفاشية إرادة قوة وسيطرة.. والميل إلى الإمبراطورية أى توسع الأمم هم فى نظر الفاشية مظهر من مظاهر الحيوية " ومذهب القرن الحالي هو الفاشية : أما أنها مذهب حياة فيدل عليه أنها بعثت إيمانا وأما أن هذا الإيمان قد غزا النفوس فالدليل عليه أن للفاشية شهداءها ومن ضحوا فى سبيلها ".

كما نشرت الجريدة بحثا بعنوان :" فلسفة النازية نظرية القادة ومبدأ التصاعد أبرزت فيه ما ورد فى هذه النظرية من أن الرئيس الأعلى رجل شاءت العناية الإلهية أن تخلفه من أبناء الشعب لكي يعبر عن روح الشعب ويمثل إرادة الشعب ويكون ضمير الشعب فهو شخص يفرض نفسه على هذا الشعب فرضا بما له من صفات سامية ومميزات عالية وخصائص قدسية ترتفع به إلى مقام الإنسان الأعلى بل إلى مقام إنصاف الآلهة هذه الصفات وتلك الخصال تحمل الشعب كوحدة واحدة وكل واحد على الاعتراف به وتسليم زمامه إليه والإخلاص له والطاعة له طاعة لا نهاية لها . وقالت : إن هذه النظرية تتعارض طبعا مع نظام الديمقراطية البرلمانية" الذي هو نظام هبوط ونزول تتحكم فيه الطبقة السفلي فى الطبقة العليا وتسيطر عليها وتوجهها أني شاءت " بينما الدولة النازية تسير على منهج التصاعد الذي هو تدرج من أسفل إلى أعلي على شكل طبقات متراصة متماسكة تظل فى رقيها وسموها حتي تصل إلى القمة" ثم تناولت الجريدة طريقة الاستفتاء التي ابتدعها النازية " لكي يعرف الرئيس الأعلي أن الشعب راض على عمله واثق بكل فكرة من أفكاره " فقالت : إن هذه الطريقة هي " الديمقراطية الحقيقية لا تلك المهازل البرلمانية التي تفتخر بها الدول الديمقراطية المزعومة التي تسيطر عليها تجار الكلام المنمق وأصحاب الأقوال " كذلك أشادت فى بحث آخر بنظرية العمل فى مذهب النازية فقالت إن هذه النظرية " تمحو التناقض بين العامل ورب العمل وتسلكهما جميعا فى سلك واحد تبعا لنظرية التصاعد .. ففي المصنع يشتغل رب العمل كمرشد والموظفون والعمال كتابعين له من أجل تحقيق الأغراض الخاصة بالمصنع ومن أجل صالح الشعب وصالح الدولة " وقد أبدي أحمد حسين إعجابه كثيرا بهذه النظرية وهو فى ألمانيا , واعتبرها حلا لمشاكل العمال فقال :

" العمال مشاكل العمال أجور العمال نقابات العمال اتحادات العمال أصحاب ألأعمال , أصحاب الأعمال اليدوية أصحاب المهن الحرة المشتغلون بعقولهم الرؤساء الفلاحون كل هذه الأسماء المختلفة لم يعد لها وجود في ألمانيا الهتلرية ذلك كله بفضل جبهة العمل التي إنشائها هتلر . جاء هتلر إلى الحكم وفى ألمانيا نقابات للمهن المختلفة فقال كل هؤلاء عمال تجمعهم صفة واحدة وتلك هي صفة العمل ولست أريد أن أقضي على نظام الطبقات لأخلق مكانة تطاحن المهن والحرف. وإذن فيجب أن يصبح الجميع عمالا من طراز واحد يخضعون لنظام واحد وقانون واحد.. ففي سنة 1935 كانت جبهة العمل فى ألمانيا تحوي كل عامل سواء كان مرؤوسا او رئيسا .. وبعد أن انتظم الجميع وحدة واحدة فى جبهة العمل شرعت الدولة تعاون هذه الجبهة فى تحديد أجور العمال وأمنت كل عامل على عمله ... وهكذا قضي على الإضراب ... ولا شيوعية فلا كبير ولا صغير الكل أعضاء فى جبهة واحدة , والكل عامل يعمل لمصلحة الجماعة المشتركة .. صاحب المصنع قبل العامل يعمل للدولة وللمجموع " وقد تساءل أحمد حسين بعد ذلك عما إذا لم يكن هذا النظام " هو الحل الطبيعي لمشاكل العمل فى جميع أنحاء العالم ؟".

ووعد بأنه عند عودته إلى مصر سوف يدعو لقيام هذه الجبهة .

مصر الفتاة بين الفاشية الإسلامية

ومن العجيب أن أحمد حسين كان يري وجوه شبه كبيرة بين الفاشية والإسلام ففي أثناء زيارته لايطاليا , أدلي بحديث لمراسل جريدة " جورنالي دي جنوا" قال فيه :" أستطيع أن أؤكد أن الفاشية فيها الكثير من الإسلام , والإسلام هو أصلح النظم لحكم مصر" . وفى ترويجه لنظرية العمل فى النازية قال : إن الأخذ بها هو " الرجوع إلى المجتمع الإسلامي الحقيقي حيث لم يكن يعرف صاحب عمل ولا عامل ولم يكن يعرف حاكم ولا محكوم بل الكل إخوة متعاونون " ولا يدري الباحث هل يرجع هذا الكلام إلى قصور فى فهم أحمد حسين لتعاليم الفاشية أو لتعاليم الإسلام؟ أم أنها الرغبة فى تزويق الفاشية بالإسلام لاجتذاب الجماهير الإسلامية ؟ أن تذبذب أحمد حسين بين الفاشية والإسلامية يعتبر أحد المعالم البارزة فى فكرة النظري ففي الوقت الذي كان يروج فيه للفاشية بعبارات صريحة لا لبس فيها ولا شبهة وفى الوقت الذي كان يعترف فيه بأن حزبه " يسير على مبادئ العصر الجديد " وأن مبادئه " تشابه مبادئ روما وبرلين " كان يعلن أن هذه المبادئ فيها الكثير من الإسلام كما أخذت جريدته تدعو إلى الأخذ بالشريعة الإسلامية لتكون أساس للحياة فى مصر , وأنه يجب إعادة بناء الأمة الخلقي والاجتماعي بالرجوع إلى الدين باعتباره أساس الفضائل وقوام المجتمعات " وإنني أقول فى مقالاتي أننا لا نؤمن بالبرلمان بصورته الحاضرة بل نؤمن بالشوري كما ينظمها الإسلام وليس فى الدنيا بأسرها نظام أسمي فى الديمقراطية من الإسلام ".

