حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة ( 1967- 1987م)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة( 1967- 1987م)
الإصدار الثالث
من سلسلة إصدارات مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني

تأليف الدكتور نهاد محمد الشيخ خليل رئيس قسم التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية بغزة

محتويات

توطئة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فإن مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني بغزة ليتشرف بأن يكون إصداره الثالث هو كتاب :" حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة 19671987م " للدكتور نهاد محمد سعدي الشيخ خليل , بعد أن أصدر كتاب :ط ستون عاما في جماعة الإخوان المسلمين " للأستاذ إسماعيل عبد العزيز الخالدي , وكتاب :" الحاج ظافر خليل الشوا ( 1326 – 1424هـ / 19082003م) أحد أبرز مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة – مقابلات ووثائق ".

وقد ق مجلس إدارة المركز إصدار هذا الكتاب وتحمس إلى ذلك لأسباب عدة أهمها :-

• حاجة المكتبة العربية إلى دراسات علمية جادة أمينة تتناول موضوع الحركة الإسلامية في فلسطين وتقدم للقراء وللأجيال الحاضرة واللاحقة تجربة حافلة بالإعداد والبناء و الجهاد والإبداع والعطاء والتضحيات والتأثير في مختلف الساحات الفلسطينية والعربية والإسلامية والعالمية .

• لأن رسالة المركز هي حفظ التاريخ الفلسطيني من الضياع أو التزوير , وتقديمه للأجيال دقيقا سليما مفيدا , من خلال حفظ الوثائق وتسجيل ما في ذاكرة الشهود وصناع القرار ووضعها بين يدي الباحثين , وإن اعتماد هذا الكتاب على عدد كبير من الوثائق والمقابلات ليحقق تلك الرسالة .

• لأن أفضل ما يمكن أن يكتب عن الأحزاب والحكات هو الدراسات العلمية الأكاديمية الجادة الأمينة غير المتحيزة التي تحرص على وصف الأحداث التاريخية مثلما وقعت بكل ما تحمله تلك الأحداث من إيجابيات وسلبيات وتحليلها بشكل علمي ومنطقي لك تتضح الحقيقة ويتسني للمعاصرين واللاحقين الإفادة من تجارب الصواب والخطأ التي مت بها تلك الأحزاب أو الحركات وهذه الدراسة عبارة عن رسالة دكتواره توفرت فيها الجدية والحيادية والأمانة العلمية بدرجة كبيرة.

• لأن أفضل من يتقن الكتابة عن حركة أو حزب هو الباحث القريب أو المعاصر لتلك الحركة أو الحزب وقد توفر ذلك للدكتور نهاد الشيخ خليل الذي عاش في غزة قريبا من جماعة الإخوان المسلمين وتربطه بقياداتها وتاريخها صلات وثيقة.

• لأن الباحث أفاد من مركز التاريخ والتوثيق الفلسطيني منذ نشأته , وأسهم بتكليف من المركز في إجراء عدد من المقابلات المهمة التي استخدمها في إعداد كتابه و كالمقابلة مع الشيخ أحمد ياسين والمهندس إسماعيل أبو شنب رحمهما الله , وكما استفاد من وثائق المركز ومقابلاته الشفوية الوافرة التي أجريت مع قادة جماعة الإخوان المسلمين في غزة .

• إضافة إلى أن هذا الكتاب قيم, اعتمد في معلوماته على وثائق نادرة, ومقابلات مهمة مع قادة ومؤسسين لجماعة الإخوان المسلمين في غزة, أسهموا في صناعة الأحداث , وقد جمع الكتاب بين المعلومات الدقيقة, والتحليلات العميقة والاستنتاجات المنطقية , واللغة السليمة والأسلوب الرصين , ومن الضروري أن يصل إلى القراء والمهتمين الكرام ليطلعوا علي تجربة من أهم التجارب في تاريخ جهاد الشعب الفلسطيني .

• ونحن في مجلس إدارة مركز التاريخ والتوثيق الفلسطيني إذ نتشرف بضم هذا الكتاب القيم إلى سلسلة إصدارتنا لنتقدم بالشك الجزيل إلى الأخ العزيز الدكتور نهاد الشيخ خليل على جهده المتميز الذي بذله في إعداد هذا الكتاب و وندعوه إلى مزيد من البحث والإنتاج العلمي في مجال التاريخ الفلسطيني المعاصر كما ندعو الطلاب والباحثين إلى خوض غمار الدراسات العلمية الجادة التي تؤرخ لجهاد الشعب الفلسطيني ونعلن استعدادنا لمساعدتهم بتقديم كل ما أمكن من وثائق ومقابلات شفوية متوفرة لدى المركز.

والله ولي التوفيق.

رئيس مركز التاريخ والتوثيق الفلسطيني.

د. خالد يونس الخالدي.

غزة في 2 – رمضان 1432 هـ / 2-8-2011م.

إهداء

إلى من أحببتهم من كل قلبي – الذين سطروا هذا التاريخ – وساء من ارتقي منهم شهيدا إلى العلا أو بقي رهن يعاند قسوة السجان , أو لا زال قابضا على الجمر يبحث بعقله أو بيده عن ضوء في عتمة النفق .

شكر وتقدير وعفان

أتقدم بالشكر الجزيل إلى مشرفي الدكتور الفاضل أ. د أحمد زكريا الشلق الأستاذ والعالم والإنسان على ما قدمه لى من مساند وتشجيع في مراحل إعداد الدراسة كما لا يفوتني أن أتقدم بالشكر والدعاء في آن واحد لمرحوم أ. د .. محمد عبد الرءوف سليم الذي تبني الفكرة وشجع على إنجازها إلى أن أصبحت خطة , ثم واصل رعايتها وقدم النصح والإرشاد وفتح أمامي بملاحظاته وتوجيهات أبواب الأمل بإمكانية التغلب على الحصار ومنع السفر.

وأود أن أتوجه بالشكر للأستاذين الكريمين اللذين تفضلا بالموافقة على نقاش الرسالة وهما : الأستاذ الدكتور عبد الخالق لاشين , والأستاذ الدكتور محمد حلة وأخيرا الشكر موصول لكل الإخوة والأصدقاء اللذين ساعدوني في الحصول على الوثائق والمصادر والمراجع .

مقدمة

حظيت الحركة الإسلامية الفلسطينية بنصيب وافر من الاهتمام, وصدرت العديد من الأبحاث والكتب والمقالات العلمية , لكن جل اهتمام تلك الدراسات والأبحاث تناول إسهامات الحكة في الانتفاضة الفلسطينية ( 1987 -1994).

وتناولت تلك الدراسات مواقف الحركة السياسية وعملياتها الفدائية واحتمالات نشوب حرب أهلية بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية خاصة بعد أن أصرت الحركة على مواصلة نهج المقاومة في وقت اعترفت فيه منظمة التحرير الفلسطينية بالدولة اليهودية.

لكن الفترة التي سبقت الانتفاضة وهي فترة غياب الحركة الإسلامية ( خاصة حركة الإخوان المسلمين التي انبثقت عنها حركة المقاومة الإسلامية حماس ) عن أسلحة العمل الفدائي لم تحظ بكثير اهتمام رغم أنها هي فترة التأسيس وتجميع العناصر , والتغلغل في المجتمع وبناء التنظيم الذي جذب اهتمام العالم فور إعلانه عن نفسه وانخراطه في العمل الكفاحي من أجل تحرير فلسطين وبناء عليه اختار الباحث العنوان التالي لرسالة الدكتوراه " الإخوان المسلمون في قطاع غزة 1967-1987".

أهمية البحث

تتمثل أهمية البحث في أنه :

1- يدرس الجذور التاريخية ل حركة المقاومة الإسلامية حماس , وبالتالي يساهم في فهم أوضح لمواقفها وعلاقاتها وإلقاء الضوء حول الآفاق المستقبلية لهذه الحركة باعتبار أنها لاعب أساسي ومهم على الساحة الفلسطينية .

2- يقدم للقارئ العربي تقييما لتجربة حركة إسلامية سياسية تمكنت من إعادة بناء نفسها خلال عشين عاما تحت الاحتلال .

أهداف البحث

يهدف البحث إلى :

1- كشف خط وبرامج وأساليب الحركة لتهيئة الفرد والمجتمع الفلسطيني لمقاومة الاحتلال . 2- تفسير أسباب انتشا حركة الإخوان في قطاع غزة رغم عدم تبنيها القضية الوطنية للشعب الفلسطيني في الفترة 1967 -1987.

3- دراسة علاقة الإخوان المسلمين في قطاع غزة مع القوي السياسية الأخير وتفسير أسباب العلاقة السلبية بين الحركة وبين هذه القوي .

4- تحليل المواقف السياسية للحركة في تلك المرحلة مع تبيان المؤثرات التي ساهمت في بلورة تلك المواقف .

5- معرفة ما إذا كان انتشار حركة الإخوان في تلك المرحلة عبارة عن حالة نهوض كما يقول نشطاء الحركة وقادتها أو نتيجة وانعكاسا للأزمات التي يعيشها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية كما يقول منتقدوها .

أسئلة البحث

وتحقيقا لأهداف الدراسة يسعي الباحث للإجابة على الأسئلة التالية :

1- ما هي البرامج والخطط التي سارت وفقها حركة الإخوان في قطاع غزة لبناء التنظيم والتغلغل في المجتمع ؟

2- ما هو موقف حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة من القضايا السياسية في مرحلة الدراسة؟

3- ما هي طبيعة العلاقة بين حركة الإخوان وبين الحركات الإسلامية ولوطنية الأخير في مرحلة الدراسة؟

4- لماذا طال غياب حركة الإخوان في قطاع غزة عن ساحة العمل المقاوم ضد الاحتلال ؟

5- كيف تمكنت حركة الإخوان المسلمين من الانتشار في أوساط المجتمع الفلسطيني رغم عدم تبنيها لقضية الوطنية ؟

وما هي العوامل التي ساعدت على ذلك؟

6- هل يعتب انتشار حركة الإخوان في أوساط الفلسطينيين تعبيرا عن حالة نهوض أم انعكاسا لحالة الأزمة في الواقع الفلسطيني ؟

7- ما هو موقف الإخوان المسلمين في قطاع غزة من الوحدة الوطنية؟

8- ما هي الأسئلة الداخلية التي أثيرت في أوساط الإخوان بشأن فلسطين وبرنامج الحركة الجهادي ؟ وكيف تعاملت الحكة مع هذه الأسئلة؟

9- كيف تمكنت الحركة من التوفيق بين الجوانب السرية والجوانب العلنية في نشاطها ؟

10- هل كان لدي قيادة الإخوان خطة لتهيئة الفرد والحركة والمجتمع للمقاومة ؟

11- ما هي الخلفيات الاجتماعية لنشطاء الإخوان في هذه المرحلة ؟ وما هي دلالات ذلك؟

12- كيف تطور اهتمام الإخوان المسلمين في قطاع غزة بقضية فلسطين ؟

وما هي العوامل التي أثرت في ذلك؟

الحدود المكانية والزمانية للدارسة

يتناول البحث دراسة تاريخ الإخوان المسلمين في قطاع غزة وتم اختيار هذا المكان نظرا لأن الثقل الرئيسي للحركة يتواجد في قطاع غزة أما بالنسبة للحدود الزمانية فهي تبدأ بعام 1968 وتنتهي بعام 1987.

وتم اختيار عام 1967 كنقطة بداية للدراسة لأنه العام الذي هزمت فيه الجيوش العربية أمام إسرائيل, ووقع قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي وجاء هذا الاحتلال في لحظة بلغ فيها تنظيم الإخوان المسلمين أشد حالات الضعف بسبب العلاقة السلبية مع نظام الرئيس جمال عبد الناصر وتم اختيار عام 1987 كنقطة نهاية للدراسة, لأنه العام الذي تبنت فيه حركة الإخوان المسلمين نهج المقاومة بكافة أشكالها ضد الاحتلال الإسرائيلي بعد أن استوفت بناء تنظيم قوي ومنتشر بدأ يفرض نفسه على الساحة السياسية في قطاع غزة .

منهج البحث

تعتمد الدراسة منهج البحث التاريخي وتم التركيز في الفصل الأول على روايات التاريخ الشفوي بسبب عدم احتفاظ التنظيم بالوثائق الخاصة به لاعتبارات الاحتياطات الأمنية والمخاوف من وقوع الوثائق تحت يد الاحتلال أما بقية الفصول فقد تم الاعتماد على الكثير من الوثائق المكتوبة إضافة إلى التاريخ الشفوي .

الدراسات السابقة

تشتمل المكتبة العربية على العديد من الأبحاث والدراسات التي تناولت حكة الإخوان المسلمين في قطاع غزة ولكن ليس كعنوان رئيسي وإنما يجري التطرق إليها كعناوين فرعية في ثنايا الدراسات الخاصة بحركة المقاومة الإسلامية حماس ) وسنتناول هنا أهم هذه الدراسات وطريقة تناولها للموضوع كتب خالد أبو العمرين رسالة ماجستير عام 1994 في العلوم السياسية بعنوان " حركة المقاومة الإسلامية حماس جذورها ونشأتها ودورها السياسي 1920 -1990" وهي دراسة مفيدة حاول الباحث خلالها تعقب جذور التيار الإسلامي في فلسطين منذ عام 1920 إضافة إلى أنه عندما تعرض للفترة التي نحن بصدد دراستها تناول قضايا الحركة داخل الأرض المحتلة وخارجها الأمر الذي لم يتح له فرصة التوسع والتعمق في دراسة الموضوع .

ونشر زياد أبو عمرو سنة 1989 كتاب " الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة" وهي دراسة مفيدة حاول الكاتب خلالها استعراض الموقف السياسي للتيار الإسلامي في الأرض المحتلة وعلاقته بمنظمة التحرير والقوي الوطنية العلمانية لكن الكتاب لم يعتمد على المصادر الأولية للحركة بشكل أساسي إضافة إلى أنه لم يقدم معالجة شاملة لكل الجوانب المتعلقة بالحركة بل اكتفي بالموقف السياسي والعلاقة بمنظمة التحرير وهي دراسة وصفية أكثر منها تحليلية .

وأصدر عاطف عدوان سنة 1991 كتابا بعنوان " الشيخ أحمد ياسين " حياته وجهاده تناول فيه السيرة الشخصية للشيخ أحمد ياسين والنشاطات التي قام بها الشيخ على ضوء روايات أقربائه والمحيطين به ويعتمد الكاتب على تسجيل الأحداث أكثر من تحليلها والبحث في أسبابها .

دراسة بعي المدهون " الحركة الإسلامي في فلسطين " 1928 -1987" غلب عليها الجانب السياسي على الجانب الاجتماعي ودرس الحركة بشكل عام , ولم يتناول قطاع غزة إلا في مجال الحديث عن العلاقة السلبية بين الإخوان والفصائل الفلسطينية ولم يرجع إلى المصادر الأولية للحركة.

دراسة خالد الحروب " حماس : الفكر والممارسة السياسية " ركزت هذه الدراسة على مواقف حركة حماس السياسية وحاولت استشراف مستقبل الحركة السياسي , لكنها مرت مرورا سريعا على تاريخ حركة الإخوان المسلمين الفلسطينيين قبل العام 1987.

دراسة محمد أبو الروس " حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة 1948 -1987" وهي رسالة ماجستير غير منشورة , أعدها الباحث في معهد البحوث والدراسات العربية , ركزت الدراسة على سرد الأحداث التاريخية لهذه المرحلة الطويلة وأغفل الباحث الرجوع إلى المصادر الأولية التي رجعنا إليها من أرشيفات ونشرات وبيانات وأشرطة فيديو ودراسات نشرها الإخوان في تلك المرحلة ولم يتطرق للبنية التنظيمية للإخوان ولم يد في رسالته حديثا عن العمل الطلابي أو التنظيم النسائي , أو الناشطات الفنية ودروها في تعبئة الجماهير ضد الاحتلال أو عملية التربية داخل جماعة الإخوان المسلمين ولم يعالج الخلاف الفكري الذي حدث بين حركة الإخوان وحركة الجهاد الإسلامي .

ولم يوضح الكاتب سياسة الاحتلال في التعامل مع حكة لإخوان كما أنه عالج المواقف السياسية للحركة بسرعة ودن الوقوف على ما قيل في تلك المرحلة بهذا الصدد ولم يطلع الباحث بشكل كاف عل المراجع الانجليزية والعبرية التي تحدثت عن الحركة.

أما الدراسات العبرية مثل دراسات كل من شاؤول مشعال ومئير ليتبك وميخائيل ميلشطاين, ورؤبين باز , وروني شاكيد وأبيبة شابي , فقد ركزت على تحليل البنية الأيديولوجية والمنطلقات الفكرية والسياسية ل حركة حماس وملاحظة الخطر الذي يمكن أن تشكله على وجود إسرائيل واحتلال قطاع غزة ولم تتوسع في دراية المرحلة التي سبقت سنة 1987 وينطبق نفس الشئ على الكتابات الانجليزية.

موضوعات الدراسة

التمهيد الإخوان المسلمون في قطاع غزة النشأة والتطور 1946 -1967م.

الفصل الأول: البناء الداخلي لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة 1967 -1987.

المبحث الأول : البنية التنظيمية للإخوان المسلمين في قطاع غزة .

المبحث الثاني : التنظيم النسائي .

المبحث الثالث: العمل الطلابي .

المبحث الرابع: التربية .

الفصل الثاني : الناشط العام في مواجهة السياسات الإسرائيلية.

المبحث الأول : تحولات المجتمع الفلسطيني تحت سيطرة الاحتلال 1967-1987.

المبحث الثاني : السياسة الإسرائيلية تجاه حركة الإخوان .

المبحث الثالث : مواجهة الإخوان للسياسات الإسرائيلية.

1- أنشطة المساجد.

2- إنشاء المؤسسات الخيرية.

3- الانخراط في العمل النقابي .

4- الاحتفالات العامة ( الفن الإسلامي ).

الفصل الثالث: علاقات حركة الإخوان مع الفصائل الفلسطينية.

المبحث الأول : علاقة الإخوان مع حركة الجهاد الإسلامي.

المبحث الثاني : علاقة الإخوان مع حركة فتح.

المبحث الثالث : علاقة الإخوان مع اليسار الفلسطيني.

الفصل الرابع : المواقف السياسية والمقاومة المسلحة لحركة الإخوان المسلمين.

المبحث الأول : موقف الإخوان من القضية الفلسطينية ومشاريع التسوية السياسية .

المبحث الثاني : دور الإخوان في التعبئة السياسية.

المبحث الثالث : جهود الإخوان المسلمين في المجالين العسكري والأمني.

مصادر الدراسة

لقد عانت الدراسة في البداية من نقص حاد في المواد المصدرية لكن مع الوقت أثمر السعي إلى وصول الباحث إلى مجموعة من المصادر بدونها لم يكن من الممكن إتمام الدراسة ويمكن استعراض هذه المصادر على النحو التالي :

أولا : مجموعة من أشرطة الفيديو التي تم تصويرها في مرحلة الثمانينيات من القرن العشرين , ثلاثة منها هي احتفالات لأفراح إسلامية يظهر فيها مجموعة من المسرحيات والأناشيد التي استخدمتها حركة الإخوان في التعبير عن مواقفها السياسية والفكرية والاجتماعية وشريط رابع فيه تسجيل لأحد احتفالات الإسراء المعراج التي نظمها مجلس طلاب الجامعة الإسلامية ويشتمل على خطابات تعكس المواقف السياسية لحركة الإخوان والشريط الخامس عبارة عن تصوير لجنازة الدكتور إسماعيل الخطيب ويتضح من خلاله شيئا من طبيعة العلاقة بين الفصائل الفلسطينية .

ثانيا : مجموعة من اللوائح الداخلية والقوانين الأساسية وتشمل النظام الداخلي لجماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة وفيها تبيان لبنية تنظيم الإخوان وطريقة تشكيل قيادته , وبقية القوانين الأساسية هي للمؤسسات الإسلامية التي أسستها وأدركتها الحركة, ويظهر من خلال هذه القوانين طريقة تنظيم عمل المؤسسات وطريقة متابعتها ورقابتها من قبل سلطات الاحتلال .

ثالثا : أراشيف ووثائق الجمعيات والشخصيات الإسلامية في قطاع غزة ومنها الأرشيف الشخصي لحاج ظافر الشوا ويشتمل على أوراق تبين أسماء قيادة الإخوان قبل النكبة وجمعية التوحيد بعد النكبة إضافة إلى بعض وثائق جمعية التوحيد أما وثائق الجمعيات فيظهر من خلالها طبيعة العلاقة التي سادت بين إدارة الاحتلال وبين هذه المؤسسات ومدي التسهيلات التي حظيت بها هذه المؤسسات إضافة إلى العوائق التي وضعها الاحتلال ف يوجه هذه المؤسسات رابعا تقارير أنشطة صادرة عن بعض المؤسسات الإسلامية تظهر فيه أنشطة المؤسسات في الثمانينات وتقرير أعدته النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني هدي نعيم عن نشاط الحركة النسائية الإسلامية في قطاع غزة في الثمانينات .

وتقرير لجنة تقصي الحقائق في الأحداث والمشاكل في جامعة بيرزيت سنة 1983 وأخيرا تقرير أصدرته عمادة شئون الطلاب في الجامعة الإسلامية عن الانتخابات الطلابية في الجامعة .

خامسا : نشرات الرابطة الإسلامية لطلبة فلسطين بالكويت وهي مشاريع الحلول السلمية على الساحة الفلسطينية 1948 -1984 ونشرة ثقافتك في القضية الفلسطينية في الأولي تم تحديد المواقف السياسية التي يتبناها الإخوان من مختلف جوانب القضية الفلسطينية خاصة مشاريع التسوية السياسية وتم تعميمها في قطاع غزة منذ ذلك الوقت.

وفي النشرة الثانية تم تحديد مصادر الثقافة التي يجب أن ينهل منها كل من يريد أن يفهم القضية الفلسطينية وكل من يريد أن يعمل من أجلها .

سادسا: نشرات ومطبوعات مجلس طلاب وطالبات الجامعة الإسلامية ب غزة مثل مجلة النداء والشهاب ونشرة الجامعة الإسلامية بين البناء والهدم وأناشيد الدعوة الإسلامية وتحتوي هذه النشرات على معلومات عن الفعاليات الثقافية ذات الطابع الديني والوطني إضافة إلى الأخبار والمنشورات الخاصة بالمشاكل بين الإخوان والقوي السياسية الأخرى في قطاع غزة.

سابعا : النشرات الصادرة عن الكتلة الإسلامية ومن أهمها ( الحقيقة الغائبة)

الذي يستعرض التاريخ الكفاحي للإخوان المسلمين في مرحلة النكبة والخمسينات والستينات وتجربة اعتقال الشيخ أحمد ياسين سنة 1984 ونشرة ( الموقف الإسلامي الخالد من القضية الفلسطينية ) أوضح الإخوان موقفهم من ورؤيتهم للقضية الفلسطينية باعتبارها أرض وقف إسلامي لا يمكن التنازل عن أى شب منها وأن تحريرها لا يمكن أن يتم إلا من خلال الجهاد .

أما نشرة ( حيران مع الأستاذ عمر التلمساني ) فهي تكشف عن جانب من النقاش بين حركة الإخوان وبين حركة الجهاد الإسلامي.

ثامنا : نشأت ومطبوعات حركة الجهاد الإسلامي ومنها النشرة الطلابية ( صوت الجماعة الإسلامية ) إضافة إلى مجلات النور والطليعة وبعض المقالات التي كتبها فتحي الشقاقي, وتستعرض هذه النشرات مواقف حركة الجهاد من القضايا الخلافية مع الإخوان إضافة إلى رواية حركة الجهاد للأحداث الخلافية بين مختلف القوي .

تاسعا : مجموعة نشرات صادرة عن حركة الشبيبة الطلابية مثل اليقين والإرادة والإصرار وتشتمل على معلومات ورواية الشبيبة للخلافات والمشاكل التي حصلت في ثمانينات القرن الماضي بين حركة الإخوان وحكة فتح في قطاع غزة.

عاشرا: مجموعات وثائقية ومنها ( أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين) والذي يشمل وثائق عن بداية اهتمام الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية في الثلاثينات من القرن العشرين , وكتاب ( المسألة الفلسطينية ومشاريع التسوية السياسية 19341974 ) ويشتمل على العديد من الوثائق الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية .

حادي عشر : وثائق ومقابلات التاريخ الشفوي الخاصة بمركز التاريخ والتوثيق الفلسطيني بغزة مع عدد كبير من قيادات وكوادر الإخوان وقد استفاد الباحث منها كثيرا في معظم الفصول والمباحث خاصة مجال البناء التنظيمي والعمل التربوي والطلابي وكذلك في مجال العلاقات مع التنظيمات الفلسطينية إضافة إلى العمل العسكري.

الفصل التمهيدي الإخوان المسلمون في قطاع غزة 1946 -1967

لقد أولي المسلمون أهمية خاصة للقضية الفلسطينية منذ اندلاع الثورات الأول ضد الاستعمار والصهيونية ويجع ذلك اهتمام إلى اعتبارات عقائدية حيث يري الإخوان المسلمون أن فلسطين أرض مقدسة بنص القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة .

أما بالنسبة لليهود فهم أهل كتاب محل احترام عند المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين في الحالات الطبيعية من التعايش القائم على البر والإحسان والسلم.

لكن حسن البنا وعلى ضوء الاعتداءات الصهيونية على فلسطين في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين أخذ يؤكد على خطورة الصهيونية وأوضح أنها فكرة هدامة شديدة الخطر على الأوطان العربية وأن زعماءها متحالفون مع الدول الاستعمارية التي تحتل البلاد لعربية واعتبر الإخوان أن إنقاذ فلسطين من الوقوع تحت هيمنة الحركة الصهيونية لا يتم إلا بالجهاد.

جهود الإخوان المسلمين تجاه القضية الفلسطينية قبل الحرب العالمية الثانية

يرجع اهتمام الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية إلى العام 1929م حيث كتب الأستاذ حسن البنا في مجلة الفتح عدد يناير 1929 مقالا حذر فيه من مطامع اليهود في فلسطين ودعا إلى تحرر المسلمين من غفلتهم وطالبهم بالعمل لوقف الجهود اليهودية المتصاعدة للسيطرة على فلسطين وأكد البنا على نفس المضمون.

في مقال آخر في نفس المجلة سنة 1931 موضحا أن الصهاينة يسعون إلى طرد الفلسطينيين إلى الصحراء والاستحواذ على ممتلكاتهم بالقوة ويمكن القول أن هذه الجهود تأتي في إطار التأثر بما يجري في فلسطين منذ العام 1928 حيث وقعت اعتداءات صهيونية استهدفت السيطرة على حائط البراق .

وفي عام 1931 , أرسل حسن البنا رسالة إلى الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين بمناسبة انعقاد المؤتمر الإسلامي الأول, وجاء في هذه الرسالة مجموعة من الاقتراحات الهامة التي تتلخص فيما يلي :

أ‌- إنشاء صندوق مالي إسلامي أو شركة لشراء الأراضي وذلك لمواجهة خطر استملاك اليهود للأراضي الفلسطينية .

ب‌- إنشاء جامعة إسلامية في القدس تجمع بين التعليم العصري والديني وذلك لمواجهة ما أسمته الرسالة فوضي الثقافة "

ت‌- تشكيل لجان للتعريف بالقضية الفلسطينية ومناصرتها وتقوية أواصر الصلة بين مناصريها .

وبالرجوع إلى نص الرسالة يلاحظ أن الإخوان المسلمين كانوا يعولون كثيرا على المؤتمر في حل مشاكل المسلمين كافة حيث تعرض البيان لذكر المؤامرات الدولية التي تستهدف مقدسات المسلمين وطالب بضرورة التصدي لها بالوسائل الكافية لصدها خاصة ما يقوم به اليهود من شراء للأرض الفلسطينية وقد امتلأت الرسالة بالعبارات وآيات القرآن التي تحث المؤتمرون على التشمير عن ساعد الجد.

ومن خلال مراجعة مقررات المؤتمر الإسلامي الأول يتضح أن المؤتمر تبني اقتراحات الإخوان المسلمين وقد رد الحاج أمين الحسيني برسالة شكر وتقدير ووعد بمتابعة المقترحات التي بعث بها الإخوان للمؤتمر .

وأرسل الإخوان المسلمون أول وفد رسمي إلى فلسكين بتاريخ 3 -8 -1935 حيث قابل أعضاء الوفد ( وهما عبد الرحمن الساعاتي وأسعد الحكيم)

الحاج أمين الحسيني وذلك في إطار التشاور وتعزيز أواصر التعاون مع القيادات الفلسطينية .

وقد اتخذ الإخوان المسلمون قرارات بالقيام بحملات متتابعة للتوعية بالقضية الفلسطينية والتحذير من الخطر الذي يهددها ويهدد الأمة الإسلامية كلها وأخذت تلك الحملات صورة منتظمة خاصة مع انطلاق ثورة 1936, واستخدم الإخوان عدة أساليب للتعريف بالقضية الفلسطينية ولفت الأنظار إليها ومنها إلقاء الخطب أيام الجمعة عن فلسطين وتوزيع المنشورات والكتيبات التي تهاجم الانجليز وتفضح مواقفهم المؤيدة للصهيونية وتوجيه النداءات وعقد الاجتماعات لشرح أبعاد القضية الفلسطينية .

وبعد اندلاع الثورة الفلسطينية في 20 – 4 -1936 , قام الأستاذ حسن البنا بتوجيه نداء في جريدة الإخوان الأسبوعية بعنوان " من أجل فلسطين" على أثره عقد اجتماع عام بدار الإخوان , وانبثق عن هذا الاجتماع تشكيل " اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين " وقامت اللجنة بجمع التبرعات وتوجيه النداءات للجماهير والأوساط السياسية في مصر نصرة لأهل فلسطين.

وأوردت بعض المراجع أن الإخوان المسلمين أرسلوا عددا من المقاتلين للمشاركة في الثورة سنة 1936, لكن هذه المراجع لم تذكر شيئا لا عن أسماء المتطوعين ولا عن أعدادهم أو الجهود التي قاموا بها .

ومن ضمن الجهود التي قام بها الإخوان قيام حسن البنا بالاتصال بقيادة الطائفة القبطية في مصر وناشدهم إمداد أبناء فلسطين بالتبرعات اللازمة لدعم الكفاح الفلسطيني كما اتصل الأستاذ حسن البنا باللجنة لمصرية لمساعدة الأحباش المكنوبين بالاستعمار الإيطالي وطالب مسئولي تلك اللجنة " بتوجيه الاهتمام إلى فلسطين بما يستطاع من بر ومساعدة وكان الأستاذ حسن البنا يركز في رسائله على معاني الإخوة الإسلامية المسيحية .

وفي 18-5-1936م أرسل حسن البنا برقية إلى السيد عوني عبد الهادي السكرتير العام للجنة العربية العليا بالقدس يعرب فيها عن تضامن الإخوان قلبا وقالبا مع اللجنة ومع أهل فلسطين فرد السيد عوني عبد الهادي برسالة أكد فيها على تلقيه البرقية موضحا أن " أن الروح الوطنية التي أوحت بها برقيتكم قد زادت نفوسنا قوة وقلوبنا تصميما على المضي إلى النهاية في جهادنا ضد الظلم الاستبداد وقد كان لها أكبر وقع في نفوس الشعب الفلسطيني الذي تيقن بأن إخوته في مصر وغيرها لن يتخلوا عن نصرته عند الحاجة.

وفي سنة 1937 نظم الإخوان المسلمون مظاهرات طافت القاهرة في ذكري وعد بلفور للتعبير عن رفضهم له والاحتجاج على سياسة بريطانيا التي تحابي اليهود على حساب العرب .

وعلى خلفية قرارات سلطات الانتداب البريطاني بسجن ونفي وإبعاد الكثير من قيادات الشعب الفلسطيني إبان ثورته الكبرى ( 1936 -1939 ) أرسل حسن البنا رسالة إلى سفير بريطانيا في مصر ذكره فيها بوعود بريطانيا للعرب إبان الحرب العظمي والمتمثلة في مراسلات ( حسين مكماهون) مستنكرا تخلي بريطانيا عن هذه الوعود واستبدالها بوعد بلفور وفيما يخص إجراءات سلطات الانتداب بحق الفلسطينيين ورد في الرسالة " .

وأما هذا يري الإخوان المسلمون أنهم مضطرون إلى أن يسجلوا احتجاجهم الصارخ على هذه السياسة الجائرة راجين أن تعدل عنها الحكومة البريطانية فتطلق ساح المسجونين وتعيد الزعماء المنفيين وتؤمن الأبرياء المشردين.

وترجع إلى المجلس الإسلامي حقوقه وسلطاته وأكدت الرسالة مطالبة الإخوان بـ وقف الهجرة والاستقلال التام على أساس اتفاق شريف يضمن حقوق العب ويعامل فيه اليهود معاملة الأقليات في جميع البلدان وفي ختام رسالته حذر البنا من إمكانية حدوث انفجار كبير بسبب الشعور بالكبت كما نبه البريطانيين إلى ضرورة الحذر من مكر اليهود وخدعهم وف ينفس السياق فقد أرس الأستاذ البنا رسالة إلى رئيس وزراء إيران خلال زيارته لمصر في يناير 1938 طالبه فيها بضرورة العمل من أجل دعم كفاح الشعب الفلسطيني في مواجهة الاستعمار .

وفي عام 1939 تقدم الإخوان بمذكرة إلى رئيس الحكومة المصرية آنذاك ( على ماهر باشا) طالبوا فيها بالعمل على إيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين إيقافا تاما حتى تظل الغالبية في فلسطين عربية وأبدي الإخوان رفضهم للمشاريع التي تقدمت بها بريطانيا لحل القضية الفلسطينية مثل تقري لجنة بيل الذي اقترح تقسيم فلسطين كما أعلن الإخوان رفضهم للكتاب الأبيض الذي أصدرته بريطانيا سنة 1939 ووصف البنا هذا الكتاب بأنه كتاب مشئوم .

وكان من نتائج المواقف التي قام بها الإخوان لمساندة ثورة فلسطين أن ثارت بعض الصدامات بينهم وبين الانجليز من جهة وبينهم وبين الحكومة المصرية من جهة أخري حيث صادرت الحكومة المصرية بعض المنشورات التي يوزعها الإخوان ومن أبرز هذه المنشورات كتاب ( النار والدمار في فلسطين) وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب يفضح سياسة بريطانيا في فلسطين.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية هدأت الساحة الفلسطينية نسبيا لكن مع اقتراب نهاية هذه الحب برزت مشكلة تزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وقد شعر الإخوان المسلمون بالقلق العميق من الموقف الأمريكي وأرسل البنا مذكرة إلى وزير أمريكا المفوض بالقاهرة تضمنت التنديد بالموقف الأمريكي وأكدت المذكرة على رفض الهجرة وشددت على أن أرض فلسطين عربية.

وتجدر الإشارة إلى أن الباحثين يختلفون في تحديد بداية الاهتمام الرسمي للإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية وفي هذا السياق يعتبر عوض خليل أن بداية الصلة بين حسن البنا والقضية الفلسطينية ترجع إلى سنة 1927 ويستند في ذلك إلى ما ورد في ثاء الحاج أمين الحسيني للبنا حيث ذكر الحسيني أنه تلقي رسالة من البنا سنة 1927.

ويري خالد الحروب أن أول حضور سمي للإخوان في فلسطين تمثل في مجئ اثنين من إخوان مصر إلى فلسطين هما ( عبد الرحمن الساعاتي وأسعد الحكيم) ويتفق عبد الله أبو عزة مع الحروب في هذه المسألة أما زكريا عثامنة فإنه يؤكد أن اهتمام الإخوان المسلمين بفلسطين يرجع إلى سنة 1935 حيث اتخذ المؤتمر الثالث للإخوان " قرارات عكست التزامات صريحة ومباشرة بالقضية الفلسطينية .

ويري محمد أبو الروس وربعي المدهون أن أول موقف لجماعة الإخوان المسلمين من القضية الفلسطينية جاء في رسالة ( إلى أى شئ ندعو الناس ) والتي كتبها الأستاذ البنا سنة 1934 ثم يذكر محمد أبو الروس نقلا عن ربعي المدهون أنه في العام 1946 ظهر التوجه نحو القضية الفلسطينية ضمن القرارات الرسمية للإخوان ".

لقد سبقت الإشارة إلى مقال كتبه الأستاذ حسن سنة 1929 إضافة إلى الرسالة التي أرسلها الإخوان المسلمون إلى المؤتمر الإسلامي الأول سنة 1931 وهنا يمكن القول أن البدايات الأولي لاهتمام الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية يمكن ترتيبها على النحو التالي :

1- شهد العام 1927 اهتماما وتعاطفا شخصيا من قبل حسن البنا قبل تأسيس جماعة الإخوان – مع القضية الفلسطينية من خلال الرسالة التي ذكر الحاج أين الحسيني أنه استلمها منه في ذلك العام مع أن هناك مجال لتشكيك في دقة هذه الحادثة حيث أن سنة 1927 كانت هادئة بشكل كبير ولم يحدث فيها ما يمكن أن يشد انتباه أحد للقضية الفلسطينية .

2- شهد العام 1929م اهتماما ثقافيا سميا من قبل الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية وتجلي ذلك في المقال الذي كتبه حسن البنا سنة 1929 والذي سبقت الإشارة إليه ويبدو هذا الاهتمام طبيعي لأن العام 1929 جذب أنظار شرائح واسعة من العب والمسلمين للخطر الذي يتهدد المقدسات الإسلامية في فلسطين.

3- أما العام 1931 فقد شهد بداية العلاقة الرسمية بين الإخوان المسلمين والقيادة الفلسطينية وذلك من خلال الرسالة الرسمية التي أرسلها الإخوان إلى المؤتمر الإسلامي الأول الذي انعقد في مدينة القدس .

4- وبدأت الزيارات الرسمية لوفود الإخوان المسلمين المصريين إلى فلسطين سنة 1935 عندما جاء كل من عبد الرحمن الساعاتي وأسعد الحكيم إلى فلسطين بتكليف سمي من قيادة الإخوان المسلمين للتنسيق والتشاور.

5- وشهد العام 1936 بداية النشاط الواسع للإخوان المسلمين مناصرة للقضية الفلسطينية واستمر هذا النشاط حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية , وشمل التثقيف العام بالقضية الفلسطينية وحث الناس على الجهاد وتبشي الأمة بالانتصار وجمع التبرعات لأجل الكفاح الفلسطيني والقيام ببعض الأعمال الدبلوماسية نصرة للقضية الفلسطينية وإصدار البيانات التي تندد بالهجرة والاستيلاء على الأراضي من قبل اليهود.

رغم كل الجهود التي بذلها الفلسطينيون ومناصروهم في البلدان العربية إلا أن الثورة انتهت دون أن تحقق أهدافها والأكثر من ذلك أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية تعرضت للتشتت وبعد خروج الحاج أمين الحسيني من فلسطين لم يعد هناك قيادة سياسية موحدة أو فاعلة أما الإخوان المسلمون فلم يصبحوا حتى نشوب الحرب العالمية الثانية جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية أو من قيادتها بل اقتص دورهم على تقديم المساعدة للثورة الفلسطينية وقياداتها .

تأسيس فرع الإخوان المسلمين في غزة

يذكر زياد أبو عمرو أن وجود الإخوان المسلمين في قطاع غزة بدأ " يأخذ شكلا تنظيميا محددا بعد دخول متطوعي الإخوان في حرب فلسطين سنة 1948 حيث تشكلت أول شعبة لهم في غزة واتخذت من بيت رجب خلف في حي الدرج مقرا لها لتصبح شعبة موازية لشعب الإخوان في كل من يافا والقدس التي تأسست في الثلاثينيات .

ويختلف خالد الحروب مع وجهة النظر هذه إذ يؤكد أن تأسيس أول فرع سمي للإخوان في فلسطين كان في غزة بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية ويؤكد خالد أبو العمرين نفس إلي إلا أن الحروب وأبو العمرين ذكرا أن الحاج ظافر الشوا كان رئيسا لهذا الفرع الأمر الذي نفاه الحاج ظافر نفسه, موضحا أن رئيس هذه الشعبة كان الشيخ عمر صلوان وتكشف أوراق الحاج ظافر الشوا والمكتوبة بخط يده أن شعبة الإخوان في غزة تأسست سنة 1946 .

وأن القيادة الأولي لهذه الشعبة ضمت كلا من الشيخ عبد الله القيشاوي والحاج ظافر الشوا, وعبد الرحمن القيشاوي , وشعبان الحلو, والحاج صادق المزيني , وأحمد بسيسو, ويعقوب الغلاييني وكانت برئاسة الشيخ عمر صوان .

ويذكر حاييم لفنبرج أن مندوب الإخوان المسلمين القادم من مصر سعيد رمضان وصل إلى غزة بتاريخ 24 – 12 -1945 وألقي خطابا أما حشد جماهيري في المسجد الكبير في المدينة واستعرض في خطابه الأفكار الرئيسة للإخوان المسلمين كما هي موضحة في رسالة " دعوتنا" وبعد الخطاب تم توزيع البيان الأول الذي أصدرته حركة الإخوان المسلمين في غزة وكان البيان موقعا باسم " مجلس الإدارة المؤقت لجماعة الإخوان المسلمين بغزة .

وأورد البيان مقتطفات من رسالة " دعوتنا " التي تحدث عن معانيها سعيد رمضان ووصل المندوب المصري ذاته إلى خان يونس بتاريخ 7-1-1946 في طريق عودته إلى مصر وبعد أن ألقي خطابه في المسجد الكبير أشرف على إجراء انتخابات هيئة الشعبة ثم غادر فلسطين إلى مصر.

وفيما يتعلق بصاحب المبادرة في التوجه نحو تأسيس فرع أو أفرع للإخوان في فلسطين فإن خالد الحروب يعتبر أن اهتمام الإخوان المسلمين في مصر بالقضية الفلسطينية يعتبر تطور طبيعيا وأنه جاء ليشكل أول امتداد لوجودهم خارج مصر ويتفق ربعي المدهون مع الحروب في هذا الرأي إذ يؤكد أن القضية الفلسطينية شكلت منذ ثلاثينيات القرن العشرين الباعث الحقيقي على توسيع إطار جمعية الإخوان المسلمين في مصر إذ نقلها من مجالها القطري الضيق إلى رحاب النضال القومي الأشمل .

ويؤكد عوض خليل أن دخول الإخوان إلى فلسطين يأتي في إطار مشاركة الفلسطينيين في جمعيات ومنظمات أنشئت جميعها خارج فلسطين خصوصا في الأستانة والقاهرة ويتفق الكاتب الإسرائيلي أمنون كوهين مع الآراء السابقة إذ يعتبر أن " ظهور حركة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية كان نتيجة لمبادرة مصرية قوية حيث أرسل المصريون رسلهم لبث أفكار الحركة في المنطقة ولإنشاء فرع لهم ورغم الاتفاق بين الباحثين في اعتبار أن اهتمام الإخوان المسلمين بفلسطين .

وتأسيس أفرع لهم فيها يرجع إلى مبادرة من إخوان مصر إلا أنهم يختلفون في التفسير وفي هذا المجال يمكن القول أو الكاتب الإسرائيلي أمنون كوهين ينطلق من منطلقات عنصرية تركز على أن فلسطين ارض بلا شعب وإذا كان الشعب غير موجود أصلا فكيف يمكن أن تتولد داخله حركات سياسية ترفض الاحتلال وتقاومه ؟

ويتضح من خلال التفسيرات التي قدمها عوض خليل في دراسته أنه يري أن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية التي تكونت في فلسطين نتيجة سياسة الإصلاح العثمانية وما ترتب عليها من تغلغل أس المال الأوروبي جعلت المجتمع الفلسطيني غير قادر على توليد الأفكار والتوجهات وبناء المواقف بشكل مستقل وبالتالي أصبح المجتمع والحركات التي أسست خارج فلسطين ويحاول عوض خليل التدليل على صحة ما ذهب إليه بالقول كانت هذه القوي تلجأ – نتيجة ضعفها – إلى الاحتماء بالوضع العربي في مواجهة المخاطر التي تتهددها أو لتحقيق أهدافها ويضيف عوض خليل قائلا ومن علامات ذلك أنها لم تنظر إلى استقلال فلسطين إلا باعتباره جزءا من استقلال سويا وبارتباطه بقضية الوحدة العربية ولهذا السبب ظلت فلسطين مجالا حيويا لاستقبال فكر النهضة بمختلف تلاوينه .

ومع أن خالد الحروب يشدد على دور إخوان مصر في إيجاد فرع للجماعة في فلسطين ويعزو ذلك لمجموعة أسباب تتمثل في الموقف العقائدي للإخوان والذي يعتبر فلسطين أرضا مقدسة إضافة إلى مناداة الإخوان بمفهوم الأمة الواحدة علاوة على إقتناعهم بضرورة الجهاد في سبيل الله رغم ذلك فإن الحروب يعتبر أن استقبال الشعب الفلسطيني لفكر الإخوان واتساع تأبيد الجماعة في أوساط الفلسطينيين , ما كان له أن يحدث لولا توفر مجموعة أخري من العوامل تتمثل في أفكار الإخوان كانت تلتقي مع الوعي الديني والاجتماعي السائد في فلسطين وأن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت ذات سمات دينية واضحة يظهر هذا من خلال دور الشيخ عز الدين القسام وتنظيمه ودور المفتي محمد أمين الحسيني وقيادته للكفاح الفلسطيني إضافة إلى دور الرموز الإسلامية في تحريك الشعب الفلسطيني ضد الصهاينة الغزاة .

يبدو أن التفسير الأخير هو الأقرب للصواب وأن الشعب الفلسطيني لم يكن مجرد مستقبل لأفكار الإخوان بسبب إشكاليات بنيوية تعتري تركيبة المجتمع الفلسطيني بل كان متفاعلا مع جماعة الإخوان بسب ما يختزنه المجتمع الفلسطيني من ثقافة منسجمة إيجابيا مع ما يمثله طرح الإخوان بشأن فلسطين .

وأصبح الإخوان بسرعة كبيرة قوة أيديولوجية مهمة في الساحة الفلسطينية لكنهم لم يشكلوه قوة منافسة القيادة الحاج أمين الحسيني بل على العكس فقد حرصت قيادة الإخوان على العمل جنبا إلى جنب ومن خلال الأطر التي قادها المفتي وجاءت مشاركة الإخوان المسلمين في حب فلسطين في إطار العمل المشترك مع كل القوي السياسية الفلسطينية وتحت قيادة المفتي .

الإخوان المسلمون وحرب فلسطين

أعلن الإخوان المسلمون رفضهم لقرار التقسيم قبل أن يصدر جاء ذلك في برقية أرسلها الأستاذ حسن البنا بتاريخ 1/ 10/1947 إلى سكرتير عام الأمم المتحدة وإلى مارشال وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وأكد في هذه البرقية على أن قضية فلسطين هي قضية جميع المسلمين وأن إقامة دولة لليهود في فلسطين لابد أن يواجه بالمقاومة .

وأرسل حسن البنا برقية إلى عبد الرحمن عزام , أمين عام جامعة الدول العربية بتاريخ 8/ 10/ 1947 بمناسبة انعقاد مجلس الجامعة للنظر في قضية فلسطين وجاء فيها أن الإخوان يرون أن القوة هي السبيل الوحيد لإنقاذ فلسطين وجاء فيها أن الإخوان يرون أن القوة هي السبيل الوحيد لإنقاذ فلسطين وفي هذا السياق فإن الإخوان يضعون تحت تصرف الجامعة العربية عشرة آلاف من خيرة شبابهم المجاهدين ككتيبة أولي في جيش الإنقاذ .

لكن الحكومة المصرية والجامعة العربية لم تستجيبا لطلب الإخوان ولم يتمكن متطوعو الإخوان من دخول فلسطين إلا في شهر مارس 1948 حيث بدؤوا عملهم الجهادي وأرسل الإخوان ثلاث فرق من المتطوعين الفرقة الأولي كانت بقيادة أحمد عبد العزيز الذي كان ضابطا في الجيش المصري وترك وحدته العسكرية وانضم لكتائب الإخوان .

وقد انطلقت هذه الكتيبة للنقب ثم اتجهت إلى جنوب القدس أما الفرقة الثانية فقد كانت تحت قيادة البكباشي عبد الجواد طبالة وهي الكتيبة التي رافقت الجيش المصري وشاركته لاحقا في الدفاع عن قطاع غزة والفرقة الثالثة كانت بقيادة اليوزباشي محمود عبده وقد أوكل لهذه الكتيبة مهمة الدفاع عن صور باهر بالتعاون مع الإخوان المسلمين القادمين من الأردن بقيادة عبد اللطيف أبو قورة رئيس الإخوان المسلمون في الأردن.

وتمكن الإخوان المسلمون من استقطاب عدد من المتطوعين الفلسطينيين في صفوفهم وكان تواجد هؤلاء المتطوعين وتدريبهم وإدارتهم في معسكر في منطقة النصيرات بقيادة الشيخ محمد فرغلي .

واستطاع الإخوان المسلمون القيام بمجموعة كبيرة من العمليات ضد المستوطنات والدوريات العسكرية الصهيونية وبالرغم من أنهم كانوا يخفقون أحيانا وتكبدون خسائر في الأرواح إلا أنهم كانوا يثأرون لشهدائهم من خلال تجديد الهجمات العسكرية ويذكر نعيم الأشهب أن جماعة الإخوان في مصر أرسلت مجموعات من المتطوعين وخاضت هذه المجموعات منذ شباط 1948 بعض الاشتباكات مع الهاجاناة وغيرها من المجموعات الصهيونية المسلحة وينتقد الأشهب رؤية الإخوان لطبيعة الصراع بقوله " لكن جماعة الإخوان المسلمين اعتبروا أن مضمون المعركة هو مضمون ديني يهود ضد مسلمين وليست معركة نضال تحرري ضد الاستعمار والصهيونية .

وانطلاقا من هذا المفهوم المغلوط قاموا في تلك الفترة بسلسلة أعمال عنف ضد اليهود المصريين مما شكل إسهاما في تهجيرهم إلى إسرائيل الحديثة العهد وهو ما كانت القيادة الصهيونية تتلهف عليه آنذاك ويبدو أن الأشهب يحاول التقليل من أهمية وجدوى مشاركة الإخوان في حرب فلسطين ويتضح ذلك من قوله في التعقيب على الاقتباس سابق الذكر ومع ذلك فإن مشاركة متطوعي الإخوان المسلمين في حرب فلسطين رغم أنها تحتسب بالأشهر القليلة تركت وراءها آثارا لصالح تمدد الحركة في قطاع غزة على وجه الخصوص .

ورغم تلاحق الأحداث فقد واصل الإخوان المسلمون متابعتهم الميدانية والسياسية للقضية الفلسطينية وأرسل المركز العام للإخوان رسالة بتاريخ 19- 4 -1948 إلى اللجنة السياسية للجامعة العربية ليحملها مسئولية التباطؤ في إنقاذ فلسطين ويحثها على ضرورة مناشدة الحكومات العربية والإسلامية لكي تأخذ الأمور بحزم وتعلن الجهاد لإخراج الصهاينة من البلاد .

وتلي ذلك اجتماع للهيئة التأسيسية للإخوان يومي 6, 7-5-1948 وصدر عن هذا الاجتماع بيانا يطالب الحكومات العربية والإسلامية وعلى رأسها الحكومة المصرية بالعمل السريع لإنقاذ فلسطين من خلال الإعلان عن فلسطين بحدودها المعروفة دولة مستقلة وأن الصهاينة قراصنة معتدون مع التأكيد على رفض أى مشروع يهدف إلى تقسيم فلسطين أو وضعها تحت الوصاية وطالب الإخوان إعلان الجهاد المقدس من قبل جميع الشعوب العربية والإسلامية وإن اعترضت الحكومات سبيل هذه الخطوات فإن الحل في نظر الإخوان هو تشكيل جبهة شعبية جامعة لتنظيم حركة عصيان مدني حتى تستجيب الأنظمة لهذه المطالب .

الوضع السياسي لقطاع غزة بعد النكبة

بعد الإعلان عن تأسيس دولة " إسرائيل" وتهجير الشعب الفلسطيني بادرت الهيئة العربية العليا إلى الإعلان عن تشكيل حكومة أطلقت عليها اسم " حكومة عموم فلسطين " وترأس هذه الحكومة أحمد حلمي عبد الباقي بتاريخ 23 – 9 -1948 في مدينة غزة.

لم تغمر هذه الحكومة طويلا إذ بدأت الحكومة المصرية تحجم دورها إلى أن أجبرتها على مغادرة قطاع غزة إلى القاهرة وامتنعت الجامعة العربية عن دعوتها لحضور اجتماعاتها وتقلص دور حكومة عموم فلسطين لتصبح عبارة عن رئيس وسكرتير وأربعة موظفين لا يلتفت أحد إلى تقاريرها ومشاريعها ومطالبها وأصبح قطاع غزة واقعا تحت الحكم المصري الذي اتخذ قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين في مصر وانسحب القرار على قطاع غزة واستمر القرار ساري المفعول حتى قيام ثورة يوليو 1952 .

لقد أدت النكبة إلى أحداث انقلاب في الوضع السياسي الداخلي فبعد أن كانت السمة الرئيسية للوضع الفلسطيني قبل النكبة هي التنافس والصراع الداخلي في صفوف العيان فقد أصبحت الأيديولوجيات هي المحدد الرئيس للسياسة وتجدر الإشارة إلى أن القوي الإيديولوجية الفلسطينية قد بدأت تظهر في المجتمع الفلسطيني قبل النكبة لكن مكانتها تعززت بعدها .

مرحلة جمعية التوحيد

قام رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي بحل جماعة الإخوان المسلمين بعد حرب فلسطين 1948 ولأن القطاع كان يخضع للإدارة المصرية فقد انطبق هذا القرار على نشاطات الجماعة في القطاع وقامت أجهزة الأمن المصرية بإغلاق مقرات الجماعة وشنت حملة اعتقالات ضد نشطاء الإخوان في القطاع وفي هذه الأثناء قام الحاج ظافر الشوا برفع الأثاث من مقر الجماعة الرئيسي وأهداه إلى جمعية الاتحاد النسائي بالتنسيق مع رئيسة الاتحاد وهي زوجة السيد رشدي الشوا .

وبارد الحاج ظافر الشوا إلى تأسيس جمعية جديدة أطلق عليها اسم ( جمعية التوحيد الإسلامية) وضم إليه في قيادة الجمعية مجموعة من الوجوه الجديد , ومنهم أحمد فاضل الملاح أمينا لسر وعزت مكي أمينا للصندوق وعوني الفيشاوي محاسبا.

وحددت الجمعية لنفسها مجموعة من الأهداف تتمثل في :

1- إعلاء كلمة لا إله إلا الله .

2- إقامة العدل والسلام .

3- بث الإيمان وتثبيته في نفوس المسلمين وجمعهم على التوحيد والمساواة وتهذيبهم روحيا بالعبادة وعقليا بالعلم وبدنيا بالرياضة .

4- القيام بالإصلاح العام لتحقيق العدالة الاجتماعية . تأييد الحق ونصرته .

5- ويشدد عاطف عدوان على أن هذه الأهداف وكذلك الأشخاص الذين ضمتهم جمعية التوحيد لم تكن لها أى صلة بالإخوان وأنها " أزالت أى شك لدي رجالات الإدارة المصرية في ربط المجموعة الجديدة بحركة الإخوان لكن هذا الاستنتاج غير دقيق فأهداف الجمعية إسلامية تشملها أهداف جماعة الإخوان المسلمين إضافة إلى أن الحاج ظافر الشوا كان من أبرز قيادات جماعة الإخوان ومؤسسيها في قطاع غزة وكان هذا الأمر معروفا لدي الإدارة المصرية .

ويلاحظ هنا أن الإخوان الذين شاركوا ببطولة وبسالة على أرض المعركة والذين يتمتعون بشعبية واسعة نتيجة تلك المشاركة لم يقوموا بأى عمل احتجاجي على قرار حل الجماعة أو الاعتقالات وكل ما قام به أحد قيادات الجماعة هو تشكيل مؤسسة جديدة لكي تزاول النشاط تحت اسم جديد.

يبدو أن الإخوان المسلمين الذين اعتادوا – حتى تلك اللحظة – ممارسة أنشطتهم في إطار العمل المؤسسي العلني فإنهم عندما مارسوا المقاومة فقد مارسوها في إطار علني ولم تكن مقاومة سرية ولهذا فإنهم لم يتعاملوا مع الواقع الجديد من باب الاحتجاج أو من باب للجوء إلى العمل السري بل لجئوا إلى العمل في إطار مؤسسة تحمل اسما جديدا وتمارس أنشطة شهبية بنشاطات الإخوان .

مرحلة الناشط العلني 1952 -1954

شهد نشاط الإخوان المسلمين فترة ازدهار واسعة النطاق بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 بمصر .

وانتشرت في تلك المرحلة شعب الإخوان في قطاع غزة لكن الباحثين يختلفون بشأن عدد هذه الشعب ففي حين يذك زيادة أبو عمرو أنها احدي عشرة شعبة فإن عبد الله أبو عزة اعتبرها ثمانية فقط وتذكر بعض الروايات التي جمعها خالد أبو العمرين أن عدد الشعب هو ثلاث عشرة ويذكر أبو العمرين أن هناك اتفاق على وجود مجموعة من الشعب هي  : المركز الإداري العام الذي كان يرأسه الشيخ عم صوان وشعبه الرمال التي كان يرأسها الحاج صادق المزيني وشعبة الشجاعية وكان يرأسها الحاج كامل مشتهي وشعبة الزيتون وكان يرأسها رجل من عائلة السرحي وشعبة خان يونس حيث كان أبرز شخصياتها أحمد فرح عقيلان والشيخ محمد أبو سردانة والشيخ ناجي السعافين, وشعبة رفح وكان من أبز شخصياتها كمال عدوان ومحمد يوسف النجار والشيخ رجب العطار والمهندس خليل زعرب وقد نشطت هذه الشعب في المجالات التالية :

أ‌- التعريف بالإسلام وفكر الإخوان المسلمين.

ب‌- الأعمال الخيرية وخدمة المجتمع .

ت‌- الأنشطة الشبابية الترفيهية الهادفة .

ث‌- العمل الطلابي .

التعريف ب الإسلام وفكر الإخوان المسلمين

اهتم الإخوان بتنظيم المحاضرات والخطب في شعب الإخوان والمساجد وكان من المحاضرات الدورية حديث الثلاثاء في مقرات الإخوان واعتمد الإخوان في هذه المحاضرات على العديد من العلماء المصريين الذين كانوا يحضرون مع لجان الإشراف على لجان الامتحانات العامة في المدارس وكذلك مع البعثات الدينية في شهر رمضان وكان من أبرز المحاضرين الشيخ عباس السيسي والشيخ محمد الغزالي , والشيخ الأباصيري, والشيخ سيد سابق.

كما أن شباب الإخوان استفادوا ثقافيا في مصادر أخري مثل مكتبة الشيخ هاشم الخزندار التي حفلت بكتب التاريخ الإسلامي إلى جانب المكتبات الخاصة لعدد من المدرسين ويضيف محمد حمزة أن وعي خليل الوزير تكون متأثرا بأربعة مصادر هي : تاريخ فلسطين وتاريخ الشعوب الثورية والتاريخ العسكري للحرب العالمية الثانية والتاريخ الإسلامي

الأعمال الخيرية وخدمة المجتمع

يذكر خالد أبو العمرين – استنادا إلى الروايات التي جمعها من نشطاء الإخوان أن الجماعة اهتمت بتنظيم دروس التقوية المجانية للطلاب وإغاثة سكان المخيمات في ليالي الشتاء القارس عندما تقتلع خيامهم وتقديم المساعدات للطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية بمعدل ثلاثة إلى أربعة جنيهات شهيا . وان الإخوان يساهمون في توزيع التبرعات القادمة من مصر على اللاجئين والتي كانت تعرف باسم ( قطار الرحمة) ويعزو أبو العمرين سبب تكليف الإدارة المصرية للإخوان بتوزيع هذه المساعدات " لما يتصفون به من نزاهة ونظافة يد".

كما يعتبر أن هذه المساعدات ساهمت في " التفاف الناس حول الإخوان وتعميق الثقة بهم إلا أن سعيد المسحال يذك أن هذه المساعدات المعروفة باسم قطار الرحمة كانت تسرق و تباع في السوق لتحقيق أرباح مالية لبعض الضباط وكبار التجار .

ويضيف المسحال أن " الذي أذهل الجميع أن حركة الإخوان المسلمين كانت متورطة في هذه الفضيحة , حيث أنها – ثمنا لسكوتها – تسلمت نصيبا كبيرا من الهدايا , قامت ببيعها لاستعمال العائد في بناء المركز العام في الشجاعية وما لم يباع تم توزيعه على كبار الأعضاء , ويعتبر المسحال أن هذا الأمر تسبب في انشقاق العديد من الشباب عن حركة الإخوان المسلمين.

وفي هذا السياق يمكن القول أنه إذا كان هناك شئ من المبالغة في حديث أبو العمرين عن نزاهة الإخوان المسلمين إلا أن ما أورده المسحال يفتقر للدليل فهو لم يذكر أسماء أشخاص متورطين في السرقة أو مستفيدين منها , إضافة إلى أن المسحال غاب عنه أن مراكز الإخوان ومقراتهم كانت مستأجرة وليست مملوكة للإخوان كما يؤكد أعضاء الإخوان فكيف يبني الإخوان مقرات لا يملكونها ؟

الأنشطة الشبابية الترفيهية الهادفة

اهتم الإخوان بتنظيم الرحلات البرية والبحرية الهادفة لتعليم الشباب النظام والضباط وفنون الإدارة والدعوة ويذكر أبو العمرين أن الشيخ أحمد ياسين قد أصيب بشلل سنة 1953 في احدي هذه الرحلات يبدو أن هذا غير دقيق حيث ذكر الشيخ أحمد ياسين أنه أصيب على شاطئ بحر غزة وأكد أن علاقته بحركة الإخوان وأنشطتها كان بعد سنة 1954 .

وقد حاول الإخوان تقديم البديل الإسلامي للأعراس التي تخالف الشريعة حيث يختلط الرجال بالنساء فكانت أعراس الإخوان تلقي فيها المواعظ والأناشيد الإسلامية التي يؤديها المنشد على عليوة ويذكر أبو العمرين أن من هذه الأفراح عري عبد الرحمن سكيك وعرس صفوت النونو .

العمل الطلابي

كان قسم الطلاب أكثر الأقسام نشاطا وخاصة في الصيف عندما كان يعود الطلاب الدارسون في الجامعات المصرية وأنشأ الطلاب كتلة طلابية في مدرسة فلسطين الثانوية بغزة ومدرسة الإمام الشافعي وكانوا يجتمعون بأوقات الفسحة المدرسية في حلقات دعوية وكان لكل حلقة أمي وكان من أهم الشخصيات في مدرسة فلسطين خليل زعرب والذي كان نقيب العرفاء في مدرسة فلسطين ورياض الزعنون وخيري الأغا وعبد الرحمن بارود وفي مدرسة الشافعي كانت قيادة الطلاب معقودة لسليم الزعنون وحسن عبد الحميد

وأصبحت حركة الإخوان أكبر التنظيمات في القطاع من الناحية العددية وأكثرها جماهيرية وفي عام 1954 بلغ عدد الأعضاء في شعب مدينة غزة الثلاث أكثر من 400 أما عدد الأعضاء لكل شعبة من الشعب الأخرى فقد تراوح بين مائة إلى مائتين عضو جاء معظمهم من مخيمات اللاجئين حيث نشط الإخوان في مدارس اللاجئين وتجدر الإشارة إلى أن زياد أبو عمرو لم يذكر مصدر هذه الأرقام.

وبالنسبة لقيادة التنظيم في هذه المرحلة فقد تكونت من الشيخ عمر صوان ( رئيس لجنة بلدية غزة) وزكي السوسي ( مدير دائرة المالية ) وكمال ثابت ( موظف في دائرة المالية) وحسن النخالة( مدرس ثانوي وأصبح مفتشا فيما بعد) وزهدي أبو شعبان وعلى هاشم رشيد ويشي زياد أبو عمرو إلى أن اختيار عمر صوان رئيسا للمركز كان أمرا مدروسا لأن الشيخ صوان كان قاضيا شرعيا ومن موقعه هذا كان بإمكانه أن يقوم بحسم الخلافات التي كانت قاضيا شرعيا .

ومن موقعه هذا كان بإمكانه أن يقوم بحسم الخلافات التي كانت تنشب بين العائلات بشكل متكرر في مجتمع كانت تشكل العائلة أساس تركيبته الاجتماعية لا أعتقد أن هذا التحليل صحيحا ولم أعثر على أى معلومة تفيد بأن الشيخ عمر صوان كان منشغلا في الإصلاح بين العائلات ويبدو أن هذا الاستنتاج الذي تقدم به أبو عمرو جاء متأثرا بفكرة سائدة لدي الكثير من الباحثين الذين درسوا الحركات الإسلامية واعتبروا أن سر نجاحها وانتشارها مرتبط بالبنية التقليدية للمجتمعات التي تعمل وتنشط فيها .

حل الجماعة سنة 1954 والتحول إلى العمل السري

بعد حادث المنشية الشهير والذي اتهم الإخوان فيه باغتيال جمال عبد الناصر صدر قرار حل الإخوان المسلمين بتاريخ 14 – 1 / 1954 فأغلقت الشعب وطورد الإخوان , وانفضت أعداد كبيرة عن الحركة.

ويعتبر أبو عزة أن سبب انفضاض الكثيرين عن الحركة يعود إلى انضمام أعداد كبيرة من الوصوليين والانتهازيين للحركة في الفترة الواقعة بين 1952 -1954 حيث ظن الكثير من هؤلاء أن الإخوان هم حزب السلطة نظرا لعلاقاتهم مع رجال الثورة ويبدو هذا الرأي سطحيا للغاية في تحليل أسباب انفضاض الأعداد الكبيرة عن حركة الإخوان في تلك المرحلة ذلك أنه يتجاهل التغيرات الشاملة التي مرت بها المنطقة والتي شهدها المجتمع الفلسطيني في ذلك الوقت .

