ثورة يوليو الأمريكية علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ثورة يوليو الأمريكية
علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية
غلاف الكتاب

محمد جلال كشك

الزهراء للإعلام العربي

إلى القردة الذين دبروا اغتيالي ..

.. وقيل إن طائرا أبصر بعض القردة ، في ليلة باردة غاب قمرها يلتمسون نارا من يراعه ( وهى ذبابة مضيئة) فراح يصيح بهم: لا تطلبوا المستحيل، ولا تسألوا فاقد الشيء أن يعطيه .. وهم لا يصغون إليه.. ومر به ناسك فقال له: لا تبح صوتك في نصح من لا ينتصح ، بل من يكرهون ناصحهم ويتبعون مضليهم.

قال الطائر: بل أمرنا بإرشاد من ضل ولو كره..

قال الناسك : أخشى أن يصيبك منهم شر

رد الطائر : ضلالتهم وجهلهم هي الشر الأكبر..

فذهب الناسك في طريقه وضاق الطائر ذرعا بجهلهم فنزل إليهم ينبه إلى خطأ ما يرجون وعبث ما يستوقدون .. فأمسك كبيرهم به ودق رأسه.. واستمر القردة ينفخون

" .. وعرفت كم كانت جريمة الثورة حق الإنسان المصري بشعة.. وعرفت أي مستنقع ألقينا فيه الشعب المصري..

فقد حريته ..
فقد كرامته ..
فقد أرضه ..
وتضاعفت متاعبه..".
اللواء .ح.
محمد نجيب
رئيس مجلس الثورة

خطبة الكتاب

في سنة 1981 أصدر الأستاذ هيكل كتابه " قصة السويس" ، وكان كعادته يكتب للأميين ومن ثم تعامل مع التاريخ معاملة الدجوى وصلاح نصروحمزة البسيوني للقانون.. فلما فوجئ بأن جيلنا لم ينقرض وأن هناك من يستطيع التصدي له بالنقد والتفنيد.. اضطر إلى إعادة كتابة التاريخ مع التعديلات والتنقيحات اللازمة.. وذلك في كتابه الذي نشر في الأهرام بعنوان " ملفات السويس".

وهو الكتاب الذي صاحبته أكبر زفة من المتورطين والجاهلين ومارس فيه هيكل كل مواهبه في التزييف والتهويش..

ورغم ذلك لم يستطع أن يفند أو يرد على واقعة واحدة قدمناها في كتابي المشار إليه:" كلمتي للمغفلين" إلا أنه اضطر إلى تعديل الروايات التي كشفنا تزويره لها، كما اضطر إلى تغيير أسلوب الكتاب ومنهجه فاعترف – لأول مرة- بعلاقة انقلاب يوليو بالمخابرات الأمريكية .. كما اعترف أن هذا الانقلاب كان إفرازا للتناقض الأمريكي البريطاني.. الأمر الذي كان مستبعدا بل ومناقضا تماما للصورة الفاضحة التزوير التي قدمها في كتابه الأول " قصة السويس".. ومن ثم رأيت أنه لزاما على أن أتصدى مرة أخرى لكتابه الجديد أو محاولته الجديدة لإعادة تزوير التاريخ.. فكان كتابي هذا الذي يتضمن فصولا من كتابي السابق مع إضافات تتنازل تعديلات وتنقيحات واعتذارات ملفات السويس.. وكذلك إضافات مما كشفته الوثائق التي أعلنت أو المذكرات التي نشرت بعد صدور " كلمتي للمغفلين" في عام 1985، واخترت هذه المرة أن يكون العنوان أكثر وضوحا وأقل سخرية.. ألا هو :" ثورة يوليو الأمريكية ".

وكل أملنا هو دفع الجيل الجديد للتفكير .. هذا الجيل الذي يتعرض لأكبر عملية غسيل مخ وتجهيل، عاناها جيل في تاريخنا.. ويكفى أن يطالع القارئ بعض المقارنات التي عقدناها بين روايات هيكل المختلفة للواقعة الواحدة ليرى أننا لم نذهب بعيدا عندما لقبناه بمؤلف التاريخ وليس كاتبه، فضلا عن أن يسلك – حاشا لله- في قائمة المؤرخين ولا أننا قلنا شططا إذا اتهمناه بالتزوير .. إذ لا يمكن أن نصدق مع القارئ والحقيقة وشرف المهنة لو وصفنا فعله بالتاريخ بصفة أقل من التزوير المتعمد.

فهذا كتاب للمهمومين بمصير وطنهم وأمتهم العربية، أما إذا كنت تعتقد أن خطاب الرئيس عبد الناصر في مؤتمر باندونج ، أهم منم الانتصار الاسرائيلى في حرب 1956.. فلا تقرا هذا الكتاب، وإذا كنت تعتقد أن الانتصار على الإمام البدر أهم تاريخيا ومصريا وعربيا من انتصار إسرائيل في حرب 1967، وتحولها إلى الباب العالي في الشرق الأوسط، وتحول مصر إلى دولة من الدرجة الثالثة في الشرق الأوسط.. فلا تقرا هذا الكتاب.

فلا حاجة لك فيه ولا من أجلك قد كتب .

أما إذا كنت تعي وتعيش خطر المواجهة المصرية العربية- الإسرائيلية ، وتدرك خطورتها ومصيريتها بالنسبة لواقع ومستقبل الأمة العربية والوطن المصري خاصة، فلا يجوز أن يفوتك حرف مما فيه فمن أجلك كتب.. وعن هذه المواجهة كان العناء في تأليفه والمخاطرة بنشره.

أقول.. لو نجحت في أن أجعل هذا الجيل يهتم ببحث هذه القضية.. بأن تنذر حفنة منهم نفسها للبحث والاستقصاء وتجميع الأدلة وتمحيص الوقائع حول جذور الناصرية وتطورها وما تركته من آثار على تاريخنا.. لو حدث ذلك، فسأكون قد عوضت خيرا عما بذلته من جهد وما تحملته لإخراج هذا الكتاب ومن قبله كتابي " كلمتي للمغفلين" .. ويشهد الله أن ليس لي أية مصلحة شخصية أو مادية في هذا الحديث، ولكنها أمانة التاريخ وشرف الكلمة.. واستمرار الجذوة التي جعلتنا في أربعينيات هذا القرن، نهرب من المدرسة ودفء الأسرة وأمنها، لكي نعمل سرا وعلانية ضد النظام الملكي والاستعمار البريطاني.. في نفس الوقت الذي كان فيه مؤرخ وبياع الناصرية يتقلب ناعما ما بين صحافة الإنجليز والمخابرات الأمريكية ، ويحصل على جائزة الملك فاروق وثقة عبد الناصر وهو الصحفي أو الكاتب المصري الوحيد الذي اتهم خلال ثلاثة عهود بتهمة واحدة وهى العمل على إضعاف الروح المعنوية في مواجهة إسرائيل ..

أقول للشباب ، الذي يريد أن يعلم والذي يفزعه ما ينشر أحيانا من حقائق، أقول لهم ادرسوا .. وابحثوا ومحصوا .. فلا حرية ولا اختيار بغير معرفة، ولا معرفة بغير قراءة، بغير الحوار الحر..

بقى أن ننصح القارئ بالصبر، والمراجعة وقراءة الملاحق أثناء قراءة المتن فهي لا تقل أهمية وبعضها ضروري لفهم هذا المتن.

والله المستعان
القاهرة
فبراير 1988

مدخل

لم يكن في خاطري الكتابة عن عبد الناصر في هذا الوقت فهذا العمل الكبير حجما وتأثيرا يأتي على قائمة مدخل التسعينات بإذن الله ، لعدة أسباب اقتنعت بها عند ترتيب ما أتمنى إنجازه، وذلك في عيد ميلادي الخمسين ،عندما قررت أنه قد حان وقت التخلي عن الصحافة والتفرغ للعمل الفكري والتاريخي، في شكل كتب أو نشرة محددة التوزيع بعدية عن التعليق المباشر على الأحداث اليومية ، فقد كان على أن أفرغ من وضع تاريخ صحيح للحركات الإسلامية ، بعيدا عن تشويهات التاريخ الصليبية- الاستعماري وكان على أن أفرغ من سلسلة تاريخ مصر الحديث التي أصدرت منها كتابي عن الحملة الفرنسية، والحركة الوطنية في السودان، وكان على أن أطرح تصوري لفكر الحركة الإسلامية المنشودة.. وكان المقدر أن أفرغ من ذلك كله في نهاية الثمانينات.. ثم يأتي الدور على تقييم " حركة 23 يوليو" على ضوء منجزات الشعب المصري، بل والحكومات التي سيطرت على مصر سواء في عصور الاستقلال أو الاحتلال وما استطاعت تحقيقه بفضل إمكانات مصر ولزيادة حصتها من ثروة شعب مصر.

ذلك أن عنصرا أساسيا في تخبط جيل الناصرية وحيرته، أنه قد تعرض لعملية تجهيل مقصودة بما سبقها من قرون في تاريخ مصر بل وتاريخ العرب وربما كان هذا " التفريغ" ضروريا لكي تبرز " المنجزات" فلم يكن أمام أبطال ليلبوت من فرصة للحوار مع " غاليفار" إلا بتقييده بالحبال وطرحه أرضا..

كما كان التجهيل والتشويه ضروريا حتى يمكن سلب رجالات التاريخ المصري أفضالهم، وحتى يجلس "أحمد فؤاد" في مقعد " طلعت حرب" ويعتبر ذلك إنجازا ثوريا ومكسبا شعبيا و حتى يعتبر الجيل المبتور التاريخ أن بناء سد على النيل بقرض أجنبي وخبرة أجنبية بل وتنفيذ أجنبي ودون مساهمة مصرية تذكر من الناحية التكنولوجية، يعتبر عملا خالدا بطوليا عجائبيا يكفى لمحو كل ما حدث من أخطاء وخطايا .. لأنهم لا يعرفون أن " محمد على" مثلا بنى " القناطر الخيرية" التي كانت في ظروفها وظروف مصر منذ ما يقرب من مائتي سنة عملا خارقا" لم يتأت للملوك الكبار" وكانت نتائجها ولا تزال على جغرافية مصر واقتصاد مصر وإنسان مصر ما لا سبيل إلى مقارنته بأية أحلام معلقة على السد العالي.

بناها محمد على قبل أن يوجد في مصر مهندس مصري واحد، وبناها بدون أن يقترض مليما من الخارج يرهق به ميزانية عدة أجيال لا يعلم إلا الله عددها.

ولم يهتف مرة واحدة " حنبنى القناطر" ولا سجل التاريخ له خطبة واحدة حول بناء القناطر أو المؤامرة الدولية ضد بنائها.. كما لا يعرف هذا الجيل أنه في ظل الاستعمار البريطاني أمكن أن تقيم مصر خزان أسوان- 1903- ونتائجه المحققة حتى الآن تفوق التوقعات المحتملة للسد العالي.

ولقد ألمنى أن يقارن بعضهم بين محمد على وعبد الناصر بدعوى أن الاثنين هزما أمام العدو الأجنبي، وإذا كنت في كتاباتي قد قسوت في نقد محمد على إلا أن شرف الكلمة، وأمانة التاريخ بل وكل القيم التي تعارف عليها الشرفاء تأبى هذه المقارنة وترفضها .. فلا وجه للمقارنة إلا كما قلنا بين الأصل والمسخ.

لقد تسلم محمد على مصر وهى ولاية عثمانية خارج التاريخ، فمد حدودها إلى السودان ومنابع النيل.. ومات وهو يحكم مصر والسودان وأجزاء من جزيرة العرب.. وعبد الناصر فصل السودان ومات وسيناء محتلة وقناة السويس هي حدود مصر..

محمد على مات ومصر أقوى دولة في الشرق، أقوى من تركيا.. الإمبراطورية العثمانية صاحبة السيادة النظرية على مصر.. مات ومصر لديها أقوى أسطول آسيوي أفريقي( لم تكن اليابان قد ظهرت بعد كقوة عظمى) وعبد الناصر ترك مصر ووزنها صفر من الناحية العسكرية، وكرامة كل مصري جريحة والسخرية بقدراتنا العسكرية، وكفاءة جنودنا موضع تندر الصحافة في الكويت ودبي.

محمد على كان قائد جيوشه إبراهيم باشا الذي لم يهزم في حرب قط.. وعندما زار أوربا كانت أقواس النصر تستقبله على طول الطريق تحمل أسماء معاركه التي انتصر فيها.. وهى بالعشرات في أوربا وآسيا وأفريقيا.. وقائد عبد الناصر لم ينتصر في حرب قط، ولم يمت حتى كان الفتيات والفتيان في أ وربا يقلعون عيونهم( بوضع ضمادة سوداء) تشبها بموشى ديان الذي هزم عبد الناصر وقائد جيشه في كل معركة خاضوها ضده.

هل نقارن إبراهيم باشا بالحشاش المنحل الذي سلمه عبد الناصر جيش مصر وأمنها وسيادتها على أرضها فبدد ذلك كله غارقا في ملذاته متفرغا لحماية حكمه وسيده؟

أنقارن بين من وحد مصر وسوريا بالسيف وأوشك أن يدخل الأستانة لولا أن تجمعت أوربا ضده؟ وبريطانيا وحدها كانت تحكم ربع العالم وتستطيع تجنيد جيش أكبر عددا من تعداد ذكور مصر بما فيهم الأطفال.

نقارنه بمن أضاع سوريا وهزم في دمشق على يد مديري مكتبه.. حفنة عملاء لا مكان لهم في مزبلة التاريخ.. ولكنهم هزموا عبد الناصر.. وأخرجوا نائبه مدحورا كالأرملة المفضوحة ولم يجرؤ ولا استطاع أن يطلق طفلة واحدة دفاعا عن وحدة العرب ودولة الوحدة؟

محمد على هزمه " بالمستون" وأين..؟ في جبال طوروس ؟ وعبد الناصر هزمه موشى ديان في شرم الشيخ والعريش والقنطرة؟

محمد على تسلم مصر وليس بها مصنع ولا مدرسة ابتدائية.. فأنشأ الكليات وأقام المصانع وبعث البعوث.. وعبد الناصر تسلم مصر وبها أربع جامعات بل أرقى جامعات في الوطن العربي بل في أفريقيا ( ما عدا جنوب أفريقيا) وكل آسيا باستثناء اليابان.. ومات وقد رفضت جامعات العالم شهاداتنا .. عبد الناصر تسلم مصر وبها شركة الطيران الوحيدة في العالم العربي ومعظم آسيا وكل أفريقيا، وفيها دار للأوبرا والبنك الوطني.. وأفضل شبكة مواصلات .. الخ وتركها كما نعرف..

محمد على لما حاولت بريطانيا العظمى غزو مصر هزمهم هزيمة ساحقة،أو سمح للشعب بهزيمتهم وطاف جنده برءوس الغزاة في شوارع القاهرة.. وانسحب الأسد البريطاني جعل مصر كالمدينة المفتوحة، يدخلها اليهود ويخرجون كأنها أرض لا مالك لها..

في رسالة من محمد على إلى قنصله في باريس:" أبلغنا ولى العهد أنه أثناء زيارته لأوربا رأى نباتا لا يموت ولا يتكسر عندما تطأه الأقدام فأرسلوا لنا بذوره".

وهو الحشيش الأخضر أو النجيل..

هذه كانت اهتمامات إبراهيم باشا في أوربا.. فاسألوا على شفيق ومحمد كامل حسن ماذا كانت اهتمامات مشير عبد الناصر؟

لا تنكئوا الجراح بمقارنة الأصل بالمسخ..

وكان القصد أيضا أن تتاح وثائق أكثرن باعتبار أتن مصادر تاريخنا لا تزال في أرشيفات الدول الكبرى، وكان الظن أن يبدأ الإفراج عن الوثائق الأمريكية ابتداء من عام 1983 أي بعد مرور الثلاثين سنة القانونية، فإذا ما وصلنا إلى التسعينات كان متاحا لنا- على الأقل – الفترة بين 1952 إلى 1960 وهى كافية جدا، وليست حاجتنا للوثائق للاقتناع أو الاكتشاف ، فنحن نحتاج الوثائق للذين لا يؤمنون إلا بعد أن يدسوا أصابعهم في الجرح.. أو بالأحرى حتى ندس أصابعنا في جرحهم وعلى أية حال لم يعد الانتظار ضروريا، فالتطورات الجارية في الدولة الأمريكية منذ وصول الرئيس ريجان وسيطرة اليمين، قد فرضت من القيود على نشر الوثائق وخاصة المتعلقة بنشاط المخابرات الأمريكية ما يؤكد أنه لن يتاح للمعرفة وللمؤرخين إلا النذر اليسير بعد أن ألغى مفعول " قانون حرية المعلومات"،الذي صدر في فترة " الثورة الليبرالية" التي اجتاحت أمريكا عقب حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت..

أما السبب الأهم في نظري لقراري السابق بتأجيل الكتابة، فهو أن يفعل عامل الزمن فعله في الكاتب والقارئ، فتبرد حدة الأحداث وتتحول إلى تاريخ، له سلبياته وإيجابياته..

ولا يمكن لكاتب مثلى أن يدعى الحياد في الكتابة عن " انقلاب 23 يوليو" وأنا كمواطن مصري ، عاش أحداثه كاملة وأثر في حياتي ومستقبلي الشخصي والمهني والوطني والقومي.. يستحيل أن يكون المرء محايدا في الحديث عن حركة، أعطته أحلى أيام عمره وأتعس نكسات وطنه..

كيف أدعى الحياد، إزاء تصفية الاستعمارين البريطاني والفرنسي وقد دام احتلالهما وامتهانهما لأمتنا العربية ما يقرب من قرن ونصف قرن..؟

كيف وقد ضحيت بأحلى سنوات عمري في سبيل تحقيق الجلاء عن مصر ، أكون محايدا إزاء هذا الجلاء وقد تحقق بل ومرتين.. وقد عشت حتى رأيت بريطانيا تهزم في غزو مصر كما لم تهزم في عام 1882 برغم كل إعجابنا وحبنا للبطل أحمد عرابي؟ وما أظن أن فرحة قد غمرت قلبا مثل فرحتي بقيام الثورة الجزائرية مع التسليم وقتها باستحالة انتصارها في عمر جيلنا.. فما بالك بتحقيق ذلك الاستقلال في أقل من عشر سنوات؟

هل أستطيع أن أنسى " الهزة" الوطنية والقومية التي غمرت القلب والروح والعقل بإعلان تأميم قناة السويس، وتصفية المصالح الأجنبية في الاقتصاد المصري وتخليص القطن من قرادحى ومزارحى، وإعلان الوحدة المصرية السورية، وسقوط حكم نورى السعيد وطرد غلوب باشا .. وكلها كانت أحلام المراهقة وعرائس الشباب ؟

وأيضا ..

كيف أكون محايدا إزاء خروجنا من دائرة النفوذ الأنجلو – فرنسي ودخولنا في عصر الهيمنة الإسرائيلية والنفوذ الأمريكي- الروسي؟

وكيف أكون محايدا وقد كان ثمن الجلاء فصل السودان ولو خيرت في مطلع الخمسينات بين بقاء الاحتلال ألف عام وقبول السودان لما اخترت أبدا فصل السودان..

وقد كان شعار مصر من رئيس الوزراء إلى أصغر مصري " تقطع يدي ولا يقطع السودان" قالها زعيم وادي النيل الخالد مصطفى النحاس ووفى بها.

هزمنا بريطانيا وفرنسا وتركنا جولدا مائير تقول عن حرب سيناء الأولى:" التقطنا خمسة آلاف أسير فقط،لكي نبادلهم جميعا بالأسير الاسرائيلى الوحيد الذي أسره المصريون".

أهذا جرح يشفى ؟ لا والله.. سيصحبنى إلى القبر، ولولا أنه غسل بالدم وببرقية "جولدا" في حرب رمضان " أيقظ كسينجر الآن ، لأننا نريد المساعدة اليوم، فغدا ربما يكون قد فات الأوان" لولا ذلك لبعث جيل بأكمله مجروح العرض يوم القيامة .

أيمكن أن أكون محايدا وأنا أكتب عن هزيمة 1967 التي لم تترك قيادتنا ثغرة واحدة يمكن أن ينفذ منها النصر العربي إلا سدتها، ولا غلطة يمكن أن يستفيد منها العدو ولم ترتكبها؟

رفضوا البدء بالهجوم.

قرروا تلقى الضربة الأولى ونشروا ذلك علنا في الأهرام لإخطار إسرائيل رسميا..

أصدروا أمرا إلى قوات الدفاع الجوى بعدم إطلاق النار على أية طائرة لأن طائرة المشير في الجو لحظة الهجوم الاسرائيلى.

غيروا الشفرة يوم الهجوم لكي لا يتلقوا إخطار محطة الإنذار المبكر التي أقيمت في الأردن لمهمة واحدة هي الأخطار عن تحرك الطيران الاسرائيلى، فلما أبلغت المحطة عجزت مصر عن تلقى الإشارة لأن الشفرة تغيرت.. وبعدها بالصدفة قتل عبد المنعم الخ.. الخ.. الخ..

وكل هذا حدث في أثناء المعركة.. ومن قبل كانوا قد دمروا الجيش في حرب اليمن وأفقدوه قدراته القتالية بالجاسوسية والإرهاب والفساد حتى انحصر دفاع هيكل عن القرار الاجرامى الخيانى بتلقي الضربة الأولى.. انحصر اعتذاره بأننا حتى لو ضربنا إسرائيل أولا كنا سنخسر الحرب.. أي أنهم ساقوا مصر عن سبق يقين وتصميم إلى حرب يعرفون أنها محتومة الخسارة.

ما بين فرحة تأميم القناة.. وبين الحسرة وعبد الرحمن البيضانى يعد رجاله بأنه اتفق مع مصر على تخصيص دخل القناة لدعم ثورة عبد الله السلال؟

ما بين الفرحة بالوحدة، ومرارة الانفصال وانتكاسة ثورة العراق.. وتمزق الوطن العربي وتحول ثورة الجزائر إلى قوة نشطة معادية لمصر وانهيار مكانة مصر ودور المصريين بل واحترامهم في سائر الدول العربية..

ما بين تمصير الاقتصاد المصري وتدمير هذا الاقتصاد والقضاء على فرصة مصر لبناء الوحدة الاقتصادية العربية حول مصر وبقيادة مصر، حتى لم يبق في السوق العربية إلا الخادمة المصرية وفول مدمس " قها" ونحن الذين أقمنا أول شركة طيران عربية، وأول بنك عربي، وأول مصنع سماد عربي، وأول صحيفة عربية وأول جامعة عربية وأول صناعة عربية.

بل نحن الذين نقود العالم العربي تسمى على اسمنا " المصارى " والمدهش أن ذلك كله حصل في الفترة من 24 على 1952 ودمر في فترة أقل من 1954 إلى 1981؟.

كيف أكون محايدا وقد تحولت مصر إلى سجن كبير، اختفت فيه كل مظاهر وشكليات الديمقراطية وضرب فيه رئيس مجلس الدولة " علقة" ونودي فيها على شيخ كلية دينية في سجن حمزة البسيوني لأول وآخر مرة في تاريخنا- بإذن الله- كتابا ومؤلفين وجهابذة في الفقه والأدب والتفسير.. وهو ما لم يجرؤ الاستعمار البريطاني الملقب بعدو الإنسانية، على ارتكابه وهو يحتل مصر بثمانين ألف جندي؟ كيف أكون أنا محايدا. والقانون في أجازة؟

ما بين ذكريات " أمجاد يا عرب أمجاد" وشكوى بريطانيا سيدة فن الإعلام، من ضراوة ونجاح الإعلام المصري، وبين تراجع صحافة مصر على المرتبة الثالثة في كل البلاد العربية حتى التحى تعلمت القراءة على يد المصريين ؟ وبين "توارى" مدير صوت العرب، وكأنه قد حمل كل خطايا الإعلام الناصري، بل أصبح رمزا لكل ما هو سيء إعلاميا ثم اكتشاف الحقيقة المرعبة، ألا وهى أن " صوت العرب" قام بالخبرة والمعدات الأمريكية . مستحيل أن يدعى المرء " الحياد" في الكتابة عن زعيم وصل إلى السلطة وكل شاء في مصر أكبر منه ومات وهو أكبر من مصر وكل ما فيها.

مستحيل.

ولذلك كنت أتهرب، وأحاول أن أكسب وقتا بتأجيل الكتابة إلى أن كانت عودتي لمصر بعد غيبة خمس سنوات متصلة، وهجرة قاربت على الخمسة عشر عاما.. ورأيت العبث الناصري في كل مكان.. فالحوار الخاطئ الذي يدور حول من هو الأسوأ " الرئيس الراحل أو الرئيس الأرحل" قد رجح كفة الرئيس الأرحل جمال عبد الناصر.. ونسى المتحاورون أن عبد الناصر هو الذي اختار السادات نائبا له، بل الأحرى أنه هو وحده الذي بقى إلى جانبه حتى الرمق الأخير، بعد أن تمت تصفية وإقصاء كل رجالات مصر وأعضاء مجلس الثورة..

وأن أنور السادات جزء لا يتجزأ من " حركة 23 يوليو " مفهوما وأسلوبا، وأنه المتمم لمرحلة عبد الناصر مع الفارق بين إنفاق الوارث والدنيا مقبلة واستجدائه وقد جدبت الموارد وأفلست الخزائن.

جمعت عددا من الكتب الناصرية التي تذخر بها المكتبات والأرصفة المصرية، وهالني ما قرأت فالتجهيل والتشويه مستمران ولكن بشكل أكثر سوقية وأكثر ابتذالا .

وسمعت عن محاولات إنشاء حزب ناصري يستأنف المسيرة ورأيت " الجامعة الأمريكية " بالقاهرة تتحول إلى أكبر مركز للناصرية؟

ولم أدهش ، بل لعلى رأيت ما توقعته بالحرف ولو كان ذلك لكان للدهشة ما يستوجبها وللحيرة ما يبررها.. " فالجامعة الأمريكية في بيروت هي مركز " اليسار هذا" ..

ومؤتمر " تحرير المرأة" تموله مؤسسة فورد ومن دراستنا هذه – إن شاء الله- سيجد القارئ ما يقتنع به أنه من الطبيعي جدا أن تكون " الجامعة الأمريكية " هي قلعة الناصرية، ومركز تفريخ الجيل الجديد من الناصريين ومعهد تنظير وتنميق وترويج الفكر الناصري.

وإذا كنت لا أستطيع أن أعد القارئ بأن أكون محايدا أو غير منفعل في كتاباتي- إذ لا يملك القلوب إلا الله – فأنى أعده بما يرضيه وينصفني معه..

1- ألا أقدم واقعة واحدة غير مثبتة المرجع.
2- أن أعتمد بالدرجة الأولى على شهادات الناصريين .. والمصادر الأجنبية التي لا تحتمل الشك.. على الأقل في الواقعة التي نستشهد بها، فعندما تقول جولدا مائير إن إيزنهاور أصر على الانسحاب بلا قيد ولا شرط ويؤكد نفس الحقيقة سلوين لويد، لا يمكن أن نتهمهما بالشيوعية وتشويه سمعة أمريكا؟ خاصة عندما تؤكد الوثائق هذه الحقيقة. عندما تتفق رواية مصطفى أمين ومايلز كوبلاند على دور كيرميت روزفلت في مصر، من حقنا أن نرفض إنكار هيكل المتهم الأول.
3- أن التزم بالموضوعية – وهى غير الحياد- في عرض سلبيات وإيجابيات العهد الناصري، مع التأكيد أن ما أقدمه من وقائع قد تحريت صدقه بكل ما في طاقة باحث أو مؤرخ، أما التحليل الذي وصلت إليه فهو بلا شك معرض للخطأ، قابل للرفض والنقض.. ومقارعة الحجة بالحجة.

ولا أزعم أنني أشيد بعبد الناصر أو أدينه، فذلك متروك للقارئ، ولا أزعم أنني سأهدى جيلا من الضلال، بل غاية ما اصبوا إليه هو أن أسجل خبرتي ومعايشتي وقراءاتي للجيل القارئ اليوم، فإذا كان مقدرا لمصر والعرب أن يخوضوا تجربة ناصرية جديدة، فعلى الأقل ندخلها عن وعى هذه المرة.

وقد علق " مؤرخ الناصرية" على هذه النقطة فراح يعظ عن حياد المؤرخين، مزيفا جاهلا كعادته، وحسبي أن أقول مرة أخرى، إنه لا يمكن الحياد في كتابة التاريخ المعاصر، ولا هو مطلوب والرافعي لم يكن محايدا كما زعم بل كان وطنيا بمفاهيم القرن التاسع عشر، الأمر الذي حمل كتاباته الكثير من الأخطاء في التفسير والتعليق وأحيانا في صياغة الواقعة ،وذلك في تأريخه لحرب محمد على، أو موقفه المعيب من الثورة العرابية والمضطرب من ثورة القاهرة ضد الاحتلال الفرنسي وأخيرا تحيزه غير المنصف ضد الوفد..

فالمؤرخ المعاصر الذي يكتب عن أحداث عاصرها، وساهم فيها أو كان طرفا في صراعاتها، أولى بأن يفقد حياده، ولا يضيره هذا ولا يضير تاريخه، ما لم يتبع هواه.. إذ لا يجوز تغيير واقعة ولا إخفاء حدث بسبب الاقتناع الذاتي أو الموقف السياسي هنا تصبح الكتابة أدبا سياسيا وليست تاريخا، بل تصبح تزويرا لا يليق.. فليس يعيب المؤرخ أن يكون مع أو ضد ثورة 1919 ما دام ما يصل إليه من حقائق ووقائع بأمانة.. أما أن " يهدد" هيكل بأن نشر مذكرات " سعد زغلول " يسيء إلى الزعيم، فهذا هو ابتزاز التاريخ أو محاولة تعديله على هوى الكاتب وتصوره.

ومن ثم فليس على من التزام أمام القارئ إلا " الصدق" وخاصة أنه ما من سبب شخصي يدفعني إلى عداء عبد الناصر أو التحامل عليه، فلم أكن ملكيا قبل 23 يوليو ولا حصلت على جائزة الملك فاروق في الصحافة ثلاث مرات، ولا حتى مرة واحدة، وما كان يمكن أن يكون مثلى مرشحا لمثلها، بالعكس كنت مقدما للمحاكمة بتهمة العيب في الذات الملكية، والدعوة إلى قلب نظام الحكم بالقوة المسلحة في عهد الملك فاروق في قضية حقق فيها " على نور الدين" ..

وجاءت حركة 23 يوليو وأنا في معتقل الملك فاروق ، وأيدنا الانقلاب كما توقع تقرير المخابرات الأمريكية أن يفعل " المثقفون المغفلون" وكنا منهم ولا فخر ثم عارضناه عندما بدأ يكشف عن وجهه، ودخلت المعتقل أو السجن في 9 يونيه 1954 وأفرج عنى في 11 يونيه 1956 ومن يومها لم يتخذ عبد الناصر قرارا واحدا ضدي، بل أقول لأول مرة إنه كان يثق في مقالاتي، فكما أخبرني الزعيم الكردي " جلال الطلبانى" إنه عندما قابل الرئيس عبد الناصر في عام 1963 واشتكى له من وجود قوة سورية تقاتلهم في العراق إلى جانب الجيش العراقي، رد الرئيس عبد الناصر:" غريبة.. جلال كشك كان هناك ولم يكتب عن القوات السورية في تحقيقاته الصحفية" وكنت قد قمت بأول زيارة صحفية لمعاقل الأكراد في شمال العراق واجتمعت بالمرحوم المللا البرازانى.

وكل مصادري تؤكد أن عبد الناصر شخصيا منع أو رفض اعتقالي أكثر من مرة.. بل أحسبني مضطرا إلى القول أن ليس بيني وبين الأستاذ"محمد حسنين هيكل" ذاته عداء شخصي، بل الأحرى أنني مدين له بإخراجي من السجن عندما اعتقلني المنحرف " أمين شاكر" .

وهيكل هو الذي عينني في " أخبار اليوم" عندما جبن وهرب وعارض الآخرون.. ولكن الأمر أكبر من أن يكون حسابات شخصية.. " فنقطة" الخلاف كبيرة جدا.. إنها ببساطة: مصر .. مصر الماضي.. مصر الحاضر .. مصر المستقبل..

وقد يتساءل القارئ لماذا أركز على هيكل ؟ والجواب ليس فقط للمكانة التي احتلها في العصر الناصري، تلك المكانة التي تشكل في حد ذاتها سؤالا ضخما بل عريضة اتهام حافلة للنظام الناصري، ولا لأنه هو المتصدي الأكبر للترويج للناصرية. بل لأنه إحدى الحلقات الرئيسية في العلاقة الأمريكية – الناصرية، لأن " هيكل " كما جاء في كتاب " حبال الرمال" ولم يتعرض هو ولا اتخذ أي إجراء ضد المؤلف والناشر- قد جندته المخابرات الأمريكية كعميل في أوائل الخمسينيات.. وأصبح بطريقة ما المتحدث الرسمي باسم الوطنية الناصرية والقومية العربية، ومن ثم فإنه يعرض قصة الناصرية من زاوية يهمنا التصدي لها.

كذلك استعنت بشهادات رجالات 23 يوليو .. ومن المؤيدين لها في إطارها العام حتى وإن اختلفوا في تفاصيل تدور حول أشخاصهم في الغالب أو حول كارثة وطنية لا مجال لقبولها إلا من مأجور.

وقد ركزت على قضية العلاقة مع الأمريكان والمواجهة مع إسرائيل ومعركة 1956 فلم أتعرض – إلا بحكم الضرورة- للأوضاع الداخلية والاستبداد السياسي باعتبار أن هذه قضية أشبعت بحثا، ويعترف بها الناصريون أنفسهم ويعتذرون عنها بما تحقق من انتصارات في ميادين محاربة الاستعمار والوحدة العربية، والتصدي لإسرائيل .. الخ.

وربما يرى البعض أن فصل في البدء جاء الأمريكان كان أجدر لو أخر إلى نهاية الكتاب على أساس أنه النتيجة التي تثبتها هذه الدراسة، ففيه نتحدث عن علاقة الأمريكان بحركة 23 يوليو، ومن ثم فلابد أن نمهد للقارئ، حتى يصل إلى الاقتناع بما ندعيه عبر الحقائق والتحليلات لتاريخ الناصرية ومواقفها والتي كشفنا فيها مدى التزوير الذي تعرض له هذا التاريخ.

ولكنني رأيت أن أبدأ به فصول الكتاب حتى وإن صدمت القارئ، وحجتي في ذلك أنني لم أستهدف أبدا إثبات تهمة التآمر بين الناصرية والأمريكان ، حتى يمكن أن يكون ذلك هو عبرة الكتاب ونتيجته المنطقية.

لا ليس هذا هدفي ولا هو بالهدف الذي يستحق أن يقتصر عليه الجهد، وأنا أكرر ما قلته في أكثر من موضع، إنه ليس من أهدافي أن أسيء إلى عبد الناصر أو أن أدينه بتهمة ما .

تماما كما لم يكن بيني وبين الشريف حسين تأثر شخصي ولا مصلحة ممكنة أو ممنوعة، والرجل قد مات قبل أن أولد، إنما أردت بتحليل العلاقة بين ما أسموه بالثورة العربية الكبرى، والمخابرات البريطانية إلقاء الضوء على ما تولد عن هذه العلاقة وترتب عليها من نتائج ما زالت أمتنا تعانى آثارها إلى اليوم، كذلك أردت بكشف العلاقة بين حركة 23 يوليو والمخابرات الأمريكية ،أن أكشف للشعب العربي التاريخ السري الذي أشار إليه رجل المخابرات ألأمريكية ومدير شئون ثورة 23 يوليو عندما قال :ط إن المؤرخين والدارسين الذين لا تتاح لهم معرفة التاريخ السري للأحداث، لا يمكنهم أن يفسروا مثلا لماذا تجنب عبد الناصر الحرب مع إسرائيل في ظروف كان النصر فيها محتملا بينما قاد بلاده إلى حرب محتومة الخسارة".

وهذا الجهل بالتاريخ السري، أوقع البعض في تفسيرات مجنونة مثل اتهام عبد الناصر بأنه عميل إسرائيل ، أو أمه يهودية"..

إن سلوك عبد الناصر والأحداث التي مرت، والمواقف التي تبدو كالألغاز، والتي تجعل بعض الناصريين " المخلصين" يرفعون أيديهم في حيرة العاجز، يطرحون السؤال ويعترفون باستحالة الإجابة عليه في إطار المنطق المفترض للناصرية. كل هذا لا يمكن فهمه بدون معرفة " مفتاح" شخصية عبد الناصر، بدون الاطلاع على التاريخ السري للناصرية، بدون اكتشاف المعامل"س" الذي به وحده يمكن حل المعادلات المجهولة في الحقبة الناصرية..

والمعامل"س" هو تلك العلاقة التي انعقدت بين مجموعة جمال عبد الناصر في تنظيم السادات من جهة، وبين المخابرات ألأمريكية من جهة أخرى، عشية الثورة وبعد نجاحها وربما إلى عام 1964- 1965.

وهكذا كان من الطبيعي والمنطقي أن نبدأ الفصل حتى ولو شكل ذلك صدمة للقارئ، بل ربما دفع البعض، ممن يخشون الحقيقة، فيبغضونها إلى التوقف عن متابعة بقية الفصول.. لأننا نبحث عن تفسير لا عن إدانة، ولا يمكن فهم مواقف الرئيس عبد الناصر من السودان والجلاء والعدوان الثلاثي وإسرائيل وصفقة السلاح إلا على ضوء هذه العلاقة..

لذا فضلنا أن نطرح التفسير أولا ثم نستخدمه في تحليل الأحداث، فتتأكد صحته مرتين مرة كحقيقة موضوعية، ومرة بتطابقه مع النظرية العامة.. تماما كما أمكن اكتشاف بعض الكواكب بالحساب، ثم تبثث صحة الاستنتاج بتقدم آلات الرصد، مع الفارق في حالتنا، هو أننا اتبعنا الأسلوب العكسي أي رأينا بالدليل الحسي علاقة الثورة بالأمريكان فلما استخدمنا هذه العلاقة في تفسير الأحداث، تأكدت صحتها.. لأنها قدمت التفسير المعقول.

ويجدر أن نؤكد هنا ما أكدناه في فصول الكتاب، من أن تنظيم السادات كان في مجموعه تنظيما مصريا وطنيا خالصا، نشأ من دوافع مصرية، وبنوايا وطنية صادقة وأن غالبيته العظمى لم تعرف لا وقتها ، وربما إلى الآن ، هذه الصفقة التي عقدت مع المخابرات الأمريكية ، بل إننا نذهب إلى أن عددا من أعضاء مجلس الثورة لم تكن لهم معرفة بذلك.

وقد أشرنا لذلك في غير هذا الموضع.. ولكننا نرجح هنا أنه لا يوسف صديق ولا البغدادي ولا حسين الشافعي، ولا رشاد مهنا ولا كمال الدين حسين ، كان لهم علم بذلك، كما نقطع أن خالد محيى الدين لم يشترك فيها.

أما أنه أحس بها أو لم يحس، فتلك قضية لا نجزم فيها كذلك تعتقد أن صلاح سالم اكتشفها مبكرا وفى خلال أزمته في السودان وحاول أن يوازنها بعلاقة مع الروس فاحترق.. وأن جمال عبد الناصر وعامر وزكريا وأنور كانوا على علم بها منذ البداية، وإن كان " أنور" قد بقى بعيدا، سواء عن ذكاء منه، أو خوفا منه أو إهمالا لشأنه.. يضاف إليهم في حدود ما وصلنا إليه- على صبري وحسن التهامي.. غير أن على صبري قصة أخرى تماما.. إذ نعتقد أن له دورا أخطر من ذلك.

كما نؤكد هنا أن جمال عبد الناصر لم يكن عميلا للأمريكان بل كما قال مايلز كوبلاند المسئول من قبل السى آى ايه عن مصر وعبد الناصر في الفترة من 1953- 1955 " ولو أن كرميت روزفلت والمستشارين الذين بعثهم إلى مصر ستيف مييد.. وجيمس ايكلبرجر، وبول ليبرجر، لم يكونوا يديرون عبد الناصر بأكثر مما يسيطر عليه الروس اليوم.. إلا أن تلاقى أفكارهم مع أفكاره، جعل فلسفته تلقى عطفهم وتأييدهم، ومن ثم فإن ما فعله عبد الناصر بصرف النظر عن موافقة الغربيين أو عدم موافقتهم، فهذا لا يهم إزاء حقيقة أن هذا الذي فعله قد نال تأييد فريق من الغربيين لا شك في إخلاصهم المطلق لمصالح بلادهم، وأن هؤلاء الذين أيدوا عبد الناصر كانت توجههم المبادئ المقبولة في الغرب".

إنها لعبة شديدة التعقيد، أراد عبد الناصر أن يوظف الولايات المتحدة لخدمة أهدافه، التي كانت بلا شك وطنية في جوهرها شريفة في مقصدها ولكنه أخطأ أهدافه وخسر لسبب بسيط هو عد التكافؤ بين اللاعبين.. وهذه هي العبرة التي نهدف إلى استخلاصها وتقديمها للمشتغلين بالسياسة والذين سيشتغلون بها يوما ما.. أنه لا يمكن أن تنجز ثورة " بمؤامرة " وأنه لا يمكن أن تتحقق مصالح الشعوب من خلال التعاون مع أعرق الاستعماريات المتعارضة المصالح والمواقف مع الأمة العربية وخاصة منذ سيطرة إسرائيل على القرار السياسي في الولايات المتحدة.

إن هذه الصلة التي بدت في البداية صحية وضرورية وحققت نتائج باهرة.. مثل النجاح المدهش في سهولتهن ومثل شل القوات البريطانية ومنعها من التدخل، ثم إجبار بريطانيا العظمى على قبول الانسحاب من السودان، ثم خلع محمد نجيب وتثبيت ناصر ثم إحباط الغزو البريطاني - الفرنسي ..

وطرح عبد الناصر زعيما للقومية العربية .. بل والمساعدة في تحرير الوطن العربي من الاستعمارين البريطاني والفرنسي.. إلا أن هذه العلاقة أو الحبل السري بين الناصرية والمخابرات الأمريكية ، كان يدمر في الجذور بقدر ما يبهج الوقتية، وخاصة فيما يتعلق بالصدام العربي – الاسرائيلى ، والوحدة العربية والبناء الحقيقي لقدرة مصر الذاتية. ففي هذه الميادين عملت هذه العلاقة على تدمير ما كان قائما، وقادتنا إلى الإفلاس المطلق في الحقول الثلاثة، فقد خرجت إسرائيل من المواجهة الإسرائيلية- الناصرية بأعظم نصر تحقق في أي صدام من نوعه، منذ انهيار الإمبراطورية البيزنطية أمام العرب.. ودمرت أسس الوحدة العربية، وتحولت من إمكانية قبل ظهور ناصر إلى مستحيل عند وفاته وإلى اليوم .. كذلك تدهور مصر من مكانة الدولة الأولى في الشرق الأوسط في كل شيء إلى .. ما نعرفه ..

وهذا السر الخفي هو الذي جعل بعض تصرفات النظام الناصري تبدو وكأنها تصدر من جهة إسرائيلية إذ لا شك في أنها كانت من حيث نتائجها لمصلحة إسرائيل مما جعل البعض كما قلنا يتخبط فيضع تفسيرا " بروتوكوليا" لها.

ولا ننكر أن المخابرات الإسرائيلية كان لها وجودها في بعض المراكز الحساسة في النظام الناصري، بدليل بعض ما حدث في 1967.

ولكن التفسير الذي وصلنا إليه عن هذه التأثيرات الإسرائيلية على القرار المصري، هو أنها تمت عبر المخابرات الأمريكية .

وما كانت تتمتع به هذه المخابرات من ثقة الزعيم.

فإذا أضفنا إلى ذلك الحقيقة المعروفة وهى أن المخابرات الأمريكية هي أكثر الأجهزة الأمريكية تعرضا لتأثير " الموساد" أو المخابرات الإسرائيلية، أمكننا أن نتوقع أن تكون بعض النصائح التي قدمتها المخابرات السى آى ايه ـ والتي أربكت القيادة الناصرية وأسقطتها في أخطاء أجادت إسرائيل، الاستفادة منها، يمكن أن نتوقع أنها موعز بها من عناصر الموساد داخل المخابرات الأمريكية ن ومن استرعى الذئب ظلم..

واعترف أن العنصر الاسرائيلى قد ألح على إلحاحا شديدا في هذه الدراسة عندما كنت أجد معظم الخيوط والأحداث والقرارات الناصرية تصب في قناة واحدة:" مصلحة إسرائيل " .

حتى فكرت أن أجعل عنوان الكتاب "كلمات على قاعدة التمثال" في إسرائيل ن انطلاقا من حقيقة أنه إذا روجعت خريطة المنطقة، على ضوء ما حققته من مكاسب في العهد الناصري، فستفوز إسرائيل بكل الجوائز من الميدالية الذهبية إلى الخشبية.

فخطر لي أن تكون فصول هذه الدراسة هي الحيثيات لإقامة التمثال أو الكلمات أو المنجزات التي تنقش على قاعدته.

ولكن عندما تعمقت في الدراسة تأكد لي صدق وطنية ومصرية عبد الناصر وأنه فعلا أحس بخطر إسرائيل ابتداء من عام 1954 ولكن علاقته بالمخابرات الأمريكية وما أثاروه في نفسه من خوف، وما ربطوه من تعهدات، وما أوهموه من وعود بتسويات .

كل هذا أفسد فكره وشل يده وأجبره على شن معارك واتخذا قرارات، كانت كلها- للأسف- في صالح إسرائيل ومعظمها لم يكن يهدف إلا إلى تجنب المواجهة الحقيقية، ومحاولة كسب الوقت حتى يأتي الحل الأمريكي.

أما كيف فسدت علاقة عبد الناصر بالأمريكان ولماذا انهارت إستراتيجيته في التعاون المصري – الأمريكي، والذي كان يحمل إمكانية- ولو نظريا- لتحجيم الدعم الأمريكي لإسرائيل ومن ثم ترجيح كفة القوى المحلية في المنطقة في الصراع العربي- الاسرائيلى .. فالسبب في اعتقادي هو أيضا تلك الصلة الخفية مع الأمريكان.

فلو كانت هذه الصلة إستراتيجية معلنة، ومتفقا عليها من جانب القوى الوطنية في مصر أو حتى بعض هذه القوى شبهتها تطارد الزعامة الناصرية حتى فيما بينها وبين نفسها، والتي كانت تحتاج باستمرار إلى " المهرجان" ضد أمريكا في العلن، لإخفاء ما يجرى في الخفاء، وللحصول على الشعبية المطلوبة كشرط استثمار والاستفادة من هذه العلاقة، وهو أمر لا يعرفه إلا عدد محدود من الأمريكان لا يمكنهم التحكم في الرأي العام الأمريكي بمؤسساته والدستورية والديمقراطية والصهيونية.

وإذا كان زكريا محيى الدين، قد اعترف أن " اللعبة" كانت محتومة الفشل وفسر ذلك بالمؤسسات الأمريكية وعصبية عبد الناصر فإننا نفسر قوله- وهو الذي اعتاد ألا يتكلم فإذا نطق لا يكلم الناس إلا رمزا – نقول إنه يقصد التأثير اليهودي على الأجهزة الأمريكية ن وبالتالي صعوبة أو استحالة تأييدها لمصر أو لبد عربي إلا في إطار ما يخدم إسرائيل .

وأيضا صراع هذه الأجهزة وعدم " انضباطها" من وجهة نظر أعتى وزير داخلية حكم مصر منذ قراقوش مع الفارق ومن ثم لا يمكن التحكم في تصريحات أعضاء الكونجرس ولا تصرفات المسئولين مما يثير " عصبية" عبد الناصر وبالتالي يقع في الاستفزاز، فيرد عليه باستفزاز أشد..

فهو يقول:" إن مصادقة الأمريكيين هو أمر قريب من المستحيل لأن البناء السياسي لها يؤثر على إستراتيجيتها ويدلل على ذلك بأنه خلال فترة الصداقة التي قامت بين مصر والولايات المتحدة في السنوات الأولى للثورة : خصوصا إذا كنا نستجيب بسرعة للأحداث وتكون انفعالاتنا هي أساس سياستنا في جميع أرجاء العالم والرد عليه بأكثر الصور علانية، على أساس أن هذا التطرف في " التصريحات " يخفى العلاقة ويساعد على القيام " بالدور الايجابي البناء".

ثم تطورت الأمور فأصبح هذا هو مورد مصر الأساسي، عندما كفت عن الإنتاج والتصدير ، ولم يبق أمامنا من مصدر للعملة الصعبة إلا " المهرجان" أو السيرك المفتوح لكسب متفرجين أو رأى عام عالمي، ومن ثم نبتز بهم الدول الكبرى لتدفع ثمن سكوتنا أو كما كتب هيكل في عام 1964:" إن سياسة مصر الخارجية هي استثمارات لأنها تعود بفوائد عملية وسياسية لمصر في شكل مساعدات اقتصادية من أمريكا وعسكرية من روسيا" ولم يكن أمام النظام الناصري من حل آخر، بعدما رفض طريق الثورة الحقيقية وبناء القوة الذاتية معتمدا على طاقات المصريين وفى ظل وحدة عربية حقيقية تجمع الإمكانات العربية في اتجاه واحد بناء..

ولأنه صدق ما قاله له الخبراء الأمريكان:" حتى لو حصلت على البليون دولار التي تحتاجها لخطتك الخمسية، وحتى لو نجحت هذه الخطة حرفيا، وحتى لو عمل كل مصري بأقصى طاقته، وتحت إشراف أفضل الخبراء الأجانب، فإن أفضل ما تتوقعه هو منع هذا البلد من التقهقر للوراء، لن تقدم لهم لقمة عيش أفضل ولا تعليما أفضل ولا رفاهية للشعب لا شيء أفضل لأن زيادة النسل تأكل الفرق".

ووصل عجز مصر التجاري إلى 400 مليون دولار سنويا وهبط الاحتياطي إلى 40 مليون دولار من الغطاء الذهبي و46 مليونا عملة صعبة في البيانات الرسمية – بينما لم يكن الموجود الحقيقي يزيد على ثلاثة ملايين دولار وفى 1966 جاء في تقرير أمريكي أن مصر لو باعت ذهبها كله لما كفى لدفع استيراد شهر واحد..

وقد أشار " مصطفى أمين" في رسالته لعبد الناصر إلى اقتناع الرئيس المصري بسياسة " المهرجان" أو لعب دور الدولة الكبرى لكي تدفع لنا الدول الكبرى بصحيح وذلك عندما قال : إن الأمريكي قال له" لو اهتم جمال عبد الناصر بشئون بلده الداخلية فقط وابتعد عن موضوعات التدخل في الكونغو والعراق واليمن فإن الحكومة الأمريكية مستعدة لأن تساعد مصر ماليا مساعدات ضخمة، فقلت له على لسان سيادتكم : إنكم مقتنعون بأنه لولا نفوذنا الخارجي لما اهتمت أمريكا بنا ولما أعطتنا دولارا واحدا.

ولو أننا بقينا على حالنا في الداخل ما استطعنا أن نتحول إلى دولة كبيرة ولا أن نحصل على برنامج واسع من المعونة وذلك بمواقفنا في الخارج.

وهكذا فحتى عام 1965 كانت أمريكا تقدم ثمانين بالمائة من الخبز الذي يأكله المصريون أو الرغيف المدعوم، ودخلت مصر في الحلقة المفرغة التي أشار إليها " مايلز كوبلاند" عندما قال:" وكان استمرار المهرجان ضروريا للحصول على الدعم كما أصبح الحصول على الدعم ضروريا لتمويل المهرجان، يعنى لابد أن تتدخل مصر في الكونغو لتحصل على دعم من أمريكا وروسيا ولكن جانبا مهما من الدعم يتفق على حملة الكونغو وهكذا من الكونغو للعراق لسوريا للجزائر .. للمغرب.. لغانا.. لليمن حتى جفت الاعتمادات وانفض المهرجان.. ولم يبق إلا الإفلاس.

إن رجال المخابرات الأمريكية الذين اتصلوا بتنظيم السادات وتعاونوا مع مجموعة عبد الناصر كانت تحركهم ثلاثة أهداف:

1- منع قيام ثورة راديكالية حقيقية في مصر.
2- حماية إسرائيل .
3- تصفية الإمبراطوريتين ، البريطانية والفرنسية في العالم العربي، وإحلال النفوذ الأمريكي وليس الروسي محلهما.

ولا جدال في أنهم حققوا الهدف الأول والثاني بتفوق ولكن الجدل حول الهدف الثالث، لما يبدو لبعض المؤرخين وكأن النفوذ الروسي قد دخل المنطقة بفضل الناصرية، وهذا صحيح جزئيا ولكن يجب ألا ننسى عنصر" الوفاق" بين الروس والأمريكان الذي ظهر في عنفوان الناصرية، وأن الصدام الحقيقي في المنطقة كان بين أمريكا من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، وأن الأمريكان اكتفوا بتدمير كل القوى التي يمكن أن تحول المنطقة إلى دول شيوعية ترتبط إلى الأبد مع الاتحاد السوفيتي وقد صفى عبد الناصر الحركة الشيوعية في العالم العربي على نحو فاق أحلام أشد الأمريكيين عداوة للشيوعية فلم تقم للشيوعيين قائمة إلى يومنا هذا ..

وتكتيكات لعبة ألأمم، فرضت على الإنجليز أو الأمريكان ، الاستعانة بالدب الروسي نكاية في النسر الأمريكي أو الأسد البريطاني، مع اطمئنان كل من المتصارعين الاستعماريين، إلى أن التخلص من الدب الروسي سهل وممكن في اللحظة المناسبة، كما حدث في حالة مصر والصومال والعراق على سبيل المثال.. وسنرى خلال هذه الدراسة أن أهم خطوة في العلاقات المصرية- الروسية- صفقة السلاح – كانت بعلم الأمريكان، إن لم نقل تشجيعهم كما تعاون العملاقان إلى أقصى إلى أقصى حد ضد محاولة العودة البريطانية- عدوان 1956-.

ويجدر أن نشير هنا إلى تجربة حدثت في العالم العربي، وللأسف فإن نفس التزوير والرغبة في خداع النفس، لربما تجنب قادة حركة 23 يوليو الوقوع في نفس الخطأ .. ولربما تجنبوا أن يأتي مؤرخ فيطلق على حركة 23 يوليو اسم " ثورة كيرميت روزفلت" كما أطلقنا نحن على ثورة الشريف حسين أو " الثورة العربية الكبرى" لقب " ثورة لورنس" .

ففي الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا تحتل معظم العالم العربي، ومصر والسودان وتعتبر الجزيرة العربية في منطقة نفوذها، وكان العدو هو تركيا وهى أيضا الإمبراطورية الآفلة التي تستعد بريطانيا لوراثتها وكانت بريطانيا تخشى أن ينضم العرب للأتراك تحت تأثير الرابطة الدينية ، أو حتى بالحس السياسي الذي كشف لهم ما تدبره لهم بريطانيا وفرنسا.

ولذلك قامت المخابرات البريطانية بتدبير ما وصف بعد ذلك بالحدث الفريد من نوعه، وهو الاتفاق مع الشريف حسين على إعلان " الثورة العربية" ضد دولة الخلافة.. وبقية القصة معروفة، إذ كانت هذه "الثورة " أحد العوامل في تمكين الاستعمارين: البريطاني والفرنسي في المنطقة فتقاسما الوطن العربي كأنه فريسة بلا حول ولا طول.. وأعطيت فلسطين لليهود بلا اعتراض جدي من الثوار.

وسيجد المؤرخ تشابها غريبا في أحداث الثورتين الشريفية والناصرية، وبعض المؤرخين يسلكهما في خيط واحد في سجل تشريفات القومية العربية .. سيجد نفس اللامبالاة بالصهيونية في البداية، بل والأمل في التصالح معها.. وسيجد هذه العلاقة "العاتبة" و" المتوقعة" .. " الشاكية".. "المتوترة " .. والتي ستنتهي بهزيمة عسكرية فادحة هنا وهناك، وفى المرتين يتساءل المؤرخ.. لماذا اندفع الشريف حسين إلى محاربة عدو أقوى منه وأقدر على إنزال الهزيمة الساحقة به، وفق كل المعلومات المتاحة.

وذلك في عام 1926 ضد السعوديين ولماذا رفض عبد الناصر في 1956 تصديق جميع التحذيرات التي أكدت له نية العدوان، ثم انساق إلى هزيمة 1967 بعد نصف قرن من تورط الشريف حسين؟..

ويستحيل الوصول إلى جواب مقنع، إذا ما أصر المؤرخ على إغفال هذا العنصر في الحالتين، الارتباط مع المخابرات الأمريكية ، ومن ثم تصور استحالة تخلى الإنجليز عنه، وفى الحالة الثانية الارتباط مع المخابرات الأمريكية ن والظن بأن الولايات المتحدة ستتقدم بحل آخر لحظة ولن تسمح بقيام الحرب.

أوجه كثيرة للشبه يمكن أن يجدها المؤرخ أو حتى القارئ الذكي.. بين تدبير الإنجليز، إزاحة الترك " بثورة" عربية كبرى وبين تنصيب أمريكا لعبد الناصر زعيما للثورة العربية مرة أخرى لإزاحة الإنجليز.. بين أعمدة الحكمة السبعة للورنس وبين لعبة ألأمم لكوبلاند .. وقد أشرنا بالتفصيل لثورة لورنس في كتابنا " القومية والغزو الفكري " الصادر عام 1966 .. وكذلك في كتابنا " السعوديون والحل الاسلامى" الصادر عام 1980.. ويمكن لمن شاء الرجوع إليهما.

وبعد.. فقد كانت في مصر ثورة حقيقية وطنية تجمعت خلال الحرب العالمية الثانية، وتفجرت بقرار الوفد التاريخي بإلغاء المعاهدة.. وكان تنظيم السادات جزءا من هذه الثورة، وكان عبد الناصر وطنيا مصريا يتطلع لإنجاز هذه الثورة، ولكنه بطبيعته الانطوائية، فضل الانقلاب العسكري على الثورة، وبطبيعة الشك فئ نفسه والتقدير الزائد لأهمية سلامته الشخصية أراد أن يؤمن هذا الانقلاب بالاتفاق مع المخابرات الأمريكية وبتعطشه الزائد للسلطة واقتناعه بأن مصير مصر والأمة العربية رهين باستمراره في هذه السلطة مهما كان الثمن.. حدث ما حدث..

مما نتلو عليك بعضه.

الفصل الأول: التاريخ البلاستيك وهيكل..

عندما يكتب التاريخ بهدف إخفاء جريمة تزوير في أوراق وطنية..

مؤرخ الناصرية يشكو فقدان المصداقية – فهو كما يقال – يقتل القتيل ويمشى في جنازته ذلك أنه كمسئول عن الإعلام الناصري الذي وضع أسسه خبراء ألمان اختارتهم واستأجرتهم المخابرات الأمريكية لإنشاء وتطوير هذا الإعلام الناصري، كان من الطبيعي أن يتسلح نجم هذا الإعلام بشعار جوبلز:" اكذب ثم اكذب واكذب أكثر.. وأخيرا سيضطر الناس لتصديقك"..

وهذا طبعا يتطلب دعم الكذب بالإرهاب ومنع المعلومات عن الناس، وحظر أي تشكك فضلا عن مناقشة ما يقدمه العلام الرسمي من أكاذيب، تحت طائلة السجن والتعذيب وأحيانا الموت، عندئذ تصبح الأكذوبة هي وحدها المتاحة، ويصبح قبولها أو رفضها سيان، لأنه بدون المعرفة لا يوجد اختيار وبدون اختيار لا حرية وإذا انعدمت الحرية فلا حقيقة ولا تاريخ.

وهكذا كان الإعلام الناصري، وهيكل فارسه يكذب بلا حرج ولا حياء ويزيف الواقعة، كيفما شاء وعدة مرات، وفقا لتطورات مواقف السلطة، على نحو يتطابق حرفيا مع ما جاء في رواية" جورج أوريل" ( العالم سنة 1984) حيث تقوم الدولة أو " الأخ الأكبر" كما سمى الديكتاتور يقوم التاريخ مرة عدة سنوات، فينكر ما كان مفروضا كحقيقة ثابتة لعدة سنوات ، ويفرض من جديد ما كان مرفوضا كأكاذيب..

وإذا كنت- شخصيا- قد تعرضت لكثير من وقائع تزوير التاريخ التحى ارتكبها هيكل، وذلك في كتبي ومقالاتي خلال عشرين عاما منذ أن امتلكت حرية النشر بخروجي من مصر عام 1968 وإذا كان كتابي هذا ، يدور أساسا حول تزوير هيكل للتاريخ، إلا أنني أردت أن أفتح شهية القارئ أو قل له صورة من أكاذيب هيكل، في هذا الفصل باستعراض بعض الأمثلة للاستهتار الذي يتعامل به هيكل مع التاريخ والقراء، من خلال المقارنة بين وقائع محددة، ذكرها هو نفسه مرة في " ملفات السويس" الصادر باللغة العربية ثم عاد فأرودها بصورة مخالفة وذلك في " نفس الكتاب" – كما يؤكد هو- الذي صدر بالإنجليزية تحت عنوان " السويس : قطع ذيل الأسد" .. مع الإشارة – أحيانا- إلى الخلاف بين " ملفات السويس " العربية وأصلها الذي صدر منذ عشر سنوات باسم " قصة السويس" .

و" ملفات السويس " و" قطع ذيل الأسد" صدرا في وقت واحد، فلا مجال للحديث عن ضعف الذاكرة أو ظهور حقائق جديدة وسيرى القارئ أن الطبعة العربية صدرت في 928 صفحة من القطع الكبير أما الطبعة الإنجليزية فلم تتجاوز الـ 242 صفحة أي الربع تقريبا.. وقد اعتذر المؤلف بأنه اضطر للإطالة في الطبعة العربية لأن بعض التفاصيل لا تهم القارئ الأجنبي، ولأن انعدام المصداقية في العالم العربي، فرض عليه التوضيح بالتفاصيل، وإذا وقع حذف أو اختصار فسيكون من نصيب طبعة" التصدير" ولكننا سنثبت أو نكتشف معا العكس تماما فإن الطبعة العربية- على طولها- ها التي سقطت منها وقائع وحقائق في غاية الأهمية، وأنها طالت بشقشقة اللسان والتهريج ببطولات كاذبة استحى هو أن يعرضها للقارئ الأجنبي أو اضطر ناشره الإنجليزي إلى حذفها تمسكا بشرف الكلمة ، واحتراما لهذا القارئ الأجنبي.. الذي كان عند حسن ظنهما فاستقبل هذه الطبعة ببرود لم يجابه به أي كتاب لهيكل ذاته..

أما عن الخلاف الواضح بين الطبعتين، فلا مجال للاعتذار أو التبرير بخطأ المترجمين أو غشهم لسببين:

أن الاختلاف كما سنرى هو في وقائع وليس مجرد صيغ، وأن الخلاف دائما في خدمة الهدف أو التهمة التي نتهمه بها، وهى محاولة تضليل القارئ العربي بإخفاء حقائق العهد الناصري وخاصة فيما يثبت العلاقة بين عبد الناصر والمخابرات الأمريكية ن أو الترويج للولايات المتحدة والفكر الصهيوني.. ومن ثم فالمصلحة واضحة في الاختلاف مما يؤكد تعمد التزوير.

أما السبب الثاني فهو اعترافه بأنه هو الذي ترجم:

" ترجمت الكتاب الأصلي بنفسي إلى اللغة العربية إلا أنى توسعت في التفصيل فهناك كثير مما يهتم له القارئ العرب بدرجة أكبر بالقطع من القارئ الإنجليزي أو الأمريكي أو الفر نسى أو الألماني أو الياباني .. إلى آخره".

ومن ثم فمن حقنا إزاء ما تعمد إخفاءه الطبعة العربية أن نقول عن هذه الطبعة إنها كتبت للمغفلين للرعايا المتخلفين، المحظور عليهم المعرفة.. أو النقد، أما الطبعة الإفرنجية فكتبت للمتقدمين الذين يعرفون والذين يحترمهم الناشر فلا يسمح بإدخال الغفلة عليهم بالقصص التافهة المفضوحة التلفيق.

لقد ظن أن أحدا لن يتهم بمراجعة النسختين وكشف ما بهما من تناقض ، فقراؤه إما جاهل يكتفي بترديد : الله الله وهو يغنى له : اضرب .. اضرب.. أو مهاتر يهاجمه بلا سند أو دراسة .. أو لعله اطمأن إلى حالة الكسل العقلي التي تسيطر على المثقفين مما جعل مثله يتصدر.. ونسى أننا من المدرسة القديمة جدا في احترام شرف الكلمة، لا نتصيد ولا نتصدر لأمر دون دراسته، ومهما كانت كتاباته كريهة على نفوسنا، فلا يجوز أن نتقدمها قبل قراءة واعية مدققة لها.. وهكذا شاء حظه أن نقرأ الكتابين بل الثلاثة..

ومنذ البداية نلاحظ الخلاف بين أسباب إقدامه على التأليف ، ففي طبعة المتخلفين نجد حديثا مما يطرب له هؤلاء المنبهرون، وتتغنى به جوقة الناصريين ، فهو يحدثنا عن حشد من الناشرين من شتى الأجناس- يذكرنا " بصدى عالمي لخطاب الرئيس" – يحدثنا عن تجمع ناشريه من الإنجليز والفرنسيين والأمريكيين والألمان واليابانيين يطالبونه بأن يخرج للناس كتابا عن السويس " لا يضلون بعده" والمضحك أن ناشريه يكررون نفس الحكاية مرة كل عشر سنوات، فقد روى نفس القصة في مقدمة كتابه عن " قصة السويس" ونفس الحشد من الناشرين يعاتبونه لأن الذكرى العشرين للسويس ستمر وهو لا يكتب عنها..

وتمر عشر سنوات أخرى لا هو يتذكر ولا الناشرون ينسون بل يأتون بجمعهم مرة أخرى ويصرخون: " كيف تأتى الذكرى الثلاثون.. وأنت .. الخ".

أما في الكتاب المنشور بلغة هؤلاء الناشرين، فقد رأى أنه لا يستحسن الكذب عليهم بمثل ما يقال للعرب، وهكذا اختفت تماما حكاية مظاهرة الناشرين الذين نبهوه إلى العيد الثلاثين للسويس، الذي كان قد نسيه فعل الزوج غير الأوفى..

في الطبعة الإنجليزية نجد حكاية أخرى تماما، فهو الذي تذكر وهو يسأل نفسه ويجيب : " لماذا يكتب كتابا عن السويس بعد مرور كل هذا الوقت؟ ويجيب: لأن كل ما كتب كان من وجهة النظر الغربية.. ولكن الجانب المصري من الحكاية لم يوثق".

هنا في بلاد العرب لماذا لا يكتب وهناك لماذا يكتب ؟ وحتى هذه كذبة .. لأننا نعرف أنه سبق ونشر كتابا – منذ عشر سنوات- باسم " قصة السويس" راج وذاع على حد قوله – حتى طبع في سبع لغات.. ولما كنا قد ناقشنا ذلك الكتاب وفندناه في كتابنا " كلمتي للمغفلين" فقد بدأنا نشك- ونحن من الموسوسين حول دقة ما نكتب- فشككنا .. هل ناقشنا كتابا مزورا لم يؤلفه المذكور.. ثم تذكرنا كذبه وتعوده أن يفعل الشيء أكثر من مرة ويفتخر كل مرة أو يعتذر بأنها أول مرة وقلنا: إنه ربما بعد ما فندنا كتابه هذا وعريناه تبرأ منه فعل والد السوء.

ولكن دعنا من هذا ولننتقل إلى ما هو وأخطر بل إلى ما نعتبره فصل الخطاب، وفعلته التي قطعت قول كل خطيب ولولا أن بني إسرائيل لا يؤمنون بآية واحدة، لكان في تلك ما يكفينا ويغنينا عن تأليف كتاب..

ذلك أن الناشر الافرنجى أو المؤلف أو هما معا، لخصا مغزى وأهمية رواية هيكل لحرب السويس أو بمعنى أصح لقصة الناصرية من 1952 إلى 1956 في هذه السطور:" إن إتاحة أوراق عبد الناصر الخاصة لهيكل وكذا الأرشيف المصري الرسمي، مكنه من دعم ذكرياته بالعديد من الوثائق.

ولكن الأهمية الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في أنه لأول مرة يمكننا من رصد أحداث معروفة في ضوء جديد تماما، فهي ليست مجرد كارثة نهاية إمبراطورية .

ولكن كفصل من العملية التي حاولت بها الولايات المتحدة استبدال الاستعمار القديم بنوع جديد من الهيمنة، وهى ليست مجرد حدث تطويه كتب التاريخ بل فصل في دراما ما زالت تجرى أحداثها".

ولأن المصداقية انعدمت، بكتابات أمثاله، فإننا نثبت النص الإنجليزي حرفيا كما جاء على غلاف الكتاب أو " القميص كما يسميه الناشرون العرب: "...................................................."

الناصرية ليست إلا فصل من قصة إحلال أمريكا سيطرتها أو هيمنتها محل الاستعمار القديم..

بربكم .. هل قلنا أكثر من هذا .. ؟

ألم يكن قراء هيكل من الناصريين يتوقعون أن يكون هدف كتابه هو العكس تماما،أي : " إثبات أن الناصرية لم تكن فصلا من ملحمة الدخول الأمريكي بل الرفض الوطني للاستعمارين من أجل الاستقلال والكيان الذاتي.. إلى آخر ما تعودنا سماعه وقراءته في نشرات الناصريين؟
إذا كان قد جاء أخيرا ليثبت ما أجهدنا أنفسنا في إثباته، وما جلب علينا المتاعب والتهديدات.. فلا أقل من أن يشير إلى جهدنا في تنويره.. أما إذا كان الناشر الإنجليزي قد وضع هذه العبارة من وراء ظهر هيكل معبرا عما فهمه من وقائع وسرد هيكلن فقد أحسن الفهم وحتى لو كان لنا فضل السبق، فإن الفرنجى برنجى..

واحتمال ثالث هو أن يكون هيكل قد عرف حقيقة أن الناصرية مجرد إفراز للتناقض الأمريكي البريطاني، وأداة أمريكا في الحلول محل بريطانيا ، عرف هذه الحقيقة طول الوقت وأخفاها على المصريين والعرب بينما لم يستطع كتمانها على القراء من الفرنجة ، ومن ثم فهذا هو التدليس بل وتفرقة عنصرية لا نرضاها، ودعنا من رضا التاريخ وثقة المؤرخين.. أو شرف التأليف .. ولا ندرى كيف استنتج بعض الدجاج في بلادنا أن ملفات هيكل أثبتت براءة ثورة يوليو من الدم والمصالح الأمريكية بينما استنتج الناشر الإنجليزي أن ناصر وناصريته وأحداثه وبطولاته وانتصاراته وحروبه وشغبه- كما رواها هيكل- ليست إلا مجرد فصل في مسرحية :" مات الملك البريطاني.. عاش الرئيس الأمريكي" أو بتعبير شكسبيري .. كانت الناصرية هي العبد الذي اغتال به الابن الأمريكي الأب البريطاني العجوز وورث قطيعه ومماليكه.

وأيضا اختار الناشر أو المؤلف أو هما معا، كاريكاتيرا من صحيفة ......وكتب تحتها تعليقا يقول:" أمريكا المنتصر الأوحد في المرحلة".

سبحان الله

نحن لن نذهب إلى هذا الحد في الغلو .. بل قلنا إن مصر كسبت أيضا ولو جزئيا.. فيما يتعلق بتأميم القناة على الأقل، ولكن هيكل عندما يتحدث بالإنجليزية عن حرب السويس فهو يقرر أن أمريكا- يالفرحته- هي وحدها التي خرجت منتصرة..
وإذا كان الاعتراف هو سيد الأدلة.. فإن ما جاء على غلاف كتاب هيكل بالإنجليزية هو أوضح وأصرح اعتراف بأمريكية الناصرية من ناحية المنطلق والتحرك والأهداف، وإن كان هذا التخليص لا يثبت أو يشير إلى علاقتها مع المخابرات الأمريكية، ومن ثم يبقى الكثير من القول..
ومرة أخرى فإن حصر الاختلاف المقصود بين النسختين جهد يفوق طاقتنا ويتخطى حاجتنا، حتى لو اقتصرنا على التحوير السياسي وتزييف الوقائع أو تهذيبها أو تلوينها.. فحسبنا إذن استعراض بعض هذه الاختلافات لا بترتيب أهميتها وإنما بترتيب ورودها، حتى يتبين القارئ أي أسلوب في التاريخ يعتمده ذلك الشخص، وإلى أي مدى يمكن الاعتماد على روايته..
وبالتالي حقنا بل واجبنا في الشك في دوافعه ومعتنقاته إذ لا يقدم على تزوير التاريخ إلا متهم صاحب مصلحة، هارب من التاريخ مدان من التاريخ.
وقد تعرضنا في بقية فصول الكتاب لنماذج أخرى من تحويره وتبديله لرواياته هو ذاته..

ومن ثم فهذا الفصل ليس إلا فاتحة شهية:

خذ مثلا واقعة لقاء الملك عبد العزيز مع الرئيس روزفلت، وهو اللقاء الذي تجمع المصادر الأمريكية على أنه ترك اكبر الأثر في نفسية الرئيس الأمريكي واقتناعاته أو كما قال روزفلت نفسه: إنه خرج من ساعة قضاها مع عبد العزيز بتأثير ووضح فاق كل ما سأستمع إليه من قبل حول قضية فلسطين ، ونذهب نحن وغيرنا إلى أنه لو عاش روزفلت لربهما اختلف موقف الولايات المتحدة بعض الشيء، هذا إذا كان لاقتناع رئيس البيت الأبيض من دور في السياسة الأمريكية ..
هذا اللقاء يقدمه هيكل في صورتين.. مرة في الطبعة العربية بما يكفل عدم مصادرة الكتاب في المملكة ، وما قد يغرى السعوديين باستخدام مواهبه في تحلية التاريخ.. فالملك في هذه الطبعة منطقي ومفحم في رده على روزفلت :" لماذا لا يعود اليهود إلى بلادهم التي هاجروا منها خوفا من النازي"..
نعم ما دمنا هزمنا النازية فلماذا نحقق هدفها باستبعاد اليهود من أوربا؟ لماذا يستمر طرد أو فرار اليهود؟ لماذا لا يعوضون على حساب دول المحور ؟ ما ذنب فلسطين لتدفع ثمن خطايا الآخرين؟
منطق قوى ومعقول.. وهو بالصدفة ما حدث فعلا وما قاله الملك وما نشرناه نحن وغيرنا عدة مرات بالعربية والأمريكية ..

ثم تأتى المفاجأة ..

ففي النسخة العربية نجد الملك يقول لروزفلت:" إن اليهود والعرب لن يتعاونوا أبدا في فلسطين . والعرب يشعرون بالتهديد المتزايد".

وهذا مشروع وعدل فاليهود والعرب لا يمكن أن يتعاونوا في فلسطين " لأن اليهود يريدون طرد العرب من فلسطين وهناك خطة لشراء الأراضي".

ولكن في الطبعة الأجنبية التي كان أحرى به أن يحسن فيها تقديم الموقف العربي، نجده على العكس من ذلك يشوه الموقف ويسيء إليه عند الألماني والياباني .. إلى آخر قارئيه كما استعرضهم هناك نجده يعرض موقف الملك على هذا النحو" قابل الملك عبد العزيز ظهر اليوم التالي، فتدارسا مشكلة اليهود المشردين في أوربا فأصر الملك على استحالة التعاون بين العرب واليهود في فلسطين أو في أي مكان آخر".

في الطبعة العربية وقف عند فلسطين ، أما في الطبعة الإفرنجية فأضاف " أو في أي مكان آخر".

هنا تشويه مقصود لموقف الملك بل للموقف العربي كله.. فالموقف هنا لا ينبعث من مشكلة فلسطين، ولا هو صراع مشروع لقومية أو شعب يقيم أرضه يراد منه التعاون مع غاز يطمع ويسلب فعلا.. هذه الأرض .. لا.. إنه موقف عنصري عام شامل في كل مكان لأنهم عرب وهم يهود.

هنا تسقط جريمة الغزو الصهيوني فلسطين باعتباره المثير لعداوة العرب ومبرر هذه العداوة.. وتسقط مشروعية الرفض العربي.. باعتباره ينطلق من حقهم في بلادهم..

وهذه هي عبقرية الدعاية السوداء والرمادية التي يحدثنا عنها.. أي فن إضافة نصف سطر ينسف الموقف ويشوه القضية.

في الطبعة الأجنبية يحذف منطق الملك المقنع الذي يطالب فيه بمنع الصهيونية من تنفيذ المخطط المعادى للسامية الذي بدأته النازية، مخطط إخراج اليهود من أوربا.. ومنطق الملك هو المنطق السليم الذي يتهم الصهيونية بأنها مخطط النازية هذا باستمرار فرز اليهود وترحيلهم..

من الذي عدل الرواية ؟ من الذي حور النص؟ .. وأيهما النص؟ وكيف لا يتساءل المثقفون في بلادي : كيف يؤتمن هذا على النصوص والتاريخ؟

وبالمناسبة في الطبعة العربية وبهدف مغازلة السعوديين وتنشيط البيع جاء لقاء عبد العزيز مع روزفلت على مدى خمس صفحات، أما في الطبعة الإفرنجية فقد اختصر إلى نصف صفحة.

ونمضى في المقارنة بين ما قيل للغربيين المتنورين وما أعدته مؤسسة تزييف التاريخ لقرائها بالعربية.. فنقارن بين صفحتي 49 ع و8 خ فنفاجأ بأن الأستاذ قد أتحفنا بنص رسالة الوزير الأمريكي المفوض في مصر عن اللقاء بين فاروق وروزفلت وترجمها مشكورا هو أو مكتب سكرتيرته السابقة المتآمرة على الزعيم بواقع التسجيلات..

ومنح الخطاب رقم 11 في قائمة الوثائق التي ازدان بها الكتاب العربي وطرب لها الأميون.. ومن أجل استرداد المصداقية التي ضاعت إلا أننا نكتشف أنه حتى في الوثائق فإن الأخ الأكبر لا يتورع عن تنقيح التاريخ، بما لا يخدش حياء قرائه القاصرين .. ففي الوثيقة العربية سقط عمدا أهم ما قاله الرئيس الأمريكي للملك فاروق.

الأمر الذي لم يكن بوسعه حذفه من الطبعة الإنجليزية .. أو من يدرى لعله فعل وأضافه الناشر الإنجليزي لتعزيز المصداقية إياها ..

والنص المخفي هو:

" واقترح الرئيس الأمريكي على ملك غير متجاوب، اقترح روزفلت تقسيم الملكيات الكبيرة (مصر) وتسليمها للفلاحين لزراعتها" ( وقد بلغ الحرص على دقة النص أن كلمة فلاحين كتبت هكذا ..لتحديد الطبقة المقصودة بالتوزيع )..
لماذا ضن هيكل على البؤساء من قرائه العرب بهذا النص البالغ الخطورة؟.. رغم التطويل المتعمد في الطبعة العربية والاختصار في الإنجليزية ..لماذا ؟

الجواب معروف: لأنه يعزز حجة القائلين بأن الإصلاح الزراعي هو أصلا ، مطلب أمريكي قديم منذ 13 فبراير 1945 أنى قبل الثورة بسبع سنين .

وهنا نحن في أول لقاء بين أمريكي وملك مصر ، لا يجد الرئيس الأمريكي ما يقترحه على ملك غير متجاوب بل مهتم أكثر بالشكوى من معاملة الإنجليز، لا يجد الأمريكي ما يطلبه إلا الإصلاح الزراعي.. ولكن لأن هذه الحقيقة تعزز حجج خصوم الناصرية فقد استحقت أن تنسخ وفى أول ملزمة.. ولكن هيهات فقد بقى حكمها بل ونصها الافرنجى.

وعندما يكتب التاريخ بهدف إخفاء تهمة فهو لا يكون تاريخا بل شعوذة وتزويرا في مستندات رسمية..

آه ولكن القانون في أجازة

ونفس الهدف ومن نفس المنطلق الذي دفعه لتزوير حجج ومنطق الملك عبد العزيز نجده يزور أيضا حقائق لمواجهة العربية الإسرائيلية الأولى.. وتفصيل ذلك أنه إذا كان التحليل السليم لحرب فلسطين الأولى، لا يغفل أنها كانت – في أحد جوانبها- مظهرا للصراع الأنجلو- أمريكي إلا أن هذا لا ينكر جوهرها، وهو الصدام بين القومية العربية والامبريالية الصهيونية – الأمريكية ، بين الشعب الفلسطيني والغزو الاستيطاني اليهودي.
أما هذا الصنف من مزوري التاريخ فيغفل- عن عمد- جوهر الصدام ويتشبث بجزئية الصراع الأنجلو –أمريكي، فيصور الحرب وكأن إسرائيل الوطنية خاضتها ضد بريطانيا وعملاء بريطانيا من الحكام العرب ومن ثم فلا مبدئية ولا قضية ولا مشروعية للموقف العربي وهم بهذا يلتقطون أو يتقممون أكذوبة إسرائيل عن حرب الاستقلال .

فهو يقول لقرائه الأجانب: إن الإنجليز أرادوا الدخول المصري في حرب فلسطين " لحرف أنظار المصريين عن النزاع معهم، وكان في وسع الإنجليز الاعتماد على الملك فاروق الذي كان واعيا بنقص شعبيته وأن البلاد كانت تعانى من كساد اقتصادي ، ومن ثم فإن نصرا عسكريا هو بالضبط ما يحتاجه الملك الذي كان الآن كولونيلا فخريا في الجيش البريطاني و" فيلد مارشال" مصريا.

وهناك أدلة على بريطانيا كانت مستعدة لتسليح مصر بطريقة غير عادية.. السماح بالسرقة.

وهذا العرض المشوه المزور لطبيعة الحرب الوطنية الفلسطينية وفى كتاب مصري بالإنجليزية لا يمكن إلا أن يضاف إلى ترسانة الإعلام الصهيوني وسنعود لهذا بالتفصيل في الفصل القادم.

ونفس الأسلوب في تبنى المنطق الاستعماري الذي شوه المطالب الوطنية، نجده في حديثه عن المطلب المصري- السوداني ، التاريخي والأصيل وهو " وحدة وادي النيل" والذي كان التخلي عنه بل تحطيمه هو أبرز منجزات الناصرية لصالح الاستعمار وضد المصالح الحقيقية ، ولحقائق التاريخية للشعب في مصر السودان بل مصالح الاستعمار وضد المصالح الحقيقية ، والحقائق التاريخية للشعب في مصر والسودان بل مالح الأمة العربية والشعوب الإفريقية وكما كانت حرب فلسطين في التفسير الصهيوني- الهيكلي، حربا استعمارية أرادها الملك فاروق لحل الأزمة الاقتصادية .. كذلك يطرح هذا التفسير قضية وحدة وادي النيل كخرافة يتمسك بها الملك وحده.