وفى المدة من 10 نوفمبر إلى 8 ديسمبر 1938 نشرت جريدة مصر الفتاة عدة مقالات حرضت فيها علنا على قلب دستور الدولة وتغيره بالقوة ذلك بدعوة الناس إلى ثورة عنيف للتخلص من الدستور والبرلمان فقد نشر أحمد حسين مقالا بعنوان :" يا من بايعتموني لابد من انقلاب لابد من قوة ولا قوة بغير تضحية قال فيه :" إذا أردنا إصلاح هذه العجلة القديمة عبثا نحاول ترميها أو نغير بعض أجزائها لابد من تحطيمها تحطيما وإعادة بنائها وذلك هو الانقلاب الذي تحتاجه البلاد". ثم قال : كل ما في مصر الآن يدعو إلى عملية جراحية : نظام الحكومة وتوزيع الثروة عقلية الناس طباعهم وتقاليدهم – كل شئ يحتاج إلى انقلاب لابد من انقلاب يكتسح هذه الحشرات التي يسمونها وفدا أو نحاسا أو مكرما أو برلمانا لابد أن يشرق فى هذه البلاد عهد كله ورع ... ولن يتم إلا بواسطة الانقلاب العام الشامل ... ولا يخيفنا صراع الرجعية فى وجهنا ولن تؤخرنا محاولات اليأس من خصومنا لأن هؤلاء الخصوم هم من سوف نسحقهم "

وفى مقال آخر قال أحمد حسين ": أيها الجنود , لقد اعتزمت أن أسير إلى الأمام فإما حققت ما أصبو إليه وإما ارتقيت إلى المشنقة ! وأعدمت بأسلوب من الأساليب ! وعليكم بالتدريب العسكري احذفوه ومارسوه , وإنما لأن مصر فى حاجة إلى جنود حقا وصدقا ". وفى عدد آخر نشرت مصر الفتاة مقالا لمحمد صبيح قال فيه :" إن البلاد تريد كرامة لا دستورا , وتريد ثروة لا برلمانا وتريد صحة لا نوابا وشيوخا , وتريد جيشا ودفاعا لا خطبا وتصفيقا ". وفى عدد آخر كتب محمد صبيح يقول:" أما هؤلاء الذين سعترضون الطريق فالويل لهم ألف مرة مرة . والله لنحطمهم كما يحطم الزجاج الهش ولنمزقن أشلاءهم ونذروها رمادا فى الهواء .. فلتمتلئي الطرقات بالجثث وليصل من طلائع الجيش من يصل فليس بشئ أن نغسل غاياتنا بالدماء وأن نطهر ضمير هذه الأمة بحريق عظيم من الأحياء أجل ليس شئ مطلقا ". وعندما قدمت نظلم الحكم بالقوة دفع التهمة بأنه كان يدعو إلى حكم الشريعة الإسلامية وهذه الدعوة فى بلد دينه الرسمي الإسلام ولا تعتبر جريمة !.

على أن الحقيقة وكما سوف نري فإن الدعوة إلى حكم الإسلام كان ستارا تختفي وراءه الدعوة غلى حكم القصر وهنا تتلاقي الفاشية الإسلامية التي كان يمثلها أحمد حسين مع الإسلامية الفاشية التي كان يمثلها حسن البنا فقد كان حزب مصر الفتاة فى ذلك الحين يعد عمامة كبيرة لوضعها على رأس فاروق تلك هي عمامة الخلافة وكان الغرض من حكم الإسلام أن تحكم مصر بفاروق بوصفه خليفة المسلمين :" انظروا إلى التاج الذي يزين بلادكم وإلى العرش الذي يفيض جلالا على أمتكم أنظروا إلى القائد الذي اجتمعت عنده الدنيا بالدين – ألا ترونه لم يدع ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا مسح بيده عليها : فالجيش هو على رأسه والدين هو حاميه والشباب هو سيده وقائده , ومصر هو رمزها وأملها ,وأمم الإسلام وشعوب العربية هو ملتقي أنظارها ومعقد رجائها " " ملك فى هذه السن المبكرة يتصرف كأمير للمؤمنين حقا بل كأمير ممن يعتز بهم المسلمون فعلا , إنها إرادة الله وكلمته , إنها دعوة من الله للمسلمين فى مصر وفى جميع أنحاء الدنيا أن الكلمة اليوم وأن نجاتهم هي فى دعوتهم لدينهم .."

وهذا الهدف يفسر بعض المظاهر التي طغت على سطح الحياة السياسية المصرية في تلك الفترة وأولها – دعوة الملك الرسمية لزعماء العرب الذين وفدوا إلى مؤتمر فلسطين القاهري , وترحيبه بأمراء العرب ورؤسائهم الذين اجتمعوا فى القاهرة قبل سفرهم إلى مؤتمر فلسطين اللندني ومخاطبته الشعوب الإسلامية فى حديثه بالراديو بمناسبة شهر رمضان واهتمامه بإرسال رئيس ديوانه علي ماهر باشا إلى لندن لحضور مؤتمر المائدة لمستديرة بدلا ن رئيس الوزراء أو وزير الخارجية وكانت أبرزها حين أم الناس لصلاة الجمعة وفيهم ولي عهد الحجاز وولي عهد اليمن. بينما كانت الهتافات تشق عنان السماء تنادي به خليفة للمسلمين وقد أثارت هذه الصلاة من التعليقات فى بعض الصحف الإنجليزية والتركية ما اضطر السفارة المصرية فى لندن إلى إصدار بيان تكذيب فيه " ما ذهبت إليه بعض الصحف الإنجليزية من تفسيرات تتعلق بالهتافات التي وجهت إلى جلالة الملك فاروق بالقاهرة فى الأسبوع الماضي " وتوضح أنه " ليس هناك شئ مطلقا يتعلق بالمناداة بجلالته خليفة على المسلمين ".

مع ذلك ففي ذلك الحين كانت مصر الفتاة تنادي صراحة بخلافة فاروق وتدافع عن نظام الخلافة :" إن نظام الخلافة نفسه ليس باطلا بل هو نظام صالح وصالح للمسلمين حقا إذا وجد الخليفة الصالح ويكفي أن نذكر من أسباب صلاحيته أنه يجمع المسلمين ويوحد كلمتهم ولا يجعل من دولهم وشعوبهم كتلا متخاصمة متناطحة كما هي الحال فى أوروبا, بل يجعل منهم كتلة واحدة يرمز لها خليفة واحد ... نجن نعرف أنه لم يدر بعد سعي رسمي فى الخلافة ولكن قلوب المصريين تريدها ونحن ننادي بزعامة مصر للإسلام وخلافة فاروق وسيتم إن شاء الله ذلك برضا جميع المسلمين وملوكهم وزعمائهم بعد فترة قصيرة من الزمن تستكمل مصر فيه سيادتها ".