وفي هذا السياق يمكن القول أن المجتمع الفلسطيني شهد تحولا بنيويا في تركبيته الاجتماعية نتيجة التحول السياسي حيث أصبح قطاع غزة خاضعا لإدارة سلطة تحظي بشعبية كبيرة في الوطن العربي على خلفية مشروعها للوحدة العربية وسعيها لامتلاك أسلحة لمواجهة دولة الاحتلال .

وهذه السلطة بدأ تتحكم في كل شئ في الواقع عب مؤسسات الحكم المدنية والأمنية, والسيطرة على اقتصاد البلد وارتبط المجتمع الغزي بهذه السلطة الجديدة ولم يتكيف الإخوان مع الواقع الجديد بحيث يمتلكوا مشاريع اقتصادية أو وقفية تمكنهم من أن يكونوا مركزا أو قطبا تنجذب نجوه شرائح اجتماعية واسعة وهكذا فقد تحركت الأرض تحت أقدام الإخوان .

وعندما جاءت الضربة والملاحقة انفرط عقد الجماعة حتى أن من تبقي من الأعضاء متمسكا بالفكرة لم يحتج ولم يعترض بل تعايش مع الواقع الجديد محاولا أن يمتصر الضربة وينتظر لحظة فرج يتمكن خلالها من ممارسة الدعوة والنشاط الإسلامي والوطني من جديد..

وبدأت الملاحقات للإخوان المسلمين في قطاع غزة والتضييق عليهم في وظائفهم وقد اعتقل في مصر من قادة طلبة الإخوان المسلمين هناك حسن عبد الحميد وعمر أبو جبارة وبدأ النظام يستخدم الإعلام للتشكيك في الحركة وخاصة بعد صفقة الأسلحة التشيكية.

واعتبر من تبقي في صفوف الإخوان أن هذه الضربة لم تخل من فوائد حي تطهرت صفوت الإخوان من الانتهازيين والمتسلقين وهاجر عدد من القيادات إلى دول الخليج بحثا عن الرزق وهربا من الملاحقات والاستجواب والاعتقال وبدا الإخوان يعيدون تشكيل أنفسهم من جديد وكان من أثر المحنة أن ساد اتجاه لتصغير حجم الأسرة لتصبح مكونة من ثلاثة أعضاء بما فيهم النقيب وذلك بدلا من خمسة أو أكثر في المرحلة العلنية .

ويشير زكريا عثامنة إلى أنه رغم شعبية الحركة الواسعة داخل قطاع غزة إلا أنه لم يحدث أى احتجاج من قبل السكان على هذه الإجراءات التي طالت أكبر قوة سياسية .

ولجأ الإخوان لاعتماد مبدأ التنظيم السري وفي هذه الفترة كان من الطبيعي أن ينتعش العمل العكسري ويبدأ تركيز الإخوان على مهاجمة الأهداف الصهيونية داخل الأرض المحتلة.

العمل العسكري 1949 -1955

كان لمشاركة الإخوان المسلمين في قتال الصهاينة في حرب 1948 أثر كبير على إدراكهم أهمية العمل العسكري وزيادة شعبيتهم كما أنهم استنتجوا – مثل غيرهم بعد النكبة – أن " مواصلة ضرب المنشآت الصهيونية يعرقل محاولات اليهود تثبيت أقدامهم على الأرض المغتصبة ويحول دون تطوي قوتهم وتوسيع دولتهم واعتبر الإخوان أن منع الصهاينة من مواصلة التوسع يتطلب استخدام " الحصار الاقتصادي " وحرب العصابات وذلك لتسخير القوة الشعبية لإرهاق العدو بواسطة عصابات صغيرة تدمر الجسور والطرق وتحرق المصانع وتنشر الرعب في كل مدينة ومستوطنة.

وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة المصرية في عهد النظام الملكي وقف موقف سلبيا من العمل العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي وفي بداية عهد الثورة تعاملت حكومتها بازدواجية مع العمل العسكري حيث لاحقت المتسللين عبر الحدود واعتقلتهم ولكنها في نفس الوقت حاولت استخدام بعضهم للتجسس على تحركات القوات الإسرائيلية العاملة في المنطقة.

وفي عهد حكومة الثورة وعلى ضوء ما اعتبره الإخوان والشيوعيون تفاهما بين حكومة الثورة وبين الإدارة الأمريكية بشأن توطين اللاجئين في شبه جزيرة سيناء اعتقد الإخوان أن الأعمال الفدائية من شأنها " تخريب الوضع التفاهمي بين مصر والإدارة الأمريكية وإبعاد شبح مشروع التوطين في سيناء وما ينطوي عليه من هدف تصفية القضية الفلسطينية .

ويعتبر أبو عزة أن هذا النشاط العسكري آتي " ثماره المرجوة" ويقول أبو العمرين أن هذه العملية أحرجت الحكومة المصرية وجعلتها تستجيب لمظاهرات غزة التي طالبت بالدفاع والتجنيد والتسليح مما كان سببا رئيسا في تغيير سياسة مصر وعقدها صفقة الأسلحة التشيكية وقبر مشاريع التوطين.

وتجدر الإشارة إلى أن زكريا عثامنة يتجاهل بشكل كامل دور الإخوان في العمل العسكري في الخمسينات بل إنه يعتمد على رواية واحدة لسليم الزعنون يذكر فيها الأخير أن خليل الوزير تقدم بطلب للعمل العسكري لكن قيادة الإخوان رفضت الاستجابة لمطلبه ويشير زياد أبو عمرو إلى أنه رغم الموقف العقائدي الذي يتبناه الإخوان بشان ضرورة المقاومة باعتبارها جهادا إسلاميا إلا أن نشاطهم في هذا المجال بعد قدوم الإدارة المصرية للقطاع كان هامشيا للغاية .

يبدو أن هذه الآراء تفتقر للدقة حيث تشير المعلومات التي يذكها قدامي الإخوان المسلمين أن الجهاز العسكري بعد النكبة مباشرة وكان من أبزر العاملين فيه محمد سيدو وخليل الوزير وكان يجري تأهيل الأعضاء فكريا من خلال التركيز على دراسة تاريخ المعارك الإسلامية والقضية الفلسطينية ثم التدريب البدني والعسكري حتى يصبح مهيئا لتنفيذ العمليات خلف خطوط الهدنة ويؤكد عبد الله أبو عزة أن الجهاز العسكري كان سريا للغاية ولم يكن الأعضاء في الحركة يعرفون عنه شيئا باستثناء أعضاء الجهاز أنفسهم .

عمل الجهاز العسكري تحت أسماء مختلفة فقد شكل مجموعتين سريتين للعمل المسلح هما : مجموعة ( شباب الثأر ) وكان من أعضائها صلاح خلف وأسعد الصفطاوي وسعيد المزين وعمر أبو الخير وإسماعيل سويرجو ومحمد النونو . أما الثانية فكانت مجموعة ( كتيبة الحق ) وكان من أعضائها حسن عبد الحميد وخليل الوزير وعبدو أو مراحيل وحمد العايدي .

اهتم الجهاز العسكري بجمع المعلومات من مصدرين رئيسيين :

الأول: مكتب الحاكم العام لقطاع غزة حيث كان مدير المكتب واسمه عبد الغفار والمسئول عن تلخيص كل المعلومات الواردة للحاكم العام على علاقة جيدة مع أحد نشطاء الجهاز العسكري ويدعي فوزي جبر وكان يطلعه على المعلومات التي تهم الإخوان أولا بأول وخاصة أوامر الاعتقال .

والمصدر الثاني: للمعلومات كان دائرة اللاسلكي حيث كان فوزي جب على علاقة جيدة بالموظف المسئول هناك واسمه متولي وكان يأخذ منه ما يهم الإخوان من معلومات أمنية .

ونشط الإخوان المسلمون في جمع السلاح من مخلفات الجيش المصري وشرائه من البدو الذين كانوا يدخلون فلسطين المحتلة ويسرقون السلاح من اليهود وكان بعض الإخوان من البدو وأقاربهم يساعدون في عملية شاء الأسلحة مثل عبدو أبو مراحيل ومحمد الإفرنجي.

وكان الإخوان يملكون ثلاثة مخازن للأسلحة في منطقة غزة أحدهم في حي الزيتون والثاني على البحر , أما الثالث فكان مؤقتا في الشجاعية تجفف فيه المتفجرات ثم تنقل إلى المخازن الأخرى .

وقد تلقي الإخوان التدريب بصورة سرية في الغرف المغلقة أو على شاطئ البحر أو في الغابات كما استفاد الإخوان من وجود بعض الضباط المصريين من جماعة الإخوان في الجيش المصري مثل عبد المنعم عبد الرءوف والذي أتاح لهم التدريب في معسكرات الجيش المصري ويذكر خليل الوزير في مذكراته وجود ضباط مصريين ساعدوا المقاتلين في التدريب لكنه لم يذكر أنهم من الإخوان ويذكر خليل زعرب أن شباب الإخوان تلقوا التدريبات في العريش على يد كامل الشريف قبل عام 1952 لا.

وبعد ذلك تلقوا تدريبات في منطقة رفح وخان يونس بالتنسيق مع الضابط المصري الإخوان عبد المنعم عبد الرءوف وكان " الإغراء الأكبر بالنسبة لخليل الوزير وجيله من الشباب يتمثل في منهج التربية التي تميزت بها هذه الحركة وبشكل خاص التدريبات على أعمال الكشافة والفتوة والتدريب العسكري .

يذكر محمد حمزة أن خليل الوزير كان محل ثقة كبيرة من قيادة الإخوان رغم صغر سنه إلا أن خليل الوزير كان منذ مرحلة مبكرة قد كون لنفسه تنظيما سريا داخل الجماعة لم يكن أحد يعلم به .

ويضيف محمد حمزة أن الشيخ هاشم الخزندار كان يقدم الدعم المادي من أمواله الخاصة لخليل الوزير دون أن يقحم الشيخ نفسه في تفاصيل الناشط المسلح الذي كان يقوم به خليل .

وأنه " عندما نشب الخلاف بين خليل الوزير ومجموعات الشباب من جهة وبين قيادة الإخوان في غزة من الجهة الأخرى لم يتردد الشيخ هاشم في الوقوف بحزم إلى جانب صف الشباب والتزم معهم بالشعار الذي رفعوه فلسطين أولا ويذكر محمد حمزة أن الشيخ الخزندار ترجم موقفه من خلال تسليمه الأسلحة التي كان يخبؤها في معمل البلاد إلى خليل الوزير ومجموعته إضافة إلى مبلغ من المال قدره 18 جنيها أسهم في شراء السلاح والمتفجرات التي نفذت بها مجموعات خليل الوزير الأولي عملياتها الفدائية في الفترة ما بين 19541955.

لا شك أن الخلاف وقع بين خليل الوزير وبين مجموعات مؤيدة له وبين قيادة الإخوان لكن هذا الخلاف وقع عام 1957 وليس عام 1954 كما تؤكد العديد من المؤشرات خاصة الرسالة التي تقدم بها خليل الوزير لقيادة الإخوان سنة 1957 وعض فيها مشروع المجموعة التي بدأت تتحرك لتشكيل تنظيم جديد كما أن فكرة العمل الجبهوي لم تتبلور لدي شباب الإخوان إلا بعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة سنة 56 – 1957 كما سيأتي بيانه فيما بعد .

ويذك قدامي الإخوان أن الحركة بدأت العمل العسكري قبلا استكمال التدريبات لأبنائها وذلك عن طريق استئجار أشخاص للقيام بعمليات عسكرية مدفوعة الأجر وهنا يبرز سؤال مهم وهو لماذا لم يستفد الإخوان من العناصر الفلسطينية التي تم تدريبها عشية حب فلسطين ؟

والتي يذكر أبو العمرين أن عددهم 800 مجاهدا أين ذهب هؤلاء ؟

هل كانوا مجرد متحمسين لحرب أثناء العدوان وسرعان ما تبخرت حماستهم في أعقاب الهزيمة ؟

أم أنهم اختلفوا مع الحركة وطريقها كما يذكر سعيد المسحال ؟

وبعد استكمال الاستعدادات أخذ شباب الإخوان ينفذون العمليات بأنفسهم ويذكر خالد أبو العمرين أن أول عملية نفذها عبد الله صيام حيث جهز له الإخوان الألغام وأوصلوها إلى أقرب نقطة من الحدود من جهة جباليا وقد أشار خليل الوزير إلى هذه العملية إلى قام بها عبد الفله صيام في منطقة هربيا مستهدفا المستعمرات الإسرائيلية ويشير خليل الوزير إلى أن العمل العسكري " اتسع شيئا فشيئا إلى الدرجة التي أصبحت مجموعاتنا تصل إلى منطقة يازور قرب يافا .

وفي هذه الأثناء اجتهدت الإدارة المصرية في محاصرة العمل الفدائي الفلسطيني خاصة بعد أن بالغت إسرائيل في ردود فعلها والتي توجت بغارة 28 -2-1955 .

ولهذا كلفت الإدارة المصرية أحد ضباط جيشها ويدعي مصطفي حافظ بتشكيل الكتيبة 141 وقيادتها وكان جنود هذه الكتيبة من الشبان الفلسطينيين وتمكنت هذه الكتيبة من القيام بمجموعة كبيرة من العليات العسكرية بدءا من 25 – 8 -1955 وحتى الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في 2 -11-1956 .

وقد اتسع نطاق هذه العمليات وشكلت قلقا لدولة الاحتلال حيث استهدفت مواقع عسكرية وخطوط مواصلات وخزانات وأنابيب مياه وأدارت اشتباكات مع دوريات إسرائيلية وأوشكت هذه العمليات – باعتراف شارون – أن تؤثر على معنويات المجتمع الإسرائيلية حيث كانت الدولة ناشئة وتعاني من مشكلات متعددة.

واستطاعت الإدارة المصرية بهذا العمل العسكري سحب البساط من تحت أقدام الإخوان وغيرهم وحققت لنفسها أى الإدارة المصرية شعبية واسعة من وراء هذا العمل ويؤكد هذا إسماعيل الخالدي الذي يقول أن " الإمكانيات التي وضعتها الحكومة المصرية تحت تصرف هذه القوات جعلت جهود الإخوان في العمل العسكري تبدو متواضعة في أعين الناس .

العمل النقابي

مارس الإخوان المسلمون في فترة الخمسينات ثلاث تجارب في العمل النقابي هي :

1- نقابة معلمي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين .

2- رابطة الطلاب الفلسطينيين.

نقابة معلمي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين

بعد حل جماعة الإخوان والتضييق على العمل السياسي بشكل عام في مطلع عام 1954 لجأ المدرسون الخ\حزبيون من الإخوان و الشيوعيين للبحث عن واجهات لممارسة العمل السياسي ولهذا طالبت مجموعة منهم نائب الحاكم العام المصري ويدعي كمال رفعت بتأسيس نقابة للمعلمين العاملين في وكالة الغوث دفاعا عن حقوقهم لا سيما وأنهم يعملون في وكالة أجنبية والتي تعتبر جهة غي وطنية ويشير زياد أبو عمرو إلى أن " الإدارة المصرية كانت تهدف إلى امتصاص حماس وطاقة الشباب من خلال عمل يمكن مراقبته الأمر الذي يسهل على الإدارة المصرية التعرف بشكل أفضل على القوي السياسية داخل قطاع غزة من خلال نشاطات النقابة أو التردد عليها .

ويذكر حسين أبو النمل أن القائمة التي رشحها الإخوان المسلمون في انتخابات النقابة نجحت بالكامل ولم يسقط منها إلا مرشح واحد بينما فاز من قائمة الشيوعيين مرشح واحد فقط هو الشارع معين بسيسو ويذك زياد أبو عمرو أن أعضاء الهيئة الإدارية للنقابة هم : فتحي البلعاوي ( أمين اس) ومحمود البزم , معين بسيسو وهو العضو الشيوعي الوحيد إضافة إلى كمال الطويل ومعهم عضو مستقل يدعي نعمان النونو.

واتضح من خلال استعراض أنشطة نقابة معلمي الوكالة أن المقصود منها هو ممارسة العمل السياسي وليس تمثيل شرائح الموظفين في الوكالة لأنها كانت ناشئة وعدد الموظفين فيها قليل ولم تكن قضاياهم من النوع أو الحجم الذي يحتاج إلى تميل نقابي .

هنا لابد من لفت النظر إلى أن هذه هي المرة الثانية التي يلجأ فيها الإخوان إلى إيجاد لافتات علنية مرخصة بديلة عن التنظيم السري عندما يتعرضون للملاحقات والاعتقالات المرة الأولي كانت عندما أسس الإخوان جمعية التوحيد والثانية عندما عملوا تحت غطاء نقابة معلمي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطيني.

رابطة الطلبة الفلسطينيين

تأسست الرابطة في القاهرة سنة 1951 وكان أول سكرتير لها فتحي البلعاوي من الإخوان وتم ترحيل البلعاوي إلى غزة سنة 1953 في أعقاب اقتحام الطلاب الفلسطينيين لمكاتب الجامعة لعربية في القاهرة وترأس الرابطة بعده ياسر عرفات وتختلف الروايات بشأن صلة ياسر عرفات بالإخوان .

لكن خليل زعرب يؤكد أن ياسر عرفات كان مستقلا وأن الإخوان كانوا يرشحونه لهذا المنصب حتى يكون مقبولا على النظام المصري خاصة في مراحل الأزمات مع النظام ويؤكد إبراهيم غوشهة أن عرفات لم يكن من الإخوان المسلمين وأنه كان يجري التنسيق معه أما خالد أبو العمين فيذك أن ياسر عفات كان يظهر للإخوان أنه منهم وأنه ترك هاذ الأمر يشيع ليسهل عليه رئاسة الرابطة بأصوات الإخوان المسلمين أما زياد أبو عمرو فيذكر أن أعضاء الهيئة الإدارية للرابطة كانوا جميعا من الإخوان المسلمين وأن أبرز الشخصيات في إدارة الرابطة كانت ياسر عرفات وصلاح خلف وسليم الزعنون وخليل زعرب وعدنان النحوي وداود عباس وكمال عدوان وعلى ياسين وأسعد الصفطاوي.

ويذكر زياد أبو عمرو أن رابطة الطلاب الفلسطينيين أتاحت لمجموعة شباب الإخوان الاتصال بالعالم الخارجي والتعرف على تجارب الشعوب الأخرى حيث شاركت الرابطة في مؤتمر ( اتحاد الطلاب العالمي ) الذي عقد في وارسو سنة 1955 والمؤتمر التالي الذي عقد في موسكو وتكمن الأهمية التاريخية لهذه الرابطة أنها كانت واحدة من أهم ثلاثة محاضن نشأت فيها فكرة تنظيم حركة فتح بالإضافة غلى غزة والكويت

مساهمة الإخوان في إسقاط مشروع التوطين

تأزمن العلاقة بين الإدارة المصرية من جهة وبين أغلب القوي السياسية الموجودة في قطاع غزة من جهة أخري حيث تم حل جماعة الإخوان المسلمين وملاحقة الشيوعيين والتضييق على الحاج أمين الحسيني ورجاله , إضافة إلى استعداء حكومة الثورة لبعض القوي التقليدية ذات الشأن في غزة مثل عائلة الشوا عندما أصت رشدي الشوا عن رئاسة البلدية بعد مرور أقل من شهر على قيام ثورة يوليو .

ويضاف إلى ما تقدم أن المسئولين الذين أوكلت لهم مهمة إدارة قطاع غزة من الجيش المصري كانوا في أغلبهم من رجال المخابرات الذين اعتادوا على القمع وعدم الثقة في الجماهير حتى أولئك الذين كانوا يشرفون على دوائر الصحة والتعليم والشئون الاجتماعية فقد كانوا من رجال المخابرات , حتى وصل الأمر إلى أن كثيرا من المدرسين الذين جاءوا في البعثات التعليمية لمدارس القطاع كانوا ضباطا في المخابرات المصرية .

وتزامن كل ذلك مع عجز الجيش المصري والإدارة المصرية عن الدفاع عن قطاع غزة إزاء الغارات الإسرائيلية المتكررة والتي كان أخطرها غارة 14 – 8 – 1954 على محطة مياه الشرب في مدينة غزة وبلغت الغارات ذروتها مساء 28 – 2-1955 حيث أغار الصهاينة على منطقة المحطة في غزة وراح ضحية هذه الغارة 39 شهيدا و33 جريحا .

في هذه الأجواء المحتقنة نشر الحزب الشيوعي الفلسطيني خمسة آلاف نسخة من مشروع دولي يهدف إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء مع إشارة إلى أن الحكومة المصرية أبدت موافقتها على هذا المشروع وعلى الأثر وتفاعلا مع كل العوامل سابقة الذكر .

خرجت الجماهير في جميع أرجاء قطاع غزة في مظاهرات عارمة استهدفت مؤسسات الإدارة المصرية ووكالة الغوث وهتفت ضد التوطين وطالبت بتسليح الشعب الفلسطيني للدفاع عن نفسه وكان الشعار الرئيس المرفوع " لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان ".

قامت القوات المصرية بقمع المظاهرات بشدة لكن أعمال الاحتجاج تواصلت عشرة أيام متتالية تقودها نقابة معلمي الوكالة التي شكلت لجنة وطنية لرفع مطالب الجماهير للإدارة المصرية وكان على رأس اللجنة فتحي البلعاوي من الإخوان ومعين بسيسو من الشيوعيين .

التقت اللجنة الوطنية بالحاكم الإداري العام لقطاع غزة وقدمت له وثيقة بمطالب المتظاهرين في 10 / 3/1955 .

1- رفض وإيقاف مشروع توطين اللاجئين في سيناء .

2- تعزيز الحراسة على الحدود وتشكيل جيش تحرير فلسطين.

3- محاكمة المسئول عن إطلاق الرصاص على المتظاهرين .

4- التعهد بعدم محاكمة أى من المشتركين في المظاهرات.

ووافقت الإدارة المصرية على جميع هذه المطالب وتوقفت المظاهرات وانتهي مشروع التوطين لكنها قامت باعتقال قادة المظاهرات فيما بعد تتفق جميع المصادر والمراجع التي ذكرت جهود إسقاط مشروع التوطين على أن الإخوان والشيوعيين اشتركوا في هذه الجهود معا لكن بعض هذه المراجع تختلف في تحديد حجم هذه المشاركة وطبيعتها ومدي نضجها أو سطحيتها ويعتبر أبو العمرين أن بعض هذه الدراسات يأتي في سياق تشويه دور الإخوان والتقليل من شأنه.

ويدلل على صحة ما ذهب إليه باقتباسات من معين بسيسو الذي يصنف الشعارات التي رددها الشيوعيون وتلك التي رددها الإخوان واعتبر أبو العمرين أن بسيسو صنف هذه الشعارات بشكل مقصود ليشير إلى " نضج الشيوعيين وشعاراتهم وسطحية الإخوان .

ويوضح أبو العمرين أن زياد أبو عمرو قد تأثر بهذا التصنيف واعتبر أن شعارات الشيوعيين ذات مضمون سياسي يعكس موقف الشيوعيين الثابت من الثورة المصرية أما شعارات الإخوان مثل ( لا منقار ولا منظار ) ويقول أن المقصود بالمنقار أنف جمال عبد الناصر , وأن المقصود بالمنظار نظارة صلاح سالم .

أما شعار ( تسقط حكومة الرقاصين ) فيعتبره عثامنة هجوما شخصيا على صلاح سالم الذي نشرت الصحف المصرية صورة له وهو يرقص أثناء زيارة له لجنوب السودان .

ويعتبر خالد أبو العمرين أن الكتاب الشيوعيين مثل عبد القادر ياسين حاولوا أن يعطوا انطباعا بأن مشاركة الجماهير الإسلامية والشيوعية متساوية لكن عبد الرحمن عوض الله يوحي بأن الحزب الشيوعي كان وحده اللاعب الرئيس في تلك المظاهرات ولا يذكر أى تنسيق بين الإخوان والشيوعيين ويكتفي فقط بمشاركة فتحي البلعاوي في المظاهرات وفي المفاوضات مع الإدارة المصرية دون أن يذكر خلفيته التنظيمية وكذلك يورد أسماء بعض نشطاء الإخوان الذين تم اعتقالهم في تلك الأحداث دون أن يذكر أى دور قيادي لهم . ويشير أبو العمرين إلى أن المظاهرات حققت أهدافها وطوت إلى الأبد مشروع توطين اللاجئين وتغيرت سياسة مصر في المنطقة فاقتربت أكثر من القضية الفلسطينية واشتد هجومها على الأحلاف وخاصة حلف بغداد كما اضطرت الحكومة المصرية للبحث عن السلاح لكي تحفظ كرامتها أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة فكانت صفقة الأسلحة التشيكية ويوضح أبو العمرين أن تشكيل المصريين لقوات مصطفي حافظ جاء نتيجة للمظاهرات المضادة لمشروع التوطين ومحاولة لكسب ثقة الجماهير الفلسطينية .

إضافة إلى العمل على " محاصرة القوي السياسية , وخاصة الإخوان والشيوعيين فاعتقلت العديد منهم وأصدرت قرار بحل نقابة معلمي الوكالة وأصدرت أوامر مشددة بمنع التظاهر والأحزاب واتفق زكريا عثامنة في هذا التحليل .

مساهمة الإخوان في مقاومة احتلال قطاع غزة سنة 1956

وقع قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 2 / 11/ 1956 ورغم استمرار المقاومة إلا أن الاحتلال الإسرائيلي ارتكب عدة مجازر كان أشهرها مجزرة غزة بتاريخ 10 / 11/ 1956 ومجزرة خان يونس ورفح في 12 / 11/ 1956 حيث الجنود الصهاينة بقتل المدنيين ويذك حسين أبو النمل أن عدد الجثث التي اكتشفت في مقابر جماعية بلغت 230 جثة وقد عاني سكان قطاع غزة كل أنواع ابطش في فترة الاحتلال القصيرة التي امتدت بين 2 / 11/ 1956 وحتى 14/3/ 1957.

يقول أبو العمين أن القوي الوطنية لم تقم بأية عملية عسكرية ضد قوات الاحتلال وأن الكفاح اقتص على الجانب السياسي والمقاومة السلبية وتنظيم الإضرابات وتوزيع المناشير ويعلل أبو العمرين ذلك بالقول أن " القوي السياسية - ومن ضمنها الإخوان – كانت في أضعف حالاتها بسبب القمع المستمر الذي مارسته ضدها الإدارة المصرية بعد مظاهرات 1955 وبسبب هجرة الكثير من الكوادر هبا من الملاحقة أو بحثا عن الرزق في دول الخليج ويضيف أبو العمرين أن القطاع كان محاصرا ولم يسمح بالعمل المسلح وفترة وجود الاحتلال كانت قصية الأمر الذي لم يتح الفرصة للشعب وقواه السياسية تنظيم أنفسهم من جديد.

ورغم حالة الضعف فقد اتصلت عناصر الإخوان ببعضهم لإعادة بناء التنظيم واتخاذ القرارات اللازمة لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي وقد نجح الإخوان في إعادة بناء التنظيم على مستوي قطاع غزة وتمكن الإخوان من جمع أسلحة الجنود المصريين الهاربين وإخفائها في منزل محمود الوزير ( شقيق أبو جهاد) إضافة إلى أنهم تمكنوا من إحراق بعض الأوراق التي تحتوي على المخططات العسكرية والمعلومات الخاصة بالجيش المصري وفي حالة لتصدي للاحتلال فكر الإخوان في التنسيق مع الشيوعيين .

وفي هذا السياق يقول أبو عزة " رغم العداء المستحكم بين الإخوان والشيوعيين من الناحيتين الأيديولوجية والحركية فقد قرر الإخوان دراسة إمكانات التعاون مع الشيوعيين بكل جد وإخلاص وتم الاتفاق على لقاء بين ممثلي الفريقين وناب عن الإخوان كلا من سعيد المزين غالب الوزير وكمال عدوان .

ويواصل أبو عزة عرض الموقف فيشير إلى أن الشيوعيين قدموا وثيقة مكتوبة ركزوا فيها على تشكيل جبهة وطنية متحدة لقيادة العمل الوطني وطالبوا بحرية الصحافة والاجتماعات والحريات العامة ونادوا بضرورة التعاون مع الشرفاء داخل إسرائيل لإسقاط حكومة بن جوريون وفضلوا بقاء القوات الدولية في القطاع إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية ورفضوا عودة الإدارة المصرية.

اعترض الإخوان على هذه الوثيقة ويعتبر أبو العمرين انه رغم نجاح تجربة التحالف في مواجهة مشروع التوطين والمطالبة بالحريات إلا أ،ه عند الحديث عن مواجهة الاحتلال فقد برزت إلى السطح الاختلافات الأيديولوجية والنظرة إلى لاحتلال وأساليب مواجهته فالإخوان يرفضون الاحتلال ولا يعترفون بشرعية دولته , ويريدون عودة الإدارة المصرية أما الشيوعيون فيعترفون بحق اليهود في إقامة دولتهم ويعتقدون بإمكانية التعاون مع الشرفاء في دولة إسرائيل .

وقد أورد بعض الكتاب تفسيرات مختلفة لعدم تحقيق وحدة الموقف بين اقوي السياسية الفلسطينية تحت الاحتلال ومن أمثلة ذلك اعتبار عبد القادر ياسين أن سبب عدم الاتفاق يرجع إلى استخدام الشيوعيين عبارة ( الشرفاء في إسرائيل ) في الوقت الذي كان الإخوان والبعثيون يعتبرون انه لا يوجد شرفاء في إسرائيل أما زياد أبو عمرو فيري أن سبب عدم الاتفاق يرجع إلى أن الإخوان كانوا يدعون إلى الكفاح المسلح ضد الاحتلال , أما الشيوعيون فيتبنون خيار المقاومة السلبية .

وبعد مداولات قيادية بحضور عبد الله أبو عزة وكمال عدوان ومعاذ عابد ارتأي الإخوان أن إمكاني ممارسة العمل العسكري متعذرة كما أن طبيعة المواقف المعوضة لا تتيح مجالا للتعاون مع الشيوعيين وقرر الإخوان التعاون مع البعثيين وبعض المستقلين وأسسوا جبهة المقاومة الشعبية وأصدرت لجنة المقاومة الشعبية بيانا دعت فيه جماهير الشعب الفلسطيني للمقاومة ورفضت ضم قطاع غزة لإسرائيل .

وعمل الإخوان المسلمون على تحريض الشعب الفلسطيني ضد فكرة قبول الاحتلال والتعايش معه ونظموا إضرابا ناجحا في أواخر يناير سنة 1957 وقد تعرض بعض نشطاء الإخوان للاعتقال خلال فتة الاحتلال ومنهم سعيد المزين وغالب الوزير , و داود جبارة , وعبد الله أبو عزة ومحمد او دية ومنير عجور .

وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية ومحاولات تدويل قطاع غزة قاد الإخوان المسلمون والبعثيون مظاهرات تطالب بعودة القوات المصرية وقد فعل الإخوان هذا رغم ما تعرضوا له من بطش وملاحقة على يد الإدارة المصرية ورغم قناعتهم بفساد الإدارة المصرية ويري أبو العمرين أن سبب اتخاذ الإخوان لهذا الموقف أنهم رأوا أن كل الألم " يهون في سبيل المحافظة على معني الإخوة الإسلامية من خلال الإصرار على حفظ الروابط مع مصر الشعب الدولة والثقافة والرصيد الروحي والتراث التاريخي لكن عبد الرحمن عوض الله يتهم الإخوان بأنهم رفضوا المشاركة في جهود مقاومة التدويل ويعتبر أنهم بذلك كانوا " يلتقون ويعبرون عن موقف كبا الملاك من العائلات الغزية التقليدية وشريحة التجار التي رأت أن التدويل في صالحها .

وتحت الضغط الشعبي الفلسطيني الذي قادته الحركة السياسية الفلسطينية ومن ضمنها الإخوان وقعت الأمم المتحدة اتفاقا مع الحكومة المصرية يسمح بعودة الإدارة المصرية إلى القطاع في مقابل تعهد مصري بعدم تحويل القطاع إلى قاعدة لشن هجمات ضد إسرائيل وعدم إرسال قوات عسكرية إلى القطاع وبناء عليه تولت الأمم المتحدة حماية الحدود .

واقتصر وجود القوات المصرية علي حراسة المقرات الحكومية ويلاحظ هنا أن الحكومة المصرية لم تستطع أن توظف النضال الفلسطيني بالشكل الصحيح فرغم أزمة القوات الدولية في غزة نتيجة الضغط الشعبي الفلسطيني إلا أن الحكومة المصرية وافقت على الشروط التي تحد من دورها القومي في قطاع غزة .

أصبح الإخوان المسلمون في منتصف الخمسينيات القوة السياسية الأولي في قطاع غزة من حيث التأييد الجماهيري والمساهمة في العمل الوطني والتأثير على السلوك السياسي الفلسطيني والعربي والأدلة على ذلك كثيرة ومتعدد مثل مساهمتهم في إسقاط مشروع توطين اللاجئين بمشاركة الشيوعيين ومساهمتهم في إسقاط مشروع التدويل بمشاركة البعثيين وفوزهم في انتخابات معلمي الوكالة ومساهمتهم في الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة سنة 1956 رغم ما تعرضوا له من ملاحقة وتهميش من قبل النظام المصري قبيل الاحتلال .

ويذكر زياد أبو عمرو أن نشاط الإخوان المسلمين تميز بالصعود حتى عام 1955 ويرجع أسباب هذا الصعود إلى العوامل التالية :

1- انسجام إيديولوجيا الإخوان مع الثقافة السائدة في المجتمع.

2- دور الإخوان في حرب فلسطين.

3- العلاقة الحسنة بين الإخوان والإدارة المصرية حتى سنة 1954.

4- رغبة الإدارة المصرية تحجيم النشاط الشيوعي عبر إفساح المجال أمام نشاط الإخوان .

5- مساهمة البعثات الدينية المصرية في نش الوعي الديني إضافة إلى مساهمة الإخوان المسلمين في توزيع المساعدات العينية التي كانت ترسل للقطاع من مصر .

6- عدم وجود تنظيمات سياسية منافسة ما عدا الشيوعيين الذين تعرضوا لقمع واضطهاد الإدارة المصرية وعملوا في ظروف غير مواتية .

وتجدر الإشارة إلى أن زكريا عثامنة يعتبر أن حركة الإخوان ونشاطهم كان الأبرز في فلسطين في فترة الخمسينات .

ورغم ذلك فإن النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين شهد تراجعا ملحوظا لوجود وحضور الإخوان المسلمين في قطاع غزة ويرجع ذلك إلى مجموعة من التغيرات لم يتحسب لها الإخوان ولم يعطوها حقها من التأمل وتتمثل هذه المتغيرات في :

1- بروز المد القومي حيث حقق جمال عبد الناصر نجاحات عديدة من أبرزها تأميم قناة السويس وإضعاف حلف بغداد ودعم الثورة الجزائرية التي نالت استقلالها سنة 1964 وسقطت الملكية في العراق ورفع عبد الناصر شعارات الوحدة العربية من أجل تحرير فلسطين وتحولت الشعارات إلى واقع حي بالوحدة بين مص وسوريا سنة 1958 ورأت الجماهير الفلسطينية في جمال عبد الناصر منقذا خاصة بعد أن رأته يشتري الأسلحة ويستعد للحرب وبالتالي بدأت الجماهير تنحسر عن الإخوان .

2- بدأت تتكرس توجهات جديدة في أوساط المجتمع الفلسطيني بعد مرور عشر سنوات على النكبة حيث انتشر التعليم وفتح آفاقا لخروج الكوادر المتعلمة من قطاع غزة وارتبط الناس بمؤسسات الإدارة المصرية سواء كموظفين أو متلقين لخدمات متنوعة وبالتالي أصبح الناس أكثر ميلا لتأييد السلطة التي يقودها نظام سياسي يبشر بالوحدة العربية وتحرير فلسطين بدلا من تأييد الإخوان الذين أصبحوا ملاحقين ولا يملكون ما يقدمونه للناس في ذلك الوقت .

3- تحالفت الحركات القومية والنظام الناصري مع الاتحاد السوفيتي الأمر الذي وفر لهذه الحركات والنظم دعما سياسيا واقتصاديا وعسكريا وجعل الشعب الفلسطيني يثق بها ويخشي الالتفاف حول أى حركة تعادي هذه النظم والتوجهات .

4- بعد فشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا أخذ شباب الإخوان يتساءلون عن جدوى التركيز على البعد القومي أو الأممي في بناء الأحزاب فأصبحوا أكثر ميلا لتأسيس حركة ذات بعد وطني تقود الكفاح من أجل تحي فلسطين دون انتظار لوحدة العرب التي لا تبدو قريبة خاصة وأن الجزائر تحررت قبل أن يتوحد العرب ولهذا أخذت العناصر الشابة أو النشطة في الإخوان تركز على أهمية البعد الوطني .

5- وفي هذا السياق الذي تتفاعل فيه الأسئلة الفكرية التي تقارن بين التوجه القومي والأممي أو التوجه الوطني وعدم قدرة الإخوان على تقديم الخدمات للناس وخروج للكفاءات هربا من الملاحقة وبحثا عن الرزق في هذا السياق بدأ الإخوان ينعزلون بالتدرج ولكن بسرعة خاصة على ضوى الحملات الإعلامية التي تتهمهم بالعمالة أو الارتباط بالنظم العربية التي يطلق عليها الناصريون ( النظم الرجعية"

6- الحالة الإيجابية التي نشأت بين الإخوان والإدارة المصرية قبل سنة 1954 أدت إلى حالة من الارتخاء داخل التنظيم ولهذا لم يستعد الإخوان للعمل في ظل ظروف سلبية .

التحديات التي واجهت الإخوان ونشأة حركة فتح

شهدت مرحلة الخمسينات تفاعلات متداخلة في صفوف الإخوان فالشباب النشط تلقي تدريبات عسكرية وتعبئة ضد الاحتلال لكن حركته ضربت بشكل لم تستطع الاستمرار في توفير الإطار المناسب لمواصلة العمل الفدائي كما أن حكة الإخوان التي امتلكت قدرة كية على تحيك الجماهير لم تعد تملك قدرة على ربط الجماهير بها .

وأدت التفاعلات التي م بها الإخوان إلى توليد ميل عملي نحو الوطنية لفلسطينية من خلال فض توطين اللاجئين في سيناء.

ومن خلال التركيز على تدريب وتسليح الفلسطينيين في مظاهرات سنة 1955 إضافة إلى أن التحالف مع الشيوعيين لإسقاط مشروع التوطين ثم التحالف مع البعثيين لطرد الاحتلال كل هذا ساهم في التقليل من شأن الأيديولوجيات في نظر نشطاء الإخوان والميل للعمل المشترك مع المخالفين في الأيديولوجيات طالما توفرت قواسم مشتركة.

يري أبو العمرين أن من بين أسباب نشأة حركة فتح هو " غياب منهج تربوي دقيق لصياغة الأفراد على معاني الالتزام التنظيمي والطاعة وتزكية النفس ويذكر أنه لما كان أكثر الشباب الفلسطيني الذي لتحق بقافلة الإخوان المسلمين " دفعهم لذلك الحماس والرغبة في قتال اليهود .

ولم تتمكن في عقولهم ومشاعرهم في ذلك الوقت المبكر الفكرة الإسلامية العامة فإن كثيرا منهم رأي في العداوة الضارية بين الإخوان وجمال عبد الناصر مسالة مصيرية يثيرها التنازع على الحكم " لكن يبدو أن التفسير الأقرب للصواب هو أن المسألة ليست مسألة منهج تربوي يزكي النفس ويربيها على الطاعة والالتزام بقدر ما هو قدرة على التنظير الفكري والعلمي الذي يصد الواقع ويقيم التجربة ويستشرف اتجاهات الوقائع .

ورغم أن التوجهات لدي القاعدة والكوادر النشطة أصبحت تميل نحو الوطنية الفلسطينية بالتدريج إلا أن غياب القيادة في السجن أو في الخارج جعل التنظير الفكري يبقي على حاله ولم يستطع مواكبة التغييرات الحادثة على الأرض خاصة وأن الإخوان في غزة ظلوا يتبعون التنظيم في مصر وعندما حلت الجماعة في مص ودخلت في مشاكل مع النظام أصبحت التعميمات التي تصل إلى غزة كلها تعالج الشأن المصري ولا تلتفت إلى ما يجري على الساحة الفلسطينية رغم خطورته وجذريته.

في ظل هذه الأجواء قام بعض النشطاء في حركة الإخوان المسلمين بكتابة مذكرة قدمها خليل الوزير – في صيف سنة 1957 – إلى هاني بسيسو واحتوت المذكرة فكرة إنشاء تنظيم جديد يفتح المجال أمام جميع الفلسطينيين للمشاركة في العمل من أجل تحرير فلسطين بحيث يتخلص هذا التنظيم الجديد من أية صبغة حزبية وذلك لإزالة أسباب الصدام مع الأنظمة العربية لم يهتم الإخوان بهذه المذكرة في حينه لكن هؤلاء الشباب واصلوا العمل والتنظير بين عناصر الإخوان وأقنعوا عدد كبيرا من أنشط كواد الإخوان بهذه لفكرة ويري خالد أبو العمرين أن نجاح هذه المجموعة في عملها يعود إلى افتقار الإخوان الفلسطينيين في ذلك الوقت إلى هيكل تنظيمي يجمعهم في كل أماكن تواجدهم وعدم قدرتهم على إيجاد أجوبة شافية للتساؤلات الكثيرة التي كان يطرحها دعاة التنظيم الجديد ويشير أبو العمرين إلى أن الإخوان لم يردوا على مذكرة خليل الوزير إلا في عام 1960.

الإخوان منذ سنة 1960 وحتى سنة 1967

بعد عام 1960 بدأ الإخوان يعيدون بناء تنظيمهم على طريقتهم بعيدا عن النشطاء الذين اتجهوا نحو تأسيس حركة فتح وحسموا موقفهم بشكل كامل من كل القضايا المطروحة وبذلك صنعوا سياجا مانعا حول تنظيمهم واكتملت خطواتهم في البناء الداخلي سنة 1963 حينما تمكن الإخوان من عقد أول اجتماع مجلس شوري يمثل الإخوان الفلسطينيون في كل أماكن تواجدهم لينشأ لأول مرة التنظيم الفلسطيني الموحد للإخوان المسلمين .

وتم عقد هذا الاجتماع على شاطئ بحر خان يونس في الأراضي الزراعية التي تملكها عائلة الأغا, وقرر الإخوان في هذا الاجتماع إنهاء أية صلة بحركة فتح كما طالب الإخوة المترددون أن يحسموا أمرهم فإما فتح أو الإخوان كما قرر الاجتماع اعتبار الأخ محمد يوسف النجار تاركا للجماعة , وانتخب المجلس هاني بسيسو ليكون أول مراقب عام للتنظيم الفلسطيني للإخوان المسلمين وبقي في منصبه إلى أن اعتقلته السلطات المصرية سنة 1966 وتسلم مهام منصبه عبد البديع صابر .

ورأي الإخوان أن مشروع حركة فتح ينطوي على مخاطر ترجع بالقضية الفلسطينية إلى الوراء وتؤخر عملية التحرير لأنه قد يؤدي إلى توريط العرب في حرب لم يستعدوا لها كما اعتبر الإخوان أنه من الوهم الاعتقاد بأن الحياد بين الأنظمة العربية وعدم التدخل في شئونها سيمنعها من التدخل في شئون الفلسطينيين وإخضاع أى نشاط لمصالحها كما أكد الإخوان أنه لا يمكن مواجهة إسرائيل بجزء صغير من قدرات أمتنا بل ينبغي حشد كل قوي الأمة وخلص الإخوان إلى أن مشروع فتح مغرق في الوهم وبعيد عن الواقع .

ورغم أن الإخوان تمكنوا من تنظيم صفوفهم الداخلية إلا أن حضورهم بقي ضعيفا لا أثر له في الحياة السياسية الفلسطينية وكانت الحركة في هذه المرحلة في أضعف حالاتها كما وكيفا , ويروي كثير من إخوان تلك الفترة كيف أن المباحث المصرية كانت تتابع الشخص من أعضاء الإخوان فإذا انقطع عن المسجد وبدأ يرتاد دور السينما والمقاهي رفعوا تقريرا أن " أخلاقه تحسنت ".

وعلى الصعيد الداخلي اهتم الإخوان في الستينات بالشورى واتبعوا خطوات محددة لصياغة السياسات واتخاذ القرارات ويذكر عبد الله أبو عزة أن الشورى في التنظيم الفلسطيني قامت على ثلاث أسس هي:

1- نظام أساس مكتوب ولائحة مالية.

2- تكوين مجلس تمثيلي يضم مختلف المناطق .

3- إعطاء المجلس التمثيلي سلطة مراقبة اللجنة التنفيذية ومحاسبتها وحق اختيار رئيس اللجنة التنفيذية وحق تغييرهم .

4- وتم حصر حق التمثيل وحق الانتخاب في نقباء الأسر ومن هم أعلى مرتبة تنظيمية .

وعندما أعلن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية , لم يعلن الإخوان أى موقف من إنشائها ويعزو أبو العمرين ذلك إلى ضعف الحركة ورغبتها في اعتزال السياسة إضافة إلى أن الحركة اعتبرت ( م ت ف ) منافسا جديدا لها ويملك إمكانيات كثيرة ويؤكد عثامنة عدم وجود أى موقف معلن للحركة من تأسيس ( م ت ف ) إلا أنه يشي إلى أن الإخوان نظروا بإيجابية لـ ( م ت ف) وتعاملوا مع قيادتها بوصفهم ممثلين للشعب الفلسطيني واعتبروا وجودها خطوة في الاتجاه الصحيح .

وفي الفترة السابقة لعام 1967 أصبح مسئول الإخوان في قطاع غزة هو إسماعيل الخالدي وكان العمل سريا وتعرض إسماعيل لخالدي للاعتقال عام 1965 وخرج من المعتقل في نهاية سنة 1966 ومارس مسئوليته بعد دخول الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة عام 1967 ثم سافر للمملكة العربية السعودية للعمل هناك.

بدأت جهود الإخوان المسلمين لنصرة القضية الفلسطينية من خلال جهود الحركة الأم في مصر وتمثلت النصرة في التعريف بالقضية الفلسطينية وتحشيد الدعم الرمزي وتنظيم المظاهرات ا وتقديم المقترحات وإجراء الاتصالات السياسية مع الهيئات الرسمية وممثلي الدول العربية والإسلامية الذين يزورون مصر.

اختلف الباحثون في تحديد بدايات اهتمام الإخوان المسلمين بالقضية الفلسطينية ونتيجة للدراسة اتضح أن بدايات التضامن العاطفي لحسن البنا مع الحاج أمين الحسيني ثن تطور الأمر عام 1929 إلى اهتمام رسمي من خلال المقال الذي كتبه حسن البنا .

أما العلاقات الرسمية بين الإخوان والقيادة الفلسطينية فقد بدأت عام 1931 من خلال الرسالة التي أرسلها حسن البنا للمؤتمر الإسلامي الأول في القدس وفي العام 1936 قام الإخوان بنشاط جماهيري واسع وأجروا اتصالات سياسية ودبلوماسية لصالح القضية الفلسطينية .

رغم الجهود الحثيثة التي قام بها الإخوان والمساعدات التي قدموها للثورة الفلسطينية إلا أنهم لم يصبحوا جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية إلا في العام 1946 عندما أسس الإخوان المسلمون فروع جمعيتهم في غزة والقدس وحيفا .

يتضح من خلال ابحث أن التفسير الأقرب للصواب بشأن ما حظي به تنظيم الإخوان المسلمين من انتشار واسع وسريع في فلسطين لا يرجع إلى إشكاليات بنيوية تعتري تركيبة المجتمع الفلسطيني بل كان نتيجة لتفاعل أفكار ومواقف جماعة الإخوان ما يختزنه المجتمع الفلسطيني من ثقافة وقيم وتقاليد ومواقف .

اتسم موقف الإخوان المسلمين بالوضوح عشية مواجهة العدوان الصهيوني عام 1948 فقد رفضوا قرار التقسيم ومقترحات الوصاية والتدويل كما طالبوا بالقيام بواجب الجهاد المقدس وحثوا الشعوب على الخروج للجهاد حتى لو رفضت الحكومات ومارسوا الجهاد بأنفسهم على أرض فلسطين كما طالبوا جامعة الدولة العربية بإعلان فلسطين دولة مستقلة على كامل التراب الفلسطيني .

ويظهر أن الإخوان المسلمين لم يشكلوا قوة منافسة لقيادة الحاج أمين الحسيني بل عملوا إلى جانبه ومن خلال الأطر التي قادها وفي إطار العمل الفلسطيني المقاوم والمشترك .

من خلال مراجعة ما وقع تحت أيدينا ن مصادر ومراجع ومقابلات لم يكن هناك أى نشاط خاص بالمرأة أو انتساب أى امرأة لجماعة الإخوان في غزة رغم أن الإخوان في مصر كان لديهم نشاط للسيدات وبما يعود السبب في ذلك إلى أن دخول الإخوان إلى فلسطين كان من باب الاهتمام بالجانب السياسي والوطني ومقارعة الاحتلال فلم يول الإخوان في البداية أى اهتمام بالأنشطة التي يمكن أن تصنف في مجال أسلمة المجتمع بقدر ما كانوا منشدين نحو ممارسة المقاومة في البدايات وبعد ذلك دخلوا مرحلة الابتلاءات والاعتقالات وفي العادة فإن الإخوان ينأون بالنساء عن الأنشطة التي يمكن أن تعرضهن لخطر الابتلاء والاعتقال .

يذكر بعض من تطرقوا لدراسة تاريخ هذه الرحلة أن الإخوان لم يهتموا بالعمل العسكري ضد الاحتلال إلا أن هذا غير دقيق فقد أولي الإخوان في الفترة الواقعة بين 1949 وبين 1955 اهتمام ملحوظا بالعمال العسكري وشكلوا عددا من المجموعات العسكرية المدربة التي نفذت عمليات عسكرية ضد الاحتلال وفي هذا الإطار تبلورت المجموعات الشبابية التي شاركت في تأسيس حركة فتح.

يتضح من خلال الدراسة أن الإخوان عندما كانوا يتعرضون للملاحقة والاعتقالات وحظر النشاطات لم يكونوا يواجهون النظام الحاكم , لا بالاحتجاجات السلمية ولا بالأعمال العسكرية العنيفة وإنما كانوا يمتصون الضربات ويبحثون عن لافتات جديد يعملون تحتها.

حدث ذلك عام 1949 حيث تم تأسيس جمعية التوحيد وكذلك سنة 1955 حيث تم تأسيس نقابة معلمي وكالة الغوث , ولم يتوجهوا نحو التنظيم السري بشكل كامل إلا فترة الاحتلال سنة 1956 لغرض مواجهة الاحتلال ثم بعد سنة 1960 عندما تأكدوا أن النظام المصري وضعهم في دائرة الأعداء .

رغم ما بين لشيوعيين والإخوان من خلافات أيديولوجية إلا أنهم تعاونا لمواجهة الأزمات الرئيسة مثل إقامة ( نقابة معلمي وكالة غوث ) لكي تكون واجهة لأنشطة السياسية وكذلك التعاون في إسقاط مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين لكن الإخوان والشيوعيين لم يتفقوا على طريقة وشكل مقاومة الاحتلال سنة 1956 -1957 حيث ركز الشيوعيون على ضرورة انتهاج طريق المقاومة السلمية بينما أصر الإخوان على ضرورة الاستعداد للقيام بمقاومة مسلحة ضد الاحتلال .

يتضح من خلال التحالفات التي عقدها الإخوان مع القوي السياسية الفلسطينية أنها تحالفات حول قضايا محددة وأن الايدولوجيا ليست عائقا أمام التحالف إذا ما توفر الهدف السياسي والوطني فعندما اتفق الإخوان والشيوعيون على الهدف تحالفوا وعندما اختلفوا افترقوا لكن الإخوان خلال الاحتلال سنة 1956 -1957 تحالفوا مع القوميين وشكلوا جبهة مقاومة موحدة وفي نفس الوقت يتضح أن هذه التحالفات ليست استراتيجية طويلة الأمد وليست مبنية على رؤية شاملة بقدر ما هي ردات فعل لمواجهة أخطار آنية.

يشير موقف الإخوان المسلمين – عشية انسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة في مارس 1957 – الرافض لتدويل قطاع غزة والمطالب بعودة الإدارة المصرية غياب البعد الثأري في السلوك السياسي للإخوان وتغليب البعد السياسي والوطني والأخلاقي على أى اعتبارات أخري خاصة وأن النظام المصري كان قد حل جماعة الإخوان المسلمين سنة 1954 وأغلق شعبها وفروعها ولا حق واعتقل نشطاءها في قطاع غزة .

يعكس تأسيس حركة فتح وخروج أغلب مؤسسيها من رحم جماعة الإخوان المسلمين يعكس عدم قدرة الجماعة على تطوير تنظيرها الفكري والسياسي بطريقة مقنعة للأجيال في ظروف افتتاحها – أى الأجيال من خلال رابطة الطلاب الفلسطينيين في مصر وتعضها للمحنة والملاحقة والاعتقال .

بعد ما تعرضت له حركة الإخوان من ابتلاءات وخروج أعداد كبيرة من كوادرها إما من الجماعة - وتأسيس حركة فتح – أو من القطاع للعمل في الخليج وهروبا من ظروف المحنة بعد كل ذلك لجأت الحركة إلى إعادة بناء تنظيمها ولكن بطريقة سرية وكان الهدف المحافظة على الذات استعدادا للحظة انفراج تتيح لها استعادة دورها .

لقد أصبح الإخوان المسلمون في منتصف الخمسينات من القرن العشرين القوة السياسية الأولي في قطاع غزة لكنهم تراجعوا تنظيميا وسياسيا وتآكلت شعبيتهم بشكل كبي وبسرعة دراماتيكية وفي تفسيرهم لهذا التراجع فإن قيادات الإخوان يرجعون السبب إلى ضعف التربية ومفاهيم التساقط على طريق الدعوة بسبب الابتلاءات والمحن, وعدم فهم طبيعة الفكرة ظهر هذا في كتاب عبد الله أبو عزة وكذلك من خلال المقابلات مع بعض الكوادر وقيادات الإخوان في تلك المرحلة وبقي هذا التبرير لترك الشباب حركة الإخوان في الفترات اللاحقة حيث يقدم فتحي يكن تحليلا واسعا لما يسميه ظاهرة التساقط على طريق الدعوة .

وقد نشرته حركة الإخوان سنة 1984 في قطاع غزة بشكل واسع – ويرجع فتحي يكن أسباب هذه الظاهرة إلى ضعف التربية وعدم توفر ظروف تنظيمية تستوعب الجميع والأخذ بالرخصة والغرور وضغط المحن وضغط الوجاهة ولا توجد أية إشارة إلى الظرف الموضوعي الذي تغير سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي.

الفصل الأول: البناء الداخلي لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة 1967 -1987

يتناول هذا الفصل دراسة الأوضاع الداخلية لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة من حيث بناء التنظيم وتكويناته المختلفة من لجان وأجهزة , والاهتمام بتحديد شروط العضوية وحقوق وواجبات الأعضاء وقواعد العمل التنظيمي ولجان العمل داخل الحركة , وسبل تكوين القيادة وتداولها داخل الحركة , ويتناول كذلك السياسة التبوية التي تختار طرق تعليم الأعضاء وتربيتهم وتهذيبهم وإكسابهم الصفات الإيمانية والسمت الإخواني ولتسهيل عرض القضايا سابقة اذكر جري تقسيم الفصل إلى المباحث التالية :

المبحث الأول: البنية للإخوان المسلمين في قطاع غزة 1967 -1987

ورد في النظام الداخلي لجماعة الإخوان المسلمين أن حركة الإخوان المسلمين في فلسطين هي جزء لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين العالمية وهي تعمل على تطبيق المنهج الإسلامي في كافة نواحي الحياة لتحقيق أهدافها الدعوية والسياسية .

ويحدد النظام الداخلي للحركة مجموعة الأهداف التي تسعي الحركة للالتزام بها كالتالي :

تؤمن حركة الإخوان المسلمين بضرورة قيام الدولة الإسلامية في فلسطين وتطبيق مبادئ الشريعة.

1- تحويل المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع إسلامي بالوسائل الشرعية.

2- القيام بالدعوة والأم بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ رسالة الإسلام .

3- توثيق صلة المسلمين بالإسلام فهما وإيمانا وعملا .

4- تحرير كافة الأراضي المحتلة في فلسطين.

أما وسائل حركة الإخوان المسلمين لتحقيق أهدافها فقد وردت في النظام الداخلي للجماعة كما يلي :

1- نش الدعوة عن طريق الاتصال المباشر بالجماهير.

2- تربية الأفراد على المبادئ والمثل الإسلامية .

3- المشاركة في العمل السياسي بما يحقق أهداف الحركة.

4- العمل على استيعاب الجماهير الفلسطينية والتفافها حول الحركة.

5- اعتبار الجهاد وسيلة مؤدي لتحري كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة .

6- إنشاء وتأطير المؤسسات التي تخدم أهداف الحركة.

7- إقامة الندوات والمؤتمرات السياسية .

8- التنسيق مع حركات المقاومة والقوي الفلسطينية الفاعلة على الساحة الفلسطينية.

9- إقامة علاقات وطيدة مع الدول وحركات التحرر العالمية التي تساند القضية الفلسطينية .

10- اتخاذ كافة الوسائل المادية والمعنوية المتاحة والمشروعة والت تنسجم وسياسة الحركة من أجل تحقيق أهدافها .

وقد تعرضت حركة الإخوان المسلمين قبل سنة 1967 لضربة قاسية على يد السلطات المصرية وهاجر أغلب الفاعلين فيها إلى دول الخليج للعمل وانتقل الكثير منهم إلى صفوف حركة فتح وبعد الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 بادر الشيخ أحمد ياسين بدعوة مجموعة من الشخصيات المنتمية لحركة الإخوان والراغبين في العمل لإعادة تشكيل التنظيم وكان عددهم عشرة تقريبا ويمكن القول ان هذا هو القرار الأول الذي اتخذته الحركة بعد سنة 1967 .

واعتمد اتخاذه على المبادرة من قبل مجموعة الكوادر الأكثر نشاطا في الحركة وقد لاحظ بعض الباحثين تمتع قيادة حركة الإخوان بسمة المبادرة حيث يذكر محمد المدهون أن أحمد ياسين كان يؤمن بضرورة المبادرة القيادية.

في المرحلة الأولي شكلت هذه المجموعة قيادة الحركة ولم يكن هناك كيانات أو مؤسسات تنظيمية أخري ومع الوقت بدأت أعداد المنتمين للإخوان تتزايد وترافق هذا مع استحداث هياكل وأشكال ومؤسسات ومراتب تنظيمية تناسب الواقع الجديد وأصبح تنظيم الإخوان يتكون من الهيكلية التنظيمية التالية :

1- الهيئة الإدارية العامة

هي القيادة العليا للحركة في قطاع غزة وتكون مسئولة عن الهيئات الإدارية لمختلف المناطق وقد تكونت في البداية من مجموعة الشخصيات التي بادرت للعمل بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967, وهؤلاء الأشخاص هم : أحمد ياسين , وإبراهيم اليازوري, ومحمد الغرابلي يمثلون مدينة غزة, ومحمود أبو خوصة يمثل جباليا وتوابعها من مناطق شمال قطاع غزة .

وعبد الفتاح دخان ممثلا عن المنطقة الوسطي ومحمد عايش النجار ممثلا عن خان يونس ومحمود محسن ممثلا عن رفح .

وانتخب عبد الفتاح خان رئيسا للهيئة الإدارية لكنه تنازل عن هذه المهمة للأستاذ أحمد ياسين معللا ذلك لأن المسئول يجب أن يون من منطق غزة فهي مركز القطاع إضافة إلى أن الأستاذ أحمد ياسين تتوفر فيه صفات القيادة وأصبح الأستاذ عبد الفتاح دخان نائبا للرئيس بشكل تلقائي .

دارت نقاشات طويلة داخل الهيئة الإدارية العليا والتي أطلق عليها أيضا المكتب الإداري بشأن تحديد الأولويات هل تبدأ الحركة بمقاومة الاحتلال ؟

أم تعيد بناء ذاتها ؟ وتعمل على بناء جيل جديد يكون قادرا على البدء والاستمرار في المقاومة وحسم الأمر بأن الأولوية يجب أن تكون لصالح إعداد جيل وتربيته وإعادة بناء التنظيم وأن الهدف المرحلي لحركة الإخوان في قطاع غزة يجب أن يقتصر على إنجاز هذه المهمة .

ويذكر الأستاذ أحمد ياسين أن هذا القرار اتخذ بعد نقاشات دارت بين الداخل والخارج حيث سافر الأستاذ أحمد ياسين إلى عمان والتقي بالأستاذ عبد الله أبو عزة مندوبا عن الإخوان المسلمين الفلسطينيين في مدينة عمان وأكد الطرفان على أولوية التربية وإعادة بناء التنظيم وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ أحمد ياسين كان ميالا للبدء بالعمل العسكري منذ اللحظة الأولي وأبدي هذا الموقف في الداخل والخارج لكنه التزم بموقف الأغلبية التي أصبحت قرارا للحركة ويمكن القول أن هذا هو القرار الثاني الذي اتخذته الحركة منذ تأسيسها وقد تم اتخاذه بالتشاور البسط بين الداخل والخارج.

واصلت هذه المجموعة القيادية عملها منذ البداية حتى منتصف السبعينات لم يطرأ عليها أى تغيير فغالبية هذه المجموعة كانت تعمل في التدريس والمنتسبين الجدد للحركة كانوا من الطلاب في العادة وكان العمل منصبا على أنشطة دعوة الناس للالتزام بتعاليم الدين والاستقامة على الصعيد الفردي والجماعي واستمر الانسجام الكامل بين المجموعة القيادية الأولي .

ولم تظهر أى اختلافات أو تباينات في الرأي حتى منتصف السبعينات خاصة وأن قيادة التنظيم كانت حريصة على الربط بين الأجيال الجديدة وقدامي الإخوان من خلال الاحتفالات العامة التي يتصدرها قدامي الإخوان مثل أسعد حسنية وعبد الرحمن سكيك وصفوت النونو وبعض الزوار الذين يأتون إلى قطاع غزة في الصيف مثل عبد الكريم نصار ومحمد صيام وإسماعيل الخالدي هذه الاحتفالات واللقاءات التي كانت تضم مختلف الأجيال كانت تشع الجميع بالترابط والثقة .

ولكن بعد ذلك بدأت تظهر بعد النقاشات داخل الحركة حول مسائل عديدة منها إعادة ترتيب الأولويات , ومسألة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وضرورة استحداث آليات عمل جديدة ( مثل بناء المؤسسات ) حينها لجأت القيادة إلى استحداث جسم جديد وهو ( مجلس الشورى ) لكي تدار بداخله النقاشات وتحسم الخلافات ومع نهاية السبعينات أصبح المكتب الإداري ينتخب من مجلس الشورى وقد جرت انتخابات دروية – كل عامين – منذ نهاية السبعينات وحتى اندلاع الانتفاضة الأولي وقد أفرزت نتائج الانتخابات بعض التغييرات في عضوية المكتب الإداري . ويمكن رصد التغييرات التالية في رفح حدث تغيير شبه مستمر حيث تم انتخاب أشخاص مختلفين في الدورات المختلفة ففي احدي المرات تم انتخاب غالب نصر الله وبعده تم انتخاب عطا الله أبو السبح وبعد ذلك إبراهيم أبو مر وبعده عيسي النشار .

أما في خان يونس فقد تم التغيير لمرة واحدة حيث تم انتخاب الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في النصف الأول من الثمانينات واستمر في قيادة الحركة ممثلا عنها حتى بداية الانتفاضة وفي منطقة المعسكرات الوسطي بقي الأستاذ عبد الفتاح دخان ممثلا عن المنطقة لكن منطقة البريج أفرزت الدكتور إبراهيم المقادمة كأحد عناصر القيادة الشابة التي دخلت المكتب الإداري وفي الشمال حل عبد الرحمن تمراز مكان محمد أبو خوصة .

وفي غزة توفي محمد الغرابلي وانضم إلى المكتب الإداري محمد شمعة وفي بعض الدورات جري تطعيم المكتب الإداري بشخصيات إضافية مثل المهندس إسماعيل أبو شنب والدكتور أحمد الملح.

يتضح من خلال الاستعراض السابق أن باب المشاركة كان مفتوحا أمام الأجيال المختلفة سواء الأجيال الحركية أو الأجيال العمرية فعندما نجد قيادة تضم كل من عبد الفتاح دخان (وهو من مواليد عام 1952 , وانتمي للإخوان سنة 1969) وإبراهيم أبو مر فهذا يعني أن القيادة تشمل أجيالا عمرية مختلفة كما أن انضمام الرنتيسي لقيادة الحركة ( وهو من مواليد عام 1947 وانتمي للحركة عام 1979) يعني أنه لم تكن هنالك حواجز أمام حديثي العهد بالحركة عندما يمتلكون الكفاءة ويفوزون في الانتخابات .

2- مجلس الشورى

يعتبر أعلي هيئة قيادية للحركة وله السلطة العليا على جميع الهيئات التنظيمية واللجان المنبثقة عنها وقراراته ملزمة لها جميعا تشكل مجلس الشورى الأول في منتصف السبعينات وكان أقرب إلى المجلس الاستشاري بهدف توسيع دائرة التشاور حول القضايا الهامة والمستحدثة وجاء تشكيله بمبادرة من القيادة العليا للحركة وتكون المجلس من عشرين عضوا تقريبا يملثون المناطق المختلفة وقد مثل منطقة رفح في هذا المجلس كل من محمود محسن وسيد أبو مسامح , و[[حسين المصري]] وإبراهيم علوان وإبراهيم أبو مر .