" مسألة السودان أو ما يسمى بوحدة وادي النيل لعبت دورا هاما في مفاوضات مال بعد الحرب، فقد كان مفهوما أنها قضية عزيزة على قلب الملم فاروق، الأمر الذي يستطيع أحد من وزرائه تجاهله.

ولكن عندما اختفت الملكية أصبح الطريق سالكا للسودان لكي يستقل عن كل من مصر وبريطانيا " .

غير صحيح.

وحدة وادي النيل كانت مطلبا أو هدفا.. عزيزا على قلب كل مصري وسوداني، إلا أيتام الاستعمار وصبيته فمنذ الاحتلال وقبل أن يولد فاروق وهذا المطلب على رأس الأهداف القومية، وإحدى رصاصات الوردانى الشهيد كانت ضد اتفاقية 1899 التي سلم فيها بطرس غالى بسيدة بريطانيا مع مصر على السودان وصيحة البرلمان المصري الأول الخالدة ثم ثورة 1924 وتعثر جميع المفاوضات حول السودان، الخ، ولا يقلل من أصلة ومشروعية هذا الهدف عجزنا عن تحقيقه.. وإلا فلماذا يبقى لنا إن حكمنا بنفس المنطق على أهدافنا التي ضيعها انقلابيو يوليو .. وغيرهم من قادة العرب؟

مصر كلها كانت تطالب ويستشهد بنوها من أجل الجلاء ووحدة وادي النيل .

والسودانيون صوتوا بأغلبية كاسحة مع الوحدة أول انتخابات حرة تشهدها بلادهم، بل وهل أقول وآخر ؟ .. أول خطاب أذاعه محمد نجيب بصوته كان موجها إلى " إخواني أبناء وادي النيل".

والسودان لم يستقل عن كل من مصر وبريطانيا.

فمصر لم تكن تستعمر السودان مثل بريطانيا .. ولا حتى تحكمه..

السودان استقل عن بريطانيا .. وانفصل عن مصر .. هكذا يجب أن يكتب التاريخ..

ومهما يكن موقف الملك، فلم يكن هو سر تمسك مصر بالسودان، بل لعلنا لا نذهب بعيدا إذا قلنا إن الارتباط بالسودان كان عند البعض مبررا للتاج..

وبالطبع الصيغة العربية مخففة ومنقحة، وهى لا تجعل انفصال السودان نصرا تحرريا كما هو الحال في النص الإنجليزي بل ظاهرة عجز..

على أية حال.. لقد اضطر المنظر إلى الاعتراف بما ذهبنا إليه في كتابنا من أن إلغاء الملكية كان بهدف التخلص من مشكلة اللقب "ملك مصر والسودان" .. وإذا كان هو في الطبعة العربية يحاول أن يغرر بالقارئ المصري- السوداني، فيزعم أن مساوئ الملك انعكست على التاج، وبالتالي على فكرة الوحدة، مرددا بذلك كلام الاستعماريين الإنجليز في السودان الذين هاجموا شعار الوحدة " التاج المشترك" بإطلاق شعار " المهرج المشترك" لعبا على التشابه بين لفظي ....و.......فيقول " في تلك الأحوال والظروف لم يكن التاج رمزا لوطن، وإنما تحول ليصبح مهانة له".

لا .. هذا نصب.. الوطن فوق النظام.. ومهما بلغ ضيق الصعيد أو الإسكندرية بحاكم مصر فهذا لا يعنى الانفصال، على أية حال الانفصال لم يتم في عهد فاروق، بل بعدما ذهب الملك الفاسد وجاء الحكم الصالح.. لو كان انقلابيو يوليو وطنيين أو يريدون حقا وحدة وادي النيل ، فلماذا عندما ألغوا الملكية لم يعلنوا جمهورية مصر والسودان- وقتها- " رئيس جمهورية وادي النيل " ؟ لسبب بسيط أنهم ألغوا الملكية بأمر من الأمريكان بعد مساومات وتسوية بين الإنجليز والأمريكان اتفق على خروج الإنجليز من السودان ومنع وحدته مع مصر .. وأمر عبد الناصر فاستجاب..

وفى الطبعة العربية عرضت قصة أم الرشراش (إيلات) بصيغة موفقة، ترضى الملك حسين والرقابة في الأردن، وتخفى دور الأمريكيين ورغم أنه أشار لقرائه العرب إلى نص " أبو الهدى" رئيس وزراء الأردن إلا أتنه حذف الفقرة الخاصة بدور الأمريكيين في تسليم هذا الموقع لليهود كما حذف دور عبد الناصر والأمريكان في حرب 1956 في تطويره إلى أهم ميناء إسرائيلي وأخطر ميناء على البحر الأحمر بفتح خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية ..

في صفحة 19 من الطبعة الأوربية نقل عن توفيق أو بالهدى رئيس وزراء الأردن في اجتماع رؤساء الحكومات العربية في يناير 1955 أن السفارة البريطانية أبلغته بوصول رسالة من بيفن ( وزير خارجية بريطانيا ) تقول :" إنه كان يتمنى من كل قلبه أن يمنع اليهود من احتلال أم الرشراش ولكن الحكومة الأمريكية ضغطت علينا".

هذه الفقرة حذفت من النص العربي سترا لعورة الحكومة الأمريكية عن أعين المتعصبين العرب.

ومن يقرأ قصة السويس آخر المعارك في عصر العمالقة الصادر في 19676 في الذكرى العشرين ثم يقارنه بملفات السويس الصادر في 1986 يظن أن السنوات العشر قد أصقلت مؤلف الكتابين ونمت ضميره فأصبح أكثر ميلا للاعتراف بالحقائق، فهو في قصة السويس يبدأ متربعا على عرش المجد، يتحدث عن أعظم نصر في التاريخ الحديث ثم يفرد المقدمة كلها في الحديث عن أسباب ونتائج ومؤثرات السويس فلا ذكر للأمريكان ودورهم، بل لن نقابل التطلع الأمريكي لوراثة بريطانيا ، ولم نلتقي بالمخابرات الأمريكية أو دور الأمريكيين قبل صفحة 67 وفى صيغة نفى حازم قاطع فهي " خرافة" يروجها شخص تافه عميل للمخابرات الأمريكية اسمه " مايلز كوبلاند" لديهم أوراق تدينه.. الخ..

أما في الملفات فالأمور تغيرت.. ووقفت الحقائق على قدميها بعض الوقت ، وإن استمر فمها مليئا بالأكاذيب..

ولكن شتان.. نحن هنا نبدأ " بصراع إمبراطوريات" .. هذا هو المدخل الشرعة للحديث عن الناصرية ..

فهي ليست صراع وطنية مصرية ضد الاستعمار، ولا صراع قومية عربية ضد إسرائيل،ولا صراع شعب صد حكم إقطاعي ملكي.

لا.. إنما مجرد فصل في صراع إمبراطوريات .. صراع أمريكا ضد بريطانيا..

هذه هي المقابلة والحاضنة بل ووالدة طفل الأنابيب الأمريكية .. المشهور باسم " ثورة يوليو" ..

كيف يكون " انتظار الولايات المتحدة لميراث الإمبراطورية البريطانية " المدخل للحديث عن ثورة يوليو .. إلا تسليما بمفهومنا ، وهو أن الصراع الأنجلو- أمريكي على الشرق الأوسط دفع الولايات المتحدة للإطاحة بالنظم المرتبطة ببريطانيا بواسطة الانقلابات العسكرية كما حدث في سوريا ومصر ثم العراق وليبيا السودان.. الخ.. الخ..

إذا كنا قد ساهمنا في رد مؤرخ الناصرية إلى الصواب فهذا عزاء عما تكبدناه وإذا كنا لا نطمع في صحوة ضمير كاملة إلى حد الاعتراف بالعلاقة كلها.. إلا أننا تقدمنا على الطريق خطوات حاسمة، فبعد الحديث عن هذه الصلة " كخرافة " وصلنا في ا لطبعة العربية إلى التقاء المصالح والأهداف بين ثوار يوليو ورجال المخابرات الأمريكية وتعاونهما .. بعد الثورة وليس قبلها.. أما في الطبعة الأوربية فقطعنا خطوات أبعد في عبارة شيطانية الصياغة تقول: " كان ناصر وصحبه يتطلعون بأمل للأمريكيين لم يكن لهم اتصال مباشر سابق مع الأمريكية ".

أنت ترى أننا أوشكنا أن نتفق.. انحصر الخلاف في اتصال مباشر أو غير مباشر.. والاتصالات غير المباشرة هي ما يكون قبل الزواج مما يبيحه بعض الفقهاء المتحررين.. بينما الجمهور على تحريمه.. فما أسكر كثيره قليله حرام.. ومن حام حول الحمى سقط فيه..

ولكن عملا بمبدأ بورقيبة:" خذ وطالب.." نقبل الانتقال من مرحلة النفي القاطع التحى وردت عام 1976 وهى :" لم يكن هناك اتصال بين الثورة والولايات المتحدة قبل ليلة 23 يوليو" ( محمد حسنين هيكل: قصة السويس ص 68) إلى التاريخ المعدل طبعة المزيدة والمنقحة حيث أفرج عن النص التالي:" لم يكن لهم اتصال مباشر سابق مع الأمريكيين "( محمد حسنين هيكل أيضا: قطع ذيل الأسد ص 33..) وربما في كتاب قادم يقطع عضوا آخر للسد أو الكلب يعترف بالاتصال المباشر وما أنجبه هذا الاتصال..

كذلك تحقق الاعتراف بتردد كيرميت روزفلت على مصر قبل الثورة، وهو ما لم يرد له ذكر في قصة السويس موديل 1976.. أما في ملفات السويس المعدلة 1986 فقد قيل " في أكتوبر جاء كيرميت روزفلت في أول زيارة له بعد الثورة ولن تكون الأخيرة".

قول إن شاء الله .

وقد فات الجوقة أن تشيد بمهارة هيكل ككاتب سيناريو متفهم لروح العصر مع انتشار الإذاعات التي تتنافس على المسلسلات.. ومن ثم فهو يكتب لكل محطة ما يناسب جمهورها.
ففي إذاعة القاهرة ركن الأهرام لتسلية الأولاد ورفع معنوية الناصريين نرى حكيم زمانه الرئيس الخالد جمال عبد الناصر يبدى رأيه بالرمز في سياسة أمريكا حين اختار هدية يحملها الدكتور أحمد حسين للرئيس إيزنهاور ليسلمها له يوم تقديم أوراق اعتماده له سفيرا جديدا لمصر في واشنطن، وكانت الهدية نسخة من

تمثال الإله ايبسن وهو رمز الحكمة والتعقل عند قدماء المصريين.

وقبل أن نصيح إعجابا:: يا معلم.. تسلبنا الطبعة المتحضرة سعادتنا وفخرنا.. فقد وردت بها التعديلات الآتية:

1- محمد نجيب هو الذي أرسل التمثال وليس جمال عبد الناصر . والرد جاء لنجيب فلا حكمة ولا تعبير عن رأى عبد الناصر في السياسة الأمريكية ..
2- بينما القصة في الطبعة العربية تحوى أن النغرة جاءت من مصر أو عبد الناصر بإهداء تمثال يرمز إلى التعقل.. نجد أن الطبعة الإفرنجية تفيد أن هذه الخصائص للإله أبيس جاءت على لسان الأمريكي إيزنهاور.. " كما قيل لي أنه يمثل الحكمة والعلم في مصر القديمة".
3- في النسخة الإنجليزي واضح تماما أن التمثال أصيل، ولكن لما كان المؤلف قد هاجم أنور السادات بتهمة إهداء آثار مصر، ولما كان جمهور الشباك يريد أن ينسب الواقعة لعبد الناصر فقد اقتضى الموقف إضافة كلمة نسخة وتركت لمروءتك وفهمك، فإما أن تفهمها على أنها نسخة بالكربون أو واحدة من عدة تماثيل متشابهة وأصيلة.. المهم ما تمشيش زعلان من الريس.

وهنا نقدم قطعة بل تحفة في فن التزوير ودعوة : اكذبوا على الناس على قدر عقولهم ومعلوماتهم .. نموذج لفن تنقيح التاريخ، وإخفاء ما يسوء الأولاد. .

في صفحة 190 من النسخة الميسرة أي العربية .. قال المؤرخ:

" حدث أن جاء مصر في أجازة عيد الميلاد سنة 1952 ( ديسمبر 1952) النائب والوزير البريطاني السابق واللاحق المستر " ريتشارد كروسمان" والتقى جمال عبد الناصر ضمن من كان يلتقي بهم في تلك الأيام بـ " كروسمان" وأحس أنه أمام فكر ذكى وعقل خلاق ودخل معه في محاورات طويلة.. وغادر كروسمان القاهرة وإذ به يعود إليها بعد اقل من أسبوع ويطلب مقابلة جمال عبد الناصر فعلا، وإذا به كروسمان يقول له: " إن بن جوريون سألني عن نواياك تجاه إسرائيل ن قلت له: إنني فهمت منك أن إسرائيل ليست ضمن أولوياتك الملحة الآن ، وأنك تركز جهدك في الوقت الحالي على الخلاص منا وعلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر.. وعندما سمع منى ذلك قال لي " هذه أسوا معلومات سمعتها في الشهور الأخيرة". .

نقرأ نفس الحكاية في طبعة فوق 16 سنة الإفرنجية:

" ومما يعطى فكرة عن طبيعة الأمور في هذا الوقت، أن ريتشارد كروسمان وزير عمالي بريطاني فشل في الحصول على مقابلة مع عبد الناصر من خلال السفير البريطاني، ولذا لجأ إلى السفير الأمريكي فأحال الأمر إلى " وليم ليكلاند" الذي رتب اللقاء الذي تم في ديسمبر 1953".

هل لاحظت خلافا؟

لا.. لا نقصد أن النسخة العربي قالت في ديسمبر 1952 والنسخة الافرنجى حددت ذلك بعد عام .. لا .. نحن لا نقفش .. هذه غلطة مطبعية .. بل نقصد إخفاء تلك الواقعة المذهلة.

السفير البريطاني فشل في ترتيب مقابلة بين وزير بريطاني وجمال عبد الناصر مما اضطره _ أي السفير البريطاني- إلى اللجوء لولى الأمر وهو السفير الأمريكي الذي بدوره لم يتصل خلال القنوات الدبلوماسية المتعارف عليها ، بل أحال الأمر إلى مدير مكتب عبد الناصر.. وليم ليكلاند .. ولى النعم الذي قال : " يتم لقاء" فتم.. هل تذكر من هو وليم ليكلاند؟ سنسمع الكثير عنه فهو من أساطين المخابرات الأمريكية في مصر وأحد المسئولين والمديرين لحركة يوليو وقيادة الثورة.. ويكفى أن ترجع مؤقتا إلى وصف مؤرخ الناصرية له في صفحة 41 من الطبعة الإفرنجية فهو اللهلوبة رجل المخابرات الأمريكية بشهادته..

وهكذا .. فإن أبطال 23 يوليو .. حملوا رءوسهم على اكفهم وسلموها إلى ليكلاند.. حلوا الأحزاب " العميلة " ووضعوا في السجن زهرة شباب مصر وكل وطني مشتغل بالسياسة.. وبحوا أصواتهم وصموا آذان الشعب بالخطابة ضد العملااء .. في نفس الوقت الذي ترتب لهم المخابرات الأمريكية اجتماعاتهم وتحدد لهم من يرون ومن لا يقابلون.. هل حكم مصر في تاريخها .. زعيم يرتب له مقابلاته مندوب المخابرات البريطاني أو الفرنسي أو الأمريكي أو حتى العثماني.. قبل ثورة العرب الكبرى؟

هل نذهب بعيدا عندما نقول إن وصول عبد الناصر للسلطة كان يعنى خروج مصر من سيطرة بريطانيا ووقوعها في هيمنة أمريكا؟ وهل من واقعة تلخص هذا التحول أبلغ دلالة من أن يفشل سفير بريطانيا في ترتيب اجتماع بين وزير بريطاني ورئيس مصر، فيلجأ السفير إلى من .. لا إلى السفارة السعودية ولا إلى والد عبد الناصر بل للسفارة الأمريكية .. هل من استعراض عضلات أكبر من هذا .. لإقناع الإنجليز بالاعتراف وقبول انتقال المراكز وتبدل الأيام؟ وهل من دلالة أبلغ من لواء السفير إلى رجل المخابرات ليدبر الأمر؟..

أليس هذا ما يردي هيكل أن يقوله للقارئ الأجنبي عندما بدأ حكايته أو طرفته بقوله:" ومما له دلالته على طبيعة الأمور في ذلك الوقت.. الخ" .

لماذا حرمت القارئ المصري من هذه الدلالة؟ لماذا لم تترك له حتى فرصة استنتاجها.. بل محوت الواقعة محوا في كتاب مطول، قصد بإطالته- على حد قولك- إقناع الذين فقدوا المصداقية والتصديق.. لماذا وجدت هذه الواقعة مكانا في كتابك المختصر. المفيد؟ لماذا؟..

حقا أنت أدرى بقارئيك وما يحق لهم أن يقرءوا وما لا يحق..

أما نحن فنكرر القول: عندما يكتب التاريخ بهدف إخفاء جريمة ينحط إلى مجرد تزوير في أوراق وطنية.

وفى الحديث عن إعدام اليهود الذين أدينوا في عملية " لافون" ( زرع القنابل في مؤسسات أمريكية – بريطانية) قال لقرائه العرب: إن إيزنهاور طلب منه وقف تنفيذ الإعدام واعتذر جمال عبد الناصر عن قبول شفاعة داويت إيزنهاور.

موسيقى تصويرية : حليم يغنى: اضرب.. اضرب.. اضرب.. والأمريكان يا ريس؟..

إيزنهاور يتشفع ورئيسنا يرفض، ويرفض مين؟ دلويت إيزنهاور ؟ ولولا صغر حجم الكتاب لجاء بالاسم الثلاثي.. المهم اسم المرفوضة شفاعته ورد مرتين في سطرين وينتحب أيتام الناصرية : كانت أيام ، كنا نقول فيها: لا .. لايزنهاور ..

الأمر أبسط من ذلك وقد ورد تفسيره في قراءة هرش عن فاسق في الطبعة الإنجليزية التي أوردت الاعتذار الحقيقي الذي قيل وقتها وأقنع إيزنهاور أنه لا غبن في الصفقة.. قال هيكل:" ولكن لما كان ستة قد شنقوا قبل شهور في محاولة اغتيال ناصر، فقد كان مفهوما أ، المناسبة لا تسمح بالشفقة ومن ثم أعدموا ( الإسرائيليون) في 31 يناير 1955".

وتفسير ذلك بالبلدي:

أن عبد الناصر قال لدوايت إيزنهاور : ما أقدرش يا ريس ما تودنيش في داهية .. دا أنا لسة شانق إخوان مسلمين .. ما أقدرش أفرج عن اليهود.. الناس تاكل وشى.. أنا معاك إنما كلك نظر..
وفهم الأمريكان وسكتوا عن إعدام اليهود في سبيل القضاء الوحشى على " الإخوان" فإن الرابح في النهاية هم الاستعمار الامريكى واليهود..

لماذا لا يقال هذا للقارئ العربي، ومن أقامك وصيا على فهمه ومعلوماته؟ .. ربما لأن الكثير من هؤلاء يريدون الغفلة ويفزعون من المعرفة، يريدون من كاتبهم أن يتلو عليهم ما يحبون سماعه لا الحقيقة.

وواقعة أخرى نتعلم منها درسا في فن الكتابة على مستويين: ففي مصر لا مصلحة في إبراز كراهية الإنجليز للنظام السابق وبسبب تبنى هذا النظام لشعارات ومطالب الجماهير ومن ثم يختصر الموضوع في هذه العبارة المشبوهة:" ورد إيدن بحديث طويل عن مزايا اللورد " كيلرن" وعن ذكرياته هو شخصيا مع الملك فاروق وباشاوات مصر القدامى".

وعندما يتحدث إيدن وزير خارجية بريطانيا الاستعماري الكريه عن ذكرياته مع الملك وباشاوات مصر، فالمعنى الذي يراد إيصاله للقارئ العربي واضح السوء حول هؤلاء الباشاوات أصحاب الذكريات مع إيدن.

أما في السوق الإنجليزية حيث تباع مذكرات إيدن وحيث لا يوجد نصابون ومهرجون يدعون أن الحصول على مذكرات إيزنهاور أعجوبة أو عملية سحرية مثل الحصول على أوراق عبد الناصر الخاصة.. هناك يضطر هيكل إلى نشر نص كلام إيدن الذي نفث فيه كراهيته وشماتته في الملك والنحاس لأنهما- على حد قوله- لم يسمعا نصيحته عن خطر اللعب على مشاعر الجماهير وتبنى الشعارات الشعبية المتطرفة..

" قال – إيدن – إنه بحكم معرفته بحكام مصر السابقين من طراز فاروق والنحاس، فإن الثورة لم تفاجئه وأنه طالما حذر السياسيين القدامى من اللعب بالنار بإثارة مشاعر الجماهير بالدعاية وكان واضحا ... يقول هيكل- أن هذا تحذير موجه للجدد أيضا".

لماذا أخفيته عن القارئ العربي؟ إلا لأنك تعرف أن الجدد تعلموا فعلا من رأس الوفد الطائر وقال محمد نجيب زعيم الثورة للسفير التركي في مصر :" لست مجنونا مثل الوفد حتى أحار الإنجليز" ( رسالة السفير ألأمريكي في أنقرة – 24/10/52) .

كذلك حذف إشارة إيدن إلى أعداء بريطانيا في السفارة الأمريكية .. إلا أنه عوضنا عن هذا الحذف بإضافة فقرة في الطبعة العربية عن 4 فبراير واتهام ناصر لإيدن بأنهم كانوا يتدخلون في السياسة المصرية ..الخ..

مما يروج في السوق العربية ويسر العامة في مصر ويسد حاجتهم للأوهام والبطولات الكلامية.

وما دمنا بصدد أكاذيبه عن باشاوات مصر نتوقف لحظة عند محاولته البائسة ستر السبب الحقيقي لعزل عبد الرحمن باشا عزام من منصب أمين الجامعة العربية، ففي تعداد كوارث الإنجليز على يد الثورة قال:" أوعزت القيادة الجديدة في مصر إلى عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية بأن يقدم استقالته لأن الظروف الجديدة في العالم العربي تقتضى أمينا عاما للجامعة لا علاقة له بأوضاعها السابقة.

وكان عبد الرحمن عزام وهو- من رواد الفكر العربي في مصر وواحد من ألمع ساستها- شخصية معروفة للانجليز رغم سوابق خلافاته معهم". (ص 156 ملفات).

لا لا شك صياغة تثبت أن الحاوي الطروب ما زال يتمتع بمواهبه التي أشار إليها كوبلاند وهى فن تحلية السموم.. وكان يمكن أن نتشبث بهذا التفسير الذي يطرحه، فمن الطبيعي أن يعزل انقلاب امريكى كل الوجوه المعروف للانجليز ليضع مكانها شخصيات موثوق بها من السادة الجدد..

ولكن الأمر أعقد من ذلك وليس ما نقوله دفاعا عن وطنية عبد الرحمن عزام، فلا الرجل يحتاج دفاعنا، ولا تاريخه يستطيع هيكل أن يمسه بحرف مهما أوتى من قدرة على الدجل والتزوير ، ولقد مرت فترة كان عبد الرحمن عزام هو الصوت الداوي وحده في البرية ضد الاستعمار الأوربي بشتى جنسياته، ومرت فترة أخرى كان هو أبو العروبة..

وصراع الرجل ضد الإنجليز في قضية البوريمى معروف.. على أية حال إن ضرب الجامعة العربية وإزاحة عبد الرحمن عزام كان مطلبا أمريكيا في إطار عمل بناء فيما يتعلق بالمشكلة الإسرائيلية لأن عزام باشا هو الذي نظم وقاد دخول الجامعة العربية حرب فلسطين وهو الذي نظم وقنن المقاطعة ورفض الصلح أو الاعتراف..

وكان من المنطقي والطبيعي أن يعتبر الأمريكان وجوده عقبة في طريق مخططهم لإنهاء الحرب بين إسرائيل والعرب.. واعتقدوا أن إزاحته تتيح الفرصة لمواقف أكثر إيجابية بدءا بإزاحة رموز التصلب العربي والحرب .. والرفض ..

وعلى أية حال لم يكن عبد الناصر وحده الذي ضاق ذرعا بالجامعة العربية وعبد الرحمن عزام، بل إن أسلافه الأمريكيين قد أحسوا بنفس الشيء وقبل ظهور عبد الناصر على المسرح..

وإليك بعض الوثائق..

مستشار السفارة الأمريكية في جدة " غلين آبى" قال في أول أكتوبر 1951- " إن الجامعة العربية لم تكن أداة بناء في الشرق ألأوسط، بما أن لجنتها السياسية، وهى الجهاز الوحيد الفعال تحولت في الغالب، إلى منبر للسياسة المصرية والخطب التي هى للاستهلاك الداخلي".

وفى تقرير صادر عن مؤتمر رؤساء البعثات الدبلوماسية الأمريكية في الشرق الأوسط المنعقد في اسطنبول في الفترة من 14 إلى 21 فبراير 1952 جاء الآتي:

" من الواضح أن ميل الجامعة العربية لخلق المشاكل وليس حلها، يتزايد في المنطقة إن اجتماع اللجنة السياسية في دمشق في ربيع 1951، فشل في اتخاذ خطوات بناءة بل دعم موقف العرب العدائي في نزاع الحولة وهناك دلائل على أن الجامعة العربية ليست أكثر من أداة تستخدمها مصر وشتى الدول العربية لأهدافهم.

مصر تجد الجامعة مفيدة لفرض هيمنتها على العالم العربي وكسب التأييد لسياستها وفى هذا الشأن يذكر أن مصر طلبت عقد جلسة خاصة في صيف 1950 للجامعة لدعم الموقف الذي اتخذته مصر في الأمم المتحدة فيما يخص كوريا.

مصر تجد أنه من المريح الحصول على تأييد الجامعة للقيود التي فرضتها على قناة السويس والتي اتخذ مجلس الأمن قرار إدانة فيها.

وهذا الدعم سيجعل مصر أكثر تصلبا في رفض رفع هذه القيود.

وفى حالة سوريا استخدمت الجامعة لتأييد الوضع السابق في منطقة الحولة ( كانت إسرائيل قد استولت على هذه المنطقة خلافا لقرارات الهدنة).

ويتابع التقرير الامريكى:

" وأمام السياسة الأمريكية هذه الخيارات للتعامل مع الجامعة العربية:

1- أن تأمل في رؤيتها تذوى وفى هذه الحالة يمكن للحكومة الأمريكية أن تعامل الجامعة بما فيها عزام باشا ببرود على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي، وتشجع الدول الأخرى على استخدام نفس الأسلوب.
2- محاولة إقناع مصر بأن الجامعة العربية ذات أهمية قليلة أو لا أهمية بالنسبة لمصر، بل هى عبء على تطورها كقوة دولية أساسية ويعزز هذا المسعى بعرض مساعدات اقتصادية وعسكرية بخلاف دول المنطقة، والتأكيد للحكومة المصرية، أن مصر دولة متقدمة عن البلاد العربية الأخرى، وهذا سيؤدى إلى حرمان الجامعة من مصدر دعمها الرئيسي ويثير النزاع داخل المنظمة .
3- الاعتراف بفائدة تنظيم اقليمى حيث توجد مصالح مشتركة ثم تبذل الجهود لتشجيع الجامعة على التركيز على النشاط العلمي والثقافي والفني.."

فالضيق الامريكى بالجامعة والكيد لها ولعبد الرحمن عزام سابق عل ظهور ثوار يوليو على المسرح.. وع الإدراك الكامل للأسباب الحقيقية لضعف الجامعة العربية في عهد حسونة ورياض، إلا أن الذين يؤمنون بمكان ما، في التاريخ للفرد يرون أن مصر خسرت كثيرا بإخراج عزام.. المصري الوحيد الذي كان الملوك العرب يرفضون أن يجلسوا قبل أن يجلس.

ومن الغريب أن ثوار يوليو لم يغيبوا عن منصة الحكم في مصر حتى كانت مقررات مؤتمر الدبلوماسيين الأمريكيين قد تحققت بالكامل .. فذوت الجامعة العربية.. وانسحبت مصر منها وتحت نفس الشعارات التي اقترحها الأمريكان للتغرير بنا بنص كلامهم: مصر أكثر تقدما من أن يضمها تنظيم عربي.

وهو يعترف في الطبعة الإفرنجية بما خصصنا له فصلا كاملا في " كلمتي للمغفلين " من أن الغارات التي بدا بن غوريون يشنها على القوات المصرية إنما كانت لتأزيم مشكلة الحصول على السلاح في مصر .

وإن كان الأمر يحتاج لعشر سنوات أخرى حتى يعترف بما وصلنا إليه وهو المصلحة الإسرائيلية المباشرة التي مثلتها الصفقة، حتى يمكن القول إنها أعظم نصر تحقق لإسرائيل في الفترة ما بين 1948 و 1967..

ومع ذلك فقد زيف هذا الهدف في الطبعة العربية ولا باس من المقارنة:

النص الافرنجى:

" كانت الغارة مقصودة كرسالة موجهة من بن غريون إلى ناصر، وقد فهم عبد الناصر الرسالة، ألا وهى إن بناء المستشفيات والمدارس ومصانع الصلب لن يحمى مصر من جار غدار.. السلاح وحده هو الذي سيحقق الرخاء لمصر".
وبالطبع بن جوريون ليس عضوا في مجلس الثورة أو قيادة البعث ليرسل هذا التحذير أو الرسالة لعبد الناصر، ومن ثم فلا معنى ولا منطق لتجشيم بن غوريون توعية عبد الناصر إلا بتفسيرنا : لابد من السلاح يا عبد الناصر.. ولا سبيل إلى السلاح إلا بالإلحاح على أمريكا، وأمريكا لن تقدم لأن بن غوريون يرسل رسائل إلى إخوانه هناك.. لا تعطوه السلاح.. ومن ثم تتأزم علاقة ناصر وأمريكا ويبحث عن مصرف آخر يسحب منه السلاح.. الخ..
المهم أنه في الطبعة العربية أبعد القارئ عن إدراك هذا الهدف الذي يكشف البعد الصهيوني في صفقة السلاح..

أبعد القارئ العربي بالإسهاب في أهداف الغارة:

كان القصد من الغارة عدة أهداف في وقت واحد: أولها إحراج القاهرة وإظهار عجزها.. ثم ما يترتب على ذلك من هزة تؤثر على وضع النظام في مصرن وأخيرا فإن الغارة كانت إنذارا لمصر بأن خطوطها مع إسرائيل مكشوفة وأنه كان أولى بها أن تترك الإنجليز في منطقة قناة السويس ولا تلح عليهم بالجلاء عن أراضيها، ثم يقول إن عبد الناصر ضبط أعصابه ورد بإطلاق جنود الصاعقة ضد إسرائيل .

لا إشارة إلى السلاح.. وهو في اعتقادنا كما في الطبعة الإنجليزية جوهر القضية واقرأ فصل صفقة السلاح في كتبانا هذا أو راجع إليه في كتابنا الآخر..

في الطبعات العربية نجد الولايات المتحدة هى المتبنية لحلف بغداد، مصممة على ضم مصر إليه ولكن بسبب مقاومة مصر قررت عزلها فترة حتى تستبعد مصر وتأثيرها عن الموضوع كله حتى يستقر رأيها على ما سوف تفعله، وسوف تجد نفها أى مصر في النهاية مرغمة على اللحاق بالآخرين وإلا وجدت نفسها معزولة".

أما في الطبعة الإفرنجية فقد وضعت الحقيقة على بلاطة:" أكد الأمريكيون لعبد الناصر أنه لا نية لديهم في الانضمام لحلف بغداد".

أرأيت الأقنعة السبعة للتاريخ الهيكلي؟ ولدينا مزيد في هذه النقطة.

بعد أزمة صفقة السلاح التي كانت باقتراح أو موافقة السى آى أيه تحرك صقور وزارة الخارجية الأمريكية ، وحاولا فرض وجودهم في الساحة المصرية مستقلين بل وضد سيطرة رجال السى آى أيه وقد فهم المعنيون ذلك وكان قرار إرسال موظف رسمي "جورج آلن" للقاهرة ضربة لشخص ودور كيرميت روزفلت المسئول عن مصر .

انظر كيف يختلف تسجيل هذا التطور الذي تعبر عنه الواقعة، ما بين النسخة العربية والإنجليزية .

في العربية يقول هيكل :" ومن المحتمل أن دلاس أحس أن موقف كيرميت روزفلت في القاهرة ضعيف".

أما النص الإنجليزى فيقول: " وربما اعتبروا أن روزفلت صديق جدا لناصر ورقيق معه أكثر من اللازم " أو " صديق لعبد الناصر وحنين عليه أكثر من اللازم".

لو تأملت ما يوحيه النص العربي بالحديث عن ضعف روزفلت وما تؤكده العبارة الإنجليزية من علاقة خاصة جدا بين المخابراتى الامريكى والزعيم المصري، فستكتشف عبقرية لغتنا الجميلة إذا أحسن استخدامها مزور متخصص في التغرير بقرائه العرب.

وهنا واقعة تستحق التأمل في النصين..

ففي النص العربي قال لنا إن جورج آلن تلقى عن طرق برج المراقبة في المطار سلمها قائد الطائرة موجهة إليه من كيرميت روزفلت.

وفى النص الإنجليزى استخدم روزفلت اتصالاته المخابراتية لإرسال رسالة من برج المراقبة في المطار إلى الطائرة".

وبالطبع وفر هيكل بحنانه المعروف على القارئ المصري مشقة السؤال.. ما دخل اتصالات كيرميت المخابراتية في برج المراقبة بمطار القاهرة إلى حد إرسال رسائل بواسطته إلى طائرة أمريكية ؟.. أراح قارئه بحذفها وأتعبنا بتقصيها.

وبينما حاول تشويه موقف نظام الادريسى ومصطفى بن حليم لزوم القذافى في الطبعة العربية إلا أن الناشر أو المحرر الذي صاغ الطبعة الإنجليزية أو لعله هو الذي أضافها لحسابات لم تكتشف بعد، قال إن مصطفى بن حليم وجه إنذارا إلى بريطانيا إذا لم تسلم ليبيا السلاح الذي تحتاجه فسيطلب السلاح من عبد الناصر".

في الطبعة العربي حيث لا أحد يحاسب أحدا اتهم أحمد حسين بعلاقة قديمة مع المخابرات الأمريكية أما في بلاد بره حيث الكلام بفلوس فقد ألزمه الناشر أو ألزم نفسه بالاكتفاء بقوله: إن أحمد حسين كان يشعر بأنه في وطنه في الولايات المتحدة لأنه تعلم هناك.

ونسى أن يضيف المثل العربي. . من علمني حرفا صرت له عميلا.

ومن خلال ترجمة رسالة أحمد حسين للعربية ثم من العربية للانجليزية سقطت بعض العبارات وجرى بعض التبديل لعلنا نساعد جامعي أعقاب تاريخ هيكل في إصلاح مجموعاتهم .

1ع : " إن ممثلي إسرائيل صرحوا بأنه " لا يمكن أن تنتظر إسرائيل حتى يكمل العرب استعدادهم للقضاء عليها".

خ: قال دلاس: " إنه لا يظن أن الإسرائيليين سينتظرون حتى يكمل العرب استعداداتهم قبل أن يثبتوا".

2-ع: إن مسألة شراء مصر للأسلحة من الكتلة الشرقية قد أزعجته كثيرا ص 366ع.. وقد أثبتها المؤرخ الوثائقي باللغتين العربية والإنجليزية ليفقأ عين جلال كشك الذي يقول إن الصفقة كانت بعلم وموافقة السلطات الأمريكية .

خ: ولكن المؤرخ الوثائقي قال في الطبعة الإفرنجية بالحرف الواحد وبدون الاستعانة بمؤسسة الأهرام للترجمة نقول إن هذا النص ترجمته أمر مزعج للغاية".
والفرق بين النصين أوضح من أن يحتاج لتعليق، ولا مجال للاعتذار بالترجمة فإن براعة النصاب توقعه أحيانا في عين ما حاول تفاديه، فهو قد روع الأميين من قرائه والمعجبين به بإيراد نص العبارة على لسان دلاس بالأمريكاني وبالحروف الأمريكانية في قلب النص العرب.. فلا مجال للخطأ في الترجمة بل المجال ينفتح على التزوير .. وصياغة النصوص على هواه، فإنه يسعد الناصريين والشعوب المتخلفة عقليا ، أن يسبب زعيمها انزعاجا شخصيا لوزير خارجية أجدع دولة، أما في الطبعة الإنجليزية فيرد النص الصحيح .. هذا أمر مزعج لنا كلنا وهو كذلك بالطبع.. لما سنشرحه.

3-ع- استهل المستر دلاس حديثه بأن عبر عن شكره لرسالة الرئيس عبد الناصر وقد وردت هذه الفقرة بحروف سوداء وبنط مميز) للفت الانتباه فالتفت انتباهنا .. ولم يكن ذلك في صالحه أبدا..

خ: : شكر دلاس حسين على إيضاحاته" لا إشارة لرسالة للرئيس ولا شكر للرئيس.

4- ع: جرى اختصار شديد جدا لما ذكره دلاس عن مساعدات الولايات المتحدة للنظام الناصري فقد قيل:" وذكر لي المستر دلاس في هذه المناسبة الدور الذي لعبته أمريكا لمساعدة مصر في اتفاقية السويس".

- خ:ورد كلام دلاس بالتفصيل ( رغم اختصار الطبعة الإنجليزية ) قال هيكل الإنجليزى:
- المساعدات التي قدمناها لكم لإنجاز الاتفاقية مع بريطانيا .
- عدم الانحياز بين العرب وإسرائيل .
- الحد من مبيعات القطن الامريكى لعدم الإضرار بالصادرات المصرية.
- محاولة التدخل مع السودانيين لصالح مصر في موضوع مياه المصرية .
- إبراز أهمية مصر كقلب الوطن العربي بإصدار التعليمات لـ" إيريك جونستون" بأن يبدأ مهمته من القاهرة ولو أن مصر ليست طرفا مباشرا في توزيع مياه الأردن.
- تجميد المساعدات لإسرائيل عندما تخطت قرار مجلس الأمن وبدأت العمليات في المنطقة المنزوعة السلاح في بحيرة طبرية.

" وهذه المواقف كلها قد أفقدت الجمهوريين أصواتا في الانتخابات التجديدية للكونجرس".

كل هذا حذفه هيكل في الطبعة العربية المطولة.

5-ع: " إنه جمال عبد الناصر أكبر شخصية في الشرق ألوسط يمكن الثقة بها والاعتماد عليها".

خ:" إنه أهم رجل في الشرق ألأوسط، وإنما يمكننا الاعتماد عليه والثقة به".
5- الذين كانوا يعارضون في جلاء الإنجليز عن قاعدة قناة السويس مدعين أن في ذلك تقوية لمصر.. وأن مصر القوية ستكون مصدرا للمتاعب.

خ: لم ترد لا عبارة تقوية مصر ولا مصر القوية بل:

" إن المصريين لا يمكن الثقة بهم.. وإن مصر ستكون مصدرا للمتاعب".
ولكن حكاية أمريكا تخاف من مصر القوية .. حلوة وتفرح الأولاد.. فلا بأس من إضافتها في النسخة العربي من ديوان السويس والشعر أعذبه أكذبه.. وهيكل أمير شعراء الناصرية بلا منازع.
7-ع:لا شيء.

خ:" أنا أثق في نوايا ناصر الطيبة وأعلم أنه لا يريد أن يعطى الشيوعيين فرصة للتدخل في بلاده، ولكن مع كل احترامي لن تكونوا أذكى منهم"(الروس).

8-ع:" الصفقة ستسبب حرجا للحكومة الأمريكية في شأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر، لأن كرامة أمريكا أصبحت الآن في الميزان".

خ- سيصبح الآن من المستحيل طلب مليم واحد من الكونجرس، مساعدة لمصر لأنه ليس فقط نفوذ أمريكا بل ومكانتها في الميزان لأن الكل سيقولون إن الطريق للحصول على مساعدة الأمريكان هو ابتزازهم".

هذا كله في رسالة واحد بعث بها أحمد حسين لعبد الناصر باللغة العربية بالطبع التي يتقنها الثلاثة.. وحصل عليها هيكل وفقا للقرار العجيب الذي سمح فيه عبد الناصر بتسليم وثائق الدولة المصرية لصحفي بلا أية صفة رسمية لمجرد أنه لاحظ شهوة هذا الصحفي في التلصص على الأوراق .. أو كما قال:" وأعترف بأنني مدين بالكثير مما لدى من وثائق التاريخ المصري المعاصر إلى جمال عبد الناصر، فقد أذن لا دائما أن أطلع على أرواقه، وسمح لى في كثير من الظروف بصور منها، وكان قد لاحظ مبكرا غرامي بالحرص على كل ورقة تضعها الظروف أمامي".

حرصك مفهوم.

ولكن قرار عبد الناصر ظاهرة فريدة من نوعها لم يسبق لها مثيل ولا في بلاد واق الواق..وهى تكشف للجيل المخدوع نوعية السلطة وعقيلة الرجل الذي يوصف عادة بأنه كان ينشىء مصر الحديثة، أو يدخل مصر عصر العلم.. فإذا به يفوق أي طاغية عرفه التاريخ، فهو لم يقل فقط أنا الدولة.. بل وأنا التاريخ.. أنا أملك مصر ووثائقها وأملك أن أسلم ذلك لصحفي مغرم بالأوراق..
هذا الذي سود صفحات الغضب على السادات ، لأنه تصرف في جزء من تماثيل أو تاريخ مصر المدفون أربعة آلاف سنة، عندما اقتدى السادات بما استنه عبد الناصر قبله وأهدى بعضا من التمثيل الفرعونية ، لا يجد ما يغضب بل يفتخر بأن عبد الناصر حطم كل القوانين والأعراف، كل مقومات الدول وأمنها ووثائقها، إذ أمر بتسليم أسرار مصر كاملة لمحمد حسنين هيكل.. وأن يحتفظ بصورة منها أحيانا وهو استهتار بمصر لم يسبق له مثيل ولا أيام عشق وثقة كليوباترة بأنطونيو..

على أية حال نحن لا نثق في رواية هذه ، مرة لأن عبد الناصر دهش واستراب لما رآه يجمع الأوراق كما هى عادة أمثاله فسأله دهشا:" وماذا ستفعل بكل هذه الأوراق التي تحرص على جمعها" (ص 13 قطع ذيل ..الخ).

ومرة أخرى أن عبد الناصر لم يكن يثق فيه كل هذه الثقة بدليل أنه زرع له أجهزة تجسس في مكتبه وفى بيته وفى بيت معاونيه. .

وقديما دخلت التاريخ عبارة تقول: " آسف للإطالة فلم يكن لدى متسع من الوقت للاختصار".

ومن حق هيكل أن يدخل التاريخ بعبارة مماثلة تقول :آسف لإغفال العديد من النصوص في الطبعة العربية لأن حجمها أكبر.. فقد سقط نص بالغ الأهمية في شرح " طبيعة الأوضاع في ذلك العصر" ونعنى شكوى روزفلت صانع ناصر ومتبنيه والمدافع عنه في واشنطن، مما يعانيه مع تطور العلاقات بين مصر وأمريكا.. فقد بدأت النتائج السلبية للفكرة الجهنمية في الظهور بل وحتى في التغلب على النتائج الايجابية .

ونعنى خطة أو مؤامرة إقامة حكم ثوري معاد لأمريكا في أجهزة الإعلام ملتزم ومرتبط بالإستراتيجية الأمريكية في الواقع ومن خلال علاقة سرية خافية على الرأي العام والمؤسسات الدستورية في البلدين..

فعقب صفقة السلاح هاج أصدقاء إسرائيل عن خبث أو عن جهل واتهموا ناصر ومصر بكل التهم الممكنة من صلاح الدين إلى كاستروا، مرورا بجنكيز خان وهتلر.. وكان من الطبيعي أن ترد صحافة مصر أو أن تستثمر لصفقة في خلق شعبية للزعيم بمهاجمة أمريكا فيزداد جنون وصخب أنصار إسرائيل .. الخ.

واقرأ عتاب أو شكوى أو آلام فوتر روزفلت:

" إن أصدقاء مصر الآن في وضع شديد الإحراج، وخاصة في ضوء الهجوم على أمريكا والغرب في الصحافة والإذاعة المصرية.
هذا يجعل الأمريكيين يشعرون أن المصريين يعبئون قصدا ضدهم.. وقال إنه تحدث في اليوم السابق مع هوفر القائم بأعمال وزير الخارجية الذي قال له إن وزارة الخارجية توشك أن تعتقد أن مصر تنظر للولايات المتحدة كعدو.

وقال هوفر ضاحكا: " إن الرجل الوحيد الذي لا يقر ذلك هو شخص ما يدعى روزفلت" وقال روزفلت إن ذلك كان محرجا له.. أما عنه هو، فبصرف النظر عن الاعتبارات الشخصية – قال كيرميت – إذا ما استمرت الأمور على ما هى عليه فإن الولايات المتحدة ستصل إلى قرار بأن مصر دولة معادية، وستضع سياستها على هذا الأساس .

وتوسل إلى حسين ( سفير مصر في أمريكا) أن يرسل نداء شخصيا منه هو إلى القاهرة لوقف حملة الدعاية ضد أمريكا لأن هذه إذا لم تتوقف فإن ضحيتها الأولى هم أصدقاء مصر في أمريكا صم مصالح مصر هناك وأخيرا العلاقات من أي نوع بين البلدين".

ليس من الإنصاف ، بعد كل ما قدمه روزفلت لجيل الثورة، أن تحرم ملفات السويس العربية من هذا النص وينعم به كفار أوربا.

ولعل قراء " قصة السويس" و" كلمتي للمغفلين" يذكرون حكاية الكوبري الذي اقترحه الصديق الشخصي للرئيس إيزنهاور ومبعوثه السري إلى عبد الناصر ، وهو الكوبري الذي يربط بين الأردن ومصر فوق صحراء النقب، والذي رد عليه عبد الناصر بحكاية " الشخة" وقد انتقدنا ذلك في كتابنا وقلنا إنه يسيء إلى الزعيم بل ويسيء إلى العرب عموما أن يقال إن زعيمهم " شخ" على اقتراح إيزنهاور.. وقد أخذ مؤلف تاريخ الناصرية بوجهة نظرنا فحذف القصة من الطبعة العربية ولكنه للأسف تركها في الأصل الإنجليزى حيث ضررها أكثر ونأمل في الطبعة القادمة للتاريخ أن يحذفها الأخ الأكبر في سائر الألسن فهي هرطقة.

كذلك لاحظنا أنه أخفى عن قراء النسخة العربية أن هذا الأندرسون الذي جاء إلى مصر، سبقته توصية من " كيرميت روزفلت" باش ريس مصر إلى الريس بحسن استقبالهن بل وحضر المعلم كيرميت المقابلة بين المبعوث الامريكى والصديق الشخصي لايزنهاور وزير المالية الأسبق.

كذلك جرى تعديل فيما قاله عبد الناصر دفاعا عن قضية فلسطين، وهو تعديل فاضح حتى في زمت التاريخ المزور أو التزوير المؤرخ.

في الطبعة العربية قال جمال عبد الناصر هيكل وهو يخرج لسانه لبتوع الصلح المنفرد:

" إن إسرائيل ليست قضية مصرية، وإنما هى قضية تهم العالم العربي بأسره ويصعب على مصر أن تنفرد فيها برأي ".

وهكذا يدين الزعيم الخالد من قبره كامب ديفيد

أما في قصة السويس فنجد عبد الناصر يحدد موقفه فعلا في نقطتين يقدمهما نفس المؤلف مسبوقتين بكرتين سوداوين تماما كما في كتاب ملفات السويس بعد عشر سنوات ولكن عبد الناصر طبعة 1976 لا يتحدث عن عروبة القضية بل يطلب تقسيم فلسطين : " وطن للشعب الفسلطينى على أرضه، ولكي يسهل الموضوع فإنه يرى أن تكون حدود هذا الوطن هى نفسها خطوط التقسيم سنة 1947".

فإذا قطع هيكل تذكرة طائرة لعبد الناصر وجاء به إلى لندن ليتحدث إلى الإنجليز وجدنا نفس المنظر.

ونفس الأشخاص: أندرسون المندوب الامريكى وجمال عبد الناصر زعيم الأمة العربية ونفس القضية ونفس الإجابة عن النقطتين المميزتين للقضية الفلسطينية ولكن جرت بعض التعديلات تناسب جمهور لندن.

أضيفت هنا معلومات بأن كيرميت روزفلت أوصى بحسن استقبال روبرت أندرسون.

أضيف هنا حضور كيرميت شخصيا الاجتماع الثنائي بين الرئيس المصري وصديق الرئيس الامريكى وأصبح معهما ثالث هو الشيطان بعينه.

بل وسنرى ناصر يطلب من روزفلت أن يشرح له لهجة الزائر القادم من تكساس .. كيف اختفى روزفلت من الطبعتين العربيتين وظهر في الطبعة الإنجليزية .. سؤال تجيب عنه تكنولوجيا المسرح.. أو دراسات الحبر السري الذي اعتاد الجواسيس الكتابة به في العصور الوسطى.

سنجد ناصر الإنجليزى لا يرى مشكلة فلسطين إلا مشكلة لاجئين، لا حديث عن عروبة القضية ولا حديث عن التقسيم أو وطن فلسطيني.

هنا المخرج غير الحوار في النقطة الأولى فأصبحت:

المشكلة ألأولى- قال ناصر- هى حقوق شعب فلسطين، ومعظمهم من اللاجئين النازحين من بلدهم، يعيش معظمهم في أحوال بائسة، ويجب أن يكون بوسعهم العود إلى بيوتهم وهذا ما ستطالب به الأغلبية أو تعويضهم إن استحالت هذه العودة. كما يجب تخطيط حدود واضحة بين الدولة الإسرائيلية والدولة الفلسطينية .
واقعة واحدة..
في لقاء واحد..

وثلاثة نصوص .. كلها وضعت بحروف وبعلامات تؤكد أنها النص الحرفي المنقول عن الزعيم.. وكلها مختلفة.. كل واحد منها يشكل موقفا سياسيا مختلفا مائة وثمانين درجة.. فأيهما نصدق، وأي تاريخ هذا وأي أفاق أحمق يمكنه أن يثق به.. وهل تصبح الوثائق عند هذا المزور إلا أداة من أدوات التضليل".

وتتحدث – أنت – عن المصداقية.

ولو أن مؤرخ الناصرية قد أشار على دور أمريكا في خلع جلوب بالطبعة العربية ، أي أنه لدواعي الأمن العام والصالح الوطني لم يشأ أن يكشفها بوضوح وصراحة كإحدى عمليات السى آى ايه أو واحدة من ضربات سانت كيرميت روزفلت التي كان يكيلها للانجليز في المنطقة في كل اتجاه، مع تسجيل فوائدها لزعيم الأمة العربية..
أقول رغم إشاراته للدور الامريكى إلا أنه نصح القارئ العربي بانتظار فتح ملفات أخرى قبل القطع نهائيا بالأسباب التي أدت إلى طرد جلوب".
إلا أنه لم يجد القارئ الإنجليزى بحاجة إلى هذا الانتظار فهو عاقل ورشيد ولذلك فتح له ملفا مخصوصا يفيد أن كيرميت وروزفلت هو الذي دبر إخراج جلوب من الأردن.

كراماتك يا شيخ كيرميت .. جعلت التاريخ يسير بالمقلوب فتكشف حقائق في الطبعة الإنجليزية المؤلفة أولا وتحتجب في الزمن إلى الوراء في الطبعة التالية.

كذلك جرى تنقيح حدوتة إبلاغه عبد الناصر بطرد جلوب، بعدما تناولناها بالنقد الساخر في كتابنا منذ سنوات.. فأضاف إليها تعديلا يفسر – في ظنه- لماذا لم يعرف عبد الناصر بالخبر قبل هيكل.. وقارن الروايات في ص 59 قصة السويس و415 ملفات السويس و97 الطبعة الإفرنجية .

في النص المخصص للمسرح المصري جعل منزيس يهرول ليتحسس تمثال إسماعيل قائلا: لقد أردت أن أقدم احترامي للرجل الذي أتاح لـ "دلسيبس " أن يشق قناة السويس" ص 499.

ولكن لما ترجم النص للمسرح البريطاني صححها المنتج الإنجليزى الذي أوتى حظا من التعليم فوق مستوى دبلوم تجارة، ومن ثم يعرف أن إسماعيل لم يمنح امتياز حفر قناة لدليسبس بل سعيد على أية حال فإن الملقن الإنجليزى كان جلفا غبيا فجاء تصحيحه مضحكا غير معقول :" اسمح لي أن أحيى الرجل العظيم الذي باع أسهمه لبريطانيا . ص 149خ.

تخيل عبد الناصر لا تسعه الدنيا لأنه أمم أسهم القناة وهذا يحيى الذي باعها.

اسمحوا لي أن أشمئز من قدرة " عزتلو" على تغيير النصوص، ووضع الكلام على لسان الشخصيات التاريخية وكأننا في مسرح البالون وليس تأريخ فترة حاسمة من تاريخ مصر ..

وبمقارنة بين صفحتي 164و 165 في النسخة الإنجليزية وصفحات 515، 516و 517 نجد أنفسنا مرة أخرى أمام إعجاز الاختصار الذي يأتي بمعلومات أكثر وأخطر.. والتطويل الذي يحذف ما لا يجوز أن يطلع عليه الأولاد.

الأصل الإنجليزى:

قال دلاس إنه عندما أعلن رفض حكومته تمويل السد العالي لم يكن يقصد أبدا إهانة مصر أو إثارة الشكوك حول اقتصادها، بل لأنه اقتنع أن هذه عملية مكلفة قد تنهك الاقتصاد المصري لفترة طويلة، وهذا يسبب الكراهية للأمريكان إذا ما ارتبطوا بالمشروع وأصبح على المصريين المعاناة بشد الحزام وقال دلاس إنه لا يبالى إذا كان الروس يريدون المساهمة فيه (وهو ما كان غريبا لأنه ما من أحد قد ذكر الروس وقتها بل كانت الفكرة السائدة، هى ببساطة أن مصر تمول المشروع من دخول القناة).

ووافق دلاس على أنه سيكون أفضل لمصر أن تبنى السد بنفسها حتى إذا حدث اعتراض شعبي فسيكون الأمر كله مصريا خالصا".

1- في النسخة العربية: اعترف دلاس بأنه هو الذي اقترح على إيزنهاور سحب العرض الامريكى ولكن لم يرد التعليق باستغراب الإشارة إلى روسيا.
2- في النسخة الإنجليزية : " نصح دلاس فوزي أن يجتمع هو وعبد الحميد بدوى بالمستشارين القانونيين في وزارة الخارجية الأمريكية ".

في النسخة العربي: حذفت

:في النص الإنجليزى : وختم محمود فوزيبرقيته بأنه يحب أن يلفت الانتباه إلى ما سيقوله دلاس عن مشكلتي فلسطين والجزائر.
لأنه يشعر أنه بعدما تنتهي أزمة القناة، فإن الأمريكيين سيكونون مستعدين لمناقشة المشكلتين مع مصر وقد أشار دلاس إلى إمكانية عقد اجتماعات لهذا الغرض في واشنطن".
ومعنى ذلك بصريح العبارة أن دلاس لا يعمل على إسقاط ناصر ولا حتى يتوقع سقوطه، بل مطمئن تماما إلى استمراره وتخطيه أزمة القناة، بل واستمراره في مركز الصدارة في صنع القرار العربي فيما يتعلق لا بفلسطين وحدها بل والجزائر أيضا.

ولهذا .. فقد حذف النص من الطبعة العربية ولكن عوض عنه قراء العربية بسخاء كالآتي:

" واقترح كيرميت روزفلت على " صبري" أن يسافر إلى واشنطن لمقابلة " آلن دلاس" مدير الـ سى آى ايه ورد على صبري بأنه لا يستطيع أن يتحرك إلا إذا حصل على إذن من القاهرة وبعث على صبري إلى الرئيس عبد الناصر باقتراح كيرميت روزفلت وفى ظرف ساعتين تلقى تعليمات بالرفض".

يا حمش بنى مر

وبما أن حمش لا يمكن ترجمتها إلى الإنجليزية فقد كفى على الخبر " ماجور " إذ جاء النص كالآتي" اقترح أن يذهب على صبري إلى واشنطن بعد اجتماع مجلس الأمن ليتصل بشخصيات مثل آلن دلاس".
نقطة .. قف.. ولا كلمة.. فليس للانجليز والأمريكان يكتب هذا الهراء.. ولكل مقام مقال .. ولكل مزور تاريخه.
وقد أرسل السيد مصطفى بن حليم رئيس ليبيا السابق ردا كذب فيه الرئيس عبد الناصر فوجئ بتوقيعي على معاهدتين من شانهما انضمام ليبيا إلى دول الأحلاف".
وقال رئيس الوزراء الليبي السابق ببساطة إنه لا هو ولا أي رئيس وزراء ليبي وقع مثل هذه المعاهدة .

فماذا كان رد المؤرخ الوثائقي؟

فضيحة فاجر لا يستحى إذ قال:

" إن قصة الحلف التركي الليبي التي نشرها الأهرام على صدر صفحته الأولى في عدد 26 يونيه 1954 ولم يكن هو رئيس التحرير وقتذاك وأن مصدر القصة هو وكالة اسوشيتدبرس الأمريكية التي نقلتها من أنقره.. وبعثت بها إلى الأهرام في إطار اتفاق للخدمة الخاصة بين الوكالة والجريدة.
وطبقا لما ذكرته الوكالة الأمريكية فإن السيد مصطفى بن حليم زار تركيا مع اثنين من الوزراء الليبيين في ذلك التاريخ لعقد حلف بين ليبيا وتركيا شبيه بالحلف التركي الباكستاني وكان مقررا أن يوقع الملك السنوسي بنفسه اتفاقية الحلف، وقد اتفق على زيارته لأنقرة بالفعل، ولكن لم يعلن عن موعد الزيارة بسبب حالة الملك الصحية طبقا لما نشره الأهرام".
صحيح الأعمال بالنيات .. لكن هل التاريخ أيضا؟.. إذا كنت تعرف أن الاتفاقية لم توقع والصورة الزنكوغرافية في الأهرام لا تشير إلى توقيع ولا إلى اسوشيتدبرس حتى.. بل إنها صريحة في قولها " ويبدو أن حكومة القاهرة لم تعر النقطة ما تستحق من اهتمام".
فأنت تعرف أن اتفاقية ما لم توقع فكيف تبيح لنفسك أن تكتب بعد ثلاثين عاما تأكد خلالها ثلاثين مرة في 360 أنها لم توقع، كيف تبيح لنفسك أن تقولك فوجئ عبد الناصر معاهدتين من شانهما انضمام ليبيا إلى دول الأحلاف".. بل وتحدد اسم من وقع. .
وبعد أن جاءك التصحيح تصر على أن تنشر في الكتاب " فوجئ جمال عبد الناصر بخطوتين في نفس الوقت غربي الحدود المصرية، وقع السيد مصطفى بن حليم اتفاقية دفاع مشترك بين ليبيا وتركيا ثم بحروف سوداء وكان معنى ذلك أن الخطوة الأولى في محاولة تطويق مصر قد بدأت على حدودها الغربية.. ثم إن تركيا بمعاهدتها العسكرية مع ليبيا.. ربطتها على نحو أو آخر بالحلف التركي- الباكستاني".

أي تاريخ هذا ؟

"وهل يكتب تاريخ التطويق والمعاهدات نقلا عن الأهرام.. وكمان وأنت مش رئيس تحريرها؟ حتى هذه أنت كاذب، فليس في الأهرام الذي نشرت صورته خبر توقيع.. وأنت جزمت وما زلت مصرا على أن معاهدة وقعت رغم اعترافك في الرد بأنها لم توقع لأسباب صحية تتعلق بالملك.. وما دخل الملك وأنت أكدت أن مصطفى بن حليم وقع؟..
هل يجوز لمثقف يحترم نفسه أن يعتبر هيكل مؤرخا وأن يهتم بما يكتبه كمصدر للتاريخ.. هذا الذي لا يؤتمن على خبر معاهدة دولية .. نأتمنه على ما ينسبه من أحاديث هو وحده الشاهد عليها؟..

احترموا عقولكم..

أما حكاية مفاجأة عبد الناصر بمحاولة تطويقه بتأجير قاعدة أمريكية في ليبيا فإن رد مصطفى بن حليم يصعب جدا رفضه فقد قال :" لعل ما لا يعرفه السيد هيكل أنني أطلعت الرئيس جمال على تفاصيل الاتفاقية المذكورة أولا بأول سواء عند اجتماعي به في يونيو 1954 بالقاهرة وبحضور السيد حسن إبراهيم عضو مجلس قيادة الثورة ، أو عند زيارة الأخير لليبيا في أغسطس سنة 1954 حيث أطلعته على مسودة الاتفاقية قبل توقيعها ولم يجد الرئيس جمال في الاتفاقية ما يمس أمن وسلامة مصر.
لذلك لم تهاجم الاتفاقية لا من صوت لعرب ولا من بقية أجهزة الإعلام المصرية".
ولم يجد مؤلف التاريخ ما يرد به على هذا " المطب" إلا أن " ما ذكره السيد بن حليم ليس هناك ما يثبته فضلا على أنه ليس هناك ما يعزز صحته".

لأ..

أولا- الرجل استشهد بشاهد من الأحياء هو حسن إبراهيم والذي كان مسئولا عن ليبيا في تلك الفترة والذي لم يكذبه حتى الآن ( مايو 1987).
ثانيا- يعزز قوله نقطتان.. الأولى في غاية الأهمية وهى أن صوت العرب الذي كان يهاجم الأحلاف الموجودة والتي ستوجد والقواعد في الكونغو لم يذكر القاعدة الأمريكية بحرف ولا تعرضت لها صحيفة واحدة ولا جاء ذكر هذه الاتفاقية في حملات الإعلام المصري وقتها. .


لماذا ؟.. أجب يا هذا ..

بن حليم كان مهذبا أو في فمه ماء.. سيان ففسر ذلك بأن عبد الناصر استشير فلم يجد ضيرا ..ولكن إذا لاحظنا أنه حتى عام 1956 لم تهاجم أية قاعدة أمريكية في المنطقة عرفنا أن السر أعمق منذ ذلك.
الإثبات الثاني أنه قد ثبت كذبك في النقطة الولي الثابتة قطعا ، ومن ثم فلا مصداقية لك وتعززت مصداقية معارضك بن حليم .
ولو كان لديك أي شك في صحة ما قاله لرجعت لملفاتك وجئت بنص واحد نشر في صحيفة مصرية أو في إذاعة صوت العرب في تلك الفترة ضد هذه الاتفاقيات.. ولكنك لم تفعل ولن تفعل.

وهكذا فقد الناصريون مصداقيتهم وأنت على رأسهم وها هو هويدى يكذبك في واقعة حدثت بينك وبينه شخصيا ومحمد نجيب ألزمك بالاعتذار وبن حليم يتحداك أن تكون هناك معاهدة بين تركيا وليبيان وقد قدمنا للقارئ بعض النماذج على تزويرك وتعديلك وتغييرك للواقعة الوحدة وما تدعى أنه نص كلام عبد الناصر.. فأنت الذي فقد المصداقية .. أما نحن فنكتب من 36 سنة لم يكذب لنا أحد حرفا وقد تناولنا ونقدنا وهاجما شتى الاتجاهات والعديد من الشخصيات، بعنف وحدة بعضها من خلقنا وبعضها من انفعالنا الشرعي إزاء ما يدبر لوطننا وما يفترى على التاريخ والحقيقة، ومع ذلك لم يجرؤ واحد ممن تناولناهم أن يفند فقرة ولا سطرا مما كتبناه عنهم.. بل إن الكثير مما قلناه أصبح من المبادئ والحقائق المقبولة سلفا، والتي فرضت نفسها على كتاباتكم كما سيرى القارئ من مقارنة ما كتبتموه في قصة السويس وما تداركتموه في ملفات السويس.

ولئن صح ما رواه عن سؤاله للملك فيصل لماذا لا يحتفظ بمحاضر ولا أوراق، فرد عليه حكيم العرب:" لا أحد يدرى في يد من تقع تلك الأوراق" .. فقد أصابه في مقتل.. واى هول وسوء يصيب أوراق التاريخ إن وقعت في يد هيكل..؟

وما دمنا في سيرة التاريخ البلاستيك فإننا نتعرض لإحدى القضايا التي يحيطها غموض غريب غير مفهوم إلا في ضوء تفسيرنا، ونعنى هنا علاقة هيكل بعبد الناصر فكلما تفضل هيكل وأفرج عن إحدى وثائق هذه العلاقة زادتنا غموضا وحيرة وزادتها تعقيدا... وقلنا أفرج عن عمد ذلك أن وثائق هيكل مثل كل الوثائق الرسمية لها شروط أو أجل لابد أن تستكمله قبل الإفراج عنها، فالوثائق البريطانية كان يشترك لها مرور 75 سنة حتى يكون الأحفاد قد ماتوا فلا يضاروا بما يكشف عن مسلكية الأجداد، أما الأمريكان فيشترطون ثلاثين عاما فقط فإن عدنا لهيكل فسنجد أن أجله هو الكتاب .. أعنى لكل أجل كتاب .. شرط هيكل للإفراج عن وثائقه هو وفاة من يستشهد بهم.. فهناك دائما في كل رواية عن نفسه شاهد أو حتى شهود، شرط أن يكونوا جميعا ممن توفاهم الله وتدل تجربة الجنس البشرى خلال البليون سنة الماضية، أنه مهما يكن حجم الكذب الذي يفتريه هيكل ومهما تصورنا المتوفى الذي يستشهد به فما من سبب يجعلنا نعتقد أن سيأتي من العالم الآخر ليفند رواية هيكل.. ويبدو أن مؤرخ الناصرية على يقين من ذلك ومن ثم يتبحبح هو بقى على حد قول أبو لمعة. .

وقد تفضل علينا هيكل في كتابه "ملفات السويس" و"بين الصحافة والسياسة" ببعض الوثائق على علاقته بعبد الناصر، ففي هامش ص 197 يعرفنا:

" سنة 1950 زارني جمال عبد الناصر في مكتبي في " آخر ساعة" وكنت رئيسا لتحريرها وراح يناقش معا ما يجرى في سوريا وكان قد قرأ تحقيقات صحيفة قمت بها في دمشق مع توالى تلك الانقلابات .
وكنت قد التقيت به قبل ذلك لقاء واحدا عابرا حينما مررت بمنطقة عراق المنشية قرب الفالوجة. وكانت المرة الثانية التي زارني فيها جمال عبد الناصر في مكتبة قبل الثورة في أواخر عام 1951 لكي يطلب منى نسخة من كتابي " إيران فوق بركان" ولم يكن جمال عبد الناصر معجبا بكل هذه السلسلة من الانقلابات السورية ولعله على ضوء ظروف تجربة مصر في الحركة العرابية كان شديد التشاؤم من نتائج إمكانية نجاح العسكريين.

هل يعنى ذلك أن عبد الناصر كان متشائما إلى أواخر عام 1951 .. فأين حديث بداية التنظيم سنة 1949 ولماذا أقامه وتحمل مخاطره..

متشائم من إمكانية نجاح العسكريين في أواخر عام 1951.. ويشكل ويقود تنظيما عسكريا .. ليه؟

هذه واحدة ولكن الأخرى أعجب، فقد تفضل المؤرخ فتنازل عن تواضعه وإنكار الذات الذي اشتهر به شهرة اللحمة في السوق.. فأخبرنا أنه هو الذي قال لجمال عبد الناصر إن الإنجليز لن يتخلوا لحماية الملك.

" وكان هذا أول دور أديته بالقرب من جمال عبد الناصر"

أو كما قال في " بين الصحافة والسياسة " ص 145 ع.

وبالرجوع إلى بين السياسة والصحافة نجد رواية تقول إ مؤلف الناصرية قابل زعيمها صدفة يوم 18 يوليو 1952 وصدفة أو نتيجة استفزاز من جانب هيكل انفتحت سيرة الانقلاب ونترك له الكلام:

" يوم 18 يوليو التقيت بالبكباشي جمال عبد الناصر والصاغ عبد الحكيم عامر ( لاحظ أنهما متوفيان المنزل كان يعج بالناس ولكنه استفرد بهما وهما وحدهما الشاهدان) ودار بيننا نقاش ساخن حول ما يجرى في البلاد ودور الجيش فيه، وتحمست أثناء المناقشة وقبلت لجمال عبد الناصر ما معناه: إن الجيش عاجز عن رد كرامته إزاء عدوان الملك عليه" ورد جمال عبد الناصر بالتساؤل عما يمكن أن يفعله الجيش.. أو ليست أي حركة عسكرية من جانبه يمكن أن تؤدى إلى تدخل بريطاني.. وتطوعت وقلت إن الإنجليز لن يتدخلوا .. لأنهم لا يملكون وسائل التدخل وأحسست أن عبارتي قد رنت جرسا في رأس جمال عبد الناصر.. لأنه التفت إلى وسألني عن الأسباب".

من الغريب – على حد تعبيره- أننا نصدق ادعاءه ونكذب أدلته أو روايته.. فنحن نميل إلى الاعتقاد من زمن طويل إلى أن هيكل هو الذي حمل إلى عبد الناصر التأكيد بأن الإنجليز لن يتدخلوا .. ولكن لغير ما أورده من أسباب وأهم من ذلك، لم يكن هذا التأكيد يوم 18 يوليو وليس صدفة ولا في مناقشة عابرة وبطريقة يفهم منها الطفل- وليس زعيما – ومدبر انقلاب – أنها تهدف لاستفزازه أو استدراجه لإفشاء ما يكون لديه من أسرار أو نوايا..

أولا .. لا يمكن أن يكون ذلك قد حدث يوم 18 يوليو لأن جميع المصادر وكل الأدلة توحي بأنه في هذا التاريخ كان الانقلاب قد تقرر فعلا ودارت ماكينته وأصبح أمرا مفروغا منه مهما تكن النتائج فلا يعقل أن عبد الناصر الذي يشغله مثل هذا الأمر الخطير.. هو تدخل الإنجليز وتكرار تجربة عرابي.. أو الكابوس الذي كان يشل أي ضابط مصري عن التفكير في الثورة ضد السراي، يتركه بلا حل إلى 18 يوليو.

إننا ننتقص كثيرا من جدية عبد الناصر إذا اتهمناه بأنه ترك هذا الاحتمال ( التدخل البريطاني) بلا مواجهة ولا حتى مناقشة ولو مع هيكل إلى يوم 18 يوليو، إذ يهبط عليه الوحي مصادفة وبمناقشة مع صحفي لم يقابله إلا مرتين.. مرة لقاء عابرا في فلسطين ، ومرة في مكتبه يطلب نسخة عليها إهداء كطالبات السنية مع إحسان عبد القدوس.. مع صحفي في دار أخبار اليوم الناطقة باسم السراي بشهادة هيكل نفسه.. ومع ابن أخبار اليوم البكر والحائز على جائزة الملك فاروق ثلاث مرات.. أم كانت هناك علاقات قديمة لم يحن وقت كشفها.. إلا أنه يفهم م رواية هيكل هذه .. أنها " كان أول عمل أؤديه بجانبه" تعبير غريب.. فمجرد إبداء الرأي ليس عملا وبجانبه.. فماذا يقصد خبير الصياغات المريبة.. هل دبرا معا منع التدخل البريطاني..؟ .. المهم حسب هذا النص أنه لم تكن بينهما علاقة عمل قبلها.

ويستفاد أيضا أن هيكل لم يكن يعلم – عن طريق عبد الناصر على الأقل- بعمل عبد الناصر للثورة، وإلا لما احتاج لاستفزازه أو استدراجه بتعبيره بقلة الثورية والعجز عن رد الاهانة .. وهذه نقطة مهمة نحتاط بها مستقبلا ضد أي ادعاء عن وجود علاقة ثورية أو حتى فكرية بين هيكل وعبد الناصر قبل الثامن عشر من يوليو 1952.. ولو كنا نملك تسجيل ذلك في الشهر العقاري لفعلنا.

ويفهم من عرض هيكل- كما قلنا- أنه لم يكن هناك سابق معرفة بين ناصر وهيكل تسمح بأن يثق به في هذه اللحظات، وهو يعرف أن كل القوى المعادية تتسقط الأخبار عن تحركاته.. ومن ثم فمن حقنا إسقاط هذه الرواية بالكامل.. وخاصة إذا أضفنا شهادة ناصر بالأمريكان كان في مارس .. والاتصال بالأمريكان كان أهم بنوده وفوائده هو تأمين عدم تدخل الإنجليز.. وأخيرا لأن شاهدي هيكل على هذه الواقعة لا يمكن أن تذكر إحداهما الأخرى فقد توفاهما الله .. وسبحانه يتوفى حتى الشيطان.

وأخيرا .. ففي كتاب الصحافة والسياسة نفسه نجد أستاذه" مصطفى أمين" يذكر سيدهما بأن مندوب المخابرات الأمريكية في السفارة الأمريكية هو الذي أجرى الاتصالات التي ضمنت منع التدخل البريطاني.

وهذا الذي تقابل مع عبد الناصر ثلاث مرات بالصدفة خلال 34 سنة من عمر عبد الناصر، سنجده بعد أربعة أيام من هذا اللقاء المصادفة، ثالث الاثنين يدير الحركة صباح 23 يوليو ن كما جاء في روايته الأكثر من فكهة، حيث وضع مصطفى أمين في معسكر الرجعية مع الهلالي على طرف التليفون وهو .. على الطرف الآخر ينطق باسم الثورة بشهادة اثنين من دون جميع الضباط الذين كانت تعج بهم قيادة الأركان.. ضابطان فقط حول هيكل. .ويشهدان بصحة روايته، لولا عائق بسيط للأسف وهو أنهما ماتا: عبد الناصر وعبد الحكيم عامر..

وكنا قد امسكنا بخناقه في واقعة من هذا اللون، عندما ادعى في كتاب " قصة السويس " أن عبد الناصر دعه وهو ذاهب إلى أمريكا في أكتوبر 1952 قائلا:" إن الكثيرين يعرفون علاقتك الوثيقة بى" .. فحاول أن يفلت في " ملفات السويس" وذلك بإجراء عملية تجميل للتاريخ البلاستيك رغم أنه في كتاب " قصة السويس" لصادر عام 1976 والذي ما زال في الأسواق، أورد كلام عبد الناصر بين مزدوجين هكذا:"....." دلي على أنه نص منقول حرفيا من كلام الزعيم الخالد، إما من الأرشيف الهيكلي أو الكمبيوتر إياه الذي فتن ضابط الإيقاع، أو أرشيف منشية البكري محطة سراي القبة.. إلا أنه اضطر مرغما إلى حذف هذا النص المتصل المصدر، فاعترف بأنه حديث موضوع مكذوب منكور واستعاض عنه بإيضاح ورد في الطبعة العربية 1987 يقول" وكانت السفارة الأمريكية بالقاهرة قد أخطرت واشنطن عن سفري وأضافت إليه أنني وثيق الصلة بـ " جمال عبد الناصر" ..

ظبطت ..؟ ولا نقص منها حته؟

ويبدو أنه توقع أن يكون القارئ الإنجليزى في مستوى ذكائنا ومن ثم سيسأله : " وعرفت منين السفارة الأمريكية. . هى العصفورة بتروح السفارة الأمريكية ؟ . .فكان أن قصر الشر ، وحذف الحديث والتفسير من الطبعة الإفرنجية، واكتفى بطلب عبد الناصر منه أن يقيم له الموقف في أمريكا.
وهذا يثبت فائدة النقد في تطوير التاريخ وتقدم فن تزويره، وتعلم الحذر من عثرات اللسان.
وقد أعفى مؤلف التاريخ قراءه العرب من حكاية اتصال عبد الناصر بهيكل عقب وصول أنباء الاجتياح الاسرائيلى لسيناء وحسنا فعل وإلا فإن مستشفيات مصر كلها لم تكن كافية لعلاج حالات الضغط والسكر ولكنه للأسف نشر هذه الفضيحة في الطبعة الإنجليزية ولعلها نوع من التشفي في الزعيم الذي كان على وشك أن يفتك بع لولا حظ هيكل..
قال : " حولت لي مكالمة ناصر على الفندق.. " الإسرائيليون في سيناء ويبدو أنهم يحاربون الرمال، لأنهم يحتلون موقعا خاليا بعد موقع.. إننا نراقب ما يجرى عن كثب، ويبدو لنا كما لو أن كل ما يريدونه هو إثارة عاصفة رمال في الصحراء لا نستطيع أن ندرك ما يجرى .. أقترح أنك تأتى".

يأتي أولا يأتي.

والله لولا أننا لا نشك –بعد- في وطنية عبد الناصر ، ولا نثق إطلاقا في رواية هيكل لظننا أنها مكالمة بين جاسوسين إسرائيليين يتبادلان التهاني:" اليهود في سيناء.. ولا أحد يقف في طريقهم ، المواقع تقع في أيديهم واحدا بعد الآخر بلا نقطة دم.. خالية. إنهم يحاربون الرمال بعد أن سحبنا لهم الرجال.. تعال بسرعة"..
ألا يعرفون زعيم مصر والذي كان عسكريا ماذا يريد الإسرائيليون في سيناء.. ولا يفهم لماذا يستولون على المواقع الخالية؟ وما ذنب اليهود إذا كانت المواقع قد تركت بلا مدافعين .. هل هم من المسلمين الأتقياء لا يدخلون موقعا حتى يستأذنوا ولا يدخلون موقعا ليس مسكونا؟ ..

هذا هو هيكل

مؤرخ القحط .

فتعالوا نرى ماذا أرخ.. قتل كيف أرخ.

الفصل الثاني : ثورتنا التي أجهضت..

" .. مهما تكن سياسة الحكومة الجديدة فالمهم أننا تخلصنا من الوفد.."
السفير البريطاني
27/1/1952

الجيل الذي لم يعش سنوات ما قبل انقلاب يوليو ، من حقه علينا أن نعرفه حقائق تلك الفترة ومن واجبه أن يعرف.. وأن يعي بداية أن تاريخ تلك الحقبة، قد تعرض لعملية تشويه شاملة وهو وضع طبيعي ومتوقع، لأن مصدر الشرعية أو المبرر لأية ثورة أو انقلاب أنها تثور أو تنقلب لتخليص الشعب من " نظام سيء" وعندما تنجح في قلب هذا النظام وإلى أن تتحقق لها إنجازات مباشرة ملموسة ، يكون إنجازها الأكبر هو إزاحة النظام السيئ ومبرر استمرارها في السلطة هو حماية الوطن والشعب من خطر عودة هذا النظام البغيض ومن ثم يغدو الإعلام الثوري، هو الذي يبرز مساوئ العهد البائد وتصبح أية إشادة ولو جزئية بذاك النظام أو رجاله عملا غير ثوري وطعنا في الانقلاب وتشكيكا في مشروعيته ومبرراته ومن ثم محظورة ، ولا رحم الله ستالين الذي قال:" في الحرب لا مكان للموضوعية".

فإذا ما كان التغيير ثوريا حقا، واستقرت الأمور، وتحققت المنجزات، فإن الثورات الصادقة تعيد احترام التاريخ، وتعتز بماضي الوطن وتفخر بأنها المكملة له، لأن من ليس له ماض يعتز به لن يكون له مستقبل.. فإذا اتفقنا على أنه حتى الثورات الحقيقية تضطر إلى مجافاة الحقيقة فترة، فما بالك بالمكانس؟.

وصحيح أننا عرفنا بحدة العبارة، وعنف التعبير ولكننا نعترف- للأسف- لأنه ما خطر ببالنا وصف انقلاب يوليو "بالمكنسة" مقشة.. إنما جاء التعبير من وزارة الخارجية الأمريكية .. وأم الصبي أدرى باسمه..

فلا غرابة في من قبل أن يكون مكنسة نكنس نظامنا – حتى ولو كان ذلك على هوى وبإرادة الأجنبي- لا غرابة أن يحرص على نفى أي صفة طيبة فيما جاء ليكنسه..

وهكذا تعرض تاريخنا للتزوير والتشويه والتجهيل، ولا حاجة للشباب للبحث والتقصي، فكل جيل الثورة كما يسمونه، لم يكن يعرف حتى عام 1973 بوجود شخص اسمه محمد نجيب والذين سمعوا عنه من آبائهم بدورهم ما كانوا يعرفون لا هم ولا آباؤهم- على وجه اليقين- إن كان محمد نجيب حيا أو ميتا، أما كتب المدارس الرسمية التي تلقن التاريخ ويفترض فيها أنتعلم الحقائق، فقد حذفت من التاريخ تماما أن محمد نجيب هذا كان رئيسا للجمهورية حتى ابن محمد نجيب شك في كلام أبيه وجاء إليه يقول: كيف تكذب على يا أبى وتقول إنك كنت أول رئيس لجمهورية مصر وكتب المدرسة والمدرس يقولان إن عبد الناصر هو ألأول.. ولعل محمد نجيب تمثل وقتها بحكمة : " البغل في الإبريق" .. وتذكر بعض ما افتراه على التاريخ يوم كان في السلطة وقليلا ما يعتبرون..

وقديما قال شوقي: أمن سرق الخليفة وهى حي.. يعف الملوك مكفنينا أو مسجينا.. لا أدرى ولا أعرف وزن الشعر ولا أحفظه.. وهكذا أفمن أخفى رئيس الجمهورية ومحا ذكره محوا وهو حي يرزق.. يتوقع منه أن يعف عن زعماء مصر وأحداث مصر التي انقضت قبل أن يولد؟

من هنا كان عليكم أن تقرئوا كثيرا وتنقبوا وتمحصوا أكثر.. ولا تقبلوا ادعاء بغير دليل ، ولا وثيقة دون مراجعة.. فإن ثبت لكم كذب كاتب أو تحريفه فانبذوه ولا تقبلوا شهادته أبدا.. هكذا كان السلف الصالح يتعامل مع التاريخ فلابد من المصدر ولا تقبل أحاديث الآحاد إلا بأن يكون مصدرها فوق الشك وأن تعزز بدلائل وقرائن وأن تتفق مع التصور العام ويستبعد حديث أو رواية من له مصلحة تعززها الرواية أو الحديث.. ثم هى في النهاية أضعف الحجج.. أما من ثبت عليه وضع أي تزييف حديث واحد فقد سقطت الثقة في كل أحاديثه.

