حقائق يونيو 1967 حقائق وتحليل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حقائق يونيو 1967 حقائق وتحليل


محتويات

مقدمة

يلاحظ عند تتبع الكتابة العربية التى عالجت موضوع النزاع العربى الإسرائيلى أنه اتجهت الى التركيز على الفترة السابقة على سنة 1948 . أما المراحل التالية من النزاع تناولها محدودا للغاية , وقد يظن البعض أن ذلك راجع الى الرغبة فى الدقة العملية انتظارا لتكشف الحقائق التاريخية والوثائق المتعلقة بها . وليس هذا فى رأينا هو السبب الرئيسى فى تجنب الخوض فى تلك المرحلة المعاصرة من تاريخ النزاع مع إسرائيل . وانما يكمن تفسير هذه الظاهرة بعامل يتمثل فى أن الكاتب العربى يستطيع اذا تناول قضية فلسطين فى عهد الانتداب البريطانى أن يحمل دولة كبرى مسئولية تلك المأساة التى حلت بالأمة العربية .

كما يجد مجالا واسعا لوصف النشاط الصهيونى وارتباطه بدول كبرى أخرى , وهذا يجنب الكاتب مواجهة بعض الحقائق المريرة التى تبرز عند النزاع العربى الإسرائيلى بصورة مباشرة بعد سنة 1948 . ومن هذه الحقائق التخلف وعدم الكفاءة السياسية والاجتماعية وتغلب الروح الفردية فى المجتمع العربى . وهناك من يلقى بتبعة هذه المسئولية على أنظمة الحكم , ولكننا نعتقد بأن الأنظمة ان هى الا افرازة لحالة المجتمع نفسه . وللمرة الأولى أخذ الكتاب العرب يتقبلون عامل الفرق الحضارى منذ نكسة 1967 . فظهرت مقالات عديدة تصف والنزاع العربى الإسرائيلى بأنه صراع حضارى قبل كل شىء , بعبارة أخرى هو صراع بين عناصر مختلفة أتت من بين بيئات متقدمة , وتجمعت لتنتزع حقوق شعب آخر لم يستطيع أن يلحق بسرعة كافية بمنجزات النهضة فى أوروبا وأمريكا . وهذا التصور الجديد للواقع كان من العوامل الهامة فى الاتجاه نحو الطريق السليم للواقع السليم واتباع أسلوب جديد فى المواجهة كما تجلى ذلك فى حرب أكتوبر سنة 1973 التى تعتبر خطوة أولى فى طريق طويل شاق . طريق الكفاح ضد التخلف قبل أن يكون صراعا مع إسرائيل .ثم ان تجنب الخوض فى موضوع النزاع العربى الإسرائيلى انتظارا لظهور الوثائق والمذكرات وغيرها و من أدوات البحث العلمى لن يفيد كثيرا لسبب بسيط , وهو أن الحكومات العربية المعينة لم تسر فى معظم هذه الفترة على أساليب الدولة العصرية , فلم تهتم بتسجيل الأوامر بطريقة منظمة وكثير من تلك الأوامر العليا كانت تصدر شفويا , وتنفذ عن طريق مجموعة صغيرة من المحيطين بشخص صاحب السلطة العليا .

كما أنه من المعروف أن المخابرات العامة كانت من أهم أدوات الحكم فى مصر وغيرها من بلاد المواجهة العربية تنزع الى عدم ترك أثر مكتوب يدل على تصرفاتها . ولذا اذا كان من المنتظر ظهور وثائق ومذكرات فان ذلك قد يأتى من الاطراف الأخرى غير العربية ومن سجلات الدول الكبرى المتصلة بالنزاع العربى الإسرائيلى . ومع ذلك فقد سبق كثير من ساسة هذه الدول الى نشر مذكراتهم , كما أن الصحافة ذات النفوذ فى تلك الدول لا تترك أسرار الدولة زمنا طويلا طى الكتمان وسط أكداس الوثائق الرسمية . وأذا تأملنا فى تطور النزاع العربى الإسرائيلى خلال الفترة التى ندرسها , نلاحظ أن نطاقه كان يتسع باضطراد , حتى أوائل الخمسينات كان بعض المسئولين العرب يتصورون أنه من الممكن حصر النزاع بحيث يعتبر موضوعا متفرعا يتصورون أنه من الممكن حصر النزاع بحيث يعتبر موضوعا متفرعا من قضية فلسطين , ولكن بعد أن اتسع حجم إسرائيل واتضحت سياستها التوسيعية تأكد للجميع بأن القضية قضية نزاع عربى إسرائيلى , حتى لبنان الذى حرص على تجنب أى تورط فى هذا الصراع , وجد نفسه فى أتون المعركة منذ سنة 1967 .

ونشير بهذه المناسبة الى أن الكثيرين يستعملون عبارة مشكلة الشرق الأوسط للدلالة على النزاع العربى الإسرائيلى . وهذه العبارة تدل فى حد ذاتها على اتساع نطاق النزاع ولكنها تنطوى على مغالطة خطيرة , لذلك فمن الجائز أن يكون الإسرائيليون أو غيرهم من الكتاب الأجانب قد تعمدوا استخدام هذه العبارة لأنها تعنى أن تلك المنطقة ليس لها صفة قومية , بل هى موقع جغرافى يمكن أن تتعايش فيه جنسيات وقوميات متباينة , ومنها اليهود . مع أن المنطقة الممتدة بين العراق ومصر لا تتداخل فيها أصلا شعوب غيرعربية . وعلى ذلك فمن الأدق وصفها بأنها منطقة الشرق العربى , وبالتالى فان الأزمة أو المشكلة التى نحن بصددها هى مشكلة الشرق العربى وليست مشكلة الشرق الأوسط . وثمة عوامل تضافرت على التوسيع من نطاق النزاع العربى الإسرائيلى , منها احتدام المشاعر العاطفية لدى الفريقين المتنازعين , ومنها أيضا اتصال الدول الكبرى بهذا النزاع بشكل من الاشكال , يضاف الى ذلك عامل ديموغرافى هام وهو ضيق المكان الذى لا يتسع لاقامة دولتين متكاملتين فى فلسطين . ففى السنوات الأخيرة التى أخذ الرأى العام الدولى خلالها يسلم للشعب العربى الفلسطينى بحقه فى اقامة دولة على أرض فلسطين , أصبحنا بصدد " قضية شائكة لا يواجهها أحد بالصراحة الكافية . فاذا كان الهدف من الاعتراف بحقوق أو مصالح شعب فلسطين , هو اقامة دولة فى الضفة الغربية وقطاع غزة فان هذه الدولة لن تكون قادرة على التماسك اقتصاديا كما أن أجزاءها لن تكون متصلة فضلا عن ضيق رقعتها مما يوشك أن يجعل منها كيانا هزيلا . فهل يسعى العرب مثلا الى ادخال تعديل على الحدود كاتباع خط تقسيم الأمم المتحدة لسنة 1947 ؟ أم يريدون أن يجعلوا من الدولة الفلسطينية مجرد رمز فى المرحلة الحالية يمكن أن تكون نقطة انطلاق للتحرير على المدى البعيد ؟ ولكن ما هو المقصود بتحرير فلسطين عند استخدام هذه العبارة ؟ .

ان إسرائيل تستنتج منا العمل على ابادتها , وهو شىء يرفضه الرأى العام العالمى , واذا فان بروز الكيان الفلسطينى الذى كان مهملا خلال السنوات الأولى , أعطى للنزاع العربى الإسرائيلى أبعادا جديدة . واذا عدنا الى العامل الأول وهو احتدام المشاعر العاطفية يمكن القول بأن مبدأ الحق التاريخى الذى تستند اليه إسرائيل هو جزء من المشاعر العاطفية , وليس مستمدا من واقع الأشياء , خاصة أنه حدثت فترة انقطاع طويلة بين اليهود وبين فلسطين , ولذلك فهم بحاجة باستمرار الى البحث عن أية ذكريات تاريخية واصطناعها أحيانا لاثارة المشاعر وترسيخ الاقناع بين الجاليات اليهودية بقوة هذا الحق التاريخى الذى يربطهم بفلسطين , وليس من قبيل الصدفة أن تنتشر هواية التنقيب عن الآثار بين عدد من جنرالات إسرائيل . ومع أنه يعرف عن بعض هؤلاء الجنرالات مثل موشى ديان عدم الاكتراث بالدين فى السلوك الشخصى الا أن هؤلاء الجنرالات يقتنصون كل مناسبة لاحياء الذكريات الدينية والتاريخية كلما احتلوا موقعا جديدا . وقد تجلى ذلك بصورة واضحة عند احتلال القدس القديمة فى حرب يونيو سنة 1967 . هناك اذن تظاهر باقتناع من الجانب اليهودى فى تمسكه بفلسطين أو بأجزاء منها . ولكن الاقتناع العربى أقوى لأنه لا ينبنى على العاطفة فحسب وانما يستمد من الواقع العربى أيضا وسواء أكانت القناعة اليهودية صحيحة أو مدعاة فانها على كل حال تجعل التوفيق أصعب منالا . ويختلف تصور العرب للتاريخ عن التصور اليهودى , ففى حين يمتزج التصور اليهودى بشىء من الرومانسية , يركز التصور العربى للتاريخ على الأمجاد القديمة , حتى أن البعض يغرق فى هذه الأمجاد ليتناسى الوضع الحاضر . أما الذين يقارنون بين الماضى والحاضر فانهم يتعرضون لاحساس عميق بالمرارة , عندما يواجهون الفرق الكبير بين الحالتين : الماضى المجيد والحاضر المشوب بالتخلف والعجز . واذا كان هناك قصور فى الوقت الحاضر استغله اليهود فان هذا لا يقلل من اقتناع العرب لأن الواقع الجغرافى وكون فلسطين محاطة من جميع الجهات بشعب متجانس , هو أقوى تأثيرا من ذكريات التاريخ . أما دور الدول الكبرى فى الزيادة من حدة الصراع فلم يظهر الا فى فترة متأخرة , كما أنه لم يتخذ شكل الحرب الباردة تماما وانما يرجع تأثير الدول الكبرى الى أنها هى المصدر الرئيسى للسلاح لكلا الطرفين المتنازعين . وفى السنوات الأولى من النزاع كانت الحرب الباردة تتخذ شكلا حادا فى مواقع أخرى بعيدة عن الشرق العربى مثل ألمانيا أو كوريا , ولا شك أن أزمة برلين التى احتدمت سنة 1949 كانت تشغل الدول الكبرى وتقلل من اهتمامها بالنزاع العربى الإسرائيلى ولذلك تركت لأجهزة الأمم المتحدة مهمة التوسط فى اتفاقيات الهدنة . وبصفة عامة تميز النزاع العربى الإسرائيلى بتدخل الأمم المتحدة أكثر من أية منازعات دولية أخرى شهدها العالم منذ قيام المنظمة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية . ويرجع ذلك فى رأينا الى أن صاحب الحق الشرعى لم يكن قادراعلى ردع المغتصب , ولذلك كان يرضى بتدخل الأمم المتحدة لتنوب عنه فى قبول الأمر الواقع الذى فرض بالقوة . وعلى العكس نلاحظ أن دور الأمم المتحدة كان يتوارى خلف المنازعات التى تعتمد فيها الأطراف على المواجهة المسلحة . فنجد مثلا أن دور الأمم المتحدة فى حرب الهند الصينية كان محدودا للغاية , وذلك لتصميم جميع الأطراف على الاستماتة فى الدفاع عن موقفهم . كذلك فان الأمم المتحدة لم تتدخل أصلا فى الأزمات التى وقعت بين الدول الكبرى مثل أزمة برلين . واذا استعرضنا تاريخ النزاع العربى الإسرائيلى نلاحظ أن التسويات المؤقتة التى تمت عن طريق الأمم المتحدة كانت دائما ترجمة لوضع القوى العسكرية . ومما هو جدير بالملاحظة أن العدوان الثلاثي سنة 1956 وقع أثناء احتدام الحرب الباردة بين الدولتين العظميين , ومع ذلك فقد اتخذت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى مواقف متشابهة فى مواجهة العدوان . وعلى العكس حينما وقعت حرب يونيو سنة 1967 كانت بوادر سياسية الوفاق موجودة ولو بشكل غير ملحوظ , ومع ذلك فقد اتخذت كل من الدولتين العظميين موقفا مغايرا . ولكن الاختلاف فى الرأى على الصعيد الدبلوماسى , وما كان ينبغى لأحد أن يتصور امكان تجاوزه لهذه الحدود .وعندما كانت كل من الدولتين العظميين تسلح العرب والإسرائيليين لم تقصد أى منهما أن يستخدم هذا التسليح لزيادة النفوذ عن طريق الحرب المحلية , ولتوضيح ذلك نقول ان الاتحاد السوفيتى مثلا لم يقصد من امداد بعض الدول العربية بالسلاح أن تستخدمه ضد إسرائيل , وبالتالى يزداد نفوذها فى حالة انتصار عليها , وانما كانت سياسة الاتحاد السوفيتى هو الاعتراف بالوجود الإسرائيلى , والهدف من تسليح مصر وسوريا هو كسب النفوذ الاقتصادى والمعنوى والسياسى فى داخل الدول العربية نفسها , حيث كان من الصعب النفاذ اليها من غير هذا الطريق . كذلك كان هدف الولايات المتحدة من تسليح إسرائيل فى بداية الأمر هو التوهم بأن إسرائيل بحاجة الى هذا السلاح للدفاع عن نفسها . ولكن مع توتر العلاقات بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة تقبلت الأخيرة فكرة استخدام السلاح الأمريكى للاعتداء على الدول العربية . ومن المؤسف أن الحرب الباردة كان لها تأثيرا أوضح خلال الفترة من سنة 1956 الى سنة 1967 فى العلاقات بين الدول العربية ذاتها , ولم تدخل كعنصر فعال فى النزاع العربى الإسرائيلى كما ذكرنا . فتبنت كل دولة من الدولتين العظميين مجموعة من الدول العربية وأخذت تمدها بالسلاح والمساعدات وتحرضها ضد المجموعة الأخرى , وانعكس أثر الحرب الباردة العربية – ان صح التعبير – على النزاع العربى الإسرائيلى انعكاسا سيئا , حتى أن كثيرا من المؤلفات الأجنبية ترى فى هذه الخلافات العربية عاملا رئيسيا فى تأجيج الصراع مع إسرائيل . فالكتاب الأجانب يفترضون بأن دول المواجهة غير جادة فى خوض الصراع فاذا اختلفت بعض هذه الدول فيما بينها , راحت كل واحدة تتهم الأخرى بالتقصير , كما أن بعض الحكومات العربية البعيدة عن إسرائيل تتخذ مواقف متصلبة , لأن ذلك لا يكلفها شيئا .

فاذا وقع خلاف بينها وبين حكومة عربية من دول المواجهة فمن السهل عليها أن توجه الانتقادات المريرة لتكسب محليا . ونتيجة ذلك كله أن يضطر بعض الحكام العرب الى المخاطرة بالصراع المسلح دون حساب دقيق لوضع القوى . وينطبق هذا التفسير بصورة واضحة للغاية على مقدمات حرب يونيو 1967 . أما استنتاج الكتابات العربية من قضية الخلاف والاتحاد فهو أن الاختلافات تفقد العرب عنصرا هاما من عناصر القدرة على المواجهة العسكرية . وهذا صحيح بدليل أن إسرائيل كانت شديدة الحساسية لكل محاولات الاتحاد التى جرت فى المشرق العربى كما سيتضح من خلال الدراسة . ولهذا السبب أيضا بنت خططا على أن يكون لديها من السلاح ما يوازى ما يحصل العرب عليه مجتمعين . واستطاعت أن تقنع حلفاءها بنظرية التوازن بين إسرائيل من جهة الدول العربية من جهة أخرى . ومع التسليم بأهمية الاتحاد العربى فى المواجهة العسكرية والسياسية والاقتصادية , فانه لا ينبغى الظن بأن الاتحاد وحده كاف لتحقيق التفوق على العدو فهو أحد عناصر المواجهة , ولا يقل عنه أهمية عنصر رفع الكفاءة فى جميع المجالات . يبقى بعد ذلك عامل آخر كان له تأثير بعيد فى تطور النزاع العربى الإسرائيلى على النحو الذى سار فيه , وأعنى بذلك نظام الهدنة الدائمة بما ينطوى عليه من تناقضات وغموض صار كل طرف يفسر الاتفاقية بالطريقة التى يراها . ولما كانت اتفاقيات الهدنة هى المرجع الذى يعتمد عليه دوليا لتحديد العلاقة بين الطرفين العربى والإسرائيلى , فقد صار من المحتم استهلال هذه الدراسة بفصل تحليلى عن اتفاقيات رودس رغم أنه سبق لنا أن تناولناها فى كتابنا عن قضية فلسطين فى المرحلة الحرجة 1945 : 1956 . ونود أن نشير بهذه المناسبة الى أن هذا الكتاب صدر فى سنة 1968 , ولم نتردد فى الدفاع عن آراء كانت تعتبر فى حينها على غير هوى المسئولين . فقد أبرزنا مثلا النتائج السيئة التى ترتبت على المبالغة فى تصوير حرب سنة 1956 على أنها انتصار عسكرى على إسرائيل , فى حين أن هذه الأخيرة حققت بعض المكاسب من العدوان وأن المكاسب التى حققتها مصر تمت عن طريق الدبلوماسية واتجاهات السياسة الدولية فى ذلك الوقت . ولما كانت الدراسة تنصب فى الأساس على المرحلة التالية من النزاع العربى الإسرائيلى بين سنة 19561967 وتعتبر استمرارا للدراسة الأولى فمن الطبيعى أن تسير على نفس الاتجاه الفكرى الذى يقوم على الموضوعية التامة , فليس لنا هدف سوى محاولة اكتشاف الحقائق من خلال أحداث التاريخ . ومن الواضح أن شخص عبد الناصر كان يمثل خلال هذه الفترة مؤثرا فى العالم العربى ويترك بصماته على جميع أحداثه , وهو مثل كل شخصية تاريخية بارزة يثير الجدل حول تقييم أعماله ومنجزاته . وقد يثير موقفنا الحيادى من هذه الشخصية سخط المتعصبين الذين يضيقون بكل من خالفهم فى الرأى . واذا كانت ثمة بعض الجوانب الايجابية فى تاريخ عبد الناصر , فانه من المؤكد أن سلبياته تبدو راجحة فيما يتعلق بموضوع النزاع العربى الإسرائيلى . وهذا ما يؤكد تسلسل الوقائع التى خصصنا لها الفصول الأخيرة من الكتاب . واذا لاحظ القارىء كثرة الاشارات الى مصادر أجنبية , فليس معنى ذلك أننا تابعنا تلك المصادر فى الرأى وانما استفدنا منها لتجميع المادة فقط . كما أن المصادر العربية فضلا عن قلتها فان معظمها هو عبارة عن نظرات شخصية تستهدف الدفاع عن النفس أو تبرير مواقف عرف بها مذهب أو جماعة سياسية معينة . وليس المقصود بالحياد هنا هو الوقوف من الصراع العربى الإسرائيلى موقفا سلبيا فنحن ننطلق من مبدأ مسلم به وهو أن الوجود الإسرائيلى نشأ عن طريق اغتصاب الحق باستخدام القوة . وانما نقصد بالحياد الطريقة والمنهج الذى يتبع لتفسير أسباب كل ما حدث منذ سنة 1949 حتى 1967 . ونرجو أن نكون قد وفقنا . فبراير 1975 – دكتور صلاح العقاد .

الفصل الأول : اتفاقيات الهدنة سنة1949

الضغوط على مصر

تعتبر اتفاقيات الهدنة الدائمة صيغة جديدة فى القانون الدولى , فهى لا توضح ما اذا كانت انهاء لحالة الحرب أم أنها اتفاقية عسكرية محضة لوقف اطلاق النار , وقد تقبلت مصر عقد الهدنة تحت ضغوط عسكرية شديدة , وكانت إسرائيل تستهدف من وراء هذه الضغوط الذهاب الى شوط أبعد وهو فرض الصلح اعتقادا منها بأن أية تسوية تتم مع مصر يمكن اقناع الدول العربية الأخرى بقبولها . ولهذا السبب لم تهتم إسرائيل بعقد اتفاقية عدم اعتداء مع عبد الله ملك شرق الأردن , رغم أنه أبدى استعدادا لذلك . شرعت إسرائيل فى ممارسة ضغوطها العسكرية على مصر بانتهاك اتفاقية سابقة لوقف اطلاق النار فشنت سلسلة من الهجمات على المواقع المصرية المتقدمة فى صحراء النقب منذ 14 أكتوبر سنة 1948 . وأصدر مجلس الأمن عدة قرارات بعودة القوات الى المواقع السابقة . ودعا الأطراف المتنازعة الى عقد المباحثات لاقرار السلام فى فلسطين , فلم يجد استجابة من أى طرف لأن إسرائيل تريد الاحتفاظ بالأرض أما مصر فتريد استرجاعها دون أن تضطر الى مفاوضات تنطوى على الاعتراف الضمنى .

ولعل المكاسب التى أحرزتها إسرائيل خلال شهر أكتوبر ثم احساسها بعدم فاعلية قرارات مجلس الأمن هو الذى جعلها تفكر فى شن هجوم يكون له تأثير أقوى على ارغام مصر لكى تدخل فى مفاوضات معها تؤدى الى عقد صلح رسمى . ومن ثم يفرض الصلح على الدول العربية الأخرى , وهكذا قامت إسرائيل بارسال طوابير متحركة خفيفة فى اتجاه العريش فى 29 ديسمبر سنة 1948 وهى المرة الأولى التى تخترق فيها حدود مصر الدولية . وكان هذا التوقيت مناسبا لإسرائيل اذ جاء فى أعقاب مقتل النقراشى رئيس الوزراء وما تلا ذلك من اضطراب فى الأحوال الداخلية ثم ان هذا التاريخ يسبق أجازات رأس السنة مما يبطىء من سير العمل فى الأمم المتحدة . ويدل استخدام الطوابير الخفيفة على أن القصد لم يكن هو الاحتلال الدائم لجزء من الأراضى المصرية , بل مجرد احداث التأثير النفسى لجر مصر الى المفاوضات – فالتوسعية الصهيونية تسير على سياسة المراحل . ولم تكن إسرائيل قد استوعبت بعد جميع الأراضى التى احتلتها فى فلسطين , والا فقد كان من الأيسر على إسرائيل الهجوم على رفح أو مكان آخر خارج الحدود المصرية وتمشيا مع خطة الضغوط العسكرية ظلت إسرائيل تحاصر موقع الفالوجا لكى تساوم به أثناء المحادثات , فهذا أسلوب أفضل للضغط على مصر مما لو أسرت أفراد الحامية الذين كانوا يقدرون ببضعة آلاف , وبالفعل حصلت إسرائيل على بعض التنازلات مقابل خروج الحامية المحاصرة . اقترنت هذه الضغوط العسكرية بعدة ملابسات جعلت الحكومة المصرية تقبل فى النهاية اجراء المباحثات فى جزيرة رودس . من ذلك تراخى كل من الأردن والعراق فى الاستجابة لنداء مصر كى تستخدم هاتان الدولتان قواتهما فى الجبهة الشرقية تخفيفا للضغط على مصر , ومنها أيضا استنكار العرض البريطانى بمساعدة مصر طبقا لمعاهدة التحالف والصداقة المعقودة سنة 1936 , وذلك بعد أن تعرضت الأراضى المصرية نفسها للغزو .فقد كان الرأى العام المصرى فى ذلك الوقت يطالب بالغاء المعاهدة أو على الأقل تعديلها . وتتمثل القرينة الثالثة فى رغبة رالف بانش الوسيط الدولى فى اقتناص أية فرصة لاجتذاب مصر كى تتقبل الجلوس مع الإسرائيليين على مائدة مباحثات بشكل ما . ولم يكن رالف بانش يتسم سلفه برنادوت بالحياد بين العرب وإسرائيل .

بدأت مباحثات رودس فى 12 يناير سنة 1949 , وحرصت مصر على أن تكون هذه المباحثات ذات طابع عسكرى محض حتى لا تنطوى على أى اعتراف ولو ضمنيا بالوجود الإسرائيلى . وكان من الطبيعى أن يثير الضباط المصريون موضوع قرارات مجلس الأمن التى دعت الى انسحاب للمواقع السابقة على انتهاكات وقف اطلاق النار . ولكن الإسرائيليين احتجوا بأن النقب تدخل فى المنطقة المخصصة لهم حسب قرار التقسيم , هذا مع العلم بأنهم تجاوزوا هذه المنطقة نتيجة انتهاكات أخرى على مختلف الجبهات العربية , وكان رالف بانش ميالا الى التسليم بالأمر الواقع الذى فرضته إسرائيل بالقوة . لذلك وقف بجانب االإسرائيليين الذين رفضوا أى وجود مصرى فى " بير سبع " وكان المصريون قد عرضوا تعيين حاكم لهذه البلدة التى احتلوها فى أوائل الحرب وأبدوا استعدادا لكى يقيم الحاكم فى غزة كما روى بانش وأيده فى ذلك ولتر ايتان عضو الوفد الإسرائيلى ولكن الإسرائيليين أصروا على أن تكون الحدود الدولية السابقة بين مصر وفلسطين هى الخط الفاصل باستثناء قطاع غزة . وكحل وسط اقتراح بانش تجريد منطقة العوجة من السلاح وهى تقع على الجانب الفلسطينى من الحدود .

ولم يوضح حق السيادة فى هذه المنطقة , وسنرى كيف ستستفيد إسرائيل من غموض الوضع القانونى للمناطق المجردة من السلاح سواء بالنسبة للعوجة أو لمنطقة الحدود مع سوريا .

ويستنتج من هذا الاهتمام الذى بذله المصريون للحصول على وجود رمزى فى بير سبع أنهم كانوا يحرصون على اخفاء حقائق الوضع العسكرى عن الرأى العام الداخلى , فلم تنشر الصحف المصرية شيئا عن الاحداث التى جرت منذ شهر أكتوبر , وكان المصريون يعتقدون بأن قواتهم ما زالت موجودة فى مساحات واسعة من الأراضى الفلسطينية .

اضطرت مصر الى تقديم تنازلات مقابل فك حصار الفالوجا وتجريد منطقة العوجة من السلاح , كذلك طالبت إسرائيل بتجريد منطقة مماثلة على الجانب المصرى من الحدود . وبناء عليه اتفق على أن تكون القسيمة وأبو عجيلة هى آخر المواقع المصرية , وهى تقع على مسافة 17 ميلا داخل سيناء . من خط الحدود الدولية كذلك حددت القوات المصرية فى قطاع غزة بحيث فقدت تماما كل فاعلية لها . واذا فحصنا اتفاقية رودس المعقودة فى 24 فبراير سنة 1949 , تلاحظ أنها تجاوزت فى بعض بنودها المسائل العسكرية المحضة ,فهى تشير فى المقدمة الى أنها تمهد لسلم دائم فى فلسطين . وستعلل إسرائيل بهذا النص لتدلل على أن الهدنة خطوة مؤقتة نحو الصلح .

غير أن المصريين كان بوسعهم أن يتمسكوا بعبارة أخرى وردت فى المقدمة تذكر أن الاتفاقية وقعت بناءا على قرارات مجلس الأمن الصادرة فى 4, 16 نوفمبر والداعية الى الانسحاب الى المواقع السابقة .

وبما أن الانسحاب لم ينفذ من جانب إسرائيل فقد رفض المفاوضون المصريون موضوع الصلح أصلا . وتؤكد الفقرة الرابعة من المادة الأولى ما ورد فى المقدمة من أن " عقد هدنة دائمة بين القوات المسلحة للطرفين يقبل على أنه خطوة لا غنى عنها فى سبيل تسوية النزاع المسلح وعودة السلم الى فلسطين " وطبقا للمادة الثانية لا يجوز للقوات المسلحة غير النظامية أن تقوم بعمل حربى أو تخترق أو تتعدى خطوط الهدنة .

وفى ذلك الوقت كان الرأى الشائع عند العرب هو أن لدى إسرائيل عصابات مسلحة مثل شتيرن وغيرها لم تندمج فى الجيش الرسمى , فمن المحتمل أن يكون المفاوض المصرى قد رحب بادراج النص , الا أن إسرائيل فيما بعد ستعتبر أعمال الفدائيين انتهاكا لهذه الفقرة من اتفاقية الهدنة .

وتبرز المادة الرابعة مدى التناقض الذى تنطوى عليه اتفاقية رودس , ففى البند الأول تنص على أنه لا يجوز لأى طرف الحصول على ميزة عسكرية أو سياسية فى أثناء الهدنة التى قررها مجلس الأمن بتاريخ 4 , 16 نوفمبر . معنى ذلك أنه ينبغى على القوات الإسرائيلية أن تنسحب الى ما وراء الخطوط السابقة على عدوان 14 أكتوبر , غير أن البند الثانى يعود فيلغى أثر النص حينما يقول أن " الاعتراف أيضا بأن الأغراض الأساسية وروح الهدنة لا تخدم باسترجاع المواقع العسكرية السابق احتلالها أو بتغيير المواقع المحتلة الآن " . على أن المفاوض المصرى أراد أن يؤكد أن الهدنة اتفاق عسكرى محض , لا يمس التسوية النهائية لمستقبل فلسطين . فأدخل فى الفقرة الثانية من المادة الخامسة هذه العبارة " ان خط الهدنة لا يفسر بأية حال على أنه حدود سياسية أواقليمية . وقد وضع دون الاخلال بحقوق أو مطالب أو مواقف أى الطرفين من الهدنة , وذلك فيما يتعلق بالتسوية النهائية للمسألة الفلسطينية " والغرض الأساسى من هذا النص هو تعيين الخطوط التى يجب ألا تتجاوزها القوات المسلحة لكل من الطرفين . ومن الواضح أن هذا النص ينزع عن اتفاقية الهدنة صفة الاستقرار , ويمكن أن يكون حجة قوية لدى العرب . حين يعلنون فيما بعد أن الهدنة الدائمة لا ترقى الى مرتبة انهاء حالة الحرب . وتنهض المادة السابعة على أن الهدنة تنطبق فقط على القطاع الغربى من الجبهة , أما بقية القوات المصرية التى كانت ما تزال مرابطة بالخليل وبيت لحم فتنتظر الى أن يتم اتفاق على الهدنة مع الطرف الثانى أى الأردن . وخصصت المادة الثامنة لمنطقة العوجة المجردة من السلاح . ونصت على أن ترابط بها لجنة الهدنة الدائمة المشتركة التابعة للأمم المتحدة .

واعتبرت كوديعة لدى المنظمة الدولية الى أن تتم التسوية النهائية . ولم تعتبر أجهزة الأمم المتحدة الاستيطان الإسرائيلى مخالفا لهذا الوضع فظل ينمو الى أن تحولت العوجة الى مستعمرة سميت نتسانم , وأعلنت السيادة الإسرائيلية عليها سنة 1955 , فى حين ظلت مصر ملتزمة بالشرط المقابل لتجريد العوجة من السلاح , ألا وهو عدم تجاوز القوات المصرية لمنطقتى القسيمة وأبو عجيلة . وبينت االمادة العاشرة كيفية تكوين لجان الهدنة المختلطة , فهى تتألف من سبعة أعضاء , ثلاثة من المصريين , وثلاثة من الإسرائيليين , ويرأسها ضابط يعينه رئيس أركان هيئة الاشراف على الهدنة التابعة للأمم المتحدة .

وتنطوى المادة الثانية عشرة على محاولة لتكييف الاتفاقية تكييفا قانونيا فهى تنص على أنها عقدت بناء على قرارات مجلس الأمن لتسهيل الانتقال من حالة الهدنة الحالية الى الهدنة الدائمة فى فلسطين , ودرء خطر الحرب . وتبقى نافذة الى أن يتحقق وضع تسوية سلمية بين الطرفين . وبناء عليه فهى لا تخضع لمصادقة الهيئات المختصة فى كلا البلدين , وانما تصبح سارية المفعول بمجرد التوقيع عليها . ويفيد هذا النص الحكومة المصرية حينذاك من ناحيتين : أولا أنه ينزع عن الهدنة الصفة السياسية . وثانيا أنه يجنب الحكومة عرض الاتفاقية على مجلس النواب وما قد يترتب على ذلك من احتمال لرفض الاتفاقية أو على الأقل انكشاف الوضع العسكرى أمام الرأى العام مما يحرج مركز الحكومة التى لم تكن تتمتع بتأييد شعبى أصلا .

وتشتمل اتفاقية الهدنة على ثلاث ملاحق , خصص الأول منها لكيفية انسحاب حامية الفالوجا , ونص على تأمين الطريق لها بالانسحاب باسلحتها فى مدى خمسة أيام , على أن توضع المهمات الثقيلة تحت ضمان الأمم المتحدة الى أن يتم الانسحاب . ويتناول الملحق الثانى قطاع غزة , والنص على أن القوات المرابطة فيه يجب أن تكون دفاعية . ونبادر الى القول بأن وضع القطاع الجغرافى يجعل الدفاع عنه من الأصل شاقا أو متعذرا , فهو عبارة عن شريط ساحلى يقع بين البحر وبين الأراضى الإسرائيلية الى مسافة 20 ميلا , ويبلغ اتساعه فى أعرض نقطة خمسة أميال . وجعل ملحق الاتفاقية الحد الأقصى للقوات الدفاعية ثلاث كتائب من المشاة لا تزيد عن 700 رجل , ويجب أن تجرد من الأسلحة الثقيلة كالمدرعات وحظر على القوات المصرية انشاء مطارات حربية فى القطاع أو تجهيزات أخرى لازمة للطيران . ولا تصعد ولا تهبط طائرات حربية الا فى الحالات الاضطرارية . كذلك لا يجوز انشاء قواعد بحرية بالقطاع ولا يمكن أن تدخل الى مياهه السفن الحربية . وأخيرا نص على أنه فى جميع الأحوال لابد أن يسمح للقوات المصرية التى ما تزال موجودة فى بيت لحم والخليل بالعودة بجميع أسلحتها . وقد كان الأحرى التفاوض فى هذا الأمر مع حكومة الأردن . وقبل أن يتم الاتفاق بين مصر وإسرائيل فى 24 فبراير , كانت دول المواجهة العربية الأخرى قد شرعت فى التفاوض لعقد اتفاقيات مماثلة .

اتفاقيات الهدنة الأخرى

سبقت حكومات لبنان والأردن الى التفكير فى ايجاد تسوية مع إسرائيل , ولكنها أتبعتا أسلوب الاتصالات السرية خداعا للرأى العام العربى , ولم تشرع أى منهما فى اجراء مباحثات علنية الا بعد أن عرف أمر مباحثات رودس مع مصر . وفيما يخص لبنان فقد اشتهر رياض الصلح بتصريحاته التى تنم عن موقف أشد تصلبا مع إسرائيل , غير أنه منذ أن احتلت الأخيرة نحو خمس عشرة قرية لبنانية خلال شهر أكتوبر لان الى تحقيق تسوية ما مع إسرائيل ويروى أن الصلح قابل المسئولين الإسرائيليين فى باريس واعترف لهم برغبته فى هذه التسوية لولا أنه يخشى أن يؤدى ذلك الى فتنة طائفية لذا ما كادت تعرف أنباء المحادثات مع مصر حتى تمت اتصالات جانبية أخرى مع لبنان وأبدى الطرفان تفاهما خاصا اذ بادرت إسرائيل الى ترك أربع قرى لبنانية فى 24 يناير واحتفظت بباقى القرى ريثما تعقد اتفاقية هدنة دائمة . وفى 33 مارس وقعت اتفاقية الهدنة وهى تشتمل تقريبا على نفس المبادىء التى تضمنها اتفاقية 24 فبراير مع مصر , فتذكر مقدمة لتسوية دائمة وتضيف أن الحدود السابقة بين لبنان وفلسطين هى التى تشكل خط الهدنة الدائم , ولا يحتفظ كلا الطرفين الا بقوات دفاعية قرب خط الحدود , ولم تحدد هنا مسافة معينة للمنطقة التى يطبق عليها هذا النظام . وتتكون اللجنة المختلطة للاشراف على الهدنة من خمسة أعضاء , اثنان من كل طرف , ويرأسها شخص معين من قبل هيئة الاشراف التابعة للأمم المتحدة , ولكن من الملاحظ أن مقر اللجنة يقع داخل الحدود اللبنانية بقرية الناقورة . ونتج عن اتفاق الهدنة مع لبنان انسحاب جيش الانقاذ الفلسطينى من مساحة صغيرة كان ما يزال يحتلها من فلسطين , وسيؤثر ذلك على موقف الجيش السورى الذى كان يشترك فى احتلال هذه المنطقة من الجليل الشرقى .

الأردن

بالرغم من أن فكرة التصالح مع اليهود كانت تراود عبد الله حتى من قبل قيام حرب مايو , فان توقيعه للهدنة الدائمة لم يتم قبل 3 إبريل أى بعد مصر ولبنان . وذلك راجع لوجود مشكلات معقدة متداخلة تطلبت تسويتها وقتا أطول . ويذكر التل أن اليهود حاولوا بعد وقف اطلاق النار فى 18 يوليو أو يستولوا على القدس القديمة فعينوا موشى ديان قائدا للقطاع غير أن تحبط هذه المحاولات وذلك بفضل التعاون مع القوات المصرية المرابطة قريبا من القطاع فى بيت لحم والخليل . وقد ذكر التل اسم ضابطين مصريين هما أحمد عبد العزيز وعبد المحسن أبوالنور وأشاد بدورها فى هذه المعركة ومع ذلك سيضطر التل الى أن يكون أداة فى المحادثات التى انتهت بتوقيع هدنة دائمة فى منطقة القدس خلال شهر نوفمبر ,وهى الهدنة الدائمة الأولى من نوعها التى تتم بين دولة عربية وإسرائيل قبل أن توقع الهدنة مع مصر وبمقتضى هذا الاتفاق نظم عبور القوافل الى المراكز اليهودية المحاصرة فى مستشفى هاداسا والجامعة العبرية . وفى نفس الوقت دارت محادثات بين ممثل الملك الشخصى وهو شوكت باشا الطبيب الخاص وبين الياهو ساسون مدير الشئون العربية فى الحكومة الإسرائيلية , وكانت باريس هى مكان التقاء الرجلين , وتصادف ذلك مع تدبير هجوم أكتوبر على الجبهة المصرية . فوعد الملك عبد الله بأخذ المجدل وعسقلان مقابل " حياده" فى تلك المعركة , والراجح أن الملك بحث مع اليهود خطة لضم الضفة الغربية وأخذ موافقتهم على هذا الاجراء , وكانت هذه المسألة تشغل باله بشدة لأنه يواجه معارضة من جميع الجهات , فالدول العربية الأخرى باستثناء العراق واليمن تقف فى سبيل هذه الأمنية , واليهود يفضلون قيام دولة عربية صغيرة فى الضفة الغربية , ومعظم الوطنيين الفلسطينيين يخشون حكم الملك الرجعى . وقد يتساءل المرء : كيف تفضل إسرائيل قيام دولة فلسطينية فى الضفة الغربية فى حين أنها تعارض الآن بشدة قيام مثل هذه الدولة . والظاهر أن نمو الحركة الوطنية الفلسطينية هو الذى جعل إسرائيل تغير سياستها , كما أن التزام حكومة عمان بالحياد فى الصراع معها أقنعها بأفضلية بقاء الضفة الغربية ضمن المملكة الأردنية . استغل اليهود هذه المصاعب لصالحهم ولوحوا للملك باستعداده لتأييد خطته فأصابوا منه نقطة الضعف . كذلك كان اتفاق كل من الملك عبد الله وإسرائيل على الاحتفاظ بقسمى القدس القديم والجديد نقطة اتفاق أخرى تقرب بينهما لمواجهة الضغط الدولى الذى يسعى تدويل القدس ومن ثم كان من السهل على اليهود أن ينقلوا المحادثات السرية الخاصة من باريس الى الأردن . وفى 11 ديسمبر قابل موشى ديان عبد الله التل وحمله رسالة من ساسون ( صديق الملك ) فرحب عبد الله بهذه المبادرة وقال " يسرنا أن تتم مذاكرة معكم الا أننا نخشى أن تثير هذه الاتصالات متاعب من ناحية العرب , ان قرار مؤتمر أريحا يجب أن يكون بالغ الاحترام " ويشير عبد الله بذلك الى اجتماع دعا اليه فى اريحا اقنع بعض العناصر الفلسطينية الموالية له باعلان قبولهم الانضمام الى المملكة . شجعت هذه المذكرة الياهو ساسون على المجىء بنفسه الى القدس ومقابلته شوكت باشا والتل حيث قدم لهما مقترحات محددة تتضمن موافقة اليهود على ضم الضفة الغربية حتى يواجه الخصوم العرب والعالم أجمع بالأمر الواقع . غير أنه يجب عند اعلان ذلك أن تذكر المسألة اليهودية بالشر أو الخير ,وفى حالة اقدام الأردن على تنفيذ المقررات لا يحدد موقفه النهائى من ناحية مصير القدس لا القديمة ولا الجديدة .. " لأننا نعتقد أنه يجب ترك مصيرها الى مباحثات واتفاقات فى القريب العاجل ,ونعتقد أن هناك حلا يرضيه ويرضينا " . " ننصح لسيدنا باعلان الهدنة الرسمية الطويلة – هدنة دائمة ,وهذا يساعد على سحب جيوشه من جميع الجبهات واستخدامها فى جهات أخرى اذا ما اقتضت الحاجة لذلك , واذا كانت الظروف تحول دون اعلان ذلك فبالامكان الاتفاق على ذلك سرا بيننا وفى مثل هذه الحالة نؤكد له بأننا لن نتعرض بسوء الى مراكزه فى جميع الجهات , ونحترمها كل الاحترام حتى نهاية المباحثات ولو طال الأمر شهورا " . ثم نلمس الوفد اليهودى نقطة كانت تعنيهم بالدرجة الأولى وهى ضرورة سحب القوات العراقية من الجبهة الأردنية . وستظل سياسة إسرائيل منذ 1949 حتى الوقت الحاضر تعتبر دخول قوات عربية أيا كانت جنسيتها الى الضفةالغربية عملا يهدد سلامتها .وفى رأى الإسرائيليين أن القوات الأردنية فى الضفة الغربية يجب أن تقصر مهمتها على الأمن الداخلى . وتوالت نصائح اليهود لسيدنا فشملت أيضا سحب القوات المصرية من جنوب القدس والخليل و" ننصح سيدنا أن يتجنب بقدر الامكان وساطة الأجانب لتسوية الأمور بيننا وبينه وأن يفضل مثلنا المباحثات المباشرة فان هذا فى نظرنا أدعى للنجاح سواء كان من الناحية العسكرية أو السياسية " وبالفعل كانت الأمور الأساسية تسوى مباشرة مع الملك وكان , دور الوفد الأردنى فى محادثات رودس دورا مختلفا عن الدول العربية الأخرى , اذ لم يزد عن صياغة الأوامر التى وجهت اليه من عمان . وتدل هذه المحادثات على استعداد الأردن مبدئيا لتجاوز مسألة الهدنة كاتفاق عسكرى الى تعاون من نوع ما , فمثلا طلب جعل حيفا ميناء حرا يستخدمه الأردن كمنفذ على البحر المتوسط . ومعنى هذا الطلب هو مرور البضائع الأردنية فى الأراضى الإسرائيلية .وكان المطلب الثانى الذى قدمه الوفد الأردنى هو اعادة اللاجئين خاصة هؤلاء الذين نزحوا عن اللد والرملة , فلم تجد هذه المطالب , وعلى العكس قدم الوفد الإسرائيلى قائمة عريضة عن المطالب : فتح خطوط المواصلات فى منطقتى الجيش الأردنى والعراقى أمام القوات الإسرائيلية وهى طريق اللطرون وسكة حديد القدس وسكة حديد مستعمرتى الخضيرة وروش هابين , وانسحاب العرب جنودا ومدنيين من السهل الساحلى ومن حول المستعمرات اليهودية فى منطقة يبلغ طولها ستة وخمسين ميلا وعرضها ميلين مملوؤد بالمزارع والحقول والبساتين , وفتح الطريق الى جبل سكوبس فى القدس واعادة العمل فى مستشفى هاداسا والجامعة العبرية , واعادة ضخ المياه الى اللطرون , واحتلال البحر الميت وميناء ايلات واعادة العمل الى مصانع البوتاس فى البحر الميت . وقد نصح ايتان عضو الوفد الإسرائيلى بالتساهل مع الأردن قليلا خاصة فيما يتعلق بطرق المواصلات عبر الخطوط الأردنية , ولكن حيث لم يمكن تنفيذ المطالب الحيوية بالتفاهم , قامت إسرائيل بتنفيذها بالقوة , ووضع العالم أمام الأمر الواقع . ونعنى بذلك استيلائها على الطرف الجنوبى من النقب الذى ينتهى عند أم الرشراش على خليج العقبة وهى القرية التى تحولت الى ميناء ايلات وتضارب الأقوال حول موقف عبد الله من هذا الحادث فخصومه يدعون أنه تم بعلمه . أما الوفد الأردنى فقد احتج رسميا على هذا الاجراء . ومنذ شهر يونيو كان نحو ألف جندى أردنى من الفرقة العربية يحتلون مثلثا فى الطرف الجنوبى ضلعه الشرقى يمتد نحو مائة كيلو متر فى وادى عربة وضلعه الغربى يواجه القوات المصرية المرابطة فى النقب وقاعدته نحو 60 كيلو مترا فى الجنوب وطالما كانت القوات المصرية موجودة بالنقب فان هذه القوات الأردنية البسيطة كانت وحدها كافية للمحافظة على السلطة فى تلك المنطقة الخالية من السكان تقريبا . وللأسف كان التحاسد بين عبد الله والحكومة المصرية من العمق بحيث أنه سر لانسحاب المصريين بعد العدوان الإسرائيلى فى أكتوبر , وكأنه لا يدرك أن ذلك الانسحاب سيعرض القوات التابعة فى بقية النقب لخطر جسيم وتكشفت له هذه الحقيقة فى يناير , فاستدعى قوات بريطانية الى العقبة لتحمى هذ االميناء من هجوم إسرائيلى محتمل – وحتى تتجنب إسرائيل الاصطدام بالانجليز أرسلت طابورا خفيفا التف من سيناء الى الرشراش يوم 24 فبراير لم تكن تحتلها قوات أردنية حتى ذلك التاريخ , واحتجت على وجود القوات البريطانية فى العقبة . والواقع أن أصدقاء إسرائيل من الانجليز كانوا قد سبقوا الى رفع الاحتجاجات فى مجلس العموم منذ أن دخلت القوات البريطانية العقبة يوم 8 يناير , مع أن القوات البريطانية باعتراف المسئولين البريطانيين ساعدت على استقرار الحدود هناك . ومعنى استقرار الحدود كما يبدو , هو أن القوات البريطانية فى العقبة ساعدت على الزام الطرفين بخط التقسيم الذى يسمح لإسرائيل بالامتداد الى خليج العقبة . لم يتساهل الملك فى مسألة النقب فحسب , بل انه منح إسرائيل تنازلات عدة فى القطاع الشمالى , وأعلن فى محادثاته السرية عن استعداده لاجراء تعديلات اقليمية فى هذا القطاع لولا أنه يخشى تفاقم مشكلة اللاجئين . ويعتقد بعض الكتاب أن تساهل عبد الله فى هذه الحقبة من المحادثات انما جاء فى أعقاب الانتخابات النيابية الأولى فى إسرائيل , اذ دلت الانتخابات على ضعف مركز الحزب الشيوعى الذى لم يفز الا بأربعة مقاعد فى الكنسيت , وكان عبد الله يعتقد بأن إسرائيل معبر للشيوعية الى الشرق الأوسط وأن خطرها يكمن أساسا فى هذه الصفة . وقد وعد الإسرائيليين منذ شهر يناير فى المحادثات السرية المباشرة التى دار جزء منها فى عمان بالحصول على تفويض من العراق لعقد هدنة فى القطاع الذى تحتله القوات العراقية , وكانت إسرائيل تفضل سحب تلك القوات أصلا من الأردن وقد صور الإسرائيليون للملك بأن سحب القوات العراقية انما هو ميزة لحكومة عبد الله أكثر مما هى مصلحة لإسرائيل , وقالوا انهم لن يسلموا للملك بحلول جيشه محل الجيش العراقي فى الضفة الغربية دون مقابل , وطلبوا بالفعل مقابلاغاليا , وهو الانسحاب الى مسافة 15 ميلا على طول القطاع الشمالى – وبعد مساومات خفض الى 2ونصف ميل فى منطقة عرضها 55 ميلا وهى المنطقة التى تقع تل أبيب فى وسطها – وبذا لا تكون العاصمة واقعة على شريط ساحلى كما هو الحال فى بعض أجزاء إسرائيل الأخرى . جرت مقابلة بين ملك الأردن وعبد الاله الوصى على عرش العراق أثناء هذه المحادثات الأردنية الإسرائيلية وتم اللقاء عند محطة هاء 3 لضخ البترول فى العراق قرب الحدود الأردنية , والظاهر أنه لم يتحقق اتفاق بين الرجلين . ووجد عبد الاله فى هذا الخلاف فرصة لرفض فكرة عقد هدنة مع إسرائيل واتخذ من ذلك الوضع وسيلة للتفاخر على الدول العربية الأخرى , وحقيقة الأمر هو أن العراق استجاب لمطلب الأردن بسحب قواته من المثلث الاستراتيجى الهام جنين – طولكرم – نابلس . ولما لم تكن للعراق حدود مشتركة مع إسرائيل فقد ألقت الحكومة العراقية عن نفسها عبء المسئولية وابتعدت عن المعركة دون أن تحتاج الى عقد هدنة .

وقعت الهدنة بين إسرائيل والأردن فى 4 إبريل , ومن الشائع أن عبد الله فكر فى أن يتجاوز اتفاق الهدنة الى عقد اتفاق عدم اعتداء لمدة خمس سنوات وكان مشروع المعاهدة ينص على حرية الأردن فى استخدام ميناء حيفا مقابل السماح لإسرائيل باستخدام العقبة , غير أن استيلاء إسرائيل المفاجىء على ايلات جعلها فى غير حاجة الى منح تنازلات فى حيفا , ولم يلبث بن جوريون نفسه أن أذاع خبر محادثات الصلح وأحرج الملك عبد الله الى حد أن مصر دعت الى اجتماع لمجلس الجامعة العربية طالبة اخراج الأردن من عضويتها . ويتساءل المرء " ماذا كان يقصد قادة إسرائيل من وراء فضح هذه المحاولة – هل استهدفوا قبل كل شىء تعميق الانقسامات بين الحكومات العربية حتى لو كان ذلك على حساب صديقهم العربى ؟ أم أنهم لم يكونوا جادين فى عقد صلح منفرد مع الأردن , لأنهم يعلمون أن مثل هذا الصلح بدون مصر لن تكون له قيمة . أما عبدالله فنفى أنه فكر فى الصلح أصلا .

أما اتفاقية الهدنة فتحتوى فى مقدمتها على نفس المبادىء العامة الواردة فى اتفاقيات الهدنة الأخرى فتشير الى أنها تمهيد لتسوية سلمية .

وسنورد ههنا فقط المواد التى تتميز بها الهدنة مع الأردن عما سواها من الاتفاقيات .

ففى المادة 6 نص على أن تحل القوات الأردنية محل القوات العراقية فى المثلث المشار اليه وذلك طبقا لرسالة وزير الخارجية المؤرخة فى 20 مارس بان الحكومة العراقية فوضت الأردن فى مفاوضات الهدنة وتعد بانسحاب القوات العراقية .

والنص على سحب القوات العراقية فى الهدنة الأردنية يفتح الباب أمام إسرائيل للتدخل فى موضوع عربى محض , وبالفعل ستعتبر إسرائيل فى أكثر من مناسبة دخول القوات العراقية الأردن أمرا يهدد سلامتها ومتعارضا مع اتفاقية الهدنة , حدث ذلك فى سنة 1956 . ثم قبيل عدوان يونيو سنة 1967 .

وفى المادة السابعة نص على ان تكون قوات الطرفين دفاعية محضة الى مسافة 10 كيلو مترات " الا حيث يكون ذلك غير عملى لاعتبارات جغرافية مثل الطرف الجنوبى القصى لفلسطين والشقة الساحلية " ومن الواضح أن هذا الاستثناء أدخل لخدمة مصالح إسرائيل فتستطيع أن تضع قوات هجومية فى ايلات أو فى الشريط الساحلى الضيق الذى تنحصر فيه الأراضى الإسرائيلية فى بعض المناطق .

وكان ينبغى أن يعامل قطاع غزة نفس المعاملة الاستثنائية , لولا أن الحكومات العربية عند توقيع اتفاقيات الهدنة لم تكن من ورائها القوة العسكرية التى تمكنها من التمسك بحقوقها .

وتختص المادة الثامنة بتنظيم مرور القوافل الإسرائيلية فى منطقة القدس عبر الأراضى الأردنية وذلك للوصول الى مستشفى هاداسا والجامعة العبرية وهما يقعان على جبل أسكوبس المحاط بأراض أردنية , كذلك تنظيم القوافل العربية المتجهة الى الأماكن المقدسة فى بيت لحم , وحسب الاتفاقية لا يجوز مد المراكز الإسرائيلية المعزولة بالسلاح . وانما تقتصر هذه القوافل على المؤن والحاجيات المدنية .

وتشرف لجنة الهدنة على تنفيذ هذا البند . وعند اندلاع حرب 67 تكشف أن هذه المراكز الإسرائيلية كانت مشبعة بالسلاح وأن الأسلحة كانت تهرب اليها فى صناديق البسكويت .

سوريا

تأخر توقيع اتفاق الهدنة الدائمة بين إسرائيل وسوريا حتى 20 يوليو ويرجع ذلك الى أن القوات السورية كانت ما تزال منذ وقف اطلاق النار تحتل جزءا من فلسطين بين بحيرة طبرية والجليل – وحسب قرار التقسيم يدخل هذا الجزء من الأراضى المخصصة لليهود , وبالرغم من أن إسرائيل تجاوزت حدود التقسيم فى مناطق كثيرة على حساب مصر والأردن فانها جاءت ههنا وتمسكت بحدود التقسيم , لكن السوريين لم يجبروا بضغط القوة العسكرية على الانسحاب , فلم يكن من المتوقع أن ينسحبوا طواعية , فاجتهد رالف بانش بصفة خاصة لتسوية هذه المشكلة المعقدة واقترح المبدأ الذى تحمس له فى مختلف الجبهات وهو ايجاد مناطق منزوعة السلاح على الحدود . واحتجت إسرائيل بأنه لا يجب المقارنة بين هذه المنطقة وبين العوجة فلا علاقة بين الجبهتين الشرقية والغربية , ثم ان هذه المنطقة تتحكم فى قطاع توزيع المياه , كما تتحكم بير سبع فى طرق مواصلات النقب , واقترح بانش فى بداية الأمر أن تنزع المنطقة من السلاح على أن تبقى الادارة المدنية سورية فرفضت إسرائيل الاقتراح لأنها لا تقدم التنازلات مستندة الى سياسة القوة والأمر الواقع , وبضغط من الوسيط الدولى فرضت المادة الخامسة على اتفاق الهدنة وهى مادة غاية فى الغموض , اذ لا تحدد الادارة التى ستسود فى المنطقة بعد انسحاب السوريين منها . فجاء فى الفقرة الثانية من المادة الخامسة أنه " وفقا لروح قرار مجلس الأمن المؤرخ فى 16 من نوفمبر 1948 فقد حدد خط الهدنة والمنطقة العزلاء لفصل قوات الطرفين بصورة تقلل من امكانيات الاحتكاك والاصطدام على أن تؤمن فى الوقت نفسه عودة الحياة المدنية تدريجيا فى المنطقة العزلاء دون أن يؤثر ذلك فى الحل النهائى " . وفيما عدا ذلك فان اتفاقية الهدنة مع سوريا تتشابه من حيث المبادىء العامة مع اتفاقيات البلاد العربية الأخرى وهى تأخذ الحدود الدوليىة السابقة بين سوريا وفلسطين كأساس لخط حدود الهدنة – وفيما يلى نص المقدمة ليتبين للقارىء كيف أن اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل كانت من حيث النص تراجعا عن السياسة الرسمية المعلنة بواسطة جميع الحكومات العربية , " ان الطرفين فى هذا الاتفاق استجابة منهما لقرار مجلس الأمن المؤرخ فى 16 نوفمبر 1948 الذى يدعوهما الى التفاوض لعقد الهدنة كتدبير مؤقت اضافى وفقا للمادة . من ميثاق الأمم المتحدة تسهيلا للانتقال من حالة وقف القتال الى سلم نهائى فى فلسطين .. وبما أنهما قررا الشروع تحت اشراف الأمم المتحدة باجراء مفاوضات تتعلق بتنفيذ قرار مجلس الأمن الصادر بتاريخ 16 من نوفمبر 1948 وعينا ممثلين معتمدين للتفاوض ولعقد اتفاق هدنة .. "

ملاحظات عامة

تعد اتفاقيات الهدنة مثلا صارخا على سيادة مبدأ الأمر الواقع , فان إسرائيل استطاعت بواسطتها أن تفرض التقسيم وأن تضيف اليه أراضى أخرى عن طريق الاعتداءات المتكررة حتى استولت على 77 بالمائة من مساحة فلسطين بينما كان القسم المخصص لها حسب قرار التقسيم لا يتجاوز 55 بالمائة وهذه الاضافة الاقليمية التى تم الاستيلاء عليها بقوة السلاح تناستها الأمم المتحدة صاحبة قرار التقسيم وألف العالم خطوط الهدنة كحدود نهائية لإسرائيل , ولم يخف الزعماء الإسرائيليون فى مؤلفاتهم أن الأمر الواقع هو اللغة التى تفهمها الأمم المتحدة والدول الكبرى , وقد كان من الجائز أن يحمى مجلس الأمن خطوط التقسيم أما أن يتولى حماية خطوط الهدنة فذلك أقوى دليل على الآستسلام للأمر الواقع , وتدل جميع التصرفات التى اتبعتها الصهيونية من يوليو 1948 حتى توقيع هذه الاتفاقيات على نجاحها فى تطبيق المبدأ . ففى صيف 1948 وبعد حرب الأيام العشرة استدعى برنادوت أربعمائة من المراقبين الدوليين وشرع فى رسم خطوط بين الأراضى التى تحتلها إسرائيل والتى يحتلها العرب لتكون حدودا ثابتة فى المستقبل . وكان قد انتهى من تخطيط ثلاثمائة ميل ولم يبق سوى مائة ميل أخرى لتقديم خريطة الى الأمم المتحدة تحدد امتداد إسرائيل , وكان ذلك من بين الأسباب التى عجلت بعد وان أكتوبر . ثم هناك سبب آخر هو تقديم مشروع برنادوت بضم النقب الى الأردن وتبنى بريطانيا لهذا المشروع أمام الأمم المتحدة . وقد مالت الولايات المتحدة فى بداية الأمر الى تأييد المشروع لولا أنه تصادف حلول موعد انتخابات الرئاسة فأعلن ترومان أنه يجب التمسك بمكاسب إسرائيل ,مما شجع هذه الأخيرة على العدوان . على أننا لا نذهب الى حد القول بأن إسرائيل حققت جميع اهدافها من وراء الهدنة الدائمة , فلا شك أنها كانت تريد أن تفرض الصلح على العرب بالقوة . حقيقة كان بوسع إسرائيل أن تقول حسب ما ورد فى مقدمات الاتفاقيات أن الهدنة الدائمة حالة مؤقتة ريثما يتم الاتفاق على تسوية سلمية , غير أن العرب حسب التصريحات الرسمية ما لبثوا أن أعلنوا أن الهدنة مؤقتة ريثما نستعد لجولة أخرى ورفضوا أن تكون الهدنة الدائمة مرادفا لانهاء حالة الحرب واعتبوها اتفاقا عسكريا محضا , ولديهم حجة هى أن إسرائيل لم تلتزم بقرار التقسيم ولم تنسحب من الأراضى التى احتلتها بواسطة الاعتداءات المسلحة خلافا لقرارى مجلس الأمن فى 4 , 16 نوفمبر . وهما القراران اللذان اعتبرا أساسا لهذه الاتفاقيات . ومما لا شك فيه أيضا أن توقيع الهدنة الدائمة أفاد إسرائيل من الناحية الدولية وشجع كثيرا من الدول على الاعتراف بها , كما فتح أمامها باب العضوية فى الأمم المتحدة . ذلك أن أول طلب تقدمت به إسرائيل للعضوية فى الأمم المتحدة باء بالفشل وكان ذلك فى 29 نوفمبر سنة1948 , أى فى الذكرى الأولى للتقسيم . وأيدت الولايات المتحدة هذا الطلب قائلة بأن إسرائيل دولة محبة للسلام ولكن عند التصويت لم تظفر الا بتأييد خمسة أصوات : هى الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى وأوكرانيا والأرجنتين وكولومبيا . واعترض صوت واحد هو مندوب سوريا , بينما امتنعت الدول الباقية على التصويت وهى بريطانيا – فرنسا – الصين – بلجيكا – كندا . وكانت حجة بريطانيا هى عدم وجود حدود ثابتة لهذه الدولة وحاول مندوب الولايات المتحدة أن يجيب هن هذه الحجة بتشبيه إسرائيل ببلاده فى أيام نشأتها الأولى اذ لم تكن لها هى الأخرى حدود معروفة داخل الغابات التى لم يستعمرها الانسان بعد فى القارة المكتشفة حديثا . وعقب مندوب فرنسا على ذلك التشبيه بأنه قياس مع الفارق , فإسرائيل محاطة ببلاد قديمة معروفة الحدود , فقد زالت هذه الحجة بتوقيع اتفاقيات الهدنة الدائمة . وسيتبنى مندوب فرنسا نفسه بعد ثلاثة اشهر طلب إسرائيل المجدد للالتحاق بالأمم المتحدة . وفى الجمعية العامة لم يعترض على عضوية إسرائيل سوى 11 صوتا . كذلك يمكن القول بأن اعتراض كثير من الدول انما جاء بعد فترة انتظار ترقبت خلالها ما ستنتهى اليه الاحداث , فلما شرع العرب فى محادثات الهدنة الدائمة تأكد لدى تلك الدول أن إسرائيل صارت أمرا واقعا ,ففى نهاية شهر يناير ناقش مجلس العموم البريطانى موضوع الاعتراف بإسرائيل فى ثلاثة أيام , وتعرض بيفن وزير الخارجية لانتقاد عنيف سواء من تشرشل زعيم المعارضة أو من زملائه فى حزب العمال . بل اتهمته الصحافة الصهيونية فى بريطانيا بأنه تعمد ارسال طائرات الاستكشاف البريطانية الى إسرائيل لا لمساعدة المصريين بل لاثارة الرأى العام البريطانى على إسرائيل التى ستضطر الى اطلاق النار عليها .ولا نعتقد أن المسألة كانت من الحيوية بالنسبة لبريطانيا بحيث تحتاج الى مثل هذه التضحيات . وقد تلا اعتراف بريطانيا بقية دول الكومنولث ودول أوروبا الغربية , لذلك عندما تقدمت إسرائيل مرة ثانية بطلب العضوية استطاعت أن تحصل على أغلبية الثلثين فى الجمعية العامة وفى مجلس الأمن . وخلاصة القول أن كلا الطرفين العربى والإسرائيلى ظل يعتبر اتفاقيات الهدنة كحل مؤقت ولكنه عند مواجهة العالم الخارجى كان يرجع اليها كأساس للعلاقات بين الطرفين . فكان ذلك من المتناقضات التى يمكن أن تفجر الموقف فى أى وقت .

الفصل الثاني : تعذر التوفيق

اخفاق مساعى الصلح

من المفارقات التى تستلفت النظرفى تطور النزاع العربى الإسرائيلى , أن الدول العربية حينما خاضت الحرب سنة 1948 أعلنت أنه أرسلت حملات تأديبية للقيام بأعمال بوليسية ضد العصابات الصهيونية , ذلك لأن الحرب الرسمية تعنى الاعتراف ضمنا بوجود العدو . فلما تم توقيع افاقيات الهدنة وتوقف القتال بالفعل عكست الدول العربية موقفها , فصارت تعلن أنها فى حالة حرب مع إسرائيل , وانطلاقا من هذا المبدأ اتخذت مصر عدة اجراءات تمشيا مع وجود حالة الحرب . من ذلك اقامة محكمة للغنائم فى الإسكندرية للاستيلاء على أية بضائع إسرائيلية تصل الى الموانى المصرية . وحظر التعامل التجارى مع إسرائيل , وقد اشتركت فى هذا الاجراء جميع الدول العربية فتأسس مكتب المقاطعة تحت رعاية الجامعة العربية , وفرض حصار اقتصادى على إسرائيل كان له بالفعل تاثير سيىء على مخططاتها الاقتصادية , اذ رسمت الصهيونية منذ البداية خططها على أساس أن إسرائيل دولة متقدمة يمكن أن تصبح المركز الصناعى الذى يصدر منتجاته للدول المجاورة . وتمشيا مع مبدأ حالة الحرب طبقت مصر ايضا حظرا على السفن الإسرائيلية بعدم استخدامها لمياهها الاقليمية . وسنعود الى تناول هذه النقطة الأخيرة نظرا للدور الخطير الذى لعبته فى تأجيج الصراع . على أن إسرائيل التى كانت تتشدق برغبتها فى السلام أو الصلح , لم تظهر اية باردة يستشف منها أنها راغبة جديا فيه . ويتجلى ذلك من المباحثات التى جرت بين الإسرائيليين والعرب فى لوازن خلال صيف 1949 . ذلك أنه اثناء بحث موضوع فلسطين فى الأمم المتحدة , قررت الجمعية العامة تكوين لجنة وساطة للتوفيق , واختارت ثلاث دول هى الولايات المتحدة , وفرنسا وتركيا لتشكيل هذه اللجنة . وقام مندوبو الدول الثلاث بدعوة الفريقين الى الاجتماع فى لوازن وأثناء المباحثات تكشف وجود قضايا عديدة معلقة ومتفرعة عن قيام الدولة الإسرائيلية , وتكاد هذه المشكلات أن تستعصى على الحل . وعلى رأس هذه المشكلات فضية اللاجئين .فقد طالبت الوفود العربية بعودة اللاجئين كشرط مسبق على النظر فى الصلح , وكان التصور السائد عند العرب هو أنه يمكن على الأقل اعادة اللاجئين الى المناطق المخصصة للعرب حسب قرار التقسيم .