وفى ذلك الحين كان محمد كامل البنداري باشا يروج فى القصر لهذه الفاشية الإسلامية . ففي مذكرات هيكل أ،ه كان يشهد ذات مساء رواية غنائية تقوم بها فرقة ايطالية على مسرح الأوبرا بالقاهرة وصادف أن كان البنداري باشا يشهد تلك الرواية والتقيا فى فترات ما بين الفصول فى غرفة الاستراحة , " فحدثني فيما كان يروي من بعض هذه الأفكار وبخاصة فى نظرية النظام الإسلامي للحكم . وقلت له يومئذ لكن الدستور المصري يختلف فى طائفة من أسسه عن هذا النظام الذي تحدثني عنه . وأجاب : كلا فالدستور المصري يؤيد النظام الإسلامي فى الحكم ويؤكد . قلت : كيف يصح هذا , ومن أسس الدستور المصري حرية الاعتقاد .. بينما يقضي الإسلام بعقاب المرتد عنه بالإعدام ؟ وكيف يصح هذا والدستور المصري بينما كانت الخلافة الإسلامية شوري بين المسلمين.. وكيف يصح هذا والدستور المصري يقضي باحترام المعاهدات التي تعقدها مصر ومعاهدة مونترو تنص على أن يجري التشريع فى نطاق المبادئ المقررة عند الأمم الغربية والأجانب . ومبادئ التشريع الغربي كلها لا تتفق مع النظام الإسلامي ؟" وأجابني البنداري باشا : كل هذه التفاصيل يمكن التوفيق بينها وبين النظام الإسلامي وليس في تعرضها معه مما يجعل هذا التوفيق مستحيلا ".

موقف القوي السياسية فى مصر من التطور الفاشي

(1) الوفد :

كان الوفد يميل منذ البداية إلى التهوين من شأ، التطورات التي طرأت على دعوة أحمد حسين وخصوصا تطلعه إلى الحكم بعد ثلاث سنوات ! وكان يعتبر ذلك من أعمال بعض " الصبية " وضربا من السماجة التي تستحق الزجر , والزجر الشديد !" على أن الوفد مع ذلك كان يزعجه وجود الملك وراء هذه الحركة التي تهدد بهدم الدستور وإلغاء الحياة البرلمانية وكانت صحفه تشير فى بعض الأحيان بصراحة إلى أن الملك نفسه , وليس علي ماهر باشا أو غيره هو الذي كان يمول هذه الحركة فقد تساءلت جريدة المصري عن من ينفق على رحلة أحمد حسين إلى أوربا؟ ومن أين الأموال التي تتكلفها الرحلة والتنقل وطبع الكراسات وما إلى ذلك ": مما هو معلوم وما هو مجهول ؟" وقد فهمت مصر الفتاة مغزي هذا السؤال وكتبت تقول أن النحاس " يريد ن يتطاول على مقام جلالة الملك " .

والدليل على أنه يتطاول فعلا هو أنه " لم يتورع ولم تتورع جرائده عن أن تهاجم محمد محمود باشا ولا على باشا ماهر ولا الانجليز ولا الطليان بصراحة ! فلا يستطيع واحد من النحاسية أن يدعوا أنهم يقصدون واحدا من هؤلاء حينما يقولون أن وراءنا من يدفعنا من الخلف فالنحاس يريد أن يقول أن جلالة الملك هو الذي يرسل بنا إلى أوربا وأنن ننفذ مشيئته "

وفى يوم 31 يوليه 1938 رأت جريدة المصري أن دعوي الفاشية قد أصبحت تستحق المناقشة فكتبت مقالا يتسم بالذكاء ناقشت فيه المسألة من زاويتين : زاوية فساد الدعوة نفسها وزاوية عدم أهلية القائمين بها لتأسيس حكومات دكتاتورية فقالت :" نحن الآن إزاء حركة منظمة خبيثة تتولاها بالنشاط والتوجيه أيد خفية مستهترة غايتها أن تثبت فى نفوس الشيوخ وأوساط الناس أن الديمقراطية قد أفلست فى مصر وأن البلاد فى حاجة إلى دكتاتور يهدم الدستور ويلغي البرلمان ويتولي الحكم وحده بيد من حديد على نحو ما يفعل فى ايطاليا موسوليني وفى ألمانيا هتلر وفى تركيا مصطفى كمال .. وأنه ليكفي لهدم هذا البناء المتداعي على رؤوس أصحابه وبناته ان نوجه الأنظار إلى حقيقة يتجاهلها دعاة الدكتاتورية فى هذا البلد .. فليست الدكتاتورية كما يريد هؤلاء الدعاة أن يصورها أن يقوم أى إنسان على رأس الحكومة صم يستصدر المراسيم والقوانين التي تطيح بالهيئات النيابية وتنزع أثواب النيابة من أعضاء البرلمان ومجالس المديريات وأشباههم وتجعل كل سلطة رهينة بمشيئة هذا الإنسان الذي يوضع رئيسا للحكومة كلا وإنما هتلر وموسوليني ومصطفى كمال كانوا زعماء الأغلبية قبل أن يستجمعوا فى أيديهم زمام السلطات ويصلوا بحكم هذه الزعامة ومن طريقها وحدها ليكونوا رؤساء لحكومات دكتاتورية " ثم قيل له كن دكتاتوري فكان . ولم يكن هتلر موظفا كبيرا أو صغيرا فى بلاط غليوم الثاني , ثم قيل له كن دكتاتورا فكان فالدكتاتورية إذا كانت شرا حتي فى صورتها الشعبية كما هي فى إيطاليا وألمانيا فإن شرها ليجاوز الحدود والقيود إذ تولاها رجال السراي وقد صدق زعيم الأمة حيث قال فى خطابه التاريخي بالجذرية " ليس أسوأ من حكم رجال السراي فى أي بلد من البلاد ".

وقد ردت جريدة مصر الفتاة على هذا المقال فى اليوم التالي فقالت : إن هتلر لم تكن معه يوم بدأ حركته أغلبية إذ كانت تدرج أعضاء حزبه من 7 إلى 11 إلى 15 إلى 23 إلى 34 حتي إذا كانت سنة 1925 التي خرج فيها من السجن لم يكن معه أحد فلما عاود كفاحه ظل ثلاث سنوات ثم دخل الانتخابات سنة 1928 ففاز ب 12 كرسيا هي دون الأغلبية مع أن هتلر لم تكن معه أغلبية برلمانية فقد ثبت أنه أقدر رجل فى البلاد ولذلك اضطر هند نبرج أن يسند إليه الحكم وما أن حكم ( 30 يناير 1933 ) حتي تجلت كفاءته الممتازة فأقبل عليه الشعب وأحبه ونفض يده بصفة أخيرة من الديمقراطيين والشيوعيين الذين كانوا يتوزعون ثقته !"