نعم من حقكم أن تعرفوا ، ومن واجبنا أن نعرفكم أن انقلاب يوليو لم يكن ثورة بل الثورة المضادة التي دبرت لإجهاض الثورة الحقيقية.. فقد كانت مصر حبلى بنذر ثورية( كان الحزب الشيوعي يتحدث عن ثورتنا المقبلة التي باعها بعد ذلك بكرسي الوزارة في خدمة العسكر) بل نحن نعتقد أنه لو بقى الوفد في الحكم أسبوعا واحدا بعد معركة البوليس في الإسماعيلية، وصدرت المراسيم التي كانت قد أعدت فعلا بقطع العلاقات الدبلوماسية وإقالة حاكم عام السودان وإلغاء شرعية الوجود البريطاني في السودان، وإصدار الأمر للجيش المصري هناك بالمقاومة إذا ما تعرض له الإنجليز لو تم ذلك لتفجرت في وادي النيل ثورة وطنية شاملة تحمل إمكانات تغيير وجه وتاريخ المنطقة.. على الأقل هذا ما توقعه الأمريكيون وتؤكده وثائقهم كما سنرى بعضا منها.

ولم يكن وجود القصر يشكل عائقا مستحيل التجاوز.. فثورة 19 في ظل مل أسوأ وأكثر فجورا وقدرة من فاروق .. وثورة المغرب قامت وحققت استقلال الوطن في القصر المغربي أحيانا وبالقصر ..وأحيانا رغم القصر..

على أية حال كان القصر الملكي في مصر قد شل تماما بإلغاء المعاهدة، كما بدأ يفقد شرعيته وتأثيره بسرعة هائلة، فمن ناحية كان لقب ملك مصر والسودان الذي صدر مع مراسيم إلغاء المعاهدة، قد قيد حركة الملك والمتعاونين معه، وفرض نفسه عليهم بحيث استحال التنازل عنه لو أرادوا ، وإن كان الإنصاف يقتضينا القول أن أسرة محمد على كانت أكثر وعيا بحيوية وأهمية ومصيرية وحدة وادي النيل من كل الحكومات التي تعقبت بعدها، وإن كان السادات قد حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن القوى المعادية كانت قد نفذت بين اللحم والعظم ..

وقد أشرنا إلى الوثائق الأمريكية والبريطانية التي تتحدث عن عقدة اللقب والعجز عن التغلب عليها،لإصرار مصر كلها ملكا وحكومة ومعارضة وشعبا على الالتزام بوحدة وادي النيل تحت التاج المشترك، أو ملك مصر والسودان..

وهذه وثيقة عن لقاء تم بين السفير الامريكى " جيفرسون كافري" والملك فاروق وسجله السفير – وكعادتهم- وبعث به في مذكرة للخارجية الأمريكية بتاريخ 8 مايو 1952 أي قبل الانقلاب بشهرين، وربما كان موقف الملك في هذا اللقاء من حيثيات التعجيل بالانقلاب. وهذه الوثيقة من الوثائق التي لا يراها مؤرخ الناصرية، لأنها من نوع خاص ومكتوبة بحبر سرى لا يرى إلا بالعين المجردة .. وأنى له ذلك؟..

" تحدثت هذا المساء مع صاحب الجلالة حول رغبته في نصيحتي ، فقال إنه لن يقبل تحت أي ظرف من الظروف الاستشارات مع السودانيين قبل اعتراف بريطانيا باللقب وأصر على أنه إن كان عليه أن يبقى في منصبه فإنه لا يمكنه الموافقة على ذلك وقال: لا هذه الحكومة ولا أي حكومة أخرى ستبقى في مركزها ، لو وافقت على هذه الشروط وقال الملك: لأول مرة منذ أن توليت منصبي، لا أدرى ماذا أفعل لو استقال الهلالي.. ففي كل مرة كان لدى وزارة جديدة، في أحد أدراج مكتبي، إلا هذه المرة.

وفى آخر مرة قابلتك قلت لك: هذه هى الفرصة الأخيرة .

وأقولها لك مرة أخرى الآن، وأنا لا أعتقد أن بريطانيا تصدق هذا ولا أظن جماعتكم يعتقدون ذلك ولكنى مضطر لأن أقول لك إنكم ستندمون إذا ما سقطت أنا".

ثم بدأ يسرد شكواه ضد البريطانيين التي أرادني أن أبلغها لستيفنسون ( السفير البريطاني) فقال إن البريطانيين قد أخلفوا 65 وعدا لمصر بالجلاء، وأنه لا يستطيع الوثوق في كلمتهم وليس لديهم النية في الوصول إلى اتفاق" واستعرض تاريخ السودان مؤكدا المنطلق الذي ركزت عليه من قبل فقال: " في مصر كان التغيير من لقب خديوي إلى سلطان إلى ملك أما في السودان فقد كان اللقب دائما هو " صاحب" ( كان اللقب: ملك مصر وصاحب السودان.. الخ) وهو لقب أشمل من ملك لأنها تعنى " سيادة الملكية" بكسر الميم فنحن لا نطلب جديدا بل نطالبهم باتباع نفس المنطق ولكن إذا استمرت الأمور على النحو الذي تسير به الآن، فقد أراني مضطرا لحماية وضعي أو لحماية البلاد، بأن أهاجم الإنجليز علنا وأدينهم إدانة شاملة".

وهكذا فإن القرار الوفدي بإعلان فاروق ملكا على مصر والسودان، قد شل يد السراي، وبالتالي فقدت أهميتها بالنسبة للاستعمار، فلم تعد أداة الضغط على الحكومات والأحزاب للتنازل في القضية الوطنية، بل أصبحت هى ذاتها أسيرة الموقف وعقبة وعنصرا من عناصر التشدد، ولذا فعندما تأكد الأمريكيون استحالة قبول بريطانيا لوحدة مصر والسودان، اتخذوا قرارهم بإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، وقد وصلنا لهذا الرأي بالتحليل وذلك في مقالات أكتوبر وكتاب " كلمتي للمغفلين" وإذا بشهادة ناصرية تؤكد ما وصلنا إليه، وهى شهادة الأستاذ فتحي رضوان الذي ظل وزيرا في حكومة عبد الناصر ست سنوات، فقد شهد أو اعترف بأن إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية كان قرارا أمريكيا.. ولمن شاء الرجوع إليه في كتابه( 72 شهرا مع عبد الناصر وفى ملاحق هذا الكتاب) ..

ورغم هذه الشهادة القاطعة يحاول فاتح الملفات أن يوارى هذا السبب فيقول إن الملكية ألغيت خوفا من تآمر الطفل احمد فؤاد أو امرأة تدعى " نسل شاه" مع الإنجليز.. وهو على أية حال لا يناقض شهادة فتحي رضوان الذي قال إن الإنجليز كانوا يريدون استمرار الملكية بدون فاروق والأمريكان يريدون إلغاءها.. " ثم انتصرت وجهة نظر الأمريكان" بنص حروفه.. أما ما يعزز تفسيرنا فهو أنهم عندما ألغوا الملكية لم ينادوا " بمحمد نجيب" رئيسا لجمهورية مصر والسودان.. وقد أكد اللقب كان هدفا.. وأن رجال 23 يوليو جاءوا باستعداد للتخلي عن السودان.. وقد أكد ذلك أو اضطر للاعتراف به محمد حسنين هيكل بعدما طرحناه بثلاث سنوات، فقال " إن إلغاء الملكية وزوال اللقب ( ملك مصر والسودان* جعل مشكلة السودان أقل حساسية .."

_ وجاء في تقرير للخارجية الأمريكية بتاريخ 8 أغسطس 1958: " أبلغت الرئيس إيزنهاور أن الموقف في مصر يتحسن كل يوم.. وهناك مؤشرات بأن المجموعة التي في السلطة يرغبون في فصل لقب ملك السودان عن قضية قاعدة السويس" وفى 5 يناير 1953 قال وزير الخارجية الأمريكي للسفير الاسرائيلى:" نحن نريد تقوية نجيب وقد قطع شوطا طيبا في حل مشكلة السودان".

ومن ناحية أخرى فإن المواجهة التي طرحها الوفد ضد الاحتلال البريطاني ، وضعت السراي في موقف المشبوه، وخاصة عندما عين الملك حافظ عفيفي باشا رئيسا للديوان الملكي ، وكان معروفا بموالاته للانجليز وعدائه للوفد وعندما خرجت المظاهرات الصاخبة محتجة، وفى الجامعة هتفوا :" يسقط عفيفي وحافظ عفيفي" " يسقط عفيفي وحامى عفيفي" والتقط ممثل " الحزب الشيوعي المصري" في الجامعة وكان طالبا في كلية التجارة التقط الخيط أو المبادرة من الجماهير وهتف" بسقوط الملك وحياة الجمهورية" وزلزلت الأرض وانتشر الهتاف للجمهورية لأول مرة في مصر منذ ثورة 1919 عندما أعلن النائب الوفدي جمهورية زفتى..

وهكذا اكتملت الثورة، ضد الاستعمار " الأنجلو- أمريكي" كما كانت الجماهير قد حددت عدوها.. وضد السراي وفلول الرجعية، وفى نفس الوقت كان الفلاحون في الريف يخوضون فعلا المناوشات التحضيرية للثورة الفلاحية الكبرى.

وحتى إذا قلنا إن الوفد- وقتها- كان بتشكيله، وحقيقة وجوده في السلطة، غير مهيأ لقيادة الثورة الوطنية، فقد كان بكل تأكيد، يفتح لها الأبواب وهذه هى الثورة التي بدأت ضد الاحتلال الفرنسي أو ما يعرف بحملة نابليون، واستهدفت قيام مجتمع مستقل – ديمقراطي- صناعي.. وقد كللت تلك المرحلة بتحقيق الجلاء الفرنسي، ثم بتنصيب " محمد على" واليا على مصر بإرادة الشعب.

وإذا كان من العار أن نقارن بين العملاق محمد على، وعبد الناصر ، فالأول انتصر في جميع معاركه وأصبح القوة الأولى أو الوحيدة في المنطقة من اسطنبول إلى السودان.. ولم يهزم إلا أمام بريطانيا العظمى التي كانت – وقتها- في تفوقها وجبروتها تشبه القدر، إلا أن خطيئة أو جريمة محمد على تشبه إلى حد ما جريمة عبد الناصر، وهى تدمير الرأسمالية المصرية بشقيها الاقتصادي والفكري، وهى قيادة الأمة التي كان بوسعها أن تمتص الهزيمة العسكرية وتحد من نتائجها.

وقد هزمت فرنسا في حرب السبعين واحتلت باريس ولكن فرنسا لم تنهار، واستأنفت مسيرتها وكذلك الحال مع ألمانيا في الحربين العالميتين ، الأولى والثانية ، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن اليابان وإيطاليا.. لماذا ؟ لأن الرأسمالية في تلك البلاد لم تدمر كطبقة ومن ثم استأنفت عملية البناء واحتالت لذلك ما وسعها.. ولكن محمد على دمر الرأسمالية المصرية، من ناحية بالاشتراكية أو ما سمى بنظام الاحتكار، وهو اشتراكية بالثلث إذا سمحنا لأنفسنا بتسمية تأميمات عبد الناصر بالاشتراكية، بل إن اشتراكية محمد على كانت أشمل وأنجح، فقد كانت الدولة هى الزراع والتاجر والصانع وكان الثمن هو دمار التجار والصناع والحرفيين ، أو أسلاف البرجوازية الصناعية.

كذلك دمر محمد على القيادة الفكرية والسياسة للبرجوازية أو الرأسمالية الوطنية بديكتاتوريته وإذا كان المثقفون المدافعون عن ديكتاتورية عبد الناصر بحجة انجازاته قد سقطوا في مزبلة التاريخ، فإن قباحة موقفهم تبدو أشد بمقارنتها بموقف عبد الرحمن الجبرتي شيخ المثقفين وأبو التاريخ المصري الحديث.. الذي لم يغفر لمحمد على ديكتاتوريته قط، وقال عبارته المشهورة : لو أوتى شيئا من العدل لكان من ملوك التاريخ الكبار بل من أكبرهم" .. لم يكن الجبرتي في هذا الموقف من رفض ديكتاتورية محمد على يمثل شرف الفكر فحسب، بل أيضا يمثل عبقرية المؤرخ الذي قرأ سطور ما لم يقع بعد.. ذلك أن كل منجزات محمد على قد انهارت بسبب هذه الديكتاتورية لأن الديكتاتورية قتلت قيادة الأمة، وأخرجت الأمة ذاتها من الصراع.. فلما انهزم الحاكم مدافعا، أو لم يجد طبقة لها مصلحة في مقاومته، وتحولت مصر إلى سوق للإنتاج الأوربي ، وسقطت أول محاربة لانجاز الثورة الوطنية التي لبها ومغزاها هو بناء مجتمع صناعي..

أو كما يقال كل ديكتاتور يذهب وتذهب معه منجزاته ولا تبقى إلا سيئات ما ارتكب. وخلال الحرب العالمية الأولى، وبسبب الحصار الذي منع تدفق الإنتاج الأوربي انتعشت الرأسمالية المصرية( إلى جانب عامل عديدة بالطبع لا مجال لذكرها) وتطلعت إلى الاستقلال بسوقها المصرية فكانت ثورة 1919 بقيادة الوفد، وقد نجحت هذه الثورة جزئيا وقام بنك مصر والعديد من المؤسسات والصناعات المصرية.. ودخلت البرجوازية المصرية في صراع مرير معقد بل وبدا في معظم الوقت كئيبا يائسا في ظل تفوق بريطانيا الساحق في الفترة ما بين الحربين ، ونجاحها في إرباك الوفد وشله معظم الوقت بمؤامرات السراي ووضاعة أحزاب الأقلية، وما دبرته من انشقاقات في صفوفه.. وأيضا لرفض قيادته أو عجزها عن تبنى أسلوب المقاومة المسلحة أي الانتقال من الصراع الدستوري العلني إلى الكفاح السري.. وخاصة بعد أن انهار التنظيم السري المسلح بعد حادثة السردار، وإن كانت نهايته قد تقررت قبل ذلك عندما عجز عن ممارسة الحرب الشعبية فلجأ إلى الإرهاب.

ولكن قوى التاريخ، لا تتوقف وقد استمرت الرأسمالية الوطنية في النمو، سواء ثقافيا أو اقتصادي وقد شهدت مصر في الفترة 1924- 1951 أروع فترات تاريخها من ناحية الازدهار الفكري، وظهر فيها شوامخ الثقافة العربية والفن العربي.. شوقي – حافظ- الرافعي- طه حسين- العقاد- المازني- بدوى- مشرفة- تيمور- عبد الوهاب.. أم كلثوم.. مختار.. الخ الخ.. وظهر عمالقة الاقتصاد وأشهرهم طلعت حرب في بنك مصر ومجموعة معجزة من الشركات المصرية بالكامل، كلها دمرتها ثورة يوليو أو أصابتها بالشيخوخة فلم يقم لها مثيل إلى الآن.. ( 21 شركة من الطيران إلى السينما والنسيج الخ) كان طلعت حرب مثقفا مصريا واعيا، بدأ كفاحه بكتاب وليس بدبابة .. وقد وضع كتابا اسمه " علاج مصر الاقتصادي أو مشروع بنك مصر للمصريين أو بك الأمة".

ولكن الوعي وحده لا يكفى، فقد كان لابد من ثورة 1919 ليتمكن طلعت حرب من انتزاع حق المصريين في إنشاء بنك من فم الأسد البريطاني.. وغنى له شوفي واستثمر طلعت حرب وطنية المصريين وهو إجراء مشروع ومرغوب فيه، ويرى الدكتور على عبد العزيز سليمان أن من أهم الحقائق التي طمستها الأيام " أن البنك الصناعي الأول في مصر أنشأته طبقة كبار الملاك الزراعيين". .

ونحن لا نرى ما يثير الدهشة والغرابة في تلك الحقيقة، إنما يندهش من يتمسك بالتفسير الأوربي للتاريخ، حيث كان الإقطاعيون ضد الصناعة، وكان لابد أن تظهر الطبقة الصناعية خارج أبراجهم وقلاعهم.. ومن ثم استحال أن يكون كبار الملاك مع الصناعة.. أما في بلادنا فالصورة مختلفة تماما، فحضارتنا لم تعرف هذا الإقطاع الأوربي فقد احترم الإسلام الملكية الفردية، واحتفظ للإنسان الفرد بمستوى من الكرامة والحرية في أحلك العصور..

وثانيا : منذ أن دخلت بلادنا تحت السيطرة الأوربية، سقطت هذه التقاسيم أو استحال قيام سور صيني بين الطبقات المصرية، فكبار الملاك كانوا طليعة المقاومة ضد الهيمنة الأجنبية، واحتفاظهم بالملكية الزراعية، كان وضعا طبيعيا لأن الأرض كانت هى المصرف الوحيد المتاح للثروات.. فلا عجب أن يتطلع كبار الملاك للصناعة، وإن كان هذا لا يمنع تفاوت المقاومة والصلابة بتفاوت المراكز الاجتماعية.

وكان كفاح الوفد لصالح الرأسمالية الوطنية يتمثل في تدعيم السلطة الوطنية وأبرز المنجزات إلغاء الامتيازات الأجنبية في معاهدة 1936.. وأيضا محاصرة النفوذ البريطاني، بالتمسك بالدستور والإصرار على أن تكون كل السلطة للمجلس النيابي المنتخب حيث ينعدم تأثير هذا النفوذ.

وجاءت الحرب العالمية الثانية، بدفعة للرأسمالية المصرية نقلتها إلى مرحلة جديدة، مرحلة ما يسمى بالانطلاقة أو "......." .. ولكن هذه الانطلاقة كانت تتطلب إنهاء السيطرة الاستعمارية على النظام المصري.. وبدأت كل القوى تستعد للمعركة الفاصلة، وإذا كان المجال لا يتسع للتفصيل، فلا باس من الإشارة إلى الجانب العربي الذي برز في نمو ونشاط الرأسمالية الوطنية المصرية، التي

كانت قد مصرت الفكر والفن العربي، وبدأت خطوات ناجحة واضحة في تمصير الاقتصاد العربي، أو ربطه بالقلب الطبيعي والتاريخي، فكان بنك مصر هو أول بنك للعرب وبنى طلعت حرب أول فندق في السعودية وشق له الطريق من جده إلى مكة وبنى سينما في بيروت لعرض أفلام ستوديو مصر.. الخ..

وعلى الجبهة السياسية كان إنشاء الوفد للجامعة العربية وقبول العرب بلا جدال أن تكون مصر هى المقر الدائم، وأن يكون أمين الجامعة مصريا، وهرع زعماء حركات التحرير العربية إلى مصر طلبا للجوء أو الدعم لنشاطهم ضد الإنجليز والفرنسيين .. كانت الثورة الوطنية المقبلة تبشر ليس فقط باستكمال تحرر مصر وتصنيعها .. بل وأن يكون هذا التحرر والتصنيع في إطار وحدة عربية بصيغة ما.

وقد أسهبنا في حديث الثورة الوطنية لنكشف لماذا كان انقلاب يوليو تعبيرا عن إرادة القهر الاستعماري لسحق هذه الثورة. سحق الرأسمالية الوطنية في مصر والوطن العربي كله.. تسليم مصر والوطن العربي، مرة أخرى للإنتاج الأجنبي سوقا مفتوحة بلا مقاومة أو قوة قادرة وصاحبة مصلحة في المقاومة.. وقد حقق عبد الناصر ذلك بالتأميم والمصادرات التي كانت صريحة في استهدافها القضاء المبرم على الرأسمالية المصرية ووأد محاولتها إقامة اقتصاد عربي موحد ..

كما دمر عبد الناصر القيادة الفكرية والسياسة بالاستبداد والإرهاب وإفساد التعليم على نحو لم ينجح استعمار بربري في إلحاقه بعدو لدود تمكن منه، فلما هزم عسكريا وجاء نائبه وخليفته ورفيق كفاحه وشريك هيكل في انقلابه.

أكمل السادات المهمة بفتح الباب للإنتاج ورأس المال الأجنبي.. وخسرنا جولة أخرى في حرب الاستقلال التي توشك أن تدخل قرنها الثالث.. ولكن لا يأس .. بل يحق لنا أن نستشهد بكلمة " ماو" فنقول نحن أيضا : هذا مجرد فشلنا الرابع على طريق النجاح.

كانت القوى الوطنية تتجمع للمعركة الفاصلة، وفى تلك الفترة أو خلال الحرب بالذات، ظهر ما يمكن تسميته ببذور حركة الجيش من بعض العسكريين الذين لم يؤمنوا بالشعب ولا بالعمل السياسي ، ومن ثم بدئوا مبكرا جدا محاولة ضرب الاستعمار البريطاني باستعمار آخر.. وهى المحاولات التي بدأت مع الألمان بواسطة عزيز المصري وأنور السادات وحسن إبراهيم وذو الفقار صبري وبغدادي .. وانتهت مع الأمريكان بزعامة عبد الناصر.. ومعروفة محاولة " عزيز المصري" الهرب بطائرة إلى الألمان في الصحراء الغربية ولكن الطائرة سقطت.

المهم أن هذا التيار العسكري المتآمر سيظل كامنا في الجيش حتى ينفذ مؤامرة 23 يوليو.. ولكن مع عدو الإنجليز المنتصر. الولايات المتحدة الأمريكية .

وكان الوفد قد قرن قبوله للحكم في 1942 باستكمال استقلال مصر بعد انتهاء الحرب، لذلك تعجل الإنجليز طرده من الحكم فور تحسن الوضع العسكري للحلفاء في عام 1944 .. بل حتى خلال فترة حكمه التي اضطروا لقبولها لتهدئة المصريين، دبرت المخابرات البريطانية مع رجال القصر إحداث انشقاق قبطي في الوفد بقيادة مكرم عبيد فيما عرف بحزب الكتلة الوفدية ولكن المؤامرة لم تنجح، إذ استمرت جماهير الأقباط ملتفة حول حزب الوحدة الوطنية، وتألق إبراهيم فرج بينما خبا نجم مكرم عبيد الذي لم يكن طائفيا، وما كان يمكن أن يكون.. بل أحس بالندم وأنه استخدم .. فظل حائرا يدور حول نفسه وحول الوفد الذي شهد أحلى وأمجد وأشرف سنوات عمره.. وانكمش الشقاق إلى ما سمى بالكتاب الأسود الذي كانت تروجه السراي والإنجليز للشوشرة على الوفد، وإضعافه في مواجهة الملك والاحتلال.. والدليل على ذلك أن ها الكتاب لم يجد أي اهتمام بعد خروج الوفد من الحكم ، ولا كان له أي تأثير على شعبية الوفد بل اختفى تماما من المكتبات .

عاد الوفد إلى المعارضة وانتصر الحلفاء الإنجليز والأمريكان والفرنسيون وأيضا الروس.. أما الفترة من نهاية الحرب إلى عودة الوفد للحكم 1950 فكانت أعنف خمس سنوات في التاريخ المصري، كأنما جرى ضغط التاريخ وتكثيفه لينفجر كله في هذه السنوات الخمس .. اغتيل رئيسان للحكومة : أحمد ماهر والنقراشي .. واغتيل زعيم الإخوان، وجرت عدة محاولات لاغتيال رئيس الوفد، واصطدم المصريون بالإنجليز في الشوارع فيما يشبه أيام ثورة 1919 الأمر الذي اضطر الإنجليز للانسحاب إلى مدن القنال وهذه هى الحقيقة التي ينساها الجميع وهى أن مقاومة الطلبة في 1946 حققت الجلاء عن العاصمة ومصر كلها، وجعلت أي تدخل بريطاني مسلح يتطلب إعادة احتلال مصر.

ومع المد الثوري ظهرت تنظيمات حاولت أن تتخطى الأحزاب القائمة، فإلى جانب حركة الإخوان وإلى حد ما مصر الفتاة التي كانت من خارج مجرى حزب الوفد أو أحزاب 1919 ظهرت الحركات الخاضعة لنفوذ الماركسيين.

والمعروف أن الحركة الماركسية ظهرت في مصر خلال الحرب على يد اليهود وبتشجيع من المخابرات البريطانية لمواجهة العطف الذي انتشر نحو ألمانيا..

ورغم أن الحركات انحصرت في قطاعات شديدة الخصوصية من المثقفين وبعض الطلبة وحلقات محدودة من العمال ولم يكن لها أي وجود في الريف ولا عامة المدن إلا أن المد الوطني الذي تعالى في عام 1946 بالذات مكن الشيوعيين من الظهور في حجم أكبر بكثير من حقيقتهم إذ تسلقوا فوق أكتاف الجماهير والتاريخ معا.. كانت الحركة الشيوعية تضع قدما فوق رفض الجماهير للنظام الاستعماري بأكمله والقدم الأخرى فوق السمعة الأسطورية التي خرج بها الاتحاد السوفيتي من الحرب، فبدا القزم عملاقا وأخفت ملامحه المشوهة عن عين قطاع من المثقفين.

وفى الداخل كان الشيوعيون مثل الإخوان يستثمرون يأس الجماهير من قدرة الأحزاب على تغيير الواقع الذي دام ربع قرن منذ ثورة 19 التي أنبتت هذه الأحزاب.. التي بدت – بدورها- بموجب دستور 1924 كجزء من النظام، مع تفاوت في المعارضة أو الشعبية أو احترام حقوق الشعب ولكن في إطار النظام والشرعية والدستور.. وكلها مصطلحات أصبحت مرفوضة من الجيل المتعطش لصدام ثوري غير قانوني.. وخاصة أن العربدة السياسية التي مارستها السراي وأحزاب الأقليات في الفترة من 1944 إلى عودة الوفد 1950.. أفقدت الطلائع الشابة الثقة في النظام الدستوري، وكشفت عجز الوفد عن مواجهة عبث السراي بالدستور وإرادة الناخبين.. وقد امتد هذا الشعور حتى إلى الوفديين .

وتشكلت لجنة الطلبة والعمال في 1946 من الشيوعيين والإخوان والوفديين ، ودخلت بإضراب 21 فبراير 1946 الذي أصبح عيدا عالميا للطلبة تخليدا للموقف المصري، وتتابعت إضرابات الطوائف من العمال والفلاحين والمعلمين حتى رجال البوليس لأول مرة منذ عام 1919 , وبدا وكأن الثورة الوطنية أو البرجوازية ستستأنف مسيرتها وأن قيادة ما ستجمع أو تستخلص أفضل ما في القوى السياسية الثلاث ستقود هذه الثورة نحو مصر المستقلة الديمقراطية الصناعية قاعدة ومركز وقطب الوحدة العربية.. ولكن كارثة قومية كانت تتجمع في الأفق لتنفض لا على فلسطين وجيش مصر فحسب، بل على تاريخ ومستقبل وتطور ووجود الوطن العربي كله.. وبالتالي كان لابد أن تضاف على قائمة مسئوليات الثورة الوطنية المصرية.. ألا وهى كارثة إسرائيل ..

ويبدو أنه لابد من وقفة هنا مع هذه الحرب الأولى لأن كل العوامل الأخرى التي نناقشها أصبحت ظواهر تاريخية وبقيت حقيقة إسرائيل التي يبدو أنه ستصاحبنا طويلا، وفيها تركزت كل معوقات الثورة الوطنية العربية، فهي الفيتو على أهداف هذه الثورة.. إذ لا استقلال ولا ديمقراطية ولا تصنيع ما دامت إسرائيل مصممة على أن تكون هى الدولة العظمى في المنطقة ، والعرب مادة إمبراطوريتها ومجالها" الحيوي" .. ومن هنا خطورة المحاولات التي جرت وتجرى لإخفاء أهمية العامل الاسرائيلى، وهو ما ممارسه ويمارسه الناصريون وفى مقدمتهم هيكل.

ولقد تنبهت القوى الوطنية لهذا الخطر، وبنسب متفاوتة، بحكم تكوينها وجذورها وأيدلوجيتها فكان الإخوان ومصر الفتاة والوفد ضد إسرائيل ومع حرب فلسطين، وقد اشترط زعيم المعارضة في مجلس الشيوخ وقتها للموافقة على ميزانية الحرب أن تتعهد الحكومة:" بعدم التصرف في قضية فلسطين إلا بموافقة الشعب الفلسطيني، وإنصافا للتاريخ كان الملك والقوى السياسية الحاكمة على وعى بالخطر الاسرائيلى لا يقل كثيرا عن الوعي الحاضر دون التقليل من حقيقة تغلغل النفوذ اليهودي في الطبقة الحاكمة- وإن كانت النتائج تؤكد أنه كان أكثر تغلغلا في مصر الناصرية- وقد أشرنا إل وعى الملك بهذا الخطر، وجلسة البرلمان التي أقرت فيها الحرب حافلة بأحاديث وتعليقات النواب والشيوخ حول الخطر الاسرائيلى، ومن ثم فلا أساس لادعائه.

" وحتى عندما بدأت الخطوط الصهيونية تتضح بما لا يقبل مجالا للشك بعد صدور قرار التقسيم فإن الحكومة المصرية لم تكن على وعى بحدود الخطر الاسرائيلى"

ليس صحيحا .. وقد كان من أهم أهداف إنشاء الجامعة العربية هو مواجهة الخطر الصهيوني واتخذت الجامعة والحكومة المصرية قرار رفض التقسيم أو قيام إسرائيل ، ولكنها – أي الحكومة المصرية- كانت عاجزة.

أما الشيوعيون ، فقد سقطوا سقطتهم التاريخية التي لم يفيقوا من آثارها حتى اليوم ولم يكن هذا الموقف منهم بفعل تبعيتهم الببغائية للاتحاد السوفيتي فحسب، بل وأيضا – وربما وأولا- لتغلغل العناصر الصهيونية في قياداتهم.. ولم يقتصر هذا الموقف المؤيد للصهيونية على عملاء موسكو، بل امتد ليشمل بالحتمية عملاء الولايات المتحدة، الظهير الأكبر لإسرائيل ، وإن كنا لا ننسى أن قيام إسرائيل كان أو نقطة اتفق فيها العملاقان بعد الحرب العالمية الثانية .. ولعل بعض المؤرخين يجد بذور سياسة الوفاق في اتفاق العملاقين الأمريكي والروسي على إزاحة بريطانيا من فلسطين بواسطة اليهود.

وكما حاول عملاء روسيا، إخفاء عارهم وفضيحة الموقف السوفيتي- وقتها- بادعاء أنه انبثق من تحليل خاطئ بتقدمية المجتمع الاسرائيلى، ورجعية الموقف العربي، فإن عملاء أمريكا والصهيونية مازالوا يرددون إلى اليوم أكاذيب إسرائيل عن طبيعة المواجهة العربية- الإسرائيلية بصفة عامة ودوافع العرب في حرب 1948.

فالبعض خرج علينا بأن حرب 1948 كانت فخا أعد بعناية وساقنا إليه الإنجليز، وكان الحذر – وربما الوطنية- يفرضان علينا رفض الانسياق للخدعة البريطانية.. وإن مصر لم تكن تريد هذه الحرب على الأقل في هذا التوقيت فضلا عن أنها لم تكن مستعدة لها.

ويقول هيكل إن ضابطا مصريا شابا هو البكباشي جمال عبد الناصر لاحظ أنه كان غريبا أن يكون الإنجليز على قاعدة قناة السويس هم الذين يفتحون لنا الطريق ونحن نتقدم عبر سيناء إلى فلسطين ، ولقد أثار دهشتي أننا كنا نتقدم لنحتل مواقع الثانية البريطانية حول غزة في نفس الوقت الذي كانت فيه هذه الفرقة تخلى مواقعها عائدة إلى مصر ( لاحظنا أن هذا التعجب المنسوب لبكباشى هيكل (ناصر) منقول من تعجب اللواء محمد نجيب ورد في مذكراته صفحة 338 فعسى أن يراجعها القارئ ليتعرف أكثر على هذا الملفق).

وإذا كان للبكباشي عذره في هذا الوقت بسبب نقص معلوماته السياسية ، ولأنه لم يكن قد اجتمع بعد بالمخابراتى اليهودي كوهين وتثقف على يديه، كما يخبرنا هيكل، إلا أن ترديد هذا القول بعد أربعين سنة إنما يصدر من منطلق آخر أخطر من الجهل وهو إخفاء الدور الأمريكي فلا شك أن حرب 1948 كانت في أحد جوانبه صورة للصراع الأمريكي- البريطاني.

ذلك أن اليهود كانوا قد عرفوا تطور ميزان القوى في الحرب العالمية الثانية ، وربطوا شراع دولتهم المنتظرة بالريح الأقوى.. أي الولايات ا لمتحدة، التي كانت بدورها تعرف أهمية موقع فلسطين في السيطرة على شرق البحر الأبيض، ومن ثم فقد نزلت بكل قواها لطرد الإنجليز من فلسطين مستخدمة في ذلك اليهود، الذين – كما قلنا- اتفقت مصالحهم مع التطلع الأمريكي، ومن ثم جرى جلد الإنجليز وإعدامهم وفشلت كل محاولات الإنجليز في تأجيل خروجهم من فلسطين، فأعلنوا الانسحاب مع محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وكانت أداة بريطانيا الأولى في الاحتفاظ بقطعة من فلسطين هى الفيلق العربي بقيادة الإنجليزي جلوب.. ومن المثير حقا ألا يندهش عبد الناصر لكون قائد الجيوش العربية هو الملك عبد الله والذي كان ينوب عنه في القيادة الفعلية جنرال انجليزي لحما ودما؟..

وبالطبع كانت بريطانيا تعرف أنه وإن يكن شرق الأردن هو محل ثقتها إلا أن هذا الجيش وحده غير قادر على التصدي للقوات اليهودية ومنع استيلائهم على كل فلسطين، ومن هنا كانت الحاجة إلى الجيش المصري، وتسهيل حصوله على السلاح فلا غرابة ولا عجب إلا لمن يريد الاندهاش على روحه فلما تمت التسوية البريطانية – الأمريكية التخلي عن الجيش المصري سواء من جانب الجيشين الأردني والعراقي، أو بمنع السلاح من جانب البريطانيين .

بل وطلب تشرشل المخرف من إيدن أن يبلغ حكومة الوفد أنها " إذا لم تكف عن إزعاجنا فسنطلق عليهم اليهود، يلقون بهم إلى الحضيض حيث لن يخرجوا من هناك أبدا". فإظهار الدهشة الآن من موقف بريطانيا هو في الحقيقة لإخفاء العار في موقف أمريكا، وبنفس القدر فإن التشبث بزاوية الصراع الأمريكي- البريطاني، لإنكار البعد العربي، هو محاولة لإخفاء الطابع الاستعماري العنصري في الغزو الاستيطاني اليهودي لفلسطين .ومن هنا جريمة أن يقول هيكل لقرائه الأجانب إن الإنجليز أرادوا الدخول المصري في حرب فلسطين " لحرف أنظار المصريين عن النزاع معهم، وكان في وسع الإنجليز الاعتماد على الملك فاروق الذي كان واعيا بنقص شعبيته، وأن البلاد كانت تعانى من كساد اقتصادي ( قال يعنى زى حروب أوربا لتشغيل المصانع والعاطلين) ومن ثم فإن نصرا عسكريا هو بالضبط ما يحتاجه الملك الذي كان الآن كولونيلا فخريا في الجيش البريطاني وفيلد مارشال مصريا ، وهناك أدلة على أن بريطانيا كانت مستعدة لتسليح مصر بطريقة غير عادية .. السماح بالسرقة".

وقد ناقشنا ذلك في موضعه، أما أننا انسقنا إلى الفخ ، فلم يكن غباء وإنما حتمية تاريخية فرضتها عدة عوامل أهمها أن الصدام بين الأمة العربية والصهيونية كان صداما حقيقيا ومصيريا ومشروعا من الجانب العربي المعتدى عليه، والضحية لاستعمار عنصري وليس العكس كما يحاول هيكل أن يروج في الإعلام العالمي وها هو كتابه " ملفات السويس" يتهم الملك عبد العزيز بأنه قال للرئيس روزفلت باستحالة " التعاون بين العرب واليهود في فلسطين أو في أي مكان لأنهم يهود ودون إشارة لاغتصابهم فلسطين، بينما يعرف هيكل أنه كاذب وأن النص الأصلي لكلام الملك هو الذي نشره- هو نفسه- في الطبعة العربية وهو "أن اليهود والعرب لن يتعاونوا أبدا في فلسطين والعرب يشعرون بالتهديد المتزايد"..

المصلحة من وبأي هدف يقال هذا الكلام في الخارج؟.. لتبرير العدوان الاسرائيلى واتهام الموقف العربي في 1948 بالعنصرية.. وكذلك القول بأن الملك فاروق هو الذي أراد الحرب لإلهاء الشعب عن الأزمة الاقتصادية وكسب شعبية، نفس الكلام الذي كان يردده راديو " تل أبيب" في 1948.

ومهما تكن دوافع الملك ، وكل حرب في التاريخ كانت لها دوافع وقتية أو حتى عارضة انتهازية، ولكن ذلك لا يؤثر على جوهرها، ودخول الجيوش العربية حرب فلسطين في 1948 كان ضرورة وطنية وقومية وعسكرية في مواجهة حرب الإبادة التي كانت تشنها قوات اليهود بهدف طرد العرب من كل فلسطين ، وباستثناء حرب 1956 كانت هذه الحرب تحمل أكبر فرصة لفرض الحق العربي، نظرا للضعف النسبي- وقتها- للقوات الإسرائيلية ، عما أصبحت عليه فيما بعد، ونظرا لأن جانبا مهما من الرأي العام العالمي لم يكن مقتنعا فضلا عن أن يكون متحمسا لفكرة تقسيم فلسطين وإعطاء جزء منها لمهاجرين يهود أجانب عن البلاد، وكان وزير خارجية بريطانيا متهما بعداء السامية، وكان المطلب العربي الواقعي يومها هو إعلان دولة مستقلة ديمقراطية يعيش فيها العرب واليهود متساوين في المواطنة والحقوق .. ولكن الصهيونية لم تكن أبدا لتقبل بأقل من قاعدة لإمبراطورية..

وما زالت .. وقد مرت فترة ترددت الولايات المتحدة ذاتها، أو مؤسسات فيها وشكت في إمكانية تنفيذ المطلب الصهيوني بإقامة الدولة في وجه الرفض العربي ويومها قال بن جوريون قولته المشهورة:" أعطونا فرصة أو حتى نصف فرصة وسنثبت لكم أن كل ما يقال عن تضامن العرب وتصميم العرب هو أكذوبة" ولم تكن هناك حكومة عربية تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي.. وإخبار المذابح الإسرائيلية التي تبيد الأطفال والنساء العرب تناقلها وكالات الأنباء ووطن عربي يحتل ويمزق وتأتى أنباء احتلال اليهود لمساجد يافا وعكا.. الخ.. ولم يكن لدى الدول العربية من وسيلة للاعتراض على ذلك إلا الجيوش ودخول الحرب ضد الوحش الاسرائيلى..

ولكن البعض يجلس في كرسى الاستاذية، ويلقى نظرة متعالية على التاريخ ويقول: كان الفضل أنتسلح الدول العربية المقاومة الفلسطينية وتترك مهمة الدفاع أو تساعدها من خلال وحدات فدائية غير نظامية تشن حرب عصابات.

والحق أن المرء يحار في فهم هؤلاء.. هل عن عجز أو مكر يتحدثون..؟ ما الذي منع عبد الناصر خلال 18 سنة من تشكيل مقاومة حقيقية لا في فلسطين ولا في مصر .. بل كان تشكيل المقاومة الشعبية في مصر يبدأ بعد وقف إطلاق النار وبهدف تليهة الشعب، وقد كنت في بور سعيد بعد الاحتلال الثاني لسيناء في ظل عبد الناصر عندما جاءت البنادق وبذخيرة من نوع مخالف، ويمكن قراءة ما فعلته أجهزة عبد الناصر بالمقاومة الشعبية في بور سعيد خلال حرب 1956 في موضع آخر من هذا الكتاب، وفى العديد من المصادر .

كذلك لم يؤرخ بعد السجل الدموي الخيانى لما ارتكبته هذه الأجهزة في حق شباب غزة، كلما حاول أن ينظم مقاومة لتحرير بلاده.. وكيف ظل هذا الشباب في سجون ومعتقلات عبد الناصر إلى حرب 1956 .. حيث سلمت هذه الملفات إلى قوات الاحتلال الاسرائيلى.. من الذي وضع شاعر غزة في سجن القناطر.. معين بسيسو؟ ورفاقه .. وما جريمتهم إلا أنهم أرادوا قتال اليهود؟

هل يذكر هؤلاء أنه عندما تحرك الفلسطينيون من قطاع غزة في أبريل 1954 أكد محمود رياض للحكومة الأمريكية " أن حوادث الحدود في غزة هى من فعل الفلسطينيين وأن السلطات المصرية سحبت السلاح من المدنيين في القطاع" ثم سحبت جيش التحرير الفلسطيني من الحدود وأخيرا فرضت حظر تجول في القطاع ..

الذين ارتكبوا هذا رعبا من إسرائيل أو ربما حرصا على استقرار أمنها، يعتبون على فاروق وعبد الله ونورى السعيد أنهم لم ينظموا الفلسطينيين في حرب عصابات.

وهل يذكر هؤلاء أنه لما ظهرت حركة فتح في 1964 جن جنون أجهزة عبد الناصر ووصفتها بأنها منظمة عملية تابعة لحلف "السانتو" .. وأن أول شهيد لفتح قتل برصاص الشرطة العربية؟

هذه النظم السلطوية الفوقية، تخاف الشعب المسلح أكثر مما تخاف العدو الأجنبي ، ولا يمكن أن تفك في تسليح الشعب أو تنظيم قوات مقاومة شعبية.. وها هى النظم التي تدعى الثورية من حولنا .. من منها شكل مقاومة مسلحة أو ترك الفلسطينيين ينظمون أنفسهم في حركات مقاومة؟ فهل كنا نتوقع من أنظمة أصحاب الجلالة والرؤساء العرب في 1948 أن يشكلوا ويدعوا ويسلحوا حركة مقاومة فلسطينية ؟ يا سبحان الله.. وما الذي كان سيمنع المصريين والأردنيين والعراقيين أن يقولوا:" عايزين من ده" لكي يحاربوا الاحتلال البريطاني ..

وحتى إذا كان هذا " التكتيك" يبدو ممتازا من وجهة النظر العربية، فما من اتفاقية عالمية ولا سوابق تاريخية توحي أن الطرف الآخر كان سيلتزم بقواعد اللعبة أي أن يترك الدول والجيوش العربية آمنة داخل حدودها، بينما تصدر هذه الحرب إلى داخل إسرائيل بواسطة هؤلاء المتطوعين..

وقد حاول عبد الناصر قبل 1956 هذا ألأسلوب تفاديا للحرب ولحفظ ماء الوجه إزاء مطالبة الجيش والشعب والفلسطينيين بوجوب الرد على غارات جيش إسرائيل ولم يكن البادئ أبدا ولا فكر في عمل منظم طويل الأجل كما تقضى أصول حرب العصابات ومع ذلك انتهت هذه المحاولات باحتلال إسرائيل لسيناء وما جرى على لبنان بعد ذلك وما حدث في حمام الشط، وما تتعرض له الدول الإفريقية من عدوان جيش النظام العنصري في جنوب أفريقيا، بل صيحة عبد الناصر ذاته عن ضرب قواعد العدوان في السعودية، رغم أن الجيش السعودي لم يدخل قط اليمن.

كل هذا يؤكد أن إستراتيجية إرسال المتطوعين وتجنيب الجيوش العربية الحرب، هى إستراتيجية تنبع من أحلام الجبناء ولابد أن تفضي إما إلى غزو البلاد العربية وهى غير مستعدة للدفاع فضلا عن الهجوم أو اضطرار هذه الدول إلى التحول لشرطة لحساب إسرائيل ، مسئولة عن أمن إسرائيل من خلال الحجر على الفلسطينيين والوطنيين الراغبين في مقاتلة إسرائيل ، والبطش بهم كما تفعل النظم العربية الآن.. وكما فعل عبد الناصر طوال وجود سلطاته في قطاع غزة.

على أية حال .. هذه المناقشة الآن، هى لون من سفسطة المهزومين، فلم تكن الدول العربية قادرة قبل 1948 على تنظيم الفلسطينيين في حرب عصابات، والإنجليز يمارسون سلطات الانتداب هناك، ويحكمون الدول العربية المؤهلة لهذا العمل. فلما انسحبت بريطانيا ، لا كان الوقت يسمح ولا كان الفلسطينيون في وضع يمكنهم من مواجهة الجيش الاسرائيلى، وللأمانة التاريخية فإن الصوت المصري الوحيد الذي ارتفع وقتها ضد الحرب النظامية وليس بعد الهنا- بسنة، وبعد ما أصبحت الحكمة هى قراءة مستترة للتاريخ، الصوت الوحيد الذي طالب بحرب عصابات قبل دخول الجيش المصري المعركة هو صوت المرحوم وحيد رأفت ، الذي كان وقتها يعمل مستشارا لوزارة الخارجية إذ قال في مذكرة رسمية :"إلا أن التدخل كما يكون سافرا بواسطة القوات النظامية للدولة يصح كذلك أن يكون مستتراـ مقنعا في شكل تطوع منظم وذلك بعد أن أقر مشروعية التدخل العربي استنادا للعامل الانسانى وعامل الدفاع عن النفس والكيان فضلا عن الكرامة والعزة القومية يدفعان الدول العربية دفعا إلى التدخل في القتال" ( حرب فلسطين 1948- لواء أ.ح د. إبراهيم شكيب).

وباختصار كانت المشاركة العربية المسلحة في الدفاع عن شعب فلسطين أمام الهجمة التترية اليهودية، مشاركة مشروعة ومحتومة .. وكانت الجيوش أو الحرب النظامية هى الصيغة الوحيدة الممكنة وقتها وإلى اليوم.. حتى بعد ما خرج الفلسطينيون في نابلس فنحن كذلك في تل أبيب .. نقول نحن : إن التشكيك في شرعية حرب 1948 تشكيك في شرعي كل ما بعدها من حروب، تشكيك في الحق العربي والموقف العربي خلال الأربعين عاما الماضية، تشكيك في جدية الصراع العربي – اليهودي، إنكار له ، محاولة لطمسه، وهو عين ما جاءت الناصرية من أجله، وما نفذته باقتدار- جهد قدرتها- خلال سنوات حكمها.. لولا إلحاح التوسع الصهيوني .. " أعرب رالف بانش للسفير الامريكى في تل أبيب عن دهشته البالغة لأن " محمد نجيب " لم يذكر فلسطين بحرف في حديثه معه" ( أنظر فصل المواجهة مع إسرائيل ).

وباختصار فإن الثورة الوطنية المصرية وجدت نفسها تضيف إلى مهامها- عن وعى وعن حق- مهمة التصدي للغزو الصهيونية ، ولكن كما هو الحال دائما، فإن أعداء أقل أهمية فرضوا أنفسهم بثقل أكبر لأنهم كانوا الأقرب، وهو الإنجليز وأعوانهم في مصر والوطن العربي، ولم يكن خطأ، التصدي لهذا العدو فهو المباشر وقتها، والمقيم على أرض مصر والذي يشل حركتها في المواجهة الأساسية مع إسرائيل ، ومن ثم لم يكن هناك بد من التصدي للاستعمار البريطاني وتصفيته، ولكن الأهم هو أرضية التصدي ومنطلقاته فإن الوعي بأهداف وأبعاد الثورة الوطنية ، كان لابد سينبه إلى أن المعركة مع الإنجليز والرجعية المصرية تأتى في إطار المواجهة الشاملة مع إسرائيل والولايات ا لمتحدة، ومن ثم لا تجوز أبدا محالفة أمريكا أو إنكار الصدام المصري- الاسرائيلى، أو الزعم بأنه فرض علينا مرة بخدعة الإنجليز ومرة مجاملة للعرب.. إن من يتطلع جادا للصدام مع الامبريالية العالمية وليس مجرد مساومتها، لابد أن يصطدم وبأعنف الصور مع طليعة هذه الامبريالية وكتيبة صدامها: " التوسعيون الإسرائيليون". .

باختصار لم يكن دخول الجيوش العربية حرب فلسطين في 1948 هو الخطأ، وإنما كان الخطأ أنها لم تدخل أكثر وأحكم.. وأننا لم نضع إسرائيل في رأس قائمة اهتماماتنا.. وتركنا قيادتنا للضباط الذين انهزموا في مواجهة إسرائيل بل نفس الضابط الذي استطاع أن ينسى كل ظروف الحرب، ليدخل في علاقة مع العدو الاسرائيلى تسمح بطلب تلقينه خبرة اليهود في محاربة الإنجليز.. أحسب أنه نصحه بالتحالف مع الأمريكان كما فعل اليهود..

وقبلنا "ثورة" تعلن أنها لم تكن منشغلة بالخطر الاسرائيلى، ولا في خاطرها محاربة إسرائيل وتحذف فلسطين من برنامجها وشعاراتها .. وها نحن ندفع الثمن فلا فيتو على مستقبلنا وطموحاتنا المشروعة كأمة إلا .. إسرائيل ..

نعود لحديثنا فنقول إن الهزيمة المصرية والعجز العربي والقهر الصهيوني، أضافت كلها عنصرا جديدا لتأزم الجماهير وأزمة النظام، كما أضافت بعدا جديدا وأساسيا للحركة الوطنية المصرية، وبات واضحا أن الصيغة التي قام عليها النظام تتمزق تحت ضغط قوى جديدة، وبتأثير المتغيرات الداخلية والعالمية..

وكان أكثر وضوحا، عجز السراي وأحزاب الأقليات عن السيطرة على الوضع، وحاول الإنجليز- مرة أخرى كما فعلوا قبل ثماني سنوات- فتح مرجل البخار برشوة الشعب وسحب الوفد من المعارضة، فأمروا الملك بإجراء انتخابات حرة، وكانت هذه غلطتهم التاريخية التي طوت أعلام الإمبراطورية من مصر والسودان..ثم الشرق الأوسط.

ولابد من كلمة ولو موجزة هنا عن الوفد والدور الذي لعبه في إنضاج الظرف الثوري عام 1951.. فالوفد، مهما قيل أو نسب من أقوال لبعض شخصياته، كان مقتنعا بأنه يدين للشعب وحده باستمرار وبمكانة زعمائه ووصولهم للسلطة أو الزعامة ابتداء من سعد زغلول الذي كان مجرد موظف ممتاز في الجهاز أو إن شئت في النظام الحاكم، رافضا للثورة محتقرا للجماهير ، متشائما من أية إمكانية للتخلص من الاحتلال.. فإذا بالشعب يتوجه زعيما تاريخا، بل ويحله مكانة تفوق مكانة السلاطين والملوك، بل تفوق ما ناله الأبطال الوطنيون الذين نجحوا في تحرير بلادهم فعلا.. مكانة لم تتحقق لمصري من قبله، ولا دامت لزعيم من بعده، وزعامته لم تنحصر في دائرة المثقفين، بل تخطتها بالسياسة علامة لا تخطيء على نضج الثورة واكتمال مقوماتها في انتظار المفجر والقيادة.. اندفعت هذه الجماهير مضحية بلقمة العيش تضامنا وحبا وثقة وولاء بسعد مصر، سعد الذي كان بدوره أول المندهشين.. ولكنه قبل البيعة التي ما كان يتصورها ووفى الشعب ولم يفقد الثقة فيه .

بصرف النظر عن المذكرات أو بصرف النظر حول تقييم دوره الحقيقي ومفاهيمه وما فرضته هذه المفاهيم سلبا وإيجابا على الحركة الوطنية بل مسار التطور السياسي والفكري في مصر والعالم العربي.. المهم أن إرادة الشعب فرضته زعيما وطنا.. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن مصطفى النحاس، القاضي المجهول أو المنسي بكل احترام في ثلاجة الحزب الوطني.. فإذا به في الوفد يتربع على عرش الزعامة الشعبية التي رفعته إلى مصاف أولياء الله في بلد اعتاد أن يحول أبطاله الوطنيين إلى قدسيين وأولياء..

لقد احتل الرئيس الجليل- كما كان لقبه- مكانة خالدة يتطلع إليها العديد من زعماء العالم الثالث، وأصبحت حلما يسعى الطامحون لتكراره، وغصة في حلق من تحكموا في حريات الناس وأرزاقهم، وجندت لهم كل وسائل الإعلام، ورغم ذلك لم يستطيعوا ولا اطمأنوا ولا صدقوا أنهم وصلوا إلى سفح الزعامة أو القبول الشعبي الذي تربع عليه مصطفى النحاس أربعين سنة بلا دبابات ولا إذاعات بل في وجه مقاومة شرسة من أعتى استعمار وأخبث الأجهزة.. ومطاردة السلطة التي لم يصل إليها إلا لماما ومحاولات اغتيال من القصر وأجهزته وأحزاب الأقليات وفئات عديدة من المخلصين البلهاء من الذين كانوا يأخذون عليه أنه يتمتع بهذه الزعامة ولا يقوم بحقها في ظنهم.. أو الأشد بلاهة الذين كانوا يعتقدون أن هذه الزعامة هى العقبة التي تحول دون تحرك الشعب أو الرصد الذي يمنع وعى الشعب..

وكان زعماء الوفد يعرفون أن ثقة الشعب هى كل رأس مالهم، ومصدر قوتهم ومبرر وجودهم، والدرع التي يحتمون بها كلما اشتدت عواصف الاستعمار والرجعية.. وقد روى فاتح الملفات أن النحاس باشا في أول لقاء مع محمد نجيب بعد انقلاب يوليو.. فاجأه بقوله:" أنت قائد مائة ألف وأنا زعيم عشرين مليونا" وبصرف النظر عن كل ما قيل عن تهادن الوفد أو تخوفه من الانقلابيين الأمر الذي تكذبه هذه الواقعة التي تؤكد مدى الثقة بالشعب والتقدير الحقيقي لمركز قوة الانقلاب، ومدى اقتناع زعيم الوفد بمصدر قوته، وحجم هذه القوة، ورفضه أو استحالة تصور تنازله عنها.. وأيضا مواجهتهم علنا ورغم دباباتهم أنهم لا يمثلون الشعب.. ولا يعطيهم الانقلاب حق ادعاء قيادته..

هذا الاقتناع بأن الوفد يمثل الشعب، بل الممثل الوحيد للشعب، انعكس في مفهوم خاص، تحول إلى حقيقة تاريخية هى استحالة وقوع مواجهة بين الوفد والشعب، استحالة أن يحكم الوفد بالقمع فليس في تاريخ الوفد واقعة تزوير انتخابات أو حل أحزاب أو تعذيب معتقلين أو سجناء سياسيين .

كان الوفد في الجانب المقهور وهو خارج السلطة ، وكان أغلب عمره خارج السلطة تهتف له الجماهير: " يحيا الوفد ولو فيها رافد" أي أن الانتماء للوفد يعنى اضطهاد السلطة للمنتمى والمؤيد.. والوفد لا يأتي إلى لسلطة إلا بإرادة الشعب أو رضاه على الأقل.. لم يكن الوفد الذي يقبل أو يستطيع الاصطدام بالشعب.

ومن هنا كان لابد أن يحدث ما حدث في حكومته الأخيرة.. من ممارسة للحريات لم يسبق لها مثيل من تحصيل الحاصل ، إذ يذهب البعض إلى أن مصر في عهد صدقي أو الحماية .. قد تمتعت بحريات أكبر مما منحنا خلال الثلاثين عاما إياها.. كان لابد أن يسمح الوفد وهو في السلطة لمشاعر واتجاهات هذه الثورة المتجمعة بالتعبير عن نفسها وهى التي كانت تسعى إلى جولة جديدة وأخيرة للتاريخ والواقع، مخالفة لحقائق العصر سواء بتدهور مركز بريطانيا العالمي، أو نمو قدرات المصريين ، لم يكن من المعقول أن يخرج الاستعمار البريطاني من الهند وفلسطين ويبقى في مصر التي كانت رأسماليتها أقوى وأعرق من أي رأسمالية أخرى في العالم الثالث ، وكانت مكانتها وثقافتها، وجامعتها وصحافتها ومسارحها وصناعتها وحركتها الوطنية وقيادتها السياسية في مركز الصدارة في آسيا وأفريقيا.. بل وأكثر تقدما من بعض الدول المحسوبة على أوربا ، ولا تنظروا إلى حالنا الآن.. وكيف سبقتنا اليونان أو حتى بلغاريا .. فنحن نعيش ذيول هزيمة تاريخية انزلها بنا الاستعمار الامريكى والصهيوني من خلال 23 يوليو..

بقدر ما كان الوجود البريطاني ظاهرة متخلفة محتومة الزوال، بقدر ما كان يفرض التخلف على المجتمع المصري ويشل حركته ويجعله يدور حول نفسه ويبدد طاقته، وتؤكد وثائق هذه الفترة أن عقلاء الإنجليز كانوا مقتنعين بحتمية التسليم باستقلال مصر والجلاء عنها بشرطين: ألا يتم ذلك لحساب انتقال مصر إلى دائرة النفوذ الامريكى الذي كان قد بدأ غزو الشرق الأوسط عبر إسرائيل والتابلاين.

والشرط الثاني .. هو السودان، فهم لم يكونوا على استعداد للتنازل عن السودان ، فهو العمود الفقري في مشاريعهم الأفريقية التي كانوا يسمونها الإمبراطورية الثالثة .

والتي خططوا وتوقعوا أن تلعب في التاريخ البريطاني، ما لعبته أمريكا ثم الهند.. وكان من المستحيل التفكير في إمبراطورية افريقية بدون السودان.. ومن ثم كان الإصرار على احتلال مصر هو بهدف المساومة على السودان.. الأمر الذي رفضته جميع حكومات مصر وأحزاب مصر عن اقتناع مضاد بأنه لا استقلال حقيقي لمصر إذ ما استمر الإنجليز يتحكمون في السودان والنيل، وعن اقتناع بأن السودان جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، حتى اقترح البعض تسمية الوطن المستقل "مصردان" .

فالسودان كان باتفاق جميع المصادر، العقبة الأساسية بين مصر وبريطانيا وكان بالتالي جوهر الصدام بين الحركة الوطنية المصرية والاستعمار البريطاني، الذي وصل ذروته في حكومة الوفد الأخيرة، كما ستصبح فلسطين جوهر الصدام مع الاستعمار الامريكى. ولم تكن أمريكا تريد بريطانيا في السودان، إلا أنها لم تكن مستعدة للإصرار على هذه الشرعية، ولأن حركة 23 يوليو لم تكن تنبع من الحركة الوطنية المصرية، فقد قبلت بسهولة بل وعملت على فصل السودان..

لم يكن الوفد يريد ولا يستطيع ضرب الحركة الوطنية الساعية للصدام مع الإنجليز ولا كان يطيق أن ينعزل ويتركها تتخطاه خلف قيادة أخرى ، ومن ثم كان قدرا محتوما أن يصطدم الوفد بالاستعمار البريطاني، وهو في السلطة.. ولكنى أحب أن أتوقف هنا عند عنصر خاص، هو وجود فؤاد سراج الدين في الوفد.

فهذا الشاب لم يشترك في ثورة 19 وإن كان قد وعى أحداثها فهو من مواليد 1910 ولا كانت أسرته من عائلات الوفد، ولكنه بكفاءاته النادرة حتى بين ساسة مصر قبل عصر الرجال الجوف، استطاع أن يصعد بين صفوف الوفد حتى أصبح معروفا ومقبولا أنه هو الوريث الشرعي والأوحد لمصطفى النحاس ولكنه كان لديه من الذكاء، ما عرف به أن زعامة الوفد لا تورث ولا تكتسب بالأقدمية أو بالدور، بل هى زعامة تصدر براءتها من جهة واحدة هى الشعب وبموجب مستند واحد- وقتها- " شهادة الجهاد ضد الإنجليز" .. كان سراج الدين باشا يريد عودة روح وظروف ثورة 1919 ليشترك مع باشاوات الوفد في محاربة الإنجليز، ويحصل مثلهم على التفويض والمستند الشرعي بزعامته.. ولذا يقف المؤرخ الماركسي حائرا مذهولا وهو يرى باشا في منصب وزير الداخلية يتحرش بالإنجليز ويخاطر بكل شيء، بل ويشترك في عمليات في مستوى الشباب المتطرف من الطلبة والعمال.. مثل المشاركة في خطة لتلغيم أو نسف قناة السويس، أو تحريض العمال على الإضراب والانسحاب من خدمة قوات الحليفة أو خوض معركة مسلحة بقوات البوليس ضد الجيش البريطاني. وتقول تقارير الحكومة البريطانية عن هذر الفترة:

" هناك معلومات حتى عن وزراء في الحكومة حرضوا الشعب على القتل"

" إن لدينا معلومات بأن وزير الداخلية نفسه لديه ارتباطات وثيقة مع المنظمات الإرهابية"

ووثائق الحكومة البريطانية تثبت أيضا، أن بريطانيا قررت أنه لا سبيل للمساومة مع الوفد وأنها كانت تطلب رأس الوفد ورأس سراج الدين ففي تقرير بريطاني بتاريخ27/10/1951:

" ليس هناك أي أمل في التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الحالية، كما أن أية محاولة للتصالح معها ستفسر على أنها ضعف" " يجب أن نعمل من أجل إحداث انهيار كامل لحكومة الوفد".

نجح سراج الدين في نسف كل الجسور مع بريطانيا ، كما ألغى كل شرعية للوجود البريطاني وأعاد الموقف إلى نقطة البدء أو المربع رقم واحد عشية ثورة 19 وأصبح من إبطالها ولو بعد 32 سنة.. ووضعت بريطانيا بدورها خطة لإعادة احتلال مصر هى الخطة " روديو" التي وضعت ضد حكومة الوفد في خريف عام 1951 ومطلع 1952، ولا معنى للتمسح بها وادعاء أنها كانت ضد عبد الناصر.. بريطانيا لم تفكر في محاربة عبد الناصر إلى عام 1955.. بل كانت تفاوض عنه أمريكا وتضغط بها عليه.. أما خطة " روديو" فوضعت في عهد سراج الدين وحكومة الوفد ولمواجهة ثورة حقيقية كانت تتطور بسرعة هائلة إلى ما يشبه ثورة 19 مع فارق تقدم نوعيا كل يوم والاشتباك مع الاستعمار يدخل مرحلة ما قبل حرب العصابات المنظمة، واستشهد الشباب من كل حزب وأيدلوجية.. وبالطبع كان يتحرك القواعد أسرع من القيادات، والوفد يعانى من مشكلته الأزلية، وهى انعدام التنظيم أو حتى كراهيته، وفقدان التقاليد القتالية ، واستمرار اقتناع قياداته بأنه جزء من النظام الدستوري.. يضاعف من سوء الموقف، أنه في السلطة فعلا وتصور أنه يستطيع انجاز التحرر بالتشريعات ، يذكى هذا الاتجاه انتصارات "مصدق" في إيران- والسهولة والحماسة التي تمت واستقبلت بها تشريعات إلغاء المعاهدة واستعادة السيادة على السودان.. ولكن الشراع يغلى ويفور، وتعلن الجمهورية أو تنطلق المطالبة بها في الجامعة، ثم طرح المطلب في مؤتمر للقيادات اليسارية ، ثم محاولة احتلال قم عابدين صباح 26 يناير وأخيرا ظهور تنظيمات مسلحة في منطقة القناة، تمارس سلطات شعبية ذاتية..

كانت ثورة تتجمع وتستعد من خلال ممارسة ثورية فعلية، وكان لابد- من وجهة نظر الاستعمار العالمي- أن تجهض، أن تضرب هذه الثورة، قبل أن تلد تنظيمها، وترسخ جذورها، ويستحيل تطويقها وجاء " حريق القاهرة" الذي ربما كان آخر ضربة لأخبث جهاز مخابرات أو أول عملية كبيرة للـ سى آى ايه أو من فعلهما معا، لا أحد يجزم ولا ندرى عن كنا سنعرف أم لا .. لأنها أقذر من أن يعترفوا بها، ولأن المخابرات البريطانية لا ملفات لها، وعملياتها لا تنشر ولو بعد ألف سنة.. فقبحهم في الصندوق، بعكس الأمريكيين ففى السوق.. ولكننا عثرنا على هامش صغير ورد في وثائق الخارجية الأمريكية يفيد أن الإنجليز كانوا يتوقعون ويسعون لما حدث في القاهرة صباح 26 يناير 1952..

فقد أشارت هذه الوثائق إلى برقية ( لم تنشر) بعث بها الوزير المفوض الامريكى هولمز إلى وزارة الخارجية قال فيها: إن أنطونى إيدن وزير خارجية بريطانيا أبلغه ( 24/1/1952) أن القوات البريطانية ستجرى نزع سلاح قوات البوليس في الإسماعيلية غدا، ويعتقد إيدن أن الحكومة المصرية سترى نفسها مضطرة للرد بطريقة ستعرض حياة الأجانب للخطر ولذا فإن البريطانيين يجرون تحريك قطع الأسطول إلى مواقع تمكنهم من إجلاء الأجانب عند الحاجة.. بالإضافة إلى أن إيدن أصدر تعليماته للسفير البريطاني في مصر، سيررالف ستيفنسون لتحذير الملك من اتخذا إجراءات تعرض الأجانب للخطر.

وقد طلب " إيدن " من وزير خارجية أمريكا :" تأييد بريطانيا في الإجراءات التي ستضطر لاتخاذها لمواجهة الموقف نتيجة لما ستقوم به في الإسماعيلية غدا" كما جرى تخفيض الوقت اللازم لتنفيذ الخطة من 72 ساعة إلى 48 ساعة وهى الخطة التي وضعت لاحتلال الإسكندرية والقاهرة".

على أية حال إن لم تثبت هذه الوثيقة إدانة بريطانيا في تدبير وتنفيذ حرق القاهرة، وقتل من قتل بمن فيهم رعايا بريطانيا ، فتى على الأقل توقعت ذلك وأرادته وسعت إليه بوعي كامل مضيفة بذلك صفحة جديدة في تاريخ أعداء الشعوب.. كما سماهم أستاذ إبادة الشعوب .. معترفا بتفوقهم.

ومما يذكر أن وزير خارجية أمريكا احتج أو عتب على زميله الإنجليزى لأن عملية الإسماعيلية " لم تتم على النحو الذي صوره له إيدن .

إن الأمر كله يبدو سيئا".. ولم يكن الأمريكان أقل كراهية للوفد، ولا أقل تشوقا للقضاء عليه وقد رفض مشاريع الدفاع المشترك ورفض الدخول في حرب كوريا وانفردت مصر بذلك الموقف التاريخي الذي استمرت مرارته في حلق الأمريكان إلى اليوم ، وأطلق الوفد الحريات، حتى أصبح النشاط الشيوعي شبه علني وسب أمريكا مادة أساسية في الصحف، وقد شهدت حكومة الوفد أول وآخر مظاهرة شيوعية كاملة وهى جنازة صلاح بشرى التي نظمها تنظيم الطلبة في الحزب الشيوعي، ووزعت لأول مرة منشورات باسم الحزب ولف صلاح بشرى في علم أحمر وهتف بحياة الحزب الشيوعي ..

وفى اجتماع وزيري الخارجية الامريكى والبريطاني 9 يناير 1952 ( وهو الاجتماع الذي نعتقد أنه تم فيه الاتفاق على حرق القاهرة) قال الوزير الامريكى: " إن المطلوب هو إعطاء املك سندا يدعمه في اتخذا إجراء ضد الوفد" وقال السفير البريطاني في لندن " مهما تكن سياسة الحكومة الجديدة فالمهم أنها تخلصنا من الوفد " ( تقرير 27/1/1952).

وسجل كافري شماتته بعد نجاح المؤامرة فقال :" إن حكومة الوفد أثبتت استعدادها لتدمير مصر اقتصاديا واجتماعيا إن كل ذلك يعجل بتحقيق أهداف مصر".

( تقرير إلى حكومته بتاريخ 1/2م1952)

وأكدت الخارجية الأمريكية أن الهدف الأكبر هو القضاء النهائي على الوفد بقولها:" إذا كان الهلالي المدعوم من الملك سيتمكن من السيطرة على الأمن الداخلي بيد قوية إلا أنه من المتوقع إذا فشل في تحقيق الأهداف الوطنية المصرية أن ينهض الوفد من جديد حتى ولو كان ذلك بعد فترة من الوقت".

( من وكيل الوزارة إلى الوزير 3/3/1952).

اتفق الإنجليز والأمريكان على " حرق " الثورة .. وإسقاط حكومة الوفد , وكانت ضربة قاسية عنيفة بل متوحشة ولكنها غير قاضية , وليس في التاريخ ثورة قمعت بالإرهاب وحده , بل حتى الإرهاب لم يكن متوفرا , وقد يحلو لنا الآن أن ننتقد قبول حكومة الوفد مرسوم الإقالة , ولكن لا مجال لذلك عند المؤرخ الأمين , فالعاصمة تحترق والأسطول البريطاني يتحرش , والجيش في الشوارع وهو لا مع الحركة الوطنية ولا مع الوفد , وهذه تقارير الحكومة البريطانية تثبت ذلك : " إن القوات المسلحة المصرية لا تعتبر فقط غير مساندة للحكومة بل إنها قد أوضحت رغبتها في اجتناب أي صدام مع البريطانيين , وتقبل وحدات الجيش في منطقة القناة إشرافنا على تحركاتها . كذلك وعد الجيش خارج منطقة القناة بالابتعاد عن طريقنا " .

وصحيح أن عددا من الضباط اشترك مع الحركة الوطنية المسلحة , إلا أن الجيش كمؤسسة لم يكن مع الثورة , وسرعان ما استعاد دوره في خدمة النظام فور صدور الأمر إليه بالنزول لوقف الحريق , وإقالة الوفد.. وقد شهد "هيكل " أنه قابل " عبد الناصر " بعد حرق القاهرة ينفذ قرار حظر التجول على الشعب .

إلا أن الوفد أخطأ بلا شك بإعلان الأحكام العرفية , وتوهم أنه سيحكم بها لمواجهة المؤامرة , وهكذا رفعوه في الهواء وتمكنوا منه ....

ولكن سرعان ما زالت الصدمة , وتبين أن النظام قد تهرأ وأصبح أعجز من أن يبطش أو يرهب , وبأت قوى الثورة تسترد أنفاسها , وجرت حركة مراجعة للمواقف , وتعددت الانشقاقات والخلافات مع القيادات التي عجزت عن أن ترتفع إلى مستوى الموقف , ونشطت التنظيمات السرية ..

وجربت كل الأسلحة في ترسانة النظام من " الحكيم " على ماهر إلى مرتضى المراغي أو حيلة الشب كما سماه السفير الأمريكي في تقرير رسمي وثبت عجزهم بل تكشفت لأول مرة حقيقية أنهم أقزام عجزة وعلى نحو فاق أي تصور , وهكذا يبدو رجال النظام لحظة الانهيار , ونشط المغامرون من كل حدب وصوب , وانتشر نشاط المخابرات الأمريكية وتدفق عليها المرتزقة والعملاء والمتطلعون , حتى أصبح لا ينقصها إلا نشر عنوانها في الإعلانات المبوبة , واستعاد الوفد أرضيته إلى حد كبير , وبأ عقلاء النظام يتقربون إليه لكسب الشرعية ودرء انهيار النظام الذي يهدد الجميع , حتى الملك أحس بأنه حفر يده بيده , وتشبث الإنجليز بالمحال , ثم هرعوا إلى الأمريكان يطلبون التفاهم ..

بدأ الإنجليز بمحاولة إقناع الأمريكان بما يشبه برنامج انقلاب يوليو ولكن من داخل النظام وبرجال من أمثال الهلالي , أي توزيع الأرض ومكافحة الفساد وضرب الوفد .. ولكن الأمريكيين , الأكثر قدرة على الحكم الموضوعي بحكم عدم تمسكهم بالنظام وأيضا لاتفاق مصالحهم وخططهم مع إسقاط هذا النظام , رفضوا كل الحجج .. فلما قال الإنجليز إن الهلالي قادر على مواجهة الوضع رد السفير الأمريكي بوقاحة في رسالة إلى وزارة الخارجية 8 / 3 / 1952 قال فيها : " إنني مهموم لسوء الفهم البريطاني للوضع في مصر .

" آه يا زمن ؟ ج " فهذا الحديث عن إزالة الفساد والتحرك ضد الوفد عظيم جدا , ولكن هذا كله لا يجيب على السؤال حول ما إذا كانت الحكومة الحالية ستعيش أم لا ؟ لأن هذا يتوقف على نتائج المحادثات المصرية ـ البريطانية فإذا لم تثمر شيئا ـ وهو الأرجح ما دامت بريطانيا متمسكة بموقفها الحالي ـ فإن علينا أن ننسى أي أمل في استقرار مصر أو تحولها إلى موالاة الغرب , بل إن احتمال الثورة والفوضى الشاملة في مصر لا يمكن استبعاده , نحن نقترب بسرعة من نقطة اللاعودة وإذا مضت مصر في هذا الطريق فالشك كبير جدا في قدرة بقية الشرق الأوسط على الصمود ".

وتشبث الأمريكيون بحلهم وهو ضرب الثورة باسم الثورة , إسقاط النظام العاجز وإقامة نظام شاب قادر على ضرب قوى الثورة إعادة مصر إلى حظيرة الاستعمار العالمي , على أن تكون هذه المرة في المدار الأمريكي , واستمرت بريطانيا تناور ما بين دعوة الأمريكان للمشاركة والتهديد بجعلها " ضلمة " .

واشنطون 2 يوليو 1952

1ـ قدمت السفارة البريطانية نسخة من رسالة وزارة الخارجية البريطانية للقائم بالأعمال " البريطاني ج " في الإسكندرية تأمره بالتشاور معك " أي السفير الأمريكي ج " في احتمال التصرف المشترك لإنقاذ الوضع المترتب على استقالة الهلالي والاضطراب الناجم عن عجز سري وبركات عن تأليف الوزارة أما التصرفات المقترحة فهي :
أ ـ تحذير لسري وبركات بأن لا شأن لهما بتشكيل حكومة .
ب ـ دعم رفض المراغي الانضمام للحكومة .
ج ـ الاتصال بعفيفي لحثه على إقناع الملك بأن استقالة عفيفي المحتومة في الظروف الحالية بالإضافة إلى الحكومة الجديدة بصيغتها المقترحة , ستقلل فرص التفاوض مع بريطانيا إلى درجة العدم .
2 ـ بالإضافة إلى ما ورد أعلاه , أمر القائم بالأعمال البريطاني بأن يستشيرك في إمكانية الاتصال بالملك وبدون كلمات تهديد تخبر الملك ببعض الحقائق الخاصة وبالذات الوضع الميئوس منه إذا استمر أندراوس وثابت في القصر .
3 ـ السفارة البريطانية في واشنطون قالت إن وزارة الخارجية البريطانية جد حريصة أن ترسل لك التعليمات المناسبة لكي ترى الملك وقالت وزارة الخارجية حرفيا : " إنه من الضروري أو الحيوي أن نعمل معا في هذا الظرف الحرج لبذل كل ما نستطيع لمنع إبعاد العناصر الرزينة في السياسة المصرية بهذا التغيير في الحكومة وبصفة خاصة إزاحة حافظ عفيفي من القصر .
وأبلغتنا السفارة أن إيدن أرسل سترانج لرؤية جيفورد " السفير الأمريكي " حيث عبر له عن الاهتمام العميق لإيدن بالوضع الذي يمكن أن يتطور إلى رجوع عناصر القصر الفاسدة والوفد إلى الحكم ويأمل إيدن في أن نتمكن من المساعدة .
4 ـ إن وزارة الخارجية الأمريكية مهتمة باتجاه الأحداث واحتمال عودة العناصر الفاسدة والمنتفعين ونحن نعتقد أن الملك قد تصرف بانعدام حكمة كامل , عندما رضخ لرشوة الثلاثي عبود ـ ثابت ـ أندراوس ولطالما يتمتع هؤلاء بسلطاتهم الحالية فلا أمل في تحقيق تقدم في مصر إذا كان صحيحا أن الهلالي ما كان لينجز الإصلاح ولا التطهير , فنحن نعتقد أن الملك كان يجب أن يعطيه التشجيع والمساعدة وبالذات ضد مؤامرات القصر .
5 ـ وفي نفس الوقت نعتقد لو أ، البريطانيين أعطوا الهلالي خلال أربعة شهور ما يمكنه قبوله , لتعزز مركزه ولقاوم ضغط عبود وأمثاله .
6 ـ لا نستطيع التورط في الشئون الداخلية المصرية وخصوصا أن الإنجليز لا يقبلون وجهة نظرنا في مسألة لقب ملك مصر والسودان .
ثم نختم الرسالة بهذه الصفعة برفض التعاون لإنقاذ مركز بريطانيا .
" 7 ـ نحن نعرف أنك أنقذت مركز البريطانيين أكثر من مرة ولكن كل شيء له حدود " .

وبالطبع تقول المذكرة ـ الوثيقة : " وقد أيد كافري وجهة نظر الخارجية بالكامل " .

كان الوقت قد أزف للعمل الأمريكي المنفرد .. و" شمت " بريطانيا رائحة ما يطبخ .. فأرسلت شبه إنذار لواشنطن بأنها قد تقوم بعمل عسكري منفرد , وردت أمريكا بما يمكن اختصاره في " طظ " أو اشربوا من البحر .. " فنحن لا نهتم حتى بخروجكم نهائيا من القاعدة , ولن نشترك معكم في عمل ضد مصر ..في 7 يوليو 1952..

سلمت السفارة البريطانية لوزارة الخارجية الأمريكية رسالة توضح قلق إيدن العميق للوضع في مصر وتطلب من الولايات المتحدة أن تخبر الملك أن إصراره الحالي على مسألة اللقب لا يمكن أن يفضى إلا إلى كارثة له ولمصر.

كما طلبت المملكة المتحدة أيضا منا، أن نسعى للإتيان بحكومة راغبة في قبول التسوية التي يريد الإنجليز تقديمها .

وهذه الورقة تؤكد أن البديل الوحيد لهذه الحكومة هو " احتفاظ بريطانيا بمركزها مهما كان الثمن وبالقوة إذا لزم الأمر" ( بالطبع هذا إنذار للأمريكان وهذا ما جعلهم يسبقون ويقدمون ميعاد الثورة لسبق أي تحرك بريطاني) وعلقت السفارة البريطانية على هذه الورقة بقولها إن الخارجية البريطانية قلقة للغاية لما تعتقد أنه صدع في الجبهة الأنجلو- أمريكية فيما يتعلق بمصر وقال السفارة البريطانية إن الخارجية البريطانية تعتقد أن تدهور الأوضاع في مصر يمكن أن يفضى إلى كارثة إذا لم تتساند بريطانيا وأمريكا بحزم أو بقوة.. وقالت الورقة البريطانية إن الحكومة تدرس تنظيم علاقة مصر بالسودان على ضوء ما أبلغ للوزير الامريكى في اجتماعات لندن.

ولكن مستر كافري يعتقد أن هذه المقترحات سترفض على الفور" .

السفارة الأمريكية في لندن في تعليقها على هذه الورقة قالت إن قلق البريطانيين حقيقي ولكن لا أمل في تغيير موقفهم الحالي بالنسبة للقب وتوصى السفارة أن نقول للمصرين بصراحة وحزم أن عليهم أن يتخلوا عن موقفهم المتطرف الحالي ويتحركوا إلى حل وسط.

أما مستر كافري فيعتقد أن تبنينا المشروع أو الخطة البريطانية سيكون مأساة بلهاء إلا أنه وعد بحث سرى باشا على الوصول إلى اتفاق مع المهدي.

" تبقى حقيقة أنه ما لم مشكلة اللقب أي السودان فلن نستطيع التقدم لمشكلة الدفاع.

" الحقيقة أن المصريين يستندون إلى أسس قانونية قوية لموقفهم الحالي ونحن نعتبر أنه من غير المنتظر أن تتراجع أي حكومة عن هذا الوضع.

ونحن نعتبر أن استمرار وضع التجمد الحالي وعدم محاولة التقدم بحل يمكن أن يؤدى إلى زيادة استياء الجماهير وإمكانية عودة الأوضاع إلى الأوضاع إلى ما كانت عليه من أكتوبر إلى يناير وفى هذه الحالة سيواجه البريطانيون الخيار بين الجلاء أو استخدام القوة وربما كان ألفضل لمصالحنا هو جلاء بريطانيا ولو خسرنا القاعدة لأن الأصل في دعوة مصر للاشتراك في نظام دفاعي عن الشرق الأوسط هو اشتراكها الاختياري وليس من خلال إرغامها بقوات أجنبية كبيرة.

أما عن استخدام القوة للحفاظ على مركز بريطانيا فإن نتائج هذا الفعل أجنبية كبيرة.

أما عن استخدام القوة للحفاظ على مركز بريطانيا فإن نتائج هذا الفعل بالنسبة للبريطانيين بل وضع الغرب كله، من الخطورة بحيث يلزم ألا نترك لدى الإنجليز أي شك في استحالة قبولنا لاستخدام القوة كبديل للفشل في الوصل إلى تسوية، وصحيح أنه من الضروري أحيانا استخدام القوة ولكن طرحها بداية كأحد الحلول هو أمر يتنافى مع مبادئ وأهداف ومصالح الولايات المتحدة".

من وكيل الخارجية بايرود إلى وزير الخارجية.
واشنطون 14 يوليو 1952.

وهكذا تتبين أنه من الخطأ القول بأن العنصر الامريكى دخل المعادلة البريطانية- المصرية بانقلاب 23 يوليو .. فالصحيح أنه كان موجودا من قبل، داخل السراي..

وكان الملك يحاول استخدامه في مواجهة الإنجليز الذين أدركوا هذه الحقيقة، واشتكت حكومتهم بصريح العبارة:" لا يمكن إقناع الملك بتغيير موقفه طالما يعتقد بأن هناك فرقا بين موقفنا وموقف الأمريكيين".

وها هو السفير الامريكى يختم رسالته التي أشرنا إليها عن مقابلته مع فاروق والتي سجل فيها تمسك الملك بوحدة وادي النيل وهدد بمهاجمة الإنجليز علنا.

يقول السفير:" وانتهينا بتكراره الحديث عن أن أمريكا هى وحدها التي يمكنها منع الكارثة وأنه يثق فينا.. الخ.. الخ.. الخ".

ويبدو أن الملك يئس من إقناع السفير الامريكى فحاول أن يتخطاه إذ انتهز ابن عمه الأمير عبد المنعم فرصة التقائه بوزير الخارجية الامريكى في جنازة الملك جورج السادس ( فبراير 1952) فدعاه إلى الدخول في النزاع البريطانى المصري.. ولم يكن الأمريكيون بحاجة إلى دعوة فقد كانوا غارقين في مهمة إنقاذ مصر إلى أذقانهم.. ولو على جثة الملك.