وهذا يعد فى حد ذاته تراجعا لأن العرب سبق أن رفضوا قرار التقسيم عند صدوره من الجمعية العامة سنة 1947 . ومع ذلك فقد رفضت إسرائيل مبدأ العودة الجماعية مهما كانت محدودة العدد كما اقترحت الولايات المتحدة . وانما أبدت استعدادا فقط لعودة حالات فردية بقصد تجميع الأسر بمعنى أن ينضم الأطفال والنساء الذين يعيش عائلهم فى إسرائيل الى أسرهم . واحتج الوفد الإسرائيلى بأن بلاده مضطرة لاستقبال 420 ألف يهودى قادمين من الدول العربية , وأراد أن يصور هذه الحالة بعملية تبادل السكان . وهذا ينطوى على مغالطة كبرى , لأن إسرائيل كيان جديد على المنطقة . ومن الواضح أن إسرائيل كانت ترغب فى الصلح مع الاحتفاظ بالأرض التى كسبتها حسب اتفاقيات الهدنة , بل انها أيدت منذ الوقت رغبة فى ضم أراض أخرى اذا أراد العرب أن يحملوها جزأ من حل مشكلة اللاجئين , فعرضت أن يترك لها قطاع غزة حتى توطن فيه عددا محدودا من اللاجئين , كما تطلعت الى تعديل الحدود مع الأردن فى المناطق التى تضيق فيها مساحة إسرائيل بين البحر وبين الحدود الأردنية فى حين أن بعض العرب الذين فكروا فى الصلح تطلعوا الى استرداد جزء من الأرض التى فقدت مقابل الصلح والاعتراف الذى يعتبر فى حد ذاته تنازلا كبيرا , لابد له من مقابل حتى يتسنى اقناع الشعب العربى به . ويروى الكاتب الصهيونى gabbay مثالا على ذلك فيذكر أن الوفد حينما تسلم فى بداية سنة 1950 أبدى استعدادا للصلح ,ونقل تصريحا عن مصطفى نصرت وزير الدفاع بتاريخ 20 فبراير قال فيه ان لجنة التوفيق ستجمع بين وفدين عن مصر وإسرائيل لمناقشة امكان تسوية على أساس أن تسترد مصر النقب , فاذا توصلنا الى اتفاق فان ذلك سيكون شيئا هاما غير أن السياسة الظاهرة للوفد لم تكن تختلف عن سياسة الحكومات السابقة بدليل أنها ما كادت تسمع عن موافقه عبد الله على عقد معاهدة عدم اعتداء حتى وجهت الدعوة لمجلس الجامعة العربية حيث عرضت اقتراحا بفصل أية دولة تفكر فى الصلح مع إسرائيل , ولكن الكاتب الصهيونى المشار اليه يفسر هذا التحول بعاملين : الأول : أن حكومة الوفد حينما فكرت فى الصلح طالبت فى مقابل ذلك تعديل الحدود , والحصول على جزء من صحراء النقب . فلما رفضت إسرائيل عدل الوفد عن موقفه . والأمر الثانى : هو حضور عبد الله التل الى مصر ونشره عدة مقالات تندد بسياسة المصالحة التى يسير عليها عبد الله . فلما لوحظ أن هذه المقالات تستحوذ على رضا الرأى العام , رأى الوفد أن المصلحة فى مسايرة هذا التيار , وشارك فى السياسة العامة المعلنة فى العالم العربى , ألا وهى الاستعداد لجولة ثانية . مهما يكن من أمر هذه النزاعات العابرة ,فان التيار ظل قويا ضد فكرة المصالحة ولم تتكرر محاولة لوازن مرة أخرى وكان موضوع اللاجئين يشكل العقبة الرئيسية كلما شرع فى اجراء مباحثات تستهدف تسوية سلمية . يضاف الى ذلك احتدام الخلاف حول مسألة القدس , فقد تضمن قرار التقسيم لسنى 1947 مبدأ تدويل القدس , وجهد رجال القانون فى الجمعية العامة لوضع نظام خاص للمدينة يحدد مركزها القانونى ويفصل كيفية ادارتها وممارسة السلطة التشريعية فيها , ويحدد نظاما خاصا للجنسية . وظلت هذه القوانين حبرا على ورق لأن كلا من الأردن وإسرائيل ضمت الجزء الذى احتلته من المدينة المقدسة . وعلاوة على ذلك فان إسرائيل نقلت عاصمتها الى القدس الجديدة . وعادت الدول العربية تطالب بتنفيذ قرار التدويل الذى رفضته من قبل سنة 1947 , فأضاف ذلك حلقى جديدة فى سلسلة الخلافات الطويلة بين الأردن والدول العربية . اقتصرت هذه الخلافات على الصعيد الدبلوماسى , أما فى مجال العلاقات المباشرة , فقد ساد هدووء نسبى خلال السنوات الثلاث الأولى من توقيع الهدنة , ويرجع ذلك فى رأينا الى عدة عوامل , منها " أن إسرائيل كانت بحاجة الى هذه الفترة من الهدوء حتى تتمكن من استيعاب المهاجرين .

ومن المعروف أن هذه الحقبة تمثل العهد الذهبى فى تاريخ الهجرة اليهودية . وكان على إسرائيل أن تتغلب فى نفس الوقت على مشكلة ادماج اليهود الشرقيين الذين يمثلون أغلبية العناصر الوافدة , اذ أن الهجرات اليهودية السابقة شملت أساسا عناصر أوروبية . أما العامل الثانى , فهو انصراف مصر فى ذلك الوقت الى قضية الجلاء وتركيز الجهود من أجلها منذ أن تولى الوفد الحكم أول سنة 1950 , أما العامل الثالث فيتمثل فى وجود الملك عبد الله الذى حرص من جهته على تجنب النزاع مع إسرائيل , فلما اختفى فى صيف 1951, شهد الأردن فترة من عدم الاستقرار شجعت كلا من الإسرائيليين والفلسطينيين على تجاوز حالة الهدنة . وأخيرا اجماع الدول الكبرى فى ذلك الوقت على تجميد الوضع الراهن اذ ذاك , و يتجلى ذلك فى صدور التصريح الثلاثى عن الولايات المتحدة وبريطانيا , وفرنسا . وبمقتضاه تعهدت الدول الثلاث بالعمل على المحافظة على حدود جميع الدول فى منطقة الشرق الأوسط , وعدم تزويدها بالسلاح الا لضرورات الأمن الداخلى . ولم يكن موقف الاتحاد السوفييتى مختلفا وان لم يشترك فى التصريح . ومن ثم لم تتوفر لدى الأطراف المتنازعة وسائل كافية للحصول على السلاح . وكانت القوات المسلحة لدى الطرفين محدودة للغاية اذا ما قورنت بالنمو السريع الذى بدأ فى سنة 1955 . يضاف الى ذلك أن اتجاه السياسة الخارجية لدى الطرفين الرئيسيين فى النزاع : مصر وإسرائيل , كان متشابها , فكلاهما يفضل مبدأ الحياد بين الشرق والغرب مع اختلاف الأهداف , ذلك أن حكومة الوفد كانت قد شرعت فى غرس نواة الحياد فى مصر , ورفضت فكرة الأحلاف الغربية . وكانت إسرائيل فى ذلك تحرص على ود الدولتين العظميين , وترفض هى الأخرى الأحلاف , بل وتنتقد الأردن لارتباطه ببريطانيا .

التوتر على الحدو

تسلط معظم المصادر الأجنبية الأضواء على الفدائيين العرب الذين يعبرون الحدود وبذا يحملون مسئولية انتهاك اتفاقيات الهدنة . وتجاهل هذه المصادر خطة إسرائيل التى اتبعتها منذ قيامها , وهى انشاء مستعمرات محصنة على الحدود , تعرف باسم نحال , يدرب سكانها تدريبا عاليا على حرب العصابات . وبذا يمكن استخدامهم للاغارة على الحدود العربية كلما وجدت ضرورات سياسية بعبارة أخرى اذا كان الفدائيون الفلسطينيون قد اخترقوا الحدود الإسرائيلية فى بعض الأحيان , خلال عام 1950 , 1950 , فان ذلك تم بصفة فردية , فى حين أن إسرائيل كانت هى البادئة بتخطيط غارات واسعة النطاق تتم بتدبير من الدولة . بل لوحظ أن بعض حالات العبور لخطوط الهدنة بواسطة العرب جاءت بحسن نية , اذ تصور بعض القرويين أنه بامكانهم أن يعودوا الى قرارهم دون أن يلحظهم أحد . وقد اختلفت سياسة إسرائيل فيما بينهم حول مبدأ الغارات الارهابية عبر الحدود , فكان بعضهم يرى أن تستخدم هذه الغارات للضغط على الحكومات العربية واقناعها بأن نظام الهدنة لا يمكن أن يدوم , فى حين رأى آخرون أن هذه الغارات توسع من شقة الخلاف , وتضيع فرص الصلح , وكان موسى شاريت رئيس الوزراء بين 19511955 أميل الى هذا الفريق , ولكنه كان عاجزا عن كبح جماح " الصقور " وسنتناول فيما يلى بعد مظاهر التوتر على الحدود الأردنية ثم السورية .

الأردن

من المعروف أن الحدود بين الأردن وإسرائيل تمتد على مسافات طويلة وتتداخل فيها القرى بشكل ليس له نظير على الحدود المشتركة مع الدول العربية الأخرى . ويعيش قرب هذه الحدود عدد كبير من اللاجئين , وفى بعض الحالات تقسم القرية الواحدة الى قسمين : عربى وإسرائيلى , وتفصل بينهما الأسلاك الشائكة . ويمكن للنازحين أن يروا أملاكهم المسلوبة وراء هذه الأسلاك , فلا غرو بعدئذ أن يسود التوتر منطقة الحدود تلك . ومنعا لانهياء نظام الهدنة اقترح تكوين لجان مشتركة على طول الحدود , وسرعان ما توقف تنفيذ هذا الاتفاق , ذلك لأنه تضمن انشاء محاكم خاصة لمعاقبة المتسللين . يكن بوسع حكومة الأردن أن تتحدى بشكل سافر مشاعر الوطنيين الفلسطينيين . كذلك كان تداخل الحدود عند القدس يثير من حين الى آخر مشكلات عويصة , فالإسرائيليون يتعمدون تسيير قوافل التموين الى حبل سكوبس بطريق مثيرة تحرسها الشرطة " فيضطر الحرس الأردنى الى اطلاق النار عليهم . وقد اعترفت إسرائيل فى سنة 1967 أنها انتهكت اتفاقية الهدنة فى هذا القطاع , وزودت الجامعة العبرية والمستشفى بكميات هائلة من السلاح . وفى سنة 1953 كانت أوضاع إسرائيل الاقتصادية بتشديد الحصار العربى , وكثيرا ما تلجأ الحكومة الإسرائيلية الى الغارات العدوانية المفاجئة بقصد تقوية الروح المعنوية ,مما يدل على أن حياة إسرائيل مبنية على العدوان . وقد دبرت غارة قبيية التى قتل فيها خمسون عربيا فى . وادعت إسرائيل , كما يحدث دائما عند شن هذه الغارات , أن الحكومة الأردنية تتواطأ مع الفدائيين .

وطلبت أن يبعد اللاجئون عن منطقة الحدود الى مسافة عشرين ميلا . والواقع أن الحديث لا يتردد بنفس الدرجة حول الارهابيين الإسرائيليين الذين كثيرا ما يعبرون الحدود من المستعمرات المجاورة لكى يمارسوا هوايتهم التى دربوا عليها منذ أعمال المقاومة فى أوروبا , وهى تدبير الاغتيالات والأعمال الارهابية .ويجب أن تعترف أيضا بأن أعمال الفدائيين العرب من جانب الأردن لم تكن فى الغالب بتدبير الحكومة الأردنية , بل كثيرا ما قصد بها احراجها . يدل على ذلك تأكيد جلوب القائد العام للجيش الأردنى , من أنه طوال توليه لهذا المنصب , كان يعمل على منع أعمال التسلل أو الفدائيين بعبارة أخرى وذلك لاعتقاده بعدم جدواها . وحدث أيضا أن حامت الشبهة حول المتطرفين الإسرائيليين فى تدبير بعض الغارات على الحدود الإسرائيلية لكى يحرجوا الحكومات الأقل نزوعا الى العدوان .ومن الراجح أن يكون ديان وبن جوريون ولافون قد اشتركوا فى تدبير حادث السطو على حافلة ركاب إسرائيلية وقتل من فيها قرب الحدود الأردنية وكان القصد من ذلك احراج حكومة شاريت وثبات فشل سياستها , و قد جر هذا الحادث شاريت الى المشاركة فى الغارات الثأرية وتدبير غارة نحالين .وتدل مناقشات مجلس الأمن التى دارت حول موضوع غارة " نحالين " على أن إسرائيل أرادت أن تتخذ من اثارة القلاقل على الحدود , دليلا على فشل نظام الهدنة وضرورة تغييره الى صلح , أوعلى الأقل تسوية ما تعطى للعلاقات بينها وبين الدول العربية صورة جديدة .لذا فضل الأردن سحب شكواه فى نهاية الأمر . ومهما قيل عن الهدوء النسبى الذى ساد الحدود الأردنية الإسرائيلية فهناك قائمة طويلة من الانتهاكات ينقلها لنا " هاتشسون " كبير المراقبين الدوليين فى هذا القطاع , وذلك فى المدة الواقعة بين يونيو 1949 وأكتوبر 1954 . بلغت الشكاوى الإسرائيلية 1612 , والأردنية 1348 , ولم تحقق هيئة الرقابة الدولية الا فى الحالات الجدية . واصدرت فى خلال هذه المدة خمسة وتسعين حكما بالمخالفةعلى إسرائيل , وستين على الأردن . وتتعلق الشكاوى أحيانا بعبور القوات النظامية للحدود . وهذا النوع من المخالفات تفوقت فيه إسرائيل ( 357 شكوى من إسرائيل , مقابل 146 من الأردن ) وعلى العكس ترددت الشكوى من عبور الفدائيين الذين لا يتبعون القوات النظامية فبلغت 747 شكوى ضد الأردن , مقابل 18 ضد إسرائيل . أما حالات طرد السكان المدنيين , فلم تصدر منه أية شكوى ضد الأردن وعلى العكس وجهت 61 شكوى بهذا الخصوص ضد إسرائيل . كذلك كانت حوادث الاختراق الجوى أكثر ترددا من جانب إسرائيل ( 340 حالة مقابل 48 من الأردن ) . وقد أشرنا من قبل كيف عمل جلوب على ايقاف أعمال الفدائيين , غير أنه بعد عزله فى مارس أمكن استئنافها . وقابلت إسرائيل هذا النشاط المتجدد من الفدائيين بتقديم مطالب جديدة تستهدف تعديل نظام القوافل التى تصعد فى مواعيد محددة الى جبل سكوبس , حيث بقيت الجامعة العبرية ومستشفى هاداسا ترمزان الى تبعية قديمة لليهود . وكثيرا ما يبالغ هؤلاء فى أهمية هذه الأمور الروحية كنوع من أنواع الدعاية وكسب التأييد الدولى . وحقيقة الأمر أن إسرائيل لم تكن بحاجة الى الاحتفاظ بهذه الجامعة أو ذلك المستشفى المعزول عن أراضيها , والمؤكد أنها تطلعت الى الجبل الذى يشرف على مدينة القدس ويحتل موقعا استراتيجيا هاما , والا فان إسرائيل كانت قد أنشأت فى مدينة القدس جامعة حديثة وزالت حاجتها بالفعل الى الاحتفاظ بهذه الجامعة ذات القيمة التاريخية المحضة . وفى 19 أكتوبر سنة1956 شنت إسرائيل أفظع غارات وحشية على الأردن منذ توقيع الهدنة , وهى غارة قليقلية التى قتل فيها أكثر من خمسين مدنيا عربيا , وللأسف تابعت وثائق الأمم المتحدة وتقاريرها وصف إسرائيل لهذه الغارات بأنها ثأرية وانتقامية . كأن العرب هم البادئون بالعدوان , وأن إسرائيل انما تلجأ الى هذه الغارات للثأر من البادىء بها , ولكن اذا تأملنا الدوافع التى أدت الى غارة قليقلية نلاحظ أنها استهدفت أغراضا سياسية بعيدة المدى . فاماأن تكون إسرائيل قد أرادت أن تحول الأنظار عن خطتها الأساسية لغزو مصر , وأما أن تكون قد أرادت التأثير على الانتخابات النيابية فى الأردن التى اقترب موعدها وكان ينتظر ظفر الوطنيين بأغلبية المقاعد فى المجلس الجديد , وكأن إسرائيل تريد أن تحذر قيام حكم وطنى هناك . ومن الجائز أيضا أن يكون هدف العدوان الإسرائيلى هو منع وصول الجيش العراقي الى الأردن , اذ ان حكومة تل أبيب كانت تعتبر دخول القوات العراقية الأردن مخالفا لشروط الهدنة . ويشاع أن بريطانيا أوعزت الى حليفها نورى السعيد بأن يرسل تلك القوات الى الأردن قبيل العدوان الثلاثي , وذلك تصاعد الاحزاب الوطنية الميالة الى مصر . غير أن الملك حسين فضل أن يترك العاصفة تمر , و لم يوافق على دخول القوات العراقية الى بلاده , و ترك الوطنيين يتسلمون السلطة . أما رجال الأمم المتحدة فقد فسروا الهدنة الأردنية الإسرائيلية على أساس أنها تمنع من عودة القوات العراقية الى المثلث الذى كانت ترابط فيه سنة 1949 . لكنها لا تقيد حرية العراق والأردن فى تدبير خطط الدفاع معا . وعلى كل فقد تراجعت بريطانيا فى آخر لحظة عن هذه ال خطة , وأصدر بيانا بتطبيق معاهدة الدفاع مع الأردن اذا ما تعرضت لغزو خارجى . ونخلص من ذلك الى أن الأردن كان عاجزا عن الدفاع عن نفسه أمام العدو الإسرائيلى منفردا , ولذلك لم يكن بوسع حكومة عمان أن ترد على الغارات واسعة النطاق بمثلها .

فى القطاع السورى

ثبت قصور نظام الهدنة ههنا لسببين رئيسيين : الأول : هو عدم التزام إسرائيل بالتنظيم الخاص بالمنطقة منزوعة السلاح . والثانى : هو متاخمة منطقة الحدود للبحيرات وحوض نهر الأردن وفروعه وما يترتب على ذلك من ضرورة وجود اتفاق لتنظيم توزيع المياه . وقد أشرنا الى أن سوريا قبلت تحت الضغط الانسحاب من الأراضى التى كانت تحتلها فلسطين , شريطة ان تكون منزوعة السلاح . وتشمل هذه الأراضى قطاعين غير متصلين : الأول يمتد من منتصف بحيرة الحولة بمحاذاة نهر الأردن حتى التقاته ببحيرة طبرية . ويتراوح عرض المنطقة بين كيلو متر وأربعة كيلو مترات . ويمتد القطاع الثانى جنوب شرق طبرية الى مسافة أربعة كيلو مترات الى خمسة , عند نقطة التقاء الحدود بين سوريا والأردن . وحسب المادة الخامسة من الهدنة السورية الإسرائيلية تتوجب اعادة الحياة المدنية فى المنطقة الى حالتها الطبيعية .

وقد فهم المراقبون الدوليون أن هذه المادة تعنى اشرافهم على تطبيقها واقترحوا أن تخصص شرطة يهودية لحماية السكان اليهود , وأخرى عربية لحماية السكان العرب . ثم تبين أن إسرائيل تسلح رجال الشرطة بصورة تتجاوز مهمة الأمن الداخلى . واستخدمت هذه القوات لطرد السكان العرب من المنطقة حينما شرعت إسرائيل فى تجفيف بحيرة الحولة سنة 1951. وكان المقصود من ذلك اقامة مستعمرات جديدة فى المنطقة . وعرضت إسرائيل شراء ما بقى للعرب من أراض فى هذا القطاع , فرفضت سوريا السماح بالبيع ,ووقعت بعض الاشتباكات , وأصدر مجلس الأمن قرارا بالسماح بتجفيف بعض أجزاء البحيرة مع عدم الاخلال بملكية السكان العرب . شجع هذا القرار إسرائيل على المضى فى العدوان , فوضعت العالم أمام الأمر الواقع ,وأخرجت السكان العرب وأعلنت سيادتها على المنطقة منزوعة السلاح , مخالفة بذلك روح اتفاق الهدنة ونصها . وقد فكرت حكومة الشيشكلى آنذاك فى الاستعانة بالجيش العراقي لايقاف الاعتداءات الإسرائيلية , الا أن تطلع الهاشميين الى احياء مشروع الهلال الخصيب , جعل سوريا تتوجس خيفة من بقاء القوات العراقية فى أراضيها , كما أن اشتباكا على نطاق واسع قد يؤدى الى جلب من القوات العراقية ففضلت قبول الأمر الواقع وعادت القوات العراقية بعد أربعة أشهر . ومن جهة أخرى أثارت إسرائيل مشكلات حول وضع بحيرة طبرية فادعت السيادةعليها , لأنها كانت تدخل ضمن فلسطين فى عهد الانتداب البريطانى .ولكن سوريا تحتل الساحل من ناحية الشرق , ومن حقها تأمين هذا الساحل , وممارسة حق الصيد فى البحيرة . وأرادت إسرائيل أن تتخذ من مسألة الصيد حجة لبدء مفاوضات تستهدف تنظيمه . فرفضت سوريا وانتهى الأمر بتحديد مسافة تجاه الساحل السورى تمتد 250 مترا داخل البحيرة , تعتبر مياها سورية , وتستطيع القوارب السورية أن تمارس من مشكلات فليس بوسع الصيادين أن يلتزموا بخط وهمى وسط المياه , كما من الطبيعى أن يشك كل فريق فى طبيعة وأهداف القوارب التى تنزل الى البحيرة . لذلك كانت بحيرة طبرية من أشد مناطق الهدنة توترا وقد شهدت الفترة بين سنتى 1953 , 1954 تصاعدا مستمرا للاشتباكات المسلحة على الحدود , وزادت من هذا التوتر أعمال تحويل مياه الأردن التى اخذت إسرائيل تنفيذها سرا أحيانا وعلانية أحيانا أخرى , ومتحدية قرارات مجلس الأمن الذى طلب ايقاف أعمال التحويل الى أن يتم اتفاق بين الأطراف المعنية . على أنه فى الوقت الذى أيدت فيه الدول الغربية ايقاف أعمال التحويل رأت أن ترضى إسرائيل من جانب آخر بالموافقة على تجفيف بقية بحيرة الحولة بعد أن صار أمرا واقعا وعندما طرح هذا الموضوع من جديد على مجلس الأمن فى يناير 1954 , استخدم الاتحاد السوفيتى حق الفيتو لايقاف القرار , وكانت هذه هى المرة الأولى التى يستخدم فيها الاتحاد السوفيتى الاعتراض لصالح العرب فى نزاعهم مع إسرائيل . وفى ذلك الحين كانت الولايات المتحدة تتحمس لمشروع مشترك لتوزيع مياه الأردن ولذلك لم تشجع اتخاذ قرارات حاسمة لمجلس الأمن , على أمل أن يساعد ذلك على نجاح جونستون فى مهمته . ومن جهة أخرى نسب الى شوكت شقير , القائد العام السورى فى ذلك الوقت الرأى القائل بعدم جدوى الاشتباكات الجزئية , ويدخل فى هذا الباب نشاط الفدائيين لذلك نلحظ هدوءا نسبيا فى عام 1954 الا أن أحوال سوريا الداخلية والخارجية لم تلبث أن تبدلت فى العام التالى فقد شهدت سنة 1955 تقاربا مطردا بين مصر وسوريا , انتهى بعقد معاهدة دفاع مشترك , كما بدأ استيراد الأسلحة من الكتلة الشرقية وانتقلت قيادة الجيش الى ضباط من الشبان الوطنيين المتحمسين . فلم يستطيعوا أن يقفوا جامدين أمام استمرار إسرائيل فى تحويل مياه الأردن وقد مضى عامان كاملان على محاولات جونستون دون جدوى للتوفيق بين العرب وإسرائيل على طريقة لتوزيع المياه , اذ كان تحيزه لإسرائيل , كما سنرى أمرا واضحا ولما كان مجلس الأمن قد أمر بايقاف أعمال التحويل ريثما تتفق الأطراف المعنية , فلم يكن بوسع الجيش السورى سوى أن يطلق النار كلما اكتشف المهندسين الإسرائيليين يخالفون هذا القرار . وفى بعض الأحيان كان الإسرائيليون يدعون أنهم يقومون فقط بأعمال الحفر لانشاء مساقط المياه الخاصة بتوليد الكهرباء من بحيرة طبرية , الا أنه ثبت أنهم كانوا يقومون ببناء خزانات لمد أنابيب المياه الى صحراء النقب , تنفيذا لوعد بن جوريون بأن ينقل المياه الى هذه الأراضى الجرداء فى أقرب وقت . تلك هى الظروف التى أحاطت بأكبر غارة إسرائيلة شنت على سوريا يوم 11 من ديسمبر 1955 , وقد وقعت هذه الغارة بينما كان بيرنز كبير المراقبين الدوليين يقيم فى إسرائيل للتباحث فى شأن الاعتداء على الحدود المصرية قبل ذلك بشهر واحد , مما جعل بيرنز يعتقد أن من بين أهداف هذه الغارة اختبار معاهدة الدفاع المشترك بين مصر وسوريا . وعلى كل فقد أدت هذه الغارة العنيفة الى تفكير كثير من الأعضاء بمجلس الأمن فى ضرورة تغيير نظام الهدنة . وجاء همرشولد فى مهمة خاصة الى الشرق الأوسط لبحث هذها الموضوع وسنعود الى تفصيل ذلك فى مناسبة أخرى أما القضية التى تتعلق مباشرة بالهدنة السورية , فهى كما تبينا موضوع مياه الأردن ,وكيفية توزيعها .

مصر والممرات المائية

اذا كانت الهدنة الدائمة قد جمدت الجبهة من الناحية العسكرية فقد حاولت مصر أن تعوض هذا التجميد بتأكيد حالة الحرب مع إسرائيل واتخاذ جميع الاجراءات التى تثبت ذلك وبذا تظل قضية فلسطين مطروحة سياسيا ودوليا . فصدر القانون العسكرى رقم 5 لسنة 1948 الذى وضع نظام تفتيش السفن بالموانى المصرية . ثم أكمل ذلك بالقانون رقم 13 الذى يطبق قواعد القانون الدولى العام المتعلقة بالحرب . والذى يجعل من حق الدولة المحاربة مصادرة البضائع المرسلة الى العدو . والتى يعثر عليها بعد التفتيش وترتب عبى هذا اقامة محكمة للغنائم البحرية بالإسكندرية ثم أخرى للغنائم التى يعثر عليها فى الطائرات كما صدر قانون ثالث يحظر التعامل مع الأشخاص أوالهيئة التى لها نشاط اقتصادى مع إسرائيل . ومع مرور الزمن اتسع نطاق المقاطعة اذ كانت تدرج أسماء الشركات التى تتعاون مع إسرائيل فى قوائم سوداء . ويطبق عليها نظام المقاطعة فى جميع البلدان العربية . وتجلى أثر هذه المقاطعة على شركات الطيران والملاحة بصفة خاصة . ونجح فى ارغام معظم شركات الطيران التى لها خطوط فى الشرق الأوسط على أن تحول طريقها عن مطار " اللد " الدولى ففقد أهميته . وبالنسبة للاقتصاد الإسرائيلى . فقد تحول عن الخطة الأصلية التى بنى عليها الإسرائيليون آمالهم . وهى تصدير المصنوعات الى البلاد العربية . واستيراد المواد الغذائية منها . فاضطرت إسرائيل الى تكريس جهد مضاعف للانتاج الزراعى .

وبعد عقد الهدنة بوقت قصير , شرعت إسرائيل فتقديم الاحتجاجات على الحصار البحرى . واتجهت أولا الى لجنة الهدنة . فاعترضت مصر بأن هذا الموضوع لا يدخل فى اختصاص اللجنة . اذ أن الحصار مسألة سياسية تمارسها السلطات المدنية . أما لجنة الهدنة فتختص بالشئون العسكرية المحضة .وافق رئيس اللجنة أولا على وجهة النظر المصرية , ثم عاد فأيد إسرائيل مدعيا بأن الحصار البحرى روح نظام الهدنة . وفى هذه الأثناء أخذت مصر تضيف الى قائمة الممنوعات روح الاستراتيجية سلعا جديدة , وحسب القانون الدولى , يجوز للسلطات المصرية مصادرتها عند العثور عليها . وكان أصحاب السفن لا يرغبون فى المغامرة بمصادرة البضائع , أو وضع سفنهم فى قوائم سوداء مما يعرضها للتفتيش , وبالتالى للتعطيل عند المرور فى المياه المصرية , لذلك تجنبوا مخالفة القوانين المصرية فى أغلب الأحيان . وتذكر المصادر الإسرائيلية أنها تمكنت خلال السنوات الأولى من تهريب نحو 10 بالمائة من البضائع الواردة اليها على سفن مرت بقناة السويس , ولكن بعد أن شددت الرقابة سنة 1950 كاد التهريب يختفى .

وتشمل اجراءات الحصار منع السفن المحايدة التى تكون مؤجرة بطريق مباشر أو من الباطن لإسرائيل من المرور فى قناة السويس . احتجت إسرائيل لدى مجلس الأمن على الاجراءات المصرية , سواء فيما يتعلق بالتفتيش ومصادرة المواد الاستراتيجية . أو فيما يتعلق بحق إسرائيل فى المرور بقناة السويس . ولم تكن الدول الغربية راغبة فى طرح الموضوع أصلا أمام المجلس . لأنها كانت تسعى آنذاك لاقامة حلف رباعى فى شرق البحر المتوسط . وتأمل فى أن تجذب مصر اليها . ولكن عندما طرح الموضوع لم تتردد فى تأييد إسرائيل . وكانت حجج العدو التى تقدم بها الى مجلس الأمن تنبنى على الأسس الآتية : 1- أن الهدنة الدائمة هى حالة خاصة جدت على القانون الدولى . ولا يمكن اعتبارها مجرد اتفاق لوقف اطلاق النار . لأن الأجهزة التابعة للأمم المتحدة تشرف على تنفيذها .

2- ثم ان هذه الهدنة استطالت بحيث يصعب تشبيهها بمجرد اتفاق عسكرى لوقف اطلاق النار .

3- واحتجت إسرائيل بمعاهدة سنة 1888 التى تكفل حرية الملاحة فى قناة السويس , حتى بين الدول المتحاربة . ولم تأخذ إسرائيل سوى جانب واحد من تلك المعاهدة , متجاهلة المادة العاشرة التى تعطى لمصر حق الدفاع عن نفسها فى القناة . واذن فان محور ما اذا كانت الهدنة الدائمة توازى حالة انهاء الحرب أم لا .

حاول مجلس الأمن أن يعيد القضية الى الطرفين , لتسويتها وديا . وبعد الحاح من إسرائيل اصدر قرارا فى أول سبتمبر 1951 يدعو مصر الى رفع اجراءات الحصار , ذاكرا فى حيثيات القرار أن منع مرور السفن يعتبر عملا عدوانيا منافيا لاتفاق الهدنة , كما يمس حرية التجارة بالنسبة للدول التى لم تشترك فى حرب فلسطين . واذن فقد أخذ المجلس بالنظرية القائلة بأن الهدنة تساوى انهاء حالة الحرب . وهذا الموضوع قانونى , رأت مصر أن محكمة العدل الدولية هى الهيئة المختصة بالبت فيه , وليس مجلس الأمن الخاضع لمؤثرات سياسية . كذلك فان تفسير معاهدة 1888 مسألة قانونية تدخل فى اختصاص المحكمة الدولية . ومما هو جديربالملاحظة أن المجلس لم يتخذ قراره هذا بالاجماع , وانما امتنعت عن التصويت ثلاث دول هى : الاتحاد السوفيتى , والهند , والصين . ويعد امتناع الاتحاد السوفيتى ظاهرة هامة جديدة بالنسبة للقضية الفلسطينية فقد رأيناه فى الماضى يصوت مع الولايات المتحدة لاصدار القرارات المؤيدة لإسرائيل ويعتبر الامتناع مرحلة انتقال بين التأييد السابق لإسرائيل , وبين تأييد العرب ابتداء من عام 1954 , هذا التأييد الذى تمثل فى استخدام حق الفيتو لمنع تجديد قرار مشابه اتخذه مجلس الأمن ضد منع سفينة بت جاليم الإسرائيلية من المرور فى القناة . والظاهر أن إسرائيل تعمدت ارسال السفينة بت جاليم الى قناة السويس بقصد التأثير على المفاوضات الانجليزية المصرية , فتبين لبريطانيا كيف أن حرية الملاحة ستتعرض للخطر اذا تم الجلاء . وهذا يوضح لنا فساد الادعاءات الصهيونية من أن إسرائيل كانت خلال عام 1952 تعرض التعاون مع الحكومة المصرية لمكافحة الإمبريالية البريطانية . ولا شك أن تظاهر إسرائيل بمعاداة النفوذ البريطانى أوهم السوفييت خلال السنوات الأولى من وجود إسرائيل بأنها عنصر صالح فى المنطقة , فلما انكشفت صلاتها الوثيقة بالإمبريالية , أخذ يتحول بسرعة نحو تأييد العرب.

كان بوسع إسرائيل منذ أن احتلت أم الرشراش أن تتصل بالبحر الأحمر مباشرة دون الحاجة الى استخدام قناة السويس , ولكن فى هذه السنوات الأولى لم يكن ميناء ايلات قد أعد بعد للملاحة . ولم تشأ إسرائيل أن تطوره طالما أن الملاحة فى مضايق تيران لم تكن مضمونة , ذلك أنه تمشيا مع سياسة الحصار البحرى التى أخذت مصر تتوسع فيها باطراد , كان لابد من ايجاد وسيلة لاقفال الخليج فى وجه الملاحة الإسرائيلية , ولا يتحقق ذلك الا بالاتفاق مع الحكومة السعودية التى تقع شواطئها على الطرف الآخر من الخليج . وفى أوائل سنة 1950 دخلت القوات المصرية جزيرتى " تيران " و" صنافير " بالاتفاق مع الحكومة السعودية . وهاتان الجزيرتان تقعان فى مدخل الخليج الذى يعرف بمضايق تيران . ويبلغ عرض هذه المضايق 12 ميلا , ومع وجود الجزر , تصبح الممرات المائية التى تشكل هذه المضايق داخلة فى المياه الاقليمية العربية , سواء أكانت مصرية أم سعودية . ومعنى ذلك أنه يصبح من حق السلطات العريبة منع العدو من المرور فيها , وتفتيش السفن المحايدة التى تبحر فوق تلك المياه .

وبعد أن اتخذت الاستعدادات العسكرية لمراقبة الملاحة , رأت الحكومة المصرية أن تبلغ بريطانيا بهذه الاجراءات الجديدة , نظرا الى أن السفن البريطانية تتردد على الخليج , وذلك لوجود حامية بريطانية فى ميناء العقبة الأردنى . و جاء فى المذكرة المصرية الصادرة فى 28 فبراير 1950 الفقرة الآتية " ولما كان هذا الاحتلال لم توح به فكرة اعاقة المرور البرىء على أى وجه فى المجال البحرى الواقع بين الجزيرتين المذكورتين وشاطىء سيناء المصرى فمن المسلم به أن هذا الممر , وهو الوحيد الممكن سلوكه عمليا , سيبقى حرا كما كان فى الماضى , وذلك وفقا للعرف الدولى , ومبادىء القانون الدولى المقررة "

وفى نفس الوقت أبلغت السفارة الامريكية بهذه الاجراءات . ووزع منشور على شركات الملاحة والقنصليات الأجنبية فى مصر حتى تكون جميع السفن الحربية والتجارية على علم بنظام المرور فى مضايف تيران . ويمكن اجمال هذه الاجراءات فيما يلى :

1- اذا حاولت سفينة حربية إسرائيلية , أو سفينة حربية مساعدة تابعة لإسرائيل أن تمر فى المياه الاقليمية , بما فى ذلك مدخل خليج العقبة , أمكن اطلاق النار فى مواجهتها لانذارها ولمنعها من المرور , على ألا توجه القذيفة اليها مباشرة بغرض اصابتها اذا أمعنت فى مخالفتها .

2- اذا حاولت سفينة تجارية تابعة لإسرائيل أن تمر فى المياه الاقليمية المصرية بما فى ذلك مدخل خليج العقبة الواقع بين جزيرة تيران وساحل سيناء , فيكتفى بضبط هذه السفينة وحجزها دون مصادرتها , واحالة أمرها الى مجلس الغنائم , على أن تقوم بهذا الضبط السلطات المدنية الجمركية بمساعدة الوحدات المصرية التابعة لمصلحة خفر السواحل .

3- قبل مرور السفن الحربية والتجارية والأجنبية المحايدة بمدخل خليج العقبة , فمن حق السفن الحربية المصرية , وكذلك محطات الاشارات بالبر , سؤالها عن اسمها وجنسيتها ووجهتها , كما هو متبع دوليا . على أن يكون استعمال هذا الحق بحيث لا يعوق حرية المرور البرى عبر مدخل خليج العقبة شمالا أو جنوبا .

وفى أوائل يونيو 1951احتجزت السفينة البريطانية " امباير روش " لمخالفتها التعليمات . فتبودلت فى هذا الشأن خطابات بين السفارة البريطانية والخارجية المصرية . ونخلص منها الى أن بريطانيا أقرت بحق مصر فى ممارسة الرقابة على الملاحة . ووعدت بريطانيا بأن تبلغ السلطات المصرية فى المستقبل عن جنسية السفن ووجهتها قبل أت تصل الى نقط المراقبة المصرية . وذلك تلافيا لتعطيل الملاحة . وتعريض السفن للزيارة والتفتيش .

وبذلك تكون بريطانيا قد اعترفت بأن موقف مصر بخصوص الملاحة فى مضيق تيران وخليج العقبة مطابق لأحكام القانون الدولى .

لا شك أن اقفال مضايق تيران فى وجه الملاحة الإسرائيلية قد أثرت فى خطط إسرائيل الاقتصادية . ذلك لأن مخططى الاقتصاد الإسرائيلى عولوا على ايجاد أسواق للصناعات الإسرائيلية فى الدول المتخلفة فى آسيا وأفريقيا . وفى سنة 1953 كانت المفاوضات تدور بين الهند وإسرائيل لعقد اتفاقية تجارية كما أن أثيوبيا اعترفت اعترافا كاملا بها . ومن الواضح أن إسرائيل لا تستفيد من هذه العلاقات الجديدة الا باستخدام مضيق تيران . وقد قابلت مصر هذا التسلل الإسرائيليى الى آسيا وأفريقيا باحكام الحصار فى سنة 1953 , ووافقت لجنة الهدنة على حظر الملاحة التجارية لأى من الطرفين المتنازعين فى المياه الاقليمية للطرف الآخر . وتأكد بذلك حق مصر فى منع الملاحة الإسرائيلية من المضايق .

ولما رفعت إسرائيل شكوى الى مجلس الأمن تطالب بحرية الملاحة فى قناة السويس وخليج العقبة سنة 1954 , أبطل الاتحاد السوفيتى القرار باستخدام حق الفيتو . ولم يظهر رد فعل هذا الموقف الا فى سبتمبر 1955 , فى ذلك التاريخ صرح بن جوريون بأنه اذا لم يكن فتح مضايق تيران للملاحة بواسطة الأمم المتحدة , فعلى إسرائيل أن تعول على نفسها لفتح هذا الممر الدولى بالقوة , وقدر لذلك ثلاثة عشر شهرا , فهل كانت نية بن جورجيون أن تقوم حكومته بعمل منفرد حتى ولم تتجمع تلك الظروف التى أدت الى العدوان الثلاثي الذى تصادف وقوعه بالفعل عند نهاية المدة المحددة , وأدى الى فتح المضايق للملاحة الإسرائيلية ؟

ومن المعروف أن حجة إسرائيل بخصوص حرية الملاحة فى المضايق , هى أن خليج العقبة بحر دولى , لوقوع أكثر من دولة على سواحله .

وعلى ذلك فان مضايق تيران تعتبر مياها دولية , لأنها الطريق الوحيد للوصول اليه . ولا يجوز استخدام حق السيادة على المياه الاقليمية بدون قيد .وهنا نعود الى محور الخلاف الرئيسى وهو نظام الهدنة الدائمة . وهل يعتبر انهاء لحالة الحرب أم لا ؟ فاذا لم يكن مطابقا لانهاء حالة الحرب . فمن حق الدول العربية أن تمنع سفن العدو من المرور بمياهها الاقليمية . وذلك لممارسة حق الدفاع عن النفس .

وتأتى مشكلة العقبة لتضيف دليلا جديدا على قصور نظام الهدنة وكيف أنه ترك المشكلات الفرعية معلقة تستعصى على الحل .

الفصل الثالث :مصر وقضية فلسطين قبل سنة 1956

موقف الدول الكبرى

فى بينا الفصل السابق كيف أن نظام الهدنة الدائمة لم يكن عمليا . والواقع أن اتفاقيات الهدنة كانت تعبيرا عن الهزيمة العسكرية العربية . ولذلك لم تستطع الحكومات العربية أن تواجه بمنطق سليم دائما المشكلات الفرعية الناجمة عنها ومن هنا تعذر حل مشكلات كثيرة مثل مشكلة اللاجئين , و استخدام الممرات المائية . وكان على العرب أن يبحثوا عن حل جذرى , اما بالاستعداد العسكرى أو بايجاد تسوية نهائية اذا كانوا عاجزين عن هذا الحل الأمثل .

ومن المعروف أن الرأى العام العربى كان مجمعا على رفض فكرة الصلح واذن فقد صار لزاما على الحكومات العربية أن تستعيد جديا لخوض الجولة الثانية ومواجهة العالم بالأمر الواقع , وهو السياسة التى اتبعتها إسرائيل . الا أن الحكومات العربية فعلت العكس تماما فأخذت تتحدث كثيرا عن الجولة الثانية , وتعلن ذلك فى الاذاعات والصحف دون أن تستعد جديا لخوض المعركة ونتج عن ذلك أن صارت لدى إسرائيل حجج قوية لاستعطاف الرأى العام العالمى , واستيراد الأسلحة بكميات هائلة , والاستعداد للعدوان فى صمت .

على أن إسرائيل هى الأخرى لم تكن راضية عن نظام الهدنة , بل أنها كانت أشد انتقادا له , وطالبت بتطبيق المادة الأولى التى تدعو الى جعل الهدنة مقدمة لتسوية نهائية . وفسرت إسرائيل هذه التسوية بأنها الصلح أو السلام . وليس صحيحا أن قادةالصهيونية يرغبون فى السلام فى حد ذاته , وانما من الطبيعى أن يرحب سالب الحق بايجاد تسوية سريعة , تجعل صاحب الحق المسلوب يعترف له بذلك فيسقط حقه الى الأبد .

ولإسرائيل مصالح أخرى هامة تتحقق من وراء الصلح أو التسوية الدائمة , فمن الأسهل اقناع المهاجرين بالمجىء بأعداد وفيرة اذا كانت الأمور مستقرة , على أن إسرائيل تمكنت فى الثلاث سنوات الأولى من تهجير 600 ألف الا أن حركة الهجرة انحسرت بعد ذلك , بل لوحظت أيضا حالات خروج من البلاد لا يستهان بها . وقد دل تاريخ إسرائيل القصير على أنه كلما توقفت الهجرة احتاجت الى عمل عدوانى ترفع به المعنويات لتجذب وفودا جديدة من المهاجرين .

وفى سنة 19521953 كانت إسرائيل تعانى أزمات اقتصادية وسياسية لم يسبق لها مثيل . ولم ينقذها من الانهيار الاقتصادى فى ذلك الحين سوى وجود اتفاق التعويضات الذى فرض على ألمانيا الغربية بواسطة الولايات المتحدة . ومن الناحية السياسية شهد العالم تحول الاتحاد السوفييتى من حالة الفتور الى اتخاذ موقف مضاد , انتهى بقطع العلاقات الدبلوماسية فترة من الوقت خلال عام 1953 , وكذلك اعتبر مجىء الجمهوريين الى الحكم فى الولايات المتحدة خسارة لإسرائيل لأن الحزب الجمهورى يقف موقفا محايدا من النزاع العربى الإسرائيلى , بل لأنه اقل تحيزا للصهيونية من الحزب الديمقراطي .

وفى هذه الظروف ازدادت إسرائيل تعلقا بايجاد تسوية , وكان موسى شاريت يتزعم الاتجاه القائل بامكان تقديم تنازلات بسيطه للعرب اذا قبلوا التسوية . وفى هذه الأثناء كانت مصر مشغولة بمحادثات الجلاء وترجو أن تستفيد من الولايات المتحدة بالضغط على بريطانيا لاتمم عقد المعاهدة بصورة ترضيها , ولذلك صدرت تلميحات مصرية تشير الى امكان تسوية اذا ما استردت مصر بعض الامتيازات السابقة فى النقب , ويذكر بيرجر و نقلا عن المصادر الإسرائيلية أن إسرائيل لم تعارض فى امتلاك مصر لخط حديدى عبر النقب يصل بينها وبين الأردن , الا أن مصر طالبت بممر عريض يقطع اتصال إسرائيل بخليج العقبة . واذا صح وجود مباحثات من هذا النوع , فنحن نعتقد أنها كانت مناورة من كلا الطرفين , للتغلب على صعوبات داخلية , فمصر تريد كسب الأمريكيين فى هذه المرحلة الدقيقة من المفاوضات مع بريطانيا , و إسرائيل تعانى من أزمات اقتصادية وسياسية مستفحلة .

ولم تخف عن الأمريكان هذه الحقائق , فقد قام دلاس بجولة فى الشرق الأوسط لاقناع الحكومات العربية بالانضمام الى الأحلاف العسكرية ,وعاد ليصرح بأنه وجد العرب مشغولين بالصراع مع إسرائيل من جهة , وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى ولذلك فهم لا يدركون – على حد تعبيره – خطر الشيوعية .

هل قصد دلاس من هذا التصريح أن يبرر الموقف العربى ؟ أم أنه أراد أن يغطى فشله فى هذه المهمة ؟ وليس بوسعنا أن نجيب على هذا السؤال , انما نقرر أن الموقف العربى , برفض الأحلاف الغربية لم يكن يفكر العرب فى خطر الشيوعيةوهو مجرد أمر محتمل ويتجاهلون خطرا واقعا بالفعل , و هو الوجود الإسرائيلى وبقايا الاستعمار البريطانى فى الشرق العربى ؟ والذى حدث هو أن الولايات المتحدة حاولت فى الفترة ما بين 1953 . 1955 أن تسترضى العرب بتصريحات تشير الى حلول لبعض القضايا الفرعية كقضية اللاجئين , ومن شأنها أن تعطى للعرب ارضاء جزئيا . ومن ذلك تصريح لدلاس قال فيه " ان على إسرائيل أن تعتبر نفسها من دول الشرق الأوسط , وليست موطنا لليهودية العالمية , لأن ذلك يؤدى بطبيعة الحال الى اتباع سياسة توسيعية " وحتى بعد أن اندلعت المعركة فى العالم العربى بين أنصار حلف بغداد وخصومه , استمرت الولايات المتحدة تبذل المساعى الدبلوماسية لاغراء العرب بالأحلاف , أو على الأقل ايقاف التقارب من الاتحاد السوفييتى. ولا نستبعد أن تكون المخابرات الأمريكية قد علمت بمفاوضات صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتى . فرأت حكومة واشنطن أن تسبق باصدار تصريح جديد , يعتبر أقصى ما وصل اليه الأمريكيون من محاولة لاسترضاء العرب فى نزاعهم مع إسرائيل, ومع ذلك فهو ما يزال بعيدا كل البعد عن الأمانى العربية , اذ أنه يقتصر على موضوع اللاجئين , ويحبذ حل القضية عن طريق مشروع جونستون , واعادة هؤلاء الذين يستطيع الاقتصاد الإسرائيلى فقط امتصاصهم . ثم يدعو الى ضمان للحدود بطريق تؤدى الى توسيع التصريح الثلاثى الذى رفضه العرب من قبل . وفيما يلى بعض فقرات من الخطاب الذى ألقاه دلاس أمام لجنة الشئون الخارجية فى 26 أغسطس 1955 " وهناك مشكلة العرب وإسرائيل التى لم تحل بهدنة 1949 , والتى ترتب عليها ثلاث مشاكل ما زالت بحاجة ملحة الى الحل .

فالمشكلة الأولى هى المأساة التى أحدقت بالتسعمائة ألف لاجىء الذين عاشوا سابقا فى المنطقة التى تحتلها الآن إسرائيل . والمشكلة الثانية هى حجاب الخوف المخيم الآن على العرب والإسرائيليين على السواء .

فالبلاد العربية تخشى توسع إسرائيل على حسابها , ويخشى الإسرائيليون أن يلقى بهم فى البحر , كما أنهم يعانون من التدابير الاقتصادية المتخذة ضدهم . والمشكلة الثالثة هى عدم وجود حدود دائمة بين إسرائيل وجيرانها " ثم تابع دالاس حديثه قائلا " فكرت فى هذه الحالة تفكيرا عميقا , وانتهيت الى استنتاجات معينة قد يكون التعبير عنها مساعدا لايجاد الاستقرار فى المنطقة , ولبذل جهود انشائية جديدة . واننى أتكلم مخولا السلطة من الرئيس أيزنهاور , فانها مشكلة ال 900 ألف لاجىء يقضو أن يمكن هؤلاء الناس المنتزعون جذورهم من استئناف حياة جديدة , وذلك عن طريق اعادة استقرارهم وكذلك الى الحد الذى قد يكون ممكنا تطبقه عن طريق عودتهم الى ديارهم ولتحقيق هذا الهدف هناك الحاجة الى خلق المزيد من الأراضى الصالحة للزراعة حيث يستطيع اللاجئون ايجاد مساكن دائمة وتحصيل قوتهم بجهدهم وعملهم ومن حسن الحظ أن هناك مشاريع عملية لاستثمار المياه جديرة بتحقيق ذلك وهناك التعويض المستحق من إسرائيل للاجئين . وأن الرئيس أيزنهاور يوصى بأن تسهم الولايات المتحدة اسهاما جوهريا فى توفير المال اللازم للتعويض كما يوصى بأن تشترك الولايات المتحدة فى تحقيق مشاريع استثمار المياه والرى هذه المشارع التى يكون من شأنها مباشرة اعادة استقرار اللاجئين " . " أما مشكلة الخوف فيمكن التغلب عليها بتدابير جماعية تخصص قوة حاسمة لردع العدوان " . " ولقد خولنى الرئيس أيزنهاور سلطة القول أنه اذا توفر الحل لهذه المشاكل فانه يوصى بأن تشترك الولايات المتحدة بالتزامات ومعاهدات رسمية لمنع أو لاحباط أية محاولة يقوم بها أى من الطرفين كى يغير بالقوة الحدود بين إسرائيل وجاراتها العربية . واذا كان القصد ايجاد ضمان للحدود , فمن الطبيعى أن يكون هناك اتفاق على ماهية هذه الحدود "

وبعد شهرين ذهب ايدن الى أبعد من ذلك . ففى خطاب شهير ألقاه يوم 9 نوفمبر فى " مانشن هاوس " لمح الى امكان اجراء تعديل فى الحدود لصالح العرب وعرض وساطة بريطانيا فى هذا الأمر . ولما كان هذا الخطاب ألقى بعد الاعلان عن صفقة الأسلحة مع الكتلة الشرقية , فقد فسره الكثيرون على أنه محاولة من جانب بريطانيا لتدعيم مركزأصدقائها فى الشرق العربى , وذلك ابان احتدام المعركة حول حلف بغداد . والدليل على ذلك هو زيارة الماريشال تامبلر التى أعقبت هذا الخطاب , الى الأردن بقصد اجتذابه الى حلف بغداد . ولم تخف هذه الحقائق عن المسئولين فى مصر أو سوريا . ومع ذلك فقد ذكرت الأهرام فى 13 نوفمبر أن خطاب ايدن يعد خطوة هامة تدل على تغير نظرة العرب الى إسرائيل . ولكن هل بوسع مصر والدول العربية التى قررت نبذ سياسة الأحلاف واستيراد الأسلحة من الكتلة الشرقية أن تستفيد من مثل هذه التصريحات ؟ لقد ذكر المراقبين أنه كان من مصلحة العرب وجود معسكرين عربيين : أحدهما : يجتذب الدول الغربية لتأييد القضية العربية والآخر يكسب صداقة الكتلة الشرقية لنفس الغرض . والحق أن هذه الميزة لا يمكن الاستفادة منها الا بوجود تنسيق بين العرب . والذى حدث هو على العكس , اتساع شقة الخلاف . ويمكن أن نتساءل : الى أى مدى كانت وعود ايدن مجدية ؟

أولا : لأن التصريحات التالية كشفت عن تناقض فى موقف ايدن على الأقل فقد أكد فى فبراير 1956 تمسكه بالتصريح الثلاثى , وذلك فى البلاغ المشترك الذى صدر بعد زيارته لرئيس الولايات المتحدة . ومن المعروف أن هذا التصريح يؤكد المحافظة على الحدود القائمة . فكيف يوفق بين هذا , وبين تلميح ايدن السابق بامكان تعديل الحدود لصالح العرب ؟

ثانيا : أنه لو سلمنا جدلا بوجود مثل هذا الاستعداد لدى بريطانيا , فهل كان بوسعها أن تجبر إسرائيل على قبول تعديل الحدود ؟ ان سياسة إسرائيل منذ توقيع الهدنة هى عدم التنازل عن شبر واحد من أراضيها , بل على العكس استغلت جميع الفرص لضم المناطق منزوعة السلاح . فاجبارها على مثل هذا الأمر يتطلب استخدام القوة .

اذن لم يبق أمام الدول العربية الجادة فى تحرير فلسطين سوى متابعة التسلح من الاتحاد السوفييتى , شريطة أن تستفيد من هذا التسلح لممارسة الحرب الحديثة , وقبل أن يصدر ايدن تصريحه سئل بيرنز كبير المراقبين الدوليين عما اذا كان ورود الأسلحة التشكيلية الى مصر يشكل خطرا على إسرائيل , فأجاب بأن التدريب عليها يتطلب وقتا طويلا . واعترف بيرنز بأن حرب سنة 1956 ليست محكا للمقارنة بين القوات المصرية والإسرائيلية , ولكنه أضاف بأن الاشتباكات الجزئية السابقة التى حدثت فى قطاع غزة أو على حدود سيناء , دلت على أن الجيش المصري لم يستفيد من هذه الأسلحة الجديدة . وعلق بهذه العبارة نقلا عن نابليون " لا يوجد جنود غير أكفاء , بل هناك فقط ضباط غير أكفاء " . وتثير صفقة الأسلحة مع الكتلة الشيوعية أسئلة أخرى , هل كان المقصود بتسليح بعض الدول العربية هو مساعدتها على حرب تحريرية فى فلسطين أم مناهضة حلف بغداد ومنع دول عربية أخرى من التفكير فيه , بعبارة ثانية تدعيم سياسة الحياد . والواقع أن أسلحة الكتلة الشوعية حينما أرسلت الى مصر وسوريا فى سنة 1955 لم تقيد بشروط لاستخدامها كما كان الحال بالنسبة للأسلحة التى قدمها حلف بغداد للعراق , واذن فقد كان من الممكن استخدام الأسلحة الجديدة لتحقيق الهدفين معا ولو أن المحرك الرئيسى بالنسبة للسوفيت كان هو مساعدة الدول العربية المحايدة على الوقوف فى وجه الأحلاف الغربية وايجاد قدم لهم فى منطقة كانت ما تزال مغلقة عليهم حتى ذلك الوقت .

ومع ذلك فان صفقة الأسلحة تدل على تحول هام فى السياسة السوفييتية ازاء النزاع العربى الإسرائيلى , فبعد أن وقف الاتحاد السوفييتى مع الولايات المتحدة يؤيد قيام إسرائيل سنة 1948 تبدل كمرحلة أولى , نحو الوقوف الحياد من النزاع العربى الإسرائيلى ثم أخذ يتحول الى جانب العرب ابتداء من سنة 1954 .

ففى يناير من هذا العام استخدم الاتحاد السوفييتى الفيتو فى مجلس الأمن للمرة الأولى بمناسبة اقتراح غربى يؤيد إسرائيل فى تجفيف بحيرة الحولة ولم تكن هذه هى البادرة الأولى نحو التحول , ففى نهاية عهد ستالين قطعت العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل من فبراير الى يوليو سنة 1953 وكان الدافع الى هذا تشكك ستالين من موقف اليهود فى الاتحاد السوفييتى وشرق أوربا فقد لوحظ أنهم رغم انتمائهم للحزب الشيوعى فان ولاءهم للصهيونية أقوى , و من خلال الولاء للصهيونية ظهرت ميول نحو الدول الغربية وهذا ما جعل القادة السوفييت يتشككون فى ولاء اليهود للحكومات القائمة ووجد هؤلاء صعوبة فى اقناع دول شرق أوروربا بتغير مواقفها ازاء القضية حيث كان لليهود نفوذ أقوى فى بولندا وتشيكوسلوفاكيا ثم جاءت الأحداث الدولية لتؤكد هذا التحول .

ففى الماضى كان السياسيون السوفييت يقسمون العالم الى معسكرين متضادين اشتراكى ورأسمالى , ومنذ المؤتمر العشرين اعترف خروشوف بوجود المعسكر الثالث وأهميته فى العالم الجديد , ووافق على أن كتلة الدول غير المنحازة تستحق المساعدة والتأييد حتى ولو لم تعتنق الشيوعية وفى نفس الوقت ظهرت وقائع مختلفة تؤكد صلة إسرائيل بالإمبريالية .

ويضيف بعض المراقبين السياسيين سببا آخر , هو بروز الصين كدولة عظمى ورغبة السوفييت فى مسابقتها الى اجتذاب كتلة الحياد فى آسيا وأفريقيا .

وما أن أعلنت صفقة الأسلحة التشيكية حتى أرسل مساعد الخارجية الأمريكية على عجل الى مصر محاولا أن يثنيها عن هذا الاتجاه . كذلك بذل سفراء بريطانيا والولايان المتحدة مساعى كثيرة لدى الكرملين مدعين بأن ارسال الأسلحة الى الدول العربية يناقض روح مؤتمر جنيف الذى عقد بين الدول الأربع منذ وقت قصير واتفقت فيه تلك الدول أن تراعى روح السلام فى تصرفاتها دون تحديد لهذه التصرفات .

وكان جواب الاتحاد السوفييتى هو أنه اذا كانت بريطانيا قد سمحت لنفسها بتكوين حلف فى الشرق الأوسط فيجب على الاتحاد السوفييتى أن يكون أكثر اهتماما بالمنطقة بسبب الموقع الجغرافى . كيف كان وقع صفقة الأسلحة على إسرائيل ؟

يقال أن الحكومة الإسرائيلية فكرت حينئذ فى أن تدعو الولايات المتحدة الى اصدار تعهد بحمايتها ,غير أن حكومة أيزنهاور لم تكن راغبة فى التورط الى هذا المدى فى الشرق الأوسط , بخلاف ما سيحدث بعد العدوان الثلاثي . ولما أخفقت إسرائيل فى هذا السعى , اتجه موسى شاريت رئيس وزرائها آنذاك الى مؤتمر رؤساء الدول الكبرى فى جنيف ثم مؤتمر وزراء خارجية الدول الأربع فى باريس فى أكتوبر سنة 1955 . وألح فى الرجاء أن يمتنع الاتحاد السوفييتى عن تسليح الدول العربية والا فليفسح المجال لإسرائيل للحصول على السلاح بحيث يكون هناك توازن فى التسليح بينها وبين الدول العربية مجتمعة . ولم يوفق شاريت فى مهمته وأحيل الموضوع الى مجلس الأمن فى أوائل سنة 1956 وكلف همر شلد فى إبريل بالقيام بمهمة خاصة ( للتهدئة) فى الشرق الأوسط .

وفى هذه الأثناء كان رجال الحكم فى إسرائيل قد تغيروا , فذهب شاريت المعروف بسياسة الملاينة وحل بن جوريون محله كرئيس للوزراء وكان قد تسلم وزارة منذ شهر أكتوبر 1955 وبذا عاد فريق المتطرفين الى الحكم فى إسرائيل .

واذا دققنا النظر فى أوضاع إسرائيل السياسية لسنة 1955 نلاحظ أن المتطرفين أخذوا يزدادون نفوذا سواء فى الحكومة أم الكنيست .

والمقصود بالمتطرفين هنا أنصار استخدام القوة للتوسع . ويكاد أن يكون هناك اتفاق بين الأحزاب الإسرائيلية على مبدأ التوسع وانما تختلف فيما بينها على الأسلوب الذى يجب اتباعه لهذا الغرض . واشتهر حزب حيروت بأنه أشد هذه الأحزاب تطرفا , فهو ينادى بأن إسرائيل يجب أن ترث فلسطين والأردن كما كانت فى عهد المملكة اليهودية القديمة . والواقع أن حيروت لا يختلف عن بقية الأحزاب سوى أنه يصرح دون مواربة بمبدأ التوسع الذى تخفيه الأحزاب الأخرى . وقد دعا ليبرمان , أحد زعماء الحزب , الى شن غارات خاطفة للاستيلاء على غزة والمرتفعات السورية . ولم يعترض الماباى الحزب الحاكم حينذاك – على المبدأ ولكنه وانتقد أسلوب الغارات الخاطفة وفضل – انتظار الفرصة الدبلوماسية التى تسمح بحرب شاملة لتحقيق نفس الأهداف . وعلى كل فان انتخابات الكنيست التى جرت فى صيف سنة 1955 دلت على ازدياد نفوذ المتطرفين فقفز حزب حيروت من ثمانية مقاعد الى 15 بينما تناقص حزب الماباى من 45 الة 40 مقعدا , فعزى هذا الفشل الى سياسة الملاينة التى اتبعها شاريت لذلك أبعد عن السلطة ودعى ابن جوريون ممثل السياسة المتصلبة فى حزب الماباى لكى يعيد هيبة الحزب . لذلك يمكن القول بأن المناورات الحزبية فى إسرائيل كانت تحض من تلقاء نفسها المسئولين على اتباع سياسة عدوانية .

فهل كانت إسرائيل ترغب فى اختبار قوة مصر العسكرية قبل أن يتم الجلاء , أم أنها اعتقدت أن مثل تلك الغارات ترهب الفدائيين ونوقف نشاطهم ؟

الموقف على الحدود

ساد هدوء نسبى على الحدود بين مصر وإسرائيل بعد توقيع الهدنة , ويرجع ذلك الى أن منطقة الحدود المصرية غير آهلة بالسكان لا يستثنى من ذلك سوى قطاع غزة , وقد كان من الطبيعى أن يفكر هؤلاء اللاجئون الفلسطينيون الذين تكدسوا فى قطاع صغير , فى القيام بأعمال فدائية ضد العدو ومما شجع على هذا الاتجاه بعد سنة 1950 طرد نحو تسعة آلآف من عرب العزازمة الذين يقطنون العوجة وقد وفد معظمهم الى غزة ليزيد مشكلة اللاجئين استفحالا . ومن المؤكد أن القوات المصرية النظامية لم تشترك مباشرة فى هذه الأعمال , فلما لوحظ ازدياد نشاط الفدائيين بعد أكتوبر سنة 1954 عزت إسرائيل هذا النشاط الى توقيع المعاهدة التى انهت الخلاف مع انجلترا وأتاحت للمصريين مجالا أوسع للتفكير فى قضية فلسطين , وفى نهاية فبراير سنة 1955 شنت إسرائيل أكبر غارة على القوات المصرية المرابطة فى قطاع غزة وقتل أثناءها نحو 39 جنديا وجرح عدد أكبر . ويثير هذا التوقيت عدة تساؤلات .

ويذهب البعض الى ابعد من ذلك وهو أن إسرائيل أرادت أن تدبر خطة بعيدة المدى تستهدف اضطرار مصر الى توثيق روابطها مع الكتلة الشرقية حتى يتسنى لإسرائيل أن توثق روابطها بالغرب وبذا تستطيع أن تحصل على السلاح دون قيد , ومن مصلحة الدول العدوانية بصفة عامة أن تجلب الحرب الباردة الى حيث تعيش .

رفعت مصر شكوى الى مجلس الأمن الذى أصدر قرارا اجماعيا بلوم إسرائيل على هذه الغارة , غير أن المندوب الفرنسى لم ينس أثناء المناقشات أن يدعو الدول الأعضاء الى بحث الأسباب البعيدة للخلاف والعمل على تلافيها , وفضلا عن ذلك لم يحنو تقرير بيرنز على التقريع الذى تستحقه إسرائيل , بل انه تضمن لوما للعرب لأنهم لا يتوقفون عن تهديد إسرائيل بالدمار . وضم مجلس الأمن هذا التقرير الى حيثياته عندما أصدر لومه لإسرائيل وكما هو مألوف لم يؤد قرار مجلس الأمن الى نتيجة تذكر ولم تكن منخطة الحكومة المصرية الرد على هذه الغارات الإسرائيلية بأعمال مماثلة تقوم بها القوات النظامية , بل لجأت الى تشجيع الفدائيين من العرب الفلسطينيين , وقام هؤلاء بغارة ناجحة على بير العين فى النقب وأخرى فى بير سبع وتمكنوا من اصابة أنابيب المياه عصب الحياة للمستعمرات اليهودية فى المنطقة . وردت إسرائيل مرة أخرى بغارة على مركز الشرطة المصرية فى خان يونس حيث قتل 36 جنديا . وعندما بلغ التوتر ذروتها فى صيف 1955 اتخذت إسرائيل اجراء صريحا كانت تخفيه من قبل وهو تسليح منطقة العوجة .