(2) وزارة الانقلاب :

فما هو مدي تأثر وزارة محمد محمود باشا بارتفاع المد الفاشي ؟ إن المسألة ترجع إلى مدي الارتباط بين هذه الحركة والقصر . وبمعني آخر ما إذا كان ارتفاع النغمة الفاشية يعكس اتجاها أو يعبر عن اتجاه فى داخل القصر إلى الأخذ بالفاشية كنظام للحكم وإلغاء الدستور والبرلمان والأحزاب . إن البنداري ( باشا ) فى حديثه معي ينكر انه كان يفكر هو أو فاروق فى عمل فاشية على أن جريدة مصر الفتاة وهي التي كان قادتها فى ذلك الحين على أوثق الصلة به حتي أنه – كما وهي التي كان قادتها في ذلك الحين على أوثق الصلة به حتي أنه – كما قال لى بنفسه – أمر حراس القصر الملكي بعدم التعرض لهم عن الدخول ولو لم يحملوا تصريحا – هذه الجريدة تكشف الكثير مما كان يدور داخل القصر فى ذلك الحين مما لا مفر لنا من الأخذ به نظرا لأنه لم يصدر من القصر تكذيب رسمي له .

هذه الجريدة تكشف بوضوح عن وجود معسكرين أو تيارين داخل القصر فى ذلك الحين : المعسكر الأول , معسكر البنداري باشا والمعسكر الثاني معسكر علي ماهر باشا . وكان من رأي معسكر البنداري باشا أن النظام البرلماني لا ينجب سوي الوزارات الفاسدة أو الوزارات الضعيفة وأن المثال على النوع الأول هو وزارات الوفد والمثال على النوع الثاني هو وزارات الانقلاب – كوزارة محمد محمود باشا التي كانت تتوالي عليها الأزمات منذ إنشائها ولذلك كان هذا لمعسكر يري ضرورة الأخذ بالنظام الفاشي وإلغاء الدستور والبرلمان والأحزاب على أن على ماهر باشا الذي كانت سياسته تقوم على الاحتفاظ بالشكل الديمقراطي والحكم بواسطة وزارات الانقلاب كان يري أن ضعف وزارة محمد محمود باشا يمكن علاجه عن طريق إشراك السعديين فى الوزارة وإسناد المناصب الرئيسية فيها إليهم . وكانت نية هذا الاقتراح لعلي ماهر أنه يحقق له هدفين : الأول الحصول على فسحة من الوقت يستطيع أ يقضي فيها على العناصر الفاشية فى القصر ويمسك زمام الأمور فى يده والهدف الثاني إعطاء عناصر السعديين الفرصة ليثبتوا فشلهم هم الآخرون مع عناصر الأحرار الدستوريين فيتولي حينئذ الحكم وهو مطمئن إلى أن جميع العناصر المنافسة قد اختفت من المسرح .

ففي مقال لجريدة مصر الفتاة فى أول أغسطس 1938 تساءلت صراحة :" هل فكر من المسئولين غير مصر الفتاة فى إقامة حكم دكتاتوري ؟. هذا هو السؤال الذي نجيب عليه للمرة الأولي فى صراحة : لقد اتجه التفكير بعد الأزمات المتتالية التي انتابت الحكم المحمدي الحاضر إلى طرح سؤال آخر هو : هل قدر للنظام البرلماني فى مصر ألا ينجب غير الوزارات الفاسدة أو الوزارات الضعيفة ؟ وكان الجواب مع السف : إن هذا هو الذي حدث فعلا من منطق الحوادث وسير التاريخ القريب وسئل إذن ما العمل ؟ المليك يريد لبلاده حكما قويا والأحزاب البرلمانية لا تريد أن تتفق على تأليف حكومة قوية تحقق هذا المعني فهل يستمر الحكم البرلماني بهذه الصورة وتعاني منه البلاد ما تعاني منه ؟. وعرض السؤال على السعديين ووجده سؤالا حازما حكيما لا سبيل إلى الرد عليه إلا بعمل واحد إذا أريد الإبقاء على البرلمان الحاضر والدستور الحاضر, وهو أن يشترك السعديون فى الحكم فهم لا زالوا يؤمنون بالديمقراطية البرلمانية ".

وقد استأنفت الجريدة فى عدد آخر الكلام فى هذا الموضوع فقالت : إن الدستور كان قد وصل إلى منطقة الخطر وكانت التجربة الحيدة لإنقاذه هي أن تعدل الوزارة تعديلا حاسما بأن تدخلها عناصر قوية ولم يكن خارج الوزارة من العناصر البرلمانية التي لم تجرب مقدرتها بعد فى الحكم غير السعديين وبذل علي ماهر باشا كل نفوذه فى أن يقنع أحمد ماهر بالاشتراك وعرض عليه فى صراحة أن اشتراك حزبه فى الوزارة ونجاح التجربة هو العلاج الوحيد للأزمة الدستورية لا الوزارة ! لأن إخفاق الوزارة يعني إخفاق الانقلاب . وهذا يساوي تماما عدم صلاحية الدستور لأن يقدم للبلاد أى لون من الخير .. ومن هنا كان صوابا ما ذكره أحمد ماهر وهو يقنع نوابه بقبول التعديل التجديد وهو أنهم إذا رفضوا الدخول فى الوزارة الحاضرة فسيكون معني هذا قيام دكتاتورية صريحة فى البلاد يختفي فى عهدها الدستور ".

وعلى هذا النحو جري تعديل الوزارة فى 24 يونيه 1938 حيث أسندت وزارة المالية إلى الدكتور أحمد ماهر وأسند إلى النقراشي باشا وزارة الداخلية وهما – على حد قول الدكتور هيكل –" أكبر الوزارات وأشدها اتصالا بمصالح الجمهور المادية العاجلة , واقوي الوزارات لذلك أثرا فى حياة الأحزاب المصرية وقد جري هذا التعديل فجأة حتي أن الدكتور هيكل الذي كان وزيرا فى الوزارة علم به بعد حدوثه وعندما سأل محمد محمود باشا عن السبب فى التعديل على هذا النحو الذي يجعل أقوي الوزارات من نصيب السعديين؟ أجاب بأنه " رأي هو ورأي علي ماهر باشا والدكتور أحمد ماهر أن من الخير اشتراك الحزبين فى الوزارة " حتي لا يناوي السعديون الوزارة مناواة تؤدي إلى إضعاف الحزبين لمصلحة الوفد ولم يذكر محمد محمود سببا لتولي الدكتور ماهر وزارة المالية والنقراشي باشا وزارة الداخلية إلا أنهما رغبا فى ذلك وأنه لم ير بأسا بتحقيق رغبتهما !".

