إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

جهود الإمام البنا في التربية

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
جهود الإمام البنا في التربية

إعداد: ويكيبديا الإخوان المسلمين

محتويات

أهمية التربية في الإسلام

الإمام حسن البنا

يقول الله عز وجل في كتابه الكريم " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا "

إن كل فرد مسلم مسؤول مسؤولية كاملة و تامة عن نفسه أمام الله عز وجل ، مسؤول عن حاله وعمله و ما أدى من واجبات تجاه نفسه و أمته .

وعلى هذا كان لابد لهذا الفرد المسلم من تربية ذاتية (فردية) لنفسه مستمدة من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة و السلام ، لأنه بدون هذه التربية الفردية لنفسه تصبح هذه النفس هالكة و العياذ بالله ، و أما صلاحها بهذه التربية فهو سبيل النجاة و الفلاح ، حيث أن صلاح النفس بالتربية لا ينعكس أثره فقط على الفرد ذاته و لكن ينعكس أيضا على أهل بيته و جيرانه و مجتمعه و بلده و أمته و على الدنيا كلها ، فما العالم إلا مجموعة من أفراد .

وأدل دليل على عظيم أهمية التربية الفردية و أثرها على الأمة هو الفترة التي كانت في بداية الإسلام في مكة المكرمة و التي استمرت 13 عاما تربى خلالها 300 رجل على يد النبي صلى الله عليه وسلم ، هؤلاء هم الذين حملوا بعد ذلك على أكتافهم الدعوة و أقاموا صرح الدولة الإسلامية على أساس متين .

بل و انطلق الواحد منهم يؤثر لا نقول في غيره من العشرات أو المئات ، بل في بلد كامل كما فعل الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه حينما أرسله النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة ، فانطلق بما يحمله من تربية إيمانية رائعة يدعو إلى الله على بصيرة حتى لم يعد بيت من بيوت المدينة إلا و دخله الإسلام .

لهذا اهتم الإسلام اهتماما كبيرا و أولى عناية خاصة بمسألة التربية الفردية .

مفهوم التربية الفردية في الإسلام

إن التربية الفردية في الإسلام تعني ارتقاء الفرد بنفسه إلى كماله بامتثال أوامر الشريعة إن أمرا فأمر ، وإن نهيا فنهي . و إعدادها للمواجهة في حال الرخاء بنشر الدين ، أو المواجهة في حال البلاء بالصبر و الثبات .

- لماذا اهتم البنا بالتربية للأخ في جماعة الإخوان ؟

- لقد كان الإمام الشهيد حسن البنا على علم متين بمفهوم التربية الفردية في الإسلام والوسائل المعينة للأخ على ذلك ، ومن ثم أثر تلك التربية الفردية على مجد الأمة الإسلامية و عزتها و كرامتها .يقول الإمام البنا رحمه الله :

" أن تكون الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في صفات أربع إرادة قوية لا يتطرق غليها ضعف ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره

- و أدرك رحمه الله تعالى أن التربية الفردية هي الحل الجذري لكل مشاكل الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون في كل وقت و حين .

- و أن هذه التربية هي التي تبني الرجال الأقوياء الذين إن مرت بهم المحن و الابتلاءات صمدوا و ثبتوا ثبوت الجبال الراسخات ، و إن مرت بهم الفتوحات و الانتصارات نشروا الإسلام الصحيح و ربوا أجيالا أخرى على ذات المنهج السليم.

و أن هذه التربية الفردية هي الغربال الذي ينقي صفوف الجماعة من ذوي النفوس الضعيفة و الهمم الوضيعة الذين لا يرقون لتحمل عظم المسؤولية في نشر الدعوة و تحمل أمانة هذا الدين بسبب ما استولى على نفوسهم من الوهن و حب الدنيا نسأل الله السلامة .

من أجل كل هذه الأسباب وضع الإمام البنا في أولى أولوياته أمر التربية الفردية للمنتمين لجماعته جماعة الإخوان المسلمين ، أخا كان أو أختا أو حتى ناشئة .

يقول الإمام البنا رحمه الله :( أنها في مسيس الحاجة إلى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبنائها على خلق الرجولة الصحيحة حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب أن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها وأن تاريخ الأمم جميعا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس ) ثم يقول ( وأن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا وتنهض لمهمة كمهمتنا وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوى شديد بين الحق والباطل وبين النافع والضار وبين صاحب الحق وغاصبه وسالك الطريق وناكبه وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين وأن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد والجهد هو التعب والعناء وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السري وليس للأمة عدة في هذا السبيل الموحشة إلا النفس المؤمنة والعزيمة القوية الصادقة والسخاء والتضحيات والأقدام عند الملمات وبغير ذلك تغلب على أمرها ويكون الفشل حليف أبنائها

ويقول الإمام البنا موضحا أهمية التربية في بناء الجيل المطلوب :

" إن غايةَ الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: من الآية 138)، وإن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام، وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم؛ حتى يكونوا قدوةً لغيرهم في التمسك بها والحرص عليها والنزول على حكمها

يقول الدكتور يوسف القرضاوي:

وقد ساعد على نجاح حسن البنا في تكوين جيل مسلم جملة عوامل:

هي إيمان لا يتزعزع بأن التربية هي الوسيلة الفذة لتغيير المجتمع وبناء الرجال، وتحقيق الآمال. وكان إمام الجماعة الشهيد حسن البنا يعلم أن طريق التربية بعيدة الشقة، طويلة المراحل، كثيرة المشاق، ولا يصبر على طولها ومتاعبها إلا القليل من الناس من أولي العزم.

ولكنه كان يعلم كذلك علم اليقين، أنها وحدها الطريق الموصلة لا طريق غيرها، فلا بديل لها، ولا غنى عنها. وهي الطريق التي سلكها النبي، صلى الله عليه وسلم، فكون بها الجيل الرباني النموذجي الذي لم تر عين الدنيا مثله، والذي تولى بعد ذلك تربية الشعوب وقيادتها إلى الحق والخير."

وفى هذا المعنى أيضا يقول الشهيد سيد قطب - رحمه الله -:

( المرة تلو المرة ينتاب بعض أفراد الجماعة نزوات وفى كل مرة يسقط أصحاب هذه النزوات كما تسقط الورقة الجافة من الشجرة الضخمة أو تذهب عنهم تلك النزوات ، وقد يمسك الأعداء بفرع من فروع هذه الشجرة ويحسبون أنه باجتذابه سيقتلعون الشجرة فإذا جذبوا ذلك الفرع إليهم خرج فى أيديهم جافاً يابساً كالخطبة الجافة لا ماء فيها ولا ورق ولا ثمار ) .


كيف اهتم البنا بتربية الأخ في جماعته ؟

الإمام حسن البنا في إحدى الكتائب التربوية

لقد وضع الإمام البنا أمر التربية الفردية نصب عينيه يقول رحمه الله :

" فاعلم أن الغرض الأول الذي ترمى إليه جمعيات الإخوان المسلمين (التربية الصحيحة ) : تربية الأمة على الأسس الفاضلة والخلق النبيل السامي ، وإيقاظ ذلك الشعور الحي الذي يسوق الأمم إلى الذود على كرامتها والجد في استرداد مجدها وتحمل كل عنت ومشقة في سبيل الوصول إلى الغاية" .

ولعلك تسأل بعد هذا : وما الوسائل التي اتخذها الإخوان المسلمين لتجديد نفوسهم وتقويم أخلاقهم ؟ وهل جرب الإخوان هذه الوسائل ؟ وإلى أي مدى نجحت تجربتهم ؟"

لقد بدأ الإمام رحمة الله تعالى عليه بنفسه أولا معطيا بذلك القدوة لعشرات الآلاف من أفراد جماعته .

ثم دعا إليها باقي إخوانه حين وضع ركنا من أركان البيعة سماه ركن العمل و الذي يبدأ بالفرد المسلم الذي يربي نفسه تربية فردية منهجية لينتهي الحال بهذا الفرد إلى الخلافة الإسلامية ومن ثم إلى أستاذية العالم . فقال:

ومراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق :

1 - إصلاح نفسه حتى يكون : قوي الجسم , متين الخلق , مثقف الفكر , قادرا على الكسب , سليم العقيدة , صحيح العبادة , مجاهدا لنفسه , حريصا على وقته , منظما في شؤونه , نافعا لغيره , وذلك واجب كل أخ على حدته .

2- وتكوين بيت مسلم , بان يحمل أهله على احترام فكرته , والمحافظة على آداب الإسلام في مظاهر الحياة المنزلية , وحسن اختيار الزوجة , و توقيفها على حقها و واجبها , وحسن تربية الأولاد , والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام , وذلك واجب كل أخ على حدته كذلك .

3- وإرشاد المجتمع , بنشر دعوة الخير فيه , ومحاربة الرزائل و المنكرات , و تشجيع الفضائل , والأمر بالمعروف , والمبادرة إلى فعل الخير , وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية , وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما , وذلك واجب كل أخ على حدته , و واجب الجماعة كهيئة عاملة .

4 - وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي ـ غير إسلامي ـ سياسي أو اقتصادي أو روحي

5 - وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق , وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة و أجير عندها و عامل على مصلحتها , والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان , وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه .

ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة و لا عبرة بالشكل الذي تتخذه و لا بالنوع , مادام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي .

ومن صفاتها : الشعور بالتبعية , والشفقة , على الرعية , و العدالة بين الناس , والعفة عن المال العام , والاقتصاد فيه .

ومن واجباتها : صيانة الأمن , وإنفاذ القانون , ونشر التعليم , وإعداد القوة , وحفظ الصحة , ورعاية المنافع العامة , وتنمية الثروة , وحراسة المال , وتقوي الأخلاق , ونشر الدعوة .

ومن حقها - متى أدت واجبها - : الولاء والطاعة , والمساعدة بالنفس والأموال .

فإذا قصرت : فالنصح والإرشاد ، ثم الخلع والإبعاد ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

6 - إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية , بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها , حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة .

7 - و أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) (لأنفال:39) , (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32) .

وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة متحدة وعلى كل أخ باعتباره عضوا في الجماعة , وما أثقلها تبعات وما أعظمها مهمات , يراها الناس خيالا ويراها الأخ المسلم حقيقة , ولن نيأس أبدا , ولنا في الله أعظم الأمل (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21) ."

ويقول الإمام أيضا :" أذكر دائمًا أن لكم هدفين أساسيين:

1 – أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد.

2 – أن يقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القديمة، وتبلغ دعوته الحكيمة إلى الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها

وحدد الإمام الأهداف المرحلية التي تصل بالمسلمين أو يصل المسلمون من خلال تحقيقها لهذين الهدفين الكبيرين على هذا النحو الدقيق والواضح:

1 – تكوين الإنسان المسلم قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، القادر على الكسب والعمل، سليم العقيدة، صحيح العبادة، القادر على مجاهدة النفس، الحريص على الوقت، المنظم في شئونه، النافع لغيره ولمجتمعه ولوطنه

2 – البيت المسلم: المحافظ على آداب وخلق إسلامه في كافة مظاهر الحياة المنزلية والمجتمعية. وحين يحسن تكوين الإنسان المسلم عقائديًا، وتربويًا، وثقافيًا.. سيُحسن اختيار الزوجة، وتوقيفها على حقها وواجباتها والمشاركة معها في حسن تربية الأبناء، وحسن التعامل مع الآخرين، والعمل لما فيه صالح المجتمع والأمة.