وللعوجة أهمية استراتيجية قصوى , فهى تقع فوق مرتفعات تشرف على الطريق من بير سبع الى سيناء , وفى العهد العثمانى أقيمت بها نقطة الجمارك وكانت هى سبيل الجيش المصري الذى دخل النقب سنة 1948 وعن طريقها جاء الإسرائيليون فى ديسمبر من نفس العام لغزو سيناء كما سيأتون منها أيضا فى سنة 1956 .

وتقوم استرتيجية إسرائيل على اقامة مستعمرات فى مناطق الحدود لأنها لا تعتمد على الجيوش الدائمة , ويعيش سكان هذه المستعمرات حياة مشبعة بالروح العسكرية . فهم يشغلون بعض الوقت بالزراعة وبقية الوقت فى التدريب العسكرى. وهكذا فان اقامة مزارع جديدة فى العوجة كان فى حد ذاته نقضا لنظام الهدنة الذى يعتبرها منطقة منزوعة السلاح . وقد بينا من بل كيف أن إسرائيل مهدت لاقامة هذه المستعمرات بطرد السكان العرب الذين لجأوا الى غزة ولم تعترف مصر فى وقت ما بأن العوجه جزء من إسرائيل بل كانت تطالب بأن تكون مقرا لهيئة الرقابة الدولية التابعة لمجلس الأمن , غير أن خطة إسرائيل المتبعة هى رفض مرابطة رجال الأمم المتحدة على أراضيها , وبالتدريج أخذت تؤكد سيادتها فى العوجة كما فعلت فى المنطقة منزوعة السلاح قرب الحدود السورية .

وفى سنة 1955 أعلنت صراحة أن العوجة جزء من أراضيها وليس لأحد الحق فى منعها من اقامة التحصينات عليها . وازاء النقض الصريح لاتفاقية الهدنة قدم بيرنز احتجاجات شديدة اللهجة الى حكومة إسرائيل واقتصر الأمر على ذلك .

وكان بيرنز مقتنعا بأن وجود مستعمرات آهلة بالسكان على الحدود لابد وأن يؤدى الى اشتباك , وتلافيا لذلك قدم مقترحات تقوم على ثلاث نقاط " تخفيض عدد الشرطة التى تستخدمها إسرائيل فى العوجة والتى تعتبر فى حقيقة الأمر قوات مسلحة قادرة على الهجوم . وتتولى قوات الأمم المتحدة تخطيط حدود دولية بين العوجة وبين سيناء وترابط عليها قوات دولية . ثانيا تقوم مصر بسحب نقاط الرقابة المشرفة على العوجة , وأخيرا تشكل دوريات مشتركة من الجيش المصري والإسرائيلى على نسق التجربة التى حدثت فى الأردن وذلك للطواف المستمر على جانبى الحدود ,وقد رفضت مصر مبدئيا أى تعامل مباشر مع السلطات الإسرائيلية وانما كانت مستعدة لوساطة المراقبين الدوليين فى فض اشتباكات الحدود .

اعترضت مصر على مقترحات بيرنز اذ اعتبرت وجود أية قوات من الشرطة الإسرائيلية نقضا لمبدأ نزع السلاح , لذلك استغلت حكومة إسرائيل الفرصة وأرادت أن تحرج مصر باعلان قبولها لمشروع بيرنز , ثم ما لبثت أن تراجعت عن ذلك حينما وسع هذا المشروع فشمل فكرة اقامة قوات من المراقبين الدوليين على جانبى الحدود الى مسافة كيلو متر داخل أراضى الطرفين . وقد رفضت إسرائيل الخطة بحجة أن مواطنين تابعين لها يعيشون على مناطق الحدود ولا يمكن تركهم تحت اشراف قوات دولية عاجزةعن الحماية , وحقيقة الأمر أن إسرائيل منذ قيامها لم تتهاون فى مسألة حق السيادة على أراضيها بقبول وجود الأجهزة الدولية أيا كان نوعها .

كيف قابلت مصر اجراء إسرائيل بتحصين العوجةوتحديا لنظام الهدنة ؟؟

لقد كانت اتفاقية الهدنة تلزم مصر أيضا بابعاد قواتها عن الحدود بحيث لا تتجاوز القسيمة وأبو عجيلة ,فاضطرت مصر بعد تحدى إسرائيل فى العوجة أن ترسل قوات للمرابطة فى الصبحة على الجانب المصرى من الحدود فى مواجهة العوجة , غير أن إسرائيل بادرت بشن غارتين خاطفتين فى 2 نوفمبر سنة 55 وصلت احداهما الى الكونتلا على مسافة خمسين كيلو مترا داخل الحدود المصرية ,أما الأخرى فقد أصابت حامية الصبحة , ببعض الضرار , الا أن التعزيزات المصرية تمكنت من رد غارة الصبحة وعلى أثر هذا الاشتباك أخلت القوات المصرية هذا المركز كما كان من قبل تطبيقا لنظام الهدنة . واذا فقد صار هذا النظام يحترم من جانب واحد ,وهو الجانب المصرى , ورغم أن المنطقة منزوعة السلاح على الجانب المصرى من الحدود على ما هى عليه فقد صورت أجهزة الاعلام المصرية تراجع القوات الإسرائيلية عن الصبحة على أنه نصر باهر وانهالت برقيات التهنئة من جميع أنحاء العالم العربى .

والنتيجة التى نخلص اليها من وراء تتبع هذه الاحداث هى أن إسرائيل صارت تعتبر اتفاقيات الهدنة مرحلة تخطاها الزمن . لذلك لم يكن بن جوريون راضيا عن التقرير الذى رفعه بيرنز عن أحداث نوفمبر والذى دعا فيه الى ضرورة ايجاد نظام جديد فعال لضمان احترام الهدنة وجعل خطوطها حدودا نهائية . وقد مال همرشلد الى تأييد هذه الخطة الا أنه اضاف اليها فقرة أخرى تدعو الى ضرورة تسوية مشكلة اللاجئين مقدما . واعتبر العرب هذه المقترحات محاولة لجرهم الى الصلح , لذلك حيناما طرح الموضوع أمام مجلس الأمن لمناقشة التوتر على الحدود بصفة عامة استخدم العرب نفوذهم لدى الاتحاد السوفييتى لكى يرفض توصيات همرشلد . ومن ثم اقتصر قرار مجلس الأمن الصادر فى 4 يونيو سنة 1956 على لفت نظر الفريقين الى ضرورة مراعاة الهدنة .

ويثار الجدل حول شرعية عمل الفدائيين الفلسطينيين , وليس هنا محل مناقشة هذه القضية . والذى يعنينا هو أن إسرائيل درجت على تحميل الحكومات العربية مسئولية العمليات الفدائية حتى لو وقعت فى داخل الأرض المحتلة . .

وفى أوائل 1956 ذكر رئيس الحكومة المصرية أنه مسئول عن أعمال الفدائيين الا أنه كان يسود إسرائيل اعتقاد قوى بأن مصر هى التى تمول الفدائيين وتدربهم , لا فى قطاعى غزة فحسب , بل فى الأردن وفى سوريا أيضا كذلك اعتقد الكثيرون فى إسرائيل وخارجها أن مصر بعد أن تتخلص من القوات البريطانية ستجعل من تحرير فلسطين المرحلة التالية لعملها الوطنى .

ويبدو أن إسرائيل كانت تتبع عن طريق الجاسوسية المحكمة الرجال المسئولين عن تنظيم الفدائيين العرب فاختارت الملحق العسكرى المصرى فى عمان وأرسلت بعنوانه طردا من المتفجرات أدى الى مقتله , وبنفس الطريقة اغتيل الرائد مصطفى حافظ فى غزة وكان مكلفا بالاشراف على الفدائيين .

اتخذت إسرائيل من نشاط الفدائيين مبررا للقيام بغارات أوسع نطاقا ولم تشأ الحكومات العربية أن تواجه هذه الغارات الإسرائيلية بعمل مماثل من قواتها النظامية,ومن المؤسف أن نستشهد على ذلك بأقوال العدو فقد صرح ديان بأن مما شجعه على تكرار الغارات اقتناعه بأن الحكومات العربية لن ترد على إسرائيل بالمثل .

واذا راجعنا احصائيات الأمم المتحدة عن حصيلة أعمال الفدائيين والغارات الإسرائيلية التى شنت على البلاد العربية نلاحظ أن خسائر العرب كانت أكبر ولنأخذ عام 1955 , 1956 شاهدا على ذلك . سنة 1955 : خسائر إسرائيل ( عسكريون -93 قتيل , 131 جريح , مدنيون – 42 قتيل , 14 جريح ) , خسائر العرب ( عسكريون 246 قتيل , 187 جريح , مدنيون 51 قتيل , 73 جريح ) سنة 1956 من يناير الى أكتوبر : ( خسائر إسرائيل – 22 قتيل , 14 جريح , مدنيون 63 قتيل , 19 جريح ) , خسائر العرب ( عسكريون - 79 قتيل , 34 جريح , مدنيون – 102 قتيل , 154 جريح )

وخلاصة القول ان العمل الفدائى صار يتطلب استعداد الحكومات العربية – شاءت أو لم تشأ – للمواجهة الشاملة مع إسرائيل وستتضح الحقيقة فى سنة 1967 , أما فى سنة 1956 فان إسرائيل لم يكن فى خطتها أن تشن حربا نظامية كاملة على الأقل فى المدى القريب للرد على أعمال الفدائيين وانما تلقفت فرصة دبلوماسية مواتية حينما تأهبت بريطانيا وفرنسا لغزو مصر .

الفصل الرابع : إسرائيل والعدوان

العوامل البعيدة

تناولت عشرات المؤلفات موضوع العدوان الثلاثي , وسنقتصر فى هذا الكتاب على دراسة العدوان فى اطار محدد ,هو الصراع العربى الإسرائيلى .

و يتضح من الفصل السابق أن عوامل كثيرة تجمعت سنة 1955 لتزيد الموقف توترا وتهىء لوقوع اشتباك مسلح .

وللأسف تفسر المراجع الغربية هذا التوتر بالقاء مسئوليته على الجانب العربى ,فتذكر أن صفقة الأسلحة مع الكتلة الشرقية جلبت الحرب الباردة الى منطقة الشرق الأوسط ومهدت دوليا للعدوان , كما تشيرهذه المراجع الى الانقسام بين الدول العربية حول حلف بغداد وكيف أن هذا الانقسام جعل الفريق المعارض للحلف يزايد على قضية فلسطين .

ويكفى للرد على هذا التفسير الأخير أن نقول ان سياسة الحياد كانت تلقى شبه اجماع من الجماهير العربية , ومن ثم لم يكون القادة العرب بحاجة الى المزايدة على فلسطين لتغطية موقف يتمتعون فيه بالتأييد الشعبى .

لذا لابد وأن نبحث عن عوامل التوتر من الجانب الإسرائيلى ويلاحظ أولا انزعاج إسرائيل لانسحاب القوات البريطانية من مصر , وفى الماضى تظاهرت إسرائيل أحيانا بانها دولة تقدمية فى الشرق الأوسط وتريد التعاون مع مصر لمكافحة الإمبريالية البريطانية وأبدى بن جوريون استعداده لتطبيق هذه السياسة فى رسالة بعث بها الى رجال النظام الجديد فى مصر بعد توليهم السلطة فى سنة 1952 . وكادت هذه الحيلة تنطلى على الاتحاد السوفييتى أحيانا فجاء موقف إسرائيل من الجلاء ليكشف عمليا حقيقة الصهيونية مما جعل خروشوف يصرح للمرة الأولى سنة 1956 بأنها مرتبطة بالإمبريالية .

وقد تعمدت إسرائيل عند اتخاذ قرار الجلاء عن مصر أن تثير حادثين استهدفت من ورائها تعطيل الجلاء بأى شكل مما أكد صلتها بالاستعمار .

الحادث الأول : ارسال السفينة بيت جاليم الى قناة السويس لتظهر لبريطانيا كيف أنه من المحتمل أن تتعرض حرية الملاحة فى القناة للعبث بعد الجلاء . الا أن هذا الحادث لم يكن حجة مقنعة لسبب بسيط , هو أن الملاحة الإسرائيلية كانت محظورة فى القناة مع وجود القاعدة البريطانية .

الحادث الثانى : تدبير مؤامرة المنشئات البريطانية – الأمريكية فى القاهرة بمجرد التوقيع على معاهدة أكتوبر سنة 1954 . ومن المعروف أم المؤامرة اكتشفت وقدم الجواسيس اليهود المسئولون عنها الى المحاكمة وأعدم بعضهم وأكدت محاكمة لافو ن فيما بعد مسئولية إسرائيل عن هذه المؤامرة اذ اتهم رئيس المخابرات الإسرائيلى بالتقصير فى تدبير حادث الجاسوسية بمصر .

ومن جهة أخرى تكررت تصريحات المسئولين الإسرائيليين سنة 1955 عن الاستعداد لمغامرة عسكرية بغرض فتح خليج العقبة رغما عن مصر , ومن ذلك اشارة بن جوريون الى اتخاذ خطوة فى هذا السبيل خلال ثلاثة عشر شهرا . وكتب موشى ديان فى مذكراته أنه استدعى من فرنسا بمجرد أن تولى بن جوريون وزارة الدفاع فى أكتوبر سنة 1955 وأنه درس فى ذلك الحين مشروعا لفتح مضايق تيران بالقوة , وبرر ذلك بأن أهم صادرات إسرائيل هى الفوسفات والبوتاس اللذان يطلبان فى الشرق الأقصى ومن ثم فان فتح المضايق يعتبر أمرا حيويا للاقتصاد الإسرائيلى . ولم يخف ديان هدفا آخر أكثر خطورة وهو أن الحرب هى خير مدرسة لتدريب الضباط وفى هذا دليل كاف على مدى تشبع إسرائيل بالروح الحربية العدوانية .

وكان مغامر الحرب الإسرائيلى متعجلا لتنفيذ الخطة عن طريق الغارات الخاطفة لولا أن بن جوريون نصحه بانتظار ظروف دولية ملائمة .

وقد جرت هذه المناقشات فى نهاية أكتوبر سنة 1955 أى قبل حادث الصبحة ببضعة أيام مما يجعلنا نتساءل : هلى ثمة علاقة بين الحادث وبين التبدل الذى حدث فى الحكومة الإسرائيلية وعودة رجال الحرب والمغامرات الى السلطة ؟

وحتى بدون وجود هذه العوامل العارضة فان سياسة إسرائيل التوسعية فى سيناء وغيرها من المناطق العربية المحيطة ذات جذور عميقة عند زعماء الحركة الصهيونية , ولم تنقطع اشارات الكتاب الصهاينة منذ سنة 1956 عن الدعوة الى ضم سيناء مستندين الى ذكريات تاريخية كما هو شأن هؤلاء الزعماء دائما عندما يريدون أن يغطوا أمام العالم نواياهم التوسعية المحضة الى أنهم اختاروا فى سنة 1956 كلمة " كادش " المدينة التاريخية فى سيناء كاسم شفرة للعملية الحربية . وبحث المؤرخون عن دولة عبرية قديمة قالوا انها اتخذت عاصمتها فى جزر تيران وصنافير. و بعد التبرير التاريخى ينتقل الكتاب الصهاينة الى الحاجات الاستراتيجية فيذكرون أن سيناء امتداد طبيعى للنقب مع انشاء المستعمرات الإسرائيلية فى هذه الصحراء قصد به أصلا تحقيق أهداف استراتيجية . ويذكر شايلرز فى كتابه " الطريق الى السويس " كيف أن المياه جلبت الى هذه المستعمرات بواسطة الأنابيب من الأردن من مسافة تبعد 160 ميلا , مما يجعل المشروع غير تجارى , فأهميتها اذن سياسية واستراتيجية .

ولدينا أيضا شهادة كولونيل بريطانى يدعى رتشارد ما نارز هاجان وقد زار الشرق الأوسط فى سنة 1955 وربط هو الآخر بين أهداف إسرائيل التوسعية وبين انسحاب بريطانيا من مصر , وعلق على حادث الصبحة بأن إسرائيل تعد لهجوم واسع النطاق للوصول الى القناة , وأن هدفها النهائى هو اعلان القناة ممرا دوليا مع خلق منطقة عزلاء محايدة على جانبيها لعزل مصر تماما عن إسرائيل وفى هذه الحالة ستعلن الأخيرة سيادتها على سيناء .

وكان من الواضح منذ تحدى قرارات لجنة الهدنة وتحصين العوجة أن العدو يريد أن يقوم بعمل عدوانى ما , ولم تخف هذه الحقيقة عن رجال الأمم المتحدة , لذلك ألح همر شلد فى ضرورة اخلائها , وبعد الزيارة التى قام للشرق الأوسط فى إبريل دعا فى التقرير الذى رفعه لمجلس الأمن الى ضرورة اقامة مراكز ثابتة للمراقبين الدوليين وتدعيم هيئة الرقابة فى كل من العوجة وقطاع غزة . وقد قبلت مصر وجود هؤلاء المراقبين لأجل غير مسمى فى القطاع بينما اشترطت إسرائيل ألا تزيد مدة وجودهم فى العوجة عن ستة اشهر تنتهى فى أكتوبر سنة 1956 وربما قبلت مصر ذلك لعلها بصعوبة الدفاع عن القطاع .

وقد تضمن قرار مجلس الأمن فى 4 يونيو سنة 1956 توصيات همرشلد السابقة وكانت النتيجة أن رئيس لجنة الهدنة تسلم مذكرة إسرائيلية لا ترفض التوصية فحسب ,بل تذهب الى أبعد من ذلك فتضع قيودا جديدة لم تكن موجودة من قبل على نشاط مراقبى الأمم المتحدة فى العوجة , من ذلك تحديد طريق واحد يمكن لرجال الأمم المتحدة استخدامه كما قررت منعهم استخدام اللاسلكى .

وترتبط النزعة التوسعية بموضوع الهجرة , وقد سبق أن أشرنا كيف أن إسرائيل تحتاج الى احراز انتصارات عسكرية لاقناع اليهود بالمجىء من مختلف العالم , ولم يكن زعماء الصهيونية راضين عن الهجرة كما أو كيفا فى السنوات التى سبقت العدوان الثلاثى , فقد انتهى عهد الهجرة الجماعية سنة 1951وفى السنوات الأولى من وجود إسرائيل ( 48 – 1951) وفد عليها ألف مهاجر , وفى سنة 1952 لم يزد المهاجرون عن 43 ألف وتناقصوا بعد ذلك بالتدريج حتى سنة 1956 ونظر الصهاينة بانزعاج شديد الى ظاهرة جديدة وهى رحيل عدد من المهاجرين بعد مجيئهم بقليل مما يعرف باسم الهجرة العكسية . ومما هو جدير بالملاحظة أن إسرائيل عانت من نفس هذه المشكلة قبيل عدوان سنة 1967 ففى العام السابق وفد اليها عشرون ألفا وخرج منها ستة آلاف . ومن حيث الكيف كان زعماء الصهيونية يريدون أن يحصروا الهجرة فى أكفأ العناصر أو أغناها , وهذا يبطل الادعاء بأن إسرائيل موطن المشردين . ومن المؤكد أن آمال هؤلاء الزعماء خيبت حينما وجدوا انتصار عسكرى باى شكل قد يغرى يهود الغرب بالمجىء الى إسرائيل . وخلاصة القول ان التدبير للعدوان تم قبل تأميم قناة السويس وأنه أخذ يتبلور منذ نهاية 1955 خلافا لما هو شائع وأن التدبير يرجع فى معظمه الى عوامل تكوين إسرائيل ذاتها وآراء زعماء الصهيونية فى الحرب والتوسع ويكاد يكون من المؤكد أن الدول الغربية الثلاث لم تجهل هذه التدابير وأن كانت تختلف كل واحدة منها عن الأخرى فى مدى اتصالها بالاستعدادات الإسرائيلية للعدوان .

أما فرنسا فهى أكثرها التصاقا بهذه الاستعدادات , و صار معروفا الآن أن الاتفاقيات السرية على تصدير الأسلحة تمت فى سنة 1954 وكان ذلك نقضا لروح التصريح الثلاثى . وحينما ثم عقد صفقة الأسلحة بين مصر وتشيكوسلوفاكيا فى سبتمبر سنة 1955 استطاع المسئولون فى مصر أن يذكروا بعض الأرقام عن حجم الأسلحة الفرنسية التى أرسلت الى إسرائيل , ولا نقول أنهم فعلوا ذلك على سبيل التبرير , اذ أن مصر لم تكن بحاجة الى أن تبرر موقفها أمام أحد : قيل ذلك ان فرنسا وردت الى إسرائيل 70 طائرة مستير ومائة دبابة و150 مدفعا مضادا للدبابات ومدافع أخرى ثقيلة من عيار 155 مم ولسنا بحاجة الى أن نذكر بأن فرنسا فى عهد الجمهورية الرابعة كانت مدفوعة فى هذا بعوامل خاصة بها , هى الرغبة فى تحطيم الثورة الجزائرية عن طريق النيل من مصر .

أما بريطانيا فكانت تريد أن تقف موقفا وسطا بين العرب وإسرائيل , وذلك على أمل تدعيم أصدقائها فى العالم العربى أوعلى الأقل سكوت خصوم حلف بغداد عن معارضته . ويعتقد بعض الكتاب أنه حدث تشاور بين بريطانيا ومصر قبل أن يصدر ايدان تصريحه المشهور فى مانشن هاوس والذى اقترح فيه تعديل الحدود الإسرائيلية لصالح العرب , اذ قابل السفير البريطانى رئيس الحكومة المصرية أربع مرات فى الأيام القليلة التى سبقت التصريح , كما أن صحف القاهرة علقت على التصريح قائلة انه جدير بالاعتبار وأن الغرب بدأ يفهم حقيقة مشكلة فلسطين .

ويتساءل البعض : هل كانت بريطانيا قد وعدت بتجميد حلف بغداد ثم أخلت بوعدها بعد أن أرسلت الماريشال تامبلر الى الأردن مما جعل الحكومة المصرية تتراجع عن فكرة تنسيق العمل مع بريطانيا من أجل قضية إسرائيل لا يمكن أن تقبل أى تنازل , والدليل على ذلك تصريح بن جوريون أنه غير مستعد للتنازل عن شبر من أرض إسرائيل حتى ولو كان ذلك فى مقابل الصلح . والذى حدث هو أن الهوة اتسعت بين مصر وبريطانيا بسبب محاولة جر الأردن الى حلف بغداد وأن بريطانيا عرضت مشروعا بعد ذلك على الولايات المتحدة بتأسيس قوات مشتركة بين الدولتين يكون القصد منها منع وقوع اشتباك بين إسرائيل والعرب فى أى وقت , وتقف هذه القوة على أهبة التدخل فى أى مكان يصدر منه العدوان . وقد عرف فيما بعد أن هذا العرض تم اثناء المقابلة بين ايدن وأيزنهاور فى فبراير سنة 1956 وأن أيزنهاور رفض الفكرة قائلا بأن التصريح الثلاثى يكفى لتأمين منطقة الشرق الأوسط وهذا ما جاء فى البيان المشترك الذى صدر فى أعقاب المحادثات الانجليزية الأمريكية.

الا أن مغزى التصريح كان قد فات من الناحية العملية لسببين :

أولا : لأن إسرائيل صارت تستورد الأسلحة سرا ثم علنا عن طريق فرنسا وهى احدى دول التصريح .

وثانيا: لأن مصر وسوريا تتلقيان الأسلحة من الاتحاد السوفييتى مما أفقد الغرب احتكاره تسليح العرب .

وقد يخفى على الكثيرين أن الولايات المتحدة كانت على علم رسمى بتسليح فرنسا لإسرائيل حتى من قبل التوتر الناجم عن تأميم قناة السويس وأنها ساعدت حليفتها فى الأطلسى على أداء هذه المهمة على خير وجهة , فحللت فرنسا من بعض التزامتها فى الحلف كى تتيح لها تزويد إسرائيل بطائرات المستير وذلك منذ شهر مايو سنة 1956 وعلاوة على ذلك سمحت لكندا بارسال كميات أخرى من الطائرات وان لم تتح لهذه الأخيرة وقت كاف لوضع الاتفاق مع إسرائيل موضع التنفيذ .

ولا شك أن تأييد الولايات المتحدة لفرنسا فى موقفها المنحاز الى إسرائيل هو الذى شجع الحكومة الفرنسية على أن تصرح علنا بمساعدتها لإسرائيل بالأسلحة . ومنذ أوائل هذا العام أخذت الصحف الفرنسية لا تفتأ تتحدث عن اكتشاف وثائق تثبت مساعدة مصر للثوار الجزائريين . وكمحاولة أخيرة قام كريستيان بينو وزير الخارجية بزيارة للقاهرة فى إبريل 1956 وقيل ان الوزير الفرنسى عرض تأييد مصر فى معارضتها لحلف بغداد مقابل التخلى عن الثورة الجزائرية , فرفض المسئولون فى مصر الفكرة . وعلى أثر عودته أخذت الصحف تتحدث صراحةعن ضرورة اتخاذ اجراء ما ضد مصر . وكان المستوطنون الفرنسيون فى الجزائر أكثر العناصر عطفا على إسرائيل لوجود شبه بين وضعهم كأقلية أجنبية وسط بيئة عربية تحيط بهم , ودعا بعض المغامرين العسكريين الى شن غارة خاطفة على الإسكندرية فكان بينو يحتج أحيانا بعدم معقولية هذا الاجراء من الناحية الدولية , وأحيانا أخرى لوجود نحو 450 مليون جنيه من الأموال الفرنسية المستثمرة فى مصر . .

وفى مايو 1956 أعلنت فرنسا عن تزويد إسرائيل بدفعة أخرى من طائرات المستير أما ذلك الاتفاق السرى الذى تعهدت بمقتضاه فرنسا بأن تحمى إسرائيل مباشرة جوا وبحرا فى حالة اشتباكها مع مصر ,فهناك اجماع حول توقيع مثل هذا الاتفاق , انما يدور خلاف حول تحديد زمنه . ويميل شايلدرز الى ترجيح الرأى القائل بأنه تم قبل التأميم . بينما يذكر آخرون أنه وقع فى أغسطس أى بعد التأميم بنحو أسبوعين .

ونخلص من ذلك كله الى أن تأميم قناة السويس لم يكن فى حد ذاته المحرك الأول لشن العدوان وانما هيأ الظروف الدولية التى بررت لثلاث دول أن تتفق على تدبيره وان اختفت أهدافها .

ففرنسا تريد أن تنتقم من هؤلاء الذين يساعدون الثورة الجزائرية , وفى بريطانيا ما زال رئيس الوزراء يؤمن بأن بلاده هى صاحبة الدور الرئيسى فى الشرق العربى , و لذلك حينما فشلت خططه لجر الأردن الى حلف بغداد اسرها فى نفسه وصمم على التخلص من هؤلاء الذين يعارضون النفوذ البريطانى فالقضية تتعلق اذن بسياسة مصر العربية أكثر مما تتعلق بشركة قناة السويس التى أممت . ويدل على ذلك ما يروى من أن ايدن اشتط به الغضب الى حد أنه صار مستعدا لادخال الجيش العراقي التابع لحلف بغداد لاحتلال الضفة الشرقية للأردن وترك الضفة الغربية تسقط بيد إسرائيل . كذلك لم يكن التأميم يعنى إسرائيل فى شىء وانما اشتركت فى تدبير العدوان لتحقيق أهداف أخرى منها فتح خليج العقبة كما ذكرنا وتحطيم قوة مصر العسكرية قبل أن تستوعب الأسلحة السوفيتية , ولم يكن الأسلوب الذى اتبع لتدريب الجيش المصري على الأسلحة الجديدة هو الذى يحقق الهدف فى أقصر وقت , فبدل احضار الخبراء العسكريين من تشيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفييتى لتدريب أكبر عدد من الضباط , رأت الحكومة المصرية لاعتبارات سياسية أن تبعث بعدد من هؤلاء الى الاتحاد السوفييتى وتشيكوسلوفاكيا وهى لا تستطيع أن ترسل الا عدد محددا وحتى هؤلاء لم يستفد بهم كما كان ينبغى .

التواطؤ

أشرنا الى أن إسرائيل كانت تفكر فى شن هجوم واسع النطاق لفتح مضايق تيران على الأقل , لكنها لم تكن تتوقع الاشتراك مع دولتين كبيرتين مثل بريطانيا وفرنسا فى العدوان على مصر . فجاء تأميم القناة وأعطى إسرائيل فرصة ذهبية لتبديل خطتها .

ويختلف موقف فرنسا عن بريطانيا فى طبيعة علاقتها بإسرائيل فى ذلك الوقت , فلم تعد فرنسا تأبه لاخفاء العلاقات الوثيقة فى المجال العسكرى أو رسم الخطط المشتركة للهجوم على مصر . أما بريطانيا فكانت حريصة على اخفاء هذه العلاقة , وذلك لأنها لا تريد أن تخسر أصدقاءها فى الشرق العربى أوتضعف من مركزهم فى حالة انكشاف تواطئها مع إسرائيل . ولهذا السبب نفسه كانت السياسة البريطانية مترددة وتتلكأ فى تنفيذ خططها .

أخذت فرنسا منذ 7 أغسطس تمتنع عن ابلاغ شركائها فى حلف الأطلسى بما تورده من أسلحة الى إسرائيل . وراحت تزودها بكل ما تحتاجه . وربما مال الصهاينة فى هذا الوقت المبكر الى القيام بعمل انفرادى علهم يحرزون بفضل تدفق الأسلحة الفرنسية نصرا على مصر , وبذا يؤكدون قدرتهم على البقاء دون الحاجة الى مساعدة مباشرة من الخارج . وهذا الأسلوب أفضل بالنسبة لإسرائيل دبلوماسيا ومعنويا .

فمن الناحية الدبلوماسية ربما تلاشت المعارضة الأمريكية لعمل إسرائيل منفرد بخلاف ما اذا اشتركت مع دولتين كبيرتين من حلفاء الولايات المتحدة فى الأطلسى بدون استشارتها . كما أن المشاركة مع بريطانيا وفرنسا تلحق ضررا بعلاقات إسرائيل مع الكتلة الشيوعية وهى علاقات ما تزال طبيعية حتى ذلك الوقت .

ومن الناحية المعنوية اذا اشتركت بريطانيا وفرنسا معها فى عدوان مباشر فلن يقتنع أحد بأن إسرائيل قادرة على كسب معركة ضد العالم العربى المحيط بها فضلا عن حماية نفسها , ويهم قادة الصهيونية كما عرفنا التاثير المعنوى على يهود العالم واقناعهم بقدرة إسرائيل على البقاء والتوسع حتى يقبلوا على الهجرة ونقل أموالهم اليها . فلماذا اذن اتجهت إسرائيل الى مشاركة بريطانيا وفرنسا فى العدوان؟ يمكن تفسير ذلك بأحد أمرين : الأول أنها خشيت المغامرة بحري مع مصر قد تجر أيضا معها دولا عربية أخرى وتؤدى الى تدمير المدن الإسرائيلية , ولم يخف بن جوريون هذه المخاوف أثناء مباحثاته مع المسئولين الفرنسيين فى نهاية أكتوبر حينما طلب اليهم غطاء جويا مباشرا ومساعدة الأسطول الفرنسى فى دك موقع رفح الحصين .

ومن المؤسف أن مثل هذه المخاوف لم توجد بنفس الدرجة فى سنة 1967 ولم تحتج إسرائيل الى مشاركة ايجابية من الدول العربية الكبرى . وبينما قدر الإسرائيليون سنة 1956 عشرة أيام مع وجود المساعدات الايجابية للوصول الى عشرة كيلو مترات من قناة السويس كما يقضى الانذار البريطانى الفرنسى , قدر ديان أربعة أيام فقط فى سنة 1967 للانتهاء من حملة سيناء .

قلنا ان فرنسا لم يكن يهمها اخفاء تواطئها مع إسرائيل , ومع ذلك فانها عمدت الى تغيير طلاء السفن التى صارت تقطع البحر المتوسط ذهابا وايابا بين موانى فرنسا الجنوبية وبين إسرائيل وذلك لاثارة الشبهة كذلك غيرت شارات طائرات المستير التى أرسلت على عجل للتدريب وقدرت الدفعة الأخيرة 60 طائرة. وفى 26 سبتمبر أعلن جوريون أنه صار لبلاده حليف قوى تعتمد عليه ولم يقل حليفان . الا أن هذا لا ينفى على الاطلاق معرفة بريطانيا بمعظم ما كان يجرى بين فرنسا وإسرائيل .

ويدعى ايدن فى مذكراته أنه لم يتخذ استعدادا للتدخل فى الشرق الأوسط قبل 25 أكتوبر وأن هذه الاستعدادات قررت فى حالة وقوع نزاع لم يكن يعرف عنه شيئا . ثم كشفت الدراسات الانجليزية المعتمدة على الوثائق فيما بعد زيف تلك الادعاءات . فمنذ منتصف سبتمبر أوفدت وزارة الخارجية البريطانية الكولونيل هنريك فى مهمة أحيطت بالسرية الى تل أبيب وقد أبلغ المسئولين هناك بأنه اذا أرادت إسرائيل أن تهاجم مصر فستغمض بريطانيا العين شريطة أن يعمل كل فريق منفردا , وستستخدم بريطانيا نفوذها بعد ذلك لمساعدة إسرائيل على عقد صلح مع العرب .واذن فان الخطة الأولى الانجليزية أنبنت على أساس عمل انفرادى الى أن توسطت فرنسا لتعديل الخطة على الطريق التى ستنفذ فيما بعد .

ويعتقد البعض بأن بريطانيا لم توافق على خطة العدوان الثلاثي الا فى اجتماع باريس الذى تم بين رئيسى حكومتى بريطانيا وفرنسا ووزيرى خارجيتهما فى 15 أكتوبر سنة 1956 ولو أن ايدن أعلن فيما بعد أنه درس فى هذا الاجتماع الخطة الجديدة التى وافقت عليها مصر يوم 13 أكتوبر لتنظيم الملاحة فى قناة السويس .ولكى تزيد الحكومة البريطانية فى اخفاء تواطئها لم تعمد الى سحب رعاياها من مصر الذين يبلغ عددهم 11 ألفا كما لم يستدع السفير البريطانى من القاهرة بخلاف السفير الفرنسى .

وقد عرف فيما بعد أن بن جوريون قام بزيارة الى بريس أثناء انعقاد هذا المؤتمر السرى , واذن فقد كانت بريطانيا على علم تام بخطة العدوان . لكن كانت هناك اتفاقات جانبية بين فرنسا وإسرائيل حول التفاصيل ربما لم تبلغ الى بريطانيا . ويقال مثلا ان اختيار 29 أكتوبر للبدء بالهجوم على سيناء جاء مفاجأة لبريطانيا التى اقترحت يوم 2 نوفمبر وكان بعض العسكريين يفكرون فى تأجيل الحملة الى الشتاء .

كذلك قام بن جوريون بزيارة خاطفة الى باريس يوم 24 أكتوبر حيث يظن على الأرجح أنه وضع التفاصيل النهائية لخطة العدوان .

وفى 20 ديسمبر سنة 1956 نفى ايدن أمام مجلس العموم أنه كان يدرى سلفا بالهجوم الإسرائيلى , وصرح بأن الترتيبات التى اتخذت منذ 25 أكتوبر كانت تستهدف فقط مواجهة احتمال نشوب حرب , وتمادى فى التمويه الى حد أنه كشف معلومات عن امكان قيام مصر بهجوم على إسرائيل , و نقل أوراقا مزيفة قال انها اكتشفت فى سيناء تدل على وجود هذه النية .

وللأسف كان بوسع دول العدوان أن تستشهد بتصريحات الصحف والاذاعة فى مصر , مثلا حينما شنت إسرائيل غارة قلقيلية على الأردن صرح المسئولون فى مصر باستعدادهم للدفاع عن الأردن , وكان المقصود هو التأثير على نتائج الانتخابات النيابية , ولكن لم يكن من المعقول أن تفكر مصر فى المشاركة بجبهة بعيدة بينما هى قد سحبت نصف قواتها من سيناء ووضعتها غرب القنال لمواجهة احتمال هجوم بريطانى فرنسى .

واذن لم يكن العقل السليم يقبل على الاطلاق احتمال هجوم مصرى على إسرائيل فى هذا الوقت بالذات , بل على العكس كتب بيرنز فى 14 سبتمبر الى همرشلد معبرا عن مخاوفه من سحب نصف القوات المصرية من سيناء وتناقصها الى ستين ألفا مما يغرى إسرائيل بشن العدوان .

وفضلا عن ذلك فان تصريحات ايدن كانت تفتقد المنطق والدليل لسبب آخر وهو أن قبرص , القاعدة البريطانية فى شرق المتوسط , صارت مكان تجمع القوات الفرنسية ومنها انطلقت المساعدات الجوية والبحرية الى إسرائيل فمن المستحيل أن تكون بريطانيا قد جهلت تماما هذه الاتصالات .

لماذا قدم بن جوريون موعد الهجوم الى 29 أكتوبر ؟ هناك عدة تفسيرات , منها رغبته فى أن تكون لديه مدة أطول للانفراد بالعمليات العسكرية , وفى هذه الحالة يمكن القول بأن الانذار الانجليزى – الفرنسى جاء باسرع مما كانت تتوقعه السلطات الإسرائيلية . ومنها وهو سبب هام فى رأينا , انشغال العالم بمسألة المجر , ومن المعروف أن الاتحاد السوفيتى قد تدخل بالقوة لمنع ثورة داخلية فى أواخر أكتوبر . الا أن هذا التدخل تم بناء على طلب فريق من الحزب الشيوعى المجرى , وعلى كل حال تعرض الاتحاد السوفيتى لنقد شديد فى الأمم المتحدة . اذا فمن الممكن استغلال هذا الحادث لتبرير العدوان , و الرد على الولايات المتحدة . اذا فمن الممكن استغلال هذا الحادث لتبرير العدوان , والرد على الولايات المتحدة اذا ما اعترضت على العدوان الثلاثي بأن عليها من باب أولى أن تمنع " العدوان السوفيتى على المجر " .

ويتضح من ذلك أن دول العدوان كانت تحسب حساب المعارضة الأمريكية أكثر مما تلقى بالا للمعارضة السوفيتية حتى أنه كان من بين أسباب اختيار يوم 3 أو 4 نوفمبر لبدء العدوان تصادف هذين اليومين مع انتخابات الرئاسة الأمريكية بحيث تكون جميع الأجهزة هناك منشغلة فى هذا الموضوع عن شئون السياسة الخارجية .

ومنها خشية إسرائيل أن يحدث تحول فى السياسة البريطانية فى آخر لحظة , وذلك بعد أن لاحظت تردد المسئولين الانجليز هناك وانقسام الرأى حتى داخل حزب المحافظين الحاكم حول سلامة التواطىء مع إسرائيل . وبتشجيع من فرنسا قدمت إسرائيل موعد الهجوم . كان مقررا فى الأصل اذن أن تبدأ إسرائيل الهجوم يوم 2 أو 3 نوفمبر وأن يوجه الانذار بعد ثلاثة أيام على الأقل حينما تكون القوات الغازية قد وصلت بالفعل الى القناة أوالى مسافة قريبة منها , وقدرت أربعة أيام لقطع هذه المسافة التى يبلغ طولها 150 ميلا , ومن الجائز توجيه الانذار لمجرد وصول طلائع أمامية وليس لاحتلال شبه الجزيرة كلها اذ كان مقدرا لهذا الاحتلال كما ذكرنا من سبعة الى عشرة أيام . اذن كيف تعجلت بريطانيا وفرنسا فى توجيه الانذار الى مصر بعد مضى نحو أربع وعشرين ساعة على العدوان الإسرائيلى ؟ مع أن التوقيت يضر بمركز الدول الثلاثة دبلوماسيا وهو لا يوافق هوى زعماء الصهاينة الذين يريدون أن يظهروا للعالم قدرتهم على نصر منفرد ؟ وهو من جهة أخرى يثبت التواطؤ الذى كانت بريطانيا تحاول جاهدة أن تخفيه .

هناك أولا الارتباكات التى تحدث عادة عندما تتغير الخطط المتفق عليها وقد غيرت إسرائيل الموعد كما ذكرنا . ومن الجائز أن يكون الكره الشخصى الذى يكنه انطوتى ايدن نحو النظام القائم فى مصر هو الذى جعله يتعجل توجيه الانذار . ومع ذلك فهناك بعض الشواهد التى تدل على أن إسرائيل لم تكره المشاركة السريعة من جانب بريطانيا وفرنسا , فقد جاء فى أول بلاغ إسرائيلى عسكرى أن قواتها صارت على مشارف القناة وهو خلاف الواقع فمن الأرجح أن يكون القصد باصدار هذا البلاغ هو تبرير انذار متفق عليه مقدما .

حقيقة اتبع موشى ديان قائد الحملة الإسرائيلية فى سيناء سنة 1956 خطة الهجوم الخاطف ولم ينتظر اقتحام المواقع المصرية الأمامية بصورة منظمة بل أرسل قوات المظلات التى نزلت الى مضيق متلة ومن أهداف هذه الخطة تمكين إسرائيل من الوصول الى مشارف القناة فى أسرع وقت . الا أن المضيق يقع على مسافة 40 ميلا وليس عشرة أميال كما جاء فى الانذار .

ويبرر ديان هذه الخطة بعامل آخر وهو أنه قصد بها التمويه فبدل أن يبدأ بهجوم على طول الجبهة يتظاهر بالقيام بغارة " ثأرية " من نوع تلك الغارات التى اعادت إسرائيل أن تشنها على الجبهات العربية المحيطة بها , وعلى ذلك لن يتنبه المصريون الى أن الهجوم عام ويقصد به غزو شامل الا فى اليوم التالى , وفى هذه الحالة لن يستخدموا الطيران ضد المدن الإسرائيلية , وهو ما كان يخشاه بن جوريون . ولهذه الخطة ميزة أخرى , وهو أنه فى حالة الفشل يمكن الانسحاب دون أن تظهر إسرائيل بمظهر المنهزم .

وكان بن جوريون يريد أن يبدأ بتدمير الطيران المصرى حتى لا تتعرض المدن الإسرائيلية للخطر , فاعترض ديان بأن ذلك يكشف منذ البداية أن الهدف هو القيام بحملة واسعة النطاق , وأقنع رئيسه بأن الطيران المصرى لن يتدخل وحجته أن الوقت الذى يستغرقه وصول النباء الى أعلى مستوى وسط التسلسل الروتينى الطويل عند وقوع الغارة المفاجئة على مضيق متلة ليلة 30 أكتوبر سيكون وقتا طويلا , والى أن تعود التعليمات من أعلى مستوى فى القاهرة حتى الجبهة فان وقت الانذار يكون قد حل وقد لا يكتشف المصريون الى ذلك الحين حقيقة أهداف الإسرائيلية .

ومن جهة أخرى حرصت إسرائيل على أن تحول الأنظار عن سيناء قبل العدوان بشن بعض الغارات على الأردن , وكان الكثيرون حتى فى أمريكا يعتقدون بأن الضربة القادمة ستذهب الى احتلال الضفة الغربية , ومن الجائز أن تكون نفس الخطة قد اتبعت سنة تظاهرت بأنها تنوى ضرب سوريا بينما كان القصد المبيت هو مهاجمة مصر .

شاركت بريطانيا فى حملة التضليل هذه , فحينما أخذت تجمع حشودها فى مالطة منذ 27 أكتوبر بررت ذلك بأنها عدم اتساع النزاع فى الشرق الأوسط , بعبارة أخرى عدم امتداده الى بلاد عربية أخرى غير مصر . على أن المصادر الإسرائيلية نفسها تكذب هذه المناورة البريطانية , فهى تشكو من أن السفير البريطانى فى تل أبيب هدد بتنفيذ معاهدة التحالف مع الأردن اذا تعرض للهجوم .

وظن البعض فى مصر , بعد نزال المظليين فى مضيق متله أن العملية ربما تكون مجرد محاولة لصرف الأنظار عن الهدف الحقيقى وهو الاستيلاء على الضفة الغربية .

وتوالت نداءات أيزنهاور الى بن جوريون بعدم البدء بهجوم , سواء على مصر أو الأردن قائلا بأنه سيعمل على تسوية كل الخلافات بعد الانتهاء من انتخابات الرئاسة . وفى نفس استفسرت السفارة الأمريكية فى باريس عما يجرى هناك من استعدادات حربية فكان الجواب بأنه لا توجد نية للقيام بعمل حربى ما . وفى رأينا أن هذا التضليل سبب هام فى دفع الولايات المتحدة الى الاعتراض على العدوان , اذ اعتبرت ذلك منافيا لما تقتضيه محالفة الأطلسى , ولذا انصب غضبها على بريطانيا وفرنسا أكثر مما نال إسرائيل , وهى التى تستخرج وحدها رابحة من العدوان .

على أنه ينبغى اضافة سبب آخر ليس أقل أهمية فى تفسير الموقف الأمريكى فرغم مسايرة الولايات المتحدة لبريطانيا فى المؤتمرات التى عقدت لمواجهة تأميم القناة ,وتأييد قيام هيئة المنتفعين لتحصيل الرسوم , الا أن دلاس صرح منذ سبتمبر بأن الولايات المتحدة لن تشق القناة بالقوة فى حالة رفض مصر لتطبيق اجراءات النتفعين . فالولايات المتحدة كانت اذن ضد مبدأ استخدام القوة فى مسألة التأميم .

كان أيدن كما ذكرنا مترددا فى الأسلوب الذى يتبعه لتنفيذ العدوان , وعلاوة على ذلك فان الرأى صار منقسما بين أعضاء الحزب , ولهذا خشيت فرنسا أن تفوتها الفرصة حينما اقترحت بريطانيا تأجيل الحملة الى الشتاء , وأخيرا وبضغط من الفرنسيين , تقرر تنفيذ عملية " أ,ملت " وهى التى تقضى بالتعجيل بالانذار وجعله تاليا لبدء الهجوم الإسرائيلى بأقل من يوم . وكان الفرنسيون يتوقعون أن تنزل قوات الحلفاء المشتركة بمجرد تحطيم المطارات المصرية . غير أن تردد ايدن واحتياطاته الشديدة اختارت النزول البرى الى 5 نوفمبر . ولذا كانت تنشأ من حين الى آخر خلافات بين الحليفين . فذهب ايدن مدفوعا بتفكيره المنافق ورغبته فى اخفاء التواطؤ ما أمكن الى حد أنه اقترح أن تعلن بريطانيا أولا فى مجلس الأمن استنكارها للهجوم الإسرائيلى ويجرى ذلك فى نفس الوقت الذى يضرب فيه سلاح الطيران البريطانى المطارات المصرية استعدادا لغزو البلاد . فلم يوافق الفرنسيون على هذا الأسلوب , وكانوا على خلاف الحكومة البريطانية أكثر منطقية مع أنفسهم فى متابعة العدوان , وهم الذين حضوا بريطانيا على استخدام الفيتو حينما أصدر مجلس الأمن قراره الأول بايقاف اطلاق النار وانسحاب القوات المعتدية . لذلك سيندم بعض الساسة الفرنسيين فيما بعد لأنهم لم يعتقدوا محالفة سياسية تحدد خطة العدوان وأهدافه.

والذى يعنينا فى هذه الدراسة هو التفاصيل المتعلقة بحملة سيناء , والراجح أن موشى ديان قام بزيارة سرية الى لندن حيث أطلع هناك على خرائط انجليزية خاصة بالصحراء ومواقعها العسكرية . كما روى ايدن فى مذكراته أن الطائرات البريطانية كانت تتجسس على المواقع المصرية دون أن يلحظها أحد لعلو ارتفاعها .

وكما أسلفنا لا تعتبر حملة سيناء مقياسا حقيقيا لمقارنة القوى العسكرية لكل من مصر وإسرائيل . ومع ذلك فلا باس من ايراد بعض المقارنات التى تكشف حقائق جديدة , اذ أدخل فى روع الجماهير العربية أن إسرائيل وحدها لا تستطيع كسب معركة ما بدون مساعدة مباشرة من الدول الكبرى , وكان ذلك من التصورات التى أوقعت الرأى العام العربى فى أخطاء مؤسفة فبل عدوان سنة 1967 ونحن نسلم فى نفس الوقت بأن المبالغة فى تصوير قوة العدو ضارة كذلك , مثلما يضر التقليل من شأنها .

كانت إسرائيل تمتلك فى سنة 1956 120 طائرة مستير , 25 متيور و12 أوريجون وسربا من الطائرات الأمريكية فعلاوة على مجموعة من الطائرات القديمة , بينما كانت تمتلك مصر 100 طائرة ميج 15 , 50 اليوشن 80 كمبيرا , 20 طائرة قديمة . واذا كان السلاح الجوى متقاربا من حيث عدد الطائرات وأنماطها فقد كان هناك فرق كبير من حيث عدد الطيارين المدربين على استخدامها , فان تدريب الطيارين المصريين على الأنواع السوفيتية الصنع لم يتم بالسرعة المطلوبة , لذلك حينما بدأ العدوان كان عدد الطيارين المدربين أقل من عدد الطائرات , وكان المفروض هو العكس لكى يكون سلاح الطيران فعالا . واذن فقد كان من المحتمل كسب العدو معركة سيناء سنة 56 بدون تدخل مباشر بواسطة بريطانيا وفرنسا . وفى الحرب الحديثة يتمتع المهاجم دائما بميزة على المعتدى عليه .

على أنه من الملاحظ أن الطيران الإسرائيلى لم يتدخل فى المعركة الا من وراء السلاح الجوى البريطانى والفرنسى ولم يلعب الدور الحاسم فى سنة 1956 ولابد أن يكون ذلك جزءا من الخطة المرسومة من قبل . ونستنتج من شهادات بعض المسئولين أن من أسباب اتباع هذا الاجراء هو الخوف من انتقام السلاح الجوى المصرى . ومما يسترعى الانتباه أن تلك المخاوف لم تكن موجودة بنفس الدرجة سنة 1967 مع أنه كان مقدرا للمعركة أن تدور فى ثلاث جبهات : مصر وسوريا والأردن .

أما فى سنة 1956 فقد طلب الى الفرنسيين حماية جوية مباشرة للمظليين الذين أنزلوا فى مضيق متله كان دور إسرائيل الرئيسى اذن هو القيام بحملة برية لاحتلال سيناء تصل فقط الى المسافة التى قررها الانذار الانجليزى الفرنسى . وبدأ الهجوم الساعة الخامسة من مساء 29 أكتوبر وقد حشد له نحو 45 ألف جندى وبعد ساعة من بدء الهجوم أنزل 400 من المظليين فى مضيق متله والخطة العامة تقوم على المباغتة والمغامرة استنادا الى الحماية الجوية المتوقعة , وكان الهبوط فى متله احدى تلك المغامرات .

حقيقة لم يكن الموقع معدا للمقاومة , فلم تزد الحامية المصرية هناك عن 1500 جندى ولقى المظليون الإسرائيليون متاعب جمة وكان من الممكن أن يتعرضوا للفناء لأن امدادات كثيفة وجهت فى اليوم التالى الى المضيق ثم أمرت بالعودة . وضع الانذار موضع التنفيذ يوم 31 أكتوبر وفى ذلك التاريخ لم يكن أحد من الجنود المظليين قد وصل الى مسافة الأميال العشرة المحددة مع أن مضيق متله يبعد 40 ميلا فقط عن قناة السويس . والخلاصة أن المقاومة المصرية فى سيناء كانت عنيدة فى مختلف الجبهات .

فقد قاوم موقع رفح باستماتة تستحق الاعجاب حتى استدعيت سفينة حربية فرنسية وحينئذ فقط صدر الأمر بانسحاب اللواءين المرابطين فى الموقع وقد عاد أحدهما بأسلحته كاملة والآخر بنصف أسلحته , والظاهر أن خطط الدفاع المصرية كانت ترتكز على القطاع الشمالى , غير أن ديان يدعى بأن تأخر زحف الإسرائيليين فى هذاالقطاع ليس ناشئا عن المقاومة المصرية العنيدة بلى لأن الخطط الإسرائيلية رسمت على أساس الوصول الى الهدف الرئيسى ألا وهو موقع شرم الشيخ لفتح خليج العقبة , بل ان هذه الخطط , على حد قول القائد الإسرائيلى , لم تستهدف تدمير القوات المصرية ولذا لم تشتبك فى القطاع الشمالى .

وبالرغم من تركيز الهجوم الإسرائيلى على القطاع الجنوبى , فان قوات العدو لم تصل الى هدفها فى شرم الشيخ الا فى 5 نوفمبر وكان ذلك بعد صدور قرار بوقف اطلاق النار من الجمعية العامة وانسحاب القوات المعتدية فى 4 نوفمبر وكانت إسرائيل قد وافقت مبدئيا على وقف اطلاق النار على أساس أنه الى أن تأتى الموافقة من مصر سيكون موقع شرم الشيخ قد سقط .

والذى حدث هو أن الانسحاب من سيناء تم بنظام وحتى فى هذه المنطقة الجنوبية التى عزلت عن قواعدها , استطاعت حامية رأس نصراتى الصغيرة أن تنتقل بحرا الى شرم الشيخ لتنضم الى الحامية الكبيرة هناك وقد اضطرت جميعا الى التسليم نظرا لانقطاع الطريق الى القناة . وعلى أثر احتلال الإسرائيليين لشرم الشيخ وصلت سفينتان مؤجرتان فى أثيوبيا وتحملان على ظهرهما المؤن اللازمة للغزاة . و يدل ذلك على دقة الترتيب للحملة وكيف أن حكومة أثيوبيا فى ذلك الوقت وهى دولة أفريقية لم تنحز دبلوماسيا فقط نحو إسرائيل بل أنها ساعدت ايجابيا فى تدبير العدوان . وعبثا حاول الملحق العسكرى المصرى فى أديس أبابا تقديم احتجاج عن الحادث فكان نصيبه الطرد من البلاد . لم يمر العدوان الثلاثي دون وقوع خلافات بين أطرافه المختلفة ومن الحقائق الهامةالتى كشفتها مذكرات ديان محاولة جرت لتعديل خطة الحملة على أساس انفراد فرنسا بغزو بور سعيد على أن تترك سيناء للإسرائيليين يتصرفون فيها كيف شاءوا حتى الضفة الشرقية للقناة . وجاءت المبادرة من القيادة الفرنسية ورحب ديان بالخطة غير أن الفرنسيين تراجعوا خوفا من التورط فى مغامرة لا يستطيعون مواجهتها وحدهم .

الفصل الخامس : الانسحاب من سيناء

لا شك أن أهداف إسرائيل من العدوان على مصر اختلفت فى 1956 عنها فى سنة 1967 ففى سنة 1956 , لم يكن ضم مساحة شاسعة من الأراضى المصرية واردا فى السياسة الإسرائيلية الا من قبيل المناورة . واذا كان بنجوريون قد اعلن من خطة للضم فان ذلك جاء خلال نشوة النصر , ذلك لأن قدرة إسرائيل على استيعاب مساحات واسعة من الأراضى العربية كانت محدودة بخلاف سنة 1967 حين حققت إسرائيل نموا سكانيا واقتصاديا جعلها تتطلع الى الضم بالفعل , وهذا يتمشى مع نظام المراحل الذى خططته الصهيونية لتحقيق أهدافها التوسعية .

ومن الجائز أن تكون إسرائيل قد تظاهرت بالرغبة فى الضم حتى تقطع السبيل فى المستقبل على مقترحات تقدم بها ساسة غربيون مثل ايدن أو دلاس تنادى باسترجاع العرب لجزء من الأرض المحتلة كحل لمشكلة اللاجئين .

وعلى كل فانه ما كاد يتم للجيش الإسرائيلى الوصول الى مشارف الضفة الشرقية للقناة حتى أذاع بنجوريون خطابا أسماه خطاب النصر , أعلن فيه أن لإسرائيل أهدافا ثلاثة من وراء حملة سيناء وهى :

1- تدمير القوات المصرية التى كانت تهددها .

2- تحرير هذا الجزء من الوطن العربى الذى احتله الغزاة ؟

3- تأمين حرية الملاحة الإسرائيلية فى مضايق تيران .

وأهم ما يلفت النظر فى هذا الخطاب , هو الادعاء بأن شبه جزيرة سيناء جزء من التراث التاريخى لإسرائيل . فقد استتبع ذلك ظهور دراسات تؤكد على الحقوق التاريخية فى شبه الجزيرة . ولم ينس بن جوريون أن يذكر فى خطابه بأن الشريعة الموسوية نزلت فى جبل الطور فى سيناء , وان دولة يهودية تعرف باسم يوتوفات ظلت قائمة فى منطقة خليج العقبة حتى القرن السادس الميلادى .

ونشرت جريدة " جيروزالم بوست " فى نفس ذلك اليوم 7 نوفمبر مقالا تعارض فيه الأسس التاريخية لسيادة مصر على سيناء . فذكرت أن محمد على حصل على شبه الجزيرة لمجرد أن تكون اقليما حاجزا بينه وبين الدولة العثمانية . وأضافت الى ذلك قولها أن الخديو عباس منح امتيازا لهرتزل فى سنة 1902 يسمح لليهود باستيطان المنطقة , كما أنكرت صحة الاتفاق الانجليزى التركى الخاص بحدود مصر الشرقية سنة 1906 .

ولم يمض زمن طويل حتى أصدر بلومفليد كتابا عن " خليج العقبة بين مصر وإسرائيل " ادعى فيه أن الانجليز هم الذين حصلوا على سيناء لمصر فى سنة 1892 حينما مارسوا ضغطهم على الأستانة , لكى تجعل سيناء ضمن الأقاليم التابعة للخديو عباس . وتمشيا مع هذه الادعاءات , راحت إسرائيل تطلق أسماء عبرية على أهم المواقع فى سيناء . فسمت خليج العقبة بخليج شلومو أو سليمان , ومضايق تيران بمضايق يوتفان , وهو اسم دولة عبرية قديمة قيل أنها حكمت المنطقة ردحا من الزمن . وأخيرا أعلن بنجوريون أن إسرائيل لم ترتكب عدوانا ضد مصر ما دام أنه تعبر الى الضفة الغربية من قناة السويس . كما برر فكرة الضم بحجة أخرى غير الحقوق التاريخية , ألا وهى أن إسرائيل أقدر على تعمير سيناء من مصر .

ولا نجد انفسنا بحاجة الى مناقشة الحجج المبنية على الحقوق التاريخية , وقد سبق لنا أن عبرنا فى مناسبات أخرى عن رفضنا لمبدأ الاستدلال على الحقوق بوساطة التاريخ ,وخاصة اذا بنى على ادعاءات مستمدة من التاريخ القديم , وذلك لسبب بسيط , هو أن مصر كانت وحدها هى الدولة المنظمة التى تعرف لنفسها حدودا جغرافية واضحة من بين دول الشرق الأدنى القديم . أما الإسرائيليون بالذات فقد تنقلوا فى مناطق مختلفة ما بين النيل والفرات , ولم يكن لهم وجود مستقر فى منطقة معينة , ولو طبق مبدأ الحقوق التاريخية فى جميع الحالات , لعمت الفوضى العالم .

أما الاشارة الى أن مصر حصلت على سيناء فى عصر محمد على أو فى سنة 1892 نتيجة تدخل بريطانيا , فذلك يدل على أن كل من تولى المسئولية فى مصر , كان يدرك أن أمنها مرتبط بتبعية سيناء , التى هى بمثابة المدخل الشرقى لمصر , والتى كانت ممرا للغزاة فى أغلب الحالات .

واذا كانت الدولة المحتلة , قد أدركت هذه الحقيقة ,فمن باب أولى أن تصر مصر المستقلة على حقوقها الطبيعية فى السيادة على أراضيها . ثم ان هناك مغالطة أساسية فى الحجج الإسرائيلية وهى أن إسرائيل لم تعتبر فى وقت ما من ورثة الدولة العثمانية , حتى تطالب بشىء من الأراضى التى كانت تحكمها تلك الدولة ,اذ لم يكن للدولة الإسرائيلية وجود على الاطلاق عند تصفية الامبراطورية العثمانية فى سنة 1919 وسنة 1920 .

وللأسف ما زال بعض السياسيين , رغم تعمقهم فى الدراسات التاريخية والسياسية , يثيرون قضية الحقوق التاريخية فى سيناء . وما كان ينبغى على رجل مثل كيسنجر , أن يتساءل عن هذا الموضوع أثناء توسطه فى اتفاقية الفصل بين القوات .

هناك فقط درس لم تستفد منه مصر ,رغم أن ينجوريون قد فتح الأعين عليه , حينما قال أن إسرائيل أقدر على سيناء من مصر . فمنذ أن عادت الادارة المصرية الى سيناء فى سنة 1957 انقضت عشر سنوات دون أن تهتم الحكومة المصرية حينذاك بنقل المياه العذبة بوساطة الأنابيب تحت قناة السويس الى شرق القناة , وانما اكتفت باقامة مراكز بسيطة للتعدين .والاستيطان الزراعى هو أفضل الوسائل انتشار السكان واستقرارهم . وقد كانت مياه النيل أقرب الى سيناء من مياه الأردن التى حولتها إسرائيل باستخدام خطوط طويلة من الأنابيب الى صحراء النقب . وفى رأينا أن تعمير سيناء بوساطة السكان المنتشرين فى القرى , يشكل حاجزا أقوى من التحصينات العسكرية , ويقطع الطريق على تفكير الإسرائيليين فى ضم سيناء مرة أخرى .

بداية الضغوط الدولية

بعد القاء خطابه المشار اليه بيوم واحد , اضطر بن جوريون الى تعديل لهجته فى خطاب مذاع يوم 8 نوفمبر قال فيه : أن الأهداف الثلاثة التى ذكرتها فى اليوم السابق , كانت هدفا لإسرائيل منذ سنة 1948 , ولكن الدول لا تحقق أهدافها جميعا دفعة واحدة وقد حققنا الآن أحد الاهداف الرئيسية من حملة سيناء , ألا وهو تدمير القوات المصرية . أما الهدفان الآخران فلا ندرى ماذا سيحدث بالنسبة لهما . وكان يقصد بذلك ضم سيناء الى إسرائيل , وفتح المضايق وقناة السويس للملاحة الإسرائيلية .

ماذا كان قد حدث فى هذا اليوم حتى يغير ابن جوريون لهجته , بل ويرسل لهمرشولد كتابا فيه استعدادا للانسحاب جزئيا عندما تصل قوات الطوارىء الدولية , بعد أن كان يعارض فى اليوم السابق مجرد هذه القوات فوق اراضى اعتبرها إسرائيلية ؟

لقد أدرك بن جوريون جديةالموقف الأمريكى الذى جعل بريطانيا توقف عملياتها الحربية يوم 7 نوفمبر قبل أن تستكمل السيطرة على ضفة القناة الغربية . واذا كانت بريطانيا قد رضخت أمام حليفتها الكبرى , واضطرت فرنسا الى أن تلتزم هى الأخرى بوقف اطلاق النار , فهذا يعنى أن انسحاب بريطانيا صار أمرا مقررا ,لأن تطهير القناة لن يتيسر مع وجود القوات البريطانية على بعض أجزاء محدودة من ضفة القناة الغربية . واذا كان هذا هو مصير الحملة الفرنسية , فان استمرار إسرائيل وحدها فى احتلال أراضى مصرية , سيكون مهمة صعبة . شىء آخر أدركه بن جوريون خلال هذا اليوم , وهو أن موقف ايزنهاور المعادى لغزو مصر لم يؤثر على نتيجة الانتخابات التى جرت يوم 6 نوفمبر , وأدت الى اعادة انتخابه لفترة أخرى , واقتصر تأثير الدعاية الصهيونية على دوائر محلية , فقيل أن أحد الأعضاء الجمهوريين المرشحين لمجلس الشيوخ فقد مقعده بسبب موقف ايزنهاور .

وقد عرف فيما بعد أن الرئيس الأمريكى ما أن فرغ من الحملة الانتخابية حتى بعث برسالة الى بن جوريون زاوج فيها بين أسلوب التهديد وبذل الوعود . فقال ان الأمم المتحدة ستقف كلها ضد العدوان الإسرائيلى , أما اذا انسحبت إسرائيل بعد انتصارها , فستحظى باحترام دولى أكبر , وتحصل على مزيد من المساعدات الأمريكية .

ولم يشأ أيزنهارو أن يذهب الى حد التهديد بقطع المعونة الأمريكية فى الوثيقة المكتوبة التى وجهها لرئيس وزراء إسرائيل , ولكن من الشائع أن أحد وكلاء وزارة الخارجية الأمريكية أبلغ مائير شفويا , احتمال استخدام الولايات المتحدة قطع المعونة , كأداة للضغط على إسرائيل حتى تنفذ الانسحاب وفى حين استخدمت الولايات المتحدة هذا الأسلوب المتوازن , لجأ الاتحاد السوفيتى الى استخدام عبارات شديدة اللهجة للتنديد بالعدوان الإسرائيلى وذهب بولجانين فى رسالته الموجهة الى بن جوريون , الى حد القول بأن إسرائيل تخاطر بكيانها اذا استمرت فى العدوان .

وهذه المبالغة فى الوعيد , تفقد فى رأينا وزن الرسالة السوفيتية بعض الشىء . فهل كان الاتحاد السوفيتى يعن بالفعل ازالة الكيان الإسرائيلى أم أنه قصد الدعاية فى البلاد العربية , بعد أن اتضح له موقف الولايات المتحدة من العدوان ؟

لقد اختلف كثيرا داخل العالم العربى حول قيمة الضغط السوفيتى فى سنة 1956 وكانت دمشق أكثر العواصم العربية مبالغة فى تصوير الأثر الذى تركه الانذار السوفيتى , وتجاهلا للموقف الأمريكى . أما مصر , فقد أبرزت الانذار السوفيتى , ولكن دون انكار لقيمة التدخل الأمريكى دوليا فى هذه الأزمة .

وحدث أن شكا السفير الأمريكى بالقاهرة , من أن أجهزة الاعلام العربية تغفل دور الولايات المتحدة فى الأزمة . فأجابه عبد الناصر بأن مصر لا تقبل سيطرة اية دولة كبرى , وهى لم تكافح للتخلص من النفوذ البريطانى لكى تقع تحت نفوذ دولة أخرى , بل أضاف الرئيس المصرى أنه بعد اشتراك بريطانيا وفرنسا فى العدوان , فان الولايات المتحدة تبقى الصديق الوحيد لمصر من بين الدول الغربية . وفى الخطاب الذى ألقاه فى اليوم التالى بالأزهر فى 9 نوفمبر , نوه عبد الناصر بمساندة كلتا الدولتين العظميين ووقوفهما بجانب مصر .