(3) الانجليز:

فى ذلك لاحين كان الانجليز يرقبون هذه التطورات فى مصر بعين الاستياء فقد كانت الأحوال الدولية تسير سيرا حثيثا نحو حرب مع ألمانيا ففي 12 مارس 1938 ضمت ألمانيا النمسا ثم تحولت إلى أرض السوديت التى تفاقمت فيها الحركة النازية وقد نصحت انجلترا وفرنسا تشيكوسلوفياكيا , بعد لقاء ميونيخ الأول بين تشمبرلن وهتلر بالتخلي عن الأقاليم التي تزيد فيها نسبة السكان الألماني عن خمسين فى المائة إلا أن تشمبرلن بعد أن عاد إلى انجلترا علم أن ألمانيا تحاول أن تضم مساحة أعظم اتساعا مما اتفق عليه فى مقابلة ميونيخ كما أنها تطلب استفتاء الأهالي فى بعض الأقاليم فكانت أزمة سبتمبر 1938 التي انتهت بالاستسلام الانجليزي الفرنسي فى لقاء ميونيخ الثاني فى 29 سبتمبر والذي أتاح الفرصة للدولتين للاستعداد لخوض حرب تتجمع أسبابها ولقد كان ذلك مدعاة للإنجليز فى قلق إلى الحركة الفاشية التى تقودها مصر الفتاة ويسندها القصر.

وكان من السهل أن يربطوا بينها وبين الدعاية الإيطالية الألمانية فى مصر التي كانت فى ذلك الحين تحرض العالم العربي على انجلترا استنادا إلى موقفها من قضية فلسطين . وكان الايطاليون قد أنشئوا لهم فى مصر فى ذلك الوقت منظمة قوية للدعاية تعمل تحت رعاية المفوضية الإيطالية التي كان على رأسها الوزير الإيطالي المفوض والمبعوث فوق العادة ماتزوليني الذي كان من أنصار الفاشية المتحمسين ومن أركان النظام الفاشي فى ايطاليا منذ 1919 حيث كان فى مقدمة الكوادر التي زحفت على روما . وما وكان ماتزوليني , ورجال مفوضيته البالغ عددهم مائه وغالبية الجالية الإيطالية فى مصر يكونون طابورا خامسا على درجة كبيرة من القوة .

فقد كانت الجالية الإيطالية فى مصر – وفقا للمصادر – تمثل فى ذلك الحين اكبر جالية اليونانية وكانوا منتشرين فى مدن القطر ولهم منشآت مالية وثقافية ضخمة منها البنك التجاري الإيطالي والبنك الإيطالي المصري , وشركات الإدرياتيك , والمعهد الإيطالي ,تريستا للتأمين على الحياة , وغيره من المشروعات التجارية هذا بالإضافة إلى عدد غير قليل من المدارس الابتدائية والثانوية والصناعية والفنية فى القاهرة والإسكندرية . كما كان العنصر الغالب فى جمعيات الإسعاف من العنصر الإيطالي . وإلى جانب هذا كانت هناك بعض الصحف الإيطالية فى مصر منها :" جورنا لدي أورينتي" الواسعة الانتشار وكانت تظهر لها طبعة فى الإسكندرية تحت عنوان " الماساجيرو" ثم جريدة " روما " ومجلة " ميديتارينو" التي كان نصفها بالإيطالية والنصف الآخر بالعربية والجامعات الإيطالية الذي يضم مصريين وأجانب وكان أفراد الجالية الإيطالية الذي كان يضم مصريين وأجانب خريجي المدارس والجامعات الإيطالية الذي كان يضم مصريين وأجانب وكان أفراد الجالية الإيطالية فى مصر ينقسمون إلى قسمين : أنصار الفاشية وهم الكثرة وأنصار الحكم الديمقراطي وهم الأقلية . وكان العنصر الأول لا يخفي حماسته للفاشية فكثيرا ما شوهد الكونت ماتزوليني فى مدن مصر الكبري وهو يستعرض فى قميصه الأسود الشباب الفاشي وهو يردد شعارات الدعاية للإمبراطورية الرومانية المقدسة.على هذا النحو , كان الايطاليون يشكلون عنصرا خطرا على الانجليز فى مصر على أن أهم ما أقلق الانجليز هو امتداد النفوذ الإيطالي الفاشي إلى القصر الملكي ففي ذلك الحين أثار الانجليز مسألة صلة بعض موظفي السراي بالطليان وإن الوزير الإيطالي فى مصر يحسن استقبالهم عند زيارتهم له وإن هذه الزيارات يفسرها الطليان لغير مصلحة انجلترا وأن من حق انجلترا أن تطلب وضع حد لهذه الميول وإقصاء موظفي السراي الذين لا ترضي عن وجودهم السياسة البريطانية . وقد ربط الانجليز فى ذلك الحين بين توثق الصلة بين البنداري باشا وفيروتشي كبير المهندسين بالسراي الذي كان فى نظرهم من عناصر قلم المخابرات الإيطالي وبين تسرب أخبار الدولة إلى الطليان فقد أذاعوا أن فيروتشي بك يطلع فى مكتب البنداري باشا على تقارير الدولة وتقارير الوزراء المفوضين ومذكرات السفارة البريطانية محولة من الحكومة ووثائق الدولة الهامة ثم يطلع دولته عليها ولم يقف الانجليز عند مسألة فيروتشي بل زادوا أن البنداري باشا ضالع مع الإيطاليين وأنه ضد المصالح البريطانية وأن وجوده فى السراي أمر لا يرتاحون إليه وقد نشرت هذه الأخبار فى بعض الصحف والمجلات التي تتلقي أنباءها من السلطات البريطانية .

فاروق يعلن الحرب على السفير البريطاني

السفير البريطاني السير مايلز لامبسون حتي اتخذت شكل مواقع حربية – كما سوف نري – وكانت العلاقة بين فاروق والسير مايلز لامبسون تأثرت – كما ذكرنا – أثناء الأزمة الدستورية بين الملك والنحاس باشا وساعد على ذلك أن خطة القصر الملكي تحت سياسة علي ماهر باشا التي كانت ترمي إلى إظهار الملك في ثوب البطل الوطني المتطرف على عكس أبيه كانت خطة تحد وتطرف ومن المحتمل أن معاملة السفير البريطاني للملك فاروق كان لها دور فى توتر العلاقات بينهما فيقول " كيرك" أن فاروق كان يحمل منذ توليه العرش سنة 1936 امتعاضا متزايدا من سلطة السفير البريطاني ومن طريقة معاملته له وقد دفع هذا السبب " كيرك" إلى عقد مقارنة بين علاقة فاروق بالسير مايلز لامبسون وعلاقة عباس الثاني باللورد كرومر على وجه المطابقة عسير لأن مركز مصر السياسي فى عهد كرومر كان يفرض مناخا يختلف عن المناخ الذي كان يفرضه مركزها بعد معاهدة 1936 ففي الحالة الأولي كان سلطان انجلترا على مصر ولى عاهلها سلطان مطلقا أما فى الحالة الثانية , فإن مصر كانت قد حصلت على نصيب كبير من استقلالها الداخلي وحريتها الخارجية كذلك فإن وضع المندوب السامي بإزاء عباس الثاني كعاهل أوتوقراطي , كان يختلف عن وضع السفير البريطاني إزاء فاروق كملك دستوري غير مسئول يحكم بواسطة وزرائه فالاحتكاك مع الأول مباشر ومع الثاني غير مباشر لهذا فلا نعتقد أن معاملة السفير البريطاني كانت وحدها السبب وإنما كانت توجيهات علي ماهر باشا كان لها النصيب الأوفى وقد اتفق البنداري ( باشا) معي فى هذا الرأي فعندما سألته ألا يعتقد أن علي ماهر باشا كان له دور فى توجيه فاروق نحو كراهية الانجليز قال : " أى نعم علي ماهر باشا له دور .. علي ماهر رجل وطني "