وحين تتكون الأسرة المسلمة.. سيتحقق وجود المجتمع المسلم الذي تنتشر في أرجائه وعلى ساحته دعوة الخير ومحاربة الرذائل والمنكرات، ويتم تشجيع الفضائل ويتم العمل والإنتاج.. والأمانة والعطاء.. والإيثار.

والوصول إلى المجتمع المسلم.. سيوصِّل إلى اختيار الحكومة المسلمة.. التي تلتزم شرع الله.. وترعى الله في الشعب، وترعى وتحافظ على حقوقه، وتلتزم القانون في تأكيد حق الإنسان في الحرية والأمن والعمل والانتقال، والتعبير عن الرأي، ومزاولة حقه في المشاركة واتخاذ القرار.

والحكومة المسلمة، التي سيفرزها المجتمع المسلم، تؤدي مهمتها كخادم للأمة، وأجير عندها، عاملة على مصالحها، وهذه الحكومة يلتزم أعضاؤها إسلامهم وتعاليمه يؤدون الفرائض..

ويقول د. القرضاوي عن عناصر التربية لدى الإمام  :

  • منهاج التربية محدد الأهداف، واضح الخطوات، معلوم المصادر، متكامل الجوانب، متنوع الأساليب، قائم على فلسفة بينة المفاهيم، مستمدة من الإسلام دون سواه.
  • جو جماعي إيجابي هيأته الجماعة، من شأنه أن يعين كل أخ مسلم على أن يحيى حياة إسلامية عن طريق الإيحاء والقدوة والمشاركة الوجدانية والعلمية. والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بمفرده، قوي بجماعته. فالجماعة قوة على الخير والطاعة، وعصمة من الشر والمعصية. "وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
  • قائد مرب بفطرته، وبثقافته، وبخبرته. وهبه الله شحنة إيمانية نفسية غير معتادة، أثرت في قلوب من اتصل به، وأفاض من قلبه على قلوب من حوله، وكان أشبه بـ "المولد" أو "الدينامو" الذي ملأ منه الآخرون "بطاريات" قلوبهم. والكلام إذا خرج من القلب دخل القلوب بغير استئذان، وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان. فصاحب القلب الحي هو الذي يؤثر في مستمعيه ومريديه. أما صاحب القلب الميت فلا يستطيع أن يحيي قلب غيره، ففاقد الشيء لا يعطيه، وليست النائحة كالثكلى.
  • عدد من المربين المخلصين، الأقوياء الأمناء، آمنوا بطريقة القائد، ونسجوا على منواله، وأثروا في تلاميذهم، ثم أصبح هؤلاء أساتذة لمن بعدهم ... وهكذا.

"ولست أعني بالمربين هنا خريجي المعاهد العليا للتربية، أو حملة الماجستير والدكتوراه فيها. وإنما أعني أناسا ذوي "شحنة" عالية من الإيمان، وقوة الروح، وصفاء النفس، وصلابة الإرادة، وسعة العاطفة، والقدرة على التأثير في الآخرين ... وربما كان أحد هؤلاء مهندسا أو موظفا بسيطا أو تاجرا أو عاملا، ممن لا علاقة به بدراسة أصول التربية أو مناهجها.

وسائل مرنة متنوعة، بعضها فردي، وبعضها جماعي، بعضها نظري، وبعضها عملي، بعضها عقلي، وبعضها عاطفي، بعضها إيجابي، وبعضها سلبي، من دروس إلى خطب، إلى محاضرات، إلى ندوات، إلى أحاديث فردية، ومن شعارات تحفظ، إلى هتافات تدوي، إلى أناشيد تؤثر بكلماتها ولحنها ونغمها.

ومن لقاءات دورية لمجموعات مختارة في البيوت على القراءة والثقافة والعبادة والأخوة. سميت مجموعة منها "أسرة" إيحاء بمعنى الألفة والمودة بين أبناء العائلة الواحدة، إلى لقاءات أخرى في شعبة الجماعة غالبا، موعدها الليل، تتجدد فيها العقول بالثقافة، والقلوب بالعبادة، والأجسام بالرياضة. وسميت هذه "الكتيبة" إيحاء بمعنى الجهاد، إلى غير ذلك من الوسائل والطرائق التي تهدف إلى بناء الإنسان المسلم المتكامل."

هذا وقد كان الإمام شاملا في إعداد الفرد تربويا :

بتربية قلبه : بالعبادات القلبية ، والتدرب على سياسة النفس.

و تربية فكره : بالقراءات الإسلامية ، في العقيدة الصحيحة ،وأمور الفقه ، و الرقائق و التاريخ الإسلامي .

وتربية جسده : من خلال نظام المعسكرات و الكتائب و الأسر ، من أجل تعويد الجسد أمورا لم يعتدها تربية له و إعدادا للجهاد في سبيل الله .

وهكذا لم يترك الإمام البنا للأخ فراغا تربويا ربانيا لم يشمله .

يقول الإمام البنا :" أما إنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعاً أن يتعرف الناس إلى ربهم وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسمو بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها ونحن الإخوان المسلمون نهتف من كل قلوبنا ( الله غايتنا ) فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى "

وفي المقابل أوجد اللهو المباح الذي له دوره العظيم في الترويح عن الفرد الإخواني ليعود بعد ذلك إلى العمل بكل همة و نشاط فيرتقي بنفسه أكثر فأكثر .

وبعد كل ما وضعه الإمام البنا من منهج تربوي شامل للفرد ، قام بإيجاد المحضن التربوي الجماعي المستمر لهذا الفرد المسلم بإنشائه ما يسمى بنظام الأسرة ، و التي فيها يستكمل الأخ ما غاب عنه من أمور في التربية الفردية لنفسه .

فقد يجد الأخ أخا له قد تميز عنه في جانب تربوي يفتقر هو إليه فيستفيد ويكمل نقصه في هذا الأمر التربوي وهكذا ... وفي مثل هذه الرفقة الطيبة يغدو الأخ إما مؤثرا أو متأثرا وفي كل خير .

لقد عني الشيخ بقضية التربيةً عناية بالغة فألزم نفسه من البداية وسائل الرقي فيها على المستوى الشخصي ثم على صعيد من حوله .. كما امتاز بذكاءٍ خارقٍ وذاكرة عجيبة ودراية عالية بالتراث مع إلمام بالواقع المحلي والعالمي أهله كل هذا أن تكون مدرسته التربوية سائرة على طريق مستقيم ..

بعض جهود الإمام البنا العملية في لجنة التربية

وفي ما يلي بعض من جهود الإمام البنا العملية في لجنة التربية :

أ‌- البنا و تربيته العالية لنفسه و نماذج لذلك

الإمام البنا في معسكر حلوان للجوالة وبجواره الأستاذ فريد عبد الخالق سبتمبر 1946

لقد كان الإمام حسن البنا مهتما أيما اهتمام بالدعوة و عودة عزة المسلمين من أجل ذلك درس مواطن الداء في الأمة وأعدَّ لها ما يُناسب من الدواء ... فبدأ بنفسه أولا وعكف على تربيتها تربية إيمانية عالية تناسب المهمة التي تكلف حملها فهو يعلم تماما أن المربي الذي ينهض بعملية التربية والتكوين لابد وأن يكون قد أعد نفسه تربويا اولا .

حتى أصبح بفضل الله له قلب الزهاد وعقل النوابغ وفراسة العارفين ونشاط المصلحين وسمات الملهمين .

يقول الأستاذ عباس السيسي :

" ذلك أن حسن البنا فى أخلاقه وتصرفاته وسلوكه كان دعوة.. ينجذب إليه الناس على اختلاف ثقافاتهم ونزعاتهم، حيث آمن -رضى الله عنه- بالإسلام دعوة بالإنسان مادتها.. فاستنهض أحاسيسه كلها، لتعمل فى ميدان العقل والنفس والشعور.. فانبثقت فى الناس ينابيع للخير كثيرة كانت مجهولة وتفجرت طاقات للشباب كانت مبددة مقهورة. وأشعلها يقظة فى الوجدان والمشاعر، وصحوة فى القلب والوعى والشعور، فأدرك الإنسان بعد الغفلة والنسيان أنه شىء غير هذا البنيان، وأنه مذخور بكل ما تنشده الإنسانية من حق وخير وعدل، وأن الحياة إنما تقاس بعظمة المبدأ وشرف الغاية والنهاية فانطلق يسمو بنفسه وبالناس يبنى ولا يهدم يجمع ولا يفرق.. يحب: بالحب الذى تتناجى به القلوب، وتتساقط به الذنوب.. الحب الذى جمع بين المهاجرين والأنصار على أعظم ما سجله التاريخ من آيات المجد والفخار.. الحب الذى ألف بين قلوب الأمة، فذابت به الطبقية.. والعنصرية، وتلاشت معه الأحقاد، الحب الذى قيل عنه ((إذا عطس حسن البنا فى القاهرة يقول له الأخ فى أسوان: يرحمك الله)): حب فى الله، فلا إله إلا الله ولا زعيم إلا محمد رسول الله ولا دستور إلا القرآن ."

- لقد كان حريصا جدا على ذكر الله عزوجل و الإكثار منه جدا فهو سبيل الثبات في وجه الحروب و المحن . - وكان لا تنقضي ليلته إلا وهو صاف قدمه أمام الله تعالى مقيما و محيا لها مهما كانت أشغاله ومهما كان مرهقا متعبا ولاغرو أوليس قيام الليل هو شرف المؤمن

يروي الأستاذ عمر التلمساني هذا الموقف فيقول :

" ودخل سريرة وأرخى ناموسيته وفعلت مثلما فعل على السرير الآخر . وكان التعب والاجهاد قد بلغ مداه فأعترانى قلق وبعد خمس دقائق تقريبا سألنى فضيلته : هل نمت يا عمر ؟ قلت : ليس بعد . ثم كرر السؤال فترة بعد فترة حتى ضقت بالأمر وقلت فى نفسى : ألا يكفينى ما أنا فيه من إجهاد وقلق حتى تضاعف على المتاعب ؟ ألا تدعنى أنام ؟ كان هذا حديثا صامتا يدور بينى وبين نفسى فصممت على ألا أرد على أسئلته موهما إياه أننى نمت . فلما أطمأن الى نومى نزل من سريره فى هدوء كامل وعند الباب أخذ (القبقاب ) بيده وسار حافيا حتى وصل الى دورة المياه حيث توضأ وأخذ سجاده صغيرة وذهب الى آخر الصالة بعيدا عن ا لغرفة التى ننام فيها .. وأخذ يصلى ما شاء الله له أن يصلى ونمت أنا ما شاء الله لى أن أنام .

وصحوت وتبينت حقيقة الدرس العملى الصامت الذى مررت به ليلتى تلك ."

وكان شجاعا قويا في مواجهة العدو و إخراسه بالرد المفحم ، يقول أ. محمد حامد أبوالنصر :

" أن الوزير البريطاني المسئول عن الشرق الأوسط ومعه سفير بريطانيا في مصر ووقد من دار السفارة زاروا المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة وتقابلوا مع الإمام الشهيد / حسن البنا وعرضوا معونة مالية كبيرة والمساهمة في تقديم سيارات وتبرعات أخرى للجماعة ، لكن فضيلة الإمام الشهيد رفض كل هذه العروض بصلابة وحزم .. قائلا لهم : إن مجهودات الإخوان تقوم بعد فضل الله تعالي علي القروش القليلة التي يدفعها الإخوان من جيوبهم الخاصة ، ونحن نرفض أي معونة من أية حكومة أو من أية دولة ونحن في طريقنا لعرض مبادئنا بكل ما نستطيع من قوة وإرادة - وانتهت المقابلة .