ولكنها كانت محاولات محتومة الفشل فالملك كان مترددا وبلا شعبية، بلا مؤسسات خاصة تمكنه من إدخال مصر في الفلك الامريكى، كما لم يكن مستعدا للمغامرة بكل شيء مع " الجايين" فهو لا يطمئن إلى استعدادهم للوقوف معه إلى النهاية ، وهو لا ينسى " علقة" 4 فبراير .. كذلك كانت هناك مشكلة لقب" ملك مصر والسودان" واعتذاره للسفير الامريكى عن اتخذا الخطوة الأولى في مصالحة إسرائيل ، ويمكن لمن يشاء أن يضيف كراهية الأمريكان التقليدية للملوك ومعرفتهم بصعوبة تغييرهم كلما وقعت أزمة بعكس العسكر..

كذلك حاول الوفد أن يعلب ورقة الأمريكان ، فعين في حكومته، وزراء معروفين بعلاقاتهم الحميمة مع الأمريكيين، وخاصة أحمد حسين، الذي كان تعيينه في حكومة الوفد عام 1950 يشبه تعيين أمين عثمان في حكومة الحرب العالمية الثانية ومؤشرا بدوران الفلك وتداول الدول وكان الأمريكيون بدورهم يحاولون غزو الوفد، وكانت لهم صلات طيبة مع محمد صلاح الدين جعلتهم يرشحونه لنسف الوفد وعمل انشقاق فيه بالتعاون مع هيئة التحرير لولا أن نصحهم السفير كافري، بأن قبضة النحاس وسراج الدين أقوى من أن تسمح بذلك.

ولا شك أن الوفد وضع الورقة الأمريكية في حساباته وهو يخاطر متحديا الإنجليز، متعرضا لعقوباتهم وكانوا يملكون الكثير منها، من الأرصدة إلى السلاح إلى النفط.. ولابد أن ما كان يجرى في إيران كانت له انعكاساته في تقديرات الوفد والعكس صحيح..

ولكنها أيضا كانت محاولات محتومة الفشل، فالوفدقد نسف جسوره مع الأمريكيين بموقفه الفذ في حرب كوريا ورفضه التصريح الثلاثي، وكافة أشكال الدفاع المشترك.. ثم بإطلاقه الحريات..

وأخيرا تفجيره الوضع إلى حد القيام بأعمال مسلحة ضد الإنجليز.. ( اشترك فيها وزير الداخلية) .. ثم إن عملية الإزاحة، حتى إذا تطلبت بعض المهرجانات الشعبية، إلا أنها يجب أن تتم في إطار محدود وتحت السيطرة الكاملة حتى لا ينفجر الموقف وتتحول إلى إزاحة شاملة لكلا الاستعمارين المتنافسين..

وكان واضحا أن الوفد لم يعد يسيطر على الشرع، بل أصبح الشارع يسيطر عليه ويحمله سياسيا مكشوفا في ظل مؤسسات سياسية ودستورية علنية وملتزمة أو محكومة بقواعد النظام الديمقراطي الموجود وقتها، الأمر الذي يعنى شل يد أي حكومة عن عقد صفقة حتى ولو كانت أفضل الممكن ، فلا شك أن النصوص الأولى التي عرضها صدقي باشا كانت أفضل من – عدة نواح- من اتفاقية عبد الناصر ولكن الشعب رفضها، وأسقطتها الأحزاب..

ولا يمكن في ظل نظام حزبي وبرلمان ومعارضة وصحافة حرة إعطاء تعليمات وحدة وادي النيل أو الهمس بفيتو على رئيس الوزراء المرشح.كان لابد لكي تتم عملية الإزاحة من ضري الحركة الوطنية وتشتيت القوى الشعبية، وتعطيل الحياة السياسية، وحل الأحزاب والنقابات، ووضع السلطة في يد ديكتاتور لا يؤمن بالفصل بين السلطات.. حتى يمكن إتمام الإزاحة بدون خسائر، وهذا لا يتحقق إلا بانقلاب عسكري.. " بمكنسة " وهذا ما جعل الـ سى آى ايه تلجأ للجيش ولتنظيم ناصر.

وهكذا نرى أن أكثر من طرف كان يحاول كسب الأمريكان، ولكن لا يجوز وضعهم جميعا في سلة واحدة، فهناك فارق بين محاولة تشرشل اقتسام الشرق الأوسط أو إغراء الأمريكان بقبول قسمته هو، وبين محاولة ملك تأمين عرشه والاحتياط ضد 4 فبراير آخر، وبين محاولة مشروعة ومطلوبة لحكومة دستورية باستغلال التناقضات الدولية لتحقيق أهداف مصر..

فذلك كله يختلف عن سعى صحفي أو سياسي أو ضابط بالقوات المسلحة إلى المخابرات الأمريكية..

على أية حال كانت القوى الوطنية في المعارضة قد اتخذت موقفا مخالفا، فقد وحدت رفضها لكلا الاستعمارين ، وتجلى ذلك في اللفظ الذي انتشر في أدبيات تلك المرحلة وهو " الاستعمار الأنجلو امريكى".. بل لا نذهب بعيدا، إذا قلنا إن الحركة الوطنية كانت تركز في شعاراتها أكثر ضد الاستعمار الامريكى وإن كانت الاصطدامات الفعلية ، تقع مع الاستعماريات القديمة( بريطانيا وفرنسا) ذلك أن يسار المعارضة كان يعادى أمريكا إما تضامنا مع الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة المستعرة في تلك السنوات،أو عن وعى سليم بأن الولايات المتحدة هى قائدة المعسكر الاستعماري ووريثته، وأنها تحاول إحلال صيغة أكثر قدرة على القمع محل الاستعماريات الشائخة ومن ثم فالاستعمار الامريكى أخطر وأجدر بالتنبيه والمقاومة أما يمين المعارضة ، فكان يعاد أمريكا لذلك ولموقفها من إنشاء إسرائيل وما نزل بالشعب الفلسطيني والدول العربية من إبادة وطرد وهزيمة.

وقد انعكس تفكير المعارضة بشقيها على التنظيمات السياسية في الجيش بما فيها تنظيم السادات الذي استمر فترة يصدر منشوراته ضد " الاستعمار الأنجلو- امريكى" إلى أن اتفقت قيادته مع المخابرات الأمريكية سى آى ايه فتقرر إعفاء الشق ألأمريكي والتركيز على مهاجمة الاستعمار البريطانى وحده ويجدر بنا أن نتوقف هنا عند نقطتين:

- هز هيكل لأعطافه ذكاء وشماتة في غباء الملك الذي لم يفهم قوة الأمريكيين وأنهم هم المستقبل لمن أراد أن " يتشعلق" بقطار التاريخ فيقول:" لم تكن النظم الحاكمة في العالم العربي قادرة على فهم ما يجرى في العالم من حولها وعلى استيعاب دلالاته، وليست مصادفة أن الملك فاروق على سبيل المثال ضمن الحكام العرب، اختار هذا الوقت لكي يعرض على بريطانيا تحالفا استراتيجيا طويل المدى".
ولا نجد مبررا للشماتة أو التعالي على الذين لم يستطيعوا التحالف مع " الرايحين" ولا ربط عجلتهم " بالجايين" .. فصحيح أن اختيارات هيكل تبدو- الآن- بمنطق الشيطان، أذكى وأربح.. ولكن المواقف السياسية والتحالفات والرايحين والجايين، أحداث لا يحكمها الذكاء ولا حتى الاختيار الحر.. وربما كانت دعوة فاروق للتحالف الاستراتيجي مع بريطانيا هى أذكى مواجهة للخطر الامريكى- الاسرائيلى الزاحف.
وأذكى يد مدت مع لإنقاذ بريطانيا من المصير الذي كتبته تطورات اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية خلال نصف قرن سابق على الانسحاب من اليونان ولكن التناقضات التاريخية بين المصالح العربية والبريطانية كانت تجعل هذا التحالف مستحيلا ما لم يتمتع الطرفان ببعد نظر يفوق الممكن واقعيا ، فقد كان هذا التحالف يقضى التسليم بمطالب الحركة الوطنية في مصر، أي تصفية الإمبراطورية لصالح القوى الوطنية العربية، وليس لصالح الامبريالية الأمريكية ، كانت بريطانيا – تشرشل، أعجز من أن تفهم أو تقبل هذا الحل، وكانت مصالحها الأخرى وخضوعها لأمريكا، وتشبثها بالنهج الامبريالي تملى عليها قبول تسوية لصوص مع أمريكا على المقامرة بتسوية شريفة مع أصحاب المصالح الحقيقية. فلأن يد بريطانيا كانت مثقلة بالأطماع وخطايا التاريخ بقيت يد الملك فاروق معلقة في الهواء حتى قطعها الأمريكان بسيف عبد الناصر.
- النقطة الثانية التي نعتقد أنها تحتاج لبعض التوضيح قبل أن ندخل في متاهات الناصرية، هى عملية مصدق في إيران، فهناك أكثر من علاقة وسبب للمقارنة بين ما جرى في طهران وما جرى في القاهرة.. وإذا كان دور أمريكا أو الـ سى آى ايه في إسقاط مصدق قد أصبح أكثر من معروف.
- بل حقيقة شائعة ذائعة، على نحو جعل البعض يصنفها ضمن أسباب الثورة الإيرانية، لمتا شكلته من إهانة للكرامة الإيرانية أن يتباهى الأمريكيون بأن فردا أمريكيا هزم ثورتهم ونصب شاههم على عرشه.. إلا أن أسباب إسقاط أمريكا لمصدق تحتاج إلى كلمات.. فالمعروف أن الولايات المتحدة أيدت مصدق في البداية.

وأيدت حق إيران في تأميم النفط ومساعدته على مقاومة الضغوط البريطانية ( رفعت أمريكا مساعدتها المالية لإيران من أقل من مليون دولار قبل التأميم إلى ثلاثة وعشرين مليونا وأربعمائة ألف دولار بعده.. وذلك لتخفيف آثار انقطاع مدفوعات الشركة الإنجليزية..) ومنعت بريطانيا من حسم الموقف بالبوارج ( حذر اتشيسون وزير الخارجية الامريكى بريطانيا بأن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة اليدين أمام غزو بريطاني لإيران.

وقال مؤلف " نهاية إمبراطورية":" كان رأى ترومان واتشيسون أن إرسال البوارج لفرض عقد تجارى هو عمل متخلف عن الواقع مائة سنة" ، وهددهم بايرود في نوفمبر 52 بأنهم إذا لم يتفقوا مع إيران فإن الحكومة الأمريكية قد تشترى النفط الإيرانى بل وحثت الحكومة الشركات الأمريكية على شراء النفط الإيرانى وأغرتهم باستخدام سلطات رئيس الجمهورية لإلغاء قضية كانت أمام المحاكم الأمريكية ضد هذه الشركات بتهمة الاحتكار، ومعروف أن الأزمة انتهت بحصول أمريكا على حصة الأسد في النفط الإيرانى، واستسلام بريطانيا وتسلميها بانتقال إيران إلى الدائرة الأمريكية مع الاعتراف لها بالمركز الثاني..

ولكن تبقى – كما قلنا كلمة عن الأسباب التي أدت إلى انقلاب الأمريكان على مصدق وسقوطه ويمكن تلخيص ذلك في الآتي:

1- إن أية تسوية تفرضها الولايات ا لمتحدة تتطلب قدرا من المساومة مع بريطانيا .. ولكن مصدق الذي لم يأت للحكم بمؤامرة دبرتها المخابرات الأمريكية بل كمرحلة في الصراع الطويل جدا بين القومية الإيرانية والاستعمار البريطانى.
ومن ثم لم يكن بوسعه قبول أو فرض تسوية مع بريطانيا .. أو كما يقول مؤرخ نهاية إمبراطورية :" لو قبل مصدق ما عرضه عليه البنك الدولي أو الأمريكان لتلقى دعما أمريكيا ولواجه الضغط البريطانى.. ولكنه كان قد ارتبط أمام شعبه بأن أي حل أقل من السيطرة الكاملة على النفط يعنى الخيانة"..
2- وما كان بوسع مصدق المساومة ولو أراد.. لأن ذلك كان مستحيلا في ظل مجتمع ديمقراطي في ظروف الالتهاب الوطني، تماما كما فشلت كل حكومات ما قبل ناصر في قبول تسوية بريطانيا ، ولم ينجح ناصر في فرض اتفاقية الجلاء وفصل السودان إلا بعد حل الأحزاب وألغى الدستور وحول الصحافة إلى نشرات حكومية ووضع المعارضة في السجن.. أما في غيران فقد استمرت الأحزاب والصحافة والمعارضة وحرية التظاهر..
ولما حاول مصدق أن يحد من حرية الحركة للمعارضين في البرلمان استجار من الرمضاء بالنار، إذ ضرب البرلمان بالشراع ومن ثم أصبح الشارع أعلى صوتا من النظام كله، وأبعد من قدرة الدكتور على السيطرة وبالتالي كان يستحيل عليه عقد صفقة ومرة أخرى، حتى لو أراد.
3- وبعكس ناصر الذي قدم من وقت مبكر جدا رأس الشيوعيين والإسلاميين صدقة بين يدي الطاغوت الامريكى، فإن مصدق رأى الاعتماد على حزب "توده" وآيات الله في مواجهة الإنجليز ومساومة الأمريكيين ، الأمر الذي أفزع الولايات المتحدة وكانت تعيش حمى المكارثية.. وقد استخدمت بريطانيا وأمريكا عملاءهما في حزب " توده" لاستفزاز الجماهير المسلمة.
فقد علق هؤلاء صورة لينين وكتبوا تحتها:" هذا هو إمام البشرية الحق" وكتب آخرون شعارات يسقط الإسلام وتحيا الشيوعية..

وأخيرا .. موقف شركات البترول الأمريكية التي رفضت إغراء الحكومة الأمريكية لها بشراء النفط الإيرانى وقد يقال إن السوق كانت تواجه فائضا في الإنتاج وقتها. وأن النفط الامريكى وخاصة السعودي كان في أسعد أوقاته بغياب النفط الإيرانى من الساحة، ولكن في اعتقادي أن الشركات خافت من انتصار دعوى تأميم النفط وانتشارها..

وفى نفس الوقت كانت ترى أن وقف إنتاج الشركة البريطانية كاف جدا للضغط عليها لقبول التسوية بالصيغة الأمريكية التي تعطيها- أي الشركات الأمريكية – حصة الأسد دون حاجة للوصول بالصدام إلى الحد الذي يشمت الأعداء ويفسد أخلاق الأولاد.. ولذلك لم تجد حاجة إلى التسرع بنهب البراميل وقد ضمنت حصة في الآبار .

ويقول مؤرخ امريكى :" إن الشركات لم تثق في استعداد مصدق لقبول تسوية أقل من التأميم الكامل الحقيقي".

وهكذا فشل مصدق في تصفية الشركة البريطانية وعجز عن قبول تسوية معها بعكس ناصر الذي نجح في قبول وفرض كل ما طلبه السفير الامريكى مراعاة" لخاطره" بنص عبارة هيكل..

وهكذا تحتمت تصفية مصدق، وإقامة شاه ناصري يضرب الشعب ويقبل الصفقة ويفرض الإصلاح الزراعي.. والغريب أن الفاعل واحد.

نعود لحديثنا عن عشية انقلاب يوليو فنقول:

زاد نفوذ الأمريكان وقدرتهم على التأثير في الفترة من يناير 1952 إلى يوليو 1952 بسبب ضرب الحركة الثورية، وانفراد الملك بالسلطة، وكان نفوذهم عليه يزداد، مع ازدياد غيظه من الإنجليز ورعبه منهم ومن تدهور الوضع الداخلي وأيضا لما قدموه له من وعود..وما أدخلوه عليه من الغفلة بأنهم يدبرون له انقلابا يطلق يده..
وتعزز مركز الأمريكيين في مواجهة الإنجليز بسبب الفشل الواضح للآخرين، الذين لم ينقذهم إلا حرق القاهرة، ولكن إلى حين.. لم يكن بوسع الإنجليز الاستمرار في التعالي بأنهم أصحاب الدار، يعرفون المصريين أفضل وأكثر قدرة على التعامل معهم.. بل وجد سفير امريكى يتحسر على " عدم فهم الإنجليز للوضع في مصر".. واتجه الإنجليز مرغمين إلى طلب النصيحة والمساعي الحسنة من الصديق اللدود، أو العدو الذي ما من صداقته بد..
والمتأمل في وثائق هذه الفترة سيلاحظ على الفور أن الأمريكيين يلحون في اتجاه واحد هو خطر الثورة، أو الفوضى كما يسمونها، وأن سيطرة الملك وهمية ولا يمكن الركون إليها، والأمر الثاني أن النظام غير قادر على المساومة أو قبول ما يعرضه الإنجليز.. وبالطبع يمكن استنتاج ما الذي يرمى إليه الأمريكيون ، وهو حتمية إسقاط النظام، ونفهم من حوارهم أن الإنجليز لم يكونوا مرتاحين لهذا الحل ولا يريدونه فهو على أية حال نظامهم، صنعوه على أيديهم وتعايشوا معه ولهم معه علاقات ومعاملات ولا أحد يحب المجهول، خاصة إذا كان المطالب به والمتعهد تنفيذه هو هذا اللحوح المزاحم، المعلومة أهدافه في كل مكان تقدم فيه" متطوعا" للإنقاذ.

وها هو وزير خارجية أمريكا دين تشيسون يلخص الاجتماع الرابع بينه وبين أنطونى إيدن وزير خارجية بريطانيا 28/6/19522الآتى:

" هل أنا على صواب إذا قلت أننا جميعا متفقون على أنه إذا كان الوضع هادئا الآن في مصر فربما لن يكون كذلك في الخريف وأيضا إن قضية اللقب ( ملك مصر والسودان) هى أصعب مشكلة من وجهة نظر المصريين وأن العراق وباكستان واليونان اعترفوا حديثا باللقب وربما تعترف إيطاليا وبلجيكا وتركيا".
وقد يبدو غريبا أن يحرص وزير خارجية أمريكا على " تحليف" غيدن أنه وافق على احتمال تدهور الوضع في مصر أو عودة الثورة.. ولكن لا غرابة .. فإن الإنجليز ظلوا متشبثين إلى آخر لحظة بأن الوضع غير ميئوس منه، وأنه لا داعي لهذا القلق الامريكى غير المشكور ففي الاجتماع السابق ، سأل " اتشيسون" "إيدن " ألا يتوقع تدهور الوضع في مصر في الخريف؟ فرد سير " رالف ستيفنسون" السفير البريطانى في القاهرة إنه لا يتوقع ذلك فالبوليس تم تعزيزه بمعدات مكافحة الشغب التي قدمتها الولايات المتحدة. ربما إذا وقعت اضطرابات في جميع أنحاء البلاد فقد تكون فوق طاقة سيطرة الحكومة المصرية.
ولكن هذا غير محتمل فهو يعتقد أن أية حكومة انتقالية ستحل محل حكومة الهلالي، ربما ستركز على مشكلة إعادة توزيع الأرض وبذلك تحرف الأنظار عن النزاع الأنجلو- مصري".
ولكن صاحب الحاجة ملحاح، واتشيسون يريد الوصول إلى اعتراف بخطورة الوضع واستحالة معالجته في إطار النظام القائم ولا حتى بمساعدة من البريطانيين فيقول:" إنه يفضل أن يتعامل المصريون مع الاضطرابات بدلا من البريطانيين " ويوافق السفير البريطانى متحفظا بأنه " مجرد معرفة أن الإنجليز على استعداد للتدخل ( احتلال مصر) عند الضرورة هو رادع للاضطرابات" فيصر اتشيسون :" أن استخدام القوات البريطانية في الدلتا سيكون له نتائج خطيرة في الشرق ألوسط لا يمكن حسبانها..
ويرد ستيفنسون إنه لا مجال لاستخدام القوة العسكرية البريطانية إلا إذا فقدت السيطرة على الوضع أو جاء طلب تدخلها رسميا من الملك أو الحكومة المصرية ولو أنه لا يعتقد في إمكانية صدور هذا الطلب.. فقد أخبره الملك بعد اضطرابات 26 يناير أنه لن يطلب أبدا تدخل القوات البريطانية لأن مثل هذا الطلب سيصمه بأنه "كويسلنج" ولكن إذا أصبح الوضع خارج سيطرته فسيعلم ستيفنسون بذلك. وهنا قال المستر إيدن أنه لا يتوقع إفلات الزمام وافقه ستيفنسون قائلا: إن 26 يناير قد علم المصريين درسا".

واستمر الدق الامريكى.

" في اجتماع وزير الخارجية بتاريخ 24/6/1952 سأل وزير الخارجية الامريكى: " أليست نهاية الطريق الحالي هو أن تخسر مصر السودان وتخسر بريطانيا القاعدة" وقال : " إن معلوماتنا تؤكد أن الملك ورئيس الوزراء الحالي لا يتمتعان بقدرة مطلقة لحفظ النظام والقانون".

من نائب وزير الخارجية الامريكى للوزير 14/5/52 :" إن آخر ورقة بريطانية في مصر لعبت والنتيجة هى الجمود ونحن نرى الوضع على النحو التالي: إن قضية القناة والدفاع لا يمكن حلهما بدون حل ما لقضية السودان أي اللقب وكافري وستيفنسون لا يشكان في ذلك. والنتيجة هى عدم اتفاق يمكن أن يجدد التطرف في مصر وانهيار الحكومة وإضعاف ولاء الجيش وسلطة الملك أي إطلاق إنذار الحريق في العالم العربي".

وترتفع نغمة التهديد:" بانهيار عام في مصر سيجعل الأمور أصعب ليس للبريطانيين بل ولنا أيضا، كما حدث في الهند الصينية ، وكما حدث في إيران وتونس ومراكش.. الخ.. أي إضعاف القوة المشتركة التي نحاول جميعا خلقها".

من السفير الامريكى في مصر (كافري ) إلى وزارة الخارجية الأمريكية سرى
القاهرة
8 مارس 1952
" إنني مهتم بسوء الفهم البريطانى للوضع في مصر ، فهذا الحديث عن إزالة الفساد والتحرك ضد الوفد عظيم جدا، ولكن هذا كله لا يجيب على سؤال : هل ستعيش حكومة الهلالي أو لا .. فهذا يتوقف على نتائج المحادثات المصرية – البريطانية.

فإن لم تثمر شيئا-وهو الأرجح – ما دامت بريطانيا متمسكة بموقفها الحالي، فإن علينا أن ننسى أي أمل في ا لاستقرار في مصر، أو تحول مصر إلى موالاة الغرب بل إن احتمال الثورة والفوضى الشاملة في مصر، أمر لا يمكن استبعاده ، نحن نقترب بسرعة من نقطة اللاعودة وإذا مضت مصر في هذا الطريق ، فالشك كبير جدا في قدرة بقية الشرق الأوسط على الصمود" .

من هذه المذكرة نتبين بوضوح أن الهدف المتفق عليه بين الإنجليز والأمريكان هو " التحرك ضد الوفد" أما الخلاف فهو: هل تستطيع حكومة الهلالي ضرب الوفد إذا ما رفض الإنجليز تدعيمها ببعض التنازلات؟ الأمريكان يشكون في ذلك بل يقطعون بعجز حكومة الهلالي عن تحقيق الهدف المشترك وهو ضرب الوفد.

مصر من وجهة نظر السفير الامريكى حبلى بثورة ضد المصالح الغربية.. ثورة شاملة ثورة حقيقية .. ولابد من إجراء ما يحول دون هذه الثورة..

وفى نفس الرسالة وضع السفير الامريكى الذي يوصف بـأنه خبير في إجهاض الثورات تدبير الانقلابات، وضع تقديرا للموقف في مصر بعد تولى الهلالي جاء فيه:

1- إن حكومة الهلالي من وجهة نظرنا هى حكومة ممتازة، ومع ذلك فإنها لم تأت للحكم بإرادة شعبية بل بفعل مؤامرة سياسية ، وخاصة أن مطاردة الوفد هى هدف جانبي لهذه الحكومة وتبنته أساسا على اقتناع بأن الإنجليز يطلبون ذلك.
2- برنامج الهلالي عن الحكومة الصالحة أكثر جاذبية للغرب منه للمصريين الذين يعرفون أن الإصلاح والحكومة الصالحة هى مجرد شعارات سياسية وليست حقائق.
3- أن كل الأهداف النبيلة لحكومة الهلالي عن مقاتلتها للوفد يجب أن ينظر إليها في ضوء الحقائق التالية:
أ‌- الوفد والإخوان وحدهما يمتلكان تنظيمات قوية ، أما الهلالي فليس معه إلا تنظيمات جد ضعيفة للسعديين والأحرار الدستوريين.
ب‌- الإصلاحات الحكومية التي ينادى بها الهلالي تنتج آثارا يمكن للمشاغبين استغلالها في المدى القصير لأن نتائجها لا تظهر إلا على المدى البعيد، والهلالي ليس لديه الوقت الكافي لجني ثمارها.
ت‌- هناك كميات كبيرة من الأسلحة غير المرخصة في يد الأفراد.
ث‌- الطلبة المعبئون بالكراهية والسخط على استعداد لاتباع أي ناعق مضلل يعدهم بالخلاص.
ج‌- الفلاحون وأحوالهم المعيشية معروفة إلى درجة تغنى عن التذكير ، يتطلعون إلى القاهرة بعين الترقب.
ح‌- طالما الجيش على استعداد لإطلاق النار فإن النظام يمكن حمايته في القاهرة، ولكن إذا قرر الوفد إثارة الاضطرابات في الأقاليم فإن الحكومة لا تملك القوات الكافية لإطفاء النار في كل أنحاء البلاد، ورغم تعزيز البوليس أخيرا فلا يمكن الاعتماد عليه، وإذا كان موقف الجيش ايجابيا حتى ألان، إلا أن هناك شكوكا حول ما إذا كان صغار الضباط سينفذون بفعالية أية أوامر إليهم باستخدام القوة ضد الوفد.
خ‌- هناك خطر جد حقيقي بأن يقيم الوفد حلفا غير مقدس مع الإخوان المسلمين أو الشيوعيين أو هما معا لا تستطيع حكومة الهلالي مواجهته.
د‌- يعمل الوفد الآن على تشجيع النشاط ضد القصر وصبغ الهلالي بلون العميل للقصر والإنجليز، وهذا النشاط الوفدي قد يسبب تدهورا في نفوذ الملك الذي كان أحد المصادر الأساسية لاستقرار مصر بعد حوادث 26 يناير .
ذ‌- ولو أن الشرط الأول الذي وضعته بريطانيا لاستئناف المفاوضات قد نفذ ، واختفى الاهاربيون من منطقة القنال، وإن كان ذلك ميراث كفاءة حكومة على ماهر، إلا أن عناصر التخريب هادئة فقط لاعتبارات ستنهار إذا ما عجزت حكومة الهلالي عن تقديمها.
4- وعلى ضوء هذه العوامل فقد اقتنع الهلالي بأنه لا يستطيع ضرب الوفد إلا إذا أحرز نجاحا في تحقيق الأهداف الوطنية التي تجسدت في الجلاء ووحدة وادي النيل".
جيفرسون كافري
سفير الولايات المتحدة
مارس 1952

وينذر السفير الامريكى فيما يبدو الآن، وكأنه هستيريا ولكن وقتها، وفى ظل الإمكانية الحقيقية لانفجار ثورة مصر الكبرى.. الثورة الصادقة ، فإن إنذارات السفير الامريكى لا يسهل وصفها بالمبالغة الشديدة.

" إذا استمر اتجاه التفكير البريطانى الحالي، فيتوجب علينا أن نواجه حقائق الموقف، ونحدد إلى أي مدى يمكننا في ظل التزاماتنا في شتى أنحاء العالم، إبلاغ البريطانيين أننا مضطرون إلى فك ارتباطنا بهم في الشرق الأوسط، لأننا نعتقد أنهم مخطئون فيما يفعلون .

فإذا لم نكن مستعدين لتوجيه هذا التهديد بكل وضوح فمن الأفضل ألا نحاوله إذ لن يفيدنا التهويش.

" وربما كان الاعتراف المنفرد من جانب الولايات المتحدة بلقب ملك السودان يمكننا وحدنا من الاحتفاظ بمصر على هذا الجانب من الستار الحديدي أما الخيار الثالث، فهو الانضمام إلى البريطانيين في الاحتلال العسكري لمصر، هذا الاحتلال الذي يقول البريطانيون إنهم لا يستطيعونه بمفردهم.

ويبقى الخيار الرابع ، وهو تهيئة أنفسنا لقبول حتمية الخروج من مصر والشرق الأوسط.. وإذا كان هذا هو ما سيحدثن فأعتقد أنه قد آن الأوان لبحث تصفية استثماراتنا وتقصير خطوطنا.. وكلما أسرعنا في ذلك كان أفضل"

السفير الامريكى يحذر من ثورة لا تبقى ولا تذر ، يقودها تحالف من الوفد والإخوان والشيوعيين .. والغريب أنه بعد 35 سنة ما زال هذا هو عين الخطر الذي يخشونه.. وقد يكون بعض الحل الذي ما زلنا – أيضا- نريده.. فالتاريخ يكرر نفسه في بلادي.

وأظن أن ألأمر لا يحتاج لتحاليل ولا لكبير ذكاء لمعرفة ما الذي يقترحه السفير الامريكى، إنه يحاول إقناع حكومته لتقنع الإنجليز، أن الحلول البريطانية الترقيعية غير مجدية وفات أوانها، وأنه لابد من قوة جديدة لها من الشعبية ومن الفجور ما يمكنها من ضرب الوفد والإخوان والشيوعيين وإجهاض الثورة المتجمعة في الأفق وفرض التسوية التي تقبلها جميع الأطراف المعنية بإبقاء وحماية المصالح الاستعمارية في الشرق الأوسط..

وأخيرا إطلاق يد الولايات المتحدة لتجربة أساليبها ووضع هذه القوة الجديدة في السلطة، وهذا ما حدث بانقلاب 23 يوليو 1952..

فإلى هناك..

الفصل الثالث: .. في البدء جاء الأمريكان

" .. الصلة بين السادات (...) وأمريكا بدأت في مارس 1952.."
خالد محيى الدين

إذا كانت جوقة الناصريين والخاضعين لابتزاز هيكل قد استطاعت مستغلة جهل قارئيها، أن تصورني وكأني أنا الذي اكتشفت البارود، أعنى علاقة انقلاب يوليو بالأمريكان، فتلك كما قيل: شرف لا أدعيه وتهمة لا أنكرها.. فلست من الغرور بحيث أسكت عن هذا الادعاء مغتبطا به، ولست أيضا شديد التواضع إلى الحد الذي يدفعني لإنكار ما ساهمت به في نشره وتطويره.. فالحق أنه لا تكاد توجد وثيقة أو حكاية تتعرض لتاريخ انقلاب يوليو إلا وأشارت إلى علاقة هذا الانقلاب بالمخابرات الأمريكية، كأمر مفروغ منه لا يحتاج لنقاش أو إثبات، وبعض الدراسات عن تلك الفترة أو عن نشاط المخابرات الأمريكية بصفة عامة تورد هذه الحقيقة في الهامش .. تماما كما يتعرض أي مصدر – محترم- لما يسمى بالثورة العربية أو حركة الشريف حسين في الحرب العالمية ألأولى، فإن هذا المصدر أو الدراسة لا تجد نفسها مطالبة بتسويد الصفحات لإثبات علاقة تلك الثورة بالمخابرات البريطانية، وخاصة أن لورنس وعلاقته بتلك الثورة أشهر من الشريف حسين.

وأنا أكتب هذه السطور اتصل بى طالب من مدينة " سالت ليك سيتي" في ولاية يوتاه الأمريكية، ولاية طائفة المورمون المنشقة عن الكاثوليكية وألد المعادين لها، اتصل بى قائلا: لقد فتحت التليفزيون فجأة ( مساء الخميس الثاني من يوليو 1987) فإذا به يعرض برنامجا عن ثورة يوليو .. -هكذا قال- ووجدت المذيع يقول حرفيا:" ولما كانت الـ سى آى ايه ( المخابرات الأمريكية ) قد تغلغلت في تنظيم السادات فقد تخلت الولايات المتحدة عن الملك فاروق "

وسألني بدهشة .. هل هذا صحيح؟ ويقال بهذه البساطة ؟ فقلت له: ماذا تعرف يا بنى عن لورنس ؟ قال: لورنس أوف آرابيا؟ .. قلت: نعم بعد خمسين سنة سيقول أولادك: " روزفلت أوف إيجيبت" أو " روزفلت أوف 23 يوليو ومن أجل ألا يقال إن المصريين لم يكونوا أفضل من بدر " عوده أبو تايه" وعرب 1916 .. أو على الأقل من أجل أن نبرىء ذمتنا إذا قيل ذلك، نكتب هذا الحديث..

ومنذ عامين دخلت مكتبة في مطار لندن أبحث عن كتاب أتسلى به في الجو، فوجدت رواية انجليزية بعنوان " امرأة من القاهرة" فاشتريته..

فإذا به من تأليف " نوبل باربر" الذي كان رئيسا للقسم الخارجي بجريدة " الديلى ميل" البريطانية والذي عاش في القاهرة فترة وفي مركز سمح له بأن يلتقي بالملك فاروق وعبد الناصر والسادات، وأصيب بطلقة في الرأس خلال الانتفاضة المجرية.

أما الرواية فهي رواية تاريخية عن القاهرة من 1919 إلى ما بعد " ثورة يوليو" ..

وقد لفت انتباهي ادعاءان جاءا عرضا في سياق فصول الرواية:

الأول: أن طائرة عزيز المصري لم تسقط بسبب خطأ الميكانيكي الذي أعدها والذي يقال إنه نسى وأغلق مفتاح الزيت بدلا من فتحه وهو التفسير الذي نشأنا عليه، بل يقول " باربر" إن المخابرات البريطانية هى التي دبرت عن طريق عميل لها كان معهم، إسقاط الطائرة التي كان يسوقها ذو الفقار صبري شقيق على صبري الذي تحيط به ألف علامة استفهام.
الثاني: قوله إن ناصر كان على اتصال بضابط المخابرات الأمريكية ستيفسون خلال الحرب العالمية الثانية ".

وعلى الفور أغلقت الرواية وسبحت مع الأفكار ..

فالادعاء الأول مقبول ، بل إنه يزيح عبئا ثقيلا كان يرهق تفكيري، فقد استحال على أن أبلع هذا التفسير لسقوط طائرة عزيز المصري، هذا التفسير الذي يجعل من تاريخنا سوء حظ مزعج بل أبله..

كذلك لم أفهم أبدا كيف يخطى ميكانيكي الطائرة ، هذا الخطأ وفى هذه اللحظة " يقفل مفتاح الزيت" بدلا من أن يفتحه ورغم جهلي بالطائرات، فأنا أعتقد أنه خطأ غير ممكن عمليا بل أشبه بالنكتة،مثل قولك: أراد أن يسرق سيارة فنسى وقفل مفتاح البنزين بدلا من فتحه لأن مفتاح الزيت في الطائرة الرابضة يكون مغلقا فإما أن يفتحه من يعدها أو يتركه كما هو وإنما لا يستطيع أن يغلقه مرتين..

ومن الأرجح أن المخابرات البريطانية ما كانت لتترك عزيز المصري بدون مراقبة من الداخل، رغم كل ما تعرفه عن تاريخه وميوله، ولابد أنه كان لها عين قادرة بجانبه، فالمخابرات لا تكتفي بالعلم بل توجه العمل وتشارك فيه لتخريبه، ولابد أن هذا الصحفي الإنجليزى المتصل قد علم شيئا استند عليه في هذا الادعاء. وإن كان وفقا للتقاليد البريطانية ، المرعية وقتها على الأقل ، جعلها في شكل رواية خيالية..

أما الادعاء الثاني فنحن لا نأخذ به كدليل، فليس هناك ما يعززه وقد وقفت في كتابي السابق عند إثبات اتصال تنظيم عبد الناصر وعبد الناصر بالمخابرات الأمريكية عشية الثورة، وعلى الأرجح في مارس 1952، وما زلت لا أملك دليلا مقنعا على وجود اتصالات مع عبد الناصر سابقة على هذا التاريخ ، ولكنى اعترف أن الشك يتزايد عندي حول حقيقة علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية، إذ سيرى القارئ من استعراض الوقائع والوثائق استحالة أن يقبل ضابط وطني مجيء الأمريكيين عشية الثورة لمجرد تأمينها ضد الإنجليز، أقول يستحيل أن يقبل هذا الضابط من الأمريكيين مثل هذه المعاملة التي سنقدم بعض نماذج منها..

فيضع السفارة الأمريكية من قيادة الثورة في منزلة السفارة البريطانية من حزب السعديين أو حتى الأحرار. فهناك مواقف تكاد تنطبق حرفيا على مسلكية زيور باشا ،وليس المفترض في أو من ضابط ثار ضد امتهان كرامة الوطن المتمثل في خضوع الملك والوزراء للانجليز.

الحق أن الأمر يبدو أكبر مما نحاول إثباته.. ومع ذلك فأنا لا آخذ ما جاء في الرواية كدليل بل مجرد قرينة، ففي الروايات التاريخية يسمح بالخيال، ولكن في حدود الممكن بالنسبة للشخصية التاريخية ، " جورجي زيدان" أن ينسج من الخيال ما شاء عن قصة حب بين العباسة وجعفر البرمكى، ولكنه لا يستطيع أن يقول إن جعفر كان كاثوليكيا وأقنعها بالتنصر وهربا إلى الدير.. أو أن جعفر البرمكى كان عميلا لإمبراطور بيزنطة.. الخ ولا يستطيع كاتب روائي أن يؤلف قصة عن الصين فيدعى أن " ماو" كان عميلا لليابانيين لأن ذلك يستحيل تاريخيا وعقليا.

وكما قال الأقدمون:" التمثيل الناجح هو الذي ينعدم فيه التمثيل" كذلك فإن الرواية التاريخية تغدو بلا معنى إذا ما قامت على فرضية لا أساس لها على الإطلاق.. لابد أن علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية كانت حقيقة معروفة، ومقبولة في أوساط الصحفيين البريطانيين – على الأقل- في سنوات الثورة، ولابد أنها كانت كذلك – ولا تزال- في ا لأوساط التي ألف لها " نويل باربر" روايته حتى سمح لنفسه – وهو من هو- بأن يجعلها عنصرا أساسيا في حبكة روايته..

وهذه كلها مجرد دردشة أو حتى ثرثرة، ولا تدين أحدا.. وإنما أريد أن أقول إنني لست الوحيد الذي أثار هذه القضية، ولا حتى الأول، بل إنها خرجت من كتب التاريخ لتأخذ مكانها في الفن والقصص والفلكلور كبديهة مسلم بها.. وقد أوردت في كتابي السابق العديد من المصادر الرسمية والأخرى الموثوق بمعلوماتها التي أشارت إلى دور المخابرات الأمريكية في انقلاب يوليو. وخلال الفترة ما بين صدور كتابي الأول وهذا الكتاب تجمعت عندي بعض المصادر الجديدة، بعضها كان قد نشر ولم أطلع عليه، وبعضها نشر بعد كتابي السابق:

خذ هذا المصدر نقلا عن حوار منشور:

  • س: يقال إنه كانت هناك صلة بين السادات وبين الأمريكان..؟
ج: الصلة بين السادات وبين أمريكا بدأت في مارس 1952.. وقد شعرت أنا بذلك قبل أن أقرأ كتاب" كوبلاند" من موقف عبد الناصر من الاتجاه اليساري.. فقد بدأ في ذلك الوقت يطالبنا بالتخفيف في المنشورات، كما بدأ ينتقد التفسير العلمي للتاريخ، مع أنه كان يتقبله قبل ذلك، وحتى بدأ يكتب المنشورات بنفسه بعد أن كنا نحن نكتبها، فعل ذلك مرة أو مرتين، وكنت أتصور أنا أن هذا من تأثير جمال سالم عليه، فجمال سالم دخل اللجنة القيادية من يناير 1952.
ومن يومها بدأنا نسمع كلاما عن الحكم الديكتاتوري وكلاما عن التفاهم مع أمريكا وعن خطر الشيوعية من جمال سالم، ولاحظت أن جمال عبد الناصر بدأ يسكت.
من هذا يتضح أن السادات لم تكن لهم أي علاقة بالأمريكان في الفترة التي حدث فيها الحريق. وإنما بدأت هذه العلاقة من مارس 1952.
ترى من هو معلن هذا الاتهام الخطير، الواضح التاريخ( مارس، المتفق عليه في شتى الروايات) الواضح التفسير، وهو التخلي وفجأة عن الاتجاهات الوطنية – اليسارية والتركيز على الشيوعية لا الاستعمار.. ( وهناك نص آخر لنفس المصدر نسب فيه لعبد الناصر بعد مارس 1952 طلب حذف الهجوم على الاستعمار الامريكى).
صاحب هذا التصريح ليس ليفي اشكول ولا ساداتي موتور.. بل " خالد محيى الدين" شخصيا، عضو مجلس قيادة الثورة لرئاسة الوزارة في مارس 1954 وزعيم حزب التجمع، أكبر مستودع ناصري في مصر.. وهو لم يقل هذا تحت التعذيب في سجون الإخوان بعد استيلائهم على الحكم، ولا في حديث خاص يمكن إنكاره، ولا في مذكراته التي ستنشر بعد وفاته.. بل في كتاب يباع على الأرصفة منذ سنوات".
هل أستحق اللوم إن فار دمى واحتدت عباراتي في الرد على بغايا الفكر عملاء الاستعمار ومن هم أحط من الاستعمار.. وهم يتطاولون على صحيفة " خالد محيى الدين" لأنني قلت نفس الشيء الذي قاله بل افتخر زعيمهم بكشفه قبل أن يقرا " مايلز كوبلاند"؟

كيف تقبل ضمائرهم إن لم تكن قد استؤصلت بالكامل، أن يغضوا الطرف كأنهم من " نمير" ، على تصريح " خالد محيى الدين"، ثم يلطمون الخدود ويشقون ثيابهم من دبر ويدعون الغيرة على شرف الثورة الذي دفنوه "سوا" مع خالد محيى الدين؟

وإليك شهادة من نوع آخر:

الأستاذ " محسن محمد" ببراعته في البقاء فوق سطح الصحافة المصرية المحترق، يدلى بدلوه في الجدل الذي أثرته أنا حول علاقة انقلاب يوليو بالأمريكان، فيأتي باستعراض لكل ما يعزز هذه الصلة بل ويضيف جديدا مثيرا يثبت هذه العلاقة ولكنه لضرورات هو أدرى بها، يبدأ بمقدمة تتناقض مع ما يقدمه هو نفسه من حقائق فيقول: إن معرفة أمريكا بالثورة لا تزيد عن أن شيئا ما يجرى داخل الجيش".

وإذا كنا نعرف ظروف الأستاذ " محسن محمد" وظروف نشر هذا القول في "أخبار اليوم" ونقدر له جهده وأمانته الأدبية التي جعلته يثبت النصوص كما هى، بل ونقدر حتى فهمه وتفسيره لما أورده من نصوص، فإننا بالمقابل نطالب ونمارس حريتنا في التفسير.. محتكمين إلى المنطق والعقل .. وحرفية نصوصه لنرى هل ما أورده هو نفسه من وقائع يتفق مع ما ذهب إليه من أن " معرفة أمريكا بالثورة لا تزيد عن أن شيئا ما يجرى داخل الجيش وهذه هى الحقيقة بالوثائق على لسان كيرميت روزفلت، الرجل الذي ادعى كثيرون أنه شريك في صنع الثورة.." .

قبلنا شهادتك أنت ..
ماذا قال لك كيرميت روزفلت؟ ..
وماذا نقلت أنت عنه؟..

قلت لنا بالحرف الواحد على لسان روزفلت هذا وأنت السامع والناقل وأنت مصدر ثقة.. نقلت عنه قوله:" طلب إليه أصدقاؤه أن يحضر إلى القاهرة ليلتقي- كما أكدوا له- بالرجل الذي سيزيح الملك فاروق عن عرشه ويجلس مكانه.

قال لهم إنه لا يستطيع كموظف في الحكومة الأمريكية ، أن يلتقي ويتحدث ويحاور رجلا يتآمر ضد رئيس دولة صديقة حتى ولو كان الرئيس يستحق التوبيخ..

وعلى هذا الأساس فقد أرجأ اللقاء إلى ما بعد قيام الثورة. وأضاف: وقمت بالزيارة في يناير عام 1953".

ماذا نفهم من هذا النص؟.. مع مراعاة أن الرجل ما زال ملتزما ومحظورا عليه كشف الأسرار، بل وحذفت الرقابة كل كلامه عن مصر وناصر في وثائق الخارجية الأمريكية المفرج عنها بموجب القانون بعد مضى الثلاثين سنة المفترضة لعمر الأسرار..

ماذا قال الشاهد النفي الجديد؟

قال نائب مدير المخابرات الأمريكية لشون الشرق الأوسط وصاحب القرار الأول في كل ما يتعلق بنشاط الـ سى آى ايه في هذا الشرق الأوسط.
والرجل المشهور جدا بإعادة الشاه إلى عرشه وقلب مصدق وإجهاض ثورة الشعب الإيرانى ربع قرن..

قال:

إن له أصدقاء في مصر..
هل نسى الظن إن افترضنا أنهم من عناصر المخابرات الأمريكية؟

وهؤلاء الأصدقاء يعرفون خالع الملك المقبل، وهم واثقون من نجاحه في خلع الملك، وعلى علاقة متينة معه، تسمح لهم بالفرجة عليه، ودعوة من يرغب ليشاهد من وما يسره..

ولكن المسئول الكبير في واحدة من أهم المؤسسات الأمريكية ، يعرف ما في ذلك من توريط، إذا لا قدر الله وفشلت الخطة، واعترف هذا الرجل عند التحقيق بأنه اجتمع بالخواجا روزفلت..

ولذا رد بكل بساطة.. : لأ .. نؤجل هذا الاجتماع إلى ما بعد الانقلاب ( أو الثورة لكي لا ننتقص من إسهام الزعيم الخالد).

ولله عباد لو أقسموا عليه أبرهم.. تحقق كل شيء كما تمنى الأخ روزفلت ودبر الأصدقاء وخلع الرجل العجيب، الملك، وجلس مكانه وجاء روزفلت يطلب البشارة وحق الطريق.

كل هذا يا "عثمان" محمد وتقول لنا" شيئا ما ، يجرى داخل الجيش"..

لا.. اسمح لنا .. إنهم يعرفون الشيء ولزوم الشيء والشيء الذي سيخلع الشيء.. واللي ما يشترى يتفرج.

على أية حال شكرا..

فهذا أول نص صريح من كيرميت روزفلت عن صلة أصدقائه بخالع ملك مصر، وعن عمله بذلك موافقته على الخلع، واحتياطه بعدم الاجتماع معه مباشرة قبل الثورة، وهو تقدم كبير ففي كتابنا السابق، عرضنا شهادة شاهد النفي الأول" ولبركراين" الذي نقل عن روزفلت نفيه أية صلة بخلع الملك، إذ قال " هل لو كنت خلعت الملك فاروق.. كنت أتمتع اليوم بثقة الملوك"؟

عدل المتهم عن الإنكار التام وبدا خطوة نحو الاعتراف بالحقيقة، بدون تعذيب ولا إكراه.. وإنما لأن خلع المخابرات الأمريكية للملك فاروق أصبح حقيقة أشهر من أن ينكرها عاقل .

وإذا رجع القارئ إلى ما كتبناه في الفصول التالية والتي سبق نشرها قبل نشر حديث روزفلت هذا بثلاث سنوات، سيجد أننا لم نرفض تماما " الدفع" بأنه لم يتم لقاء مباشر بين روزفلت وعبد الناصر على أن نضع في الاعتبار، الخبث الذي طرح به روزفلت العجوز الأريب، الصيغة ، فهو كما يقول العامة في مصر ينوه على شيء ويقسم على شيء آخر فهو يتحدث عن محمد نجيب وهذا يعنى احتمال اجتماعه مع جمال عبد الناصر وتجنب اللقاء مع نجيب الواجهة والذي كانت كل الأضواء والتجسسات والمراقبة مركزة عليه. وقد ناقشنا هذا بما فيه الكفاية في موضعه من الكتاب.

كذلك استعرض لنا الأستاذ محسن، المصادر التي تحدثت عن أمريكية ثورة يوليو فقال: في كتابه " فاروق ملك مصر" قال المؤلف بارى سان كلير " إن الأمريكيين استغلوا كراهية المصريين للانجليز فشجعوا حركة السادات أو تسامحوا معها وقال الكاتب إن إحدى السيدات المقيمات في القاهرة شاهدت أحد المسئولين في السفارة الأمريكية يجلس بجوار جمال عبد الناصر في سينما ريفولى بالإسكندرية في ديسمبر عام 1951 ، ومن الواضح أن هذه أكذوبة فإن جمال عبد الناصر لم يظهر علانية في ديسمبر 1951 مثل السادات، وبذلك لا يمكن أن يكون أحد قد تعرف عليه..الخ".

وهو دفع غريب ليس في مستوى ذكاء الأستاذ محسن.. فلا أحد قال إن السيدة عندما رأته صاحت:" الله مش ده عبد الناص زعيم السادات".

لا .. الرواية خلاف ذلك..

عندما أصبح عبد الناصر زعيما ومشهورا وصورته في كل مكان تذكرت السيدة التي كانت تعرف موظف السفارة الأمريكية أن هذا الزعيم رأته مع الموظف في السينما في ديسمبر..الخ
ولا أظن أن سيدة على صلة بالسفارات تخطيء ملامح عبد الناصر.. واللقاء في السينما أسلوب معروف في الاجتماعات التي من هذا الطراز، وعبد الناصر – بالمناسبة- بل وكل أعضاء مجلس الثورة كانوا مفتونين بالسينما فتنة أولادنا بالتليفزيون، ونصف الأحداث الكبرى في تاريخهم وقعت وهم في السينما أو يشاهدون فيلما في عرض خاص بمنزلهم.. وعفوا لهذا الاستطراد الذي ليس له علاقة بالموضوع.

نعود لاستعراض أقوال شاهد النفي الثاني:

قال :" وفى كتاب وكالة المخابرات المركزية قال الكاتب تاللى:" ساعدت الوكالة في طرد فاروق فقد كانت تعرف عبد الناصر ومناوراته الخلفية".

:وقال المؤلف: " إن عملاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية سى آى ايه والبريطانية كانوا قريبين من السادات ودعموا قوتهم وأعطوا .. الخ".

وفى كتاب بارى روبين: أمريكا والثورة المصرية 1950- 1957 " في أواخر مارس أصبح روزفلت على علم بالثورة المتوقعة وبدور ناصر كزعيم للضباط الأحرار، وهى مجموعة اعتبرتها السفارة الأمريكية منظمة تصحيحية خالصة يقتصر اهتمامها على الشئون العسكرية".

وفى كتاب جون رافيلانج: ارتفاع وسقوط وكالة المخابرات المركزية، قال : " إن الوكالة ساعدت جمال عبد الناصر في الوصول إلى السلطة .

وقد نصح كيرميت روزفلت قادة الانقلاب ومولهم ضد السياسة البريطانية ".

" وفى كتاب " جبال من رمال" ( صحته حبال بالحاء المهملة) اعترف رجل المخابرات الأمريكية ويلبور كرين ايفلاند باشتراك الوكالة في الانقلاب"..

صدق الله العظيم .. سلفهم الطالح كانوا كلما تنزلت آية قالوا.. أيكم زادته هذه إيمانا؟

كل هذا ولم تصدق؟.. ما الذي يدفع كل هؤلاء المؤلفين الوثائقيين إلى افتراء أكذوبة لا أساس لها من الصحة؟ ولماذا لم يقولوا مخابرات الصين أو روسيا أو حتى إسرائيل ؟

لماذا ؟.. مؤامرة على عبد الناصر بعد 51 سنة من موته؟

بل ويضيف لخبطة جديدة للرواية الهزلية عن إبلاغ على صبري للملحق الجوى الامريكى " دافيد إيفانز" الذي قابله الأستاذ محسن أيضا في واشنطون وهو من تعريفه لنا رجل مخابرات أساسا وصل إلى مصر في أكتوبر 1951 " وظل في مصر حتى يوليو عام 1954 واستطاع أن يوثق صلته بضابط الجيش وسمعهم كثيرا ( قبل الثورة) وهم يقولون: إن حكومتنا عميلة للاستعمارقال إيفانز: كنت أشجع الضباط على أن يمارسوا استقلالهم وأن يكونوا مصريين وكنت أثير معهم قضية القومية العربية، وكنت أقول لهم: مهما شق الفرنسيون القنال فإنها ستبقى جزءا من أرض مصر. وقد شجع ذلك الضباط على الثورة".

معذرة للقارئ من جيلي إذا أحس بالمهانة والغثيان.. وهذا المخابراتى الامريكى الحقير يفتخر وينشر ادعاءه في كبرى الصحف المصرية أنه هو الذي علم ثورانا أن يكونوا مصريين ، وعلمهم العروبة وحرضهم على استرداد قناة السويس .. هو الذي شجعهم على الثورة..

والعقاد قاطع " الثورة" واعتكف مضطهدا نفسه لأن عبد الناصر أهان شعب مصر وأهانه شخصيا عندما وقف يقول :" أنا علمتكم الكرامة" ..

ومات العقاد العملاق وخلف الكرامة هو ضابط مخابرات أمريكي..وينشر ذلك دليل براءة هذه العصابة ووطنيتها.

يا للعار.

أصبحنا مثل عوده أبو تايه الذي شجعه " لورنس" على الثورة، وعرفه بعروبته..
معذرة يا بقايا جيلي.. إذا أدهشكم أن القراء الآن لا يستثيرهم هذا الكلام، ففي جيلنا وفى عام 1951 لم يكن هناك وطني شريف يسمح لنفسه بمجالسة عسكري مخابراتي امريكى يعمل في السفارة الأمريكية ، فضلا عن تلقى دروس الوطنية منه، ولكن للأسف هم هؤلاء الذين نفذوا ثورة يوليو، هم من تولوا خلال ثلاثين سنة تعليم الوطنية وتحديد مفاهيمها وعزل مخالفيهم فنشأ جيل لا يرى غضاضة في تعلم الدين من أحبار إسرائيل والوطنية في كامب ديفيد.. أما العمالة لأمريكا فتلك حلم يتشوقون إليه تشوق المؤمن للوصول إلى سدرة المنتهى..

دعونا من هذا الوحل الذي لطخوا به وجه تاريخنا، وأغرقوا فيه أحلام شبابنا.. المهم أن إيفانز أبلغ الأستاذ " محسن" أنه عرف بخبر الثورة قبل على صبرا وأبلغه للسفارة الأمريكية قبل قيامها بعشرة أيام..

اعفونا إذن من حكاية من أبلغ من ؟ أستاذ الثورة أبلغ قيادته وهى الـ سى آى ايه موعد امتحان طلبته النجباء وقبل الامتحان بعشرة أيام وتسع ليال..

لا يحق لهيكل إذن أن يهز رأسه وينحت لنا نصا بلاغيا عن الخرافة التي تقول " إن الولايات المتحدة كانت على اتصال بقيادة ثورة 23 يوليو قبل قيامها وأنها كانت في سرها قبل إذاعته".

آه كانت على اتصال وتدريب وتلقين وتهييج للثورة.
آه. كانت في سرها قبل إذاعته بشهور.. وكانت تعرف موعد إذاعته قبل عشرة أيام..

وهذا هو ما جاء به رئيس مجلس إدارة جريدة الجمهورية من أدلة على طهارة الثورة..

وليس تجاوزا للاختصاصات أن نفترض كون " إيفانز" هذا موظف المخابرات الأمريكية بشهادة الجميع، وهو من أصدقاء " روزفلت" رئيس كل من يعمل للمخابرات في مصر وأنه كان أحد الذين طلبوا من روزفلت مشاهدة الرجل المدهش الذي سيخلع فاروق..

ورغم كل ما كشفت عنه الوثائق عن قبول محمد نجيب – الخضوع والتبعية للأمريكان فلم يكن هو فتى الأمريكان، وإنما تسابق على أعتابهم ليعزز مركزه وسط " جوقة" الأمريكيين التي كانت تحيط به، وعندما أزفت لحظة الحسم، لم يجد معه إلا الإنجليز فخسر كما خسر على ماهر من قبله.. ومن ثم فكل ههذ القصص هن " إيفانز" تؤكد أو ترجح الفرضية الأولى بأن الاتصال ، والإعداد كان مع ولعبد الناصر..

وإذا كان كيرميت روزفلت يقول: إنه طلب تأجيل اجتماعه بقائد [بثورة 23 يوليو|الثورة]] إلى ما بعد نجاحه في خلع الملك، والمدرب إيفانز يعترف بأنه عرف بالثورة قبل أن يعلم بها على صبري، وأنه أبلغ عنها السفارة الأمريكية قبل عشرة أيام من الليلة التي حمل فيها الفتية الذين آمنوا بشيطانهم إيفانز، أرواحهم على كف العفريت..

فهل نصدق هؤلاء أن نصدق الديك الرومي الذي ما زال يبعبع إلى اليوم بأن " الثورة" كانت مفاجأة تامة للغرب؟ لقد كتبوا التقارير بل والمقالات الصحفية قبل وقوعها وهو يصر:" فاجأت ثورة يوليو العالم كله وكانت المفاجأة تامة ومؤلمة، كانت آخر ما توقعه الغرب من مصر".

هل فيما قدمته "أخبار اليوم " من أدلة لا أمريكية الثورة ما يعزز هذا الزعيم عن مفاجأة الثورة للغرب أم الأحرى أن يقال إنها كانت مفاجأة من زعيمة الغرب لمصر والمصريين؟

بقى أن نقول إن على صبري الذي لم يكن من السادات والذي يقال لنا إنه استدعى ليلة الثورة لتوصيل خبرها لصديقه إيفانز هو نفسه على صبري ضابط مخابرات الطيران الذي أرسل إلى واشنطون قبل الثورة من قبل النظام الملكي الرجعى وبناء على نصيحة من كيرميت روزفلت لأخذ كورس في المخابرات الأمريكية، ويشاء العليم أن يصبح فورا أقرب الضباط إلى عبد الناصر حتى كاد أن يكون وريثه في ثورة كيرميت – إيفانز المعروفة باسم ثورة يوليو.. لولا تطورات لم ترصد بعد حول ذعر عبد الناصر في أواخر حياته من كل الوثيقى الصلة بالأمريكان.. وهذه قصة أخرى.

ونتابع تقديم الشهادات التي جدت منذ صدور كتابنا السابق .

وها هو شاهد غريب الشهادة، هو الضابط السابق " حسين حمودة" وهو من السادات وقد جاء في كتابه " صفحات من تاريخ مصر" : " بعد أن يئس الأمريكان من الملك فاروق حاولوا الاتصال بالجيش عن طريق الملحق العسكري الامريكى بالسفارة الأمريكية بالقاهرة والذي كان بحكم وظيفته على اتصال بوزارة الدفاع، وقد حضر كاتب هذه السطور شخصيا عدة اجتماعات في منزل الملحق العسكري الامريكى بالزمالك مع " جمال عبد الناصر" وكان الكلام يدور في مسائل خاصة بالتسليح والتدريب والموقف الدولي والخطر الشيوعي على العامل بعامة والشرق الأوسط خاصة، وأن الولايات المتحدة ستساند أي نهضة تقوم في مصر، لأن بقاء الحال على ما هو عليه في مصر ينذر بانتشار الشيوعية.

وهذه الاتصالات بالسفارة الأمريكية كانت في الفترة من عام 1950- 1952 ميلادية".

والغريب أننا وحدنا علقنا على هذه الشهادة، التي لم تثر أي اهتمام أو رد من الناصريين والمتناصرين..

وما دامت نفسنا قد انفتحت إلى حد الاستشهاد بسى حمودة، فلا بأس من الاستشهاد حتى بجمال سليم شبيلوف التنظيم النصارى، أو مدير صحيفة الحزب الناصري كما وصف نفسه وهو ناصري معتز بناصريته إلى اليوم وقد شهد بالتالي:

" على انه من الضرورة أن نعرض لمقولة أساسية راجت بعد الثورة ولها نصيب كبير من الصحة وتقوم على أساس توازن القوى، فالمد الشعبي الذي تزايد في مصر بعد الحرب العالمية الثانية ، وحركات التحرير التي ولدت في خضم المطالبة بالاستقلال والحكم الذاتي للمستعمرات ، والنقابات العمالية التي تنامت قوتها، كل هذا كان يجد له نصيرا في الاتحاد السوفيتي، وأدركت الولايات المتحدة الأمريكية أنه لابد من كسر فرص نجاح السوفييت، وذلك بتغيير القيادات التقليدية الفاسدة وإحلال قيادات جديدة تأتى في أثر انقلاب أو ثورة ترفع شعارات الجماهير ذاتها وتحتضنها، بل ويمكن أن تتمادى بتحقيق بعضها وذلك بغرض إجهاض هذا المد الشعبي.

وأدرك الغرب أنه لا سبيل لإنقاذ مصر إلا بطرد قيادتها التقليدية وتغيير النظام كله، وبحث الغرب عن البديل.. ووجد الغرب أو الولايات المتحدة هذه الوجوه المطلوبة بين صفوف ضباط الجيش في شكل تنظيم " السادات " وعلى هذا أطلقت واشنطون الضوء الأخضر ليقوم الجيش بحركته في 23 يوليو" ص 21.

ثم يعزز دعواه بالاستشهاد بأقوال الخالد محيى الدين وإبراهيم بغدادي وإبراهيم سعد الدين وأحمد حمروش.. وكلهم كما ترى من خيار الناصريين .. ويستنتج " وإذن فمقولة الاتصال بالولايات المتحدة قبل الثورة وبعدها واردة، ولابد أن يكون هذا هو سر رفع شعار التطهير قبل طرد الاستعمار".

ما غلطناش..

ما بلبلناش كما يكتب لنا بعض البؤساء . ها هم كلهم ناصريون اشتراكيون ثوريون يشهدون أن ثورة يوليو عملها الأمريكيون فأنى تؤفكون أو تكذبون ؟
ويعزز أهمية شهادته، أنها لا تشككه في الثورة، فهو يستمر يحدثنا عن ثورة 23 يوليو وعن الردة وعن مؤامرات اقتلاع ثورة يوليو ومحاولات العودة إلى الوراء .

وأي وراء أسوا من الأمريكان؟

وأي ردة أسوا من تلقى الدروس على يد المخابرات المركزية ( كما اعترف إبراهيم بغدادي محافظ العاصمة السابق أنه وحسن التهامي وحسن بلبل وفريد طولان وعبد المجيد فريد إياه كانوا يتلقون محاضرات من رجال المخابرات الأمريكية الـ سى آى ايه في مدرسة المخابرات التي أقيمت بقصر الأميرية فايزة بمدينة الزهرية).

وموقف هذا الشخص مفهوم فهو من الجيل الذي ربى في ظل ثورة المخابرات الأمريكية، الثورة التي دبرت لإجهاض المد الشعبي هذا الجيل تعرض لعملية تجهيل أفقدت الكلمات معناها في مفهومه، فهو يمكن أن يحدثك عن كاتب اشتراكي تقدمي ثوري متصل بالمخابرات الأمريكية " أو يقدم لك أدلة الاتصال بين شخص والمخابرات الأمريكية ثم يعلق ولكن ذلك لا ينقص من ثوريته فقد علموه أن العدو هو الوفد أو الإخوان والعرب.. والإمام البدر، وتعلم أن الرجعى هو من يتصل بهؤلاء والعميل وهو من يعترض على محاربة هؤلاء وترك إسرائيل تستعد أو تمارس إبادة العرب.. ومن ثم غلا تناقض في ذهنه ولا ضميره بين التآمر مع أمريكا لإجهاض المد الشعبي ، وبين أن يكون المتآمرون اشتراكيين ثوريين.

وقد أشار محمد نجيب 4 مرات في مذكراته إلى علاقة عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية .

فمن ناحية لسنا ندعى شرف أن نكون أول ولا آخر من تحدث عن علاقة المخابرات الأمريكية بانقلاب يوليو وعبد الناصر، ومن ناحية أخرى، فقد كان لنا فضل طرح هذه القضية في صيغة جديدة، ليس كاتهام ولا إفشاء سر.. بل في إطار دراسة متكاملة بالوقائع والمستندات والتحليل العلمي.

مرة كفرضية، وأعتقد أنني نجحت في إثباتها إلى درجة منعت أي كاره من أن يتعرض لها بحرف ، بصرف النظر عن مهاترات ووقاحة الرعاع الذين لا يملكون لا العلم ولا المنطق..

وها هو الكتاب يدخل عامه الثالث وصدرت منه طبعتان ولم يجرؤ ناصري على أن ينقد- ولا أقل ينقض – حرفا فيه..

ومن ناحية عرضنا هذه العلاقة كنظرية تفسر مسلكية عبد الناصر في فترة بالغة التأثير – للأسف – من تاريخنا، بل وما زالت – أي هذه النظرية- صالحة لتفسير الكثير من الأحداث..

على أية حال لم تذهب جهودنا عبثا في الكتاب الأول فقد اضطر مؤرخ الناصرية- كما سنرى – إلى التراجع تراجعا معيبا مفضوحا، فبعد التعالي على خرافة اتصال الثورة بالأمريكيين ووصف ذلك بأنه خرافة، وجعل أمريكا شريكا رابعا في العدوان الثلاثي. سقط ذلك كله بعد ما فندناه وفضحنا زيفه وتهافته..

واضطر مؤرخ أو مزيف تاريخ الناصرية إلى البدء في حديثه عن ثورة يوليو بالبداية الصحيحة التي – كما أشرنا- وضعها هو والناشر الإنجليزى على غلاف الكتاب ألا وهى أن الناصرية ليست إلا فصلا في ملحمة تصفية أمريكا للإمبراطورية البريطانية والحلول محلها..

كذلك بدأ حديثه عن ثورة يوليو بالتعريف بآل روزفلت المخابراتى:" أرشيبالد روزفلت الذي هو آرشى.. وابن عمه كيرميت الذي أعاد الشاه إلى عرش الطاووس بعملية أجاكس التي نفذتها الـ سى آى ايه " .

نعم تأمل كيف عدلت كتاباتنا تاريخ الناصرية وأوقفته على قدميه، تأمل لو فتح قارئ كتاب ملفات السويس على صفحة 57 لابد أنه سيذهل ويظن أنه يقرأ صفحة منقولة من كتابنا، نقلها مؤرخ الناصرية ليفندها،فالصفحة تلخص الموقف في العالم العربي عشية انقلاب يوليو كالآتي:

1- هناك مصالح ومطالب أمريكية هائلة.
2- هذه المصالح والمطالب في بلدان ضعيفة ومفككة وفى حالة تكيف.
3- وسيلة تحقيق المصالح والمطالب لا يمكن أن تكون بالقوة العسكرية فيما هو خارج عن توازنات الأمن العالمي.
4- وإذن فلابد من وسائل جديدة لتحقيق وحماية المصالح والمطالب.

" في هذا النطاق يمكن البحث عن دافع الولايات المتحدة إلى إقامة وحماية وتقوية إسرائيل وفى هذا النطاق يمكن البحث عن دافع الولايات المتحدة إلى إقامة وحماية نظم موالية لها.

وفى هذا المجال أخيرا يمكن البحث عن الدور الخاص والمسئولية المتميزة التي ألقيت على عاتق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية".

بحروفه

ما الذي يمكن أن يستنتجه طالب يدرس التاريخ أو المنطق وليس مؤلفا ينتحل صفة مؤرخ..

المخابرات ألأمريكية أو وكالة المخابرات المركزية ، كما يجب أن يثبت اسمها الثلاثي، توليت أو حاولت إقامة نظام موال للولايات المتحدة في مصر لتحقيق المصالح الأمريكية ، والمطالب الأمريكية في العالم العربي على حساب مصالح بريطانيا دون حاجة لاستخدام القوة العسكرية ضد بريطانيا العظمى.. أم أن سوريا وليبيا أهم من مصر.. ؟ ولماذا كان الكلام بره وبعيد عن مصر فلماذا تبدأ به حديث الثورة الناصرية؟

أو لست أنت الذي رسمت خريطة العالم العربي عشية ثورتكم على هذا النحو:

السعودية : نفوذ امريكى بنسبة 100% .
مصر: نفوذ امريكى بنسبة 50% مؤقتا حتى يتم تمهيد الأرض لما هو أكبر .

أمريكا تريد رفع نسبة نفوذها في مصر من خمسين إلى مائة بالمائة.. ووسيلتها في ذلك المخابرات الأمريكية .. ثم يأتي " بولدوزر" – كما سماه النحاس باشا – يصفى الخمسين بالمائة البريطانية، ويفتح للأمريكان عهدا في مصر وصفته أنت :" الولايات المتحدة الأمريكية – حليف بريطانيا الأكبر- دخلت المنطقة بقوة اندفاع شجع عليها وصول عناصر جديدة إلى السلطة في مصر، يستخفون ببريطانيا ، تحيط بهم شبهة الاتصالات والمتصلين بالمخابرات الأمريكية من فوقهم ومن تحتهم، ثم لا تفسير لهذه المصادفة السعيدة..

دراويش الناصرية قالوا: إن هذا القصد السىء كان فعلا في نية أمريكا، ولكن مقاومة وصلابة الشعب المصري منعت حدوثه، بل أصابت الأمريكان بقارعة هى ثورة يوليو.. أما هيكل فهو يقفز ويتشقلب ويلبس شتى الأقنعة لكي يتهرب من الإجابة .

أما من بقيت في ضمائرهم بقية حياء، فهم يضطربون أما حقائق الانفتاح بل الالتحام بين الناصرية والمخابرات الأمريكية، فهم من ناحية لا يستطيعون التمسك بادعاء "الثورة المعادية للاستعمار العالمي، البريئة من النفوذ، الطاهرة من آثار هذا الصراع الامبريالي.. " لأن الوقائع والحقائق ومذكرات أو اعترافات رجال هذه الثورة التي تتوالى تنكر هذا الزعم وتنسقه نسفا، ومن ثم فهم يسلمون بوقوع الاتصال والتطابق بين المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وانقلاب يوليو، وبمفهوم وتكتيكات المخابرات الأمريكية مع تشبثهم بآخر موقع لحفظ الشرف ، وهو : هل كان هذا الاتصال قبل الزواج أو بعده؟ .. أي قبل 23 يوليو أو بعد وصولهم للحكم..؟

وقد تبدو أنها نقطة لا أهمية لها..- وهى بالتأكيد ليت كذلك- ما دام الجميع قد اتفقوا على تلاقى المصالح الاستعمارية للولايات المتحدة في العالم العربي مع قيام نظام يوليو واستقراره وهيمنته على السياسة العربية.. وما دمنا قد سلمنا أن انقلاب يوليو ثم نظام يوليو كان لفترة سنوات أدوات تحقيق المصالح الأمريكية بمنطق الإزاحة؟ أن يكون ذلك قد حدث عن إرادة ووعى وسبق من جانب المخابرات الأمريكية ، أو أن هذه المخابرات كانت في مثل غفلة ووعى وسبق تصميم من جانب المخابرات الأمريكية ، أو أن هذه المخابرات كانت في مثل غفلة عبد الحليم حافظ..

ففي يوم فتحت عينها وجدت" ثورة" يوليو فتعرفت عليها لتوها وقالت هذا هو النظام الموالى الذي كنت أحلم بإقامته، وعلى الفور طرحت قلبها عند قدمي الثوار فكان قران بالرفاء والبنين؟ ..

أو كما يقول مفبرك الناصرية بصورة هزلية: " في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة- ضمن أطراف متعددين- تبحث عن الرجل القوى في القيادة الجديدة.

كان الرجل القوى في القيادة الجديدة، بدوره يبحث عن دور الولايات المتحدة".

توارد خواطر فلما التقيا هتفا في صوت واحد: حبيبي .. عمال أدور عليك وأنت هنا جنبي..

هل من المعقول أن يؤجل الرجل القوى البحث عن الدولة القوية، إلى أن يغامر بالانقلاب معرضا كل جهوده وطموحاته بل ومستقبل الوطن لمقامرة البحث عن أمريكا ودورها وقبولها أن يكون هو لاعب هذا الدور؟

من أين حصل على ضمانة بالقبول؟ وهل من المعقول أن تغفل الولايات المتحدة عما يجرى في الجيش، وما يثور في البلد وتنتظر حتى ينجح انقلاب لا تعلم عنه شيئا ثم تبدأ في البحث عن الرجل القوى لكي تحقق به مصالحها في الحلول محل بريطانيا ، من أين ضمنت أنه سيقبل أن يكون مكنسة؟ أليس المعقول وقد عرفت " أن النتيجة التي يمكن أن يستخلصها المرء هى أن الولايات المتحدة رأت منطقة الشرق الوسط غير مستقرة وبالتالي منطقة خطرة وأن بريطانيا التي سادت المنطقة غارقة في أمواجها ومن ثم فكان الدور على أمريكا أن تحل محلها".

هل نستكثر عليها أن تبحث عن الرجل القوى الذي " يحلها – أي أمريكا- محلها" .. ما دمنا قد اتفقنا على أن الغزو العسكري غير ممكن، والملك فاروق وتشكيلته كاملة غير قادرة؟..

ألم يأت الرجل القوى فعلا محققا لآمال الحلول هذه ، حتى اعتقدت الولايات المتحدة – عن حق- أنه " قد أصبح لها في المنطقة مع الظروف المستجدة، ما ليس متاحا لغيرها".

وبصرف النظر عن أعجوبة أن تجد زعيمة الامبريالية في زعيم الثورة العربية إمكانية غير متاحة لغيرها.. ألا يوحى ذلك بتلاق سابق في الإرادات..

يتشبث هيكل- في الطبعة العربية- بخرافة أن اللقاء أو شهر العسل بين الثوار والاستعمار حدث بعد وصولهم للسلطة كآخر خط دفاع، ولكنه في طبعة الخواجات لا يصر كثيرا على هذه النقطة وإنما يقول:

" قرر ناصر أن يستفيد إلى الحد الأقصى من الأمريكيين ، كان دائما يرمز إليهم والبريطانيين بالقادمين والذاهبين " الجايين والرايحين" ( كتبها هكذا....وطن أن القادمين يمكن أن يضغطوا على الذاهبين" .و" هكذا قام شهر العسل في التعاون بين مصر والولايات المتحدة وجرى تدعيم الجهاز بالفعل في مصر وهو دبلوماسي بحضور قوى للمخابرات سى آى ايه .

وليم ليكلاند كان موجودا بالفعل في مصر وهو دبلوماسي شاب " لهلوبة" ولعله كان يعمل للمخابرات من وقتها، إذ أنه بالتأكيد كان كذلك فيما بعد وإن لم يثر وقتها حول ذلك.

" وجاء روزفلت بـ " جيمس ايكلبرغر" و" مايلو ليكلاند" " وكان واضحا أن المخابرات ألأمريكية تدير عملية منفصلة عن السفارة وأكثر فعالية".

تدير من يا حاج؟

بصرف النظر هل حدث هذا الالتقاء قبل أن بعد [بثورة 23 يوليو|الثورة]]، فهو يعترف بالتقاء المصالح، مصالح الانقلابيين وإستراتيجية أمريكا في وراثة الإمبراطورية البريطانية ، وتصور لنا زعيم الثورة مجرد منادى سيارات يقف على باب الجراج، يخرج الرايحين ويهتف بالجايين: هات .. هات.. خش .. طمعا في البقشيش.
يقول لنا إن عبد الناصر قرر الاستفادة من " الجايين" فهو يرى مصير الشرق الأوسط بين " رايحين" وجايين..

ولو كان مناضلا أو مقاوما أو وطنيا لقال الغابرين" والطامعين لو كان يمثل قوى وطنية أصيلة لأبغض " القادمين" أكثر ولحاول أن يضربهما معا أو ببعض لا أن يتحول إلى أداة في يد القادمين ومن خلال أسوأ أجهزتهم.

على أية حال هذا الاعتراف بالأرضية والتعاون مع المخابرات ألأمريكية يقال لأول مرة سواء اعترافا بأن ما قدمناه من أدلة يصعب أو يستحيل نقده، وأخذا بما اقترحناه أن يعدلوا دفاعهم من " غير مذنب" إلى " مذنب ولكن.." فيعترفون بالحقيقة التي يعرفها العالم المتمدين وهى التقاء المصالح والتعاون مع المخابرات ألأمريكية .

أقول مهما تكن الأسباب والدوافع، فإن هذا الاعتراف يشكل نقطة تحول هامة في التأريخ لانقلاب يوليو، وإن استمر الخلاف: هل كان هذا التعاون بعد نجاح الانقلاب أو قبله، وإذا كنا سنناقش أكثر فإننا نعتقد أنه يستحيل تصور " أكبر فترة تعاون بين حكومة مصرية والمخابرات الأمريكية يتم في ظل حكومة [ثورة 23 يوليو|الثورة]].. إن الألفاظ تفقد معناها ويغدو التاريخ بل والسياسة نوعا من السريالية الهازلة..

كذلك نعتقد أنه لو كان التعاون مع الولايات المتحدة بدأ بعد الثورة وكتعاون سياسي بين حكومتين، لما اتخذ شكل التعاون التآمري مع المخابرات الأمريكية ومن خلف ظهر السفارة الأمريكية، الأمر الذي تسبب في جميع الكوارث التي نزلت بمصر ثم بعبد الناصر وانقلابه.

وإذا كنا قد فسرنا هذه العلاقة الشاذة ، التي لم يكن لها مثيل إلا في إيران بعد انقلاب كيرميت، أو سوريا فترة حسنى الزعيم، وأعنى تلزيم عملية مصر وسياسة مصر.. بل مصر كلها في عهد ناصر تلزيمها للمخابرات الأمريكية.

فسرنا ذلك بأن هذه المخابرات هى التي جاءت بهم إلى السلطة ، فكان الوضع الطبيعي أن تتولى مسئولية إدارتهم إل أن انهارت العملية كلها.

فإن هيكل يعترف بأن الطرف الامريكى في التعامل مع الناصرية كان المخابرات الأمريكية ويسلم معنا أنه وضع شاذ، ولكنه يضيع الوقت في البحث عن بارد العذر لتفسير هذا الشذوذ في التعامل مع أم الدنيا، ويخرج علينا بنسبته إلى مزاج الرئيس الامريكى.. مع أن هذا الفعل الشاذ، بدأ واستمر خلال حكم رئيسين مختلفي المزاج تماما، الأول ديمقراطي أفاق بياع كرافتات صهيوني الدرجة العمالة، والثاني جنرال جمهوري بطل الحرب العالمية الثانية ومتحرر إلى حد كبير من نفوذ الصهيونية..

وفى عهديهما استمر الفعل الشاذ في التعامل مع نظام ناصر.. ومن ثم تستمر " مارتا" في تعداد الأسباب ، ومطلوبها واحد هو إخفاء السبب الحقيقي، أعنى العلاقة السابقة على وصول الناصريين للسلطة..

فيقول هيكل:" وإن العمل السري لا يلفت نظر القوتين العظميين المهتمتين به مباشرة: بريطانيا وروسيا" .

وهذا صحيح جدا بالنسبة لمرحلة التآمر لقلب نظام الحكم الملكي، أما بعد أن أصبح الناصريون في السلطة وعرف الإنجليز ناصر" بتاع مين" إلى حد أن يصرخ وكيل وزارة الخارجية البريطانية في وجه المندوب الامريكى" تريد أن نسلم سوريا لعبد الناصر بتاع السى آى ايه ؟ .. وبعد أن يحدد " إيدن" من المسئول في السفارة الأمريكية عن دعم الناصريين :" أما" ليكلاند" فهو مع المصريين ثلاثمائة في المائة".

بعد الانقلاب لم يكن هناك من مبرر لاستمرار التعامل من خلال الـ سى آى ايه إلا دور هذه الـ سى آى ايه في إقامة النظام.

وفى كل بلدان العالم تعمل شتى أجهزة المخابرات، فهذا نظام عالمي قديم الجذور، ولكن الظاهرة المصرية اتسمت بالشذوذ والغرابة وتجاوزت الحد المتعارف عليه، سواء في حجم ومجالات تداخل هذه المخابرات الأمريكية أو مستوى تعاملها مع الطرف المصري.. مما أذهل حتى المراقبين الأمريكيين أنفسهم كما سنرى في شهادة الامريكى " ليفلاند" هذا النشاط الغريب اليومي بل وعلى شتى المستويات ابتداء من رئاسة الدولة.. وهو ما يؤكده مؤرخ الناصرية في ملفاته:

" مجموعة كيرميت روزفلت وكانت مختصة بالعمل والاتصال في الميدان ومن يوم إلى يوم وكان " كيرميت " بالطبع أبرز نجومها واختار اثنين من الدبلوماسيين هما" مايلز كوبلاند" و" جيمس ايكلبرغر" ..

" وأكثر من ذلك رغبة في الطمأنة فإن كيرميت روزفلت رجا جمال عبد الناصر بتكليف مصدر واحد تجرى الاتصالات من خلاله، وكلف عبد الناصر مدير مكتبه على صبري بهذه المهمة _ ووضعت " مارتا" هاشا آخر هنا يعتذر بأن" كان تصور جمال عبد الناصر أنه من خلال كيرميت روزفلت يتعامل مع البيت الأبيض مباشرة فجوازه يؤكد أنه مستشار للرئيس وحتى مع بعض الشكوك الواردة فقد بدا أن ذلك أسلوب إيزنهاور في العمل، وساعد على تقبله وجود > دلاس" وزيرا للخارجية في الوقت الذي يرأس شققيه " الليثى دلاس" ( عفوا آلن دلاس) إدارة المخابرات المركزية الأمريكية"..

وتأمل كيف يتعثر أستاذ الفبركة ويضطرب في محاولة تغطية موقف عبد الناصر من كيرميت روزفلت وقبوله أن يكون منه في موضع الشريف حسين أو حتى فيصل من لورنس..

خذ هذه : في قصة السويس الصادرة في عام 1981 يقول:

" وكان بين هؤلاء المندوبين، كيرميت روزفلت المسئول الأول في إدارة المخابرات الأمريكية عن الشرق ألوسط وقد وصل إلى القاهرة تحت ستار أنه مستشار خاص للبيت الأبيض.
وقد عرف جمال عبد الناصر شخصيته الحقيقية قبل أن يقابله".

ولكن في ملفات السويس التي نشرت بعد قصة السويس بحوالي خمس سنوات، نجد عبد الناصر بعكس الإنسان الطبيعي تقل معرفته بمرور الزمن فيخبرنا الراوي:" في أواخر شهر أكتوبر وصل إلى مصر المستر كيرميت روزفلت ، فقد وصل كيرميت يحمل جواز سفر دبلوماسيا يصفه بأنه مستشار خاص لرئيس الولايات المتحدة، واتصل الوزير المفوض في السفارة الأمريكية بالقائمقام عبد المنعم أمين ليبلغه بوصول أحد مستشاري الرئيس ترومان فإلى القاهرة".

وهكذا ترى أن التاريخ طوع بنانه، أو من إنتاج الشريف للبلاستيك يشكله كما يشاء.