أما منطقة خان يونس فمثلها الحاج محمد عايش النجار ومنطقة المعسكرات الوسطي مثلها في المجلس الأستاذ عبد الفتاح دخان الأستاذ محمد طه والأستاذ حماد الحسنات ومثل منطقة غزة كل من الأستاذ أحمد ياسين والأستاذ محمد حسن شمعة وإبراهيم اليازوري , وأحمد الملح , وداود أبو خاطر وإسماعيل أبو شنب ومنطقة شمال قطاع غزة كان ينوب عنها عبد الرحمن تمراز.

لم يأت تشكيل هذا المجلس باختيار القاعدة وإنما جاء بتنصيب وتعيين من القيادة التنفيذية للحركة وعقد المجلس أول اجتماع له في بيت الدكتور أحمد الملح ف يحي الزيتون بمدينة غزة يذكر سيد أو مسامح أن الهدف من إيجاد هذا المجلس هو تمثل روح الإسلام في تكريس منهج الشورى وأنه خطوة على طريق بناء مؤسسات الحركة وان تشكيل هذه المؤسسة جاء بناء على مبادرة قيادية خالصة وأن القواعد لم يكن لها أى تأثير على اتخاذ هذا القرار لكن يبدو أن هذا التفسير غير دقيق فقد شهد منتصف السبعينات نقاشات في أوساط الطلاب من أبناء الحركة الذين من القضية الفلسطينية وطريقة اتخاذ القرار فيها ومدي ملائمة وقدرة القيادة على مواجهة أعباء المرحلة .

وفي هذا السياق جاء استحداث مؤسسة مجلس الشورى ليكون بمثابة مجلس لـ ( أهل الحل والعقد) أو مجلس استشاري بالتعبير الحديث وذلك لتحقيق مجموعة من الأهداف تتمثل في استيعاب قيادات من الأجيال الجديدة التي أنهت دراستها في الجامعات وأصبح لها حضور في الميدان وإشعار الأجيال الجديدة أن لها حضورا ودورا في التشاور بشأن القرارات المصيرية والحاسمة إضافة إلى تحقيق قدر من الانسجام الداخلي بين الأجيال داخل الحركة.

ومنذ نهاية السبعينات أصبح تشكيل مجلس الشورى يتم عبر الانتخابات الداخلية وكان صاحب الحق في الاقتراع كل من وصل إلى مرتبة نقيب فأعلي أما الأعضاء الجدد الذين لم يصلوا إلى مرتبة نقيب فلا يشاركون عملية الاقتراع.

وهنا يثور سؤال حول سبب حرمان الأعضاء الجدد من حق التصويت والاقتراع ويبدو أن السبب يتمثل في رغبة القيادة في إخضاع الأعضاء الجدد لمرحلة معمقة من التربية والتكوين الثقافي والوجداني إلى أن يبلغ درجة التشبع وبعدها يعطي حق التصويت للعضو بعد أن يكتمل نضجه الأيديولوجي والتنظيمي وذلك للحفاظ على النقاء الأيديولوجي للحركة.

3- الهيئات الإدارية المحلية

هي السلطة الإدارية للحركة على مستوي المنطقة المحلية وفي البداية كانت البنية التنظيمية تتكون من القيادة العليا ومن يتم تنظيمهم من الأعضاء الجدد وعندها تكاثرت أعداد المنتمين للتنظيم بدأت بنية التنظيم تنتقل من مرحلة البساطة إلى التركيب شيئا فشيئا إلى أن استقرت بتقسيم قطاع غزة إلى المناطق التالية .

منطقة شمال قطاع غزة , والتي تشمل جباليا البلد ومخيم جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون حيث يوجد لهذه المنطقة هيئة إدارية مركزية تضم مندوبين عن الهيئات الإدارية الفرعية لكل منطقة من المناطق الفرعية وتم تمثيل الشمال بمندوب في المكتب الإداري العام لقطاع غزة.

منطقة شرق غزة وتشمل أحياء الشجاعية والزيتون والدرج وينطبق عليها ما ذكرناه عن المنطقة السابقة من حيث وجود هيئة إدارية مركزية إضافة إلى أن رئيس الهيئة الإدارية فيها يكون ممثلا للمنطقة في المكتب الإداري العام وهذا الأمر ينطبق على المناطق الأخرى التي سنورد أسماءها في الفقرات التالية .

منطقة غرب غزة وتشمل مخيم الشاطئ والشيخ رضوان .

منطقة وسط وجنوب غزة وتشمل حي الرمال والصبرة.

منطقة المعسكرات الوسطي وتشمل مدينة دي البلح ومخيمها ومخيمات المغازي والبريج والنصيرات .

منطقة خان يونس وتشمل مدينة خان يونس ومخيماتها والقرى المحيطة بها . منطقة رفح وتمشل المدينة ومخيماتها والأحياء التابعة لها .

ووفقا للائحة الداخلية للحركة فقد تقرر أن تجري انتخابات منتظمة كل عامين لانتخاب الهيئات الإدارية لكل منطقة من هذه المناطق ومن ثم يجري تشكيل المكتب الإداري العام ومجلس الشورى اللذان يضمان ممثلي المناطق المذكورة أعلاه .

4- العضو والعضوية

تعتبر حركة الإخوان المسلمين أن العضوية فيها حق مكتسب لكل فلسطيني مسلم آمن بمبادئ وأهداف الحركة وسياساتها العامة وتقسم الحركة العضوية فيها إلى ثلاثة أنواع هي : العضو النصير وهو المؤيد للحركة دون أن ينتظم في صفوفها والعضو التمهيدي وهو الملتزم في أسرة تمهيدية بهدف إلحاقه بالجماعة والعضو الفاعل هو العضو الذي التزم في صفوف التنظيم من خلال إعطاء بيعة على السمع والطاعة لقيادة التنظيم ويخضع في السنوات الثلاث الأولي لعملية تربية على مبادئ وأفكار وأهداف ووسائل عمل التنظيم ويشارك بعد استكمال عملية التربية في الأنشطة التنظيمية المختلفة خاصة تحمل المسئوليات .

ويمكن تحديد شروط العضوية بثلاثة شروط أساسية هي : النقاء الأمني للفرد وعدم وجود أى انتماء أو تعاطف لديه مع أى حزب أو فكر آخر والتدين الواضح ومرور الفرد لفترة تنشيطية تصل إلى ستة أشهر يتم خلالها تقييم انطباق المعايير السابقة عليه كما يتم تهيئته للانتماء للتنظيم .

وتسبق عملية انضمام العضو الجديد لحركة الإخوان عملية إعداد وتهيئة ويجري انتقاء لثلاثة أو أربع أفراد من الشباب المتدينين ودمجهم في مجموعة يطلق عليها اسم ( أسرة تنشيطية) ويطلق على العضو المنتمي لهذه الأسرة لقب ( النصير) ويقود هذه الأسرة التنشيطية أحد أعضاء الحركة المؤهلين .

تستمر جلسات الأسرة التنشيطية مرة في الأسبوع وتدس منهج يشتمل على حفظ جزء عم والأحاديث الأربعين النووية وكتاب ( ماذا يعني انتمائي للإسلام) للداعية الإسلامي فتحي يكن والهدف من دراسة هذا المنهج هو تجذير مفاهيم الإيمان وترسيخ وتصليب العقيدة في نفس وعقل النصير وإكسابه الصفات الإيمانية والأخلاقية والسمت الإخواني وبعد ذلك يجري دراسة كتاب ( الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية ) للدكتور صادق أمين حيث يؤسس هذا الكتاب لوجوب وجود حركة تعمل لنصرة الإسلام من خلال عرض صورة قاتمة ما يسميه الإخوان الجاهلية التي تعم العالم والضعف الي يسيطر على المسلمين مما يوجب تأسيس جهد منظم لإعادة بعض الإسلام وإقامة دولته ثم يستعرض التجارب الإسلامية المختلفة أمام القارئ ويصفها بأنها لا تعبر عن الإسلام بمفهومه الشامل , أما الإخوان – حسب هذا الكتاب – فهم وحدهم الذين يملكون هذه الميزة .

وعندما يبدي النصير قناعة بالإخوان ورغبة في الانتماء لهم يجري تحذيره من الأهوال والمخاطر التي تترتب على الانتماء للإخوان فإذا ما أصر النصير على الانتماء يتم تكيلفه من قبل الشخص الموكل بتجنيده بدراسة ( رسالة التعاليم) للأستاذ حسن البنا ورسالة التعاليم تحتوي على أركان البيعة للإخوان المسلمين وهي إجمال لرؤية الإخوان حسبما قرر المؤسس حسن البنا في صورة أركان بيعة يتعهد الفرد بالالتزام بها .

وبعد مناقشة هذه الأركان تتم بيعة الفرد للجماعة على السمع والطاعة حسب نص متفق عليه وموروث من عهد المؤسس ليصبح هذا الفرد عضوا عاملا في جماعة الإخوان المسلمين ويحمل لقب ( أخ) ويلتزم احدي الأسر التنظيمية .

لم يكن تنظيم الإخوان مفتوحا للعضوية بل كانت العضوية فيه قائمة على مبدأ الانتقاء في محاولة لبناء تنظيم نخبوي نوعي لكن البعض يري أن " الإخوان لم يكونوا يتطلعون إلى بناء تنظيم نوعي بالدرجة الأولي بل إلى الانتشار المدروس الذي يحافظ على هوية التنظيم الفكرية ونقائه الأمني ويعتبر عبد السلام الحايك أن أسلوب الإخوان في التنظيم " لا يحتوي على أى عملية انتقاء نوعية فالنضج الفكري المطلوب لدي الفرد هو نضجه لقبول الانتماء ويري الحايك أن هذه الطريقة في تجنيد الأعضاء لم تقصر فقط في جلب نخب نوعية فقط بل إنها ساهمت في " إبطاء نمو تنظيم الإخوان " وذلك بسبب قلة أعداد الأعضاء العاملين القادرين على تشكيل أسر تنشيطية.

وكذلك فغن طول فترة وصعوبة الانتظام في جلسة أسبوعية لأفراد لا تجربة لهم, كان يؤدي إلى عدم وصول الكثيرين إلى خط النهاية إضافة إلى أن سرية الجلسة كانت تخيف الكثيرين.

5- الأسرة

هي اللبنة الأولي في البنية التنظيمية لحركة الإخوان المسلمين وتتكون من ثلاث أعضاء جدد ويترأسهم شخص يدعي ( النقيب ) ويقوم النقيب بتربية أعضاء الأسرة على مفاهيم وأفكار وأخلاق وقيم ووسائل عمل حركة الإخوان ويتابع أنشطتهم .

6- النقيب

النقيب هو العضو الذي اجتاز مرحلة التربية الأولي وأصبح قادرا على تأهيل وتربية غيره من الأفراد بحيث يكون قد مارس العمل التنظيمي مدة لا تقل عن سنتين ثم يجتازه دورة تأهيل خاصة وبعدها يتولي المسئولية عن أسرة مكونة من ثلاثة أفراد والنقيب هو أدني مرتبة تنظيمية في حركة الإخوان وينضم النقيب إلى مجلس يسمي النقباء ويترأسه شخص يدعي رقيب .

7- الرقيب

الرقيب هو المرتبة التنظيمية التالية بعد النقيب ويكون الرقيب مسئولا عن مجموعة من النقباء ويطلق على هذه المجموعة اسم ( مجلس النقباء) ويشرف هذا المجلس على متابعة النشاطات التربوية للأعضاء إضافة للأنشطة العامة التي يمارسها الأعضاء المنضوين تحت إطار هذا المجلس .

8- مجلس النقباء

هو مجلس يضم مجموعة من النقباء ( 3-4 نقباء ) ويرأسهم شخص يحتل رتبة رقيب ويشف على الناشطات التربوية والتنظيمية والأنشطة العامة وتنظيم الأعضاء الجدد في إطار الأعضاء المنضوين تحت إطار هذا المجلس .

9- مجلس الرقباء

هو مجلس يضم مجموعة من الرقباء ( 3-4 رقباء ) ويترأسهم الرقيب الأقدم أو الأكثر كفاءة ويشرف على الناشطات التربوية والتنظيمية والأنشطة العامة في إطار الأعضاء المنضوين تحت إطاره.

10 - اللجان

بالتدريج أنشأت الحركة مجموعة من اللجان التابعة للمكتب الإداري ومن أهم هذه اللجان اللجنة السياسية واللجنة الاقتصادية والجهاز العسكري والجهاز الأمني .

اللجنة السياسية

قرر الإخوان المسلمون في نهاية السبعينات تشكيل لجنة سياسية لبحث ما يجري من تطورات سياسية وتحديد المواقف منها خاصة أن هناك الكثير من التطورات قد تلاحقت وأثرت في الواقع الفلسطيني وأحدثت نقاشا داخل صفوف الإخوان منذ منتصف السبعينات وكان من أعضاء اللجنة السياسية يوسف رزقة , وإسماعيل أبو شنب , وعماد العلمي وعاطف عدوان .

قامت اللجنة السياسية بإعداد أرشيف من الصحف حول ما ينش من أخبار ومقالات وتقارير وقامت بكتابة التعميمات الداخلية لتثقيف أبناء الحركة وصاغت البيانات العامة التي حملت مواقف الحركة للجمهور إضافة إلى مساهمتها في تحديد موقف الحركة من القضايا المطروحة مثل خطة التنمية الأردنية والمؤتمر الدولي والاتفاق الأردني الفلسطيني .

اللجنة الاقتصادية

عندما تكاثرت أعداد المنتمين لحركة الإخوان المسلمين وتزايدت أعداد خريجي الجامعات من بينهم , بدأت تتزاحم الأفكار والاقتراحات لتطوير العمل وتوسيعه وفي هذا السياق بدأ التفكير بالتوجه للاستثمار الاقتصادي وذلك لتحقيق هدفين رئيسيين هما : توفير فرص عمل للخريجين والتأسيس لتوفير مصادر دخل لتمويل أنشطة الحركة ولتحقيق هذه الأهداف اتخذت الهيئة الإدارية العامة قرارا بتشكيل لجنة اقتصادية سنة 1983 وكان على رأس اللجنة الشيخ أحمد ياسين وعضوية موسي أبو حسين وآخرين .

تقدم الدكتور إبراهيم المقادمة باقتراح للجنة يقضي بإنشاء مزرعة للعجول رأسمالها خمسة آلاف دينار أردني وبالفعل تم تأسيس المزرعة وأشرف عليها أحد المهندسين الزراعيين لكن المزرعة لم تنجح فبعد حوالي سنتين من إنشائها انتهت إلى الفشل .

وأنشأت الحركة أيضا مكتبة المنار وهي مكتبة تجارية وأوكل سعيد بخيت بإدارتها , ساهمت هذه المكتبة بتوفير الكتاب الإسلامي وعملت في مجال القرطاسية لكنها لم تحقق أرباحا هذه التجارب البسيطة التي لم تنته إلى نجاح جعلت الحركة تتوصل إلى قناعة بأن المشاريع الاقتصادية المملوكة للحركة غير مجدية لهذا توقفت الحركة عن المبادرة إلي تأسيس مشروعات اقتصادية.

تخلل هذه الفترة اعتقال الشيخ أحمد ياسين عام 1984 وعندما خرج الشيخ من المعتقل أعيد استئناف نشاط اللجنة الاقتصادية وكان الشيخ على رأسها أيضا وكان من أعضائها موسي أو حسين ونبيل الزهارنة.

استخلصت اللجنة الجديدة العب من مصير المشاريع السابقة وقررت التوقف عن إنشاء مشاريع مملوكة للحركة بل ركزت نشاطها على تقديم القروض لمن يحتاج إليها من الشباب سواء كانت هذه القروض لغرض تأسيس مشاريع اقتصادية , أو للزواج , أو لأغراض الدراسة ومع اندلاع الانتفاضة بلغت حجم القروض التي قدمتها الحركة لأعضائها حوالي مائة ألف دينار أردني .

قرر الإخوان المسلمون عام 1980 بعد مشاورات بين الداخل والخارج على بدء الإعداد لخوض العمل العسكري ضد الاحتلال وصدر القرار عن مجلس شوري الإخوان المسلمين الفلسطينيين في الداخل والخارج والذي عقد في عمان وتم تشكيل مجلس عسكري بإشراف الشيخ أحمد ياسين وتعرض هذا المجلس لضربة من المخابرات الإسرائيلية واعتقلت قيادته وأعيد تشكيل الجهاز سنة 1986, ومرة أخري كان الشيخ أحمد ياسين مشاركا بفعالية في إعادة تأسيسه ونقتصر هنا على هذا القدر ونعود للحديث بالتفصيل عن هذا الموضوع في الفصل الرابع .

الجهاز الأمني

أنشأ الإخوان المسلمون سنة 1983 جهازا أمنيا في قطاع غزة وكان الهدف من هذا الجهاز متابعة ما يجري في قطاع غزة خاصة على صعيد نشاط العملاء ووقف على رأس هذا الجهاز الشيخ أحمد ياسين ومعه ثلاثة من الشباب هم : خالد الهندي ويحي السنوار وروحي مشتهي ونقتصر هنا على هذا القدر ونعود للحديث بالتفصيل عن هذا الموضوع في الفصل الرابع.

العلاقة بين الإخوان في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن

يقول زياد أبو عمرو من غير الواضح مدي التنسيق الذي يتم بين تنظيمات الإخوان في قطاع عزة والضفة الغربية فالإخوان يرفعون شعارا واحدا والأمر المؤكد هو أن هناك تفاهما وانسجاما إيديولوجيا وسياسيا لكن الممارسات اليومية العملية لم تكن منسجمة بالكامل وإن كان هناك تنسيق وقت الأزمات سواء من خلال إصدار بيانات أو من خلال إرسال أنصار إلى جامعات الضفة للمشاركة في المواجهات مع القوي الوطنية .

لكن في نفس الوقت يذكر أنه " بعد العام 1967 انضو الإخوان المسلمون في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن تحت لواء تنظيم إخواني فلسطيني أردني موحد يخضع لقيادة واحدة ويطلق عليه (الإخوان المسلمون في الأردن وفلسطين ) يتفق مع هذا الرأي شاؤول مشعال وأبراهام سيلع حيث يذكران أن الإخوان المسلمين استفادوا من سهولة الاتصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتؤكد مصادر حركة الإخوان المسلمين أنه بعد العام 1967 استطاعت الحركة أن تبني تنظيما موحدا في الضفة الغربية وقطاع غزة

صناعة القرار لدي الإخوان المسلمين في قطاع غزة

اتخذت الحركة في فترة الدراسة مجموعة من القرارات التي يمكن وصفها بأنها قرارات كبيرة وهذه القرارات هي :

1- إعادة بناء التنظيم وتطويره حسب المعطيات المستجدة وإعطاء الأولوية للتربية وتأجيل المقاومة .

2- تأسيس مجموعة من مؤسسات المجتمع المدني .

3- الانخراط في العمل النقابي .

4- اتخاذ القرار بالاستعداد والبدء بالعمل العسكري.

5- الدخول في مجموعة من المواجهات والمصالحات مع القوي الوطنية.

6- تطوير بنية التنظيم واستحداث مجلس الشورى واعتماد إجراء الانتخابات الدورية لاختيار قيادات الحركة.

يتضح من خلال استطلاع آراء مجموعة كبيرة من قيادات وكوادر حركة الإخوان أن اتخاذ القرارات كان في الغالب يتم بصورة مبسطة للغاية فأعضاء التنظيم لا زال عددهم قليلا وغالبيتهم منسجمون بشكل كبير مع أنفسهم وأهدافهم وقياداتهم وكلما تقدم النشطاء من الكوادر بفكرة أو مشروع كان الشيخ أحمد ياسين يعطي موافقته بدون تعقيدات أو بيروقراطية ويقنع بقية أعضاء القيادة بهذا القرار وتنطبق هذه الطريقة المبسطة على مجمل القرارات باستثناء قرار العمل العسكري الذي كان يستغرق قدرا كبيرا من التشاور والدراسة والتواصل بين الداخل والخارج .

ويضاف إلى ما تقدم أن القرارات اتخذت أحيانا – مثل قرار تشكيل مجلس شوري – استجابة لضغوط ونقاشات وحراك داخلي ونقاشات بشأن إعادة ترتيب الأولويات وكذلك كمحاولة لاستيعاب هذا الحراك والحفاظ على متانة الصف الداخلي وتخليصه من التوترات .

العلاقة بين القيادة والقاعدة

يتحدث أعضاء الإخوان المسلمين عن حميمية العلاقات الداخلية بين الأفراد مع بعضهم البعض وبين القاعدة والقيادة ويعزون ذلك إلى قلة الأعداد في بدايات تأسيس الحركة إضافة إلى صرامة الالتزام بالمبادئ والقيم خاصة أن أحد أركان البيعة هو " الإخوة" وعندما كان يشعر الأعضاء بأن لديهم شكوي أو انتقاد كانوا يتوجهون لمسئولهم المباشر فإن استجاب لهم تيسرت الأمور, وحدث أن اشتكي بعض الإخوة في المسجد من شدة مسئوله , فما كان من الشيخ إلا أن أحضر المسئول وتباحثوا جميعا في الأمر وأعطي الشيخ تعليماته للمسئول بتغيير طريقته في التعامل مع الأفراد وخرج الجميع يغمرهم الرضا.

لكن عبد السلام الحايك يسجل مجموعة من الانتقادات للعلاقات السائدة داخل تنظيم حركة الإخوان بناء على تجربته الشخصية وتتمثل هذه الانتقادات في النقاط التالية : النقطة الأولي تتمثل في اعتماد التنظيم على تقديم التقارير الشفوية من المستويات الأدنى إلى الأعلى معتبرا أن هذه التقارير عرضة للتحريف وسوء الفهم خاصة أنه يتم اختصار التقارير في كل مرحلة خاصة إذا كان الذين يقدمون التقرير غير مدربين على هذا النوع من التقارير ويبدو أن الحايك يعتبر أن التقارير التي تنقل عن الأفراد وتقييماتهم عبر نقيبهم هي التقارير الوحيدة التي يجري تداولها داخل التنظيم وهذا غير صحيح فكل أسرة ترفع تقريرها عبر النقيب وكذلك كل منطقة وكل لجنة وكل مسجد وهكذا فإن التقارير متنوعة بعضها عن الأفراد والبعض الآخر عن الأنشطة التي يمارسها الأفراد أو اللجان أو المساجد.

والنقطة الثانية من الانتقادات هي أن صوت الأفراد يختفي تقريبا ولا يظهر في الأوساط القيادية إلا ما ينقله المسئولون ويذك أن التقارير تختصر ويسقط بعضها في الطريق إلى مجلس النقباء نظرا لضيق الوقت وكثرة المشاغل وتنحصر مسئولية مجلس النقباء في متابعة ما يرشح من مشاكل ومعلومات أن وجد الوقت الكافي لذلك أما مجلس الرقباء فإن صوت الأفراد يختفي تقريبا ويذهب الحايك إلى القول أن عناصر التأثير المتبادل بين الطرفين تأخذ اتجاها واحدا ومتقطعا من أعلي إلى أسفل .

لكن الحايك يعود ليقول أن الاتصالات الفعالة بين الأفراد والقيادة كانت تتم من خلال تجاوز أو اختصار القنوات التنظيمية العادية وكانت هذه القنوات المختصرة هي وسيلة القيادة الفعالة الأولي لمعرفة ما يجري داخل التنظيم وإدراك التنظيم وإدراك طبيعة المشاكل والضرورات ومن ثم علاجها ويعتبر الحايك أن هذه وسيلة جيدة ولكنها تنبئ عن عيب في بنية التنظيم يجب علاجه لأنها تعطل القنوات التنظيمية الرسمية.

ويستنتج الحايك أن ماكينة العمل الحقيقية لتنظيم الدعوة لم تكن في الهرم التنظيمي الأساسي ويعتبر أن الفعالية كانت من خلال اللجان والأجهزة الفرعية والأطر النقابية وهي لجان ذات مرونة واسعة ولا مركزية في الغالب , يعتبر الحايك أن الإخوان أثبتوا تميزا في كل هذه الساحات منحهم فرصة التحول إلى طرف مركزي في الساحة الفلسطينية منذ وقت مبكر .

يمكن القول أن انتقادات الحايك تعكس تجربة شخصية حدثت معه في منطقته وبالتالي لا يمكن تعميمها على التنظيم بشكل كامل لكن إن صح ما يقوله في هذا الصدد فإن حركة تعيد بناء صفوفها بعد أن فقدت غالبية عناصرها وكوادرها لا يتوقع المرء منها أن تعمل وفق اللوائح والأطر التنظيمية بشكل صارم خاصة في المراحل الأولي لإعادة بناء التنظيم بل إن المراقب يتوقع تدخلات أكثر سفورا من جانب القيادات ذات الخبرة لكي تعوض ضعف الخبرات عند النشطاء الميدانيين.

المبحث الثاني التنظيم النسائي

بدأ العمل الموجه للمرأة منن نقطة الصفر على صعيد النشاط والعمل لكن على صعيد الرؤية وتحديد الأدوار فإن الميراث الفكري للإخوان المسلمين كفل هذه المسألة ويستند الإخوان في تصورهم وعلاجهم لقضية المرأة إلى النصوص الشرعية الإسلامية فهم , فهم يهتمون بالمرأة لأنها العامل الأول في صياغة الناشئة ومن ثم فهي المؤثر الأول في اتجاه الأمة ولأنها أساس الأسرة التي هي عندهم قاعدة المجتمع ويعتقدون أن الإسلام جعل المرأة شريكة الرجل في الحقوق والواجبات وأنها مساوية للرجل في الإنسانية والقدر وأنه كفل لها حقوقها الشخصية والمدنية والسياسية بشكل كامل وعاملها على أنها إنسان كامل الإنسانية له حق وعليه واجب.

ويعتقد الإخوان أن نظام المجتمع المسلم يقوم على منع الاختلاط وعلى فرض الحجاب الشرعي على المرأة وتحريم التبرج , ومنع خلوتها بالأجنبي حرصا على سلامة المجتمع من شيوع الفاحشة ويستندون في تقري ذلك إلى النصوص الشرعية ويري الإخوان أن التجاذب الفطري أساسي في العلاقة بين المرأة والرجل وأن غايته التعاون على حفظ النوع واحتمال متاعب الحياة وقد نظم الإسلام الزواج بالتربية والتشريع وحدد العلاقة بين الزوجين في البيت على أساس التشاور والمعاملة بالمعروف وقوامة الرجل .

وبالنسبة لعمل المرأة فهم يرون أن أساسه في البيت مع زوجها وأولادها وإذا دعتها ضرورة لغير ذلك فعليها الالتزام بشروط الخروج ويرون أن لها أن تذهب إلى المساجد والمداس وما تضطر إليه من أعمال ويرون أن تعليم المرأة ضروري في حدود الاهتمام بالتهذيب وتعليمها ما لا غني عنه مثل الدين والتاريخ والحساب وتدبي المنزل وتربية الأطفال بحيث يمنع الاختلاط في مراحل التعليم المختلفة .

وعلي صعيد تفاعل المرأة مع حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة فإنه يمكن تقسيم فترة الدراسة إلى مرحلتين : المرحلة الأولي منذ العام 1967-1979, والمرحلة الثانية منذ العام 1980 -1987.

في المرحلة الأولي لم يتم تنظيم أى امرأة ولم تكن مشاركة المرأة في العمل التنظيمي شائعة في ذلك الوقت ولم يكن موضوع المرأة مطروحا للنقاش العام إذا كان تركيز أغلب الفلسطينيين ينصب على فكرة التضحية من أجل الوطن وبالتالي فلا مجال للحديث عن حقوق أو دور لشرائح اجتماعية ضعيفة أو مهمشة إضافة إلى المجتمع الفلسطيني بشكل عام كان يعتبر أن الدور الأساس للمرأة هو داخل بيتها وأن مشاركتها في الحياة العامة يترتب على وجود ضرورة وفي هذا السياق تعزو نضال الهندي العوامل التي تحد من نشاط المرأة إلى واقع المجتمع الفلسطيني كان ما يزال ينظر إلى المرأة على اعتبار أنها ضلع قاصر .

لكن قيادة الحركة ممثلة بالشيخ أحمد ياسين وبعض الكوادر الأخرى بدأت توجه بعض الاهتمام للمرأة وعلى سبيل المثال فقد حرص الشيخ أحمد ياسين على تنظيم ندوة أسبوعية لنساء في مسجد العباس منذ مطلع السبعينات كانت تغلب على هذه الندوات الطابع الفقهي وتعريف النساء بأحكام الدين العامة والأحكام الخاصة بالنساء وحث المرأة على التزام الحجاب الابتعاد عن السفور والاختلاط وما يسميه الإخوان الإفراج الماجنة والدور المركزي للمرأة في رعاية البيت والأسرة.

وشهدت هذه المرحلة اهتمام الحركة بطباعة ونش بعض الكتب الإسلامية الخاصة بالمرأة كما سعت قيادات الحركة لإقامة مصليات للنساء محلقة بالمساجد وتجدر الإشارة إلى أن ذهاب المرأة للصلاة في المسجد لم يكن مألوفا في قطاع غزة في ذلك الوقت , وإنشاء مصليات للنساء ووجه أحيانا برفض أئمة المساجد كما حدث مع محاولة الدكتور إبراهيم المقادمة بناء مصلي للنساء في المسجد الكبير لمخيم البريج فرفض إمام المسجد في بداية الأمر ولم يوافق إلا بعد جهود كبيرة بذلها الدكتور إبراهيم لإقناع الرجل .

أما المرحلة الثانية فقد بدأت عندما توجهت ثلاث طالبات في المرحلة الثانوية من حي الشجاعية إحداهن طالبة تدعي رجاء الحلبي طلبن منه أن يزودهن بالأسلحة لمقاومة الاحتلال فأدار الشيخ معهن حوارا حول فلسطين ومكانتها وضرورة الاستعداد للمقاومة وأعطاهن كتاب ( الشباب والتغيير) للداعية الإسلامي فتحي يكن وأخذ معهم موعدا لنقاش الكتاب وتكررت زيارات الفتيات الدورية للشيخ عام 1979 وبعد فترة ليست طويلة أخذ منهن البيعة وكانت هذه هي أول أسرة تنظيمية في صفوف الأخوات .

انطلقت الطالبات الثلاثة للعمل في مساجد الشجاعية ونظمن العديد من الندوات وحلقات تحفيظ القرآن وظل الشيخ أحمد ياسين هو الذي يتابع المجموعة تنظيميا وتربويا , وتزايدت اطلاعات الفتيات الثلاثة للكتب الإسلامية المتوافرة في مكتبة مسجد الإصلاح في حي الشجاعية.@@

وفي نفس الوقت كانت تتبلور في الجامعة الإسلامية مجموعة من الطالبات المتدينات حيث جرت انتخابات لهيئة الطالبات في الجامعة الإسلامية هي مكونة من سبع طالبات تمثل الجسم الطلابي أمام الإدارة وتشرف على الأنشطة الطلابية وبرز من بين أعضاء الهيئة كل من إيمان عمار ( رئيسة الهيئة ) وزميلتها ماجدة عنان وكانتا متدينتان بالفطرة وبشكل تلقائي غلب طابع التدين على أنشطة الهيئة وكان يجري التنسيق مع إدارة شئون الطلاب في الجامعة إضافة إلى رئيس مجلس الطلاب .

وفي صيف عام 1980 نظمت هيئة الطالبات مخيما صيفيا أقبلت عليه الطالبات وحظي المخيم باهتمام لطفي شبير الذي كان يعمل محاضرا في كلية الشريعة بالجامع وأبدي استعداده لتقديم المساعدات وتم التنسيق عبره لعقد مجموعة من المحاضرات في المخيم الصيفي التي تركز على قضايا المرأة إضافة إلى الجانب الفكري الذي يركز على أن الإسلام هو المنهج الصالح للحياة وأن الأفكار العلمانية لا يمكن أن تصلح واقع المسلمين وبعد ذلك برز أحمد أبو حلبية وأبدي اهتماما بهيئة الطالبات من خلال تقديم المساعدات لها ثم التحقت رجاء الحلبي وزميلاتها عام 1980 بالجامعة الإسلامية وبدأن الاحتكاك بهيئة الطالبات وفي الانتخابات التالية رشحت رجاء الحلبي نفسها لانتخابات هيئة الطالبات وفازت هي ومجموعة أخري من الطالبات لم يكن هنالك جسم متماسك من الطالبات حتي هذه اللحظة ولم تكن أغلب الفائزات في الانتخابات يعرفن بعضهن البعض لكن اتضح لهن بعد الفوز أن غالبيتهن من المتدينات باستثناء طالبة واحدة كانت تمثل الجبهة الشعبية وتدعي نادية أو نحلة وفازت برئاسة اللجنة الفنية .

وكانت الهيئة الجديدة برئاسة الطالبة رويدة محسن وعضوية رجاء الحلبي وسفجان الشامي وقامت الطالبة نادية أو نحلة بتجميد عضويتها في الهيئة بسبب شعورها بالغربة بين معظم الفائزات فأضيفت إيمان عمار لتقوم بأعمال اللجنة الفنية بدلا من نادية أبو نحلة .

اهتمت هيئة الطالبات الجديدة بخدمة الطالبات في مجالات عديدة منها التنسيق مع شركات الباصات لنقل الطالبات وكان التنسيق متعبا في ذلك الوقت بسبب قلة عدد الطالبات وبالتالي فإن عملية نقل الطالبات من الجنوب والشمال من الجامعة وإليها لم يكن مجديا لشركات الباصات الأمر الذي تطلب توفير شيئا من الدعم المالي لكي تصبح العملية مجدية للشركات وقامت لهيئة أيضا بإجراء البحث الاجتماعي من خلال الذهاب إلى بيوت الطالبات المحتاجات للإعفاء من الرسوم وإلى جانب ذلك كانت طالبات الهيئة تقوم بكتابة المحاضرات في العديد من المساقات الدراسية على روق الستانسيل لكي تطبع بكميات تكفي لكل الطالبات وكان الدافع لهذا الأمر سببان الأول يتمثل في الرغبة في خدمة الطالبات للحصول على الثواب .

والسبب الثاني هو تعبير عن الإحساس بالمسئولية تجاه الجامعة الناشئة والرغبة في مساندتها ودعمها حتى تزداد قناعة الناس بها وبفلسفتها الإسلامية التي بدأ البعض يثير اعتراضات عليها .

واهتمت هيئة الطالبات بإحياء المناسبات الدينية ( مثل المولد النبوي والهجرة النبوية والإسراء والمعراج) والوطنية ( مثل يوم الأرض ) وركزت على عرض المسرحيات الهادفة في هذه الاحتفالات التي كانت من إعداد الطالبات في الغالب ومن أشهر هذه المسرحيات مسرحية تعرضت للتجاذبات الفكرية والسلوكية التي كانت تعيشها الطالبات المستجدات في الجامعة وركزت على إدانة السلوكيات غير الأخلاقية التي تنشد إليها بعض الطالبات فاعتب الاتجاه الوطني داخل الجامعة أن هذه المسرحية تربط بين التوجه الوطني والسلوكيات غير الأخلاقية وتقدمت مندوبة الاتجاه لوطني بشكوى لدي إدارة الجامعة وبعد التحقيق وقراءة النص من قبل رئيس الجامعة الدكتور رياض الأغا ظهر أن المسرحية تفصل بين التجاذبات الفكرية من جهة والتجاذبات السلوكية من جهة أخري وانتهي الموضوع عند هذا الحد.

وفي صيف العام 1982 نظمت هيئة الطالبات مخيما صيفيا شارك فيه الشيخ أحمد ياسين وتحدث عن أفضلية الخيار الإسلامي وفي هذا المخيم وجهت بعض الطالبات أسئلة للشيخ أحمد ياسين عن سبب عدم قيام الحركة الإسلامية في فلسطين بالجهاد ضد الاحتلال كما يفعل المجاهدون الأفغان ضد الاحتلال السوفيتي في أفغانستان وشارك في المؤتمر المحاضر في الجامعة الإسلامية يونس الأسطل وقدم تفسيرا لسورة النور .

منذ العام 1983 ظهرت الكتلة الإسلامية بشكل رسمي في الجامعة وفي المقابل برزت الكتل الوطنية بشكل واضح في الجامعة وانعكس هذا على الدعاية الانتخابية والسلوك العام إذ لم يعد التوجه العام الغالب على هيئة الطالبات هو التدين الفطري وحسب بل بدأ التوجه الحكيم واضحا ورسميا على أنشطة الهيئة ثم بدأت الهيئة الجديدة تطالب بتحويل الهيئة إلى مجلس طالبات له شخصيته المستقبلة عن مجلس الطلاب وله ميزانيته الخاصة أيضا تفاعل مجلس الطالبات مع الهموم الوطنية وشارك في أعمال التضامن مع المواطنين الفلسطينيين الذين يتعرضون لبطش الاحتلال.

ومن أبرز الأعمال التي قام بها مجلس الطالبات قيامه بتشكيل وفد للتضمن مع طالبات المدرسة الثانوية في جنين اللاتي دخلن المستشفي بسبب شربهن مياه قام المستوطنون اليهود بتسميمها وقد تزامنت زيارة مجلس الطالبات مع زيارة نظمها مجلس الطلاب للمستشفي في جنين وخلال الزيارة ألقت قوات الاحتلال القبض على الطلاب واعتقلتهم واحتجزت هويات الطالبات وحددت لهن مواعيد لمقابلة ضباط المخابرات الإسرائيلية في جنين.

واستمرت الفعاليات واتسعت ولم يأبه مجلس الطالبات بتهديدات الاحتلال لكن عضوات المجلس أبدين حرصا وحذرا أكب خلال ممارسة الفعاليات والأنشطة والتنقل من مكان غلى مكان .

واستمر الشيخ أحمد ياسين في متابعة العمل النسائي من الناحية التنظيمية والتربوية وأوكل الشيخ أمر متابعة أنشطتهن الطلابية داخل الجامعة للأستاذ أحمد أبو حلبية الذي يعمل محاضرا في الجامعة.

ولم يقتصر الأنشطة داخل الجامعة طلائع النشاط النسائي لإعطاء الندوات في مساجد قطاع غزة وبدأت عملية تأسيس أنوية في كل مسجد من مساجد قطاع غزة ومع الوقت توسعت أنشطة المساجد ولم تعد تقتص على الندوات بل أقيمت الاحتفالات بالمناسبات الدينية وحلقات تحفيظ القرآن وتم تنظيم الرحلات إلى القدس ومدن فلسطين المحتلة عام 1948.

تذكر إصلاح جاد أن " الطالبات الإسلاميات, شأنهن في ذلك شأن الطالبات الأخريات اليساريات والوطنيات كن جزءا عضويا في كل المعارك للسيطرة على المؤسسات الإسلامية وبالفعل فقد تأثر التنظيم النسائي الناشئ في ذلك الوقت بالصراع السياسي الذي كان دائرا على هوية الجامعة الإسلامية بين قوي منظمة التحري الفلسطينية وبين حركة الإخوان وكان التأثير الأكبر للصراع مع اليسار إذ عول اليسار على استخدام الكتلة الطلابية في قسم الطالبات في هذا الصراع وحاولت طالبات اليسار تنظيم فعاليات رأتها الكتلة الإسلامية وإدارة الجامعة مستفزة واتخذت الإدارة قرارات فصل بحق احدي طالبات اليسار وهي مروة قاسم .

تطور الأم فتعرضت احدي طالبات الكتلة الإسلامية يسري حمدان لعملية طعن في وجهها وهي في طريقها للجامعة لكن الظروف الموضوعية – من الناحية الفكرية والعملية ساعدت طالبات وقيادات التنظيم النسائي على تجاوز هذه الأزمة فاليسار فكريا وسياسيا كان يتراجع وبسرعة كبيرة كما أن الرأي العام الفلسطيني لم يكن ليقبل ما قامت به طالبات اليسار من تحدي لإدارة الجامعة وأعرافها وقوانينها.

عندما تكاثر عدد الطالبات المنتميات للحركة من مختلف مناطق قطاع غزة بدأت تتشكل في كل مسجد نواة وتسابقت هذه الأنوية على عقد النشاطات المختلفة والمتنوعة في المساجد وبدأت تتشكل مجموعات نشطة داخل المدارس الثانوية.

وفي العام 1984 وقبيل اعتقال الشيخ أحمد ياسين أصبح هناك تنظيم للأخوات مقسم إلى مناطق رئيسية وفرعية وبدأ العمل على تطوير قيادات محلية للعمل في المساجد وفي رياض الأطفال ورغم هذا التقدم في العمل إلا أن المرأة لم تكن قادرة على القيام بكل الأدوار داخل التنظيم وفي الأنشطة العامة لا زال الشيخ أحمد ياسين هو الذي يأخذ البيعة من الأخوات ولا زال الإخوة هم الذين يلقون أغلب الندوات والمحاضرات في تجمعات الأخوات إضافة إلى إشراف الإخوة على تنظيم الرحلات الخارجية التي يتم تنظيمها لمدن الضفة الغربية أو فلسطين المحتلة عام 1948 .

يمكن القول أن وجود الانتخابات في قسم الطالبات بالجامعة الإسلامية بغزة ساعد بشكل كبير على تنمية قدرات المرأة في تنظيم الإخوان لأنه أتاح للطالبات خوض تجارب ليست متاحة لهن في أى مكان آخ ففي كل عام تجري انتخابات وتسبقها استعدادات دعائية وهذا يتطلب صراع مع الكتل الطلابية المختلفة كل هذا ساعد على إبراز مجموعة قيادية ذات ثقة عالية بالنفس خاصة كل أولئك اللاتي ترأسن مجلس الطالبات .

وتعززت قناعات التنظيم النسائي بنفسه وبقدرات الأخوات على الفعل والتأثير من خلال المساهمة الفاعلة في المظاهرات التي كانت تحدث في الجامعة عام 1986, 1987 حيث كان بقاء الطالبات في الجامعة هو بمثابة درع بشري يحمي الطلاب ويساهم في تحريك كافة شرائح المجتمع لفك الحصار عن الجامعة وهذا أكسب التنظيم النسائي ثقة بأن الحضور المرأة في العمل الإسلامي والوطني له أثر كبير.

خاض العمل النسائي في بداياته ما يمكن تسميته معارك في مواجهة السفور والاختلاط والأفراح الماجنة فالمجتمع الفلسطيني حتى نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات لم يكن يقبل حجاب المرأة وكان على الفتاة التي تقرر لبس الحجاب أن تخوض مواجهة ضارية مع الأهل حتى تقنعهم أو تفرض عليهم قبول ارتدائها الحجاب ونفس الأم ينطبق على امتناع الفتاة الملتزمة بحركة الإخوان عن حضور الأفراح المختلطة كان ميدانا آخر للمواجهة مع الأهل والمجال الثالث للمواجهة يتمل في امتناع الفتاة الملتزمة عن مصافحة بني عمومتها في مناسبات الأعياد أو الأفراح أو في أى مجال للاحتكاك الاجتماعي .

المبحث الثالث العمل الطلابي في المدارس

اهتمت حركة الإخوان المسلمين بالطلاب اهتماما كبيرا حيث بدأ الشيخ أحمد ياسين بتنظيم أنشطة للطلاب في المسجد الشمالي بمعسكر الشاطئ وكذلك في مسجد العباس في حي المال بمدينة غزة إضافة إلى اهتمامه بالنوابغ من الطلاب في مدرية الكرمل الابتدائية التي كان يعمل بها بعد العام 1967, وكان من بين الطلاب الذين تعلموا في حلقات المساجد عند الشيخ أحمد ياسين , أو على مقاعد الدراسة عدد من الأطفال الذين أصبحوا فيما بعد قيادات في حركة الإخوان أو دعاة معروفين مثل : إسماعيل أبو شنب وأحمد أبو حلبية وخليل القوقا وأحمد بحر وغيرهم .

لم يتوقف نشاط الشيخ أحمد ياسين واحتكاكه بالطلاب عند حدود معسكر الشاطئ أو حي الرمال , بل امتد ليشمل مناطق عديدة من قطاع غزة وعلى هذا الصعيد كان له تأثير على مجموعات أخي من الطلاب مثل فتحي الشقاقي الذي يسكن في رفح وإبراهيم المقادمة الذي كان يسكن في جباليا وغيرهم .

عندما تزايد عدد الطلاب الموالين للإخوان المسلمين في المداس الثانوية بدأ الشيخ أحمد ياسين يحثهم على الاستفادة من الجمعيات الطلابية التي كانت تنظمها إدارات المدارس للإشراف على الأنشطة الطلابية مثل الجمعية العلمية الجمعية الفنية , والجمعية الإسلامية , وكانت الجمعية الإسلامية هي الأكثر نشاطا حيث تم اتخاذها واجهة قانونية لممارسة الأنشطة الإسلامية في أوساط الطلاب داخل المدرسة.

وتمكنت الجمعيات الإسلامية التي انتشرت في أغلب المدارس الثانوية من تخصيص غرفة في المدرسة لكي تكون مسجدا تؤدي فيه الصلاة وتعقد فيه الندوات ويجري فيه الالتقاء والتعارف بين الطلاب الموالين للحركة إضافة إلى استقطاب طلاب جدد, وإقامة ندوة أسبوعية ظهر يوم الخميس .

وتمكن طلاب الجمعية الإسلامية من السيطرة شبه الكاملة على الإذاعة المدرسية وذلك من خلال قدراتهم الخطابية وانتشارهم في الصفوف المختلفة كما اهتمت الجمعيات الإسلامية في المداس بإحياء المناسبات الدينية مثل الهجرة النبوية والمولد النبوي و وذكرى الإسراء والمعراج عبر احتفالات أمام طابور الصباح.

ويذكر خالد الخالدي أن بعض المدرسين الشيوعيين حاولوا سحب البساط من تحت أقدام الجمعية الإسلامية , فاقترحوا في مدرسة فلسطين الثانوية توزيع أيام الأسبوع على المواد الدراسية المختلفة , بحيث يخصص يوم للدين وآخر للجغرافيا ورابع للعلوم وهكذا والهدف هو منع طلاب الجمعية الإسلامية من السيطرة على الإذاعة, لكن هؤلاء الطب تكيفوا مع الواقع الجديد, وأخذوا- كل في فصله – يختارون موضوعات تاريخية وجغرافية وفيزيائية تخدم الفكرة الإسلامية .

ويضيف الخالدي أن نفس المدرس لم يستسلم عندما وجد انه لم يستفد من اقتراحه , فطالب هذا المدرس أن يكون له ولغيه من المدرسين فرصة للحديث عبر الإذاعة المدرسية وخلال كلمات هذا المدرس وكنتيجة لها حدثت نقاشات حادة بينه وبين خالد الخالدي وخالد الهندي وهما من المسئولين عن الجمعية الإسلامية في مدرسة فلسطين الثانوية بمدينة غزة لقد تم تنظيم الكبير من هذه الأنشطة أحيانا باتفاق تام مع إدارت المدارس وأحيانا كانت تحدث تواترات بين ناظر المدرسة وبين الجمعية الإسلامية ومن هذه التوترات ما حدث عام 1979 حيث استضافت الجمعية الإسلامية في مدرسة فلسطين الثانوية بمدينة غزة الداعية المعروف حازم السراج في محاضرة تم الإعلان عنها على أنها محاضرة متخصصة في نظرية النشوء والارتقاء لدارون وأعطي ناظر المدرسة موافقته على هذه المحاضرة وخصص احدي قاعات المدرسة لعقدها لكن المحاضر تطرق لموضوعات عديدة منها السياسي والفكري والوطني , إضافة إلى نظرية النشوء والارتقاء .

ويري المسئولين عن الكتل الإسلامية أن المحاضرة نجحت حيث حضها غالبية الطلاب المدرسة البالغ عددهم 500 طالب حينها استدعي ناظر المدرسة مسئولي الجمعية الإسلامية – وهو الطالب خالد الهندي – فيما بعد بأنك إن أدت عقد مثل هذه الأنشطة فلا تخبرني وبعد عقد النشاط قد أستدعيك ظاهريا وأعاقبك ظاهريا لكي أحمي نفسي ولا أتعرض لمساءلة من قبل الجهات الرسمية .

وفي مدرسة لكرمل الثانوية قامت الجمعية الإسلامية سنة 1983 باستضافة الأستاذ خليل القوقا لإلقاء خطاب في حفل الإسراء والمعراج أمام طابور الصباح – دون علم الأستاذ أحمد الكرد ناظر المدرسة الذي فوجئ بقدوم الأستاذ القوقا – وقد تطرق القوقا في خطابه إلى الاحتلال وأدان سياساته وتحدث عن اليهود ومكرهم وخداعهم .

وعلى الأثر قامت سلطات الاحتلال بعزل ناظر المدرسة عن عمله و ونقله لكي يعمل مدرسا في مدرسة أخري وقد كان لهذا الحادث وقع الصاعقة على طلاب الجمعية الإسلامية الذين شعروا أنهم مسئولون عن إلحاق الأذى برجل قدير في عمله .

تنوعت أنشطة الجمعيات الإسلامية بين الأنشطة الثقافية سابقة الذكر إضافة إلى تنظيم رحلات إلى شاطي البحر تستهدف تعميق الرابطة بين الطلاب والنشطاء في إطار الجمعية الإسلامية في كل مدرسة, وتزويدهم بالخبرات الضرورية لنشاطاتهم من خلال استضافة محاضرين من ذوي الخبرة في العمل الطلابي وفي كل عام كان يجري تنظيم رحلة أو اثنتين إلى مدن فلسطين المحتلة عام 1948, أو إلى مدن الضفة الغربية خاصة مدينتي القدس والخليل لما لهما من مكانة دينية وتاريخية بشكل عام كانت الرحلات تجمع بين وظيفة الترفيه والتثقيف والتعبئة ومحاولة استقطاب عناصر جديدة .

عملت الجمعيات الإسلامية منذ العام 1979 على تقديم خدمات لعامة الطلاب فأصدرت كتابا يضم جميع امتحانات الثانوية العامة مدة عشر سنوات سابقة ويشتمل هذا الكتاب على إجابات نموذجية للأسئلة وقد لفتت هذه الخدمة – التي اعتبرها الكثيرون نوعية في حينه – الأنظار إلى الجمعيات الإسلامية على أنها جسم طلابي له حضوره واحترامه وقد أصبح هاذ العمل تقليد سنوي تقوم الجمعيات الإسلامية بتجديد طباعته وإضافة الأسئلة الجديدة له وتجدر الإشارة إلى أن هذا العمل اكتسب أهميته من خلال الأهمية التي تحظي بها الثانوية العامة في المجتمع الفلسطيني

وفي سنوات السبعينات ومع انطلاقه العمل الطلابي في المدارس كان التنافس حادا بين الطلاب الإسلاميين وبين الشيوعيين وتجدر الإشارة إلى أن حركة فتح لم يكن لها حضور في أوساط الطلاب في ذلك الوقت وكانت موضوعات النقاش المطروحة موضوعات فكرية ودينية تطرقت في الكثير من الأحيان إلى وجود الله سبحانه وتعالي إضافة إلى التنافس على الجمعيات والأنشطة داخل المدرسة وقد حدث سنة 1980 صراع وصل حد الاشتباك بالأيدي والهراوات بين الجانبين في مدرسة فلسطين الثانوية.

وبعد العام 1984 بدأت حركة الشبيبة الطلابية ( وهي الذراع الطلابي لحركة فتح) بالتواجد في المدارس وتستقطب أعدادا متزايدة من الطلاب وأصبح التنافس قائما بين طلاب الجمعيات الإسلامية وبين الشبيبة ودخل إلى حيز التنافس النقاش السياسي بشأن الموقف من القضية الفلسطينية وممارسة الكفاح المسلح وتعاطي مع الحلول السلمية للقضية الفلسطينية وتنافس الفريقان كذلك على تأكيد الحضور داخل المدارس من خلال القيام بأعمال تطوعية فيها خدمة لمدرسة مثل زراعة حدائق المدارس أو توفير بعض الاحتياطات للمدرسة أو مساعدة المحتاجين من الطلاب.

ودخل إلى حيز التنافس في هذه المرحلة المشاركة في المظاهرات ضد قوات الاحتلال في المناسبات الوطنية مثل يوم الأرض أو السابع من مارس وذكري وعد بلفور المشئوم وغيها من المناسبات الوطنية.

وفي العام 1984 تم تشكيل جهاز مركزي للإشراف على نشاط الجمعيات الإسلامية في المدارس الثانوية وكان يقف على رأس هذا الجهاز المهندس عماد العلمي وتم تعيين مسئول عن كل مدرسة من خارجها يرتبط مباشرة مع عماد العلمي وفي ظل وجود الجهاز المركزي للأنشطة الطلابية منحت صلاحيات واسعة للجمعية الإسلامية في كل مدرسة على حدة فقد كان النشطاء من أعضاء الجمعية ينتخبون بالاقتراع السري اللجنة المشرفة على النشاط واللجنة تنتخب من بين أعضائها أمير .

وتقوم هذه اللجنة بالتخطيط وتنفيذ كل ما تراه من أنشطة سبق الحديث عنها أما الجهاز المركزي فكان يختص بنقل التجربة للجان الجديدة وينسق الأنشطة المشتركة بين المداس المختلفة سواء كانت رحلات مشتركة أو دوريات كرة قدم بين المدارس أو مسابقات ثقافية على مستوي مدارس المدينة أو على مستوي قطاع غزة أو عقد دورات تأهيلية لكوادر العمل الطلابي في المدارس عن الدعوة الفردية وتكوين الصداقات مع الطلاب بهدف استقطابهم .

لم تكن المخابرات الإسرائيلية تغمض أعينها عما يجري في المداس من أنشطة طلابية لكن هذه الأنشطة جميعها كانت مدنية وثقافية وليست عنيفة فقد اقتصر نشاط المخابرات الإسرائيلية على الاستدعاءات المكثفة والاستجواب وتوجيه الأسئلة والاستفسارات عن الأنشطة والنشطاء والأصدقاء وكان الاستدعاء لا يقتص على مرة واحدة بل كان يجري تمديده حتى يشعر الشباب بالارتباك وأنهم تحت المراقبة وفي الكثير من الأحيان كانت المخابرات تضغط على الطلاب وتحاول إسقاطهم في شباك العمالة وحصل في العام 1984 أن تم اعتقال أحد نشطاء الجمعية الإسلامية في مدرسة يافا – وهو الطالب أسمة المزيني – لمدة 40 يوما وخضع لتحقيق مكثف وفي نفس العام جري اعتقال أمير الجمعية الإسلامية في نفس المدرسة – وهو الطالب عبد السلام الحايك – لمدة أسبوع أثناء تقديم امتحانات الثانوية العام الأمر الذي جعله يخسر عاما كاملا ويضطر لإعادة امتحان الثانوية العامة في العام التالي ورغم ذلك لم تكن هذه الإجراءات لتحد من الأنشطة التي أصبحت أكثر كثافة من ذي قبل .

الكتلة الإسلامية

يعتقد البعض أن الكتلة الإسلامية أنشئت مع بداية إنشاء الجامعة الإسلامية سنة 1978 بينما يؤكد عدد من قادة ومؤسسي الكتلة الإسلامية أنها تأسست بعد العام 1980 , وكانت قد جرت في العام 1978 انتخابات طلابية في الجامعة الإسلامية بغزة لكنها كانت على أساس فردي ولم يكن هناك كتل طلابية وكذلك سنة 1979, وفي سنة 1980 برزت التوجهات السياسية داخل الجامعة الإسلامية وكانت منقسمة إلى تيارين الأول هو تيار م ت ف. والثاني هو التيار الإسلامي.

كان الطالب حجازي البربار , وهو أحد كوادر الإخوان المسلمين قد فاز بالانتخابات سنة 1979 برئاسة مجلس الطلاب وكان يمتلك كاريزما مكنته من السيطرة على الساحة الطلابية لكن علاقته بقيادة الإخوان

توترت على خلفية أحداث حريق مكتبة جمعية الهلال الأحمر حيث حملت قيادة الحركة حجازي البربار المسئولية عن هذا الخلل, وعاقبته بتخفيض رتبته التنظيمية من نقيب إلى أخ, إضافة إلى اتخاذها قرارا بتعيين خلف له في قيادة الكتلة الطلابية في العام 1980 ,,قع الاختيار على طالب جديد يدعي خالد الهندي ليقود الكتلة الطلابية التابعة للإخوان .

قرر خالد الهندي بالاتفاق مع الشيخ أحمد ياسين احتواء حجازي البربار وليس التصادم معه, وبعد جلسات تشاور عديدة اتفق خالد الهندي وحجازي البربار على الاحتكام للأغلبية الطلابية في اختيار المرشحين لعضوية مجلس الطلاب من خلال الاقتراع السري في أوساط الطلاب المؤيدين للتيار الإسلامي وكانت النتيجة أن حاز فريق حجازي البربار على تسعة مقاعد ولم يحصل فريق خالد الهندي إلا على مقعدين فقبل الهندي النتيجة وأقنع الشيخ أحمد ياسين بجدواها .

وحدثت الانتخابات الطلابية وكان رئيس المجلس هو حجازي البربار ونائبه خليل الحية وحاز خالد الهندي على منصب أمين اللجنة الثقافية حاز زميله ضياء السوسي على مقعد أمين اللجنة الاجتماعية .

في هذه الأثناء وبالتوازي مع النشاط من خلال مجلس الطلاب المنتخب تم تشكيل قيادة للكتل الطلابية الإخوانية تشمل خالد الهندي وعطا الله أبو السبح وكانت تنسق مع الشيخ أحمد ياسين مباشرة وتمكنت الكتلة الإسلامية من استقطاب عدد كبي من العناصر النشيطة الموالية لحجازي البربار واستطاع خالد الهندي وعطا الله أبو السبح تشكيل كتلة طلابية خاضت الانتخابات في العام التالي تحت اسم ( كتلة العمل الطلابي الإسلامي الموحد وترأس القائمة عطا الله أبو السبح وكان خالد الهندي هو نائب الرئيس وفي هذه الدورة الانتخابية شكل حجازي البربار كتلة طلابية أطلق عليها اسم ( مسلمون وكفي) لكن نتائج الانتخابات اظهرتا انحسار تيار حجازي البربار بشكل كبير .

وفي الدورات الانتخابية التالية وتحديدا عام 1982 أصبح خالد الهندي هو رئيس مجلس الطلاب وتلاه يحيي السنوار ثم يحي موسي ثم إسماعيل هنية ويحي موسي مرة أخري وبعد أسامة المزيني في نهاية العام 1987 حيث اندلعت الانتفاضة وأغلقت الجامعة الإسلامية بتاريخ 9 – 12 – 1987

خلال هذه المرحلة التاريخية أبدي طلاب الكتلة الإسلامية ومجلسها نشاطا واسعا في المجال النقابي والوطني وعلى الصعيد النقابي فقد اهتمت مجالس الطلاب التي شكلتها الكتلة الإسلامية بخدمة الطلاب في المجالات التالية :

• إقامة المخيمات الصيفية والتي كان آخرها إقامة المخيم الصيفي سنة 1987 , والذي اشتمل برنامجه على المحاضرات والتمارين الرياضية وقيام الليل والتعود على شظف العيش .

• تنظيم معارض الصناعات الوطنية على أرض الجامعة وكان ابرز تلك المعارض ذلك الذي نظمه مجلس الطلاب يوم السبت 27 – 9 -1986 حيث لقي إقبالا كبيرا من الطلاب والمواطنين .

• إقامة المهرجانات والدورات الرياضية فقد دأب مجلس الطلاب على إقامة مباريات تنافسية بين مختلف الفرق الرياضية م كافة أنحاء فلسطين لمحتلة إضافة إلى سباق الدراجات ومسابقات السباحة وعقد دورات الكراتية ورفع الأثقال في محاولة لتدريب الطلاب وإعدادهم الإعداد الجسماني وفق الإمكانات المتاحة ومعارض بيع الأدوات الرياضية والتي كان آخرها بتاريخ 21 – 3 – 1987.

• إقامة الأسابيع الثقافية والتي تشتمل على معارض الكتاب وأعمال السجناء ومعارض للتراث الشعبي الفلسطيني ومعارض للصناعات الوطنية ومعارض للأنشطة الطلابية وفي بعض الأحيان كانت قوات الاحتلال تقتحم الجامعة تصادر محتويات بعض المعارض ونظم مجلس الطلاب معرض الكتاب الخامس بتاريخ 1-3-1986 ومعرض الكتاب السادس في شهر فبراير سنة 1987 حيث ضم المعرض آلاف الكتب التي لقيت إقبالا كبيرا من قبل مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني.

• إقامة الأمسيات الشعرية والندوات الثقافية وإصدار النشرات التثقيفية والمسابقات الثقافية لتشجيع الكتابة وكان ن بين هذه المسابقات تلك الخاصة بكتابة النصوص المسرحية في العام 1987 وقد تم صد جوائز متواضعة للفائزين الخمسة الأول من ميزانية مجلس الطلاب تصل قيمتها مجتمعة إلى 140 دينارا أردنيا .

• حل المشاكل الطلابية ذات العلاقة بالنظام الأكاديمي وقد لجأ مجلس الطلاب إلى إعلان الإضراب في مطلع الفصل الدراسي الثاني من العام الجامعي 1986 -1987 وبعد حوارات مع إدارة الجامعة أوقف مجلس الطب الإضراب بعد أن حقق مطالبه المتمثلة في تخفيض رسوم المراجعة في الامتحانات وزيادة وقت دوام المكتبة , وإلغاء رسوم تأجيل الدراسة وتجدر الإشارة إلى أن مجلس طلاب الجامعة لجأ إلى إعلان الإضراب أكثر من مرة لأغراض أكاديمية منها يوم 9 – 5- 1987 لمدة ساعتين للمطالبة بسحب مادة الرسوب من كشف الدرجات عند التخرج وللمطالبة بافتتاح فصل صيفي في الجامعة .

• توفير المساعدات المالية للطلاب حيث كان مجلس الطلاب في بداية الجامعة مسئولا عن الإعفاءات لكن هذه المسئولية تحولت إلى عمادة شئون الطلاب منذ سنة 1983 لكن بقي مجلس الطلاب يعمل على جمع التبرعات وتوفير رسوم للفقراء من الطلاب .

• طباعة الكتب الدراسية وتوفيرها للطلاب بسعر التكلفة في الغالب .

• تولي مجلس الطلاب مسئولية إجراء البحث الاجتماعي للتعرف على الطلاب الفقراء المحتاجين للمساعدات المالية وكانت هذه العملية مجهدة إذ كانت تتطلب أن ينتقل أعضاء مجلس الطلاب في كل مناطق قطاع غزة للحصول على نتائج البحث الاجتماعي .

• كان مجلس الطلاب أيضا يشرف على عمل الكافتيريا الطلابية من حيث الإدارة والإنتاج والبيع وكان يقوم بتوظيف عدد من العاملين فيها ريثما يجري تمكين الطلاب من إدارة الكافتيريا بشكل كامل لكن لم يتمكن لطلاب من مواصلة إدارتها بسبب عدم استقرا مجلس الطلاب ففي كل عام يجري انتخاب قيادة جديدة له وجري نقل المسئولية على الكافتيريا من مجلس الطلاب إلى إدارة الجامعة في العام 1984 .

ونفس الأمر انطبق على طباعة الكتاب الجامعي ويمكن القول أن مجلس الطلاب قام بإدارة الكافتيريا وطباعة الكتاب الجامعي إضافة إلى دوره البحث الاجتماعي وتوفي القروض للطلاب في المرحلة الأولي كجزء من إحساسه بالمسئولية تجاه إنجاح المسيرة الجامعة التي تتعرض لصعوبات في ظل الاحتلال وكذلك تنافس الفصائل على السيطرة عليها وبعد أن استقرت الجامعة انتقلت المسئولية عن هذه المسائل للجامعة .

• تشكيل الفرق المسحية والإنشادية وتنمية مهارات الهواة في هذه المجالات .

• وعمل مجلس الطلاب على ربط الجامعة بالمجتمع من خلال القيام بالأعمال التطوعية التي تساهم في مساعدة المزارعين على تخفيف كلفه الإنتاج الأمر الذي يعزز لديهم الصمود في مواجهة السياسة الإسرائيلية وفي نفس الوقت يعز لدي الطلاب روح الإحساس بالمسئولية تجاه المجتمع وتورد نشرة النداء صورة لطلاب الجامعة الإسلامية وهم يشاركون المزارعين في حصاد القمح في منطقة بني سهيلا شرق مدينة خان يونس .

• واهتم مجلس الطلاب بالأنشطة الوطنية وقد لاحظ الباحث الإسرائيلي رؤوبين باز أن المسألة لوطنية الفلسطينية احتلت مكانة " مركزية في النشرات الإسلامية الصادرة عن الحركة الطلابية في سنوات الثمانينات .

• وقد نظم بتاريخ 11 – 4 -1987 مؤتمرا طلابيا تضامنا مع الأسري الفلسطينيين في سجون الاحتلال .

• وفي هذه المجال اهتم مجلس الطلاب بتنظيم سلسلة من الرحلات الطلابية لتعريف الطلاب بأرض الوطن ومعالمه التاريخية والحضارية وأطلق على سلسلة الرحلات هذه " اعرف وطنك"

• نظم مجلس الطلاب معرضا للصور الفوتغرافية بتاريخ 4-4-1987, حيث ضم المعرض أجنحة مختلفة تحمل أسماء مدن وقري فلسطين ومخيمات اللاجئين وشمل المعرض على جناح خاص بالمساجد والأوقاف داخل الوطن المحتل كما ألقي الأستاذ خالد السعيد محاضرة بعنوان ( تجربة صلاح الدين في التحرير).