والجدير بالذكر وجود أرشيف لجماعة الإخوان المسلمين في دار - السفارة البريطانية وصورة للإمام الشهيد / حسن البنا ، وكتب تحتها (عبارة : أخطر رجل في الشرق الأوسط) ."

- وكان معرضا عن زخرف الحياة الدنيا يعمل لله لا من أجل منب أو جاه يقول أ. محمد عبد الحليم حامد :

" اتصل فؤاد سراج الدين في بداية بريقه بالإمام الشهيد وقال له : أريدك في أمر هام .

فقال الإمام : وما هو يا فؤاد باشا ؟

فقال الباشا : أريدك معي في وزارة الشؤون الاجتماعية .

فقال الإمام : أنا موظف أعمل بالحكومة في أي مكان أنتج فيه . و لكن لي شرط واحد يا باشا .

فقال الباشا : وما هو ؟

فقال الإمام : أن أنقل في نفس الدرجة و بنفس المرتب

فقال الباشا : مستحيل فسيكون تحت أمرك من هو بدرجة مدير عام .

فقال الإمام : آسف يا باشا و أنا متمسك بشرطي .

فقال الباشا : أنا لا أستشيرك في الأمر ولكني أخبرك وسيصدر المرسوم الملكي بهذا الأمر

فقال الإمام : سأعتذر ولن أحرج وسيكون الحرج لك والوزارة .

ويقول أ. جمعة أمين :" وقد برزت آثار التربية السلفية علي حسن البنا في ملابسه وزيه ، فقد كان يذهب إلي المدرسة بالعمامة ذات العدبة ونعل كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب وذلك لأنها السنة ، ويدافع عن ذلك الزى وتلك الهيئة باعتبارها سنة الرسول صلي الله عليه وسلم ،ويحكي البنا ذلك في مذكراته فيقول : " لفت زيي نظر مدير التعليم إذ كنت ألبس عمامة ذات عدبة ونعلا كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب فسألني : لماذا ألبس هذا الزى ؟ فقلت : إنها السنة فقال : وهل عملت كل السنن ولم يبق إلا سنة الزى ؟ فقلت لا ونحن مقصرون كل التقصير ، ولكن ما نستطيع أن نفعله نفعله ، قال : وبهذا الشكل خرجت علي النظام المدرسي . فقلت له : ولم يا سيدي ؟ إن النظام المدرسي مواظبة ... وأنا لم أعب عن الدروس أبدا ، وسلوك وأخلاق .. وأساتذتي راضون عني والحمد لله ، وعلم ودراسة .. وأنا أول فرقتي . ففيم الخروج علي النظام المدرسي إذًا ؟ فقال : ولكنك إذا تخرجت وأصررت علي هذا الزى فسوف لا يسمح مجلس المديرية بتعيينك مدرسا حتى لا يستغرب التلاميذ علي هذا المظهر . فقلت علي كل حال هذا لم يجيء وقته بعد ، وحين يجيء وقته يكون للمجلس الحرية ويكون لي الحرية كذلك ، والأرزاق بيد الله وليست بيد المجلس ولا الوزارة " .

وظل البنا محافظا علي هذا الزى" وهكذا ألزم الإمام نفسه بتربية ربانية عالية ، ووطنها على سلوك قويم ، فغدا أنموذجا رائعا للقائد و الداعية .

ب- اهتمامه بالتربية الفردية للأخ في إطار الجماعة .. "نظام الأسرة"

نظام الأسرة

ومن عبقرية الإمام البنا في مجال التربية الفردية إيجاده المحضن الاجتماعي الذي يستوعب الأخ تربويا ليكمل ما ينقصه من تربويات وهو ما يسمى بنظام الأسرة .

يقول الدكتور على عبد الحليم محمود :

" كانت الأسرة فى فقه جماعة الإخوان المسلمين هى اللبنة الأولى فى بناء الجماعة وتكوينها ، كما أنها أساس التكوين للأفراد ، وامثل الأساليب لتربية الفرد تربية متكاملة ، تتناول كل جوانب شخصيته ، وتصوغ هذه الشخصية صياغة إسلامية وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن أجل هذا ، كان للأسرة بالغ الأهمية فى تاريخ الجماعة ، حتى ، عدت إحدى الركائز ، بل أهم الركائز التى يقوم عليها بناء الجماعة ، وعلى الرغم من أن بعض مفكرى الجماعة وبعض فقهائها أتى عليهم حين من الزمان رأوا فى الأسرة وسيلة قد تجاوزتها الجماعة ، بما حققته من عالمية تفرض عليها اتخاذ وسائل بديلة عن الأسرة ، أو على رأى بعضهم تستغنى عن التربية وفق نظام الأسر ؛ أقول : على الرغم من ذلك ، فإن المنظرين فى فكر الجماعة والأعمق فقها والأشمل تصورا لمتطلبات الجماعة والميدانيين التطبيقيين منهم ، يرون أن الأخذ بنظام الأسرة ضرورة غير منفكة بحال ؛ ويسوقون فى التدليل على فقههم وسلامته ، وفكرهم وصوابه ما يلى :

أولاً: التربية وفق نظام الأسرة هى-التربية وحدها دون سواها ، لما فى نظام الأسرة من حكمة ودقة وتربية على يد شيخ ، أو معلم هو النقيب ، وبرناج نابع من الكتاب والسنه خاضع لجدول زمنى مدروس.

ثانيا : التربية وفق نظام الأسرة لا تتعارض أبدا مع عالمية الدعوة ؛ لأن عالمية الدعوة إنما نبعت من عالمية الإسلام ، وعالمية منهجه ونظامه ، وليست العالمية من صنع الجماعة ، حتى نقول إنها وصلت إليها بوسيلة الأسرة وإن عليها أن تغير هذه الوسيلة .

وما التعارض مع العالمية وضرورة التربية الفردية وفق منهج وعلى يد معلم ؟ وبوسيلة هى الأسر ؟ .

ثالثها : التربية وفق نظام الأسرة هدف متضمن فى وسيلة " لأن إعداد الفرد إعدادا إسلاميا متكاملا ، وإنضاج روحه وفكره وعقيدته وسلوكه عمل له من الاستمرارية ما يجعله هدفا أبديا ، وإن كانت الأسرة تمثل وسيلة له إلا أن ارتباطهما جعل نظام الأسر ذا استمرارية محتومة . رابعا : طالما أن التربية عن طريق نظام الأسر هى التى تمي تمكن إعداد الفرد إعدادا إسلاميا متكاملا ، فهى مستمرة حتى وإن قامت حكومة إسلامية كاملة ؛ لان التربية عن طريق الأسرة تمد الحكومة بحاجاتها من العناصر البشرية ، ؟التى أعدت إعدادا جيدا ، وستظل أى حكومة فى حاجة مستمرة إلى العناصر الصالحة .

خامسا : على فرض قيام حكومة إسلامية كاملة تسيطر على التعليم ، وعلى وسائل الإعلام ، فإنها عن طريق التعليم والإعلام لن تستطيع أن تربى الأفراد ؛ تلك التربية المتكاملة التى تغرس فى النفوس الفضائل والجدية والإحساس بالتبعة ؛ لظروف كثيرة تتصل بعملية التعليم وبوسائل الإعلام ومدى فاعليتها ، فالأسرة ومنهجها ونظامها ضرورة لتربية الأفراد وإعدادهم الإعداد الإسلامي المطلوب ."

ويعرف أ. علي عبد الحليم محمود معنى كلمة الأسرة فيقول :

تعنى كلمة الأسرة فى اللغة معانى عديدة منها :

- الدرع الحصينة .

- وأهل الرجل وعشيرته .

- والجماعة يربطها أمر مشترك .

- وهم رهطى وأسرتى وتقول : مالك أسرة إذا نزلت بك عسرة .

- وأسرة الرجل رهطه ، لأنه يتقوى بهم .

وتعنى الكلمة فى علم الاجتماع ما يلى :

تتكون أسر الرجل من ذوى قرباه وزوجه ، وروابط الأسرة مصدر لبعض الحقوق والواجبات المالية وغير المالية .

والأسرة عند الرومان هى : الجماعة العائلية ، وكانت تشبه فى تكوينها العشيرة فى المجتمعات الأخرى : يفترض أعضاؤها انتسابهم إلى جد واحد مشترك .

ومن خلال هذه التعريفات اللغوية والتعريف الاجتماعى، نستطيع أن نقول : الأسرة درع حصينة لكل واحد من أعضائها ، وهى من العضو بمثابة الأهل والعشيرة ، وبخاصة إذا عرفنا أن الجماعة جعلت أركان هذه الأسرة هى : التعارف والتفاهم والتكافل ؛ كما أن الأسرة جماعة يربط بينهم أمر مشترك ؛ هو العمل (والتربية) والإعداد من أجل الإسلام .

والأسرة يتقوى بها كل عضو من أعضائها كما انها ، أوجبت على أعضائها بعض الواجبات المالية ؛ إذ لكل أسرة صندوق ، يغذيه اشتراك الأعضاء وينفق منه على صالح الأسرة وصالح الجماعة وصالح الإسلام ."

وقد حدد الإمام البنا مفهوم الأسرة فى الجماعة فقال :

"يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا ، ويقوى روابطهم ، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات ، فاحرص يا أخى أن تكون لبنة صالحة فى هذا البناء ( الإسلام)

وقال في توضيح أكثر عن هذا المفهوم :

" هذا النظام أيها الإخوان نافع لنا ومفيد كل الفائدة للدعوة بحول الله وقوته ، فهو سيحصر الإخوان الخلصاء، وسيجعل من السهل الاتصال بهم ، وتوجيههم إلى المثل العليا للدعوة ، وسيقوى رابطتهم ، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات ، كما حدث فعلا فى بعض الأسر التى أصيب فيها بعض أعضائها وسينتج بعد قليل رأس مال للإخوان من لا شىء ، فاحرصوا أيها الإخوان على أن ينجح هذا النظام فى محيطكم والله يتولاكم " ثم يقول بعد تحديد واجبات نظام الأسر : " فإذا أديتم هذه الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية ؛ فإن أركان هذا النظام ستحقق بلا شك ، وإذا قصرتم فيها فسيتضاءل حتى يموت ، وفى موته أكبر خسارة لهذه الدعوة؛ وهى اليوم أمل الإسلام والمسلمين "

وعلى هذا فإن نظام الأسر نظام إسلامي يربي الأخ تريبة عالية مستكملا جوانب النقص فيها .ويقوي من الأخوة في الله بين الإخوان قلبا و عملا. بالإضافة لكونها تيسر أمر الاتصال.

يقول أ. علي محمود : " شرعيتها فى الإسلام الأسرة بمعناها الشرعى .... ليست ابتكار للجماعة ، وإنما هى امتداد لعمل مماثل تم فى بداية الدعوة الإسلامية فى دار الأرقم ابن أبى الأرقم بمكة ، ولكن الأسرة بمعناها التنظيمى الحركى تكاد تكون وقفا على الجماعة كل النحو الذى سيتضح لنا ونحن نتحدث عن التفصيلات الخاصة بها ."