على كل حال فقد انعكست العلاقات السيئة بين الملك فاروق والسفير فى عدة مظاهر : ففيما يختص بالسفير فيروي الدكتور هيكل الرواية التالية التي تشير إلى الود المفقود بينه وبين الملك , فيقول أن السفير حضر حديثا للدكتور نجيب محفوظ باشا كان الدكتور يشير فيه إلى " سعة اطلاع الملك سعة لا عهد بمثلها لمن كان فى سنه !" فلم يعجب هذا القول السفير الذي اعترض قائلا:" ولكنه سطحي للغاية !".

ثم قال :" وما أري وزير المعارف ( الدكتور هيكل) فأجاب :" أنه ملكنا!" ولم يعقب السفير على القول بكلمة ولكن اعتراضه دل الدكتور هيكل على أن العلاقات بينه وبين الملك لم تكن علاقة مودة متبادلة .

أما بالنسبة لفاروق فإن كراهيته للسفير البريطاني كانت تجري فى البداية فى حدود الإطار الذي رسمه علي ماهر , والذي كان يعد إطارا على ألا تتطور الأمور على النحو الذي يتخذ شكل صدام مباشر بين الملك والسفير. ولكن هذه الحدود وهذا الإطار سقط فجأة حين سافر علي ماهر باشا فى يناير عام 1939 إلى لندن لحضور مؤتمر المائدة المستديرة الذي دعت بريطانيا إليه كلا من العرب واليهود للإنفاق على مسألة فلسطين. وأصبح البنداري باشا ه المستشار الأول فى القصر . ففي تلك الفترة التي تولي فيها البنداري باشا زمام الأمور في القصر دون منازع وقعت موقعتين حريتين بيم الملك فاروق والسفير البريطاني كان لهما أثرهما الذي لا شك فيه تصرفات السفير يوم 4 فبراير 1942 . وأولي الموقعتين تلك التي دارت حول موكب السفير فلقد كان من المظاهر التي كان يحاط بها السفير البريطاني قبل معاهدة 1936 حين كان مندوبا ساميا وجود موكب من راكبي الموتو سيكلات يسبق سيارته فى غدواته وروحاته وكانت حكومة الوفد قد تركت للسير مايلز لامبسون هذا المظهر بصفة استثنائية نظرا لدوره ف المعاهدة , فلما أقيلت حكومة كومة الوفد وجاءت وزارة الانقلاب طلب الملك من محمد محمود باشا أن يلغي هذا الحرس لأن موكب الملك هو الموكب الوحيد الذي يسبه حرس من هذا الطراز , ولكن محمد محمود باشا كان يرجئ ويسوف وفى الوقت نفسه كان الملك يخفف من الحاحه وضغطه لأن زمام الأمور كان فى يد علي ماهر الحكيمة. فلما سافر علي ماهر باشاإلى لندن وأصبح البنداري باشا هو المستشار الأول, وقد حاث لفاروق جعله يصر على رفع الحرس من موكب السفير البريطاني , فعلي حسب رواية البنداري (باشا) فقد استدعاه فاروق فى أحد الأيام وهو فى شدة الاستياء والغشب لأنه بينما كان يتجول مستخفيا فى عربة صغيرة كاد موكب السفير البريطاني يدهمه لأنه لم يسمع صفارات راكبي الموتوسيكلات. وقد سخط فاروق أشد السخط لأن هذا المظهر إنما هو حق لا يجب أن يشاركه فيه أحد . وطلب إلى محمد محمود باشا رد عليه , بعد أن أجري الاتصال بالسفير البريطاني بأ، الأخير يصر على ان هذا الموكب حق له , وأن الوزارة الوفدية قد احتفظت له به بموجب كتاب رسمي . وعندئذ أعد البنداري باشا أمرا ملكيا محافظة القاهرة التي يتتبعها الحرس لرفعه , وحمل الأمر المكي إلى محمد محمود باشا وأفهمه خطورة الموقف فيما لو تم التنفيذ من جانب القصر فاضطر محمد محمود باشا إلى إعادة الاتصال بالسفير وأفهمه أنه يفعل ذلك تلبية لرغبة الملك , فقبل السفير فى هذه المرة هذا الطلب , وقد أحدث قبوله هذا فرحا شديدا لفاروق الذي حمل بنفسه كتاب القبول إلى مكتب البنداري باشا ليريه إياه .

أما الموقعة الأخرى فكانت عند زيارة السفير البريطاني لأسوان فقد حدث أثناء هذه الزيارة أن استقبله مديرها استقبال رسميا جريا على العادات القديمة فأعد له قرة قول شرف على محطة أسوان ثم استقبله هو وجميع موظفي المديرية ثم وضع جنودا على جانبي الطريق عند مرور السفير فلما وصلت هذه الأنباء إلى القصر رأي فيها إخلالا خطيرا بالقواعد التي يجب أن يحاط بها السفير البريطاني. فكتب البنداري باشا خطابا رسميا لوزير الداخلية النقراشي باشا يسأل عن صحة هذه المعلومات وكيف تمت , وعلى أى أساس أقرتها الحكومة ؟. ولما أراد النقراشي باشا الرد على البنداري باشا تليفونيا طالبه البنداري برد مكتوب على ما جاء بكتاب القصر . فلم يسع النقراشي إلا أن يجيب بصحة الوقائع , وأن يعد بعدم تكرار ذلك مستقبلا , ولكن البنداري باشا لم يكتف بهذا الحل , بل طلب إليه أن يوجه إنذارا لهذا المدير وأن يخطر المديرين عن سبب إنذاره وأن هذا الحادث إذا تكرر سيكون من جرائه توقيع عقوبة شديدة على الموظف المرتكب .