• كان مجلس الطلاب يقيم المهرجانات بكافة المناسبات الإسلامية والوطنية حيث كان يدعي لها آلاف المواطنين إضافة إلى طلاب الجامعة ويتخلل هذه الاحتفالات الكلمات والأناشيد والمسرحيات والقصائد الشعرية وفي بعض الأحيان كان يتخلل الاحتفالات كلمات للكتل الطلابية وذلك كما يقول يحي موسي العبادسة – في محاولة " لإتاحة الفرصة من أجل تحقيق الوحدة الوطنية "

• وكان مجلس الطلاب يربط في احتفالاته بين الديني والوطني في المناسبات المختلفة حيث نظم المجلس محاضرة في شهر أغسطس 1987 بعنوان ( الهجرة النبوية والشتات الفلسطيني ) وتجلي هذا الربط بين الديني والوطني في حفل الإسراء والمعراج الذي أقامه مجلس الطلاب بتاريخ 4-4-1987 حيث ركزت الكلمات على معاني الإسراء الدينية إضافة إلى إبراز الموقف السياسي لحركة الإخوان من القضية الفلسطينية .

• ويعتبر يحيي موسي العبادسة, رئيس مجلس الطلاب في دورة 19 86 – 1987 أن مجلس الطلاب عبر مسيرته تمكن من تحقيق إنجاز مهم يتمثل في إرساء " دعائم التعامل الديمقراطي" وإعطاء الحيات في التعبير عن الرأي لكل التوجهات الطلابية لكن الكتل الطلابية كانت تشتكي من عدم إفساح المجال لها للمشاركة في الأنشطة ومن أمثلة ذلك ما ورد في نشرة صوت [ [الجماعة]] الإسلامية]] خلال الأسبوع الماضي أقيم في الجامعة الإسلامية معرضا للكتاب وحفلا مغلقا لتكريم طلاب السنة التأهيلية .

ثم معرضا للتراث أشرف مجلس الطلاب – الكتلة الإسلامية - على جميع هذه النشاطات كنا نتمني أن يسمح الإخوة في المجلس لإخوانهم في الجماعة الإسلامية]] أو غيرهم من الطلاب المساهمة في هذه المناسبات تأكيدا على معاني التعاون والإخوة الإسلامية وحاولت الكتلة الإسلامية تقديم الخدمات للطلاب من خلال مجلس الطلاب للجميع وبدون استثناء لكنها أرادت أن تحافظ على نفسها وان تحدث شئ من التمايز بين الكتلة الإسلامية وبين مجلس الطلاب فانسحب خالد الهندي من رئاسة المجلس عام 1984 وأصبح أمينا للسر وكان الهدف من هذه الخطوة إبراز قيادات جديدة إضافة إلى التفرغ لبناء جسم الكتلة بحيث يبقي نشطا على مدار لعام وليس في زمن الدعاية الانتخابية فقط .

وبرز من بين كوادر الكتلة والمجلس قيادة ثلاثية تكونت من خالد الهندي ويحيي السنوار ويحيي موس .

وقد تمتع هؤلاء بمكانة متميزة بين الطلاب نظرا لما يتمعتون به من قدرات فطرية وفي مساعي تكريس الفصل بين الكتلة الإسلامية ومجلس الطلاب تم تشكيل هيئة قيادية عليا للكتلة تضم ممثلين عن المناطق المختلفة لقطاع غزة وكانت مهمة هذه الهيئة متابعة أبناء وأنشطة الكتلة الإسلامية على مدار العام سواء على صعيد المناطق أو داخل الجامعة.

وعملت قيادة الكتلة على تكوين قيادات جديدة فاختارت عشرة من طلاب المستوي التأهيلي سنة 1984 وأخضعتهم لبرنامج مكثف يشتمل على إعطاء محاضرات وإعداد أبحاث عن القضية الفلسطينية واجتياز دورات في الإدارة ومهارات الاتصال و كان من بين هؤلاء العشرة أسامة المزيني وسامي أبو زهري وقامت مجموع أخري من كواد الكتلة يقودها فكري عبد اللطيف بإعداد كتيب بعنوان فن التعامل وهو عبارة عن تلخيصات لمجموعة من الكتب مثل : كتاب ( كيف نكسب الأصدقاء ونؤثر في الناس ) لدايل كانيجي وكتاب ( جدد حياتك) للشيخ محمد الغزالي , وغيرها من الكتب وقد أسفرت هذه الجهود عن تكوين مجموعة من الكوادر تملك وعيا سياسيا ومهارات إدارية وقدرات جيدة على التواصل وتمكنت من قيادة الكتلة الإسلامية ومجلس الطلاب فيما بعد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن استخدام سم الكتل الإسلامية لم يبدأ إلا عام بشأن ما كان يسمي ( تنظيم الجامعة ) حيث كانت العلاقات بين طلاب الإخوان المسلمين داخل الجامعة هي علاقات تنظيمية فكما أنهم مرتبطون عبر الأسر التنظيمية في مناطقهم فإنهم يكونون أس مشابهة داخل الجامعة ولها قيادتها لخاصة ومع الوقت بدأت ترتفع الأصوات بأنه لا ضرورة لوجود علاقات تنظيمية بين الطلاب لأسباب عديدة منها الخطورة الأمنية في كشف أعضاء التنظيم على بعضهم وكذلك لأن العلاقة التنظيمية تبقي النشاط الطلابي محجما ومتقوقعا على أعداد قليلة من الطلاب ولهذا تم حل تنظيم الجامعة واستبدل بالإطار الطلابي الذي حمل اسم ( الكتلة الإسلامية) الأمر الذي منح العمل الطلابي مرونة أوسع ووفر إمكانية لدمج أعضاء أكبر من الطلاب لديهم إيمان بالفكرة لكنهم غير مستعدين للانتماء للتنظيم .

وعلى صعيد النشاطات الوطنية فقد كان للكتلة الإسلامية ومجالس الطلاب التي شكلتها دورا بارزا يمكن إجماله فيما يلي:

• كان للكتلة الإسلامية دور بارز في قيادة المظاهرات والمواجهات المناهضة لاعتداءات المستوطنين على المسجد الأقصى سنة 1980 عندما حاولت مجموعة من المستوطنين الصلاة في المسجد الأقصى وكذلك بتاريخ 12 -4 – 1982 عندما قام أحد المستوطنين بإطلاق النار على المصلين في المسجد الأقصى وفي احتجاجها على هذه الاعتداءات حشدت الكتلة الإسلامية المئات من أعضائها وأنصارها وذهبت بهم للرباط في ساحات المسجد الأقصى لمنع تكرار اعتداءات المستوطنين.

• وبخصوص المواجهة مع قوات الاحتلال فقد مرت الكتلة الإسلامية بمرحلتين وكان هذا تبعا لموقف حركة الإخوان من العمل المباشر ضد الاحتلال في المرحلة الأولي وهي التي سبقت عام 1986, كانت الكتلة الإسلامية تمتنع عن المشاركة في المظاهرات ضد الاحتلال وكانت تلجأ لتفريغ الجامعة من طلاب الكتلة عندما تظهر في الأفق بوادر أى مواجهة مع الاحتلال لكن بعد العام 1986 أخذت الكتلة الإسلامية تتفاعل مع المواجهات والمظاهرات بشكل كبير .

ومن أشهر المواجهات التي قادتها الكتلة الإسلامية مع الاحتلال ما حدث بتاريخ 21 – 2 – 1987 حيث اعتقل في نهاية هذه المواجهات عدد من الطلاب أغلبهم من أبناء الكتلة الإسلامية وكان من بينهم سامي أبو زهري وعصام جودة وهما من أعضاء مجلس الطلاب وكذلك بتاريخ 19 -4 -1987 حيث أصيب واعتقل عدد من أبناء الكتلة الإسلامية كان من بينهم جمال الهندي وهو عضو في مجلس الطلاب وما حدث في أعقاب استشهاد أربعة من مجاهدي حركة الجهاد الإسلامي بتاريخ 6-10-1987 حيث حدثت مواجهات أصيب خلالها عدد من أبناء الكتلة الإسلامية بإصابات بالغة كانت أخطرها حالة الطالب عاطف عسقول .

كانت الشرارة في التواريخ سابقة الذكر تبدأ بمناوشات بين الطلاب داخل الجامعة وبين قوات الاحتلال التي كانت تعتلي أسطح المباني المجاورة للجامعة في ساعات الصباح وكان الطلاب والطالبات يصرون على البقاء في الجامعة ويرشقون قوات الجيش بالحجارة التي كانت تقذفهم بالرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع وتستمر المواجهات حتى ساعات العصر حينها تنطلق النداءات من مآذن المساجد تدعو الناس لنجدة أبنائهم وبناتهم بالجامعة فيخرج الناس بالآلاف ويقتربون صوب الجامعة من كل الاتجاهات حينها تشعر قوات الاحتلال بالورطة لأنها أصبحت محاصرة بين الجماهير وبين طلاب الجامعة بعد أن كانت تحاصر الجامعة فتضطر قوات الاحتلال للانسحاب وحينها يخرج الطلاب من الجامعة يشعرون بالانتصار وهذا كان يشجع الطلاب على المزيد من المقاومة ويكشف لهم جوانب الضعف لدي الجيش الذي اعتاد أن يصف نفسه بأنه لا يقهر .

وكذلك دعت الكتلة الإسلامية الطلاب للتظاهر على أثر استشهاد الطالبة انتصار العطار في أواخر شهر نوفمبر 1987 في مدرستها بمدينة دير البلح حيث قام مستوطن كان يم بسيارته من هناك بإطلاق النار على المدرسة فأصاب الطالبة حوالي الساعة العاشرة صباحا وبعد ساعة من الحادث قام مجلس الطلاب بتعليق الدراسة ودعوة الطلاب للتظاهر واشتعل قطاع غزة بأكمله بعد ذلك.

كانت الساحة الطلابية في الجامعة الإسلامية بغزة مشتعلة بالنقاشات التي كانت تتزايد في انتشارها وفي حدتها خلال الدعاية الانتخابية التي تسبق إجراء الانتخابات الطلابية حيث كانت الانتخابات تعقد غالبا في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر من كل عام وكان الطابع الغالب على النقاش والمناظرة هو الطابع السياسي حيث كانت الكتل الطلابية المختلفة وهي ( حركة الشبيبة الطلابية التابعة لحركة , والجماعة الإسلامية]] التابعة للجهاد الإسلامي .

وكتلة الوحدة الطلابية التابعة للجبهة الديمقراطية , وكتلة العمل الطلابي التابعة لجبهة الشعبية ) كل هذه الكتل كانت توجه سؤالا واحدا ومحرجا للكتلة الإسلامية وهو أين أنتم على ساحة المقاومة ؟

ولأن حركة الإخوان لم تكن قد انخرطت بعد في العمل المقاوم ضد الاحتلال وكانت تعطي الأولوية للتربية على عكس الفصائل الأخرى التي كانت تركز على المقاومة فقد كان شباب الكتلة يستحضرون التاريخ والنضالات السابقة للإخوان المسلمين في حرب 1948 وفي الخمسينات من القرن العشرين وكذلك في نهاية الستينات حيث شارك الإخوان فيما يطلقون عليه اسم عمليات الشيوخ وأصدرت الكتلة في هذا المجال كتيبا أسمته ( الحقيقة الغائبة) استعرضت خلاله كل جهود الإسلاميين الكفاحية لأجل القضية الفلسطينية منذ بدايتها وحتى نهاية الستينات وأضافت إليها تجربة أسرة الجهاد بقيادة الشيخ عبد الله نمر درويش داخل فلسطين المحتلة سنة 1948.

وكذلك اعتقال الشيخ أحمد ياسين ومجموعة من إخوانه سنة 1984 بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيم مسلح لإبادة دولة إسرائيل كانت الكتلة الإسلامية تهتم كثيرا بالدعاية الانتخابية منذ بداية الفصل الدراسي الأول من كل عام لأن الانتخابات تجري في الأسبوع الأول من الشهر الثالث من الفصل الأول.

وتنقسم الاستعدادات للدعاية الانتخابية إلى عدة مجالات هي :

أولا: الاهتمام بالطلاب الجدد ويتمثل الاهتمام بهم من خلال مساعدتهم وإرشادهم في عملية التسجيل واختيار التخصص وإقامة إحتفال ترحيبي خاص بهم وتكثيف التفاعل الفردي معهم من قبل كوادر الكتلة وتخصيص مجموعة من المحاضرات التعبوية الخاصة بهم .

ثانيا: فرز الطلاب حسب انتماءاتهم السياسية وسلوكهم التصويتي وتقوم قيادة الكتلة بهذه المهمة عبر مسئولي المناطق بحيث يتم إعداد كشوف بأسماء الطلاب حسب انتماءاتهم السياسية وتحديد المستقلين الذين لم يحددوا موقفهم بعد لكي يتم الاتصال بم وإقناعهم بضرورة التصويت للكتلة وكذلك إمكانية إحضارهم للجامعة يوم الاقتراع .

ثالثا: إعداد المادة الدعائية المكتوبة حيث يتم تشكيل لجنة خاصة لهذا الغرض والمادة الدعائية المكتوبة تتكون من :

1- البيان السياسي ويتضمن المواقف السياسية لتي تتبناها الكتلة الإسلامية وهي مواقف حركة الإخوان وفي العادة كانت تركز هذه البيانات على حق الشعب الفلسطيني في أرضه ورفض التسويات السياسية .

2- البيان الانتخابي ويتضمن الوعود التي سيعمل مجلس الطلاب الجديد على تحقيقها للطلاب خاصة على صعيد تحسين الخدمات مثل الكافتريا والكتاب الجامعي وإقامة الأنشطة الرياضية والفنية ورعاية المواهب الشعرية والفنية وفي الغالب كانت البيانات الانتخابية تركز على جدية العمل للحفاظ على إسلامية الجامعة .

3- الملصقات حي كان يتم اختيار الكثير من المقولات للمشاهير من الشخصيات العربية والإسلامية والعالمية التي تؤكد على عظمة الإسلام وأهمية فلسطين وقدرات الحركات الإسلامية على مواجهة الاحتلال وأن المستقبل للدين الإسلامي إضافة إلى بعض رسومات الكاريكاتير المعبرة وبعد لذلك يجري عرضها بشكل فني جميل على أوراق بريستول في أماكن مخصصة داخل الجامعة .

رابعا: تحديد مجموعة من الأنشطة العامة بحيث يتم تنفيذها عن طريق مجلس الطلاب وتشمل هذه الأنشطة احتفال أو اثنين أو معرض للكتاب أو للأدوات الرياضية بهدف إبراز مهارات الكتلة ومجلسها في خدمة الطلاب إضافة إلى عقد مجموعة من المحاضرات السياسية القوية والمؤثرة خاصة تلك التي كان يلقيها الأستاذ بسام جرار وهو محاضر في معهد معلمين رام الله ويتميز بثقافة عالية وقدرة كبيرة على الإقناع.

خامسا: تحديد فريق للنقاشات والمناظرات العامة في ساحة الطلاب حيث كانت الكتلة الإسلامية حريصة على توزيع المهام بين عناصرها .

ولهذا خصصت فريق للنقاشات العامة مع أبناء الكتل الأخرى وكانت تمنع بقية عناصر الكتلة من الخوض في نقاشات عامة وكانت تحثهم على استثمار الوقت في الاتصالات الفردية مع الطلاب الجدد ومع الطلاب المستقلين الذين لم يحددوا موقفهم بعد ويضاف إلى ما تقدم أن الكتلة الإسلامية لم تكن تفضل الإكثار من النقاشات العامة لأن أكثر هذه النقاشات كانت تجري مع عناصر الجماعة الإسلامية وهذا من شأنه أن يستثمر على يد الشبيبة لإبراز أن الإسلاميين منقسمين وان المسألة لدي الإسلاميين ليست مسألة دينية وإنما هي مصالح حزبية وشخصية .

ومن أبرز المواقف التي كانت الكتلة الإسلامية تفضل عدم النقاش فيها انعقاد الجمعية العمومية لمجلس الطلاب حيث كانت تنعقد الجمعية ويؤخذ النصاب وخلال قراءة تقارير المجلس ولجانه كان طلاب الكتلة ينسحبون بالتدريج تفاديا لحصول نقاشات وكانت قيادة المجلس والكتلة يبررون ذلك بأن عناصر الشبيبة واليسار والجماعة الإسلامية لا يستهدفون نقاشا جديا للتقارير وإنما إثارة شبهات وعرض خلافات لا داعي لها.

ورغم ذلك فقد كانت الكتلة تهتم بتكوين فريق خاص للنقاشات العامة في ساحة الجامعة وكان أبرز أعضاء هذا الفريق خالد الهندي ويحيي موسي ويحيي السنوار وعندما تخرج الهندي والسنوار انضم لفريق الحوار والنقاش عبد الفتاح السطري وفكري عبد اللطيف وأسامة المزيني.

وخلال السنوات 19841986 كانت النقاشات والمناظرات تتم بشكل عفوي داخل ساحات الجامعة بحيث تبدأ الجماعة الإسلامية بالتجمع في ساحة الجامعة ويبدأ المتحدثون بطرح التساؤلات حول موقف الإخوان من القضية الفلسطينية والكفاح المسلح وأحيانا كانت تقوم الشبيبة بهذا الأم والهدف استدراج الكتلة الإسلامية للنقاش والحوار أحيانا الكتلة الإسلامية كانت تستجيب وتخوض نقاشات كان من أبرزها حوار بين يحيي السنوار عن الكتلة الإسلامية وبين محمد دحلان سنة 1985 وكان التركيز في هذا الحوار على تبادل الاتهامات بين الطرفين .

فدحلان أخذ على الإخوان المسلمين عدم قيامهم بالكفاح المسلح ضد إسرائيل وأن المجمع الإسلامي يعمل بترخيص من الاحتلال والسنوار أدان التوجهات السلامية لدي قيادة فتح خاصة فيما يتعلق بالموافقة على المؤتمر الدولي والسعي لإقامة كونفدرالية مع الأردن.

وفي العام 1987 حصل تطور هام إذ اتفقت الكتلة الإسلامية مع حركة الشبيبة على عقد مناظرة رسمية بين الطرفين بحضور كل طلاب الجامعة بحيث تكون تحت رعاية عمادة شئون الطلاب وبالفعل عقدت المناظرة ومثل الكتلة الإسلامية فيها عبد الفتاح السطري وأسامة المزيني بينما مثل حركة الشبيبة كل من عبد الحكيم الجعيدي وزكريا التلمس وقد عرض الفريقان وجهة نظرهما وخرج مؤيدو الطرفين وقد شعروا بالتعادل .

سادسا: اختيار قائمة الطلاب الذين سيخوضون الانتخابات باسم الكتلة وكانت قيادة الكتلة بالتنسيق مع قيادة الحركة يقومون باختيار القائمة وكان الاختيار يتم بحي تحتوي القائمة على مجموعة تمثل كل أو أغلب مناطق قطاع غزة وكل أو أغلب الكليات الموجودة في الجامعة , وكل أو أغلب المستويات الدراسية الأربعة في الجامعة والهدف من هذا التنويع أن يكون المجلس قادرا على تلمس مشاكل الطلاب في كل الكليات والمناطق والمستويات وأن تكون القائمة مقنعة وقادرة على استقطاب المؤيدين وكذلك أن يكون هنالك مجال لتوريث التجربة في الميدان فعندما يبدأ طلاب المستوي الأول العمل ضمن المجلس فإنهم عندما يعاد ترشيحهم وانتخابهم في السنوات التالية سيكونون أكثر كفاءة وقدرة على العمل .

سابعا: يوم الدعاية الرسمي وهو اليوم الذي تخصصه الجامعة رسميا للدعاية الانتخابية بحيث يتم تعطيل الدراسة وفي هذا اليوم يسمح لكل كتلة طلابية بأن تقيم مهرجان خطابي وعروض رياضية وتعليق ملصقات ورسم جداريات وكانت الكتلة الإسلامية تهتم بهذا اليوم اهتما كبيرا وكانت تبدأ الدعاية منذ بداية الفصل الدراسي الأول بشكل تدريجي تبدأ من المحاضرات العامة إلى حلقات النقاش في ساحة الجامعة وتكثيف الاتصالات الفردية بالطلاب وتوزيع بعض المنشورات وإقامة بعض المهرجانات وكل ما تقدم هو عبارة عن تسخين لليوم الأخير حيث يجري تنظيم مسيرة من كل أعضاء مناصري الكتلة الإسلامية تتحرك على إيقاع الطبل وتنشد نشيد هو الحق يحشد أجناده ويعتد للموقف الفاصل فصفوا الكتائب آساده ودكوا به دولة الباطل .

ثم تبدأ عروض شوتوكان وننشاكو وجمباز , ثم يلي ذلك المهرجان الخطابي والإنشادي , لقد كان هذا اليوم هو بمثابة استعراض لكل مظاهر التفوق والمهارة والقوة التي تمتلكها الكتلة الإسلامية لكي تقنع الطلاب وتجذبهم إليها.

ثامنا: يوم الاقتراع وفي هذا اليوم تحظر كل مظاهر الدعاية الانتخابية لذلك كانت الكتلة الإسلامية وضمن خطة مسبقة تقوم بتحديد عناصرها في كل منطقة تكلف كل واحد منهم متابعة مجموعة من الطلاب وكل من يقترح يشطب اسمه من القائمة ثم يتم البحث عن الذين لم يدلو بأصواتهم لحثهم على التصويت إن كانوا داخل الجامعة أو لجلبهم من بيوتهم إن كانوا لم يأتوا إلى الجامعة منذ ساعات الصباح وكانت هذه الطريقة تمكن الكتلة الإسلامية من معرفة عدد الأصوات التي ستحصل عليها قبل أن تظهر نتائج الانتخابات.

يتضح من خلال ما سبق أن قيادة حركة الإخوان اعتبرت الطلاب ساحة عمل رئيسة ركزوا عليه , وتخرج من بين الطلاب عدد من أهم قيادات الحركة فيما بعد وشكل الطلاب منذ البداية واجهة مهمة للاحتكاك بالناس , ومنبرا للتعبير عن المواقف السياسية وفرصة لتدريب الكوادر وصقل خبراتهم في الميدان .

ويظهر أن الكوادر الطلابية تعرضت لمضيقات الاحتلال من خلال الاستدعاءات الاستجوابات وخاض بعضهم تجربة التحقيق لكن بقيت المواجهة محدودة وأطول فترة اعتقال تعرض لها نشطاء الكتلة الإسلامية لم تزد عن ستة أشهر لكنها كانت فرصة لهم لاختبار قدراتهم والاحتكاك بنشطاء العمل الفدائي للفصائل الفلسطينية الأمر الذي أكسبهم مزيدا من لخبرة خاصة في العمل الأمني والعسكري .

شهد العمل الطلابي أزم قيادية فقد تمردت قيادة العمل الطلابي على قيادة الحركة, لكن القيادة الحركة تمكنت من إعادة السيطرة على العمل الطلابي واستعادة ولاء غالبية الطلاب الإسلاميين للحركة وقيادتها .

شكل العمل الطلابي رأس الحرية في مواجهة الأسئلة الصعبة التي كانت توجه للحركة بشأن تبني القضية الوطنية , وتأخير المسلح ضد الاحتلال الم الذي ساهم في صقل خبرات الشباب في الميدان وجعلهم يعملون على تنويع الأنشطة بين الثقافي والسياسي والرياضي والاجتماعي وجمعت أيضا بين الديني والوطني وبالإضافة إلى ذلك حاول الشباب دائما الاستعانة بالتاريخ القريب والبعيد للتدليل على أن النهج الإسلامي هو نهج جهادي وأن كف الأيدي في لحظة معينة لا يعني أن هذا سيستمر بل هو استراحة محارب ليس أكثر .

ويظهر أن مجالس الطلاب وازنت بين العمل النقابي الذي يوازن بين الحقوق وبين المسئولية تجاه الجامعة ومراعاة ظروفها الصعبة نتيجة ضعف التمويل والتحديات التي يفرضها الاحتلال إضافة للنزاع بين الكتل الطلابية والفصائل الوطنية على هوية الجامعة.

ويبدو أن الكتلة الإسلامية كانت تركز بشكل كبير على الجهد الميداني بين أوساط الطلاب سواء على صعيد التواصل الفردي أو على صعيد الأنشطة الطلابية التي تبهر الطلاب وتقنعهم أنهم مجموعة متميزة يبدو أن هذا الاهتمام جاء على خلفية التعويض عن ضعف الحضور السياسي والامتناع عن القيام بعمل عسكري ضد الاحتلال في ذلك الوقت .

المبحث الرابع التربية

يولي الإخوان المسلمون أهمية كبيرة للتربية وفي هذا المجال ذكر حسن البنا أن لب دعوة الإخوان فكرة وعقيدة يقذفون بها في نفوس الناس ليتربي عليها الرأي العام وأنه يجب أن تكون دعامة النهضة التربية فتربي الأمة أولا وتفهم حقوقها وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربي على الإيمان بها .

ويمكن القول أن التربية عند الإخوان المسلمين هي مجموع الجهود التي يقوم بها الإخوان لتنمية الشخصية المتوازنة وإكساب أفرادهم الأيديولوجية والمعتقدات التي تحدد الحقوق والواجبات والقيم والأخلاق وإعداد الأفراد لتحمل المسئولية ممارسة الجهاد وتزويدهم بالقدرات والمهارات التي تمكنهم من تغيير الواقع وإصلاحه وتحقيق أهداف الجماعة .

ويضاف إلى ما تقدم فإن التربية عند الإخوان المسلمين تستهدف إكساب الأفراد إحساسا بهوية خاصة تجيب على سؤال من نحن ؟

وتحدد للفرد والمجموع أخلاق وخصائص مستمدة من التراث وثوابت تستعصي على التغيير وفي هذا السياق يجري التأكيد على مبدأ توحيد الألوهية الذي يعني أن الله هو المتفرد في الحكم والسلطان وأن المهمة الرئيسية للإنسان هي عبادة الله وحده بمفهومها الشامل بمهمة الخلافة في الأرض .

ويركز الإخوان في تربيتهم لأفراد الحركة على توفير قدر كبير من الإيمان المشترك بالغاية والتزاما ساميا بالأخلاق المستمد من الوحي في مجال الممارسة السياسية كما يعملون على بناء الكوادر الذين يمثلون جسرا لنقل الأفكار والقيم إل الجمهور .

ويركز الإخوان على تربية أعضاء الجماعة على معاني الوطنية وفي هذا المجال يقدم الإخوان بعض التوضيحات بشأن ما يقصدونه عندما يتحدثون عن الوطنية حيث يقول حسن البنا " إذا كان دعاة الوطنية يريدون بها حب الأوطان ) والحنين إليها فهذا أمر فطري من جهة ومأمور به في الإسلام من جهة أخري .

أى أن رابطة الوطنية بهذا المعني يقرها الإسلام وإن كان يراد بها وجوب العمل بكل جهد لتحرير البلد من الغاصبين وتوير استقلاله وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه فنحن معهم في ذلك أيضا والإسلام يشدد في ذلك أبلغ التشديد وإن أريد بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم فيوافق البنا على ذلك ويقول إن الإسلام يراه فريضة لازم ويؤكد الإخوان على أن الوطنية بمعني حب الوطن والحنين إليه بما يعود بالخير عليه فكرة صائبة يؤمن بها الإخوان ويعملون من أجلها .

ويعول الإخوان على التربية إيجاد الفرد المسلم وكل ما يتصل ببناء شخصيته بحيث تدور شخصيته حول محور واحد هو إرضاء الله سبحانه وتعالي وبعد ذلك إيجاد البيت المسلم وكل ما يجب أن يوسده من قيم وأخلاق والمجتمع المسلم وكل ما يحيط به من علاقات والأمة المسلمة وكل ما يتصل بها من إعداد وعمل والدولة المسلمة وما يجب أن تكون عليه من منهج ونظام وينتقد خالد صلاح الدين اعتماد الإخوان على التربية والوعظ وإعداد الأفراد ويعتبر أن إعداد الأفراد على أمل أن يؤدي هذا إلى إحداث تغيير اجتماعي ينطلق من فهم خاطئ لطبيعة المجتمع ومن ثم لأسلوب تغييره فهو يفترض أن المجتمع عبارة عن مجموع الأفراد وحسب سواء كانوا حكاما أو محكومين , مسئولين أو غير مسئولين وبالتالي فإن تعيير المجتمع يعني أن يتغير مجموع أفراد المجتمع أو معظمهم بوصفهم أفرادا على نحو كمي متصاعد يمكن القول أن انتقاد خالد صلاح الدين في محله لو أن الإخوان اكتفوا بعملية تربية الأفراد وتوقفوا عندها ولكن الإخوان بموازاة العمل على تربية الأفراد وبالتدريج قاموا بفعاليات شملت الكثير من جوانب العمل كما يتضح في الفصول التالية سواء على صعيد العمل المؤسساتي والنقابي والتعبوي والعسكري والأمني .

واتبعت جماعة الإخوان المسلمين وسائل خاصة في تربية أفرادها ومن أهم هذه الوسائل

1-الأسرة .

2الكتيبة.

3-الرحلة .

4-المخيم الصيفي .

5-الدورة .

6-الندوة .

الأسرة

الأسرة في معاجم اللغة هي الدرع الحصينة ويقال أهل الرجل وعشيرته والجماعة يربطها أمر مشترك. أما الإخوان فإن مفهوم الأسرة عندهم يأخذ بعدا اصطلاحيا يطلق على الجهد التربوي والدعوي وقد نظر الإخوان للأسرة باعتبارها التطبيق العملي لمعاني الإسلام.

والأساس الجوهري للتربية وذكر حسن البنا في رسائله أن الإسلام يحرص على تكوين أسر من أهله يوجههم إلى المثل العليا ويقوي روابطهم ويرفع أخوتهم من مستوي الكلام والنظريات إلى مستوي الأفعال والعمليات .

إن الأسرة هي اللبنة الأولي في بناء الجماعة وتكوينها كما أنها أساس التكوين للأفراد حيث يتم من خلالها صياغة شخصية الفرد لكي يصبح قادرا على العمل في إطار الجماعة ونظام الأسر مقتبس من فكر وتراث الجماعة الأم في مصر ويعتبر مؤسسو الإخوان أن نظام الأسر مفيد للجماعة ويمكن تحديد معالم نظام الأسرة على النحو التالي :

1- الأسرة هي مجموعة من أعضاء الإخوان يقودها شخص مؤهل تربويا وتنظيميا ويلقب قائد الأسرة بـ ( النقيب ) وتجتمع الأسرة سرا مرة في الأسبوع في بيت أحد الأعضاء أو في بيت النقيب يعتقد الإخوان أن نظام الأسر يقوي الروابط بين الإخوان وينتج علاقة حميمة بين الأفراد ويرفع أخو الأفراد من مستوي الكلام والتنظير إلى مستوي العمل والتطبيق وتعتبر الأسرة وسيلة للاتصال بالأفراد وإيصال الأوامر والتوجهات لهم والاستماع إلى المشاكل والاقتراحات منهم ويعتبر الانضمام للأسر واجب على كل منتم للجماعة .

2- تعتبر الأسرة هي المكان الذي يتم فيه تكوين شخصية الفرد تكوينا متكاملا يلبي متطلبات الدين والدنيا كما تراهما جماعة الإخوان المسلمين تقوم الأسرة بترسيخ معني الانتماء للجماعة والالتزام بأهدافها .

3- يجري داخل الأسرة العمل على حل مشاكل الأفراد وتدريبهم على مواجهة إشكاليات الحياة الاجتماعية حيث يلزم كل عضو بعرض مشاكله ويشاركه الباقون في دراسة حلولها ولا شك أن هذا يقوي الرابطة بين الأعضاء بما يؤدي إليه من تعارف وتصارح ومشاركة وجدانية وهي أساس لبناء قوة التماسك بين الأفراد على أساس سليم وكان على كل عضو في الأسرة أن يلتزم بالمجاملات الاجتماعية ومنها التعاون مع عائلات الإخوان وكان يجري داخل الأسرة تعليم الأعضاء على التواصل مع نظرائه على أساس المودة والرحمة وأن يتحلي بالتواضع والإيثار إن كان يتعامل مع من هو أدني منه أما إذا اتصل بمن هو أعلي منه مرتبة فيكون حاله كالجندي مبنيا على الطاعة والتعاون .

4- يطلب من كل عضو في الأسرة أن يحاسب نفسه يوميا على التزامه بمجموعة الآداب والأخلاق الإسلامية وأحيانا يتم هذا من خلال جدول فيه عدد كبير من الأسئلة وفي هذا التدريب لكل عضو على تنقية نفسه من الشوائب وتنمية ذاته والسمو بروحانياته يتم تدريب الأفراد على حرية الرأي والاستماع للرأي الآخر وإدارة الحوار المثمر .

5- تعتبر الأسرة هي المصنع الذي يجري داخله تنشئة الكوادر سواء كانوا نقباء أو أعضاء لجان متخصصة أو غير ذلك من أعمال إدارية أو تربوية ويراعي الإخوان في تشكيل الأسرة التقارب بين أفرادها في المستوي الثقافي وفي الأعمار كذلك.

6- تقوم الأسرة على أركان ثلاثة هي : التعارف والتفاهم والتكافل بين مجموعة الأفراد الذين يكونون هذه الأسرة ويهتم الإخوان بأن يتعدد مكان اجتماع الأسرة لدفع الملل والرتابة وكذلك احتياطا بسبب الظروف الأمنية في ظل الاحتلال ويتم داخل الأسرة تعميق معرفة الأعضاء بالإسلام وتصحيح العقائد والعبادات والتعرف على أسرار التشريع وآداب الإسلام العامة ودراسة التاريخ الإسلامي وسيرة السلف الصالح والتواصي على الحق والصبر ومحبة الله والإخلاص له عزوجل .

7- يختلف البرنامج الثقافي من أسرة إلى أخري باختلاف المستوي الثقافي لأعضاء الأسرة فالأسرة التي تضم الموظفين والطلاب والمثقفين تختلف برامجها عن الأسرة التي تضم العمال وكذلك بالنسبة لاختلاف الأعمار . 8- وفي إطار الأسرة يتم تداول منهج تربوي يشمل حفظ سور من القرآن مع تفسيرها إضافة إلى تناول أحد أبواب كتاب رياض الصالحين مع حفظ حديث أو اثنين في كل لقاء ودراسة السيرة وبعض الكتب الحركية وأحيانا كتب العقيدة.

9- يستمر اجتماع الأسرة مدة ساعتين تقريبا ويدار البرنامج على النحو التالي : - الافتتاح بآيات من القرآن الكريم.

- بعدها يلقي النقيب كلمة توجيهية للأفراد.

- تحدي جدول الأعمال والذي يشمل تسميع الجزء المخصص من القرآن وتفسيره ثم موضوع الحديث من كتاب رياض الصالحين ويليه الجزء المخصص من كتاب السيرة.

- ويجري استعراض التكليفات التي تعهد كل فرد القيام بها خلال الأسبوع المنصرم.

- ويجري استعراض مدي التزام كل فرد بالعبادات خاصة صلاة الفجر في المسجد وقراءة الورد القرآني اليومي وصيام النوافل وما إلى ذلك.

ولتحقيق الانضباط يوقع النقيب عقوبة على الفرد المقصر لكن العقوبة لا تأتي إلا بعد نصح متكرر كما أنه من المحظور استخدام وسائل مثل التوبيخ والتقريع والمقاطعة بل تستخدم وسائل مثل التبرع بمبلغ يسير من المال .

مناقشة المشكلات والمعوقات التي اعترضت العمل في الأسبوع المنصرم ثم يوزع النقيب الواجبات للأسبوع المقبل .

ختم الاجتماع بالدعاء والاستغفار .

يقوم النقيب برفع التقارير عن أفراد الأسرة إلى مسئولة الأعلى وهكذا حتى تصل التقارير إلى قيادة التنظيم والتوجيهات من القيادة العليا تأخذ الاتجاه المعاكس إلى أن تصل للأعضاء وتأخذ صورة تعليمات ونشرات وكراريس تصل الأفراد من حين لآخر.

والآسرة في الإخوان تختلف عن أى خلية تنظيمية تقليدية فدورها الأساسي ليس ميدان العمل كما هو معروف في التنظيمات الأخرى وليس له مهمة عملية محددة ويقتصر دورها على التربية على المفاهيم التي من المفترض أن تنضج الشخصية الإخوانية وتزيل ما تبقي من اختلافات بين الأفراد الذين جاؤوا من بيئات مختلفة .

ويري عبد السلام الحايك أن المهمة الكبيرة والمثالية في تربية الفرد وإعداده "منوطة بشخص النقيب الذي هو شخص عادي محدود الثقافة والمهارات التربوية في الغالب كما أن الوقت المخصص لها وهو ساعتان أسبوعيا من المفترض أن تتم الوظيفة التربوية خلالهما "

والأسرة الإخوانية لها منهاجها التدريسي المعتمد من قبل الجماعة وهذا المنهاج يحتوي على عدة كتب توفر المعرفة الأساسية للإسلام وللإخوان المسلمين وأهمها :

أولا : كتب دينية بحتة مثل ( نور اليقين في سيرة سيد المرسلين ) للشيخ محمد الخضري وكتاب ( الإيمان ) لمحمد نعيم ياسين و( علم أصول الفقه) لعبد الوهاب الخلاف , ( مباحث في علوم القرآن ) لمناع القطان ( تهذيب منهاج القاصدين) وهو اختصار لكتاب إحياء علوم الدين ( رياض الصالحين ) للإمام النووي وتفسير ابن كثير وكذلك تفسير ( [[في ظلال القرآن[[) لشرح الآيات المقر حفظها في المنهج .

ثانيا كتب حركية مثل ( رسائل الإمام البنا ) و( معالم في الطريق ) لسيد قطب وسلسلة فقه الدعوة لمحمد أحمد الراشد وهي ( المنطلق والعوائق والرقائق ) و( المنهج الحركي للسيرة النبوية ) لمنير الغضبان وسلسلة كتب الشيخ سعيد حوي هذه الكتب وأمثالها كانت تكون المنهج المقرر للأسرة ومدته ثلاث سنوات وهو منهج قابل للتغيير أو التعديل حسب الضرورات والتطورات.

يقول الحايك أن القسم الأكبر من هذه الكتب كان يتم تدريسها في لمساجد ومع ذلك فقد أصرت قيادة الإخوان على إلزام الأسر بها وعملية التنقل بين الأسر كانت تدخل الفرد إلى منتصف المنهج أحيانا وأحيانا أخري تجبره على إعادة دراسة ما درسه في أسرة أخري .

ويذكر بعض نشطاء الإخوان أن تعدد نواحي شاط الأسرة مع ضيق الوقت يؤدي إلى أن لا يعطي أى جانب حقه بما في ذلك الجانب التدريسي كما أن إناطة التحضير والشرح إلى فرد عادي خلفيته الثقافية بسيطة في الغالب وكذلك قدرته على المطالعة والدراسة يجعل المادة المشروحة صورة مشوهة عن المادة الأصلية ويذكرون أن افتقار النقباء إلى المستوي الثقافي المناسب وانعدام التجربة التربوية إلى جانب سطحية التجربة التنظيمية يؤدي إلى تحول التدريس داخل الأسرة إلى عملية روتينية جامدة قليلة التأثير ومعدومة النتائج تقريبا إلا في الحالات التي يوجد فيها نقباء مميزون وأفراد على مستوي عالي من التعليم وهي حالات نادرة .

ويذكر الحايك أنه لا يوجد لدي التنظيم في كثير من الأحيان فكرة عما يجري داخل الأسرة سوي ما ينقله النقيب شفويا وعملية النقل هذه يؤدي إلى أن يكون ما يستهدفه التنظيم شئ وما يجري في الأسرة فعلا شئ آخر وهذا يتعلق بكل نشاطات الأسرة وليس التدريس فقط ويعيب الحايك على الإخوان اعتمادهم على هذا النمط السري واعتبره غير ضروري وغير مجدي في العملية التربوية واقترح اعتماد نمط الأسرة المفتوحة التي تعقد بشكل علني في المسجد بحيث يقوم بالتدريس أشخاص متخصصون .

إعداد النقيب

نقيب الأسرة هو رئيسها والمسئول عنها وهو من أهم عوامل نجاحها وهو في وضع المعلم لأفراد الأسرة ولهذا فقد اهتم الإخوان بإعداد النقيب وبتحديد مواصفاته على النحو التالي : أن تصدر تصرفاته عن ورع قائم على مراقبته لله وأن يحاسب نفسه دائما على تصرفاته وأن يكون حسن المعاملة ومعايشا لمشكلات أفراد أسرته مع الاتصاف بالتعاطف والمشاركة الوجدانية وألا يكون مستبدأ بل يجع إلى الحق ويقف عند حدوده وأن يكون متصفا بالأمانة ويتعين على النقيب دراسة الأصول الإسلامية بهدف تكوين عقلية إسلامية في فهمها للحياة والمشاكل والأمور وتنمية القدرة على التفكير الإسلامي ويطلب منه الحصول على قدر كبير من الدورات في مجال الإدارة وحسن التعامل مع الناس .

تقوم من حين لآخر بعمل دورات للنقباء لرفع مستوي قدراتهم التدريسية والتربوية ورفع مستوي وعيهم الشرعي والفكري لكنه يعيب على هذه الدورات عدم تخصيصيتها فهي تجمع نقباء ذوي اهتمامات مختلفة فبعضهم يعمل في المجال الطبي وآخرون في المجال الأمني أو الاجتماعي أو التربوي وفي النهاية تنتهي الدورة خلال عام بمعدل جلسة في الأسبوع فلا يتحول الشخص غير المثقف إلى مثقف ولا يكتسب أحدهم خبرة تربوية أو تنظيمية الكتيبة

الكتيبة هي أول نظام تربوي في داخل جماعة الإخوان المسلمين وهي أسلوب خاص في تربية مجموعة من الإخوان والكتيبة في اللغة مأخوذة من مادة ( كتب ) بمعني جمع الشئ بعضه إلى البعض الآخر ومن ذلك الكتاب ويقال أن الكتيبة هي ما جمع فلم ينتشر وقبل الكتيبة هي جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الألف والكتيبة الجيش ويقوم هذا الأسلوب على تربية الروح وترقيق القلب وتزكية النفس وتعويد البدن والجوارح على الاستجابة للعبادة ولعل الإخوان قد اقتبسوا فكرة النظام الكتيبة من اجتماعات النبي صلي الله عليه وسلم بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم حي كان يبث ما عنده للصحابة ويأخذهم بأسلوب من التربية الروحية العالية حيث تخرج من تلك الدار من كانوا أعلاما للهدي.

ويتلخص نظام الكتيبة في أن تبيت المجموعة المستهدفة في مكان محدد ويبيت معهم مسئولهم يتلون القرآن ويتسامرون ثم ينامون على الأرض ومن خلال الكتيبة يتعارف عدد أكبر من الإخوان على بعضهم البعض ويتدربون على الصبر والالتزام والارتقاء بالروح والنفس والتعود على تحمل المشاق.

يومكن القول أن هذا النظام كان مرنا إذا أن وصف الإخوان للكتائب التي حضروها يختلف من فرد لآخر مع الاتفاق في إطار عام يضم : الصلاة الجماعية والدرس الليلي وقيام الليل أذكار الصباح وتمارين الرياضة والنوم

والاستيقاظ في وقت محدد والتعارف التام وفي هذا الإطار كان يزاد في البرنامج أو ينقص منها بحسب الحاجة التربوية للمجتمعين.

وللكتيبة أهداف تربوية متعددة تشمل الجانب الروحي والأخلاقي والثقافي والرياضي .

الرحلات

الرحلة هي وسيلة تربوية متممة للوسائل التي اتخذتها جماعة الإخوان في تربية الأفراد وهي كالكتيبة تغلب عليها التربية الجماعية وإذا كانت الأسرة والكتيبة يغلب عليها جانب التربية الروحية والعقلية والتثقيفية فإن الرحلة تعني بالجانب البدني والجسدي .

يبدأ برنامج الرحلة بعد صلاة الفجر ويفتتح يوم الرحلة بتلاوة القرآن ثم النشيد ويتخلل يوم الرحلة برامج رياضية وترفيهية وحرص على أداء الصلوات جماعة وفي موعدها .

وتختلف الرحلات حسب أغراضها التربوية فمنها رحلات ثقافية مثل الرحلات التي كانت تنظيم لزيارة الأقصى والمسجد الإبراهيمي في الخليل والمناطق ذات الأهمية التاريخية في فلسطين المحتلة ومنها رحلات ترفيهية رياضية حيث يتوجه الجميع إلى شاطئ البحر أو إلى احدي البيارات ويتم التركيز خلالها على الألعاب الرياضية والسباحة.

يستهدف الإخوان من وراء القيام بالرحلات تحقيق الأهداف التالية تدريب الفرد على تحمل المشاق والاعتماد علي نفسه وحسن التصرف وضبط النفس وتحمل المسئولية والنظام وإتقان العمل المكلف به وتعويد الفرد على ممارسة التمارين الرياضية للحفاظ على سلامة الجسم وتزويد الفرد بمعلومات عامة عن طريق الخبرة المباشرة وتوثيق الرابطة الاجتماعية بين أفراد الرحلة عن طريق التعارف التام والمؤاخاة وتحمل أعباء الآخرين وتعويد افرد على التعاون والمشاركة الجماعية.

المعسكرات

نظام المعسكرات هو أحد الوسائل التربوية التي اتبعها الإخوان وكانوا يقيمون هذه المعسكرات بين الحين والآخر ويعتبر هذا النظام مدرسة متكاملة تعني بالروح والعقل والجسد وكان يجري تقسيم مكان المعسكر إلى مخيمات ومسجد للصلاة ومحلات للوضوء وأماكن للدروس .

وكان يتولي قيادة المعسكر شخص لا يقل كفاءة عن النقيب أو قائد الكتيبة والرحلة وكان للمعسكرات فوائد من جوانب عديدة منها الاجتماعي حيث تتيح المعسكرات وكان للمعسكرات فوائد من جوانب عديدة منها الاجتماعي حيث تتيح المعسكرات التعارف بين أعضائها خاصة أنه يتم اللقاء بين مختلف الطبقات الثقافية والبقاء معا لمدة الطعام وتنظيف وتنظيم المكان وكانت هذه المعسكرات تربي الفرد على الطاعة والاحترام والعمل على توثيق صلة الفرد بالقيادة أو القيادات التي تشرف على المعسكر أو القيادات الزائرة لمعسكر.

وتستهدف المعسكرات عند الإخوان المسلمين تحقيق الأهداف التالية : تدريب الفرد على التخلص من العادات والمألوفات غير المرغوبة فوجود الفرد في جماعة لمدة أسبوع كفيل بمنحه قدر على مقاومة عاداته السيئة إما بالتقليد أو حافز داخلي ينشأ من الرغبة في الاتصاف بأخلاق يراها المثل الأعلى له .

وتعويد الفرد على سلوك روحي إسلامي مثل صلوات التهجد وتلاوة القرآن والأذكار وغيرها وتعويد الفرد على ممارسة الرياضة البدنية وتدريب الفرد على أعمال الخدمة كالحراسة وإعداد الطعام والنظافة بدأت إعادة التنظيم على يد شباب في جيل متقارب لا يتمايزون هذا جعل الحركة أكثر ميلا للتشاور في اتخاذ القرارات والاعتماد علي اللجان وبناء التنظيم بشكل متدرج أكتمل مع نهاية سنة 1987.

اتسم البناء التنظيمي بالمرونة من حيث قدرته على تغيير أهدافه المرحلية ( في البداية كان التركيز على التربية وإعداد الجيل , ثم أصبح مقاومة الاحتلال ) واستبدالها بأهداف أكثر ملائمة في الظروف الجديدة وأثبتت التجربة أن الحركة منشدة نحو خدمة الهدف والتضحية بالأشكال والأسماء متي دعت الحاجة لذلك ( عملت الحركة باسم المجمع الإسلامي ثم في نهاية 1987 عملت باسم حركة المقاومة الإسلامية) وظهرت المرونة في القدرة على استيعاب قيادات جديدة والتعافي بسرعة عند غياب قيادات أخري والتجربة جعلت حركة الإخوان غير متمحورة على شخصية قائد فرد أو جيل خاصة عندما تعرضت مبني على المبادرة وإعادة البناء ثم أصبح الانتخاب هو مصدر الشرعية .

اتسم التنظيم بالتقاء الناس على الفكرة واعتمادهم على المؤسسات واللجان والهياكل المتعددة وليس الالتقاء على الزعيم المؤسس أو الشخصية الاعتبارية أو الجيل الرائد.

اعتمد التنظيم مبدأ علنية الدعوة وسرية التنظيم وحاولت الحركة بناء معادلة تجمع بين اسر الضروري والعلن الواجب .

حتى العام 1987 كان الغالب على الحركة نوعية من القيادة فذة في المجال العملي والتنفيذ ولم يظهر من بينها قيادات فكرية قادرة على التنظير الفكري والسياسي .

لم يحدث صراع على القيادة لأن منافذ الوصول السلمي لها كانت مفتوحة عبر الانتخابات وقد تطور البناء القيادي لكي يشمل في العام 1987 مجموعة من الأجيال وأهل الاختصاص يمكن تصنيفها كالتالي أهل السب ق والخبر مثل أحمد ياسين وعبد الفتاح دخان وأهل الشباب والتجديد مثل صلاح شحادة وأهل الإدارة والتنظيم الداخلي إبراهيم الياوري وأحمد الملح وأهل المهن والثقافة الحديثة مثل إسماعيل أبو شنب وعبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة .

لم يكن هناك تشكيل كتل الضغط أو المحاور وكذلك الترشح كان ممنوعا وإنما الترشيح هو الذي كان سائدا في الانتخابات الداخلية .

اتخاذ القرارات كان في الغالب يعتمد على المبادرة والشورى بمفهومها البسيط والمباشر إضافة إلى مدي توفر الإمكانات للعمل المراد اتخاذ قرار بشأنه لكن قرار العمل العسكري احتجا إلى تشاور أوسع شمل الداخل والخارج .

حرص الإخوان على الاستفادة في مجال الدعوة مما هو متاح من مدارس ومساجد وكتل طلابية وكانوا يحاولون توسيع المتاح ميدانيا وكان الشيخ أحمد ياسين في العادة هو المبادر لأغلب الأنشطة التي خاض غمارها الإخوان وبعد ذلك تنتقل المسئولية عن العمل إلى لجنة تشرف عليه.

يقول الحايك أن الانتخابات الداخلية كانت تمارس بشكل دوري داخل الحركة لكن " لم يكن لها كبير أثر في تغيير القيادة في الغالب لأن الانتخابات كانت تجري داخل دوائر ضيقة فكانت نتائجها معروفة سلفا لكن نتائج الانتخابات التي ذكرناها آنفا تشير إلى أن هنالك تغييرات حقيقة في نتائج الانتخابات في أكثر من منطقة من مناطق القطاع وأن معظم مناطق القطاع شهدت حاكا قياديا وإن كان بدرجات متفاوتة.

وقد تمكن الإخوان من تأسيس تنظيم نسائي فاعل استطاع خلال أقل من عش سنوات الانتشار في كل قطاع غزة واستطاع الإخوان إيجاد شبكة متشعبة من الشباب المتعلمين الذين يتواجدون في كل مكان في القطاع وينقلون رسالة الحركة وينظرون لأفكارها سواء في المساجد أو المدارس أو الجامعة على حد سواء .

استطاع الإخوان إيجاد نظام تربوي فاعل قادر على إيجاد الإنسان العقائدي المؤمن الذي يملك استعدادا للتضحية في سبيل المبدأ رغم ما تعرض له النظام التربوي من انتقادات لكنها لم تكن هي السائدة وكانت القناعة بالنظام التربوي المعمول به كتيبة في أوساط الإخوان .

الفصل الثاني: النشاط العام في مواجهة السياسات الإسرائيلية

يتناول الفصل الثاني دراسة تحولات المجتمع الفلسطيني بفعل سياسات الاحتلال وتأثرا بمجمل السياقات الاجتماعية والاقتصادية في الفترة بين عام 19671987 ويناقش سياسة الاحتلال تجاه حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة ويعرض طريقة الإخوان في مواجهة السياسات الإسرائيلية من خلال المساجد ومؤسسات المجتمع المدني والعمل النقابي والنشاط الفني . ولتسهيل عرض ونقاش القضايا سابقة الذكر جري تقسيم الفصل إلى المباحث التالية :

المبحث الأول : تحولات المجتمع الفلسطيني تحت سيطرة الاحتلال 1967 -1987.

المبحث الثاني : السياسة الإسرائيلية تجاه حركة الإخوان.

المبحث الثالث: مواجهة الإخوان للسياسات الإسرائيلية .

المبحث الأول تحولات المجتمع الفلسطيني تحت سيطرة الاحتلال 1967 -1987

إن ما يعرف بقطاع غزة كان حتى سنة 1948, جزءا لا يتجزأ من اللواء الجنوبي في فلسطين وكان هذا اللواء الذي تكون من قضائي غزة وبئر السبع.

من أفقر مناطق فلسطين على الرغم من أنه كان يشكل 1% من مساحة فلسطين وكان سكانه يشكلون 11% من مجموع السكان وتبلغ مساحة القطاع 365 كيلو مترا مربعا وهو ما يوازي 1.3% من مساحة فلسطين التي تساوي 27 ألف كيلو متر مربع ويبلغ طول قطاع غزة 45 كيلو متر , ويتراوح عرضه ما بين 6-12 كيلو متر طبقا لاتفاقيات الهدنة وضع القطاع بعد معاهدة الهدنة لسنة 1949 تحت إشراف الإدارة المصرية وأصبح يشكل وحدة اقتصادية وبشرية مستقلة ومنفصلة تماما عن بقية أجزاء فلسطين.

وعشية حرب حزيران يونيو1967 كان عدد سكان القطاع طبقا للإحصائيات الإسرائيلية التي جرت بعد الاحتلال وبعد ترحيل عشرات الآلاف من السكان عن القطاع يبلغ 354 ألف نسمة, وتشير تقديرات أخري إلى أن عدد السكان كان يتراوح بين 400 ألف نسمة و455 ألفا وبلغ عدد سكان القطاع بحسب آخر الإحصاءات الإسرائيلية لسنة 1987 أكثر من 565 ألف نسمة

وتعتبر إسرائيل حسب القانون الدول سلطة احتلال وبناء عليه فإنها ملزمة بتطبيق اتفاقية جنيف الرابعة الصادرة سنة 1949 وعليها احترام بنودها لكنها لم تكتف بعدم الاتفاقيات الدولية بل عملت على تشويه الحقائق وحولت جريمة احتلالها للأرض وطرد السكان إلى عمل " بطولي تحرري" وعينت إسرائيل فور احتلالها حاكما عسكريا للضفة والقطاع وفي المنشور رقم 1 الصادر في 7-6-1967 أعلنت فيه إسرائيل عن تسلمها للسلطة من خلال قائد عسكري يتولي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية وروجت سلطات الاحتلال في أعقاب سيطرتها على قطاع غزة سنة 1967 مقولة الاحتلال " اليبرالي " و" الاحتلال المستنير" الذي يلتزم بالقوانين ويتيح للناس ممارسة حرية التعبير.

وكان القائد العسكري الإسرائيلي هو المخول بتوضيح ممارسات السلطة المحتلة عبر أوامر عسكرية تصدر من خلاله وتعبر عن وجهة النظر الإسرائيلية وفي البداية تعهدت إسرائيل بتطبيق اتفاقية جنيف ووردت إشارة صريحة بذلك في المادة رقم 35 من الأمر العسكري رقم 3/1967 غير أن أمرا عسكريا صدر لاحقا يحمل الرقم 144/1967 ألغي ما جاء في المادة السابقة ومنذ ذلك الحين ترفض إسرائيل تطبيق اتفاقية جنيف على الأراضي المحتلة.

ويمكن القول أن إسرائيل تصرفت بعد الحرب بمنطق المنتصر الذي يصر على التفرد في اتخاذ القرارات وفي هذا السياق بدأت الأوامر العسكرية تعبر عن تصاعد السياسة الإسرائيلية ضد المجتمع الفلسطيني ثم اعتبرت سلطات الاحتلال أن الأراضي الفلسطينية " أراضي مدارة" وأصد الحاكم العسكري في الفترة ما بين 1967 -1983 حوالي 1078 أمرا عسكريا تدخلت في كافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والدينية وكان يجري تعديلها لتمرير سياسات ومتطلبات الاحتلال وتبني الاحتلال كذلك قوانين الطوارئ البريطانية لسنة 1945 التي تمنحه صلاحيات مطلقة بحيث تسمح باعتقال أى مواطن بدون أمر اعتقال مسبق وبدون توجيه أى تهمة وبشكل إداري يمتد لعدة سنوات ومراقبة ومنع أى كتاب أو نشرة وتقييد حرية التنقل والنفي وفصل أى موظف ومصادرة الأملاك ونسفها وتدميرها .

وقد استهدفت جملة هذه القوانين والأوامر العسكرية التي شكلت دستورا لقوات وسلطات الاحتلال – احتجاز تطور المجتمع الفلسطيني وتحديد آفاق نموه بحيث لا يتجاوز ما كان قائما قبل الاحتلال إضافة إلى ربط الواقع الفلسطيني في شتي المجالات بواقع الاحتلال حيث وضعوا خططا مدروسة للسيطرة على الأراضي والمياه الفلسطينية وسنوا القوانين العسكرية الجائزة ضد المواطنين الفلسطينيين انطلاقا من زاوية القمع والاعتقال والإقامة الجبرية والإبعاد وصولا إلى العقوبات الجماعية والهدم والنسف الخ.

وتزاجمت الأوامر العسكرية لتصل إلى ذروتها في الأمر 947 الصادر في شه نوفمبر سنة 1981 بإنشاء " إدارة مدنية" والذي استهدف تغيير الواقع القانوني او السياسي للأراضي المحتلة وتحويل الأوامر العسكرية الصادرة منذ سنة 1967 إلى مرتبة القوانين وعكست هذه الأوامر ذاتها على الواقع الاجتماعي الفلسطيني الذي اتسم بالتوتر الاجتماعي الدائم .

وقد حاولت سلطات الاحتلال تقمص شخصية دولة القانون , وتظاهرت بأنها توفر قدرا كافيا من الضمانات القانونية لضبط التجاوزات الممكنة للحكام العسكريين وتحفظ حق الأهالي ضد هذه التجاوزات الممكنة للحكام العسكريين وتحفظ حق الأهالي ضد هذه التجاوزات لدي حدوثها وقد شهد المجتمع الفلسطيني تحولات جذرية تحت سيطرة الاحتلال وتأثرا بسياساته في مختلف المجالات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

على الصعيد الاقتصادي فقد ارتبك الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام حيث وجد نفسه اقتصادا عملاقا وقد بلغ حجم الاقتصاد الفلسطيني عشية الاحتلال 2,6% من حجم الاقتصاد الإسرائيلي وأصبح الاقتصاد الفلسطيني بعد سنة 1967 يخضع لشروط الاحتلال وجعلت سلطات الاحتلال هذا الاقتصاد مكملا لحاجياتها بمعني أن يقوم الاقتصاد الفلسطيني بتعويض النواقص , أو إنتاج ما لا ترغب رجال الأعمال الإسرائيليين في إنتاجه بأنفسهم.

لأن إنتاجه بواسطة مستثمرين فلسطينيين في غزة أوفر من ناحية التكلفة وأكثر جدوى من ناحية الربح للتجار الإسرائيلية الذين سيتم تصديره عن طريقهم ( مثل زراعة الزهور والفراولة وحياكة الملابس ) وحرمت إسرائيل الاقتصاد الفلسطيني من الإنتاج الحر عبر الأوامر العسكرية التي تمنع رجل الأعمال الفلسطيني من القيام بأى نشاط منتج إلا ضمن قيود تجعله في خدمة السياسة العامة التي وضعها الاحتلال .

وعملت " إسرائيل " على تدمير قطاع الزراعة فانحسرت المساحة المخصصة للزراعة من 198 ألف دونم إلى 100 ألف دونم في الفترة بين 1967 -1985 بسبب الاستيطان المكثف الذي قضم 42% من مساحة قطاع عزة معظمها أراض إما مزروعة أو صالحة للزراعة .

لأقد أسست إسرائيل علاقتها بقطاع غزة على أساس استغلالي واستخدمت الاقتصاد لتعزيز هيمنة الاحتلال وتمكنت من فرض نظام ضرائبي يجعل من مشروع الاحتلال مشروعا غير مكلف على الإطلاق .

وتعرضت الطبقة العاملة في هذه الفترة لعدد من التغيرات البنيوية فبعد الاحتلال الإسرائيلي للقطاع وانفتاح سوق العمالة في " إسرائيل " أخذ حجم الطبقة العاملة في الازدياد وقد وصل عدد العاملين في " إسرائيل" حتى شهر مارس 1986 إلى نحو 42,200 ألف عامل مسجل في مكتب العمل إضافة إلى 10 آلاف عامل في إطار سوق العمل السوداء ويشكل هؤلاء أكثر من 50 % من مجموع القوي العاملة في القطاع التي بلغت 92 ألف عامل حتي شهر مارس 1986.

ويذكر فضل النقيب أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة عملت على تقليص سيطرة الفلسطينيين على الموارد الطبيعية وعرقلة النشاط الاقتصادي من خلال تعقيد عملية الحصول على التراخيص للمنشآت الاقتصادية إضافة إلى فرض الضرائب التعسفية وعمل الاحتلال كذلك على تخريب البنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني وإهمال المرافق والخدمات العامة.

وعلى الصعيد السياسي يذكر شلومو غازيت الذي شغل منصب أول منسق لشئون الأرض المحتلة سنة 1967 في وزارة الأمن الإسرائيلية أن " اللجنة الوزارية للشئون الإدارية قررت أن الوجهة العامة تتمثل في تغطية نفقات الحاجات المدنية في المناطق – أى الضفة الغربية وقطاع غزة – من خلال موارد تلك المناطق .... وألا تخصص من ميزانيتها أى مبالغ للأغراض المدنية في تلك المناطق وكانت لجنة من الخبراء الاقتصاديين التي عملت مع رئيس وزراء دولة الاحتلال ليفي أشكول قد قدرت في سبتمبر 1967 أن التكلفة الاقتصادية لإدارة المناطق المحتلة ستكون منخفضة جدا وقريبة من الصفر .

وأشار شلومو غازيت إلى أن السؤال الذي كان يشغل كل من يشتغل بشأن المناطق المحتلة في إسرائيل يتمثل في " كيف يمكن تنفيذ السيطرة الإسرائيلية في المناطق دون أن تصبح هذه المناطق عبئا على اقتصاد وميزانية إسرائيل .

وكان هدف الاحتلال الاستيلاء على الأرض وتفريغها من سكانها واتبع لتحقيق هذا الهدف أكثر من سبيل : فمن ناحية قام بالتهجير القسري ومن ناحية أخري تبنيّ سياسات اقتصادية واجتماعية من شأنها تضييق الخناق على السكان ودفعهم للهجرة خارج القطاع وعلى صعيد آخ تبنت سلطات الاحتلال سياسة استيطان واضحة لتحقيق الهدف نفسه ولجأت بصورة خاصة إلى تغيير الوضع الديمغرافي للاجئين في المخميات .

في البداية سعت سلطات الاحتلال لإحاطة القطاع بسلسلة من المستعمرات بدلا من بنائها داخل القطاع المكتظ بالسكان لكنها ما لبثت سنة 1978 أن أقامت المستعمرات وسط السكان العرب وكان الهدف هو عزل المدن الفلسطينية عن بعضها وجعل هذه المستعمرات مراكز أمن احتياطية يمكن اللجوء إليها إذا ما دعت الضرورة ولذلك ترتدي هذه المستعمرات طابعا عسكريا.

وقمعت قوات الاحتلال كل أشكال النشاط السياسي داخل القطاع غزة واتبعت سياسة إسقاط أمني للشباب الفلسطيني والمقصود به اصطياد الشباب في براثن المخابرات الإسرائيلية وتحويلهم إلى عملاء كما انتهجت سياسة تستهدف تهويد القدس والاعتداء على المسجد الأقصى وهذه السياسة الإسرائيلية بعثت على القلق والخوف على الحاضر والمستقبل خاصة سياسة تهويد القدس واستهداف المسجد الأقصى والاستيطان ومصادرة الأراضي ونشر السلوكيات الشائنة عبر دخول اليهود بكثافة إلى قطاع غزة والإسقاط الأخلاقي والأمني والهيمنة على الاقتصاد الفلسطيني.

ويمكن القول أن سياسة الاحتلال في فتة الدراسة عملت على تكوين قاعدة اجتماعية مساندة للاحتلال وسط الجماهير الفلسطينية وبعد اتفاقية كامب ديفيد حاول الاحتلال إيجاد قيادات عملية عبر تكوين روابط القرى ( خاصة في الضفة الغربية ) والتمهيد للحكم الذاتي كما حاول تدجين بعض النخب السياسية لكي تشكل ريادة محلية ليس لها اهتمام إلا بشأن تحسين أوضاع السكان في قطاع غزة بعيدا عن أى طموح قومي أو وطني وليس من قبيل المبالغة القول أن بعض هذه النخب اعتقدت أن الإصرار على الكفاح من أجل التحري يمكن أن يضر بالناس .

وشعرت قيادة الاحتلال في منتصف الثمانينات من القرن العشرين أنها حققت نجاحات ملموسة وفي هذا السياق يذكر شلومو عازيت أن جهود المقاومة الفلسطينية على مدار 19 عاما انتهت بالفشل حيث لم تتسبب بحدوث خسائر غير محتملة ولا يوجد أى مجال عمل توقف بسبب أعمال المقاومة الفلسطينية ولم يحدث أى ملل في إسرائيل بسبب الأعمال الحربية , أو أى استعداد للوصول إلى تسوية مع المقاومة الفلسطينية ويعزو غازيت هذا امر إلى " نجاح السياسة الأمنية الإسرائيلية في المناطق "

وعلى صعيد الإنفاق فإن الاحتلال حقق نجاحا ملحوظا حي أنفقت سلطات الاحتلال – خلال سنوات حكمها في الضفة والقطاع – أموالا قليلة لتمويل جهاز الحكم وفي هذا السياق يذكر شلومو سيبرسكي أن سلطات الاحتلال جمعت سنة 1992 ضرائب من الأراضي المحتلة بإجمالي مليون دولار وأنفقت 311 مليون دولار وبقي في ميزانيتها 17 مليون دولا وهذا يعني أن الاحتلال كان يربح من سيطرته على الأراضي المحتلة وقد أغرت هذه الكلفة الاقتصادية والأمنية المنخفضة حكومات الاحتلال الواحدة تلو الأخرى للاقتناع بأن استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة ممكن لأجل غير محدود .