بالنسبة للأهداف:

هدف الأسرة الأول هو : العمل على تكوين الشخصية الإسلامية المتكاملة عند الفرد وتربيتها وتننميتها وفق اداب الإسلام وقيمه.

وأهم جوانب تلك الشخصية ، الجانب العقدى والجانب العبادى والجانب الخلقى والجانب الثقافى .

وكل تلك الجوانب دعا الإسلام إلى تكوينها ورعايتها وتربيتها ، وهو يدعو إلى الإيمان والإسلام والإحسان والعدل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد فى سبيل الله ، لتكون كلمة الله هى العليا . ونسوق لذلك بعض النصوص الإسلامية على النحو التالى :

أ - فى الإيمان : أى تحقيق القلب وإقرار اللسان وعمل الجوارح . قال الله تعالى : ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ) . وقال ( قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ) . وقال ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذى أنزلنا والله بما تعملون خبير . يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم .

والايات والأحاديث النبوية الداعية إلى الإيمان والعمل الصالح كثيرة ؛ ومن هنا نقول : إن كل عمل يدعو إلى الإيمان والعمل الصالح وكل نظام يؤدى إلى ذلك ، أو يشجع عليه ؛ له أصل شرعى فى الإسلام هو تلك النصوص الكريمة.

ب - فى الإسلام : وهو الانقياد لله والاعتراف باللسان ، ولن يقبل الله من أحد من خلقه دينأ غير الإسلام ؛ (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخاسرين ) . والآيات الداعية إلى الإسلام كثيرة منها قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى القوم الظالمين ) . وقوله : ( قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ) . وقوله سبحانه : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا )

جـ - فى الإحسان : وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، وهو الإتقان والتجويد الذى كتبه الله على كل شىء قال تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... ) . وقال سبحانه : ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ).

وقال سبحانه : ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور ) . وقال تعالى : ( وإن الله لمع المحسنين )(8). وقال سبحانه : ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) .

د - العدل : هو المساواة وهو التقسيط على سواء ، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كوئوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن - الله خبير بما تعملون ). وقال سبحانه : (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ). وقال سبحانه : ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم ) .

هـ - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر : وهو الأمر بكل معروف كل أحد والنهى عن كل منكر كل أحد . قال تعالى : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ، وقال سبحانه : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) .

و -الجهاد فى سبيل الله : الجهاد هو استفراغ الوسع فى مدافعة العدو وهو ثلاثة أنواع :

- مجاهدة العدو الظاهر .

- مجاهدة الشيطان .

- مجاهدة النفس .

وكل هذه الثلاثة داخلة فى مطالبة الله سبحانه لنا بالجهاد ، فى قوله سبحانه :

( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) وقوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله لعلكم تفلحون ) وقوله سبحانه : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) وقوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون فى سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) . وبعد : فتلك هى الأصول الشرعية للأسرة فى نظام الجماعة ، وكلها واردة فى القران الكريم ، أما السنة النبوية المطهرة ففيها فى هذا المجال من النصوص ؛ مالا نستطيع أن نستوعبه فى هذه الصفحات لأننا فى مجال الاستشهاد لا مجال الاستطراد .


الأسرة: (المحضن التربوي) عند الإخوان المسلمين

الإمام حسن البنا في حديث الثلاثاء

فى فقه جماعة الإخوان المسلمين هى:: اللبنة الأولى فى بناء الجماعة وتكوينها ، كما أنها أساس التكوين للأفراد ، وامثل الأساليب لتربية الفرد تربية متكاملة ، تتناول كل جوانب شخصيته ، وتصوغ هذه الشخصية صياغة إسلامية وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن أجل هذا ، كان للأسرة بالغ الأهمية فى تاريخ الجماعة ، حتى ، عدت إحدى الركائز ، بل أهم الركائز التى يقوم عليها بناء الجماعة ، وعلى الرغم من أن بعض مفكرى الجماعة وبعض فقهائها أتى عليهم حين من الزمان رأوا فى الأسرة وسيلة قد تجاوزتها الجماعة ، بما حققته من عالمية تفرض عليها اتخاذ وسائل بديلة عن الأسرة ، أو على رأى بعضهم تستغنى عن التربية وفق نظام الأسر ؛ أقول : على الرغم من ذلك ، فإن المنظرين فى فكر الجماعة والأعمق فقها والأشمل تصورا لمتطلبات الجماعة والميدانيين التطبيقيين منهم ، يرون أن الأخذ بنظام الأسرة ضرورة غير منفكة بحال ؛ ويسوقون فى التدليل على فقههم وسلامته ." ويواصل الإمام البنا أمر عنايته بالتربية فيقول :

" منهج التغيير عندنا يبدأ بالنفس وبالقلب إخباتاً ووجلاً وبالجوارح خشوعاً وعملاً. وهذا المنهج من الثوابت التي لا نحيد عنها، ليس تكتيكاً - كما يزعم المرجفون- بل هو مبدأ أخلاقي ديني ثابت دائم لا يتغير إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، مبدأ ينبذ العنف بل ويعمل على استئصاله، ويعتمد على سبيل التربية سبيلاً لا خيرة لنا فيه كمنهاج حاكم ضابط ثابت يبدأ:

أولاً: دعوة تضبطها الحكمة والموعظة الحسنة، لا إكراه فيها ولا عنف ولا تعسف، تقوم على قوة الحجة لا حجة القوة شعارها قول ربنا (وقولوا للنّاس حسناً) [البقرة: 83] ورائدها مقالة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ""من لانت كلمته وجبت محبته"".

ثانياً: تربية إسلامية أساسها القرآن والسنة وإن تعددت وسائلها حتى ننتقل من رجل القول إلي رجل العمل، شعار هذه التربية: ""اعرف ربك، وأصلح نفسك، وادع غيرك، وأقم دولة الإسلام في قلبك تقم على أرضك"" ولذلك فإن لهذه التربية خصائصها التي من أهمها:

1- أنها ربانية.

2- ثابتة الأسس.

3- موافقة للفطرة.

4- شاملة لكل جوانب الحياة باعتدال.

5- موحدة للطاقات البشرية.

6- متفائلة إيجابية فعالة تقوم على الأساس العقائدي والتعبدي والتشريعي.

كل ذلك لتحقق ثمرتها وهي: تحقيق الكرامة الإنسانية لتقيم الحضارة الإسلام ية.

ثالثاً: من هذه اللبنات التي تربى تكون الأسرة الصالحة فالجماعة فالحكومة، لذلك كان من الثوابت عند الإخوان التربية المتأنية -كما بينا- لنحصل على الفرد المسلم الذي يبدأ التغيير بإصلاح نفسه ليكون منهج التغيير على منهاج النبوة.

ووسيلة تحقيق ذلك عند الإمام البنا نظام الأسرة، فهي من الثوابت عنده، فيها يتم التعارف والتفاهم والتكافل، وفيها يصحح الفهم ويعمق، ويصوب الخطأ ويتلافى، وتحقق الأخوة، وتظهر القدرات والقيادات، ويربى فيها على الثوابت والمتغيرات، وتحقيق الانتماء، ولقد سميت أسرة لما فيها من السكن والمودة والرحمة، وسمى رئيسها نقيباً تيمناً بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية بعد عودة مصعب بن عمير من المدينة ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، فلما تمت البيعة طلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يختاروا من بينهم اثني عشر نقيباً ليوليهم عليهم، وما أحسن وأعظم توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، ولقد ثبت في العلم التربوي الحديث أنه كلما قل عدد الأفراد زاد أثر المربى وتحققت التربية بالقدوة والمعايشة.

فإذا كانت اللبنة الأولى في الجماعة هي الأسرة، فإن أفرادها وهم في جماعة، يعلمون أن من يقود له التوجيه والتربية والطاعة، لأن هذه القيادة هي التي تحدد الأهداف، وتعتمد الوسائل لتحقيقها، وتحدد مراحلها، وهي التي تقدم أو تؤخر في أولوياتها، وعلى الأسرة أن تضع ذلك موضع التنفيذ.

إن العمل التربوي المثمر هو منهج ثابت، فإن كان للأفراد سمات وصفات ومقومات، وللعائلة ترابط ومودة وأخلاق، فمن يتعهد هؤلاء وهؤلاء؟ ومن يقوم على رعايتهم ومتابعتهم؟ ومن يتعرف على تقدمهم أو تأخرهم ومدى تحقيق أهدافهم؟ إنها التربية عن طريق الأسرة، ولما كانت التربية تحتاج إلى علم وفقه وفهم، ولا يتحقق ذلك إلا عن طريق مربٍّ في محضن، والمحضن هو الأسرة، والمربى هو النقيب ليقوم بدوره خير قيام لتحقيق المهام الجسام والأهداف المرجوة، ولذلك كان المربى وهو النقيب داخل الأسرة كإمام الصلاة له السمع والطاعة والتوجه والتعليم والتربية.

لقد تأكد للإمام البنا أن المشكلة ليست سهلة كما يظن البعض، فإن ما أصاب العقل المسلم من صدوع ورضوخ، بل كسور وتقطيع وتشويه وغزو فكري صده عن المضي إلى غايته، وحال بينه وبين رسالته، لا يمكن أن يعالج في يوم وليلة بمحاضرة عابرة من فرد أو درس هنا ودروس هناك من مفكر إسلامي، أو موعظة وفتيا من عالم من العلماء الأجلاء ثم يمضي لحال سبيله يبحث عن أخرى، أو مقال منشور سرعان ما ينتهي أثره بانتهاء قراءته، أو مؤلف مكتوب يحفظ متنه، إنما هي معاناة وتربية إسلامية طويلة تحتاج إلى محضن تربوي، فكانت هي الأسرة، والمربي الكريم الذي له صفات تربوية هو النقيب، لأن التربية هي من ثوابت الدعوة تحتاج إلى جهد مضن كي نترك رجالاً لا نترك كتاباً وكفى، وذلك بالمنهج السديد، والعمل الدؤوب، والخلق القويم، والنفس الطويل، والصبر الجميل والموعظة الحسنة، والمجادلة الحكيمة والوعي المستنير، والمتابعة المتأنية، ولابد لقائم يقوم على هذا الأمر وهو المربي داخل المحتوى وهي الأسرة وأي منهج إسلامي للحياة متكامل، وأي دعوة صادقة ليتأصل الفهم عن طريقها لابد لها من التربية الممنهجة المستمدة من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والمستمدة من الأصول الفقهية والقواعد الشرعية.

ولا يتحقق ذلك كله إلا براعٍ مسئول عن رعيته يوضح الطريق بمعالمه ويبينه تبياناً لا غموض فيه ولا اضطراب من حيث:

وضوح الفكرة، ووحدة التصور والسلوك، ووحدة الهدف والمصير، ووحدة الغاية وسائل تحقيق ذلك كله حتى لا يترك سبباً لتساؤلات أو لتشكيكات أو لشبهات، ليكون أفراد الجماعة نسيجاً واحداً، ووضع لذلك نظم وإداريات ووسائل وغايات، لذلك كان الالتزام بهذه النظم من الثوابت.

أهمية الأسرة كمحضن تربوى

يقوم الإمام البنا مبيناً أهمية هذا المحضن التربوي: يحرص الإسلام على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا، ويقوي رابطتهم، ويرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات، وأركان هذا الرباط ثلاثة فاحفظها واهتم بتحقيقها حتى لا يكون هذا تكليفاً لا روح فيه.