كذلك تناولت المذكرة التى وجهتها وزارة الخارجية الى السفراء المعتمدين فى القاهرة , تحديد موقف مصر من الاتحاد السوفيتى , فذكرت أن مصر لا تقبل الماركسية مذهبا لها ,وأن سياستها تنبع من مبدأين : الحياد واعتناق مبدأ القومية العربية . وفى رأينا أن تفسير القومية العربية فيما بعد , على أنه مطابق للوحدة السياسية , كان من أهم الأسباب التى باعدت بين الولايات المتحدة ومصر .ومع أن الاتحاد السوفيتى كان يعارض هو الآخر مخططات الوحدة العربية , الا أنه حاول تجنب الصدام حول هذا الموضوع .

ومهما اختلف حول أهمية الدور السوفيتى فى ردع العدوان سنة 1956 فمما لاشك فيه أن هذا الموقف كان له أثر بعيد من جهتين :

الأولى : يتمثل فى زيادة التاثير النفسى على إسرائيل , فقد كان الاتجاه العام حتى ذلك الوقت هو تجنب الاعتماد على معسكر واحد , مما يخشى معه التحول الى تبعية هذا المعسكر , و لذلك حرصت الحكومة الإسرائيلية على تحييد الاتحاد السوفيتى ,كما توضح الردود التى بعث بها بن جوريون على رسالة بولجانين . فلم تخل هذه الردود من التذكير بالعلاقات الحسنة التى ظلت تربط بين البلدين .

ثانيا : - أن اتفاق الدولتين العظميين على موقف واحد فى الجمعية العامة , كان له أكبر الأثر فى الحصول على شبه اجماع من الأعضاء لاتخاذ موقف مضاد للعدوان.

واذا كانت دوافع الاتحاد السوفيتى تبدو سهلة فى تعليلها , فان العوامل التى دفعت الرئيس الأمريكى ايزنهاور الى معارضة العدوان , ووضع ثقل الولايات المتحدة لردعه , تحتاج الى وقفه قصيرة . حسب تفسير الرئيس الأمريكى نفسه , فان رائده هو المحافظة على النظام الدولى , لأن ترك عدوان مسلح يتخذ مجراه ضد احدى الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة , يوشك أن يحطم المنظمة نفسها . وهذا التفسير يأخذ فى الاعتبار , مبادىء أخلاقية محضة , ويمكن أن يضاف الى ذلك سبب آخر يتعلق بتكوين عقلية الرئيس الأمريكى . فهو يرفض كسب الرئاسة عن طريق المساومة وهذا هو الأسلوب الذى تلجأ اليه الصهيونية فى مواجهة حملات انتخاب الرئاسة فى الولايات المتحدة . يدل على ذلك قول الرئيس لمعاونيه حينما حذروه من استياء اليهود فى الولايات المتحدة , وتحول أصواتهم الى منافسة " اليسواهم قبل كل شىء أمريكيين ؟ " . كذلك لم يرق لايزنهاور تعديل سياسته من أجل مساندة فئة سياسية ضد أخرى فى دولة أجنبية . وكان بن جوريون قد ذكر له بأن الانسحاب من سيناء سيؤثر على شعبيته ويعطى فرصة لخصومه . كى يكسبوا مزيدا من الأصوات .

على أنه لا ينبغى الاقتصار على تلك الأسباب المعنوية . فمن المؤكد أن الرئيس الأمريكى فكر أيضا فى مصالح الولايات المتحدة المتشعبة فى العالم العربى . وكان يتطلع الى تدعيمها والتوسع من نطاقها . والاكثر من ذلك ادراك الرئيس الأمريكى أن دور بريطانيا فى المشرق العربى قد تضاءل . ولم يعد من الممكن الاعتماد عليها لمواجهة النفوذ السوفيتى المتزايد . و لذلك لا نكاد نجد فاصلا زمنيا بين انتهاء الضغط الأمريكى الذى أدى الى انسحاب إسرائيل من جميع الأراضى التى احتلتها سنة 1956 , وبين صدور نظرية ايزنهاور الخاصة بمكافحة الشيوعة فى الشرق الأوسط .

دور قوات الطوارىء الدولية

ليس التفكير فى انشاء قوة طوارىء وليد العدوان الثلاثي . ولكنه يرجع الى سنة سابقة , منذ أن اشتد التوتر على الحدود بين مصر وإسرائيل , ورؤى أن حجم القوات المكلفة بالرقابة على الهدنة ضئيل للغاية .. ولم تسفر مناقشات مجلس الأمن حول هذا الموضوع عن نتيجة تذكر , فلما وقع العدوان الإسرائيلى بالاشتراك مع بريطانيا وفرنسا , وانعقدت الجمعية العامة فى دورة طارئة لمواجهة الأزمة,تقدم ليستر بيرسن وزير خارجية كندا . باقتراح مفصل حول انشاء قوات طوارىء دولية . ولقى الاقتراح ترحيبا من غالبية الأعضاء فى الجمعية العامة للأمم المتحدة , وذلك بالنسبة للمبدأ . أما بالنسبة لاختصاصات هذه القوات , وكيفية انتشارها , و تحديد مهامها الادارية والسياسية , فهذا ما بقى موضوع جدل وخلافات حادة فى الجمعية العامة .

وقد شغل المتخصصون فى القانون الدولى بالدراسات حول قوات الطوارىء الدولية واختصاصاتها , ومن هو صاحب الحق فى ابقائها أو سحبها .

والذى يعنينا فى هذه الدراسة , هو الجانب السياسى دون الدخول فى المناقشات القانونية المعقدة . ففى بداية الأمر ,أعلنت الحكومة البريطانية موافقتها على ارسال قوات الطوارىء الى مصر على أساس أن تكون مهمتها هى تأمين حرية الملاحة فى قناة السويس بصورة دائمة . فى حين أن الغالبية العظمى فى الجمعية العامة كانت تفهم أن الهدف من ارسال هذه القوات , هو المرابطة بين الحدود المصرية والإسرائيلية , وذلك بعد أن تنسحب القوات الإسرائيلية من الأراضى التى احتلتها فى سيناء حتى ذلك اليوم , وهو الرابع من نوفمبر .

ويبدو أن ايدن تعلل برفض الجمعية العامة لتحفظاته حول دور قوات الطوارىء , فقرر انزال قوات برية الى بور سعيد فى اليوم الثانى . غير أنه عجز عن مواجهة الضغوط الدولية عامة والأمريكية بصفة خاصة , ولم تجد قوات الطوارىء صعوبة فى تنفيذ عمليات الانسحاب البريطانى الفرنسى من المناطق التى احتلتها غرب القناة . وعلى العكس من ذلك واجهت الأمم المتحدة متاعب جمة فى تنفيذ الانسحاب الإسرائيلى من سيناء , وخاصة فى مراحله الأخيرة . الا أنه كان من الصعب رفض مبدأ الانسحاب , ما دام أن شركاء إسرائيل فى عملية الغزو قد نفذوا قرارات الأمم المتحدة , بل ان بريطانيا تحولت فى المواحل الأخيرة الى تأييد الجمعية العامة التى أكدت على الانسحاب الإسرائيلى . تم الانسحاب الإسرائيلى على مراحل مختلفة , فانتهت المرحلة الأولى فى 22 ديسمبر , حين تراجعت القوات الإسرائيلية الى ممرات سيناء ذات الموقع الاستراتيجى . وفى المرحلة الثانية انسحبت القوات الإسرائيلية الى نقطة غرب العريش وبعد مماطلة انسحبت الى شرق العريش فى 22 يناير . ثم اتخذت إسرائيل موقفا متصلبا بالنسبة للقسم الجنوبى من سيناء الموازى لخليج العقبة . وكذلك بالنسبة لقطاع غزة . وطوال هذه المراحل كان بن جوريون يتحدث للإسرائيليين عن الانسحاب من مصر دون أن يشيربكلمة الى خطوط الهدنة . اذ أنه كان يريد أن يحصل على اعتراف دولى بالغاء نظام الهدنة وانهاء حالى الحرب ,مقابل الانسحاب . ومما زاد موقف بن جوريون حرجا , كيفية مواجهة الرأى العام الإسرائيلى الذى استمع منه الى خطاب مشبع بالروح السوفيتية فى السابع من نوفمبر , والذى أعلن فيه أن سيناء جزء من إسرائيل ... ولذا احتاج الى المماطلة أطول مدة ممكنة , فكانت القوات الإسرائيلية تنسحب بمعدل 2ونصف ك . م يوميا وعمدت أثناء عمليات الانسحاب الى تخريب الطرق , وازالة أعمدة البرق . حتى تجعلى تقدم قوات الطوارىء عسيرا , كما أنها هدمت مظاهر العمران البسيطة فى سيناء . واحتاجت مصر الى سنة كاملة لتعيد تعمير العريش , وتمهيد الطرق من جديد . وعندما احتجت قيادة الطوارىء على هذا التخريب ادعت الحكومة الإسرائيلية أن القواد المحليين هم الذين قاموا بتنفيذه دون أن تصدر اليهم أوامر بذلك من القيادة الإسرائيلية العليا .

وبينما كانت عمليات الانسحاب تسير ببطء حاولت إسرائيل أن تظفر من الجمعية العامة بتفسيرات معينة حول دور قوات الطوارىء وأماكن مرابطتها , ومن يملك حق طلب سحبها , بل انها أثارت مسألة دخول القوات المصرية الى سيناء أثناء عمليات الانسحاب . والواقع أن أيا من القرارات التى اتخذتهاالجمعية العامة بشأن الانسحاب الإسرائيلى لم تشر الى تحفظ ما حول حق مصر فى توزيع قواتها المسلحة فى سيناء , التى هى جزء من أراضيها ولكن بيرنز كبير المراقبين الدوليين , يذكر أنه تم اتفاق شفوى ( اتفاق الجنتلمان ) على أن تكتفى مصر بارسال قوات شرطة الى المناطق المأهولة فى الطور والعريش مع بعض وحدات من سلاح الحدود . وذلك الى أن يتم الاتفاق حول أماكن مرابطة قوات الطوارىء .

كذلك أثير منذ البداية , موضوع الجنسيات التى تتكون منها قوات الطوارىء , وكان بيرسون صاحب الاقتراح بانشاء قوات الطوارىء قد أبدى استعدادا لاشتراك كتائب كندية ضمن هذه القوات , ولكن الحكومة المصرية احتجت بأن الكنديين قد يؤخذون على أنهم انجليز , فيثيرون مشاعر السخط , سيما وأن عهد الاحتلال البريطانى ما يزال قريبا الى الأذهان .

وفى نفس الوقت , حرصت الولايات المتحدة على ابعاد الدول الكبرى من الاشتراك فى قوات الطوارىء الدولية . واستقر الأمر على أن يكون لمصر الكلمة النهائية فى تحديد الجنسيات المشتركة فى هذه القوات الدولية .

على أن أكثر الموضوعات حساسية واثارة للجدل فى الجمعية العامة التى كانت تدور حول نقطتين :

الأولى: تتعلق بالسلطة التى تستطيع أن تنهى عمل قوات الطوارىء .

والثانية تتعلق بأماكن انتشار هذه القوات .

وكان الاتجاه العام هو أ يكون وجود القوات الدولية مشروطا برضى القطر الذى ترابط فيه , وكذلك من حق هذا القطر أن يحدد الأماكن التى ترابط فيها هذه القوات . ومعنى ذلك أن مصر تستطيع ان تطلب انسحاب القوات أى وقت تشاء , ولم يكن هذا المبدأ ليرضى إسرائيل , ولذلك اتخذت ذريعة للمماطلة فى الانسحاب . فلجأ داج همرشلد الى اقتراح يمكن أن يفسر بطرق مختلفة . وهو أن تتكون لجنة عليا استشارية لقوات الطوارىء , يتولى قيادتها كبير المراقبين الدوليين . وهذه اللجنة هى التى تقررما اذا كان سحب القوات يخلق مشكلة خطيرة . وفى هذه الحالة فان الانسحاب يتطلب موافقة من الجمعية العامة , والا فانه يمكن فى الحالات العادية أن يطلب القطر المضيف سحب قوات الطوارىء.

أما إسرائيل فكانت ترغب فى أن يكون للجمعية العامة- وهى التى أمرت بانشاء هذه القوات – الحق المطلق فى ابقائها أو سحبها . وهذه سابقة خطيرة فى نظر معظم الأعضاء , لأنها تتعلق بحقوق السيادة القومية .

أما فيما يتعلق بأماكن مرابطة القوات الدولية , فقد اقترحت إسرائيل أن تنتشر على امتداد الساحل الموازى لخليج العقبة , وعلى الجانب المصرى من الحدود فقط , وذلك الى أن يتم الاتفاق على تأمين الملاحة . ولم يؤيد همرشلد الذى قام بدور بناء مشبع بروح العدل والانصاف طوال الأزمة , المقترحات الإسرائيلية , بل على العكس رأى أن العدل يقتضى مرابطة قوات الطوارىء على جانبى الحدود , أو على الأقل فى المناطق منزوعة السلاح مثل العوجة فى الجانب الإسرائيلى . ومن المعروف أن لإسرائيل موقفا متصلبا , سبق أن اتخذته ضد جميع المحاولات الرامية الى ايجاد أية قوة دولية مرابطة على حدودها كما انتهكت شروط الهدنة الخاصة بنزع سلاح العوجة .

واذا استعرضنا نشاط الجمعية العامة خلال هذه الأزمة نلاحظ أن همرشلد أدى دورا بارزا لم يكن فيه مجرد أمين عام ينفذ قرارات , بل كان يحاول أن يتغلب على العراقيل التى تضعها إسرائيل بشتى الطرق . فهو يعطى تفسيرات لقرارات الجمعية العامة , وهو يتعجل شخصيا تشكيل قوات الطوارىء وارسالها الى مصر وذلك لقطع الذرائع على إسرائيل فى المماطلة . وقد استطاع همرشلد أن يجنى ثمار سياسته حتى تم انسحاب إسرائيل من شمال سيناء الى شرق العريش وحينئذ اصطدم بموقف أشد تصلبا بحيث لا تستطيع الجمعية العامة , رغم تأكيد قراراتها , أن تؤدى الدور الحاسم لانسحاب إسرائيل من شرم الشيخ وقطاع غزة . وسنرى فيما بعد ,أن الولايات المتحدة هى التى تكلفت بالضغط على إسرائيل واعطائها الضمانات قبل الانسحاب . ولكن ذلك لا يعنى أن الأمم المتحدة قد توقف دورها خلال هذه المرحلة الأخيرة وقد تكشفت للمنظمة الدولية نوايا توسعية لإسرائيل ,مما جعل الجمعية العامة تغدو أكثر عداء , ويزداد عدد الأصوات المؤيدة للانسحاب دون أخذ شروط مسبقة .

ومنذ 23 يناير , أى بعد اتمام المرحلة الثانية من الانسحاب الإسرائيلى القى بن جوريون خطابا فى الكنيست , قال فيه أن شرطة غزة يجب أن تبقى بيد إسرائيل , لأن تركها لقوات الطوارىء , سيتيح الفرصة من جديد لاستئناف أعمال الفدائيين . ومعنى ذلك أنه لا يرفض فقط عودة القطاعى الى سابق عهده حسب نظام الهدنة ,وانما يرفض أيضا اخضاعه لادارة دولية وبعبارة أخرى يتطلع الى ضمه لإسرائيل . وبالفعل كانت قد اتخذت بعض اجراءات أولية فى هذا الاتجاه , مثل ربط القطاع هاتفيا وبرقيا بإسرائيل ولم يلبث أبا أيبان أن كشف للجمعية العامة بصورة أكثر صراحة عن أهداف إسرائيل بالنسبة لغزة , فادعى فى خطاب ألقاه أمام المنظمة الدولية , أن ادارة مصر للقطاع اصطناعية , وهى من مخلفات حرب 1948 ومن نظام الهدنة البغيض وأضاف أن غزة تقع على أربعين ميلا من تل ابيب , وستين ميلا من القدس , فى حين أنها تبعد مسافة 250 ميلا من القاهرة وتفصلها عن وادى النيل صحراء سيناء . ومصر بلد زراعى لا يستطيع أن يستوعب اقتصاد غزة , فى حين أن إسرائيل الصناعية يمكنها أن تدمج غزة فى اقتصادها .

وبالنسبة لشرم الشيخ , أعلن بن جوريون فى خطابه أما الكنيست , أن تأمين الملاحة يتحقق بأحد طريقين :

الأول : تعهد من الدول الأربع المحيطة بخليج العقبة , وهى السعودية ومصر والأردن وإسرائيل , بحرية الملاحة . واذا لم يتسن التوصل الى مثل هذا الاتفاق الجماعى , ترابط قوات الطوارىء على طول الشريط الساحلى وفى عمق 25 ك . م . الى أن يتم الاتفاق مع مصر . وأنهى خطابه باقتراح تجريد سيناء من السلاح .

كانت إسرائيل تتمنى لو تم اتفاق جماعى من الدول الأربع لأن ذلك يعنى أن دولا عربية عديدة قد اشتركت مع إسرائيل فى اتفاق ما . ولما كان مثل ذلك الاتفاق من الأمور المستحيلة فى ذلك الوقت , فقد سارت إسرائيل فى الطريق الثانى , وهو محاولة توسيع أماكن مرابطة القوات الدولية . وفى هذا المجال أرادت الحكومة الإسرائيلية أن تعزز الاجراء الدولى فى المجال العسكرى باجراء آخر فى المجال القانونى . وذلك بأن يصدر الأمين العام تصريحا نيابة عن الجمعية العامة , يعلن فيه أن خليج العقبة له طبيعة دولية , وبالتالى لا تخضع مداخله للسيادة الاقليمية لدولة من الدول المتاخمة . وقد رفض همرشلد أن يصدر مثل هذا التصريح , وأن كان قد أقر بأن المسألة محل جدل قانونى .

أشرنا الى اتجاه الجمعية العامة المتزايد نحو مساندة مصر فى طلب انسحاب إسرائيل بدون شروط مسبقة . ومن ثم لم يظفر ايبان من الجمعية بردود على المذكرة التى طلب فيها ايضاح نقاط معينة كشرط مسبق على الانسحاب . ومن بين هذه النقاط أن تعلن مصر امتناعها عن اتخاذ اجراءات الدولة المحاربة برا أوبحرا , وأن تقبل صراحة مرابطة قوات الطوارىء على طول ساحل خليج العقبة , وليس فقط على جانب الحدود , أو فى نقطة شرم الشيخ . وكانت خطة مصر عند التصويت على المسائل المتعلقة باجراءات قوات الطوارىء وأماكن مرابطتها , تنزع الى الامتناع عن التصويت , وذلك حتى لا تلتزم بشىء محدد وبصورة مستديمة .

وفى الجمعية العامة ظهر اتجاهان : أحدهما يطالب بالانسحاب مع امكان اعطاء ضمان باحترام الملاحة فى المياه الدولية , وأن يكون هذا الضمان بعد الانسحاب . كما يمكن التصرف بالنسبة لقطاع غزة , وذلك بتقوية الادارة الدولية , وعدم التقيد بنظام الهدنة . وكانت الولايات المتحدة تؤيد الانسحاب دون أى شرط مسبق .

وبخصوص حرية الملاحة و فيمكن أن تفصل فيه محكمة العدل الدولية . ومن المعروف عن إسرائيل أنها تنبذ كل اقتراح يعتمد على محكمة العدل الدولية لأن الحلول المبنية على القانون والشريعة لا تخدم مصالحها فى حين أن الحلول السياسية تأخذ عادة فى الاعتبار وضع القوى , وتصدر أحكامها متأثرة بالأمر الواقع . وهذا النوع من الحلول يلائم مصلحة إسرائيل . وفى جميع الأحوال فان أصحاب الاتجاهين فى الجمعية العامة اتفقوا على أن نظام الهدنة يمكن أن يستمر , كأساس للعلاقات بين مصر وإسرائيل , وهذا ما اعتبرته الحكومة الإسرائيلة أكبر خذلان منيت به , ولهذا راحت تبحث عن ضمانات لها بوسائل أخرى .

الضغوط والضمانات الأمريكية

استخدمت الولايات المتحدة فى ضغطها على إسرائيل ابان الأزمة طريقين متوازيين : طريق غير مباشر من خلال الأمم المتحدة , وطريق مباشر تمثل فى الرسائل الشفوية أو الخطابات المكتوبة التى بعث بها أيزنهاور الى المسئولين الإسرائيليين . وقد كشف النقاب عن بعض هذه الخطابات فى الكتب الخاصة التى تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية . ولكن الاتصالات الشفوية لم تعرف حتى الآن بصورة كاملة .

وكامن عمل الولايات المتحدة , من خلال النظمات الدولية . أبرز ابان المراحل الأولى من الانسحاب . ولعل ذلك راجع الى اهتمام الرئيس الأمريكى فى تلك الحقبة , بتقوية المؤسسات الدولية . ولقد رأى كيف شل مجلس الأمن عن العمل نتيجة استخدام كل من بريطانيا وفرنسا لحق الفيتو . ولذا أيدت الولايات المتحدة دعوة الجمعية العامة الى دورة طارئه . ويعتبر كثير من الكتاب أن أزمة الشرق الأوسط كانت بمثابة نقطة تحول فى تاريخ الأمم المتحدة اذا انتقل مركز الثقل من مجلس الأمن الى الجمعية العامة منذ ذلك الوقت .

ولا شك أن موقف إسرائيل من الجمعية العامة كان أشد صعوبة منه فى مجلس الأمن . ومما زاد من مخاوف إسرائيل , امتناع الدول العربية عن المشاركة فى أى تصويت يخص قوات الطوارىء الدولية وتنظيمها وكيفية عملها , بل ان الكتلة السوفيتية حددت موقفها من هذا الموضوع بصورة أوضح . فأعلنت عن رغبتها فى أن تكون مهمة قوات الطوارىء مؤقتة فتنسحب بمجرد أن يكتمل انسحاب إسرائيل من سيناء وغزة , وموقف الكتلة السوفيتية من فكرة وجود قوات دولية معروف , وهو التوجس خيفة من أن تكون القوات ستارا لتسلل النفوذ الغربى . وتعبيرا عن اعتراضها على استمرار وجود قوات الطوارىء بمصر أعلنت الدول الشيوعية أنها لن تدفع نصيبها فى نفقات هذه القوات .

وازاء جمود الموقف الإسرائيلى يعد اتمام مراحل الانسحاب الأولى التى انتهت بمغادرة العريش , ظهر اتجاه جديد فى الجمعية العامة , وهو فرض عقوبة ما على إسرائيل وفقا لما هو منصوص عليه فى ميثاق الأمم المتحدة , و ذلك لاجبارها على الانسحاب من غزة وشرم الشيخ . وقد سئل فوستر دالاس أثناء مؤتمر صحفى عقد فى 5 فبراير سنة 1957 عم موقف الولايات المتحدة فى حالة اتخاذ الجمعية العامة قرارا بانزال العقوبة بإسرائيل , فأعلن أن بلاده ستأخذ القرار مأخذ الجد . والواقع أن مشاركة الولايات المتحدة فى عقوبة تقررها الجمعية العامة , كان يبدو ايسر الى حد كبير مما لو فكرت الحكومة الامريكية فى أن تتخذ اجراء ما من جانبها للضغط على إسرائيل . ولكن الأمور لم تصل الى هذا الحد , وبدلا من العقوبات على اختلاف أشكالها اتجهت السياسة الأمريكية خلال شهر فبراير الى المزاوجة بين أسلوبين : الضغط غير المباشر على إسرائيل وفى نفس الوقت اعطاؤها الضمانات اللازمة لتأمين حرية الملاحة فى مضايق تيران . ومن المعروف أن أنجح وسائل الضغط التى يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة , هى قطع المعونات المالية , أو ايقاف التبرعات التى يقدمه الأفراد لإسرائيل . أما الأسلحة فلم تكن تصدر من الولايات المتحدة الى إسرائيل فى ذلك الوقت . ومنذ 4 فبراير كتب صحيفة جيروزالم بوست أن المساعدات الحكومية الأمريكية قد توقفت , مما يضطر الحكومة الإسرائيلية الى تخفيض مصروفاتها بنسبة 10 فى المائة أو يوازى 90 مليون ليرة . ودعا الصهيونيون المتطرفون الى تحدى الولايات المتحدة فى هذه المناسبة , فقالوا أن بوسع الاسرائليين أن يتحملوا مستوى أدنى من المعيشة فى سبيل تحقيق أمنهم . كما حاول هؤلاء الصهيونيون التوجه الى اليهود الامريكيين ليعوضوا بالتبرعات الفردية مساعدات الحكومة الأمريكية .

فى هذه الأثناء أرسل أيزنهاور كتابا آخر الى بن جوريون فى 8 فبراير استخدم فيه أسلوبا شديد اللهجة , لحث إسرائيل على الانسحاب . . ويصادف تاريخ هذا الكتاب اعلانا مشتركا أصدره ايزنهاور والملك سعود ابان زيارته لواشنطن : جاء فيه أن الولايات المتحدة تعتبر أى اعتداء على السلامة الاقليمية لأية دولة من دول الشرق الأوسط هو تهديد للسلام العالمى ولمبادىء الأمم المتحدة وستعارضه الحكومتان بشدة .

وفى رده على الرئيس الأمريكى : احتج بن جوريون قائلا انه لم يسبق للولايات المتحدة أن استخدمت أسلوبا كهذا مع إسرائيل . وأضاف أن مراحل الانسحاب التى تمت حتى ذلك الوقت , انما جاءت تلبية لنداء الرئيس أيزنهاور فى 7 نوفمبر .

وشهدت إسرائيل فى تلك الأيام عدة مظاهرات معادية للضغط الأمريكى الا أن الحكومة الإسرائيلية لم تشأ , أو على الأصح لم تستطع تنفيذ سياسة التحدى , ورأت أن تكتل الجهود من أجل الحصول على ضمانات : اما دولية تشترك فيها الولايات المتحدة واما ضمانات أمريكية منفردة على الأقل لحرية الملاحة فى مضايق نيران , وتدويل قطاع غزة . وبعبارة أخرى أصبحت خطة إسرائيل هى مقاومة الضغط بقدر المستطاع , وعدم اقفال الباب مع الولايات المتحدة .

ولم تعترض الحكومة الأمريكية على مبدأ الضمان بالنسبة لحرية الملاحة فى مضايق تيران , ولكنها كانت تود لم تم الانسحاب الإسرائيلى دون شرط مسبق . وتخلص مذكرة فوستر دالاس المؤرخة فى 16 فبراير والموجهة الى ابا ايبان مندون إسرائيل الدائم فى الأمم المتحدة سياسة الحكومة الأمريكية على النحو التالى :

أن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تدخل تعديلات أساسية على نظام الهدنة الذى يدار بوساطته قطاع غزة , ولكنها تؤيد تدعيم وجود دولى فى القطاع تحدد اختصاصاته فيما بعد . أما فيما يتعلق بمضايق تيران , فالحكومة الأمريكية تعد بالاتفاق مع الأمم المتحدة والأمين العام للمنظمة , تأييد الخطة الرامية انتشار قوات الطوارىء فى النقاط المشرفة على المضايق . كما أن الحكومة الأمريكية مستعدة لتأمين حرية الملاحة , والاتفاق على ذلك مع أطراف أخرى .

وقد فسرت جريدة نيويورك تايمز هذا الضمان الأمريكى بأنه يشمل احتمال تجهيز سفن أمريكية تمر من المضايق فى اتجاه ميناء ايلات . واضافت الجريدة أن حكومة واشنطن لا تقبل تحكم مصر فى جميع الطرق الموصلة بين البحرين الأحمر والمتوسط , خاصة اذا كان الأمر يتعلق بالنفط .

لم ترض هذه المذكرة الحكومة الاسرائلية , وأن وجدت فيها عنصرا جديدا يمكن أن يؤدى الى تخفيف تصلبها . وفى حين رحب بن جوريون بالضمانات الأمريكية لحرية الملاحة , فانه استمر يساوم على قطاع غزة . وكتب فى 15 فبراير أن إسرائيل تود الاحتفاظ بالقطاع لدواعى الأمن من جهة , وتحسين حالة السكان , وذلك باعادة توطين جزء منهم , وتعويض الجزء الآخر من جهة أخرى . ولم يحدد أرقاما بهذا الشأن , كما لم يذكر أين يعاد توطين الفلسطينيين . ومع ترحيبه بالضمان الأمريكى , فقد ألح بن جوريون على ضرورة التعهد بابقاء القوات الدولية الى أن يتم صلح مع مصر , أو تتخذ ترتيبات أخرى لحرية الملاحة . كما اثار فى هذا الكتاب موضوع الملاحة الإسرائيلية فى قناة السويس , فقال انه ليس من المعقول أن تفتح القناة بوساطة الأمم المتحدة , ثم تبقى مغلقة فى وجه السفن التابعة لاحدى الدول الأعضاء فى المنظمة الدولية .

واعتبر ايزنهاور هذا الرد محاولة إسرائيلية جديدة للمرواغة , ولذلك دعا الى اجتماع وزارى لبحث احتمال اتخاذ اجراء ما ضد إسرائيل . وقد ضم هذا الاجتماع دالاس وزير الخارجية وهمفرى وزير المالية , وأوضح دالاس أنه توجد فى الأمم المتحدة أصوات كافية لتقرير عقوبة على إسرائيل حسب الميثاق وأنه اذا عارضت الولايات المتحدة هذا الاتجاه العام فى المنظمة الدولية فسوف يسود اعتقاد لدى العرب بأن الاتحاد السوفيتى هو راعيهم الوحيد , وتدمر مبادىء ايزنهاور قبل أن يعلن عنها . وأوضح الرئيس الأمريكى فى الاجتماع أن ايقاف الاعانات الحكومية قائم بالفعل بالنسبة لكل من مصر وإسرائيل , وأن الذى يمكن عمله لممارسة مزيد من الضغط , هو حض الأفراد على قطع الاعانات . وقدر همفرى الاعانات الخاصة بنحو أربعين مليون دولارا وأن قيمة السندات التى تباع لصالح إسرائيل تتراوح بين خمسين وستين مليونا دولار. وهذه المبالغ تعتبر تافهة اذا قورنت بما تتلقاه إسرائيل الآن من الولايات المتحدة , ولكن كانت لها قيمتها فى ذلك الوقت .

وقد تعرض ايزنهاور لحملة من الفريق المتحمس للصهيونية فى الكونجرس وكان لندن جونسون يتزعم هذا الفريق , بل ان أحد الشيوخ الجمهوريين وهو السناتور وليم نولاند انضم الى هذا الفريق , وهدد بالانسحاب من الوفد الأمريكى فى الأمم المتحدة , اذا وافقت الجمعية العامة على تطبيق العقوبة ضد إسرائيل , لذلك قرر الرئيس دعوة أعضاء الكونجرس الى اجتماع خاص لمناقشة السياسة التى يتبعها ازاء إسرائيل . وحجة ايزنهاور التى استخدمها أما أعضاء الكونجرس , أن عدم انسحاب إسرائيل من بقية الأراضى , لن يؤدى الى ازدياد النفوذ السوفيتى فقط , بل الى منع تدفق النفط على غرب أوربا واذا كان النفط قد استخدم للضغط على بريطانيا وفرنسا فى الانسحاب , فلماذا لا تستخدم وسائل الضغط ضد إسرائيل ؟

اصر أعضاء الكونجرس على موقفهم , ووصفوا موقف الحكومة بأنه غير شعبى وكان لقاؤهم مع الرئيس عاصفا . ومما يلفت النظر أن هذه القضية أكتسبت أهمية لدى الرأى العام الأمريكى , لدرجة أن ايزنهاور احتاج الى توجيه خطاب متلفز لاقناع الشعب بسياسته فى الشرق الأوسط . وقد تجنب استخدام كلمة عقوبة , ولكنه ذكر أن موقف إسرائيل يعتبر تحديا للأمم المتحدة وأضاف أن الولايات المتحدة تؤيد نوعا من وجود الأمم المتحدة فى غزة , كما تضمن انتشار قوات الطوارىء فى شرم الشيخ . فاذا أصرت إسرائيل على موقفها بعد ذلك فلابد أن نمارس عليها الضغط , وأن مصلحتها الحقيقية هى فى الانسحاب .

ظهر رد الفعل فى إسرائيل من خلال خطاب القاه بن جوريون فى الكنيست قال فيه أنه يشعر بالاسى لذلك الأسلوب الجارح الذى استخدمه الرئيس الأمريكى وان كان لا يستطيع أن ينكر جميل الولايات المتحدة على إسرائيل . وكرر مطالبه بالضمانات . وأوحى للمرة الأولى بامكان أن تكون هذه الضمانات من جانب الولايات المتحدة منفردة , وليس بالضرورة منبثقة عن الأمم المتحدة . كما كانت تصر إسرائيل فى بداية الأمر . وفى هذه الأثناء لم تنقطع الضغوط الأمريكية غير المباشرة . ومن بين الوسائل الجديدة دعوة وزير الخارجية لثمانية من زعماء اليهود غير الصهيونيين للاجتماع به لكى يظهر أن حكومته تأبى التفاهم مع المتطرفين .

والى جانب هذه الضغوط والضمانات الأمريكية , جرت مساع فى الأمم المتحدة لتقريب وجهات النظر . وتجلى ذلك فى تصريح لهمرشولد سجل فيه نتائج مباحثاته مع الأطراف المعنية فى 22 فبراير , وجاء فيه أن رغبة الحكومة المصرية لا تتعارض مع انتشار قوات الطوارىء فى قطاع غزة بالاضافة الى الحدود , وايجاد شرطة فعالة لمنع التسلل وضمان ادارة مدنية فعالة , واسهام أكبر فى رعاية اللاجئين والتنمية الاقتصادية . وقد أخذت الحكومة المصرية على هذا التصريح أنه يتمشى مع وجهة النظر الإسرائيلية القائلة بأن انتشار أعمال الفدائيين انما يرجع الى ما يلاقيه اللاجئون من بؤس وشقاء . وصدر بيان عن الحكومة المصرية يعلن أن غزة ليست خاضعة لنظام الوصاية , حتى توضع تحت ادارة الأمم المتحدة .

وقد عاد همرشلد فأيد المبدأ القائل بأن وضع قطاع غزة مستمد من نظام الهدنة , وأن قوات الطوارىء لا تتمتع بصفة سياسية , بل يقتصر دورها على حل المشاكل العاجلة , وأن انهاء مهمتها متروك للجنة الاستشارية بالاتفاق مع الأمم المتحدة .

وجرت محاولات أخيرة فى أروقة الأمم المتحدة لكى تصدر اعلانا بأن خليج العقبة هو مياه دولية , وتبنت كل من فرنسا وكندا هذا الاقتراح ولكن غالبية الأعضاء اعتبرت مثل هذا التصريح مكافأة للعدوان , وخاصة اذا صدر قبل الانسحاب . أما جولدا مائير وزيرة الخارجية الإسرائيلية . فقد كررت أمام الجمعية العامة رغبة بلادها فى أن يصدر اعلان من هذا النوع بخصوص غزة والمضايق . فلم تجد استجابة من غالبية الأعضاء . ولذلك رؤى الاقتصار على اعلان من الدول البحرية الهامة . يطبق فقط على حرية الملاحة دون الاشارة الى قطاع غزة . وقد أصدرت هذا الاعلان نحو ست عشرة دولة . كان من بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وهولندا وبعض دول أمريكا اللاتينية .

ظفرت اذن إسرائيل بنوعين من الضمانات : الأول أمريكى , والثانى تصريح خاص من أهم الدول البحرية . وتخلت عن التمسك بأن يكون الاعلان باسم الأمم المتحدة , كما تحدث تحول السياسة الإسرائيلية ازاء قطاع غزة , بحيث لم تعد تصر على عدم عودة الادارة المصرية الا أنها ظلت تطالب بتعيين اختصاصات الأمم المتحدة فى غزة , وتوسيعها بقدر الامكان وهو ما رفض المندوب الامريكى أن يوافق عليه .

ففى خطاب ألقاه كابوت لودج أول أمس قال أن حكومته ما زالت ترى عدم تغيير الوضع القانونى للقطاع , كما قابل دالاس ممثلى الدول العربية وأخبرهم أن الولايات المتحدة لم تعط وعدا محددا لإسرائيل مقابل الانسحاب . واحتج على ما تذيعه الدوائر الشيوعية من أنه يوجد اتفاق سرى بين الولايات المتحدة وإسرائيل . وقال أن انسحاب إسرائيل انما تحقق نتيجة موقف الأمم المتحدة وشبه اجماعها على هذا الانسحاب .

وقد أثار تصريح لودج قلق إسرائيل التى ظلت تعلق الأمل على أن تؤيد الولايات المتحدة ايجاد ادارة دولية فى غزة ووصف بن جوريون هذا التصريح بأنه يتنافى مع الضمانات , وان لم يوضح طبيعتها . ولكن قرار الانسحاب كان قد اتخذ فى ذلك الوقت ورأى أيزنهاور أن يشجع الحكومة الإسرائيلية على تنفيذه . فأرسل كتابا فى 2 مارس ذكر فيه أنه بعد أن تم انسحاب إسرائيل فان الولايات المتحدة ستعمل بالاتفاق مع الدول الأخرى لايجاد ظروف أكثر استقرارا فى الشرق الأوسط . وتساعد على رعاية مصالح السكان والارتفاع بمستوى معيشتهم فى المنطقة . ولعله كان يمهد بذلك لما سيعرف بمبادىء أيزنهاور .

الانسحاب ونتائجه

اختارت إسرائيل الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة مسرحا لاصدار تصريحها الخاص باكمال الانسحاب من العقبة وغزة . وذلك على لسان وزيرة خارجيتها مائير فى أول مارس 1957 . ويرجع اختيار الجمعية العامة الى الرغبة فى اسماع أعضاء الأمم المتحدة التحفظات الإسرائيلية بشأن ادارة غزة الدولية وتأمين حرية الملاحة بصورة دائمة وذلك بعد أن أخفقت فى الحصول على قرار يتضمن هذه التحفظات من المنظمة الدولية .

وقد اشرنا الى تعقيب المندوب الأمريكى كابوت لودج على التصريح الإسرائيلى , وكيف أنه ايد استمرار نظام الهدنة الذى يكسب مصر حقوق الاشراف على القطاع ,وأن كان قد تمنى توسيع مهمة قوات الطوارىء فى غزة . ويدل ذلك على أن الولايات المتحدة كانت أبعد فى مسألة تدويل قطاع غزة عن وجهة النظر الإسرائيلية , بخلاف مسألة الملاحة فى مضايق تيران . حيث أعطيت إسرائيل الضمانات الشفوية . ثم واصلت تأييدها بتصريح علنى مشترك مع بريطانيا فى أول إبريل , أى بعد اتمام الانسحاب . ثم اتخذت اجراء عمليا للدلالة على مساندتها التامة لإسرائيل فى هذا الموضوع . وذلك بأن أرسلت سفنا تجارية وحربية عبرت المضايق فى اتجاه ميناء أيلات .

ومهما يكن من انتشار قوات الطوارىء الدولية فى شرم الشيخ وجزيرتى تيران وصنافير فان حرية الملاحة لم تكن مضمونة بوجود هذه القوات الرمزية وانما كانت مرتهنة بنوايا الحكومة المصرية . وينطبق ذلك على الهدوء الذى ساد قطاع غزة وعلى امتداد الحدود الدولية بين مصر وفلسطين . ذلك لأن حجم قوات الطوارىء الدولية لم يتجاوز 1800 رجل مبعثرة على مسافات شاسعة .

كذلك تجدر الاشارة الى أن إسرائيل بالغت فى أهمية مضايق تيران من الناحية الاقتصادية . وتدل الاحصاءات على أن 5 فى المائة فقط من تجارة إسرائيل الخارجية تمر بمضايق تيران . لذا فنحن نعتقد أن حرص إسرائيل على حرية الملاحة فى المضايق يعود الى نواح معنوية ومبدئية , أكثر مما يرجع الى ضرورات مادية .

وفى قطاع غزة سارت الأمور بطريقة مختلفة , فان عبارة توسيع وجود الأمم المتحدة , فتحت الباب لتأويلات مختلفة . ولم يخف بن جوريون شكوكه فى مصير القطاع . ففى حديثه أمام الكنيست بتاريخ 5 مارس قال أن الولايات المتحدة ودولا أخرى قد وافقت على أن تخضع غزة لادارة دولية , الى أن يتم التوصل الى صلح . وأضاف " اننى غير متأكد مع ذلك من أن مصر لن تعود الى ممارسة الادارة المدنية فى القطاع , بل ربما ادخال قواتها اليه " ولكا تأهبت إسرائيل لتسليم القطاع لقوات الطوارىء , بعث قائدها الجنرال بيرنز يستوضح من همرشولد عن الموقف الذى ينبغى اتخاذه بخصوص عودة الادارة المصرية أو الشرطة المصرية الى القطاع , وكيف يجيب موشى ديان لو ساله عن ذلك , فأحاله الأمين العام الى خطاب لودج فى الجمعية العامة , والذى ذكر فيه أن انسحاب إسرائيل يجب أن يكون غير مشروط . وأضاف همرشولد " اذا سأل ديان عن ذلك , فان القوات الدولية غير مكلف بالرد عليه " .

ولم يلبث موقف سكان غزة أن عجل بمصر كى تتخذ موقفا حازما . فقد قابلوا قوات الطوارىء بفتور . وظلت المدارس والمحاكم مغلقة , وتوقف تصدير الحمضيات , ثم نشبت مظاهرات تنادى بعودة الادارة المصرية . فكان من الطبيعى أن تبادر الحكومة الى تعيين حاكم ادارى على النمط الذى كان معمولا به من قبل العدوان . ويذكر بيرنز أنه بعد أن تغاضت الأمم المتحدة عن هذا الاجراء أمكن الحصول على اتفاق الجنتلمان مع الحكومة المصرية , وذلك بأن تعهدت ألا ترسل قوات عسكرية الى القطاع , ,ألا تسمح للفدائيين باستخدامه لممارسة نشاطهم . والواقع أن مصر لم تخسر شيئا من الناحية العسكرية لأن نظام الهدنة كان يحدد عدد القوات المسموح لها بالمرابطة فيه , كما يحظر ادخال الأسلحة الثقيلة اليه .

بعد عرض الظروف والملابسات التى أدت الى الانسحاب الإسرائيلى من سيناء سنة 1957 قد يجد القارىء نفسه واقعا تحت اغراء المقارنة بين دور الولايات المتحدة حينذاك وبين الوساطة التى قام بها هنرى كيسنجر فى أعقاب حرب أكتوبر 1973

.

ونبادر الى أننا لا نؤمن بالمثل الشائع الذى يقول أن التاريخ يكرر نفسه . وأوجه الاختلاف نفوق كثيرا أوجه الشبه بين العهدين . ففى 1956 تصرف الرئيس ايزنهاور من منطلق المحافظة على مبادىء معينة . ولم يتردد فى استخدام وسائل الضغط غير المباشر على إسرائيل , فى حين أن الحكومة الأمريكية تعلن مرارا أن مهمة كيسنجر هى الوساطة ,و والتقريب بين وجهات النظر , والتظاهر بعدم ممارسة أى ضغط . وفى حين أن أيزنهاور كان يتمتع بمركز قوى ويتصرف من تلقاء نفسه , نلاحظ أن السلطة التنفيذية أصابها ضعف شديد بعد فضيحة ووتر جيت وصار الكونجرس المتأثر بجماعات الضغط الصهيونى يتدخل فى توجيه السياسة الخارجية الأمريكية متخطيا بعض امتيازات الرآسة التقليدية .

وفى حين كان منطلق أيزنهاور هو الدفاع عن مبادىء الأمم المتحدة فان منطلق الحكومة الأمريكية بعد حرب أكتوبر هو مجرد تجنب المعاناة التى قد تنشأ عن استخدام العرب لسلاح النفط وسلاح المدخرات والاستثمارات .

وأخيرا فقد تصرفت الولايات المتحدةفى 19561957 بالتعاون مع رأى عام دولى متماسك , تمثل فى شبه الاجماع الذى ظهر فى الجمعية العامة يطالب إسرائيل بالانسحاب , واستخدمت الولايات المتحدة هذا الرأى العام الدولى كأداة ضغط معنوية . أما الاتجاه الذى ظهر منذ حرب أكتوبر فهو أن الولايات المتحدة تفضل العمل اما منفردة أحيانا ,واما بالاتفاق مع الاتحاد السوفيتى حسب الظروف وتمشيا مع سياسة الوفاق . وهى فى جميع الأحوال تسير على دبلوماسية التنسيق مع الدول الكبرى دون أن تعطى للمنظمات الدولية ذلك الوزن الذى أعطاها اياه ايزنهاور سنة1957 .

الفصل السادس : التغيرات الدولية والعربية

انعكاسات السياسة العربية : فى أعقاب عدوان 1956

أدعى جميع الأطراف فى حرب 1956 أنهم خرجوا منتصرين . فزعم ايدن أنه منع اتساع الأزمة وامتداد الحرب الى مناطق أخرى , وهذه عبارةغامضة ليس لها مدلول واضح . فهل كان يقصد مثلا منع انتشار الحرب الى الجبهة الأردنية ؟ ان تلميحاته تفترض ذلك , ولكن مجريات الأحداث تتعارض تماما مع هذا التفسير .

وفى فرنسا لم يخجل بعض الوزراء من التصريح بأنهم حققوا بالحلة أمن إسرائيل , وذلك بفتح خليج العقبة وتحييد قطاع غزة : فتساءل آخرون بحق هل كان أمن إسرائيل يتطلب أن تنفق فرنسا ثلاثين مليون فرنك ثم تنسحب دون أن تحقق هدفها الأساسى , وهو التيل من النظام القائم فى مصر , والذى يمر الثوار الجزائريين بمساعداته المعنوية والمادية ؟ واذن فالنتيجة هى الخسارة المحققة بالنسبة لبريطانيا وفرنسا .

أما إسرائيل فقد حققت بعض أهدافها , وأهمها فتح خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية ولكنها لم تستطع أن تسقط نظام الهدنة كما كان يرجو بن جوريون أو أن تفرض تدويلا لقطاع غزة . فسرعان ما عادت الادارة المصرية الى القطاع ولذلك صرح بن غوريون فى الكنيست معلقا على نتائج حرب 56 بقوله ان الدول الكبرى لم تستطع أن تحقق جميع أهدافها بالحرب , ونحن أيضا لم نتمكن فى هذه المرة من تحقيق جميع أهدافنا .

كذلك حققت مصر بعض المكاسب . فحتى وقوع العدوان اضطرت مصر الى الاستسلام لشركات الملاحة التابعة للدول الغربية , والتى ظلت تدفع الرسوم لشركة قناة السويس وادارتها فى باريس , وكان ذلك بقصد تجنب تدخل عسكرى من بريطانيا وفرنسا . فلما وقع هذا التدخل ولم يصل الى غايته وتم انسحاب بريطانيا وفرنسا واعيد فتح القناة للملاحة استطاعت مصر أن تلزم جميع السفن على اختلاف جنسياتها بدفع الرسوم للادارة الوطنية . وهكذا ثبتت قرار التأميم .

ويرى بعض المعلقين أن وجود قوات الطوارىء الدولية قد أفاد مصر بصورة غير مباشرة , اذ أنه جعل الدولة تتفرغ لمشروعات التنمية . وقد يكون ذلك صحيحا من الناحية النظرية , ولكن الذى حدث هو أن الحكومة المصرية آنذاك بددت كثيرا من الجهد والمال فى التورط فى مشاكل جانبية عربية كما سنفصل ذلك بعد قليل .

ومهما قيل عن قوات الطوارىء الدولية , وأن وجودها كان مرهونا بموافقة مصر , فنحن نرى أن الوضع الذى انتشرت عليه هذه القوات يعد نقطة تراجع عما كان عليه الحال قبل العدوان فان الاقتراحات التى صدرت عن همرشلد أمام مجلس الأمن فى ربيع 56 عن اشاء مثل هذه القوات كانت تدور حول مرابطة القوات على جانبى الحدود المصرية والإسرائيلية . أما الذى تم تنفيذه بعد العدوان فهو أن قوات الطوارىء رابطت على الجانب المصرى من الحدود فقط وخلف مسافة معينة داخل الأراضى المصرية مما جعل الجيش المصري قليل الخبرة بمنطقة الحدود .

وقد حاولت أجهزة الاعلام المصرية أن تخفى هذه الجوانب الحساسة التى ترتبت على العدوان فكان موضوع الملاحة فى مضيق تيران لا يعرفه سوى القليل من المختصين . وعبثا حاول همرشلد تحقيقا للمساواة أن يعيد نظام نزع السلاح على منطقة العوجة , كما كانت قبل 1955 فأبت إسرائيل الاذعان لهذا الاقتراح .

لم تتح حرب 56 اختبارا حقيقيا لميزان القوى بين مصر وإسرائيل وتركت أجهزة الاعلام المصرية انطباعا بين جماهير الشعب بأن خطة الانسحاب من سيناء أمام الغزو الإسرائيلى وليدة عبقرية لم يسبق لها مثيل . فبهذه الطريقة تمت المحافظة على سلامة القوات أو على الأصح قللت من خسائرها . وقد كان هناك مبرر بالفعل لهذا الانسحاب سنة 1956 , وهو نعرض مصر لغزو أجنبى آخر غرب القناة , ولكن المبالغة فى تصوير " عبقرية الخطة " سهل على القادة سنة 1967 اصدار الأوامر بالانسحاب من سيناء دون أن يكون هناك مبرر مماثل .

وحسبما ما يستنتجه القارىء من الصفحات السابقة فان انسحاب القوات المعتدية سواء كانت بريطانيا وفرنسا أم إسرائيل , انما تم نتيجة ضغوط سياسية من الدول الكبرى ولا سيما الولايات المتحدة فى عهد الرئيس ايزنهاور لكن الاتجاه السائد بين أجهزة الاعلام كان يترك الانطباع بأنه لو كان الأمر متعلقا بمصر وإسرائيل وحدهما لتغلبت القوات المصرية على إسرائيل ولهذا السبب لم تستفد مصر كثيرا من دروس حرب 56 , وفى العادة لابد أن يستفيد المهزوم أكثر من المنتصر , والذى حدث هو العكس اذ أن إسرائيل عملت على الاستفادة الى أقصى حد من دروس تلك الحرب فأثناء الاحتلال القصير لسيناء راح جنرالات إسرائيل يدرسون السبل غير المطروقة حتى انهم بحثوا أحيانا فى الكتب القديمة عن الطرق البرية التى كان يسلكها اليهود أثناء خروجهم أو دخولهم الى مصر . وسيستفيدون من هذه الدراسة فى حرب يونيو 1967 , كذلك لم تتوقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن وضع خطط متوالية لغزو سيناء وادخال التحسينات على هذه الخطط بمضى الوقت حتى اكتملت سنة 1966 وقد كانت آخر خطة تقوم على أساس الضربة الجوية المفاجئة .

لم يدرك العالم العربى خارج مصر كل هذه الحقائق , وكان أميل الى التأثر بالدعاية الناصرية , وقد امتد هذا التأثر الى بعض حكومات عربية مثل السعودية والأردن التى لم تكن تتقبل الزعامة الناصرية لكنها رأت أن تساير التيار الصاعد الى حين , ونتج عن ذلك توقيع اتفاق الضمان العربى الذى تعهدت بمقتضاه كل من سوريا والسعودية ومصر بتقديم الاعانة المالية لحكومة الأردن حتى لا تظل معتمدة على بريطانيا . وفى أثناء هذا التقارب القصير , استسلم الملك حسين للوطنيين الذين سيطروا على الحكومة والجيش , لكنه ظل يترقب أول فرصة مناسبة للتخلص منهم . فلم يحل شهر إبريل سنة 1957 حتى أطاح باثنين من كبار الضباط الوطنيين هما اللواء الحيارى وابى نوار ,,ووضع فى قيادة الجيش أشخاصا آخرين يدينون له بالولاء , وعاد يواصل سياسة الاعتماد على بريطانيا والولايات المتحدة .

نسب عبد الناصر الى رجل المخابرات الأمريكى كرمت روزفلت تدبير هذه المؤامرة التى حيكت على أساس أن تحرض المخابرات الأمريكية كلا من سليمان النابلسى رئيس الحكومة والضباط الوطنيين على القيام بانقلاب , حتى اذا اقترب موعد التنفيذ انكشف أمرهم للملك حسين وبذا يمكنه التخلص من الحكم الوطنى فى الأردن , والهدف فى نهاية الأمر هو منع استغلال الدعاية الناصرية لقصة الانتصار فى حرب 1956 , و بالتالى اجتذاب الأردن الى حركة الاتحاد تحت زعامة عبد الناصر كما سيحدث فى سوريا . كذلك حمل الرئيس المصرى الولايات المتحدة مسئولية تحويل الملك سعود فى سنة 1957 عن ( سياسة التضامن العربى ) .

ونحن لا نستبعد هذا الاستنتاج فان السياسة الأمريكية وقفت منذ ذلك الوقت وحتى سنة 1967 ضد الطموح العربى الناصرى وان لم يعن ذلك معارضة حكم عبد الناصر داخل مصر , بل على العكس لم تكن تجد بأسا فى تأييد هذا الحكم لأنه يحطم الشيوعية فى الداخل . ولكن نظرا للصلات التى كانت تربط عبد الناصر بالاتحاد السوفيتى فان السياسة الأمريكية كثيرا ما خلطت بين انتشار الشيوعية وحركة الوحدة العربية .

كانت سوريا لأسباب نتعددة هى أكثر الأقطار العربية تأثرا بالهيبة التى اكتسبها عبد الناصر فى أعقاب انسحاب القوات المعتدية سنة 1956 فقد وجد التفكير فى الاتحاد مع مصر قبل العدوان ولكن مما لاشك فيه أن الهالة الكبيرة التى نسجت حول الانتصارات فى سنة 1956 هى التى عجلت بالوحدة وجعلتها تتم فى صورة اندماجية وليست فدرالية كما كان مقررا فى الأصل . والذى يعنينا ههنا هو علاقة الوحدة بوضوع النزاع العربى الإسرائيلى فان تحمل عبد الناصر لمسئولية الحكم فى سوريا جعله يواجه من جديد بعض مشكلات هذا الصراع سيما وأن إسرائيل كات قد بدأت فى تنفيذ نقل مياه نهر الأردن الى صحراء النقب طبقا لمشروع جونستون الذى رفضته الجامعة العربية قبل سنتين . ويروى أحد الكتاب الصهاينة نص حوار بين عبد الناصر واكرم الحورانى حول هذا الموضوع , فقد طلب الحورانى البدء فى تحويل مياه النهر منعا اتنفيذ المشروعات الإسرائيلية فاعترض عبد الناصر قائلا لا استطيع الآن . وأجاب الحورانى اذا نرسل الفدائيين لتخريب الأنابيب وأصر الرئيس على موقفه قائلا : وما الذى يدريك أن إسرائيل لا تحول هذه المشكلة الى حرب شاملة نحن غير مستعدين لها ؟

واذا كانت هذه الرؤية غير ثابتة فمن الملاحظ بالتأكيد أن خطوط الهدنة بين سوريا وإسرائيل شهدت هدوءا نسبيا ابان عهد الوحدة وقد يستنتج البعض من ذلك أن إسرائيل امتنعت عن اثارة الشغب خوفا من دولة الوحدة كما قد يستنتج آخرون بان هذا الهدوء ترتب على سياسة عبد الناصر العامة وهى عدم الاصطدام مع إسرائيل ريثما تتم الاستعدادات وتتحقق الوحدة العربية الشاملة أولا .

ومهما يكن من أمر هذه الاستنتاجات فمن الواضح أن الوحدة المصرية السورية زادت من اهتمامات عبد الناصر او ان شئت تورطه فى المشكلات العربية التى من شأنها أن تبعده عن التفكير فى المسألة الفلسطينية . فبعد اعلان الوحدة بقليل وقعت حوادث لبنان الشهيرة . ومع أن ج.ع.م . لم تكن هى المسئول المباشر عن تلك الأحداث الا أن الكثيرين فى العالم الخارجى وخاصة فى الولايات المتحدة نسبوا الى حكومتها تمويل المعارضة على الأقل .ومن الشائعات التى ترددت حينذاك أن أحد زعماء المعارضة تلقى وحده سبعة ملايين من الدولارات , ثم كلفت المخابرات الأمريكية بدراسة أحوال الشركات العاملة فى لبنان فى حالة ( سقوطه تحت سيطرة ج . ع . م ) وكان رد الفعل الأمريكى كما هو معروف عنيفا بالنسبة للبنان .

أما فى سوريا فبعد تأمل نصح الدبلوماسيون الأمريكيون فى الشرق الأوسط حكومتهم سنة 1959 باستمرار تأييدها للنظام الناصرى هناك مستدلين على ذلك بالحماية التى كفلها لخط التابلاين . ولا غرو فان ثقة رجال الأعمال بالمسئولين المصريين هى أكبر منها برجال الأحزاب السورية المشبعين بالروح السياسية والذين هم أكثر نزوعا الى التقلبات .

كذلك اقترن عهد الوحدة بقيام الثورة فى العراق وما أدت اليه من تقلبات سريعة فى العلاقات بين ج.ع.م . وبين نظام الحكم الجديد فى العراق ولأول وهلة خيل لكثيرين أن العراق سيلتحق ب ج.ع.م. وفى هذه الحالة قد يجر وراءه أقطارا أخرى ولا سيما الأردن حيث كانت تعيش عناصر قوية مناوئة للحكومة ولكنها مكبوتة بقوة السلاح .

ولهذا السبب نزلت القواتالأمريكية فى لبنان والبريطانية فى الأردن وقال أنصار الوحدة ان الحيلولة دون التحاق الأردن ب ج.ع.م . قد يحرم العرب من مواقع استراتيجية هامة يستطيعون استغلالها فى النزاع مع إسرائيل فالحدود الأردنية تمتد على مسافات شاسعة وتتحكم فى بعض النقاط فى الأراضى المحتلة , وهذا القول ينطلق من منطق أن العرب أقوى عسكريا من إسرائيل أما بريطانيا فانطلقت من منطق معاكس وذكرت أن نزولها فى الأردن يحول دون احتلال إسرائيل للضفة الغربية , ذلك لأن إسرائيل هددت بالفعل بأنها ستحتل هذا الجزء من البلاد لو سقط نظام الحكم فى عمان أو اتحدت الأردن بشكل ما مع مصر وسوريا .

ومن عادة إسرائيل أن تملأ العالم بالصراخ كلما لاحت اتجاهات وحدوية فى المشرق العربى , فتستغيث بحلفائها ضد هذا التيار الذى يهدد كيانها بخطر محدق , وهى تدرك أنه لا يوجد خطر حقيقى, ولكنها تستغل هذه الظروف للاستفادة بالمساعدات العسكرية الأمريكية .

والسؤال الذى ينبغى طرحه فى هذه المناسبة هو : هل يعد وجود إسرائيل وسط العالم العربى حافزا له نحو الاتحاد أم على العكس عنصرا من عناصر التفتيت ؟ لقد عبر عبد الناصر عن رأيه فى هذا الموضوع فى نوفمبر 1956 حين قال ان خلق إسرائيل قد قصد به عزل مصر وراء صحراء سيناء , واذن فان تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة أمران يتصل كل منهما بالآخر اتصالا وثيقا . وتبقى بعد ذلك قضية تثير الجدل وقد أثارته بالفعل عنيفا خلال الحقبة التى ندرسها , وهى أيهما أجدر بالتحقيق أولا : الاتحاد أم تحرير فلسطين ؟ وفى هذا المجال تبنى عبد الناصر نظرية سيطرت على تفكيره معظم هذه الحقبة وهى أن الاتحاد شرط سابق على التحرير , وخاض من أجل ذلك معارك كثيرة . وقد تبلورت هذه الفكرة فى خطاب القاه فى دمنهور فى يونيو سنة 1966 . قال فيه ان الرجعية العربية ترى فى النظم التقدمية خطرا أشد عليها من إسرائيل وكذا فهى تستعد فقط لمواجهتنا .وتحت هذا الشعار اشتعلت الحرب الباردة بين الحكومات العربية . وربما عبد الناصر بعد فترة طويلة من حرب اليمن أنه لن يستطيع تحقيق الاتحاد عن طريق تقسيم العالم العربى الى معسكرين رجعى وتقدمى , وأن من يريد أن يتزعم الوحدة فعليه أن يحرز نصرا ما ضد إسرائيل , وهذا يفسر لنا عاملا هاما من عوامل تبدل سياسته بخصوص النزاع العربى الإسرائيلى فى مايو سنة 1967 . لم يصرف انفصال سوريا سنة 1961 عبد الناصر عن انشغاله بقضية الوحدة على العكس صار الانفصال يمثل عنده جرحا لهيبته الشخصية يحتاج الى علاج , وتلقف أول فرصة لعلاج هذه الحالة والأسف لاحت هذه الفرصة فى اليمن . ومن المعروف أن الذين قرروا التدخل العسكرى فى اليمن توقعوا أن ينتهى الأمر فى مدة قصيرة وأن يقتصر هذا التدخل على السلاح الجوى لحماية النظام الجمهورى من عدوان خارجى .

ولكن الذى حدث هو أن حرب اليمن امتدت خمس سنوات وظلت تتطلب مزيدا من القوات من مختلف الأنواع ولم يعد الهدف مقصورا على الدفاع عن النظام الجمهورى بل فئات سياسية معينة ضد فئات أخرى . والذى يهمنا فى هذا المجال هو تأثير التدخل فى اليمن على موضوع النزاع مع إسرائيل فقد استنكر الكثيرون فى العالم العربى أن تبدد قوات مصر فى هذه المسألة الجانبية وأن تهمل تماما قضية فلسطين . وتصدى محمد حسنين هيكل للرد على هؤلاء بقوله ان حرب اليمن تمنح الجيش المصري فرصة للتدريب العملى وهى قد أتاحت تكوين فرقتين جديدتين ثم انها تشجع دولا كبرى على تسليح مصر .

كتب ذلك فى ديسمبر سنة 1965 فلما وقعت أزمة مايو سنة 1967 وصارت الحرب قاب قوسين أو أدنى عاد رئيس تحرير الأهراد وناقض نفسه حين ذكر أن تحمل مصر أعباء المحافظة على الثورة فى اليمن قد اضعف كثيرا من قدرة الجيش المصري على مواجهة إسرائيل . ولا غرو فان نوع القتال فى اليمن يخنلف تماما عن أساليب الحرب العصرية ضد إسرائيل ونذكر بهذه المناسبة أنه كان بين الحجج التى احتج بها الرئيس ديجول لانهاء الحرب فى الجزائر لأساليب حرب العصابات .

ومن الملاحظ أنه حتى قبيل اندلاع الأزمة فى 14 مايو سنة 1967 لم يكن هناك أى اتجاه لتخفيف التورط العسكرى باليمن بل على العكس كانت القوات المصرية تستعد لتحمل مسئوليات جديدة مع اقتراب موعد استقلال الجنوب العربى وفى ذلك الوقت كانت تتصارع على السلطة جبهتان وطنيتان تتمتع احداهما بتأييد مصر وتتوقع مساندتها لو أخفقت فى التغلب على منافستها فى الداخل . واذا طالعنا الصحف المصرية فى أوائل مايو سنة 1967 نلاحظ أن أخبار الجنوب ومشاكله كانت تطغى على الموضوعات العربية الأخرى .

واذا كانت حرب اليمن قد سحبت قسما كبيرا من الجيش المصري بعيدا عن البلاد , فان هذه الفترة المتميزة بكثرة الانقسامات العربية قد شهدت ألوانا أخرى من ألوان التشتيت للقوات المصرية بدون طائل , من ذلك ارسال قوات الجزائر لمساندتها فى نزاع الحدود مع الغرب فى سنة 1963 وارسال مجموعات أخرى الى شمال العراق لمعاونته فى قمع حركات التمرد الكردية وذلك أثناء عهد التقارب الوثيق بين عبد الناصر وعبد السلاد عارف بين عامى 1964 , 1966 وهكذا نرى كيف بددت أموال مصر وقواتها المسلحة فى قضايا جانبية خلال السنوات العشر التى أعقبت العدوان الثلاثي .

المؤثرات الدولية

عندما لمست الحرب الباردة ايامها الأولى منطقة الشرق الأوسط اقتصر تاثيرها على تركيا وايران , أما الشرق العربى فظل يعتبر تابعا للنفوذ البريطانى فى مجمله , وكان ذلك من أسباب ترحيب السوفيت بقيام إسرائيل سنة 1948 . ورغم أن السوفيت وصفوا الحركة الصهيونية بأنها بورجوازية ورجعية فانهم نظروا الى قيام إسرائيل من زاوية انهاء الانتداب البريطانى من فلسطين . أما ارتباط الولايات المتحدة بإسرائيل فلم يكن خلال السنوات الأولى من وجودها ملموسا فى المجالين السياسى والعسكرى , وانما عرفت الولايات المتحدة بتأييدها الاقتصادى والمعنوى لإسرائيل . وقد أتاح ذلك للدولة الصهيونية فرصة التظاهر بالحياد مما كان له وقع حسن لدى السوفيت الذين قارنوا بين إسرائيل وبين بعض الدول العربية المجاورة المرتبطة بمعاهدات تحالف مع بريطانيا .

حقيقة مرت العلاقات الإسرائيلية السوفيتية بعدة أزمات ليس هنا مجال ذكرها , الا أن الحكومة الإسرائيلية حرصت على كسب ود الدولتين العظميين لأطول فترة ممكنة وتمكنت من تحقيق هذا الهدف حتى اشتركت فى العدوان الثلاثي , فلم يعد بمقدورها أن تستمر فى كسب ثقة السوفيت وعبثا حاول بنجوريون أن يقنع حكومة موسكو بأن أهداف إسرائيل دفاعية , غير أن المارشال بولجانين رئيس الوزراء السوفيتى حينذاك دحض الحجة الإسرائيلية باظهار خطاب بنجوريون نفسه الذى ألقاه فى الكنيست وصرح فيه بأهداف إسرائيل التوسعية فى سيناء . ومن المعروف أن موسكو جمدت علاقاتها بعض الوقت مع إسرائيل فى أعقاب العدوان , ولكنها لم تقطع العلاقات الدبلوماسية كما ستفعل فى سنة 1967 وذلك لاختلاف الظروف والملابسات .