هال السفير البريطاني هذه التحديات ن جانب السراي فى أثناء قيام البنداري باشا بعمل علي ماهر باشا فى رياسة الديوان وأخذ يقرنه على الفور بتفشي النفوذ الإيطالي فى القصر وارتفاع المد الفاشي فيه , فأخذ الهجوم على البنداري باشا من جانب الانجليز يشتد وأصبح موضع الاتهامات وفى الوقت نفسه قدم السفير إلى محمد محمود باشا تبليغا من حكومته ليرفعه إلى الملك بالاعتراض على بقاء فيروتشي بك فى السراي وقال له أنه رأي أن يبدأ بإبلاغ هذا الاعتراض له قبل أن يوصله إلى السراي . ولكن محمد محمود باشا منع السفير من أن يرفع التبليغ إلى الملك , وطلب إليه أن يبلغ حكومته أن بقاء فيروتشي فى القصر مسألة تتحمل الحكومة مسئوليتها ولا توافق على مفاتحة الملك فيها وتشدد فى منع السفير من مخاطبة الملك فى هذا الشأن .

فاروق يعلن استيلاءه على السلطة

هكذا توترت العلاقات بين الملك فاروق والسفير البريطاني حتي وصلت إلى أسوأ مراحلها ,ولما كان وضع السفير بعد المعاهدة يختلف عنه قبلها فلم يكن فى وسعه أن يذهب فى عدائه إلى أبعد من المدي الذي وصل إليه ولم يبق أمامه سوف الانتظار والترقب .

فى ذلك الحين كان المسرح السياسي المصري يشهد تطورات على جانب كبير من الأهمية والخطورة ففي أثناء غياب علي ماهر باشا فى لندن كانت خيوط السلطة القليلة التي بقيت فى أيدي وزارة محمد محمود باشا قد أخذت تنتقل إلى يد القصر لتصبح الحكومة بلا حول ولا قوة , وكنا قد رأينا كيف تعرض محمد محمود باشا بد انتهاء الانتخابات لصالح حزبه لسلسلة من التصرفات من جانب القصر كانت تبدو وكأنما قصد بها – حسبما يقول الدكتور هيكل – إقناع محمد محمود باشا وإقناع غيره من الطامعين فى الحكم بأنه " لا أمل لهم فى تحقيق مطمعهم إلا أن ينزلوا على إرادة القصر فإذا حرص أحدهم على أن تكون له إرادة إلى جانبه أو سياسة غير سياسته خاب أمله فى تحقيق مطمعه , ووجب أن ينزل عن هذا المطمع " وبمضي الوقت وبقاء الوزارة فى الحكم أخذت تتوالي مظاهر السيطرة من الدستوريين من جانب القصر على أمور البلاد , كانت أول ضربة وجهت لحزب الأحرار الدستوريين عندما تألفت البلاد بعد الانتخابات وقد أقصي منها عبد العزيز فهمي باشا , رئيس الحزب السابق , الثاني مرة بعد إقصائه الأول فى أزمة كتاب " الإسلام وأصول الحكم " الأمر الذي كان له وقع الصاعقة فى نفسه على النحو الذي يرويه لنا الدكتور هيكل فيما يلي : " اظهر لى غضبه من هذا التصرف الذي تم بغير مشاورته فيه قائلا : إن الرجال ليسوا قطعا فى رقعة الشطرنج يلعب بها اللاعب !" ولكن عبد العزيز فهمي باشاكان يدفع غاليا ثمن تخليه عن الدستور وعدم اعتباره بدروس التاريخ .

ثم كان تعديل الوزراة بعد أقل من شهرين على تأليفها وإشراك السعديين فيها بنصيب الأسد – على النحو الذي بيناه – مظهرا آخر لهيمنة القصر على الحكم . وكان سفر علي ماهر باشا إلى مؤتمر المائدة المستديرة دون محمد محمود باشا أو وزير الخارجية أحد الأمثلة الفريدة على تدهور نفوذ محمد محمود باشا إلى الحد المخل بالكرامة ذلك أن علي ماهر باشا بحكم مركزه وبحكم تعيينه " بأمر ملكي " بغير رأي الوزارة ولا اقتراحها لم يكن يشارك الوزارة فى المسئولية الوزارية . فكيف يتفق سفره مع مسئولية الوزارة عن السياسة العامة ؟.

ومن الغريب ما يقوله الدكتور هيكل من أن محمد محمود باشا كان يريد أن يسافر بنفسه إلى هذا المؤتمر لكن الوزراء فوجئوا فى اللحظة الأخيرة بأن رئيس الوزراء لن يمثل مصر بل سيمثلها رئيس الديوان الملكي "! فهل كان وزراء الانقلاب أكثر من موظفين تحت إدارة القصر ؟.