التعارف:

هو أول هذه الأركان فتعارفوا وتحابوا بروح الله، واستشعروا معنى الأخوة الصحيحة الكاملة فيما بينكم، واجتهدوا ألا يعكر صفو علاقتكم شيء (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات: 10].

ولقد ظلت هذه الأوامر الربانية والتوجيهات المحمدية بعد الصدر الأول كلاماً على ألسنة المسلمين لا في نفوسهم، حتى جئتم معشر الإخوان المتعارفين تحاولون تطبيقها في مجتمعكم، وتريدون تأليف الأمة المتآخية بروح الله.

التفاهم:

هو الركن الثاني من أركان هذا النظام التربوي وفيه تتم محاسبة النفس، ثم ينصح الأخ أخاه متى رأى فيه عيباً، وليقبل الأخ نصح أخيه بسرور وفرح، ولا يخبر أحداً بالعيب إلا أخاه مسئول الأسرة، إذا عجز عن الإصلاح، ثم لا يزال بعد ذلك على حبه لأخيه، وتقديره له ومودته له، وليحذر المنصوح من العناد والتصلب، وتغيير القلب على أخيه الناصح.

التكافل:

هو الركن الثالث، فتكافلوا وليحمل بعضكم بعضاً، وذلك صريح الإيمان، ولب الأخوة، وليتعهد بعضكم بعضاً بالسؤال والبر، وليبادر إلى مساعدته ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وتصوروا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ""لئن يمشي أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا شهراً"" والله يؤلف بين قلوبكم بروحه، إنه نعم المولى ونعم النصير.

ألا ترى أن هذا النظام التربوي يحقق الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية؟ ويحقق المعايشة والمؤانسة والأخوة، إن مثالاً واحداً مما تشغل به الأسرة اجتماعها ليوضح الآثار التربوية العظيمة في حياة أفرادها، فهي تشتمل على:

1- عرض كل أخ لمشاكله ويشاركه إخوانه في دراسة حلولها في جو من صدق الأخوة، وإخلاص التوجه إلى الله، وفي ذلك توطيد للثقة، وتوثيق الرباطة ""المؤمن مرآة أخيه"" حتى يتحقق فينا شيء من مأثور قوله صلى الله عليه وسلم: ""مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"".

2- مدارسة ومذاكرة حول شؤون المسلمين والتوجهات الواردة من القيادة، ولا محل للأسرة للجدل أو الحدة ورفع الصوت فذلك حرام في فقه الأسرة، ولكنه بيان واستيضاح في حدود الأدب الكامل والتقدير المتبادل بين الجميع.

3- مدارسة نافعة من كتاب من الكتب القيمة وغير ذلك مما يعود بالنفع على أفراد الأسرة ليتحقق بها الشخصية الإسلام ية الأخلاقية بعقد إيمانها وعقد أخوتها لتصبح أداة للتغيير.

نقيب الأسرة:

نقيب الأسرة هو القيادة الأولى فى الجماعة ، بل هو المربى لأفراد الأسرة ، المخطط لجهودهم والمنسق بينها ، والقادر على توجيهها وتوظيفها للوصول إلى الهدف .ومهمته جليلة القدر عظيمة الشأن ، إذ هى فى حقيقتها : تربية الأفرإد على الآداب والقيم الإسلام ية أساسا ، وعلى نظم الجماعة ولوائح هذه النظم - وكلها مستمدة من الإسلام - كعمل متمم لغرس القيم والاداب الإسلام ية ، إذ قد عهدت الجماعة إليه بعد الثقة فيه والأهلية والصلاحية بأن يربى أفراد الأسرة ، ويرعى كل مالديهم من مواهب وقدرات يرعى الموهبة وينمى القدرة ، وينقل الدعوة من خلالهم إلى الآخرين . "


تاريخ الأسرة فى الجماعة

  • فى أوائل أكتوبر 1941م ، عقد الإمام البنا اجتماعات فى مدينة دمنهور هاجم فيها السياسة البريطانية هجوما سافرا ، فصدر أمر رئيس الوزراء " حسين سرى " باعتقاله ، فاعتقل فى 13 أكتوبر سنة 1941م .

وأمضى الأستاذ مدة شهر فى معتقل الزيتون ، وكان معه الأستاذان " أحمد السكرى" و " عبد الحكيم عابدين " ، وعندما صدر أمر بالإفراج عنه ؟ رفض أن يخرج حتى يفرج عن زميليه ؛ لولا أن ألح عليه أخواه فى الخروج ،لما فى ذلك من المصلحة العامة للجماعة .

وأخذت الحكومة تضيق على الجماعة وتصادر مطبوعاتها ، وتمنع ظهور اسم " الإخوان المسلمون " فى أى صحيفة أو كتاب ، مستجيبة فى ذلك لأمر المستعمرين الإنجليز .

فى ذلك الوقت - وقت الحرب العالمية الثانية – كانت جيوش الألمان تكتسح أمامها جيوش الحلفاء فى الصحراء الغربية ، حتى كادت تقتحم دلتا مصر ، فسقطت وزارة " حسين سري " وجاءت وزارة " النحاس " ، وتقرر إجراء انتخابات جديدة .

وتقدم الأستاذ مرشحا نفسه عن دائرة الإسماعيلية ، وللإخوان فيها مالهم من النفوذ ، وفى أثناء المعركة الانتخابية استدعى " النحاس " المرشد وحدثه بصراحة قائلا : إن الإنجليز طلبوا منه أن يحول بين " حسن البنا " و دخول المجلس بأى طريقة ، مبديا دهشته من إصرار الإنجليز على منع رجل من الشعب من دخول مجلس النواب !!

- واستشار الأستاذ مكتب الإرشاد ، ثم قابل " النحاس " وأبلغه أن الإنجليز يريدون أن يوقعوا بين الإخوان والوفد ، وقال الأستاذ " البنا " " للنحاس " : إن من الخير أن تدخر جهود المصر يين ؛ لتحرير وطننا ، فعدونا ليس مصر يا ، وقدم الأستاذ دليلا على صدق نيته بأن تنازل عن ترشيح نفسه ، فحفظها النحاس جميلا ، فصرح بصدور مجلة باسم " الإخوان المسلمون " وسمح للجماعة بإقامة المؤتمرات العامة ، وبنشاط فرق الجوالة - وكل ذلك كان مما حرمته حكومة " حسين سرى " على الجماعة .

وجاء دور الإنجليز مع الإخوان فحاولوا التقرب من الجماعة بل حاولوا شراء الجماعة بالمال ، فطلب الإنجليز أن يقابل مندوبهم الأستاذ " البنا " فقابله فى غير دار السفارة وفى غير دار الإخوان ، وطلب المندوب البريطانى من الأستاذ أن يعرف أهداف الإخوان ، فوضح الأستاذ له أهداف الجماعة ، ومنهجها ، وموقفها من الأجانب ، وعلاقة الإسلام بالأديان السماوية . . فقال المندوب للأستاذ : إن فكرتهم عن الإخوان كانت سيئة ، ولكنها تحسنت الان بعد هذا الاتصال المباشر بالأستاذ.

وأرادوا أن يشتروا الجماعة بالمال ، فقال المندوب للأستاذ : تعبيرا عن تقديرنا للإخوان  : بعد أن فهمنا أهدافهم نود أن نقدم بعض المال للجماعة ؛ لتستعين به على تحقيق أهدافها الديمقراطية .

وكان الأستاذ فى هذه المقابلة قد عرف من المندوب البريطانى شيئا عن مدى استعانة الإنجليز بالزعماء ، وبرهن له المندوب على أنهم يعينون أصدقاءهم فى تكاليف العمل السياسى ، وأن هذا شىء عادى .

ويحدث الأستاذ عن ذلك قائلا : كان الكلام ينزل على قلبى كأنه الخناجر وكان رده عليهم - بعد أن ظنوا أنهم أقنعوه لحسن استماعه - أن قال للمندوب البريطانى : إنكم مادمتم تعتبروننا رقيقا يباع ويشترى بالمال ، فلن تستطيعوا أن تتفاهموا معنا ، ولابد لكم من أن تعترفوا بحقيقة التطورات التى حدثت فى العالم الإسلامى ، وأن تغيروا عقلية التجار التى دخلتم بها أرضنا .

ت‌- وبعد هذه المقابلة الحاسمة ؛ ضغط الإنجليز على النحاس ليضيق على الإخوان ففعل ، إذ أصدر أمرا بإغلاق جميع شعب الإخوان فى القطر المصري كله ، وإن أبقى على المركز العام غير مغلق تحت المراقبة الشديدة ، واشتطت الحكومة فى تعقب الإخوان ورصد حركاتهم ، وحاول الإنجليز استفزاز الإخوان ليقاوموا هذا الضغط ؛ فيجد الإنجليز فرصة للبطش بالإخوان بطشتهم التى يريدون -وبخاصة أن البلاد فى ظل حرب عالمية وحكم عسكرى .

ولكن الإخوان فهموا المخطط ، وفوتوا على الإنجليز هدفهم ، واتجه الإخوان إلى المساجد ، يقرأون فيها رسالة " المأثورات " ، ويلقى بعضهم عظة ، أو كلمة فى المسجد ، إذا أتيح ذلك له .

ث‌- وأشيع فى ذلك الجو الرهيب أن الإتجليز سوف يلقون القبض على الأستاذ وربما نفوه من مصر - كما فعلوا من قبل مع عدد من الزعماء والمصلحين - وأحس الأستاذ بذلك فكتب رسالة إلى إخوانه سميت : " رسالة النبى الأمين " ، وهى نفس الرسالة التى اشتهرت فيما بعد باسم : " بين الأمس واليوم " وهى هى التى نشرت آنا آخر باسم : " من تطورات الفكرة الإسلام ية وأهدافها " .

وإن الناظر فى هذه الرسالة على اختلاف أسمائها ، ليحس من خلالها أنها وصية مودع ، يوصى إخوانه باستمرارية العمل من أجل الإسلام ومجمل الرسالة فى كلمات هو :

1 - توضيح رسالة النبى الأمين عليه الصلاة والسلام ليلتزم الإخوان بتحقيق هذه الرسالة فى المجتمع .

2 - توضيح المنهج القرآني فى الإصلاح الاجتماعي .

3 - تحديد الشعائر العملية لهذا المنهج القرآنى فى الإصلاح ، بل وللإسلام كله وما يشتمل عليه من نظام .

4 - حديث عن الدولة الإسلامية الأولى وكيف قامت قوية فتية ؛ ليعرف الناس كيف تبنى الدول.

5 - حديث ضاف عن أسباب الضعف والانحلال التى حلت بالدولة الإسلامية ، فصيرتها دويلات ضعيفة تابعة .

6 - بيان لأنواع الصراع الذى يجتاح الأمة الإسلامية المعاصرة ، الصراع السياسى والصراع الاجتماعي .

7 - بيان لطغيان المادة على بلاد المسلمين ، مما ترك أسوأ الاثار.

8 - تحديد عمل جماعة الإخوان فى ظل هذه الظروف مجتمعة وهو : البعث والإنقاذ .

9 - وصية من المرشد للإخوان يوضح لهم مكان جماعتهم ومكانتها من التيارات الحزبية والسياسية المعاصرة.