وحينما قرر السوفيت تزويد مصر وسوريا بالسلاح فى سنة 1955 لم يكن القصد هو تمكينها من محاربة إسرائيل بل التشجيع على مبدأ عدم الانحياز الذى أخذ يعلو فى العالم الثالث . وقد أثبت عبد الناصر تاثيره الفعال فى ذلك الوقت فى مناهضة حلف بغداد وتحديد امتداده الى اقطار عربية أخرى خارج العراق . ولا شك أن هذا المسلك قد أفاد السوفيت من حيث أنه خفف الضغط ( ضغط الحزام الشمالى ) على الحدود الاتحاد الجنوبية .

ومن جهة أخرى فان تصدير السلاح ثبت أنه أيسر السبل للنفاذ الى منطقة الشرق العربى التى ظلت مغلقة بالنسبة للسوفيت . ففى سنة 50 مثلا تجوهل الاتحاد السوفيتى تماما عند اصدار التصريح الثلاثى الخاص بالمحافظة على الوضع الراهن فى الشرق العربى وتقييد مد المنطقة بالسلاح . غير أنه لم يمض على قرار تصدير السلاح الى مصر وسوريا ثرث سنوات حتى صارت الدول الغربية مستعدة للتشاور مع السوفيت بشأن السياسة التى يمكن رسمها للمنطقة . وهذا المركز الجديد الذى اكتسبه الاتحاد السوفيتى انما استمد اساسا من تجارة السلاح .

أما هدف مصر وسوريا فكان مزدوجا ويتمثل أولا فى تدعيم موقفها ازاء قضية الصراع بشأن الأحلاف فى الشرق العربى . وثانيا تقوية الدفاع ضد الاعتداءات الإسرائيلية خاصة بعد أن عرف تسليح فرنسا على نطاق واسع لإسرائيل . وثمة صلة أكيدة بين الغارة الإسرائيلية على غزة فى 28 فبراير سنة 1965 وبين البحث عن مصدر جديد للسلاح بين أقطار الكتلة الشيوعية .

ويلاحظ أن عبد الناصر عند اعلانه قرار استيراد السلاح من تشيكوسلوفاكيا , حاول أن يبرر هذا المسلك بقوله انه لم يفعل ذلك الا بعد محاولات عديدة لاستيراد السلاح من الغرب قوبلت جميعا بالرفض . ونحن لا نرى داعيا لمثل هذا التبرير لأنه من حق الدول المستقلة كاملة السيادة أن تسلح نفسها من أى مصدر كان .

أحدثت صفقة الأسلحة المصرية التشيكية ردود فعل واسعة فى صحافة الغرب , ولكنها لم تؤثر تأثيرا مباشرا على سياسة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط . والدليل على ذلك أن اسرائل طلبت كرد فعل على هذا الحادث التزود بالسلاح من الولايات المتحدة فاستبعد طلبها التزاما بمبدأ التصريح الثلاثى , كما أن تسليح فرنسا لإسرائيل لا يرتبط على الاطلاق بالتنافس الدولى بين الشرق ةالغرب , فقد كان مبعثه الرئيسى هو الثأر من مصر التى تساعد الثورة الجزائرية . وخلاصة القول هو أن صفقة الأسلحة التشيكية لم تكن نقطة التحول التى أدت الى استقطاب النزاع العربى الإسرائيلى وتقريبه من مجال الحرب الباردة , وانما نشهد هذا التحول فى أعقاب العدوان الثلاثي وما نتج عنه من اعادة أيزنهاور النظر فى تقييم أوضاع الشرق الأوسط .

ذلك أنه فى سنة 1957 وبعد أن قبلت إسرائيل بتطبيق مبادىء أيزنهاور عليها , ظفرت للمرة الأولى منذ قيامها بالحصول على السلاح بصورة منتظمة من الحكومة الأمريكية , مما سيكون له أبعد الأثر فى تاريخ النزاع العربى الإسرائيلى . فما الدوافع التى حملت الرئيس أيزنهاور على تبديل السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط فى ذلك الوقت ؟

هناك أولا ما توهمه أيزنهاور من أن خروج بريطانيا من المنطقة سيترك فراغا وأن السوفيت هم الذين سيملأون غالبا هذا الفراغ . واذا تأملنا فى نتائج العدوان الثلاثي بالنسبة لمركز بريطانيا فلا نكاد نلمس تغيرا قد حدث باستثناء سقوط النفوذ فى الأردن وانهاء العمل بالمعاهدة البريطانية الأردنية المعقودة فى سنة 1948 . وأذا فليس هناك تغير كبير يستحق الاحساس بهذه المخاوف التى ألمت بالرئيس الأمريكى . فالأرجح اذا أنه خشى من طموح ناصر فى العالم العربى وأراد أن يحد منه .

ثانيا : لم تكن الحكومة الأمريكية راضية عن اتجاه اجهزة الاعلام المصرية التى بالغت فى تاثير الانذار السوفيتى , وكأنه هو العامل الحاسم الذى اضطر بريطانيا وفرنسا الى ايقاف القتال ثم الانسحاب , فى حين أهملت جهود ايزنهاور الدؤبة والتى رأيناها تلعب الدور الحاسم فى انسحاب جميع الأطراف المعتدية .

ثالثا : لابد وان يكون الرئيس الأمريكى قد أصبح أكثر تعاطفا مع إسرائيل بعد أن رضخت لضغوطه , فرأى أن يكافئها بالعدول عن السياسة الأمريكية السابقة وفتح الباب أمامها للتسلح من الولايات المتحدة الأمريكية .

رابعا : لابد وأن يكون الرئيس الأمريكى قد قارن بين قبول إسرائيل لمبادئه , وبين مصر وسوريا اللتين شنتا حملة عنيفة ضد هذه المبادىء ولم تقبلها من الدول العربية سوى لبنان وليبيا . ومع ذلك تبقى مغالطة واضحة فى السياسة الأمريمية اذا اعتبر تسليح إسرائيل مترتبا على قبولها لمبادىء أيزنهاور , فهذه المبادىء تضع الخطط لمكافحة انتشار الشيوعية حسب التصورات الأمريكية , وليس تسليح إسرائيل هى الوسيلة المعقولة لمكافحة الاتحاد السوفيتى , ويرفع مكانة الاحزاب الشيوعية العربية التى كانت قد هوت الى الحضيض فى سنة 1948 بسبب تأييد الكتلة الشيوعية لإسرائيل . ومهما يكن هناك من مغالطات انطوت عليها مبادىء ايزنهاور , فمما لا شك فيه أنها نقلت الحرب الباردة الى الشرق العربى , وجعلت النزاع العربى الإسرائيلى يتاثر بالتنافس بين الدولتين العظميين . وللأسف كانت إسرائيل وحدها هى المستفيدة من استقطاب النزاع لأنها كات أقدر على استيعاب الأسلحة الأمريكية وعلى تنفيذ طلباتها من السلاح .

ومع ذلك يمكن القول بأن آثار الحرب الباردة كانت أربز فى الانقسامات العربية وأن هذه الحرب الباردة فى الشرق العربى بلغت ذروتها فى سنة 1958 بسبب التغيرات الهامة التى وقعت فى ذلك العام " قيام الوحدة المصرية السورية – الاضطرابات فى لبنان – ثورة العراق ونزول القوات الأمريكية فى لبنان والبريطانية فى الأردن . وقد اتبعت الولايات المتحدة ازاء معظم هذه الأحداث مواقف أكثر ايجابية , اما الاتحاد السوفيتى , فعلى خلاف ما هو شائع كان أميل الى تحقيق اتفاق بينه وبين الولايات المتحدة , أو حتى الدول الغربية الكبرى مجتمعة للتخفيف من حدة التنافس فى الشرق الأوسط .

وكلما وقعت أزمة أعقب الاتحاد السوفيتى ذلك بتقديم اقتراح للتهدئة . فبمناسبة اضطراب الأحوال الداخلية فى سوريا قدمت موسكو اقتراحا فى فبراير سنة 1957 يشمل ست نقاط من بينها تعهد الدول الكبرى بالامتناع عن تسليح دول الشرق الأوسط والغاء القواعد . وفى يناير سنة 1958 اقترح الاتحاد السوفيتى اجتماع قمة للدول الكبرى للنظر فى استقرار الشرق الأوسط وتفريغه من الأسلحة النووية . والهدف الأول من ذلك , هو تخفيف التهديد الذى انبعث من حلف بغداد والقواعد الأمريكية فى تركيا .

وعلى أثر وقوع الثورة فى العراق جدد خروشوف دعوته الى اجتماع قمة للدول الكبرى وهو يعتقد أنه صار أقدر على المساومة . وبالفعل لم تهمل دعوته هذه المرة ولكن لابد من اجتماع قمة عقدت جلسة خاصة للجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة , وتحدث فيها الرئيس الأمريكى مبينا أن تحسين الأحوال المادية هو افضل السبل لضمان الاستقرار , ورفض مناقشة فكرة الامتناع عن تسليح دول الشرق الأوسط .

هل كانت الاقتراحات السوفيتية تسير على هوى القيادة فى مصر ؟ كلا , لأنه بمنطق ذلك الوقت كانت معظم الدول العربية تعتقد أن تلبية حاجياتها من السلاح ستمكنها من مواجهة إسرائيل والتغلب عليها , واذا كان عبد الناصر اعتاد أن يتجنب الحديث خلال هذه السنوات عن تحرير فلسطين فانه كان يذكر دائما بالاستعداد للوقت المناسب .

وبصرف النظر عن موضوع فلسطين فان القيادة فى مصر كانت تحتاج بالدرجة الأولى لتأكيد هيبتها فى العالم العربى . واذن فهى تفضل استمرار تسابق الدولتين العظميين بحيث تسلح كل منهما حلفاءها فى المنطقة .

ومما يدل على استياء عبد الناصر من تراخى السوفيت وسلبيتهم فى مواجهة بعض الأزمات فى الشرق العربى , ذلك الحوار الذى دار بينه وبين خروشوف اثر وقوع الثورة فى العراق ونزول القوات الأمريكية فى لبنان . فقد كان عبد الناصر ابان تلك اللحظة فى طريق دعوته بحرا من يوغوسلافيا متجها الى مصر , وفجأة عاد الى يوغوسلافيا حيث استقل طائرة الى موسكو وهناك جرى الحوار التالى بينه وبين خروشوف ( ان ج.ع.م. تريد تجنب الصدام أو قيام حرب فى الشرق الأوسط لكن ثمة التزامات لا يمكن تجاهلها مثل حاجة الثورة العراقية وهى ما تزال فى أيامها الأولى الى المساندة ) خروتشوف : ( نحن على استعداد لتقديم المساندة السياسية الكاملة ) عبد الناصر : ( ألا يمكن عمل شىء آخر؟ ) . خروتشوف : ( يمكن القيام مثلا بمناورة عسكرية فى الجنوب السوفيتى قرب منطقة الشرق الأوسط ) . عبد الناصر : ( لا بأس قد لا تجدى ولكنها لن تضر ) . وكأن الرئيس المصرى كان يعبر عن أسفه خاصة اذا قارن بين موقف أصدقائه السوفيت وموقف الأمريكيين أو البريطانيين الذين بادروا الى تأييد اصدقائهم فى الشرق العربى بالمساندة العسكرية الناجزة .

مع ذلك ينبغى التنبيه الى نقطتين : الأولى هى أن الثورة العراقية لم تجابه تحديا عسكريا من الخارج , وسرعان ما سقط النظام القديم دون أن ينعيه أحد .

ثانيا : ان العلاقات المصرية السوفيتية لم تسر فى خط مستو خال من الأزمات , ومن ثم لم يكن الاتحاد السوفيتى مستعدا لتلبية رغبات عبد الناصر اذا كانت تؤدى الى مغامرات عسكرية خارج الاتحاد . والواقع أن السياسة السوفيتية فى الشرق الأوسط اتسمت بالتناقض وعدم وضوح الهدف , وربما يرجع ذلك الى حد ما الى صعوبة التوفيق بين الأطراف المتنازعة شديدة الحساسية .

فعبد الناصر قد استاء من تعاطف السوفيت مع نظام قاسم فى العراق , ثم خاب ظنه فى هؤلاء الذين ايدوا حكومة الانفصال فى سوريا , ولو أن ذلك لك يكن غير متوقع نظرا لما عبر عنه السوفييت سابقا من عدم الترحيب بالوحدة المصرية السورية .

ولك يخف السوفيت اعتراضهم على الوحدة نظريا فكان المتخصصون فى الشئون العربية يؤكدون على وجود فوارق بين الجماعات العربية بحيث أنها تشكل شعوبا مختلفة , ولا يمكن أن تشكل شعبا واحدا . وفى جميع الأحوال احتج السوفيت على امكانية فرض الوحدة بالقوة . ثم عادوا وأيدوا تدخل مصر فى اليمن , وهو قد تم باسم الوحدة . واذن فان المواقف تقرر حسب الظروف العاجلة وليس بناء على سياسة ثابتة . لذلك عندما سقط خروتشوف شنت حملة على سياسته بالشرق الأوسط مما أثار مخاوف عبد الناصر فأوفد نائبه عبد الحكيم عامر الى موسكو ليطمئن على نوايا القيادة الجديدة . ومن جهة أخرى زار القاهرة وزير سوفيتى هو شلبيين وفى نهاية الأمر أمكن التغلب على الصعوبات واستمرار الدعم السوفيتى لمصر ربما بقصد تقوية مركزها فى اليمن وممارسة ضغط على السعودية والجنوب العربى مما يخدم أهداف التنافس الدولى دون وجود اعتبار للنزاع العربى الإسرائيلى على ما نعتقد .

ومن خلال نفس الزاوية , زاوية التنافس الدولى يمكن تقييم العلاقات السوفيتية الإسرائيلية , فان التوتر الذى نشأ عن اشتراك إسرائيل فى العدوان سنة 1956 كان من الممكن أن ينتهى وتعود العلاقات الإسرائيلية السوفيتية الى حالتها الطبيعية كما كانت فى الماضى . وربما فكر بنجوريون فى تأكيد هذا الاتجاه فكان يعلن أن سياسته الخارجية تنبنى على عدة مبادىء أساسية من بينها عدم الاصطدام بأى من الدول الكبرى , لكن قبول مبادىء أيزنهاور فى سنة 1957 كان اعترافا بانهاء عهد الحياد بالنسبة لإسرائيل وهذا ما حال فى رأينا دون عودة العلاقات الى حالتها الطبيعية .

يدل على ذلك الحديث الذى جرى بين السفير السوفيتى فى تل ابيب وبين نحوم جولدمان رئيس المجلس اليهودى العالمى فقد صرح السفير السوفيتى بأن بلاده تسلح العرب كرد فعل على تسليح االولايات المتحدة لإسرائيل . فاذا توقف هذا التسليح فسنمتنع بدورنا من تسليح العرب لأننا ضد سباق التسليح . وقد ذكرت تفسيرات عدة لهذا التصريح فقيل ان السوفيت أرادوا أن يدعموا موقف جولدمان الذى جاء الى إسرائيل فى سنة 1958 ودعاها الى العودة لسياسة الحياد , كما قيل كذلك بأن السوفيت رأوا فى حركة جولدمان غير الصهيونية وسيلة لتحويل اليهود السوفيت عن الولاء للصهيونية .

والواقع أن مسألة اليهود السوفييت وحريتهم فى الهجرة تعد من العوامل الهامة التى أثرت فى العلاقات السوفيتية الإسرائيلية , وليس لهذه المسألة علاقة مباشرة بالنزاع العربى الإسرائيلى . فالحكومة السوفيتية لاحظت بمرارة أن ولاء اليهود للصهيونية يرجح على ولائهم للدولة التى نشأوا فيها وصاروا مواطنين بها يتمتعون فيها بمبدأ المساواة التامة دون تمييز . وفى أكثر من مناسبة لفتت الحكومة السوفيتية نظر السفارة الإسرائيلية الى أنها تقوم باتصالات مشبوهة مع اليهود السوفيت الى إسرائيل , ولم ترفع هذه القيود الا فى سنة 1967 كأحد المظاهر الممهدة لسياسة الوفاق .

ان الأسلوب الذى سارت عليه الحكومة الإسرائيلية لمواجهة مختلف الأزمات التى نشبت فى العلاقات الإسرائيلية السوفيتية كان هو تجنب المجابهة ومحاولة تحسين هذه العلاقات بقدر المستطاع , ولكن دون التضحية بطبيعة الحال بالصداقة الأمريكية . وقد ذهب بنجوريون فى سنة 1958 الى حد أنه طلب من الاتحاد السوفيتى أن يزوده بالسلاح قائلا اذا كان السوفيت يناصبوننا العداء لأننا نستورد السلاح من الغرب , فنحن على استعداد لاستيراده من الاتحاد السوفيتى . ولم تكن هذه الفكرة لتقنع أحدا ولكن مغزاها يتمثل فى مدى المرونة التى اتسمت بها السياسة الخارجية الإسرائيلية فى هذه الحقبة .

توتر العلاقات بين القاهرة وواشنطن

قبل سنة 1957 حاولت وزارة الخارجية الأمريكية فى مناسبات عديدة أن تخفف من تيار التحيز لإسرائيل ,وأتضح ذلك من عدم استجابة الولايات المتحدة لطلب إسرائيل تزويدها بالسلاح , وكانت حجة الخارجية الأمريكية فى وجه المعارضة المتاثرة بالضغط الصهيونى هى أن للولايات المتحدة مصالح متشعبة فى البلاد العربية وينبغى الحفاظ عليها , ولكن مع تفشى الانقسامات العربية صار بوسع الولايات المتحدة أن تذهب الى أبعد شوط فى التحيز لإسرائيل دون أن تتأثر مصالحها , وذلك لأن الانقسامات أدت الى استعانة فريق من الدول العربية بالولايات المتحدة لمجابهة فريق آخر , الى أن جاء وقت صارت حكومة واشنطن ترى فيه أن قوة إسرائيل هى أداة تخويف وردع للدول العربية . وأن هذه هى وسيلة الفضلى لحفظ المصالح الأمريكية ولم تتبدل هذه النظرة الا أثناء المواقف العربية المتحدة فى حرب أكتوبر سنة 1973 .

وتختلف العلاقات العربية الأمريكية خلال الفترة من 19571967 من قطر الى آخر اختلافا بينا وسنركز على تطور العلاقات المصرية الأمريكية نظرا الى أن هذه العلاقات هى التى كان لها تاثير أقوى على مسار النزاع العربى الإسرائيلى .

وقد أشرنا فى بداية الفصل الى أن أبرز أوجه الصدام بين الولايات المتحدة وحكومة عبد الناصر انما نشأ عن السياسة العربية وتخوف الولايات المتحدة من الزعامة الناصرية فى العالم العربى , وازداد التوتر بسبب حث الحكومة المصرية للدول العربية على نبذ مبادىء أيزنهاور , لكن هذا الخلاف لم يمنع من تأييد نظام عبد الناصر فى داخل مصر , بل ان ادارة أيزنهاور غيرت فى آخر أيامها نظريتها ازاء موضوع التصنيع , فبعد أن كانت تعارض فى برنامج التصنيع , وترى أن اقتصاد مصر باعتبارها دولة نامية يحتاج بالدرجة الأولى الى استغلال الموارد الطبيعية على أوسع نطاق , قبل التفكير فىالتصنيع , أصبحت الحكومة الأمريكية فى سنة 1959 مستعدة للمساعدة فى برنامج التصنيع الذى يدعم ( الإشتراكية الوطنية ) بعد أن ثبت أن هذا النوع من الإشتراكية هو وسيلة أنجح لمكافحة الشيوعية . وبناء عليه عقدت فى هذا العام بعض صفقات المساعدة الأمريكية لمصر ومن الملاحظ أن هذه الاتفاقات تعاصر زمنيا الأزمة التى مرت بالعلاقات السوفيتية حين تبادل كل من خروتشوف وعبد الناصر عبارات جارحة . وفى بداية عهد كيندى جرت محاولة ذات أهداف أبعد لتحسين العلاقات بين البلدين فكتب عبد الناصر الى الرئيس الأمريكى رسالة يشرح فيها جذور المشكلة الفلسطينية , وهو يأمل من وراء ذلك أن يخفف من التعصب الأمريكى لإسرائيل باسم مبدأ العدالة . وفى رده على تلك الرسالة ( مايو 61 ) ذكر كيندى أن بلاده تؤيد قرارات الأمم المتحدة الخاصة بموضوع اللاجئين الفلسطينيين كما اعرب عن تقديره للحركة الوطنية التى يتزعمها عبد الناصر ووصفها بأنها حركة مشروعة .

لم تحدث هاتان الرسالتان الأثر المرجو منهما , فلا الولايات المتحدة قللت من مساعداتها لإسرائيل , ولا مصر غيرت من موقفها النظرى القائم على رفض الوجود الإسرائيلى . وكأن خيبة الأمل التى تلت هذا التبادل للرسائل هى التى أخذت تمهد لحقبة جديدة من التوتر فى العلاقات بين مصر والولايات المتحدة .

على أن آثار هذا التوتر لم تلمس الا فى سنة 1963 أى خلال الأيام الأخيرة من حياة الرئيس كيندى , ذلك لأنه كان يمثل الولايات المتحدة فى مصر آنذاك أحد الأمريكيين المستعمرين والمتحمسين للصداقة العربية الأمريكية , ذلك هو السفير جون بادو , كما أن أحد الاقتصاديين الأمريكيين زار مصر خلال عام 1962 واقر خطط التأميم ولم ير فيها ما يمنع من استمرار المساعدات الأمريكية . كذلك حيناما لأعلن النظام الجمهورى فى اليمن نصح بادو حكومته بأن تعترف بالنظام الجديد لأنه من الخطأ أن تربط الولايات المتحدة نفسها بالأنظمة التقليدية . وهكذا كانت واشنطن من أوائل العواصم الغربية التى تعترف بنظام اليمن الجمهورى , وأن كانت تطورات أحداث اليمن فيما بعد ستشكل عاملا رئيسيا من عوامل التوتر فى العلاقات المصرية الأمريكية .

صار الجو اذن مشحونا بالخلافات فى أوائل سنة 1963 وتردد الحديث فى أوساط الكونجرس عن ضرورة ايقاف صفقات القمح التى كانت تصدر الى مصر طبقا لبرنامج فائض الأغذية الأمريكية , ولم تشأ السلطة التنفيذية أن تتخذ اجراء دارماتيكيا كذلك الاجراء الذى اتخذه دالاس فى 1956 حين أعلن فجأة انسحاب أمريكا من تمويا السد العالى وانما شرعت فى احاطة طلبات مصر بتعقيدات ادارية دون أن يقال لها صراحة كلا . ومع نقل السفير بادو أصبح الموقف ينذر بعاصفة , ذلك أن مصر فهمت مرمى التباطىء فى تنفيذ صفقات القمح . واعتبر عبد الناصر ذلك جرحا لكبريائه وللكرامة الوطنية , وكان أن أحرقت مكتبة السفارة الأمريكية بالقاهرة . وتلى ذلك بقليل القاء عبد الناصر للخطاب الشهير الذى قال فيه اذا لم تكن سياستنا تروق للولايات المتحدة فلتشرب من البحر الأبيض , وان لم يعجبها فلتشرب من البحر الأحمر .

ويقال ان عبد الناصر بعد فترة من التأمل وبعد توقف صفقات القمح بالفعل سنة 1965 أراد أن يحول دون تردى العلاقات أكثر وأكثر مع الولايات المتحدة , وتمشيا مع مبدأ اضرب ولاق , عين السيد زكريا محيى الدين فى رئاسة الوزارة , وهو الرجل المعروف بصداقته لبعض رجال الأعمال الأمريكيين وقد جمع مشاكلها الاقتصادية , فاشترطوا لاستثمار أموالهم أمرين : تخفيض قيمة الجنيه المصرى , ومن شأن ذلك أن يؤثر على الدائنين السوفيت والأمر الثانى التخلى عن الصناعة الثقيلة التى سموها صناعة الكرامة الوطنية . والاكتفاء بالصناعات التى يمكنها أن تدر ربحا عاجلا . وبطبيعى الحال رفض الشرطان رفضا باتا , وسد الطريق نهائيا فى مجال التعاون الاقتصادى بين مصر والولايات المتحدة .

ان كوبلاند صاحب كتاب لعبة الأمم هو الذى عبر عن الرأى القائل بان اختيار زكريا محيى الدين لرئاسة الوزارة سنة 1965 كان تطبيقا لمبدأ اضرب ولاق الذى اتبعه عبد الناصر فى علاقاته الخارجية أحيانا .

ونحن لا نوافق على هذا الرأى لسبب بسيط , وهو أن النظام فى مصر لم يكن يسمح بوجود اتجاهات مختلفة فى السياسة الخارجية , بل كان ينفرد برسمها رئيس الجمهورية . قد يكون لزكريا محيى الدين رأى فى ادارة السياسة العربية فهو يؤثر الاعتماد على تصدير الخبرات بدلا من التهييج الجماهيرى لكسب الهيبة العربية فى البلاد . ومع ذلك فهو لم يستطع أن يحقق أى تغيير فى هذه السياسة , فاتفاقية جدة للمصالحة فى اليمن لم توضع موضع التنفيذ , وعلى العكس اتسعت العمليات العسكرية فى سنة 1966 أثناء رئاسته للوزارة بحيث تعرضت القرى السعودية المتاخمة لليمن لبعض الغارات الجوية ونتج عن ذلك أن أصدرت الولايات المتحدة تصريحا تعهدت فيه بحماية أمن بعض دول عربية ومن بينها السعودية ضد الاعتداءات الخارجية . وهكذا أدت السياسة العربية الى الوصول لنقطة اللاعودة فى العلاقات المصرية الأمريكية حسب تعبير أحد الصحفيين البارزين فى ذلك الوقت .

أما انكاس هذه التطورات على إسرائيل فيتجلى فى ازدياد المساعدات العسكرية الأمريكية باضطراد , ففى السنوات الأولى من تسليح الولايات المتحدة لإسرائيل أعلن أن هذا التسليح يقتصر على الأسلحة الدفاعية . وفى سنة 1961 زودت الولايات المتحدة إسرائيل بصواريخ أرض جو , واعتبر هذا السلاح دفاعيا . ولكن منذ سنة 1963 وافقت الولايات المتحدة على تزويد إسرائيل بصواريخ أرض أرض وهى أسلحةهجومية بدون نزاع . ولم يابث الرئيس الأمريكى جونسون أن أعلن عن برنامج للتعاون النووى مع إسرائيل يستهدف استخدام الطاقة النووية لتحلية مياه البحر . وكان لعبد الناصر رد فعل مباشر على هذا التصريح , فقد أعلن أن العرب مستعدون للتضحية بمليون رجل لمنع إسرائيل من الحصول على الأسلحة النووية .

ومما هو جدير بالملاحظة أن الولايات المتحدة أخذت تبسط يدها فى تسليح إسرائيل فى نفس الوقت الذى كانت الحكومة الفرنسية تضيق من مجالات التعاون العسكرى . ومن المعروف أن فرنسا هى أول من منح إسرائيل فرصة للتعاون الفنى فى المجالات النووية , وذلك حينما ساعدت فى بناء مفاعل ذرى فى ديمونا على أساس الاستخدام فى الشئون المدنية البحتة . وقد تم ذلك فى بداية عهد ديجول لأن تحول الحكومة الفرنسية عن التحيز لإسرائيل انما تم بالتدريج فحتى سنة 1961 كان الرئيس الفرنسى يعلن أن إسرائيل هى من أصدقاء فرنسا فى الشرق الأوسط , ولكن مع انتهاء حرب الجزائر زالت الأسباب التى كانت تحول دون التعاون الفرنسى العربى فى مختلف المجالات . ويشهد عام 1964 عدة خطوات حققتها الحكومة الفرنسية لتأكيد استقلالها فى معالجة القضايا الدولية عن الولايات المتحدة ودعمها فى هذا الاتجاه تطوير قوة نووية ضاربة . ففى ذلك العام اعترفت فرنسا بالصين الشعبية وزادت من صلاتها الاقتصادية بالعالم العربى . ومن بين العوامل التى جعلت ديجول يميل الى الحياد فى النزاع العربى الإسرائيلى هو رغبته فى تأكيد استقلال بلاده عن الولايات المتحدة فى الشئون الخارجية .

رحبت مصر ببوادر هذا التحول فى السياسة الفرنسية لأنها كانت تدرك – مهما قدم الاتحاد السوفيتى من مساعدات – أو وجود أطراف متعددة أفضل من احتكار الدولتين العظميين للتأثير على مجرى الأحداث فى الشرق الأوسط وبنفس هذا الدافع رحبت مصر بزيارة شواين لاى رئيس وزراء الصين فى سنة 1964 ويرى بعض الكتاب أن جولته الناجحة فى آسيا وأفريقيا أثارت حسد الاتحاد السوفيتى فراح يبذل المساعدات بسخاء لمصر من جديد . واذن ففى رأى هؤلاء الكتاب أن التنافس الصينى السوفيتى كان أقوى تأثيرا على تطور العلاقات المصرية السوفيتية من التنافس مع الولايات المتحدة وتلك هى النظرية السائدة فى الصين , وهى نظرية لا تقوم على أساس متين .

مهما يكن من دوافع الاتحاد السوفيتى فقد قان خروتشوف بزيارة لمصر فى مايو سنة 1964 وانتهز هذه الفرصة لكى يعرض مزيدا من المساعدات وقد قدر مجموعها سنة 1966 ب 986 مليون دولار هى عبارة عن ائتمانات وقروض طويلة الأجل من الاتحاد السوفيتى وبعض دول الكتلة الشيوعية مقابل 331 مليون دولار هى مجموع قروض مصر من الدول الأخرى مجتمعة ولعل هذا ما جعل الاجراءات الأمريكية المضادة لمصر تمر دون أن تحدث أثرا يذكر, ولهذا السبب أيضا انزعجت الحكومة المصرية عند الاطاحة بخروشوف فى أكتوبر سنة 1964 خاصة بعد أن وجهت الانتقادات الى سياسته فى الشرق الأوسط بواسطة الصحافة السوفيتية , وبادر عبد الناصر الى ارسال بعثة للتعرف على نوايا السوفيت الجدد , ومع أنه اطمأن الى عدم حدوث تبدل رئيسى لكنه صار يرحب بتعدد القوى الا أن الوقت لم يحن بعد لكى تلعب دول كبيرة أخرى دورا فعالا فى الشرق الأوسط .

فى نفس الوقت غطت هذه المساعدات السوفيتية المتواصلة على تغير هام ظهرت بوادره فى العلاقات الدولية وأعنى بذلك سياسة الوفاق التى لم تتحقق منها القيادة المصرية الا بعد حرب يونيو سنة 1967 ولذلك بنت حساباتها على أساس استمرار عهد الحرب الباردة .

وقد عرفت بوادر الوفاق منذ التغلب على أزمة كوبا وسحب الولايات المتحدة لقواعد الصواريخ من تركيا ارضاء للسوفييت الذين سحبوا صورايخهم من كوبا , واتفاق تحديد التجارب النووية وحظرها فوق سطح الأرض , ثم انشاء الخط التليفونى المباشر بين البيت الأبيض والكريملن والوفاق لا يعنى بالضرورة منع استمرار التنافس وانما يعنى اساسا عدك المجابهة والصدام العسكرى بسبب خلاف محلى . أما التنافس فلم يتوقف حتى وقتنا الحاضر رغم تأكيد سياسة الوفاق .

والتغير الثانى الذى لم تعه جيدا القيادة المصرية حينذاك هو قلم حاجة الدول الكبرى الى القواعد فى الدول الأجنبية , وذلك بعد التوسع فى انتاج الصواريخ عابرة القارات , ومن هنا لم تعد الدول الكبرى مستعدة لدفع مقابل كبير لقاء الامتيازات العسكرية . وعلى الطرف الآخر قلت قدرة الدول النامية على المساواة للحصول على الأسلحة والمساعدات . وتغير الجو الذى عاش عبد الناصر فى ذكراه , جو العدوان الثلاثي سنة 1956 .

الفصل السابع : أبعاد جديدة للنزاع

تميزت السنوات الخمس من سنة 1957 الى سنة 1962 بتجمد الصراع من الناحية العملية وان لم يتخل أى من الطرفين عن مبادئه النظرية فى أمر هذا الصراع . فالعرب يتمسكون بعدم الاعتراف بالوجود الإسرائيليى , ولم يفقدوا الأمل فى تحرير فلسطين ولو على المدى البعيد . والإسرائيليون لم يتوقفوا على تطوير قواتهم المسلحة والتوسع فى انشاء مستعمرات الحدود , وهم يعلنون أن القصد من ذلك هو تأمين حدودهم فى حين أن دوافع خفية تراود أحلامهم التوسعية .

ويعزو بعض الكتاب التحول الذى حدث فى سنة 1963 وأدى الى تأجيج الصراع للمواقف العربية التى نجمت عن مؤتمرات القمة , ولكنهم يغفلون الدور الإسرائيلى فى توسيع نطاق النزاع . فالنمو السكانى المطرد نتيجة الهجرة اليهودية هو وحده كفيل بجعل الصدام أمرا حتميا . واذا كان موضوع مياه نهر الأردن قد احتل الأولوية فى جدول أعمال مؤتمر القمة العربى الأول , فليس ذلك راجعا الى رغبة معظم الحكومات العربية فى توسيع مدى الصراع وانما كان رد فعل ضرورى على تجاوز إسرائيل الحدود المقررة لها للاستفادة من مياه النهر . وهذا التجاوز أملته الأوضاع السكانية الجديدة التى تطلبت مزيدا من المستعمرات فى صحراء النقب .

وقبل أن تتفجر اسباب النزاع فى سنة 1963 لوحظ هدوء نسبى على الحدود , فعلى الجانب المصرى توقفت الاحتكاكات نهائيا بحكم وجود قوات الطوارىء الدولية . وعلى الجانب الأردنى اشتدت قبضة الملك حسين على البلاد بعد انقلابه على العناصر الوطنية سنة 1957 .وبقيت منطقة الحدود السورية تشهد من حين الى آخر حوادث متفرقة , لكن أى من الطرفين لم يعمد الى توسيع نطاق هذه الحوادث .

ولوحظ أن عبد الناصر صار يتجنب خلال هذه الحقبة التحدث عن القضية الفلسطينية أواثارة المشكلات المتفرعة عنها حتى لا يجد نفسه مرة أخرى فى مجابهة إسرائيل . ويمكن تفسير هذا الموقف بأسباب مختلفة :

1- اعتقاد الرئيس المصرى بأنه ينبغى تحقيق الوحدة العربية أولا , ومن ثم استغراقه فى المشكلات والخلافات العربية . ويفند البعض هذا التفسير بأن مباحثات الوحدة الثلاثية فى سنة 1963 لم تشر الى تحرير فلسطين كهدف من أهدافها . ومن الغريب أن تكون إسرائيل هى التى ربطت بين مشروع الاتحاد الثلاثى , وبين النزاع العربى الإسرائيلى , فراحت تستغيث بحلفائها لمواجهةهذا الخطر الداهم المتمثل فى عملاق الوحدة العربية . وخرجت ظافرة بمزيد من الأسلحة الأمريكية فى حين أن الأثر الوحيد الذى تركته هذه المباحثات على دول المواجهة العربية , هو ازدياد عوامل الانقسام .

2- ثانيا أن عبد الناصر كان أكثر ادراكا من غيره لقوة إسرائيل العسكرية , ومن هنا درج المتحدثون باسمه على القول بان مشكلة فلسطين تحل على المدى البعيد , وأن الزمن على هذا المدى هو فى صالح العرب لأسباب كثيرة راحوا يبسوطونها فى كتبهم ومقالاتهم .

على أن الكتاب الأجانب وصفوا هذا الموقف من الرئيس المصرى بالنظرة الواقعية , بمعنى أن عبد الناصر لم يشأ أن يورط نفسه فى مجابهة مباشرة مع إسرائيل دون وجود القوة العسكرية اللازمة لهذه المجابهة. واذا راجعنا بالفعل تصريحاته وخطبه حتى مايو 1967 نجده لا يتزحزح عن هذا الرأى .

لكنه وهو المتطلع الى الزعامة العربية لم يكن بوسعه أن يعيش بمعزل عن المشكلات الناجمة عن الوجود الإسرائيلى والتى بعثت بصورة حيوية فى سنة 1963 وسنة 1964 ومن أبرز هذه المشكلات تحويل مياه نهر الأردن , وأهم منها اتجاه الفلسطينيين الى تكوين حركة سياسية وعسكرية مستقلة , تستهدف تحرير البلاد من الحكم الإسرائيلى , وذلك بعد خمسة عشر عاما ظل فيها الفلسطينيون مجرد لاجئين , ينتظرون تدخل الدول العربية لاعادتهم الى بلادهم وكأن نوعا من اليأس والقنوط بعد هذا الانتظار الطويل قد بعث روح الثورة بين أفراد الشعب الفلسطينى فى المنفى . ولا شك أن مشاركة القيادة المصرية فى هذه المشكلات الجديدة كانت تضطر عبد الناصر الى التحدث بثلاث لغات . لغة ملتهبة بالعواطف نحو تحرير فلسطين كما تجلى ذلك ابان الخلاف الذى نشب بينه وبين بورقيبة سنة 1965 حول امكانية الاعتراف بالوجود الإسرائيلى , مقابل تقليص حدود الدولة العبرية . والثانية تحدث بها الى الدبلوماسيين الأجانب , وهى تتسم بالاتزان والواقعية مما جعل الكثيرين يصفون عبد الناصر بالاعتدال ويرون أنه هو الشخص الوحيد القادر على اتخاذ قرارجرىء كانهاء حالة الحرب مع إسرائيل ان لم يكن الاعتراف بها . أما غيره من الحكام العرب فلا يستطيع البقاء فى السلطة يوما واحدا اذا ما فكر فى مثل هذا القرار .

واللغة الثالثة استخدمها عبد الناصر فى تحادثه مع السوفيت فهنا يحرص على ابراز دوره القيادى الهام فى حركات التحرير الآسيوية والافريقية وحاجته للسلاح والمعونات المختلفة لمكافحة الإمبريالية . ومن المتعارف عليه أن الصهيونية هى صورة من صور الإمبريالية .

ويستشهد أصحاب هذا الرأى بأن عبد الناصر أخذ جانب الاعتدال أو بمعنى آخر الواقعية فى مؤتمر القمة سنة 1964 مقابل التطرف أو الديماجوجية السورية , بل يذهب هؤلاء الى حد القول بأنه كان قد وافق فى حديثه الخاص مع بورقيبة على أن الوجود الإسرائيلى أمر واقع , ومن الأفضل عدم التحدث عن ازالة الدولة الإسرائيلية , ولكنه لم يكن يرغب فى التصريح بهذا الرأى للجمهور . ولذا شن الحملة على الرئيس التونسى لأنه نزل بهذا الرأى الى الجماهير العربية .

وليس من الخطأ التحدث بلغات مختلفة , فهذا أسلوب يلجأ اليه الساسة فى كثير من دول العالم لتحقيق أهداف معينة , ولكن الخطأ هو أن ينساق القائد وراء أحد هذه الأساليب بحيث يطغى عليه ويفقد القدرة على التحكمة فى الموازنة بين الأساليب المختلفة . ويبدو أن أسلوب الحديث الى الجماهير هو الذى طغى فى نهاية الأمر على عبد الناصر لدرجة أنه فعل فى مايو سنة 1967 نفس الشىء الذى طالما حذر منه وهو المغامرة بالحرب مع إسرائيل دون الاستعداد لها . وثمت فريق من المعلقين يعتقدون أن عبد الناصر لم يكن يختلف فى مسألة النزاع العربى الإسرائيلى عن المتطرفين من قادة العرب من حيث الهدف , وانما اختلف معهم فقط من حيث الوسيلة والمنهج .

ما هى اذن الدوافع التى جعلت القيادة المصرية تخرج عن سلبيتها ازاء القضية الفلسطينية سنة 1963 وتتبنى الدعوة الى مؤتمر القمة العربى لبحث هذه القضية أو بعض المشكلات المتفرعة عنها ؟ لقد شهد هذا العام تنفيذ إسرائيل لمرحلة جديدة من مراحل تحويل مياه نهر الأردن .

ولأسباب عديدة كان رد الفعل على هذا الاجراء أعنف فى سوريا منه فى أى قطر عربى آخر . ومن المعروف تقليديا أن سوريا تتخذ مواقف حماسية من النزاع العربى الإسرائيلى ولا تكاد أنظمة الحكم الممتوالية تختلف فى نظرتها لهذا الموضوع , سواء أكانت يمينية أو يسارية . فالتوتر على الحدود عاد يتخذ شكلا حادا بعيد الانفصال عن مصر , وقد وصف نظام الحكم آنذاك فى سوريا بأنه يمينى . ومع ذلك فقد وقعت اشتباكات حول بحيرة طبرية , وكانت إسرائيل هى التى أثارت أولا هذه الاشتباكات حينما أرسلت دوريات حراسة بحرية وصلت الى الجانب السورى من البحيرة , لذا أصدر مجلس الأمن قرارا بلوم إسرائيل فى 9 إبريل سنة1962 وظلت بحيرة طبرية مثار احتكاك حتى فى أثناء الوحدة العربية فردت ج.ع.م. بارسال الحشود الى سيناء سنة 1960 وتوقف الأمر عند هذا الحد .

والواقع أن احساس سوريا بمشكلات الوجود الإسرائيل تؤثر على المستوى الشعبى نظرا للملاصقة السكانية , فى حين أن احساس المصريين على هذا المستوى لا يكاد يذكر بحكم أن صحراء سيناء غير المسكونة تجعل إسرائيل بعيدة عن حياة المصريين اليومية . وتشبه الأردن سوريا فى هذا الاحساس بل قد تزيد عليها نظرا لامتداد الحدود على مسافات شاسعة , ولكن الفرق فى التركيب السياسى لكى القطرين يجعل سوريا دائما أكثر تهيئا لاثارة الصدام , فالنشاط الحزبى واستغراق الشعب السورى فى الشئون السياسية يهيىء الجو للمزايدة , أو بعبارة أخرى التورط فى النزاع دون الاستعداد الكافى . وللسوريين بعذ العذر فى هذا التورط , فوجود الجيش السورى فوق هضبة الجولان ورؤيته للمزارعين الإسرائيليين ينشئون المستعمرات الجديدة ويستخدمون الجرارات فى حراثة الأرض , مع وجود الاقتناع العميق بأن هؤلاء المزارعين هم مغتصبون لأرض عربية , كل ذلك يدفع الجنود أو الفدائيين تلقائيا الى اطلاق النار عليهم , وهو ينظرون اليهم فريسة سهلة فى أدنى الوادى .

وبعد تولى البعث السلطة فى مارس سنة 1963 لوحظ تكرار حوادث اطلاق النار وكانت الاصابات رغم ذلك نادرة بين الإسرائيليين . وعلى أثر مقتل نزارعين إسرائيليين فى 19-8-63 آثر ليفى أشكول رئيس الوزراء الجديد اللجوء الى مجلس الأمن برغم أن غالبية الإسرائيليين لا يحبون اللجوء الى الأمم المتحدة ويفضلون الرد على مثل هذه الحوادث بغارات أوسع نطاقا . وقد وافق مجلس الأمن على اصدار قرار بلوم سوريا بأغلبية ثمانى أصوات لكنه أبطل بواسطة الفيتو السوفيتى , فزاد ذلك من الأصوات المنادية بشن ( الغارات التأديبية ) على سوريا , وهكذا تعرض هذا القطر العربى لاعتداءات إسرائيلية محدودة , ولتهديدات بتوسع الغارات الثأرية مما جعل حكومة دمشق تشكو من تركها وحيدة تجابه هذا الضغط الإسرائيلى .

وسط هذا الجو المتوتر وبمناسبة بدء إسرائيل فى المرحلة الثانية من تحويل مياه الأردن , كتبت جريدة البعث فى ديسمبر سنة 1963 تشبه عبد الناصر بالمريشال بيتان الفرنسى ( فبعد أن حاز أغوار النصر فى معركة فاردان , قاد حركة الاستسلام للنازى فى سنة 1940 , وبالمثل بعد الانتصار الرائع فى حرب 1956 يستسلم عبد الناصر أمام تحويل إسرائيل لمياه نهر الأردن ) .

الضرورية للتخلص من تورطه فى اليمن , فأنهى هذا الخطاب بالدعوة الى مؤتمر قمة عربى . ولم تنشر بعد المداولات التى جرت فى مؤتمرات القمة ولكن الشائع أن معظم المندوبين اقتنعوا بوجهة نظر عبد الناصر , بعدم التورط فى الحرب مع إسرائيل , والدليل على ذلك أنهم بدلا من الدعوة لمنع إسرائيل من تحويل مياه نهر الأردن بالقوة , تبنوا خطة أخرى تستهدف تحويل أفرع النيل التى تنبع من لبنان وسوريا بحيث تفوت على إسرائيل خططها . ولم يخف على الملوك والرؤساء أن مثل هذه الخطة تتطلب هى الأخرى قوة عسكرية للدفاع عنها , وكان مجلس الدفاع العربي ممثلا فة وزراء الدفاع العرب قد اجتمع من قبل وأقر بأن العرب لن يكونوا قادرين على الدفاع عن مشروعات التحويل قبل استعدادات هائلة تستغرق ثلاث سنوات على الأقل .

يتضح من ذلك أن التيار الواقعى هو الذى سيطر على مؤتمر القمة , ولذلك لم ترق قراراته وخططه للديماجوجيين الذين يعتمدون على اثارة مشاعر الجماهير . ولم تلبث الانقسامات أن عادت الى اشدها بين الحكومات العربية سنة1965 دون أن يوضع شىء من قرارات مؤتمر القمة الخاصة بمياه نهر الأردن موضع التنفيذ وانما اجتهد كل قطر على حدة فى تنفيذ مشروعات الرى بالطريقة التى رآها مناسبة .

مياه نهر الأردن

ليست مشروعات إسرائيل لاستغلال مياه نهر الأردن جديدة ترجع الى قيام الدولة الإسرائيلية , بل تطلع الصهاينة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى الى منابع النهر وطالبوا بأن يشمل الانتداب البريطانى هذه المنابع التى تقع فى سوريا وفى الثلاثينيات وضع خبراء يهود من علماء الهيدروليكا مثل لورد ميلك وهيز خططا للاستغلال الجماعى لنهر الأردن وروافده على أساس اشتراك العرب واليهود فى هذه الخطط . وهى بلا شك تضع مصالح اليهود فى المكان الأول , فهى تفترض رى مساحات شاسعة من الأرض تبنى فيها مستعمرات يهودية تستوعب أربعة ملايين مهاجر .

ولفهم قضية مياه الأردن , لابد من اعطاء صورة مبسطة عن مجرى النهر , فهو يستمد معظم مياهه من فروع تقع شمال بحيرة طبرية , وجميعها تنبع من سوريا ولبنان . باستثناء فرع واحد , وهو فرع " دان " الذى ينبع فى الأراضى المحتلة . وتتجمع المياه فى بحيرة طبرية قبل أن تصب فى مجرى النهر الرئيسى , أى أن البحيرة أشبه بخزان طبيعى لمياه النهر , ولما كانت إسرائيل تسيطر على معظم البحيرة , فقد صارت تتحكم فى تحويل جنوب البحيرة , وينبع من الأراضى السورية , ولكنه يمر فى جزء من مجراه بالحدود الواقعة بين الأردن وإسرائيل .

وفى سنة 1953 شرعت إسرائيل فى تنفيذ أول مشروعات تحويل مياه النهر , فرفع العرب شكوى الى مجلس الأمن الذى أصدر قرارا بايقاف أعمال التحويل الى أن يتم اتفاق بين الأطراف المعنية . وتدخلت وكالة غوث اللاجئين فى القضية بأن اقترحت تحكيم مسئول فنى فى مسائل توزيع المياه . ووقع اختيارها على جونستون الأمريكى .

جاء ايريك جونستون الى الشرق الأوسط فى أكتوبر سنة 1953 وقد وافق العرب مبدئيا على التعاون مع المبعوث الخاص على أمل أن يتيح اعادة توزيع المياه فرصا أوسع أمام اللاجئين لاستغلال الأرض . وعندما قدم جونستون تقريره رفضه العرب لأسباب سياسيو وفنية , اذ أن المشروع كان يقوم على أساس استغلال موحد للنهر , تشرف عليه هيئة يشترك فيها الإسرائيليون مما يجر بالضرورة الى التعاون مع دولة إسرائيل .

ثم ان المشروع لا يراعى الحدود السياسية , وهو يترك الخزان فى بحيرة طبرية التى تسيطر عليها إسرائيل . ومن الأفضل للعرب أن يحولوا مجرى الروافد الشمالية التى تقع فى أراضيهم . وحسب مشروع جونستون يخصص نحو ثلثى المياه لصالح الدول العربية المنتفعة وهى لبنان , وسوريا والأردن . أى أنه لا يضيف شيئا جديدا لصالح العرب, لأنهم يمتلكون بالفعل هذه النسبة .

ورغم ذلك فان إسرائيل لم توافق هى الأخرى على مشروع جونستون بحجة أن هذه النسبة غير كافية لمشروعات الرى .

وبناء عليه حاول جونستون تقديم مشروع آخر يخصص لإسرائيل 40 بالمائة وكان من باب أولى أن ترفضه الجامعة العربية فى أكتوبر 1956 , فى حين أن إسرائيل قد قبلته وسيتضح فيما بعد أنها ستتجاوز هذه الحدود حينما أتاحت لها الظروف ذلك سنة 1967 .

وقد استغلت إسرائيل الهدوء الذى ساد فى أعقاب 1956 لكى تنفذ القسم الأول من خطط تحويل مياه نهر الأردن بواسطة أنابيب تنقل المياه من بحيرة طبرية الى صحراء النقب . ولم تتحرك فى هذه المرحلة سوى الأردن التى استطاعت بواسطة المساعدات الأمريكية أن تحفر قناة على امتداد 80 ميلا تصلح لرى ثلاثين ألف فدان . وتستمد مياهها من قناة الغور . وقد تم المشروع الأردنى فى نفس الوقت الذى تمت فيه المرحلة الأولى من المشروع الإسرائيلى . وكانت المرحلة الأولى تكفى لرى ستين ألف فدان .

وعلى أثر الانتهاء منها , شرعت إسرائيل فى تنفيذ المرحلةالثانية , وهى تستهدف رى مائة الف فدان فى خلافل سبع سنوات , لذلك اشتدت مخاوف العرب من هذا التوسع الإسرائيلى فى استغلال مياه النهر , الذى يتيح توطين عدد جديد من المهاجرين , ويحول دون أمل العودة .

والواقع أن سوريا أثارت هذه القضية فى سنة 1960 , ثم طرحتها أمام مجلس الجامعة العربية , فاتخذ قرارا باعتبار أعمال التحويل الإسرائيلية عملا عدوانيا يستوجب استخدام القوة لمنعه طبقا لمعاهدة الدفاع المشترك , تلك المعاهدة التى ظلت حبرا على ورق كما هو معروف . ومن ثم نام القرار وسط سجلات الجامعة العربية . فلما شرعت إسرائيل فى تنفيذ المرحلة الثانية جددت سوريا دعواها لاتخاذ موقف حازم وكانت فى ذلك الوقت اقدر من ذى قبل على حرية الحركة فى الجامعة العربية . واجتمع بالفعل رؤساء أركان الجيوش العربية للنظر فى هذا الموضوع , وانتهوا الى الرأى القائل بأنه اذا أريد منع إسرائيل من تحويل مياه الأردن , فلابد من استخدام القوة . غير أن رؤساء الدول العربية عندما عقدورا مؤتمرهم الأول , أدركوا صعوبة تنفيذ مثل هذه الخطة , واقترحوا بديلا , وهو أن تقوم الدول العربية التى تنبع منها روافد الأردن بتحويل هذه الروافد عن بحيرة طبرية بحيث تقلل من امكانيات إسرائيل , وتزيد ملوحة النهر جنوب البحيرة .

على أن أعمال تحويل الروافد داخل الأراضى العربية تتطلب بدورها حماية عسكرية سيما وأنها تقع على مقربة من الحدود الإسرائيلية . ولهذا الغرض تقرر انشاء قيادة موحدة لحماية أعمال التحويل , وصندوق خاص للانفاق على هذه المشروعات . ولم تكن مشكلة التمويل بالأمر الصعب , نظرا لتحمل الدول المنتجة للنفط نصيبها ومسئوليتها فى هذا المجال . كما أن مصر تتوفر لديها الخبرات الكافية لتنفيذ مشروعات تحويل المياه والتى اكتسبت من مشروع السد العالى . وظلت الحماية العسكرية هى العقبة التى لم تتمكن الدول العربية من التغلب عليها , فقد عين قائد عام للقيادة الموحدة , هو الفريق على على عامر . وقد صرح عند تعيينه بأنه لابد من استعدادات جادة لمدة ثلاث سنوات على الأقل حتى تصبح الدول العربية قادرة على حماية أعمال التحويل والذى حدث هو أن القيادة الموحدة ظلت دون قوات تتبعها بالفعل اذ ستصطدم بمعارضة كل من لبنان والأردن دخول قوات عربية أخرى الى اراضيها , وعلى فرض تشكيل هذه القوات , فقد كان من المتعذر عليها أن تؤدى دورها وتعرضت أعمال التحويل فى سوريا لغارات إسرائيلية متواصلة بحيث أنه لم ينفذ سوى 1 بالمئة من المشروع . وعلى كل فان حرب يونيو 1967 قد وضعت نهاية محزنة لهذه القضية اذ كانت مواقع التحويل العربية ضمن الأراضى التى سقطت فى يد إسرائيل . وهكذا استطاعت إسرائيل أن تنفذ خطط التحويل دون معارضة وكانت تعلن حتى سنة 1967 أنها لن تتجاوز النسبة المخصصة لها فى مشروع جونستون وهى 40 بالمائة ولكن مما لا شك فيه أن التوسع فى الاستيطان بعد حرب سنة 1967 قد أغراها بتجاوز هذه النسبة . وحتى سنة 1970 استطاعت أن تحول 320 مليون متر مكعب سنويا مما يسمح بتوطين 375 ألف مهاجر .

ان موضوع مياه الأردن يكشف لنا عن أن كثيرا من القضايا الفرعية لا يمكن حلها منفصلة عن تسوية عامة . وقد كان رأى سوريا هو ان إسرائيل لا يجوز لها أن تستخدم أكثر من 23 بالمائة من مياه النهر , نظرا الى أن 77 بالمائة تنبع من روافده فى بلاد عربية . أما الحكومة الأمريكية فقد اعتبرت الأردن نهرا دوليا , يخضع لأنظمة وقوانين هذه الأنهار المتعارف عليها فى العالم . وتحمس الرئيس ايزنهاور لمشروع جونستون , وابدى استعدادا لمساعدة الولايات المتحدة فى تمويل مشروعات الرى . وكان الهدف البعيد من وراء ذلك هو توطين اللاجئين الفلسطينين كوسيلة من وسائل تصفية القضية الفلسطينية وهذا ما ينكره العرب بالذات .

ومن جهة أخرى فان تطبيق أنظمة الأنهر الدولية فى حالة الأردن , يعنى التعاون المباشر بين إسرائيل والدول العربية , ليس فقط فى توزيع المياه , بل فى تنظيم الملاحة وغير ذلك من الأمور التى لا تتحقق الا ضمن تسوية شاملة .

احياء الكيان الفلسطينى

تطور أوضاع اللاجئين

لم يشترك الفلسطينيون بدور فعال فى حرب 1948 , وقد افاد ذلك إسرائيل من حيث مواجهة الرأى العام العالمى . اذ صار بوسعها أن تدعى بأن الحرب شنت عليها من الخارج . ولا ينبغى القاء اللوم على الحكومات العربية لهذا السبب فالمسئولية تقع على نظام الانتداب الذى لم يتح للفلسطينيين فرصة لتطوير أجهزة سياسية وعسكرية على نسق اليهود , يضاف الى ذلك اختلاف درجة التقدم بين الفريقين .

ولعل إسرائيل كانت تدرك حقيقة الضعف الذى يعتورالحركة الوطنية الفلسطينية , لذلك مالت فى البداية الى تأييد قيام دويلة فلسطينية فى مساحة محدودة وفضلت ذلك على ضم الضفة الغربية الى المملكة الأردنية .

وكان موقف مصر بعيد النظر فى هذه الحقبة الأولى من الصراع العربى الإسرائيلى , اذ اصرت على ضرورة الابقاء بشكل ما على الكيان الفلسطينى وفى سبيل ذلك شجعت على قيام حكومة فلسطين فى سبتمبر 1948 ومن المعروف أن التجربة أخفقت , ولم يكن لها أى حظ من النجاح طالما أن قطاع غزة الذى أقيمت فيه لا يتجاوز 248 ك.م , ولا يمكن أن يوفر الموارد اللازمة لاعاشة نحو مليون تكدسوا فى القطاع , وسرعان ما تحولوا الى لاجئين تحت رعاية الأمم المتحدة .

ولعدة سنوات ظلت الدول العربية تثير المسألة الفلسطينية انطلاقا من قرار صدر من الجمعية العامة فى ديسمبر 1948 , وهو يقضى بتخيير الفلسطينيين بين العودة الى ديارهم , أو التعويض عن أملاكهم اذا اختاروا العيش فى مكان آخر .

ومع التسليم بالمغزى الانسانى لهذا القرار , فنحن نعتبره مثالا على عدم واقعية السياسة العربية . فمن ناحية لا يمكن أن يتوقع أحد قبول إسرائيل اختياريا لعودة الفلسطينيين لو طالبوا بذلك , لأن من شأن هذه العودة أن تغير المسحة اليهودية للدولة . ومن ناحية أخرى لو فرضنا جدلا أن إسرائيل قبلت بوضعها الحالى عودة الفلسطينيين , فلا يرضى هؤلاء أن يعيشوا تحت سلطة أجنبية ويتحولوا فى ظلها الى مواطنين من الدرجة الثانية يعانون من الاضطهاد الذى ترزح تحته الأقلية العربية فى إسرائيل .

كذلك فان التعويض وهو أضعف الايمان ظل محل خلاف شديد بين التقديرات الإسرائيلية لقيمة الأملاك العربية وبين تقديرات اصحاب الأملاك العرب. ولك ينفذ شىء من اقراحات الأمم المتحدة الداعية الى اقامة حارس على أملاك العرب فى إسرائيل . أما الهدف الذى تعلنه الآن منظمة التحرير الفلسطينية وهو اقامة دولة علمانية ديمقراطية تتمتع فيها جميع العناصر بالمساواة فلم يكن قد تبلور بعد . اذن فليس هناك من هدف يمن استنباطه من هذه المحاولات العربية فى المنظمات الدولية سوى أن يكون احراج إسرائيل أمام الرأى العام العالمى , وهو لعمرى هدف لا يضر إسرائيل فى شىء , لأنها درجت على تحدى المقررات الدولية . ولا غرو فى ذلك فان حدود إسرائيل نفسها التى اعترفت بها الأمم المتحدة مخالفة لقرار التقسيم .

ويبدو أنه منذ اخفاق مساعى التوفيق فى لوازن , اتجهت الجمعية العامة الى الاعتراف الضمنى بأن الفلسطينيين سيبقون لاجئين فترة طويلة من الزمن . وبناء عليه أسست وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم التى هى أشبه بمسكن مؤقت حيث أنها لم تحل مشاكل اللاجئين الاقتصادية والاجتماعية . وفى التقرير السنوى الأول اعترف المسئولون عن الوكالة بأن الجيل الجديد لم يتعلم الزراعة لعدم وجود فرص ممارسة , ولذلك فان الذين يعولون أنفسهم لا يزيدون عن 20 بالمائة .

وهناك 40 بالمائة فقط يعتمدون على أنفسهم جزئيا . أما البلقى فيعيشون فى أدنى مستوى ممكن للحياة ويعتمدون كليا على الوكالة . وقد تعرضت الوكالة فى معظم السنوات لعجز كبير فى ميزانيتها ذلك لأن كثيرا من الدول الأعضاء فى الجمعية العامة لم تشأ أن تلتزم بدفع نصيبها فى ميزانية وكالة غوث اللاجئين ومن هذه الدول الكتلة الشيوعية , والدول العربية التى اعتبرت نفسها ضحية لوجود الإسرائيلى , كما أن بعضها يتحمل اعاشة عدد كبير من اللاجئين .

ولذلك فهى غير مكلفة بالمساهمة , والعدل يقتضى اعادة هؤلاء اللاجئين الى ديارهم . ومن ثم أصبحت الولايات المتحدة تتحمل وحدها معظم ميزانية الوكالة وتسهم بريطانيا بنصيب محدود .

وفى سنة 1957 هددت الولايات المتحدة وبعض الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى بقطع المعونة السنوية عن الوكالة لعدم وجود حل طوال هذه الأعوام , وقيل ان أعضاء الكونجرس الميالين للصهيونية هم الذين مارسوا الضغط على الحكومة الأمريكية لاتخاذ هذا الموقف , ولكنها عادت واستدركت قائلة بأن قطع المعونة قد يثير القلاقل , ويزيد من فرص الاحتكاك مع إسرائيل مما يضر فى نهاية الأمر بالمصالح الأمريكية فى الشرق العربى .

وفى العام التالى كلف الأمين العام بوضع تقرير عن مستقبل اللاجئين فقد مقترحات تشتمل على توطين عدد منهم فى الأقطار المضيفة , واعادة القسم الأصغر الى ديارهم . وقدرت أن تكاليف التوطين والاعادة تتراوح ما بين مليار , 500 مليون دولار , وبين مليارين من الدولارات . وفضلا عن عدم قبول الدول العربية لمبدأ التوطين لأنه بمثابة تصفية , فان احدا لم يفكر فى مجرد بحث هذه المقترحات , لأنه يتعذر جمع هذا المبلغ عن طريق الأمم المتحدة .

ولا تختلف اقتراحات المبعوث الخاص جوزيف جونسون الذى كلف سنة1961 بدراسة هذه المسألة فى مضمونها عن تقرير الأمين العام لسنة 1959 بل كانت فى تفاصيلها اشد ميلا الى التوسع فى اعادة التوطين وحصر العودة فى اقل عدد ممكن . فجعل من حق إسرائيل أن ترفض بصورة فردية أى عربى ترى فى عودته تهديدا لأمتها . كما نادى بأن تطلق الحرية للاجئين بدون ضغط لاختيار العودة , أو اعادة التوطين فى البلاد العربية , وهو يشير بذلك الى أن الحكومات العربية تمارس ضغطا سياسيا على اللاجئين حتى يختاروا العودة . لذلك كان من الطبيعى أن ترفض الدول العربية هذه المقترحات , ومن الغريب أن تنبذها إسرائيل أيضا , ربما لآنها اشتملت على اسهام الدولة العبرية بنصيب كبير فى نفقات الأمم المتحدة على تكرار القرار رقم 194 الداعى الى حرية الفلسطينيين فى الاختيار بين العودة والتعويض .

أما إسرائيل فقد بنت حساباتها فى مسألة اللاجئين , على أساس أن طول المدة قد تنسى الأجيال الجديدة صلاتها بأوطانها الأصلية , كما أنها راحت تواجه العالم بمغالطات اجتماعية وسياسية يتعذر تصديقها . فهى مثلا ادعت بأن اضطرار يهود البلاد العربية الى الخروج واللجوء الى إسرائيل يسوى قضية اللاجئين على اساس أنها نوع من تبادل السكان . وقالت ان البلاد العربية واسعة ويمكنها امتصاص الفلسطنيين بكل يسر .

وقد خابت حسابات إسرائيل فى هذا الشأن , وذلك أن الآباء قد حرصوا على تلقين أبنائهم انتماءهم الى أوطانهم الأصلية . ولاحظ رجال الأمم المتحدة الذين كانوا يعملون فى وكالة غوث اللاجئين أنهم اذا سألوا الأطفال من أين أنت ؟ أجابوا من اللد أو الرملة أو غيرها من أراضى فلسطين المحتلة وقد اهتمت البرامج التعليمية فى السنوات الأخيرة بالتركيز على تاريخ فلسطين وجغرافيتها فى تدريس المواد الاجتماعية وواجهت الدول العربية المضيفة ذلك بمرونة ادارية أتاحت للمدرسين عدم الالتزام حرفيا ببرنامج الدولة .

كذلك لوحظ أن الفلسطينيين الذين انتشروا للعمل فى أقطار الخليج أو المغرب العربى لم يضعف احساسهم بهويتهم مهما طال الزمن أو بعدت الشقة ومما قوى هذا الشعور بالهوية الفلسطينية النمو العددى المضطرد , فقد لوحظ أن الزيادة تمت بصورة أسرع فى المنفى عما كانت عليه قبل سنة 1948 , ويقدر عدد الفلسطينيين فى ذلك العام بنحو مليون تضاعف ثلاث مرات خلال ربع قرن حتى صار يقدر فى سنة 1973 بثلاثة ملايين , أى ما يوازى عدد اليهود فى الأرض المحتلة تقريبا .

هذا وقد تفاقمت مشكلة اللاجئين بعد حرب يونيو 1967 , وللمرة الأولى صارت إسرائيل مسئولة عن عدد كبير منهم . وأبدت السلطة الإسرائيلية استياء من هذه المسئولية سيما وأن القضية لم تعد مسألة اجتماعية محضة كما كانت من قبل , وانما اكتسبت صفة سياسية بعد أن ظهرت المنظمات الفدائية التى أحيت الحركة الوطنية الفلسطينية بعد فترة من الجمود .

المنظمات الفدائية

ان حياة اللاجئين فى المعسكرات تهيىء المناخ اقتصاديا ونفسيا لممارسة النشاط الفدائى . فعيشة الكفاف تجعل من اللاجئين جماعة كادحة أكثر استعدادا للتضحية والفداء . والفراغ الذى يخيم على هذه الجماعات معظم الأيام يضطرها الى قضاء وقت طويل فى الأحاديث السياسية والتفكير فى المستقبل . واذا كانت المنظمات الفدائية لم تبرز الا بعد سبعة عشر عاما من النكبة , فذلك لنقص الوعى , وبالتالى افتقاد القدرة على التنظيم , وكان لابد من انتظار مجموعات الشباب التى درست فى الجامعات حتى تتكون قيادات قادرة على تنظيم هذه الجماعات ذات الطابع العسكرى .