وأعدت الإدارة المدنية الإسرائيلية – برئاسة شايكي إيرز – دراسة قبل ثمانية أشهر من اندلاع الانتفاضة شاركت في إعدادها عشرون هيئة إسرائيلية من بينها الشاباك والجيش وفشلت هذه الدراسة في التنبؤ بإمكانية اندلاع الانتفاضة ولم تستطع تخيل أن تفقد إسرائيل زمام السيطرة على قطاع غزة أو أن ينتقل الإخوان المسلمون إلى مقاومة الاحتلال بشكل منهجي ومستمرا .

ويقول شلومو سيبريسكي إن السيطرة منخفضة التكاليف تحققت لسلطات الاحتلال في الأراضي المحتلة بفضل " ارتفاع مستوي معيشة الفلسطينيين سكان المناطق المحتلة دون أن تقوم إسرائيل باستثمار جوهري وكان السبب الرئيس في ارتفاع مستوي معيشتهم يتمثل في فتح أبواب سوق العمل الإسرائيلية أمام العمال الفلسطينيين بأجور أكثر ارتفاعا من تلك التي يحصلون عليها في المناطق المحتلة ويذكر سيبريسكي أن الاقتصاد الفلسطيني سنة 1968 كان يشكل 3 % من حجم الاقتصاد الإسرائيلي لكنه خلال 20 عاما أصبح يشكل 8% من حجم الاقتصاد الإسرائيلي .

وقد تم استيعاب العمال الفلسطينيين طوال السبعينات الثمانينات في مجالين : الأول هو سوق العمل في " إسرائيل" والثاني سوق العمل في دول الخليج وأدي هذا إلى ارتفاع مستوي المعيشة بين السكان الفلسطينيين ورغم الأزمة الاقتصادية التي مرت بها " إسرائيل " في الثمانينات ورغم تزايد أعداد الفلسطينيين الذين يدخلون سوق العمل في كل عام رغم كل هذا فإن مستوي المعيشة ومستوي ثراء الأفراد بقي في ارتفاع مستمر لكن الاقتصاد الفلسطيني تم إلحاقه بالاقتصاد الإسرائيلي وبقي خادما له , ويمكن القول أن الاحتلال بني سياسته الاقتصادية على قاعدة : منح الأفراد فرصة تكوين ثروة وفي نفس الوقت سرقة ثروات الوطن.

وعلى الصعيد الاجتماعي حاولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تغيير بنية المجتمع السكانية والاجتماعية فمن ناحية قام الجيش الإسرائيلي بعيد الاحتلال بهد البيوت وشق الطرق الواسعة داخل مخيمات القطاع بذريعة الإجراءات الأمنية ومن ناحية أخي أنشأت السلطات مشاريع الإسكان التي تهدف إلى إعادة توطين سكان المخيمات في مناطق أعدت خصيصا خارج مخيماتهم .

وقد بدأت مشاريع الإسكان أو إعادة توطين اللاجئين في سنة 1970 حين حاولت السلطات نقل المحاولة الثانية لإعادة توطين اللاجئين إلى الضفة الغربية وإلى العريش في سيناء وتمثلت المحاولة الثانية لإعادة توطين اللاجئين في قيام السلطات الإسرائيلية بإنشاء خمسة مشاريع إسكان هي : حي البرازيل وتل السلطان في رفح وحي الأمل في خان يونس وحي الشيخ رضوان في غزة ومشروع بيت لاهيا وخصص هذه المشايع أرض بلغت مساحتها 3590 دونما وعند نهاية ديسمبر 1985 كان نحو 37’319 نسمة قد سكنت في 4963 وحدة سكنية.

وكانت سلطات الاحتلال تأمل بأن تساهم مشايع الإسكان هذه في هدم الأساس السياسي والقانوني الذي تقوم عليه مشكلة اللاجئين الفلسطينيين والمتجسد في وجودهم في هذه المخيمات المقامة خصيصا لهم إلى حين حل مشكلتهم المعلقة وتهدف هذه الإجراءات أيضا إلى تخفيف حدة المشكلات والصعوبات التي يعانيها اللاجئون وإلى إزالة المسببات الاجتماعية والاقتصادية للإحباط والتذمر الذين يمكن أن يجدا متنفسا لهما عب مقاومة الاحتلال.

ويتوخي من هذه الإجراءات كذلك تأمين مناخ أفضل لترويض الإدراك الوطني والسياسي لدي اللاجئين الفلسطينيين

وكانت ملكية الأرض قبل عام 1948 هي مصدر الثروة الأساسية وكانت بعض الأسر الفلسطينية مثل عائلة الشوا تملك مائة ألف دونم في لواء لكن بعد النكبة تقلصت ممتلكات هذه العائلات وأصبح ما تبقي لعائلة الشوا ( على سبيل المثال ) من أملاكها ألف دونم فقط وفقدت الكثير من العائلات أملاكها بالكامل أو بشكل جزئي وأدي انهيار الملكيات إلى تشتت التراتب الاجتماعي خاصة أن المجتمع الفلسطيني فقد مؤسساته وأصبح يشهد تحولات عسيرة.

وبعد سنة 1967 خضع المجتمع الفلسطيني لسيطرة الاحتلال ممثلا بقوته العسكرية وأدوات الاحتلال السياسية والقانونية واضطر عدد كبير من كبار الملاك لبيع أجزاء من أراضيهم في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية بهدف المحافظة على مستوي معيشي أو اجتماعي معين أو لإنشاء مشاريع داخل القطاع أو خارجه .

وعمل الاحتلال على توليد شريحة واسعة من المنحرفين نتيجة تفعيله لوسائل الاختراق القيمي, وعمل الاحتلال على ربط شريحة من العملاء الأمنيين والاقتصاديين به وفي الواقع الجديد تشابهت مستويات المعيشة لدي الغالبية العظمي من السكان ويمكن القول أن النظام الاجتماعي القديم تفكك ودخل المجتمع حالة من التوتر والللااستقرار والفوضي التي تعددت في رحمها الولاءات والانتماءات وفي رحمها ولدت الحركات الاجتماعية والسياسية والتي تعد حركة الإخوان أبرزها .

لقد عمل الاحتلال الإسرائيلي بعد عام 1967 على تفتيت الوحدة الوطنية الفلسطينية خاصة نسف الروابط العائلية التي تلعب دورا مهما في الحفاظ على الترابط والتماسك الاجتماعي ونتيجة لسياسات الاحتلال التي استوعبت أعدادا كبيرة من عمال قطاع غزة في الأراضي المحتلة عام 1948 ظهرت الكبير من المشاكل الاجتماعية مثل ضعف الضبط الاجتماعي داخل الأسرة نتيجة غياب الأب لفترات طويلة عن البيت كما أن الاستقلال الاقتصادي المبكر لصغار السن الذي أتاحه العمل في مرافق دولة الاحتلال – ساهم أيضا في إضعاف عملية الضبط الاجتماعي وإشراف العائلة على تربية الأبناء.

وبالتالي حدث تآكل في نظام السلطة العائلية وانحلال بعض الضوابط الاجتماعية في هذا المجال كما أن الاحتكاك باليهود في العمل أدي إلى ظهور انحرافات خلقية واضحة لدي أعداد متزايدة من الناس .

وعلى الصعيد الإداري فقد سيطر الاحتلال على كل الإدارات الحكومية وأخضع سياسات التوظيف لمعاييره الخاصة فحرم كل من يعتقل أمنيا من الحصول على أية وظيفة كما فرض على الموظفين عدم القيام بأية أنشطة سياسية وخصص للموظفين أجورا منخفضة الأمر الذي جعل الشباب يذهبون للعمل في سوق العمل الإسرائيلي أو يضطرون للهجرة إلى بلدان الخليج للعمل هناك وهذا ساهم في تفريغ القطاع من الكثير من الطاقات المتعلمة.

وكانت الإدارة المصرية قد هيمنت على نظام الأوقاف في قطاع غزة وكان الحاكم المصري هو مرجعية مأمور الأوقاف ولم تحدث أية محاولات جدية لإقامة جامعة للمؤسسات الدينية في قطاع غزة وكانت إدارة الأوقاف في لقطاع قد فقدت معظم أراضيها المنتجة في حرب 1948 ولهذا أصبحت تعتمد على الهبات المصرية كي تقوم بوظائفها التقليدية .

وبعد انسحاب الإدارة العسكرية المصرية كان ثمة مدخول ضئيل لدفع رواتب لموظفين أو لإجراء تصليحات وتوفي خدمات وفي هذه الأوضاع اضطرت القيادة الدينية إلى التسليم بمعايشة الحكم العسكري الإسرائيلية معايشة سلمية وقامت سلطات الاحتلال بتعيين مسئول عن الشئون الدينية يحمل لقب ضابط ركن الأديان وأصبح من صلاحياته تعيين مأمور الأوقاف والموظفين الدائمين في إدارة الأوقاف .

وبين العامين 1967 -1987 كانت إدارة الأوقاف مسئولة عن 76 مسجدا في القطاع لكن يوجد حوالي مائة مسجد أخري في قطاع غزة كانت تدار عبر لجان أهلية ولم يكن للأوقاف أية مسئولية عنها وحتى تلك المساجد التي كانت الأوقاف مسئولة عنها بشكل كامل لم تكن الأوقاف قادرة على السيطرة عليها بشكل مطلق لعدة أسباب تتمثل في انخفاض أجور الأئمة والمؤذنين وغالبية الأئمة كانوا من المكفوفين ذوي القدرات المتواضعة ويضاف إلى ما تقدم بروز أعداد كبيرة من الشباب من ذوي القدرة على التأثير في الناس ويذك مايكل دامبر أن " الكثير من المساجد تدار بشكل مستقل وتمول من قبل منظمات إسلامية كان الحكم العسكري قد سمح لها بالعمل لإيجاد توازن إزاء منظمة التحرير الفلسطينية في القطاع وكانت هذه المنظمات تمارس نشاطاتها علانية فبنت مساجد وأقامت شبكة من المراكز المستقلة وفي غياب الأموال الكافية لم تستطع إدارة الأوقاف في القطاع منافسة هذه المنظمات والاستجابة لنمو المشاعر الدينية خلال الثمانينات .

إن مجمل سياسات الاحتلال كانت تستهدف نكران الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وتفكيك بنيته الاجتماعية وربط اقتصاده بالاحتلال واختراق منظمومته القيمية لإنشاء شريحة من المنحرفين أو اللامنتمين وإضعاف البنية الاجتماعية حتى لا تقوي على الصمود والمقاومة وجاءت هذه السياسات الاحتلالية في وقت كان المجتمع الفلسطيني يشهد تحولات اجتماعية خطيرة وتفكك بنيته بفعل النكبة أو اللجوء وينهار التراتب الاجتماعي بين شرائحه وتتعدد بداخلها الو لاءات والانتماءات .

وأتيحت الفرصة للأفراد امتلاك ثروات ملحوظة وتحسنت ظروفهم المعيشية من خلال العمل في الخليج وفي المرافق الاقتصادية لدولة الاحتلال ولكن الاحتلال نهب ثروات البلد وهيمن على اقتصاده ولم يقم بمشروعات استثمارية الأمر الذي عزز مكانه الفرد في مقابل المجتمع .

لقد وضعت سياسات التوظيف التي انتهجها الاحتلال أصحاب المؤهلات العالية والنشطاء السياسيين خارج إطار الاستيعاب وبالتالي بدأت هذه الكوادر تبحث عن الهجرة وهيمن الاحتلال على جهاز الوقف وجعله تابعا له لكنه لم يوفر له الأموال الضرورية لتشغيل المساجد فبقيت هيمنة الوقف على المساجد ضعيفة.

وقام الاحتلال بمشايع لإسكان اللاجئين تستهدف سحب مبررات تمسكهم بحق العودة والكف عن ممارسة النضال من أجله وترويض إدراكهم الوطني والسياسي .

المبحث الثاني السياسة الإسرائيلية تجاه حركة الإخوان في قطاع غزة

يثي موقف الاحتلال وسياسته إزاء حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة خلال فترة الدراسة خلافا بين الباحثين الفلسطينيين والإسرائيليين حي يري البعض أن سلطات الاحتلال دعمت حركت الإخوان وغضت الطرف عن أنشطتها وأفسحت المجال أمامها لجمع التبعات وفي هذا السياق يذكر ربعي المدهون أن موقف السلطات الاحتلال من الحركة الإسلامية ارتبط بتطور موقف هذه الحركات من (م ت ف ) وفصائل الحركة الوطنية الفلسطينية الأخير في هذه المناطق فساندت السلطات الإسرائيلية الحركة الإسلامية وغضت الطرف عن نشاطاتها عندما كانت في حالة عداء مع بقية فصائل العمل الوطني ولاحقتها وطاردت أفرادها عندما تراجع هذا العداء .

وأشار إل أن الطرفين ( أى حركة الإخوان وسلطات الاحتلال ) حددا موقفيهما انطلاقا من العداء المشترك للمجموعات الوطنية وتطور مستوي هذا العداء في كل مرحلة وقد أدي هذا التوافق المؤقت في الأهداف إلى ظهور تعاون غير معلن بين الطرفين وأكد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي شجعت اتجاه العودة إلى الدين في غزة اعتقادا منها أنه يتعارض مع الوطنية الفلسطينية وذكر المدهون أنه من مظاهر تشجيع سلطات الاحتلال لنشاط الحركة الإسلامية عدم اعتراض قوات الاحتلال الإسرائيلي لعدد من السيارات أقلت أنصارا للحركة الإسلامية من مدينتي غزة والخليل إلى جامعة بيرزنت في حزيران 1980 للمشاركة في اضطرابات شهدتها الجامعة حينذاك ويستشهد باقتباس من مقال لكاتب إسرائيلي يدعي ميخائيل سيلع يذكر فيه أن المنظمات الإسلامية لقيت تشجيعا كبيرا من الحكم العسكري الذي كان يعلم أنها تستغل لأغراض عدة منها الناشط السياسي تحت المظلة القانونية التي توفرها إقامة رياض الأطفال وتنظيم الفرق الرياضية .

ويتفق هشام أحم وغيره من الباحثين الأجانب مع المدهون في أن سلطات الاحتلال عملت على إضعاف التيار العلماني في الحركة الوطنية من خلال التضييق عليه بينما أفسحت المجال أمام حركة الإخوان لكي تنمو وتكبر لمساعدتها على إضعاف فصائل التيار العلماني .

ويذك المدهون أن الحركة الإسلامية استفادت من التسهيلات ومن غض الطرف الذي أبدته سلطات الاحتلال وعملت على فرض رؤيتها السياسية والاجتماعية على الناس وفي هذا السياق قامت الحركة الإسلامية بافتعال صدام مع من اعتبرتهم كفارا ( والمقصود هنا نشطاء اليسار ) كما أنها قامت بمضايقة من لا يرتدون الزي الإسلامي خاصة من النساء .

ووصل الأمر إلى حد سكب الأحماض الكيماوية على وجوه الفتيات اللاتي لا يلتزمن بالزى الإسلامي وتجدر الإشارة هنا إلى أن الباحث جيروين جننج لاحظ أن الكتابات الصادة عن الاتجاهات الوطنية الفلسطينية إضافة إلى الكثير من كتابات الغربيين تنطلق من مسلمات أو تصل إلى استنتاجات تفيد بأن الإخوان كانوا عنيفين وأنهم حصلوا على تسهيلات من الاحتلال وأنهم كذلك عبارة عن عصابات مسلحة بالأسلحة البيضاء تهتم فقط بزيادة نفوذها ولو كان عن طريق الإكراه .

لكن خالد أبو العمرين يري أن القول بمساعدة الاحتلال للحركة الإسلامية عبارة عن شبهة خطيرة ويشدد على أنه بالبحث الموضوعي لم نجد دليلا واحدا على صحة هذه الشبهة خاصة أن كل الحجج والبراهين التي سيقت للتدليل على صحة هذه الشبهة تنطبق على كل الفصائل فهل قامت إسرائيل بمساعدة الجميع ؟

ويري خالد أبو العمرين أن أولي هذه الحجج تتمثل في القول أن إسرائيل أتاحت للحركة حرية التعبير والحركة وإقامة المؤسسات وأن سلطات الاحتلال لم تلاحق نشطاء حركة الإخوان ولم تعتقلهم كما فعلت مع نشطاء م ت ف وفي تفنيده للشبهة يذكر أبو العمرين أنه من المعروف أن الحركة الإسلامية بدأت عملها بالدعوة للالتزام بتعاليم الدين من عبدات ومعاملات ولم يشكل هذا خرقا للقوانين الإسرائيلية فلم يكن باستطاعة الاحتلال أن يغلق المساجد ومنع صلاة الجماعة فيها أو دروس تحفيظ القرآن الكريم أو مشروعات التكافل وتوزيع الصدقات على المحتاجين, أو إغلاق بعض المستوصفات أو رياض الأطفال .

ويذكر أبو العمرين أن الشبهة الثانية تتمثل في القول أن الاحتلال سمح بقيام المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية في غزة والحقيقة أن المجمع الإسلامي الذي تأسس سنة 1973 لم يحصل على الترخيص إلا في العام 1979 أما الجمعية الإسلامية فقد بقيت في صراع مع الإدارة المدنية للاحتلال وقد هدد الاحتلال بتاريخ 6-1-1985 بإغلاق مقر الجمعية الإسلامية .

وفي هذا المجال يري خالد أبو العمرين أن سلطات الاحتلال سمحت بقيام الكثير من النوادي والمؤسسات والجامعات والاتحادات والمكاتب الصحافية التي يديرها نشطاء الفصائل الفلسطينية وكلها تعلن ولاءها لـ ( م ت ف) إضافة إلى الصحف والمجلات التي تصد في القدس وتعبر عن تأييدها للمنظمة ولم يصدر للحركة الإسلامية صحيفة واحدة ولعل أبرز مثال على تسامح الإدارة المدنية مع حركة فتح يتمثل في السماح بتأسيس حركة الشبيبة ومنحها الحق في العمل السياسي والاجتماعي والإشراف على الكثير من النوادي .

ويذك أبو العمرين أن أنصار الحركة الإسلامية يتساءلون إذا كان الاحتلال قد ساعد المؤسسات الإسلامية فكيف يمكن تفسير امتناع الاحتلال عن منح الترخيص والاعتراف بشهادة الجامعة الإسلامية بغزة وبالتالي حرمان خريجيها من العمل في الدوائر الحكومية وكذلك في مؤسسات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بينما منح الترخيص والاعتراف للجامعات التي يديرها أنصار م ت ف خاصة في الضفة الغربية.

ويخلص إلى أن الخصومة والمكايدات هي التي أوجدت هذه الاتهامات ويري أن الاحتلال ينفذ سياسته لتحقيق مصالحه وهو لا يتسامح مع أحد والاحتلال أراد أن يضعف الجميع وكانت سياسة الاحتلال بشكل عام أنه لا يريد حشر التيار الوطني في الزاوية حتى لا تنفجر المشاعر الوطنية وبخصوص الحالة الإسلامية فقد كان الاحتلال أكثر حذرا حتى لا تنفجر المشاعر الإسلامية ضد الاحتلال .

ويستشهد أبو العمرين في هذا السياق برأي الأستاذ بسام جرار الذي قال فيه " أن إسرائيل منحت الجميع فرصة الحديث والبروز إلى السطح حتى يبقوا تحت المراقبة كما أن إسرائيل ابتعدت عن المساس بمشاعر المسلمين وتتأكد صحة هذه الرؤية عندما نعلم أن ردة فعل المسلمين في فلسطين كانت عنيفة ردا على محاولات سلطات الاحتلال والمستوطنين المساس بالمقدسات ونسجل هنا ثلاثة حوادث مهمة وهي :لقد حدث هذا عندما قامت سلطات الاحتلال بتقسيم المسجد الإبراهيمي في الخليل في أعقاب الاحتلال سنة 1967 وحصل عندما قام بعض المستوطنين بإحراق منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى سنة 1969 وعندما قام أحد المستوطنين أيضا بإطلاق النار داخل المسجد الأقصى وقتل أحد الحراس سنة 1981 وبناء عليه أخذت سلطات الاحتلال تقليل الاحتكاك بالمقدسات والرموز الدينية للمسلمين .

وبخصوص الاعتقال يذكر أبو العمرين أن الاحتلال كان يعتقل من يقوم بأعمال مباشرة ضد أمنه ولم تكن جماعة الإخوان في ذلك الوقت تقوم بمثل هذا العمل ولهذا لم يكن أعضاؤها مستهدفين بالاعتقال ولكن في الأحوال التي كانت تري فيها جهدا من الإسلاميين ضد الأمن الإسرائيلي فقد كانت تعتقلهم ويستشهد بما حدث في العام 1984 عندما اعتقلت قوات الاحتلال الشيخ أحمد ياسين في قضية شراء السلاح وتشكيل مجموعات عسكرية لمحاربة إسرائيل .

تجدر الإشارة هنا إلى أن المقولة التي تروج عن تسهيل الاحتلال للحركة الإسلامية ومنحها التراخيص الضرورية لإقامة الجمعيات وتقديم التسهيلات الضرورية لها يتناقض مع الحقائق فلو أخذنا عدد التراخيص الممنوحة للجمعيات الخيرية دليلا على مدي ما يقدمه الاحتلال لحركة الإخوان المسلمين من تسهيلات لوجدنا أن نصيب الجمعيات الخيرية الإسلامية ضيئل وفي هذا المجال يرصد عبد الله أحمد الحوراني عدد الجمعيات الخيرية في قطاع غزة قبل الانتفاضة الكبرى في ثلاث قوائم ويصل عددها في القوائم المذكورة إلى 62 مؤسسة ويقتصر نصيب الإخوان من هذه الجمعيات على أربع جمعيات هي المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية وجمعية الشابات المسلمات إضافة إلى جمعية الوفاء لرعاية المسنين.

وبخصوص الباحثين الإسرائيليين فإن ميخائيل ميلشطاين يعتبر أن قصر نظر القيادة الإسرائيلية ساعد من بين عوامل أخري – الإخوان على الانتشار الواسع وتكثيف الأنشطة حي تم النظر للحركات الإسلامية بشكل خاطئ على أنها تقوم بأعمال اجتماعية دينية وليس سياسية عسكرية أما شاؤول مشعال وأبراهام سيلع فإنهما يعتبران أن الإخوان المسلمين وسعوا أنشطتهم في السبعينات وعلل ذلك بأن الإخوان استفادوا من تجربتهم مع النظام المصري إذ اكتشفوا أن الحكام يسمحون بالأنشطة طالما أن الإخوان لا يتدخلون في السياسة ورؤوبين باز في رسالته الماجستير التي تحمل عنوان ( تطور العناصر الإسلامية الفلسطينية في السنوات 1967 -1988) يتفق مع كل من أيهود يعاري وزئيف شيف في كتابهما ( انتفاضة) في التقرير بأن الجماعات الإسلامية حصلت على تسهيلات من سلطات الاحتلال حيث يعتبر رؤوبين باز أن الجماعات الإسلامية حظيت " بتسهيلات تحت حكم الدولة اليهودية الصهيونية حتي منتصف السبعينات خاصة أن هذه الجماعات لم تكن تمارس الكفاح ضد إسرائيل .

ويعتبر رؤوبين باز أن " الراديكالية الإسلامية نمت في قطاع غزة خلال السبعينات وتوجهت للعمل العسكري فقط في الثمانينات لكن هذا التطور تأثر بعوامل سابقة على هذه المرحلة خاصة هزيمة الجماعات المتطرفة واعتبرت هذه الجماعات – حسب رؤوبين باز – أن هزيمة الأنظمة القومية والبعثية هو دليل على أن لحل لن يأتي إلا عن طريق الإسلام واتهمت هذه الجماعات الأنظمة العربية بأنها تعمل على خدمة الإمبريالية الغربية واعتبرت الجماعات الإسلامية " أن الأنظمة العربية قدمت بقية فلسطين كهدية لليهود ويذكر رؤوبين باز أن " وجهة النظر الرسمية الإسرائيلية اعتبرت أن المعالجات الأمنية السريعة يجب أن تتجه نحو منظم التحرير الفلسطينية أما الجماعات الإسلامية فإنها خلال السنوات الأولي للاحتلال لم تشترك في المقاومة ووقعت بعض الأعمال النادرة التي اشترك خلالها إسلاميون في أعمال المقاومة لكنها كانت فردية وغير منظمة أو من خلال تنظيم فتح ويعتبر رؤوبين باز أن هذه الأشياء ساعدت على " بلورة سياسة إسرائيلية غير مكتوبة – بمقتضاها – تم اعتبار الجماعات الإسلامية جهات يمكن التسامح معها أو اعتبار إيجابية .

أما إيهود يعاري وزئيف شيف فيذكران أن " السلطات الإسرائيلية أسهمت بغي قليل في تطوير البنية التحتية والمتشعبة للتنظيمات الدينية التي تقدمت بسرعة متناهية مع تقدم الانتفاضة وعلى غرار السادات الذي شجع في السبعينات الجماعات الإسلامية لجعلها كابحا لأوساط اليسار في مصر هكذا خدعت إسرائيل نفسها في إمكان استخدام ازدهار الإخوان المسلمين في المناطق بشئ من الرقابة لتقليص مجال نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية ومعروف أن قتلة السادات جاؤوا من صفوف الملتحين المتعصبين في حين كان مصير المناورة الإسرائيلية فقدان السيطرة على الحالة القائمة في الأرض المحتلة"

ويقرر الباحثان أن الفرضية القائلة أنه من الممكن تقييد التنظيم الإسلامي وإرساؤه على مسارات محافظة وغير سياسية فرضية غير مأمونة من أساسها إذ أن فصل الدين عن السياسة غير وارد بالنسبة للمسلم المتدين وحتى من يمارس في بداية طريقه شئون البر والإحسان لطائفة من الناس وإنقاذ الأرواح الضالة من المحتم عليه أن يتخذ مواقف باتّة في شئون الساعة إن عاجلا أو آلا وكما ثبت في كثير من البلدان بالذات فإن شبكة المؤسسات الدينية تشكل جهازا ناجعا للتجنيد والنشاط أضعافا مضاعفة لما يمكن أن تفعله منتديات الحركات العلمانية.

ويواصل يعاري وشيف القول بأن هذا ما حصل بالضبط في قطاع غزة وبنسخة باهتة في الضفة الغربية فقد سمحت إسرائيل – على امتداد العقد الأخير ( عقد الثمانينات ) لعناصر إسلامية متدينة باحتلال سلسلة كبيرة من مراكز القوة والنفوذ وإقامة مؤسسات حديثة وجعلها تقوي لتبلغ مستوي قيادة سياسية محلية للسكان كل ذلك معللة نفسها بأن الخطر منهم على الاستقرار أقل وأن ضررها أقل من الفائدة التي ستجنيها في نهاية المطاف وقبل سنة واحدة من الانتفاضة وردت مؤشرات لدي قيادة الحكم تبعث جزعا حقيقيا من أن التوقعات السابقة لا يمكنها أن تتحقق وأن الحركات الإسلامية قد سارت في طريق الاصطدام التي لا عودة منها صحيح أنها كبحت زخم التعبئة لمنظمة التحرير الفلسطينية إلا أنها سرعان ما أحاطتها بتربية لتعصب متطرف .

ويذكر الباحثان يعاري وشيف أن أحد كبار موظفي الأوقاف الإسلامية في القطاع والذي مارس مهمته منذ عهد المصريين " حذر محادثيه الإسرائيليين عام 1978 من مغبة منح جمعية ( المجتمع الإسلامي ) الإذن بتسجيلها بصورة قانونية وقد استحوذ هذا الرجل تحت إشراف إسرائيلي على جهاز الوقف الذي يسيطر على مجموعة ضخمة من الأموال ذات القوة الاقتصادية وذلك إلى جانب الأهمية الدينية إذ يمتلك هذا الجهاز 10 % من الأموال غير المنقولة مئات الحوانيت والبيوت والكراجات والمباني العامة كما يمتلك حوالي سبعة آلاف دونم من الأراضي الزراعية ويسيطر على مستخدمين كثر من الخطباء والوعاظ والسدنة وحفاري القبور فقد قدر هذا الرجل وهو موظف مجرب ومعتدل أن فتح الأبواب أما تنظيمات علنية لأوساط الإخوان المسلمين سيكلف السلطات ثمنا غاليا بيد أن مشورته لم تحظ بالقبول .

ويقرر الباحثان يعاري وشيف أنه " بالفعل لقد وقعت أجزاء ثمينة من الموقف غنيمة باردة بأيدي تلك التنظيمات بلا أدني إزعاج فقد فضل الضباط الإسرائيليون الإعجاب بالتحفظات الدائمة للعاملين في الإخوان المسلمين من اشتراكهم بأعمال إرهابية ومن التأكيد على إصلاح القلوب عن طريق البر والتربية ومن مبادئهم الداعلية إلى تأجيل موعد المواجهة النشطة مع إسرائيل وقد نشر رؤساء الشبيبة التابعة لفتح كتيبا ينددون بهم بسبب " همالهم تحقيق فريضة الجهاد .

ويؤكد الباحثان يعاري وشيف أن " زعماء الإخوان في المناطق قرروا حتى منتصف الثمانينات بصراحة تامة بعدم الإسراع في الجهاد واعتبروا أنه من المستحسن التركيز أولا على الطهارة النفسية للمسلمين في المناطق ولهذا تغاضي الحاكم العسكري عن أجزاء أخري من دعوتهم القائلة بأنه لا مفر من تحقيق الفريضة بنسف إسرائيل في الوقت المناسب ويبدو أن بعض الباحثين تأثروا بما كتبه زئيف شيف وإيهود يعاري وكرروا مقولة أن السلطات الإسرائيلية سهلت على الإخوان مهماتهم ولم تقم بمضايفة أنشطتهم على أمل أن يحدوا من قوة م ت ف في الأراضي المحتلة.

لكن الباحثان أفيفا شافي وروني شاكيد في كتابهما ( حماس من الإيمان بالله إلى طريق الإرهاب ) فإنهما يتعاملان مع الموضوع بشكل مختلف ويحاولان سبر أغوار التعقيد الذي اكتنف معالجة الاحتلال لظاهرة الصحوة الإسلامية في قطاع غزة فيذكران أن سلطات الاحتلال عالجت موضوع الصحوة الإسلامية بشئ من الارتباك وعدم القدرة على تحديد الأسلوب الأكثر كفاءة في كبح الصحوة الإسلامية ومن ذلك أنه " في سبتمبر عام 1979 تم تعيين العميد إسحق سيجف حاكما عسكريا لقطاع غزة وجاء سيجف مباشرة من طهران حيث كان يعمل ملحقا عسكريا منذ 1977 -1979 حتى سقوط حكم شاه إيران .

ورأى سيجف أما عينيه رجالا ملتحين يسيرون في شوارع غزة ورأي مساجد تحولت إلى خلية نشاط ومسيرات شعبية في الأعياد الدينية والعاملين يوقفون سير عملهم في الإدارة من أجل الصلاة وكان سيجف واثقا من أن غزة تشهد كل شهدته طهران قبل الثورة ومن الممكن تلمس هذه المخاوف في التقرير الذي كتبه مستشاره للشئون العربية في قيادة غزة في فبراير 1980 بعد أحداث الهلال الأحمر في مدينة غزة وذكر فيه" أنه من الممكن في المرحلة القادمة أن تتركز أعمال الاحتجاج الإسلامي على مؤسسات الإدارة والقيادات والشرطة والمواطنين الإسرائيليين وبعد الاطلاع على مبادئ ونشاط الإخوان المسلمين في مصر يمكن القول أن الظاهرة الإسلامية في المنطقة تأخذ طابع صحوة شعبية على غرار ما حدث في إيران وليس كمنظمة على غرار الإخوان " استعرضوا قوتهم في الشارع الفلسطيني عبر عملية حريق مكتبة الهلال الأحمر"

ويذكر الباحثان – شافي وشاكيد – أن الحاكم العسكري لقطاع غزة ( سجيف) حاول تحديد طرق تحييد الصحوة الإسلامية لذا فقد نظم اجتماعا جديدا يعقد مرة كل شهر أطلق عليه اسم اجتماع ( الصحوة الدينية) وكان الاجتماع يضم قادة الوحدات رؤساء الأفرع وممثلي الشرطة وجهاز الأمن العام وكانت التقارير التي يصدرها ترسل إلى منسق العمليات في المناطق المحتلة وقادة المنطقة وباقي العناصر الأمنية ولم تكن غزة في تلك الأيام منطقة اضطرابات ويذكر الباحثان أن سجيف تبني سياسة لقمع الصحوة الإسلامية فأعطي توجيهات بتفتيش النوادي الإسلامية وطلب من رئيس فرع الخدمات التأكد إن كانت المساجد تعمل بتراخيص ومراقبة خطب الجمعة وتم إرسال الضباط للاستماع غلى خطب الجمعة وحاول سيجف إبعاد الجامعة الإسلامية عن سيطرة المجمع الإسلامي وذلك بتشجيع ارتباطها بمصر على أنها ممثلة للأزهر لكن داني ماط منسق الأعمال رفض المبادرة واعتبرها تمس بالسيادة الإسرائيلية.

ويسجل الباحثان حيرة سلطات الاحتلال في التعامل مع موضوع الصحوة الإسلامية خاصة كيفية التعامل مع الشيخ أحمد ياسين وفي هذا الشأن ورد في كتاب ( حماس من الإيمان بالله إلى طريق الإرهاب ) أنه " طرح اسم الشيخ ياسين باعتباره محور النشاط الإسلامي واحتاروا في كيفية التخلص منه بطريقة قانونية وفي سبيل الحد من شعبية الشيخ ياسين قرر الحاكم العسكري إتباع أسلوب ( عناق الدب) فذهب سيجف ومعه قافلة من سيارات الجيب في زيارة رسمية لرئيس المجمع الإسلامي .

واستغرقت الزيارة يوما كاملا وفي أثناء وجبة الغداء في منزل الشيخ ياسين اقترح سيجف إرسال الشيخ للفحص الطبي لدي صديقه البروفيسور هنري شسيبكس في مستشفي تل هشومير , وفوجئ بقبول ياسين للاقتراح وفي اليوم التالي وصل قائد غزة بسيارة الإسعاف العسكري ومضي إلى جور الشمس لكي ينقل الشيخ إلى المستشفي , فرفض ياسين ركوب السيارة العسكرية وفي النهاية تم نقله بسيارة إسعاف إلى مستشفي تل هشومير .

ومكث الشيخ أحمد ياسين – حسب شافي وشاكيد – هناك يوما كاملا في غرفة خصصت له وبعد أن تم فحصه أخبروه أن حالته غير قابلة للتحسن وعاد الشيخ ياسين في اليوم التالي إلى غزة , وعلى عكس المتوقع لم يتذمر منه الناس في الشارع الفلسطيني واستمر الشيخ ياسين في العمل من داخل المسجد وأخذت " مكانته في القطاع تعزز ".

وفي محاولة سلطات الاحتلال التقليل من شأن ياسين يذكر الباحثان شافي وشاكيد أن سجيف التقي بالشيخ أحمد ياسين مرات عديدة وكان يرسل في طلبه كثيرا في قيادة المنطقة للحديث معه بهدف الإقلال من شأنه. وكان الشيخ في ذلك الوقت لا يستطيع الوقوف على قدميه حيث كان من الصعب عليه صعود درجات سلم مبني الإدارة ووجد سيجف في ياسين كل ما وجده الإسرائيليون الذين التقوا به من قبل بؤس ظاهري ذكاء حادا وتفكيرا داخليا وإيمانا قويا .

ويشدد الباحثان شافي وشاكيد على عمق الحيرة التي انتابت المسئولين عن قطاع غزة يذكر أن " كل من قابل الشيخ ياسين من منسقي العمليات في المناطق ومن مستشاري الشئون العربية والضباط في الإدارة المدنية أنهم وجدوا في الشيخ ياسين البؤس إلى جانب العقل المتوهج وهدوء النفس ووصفه شموئيل جورن الذي كان منسقا للعمليات في المناطق المحتلة في السنوات من 1984 -1990 بأنه ظاهرة غير عادية رجل مشلول غير قادر على تحريك جسده وعن طريق حركة أهدابه وبعض الكلمات يحرك شعبا بأكمله وهو تناقض يصعب تصديقه.

وتتسم كتابة هذين الباحثين بسرد تفاصيل الوقائع مع ذكر أسماء المسئولين الذين صدرت عنهم هذه التصرفات ودارت بينهم النقاشات الأمر الذي يعطي شيئا من المصداقية ويعكس حالة الحيرة والارتباك الإسرائيلية في معالجة موضوع الصحوة الإسلامية وهنا يذكر الباحثان أنه قبل اعتقال الشيخ ياسين لأول مرة في يونيو سنة 1984 كتب أفنير كوهين تقريرا عن المساجد التي كانت تحت سيطرة المجمع الإسلامي في غزة وكان كوهين مسئولا عن المحاكم وإدارة الوقف الإسلامي قال كوهين " أعتقد أن استمرار تجاهلنا للمجمع الإسلامي من المنتظر أن يشكل خطرا كبيرا في المستقبل لذلك أوصي بتركيز جهودنا في البحث عن سبيل لدحر الخطر قبل أن يصبح واقعا .

وورد في كتاب ( حماس من الإيمان بالله إلى طريق الإرهاب ) أن كوهين حاول من قبل أن يعيق بناء المساجد الخاصة واقترح منع بناء أى مسجد جديد دون توصية من قيادة القطاع وموافقة القاضي المحلي وممثلي الوقف وأن يقدم طالب البناء طلبا بالتصريح من اللجنة المحلية وقائمة بأسماء مجلس الإدارة والعاملين بالمسجد لإجراء فحص أمني عليهم ولكن تم سحب هذا الاقتراح من جدول الأعمال بأمر من الحاكم العسكري سيجف واستمر قصر النظر والهدوء المبالغ فيه تجاه التيار الإسلامي في غزة حتى ظهر كالمارد على حد تعبير أحد ضباط الإدارة المدنية الذي قال " استيقظنا فجأة كالمارد على حد تعبي أحد ضباط الإدارة المدنية الذي قال " استيقظنا فجأة ورأينا المارد الإسلامي يخرج من القمقم في شوارع غزة .

ويحاول اباحان شافي وشاكيد أن يجدا تفسيرا لفشل في معالجة الصحوة الإسلامية فيقران أنه كان تابعا من عدم الوعي بجوهر الإسلام الذي لا يفرق بين الدين والدولة كما يقول الأصوليون أنفسهم أن الإسلام هو منهج للحياة وعلى هذا الأساس فإن أى تنظيم ديني من الضروري أن تكون له أهداف سياسية واجتماعية بعيدة الأثر والدليل على ذلك حركة الإخوان المسلمون في مصر والتي تربي على مبادئها الشيخ ياسين وإخوانه حيث كان حسن البنا مؤسس حركة الإخوان يؤكد على أهمية التعليم السياسي في تكوين الشعور بالانتماء والمسئولية وكان يقول إن المسلم غير السياسي ليس مسلما صحيحا فنحن سياسيون لأننا نهتم بشئون أمتنا ولكن لم يكن في الإدارة العسكرية في غزة رجل مؤهل للقيام بدراسة متعمقة لصحوة الإسلامية في القطاع .

ويكمل الباحثان تفسير الفشل بأن وسائل الإعلام الإسرائيلية لم تهتم بكشف التغيرات التي تحدث في المجتمع الفلسطيني وكان اهتمامها هامشيا بما يحدث في هذه البقعة التي تدعي الضفة والقطاع وعندما اهتمت الصحف بالموضوع الإسلامي اهتمت به من الناحية الشكلية فقط.

ويعزو الباحثان الفشل إلى سبب إضافي يتمثل في الحساسية تجاه الدين الإسلامي حيث منعت المشاعر الإسرائيلية تجاه حرية العبادة السلطات من هدم المساجد حتى وإن كانت دون تراخيص قانونية وكان أول حادث لهدم مسجد غي قانوني في عام 1987 في حي الشيخ رضوان بغزة وكان ثاني هذه الحوادث في عام 1989 وتم هدمه بعد الحصول على موافقة رئيس الوزراء إسحق شامير وتم الهدم في ظلام الليل خوفا من الاضطرابات وكان شموئيل جورن منسق العمليات في وزارة الجيش الإسرائيلي" يري أن أية عمليات قمعية ضد الأصوليين تفسر على أنها حرب يهودية ضد الإسلام والطريق الوحيد للصراع مع العنصر الديني هو المخابرات والقبض على العناصر المشاركة في الأعمال التخريبية المعادية ويقول جورن أن العنف الإسلامي كان محتمل الحدوث ولكن المشكلة كانت في كيفية الإيقاع بالتيار الإسلامي دون إعطاء هذا الصراع شكل حرب دينية.

ولم تتوقف أسباب الفشل – حسب الباحين شافي وشاكيد – عند حدود الرغبة في العمل أو التردد في اتخاذ القرار وبلغت أحيانا حدود عدم المقدرة حيث يقول الباحثان " وفشلت المخابرات في اختراق التنظيم الإسلامي عن طريق زرع عملاء, فالعناصر الإسلامية لا تتصف بالفساد ولا يمكن شراؤها بالمال .

وكان الحذر الشديد الذي أبداه الشيخ ياسين ورجاله سببا رئيسا في عدم إثارة انتباه العناصر الأمنية فحتي اندلاع الانتفاضة وتأسيس حماس لم يكن المجمع يشارك في أى نشاط " تخريبي " وطوال الفترة التي قام فيها بأعمال تخزين الأسلحة لم يعتبره جهاز الأمن مصدرا للخطر وبالتالي ليس هناك ضرورة لوقف نشاطه "

ولا يغفل الباحثان شافي وشاكيد أن رغبة السلطات الإسرائيلية في مقاومة منظمة التحرير ساهمت في جعل الضباط والمسئولين يبتهجون لظهور التيار الإسلامي كقوة منافسة لمنظمة التحرير الفلسطينية وعلى هذا الأساس لم يول موشيه آرنس وزير الجيش الإسرائيلي ( 1982 -1984) اهتماما خاصا للصحوة الإسلامية ويذكر الباحثان شافي وشاكيد أن الخلاف والنقاش والجدل بشأن كيفية التعامل مع الصحوة الإسلامية تواصل حتى يناير 1987 حيث تم إعداد بحث آخر – من قبل الإدارة المدنية – يبين المخاطر التي يحملها الإسلام الراديكالي وأن الجماعات الإسلامية الأصولية في منطقة قطاع غزة تشكل التيار الخطر على دولة إسرائيل على المدى البعيد فهي تري في إسرائيل عدو الله الذي يجب تدميره عن طريق الحرب المقدسة وذكر التقرير أنه يجب تدمير العنصر الإسلامي وغن لم يكن ذلك ممكنا فيجب منع توسعه عن طريق المراقبة المستمرة والعمل الميداني وأرسل التقرير إلى مكتب وزير الجيش ورئيس هيئة الأركان لكن لم يحدث التقرير أصداء خاصة .

يتضح من خلال ما تقدم أن معالجة سلطات الاحتلال للصحوة الإسلامية كانت أكثر تعقيدا مما قدمه كلا من ربعي المدهون رؤبين باز , ويعاري وشيف وأن المسألة لها بعد ديني وسياسي بل وشخصي يتعلق بحالة الشيخ أحمد ياسين الصحية ورمزيته الدينية وعدم قدرة المخابرات الإسرائيلية على اختراق صفوف المتدينين بشكل يسمح لهم بالتحكم في هذه الظاهرة وعدم وجود خبراء لدي سلطات الاحتلال يفهمون الظاهرة الإسلامية وبالتالي يستطيعون التحكم فيها .

المبحث الثالث مواجهة الإخوان للسياسات الإسرائيلية

بدأ الإخوان المسلمون أنشطتهم عام 1967 آخذين بعين الاعتبار ضعفهم وقلة إمكانياتهم ووطأة الواقع الجديد تحت حكم الاحتلال وسياساته التعسفية وقرروا العمل على تربية وإعداد جيل مسلم وتهيئة المجتمع للقيام بواجب مقاومة الاحتلال عندما تتيسر الإمكانيات وتحين اللحظة المناسبة وقام الإخوان بسلسلة متزايدة من الأنشطة العلنية - بموازاة بناء التنظيم السري – التي تواصلوا من خلالها مع المجتمع ومارسوا دعوة الناس للتمسك بالتعاليم والقيم الإسلامية وإرشادهم غلى سبل التصدي لسياسات الاحتلال .

وبدأ الإخوان هذه الأنشطة بروح جسورة ومثابرة لا تعرف الكلل وفي أجواء اتسمت بحدوث حراك اجتماعي تتفكك فيه البنية القديمة للمجتمع وتتعزز فيه مكانة الفرد وتتبدل فيه القيم ويتغير التراتب الاجتماعي ويعيش المجتمع بدون قيادة محلية تسيطر عليه ويشهد عملية تشكل جديد وفي المقابل توجد سياسة احتلالية قمعية لكنها تتظاهر بالالتزام بالقانون ويتسم سلوكها بشئ من الحساسية تجاه الدين وتشعر بشئ من الغرور بسبب النجاحات التي حققتها على صعيد محاربة المقاومة والسيطرة على الأوضاع بأقل قدر من الإنفاق .

وقد قام الإخوان بأنشطتهم من خلال الانتشار في المساجد وإقامة مؤسسات مجتمع مدني والمشاركة في العمل النقابي وتنظيم الاحتفالات الفنية في شوارع قطاع غزة .

أنشطة المساجد

أولي الإخوان المسلمون في قطاع غزة أهمية كبري للمساجد الجوامع منذ اللحظة الأولي لانطلاق أنشطتهم بعد عام 1967م وجاء هذا الاهتمام من خلال التأثر بتجربة الرسول صلي الله عليه وسلم الذي اتخذ المسجد قاعدة أساسية لنشاطاته في المدينة حيث أنشأ الرسول صلي الله عليه وسلم مسجد قباء ثم المسجد النبوي وسار المسلمون على هاذ النهج حتى أن المسجد الجامع أصبح مركز المدينة في أصقاع الوطن الإسلامي وتتجمع حوله كل الخدمات والأسواق والمسجد غالبا ما كان هو مركز اللم والتعلم .

وهذه الرؤية لدور المسجد الجامع تتجاوز مجرد أداء الصلوات فيه وتعتبره مكانا لاكتساب القيم السياسية المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة ونشرها كذلك بين الناس وتعتبر أن المسجد هو قاعدة الدولة الإسلامية ومركز النشاطات في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية وتركز التجربة التاريخية على استخدام المسجد كمدرسة لبناء الفرد واعتباره بلمانا يجتمع فيه الناس ويدلون بآرائهم بشأن مختلف القضايا ز

بشكل عام فقد شهدت سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين محاولات لتحجيم دور المسجد خاصة بسبب الدور التاريخي للمسجد في مواجهة الاستعمار في عدد من البلدان العربية وانتشرت فكرة أن المساجد هي فقط لأداء الشعائر وتم التشديد على الخطباء بعدم التطرق للسياسة أثناء الصلوات.

وانطلاقا من هذه المفاهيم اجتهدت قيادة الإخوان في قطاع غزة على أن يكون المسجد هو منطلق كل النشاطات الثقافية والدعوية والجماهيرية فعقدت فيه الندوات والمحاضرات والأنشطة الرياضية والمهرجانات الجماهيرية لإحياء المناسبات الدينية وفي المرحلة الأولي من بناء المؤسسات الإسلامية كان الإخوان يجعلون مقراتها المساجد وهذا ينطبق على الجمعية الإسلامية التي تأسست سنة 1976 والمجمع الإسلامي الذي حصل على الترخيص سنة 1979م

وقد أبدي الإخوان اهتمام ملحوظا ببناء المساجد في جميع أنحاء قطاع غزة إضافة إلى توسيع المساجد المقامة أفقيا ورأسيا للتناسب مع توزيع السكان وكثافتهم إضافة إلى ترميم المساجد القديمة وبناء غرف ملحقة بالمساجد ليكون بعضها مكتبة عامة لإعارة الكتب الإسلامية وتخصيص أماكن في أغلب المساجد لتكون مصليات للنساء وتجديد دورات المياه وشبكات الصرف الصحي في المساجد ازداد عدد المساجد بصورة ملموسة في قطاع غزة وفقا لإحصائية وزارة الأوقاف والشئون الدينية من (76) مسجدا سنة 1967 إلى ( 50) مسجدا سنة 1986 وهذا يعني أنها تضاعفت في اقل من عقدين .

وبدأت المساجد تأخذ دورها في المجتمع كمؤسسة دعوية وتقديم العون والمساعدات للمعوزين ومدرسة تعليمية حيث دروس التقوية ومحو الأمية وتوفير الكتب التي ينهل منها المتعلمون ومؤسسة اجتماعية تسعي لتفعيل العمل التطوعي وإصلاح ذات البين وتكريم أوائل الطلبة والحجاج وإجراءات عقد القران ومؤسسة رياضية تسعي لصقل وبناء الجسد والروح معا ومؤسسة صحية تشرف على اليوم الطبي وتقديم الإسعافات الأولية .. إلخ

وكذلك حدثت أعمال تميم للمساجد القديمة , وتوفير الخدمات المناسبة للمصلين من دورات مياه كافية ونظيفة ومخازن وغرفة للإمام ومكتبو وغرف للدروس وتوفير مصلي للنساء له باب خاص وله دورات مياه وأماكن خاصة للوضوء وغالبا ما كان يخصص الطابق العلوي من المسجد للنساء أو أن يكون مصلاهم خلف المسجد.

وبدأت إدارت المساجد منذ السبعينات تنظم برنامجا لدروس التقوية لطلاب المراحل الثلاث ( الابتدائية والإعدادية والثانوية ) خلال الفترة التي تسبق الامتحان وأحيانا خلال إجازة الصيف وكان الهدف من هذه الدروس ربط الشباب بالمسجد وإبراز تفوق شباب المساجد على غيرهم وتعزيز ثقة الناس بالمسجد ودوره الريادي في المجتمع وغرس معاني التضحية والعطاء لدي المعلمين ومعني الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به إلى يوم القيامة.

ولم يكن بناء المساجد أو توسيعها بالأمر الهين ففي العام 1972 حاولت الحركة عبر نشاطها التنسيق مع الأوقاف لإنشاء مكتبة في مسجد العباس بمدينة غزة لكن الأوقاف رفضت فأخذ الشيخ أحمد ياسين على عائقه بناء المكتبة وفي المرحلة من البناء قامت الشطة الإسرائيلية بقص قضبان أعمدة القواعد حتى لا يستكمل البناء ورغم ذلك تناوب عدد من البنائين وأكملوا بناء المكتبة خلال 24 ساعة بمساحة 6 ×12 م.

وكانت هذه هي الطريقة التي اعتمدتها الحركة الإسلامية في بناء أو توسيع العديد من المساجد حيث كان الاحتلال يمنع بناء المساجد إذا لم يحصل البناء على التراخيص اللازمة وعندما يتم الشروع بأعمال البناء كانت تأتي الشرطة الإسرائيلية أو جيش الاحتلال ويهدمون البناء خاصة إذا كان في مراحله الأولي لهذا كان القائمون على بناء المساجد يستغلون أيام الجمعة والسبت حي تكون الشرطة الإسرائيلية في إجازة ويبدؤون العمل على شكل دوريات تواصل العمل ليلا ونهارا وحدث هذا في بناء مسجد الشافعي في خان يونس سنة 1986 وبناء مسجد آخر في جباليا .

واشتملت مكتبات المساجد على الكتب إضافة إلى القسم المسموع خاصة أشرطة الشيخ عبد الحميد كشك لبث الروح الإيمانية والجهادية لدي الشباب.

وكان كل مسجد يقوم بمجموعة من الأنشطة الرياضية حيث يوجد في كل مسجد فريق لكرة القدم وطاولة للتنس وأحيانا صالة لرفع الأثقال أو التدريب على فنون القتال مثل اننشاكو أو الشوتوكان وكان يجري تنظيم الكثير من دوريات كرة القدم أو تنس الطاولة بشكل خاص بين عدد كبير من المساجد على مستوي مدينة واحدة أو على مستوي قطاع غزة بالكامل .

لقد أصبح كل مسجد من المساجد عبارة عن مؤسسة شاملة تعمل في كل المجالات وبشكل تطوعي حيث كان يوجد في كل مسجد لجنة من 4-5 أعضاء تشرف على مختلف الأنشطة عب لجان متخصصة هي :

1- اللجنة الثقافية وتقوم بإدارة مجموعة من الندوات والمواعظ خلال الأسبوع بهدف تعريف الناس بأحكام الدين وترغيبهم بالالتزام به وتطبيق تعليماته إضافة إلى إحياء المناسبات الدينية المختلفة وعقد دورات الأحكام والتجويد ودروس التقوية للطلاب.

2- اللجنة الرياضية وتشرف على تكوين فرق رياضية لكرة القدم وتنس الطاولة وألعاب القوي كما تبادر للتنسيق مع المساجد الأخرى في تنظيم الدوريات والسداسيات المختلفة .

3- اللجنة الاجتماعية وكانت تقوم بجمع أموال الزكاة ما أمكنها خاصة في شهر رمضان وتوزيعها على الفقراء وبعض المساجد كانت تنظم في الشتاء حملات تطلق عليها اسم ( معونة الشتاء ) بحيث تجمع الملابس والأغطية من ميسوري الحال وتوزعها على الفقراء والمحتاجين .

وبموازاة هذه الأنشطة كانت اللجنة الاجتماعية تنظم زيارات واسعة النطاق بشكل مستمر إما لمجاملة رواد المسجد في مناسباتهم المختلفة أو تكون الزيارات ضمن حملة تواصل مع شرائح اجتماعية لا ترتاد المساجد في محاولة لتوسيع دوائر المؤيدين لحركة الإخوان من خلال الاتصال المباشر معهم.

إن عملية بناء المساجد واتساعها لم يكن بجهد من الإخوان المسلمين فقط بل كانت تتشكل لجان في المناطق التي يحتاج السكان فيها إلى مسجد خاصة أن الفترة بين عام 1967 -1987 شهدت امتدادا سكانيا فلسطينيا وإنشاء أحياء جديدة وأحيانا كانت اللجان المشكلة لبناء المساجد تشتمل على أعضاء من الإخوان أو مقربين منهم وأحيانا أخري كانت تتشكل اللجان من شخصيات مستقلة كتلك اللجنة التي تشكلت لبناء مسجد فلسطين سنة 1973 ( ومن أشهر مساجد مدينة غزة ) في حي الرمال بمدينة غزة وبعد ذلك حد خلاف بين أعضاء اللجنة وبين نشطاء الإخوان المسلمين الذين سيطروا على المسجد سنة 1985.

يقول زياد أبو عمرو أنه لا يمكن التقرير بشكل قاطع بأن ازدياد عدد المساجد جاء بالضرورة لأسباب سياسية فقط فقد يكون هناك دوافع دينية أو أخلاقية وقد يكون ازدياد عدد المساجد في نفس الوقت عاملا من عوامل تقوية النفوذ الديني السياسي وليس فقط مؤشرا لزيادة هذا النفوذ وتلعب هذه المساجد دورا هاما حيث أنها تصبح بعد العصر والمغرب قاعات للتربية والتنظيم .

وفي ظل ضعف القدرة المادية على مواجهة التحدي الإسرائيلي لجأت الحركة الإسلامية إلى إحياء الميراث التاريخي الذي تمتد جذوره إلى العهد الأول للإسلام وبدأت خطب الجمعة تركز على الوعد الإلهي بتدمير علو بني إسرائيل في مطلع سورة الإسراء إضافة إلى التذكير بأن هذه الأرض فتحها عمر بن الخطاب بعد أن سيطر عليها البيزنطيون مئات السنين وحررها صلاح الدين بعد أن احتلها الصليبيون 889 سنة وركز الخطاب على جهاد الشيخ عز الدين القسام والشيخ فرحان السعدي والحاج أمين الحسيني وإعلان الإخوان المسلمين الجهاد ضد العصابات الصهيونية عام 1948 وموقف السلطان عبد الحميد الرافض للتنازل عن أى جزء من فلسطين لليهود وبدأ الدين يبرز كقوة أخلاقية موحدة وقوة حضارية دافعة .

العمل المؤسساتي

نجحت حركة الإخوان في تكريس العمل الدعوي داخل المساجد في جميع أرجاء قطاع غزة وأصبحت المساجد محاضن لاستقطاب الشباب بشكل فعال ولكن مع تزايد أعداد المنتسبين إلى حركة الإخوان المسلمين والمناصرين تولدت حاجات جديدة لم يكن بإمكان المسجد أن يقوم بها كما أن حركة الإخوان أرادت تحقيق مزيد من التواصل مع المجتمع العام وتقديم الخدمات لقطاعات المجتمع التي لا ترتاد المسجد إضافة إلى أن الاحتلال كان يقدم الخدمات للمواطنين في حدها الأدنى .

ولهذا أرادت حركة الإخوان المساهمة في ملء الفراغ وتعويض العجز ولم يكن بالإمكان تحقيق ذلك إلا من خلال مؤسسات المجتمع المدني ولهذا توجه نشطاء من الإخوان لطلب تراخيص لإنشاء مؤسستين هما المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية ويذكر الشيخ أحمد ياسين أن الاحتلال عندما قضي على المقاومة في مطلع السبعينات أراد أن يمد جسور التعاون بينه وبين الناس في ظل الواقع الجديد والإخوان لم يكن لديهم إمكانية لمواجهته في ذلك الوقت ولذلك قرر الإخوان .

كما يذكر الشيخ أحمد ياسين السعي إلى فتح باب نحاول من خلاله أن نهيئ أنفسنا لمرحلة الدخول في صراع معه ويمكن القول أن حركة الإخوان عملت من خلال ثلاث مؤسسات هي " المجمع الإسلامي والجمعية , الإسلامية وجمعية الشابات .

المجمع الإسلامي

ويذكر عاطف عدوان أن بداية تقديم الطلب الرسمي بتأسيس المجمع الإسلامي كان عام 1970 لكن مصادر التاريخ الشفوي الأوراق الرسمية تؤكد أنه تم تقديم طلب الترخيص سنة 1973 فقد ورد في القانون الأساسي للمجمع الإسلامي أنه " تأسس سنة 1973 م ومقره جورة الشمس – حي الزيتون – غزة وقام على تأسيس المجمع الإسلامي أربع عشرة شخصية هم : أحمد إسماعيل ياسين( أمين عام ) أحمد إبراهيم دلول ( أمين الصندوق) وعضوية كل من الشيخ سليم شراب , والحاج إسماعيل أبو العوف ومصطفي عبد العال , والدكتور إبراهيم اليازوري وعمر على عبد العال وحسن أسعد إسماعيل حسنية و مصطفي موسي أبو القمصان والشيخ حسين أحمد حسن والشيخ لطفي شبير والشيخ أحمد إسماعيل أبو الكاس.

لقد وضع القائمون على إنشاء المجمع الإسلامي نصب أعينهم ضرورة توظيف المؤسسة لمساعدة المجتمع الفلسطيني وجاء في مقدمة القانون الأساسي للمجمع الإسلامي أنه سيعمل لتحقيق أهداف إسلامية سامية للمحافظة على العقيدة من الزيغ والأمة من الضياع والتراث من الاندثار " أما المادة الثالثة من القانون الأساسي للمجمع الإسلامي فقد فصلت أهداف المجمع الإسلامي في بنود ثلاثة هي :

1- رعاية الشباب الناشئة وحفظهم من الانحراف بتعليم مبادئ الإسلام وملء أوقات فراغهم بالرياضة البدنية.

2- رعاية أفراد المجتمع وحمايتهم من المرض ومعالجة المصابين منهم وتقديم الخدمات الصحية قدر المستطاع.

3- رعاية الأفراد المعوزين اجتماعيا ومد يد المساعدة لهم بقدر الإمكان لم يكن أمر إنشاء مؤسسة خيرية وفق قانون الجمعيات العثمانية أمرا هينا في ظل الاحتلال ويكفي أن نعف أن بداية العمل على تأسيس المجمع الإسلامي كان في عام 1973 بينما الحصول على الترخيص السمي كان بتاريخ 8-7-1979 وقد تخللت هذه السنوات الكثير من الجهود والاتصالات سواء مع مديرية الداخلية أو من الشخصيات العامة في القطاع وخارجه للضغط من أجل الحصول علي الترخيص ويذكر الشيخ أحمد ياسين أن مديرية الداخلية عللت رفضها لطلب منح الترخيص للمجمع الإسلامي استنادا إلى توصية من جهات دينية في قطاع غزة وعلى وجه التحديد الشيخ محمد عواد على اعتبار أنه لا يوجد أى مبرر لإنشاء مثل هذه الجمعية حيث أن كل الأهداف والأنشطة التي يود المجمع الإسلامي القيام بها توجد مؤسسات أخري ( دينية واجتماعية وصحية ورياضية) تقوم بها وبكفاءة عالية .

يذكر عاطف عدوان أن الإسرائيليين أرادوا إحداث وقيعة بين العاملين في الحقل الإسلامي في قطاع غزة عندما استندوا في رفضهم إلى رأس الشيخ محمد عواد أما بخصوص رفض الشيخ محمد عواد لإنشاء المجمع الإسلامي فيعزوه عدوان إلى خشية الشيخ عواد من المنافسة حيث كان عواد يعمل رئيسا لمعهد فلسطين الديني ومديرا لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم في قطاع غزة ويضيف عدوان أن خشية عواد لم تقتصر على ضعف الدور الذي تقوم به المؤسسات التابعة له بل كان الشيخ عواد يخشي أن تساهم المؤسسات الجديدة في إبراز شخصيات وزعامات دينية تهدد مكانته.

ويذكر الدكتور عاطف عدوان أن الشيخ محمد عواد تعرض لضغوط من قبل بعض الشخصيات الإسلامية الفلسطينية المقيمة في المملكة العربية السعودية حيث طلب منه بعضهم ( دون أن يذكر عدوان أسماء ) أن يسحب اعتراضه على تأسيس المجمع الإسلامي ولما كان الشيخ عواد يحتاج هذه الشخصيات في جمع التبرعات فقد لان موقفه وبعد عودته للقطاع زاره وفد مكون من الشيخ أحمد ياسين والشيخ سليم شراب وآخرين من مؤسسي المجمع الإسلامي وشددوا على ضرورة الحصول على الموافقة وبناء على ذلك أعطي ترخيص المجمع عام 1973 .

لكن الشيخ أحمد ياسين يذكر رواية أخري ويؤكد على أن الذي توسط لدي إدارة الاحتلال هو الشيخ هائم الخزندار حيث ذهب لدائرة الداخلية واستطاع أن يقنعهم ويأتي منهم بالموافقة كما أن السنة التي يذكرها الدكتور عاطف عدوان للحصول على ترخيص المجمع الإسلامي وبين دائرة الداخلية الإسرائيلية والتي سبقت الإشارة إليها .

وتفيد الأوراق الموجودة في ملف المجمع الإسلامي في أرشيف الإدارة المدنية الإسرائيلية أن الشيخ محمد عواد تراجع عن رفضه لتأسيس المجمع الإسلامي وعلل خطوته الجديدة بأن المجمع أضاف إلى قائمة مؤسسيه عددا من علماء الدين القادرين على تحقيق الأهداف التي حددها المجمع لنفسه ويبدو أن مديرية الداخلية لم تطلع الشيخ أحمد ياسين على نص هذه الرسالة أو مضمونها لأنه في كل مقابلاته لم يذكرها ولأنه بقي على قناعته بأن الشيخ محمد عواد رفض تأسيس المجمع الإسلامي بشكل قاطع .

ورغم أن الإخوان حصلوا على ترخيص مؤسسة المجمع الإسلامي والذي يتيح لهم العمل في مجالات عديدة إلا أن محور الأنشطة بقيت متركزة حول المسجد حتى أن مقر المجمع الإسلامي كان داخل مسجد وقد ورد ي الكتيبة الذي أصدره المجمع الإسلامي في الذكري الثامنة لتأسيسه سنة 1981 بدأت فكرة إنشاء المجمع الإسلامي بغزة من أجل تركيز كل النشاطات الحيوية للإنسان المسلم حول المسجد وبذلك تعود للمسجد مكانته التي اندثرت .

وتجدر الإشارة إلى أن بناء مسجد المجمع الإسلامي قد حدث منذ اللحظة الأول التي قررت فيها المجموعة المؤسسة العم أى في العام 1973 ومنذ ذلك الوقت أراد الإخوان أن تغطي هذه المؤسسة كل مناشطهم باستثناء الجانب السياسي والاقتصادي يتضح هذا من خلال اللجان التي شكلتها إدارة المجمع والتي تشمل : لجنة الوعظ والإرشاد ولجنة الزكاة ولجنة التعليم , واللجنة الاجتماعية واللجنة الطبية واللجنة الرياضية .

وتركز عمل لجنة الوعظ والإرشاد في تنظيم مجموعة واسعة من الأنشطة التي تشمل الخطب والدروس والحفلات الدينية وكان عملها يتركز في المواسم مثل شهر رمضان وموسم الحج أو مناسبات المولد النبوي والهجرة والإسراء وغيرها من المناسبات الدينية وانبثق عن هذه اللجنة مدرسة تحفيظ القرآن الكريم سنة 1976 والتي اهتمت بتحفيظ النشء كتاب الله سبحانه وتعالي وتهتم اللجنة الاجتماعية بإحصاء الأسر الفقيرة وتقديم المساعدات النقدية والعينية لها إضافة إلى السعي لإغاثة الأسر المتضررة نتيجة الأحداث الطارئة وفي العام 1981 قام المجمع الإسلامي بإصلاح ألف منزل تعرضت سقوفها إلى التلف نتيجة عاصفة ثلجية تعرضت لها منطقة المعسكرات الوسطي في قطاع غزة.