10 – تحديد لواجبات الإخوان ، ومطالبتهم بالالتزام بها ؛ من إيمان واع وأخلاق فاضلة وإقبال على منابع الدعوة الأولى ، ومن تآخٍ وتحاب فى الله ومن سمع وطاعة فى المنشط والمكره .

غير أن هذه الظروف مرت بسلام ، ولم يعتقل الإنجليز المرشد ولا أغروا بالجماعة رئيس الوزراء - ربما لظروفهم السيئة فى الحرب مع الألمان ، وإيثارهم ألا يفتحوا فى هذه الظروف العصيبة جبهة داخلية فى مصر .

ج‌- بل حدث ما هو أكثر من ذلك ؛ إذ أصدر رئيس الوزراء أمراً بفتح شعب الإخوان المسلمين فئ نفس عام 1943م ، وعقد الإخوان اجتماعا ضخما ضم المسئولين من الإخوان فى القطر كله ، وكان أهم ما فى هذا الاجتماع أمرين :

الأول : قراءة رسالة النبى الأمين

الثانى : تقرير نظام الأسر - التى سميت حينها بالأسر التعاونية .

تلك صورة واضحة لتاريخ نظام الأسرة فى الجماعة ، وهو نظام قديم فى تاريخ الجماعة ، ورسالة الأسر التعاونية قديمة كذلك ، لم تسبقها من الرسائل سوى " رسالة المنهج " ، تلك التى حدد فيها المرشد مراحل العمل ، وتكوين الكتائب عام 1937م .

ولقد كان نظام الأسر فى الجماعة وتاريخها ، هو البناء الدقيق للجماعة من الداخل. لكى تستطيع الجماعة مواجهة التحدى الذى يستهدف القضاء عليها ، وهذا البناء الداخلي كان يتطلب من الجماعة أن تقيم بناءها الداخلي على الأسس التالية :

1 - الفهم الجيد للدين : أهدافه ووسائله .

2 - الإيمان العميق بهذا الدين ، والاعتزاز بالانتماء إليه .

3 - تنظيم صفوف الجماعة وتقوية العلاقات بين أفرادها .

4 - التعاون بين الأفراد فى كل أمر يخدم الإسلام .

5 – التعارف الكامل بين الأفراد .

6 - التناصح والتواس بالحق والصبر.

7 -أن يحمل الفرد عبء الجماعة ، وأن تحمل الجماعة عبء الفرد .

8 - أن تحمل الجماعة وأفرادها عبء الدين .

9 - تطبيق الإيمان تطبيقاً عملياً فى العقيدة .

10 – تطبيق الإسلام تطبيقاً عملياً فى العبادة والمعاملة والسلوك والأخلاق .


ج- وضع لائحة تربوية

ونظرا لما للأسرة من دور تكميلي هام في التربية الفردية كونها المحضن الاجتماعي التربوي للأخ فقد تم وضع لائحة في عام 1948م ذكر فيها قسم الأسر كنتيجة مثمرة من جهود الإمام في مجال التربية الفردية لأبناء جماعته في وفيها :

" المادة 69 – يقوم بوضع الدراسات والتوجيهات الخاصة بالأسر ، ويشرف علي تنظيمها في حدود السياسة التي يضعها مكتب الإرشاد " .

وقد ظلت هذه المادة مستمرة في لائحة الجماعة لعام 1951 .


د- اهتمام البنا بالتربية الفردية للمرأة و النشئ

السيدة لبيبة أحمد أول رئيسة لقسم الإخوان المسلمات

لم تكن جهود الإمام البنا في لجنة التربية منبة على الأخ فقط ولكن أيضا شمل باهتمامه الأخت المسلمة ،و كذلك الناشئة .ومن ذلك ما ذكره في رسالة المرأة المسلمة حيث قال :

" 1- إرشادهن إلى طرق التربية الإسلام ية الصحيحة النافعة التي تضمن لأبنائهن النمو الجسمي والعقلي، وتجنبهم الإسراف الصحي، والنقص العقلي.

بعث الروح الدينية، وبث التعاليم الإسلام ية الكفيلة بتكوين شخصيات من النساء مهذبة، تستطيع الاضطلاع بما يناط بها من أعمال وواجبات.

2- التعريف بالفضائل والآداب، المزكية للنفس والموجهة للخير، والكمال، وتعريفها بما لها من حقوق وما عليها من واجبات.

3- إرشادهن إلى طرق التربية الإسلام ية الصحيحة النافعة التي تضمن لأبنائهن النمو الجسمي والعقلي، وتجنبهم الإسراف الصحي، والنقص العقلي.

4- العمل على صبغ البيت بالصبغة الإسلام ية، ببث تعاليم القرآن الكريم، والسنة المطهرة وسيرة أمهات المؤمنين وفضليات النساء ممن حفل بهن التاريخ الإسلام ي المجيد.

5- محاربة البدع والخرافات والأباطيل والترهات والأفكار الخاطئة والعادات السيئة التي تنتشر وتروج بينهن.

6- نشر الثقافة والمعارف التي تنير عقولهم وتوسع مداركهن.

7- الاهتمام بالشئون المنزلية لتجعل من البيت مكاناً سعيداً يضم أسرة هانئة على أساس فاضل سليم.

8- المساهمة في المشروعات الإنتاجية النافعة بالقدر الذي يتناسب مع ظروفهن وجهودهن في محيطهن.

ومن هذه المشروعات:

المستوصفات، ودور الطفولة، وأندية الصبيان، والمدارس، وتنظيم مساعدة الأسرة الفقيرة."

وكذلك اهتمامه بتربية النشء فهم جيل النصر القادم بإذن الله ، فيقول رحمه الله :

محاضرة تربية النشء:

أرأيتم بقعة من أديم الأرض أهملت فأنبتت الشوك والسعدان وصارت قفرا بورا لا تنبت زرعا ولا تمسك ماء.. وأخرى تعهدها زارع ماهر بالإصلاح والحرث فإذا هي جنة يانعة تنبت من كل زوج بهيج .. ذلك مثل الأفراد والأمم إذا أهملها رجال التربية ولم يعنوا بوسائل إصلاحها ورقيها ، وهذا مثلها إذا قاموا عليها بالرعاية وساروا بها إلى غاية .. فالتربية الصحيحة تهيئ الفرد للعيشة الكاملة وتصل بجسمه وروحه إلى الكمال الإنساني وترشده إلى حقوقه وواجباته وهي لهذا أكبر مؤثر في حياة الأمم ، وعليها يتوقف مقتبلها وعنها تنتج عظمتها وسقوطها..

ذلك تفصيلا فنقول: غاية التربية المقصودة:

ا - تحبيب الإسلام إلى النفوس والغيرة عليه.

2 - تهيئة السبيل للنجاح في الحياة.

3 - الدفاع عن المصلحة الدينية والدنيوية وتنمية الشعور بالغيرة

وإذن فما الوسائل التي تؤدينا إلى هذه الغاية؟

وسائل إصلاح التربية الإسلامية

يتأثر الناشئ في حياته بعوامل كثيرة وإصلاح تربيته وقفٌ على إصلاح هذه المؤثرات وتوجيهها نحو الغاية الخاصة. وأهم هذه المؤثرات: المنزل ، والمدرسة ، والبيئة.


هـ- الإخوان ولجنة التربية .... على درب البنا

لقد ظل هذا الجيل الذي رباه الإمام البنا يسري على خطى الإمام في اهتمامه بلجنة التربية ، وأثرها الخطير على الجماعة بأسرها فهاهو المرشد الثانى للجماعة المرحوم " حسن الهضيبي " يقول :

" وليس نظام الأسر إلا تحقيق معانى الإسلام تحقيقا عمليا بين الإخوان ، فإذا هم حققوا ذلك فى أنفسهم ، صح لهم أن ينتظروا ماوعد الله به المؤمنبن من نصر ، لا يعلم كيف يكون ولا متى يكون إلا هو جلت قدرته وأحاط بكل شىء علما .

( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز . الذين إن مكناهم فى الأرض اقاموا الصلاة وآتوا الركاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)

ويؤكد على هذا المعنى أ. علي عبد الحليم فيقول :

" والأستاذ الشهيد حسن البنا ينادى بأن مراحل العمل فى الجماعة هى : التعريف والتكوين والتنفيذ ، وكل مرحلة منها إنما تقوم على التربية . لذلك اولى الإخوان التربية فى برامجهم عناية خاصة ، وجعلوها من الأولويات الهامة فى عملهم ن بل جعلوها عملا مستمرا لا يتوقف فى أى مرحلة من مراحل تاريخهم .

ولقد تعددت وسائل التربية لدى جماعة الإخوان المسلمين تعدداً يؤكد التكامل فى تربية الإنسان المسلم ، وينبئ عن ادراك عميق للمنهج الصحيح الذى يجب أن تقوم عليه التربية الإسلامية ، المنهج الذى يلبى احتياجات الإنسان المسلم ليواجه بنجاح وفلاح معاشه ومعاده ، دنياه وآخرته".

وهاهو أ. مصطفى مشهور المرشد الخامس لجماعة الإخوان المسلمون يذكر بما فعله الإمام حسن البنا في مجال التربية ، وكيف أن الإخوان لازالوا على العهد سائرين بخطى ثابتة نحو الاهتمام بتربيةالأخ أكثر. يقول رحمه الله تعالى :

" فركز على قضية الإيمان واهتم كثيرا بالتربية وإعداد الفرد المسلم ثم اهتم بقضية الحب والأخوة وجعلها ركنا من أركان البيعة وجعل أدنى مراتبها سلامة الصدر وأعلاها الإيثار وسمى الجماعة( الإخوان المسلمون ) لتحمل معنى الأخوة مع الإسلام وهيأ النفوس للجهاد في سبيل الله وضرب المثل في ذلك عمليا في حرب فلسطين وكانوا مثالا رائعا في الفداء والتضحية مما أزعج الصهاينة إزعاجا شديدا لذلك نجده رضوان الله عليه يقول تحت عنوان الأخوة عند ذكره لأركان البيعة في رسالة التعاليم : وأريد بالأخوة أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة والعقيدة أوثق الروابط وأعلاها والأخوة أخوة الإيمان والتفرق أخو الكفر وأول القوة قوة الوحدة ولا وحدة بغير حب وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاه الإيثار { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية والمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وهكذا يجب أن نكون ورسولنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط الإيمان بالحب فيقول ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ويقول ( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا إلا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ) لقد تذوقنا حلاوة هذه النعمة نعمة الأخوة في الله في أوقات الشدة وأوقات العافية

أثناء المحن والابتلاءات والإعنات في السجون والمعتقلات فكان الحب والأخوة بعد الإيمان والصبر خير دواء وراحة في هذا الجو من الإيذاء والتعذيب ثم إن الأخ إذا لقي أخا له في الله في أي بلد أثناء سفره كان له كالواحة الخضراء وسط الصحراء.

إن الإمام الشهيد حسن البنا قد اقتبس هذا الطريق من سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم واكد ضرورة إعداد الفرد المسلم رجل العقيدة، والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم كقاعدة صلبة تقوم عليها الحكومة فالدولة الإسلام ية والخلافة الإسلام ية بإذن الله تعالى."