وفى جامعات دمشق وبيروت كان الجو أكثر رحاية للمناقشات السياسية كما أن بيروت التى تصدر بها الصحف والمجلات من مختلف الاتجاهات , لم تعدم مجلة تكرس نفسها للشئون الفلسطينية ومن هذه مجلة أخذت تصدر باسم فلسطين منذ سنة 1957 واقتصرت على الجانب الاعلامى .

أما أول حركة منظمة تستهدف اعداد المناضلين فقد خرجت من مجموعة طلابية تدرس فى جامعة شتو تجارت فى ألمانيا الغربية . ويعزى الى ثلاثة من الشبان تكوين نواة جماعة فتح " حركة تحرير فلسطين " التى بدأت تزاول نشاطها منذ أول يناير 1965 , وقد سبق ذلك اعداد طويل من هؤلاء الشبان وهم ياسر عرفات , وحسن الهانى , وخليل الوزير . واختص كل واحد منهم بدائرة من دوائر النشاط التى تفيد التنظيم . فكان الوزير على صلة وثيقة بالثورة الجزائرية , وبعد استقلال الجزائر , استطاع أن ينقل الى المنظمة الفلسطينية خبرات هذه البلاد فى حرب العصابات ثم فتح الباب أمام الفلسطينيين للالتحاق بالكليات العسكرية .

أما عرفات فقد نقل مقر نشاطه فى أوائل الستينات الى الكويت حيث استفاد من تبرعات هذه الدولة الغنية , ومن الفلسطينيين أحيانا الذين يعملون بها . وقد سمح له باقامة معسكرات للتدريب . وبقيت أمام التنظيم الوليد عقبة كأداء , فكلا القطرين العربيين اللذين يتعاونان مع التنظيم يقعان بعيدا عن ميدان العمل . وكان لابد من الانتقال الى احدى دول المواجهة . ومن بين هذه الدول بدت سوريا اصلح من غيرها لأسباب متنوعة , من بينها تعاطف نظام البعث مع حركة التحرير , وتشابه المبادىء التى يعتنقها الفريقان ازاء القضية الفلسطينية ورغم ذلك فقد حرصت فتح على أن تنأى بنفسها تماما عن التيارات المصارعة فى العالم العربى آنذاك وكانت ترفض الخوض فى المناقشات العقائدية , وتعلن أنها تتفرغ للكفاح المسلح وتترك شكل الحكم أو النظام الاجتماعى لما بعد التحرير . وستسلم التيارات اليسارية رغم استغراقها فى المناقشات العقائدية بسلامة وجهة نظر فتح لأن مثل هذه المناقشات تضعف الروح القتالية .

على أنه اذا كانت سوريا هى المقر الرئيسى لمنظمة فتح , فلم يلبث نشاطها أن امتد الى الأردن ثم الى لبنان . وللمرة الأولى وجد هذا الأخير نفسه متأثرا بالنزاع العربى الإسرائيلى , بعد أن تمكنت حكوماته لسنوات عديدة من ابعاد البلاد عن هذا النزاع . وقد ضيق على المنظمة فى كل من الأردن ولبنان بعد أن قامت إسرائيل بغارات ثأرية . ومنذ نهاية 1966 اقتصر نشاطها على الجانب السورى , كما أنه ينبغى اغفال محاولة رائدة قامت بها فتح , ألا وهى ايجاد حلقات اتصال مع الأقلية العربية داخل إسرائيل التى اشتركت فى بعض الأعمال الفدائية . اقترن نشاط فتح فى هذه المرحلة بأعمال تحويل الأردن من كلا الجانبين الإسرائيلى والعربى , ولذلك اختار فدائيوها غالبا أنابيب المياه أو غيرها من محطات التحويل كهدف لأعمالهم .كما ردت إسرائيل بغارات جوية استهدفت أعمال التحويل فى سوريا . فهى مثلا حطمت فى 17 مارس 1965 قناة غرب تل الحمراء داخل الحدود السورية . وتوقفت أعمال التحويل على أثر هذه الغارة وكلما استؤنفت قامت الطائرات الإسرائيلية بضربها مما جعل بعض العرب ينادى بتوقف النشاط الفدائى حتى يفوت على إسرائيل المبرر لضرب أعمال التحويل العربية . وقد رأينا كيف أن هذه الغارات الإسرائيلية حالت دون تنفيذ مشروعات التحويل العربية بحيث لم يكن قد نفذ منها سوى 1 بالمائة عند وقوع حرب يونيو 1967 .

ويبدو أن الغارات الناجحة التى نفذتها فتح داخل إسرائيل قد غطت فى النهاية على موضوع ايقاف أعمال التحويل العربية , وبعد أن تولى الفرع اليسارى من حزب البعث السلطة فى فبراير 1966 , توثقت العلاقات بين النظام الجديد , وبين الفدائيين الفلسطينيين , فمهد لهم الطريق للاتصال بالصين الشعبية التى وعدت ببعض الأسلحة الخفيفة , وساعدت فى التدريب . وكثر تداول كتب ماوتسى تونج وجيفارا عن الحرب الشعبية . وذهب بعض المتحمسين السوريين الى حد القول بأنه اذا كانت غارات فتح ستؤدى الى احتلال أراض سورية , لأن ذلك سيوسع من نطاق الحرب الشعبية التى هى المثل الأعلى فى الكفاح .

كانت فتح هى التعبير العملى عن الحركة الوطنية الفلسطينية , لذلك بقيت حية وانتقلت اليها قيادة منظمة التحرير بعد حرب يونيو 1967 , واختفى الزعماء الأوائل لهذه المنظمة التى كانت على الطرف الآخر هى التعبير الرسمى عن الكيان الفلسطينى .

وقد تكونت منظمة التحرير بمقتضى قرار صدر عن مؤتمر القمة العربى الثانى فى سبتمبر 1964 واشترك المؤتمر فى وضع ميثاق المنظمة , وهو يقضى باقامة مجلس وطنى يعين أعضاؤه فى بداية الأمر , الى أن يصبح بالامكان انتخاب أعضاء المجلس . ومن لجنة تنفيذية ينتخبها أعضاء المجلس الوطنى حينما تكتمل أجهزة المنظمة . ويمكن للمنظمة تأسيس جيش خاص بها استعدادا للمعركة المرتقبة . وتعهد الدول العربية الأعضاء فى الجامعة بدفع نصيبها فى ميزانية المنظمة .

ولا شك أن انشاء هذه المنظمة قد وضع ملك الأردن فى حيرة , ولكن طالما أن هدفها المعلن هو تحرير الأرض المحتلة حينذاك , فلم يكن بوسعه أن يشذ عن الاجماع ويرفض الاعتراف بها . وكما كان متوقعا فقد تعرضت العلاقات بين الحكومة الأردنية وبين منظمة التحرير لازمات عديدة , ذلك أن صعوبة الفصل بين هوية الفلسطينى والأردنى فى الضفة الغربية جعلت حكومة عمان تشعر بأن المنظمة قد تفكر يوما ما فى السيطرة على الضفة الغربية . وقد تحول هذا الشعور الى واقع بعد 1967 , لأن الهدف المعلن لم يعد هو انتزاع الأرض المحتلة قبل 1948 , بل صار الكيان الفلسطينى يعنى اقامة دولة فلسطينية فى الأرض التى قد تحرر من الاحتلال الإسرائيلى الأخير كالضفة الغربية أو قطاع غزة . وفى بعض الأحيان كانت الحكومة الأردنية تضطر الى مداراة المنظمة فتخصص لها بعض ساعات البث فى اذاعتها , وتوافق على جمع ضريبة التحرير من الفسطينيين المقيمين فى أراضيها . الا أنه بعد الغارة الإسرائيلية على قرية السموع , وما نجم عنها من توجيه انتقاد شديد للملك حسين بسبب تقصيرة فى الدفاع عن الحدود , تفاقم الخلاف مع منظمة التحرير , وانقطعت الصلة نهائيا بين الأردن والمنظمة حتى كان التأهب لحرب يونيو , والتحول المفاجىء للملك حسين نحو القاهرة , فعادت الصلات خلال أيام معدودة انتهت مع انتهاء أيام الحرب القصيرة , كما سيأتى ذكره فيما بعد .

وفى حين تفاقم الخلاف مع حكومة الأردن , تعدلت طبيعة العلاقات بين منظمة التحرير وبين حركة فتح فى أواخر سنة 1966 , ففى بداية الأمر درج أحمد الشقيري رئيس المنظمة حينذاك على وصف فتح بأنها جماعة غير مسئولة وهو الذى يتمشى مع وجهة نظر الحكومة المصرية فى عدم ثقتها بحرب العصابات . ويتجلى هذا الرأى من خلال احدى مقالات رئيس تحرير الأهرام الذى يعتبر أحيانا معبرا عن وجهة النظر الرسمية . فقد عقد مقارنة بين ثورة الجزائر التى وفقت فى حرب العصابات ضد الاستعمار الفرنسى , وبين الحركة الفدائية الفلسطينية . وذكر أوجه خلاف عديدة بين الحالتين تجعل من المتعذر على حرب العصابات أن تؤدى الى نتيجة حاسمة فى حالة إسرائيل , كما حدث فى الجزائر .

ومن أوجه الخلاف التى ذكرها الكثافة السكانية لللمستوطنين الفرنسيين فى الجزائر , حيث كانت تبلغ 1 الى 8 من السكان الأصليين , فى حين أن نسبة الإسرائيليين الى العرب فى الأرض المحتلة قبل 1967 تبلغ 10 الى 1 .

ووجه خلاف أخر , هو أن الإسرائيليين لا ينتموم الى دولة استعمارية معينة , بخلاف المستوطنين الفرنسيين , مما يجعل الرأى العام الدولى ينظر الى الحالتين نظرة مختلفة . يضاف الى ذلك تباين طبيعة الأرض , وكون الجزائر جبلية ومغطاة فى كثير من أنحائها بالغابات , مما يسهل حرب العصابات , فى حين أن معظم فلسطين سهل أو صحراء مكشوفة . ولا تنتشر الغابات الا فى بعض مناطق الجليل الأعلى , وحول القدس . وخلص الصحفى المصرى الى القول بأن الذى يصلح فى حالة فلسطين هو الحرب النظامية .

ويبدو أن منظمة التحرير كانت تعد نفسها لمثل هذه الحرب علما بأنه لم تتوفر لديها الوسائل لاقامة جيش يعتد به من حيث العدد أوالتسليح بالأسلحة الحديثة . فلم يتجاوز عدد أفراده فى أى وقت ثمانية آلاف يقيم منهم خمسة آلآف فى غزة . ومع وجود قوات الطوارىء الدولية صار هذا الجيش اشبه بأجهزة الجامعة العربية التى هى مجرد رمز لا تأثير لها ومن ثم تعرض هذا الجيش لانتقاد الفلسطينيين الآخرين وسخريتهم . ولم تحسب إسرائيل لهذا الجيش أى حساب .

وكما تعرض جيش التحرير الفلسطينى للانتقاد , فقد صارت زعامة المنظمة فى الأصل كان يلائم القيادة المصرية التى تفضل وجود شخصية مطيعة على رأس جيش التحرير , فهى لا تتحمل مثل سوريا وجود منظمات عسكرية تتحرك بدون اشراف من السلطة القوية فى مصر .وكان السيد أحمد الشقيري قد بدأ حياته السياسية تحت زعامة أمين الحسينى , ثم انفصل عنه 1948 محملا اياه مسئولية النكبة . واشتغل بعض الوقت ممثلا لسوريا ثم للسعودية فى الأمم المتحدة . وأثناء عمله الدبلوماسى كون ثروة لا بأس بها , لذلك قرر فيصل عند تسلمه السلطة سنة 1962 انهاء خدماته تمشيا مع سياسة الاصلاح المالى . وبعد وقت قصير عين الشقيرى ممثلا لفلسطين فى الجامعة العربية . وقد أخذ عليه أنه من نوع الزعماء التقليديين الذين يعتمدون على قدراتهم الخطابية . وممازاد الزعامة سوءا , أن الشقيرى اتبع فى خطبة لهجة تبدو أمام العالم الخارجى وكأنه يعادى اليهود كطائفة دينية , ولا يركز فى خطبه على معاداة الصهيونية كحركة سياسية , مما أعطى للعرب صورة اللاسامية , وهى صورة لم تعرف الا فى أوروبا , لذلك علق بعض الكتاب الإسرائيليين على زعامة الشقيرى بقولهم انه يفيدنا بما يوازى فرقتين من الجيش الإسرائيلى . رغم ذلك فقد لائم اختيار الشقيرى كأول رئيس للجنة التنفيذية لمنظمة تحرير فلسطين القيادة المصرية . وقيل ان ذلك يرجع الى أن الرجل صاحب أملاك فى مصر ولبنان , وبالتالى يغدو أسلس قيادا , حرصا على ممتلكاته . على أنه لم يكن فى المستطاع مواصلة سياسة الحذر بعد أن كثرت البلاغات المعلنة من أعمال فتح داخل إسرائيل . ومن جهة أخرى فقد أنهيت الخلافات بين مصر وسوريا وحل محلها دفاع مشترك فى أكتوبر 1966 , ولهذين السببين رأى المسئولون فى منظمة التحرير أنه من الضرورى المشاركة فى الأعمال الفدائية التى حازت اعجاب الرأى العام العربى , والا ضاعت الزعامة وضاع معها كل شىء .

التصعيد الدبلوماسى

فى حين تحفظ عبد الناصر بشأن المواجهة المباشرة مع إسرائيل , نجده يشجع على توسيع نطاق الصراع على الصعيد الدبلوماسى . وفى سنة 1965 خاض معركتين فى هذا المجال , وكلتاهما تظهرانه بمظهر المتشدد , وكانت المعركة الأولى تتمثل فى الدعوة لقطع العلاقات مع ألمانيا الغربية , والثانية هى تلك الحملة التى شنها على الرئيس التونسى الحبيب بورقيبة , على أثر تصريحات أدلى بها بشأن النزاع العربى الإسرائيلى وتصوره لكيفية انهائه .

وفيما يخص ألمانيا الغربية , فان الدول العربية أبدت استياءها من سلوك هذه الدولة منذ أن وافقت فى سنة 1951على منح إسرائيل تعويضات مالية هائلة بحجة أن اليهود تضرروا من الحكم النازى , لكن العرب تغاضوا عن اتخاذ اجراء على اساس أن تلك السياسة انما اتبعت بضغط من الولايات المتحدة وليس هذا الاعتقاد بعيدا عن الصواب . على أن العلاقات بين المانيا الغربية وإسرائيل لم تقتصر عند حد اتفاقية التعويضات . ويبدو أن اللقاء الذى تم بين اديناور , وبنجوريون فى نيويورك سنة 1960 , فتح الباب للتعاون بين البلدين فى مجالات مختلفة . وكان أخطر بالنسبة للعرب هو التعاون فى المجال العسكرى .

ومن الغريب أن يبدأ هذا التعاون على شكل تصدير إسرائيل لمدافع أوزى التى تصنعها محليا الى ألمانيا . وربما كان هذا لتصدير ستارا لتوريد أسلحة متقدمة أخرى الى إسرائيل عن طريق ألمانيا . ومع اتساع هذا التعاون فى المجال العسكرى لم يعد بالامكان الاحتفاظ به سرا . وفى فبراير 1965 كشفت صحيفة الأهرام عن صفقة أسلحة ضخمة تبلغ قيمتها 80 مليون دولار , بل تزيد قيمتها الفعلية على ذلك , وبمقتضاها تصدر ألمانيا الغربية الى إسرائيل 200 دبابة امريكية من طراز باتون , بالاضافة الى أسلحة أخرى .

وعلى أثر ذلك دعت الحكومة المصرية الحكومات الأعضاء فى الجامعة العربية الى قطع العلاقات مع ألمانيا الغربية والاعتراف بحكومة ألمانيا الشرقية فاستجابت جميعها باستثناء ثلاث دول فى المغرب العربى هى : ليبيا وتونس والمملكة المغربية , ولكن معظمها تحفظ فى موضوع الاعتراف بألمانيا الشرقية وهو يعنى فى ذلك الوقت مقاطهة المانية الغربية تماما فى مختلف المجالات وهو أمر صعب التطبيق نظرا للنشاط الاقتصادى الألمانى فى بعض البلدان العربية .

تأثرت حكومة ألمانيا الاتحادية بالتهديدات العربية , لكنها قررت أن تتخذ اجراء وسطا , فتراجعت عن تزويد إسرائيل بالسلاح , وذلك تجنبا للتورط فى مشكلات عسكرية , علما بأن لدى الألمان عقدة من هذه الأمور , ترجع الى الحرب العالمية الثانية وما اصاب بلادهم فيها من دمار ولهذا رأت حكومة ألمانيا الاتحادية أت تتخذ موقفا وسطا , فتعترف بإسرائيل اعترافا قانونيا , وتقدم لها مساعدات اقتصادية مقابل الامتناع عن تزويدها بالسلاح . ولم تخسر إسرائيل شيئا لهذا الموقف , و يبدو أنه تم اتفاق مسبق بين ألمانيا الغربية والولايات المتحدة كى تحل الأخيرة محلها فى تسليح إسرائيل , فلم يكن من قبيل الصدفة أن يوجد ممثل لوزارة الدفاع الأمريكية فى بون يدرس حاجات إسرائيل من السلاح . وبهذه المناسبة تمت اول صفقة لبيع الطائرات الامريكية إلى إسرائيل .ولاشك ان استمرار التعويضات الالمانية قد ساعد الاخيرة على سداد ثمن هذه الطائرات .

ومن ثم يتضح لنا كيف استفادت إسرائيل من هذه الازمة من جميع الوجوه . وقد واكب تلك الازمة تحول في سياسة إسرائيل الخارجية ، فزعامة بن جوريون كانت تعتبر فرنسا والمانيا الغربية . في ايام محوربون ـ باريس ،هي الدعامة الرئيسية في علاقات إسرائيل الخارجية . ومن المعروف ان هذه الزعامة سقطت سنة 1965 ،وحلت محلها زعامة جديدة ترى إعطاء الولايات المتحدة الاولوية في العلاقات الخارجية .

وفيما يتعلق بالحملة التي شنت على بورقيبة ،فإنها جاءت في اعقاب جولة قام بها الرئيس التونسي لبعض دول الشرق العربي ،وكان قد صرح إبان تلك الجولة بآراء جديدة في موضوع النزاع العربي الإسرائيلي ، فقال إن سياسة المراحل التي نجحت معه في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي يمكن ان تطبق في قضية فلسطين . وينبغي على العرب في المرحلة الحالية يحددوا مطلبهم بانه هوتنفيذ قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947 مع إمكان الاعتراف بإسرائيل إذا قبلت تنفيذ القرار . وفي نفس الوقت شدد على إحياء الكيان الفلسطيني مطالبا بإنشاء دولة فلسطينية في الارض المحررة مرحليا ، على ان يقوم الفلسطينيون بأنفسهم وبدون تدخل من الدول الاخرى بحمل لواء قضيتهم سياسيا وعسكريا .وفي رأيه يدعم موقف العرب دوليا .

لا تنم هذه الاراء بمقياس وقتنا الحاضر ؛ وخاصة بعد حرب يونيو 1967 عن أي انحراف , ولكن في وقت صدور التصريح كانت الشعارات لاتعرف حدودا بالنسبة لقضية فلسطين ,لكثرة المزايدات ,لذلك تعرض الرئيس التونسي ؛ لحملة عنيفة في صحف مصر وسوريا على وجه الخصوص . وحسب تصريحات الرئيس التونسي ؛ فإنه قد اتفق على هذاالراي في جلسة مغلقة مع جمال عبد الناصر وشكا من أن الخطأ الذى ارتكبه هو فقط اعلان هذا الرأى للجماهير العربية .

وفى إسرائيل علقت الدوائر الرسمية على هذه التصريحات بأنها لا تقل خطورة عن موقف عبد الناصر نفسه , ولذلك رفضت الحكومة الإسرائيلية رسميا طرح هذه المقترحات للمناقشة , وخطأ هؤلاء الذين رحبوا بها وقالت ان ذلك القبول يمكن أن يتم فقط على سبيل المناورة .

وهكذا لم تؤد تصريحات بورقيبة والحملة العنيفة التى شنت عليه بسببها الا الى مزيد من الانقسامات والابتعاد عن العمل الجاد من أجل القضية الفلسطينية .

الفصل الثامن: مقارنة القوى

ان عقد مقارنة بين مختلف القوى العسكرية لا تقتصر على حجم الجيوش , بل لابد وأن يشمل مجالات مختلفة تؤثر جميعا فى الكفاءة العسكرية ومن ذلك تبيان أهداف واستراتيجية الدولة , والعوامل السياسية التى ثؤثر فى قواتها المسلحة , واثر المجهود الحربى على اقتصاد الدولة . وسنستعرض فيما يلى هذه العناصر بالنسبة لآطراف النزاع مبتدئين بالجانب العربى وعلى رأسه مصر .

نمو القوات المسلحة المصرية

كان من الأهداف الستة لحركة يونيو 1952 اقامة جيش وطنى قوى أما الغرض الذى ينشأ من أجله هذا الجيش القوى فقد كان خلال هذه الفترة على الأرجح محددا ومرتبطا بتنفيذ جلاء القوات البريطانية , بعبارة أخرى اسقاط حجة الآنجليز بأن مصر غير قادرة على الدفاع عن نفسها أو عن قناة السويس.

أما الصراع مع إسرائيل فرغم أنه لم يغب عن ذهن القائمين بالحركة الا أنهم أجلوه فى الغالب لمرحلة تالية . والدليل على ذلك هو أن هزائم 1948 ذكرت مرارا باعتبارها من الدوافع الرئيسية لثورة الضباط الأحرار ضد النظام المسئول عن تلك الهزائم .

والواقع أن الأهداف من بناء القوات المسلحة اتخذت أبعادا جديدة منذ سنة 1955 , فقد تطلع النظام فى مصر الى أداء دور قيادى فى العالم العربى ثم فى أفريقيا وعدة دوائر مختلفة ظهرت فى السياسة العالمية كدائرة عدم الانحياز أو الدائرة الآسيوية الفريقية . وهذا التطلع يتلائم مع موقع مصر وتراثها التاريخى لكنه يتجاوز امكاناتها الاقتصادية .

ومثل هذه الأهداف لا تتطلب استخداما مباشرا للقوات المسلحة , بل يكفى اظهار حجمها المتعاظم وارسال بعض هذه القوات كلما تطلب الأمر لمؤازرة الأنظمة الصديقة .

واذا كانت القيادة المصرية قد أحرزت نجاحا فى هذا المجال الدبلوماسى بفضل نمو القوات المسلحة المصرية فانها لم تستطع استخدام تلك القوات فى حالات المواجهة المباشرة مع إسرائيل وذلك طوال الحقبة التى ندرسها من 1956-1967 علما بأن هذا الهدف كان ينبغى أن يحتل مكان الأولية , ومن بين عوامل هذا الاخفاق عدم وضوح الهدف . فعلى الصعيد العسكرى البحت وضعت جميع الخطط على أساس الدفاع ضد التوسع الإسرائيلى . وفى نفس الوقت كانت تصريحات القيادة السياسية تدل على الرغبة فى تحرير الأرض المحتلة مما يقتضى خططا هجومية . وأقصى ما تم اعداده لهذا الغرض لم يتجاوز التخطيط لعمليات محدودة تعبر بمقتضاها قوات مصرية الحدود الإسرائيلية ثم تعود الى قواعدها . ولم توضع خطط هجومية شاملة حتى بعد أن تفجرت الأزمة فى مايو 1967 كما لم يستفد أيام الوحدة مع سوريا من موقع الجولان الفريد لاعداد مثل هذه الخطط , بل ان تحصينات الجولان القوية أعدت للدفاع فقط . ويرى الفريق صلاح الحديدى أن اية خطة هجومية كانت تتطلب أن تكون نسبة حجم القوة والتسليح بين مصر وإسرائيل هى 3الى 1 وهو ما لم تسمح أمريكا بالوصول اليه قط .

اصطدمت مساعى تدعيم القوات المسلحة بعقبة التصريح الثلاثى الذى تعهدت بمقتضاه الدول الغربية الثلاث بعدم ارسال الأسلحة الى منطقة الشرق الأوسط الا لأغراض الدفاع أو الأمن الداخلى . وقد تمت اتصالات مع الولايات المتحدة للتزود بالسلاح فقوبلت بالرفض ثم عرضت فكرة الانضمام الى حلف من الأحلاف الغربية كشرط من شروط قبول هذه الطلبات .

ولذلك اقتصرت جهود الثورة على تحسين الخدمات والتدريب للقوات المسلحة الى كان المخرج بصفقة الأسلحة التشكية ثم السوفيتية فى سنة 1955 , وتختلف الاحصاءات حول حجم هذه الصفقة , ربما لوجود فارق بين ما طلب وما ورد بالفعل وحسب التقدير الذى ذكره ناداف سفران وصل الى القوات المسلحة المصرية حتى أكتوبر 1956 الأعداد الآتية من الأسلحة .

5300 مدرعة , منها 230 دبابة t34 .

200 حاملة جنود مصفحة .

100 قطعة مدفعية متحركة أتوماتيكية .

500 قطعة أخرى من المدفعية .

200 طائرة , منها 12- ميج 15 مقاتلة , 50 أليوشن , 28 من قاذفات القنابل , 20 ناقلة جنود من طراز اليوشن .

بالاضافة الى مدمرتين , 12 زورقا للطوربيد .

أما الغواصات فلم تكن قد سلمت بعد .

وقد انضمت هذه الأسلحة الى ما كان يمتلكه الجيش المصري من معدات بريطانية ومن بينها 200 دبابة طراز شيرمان وعدد من الطائرات .

ويدلل الكاتب على بطء استيعاب الأسلحة السوفيتية بزعمه أن ثلاثين فقط من 120 طائرة ميج كانت قابلة للعمل . وكان أهم درس استفادته مصر من هذه الحروب هو ادراك الدور الرئيسى الذى يلعبه سلاح الطيران , ولذا ستنصب الجهود فى المرحلة التالية على تقوية هذا السلاح , كما ستولى مصر البحرية عناية فائقة , مما جعلها متفوقة على إسرائيل فى هذا المجال , وللاسف لم تستفد مصر من سلاحها البحرى أثناء حرب 1967 , لأن البحرية بدون غطاء جوى لا تجدى نفعا . وتتعمد إسرائيل عدم تبديد الجهود فى تنمية قواتها البحرية رغم اعتمادها على العالم الخارجى , لكنها تعتقد أن البحرية تغدو ضرورية فى الحروب الطويلة التى تقتضى حصار العدو وهى لا تعد نفسها لمثل هذه الحروب .

واذا راجعنا سلم النمو فى القوات المسلحة المصرية , نجد أنه كثيرا ما تأثر بما يحدث فى إسرائيل . فعندما عرف أن الأخيرة تمتلك صواريخ أرض – جو فى سنة 1961 , وجهت طلبات الى الاتحاد السوفيتى لتوريد صواريخ . كما كلف بعض الألمان بصنع صواريخ محلية . كذلك أعلن عن استعداد مصر للتضحية بمليون رجل حتى تحول دون امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية . وكان هذا التسابق فى التسليح يرتبط بالتغييرات الدولية نظرا الى أن كلا الطرفين يعتمد على استيراد الأسلحة من الخارج . ولم يغب عن ذهن القيادة فى مصر ضرورة تنويع مصادر السلاح . فاستقدم بعض الخبراء الألمان بصورة فردية , كما شرع فى انشاء صناعة حربية لبعض أنواع الأسلحة فى مصر . ولكن مع التطورات السريعة الهائلة التى – تتحقق سنة بعد أخرى فى مجال صناعة الأسلحة , لم يكن بوسع أحد أن يلاحق الدول العظمى , ومن هنا لم يقل اعتماد مصر على الاتحاد السوفييتى , بل زاد فى السنوات التى سبقت حرب 1967 مقابل زيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل .

وخلاصة القول ان حجم القوات المصرية تضاعف خلال سنوات ما بين 1955 , 1965 يضاف الى ذلك تحسين فى التدريب , وفى رعاية الجنود , حتى انه قل الاعتماد على الخبراء السوفييت بعد عودة كثير من البعثات المصرية 1964 , وفيما يلى جدول يبين هذا النمو :

حجم القوات 1956 1965
القوات النظامية 90 – 100 ألف 180 – 190 ألف
الاحتياطية 100 ألف 195 ألف
الحرس الوطني 100 ألف 50 – 70 الف
فصائل مدرعة 3-4 7-8
الدبابات المتوسطة والثقيلة والمدرعات الأخرى 730 1000
ناقلات جنود 200 1100
افراد القوات الجوية 6-7 ألف 12- 15 ألف
الطائرات 400 650
مقاتلات 275 300
ناقلات 60 100
أنواع أخرى 65 250
القوات البحرية 3-4 ألف 11 ألف
فرقاطات 7 6
غواصات - 9
قوارب انزال - 19


يضاف الى ذلك استحداث انواع من الصواريخ لم تكن موجودة من قبل , والأحاديث عنها متضاربة وغير دقيقة . والأرجح أنه وجدت لدى مصر صواريخ تطلق من الأرض الى الأرض , قدر مداها بما يتراوح بين 235 , 440 ك.م . لذلك كان يقال انها قادرة على اصابة أى هدف داخل إسرائيل . والظاهر أن هذه الصواريخ كانت موجودة بالفعل , ولكن المشكلة تكمن فى دقة التوجيه . وهذا لا يبرر عدم استخدامها فى حرب 1967 وخاصة فى حالة الهزيمة .

واذا كانت القوات المصرية قد تمت من حيث التسليح والتدريب والحجم فما هى اذن الأسباب التى قللت من فاعليتها بحيث لم تعد الكفاءة متناسبة مع هذا النمو ؟ هناك أسباب عامة تتمثل فى الفرق بين درجة التعليم فى كل من مصر وإسرائيل , وفى المستوى الصحى للأفراد , وهى مشكلات ليست خاصة بمصر , وانما ترجع الى ظاهرة التخلف فى العالم الثالث , وتحل بواسطة الزمن , وليست مسئولية نظام معين .

أما الأسباب الخاصة , وقد كانت حاسمة فى وقوع هزيمة يونيو , فهى ترجع الى أخطاء القيادة السياسية وطبيعة النظام . فقد اقتضى هذا النظام أن يقدم أهل الثقة على أهل الخبرة حسب تعبير العصر . بمعنى أن الولاء للنظام هو المعيار للترقيات وتولى المراكز القيادية فى الجيش . وفى الدول العريقة بمؤسساتها الدستورية لا تطرح تلك القضية أصلا بالنسبة للقوات المسلحة . فهى هناك جهاز فنى يخضع للسلطة المنتخبة بالطريقة الدستورية . وتغيير السلطة يتم بالطرق الدستورية , فى حين أن عيديدا من الدول حديثة الاستقلال غدت فيها القوات المسلحة أداة فى تغيير السلطة لأنها منبثقة عنها . ومن هنا يحتاج نظام الحكم الى انتقاء القيادات حسب الثقة وان ضحى بالكفاءات .

وقد ترتب على هذا الأسلوب اختلال الانضباط . ومن المعروف أن انضباط القوات المسلحة ينبنى على تسلسل الرتب والطاعة للرتب الأعلى , فاذا اقتضى الولاء تقديم رتبة صغيرة على أخرى أعلى منها , فان الانضباط يختل .

ومن شأن هذا النظام أن يؤدى الى التنافس بين المجموعات التى تتكون حول القيادات من أصحاب الولاء . ومما زاد من روح التنافس صرف علاوات للوحدات العاملة طبقا للنظام السوفيتى . ثم تلك العديدة التى منحت للعاملين فى اليمن , حتى صار الضباط والجنود يستعينون بالوسائط للالتحاق بهذه الحملة .

وقد يتصور البعض أن قبضة عبد الناصر القوية كانت تكفى لاحداث الانضباط المطلوب فى القوات المسلحة , والغريب أن الأمر كان مختلفا داخل الجيش قبل 1967 حيث تكونت مجموعات من القيادات المتنافسة ورأى عبد الحكيم عامر أن الحكمة تقتضى الوقوف على الحياد , اما لأنه لم يشأ أن يغضب أحدا , أو لأنه اعتقد أن هذه الطريقة تؤمن نظام الحكم .

ومما هو جدير بالملاحظة أن رئيس الجمهورية ابتعد خلال هذه الفترة عن محيط الدوائر العسكرية , يدل على ذلك تقبله لترشيح شمس بدران وزيرا للحربية فى خريف 1966 وقد كان يعمل قبل ذلك مديرا لمكتب عبد الحكيم عامر , ومن أكثر الملتصقين بشخصه , وتمتع بنفوذ هائل لدرجة أن بعض كبار الضباط تصوروا خطأ فى بداية الأمر أن الغرض من تعيينه وزيرا هو ابعاده عن الجيش , ثم ما لبثوا أن تبينوا كيف ازداد نفوذا .

ويعد تعيين شمس بدران دليلا فى حد ذاته على كيفية تقديم " أهل الثقة على أهل الخبرة " فهو لم يتلق ثقافة عسكرية ولم يحضر دورة تدريبية منذ سنة 1952 , صحيح انه لا يفترض فى وزير الحربية أن يكون هو المسئول فنيا , ولكن الذى حدث بالنسبة لحالة مصر أن جميع أمور الجيش تركزت بين يديه . ومن جهة أخرى فان هذا التعيين يعتبر رمزا آخر على كيفية تخطى اصحاب الرتب العالية واختلال الانضباط , ولكن يبدو أن هذا التعيين قد جاء مكافأة على قمع حركات مضادة للنظام .

لم يقتصر الاهمال على اغفال الكفاءات . بل كانت جميع التصرفات فى الأشهر القليلة التى سبقت أزمة مايو تدل على عدم وجود أى استعداد لمجرد الدفاع فضلا عن المغامرة بالحرب . فقد حدثت تنقلات واسعة النطاق بحيث لم يعط الوقت الكافى للقادة الجدد لكى يندمجوا مع وحداتهم ويدرسوا مواقعهم . كما أن الأحوال الاقتصادية اقتضت تخفيض ميزانية الجيش . ومن بينها القوات الجوية . والحرب الحديثة ليست مجرد مجابهة عسكرية , بل تتطلب اعدادا اقتصاديا وسياسيا يساند المعركة .

ومن عوامل اضعاف فاعلية الجيش المصري فى حرب 1967 حملة اليمن التى ابتلعت فى بعض الوقت نصف القوات العاملة . ولم يكن هذا متوقعا فى الأصل فقد صرح عبد الناصر لبعثات عسكرية أجنبية بقوله " لقد أرسلنا سرية ثم وجدنا أنفسنا مضطرين الى زيادة حجم الحملة حتى وصلت قواتنا فى اليمن الى ثلاث فرق كاملة " ويقال ان عبد الرحمن البيضانى هو الذى هون الأمر فى بداية الثورة وأغرى الحكومة المصرية بالتدخل . وكانت تجهل كثيرا من أحوال اليمن السياسية والاجتماعية . فمثلا لم تدرك القيادة المصرية أن القبيلة الواحدة تنقسم الى فروع , وأن الفروع قد لا تطيع زعيم القبيلة , مما أدى الى تشعب القتال , والتحولات المفاجئة الى من يدفع مالا أكثر . وقد زادت هذه التحولات السريعة والمفاجئة من خسائر القوات المصرية . والظاهر أن حرب اليمن أورثت القيادات العسكرية المصرية تقاليد استراتيجية كان لها أسوأ الأثر فى حرب يونيو . فقد أهمل الدفاع الجوى فى اليمن لأن الخصم هناك لم يكن يمتلك سلاحا جويا . والدفاع الجوى مع تفوق الطيران الإسرائيلى يغدو عصب الحياة فى المعركة , كما ثبت من حرب أكتوبر , فى حين أغفل تماما هذا العنصر فى حرب يونيو , وكان من نتيجة اهمال الدفاع الجوى عدم التعرف على الطلعات الإسرائيلية الاستكشافية التى نشطت قبل اندلاع الحرب , للتجسس على مواقع قواتنا . كذلك درجت القيادة فى اليمن على تخويف الخصم بجمع الحشود الضخمة , وهو نفس الأسلوب الذى اتبع فى سيناء وعرض الجيش لخسائر فادحة بعد اندلاع الحرب . وقد يدافع البعض عن حملة اليمن بأنها تركت آثارا بعيدة فى شبه الجزيرة العربية , فعجلت باستقلال الجنوب . ودفعت دول الخليج خطوات نحو السيطرة على شركات النفط المستغلة لثرواتها , وهذا صحيح . ولك لو قارنا هذه المكاسب حتى بمعيار النظرة القومية العربية فاننا نجد أن حجم نكسة 67 يفوق هذه المكاسب كثيرا , خاصة اذا عرفنا أن استقلال المستعمرات هو جزء من تيار عام . وأن مصير الجنوب والخليج ما كان ليتغير الا من حيث سرعة التطور نحو الاستقلال .

هكذا ضاعت الجهود والتضحيات التى بذلت طوال عشر سنوات هباء فى سبيل تدعيم القوات المسلحة . ومنذ أن أتيح لمصر بناء جيشها الحديث صارت تنفق عليه حزءا كبيرا من دخلها , قدر فى 1965 ب 21 بالمائة من الدخل القومى , أى أنه تضاعف سبع مرات عما كان عليه قبل 1955 . ولو أثمر هذا الانفاق لما تضجر أحد , بدليل أن النفقات العسكرية ارتفعت أضعافا أخرى بعد حرب يونيو . وبلغت فى السنوات الست ما بين 19671973 أربعة آلاف مليون جنيه , بمتوسط 700 مليون جنيه سنويا , لكن الشعب تقبل برضى هذه التضحيات حينما لمس آثارها فى حرب أكتوبر , علما بأن هذا الانفاق قد بلغ ضعف الحد الأقصى السنوى للفترة السابقة , اذ قدر الانفاق العسكرى فى ميزانية 1966 ب 437 مليون دولار .

ولا شك فى أن الانفاق العسكرى يؤثر فى جميع الأحوال على حركة التنمية وكثيرا ما يلفت الكتاب الأجانب النظر الى أن مصر كانت أحوج الى تخصيص دخلها القومى لرفع مستوى المعيشة ولمكافحة الأمية على وجه الخصوص , ولذلك تعقد المقارنة بين ميزانية الدفاع والتعليم , فاذا اتضح أن الدفاع يستغرق ضعف التعليم من النفقات , صار ذلك مجالا لتوجيه النقد الى السياسة المصرية .

ونحن نتفق مع هؤلاء الكتاب من حيث التعبير عن الأسف لهذا الوضع ولكن ليس من منطلق أن مصر تبدد دخلها متعمدة , بل من منطلق أن مصر اضطرت الى ذلك اضطرارا , لأنها تجاور دولة توسعية كإسرائيل . ولذلك فلابد وأن تكون أحرص على السلام من أى طرف آخر .

واذا ما قارنا الانفاق العسكرى لدى كل من مصر وإسرائيل نلاحظ أن الأخيرة تخصص بدورها جزءا كبيرا من دخلها للشئون العسكرية . ففى خلال السنوات العشر الواقعة بين 1955 , 1965 قدر مجموع الانفاق العسكرى من إسرائيل ب 2 ونصف بليون دولار , مقابل 3 ونصف بليون أنفقتها مصر . فاذا أخذ فى الاعتبار حجم كلتا الدولتين تبينا أن نسبة الانفاق العسكرى فى إسرائيل أعلى منها فى مصر . ولكن نظرا الى أن إسرائيل تتلقى التبرعات المالية والعينية على شكل أسلحة ومساعدات فنية , فان الاحصاءات تشير الى أن ميزانية الحرب تقل بالنسبة للدخل العام فى إسرائيل عنها فى مصر . ومما يخفض من هذه النسبة سرعة نمو الاقتصاد الإسرائيلى بسبب الهجرات المتواصلة وسياسة التوسع الزراعى والصناعى بواسطة هذه العناصر النشطة . ولذلك فان العنصر البشرى الذى يعتمد عليه العرب عند مقارنة القوى لا يجب أن يعتبرر مرجحا لقوة العرب 100 بالمائة ذلك لأن الزيادة فى السكان اذا تجاوزت حدا معينا فانها تتحول الى عناصر منتجة , وتصبح بالتالى عبئا وليست من عناصر القوة .

رغم هذه الاعتبارات , فان المصادر الإسرائيلية ادعت أن تكاليف مصر فى استيراد الأسلحة السوفيتية تقل عن تكاليف إسرائيل , لأن مصر تحصل على جزء كبير من الأسلحة مقابل تسهيلات عسكرية مختلفة للسوفييت فى حين أن إسرائيل تدفع لفرنسا ثمن الأسلحة المستوردة منها بالعملة الصعبة . والغرض من هذا الادعاء هو استدرار عطف الولايات المتحدة التى صارت تقدم بالفعل الأسلحة بدون مقابل تقريبا . والحقيقة هى عكس ذلك , فن مصر اضطرت من أجل الوفاء بثمن الأسلحة أن تتخلى للسوفييت عن معظم محصول القطن المصدر حتى حل الاتحاد السوفييتى محل مصر فى اعادة تصدير القطن للأسواق الغربية , وازدادت أعباء مصر نتيجة التعاون مع السوفييت فى قطاع الصناعة المدنية .

سوريا والأردن

تعددت الأسباب التى قللت من فاعلية الجيش السورى قبل حرب يونيو 1967 واذا كان الجيش المصري قد تاثر بسبب تقديم الولاء على الكفاءة فان كثرة التقلبات فى سوريا جعلت أصحاب الولاء أنفسهم يتبدلون من حين الى آخر , وكثرت أعمال التطهير والاقصاء بمالها من أثر مدمر على انضباط الجيش واخلائه من العناصر ذات الكفاءة . وكلما حل نظام جديد بادر الى عزل أنصار النظام السابق دون مراعاة للوقت والمال الذى بذل من أجل اعداد طيار . أوغيره من الفنيين . وهو اعداد يتكلف آلاف الجنيهات ويستغرق عدة سنوات . وخلاصة القول ان الجيش السورى صار صورة تعكس الحياة الحزبية بين المدنيين .

ومن المعروف أن سوريا تحولت فى نفس الوقت مع مصر الى الاعتماد على الكتلة الشرقية فى التسليح والتدريب . ومع هذا الفارق وهو أن تصدير السلاح الى سوريا تعرض لفترات انقطاع متعددة . فقد تحول أثناء الوحدة نحو الحكومة المركزية . وبعد الانفصال اعتبر النظام فى سوريا رجعيا , لا يجوز تدعيمه بالسلاح , وفى بداية تولى البعثيين السلطة تشكك السوفييت فى نواياهم . ولم يستأنف تصدير السلاح الا فى أكتوبر 1964 . ثم توسع الاتحاد السوفييتى فى تزويد سوريا بالأسلحة بعد تولى الفرع اليسارى من البعث السلطة فى فبراير 1966 .

رغم عوامل الضعف تلك فان الاستراتيجية السورية كانت بعيدة المدى فهى تنادى بالحرب الشاملة ولما لم تجد استجابة فى مؤتمرات القمة تحولت الى فكرة الحرب الشعبية أوحرب العصابات ولم تقتصر الاستراتيجية السورية على إسرائيل , بل اتخذت مواقف أشد تصلبا ازاء ( الأنظمة الرجعية ) يضاف الى ذلك التلميحات التى ترددت من حين الى آخر عن لواء الإسكندرية السليب وترتب على ذلك كله مزيد من الأعباء على القوات المسلحة السورية لمراقبة مسافات طويلة من الحدود .

اذن لم يكن أمام سوريا من الناحية العملية سوى أن ترسم خططا دفاعية فى مواجهة إسرائيل . والاتجاه الى تشجيع حرب العصابات أو الحرب الشعبية هو فى حد ذاته اعتراف ضمنى بأنه لا توجد خطة هجومية فى اطار حرب نظامية . واذا كانت جبال الجولان تهيىء لسوريا مركزا ممتازا للدفاع , فقد كان لابد لها اذا أرادت أن تتجاوز هذه الخطة من أن توثق من روابطها العسكرية مع مصر , ولذلك يرى بعض المراقبين أن معاهدة الدفاع المشترك مع مصر كانت خطوة مديرة لتدعيم الاستراتيجية السورية القائمة على مبدأ تحرير فلسطين .

ذلك أن نمو الجيش السورى سار بطيئا كما لاحظنا وظل التفاوت هائلا بينه وبين الجيش الإسرائيلى .

وتدل هذه الاحصائية على مدى نمو حجم القوات المسلحة السورية فى 1958 , 1965 .

1958

مجموع أفراد القوات المسلحة السورية 35 ألف

المدرعات (234)

الطائرات (80) ميج 21

1966

مجموع أفراد القوات المسلحة 60 ألف

المدرعات (400)

الطائرات (130)

عدد الطيارين (900)

يختلف الأردن عن كل من مصر وسوريا فى أن حكومته كانت تصرح بأن أهدافها دفاعية محضة , بل كانت تعترف بأن أقصى ما تستطيع عمله هو تعطيل القوات الإسرائيلية فى حالة قيامها بعدوان شامل أطول مدة ممكنة ريثما تأتى مساعدات من الخارج . ولا تسمح موارد الأردن أو حتى اماكانياته البشرية بتجاوز هذه الاستراتيجية . وكان الشائع هو أن الضفةالغربية ستطون أول منطقة تتعرض للأطماع التوسعية الإسرائيلية , ولذلك وجه الانتقاد للملك حسين على تقصيره فى الدفاع عم هذه المنطقة , وعدم استعانته لهذا الغرض بالدول العربية الأخرى , لكن حجته كانت هى أن دخول قوات عربية أخرى هو الذى سيعطى لإسرائيل الحجة للهجوم , ومن ثم فقد ظل يعتمد على صداقته لبريطانيا والولايات المتحدة لمنع تعرض بلاده لمثل هذا الهجوم الإسرائيلى . ولم يغير هذاالموقف حتى بعد أن انهيت معاهدة الدفاع المشترك بين الأردن وبريطانيا , وذلك فى سنة 1959 , وبعد انعقاد مؤتمرات القمة , شاركت الحكومة الأردنية فى محاولة تنظيم دفاع مشترك عن أعمال التحويل فكان ذلك بمثابة تحول فى الاستراتيجية الأردنية ولو أن هذا التحول ظل نظريا بحتا لما ذكرناه من أن القيادة العربية الموحدة لم تدخل قط الى حيز التنفيذ .

ان الذى يؤخذ على مسلك الحكومة الأردنية هو أنها تولى عناية للحرس الوطنى الذى يتكون من البدو , عناية أكبر مما توليه للفرقة العربية المخصصة لمواجهة إسرائيل . ففى سنة 1956 بلغت قوات الحرس الوطنى 30 ألف مقابل 14 ألف للفرقة العربية . ومن المعروف أن الهدف من وجود الحرس هو حماية النظام .

على أن الفرقة العربية رغم ضآلة حجمها من حيث العدد , فانها تميزت بحس الانضباط وجدية التدريب . وقد اتضح ذلك من خلال معارك حرب يونيو 1967 فرغم قصر المدة التى تمكنت فيها من مواجهة العدو , الا أنها اشتبكت اشتباكا فعليا كبد إسرائيل بعض خسائر لم تتكبدها فى بعض الجبهات العربية الأخرى كالجولان حيث كانت المواقع الطبيعية تهيىء لدفاع أقوى .

إسرائيل

على عكس الدول العربية تبنى إسرائيل استراتيجيتها على أساس خطط هجومية فى حين تعلن أمام العالم أن خططها دفاعية .بل انها تلبس أعمالها التوسعية ثوب الدفاع , فتبرر احتلال الأراضى العربية بحاجة الأمن الإسرائيلى ولذلك فهى مضطرة لأن تنقل المعركة الى أرض العدو . كما أن مشكلة اختلال التوازن فى عدد السكان تفرض عليها نظام الحرب الخاطفة , وهو نظام يقتضى اتباع استراتيجية هجومية , والا فانها فى الحرب الطويلة ستعانى من اختلال الانتاج الزراعى والصناعى .

ولهذا السبب نفسه فان إسرائيل لا تعتمد على القوات النظامية وحدها , بل ان جنود الاحتياط يلعبون دورا أساسيا فى الاستراتيجية الإسرائيلية وقد شكلوا خلال حربى 1956 , 1967 ( 50 ) بالمائة من القوات المشتركة فى القتال . ومما يجعل الاستفادة بالاحتياطى أمرا ممكنا ضيق المساحة , ووجود شبكة من الطرق معدة اعدادا جيدا لسرعة التنقل , والكفاءة الادارية العالية .

وهذه العناصر قد لا تتوفر لدى بعض الدول العربية ولذلك فان دور الاحتياطى ظل ثانويا . ويقال انه يكفى ساعة لدعوة خمسين ألفا من الاحتياطى عن طريق الشفرة الموجهة بالراديو و72 ساعة لدعوة الاحتياطى بأكمله على أنه عند وقوع المفاجأة كما حدث فى حرب أكتوبر لم يؤد الاحتياط الدور المتوقع منه . ومن أسباب ذلك افتقاد عنصر المساحة الضيقة , فقد طالت خطوط المواصلات بعد احتلال الأراضى العربية , ولذا أعادت إسرائيل النظر فى خططها , وقامت بعد باجراء تجارب جديدة لضمان سرعة دعوة الاحتياطى فى حالة نشوب القتال مرة أخرى .

ورغم الدور البارز الذى يؤديه جنود الاحتياط فى إسرائيل و فان حجم القوات النظامية عاليا وتزيد نسبته الى عدد السكان عن النسبة فى أى بلد عربى . ويرجع ذلك الى أن إسرائيل نشأت منذ الأصل بلقوة , وهى تعيش على الاغتصاب والرغبة فى التوسع , وجنودها مشبعون بالروح العسكرية لأنهم منتقون من عناصر مهاجرة , مع ملاحظة أن المهاجرية يمثلون غالبا العناصر النشطة فى أوطانها الأصلية .

وفى سنة 1956 قدرت القوات الثابتة بخمسين الفا , فى حين بلغ عدد الاحتياطى مائة ألف . فاذا أضفنا الى ذلك المستوطنين الذى كانوا مكلفين بالدفاع عن المستعمرات , وقوات المالياخ الخاصة , فان مجموع القوات المسلحة بلغ فى ذلك الوقت 200 ألف ,وليس هذا هو الحد الأقصى الذى كان من الممكن دعوته , ولكن وجود شركاء لإسرائيل أغناها عن هذا الاجراء .

أما الطيران الإسرائيلى فقد ضم أثناء حرب 1956 ( 200 طائرة ) منها 60 ميستير فرنسية الصنع , 25 أوريجون , 25 ميتيور . أما الباقى فينتمى الى أنواع قديمة .

وبصفة عامة لم تكن إسرائيل تمتلك أسلحة حديثة متطورة للغاية كما حدث فى سنة 1967 , لذلك فقد ركزت جهودها خلال فترة ما بين الحربين لتدعيم قواتها الجوية على وجه الخصوص , وزادت فاعليتها بنسبة 90 بالمائة وفيما يلى جدول يبين تطور القوات الإسرائيلية :

النوع 1956 1965
قوات نظامية 50 ألف 70 ألف
قوات احتياطية 200 ألف 250 الف
فصائل مدرعة 4 9
دبابات ثقيلة ومتوسطة 260 800-1000
الناقلات المدرعة 400-500 700-800
القوات الجوية النظامية 4000 8000
القوات الجوية الاحتياطية 7000 14 ألف
مجموع الطائرات 200 500
طائرات مقاتلة 160 260
طائرات تدريب - 60
طائرات نقل 20 60
أنواع اخرى 50 130
القوات البحرية النظامية 2000 3000
القوات البحرية الاحتياطية 4000 6000
المدمرات 2 2
فرقاطة - 1
غواصات - 4


ومما يستلفت النظر فى هذا الاحصاء استخدام الاحتياطى فى سلاحى الطيران والبحرية , وهو أمر غير مألوف فى دول العالم نظرا للطبيعة الفنية لهذه السلحة .

لقد استفادن إسرائيل من خبرة العلماء اليهود فى مجالات الكيمياء والهندسة , وحاولت أن تطور صناعة أسلحة محلية , وقطعت شوطا فى مجال الأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا , الا أنه نظرا لسرعة تطور المخترعات , لم يكن بوسع إسرائيل أن تعول على صناعتها المحلية المستوردة . وقد وجدت صعوبة فى التغلب على دقة التوجيه بالنسبة للصواريخ المصنوعة محليا . وكانت فرنسا تمثل المصدر الرئيسى للسلاح الإسرائيلى حتى 1965 , ولذا فان الغالبية العظمى من الطائرات المستعملة فى حرب يونيو 1967 هى من طراز ميراج الفرنسية الصنع , بالاضافة الى 48 طائرة أمريكية من طراز سكاى هوك .

وفى سنة 1959 قررت فرنسا أن تساعد إسرائيل فى بناء مفاعل ذرى ببلدة ديمونه , وقيل فى تفسير ذلك القرار انه تعبير عن نزعة ديجول الى الاستقلال عن الولايات المتحدة التى كانت تسعى فى ذلك الوقت لاجبار فرنسا على الارتباط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية , ولهذا السبب لم تضع فرنسا قيودا أو شروطا على إسرائيل كى لا تستخدم المفاعل الذرى فى الأغراض العسكرية .

وثمت عنصر معنوى توسعت إسرائيل فى استخدامه ضد الدول العربية , ذلك هو عنصرالجاسوسية . ويعترف معلق عسكرى صهيونى كتب عن حرب يونيو أن إسرائيل اعتمدت فى هذا المجال على 75 ألف يهودى كانوا ما يزالون يقيمون فى البلاد العربية .

وخلاصة القول ان النزاع العربى الإسرائيلى جلب تنافسا على التسليح بحيث دخلت الى الشرق الأوسط أنواع متطورة من السلاح استخدمت فيه لأول مرة , ويخشى الكثيرون أن يؤدى هذا التنافس الى سعى الفريقين للحصول على الأسلحة النووية ولو لأسباب نفسية . ويلاحظ من خلال هذا التنافس أن إسرائيل تدعى بحقها فى أن تحصل على سلاح يوازى من حيث الحجم جميع ما يتوفر لدى الدول العربية مجتمعة . فاذا حصلت الكويت مثلا على عدد من الطائرات الأمريمية طالبت إسرائيل الولايات المتحدة بعدد مماثل مع أن هدف الكويت قد يكون مواجهة ضغط من قبل دولة عربية أخرى . كذلك تطالب إسرائيل بالحصول على سلاح يوازى ما قد يحصل عليه أى قطر عربى فى اطار أحلاف مع الغرب فضلا عن الأسلحة الواردة من الاتحاد السوفييتى , وكل ذلك بحجة عدم الاخلال بالتوازن .

الفصل التاسع: تفجر أزمة مايو سنة 1967

لعل مقدمات حرب يونيو ترجح فى أهميتها كثيرا على دراسة الحرب ذاتها , ذلك لأنه لم تحدث اشتباكات جدية بين الإسرائيليين والعرب الا مرتين , الأولى سنة 1948 , والثانية سنة 1973 – أما اطلاق وصف الحرب الثانية والثالثة على عدوان 1956 , وحرب يونيو 1967 فيقبل مع شىء من التجاوز . وهاتان الحربان تقدمان حقلا خصبا لدارسى السياسة والشئون الدولية , بينما تقدم حرب أكتوبر مجال دراسة واسعة فى الشئون العسكرية .

ويتجه كثير من الباحثين الذين تناولوا جذور حرب يونيو الى تفسير الأزمة بالأوضاع الداخلية لدى الأطراف المتنازعة : مصر وسوريا وإسرائيل ويخلصون من ذلك الى أن الأزمة كانت مخرجا قصدت به الهيئات الحاكمة فى الدول الثلاث تحويل اهتمامات الجماهير عن المشكلات الداخلية الى قضية الصراع . وهذا تعميم لا يستقيم عندما تمحص تفاصيل الأحداث . وقد ينطبق هذا الرأى على سوريا أثر من غيرها . أما مصر فلم يكن فى خطتها اثارة الحرب أصلا . أما إسرائيل فتعرف أهدافها , وقد انتظرت الفرصة الملائمة لتحقيق مرحلة من مراحل توسعها . وحتى بالنسبة لسوريا لا يمكن القول بأن تشجيع العمليات الفدائية كان سياسة طارئة ابتدعها النظام اليسارى الذى حل فى السلطة سنة 1966 , بل رأينا سوريا على اختلاف نظم الحكم فيها تتبنى مواقف أكثر راديكالية فى النزاع العربى الإسرائيلى .

من الشائع أن نظام حكم الفرع اليسارى من حزب البعث لم يتمتع بتأييد قطاعات عريضة من الشعب . ويعزو ذلك الى تحيزه لطائفة العلويين الذين انحصرت بينهم معظم المراكز القيادية فأثار ذلك سخط الأغلبية من المسلمين السنيين . كذلك فان توثق الصلات الفكرية بين النظام وبين الماركسية كفلسفة سياسية قد شككت الجمهور فى سلامة الاتجاهات الدينية وتروى بهذا الصدد حادثة كان لها دوى فى أوساط دمشق المحافظة قبيل اندلاع الأزمة . فقد نقلت صحيفة لبنانية نص مقال نشر فى مجلة القوات المسلحة السورية يتضمن هجوما على الإسلام فتصدى الشيخ حنابكة خطيب المسجد الأموى لمهاجمة الحكومة فى احدى خطب الجمعة , وخرج المصلون فى مظاهرة واقترن ذلك باضراب عديد من التجار الذين اتخذوا من هذا الحادث فرصة للتعبير عن سخطهم على الاجراءات الإشتراكية والواقع أن تلك الاجراءات لم تحط بتأييد قسم كبير من المجتمع الذى تغلب عليه القيم البورجوازية .

بادرت الحكومة السورية الى التنصل من مسئوليتها عن هذا المقال ولم يكن ذلك كافيا لاقناع الجماهير, ثم ما لبثت مايو أن غطت على هذا الموضوع .

ومن جهة أخرى فان توثق الصلات بين نظام الحكم السورى وبين الاتحاد السوفيتى كان له أثره فى زيادة المساعدات للفدائيين الفلسطينيين بالرغم من أن الاتحاد السوفييتى لم يرحب بالتوسع فى العمليات الفدائية داخل إسرائيل , غير أن مجرد الاحساس بهذه المساندة , وبتدفق الأسلحة جعل الحكومة السورية أكثر جرأة فى مؤازرة العمليات الفدائية .

ان صلات سوريا بالاتحاد السوفيتى على هذا النطاق الواسع أحدث منه بالنسبة لمصر , الا أنها بعد فبراير 1966 اتخذت اشكالا مختلفة جعلت سوريا موضع اهتمام الاتحاد السوفيتى أكثر من أى قطر عربى آخر فقد نشأ احتكاك ثقافى لم يكن له نظير فى مصر , و انتشرت الترجمات العربية للكتب الماركسية كما اختار السوفيت سوريا مركزا لتعليم أبنائهم اللغة العربية .

وفى يناير1967 رأس صلاح جديد وفدا يمثل حزب البعث لاجراء حوار مع السوفيت حول المسائل العقائدية , وانتهى هذا الحوارباقرار من حزب البعث يجعل الفلسفة الماركسية أحد مصادره الفكرية . ويقال ان الوفد السورى انتهز فرصة وجوده فى موسكو وقدم عدة طلبات من بينها الاسراع فى أعمال بناء الفرات , وارسال مزيد من طائرات الميج , ومساندة أكبر من السوفييت للفدائيين الفلسطينيين , وتزويد سوريا بصواريخ سام 2 , وحسب هذه الرواية استجاب السوفيت للمطلبين الأوليين , وتحفظوا بالنسبة للمطلبين الأخيرين بحجة أنهما يؤديان الى زيادة التوتر مع إسرائيل .

وربما لم يكن النزاع الإسرائيلى هو الاعتبار الوحيد أمام الوفد السورى عندما تقدم بهذه المطالب , فقد كانت سورية مشغولة فى ذلك الوقت بمجموعة الضباط اللاجئين فى الأردن تحت قيادة اللواء سليم حاطوم من الطائفة الدرزية , وقد عرف عنه نشاطه الواسع فى تدبير المؤتمرات ضد نظام الحكم فى دمشق , مستعينا بأموال من دوائر عربية وأخرى غربية . وحسب تصريحات السوريين فان الخطة كانت تقضى بات تهاجم إسرائيل سورية , ثم تتدخل القوات الأردنية بحجة الدفاع عن البلاد , وعندئذ يأتى فى أعقابها المتآمرون لاقامة نظام جديد فى دمشق . وهكذا تتداخل الصراعات المحلية فى النزاع مع إسرائيل , وتزيده احتداما . وبالاضافة الى الصلات الثقافية بين سوريا والسوفييت فقد اتسع نطاق المساعدات الاقتصادية حتى بلغت فى نهاية 1966 ما قيمته ( 250 دولار ) كما قدمت دول شرق أوروبا الإشتراكية مساعدات أخرى قيمتها (178 مليون دولار ) واشتملت هذه المساعدات على انشاء سد على القسم السورى من نهر الفرات , وبناء مصفاة للنفط فى حمص , وتدعيم شبكة المواصلات الحديدية فى سوريا وتزويد البلاد بالجرارات والآلات الزراعية الأخرى .

ان هذا الاهتمام السوفيتى المتزايد بسورية , هو الذى دفع كوسيجين الى عرض وساطته لعقد ميثاق دفاعى مشترك بين مصر وسورية أثناء زيارته للقاهرة فى مايو 1966 , وتعتبر هذه الوساطة خروجا على الخط السياسى الذى اتبعه اتحاد السوفيتى فى المشرق العربى , فقد سبق أن أبدى استياءه من الوحدة المصرية السورية , فما الذى دفعه الى هذه الوساطة ؟ ولماذا تحتاج دولتان عربيتان الى وساطة أجنبية لعقد مثل هذا الميثاق ؟ وللاجابة على الشق الأخير من السؤال نقول ان الثقة لم تكن قوية بين نظام الحكمة السورى حينذاك وبين القيادة المصرية . وعندما شكا السوريون من وقوف الطيران المصرى متفرجا على المعارك الجوية التى نشبت فى صيف 1966 أجاب عبد الناصر بأنه لو أرسل الطيارين بطائرتهم الى قواعد سورية فانه لا يضمن حمايتهم , ويخشى من أن يتكرر ما حدث للضباط المصريين عند وقوع الانفصال فى 28 سبتمبر سنة 1961 .

وفى هذه الحقبة تناسى زعماء الاتحاد السوفييتى انتقادهم السابق لخروشوف على تورطه فى العالم العربى ,ووصف كوسيجين حكومة مصر أثناء زيارته للقاهرة بانها طليعة الحكومات الوطنية فى آسيا وأفريقيا , وهى أفضل دعائم مكافحة الإمبريالية , ولذلك فهو يشجع مزيدا من الترابط بين الحكومات التقدمية فى العالم العربى كخطوة أولى فى اقامة كتلة معادية للامبريالية .

كان ذلك هو الهدف المعلن من الرسميين السوفييت , الا أن التفسيرات تتباين حول حقيقة الدوافع السوفيتية تباينا شديدا . فهناك من يعتقد بأن الهدف كان هو تدعيم نظام الحكم الجديد فى سوريا ضد الأخطار الخارجية فهل معنى ذلك أن الاتحاد السوفيتى كان يريد بعقد هذا الميثاق تأمين سوريا ضد عدوان إسرائيلى ؟ اذا صح ذلك فهو على الأقل يعتقد بأن وجود الميثاق يجعل إسرائيل أكثر ترددا فى مهاجمة سورية , ولكن لا يقطع بصفة نهائية هذا الاحتمال .

أما التفسير الآخر فيذهب الى أن الاتحاد السوفيتى ادراكا منه لموقف عبد الناصر من أعمال الفدائيين , رأى فى وجود مثل هذا الميثاق وسيلة لكبح جماح الحكومة السورية فى تأييدها للأعمال الفدائية , ذلك التأييد الذى قد يخلق توترا مع إسرائيل بدون استعداد للمواجهة .

أما التفسير الثالث فهو أن الاتحاد السوفييتى أراد أن يجابه حركة الحلف الإسلامى التى بدأت الدعوة اليها حينذاك , بكتلة أخرى من الدول التقدمية ومما يؤيد هذا التفسير أن حكومة مصر ما لبثت أن أعلنت بعد عقد الميثاق الدفاعى مع سوريا أن عهد مؤتمرات القمة قد انتهى وحل محله عهد تكتل الثوريين ضد الرجعية والاستعمار .

بالنسبة لمصر يربط ايضا بعض الكتاب بين أزمة مايو , وبين المشاكل الاقتصادية التى كانت تعانى منها مصر نتيجة ارتفاع الديونية , وتناقص العملات الأجنبية وكأن الأزمة توجد مخرجا من هذه المشكلات , وهذا منطق معكوس , لأن من يواجه مثل هذه الأعباء لابد وأن يتجنب الحرب أو المخاطرة بها . الا أن حجة هؤلاء الكتاب هى اثارة التوتر مع إسرائيل قصد به دفع الحكومات العربية المنتجة للبترول الى تقديم معوناتها طالما أن مصر تستعد للمعركة . وهذا امعان فى تسفيه القيادة المصرية . وهناك من يربط بين الوجود المصرى فى اليمن , وبين تفجر أزمة النزاع العربى الإسرائيلى , اذ أنه مع اقتراب موعد استقلال الجنوب العربى , اشتد التنافس حول الفئة التى يمكن أن تتولى السلطة , وذهب هؤلاء الكتاب الى حد القول بأن زيارة جروميكو الغامضة للقاهرة فى نهاية مارس 1967 , استهدفت ترتيب شئون الجنوب بعد انسحاب البريطانيين منه بالاتفاق مع مصر .