مرة في قصة السويس عبد الناصر عرف كيرميت وحقيقته قبل أن يقابله بصرف النظر عن تاريخ المقابلة أكتوبر 1952 أو بعد ذلك..

ومرة ظل يجهل ذلك طوال 1952 إلى أن تولى إيزنهاور في يناير 1953 وجاء روزفلت يحمل جواز سفر جديدا.. وأيضا في صفحة 237 من "ملفات السويس " يعتذر بأن عبد الناصر تعامل مع روزفلت هذا .. لأن " جوازه يؤكد أنه مستشار للرئيس وحتى مع بعض الشكوك الواردة فقد بدا أن ذلك هو أسلوب إيزنهاور"..

وقبل ذلك بمائة صفحة يقول لنا إن عبد الناصر اكتشف حقيقة روزفلت هذا فور تولى إيزنهاور وعودته بجواز سفر فيه أنه مستشار الرئيس" ص 178 ع، أي أنه جاءه مرة بجواز يثبت أنه مستشار الرئيس الديمقراطي ترومان.. وغاب وسقط الحزب الديمقراطي ونجح الجمهوري ورجع أيضا بجواز فيه أنه مستشار الرئيس الجمهوري.. ولم تكن هذه اللعبة تنطلي على فتى بنى مر الذي فقيس اللعبة على الفور فلا يحمل مثل هذه الصفة بشكل دائم إلا بتوع المخابرات.

مرة عبد الناصر عرف قبل أكتوبر 1952.
ومرة عرف في يناير 1953.
ومرة " بعض الشكوك"

أي تاريخ هذا .. الذي لا يرتقى لمستوى الأساطير؟..

كذلك صيغ وصف لقاء عبد الناصر بروزفلت بعبارة تتفق مع ما جد من تطورات وما ظهر من مشاغبين من أمثال كاتبه.. ففي قصة السويس كانت " مارتا" تظن أن أحدا لا يعلم.. ولذلك نفث بشكل قاطع:" لم يكن هناك اتصال بين الثورة والولايات المتحدة قبل 23يوليو"..

أما في الملفات فقد اضطر " المتهوم" بعد أن استجوب وفق العرف الجاري في البلاد إلى تعديل أقولاه فأصبحت العبارة كالآتي في وصف لقاء روزفلت مع عبد الناصر وعامر وصلاح سالم:" وكان هذا أول لقاء على هذا المستوى بين قادة ثورة 23 يوليو وممثلين عن الولايات المتحدة".

على أية حال بهذه الإضافة " على هذا المستوى" لم يعد هناك كبير خلاف بيننا.. فنحن لم نحدد المستوى، وإنما أثبتنا وجزمنا بأن لقاء روزفلت هذا لم يكن أول لقاء ولا أول اتصال بين ثورتهم والولايات المتحدة الأمريكية. .

ولكن ما من أحد قال أو يقول إنه كان سيتم على هذا المستوى.. ويبقى السؤال .. إن كنت لا زلت مؤلف قصة السويس ومربوطا من لسانك بأنه لم يكن هناك اتصال. فلماذا أضفت " على هذا المستوى"؟

وفى رسالة مصطفى أمين إلى عبد الناصر ، يقرر أنعبد الناصر كان يعرف مهمة روزفلت، وأن الاتصال لم يقتصر أبدا على " على صبري" بل كان هيكل بالذات ومصطفى أمين، على اتصال دائم به وبمعاونيه. ومايلز كوبلاند كان يرى متأبطا ذراع "حسن التهامي" في مدرسة الكادر للمخابرات المصرية التي أقامها المدربون الأمريكيون.. وإذا كنت تزعم أن ناصر أمر بقصر الاتصال مع روزفلت على " على صبري" .. فأنت متهم بالاتصال بالمخابرات الأمريكية من وراء ظهر عبد الناصر بنص اعترافك فيما سنتعرض له من اجتماعاتك التي تفوق الحصر مع روزفلت ومساعديه..

وننتقل من الكذب إلى المجون عندما ينسى كل ما قاله عن أهداف الولايات المتحدة فيقول:" أثبت الدور الامريكى فعلا قدرته على الضغط على لندن ولكن السؤال المعلق كان هو : ما الذي تريده الولايات المتحدة بالضبط؟"

بعد كل هذا ولا تعرف يا عثمان؟

من حقنا أن نعتب على معلم الناصرية أنه لم يعلم تلميذه عبد الناصر كما يجب، بل تركه في حيرته مع الزير المعلق أقصد السؤال المعلق.. لماذا لم يخبره بنظرية الإزاحة وأن هذا الضغط والدعم هو لإخراج الرايحين وإدخال الجايين.. وإذا كانت بريطانيا ذاتها- كما تفضلت وعرفتنا- تفهم وتعرف لماذا تؤيد أمريكا عبد الناصر " لأغراض تشعر الحكومة البريطانية بمقاصدها" فكيف لا يعرف عبد الناصر نفسه؟

ويل هلترى ظل عبد الناصر في حيرته وكيرميت يقدم له معلومات " عن نشاط الإخوان واجتماعاتهم في الخارج".

أما اجتماع المستوى هذا فقد حضره أيضا وليم ليكلاند " وظهر أنه بدلا من هذا الاستعباط نعرف القارئ من هو ليكلاند هذا ، من إحدى روايات هيكل كريستى..

ففي رسالة مصطفى أمين المنشورة في كتاب هيكل: بين الصحافة والسياسة جاء الآتي: " وعرفني كافري بمستر ليكلاند وهو شاب أعور يعمل ملحقا في السفارة واكتشفت أنه أقوى موظف له نفوذ على كافري برغم أنه ملحق صغير بالسفارة كان يجيد العربية إجادة تامة، وكان يزورنى في مكتبي وفى بيتي باستمرار، وأعتقد أنه له فضل كبير في التأثير على كافري وعلى سياسة أمريكا في مصر".

" وعندما قامت الثورة أبلغني ليكلاند أنه في ليلة قيامها أيقظ السفير البريطانى في واشنطون مستر دين اتشيسون.. ووزير الخارجية من النوم وأبلغه أن ثورة شيوعية قامت في مصر وأن الحكومة البريطانية قررت التدخل العسكري فورا وتحرك الجيش البريطانى من فايد لقمع الثورة، وقال لي ليكلاند: إن دين اتشيسون طلب مهلة للتشاور وأنه أبرق إلى كافري يسأله رأيه وان ليكلاند هو الذي أعد البرقية العنيفة التي على أثرها أبدت أمريكا اعتراضها على التدخل العسكري البريطانى في مصر، وشعرت بحكم اتصالي المستمر بأهمية ليكلاند وقوته رغم صغر سنه.

وأبلغت المرحوم صلاح سالم برأيي أن ليكلاند هو السفير الحقيقي، وعقب ذلك حدث اتصال مستمر بين ليكلاند وبين الرئيس جمال عبد الناصر وصلاح سالم..

وكان ليكلاند هو الواسطة بين الثورة وبين السفير الامريكى" " وكان يبدو متحمسا للثورة ومؤيدا لها وأعتقد أنه قام بخدمات جليلة جدا في شأن علاقات أمريكا مع الثورة في بدء قيامها".

أعرفت الآن لماذا يتشبث هيكل بورقة التوت لستر عورتهم، بالزعم أن ليكلاند هذا انضم للمخابرات الأمريكية بعد الثورة وليس قبلها.

وإلى أن نتناول الأمر بالتفصيل في الفصول القادمة، نقول إن أهمية تحديد توقيت اتصال عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية ، هو أن هذا التحديد يساعد في فهم طبيعة الظاهرة الناصرية، ويعزز تفسيرنا بأنها مجرد إفراز للصراع الأنجلو- امريكى ومن ثم فهي محكومة بقوانين هذا الصراع.

بقصور ومحدودية إرادة وحركة أدوات هذا الصراع، وقابلية أو حتمية خضوع هذه الأدوات لضغوط طرفي الصراع.فلو كانت الناصرية إفرازا للصراع العربي- الاسرائيلى، لاتخذت مسارا آخر يختلف جذريا عما ارتكبته وادي إلى تحول إسرائيل من دولة مزعومة إلى أقوى قدرة عدوانية في المنطقة، لو كانت الناصرية رد فعل التحدي الاسرائيلى لما بدأت عهدها بكل هذه الآمال في مصالحة إسرائيل والتعايش معها، ولا خاضت المعارك في كل الجبهات هروبا من مواجهة إسرائيل، ولا كان عبد الناصر يتصلب مع جميع الأطراف في حرب 1956 ويتنازل لإسرائيل وحدها.. الخ الخ .

ولو كانت الناصرية هى التعبير عن الحركة الوطنية الضاربة بجذورها إلى مطلع القرن التاسع عشر، ما قبلت فصل السودان ولا تحطيم الرأسمالية المصرية وسحق الديمقراطية، ولكان مفهومها وممارستها للوحدة العربية بصورة مخالفة تماما..

تأمل على سبيل المثال الحركة الوطنية في فيتنام، لأنها لم تكن مجرد ظاهرة من ظواهر التناقض الامريكى- الروسي- أو التناقض الروسي- الصيني ولا التناقض الامريكى- الفرنسي في الأصل .. بل التعبير الصحيح عن الوطنية الفيتنامية ومن ثم فقد استفادت من كل هذه التناقضات ، إلا أنها لم تقبل أن توظف لحساب أي طرف، ولا قبلت باستقلالهم في الشمال، لينعموا بالسلام والسلطة مقابل تنازلهم عن هدف تحرير وتوحيد كل الوطن.. ولكنهم لم يقبلوا واستمروا في الحرب عشرين سنة أخرى تم تحرير وتوحيد الجنوب رغم أنف أكبر قوة في العالم وهى الولايات المتحدة.. بل وهل أقول رغم أنف الصين حليفة الأمس وعدوة اليوم. .

ورغم أنه لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته أمريكا في هزيمة فرنسا والدور الذي لعبته الصين في هزيمة أمريكا..

وقد استفاد ثوار فيتنام من ذلك دون أن يكلفوا الوطن أو المبادئ تنازلا لأنهم كانوا الممثلين الشرعيين لثورة ووطنية القومية الفيتنامية .. ومن هنا أهمية تحديد الرحم الذي استقبل ثورة يوليو وغذاها ثم ولدها..

فإذا كان تعاون المخابرات الأمريكية مع حكومة الثورة، مريبا ويشكل وثيقة اتهام فإن احتضان واختيار هذه المخابرات لتنظيم ناصر وتمكينه من الاستيلاء على السلطة هو الوثيقة الكبرى والدليل القاطع على نفى نسب هذا الانقلاب وبراءة الحركة الوطنية منه التي لم تلده ولا ولد على فراشها.. فله ولأمه الحجر.

ولنبدأ الحديث من بدايته..

رأى هيكل بمناسبة الحديث عن دور أمريكا أو الشريك الرابع في حرب السويس فرصة لكي يتعرض الخرافة تقول بأن الولايات المتحدة كانت على اتصال بقيادة ثورة 23 يوليو قبل قياما .

وأنها كانت في سرها قبل إذاعته.

وقد بدأ تعرضه لهذه الخرافة التي هى – للأسف- أقوى من الحقيقة- بقوله:" إن بعض الضين يروجون لهذه الخرافة يعتمدون لسوء الحظ على رواية أوردها المستر مايلز كوبلاند في كتابه لعبة ألأمم، دون أن يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا، هو : من هو " مايلز كوبلاند؟".

ولا أظن أن القارئ لكتاب لعبة ألأمم، وما كتب عنه في الصحف الأمريكية والعالمية، كان بحاجة إلى طرح هذا السؤال البسيط فالرجل قد عرف بنفسه وبوظائفه والمهمات التي عهد له بها، واتصالاته في مصر مع هيكل نفسه والرئيس عبد الناصر والعديد من المسئولين المصريين ، وكلها أسماء رسمية وذات صفة عليا في الجهازين الامريكى والمصري، وكان الأحرى بهيكل أن يرد أولا على تعريف الكاتب والناشر بمايلز كوبلاند، قبل أن يقرعنا على عدم السؤال ، وقبل أن يعرفنا هو بمن هو مايلز كوبلاند ..

فإن فضح الرجل كان أسهل ألف مرة ،،لو قال هيكل بصراحة: يقول كوبلاند إنه كان يعمل في السفارة الأمريكية في الفترة من كذا إلى كذا.. ولكن هذا غير صحيح .. والدليل كذا وكذا.. أو أنه عضوا في لجنة تخطيط سياسة الشرق ألوسط بوزارة الخارجية الأمريكية تثبت أنه لم يعمل بها.. أو أنه يدعى أنه سلم حسن التهامي، مبلغ الثلاثة ملايين دولار هدية المخابرات الأمريكية لعبد الناصر، وهذا تكذيب من حسن التهامي يؤكد أنه لا يعرف الرجل، ولم يحدث أن استقبله في شقته بالمعادى.. الخ..

لو فعل هيكل ذلك لحق أن يقرعنا بسؤال : من هو مايلز كوبلاند، ولكنه لا يملك أن يكذب معلومة واحدة مما قاله الرجل عن نفسه، فلجأ إلى أساليب "الردح" المعتادة في البلدان المتخلفة. " دا كان عايز يشتغل ولم نقبل تعيينه وعندنا جوابات منه .. الخ". .

يقول هيكل:" مايلز كوبلاند – وهو يعترف بذلك في كتابه- أحد موظفي إدارة المخابرات المركزية الأمريكية الذين عملوا في مصر فترة من الزمن"..

صحيح وهذا ما قاله الرجل

وافتخر به، بل قدمه كوثيقة ودليل على صدق معلوماته ولكن هيكل يقفز فوق هذه الحقيقة ليستنتج أنه لا يمكن أن يؤلف وينشر إلا بموافقة المخابرات الأمريكية ، وبالتالي " فالهدف هو تلطيخ سمعة جمال عبد الناصر كجزء من حملة الدعاية السوداء كما يسمونها ضد الثورة وقائدها".
ثم يؤكد أن للرجل ملفات كاملة في الحكومة المصرية تضم خطابات بإمضائه يطلب فيها أموالا من الحكومة المصرية لينشئ لحسابها إدارة مخابرات".
وهناك تأشيرات على هذه الخطابات بالرفض ، وبينها خطابات بتوقيع مايلز كوبلاند يشكو فيها من أن جميع المصريين المسئولين لا يقابلونه ولا يردون عليه، بينما هو يريد أن يخدم ، ولا يطلب من مصر إلا ما يستطيع أن يعيش به ويحافظ على مستواه.
وتأشيرات على هذه الخطابات بمنع دخوله إلى مصر وبعدم حاجتها إلى خدماته، وبأنها ليست مسئولة لا عن معيشته ولا عن مستوى معيشته".
" وبينها خطابات بتوقيع مايلز كوبلاند يبدى فيها استعداده لحذف وتغيير كل ما لا ترضى عنه مصر في كتابه" لعبة ألأمم" وتأشيرات عليها بعدم الرد عليه".
ويتساءل هيكل في النهاية:" ولست أعرف لماذا لا تنشر كلها أو ينشر بعضها؟ في مواجهة ما يكتبه وينشره كوبلاند؟

سؤال مهم جدا..

وهو – بالمناسبة- ليس موجها ضد نظام السادات أو غيره، حتى لا نقول بمؤامرة لتشويه سمعة الزعيم، وأن السلطة المصرية تخفى هذه الأدلة التي تبرىء ساحته وساحة ثورته، فالخطابات موجودة من أيام عبد الناصر على رواية هيكل – والكتاب عرض على حكومة عبد الناصر للتنقيح والحذف وصدر والزعيم حي يحكم، فكان الأحرى أن تبادر السلطات الناصرية بنشر تلك الخطابات، إن كانت تكشف زيف كوبلاند ، ولا تعزز روايته؟ وهو ما لم تفعله الزعامة الناصرية ولا حكومة السادات..

مما يجعل سؤال هيكل يثير أكثر من سؤال . على أن الأدلة التي أوردها السيد هيكلن وهو طرف مباشر في الموضوع ، تؤكد صحة المعلومات التي أوردها مايلز كوبلاند، ولا تضعفها فضلا عن أن تنفيها ..

لهذه الأسباب:

1- الرجل كان موظفا في المخابرات الأمريكية ، وليس موظفا عاديا كما سنرى ومن ثم فهو ليس بالصحفي الذي يستنتج أو ينقل من مصدر آخر مثلنا، بل هو شاهد عيان، عاشر الأحداث وساهم فيها ، وهو يروى ما عاشه بدقة تفصيلية مثل أين كان الاجتماع.. ومع من ..
وماذا حدث عندما دق الباب وعرف أنه السفير البريطانى فخرج له عبد الناصر.. الخ وهو لا يروى فقط عن المصريين الذين قد لا يملكون الرد ولا ندرى لماذا ، ولا عن الأموات كما يفعل هيكل، بل عن مسئولين أمريكيين أحياء، ولهم أجهزة مهمتها الرد على كل حرف خاطئ يتعلق بهم.. ولا يعقل أن يصدر موظف كبير في وزارة الخارجية والمخابرات مثل مايلز كوبلاند كتابا في أمريكا ينسب فيه لقاءات وأحاديث واجتماعات لكبار المسئولين الأمريكيين ، كلها من نسج الخيال أو يزيف ما جرى فيها ولا يصدر تعليق في هذه الوقائع الأساسية، وإن كان أكثر من مصدر قد صحح له وقائع تفصيلية..
ولولا أنه كان موظفا في المخابرات الأمريكية – وليس عميلا- لما كان لكتابه أو شهادته هذه الأهمية ، التي تنبع فقط من أنه موظف في المخابرات الأمريكية .
ولولا أنه كان موظفا في المخابرات الأمريكية – وليس عميلا- لما كان لكتابه أو شهادته هذه الأهمية، التي تنبع فقط من أنه موظف في المخابرات الأمريكية .
2- الرجل على صلة وثيقة بالحكومة المصرية، ويعتبرها مسئولة – ولو أدبيا- عن الحفاظ على مستوى معيشته- إذا قبلنا رواية هيكل ولا دليل عليها إلا شهادته وهى أكثر من مجروحة – ولا يعقل أن يأتي أفاق من فرنسا مثلا، ليس له أية صلة بالحكومة المصرية ، ويشكو أنها لا تعطيه ما يحفظ له مستوى معيشته الذي اعتاد عليه.

هذا كلام صاحب عشم وصاحب أفضال سابقة، وصاحب أسرار يحذر من أن الجوع كافر وأن ذلك قد يضطره إلى ما لا يحب ويضرك يا بيه.

ولا أحد يأتي بكتاب كله أكاذيب ، ثم يساومك على حذف بعض الأكاذيب؟ لا ليس هكذا فن البلاك ميل.. والأستاذ هيكل خير من يعرف أساليب الابتزاز الاعلامى، والدعاية السوداء والرمادي والكروهات .

الابتزاز لا يكون إلا على فضائح والفضيحة لابد لها من أصل حقيقي. ومن ثم لا يمكن إلا أن يكون مايلز كوبلاند شاهدا مهما، ولديه وقائع تمس سمعة النظام المصري، وباذلات بعض الأشخاص. وأنه وثيق الصلة بالحكومة المصرية إلى حد كتابة الخطابات واقتراح إنشاء جهاز مخابرات خاص لهم على ضوء ما شاهدوه وعرفوه من خبرته ويشكو من إهمالهم ويساوم على حذف بعض ما لديه من معلومات.. هذا كله يؤكد أن لعبة ألأمم لم يكن قصة خيالية ، وهذا ما نصل إليه من أدلة نفى هيكل.. أما ألأدلة الحقيقية فصبرا علينا..

يبقى سؤال لماذا سمحت المخابرات الأمريكية بنشر هذا الكتاب؟ ويبادر هيكل فيسد علينا الطريق بطرح إجابة: إنها مؤامرة لتشويه سمعة الزعيم.. ونحن لا نرفض هذا التفسير أبدا، بل بالعكس نجد أنه محتمل جدا، فالعلاقات منذ 1964 أو 1965 كانت قد تدهورت تماما بين واشنطون والقاهرة، والأجهزة الأمريكية المؤيدة لناصر كانت قد هزمت أمام الأجهزة النفطية والإسرائيلية والبيروقراطية والمعادية لنظام حكمه.. وكانت الولايات المتحدة اتخذت قرار تحجيمه إن لم يكن إسقاطه.. فلا عجب ولا غرابة أن تحاول الأجهزة الأمريكية تشويه سمعته..

ولكن الأستاذ هيكل وهو خبير يعرف أن أجهزة المخابرات عندما تقرر تشويه سمعة زعيم فهي تلجأ إلى أحد أسلوبين أو هما معا: الشائعات.. وهذه لا يعرف مصدرها، ولا يمكن الدفاع عنها، ولكنها تخلق التشويش المطلوب، وهذه قد تكون كاذبة وملفقة . لا يهم.. فلا أحد يتحمل مسئوليتها.. وهذا ما استخدم ضد محمد نجيب والنحاس وصلاح سالم .. الخ..

الأسلوب الثاني .. هو نشر وثائق تدين هذا الزعيم وتسيء إلى سمعته ، وأحيانا – نادرة – تكون الوثائق مزورة بإتقان بالغ، ولكنها في هذه الحالة لا تنسب أو لا تصدر بشكل واضح من الجبهة التي تريد ترويجها، لسبب بسيط هو أن الزعيم أو المسئول، يستطيع بما يملك من سلطات، إثبات تزويرها، وبالتالي تفقد هذه الجهة التي أصدرتها مصداقيتها عند الناس، وهو عنصر مهم جدا لنجاح حملاتها بل حتى أكاذيبها في الظروف الحرجة... لا يمكن أن تصدر وثيقة علنية على لسان المخابرات الأمريكية ضد رئيس دولة تتحدث عن اجتماعه وتنسيقه برجالها، دون أن يكون لذلك أصل .. لأن الناس لن تصدق المخابرات الأمريكية بعد ذلك..

وجانب مهم من نجاح هذه الأجهزة وقدرتها في السيطرة على العملاء والمتعاونين ، هو هذه الوثائق التي تملك نشرها والتي تفقد قيمتها، إذا طعن فيها بالكذب، أو إذا قبلنا منطق هيكل بأنه يستحيل نشرها، وهو المنطق الذي يغررون به العملاء عند بداية تجنيدهم للعمل بأن خطيئتهم في الحفظ والصون.

نعود للسؤال .. لماذا نشر هذا الكتاب؟..

والسؤال لابد أن يشمل العديد من الكتب والأخبار والقوائم التقارير التي نشرت ابتداء من هذه الفترة، وكلها تتضمن معلومات حقيقية عن نشاط المخابرات الأمريكية ، وأجهزتها وعملائها.. ثبتت صحتها أو على الأقل لم يقم – حتى الآن- دليل ينفيها.. وفى حالات قليلة جدا قام المعنيون برفع قضايا ضد الناشرين..
ولسنا ندعى أننا نملك القدرة على تحديد كل الأسباب التي تدفع المخابرات الأمريكية ، إلى نشر بعض وثائقها في فترة من الوقت.. فهذه الأجهزة وصلت إلى مستوى من التكنيك والتعقيد، يفوق الفهم العادي ، وأحيانا يخرج عن دائرة حسابات منظميه.

ولكن عجزنا عن الفهم، لا يدفعنا إلى نفى وجود هذه المخططات، فليس كل الناس بوسعهم فهم نوعية العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة، ولا كيف تكون أنجولا شيوعية ، ومع السوفييت ، وحكومتها تعيش على حماية الكوبيين ، ومصدر دخلها الوحيد الذي تدفع منه مرتبات الكوبيين ، هو النفط الذي يملكه الأمريكيون.

ومرة قال إن السياسة هى الآن رياضة عليان أو ما يسمى في المدارس بالرياضة الحديثة، والذين يحاولون فهمها بمبادئ الحساب أو الرياضيات القديمة ، يفشلون فشلا ذريعا.. ولكنها علم موجود وضروري، وهو وحده يفسر الكثير من غرائب العلم . فنحن نواجه قضايا كالفيروسات ، قد لا نستطيع رؤيتها بل ولا نملك تحصين أنفسنا ضدها.. ولكن تجاهلها هو انتحار..

فلنسلم أولا أن جانبا من الإجابة على سؤال : لماذا تنشر المخابرات ألأمريكية أو موظف سابق في المخابرات ألأمريكية .. هذه الأسرار؟ هو سؤال ، فوق مستوى فهمنها.

وإذا كنا نفتح أفواهنا في بلاهة أو دهشة، عندما نقرأ أن ثورة 23 يوليو بكل شعاراتها ومغامراتها وأمجادها، بدأت بعلاقة خفية مع المخابرات الأمريكية .. فلا يجوز أن نرفض هذه الحقيقة، لمجرد أن جانب من الإجابة على سؤال : لماذا يخبروننا ؟ صعب الفهم..

ثم نضيف هذه الحقائق:

1- قانون حرية المعلومات.. وقد صدر عام 1966 وهو لا يمنح الشعب فقط حرية نشر المعلومات، بل يجبر الأجهزة الحكومية على تقديم المعلومات لمن يطلبها .. وهو النص المكمل لحرية الإعلام إذ أنه طالما ظلت المعلومات محظورة، فلا سبيل لمعرفة الحقيقة، ومن ثم لا ممارسة حقيقية لحرية الاختيار.. وصدور هذا القانون ليس كما وصفه " وليم شوكروس" الكاتب البريطانى ومؤلف كتاب:" نيكسون – كسينغر وتدمير كمبوديا" وهو الكتاب الذي نشر أكبر مجموعة من الوثائق السرية الأمريكية عن تآمر الحكومة الأمريكية على تدمير كمبوديا رغم حيادها.. فقد وصف الكاتب البريطانى قانون حرية المعلومات بأنه " تحية لثقة المجتمع الامريكى بنفسه".
نحن لا نرى ذلك.. بل نعتقد أنه كان تعبيرا عن ثورة، وفى نفس الوقت محاولة لإجهاض هذه الثورة، التي تنامت في الستينات ضد الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها" المؤسسة " الأمريكية وتوجت بكارثة فيتنام، والتي لولا هذا الانفراج، ولولا الانفتاح الليبرالي الذي خفف الضغط عن المثقفين الأمريكيين، لربما أدى إلى تغييرات أكثر عمقا في التركيبة الأمريكية.
ولكن هذه الحريات التي تتابعت، من حرية المعلومات إلى حرية الفاحشة، وما أدت إليه من مبالغات، لعل بعضها كان مقصودا ومدبرا، مثل نشر قائمة بأسماء موظفي المخابرات الأمريكية (الأمريكان) في الخارج مما أدى إلى تعرضهم لحوادث اغتيال، ومثل نشر أو إحباط بالنشر، لكثير من عمليات أمريكا.. مما أدى إلى ردة فعل سنتعرض لها..
المهم أنه في هذه الفترة من 1966 إلى وصول ريجان للحكم وبداية الهجمة اليمينية ، لإعادة الهيبة والجدية والسرية لأجهزة الدولة، تسربت ونشرت حقائق كثيرة جدا.. كان الشرق الأوسط هو أقلها- للأسف- كما شهد هيكل نفسه بأن ما نشر عن الشرق الأوسط لا يكاد يذكر إلى جانب ما نشر من أسرار ونشاط المخابرات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم، والمعروف أن هذه الأجهزة تتقن فن مقاومة الانفجارات السياسية، أو التغييرات المفاجئة والمؤقتة وإذا كانت بريطانيا العظمى أم الديمقراطية تمكنت من حرق (خطأ) مسودة الاتفاق البريطانى- الفرنسي- الاسرائيلى، فلم يعد لها وجود، واستحال عثور أي محقق أو مؤرخ عليها، فإن الموظفين المخلصين في المخابرات الأمريكية، يستطيعون في تلك الفترة الشاذة إخفاء بعض الملفات، أو التعلل بعدم وجودها، أو البحث عن ثغرة في القانون .. الخ..
وهناك أيضا تفسيرات أخرى، فالمخابرات الأمريكية تهتم بحفظ الوثائق من عملائها في الشرق الأوسط، لأن العملاء يعمرون في السلطة وفى الخدمة أكثر، ولأن – وهو السبب الأهم في اعتقادي- الحريصين على الاستفادة منه في الشرق الأوسط، أو من العالم العربي بالذات، فأنشط العناصر وأقدرها وأبرزها على الساحة العربية هى صاحبة المصلحة في عدم نشر هذه الوثائق. وإلا فأين هى المؤسسة التي توجهت فورا إلى واشنطون وطلبت هذه المعلومات؟ العجز والكسل واللامبالاة والجهل كلها حجمت الخسائر، فلم ينشر إلا النذر اليسير ولأسباب عديدة، قد تكون منها الأسباب الشخصية التي نسبها هيكل لمؤلف " لعبة ألأمم" الذي أكد ما جاء في كتابه أكثر من وثيقة. منها على سبيل المثال كتاب " حبال الرمال" لمؤلف لا يمكن أن تعلق ذرة من الغبار على سمعته، ومدافع مخلص عن الحق العربي، والذى شهد أن كوبلاند كان يقابل عبد الناصر كلما شاء كوبلاند..
وكذلك ما جاء في رسالة " مصطفى أمين" الصحفي المعروف ورئيس هيكل، إلى الرئيس جمال عبد الناصر .. وعندما يقول مصطفى أمين لعبد الناصر في خطاب لم يتصور أنه سينشر يوما ما .
" كلفني أن أذهب أنا وهيكل وأقول لمايلز كوبلاند كذا وكذا.. " فإن من حقنا لا أن نصدق رواية كوبلاند عن نفسه فقط، بل وأن نطرح أكثر من علامة استفهام حول تجاهل هيكل لمايلز كوبلاند ، ومحاولة نفى أية علامة به أو حتى أنه قابله، أو أنه كان يشغل مكانة مهمة، وعلى اتصال وثيق بالسلطة المصرية على أعلى مستوياتها.
لماذا هذا الإنكار؟ إلا إن كان هيكل يعرف أن فيه شبهة؟ وما الشبهة في الاتصال بمسئول امريكى؟ .. إلا إن كان مسئولا من نوع خاص..
وقد ثبت أن ما نشر في هذه الفترة عن عملاء أمريكا في أوربا صحيح وأن ما نشر عن دور المخابرات الأمريكية وباذلات كيرميت روزفلت في خلع حكومة مصدق بإيران وإعادة الشاه، حقيقي مائة بالمائة، ومن الحقائق المسلم بها كذلك ما نشر عن دور هذه المخابرات في انقلاب حسنى الزعيم، وما نشر عن الصحف التي كانت تصدرها أو تمولها المخابرات الأمريكية مثل مجلة " حوار" كان حقيقة مؤكدة أدت إلى إغلاق هذه الصحف وانتحار بعض العاملين فيها وهروب البعض الآخر خارج مصر وانتهاء مستقبلهم الفكري والسياسي رغم محاولات بعثهم بواسطة عملاء السى آى ايه.
وإذا كان من الممكن أن يتسرب من المخابرات الأمريكية نبأ عمالة رئيس وزراء الهند، بل ومرتبه الذي يتقاضاه من المخابرات الأمريكية ، وهو لا يزال يعمل في السياسة الهندية؟ بل ويعرف المبلغ الذي يصرف من المخابرات الأمريكية لأحد رؤساء الدول العربية الأحياء- وقت كتابة هذه السطور- لماذا نستغرب نشر عمالة أحد الصحفيين وخاصة أن اتصالاته بالأمريكيين وتقديمه المعلومات لهم سابقة على الثورة، وواردة في وثائق رسمية تحمل طابع وزارة الخارجية الأمريكية ؟..
2- يجب أن نضع في الاعتبار أيضا، أن المخابرات ألأمريكية مثل المجتمع الامريكى، غريبة التكوين غريبة الفلسفة، قد تكون على درجة عالية في التكنيك والتكنولوجيا ولكنها تفتقر إلى التقاليد ، إلى شرف المهنة، إلى الالتزام من قبل العاملين فيها، وذلك لافتقار المجتمع كله لروح وطنية..
فلا مجال لمقارنتها بالمخابرات البريطانية أو الروسية حيث يسودهما نظام أشبه بالرهبنة والتبتل.. في المخابرات ألأمريكية، عدد كبير من العاملين بها ينشقون ، ويفضحون أسرارها ،ربما عن نزعات ليبرالية، وهى صفة أصيلة في الإنسان الامريكى إلى جانب العنصرية والغرور والإجرام والعنف.. الخ..
وبعضهم لمجرد الكسب فهم يستغلون مراكزهم للعب في البورصة أو عقد صداقات لتكوين شركات بعد تقاعدهم مع عملائهم في البلدان الأخرى،ولذلك لا نستبعد أن يكون مايلز كوبلاند قد تحرك بدافع انتهازي، وأنه حاول فعلا مساومة السلطات المصرية التي لم تصدق أنه يستطيع نشر هذه الأسرار، أو أنه أراد أن ينشر كتابا ناجحا فاستغل ما لديه من معلومات وحقائق..
3- يجب أن نضع في الاعتبار أيضا أن إعلان دور المخابرات الأمريكية في تدبير ثورة العصر، وخلق أكبر زعيم في العالم الثالث، هو نوع من الترويج والدعاية للمخابرات الأمريكية ، في وقت كانت تتعرض فيه لحملات نقد قاسية، وفقدان ثقة.. فقد كان يهمها أن تروج عن عملياتها الناجحة، والأجدر أن يتساءل هيكل لماذا نشر كيرميت روزفلت عراب الثورة المصرية، وهو ليس مجرد موظف في المخابرات الأمريكية، بل نائب مدير المخابرات ، ورئيس العمليات في الشرق الأوسط كله.. لماذا نشر دوره في الانقلاب على مصدق؟.. هل كان ذلك جزءا من الدعاية السوداء لتشويه سمعة الشاه.. لا .. بل دعاية للمخابرات الأمريكية وجذب للحكام والراغبين في العمالة .. وأيضا من قصور وعجز النظام الامريكى، وقد احتج الإنجليز الأعرق في فن الإفساد والتآمر على زهو الأمريكيين علنا بدورهم في خلع مصدق.
4- القانون الامريكى حتى قبل صدور قانون حرية المعلومات، كان يحدد فترة زمنية معينة، يتحتم بعدها نشر الوثائق وبالطبع تستطيع هذه الأجهزة أنتخفى إلى حد ما وثيقة ترى أن نشرها يشكل ضررا فادحا للمصالح الأمريكية ، أما العملاء الذين انتهى دورهم، فلا أهمية لهم، ومن ثم يقذف بهم إلى مزبلة التاريخ كالليمونة بعد عصرها..
5- كما سنرى عرض كتاب مايلز كوبلاند أن عملية الثورة المصرية كانت من تدبير جانب معين في الإدارة الأمريكية ، وأن العملية في النهاية من وجهة نظر دافع الضرائب الامريكى، والسياسي العادي، كانت عملية فاشلة خاطئة أضرت بأمريكا ولم تفدها ومن عهنا كان من مصلحة المخابرات الأمريكية أن تدافع عن نفسها ، والكتاب كله يدور حول هذه النقطة – ولا تنس أنه مكتوب للأمريكيين، فلا يزيد عدد من قرأه من المصريين على بضع مئات- فالكتاب يقول: إن خطة المخابرات الأمريكية في إنجاح ودعم ثورة 23 يوليو كانت صائبة ، ولكن الأجهزة الأمريكية الأخرى أفسدت المخطط.. وتسببت فيما حدث من تناقض ثم صدام بين القاهرة وواشنطون.
فهو دفاع المجموعة التي بدأت لعبة الانقلابات العسكرية في المنطقة من سوريا ومصر وإيران ثم ثلاث دول عربية أخرى- على الأقل- لا نستطيع ذكرها بسبب الجبن ولكي لا يتسع الخرق على الراتق، وإن كان يستحيل على متوسط الذكاء إلا أن يخمنها..
إنه جزء من حوار ساخن علني وسرى يدور في المجتمع الامريكى حول الدور الأمثل للمخابرات الأمريكية، وهل كان تدخلها بقلب النظم وإقامة نظم هو لصالح الولايات المتحدة في النهاية؟ بل إن كتابات هيكل هى جزء من هذا الحوار.
6- ثم لا يخفى التعقيد الذي تمت به عملية 23 يوليو فهي كما سنشرح ليست انقلابا أمريكيا من طراز انقلابات أمريكا الجنوبية أو الانقلابات السورية، وقد غضب عبد الناصر جدا، عندما ظن أن وزارة الخارجية الأمريكية تريد معاملته على هذا الأساس..
وقد حدث انشقاق كبير في السنوات الأخيرة بين مصر والولايات المتحدة، كما لعبت التناقضات الشخصية دورها بين العناصر المشتركة في اللعبة، وربما كان نشر بعض الحقائق عن شخص ما هو قرصة أذن لصحفي كبير خرج عن أصول اللعبة بدافع الحقد الشخصي فغدر بعميل أكبر منه- تاريخيا وأقدم منه- فكان أن سربت المخابرات الأمريكية، معلومات جديدة لحقيقة قديمة كانت قد نسيت تماما.
7- وأخيرا فإن السؤال الذي يمر بالخاطر، هو أن نشر معلومات مايلز كوبلاند، وكراين وغيرهما.. هل أدى إلى أي تغيير أو حتى تساؤل أو إضعاف لمركز ومناصب ودور الأشخاص الذين تناولتهم هذه المعلومات وأكدت دورهم في التعامل مع المخابرات الأمريكية ؟

إن هذه الأجهزة تتعامل مع البلدان المتخلفة، كما يتعامل الإنسان مع الحيوانات لا يهمه أن يتحدث بأسراره، أو أن يتعرى أمامها، فهي غير قادرة على الاستفادة من ذلك، ونحن نعرف مقدما أن الكثير سيلقون بهذا الكلام جانبا ويستعيذون بالله من تشويه سمعة الزعيم الخالد..

وقبل أن نتقل لقصة الثورة والمخابرات الأمريكية ودفاع هيكل المتهافت ، نشير إلى أن الموجة الليبرالية قد انحسرت في الولايات المتحدة، بزوال ذكريات فيتنام، ومع الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدل البطالة، والردة المحافظة بعد موجة الانحلال، مما أدى كله إلى انتشار موجة وطنية دينية محافظة، دفعت بالجناح اليميني في الحزب اليميني الجمهوري إلى السلطة، وبدأت حكومة ريجان تعيد تنظيم الأجهزة وتفرض احترام المؤسسات وأسرارها.

قدم ريجان مشروعا للكونجرس باستثناء المخابرات الأمريكية من قانون حرية المعلومات، كما كسبت المخابرات الأمريكية- في عهد ريجان- كل القضايا التي رفعتها ضد موظفين سابقين فيها أو ناشرين حاولوا نشر معلومات عن نشاطها دون موافقتها.

وفى 1980 حكمت المحكمة الدستورية العليا الأمريكية بـ 6 أصوات ضد 3 في قضية " ستيب ضد الولايات المتحدة" قضت بحق المخابرات الأمريكية في مراقبة ما ينشره موظفوها السابقون مدى الحياة، للتأكد من أنهم لم يذيعوا معلومات سرية.

وحكمت أن أي شخص وقع هذا العقد عند التحاقه بالخدمة، ولم يعرض مؤلفاته على المخابرات قبل نشرها حتى ولو كانت تتضمن معلومات غير سرية، يكون قد خرق أو أخل بتعهده. وعلى هذا أجبر " فرانك سنيب" وهو محلل سابق لشئون فيتنام في المخابرات ألأمريكية ، أجبر على أن يعيد للحكومة كل ما حصل عليه من عائدات كتابه "........." وجاء في حكم المحكمة مبادئ عامة تجعل من الممكن تطبيق شروط الرقابة المسبقة على النشر على عشرات الألوف من الموظفين حتى خارج الـ سى آى ايه الذين لهم اتصال بالمعلومات المحظورة".

وكان " كارتر" آخر الليبراليين ، أو آخر مرحلة الانقلاب والتسيب أو إن شئت تطويق الثورة بالانفراج.. قد اصدر قانونا عام 1978 بترجيح حق الجمهور في المعرفة عند تصنيف الوثائق إلى محظور ومباح، فيقتصر الحظر على ما لا مجال للشك في خطورته على الأمن الوطني، أما ما يحتمل الشك فيفرج عنه للجمهور.

وقد ألغى ريجان هذا القرار في 2 ابريل ، فأعفى الموظفون من أي اعتبار لحق الجمهور في المعرفة، وألزموا في حالة الشك بترجيح الحظر، وألغي شرط " خطر على الأمن الوطني".

وفى 11 مارس 1983 صدر قانون رئاسي أي لا يعرض على الكونجرس، يحظر على طائفة كبيرة من الموظفين العاملين والسابقين " نشر أي معلومات قد تكون سرية" وقد لاحظ الرئيس نيكسون أن قائمة الطعام في البيت ألأبيض يكتب عليها سرى.

وقال ريتشارد ويللر نائب المدعى العام إن هدف تشريعات الرقابة المسبقة على النشر، هو تقديم أسلوب معقول لمنع الموظفين الذين على اتصال بالمعلومات السرية من نشرها".

كما أصدر الرئيس ريجان قانون " حماية الأشخاص العاملين في المخابرات" وهو يمنع نشر أسماء الأشخاص المتعاونين بطريقة ما مع المخابرات ألأمريكية حتى ولو كانوا قد ارتكبوا جرائم معاقب عليها بموجب القوانين الأمريكية " وقد وصفه فيليب كيرلاند أستاذ القانون في جامعة شيكاغو بأنه أوضح عدوان قام به الكونجرس على الحرية الأولى في وثيقة الحقوق".

وفى أكتوبر 1983 حكمت المحكمة العليا بحق المخابرات في رقابة أي مادة تنشر عنها وحذف ما تراه مخلا بالأمن.

وتقرر إعادة تسجيل تاريخ المخابرات على شرط إلا يتاح لأحد خارج المؤسسة على الإطلاق وإلى الأبد.. أو كما صرح المتحدث باسم الـ سى آى ايه " دال بترسو" سيبقى هذا سريا إلى الأبد" واشنطون بوست 19/10/83).

ويوصف " ستانسفيلد" رئيس المخابرات ألأمريكية الأسبق بالهمجي لأنه كان من أنصار الانفتاح ونشر المعلومات. ووصف التشريع الجديد، بأنه سيحرر الـ سى آى ايه من العبء الثقيل والفريد من نوعه المتأتي من قانون حرية المعلومات فإن الوكالة ستحتفظ بجميع ملفاتها عن العمليات تحت الحظر على مدى المستقبل المنظور".

لعل هذا يوضح أن الولايات المتحدة مرت بفترة انفلات ولا أقول ثورة ولا راديكالية ، وأن كان طلبة أمريكا في الستينات شكلوا أكبر قوة ثورية في العالم وقتها.

أدت إلى رغبة في معرفة ما يجرى في أحشاء المجتمع الامريكى ، ثورة الفرد الامريكى، أو المؤسسات الليبرالية ضد النمو السرطاني لأجهزة الأمن، وهؤلاء هم الذين آمنوا- عن حق- بتصفية المؤسسات السلطوية الأمريكية ، لأنها إذا كانت تبنى الإمبراطورية الأمريكية في الخارج بهذه الأساليب ، وتسلب المواطن حريته وأمنه واستقلاليته أو خصوصياته..

وهذا ما أكدته فضائح المباحث الفيدرالية، وفضيحة ووترجيت، وتغلغل المخابرات ألأمريكية في الصحافة والجامعات، وإجراء تجارب بشعة على مواطنين أمريكيين .. فرأى هؤلاء أن نشر فضائحها وسيلة من وسائل تصفيتها أو تطهيرها، أو تطوير أعمالها إلى مستوى أكثر أخلاقية..

وكان هناك – كما ذكرنا- الذين نشروا هذه الأسرار، كوسيلة من وسائل الكسب بنشر كتب أو مقالات مثيرة، وهناك من استخدموها كنوع من البلاك ميل، أو لحساب صراعات مراكز القوى، وهو ما حدث بالنسبة للشرق الأوسط، فالخلاف بين وكلاء السلاح أدى إلى استعانتهم بموظفين سابقين في المخابرات الأمريكية نشروا معلومات عن عمالة وعمولات الوكلاء المنافسين..

في تلك الفترة الشاذة في تاريخ أمريكا وتاريخ الإمبراطوريات عموما نشر الكثير من حقائق الممارسات الأمريكية المخالفة للشعارات المعلنة عن المبادئ والقيم الأمريكية، مثل مذبحة " ماى لاى" في فيتنام ومثل كتاب " لعبة ألأمم" ومثل دور أمريكا في الانقلاب الإيرانى والانقلاب اليوناني والسوري..

ولكن القوى المضادة استطاعت أن تنظم حملة ضخمة لم تقتصر على الولايات المتحدة ، بل اتخذت طابعا عالميا، من قبل الحكومات والمؤسسات والعملاء الذين ثاروا ضد هذا الانقلاب وهددوا بمنع التعاون مع أمريكا التي لا تستطيع أن تحفظ سرا.. مما ساعد على تقوية التيار الداخلي، فأعيد الانضباط وانتهى المهرجان.

فهل نستفيد من القليل الذي تسرب في لحظة الفوضى؟

هيهات فقد استولى الثوار في طهران على وثائق السفارة الأمريكية كاملة، وأعادوا لصقها بعدما قطعت وبها أسماء الكثير من العملاء والمثير من المعلومات.. فأين هى؟ ومن استفاد منها؟

ألم يشاهد قوم إبراهيم أصنامهم محطمة وملقاة على الأرض مجرد نفايات، فهل شكوا فيها، أو كفروا بها، فضلا عن الإيمان بإبراهيم؟ بالعكس راحوا يجمعون الحطام ويلصقونه لإعادة تركيب الآلهة وكان همهم الأول وشغلهم الشاغل هو البحث " عمن فعل ذلك بآلهتنا" لا لمكافأة على كشف الحقيقة لهم، بل لحرقه في النار تأكيدا لإيمانهم بالنفايات الملقاة على الأرض بالأصنام المحطمة.. وتأكيدا لإبراهيم أن كل ما بذله لإثبات زيف هذه الآلهة لم يزدهم إلا يقينا بالأصنام الخالدة التي تآمر إبراهيم على تشويه سمعتها.

وتأمل كل الأسماء التي وردت في كتاب" لعبة ألأمم" كمتصلين بالمخابرات الأمريكية ، تجدها ما زالت بعد 1969 في مكانها على القمة، أو عادت للتألق بعد فترة خفوت.. وكأن ساحرا ما يجدد حيويتها ويدفع بها إلى قمة الأحداث.

خذ مثلا " حسن التهامي" الذي يعد من الحلقة الضيقة التي كانت تعرف كل شيء، والتي تعاونت تعاونا مطلقا مع المخابرات الأمريكية وبالذات مع مايلز كوبلاند حتى أنه هو الذي عد وتسلم الثلاثة ملايين دولار التى قدمت رشوة أو هدية للزعيم الخالد. هذا الحسن تهامي ، يتساءل رجل طيب من الذين نكتب لهم هذا الحديث، يتساءل في حيرة ما الذي جعله يظهر من جديد ، ويأتي به عبد الناصر وزيرا في حكومته بعد هزيمة 1967؟ والحاج " أمين هويدى" كان مديرا للمخابرات، ويعرف أنه ما من سبب منطقي أو معقول يجعل عبد الناصر يتخطى الأربعين مليونا ويختار هذا الذي يتظاهر بالجنون المطلق، وزيرا، والذي لا يملك أية مؤهلات – ظاهرة- تصلح لتوليه ناظر مدرسة فضلا عن وزير ، والذي سقط في منطقة الظل، وهى المنطقة التي يسميها المصريون- وراء الشمس- ولا أحد يعود منها.. ولكنه عاد، وأصبح وزيرا في عهد عبد الناصر بل ولعب دورا حاسما في تحديد خليفة عبد الناصر؟

الحاج أمين هويدى ، يحكى لنا بعض الطرائف عن سلوك التهامي هذا في مجلس الوزراء، منها أنه كان ينصحهم ألا يتعبوا أنفسهم في بحث إزالة آثار العدوان، لأنه رأى سيدنا الخضر الذي أكد له أن اليهود سينهزمون وسيخرجون من مصر.. ويضرب الحاج هويدى كفا بكف ويقول:" ولا تسألوني.. لم استوزره عبد الناصر ؟ فهذا سؤال يضاف إلى عشرات الأسئلة التي تحيرني ولا أجد لها جوابا؟ وعزائي أنني لست وحدي في حيرتي ( ص 80 من كتاب: مع عبد الناصر لأمين هويدى)..

بئس العزاء هذا .. وما تشفع لك كل علامات التعجب هذه ، وإذا لم يسألك القراء التفسير فسيسألك ضميرك والتاريخ.. وليتك توقفت عند هذه الحيرة التي تشير إلى الشكوك التي تفترسك مما تخشى أن تهمس به لنفسك.. ولكنك حاولت أن تلتمس بارد العذر، أو تافه التفسير لتعيين هذا الدجال الذي لا يستحى في اجتماع مجلس الوزراء من السخرية من جهود المجلس في " إجلاء العدو عن أراضينا" فيبتسم قائلا:" لم تجهدون أنفسكم هكذا.. إنني موقن من انسحابهم، وسيرسل الله عليهم طيرا أبابيل" وترتسم على شفتيه الابتسامة الهازئة".

يقول هويدى، وهو يستعيذ بالله من محاولة كشف النوايا:" ربما جاء به عبد الناصر وفاء للزمالة القديمة وربما بجمع الشمل"

وكان عبد الناصر في تلك الفترة ، قد مزق آخر بقايا الزمالة القديمة، ويقوم بأكبر عملية تمزيق للشمل عرفتها مصر منذ مذبحة القلعة، ما بين منتحر ومسجون، حتى داخل أسرته لم يحترم زمالة ولا مصاهرة ولا عشرة العمر والشقة إياها ومن ثم فلا مجال للحديث عن عاطفة نبيلة تجعله يقبل ويصبر على هذا الرجل في ظروف ما بعد النكسة..

و هويدى قرأ مايلز كوبلاند، وقرأ حديثه عن السلوك غير المنطقي في سياسات الشرق الأوسط، وأنه لا يمكن فهمه إلا بإضافة المعامل "س" أي عنصر المخابرات الأمريكية .

ويعرف أن التهامي هو أحد أعمدة المعامل "س" هذا ، ولكنه يرفض أن يواجه هذا التفسير فيغمض عينيه ويصرخ كالعذراء التي يحدثونها عن خيانة حبيبتها :" مش عاوزه أعرف" .

لقد جاء حسن التهامي بعد النكسة لكي يعيد ترميم الجسور مع القوى الخفية التي ساندت النظام أطول مدة ممكنة، إلى أن استحال عليها الدفاع عنه، وها هو عبد الناصر يثبت أنه مستعد للحوار، رغم ما فعلوه بحرب 1967.. وها هو صديقكم في مجلس وزرائي يمارس الشيطنة على الاستهبال ، ويتحدث عن تأكيدات "الخضر" بانسحاب اليهود، والذي معاه" الاس" يعرف من هو سيدنا الخضر المقصود، ومن أين تأتى أحلام التهامي على الفانتوم أبابيل.

أما الرئيس السادات الذي كانت إستراتيجيته تقوم أساسا ، على إقناع الأمريكان بأن النظام المصري على استعداد لأن يكون الممثل رقم واحد لأمريكا في المنطقة، ولا داعي للبحث عن أصدقاء آخرين.. وأن مصر تابت وأنابت بعد علقة 1967 .

ولن تشكو ولن تتذمر ، ولن تساوم أو تتدلل، كما فعل المرحوم، بل لأ أمريكيون كنا، وأمريكيون نبقى أبدا.. السادات أبرز التهامي وصوره في كل مكان ومناسبة، وأطلقه يساوم ويدبر ويفاوض حتى قاده إلى كامب ديفيد وجلس يصلى.. وقد تحقق الهدف الذي اتفق عليه قبل 25 سنة حافلة بالآلام والخداع..

وبنفس التفسير يمكن أن نفعهم إخراج مصطفى أمين من السجن وإحضار على أمين من البدو وتسليمهما الأهرام وأخبار اليوم معا.. وعجلت إليك ربى لترضى..

فهل أضر نشر كتاب "مايلز كوبلاند" أحدا؟..

يقرر هيكل: " لم يكن هناك اتصال بين الثورة والولايات المتحدة قبل 23 يوليو" وقد صاغها بحذر- تحوطا للمستقبل- فلم يقل " المخابرات الأمريكية " وهى موضوع الحديث، ونحن نستبعد أن تقوم " الولايات المتحدة " بهذا الاتصال قبل الثورة والاتصال الذي يحمل هذه الصفة "الولايات المتحدة" هو الذي يتم عن طريق السفير الامريكى أو مبعوث من وزارة الخارجية..

لا.. مصر ليست اليمن، حيث يدير القائم بالأعمال المصري الانقلاب اليمنى بالتليفون، ويعطى المال والحبوب المنشطة لقائد الانقلاب بشكل شبه علني.. لا.. في حالة مصر، لا يمكن تصور قيام اتصال مع الولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة لا تخاطر بمثل هذا الاتصال، لما بترتيب على اكتشافه من مشاكل مع السلطة المصرية،بل مع الكونجرس والرأي العام الامريكى..

ولكن المخابرات الأمريكية اتصلت .. وهذا ما سنثبته من الوقائع والمعلومات.. ومنها تعمد هيكل إخفاء حقائق لإحساسه بما فيها من إدانة مثل تاريخ أول زيارة لكيرميت روزفلت.

ويبرر هيكل انفتاح الثورة- المدهش والمخالف لكل الشعارات والافتراضات إذا ما كانت حقا ثورة – يبرره في كتابه الأول بأن الولايات المتحدة الأمريكية لها وضع مختلف عن بقية القوى الكبرى وقتها، وكانت صورة الولايات المتحدة في ذلك الوقت من سنة 1952 ما زالت صورة مقبولة ، خصوصا إذا قورنت بغيرها.

لم يكن لها دور استعماري في المنطقة، بينما كانت بريطانيا وفرنسا غارقتين في تاريخ استعماري طويل وقديم..

وفوق ذلك فإن الولايات المتحدة كانت خارجة من الحرب العالمية ضد هتلر ( كان قد مضى على ذلك سبع سنوات تخللتها فلسطين وحرب كوريا والتهديد النووي..الخ) والعالم كله يلتفت بالإعجاب لطاقاتها الهائلة التي كسبت الحرب ضد النازية ولأسلوب حياتها الذي كانت السينما الأمريكية ترسم صورة جذابة له".

وستلاحظ أنه قد حذف أية إشارة إلى دور أمريكا في خلق إسرائيل ، وما أثاره ذلك من كراهية عامة ضدها في العالم العربي، وهو مضطر لذلك حتى يستقيم دفاعه بأن الصورة كانت أكثر من وردية في العالم العربي عن أمريكا، ومن ثم اندفع الشبان الأغرار من أعضاء مجلس الثورة إلى أحضان أمريكا.. وهذا كذب بالطبع، وإن يكن حذف إسرائيل من تحديد الموقف مع أمريكا ، ظاهرة فسرها مايلز كوبلاند بأن هذه المجموعة من الناصريين لم تكن تعير قضية فلسطين اهتماما كبيرا..

وقد رد حمروش على هيكل في هذه النقطة فأغفل إسرائيل أيضا عندما قال:" لم تكن صورة الولايات المتحدة عند المصريين كما حاول أن يرسمها محمد حسنين هيكل، في كتاب " عبد الناصر والعالم" بقوله كانت الولايات لمتحدة تحيط بها كل معاني النجاح والفتنة براقة متسامية على الفشل الذريع الذي منى به الاستعماريون القدامى، وكان الناس متجاوبين مع فكرة قيام الأمريكيين بدور رئيسي في الشرق الأوسط، ومستعدين لقبولها، لم يكن هذا التصور صحيحا، فإن كافة القوى الوطنية كانت ضد السماح للأمريكيين بأداء سياسي بديل لدور انجلترا، ظهر ذلك في سياسة الوفد، وأحزاب مصر الفتاة والوطني الجديد، والتنظيمات الشيوعية والجماهيرية ن فقد كشفت أمريكا الستار عن موقفها أثناء عرض النقراشي لقضية مصر على مجلس الأمن".

وإذا كنا سننقد رأى هيكل فإننا لا نعرضه كما سنشرح ، بل نركز على أهمية تفسيره هذا ..

الولايات المتحدة كانت قد خرجت بهزيمة فادحة في كوريا.. وكانت سمعتها في الحضيض في العالم العربي بتحيزها لإسرائيل وللدور الذي لعبته في إقامة إسرائيل .. حتى إن تنظيم السادات كان يصدر منشوراته بالشعار الذي ساد الجماهير المصرية وقتها، وهو " يسقط الاستعمار الأنجلو –أمريكي" .. إلى أن تم الاتصال بالأمريكان وطلب جمال عبد الناصر من خالد محيى الدين حذف كلمة امريكى.. وقد أدلى خالد محيى الدين بهذه الشهادة، وهو على أتم الوفاق والولاء والإشادة بالزعيم الخالد، فلا مجال للشك في روايته، خاصة وقد أيدها كبار " الحدتاويين" الذين ساهموا في تلك الفترة في طبع المنشورات ، ولاحظوا التغيير .. فالحق مع حمروش عندما قال إن " أحدا من المثقفين أو السياسيين المصريين الوطنيين لم ينظر إلى أمريكا والمتعاونين والمراهنين على دور للولايات المتحدة في مصر والعالم العربي، لأن المثقفين اكتشفوا منذ أواخر الأربعينات الدور الذي لعبته أمريكا في دعم الصهيونية وتأييد الاستعمار القديم، ومعاداة حركات التحرر، ثم كان احتلال اليونان وحرب كوريا التي مزقت الاستعمار القديم، ومعاداة حركات التحرر، ثم ثبت أنه نمر من ورق أمام جحافل الصينيين ، وقد زادت شعبية الوفد عندما رفض دخول حرب كوريا إلى جانب الأمريكيين المكروهين.

ولقد رفضت الحكومة السعودية، تجديد اتفاقية قاعدة الظهران:" لأن ذلك يستفز مشاعر المواطنين العرب لموقف " أمريكا من فلسطين"..

ولكن قيادة الأمة العربية المقبلة، لم تكن مشاعرها مستفزة والحمد لله، بل كانت متأثرة بأفلام أمريكا.. هكذا يقول محمد حسنين هيكل.

وإليك رأى الأمريكان في الأمريكان فقد جاء في تقرير مجلس الأمن القومي الامريكى، الصادر في واشنطن بتاريخ 27 ديسمبر 1951 ( أي قبل سبعة شهور من الثورة) وتحت عبارة سرى جدا:" أصبحت الدول العربية تنظر بعدم ثقة إلى الولايات المتحدة في السنين القليلة الأخيرة بسبب مسئوليتها في إقامة إسرائيل ".

وفى اجتماع سفراء الولايات المتحدة باسطنبول في الفترة من 14 – 21 فبراير 1951 جاء الآتي في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الاجتماع.

" إن نفوذ الولايات المتحدة في البلاد العربية ربما لا يكون في مثل سوئه في عام 1947 و1948، ولكنه على أية حال ليس قويا كما كان في 1945 أما بالنسبة لإسرائيل وليبيا فإن نفوذنا لا يزال عاليا".

بل إن عام 1951 بالذات شهد المزيد من التدهور في موقف أمريكا، وتصاعد الموجة المعادية لها في العالم العربة كله، ومصر باذلات لأسباب عديدة منها موقفها من إلغاء المعاهدة، ومشاريع الدفاع المشترك ورفض تسليح مصر، وأيضا للدعم الذي قدمته لإسرائيل وقد ورد في مذكرة " هنري فيلارد" من إدارة التخطيط السياسي إلى مدير الهيئة الآتي:

سرى واشنطون
1 يونيه 1951
التلغرافات الواردة من الشرق الأدنى تشير إلى ردود الفعل الأولية لسياستنا الجديدة الجريئة للمساعدات الاقتصادية والعسكرية للدول العربية وإسرائيل كما أقرها الرئيس ترومان في 17 مارس 1951.

وردود الفعل هذه يمكن وصفها بأي شيء إلا أنها مقبولة.. فالمسئولون العرب ينتقدون بشدة حصول إسرائيل على نفس القدر من المساندة التي يحصل عليها كل العرب مجتمعين.. ( 25 مليون دولار) بالإضافة إلى أن العرب ينظرون إلى الخمسين مليون دولار التي اعتمدت لتوطين اللاجئين كوسيلة لتحرير إسرائيل من مشكلتهم.

وعلى سبيل المثال قال وزير الخارجية المصري( محمد صلاح الدين) لكافر ( السفير الامريكى في مصر) أنه صعق لاقتراح 25 مليونا دولار لإسرائيل و25 مليونا للعرب.. رئيس وزراء الأردن ووزير خارجيتها عبرا عن " دهشتهما وخيبة أملها" وزير خارجية العراق ، ركز كثيرا على التوازن وانتقد بشدة غير عادية سياستنا في مساعدة إسرائيل .. والصحافة السورية نظرت للبرنامج بالشك في أنه خطط لمحاباة إسرائيل .إن المرارة الأساسية والأصيلة بالنسبة لسياستنا نحو إسرائيل ، ما زالت كما هى ، وتلون كل تفكير العرب".

.. إلا هيكل وصحبه من رجال ثورة 23 يوليو، لم تكن في قلوبهم أية مرارة، تحول دون فتح قلوبهم والتعاون مع الولايات المتحدة في تحرير مصر .. والحق مع هيكل ، فإن أحد المفاتيح الرئيسية لفهم تاريخ الناصرية، هو أنها لم تنبعث أبدا من التناقض المصري- الاسرائيلى ولم يكن في أهدافها الجادة ، محاربة إسرائيل حتى يونيه 1967..

وهيكل حريص على تأكيد أن الاتصال بين الأمريكان والريس تم بعد الثورة، ولكن الصورة التي يقدمها لهذا الاتصال تثير أكثر من شبهة، فهو يقول:" كلف أحد أعضاء مجلس [بثورة 23 يوليو|الثورة]]، عبد المنعم أمين بتولي عملية فتح الباب مع الأمريكان،فدبر لقاء في منزله على النيل بين جمال عبد الناصر والسفير الامريكى جيفرسون كافري".

ولا يفسر لنا سر هذا اللقاء الغريب، فالثورة في الحكم وجمال عبد الناصر حاكم مصر والسفير الامريكى هو ممثل الحكومة الأمريكية الرسمي أمام مجلس الثورة أو في بلاط جمال عبد الناصر.. فلماذا لا يستقبل عبد الناصر السفير الامريكى بصفة رسمية أو حتى غير رسمية في مكتبه، ويبحث معه السياسة المصرية- الأمريكية ؟ إذا كان الاجتماع باسم مجلس الثورة، وسمعة الأمريكان ممتازة كما شهد هيكل، لماذا يتم الاجتماع في شقة ؟ .. وعن طريق شخص يقول المؤرخون الناصريون الآن إنه كان وثيق الصلة بالسفارة الأمريكية .. ؟ لماذا هذا الغريب والمريب؟ ..

ويقول هيكل:" إنه في هذا اللقاء قال عبد الناصر للسفير الامريكى إنه يريد مساعدة الولايات المتحدة في إقناع بريطانيا بالجلاء" " كما طلبت مساعدة اقتصادية وسلاحا أما عن إسرائيل فقال: " إن إسرائيل ليست شاغله الآن، ونظرته إليها- على أية حال – أنها ليست خطرا يهدد مصر".

وقد قال " مايلز كوبلاند" إن نجم هيكل تألق لأنه كان بارعا في تحلية آراء الأمريكان، وآراء عبد الناصر.. ومن ثم لا يجوز أن نتوقف كثيرا عند التحلية والصنعة في العرض، وإنما يكفينا الاتفاق والجوهر بين ما قرره كوبلاند، وما أثبتته الأحداث، من أن السودان لم يكن في برنامج عبد الناصر فهو يطلب المساعدة في الجلاء فقط، وأهم من ذلك أن نقطة اللقاء بين الريس والأمريكان، هى استبعاد الخطر الاسرائيلى ، قبول عبد الناصر أو تطوعه بإعلان أنه لا يشغل باله.. وهذا ما قاله كوبلاند بالضبط عندما نسب إلى هذه اللامبالاة بفلسطين انفتاح قلب المسئولين واشنطون لاقتراح الـ سى آى ايه" تأييد الانقلاب المنتظر.

وإذا كان هيكل يؤيد رواية كوبلاند وغيره عن حضور كيرميت روزفلت إلى مصر بعد الثورة وفى تحيد صفته بأنه المسئول الأول في إدارة المخابرات المركزية الأمريكية عن " الشرق الأوسط" إلا أنه يحاول إيهامنا- دون أن يتورط صراحة- بأن هذه هى الزيارة الأولى لكيرميت روزفلت، وهو غير صحصح، بل مثير للريبة، فكرميت كما تؤكد كل الوقائع والوثائق جاء إلى القاهرة منذ 1943 على الأقل، وكان في مصر من يناير إلى مارس أو مايو 1952 حيث أجرى اللقاء التاريخي مع فاروق، ثم مجموعة عبد الناصر في تنظيم السادات وقرر دعم انقلاب هذه المجموعة ، والتخلي عن فاروق كما سنرى تفصيله..

ونحن لا نجادل في هذه لأننا لا نملك قاطعا على وقوع لقاء قبله، فقد حرص كتاب "مايلز كوبلاند" على تعمية هذه النقطة، ولو أنه أكد وقوع أكثر من لقاء بين كيرميت روزفلت والمخابرات الأمريكية من جهة، ورجال ثورة 23 يوليو ، أو أعوان عبد الناصر.

إلا أنه لم يشر صراحة لوقوع لقاء مباشر بين الرجلين، ولا يمكننا الاعتماد على ما جاء في تقرير كيرميت روزفلت الشفوي لرؤسائه من أنه وجد في مصر الرجل المناسب الذي تتوافر فيه كل الصفات المطلوبة لجعل السلطة في مصر مستقرة، ومتجاوبة مع المصالح الأمريكية .. وربما لم يصل علم ذلك اللقاء بين الرأسين، إلى مايلز كوبلاند.. فهو من ألأسرار العليا جدا، ونحن نستبعد أن يقدم رجل في خبرة ومكانة كيرميت روزفلت ،على المخاطرة بدعم انقلاب في مصر من مجرد المعلومات التي قدمها عملاء المخابرات الأمريكية ، ولقاءات مع أعوان زعيم هذا الانقلاب.. إلا أننا التزمنا ألا نأخذ بالشبهات والتصورات، بل بالحقائق أو الأقوال المنسوبة صراحة لأشخاص محل ثقة.. ومن ثم سنسقط أدلتنا واقعة اجتماع مباشر بين ناصر وروزفلت قبل 23يوليو 1952..

ويشير هيكل في هذا الموضوع إلى واقعة غريبة تثير أكثر من سؤال ، فهو يقول إن الرئيس عبد الناصر كلفه بمهمة خاصة في الولايات المتحدة في نوفمبر 1952 وقال له" إن كثيرين سوف يحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا" (ص 71).

وكل المصادر التي كتبت عن ليلة الثورة، أكدت هذا اللقاء الغريب الشديد البرود بين عبد الناصر وهيكل في منزل محمد نجيب وأن هيكل تظاهر بأنه لا يعرف عبد الناصر وطلب تعريفه به، وأن عبد الناصر سأل من هذا ؟.. الخ.

فهل يتفق ذلك مع وصول الثقة بين الاثنين في أقل من شهرين إلى حد تكليفه بمهمة سرية في أمريكا؟ .. وهذه العبارة الغربية" الكثيرون سيحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا؟.

" من هم الكثيرون في الولايات المتحدة ، الذين كانوا يعرفون الصداقة بين عبد الناصر وهيكل في نوفمبر 1952 والكثيرون في مصر لم يكونوا يعرفون عبد الناصر ولا أهميته في الثورة في هذا التاريخ المبكر جدا فضلا عن معرفة أهمية هيكل، بحكم صداقته مع عبد الناصر؟..

لابد أن نفترض لكي يستقيم هذا الادعاء أو لتفسير هذا القول أحد الفروض التالية:

1- إن رواية المؤرخين عن لقاء بيت محمد نجيب صحيحة ، ومن ثم فرواية هيكل أكذوبة كاملة، اختلقها، وهكذا يمكن القول إن هيكل لديه الجرأة على أن ينسب لجمال عبد الناصر حوارا بين أقواس للتدليل على أنه نص حرفي، وهو بلا أساسا لا حدث ولا يمكن حدوثه . وهذا ينسف كل رواياته..
2- أن يكون هيكل صادقا، وهذه زلة لسان، وتكون مقابلة محمد نجيب تمثيلية بارعة من الاثنين ، هيكل الجيد التدريب وناصر المشهور بقدرته على الكتمان والحذر الشديد فيما يتعلق بسلامته الشخصية وسمعته السياسية .
ومن ثم فالصلة بينهما قديمة، ومن أيام حصار الفالوجا كما كان الشائع، قبل نشر تلك الرواية السخيفة عن لقاء الغرباء في منزل محمد نجيب.. وعبد الناصر كان يتحدث عن الكثيرين الذين يعملون كل شيء. مثل كون عبد الناصر هو الزعيم الحقيقي للثورة، وأن هيكل هو صديقه الحميم .. فمن هم ؟.. لا يعقل أنهم رجال الكونجرس آخر من يعلم ولا الصحفيون .. بل فئة خاصة..
3- أن تكون رواية هيكل صحيحة ، واستنتاجات شهود لقاء منزل محمد نجيب صحيحة، ولكن الذين سيقابلون هيكل في أمريكا ، هم الذين قدموا هيكل لعبد الناصر بعد الانقلاب، وعملوا على سرعة قيام الصداقة بيننا.

ونحن نميل للتفسير رقم 2 .. والصورة في ذهننا أن المخابرات ألأمريكية عرفت من هيكل ومصطفى أمين بوجود تنظيم السادات ونظم هؤلاء اللقاء بين هذا التنظيم وكيرميت روزفلت.. وأن هيكل كان الأوثق صلة بعبد الناصر بحكم سنه، وبراعته في تنفيذ دور التابع الذي ربط نفسه بمصير سيده، في نفس الوقت الذي يقدم فيه المعلومات والأفكار لهذا السيد، بينما كان مصطفى أمين يتمتع باحترام أكثر عند الجانب الامريكى، وشك وتوتر من جانب عبد الناصر.. وأخيرا فلا أدل على تناقض مشاعر رجال الثورة مع الموجة الشعبية العامة في مصر، أنه فور قيام الثورة، كان التصرف الطبيعي من رجالها الذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلا.. أنهم قاموا باعتقال مصطفى وعلى أمين ، ليتدخل أولو العلم ويفرجوا عنهم مع الاعتذار- في الراديو- بعد ست ساعات..

أما آن الأوان أن نترك ثرثرة هيكل ونعود إلى الجذور ، وحديث المعلمين لا الصبيان لقد شاعت رائحة الدور الامريكى منذ اللحظات الأولى للانقلاب، عندما رأى الناس السفير الامريكى " جيفرسون كافري" خبير الانقلابات كما عرف منذ تعيينه في القاهرة وكتبت عنه الصحف التقدمية، رأوه يتصرف كعراب النظام الجديد، ويشرف على ترحيل الملك فاروق ويتعهد بسلامته، ثم ربطوا ذلك بما كتبه الصحفي الامريكى الوثيق الصلة بالمخابرات الأمريكية " جوزف السوب" في صحف الولايات المتحدة قبل 23 يوليو عن انقلاب عسكري قادم في مصر، وقد بعث مصري مقيم في الولايات المتحدة – وقتها- بالمقال إلى مصر كدليل على ما تدبره المخابرات ألأمريكية ن ليصبح هو بعد سنوات من المفتين بثورية الناصرية ، تماما كالكاتب الذي استقبل كافري بعرض تاريخه في تدبير الانقلابات وإجهاض الثورات.. ثم أفتى بأن هذا الخبير تدبيره في مصر.

ورأى الناس الثورة تبعد الصحفيين وتعتقلهم، وتقرب رجال " أخبار اليوم" المؤسسة الرجعية الموالية للاستعمار بإجماع الحركة الوطنية في هذا الوقت حتى أصبح تلميذها البكر محمد حسنين هيكل هو الذي يحدد الوطنية من المحيط للخليج ، ورأوا قبول النقطة الرابعة وتجميد قضية فلسطين وضرب المؤسسات والأحزاب والحركات الوطنية.. ثم ساد الإرهاب وانعدمت الرؤية ، وتعقدت الرواية.. وكانت فترة التيه..

فلما ظهر كتاب " لعبة ألأمم" هربوا منه لأنهم لا يريدون أن يتذكروا.. إلى أن مات المارد، وحطمت الأقفال، فبدأت تتسرب بعض الأقوال، ولكن يسيطر على الجميع الرعب من هول الحقيقة، خاصة أنه ما من أحد إلا وقد تورط في 23 يوليو بموقف ما أو تأييد أو مساهمة.. نعم كلنا للسف " أشباه المثقفين" أو المثقفين المزيفين الذين توقع تقرير المخابرات أن يهبوا لتأييد الثورة بغباء أو انتهازية. .

قيل على لسان خالد محيى الدين إن عبد الناصر طلب منه حذف عبارة الاستعمار الأنجلو- امريكى واستخدام عبارة الاستعمار فقد أو الاستعمار البريطانى، وذلك في منشورات السادات قبل الثورة ..

وكتب في حادثة الثلاثة ملايين دولار التي دفعتها المخابرات الأمريكية للرئيس جمال عبد الناصر، وكان هيكل قد حاول أن يلبسها لمحمد نجيب ففشل وإليك ما كتبه أحمد حمروش:

" على قدر ما طالت مفاوضات التسليح، على قدر ما انتهت في سرعة عملية تقديم ثلاثة ملايين دولار كمنحة شخصية من المخابرات المركزية "الأمريكية" إلى رئيس الدولة، وهى قصة أثارت اهتمام الكثيرين لما أحاط بها من جدل.

بدأت القصة باقتراح من عميل المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند.

المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند .

التي كشف أسرارها في كتابه " لعبة ألأمم" عندما قال أنه لولا نشره لها لظلت خمسة آلاف سنة تحير علما الآثار ، ذلك أنها انتهت إلى بناء برج القاهرة.

ويحدد مايلز كوبلاند تاريخ إعطاء المبلغ لضابط المخابرات " أيتهما؟) حسن التهامي الذي أخذه وأحصاه في منزله بالمعادى ووجده ناقصا عشرة دولارات في شهر نوفمبر 1954 أي نفس الشهر الذي حصلت مصر فيه على الأربعين مليونا كمعونة اقتصادية وينفى هذا التحديد ما نشره " محمد حسنين هيكل" في كتابه " عبد الناصر والعالم" من القول بأن المبلغ قد سلم إلى اللواء محمد نجيب وأن جمال عبد الناصر لما علم بذلك استشاط غضبا وطلب تفسيرا من محمد نجيب الذي كان آنذاك رئيسا للوزراء.

وأصر نجيب على أنه فهم أنه ليس للمخابرات ألأمريكية علاقة بذلك المبلغ، وأنه أرسل من الرئيس إيزنهاور الذي خصص اعتمادات مالية لبعض رؤساء الدول ليتمكنوا من تجاوز مخصصاتهم المقيدة بالميزانية من أجل الدفاع عن أنفسهم وعن بلادهم ضد الشيوعية، وهنا طلب عبد الناصر على حد قول هيكل إيداع المال في خزينة إدارة المخابرات وأمر بعدم صرف أي شيء إلا بإذن مجلس قيادة الثورة.

ينفى تحديد تاريخ تسليم ذلك لسبب بسيط هو أن محمد نجيب لم يكن رئيسا للوزارة في هذه الفترة، بل كان رئيسا للجمهورية بلا عمل حتى 14 نوفمبر ثم معتقلا في المرج بعد ذلك، وكان حسن إبراهيم وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية يحضر كافة مقابلاته ويراقب كل تصرفاته.. مما يبعد تماما فكرة عدم معرفة جمال عبد الناصر بوقوع مثل هذا الحادث.

هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإن الأمريكيين ما كانوا ليعطوا مثل هذا المبلغ لمحمد نجيب وهو رجل معزول عن الحياة العامة، تدفقت عليه الهجمات عقب إطلاق الرصاص على جمال عبد الناصر وربطت بينه وبين الإخوان المسلمين وكان على وشك أن يحاكم معهم، هذا إذا أردنا استبعاد رأى مايلز كوبلاند كما ورد في كتابه.

وعندما قرأ محمد نجيب ما نشره هيكل في كتابه، رفع عليه قضية أمام محكمة الجيزة واضطر هيكل للاعتذار على صفحات الأهرام، وأثبت محمد نجيب أمام المحكمة قوله بأن الواقعة موضوع الادعاء غير صحيحة على الإطلاق.. وصمت هيكل مؤثرا الانسحاب من خطأ أساء به إلى سمعة الرجل ( تأمل قدرة هيكل على تزييف عشرات الوقائع في حادثة واحدة ثابت بطلانها بالتواريخ).

والواقعة كما رواها مايلز كوبلاند حافلة بالتفاصيل وهى كالآتي على لسانه في كتابه المنشور بالولايات المتحدة، والذي لولاه لما عرفت قصة الملايين الثلاثة، ولا تعرض لها هيكل أبدا.. قال : إنه شخصيا عاد إلى نيويورك في أواخر صيف 1953 " حيث قدمت اقتراحا بإعطاء ناصر مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته وحل بعش المشاكل الداخلية الصعبة، وأن ترسل الحكومة الأمريكية لبعد الناصر سيارة كاديلاك مصفحة، وأحد رجال البوليس لتنظيم حرسه الخاص، وجهاز إنذار على بيته، ومعدات تحطيم المظاهرات..

كما اقترح إعطاء مصر أربعين مليون جنيه وعبد الناصر ثلاثة ملايين، وقد تمت الموافقة ولما جاء الخبر إلى القاهرة باعتماد المبلغين، اعتبر السفير الامريكى فكرة الهدية الشخصية ، فكرة سخيفة وقال لي إنه لن يسلم هذا المبلغ لعبد الناصر إلا أنت ، وقام كافري بزيارة محمود فوزي، في اليوم التالي وحدثه عن الأربعين مليونا ولم يشر بحرف إلى الثلاثة ملايين، أبحث معه مسالة الثلاثة ملايين، وقلت له إن الحكومة الأمريكية لا تلح عليكم، وإنما أريد أن أخبرك أنها تحت تصرفكم إذا شئتم.

وحسن التهامي الذي كان يشغل ضمن مناصب أخرى مركز رئيس الحرس الخاص لعبد الناصر ( وهو بالمناسبة الذي أشار إليه عبد الناصر في حادثة محاولة الاغتيال في فلسفة الثورة) قال لي:" مش حنغلب في الاستفادة بثلاثة ملايين دولار خلينا نشوفهم"، وبعد الحصول على تأكيد شخصي من عبد الناصر بأن الثلاثة ملايين مقبولة فعلا.

أبلغت كافري الذي قال لي بلهجة حانقة إن المبلغ قد وصل هذا الصباح مع رسول من بيروت، وبعد مشاورة المختصين بالسفارة، اتفقنا على أن تحركي تحت الحراسة مسافة خمسة أميال إلى منزل حسن التهامي في المعادى سيثير الشبهات، ولذلك اتجهت في سيارة أحمل حقيبتين فيهما ثلاثة ملايين دولار نقدا واستقبلني حسن التهامي في منزله بالمعادى يحيط به حارسان مصريا، دون اهتمام أو حماسة، وبدأنا نعد النقود، عددناها مرتين لنكتشف أنها 2,999,990 دولارا وعلق حسن أخيرا : لن نتعارك على عشرة دولارات .. وركب ومساعداه سيارة مرسيدس إلى بيت عبد الناصر".

ثم حكي قصة برج القاهرة الذي بنى من المبلغ وقال إن حسن التهامي كان يسميه " وقف روزفلت" وقد كتب العبارة بالعربية بالحروف الإنجليزية، ولكنه عندما ترجمها للانجليزية – وهو يتقن العربية ولكن بالطبع كمستشرق- ترجمها " انتصاب روزفلت" وهذا دليل أنه لم يخترع العبارة ولكن أخطأ ترجمة كلمة "وقف" .. أو ترجمها له مساعد لا يعرف ما" الوقف" و" الأوقاف".

ماذا ثبت هذه القصة؟

ثبت أولا الروحية التي يتعامل بها هيكل مع وقائع تلك الفترة وهى استعداده للكذب الكامل، وتزوير التاريخ وتبديل الأشخاص.
وهى ليست مسلكية خلقية، بل شعور بالإثم، شعور بخطورة ما تنطوي عليه الحادثة ولذلك لا يتورع عن الكذب ونقل التهمة إلى محمد نجيب، وكان ظنه أن الرجل شاخ، أو أن ذاكرته أو شجاعته ستخونه..

ولكن عندما جره إلى القضاء وهو يعرف أنه كاذب مزور ، وأن أمره سيفضح في المحكمة، وأخطر من ذلك أن المحكمة قد تقلب الدفاتر، وتفتح الملفات وخاصة أن محمد نجيب قد اتهمه علنا وفى كلام مكتوب ومنشور بأن المخابرات المصرية قدمت له ولعبد الناصر تقريرا بأن محمد حسنين هيكل عميل للسفارة الأمريكية فلم يستطع أن يلجأ للقضاء كما فعل الطاهر الذيل محمد نجيب ( في هذه الواقعة على الأقل) لذلك آثر محمد حسنين هيكل أن ينسحب مرة أخرى وذيله بين رجليه، الأولى نصحه محمود فوزيألا يلجأ للقضاء ومحمود فوزيرجل أرقم يعرف السر، وصدقه النصح، والمرة الثانية عندما اعتذر لمحمد نجيب وتراجع..

فهذه الواقعة لا تثبت فقط تزوير كذب محمد حسنين هيكل وإنما تشير إلى وجود سر خطير يحرص هيكل على إخفائه ولو بالتزوير .

كذلك تبثث الرواية، وهى أن المخابرات الأمريكية قدمت ثلاثة ملايين دولار لرئيس ثورة 23 يوليو، ولسنا نتحدث هنا عن رشوة أو فساد.. فالكل متفق ونحن في مقدمتهم على سخافة العمل، وعلى أن عبد الناصر رفض أن يمس المبلغ أو أن يحتفظ منه بدولار واحد، ولو فعل لما استحق أن يوجد اسمه في التاريخ، ولا شغل بالنا دقيقة واحدة.. فلا أحد يتحدث عن رشوة ولا فساد، وإنما مغزى الواقعة هو طبيعة العلاقة بين المخابرات الأمريكية وثورة 23 يوليو ، وإن استطعت أن تصدق وقوع هذه القصة بين المخابرات ألأمريكية وهى شيء منه أو حتى فيدل كاسترو.. فهي ثورة ووجب قطع لساننا..فالسؤال هو لماذا تهتم المخابرات ألأمريكية والحكومة الأمريكية بحماية قائد ثورة يوليو؟.. والمفروض والمشاع أن كل المؤامرات على حياته هى من تدبير هذه المخابرات؟ لماذا كانت الحقيقة مخالفة تماما للشائع والذائع في أجهزة الإعلام الناصرية؟

لماذا؟..