وقد روي الدكتور هيكل القصة الطريفة الآتية التي تبين صحة هذا القول : فيقول أنه أراد الاصطياف بلبنان . ففاتح رئيس الوزراء فى ذلك, فكان جوابه :" لا مانع عندي إذا سمح الملك" فأبدي الدكتور هيكل عجبه لهذا الجواب " لأن مجلس الوزراء هو الذي يندب من يتولي أعمال الوزير فى غيابه " ولكنه نزل على ما طلب إليه وطلب إلى الأمين بالقصر أن يستأذن الملك فى سفره . فجاء إليه تيمور بك يخبره بأنف يأسف إذ يبلغه أن الملك لم يأذن بسفره ! فلما نقل ذلك إلى رئيس الوزراء قال :" حسبك إذن أن تصطاف معنا بالإسكندرية " ويقول الدكتور هيكل أنه علم من بعد لماذا طلب إليه محمد محمود باشا أن يستأذن الملك فقد طلب هو نفسه إلى الملك أن يسافر إلى أوروبا مستشفيا ذلك الصيف , فاعتذر الملك بأن البلاد " بحاجة إلى بقاء رفعته بها " وذلك رغم أنه كان بحاجة حقا إلى الراحة والاستشفاء ! وقد روت جريدة المصري أنه عندما تشرف أعضاء لجنة الرد على خطاب العرش قال لهم الملك :" ليس يكفي رضاء الأمة عنكم ب يجب أن يكون معه رضاء الملك كذلك "!وقد روت مجلة المصور هذه الصورة الغريبة التالية التي تبين كيف أصبح الملك فى تلك الفترة المبكرة من حكمه صاحب السلطان النافذ فى البلاد , فقد تحدثت عن المهام التي يباشرها الملك فقالت :" ليعلم الجمهور مع الأسف الشديد أن فى خدمة جلالة الملك مصادر أخبار وآراء وتعليقات تتقمص تارة فى شكل وزراء وتارة فى شكل أمراء ونبلاء وتارة فى شكل مديري بنوك وشركات وتارة فى شكل موظفين بمعية الملكية ... وجلالة الملك يسمع وينسي هؤلاء أنه يدون مذكراته الخاصة عن كل حديث وعن كل نبأ يرفع إليه وأن جلالته يصدر تعليماته باستجلاء وقائع الأحاديث . خذوا مسألة إعانة الشركات ومنح الامتيازات الجديدة لبعض الشركات الجديد , وسلوا عالم رجال المال لماذا يلجأـ بعض الأطراف إلى السراي يرفعون إليها وقائع وأخبارا يتحدون بها الحكومة ويحاولون بها أن يعطلوا مشيئة الحكومة , خذوا مسألة بالبو, وكيف جرت إلى أحاديث طويلة مذكرات وتقارير ترفع إلى السراي فيها تهم لبعض الشخصيات انها تعمل لحساب ألمانيا وإيطاليا . ثم مذكرات أخري وتقارير أخري من المفوضيات تشكو من تحدي السلطات المصرية للمصالح الألمانية والإيطالية " ومعني ذلك أن السراي أصبحت فى ذلك الحين مصدر السلطات ولهذا اتجه إليها رجال المال والسياسة والحكم والمفوضيات والسفارات . ومن هنا بدأ الفساد السياسي والمالي ومن هنا بدأت الرشاوي والصفقات .وما حدث فى غياب علي ماهر باشا يمكن أن نسميه " انقلابا على الانقلاب", أو استيلاء الملك بصفة رسمية على السلطة . ففي مساء يوم 22 فبراير 1939 أعلن فاروق سياسته العليا ودستور السراي فى رسالة أذاعها بالراديو إلى العالم الإسلامي بمناسبة العام الهجري الجديد وهي لا تخرج عن الوصف الذي وصفناه . فقد جاء فى الرسالة ما يلي : " لم أتحدث إليكم قبل اليوم عن نفسي , ,كنت أعد ذلك من سبق الحوادث و ولكن هذه الفرصة قد أتاحت لى ن أتحدث إليكم قليلا فى ذلك فتزدادوا معرفة بي وركونا إلى . أن سر النجاح هو الثقة والإيمان , ومن لا ثقة ولا إيمان له ,لا رجاء فيه فعلي الذين وثقوا بي أن يعتمدوا علي, إذ في ذلك كل الخير لهم . أنني مع إعجابي بوالدي , قد أكون خالفته فى بعض طباعه ولكني أؤكد أني قد احتفظت بأبرز هذه الطباع , فأنا مثله لا يستطيع أن يؤثر فى أحد إذا تبينت صواب أمر واعتقدت بعد تقليب الرأي أنه فى صالح شعبي أفرادا وجماعات . وإن ثقتي بنفسي وتوكلي على الله هو الذي يلهمني تصريف الأمور ويوجهني الوجهة التي اختارها بيد أن هذا لا يمنع أن استمع لآراء ذوي الخبرة من الرجال شأن كل إنسان يتحري وجه الصواب .. أنني أؤمن ومر الأيام يؤيد إيماني أن شباب مصر المتوثب إلى المج سيكتبون صحيفة خالدة فى تاريخ الوطن وفي استطاعتهم أن يصنعوا من هذا الوطن العزيز مصر العظيمة المتحدة التي هي آمالنا وأحلامنا جميعا وعلى الشباب وحده تحقيق هذا الحلم.."

أذيعت الرسالة الملكية فى مساء 22 فبراير 1939 ثم خرجت بعدها الصحف الوثيقة الصلة بالقصر تفسر هذا الدستور الجديد وتشرح مكنوناته حتي لا يبقي ظل شك فى أغراضه ومراميه فكتبت المصور تقول : أن هذه الإذاعة م تلق عفوا وإنما ألقيت لترسم الخطة الآتية وهي : أن الملك يحتفظ بأبرز طبائع والده الملك فؤاد ,وأبرزها بلا تردد هو " الإدارة الفعلية " لأمور الدولة و" الاشتراك الفعلي " مع الهيئة التنفيذية والتمسك كل التمسك بالحقوق التي أبقاها الدستور للملك تلك التي ناضل عنها الملك فؤاد نضالا حاميا والتي ظلت معلقة والتي أقيلت بسببها حكومات والتي حرص مجلس الأوصياء كل الحرص على ان ينقلها " أمانة" من غير مساس بها للملك فاروق وقالت المجلة : إن وزارة محمد محمود باشا والوزارات التي سبقتها من عام 1924 كانت تنبي خطتها فى الخلافات الدستورية التي تنشأ بينها وبين السراي على هدي التقاليد الانجليزية المعروفة والتي تترك للحكومة كل شئ ولكن السراي تحتفظ بأبحاث دستورية فقهية أعدها علماء دوليون خلاصتها :

( أولا) أن الدستور المصري غير الدستور الانجليزي فالدستور المصري مكتوب وواضح فى الحقوق التي احتفظ بها للملك وهذه الحقوق تؤكد فى مجموعها اشتراك الملك " الفعلي فى الحكم فضلا عن الملك – أي أن الملك فى مصر " يملك ويحكم "!

( ثانيا) أن لا تقاليد فى مصر كونتها الحوادث والسوابق إلا ما كان بين الملك فؤاد والحكومات السابقة وما كان بين جلالته والحكومات المذكورة لم يمس – أدني مساس _ المبدأ المذكور بل أقيلت بسببه حكومات وجرت انتخابات وسادت أحكام فساد المبدأ بحكم التقليد وفى يوم 2 يونيه 1939 قدمت المصور تفسيرا إضافيا للخطبة الملكية فقالت إن الملك رسم فيها دستور السراي وحرص كل الحرص على أن يحتفظ بحقوقه إزاء الجيش والأزهر والتمثيل السياسة وواجب الاسترشاد برأيه فى التعيينات وفي المسائل الدولية والشرقية مما هو خارج حدود مملكته .

ولم تلبث جريدة مصر الفتاة الوثيقة الصلة بالبنداري باشا وهي أعرف الناس بمرمي الخطبة الملكية أن خرجت بشروح أكثر جرأة .

فقد أعلنت أن الخطبة الملكية قد تضمنت القول الفصل فى الخلاف الذي أثار منذ أن أعلن الدستور المصري , وهو : هل الملك يملك ولا يحكم أم يملك ويحكم ؟. فقد ذكر الملك أنه متي اعتقد فى صواب أمر وقلب فيه الرأي على وجوهه فإنه ينفذه دون أن يأبه لتأثير أحد هذا هو الجواب على السؤال القديم ثم ساقت الجريدة مثلا يفسر هذا الكلام فقال : إنه إذا حدث أن رأت الوزارة رأيا ثم وافق عليه البرلمان بأغلبية ولكن الملك بعد أن بحث الأمر رأس العكس " فمن حقه أن يوقفه ويوقفه بصفة أخيرة ولو أدي الأمر إلى التخلص من الوزارة المخطئة ومن البرلمان المخطئ!". واستطردت الجريدة :" إذن فقد بطل القول وانتهي الجدال ووجد النظام الدستوري محكمة استئناف أعلي منه يرجع إليها فى البت فى كل ما يتعلق بتقدم الشعب " ثم تناولت الجريدة إشارة الملك إلى الشباب فى خطبته فدللت على أنه كان يقصد شبابا مصر الفتاة بالذات ؟" لا شباب لدي الوفد ! هل نجده فى صفوف السعديين الذين لا يتجاوز عددهم مائ