ومن الراجح جدا أن هذه الشبهة قد شغلت أذهان الولايات المتحدة وبريطانيا بالدرجة الأولى , بل ان تحيز بريطانيا لإسرائيل فى حرب 1967 كان من أهم أسبابه الوجود المصرى فى اليمن , وما نجم عنه من تأييد الوطنيين فى الجنوب العربى ضد الادارة البريطانية . واذا صح هذا الربط بين قضية الجنوب وبين أزمة مايو 1967 , فانه يدين الدولتين الغربيتين ويثير شبهة فى أن تكونا قد دفعتا إسرائيل الى العدوان حتى تضطر مصر الى سحب قواتها من اليمن , وبالتالى تجنب تسلل السوفيت الى المحيط الهندى عن طريق الجنوب العربى .

ولو حكمنا فى هذا الموضوع حسب النتائج التى ترتبت على انسحاب مصر فان الحجة لا تستقيم , ذلك لأن هذا الانسحاب فوت الفرصة على جبهة الجنوب المحتل , وهى ابعد عن الماركسيين من الجبهة القومية المنافسة والتى استفادت من الانسحاب المصرى لكى تتغلب فى النهاية وتنتزع السلطة من البريطانيين . وربما لم يحسب الانجليز حسابا لهذه التطورات , وانما توقعوا أن تتمكن حكومة اتحادية من السلاطين والأمراء من تولى السلطة بعد الاستقلال . على أية حال فان ما نعتقده هو أن مصر لم تكن تعمل لحساب أية دولة كبرى فى الجنوب العربى , ولا ينبغى ربط الموضوع بالتنافس الدولى فى المحيط الهندى بل ان ازدياد تورط مصر فى اليمن واهتمامها بمستقبل الجنوب , ان دل على شىء فهو يدل على أنه لم تكن لدى مصر أية نية أو تفكير فى اثارة توتر فضلا عن حرب مع إسرائيل , وانما فرض هذا التوتر على مصر نتيجة ظروف خارجية كما سيأتى شرحها تفصيلا .

ومما هو جدير بالملاحظة أن بعض الإسرائيليين سبق أن ربط موضوع الجنوب بالنزاع العربى الإسرائيلى اذ عبر بعض النواب بالكنيست عن مخاوفهم من أن تعمد مصر الى عرقلة الملاحة الإسرائيلية عند باب المندب فى حالة قيام حكومة موالية لها بعدن . ان العلاقة بين الأحوال الداخلية وبين الحرب تبدو بالنسبة لإسرائيل أوضح منها من أى طرف آخر . ليس ذلك بمعنى أن إسرائيل قررت وحددت موعد الحرب وانما أصبحت ترى فى الحرب والتوسع مخرجا من أزمتها , وتنتظر الفرصة الملائمة لتحقيق أهدافها , فكان أن هيأت لها السياسة العربية هذه الفرصة فى مايو 1967 , وكان من الممكن ألا تتهيأ مثل هذه الفرصة قبل مضى سنوات عديدة , يكون العرب قد استعدوا خلالها بطريقة أفضل .

ويمكن القول ان أزمة إسرائيل الداخلية امتدت سنة 1966 على مستويات مختلفة سياسية واجتماعية واقتصادية فمنذ اختفاء بنجوريون سنة 1965 صار حزب الماباى يبحث عن زعامة جديدة . وفى رأى بنجوريون أن أوضاع إسرائيل الصعبة تجعلها دائما فى حاجة الى زعامة قوية . ومن المعروف أن نتائج التحقيق فى فضيحة لافون , والتى انتهت بتبرئة رجل المخابرات الإسرائيلى قد أغضبت بنجوريون وجعلته ينسحب هو وموشى ديان من حزب الماباى ليشكل حزبا جديدا هو حزب رافى . وهنا حدث تنافس على زعامة الماباى بين ليفى اشكول وجولدا مائير , ورغم حالة اشكول الصحية السيئة , فقد اختاره الحزب قبيل انسحاب بنجوريون وذلك ارضاء لمؤسس الدولة , الذى كان يبغض مائير لأنها لا تطيعه مثل اشكول .

على أية حال فان انسحاب بعض الزعماء القدامى لم يؤد الى انشقاق خطير لأن حزب رافى لم يحصل الا على عشرة مقاعد فى انتخابات 1965 وظل حزب الماباى صاحب الأغلبية غير المطلقة فى الكنيست . وهذا أدى به الى الرضوخ لجيل الشبان الذى ينزع الى اليسار حسب المفهوم الإسرائيلى . والذى كان يشكل مجموعة مستقلة داخل الحزب هى مجموعة أحدوت هعفوده . على كل حال لم يكن تعدد الاحزاب وتكاثرها بظاهرة جديدة على إسرائيل . حتى انه كان يقال على سبيل السخرية ان لكل ثلاثة من اليهود أربعة أحزاب . ومع ذلك فان هذه الأزمة السياسية اختفت عند تفجر النزاع واقتراب الحرب وتكونت حكومة ائتلافية جمعت أحزابا لم يكن يتصوره من قبل ائتلافها مع الماباى مثل حزب حيروت بزعامة مناجم بيجن . ويعتقد البعض بأن ضعف اشكول كان عاملا مهما فى تكوين هذا الائتلاف الذى ما كان ليتحقق تحت زعامة قوية متصلبة مثل زعامة بنجوريون . ومهما قيل فى انشقاقات الاحزاب الإسرائيلية فان هناك عنصرا له وزنه الفعال فى إسرائيل , وليس له نظير فى البلاد التى تتمتع بنفوذ خاص , ويعتبر بعض أعضائها أبطالا شعبيين مثل ديان وشارون , وآلون , وهو جميعا أعضاء فى أحزاب سياسية . وقد تعللت المؤسسة العسكرية بالظروف التى جدت نتيجة نشاط الفدائيين العرب . فحصلت على تفويض بالقيام ببعض العمليات داخل الأراضى العربية دون الرجوع الى الحكومة وهذا يؤكد أن العسكريين قادرون على التأثير فى مجريات السياسة الإسرائيلية .

وفى المجال الاقتصادى تعرضت إسرائيل لأزمة سنة 1966 لم يسبق لها مثيل . ولأول مرة وقعت اضرابات للمطالبة بالخبز . ومعروف ما لمثل هذه الأزمات من تأثير على حركة الهجرة الى إسرائيل . وهذا موضوع حساس بالنسبة لزعماء الصهيونية . فالمهاجرون الذين يأتون من الأقطار الشرقية يختلفون عن الرواد الأوائل الذين أتوا بدوافع رومانسية وكانوا أكثر استعدادا للتضحية . أما المهاجرون فيوازنون بين الحياة فى إسرائيل وبين البلاد التى نزحوا منها ويتطلعون الى حياة أفضل . فاذا لم يجدوا ضالتهم فاما أن يثوروا على الحكومة أو يعودوا الى بلادهم . ومن هنا عانت إسرائيل من ظاهرة الهجرة العكسية حتى بين " الصابرا " المولودين فى إسرائيل . وقد نشأت أزمة بطالة خطيرة حتى قدر عدد العاطلين ب 96 ألف وهو ما يوازى عشر اليد العاملة فى إسرائيل .

وانعكست آثار الأزمة على الميزان التجارى الذى كان يعانى من العجز منذ قيام إسرائيل لكن الهوة اتسعت بشكل خطير بين الصادرات والواردات حسب الاحصائيات الاسرائلية نفسها فان الفرق بين الانتاج والاستهلاك لو وزع على عدد السكان لصار ما يكلفه الفرد من عبء على الميزان التجارى 500 دولار سنويا .

ويعزو الإسرائيليون استفحال الأزمة الى انقطاع التعويضات الألمانية وضطرارهم الى التوسع فى النفقات العسكرية . وفى مثل هذه الظروف لم تعد المساعدات الحكومية تكفى لسد العجز فى ميزانية الشركات الكبرى مثل شركة ( زيم ) للملاحة التى بلغت خسائرها سنة 1966 ( ستة ملايين ليرة ) وشركة رسكو للبناء التى خسرت فى نفس العام ( سبعة ملايين ليرة ) وتباطأت أعمال البناء رغم أزمة الاسكان المستحكمة فى إسرائيل .

والظاهر أن المهاجرين الجدد الذين أتى معظمهم من البلاد العربية وايران لم يشعروا بالمساواة التامة , فهناك فرق كبير بين سكان المدن وسكان الأراضى المستصلحة التى وجه اليها معظم هؤلاء المهاجرين الجدد . وقد ازداد عدد الشرقيين حتى صار يقدرب 38 بالمائة وفى نفس الوقت تزايد عدد الصابرا باطراد حتى صاروا يشكلون 33 بالمائة من مجموع السكان . فاذا اعتبرنا هذه المجموعة الأخيرة من اليهود الشرقيين فان الأوربيين يكونون قد تحولوا الى أقلية بعد أن كانوا يمثلون أغلبية السكان سنة 1948 ورغم ذلك فقد ظل يهود شرق أوربا مستأثرين بالمناصب العليا وصارت العناصر الجديدة أشد الحاحا على المشاركة فى السلطة , كما تطلع جيل الشباب للحلول محل الزعماء القدامى الذين احتفظوا بالحكم فترة طويلة مثل بنجوريون .

ولما تعرضت الصحف لهذه الأزمات الخطيرة , وجه شابيرو وزير العدل انتقادا عنيفا لصحيفة هارتس , وقدم اثنين من محرريها للمحاكمة بحجة أنهما عرضا أمن البلاد الداخلى للخطر , اذ كشفنا عن تلك المشكلات الاجتماعية التى تمزق الشعب . وهذا اسلوب جديد لم يسبق للحكومة الإسرائيلية أناتبعته ازاء الصحافة . وهو يدل بالفعل على الاحساس بخطورة التمزق فى المجتمع , لذلك استنتج البعض أن إسرائيل وجدت فى الحرب , ليس فقط فرصة للتوسع , بل مخرجا من هذه الأزمات الداخلية . فهى وسيلة لتجميع العناصر المتنافرة باسم الدفاع عن النفس . وقد ظهرت آثار ذلك سريعا فى المجال السياسى حيث ائتلفت أحزاب كانت تعرف بعداء بعضها للبعض , ويتعذر التوفيق بينها فى الظروف العادية , بيد أن بعض الإسرائيليين يخرج من هذه الأزمة باستنتاجات عكسية , فيذكر أن هذه الظروف الصعبة هى التى شجعت العرب والحركات الفدائية على التفكير فى تقويض الوجود الإسرائيلى .

الثأر الإسرائيلى

منذ بدأ نشاط الفدائيين يتخذ شكلا جديا فى مطلع 1965 , اتبعت إسرائيل أساليب مختلفة للرد عليه , وهى جميعا تقوم على أساس العنف وتجاهل الأمم المتحدة لعدم ثقة الإسرائيليين بالأساليب الدبلوماسية , ويرجع الكثيرون هذا العنف الى نفسية الوافد اليهودى الذى يشعر بان بقاءه وسط منطقة تسكنها شعوب متجانسة مرهون بالقوة , فضلا عن الذاتية التى توارثها اليهود , والتى أدت بهم الى الاستغراق فى الاحساس بالتفوق .

ومن الجانب العربى اعتبرت أعمال الفدائيين ثورة مشروعة ضد احتلال أجنبى . واذا استخدم الفلسطينيون أراضى الدول العربية المجاورة , فلا ينبغى أن تلام حكومات تلك الدول لأنها غير مكلفة بان تقوم بدور الحارس للمحافظة على أمن إسرائيل , كما صرح بذلك نور الدين الأتاسي رئيس الدولة السورية فى إبريل 1967 , اذ قال ان سوريا غير مستعدة للقيام بدور رجل الشرطة لتأمين الحدود الإسرائيلية .

يضاف الى ذلك حقيقة أخرى وهى أن الأقلية العربية فى إسرائيل شاركت فى بعض أعمال الفدائيين , وقيل عن وجود منظمة تعرف باسم الأرض , وترتكز قواعدها داخل فلسطين المحتلة , وبالتالى فان نشاط هؤلاء يعتبر ثورة على حكم أجنبى استعمارى يشبه ثورة الجزائريين على الحكم الفرنسى . أما ادعاء إسرائيل بأن هؤلاء العرب مواطنون فيها فان حجتهم تسقط اذا أخذنا فى الاعتبار ما تمارسه إسرائيل من تمييز عنصرى بين السكان , مما يجعل من المتعذر اعتبارهم مواطنين متساوين فى الدولة اليهودية . وعندما كانت قضايا الفدائيين والثأر الإسرائيلى تطرح أمام مجلس الأمن لوحظ تغلب الاعتبارات السياسية على النواحى القانونية , وليس هذا الوضع خاصا بالنزاع العربى الإسرائيلى , فان القانون الدولى نفسه يخضع فى تفسيره وتطبيقه للاعتبارات السياسية فى معظم الأحوال .

استخدم الفدائيون التابعون لمنظمة فتح أو جناحها العسكرى المعروف باسم العاصفة الأراضى الأردنية فى معظم الأحوال التى اعتبروا فيها الى الأراضى المحتلة . وحسب التقديرات الإسرائيلية , انه من بين 43 غارة شنها الفدائيون خلال عام 1965 , استخدمت الأراضى الأردنية فى ثلاث وثلاثين منها , كما استخدمت أراضى لبنان فى حالات قليلة خلال تلك الفترة . ويتساءل المرء لماذا استخدمت الأراضى الأردنية أكثر من السورية بالرغم من أن فتح تتمتع سوريا , وتلقى فى الأردن مضايقات تحد من نشاطها ؟ ويجيب الفدائيون على ذلك بأن الحدود المشتركة بين إسرائيل والأردن تمتد على مسافات شاسعة , وتصعب مراقبتها , كما أن طبيعة الأرض تجعل العبور أيسر منه فى الجولان . ومع ذلك فانه بعد أن شددت الأردن قيودها على تحركات الفدائيين فى نهاية 1966 , نقل هؤلاء معظم نشاطهم عبر الحدود السورية .

وبمضى الوقت لوحظ تحسن تدريب الفدائيين على استخدام القنابل الموقوتة , وبث الألغام ولم يعد نشاطهم مقصورا على العبور والعودة سريعا , بل استطاعوا مهاجمة بعض المنازل فى ضواحى القدس , كما قطعوا فى احدى غاراتهم السكة الحديدية التى تربط القدس بتل أبيب . وكانت معظم غارات الفدائيين فى المرحلة الأولى تقتصر على المستعمرات النائية ومحطات ضخ المياه القريبة من الحدود . ومن أشهر العمليات التى أثارت ضجة فى إسرائيل انفجار لغم فى ملعب بمستعمرة دشن قتل على اثره عديد من الأشخاص فى يناير 1967 وتذكر المصادر الإسرائيلية أن سكان الجليل هددوا بمغادرة البلاد اذا لم يتوفر لهم أمن كاف . وتقدر هذه المصادر عدد الغارات الفدائية التى أصابت اشخاصا أو ممتلكات فى المدة ما بين يناير 1965 , وديسمبر 1966 بسبعين غارة .

تصاعدت الغارات الثأرية بالتدريج , ففى بداية الأمر اقتصرت هذه الغارات على تحطيم محطات المياه , أو المنازل القريبة من الحدود والتى يدعى الإسرائيليون أن الفدائيين يستخدمونها مخابىء لهم . ففى مايو 1965 مثلا هاجمت دورية إسرائيلية القرى القريبة من جنين وقلقيلية , فقتلت خمسة من المدنيين وأصابت أربعة . وفى سبتمبر من نفس العام دخلت دورية إسرائيلية الأردن ودمرت احدى عشر محطة ضخ قريبة من قلقيلية ,ووزعت منشورات على الأهالى تنذرهم بالثأر اذا استمروا على تعاونهم مع الفدائيين .

ويتضح من ذلك أن إسرائيل ركزت ثأرها على الأردن , وعندما فكرت فى اتخاذ اجراءات مماثلة ضد لبنان , قدمت وزارة الخارجية الأمريكية احتجاجا شديدا لدى حكومة إسرائيل . وقيل ان الدولة العبرية تجنبت سورية بسبب صعوبة اختراق الجولان , وخوفا من تحمل خسائر فى الأرواح اذا ما اخترقت الحدود دوريات صغيرة . وبالفعل عندما قررت إسرائيل فى صيف 1966 أن تطبق سياستها الثأرية على سوريا , استخدمت وسيلة مختلفة , وهى شن الغارات الجوية مما يمثل تصاعدا خطيرا فى الموقف .

ولما رفعت سورية شكوى الى مجلس الأمن , لم تجد أغلبية مستعدة للوم إسرائيل وحدها , ذلك لأن أعضاء الغربيين وأصدقاءهم كانوا يريدون أن يقرنوا أى لوم يوجه لإسرائيل بلوم آخر ينصب على الفدائيين . ولذلك انتهت المناقشات بعدم اتخاذ أى قرار مما شجع إسرائيل على التوسع فى استخدام طيرانها ضد سورية . وقد جرت معركة جوية فى أغسطس 1966 فوق الأراضى السورية , وعلى أثرها أعلنت حكومة دمشق أنها ستتبع استراتيجية جديدة , وستمتنع مستقبلا عن رفع أى شكوى الى مجلس الأمن , مما يشير الى مرحلة جديدة من مراحل التصاعد فى النزاع .

وازاء هذا التوتر تقدمت كل من بريطانيا والولايات المتحدة بمشروع قرار يدعو الطرفين الى الامتناع عن استخدام القوة أو تشجيع الجماعات غير المسئولة على عبور الحدود , ويطلب اليهم مزيدا من التعاون مع رجال الهدنة . وفى أثناء المناقشات تبين أن الاتحاد السوفيتى ينوى استخدام الفيتو لابطال هذا المشروع لأنه كان يريد استصدار قرار بلوم إسرائيل على سياستها العدوانية ازاء سورية فلم يطرح القرار للتصويت .

وبينما كانت الأمم المتحدة مشغولة بحالة التوتر بين سورية وإسرائيل , دهش العالم لقيام الأخيرة فى 13 نوفمبر 1966 بشن هجوم واسع النطاق على قرية السموع الأردنية فقد اتجه طابوران فى وضح النهار الى هذه القرية واشتبكا مع الجيش الأردنى , وأدى الاشتباك الى مقتل خمسة عشر جنديا , وجرح تسعة وثلاثين , ومقتل عدد أكبر من المدنيين , وتدمير 140 منزلا وهذا أكبر هجوم برى تشنه إسرائيل علنا داخل أراض عربية منذ 1956 .

أما سبب الدهشة فهو أن حكومة الأردن لم تكن تشجع الفدائيين , بل تعمل على تقييد نشاطهم بقدر الامكان . ثم ان اختيار إسرائيل للثأر فى أراضى صديقة للولايات المتحدة يجعل موقفها أصعب من الناحية الدبلوماسية مما لو وقعت هذا الثأر على سورية . وذهبت تفسيرات هذا الحادث مذاهب شتى . فعلل رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل هذا الاتجاه بأنه جاء نتيجة خلاف بين المعتدلين والمتطرفين فى إسرائيل . فالمعتدلون ومن بينهم اشكول رئيس الوزراء لم يشاءوا المغامرة بهجوم على سوريا سيما بعد أن ارتبطت بمعاهدة الدفاع المشترك مع مصر .

أما المتطرفون من أمثال إسحاق رابين فكانوا يرغبون بأن توجه الضربة ضد سورية . فى حين علل وصفى التل الحادث بأن إسرائيل وجدت أمامها فراغ دفاعيا , اذ أن القيادة الموحدة كانت قد جعلت الدفاع عن هذه المنطقة من اختصاص السلاح الجوى المصرى , وهو لم يتدخل . وأضاف رئيس الوزراء الأردنى حينذاك تصريحا خطيرا يعد بمثابة تمهيد لايقاف نشاط الفدائيين نهائيا فى الأردن . فذكر بأن مؤتمرات القمة والقيادة العربية الموحدة كانت قد أقرت مبدأ منع الفدائيين للحدود . وذلك تحسبا من هجوم إسرائيلى مضاد قد لا يكون العرب مستعدين له .

أما إسرائيل فتبرر هجومها بكل بساطة فتذكر أن الفدائيين سبقوا بشن ثلاث عشرة غارة انطلاقا من الأراضى الأردنية , كا آخرها انفجار لغم تحت سيارة عسكرية قرب البحر الميت فى اليوم السابق على غارة السموع . مهما يكن فقد كان لهذا الحادث نتائج هامة على الصعيدين العربى والدولى . فقد وقعت على أثره مظاهرات عنيفة فى الضفة الغربية تطالب بالثأر وبزيادة الاستعدادات الدفاعية . وتحرج مركز الملك حسين حتى قيل ان هذا الحادث أوحى لمجموعة من الضباط بانقلاب على نظام الحكم , غير أن أمرها انكشف قبل تنفيذ الخطة . ومن جهة أخرى اجتمع مجلس الدفاع العربي وخرج باقتراح يدعو الى مرابطة قوات سعودية وعراقية لمساعدة الأردن فى الدفاع عن نفسه . ولم يرفض الملك حسين المبدأ , ولكنه اشترط لقبوله أمرين : ألا تتدخل القوات العربية فى شئون البلاد الداخلية , وأن تسحب مصر قوات الطوارىء الدولية , وبذا يمكنها ردع إسرائيل اذا هاجمت الأردن نتيجة تواجد قوات عربية فى أراضيها . ومن المعروف أن إسرائيل كانت تعلن باستمرار أنها لا تستطيع أن تقف جامدة أمام تواجد قوات عربية أخرى فى الأردن .

وازاء هذا الشرط الأخير تصدى هيكل للرد على الملك حسين , وكأنه المتحدث الرسمى باسم الحكومة المصرية , فقال انه ليس فى خطة مصر أن تقوم بأى عمل نتيجة هذه الغارات المحدودة , حتى لو كانت موجهة ضد سوريا الشريكة فى الدفاع المشترك , وانما تتحرك مصر فقط فى حالة احتلال إسرائيل لأرض عربية بصورة دائمة , أو قيامها بهجوم شامل .

وعلى الصعيد الدولى لم يجد مجلس الأمن صعوبة فى اصدار قرار يندد بإسرائيل وحدها , دون الاشارة الى الفدائيين – كما كان يحدث عادة – بالنسبة لحالات التعدى على سوريا . بل ان الولايات المتحدة وعدت الأردن باسلحة جديدة , وذلك لتعزز مركز الملك حسين المهتز من جهة , ولتمنع احتمال تحول الأردن الى الاتحاد السوفيتى لكى يزوده بالسلاح . وفكرت الحكومة الأمريكية فى انشاء قوات طوارىء دولية ترابط على بقية الحدود الإسرائيلية المشتركة مع الأردن وسورية , غير أنها تراجعت حتى بدون أن تعرف رأى الدول المعنية , وذلك لما تكلفه مثل هذه القوات من أعباء مالية ضخمة , ومن المعروف أن كثيرا من الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة ترفض المساهمة فى نفقات هذه القوات فيقع العبء الأكبر على الولايات المتحدة .

وفى إسرائيل تعرض ليفى أشكول للانتقاد , فلامه الكثيرون لتشدده مع الأردن فى حين أنه يتراخى مع دول أخرى , وقال هؤلاء المنتقدون ان رئيس الوزراء يريد أن يغطى على ضعفه ويسكت المعارضة بتلك الغارة التى أضرت بإسرائيل دوليا وجعلت الولايات المتحدة تقف ضدها لدرجة أن الحركة الصهيونية اضطرت الى بذل مساع جديدة لدى يهود أمريكا كى يستخدموا نفوذهم عند الرئيس جونسون , فتستعيد إسرائيل التأييد الكامل من الولايات المتحدة .

تحول معظم نشاط الفدائيين بعد حادث السموع – وما تلاه من اجراءات لتحديد نشاطهم فى الأردن – الى سورية , وعندما حل ربيع سنة 1967 وخرجت المستعمرات الإسرائيلية للحصاد هيأت فرصة جديدة لزيادة التوتر . وتعد الغارة الجوية على ضواحى دمشق يوم 7 إبريل 1967 , والمعارك التى دارت بين الطائرات السورية والإسرائيلية فى ذلك اليوم نقطة تحول فى مجريات الأحداث التى أدت الى تفجر الأزمة وجر مصر الى الصراع . وتشير مقدمات الحادث الى أن إسرائيل كانت قد بينت النية على تصعيد التوتر .

ولم يتنبه أوثانت الى هذه الحقيقة , أو ربما تجاهلها , وذلك حين رفع تقريره عن الحالة على الحدود الى مجلس الأمن فى إبريل 1967 , ذكر فيه أن تعرض الجرارات الإسرائيلية لاطلاق النار من مرتفعات الجولان , هو أمر يتكرر كل عام عندما يحل موسم الحصاد . وعلى العكس تؤكد مصادر أخرى معروفة بميلها الى إسرائيل أنه قبل يوم 7 إبريل بقليل أرسلت المستعمرات القريبة من الحدود جراراتها الى منطقة لم يكن يستغلها المستوطنون الإسرائيليون من قبل , وهى عبارة عن قطعة أرض متداخلة فى سفح جبال الجولان , سماها الإسرائيليون على سبيل المزاح " أنف ديجول " وهذه القطعة من الأرض تقع ضمن المنطقة منزوعة السلاح , والتى لم يبت فى وضعها القانونى بعد , وبهذا التحدى كانت إسرائيل متأكدة من أن المدفعية السورية لن تسكت عن هذا الانتهاك , ولذلك وضعت سبعين طائرة , ولواء مدرعا على أهبة الاستعداد . وما أن أطلقت المدفعية السورية نيرانها على الجرارات المتقدمة الى هذه المنطقة حتى قامت الطائرات الإسرائيلية بشن الغارة على ضواحى دمشق . وفى المساء عادت الى الظهور فى سماء سورية فاشتبك معا سلاح الجو السورى الذى فقد ست طائرات فى هذه المعركة .

ماذا كانت تستهدف إسرائيل من وراء هذا التصعيد ؟ هناك احتمالان : الأول أن تكون إسرائيل قد أرادت اختبار قدرة السلاح الجوى السورى والاحتمال الثانى هو أنها أرادت أن تختبر معاهدة الدفاع المصرية السورية . وبهذا الصدد لم يظهر رد فعل مباشر , غاية الأمر أن الحكومة المصرية أرسلت الفريق صدقى محمود قائد السلاح الجوى حيث مكث فى دمشق اثنى عشر يوما , ولحق به بعد قليل صدقى سليمان , وهو أول رئيس وزراء مصرى يزور سوريا منذ الانفصال . هل رتبت أثناء هذه الزيارات خطط عسكرية جديدة ؟ الراجح أن شيئا من ذلك لم يحدث , لأن عبد الناصر ذكر بنفسه فى خطاب أول مايو أنه لم يتدخل بعد حادث هجوم الطائرات الإسرائيلية على دمشق , لأن السوريين أبلغوه بأن قوة طيرانهم تكفى لرد الاعتداءات الإسرائيلية . ثم اننا لو طبقنا النظرية التى عبر عنها هيكل بمناسبة حادث السموع لوجدنا أن الغارة على دمشق ليست من الحالات التى تبرر تدخل مصر .

على أن حادث 7 إبريل أثار مهاترات جديدة بين الحكومات العربية وأدت هذه المهاترات فى نهاية الأمر الى جر عبد الناصر نحو التورط فى الحرب دون الاستعداد لها , ذلك لأن اثنين من الطائرات السورية سقطتا فوق الأراضى الأردنية , فشنت الصحافة المصرية هجوما على الأردن لأنه لم يتدخل رغم أن المعركة دارت فوق أجوائه وكان طبيعيا أن ترد الاذاعة الأردنية بما كانت تردده من قبل من أن عبد الناصر يحتمى وراء قوات الطوارىء الدولية , فى حين يطلب من الآخرين أن يشتركوا فى القتال . وأضافت الاذاعة الأردنية أن أحدا لم يتدخل لمساعدة الأردن بعد حادث السموع . ثم ادعت أجهزة الاعلام الأردنية بأن آلات اطلاق الصواريخ المزودة بها طائرات الميج السورية لم تكن سوى دمى . والخلاصة هى أن المهاترات ازدادت قوة بين مختلف الحكومات العربيى وصار كل ممن يسمى بالتقدميين والرجعيين يندد بجمود عبد الناصر ازاء التحديات الإسرائيلية , فقد رددت الاذاعة السعودية نفس العبارات الساخرة التى كان يحملها الأثير من اذاعة عمان .

الحشود والتظاهر بالحشود

علت نغمة التهديدات الإسرائيلية لسوريا منذ أوائل مايو سنة 1967 ولمح كل من ليفى اشكول رئيس الوزراء وإسحاق رابين رئيس الأركان الى امكان القيام بعملية غزو لاسقاط تلك الحكومة التى تأوى الفدائيين وتشجعهم على مواصلة كفاحهم . اذن لم تعد القضية مجرد غارة بل صار هناك احتمال بتعرض سوريا لغزو شامل مما يتطلب تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك بدون جدال .

والواقع أن رئيس الجمهورية المصرية صار مضطرا منذ غارة دمشق للدفاع عن موقفه فذكر فى خطاب أول مايو على نحو ما أسلفنا أنه لم يتدخل فى المعركة الجوية التى دارت فى 7 إبريل لسببين :

أولهما : أن السوريين أبلغوه أنهم فى غير حاجة الى هذا التدخل .

وثانيهما : أن مدى سلاح الطيران المصرى لا يصل الى سوريا من قواعده الكائنة فوق الأراضى المصرية .

ويرى الكتاب أن الموقف السلبى أثناء غارة دمشق هو الذى شجع قادة إسرائيل على توجيه التهديدات أثناء الجولات التى قاموا بها فى مستوطنات الجليل . مهما يكن من أمر فان عبد الناصر ووجه بموقف جديد حينما وصل مندوبان من المخابرات السورية فى 8 مايو وأبلغاه بأن 19 كتيبة إسرائيلية تحتشد على الحدود السورية , وما لبث السوفيت أن أكدوا هذا الخبر ونقلوا الى الحكومة المصرية تفاصيل خطة الهجوم على سوريا , فكان رد عبد الناصر هو قرار ارسال حشود مصرية الى سيناء فى 13 مايو .

لماذا اتبع عبد الناصر هذه الخطة ولم يتجه تفكيره مثلا الى ارسال تعزيزات جوية أو برية الى الجبهة السورية ؟

ربما يرجع ذلك الى أن الثقة الكاملة بحكومة سوريا لم تتوفر بعد أو لأنه من الصعب ارسال مزيد من القوات خارج البلاد بينما ما تزال هناك فرقتان كاملتان باليمن . أما ارسال الحشود الى سيناء فلم يكن يمثل عند اتخاذ القرار مخاطرة كبيرة لأن المقصود منها ممارسة ضغط على إسرائيل حتى تحول حشودها من الجبهة الشمالية الى الجنوبية , فاذا تحقق ذلك فان الزعيم يسترد هيبته دون المغامرة بالحرب .

وينبنى هذا التفكير على افتراض أن مجرد جمع الحشود سيخيف إسرائيل دون أن تذهب الى حد الهجوم على مصر , فقوات الطوارىء الدولية ما تزال موجودة ثم ان هناك اعتقادا عاما من ذلك الوقت بتفوق مصر عسكريا . وحسب التصريحات التالية التى صدرت عن عبد الناصر فيما بعد فانه قدر احتمال الحرب عند ارسال الحشود الى سيناء ب 20 بالمائة وربما بولغ فى هذا التقدير لأن الشواهد كلها تدل على عدم الجدية عند ارسال الحشود المصرية . فقد تعمدت السلطات العسكرية التطويف بالحشود وسط شوارع القاهرة حتى يراها الدبلوماسيون الأجانب فيحذروا من مغبة القتال , ثم ان هذه الحشود ضمت عددا كبيرا من الاحتياطى والجنود غير المدربين لأن القصد هو اظهار ضخامة الحشد يضاف الى ذلك عدم وجود أية خطة هجومية لدى القيادة المصرية فى حالة ما لو نفذت إسرائيل هجومها على سوريا . والأهم من ذلك كله هو أن ارسال الحشود لم يقترن بطلب سحب قوات الطوارىء الدولية , وانما جاء هذا الطلب بعد يومين ونتيجة السخرية التى قوبلت بها الحشود المصرية بواسطة بعض الاذاعات العربية . وسيؤكد عبد الناصر نفسه هذه الحقيقة عندما يذكر فى خطاب 23 يوليو التالى بأن اخواننا العرب هم الذين انتقدوا علينا بقاء قوات الطوارىء فطلبنا سحبها . هناك اذن حقيقة مؤكدة بعدم وجود نية للحرب عند ارسال الحشود الى سيناء , أما الأمر الذى لم يتأكد وسيظل الجدل حوله بين المؤرخين فهو مدى صحة وجود حشود إسرائيلية تجمع حشود لها فى هذا الوقت على حدود سوريا , كما أن الأمم المتحدة قد طلبت الى لجنة الهدنة التحقق من أمر هذه الحشود فقررت أنه لم تجد لها اثر والأهم من ذلك هو ما ذكره شمس بدران أثناء محاكمته التى جرت فى فبراير سنة 1968 من أن المخابرات المصرية ذهبت للتحقق من رواية الحشود ثم قررت عدم صحة وجودها . وأضاف وزير الحربية بأن محمد فوزي رئيس الأركان أرسل من جهته مندوبين للتحقيق فأيدوا هذه الحقيقة .

أما عبد الناصر فقد حمل السوفيت مسئولية الرواية ولاذ بالصمت فيما يتعلق بتحقيقات المخابرات المصرية , وهذا فى حد ذاته يجعلنا نتساءل : لماذا نسب الرواية الى السوفيت وحدهم دون السوريين مثلا ؟ هل اراد أن يحملهم مسئولية ما يجرى وبذا يحصل منهم على مزيد من المساعدات كنوع من التكفير عن الذنب ؟ على كل حال فان طريقة التلميح الى السوفيت تنطوى على عدم التأكد من صحة الرواية ..

رغم هذه الشكوك الكثيرة التى تحوم حول حقيقة التجمعات العسكرية الإسرائيلية فهى لا تقوم دليلا قاطعا على عدم وقوع التحشد , فمن الجائز أن تكون إسرائيل قد أرسلت حشودا ثم سحبتها بعد قليل وتمكنت من ذلك بفضل سهولة قواتها واعداد الطرق اعدادا جيدا لهذه التحركات . وهناك من السوابق ما يدل على أن إسرائيل اذا أرادت أن تضرب فى جبهة ما فانها تتظاهر بالتوجه نحو جبهة أخرى , ففى سنة 1956 تظاهرت إسرائيل بأنها تنوى العدوان على الضفة الغربية , بل قامت بغارة بالفعل على الأردن وذلك حتى تحول الأنظار عن مصر . وقياسا على ذلك فلا يستبعد أن تكون إسرائيل قد حشدت بعض كتائبها على الحدود السورية بقصد التضليل ثم أسرعت بنقل حشودها الى الجبهة الجنوبية حيث تنوى أن تسدد ضربتها .

واذا افترضنا أن قصة الحشود غير صحيحة من أصلها , فلماذا أسرع السوفييت الى ابلاغ عبد الناصر بالأمر دون التحقق من الموضوع , سيما وأن حكومة تل أبيب طلبت فيما بعد الى السفير السوفييتى أن يذهب بنفسه الى الجبهة للتحقيق , فأبى الاستجابة لهذا الاقتراح .

يفسر أحد الخبراء بالشئون السوفييتية هذا الموقف بأن سياسة خروشوف فى الشرق الأوسط كانت قد تعرضت لانتقادات شديدة , على أساس أن ثمراتها نقل كثيرا عن الأموال والجهود المبذولة فى المنطقة . وهناك دوائر معينة فى الحكومة السوفييتية تضم بعض المتخصصين فى شئون الشرق الأوسط يهمها استمرار الصلات الوثيقة بالعالم العربى .

وقد وجدت هذه الدوائر فى نظام الحكم السورى الدليل الملموس على نجاح المجهودات السوفييتية المبذولة فى العالم العربى . وقد لمست هذه الدوائر أن الصراع ضد الصهيونية يجلب لأصحابه الشعبية أكثر من المبادىء الماركسية , ولذلك نصحت بمساندة النظام السورى حتى فى تأييده لفكرة الحرب الشعبية ضد إسرائيل . فلما وقعت الغارة على دمشق وتحرج مركز النظام خشيت من سقوطه فيما لو تكررت مثل هذه الحوادث . وبما أن عبد الناصر لا يتحرك ويتخذ موقفا يساند النظام السورى . وهذا هو نفس التفكير الذى لابد وأن يكون قد جال بذهن السوريين حينما أوفدوا رجال مخابراتهم الى القاهرة لنقل نبأ الحشود .

ويمكن ايجاد تفسير آخر خلال تتبع الصحافة السوفيتية منذ سنة 1957 , فهى قد نشرت فى أكثر من مناسبة أنباء عن تعرض سوريا لأخطار عدوان خارجى . ولو أن طبيعة هذا العدوان فى سنة 1957 اختلفت عنه فى سنة 1966 , ففى المرة الأولى تركز التنبيه على تركيا والولايات المتحدة . ومنذ 1966 تكررت التلميحات الى احتمال عدوان إسرائيلى على سوريا . فنسبت جريدة برافدا فى أكتوبر 1966 الى إسحاق رابين خطة لهجوم شامل على سوريا يستهدف اسقاط النظام . وتحدث فدرنكو المندوب السوفييتى الدائم فى مجلس الأمن بنفس هذا المعنى قائلا ان المؤامرات تحاك ضد سوريا منذ أن قام فيها نظام الحكم الوطنى التقدمى .

أما الجديد فى رواية مايو , فهى أنها أبلغت بصورة رسمية الى مصر كما أخبر بها وفد برلمانى مصرى كان يزور موسكو فى ذلك الوقت . والمقصود من تتبع الروايات السوفييتية السابقة هو القول بأنه كان لابد من التثبت منها , ولا يستبعد أن يكون عبد الناصر قد تشكك فيها , ولكنه كان قد قرر من قبل الخروج عن سياسة الحذر . وهناك من الشواهد ما يدل على هذا الاتجاه الجديد , وتحول عبد الناصر التدريجى نحو تأييد الحرب الشعبية . وهذا التحول يعتبر جزءا من نزعة تصلب عامة سيطرت على الرئيس المصرى منذ 1966 , وهى تتضح مثلا من توسيع الصراع فى اليمن حتى قاده ذلك الى اصدار الأمر بالاغارة على جيزان ونجران بالسعودية , والتورط فى المنازعات الداخلية اليمنية واعتقال عديد من زعماء الثورة السابقين لخصومتهم مع عبد الله السلال , مما تطلب تعزيز القوات المصرية فى اليمن .

أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فقد شعر عبد الناصر بأن خطة الانتظار بلا حدود سوف تضيع هيبته فى العالم العربى . وعند استقبال عبد الرحمن عارف الرئيس العراقى اذ ذاك فى فبراير 1967 صرح له بأنه يؤيد الحرب الشعبية , ولكن بعض الدوائر الفلسطينية كانت تدرك صعوبة الاستمرار فى هذه الحرب , ولا تقتنع بحذر عبد الناصر طالما أنه يصرح بأن لمصر أكبر قوة ضاربة فى الشرق الأوسط , وخرجت بعض الصحف اللبنانية الناطقة باسم هذه الدوائر الفلسطينية تحذر من طول الانتظار الى حين تمتلك إسرائيل القنبلة الذرية , وطالبت مصر بتدمير المفاعلات النووية فى ديمونه قبل فوات الأوان . ومما أوجد هذه الحالة النفسية المتوترة , أن عبد الناصر اجتاحه شعور بأن الولايات المتحدة تدبر له انقلابا , على نسق ما حدث فى أندونسيا . وقد أصابه ذعر شديد عندما وقع الانقلاب العسكرى فى اليونان إبريل 1967 ذلك الانقلاب الذى حمل السلطة بعض الجنرالات الموالين للولايات المتحدة . فقد اعتقد أن المؤامرة التالية ستنصب عليه . بل ان الخطوط العريضة لهذه المؤامرة نقلت على النحو التالى بواسطة المخابرات المصرية . ( تحرض الولايات المتحدة إسرائيل على مهاجمة سورية فيسقط النظام القائم فى دمشق , ويحل محله نظام موال للولايات المتحدة , بشن حملة على عبد الناصر لتقصيره فى تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك ) ومما يرجح تملك هذا الشعور لعبد الناصر اللهجة التى سادت خطابه فى أول مايو , فقد ركز هجومه على الولايات المتحدة وعدد من رؤساء الدول العربية الذين اعتقد بموالاتهم لأمريكا أكثر مما تناول التهديدات الإسرائيلية لسوريا . وهناك تفسير يستحق النظر لتحول عبد الناصر الى المغامرة بالحشود والاجراءات التى تلتها على أثر التبليغ السوفييتى خلافا للتنبيهات التى صدرت فى الماضى عن دوائر سوفيتية على نحو ما أشرنا اليه , اذ ربما يكون عبد الناصر قد استنتج من نقل السوفييت خطة عسكرية مفصلة خاصة بغزو سوريا , أن السوفييت سيساندون العرب مساندة فعالة على أعلى المستويات .

يبقى بعد ذلك موضوع داخلى على غاية من الأهمية فى رأينا , وان كنا لا ندعى القدرة على البت فيه , بل نعتقد أن التاريخ سيقف عاجزا عن اكتشاف ملابساته لأنه مرتبط بالعلاقات الشخصية بين رئيس الجمهورية والقائد العام للجيش .

وقد اشرنا فى مناسبة أخرى الى أن المشير عبد الحكيم عامر استأثر هو ورجاله بكل شىء فى القوات المسلحة , ويبدو أن رئيس الجمهورية أراد أن يسترد بعض نفوذه فى الجيش فعين محمد فوزي رئيسا للأركان , وقابل المشير ذلك بتعيين أنصاره فى مراكز قيادية أخرى , ومن هنا نشأ نوع من التنافس بين الرجلين , وهو يفسر لنا كثرة الاحالات على الاستيداع والتنقلات بين رجال القوات المسلحة .

وخلاصة ذلك كله أنه من الممكن فى مثل هذه الأحوال أن تتخذ القيادة السياسية اجراءات لا تتسق مع الأحوال العسكرية . ومن الشائع فى مثل هذه الحالات أن يسارع كل من العسكريين والسياسيين الى أن يحمل أحدهم الآخر مسئولية الهزيمة . وقد حدث نفس الشىء فى فرنسا بعد هزيمتها فى سنة 1940 وفى مصر زعم عبد الناصر فيما عبد أنه قبل اتخاذ اجراءاته سأل عن حالة الجيش فأجابه عبد الحكيم عامر " برقبتى ياريس " فاعتبر هذه الكلمة العابرة بمثابة تقرير عن صلاحية القوات المسلحة لخوض الحرب .

الفصل العاشر:التصعيد

عبد الناصر ينساق مع التيار

ان من يتتبع الاجراءات التى اتخذها عبد الناصر بعد ارسال الحشود , يلاحظ أن كل خطوة أدت الى ما بعدها دون ترتيب أو اعداد سابق , فحشود سيناء كما راينا أرسلت بقصد التخويف والتحذير , وليس بقصد الحرب , ولكن هذه الخطوة أدت الى طلب تعديل مواقع قوات الطوارىء الدولية . ثم انساق عبد الناصر بعد أن ووجه بموقف أوثانت الى طلب السحب الشامل , فلما صارت شرم الشيخ بيد القوات المصرية , لم يعد بالامكان رؤية السفن الإسرائيلية تمر أمامها فى حين تقف هذه القوات متفرجة عليها على حد ما ذكره الرئيس فيما بعد . وهكذا انساق عبد الناصر الى القرار الحاسم باغلاق المضايق .

وتفصيل ذلك أن ارسال الحشود لم يمنع بعض الاذاعات العربية من مواصلة حملتها ضد هؤلاء ( الذين يزمجرون بالحرب ويقفون محتمين وراء قوات الطوارىء الدولية ) وكشفت اذاعة عمان عن أن عبد الناصر كان قد تعهد فى مؤتمر القمة الثالث بالدار البيضاء بأنه فى حالة هجوم إسرائيلى على احدى الدول العربية , لن يترك قوات الطوارىء الدولية تفصل بينه وبين المعتدين . حينئذ بادرت الحكومة المصرية الى توجيه خطاب باسم محمد فوزي رئيس الأركان الى ركى القائد الهندى للقوات الدولية فى 16 مايو , وقد اشار هذا الخطاب الى أن إسرائيل تنوى أن تهاجم سوريا , واذا اضطرت مصر الى التدخل , فان القوات الدولية تغدو فى خطر , ولذا يتوجب على هذه القوات أن تخلى منطقة الحدود , وتتجمع فى خان يونس ورفح . ومن الواضح اذن أنه حتى ارسال هذا الخطاب لم يكن القصد هو سحب قوات الطوارىء نهائيا من مصر . وانما تغير الطلب بعد يومين حينما واجه أوثانت الحكومة المصرية بأحد اختيارين , فاما أن تبقى قوات الطوارىء الدولية على وضعها الراهن دون أى تغيير واما أن تطلب سحبها نهائيا , وهو حقها الكامل .

ذلك أنه عند وصول خطاب محمد فوزي الى ركى , رد القائد الهندى بانه لا يستطيع البت فى هذا الموضوع الا بعد الرجوع الى الأمين العام للأمم المتحدة , وهو المسئول الأخير عن قوات الطوارىء الدولية . جمع ممثلى الثمانية المشتركة فى قوات الطوارىء الدولية , وعرض عليهم الموقف فأبدت كل من كندا والسويد بعض الاعتراضات القانونية , والمحت الى أنه من الأفضل عرض الموضوع على مجلس الأمن أو الجمعية العامة . أما مندوبا الهند ويوغسلافيا فقد ذكرا أن من حق مصر الكامل توجيه مثل هذا الطلب , بل اضافا أنه فى حالة امتناع الأمين عن الاستجابة لرغبة مصر فانهما قد يطلبان سحب الكتائب التابعة لهما بصورة منفردة . وبناء عليه وجد أوثانت أنه من الناحية العملية سيتعذر ابقاء قوات الطوارىء بصورة مختلفة عما تريده مصر . ومن هنا واجه الحكومة المصرية بالاختيارين . ومن المتوقع فى مثل هذه الحالة أن تختار مصر السحب التام لقوات الطوارىء , ذلك لأن بقاءها بشكل لا يتفق ورغبة الحكومة المصرية يؤثر فى هيبة الزعامة أكثر مما لو لم تطلب السحب أصلا .

أثار موقف أوثانت تساؤلات كثيرة , فاتهمه البعض بأنه أراد أن يلعب السياسة الأمريكية , وذلك باحراج عبد الناصر ودفعه الى الحرب ثم اسقاطه , بينما يرى آخرون عكس ذلك تماما , فيقولون ان أوثانت الذى ينتمى الى دولة آسيوية أراد أن يورط الأمريكيين فى التوتر الذى سيزداد فى الشرق الأوسط نتيجة سحب قوات الطوارىء , وبذلك يخف ضغطهم فى فييتنام .

وهناك شبهات تدور حول ميول يوثانت نحو إسرائيل , فقد ورد على قلم الكاتب الصهيونى دافيد كمشى قوله انه حينما كان أوثانت سفيرا بالولايات المتحدة صرح لوفد من اليهود الأمريكيين سنة 1958 بأن اليهود شعب آسيوى فى الأصل , وأن الاسيويين يرحبون بعودتهم الى قارتهم الأصلية . ويستنتج من كل هذه الآراء أن التعجيل بسحب قوات الطوارىء كان لخدمة المصالح الإسرائيلية , ولو سئل أى شخص فى العام لالعربى وقت الأزمة لأقر بالعكس . وهؤلاء الذين انتقدوا أوثانت لأنه لم يعرض القضية على الجمعية العامة أو مجلس الأمن , يبنون حجتهم على أساس أنه لوفعل ذلك لأعطى لعبد الناصر فرصة أطول للمناورة السياسية كام من الممكن أن تجنب الحرب , ولكن ألا يمكن الرد على ذلك بأنه ليس مطلوبا من الأمين العام للأمم المتحدة أن يساعد فى مناورات سياسية بين الدول الأعضاء ؟ ومن الجائز تفسير أوثانت بكل بساطة , وهو أنه أراد أن يكون حرفيا فى تطبيق القانون الذى أنشئت بمقتضاه الطوارىء الدولية . ويبدو أن أوثانت بعد أن سمع هذه الانتقادات , أراد أن يبرر موقفه فرفع تقريرا مفصلا فى 27 يونيو الى مجلس الأمن دلل فيه على أن موقفه يتمشى مع نص قانون انشاء قوات الطوارىء الدولية وكيف أنه لا يتضمن أية شروط ملزمة لمصر فى ابقائها أو كيفية عملها سوى حسن النية , كما ذكر بأنه لا يمكن استمرار هذه القوات فى أداء مهمتها دون التعاون التام من الدول المشتركة .

على أنه بعد انتهاء الحرب واثارة هذا الجدل , استخرج بعض الكتاب نص مذكرة بتاريخ 5 أغسطس 1957 تلخص الحوار الذى دار بين همرشلد وبيرنز , أول قائد لقوات الطوارىء حينذاك من جهة . وبين المصريين من جهة أخرى . ومن خلال هذا الحوار استنتج هؤلاء الكتاب أن المندوب المصرى سأل : الى متى تبقى هذه القوات ؟ فأجاب بيرنز أنه : من الصعب الرد على هذا السؤال . فهى قد جاءت لأداء أهداف معينة , فاذا انتهت هذه الأهداف فلا ضرورة لبقائها . وعليه اقترح بيرنز أنه فى حالة طلب مصر سحب القوات فان الأمر يعرض على الجمعية العامة , وهى التى تقرر ما اذا كانت قوات الطوارىء قد حققت أهدافها أم لا .

وقد أنكر أوثانت أن تكون هذه المذكرة ضمن الأمم المتحدة الرسمية . وعلق عليها لاكير الذى نشر نصها بقوله انها وجدت فى أوراق همرشلد الخاصة , وانها سلمت قبيل وفاته الى صديقه الأمريكى ايزنست جورس من أعضاء الوفد الأمريكى لدى الأمم المتحدة . ومهما اختلف حول موقف أوثانت وميوله , فمن الواضح أنه لم يسلب ازاء عدوان يونيو 1967 نفس المسلك الذى سلكه همرشلد . فقد ذهب هذا الأخير الى حد التهديد بالاستقالة اذا مضت إسرائيل فى احتلال الأراضى المصرية .

لم يشر طلب مصر الأول الى شرم الشيخ كاحدى النقاط التى ينبغى انسحاب قوات الطوارىء الدولية منها , ولكن ما أن اختارت مصر الانسحاب التام فى 18 مايو بمقتضى خطاب من وزير الخارجية محمود رياض , حتى وجه أمر الى الكتيبة اليوغسلافية الصغيرة المرابطة فى شرم الشيخ بالانسحاب فى خلال 18 ساعة , وهذا لا يعنى بالضرورة أن التفكير فى اغلاق المضايق كان قد تبلور , وانما قصد بذلك منع غارة إسرائيلية محتملة تستهدف الاستيلاء على شرم الشيخ قبل دخول القوات المصرية اليها . ومضت ثلاثة أيام دون أن تشير الصحافة المصرية الى موضوع المضايق , وأول اشارة وردت عن هذا الموضوع نشرت فى الأهرام بتاريخ 21 مايو على شكل خبر يقول ان حكومة تل أبيب تدرس الموقف فى حالة ما لو أغلقت المضايق فى وجه الملاحة الإسرائيلية .

أما القرار باغلاق المضايق فقد اتخذ فى مساء 22 مايو , اثر زيارة قام بها عبد الناصر للقاعدة الجوية فى بير جقجاف , لذلك قيل ان صغار الضباط هم الذين حثوا الرئيس أثناء تلك الزيارة على اتخاذ ذلك القرار . وقد أجريت على أثره دراسات قانونية واسعة فى مصر تؤكد حق العرب على طرفى المضايق فى اغلاقها فى وجه الملاحة الإسرائيلية , ويستمد هذا الحق من القانون والتاريخ . وليس هنا مجال مناقشة هذا الموضوع , اذا انتهى أمره منذ أن وافقت الدول العربية المطلة على خليج العقبة على قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر فى 1967 , والذى يتضمن مبدأ انهاء حالة الحرب . والذى يعنينا فى مثل هذه الدراسة التاريخية هو بحث الدوافع التى أدت الى اتخاذ القرار , وهل كان مبنيا على اساس لمواجهة عسكرية شاملة , اذ من المعروف أن إسرائيل تعتبر مثل هذا الاجراء من بين الحلات الموجبة للحرب .

اذا راجعنا التصريحات التالية التى أدلى بها عبد الناصر نستنتج منه بكل وضوح أن اغلاق المضايق تقرر مثل الخطوات السابقة بدون اعداد أو ترتيب , فقد ذكر سببين فى خطاب 23 يوليو 1967 لاتخاذ هذا القرار : الأول أن الجنود المصريين الذين يغمرهم الحماس ما كانوا يستطيعون وهم واقفون فى شرم الشيخ أن ينظروا الى سفن العدو تمر تحت أنظارهم دون أن يبدوا حراكا . والسبب الثانى هو أن الاذاعات العربية لم تتوقف عن انتقاد عبد الناصر قائلة بأن المهم ليس هو سحب قوات الطوارىء , بل ان مغزى هذا السحب لا يتحقق الا اذا منعت سفن العدو من المرور فى مضايق تيران وصنافير . وبصرف النظر عن هذه المزايدات الواضحة التى سادت العقلية العربية فى ذلك الوقت , فاننا نستطيع القول من خلال هذه التصريحات أن عبد الناصرسيق الى هذه الخطوة دون ترتيب كما سيق الى ما قبلها من خطوات . وأن الانفعال الشخصى قد لعب دورا كبيرا فى هذا الانسياق , ولو أننا لا نحب أن نتوسع فى التفسير النفسى للتاريخ , ولكن أثر الانفعال يبدو واضحا فى سرعة اتخاذ القرارات ابان الأزمة .


ومما يؤيد هذا الرأى حادثة وقعت قبيل اتخاذ القرار , فقد سقط خمس ضباط وجنود مصريين أثناء قيامهم باحدى الدوريات فى يد العدو يوم 20 مايو , واستجوب إسحاق رابين رئيس الأركان اثنين من الضباط المصريين حول موضوع المضايق , فذكرا بأنهما التقيا منذ وقت قصير بالمشير عبد الحكيم عامر , وأنه أكد لهما بأن المضايق لن تغلق . وعلى كل حال فان هذا الاقرار ليست له أهمية فى حد ذاته .


والظاهر أن الرئيس شعر بالنتائج الجسيمة التى ترتبت على قرار اغلاق المضايق , فزعم فيما بعد أنه اتخذ بالاتفاق مع الاتحاد الاشتراكى وكان لأقرب الى المنطق أن يقال انه اتخذ بناء على دراسة للموقف العسكرى سيما وأنه صدر اثناء الزيارة المشار اليها للقاعدة الجوية المتقدمة فى سيناء .


أما تفسير المصادر الإسرائيلية لهذا القرار فهو أن خطاب ليفى اشكول فى الكنيست يوم 22 مايو كان ينم عن روح التخاذل والضعف مما شجع عبد الناصر على سرعة اتخاذ القرار فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى بانه رغم أن الحشود المصرية تصل الى 80 ألفا , وهو ما لم يسبق حشده فى سيناء , فهو ما زال يرجح أن الهدف هو مجرد التظاهر . ثم انتهى بتوجيه نداء الى الدول العربية للمصالحة . ومن الأصح فى مثل هذه الظروف أن يقال ان مثل هذا الخطاب انما كان فخا لجر عبد الناصر الى التصلب , وبالتالى يمكن لإسرائيل أن تبرر عدوانها .


وربما لم يفطن بعض النواب الى هذه الحقيقة , ولذلك اشاروا الى ضرورة افهام عبد الناصر بأن إسرائيل تنوى أن تتخذ موقفا جديا . ووصفوا الرئيس المصرى بالحذر . وتوقعوا أنه سيتراجع اذا فهم جدية النوايا الإسرائيلية لأنه غير مستعد للمغامرة . وكان رأى النواب الشيوعيين أثناء هذه المناقشة هو أن الولايات المتحدة وبريطانيا تحرضان إسرائيل على القتال لتقويض حكم عبد الناصر . وبالتالى تأمين مصالحها البترولية فى العالم العربى .

وبصدد موضوع المضايق خرج محمد حسنين هيكل بتحليله الخاص فى مقال بصراحة المنشور فى 26 مايو 1967 فذكر ( ان اغلاق المضايق ليس خطيرا من الناحية الاقتصادية بالنسبة لإسرائيل , وانما تكمن أهميته فى الأثر النفسى فمنذ سنة 1948 وحتى الآن يتقدم مسار التاريخ لصالح إسرائيل .

وباتخاذ هذا القرار ينعكس التيار لأول مرة ويتجه مسار التاريخ لصالح العرب وقد تتفق بعض المصادر الإسرائيلية مع رأى هيكل فى أن اغلاق المضايق ليس مسألة حياة أو موت وانما هى تصبح كذلك اذا صدق تحليل رئيس الأهرام من أن القضية هى تحول تاريخى , فهذا أدعى لدفع إسرائيل نحو الحرب .

لقد أدركت جميع الأطراف بأن المسألة صارت جدية بعد قرار اغلاق المضايق , فماذا كانت خطة عبد الناصر فى المجال العسكرى بعد أن لاحت نذر الحرب ؟ لقد ذكر الرئيس المصرى فى المؤتمر الصحفى الشهير الذى عقده فى 28 مايو أنه ينوى البدء بالقتال , بل ان مصر ستقف تنتظر الضربة الأولى , فاذا قامت الحرب فان أحدا لا يعرف متى وكيف تنتهى . وفى خطاب التنحى ذكر رواية مختلفة فقال بأن القوات المصرية كانت متأهبة للهجوم فى يوم 26 لولا أن السفير السوفييتى جاء وأيقظه فى الساعة الثالثة صباحا ليخبره بأنه ينبغى على مصر ألا تكون البادئة بالقتال . ومن الجائز أن يكون التصريح الصادر فى المؤتمر الصحفى نتيجة للابلاغ السوفييتى , كما يحتمل أيضا أن الرواية اختلفت بعد أن ظهرت نتائج الحرب , وكأن عبد الناصر أراد أن يقول ان الاتحاد السوفييتى فوت عليه فرصة الضربة الأولى , ولذلك هزمت القوات المصرية .

كذلك تناقض محمد حسنين هيكل مع نفسه فى مقالات بصراحة التى تناولت هذا الموضوع , اذ ذكر فى مقال 26 مايو أن مصر لن تبدأ القتال وستقف تنتظر الضربة الأولى , ثم عاد وكتب فى أكتوبر 1967 أن القوات المصرية بعد سحب قوات الطوارىء اتخذت وضعا هجوميا , وكان ينبغى عليها أن تتخذ وضعا دفاعيا طالما أن الخطة هى عدم البدء بالقتال . وأضاف أن هذا الاختلاف بين القرار السياسى والترتيبات العسكرية زاد من جسامة الهزيمة وفى رأى الفريق صلاح الحديدى أنه لم توجد خطة هجومية على الاطلاق بل يذكر أن الخطط الدفاعية كانت ناقصة , ولم تبحث خطة للدفاع عن شرم الشيخ منذ سنة 1956 , ونحن نرجح ألا تكون هناك بالفعل نية للهجوم فى أى وقت لدى القيادة السياسية على الأقل .

أما التصريح بأن مصر ستقف لتتلقى الضربة الأولى , فهذا يتم عن ثقة بالنفس مبالغ فيها , ذلك لأن القيادة كانت ما تزال تعيش فى الأمجاد التى نسجتها حول حرب 1956 وقد صرح عبد الناصر بالفعل فى مؤتمره الصحفى أنه لولا الغزو الانجليزى الفرنسى لما استطاعت إسرائيل اجتياح سيناء . وقد كانت حصون ابو عجيلة ورفح صامدة الى أن أتاها الأمر بالانسحاب . واذن فقد بنيت الحسابات العسكرية على أساس أن إسرائيل ستتبع سنة 1967 نفس الأسلوب فتهاجم الحصون المصرية واحدا بعد الآخر .

وقد تسقط غزة لعدم توفر الدفاع عنها , ولكن ستأتى الأمم المتحدة وتصدر قراراتها بالانسحاب وايقاف القتال . أما القيام بهجوم جوى شامل فى الأعماق المصرية فهذا أمر يبدو أن عبد الناصر استبعده تماما , لأنه كان يعيش فى ذكرى سنة 1956 , وفى ذلك الوقت لم يشترك الطيران الإسرائيلى فى الغارات على مصر , بل على العكس استعانت إسرائيل بحماية جوية فرنسية . وبما أنه لا يوجد فى هذه المرة شريك لإسرائيل فى العدوان , فانها لن تملك القوة الكافية للاغارة على المطارات المصرية .

نحن نرجح اذن أنه لم توجد خطة للهجوم , وان وجدت فهى تستهدف القيام ببعض الغارات البرية أوالجوية المحدودة . بل نستطيع القول ان عبد الناصر ظل حتى آخر لحظة يأمل فى تجنب القتال مع تحقيق بعض المكاسب التى يسترد بها هيبته فى العالم العربى , وهذا بالضبط ما لم ترده الولايات المتحدة والدليل على ذلك ترحيبه بوساطة أوثانت الذى جاء الى القاهرة فى محاولة للتغلب على الأزمة . وقد وافق الرئيس المصرى على خطة تعبير حلا وسطا لمسألة الملاحة الإسرائيلية عبر المضايق . وتتضمن هذه الخطة امتناع الطرفين عن أى عمل يزيد التوتر , وقبول وسيط من لدن أوثانت يجرى اتصالات مستمرة بين القاهرة وتل أبيب , على أن يوجه أوثانت خلال هذه الفترة نداء للدول البحرية حتى لا تضع مواد استراتيجية على سفنها المتجهة الى ايلات عبر مضايق تيران وصنافير . وفى مقابل ذلك تسمح السلطان المصرية بمرور السفن المتجهة الى ميناء ايلات أو القادمة منها دون تفتيش , وذلك انتظارا لحل بخصوص السفن الإسرائيلية . ومن بين الحلول التى طرحت للبحث حول هذه النقطة رفع الخلاف الى محكمة العدل الدولية , وهو أسلوب درجت إسرائيل على نبذه .

وللأسف فانه فى حين كان عبد الناصر يبدى روح المصالحة عند التحدث مع الأوساط الدبلوماسية الغربية , فانه كان يتبع أسلوبا مغايرا تماما عند مواجهة الجماهير , واتضح ذلك من الردود الى أن القضية لا تتعلق بمضايق تيران أو غيرها , بل بشعب فلسطين الذى شرد منذ 1948 , وأن الوقت قد حان لرفع الظلم عن هذا الشعب . ويستنتج الغربيون مثل الإسرائيليين من اشارات العرب الى سنة 1948 وما نجم عنها , أنهم يريدون استئصال الوجود الإسرائيلى . وقد ايدهم فى هذا الاعتقاد اسلوب أجهزة الاعلام العربية , اذ من المعروف أن هذه الأجهزة تعمل بتوجيه كامل من السلطة .

وأخيرا فقد جمع عبد الناصر فى يوم 2 يونيو مؤتمرا من كبار القادة العسكريين وبعض الشخصيات المدنية , وصرح أمام هذا المؤتمر بأنه قد كسب المعركة تماما على الصعيد السياسى , ولذلك يجب الامتناع عن أى عمل هجومى حتى لا تستثار الولايات المتحدة , كما ذكر بأن فرنسا أعلنت أنها ستقف ضد من يبدأ العدوان . ولم يلتفت فى هذا المؤتمر الى مناقشة الخطط العسكرية , لذلك لم يستمع أحد الى ملاحظة صدقى محمود قائد الخسائر , واكتفى بتعليق المشير عبد الحكيم عامر على هذه الملاحظة بقوله اننا اذا بدأنا القتال فستتدخل الولايات المتحدة من البداية , وعلى العكس اذا كانت إسرائيل هى المبادأة فان الولايات المتحدة لن تتدخل .


وخلاصة ذلك كله أن الاعتبارات السياسية هى التى كانت وحدها تشغل بال القيادة . ولا يمكن أن نخرج من هذا الموقف الا باحتمالين : الأول أن تكون الثقة بالقدرة العسكرية مبالغا فيها الى حد غير معقول . والثانى هو أن تكون القيادة غير راغبة فى الحرب اصلا , وأنها ركزت الجهد للبحث عن مخرج سياسى عن طريق الدبلوماسية السرية , مثل استقبال مبعوث خاص من الرئيس الأمريكى , والـتأهب لارسال زكريا محيى الدين كمبعوث خاص الى واشنطن ونحن نرجح هذا الاحتمال الأخير .

حلم الزعامة القصير

بعد اغلاق مضايق تيران وصنافير فى وجه الملاحة الإسرائيلية , تبدل الموقف تماما فى العالم العربى فلم يعد هناك من يستطيع لوم عبد الناصر أو اتهامه بالتقصير . وانهالت عليه برقيات التأييد , ولم يختلف فى ذلك الأصدقاء عن خصوم الأمس . وبادرت بعض الدول المنتجة للبترول مثل الكويت الى الاعلان بأنها ستمنع تصدير النفط الى أى بلد يثبت أنه يساعد إسرائيل , حتى السعودية التى لم تصدر تصريحا مماثلا لاستخدام سلاح النفط أبدت تمنياتها الطيبة لدول المواجهة فيما هى مقبلة عليه من خطوات مباركة .

وحتى فى دول النفط التى لم تستقبل بعد اجتاح العمال العرب شعور حماسى جارف جعل من المتوقع أن يقوموا من تلقاء أنفسهم بقطع النفط عندما ينشب القتال , وأن بتحدوا السلطات البريطانية فى امارات الخليج بكل شجاعة .

ومن المحتمل أن يكون بعض الخصوم الدين يدركون حقيقة الأوضاع العسكرية قد تظاهروا بتشجيع عبد الناصر على خطواته تلك , لأنهم توقعوا له الهزيمة , وبالتالى فقدان الزعامة , وكأن الهزيمة لن تصيب سوى الرئيس المصرى فى شخصه . على أن من أهم النتائج التى تردد صداها فى العالم العربى هى ذلك التحول المفاجىء فى موقف الملك حسين . فمنذ أيام قليلة كانت المهاترات على أشدها بين القاهرة وعمان . وفى 28 مايو طلب حسين زيارة القاهرة حيث وضع بلاده تحت اشراف قيادة موحدة مع مصر . وصفى خلافاته مع منظمة التحرير الفلسطينية .