كذلك أورد حمروش، نقلا عن خالد محيى الدين.. رواية تعزز القول بأن المخابرات الأمريكية لعبت دورا حاسما في تصفية نجيب..

إذ قال خالد محيى الدين:" إن ممثل صحيفة " نوفيل أوبزر فاتور" قال له( خلال فترة الصراع يوم لم يكن الكثيرون في الشارع السياسي المصري يراهنون على انتصار جمال عبد الناصر واحد ضد عشرة) إن جمال سيكسب المعركة ضد نجيب، وإن مجلس القيادة قد أعطى إشارة للأمريكيين بأنهم سيوافقون على المعاهدة وإدخال تركيا في بند السما بعودة قوات الإنجليز للقناة" وسنجد في رواية كوبلاند وايفيلاند، ومصطفى أمين ما يؤكد أن المخابرات الأمريكية رجحت كفة ناصر على نجيب.

بل إن أحد أساطين الأجهزة السرية الأمريكية يشك في تآمر هذه المخابرات مع ناصر في حادثة المنشيةللقضاء على نجيب.

وينقل حمروش سرا خطيرا همس له به زكريا محيى الدين وهو:" إن هذه السرعة في توقيع الاتفاق كانت نتيجة وساطة أمريكية، كما ذكر لي زكريا محيى الدين، استهدفت حل المشكلة بين البريطانيين والمصريين لخلق جو مناسب لربط مصر بسياسة جديدة في المنطقة".

أما مايلز كوبلاند فلا يهمس بل يقدم لنا قصة الوساطة كاملة واسم الوسيط.. ترى من يكون إلا عراب الثورة نفسه؟

وتخيل هذا المشهد في " هافانا" وقد اجتمع مجلس الثورة الكوبي في الأيام الأولى للثورة، وبعدما استقرت أقدامها، وأعلن " فيدل كاسترو" أنه قرر تعيين رئيس المحكمة العليا رئيسا للوزراء، فيهمس جيفارا في أذن راؤول كاسترو.. فإذا براؤول يقول:" آسف لا نستطيع تعيين المرشح لأن السفارة الأمريكية تعترض عليه فهو من أنصار السلام.

أو إذا شئت مزيدا من الفكاهة فتخيل حدوث ذلك في هانوى في مجلس قيادة الثورة الذي يرأسه هوشي منه..

المنظر طبيعي في سايجون أو "سيول" عاصمة كوريا الجنوبية، أو القاهرة للأسف، فهذا ما يرويه حمروش عن رفض تعيين السنهورى..

قال:

" بعد قرار عزل على ماهر بدأ البحث عن اسم رئيس وزراء جديد، ويبدو أن السنهورى كان المرشد الأول" ولكن على صبري همس في أذن جمال سالم، وكان حاضرا لهذا الاجتماع باعتباره سكرتيرا لمجموعة الطيران.

وقال جمال سالم إنه يجل السنهورى ويعرف قدرته، ويعترف بجدارته، ويثق في إخلاصه للحركة، كما بدا واضحا في تأييده لقانون الإصلاح الزراعي، ولكنه لا يستسيغ إلا الصراحة والإخلاص في عرض السبب الذي يجعله مرغما على العدول عن ترشيحه.

وكان السبب كما قال جمال سالم ، هو أن الأمريكان سوف يعترضون على هذا الترشيح لأن بعض الصحف العربية نسبت إليه في أواخر عهد الملك السابق أثناء حكم الوفد أن له ميولا يسارية" وفسر السنهورى ذلك بأنه وقع نداء ستوكلهم للسلام" .

والرواية إلى هنا توحي بأنه اجتهاد من " على صبري" مسئول الاتصال بالأمريكان في ذلك الوقت، ولكن خالد محيى الدينيكمل القصة: " إن الأمريكيين كانوا قد ابلغوا على صبري بذلك عندما شعروا باقتراب السنهورى من مجلس القيادة ورجوع الأعضاء إليه في كافة مشاكلهم الدستورية".

فنحن أمام"فيتو" امريكى صريح على مجرد الاقتراب من موقع "نداء ستوكهلم" للسلام.. وكراهية الأمريكان لمن يوقع نداء السلام في ذلك الوقت مفهومة، ولكن رضاهم وثقتهم عن مجلس الثورة غير مفهومة أما انصياع مجلس الثورة لهم فهو المحير العجيب .. إذا أم نعترف بالمعامل"س".

وتأبى الوثائق التي عمى عنه هيكل إلا أن تؤكد صدق رواية خالد محيى الدين فبعد صدور كتابنا نشرت في عام 1986 وثائق الخارجية الأمريكية عن الفترة من 1952 إلى 1954 وجاء فيها الآتي حرفيا:

" من كافري ( السفير الامريكى بالقاهرة) إلى وزارة الخارجية 8 سبتمبر 1952 .
" أبديت اعتراضا شخصيا ؟ على أن تضم الوزارة السنهورى موقع نداء ستوكهلم للسلام أو الشيوعي براوي ، وقد احترم العسكريون اعتراضي وأبعدوا الاثنين ، وقد أخبرنا العسكر اليوم أن برنامجهم سينشر بالكامل خلال أيام".
بريطانيا العظمى وهى تحتل مصر بما يقرب من نصف مليون جندي وخلال حرب عالمية احتاجت لمحاصرة فاروق بالدبابات ووضع المسدس في رأسه لتفرض وجهة نظرها في رئيس وزراء مصر وبعد عشر سنوات أصبحت همسة من السفير ألأمريكي تكفى لفرض وجهة نظره بلا حاجة لدبابات أمريكية فقد تولت عنها المهمة الدبابات المصرية للأسف.

لا أظن أن مصر كانت يوما من الأيام أكثر تبعية منها في تلك الفترة، ولا أظن أن السفير الامريكى تمتع بمثل هذا الانصياع من حكومة شبه مستقلة.

وأيضا قصة يوسف صديق الذي يعد تاريخيا وباعتراف الجميع الآن، أنه هو الذي نفذ الانقلاب ووضعهم في السلطة، ولولاه لما قامت الثورة، كان عمره في هذه الثورة قصيرا جدا.. والسبب هو الأمريكان يا ريس.

يوسف صديق،هو من المجموعة التي لم تكن لها علاقة بالأمريكان ولا علم بما جرى معهم من اتفاق، وما كان له أن يكون ، فهو يساري، أو حتى عضو في تنظيم ماركسي، إذا صدقنا رواية حمروش، أو إذا أخذنا عضوية "حدتو" على محمل الجد، ولكن لا جدال في وطنيته ويساريته، ومعاداته للاستعمار الامريكى..

وهكذا توج يوسف صديق إلى بنى سويف وخطب كما كان يخطب الوطنيون المصريون في عام 1952 ، وقال " إن الحركة لا شرقية ولا غربية" فلم تذع الإذاعة تسجيل خطابه واحتج أولو العلم من أعضاء مجلس قيادة الثورة، على إعلان هذا الموقف الذي أثار رجال السفارة الأمريكية ، وبعث الضيق في نفوسهم- على حد قولهم- وكان الحياد مرفوضا في هذه الفترة من الغرب.

وتعرض يوسف صديق بعد ذلك لمضايقات من زملائه أعضاء المجلس وسرعان ما خرج يوسف صدق من المجلس يناير 1953 واضطهد.

حمروش ومن قبله محمد عودة، لديهم المعلومات، ولكنهما يخشيان الاعتراف بالحقيقة التي تؤيدها المعلومات التي يقدمونها هم .

الثاني وصف جيفرسون كافري":

" من أشهر مدبري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية ، ويضم سلسلة طويلة من الانقلابات تقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى، وكان كافري أول سفير امريكى في فرنسا بعد التحرير ، في فترة أزيح فيها ديجول عن الحكم وطرد الشيوعيون من الائتلاف الوزاري وجذب الاشتراكيون للولايات المتحدة، وأصبحت فرنسا قاعدة لمشروع مارشال ثم لحلف الأطلنطي".

هذا الذي قهر ديجول، وطرد الحزب الشيوعي الفرنسي، وجذب الاشتراكيين الفرنسيين لأمريكا وحول فرنسا- فرنسا ذاتها- لقاعدة، ونظم ثلاثين انقلابا في أمريكا الجنوبية والوسطى.. عينته أمريكا في مصر ليجرب حظه، فخاب فأله وذهب سحره، وبطل مكره.

ولا ندرى أيضحك علينا حمروش أم يضحك على نفسه وهو يقول:" ولكن كافري جوبه في مصر بحركة شعبية متصاعدة أضعفت من فرص القدرة على إحداث انقلاب مشابه لما حدث في سوريا".

انقلاب سوريا أمريكاني.. وانقلاب فرنسا أمريكاني.. أما مصر فهي أم الدنيا.

ولكن المعلومات تحرق أصابع حمروش، فهو يعرضها ولو من باب إعطاء كتابه مسحة منطقية، ولكن يستعيذ بالله بعد كل فقرة، فهو يؤكد لنا اتصال المخابرات ألأمريكية بالسادات، ولكنه يقسم على أن جمال عبد الناصر شخصيا.. وهو يؤكد حدوث التقاء الأهداف، ولكن ينفى أنهم سيطروا علينا.. حيرة المتورط والنادم والمشدوه لغفلته التي تبينها متأخرا جدا، أو بالأحرى لانتهازيته التي جعلته يخفى ما يعلم، ويخدع نفسه.. يقول: " إن الولايات المتحدة كانت ترقب انتفاضات الفلاحين في حذر شديد، لأنها رأت فيها إرهاصات ثورة شعبية جامحة يمكن أن تنتهي إلى تغييرات اجتماعية جذرية تتناقض فتتعارض في داخلها مع أهداف الاستعمار والامبريالية العالمية.

ولذا كانت فكرة الإصلاح الزراعي واردة في أحاديث المسئولين الأمريكيين الذين تدفقوا على مصر بعد حريق القاهرة، كانوا يطلبون إصلاحات اجتماعية تمنع اشتعال ثورة شعبية.

وانبرى الدكتور أحمد حسين أحد المقتنعين بهذه السياسة والشديد القرب من الأمريكيين يدعو إلى الإصلاحات الاجتماعية ويشكل جمعية لفلاح ويطلب من على ماهر أن يدعو الملك إلى التنازل عن نصف أرضه للشعب وكون جمعية الفلاح و" قد اكتشف اليساريون أن مثل هذه الجمعية إنما تستهدف إطلاق البخار من المرجل الشعبي حتى لا يتفجر في وجه الاستعمار، فأطلقوا عليها اسم " جمعية الفلاح الأمريكاني" ، وذلك لما أحاط بالدكتور أحمد حسين من سمعة تربط بينه وبين المسئولين الأمريكيين المتدفقين على مصر.

ووضح من اتصالات الأمريكيين برجال السياسة المصرية أن الإصلاح الزراعي كان أحد العروض التي يقترحونها، كما روى مصطفى مرعى، عندما اتصلوا به قبل 23يوليو ورفض الموافقة على فكرتهم في تحديد الملكية عن أي طريق يتعارض مع الدستور".

الأعمى يستطيع أن يستنتج من هذا أن قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته الثورة كان مطلبا أمريكيا.. ولكن صاحبنا أعمى القلب ولذلك فهو يتبع هذا التحليل الذي ارضي بعض الأذكياء بشهادة ترضى المغفلين، ولكن لما تحركت قوات الجيش ليلة 23 يوليو لم تكن فكرة القضاء على الإقطاع نابعة من فكر امريكى".

ليه؟

لنراجع ما لدينا من حقائق طبقا لشهادته:

1- مصر تغلي بنذر ثورة فلاحيه تحمل شتى الاحتمالات، ليس فقط تصفية الإقطاع أو كبار الملاك التصفية الثورة الجذرية، بل- أيضا- إطلاق تلك القوة الأسطورية التي لم تتحرك إلا بضعة شهور في ثورة 19 وعلى نطاق جزئي. ولو ثار الفلاح المصري ثورة شاملة ذات أبعاد وطنية وطبقية لتغير وجه المنطقة.
2- كان الأمريكيون ، أو أجهزتهم تتدفق على مصر وتراقب هذا بحذر شديد، وتصميم على منع هذه الثورة التي تتناقض مع أهداف الاستعمار والامبريالية.
3- ولذلك فكروا في حل يجهض هذه الثورة، ويحمى أي لا يتناقض مع الأهداف الاستعمارية والامبريالية، فطرحوا حل الإصلاح الزراعي ولا جديد في ذلك فقد طبقوه في كل بلد نجحوا في تنفيذ انقلاب فيه، وآخرها إيران.. فالانقلاب الامريكى يقترن غالبا بالإصلاح الزراعي، حتى يمكن اعتبار إعلانه قرينة على أمريكية الانقلاب..
4- تحدث المسئولون الأمريكيون الذين تدفقوا على مصر بعد حرق القاهرة عن الإصلاح الزراعي لمنع الثورة، وتبنى مطلبهم السياسي الشديد القرب منهم بل اتصلوا بمصطفى مرعى واقترحوا عليه تطبيق الإصلاح الزراعي أو تحديد الملكية بغير الطريق الدستوري يعنى بإجراء ثوري.. فرفض.. واكتشف اليساريون ما يجرى وعرفوا أنها لعبة أمريكية، وأنه ضد الثورة وليست ثورة.
ثم جاءت 23 يوليو ولم تكن قد أعدت للقضاء على الإقطاع مشروعا أو خطة كاملة وفجأة تبنى مجلس الثورة المشروع وقاتل عليه .

ثم يقسم لنا أنه لا صلة بين ذلك وبين الجهد الامريكى لفرض الإصلاح الزراعي . عظيم .. وموافقون .. ولكن ألا يسمح لنا أن نستنتج الآتي على الأقل:

1- الإصلاح الزراعي لم يكن يتعارض مع الأهداف الاستعمارية والامبريالية بل على العكس كان على هوى الامبريالية الأمريكية على الأقل فهي اقترحته قبل الثورة.
2- الإصلاح الزراعي كان عملا مضادا للثورة الفلاحية وليس عملا ثوريا.. ويجدر أن نشرح قليلا للمغفلين من خريجي مدرسة التجهيل السياسي فهم لا يعرفون الفرق بين الثورية والإصلاحية، وبين الاستعمار القديم، والاستعمار الجديد..

الاستعمار الامريكى بحكم تكوينه ومصالحه يعادى أية ثورة طبقية، ثورة تحرر قوى الشعب وتحقق تغييرا جذريا في النظام الاجتماعي والسياسي بما يكفل تعبئة وإطلاق طاقة الأمة في بناء الدولة والمجتمع، تصفية المصالح الاستعمارية، واقتطاع حصة من السوق العالمية التي تستثمرها هذه المصالح. وهذا هو جوهر الصراع بين الدول الاستعمارية والدول المستعمرة، ويمكن أن تضاف عوامل محلية لكل بلد، منها في حالتنا النفط وإسرائيل..

ولذا فإن أي إجراء يحول دون الثورة هو ضررا ولا شك أن الإصلاح الزراعي بالأسلوب الامريكى يحقق هذا الهدف، لما يخلقه من تعقيدات في العلاقات الاجتماعية والطبقية في الريف، تشغل الجماهير عن الثورة الحقيقية.. فالعلاقة القديمة.. كانت بسيطة ومفهومة.. طبقة كبار الملاك تملك الأرض والسلطة..

وفى مواجهتها الفلاحون بلا أرض ولا سلطة .. ومطلبهم واضح: الحصول على الاثنين معا: الأرض والسلطة.. والعدو واضح.. والصدام معه سيجر إلى الصدام مع الاستعمار الذي يسنده.. ومن ثم تصبح الثورة الطبقية وطنية في نفس الوقت.

أما بعد قانون الإصلاح الزراعي، فقد ارتبكت الصورة – رغم ضآلة ما تم توزيعه- فقد ظهر طابور من الملاك ولا أحد يعرف موقعه من السلطة ولا أحد يساهم أو يشارك في السلطة، وأيضا لا أحد يستطيع اتهام السلطة بوضوح بأنها مع العدو.. والكل في حرب ضد بعضهم البعض.. وقبل الإصلاح الزراعي، كان الفلاح الصغير هو قائد الثورة مرتبطا ومتحالفا مع فقراء الفلاحين ضد الملك الكبير ، أما الآن بعد الإصلاح الزراعي، فإن العداء الذي يمزق الريف والحقد الطبقي هو بين المالك الصغير والمستأجر ، حيث أصبح المستأجر هو الذي يستغل المالك الصغير المغبون.. وبذلك يستحيل اتفاق الطبقتين على موقف من السلطة وهذا سر خروج الريف من خريطة الثورة في المستقبل القريب على الأقل..

ويمكن أن نضيف أن طبقة كبار الملاك كانت قد ارتبطت تاريخيا واقتصاديا بالاستعمار القديم، ومن ثم فإن الاستعمار الجديد يهمه تحطيمها لاقتلاع جذور الاستعمار القديم ومراكز نفوذه، وإمكانات تحركه..

كذلك فإن تفتيت الأرض الزراعية وجعلها كأرض الأوقاف لا مالك حقيقي لها، كان في مخطط بعض الأطراف الأمريكية لتدمير منافسة القطن المصري طويل التيلة، للقطن الامريكى وقد عرفنا أن هذا الهدف أو الخشية من المنافسة كان خلف معارضة نواب الجنوب الامريكى للسد العالي.

على أية حال إن كنا قد كتبنا ذلك في عام 1985 اعتمادا على التحليل السياسي والمصادر المصرية ، فقد أتيح لنا الآن وثيقتان في منتهى الأهمية تؤكدان أن الإصلاح الزراعي هو قرار امريكى عريق ، وثيقة جاد بها هيكل على قرائه الإنجليز وهى أن روزفلت الح على فاروق في تنفيذ الإصلاح الزراعي، ولم يهتم الملك وقد وردنا ذلك في فصل هيكل الكذاب، أما الوثيقة الثانية التي لم يعلمها هيكل وما ينبغي له .

فإليك نصها:

من السفير الامريكى 20 أغسطس 1952 (سرى جدا):

" بدعوة منهم تعيشت الليلة الماضية مع نجيب وتسعة من ضباطه الأساسيين:

1- أكدوا مرة أخرى رغبتهم في صداقة الولايات المتحدة.
2- ناقشت معهم الإصلاح الزراعي . فقالوا إنه من ناحية لابد من عمل شيء وفى الحال نظرا للفوران الشعبي بين الفلاحين، ولكن من الناحية الأخرى فإنهم يرون إمكانية إفساد اقتصاد مصر كله لو تطرفوا في هذا الأمر أو بعبارة أخرى: لا يمكن إعطاء حوالي 17 أو 18 مليون فلاح شرائح من ألأرض ثم ينتظرون أن ينتجوا شيئا له قيمة وهم يشعرون بالحرج لأنهم تحدثوا كثيرا عن الإصلاح الزراعي علنا.
ورغم ذلك قبلوا أو اضطروا لإفساد اقتصاد مصر والمضطر يركب الصعب .

ثم إليك ما نقله حمروش من كوبلاند وما أضافه، وما اعتذر.. قال : اتصالات خارجية:" ولم يقتصر اتصال السادات بالقوى والتنظيمات السياسية المصرية فقط، ولكنه امتد ليشمل أيضا مندوبي وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية الذين استثارهم منشورات السادات، وانتصارهم في انتخابات نادي الضباط فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم، واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم.

وكانت حلقة الاتصال مع ضابط في المخابرات المصرية طبيعة عمله تسمح له بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب، بينما هو مرتبط بالسادات وبجمال عبد الناصر شخصيا.

ولم تتسع حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين السادات رغم اعتمادهم على الصحفي المقرب منهم محمد حسنين هيكل رئيس تحرير آخر ساعة في ذلك الوقت ورئيس تحرير الأهرام فيما بعد، لأنه لم يكن قد تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل السادات حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم.

وكان حريق القاهرة حافزا لنشاط الأمريكيين في المنطقة فقد أرسل دين اتشيسون وزير الخارجية مندوبا عنه استعاره من وكالة المخابرات المركزية هو كيرميت روزفلت لدراسة الأحوال في مصر.

ونشرت مجلة التايم في أكتوبر 1951 مقالا جاء فيه" أن الموقف في مصر أشبه ما يكون بالموقف في اليونان سنة 1947 ، حين اضطرت انجلترا نظرا لضعفها إلى سحب قواتها من اليونان، فحلت أمريكا محلها، واستأنف القيام بدورها حتى لا تترك فراغا يتسرب منه النفوذ السوفيتي ..وأمريكا أعدت للموقف منذ زمن بعيد حتى لا تفاجأ كما فوجئت في إيران ووضعت مشروع الشرق الأوسط".

" وركزت الولايات المتحدة اهتمامها بعد ذلك على مصر، فعينت جيفرسون كافري سفيرا بالقاهرة، وهو من أشهر مدبري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية ن ويضم سجله سلسلة طويلة منها تقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى( كما ذكر محمد عوده في كتابه "ميلاد ثورة").

" ولكن كافري جوبه في مصر بحركة شعبية متصاعدة، أضعفت من فرص القدرة على إحداث انقلاب مشابه لما حدث في سوريا، وقد أسرع هو وسفراء انجلترا وفرنسا وتركيا لتقديم مذكرتهم المشتركة إلى محمد صلاح الدين وزير الخارجية المصري التي تدعو إلى إقامة دفاع مشترك فور إلغاء المعاهدة.

وهى المذكرة التي أعلن مجلس الوزراء المصري رفضها أمام البرلمان..

" ولذا كان حريق القاهرة فرصة مواتية أنعشت آمال الامبريالية الأمريكية في التسرب إلى مصر ، ووضع قبضتها على مركز الحركة السياسية فيها".

" ولم يكن رجل المخابرات المركزية كيرميت روزفلت مندوب وزارة الخارجية الأمريكية ورئيس بعثتها إلى مصر بعد حريق القاهرة غريبا على المجتمع المصري، فقد عمل في مصر خلال الحرب، وتوطدت صلته بالملك فاروق، ووقف إلى جانبه خلال أزمة 4 فبراير 1942 وأعد له مقابلة مع الرئيس فاروق، ووقف على جانبه خلال أزمة 4 فبراير 1942، واعد له مقابلة مع الرئيس فرانكلين روزفلت خلال زيارته لمصر عام 1945:

ولم يبدأ كيرميت روزفلت مهمته الجديدة من فراغ.. فإن السياسة الأمريكية كانت لها نقط ارتكاز أقامتها خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية". " وكان جيفرسون كافري نشيطا في مقابلاته وعلاقاته.. فقد نشرت الصحف- مجلة الجمهور المصري عدد 22 يناير 1951- أن هناك مشروعا لإنشاء مكتب امريكى انجليزي مصري لمقاومة الشيوعية، ردا على المظاهرات المعادية التي تهتف بسقوط الاستعمار الأنجلو – امريكى، وأن مكتب الصحافة يعمل على كسب بعض كبار الصحفيين ويطالب بمبالغ كبيرة لزيادة نشاطه".

وكان مصطفى أمين صاحب دار أخبار اليوم قد أصدر كتاب باسم( أمريكا الضاحكة) فيه دعاية للمجتمع الامريكى، يمكن مقارنته بكتاب ( الإنجليز في بلادهم) الذي أصدره حافظ عفيفي.

وكانت السفارة الأمريكية قد نشطت في الاتصال بعدد كبير من السياسيين المصريين في محاولة لاجتذابهم إلى صفها.. كان حافظ رمضان لا يخفى صلته بالأمريكيين ، ويقول فتحي رضوان إن حافظ رمضان كان يتصل بمستر ايرلاند مستشار السفارة الأمريكية بأمل الضغط على البريطانيين كما صرح عبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية بقوله:" إننا على استعداد للتحالف مع أمريكا" .

" ويقول مصطفى مرعى إن الأمريكيين قد اتصلوا به ثلاث مرات للتعاون معهم على أسس رفضها، قال لهم إنه ضد الملك وليس ضد النظام.. وأنه مع الديمقراطية وضد الحكم الفردي.. ورفض اقتراحا خاصا بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وأبلغهم أنه يفضل تطوير قانون عضو الشيوخ محمد خطاب بحيث يضطر كل من يملك أكثر من 300 فدان إلى بيعها.

" ويدل اتصال الأمريكيين بمصطفى مرعى على أنهم كانوا يمهدون لنوع جديد من الحكم كان يرفضه، ولتشجيعه للإصلاح الزراعي بطرق غير دستورية.. وهذا يفسر سياستهم التمهيدية لقبول انقلاب يتفادى أخطار الانتفاضات الشعبية بتحقيق بعض انجازات اجتماعية شكلية مع تثبيت قبضة السلطة الخاضعة للامبريالية الأمريكية، المهددة للديمقراطية الشعبية.

" وكان أحمد حسين وزير الشئون الاجتماعية في وزارة الوفد والذي استقال منها في صيف 1951 هو أحد أصفياء السياسة الأمريكية .

يدعو لسياسة إصلاح اجتماعي تتفادى خطر الثورة. وقد اقترح على ( على ماهر) أن يطلب إلى الملك- مكافحة للشيوعية وتصفية للسخط الشعبي- إعلان تنازله عن أملاكه أو عن نصفها للشعب مثلما فعل شاه إيران فيما بعد أثناء معركة البترول كمقدمة لضرب الحركة الشعبية هناك.. كما انه اعتذر عن عدم الاشتراك في وزارة على ماهر عندما عارض في رفع شعار ( التطهير قبل التحرير ).

" كان أحمد حسين يؤدى دورا نشطا بين الساسة المستقلين بدعوى محاربة الفساد، وقد اتصل بعد خروجه من الوزارة الوفدية بنجيب الهلاليواتفقا على أسس التخطيط والعمل بعد التخلص من الوفد.

" ويحاول مايلز كوبلاند في كتابه" لعبة ألأمم" الإيحاء بأن جمال عبد الناصر كان على اتصال بكيرميت روزفلت عندما ذكر "وقد اخبرنا عبد الناصر كيرميت روزفلت صراحة أنه مع ضباطه لن ينسوا ذلك الإذلال الذي لاقوه على أيدي الإسرائيليين عام 1948، إلا أن نقمتهم ستنصب بالدرجة الأولى على كبار ضباط الجيش المصري ثم بقية حكام العرب والبريطانيين ، وأخيرا على الإسرائيليين ".

" ولكنه لا يوجد دليل واحد على أن جمال عبد الناصر قد اتصل شخصيا بكيرميت روزفلت قبل الحركة.

ولو أن اتصالات بعض زملائه بالأمريكيين قد جعلته يطلب من خالد محيى الدين عدم استخدام عبارة ( الاستعمار الأنجلو- امريكى) في منشورات السادات ، والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطانى ، وكان ذلك في شهر مارس 1952 وذلك للتأييد الذي لمسه هؤلاء الزملاء، من المسئولين الأمريكيين في المنطقة.

" والمقطوع به أن الأمريكيين قد وجدوا في النشاط السري لحركة السادات بعض ما يحقق لهم أهدافهم في المنطقة، ولكنهم لم يستطيعوا أبدا أن يكونوا مسيطرين عليه:

وبعد أن نقل حمروش ما ذكره كوبلاند عن تقرير روزفلت علق:

" وإذا صح أن كيرميت روزفلت قد وصل على هذه النتائج فإن هذا لا يعنى ارتباط تنظيم السادات بالمسئولين الأمريكيين ارتباطا عضويا، ولا يدل على أن حركتهم تتم بتوافق وتنسيق مع الاتجاهات الأمريكية ، وإنما يدل على اتساع دائرة معرفتهم، وخبرتهم السياسية في دول تتعرض لأزمات وطنية وحركة جيوشها في مواجهة هذه الأزمات.

" نشر الكاتب الامريكى ستيورات السوب مقالا في صحيفة ( شيكاغو صن تايمز) يقول فيه " إذا كانت بريطانيا قد استطاعت فيما مضى أن تحافظ على سيادتها على مصر بخلق الباشاوات وجعلهم أصحاب النفوذ، وبرشوتهم بعد ذلك ليكونوا أداة تسهيل مصالح بريطانيا الاستعمارية فإن هذه الطريقة لم تعد عملية ولا مجدية اليوم، إن الشعب الفقير قد أخذ يستيقظ ويشعر بالضيق الفاحش اللاحق به" ثم أنهى مقاله بقوله:" إن الحديث عن إنعاش الديمقراطية في بلد كمصر يعيش فيه أغلبية الشعب عيشة أحط من عيشة الحيوانات، هو لغو فارغ، إن مصر لا تحتاج إلى ديمقراطية بل تحتاج إلى رجل فرد، إلى رجل ككمال أتاتورك ليقوم بالإصلاحات الضرورية اللازمة للبلاد، لكن مشكلة مصر في كيفية العثور على الديكتاتور ، فليس بين رجال المؤهلات اللازمة للديكتاتور".

" وكتب إحسان عبد القدوس مقالا بعنوان ( إن مصر في حاجة إلى ديكتاتور .. فهل هو على ماهر؟) تحمس فيه للدفاع عنه وقال إنه معروف عنه أنه يعتد برأيه إلى حد لا يسمح معه للوزراء بالتفكير ثم قال: ومصر تقبل معه أن يعتد برأيه إلى حد أن يصبح ديكتاتور للشعب لا على الشعب، ديكتاتورا للحرية لا على الحرية، ديكتاتورا يدفعها إلى الأمام ولا يشدها إلى الوراء".

" وفى نفس الوقت تقريبا ظهرت عدة مقالات كتبها جوزيف السوب( من نادي الجزيرة بالقاهرة) قال فيها إن فاروق قد فقد أهليته، وأن الوفد حزب لا يمكن الاعتماد عليه، وأن الأمل الوحيد في الجيش.. وقد أثارت هذه المقالات التي نشرت في أمريكا، اهتمام المبعوثين المصريين هناك، ودفعت الدكتور إبراهيم سعد الدين عضو الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي ومسئول معهد الدراسات الاشتراكية فيما بعد إلى كتابة مقال لمجلة ( الكاتب) دون توقيع، تحدث فيه عن احتمال وقوع انقلاب عسكري.

" وكانت صحف دار أخبار اليوم هى المنبر الذي تنطلق منه الدعاية للسياسة الأمريكية ، فهي تمدح السراي والملك، وتهاجم الوفد وتحاول التشهير به، ثم تنقلب إلى غمز السراي عندما تتبلور السياسة الأمريكية وتفقد الثقة في قدرة الملك على الإصلاح.

وفى غمرة البحث الامريكى وراء خفايا الحياة السياسية في مصر، ومحاولة معرفة البطل الذي تحدثت عنه صحف أخبار اليوم وقف جهاز اكتشافهم الحساس عند ظاهرة، لم تكن ذات أثر كبير في حياة الجماهير اليومية، ولكنها أظهرت بادرة مثيرة في أخطر جهاز منظم في مصر.. وهى انتخابات نادي ضباط الجيش التي دفعت اسم محمد نجيب إلى الضوء".

نلخص ما جاء في نقل وتعليق حمروش على كلام مايلز كوبلاند:

1- حمروش يعترف، وهو لا يملك أمام الأدلة الدامغة على وقوع اتصال بين السادات " ومندوبي وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية " قبل 23 يوليو وينسى أن التنظيمات الثورية، لا تتصل بالمخابرات الأمريكية ، بل تحاول المخابرات الأمريكية الوصول إليها، لتدميرها وتسليمها للسلطة.
ولكننا أمام تنظيم ثوري في القوات المسلحة. يسعى للاتصال بالمخابرات الأمريكية ومن الظلم البين إشاعة الاتهام هكذا بين السادات فمعلوماتنا والوقائع والأدلة تؤكد أن حلقة محدودة جدا هى التي اتصلت، وهى التي كانت تعرف بهذا الاتصال، بينما كان التنظيم في أغلبيته الساحقة وطنيا، لا يدور بخيال أحد من أفراده أن يتم اتصال مع المخابرات الأمريكية.
2- المخابرات الأمريكية اتصلت بتنظيم السادات ، ولم تش به لا إلى الإنجليز ولا إلى السراي.
3- تطوع حمروش فيضرب عصفورين بحجر، يتهم هيكل بأنه كان أداة أو وسيلة الأمريكان " الصحفي المقرب منهم محمد حسنين هيكل" ولكنه يؤكد أن حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين السادات لم تتسع، وحجته على ذلك أن هيكل " لم يكن قد تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل السادات حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم" . قد أوضحنا وجهة نظرنا في علاقة هيكل وعبد الناصر، ونضيف إن الأمريكان لم يكونوا تحت رحمة معرفة هيكل بالسادات، لأن هؤلاء باعتراف حمروش هم الذين سعوا للاتصال بالمخابرات ألأمريكية وفى رأينا أن أكثر من ضابط في المجموعة الملتصقة بعبد الناصر كانت له اتصالات مع الأمريكان، بينما كان دور هيكل هو حلقة الوصل بين المخابرات الأمريكية وعبد الناصر.
4- اعترف بوصول كيرميت روزفلت إلى مصر في ا لفترة بين حريق القاهرة و23 يوليو 1952 وتبنى معلومات مايلز كوبلاند كاملة في أن :
5- قرار الحكومة الأمريكية بتولي الأمور في مصر بدلا من الإنجليز.
6- المخابرات الأمريكية نظمت انقلاب حسنى الزعيم في سوريا. " وهو أول محاولة لنقل أسلوب الحكم المفضل لدى الامبريالية الأمريكية والذي مارسته لزمن طويل في أمريكا اللاتينية .
وهو حكم العسكريين الذين يقمعون الثورات والقلاقل الداخلية، ويعملون مباشرة لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية ".
ولم يقل لنا لماذا تضن علينا أمريكا بهذا النظام المفضل لها؟ وهل فعل عسكر مصر إلا هذا؟
7- تبادلت بريطانيا وأمريكا الانقلابات في سوريا. فلماذا ليس في مصر؟ لأ.. عيب.
8- ركزت أمريكا على مصر فعينت فيها كافري وهو خبير انقلابات كما رأينا.
9- الحركة الشعبية في مصر أضعفت قدرة كافري على إحداث انقلاب مماثل لما جرى في سوريا، ولكن آماله وآمال جماعته انتعشت بحرق القاهرة.
10- اتصالات الأمريكان مع مصطفى مرعى تدل على أنهم كانوا يمهدون لنوع جديد من الحكم يتنافر مع الديمقراطية، وتطبيق الإصلاح الزراعي بطرق غير دستورية.
وهذا يفسر سياستهم التمهيدية لقبول انقلاب يتفادى أخطار الانتفاضات الشعبية".
11- حاول الأمريكان القيام بثورة سلمية في إطار النظام الملكي وهنا غير كيرميت روزفلت رأيه ، وحمروش ما زال يتبنى كل معلومات مايلز كوبلاند إلا الحرام وقرر روزفلت أن الملك حالة ميئوس منها وأنه لا سبيل لمنع الجيش من الاستيلاء على السلطة.
12- يصر حمروش على نفى الاتصال الشخصي بين روزفلت وعبد الناصر قبل الحركة – نحن بدورنا لا نصر عليها- ولكنه يؤكد وقوع اتصال بين بعض زملاء عبد الناصر والأمريكان أدت غل طلب عبد الناصر( بناء على طلب الأمريكان أو لتسهيل المفاوضات لا ندرى) " من خالد محيى الدين عدم استخدام عبارة الاستعمار الأنجلو- امريكى في منشورات السادات، والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطانى. وكان ذلك في شهر مارس 1952 وهو كما قلنا ينطبق مع تاريخ الاتفاق.
13- " يقطع بأن النشاط السري لحركة السادات يحقق بعض أهداف الأمريكان في المنطقة ولكنه يبادر فيقسم بأنهم " لم يستطيعوا أبدا أن يكونوا مسيطرين عليه" ما علينا.. المهم اتفقت أهداف الامبريالية الأمريكية ونشاط السادات كما عرضته عليهم مجموعة عبد الناصر قبيل الثورة. أما حكاية السيطرة فهذه حديثها يطول جدا.
14- يقول إن صح أن كيرميت وصل إلى هذه النتائج ( تقريره إلى واشنطون المنقول من "لعبة ألأمم" فإن هذا لا يعنى ارتباط تنظيم الضابط الأحرار بالمسئولين الأمريكيين ارتباطا عضويا، ولا يدل على أن حركتهم تتم بتوافق وتنسيق مع الاتجاهات الأمريكية".

دفاعه أسوأ من الاتهام .

من قال إن السادات ارتبطوا عضويا بالمخابرات الأمريكية ..؟
حمروش لا يؤمن إلا بالارتباط العضوي؟
وأين في العالم ارتبط نظام حكم ارتباطا عضويا بمخابرات أجنبية إلا إذا تصورنا حكومة من مايلز كوبلاند ومييد" وايكلبرغر" وهيكل ومصطفى أمين وبرئاسة التهامي؟. .
15- بدأ الحديث علنا في الصحف الأمريكية عن انقلاب عسكري، وخطأ ممارسة الديمقراطية في مصر، ولابد أن يسبقها إعداد ورفع مستوى الشعب في ظل حكم قوى.. وهو نفس ما قاله مايلز كوبلاند نفسه للشهادة، من خلال كتابه لعبة ألأمم؟

" لعبة ألأمم" كتاب صدر في عام 1969 لمؤلفه" مايلز كوبلاند" ورغم الشهرة الذائعة التي نالها الكتاب، والإشارة إليه والنقل منه في سائر المؤلفات العربية التي صدرت بعده، وتعرضت بشكل أو آخر لنظام عبد الناصر، أو للفترة التي تحدث عنها المؤلف ، إلا أنه ما من ترجمة كاملة أمينة قد جرت للكتاب، ولا هو متاح للقارئ في مصر.

ولا نال حقه من الدراسة والتحليل أو حتى الرد والتفنيد ، وإنما اكتفت السلطات الناصرية بحظر دخوله إلى مصر.

ولم يتغير القرار بعد وفاة ناصر. واكتفى الأستاذ محمد حسنين هيكل بإصدار بلاغ من طائفة البيانات التي تعود أن يصدرها في الأهرام، فأعلن أن الكتاب مرفوض لأن مؤلفه – باعترافه- في المخابرات الأمريكية.

و" لعبة ألأمم" هو اسم أطلق على جهاز أقيم في واشنطون في فترة من الوقت، تابع للمخابرات الأمريكية كانت تجرى فيه لعبة أو مسرحية سياسية، أو قل فكرة شيطانية من ألاعيب المخابرات العالمية، إذ يتقمص موظف شخصية زعيم من زعماء الدول التي تهم سياستها الولايات المتحدة، وتجمع له الأجهزة كل المعلومات عنها الزعيم ، يوما بيوم ، فضلا عن تاريخ حياته منذ طفولته وعقده ومكونات نفسيته وثقافته وقراءاته وأبطاله ومستشاريه.. ومن ثم تصبح مهمة هذا الرجل أن يتنبأ بردة فعل هذا الزعيم إزاء فعل من قبل الولايات المتحدة أو غيرها..

وإذا كانت الإثارة هى في هذه الفكرة، أعنى قدرة هذه الشخصية على التنبؤ مقدما بتصرف الزعيم الذي يمثله، فإن الأهمية أو العائد في نظري هو في اهتمام وقدرة الأجهزة من خلال هذه اللعبة على تجميع المعلومات عن الزعيم موضوع الاهتمام.. وربما تكون هذه اللعبة قد لعبت دورا في دفع الأحداث في عالمنا في اتجاه معين، من خلال دراسة شخصية الزعيم.

ومعرفة مفتاح هذه الشخصية مثل حب المال أو النساء أو التمسك بالسلطة مهما كان الثمن، أو كراهية مزاحم على الزعامة سواء أكان هذا المزاحم من الداخل أو الخارج. أو معرفة نوعية العلاقة داخل المجموعة الحاكمة..الخ.

المهم والذي يعنينا هنا، أن مايلز كوبلاند مؤلف الكتاب كان الشخص المكلف بتمثيل أو تقمص شخصية الرئيس جمال عبد الناصر ومن ثم فهو ليس الغريب المتطفل الذي صوره لنا هيكل لغرض أكثر من واضح..

وهو كما عرفه الناشر الامريكى أحد الذين ساهموا في تنظيم المخابرات الأمريكية كلها.. وهو رئيس المخابرات ألأمريكية في مصر.. إذ المعروف أن المخابرات ألأمريكية لها وحدات إقليمية تسمى محطة ومصر في تلك الفترة كانت من أهم مراكز الشرق الأوسط كله، وقيادة العالم العربي.

وإليك كلمة الناشر على غلاف كتاب لعبة ألأمم وقد تكون فيها مبالغة، وإنما لا تصل إلى درجة الكذب أو الانتحال لأنها موجهة للقارئ الامريكى أولا..

" مايلز كوبلاند الذي كان موظفا في وزارة الخارجية، والرجل الذي ساعد في تنظيم المخابرات الأمريكية، دبلوماسي سابق ورجل أعمال، وخبير في شئون الشرق الأوسط. وأحيانا لاعب في لعبة ألأمم كتب كتابا مثيرا طريفا عن الدبلوماسية الدولية السرية.

ولكي يبرز فكرته عن لعبة ألأمم اختار مستر كوبلاند واقعة تاريخية هى وصول عبد الناصر إلى السلطة، حيث كان مستر كوبلاند لاعبا في هذه الدراما.. ويشرح كيف تعمل الأجهزة والاغتيالات والرشاوى، ويسمى الأشياء بأسمائها.. ويشرح كيف تعمل الأجهزة الأمريكية مع وضد بعضها، ويشرح بالتفصيل الجانب التآمري والمخادع الذي تمارسه الأجهزة الحكومية غير الرسمية مثل نشاط السى آ ايه وأن هذا الجانب هو دائما الأكثر فعالية وإن يكن مجهولا من الرأى العام .

كما يوضح كيف استطاع قائد مصر (عبد الناصر) أن يطور فرعه الخاص بلعبة ألأمم.

" لكل الذين يريدون معرفة كيف تدار السياسة الخارجية فعلا يقدم مايلز كوبلاند كتاب وثائقيا لا خيالات فيه، أكثر إثارة من قصص الجواسيس الخيالية.

كتاب لعبة ألأمم يكشف المناورات والألاعيب التي تميز سياسة الدول الكبرى، ويكشف الأفعال السرية التي لا علاقة لها بما يقوله السياسيون والرسميون للشعب".

وفى المقدمة يقول المؤلف إن المؤرخين يعجزون مثلا عن تفسير " لماذا أحجم عبد الناصر عن شن الحرب على إسرائيل في ظروف كان النصر فيها محتملا، بينما قاد بلاده إلى هزيمة محققة في 1967.." ويرد على تساؤله بأن المؤرخين لا يعرفون القصة خلف القصة أو ما وراء الستار، لأن هذه القصة السرية تحجب عنهم"..

ويقول إنه عندما عرض مسودات الكتاب على أحد الدبلوماسيين نصحه بعدم النشر، لأنه لا يجوز أن نسيء إلى صورة حكومتنا في أعين الجمهور" ولكنه لم يوافقه .

لعدة أسباب منها أن من حق المواطنين الأمريكان أن يعرفوا الحقيقة عن حكومتهم. وأن رجال هذه الحكومة هم مجرد بشر .

وأنه إذا كان المواطن الامريكى يشعر بالفخر لأن حكومته ذات مسلكية أخلاقية عالية، إلا أن هذا المواطن سيكون نومه أهدأ إذا ما عرف أن خلف الستار يوجد له رجال قادرون على مواجهة خسة السوفييت بخسة مماثلة".

" لقد ركزت على الشرق الأوسط ومصر بالذات، أساسا لأنني كنت هناك كثيرا كضيف لم يدعه أحد ولأنني ساهمت في كثي من الدبلوماسية السرية، التي حكمت السلوك اللامنطقى في تعامل زعماء الشرق الأوسط مع الغرب، ودبلوماسي اغرب مع حكومات الشرق الأوسط".

وأنه أراد أن يوضح أنه إذا كانت سياستنا الخارجية قد تعثرت بعض الوقت، فإن السبب لم يكن بسبب قرارات غير حكيمة اتخذها المسئولون، بقدر ما كانت بسبب خطأ الفهم وسوء استخدام أجهزتهم في التعامل مع مشاكل لا يمكن أن تحل بالوسائل العادية، إن الأخطاء التي ارتكبتها حكومتنا في التعامل مع الرئيس ناصر هى نموذج شديد الوضوح هنا".

" أردت أن أقدم للقراء والمؤرخين في المستقبل صورة لمعالجة حكومتنا لسياستها الخارجية بالوسيلة- التي هى دائما- الأكثر حسما ولو كانت غير معروفة للجمهور.

وقد حذفت كل الأسرار المحظورة بموجب نظم الأمن الحكومية، إلا التي أصبحت فعلا في علم قوى أجنبية بسبب تسربها من قبل أو بفعل الجاسوسية أو بسبب نشرها. على أية حال لم أكتم شيئا لمجرد الوفاء للجماعة"

" لأسباب عديدة فإنني أعتبر عمليتنا التي تشمل الرئيس ناصر، هى أفضل حادثة تاريخية لعرض كيف تعمل إستراتيجيتنا المزدوجة القيم الأخلاقية".

" عندما كنا نجلس حول الطاولة في الفترة التي كنت فيها العب دور عبد الناصر، كان يبدو لنا جميعا أنه لا يمكن أن تستمر اللعبة بدون عبد الناصر".

" إن دراسة كيف أدرنا اللعبة مع ناصر تقدم لنا دروسا قيمة حول إستراتيجيتنا في التعامل مع أمثاله".

وهو يعتقد – وأثبتت الأحداث منذ تاريخ نشر الكتاب صدق توقعه أن " نموذج ناصر من القادة الأفروآسيون سيأتون باستمرار للعب الدور الذي سنحدد معالمه في ما يلي من الصفحات".

" لأنه في هذه البلدان التي تبدو حالتها ميئوسا منها من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، ليس أمام القائد المحلى إلا أحد حلين: إما أن يصرخ يسقط الاستعمار وتهتف له الغوغاء بينما بلدهم يسير إلى الدمار ، أو أن يقبل المعونة ويرضى بمركز العميل للاستعمار أو لموسكو".

وقال إن النموذج الناصري هو الأقدر على البقاء بين زعماء الدول المفلسة هذه ، وان عبد الناصر كان تسعين بالمائة ناصري ولذلك كان أطولهم عمرا، بينما نكرو ما كان سبعين بالمائة.. فقط..

ودعنا من فلسفته وزهوه كالطاووس لأنه جعل منطقة مثل الوطن العربي، وبلدا ولد فيها التاريخ وقامت أول حكومة جعله حقل تجارب من شعبه على هذا النحو الفاضح والمؤلم إل حد البكاء.

دعنا من هذا، الفكرة ببساطة هى أن الدول المتخلفة لا أمل لها من وجهة نظر المخابرات أو الإدارة الأمريكية في الخروج من التخلف وتلبية احتياجات شعبها، أو كما قالوا لعبد الناصر بصريح العبارة:" إنه لا أمل لمصر في الخروج من الفقر".

ولذا فإن زعماء هذه الدول يريدون الاستمرار في السلطة ليس أمامهم إلا استجداء الدول الغنية أو ابتزازها، وهذا الكتاب هو دليل التعامل مع هذه النماذج، أو خلق بعضها فعلا عندما تقتضى الضرورة ، وفى الأماكن الإستراتيجية والظرف التاريخي المعين.

وإليك المزيد من تعريف الرجل بنفسه، ولاحظ أن هذا نشر في كتاب صدر في الولايات المتحدة، فلا يمكن أن يكذب فيه ويدعى مناصب ووظائف ومهمات لم يقم بها، ونحن ملزمون بتصديق ما يقوله عن وظائفه، واتصالاته بناصر:

" في فبراير 1947 عندما أعلنت بريطانيا استعفاءها من مهمة الدفاع عن تركيا واليونان ودعت أمريكا للحلول محلها " كنت من المجموعة الإدارية الاستشارية المكلفة بدراسة الفوضى التنظيمية الموجودة وقتها في دائرة الاستخبارات، ولتقديم توصيات لإصلاحها".

" وصلت إلى مصر في يوليو 1953"

" نكتي عن الانقلابات في سوريا هى التي جعلتني الشخص المفضل في منزل عبد الناصر".
" في يوليو 1954 قال ناصر  : لكي تشكل نفوذا معتدلا في العالم العربي فيجب أن تكون صاحب نفوذ"
" وأنا وحسن التهامي كنا نتحدث مع عبد الناصر في حديقته"
" زرت نيويورك في أواخر صيف 1953 واقترحت إعطاء ناصر مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته، وتزويده بسيارة كاديلاك مصفحة، وخبير لتنظيم حرسه الخاص، وجهاز إنذار على بيتهن ومعدات لتفريق المظاهرات".
" في أغسطس 1953 وكنت ذاهبا للغداء مع عبد الناصر، طلب منى السفير كافري أن استمزج رأيه في المفاوضات مع بريطانيا وقال لي: اعرف لنا أقصى مطالبه، وأدنى ما يمكن أن يقبل به، وقل له إننا سنحتفظ بهذا سرا فيما بيننا. وكانت هذه هى أول مرة يطلب منى أن أناقش سياسة أو بالأحرى سياسة دولية مع عبد الناصر".

ويقول إنه في هذا الاجتماع اقترح على عبد الناصر الاستعانة بوسيط امريكى.." وورد اسم كيرميت روزفلت الذي اعتبره عبد الناصر اختيارا ممتازا، فلما تشككت في أن علاقته بالمخابرات قد تشكل عقبة، قال عبد الناصر بالعكس.. إن هذه الصلة ميزة، فهو يستطيع أن يكون رسميا بالقدر الذي نريده.

وكان رأيه أن موظفا في المخابرات ألأمريكية، يمتاز بأنه لا يمثل الحكومة الأمريكية، وبالتالي فهو غير ملزم بتوضيح موقفه أو دوره الحقيقي للانجليز، إلا أنه في نفس الوقت يتمتع بثقة الحكومة الأمريكية، ومن ثم فهو يعرف ما يقول ، ثم إن علاقة روزفلت الوثيقة بالأخوين دلاس كانت مهمة أيضا عبد الناصر، كذلك كان ناصر يعرف أن كافري سيوافق على هذا الاختيار، وكانت خبرة عبد الناصر السابقة مع روزفلت قد أقنعته أن روزفلت هو من النوع الذي يجيد تدبير الأمور".

" وقد قام روزفلت فعلا بدور الوساطة في عقد اتفاقية الجلاء.."

هل عرفت الآن من هو الوسيط الامريكى الذي تحدث عنه زكريا محيى الدين..؟ .. إنه عراب 23يوليو كما سنرى.
" وقد أخبرت كافري، على الفور، بعد الغداء مع عبد الناصر بمحادثتي مع عبد الناصر، فأبرق بالفكرة إلى واشنطون بعد ظهر نفس اليوم ووصل روزفلت في نهاية الأسبوع، بعد أن توقف في لندن للحصول على ملخص من وزارة الخارجية لمعرفة ما هى النقاط المهمة في المفاوضات وما هى غير المهمة".
" وفى اجتماع بين ناصر وروزفلت راجعا الأولى والثانية ( انظر الصفحات من 120 إلى 131 من الكتاب عن الخطة التي وضعت لمسيرة الثورة بين الأمريكان وممثلي مجلس الثورة التي تتضمن تحقيق بين مصر وبريطانيا وأمريكا ومن هنا أصبح عمله هو تحديد ما الذي يريده فعلا البريطانيون والمصريون بصرف النظر يقولون .. ثم صياغة ذلك.

" لعبت دور عبد الناصر في مركز الأمم من صيف 1955 إلى ربيع 1957 وفى نفس الوقت كنت أعمل مستشارا لمجموعة تسمى " لجنة تخطيط سياسة الشرق ألوسط" وفى وزارة الخارجية الأمريكية.

وهى وظيفة أعطتني الفرصة لزيارة القاهرة وعواصم أخرى في الشرق الأوسط، حيث تمكنت من مناقشة حركات ناصر مع ناصر نفسه وغيره من القادة في الشرق الأوسط الذين تأثروا بأفعاله. وإلى جانب ذلك كنت قد عرفت ناصر نفسه منذ عدة سنوات، وفى أفضل الظروف الممكنة، وكنت على علاقة جيدة مع قادة الشرق الأوسط المهمين سواء الذين ضد أو مع ناصر".

" نقلت أنا و" جيم ايكلبرغر" خبر انضمام العراق لحلف بغداد إلى عبد الناصر مساء اليوم الذي وقعت فيه الاتفاقية، وكان السفير الامريكى بايرود قد وصل، ولكنه لم يقدم بعد، أوراق اعتماده.

وعبد الناصر يريد أن يبحث معه حلف بغداد الذي أعلن وهو لا يستطيع استقباله بصفة رسمية فاتفق على أن يأتي إلى بيتي ناصر وبايرود وعبد الحكيم عامر وحسن التهامي للعشاء، ثم أعقب العشاء اجتماع آخر حضره تهامي وأنا وعبد الناصر وبايرود نوقشت فيه كل جوانب علاقات بلدينا".

لعلنا ساهمنا في تخفيف بعض حيرة الحاج هويدى في البحث عن سر أهمية الدرويش حسن التهامي.. وزدنا من حيرة الناصريين في تفسير محاولة هيكل التقليل من شأن الرجل الذي يسعى ناصر إلى بيته لمقابلة سفير أمريكا..

" في فبراير كنت أعيش في القاهرة وأتردد على دمشق".

" وقع المصريون والإنجليز و" يلبور ( بيل) ايفلاند، إلى القاهرة لبحث ما هى الأسس التي يمكن بموجبها لحكومتنا إعطاء المصريين الأسلحة التي يطلبونها لأغرض الأمن الداخلي، على أن يعقد الاجتماع مع ناصر نفسه بحضور كبار مساعديه، وعلى أن يكون سريا وبدون محاضر.وطلب منى السفير كافري، أن أنظم الاجتماع وأشترك فيه، وأنقل إليه ما يحدث .

ولذا فقد كان واضحا ، أن دوري هو دور مراقب بدون صفة رسمية. وقد تم الاجتماع في الساعة الثامنة من مساء يوم ما، في منزل حسن التهامي كبير مساعدي ناصر، واشترك فيه عبد الناصر، ورئيس الأركان عبد الحكيم عامر، والكولونيلا الأمريكيان ،والتهامي وأنا.. وكان الجو وديا وغير رسمي.

خلعت فيه الجاكتات وعلقت على ظهر المقاعد، وجرى استخدام الاسم الأول: آل .. بيل.. بل حتى جمال. وتناولنا وجبة بيتي رائعة، وبعد ذلك بدأنا ما عرف بعد ذلك بمحاولة صريحة مما اعتدنا عليه".

وروايته تتفق تماما مع رواية ايفيلاند في كتابه حبال الرمال والذي سنعرضه بعد هذا الكتاب لعبة ألأمم.

المحادثات التي يحضرها تهامي، ولا يسمع بها فضلا عن أن يشترك فيها بغدادي وكمال الدين حسين.. فضلا عن هويدى.

لا تعطيه الحق في أن يتساءل لماذا استوزر عبد الناصر هذا الوزير .ز إنه حقا لم الشمل ولكن أي شمل؟ ..

وهذا يفسر لنا الدور غير المبرر الحجم الذي لعبه تهامي في المفاوضات مع إسرائيل التي انتهت بكامب ديفيد..

ويقول إن المناقشة في هذا الاجتماع كانت صريحة لدرجة أن الأمريكان لم يستخدموا ولو مرة واحدة تعبير :" العالم الحر" كما لم يستخدم المصريون كلمة الاستعمار.

يعنى لا احنا عالم حر ولا أنتم ضد الاستعمار.. فلا داعي للتهريج بالألفاظ " وفى منتصف سبتمبر تسلم كيرميت روزفلت رسالة شخصية من ناصر بأنه سيوقع اتفاقية مع الروس، وأنه إذا كان روزفلت يريد أن يجرب إقناعه بالعدول عنها فمرحبا به، وفى اليوم التالي سافر كيرميت وأنا إلى القاهرة، وقد قابلنا في المطار معاونو عبد الناصر وأخذونا رأسا إلى شقة عبد الناصر في أعلى مبنى مجلس الثورة".

في 16 يوليو 1955 أنهيت سنتي خدمتي في مصر واتجهت مبطئا إلى وطني، واستغرقت رحلة العودة شهرا.

وعندما وصلت أخيرا في آخر أغسطس، وجدت في انتظاري خطابات من كل ما بايرود وناصر، إلى جانب مراسلات من رؤسائي تخبرني بأنني سأعار لوزارة الخارجية لفترة غير محدودة لتشكيل وحدة عمل تسمى " لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط".

" قضيت وقتا طويلا في أواخر 1956 وبداية 1957 أعطى محاضرات لمجموعات من الموظفين الأمريكان، أقوم فيها بدور عبد الناصر، وأشرح لهم مواقفه، وكثيرا ما كنت استدعى إلى مكتب وزير الخارجية دلاس أو نائبه هوبرت هوفر الابن، لكي أساعدهم على التنبؤ بردود فعل عبد الناصر لبعض القرارات التي ستتخذها حكومتنا.

وكنت أجعل مواقف عبد الناصر مفهومة بل ومقبولة ، حتى أن أحد الموظفين قال: أنا لا أثق في هذا الشخص، إنه ناصري أكثر من ناصر نفسه".. ومرة التفت إلى آلن دلاس وقال : إذا كان هذا البكباشي بتاعك( أو بتاعكم ) سيزعجنا أكثر من ذلك فسنشطره إلى نصفين".

" عندما سألنا " فرانك ويزنر" نائب مدير المخابرات ألأمريكية، قبل أسبوع من أزمة السويس، إذا ما كنت أتوقع أن يؤمم عبد الناصر القناة ردا على رفض تمويل السد العالي، أجبته إنني في تمثيل دوره في لعبة ألأمم، أممت القناة فعلا منذ عدة شهور.. ولكن ناصر لم يفعل ولذا لا أدرى ما الذي سيفعله الآن.. وعندما ناقشت مشكلة السويس مع عبد الناصر بعد ذلك كان واضحا أنه توقع ردة فعل أشد من جانب الأنجلو- أمريكان.. الخ".

" في أوائل عام 1956 قضى الرئيس عبد الناصر والسفير فوق العادة إيريك جونسون، وأنا ، مساء طويلا في حديقة عبد الناصر نناقش ما الذي يمكن لعبد الناصر أن يقوم به، وماذا لا يمكنه لمساعدة جونسون على وضع خطة حول مياه نهر الأردن".

" مايو 1957 استقلت من وزارة الخارجية، وأسست مكتب استشارات للعلاقات الحكومية لشركة نفط وشرطة طيران وبنك، في بيروت في يوليو 1957".

" في 1957 كنت في واشنطون أعمل في لجنة، يفترض أنها المسئولة عن كل ما لع علاقة بعبد الناصر.. وأذكر أنني حضرت يوما إلى المكتب صباح يوم من أيام شهر يناير لأعرف أن مشروع إيزنهاور .و الخ".

" عبر السنين رأين ناصر أكثر من أي غربي آخر، وغلى الآن بعدما لم يصبح من المستطاع مفاجأته بزيارة بدون دعوة والبقاء لتناول الغداء ما زلت أجرى معه مناقشة طويلة مرة كل شهر أو شهرين يسترخى فيها تماما ، ويكون طبيعيا جدا.

وقد قمت بهذه الزيارات مرات عديدة، كمجرد علاقة شخصية أو مرات لحساب بعض الشركات التي أعمل لها، ومرات بعد تلقين عنيف من أطباء المخابرات الأمريكية لكي أسجل لهم أية ظاهرة من ظواهر المرض الجسمي أو العقلي على عبد الناصر".

" ناصر أخبرني في 1964 أنه كف عن محاولة فهم تصرفات الأمريكان". ويقول إنه أهدى لبعد الناصر مرة، بدلة على الطراز الامريكى فلم يعجبه ذوقها".

والآن ماذا عن الكتاب؟

لقد وضع في بدايته قائمة بالأحداث التاريخية التي يعتقد أنها تحدد خريطة التطورات السياسية في موضوعه وهى كالآتي:
21 فبراير 1947 سلمت السفارة البريطانية في واشنطون رسالة لوزارة الخارجية حول اليونان وتركيا تعلن انتهاء مرحلة السلام البريطانى أي مرحلة السلام في المنطقة بقوة بريطانيا .
12 مارس 1947 إعلان مبدأ ترومان.
14 مايو 1948 إعلان دولة إسرائيل.
30 مارس 1949 انقلاب حسنى الزعيم.
26 يناير 1952 حريق القاهرة وتوجه كيرميت روزفلت إلى القاهرة لتنظيم ثورة سلمية تحت قيادة فاروق.
مارس 1952 كيرميت روزفلت يتخلى عن فكرة الثورة السلمية ويجتمع بالسادات المصريين وهو التاريخ الذي اتفق خالد محيى الدين وحمروش على طلب عبد الناصر فيه وقف الهجوم على الأمريكان في منشوراتهم..).
22 [[يوليو] 1952 انقلاب ناصر في مصر.

وفى شرح هذه النقاط وتسلسله، تقول الوثائق "إنه في عام 1947 أبلغت بريطانيا الحكومة الأمريكية أنها لا تستطيع الاستمرار في تحمل مبلغ الخمسين مليون دولار اللازمة لدعم اليونان وتركيا ضد الشيوعية، فإما أن تتولى أمريكا المهمة، أو تترك للفراغ".

وكان هذا التطور ضد الشيوعية ، فإما أن تتولى أمريكا المهمة، أو طبيعيا ومنتظرا بلهفة من الولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية أكبر قوة في العالم غير الشيوعي، وكانت ترى نفسها الوريث الشرعي والطبيعي والكفء للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، اللتين بعجزهما تسيطران على مساحات شاسعة وثروات هائلة ، بدون مبرر بموجب قانون الغابة الاستعمارية، وبدون قدره على ضبط هذه المناطق وإخضاعها كما كان الحال قبل الحرب العالمية الأولى، أو حتى فيما بين الحربين، وكان نفط الشرق الأوسط وإسرائيل يمثلان أهمية حيوية، وجائزة مطلوبة من قبل الإدارة الأمريكية، وأصحاب المصالح الحقيقية، كما كان موقع الشرق الأوسط يمثل أهمية بالغة لإستراتيجية السيطرة على العالم، أو احتواء الشيوعية العالمية، والدفاع عن غرب أوربا وأفريقيا..

وربما خطر ببال الإنجليز رشوة الأمريكان بتركيا واليونان، مقابل ترك بريطانيا تتمتع بالجزء الأقل سخونة وأكثر ليونة وأغرز نفطا في شرق وجنوب البحر الأبيض.. ولكن أمريكا- كما رأينا- كانت عينها على ذات هذه المناطق التي تريد بريطانيا، الاحتفاظ بها، ولا أحد يدافع عن تركيا واليونان من أجل الأتراك واليونانيين فهما من أفقر الشعوب وزيت الزيتون لا يغنى عن زيت النفط، وإنما أهمية اليونان وتركيا في أنهما الخط الأمامي في الدفاع عن الكنز أو الشرق الأوسط العربي وإيران.. كما أن الدفاع عنهما يصبح مستحيلا بدون عمق في الوطن العربي وإيران..

وهكذا قررت أمريكا أن تأخذ الجمل بما حمل.. فتكونت المخابرات الأمريكية سى آى اسه سنة 1947، وتشكل مركز لعبة ألأمم سنة 1948، يقول كوبلاند :" كان برنامجنا هو ملء الفراغ الذي تركه رحيل البريطانيين من اليونان وتركيان الفراغ الذي لا يقتصر على تركيا واليونان بل الشرق الأوسط كله. وتنفيذ ذلك بأسلوب يتفق مع وسائلنا وطرقنا.. كنا ندخل في لعبة جديدة، اللاعبون فيها هم حكومات منطقة الفراغ، وليس الاتحاد السوفيتي.. وكما قال موظف كبير بوزارة الخارجية، لم تكن لدينا أهداف بل مشاكل ، مشاكل من عزم الصهيونية على خلق دولة يهودية في فلسطين، وتصميم العرب على منعهم، مشاكل خلافاتنا مع حلفائنا .

وفى داخل البنتاجون نفسه( وزارة الدفاع الأمريكية) حول الدور الذي سيلعبه الشرق الأوسط في مشاريع الدفاع..

ومن القضايا التي أثيرت هى إلى أي مدى ندعم رسميا شركات النفط الأمريكية التي زاد نشاطها في المنطقة وأخيرا تحددت أهدافنا في الآتي:

1- منع الصراعات الإقليمية من جرنا إلى مواجهة مع السوفييت، أي منع تحول الحرب الباردة إلى ساخنة.
- تمكن حكومات المنطقة من المساهمة في العالم الحر..
3- خلق ظروف محلية مناسبة للاستثمارات الأمريكية..".

"وكان الصراع الاقليمى الوحيد الذي يلوح في الأفق، هو الصراع العربي- الاسرائيلى، كما كنا نعتقد أن مصالحنا التجارية تلقى الترحيب من أهل المنطقة فالنفط سيجعلهم أغنياء".

" وكان الموقف في نظرنا، أنه لو وجدت قيادات غير فاسدة وذكية بما يكفى لإدراكها ما العمل الذي يحقق مصلحة بلادهم، ولديهم عزم لإنجازه، فإننا سنحقق أهدافنا مهما تكن..

ولكن هذه البلاد باستثناء بلد أو اثنين كانت تفتقر إلى مثل هؤلاء القادة، ولذا فحتى يحين الوقت لإرساء أهداف راسخة بعيدة المدى، فقد كان علينا تركيز اهتمامنا لإيجاد الوسائل التي تضمن تولى" النوع المطلوب من القادة" كما كنا نسميهم في هذا الوقت، وتؤكد الوثائق الحكومية الأمريكية السرية في مطلع 1947 على أجهزتنا الدبلوماسية و المخابراتية، العمل على إجراء تغييرات في قيادات عدد معين من بلدان الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يتجاهله المؤرخون اليوم عندما يقيمون أعمالنا في العشرين عاما الماضية".

كان بودي أن أعلق على هذه الفقرة، بأنها تغنى عن التعليق.

1- أمريكا قررت ملء الفراغ في تركيا واليونان والشرق الأوسط كله.. " بوسائل تتفق مع وسائلنا وأساليبنا".
2- اللاعبون أو المحاورون أو الطرف الآخر، ليس الاتحاد السوفيتي، غير الموجود وقتها في المنطقة، بل حكومات المنطقة، وهذا يعنى بوضوح بريطانيا وفرنسا.. فمها الحكومة وما تحتهما مجرد أدوات تتفاوت نسبة تبعيتها وانصياعها وكفاءتها ، وهى بالتأكيد موجودة على مائدة اللعب، ولكن من يريد أن يلعب في مصر أو العراق، يخطئ خطأ فادحا إذا لم يعرف أنه يلعب أساسا مع بريطانيا، ونفس الشيء عن فرنسا بالنسبة لمراكش والجزائر وتونس.. الخ.
وهذه النقطة مهمة جدا، ولو أنها طمست في تاريخ المنطقة عن وعى لأنها مفتاح فهم "ثورية" بعض الثوريين، بل حتى ماركسية بعضهم، فالإنجليز مثلا لم يترددوا في إطلاق الشيوعيين في العراق، وتسليمهم الحكم في عدن لمنع وقوع البلدين في يد الأمريكان.. وهذا سيساعد على فهم بعض التصرفات التي تبدو غريبة في ظل المفهوم الساذج الذي يتصور أن الصراع الأول في المنطقة، كان في تلك الفترة، بين الغرب والاتحاد السوفيتي أو بين أمريكا والاتحاد السوفيتي.
وأهمية هذا الاعتراف أيضا، هو تحديد طبيعة الوسائل ، فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى احتلال بلد أو منطقة في دائرة نفوذ حليف مثل بريطانيا وفرنسا، فإن الموقف يختلف عنه في حالة ما إذا كان البلد في دائرة نفوذ الروس، لأن أسلوب الاستيلاء يختلف بالطبع ، ففي الحالي الأولى يستحيل الضرب المباشر، يستحيل غزو البلد أو مقاتلة بريطانيا، أو حتى الهجوم الرسمي عليها إلا في ظروف نادرة عندما يخرج أحد الأطراف عن قواعد اللعبة.. كما حدث في حرب القناة 1956 .
إذ جاءت بريطانيا بالأسطول لقلب حكومة عبد الناصر وإعادة غزو المنطقة، وهنا اختل ميزان القوى في اللعبة، وكان لابد من تدخل أمريكا.. أما فيما دون ذلك فإن وسائلنا وطرقنا هى قلب الحكومات العميلة لبريطانيا العظمى، وإقامة حكومات صديقة للولايات المتحدة، ومن ثم تصدر قرارات شرعية بتصفية بريطانيا وتعزيز مصالح أمريكا، ولا تملك بريطانيا أن ترد إلا بانقلاب مضاد كما حدث في سوريا ، أو بمحاولة " لخبطة" اللعبة بإحداث انقسام داخلي ، أو الرضوخ وطلب إعادة تقسيم المنطقة مع الاعتراف بحق أمريكا في نصيب أكبر مما خرجت به بعد الحرب العالمية ، كما حدث في إيران.
3- نقفز على حكاية ليس لنا أهداف لأن ما ذكره كمشاكل هو أهداف.. مثل إفشال تصميم العرب على منع قيام إسرائيل .
على أية حال، لقد اعترف بأنهم وضعوا أهدافهم في ثلاثة مطالب تغطى كل شيء: منع تحول الشرق الأوسط إلى منطقة مجابهة ساخنة مع الاتحاد السوفيتي، وفى إطار هذا الهدف المحدد بدقة كأول الأهداف ، يمكن أيضا تفسير موقف أمريكا من أحداث أكتوبر 1956.. والهدف الثاني يغطى مشاريع الدفاع المشترك وغيرها..
أما الهدف الثالث فصارخ : خلق الظروف الملائمة للاستثمارات الأمريكية..
4- الصراع الاقليمى المقبل هو الصراع العربي- الاسرائيلى.. الاستثمارات الأمريكية كل ما تحتاجه هو قيادة ذكية، تفهم مصلحتها في الارتباط بالاستثمارات الأمريكية، غير فاسدة برشوات الإنجليز والارتباطات بهم، ومن ثم سترى المصلحة العامة التي ستغمر الجميع..
وبالطبع هذا كلام استعماري مخابراتي يعمل لحساب مصاصي دماء الشعوب وفى أكثر الأجهزة دموية وإجراما.. فلا يجوز أن نتوقف عند إصلاحاته وشعار التطهير الذي سيطرح في بلادنا وسيسجن وينكل، تحت شعاره، بكل الوطنيين.. ولا أدل على كذبه، من أن البلدين اللذين نالا بركة التغيير كانا أكثر بلدين العربي ديمقراطيي وتقدما ،واقلهما فسادا.. مصر وسوريا..
وأهم من ذلك أقدر بلدين على تحقيق الطفرة أو التغيير المنشود شعبيا ووطنيا، ومن أجل هذا كان التركيز عليهما..
5- حتى يتوافر الوقت للاستعمار الامريكى لخلق قواعد راسخة وطبقات متعاونة، ومصالح إستراتيجية متشابكة كتلك التي خلقها الإنجليز والفرنسيون في أكثر من قرن، فلم يكن أمامهم إلا أن يدفعوا بالأسلوب التآمري " قيادات من النوع المطلوب" للسلطة ويحدثون بهم التغيير المطلوب، سواء تصفية الحركة الوطنية، وتصفية القواعد والمصالح الأنجلو – فرنسية ، أو إرساء المصالح الأمريكية، وخلق قاعدة واسعة تتقبل هذه المصالح.. بينما لم يكن مسئول أمريكي يجرؤ على زيارة مصر أيام القيادات الفاسدة وضرب رئيس الولايات المتحدة " تيودور روزفلت" بالطماطم عندما زار مصر قبيل الحرب العالمية الأولى..

ويخرج المؤلف لسانه للمتطهرين الأمريكيين في الستينات الذين أبدوا ارتياعهم من تدخل الأجهزة الأمريكية في الشئون الداخلية للبلدان الأخرى، بعدما كشف أسرار الانقلابات التي دبرتها أمريكا، ومنها انقلاب سوريا وغيران ومصر .. يخرج لسانه، ويقول لهم:" طالعوا الوثائق الرسمية" فهي تثبت أن الحكومة هى التي طلبت منا ( أجهزتنا الدبلوماسية و المخابراتية) بالعمل على تغيير قيادات عدد معين من بلدان الشرق الأوسط.. فلماذا يتجاهل ذلك المؤرخون عندما يدينون أو يقيمون أعمالنا.. ؟ لقد نفذنا التعليمات.. وكيف كنا سنغير القيادة في بلد لا يخضع لحكمنا ولا سبيل لغزوه بالأسطول.. إلا بالتآمر السري والانقلاب أو الثورة؟..

وفى اجتماع مشترك لوزارة الخارجية ورئاسة الأركان الأمريكية بتاريخ 2 مايو 1951 جرى هذا الحوار الذي ننقله من الوثائق المنشورة لوزارة الخارجية الأمريكية.

جنرال كولينز ممثل وزارة الخارجية:" كل ما قلته اليوم يوحى إلى أنك تقترح علينا أن نستولي على الشرق الأوسط أو نتولى الأمر فيه.

مستر ماكجى: هذا يتوقف على ما تريد تحقيقه في المنطقة. إذا كانت لدينا القوى اللازمة، فقد يكون من المرغوب فيه أن نتولى الأمر، ولكنى فهمت أنه ليس لدينا القوى اللازمة.

جنرال فاندنبرج: إن هؤلاء الناس في الشرق الأوسط يفهمون منطق القوة أكثر منا، لقد كنا دائما نرفض استخدام سياسة القوة في علاقاتنا الخارجية، بينما هذه الدول معتادة على القوة. نحن نحاول أن ننفذ أغراضنا في الشرق الأوسط عن طريق الرشوة، وهذا سيؤدى إلى إفلاسنا وأكثر من هذا يحرمنا من استخدام القوة.

ربما يجب أن نستخدم العصا الغليظة ، ونستخدم قوتنا، وربما يجب أن نملى على هذه الدول ما يجب أن تفعله على الطراز العتيق أكثر مما نحققه باستخدام برامج المساعدات، بإرسال أسطولنا وتحليق قاذفاتنا سنحصل على تعاون أكبر وتكلفة أقل..".

جنرال برادلى: يجب أن نعترف أن الزمن تغير ولم يعد من الممكن استخدام القوة بالطريقة القديمة.

مستر ماثيو: نحن في عصر جديد لا يجعل استخدام القوة بالأسلوب القديم مجديا.

وهكذا أمكن إلجام الجنرالات ذوى الأدمغة الحديدية، وإفهامهم أن الاستيلاء سيتم، وباستخدام القوة ولكن بالأسلوب الحديث.. أسلوب " الكاراتيه" وهو فن استخدام قوة الخصم في قهره.. فلا حاجة لإرسال الجيش الامريكى لضرب الحكومة في شيلي، الجيش الشيلي بقليل من التآمر والرشوة والدعم، يقوم بالمهمة، بل وهو أجرأ على إراقة الدم، والفتك بالمعارضين ، وتحمى سلامة الأولاد الأمريكان، وتبقى أمريكا يدها بيضاء من دم الشعب الشيلي، بلا لا بأس من إظهار غضبها على الحكم الديكتاتوري في شيلي.. هذا هو الاستعمار الجديد..

ثمانون ألف عسكري بريطاني في مصر لم يستطيعوا إجبار الشعب المصري على قبول الدفاع المشترك عن تركيا ولا فصل السودان، ولا كان بوسعهم حل حزب الوفد، ومحاكمة وزير الداخلية الذي تآمر وهو في السلطة على نسف قناة السويس لإخراج الإنجليز من مصر.. ولكن ذلك كله تحقق على يد الجيش المصري ووسط هتاف الجماهير وباسم الثورة الخالدة؟ فمن خدم أمريكا أكثر.. الجنرالات المهروسون الذين كانوا يطالبون باستخدام الأسطول والطيران؟ أم رجال المخابرات الأمريكية الذين وضعوا النوع المطلوب في قمة السلطة المصرية؟

جاء في تقرير لنائب وزير خارجية الولايات المتحدة بعد جولة قام بها في الشرق الأوسط عام 1951 :" باستثناء إسرائيل فإن جميع الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، هى أنظمة رجعية أو يمينية بالمقارنة بنظامنا".

فلا تملئوا الدنيا صياحا بكلمات رجعى ويميني وكأنكم اكتشفتم البارود أو اخترعتموه.. فهي من ملفات الاستعمار الامريكى، وكل غزوة استعمارية ، وصفت القوى الوطنية الحاكمة بالرجعية والتخلف والفساد لتبرر غزوها، والقضاء عليها.. وكل عملاء الاستعمار، كانوا يتحركون تحت شعارات التقدم واليسارية..

ويقول كوبلاند:" في محاضرة خلال برنامج مشترك لوزارة الخارجية والمخابرات جاء فيها " إن السياسيين في سوريا ولبنان والعراق ومصر، يبدو كأنهم انتخبوا للسلطة.. ولكن أية انتخابات ؟ الفائزون جميعا هم من مرشحي القوى الأجنبية وكبار ملاك الأرض الذين يحددون لمزارعيهم وفلاحيهم كيف يصوتون.

أو الأغنياء الأوغاد الذين يستطيعون شراء الأصوات _ حزب تابع للشرق.. الخ الاستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم.. يخيل لك أنك في المعهد الاشتراكي وليس في دهاليز أكبر قوة امبريالية عرفها التاريخ). ولكن شعوب هذه البلاد أذكياء ولهم ميل طبيعي للسياسة. وإذا كان هناك جزء من العالم يصرخ طالبا الإجراءات الديمقراطية فهو العالم العربي".

ولكن مايلز كوبلاند ومجموعته، كما سنرى ، كان رأيهم أنه مع ضرورة التأكيد على رغبتهم في منح الديمقراطية للبلاد العربية إلا أن الشعوب العربية غير ناضجة لها.. ولابد من إجراءات جذرية تمهد لها، وسنرى ذلك يطبق حرفيا في برنامج وشعارات وممارسة كل الثورات الأمريكية النكهة في المنطقة.

" عندما تتعارض الأخلاق مع مصالحنا الحيوية، فإن الخسارة ستكون بالتأكيد من نصيب الأخلاق. بمعنى أننا لا نتردد في إزاحة القائد الذي نعتقد أننا سنخسر معه، وأن هذه الخسارة ستضر مصالحنا الوطنية، لنضع مكانه قائدا، تكون لدينا معه فرصة أكبر للتعاون.

وكانت وجهة نظر الأمريكيين – وإلى حد ما البريطانيين – أنه من بين كل نماذج القيادات التي يمكن أن تظهر في أفريقيا وآسيا، فإن النموذج الناصري هو الطراز الذي يتيح لنا أكبر فرصة لكسب لعبتنا، أو على الأقل، تقليل الخسائر.

فإحراز مكسب ضد احد من زعماء سوريا الدجالين، هو نصر أجوف، لأنه سرعان ما سيقلب، ويحل محله شخص أسوأ .

أما ناصر فهو الذي بوسعه أن يتحمل الخسارة، ويستطيع إلى حد ما أن يتلاءم مع نصرنا بحيث لا يصبح من الضرورة هزيمة له".

تماما كما حدث في هزيمتي سيناء 1956و 1967، وانتكاسة ثورة العراق، والانفصال ، وحرب اليمن " إنه يستطيع أن يتخذ قرارا غير شعبي نكسب منه نحن الاثنين ، بينما جماهيره تراه بمنظار آخر.. مثل عقد صلح مع إسرائيل ".

أو فتح خليج العقبة، أو تجميد الحدود عشر سنوات، أو قبول الدفاع المشترك أو فصل السودان.

وهكذا تحددت خريطة العمل السياسي الامريكى المطلوب في الشرق الأوسط: قبل الحكومات القائمة، وفرض حكومات جديدة تتفق والمواصفات المطلوبة..

وهى: زعيم يحكم حكما مطلقا وله من الشعبية ما يمكنه من فرض القرارات والإجراءات أو بمعنى أصح قبول طلبات الأمريكان التي يرفضها شعبه، والتي يعجز أي سياسي آخر في ظروف عادية عن طرحها على الشعب.

وهذا الزعيم على ضوء المعلومات والحقائق والتحاليل الواردة في كتال لعبة ألأمم صفاته هى:

1- " كنا بحاجة إلى زعيم عربي، يتمتع بسلطة في يديه أكبر مما أتيح لأي حاكم عربي قبله.. " سلطة اتخاذ قرار غير شرعي" ، كما اعتدنا أن نكرر، والقائد الوحيد الذي يمكن أن يستحوذ على هذه السلطة، هو قائد متعطش للسلطة، متطلع للسلطة من أجل السلطة.
لقد ذهب بعض موظفي الإدارة ( المخابرات الأمريكية) إلى ان نقطة الخطأ في حسنى الزعيم أنه كان مجنون سلطة، ولكن الدراسة العميقة أثبتت أنه على عكس ذلك لم يكن راغبا في السلطة كما يجب، أو كان راغبا فيها لأسباب خاطئة .
فقد كان يكفيه أننهب له واقفين إذا دخل ونناديه يا صاحب السعادة، لكي يقبل دور الدمية الأمريكية، نريد شخصا تعطشه للسلطة، أقل تفاهة، وكنا على قناعة أننا ما إن نساعد هذا الشخص على تولى المنصب، فيجب أن نتخلى عن أي حق أخلاقي في الجدل حول عقدة السلطة عنده، ولو أننا بالطبع يمكن أن نثير هذا الموضوع يوما ما لأسباب تكتيكية .
2- نحتاج لشخص ليس مثل حسنى الزعيم، بل على استعداد لاقتسام انتصاراته مع أتباعه، ولذلك كان علينا إلى جانب دراسة الزعيم المقترح، أن ندرس أيضا معاونيه، النخبة التي يرتكز عليها، بل والصف الثاني تحت النخبة والقاعدة في الصف الثالث، على أساس أن يبقوا جميعا حزمة واحدة مرتبطة بالمصالح المشتركة والأهداف".

وبدأوا يستعرضون الشرق الأوسط لاختيار المكان الذي يبدءون فيه لعبتهم، أي الانقلاب العسكري.

" قررنا أن نمشى قبل أن نجرى وان يكون تدخلنا في الشئون الداخلية لدولة مستقلة هو تدخل متواضع، وبتوافر أكبر مبرر، وبدون مساعدة أو حتى معرفة البريطانيين .. ولكن أين نحاول ذلك؟..