وتقوم اللجنة الاجتماعية بمجاملة الناس في المناسبات المختلفة وكانت تنظم أعمال تطوعية لتنظيف الشوارع بالتنسيق مع البلديات ويتبع للجنة الاجتماعية فرقة الأفراح الإسلامية التي كانت تقدم عروضا مسرحية وأناشيد إسلامية .

ويتبع اللجنة الاجتماعية ( مركز تأهيل الفتيات) والذي يختص بتنظيم دورات حياكة وتطريز للفتيات وإعطائهن محاضرات دينية لتأهيلهن للحياة الزوجية وانبثق عن هذا المركز معرض الزي الإسلامي للفتيات حيث يتم توفير الحجاب بأسعار معقولة وأنشأ المجمع الإسلامي مشغل للخياطة لتشغيل بعض الفتيات .

واهتمت اللجنة التعليمية بالارتقاء بالمستوي الثقافي للأطفال والشباب وأشرفت على إدارة مجموعة كبيرة من دروس التقوية في المواد الأساسية مثل اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية وبهدف نشر الثقافة الإسلامية أشرفت اللجنة التعليمية على تأسيس مكتبة في فعي المجمع في جورة الشمس وفي مسجد الإصلاح بالشجاعية وتتولي اللجنة التعليمية إدارة رياض الأطفال حيث تم تأسيس روضة المجمع سنة 1979 وابتدأت بـ160 طفلا وكانت اللجنة التعليمية قد تقدمت بطلب تأسيس مدرسة إسلامية تابعة لفرع المجمع في خان يونس عام 1983 إلا أن سلطات الاحتلال لم تسمح بإقامة هذا المشروع .

وتخصصت لجنة الزكاة بجمع الزكاة والصدقات من الميسورين وتوزيعها على الفقراء والأيتام والمحتاجين وأصدرت سلطات الاحتلال أمرا بحظر نشاط لجنة الزكاة التابعة للمجمع الإسلامي دون إبداء الأسباب ويعزو عاطف عدوان سبب حظر عمل لجنة الزكاة إلى إصرار الاحتلال على تمزيق المجتمع الفلسطيني ومنع أى جهة من إشاعة روح التكافل والتعاون والترابط والحفاظ على نسيج المجتمع الفلسطيني .

وبدأت اللجنة الطبية عملها بإنشاء ( بنك الدم الإسلامي ) وكان هذا البنك يعتمد إعداد قوائم بأسماء الشباب مصنفين حسب فصائل الدم وعندما تطلب إحدي المستشفيات فصيلة دم كان المسئولون عن هاذ البنك يقومون بإحضار الشباب للتبرع بوحدات الدم مباشرة للمحتاجين لها وقام المجمع بافتتاح عيادة طبية وقد أقبل الناس على هذه العيادة بشكل واسع بسبب رمزية الرسوم التي كان عليهم دفعها إضافة إلى كفاءة الأطباء الذين استقطبهم المجمع للعمل .

ولكن سلطات الاحتلال أغلقت هذه العيادة ومنعت المجمع من العمل في المجال الصحي .

وحظيت اللجنة الرياضية باهتمام خاص من قبل إدارة المجمع الإسلامي ذلك أن الرياضة وسيلة هامة لاجتذاب الشباب ولهذا إدارة المجمع سعت إلى بناء النادي الرياضي التابع للمجمع في وقت مبكر وكون النادي مجموعة من الفرق الرياضية مثل كرة القدم والطائرة والطاولة وكذلك فق لألعاب القوي واشتهر فريق المجمع لتنس الطاولة بشكل كبير وحاز أكثر من مرة على بطولة أندية القطاع .

أما لجنة الإصلاح التي تقوم بحل الخصومات بين الأفراد والعائلات فقد أولاها المجمع أهمية خاصة حيث وقف على رأسها الشيخ أحمد ياسين وسبب ذلك يجع إلى أن المجتمع الفلسطيني لم يكن يثق بدوائر القضاء التي يشرف عليها الاحتلال كما لم يكن يرتاح للتعامل مع الشرطة التابعة لسلطات الاحتلال ولهذا كانت هناك حاجة ماسة لتفعيل القضاء العشائري والعرفي أو الاحتكام للشريعة الإسلامية وتمكن المجمع الإسلامي من حل الكثير من المشاكل المستعصية ومن أشهر هذه القضايا مشكلة عائلة غزال وعائلة النخالة حيث قام شخص من عائلة النخالة بقتل آخر من عائلة غزال .

وتمكن وفد الشيخ أحمد ياسين والحاج رشاد الشوا من تحقيق المصالحة ووضع حد للمشكلة ويبدو أن الإصلاح العشائري وإن كان يجري على نطاق ضيق في ذلك الوقت إلا أنه ساعد الإخوان على كسب تأييد الشرائح الضعيفة في المجتمع وذلك بسبب ما توفره الحركة من إمكانية لأبناء العائلات الصغيرة لكي يأخذوا حقوقهم من أبناء العائلات الكبيرة في مجتمع عليه الصبغة العشائرية.

يلاحظ أن بعض الكتابات العبرية تبالغ في حجم الأنشطة والمؤسسات والأفرع التي أسسها المجمع الإسلامي في قطاع غزة رغم أن حصول المجمع الإسلامي على الترخيص الرسمي من سلطات الاحتلال لم يجعل الأخيرة تتوقف عن وضع العراقيل في وجهة وأمام أنشطته ولم تتوقف هذه العراقيل على منع نشاط لجنة الزكاة وإغلاق العيادات الطبية التابعة له بل كانت سلطات الاحتلال تتدخل وتضع العراقيل في أبسط الأمور ومن ذلك فإن شراء سيارة يتطلب إذنا مسبقا من الداخلية كما أن جمع التبرعات كان يستوجب تقديم طلب خطي لأخذ الموافقة وفي الكثير من الأحيان كانت سلطات الاحتلال ترفض إعطاء الإذن بجمع التبرعات ورفضت سلطات الاحتلال منح ترخيص لافتتاح فرع المجمع في خان يونس لكن إدارة المجمع أصت وفتحته رغم عدم الحصول على الترخيص ورغم محاولة جيش الاحتلال التدخل بالقوة لمنع الافتتاح.

ورغم كل المعيقات فإن المجمع الإسلامي وسع نشاطه وتمكن من خدمة المجتمع الفلسطيني في غزة حيث حصل على منح دراسية للطلاب في المملكة العربية السعودية عن طريق مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن باز وكانت المنحة تغطي خمسة عش طالبا وخمس طالبات سنويا وكان الهدف من المنحة تخريج الدعاة المثقفين القادرين على إيصال الفكرة الإسلامية للناس وقد استفاد من هذه المنح عشرات الطلاب الفلسطينيين من قطاع غزة في مجالات دراسية مختلفة منها العلوم الشرعية والتطبيقية والطبيعية .

لقد نما صيت المجمع الإسلامي لدرجة أصبح معها يشكل إطارا للدعوة و الحركة والقيادة الإسلامية في القطاع وأصبح اسمه يطلق على الظاهرة السياسية الإسلامية في قطاع غزة.

وبلغت شهرة المجمع الإسلامي أنه أصبح يطلق على حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة وفي هذا السياق يذكر زياد أبو عمرو أن المجمع الإسلامي كان بمثابة " واجهة علنية لجماعة الإخوان المسلمين" وأنه " وفر شكلا من أشكال الحماية القانونية لنشاطات جماعة الإخوان في القطاع"

الجمعية الإسلامية

تذكر بعض الكتابات أن الجمعية الإسلامية تأسست سنة 1970 ويبدو أن هذا التحديد يأتي في إطار الجو العام الذي ساد بأن الاحتلال قدم منذ البداية تسهيلات كبيرة لحركة الإخوان لكن الحقيقة أنها تأسست سنة 1976 في معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة وهي عبارة عن جمعية عمانية وورد في المادة الثانية من النظام الأساسي للجمعية أن شعارها " لا إله إلا الله " أما الغاية من إنشائها فهي " هداية الناس إلى الدين الإسلامي الحنيف والعمل روحيا بالعبادة وعقليا بالعلم , وبدنيا بالرياضة واجتماعيا بالمواساة وأكدت الجمعية أنها في سبيل تحقيق غايتها تتبع السبل المشروعة كالوعظ والإرشاد والمحاضرات والتعليم وإقامة الحفلات التمثيلية والمباريات الرياضية ومواساة المعوزين كما أكدت الجمعية أنها لا تسمح لأعضائها بممارسة السياسية الحزبية والمبادئ الفوضوية".

وانطلقت الجمعية الإسلامية تحاول ملء فراغ الشباب وتطوير خبراتهم واستيعاب طاقاتهم وهداية الناس للإسلام وفي هذا المجال افتتحت الجمعية خمسة عشر مركزا لتحفيظ القرآن في المساجد واجتهدت في تأسيس مكتبات إسلامية في فروعها ووفرت الكثير من أشرطة الكاسيت التي تحتوي على محاضرات وخطب جمعة وأناشيد إسلامية كما عملت على إصدار عدد من مجلات الحائط في المساجد وذلك لتشجيع المواهب الكاتبية عند الشباب وأقامت الجمعية ثلاث رياض أطفال في فوعها في غزة وجباليا والنصيرات .

واهتمت الجمعية الإسلامية بالأنشطة الرياضية ويمكن القول أن الجانب الرياضي كان أبرز جوانب نشاط الجمعية الإسلامية حيث اجتهدت على إنشاء الفرق في مختلف المجالات الرياضية ونظمت المسابقات الرياضية المتعددة وأقامت المخيمات الصيفية بشكل مستمر وتحتوي نشرة أصدرتها الجمعية الإسلامية في عامها الثاني على صور للفرق الرياضي التابعة للجمعية وكذلك المهرجانات الرياضية التي نظمتها .

كما نشطت الجمعية في مجال تقديم المساعدات للمحتاجين من أموال الزكاة والقيام بالخدمات التطوعية لصالح المحتاجين للإغاثة وربما كانت عملية مساعدة سكان المعسكرات الوسطي في قطاع غزة سنة 1981 على إثر العاصفة الثلجية التي ضربت المنطقة من أبرز وأوسع الأعمال الإغاثية التي قامت بها الجمعية ورغم القيود التي كانت تفرضها سلطات الاحتلال على جمع الأموال وتوزيعها بعيدا عن الإجراءات الإدارية المتبعة وفق الآليات التي تحددها سلطات الاحتلال .

وأصدرت سلطات الاحتلال أمرا عسكريا بإغلاق روضة الجمعية الإسلامية في النصيرات واعترضت الجمعية على هذا القرار أمام السلطات المعنية عن طريق المحامين محمد فرج الغول وفؤاد شنيورة حيث أوضح المحامي أن المادتين الثالثة والرابعة من قانون الجمعية يتيح لها العمل في مجال التعليم واعتبر المحاميات أن إغلاق الروضة مخالف للقانون .

وطلبت الجمعية الإسلامي قطعة أرض من سلطات الاحتلال لإقامة مبني خاص بالجمعية على أرض معسكر الشاطئ لكن ضابط ركن الداخلية أوري جيجك رفض الطلب وعلل الرفض بأنه لا يوجد تخطيط هيكلي لمعسكر الشاطئ وكذلك تم رفض تخصيص قطعة أرض لبناء نادي الجمعية في معسكر الشاطئ وعلل ضابط ركن الداخلية رفضه بأنه لا يوجد أى مبرر بتخصيص أرض عائدة لأملاك الحكومة لغاية إقامة نادي حيث أن الحكومة قد خصصت أرض لنادي في المنطقة.

اهتمت الجمعية الإسلامية بالحصول على قطعة أرض لإقامة المبني الدائم والملاعب الخاصة بالجمعية من العام 1976 وبتاريخ 24 -4 -1978 وجه مدير الداخلية العربي عبد القادر أبو سليم رسالة إلى رئيس الجمعية الإسلامية أعلمه فيها أنه " لا مانع من استعمال قطعة الأرض المطلوبة كملعب للجمعية بدون تحرير عقد في هذه المرحلة وتم الحصول على أرض الملعب واتخذت الجمعية قرارا بالعمل فيها واستخدامها بتاريخ 4-5 1978.

وقامت سلطات الاحتلال بتاريخ 21 -1- 1985 بهدم مباني وملاعب الجمعية الإسلامية التي كانت قائمة على ماسحة قدرها عشرة دونمات شمال معسكر الشاطئ وبناء على تكليف من إدارة الجمعية قام مكتب الرضوان الهندسي بتقدير الخسائر التي الجمعية بالجمعية بما قيمته عشرة آلاف دينار أردني وبناء عليه رفعت الجمعية الإسلامية شكوى لسلطات الاحتلال وطالبت بتعويضات عن الضرر الذي لحق بها وأوضحت الجمعية في الشكوى أنها حصلت على هذه الأرض بعقد إيجار من الحكومة حيث مارست الجمعية الأنشطة عليها لمدة عشر سنوات واعتبرت الجمعية أن القرار غير قانوني وطالبت بتعويضات عن الخسائر المالية وكذلك توفير قطعة أرض بديلة .

وعندما توجهت الجمعية الإسلامية بطلب ترخيص إصدار مجلة شهرية بعنوان ( الرسالة ) كان رد مدير الداخلية عبد القادر أبو سليم بتاريخ 28 1977 أنه يجب أن تحصل الجمعية على موافقة إدارة الشئون العربية قبل الشروع في إصدار هذه المجلة.

وورد في تقارير دائرة التفتيش التابعة للداخلية أن الجمعية الإسلامية كانت ترتكب بعض المخالفات في مجال جمع التبرعات وتوزيعها إما إلى المساجد أو للفقراء والمحتاجين دون علم أو إذن الداخلية .

وتعرضت الجمعية للكثير من المضايقات حيث رفضت الداخلية منح الجمعية الإسلامية تصريحا لجمع التبرعات لصالح المتضررين من كارثة الثلج في المعسكرات الوسطي ودير لبلح حيث أمطرت السماء ثلجا في ذلك العام المر الذي ألحق الكثير من الأضرار في بيوت وممتلكات المواطنين ورفضت الداخلية السماح للجمعية الإسلامية إدخال مبلغ خمسة آلاف دينار أردني كمساعدات قادمة من الخارج لدعم الأنشطة الرياضية وإعداد ملاعب لكرة الطائرة وكرة السلة والتنس الأرضي واستكمال تجهيز ملاعب كرة القدم وشراء بعض الأدوات الرياضية ورفضت سلطات الاحتلال عام 1982 السماح للجمعية بافتتاح فرع لها في بيت حانون ورفضت سلطات الاحتلال كذلك السماح بجمع تبرعات زكاة المال من المملكة العربية السعودية لصالح الجمعية الإسلامية.

وواظبت الجمعية الإسلامية على إجراء الانتخابات الدورية لتشكيل مجلس الإدارة وجاء المجلس الأول بدون انتخابات لأنه المجلس التأسيسي وكان مكونا من مجموعة من الشباب جميعهم في العشرينات من عمرهم وهم : خليل القوقا أمينا عاما وخميس ماضي أمينا للسر , وسعيد بخيت أمينا للصندوق وعلى أبو القمصان مشرفا صحيا وإسماعيل أبو شنب وأحمد موسي مشرفان رياضيان ومحمد بارود مشرفا ثقافيا .

ونتيجة التي جرت سنة 1980 حافظ خمسة من أعضاء مجلس الإدارة على عضويتهم ودخل معهم عضوان جديدان هما محمد حمادة وخليل نوفل كما تم استحداث منصب منصب الرئيس والذي لم يكن موجودا في المجلس الأول وشغله إسماعيل أو شنب وفي العام 1983 بقي خليل القوقا رئيسا للجمعي وانضم إلى عضوية مجلس الإدارة حماد الحسنات نائبا للرئيس .

وعضوية صلاح شحادة ومحمد شهاب وفي انتخابات سنة 1985 جري تغيير على رئاسة الجمعية إذ أصبح أحمد بحر أمينا عاما للجمعية بينما أصبح خليل القوقا عضوا في مجلس الإدارة لكن الشيخ أحمد بحر غادر غزة إلى السودان لإكمال دراسته فتم انتخاب خليل القوقا مجددا أمينا عاما للجمعية الإسلامية.

بشكل عام تمكنت الجمعية الإسلامية من الاستفادة من الترخيص الذي حصلت عليه وتغلبت على العقبات التي تعرضت لها واستطاعت أن تعمل من خلال ثلاثة أفرع في قطاع غزة وحققت تواصلا فعالا مع قطاعات واسعة من الناس وساهم هذا في نشر الفكرة الإسلامية بين الناس وتكوين قيادات شابة لفتت أنظار المجتمع مثل خليل القوقا وأحمد بحر وإسماعيل أبو شنب.

لقد تأسست الجمعية الإسلامية والمجمع الإسلامي استنادا لنفس القانون وكان يسمح لهما بناء على الترخيص العمل في نفس المجالات وقامت الجمعية بافتتاح فروع لها في النصيرات وجباليا أما المجمع فقد افتتح فروعا له في حي الشجاعية وكذلك في مدينة خان يونس ويبدو أن الحركة أعادت من الترخيصين لمؤسستين مع فروعهما تغطية كل أو أغلب مناطق القطاع بحاضنات لأنشطة مرخصة .

أما على صعيد الأنشطة فإن الجمعية الإسلامية تميزت بنشاطها الرياضي في مجال كرة القدم إضافة إلى بعض الأنشطة الثقافية الخفيفة أما المجمع الإسلامي فقد تميز بنشاطه الفني على صعيد النشيد والمسرح إضافة إلى تميزه في مجال رياضة تنس الطاولة.

وعملت المؤسستان في مجال الإغاثة وتقديم المساعدات للمحتاجين كل في منطقته لكن اسم المجمع الإسلامي انتشر بشكل واسع وسمعته ملأت قطاع غزة وأصبح رمزا لتيار سياسي ربما يعود ذلك لوجود الشيخ أحمد ياسين وما يتمتع به من قدرة عالية على التأثير.

جمعية الشابات المسلمات

يعتبر البعض أن الإخوان المسلمين هم الذين أسسوا ( جمعية الشابات المسلمات ) لكن هذا غير دقيق حيث بادر إلى تأسيس الجمعية مجموعة من الأخوات دون أن يكون لهن علاقات بالإخوان المسلمين وحصلت الجمعية على ترخيص مزاولة النشاط من سلطات الاحتلال بتاريخ 22- 7- 1981 وقد تكون مجلس الإدارة التأسيسي الأول من : أمل فهمي الزميلي رئيسة ونعمة محمد العويني وكيلة وسهيلة مصطفي السويطي أمينة سر وريم ناظم عيسي أمينة صندوق وعضوية كل من عدلة خض ميلاد ونهاد مصطفي الشرفا , وهالة أسعد الأغا.

وبدأ مجلس الإدارة بجمع التبرعات لتأثيث المقر ومزاولة الأنشطة وبدأ العمل ارسمي في الجمعية بتاريخ 1-9-1981 على نطاق محدود بسبب نقص الإمكانيات والصعوبات التي واجهتها في بداية الأمر وتمارس جمعية الشابات المسلمات نشاطاتها من خلال مركز جمعية الشابات المسلمات المرخص من قبل مديرية التربية والتعليم ويقوم المركز بعقد دورات متخصصة للفتيات مثل الخياطة والتطريز والتريكو وصناعة وتنسيق الزهور ودورات محو الأمية ودروس تقوية للطالبات.

كما أقامت الجمعية مراكز تعليم القرآن وأشرفت على العديد من رياض الأطفال واتخذت الجمعية شعارا لها الآية القرآنية ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوا رحيما) واتخذت الجمعية لها مجموعة من الأهداف هي رعاية المرأة المسلمة وحفظها من الانحراف الخلقي ونشر الثقافة الإسلامية والعلوم الدينية في أوساط المرأة المسلمة ورعاية المرأة المسلمة في المجالات التربوية والاجتماعية وتعليم المرأة المسلمة مهنيا الخياطة وأشغال الإبرة وحل مشكلات المرأة المسلمة .

وكانت الجمعية تركز على الجانب المهني واعتبرت الجمعية أن مهنة الخياطة مهمة جدا لكل فتاة فأعدت الجمعية دورات في فن التفصيل والخياطة مدتها تسعة شهور لكن يبدو أن إمكانيات الجمعية – كما تظهر من التقرير – بسيطة ومحدودة فحتي عام 1984 لم يكن في الجمعية سوي خمس ماكنات خياطة وهي غي كافية لعدد الطالبات كما ورد في تقرير أنشطة الجمعية وورد في تقرير الجمعية أن الصعوبات والمشاكل تنحصر أولا وأخيرا بالدعم المالي للجمعية فالجمعية تواجه مشاكل مادية كبيرة لزيادة وتطوير المشاريع المختلفة التي تنوي القيام بها وتؤكد إدارة الجمعية أنه لم يسمح لها منذ حوالي العامين بجمع تبرعات من داخل القطاع أو خارجه .

وفي بعض الأحيان سمحت مديرية الداخلية لجمعية الشابات المسلمات بجمع التبرعات من داخل قطاع غزة شريطة أن يكون جمع التبرعات بإيصالات قبض مرقمة ومختومة من قبل مديرية الداخلية بحيث يسري هذا التصريح اعتبارا من تاريخه ولمدة ثلاثة شهور فقط لكن عندما طلبت الجمعية تجديد التصريح بجمع التبرعات من داخل قطاع غزة.

فقد كان رد مديرية الداخلية سلبيا وفيما يتعلق بالتضييق على الجمعيات فقد أرسل أوري جيجك رسالة إلى جمعية الشابات المسلمات بتاريخ 1-1-1983 يذكر فيها بأن " القانون الذي بموجبه تأسست وتعمل النوادي والجمعيات يحظر عقد أى اجتماعات وندوات وحفلات ومعارض دون الحصول على تصديق مسبق من قبل السلطة المخولة وفي نفس الرسالة يطالب الجمعية بأنه ينبغي إعلام الداخلية قبل الموعد المحدد بشهر على الأقل ... ويجب أن يتم الإعلام خطيا عن أية مواضيع مطروحة للبحث في الاجتماع.

في 2 مارس 1982 وجهت مديرية الداخلية رسالة إلى جمعية الشابات المسلمات تشير فيها إلى أن عددا من المؤسسات الخيرية ومن بينها جمعية الشابات تلقت مساعدات من الهيئة الخيرية وتحذر الرسالة هذه الجمعيات من قبول أى مساعدات أخري إلا بعد الحصول على إذن مسبق من مديرية الداخلية وكانت مديرية الداخلية تمنع القيام بأى أعمال تطوعية إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من مديرية الداخلية يبين فيها نوع العمل وتاريخه ومكانه وكانت الداخلية تعترض أحيانا على بعض أعضاء مجلس الإدارة وكانت تطالب موظفي الحكومة بأن " عليهم الحصول على موافقة مديرية الجهاز الحكومي للسماح لهم بالاشتراك في مجلس إدارة النادي أو الجمعية حتى يستطيع ممارسة نشاطه .

لكن هذا لا يعني أن الإخوان المسلمين كانوا بعيدين عن جمعية الشابات فقد بدأت الفتيات النشطات في جماعة الإخوان المسلمين الانتساب إلى هذه الجمعية بعد العام 1985 خاصة الفتيات اللاتي تخرجن من الجامعة يتضح هذا من خلال النظر إلى قائمة أعضاء الجمعية العمومية.

وبقي عمل جمعية الشابات المسلمات في ذلك الوقت محصورا في الأنشطة التقليدية التي تؤهل المرأة للحياة الزوجي عبر التثقيف أو التدريب كما تزودها ببعض المهارات التي قد تعينها في الحصول على عمل في مجال الخياطة أو السكرتارية.

العمل النقابي

تأسست بعد عام 1967 ثلاث جمعيات نقابية للمهنيين في قطاع غزة وهي جمعية المحامين وجمعية المهندسين وجمعية الأطباء وقد أطلق عليها تجاوزا اسم نقابة وقد حرص الإخوان على المشاركة في عمل هذه الجمعيات ( النقابات ) منذ البداية وكانت على النحو التالي :

نقابة المحامين

تقدمت مجموعة مكونة من تسعة عشر محاميا من قطاع غزة بتاريخ 29-7-1972 بطلب لسلطات الاحتلال لتأسيس جمعية نقابية باسم " جمعية نقابة المحامين " وكان على رأس هذه المجموعة المحامي فوزي الدجاني ومن أبرز من كان معه فرج الصراف وفايز أبو رحمة وزهير الرئيس وتوفيق أبو غزالة .

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المجموعة خلت من أى فرد من أفراد الإخوان المسلمين رغم أنها كانت متنوعة واشتملت على مسيحيين ومسلمين وكان فيها بعض الشخصيات المقربة من اليسار وأخري ذات علاقة بحركة فتح وسبب غياب الإخوان عن تأسيس نقابة المحامين هو عدم وجود محامين من بين أعضاء الإخوان في ذلك الوقت كان الإخوان في قطاع غزة لديهم نظرة سلبية لمهنة المحاماة على اعتبار أن هذه قوانين وضعية وأن أكثر من يمارس مهنة المحاماة يضطر للدفاع عن متهمين وهو يدرك أنهم ليسوا أبرياء .

وتجدر الإشارة إلى أن نقابة المحامين لم تكن نقابة بالمعني الحقيقي للنقابات حيث لم تكن تملك صلاحية منح ترخيص مزاولة المهنة أو سحب الرخصة من المحامي وقد جاء هذا في المادة الثانية من القانون الأساسي لجمعية نقابة المحامين والتي نصت على أن عمل هذه الجمعية يتوافق مع مراعاة أحكام قانون المحامين رقم 32 لسنة 1938 وقانون مجلس الحقوق رقم 32 لسنة 1938 وتمثلت أهداف الجمعية في الدفاع عن مصالح النقابة ورفع مستوي المحاماة في القطاع ورعاية مصالح أعضاء الجمعية وتنشيط البحوث القانونية وتنظيم التعاون في ممارسة المهنة.

وتعاقب على رئاسة نقابة المحامين منذ عام 1972 عدد من المحامين لم يكن بينهم أى عضو من الإخوان وكان هؤلاء بالترتيب هم : فوزي الدجاني عام 1972 وفايز أبو رحمة عام 1976 واستمر فايز أبو رحمة نقيبا للمحامين حتى عام 1985 حيث تم انتخاب المحامي إبراهيم السقا نقيبا للمحامين وتم إعادة انتخاب فايز أبو رحمة مرة أخري عام 1987 نقيبا للمحامين.

لم يتمكن الإخوان المسلمون من الوصول إلى رئاسة نقابة المحامين طوال فترة الدراسة لكنهم استطاعوا أن يحصلوا على بعض المقاعد في مجلس إدارة النقابة وكان ذلك كما يلي في عام 1978 فاز بعضوية مجلس الإدارة أحد المقربين من الإخوان وهو الأستاذ عبد الرءوف الحلبي وفي العام 1981 فاز عادل خليفة بعضوية مجلس إدارة النقابة وهو من المقربين لحركة الإخوان المسلمين وفي العام 1985 فاز المحامي فؤاد سنيورة وعادل خليفة بعضوية مجلس إدارة النقابة وفي عام 1987 تمكن محامو الإخوان من الفوز بثلاثة مقاعد في مجلس إدارة النقابة وكان الفائزون هم : عادل خليفة أمينا للسر ومحمد الدريوي أمينا للصندوق وعضوية محمد فرج الغول.

وتشير المعطيات السابقة إلى أن الإخوان المسلمين استطاعوا تحقيق وجود مؤثر لهم في مجلس إدارة نقابة المحامين وشغل ثلاثة مقاعد من أصل سبعة من أعضاء مجلس الإدارة رغم أن أعضاء الإخوان لم يكونوا يقبلون على دراسة الحقوق , وهذا يشير إلى اتساع دوائر التأييد للإخوان في أوساط المجتمع الفلسطيني وشرائحه المتعلمة في قطاع غزة.

نقابة المهندسين

تأسست نقابة المهندسين بتاريخ 19-12 -1976 بمبادرة من 24 مهندسا اجتمعوا في مقر بلدية غزة وقد شارك الإخوان المسلمون من خلال المهندس إسماعيل أبو شنب في تأسيس هذه النقابة مع بقية القوي السياسية الفلسطينية الأخرى وفي هذا إشارة واضحة إلى رغبة الإخوان في العمل المشترك مع الآخرين من خلال المؤسسات العامة.

ويذكر إسماعيل أبو شنب أن فكرة النقابة ولدت في بيت الحاج رشاد الشوا حيث كان يجمع عددا من المهندسين بشكل شهري في بيته للتباحث بشأن تطوير أوضاع البلد من الناحية الخدماتية و وبعد نقاش متأصل استقر رأي المجموعة على تشكيل جمعية نقابية للمهندسين لكي يتجمع فيها كل المهندسين ويتباحثوا في كيفية تطوير وضع البلد وتقوية مؤسساته في مواجهة سياسات الاحتلال .

وقد انشغلت النقابة بالعمل لتحقيق مجموعة من الأهداف حددتها لنفسها تتمثل في " العمل على توحيد الأعضاء في أسرة واحدة وإزالة كل خلاف قد ينشأ بينهم وتنظيم علاقاتهم مع الدوائر والمؤسسات والأفراد وحل الخلافات التي تقع بينهم وبين الغير بسبب ممارسة المهنة ويضاف إلى ما تقدم فإن الجمعية تسعي إلى توفير مجالات العمل للأعضاء وتحسين أحوالهم الاجتماعية, والدفاع عن مصالحهم ومساعدتهم ماديا عن طريق المعونات والسلف .

ورغم أن أهداف النقابة تتعلق بالعمل النقابي التخصصي إلا أن النقابات كانت عبارة عن امتدادات فصائلية تتبطن تحت وظائفها التخصصية أهداف تعبوية واهتمامات سياسية ويشدد أبو عمرو على أن الدور الوطني للنقابات تزايد بعد خروج منظمة التحرير من لبنان سنة 1982 حيث أصبح التركيز على العمل الجماهيري المنظم وبناء المؤسسات الوطنية في الأرض المحتلة والمتابع لأنشطة نقابة المهندسين يجد أن التركيز كان منصبا على دعم صمود المهندس لكي يتمكن من البقاء فوق أرض الوطن أكثر بكثير من الاهتمام بالجانب الهندسي المهني .

وقد أولت حركة الإخوان اهتماما كبيرا للمشاركة من خلال نقابة المهندسين وحصلت على المشاركة في الانتخابات الدورية لمجلس إدارة النقابة خاصة في سنوات الثمانينات حيث احتدم التنافس بين حركة الإخوان وبين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في مجال الحصول على التأييد الشعبي , وكانت النقابات المهنية تعتبر أحد المؤشرات الدالة على مدي تواجد وشعبية الفصائل الفلسطينية.

أخذت الانتخابات تجري بشكل منتظم منذ تأسيس النقابة ,لكن في البداية لم يكن هنالك كتلا حزبية حيث لم يكن الاحتلال يسمح بظهور أى نشاط ذو طابع سياسي وتشكت نتيجة التفاعلات مجموعتان من المهندسين: المجموعة الأولي تتكون من المهندسين المشتغلين في الأشغال مثل ( يحيي الخطيب وجمال سكيك) والمجموعة الثانية تتكون من المجموعة التي تعمل في بلدية غزة مثل( عقيل مطر ومحمد مهنا) ومن يؤيدهم من المهندسين وكانت تركيبة المجلس الأول والثاني مناصفة بين المجموعتين تقريبا.

ومن خلال مراجعة أسماء أعضاء مجلس الإدارة المتعاقبة نجد أن حركة الإخوان كان لها تواجد في أغلب مجالس الإدارة منذ مجلس الإدارة التأسيسي عام 1977 وحتى العام 1987, والأسماء بالترتيب كالتالي : في المجلس التأسيس سنة 1977.

وكذلك في أول مجلس منتخب عام 1978 مثل الإخوان المهندس إسماعيل أبو شنب وفي المجلس الثالث مثل الإخوان المهندس إسماعيل أبو شنب أميا للصندوق وفي المجلس الرابع عام 1980 فاز إسماعيل أبو شنب رئيسا للنقابة أما مجلس الإدارة الثامن الذي جرت انتخاباته في سنة 1985 فقد فاز بعضوية مجلس الإدارة من الإخوان كل من المهندس عماد العلمي وإسماعيل أبو شنب أما المجلس التاسع الذي جرت انتخاباته سنة 1987 فقد فاز بعضويته من الإخوان إسماعيل أبو شنب بينما لم يتمكن عماد العلمي من الفوز.

يلاحظ أن إقبال المهندسين على التفاعل مع الانتخابات لم يكن كبيرا ودليل أن اكتمال النصاب القانوني في اجتماعات الجمعية العمومية لم يتوفر من الاجتماع الأول في أى دورة من الدورات الانتخابية , ولو أخذنا مثالا على ذلك اجتماع الجمعية العمومية العادي وبتاريخ 9-1-1987 لوجدنا أن عدد الحاضرين فيه 103 مهندسين فقط وبتاريخ 16-1-1987 عقد اجتماع آخر للجمعية العمومية فحضره 142 مهندسا بينما بلغ عدد المهندسين المسجلين في الجمعية حوالي 1000 مهندسا سنة 1987 أى أن نسبة المتفاعلين مع حضور الجمعية العمومية لم تتجاوز الـ15% من مجمل أعضاء النقابة .

وإذا نظرنا إلى أصوات المقترعين فإننا نجد أن أعلي الأصوات في انتخابات 1987 حصل عليها سعد خرما وهو من أعضاء حركة فتح في النقابة وبلغت 211 صوتا أى بنسبة 21 % من أصوات أعضاء الجمعية العمومية أما ممثل حركة الإخوان إسماعيل أبو شنب فقد حصل على 175 صوتا أى نسبة 17 % تقريبا من أعضاء الجمعية العمومية وبلغ عدد الأصوات التي حصل عليها عماد العلمي , والذي لم ينجح في هذه الانتخابات 144 صوتا أى بنسبة 14 % تقريبا من أصوات أعضاء الجمعية العمومية.

يتضح من الأرقام السابقة أن الإقبال على المشاركة في انتخابات جمعية المهندسين لم يكن كبيرا وفي هذا إشارة إلى أن الجمعية لم تكن تلامس هموم ومصالح المهندسين بقدر ما كانت تهتم بكونها احدي عناوين العمل الوطني في قطاع غزة تجدر الإشارة إلى أن حركة الإخوان لم تكن حريصة على المشاركة بأعداد كبيرة من المرشحين وإنما بعدد محدود فقط مرشحان أو ثلاثة على أكثر تقدير, ويرجع السبب في ذلك إلى أن الإخوان كانوا يريدون أن يثبتوا وجودهم وحضورهم فقط ليس أكثر من ذلك .

إضافة إلى أنهم لم يكونوا يمتلكون القاعدة النقابية الكافية للحصول على أكثر من عضوين في مجلس إدارة النقابة وكان هذا هو شأن أغلب الفصائل المشاركة في الانتخابات فالقاعدة النقابية لم تكن مسيسة وفي أغلب الأحيان كانت فصائل منظمة التحرير تخوض الانتخابات موحدة وإذا اعتبرنا نسبة الأصوات التي حصل عليها مؤيدو المنظمة فإنها لا تتجاوز الـ 21 % وأقل الأصوات التي حصل عليها مؤيدو الإخوان فإنها لم تنخفض عن الـ 14 % من عدد أعضاء الجمعية العمومية.

يذكر زياد أبو عمرو أن الإخوان المسلمين فازوا في نقابة المهندسين بمقعد واحد فقط في انتخابات 1987 بعد أن فازوا بأغلبية المقاعد عام 1981 ويسوق أبو عمرو هذه المقارنة في سياق التدليل على أن شعبية حركة الإخوان قد انخفضت قبيل انتفاضة عام 1987 لكن هذا الاستنتاج غير دقيق لأنه مبني على معلومات غير صحيحة ففي العام 1981 لم يفز الإخوان بأغلبية المقاعد وكان فوزهم فقط بمنصب النقيب أما بقية المناصب فلم يفز بها مرشحو الإخوان إضافة إلى أن الإخوان لم يتقدموا لتلك الانتخابات بأكثر من مرشح واحد.

نقابة الأطباء

تأسيت الجمعية الطبية عام 1945 لكنها توقفت عن العمل مع بداية الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة وبدأ التفكير في العمل على إحياء النقابة على يد مجموعة من الأطباء الشباب الذين قدموا إلى قطاع غزة عام 1972 من جمهورية مصر العربية وفق نظام ( جمع الشمل ) ومن أبرز هؤلاء رباح مهنا وعبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار ويوسف عوض الله وغيرهم.

خاض هؤلاء الأطباء مجموعة من المعارك المطلبية ضد سلطات الاحتلال في عامي 1973, 1974 ومن أشهرها التصدي لقرار الاحتلال الذي فرض بموجبه على المواطنين دفع رسوم التأمين الصحي وأكدوا خلال الاحتجاجات أنه لا يجوز للاحتلال تغيير القوانين المعمول بها في الأراضي المحتلة كما حرضت هذه المجموعة الأطباء على إعلان الإضراب بهدف تحسين الرواتب وبالفعل نجحوا في رفع الراتب من 800 ليرة إسرائيلية إلى 1400 ليرة إسرائيلية في العام 1974 .

تشجع الأطباء بسبب هذه النجاحات وواصلوا احتجاجاتهم واعترضوا على تدخل جيش الاحتلال في المستشفيات لملاحقة المناضلين الجرحي وهم تحت العلاج, وفي العام 1978 تمكنت هذه المجموعة من إعادة إحياء الجمعية الطبي كإطار نقابي يجمع كل الأطباء ويدافع عن مصالحهم وعندما جرت الانتخابات سنة 1979 لم يفز احد من الإخوان المسلمين .

لكن يبدو أنهم كانوا قد وضعوا نصب أعينهم التغلغل في النقابة والوصول إلى قيادتها وفي هذا المجال يذكر رباح مهنا أن إبراهيم المقادمة – والذي لم يفز في انتخابات 1979 – قال لمهنا بكل ثقة " إن كنتم قد فزتم هذه المرة , فأنا أعدك بأننا سنفوز بكل المقاعد في المرات القادمة المستقبل لنا نحن الإسلاميين وليس لكم "

وبالفعل فقد مرشحو الإخوان بأربعة مقاعد من أصل أحد عشر مقعدا في الانتخابات التالية والتي جرت سنة 1981.

وإن كان الترشيح والانتخاب كان على أساس فردي ولم يكن على أساس فصائلي في ذلك الوقت ويعتب هذا المجلس من أهم مجالس النقابة لأنه ضم الفصائل الرئيسية ( الإخوان المسلمين وفتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ) وتمكن هؤلاء من التعاون في إدارة إضراب استمر 21 يوما شمل أغلب مرافق الحياة في قطاع غزة وجلب تضامن شخصيات ومؤسسات الضفة الغربية وفلسطين المحتلة عام 1948.

يذكر إبراهيم المقادمة أن حركة الإخوان لم يكن لديها الكبير من الأطباء لكنها في شهر يناير 1981 رشحت أربعة أطباء في انتخابات الجمعية الطبية ففازوا جميعا وهذا جعل الحركة تشعر بأن ثقة الناس بها كبيرة رغم قلة عددها .

ويذكر إبراهيم المقادمة أن العمل النقابي بدأ بسيطا لفكن حدث أمر أتاح للجمعية الطبية أن تبرز على الساحة حيث قامت مجموعة من جنود الاحتلال تابعة لضريبة الدخل بتاريخ 25 / نوفمبر 1981 بمهاجمة عيادات الأطباء وفرضت عليهم ضرائب باهظة وضرب الجنود انطوان شحيبر وحبسوه فثار غضب الأطباء وعلى الأثر اجتمعت الهيئة الإدارية للجمعية الطبية في مستشفي الشفاء مع العديد من أطباء المستشفي , واتخذت قرارا بالإضراب وكان ذلك بتاريخ 26 -11-1981.

وأصدرت النقابة بيانا بإعلان الإضراب عاما باسم الهيئة العامة للنقابة ربما لإعطاء الانطباع بأن الإضراب جاء بإرادة جميع الأطباء وكذلك لتفادي أى ضغوط محتملة من قبل الاحتلال ولم يقتصر الأمر عند التنسيق بين الأطباء بل تعداه لكي يشمل أغلب الشرائح الفاعلة في المجتمع ويتضح هذا من خلال بيان الدعم والتأييد الصادر عن مجموعة من مؤسسات قطاع غزة في نفس اليوم الذي صدر فيه بيان الجمعية الطبية.

ويقول المقادمة أنه " لم يكن عند أحد من الأطباء تجربة سابقة في الإضراب ولكن كان الغضب عارما جلست أنا والدكتور الزهار , وكان رئيس الجمعية في ذلك الوقت , مع مجموعة أطباء ووضعنا مواثيق الإضرابات والحقيقة أن النجاح كان توفيقا من الله حيث لم يكن لدينا خبرة بالإضرابات.

ويذكر المقادمة أن الإضراب استمر 21 يوما وأن قيادة الإخوان كانت في حالة اجتماع دائم وكان يصلهم كل يوم تقرير عن سير الإضراب ويقول المقادمة أن أحد قيادات الحركة سأله في اجتماع رسمي لقيادة ما الذي تريدونه كأطباء من الإضراب فأجاب المقادمة " نحن أمام احتمالين " الأول أن يستجيب الاحتلال لمطالبنا وفي هذا درس للناس بأن التعامل مع الاحتلال يجب أن يكون عن طريق الاحتجاج والإضرابات الطويلة والمستمرة خاصة وأن أقصي ما كان يحدث من احتجاجات في ذلك الوقت لم كن يتعدي المظاهرة والاحتمال الثاني أن يقمعنا الاحتلال وحينها سيتأكد عامة الناس أن الاحتلال لن يقبل تلبية أدني المطالب والحقوق وبالتالي ستتولد قناعة بأن الجهاد هو الوسيلة والأسلوب الأنسب .

ويذكر المقادمة أن أكثر المؤسسات في قطاع غزة شاركت في الإضراب وفي أحد اللقاءات قال رئيس الجمعية الطبية الدكتور محمود الزهار لسلطات الاحتلال إذا كان شعبنا قد أضرب ضد بريطانيا ستة أشهر فسنضرب ضدكم ستة أشهر وزيادة يوم.

لقد دعمت حركة الإخوان الإضراب بكل ما أوتيت من قوة وأخرجت المظاهرات من المساجد وتصدي شبابها لقوات الاحتلال حتى أن المؤسسات التي جاءت من الضفة الغربية لكي تتضامن معنا لمست حجم الحضور الإسلامي في فعاليات الإضراب .

كان تضامن الناس مع الإضراب واسعا وقد أصدرت مختلف المؤسسات في الضفة وقطاع غزة بيانات استنكار للسياسة الإسرائيلية وتأييد للجمعية الطبية في إضرابها ومن أمثلة ذلك بيان صادر عن الجامعة الإسلامية بغزة إضافة إلى بيان صادر عن بلديتي رام الله والبيرة وفي نفس السياق صدرت بيانات دعم وتأييد عن الجمعية الإسلامية واتحاد النقابات العمالية وبتاريخ 30-11-1 981 خصصت صحيفة القدس افتتاحها للحديث عن الإضراب وتوجيه التحية والدعم لفعاليات الإضراب في قطاع غزة .

وأعلنت جمعية الهلال الأحمر لقطاع غزة عن افتتاح عياداتها أمام جميع المواطنين لتسهيل حصولهم على العلاج خاصة بالنسبة للحالات الطارئة وبتاريخ 2-12 1981 زار وفد من القدس بلدية غزة والجمعية الطبية للتعبير عن التضامن مع المطالب العادل لجمعية الطبية ,وبتاريخ 5 -12 -1981 صدرت بيانات عن بلديتي خان يونس ودير البلح وكذلك اتحاد الموظفين بوكالة الغوث بغزة وبتاريخ 10 – 12 -1981.

صدر بيان تأييد وتضامن مشترك عن رؤساء بلديات طولكرم وقلقيلية وعنبتا وسلفيت وجنين وطوباس وأعلنت هذه البلديات إضرابا تضامنيا مع غزة في نفس اليوم الذي صدر فيه البيان ولجأت قوات الاحتلال إلى فتح المحلات والصيدليات بالقوة فعندما كانت تقوم سلطات الاحتلال بفتح الصيدليات المغلقة كان يقوم الناس بحراسة هذه الصيدليات ولم تسجل أى حادثة سرقة من هذه الصيدليات فيئس الاحتلال وتوقف عن فتح الصيدليات بالقوة .

لم تستجب سلطات الاحتلال لمطالب الإضراب وقال الحاكم العسكري للدكتور الزهار ها أنتم صعدتم على الشجرة سأري كيف بإمكانكم أن تنزلوا عنها وفي هذه الأثناء بدأت بعض مظاهر الإعياء تظهر على الأطباء وهدد الحاج رشاد الشوا بالاستقالة من رئاسة البلدية إن استمر الإضراب ولم يتحقق حتى تلك اللحظة أى شئ من المطالب ز لكن بدأ التفكير في البحث عن مخارج مشرفة لهذا توجهنا للتنسيق مع الحاج رشاد الشوا وأعلنت بلدية غزة في يومي 14 , 15-12 -1981 عن تمديد الإضراب في ظل إجراء الاتصالات مع السلطات العسكرية الإسرائيلية بتاريخ 16-121-1981 أعلنت كل من بلدية غزة والغرفة التجارية عن إنهاء الإضراب لإتمام المفاوضات وحفاظا على مصالح الناس .

ويذك أن تعاطف الناس مع الإضراب كان كبيرا حيث خرجت المظاهرات في كل أنحاء القطاع وأغلق المحلات التجارية أبوابها وكان جيش الاحتلال يكسر أبواب المحلات والصيدليات المغلقة ولدي مغادرة قوات الاحتلال كان الشباب الفلسطينيون يقومون بحراسة المحل أو الصيدلية حتى لا تحد سرقات.

في عام 1985 فاز الإخوان بثلاثة مقاعد بينما فازت فتح بأربعة مقاعد والقوي اليسارية بأربعة مقاعد أخي أما في انتخابات الجمعية سنة 1987 فقد فازت فصائل المنظمة بتسعة مقاعد بينما فاز الإخوان بمقعدين فقط.

يلاحظ أن فصائل ( م ت ف ) بدأت تخوض الانتخابات النقابية في نهاية السبعينات متفرقة لكنها توحدت في قوائم مشتركة مع منتصف الثمانينات رغم أن المواقف السياسية كانت في البداية أكثر تقاربا بين هذه الفصائل منها في المرحلة الأخيرة وهذا يشير إلى أن العامل المصلحي المادي المتمثل في الدعم الذي تقدمه منظمة التحرير للنقابات كان مؤثرا في وجهة الكتل النقابية إضافة إلى قناعتهم بضرورة مواجهة المد الإسلامي المتنامي في ذلك الوقت .

الفن الإسلامي

اهتمت الحركة الإسلامية بموضوع الفن الإسلامي منذ منتصف السبعينات, والسبب في ذلك يرجع إلى اهتمام الأجيال الشابة في ذلك الوقت بمتابعة الغناء والأفلام والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية إضافة إلى انتشار احتفالات الأفراح التي تردد أغاني المطربين العاطفية وكانت حركة الإخوان تعتبر أغلب هذه الألوان الفنية من النوع الماجن. وكانت خطب الجمعة في المساجد تهجو هذه الأغاني والأفلام و وتدعو الشباب للابتعاد عنها لكن مجرد النهي لم يكن يجدي كثيرا خاصة وان الناس في أفراحهم كانوا يستخدمون هذه الأغاني بكثرة إضافة إلى محاولة سلطات الاحتلال استغلال هذه الاحتفالات وتوزيع الحشيش والمخدرات والخمور عب عملائها.

وثارت نقاشات حول طريقة مواجهة هذه الاحتفالات فرأي البعض ضرورة إنهاء هذا المنكر باليد , لكن الشيخ أحمد ياسين رفض ذلك وبدأ قادة الحركة وكوادرها يفكرون في إيجاد البديل الإسلامي الذي يمكن للناس أن تعتمد عليه في إحياء أفراحها.

وبدأ العمل على تشكيل فرق فنية تضم منشدين وكذلك فرق مسرحية بهدف إحياء مناسبات الأفراح للناس وكان المبادر لتشكيل الفرقة هو الشيخ أحمد ياسين في عام 1978, وكانت الفرقة تعمل في إطار لجان المجتمع الإسلامي والأعضاء الأوائل الذين تشكلت منهم الفرقة : تيسير البلتاجي ومصطفي صرصور المعروف بلقب ( أبو عماد) وعاهد غزال , ويحيي غزال , ويشير عويضة وانضم إليهم سلامة الشيخ خليل , وسفيان خاطر.

وكان أول أعمال الفرقة عبارة عن إحياء أول عرس إسلامي في مدينة رفح سنة 1978 وكانت البدايات بسيطة بشكل كير اعتمدت الفرقة على بعض المسرحيات للبراعم حيث يجري تحويرها لتناسب إمكانيات الفرقة وكانت أول مسرحية عن إسلام عمر بن الخطاب , ثم عن إسلام حمزة بن عبد المطلب , ومسرحية النجاشي وجعفر والهدف من هذه المسرحيات كان إبراز جانب القوة التي يجب أن يكون عليها أتباع الدين الإسلامي , وكان هذا متناسبا مع بداية بروز نشاطات الإخوان في الحياة العامة داخل قطاع غزة لكن الشيخ كامل البلتاجي اعترض على هذه المسحية حيث يجري تمثيل أشخاص الصحابة فتوقف عض هذا النوع من المسرحيات.

لكن بقي الطابع الديني هو المسيطر على المسرحيات المعروضة وبعد ذلك أضيف البعد الاجتماعي والسياسي ومن أشهرها المسرحيات ( أبتاه زرني في الجنان) وتحكي قصة أب يعمل في مصانع الاحتلال , وتأثر بالمسلكيات الغربية مثل شرب الخمور والابتعاد عن ممارسة الشعائر الدينية.

وكان هذا الأب يغيب عن البيت شهرا كاملا فعندما كان يعود إلى البيت ومعه الخمور كان يقوم ابنه الذي التزم في المسجد بتقديم النصيحة له وبعد ذلك قام الابن بتحطيم زجاجات الخمر في غياب والده وفي نهاية المسرحية يمرض الولد ويموت فيتأثر الوالد ويبكي ويعزم على ترك المنكرات وكانت هذه المسرحية تعكس تأثير الاحتلال السلبي على الناس وفي المقابل دور الإسلام والالتزام به في تنظيف المجتمع من هذه السلوكيات.

ومن المسرحيات أيضا ( مسرحية السيارة) وتحكي قصة سائق يقود سيارته بدون رخصة قيادة على طريق وعرة فينتهي به الأمر بحادث يودي بحياة عدد من الركاب ويلحق الأذى بالآخرين وكانت المسرحية تشير – في الجانب السياسي إلى القيادة غير المؤهلة ستؤدي إلى الهلاك.

وعرضت فرقة المجمع الإسلامي ( مسرحية شاهد الزور ) وهي تحكي قصة شخص ضاعت مدخراته ووقعت في يد نصاب ادعي أنها ملكه عندما عرضت القضية أمام القاضي الذي كان يرمز إلى أمريكا والغرب , تم اقتراح تقسيم هذه المدخرات بين الطرفين كن صاحب المدخرات رفض فكرة التقسيم بشكل مطلق , وفي هذا إشارة إلى قرار تقسيم فلسطين ومحاولات إيجاد حلول سياسية للقضية الفلسطينية تستند عليه.

وعرضت فرقة المجمع الإسلامي مسرحية ( الزواج له أصول ) وهي مسرحية اجتماعية تناقش قضية غلاء المهور وتدعو إلى تخفيض المهور ومواصفات الزوج والزوجة وتدعو إلى الاهتمام بالأخلاق والدين وليس مجرد الجمال والمال .

وعرضت فرقة المجمع الإسلامي مسرحية ( يا بطة صيري بطاطا) وهي تناقش موضوع التبشير الذي كانت تقوم به بعض المؤسسات المسيحية فتعرض قصة إنسان فقير تحول للمسيحية بفعل عمليات التبشير وغير اسمه من سويلم إلى جورج وفي مناسبة من مناسبات الصيام المسيحي والامتناع عن أكل اللحوم رأي بطة فأراد أن يأكلها , فتذك أن هذا ممنوع لكنه تذكر كيف تحول هو من سويلم إلى جورج , فأراد تحويل البطة إلى بطاطا وبدلا من ذبحها قام بتقشيرها فاستنكر القس عليه هذا الأمر وبعد نقاش عاد الرجل البسيط إلى إسلامه.

وعرضت الفرقة مسرحيات عن الوعي بالقضية الفلسطينية والاهتمامات الاجتماعية السلبية من وجهة نظر الإخوان وكانت إحداها تقدم شخص حزين ويبكي بكاء شديدا فجاءه صديقه يسأله ما الذي هل مات أحد أقربائك؟ هل تذكرت النكبة واللجوء؟ هل تذكرت النكسة؟ هل .... هل... وهل؟ وفي النهاية يسأله بغضب ما الذي يبكيك ؟ فيجيب بسبب هزيمة الزمالك في المباراة أمام الأهلي .

وتأسست في مدينة خان يونس للفن الإسلامي – على يد مجموعة من الشباب يقودهم يحيي السنوار بتوجيه ومباركة من الشيخ أحمد ياسين – ركزت على المسرح بشكل كبير وأطلقت الفرقة على نفسها اسم ( العائدون) مساهمة منها في إحياء مفهوم حق العودة . وقد عمل في هذه الفرقة كل من : عز الدين المصري ومحمد الضيف وعاطف حمدان , وسعيد النمروطي .

وقد تخصصت هذه الفرقة في المسرح السياسي والوطني ومن أشهر المسرحيات التي قدمتها مسرحية ( القدس لنا) وهي مسرحية صامتة تحكي قصة فلاح فلسطيني يحرث في أرضه يأتي المستوطن الإسرائيلي ويغتصبها, ويقيم عليها مستوطنة, ويوسع هذه المستوطنة بالتدريج حتى يسيطر على القدس ويصلي عند حائط البراق ويستنجد الفلاح بالزعماء العرب , فلا يجد منهم النجدة وفي النهاية يستنجد بشخصية صلاح الدين ويطلب منها التدخل ويبشر بمستقبل أفضل للشعب الفلسطيني.

وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982 عرضت فرقة العائدون مسرحية بعنوان ( صبرا ) وتروي تجربة فدائي فلسطيني ينجو من الحرب في المخيمات ويبدأ بمحاولة المقاومة من جديد وقدمت فرقة العائدون أيضا مسرحية بعنوان ( فرفور يبحث عن سيد) وه ي محورة عن مسرحية الفرافير ليوسف إدريس , وتعرض المسرحية حالة من الارتباك في الواقع العربي حيث الارتماء في أحضان الشرق والغرب بلا جدوى وفرفور – بطل المسرحية – يبحث له عن سيد.

ومن المسرحيات الرائدة التي عرضتها فرقة العائدون مسرحية ( صلاح الدين يظهر في القدس ) وتفترض المسحية أن صلاح الدين ظهر في مدينة القدس فاستغرب من كل ما رآه حيث القدس محتلة والعرب متفرقون , ولا يستطيعون استرجاع القدس , وفي النهاية صلاح الدين ينبه الناس إلى عناصر القوة لديهم ويحثهم على الجهاد. وربما أن أكثر المسرحيات أهمية مما عرضته الفرقة مسحية ( المهرج) .

وبجانب فرقة المسح كانت هناك فرقة للنشيد الإسلامي وقد برز مجموعة من المنشدين الأشبال منهم أكرم حسان وحازم العجلة ومحمد صرصور . ومن المنشدين الشباب باسم السويركي ورمضان الصيفي وعزات السويركي .

امتاز المنشد رمضان الصيفي بتقديم الزجل الشعبي وقد كان لأدائه تأثير كبير ويمكن القول أنه كان هو الزجال الوحيد في قطاع غزة حيث لم يكن هذا النوع من الفن الشعبي معروفا في جنوب فلسطين وكان أهل الجبل في وسط وشمال فلسطين هم الذين يجيدون هذا النوع من الفنون.

كان بعض النشيد يركز في بدايته على الدعوة إلى الالتزام بالعبادة والفضيلة مثل أنشودة يا مسلم اسمع جملة والإسلام أحلى ملة , نسيو السنة نسيوها , والآيات ما فهوما, والحشيشة شربوها, وشلة بتخريب شلة , ورغم ذلك لم تخل هذه الأنشودة من الدعوة وانتقاد العادات التي يري الإخوان أنها شلبية والدعوة لتغييرها وتهيئة المجتمع للجهاد حيث يرد في الأنشودة بدهم يصيروا شعب أحرار على طاولات القمار , والعرض باعوه بدينار .... واسمعوا يا ناس هالكلمة , عودوا لله بهمة حتى نصل للقمّة, عودوا لرب العباد وصلوا وسيروا على طريق الرشاد ,أعدوا خيل الجهاد وللفتح شدوا الرحل ونشيدة أخري تدعو لاختيار الزوجة الصالحة يقول فيها رمضان الصيفي " يا مسلم انظر لبعيد . زوجة مسلمة بنريد , تنفعنا وتملي البيت , وتربي أولادنا على الإسلام, وفي نفس الاتجاه أنشودة " قوم اسمعنا وفكر معنا وتشجعنا للطاعات , الله بارينا بينادينا خالق كل الكائنات "

ولم يقتصر النشيد على الجانب الديني الدعوي بل تعداه وتطرق للقضايا الوطنية وقد كانت الاحتفالات كيرا ما تبدأ بأنشودة " حياكم الله ومرحبا , حيا الشباب المسلم يا قدس لا تغضبي بكرة الحبايب راجعين باكر بيبجي ربعي وهلي ونحقق الفتح المبين " وبعد اعتقال الشيخ أحمد ياسين سنة 1984, ألف عبد الخالق العف نشيدة قال فيها " قسما قسما يا أمي لنعيد الدار , وأروي هالأرض بدمي وآخذ الثار , قسما بالرب العالي الملك الجبار و راح نشعل دم الثورة لهيب ونار " وحرض النشيد الإسلامي على الصمود والمقاومة مثل أنشودة صامد علي الأرض , لما باعطش تروينا قهر المحتل عن دربي ما يثنيني , عن الأوطان ما أتخلي ولا أتزحزح حتى لو سال دمي من شراييني ".

وقد حمل النشيد الإسلامي حنينا لأرض الوطن وهجاء للأنظمة العربية التي وصفها النشيد بالتقاعس مثل نشيدة " يا طير طاير في سما لبنان , اسمع مني قصيدة وأتأمل معانيها حلت مصيبة وأمسي الشعب فزعان حيفا ويافا تبكي أهاليها وفي مؤتمر فاس اتجمعوا العربان , قضية فلسين حتى يدرسوها, وعملوا وفد من سبعة كالخرفان وخلوا المليك حسين راعيها .

ويذكر المنشد عزات السويركي أنه أنشد مجموعة من الأناشيد الوطنية مثل " لأني أحمل الإيمان والجرح الفلسطيني لأن غمائم الأفيون لم تخمد براكيني لأني لم يكن إلا جهادا داميا ديني لأني ما طبعت على عقود الذل بصماتي أشرد في منافي الأرض أجلد في الزنازين وإضافة إلى هذه الأنشودة قدم عزات السويركي أنشود " نادي القسام نادي الله أكبر , ثوروا يا ناس أرضي لازم تتحرر وقدم المنشد باسم السويركي مجموعة من الأناشيد الدينية والوطنية مثل " احنا مرابطين على ساحل الشام رب الأكوان راضي علينا أحنا بايعين النفس زمان أصل الإسلام غالي علينا ونشيدة " الله أكبر والإسلام لازم يتفجر والكفر لازم يتدمر والأقصى لازم يتحرر"

واشتمل النشيد نقدا للواقع الاجتماعي الذي رآه الإخوان مختلا بشكل كبير وفي هذا المجال انشد رمضان الصيفي " زمني عجيب والأعجب كلام الناس , خلوا الشريف خاين وخلوا الذنب راس , وتحت القهر والظلم شعبي بينداس , وبرضوا بيقولوا السلام , وين العدل يا ناس ؟ وين الحق ضيعناه؟"

وكان النشيد الإسلامي يحض على الثبات على الطريق والتمسك بتحقيق الأهداف مهما كانت الصعاب ومن ذلك نشيدة " ماش وأعرف ما دربي وما هدفي , والموت يركض لى في كل منعطف و وحياتنا أنشودة صيغت على لحن الكفاح وطريقنا محفوفة بالشوك بالدم بالرماح يا دربنا يا معبر الأبطال يا درب الفلاح إنا إذا وضع السلاح بوجهنا ضج السلاح وإذا تلعثمت الشفاه تكلمت منا الجراح.

وقد نشر مجلس الطلاب بالجامعة الإسلامية كتيبا احتوي على مجموعة من الأناشيد كان لفسلطين وللجهاد نصيبا وافرا منها " نحن يا قدس رجنا لإله العالمين ومن الدين صنعنا عدة الفتح المبين ونشيدة " قوموا معانا تنحرر فلسطين بركب الدعوة الإسلامية " " و" أماه ديني قد دعاني للجهاد وللفدي وغيرها من الأناشيد الثورية التي تؤكد على الهوية الإسلامية لفلسطين وتحرض من أجل الجهاد في سبيل التحرير .

تزايد الطلب على فرقة الفراح بشكل كبير خاصة أن شكل العرس الإسلامي كان مسليا ومضحكا وغير مكلف ففي الوقت الذي كانت فرقة الأفراح الإسلامية التابعة للمجمع كانت تتقاضي عشرين دينارا فإن الفرق الموسيقية كانت تتقاضي مبالغ تل إلى ثلاثمائه دينار على الاحتفال .

وبسبب زيادة الطلب على الأفراح الإسلامية بدات تتشكل فرق إسلامية جديدة في أكثر من منطقة من مناطق القطاع في الشيخ رضوان وفي النصيات وخان يونس ورغم ذلك فإن الطلب على الأفراح الإسلامية كان يتزايد بل يتضاعف بين الفترة الأخرى وبلغ الأمر عام 1987 أن بدأت فرقة الأفراح في المجمع الأعراس بتاريخ 3 -5- 1987 ولم تتوقف يوما واحا حتى جاء 23 -10 من نفس العام ويومها كانت إجازة للفرقة والسبب هو اعتذار أهل لعرس لوفاة عمّ لعريس.

وحدث أحيانا – من شدة الطلب على الأعراس الإسلامية – أن قامت فرقة أفراح المجمع الإسلامي رغم وجود فرق أخري بتقسيم نفسها وإحياء عرسين في نفس الليلة بحيث تذهب فرقة النشيد إلى أحد العرسين وفرقة المسرح إلى العرس الآخر , ثم تنتقلات بالسيارات خلال فاصل يقوم خلاله أحد الدعاة المعروفين في المنطق بإلقاء كلمة حتى يتسني لفرق الفنية أن تنتقل بين الأفراح.

ومن شدة الطلب على الأفراح حدث أن أحيت الفرق الفنية الإسلامية أكثر في عشرة أفراح في الليلة الواحدة في قطاع غزة ويذكر بعض أعضاء الفرقة أنها أحيت حفلا في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة وكان بجوارهم 0 على بعد مائتي متر – حفل آخر لمطرب مشهور في فلسطين المحتلة عام 1948, واسمه شفيق كبها , لكن الحضور كا في الحفل الإسلامي كبيرا جدا وفي الحفل الآخر كان بسيطا للغاية ولما انتهي العرس الإسلامي الساعة الحادية عشرة والنصف أغلب الجمهور توجه للحفل الآخر وفي هذا إشارة إلى أن الحفل الإسلامي لم يكن يجذب جمهور المتدينين فقط بل الجمهور العادي وكان يتنافس مع الفرق الفنية التي تحمل توجهات أخري .

وتجدر الإشارة إلى أن أعضاء فرق الفن الإسلامي لم يكونوا يتاقضون أجورا , بل كانوا يعتبرون ان عملهم هو دعوة إلى الله , ولم يقتصر عمل الفرق الفنية على قطاع غزة بل انتقل إلى لضفة الغربية وكان الشيخ أحمد ياسين حريصا على المشاركة في احتفالات الضفة الغربية خاصة عندما يكون الاحتفال في قرية أو بلدة أو حي تذهب إليه الفرقة لأول مرة وحدث ذات يوم أن كانت الفرقة خارجة لاحتفال في قرية لم تدخلها من قبل في منطقة رام الله وكان الشيخ أحمد ياسين يومها على موعد مع جلسة علاج طبيعي بسبب وضعه الصحي فقام بتأجيل جلسة التدليك لموعد لاحق وذهب مع الفرقة إلى رام الله وحدث أيضا أن كانت فرقة الأفراح مشاركة في مهرجان الفن الإسلامي في مدينة أم الفحم في شمال فلسطين قررت احدي العائلات عمل حفل إسلامي لأبنها والفرقة في أم الفحم , فذهب إلى أم الفحم

روحي مشتهي وأحضر معه أربعة أشخاص من الفرقة لإحياء الحفل في غزة ثم عاد أعضاء الفرقة الأربعة في نفس الليلة إلى مدينة أم الفحم شمال فلسطين .

يتضح مما سبق أن حركة الإخوان كانت تبذل جهدا كبيرا في المجال الفني وتعتبر أنه وسيلة مهمة لتعريف الناس بمفاهيم وأخلاقيات الإسلام ودعوتهم للفضيلة من خلال نقد السلوكيات السالبة في الحياة الاجتماعية إضافة إلى أن الأناشيد نقلت اهتماما وطنيا لدي حركة الإخوان في الثمانينات من القرن العشرين والدعوة للمقاومة ورفض الاحتلال ومواجهة سياساته لهادفة للتدمير المجتمع واختراق منظومته القيمية .