وفي مقال مبـادئ وأهـداف يقول الكاتب :

"كما تتميز المناهج التي التزمها الإخوان المسلمون في التربية بتوحيد الفهم، والالتقاء على رؤية؛ حتى لا يكون للإسلام صوره المتعددة في نفوس الناس نتيجة غياب المنهج الصحيح.. ومن ثم يأتي تعميم المناهج الإسلامية العلمية والعملية طريقًا عمليًا في دعوة الإخوان المسلمين . وإن نقل الإنسان من اللإسلامية إلى الإسلامية، ومن غير الملتزم إلى الإسلامية الواعية الفاهمة الملتزمة هو عمل شامل ولكنه ضروري، ومن ثم يستلزم مناهج تكافئ وتحقق النقلة المطلوبة.

ولا يترك المنهج الإسلام ي ثغرة ينفذ منها ضلال أو بلبلة لعقل الإنسان المسلم أو قلبه، ومن ثم فهو منهج حريص على سد الثغرات ومنافذ الفتنة والتشكيك. وفي نفس الوقت تهيئ الإنسان المسلم لمواجهة الوافد والتعامل معه وهو على أرض صلبة يدعمه الفهم الصحيح والوعي الناضج."

وقد بانت و أشرقت اثار التربية الإخوانية و التي وضع أصولها و رسم خطتها الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى.

يقول أ. أحمد عادل كمال :

" هذه نبذةٌ موجزةٌ عن التربية ووسائلها وما أخَذت به الجماعة منها، فكيف كانت الآثار والنتائج؟! يحدثك أحد أفراد أسرة إخوانية فيقول: "لقد أنشأت هذه الأسرة فيما بيننا من الحب والعاطفة ما زلت أحسُّه حتى الآن، وبعد أن انقضى على ذلك قرابة خمسة وثلاثين عامًا، ولو أقسم علي أحدهم بهذا الإخاء لأبررته" .

ويؤكد المعنى أ. حسن دوح فيقول :

" ويتلوه أحد أفراد كتيبة إخوانية فيقول: "كنت أشعر مع نهاية كل كتيبة أنني ولدت من جديد، وهذا الشعور كان يشاركني فيه جميع زملائي، والذين عاشوا هذه الكتائب ما أظنهم ينسون أنهم قضوا أجمل أيام عمرهم.. كانت كتيبتنا تضم ثلاثين شابًّا من خيرة شباب الإخوان، ولو تتبعت تاريخ هؤلاء الرجال الآن وأين هم من المجتمع لاستوقفك الأمر كثيرًا" .

ويقول أ. مصطفى مشهور:

"ومن ثمار تلك التربية استجابة الإخوان للجهاد في فلسطين ضد عصابات صهيون ولولا التآمر الدولي وحل الإخوان في مصر لكان لقضية فلسطين شأن آخر وجاهدوا في قناة السويس ضد الإنجليز وظهرت بطولات رائعة في هذين الميدانين أذهلت وأفزعت الأعداء .

ولا زالت هذه النماذج تبرز في ميادين الجهاد في بقاع مختلفة من العالم الإسلام ي".

ويقول د. منير الركراكي في مقال حسن البنا وتربية الرعيل الأول:

أما أبناء حسن البنا، وهم من صحبوه، وعنه أخذوا، وفي حجر تربيته تلقوا دفء المحبة، ورضعوا لبان العلم النافع المنشئ للعمل الصالح، وتنسموا عبير اليقين في النبأ العظيم، وسمعوا صوت الحق الدال على الصراط المستقيم، فقد تدثروا بنعمة تلك الصحبة المباركة وحدهم، وشربوا كؤوسها خفيفة حلوة، حتى ارتووا وطعموا منها وانتشروا يسعون بنورها ويفيضون، وهي جارية في عروقهم جريان الماء في الجداول والكهرباء في الأسلاك.

وجزى الله خيرا الدكتور مازن فزوخ الذي أعد كتيب "ثوابت العمل الإسلامي عند الإمام الشهيد حسن البنا" مقدما له بكلمات، ومضمنا إياه، من كلام الشهيد، جملة من الأصول والرسائل والمذكرات، دالة على أن الرجل لم يكتب له القبول في ميدان الدعوة وقلوب الدعاة، إلا لأنه صحب وذكر، وجمع على الله قلب من هاجر وقلب من نصر، فربى وعلم وجاهد وغير.

يُعَدّ "حسن البنا" نموذجًا فريدًا للزعيم الروحي والمفكر الديني، والمصلح الاجتماعي، والقائد الجماهيري الذي يمكن أن تلتف حوله مختلف الطوائف والمستويات التي يجمعها اتجاه فكري واحد، وتربط بينها أيدلوجية مشتركة،

فقد استطاع "حسن البنا" في سنوات قليلة أن يؤسس أكبر جماعة دينية في القرن العشرين بلغ أتباعها الملايين."

وعن أخلاق الإخوان وسلوكهم يحدثك أساتذتهم بالمدارس والجامعات، فيقول د. أحمد الحوفي الأستاذ بكلية دار العلوم: "درَّست بالمدرسة السعيدية ست سنوات وبكلية دار العلوم خمسًا، شهدت فيهن عن كثب وتجربة ويقين عِظَم أثر الشهيد في مريديه من الطلاب.. جرأة في الحق، واستقامة في الخلق، واعتزاز بالدين، وجدّ في الدرس، ورجولةٌ مبكرة، وثقافة إسلامية متنورة، ومقدرة بيانية واعية".

وهاهو الشهيد سيد قطب يؤصل معنى التربية الفردية و يؤكد استمرارية الإخوان على ذات النهج فيقول في المؤتمر الختامي لطلاب الإخوان المسلمين بالمركز العام بعدما رأى هذه الجموع الحاشدة من الطلاب:

"ما أثر التربية الإسلامية في تكوين الشباب؟ هو أنتم أثرها، هو أن تُحيل ذلك الحطام الآدمي إلى شباب مثلكم، شباب متماسك قوي خَشِن مكافح مؤمن، باع نفسه لله، فأنتم المدلول الحي للتربية الإسلام ية، أنتم كلمة الله لأن المسلم الحي هو كلمة الله في الأرض، لنرجع عشرين عامًا إلى الوراء لنرى كيف كان الشباب مائعًا مستهترًا، لقد شهدت شبابًّا يُحمِّر خديه وشفتيه سنة [1920]، فمن هذا الحطام الآدمي كوَّن الإسلام أبطالاً هم أنتم، لقد استطاعت التربية الإسلامية أن تخلق جيلاً لا يستحي من الإسلام كما كان يستحي الجيل الذي قبله، واستطاعت التربية الإسلامية في جملةً واحدةً أن تفسد على الاستعمار ما تعب في عمله طويلاً، وقالت لدنلوب: "منذ اليوم لن تستطيعوا استعبادنا".


المنهج التربوي الصحيح طريق النصر

الإمام حسن البنا وسط إخوانه في إحدى الزيارات

وهكذا وضع الإمام الشهيد حسن البنا التربية في أولويات اهتمامه ، و أولاها عنايته الخاصة ، فكانت له من هذه التربية غاية قريبة يندرج تحتها الفرد و البيت و الشعب ، و غاية أخرى بعيدة يندرج تحتها الحكومة و الخلافة و السيادة والأستاذية ، و سار الإخوان على دربه و على نفس أسلوبه التربوي الذي انتهجه لإقامة الإسلام في نفوس الناس ، فأصبحت التربية عملا مستمرا لا يتوقف فى أى مرحلة من مراحل تاريخ الجماعة ، وأصبح لها وسائلها التي تلبي احتياجات الأخ الإيمانية و الجهادية ، فكان الجيل الذي حافظ على الدعوة وحماها وبذل في ذلك الغالي من ماله وحياته وحريته ، فما استطاعت قوى الشر و الظلم و الطغيان اجتثاثه ولا زعزعة ثباته . يقول الأستاذ محمود محمد عبد الحليم:

" من هنا كان تركيز الطغاة والمخططين لهم لا علي القضاء علي الفكرة الإسلامية في ذاتها ، وإنما كان تركيزهم دائمًا علي القضاء علي هذه الأمة التي أوجدها حسن البنا في هذا العصر والتي هي وحدها القادرة علي جعل الفكرة الإسلامية حياة سارية في أوصال الأمة ، ونبضًا دقاقًا في قلبها الواهن المخدر"

وكذلك يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله  :

" وحينما سلط الطغاة الأقزام الحديد و النار على الإخوان كان الوقت قد فات ، وكان البناء الذى أسسه حسن البنا قد استطال على الهدم ، وتعمق على الاجتثاث ، كان قد استحال فكرة لايهدمها الحديد و النار ... واستعلت عبقرية البنَّاء على الطغاة الأقزام فذهب الطغيان وبقى الإخوان )

لقد استحق حسن البنا، رحمه الله، بما قدمه بين يدي آخرته من علم وتربية وجهاد أن يندرج في سلك الدعاة الربانيين أهل التقوى والإحسان، يقول الدكتور عبد الله صالح علوان:

"لاشك أن الداعية الرباني حين يكون على هذا المستوى العظيم من التقوى والفهم والروحانية، وحين يتحلى بهذه القيم العالية من الإخلاص والصدق وحرارة الإيمان والدعوة، فإنه ينطلق في ميادين الدعوة والتبليغ والجهاد.

ولو أردنا أن نستقصي أخبار هؤلاء الذين أثروا وأصلحوا وغيروا لرأيناهم أكثر من أن يحصوا، وأعظم من أن يستقصوا؛ بل إنهم كثير وكثير، كأمثال الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الحسن البصري، والإمام الفضيل بن عياض، والإمام معروف الكرخي، والإمام الجنيد البغدادي، والإمام سعيد النورسي، والإمام حسن البنا.

فهؤلاء الأئمة الربانيون هم الذين حملوا خلال العصور إمامة الدعوة، ورسالة الإصلاح، ومسؤولية الهداية؛ وهم الذين جمعوا بين العبادة والجهاد، ووفقوا بين حق الله وحق العباد، وهم الذين أعلنوا صوت الهدى والحق أمام المستبدين الظالمين، ووقفوا ببسالة فائقة أمام المستعمرين الغاشمين.

وهم الذين جددوا بدعوتهم وصحبتهم ميثاق الإسلام ، وأدخلوا الناس في السلم فقها وعملا بعد أن دخلوا فيه وراثة وعادة، وأذاقوا مريديهم وتلامذتهم حلاوة الإسلام ولذة الإيمان. وهم الذين أخرجوا أصنافا من البشرية من سلطان الهوى ورق الشهوات، واستحواذ حب الدنيا، إلى نور الحق وهدى الإسلام ، ولذة الطاعة والمناجاة."

ويقول د. أنور حامد في مقاله التربية الإخوانية.. ما لها وما عليها:

" تعتبر التربية هي المنهجية التغييرية الرئيسية عند الإخوان، بل والمميزة لخط الإخوان وعملهم، وإن كانت كل الحركات الإسلام ية تصدر من معين واحد وهو الكتاب والسنة، وتسير نحو غاية واحدة وهي إرضاء الله سبحانه والتقرب إليه, إلا أن الجميع يختلفون في كيفية تحقيق ذلك، وكلٌّ له وسائله التي اقتنع بها وعمل لها، ومنهج الجميع تغييري لا خلاف في ذلك، لكن الاختلاف في منهجية التغيير، فحين ارتضى البعض التغيير الذاتي الفردي في النفوس وإصلاحها كأفراد وانتظار سنن الله الغيبية للنصرة الغيبية حين يرى الله الصلاح في نفوس البشر؛ فقد ذهب البعض الآخر إلى أن التغيير المعرفي والثقافي .. وبالتالي استدعاء قضية النصرة الغيبية من الله حين يرى إخلاص نفوسهم .