" مع الأتراك واليونانيين ؟ . لم يكن لنا معهم أي خلاف، كانوا يريدون ما نريد ولديهم قيادات مناسبة، على حد أن لعبتنا معهم كانت لعبة تعاون.

" مع الإيرانيين؟ كنا نؤيد قيادتهم أيضا.. كانت لعبتنا معهم 90% منها تعاون، في البداية على الأقل".

لاحظ أنه في تركيا واليونان كانت بريطانيا قد انسحبت من هناك وسلمتهما بيضة مقشرة، فلم تكن هناك معركة نفوذ ، بالإضافة إلى أنه لم تقم في البلدان حركة وطنية لعدم وجود استعمار، وإنما كان الخطر الماثل هو الخطر الشيوعي، أو السوفيتي.. وبالتالي كانت الطبقات الحاكمة في البلدين متجاوبة للغاية مع الدور الامريكى.

وإيران 1949 كانت مشكلتها مع الروس الذين كانوا يثيرون الشغب على الحدود وفي كردستان.. ولم تكن الحركة الوطنية قد بلورت بعد وحول مطلب محدد ضد شركة النفط البريطانية.

يكمل مايلز كوبلاند:

" إنها الدول العربية التي كنا معها على خلاف كامل، والسبب – في اعتقادنا- هو سوء قيادتهم، واعتقدنا أنهم تحت قيادة أكثر استنارة، وليس منا ، وكان الواجب عليهم أن يرحبوا بجهودنا في حمايتهم، وشركاتنا النفطية ستجعلهم أغنياء.
وسيكونون المستفيد الأول من تسوية سلمية للقضية الفلسطينية .

ومن ثم فإن رفض قيادتهم النظر للأمور بهذه النظرة، كان مبررا كافيا لدى مخططينا لكي نطيح بهم، أو بالأحرى تمكين شعوبهم من الإطاحة بهم. فإذا كانت القيادات الوطنية في أي جزء من العامل تشكل مبررا لتدخلنا في شئونها ، فإننا رأينا أنها هى هذه القيادات العربية".

قلنا إن الكتاب موجه للأمريكيين، رغم كل البراعة في التآمر، يمثل أكثر أجزاء الامبريالية الأمريكية تخلفا ورجعية ووحشية وعنصرية.. ولذا لا تعنينا مبرراته ، ونظرته الذئبية للمصالح التي ستعود على الدجاجة من وحدة المصير مع الثعلب.. المهم هو الواقع الذي سجله، وهو وجود خلاف بين القيادات في العالم العربي من ناحية ( 49- 1952) والولايات المتحدة والغرب عموما من الناحية الأخرى.

والأسباب التي يطرحها صحيحة تماما:

1- رفض هذه القيادات أن تتعامى عن العدوان الجاثم على أرضها وسيادتها ومصيرها منذ عشرات السنين ، وهو عدوان الاستعمار الغربي، والعدوان الوليد المتمثل في إسرائيل ، للجري وراء المشاريع الأمريكية الموجهة ضد الخطر السوفيتي المزعوم، ولذلك كانت هذه القيادات تنادى بالحياد، وفضت كل مشاريع الدفاع المشترك الموجهة ضد السوفييت، وارتفعت الأصوات تنادى بمعاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي.
2- هذه القيادات لم تكن مستعدة لتقبل نتيجة حرب 1948 التي انتهت باغتيال وطن عربي، وتشريد شعب عربي وهزيمة مذلة لسبع دول عربية، أو إن شئنا لم تكن تستطيع أن تقنع شعوبها بقبول هذا الواقع الذي ساهم الغرب وبالذات الولايات المتحدة في تقريره.
والسياسة الأمريكية قد ارتبطت بوجود إسرائيل وحماية هذا الوجود ومن ثم فلا حل إلا ضرب العرب، ضرب قياداتهم الغبية التي لا ترى مزايا الحل السلمي.
3- العرب لديهم نظرة خاصة للنفط لا ترتاح إليها الشركات الأمريكية، السوريون يعارضون مد خط التابلاين في أرضهم، والمصريون والعراقيون والسعوديون، يتحدثون عن استغلال الشركات ويطالبون بوظائف أكثر للعرب، ويطلبون نصيبا أكبر في العائدات، وشروطا أفضل وطنيا لعقود الامتياز، فهناك تناقض أساسي وجذري لا يجبر بين مصالح الشعوب العربية ، ومصالح ومشروعات الأمريكيين في العامل العربي.

والعرب لديهم نوعان من القيادات:

- قيادات وطنية ثورية، واعية بذلك، رافضة له، راغبة في التغيير الحقيقي بإزالة الاستعمار وإسرائيل وامتلاك الثروة العربية.. وهذه القيادات من الطبيعي أن تستهدف السياسة الأمريكية قمعها واستئصالها. ومنع أية فرصة لاستمرارها في العمل السياسي، فضلا عن وصولها للسلطة.
- والنوع الثاني ، هو القيادة التقليدية الحاكمة فعلا، وهى قيادات محبة للأمريكان، مخلصة لهم، تمنحهم ثقتها الكاملة، معادية للسوفييت، شاكره جهود الشركات الأمريكية..

وهى حتى وإن كانت تكره اليهود، وتخاف من قيام وطن قومي لليهود، ورغم تعودها قبول الظلم الامبريالي، فهي تستفظع ما نزل بشعب فلسطين وتتحسب لما يمكن أن يحدث في بلادها، إلا أنها مستعدة للسكوت، كما سكتت وتسكت على استعمار وطنها هى.. ولكنها قيادات عاجزة عن فرض السكوت على شعبها، عاجزة أكثر عن القبول الرسمي لهذا الوضع، بل أحيانا تضطر للمزايدة على منافسيها، لترضية حقيقية، وإخفاء المشاكل الداخلية..

ومن ثم فالأوضاع في بلادها خطرة، تهدد إما بثورة حقيقية، تتسلم فيها القيادة قيادات النوع الأول كما حدث في الصين وفيتنام.. الخ أو ينهار الوضع وتظهر حالة فراغ محسوب العواقب والاحتمالات، أو على الأقل فإن هذه الأوضاع غير المنضبطة تشل القوى الراغبة في التعاون مع الأمريكيين، وتعطل المشاريع الأمريكية.

فهذه القوى ، وإن كانت تحكم المظلة الأمريكية، أو الغربية عموما إلا أنها بعجزها ، تخلق مناخا يهدد مصالح الولايات المتحدة، وتشكل عبئا على الولايات المتحدة بعجزها وتملقها للجماهير.. أو كما قال إيدن شامتا. . لقد سقطت القيادات السياسية التقليدية في مصر لأنها تنبت شعارات الجماهير.

وقد قال مايلز كوبلاند إنه عندما تتعارض المصالح والأخلاق، يلقى بالأخلاق في أول بالوعة، وإنهم لا يترددون في الإطاحة بالقائد الذي لا يسمح لهم أو لا يتحمل انتصارهم عليه.. وهكذا أطاحوا بشكري القوتلى والملك فاروق رغم صداقتهما للأمريكيين، بل استغلوا هذه الصداقة وهذه الثقة البلهاء من جانب الرئيس السوري والملك المصري في إحكام خطة الإطاحة بهما..

وكان الحل، هو الذي طبق في أمريكا اللاتينية عشرات المرات: ( كافري وحده بشهادة الناصري المجهول اشترك ودبر ثلاثين انقلابا) انقلاب عسكري يطيح بهذه القيادات العاجزة، ويأتي بقيادة لا تتعفف عن التعامل مع لأمريكان، ولا تتردد في ضرب وسحق القوى الوطنية المعارضة.

وهذا الأسلوب كان يتم في بعض البلدان في شكل حكومة عسكرية يمينية مفضوحة لا يهمها حتى ستر عمالتها، وآخر نماذجها هو حكومة " زاهدي" في إيران ثم حكومة العسكر في شيلي.

وهذا اللون مهما كانت استبداديته وبطشه، قصير العمر وأيضا محدود النفوذ ، ففي خارج دائرة بطشه البوليسية يكون مفضوحا منبوذا.

أما الصيغة الأكثر قدرة على الاستمرار والتي أتقن الأمريكيون صناعتها بعد تجربة سوريا فهي الصيغة الثورية، الانقلاب المدعوم، الذي يركب موجة ثورية موجودة فعلا لتصفية الثورة الحقيقية، يتبنى شعارات الجماهير ليستأصل المنادين المخلصين بها.. ويسب أمريكا كلما سنحت مناسبة، بينما يصفى كل الاتجاهات والتشكيلات والمؤسسات التي تشكل خطرا حقيقيا على المصالح الأمريكية والإستراتيجية الأمريكية.

وكما أن هذا الطراز أكثر نفعا وأطول عمرا، فهو أيضا أكثر تعقيدا وأفدح ثمنا، وغالبا ما ينقلب في النهاية على مبدعيه، كما حدث في قصة فرانكشتين، أو قصص ألف ليلة.. لأنه كما سنرى في تحديد مايلز كوبلاند، لابد أن يحكم مستندا إلى قوة قمع لها شعبية وبالتالي فهو يحتاج إلى تقديم وجبة يومية للجماهير، ليست مادية فحسب، وهو ما تتكفل به المعونات الاقتصادية، (منذ أزمة لبنان عام 1958 إلى 1966 قدمت أمريكا لمصر نصف مليار دولار _ دولارات الستينات) وهذه المساعدات تبرر للجماهير على أنها الجزية تدفعها أمريكا عن يد وهى صاغرة، خوفا من غضب الزعيم) وإنما يحتاج أيضا إلى وجبة روحية أو معنوية، إلى استمرار تغذية الالتهاب الثوري الديماجوجى للجماهير، استمرار اقتناع الجماهير بأنه المكافح الثوري- الوحيد- ضد الأعداء، حتى يقطع الطريق على ظهور قائد حقيقي، أو متعاون آخر منافس، وتنحصر الوكالة فيه..

ولأن من شروط قيامه واستمراره تجنب مقاتلة العدو الحقيقي، فلابد أن تركب أو يصنع هو طواحين الهواء التي ينتصر عليها باستمرار وسط تهليل الجماهير.. ويتساءل السذج المخلصون، لماذا يبعثر الجهد في المعارك الجانبية؟ لماذا لا تركز الجهود على العدو الواضح المعروف؟ .. لماذا هذا الخلاف وعدم الاتفاق؟ ولا يدرون أن هذا هو عين المطلوب.

ونظرة إلى تاريخ النظم الثورية في العالم العربي تجدها جميعا قد اتفقت على حقيقة واحدة، هى الإصرار على أن الطريق إلى فلسطين يمر عبر الرجاء الصالح أو طريق اللبانة في السموات، أو الثورة الاجتماعية أو الاشتراكية أو هزيمة الامبريالية العالمية وانتصار الثورة التحررية في كوستاريكا، أو قصور الرجعية.. الخ ،المهم أن الطريق إلى القدس لا يمكن أن يكون عند ثوار مايلز كوبلاند، عبر حدود إسرائيل .. أي الصدام المباشر مع إسرائيل .. هم باستمرار يحضرون للمعركة ولا يسمحون لإسرائيل بجرهم إليها..الخ..

فالشعار لا يتغير، وهو إزالة إسرائيل ، ولكن الدليل الماكر المتآمر يطوف بالجماهير في مجاهل الصحراء حتى يموتوا جوعا وعطشا ومللا وجنونا فيندفعون لأول كامب..

المهم أن الزعيم بحاجة إلى البقاء على أكتاف الجماهير، ومن ثم لابد أن يستمر في الصراخ ضد العدو، وهذا يدخل علاقته مع العدو- الصديق في دوامة، سرعان ما تفقد اللاعبة السيطرة عليها.. وعندها يتحتم التخلص منه..

والصورة – كما لخصها مايلز كوبلاند – أوضح قال:" كان المهرجان ضروريا لدفع الدول الكبرى لتقديم المساعدات، ولكن المساعدات مطلوبة أكثر لاستمرار المهرجان..

وأخيرا لم يكن استمرار المهرجان ممكنا" ..

وفى " أواخر 1966 قال صحفي امريكى كبير لدبلوماسي مصري.. نحن لم نعد نعتبر ناصرا ولا حتى ظاهرة مزعجة على الإطلاق".

فهو على المسرح ليحصل على المساعدات، وهو ينفق المساعدات لكي يبقى على المسرح حتى يصل إلى نقطة ترى الدولة الكبرى المعينة أن نفقاته اكبر من عائده.. فتعطيه علقة كما قال الرئيس جونسون للسفراء العرب وهو يخاطب كلبه بعد هزيمة 1967.

الفصل الرابع: حكاية أول زعيم..

" وأصبح ليكلاند ( مندوب المخابرات الأمريكية) صديقا للضباط ألأحرار من جماعة ناصر من خلال محمد حسنين هيكل.."
مايلز كوبلاند
مدير محطة الـ سى آى ايه بالقاهرة

نعود لقصة مايلز كوبلاند عن البحث عن بلد ينفذون فيها انقلابهم قال:" كانت العراق هى الاحتمال الأول.

لكونها دولة بوليسية ، تحكمها حكومة مكروهة من الشعب، وحيث من الممكن أن نرضى ضمائرنا بأننا لا نفعل أكثر من فتح الطريق أمام حكومة " شعبية" ( الأقواس من المؤلف الامريكى وواضح السخرية من أخلاقيات المنافقين الأمريكيين الذين يريدون استغلال الشعوب بأساليب شريفة أو نظيفة) ولكن العراق كان البلد الذي يستحيل فيه على فريق سياسي مدرب، فضلا عن جهاز ناشئ مثلنا، أن يهمس بدون علم البريطانيين.

" أما السعودية فلن تكن ناضجة بعد للديمقراطية (لقد حاولنا أن نجد صيغة أفضل للتعبير عند ذلك فلم نجد) .. لبنانالأردن- مصر – استبعدت كلها لأسباب أخرى وهكذا لم يبق أمامنا إلا سوريا".

ثم قصة طويلة مملة عن كيف حاولوا إقامة حكم شعبي ديمقراطي هناك عن طريق التدخل في الانتخابات اعتمادا على كافة الوسائل المتاحة من الإرساليات إلى رشوة سائقي التاكسي.. ومن شاء الرجوع إلى ذلك فهي في صفحة 45 وما بعدها وهى لا تعنينا لأنها خارج موضوعنا.

ويقول إنهم اقتنعوا بعبق محاولة الطريق الديمقراطي في التعبير ،وعكفوا على تدريب أنفسهم للعمل الحاسم.. أي الانقلاب العسكري واستغرق ذلك من 1947- 1948..

ويقول إنه " يقدم تجربة سوريا لأنها أصبحت نموذجا- يذكر دائما- للدعوة إلى الامتناع عن التدخل في شئون الدول المستقلة، وأيضا نموذجا يدرس لكيفية التدخل، وما الأخطاء التي يجب تجنبها في العمليات الأخرى.

وأخيرا لأنها توضح أهمية اختيار الشخص المرشح للعملية".

" في هذا الوقت كانت الإدارة الأمريكية تعتقد أن الفراغ الذي يتركه الانسحاب البريطانى، واتهامنا بتأييد الصهيونية يجعلان أقصى أمانينا هو تقليل الخسائر".

" كان الوزير المفوض في السفارة هو " جيمس مايكل كيلى" والمسئول السياسي " دين هينتون" وعمره 24 سنة، ورجل العملية في السفارة هو الماجور ستيفن مييد الذي سيعرف بعد ذلك باسم الكولونيل مييد.. أما مدير العمليات السرية فهو أنا".

" أرسلت إلى دمشق في سبتمبر 1947 بتعليمات لتنظيم الاتصالات غير رسمية مع الرئيس القوتلى والشخصيات البارزة في الحكومة السورية، لإقناعهم " بتحرير " النظام .

وقد نجحت في الجزء الأول من المهمة، وهو خلق علاقات شخصية مع الرئيس ومعظم المسئولين، وأنهم سيستمرون على " عماهم" في مواجهة الانفجار السياسي الخطير الذي كان يخيم على الأفق.

وقال " كيلى" ليس أمامنا إلا أحد خيارين، كلاهما غير مرغوب فيه، إما أن يقوم سياسيون انتهازيون بانقلاب دموي مدعوم من السوفييتـ أو يستولى الجيش السوري على الحكم بدعم منا، ويحفظ النظام إلى أن نتمكن من تنفيذ ثورة بيضاء .

وكان " كيلى" كارها للحل الثاني، ولكنه قال عنه على الأقل سيحقن الدماء.

ويقدم العناصر الواعية في المجتمع فرصة عادلة، ضد العناصر المشاغبة، وكانت العملية هى انقلاب حسنى الزعيم في 30 مارس 1949.

إذ قام " فريق عمل" بقيادة الماجور مييد بتنمية علاقة صداقة مع حسنى الزعيم الذي كان وقتها رئيس أركان الجيش السوري، واقترح عليه فكرة الانقلاب، ونصحوه بطريقة التنفيذ وأرشدوه خلال الترتيبات والإعداد للانقلاب.. كانت المساهمة في الحدود التي أثارت شك القيادات السياسية السورية وحدها، والتي استبعدت بعد ذلك( أي الشكوك) باعتبارها من الوسوسة السورية التقليدية.. كما جاء في تقارير الصحفيين الغربيين والطلبة الذين استجوبوا الأطراف المعنية، وفحصوا الوثائق فبالنسبة للعالم الخارجي كان الانقلاب عملية سورية كاملة، ولو أن المعنيين استنتجوا فيما بعد- وعن حق – أن "الزعيم" هو غلام أمريكا.."

" إن تفاصيل تنفيذ الانقلاب لاتهم موضوعنا ولكن هذه بعض الملاحظات:

" أبلغت وزارة الخارجية الأمريكية بالانقلاب القادم عندما أصبح احتمالا جديا.
وإذا كانت التفاصيل لم تبلغ لها، فلأن وزارة الخارجية هى التي قالت إنها تفضل أي تحاط بالتفاصيل .
كذلك تم " تجاهل تدخلات " جماعة الماجور مييد" الممهدة للانقلاب.

وكان رد وزارة الخارجية: إذا كان " الزعيم" يميل لتغيير الحكومة، فإن وزارة الخارجية لا ترى سببا لتثبيط همته، طالما تعتقد أنه سيعود للحياة البرلمانية متى أصبح ذلك ممكنا من الناحية العملية".

" ولكن الزعيم لم يكن ينوى ذلك، فقد أوضح لنا أن أهدافه هى:
1- وضع السياسيين الفاسدين في السجن.
2- إعادة تنظيم الحكومة على نحو أكثر فعالية.
3- إجراء الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المطلوبة.
4- القيام بعمل بناء حول المشكلة العربية الإسرائيلية."

وكانت هذه النقطة ( إسرائيل) هى الكفيلة بإذابة أية معارضة ممكنة من وزارة الخارجية ( ألأمريكية).

وما دام الرجل قد اعترف لنا بأنهم يمارسون الخسة والكذب ويذبحون الأخلاق، فلا حاجة لإضاعة وقتنا في عرض مبرراته الديمقراطية، وتأكيداته بأن نيتهم كانت متجهة لإقامتها ولنحاول استيعاب ما قاله حتى الآن:

1- انقلاب حسنى الزعيم، أو أول انقلاب عسكري في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية كان من تدبير وإعداد وتنفيذ المخابرات الأمريكية، أو مجموعة العمل الأمريكية في دمشق..
2- الانقلاب ولو أنه حصل مسبقا على مباركة وزارة الخارجية الأمريكية، إلا أن الوزارة رغبت في أن تبقى بعيدة عن التفاصيل، ومن ثم فعندما تصيح بعض الدجاجات عندنا فرحة، لأنها وجدت برقية صباح الانقلاب تخطر فيها السفارة وزارة الخارجية بالانقلاب،فتهتف: إن هذا دليل جهل الأمريكان بالموضوع فمن حقنا أن نبتسم في رثاء.
ذلك أن السلك الدبلوماسي الرسمي يحرص على تجنب التورط في عمل من هذا الشأن، من ناحية حفاظا على " شرف" الجهاز السياسي ولأن عددا من العاملين فيه، من الهواة، أصحاب القيم والمثل والمبادئ، مثل الفتى" دين هنتون" .
ومنعا لوجع الدماغ يبقى هؤلاء خارج اللعبة، ومن ناحية أخرى، أكثر عملية، هى تجنب الفضيحة والأزمة الدبلوماسية في حالة فشل الانقلاب.، وكشف الاتصالات.. ومن ثم لا نستبعد أن يكون السفير الامريكى في بلد معين هو الأقل علما بما يدبر ضد هذه الحكومة من مواطنيه وبعض موظفي سفارته.
وإن كنا في حالة مصر نعرف أن السفير كافري كان على علم ، ولعب دورا أساسيا، إلا أننا نستبعد اشتراكه مباشرة في الاجتماعات التحضيرية مع السادات.
3- وإن تكن أهم نقطة في عقد استخدام زعيم الانقلاب، هى وعده باتخاذ موقف " إيجابي" – من وجهة النظر الأمريكية- في الصراع العربي- الاسرائيلى.. إلا أننا سنجد جوهر البرنامج الأول الذي وضعته مجموعة شبه الهواة في أول تجربة انقلابية لها في العامل العربي، سنجده في كل البرامج القادمة في الحركات الأكثر إتقانا وحبكة .. محاربة الفساد.. اعتقال السياسيين بتهمة الإفساد.. الإصلاح الاجتماعي.. تنشيط أو زيادة كفاءة الجهاز الحكومي ..تأجيل الديمقراطية..

هذه هى القصة.

إلا أن رجل المخابرات الذي أقسم كاذبا في مقدمة الكتاب أنه لم يحجب سرا بسبب شرف المهنة.. يخفى هنا عدة عناصر أخرى شديدة الأهمية في الموضوع، فلم تكن رغبة أمريكا في قلب نظام الحكم السوري، ووضع رجلها في السلطة، لمجرد ضمان تهدئة أكثر الجبهات خطورة مع إسرائيل بحكم قربها وتحكمها في الأماكن الآهلة من إسرائيل ، وأيضا بحكم أن سوريا كانت البلد العربي الوحيد في دول المواجهة- ولم يكن التعبير قد ظهر بعد- التي لا تخضع مباشرة لقوات احتلال غربية تضمن سلوكها عند الضرورة القصوى، إلا أن الانقلاب كان مرغوبا فيه لسببين آخرين على الأقل:

1- خط التابلاين.. كانت بريطانيا تتمتع بامتياز خاص على شركات النفط الأمريكية العاملة في الشرق الأوسط، وهو تحكمها في طرق النفط إلى أوربا الغربية، السوق الوحيدة وقتها لهذا النفط ، لأن أمريكا لم تكن تستورده، واليابان لم تكن قد أصبحت عملاقا صناعيا بعد، وكانت تعتمد على نفط الشرق الأقصى والنفط الامريكى.. كانت بريطانيا تسيطر على قناة السويس، طريق ناقلات النفط القادمة من الكويت والسعودية والخليج..

كما كانت تسيطر على خط النفط الوحيد الذي يصب على البحر الأبيض.. أو خط آى بى سى.. وكان من الطبيعي أن تفكر شركات النفط الأمريكية ( أرامكو) في مد خط ينقل النفط السعودي إلى البحر الأبيض،دون المرور في قناة السويس، وذلك عبر سوريا.. واستمات الإنجليز في منع ذلك ،مستغلين عداء الجماهير للولايات المتحدة لموقفها من إسرائيل والحساسية التاريخية لدى الشعوب العربية إزاء الامتيازات الأجنبية وخاصة المرتبطة بدولة كبرى، وأيضا استفادوا من استمتاع السياسيين السوريين بابتزاز السعودية والعراق..بالإقرار " المبدئي" للاتفاق، ثم إلغاء الإقرار والقبض من هنا وهناك..

ولتنشيط ذاكرة المخابراتى كوبلاند، المدربة على نسيان " القبائح" ننقل له هذا النص الناطق من تقرير " العلاقات الدولية للولايات المتحدة" من عام 1949 والصادرة من وزارة الخارجية الأمريكية صفحة 109 حرفيا:

" أبلغت دمشق في 14 فبراير أن الاتفاقية الخاصة بامتياز شركة التابلاين قد أقرتها الوزارة السورية في الأسبوع الماضي، وقيل إن الرئيس شكري القوتلى أبلغ الوزير المفوض ( الامريكى) كيلي أنه مطمئن لإقرار البرلمان للاتفاقية، وأن هذا الإجراء ضروري كخطوة أولى نحو التعاون الاقتصادي والسياسي المطلوب مع الغرب ( برقية 69، 890 د 6363/ 1449) ولكن اعتراضات شتى ثارت بعد ذلك بين الحكومة السورية والتابلاين وقامت مظاهرات معادية للتابلاين من الطلبة، وعلى ذلك قررت الحكومة السورية تأجيل طلب موافقة البرلمان على الاتفاقية ( برقية 4/11 مارس 8 الساعة 2 بعد الظهر من دمشق- 890د / 3- 849) تم قلب الحكومة السورية في 30 مارس بانقلاب قاده الكولونيل حسنى الزعيم وللمعلومات الإضافية انظر هامش صفحة 1630 .

حكومة حسنى الزعيم أقرت اتفاقية التابلاين وصدقت عليها بمرسوم تشريعي رقم 74 في 16 مايو( برقية رقم 284/17 مايو الساعة 8 مساء من دمشق 890 د – 6363/ 5-1749( . وفى مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية بعنوان التطورات الاقتصادية الجارية. جاء فيها : إن تصديق سوريا على اتفاقية التابلاين، أزال آخر عقبة كبرى في طريق تشييد الخط المتعاقد عليه من زمن طويل.. والمشروع الآن ينتظر أن يكمل في عام 1950 متأخرا سنة عن الوقت الذي كان محددا له، وقد تأخر إقرار الاتفاقية من جانب السوريين عدة شهور من ناحية لعدم رضاهم عن موقف الولايات المتحدة من فلسطين.

" وعندما يتم الخط فستكون طاقته ما بين 300 ألف – 450 ألف ب/ ى وسيمتد مسافة 1100 ميل من السعودية إلى البحر الأبيض في ميناء صيدا بلبنان" ويشير التقرير أيضا إلى شركة أخرى " شركة خطوط الشرق الأوسط" " مبيكو" تقدمت بمشروع خط أنابيب ينقل نفط إيران والكويت إلى البحر الأبيض عند طرسوس ليباع لشركة ستاندرد أويل وشركة نيوجرسى وسوكونى فاكوم.. " وقد تعثرت المفاوضات تماما كما حدث مع التابلاين مع الحكومات السورية، إلى أن جاء إلى الحكم الكولونيل حسنى، فوقع الاتفاقية في يونيه مع ميبكو".. ( الزعيم يوقع على كله ولكن المشروع قتلته العراق.. انصر ص 110).

خط التابلاين معطل، والحكومة السورية تساوم، والبرلمان لا يصدق، والمظاهرات المعادية في الشوارع.. والحل بسيط جدا.

وضع الحكومة في السجن جزاء وفاقا على معاكستها ، وحل البرلمان وتحريم الاشتغال بالسياسة على أعضائه بقانون العزل السياسي على الذين " أفسدوا.. " وتمنع المظاهرات ويسجن الطلبة.. ويوقع " الزعيم" الاتفاقية، أو بمعنى أصح يبصم على القرار الذي كتبه له المدربون الأمريكان، وبما ،ه هو السلطة التشريعية والتنفيذية معا بلا فصل سلطات، بلا وجع دماغ ، فهو يصدق على نفسه.

العنصر الثاني الذي أغفله المخابراتى ، هو الخوف من اتحاد سوريا والعراق لأن ذلك لو تم فسيضع من هذا الموضوع ، وهو المعارضة التامة، ومن يتتبع تاريخ الانقلابات السورية الأولى، يمكن أن يحدد أمريكية الانقلاب أو بريطانيته من معارضته أو تأييده للوحدة مع العراق( انظر الصفحات من 1630 وما بعدها في التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن عام 1949).

أما عن إسرائيل .. فقد بدأ الأمريكان بتنفيذ البند الخاص بها في العقد الذي أبرموه مع " حسنى الزعيم " .

وجاء في تقرير لمندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بتاريخ مبكر جدا 12 مايو 1949"إن المفاوضات جارية بنجاح مع السوريين وبانش ( رالف بانش) مقتنع بإمكانية موافقتهم على الخطة كل المشكلة هى رغبة الزعيم في إجراء ما، يحفظ ماء وجهه.. مثل انسحاب اسرائيلى أو تخفيض واضح للقوات".

وفيما يلي بعض الوثائق التي تلقى الضوء على موقف " الزعيم" من المشكلة الفلسطينية:

" من وزير الخارجية الأمريكية إلى المفوضية في سوريا.

واشنطن 13 مايو 1949.
سرى

212 برقيتكم 256 في 28 أبريل و 261 في 2 مايو.

لاحظنا باهتمام التقدم الذي أبلغت عنه حول موقف " الزعيم" من توطين اللاجئين العرب.

وهذا أول دليل واضح على رغبة السوريين في قبول عدد كبير من اللاجئين وخاصة أن سوريا هى البلد العربي الوحيد باستثناء الأردن التي يمكنها أن تتمثل مثل هذا العدد في وقت معقول.

وإذا أمكن استثمار هذه الفرصة فسيمكننا كسر ظهر مشكلة اللاجئين.

يجب أن تنتهز أول فرصة لبحث الأمر مع الزعيم مع التأكيد اللازم على أن رغبته في قبول ربع مليون لاجئ تعتبرها الوزارة مساهمة إنسانية، وسلوك رجل دولة لحل تلك المشكلة.

وعبر عن ألأمل في أن يستخدم الزعيم نفوذه لدى الدول العربية الأخرى لاتخاذ مواقف بناءه مماثلة في حدود قدراتهم للمساعدة على تصفية المشكلة تصفية نهائية".

" من الوزير المفوض في سوريا " كيلي" إلى وزير الخارجية

دمشق 19 1949
سرى

..." مع اقتناعي برغبة الزعيم في إعطاء تنازلات سخية، في القضايا الأخرى مثل اللاجئين وتدويل القدس والحدود إلا أن الزعيم لا يمكن أن يسلم كل شيء بلا مقابل ، وهو الموقف الذي تطلبه إسرائيل فيما يبدو.. لأنه لو فعل ذلك فقد يكلفه هذا منصبه ويزيل أفضل أمل حتى الآن في قبول سوريا إجراء تنازلات لتحقيق تسوية للمشكلة الفلسطينية".

" وبخصوص مشكلة اللاجئين يجب أن يكون مفهوما أن تعبير الزعيم عن رغبته في قبول ربع مليون لاجئ كان مشروطا بتسوية عامة للسلام.

وكل الذين ناقشوا مع الزعيم تأثروا بإخلاصه وجديته وسعة أفقه بالنسبة لإسرائيل.

( وفرق شاسع من الموقف العنيد الحرون للحكومات السورية السابقة) ولكن حماسه يبرد في وجه الأدلة المتزايدة على شراهة إسرائيل. وهكذا إذا كان الزعيم يحاول على الأقل أن يرتقى إلى مصاف كمال أتاتورك ويستجيب للنفوذ المعتدل، فإنه لسوء الحظ تتزايد الأدلة على أن بن جوريون ليس " فينزيلوس" .

على أية حال يجب أن تفهم إسرائيل أنها لا تستطيع أن ـاخذ الكعكة كلها ( حدود التقسيم والمناطق التي استولت عليها بخرق الهدنة، القدس ، توطين اللاجئين العرب) ربما ستجد نفسها قد كسبت فلسطين وخسرت السلام.( لقد تطوع حسنى الزعيم بإبداء استعداده للاجتماع مع بن جوريون".

" وإذا ما تأكد للعرب أن إسرائيل مستمرة في سياسة رطل اللحم كاملا وزيادة، فإن هذه سيدفعهم ببطء ولكن بتصميم إلى صلب عودهم وتجميع جهدهم سياسيا واقتصاديا على الأقل إن لم يكن عسكريا الآن- من أجل صراع كويل المدى ، وإذا ما استفادوا من أخطاء الماضي، فإن وشع إسرائيل سيغدو أصعب بكثير، مما لو اغتنم ساسة إسرائيل من بعاد النظر، الفرصة السانحة الآن للتفاوض على تسوية بشروط معقولة، إسرائيل ومؤيدوها في الأمم المتحدة سيعاونون أكثر من الدول العربية إذا ما استمر الموقف الجامد حاليا".

مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة ( أوستين) إلى وزير الخارجية ( الأمريكية) .

نيويورك 23مايو 1949
سرى

" قال بانش إنه يريد عقد اجتماع بين بن جوريون والزعيم، فهو يعتقد أنه لم تعد هناك أهمية تذكر لاجتماعات الممثلين الإسرائيليين والسوريين الحاليين.

" ولكن بانش كرر أن حسنى الزعيم يجب أن يحصل على مقابل من إسرائيل بسبب وضعه الداخلي، كما أبلغ بانش شاريت، أن الإسرائيليين يجب ألا يتوقعوا انسحابا سوريا إلا إذا كانوا مستعدين لعمل بعض التنازلات " أوستين".

جاء في برقية الوزير المفوض من دمشق أن حسنى الزعيم أمر الوفد السوري في مفاوضات الهدنة بإبداء المزيد من التساهل حيث أنه جد قلق للوصول إلى حالة تعايش سلمى مع إسرائيل في اقرب وقت ممكن.

وقد حذر مستر كيلى الوزير المفوض أن حالة الجمود الحالية يمكن أن تستمر ما لم توجد وسائل يمكن بها استعادة ثقة السوريين في قدرة الأمم المتحدة على ضبط إسرائيل ، وبدون ذلك فإن الحكومة السورية ستكون نافرة- وهذا مفهوم- من إعطاء تنازلات يكون لها ردود فعل سيئة في الداخل عليها. إلا أنها ضرورية للوصل لاتفاق مع إسرائيل " .

( برقية 327- 16 يونيه من دمشق 767ن. 90د/ 6/ 1649).

نشطت الجهود الأمريكية، ونمت أحلام عقد سلام بين سوريا وإسرائيل وكان للموظفين الصغار في وزارة الخارجية الأمريكية عذرهم في هذه الأحلام، فلأول مرة يتوافر لهم " حاكم عربي" هم وضعوه في السلطة ومن ثم مستجيب إل أقصى حد مكن لأوامرهم بشأن هذا السلام، وكان هؤلاء الموظفون يعرفون أو يظنون أنهم يعرفون سيطرة أمريكا على الإسرائيليين. ومن ثم حاولوا الإسراع في عقد السلام، وهو ما لا تريده إسرائيل التي حاولت أن تثبط جهودهم بالتعنت فلما أصروا قامت باحتلال المناطق المنزوعة السلاح في القدس. وسيذكرنا هذا باعتداءات 1954 و1955 التي تمت في ظروف مشابهة تماما، ولا العرب يتعلمون ولا الأمريكان يكفون عن خداع العرب، وخداع شعبهم.

وكتب كيلى المسكين : ( ولاحظ الفرق بين لهجة الدبلوماسيين الأمريكان وقتها، وتحيزهم الفاضح لإسرائيل الآن).

" وكما هى العادة في غطرستهم الغبية، فإن العدوان الاسرائيلى الأخير لم يدمر مفاوضات الهدنة السورية- الإسرائيلية فحسب، بل نفخ في كل الأبواق العربية، ولما كان هذا رأى الزعيم فأنا لا أرى معنى لتسليمه رسالة وزارة الخارجية ن ولا في حثه على قبول مقترحات بانش، حتى توجد الوسائل التي تجبر إسرائيل على احترام تعهداتها وسلطات الأمم المتحدة . إن الضغط على سوريا في مواجهة احتلال إسرائيل لدار الحكومة في القدس سيبدو للسوريين كدليل جديد على تهمة تحيزنا لإسرائيل ، ويضعف النفوذ الذي ما زال لنا".

وقد تدخلت الحكومة الأمريكية وسحبت إسرائيل قواتها من دار الحكومة، وعادت وزارة الخارجية تأمر كيلي بإجبار حسنى الزعيم على قبول مقترحات بانش . وقد كان.

وبقية الوثائق تكشف تهالك الزعيم على عقد تسوية مع إسرائيل ، وصراخ الدبلوماسيين الأمريكيين في دمشق، مطالبين حكومتهم ببذل جهد لإقناع الإسرائيليين بقول بعض التنازلات الشكلية ليمكن عقد هذه التسوية.. ورفض إسرائيل القاطع لأي تناول، بل لاى تنازل شكلي يمكن فعلا من عقد هذه التسوية، ويستطيع القارئ إذا راجع الوثائق المنشورة في فصول " إسرائيل " و" سوريا" في التقرير المذكور ( يقع في 1852 صفحة مطبعة) أن يستنتج رغبة إسرائيل في منع التسوية أو الصلح مع سوريا وليس فقط رغبتها في الاحتفاظ بما لديها، وهو أمر قد يبدو غير مفهوم في عام 1949 ولكنه مفهوم الآن. فإسرائيل لها أهداف في صميم الأرض السورية، وعقد صلح وقيام سلام عام 1949 يعطل تحقيق هذه الأهداف.

وهذا أيضا يفسر لماذا فشلت النوايا السلامية لنظام يوليو فليس عن صلابته بل تصلب إسرائيل .

من الوزير المفوض بدمشق إلى وزير الخارجية

دمشق 14 يوليو 1949
سرى

" إن إخلاص الزعيم للسلام لا مجال للشك فيه، ولو لمجرد أنه يعرف أن مشاكل فلسطين تعترض طريق أحلامه.

وإذا كانت المفوضية هنا( دمشق) تشارك الاعتقاد بأنه لا يستطيع أن يتحدى مشاعر الشعب السوري فيما سيعتبر استسلاما بلا مبرر لأطماع إسرائيل ، إلا أنه حساس جدا من فكرة أنه يقاد بمبادرة ودية من الولايات المتحدة، ليس فقط لتوطين اللاجئين بل والتنازل في الخلافات الأخرى مع إسرائيل .

وفى رأى المفوضية أنه من مصلحة السلام في الشرق الأوسط الاستفادة من تعاون الزعيم..الخ".

رفضت إسرائيل بحث أي مشكلة أو تسوية، وألحت على الاجتماع المباشر بين الإسرائيليين وحسنى الزعيم وفى لوزان، وبالطبع لم يكن أمام الإدارة الأمريكية إلا الضغط على الجانب اللين .

فألحت على عقد اللقاء وحل الجيش السوري المشكل بإعدام حسنى الزعيم في 14 أغسطس 1949..

فيكون قد قضى في السلطة مائة وخمسة أيام، أنجز فيها للأمريكان اتفاقية التابلاين، قبول توطين اللاجئين ، الأمل في فرض تسوية سلمية إذا ما توافر حاكم مطيع مثله، شرط أن يكون في بلد أقوى تأثيران وأن يستمر في الحكم فترة أطول.ز وتعلم فيه الأمريكيون فن قلب النظم العربية..

نسمع الآن قصة الانقلاب السوري من أحد صناعة، مايلز كوبلاند..

سجل " هينتون" الضابط السياسي في السفارة، وأصغرهم سنا، وأكثرهم على ما يبدو اقتناعا بالشعارات الأمريكية المعلنة خلال الحرب العالمية، والتي لم تكن قد جفت بعد في ذاكرة الشباب المثالي، بل وربما أكثرهم حكمة، إذ سجل اعتراضه على الانقلاب قائلا بنص شهادة كوبلاند: " أريد أن أسجل للتاريخ، قولي بأن هذه هى أغبى وأقل الأفعال تقديرا للمسئولية يمكن أن تصدر ن بعثة دبلوماسية مثلنا، لقد بدأنا اليوم سلسلة من هذا النوع لن تنتهي أبدا .

وقد أرسل تقريرا بالطبع إلى وزارة الخارجية، يقبع الآن تحت أكوام من التراب وإن كانت نبؤته قد تحققت".

المهم أن وزارة الخارجية بنفاق الثعالب الذي تعودناه من الحضارة البيضاء تمنعت حوالي شهر عن الاعتراف بالانقلاب " لأن خبرتنا المريرة مع الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية.. الخ".

وإشفاقا على الديمقراطية، وأيضا لكي لا ينكشف الملعوب إذا ما اندفعت للاعتراف.. وبعد ثلاثين سنة ما زالت أوراق الخارجية ألأمريكية المنشورة بيضاء الساحة، ترفض الاعتراف بدورهم في الانقلاب.. وما جره على سوريا من دماء لم تجف ولن تجف أبا ما لم يقطع دابر التفكير السلطوي في الجيش والضباط المغامرين.

قال كوبلاند:

" اعتقدنا في المفوضية الأمريكية أننا فتحنا بابا للسلام والتقدم، فقد كانت استجابة الزعيم " لاقتراحاتنا الودية" ( أقوال المؤلف) قبل الانقلاب إيجابية إلى درجة لم يخطر معها ببالنا، أن الأشياء ستتغير فيما بعد ، وقد استمر الحال كذلك إلى أن وصل الاعتراف الرسمي من حكومتنا وقد يبدو مثيرا أن أقول إن المارجو مييد ، قضى اليوم الثاني للانقلاب في تعريف الزعيم: من يجب أن يكون سفيره في لندن ومن من الضباط يجب وضعه في مناصب دبلوماسية وما الغذاء الذي يجب أن يقدم للرئيس القوتلى في السجن لكي لا تتهيج قرحته.
ولكن فور الاعتراف انقلب الزعيم إلى رجل آخر وبدأ ذلك بأن أبلغني أنا ومييد بضرورة أن نهب واقفين إذا ما دخل علينا، وألا نخاطبه بلفظة أنت – وهو أي الزعيم لا يعرف إلا الفرنسية- بل بضمير أنتم أو نقتصر على " سعادتك" .
وباستثناء هذه الرسميات استمرت العلاقة ودية إلى نهاية عهده ولكن يوما بعد يوم كان يتضح أكثر وأكثر أننا أخطأنا في نقطة ما، وأنه لابد أن نفكر في البديل في حالة سقوط الزعيم، الأمر الذي أصبح مؤكدا".
تصرف المبتدئون الأمريكان مع حسنى الزعيم تصرف رجال المافيا مع " البرافان" الذي يضعونه في مواجهة شركاتهم، أو مع رئيس جمهورية الموز الذي تعينه الشركة الأمريكية من خلال انقلاب عسكري.
المدرب الامريكى يعطيه التعليمات ابتداء من ترشيح السفراء واعتقال الضباط إلى قائمة طعام سجن المزة.
وكنا رأينا لم يقتصر الحديث على الكبة النية وحدها، فليس بالخبز وحده يحيا الأمريكان، حدثوه عن إسرائيل واستجاب، وعن التابلاين ووقع وصدق، ونفهم من سياق القصة، أنهم كانوا يجلسون وقد مدوا أقدامهم على الطريقة الأمريكية ورئيس جمهورية سوريا وزعيم انقلابها وديكتاتورها ومعتقل زعمائها، وخالب لب الغوغاء والمغفلين من الشباب العربي، لأنه ثأر لهم من الخيانة، ورفع كرامة الجيش السوري ..الخ. .
هذا الزعيم يدخل فلا يتحرك المدرب الامريكى ولا يكلف نفسه الوقوف لرئيس جمهورية أو رئيس وزراء سوريا، بل لعله كان يضع حذاءه في وجهه، كما كان المندوب البريطانى يفعل مع فيصل الأول ملك العراق. ولكن كان على الأمريكان أن يتعلموا أن الكرسي له ثقله، وأن سويا في 1947 غير العراق في 1920- ولذلك ثارت كرامة " الزعيم" وطالبهم على الأقل بالوقوف عندما يدخل عليهم ليوقع اتفاقية التابلاين أو ضم لبنان ، أو اعتقال السياسيين الفاسدين مطايا الاستعمار.. وثارت حمية الضباط لكرامة الجيش والدولة مع قليل من المنشطات البريطانية، فقتلوا الزعيم وجاء الحناوى انجليزيا لينقلب عليه الشيشلكى..الخ..

ومن 1949 على 1952 سيتعلم الأمريكان الكثير وسيصبحون أكثر ذوقا في معاملة الرؤساء ولا شك أن مصر غير سوريا، وجمال عبد الناصر لا يمكن قياسه بحسنى الزعيم .. ولكن ستمر بنا لحظات ومشاهد في الرواية المصرية، تجعلنا نتساءل.. أين رأينا هذا المشهد من قبل؟ من يشبه هذا البطل. نعم سنرى ملامح تلك العلاقة بين المدرب الامريكى و" الزعيم" .. رفع التكليف .. إعطاء النصائح في صيغة المدرس أو المربى .. الشخط أحيانا.. بما لا يتفق والعلاقات الدبلوماسية العادية..

يكفى أن نتذكر أن ؟ زعيما" عربيا ثوريا جاء بهذه الطريقة وعوامل بهذه الطريقة.. ولكنه فشل في أن يستمر في الحكم لأسباب عديدة شديدة التعقيد ن أولها سوريا ذاتها، وآخرها أنه لم يكن له تنظيم في الجيش السوري..

بقية قصة الزعيم معروفة:" أحاط بمنزله عدد من الضباط يتقدمهم واحد اسمه الحناوى ولكن القائد الحقيقي كان أديب الشيشلكى ، وقتلوا حسنى الزعيم ودفنوه في المقبرة الفرنسية".

وأخبرني الشيشلكى فيما بعد: " لقد أسدينا لكم معروفا بدفنه كعميل فرنسي".

استمرت الجماهير السورية تهتف لسنوات طويلة:" بدنا نحكى ع المكشوف" وهم لا يدرون أن زعمائهم الثوريين يمارسون ذلك منذ وقت مبكر جدا ولكن .. مع الأمريكان.

الدروس التي استفادتها المخابرات الأمريكية من تجربة سوريا هى :

1- المشكلة ليست في تغيير الحكومة بل في ضمان استمرار هذا التغيير إلى نهاية الطريق. أصبح المطلوب سلطة قادرة على الاستمرار.
2- الوضع الأمثل هو الارتباط بتنظيم انقلابي موجود فعلا، له تشكيلاته وله عناصره المخلصة، وله قوة دفعه، وتصميمه على الاستيلاء على السلطة، لأن الصفقة مع قائد جيش بمفرده انتهت بمقتله وحيدا..
3- عدم التسرع في فرض تسوية للقضية الفلسطينية فقد عرفت الأجهزة الأمريكية حقيقتين :
ألأولى: هى أن حكومتها غير راغبة أو غير قادرة على الضغط على إسرائيل .
والثانية: هى أن إسرائيل لا تريد تسوية سلمية .. ومن ثم فلا داعي لحرق القيادة " الصالحة" بالإصرار على دفعها في طريق الاستسلام لإسرائيل أو الصلح مع إسرائيل ، يكفى منع الحرب مع إسرائيل ، وإزاحة القضية الفلسطينية من برنامج العمل، وإلى برنامج الشعارات.. ومع التبريد والحديث عن السلام ينفتح الطريق للتسوية.

وهنا يقول مايلز كوبلاند: " ولو أننا لم نحب ذلك كثيرا، غلا أنه كان لابد لنا من أن نعترف بأنه ما من قائد بوسعه أن يوقد شعبا عربيا إلا إذا كان هناك خوف عام يؤثر على هذا الشعب.

فالمصريون توالت عليهم قيادات خلال عدة قرون أجنبية وفاسدة.

ولذا فكل القيادات – في نظرهم- مريبة ومشبوهة.

وكان قادة العالم العربي يستخدمون الخوف من إسرائيل لتحقيق مستوى من الوحدة الوطنية، ورأينا أنه ما من سبيل لتجنيب استخدام نفس الوسائل في مصرن على أساس أن الخطر ضئيل في أن تتطور الأمور على نحو يخرجها من يدنا، نظرا للهزيمة الفادحة التي تلقاها الجيش المصري على يد الإسرائيليين في حرب 1948 فضلا عن أنه لم تكن هناك فرصة كبيرة للنجاح في إبراز قائد لا يستخدم القضية العربية – الإسرائيلية".

هذه نقطة على قدر بالغ من الأهمية ، بل هى مفتاح فهم كل ما جرى ويجرى حولنا في المنطقة.

للأسباب التي ذكرناها ، تخلى الأمريكيون عن محاولة فرض الصلح العرب- الاسرائيلى.. وهذا يعنى استمرار " القضية" ولذا قرروا استثمار ذلك، فلكي تستمر زعامة القائد الذي سيمنع المعركة مع إسرائيل ، لا بأس بل من الضروري أن يتحدث ليل نهار عن المعركة، ويسحق أية معارضة تحت شعار:" لا صوت يعلو على صوت المعركة.." وبهذا يتجنب المعركة ويبقى شعبه صابرا متحملا في سبيل المعركة .. " تخطيء إطلاقا فخلال المدة من 1952 إلى 1967 لم تتطور الأمور أبدا على نحو " يخرجها م أيديهم" فلم تقم مصر بأي هجوم على إسرائيل ، وإنما كانت الحروب كلها من ناحية إسرائيل .. وهذا ما لا سيطرة للأمريكان عليه، أو بالأحرى لا خطر فيه على الأمريكان..

يقول تحت عنوان" " البحث عن قائد حقيقي في مصر 1951- 1952"

وكتب تحتها: " ابحث عن لاعب حقيقي وليس مخلب قط"

هذا عنوان الفصل الذي يتحدث فيه عن عمليتهم في مصر هكذا بوضوح وصراحة.. ولكن البعض لا يؤمن حتى يدخل الأصبع في جرحهم هم.

يقول :

" الكثير من موظفي الخارجية الأمريكية، كانوا ما زالوا على اعتقادهم بأن الانتخابات الحرة يمكن أن تأتى بقيادات صالحة، حتى في العالم الأكثر فسادا في كل الشرق الأوسط، ولكن " دين اتشيسون" وزير الخارجية نفسه، لم يكن متأكدا من ذلك، فرغم أنه في العلن كان يتحدث بالأسلوب الدبلوماسي التقليدي، إلا أنه في السر كان يؤمن بأن استخدام وسائل غير تقليدية لمساعدة القوى الطبيعية، مسألة تستحق التجربة ، وعليه استعار من المخابرات المركزية الحديثة التشكيل وقتها، كيرميت روزفلت ، لرئاسة لجنة سرية عالية المستوى من المتخصصين بعضهم من وزارة الخارجية وبعضهم من وزارة الدفاع، والبعض جيء بهم كمستشاريه من رجال الأعمال المعنيين، ومن الجامعات، ولا أحد من المخابرات إلا " كيرميت روزفلت" ومهمة اللجنة دراسة العالم العربي، وبالذات الخلاف العربي- الاسرائيلى لتحديد المشاكل وتحديد الأولويات ووضع الحلول .. أي حلول، سواء اتفقت أو تعارضت مع قواعد السلوك المفترض للحكومات.
وخلال شهر أو أكثر طرحت عدة أفكار، كلها غير تقليدية ، البعض اقترح فكرة إبراز زعيم إسلامي لتعبئة حركة دينية ضد الشيوعية، ومضى إلى حد اختيار زعيم ديني عراقي لإرساله في رحلة في العالم العربي، والفكرة في حد ذاتها لم تسبب أضرارا، وتنفيذها علم اللجنة الكثير..".

" في مطلع 1952 أعدت لجنة الخبراء تقرير حال كاملا عن لعبة ألأمم في الشرق الأوسط، وأصبحنا مستعدين لعملية كبيرة.

وكان الضغط الدولي كبيرا بحيث رأينا أنه لا يمكن تأجيل العمل أكثر من ذلك".

" وفى النهاية استقر رأينا على أن مصر هى نقطة الانطلاق.

فقد كانت مصر بلدا تستحق الأولوية في حد ذاتها ولنفوذها على الدول العربية الأخرى مما يجعل أي تحول فيها للأحسن ( الأحسن من وجهة نظرهم هو عين السوء لنا) سيكون له صداه في العالم العربي.

" وكان في رأينا أن العملية ليست أكثر من زفة ليس فقط لطبيعة الأهالي وسياساتهم بل لأنه كان لنا بعض المدبرين الذين ثبتت خبرتهم، ولهم معرفة جيدة بالبلد بما فيهم كيرميت روزفلت نفسه."

نحب أن نشير هنا إلى نقطة أشار كوبلاند وهى قوله إن رئيس المخابرات الأمريكية في مصر كان يتمتع بعطاء عنصري وفسر ذلك بأنه يعنى أن الشكل وجواز السفر واللغة تمكن ضابط المخابرات من الاختلاط بالمحيط العام.

وهذا يعنى أنه كان مصريا أو على الأقل من جنسية شديدة التشابه مع المصريين.. ونحن نرجح الفرض الأول، ونعتقد أنه أحد السماء التي لمعت جدا في عهد عبد الناصر... وخاصة أنه قال في موضع آخر إن هذا الشخص كان أيضا رجل عبد الناصر مما يحصر شكوكنا في ثلاثة أشخاص.

" وكانت مهمة روزفلت بالتحديد عندما جاء للقاهرة يبحث عن الزعيم المنشود، هى أن يحاول أولا تنظيم ثورة بيضاء يكون فيها الملك فاروق نفسه مشرفا على تصفية النظام القديم واستبدال الجديد به، وبذلك تجهض القوى الثورية التي كان عملاء المخابرات الأمريكية قد اكتشفوها قبل سنتين والتي كانت التقارير تؤكد أنها على وشك الانفجار.

ثانيا : في حالة فشله في إجراء هذه الثورة السلمية، فعليه أن يبحث حوله عن احتمالات أخرى.. رجل واجهة نوجهه من خلف الستار، أو رجل قوى، أو خليط من الاثنين ".

نتحفظ هنا على المهمة فصحيح ظل كيرميت روزفلت يحرك ويفرك في ما سمى بالثورة السلمية، ولكن في اعتقادي أنها كانت مناورة على فاروق، لتخديره، وطمأنته من ناحية الأمريكان، وليسمح لهم بالتغلغل في أجهزته، حتى يمكنهم التجنيد بداخلها، وإبعاد العناصر التي لا أمل في تعاونها.. وتعود ههذ الأجهزة على تلقى الأوامر منهم، ومن ثم يمكن شلها في اللحظة الحاسمة ولحساب الانقلاب الحقيقي..

يقول:

" كيرميت روزفلت حفيد الرئيس تيودور روزفلت وابن عم آرش روزفلت وكان يتمتع بشهرة عن شجاعته البدنية، وهى تثير إعجاب سكان الشرق الأوسط إلى جانب صلاته الوثيقة مع كل القيادات الثورية والتقليدية في الدول العربية وإيران.. وقد انضم صراحة للسى آى ايه ( المخابرات الأمريكية وتكتب هكذا.) ليجد أن المغامرات فيها مقيدة ونادرة.
ولذلك عندما أصبح صديقه القديم الجنرال " بيدل سمث" مديرا للمخابرات فقد رتب انتدابه في الجهاز الخاص لوزير الخارجية دلاس، لتنفيذ مهام من طراز الروايات والأفلام كانت آخرها عملية آجاكس في أغسطس 1953، عندما نظم وحده تقريبا الإطاحة بمصدق، وإعادة الشاه الذي كان قد هرب إلى روما.
وكانت الثورة السلمية في مصر 1951- 1952 هى أول مهمة لروزفلت. وكان الملك فاروق قد ازداد إعجابه بروزفلت خلال الحرب العالمية الثانية في الفترة التي كان البريطانيون يضغطون فيها عليه تحت فوهة المسدس حقيقة لا مجازا ، لكي يبعد العناصر المؤيدة للمحور من حكومته ويستبدل بها عناصر من اختيار الإنجليز. وبينما كان فاروق يغلى في قصره عاجزا ، زاره روزفلت يوميا، تقريبا لتسليته، ووعده بأن تعقد مع مصر بعد انتهاء الحرب صفقة جديدة وتصبح مصر مستقلة فعلا ويصبح هو أول حاكم لمصر المستقلة خلال ألفى سنة". . ( قالوا نفس الكلام مع تغيير بسيط: " أول حاكم مصري من ألفى سنة" .. وكلا القولين فاسد كاذب لا أساس له من التاريخ).

" وكان فاروق يحب هذا النوع من الكلام. وأحب روزفلت إلى حد استقباله بحماسة عندما رجع كيرميت إلى مصر عام 1952..

ومن الناحية الأخرى لم يكن فاروق هو الشخص الذي يبحث عنه روزفلت، فصحيح أنه لم يكن غبيا، إلا أنه كان يفتقد التركيز، في اجتماع كان يبدى إدراكا واعيا لما يجرى في بلده.

وباذلات لما يؤثر على نظامه. ويوافق على علاجات روزفلت بكفاءة رجل أعمال في بتسبرج. وفى اليوم التالي يختفي في واحدة من مغامراته الجنسية .

وينسى أن ينفذ بعض الإجراءات التي وافق على ضرورتها لتحقيق خطة روزفلت ، وفى الأسبوع الثاني، وبفعل أي عامل وقتي، يتخذ قرارا يفسد الخطة".

" أقام روزفلت في مصر خلال شهري يناير وفبراير 1952 وخلالهما قام فاروق بالتالي:

1- تماشى مع مشروع روزفلت الذي يقضى بأن يدبر أقوى رجلين في الوزارة : مرتضى المراغي وزكى عبد المتعال أزمة تجبر رئيس الوزارة على الاستقالة. وفى نفس الوقت يكلف بوليسه السري بجمع أدلة تثبت أن الوزيرين عميلان للمخابرات الأمريكية .
2- وافق على تعيين نجيب الهلاليوهو رجل يتمتع باحترام لكفاءته ونزاهته كرئيس وزراء.
وقد دعاه إلى الوزارة بطريقة لا يمكن أن تسمح له بقبولها، وليس إلا بعد أن رجاه روزفلت على انفراد باسم الثورة السلمية مشيرا إلى أن الثورة لن تبقى بيضاء إذا ما استمر الملك في عناده.
3- وافق على أن يقوم الهلالي بتطهير الحكومة ويخرج كل الموظفين الفاسدين، ويحل محلهم موظفين من اختياره".

وطبعا نذك شعار " التطهير قبل التحرير " و" محاربة الفساد" وكلها كانت شعارات هزلية على لسان الهلالي باشا وفى نظام فاروق، ولكن نفس الشعارات ستستخدم في ظل 23 يوليو، وسينسى الناس أنها الاستمرار لخطة الثورة البيضاء..

" في مايو 1952 نفض روزفلت يديه يائسا ، ووافق مع السفير الامريكى في القاهرة " جيفر سون كافري" أن الجيش وحده هو الذي يستطيع وقف تدهور الوضع وإقامة حكومة يستطيع الغرب أن يتفاهم معها" .. ( أين الذين يثرثرون عن مفاجأة السفارة بالانقلاب والرجل ذكر علم السفير وبالاسم).

" كافري الذي كان أقدم سفير في الجهاز الدبلوماسي الامريكى، كان يعرف مصر جيدا، وكان يعتمد على اثنين ك الليوتنانت كولونيل: " دافيد ايفانز" مساعد الملحق العسكري ، ووليم ليكلاند الضابط السياسي".

" كان روزفلت نافرا من الانقلابات العسكرية، وبعدما شاهده من آثارها على سوريا، ولكنه وافق على اللقاء بالضباط الذين رصدتهم المخابرات الأمريكية على أنهم قادة التنظيم السري الذي عرف أنه يدبر انقلابا.. وهذا ما فعله روزفلت في مارس 1952.. أي أربعة شهور قبل انقلاب ناصر.. وناصر الذي كان قد عرف باستكشاف المخابرات الأمريكية لتنظيمه كان مستعدا للقاء.

ورتب وضع عدد من ضباطه في طريق روزفلت، هؤلاء الضباط الذين كانوا بعيدين عن مركز الحركة بما يتيح الاستغناء عنهم، ولكن في نفس الوقت يمكن الاعتماد على قدرتهم على الكلام المناسب، وحفظ الأسرار الأساسية لتنظيم السادات.. وقد تمت ثلاثة اجتماعات من هذا النوع ..

وفى الاجتماع الثالث حضر واحد من أقرب معاوني ناصر ,أكثرهم تمتعا بثقته :

" إن الاتفاق الكبير الذي تم بين روزفلت وهذا الضابط الذي كان يتحدث باسم عبد الناصر يستحق الذكر حقا.. ففي ثلاث قضايا عامة تم الاتفاق في الحال: الأولى هى أن الجماهير لا تثور بسبب سوء الحالة الاقتصادية، وكان روزفلت قد دخل في جدل طويل مع وزارة الخارجية الأمريكية حول هذه النقطة إلى حد أنه وزع عليهم نسخا من كتاب :" كران برينتون" الذي عنوانه: " تشريح ثورة " ليدعم رأيه بأنه ما من ثورة في التاريخ لها أسباب اقتصادية في جذورها.

وبالتالي فإن حكومتنا لا تستطيع التخلص من زعيم لا تحبه بمنع القمح عن شعبه.

ناصر كان يعرف في هذا الوقت ما ستثبته خبرته الشخصية فيما بعد، وهو انه مهما منعت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية بهدف إضعاف مركزه، فإنه يخرج أقوى من قبل، وشعبه يحمل الحكومة الأمريكية مسئولية تجويعه وليس ناصر".

" النقطة الثانية هى أن الجماهير المصرية لا يحتمل أن تثور لأي سبب . كانت هناك حركتان ثوريتان: الإخوان والحزب الشيوعي، تعتقدان أن الشعب المصري بما فيه الفلاحون والعمال والأفندية في المدن وحتى المهنيين اقتربوا من درجة الغليان، ويمكن دفعهم تحت النداء المناسب للثورة، ناصر لم ير هذا الرأي وقد طرحت هذه النقطة بين روزفلت وممثلي عبد الناصر عندما قال لأحد هؤلاء الممثلين " إن من سيحكم مصر سيواجه مشكلة تلبية المطالب العديدة للشعب المصري".. وهنا قال رئيس المجموعة التي تنطق باسم ناصر، أول جملة كاملة في تلك الليلة:" بالعكس .. عن مشكلتنا هى أن الشعب لا يريد كفاية" ثم استمر :" إن معظم المصريين عاشوا آلاف السنين على الكفاف ، ويمكن أن يعيشوا ألف سنة أخرى على هذا الحال " إنهم غير مهيئين للثورة، ولا مهيئين للاستفادة القصوى من حياتهم بعد الثورة.

ولذا بعد الثورة سنحاول جهدنا دفعهم لذلك،ولكن ليس لدينا وقت لتحقيق ذلك قبل الثورة" وهكذا لم يكن هناك مجال للحديث عن ثورة ديمقراطية أو شعبية. وكان مفهوما من اللحظة الأولى أن الجيش المصري سيسيطر على البلاد، ويختار الوقت والظروف التي تضمن تأييدا سياسيا وشعبيا في المدن، أما بقية البلد فسيجرى كسبها فيما بعد..".

" وأخيرا تم الاتفاق على أنه في مستقبل العلاقات بين الحكومة المصرية الجديدة ، وحكومة الولايات المتحدة، فسيقتصر استخدام عبارات من طراز " إعادة المؤسسات الديمقراطية" أو " الحكومة القائمة على تمثيل حقيقي للشعب" ستقتصر على الوثائق المتاحة للعامة، أما فيما بيننا فيقوم تفاهم مشترك على أن شروط قيام حكومة ديمقراطية غير متوافرة في مص، ولن تتوافر لعدة سنوات طويلة..

وأن مهمة الحكومة الجديدة هى توفير هذه الشروط وهى:

1- شعب غير أمي.
2- طبقة وسطى كبيرة ومستقرة.
3- شعور من الشعب بان هذه هى حكومتنا، وليست مفروضة من الفرنسيين أو الترك أو الإنجليز أو الطبقة العليا المصرية.
4- إرساء قيم ومثل حقيقية، تضمن قيام ونمو مؤسسات ديمقراطية حقيقية وليس مجرد تقليد مستورد من الولايات المتحدة أو بريطانيا.

" وقد اتفق روزفلت وممثلو ناصر( الكلام ما يزال لمايلز كوبلاند) على أن الرأي العام الامريكى والكونجرس ، وبعض الصحفيين وبعض موظفي الخارجية الأمريكية ، وغالبا ما يكون وزير الخارجية نفسه من بينهم، سيبدءون على الفور في النباح بالشعارات القديمة، وفى نفس الوقت تأكدوا أن أية محاولة سابقة لأوانها لتطبيق الديمقراطية ستضع البلاد مرة أخرى في الفوضى السابقة، أي انتخابات بين مرشحين مدعومين من بريطانيا وأمريكا ضد مرشحين مدعومين من الروس (لعلنا نكتشف الأصل الفلسفي لحكاية حزب تابع للشرق وحزب تابع للغرب) و24 مليون فلاح من 28 مليونا، ينتخبون وفقا لتوجيهات الإقطاع بينما يتفجر سخط المدينة في شكل اضطرابات، وتصبح إثارة الشغب هى الوسيلة الوحيدة للحصول على نفوذ سياسي فينضم الشباب للإخوان أو الحزب الشيوعي كمخرج لنشاطهم المكبوت".

" وهناك نقاط كان من الصعب الاتفاق عليها، ولكنها شكلت- رغم ذلك- فهما مشتركا للدوافع التي ستكون خلف الانقلاب القادم".

" وهناك نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هى موقف ناصر من إسرائيل فالسياسيون والكتاب والمواطنون العاديون في أي بلد عرى، وكذلك معظم الدبلوماسيين الغربيين الذين يزرون شتى البلاد العربية سيقولون لك إن استرداد فلسطين يأتي على قائمة الأولويات لألا بلد عربي، حتى أن صحفيا في مستوى محرر " الديلى تلجراف" ظل لعدة سوات يصر على أن هزيمة مصر ضد إسرائيل كانت عنصرا فعالا في تفكير الذين دبروا الثورة المصرية .

ولكن بعد خمس سنوات من حار المعسكرات، ومحادثات شخصية مع مئات الضباط قرر ناصر ومعاونوه العكس.

لقد تبينوا أنه قد يكون من المفيد لخدمة هدف آخر، الحديث عن تعبئة موارد مصر لتصحيح ما حدث في فلسطين ، ولكن مثل هذا الحديث في 1952 هو عمل طائش ومضر إذا ما استخدم لإثارة ثورة في مصر.

" وقد اعترف ناصر لروزفلت أنه هو وضابطه امتهنوا على يد الإسرائيليين، ولكنه أكد أن غضبهم كان ضد " ضباطنا الكبار" .. العرب .. الإنجليز ثم الإسرائيليين على هذا الترتيب".

أظن أن هذه جرعة كبيرة تحتاج لوقفة طويلة جدا.

1- في أواخر عام 1951 أو مطلع 1952 استقر رأى لجنة الخبراء على تجربة الانقلاب في مصر وكلفت " كيرميت روزفلت" بهذه المهمة للصفات العدية التي يتمتع بها.
ومنها صلاته ومعرفته بمصر وملك مصر .
2- كان للمخابرات الأمريكية شبكة واسعة في مصر يرأسها شخص مصري أو يسهل اندماجه بين المصريين وهو في نفس الوقت، رج عبد الناصر.
3- ظل كيرميت في مصر شهرين يدرس النظام القائم بحجة تدبير ثورة سلمية تحت رعاية الفاروق.
واستطاع التغلغل في أجهزة الأمن وشلها أو بلبلتها ليلة الانقلاب.
4- اكتشفت المخابرات الأمريكية تنظيم السادات، وهذا يعنى بوضوح أنها لم تنشئه بل كان تنظيما مصريا وطنيا في مجموعه، وإن ضم عناصر من شتى المخابرات المحلية والعالمية، كما هو الحال في كل التنظيمات السرية.. وهذه نقطة على جانب كبير من الأهمية، فالسادات غير إخوان الحرية، السادات وعلى كل المستويات ، تنظيم وطني مصري ، ضم عناصر وطنية، لو خطر ببالهم أ بعض رفاقهم يجتمع بالأمريكان، فضلا عن مخابرات الأمريكان لاتخذ التاريخ مسارا مخالفا.
5- شعر جمال عبد الناصر، أو أبلغ عن طريق وسطاء الخير، باهتمام الأمريكان، فوافق بذكائه السياسي النادر، وشبقه للسلطة الشد ندرة وتميزا، على مقابلتهم.. ومرة أخرى هذا يعنى أن عبد الناصر لم يخترعه الأمريكان ولا فرضوه على التنظيم، وإنما فرضوا انتصاره واستمرار في السنوات الأولى حتى استقر وانطلق معتمدا على تنظيماته.
6- تدرجت اللقاءات حتى وصلت إلى اجتماع على مستوى أكبر معاوني ناصر ، أو على الأقل الذي يتمتع بأكبر قدر من ثقته.
وهى اجتماعات كانت واضحة وصريحة بين السادات، أو مجموعة ناصر من جانب والمخابرات الأمريكية من الجانب الآخر للاتفاق على برنامج الانقلاب أو الثورة كما حلا لهم تسميته..
7- كل اتفاق .. كل مفاوضات.. إنما تدور حول: ماذا تعطيني وماذا تريد منى.. ولا نظن أن استنتاج بنود الصفقة عسير علينا .. السادات يريدون دعم المخابرات الأمريكية لنجاح الانقلاب.. أما كيف.. ؟ فهذه من النقاط التي حجبها المؤلف، والتي بن يكشف عنها الستار أبدا، لأنه سر المهنة الذي يستخدم في أكثر من بلد، ولأنه يكشف لأسماء لا يريدون لها أن تكشف.. كذلك طلب السادات تقديم تأمين امريكى ضد احتمال تدخل بريطانيا ودعم امريكى بعد نجاح الثورة.

في مقابل ماذا ؟

إما أن نخرج في مسيرة للسفارة الأمريكية نشكرها على اهتمامها بتحرير الشعب المصري، أو نتساءل بجدية: ما الذي تعهد الضباط الناصريون بدفعه مقابل وضعهم في السلطة؟
8- اتفق المتآمرون- يستحيل علينا من باب الذوق أن نصف كيرميت روزفلت بالثوري ، فهذا يسيء إليه طبعا ولذلك أم نستطع أن نقول " الثوريون " .. على أن مصر غير ناضجة للديمقراطية وأنهم لن يهتموا بثرثرة المسئولين الرسميين الأمريكان عن ديكتاتورية الحكم، فأمام الحكومة الثورية مهمة طويلة تستغرق الأجيال حتى تتوافر لقيام الديمقراطية، مثل محو الأمية ،وخلق طبقة وسطى.. ولعل هذا يفسر حرص الثورة على عدم محو الأمية، واهتمامها بضرب الطبقة الوسطى.

.. نكتة..

9- فلسطين لم تكن قضية الثورة، ولا شاغل الضباط رقم واحد، وهذه قضية معقدة وأعترف أنني لم أستوعبها تماما في الكتاب السابق، فجاء تعليقي ساذجا اعتذاريا ورغم اقتناعي أن الناصرية – كما قلت- ليست إفرازا للصراع المصري – الاسرائيلى غير أن ما نشر من وثائق عن تصريحات ومواقف ضباط الثورة من إسرائيل وعداوة لإسرائيل، بل لا نذهب بعيدا إذا قلنا إن الملك فاروق كان أكثر إحساسا بخطر إسرائيل وأكثر تصلبا في رفض التعايش معها من محمد نجيب وعبد الناصر وسنرى ذلك بالوثائق فيما يلي من صفحات هذا الكتاب.
10- هذا الجزء مكتوب بمكر شديد، فهناك حوار بين ناصر وكيرميت، ولكن هناك أيضا إيحاء ولو بالسالب أن عبد الناصر لم يقابل كيرميت روزفلت ، وعلى أية حال هذه نقطة لا نركز عليها كثيرا كما اشرنا فمن المؤكد أن اجتماعا واتفاقا قد تم بين ناصر وكيرميت روزفلت سواء مباشرة أو عن طريق رجل عبد الناصر وموضع ثقته.

يقول :

" وعندما رجع كيرميت روزفلت من القاهرة قبل الانقلاب بشهرين ( يعنى مايو) قدم تقريره إلى وزير الخارجية دين اتشيسون قال فيه:

1- إن الثورة الشعبية التي تحتسبها وزارة الخارجية، ويعمل لها الشيوعيون والإخوان، ليست في
2- لا توجد وسيلة لمنع الجيش من القيام بانقلاب ، أحببنا ذلك أم كرهناه.
3- إن الضباط الذين ينتظر قيادتهم للانقلاب ، لديهم دوافع عادية بعكس الطموحات التي ينسبها إليهم المراقبون الدبلوماسيون .
الأمر الذي يزيد من فرص انتصارهم ، بل ويجعلهم أيضا مفاوضين معقولين بعد استيلائهم على السلطة..
4- إن الحكومة الأمريكية ستقبل إبعاد فاروق وربما إنهاء الملكية كلها. وإن كان لا مانع طبعا من صدور احتجاج رقيق لإراحة الضمير.. وسيكون من المستحسن أن يبدى السفير كافري بعض الاهتمام بسلامة فاروق الشخصية.
( وهذا يوضح أن نبل كافري كان بالاتفاق أو بالتعليمات وليس كما استنتج مؤلف حبال الرمال).
5- بعد الانقلاب ستمتنع حكومتنا- ما عدا في الظاهر – عن حث القيادة على إجراء انتخابات أو إنشاء حكومة دستورية وما أشبه.
وستقيم علاقتها مع ا لحكومة الجديدة في ضوء الاقتناع بأن المؤسسات الديمقراطية يجب أن تبنى من الصفر.
6- لا يجوز أن يستنتج أحد في حكومتنا منكل هذه الاجتماعات التآمرية التي تمت قبل الانقلاب أنه انقلابنا.
7- بل ستكون عملية داخلية حرة تقريبا ( ألأقواس من عندنا) من نفوذنا ، ويمكننا مساعدتها فقط بعدم معارضتها، أما فيما يتعلق بالحاجة إلى عدو يوحد الجماهير فلن تكون إسرائيل هذا العدو، بل الطبقات العليا المصرية ، وشئنا أو أبينا الإنجليز أيضا".
" وكان لدى روزفلت الكثير ليقوله من نوعية القائد المنشود أو بالأحرى الذي سيبرز من الانقلاب، شئنا أو أبينا.
فقال إنه يوافق مبدئيا على ا لحاجة إلى زعيم محبوب .
ولكن ظروف مصر الخاصة في هذه اللحظة تفرض قائدا أقل جاذبية مما قدرنا، إلا أنه قادر على السيطرة، بل سحر مجموعة صغيرة من الرجال .
وهى المجموعة التي قابل روزفلت ممثليها.
ثانيا : سواء نجح هذا الشخص في أن يكون زعيما شعبيا، أو ظل مجرد قائد لحلقة تقود بدورها البلاد، فإن صفات هذا القائد لا يمكن أن تتفق والمقاييس الغربية لرجال الدولة .
وإذا لم نكن نعرف كيف نتعامل مع هذا الطراز، فيجب أن نتعلم .
وإذا لم ينتصر الشخص الذي تراهن عليه فسيكون هناك شخص آخر من نوعه، وآخرون في البلاد الأخرى التي تمر بنفس الظروف".
والتفاصيل الممكنة في تقاريره المكتوبة لوزارة الخارجية الأمريكية، لكي لا يرعب لجان التحقيق التي قد يشكلها الكونجرس في المستقبل".
وهذا ما اشرنا إليه في قدرتهم على إخفاء المستندات وإن تشدقوا فترة بحرية المعلومات، وحق الكونجرس في أن يعلم كل شيء.

ويضيف:

" ولذلك لم تكن هذه التقارير توضيحا صريحا لمحاولات العثور على قائد متعطش للسلطة ويتمتع بكفاءة قيادية بونابرتية، ولديه القدرة على توحيد شعبه حول الخوف. ولكن تقارير كيرميت الشفوية كانت أكثر صراحة.
فقد أخبر رؤساءه أن أي شخص متعطش للسلطة، لن ينتظر حتى يدعوه متآمر امريكى لهذه السلطة، أما عن الصفتين الأخريين المطلوبتين، فليستا من النوع الذي يظهر على السطح في اختبار كشف الهيئة.
ولكن المحصلة التي خرج بها من اجتماعاته في القاهرة هى أن : " شخصا ما في مصر ، مرتبطا بالضباط الذين قابلهم، لديه فكرة متقدمة جدا لما يتطلبه الاستيلاء على السلطة في مصر والاحتفاظ بها، وأن هذا الشخص سيفعل ذلك، وان كل ما نأمله هو أن ملاحظات روزفلت قد وصلت لهذا الشخص، وأن تفاهما مشتركا يمكن تنظيمه عندما يحين الوقت، ولا شك أن هذا الشخص سيفهم ماذا نريد ، وما الثمن الذي سندفعه في المقابل.. وبناء على ما تجمع لدى روزفلت من هؤلاء الضباط الذين قابلهم فإن عرضنا قد قبل عن طيب خاطر "..

وتم الانقلاب:

" كان كل شيء على ما يرام.. لم تصدر تصريحات عنيفة من الطراز الذي تعودناه من الانقلابات السورية، بل كان التركيز على القضايا التي تهم أية قيادة ناضجة: محاربة الفساد، بناء حكومة أكثر كفاءة.. إصلاح الأحزاب السياسية، ولا شيء عن إسرائيل:
وعندما نطابق ذلك مع ما حدث فعلا، فإن م حقنا أن نشك في النظريات التي طرحت بعد ذلك، عن أهمية التنمية قبل حرب التحرير ضد إسرائيل .. والتكنولوجيا قبل الحرب.. الخ.. الأمر أبسط من ذلك ، إنه اتفاق.ز عقد، وموقف.. اتخذ بناء على طلب المنتج الامريكى.. تجميع الشعب على كراهية الأغنياء المصريين بدلا من إسرائيل .. وإن كانت إسرائيل بعدوانها لن تتيح الفرصة أبدا لكي ينساها الشعب أو تتجاهلها الثورة.
يقول كوبلاند:" وقد تمادى محمد نجيب في حديثه فقال : إنه غير مهتم بفلسطين، ولكنه عاد فاتصل بالسفير كافري بعد بضع ساعات، وطلب سحب التصريح، واستبدل به آخر أقل رواجا في السوق الأمريكية، ولكنه أكثر التقاء مع ناصر وما كنا نعرف أنه ضروري لكسب الحكومة الجديدة القبول الشعبي".
" كان كل شيء يدل على أننا قد ضممنا إلى الفريق، لاعبا جديدا تنطبق عليه المواصفات التي نريدها" " كانت واشنطون الرسمية سعيدة".
وبعض الماعز عندنا لا تزال سعيدة، فخورة بالثورة التي فاجأت الاستعمار وقلبت خططه، وسودت ليله ونهاره؟ هل يمكن أن تشترك في السعادة من حدث تاريخي واحد كل من واشنطون الرسمية والقاهرة الشعبية في ذلك الوقت على الأقل..؟

ويقول :" ولو أن كيرميت أخذ عبد الناصر بقوله إنه ليس قائد الحركة الثورية، إلا أن أعضاء السفارة في القاهرة ، وبالذات " وليم ليكلاند" الضابط السياسي بالسفارة اكتشف على الفور أن نجيب ليس إلا الواجهة لعبد الناصر.

وقد أصبح ليكلاند صديقا للضباط الأحرار من جماعة ناصر من خلال محمد حسنين هيكل الذي أصبح فيما بعد أقرب أصدقاء ناصر ومحل ثقته ولكنه وقتها كان مجرد محرر يعمل في صحيفة يملكها صديق ناصر مصطفى أمين.

ومن خلال هيكل قابل " ليكلاند" عددا كبيرا من قيادات الضباط أحرار بما فيهم ناصر.

وخلال الشهور التي تلت الانقلاب كان يرحب بهم باستمرار في شقته المطلة على النيل. وبينما الشعب المصري في الخارج يهتف لنجيب، كانت السفارة عبر " ليكلاند" قد بدأت تتعامل مع ناصر باعتباره الرجل الوحيد الذي يملك إقرار" " واستمر السفير يقابل نجيب أحيانا في زيارات رسمية أو لتسليمه رسائل من واشنطون، وخاصة إذا كانت من النوع الذي لا يهتم السفير بضياعه.. أما العمل الحقيقي بين الحكومتين الأمريكية والمصرية فكان يتم بين ليكلاند وناصر، أو بالأحرى بين ليكلاند وهيكل وناصر".

" بعد الانقلاب تجنب روزفلت وأعضاء لجنته الخاصة، أي اتصال مباشر مع ناصر، وكانوا سعداء بمراقبة التطورات في مصر من بعيد، وكان هذا من ناحية لجنب شبهة المؤامرة معه.

ومن ناحية أخرى، لأن الأمور كانت تجرى في الاتجاه الذي خطط له.

وليس إلا بعد وصول إيزنهاور للسلطة 1952 حتى أننا قررنا أن نكرس اهتمامنا مباشرا لتقدم ثورة ناصر.

كانت رغبة شخصية من إيزنهاور، أن نقوم بدراسة هذا اللاعب الجديد بدقة.

أولا لنتأكد أنه يمضى كما توقعنا. وهكذا فعشية زيارة جون فوستر دلاس للشرق الأوسط قرر دلاس( .. أيهما؟) " لقد حان الوقت لنرى : " الأولاد دول حيطلع منهم إيه".

وهكذا أمر روزفلت بإرسال : " رجل عسكري للقاهرة ليقومهم ( من التقييم) واختار روزفلت " ستيف مييد" رجل الانقلاب السوري".

ويبدو أن مجموعة مايلز كوبلاند لم يسعدها التدخل في شئونهم. أو التفتيش على شغلهم، وربما دسوا للرجل عند عبد الناصر، على أية حال كوبلاند يدعى أن وصول مييد أثار عبد الناصر إذ اعتبره دليلا على أن وزير الخارجية دلاس يعتقد أن ثورته لا تختلف عن انقلابات أمريكا الجنوبية".

ومع ذلك فإن دراسات مييد مثيرة والحوار النظري في دوائر المخابرات الأمريكية يفوق في ثوريته مناقشات هيئة التحرير في ذلك الوقت، كما يبدو أثره واضحا في مناقشات التنظيم الطليعي فيما بعد.

" قال كيم روزفلت لدلاس: " لا يمكن أن تحقق ثورة بدون ثوريين"

ما نظرية مييد فهي "إن سوريا لا يستقر بها انقلاب بسبب كثرة الانقلابيين . أما مصر فلم تكن ثورة، ولا انبثقت من ثوريين، بل نتيجة تخطيط وتنظيم عبد الناصر ولذلك سيعيش انقلابها ، وهؤلاء الفتية (أعضاء مجلس الثورة)،يعتبرون أنفسهم عصابة " روبن هود" كتب مييد ذلك على روزفلت وأضاف إنه " يسعدهم أن يوصفوا بأبطال الثورة ولكن لم أجد فيهم واحدا يستطيع أن يصف لي ما هى الثورة، إنهم غير مهتمين بالسياسة لحسن حظ ناصر، وحسن حظنا جميعا.. فهم يطلبون ويحتاجون لشخص يخبرهم كيف يفكرون وماذا يفعلون .. ولن تكون هناك مشكلة في التخلص منهم".