ويتضح أيضا أن العمل كان أقرب إلى الارتجال تحركه الهمم والعزائم والشعور بالمسئولية تجاه الدين والوطن فكل العاملين في الفرق الإسلامية لم يكونوا من الدارسين للفنون أو التمثيل والغناء كما أن الإنشاد لم يكن مصحوبا بأى آلات أو موسيقي وكان ينظر للموسيقي على أنها حرام وفي بداية عهدها استعانت الفرقة بإبراهيم الدريملي وهو لديه بعض الخبرة في الإخراج المسرحي لكن بشكل عام كان العمل تطوعيا أشبه بالارتجال وحاول الشيخ أحمد ياسين إرسال بعض الشباب للتخصص في دراسة المسرح والسينما ورشح في بداية الأمر عبد الخالق العف بعد أن أنهي الثانوية العامة سنة 1979 لكن أهله رفضوا الفكرة وبعد أن أنهي العف دراسته الجامعية في غزة عرض عليه الشيخ الفكرة مرة أخري وعرض الشيخ الفكرة أيضا على عز الدين المصري عام 1987 لكن مجئ الانتفاضة حال دون تنفيذ الفكرة.

يمكن القول استنادا إلى ما تقدم أن الاحتلال بني سياسته لتحقيق جملة من الأهداف تتمثل في إضعاف المجتمع الفلسطيني واختراق منظومته القيمية وترويض إدراكه الوطني وإيجاد قيادة أو نخبة محلية تفرط في الحقوق الوطنية وتهتم فقط بتحسين الأحوال المعيشية للأفراد لكن الاحتلال اتبع سياسة تعسفية قمعية وبالغ في الإجراءات الاستفزازية ضد مشاع الناس سواء على الصعيد الشخصي أو على مستوي الكرامة الوطنية وامتنع الاحتلال عن الإنفاق على احتياجات السكان في المرافق الإدارية والعامة وألحق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وجعل الأول تابعا وخادما للثاني .

وتشير الوقائع إلى أن الاحتلال حاول احتواء حركة الإخوان المسلمين لكنه كان مرتبكا في التعامل معها ووضع أمامها من العراقيل أضعاف ما بدا أنه تسهيلات لكن الإخوان المسلمين تمكنوا من الاستفادة من وضعية الاحتلال وأجادوا التمويه من خلال تركيزهم المستمر على أن الأولوية للتربية .

ويضاف إلى ما تقدم أن المجتمع الفلسطيني كان يشهد تحولات بنيوية وحراكات اجتماعية أضعفت قيادته التقليدية وأفسحت المجال لتعدد الولاءات والانتماءات وفتحت الطريق أمام ظهور قيادة جديدة . وفي هذه الأثناء تقدمت حركة الإخوان المسلمين ممثلة بمجموعة من الشخصيات المؤثرة والأدوات البسيطة ولكن الفاعلة عبر المساجد والمؤسسات والنقابات والأعمال الفنية فحققت تقدما ملحوظا في مكانتها وانتشارها وريادتها في أوساط المجتمع الفلسطيني ومساهمتها في تعبئة المجتمع ضد الاحتلال وسياساته وتحريض الأجيال على مقاومته .

الفصل الثالث علاقات حركة الإخوان مع الفصائل الفلسطينية

يتناول الفصل الثالث دراسات علاقات حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة مع الفصائلالفلسطينية

ويستكشف حالات التعاون والتنافس والصراع بين حركة الإخوان وبين الفصائل الأخرى ويستعرض الخلافات الفكرية والسياسية بين الطرفين ويحاول أن يحدد موقف الإخوان المسلمين في قطاع غزة من الوحدة الوطنية الفلسطينية ولتسهيل عرض المادة وتحليل معطياتها جري تقسيم الفصل إلى المباحث التالية :

المبحث الأول علاقة الإخوان مع حركة الجهاد الإسلامي

نشأت حركة الجهاد الإسلامي على أثر عملية نقاش عاصفة في أوساط كوادر الإخوان المسلمين من الطلاب الذين كانوا يدرسون في جمهورية مصر العربية أواسط السبعينات من القرن العشرين وقد تزعم هذا النقاش كل من الدكتور فتحي الشقاقي , والشيخ عبد العزيز عودة .

وكان الرجلان قد انضما لجماعة الإخوان المسلمين في القطاع بزعامة الشيخ أحمد ياسين سنة 1968 واستمرا في أطر الإخوان إلى أواخر السبعينات تقريبا وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ عبد العزيز عودة نفي كونه عضوا رسميا في حركة الإخوان , وأوضح أنه كان على علاقة فكرية عامة بالشيخ أحمد ياسين وبتيار الإخوان المسلمين دون أن يكون له انتماء رسمي للجماعة لكن الشيخ أحمد ياسين وآخرين أكدوا أن عبد العزيز عودة كان عضوا في الحركة وأنه شغل منصب مسئول الطلاب في مصر .

ويذكر الشقاقي أن فكرة إنشاء حركة الجهاد الإسلامي نشأت أيام الدراسة الجامعية وأنه كان هناك خلافات بينه وبين الإخوان في المنهج وطرق التغيير , وقضية فلسطين , والموقف من الأنظمة, ومن العالم , والواقع والأدب , والفن , وأضاف أنه كان يشعر أنه " ليس للإخوان منهج وأن هناك فوضي في المفاهيم في إطار الحركة .

وتجدر الإشارة إلى أن الجدل الديني والوطني قد بدأ مبكرا لدي فتحي الشقاقي عندما درس في بيرزنت وعمل في القدس حيث كانت الغلبة في تلك المناطق للتيارات الوطنية العلمانية واليسارية .

وقال الشقاقي أنه مع مجئ سنة 1978 كان التمايز واضحا بينه وعدد من زملائه وبين الإخوان وتابع الشقاقي الثورة الإيرانية باهتمام وانتهي من إعداد كتابه " الخميني : الحل الإسلامي والبديل " في يناير 1979 قبيل نجاح الثورة والذي صدر بعد نجاحها بأيام ولم يكن قد التقي بأي مسئول إيراني قبل ذلك وقد اعتقل في مصر ليلة صدور الكتاب مدة أربعة أيام بسبب نشاطه الإسلامي في الجامعة ثم أعيد اعتقاله في يوم 20 يوليو 1979 لأربعة أشهر وبعد خروجه من السجن انقطعت صلته التنظيمية بالإخوان حيث شعر أن فكرة التأثير والتوافق لم تعد قائمة بينه وبين الإخوان فبدأ بتشكيل نواة حركة الجهاد الإسلامي في بداية 1980.

وقبل أن يعود الشقاقي إلى فلسطين سنة 1981 كان قد سبقه عدد من إخوانه الذين تخرجوا سنة 1980 من الجامعات المصرية وبدأوا نشاطهم داخلا الأرض المحتلة وقد التحق الشقاقي بمستشف فكتوريا بالقدس لمدة سنتين إلى أن اعتقل سنة 1983 لمدة عام لإصداره مجلة الطلعة ثم أعيد اعتقاله سنة 1986 وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة تشكل تنظيم سري عسكري ثم أبعد سنة 1988 إلى لبنان حث عاش سنة واحدة ثم انتقل إلى دمشق .

خلال مرحلة الدراسة ثارت خمس نقاط خلاف رئيسية بين حركة الجهاد الإسلامي وبين حركة الإخوان المسلمين وتتمثل في :

1-المقاومة المسلحة واعتبار فلسطين القضية المركزية للعرب والمسلمين .

تعتبر حركة الجهاد الإسلامي نفسها " أول من تكلم بشكل معلل ومفسر ومبرر عن مركزية القضية الفلسطينية وحددت لماذا القضية الفلسطينية مركزية وكتبنا في هذا المجال مقالات ودراسات عديدة عدنا إلى القرآن والتاريخ وإلى الواقع لنبرهن على ذلك لكن هنالك من يذكر أن أول من تكلم عن مركزية القضية الفلسطينية هو الكاتب السوري توفيق الطيب في كتابه ( الحل الإسلامي بعد النكبتين) وأن الشقاقي سمع عن هذه الفكرة من الشيخ راشد الغنوشي 0 زعيم الإخوان المسلمين في تونس ) وقد ذكر الشيخ راشد الغنوشي في كتاب أصدره سنة 1982 " إن فلسطين محور الصراع الدولي والحضاري فينبغي أن تكون قضيتنا المركزية وخطنا الأول في مواجهة الإمبريالية وعملائها ".

أصدرت حركة الجهاد الإسلامي كراسا بعنوان ( التجربة الفسلطينية من منظور إسلامي ) انتقدت فيه تأخر جماعة الإخوان المسلمين عن القيام بواجب الجهاد من أجل فلسطين واعتبرت أنه إذا كان مبررا في الستينات ومطلع السبعينات غياب الحركة الإسلامية بسبب عدم حسم الجماهير خيارها نحو الإسلام فإن المرحلة الراهنة ( مرحلة الثمانينات) لا تبرر أى غياب لأن الجماهير اختارت الإسلام وانتمت لتاريخها وذاتها.

وفي تعليله لمركزية القضية الفلسطينية يذكر الشقاقي أن فهم حركة التاريخ المعاصر تشي إلى أنه يتجسد في التحرك الاستعماري الممتد إلى قرنين من الزمان ضد الوطن الإسلامي وأنه تمركز أخيرا في فلسطين بعد أن أسقط الدولة العمانية وأنشأ الدولة القطرية وكس التغريب كنمط ثقافي وحياتي في العديد من المجتمعات الإسلامية وأن ذروة الشر الاستعماري تتجسد الآن على أرض فلسطين عب الكيان الصهيوني المتحالف مع الغرب الاستعماري .

ويقول الشقاقي ط كان الهدف تحقيق الفريضة الغائبة بحل الإشكالية التي كانت قائمة وقتها حيث وطنيون بلا إسلام وإسلاميون بلا فلسطين , فالحركة الوطنية الفلسطينية استثنت الإسلام كإيديولوجية وغيبته عن برامجها أما الحركة الإسلامية التقليدية فلأسباب عديدة موضوعية وذاتية كانت تؤجل الإجابة عن السؤال الفلسطيني وتؤجل الجهاد في فلسطين فجاءت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين لتجيب على السؤال الفلسطيني إسلاميا .

وتعتبر حركة الجهاد أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية أو ينبغي أن تكون كذلك عند كل المخلصين من إسلاميين وقوميين ويسارين وتري الحركة أن القضية الفلسطينية آلت إلى ما آلت إليه بسبب دور القيادات اللإإسلامية التي تعاقبت على التصدي الانتهازي لقيادة حركة الجماهير والتي تسلمت السلطة طوال الفترة التالية لهزيمة دولة الخلافة الإسلامية في مطلع القرن العشرين .

وتشير حركة الجهاد إلى أن الإخوان لم يستطيعوا تحديد خطورة الظاهرة الإسرائيلية وأبعادها الشاملة وعلاقتها الجدلية بغياب الخلافة فاعتبرت أن إسرائيل مشكلة فرعية عارضة كعشرات المشاكل الأخرى.

وتري حركة الجهاد أن القضية الفلسطينية هي " بدون شك أهم قضايا الوطن الإسلامي وتؤكد الحركة أن التعامل مع القضية الفلسطينية ساهم في صعود قوي وهبوط أخري وتشير إلى أن القرآن يبشر في مطلع سورة الإسراء بان علوّ بني إسرائيل وفسادهم يقرب من نهايتهم.

وتشكك حركة الجهاد الإسلامي في موقف الإخوان المسلمين من القضية الفلسطينية وتنكر الحركة على عمر التلمساني – لأنه رئيس مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين – اعتباره القضية الفلسطينية قضية فرعية وتشير حركة الجهاد في تعليقها على عنوان على غلاف مجلة الدعوة ونصه ( إسرائيل إما أن ترعوي أو تنتهي ) تشير إلى أن هذا العنوان يحمل شبهة الاعتراف بإسرائيل .

لكن الإخوان ينظرون إلى هذا النقد من قبل حركة الجهاد على أنه يجترئ العبارات ويبترها من ساقيها ولا يتعمق في المضمون ويشدد الإخوان على أن اعتبار قضية فلسطين فرعية لا يعني تجاهلها أو إهمالها وإنما يعني وجود قضية لتحرير فلسطين من موقع أفضل واقوي وبخصوص عنوان مجلة الدعوة " إسرائيل إما أن ترعوي أو تنتهي يقول الإخوان أنه لا ينطوي على أى شهبة اعتراف وإنما يجئ في إطار معرفة كبيعة إسرائيل التي لن تتوقف عن العدوان وبالتالي فإن العنوان يهيئ أذهان العرب والمسلمين أن مصير إسرائيل إلى زوال .

وفي مقابل هذه الرؤية التي تجعل القضية الفلسطينية القضية المركزية للعرب والمسلمين كان الإخوان المسلمون يرون أن الواقع العربي والإسلامي مثقل بالهموم, وأن المطالبة بجعل القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعب والمسلمين لن تجد آذانا صاغية من الحكام العرب ولهذا ركز الإخوان على العمل والإعداد وبناء القوة الذاتية داخل فلسطين وخارجها وحين يكتمل بناء القوة فإن الحركة الإسلامية ستتبني – ومعها كل الشعوب – القضية الفلسطينية وستعمل من أجلها.

2-ترتيب الأولويات وإصرار الإخوان المسلمين على إعطاء الأولوية للتربية

كانت المسألة الفلسطينية وعدم وجود إجابات شافية لدي جماعة الإخوان المسلمين بشأنها هي الدافع الأساسي لقرار الدكتور فتحي الشقاقي وزملائه بالخروج من الجماعة ثم تتالي انتقادات الدكتور فتحي لحركة الإخوان واتهامها بالعجز وكانت حركة الإخوان من وجهة نظره " تفتقد الرؤية الحية والصائبة للتاريخ وتتعامل معه على أنه أجزاء مبعثرة لا ناظم له , كما أنهم يركزون على التربية في مواجهة التيار الوطني الذي يركز على الكفاح المسلح وأن الإخوان اختاروا طريق الهدي بينما اختار الاتجاه الوطني طريق الجهاد , أما [[حركة الجهاد الإسلامي]] فقد جمعت بين طريق الجهاد وطريق الهدي.

وتري حركة الجهاد أنه إذا كان غياب الحركة الإسلامية مفهوما ومبررا في فترة الخمسينات والستينات فإنه لا يمكن تبرير غيابها الآن عن احتلال موقعها الحقيقي في توجيه أحداث المرحلة.

وتعتقد الحركة أن هذا التأجيل لعملية الانخراط في المقاومة والاكتفاء بالتربية كان سببا مهما في ضعف الحركة وجمودها ذلك أن مناهج التكوين التي تبناها الإخوان كانت في معظمها سكونية تقريرية منخلعة عن الواقع الموضوعي المحيط كما أدّى – ما اعتبرته حركة الجهاد – جمودا إلى غياب روح النقد وتشجيع الفكر والانفتاح الثقافي الأمر الذي أسماه عبد العزيز عودة إفلاس أخلاقي أصاب الجماعة وانتقد الشقاقي ما عدّه " سكونية مناهج التكوين لدي حركة الإخوان والتخبط في طرائق العمل وإهمال جانب التخطيط وطغيان مبدأ السلامة والمبالغة فيها وأضاف أنه كان يشعر أنه ليس للإخوان منهج وأن هناك فوضي في المفاهيم في إطار الحركة.

ويوجه عبد العزيز نفس النقد وبوضوح أشد حين يذكر في احدي خطب الجمعة أن " كثيرا من دارسي الإسلام أو العاملين في حقل الدعوة الإسلامية يخطئون في فهم المرحلة المكية ويظنون أن المرحلة المكية كانت مرحلة تربية على العقيدة من خلال موقف سلبي لا يهتم بالقضايا المطروحة أمامه ولا يهتم بمقارعة الطغيان... هذا فهم غير صحيح وهو فهم يبطله القرآن نفسه الذي كان يتنزل ليقص على المؤمنين وهم طلائع مطاردة هنا وهنا ليقص عليهم نماذج المواجهة مع الظلم والطغيان ويشدد الشيخ عودة على أن التربية يجب أن تتم " من خلال المواجهة المستمرة مع الطغيان وليس من خلال تبني المواقف السلبية .

يذكر على نور الدين في مجلة الطليعة أن الحركة الإسلامية لم تستطع " أن تبلور صيغة علمية وعملية في تجميع هذه الجماهير وتعبئتها باتجاه التحدي الأكبر المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي وينتقد على نور الدين حركة الإخوان لأنها حددت خيارها فقط في " إعادة صياغة الشخصية الفلسطينية إسلاميا قبل البدء في النضال ضد الاحتلال وفي ختام المقال يقرر أن " الحركة الإسلامية في فلسطين أما خيارين محددين, فإما أن تعي طبيعة مرحلتها وتعرف أنها بما تحمله من إسلام هي الوحيدة القادرة على تعبئة الجماهير وتهيئتها لمواجهة الخطر الأكبر الذي يواجه الوطن الإسلامي ... وإما أن تستمر في شراك نظرية التربية تراوح مكانها , بينما العالم كله يتشكل تحت مطارق التغيير ".

وفي مقابل وجهة نظر حركة الجهاد كان الإخوان المسلمون يعتقدون أنهم يمتلكون المنهج الأصوب لبناء الإنسان والمجتمع القادرين على الانطلاق في أوسع عملية مقاومة قادرة على الاستمرار وذلك من خلال تربية الأجيال على القرآن والفهم الصحيح للإسلام وكان الإخوان يعتقدون أن الانطلاق للمقاومة بدون إعداد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفشل والتراجع وخيبات الأمل .

3-موقف حركة الإخوان من الأنظمة العربية والمشاركة في انتخاباتها البرلمانية

أما بالنسبة للأنظمة العربية فقد رأي الشقاقي أن الأنظمة العربية تعد وجها آخر لدولة الصهيونية لابد من مخاربتهما معا .

وعاب على الإخوان المسلمين مهادنتهم لأنظمة الحكم والمشاركة في أجهزة الحكم , خاصة مشاركة إخوان الأردن في الوزارات وبعد ذلك مشاركة إخوان مصر في الانتخابات البرلمانية في مصر وكان واضحا أن عبد العزيز عودة في خطبه يناصر من يرفع السلاح في وجه الأنظمة ويذك تجربة صالح سرية ويمتدح خالد الإسلامبولي بسبب ما قام به من اغتال للرئيس المصري الراحل أنور السادات ويعتبر أن خطوة الإسلامبولي نتيجة وتطورا طبيعيا للجهود التي سبقته على طريق ما يسميه عودة مقاومة الطغيان .

تؤمن حركة الجهاد الإسلامي بالمنهج الثوري في التغيير والذي يعني تربية الأفراد نظريا وروحيا وتهيئتهم لممارسة القتال ضد الطاغوت والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل مستوياتها بالقلب والكلمة واليد وتعتبر حركة الجهاد أن هذا هو الأسلوب الذي اتبعه الرسول صلي الله عليه وسلم في التغيير وترفض حركة الجهاد أن يقتصر مفهوم التغيير على دعوة المجتمع لترك المنكرات فقط لأن أس السلطة هم رأس المنكر كما لا تقبل أن تقتصر أساليب التغيير على الوسائل السلمية المسالمة.

وكان الإخوان المسلمون يعتبرون أن الواقع العربي فيه الكثير من الرداءة لكن التغيير من وجهة نظرهم عملية معقدة وطويلة الأمد وهي لا تتم من خلال العنف أو الثورة أو الانقلاب على الأنظمة الحاكمة وإنما من خلال التغلغل في النظام والمجتمع والاقتصاد على أمل التخفيف من السوء والظلم وصولا إلى التغيير من دخل النظام.

وقد ورد في كتيب صغير أصدره الإخوان سنة 1983 بعنوان " حيران مع الأستاذ عمر التلسماني شيئا من سجال بشأن الموقف من الأنظمة العربية حيث أورد هذا الكتيب مجموعة من الاتهامات مثل أن الإخوان يهادنون الأنظمة ويخاطبونهم بلين وأن التلمساني يدعو للسادات بطول العمر وأنه يعلن لزامه بقوانين البلد وأن التلمساني يؤكد بأن الإخوان لا يتآمرون على النظام ولا يفكرون في الثورة أو الانقلاب وتعيب حركة الجهاد على التلمساني اعتبار أن حركة 15 مايو وسياسة الانفتاح أزالت عن الشعب المصري قسوة عاشها فترة من الزمن .

وأن سياسة الانفتاح الاقتصادي كفيلة بحل الأزمة الاقتصادية لو أنه اقتصر على الأمور الإنتاجية وابتعد عن الكماليات وعابت حركة الجهاد على التلمساني اعتباره الحكام العرب مسلمين وشددت على أنهم كفار وأنكرت حركة الجهاد على التلمساني دعوته الحكام إلى الوحدة وإشارته إلى أنهم ليسوا العقبة الوحيدة التي تقف في وجه الوحدة العربية واعتبرت حركة الجهاد أن هذه المواقف من الإخوان تجاوزت وأنها مهادنة للأنظمة ومتقاعسة عن فضحها وبلغت حد الترويج للأنظمة الكافرة مهادنة وتضليل للجماهير.

وفي رد الإخوان على هذه الاتهامات جاءت العبارات حادة وواضحة واعتبر الإخوان أن الحديث اللين مع الأنظمة الحاكمة أمر طبيعي لا يتنافي مع الإسلام كما أن حسن البنا اتبع نفس الأسلوب في مخاطبة الملك المصري واعتبر الإخوان أن كتابات التلمساني تراعي الحكمة وتجتهد في التمكين لحركة الإخوان بعد أن غابوا في السجون لسنوات طويلة ويقر الإخوان أن الأوضاع في ظل السادات هي أفضل من عهد الرئيس جمال عبد الناصر من حيث الحريات وبشكل عام فغن الرد الأبرز على اتهامات حركة الجهاد الإسلامي للإخوان يتمثل في التركيز على أن الاتهامات ارتكزت على أقوال مبتورة هدفها التشكيك وأن السياقات التي جاءت فيها هذه الأقوال كافية لتوضيح الموقف لكل صاحب فهم سليم.

4-الموقف من الثورة الإسلامية في إيران

أما بخصوص الموقف من الثورة الإسلامية في إيران فقد اعتبرتها حركة الجهاد مركز الثورة الإسلامية العالمية التي يتوجب اعتبارها ثورة إسلامية والتحالف معها بينما تحفظت جماعة الإخوان المسلمين على هذا ومن جهة أخي فقد اتهم الإخوان المسلمون حركة الجهاد بأن أفرادها تنقصهم التربية الروحية والالتزام الدقيق5 بالمنهج الإسلامي مما جعل أفكار الجماعة تخلط الإسلام بغيره ولا تميز الموقف الإسلامي الصحيح فهي تلتقي مع فتح حتي أطلق عليه بعض الإخوان ( فتح إسلامية) وهي تلتقي بالشيعة كما اعتبروهم أداة إيرانية في المنطقة وأطلقوا عليهم لفظ الشيعة والخمينيين.

تعتبر حركة الجهاد أن صدي الثورة الإسلامية الإيرانية في فلسطين من أوضح وأقوي الأصداء ففي فلسطين يتواجد احتلال صهيوني استيطاني اقتلاعي يسعي لإبادة الشعب الفلسطيني بقتله ونفيه وطمس هويته ويمارس لأجل ذلك أخطر وأبشع الوسائل ثقافيا واجتماعيا وأخلاقيا وأمنيا واقتصاديا ولقد ساهم في ذلك إضافة إلى التخاذل العربي والتراخي الفلسطيني الرسمي في إشاعة أجواء الإحباط واليأس داخل فلسطين .

وتري أن حجم الانتصار الإيراني ومعناه ودلالته كبيرا بالنسبة للفلسطينيين إذ أصبح واضحا أمامهم أنه بالإمكان مواجهة المعادلة الدولية الظالمة , وأنه بإمكان الشعوب أن تهزم جيشا حديثا وقويا إذا تحررت إرادتها من الخوف والتبعية وأخيرا فإن قوة الإسلام لا تقاوم وهكذا جدد الإسلام قوة اندفاعه على امتداد فلسطين وتوارت شيئا فشيئا اليافطات العلمانية , وبدأت تبرز الشعارات الإسلامية وتتعاظم التجمعات الإسلامية في المساجد والجامعات والنقابات والجمعيات .

ومن وجهة نظر حركة الجهاد الإسلامي بشأن علاقة إيران الثورة بفلسطين أن إيران القوية والحديثة ستكون أقدر دائما على القيام بدورها الرسال الدور الذي ستكون الثورة والجمهورية الإسلامية قادرة على تحقيقه عبر .

1- رفع شعار الوحدة الإسلامية والعمل المدروس والجاد لتحقيق ذلك على الأرض فالتفتيت والتفسيخ والتجزئة هدف استعماري ثابت علينا مواجهته وتجاوز المسألة العرقية والقومية لا تصطدم مع القناعات الإسلامية وكذلك تجاوز المسألة المذهبية عبر اللقاء والحوار والتقارب والتقريب والتأكيد على الثوابت والأصول الجامعة.

2- تبني القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة خاصة أن الأبعاد القرآنية والتاريخية والواقعية كفيلة بتوحيد الأمة – كل الأمة – حول فلسطين وليس هناك من قضية أخري قادرة على القيام بهذا الدور كفلسطين الموجودة في قلب القرآن وعلى رأس حركة التاريخ مما يجعلها مركزا للتفجير في المنطقة وفي كل الوطن الإسلامي ومما يجعلها مركزا لنهضة الأمة ففلسطين تبقي شاهدة على نهضتنا أو تخلفنا استقلالنا أو تبعيتنا , عزتنا أو ذلتنا.. بل على إسلامنا أو انحرافنا ولن يستطيع الحكام أن يتخلصوا منها كما يحاولون منذ سنوات لأنها ستبقي تطاردهم عبر شعوبهم المؤمنة تارة وعب التحول الآخر للمسألة : الكيان الصهيوني الذي يمثل مع مسألة التجزئة ثنائية المشروع الاستعماري منذ الحرب العالمية الأولي وحتى الآن.

وتعتبر حركة الجهاد الإسلامي أن كل النقاش والخلاف بشأن السنة والشيعة هو عبارة عن ضجة مفتعلة ومؤسفة وتعتبر حركة الجهاد أن الثورة الإسلامية في إيران " حققت أول انتصار" للإسلام في العصر الحديث ودعت حركة الجهاد كل المسلمين للوقوف إلى جانب الثورة الإسلامية في إيران والتحالف معها والاستفادة من إمكانياتها في دحر الاحتلال وتحذر حركة الجهاد كل المسلمين من الوقوع في شراك الأعداء الذين يريدون إثارة الفتنة بين جناحي الأمة المسلمة من سنة وشيعة.

وتستهجن حركة الجهاد الإسلامي تركيز الإخوان المسلمين لى إبراز الخلاف بين السنة والشيعة ونشر الكتيبات التي تكفر الشيعة خاصة أن بعض الكتاب الذين نشرت كتيباتهم مثل محب الدين الخطيب هو – حسب حركة الجهاد الإسلامي – ممن عملوا ضد الدولة العثمانية زمن السلطان عبد الحميد ثم شارك في الثورة العربية الكبرى مع الشريف حسين إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولي .

لكن كان للإخوان موقفا آخر من الثورة الإيرانية وركز الإخوان على أن الشيعة كفرة وأفكارهم منحرفة ويجيزون اللواط بالزوجة ويلعنون عمر وأبو بكر وسائر الصحابة وأنهم يتبعون منهج التقية.

5- الوحدة والتعدد في ساحة العمل الإسلامي تري حركة الجهاد الإسلامي أن هنالك إمكانية أن يعمل الإسلاميين تحت عناوين مختلفة لكن يوحدون جهودهم على تحقيق الهدف النهائي والكبير , ورفعت الحركة شعار " الوحدة من خلال التعدد .

وكانت حركة الجهاد الإسلامي تستعين بمقولات لحسن البنا عن ضرورة احترام الخلاف في الرأي وأن تعدد الآراء والجماعات لا يعني إفساد وحدة المسلمين وأن على الجماعات الإسلامية أن تخرج من حيز كفر وإيمان إلى حيز خطأ وصواب وفي لنقاش حول هذا الموضوع تؤكد حركة الجهاد أنه " لا يجوز أن يتصور البعض أنهم جمعوا كل الخير فيما الآخرون هباء لا قيمة لهم أو أنهم أصحاب الحق الوحيد وورثة الإسلام وحركته فيما الآخرون خارجون منشقون زائلون وتؤكد حركة الجهاد أن " الوحدة من خلال التعدد هي التوجه الصحيح نحو تقدم الحركة الإسلامية المعاصرة والاعتراف بالتعدد لا مصادرته والاقتراب منه لا تغييبه عن الفكر والعمل .

وفي المقابل يري الإخوان أن التعددية في ساحة العمل الإسلامي ظاهرة غي مرغوبة وقد ورد ذلك في مقال تحت عنوان " التعددية مرض خطير في حقل العمل الإسلامي ويري الإخوان أن التعددي المنتشرة في أكثر من بلد عبي تعطي المبررات لكل من يريد الهروب من الانتماء الحركي متذرعا بعدم قدرته على التمييز بين الجماعات الإسلامية المختلفة ومن منها على الحق ومن على الباطل ؟!

ويري الإخوان أيضا أن التعدد في العمل الإسلامي يساعد أعداء الإسلام على تصفية الاتجاه الإسلامي , ولم تكن باعث صمود أما التحدي ويرون أن التعدد أفرز حساسيات فاقمت من حالة التشرذم الأم الذي أدي إلى تأخر الحركات الإسلامية وتخلفها وعدم وصول واحدة منها إلى أهدافها .

ويعتبر الإخوان أن التعددية في العمل الإسلامي تؤدي إلى تعزيز الولاء الحزبي بدلا من الولاء المبدئي كما يعتقدون أن الكثير من الحالات التي وجدت فيها حركات جديدة فإنها ولدت بتأثير المستعمر وكانت ألعوبة في يده كما أنها تعزز المصلحي الذاتي .

انتقادات إضافية

انتقدت حركة الجهاد الإسلامي كذلك – ما أسمته - لا مبالاة شباب حركة الإخوان تجاه ما أصاب منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها بسبب العدوان الإسرائيلي على بيروت وما حدث ما مجازر إبانها , وعزت حركة الجهاد الإسلامي سبب ذلك إلى أن " مناهج تكوين وبناء الشباب الإسلامي الحركي هي مناهج في الأعم والأغلب سكونية تقريرية منخلعة عن الواقع الموضوعي المحيط إن الحركة الإسلامية فتحت عيون الشباب على حقائق عظيمة ودربتهم على مهام جسيمة لكنها قدمت لهم الواقع الموضوعي المحيط كواقع سكوني لا شأن للحركة الإسلامية به إلا أن تغيره كله ويضرب مثال على ذلك أن شباب الحركة الإسلامية كانوا لا مبالين إزاء أحداث بيروت ومذابح الفلسطينيين لكنهم كانوا متفاعلين جدا إزاء أحداث حماة في فبراير 1982 وتحرك شباب حركة الإخوان بشكل عفوي عريزي لأن الأمر يخصهم.

واعتبرت حركة الجهاد الإسلامي أن مواقف الإخوان المسلمين في تشخيص الأعداء غير مبني على تحليل علمي سليم .

وإنما متأثر بموقف دول الخليج المتضامن مع نشطاء الإخوان المسلمين الذين تعرضوا للتعذيب على يد النظم العربية التقدمية وفي هذا السياق رأت حركة الجهاد أن موقف حركة الإخوان الذي يعتبر أن الاتحاد السوفيتي هو العدو الأخطر على الأمة غير صحيح وأن أمريكا هو العدو رقم واحد واعتبرت أن وضع أمريكا والاتحاد السوفيتي عل صعيد واحد في التنظير السياسي للحركة الإسلامية هو خطأ فاضح وفادح ويجب أن توضع له نهاية .

وتنتقد حركة الجهاد ما أسمته تعاليم العزلة والاستعلاء والمفاصلة التي أسئ فهمها معتبرة أن هذه المفاهيم هي سبب ما أسمته حركة الجهاد القطيعة بين شباب الحركة الإسلامية وبين الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني وتذكر مصادر حركة الجهاد أن مجرد الحديث عن الوطنية عند الإخوان كان يعتبر حرمة من الحرمات .

وتذكر مصادر حركة الجهاد أنه من المفارقات النادرة أن منظمي وكتاب الحركة الإسلامية وبعضهم فلسطينين هم أكثر الناس حديثا عن المؤامرات اليهودية والخطط اليهودية ومع ذلك فقد بقيت الحركة الإسلامية في سنواتها الأخيرة هي أبعد ما تكون عن المواجهة مع الكيان اليهودي في فلسطين وتعتبر حركة الجهاد أن جماعة الإخوان المسلمين تفتقر للممارسة الشورية في صفوفها .

واعتبرت حركة الجهاد الإسلامي أن لجوء حركة الإخوان إلى العمل المؤسساتي خيار غير موفق وله آثار سلبية على العمل الإسلامي ويعلل صلاح الدين فتحي رأيه بأن كثرة المؤسسات العلنية يجعل الحرص عليها همّ شاغل لأبناء الحركة الإسلامية وهذا يجعل الحركة الإسلامية تقدم تنازلات فكرية للأنظمة حفاظا على استمرار المؤسسات وديمومتها ويطرح صلاح الدين فتحي بديلا عن بناء المؤسسات الإسلامية المعروفة الهوية نوعين من الوسائل أولها الاعتماد على المسجد كمؤسسة للأمة والثانية إيجاد بعض المؤسسات والشركات العامة التي لا تحمل لونا حزبيا ولا فكريا محددا.

بعد الاستعراض السابق للخلافات والنقاشات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مجالات هي :

الجزء الأول: من الانتقادات هو نقاش حقيقي خاصة فيما يتعلق بالعمل من أجل فلسطين واعتبارها القضية المركزية لكن .

الجزء الثاني: فهو متأثر بحالة الخلاف الذي جعل حركة الجهاد تعدد أخطاء وانتقادات لكي تبرر وجودها وتمايزها وتبحث لنفسها عن شرعية تب وجودها في الساحة الإسلامية الفلسطينية خاصة انتقادات مثل رفض العمل المؤسساتي والاعتراض على موقف الإخوان من عدوان إسرائيل على بيروت سنة 1982 إضافة إلى ردة فعل الإخوان على مجازر النظام السوري ضد الإخوان في حماة .

أما الجزء الثالث: فهو تعبير عن حالة من الرومانسية الفكرية في المراحل الأولي لحركة ناشئة يقودها مجموعة من الشباب الأذكياء المتطلعين إلى مستقبل أفضل لدينهم وشعبهم ومنفتحين حديثا على تجارب وأفكار مختلفة خاصة فيما يتعلق بالتجربة الإيرانية ومحاولة الاقتداء بها في الواقع العربي والفلسطيني ورفض الواقع السياسي العربي والمطالبة بإسقاطه عن طريق الثورة.

التنافس والصدام يذكر خالد أبو العمرين أن العلاقة بين الإخوان والجهاد لم تعرف إلا الخصومة والعداء والتشهير المتبادل منذ بداية الثمانينات وحتى الانتفاضة فقد بدأ شباب الجهاد نشاطهم لنشر الأفكار التي امنوا بها وفي نفوسهم شئ من الخصومة مع الإخوان أما الإخوان المسلمون فقد رأوا في هذه المجموعة خطرا يشوش على مسيرتهم ويكشف أعضاءهم واعتبروهم منافسين خطرين على الشرعية الإسلامية .

ويضيف أبو العمرين أن نشطاء حركة الجهاد أخذوا يوجهون الاتهامات للإخوان المسلمين بالتقاعس عن العمل الوطني والعمالة وتلقي الأموال من الأردن والسعودية بالإضافة إلى التخلف الفكري والجمود التنظيمي وأصبح عدد من المساجد ساحة لهذا الصراع الذي انتقل إلى الجامعة الإسلامية وكانت حركة الجهاد تعمل تحت أسماء مختلفة مل ( شباب المؤسسة ) و( المستقلون) و( الجماعة الإسلامية ) و( حركة النضال الإسلامي ) و( الشباب الإسلامي الثوري) و( جماعة الطليعة ) كما وقعت بعض بياناتها باسم ( حركة أبناء القرآن) و( أبناء الأقصى ) وجاء اسم الجهاد الإسلامي في مرحلة متأخرة أى بعد عام 1980 .

وكان الإخوان يتهمون جماعة الجهاد بأنهم شيعة وأنهم يمثلون إيران في المنطقة ولذلك بدأ الإخوان يوزعون الكتب السلفية التي تكفر الشيعة بهدف تطويق جماعة الجهاد وكانوا يتهمونهم بأنهم لا يهدفون إلى الجهاد ضد اليهود بقدر ما يعملون لعرقلة مسيرة الحركة الإسلامية التي يحملون لها الحقد الشخصي وكان الإخوان يشيرون إلى عدم مصداقية الجهاد على أنها كانت تشرق أعمال الغير فقد كان هناك مجموعة الجهاد الإسلامي في الضفة وغزة تنفذ العمليات العسكرية وتنسبها مجموعة الشقاقي إلى نفسها .

واتهم الإخوان حركة الجهاد بالتحالف مع الشيوعيين ضد الحركة الإسلامية والحقيقة أن الاتجاهات الوطنية استفادت كثيرا من هذا الخلاف فالنقد والهجوم الذي يشنه شباب الجهاد على الإخوان المسلمين هو أشد قسوة من النقد الذي توجهه التنظيمات العلمانية لأنه ينطلق من أساس الإسلام فهو هجوم من داخل البيت وكانت الجماعات اليسارية وفتح يمتدحون حركة الجهاد الصغيرة نسبيا في معرض التعريض والطعن بالإخوان المسلمين المنافس القوي والذين ينتشر أنصارهم في كل مكان .

بدأ عبد العزيز عودة ينتقل بين المساجد ويكرر انتقاداته للإخوان وحدثت احتكاكات في أكثر من مكان ومن هذه الاحتكاكات حدث نزاع في بيت لاهيا بين الإخوان ويمثلهم خليل القوقا والجهاد ويمثلهم عبد العزيز عودة بشأن السيطرة على مسجد تم بناؤه حديا وتمكن عبد العزيز ومن معه من الحصول على قرار من لجنة تحكيم بأن يبقي المسجد تحت إدارته وأطلق عبد العزيز عودة على المسجد اسم عز الدين القسام ثم حدث نقاش حاد في الشارع بين الشيخين عبد العزيز عودة وخليل القوقا .

وحسب رواية عبد العزيز عودة فإن الحادثة بدأت عندما التقي مع خليل القوقا في سيارة نقل على الطريق بين غزة وبيت لاهيا , ويذكر عبد العزيز عودة أن المجمع الإسلامي في ذلك الوقت – بالتنسيق مع رشاد الشوا وحيدر عبد الشافي – كان قد وقع على رسالة موجهة إلى الرئيس الأمريكي ريجن وهذه الرسالة تحتوي على حديث عن السلام والتعايش ويقول عبد العزيز عودة أن شباب حركة الجهاد أبدوا تحفظا إزاء هذه الرسالة ولما رأيت خليل سألته عن الرسالة فقال أنها صحيحة وواصل القوقا حديثه – حسب رواية عبد العزيز عودة – نحن يجب أن نشارك أم تريد أن نترك الساحة لأصدقائك الشيوعيين .

واحتد خليل القوقا في النقاش " ووجه لى كلام غي لائق وهددني بأن يعاملني مثلما يعامل مناحم بيجن فقلت له أنت شخص تافه ونزل خليل من السيارة حينها وجاء إلى جهة السيارة الأخرى حيث أجلس وهو يهدد ويتوعد فعز على ذلك ويمكن أن أكون قد بسطت يدي له – أى ضربته –".

ويقول عبد العزيز عودة أنه ذهب بوفد من أهله إلى بيت مختار آل مقداد واعتذر عما بدر منه وقال لآل القوقا أنه جاهز لأي حق يترتب على ما حد من طرفه , وانتهي الأمر – كما روي عبد العزيز عودة بتطييب لخواطر وقد حدث هذا في شهر نوفمبر 1982 .

ويذكر عبد العزيز عودة أنه فوجئ بعد شهرين تقريبا بملثمين يعتدون عليه وهو في طريق عودته من الجامعة إلى البيت حديث هذا الاعتداء بتاريخ 16 – 1- 1983 وعندما سألت الشرط عبد عودة عن هوية المعتدين أجابها بأنه تعرف على أحدهم وهو طالب يدعي وليد حمدية واعتبرت حركة الجهاد هذا الاعتداء – الذي أصيب فيه الشيخ عبد العزيز عودة برضوض – محاولة اغتيال وعندما ذهب وفد من مجلس طلاب الجامعة الإسلامية لزيارته في مستشفي المعمداني في مدينة غزة رفض استقبالهم وتصدي للوفد فتحي الشقاقي ورفض أن يدخلهم لرؤية المصاب متهما إياهم بتدبير حادثة الاعتداء .

وعلى خلفية الاتهامات المتبادلة بين الطرفين قامت حركة الجهاد الإسلامي بطلب التدخل من بعض وجهاء مدينة غزة لمنع نشطاء الإخوان من توجيه تهمة التشيع لحركة الجهاد الإسلامي وحسب رواية عبد العزيز عودة فقد اجتمع الطرفات مرتين بحضور بعض وجهاء مدينة غزة من آل حلس والبطنيجي وجندية واتفق الطرفان على أن يخرجا على الناس يوم الجمعة ويعلنا الواحد بعد الآخر أن الطرفين إخوة وأنه لا يوجد شيعة في غزة ويذكر عبد العزيز عودة أن رمضام شلّح التزم بالاتفاق وتحدث باسم حكة الجهاد الإسلامي كلاما طيبا عن العلاقة بين الطرفين لكن الشيخ أحمد ياسين لم يلتزم بنص الاتفاق وقال لقد جاءنا الإخوة فإن صدقوا صدقناهم ولم تكتف حركة الجهاد الإسلامي بهذا القول .

وحدث الاجتماع الآخر بحضور لوجهاء وجري التأكيد على أن الإخوان ملزمين بالقول أنه لا يوجد شيعة في البلد وأنهم لا يطلقون أى إشاعات أو اتهامات بهذا الصدد وفي الجمعة التالية بالفعل حدث الالتزام لكن الذي ذكر هذه الأشياء لم يكن الشيخ أحمد ياسين بل أحد نشطاء الإخوان الذي اعتاد أن يخطب الجمعة في هذا المسجد وهو حسن الشيخ خليل.

ويذكر الشيخ أحمد ياسين أن سبب المشاكل هو سعي عبد العزيز عودة وفتحي الشقاقي للاستيلاء على المساجد التي كان يريدها المجمّع الإسلامي وفي اللقاءات لدي الوجهاء تم بحث هذه القضايا لكن في النهاية بقيت الأمور على حالها ولم يتوقف الاحتكاك في المساجد وذكر محمد حسن شمعة أن الاحتكاك بين الطرفين كان يتأجج إذا وجدت شخصيات يسهل استفزازها لكن إذا كان المسئول ممن يقدرون على ضبط النفس والاحتمال كان يتم تفادي الوقوع في مشاكل .

لكن بلغ الأمر أحيانا بحركة الجهاد الإسلامي أن تدخل في تحالف مع فصائل فتح واليسار ضد الإخوان المسلمين وتعتبر مشاركة الجهاد للفصائل المذكورة في انتخابات لجنة العاملين في الجامعة الإسلامية هي أبرز التجليات لهذا التحالف .

كان الإخوان يعتبون أن المجموعة التي أنشأها فتحي الشقاقي كانت احدي المجموعات الثلاث التي اجتمعت لتشكل حركة الجهاد الإسلامي والتي كان لها تقريبا نفس لتوجهات السياسية والجهادية وكان الإخوان يعتبرون أن مجموعة الشقاقي تتبني عمليات الآخرين وتدعي أنها هي التي نفذتها .

يي خالد أبو العمرين أن الدراسة الموضوعية للعلاقات بين الطرفين تنتهي إلى تحميل كل منهما مسئولية الصراعات والصدامات ولعل كل طرف منهما كان مدفوعا باتجاه الخصومة وكان الطرفان هما الخاسرين الوحيدين واستفادت التيارات المنافسة إضافة إلى سلطات الاحتلال .

لكن يمكن القول أن مسألة التنافس الحاد الذي بلغ حد الصراع هو أكثر تركيبا مما يتصور بعض الباحثين ويمكن إرجاعها إلى أربعة عوامل هي :

أولا: حالة الانفتاح الفكري الذي عاشه طلاب حركة الإخوان في مصر ومواجهتهم لأسئلة جديدة بشأن القضية الفلسطينية وممارسة العمل العسكري .

ثانيا: اطلاع هؤلاء الشباب على الانتقادات والنقاشات الداخلية التي يشهدها كوادر وقيادات الإخوان في مختلف البلدان العربية مثل أفكار راشد الغنوشي وحسن الترابي والشيخ محمد الغزالي وغيرهم إضافة إلى مجلة المسلم المعاصر وبعض الكتابات الإسلامية الفكرية مثل كتابات مالك بن نبي, كل هذه القراءات جعلت هؤلاء الشباب يعتقدون أنه لا يوجد أى أمل في أن تتبني حركة الإخوان القضية الوطنية للشعب الفلسطيني .

ثالثا:بعض المشاكل الشخصية التي حدثت لبعض هؤلاء الطلاب مع قيادات أو كوادر في الحركة جعل هؤلاء الطلاب يسقطون كل ما استمعوا إليه من نقد على واقع حركة الإخوان المسلمين في غزة لذلك اعتقدوا أن التغيير من الداخل أمر مستحيل .

رابعا:خشية قيادة حركة الإخوان أن تكون هذه الانتقادات والأسئلة هي بمثابة تكرار لتجربة بروز حركة فتح ولذلك تعاملت قيادة الحركة بحزم مع الأفكار الجديدة ليس من باب القمع أو العزوف عن العمل من أجل فلسطين وإنما من باب الحرص على وحدة الحركة وتماسكها ونبذ كل محاولات تفتيتها استعدادا لخوض المعركة مع الاحتلال .

المبحث الثاني علاقة الإخوان مع حركة فتح

بدأ الإخوان المسلمون عملهم في فلسطين من خلال التنسيق مع المفتي الحاج أمين الحسيني وفي هذا المجال يذكر بشير نافع أن الإخوان المسلمين عملوا جنبا إلى جنب مع المفتي ومن داخل الأطر التي أسسها وقادها ويضيف أن مشاركة الإخوان في حرب فلسطين تمت بمباركة وترحيب المفتي .

وهذا يعني أن الإخوان بدؤوا العمل من داخل المؤسسات الوطنية الرسمية للشعب الفلسطيني منذ بداية نشاطاتهم في فلسطين وعند قيام ثورة يوليو عام 1952 رحب الإخوان بها وفتحوا مكاتبهم وشعبهم في غزة لكن ظروف الصدام بين عبد الناصر والإخوان المسلمين فيمصر أحدث نوعا من الشرخ وعدم الثقة وأصبح الإخوان المسلمون يشعرون بالاستهداف ولم يقتصر الأمر على مجرد الشعور , بل تعرض الإخوان عمليا للملاحقة والاعتقال وحظر الأنشطة عام 1954 وأدي هذا الصدام إلى حدوث حالة كبيرة من خيبة الأمل لدي الإخوان المسلمين الفلسطينيين لأنهم لم يكونوا طرفا في أى صراع مع عبد الناصر .

ورغم ذلك لم يتوان الإخوان عن المشاركة في العمل الوطني المشترك وكانت تدفعهم القضايا الكبرى للتفاعل والتنسيق مع مختلف القوي الوطنية فشاركوا الشيوعيين والقوميين عام 1955 في الاحتجاج على مشروع التوطين وأكثر من ذلك فقد احتجوا وبفعالية على مشروع التدويل عام 1957 وأسهمت هذه الاحتجاجات في إعادة الحكم المصري إلى قطاع غزة لكن يبدو أن النظام المصري كان قد اتخذ قرارا باعتبار الإخوان المسلمون في مصر ( وهذا انسحب على الإخوان في قطاع غزة) عدوا داخليا استراتيجيا ولهذا لجأ الإخوان في قطاع غزة إلى العمل السري منذ تلك الفترة .

ونتيجة لهذا الصدام بدأ الجسم التنظيمي للإخوان يتعرض لنزيف مستمر في عناصره الشابة والمتعلمة, حيث أخذ المتعلمون يخرجون إلى دول الخليج سواء هربا من الاضطهاد الناصري أو بحثا عن لقمة العيش وفي هذه الفترة ونتيجة لهذا الصدام أيضا واجه الإخوان المسلمون تحديا فكريا وتنظيميا تمثل في لجوء عدد من الكوادر الشابة لتأسيس حركة جديدة ( أطلقوا عليها اسم حركة فتح فيما بعد) وقد استقطبت هذه الحركة عددا ليس قليلا من كوادر الإخوان النشطين.

وتعقيبا على هذه التجربة في التفاعل أو التحالف والعمل المشترك بين الإخوان المسلمين والنظام الحاكم في مصر يمكن القول أن الإخوان المسلمين أصبحوا يحذرون التحالفات مع القوي العلمانية ويميلون للعمل السري ليس اختيارا وإنما بسبب حظر الحركة رسميا والتعامل معها على أ،ها عدو يجب محاربته .

وفي هذا الوقت برزت كتابات سيد قطب عن المجتمع الجاهلي وعن العزلة الشعورية للجماعة المسلمة الأمر الذي أثر على كل أعضاء وقيادات الإخوان الذين عاشوا ظروف المحنة وأثرت بشكل عميق في تفكيرهم وأسلوبهم في العمل وربما هذا ما دفع الشيخ أحمد ياسين لأن يتولي أهمية كبري لإعادة بناء جماعة الإخوان في قطاع غزة والتركيز على توفير كل عناصر القوة لها كأولوية أولي بعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة ولم يلتفت كثيرا للتنسيق مع التيارات الأخرى .

وعندما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية كان الإخوان يعيشون هذه الأزمات والابتلاءات وفي الوقت الذي دخلت فيه الفصائل إلى منظمة التحرير كان الإخوان لا زالوا يضمدون جراحاتهم ويلملمون صفوفهم خاصة في قطاع غزة وفي هذا الصدد يقول الشيخ أحمد ياسين أنه عندما بدأ يتحرك لإعادة بناء تنظيم الإخوان بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 لم يجد سوي عشرة أشخاص مستعدين للعمل في صفوف الإخوان في القطاع .

أما التنسيق والعمل المشترك مع القوي السياسية الأخرى فلم يحظ بأى اهتمام في هذه المرحلة ويمكن أن يعود هذا إلى مجموعة من العوامل منها أن حركة الإخوان كانت ضعيفة ومحدودة الحجم والتأثير إضافة إلى أن التيارات السياسية الأخرى لم يكن لها وجود سياسي ملموس أيضا في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن العشرين داخل قطاع غزة.

لم ينضم الإخوان إلى م ت ف , ليس لأنهم اتخذوا موقفا سلبيا منها , أو لأنهم يريدون أن يكونوا بديلا عنها ولكنها ظروفهم لحظة تأسيس المنظمة كانت صعبة وكانوا منشغلين بإعادة ترميم صفوفهم ربما كان لديهم نقاش مع مت ف والفصائل, ولكن هذا لا يعني أنهم أرادوا أن يكونوا بديلا عن م ت ف.

في البداية لم يكن هناك أى احتكاك بين حركة الإخوان والقوي الوطنية واليسارية فقد كانت حركة الإخوان لا زالت صغيرة الحجم والتأثير ولم تكن تلفت انتباه الأطراف الأخرى في ذلك الوقت .

ولما قويت الحركة حاولت المشاركة في أى فرصة تتاح في هذا المجال , ودفعت كوادرها للمشاركة في تأسيس نقابة المهندسين جنبا إلى جنب مع شخصيات مستقلة , وأخري محسوبة على فصائل وطنية وكان الشهيد إسماعيل أبو شنب من ضمن أعضاء الهيئة التأسيسية لنقابة المهندسين في قطاع غزة وكان يشارك في المؤسسات ذات الطابع العام مثل رابطة الأندية الفلسطينية التي أسسها الحاج رشاد الشوا , حيث شارك المجمع الإسلامي والجمعية الإسلامية في هذه الرابطة.

وكانت الحركة لا تتواني عن الموافقة على المشاركة في النشاطات الوطنية ذات الطابع السياسي مثل المشاركة في المؤتمر العام الذي عقد احتجاجا على معاهدة كامب ديفيد بين مص وإسرائيل جنبا إلى جنب مع فتح وبقية الفصائل .

تذكر بعض المراجع أن قيادة منظمة التحري أغفلت الخلافات الأيديولوجية وتجنبت خوض صراع مع الإسلاميين لكن مراجع أخي تذكر أن حكة فتح وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في محاولتها لمعالجة مسألة صعود حركة الإخوان المسلمين حاولت إتباع سياسة احتواء لحركة الجهاد الإسلامي من جهة إضافة إلى ضرب نفوذ حركة الإخوان المسلمين وفي هذا السياق كثيرا ما أعلن مسئولون في حركة فتح من بينهم ياسر عرفات أن حركة الجهاد الإسلامي هي احدي الخلايا والمجموعات التابعة لحركة فتح ووصلت محاولات الاحتواء أوجها عندما قامت فتح بإدخال ثلاثة أعضاء جدد اعتبرتهم من ممثلي الإخوان إلى المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر في شهر أبريل سنة 1987.

وفي ذات السياق فقد اتهمت حركة فتح الإخوان المسلمين بفقدان الشرعية لأنهم خارج مؤسسات م ت ف التي كرست شرعيتها بالنبدقية وأنهم يعملون في نفس الاتجاه الذي تعمل فيه القوة المعادية للشعب الفلسطيني والتي تريد إضعاف م ت ف وإيجاد بديل عنها يرضي بالحلول التي لا تحقق أدني المطالب الفلسطينية كما اتهموهم بالعمال لأمريكا إسرائيل وتذكر بعض المراجع أن حركة الإخوان في فلسطين طرحت المنهج الإسلامي بديلا عن مشروع منظمة التحرير الذي يتبني الكفاح المسلح.

وكانت حركة فتح كغيرها من الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية تعقد المقارنات بين الإخوان في مصر الذين وجدوا حرية العمل في عصر السادات لضرب القوي الوطنية والناصرية وبين الإخوان في الأرض المحتلة الذين أتاحت لهم إسرائيل حرية العمل لإضعاف م ت ف ويقول كتيب أصدرته حركة الشيبة الطلابية التابعة لفتح فتح السادات في مصر حرية العمل للإخوان لأنهم الوحيدون القادرون على الحد من خطر خصومه في الحركة الوطنية المصرية التي تهدد نظامه .

يذكر ميخائيل ميلشطاين أنه " حتى نهاية الثمانينات من القرن العشرين فإن قيادة حركة فتح لم تنظر للإخوان المسلمين على أنهم يشكلون تحديا كبيرا وذلك لأن الإخوان كانوا منشغلين بالقضايا الداخلية ولم يتطلعوا للعب دور سياسي أو عسكري لكن في هذه الفترة ظهرت الشرارات الأولي للتوتر السياسي الذي تطور عبر الأيام بين ( م ت ف) وبين حركة حماس وذلك بسبب سيطرة الإخوان الآخذة في التزايد على المؤسسات المحلية لكن يبدو أن استنتاج ميلشطاين غير دقيق لأن ما حدث في الثمانينات من محاولات احتواء وهيمنة وتنافس وصراع يشير إلى اهتمام فتحاوي كبير بالهيمنة على الساحة .

وفي هذا السياق بدأ الصراع على الجامعة الإسلامية وهي الجامعة الوحيدة في قطاع غزة بين الإخوان المسلمين الذين يصرون على إسلاميتها وبين كافة الاتجاهات السياسية وخاصة فتح التي تريد أن تسميها" جامعة غزة " من جهة أخي وقد فشلت المحاولة الأولي عام 1980 وبدأ الجميع يعمل ألف حساب للقوة الإسلامية لكن فتح التي تري في نفسها ممثلة الشرعية الفلسطينية تعتبر الجامعة مؤسسة وطنية لابد أن تدخل حظيرة الشرعية لذلك بدأت تخطط للاستيلاء على الجامعة وخاصة حينما أجبر طلاب الجامعة مجلس الأمناء على طرد أول رئيس لها والذي كان قريبا من فتح وبقدوم الدكتور محمد صقر لرئاسة الجامعة انسجمت الإدارة مع مجلس الطلاب في ترسيخ إسلامية الجامعة.

في شهر يناير عام 1982 عبر الإخوان عن استيائهم لقيام فتح بالتحالف مع الفصائل الوطنية الأخرى في الأرض المحتلة والتوقيع على بيان سياسي يدين الإخوان المسلمين وجاء عام 1983 ليحمل في طياته أكر الاشتباكات عنفا بين الطرفين حيث تحالفت جميع التنظيمات بما فيها الجهاد الإسلامي ضد جماعة الإخوان المسلمين وأراد التحالف الاستيلاء على الجامعة من خلال انتخاب لجنة للعاملين وفرضها كأمر واقع بعيدا عن الأنظمة المعمول بها في الجامعة ولكن إدارة الجامعة رفضت الاعتراف بهذه اللجنة التي نظمت إضرابا استمر ثلاثة أسابيع .

ولما لم تنجح هذه المحاولة اتفقت جميع القوي الأخرى على مهاجمة الجامعة والاستيلاء عليها بالقوة وذلك في هجوم مباغت في صباح يوم السبت 4-6-1983 م وساندتهم حافلات تحمل الطلاب المؤيدين للكتل الوطنية من جامعة بيرزنت في الضفة الغبية ناموا في القطاع ليلة الحادث , وفي الصباح هاجموا الجامعة بقنابل الملوتوف وصفائح البنزين وأجهزة الأكسجين والسلاسل والقضبان الحديدية.

وتقول مصادر الإخوان أ،هم علموا بالخطة واستعدوا لها وكمنوا لهم في المساجد المحيطة بمنطقة الجامعة مثل مسجد السلام في حي الصبرة ومسجد الكتيبة الواقع غرب الجامعة على الشارع الرئيس وتصدوا لهم وضربوهم وأخذوا منهم بعض المحتجزين وحققوا معهم فعرفوا أن بعضهم من بيرزنت وطبقا لبيان صادر عن الاتجاه لوطني فإن أكثر من 200 طالب أصيبوا بجروح وقد تبادل الطرفان الاتهامات بالمسئولية عن انفجار الأحداث فيما أطلق عليه التيار الوطني اسم ( السبت الأسود).

اعتبرت حركة فتح أن قدوم الدكتور محمد أحمد صقر من الأردن لكي يصبح رئيسا للجامعة الإسلامية بغزة بدلا من الدكتور رياض الأغا " قرار ملكي لتنفيذ مخطط مشبوه وجنبا إلى جنب مع الإدارة المدنية الأم الذي استدعي التصدي له وأصدت حركة فتح عددا من البيانات وحدثت مجموعة من التفاعلات أدت إلى احتقان الموقف .

ومن هذه التفاعلات أن صحيفة الفجر المقدسية أعلنت بتاريخ 12 -5-1983 عن تشكيل لجنة للعاملين في الجامعة الإسلامية تتكون من فؤاد رضوان سكرتيرا, وكمال مرتجي أمينا للصندوق, وغازي عودة أمينا للجنة الثقافية وموسي دبور أمينا للجنة الاجتماعية, ورمضان شلح أمينا للعلاقات العامة , وعبد المطلب العجوري أمينا للجنة العمل التطوعي وسليمان عودة أمينا للجنة الدعوة, ومحمد أبو عمارة مستشارا قانونيا للجنة واعتبر الإخوان أن تشكيل هذه اللجنة غير قانوني وأعلنت إدارة الجامعة .

واعتبر الإخوان أن تشكيل هذه اللجنة غير قانوني, وأعلنت إدارة الجامعة ألا علم لها بهذه اللجنة, ورأى الإخوان أن هذه الخطوة التي تحالفت فيها فتح مع الشيوعيين ومع حركة الجهاد الإسلامي تصب في سياق خلق المشاكل للجامعة وإدارتها ورئيسها.

ولمعالجة الموقف دعت إدارة الجامعة العاملين لاجتماع لبحث موضوع انتخابات لجنة العاملين بتاريخ 21 – 5 – 1983 وفي المقابل صدر بيان – يحمل توقيع لجنة العاملين التي جري تشكيلها بعيدا عن إدارة الجامعة – اعتبر أن دعوة إدارة الجامعة للاجتماع هو عمل مسرحي, ودعا العاملين للإضراب لتحقيق مطلبين رئيسيين هما : الاعتراف بشرعية لجنة العاملين, وتصحيح الوضع الإداري والأكاديمي بالجامعة لتأخذ طريقها في مصاف الجامعات المتقدمة .

ونشرت صحيفة الفجر بتاريخ 24 -5-1983 خبرا يقول أن لجنة العاملين في الجامعة تحمل الإدارة مسئولية تطور الأحداث وتفجير الموقف وأي الإخوان المسلمون في مثل هذا الخبر وغيره من البيانات التي كانت تصد في ذلك الوقت تهيئة لأمر ما أما إدارة الجامعة فقد ارتأت أنه لا داعي للإضراب وبذلت كل جهد لاستمرار الدراسة واستمرت التفاعلات فشكلت إدارة الجامعة لجنة قانونية لدراسة الموقف وأوصت هذه اللجنة بعقد جمعية عمومية وبالفعل اتخذ رئيس الجامعة قرارا بتاريخ 1- 6-1983 بتنفيذ توصية اللجنة القانونية وفي مساء نفس اليوم الذي اتخذ فيه القرار ألقيت قنبلة على بيت رئيس الجامعة.

ووقف الإخوان المسلمون إلى جانب رئيس الجامعة وأصدروا بيانا بتاريخ 2-6-1983 قالوا فيه أن الضجة المفتعلة حول ما سمي لأنة العاملين إن هي إلا قميص عمان الذي يتمسح به الشيوعيون وغيرهم لتحطيم ما أسماه [[الإخوان ( الصرح العتيد) للجامعة الإسلامية وطالب الإخوان من أسموهم دعاة الفتنة إلى رفع أيديهم عن لجامعة , وإفساح المجال لإدارة الجامعة لكي تؤدي واجبها وتحل مشكلاتها بنفسها لكي تفوت الفرصة على سلطات الاحتلال التي تريد خلق صراعات بين قطاعات الشعب الفلسطيني.

وتذكر مصادر الإخوان المسلمين أن خطباء الجمعة يوم الجمعة 3-6-1983 المؤيدين للإضراب ركزوا على أن الدماء ستسيل وستملأ ساحة الجامعة وتضيف ذات المصادر أنه وصل أوتوبيس من طلاب جامعة بير زيت وتوجه إلى رفح حيث اختفي في أحد أنديتها وقد رأت قيادة الإخوان في ذلك الوقت أن هذه إشارات لوجود تخطيط ومكر سئ يحيط بالجامعة, وتؤكد مصادر الإخوان أن أوتوبيس الطلاب من بيرزنت إضافة إلى حشود من مناطق القطاع المختلفة جاءت إلى الجامعة صبيحة يوم السبت 4 – 6- 1983 وهدف هذه الحشود حسب ما يراه الإخوان إحداث انقلاب في الجامعة وتغيير العمداء والإدارة إضافة إلى تغيير مناهج الجامعة تحت ستار لجنة العاملين .

وتذكر رواية الإخوان أنه لدي محاولة الحشود القادمة من جامعة بير زيت ومن مختلف مناطق القطاع اقتحام وقذفها بالمواد الحارقة والمشتعلة تصدي لهم الطلاب الإسلاميون, واندفع المتحمسون نحو الكافتريا لتي فتحت بمواجهة " حيث يسمح فيها بالاختلاط وبكل ا لا يليق بجامعة إسلامية .

وانتهي هذا الحادث دون أن يتمكن المهاجمون من تحقيق أهدافهم وفي صبيحة اليوم التالي بتاريخ 5 -6-1983 , نشرت صحيفة الفجر خبرا بعنوان " اشتباكات مؤسفة في الجامعة الإسلامية وبير زيت " وحملت الصحيفة الإخوان المسلمين المسئولية عن الحادث مع أن مصادر الإخوان تؤكد أنها دافعت عن نفسها في غزة وأنها فوجئت بعدوان على عناصرها في بير زيت بالضفة.

لم يتمكن دعاة الإضراب من فرضه وإنجاحه كما يريدون ولم تتمكن إدارة الجامعة وبدعمها الإخوان من تسيير الدراسة كما سنبغي فتوصل الطرفان إلى ضرورة إنهاء المشكلة وعقد اجتماع في معهد فلسطين الديني بتاريخ 11-6-1983 حيث تم الاتفاق على إنهاء الإضراب وإجراء انتخابات للجنة العاملين وفقا لقوانين الجامعة وصرف رواتب المضربين وتعويض الطلاب الذين لم يحضروا للدراسة.

ويري جيروين جننج أن الاتجاه الوطني لم يكن يهتم كثيرا بلجنة العاملين أو المرتبات أو أى مطلب نقابي ويؤكد أن هدف الإضرابات تمثل في تحدي رئيس الجامعة الجديد القادم من الأردن الدكتور محمد صقر , والضغط لتغيير فلسفة الجامعة – الإسلامية – وتحويلها إلى جامعة علمانية.

وفي هذه الأثناء كانت الأطراف قد بدأت تستقطب إلي العام إلى جانبها فصدر بيان بتاريخ 8-6-1983 يحمل توقيع ( القيادة المركزية للجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة) ويمتلئ هذا البيان بالتجريح ضد الإخوان المسلمين ويتهمهم بأنهم طابور خامس وأن مؤسساتهم هي أوكار للاحتلال وأن الاحتلال يريد أن يفرضهم سلطة على الناس تحت حمايته لكي ينشغل الشعب عن النضال ضد الاحتلال واعتبر البيان أن المجمع الإسلامي هو " مجمع الجواسيس وفي المقابل تحرك الإخوان وعقدوا اجتماعا لحوالي 120 من أئمة وخطباء المساجد في مدينة غزة وأصدر المجتمعون بيانا أكدوا فيه على إسلامية الجامعة ووجهوا دعوة للجماهير للالتفاف حولها وطالبوا المدرسين والطلاب الالتزام بالدراسة وبقوانين الجامعة وبتاريخ 15 -6 -1983 عقد الإخوان اجتماعا آخر في خان يونس للأئمة والخطباء أكدوا على نفس المعاني سابقة الذكر .