والإخوان أخذوا التغيير التربوي منهاجًا وأساسًا لهم في دعوتهم من البداية، حين رسمت خطوات الدعوة في جماعة الإخوان؛ ولأن هذا المنهج التغييرى طويل وشاق ويحتاج إلى صبر ومصابرة وتحمل للمشاق والعقبات فقد حذَّر الإمام البنا من استعجال الثمرة قبل أوانها، ولأن هذا المنهج يبني النفوس على أسس راسخة لا تتغير ولا تهتز بالمحن، وتتميز بالثبات على المبدأ؛ لذا فقد ناوشتها الحكومات واضطهدتها النظم الفاسدة عبر العصور، ولأن تبعات ذلك على الصف كبيرة والتضحيات ستكون عظيمة فقد حذَّر الإمام البنا من تكالب الأعداء والحكام والحكومات عليكم ممن تمتد أيديهم إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة، وطالب الأتباع بالصبر والثبات.

والتربية عند الإخوان ليست للصف فقط، بل هي تربية للمجتمع وللأمة كلها، ولأن التربية هي عمل الرجل في ألف رجل وليست قول الرجل ولا كلامه؛ لذا كان الأمر شاقًّا، ولأن نتاج التربية يأتي عبر السنين والأعوام وليس خلال فترة قصيرة أصبح عمل الإخوان وتربيتهم للمجتمع لا تظهر للمتابع على المدى القصير، وهنا توجه الانتقادات إلى الإخوان من غيرهم من الحركات الإسلام ية بأنهم (أي الإخوان) لا يفعلون شيئًا، أو ماذا قدموا، والإنصاف يستدعي النظر إلى الآثار بنظرة بعيدة، ويقارن تغير المجتمع وتحوله خلال العقود المتتالية وكيف كان حال المجتمع قبل الإخوان؟ وكيف حاله بعد عقد من الزمان أو عقدين؟ ثم كيف حاله الآن؟ وهذا هو الأثر التربوي للإخوان في المجتمع، وهكذا يقاس؛ لأن التغيير التربوي للمجتمع وللأمة مشروع أجيال متتابعة.

التربية في ميزان الإخوان

إلى هنا والكلام من المجتمع أو من غير المقبول، وهذا حق من لا يعرف أن يسأل صاحب الشأن ليجيبه، لكن أن يصير هذا الكلام أو يكون مصدره صف الإخوان فهذا هو ما يستوجب الوقوف عنده، ليس دفاعًا عن التربية ولا تعصبًا لأهلها، ولكن إنصافًا وجب علينا أن نضع الأمور في نصابها.

وبداية الإنصاف هو تحرير المصطلحات حتى تتضح الأمور وتوضع في نصابها: فلا بد أن نفرق بين "العملية التربوية" و"مناهج التربية" و"المحتوى التربوي" و"الإدارة التربوية" و"آليات وإجراءات تنفيذ العمل التربوي" و"متابعة وتقييم وتقويم العمل التربوي" و"المهمة" و"المسئولية", كل هذه المصطلحات وفحواها وأدوارها رأيت فيه خلطًا كثيرًا استوجب التصحيح والتوضيح:

أولاً: العملية التربوية

هي عملية تفاعل للفرد مع المحتوى الثقافي أو المعرفي بالآليات المختلفة لتحقيق هدف محدد في الفرد يمكن توصيفه هو تحويل المعارف في الفرد إلى سلوك قويم، وهي مهمة المربي في المقام الأول, وإن كانت مسئولية الجميع.

ثانيًا: المناهج التربوية

هي كل الوسائل التربوية المختلفة والأعمال والأنشطة والمحتوى الثقافي أو المعرفي من المقررات الدراسية اللازمة لتحقيق الأهداف.

ثالثًا: المحتوى التربوي

هو المقرر الدراسي من الكتب والوسائط، وهذه المواد الدراسية تمثل الحد الأدنى من الثقافات والمعارف التي يتوجب على الفرد معرفتها، كما أن هذه المواد الدراسية وُضعت بعناية لتحقق أهدافًا محددةً سلفًا.

ويقاس قوة المحتوى الدراسي وضعفه أو كثرته وقلته بالهدف الذي يحققه، فيقال: هذا المقرر الدراسي كافٍ أو غير كافٍ لتحقيق الهدف، ولا يصح أن يقال تعميمًا: إن المناهج الدراسية أو المقررات ضعيفة أو قوية على الإطلاق.

نقطة أخرى: هي أن الأهداف التي وضعت لكل مرحلة لم تربط كلية بالمقرر الدراسي لتحقيقها؛ لأن المقرر الدراسي أحد الوسائل وليس هو الوسيلة الوحيدة, وهذه الأهداف وُضعت للمربي ليحققها في الأفراد بما أعطي من وسائل وملكات، كذلك فقد قسمت الأهداف والمقررات الدراسية إلى 6 مراحل متتالية متتابعة تتدرج بطريقة علمية دقيقة مفادها أن المقررات الدراسية في المراحل الـ6 تشكل في مجملها المقرر الدراسي الذي ارتضاه الإخوان كحد أدنى لتحقيق الأهداف في الأفراد، كما أن الأهداف المختلفة في المراحل الـ6 تمثل الأهداف التي ارتضاها الإخوان أن تتحقق في أتباعهم, وعلى سبيل المثال من الأهداف التي وضعها الإخوان لأفرادهم: (الالتزام بالشورى ممارسةً وتطبيقًا)، هذا هو الهدف في صورته المثلى، ولكي يتحقق عبر المراحل المختلفة كانت البداية بصورة مبسطة (أن يقبل بالرأي الآخر وينزل عن رأيه لغيره حسمًا للخلاف)..


رابعًا: الإدارة التربوية

هي المجموعة القائمة على إدارة العمل والتخطيط له ورسم الأهداف وشرح الوسائل وكيفية تحقيقها وتقديم الدعم الفني اللازم لذلك، وهي مهمة لجان التربية والقائمين عليها، وهذه اللجان ليس لها سلطان إداري, فهي لا تحاسب ولا تعاقب ولا توثق ولا تضعف، بل لها مهام واضحة لا تغفلها مثل التدريب والتأهيل وتفعيل الوسائل التربوية، والإعلام التربوي، وهنا يجب أن أشير إلى أن البعض يعتقد اعتقادًا خاطئًا أن لجان التربية هي التي توثق وتضعف وتضيف وتحذف، وهي التي تمسك بيدها مبضع الجراح تعمل به في جسد الجماعة دون رادع، وهذا والله محض افتراء على هذه الدعوة، وإن كان هناك من لجان التربية من يفعل ذلك فليتق الله في دعوته، ولا يعطي نفسه حقًّا ليس له، وإن كنت أرى أن رجال التربية وقد عايشتهم عن قرب هم أكثر الناس فهمًا ونضجًا، وأكثرهم معرفة بمهامهم الشاقة الموكلة إليهم، وإن كان الخطأ موجودًا في كل المجتمعات لأننا بشر ولسنا ملائكة، بل الحقيقة المسطرة في لائحة الجماعة والتي رأيتها ومارستها عملاً وتطبيقًا أن التوثيق يتم على ثلاث مراحل متتابعة تشكل لكل مرحلة لجنة يمثل التربية في كل لجنة من هذه اللجان فرد واحد له صوت واحد مثله مثل غيره، ثم تقوم هذه اللجان برفع تقريرها إلى الجهة الإدارية المختصة لتتخذ قرارًا بالتوثيق أو التضعيف، وهنا وجب أن ننبه إلى أن المجالس الإدارية هي المسئول الأول عن تنفيذ ومتابعة وتفعيل العمل الدعوي والتربوي.


خامسًا: آليات وإجراءات تنفيذ العمل التربوي

وهو ما تقرره الجهات الإدارية من وسائل وآليات تتناسب مع الأفراد وظروف الزمان والمكان لتحقيق الهدف، والمسئول عنها هنا هو المجالس الإدارية، سواء أكان مجلس الشعبة أم مجلس المنطقة أم المكتب الإداري للمحافظة، ويعتبر مسئول الشعبة هو المسئول الأول عن تفعيل العمل التربوي وتفعيل الوسائل والمحاسبة عليها، وليس للجان التربية الحق في ذلك، بل إن لجان التربية هي من تقوم بالدعم الفني وتجهيز الدعم وتطوير النقباء والمسئولين وإمدادهم بما يحتاجون إليه لأداء مهامهم والمتابعة التربوية وليس الإدارية، ورفع التقارير إلى المجلس الإداري المختص ليتخذ قراره، وهنا تضيع المسئولية ويتراجع العمل حين تتخلى الجهة الإدارية عن عملها انشغالاً بما دونها من الأعمال كالاستغراق في حل المشكلات أو تنفيذ التعليمات الواردة على كثرتها في الحصر والعد وملء الاستبيانات (وهذا ليس تقليلاً من هذه التعليمات ولكن انشغالاً بالمهم عن الأهم)، وتقوم لجنة التربية بهذا الدور تعمل بلا سلطان حقيقي، فتستدعي لها سلطانًا وهميًّا فتضر من حيث أرادت النفع.


سادساً: متابعة وتقييم وتقويم العمل التربوى

وهذه المتابعة تشمل المتابعة بأنواعها المكتبي والميدانية والاستقرائية، وكذلك التقييم أي التشخيص الدقيق على أي شيء يدل هذا الفعل، وهذه كلها يقوم بها ويشارك فيها المربي ولجنة التربية، أما التقييم وهو العلاج فهو مهمة ومسئولية الإدارة أي المجلس الإداري (مجلس الشعبة والمنطقة أو المكتب الإداري) وبالتالي علاج الظواهر السلبية مسئولية المربي، والمجلس الإداري صاحب القرار والسلطان الإداري, والله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.


سابعاً: المهمة والمسئولية

المهمة محددة لفرد معين أو قسم محدد أو لجنة لها مهام خاصة بها تعمل على تحقيقها.

أما المسئولية فهي عامة، والدعوة مسئولية الجميع، وعلاج الظواهر السلبية مسئولية الجميع، وحماية الدين مسئولية المسلمين جميعًا، وإن كانت حراسة الثغور مهمة الجند في الجيش.

هذه السطور أردت بها أن نتعرف على التربية الإخوانية ودورها وأثرها على المجتمع وكذلك نفض الاشتباك الوهمي الذي نشأ في الأذهان عند البعض من أن التربية ورجالها هم من نصبوا أنفسهم أوصياء على الدعوة يوثقون من يشاءون ويضعفون من يشاءون، وأنهم من يسيرون بالجماعة في الدهليز السري، والحقيقة غير ذلك، فتركنا الداء وأسبابه وصنعنا لنا خصمًا وهميًّا جعلناه هو سبب الداء، فأردت أن تتضح الصورة لنحسن التشخيص فنحسن العلاج."

وهكذا يتضح لنا من خلال هذا البحث المطول أن على قيادات الجماعة في كل مكان وعلى مر الزمن الالتزام بالمنهج التربوي السليم المستمد من الكتاب والسنة لإعداد الأجيال القادرة على حمل أمانة هذا الدين بكل قوة وثبات ..


المراجع

للمزيد

روابط داخلية

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

وصلات خارجية

مقالات خارجية

تابع مقالات خارجية

وصلات فيديو

Banna banner.jpg