وهذا صحيح تماما.. ويفسر كيف تلاعب أصحاب الحظ الحسن بالدراويش من طراز بغدادي وكمال الدين حسين وأمثالهما من الذين لم تكن للهم خلفية سياسية، وكيف " جن " صلاح سالم فور أن تعلم السياسة، وكيف قال ناصر بصريح العبارة لخالد:" لا مكان لك في مصر" لأنه كان يعرف " شوية" سياسة مع الكثير من السذاجة.

قال " مييد" في " فلسفة الثورة" غير المنشورة:

" إن انقلاب ناصر لم يسقط النظام بل أقامه فالعمل السري قبل الانقلاب لم يكن يستهدف بناء قوة ثورية تستولي على السلطة، بل إلى وضع رجاله في مراكز السلطة حتى يمكنهم أن يصدروا الأوامر عبر التسلسل الوظائفي المشروع. ولكن محمد نجيب حل هذه المشكلة ( برتبته العالية) وإن كان قد سبب نتائج عكسية".
" قال ناصر للجنرال كابل نائب مدير المخابرات الأمريكية إنه اختار الاعتماد على الضبط والربط في الجيش في تنفيذ الحركة".
" مييد الذي حاول إقناع حسنى الزعيم بخلق تركيبة مرتبطة بانقلابه اعتبر ما فعله عبد الناصر يجب أن يكون دليل عمل لاى محاولة أخرى.. وهو كيف تدبر انقلابا وكيف تدعمه بعد النجاح".

" إن ناصر كان يعلم أن الانقلاب سيعتمد على الجيش ، وعلى قبول البلاد للجيش ، وكان يعلم أن كل أشباه المثقفين، والسياسيين المتطرفين والمتعصبين من كل نوع سيصفقون للثورة، ويعتبرنها فرصة لفرض " إصلاحاتهم" وإذا سمح لهم فسيتظاهرون ويعطون انطباعا بحيوية زائدة، بل حتى ادعاء تمثيل قطاعات من الشعب.

إلا أن كبح إغراء ضمهم للثورة كان ضروريا، فكل مهمتهم هى في الشغب الذي يثيرونه.

إن العامل المشترك في رجال الثورة، أنهم لا ثوريون .. فقد كانوا ينظرون إلى أصر باعتباره الرجل القادر على بناء جيش قوى وإعادة الضبط والربط إلى صفوفه. أي تحقيق الصورة التي كانت في أذهانهم عندما انضموا للجيش".

" إن رجال تنظيم السادات يعادون المثقفين والفوضى والتسيب وضد التحرر الاجتماعي ، والانفتاح الجنسي وغيرها من مظاهر مصر الملكية".

" أهم عنصر – في رأى مييد- في مناعة النظام الناصري، هو اقتناع ناصر بأن تدعيم مركزه يجب أن تكون له الأولوية على أي هدف آخر.

وهذا التصميم جعل عبد الناصر يأخذ خطوات حيرت المراقبين الغربيين، على سبيل المثال، لقد سمح باستمرار وضع أدى إلى أضرار بالغة، بعلاقات مصر مع السودان ، لمجرد أن ذلك يمكنه من إدانة أحد معاونيه الذي كان قد أصبح ثويا لدرجة خطيرة( هذه نقطة مهمة جدا يجب أن نرجع إليها في فصل السودان وما اكتشفه صلاح سالم من أنهم يعملون على فصل السودان) ولكن " مييد" دافع عن ذلك بأنه سلوك ضروري ويجب ألا ننزعج من حدوثه".

" أما رأى ناصر عن القيادة أو النخبة الطبيعية فقد وصل على حكومتنا ليس عن طريق مييد بل عبر قناة هيكل – ليكلاند وقال عبد الناصر للسفير الامريكى:" إن إعطاء الشعب المصري الحرية قبل الأوان، يعادل إلقاء أولادك في الشارع".

" كان يعتقد أنه يحتاج إلى حرية مطلقة في التصرف دون مبالاة بالرأي العام" " وهذه الآراء لم تزعج " ستيف مييد" خبير استمرارية الانقلابات، ولكنها أزعجت كيرميت روزفلت، وعندما أبلغه " مييد" أن ناصر يعيد تنظيم القيادة لكي يقيم السياسة في وزارة الخارجية والذي كتب دراسات ممتازة عن النظم العسكرية في الدول المتخلفة .

وكان روزفلت قد اقترح مساعدات اقتصادية ضخمة لمصر، وعلى وشك أن يطلب مساعدات عسكرية.

وكان يعتقد أن الدراسة التي سيقدمها " ايكلبرجر" ستمكنه من إقناع الوزير دلاس بسياسات عبد الناصر، وإذا لم يكن بوسعه الدفاع عن هذه السياسة فيحاول إقناع عبد الناصر بتغييرها".

" وقد عين كافري ايكلبرجر للعمل معه مباشرة بعيدا عن جهاز السفارة، ونظم إمداده بمعلومات الخارجية والمخابرات.

وكان على ايكلبرجر أن يقدم تقرير موقف وتوصيات، أما القرار الأخير فكان لكافري, وقد أجرى ايكلبرجر مناقشات طويلة مع أعوان ناصر من العسكريين والمدنيين، وبالذات محمد حسنين هيكل المخبر الصحفي الذي كان خلف كتاب عبد الناصر" فلسفة الثورة" .. مع ناصر نفسه".

ومن محصلة ههذ الاتصالات والاستجوابات والفحوصات – يقول لنا مايلز كوبلاند – تم إعداد عدة دراسات ترجم بعضها للعربية، وأرسل إلى عبد الناصر كأهم المشاكل التي تواجه الحكومة الجديدة وأساليب معالجتها، وأهم هذه الدراسات، واحدة بعنوان " مشاكل السلطة لحكومة الثورة" ( وقد وضعها كوبلاند في ملاحق كتابه ومن شاء الرجوع إليها للاستفادة فليفعل) وقال :" وترجمت للعربية، وعلق عليها، عدد من معاوني ناصر، ثم ترجمت مرة أخرى للانجليزية ليضيف إليها ايكلبرجر وينقح، وهكذا من الإنجليزية للعربية وبالعكس حتى ظهرت النسخة الأخيرة منسوبة لزكريا محيى الدين، وتقبلها العالم بما في ذلك السى آى ايه على هذا الأساس".

وقال كوبلاند:

" ولنذكر أن جوهر القضية في دعمنا لناصر هو أن يصبح لنا في السلطة في واحدة من أهم الدول العربية، القائد الذي تتوافر له السلطة الكافية لفرض قرار غير محبوب مثل توقيع السلام مع إسرائيل ، ولذا فإن أول خطوة في برنامجنا وبرنامج ناصر هى فرض سلطته هذه، ولو بالقوة".
وعندما اعتذر ناصر لجونسون المبعوث الشخصي للرئيس الامريكى عن عدم استطاعته إقناع شعبه بقبول مشروعات جونسون كيف يكون قائدا صالحا إذا كان ينافق شعبه ؟ رد عبد الناصر: " إن أولى مهمات القائد هى أن يبقى قائدا، فإذا تمكن من ذلك يستطيع وقتها أن يدبر كيف يكون صالحا.. وأنا أعرف أن الغوغاء في بلادي إذا تركوا لغرائزهم فسيضرون أنفسهم .. ولكن هذا لا يعنى أنني أستطيع تجاهل عواطفهم دائما".

وفسر كوبلاند ذلك بأن سياسة عبد الناصر ، هى اللعب بشعارات الجماهير العاجلة التي لا تمثل مصالحها الحقيقية لكسب الوقت حتى ينمو فيهم الوعي بمصالحهم الحقيقية ، على أن يتم ذلك بالتناسق مع امتلاك الوسائل لتحقيق هذه المصالح".

وإذا كان التعاون التنفيذي بين المخابرات الأمريكية ورجال عبد الناصر، قبل الانقلاب ويوم الانقلاب لا يزال من الأسرار ، وربما يبقى كذلك، خاصة إذا لم نعرف من هذا الشخص العجيب الذي كان رئيسا لمحطة المخابرات الأمريكية في مصر والذي كان في نفس الوقت رجل عبد الناصر.

إلا أن المعلومات أكثر عن التعاون الوثيق بين ألأمريكان ونظام عبد الناصر بعد 23 يوليو ، وفى الميدان الذي يعتبر من اخص خصائص السيادة، والذي يستحيل تصور وقوع التعاون فيه بين استعمار وثورة .. بل حتى بين دولتين تحرص واحدة منهما على سيادتها وأمنها واستقلال قرارها.. وأعنى ميدان الأمن والمخابرات فضلا عن الإعلام والعلاقات الأمريكية –المصرية..

فإلى جانب الدراسات والمحاضرات والتعليمات التي يحفل كتاب كوبلاند بنماذج منها.. توجد اعترافات ناصرية تؤيد هذا التعاون فبالإضافة إلى رواية حمروش التي نقلها عن فريد طولان والتي تقتصر على تقديم الأمريكان، منذ اللحظة الأولى خبرتهم لتنظيم المخابرات، وإنشاء المعهد الاستراتيجي في برج الجزيرة الذي دفعت المخابرات المركزية ثمن إنشائه وكانت تدرس فيه محاضرات المخابرات الأمريكية عن طريق شركة بوز آلف هاملتون لضباط المخابرات والمباحث وذلك حسب رواية فريد طولان مدير المعهد بالإضافة إلى هذه الشهادة بالجذور الأمريكية للمخابرات الناصرية، ظهرت شهادات جديدة أكثر صراحة فقد اعترف بعض رجال المخابرات أنهم كانوا يدرسون في هذا المعهد على يد رجال المخابرات الأمريكية.

وإن " مايلز كوبلاند" كان يحضر للتفتيش وكان يرى دائما متأبطا ساعد " الألفة" حسن التهامي .

" كان النموذج الامريكى هو المثال الذي تهتدي به أجهزة المباحث والمخابرات في ذلك الوقت. وقد تسربت أجهزة المخابرات الأمريكية إلى بعض ضباط هذه الإدارات، كما حدث عندما ذهب البكباشي أحمد حلمي مدير قسم مكافحة الشيوعية بالمباحث العامة إلى أمريكا لعمل غير معروف دون استئذان أو إبلاغ الجهات المختصة، إذا كان قد ابلغ أنه يقضى أجازته السنوية في قبرص وشوهد هناك مصادفة، ولما علم زكريا محيى الدين بذلك أصدر قرارا بإحالته إلى الاستيداع، حيث بقى لمدة عام، وانتقل بعد ذلك إلى أجهزة البوليس العادية بغير محاكمة.

حدث التسرب الامريكى رغم أن وزارة الداخلية لم تحتفظ في المباحث العامة سوى بأربعة ضباط فقط من رجال البوليس السياسي السابقين ورغم أن العسكريين فرضوا إشرافهم على وزارة الداخلية منذ الأيام ألأولى".

إن إخراج السراي والإنجليز من المباحث العامة، وسيطرة العسكريين المتحالفين مع الأمريكان ، كان الشرط الضروري لتوافر المناخ الصالح للتسرب الامريكى.

وهذه غلطة قاتلة تسقط فيها هذه الانقلابات، إذ أن الانفتاح والتعاون الصريح مع أجهزة المخابرات الأمريكية أ, الأجنبية يعطيها شعورا كاذبا بالاطمئنان ، إن هذه الأجهزة تلعب من وراء ظهرها، ولن تحاول تجنيد عناصر داخل أجهزتها المحلية، وهذا وهم لأن المخابرات الأجنبية تنتهز هذا المناخ، وهذا الانفتاح لزرع عناصرها، وتدمير العناصر الوطنية المعارضة في أجهزة الأمن.. ولعل هذا يفسر لنا السهولة التي يتم بها الانقلاب الأكثر أمريكية فيما بعدن أو حتى اغتيال رئيس الدولة أو اعتقاله من أقرب المقربين له أو من يظن أنه أخلص أعوانه.. إن فترة التعاون مع المخابرات الأمريكية ، قد أدت إلى تسرب لا يعلم أحد مداه، من جانب ههذ المخابرات داخل مؤسساتنا، وخاصة أن الذي يقبض عليه متلبسا- إن صحت رواية حمروش- يعاقب بالاستيداع سنة ثم يعاد للخدمة معززا مكرما بلا محاكمة، في وقت كان العمال يشنقون فيه لأنهم يطالبون " ثورتهم" بتحسين أحوالهم، وكان من يضبط بتهمة إعطاء بعض الطعام لأسر المعتقلين من الإخوان يسجن ربع قرن.

ويقول حمروش : أرسلت الحكومة المصرية عدة بعثات تدريبية في أعمال البوليس والمخابرات مثل الصاغ حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية العسكرية المعروفة بالبوليس الحربي الذي حصل على فرقة في معسكر كامب كوردون بولاية جورجيا . وهذا مثل وحيد لعشرات من الفرق".

وحمروش حزين أو عاتب لأن " الثورة المحبوبة" استعانت بأسوأ العناصر، من أعوان النظام المنهار بل النفايات التي كانت الحركة الوطنية قد عزلتهم تماما مثل نجوم دار أخبار اليوم.. ومثل " حسين عرفة" الذي كان يتولى حراسة الملك فاروق في الكباريهات، من خطر السادات .

تولى بعد الثورة حماية هؤلاء الضباط من الشيوعيين ولكن بعد التدريب في أمريكا ويقول حمروش:" وحاولت حركة الجيش أن تواصل لعبتها السياسية في التسرب داخل صفوف الشيوعيين، كما فعلت ذلك مع الإخوان المسلمين ، فكلفت بذلك " حسين عرفة" رئيس المباحث الجنائية العسكرية"، " لعبت المخابرات المركزية ( الأمريكية) دورا كبيرا في إفساد العلاقة بين التنظيمات الشيوعية المعبرة عن آمال الفلاحين والطبقة العاملة وبين حركة الجيش التي فرضت نفسها بقوة السلاح ممثلة للطبقة الوسطى".

الأمريكان وعبد الناصر يعدان بتكوين طبقة وسطى بعد عمر طويل، والسيد حمروش يفتى بأن حركة الجيش هى حكم الطبقة الوسطى.

ويستعرض حمروش نماذج شديدة النجاح في تغلغل رجال الثورة في الأحزاب السياسية وتمزيقها من الداخل، وهو لا يريد أن يقول صراحة، إن الفضل في ذلك لنفس القوى التي استطاعت استئصال التنظيمات الشيوعية، لأن رجال الثورة كانوا بلا خبرة تقريبا، فكيف يتمكنون من تمزيق أحزاب أعرق وأحفل بالخبرات؟ بل إن التنظيم السري للإخوان كان أقوى وأكثر انضباطا من تنظيم السادات، مع فارق الدبابات والنصيحة الأمريكية.. والشيوعيون كانوا أخبر بفن التسلل.. حمروش وأمثاله لا يريدون الإقرار بفضل المخابرات الأمريكية في التمكين لثورة يوليو.. وهذا من قلة الوفاء الذي انتقده " أمين هويدى" بحق- وإن كان هو لم يتسم بالوفاء على الوجه الأكمل، وإلا لأشاد بالمساعدة " الأخوية" النبيلة التي قدمتها المخابرات الأمريكية حامية الثورات وقائدة معسكر الشعوب الحشاشة..

وقد شهد محمد حسنين هيكل بواقعة مدرسة الكادر هذه التى أقيمت بإشراف وتدريس المخابرات الأمريكية، وكانت النواة لجهاز المخابرات المصري، تماما كما حدث مع جهاز " السافاك" الإيرانى إذ يقول " منصور رفيع زادة" رئيس مكتب السافاك في نيويورك وعضو الـ سى آى ايه في نفس الوقت: " في 1957 أنشئت السافاك باتفاق من الـ سى آي ايه والمخابرات البريطانية والموساد ( مخابرات إسرائيل ) وتولى الموساد التدريب على الأعمال المكتبية وكانوا يتظاهرون بأنهم أساتذة أوربيون أما الـ سى آى ايه فقد تولت كافة عمليات التدريب" وإن كان لا يفوته أن يقول إنه بعد التدريب لم تطأ قدم أجنبي مقر السافاك ( ولزمته إيه الأجنبي مادام قد تم تدريب القرد..).

ويحدثنا هيكل عن الأربعة الذين تم تدريبهم على يد الأمريكيين ليقودوا مخابرات الثورة.. فيقول إنهم:" كمال رفعت ولطفي وأكد ، وحسن التهامي، وصلاح دسوقي ، وأنهم ذهبوا إلى ا لولايات المتحدة لكي يحصلوا على تدريب مخابرات خاص بحيث يسهل عليهم التعامل مع أساليب الاتصال الجديدة". "وكان ذلك باقتراح من كيريمت روزفلت وترشيح عبد الناصر". ( ص 328 ع) .

هل حدث أسوا من ذلك أيام الحماية وملنر؟

ويبدى هيكل دهشته من أن " معظم هؤلاء بعد تجربتهم المباشرة مع النشاط الامريكى في مصر تحولوا إلى أقصى اليسار بل أصبح من بينهم أبرز أقطاب اليسار في مرحلة لاحقة".
سنترك هذه فهي ليست موضوع بحثنا، ويكفى أن نندهش بدورنا هل كان يتوقع من " كادر" تدربه المخابرات الأمريكية للعمل في مصر الناصرية أن يعلن إيمانه بأمريكا ويؤيد غزوها لجواتيمالا ويبيع لبان تشكلتس؟ هل هذه أصول الشغل يا كاتب الثورة العربية- الأمريكية؟..
ويبدو أن عصابة الأربعة هذه مثل حكاية العميان والفيل، ففي شتى الروايات يختلف الأربعة.. إبراهيم بغدادي أحصاهم..هو وحسن التهامي وحسن بلبل وفريد طولان وعبد المجيد فريد كانوا يتلقون محاضرات من رجال المخابرات الأمريكية الـ سى آى ايه في مدرسة المخابرات التي أقيمت بقصر الأميرة فايزة بمدينة الزهرية" وهناك رواية أخرى.

" وأثناء تطوير وإعادة التنظيم أمكن للزميل حسن التهامي عضو المخابرات والذي كان على علاقة بأحد رجال المخابرات الأمريكية واسمه مايلز كوبلاند أن يستدعى مجموعة خبراء أمريكا( كذا) في علم المخابرات.

فقامت المخابرات المصرية بتجهيز منزل أمين لهم بالقرب من شارع الهرم وتكونت المجموعة المصرية من أربعة ضباط مخابرات فقط لعقد ندوات مع طاقم المخابرات الأمريكية في جميع أوجه التخصصات لمدة ثمانية أشهر.

وكان المفروض أن يتلقى حسن التهامي المحاضرات معهم ولكنه كان يحضر من وقت لآخر بمصاحبة مايلز كوبلاند وهو المؤلف المشهور لكتاب " لعبة ألأمم".

وكانت هذه المجموعة التي تدربت على يد خبراء المخابرات الأمريكية التي اقترحت " تنظيما عرضوه على زكريا محيى الدين في 3/ 12/ 1953" وصدر القرار بإنشاء هذا التنظيم باسم المخابرات العام في مارس 1954".

- ويفهم من هذه الروايات أن الدراسة بدأت مبكرا جدا في أوائل عام 1953 على الأكثر.
- ورغم أن الصياغة توحي بأنها دروس خصوصية نظمها " الألفة" حسن التهامي، إلا أن رواية هيكل الأعلم تؤكد أن المشروع كان باقتراح من كيرميت وترشيح عبد الناصر ولا أظن أن التهامي كان يستطيع إحضار مدربين أمريكان من الـ سى آى ايه لتدريب رجال المخابرات الثورة بدون علم صاحب الثورة.
- أن مايلز كوبلاند كان موجودا مهما ومشرفا من وقت مبكر جدا.
- أن التهامي كان يتمتع بمركز خاص مثل أبطال الرياضة في المدارس مما يسمح له بالتزويغ من الحصص..
- أن أكثر من " أربعة" كانوا يدرسون على يد الأمريكان.. أربعة كمال رفعت وأربعة بغدادي وأربعة التهامي.. الخ.. وهذا هو المفروض والمتوقع في تشكيل مخابراتي أن لا يعلم العامل فيه إلا ما يتعلق به..
- يبدو أن التعاون مع ألأمريكان وتقبل التتلمذ على الـ سى آى ايه كان على نطاق أكبر مما تصورنا في البداية.. وهذا يتطلب إعادة النظر في تقييم تنظيم السادات.

وربما أحس " هيكل" بما وصلنا إليه فبادر يقول:" وبشكل ما ، فإن جمال عبد الناصر لم يكن مقتنعا بما يجرى".

لعن الله من جره إلى هذا ومن أجبره ومن أقنعه بقبول هذا الأسلوب وهذا السلوك الذي أدى إلى خراب مصر وضياع العرب ربما إلى خمسين عاما قادمة.

يقول كوبلاند:" يجب أن نتذكر دائما، في تعاملنا مع عبد الناصر أن قاعدة القمع هى كل شيء بالنسبة له، ولذا يجب ألا نندهش عندما نجده بعد كارثة أبشع هزيمة في التاريخ العسكري الحديث، قد جلس هو معاونوه يفكرون لا في إعادة بناء مصر، بل في كيفية استعادة الثقة في الجيش..".

هذه هى رواية " مايلز كوبلاند" عن بداية انقلاب 23 يوليو.. وعن الاتفاق الذي تم قبل 23 يوليو 1952 بين المخابرات الأمريكية ممثلة في " كيرميت روزفلت" منفذ الانقلاب على مصدق في إيران- فيما بعد- وبين رجال عبد الناصر.. ثم بعض الوقائع التي قدمها عن التعاون بقلب مفتوح بين عبد الناصر ورجاله والمخابرات الأمريكية بعد نجاح الانقلاب.. ولا شك أن هذا التعاون وعلى هذا المستوى هو دليل " المعرفة السابقة" إذ أن الثورات عندما تصل إلى السلطة بجهدها الذاتي ورغم أنف الاستعمار والرجعية، لا تنفتح من اليوم الأول على هذا النحو مع أخطر جهاز استعماري..

.. شاهد نفى.

ورغم كل ألأدلة التي قدمناها على صدق رواية" مايلز كوبلاند" .. إلا أننا أحببنا أن نعززها بمصادر أخرى، حتى لا يبقى في النفس شك، وقد عثرنا على كتاب مخابراتي آخر، من جهاز منافس للمخابرات الأمريكية، لم يقدر له شهرة مايلز كوبلاند، وربما كان السبب في اعتقادي، أنه أخذ جانب العرب في عرضه للصراع العربي- الاسرائيلى، وحمل إسرائيل المسئولية الكبرى في إفشال محاولات السلام في المنطقة وأثبت أن إسرائيل لم تفكر يوما تفكيرا جديا في السلام مع جيرانها، بل كانت تفضل مفاوضتهم بالسلاح دائما.. ولذا كان من المحتوم أن يدفن هذا الكتاب ويواريه النسيان..
والكتاب أيضا حملة قاسية ضد المخابرات الأمريكية ، فهو يتهمها بأنها كانت أحد الأسباب الرئيسية في إفشال السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل وفيما جرى من تدهور في هذا الشرق الأوسط .. لأنها – في رايه- تجاوزت مهمتها التقليدية، وهى: جمع المعلومات، وتورطت في الانقلابات ، وتغيير الحكومات، وتوجيه السياسة الداخلية للدول العربية، وتمثيل السياسة الأمريكية بدلا من المؤسسات الدستورية الأمريكية العلنية..

والكاتب مع " نبل مقاصده" ، أو على الأقل صدقه، يتميز بالسذاجة، فهو يتآمر مع السياسي السوري ميخائيل العليان، على قلب الحكومة السورية ويدفع له نصف مليون ليرة لرشوة ضباط الجيش السوري والصحفيين.. ثم يسأله في براءة:" وهل سندفع أيضا للسياسيين السوريين.. أم أن غيرتهم الوطنية وحرصهم على إنقاذ وطنهم فيه الكفاية"؟..

ويعلق هو نفسه بأن المتآمر السوري، " انظر إلى نظرة أمي عندما كنت أعملها على روحي".

ولذلك فرغم أنه كان داخل العملية، إلا أن المخابرات الأمريكية اعتبرته دائما من الغرباء أو " الظهورات" يقول: " من محادثاتي مع مندوب الـ سى آى ايه اقتنعت بأنهم يعتبروني متطفلا يستحسن أن ابتعد عنهم".

فهو أساسا من جهاز منافس هو " المخابرات العسكرية" التابعة لوزارة الدفاع.. وحتى في العملية الكبرى التي اشترك فيها وهى تدبير انقلاب في سوريا عام 1956 والذي فشل فيها فشلا مدويا، ودفع سوريا خطوات أبعد في الاتجاه المعادى للغرب والمصادق للاتحاد السوفيتي.. حتى في هذا الانقلاب، أخفيت عنه الكثير من الحقائق كما يعترف هو نفسه: " استنتجت أن هناك جوانب من العملية لم أحط بها علما، ولم أغضب إذ لم يعدني أحد باطلاعي على كل ما تفعله المخابرات سى آى ايه في عملية سوريا" مع أنه كان في قلب العملية، وكان يعمل بعقد- وقتها- أو منتدبا من وزارة الدفاع للمخابرات الأمريكية. .وهو الذي كان ينقل الأموال كل ليلة إلى القصر الجمهوري في عهد شمعون لتمويل تزييف الانتخابات التي كانت السبب في ثورة لبنان عام 1958.. وهو الذي فاوض ناصر على قبول الدفاع المشترك وهدده بأن حلف بغداد سيضم كل الدول العربية ويترك مصر وحيدة.. وعمل في سياسة الأحلاف من عام 1953.

وقد فشلت مؤامراته وثبت خطأ تحليلاته، وحطم ناصر و" أصدقاؤه" حلف بغداد وعزلوا العراق ولم تعزل مصر.. وهو يعتقد أن المخابرات الأمريكية أو رجال الـ سى آى ايه هم الذين أفشلوا جهوده، وهو يحملهم مع إسرائيل ، أو حتى قبل إسرائيل ، مسئولية فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وهكذا فإذا كان كتاب " لعبة ألأمم" هو دفاع المخابرات الأمريكية عن دورها في الشرق الأوسط، وبالذات عن مراهنتها على عبد الناصر، وثورة 23 يوليو واعتذارها بأن مخططا كان سلبيا وعبقريا ، وكان أحرى به أن ينجح لولا أخطاء ولخبطة الهواة من بيروقراطي وزارة الخارجية والبنتاجون، والسياسيين في الكونجرس والبيت الأبيض.. الذين أفسدوا اللعبة ودفعوا عبد الناصر إلى الصدام مع الولايات المتحدة .. فإن كتاب " حبال من رمال" الذي ألف " ولبر كراين ايفيلاند" الذي كان يمثل جهازا آخر منافسا هو المخابرات العسكرية، هو وجهة النظر الأخرى فقد شن – كما قلنا- هجوما صارخا على المخابرات الأمريكية لأنه يتبنى وجهة النظر التي كانت هامسة في أروقة وزارتي الخارجية والدفاع خلال الخمسينات والستينات، إلا أن النجاح الهائل للمخابرات الأمريكية في قلب حكومة جواتيمالا، وإعادة الشاه إلى عرشه، " وطرح عبد الناصر زعيما للقومية العربية"..

كان يخرس هذه الهمسات ويطلق يد المخابرات الأمريكية، ولكن في النصف الثاني من الستينات بدأت الانتقادات والاعتراضات تصبح مسموعة أكثر، حتى كانت السبعينات، وطرحت المخابرات سى آى ايه وعملياتها وأسلوبها للنقاش بل التجريح العلني، وفتحت ملفاتها ، وطالب السياسيون والرأي العام بمحاسبتها..

وارتفع صوت أصحاب الشعار القديم القائل بأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية هى جمع لمعلومات فحسب. . ويرد رجال المخابرات بأن هذه بالطبع مبادئ نظرية، فإن إغراء تحريك الأحداث بضربة مخابراتية، مثل اغتيال زعيم مناوئ أو قلب حكومة لا أمل فيها، أو دعم زعيم متعاون.. ودفعه للسلطة.. يظل أقوى من أن يخضع للاعتبارات الدستورية والتقاليد التي لم تتجاوز الكتب والبيانات الرسمية..

وهذه الأزمة بين الواقعية والشرعية، تتفجر عادة، كلما قبض على الولايات المتحدة متلبسة بفعل قبيح يتنافى مع السياسة المعلنة فضلا عن المبادئ التي يدعيها النظام الامريكى.. مثل تشكيل وتسليح جهاز الإرهاب الليبي أو عملية إيران أو اغتيال السفير التشيلى.. الخ..

المؤلف" ولبر كراين ايفيرند" يعود مجددا فيطرح هذه الشعارات عندما يقول: " من المستحسن فهم استمرار فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، دون أن نأخذ في الحسبان، سوء استخدام الـ سى آى ايه ( من اختصار اسم المخابرات الأمريكية وسنكتبها أحيانا السى آى ايه فعسى ألا يشق ذلك على القارئ" لمسئولياتها واختصاصاتها في تلك المنطقة، وإلى أي مدى أهمل مديروها،تقدير المعلومات التي حصلت عليها، وإلى أي مدى اعتمدنا على قدرة المخابرات ألأمريكية في تنفيذ عمليات تآمرية واستغنينا بذلك عن ضرورة وضع سياسة خارجية راسخة، ودبلوماسية تقليدية ولذا فإن ما أكتبه عن نشاط المخابرات الأمريكية وفشلها لا يقصد به أن يكون مثيرا بل مجرد جزء من الحقيقة حول مشكلة وجودنا في الشرق ألوسط" .

ويقول : " وسرعان ما عرفت أن المخابرات الأمريكية تحت " آلن دلاس" .

كان لديها قابلية محدودة للاستفادة من المعلومات عن العلاقات العربية – الإسرائيلية .

لأنه تحت رئاسة " آلان دلاس" كان خبراء المخابرات الأمريكية مشغولين بالعمليات السياسية ، وأقل اهتماما من المخابرات العسكرية بالمهام الروتينية الخاصة بجمع المعلومات، عن الواقع القائم فعلا.. إن محللي الـ سى آى ايه لا شك في كفاءتهم، ولكنهم كانوا في المرتبة الثانية داخل الـ سى آى ايه بالنسبة لزملائهم العاملين في الخدمة السرية".

أي أن النجاح الذي حققته عمليات التآمر، ونتائجها السريعة والمثيرة، جعلت الجهاز كله يهتم بهذا اللون أكثر من جمع المعلومات وإصدار التحليلات.. فما دمت تملك تغيير الواقع بشراء حفنة من الضباط، أو بعشرة آلاف دولار كما تفتخر مجموعة كيرميت روزفلت التي اشتركت في قلب حكومة مصدق، وإقامة أقوى عميل لأمريكا لمدة ربع قرن.. أو حتى بمليون دولار كما جاء في كتاب روزفلت نفسه، ما دام يمكن تغيير الواقع بهذه السهولة، فلماذا إنفاق الجهد في دراسة المجتمع الإيرانى، على طريقة الإنجليز قبل مائتي سنة؟ وهكذا تراجع قسم التحليل والمعلومات، وأصبحت الشهرة والحظوة من نصيب العاملين في الميدان وفى قسم المؤامرات .. وهذا زعم المؤلف بالطبع.. ولا نملك نفيه أو إثباته وإن كنا نعتقد أن قسم المعلومات ربما لم يقصر ولكن "المتنفذ" يعلم ما يجب لا ما يدرس له.

يقول :" عندما أصبح " فوستر دلاس" وزيرا للخارجية و" آلن دلاس" شقيقه مديرا للمخابرات الأمريكية .

فإن رؤساء المخابرات العسكرية وأيضا ادجار هوفر( مدير المباحث الجنائية) تخوفوا من أن تأخذ العمليات السرية الـ سى آى ايه الأولوية على مهمة جمع المعلومات.

وقد تحققت المخاوف عندما قامت المخابرات الأمريكية بتوجيه من آلن دلاس، بتغيير الحكومة في إيران 1953 وقلب النظام في جواتيمالا 1954 بالإضافة إلى أن عمليات الـ سى آى ايه بدأت قبل أن يصبح آلن دلاس رئيسا وأصبح لها وجودها ، مما جعل من الصعب على الولايات الوحدة التخلي عنها".

وقد ختم كتابه بأمنية تقولك" آمل أن تتفرغ الـ سى آى ايه لمهمتها الأصلية وهى جمع المعلومات، وتجنب إغراء العلاج السريع، بتدبير انقلاب، وهو الأسلوب الذي كلف الولايات المتحدة غاليا في الشرق الأوسط.. لقد شبعنا من هذا الدواء".

وسنجد خلال استشهاداتنا من كتابه، عشرات الأمثلة على التناقض بين موقفه هو والجهة التي كان يمثلها ، وبين الـ سى آى ايه ورجالها وأساليبها.. وليس يعنينا تناقض الرجلين أو الكتابين، وإنما نهتم بما يظهر من حقائق على ضوء خلافهما.. وقد اخترنا هذا الكتاب بالذات لأنه ينفى " في هامش إحدى صفحاته" دور المخابرات الأمريكية في قلب النظام الملكي، ويبرئ ساحة السفير الامريكى كافري من هذا " الغدر" بل يشيد بأخلاقياته بعبارة، إن كان صادقا فيها فهو حقا شديد السذاجة، ويستحق ما ناله من فشل في كل مهماته، وإذا كان يخدعنا بها فهو يستحق حقا نظرة أخرى من نظرات أمه ، إلا أن إجابة " كيرميت روزفلت" التي رد بها على سؤاله الساذج، والتي استشهد بها هو على انعدام دور المخابرات ألأمريكية في انقلاب 23 يوليو.. إجابة تكشف مدى تقديرهم لتفكيره وروح الفكاهة عند كيم هذا، وقارن إجابته هنا بإجابته على سؤال محسن محمد بعد خمس سنوات غير أن الرجل بلا شك صادق في رواية " م رآه" وكان الأحرى به ألا يصدر أحكاما قاطعة فيما ليس له به علم، ففي عام 1952 كان هو لا يزال في المدرسة يدرس اللغة العربية، منتدبا من القوات المسلحة للعمل في المخابرات العسكرية، وقد رأينا أنهم في المخابرات الأمريكية لم يطلعوه على كافة أسرار العملية التي لعب فيها الدور الرئيسي، فكيف كانوا سيطلعونه على ما لم يشهده ولا دور له فيه؟

المهم قال في هامش صفحة 97- 98 التالي حرفيا:

" نسب كوبلاند في كتابه لعبة ألأمم، الفضل لكيرميت روزفلت في قصة الثورة السلمية التي مكنت فاروق من التنازل عن العرش دون أن يصاب بأذى، ونظم إحلال سياسيين محله، وأن روزفلت وافق على انقلاب عسكري مذعنا لرأى كافري بأن الجيش وحده يمكن أن يواجه تدهور الحالة. وهذا يتنافى فقط مع أخلاق كافري ولكنى أيضا عرفت أن انقلاب 23 يوليو فاجأ الـ سى آى ايه تماما، وأول معلومات جاءت عبر ليوتاننت كولونيل إيفانز مساعد الملحق الجوى بالسفارة الأمريكية، الذي كانت له اتصالات مع ضباط مجلس قيادة الثورة.
وعبر وليم ليكلاند السكرتير الثاني بالسفارة . كافري أصر على توديع فاروق حتى خرج من مصر وبذلك حظي باحترام مجلس الثورة الذي رأى هذا الدبلوماسي البارز لا يتعامل إلا مع الرئيس الشرعي للدولة.
ولولا أن المخابرات سى آى ايه قد وجدت في ناصر عميلا آخر ممكنا مثل الشاه. لاستمر كافري يتعامل مع نجيب ثم ناصر مقدما النصح الطيب، الذي ربما جنب الولايات المتحدة الكوارث التي حدثت فيما بعد..

وفى عام 1972 ناقشت مع كيم روزفلت الادعاء بأن الـ سى آى ايه رتبت سقوط فاروق.

وكان روزفلت وقتها يربح من شركة تمثل الشاه وبعض العرب في واشنطن، وكان كيم قد أصبح متواضعا فرد على سؤاله بأنه ما كان ليحصل على ثقة زبائنه من الملوك لو كان فعلا خلع الملك فاروق"..

هذا ما قاله.. وهو كما ترى لا يستند إلى دليل ، أكثر من عدم علمه، فهو لم يقدم دليلا واحدا على مفاجأة السى آى ايه بالانقلاب، بل بالعكس إن علم إيفانز وليكلاند وهما من رجال المخابرات يجعل علم رئاستهما أمرا مؤكدا.

بل إن إيفانز بشهادة محسن محمد كان يحرضهم على الثورة ولم يفسر كيف يكون الانقلاب مفاجأة أي عملية وطنية مصرية، وكيف تجد السى آى ايه بسرعة في ناصر إمكانية شاه آخر؟.. أما رد كيم روزفلت الذي كان يعمل في استثمار أموال الملوك وتقديم الاستشارات لهم، فهو رد طبيعي ومتوقع فما كان روزفلت باذلى يفخر في 1972 بأنه هو الذي أهدى المنطقة إعصار عبد الناصر" ولا كان هناك م سبب يدفعه للاعتراف بذلك لهذا الغريب الى قرر روزفلت – من قبل – عدم إعطائه المعلومات عن العمليات التي كان ايفيلاند نفسه يقوم بها والذي أفشل رجاله في الـ سى آى ايه .. مهمته في مصر على الأقل.

ورغم ذلك فنحن نقبل ايفيلاند كشاهد نفى، لأن روايته وشهادته بما شاهده وسمعه عن تلك الفترة تدعم رواية كوبلاند إلى أقصى حد، وبالذات شاهد نفى.. وهو الذي قال على أية حال الآتي:

" منذ أوائل الخمسينات جند كيرميت روزفلت ومحطة السى آى ى ايه في القاهرة ، ثلاثة من الصحفيين المصريين البارزين " كعملاء" للمخابرات الأمريكية هم: محمد حسنين هيكل والإخوان أمين.. مصطفى وعلى" .. وأن ناصر كان يعرف ذلك.

وهو الذي قال إن المخابرات الأمريكية هى التي أقامت " صوت العرب" من الناحية الفنية بتزويده بالمعدات الميكانيكية، ومن الناحية الدعائية بالخبراء في الدعاية.

وهذه أشياء رآه وسمعها بنفسه، وبمقارنتها بما جاء في كتاب مايلز كوبلاند ، ورسالة مصطفى أمين، وشهادات الناصريين والسادات يستطيع أبسط الناس أن يكون فكرة عن مدى سيطرة المخابرات الأمريكية على لأحداث التي جرت في مصر ابتداء من عام 1952 ومدى التعاون بين نظام 23 يوليو وهذا الجهاز.. وإنما محاولة لفهم التاريخ، والاستفادة من دروسه وعبره..

قال في شرح ارتباط المخابرات الأمريكية الإسرائيلية ونشاط كيم روزفلت في الشرق الأوسط.

" خلال عمل " جيمس انجلتون" في المخابرات في الحرب العالمية الثانية، كون علاقات مع مجموعات المقاومة اليهودية في لندن، وتم تبادل المعلومات بعد ذلك مع الموساد، وأصبحت الـ سى آى ايه تعتمد على الموساد ( المخابرات الإسرائيلية) اعتمادا كبيرا في معلوماتها عن الدول العربية.

وفى إيران كان كيرميت روزفلت خبير آلن دلاس في الشرق الأوسط منشغلا ببناء السافاك لضمان عدم خلع الشاه مرة ثانية. والآن عرفت أن إلحاح روزفلت على أن مصر- جمال عبد الناصر، يمكن استخدامها لخدمة أهداف أبعد للولايات المتحدة في الشرق ألوسط، ينظر إليه ) أي لهذا المطلب) بحذر من قبل معظم خبراء وزارة الخارجية.. ولكن الأخوين دلاس كانا موافقين على السماح لروزفلت بأن" يدبر رأسه" ( أو يجرب محاولته) مع ناصر في الوقت الحاضر.

وإذا وضعنا في اعتبارنا سيطرة فوستر دلاس على إستراتيجية الولايات المتحدة الخارجية، فقد كان ذلك يعنى إعطاء موافقة حكومية على خطط روزفلت بالنسبة لناصر".

بدون انفعال ماذا تعنى هذه الفقرة؟

1- كيرميت روزفلت نائب مدير المخابرات الأمريكية لشئون الشرق الأوسط ومنفذ الانقلاب الامبريالي في إيران وصديق مصطفى أمين من الحرب العالمية، والذي عن طريقه قدمت المخابرات الأمريكية خدمات لها مردود مالي" لأخبار اليوم" بنص رسالة مصطفى أمين..
2- هذا الكيرميت روزفلت يراهن على أنه سيستخدم مصر الناصرية لمصلحة أمريكا.
3- خبراء وزارة الخارجية يشكون في نجاح هذه العملية.
4- آلن دلاس مدير المخابرات وجون فوستر دلاس وزير الخارجية ، وهما بلا شك أكثر علما بحجج وإمكانات روزفلت، وافقا على إعطاء فرصة لروزفلت لامتحان " اختراعه " في مصر..؟

أليست هذه علاقة طيبة جدا مع المخابرات ألأمريكية؟

كيف قامت هذه الآمال إلى حد المراهنة عليها في خاطر نائب مدير المخابرات الأمريكية والرجل الذي يلعب في السياسة المصرية، وصديق الملك فاروق منذ الأربعينات ؟

كيف لم تساروه هذه الآمال لا هو ولا غيره عن هوشى منه أو ماوتسى تونج أو كاسترو وساورته – دون سابق معرفة- مع ثورة " فاجأته تماما" ؟ .. وبلغ من قوة أسبابه في هذه الآمال أن وافق وزير خارجية أمريكا والمدير العام لمخابراتها على إطلاق يده ليستخدم " مصر- عبد الناصر" في خدمة أهداف الولايات المتحدة؟..

بدأ اتصال المستر " ولبر كراين ايفلاند" بمصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء، وله فيها ملاحظة في منتهى الدقة، إذ قال إن أول مشاريع الدفاع الغربية عن الشرق ألأوسط هى المعاهدة التي وقعها عبد الناصر مع بريطانيا في 24 أكتوبر 1954.. لأنها أعطت بريطانيا الحق في العودة إلى مصر إذ ما وقع عدوان على تركيا.. أو المنطقة العربية.. وهذه سنرجع لها في فصل الأحلاف..

المهم يقول:" أخبر " محمود فوزي" السفير الامريكى، إن مصر قررت بعد دراسة مكثفة ألا تطلب سلاحا من أمريكا ولكنها تطلب زيادة المعونة الاقتصادية. وقد أثار التقرير ثائرة ممثلي الـ سى آى ايه في مجلس تنسيق العمليات .......وقالوا إن السفير الامريكى ليس له مداخل مع رئيس الوزراء ناصر. وأن جميع المفاوضات الأمريكية الخاصة بالمساعدة العسكرية- على حد قولهم- كانت تدار بين ناصر وكيرميت روزفلت بتاع الـ سى آى ايه وأفراد محطة الـ سى آى ايه في القاهرة .

وبناء على ما ذكره " روزفلت" فإن ناصر يريد مناقشة صريحة لإمكانات تقديم مساعدة عسكرية لمصر.

وأنالـ سى آى ايه دبرت إعطاء ناصر 3 ملايين دولار من المصروفات السرية.

وكذلك اقترحت سى آى ايه تقديم معونة عسكرية لمصر في حدود أربعين مليون دولار، وبما أن هذه الترتيبات كلها سرية، فإن الأمر لا يتطلب إرسال بعثة عسكرية للعمل في الجيش المصري، كما يقضى قانون الأمن المشترك الامريكى. على أنه وفقا لخطة الـ سى آى ايه فإن مفاوضات باسم البنتاجون في ثياب مدنية، سيرسلون لمناقشة عقد اتفاقية رسمية مع مصر لتأمين مساعدة عسكرية بمبلغ 20,1 مليون دولار مقررة فعلا لمصر.." .

الشرح:

1- خبر " غريب" أرسله كافري يزعم فيه على لسان " محمود فوزي" أن مصر لا تريد (في أكتوبر 1954 ) معونة عسكرية. ولما عرض الأمر على اللجنة المشتركة للخارجية والدفاع والمخابرات الأمريكية، غضب مندوبو الـ سى آى ايه ورفضوا هذه المعلومات، وقالوا إن كافري لا يعلم شيا وليس له اتصال مفتوح مع ناصر الذي يعرف ويدبر كل شيء ( لم يكن نجيب قد خلع رسميا ولكنه كان قد فقد كل سلطاته حتى الشكلية من نهاية مارس 1954)
2- جميع المفاوضات الخاصة بالسلاح مع ناصر لا تدار عن طريق السفارة، بل عن طريق رجال المخابرات الأمريكية.
3- الـ سى آى ايه هى التي خططت إعطاء ناصر 3 ملايين دولار من المصاريف السرية وبذلك تتأكد قصة مايلز كوبلاند حرفيا.
وهذه هى الملايين الثلاثة الشهيرة التي بنى بها عبد الناصر برج القاهرة، وإن كانت هناك رواية تقول إن البرج تكلف مليونا فقط ، ولا يعرف أين ذهب المليونان.
4- المخابرات ألأمريكية كانت تعرف استحالة قبول عبد الناصر بعثة عسكرية للإشراف على إنفاق المعونة، فاقترحت إعطاءه أربعين مليونا بطريقة ما، لا تتطلب هذه الشروط .
5- تقرر إرسال مندوبين من وزارة الدفاع الأمريكية في ثياب مدنية للتباحث مع عبد الناصر.

قال :

" وعند إعداد توصياتي لوزير الدفاع حول اقتراحات الـ سى آى ايه أوصيت بمعارضتها باعتبارها معارضة للقانون،وقد وافقوا على عرضي ورفع إلى اجتماع مكتب التنسيق. وكان اعتراضي الرئيسي هو أن مصر أبلغت أن حاجتها ما بين خمسين ومائة مليون دولار أسلحة كمساعدة، ولذلك فإن الملايين المقترحة من الـ سى آى ايه كترضية أو تحلية لا أعتقد أنها ستؤثر على ناصر خاصة عندما يعلم أن 20,1 مليون فقط متاحة كمنحة عسكرية.
وأن من هذه الـ 20,1 تقترح وزارة الخارجية اقتطاع 8 ملايين وإعطاءها لأثيوبيا، وعلى ضوء ما رأيته من غضبة باكستانية، لأنهم نالوا أقل مما يجب. اقترحت أن نقبل رفض فوزي خلال القنوات الدبلوماسية العادية.
وإن هذه العمليات السرية قد ترتد علينا.. وفى اجتماع " مجلس تنسيق العمليات" رفضت توصياتي وانتصرت موجة الـ سى آى ايه السائدة، وأكثر من هذا أوصى مجلس وزارة الدفاع باختيار ضابطين للتوجه سرا إلى مصر لمقابلة ناصر بترتيب من الـ سى آى ايه أما الأدميرال ديفيز الذي كان يؤيدني، ولكنه يعرف متى يحسن الانحناء فقد قال لي:" إذا لم نقدر على هزيمتهم، فدعنا ننضم إليهم ونفتح أعيننا على أموالنا".
وتقرر أن أكون أنا أحد الضابطين اللذين يقابلان ناصر، وأن أرشح الضابط الآخر.
وقد وافق ديفيز على اقتراحي بتعيين الكولونيل " آلن جير هاردت" الذي كان صدقا لبايرود الذي كان قد نقلني إلى وزارة الدفاع.
ولأن رحلتي للقاهرة تعنى اشتراكي في عملية نظمتها الـ سى آى ايه فقد بدأت برؤية " بايرود" وكيل الخارجية المساعد، لأسأله هل الوزارة ( الخارجية) تؤيد فعلا، أن يدير رجال العمليات السرية في الـ سى آى ايه الدبلوماسية الأمريكية في مصر؟.. وعندما سألت بايرود إذا ما كان الإخوان دلاس يدبران فيما بينهما صنع وتنفيذ السياسة الأمريكية الخارجية؟ .أذكر أنه ضحك..".

الشرح:

1- أوضح أنه كان يقود المعارضة ضد المخابرات الأمريكية في مكتب تنسيق العمليات .. وزارة الدفاع تبنت توصيته بإلغاء خطة الـ سى آى ايه والدخول في مفاوضات رسمية علنية مع عبد الناصر.
ولكن مكتب التنسيق كان أعلم ، ولذلك رفضت توصيته، وتقرر إرساله مع ضابط آخر لمصر للمفوضة سرا مع ناصر بترتيب المخابرات الأمريكية وفى نطاق خططها ، وداخل إطار نفوذها.
2- كانت المعارضة منتشر لهذا الأسلوب، ولانفراد رجال السى آى ايه بتوجيه أو تنفيذ سياسة أمريكا في مصر فهو يقول صراحة لوكيل الخارجية المساعد والذي سيصبح سفيرا في مصر، إن الأخوين دلاس يعملان خارج المؤسسة الشرعية أو خرج القنوات لتقليدية للدبلوماسية الأمريكية . وبايرود يضحك.
وهو يقول " بايرود"كان معارضا لإسرائيل فطالب اليهود بإخراجه من الوزارة، ولكن دلاس مدير المخابرات وروزفلت اقترحا تعيينه في مصر، حيث حولته المخابرات الأمريكية إلى " طرطور" كما يفهم من عرض كوبلاند وايفيلاند ومصطفى أمين وبغدادي .. الخ..
قال ايفيلاند إنه سال لويس جونز الرجل الثاني في السفارة الأمريكية بالقاهرة عن" الأحوال في سفارتنا فقال إن وضع بايرود ، وأنه يتساءل .. من يمثل الولايات المتحدة في مصر، وفى التعامل مع عبد الناصر.. هو أي السفير.. أم المخابرات الأمريكية ؟ لأن مايلز كوبلاند كان يرى الرئيس المصري كلما حلا له، وكان يعده بما يفوق قدراته على التنفيذ والطاقم الضخم للمخابرات ألأمريكية في مصر يتعامل مع الحكومة المصرية على كافة المستويات تقريبا كما يتعامل مع الصحافة المصرية ذات النفوذ.
وقال " جونز" إنه كان من ألأفضل ترك مفاوضات السلاح لكافري ثم بايرود، لتفادى إعطاء ناصر انطباعا خاطئا بقدرة المخابرات سى آى ايه على اكتشاف حيلة لتفادى توقيع مصر لاتفاقية المعونة العسكرية.
وقد أورد " كوبلاند" أكث من قصة عن إهمال وتخطى المخابرات للسفير الامريكى بايرود، لأنه كان من خارج اللعبة، ولأنه كان من منتقدي سياسة الانحياز لإسرائيل ، وأشهر هذه القصص المتداولة في صحافتنا والكتب العربية عندما فوجئ السفير بوجود " كيرميت روزفلت" في القاهرة على مأدبة عشاء، عندما دخل متأبطا ذراع الرئيس عبد الناصر دون أن يكون لدى السفير الامريكى ( بايرود) ولا مجرد علم بوجوده في القاهرة، وقد انفعل وأثار حادثة ضرب موظف بالسفارة، والقصة موجودة في كتاب كوبلاند ( الصفحات من 161- 165) أما ايفيلاند فيضيف تعليقا صغيرا يوضح طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين الـ سى آى ايه والسفير .. قال " وعرفت من كوبلاند أن بعض صغار الموظفين المصريين اتهموا الملحق العمالي بالسفارة بالتجسس وضربوه علقة أمام البوليس المصري الذي وقف متفرجا، فسألت ايكلبرجر: هل هو من رجالك ؟ ( المخابرات) قال : لا لو كان من رجال ربما لم يكن بايرود يستاء.
3- كانت الجهة صاحبة الكلمة النافذة في شئون مصر هى المخابرات، ولذلك فإذا الأدميرال نفسه ممثل وزارة الدفاع لم يجد ما يقوله غير " إذا لم تقدر عليهم فانضم إليهم"..
وهنا نسأل بكل أدب.. ما السبب في إعطاء الـ سى آى ايه كل هذا النفوذ أو اليد المطلقة في مصر الناصرية.. ألا يعنى ذلك أن لهم رصيدا يخولهم التحدث بهذه الثقة ، ويعطيهم الحق في طلب إطلاق يدهم؟

قال :

" لبسنا ثيابا مدنية، لأن ناصر كان قد تخلص لتوه من 80 ألف عسكري ، ولم يكن يتحمل وجود عسكريين أجانب جدد.
وسافرت أنا وجير هاردت من نيويورك إلى لبنان حيث انتظرنا عدة أيام حتى تصل موافقة المخابرات الأمريكية على متابعة السفر للقاهرة.
وقد حاولت أن أثنى جير هاردت عن الحديث مع ناصر عن التحالف العسكري، مشيرا إلى المحاولات الفاشلة السابقة لبريطانيا لجر مصر إلى قيادة الشرق ألوسط ومنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط.. وقلت ناصر سيرفض أي حديث عن مبادلة السلاح بمحالفة الغرب. . ويجب - فقط – أن نناقش الأحلاف الدفاعية إذا ما أثار ناصر الموضوع، وفى هذه الحالة يمكن أن نشير إلى المشاكل السياسية الموروثة في الجامعة العربية وميثاقها الدفاعي الذي من خلاله حاول العرب عبثا أن يتحدوا في مواجهة قيام إسرائيل.
والأفضل أن نناقش كيف تستخدم مصر الخمسة ملايين دولار المصروفة من المصروفات السرية لدعم مجلس الثورة وتحسين الأمن الداخلي، ثم تستكشف مع ناصر موضوع السرية لدعم مجل الثورة وتحسين الأمن الداخلي، ثم نستكشف مع ناص موضوع رغبته في الحصول على الـ 20,1 مليون دولار منحة سلاح التي قررتها وزارة الدفاع.

" وفى اليوم التالي عرفنا أن الرئيس نجيب اتهم في محاولة لاغتيال ناصر الذي أصبح من المتوقع- الآن – أن يتولى الرئاسة, وخمنت أن المخابرات سى آى ايه قد احتجزتنا في بيروت لأنها كانت تتوقع اضطرابات في مصر، ورغم امتناني لقيام المخابرات بوظيفتها في جمع المعلومات إلا أنني تساءلت: ترى هل تآمرت الـ سى آى ايه مع ناصر للتخلص من محمد نجيب؟".

الشرح:

1- كان الجو في مصر متوترا ضد أي مظهر عسكري امريكى أو قل ضد أي وجود عسكري غربي، وعلى أساس أن مدنيا أمريكيا لن يحس به الكثيرون فقد جاءا في ثياب مدنية.
2- وصلوا إلى بيروت فاحتجزوا هناك بأمر الـ سى آى ايه ومنعوا من التقدم إلى القاهرة .
3- في اليوم التالي كانت محاولة اغتيال عبد الناصر واتهام نجيب..الخ..
4- استنتج على الفور، لأنه يفكر برأسه وليس بعصا حمزة البسيونى، أن الـ سى آى ايه احتجزتهما لأنها كانت تتوقع اضطرابات في مصر، وأحس بالامتنان والشكر لأن المخابرات الأمريكية ، ما زالت تجمع المعلومات، ومن ثم عرفت بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر قبل وقوعها.. ما زالت تجمع المعلومات ، ومن ثم عرفت بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر قبل وقوعها.. وباعتبار " الانفتاح" الذي تحدث عنه " الإخوان في أمريكا" بين ناصر والمخابرات الأمريكية اشتم الرجل بحاسته المخابراتية أن شيئا ما قد " طبخ" فتساءل هل تآمرت الـ سى آى ايه مع ناصر للإطاحة بنجيب؟.. وهذا الظن ، أو هذا الذي طرحه الرجل وكأنه " تخمينة" من ذكائه، أكدته رواية خالد محيى الدين وحمروش، بل وتؤكده رواية مصطفى أمين في رسالته لعبد الناصر عن قرار خبراء المخابرات الأمريكية بأن نجيب لا يصلح..

على أية حال نطرح سؤالا أبسط من ذلك.. هل يعقل أن المخابرات التي كانت لها كل هذه الصلات مع ناصر والتي كانت تراهن عليه ضد شكوك وتشاؤم أو تربص الأجهزة الأمريكية الأخرى، هل يعقل أنتعلم بمؤامرة على حياته ولا تبلغه ليأخذ حذره؟ ومن ثم هل لنا أن نقول إن عبد الناصر لم يفاجأ تماما عندما أطلقت الرصاصات إياها وهو على المنصة في ميدان المنشية؟.

بل بعد ما نشر من وثائق حتى على لسان " هيكل" تبين أن "كيرميت" وبالطبع جهاز الـ سى آى ايه الذي كان يرأسه كان يعطى عبد الناصر معلومات عن نشاط الإخوان في خارج مصر فهل يضن عليه بمعلومات عن داخل مصر؟ وشهد التهامي أنه كان هناك اتفاق بين السفارة الأمريكية وعبد الناصر بإبلاغه عن أية محاولة لتنفيذ انقلاب ضده.

وأخبرنا هيكل أن مندوب الـ سى آى ايه خرج مهرولا من اجتماع مع ا لمخابرات البريطانية ليحذر عبد الناصر من مؤامرة يدبرها الإنجليز لاغتياله.. اعتقد بعد هذا كله لم يعد لتساؤلنا معنى. و

لكن السؤال الجديد، وقد عرفنا من مذكرات الإخوان أن عبد الرحمن السندى وجماعة المنشقين في الإخوان والجهاز السري التابع للسندى كان متصلا ومتعاطفا ومرتبطا بعبد الناصر ، فهل نستبعد أن تكون العملية قد نظمت بالاتفاق مع هذا الجهاز ليكون الفاعل فعلا من الإخوان ثم فتك عبد الناصر كما هو المنتظر بالإخوان جميعا: الذي انصاع والذي عصى..؟ سؤال .. خاصة وقد جاء في اعترافات مدير السافاك السابق أنهم كانوا ينظمون مثل هذه العمليات لنشر جو من الإرهاب يمكنهم من البطش بالحريات واعتقال أو حتى إعدام المعارضين.. ولا تنس أن المدرب واحد في الجهازين السافاك الإيرانى والسافاك المصري..

وقال:

" في مطار القاهرة قابلنا مايلز كوبلاند " بتاع" الـ سى آى ايه في مصر، وخلال تمريرنا في الجوازات والجمرك والحجز لنا في سميراميس كان كوبلاند يستخدم اسم عبد الناصر بلا حساب أو تكليف . ومن أجل السرية انتقلنا من سميراميس إلى منزل كوبلاند في المعادى.. تحدثنا مع مايلز وجيمس إيكلبرجر عن محطة الـ سى آى ايه في القاهرة ، وعلمت أن كوبلاند يعمل تحت غطاء تجارى بعكس إيكلبرجر الذي يتستر تحت غطاء العمل في السفارة، مايلز يمثل شركة استشارات بوز، آلن هاملتون الدولية. وهو الذي يتعامل باستمرار مع ناصر إلا عندما يكون كيم روزفلت في القاهرة.. ولمح كوبلاند إلى أن روزفلت هو الذي صنع رئيس مصر الجديد، وبحث معه سياسة الولايات المتحدة أكثر مما فعل مع الشاه الذي حرص كوبلاند على تذكيرنا بأنه أنقذ بواسطة روزفلت".

الشرح:

1- مايلز كوبلاند وجيمس ايكلبرجر ممثلا أو مديرا محطة الـ سى آى ايه في مصر وهذه معلومات أكدها كتاب كوبلاند ورسالة مصطفى أمين.
2- مايلز كوبلاند يتحدث باسم عبد الناصر في مطار القاهرة والجوازات ويرهب المصريين بصلته بالرئيس المصري..
3- كوبلاند هو المختص بالتعامل مع الرئيس ناصر، إلا عندما يحضر المعلم الكبير روزفلت، عندئذ يقابل روزفلت أو يتعامل هو مع ناصر، والناس مقامات.. وهذا يختلف تماما عن الصورة التي قدمها لنا محمد حسنين هيكل عن مايلز كوبلاند فالرجل كان – في تلك الفترة- أكثر اتصالا وأكثر قربا للزعيم المصري من هيكل..
4- في عنفوان مراهنة الـ سى آى ايه على الزعامة الناصرية، وفى عنفوان التعاون بين ناصر والـ سى آى ايه وفى غرفة مغلقة، ومع ممثلين لوزارة الدفاع ولمكتب تنسيق العمليات، أي أعلى سلطة أمريكية في العمل الثرى، يقول لهم مايلز كوبلاند إن روزفلت هو الذي صنع رئيس مصر الجديد..
هل يعقل أن تكون هذه مجرد كذبة لا أساس لها من اختراع كوبلاند؟ ربما.. ولكن ما الذي رآه ايفلاند فعلا؟..

قال:

" كنت أريد أن أعرف شيئا ع مقابلتنا مع ناصر ، فسألت كوبلاند، إذا كان كيم روزفلت سيحضر ليرافقنا في المقابلة، فرد على الفور: لا .. واستمر لكي يريني حجمي الحقيقي فقال:" إن وزير الخارجية روزفلت للمهام الكبيرة .
وسيحضر عندما تتم الموافقة على إبلاغ ناصر بالمعونة الكاملة" وعضضت على لساني لكي لا أصرخ: ولماذا يكون للمخابرات سى آى ايه دخل في المعونة، أليس هذا من عمل السفراء الأمريكان؟.. وكنت لا أزال أعض على لساني عندما استمر كوبلاند قائلا:" إن كيم- كما تعرف- هو الذي رتب خلع فاروق، وهو الآن قد رفع ناصر إلى مركز القيادة للبلد" / وبادرت بالقول بأنني لا أعرف.. ونحن هنا فقط لمناقشة كيف ستنفق الملايين الخمسة على معدات الأمن الداخلي.. فرد باستهزاء.. آه ،هذه؟ .. أحمد حسين السفير المصري في واشنطن سيستلم قائمة بهذه الأشياء للبنتاجون..
" سألت كوبلاند عن الثلاثة ملايين المخصصة من المخابرات سى آى ايه .. وإذا ما كان سيعتمد صرفها فعلا للهدف الذي خصصت له؟.. نظر إلى نظرة كأننى غر ساذج يحتاج لمن يعرفه حقائق الحياة وقال: بيل.. هذا المبلغ اعتمد فعلا.. وأنا في انتظار إشارة من المالية في بيروت لكي يبعثوا إلى المال لأسلمه لناصر في بيته.. قلت وكيف كان ذلك ومكتب تنسيق العمليات لم يوافق على المبلغ إلا منذ أسبوعين.
قال :" نعم ، ولكن كيم وآلن دلاس يعرفان أنها قادمة، وقد بعثت بالخبر لناصر لتقوية معنوياته بعد محاولة الانقلاب" .. وعندما سألت هل هانك بايرود يعرف ذلك، على أساس أنه كسفير جديد، ربما يود أن يكون هو الذي ينقل الخبر لناصر.. رد كوبلاند.. " إن بايرود يستطيع أن يستمر كوكيل وزارة فعلى للمنطقة بينما ناصر والمخابرات سى آى ايه يقومون بالعمل نيابة عنه".
ورغم أنني سمعت ما فيه الكفاية فقد سألته هل يتوقع ناصر أننا هنا لنناقش معه منحة الـ 20,1 دولار.
فرد كوبلاند إن ناصر سيعتبر هذا المبلغ البسيط إهانة. وسيسلم لكما قائمة أسلحة بخمسين أو مائة مليون دولار.. وعندئذ تساءلت- مع نفسي- هل شجع مايلز، ناصرا على أن يصدق أننا سنتنازل عن الرقم الذي حددناه وسنقبل التفاوض على زيادته؟
" مهما تكن الحقيقة، فقد أخبرت كوبلاند أن 5,5 مليون من هذه الـ 20,1 ستذهب لأثيوبيا، وربما تأخذ باكستان الباقي.
وقال كوبلاند هناك وسائل أخرى للوصل إلى ميزانية وزارة الدفاع ، وعليك أنت " وال" أن تكونا مستعدين للكلام في مبالغ أكبر عندما تقابلان ناصر مساء الغد"..

الشرح:

1- استمر كوبلاند يتباهى " بعملة" معلمه في مصر فهو الذي " رتب إقالة فاروق، وهو الذي رفع ناصر إلى مرتبة القيادة في مصر" .. وربما انفعل ايفيلاند لأنه لا يعرف هذا الخبر الذي لم يعد سرا بل يذكر عرضا وبدون اهتمام وتسبقه عبارة " زى ما أنت عارف" فصاح: " لأ مش عارف" .
2- مندوب البنتاجون أو المخابرات العسكرية غاضب لأن المخابرات سى آى ايه تتدخل في أمور المساعدات العسكرية وهى من اختصاص وزارة الخارجية والدفاع.
3- المخابرات الأمريكية كانت تعد عبد الناصر بمبالغ كبرى كمعونة لمصر وبطرق تعفيه من سخافات ومذلة الكونجرس والخارجية والبنتاجون، وخاصة أنه كما سيقول كان يستحيل عليه وقتها أن يوقع اتفاقية دفاع مع أمريكا، غير التي وقعها في الأيام الأولى للثورة، ويستحيل عليه أكثر أن يقبل وجود مشرفين عسكريين أمريكيين في الجيش المصري..

وموقف المخابرات سى آى ايه هنا لا يخرج عن أحد الاحتمالات الآتية:

أ‌- أن يكون عن اقتناع فعلا بقدرة آلن وأخيه فوستر دلاس على إقناع المؤسسة الأمريكية بأهمية مصر الناصرية وبالتالي إطلاق يد أمريكا في الدفاع والدعم.
ب‌- أن يكون هدف رجال المخابرات سى آى ايه هو كسب الوقت بتهدئة عبد الناصر بالوعود الكاذبة.
ت‌- أن يكون هناك مخطط أكبر، للصهيونية فيه حصة كبيرة، يهدف لاستفزاز الزعيم المصري، عندما يكتشف أنهم خدعوه، وأنه عومل معاملة غير شريفة، مما يدفعه إلى أحضان السوفييت..
4- الثلاثة ملايين لشهيرة لم تكن قد صرفت ولا وصلت أثناء وجود الرجل في مصر، واعتمدت قبل أسبوعين فقط. وهو وصل مصر بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر والحديث عن تقديم محمد نجيب للمحاكمة بتهمة التآمر ضد الثورة، مما يبطل بل يفقأ عين رواية محمد حسنين هيكل التي حاول فيها أن ينكر تقديم المبلغ لعبد الناصر وهى الرواية التي تراجع هو عنها على أية حال..
5- عبد الناصر كان عنده خبر بالمبلغ قبل وصوله.. ولا نتشبث كثيرا بحكاية أنهم أبلغوه بذلك لتقوية معنوياته بعد محاولة الانقلاب.. الخ..
6- واضح تشبث المخابرات بسيطرتها في مصر وأنها لا تنوى أن تتيح فرصة للسفير الجديد بايرود لممارسة مهمته.. وواضح أثر أن " ناصر والسي آى ايه" يعملان" كتيم" أو فريق واحد يعمل نيابة عن السفير الامريكى وبكفاءة أكبر.

قال:

" عندما عدنا إلى الفندق تجنبت أن أحدث جير هاردت بأي شيء قاله كوبلاند خشية أن يبرق إلى واشنطن طالبا إعفاءنا من المهمة. كنت مقتنعا بقدرتنا على التعامل الجيد مع ناصر، ولم أكن راغبا في تضييع هذه الفرصة، فقط لو عرفت ماذا وعدته المخابرات سى آى ايه وما شعور ناصر الفعلي إزاء مهمة البعثة العسكرية الاستشارية.
" في مساء اليوم التالي وفى الساعة المحددة، أنا وجير هاردت قالبنا مايلز كوبلاند في مدخل الفندق .
وما زلنا غير متأكدين من مقابلة ناصر، فقد سألت كوبلاند عن الترتيب فقال:" سنقابله في بين واحمد من الصبيان". .

وتساءلت بدهشة : صبى؟ .. من هذا بحق الجحيم .. ربما عسكري مراسلة أو حتى خدام رئيس الجمهورية؟ .. قال كوبلاند : يستحسن أن أخبرك بعض الشيء عن هذا الصبي: هو ماجور (صاغ ) في الجيش وأحد الذين يتمتعون بأكبر قدر من ثقة عبد الناصر ، وهو مسئول كبير في البوليس السري، والرجل الذي ينظم اجتماعاتي مع ناصر في معقل المخابرات سى آى ايه ..

الذي سنذهب إليه. واسم هذا الصبي الحقيقي هو صاغ حسن التهامي.. وستحبه.

وأضاف مايلز" على ألا تأخذه على محمل الجد كثيرا..

" وعندما دخلنا الفيلا من الباب الخلفي حيانا الماجور تهامي.. ثم جاء ناصر وعامر " .

1- الرواية مطابقة لرواية كوبلاند.
2- دور التهامي وصلته بعبد الناصر تحمل بعض الراحة لنفس الحاج هويدى الحائرة. .
3- اللقاء كان في بيت التهامي الذي هو ............مقر الـ سى آى ايه مخبأ المخابرات .. الأمريكية؟

جلسنا على مائدة الطعام وخلع ناصر جاكتته وربطة عنقه قائلا: إننا يحسن أن نفعل نفس الشيء حتى نتحدث في راحة، وأخرج علبتي سجائر "كنت" وقدم لنا عامر قائمة السلاح".

وحكاية الجاكتات وردت في رواية كوبلاند.. وقد تحدث " الوفد ألأمريكي" عن ضرورة مصاحبة السلاح ألأمريكي لبعثة عسكرية ، وقال عبد الناصر:" إنه لا يمكنه الاستمرار سياسيا إذا سمح للضباط الأمريكان والجنود بأخذ مواقع على أرض مصر".. فقد تخلصنا لتونا من 80 ألف عسكري بعد 32 سنة من" الاستقلال الاحتلال" ، و" المحاولة الأخيرة للاعتداء على حياته ترجع إلى حد ما إلى الاتفاقية التي تتضمن عودة الإنجليز في ظل ظروف معينة".. " واقتنعا بكلامه اقترحت إرسال بعثة صغيرة في ثياب مدنية" ولكن ناصر ضحك من سخافة أو سذاجة الفكرة..

وأخطأ جير هاردت فبدأ مناقشة حول الأمن الاقليمى والدفاع عن الشرق الأوسط ضد السوفييت، ولدهشتي بدا أن ناصر يسحبه في الكلام ليسمع أكثر.. وخلال 25 دقيقة تحدث آى عن حلف الأطلنطي، وحلف جنوب شرق آسيا.. والحاجة إلى الدفاع عن الشرق الأوسط.. وقد قاطعه ناصر باقتراح التوجه إلى الطعام.. وبعد الوجبة الشهية التي اشتهر بها مطبخ حسن التهامي بإجماع كل مؤرخي تاريخ الناصرية مع السى آى ايه ..

قال ناصر وعامر الرأي المصري المعروف بأنه لا يمكن إقناع الشعب المصري أو الشعوب العربية بالخطر الروسي والتغافل عن الخطر الاسرائيلى الدائم الساخن يوميا..

وقال ناصر" إنه لم ير أي عداء روسي إلا لمنظمات الدفاع التي نقيمها حول الاتحاد السوفيتي، وجرت محاولة استفزازية من جانب ايفيلاند لعامر ، ولكن عبد الحكيم رد عليه ردا أسكته، وإن كان للأسف لم يلتزم بالحجة التي قام عليها هذا الرد..

إلا أننا نحب أن نضيف هنا نقطة توضيحية جاءت في كتاب " لعبة ألمم" عن هذه المقابلة : قال :" كان بيل ايفيلاند خلال زيارته للقاهرة من آل جير هاردت قد حذر عبد الناصر من أن مصر ستجد نفسها وحدها خارج حلف الشرق الأوسط.

ولكن لا أنا ولا ناصر ولا كافري صدقناه فلما وقعت العراق الحلف( حلف بغداد) طلب منى أن أتوجه مع ايكلبرجر لإبلاغ ذلك لعبد الناصر" .. ثم تفاصيل القصة في مكانها م هذا الكتاب.. المهم قال عبد الناصر بعد أن سمع الخبر:" إن جميع الأمريكيين الذين اتصلوا به بما فيهم كافري، أقنعوه بأنهم سيتركون له الوقت الكافي لبناء منظمة عربية إقليمية غير مرتبطة " علنا" بالغرب، ولكنها " بناءة" إلى درجة تمكنها من الانضمام سريعا لخطط الغرب، في حالة وقوع خطر مشترك .

أما حسن التهامي الذي كان حاضرا فقد بدأ يفقد أعصابه، ولكن ناصر هدأه، وظل الاثنان جالسين صامتين حتى انصرفت أنا وايكلبرجر".

وقال كوبلاند في نفس الصفحة" إنه هو وايكلبرجر كانا ضد حلف بغداد"

وقال:" مشاريع الدفاع والأحلاف والترتيبات العسكرية كانت نابعة من تفكير متخلف يمثله إيزنهاور وجهازه من الرسميين ، من بقايا الحرب العالمية الثانية، وهو توقع غزو عسكري كالذي شنته ألمانيا، ومن ثم فإن الدفاع ضده يقتضى مواجهته باستحكامات عسكرية".

وقال كوبلاند:" إن فكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط كانت قد تحولت إلى خطأ تاريخي والسبب الوحيد الذي جعلها مطروحة للنقاش، هو أن الوزير دلاس- رغم ذكائه- لم يستطع التخلص من الفكرة".

وكما سنرى في فصل " ألأحلاف " فإن أمريكا كلها كانت ضد حلف بغداد، وليس فقط المخابرات الأمريكية التي كان لها- على أية حال- فضل الريادة، لأنها باعتبار طبيعة عملها هى التي تكتشف وتتوقع التغيرات العالمية المقبلة، بينما تغيير السياسة الرسمية، ومفاهيم الدبلوماسيين والمسئولين الرسميين التقليديين يأتي في مرحلة تالية، وعلى ضوء تحليلات المخابرات سى آى ايه.

وكانت المخابرات سى آى ايه قد توقعت "التعايش" أو الوفاق وأن المرحلة القامة ستكون مرحلة المزاحمة السياسية وليس الغزو على الطريقة الألمانية.. ومن ثم لم يكن يهمها في قليل ولا كثير مسألة الأحلاف بل كرهتها كرها شديدا وهاجمتها بذاءة.. وبذلن جهدا كبيرا في تحطيم حلف بغداد ، من ناحية لأنه كان يمثل نفوذا بريطانيا ومن ناحية أخرى لأنه كان يسبب لها مشاكل مع الأصدقاء المتعاونين. .

وعذرا عن هذا الاستطراد السابق لأوانه. .

يقول ايفيلاند:" استمع لنا ناصر بصبر، ولكنى أحسست ، إما أنه يتوقع معجزة من المخابرات سى آى ايه أو أنه وافق على مقابلتنا بحكم الكرم العربي ليس إلا..".

" غادرنا المنزل وأنا أتمنى أن لا تكون الـ سى آى ايه قد أقنعت الرئيس بقدرتها على تلبية مطالبه دون الحاجة للتوقيع.. لأنه إذا كان ذلك قد حدث فإننا سنجد في مواجهتنا عربيا شديد الغضب، عندما يكتشف أنه لا " كيم روزفلت" ولا " آلن دلاس" ولا حتى" فوستر دلاس" يمكنه أن يغير القوانين الأمريكية".

" وكما قلت إنني كنت أتمنى لو وضع حد لدور المخابرات سى آى ايه في مفاوضات المعونة العسكرية والعودة إلى الدبلوماسية التقليدية ولذا لم يكن من دواعي سروري أن أرى في اليوم التالي كوبلاند منتفخا كعادته متباهيا بما تفعله السى آى ايه لدعم ناصر ونظامه.

ففي شقة حديثة تطل على النيل عرفنا بـ " فرنك كيرنز، وه مقاتل من سى آى جى عمل مع " مايلز" وقدمه كمراسل لـ سى بى إس وطبقا لما قاله لنا كوبلاند فهو جزء من محطة المخابرات سى آى ايه في القاهرة ويعمل تحت غطاء صحفي وكان واضحا أنه لا يهتم بعمله الصحفي هذا..".

" ايكلبرجر أيضا كان حاضرا وقال لكوبلاند إنه انضم إلى سى آى ايه من وكالة والتر تومبسون للإعلان.

وايكلبرجر يعمل الآن " رجل الفكر" ومهمته هى اكتشاف الوسائل التي تزيد شعبية حكومة ناصر في مصر والعالم العربي.. وأضاف كوبلاند إن الـ سى آى ايه توجه المصريين في ميداني الصحافة والإذاعة..

وقد أحضرت عددا من الألمان لتدريب المصريين بما فيهم أوتوسكوروزنى الشهير الذي أنقذ موسولينى.

ولكن الألمان كانوا متجاهلين ولا يدفع لهم كفاية ولذلك كانوا مستاءين ويريدون الانصراف.

" ومتعطشا لأخبرنا بالمزيد، وصف لنا كوبلاند المعدات الإذاعية الجديدة التي تقيمها المخابرات سى آى ايه في مصر، والتي ستكون – كما قال- أقوى إذاعة في الشرق الأوسط، وكان يقصد صوت العرب، الذي عمل حقا بنجاح رائع، حتى أننا وجدنا أنفسنا في النهاية مضطرين، إلى تمويل محطات في بلاد أخرى لمواجهة هديتنا ( لمصر) التي انقلبت ضد مصالحنا.

كان واضحا أن المخابرات ألأمريكية قد بدأت عملية جبارة في مصر، وربما أكبر واحدة من نوعها منذ إنشاء المخابرات سى آى ايه وكنت على يقين أن الحكام المحافظين في العراق والأردن ولبنان والسعودية والسودان لن يسعدهم ذلك.

" ويبدو أنه لا نهاية للمفاجآت التي يمكن أن يقدمها كوبلاند، وما أزعجني حقا هو صغر سن وطيش الأشخاص الذي كان واضحا أن يدهم قد أطلقت في العمل.

لم يكن هناك وجه للشبه بين ما رأيته في مصر، ما تعلمته في واشنطن عن كيفية رسم وتنفيذ حكومتنا لسياستنا الخارجية .

كان ما رأيته في مصر مثيرا للرعب حقا. وتعجبت كيف يتماشى سفير من الجيل القديم مثل كافري مع هذا.." " وعندما تحدثت في تلك الليلة مع نائب كافري في السفارة وهو دبلوماسي ممتاز، أعرفه من واشنطن، سألني إذا كنت قد رأيت عملية ايكلبرجر – كوبلاند .. ؟ ومن لجهة سؤاله تأكدت أنه يرى مناورات المخابرات الأمريكية مغامرة خطرة كما رأيتها". .

نتوقف قليلا فالجرعة كبيرة حقا.

1- أظن أن الرجل قد رد على نفسه عندما نفى أن يقدم كافري على التآمر على فاروق فها هو يشهد بأن كافري يتعاون ويتماشى مع نشاط السى آى ايه وإن تعجب من فعله.
2- استمر المؤلف في نقد تدخل المخابرات سى آى ايه في تحديد وتنفيذ السياسة الأمريكية، وكرر خشيته من وعود الـ سى آى ايه التي أشرنا إليها والتي أدت فعلا لإغضاب عبد الناصر عندما لم تتحقق.
3- قال كوبلاند وتأكد هو أن المخابرات سى آى ايه توجه الصحافة والإذاعة المصرية، وهناك خبير مقيم ( أشار إليه مصطفى أمين وهيكل) هو ايكلبرجر مهمته اكتشاف وسائل تدعيم زعامة عبد الناصر. . وأن المخابرات سى آى ايه هى التي قدمت المعدات الفنية لإذاعة صوت العرب الذي سيصبح أكبر قوة مقاتلة في تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وأمجاد يا عرب كوبلاند أمجاد.
4- وفقا لقانون اللعبة، كما حددها كوبلاند فقد كان من الطبيعي أن يهاجم " صوت العرب" أمريكا، وأن تقوم أمريكا بتزويد بعض البلاد العربية بإذاعات أخرى لمواجهة " صوت العرب" وبصرف النظر عن أية نتائج أخرى، فإن مجرد انشغال الدول العربية بحرب الإذاعات فيما بينها ، لا يضر أمريكا بأية حال.
5- اقتنع " ايفلاند" بما رأسي وسمع ولمس في مصر، أن المخابرات الأمريكية تقوم بأضخم عملية في تاريخها منذ إنشائها، وهى لا يمكن أن تكون عملية تجسس طبعا، وإلا لما تخوف من نتائجها ولا تخوف عليهم، وأي اطمئنان على جاسوس امريكى أكثر من رؤيته يخلع جاكتته أمام رئي الدولة، ويتعشى معه، ويناديه جمال وهو ما لم يحظ به أمين هويدى في حياته..

ما لاحظه وجزع منه مندوب البنتاجون هو " عملية إدارة مصر" التي كانت تقوم بها المخابرات الأمريكية ( تاريخ الزيارة هو أكتوبر 1954) وحق له أن يتخوف فقد كانت الأولى من نوعها في تاريخ أمريكا.. والثانية في التاريخ كله، منذ أن نظمت المخابرات البريطانية في 1916 ثورة الشريف حسين وسمتها الثورة العربية الكبرى.. وجاء الأمريكان بالثورة العربية الأكبر.. وقد شارك ايفلاند مخاوفه الرجل الثاني في السفارة بأنها" مغامرة خطرة" إنها عملية من نوع خاص خارج نطاق أعال المخابرات المعتادة.. كوبلاند ينظم ويسجل اجتماعات ناصر بالأمريكيين الرسميين والمخابرات تبنى " للثورة" محطة إذاعة تضمن وصول الوعي الثوري إلى أقصى أرجاء الوطن العربي، وطاقم المخابرات يوجه الصحافة المصرية.. والإخوان على المشانق والشيوعيون مضربون عن الطعام في سجن القناطر.. ومن المحيط الغادر الفاجر لبيك يا عبد الناصر..

ولكن ما يحز في النفس حقا، هو جزع الامريكى لصغر سن الأولاد الأمريكان الذين يديرون مصر الناصرية.

لعبوا بنا العيال الأمريكان، ومكنوا صبيتهم من الفرعنة والطغيان بشعب السبعة آلاف سنة حضارة.

قال ايفيلاند:

" في اليوم التالي أبلغنا كوبلاند أنه لا ضرورة لاجتماعات أخرى مع ناصر ( كوبلاند هو الذي أبلغهم) فالمطلوبات أرسلت للسفير أحمد حسين في واشنطن وسيتبعها طاقم من الضباط المصريين خلال أسبوع لمناقشة التفاصيل مع الفنيين، وسألته هل غير ناصر رايه في مسألة قبول المستشارين العسكريين؟ رد مايلز: لقد أخطأتم بمناقشة ذلك أمام عبد الحكيم عامر لأن " الفتى" ( حسنى التهامي) هو الرجل الذي سيبعثه ناصر إلى واشنطن للحديث عن البعثة العسكرية وكيف يمكن معالجة الموضوع بطريقة أهدأ سألت هل يعنى هذا أن ناصر لا يزال مهتما، رد كوبلاند .. بكل تأكيد.".
" لم يسألنا كافري، ولم نت