ولم تتوقف الحملات الإعلامية بل أصدرت القيادة المركزية للجبهة الوطنية الفلسطينية المتحدة بيانا بتاريخ 20 – 6 1983 اتهموا فيه رئيس الجامعة بالعمالة وشككوا باجتماعات الأئمة والخطباء وكرروا الاتهامات بالعمالة للإخوان المسلمين وانتهت هذه الأحداث بانتظام الدراسة في الجامعة ووقف كل أشكال الاستفزاز.

تذكر مصادر الجبهة الوطنية المتحدة أن الإخوان المسلمين يسعون تحت ظل رايات العدو للاستيلاء على مؤسساتنا الوطنية لتسخيرها في خدمة الاحتلال وتعتبر الجبهة الوطنية المتحدة أن كسر إضراب العاملين حدث بالاتفاق بين الإخوان المسلمين وبين سلطات الاحتلال واتهم البيان المسئولين عن الجامعة ذاكرا إياهم بالاسم بالعمال لإسرائيل, وأن المجمع الإسلامي هو مجمع الجواسيس واعتبر البيان أن الدكتور محمد صقر ليس صاحب حق في رئاسة الجامعة لأنه ليس من أهل البلد ولأنه قادم بتصريح زيارة مؤقتة إسرائيلي ولأنه يتبع " مجمع الجواسيس "

وورد في بيان آخر أن الإخوان المسلمين اعتدوا على الأكاديميين المؤيدين للإضراب ويواصل البيان أن من كان ينجو من قمع الإخوان كان يقع تحت أيدي الاحتلال ويذكر البيان أن الجماهير الغاضبة أرادت مهاجمة الجامعة على اعتبار أنها مقر للجواسيس لولا أن العقلاء منعوهم ويواصل البيان وصف ما جري بالقول أنه في صباح السبت 4- 6 -1983 كان للخونة( المقصود بهم الإخوان ) أمر معد وكانت سراياهم تكمن في الأحراش المقابلة للجامعة منذ الصباح الباكر فهي حين كانت قوات الجيش الصهيوني في معسكرها المجاور وعندما وصلت أعداد من الطلاب هاجمتهم كمائن " الإسلام الصهيوني" .

وذكر البيان أنه جرح من الطلاب حوالي مائتين, وتوفي منهم خمسة وألقت سلطات الاحتلال القبض على الكثيرين من الوطنيين واعتبر البيان أن المسئولين عن هذه الأعمال هم " الجواسيس الكبار" والمقصود بهم الوجهاء ورجال الأعمال من أعضاء مجلس الأمناء وأيضا " الجواسيس لصغار " الذي أطلق عليهم تسمية إضافية هي " أيتام حسن البنا وسيد قطب "

وذكر البيان أيضا أنهم يتلقون أموالا سعودية لكي ينفذوا المخططات الإمبريالية والصهيونية .

وتروي مصادر حركة الجهاد الإسلامي مشكلة نقابة العاملين بشكل مختلف عن الإخوان أيضا حيث تعتب أن الأزمة بدأت " حين قام العاملون في الجامعة الإسلامية بانتخاب لجنة لهم لتمثلهم تمثيلا نقابيا وهي ما سبق أن قام به العاملون في العام الماضي لكن إدارة الجامعة ومديرها, التي تحاول منذ بداية العام إحكام سيطرتها المطلقة على الجامعة ومديرها التي تحاول منذ بداية العام إحكام سيطرتها المطلقة على الجامعة لأسباب ودوافع سياسية خاصة رفضت الاعتراف باللجنة التي رأت فيها طرا على سلطتها المطلقة .

ويري نفس المصدر أن الأمور تطورت بسبب " إعلان الطلاب الاعتصام ووقوفهم مع مدرسيهم ضد الإدارة لتحقيق المطالب العادلة للعاملين ويواصل المصدر القول بأنه بتاريخ 19 -5 -1983 أصدر العاملون بيانا وضحوا فيه حقيقة ما يحدث في الجامعة من هيمنة للإدارة وبعض أعوانها على مقدرات الجامعة العلمية والمالية والإدارية وحقيقة المرتبات السعودية الضخمة التي تدفع لمدير الجامعة وبعض موظفيها إضافة إلى رواتبهم من الجامعة .

ويواصل المصدر القول أنه في تاريخ 26 -5-1983 وأمام استمرار موقف القمع لإدارة الجامعة وأعوانها صادرت لجنة العاملين بيانا آخر أوضحت فيه الممارسات الإرهابية التي تقوم بها الإدارة في محاولتها لفض إضراب العاملين والطلبة وقهر إرادتهم بكل الأساليب اللاأخلاقية اللائقة بصرح علمي أكاديمي.

ويكمل المصدر واويته بالقول أنه " يوم السبت 4- 6-1983 اشتبك بعض أعوان مدي الجامعة ببعض الطلبة من الاتجاه الوطني المعارضين لسياسة إدارة الجامعة مما أدي إلى جرح العديد من الطلبة.

وبتاريخ 12 -6-1983 أصدرت الحركة الطلابية الإسلامية ( وهي احدي تسميات الجناح الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي ) بيانا أكدت فيه على ضرورة مواجهة المؤامرة التي يدبرها للمنطقة المحور " الأمريكي الإسرائيلي السعودي " والتي يوجهونها لكي تأخذ في النهاية صيغة التذابح الفئوي ويعتب البيان أن ما تقوم به إدارة الجامعة الإخوانية عبارة عن إرهاصات حرب أهلية حقيقية ويتساءل البيان : فهل كان الدكتور محمد صقر رئيس الجامعة الإسلامية اليوم هو الجنرال الذي أنيط به تنفيذ هذه المهمة ؟ ووصف البيان في موطن آخر الدكتور محمد صقر بأنه "جنرال لحرب الأهلية " وأشار إلى وجود اتصالات بين الدكتور صقر وبين الإدارة لمدنية الإسرائيلية حيث بدأ صقر عمله باستقبال ضابط الإدارة المدنية ويذكر البيان أن الإدارة المدنية قدمت تسهيلات لقدوم صقر إلى غزة ووصف يوم السبت 4- 6-1983 بـ " السبت الأسود"

ويحاول البيان إعطاء شرعية لانتخابات لجنة العاملين فيشير إلى أن " انتخابات لجنة العاملين التي جرت بتاريخ 15 -5-1983 حضرها 108 من العاملين مقابل تغيب 60 منهم وهذا يعني أن الانتخابات شرعية .

تذكر مصادر الإخوان المسلمين أنه في العام 1984 بدأت موجة جديدة من الاستفزازات حيث أصدرت حركة الشبيبة الطلابية ثلاث نشرات مع بداية العام الدراسي 1984 -1985 وحملت هذه النشرات الكثير من الغمز واللمز والتهديد الصريح والمبطن تجاه رموز الإخوان المسلمين وحلفائهم الذين يعملون في الجامعة الإسلامية .

ومن أمثلة ذلك اتهام أحد أعضاء المجلس الرئاسي بتسليم الأوراق الخاصة بالجامعة للاحتلال حيث ورد في نشرة ( اليقين) تحت عنوان لسعات " شوهد أحد أعضاء المجلس الرئاسي في الجامعة الإسلامية يدخل مقر الإدارة المدنية عدة مرات حاملا حقيبة ممتلئة بالأوراق الخاصة بالجامعة وكله أمل بابتسامة من أبو .. وهو لا يدرك أن أبو ... بيضحكله وبيضحك عليه والشخص المقصود هنا هو الدكتور إسماعيل الخطيب ., وفي نفس النشرة تم اتهام الإخوان بمشاركة الاحتلال في عملية تسميم فكري ونفسي جماعي للشعب الفلسطيني .

واستخدمت النشرة تعبيرات قاسية حيث ورد فيها أن شركاء الاحتلال هم عبارة عن ( مجمعات وتجمعات ) أطلت من جحورها بعد الخروج المشرف من بيروت معتقدة أن الفرصة التاريخية قد حانت غير مدركة أن الطفيليات التي تنمو في ظروف غير طبيعية سرعان ما تذبل بزوال تلك الظروف التي أوجدتها ووضعت هذه النشرة أساتذة الجامعة على دائرة الاستهداف عندما اعتبرهم رموزا ( العهد الياسيني الصقي البائد).

وفي نشرة تالية حملت اسم ( الإرادة) شنت حركة الشبيبة هجوما على الموظفين والأساتذة في الجامعة فوصفت أحدهم عطا الله أبو السبح بـ " الأفعى واعتبرت سميح مصطفي " زبل التاريخ" وذكرت بأن محاسب الجامعة ينوي بيع جهاز كمبيوتر أهدته م ت ف للجامعة وفي تفسير النشرة للسبب يأتي التلميح بأن الكمبيوتر " يشكل عائقا أمام النصب والاختلاس وفي معرض الترحيب بالطلاب الجدد تذكر الشبيبة أن الجامعة تحارب الفكر الوطني الحر.

وفي صباح يوم السبت 17 – 11-1984 تم اغتيال الدكتور إسماعيل الخطيب واعتقد الإخوان المسلمين أن فتح تقف وراء قتل الخطيب خاصة أنه اتهم بالعمال من جانبهم إضافة إلى أن مظروفا قد ألقي في بيته وفي قلب المظروف رصاصتين وسبق أن ضربوه على رأسه ونقل على الأثر المستشفي وتذكر مصادر حركة الإخوان أن حركة فتح ضغطت على أسرته كي تتولي هي إجراء مراسم الدفن والجنازة لكن الإخوان أصروا على أن يتولوا هم تدبير أمر هذه المراسم لكي يؤكدوا على أن قتل الخطيب جاء على خلفية سياسة ويتضح هذا من خلال الجنازة التي نظمها الإخوان المسلمين للدكتور الخطيب حي حشد الإخوان عددا كبيرا من أنصارهم وكانت جنازة الخطيب من أكبر الجنازات وكذلك من أظل الجنازات التي شهدها القطاع حيث خرجت من الجامعة الإسلامية بغزة سيرا على الأقدام إلى مشارف غزة ثم حملت بالسيارات إلى مشارف خان يونس ثم إلى المقبرة.

ويتضح هذا أيضا من خلال الكلمات التي ألقيت في الجنازة حيث أكد محمد حامد الجدي ممثل مجلس الأمناء أن الخطيب من أكثر العاملين إخلاصا في الجامعة وفي كلمة لجنة العاملين أكد رئيسها الشيخ محمد قوصة أن القتل جاء على خلفية الشقاق الداخلي ودعا إلى إغلاق باب الفتنة وعدم التمادي في القتل بسبب الخلاف أما الرئيس المجلس الرئاسي في الجامعة الدكتور محمد صيام فقد كان أكث وضوحا – وإن لم يبلغ حد الصراحة الكاملة – توجيه إصبع الاتهام نحو حركة فتح.

وذلك من خلال تحديد الأسباب التي قتل من أجلها إسماعيل الخطيب وهي أنه الأكثر دأبا وإخلاصا في العمل والأكثر جرأة في التصدي للانحراف ولأنه رفض التعاون مع من يريدون تخريب الجامعة .

ولأنه الأقدر على الحوار الهادف ودحض الحجج المنحرفة بالحجج القوية وشدد صيام على أن ما أعتبره الرصاص المشبوه والأيدي الصغيرة العابثة لن تقوي على هدم الأعمال الكبيرة وفي ختام كلمته وجه كلمة تطمين للراحل بقوله " إن للجامعة بعدك حماتها وما واجهته لن يخفيهم .

وقد أحدث قتل الخطيب شرخا عميقا في الثقة بين الإخوان وفتح, خاصة بعد أن علم الإخوان من السجون أن الخطيب قتل على يد خلية عسكرية تنتمي لحركة فتح, زاد إحساس الإخوان بأن هناك شئ يطبخ بعد إصدار الشبيبة نشرة جديدة في الجامعة الإسلامية تسمي ( الإصدار وكانت مليئة بالتهديدات المبطنة والصريخة وخاطبوا في هذه النشرة الدكتور إبراهيم اليازوري أمين عام المجمع الإسلامي بقولهم " هو أنت مزورتش من الريالات السعودية ولا شهيتك قابلة لابتلاع كل العملات".

ووجهت تهديدا للشيخ أحمد بحر بتحويل لحيته الطويلة إلى خليج للخنازير , حيث ورد في النشرة " هناك تغيرات جيولوجية قادمة ستجعل منك قطعة يابسة وستتحول شعيرات النصب الممتدة أمامك إلى خليج للخنازي" وعن الدكتور جمال عبده عميد كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية قالت النشرة الإصرار " ديل الكلب عمره ما بينعدل " ووجهوا سؤالا للدكتور كرم زندح عميد كلية اللغة العربية والعلوم الإنسانية " إلى كرم ترنح ستبلع سن الرشد وقد أوجدت هذه التهديدات نوعا من القلق لدي العديد من الكوادر خاصة وأن إصدار النشرات والتهديدات السابقة تبعه قتل الدكتور إسماعيل الخطيب .

وشهدت هذه الفترة اتخاذ مواقف سياسية مختلف عليها بين فصائل م ت ف فقامت الجبهة الشعبية والمنشقون على حركة فتح بعمل مهرجان يندد باتفاق عمان في 2-3-1985 مع أن مجلس الطلبة لم يسمح لهم بذلك وكذلك إدارة الجامعة التي منعت المهرجان وتدخل الدكتور صيام شخصيا لإنهائه, إلا أن الشبيبة خرجت في يوم 4-3-1985 ببيان معنون بـ اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون وذلك بعد أن نددت في اليوم السابق 3-3-1985 بواسطة جريدة الفجر بهذه الخطوة وامتلأ البيان بالتهجم على مجلس الطلبة .

واعتبرت ممارساته أكثر من أن تحصي ضد كل ما هو وطني وتحدثت عن ممارساته اللإنسانية التي تخدم أ‘داء الشعب وقد حاول مجلس الطلبة منع الشبيبة من توزيع بيانهم هذا إلا أنهم أصروا ثم حاولوا التوزيع يوم 5-3-1985 وفي نفس اليوم وزعت الكتلة الإسلامية بيانا يندد بعملية قتل الخطيب .

ويتحدث عن تجاوزات وتطاول الإرادة واليقين والإصرار على أساتذة الجامعة وعلى الأثر قام أفراد من الكتلة الإسلامية بضرب عدد من كوادر الشبيبة يصل إلى 15 شخصا منهم أشخاص من خارج الجامعة وفي اليوم التالي قامت صحيفة الفجر بالتهجم على المجمع الإسلامي ونشرت بيانا للشبيبة تتهم فيه المجمع بأنه يريد أن يكون بديلا ووريثا لمنظمة التحرير وفي يوم الأربعاء 6-3-1985 الساعة السادسة مساء اعتدي أفراد الشبيبة على الدكتور اليازوري.

ورأت حركة الإخوان أن هذا العمل يمل تصعيدا خطيرا للموقف حيث أن أحداث الجامعة كان يمكن تطويقها وقد كان يجري بالفعل اجتماع لبعض وجهاء القطاع عند أحد أعضاء مجلس الأمناء في تلك اللحظة إلا أن إخراج المشكلة خارج إطار الجامعة جعلت الأمر يزداد تأزما وفي يوم الأحد 9 – 3-1985 تم الاعتداء على الأستاذ أسعد الصطفاوي وهو من قيادات حركة فتح والأستاذ حسن ديب من كوادر الإخوان المسلمين مما حدا بقيادات الضفة التدخل لتطويق الفتنة وبالفعل توقفت الأحداث وانتهت المشكلة.

يصل محمد أبو الروس إلى استنتاج بأن " السمة العامة في العلاقة بين الإخوان و حركة فتح في تلك المرحلة هي التنازع والاختلاف فقد كان الإخوان يريدون أن يؤكدوا وجودهم على الساحة في قطاع غزة و حركة فتح تريد أن تحتفظ لنفسها بالسيطرة على مؤسسات الشعب الفلسطيني على اعتبار أنها أكبر فصائل منظمة التحي الفلسطينية وأنها " اتسمت منذ البداية بالعداء والتناحر ويعزو سبب العداء والتناحر إلى " التباين الواضح في الأفكار والفلسفة والنهج ف الإخوان تبنوا المنهج الإسلامي واعتمدوا التربية والإعداد أما منظمة التحير فإنها تبنت فكرة الدولة العلمانية واتخذت الكفاح المسلح وسيلة لمواجهة الاحتلال .

إما إياد البرغوثي فيذك أن قيادة فتح تحص على " مهادنة الإخوان وذلك على ما يبدو لسببين : اتخاذ الإخوان كقوة احتياط لها وقت الضرورة والثاني بتمثل في رغبة فتح في الحفاظ على الوحدة الداخلية للفلسطينيين في قطاع غزة ويذكر خالد أبو العمرين أن علاقات الطرفين كانت " إما مصلحية أو عاطفية لذلك كانت الغلبة للتباعد والتناح خاصة أن التنافس بين فتح والإخوان يأخذ وجهة خطيرة في تصور فتح وهو التنافس على قيادة الشعب الفلسطيني .

إن العلاقة بين الطرفين اتسمت بالتعاون أحيانا والتنافس أحيانا والصراع أحيانا أخري وعندما كان الأمر يتعلق بالصاع مع الاحتلال كان يحدث التعاون وأمثلة ذلك مؤتمر معارضة كامب ديفيد ونضال الأطباء من أجل حقوقهم لكن عندما كان يتعلق الأمر بالسيطرة على أماكن النفوذ كان يجري الصراع ومثال ذلك ما حدث في الجامعة الإسلامية .

وبشكل عام يمكن القول أن تطور العلاقة بين الإخوان وفتح في قطاع غزة لم يسر وفق خط تصاعدي أو تنازلي واحد سواء نحو التعاون أو التنافس أو الصراع ففي أوج الخلاف حول الجامعة الإسلامية كان يجري التنسيق لإضراب الأطباء .

كما أن علاقة فصائل م ت ف لم تكن على نفس المستوي من التعاون بينهما في كل المواقع فمثلا في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات كانت فصائل م ت ف تخوض انتخابات الجمعية الطبية منفردة لكنها كانت تخوض الانتخابات الطلابية مجتمعة في الجامعة الإسلامية وفي منتصف الثمانينات أصبح الأمر معكوسا وخاضت الأطر الطلابية التابعة لمنظمة التحي الانتخابات منفردة بينما الكتل النقابية المهنية في الأطباء والمهندسين والمحامين خاضت الانتخابات مجتمعة .

وهذا يؤكد على أن التحالفات لم تكن ثابتة بين الأطر والفصائل جميعها وأحيانا كانت تتحكم عوامل عديدة منها الموقف السياسي ومنها طبيعة الأشخاص الذين يقودون الأطر ومنها حجم القوة التي يمتلكها الإطار في الموقع وحجم المصالح التي يمكن ان يتحصل عليها من وراء التعاون أو التنافس أو الصراع .

المبحث الثالث علاقة لإخوان مع اليسار

قبل أن تقر حركة الإخوان المسلمين الانفتاح على الفصائل الوطنية سياسيا جاءت المبادرة من حركة فتح حيث اتصل الأستاذ أسعد الصفطاوي ( وهو أحد مؤسسي فتح وكان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين في النصف الأول من الخمسينات) بالشيخ أحمد ياسين الذي ذكر أن أسعد الصطفاوي أخبره أنه – بناء على تعليمات ياسر عرفات يريد التنسيق والعمل المشترك مع الإخوان لإنهاء سيطرة الشيوعيين على الهلال الأحمر وأضاف الشيخ أن الصفطاوي أبلغه أن ياسر عرفات يريد للعملية أن تتم بهدوء حتى لا تسبب له إحراج مع الاتحاد السوفيتي وكانت انتخابات الهلال الأحمر الفلسطيني في قطاع غزة سنة 1979 أول تجربة عملية يق الشيخ أحمد ياسين خوضها للسيطرة من خلال الانتخابات الديمقراطية – على مؤسسة أهلية يقودها الشيوعيون .

اتفق الشيخ أحمد ياسين مع الأستاذ أسعد الصفطاوي على قائمة مشتركة تضم بالإضافة إليهم عددا من المستقلين لكن اليساريين فازوا بأغلب المقاعد أعتقد الإخوان أنه جري تزوير الانتخابات من خلال قيام اليساريين بتسجيل أعداد كبيرة من أعضائهم بطريقة غير قانونية وحاول الإخوان الاستعداد لجولة الانتخابات التالية من خلال تسجيل المزيد من الأعضاء لكن الانتخابات لم تتكرر لفترة طويلة من الزمن في مؤسسة الهلال .

كانت الانتخابات الهلال الأحمر لسنة 1979 أول مواجهة عملية وديمقراطية يشارك فيها الإخوان ضد الشيوعيين كما كانت أول محاولة تحالف بين الإخوان وحكة فتح والهدف من التنسيق هو إنهاء سيطرة الشيوعيين على الهلال .

كان الشيوعيون يسيطرون على الهلال ويستخدمونه كمقر لهم ولأنشطتهم الأدبية والثقافية وكان يرأس مجلس إدارته الدكتور حيدر عبد الشافي.

واتفق الإخوان وفتح على قائمة مشتركة تضم بالإضافة إليهم عددا من المستقلين في مقابل القائمة اليسارية المشكلة من تحالف الشيوعيين والجبهتين الشعبية والديمقراطية وكان يقوم بالتنسيق من جانب الإخوان كل من إبراهيم اليازوري ومحمد حسن شمعة ومن جانب فتح كان يقوم بالتنسيق أسعد الصطفاوي تنافست القائمتان على واحد وعشرين مقعدا .

حصل اليساريون منها على سبعة عشر بينما حصل تحالف فتح والإخوان على أربعة مقاعد فقط أحتلها كل من إبراهيم اليازوري وهو مرشح الإخوان الوحيد واسعد الصطفاوي من فتح ووفا الصايغ وهو بعثي وسامي أبو شعبان وهو مستقل .

لم يقبل الإخوان المسلمون وفتح هذه النتيجة واعتبروها مزورة ويذكر الدكتور محمود الزهار ( وكان حينها عضوا في اللجنة المشرفة على الانتخابات ) أن التزوير لم يحدث في الصناديق وإنما من خلال منح العضوية لأشخاص كثيرين من مؤيدي الكتلة اليسارية الذين جاءوا دون أن يكونوا أعضاء وفي هذا الصدد يقول رباح مهنا أن " كل الأطراف شاكت في اجتماعات الهيئة التحضيرية لانتخابات الهلال وكانوا مطلعين على مجريات الأمور وبلغ عدد أعضاء الجمعية العمومية في ذلك الوقت أربعة آلاف عضو لكن المشكلة كانت تكمن في أن فتح اعتقدت أنها ستسيطر على الهلال عبر الانتخابات ولما ظهرت النتيجة مخالفة للتقديرات استقال الصفطاوي احتجاجا على النتيجة .

انتبه الإسلاميون وبدءوا التسجيل في عضوية الهلال استعدادا للجولة القادمة التي لم تحدث أبدا حيث عطلت الإدارة أية محاولة لإجراء انتخابات جديدة وظل مجلس الإدارة الذي تم انتخابه سنة 1979 هو الذي يدير الهلال لفترة طويلة .

ويذكر رباح مهنا أن أبا جهاد " أراد مواجهة اليسار في القطاع فتحالف مع الإخوان المسلمين وخاض الطرفان متحالفين انتخابات الهلال الأحمر , ولما فاز اليسار بـ 17 مقعدا مقابل أربعة مقاعد لتحالف فتح والإخوان حينها قام الإخوان وفتح بحق مقر الهلال وفي مقابل خسارة الهلال فتح عوضت الإخوان المسلمين بمنحها حصة كبيرة في الجامعة الإسلامية حديثة التكوين في ذلك الوقت .

ساهمت هذه التجربة في إضفاء مزيد من الشك لدي حركة الإخوان بشان العمل السياسي المشترك من خلال الاحتكام إلى قواعد وقوانين مشتركة لكن هذا لم يكن بشكل مطلق لأن التنسيق مع حركة فتح كان إيجابيا – وجهة نظر الإخوان – في تلك المرحلة.

لكن تحالف الإخوان مع فتح لم يستمر طويلا وانتقل الصراع من السيطرة على الهلال الأحمر – الذي حسم اليساريون سيطرتهم عليه – إلى الصراع على الجامعة الإسلامية فحركة الإخوان أرادت أن تحافظ على الهوية الإسلامية للجامعة بينما تحالفت حركة فتح في هذه المعركة مع الشيوعيين وبعض المستقلين لتغيير اسم الجامعة, وجعلها جامعة مختلطة بين الذكور والإناث.

مارس تحالف فتح واليسار ضغوطا على الشيخ محمد عواد ( رئيس مجلس أمناء الجامعة الإسلامية ) لإجباره على عقد اجتماع للمجلس وتقديم استقالته من الرئاسة وتوسيع المجلس وفي هذه المسألة وقف ]]الإخوان]] مع الشيخ محمد عواد وتجمعت أعداد كبيرة من مؤيديهم بتوجيه من الشيخ أحمد ياسين في مبني الجامعة يوم الاجتماع بتاريخ 7-1-1980.

وبعد انتهاء الاجتماع خرجت جماهير الإخوان في مسيرة حاشدة وأحرقت مقر الهلال الأحمر وفي تعقيبه على هذه الحادثة يؤكد الشيخ أحمد ياسين أن هذه المسيرة خرجت بدون تكليف أو قرار من الحركة وأنه شخصيا ( وكل قيادة الإخوان ) لم يكونوا على علم بخروج هذه المسيرة ولما علم بالأمر أسل إلى قادة المسيرة من يأمرهم بالتوقف وإنهائها وأضاف الشيخ أيضا أنه بعد التحري وجمع المعلومات تبين أن بعض نشطاء فتح شاركوا بشكل فعال في هذه المسيرة وأعمال حرق الهلال .

وأوضح الشيخ أن الذي قاد هذه المسيرة من شباب الإخوان تم توبيخه في تلك الفترة وكان هذا العمل الأهوج من بين الأسباب التي أدت إلى فصله من الحركة .

فوجئت حركة الإخوان بحجم الهجوم الإعلامي( من جانب فتح واليسار وصحيفة الفجر تحديدا) الذي ألقي بالمسئولية كاملة على المجمع الإسلامي – وكان الشيخ أحمد ياسين رئيسا للمجمع في تلك الفترة – لكنه لم يصدر في ذلك الوقت أى تعقيب الإخوان على هذه الاتهامات إلى ضعف الخبرة الإعلامية وقلة إدراك أثر الرأي العام على أداء الحركة السياسية إضافة إلى عدم امتلاك وسائل إعلام فعالة واقتناع قيادة الإخوان أن دهم على هذه الاتهامات بما يجعل الجمهور يعتقد أنهم مدانون ولهذا يدافعون عن أنفسهم لهذا اختاروا السكوت لكن المر الذي لا شك فيه هو أن هذه الأحداث ساهمت في توسيع الشرخ بين الإخوان وبين التيارات الوطنية الأخرى .

وشهدت العلاقة بين التيارات الوطنية والإخوان المسلمين , منذ تلك الفترة وحتى عام 1987 خلافات إضافية بسبب الخلاف الأيديولوجي في وجهات النظر بشأن القضية الفلسطينية وكيفية حلها إضافة إلى عدم رضا الإخوان المسلمين عن التوجه العلماني الذي تبنته م ت ف هذا من طرف الإخوان وكذلك ( م ت ف ) كانت تثير الشكوك حول صدق النوايا الوطنية لحركة الإخوان ويعتقدون أنها تعمل في خدمة النظام الأردني .

ويورد أبو عمرو أن " بعض الأوساط الوطنية تشيع بأن الشيخ ياسين كان قد أقسم على المصحف أمام المحقق الإسرائيلي سنة 1984 أن ما ضبط بحوزته من أسلحة كان سيستخدم ضد القوي اليسارية.

ولم يقتصر الأمر عند الإشعاعات بل سجل بعض الكتاب اتهامات صريحة بحق حركة الإخوان ويذكر ربعي المدهون في مجلة الشؤون فلسطينية " في البداية .

استفادت سلطات الاحتلال إلى حد كبي من التعاليم النظرية والأيدلوجية للجماعات الإسلامية فقد وضعت هذه التعاليم – الحركة الإسلامية – في صراع مباشر مع المجموعات الوطنية خصوصا اليسارية والماركسية لأن هؤلاء في عرف – الحركة – كفرة . وفي الوقت عينه استفادت الحركة الإسلامية من موقف سلطات الاحتلال الداعم – ضمنا لها – والقائم على عدائها للمجموعات الوطنية التي تخشاها سلطات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من غيرها .

يذكر محمد أبو الروس أنه لم يوجد بعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غز ة عام 1967 ما يجمع الإخوان المسلمين والشيوعيون بل كانت العلاقة المتبادلة بينهما علاقة عدائية لم تعرف تقاربا ولقاء وحوارا بل وصلت في بعض الأحيان إلى الضرب والاعتداءات المتبادلة ويؤكد أبو الروس في استنتاجاته أن التعاون الذي حدث بين الإخوان والشيوعيين يرجع إلى فترة الخمسينات من القرن الماضي بشأن مشاريع التوطين والتدويل لكن هذا الكلام غير صحيح فقد تعاون الإخوان والشيوعيين في إضراب الأطباء كما أنهم تعايشوا معا في إطار النقابات الثلاث المهندسين والأطباء والمحامين وإن كان تعايشهم لم يخل من التنافس لكنه كان منضبطا بالقانون الذي يحكم عمل هذه النقابات .

وفي مارس عام 1986 اتفقت الكتل الطلابية على إقامة مهرجان مشترك لإحياء ذكري يوم الأرض وأصدرت الكتل الطلابية بيانا مشتركا لكن اليسار حاول التخريب , وتم توزيع بيان لليسار دون إخبار أى من مؤسسات الجامعة المسئولة واستوعب الأم ولم تتخذ أية إجراءات ضد الطلبة والذين وزعوا البيان وهم معروفون , رغم أنه ملئ بالأكاذيب والاتهامات لإدارة الجامعة .

وحاول مجلس الطالبات تكرار نفس التجربة مع كل الكتل الطلابية في ذكر دير ياسين فدعا مجلس الطالبات كافة الكتل لإحياء هذه الذكري , لكن لم يستجب أحد وعندما أقام مجلس الطالبات الاحتفال فوجئ – حسب رواية مصادر الإخوان – بمحاولات التخريب من مجموعة من الطالبات اللاتي هتفن ورقصن وأفسدن على مجلس الطالبات المهرجان- الذي لم يستجبن للمشاركة فيه – مما اضطر عميد شئون الطلاب لحرمان مجموعة منهن من الدراسة لمدة أسبوع واحد وبعد سلسلة من الاحتكاكات اتخذت إدارة الجامعة قرارات بحق الطالبات اللاتي تزعمن أعملا الشغب وهن : مروة قاسم حيث تم فصلها بشكل نهائي لأن ملفها ملئ بالمخالفات الثانية هي هيام شعت والتي امتلأ ملفها بمخالفات انضباطية داخل الجامعة فتم فصلها لمدة عام أما الطالبة الثالثة وهي آمال رزق فقد كان نظيفا مما اضطر رئاسة الجامعة لفصلها لمدة أسبوعين وكان ذلك بتاريخ 15 -4-1986.

ويواصل نفس المصدر الرواية بالقول أنه في صبيحة يوم الأربعاء 16 -4-1986 أحدثت مجموعة من الطالبات يبلغ تعدادهن حوالي 30 طالبة شغبا عظيما في قسم الطالبات بينما الطالبات الأخريات جميعا ملتزمات بمحاضراتهن ثم تطور الأمر حين قفزت احدي الطالبات عن السور الفاصل بين الطالبات والطلاب واتجهن في مظاهرة وصفها الإخوان بأنها ( تهريجية) إلى مقر رئاسة الجامعة حيث اعتصمن بشكل فوضوي وهتفن ضد الجامعة إلى حوالي الساعة الثانية من بعد ظهر ذلك اليوم وأثناء محاولة الطالبات كسر الباب الحديدي حصر إصبع إحداهن ذلك اليوم .

وأثناء محاولة الطالبات تهشمه وبالتالي بتره وقد نقل أطباء العيادة الطالبة المذكورة إلى مستشفي الشفاء بغزة حي أفادت أمام الطبيب راسم ادرس أنه تهشم نتيجة انحساره بين مصراعي الباب الحديدي لكن الصحافة المحلية وعلى مدار شهر كامل وصلت الحديث عن الإصبع الذي بتره الأذنة بخناجرهم وسكاكينهم وقد وجهت الطالبات اللاتي شاركن في الشغب يوم الأربعاء مما جعل مجموعة كبيرة من أولياء الأمور يتوافدون للجامعة للاعتذار وتقديم الوعود لتقويم مسلك بناتهم بينما قرر البعض فصل ابنته من الجامعة من تلقاء نفسه.

وفي صباح يوم السبت 19 – 4 -1986 توافدت غلى الجامعة مجموعة من النسوة وتجمهرن على باب الجامعة الشرقي المقابل لمبني إدارة الجامعة وفي حوالي الساعة الثانية عشر ظهرا حاولن كسر باب الجامعة وهن يهتفن هتافات وصفها الإخوان بأنها تنم عن (سوء الخلق والتربية ) فقام حراس الجامعة برشهن بالماء حيث غادرن المكان ورشقن الجامعة بسيل من الحجارة وقد انحاز لهن بعض الطلاب , وأحد المحاضرين بدرجة الماجستير , وقد انصرف الجميع بعد أن لم يجدوا من يتصدي لهم.

وفي يوم السبت 26 -4 -1986 حضر إلى الجامعة وفد من مؤسسات المجتمع المحلي وهي : جمعية الأطباء وجمعية المهندسين ونقابة المحامين وجمعية بنك الدم , ونقابة العمال والتقوا برئيس الجامعة ووفد من العاملين فيها وتلقوا شرحا وافيا حول حيثيات القرارات التي اتخذتها إدارة الجامعة , وتوسطوا لتأجيل خمسة قرارات بالفصل النهائي من الجامعة لمجموعة من الطالبات اللاتي شاركن في الشغب وقد أعلمهم أحد الحاضرين أنه نما إلى عمله أن اجتماعا عقد في الناصرة قرر فيه الشيوعيون ضرب أو اختطاف أو قتل طالبات مسلمات وحذر المتحدث من مغبة هذا العمل وناشد المؤسسات أن يتحملوا مسئولياتهم حتى لا تطل الفتنة برأسها وقد شكرت المؤسسات إدارة الجامعة على سعة الصدر وعلى الوقت الذي بذلته في اجتماع مع المؤسسات دام ما يزيد عن خمسة ساعات متواصلة .

وفي صبيحة يوم الأحد 4-5-1986 وبينما كانت الطالبة يسري حمدان وهي من طالبات الجامعة الإسلامية ومن سكان مخيم جباليا هاجمها ملثم وهي في طريقها إلى الجامعة , وكان يلبس قميصا أحمر وبنطال جينز و طعنها بضربة خنجر أو سكين في وجهها مما تسبب عن جرح عميق يزيد طوله عن عشرة سنتيمتر نقلت إثر ذلك المستشفي وأجري لها العاج اللازم.

ويفيد الإخوان أنه رغم العلم بالدور الذي يلعبه الاحتلال في مثل هذه الظروف والأحداث إلا أن مؤشرات كثيرة كانت تشير إلى تورط الشيوعيين بارتكاب هذا الحادث – حسب رواية الإخوان – وهي :

1- انعقاد اجتماع في الناصرة للشيوعيين حيث قرروا الاعتداء على طالبات الكتلة الإسلامية وذلك قبل أسبوع من الاعتداء على يسري حمدان .

2- وزعت جبهة العمل الطلابي بيانا في نهاية أبريل 1986 حمل تهديدات صريحة مثل القول : إننا نعلن للجميع أننا لن نقف مكتوفي الأيدي أمام كل ما يجري وليعرف الجميع أننا نعني ما نقول.

3- كان الجاني يلبس قميصا أحمد وبنطال جينز وأغلب طلاب الجبهة لبسوا هذا الزي صبيحة يوم الحادث وفي نفس الوقت لم يأتوا للجامعة أما طالبات الجبهة فانسحبن منذ الصباح وغادروا الجامعة .

وتطورت الأحداث خارج الجامعة , وحدثت اعتداءات ضد بعض الشخصيات في بيوتها أو في الشارع ومن هؤلاء عطا الله أبو السبح وهو من قيادات الإخوان – مساء يوم الأربعاء – 7-5-1986 وتم الاعتداء كذلك على على جبر- وهو من نشطاء الجبهة الشعبية – المدرس في المعهد الديني الأزهر صبيحة يوم الخميس 8-5-1986 وبعد ذلك تشكلت لجنة وطنية طالبت جميع الأطراف بوقف الاعتداءات والحملات الإعلامية ويذكر الإخوان أنهم التزموا لكن جبهة العمل الطلابي التقدمية اختفت الاتفاق عندما أصدرت بيانا بتاريخ 9 -5-1986 لهذا اتصل الإخوان بلجنة المصالحة وأعملتها أن [[الإخوان[[ في حل من الاتفاقات وأصدر الإخوان بيانا جديدا بتاريخ 11-5-1986 موقعا باسم الاتجاه الإسلامي وأوضحوا فيه هذا الموقف.

وبتاريخ 17 – 5-1986 قام محمد السنداوي وهو أسير محرر ينتمي للجبهة الشعبية بإطلاق النار على شابين ملتحيين وهما : فواز الصفطاوي ومحمد أبو كميل على خلفية قيام الشابين بنصيحة أحد أقاربه بألا يجاهر بالإفطار في نهار رمضان , حسب مصادر الإخوان المسلمين وثارت شكوك الإخوان عندما رأوا أ، مطلق الرصاص يخرج من المعتقل بعد ثلاثة أسابيع وتذكر مصادر الإخوان أنها صبرت ولم ترد على حادث الاعتداء الذي قام به السنداوي لكن الصبر نفذ عندما قام الشيوعيون بقذف ماء النار على وجه اثنين من شباب الإخوان فقد أحدهما بصره وهو زكيا السنوار .

وبتاريخ 23 -6-1986 اعترضت سيارتان يقودهما أشخاص شيوعيون سيارة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وهو عائد إلى بيته الساعة الثانية والنصف لعد منتصف الليل لكنه نجا منهم وبعد أربعة وعشرين ساعة داهمت مجموعة من الشيوعيين مقر صيدلية الدكتور اليازوري أمين عام المجمع الإسلامي وطلبوا منه دواء فلما أدار ظهره لجلب الدواء إذا بهم يطعنوه بخنجر في ظهره , وكان قد أصيب بأربعة جروح نقل إلى المستشفي للعلاج .

يقول رباح مهنا أن مشكلة عام 1986 لم يكن لها أن تنفجر " لولا الأسلوب المتحجر الذي تعاملت به حركة الإخوان في الجامعة الإسلامية حيث فرضت الجامعة الحجاب على الطالبات وكان من الطبيعي أن تمتع7ض الجبهة وأن ترفض الحجاب وربما أن بعض كوادر الجبهة لم يتعاملوا برويّة مع الأحداث لكن لو تم استيعاب الموضوع من قبل المسئولين عن الجامعة لما تطورت الأمور إلى ذلك الصدام الذي وصل حد الاعتداء على شخصيا .

تشير بعض الدراسات الأجنبية إلى أن حركة الإخوان كانت عنيفة وغير ديمقراطية ولا تؤمن بالتعددية وتشير بعض1 الدراسات العربية إلى أن الإخوان اعتبروا أنفسهم في مهمة " نضالية " وهم يواجهون اليسار ولكن جيروين جيننج يناقش هذه المقولات التي أصبحت إلى حد كبير مسلمات في خطاب الاتجاهات الوطنية الفلسطينية وكذلك في الكثير من الكتابات الغربية ويخلص إلى استنتاج بأن الإخوان لجئوا إلى العنف تحت ظروف معينة مثلما فعلت فتح والجبهة الشعبية وأنهم ليسوا عنيفين بطبعهم ويذك جيرون جيننج أن الدلائل غي حاسمة بشأن من بدا الاشتباكات أولا لكنه يؤكد أن رواية الاتجاه الوطني التي تضمنتها بياناته وصحيفة الفجر مليئة بالثغرات ومن أبرز هذه الثغرات أنها تجاهلت العنف من جانب نشطاء م ت ف وركزت فقط على العنف من جانب الإسلاميين وادعت صحيفة الفجر أن الإسلاميين سيّروا حافلات طلاب من غزة إلى بيرزنت لمهاجمة نشطاء لافتعال المشاكل مع نشطاء م ت ف .

لكن التقرير السرمي الصادر عن اللجنة الوطنية التي حققت في مشاكل بيرزيت التي ترافق مع مشاكل الجامعة الإسلامية بغزة قد أعفي الكتلة الإسلامية من المسئولية عن الأحداث ولم يتطرق من قريب أو من بعيد إلى دخول أى عنصر من أفراد الحكة الإسلامية من خارج بير زيت أو الضفة تعاملت الدراسة مع قوي اليسار الفلسطيني على أنها كتلة واحدة في هذا البحث رغم أن فصائل اليسار متعددة في الساحة الفلسطينية وذلك لأن قوي اليسار في تعاملها مع حركة الإخوان كانت دائما كتلة واحدة خاصة في مرحلة الدراسة إضافة إلى فصيل اليسار الرئيسي المقصود هنا هو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة جورج حبش وفي بعض الأحيان كان يتدخل الحزب الشيوعي الفلسطيني وكان سلوكهما موحدا وممثليهم موحدين سواء في الكتل النقابية او من خلال جمعية الهلال الأحمر في قطاع غزة .

ويتضح من خلال دراسة العلاقة بين الإخوان واليسار أن العلاقة شهدت حالة من التعاون في إطار العمل النقابي وعلى وجه التحديد إضراب الأطباء والشكة والاتفاق على تداول السلطة مع بقية الفصائل الفلسطينية وتخللها فترات من الصراع خاصة فيما يتعلق بتحديد هوية الجامعة الإسلامية والسيطرة لى إداراتها واللافت للنظر في الموضوع أن حالة الصراع والشراكة تعايشنا معا في نفس المرحلة الأمر الذي يشي إلى نوع من العقلانية والرشد في سلوك هذه الفصائل بشكل عام.

ويظهر من خلال دراسة المشاكل أن شيئا من الشك وعدم الثقة كان يدفع الطرفين لاتخاذ قرارات مستعجلة أحيانا تؤدي إلى الصدام ولهذا فإن الطرفين يتحملان مسئولية ما جري من صدام.

الفصل الرابع المواقف السياسية والمقاومة المسلحة لحركة الإخوان المسلمين

يتناول هذا الفصل مواقف حركة الإخوان المسلمين السياسية سواء ما يتعلق منها بالمبادئ الأساسية التي تحكم رؤيتهم للقضية الفلسطينية وطبيعة المشروع الصهيوني أو مواقفهم تعليقاتهم على مشاريع التسوية التي طرحتها جهات عديدة لإيجاد حل للقضية الفلسطينية والتعبئة التي قاموا بها من أجل الانتقال للعمل المسلح وجهودهم العسكرية والأمنية من أجل القضية الفلسطينية ولتسهيل عرض القضايا سابقة الذكر جري تقسيم الفصل إلى المباحث التالية:

المبحث الأول : موقف الإخوان من القضية الفلسطينية ومشاريع التسوية السياسية .

المبحث الثاني : دور الإخوان في التعبئة السياسية.

المبحث الثالث: جهود الإخوان المسلمين في المجالين العسكري والأمني

المبحث الأول موقف الإخوان من القضية الفلسطينية ومشاريع التسوية السياسية

يتناول هذا المبحث موقف حركة الإخوان في قطاع غزة من القضية الفلسطينية من حيث طبيعتها والاقتراحات المطروحة لتسويتها ورؤية الإخوان لتحري فلسطين والوسائل الملائمة لتحقيق هدف التحري وينقسم المبحث إلى قسمين: الأول الموقف من القضية الفلسطينية والرؤية بشأن تحرير فلسطين والثاني موقف الإخوان من مشاريع التسوية السياسية ,وسنلجأ في تبيان وتجلية موضوع هذا المبحث إلى بعض الكتب التي كتبت خارج قطاع غزة لكنها كانت متداولة ومعتمدة في مناهج تربية وتثقيف عناصر الإخوان في قطاع غزة إضافة إلى النشرات التي كان يصدرها الإخوان داخل غزة عبر مجالس الطلاب والكتل الطلابية في الجامعات وكذلك مقابلات التاريخ الشفوي .

أولا : موقف الإخوان من القضية الفلسطينية ورؤيتهم لتحري فلسطين.

يري الإخوان المسلمون أن قضية فلسطين قضية إسلامية بالدرجة الأولي ويعتبون ان " الحقيقة القائلة بأن قضية فلسطين هي إسلامية في كل جوانبها لا يثبتها كلام يسطر على صفحات الكتب أو تزين به المقالات فحسب لكن إسلامية فلسطين حقيقة صاغتها أنهار من الدم ... وعززتها سيوف المجاهدين من قبل وطلقات بنادقهم من بعد إلى يومنا هذا ويعتقد الإخوان أن قضية فلسطين رغم توالي النكبات لا زالت هي القضية الأولي وما زال الإسلاميون يولون هذه القضية الاهتمام الرئيسي ليس فقط لمكانتها الدينية ... ولكن لأنها قضية شعب شرد من أرضه ودياره ويبرر الإخوان ضعف اهتمامهم العملي في مطلع الثمانينات بالقضية الفلسطينية بالقول أن هذا لا يعني أنها تخلفت في سلّم الأولويات لديهم ولكن لأن الحركة الإسلامية الحديثة تلقت منذ أواسط هذا القرن من الضربات والنكبات ما شل حركتها ردحا من الزمن وأبعدها عن ميادين عديدة جديرة بالاهتمام أبزها ميدان العمل المباشر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ويرون أن الإسلام وحده القادر على رد القضية إلى إطارها الصحيح على أنها " معركة بين حق يمثله المسلمون وبين باطل يمثله الكفر كله صهيونية وإلحاد .

ويعتقدون أنه يوجد لفلسطين طريق واحد " هو الإسلام فكرة وحركة وجهاد , وليس أدل على ذلك من فشل المنطلقات الأخير وسقوطها وإخفائها رغم كثرة التضحيات ويستند الإخوان على صحة أقوالهم من خلال الرجوع إلى آيات القرآن التي تتحدث عن عداء اليهود للمسلمين وتحالفهم مع النصارى في الكيد للمسلمين ويستشهدون بالآيات الكريمة مثل " ولن ترضي عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ويري الإخوان أن أهمية الإسلام تزداد في القضية الفلسطينية لأنها تحتاج إلى تضافر جهود الأمة والإسلام وحده هو القادر على توحيد الأمة كما أن الإسلام هو القادر على أن يزرع اليقين بحتمية الانتصار وأن يبعث على الجدية ويساعد الأمة على استخراج طاقاتها الكامنة ويري الإخوان أن الإسلام يوفر للمسلمين رؤية واضحة لطبيعة اليهود وموقفهم من المسلمين وكيفية التعامل معهم ويستندون في ذلك إلى آيات كريمة من كتاب الله مثل " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذي أشركوا" .

وفي هذا السياق يسرد الإخوان ما ورد من صفات ذميمة لليهود في القرآن الكريم مثل : وقاحتهم مع الأنبياء وأنهم مزورون وقساة القلوب وجبناء في مواجهة الأقوياء وأنهم فاسدون وطماعون وغدارون ولا عهد لهم وأنهم مغضوب عليهم.

ويري الإخوان المسلمون أن أرض فلسطين " وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة " ويرون أن "أملاك الوقف لا يسري عليها التقادم أى أن ملكياتها لا تندثر بطول الزمن ولا يملك رئيس أو ملك أو كل الرؤساء والملوك ,أو شعب عربي أو كل الشعوب العربية والإسلامية أن تتنازل عن فلسطين أو تصالح عليها ويون أنه " إذا تم شئ من ذلك فهو باطل .... وأنه لعنة ستطارد مرتكبها في الدنيا والآخرة ويري الإخوان أن صلاح الدين أدرك أمرا هاما إن أدركه الذين يتصدون للقضية الفلسطينية ملكوا 90% من أوراق الحل ذلك الأمر هو أن هذه القضية تقوم على أساس ديني وبدون الأساس الديني لا يمكن تحريرها ويؤكدون أن صلاح الدين أدرك قاعدة ذهبية يجب ألا تنسي وهي " أن فلسطين تضيع منا بتعصب ديني من الأمم الأخرى ولا يمكن تحريرها إلا على أساس ديني .

ويري الإخوان أن " الصراع هو صراع عقائدي بين بني صهيون وبين الأمة المسلمة وأن الحب هي حرب عقيدة ودين وكثيرا ما يذكر الإخوان في خطبهم وبياناتهم بعداء بني قريظة وبني النضير لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإضافة إلى ما فعله اليهود مع الأنبياء عبر التاريخ .

ويؤكدون استخلاصاتهم من التجارب التاريخية خاصة تجربة صلاح الدين الذي أدرك – حسب وجهة نظرهم – أهمية الأساس الديني للقضية فلما صار له الأمر " قام بقمع الفواحش والمنكرات من المجتمع وقضي على مظاهر الانحراف عن الشريعة وأحل الحلال وحرم الحرام وعدل بين الرعية وقسم بالسوية ورد المظالم وحصن الأخلاق وهيأ الأمة لحياة الجهاد .

ويري الإخوان أن الصراع مع الاحتلال هو " صراع حضاري بكل معني الكلمة , وبكل ما تحمله الحضارة من معان روحية وثقافية واجتماعية واقتصادية وعسكرية وسياسية وهو في نظرهم " صراع أزلي بين المسلمين وبين اليهود والنصارى والمشركين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إنه الصراع الحتمي بين الحق والباطل , الحق في صورته الوحيدة التي أنزلها الله في كتابه وهو الإسلام والباطل وهو كل ما عدا الإسلام من أديان أو الشرك الذي لا يؤمن بدين أصلا هذا الصراع لا يمكن أن ينتهي إلا بزوال أحد الطرفين .

ويعتبر الإخوان أن الطريق إلى القدس في فلسطين , وإلى كابل في أفغانستان وإلى دمشق في سوريا وإلى حقن الدماء في لبنان هي طريق واحدة طريق الدعوة إلى دعوة الإسلام بعد أن طال غيابه ويعتبرون أن النضال الإسلامي في البلاد العربية والإسلامية لتحقيق الوجود الإسلامي على المستوي الشعبي والحكومي هو في الحقيقة جزء مهم من النضال من أجل فلسطين .

ويري الإخوان أن بداية النكبة قديمة ترجع إلى استقدام زعماء الأمة لأعدائها الكفرة إلى فلسطين بعد تلك الوجوه المسلمة التي كانت ترفض السماح لليهود بدخول أرض فلسطين ويشدد الإخوان على موقف السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله من هرتزل الذي وعده بتسديد ديونه وتحديث دولته مقابل جزء من فلسطين لكنه أبي وقال " لو قطعتموني إربا إربا ما اقتطعت شبرا من أرض فلسطين لليهود ويعتبر الإخوان أن سلوك زعماء الأمة العربية ساهم في إسقاط حكم الأتراك المسلمين وساهم في استقدام الإنجليز الذين استقدموا بدورهم اليهود وقاموا بحماية الهجرات اليهودية وسهلوا إنشاء دولة لليهود فوق أرض فلسطين.

ويخطئ الإخوان مقولة أن قضية فلسطين للفلسطينيين وينتقدون الأنظمة العربية التي تزعم أنها بذلت من أجل فلسطين حتى ملت البذل وأنفقت حتى نضبت خزائنها من أجل فلسطين وأنه حان الوقت الذي يتولي فيه الفلسطينيون قضيتهم .

وفي إطار النقاش الفكري الذي خاضه الإخوان المسلمون لأفكا الحرب والسلام تطرقوا إلى مقولة ( التوازن الاستراتيجي) التي أطلقها بعض القادة العرب وتقضي بأن هنالك فارقا تكنولوجيا بيننا وبين العدو الصهيوني وأن العدو متفوق علينا استراتيجيا والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية لن نهزمها إلا إذا وازناها تقنيا وفنيا يري الإخوان أن هذه مقولة خبيثة خطرة لابد من تفنيدها ويذكر أحمد نوفل في كتابه ( الطريق إلى فلسطين ) أن العديد من الأنظمة تختبئ خلف هذه المقولة وتسوف وتماطل بدعوي فارق التوازن الاستراتيجي ويعتبر الإخوان أن هؤلاء يعلقون القضية على المستحيل ليهربوا من عمل الممكن والمستحيل أن يسمح لنا العالم بالتفوق التكنولوجي ويقولون حين نتوازن تكنولوجيا سنعمل لفلسطين هذا معناه أن تبقي القضية في حيز المستحيل ويتساءل احمد نوفل ما هو الممكن ؟

ويجيب أن الممكن أن نعمل بالطاقة الموجودة بين أيدينا وهذه هي فلسفة الإسلام التي تعتمد إعداد ما يستطيعه الإنسان والتجربة في التاريخ الإسلامي تقول أن الكثير من انتصارات المسلمين تحققت قبل أن يتفوق المسلمون على غيرهم من حيث العدد والعدة .

ويري الإخوان المسلمون أن حل قضية فلسطين لا يكون إلا بالجهاد وفي هذا السياق يذكر إبراهيم المقادمة ويبقي السؤال ما هو الحل ؟

والجواب في كلمة واحدة الجهاد في سبيل الله يكمن أغلب حلها في زعامة صالحة مخلصة قوية في الحق مجاهدة مثل هذه الزعامة ستلتف من حولها القلوب والجهود ويكتب لها النصر والتوفيق ويستشهدون بنموذج نور الدين محمود رضي الله عنه وخليفته صلاح الدين الأيوبي كيف استطاعا بالجهود القيادية أن يحررا أوطان المسلمين ويشدد الإخوان على أن مثل هذه الزعامة يملك الإسلام أن يقدم لنا منها ما يبهر أنظار العالم وما يعوضنا عن الفقر الشديد الذي نعايشه بفقدانها فيقدم لنا الإسلام زعامة أمينة صادقة مجاهدة قوية.

ويعتقد الإخوان أن تحرير فلسطين يتطلب توفير جملة من العوامل أولها توفير المناخ الجهادي العام وإحياء الروح الجهادية في الشعب على اعتبار أن الجهاد حالة عامة تعيشها الأمة ويؤكد الإخوان أنه لا حل إلا بالجهاد وثاني هذه العوامل يتمثل في حصول الأمة على استقلالها فلا يعقل أن تخوض دولة حربا وهي لا تملك الاستقلال وهذه مشكلة كنا نعاني منها سنة 1948 التبعية هي التبعية ولا زال الولاء لأمريكا هو الولاء كما أن البعض الآخر يوالي موسكو ويعتقد أن هذا شرف له وللأمة ويشدد الإخوان على رفض أى ولاء وأى تبعية.

وثالث هذه العوامل أن تنبع القيادة السياسية من ميدان الجهاد لا من المكاتب أو الدهاليز .

ويعتبر الإخوان أن القيادة السياسية إن كانت من المجاهدين والطلائع المقاتلة فهي تستطيع أن ترعي الجهاد والمجاهدين وأن تخطط لهم , وإن كانت غير ذلك فلن تستطيع متابعة الأمور ورابع هذه العوامل يتمثل في الاستعداد الشامل وفي كل المجالات الإعلامية والثقافية التربوية والخلقية والنفسية ويركز الإخوان على ضرورة الإعداد في كل ميدان حيث يجب أن تبني الحياة والمؤسسات على أساس جهادي .

ويحاول الإخوان استخلاص العبر من التجارب السابقة لتأسيس انطلاقة واعدة نحو تحرير فلسطين وفي هذا السياق نشر الإخوان مقالا في مجلة الشهاب سنة 1987 تحت عنوان ما هي إمكانية التحرير وشمل هذا المقال تقييما شاملا للحالة القائمة بعد عشرين سنة من الاحتلال وأوضح جوانب الضعف من وجهة نظر الإخوان والتي تتمثل في إخراج مصر وهي أكبر الدول العربية من دائرة الصراع والقضاء على البنية العسكرية لمنظمة التحرير في لبنان وتشويه صورة المقاومة الفلسطينية ووصمها بالإرهاب وتكثيف الاستيطان حيث تمكن الاحتلال من بناء 170 مستوطنة في الضفة الغربية وقطاع غزة وتمكن الاحتلال من إلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلية,ووجد تيار فلسطيني يوافق على الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

وفي السياق نفسه يذك أحمد نوفل أنه لو" راجعنا تاريخ معاركنا لوجدنا أن هناك مجموعة من العوامل المشتركة أدت إلى الفشل في كل الحروب 1948, 1956, 1967 ويتمثل العامل الأول في الفرقة والخلافات العربية التي هي من الأخطاء الفادحة ومن السيئات القاتلة الخلافات بين الحكومات والأنظمة القديمة لا تنتهي ولكن الأنظمة للأسف لا تكتفي بأن تدع الخلافات في الدائرة الشخصية كما هي بين الحكام ولكنها تريد أن تجر الشعوب إلى المعارك الجانبية وأن تجر العرب جميعا إلى معركة التنازع والخلافات " وينظر الإخوان أيضا للخلافات بين الزعامات الفلسطينية عشية ثورة عام 1936 حيث ألحقت أكبر الضر بالثورة وأدت إلى انقسام الجماهير الفلسطينية ولمعالجة هذا الخطر وآثاره يقترح المقادمة ضرورة الاعتماد على التربية لربط القاعدة بالقيادة الصادقة ومنع المزايدين من أصحاب الارتباطات الخارجية من إحداث بلبلة وفتنة.

وفي تفسيره لنتائج الحروب يقول أحمد نوفل " لقد دخلت الأنظمة العربية حرب عام 1948 وهي لا تثق ببعضها أبدأ ولا تنسق مع بعضها مطلقا دخلت الحرب بالخلافات والنزاعات , ثم كانت معركة عام 1956 والتي دخلها العرب وهم يتصارعون ولعلكم تذكرون أزمة 1956 حينما كان الحكام لعرب وزعيمهم الأكبر يخوضون صراعا مريرا حول ما أسموه حلف بغداد بينما كانت والعامل الثاني من عوامل النكبة في رأي الإخوان هو احتكار الحكومات للعمل دون الشعوب كما حدث في فلسطين خلال حرب 1948 ويخطئ أحمد نوفل احتكار الحكومات العمل لفلسطين ومنعها للشعب من العمل لقضيته خلال تلك الحرب ويذكر أن الجيوش العربية عندما دخلت فلسطين جردت الشعب الفلسطيني من السلاح وتولت الجيوش السبعة ما أسماه أحمد نوفل مسرحية الحرب ليكون الفرار والتسليم في أيام بينما الشعب عندما يتولي قضية كان يصمد شهورا طويلة ويبذل من الشهداء والقتلي الكثير.

ويري الإخوان أن تحالف الفلسطينيين " يجب أن يكون مع الشعوب وليس مع الأنظمة لأن الأخيرة مرتبطة بأعداء الأمة وتعمل ضد شعبنا ومصالحنا وهي غير أمينة في التعامل مع شعوبها فكيف سيكون الحال مع الشعب الفلسطيني.

وكان الإخوان يبدون موقفا متشددا من الزعماء العب ويعتبرون أن الشعب الفلسطيني " لدغ من جحر الملك حسين في أيلول سنة 1970 وقبل ذلك وبعده وما زال الأمر قائما وسيظل طالما أن رأس الأفعى في عمان تتحرك من واشنطن , والملك حسين يساوي مبارك ومبارك يساوي السد وصدام كلهم متآمرون على القضية ويشكلون حزام أما لإسرائيل ويعتبر الإخوان أن " تحرير فلسطين يجب أن يتم فوق ركام الأنظمة وليس من خلالها على الإطلاق .

وورد في مجلة النداء أن " نظام حافظ الأسد شأنه شأن جميع الأنظمة العبرية نعم العبرية القائمة في الدول العربية لا يزيد عن كونه أداة تحركها يد المكر الصهيونية وتضيف المجلة أنه " لم تعد حقيقة سفاح الشام الأول تخفي على أحد وبدا واضحا للعيان عمالة هذا المجرم العلوي بائع لجولان ذابح الفلسطينيين ربما يظهر نوع من القسوة والتشدد في التعبير عن المواقف السياسية هنا ويرجع ذلك إلى أن هذه الاقتباسات مأخوذة من خطابات ونشرات طلابية شبابية اعتمدنا عليها لسببين: الأول يرجع إلى أنها هي المصادر الحية التي عثرنا عليها من تاريخ تلك المرحلة أما السبب الثاني الذي جعلنا نعتمد عليها فيرجع إلى أن عمل الإخوان في تلك الفترة كان مركزيا بشكل كبير فلم يكن من صلاحية أى مسئول طلابي أن يلقي خطابا سياسيا دون الرجوع إلى قيادته ولم تكن تصدر أى نشرة دون أن تراجعها القيادة خاصة في المضمون السياسي .

ويذكر أحمد نوفل أنه كان ينبغي أن يكون السلاح في متناول كل يد حتى إذا وقع خطر بادر كل إنسان ليدافع عن قضيته لا أن ينعزل فيقع الخطر وننتظر مصيرنا من الإذاعة كأننا جسد مشلول لا يستطيع حراكا ويخطي احمد نوفل كل الادعاءات التي تساق لتبرير تجريد الشعب الفلسطيني من الأسلحة حيث يقول " يقولون لو فعلنا هذا لقامت شجارات في كل بيت ولوقع صراع ونزاع بالسلاح لأن شعوبنا ليست على وعي ونقول أيضا هل تتهمون شعبنا بأنه أقل وعيا وإدراكا وأقل غيرة من الشعب اليهودي الذي تسلمه حكومته السلاح والعتاد لينتظر أى طارئ ليدافع عن نفسه.

ويعتبر الإخوان أن الموقف المطلوب من الشعوب أن تلح وتطالب بأن تتولي زمام قضاياها بالطريق الإسلامي المنظم وليس بالطريق الفوضوي ويستدرك الإخوان بالتوضيح أنهم لا يريدون إخراج الجيوش من المعارك فهذا بطبيعة الحال غير وارد ولكن المراد أن يفتح المجال أما كل صاحب جهد الأن يقدم جهده وأن يفتح المجال أمام الشعب ليعبر عن رأيه في قضيته المصيرية .

ويعتبر الإخوان أن التضييق على الحركات الإسلامية وجماعات الإيمان بالله عزوجل من أخطر عوامل النكبة ويشيرون إلى أنه في العام 1948 عندما وقعت النكبة كان مجاهدوا الجماعات الإسلامية القادمون من مصر يمنعون من الوصول إلى أرض فلسطين ليس من قبل ليهود أو الانجليز ولكن من قبل حكوماتهم ثم لما تسللوا عبر قطارات البضائع وعبر الصحراء الشاسعة حيث يسيرن المسافات الطويلة سيرا على الأقدام وعلمت حكوماتهم بذلك منعت عنهم التوين فاضطروا لأن يعيشوا على التمر والماء أياما طويلة وفي سنة 1948 حلت الجماعات الإسلامية وقبل حرب 1956 حدثت حملات اعتقالات ضد الإسلاميين في عامي 1954 ,1955 وتكرر الحدث ذاته قبل نكبة 1967 حيث قامت الحكومة المصرية بحملة اعتقالات وإعدامات في أوساط الإسلاميين.

ويقول أحمد نوفل أنه لو استقرأنا التاريخ لوجدنا أنه أعاد نفسه سنة 1948 , 1956 , 1967 إذ كانت المقدمة الطبيعية لتحقيقه النصر لليهود هي تفريغ الميدان من المسلمين الداعين المجاهدين ثم يكون المردود والثمرة الطبيعية هزيمة محققة مؤكدة ويعتقد أحمد نوفل أن حل هذه المعضلة يتمثل في إتاحة الفرصة أمام الإسلاميين للعمل وفي هذا السياق يعقد مقارنة بين الحريات الكبيرة المتاحة للأحزاب الدينية في إسرائيل وبين تقييد الحريات الذي تتعرض له الجماعات الإسلامية في البلدان العربية.

وفي تقييمهم للعمل الفدائي يذكر الإخوان أن الميلاد الفعلي والحقيقي للعمل الفدائي كان سنة 1967 رغم البدايات المحدودة سنة 1965 وما تلاها وتطور العمل الفدائي خلال عامين تطورا هائلا والأنظمة العربية نفسها كانت تخطط لاستثمار العمل الفدائي من أجل امتصاص مشاعر الجماهير إلى أجل محدود ثم تناقض من جديد على هذا العمل وتحبطه وتكبته وتجهضه وقد كان .

ويذكر أحمد نوفل أن جميع الأنظمة سكتت عن العمل الفدائي وعن قواعده وسلاحه سكتت لغرض فينفسها مؤقت بوقته فإذا انتهي الوقت حانت الضربة ويشير إلى أن العمل الفدائي بدأ بداية سليمة ثم داخلته عناصر مشبوهة وعناصر فاشلة لم تجد لفكرها وإيديولوجياتها أى رواج, ووجدت أن حمل البندقية ليس خدمة لقضية فلسطين وإنما توصيلا للأفكار الماركسية والبعثية والقومية ويشي أحمد نوفل إلى أن الكثير من المنظمات ارتبطت بالأنظمة العربية على عمالة وخيانة هذه الأنظمة .

واختلط الحابل بالنابل وصدرت عنها مسلكيات غربية عن روح الأمة وفكرا وعقلها فمثلا ترفع صور للينين في عواصم المسلمين وشوارعهم في الاحتفال المئوي بعيد ميلاد لينين, وتوزع صوره على كل أعمدة ونوافذ البنايات والمدارس وغيها وهذه الممارسات بالإضافة إلى الخصومات