وتذكر بعض المصادر الأجنبية أن الدول الغربية هى التى نصحت حسينا بهذا الاتجاه , وذلك ليكون عنصرا مخففا فى الأزمة ويحض أصدقاءه الجدد على الاعتدال . وهذا الرأى لا يتمشى مع الواقع لسببين : أولهما أن ارتباط الأردن باتفاق دفاع مشترك مع مصر يزيد الموقف توترا , لأن رد الفعل الإسرائيلى على ذلك معروف . ثانيا ان الولايات المتحدة لم يكن يعنيها تخفيف حدة التوتر بل على العكس سنجدها تشجع إسرائيل سرا على خوض الحرب .

والرأى عندنا هو أن حسينا اتخذ قراره فى هذا الصدد من تلقاء نفسه . وهذا يتمشى مع أسلوبه المعهود فى الحفاظ على العرش . وقد سبق له ان اتبع هذا الأسلوب لمواجهة أزمات مماثلة . وهو يقوم على أساس الانحناء أمام العاصفة الى أن تمرففى سنة 1957 وافق على اتفاق الضمان العربى الذى أحل مصر والسعودية وسوريا محل بريطانيا لسد العجز المستمر فى ميزانية الأردن . وقد تم هذا الاتفاق على اعقاب العاصفة التى خلفها العدوان الثلاثي . وما أن هدأت حتى انقلب على الاتفاق وعلى العناصر المؤيدة له فى الأردن . وعلى اثر ثورة العراق سنة 1958 طلب نزول القوات البريطانية فى البلاد . وذلك خوفا من انعكاسات الثورة على الأردن أو استغلال إسرائيل لهذه الظروف والقيام بهجوم مفاجىء على الضفة الغربية .

ولما دعا عبد الناصر الى مؤتمر القمة سنة 1964 لم يتخلف الملك حسين عن الحضور , وعندما لاحظ أن التيار قوى نحو الاعتراف بالكيان الفلسطينى رأى أن يساير التيار , مع أنه لم يكن راغبا فى هذا الاعتراف . وخلاصة القول ان الملك حسين حافظ على حكمه وسط تيارات كثيرة معادية , واضطر فى سبيل ذلك الى خوض مناورات معقدة .

ومن بين الأخطار الداخلية التى كثيرا ما هددت الحكم , وجود المنظمات الفدائية الفلسطينية وبهذا الصدد , ذكر الملك حسين أنه حين وافق على وجود منظمة فلسطينية لم يكن يعنى ذلك التسليم بحق هذه المنظمة فى اتخاذ أراضى الأردن منطلقا للقيام بغارات على الأرض المحتلة . وفى رأيه أن هدف القيادة الموحدة التى تقرر انشاؤها فى مؤتمر القمة , هو تنسيق الدفاع عن دول المواجهة وأقصى ما يمكن تحقيقه هو أن نثبت للعدو قدرتنا على الردع , فهذا يجعله مترددا فى القيام بالعدوان . وعبر الملك عن أسفه العميق لأن الدول العربية لم تأخذ موضوع القيادة الموحدة مأخذ الجد , بدليل أنها عندما طلبت اعتمادات اضافية سنة 1965 قدرة هذه القيادة , فتكشف لها كيف أنه غير جدية . اذن فالملك يتطلع الى القيادة الموحدة كبديل عن منظمة فلسطين والأعمال الفدائية . ولم يعارض فى الاستفادة من هذه القيادة طالما أنه تقتصر على المجال العسكرى ولا تمس الأوضاع السياسية .

والحق ان غارة السموع تركت آثارا بعيدة فى الضفة الغربية , ووسعت الهوة بين سكانها الفلسطينيين وبين الملك حسين , فى حين لم تخف منظمة فتح أصلا أن من أهدافها اسقاط الحكم فى عمان . وهكذا صارت الضفة الغربية مرتعا لنمو المشاعر المعادية للملك , فلما أعلن عن الاجراءات التى اتخذتها مصر سيطرت على جماهير الضفة الغربية حماسة جارفة بحيث لم يعد بوسع الملك أن يكبحها وأصبح يواجه أحد أمرين : اما الثورة أو مسايرة عبد الناصر .

لم تقتصر هذه الروح الثورية على السكان المدنيين , بل ان ضباط الجيش الأردنى الذين عرفوا بولائهم للملك أخذوا يزمجرون منادين بعدم التخلى عن المعركة . وكان منطقهم هو أن عبد الناصر لم يفتأ يعلن أنه سيختار الوقت المناسب لتحرير فلسطين , واذن فلابد أنه قد شعر أن الوقت صار مناسبا عند اتخاذ هذه القرارات .

وهناك اعتبار ثالث اثر على الملك حسين , فقد كان يخشى أن تنهتزإسرائيل الفرصة وتستولى على الضفة الغربية أو جزء منها باعتبارها فريسة أسهل , كما فعلت فى غارة السموع . واذا فقدت الضفة الغربية , بينما تقف حكومة الأردن منعزلة فان الملك سيتهم بالتقصير أو الخيانة وسيطاح بالعرش . أما اذا فقدها وهو شريك للزعيم الأكبر , فلن يلومه أحد .

كان حسين أكثر ادراكا من غيره بحقيقة الأوضاع العسكرية , كما أنه كان على بينة أوضح بحتمية الحرب بعد قرار اغلاق المضايق , وأدرك انها ستكون لها انعكاسات بعيدة على الأردن , لذلك فان اتخاذ اجراء ما بالاتفاق مع عبد الناصر أمرا محتما .

وحسب ما ذكره الملك حسين فان هدفه من زيارة القاهرة كان مجرد الاطلاع والدراسة , لذلك أراد أن يحيط جس النبض بالسرية التامة فاستدعى سفير مصر فى عمان الى بيت سعد جمعة رئيس الوزراء , وهناك أبلغ برغبة الملك فى القيام بزيارة للقاهرة يوم 30 مايو , وعلى الفور جاء الرد بالموافقة .

وفى بداية الحوار سال الملك حسين الرئيس المصرى عما اذا كان واثقا من مركزه العسكرى , فأجاب بأنه واثق من قدرة القوات المسلحة , وهذا لا يعنى بالضرورة احراز نصر كامل على إسرائيل . ثم أراد عبد الناصر أن يتعرف على توقعات زائره , فقال : وماذا تظن أنت عن النتائج مع امكانيات الجمهورية العربية المتحدة " فأجاب حسين بأنه قد يكون ثمت تفوق فى كمية الأسلحة , لكن إسرائيل تتمتع بالقدرة على التنظيم , وهى تعد للحرب منذ زمن طويل , كما أنها تخضع لقيادة واحدة . وهنا ذكر ملك الأردن بأهمية القيادة الموحدة , وضرورة احيائها فعرض عليه عبد الناصر بدلا من ذلك عقد اتفاق ثنائى بين الأردن وبين ج.ع.م. على نسق ذلك الاتفاق المعقود مع سوريا , ولم يكن بوسع الملك سوى الموافق , ونظرا لضيق الوقت أتى بنسخة من الاتفاق المصرى السورى , ووضعت كلمة المملكة الأردنية فى اسفل النسخة الجديدة بدلا من كلمة سوريا .

ويبدو أن الملك حسين لم يعد أمامه اختيار . فقبل جميع الشروط الأخرى التى عرضت عليه ومن بينها الاعتراف بمنظمة التحرير وسحب القوات الأردنية المرابطة على الحدود السورية حتى توجه الى الجبهة . وفى نفس الوقت السماح للقوات العراقية بدخول الأردن والمرابطة فى مواقع متقدمة . والواقع أن حسينا كان قد أبدى استعدادا منذ تفجر الأزمة لدخول القوات العراقية . ولكن حكومة بغداد هى التى ترددت فى ارسال قواتها احتجاجا على موقف سابق للملك , اذ رفض بعد غارة السموع دخول القوات العراقية الى أراضيه .

ظل أمر الزيارة سرا حتى بعد وصول الملك الى القاهرة فلما أعلن عنها وما ترتب عليها من اتفاق , دهش الناس لهذه القدرة الهائلة التى جعلت أحد الخصوم يأتى ساعيا الى عبد الناصر , واضعا بلاده تحت قيادة مصرية . وكانت الدهشة أعظم لرؤية أحمد الشقيري يركب مع الملك فى طائرة واحدة عادت بهما الى عمان . واعتبر الكثيرون هذا المشهد من معجزات الزعيم الذى وفق بين النقيضين .

صارت القاهرة فى هذه الأيام مقصدا لآخرين من رؤساء الدول العربية . فتوافد عليها الرئيس السورى والعراقى , الذى أكد بدوره استعداد بلاده للمشاركة فى المعركة . وهكذا صارت الزعامة أمرا واقعا , وتركزت الأنظار حول هذه المظاهر . وكان الأجدر التساؤل عن قيمة هذه الاتفاقات الدفاعية , ذلك لأن انضمام الأردن فى اتفاق دفاع مشترك يعطى لمصر الأشراف على جبهة لها ميزات استراتيجية معروفة , ولكن هذه الميزات لا تكفى فى حد ذاتها , بل تتطلب امكانات , خصوصا وأنها تمتد على مسافة 650 ك . م .

وقد تكشف للفريق عبد المنعم رياض الذى أوفد الى عمان لتنفيذ الاتفاق أن الامكانات لمجرد الدفاع محدودة للغاية , فالقوات الأردنية لا تزيد عن 56 ألف رجل , لذلك اقترح احضار بعض القوات السورية لأنها تستطيع أن تتخذ موقعها على الجبهة بصورة أسرع من القوات العراقية التى تحتاج الى خمسة عشر يوما للتمركز على الجبهة . وتستطيع سوريا الاستغناء عن بعض قواتها نظرا لأن منطقة الجولان تتمتع بميزات طبيعية تجعل من الصعب على العدو اقتحامها .

فما هو موقف سوريا من هذه التطورات ؟ لم تتفق حكومة البعث مع مصر فى مبدأ التحالف مع الأنظمة ( ارجعية ) لأن ذلك يقوى مركزها , أما رأى عبد الناصر فهو أن انضمام أية دولة عربية جديدة سيكون له أثره النفسى ومن المعروف أنه يعول طوال هذه الأزمة على الحرب النفسية . ثم ان اجتذاب دولة صديقة للغرب سيجعل أجهزة الاعلام السورية تشن حملتها على الملك حسين بعد زيارته للهاهرة , ومما يزيد من غضبها ايواؤه للواء سليم حاطوم , ومجموعة الضباط الذين سبق له أن قاموا بمحاولة انقلاب فاشلة ضد البعث . واضطر عبد الناصر الى ارسال مبعوث على مستوى عال حتى يسكت – ولو بصفة مؤقتة – هذه المهاترات . وسكتت أجهزة الاعلام السورية على مضض ويقال ان استياء البعث من الملك حسين كان قويا لدرجة أن سوريا تعمدت التقاعس فى اليوم الأول للقتال كيدا للملك . فمن باب أولى فى هذه الظروف أن تمتنع سوريا عن ارسال قوات الى الأردن , وعلى كل فلم يكن فى الخطة الأصلية مجىء هذه القوات , بل كان أمر الدفاع عن الجبهة الأردنية موكولا الى قوات عراقية وسعودية . وباعتراف الملك حسين لم تكت هناك أية خطة عسكرية للهجوم , وما ذكره الإسرائيليون عن اكتشافهم لمثل هذه الخطة فيما بعد لم يكن يعدو تنظيم غارة ثأرية فى حالة تكرار حاث كالسموع .

رد الفعل الدولى

من الأمور التى تسترعى الانتباه فى أزمة مايو وأصدائها الدولية دور الأمم المتحدة ظل أثناءها ثانويا . وهى تختلف فى ذلك عن عهد العدوان الثلاثي سنة 1956 , ويدل ذلك على بداية تحول فى العلاقات الدولية , وبروز ما يعرف بالقطبية الثنائية أى استئثار الدولتين العظميين بالتأثير فى توجيه سياسة العالم . وقد تجلى ذلك أيضا ابان حرب أكتوبر , اذ لم تبحث الجمعية العامة اطلاقا هذا الموضوع أثناء نشوب القتال كما أن مجلس الأمن لم يناقشه الا بعد أن اتفقت الدولتان العظميان على قرار , فقدم للمجلس للموافقة عليه , ومما يجعل موقف الدولتين العظميين حاسما فى نزاع الشرق الأوسط , اعتماد الطرفين المتصارعين عليهما اعتمادا تاما فى مسألة التسليح . واذا أردنا أن نوجز موقف كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى ابان أزمة مايو يمكن القول ان كلتا الدولتين لم تفكر فى التدخل المباشر , وفى نفس الوقت لم يكن أى منهما مستعدا كذلك للتخلى عن نفوذه فى المنطقة . وفى رأى السوفييت أن الخطوات التى اتخذها عبد الناصر تضعف مركز الدول العربية الموالية للغرب . وعلى العكس تشعر الولايات المتحدة بأن أى ميزة تحققها مصر وسوريا تضر بمصالحها , لذلك صمت الولايات المتحدة على ابطال مفعول الخطوات المتخذة من جانب عبد الناصر , وهى لم تحرض إسرائيل بالضرورة على الحرب لتحقيق هذا الغرض , ولكنها أفهمتها بطريق غير مباشر أنها لن تعترض على أى عمل تقوم به .

اقتصر دور الأمم المتحدة ابان الأزمة على مظهرين : محاولة أوثانت الوساطة , واجتماع قصير لمجلس الأمن يوم 24 مايو . فعلى أثر اغلاق المضايق فكر اوثانت فى القيام بزيارة للقاهرة , ودار بينه وبين الرئيس المصرى حوار انتهى بتقديم مقترحات , وأوجز عبد الناصر اهدافه فى ثلاث نقاط : اعتراف إسرائيل بان مضايق تيران مياه اقليمية عربية . واحترام اتفاقات الهدنة لسنة 1949 بما فى ذلك تجريد العوجة من السلاح . ثم مرابطة قوات الطوارىء الدولية على جانبى الحدود . وهذه مطالب معقولة لو لم تكن قضايا النزاع العربى الإسرائيلى خاضعة لمبدأ الأمر الواقع . بل ان مبدأ المساواة نفه يقتضى قبول إسرائيل مرابطة قوات طوارىء على جانب حدودها , لكنها درجت على نبذ هذا المبدأ من الأصل . وفى نفس الوقت قدم اوثانت مقترحات قبلها عبد الناصر , ورفضتها إسرائيل . وتقضى هذه المقترحات بعدم ارسال سفن إسرائيلية لاختبار حرية الملاحة تجنبا للاشتباك , وفى مقابل ذلك تترك مصر سفن الدول الأخرى المتجهة الى ايلات دون أية مراقبة أو تفتيش الى أن تتم تسوية نهائية .أما اجتماع مجلس الأمن فقد انعقد بناء على طلب دولتين من الأعضاء غير الدائمين ولم تبد الولايات المتحدة اهتماما بمناقشة الأزمة , أما المندوب السوفييتى حوصر بالسئلة حول ما كانت بلاده تؤيد اغلاق المضايق فأجاب برد غير موفق اذ قال : ألم يسبق للولايات المتحدة أن ضربت الحصار على كوبا ؟

لا شك أن الاتحاد السوفييتى كان يرغب رغبة صادقة فى تجنب نشوب القتال , ذلك لأن مصلحته تضار فى كلتا الحالتين .فاذا حققت إسرائيل نصرا , فسيفقد مكانته فى العالم العربى واذا انتصر العرب فالراجح جدا أن تتدخل الولايات المتحدة بصورة مباشرة لحماية إسرائيل .

وقد عبرت الرسائل السوفيتية عن خشيتها من دخول قوات أجنبية الى المنطقة القريبة من حدوده . وهو حين نبه الى الحشود على الحدود السورية لم يكن يتوقع أن يؤدى رد الفعل العربى الى هذه الخطوات المتوالية . والأرجح أنه رحب بخطوة ارسال الحشود الى سيناء , وربما أيضا بسحب قوات الطوارىء الدولية . فاذا تراجعت إسرائيل بعد هذه الخطوات , مع الاعلان عن رسائل تحذير عديدة وجهتها اليها الحكومة السوفيتية , فان موسكو تستطيع أن تتفاخر بأنه قد ردعت الصهيونية عن شن العدوان على سوريا , كما فعلت فى سنة 1956 دون أن تتكبد طلقة واحدة .

أما رد الفعل السوفييتى ازاء قرار اغلاق المضايق فظل غامضا . وتشير بعض الشواهد الى عدم الرضا . فقد تأخرت الصحف السوفيتية عن نشر النبأ ثم أعلنته الشواهد الى عدم الرضا . فقد تأخرت الصحف السوفيتية عن نشر النبأ ثم أعلنته بدون تعليق . واعترف الرسميون السوفييت فى أحاديثهم الخاصة بأن القرار كان مفاجأة لهم .

وفى اجتماع مجلس الأمن المشار اليه , طرحت فكرة ارسال قوة بحرية تمثل الأمم المتحدة فاعترض المندوب السوفييتى قائلا : يبدو أن هذه طريقة مستترة لخدمة مصالح حلف الأطلسى , وايصال نفوذه الى الشرق الأوسط ولكا حوصر الرسميون السوفييت للادلاء برأيهم فى شرعية الاجراء , أجابوا لا تعليق .

وبالنسبة لإسرائيل لم يتوقف السوفييت منذ بداية الأزمة عن توجيه رسائل التحذير من شن الحرب . وفى 25 إبريل وجهت رسالة شديدة اللهجة الى ليفى أشكول , تتهم حكومته بجلب قوات أجنبية الى منطقة الشرق الأوسط وبينت الرسالة كيف أن ذلك يضر بالشعب الإسرائيلى , لأن بعض الاحتكارات البترولية تريد أن تستخدم إسرائيل لتحقيق مصالحها الخاصة , وينبغى النظر فى مصير حلفاء أمريكا بفيتنام . وأشارت مذكرة أخرى الى أن الهيئة العسكرية الحاكمة فى تل أبيب لا تراعى مصالح الشعب , وستؤدى به الى الدمار . ويستخلص من ذلك أن السوفييت كانوا ساخطين على العناصر اليمينية الإسرائيلية فى حين أنهم يحترمون الكيان الإسرائيلى واستمرار وجوده .

وعندما اشتد التوتر بعث كوسيجين برسالة خاصة الى اشكول يهيب به أن يتخذ جميع الوسائل لعدم الاضرار بالسلام العالمى , وجلب الحرب الى منطقة جديدة من مناطق العالم .

قابل أشكول هذه التحذيرات ببذل كل ما فى وسعه لاقناع السوفييت بوجهة نظره , والظاهر أنه كان يرغب فى تحييد حكومة موسكو , حتى أنه عرض على شوفاخين السفير فى تل أبيب أثناء الزيارة الليلية فى 27 مايو أن يرتب له زيارة لموسكو حتى يبرر أمام حكومتها موقف بلاده . وفى اجراء آخر حاولت الدبلوماسية السوفيتية أن تنسق خططها مع الولايات المتحدة , والذى يعنيها بهذا الصدد هو عدم تدخل أمريكا بصورة مباشرة فى النزاع طالما أن الاتحاد السوفييتى كان من جهته مصمما على اتباع هذا الأسلوب . وقد صرح جروميكو رسالة بعث بها الى واشنطن فى 23-5 بأن من الأفضل مواجهة الأزمة بعمل مشترك , كما أن الخط التليفونى الأحمر الذى يصل الكرملن بالبيت الأبيض ظل يعمل طوال هذه الأزمة تجنبا لوقوع سوء تفاهم مما قد يؤدى الى احتكاك بين قطع الأسطول السادس , وبين السفن السوفيتية المتجولة فى البحر المتوسط . وهذا لا يعنى بالضرورة الاتفاق على التفاصيل فقد رأينا كيف عارض السوفييت فكرة ارسال قوة بحرية جماعية , وهى الخطة التى مالت اليها أمريكا يوما ما .

ويبدو أن القيادة المصرية لم تكن على بينة واضحة بهذه المواقف السوفيتية فى بداية عهد الانفراج الدولى , فقد لأوفد شمس بدران للتعرف على نوايا السوفييت , وعند عودته فى 29 مايو , نقل الى الرئيس تصريح حكومة موسكو بأنه على استعداد لمساندة مصر حتى تتمكن من اعادة الحال الى ما كان عليه قبل 1956 , وهذا يعنى التأييد فى خطوة اغلا ق المضايق , ولكنه لا يدل بوضوح على نوع المساندة , ولا نستطيع الجزم بأن عبد الناصر تطلع الى مساندة عسكرية مباشرة .

تمثل رد الفعل الأمريكى فى تصريح للرئيس جونسون وصف فيه اغلاق المضايق بأنه مخالف للقانون الدولى , وبادر بارسال خطاب شخصى الى عبد الناصر قال فيه ان الولايات المتحدة تريد المحافظة على سلامة جميع الدول , وهى تود أن ترى مصر مزدهرة , ولكنها تنظر بقلق الى اغلاق مضايق تيران باعتباره عملا يهدد السلام فى الشرق الأوسط . والواقع أن عبد الناصر لم يغفل من جانبه أهمية ارضاء الولايات المتحدة حتى ولو أدى ذلك الى حل وسط تتراجع فيه مصر عن بعض اجراءاتها لأنه لك يكن مستعدا للحرب . وقد ترك جونسون هذا الباب مفتوحا أمام الرئيس المصرى ولم يتوقف النشاط الدبلوماسى حتى ساعة قيام الحرب . ويعترف كنت لاف الكاتب الأمريكى بأن جونسون ضلل عبد الناصر فجعله يعتقد بامكانية الحل السياسى حتى آخر لحظة , فى حين أنه قد أعطى إسرائيل الضوء الأخضر لشن العدوان .

ويختلف جونسون اختلافا تاما عن سلفه أيزنهاور الذى عاصر العدوان الثلاثي , فقد كان جونسون من بين مجموعة الشيوخ الذين أصدروا احتجاجا على الضغوط التى مارسها أيزنهاور على إسرائيل . وفى بداية الأزمة لم يكن جونسون على بينة واضحة بحالة إسرائيل العسكرية , ولذلك مال بعض الوقت الى فكرة تكوين قوة دولية من أربعين دولة بحرية حتى تؤمن حرية الملاحة فى مضايق تيران , سواء بواسطة الأمم المتحدة أم بدونها . كما فكر أيضا فى تدعيم هذه القوة باعلان تصدره الدول البحرية عن رأيها فى أن اغلاق المضايق عمل غير مشروع باعتبارها طريقا دوليا .

وقد بحثت هذه الخطة بالفعل عند زيارة أبا أيبان لواشنطن فى 26 مايو , وفى ذلك الوقت لم تكن المخابرات الأمريكية قد أكدت بعد لجونسون تفوق إسرائيل العسكرى , وقدرتها على الانفراد بالعمل . ولعل هذا هو السبب الذى دفع بالحكومة الأمريكية الى تحذير السفير المصرى من شن الحرب .

ذلك أنه اثناء تواجد ايبان فى واشنطن تلقى رسالة من تل أبيب تذكر أنه قد توفرت لديها معلومات تشير الى أن القوات المصرية تتأهب لهجوم فى صباح اليوم التالى . وعلى الفور اتصلت الحكومة الأمريكية بالكرملن طالبة منه أن يستخدم نفوذه لمنع مصر من بدء القتال . ووافقت حكومة موسكو على توجيه لفت نظر بشرط أن يوجه لفت نظر مماثل الى إسرائيل حتى لا تبدو مصر وكأنها هى وحدها تسبب التوتر . وبناء عليه كانت زيارة السفير السوفييتى لعبد الناصر فى الساعة الثامنة من صباح 27 مايو .

استحسنت بريطانيا فكرة العمل الجماعى , والاشتراك فى قوة بحرية دولية ولعل ولسن رأى فى هذه الخطوة فرصة لمحو أثر الخلاف الذى نشب مع الولايات المتحدة سنة 1956 , وقد تأهب رئيس الوزراء البريطانى لمقابلة جونسون فقام بزيارة لكندا , وعندما وصل اليها فى أول يونيو , كانت الخطة قد صرف النظر عنها , وبعد أن ثبتت قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها منفردة , وحتى من قبل أن تتأكد الولايات المتحدة من هذه الحقيقة وقفت عدة عقبات أمام تنفيذ الخطة . فقد اعتذرت دول بحرية هامة على رأسها فرنسا , كما أنه تبين ضرورة انتظار ثلاثة أسابيع على الأقل لتشكيل القوة المقترحة وتوجيهها الى المضايق . ولا تستطيع إسرائيل ابقاء الاحتياطى فى حالة تأهب طوال هذه المدة . وأخيرا فان دوائر إسرائيلية عديدة , وخاصة المؤسسة العسكرية لم ترحب من الأصل بتلك الخطة التى تجعل الإسرائيليين يشعرون بأنهم عالة على الغير , مما يهبط بروحهم المعنوية . والأقرب الى الصواب أن يقال ان الخطة تفوت على العسكريين فرصة التوسع الاقليمى , ولسوء حظ عبد الناصر , أن عدل عن هذه الخطة ,اذ لو نفذت لاستطاع أن يعلن أمام العالم العربى أنه ضحية العدوان الدولى .

فى هذه الأثناء كانت المخابرات الأمريكية قد رفعت تقريرا يؤكد أن الاتجاه الجديد لا يعنى بالضرورة اضعاف الصلات بإسرائيل , بل تستمر فرنسا فى تسليحها وتقديم المساعدات الفنية لها . ولم تكن فرنسا تضع قيدا على انتشار الأسرار النووية , ومن هنا كان لتعاونها الفنى ميزة كبيرة .

وقد سبق لديجول أن أصدر تصريحا مشهورا سنة 1961 وصف فيه إسرائيل بأنه حليفنا وصديقنا . وكرر مثل هذه المعانى بمناسبة زيارة أشكول لفرنسا سنة 1964 , بيد أنه لوحظ منذئذ مؤشرات عديدة تدل على تحول فرنسا التدريجى من صداقة إسرائيل الى نوع من التوازن فى العلاقات , ولهذا التحول أسبابه المختلفة . منها رغبة فرنسا فى ايجاد مصادر نفطية متعددة خاصة بعد نشوب أزمات بينها وبين الجزائر حول استغلال النفط . ومنها التعبير عن السياسة الاستقلالية ازاء الولايات المتحدة . فمن الناحية السياسية لا تساير فرنسا الدولة الغربية العظمى فى تحيزها التام لإسرائيل . ومن الناحية الاقتصادية التخلص من تحكم شركات النفط الأمريكية . ون هذه الاسباب نظرة ديجول الواقعية الى العام الثالث وتقديره لآماله , وهو يعلم أن العرب وحدهم دون إسرائيل ينتمون الى هذا العالم . وأخيرا هناك سبب ثانوى , اذ يبدو أن فرنسا أرادت أن تستغل انقطاع العلاقات السياسية بين ألمانيا الغربية ومعظم البلدان العربية مما يتيح فرصة لفتح مجالات جديدة للاقتصاد الفرنسى . أفلم تسبق ألمانيا الى استغلال ظروف سنة 1956 فتغلغلت اقتصاديا فى العالم العربى مستفيدة من ضعف صلاته بفرنسا ؟

لم يكن بوسع ديجول أن يبدل السياسة الفرنسية دفعة واحدة , فان الرأى العام كان يحتاج الى وقت حتى يقتنع بضرورة تغيير المواقف من الصراع العربى الإسرائيلى . وحتى قيام حرب يونيو كانت ما تزال هناك دوائر رسمية تتحيز لإسرائيل , وعلى راسها أجهزة الاعلام ثم الدفاع . وقد ذهب بيير مسمير وزير الدفاع الى حد التصرف بصفة شخصية اثناء الحرب لصالح إسرائيل . اذ كشف النقاب فيما بعد عن أنه سمح باقراضها عشرين طائرة حربية طار بها طيارون فرنسيون , ثم أعيدت بعد الحرب . وقبل اندلاع القتال سمح رسميا بتزويد حكومة تل أبيب بقطع الغيار اللازمة للأسلحة الفرنسية .

على أنه اثر بدء إسرائيل باطلاق النار , أعلن الرئيس الفرنسى حظرا على تصدير الأسلحة لها , وظل الحظر الفرنسى مضروبا بالنسبة لإسرائيل ولدول المواجهة العربية حتى سبتمبر سنة 1974 .

ومن جهة أخرى أخذت أفكار ديجول حول طبيعة النزاع العربى الإسرائيلى تتبلور حتى كان المؤتمر الصحفى الذى عقده الرئيس الفرنسى فى 27 نوفمبر سنة 1967 , وعبر فيه عن هذه الأفكار الجديدة وموضوعية لم تتوفر لأى من قادة الغرب , لذا فمن المفيد نقل فقراتها الرئيسية ( منذ أن تقرر تأسيس وطن قومى ثم دولة – وكثير من اليهود يتساءلون – وما زالوا يتساءلون عما كان غرس جالية فى ارض محاطة من جميع جبهاتها بعرب معدين , بوسائل تتفاوت من حيث شرعيتها , سيجر مصادمات لا نهاية لها . ويخشى البعض من أن يتحول اليهود الذين كانوا مشتتين الى شعب طموح نزاع الى القهر والتغلب على الآخرين بعد أن أحيا عظمته القديمة . وقد ايدت فرنسا قيام إسرائيل ضمن الحدود التى أقرتها الدول , وكانت تأمل أن تجد اساسا لعلاقات سلمية مع جيرانها فى هذا الاطار , غير أنها أبدت نزعة عسكرية منذ سنة 1956 تنم عن الرغبة فى التوسع , لذا لم تشأ الجمهورية الخامسة أن تستمر على نفس العلاقات الخاصة التى ربطت إسرائيل بالنظام السابق )

أثارت هذه التصريحات سخطا شديدا فى الدوائر الصهيونية لما تنطوى عليه من تلميح الى ما فى الوجود الإسرائيلى من اصطناع ومما يؤيد هذا الرأى لدى ديجول تشبيهه أحيانا وضع اليهود فى فلسطين بالمستوطنين الفرنسيين فى الجزائر سابقا .

وعلى اثر هذه التصريحات وجه بنجوريون رسائل احتجاج , فلم تحدث أى أثر لدى الرئيس الفرنسى فقد أكد رايه من جديد وفى مقابلة مع المستشار الألمانى سنة 1968 , حيث أعاد عليه حديثا كان قد جرى بينه وبين بنجوريون سنة 1961 أفضى فيه الأخير بآمال بلاده , واستنتج ديجول من هذا الحديث أن لإسرائيل أهدافا توسعية على حساب جيرانها ولذلك صار مقتنعا بأن الدولة العبرية كانت تعد مقدما لحرب يونيو , ولم تستهدف الدفاع عن النفس , بل اقتنصت الفرصة .

أبرز موقف فرنسا فى مصر باعتباره كسبا هاما , وذلك تمشيا مع منطق اعطاء الأولوية للاعتبارات السياسية . ولنفس هذه الاعتبارات وقف عبد الناصر ينتظر الضربة الأولى , لأنه بعد التحذيرات السوفيتية أصبح مقتنعا بأن مساندة الاتحاد السوفييتى ستضعف لو بدأ هو القتال , بينما قد تتحول الى مساندة عسكرية لو انتظر وأدى هذا الانتظار الى احتلال أراض مصرية . أما الولايات المتحدة فيبدو أن حكومتها قد بيتت النية على توجيه ضربة معنوية لمركز عبد الناصر . وقد ظن البعض خطأ أنه لجأت الى اقامة تكتلات فى العالم العربى لهذا الغرض . ففى عنفوان الأزمة لا تستطيع الولايات المتحدة – حتى لو أرادت – أن تحصل على تأييد الحلف الإسلامى المقترح . وقد تبين لها كيف أنه من الممكن أن تخسر أصدقاءها لو ظهرت فى الأزمة بوجه سافر بدليل تحول الملك حسين الى التحالف مع عبد الناصر . ولهذا مال جونسون الى أن تقوم إسرائيل بعمل منفرد وفضل ذلك على اقتحام المضايق بواسطة قوة بحرية دولية تقودها الولايات المتحدة , لأن هذا الأسلوب يضر كذلك بالمصالح الأمريكية فى البلاد العربية . وهكذا اكتفت الولايات المتحدة بتعزيز أسطولها فى البحر المتوسط . وأرسلت حاملة طائرات ثالثة بالاضافة الى حاملتين كانتا موجودتين من قبل . ويبدو أن هذه التعزيزات تمت لمجرد مراقبة التحركات بما فى ذلك تحركات القطع البحرية السوفييتية التى عززت هى الأخرى ابان الأزمة وكان كل طرف يريد أن يتثبت من أن الطرف الآخر لا يتدخل , ولا شك أن وجود الاتصال المباشر بين البيت الأبيض والكرملن فى هذه الأيام العصيبة كان يهدف الى تجنب أى سوء فهم قد يؤدى الى صدام بين القوتين .

أما بريطانيا فلم يظهر لها ابان الأزمة دور خاص بها مثل هذا الذى تميزت به فرنسا . ولم تخف حكومة العمال – وهى أكثر تعاطفا مع الصهيونية من المحافظين – أنها تنسق سياستها مع الولايات المتحدة . وعندما وصل اليها هارولدولسون كانت خطة القوة البحرية قد أغفلت . والظاهر أن قضية الجنوب العربى , والخوف من أن تسيطر عليه – بعد جلاء بريطانيا – فئة موالية لبعد الناصر , كانت من العوامل الرئيسية التى دفعت ببريطانيا الى اتخاذ موقف أكثر انحيازا لإسرائيل

إسرائيل تقرر الحرب

وصلت أنباء الحشود المصرية فى سيناء , بينما كانت إسرائيل تحتفل بالذكرى السابعة عشرة لقيامها . وقد لوحظ ذلك ضخامة العرض العسكرى بشكل لم يسبق له مثيل . وهو يجرى فى القدس خلافا لروح اتفاقيات الهدنة التى تحرم ادخال بعض أنواع الأسلحة الى المدينة المقدسة . ولم يظهر إسحاق رابين رئيس الأركان حينذاك أى رد فعل لهذه الأنباء . وجاء فى تقريره الى لجنة الكنيست أن الموجود فى سيناء لواء مدرع يقصد به غالبا المظاهرة السياسية . وقد سبق أن حشد عبد الناصر سنة 1960 قوات مسلحة فى شبه الجزيرة لمدة شهرين ثم سرحت .

وفى تلك المرة ستكون مدة الحشد أقصر أمدا . ولهذا السبب لم تبدأ التعبئة فى إسرائيل الا بعد سحب قوات الطوارىء الدولية .

يستنتج البعض من سرد الحقائق أن التحرش الإسرائيلى لم يكن سوى رد فعل على اجراءات عبد الناصر . بيد أن كتابا آخرين يذهبون الى عكس هذا الرأى , ويقدمون أدلة عديدة على أن المؤسسة العسكرية عملت خلال هذه الحقبة منفردة , ودفعت ليفى اشكول رئيس الوزراء الى الحرب وأول هذه الأدلة هو تلك التصريحات التى أدلى بها رابين 10 , 12 مايو ,. متوعدا سوريا بالغزو الشامل واسقاط الحكم القائم فى دمشق . وستتخذ المؤسسة العسكرية طوال الأزمة مواقف خاصة بها , مما جعل الكثيرين يعتقدون بتغلبها على الحكومة المدنية .

والواقع أن أشكول رغم ما وصف به من أنه ينتمى الى فريق الحمائم الا أنه أفاد المؤسسة العسكرية عن طريق الدبلوماسية , وبفضل دبلوماسيته حصلت إسرائيل على أسلحة امريكية متقدمة كانت الولايات المتحدة مترددة فى تسليمها .

ويبدو أن المؤسسة العسكرية صارت مقتنعة بأنه قد استنفد أغراضه ولم يعد رجل الساعة , فقد بلغ الثانية والسبعين من عمره , وهو معتل الصحة . ومع ذلك يصر على الاحتفاظ بمنصب وزير الدفاع الى جانب رياسته للوزارة مع ملاحظة أن أشكول يتبع فى ذلك تقليدا سار عليه معظم رؤساء الوزارات الإسرائيلية منذ 1948 .

كذلك كانت المؤسسة العسكرية حانقة على ابا ايبان ذلك الرجل المتخصص فى اللغات الشرقية وخريج جامعة كمبردج , والذى كان يثير استياء الكثيرين بحذلقته الدبلوماسية . وكانوا يفضلون عليه جولدا نائيير المنتمية الى نفس حزب الماباى والتى شغلت وزارة الخارجية بعض الوقت وأبدت تصلبا أكبر .

مهما يكن فقد شرعت إسرائيل فى التعبئة بعد سحب قوات الطوارىء الدولية , ومع ذلك فقد ظل أشكول يتظاهر بالدعوة الى السلام , وقد اشرنا الى خطاب فى الكنيست فى 22 مايو قبيل اعلان عبد الناصر فى بير جفجافة قرار اغلاق المضايق . ومما جاء فى هذا الخطاب أنه كان على حدود مصر 35 ألف جندى فصاروا الآن ثمانين ألفا . ولم يسبق لمصر أن حشدت مثل هذا العدد ( ومع ذلك فنحن ما نزال نأمل أن تستخدم الدول الكبرى نفوذها حتى تجنب المنطقة مجابهة عسكرية ) ثم نفى اشكول وجود أية أهداف توسعية فى البلاد العربية , فقيل ان ذلك كان من العوامل التى شجعت عبد الناصر على التصعيد . وتشير عبارة استخدام الدول الكبرى نفوذها الى تلك الفكرة التى يحلو الإسرائيليين تردادها , وهى أن مصر تتصرف بوحى من الاتحاد السوفييتى , مما يخالف الواقع تماما .

وعلى كل فقد أوقظ اشكول فى صباح اليوم التالى . ودعى الى مقر القيادة فى تل أبيب . وهناك وجد أن قادة المؤسسة العسكرية يطلبون تدخلا عسكريا مباشرا , وأعلنوا أن كل لحظة تمر يحقق فيها عبد الناصر مزايا معنوية وستزداد خسائر إسرائيل كلما تأخرت فى توجيه الضربة .

ما هى الخطة التى كانت تدور بأذهان العسكريين الإسرائيليين : هل هى اقتحام المضايق , وفك الحصار عنها بالقوة ؟ كلا , فان الأمر لم يكن حيويا لهذه الدرجة خلافا لما صورته الدعاية الصهيونية حينذاك . فلم تكن تمر بمضايق تيران وصنافير سوى سفن منتظمة , اثنتان منها تتجمعان الى موان افريقية , وواحدة الى ايران للتزود بالنفط . اذن كانت المؤسسة العسكرية تفكر فى خطة أخرى , وهى توجيه ضربة مفاجئة للقوات المصرية بحجة أن ذلك أمر ضرورى يجب البدء به لتجنيب المدن الإسرائيلية الغارات الجوية المصرية دون أن تكون هناك مظلة كافية لحماية البلاد .

وحقيقة الأمر هى أن المؤسسة العسكرية وجدت فى هذه الملابسات فرصة لا تعوض لتحقيق التوسع عن طريق الحرب الشاملة , دون الاكتفاء برد محدود على اغلاق المضايق . وحتى هذه اللحظة لم توافق الغالبية العظمى فى مجلس الوزراء على فكرة الحرب الشاملة , ولم يؤيدها سوى وزيرين هما : موشى كارمل وزير النقل , وايجال آلون وزير العمل . أما الأغلبية فقد أيدت وجهة نظر أشكول بضرورة اجراء اتصالات دبلوماسية أولا للتعرف على موقف الدول الغربية الثلاث , وان كانوا قد اختلفوا حول شخصية هذا المبعوث , ورأى البعض أن ايبان ليس حازما بدرجة كافية لأداء هذه المهمة . وربما كان العسكريون أميل فى هذه اللحظة الى ايفاد ايجال آلون , فهو قائد فرق الملباخ الخاصة سنة 1948 , وقد انضم عند تفجر الأزمة الى هيئة الأركان .

ويقال ان سفير إسرائيل فى باريس أشار الى أن ديجول لن يستقبل مبعوث تل أبيب ما لم يكن وزير الخارجية , وهذاما رجح كفة أيبان . وفى باريس بدأ ديجول بتذكير وزير خارجية إسرائيل بصداقة فرنسا , وكيف أنه يعرض هذه الصداقة لأزمة اذا استخدمت بلاده القوة , وأشار الى ضرورة التفاهم مع الاتحاد السوفييتى , ويبدو أن نظرية الكبار الربعة أخذت تتبلور فى ذهن الرئيس الفرنسى , باعتبارها أفضل الوسائل لفرض حل الأزمة . ولم يستطع ايبان أن يقنع ديجول بأن اغلاق المضايق يعنى الحرب فقد أجاب الرئيس الفرنسى على ذلك بقوله أن معلوماته الخاصة تؤكد أن العرب لا ينوون خوض الحرب .

لم يطل ايبان محادثاته فى لندن ادراكا منه بأن بريطانيا تسير فى ذلك الولايات المتحدة , وان كان قد طرح هناك موضوع اقتحام المضايق بواسطة قوى بحرية دولية . والظاهر أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت تبحث عن شىء أكثر اثارة للدول الغربية , فتعمدت ارسال برقية لتلحق بايبان فى واشنطن . وهناك وجد هذه البرقية تقول أن فرقة مصرية ثانية وصلت الى الجبهة , وأنه توفرت لديها معلومات بأن مصر تنوى الهجوم فى صباح اليوم التالى ( 27 مايو ) ولم يكن العسكريون بصفة عامة راضين عن طريقة ايبان فى معالجة الأزمة , اذ ركز على موضوع المضايق فى حين كان ينبغى عليه فى رايها أن يبرر نوايا العرب العدوانية حتى يقنع الدول الغربية بمبررات إسرائيل للحرب , وان أمكن الحصول على مزيد من المساعدات العسكرية والمدنية .

وحتى فى الولايات المتحدة , ورغم ابلاغ هذه البرقية الى الجهات الرسمية , لم يجد ايبان أن الرئيس جونسون مقتنع بأن قوة العرب تهدد الوجود الإسرائيلى ولذلك تركز الحديث مرة أخرى حول كيفية فك الحصار عن المضايق . واجتهد ايبان أن يحول الرئيس الأمريكى عن هذا الموضوع فطرح عليه سؤالا صريحا وهو : ماذا يكون موقف الولايات المتحدة لو تعرضت إسرائيل للهجوم ؟ فأجابه جونسون بأنه يعتقد بأن إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها بمفردها وعلى كل حال فالحكومة الأمريكية تضمن إسرائيل وسلامة أراضيها .

لم يشأ ايبان أن يبعث بنتائج مهمته عن طريق البرق , وانما حمل معه تقريرا شاملا , ودعى مجلس الوزراء للانعقاد أثر عودته رغم أن اليوم كان يصادف عطلة السبت . وحضر ممثلون عن القيادة هذا الاجتماع . واحتدم الجدل فى هذا الاجتماع بين ايبان وبين العسكريين الذين اعترضوا على فكرة تكوين قوة بحرية , أو حتى ارسال ناقلات النفط الإسرائيلية تحت أعلام أجنبية . فقد تترك مصر القوات الدولية تمر ثم تتابع الحصار . فاتضح لايبان وغيره من الوزراء أنصار الوسائل الدبلوماسية أن الحل فى نظر العسكريين هو احتلال سيناء احتلالا شاملا لتأمين الملاحة . وعند طرح الموضوع لمزيد من المناقشة فى مجلس الوزراء تبين وجود ثلاثة اتجاهات :

الأول : انتظار التدخل الجماعى لتجنب الخسائر وأعباء الحرب .

الثانى : التدخل مباشرة لأن تجميع قوة بحرية دولية أمر صعب , وعلى فرض تحقيقه , فلا يمكن أن تبقى دائمة , واذا بقيت فكيف يكون وضع إسرائيل معنويا , وهى عالة على قوة خارجية , وسيكسب عبد الناصر أدبيا , لأنه سيبدو ( ضحية لعدوان الإمبريالية ) .

الثالث : أما الفريق الثالث فقد كان يتشكك فى قدرة إسرائيل على كسب الحرب ويرغب فى تجنبها أصلا .

ازاء هذا الخلاف فى الرأى , دعى مجلس الوزراء الى اجتماع خاص حضره ممثلون عن المؤسسة العسكرية , ومارس كل ما لديهم من وسائل الضغط لاقناع المجلس بضرورة الحرب توا . وتذرعوا بأن القضية لا تتعلق بالمضايق بل بأمن البلاد , وبالتالى فان الهدف لم يعد هو فتح المضايق للملاحة , بل تدمير القوات المصرية فى سيناء , ويرى كمشى فى كتابه عن حرب الأيام الستة أن العسكريين الإسرائيليين كانوا يفكرون فى مستقبل التوازن بين القوى وقدروا أنه من المحتمل أن يتفوق المصريون عليهم فى مدى أربع سنوات , أى ابتداء من 1971 , ولذلك كانوا راغبين فى اقتناص أية فرصة لتدمير القوات المسلحة المصرية قبل أن يحل الموعد الذى قد يختل فيه التوازن . وربما كانت هذه من المبالغات التى يلجأ اليها العسكريون الإسرائيليون لتبرير سياستهم العدوانية .

ولما طرح أمر البدء بالقتال على المجلس للتصويت كانت النتيجة تسعة أصوات فى جانب الحرب , وعدد مماثل معترض ومن بين المعترضين الوزراء الثلاثة ممثلوا الأحزاب الدينية , واثنان من حزب المابام , وواحد من حزب الأحرار الوطنى , وثلاثة من حزب الماباى الحاكم , من بينهم ايبان وزير الخارجية . أما المؤيدون فمعظمهم من الماباى . وحزب أحدوت هعفودة الذى كان على وشك الاندماج مع الماباى باسم حزب العمل الموحد . واذن لم يكن هناك انسجام حزبى فى هذا التصويت . كما أن بعض المعترضين لم يفعلوا ذلك لاعتراضهم على مبدأ شن الحرب , بل لعدم ثقتهم فى قدرة ليفى اشكول على ادراة المعركة , سيما وأنه يجمع بين وزارة الدفاع ورئاسة الحكومة . ولذلك سيبدل هؤلاء موقفهم حينما يتم التعديل الوزارى , ويحل ديان فى وزارة الدفاع .

أدى هذا التعادل فى التصويت على شن الحرب الى احراج مركز ليفى اشكول وازداد تردده فى اختيار السبيل الذى عليه أن يسلكه ولم يلبث أن ووجه اشكول بتحذيرات سوفيتية شديدة اللهجة وأخرى أمريكية أقل منها حدة , رجحت فى نفسه لبعض الوقت فكرة انتظار حل سياسى . ففى فجر اليوم التالى على انعقاد مجلس الوزراء أيقظ شوفاخين السفير السوفييتى ليفى اشكول ليبلغه رسالة من موسكو تحذر إسرائيل من القيام بعدوان على البلاد العربية وتصفها بأنه اذا فعلت ذلك فستعتبر اداة فى يد الاميريالية .

قابل اشكول هذه الرسالة بمحاولة تهدئة الحكومة السوفيتية فعرض على السفير السوفييتى بزيارة موسكو . وقال ان تلك هى امنيته منذ أمد . ثم تساءل : لماذا تؤيدون العرب مع أن اليهود أسهموا بدور اعظم فى بناء الحضارة الحديثة ؟ وكان طبيعيا أن يجيب السفير بأن هذا ليس موضوع المقابلة . أما زيارة موسكو فاعتذر بأنه لم يفوض بقبولها وسوف يبحث الأمر . وبعد قليل وصلت رسالتان من الولايات المتحدة , احداهما من الرئيس جونسون والأخرى من وزير خارجيته ولم تتضمن رسالة جونسون تحذيرا , وانما وعدت بتاييد إسرائيل فى مسألة حرية الملاحة بالمضايق , طبقا للتعهدات الأمريكية . أما رسالة وزير الخارجية فقد طلبت الى حكومة تل ابيب عدم البدء بالقتال انتظارا للحل السياسى .

والظاهر أن أشكول لم يدرك فى حينه أن هذه الرسائل انما وردت نتيجة الرسالة المزيفة التى طلبت المؤسسة العسكرية تبليغها الى ايبان فى واشنطن , والتى ادعت أن القوات المصرية تتأهب للهجوم فى اليوم التالى , مما جعل الولايات المتحدة تطلب الى الكرملن تحذير مصر , فاشترط الاتحاد السوفييتى أن تشترك الدولتان فى تحذير كل من مصر وإسرائيل , حتى لا تبدو مصر فى مظهر المعتدى على نحو ما أسلفنا .

تبخرت آثار هذا التحذير سريعا , ورضخ اشكول بعد ثلاثة ايام لأنصار الحرب , فقد شنت المؤسسة العسكرية , حملة قوية لتأييد وجهة نظرها , ولقيت استجابة من الرأى العام الإسرائيلى حتى انها استخدمت رجال الدين فاوعزت الى شلومو جورن كبير الحاخامات بأن يستخدم نفوذه لدى الحزب الدينى , ويطمئن أنصاره بقدرة إسرائيل على خوض الحرب , وكيف أن الخسائر لن تكون كبيرة كما يظن هؤلاء . ولوحظ أن الصحافة أخذت تنتقد المعترضين على الحرب بما فى ذلك صحيفة دافار الناطقة باسم حزب الماباى , أى حزب الحكومة .

وشن العسكريون حملة صحفية ضد ايبان , ووصفوه بالعجز . ومن المناقشات الطريفة التى دارت بينه وبين العسكريين , تذكير ايبان بأنه وقف مع الجيش البريطانى فى الصحراء الغربية ابان الحرب العالمية الثانية أشهرا طويلة دون أن تتأثرر معنويات الجيش , فأجاب العسكريون بأن شعبنا لا يتسم بذلك الصبر الذى يتميز به الانجليز , فهو شعب سريع الاستثارة .

ذلك أنه من بين الحجج التى رددها العسكريون للاسراع بالحرب , هبوط معنويات الجيش اذا وقف ينتظر مدة طويلة فى صحراء النقب . كما أضافوا الحجج المعهودة من تأثير ذلك على الاقتصاد الإسرائيلى , وكيف أن انتظار الضربة الأولى سيحمل البلاد خسائر أعظم , قدروها بضعف تلك التى ستتحملها فى حالة البدء بالهجوم .

ويقال ان المؤسسة العسكرية فكرت لحظة ما فى أن تسيربعض القوات الى القدس لتتولى زمام السلطة لكنها ترددت فى اتخاذ مثل هذه الخطوة التى من شانها أن تغير وجه الدولة العبرية تغييرا تاما . وكثيرا ما تفاخرت إسرائيل أمام العالم الغربى بنظامها الديمقراطى , ولكن مما لا شك فيه أيضا أن المؤسسة العسكرية تلعب دورا مختلفا عن ذلك الدور المحدد لها فى الدول الغربية الديمقراطية وذلك بحكم وضع الدولة تاريخيا وجغرافيا . ولعل الحكومات المدنية كانت تدرك هذه الحقيقة فوضعت تقليدا مؤداه أن بيدل رئيس الأركان كل ثلاث سنوات حذرا من احتمال الانقلابات العسكرية .

أشرنا الى أن الرأى العام كان متحمسا للحرب , ولقيام حكومة وطنية تمثل جميع الأحزاب . ويعزو البعض هذا الاختلاف بين اتجاه الرأى العام وبين موقف ليفى أشكول الى الفريق الذى يميز بين جيلين . فجيل القدامى الذين نشأوا فى عهد الانتداب اعتادوا أسلوب الدبلوماسية ولم يكن المهاجر يتطلع الى أكثر من الدفاع عن قريته , أما الجيل الذى نشأ فى كنف الدولة فقد صار يتطلع الى حماية حدودها ويخلط بين أمن تلك الحدود , وبين ضرورة التوسع .

وفى أوساط حزب الماباى نفسه رجحت كفة المنادين بالحرب . وتجلى ذلك من اجتماع قيادة الحزب الذى دعا اليه أشكول . فقد مارس المجتمعون ضغطا آخر على رئيس الوزراء لكى يوسع الائتلاف ويتخلى عن منصب وزير الدفاع الى شخص آخر . وكانت الصحف قد أخذت هى الأخرى تلمح الى ذلك فاقترح بعضها اسم ايجال آلون والبعض الآخر اسم موشى ديان , بل ذهبت بعض الصحف دعوة أشكول الى التخلى عن الرئاسة لبن جوريون رجل الساعة . ومن المعروف أن هذا الأخير كان قد انشق مع بعض مؤيديه عن حزب الماباى سنة 1965 .

وانضم اليه موشى ديان . غير أن حزبه لم يفز الا بعشرة مقاعد فى انتخابات سنة 1965 .

وكانت أسهم آلون تبدو راجحة فى اجتماعات الحزب . أما رجل الشارع فكان أميل الى ديان . ( لأنه يوحى بالثقة للشعب ويثير الذعر فى نفوس الأعداء ) كما قامت مظاهرة نسائية فى تل أبيب تنادى بتعيين ديان فى وزارة الدفاع .

واجه أشكول فى هذه الأيام أزمة قيادة بجانب مشكلة الحرب والمغامرة بخوضها . ومما عقد الأزمة الكره الشديد بين حزب الماباى وبين الأعضاء المنسقين . كما أن ادخال مجموعة جحل المتطرفة الى الحكومة سابقة جديدة على السياسة الإسرائيلية . فقد ظل حزب حيروت فى المعارضة ينادى باستخدام القوة والتوسع صراحة ويهدد باسقاط النظام المتراخى . وقد لوحظ ازدياد هذا التيار المتطرف بمرور الوقت , وازدادت مقاعد حيروت فى انتخابات 1965 , وكون ائتلافا جديدا جديدا عرف بجحل , يتزعمه الارهابى المشهور مناحم بيجن . وتساءل الناس : كيف يجتمع بن جوريون وبيجن فى وزارة واحدة على ما بينهما من خصومة قديمة ؟ وسيحل هذا الخلاف بابقاء بن جوريون فى عزلته بمستعمرته النائية فى النقب , بينما يدخل ديان ممثلا لحزب رافى فى الحكومة الائتلافية الجديدة . ويذكر الكثيرون أن شهرة ديان ترجع الى الأثر النفسى الذى يتركه وجوده فى وزارة الدفاع , ليس الى عبقرية عسكرية تنسب اليه خطأ . وكانت خطط الغزو موجودة من قبل ولم يبق لديان سوى تنفيذها .

قاوم أشكول ما استطاع التخلى عن وزارة الدفاع , فاقترح تعيين كل من آلون وديان نائبين لوزارة الدفاع . كما قدم اقتراحا آخر بتعيين ديان قائدا للجبهة الجنوبية الموجهة لمصر . فأحرجه إسحاق رابين رئيس الأركان بقوله انه يفضل العمل تحت قيادة ديان وليس العكس . وفى نفس الوقت قبل مناحم بيجن الاشتراك فى الحكومة الائتلافية كوزير دولة . وكانت الأحداث تجرى لتأييد وجهة نظر العسكريين , فقد جعلوا من زيارة حسين للقاهرة وعقد معاهدة الدفاع المشترك مع مصر , حدثا تشدقوا بخطورته على أمن البلاد , حتى قيل ان قرار الحرب كان سيتخذ بعد هذا الحادث بدون التعديل الوزارى . وعلى كل فقد تم التعديل فى أول يونيو 1967 وشهدت إسرائيل لأول مرة حكومة تمثل جميع الأحزاب , وهو ما يطلق عليه اسم الحكومة الوطنية . وبهذا الشكل الجديد لم يعد هناك شك فى أن إسرائيل ستسير فى طريق الحرب حتى ( أيا ايبان ) انتقل فى ظل هذا الوضع الجديد من فريق الحمائم الى صفوف الصقور .

لو كانت الولايات المتحدة جادة فى تحذير إسرائيل لاحتاج الأمر منها الى تجيد التحذير , بعد تشكيل وزارة الحرب الجديدة , بيد أن الآية انعكست ففى خلال الأيام التى انقضت لحل مشكلة القيادة الإسرائيلية , كانت المخابرات الأمريكية قد تثبتت من كفاءة الجيش الإسرائيلى . والظاهر أنه كانت هناك اتصالات خاصة بين القيادة العسكرية الإسرائيلية وبين المخابرات الأمريكية , بدليل أن ممثلى القيادة طمأنوا السياسيين أثناء الحوار العنيف بأن موقف الولايات المتحدة يختلف تماما عما كان عليه الحال فى سنة 1956 , سواء بسبب تغيير الرئاسة , أما بسبب العوامل الجديدة التى أثرت فى العلاقات المصرية الأمريكية , يدل على ذلك ايضا أن ديان قام بزيارة خاصة لبن جوريون فى قريته بسد بوكر وكان أول سؤال القاه على زائره هو : هل تؤيدنا الولايات المتحدة فى هذه المرة ؟ فأجاب ديان – ولم يكن قد تولى بعد وزارة الدفاع بعد – بأن الظروف قد اختلفت , وأن الولايات المتحدة تؤيد تماما اتخاذ مبادرة إسرائيلية , وحينئذ رد السياسى العجوز قائلا : فلتمضوا اذن فى طريكقم , أى خطة الهجوم الشامل .

لم يكن العالم الخارجى يدرى شيئا عن هذه الاتصالات السرية التى تتم عن طريق المخابرات . ولا يستثنى من ذلك هارولد ولسون رئيس وزارة بريطانيا , الذى كان يسعى لتنسيق مواقفه مع الولايات المتحدة , وقام بزيارة لواشنطن قبيل اندلاع الحرب وعاد فى الثالث من يونيو بانطباع مؤداه أن الولايات المتحدة ستسعى لايجاد حل وسط تتفق عليه مع عبد الناصر , وهذا ما رددته الصحف البريطانية الصادرة فى الرابع من يونيو 1967 .

الفصل الحادى عشر : حول الأيام الستة

أوراق عبد الناصر

ورد فى خطاب التنحى – كما تردد فى خطاب 23 يوليو 1967 – أن احتمال الحرب عند حشد القوات المصرية فى سيناء , كان فى تقدير عبد الناصر 20 بالمائة وبعد سحب قوات الطوارىء ارتفع الى 50 بالمائة ثم 80 بالمائة بعد اغلاق المضايق فلما تشكلت وزارة الحرب الإسرائيلية فى أول يونيو , أصبح الرئيس مقتنعا بأن الحرب واقعة 100 بالمائة .

ومغزى هذه التصريحات هو أن الرئيس باعتباره مسئولا سياسيا لم يخطىء التقدير , وأن كل خطوة بحساب دقيق لرد الفعل لدى العدو , ومن ثم فان ( خطأ النكسة ) يقع على كاهل العسكريين .

وهذا الخط الذى ساد بمضى الوقت , وأدى الى تقديم بعض القادة العسكريين الى المحاكمة بتهمة التقصير , ثم الى تشديد الأحكام الصادرة ضدهم نتيجة مظاهرات الطلبة والعمال فى فبراير 1968 دون ظهور مبررات لهذا التشديد .

وليس بوسع أحد أن يتأكد من صحة هذه التفسيرات عن احتمال وقوع الحرب , لكن الشواهد تدل على أن الرئيس المصرى ظل يعتقد بأن إسرائيل ستتراجع أمام التظاهر بالقوة الى أن تكونت وزارة الحرب فى أول يونيو , فحينئذ فقط صار يرجح وقوع الحرب , ولذا اتجه هو الى التراجع تجنبا للصدام , ودليلنا على ذلك هو أن نبرة التحدى مضت فى تصاعد حتى بلغت الذروة فى المؤتمر الصحفى الذى عقد 28 مايو , ثم أمام مجلس الأمة فى اليوم التالى الذى انعقد خصيصا لتفويض السلطات التامة للرئيس . أما بعد أول يونيو فقد لوحظ أن الصحافة المصرية خفقت من لهجتها , كما تعددت مقابلات عبد الناصر مع مبعوثين غربيين : أنتونى ناتنج الوزير البريطانى السابق , أندرسون رجل الأعمال الأمريكى , ويوست المبعوث الخاص للرئيس جونسون وفى جميع هذه المقابلات أيدى عبد الناصر ملاينة تختلف تماما عن الأسلوب الذى اتبعه طوال شهر مايو .

مثال ذلك أنه أبدى استعدادا لاستثناء النفط من قائمة المواد الاستراتيجية التى يحظر عبورها فى المضايق الى ايلات , بل يمكن فى المستقبل أن تمر أية سفن متسترة تحت أعلام دول أخرى . المهم هو أن يخرج من المأزق دون اراقة ماء الوجه ( أمام الاخوة العرب ) .

الدليل الثانى هو انه فى مؤتمر القادة العسكريين الذى عقد فى اليوم الثانى من يونيو , لم يشأ عبد الناصر أن يبحث جديا خططا عسكرية سواء للهجوم أو للدفاع , بل ركز على الاعتبارات السياسية كما سيتضح بعد قليل من أنه كان يعول على تدخل دولى ينقذه كما حدث فى سنة 1956 حتى لو تعرضت القوات المصرية للهزيمة .

دليل ثالث هو أن عبد الناصر بعث يحذر أحمد الشقيري من تصريحات أدلى بها اثر قدومه الى عمان برفقة الملك حسين , وهدد فيها اليهود بالابادة فأمره عبد الناصر بالتنصل من هذا التصريح . وربما كان ذلك متمشيا بالفعل مع اتجاه تفكير عبد الناصر , الا أنه للأسف سيرتكب نفس الخطأ بعد اندلاع القتال , ويترك اذاعةالقاهرة تذيع أغانى من هذا الطراز , مما ستستغله الصهيونية الى أبعد مدى فى دعايتها المضادة .

واذا كان عبد الناصر قد أغفل الجانب العسكرى , فما هى الأوراق التى ظنها مجدية فى حالة نشوب القتال ؟ هناك أولا الضغط الدولى طبقا لقوانين عدوان 1956 التى صارت أشبه بعقيدة راسخة . ومما أكد هذا الاعتقاد تصريحات الرئيس ديجول بأنه سيقف ضد من يطلق أول رصاصة فى الحرب , وتحذيرات الدول الكبرى لمن يبدأ القتال أولا . وسرعان ما تكشف أن هذه القية لم تعد مؤثرة , فاذا استثنينا الحظر على تصدير السلاح الذى أمر به الرئيس الفرنسى بالنسبة لإسرائيل , لا نجد صدى كبيرا فى الأوساط الدولية لقضية من بدأ القتال , ويمكن أن يكون ذلك راجعل الصهيونية لهذه الأخطاء من جهة أخرى .

وقد اشاعت أدوات الدعاية الصهيونية نظرية مؤداها أن المسؤول عن الحرب ليس هو بدأ القتال , بل من خلق الظروف التى أدت اليه . ويبدو أن قسما من الرأى العام الدولى اقتنع بهذه النظريه , كما تجلى ذلك فى مناقشات مجلس الأمن ( من 5- 8 يونيو ) ثم فى الدورة الاستثنائية فى الجمعية العامة انعكست تماما فى حرب أكتوبر 1973 طبقا لنفس النظرية . فان استمرار احتلال إسرائيل للأراضى العربية اعتبر مبررا كافيا ليأخذ العرب زمام المبادرة فى القتال بدليل أن الدول الأفريقية قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل فى أكتوبر 1973 فى حين أنه وقفت موقفا متراخيا ابان عرض قضية الشرق الأوسط على الجمعية العامة فى اعقاب حرب يونيو 1967 .

ورقة ثانية علق عليها عبد الناصر آمالا عراضا وهى قناة السويس . وفى مؤتمره الصحفى الشهير أعلن أنه سيغلق القناة فى وجه الدول التى يثبت تعاونها مع العدو . وهو مرة أخرى يفكر بعقلية سنة 1956 حينما كانت القناة بالفعل تشكل ورقة رابحة أدت الى التعجيل بانسحاب القوات المعتدية . ولكن الأيام قد تغيرت فان الدول المستوردة للبترول كانت قد توسعت فى بناء الناقلات الكبيرة . كما ظهرت مصادر جديدة للنفط فى ليبيا والجزائر ونيجريا وكل هذه عوامل تعوض التأخير فى وصول نفط الخليج الى أوربا .

يضاف الى ذلك أن الأكثر تأثيرا من اغلاق القناة هى غرب أوربا وليست دولها فى هذه المرة طرفا فى العدوان . ولم تتأثر الولايات المتحدة باغلاق القناة , بل ربما كان الاتحاد السوفييتى اشد تاثيرا , لأن اغلاق القناة قطع سبل الاتصالات مع منطقة المحيط الهندى وفيتنام الشمالية التى كانت تتلقى المساعدات عن هذا الطريق . صحيح ان دولة مثل بريطانيا اعتبرها عبد الناصر من خصومه الذين ايدوا العدو . وقد تضررت من جراء اغلاق القناة , اذ صار نقل البضائع يكلفها أعباء اضافية الا أنها استطاعت مثل دول أوربا أن تتحمل الخسائر وارتفاع تكاليف المعيشة .

الورقة الثالثة التى توقع عبد الناصر أن يمارس بواستطتها الضغط على الدول الغربية , ومن ثم على إسرائيل هو سلاح النفط . وكانت بعض الدول العربية المنتجة للبترول , وليست كلها قد أعلنت عند بدء الأزمة أنها ستوقف تصدير البترول الى الدول التى تساند إسرائيل . واذا لم يكن هناك اجماع من الحكومات العربية على استخدام سلاح النفط , فان عبد الناصر كان يتوقع أن يتخذ العمال العرب فى مواقع الانتاج المبادرة من تلقاء أنفسهم , احساسا منهم بالتضامن ضد العدو الصهيونى . الم يسبق لعمال البحرين أن دمروا أنابيب النفط وأحرقوا الابار سنة 1956 متحدين السلطة البريطانية التى تحكم البلاد اذ ذاك ؟

ولم يكن من المستبعد بالفعل أن يبادر العمال الى مثل هذه الخطوة لو أن الحرب امتدت وأتت بنتيجة مشرفة , بيد أن توالى الأحداث سراعا لم يكن يشجع على اتخاذ مثل هذه الخطوة .

ولما كان سلاح النفط قد استخدم بصورة فعالة ابان حرب أكتوبر 1973 , فمن المناسب هنا أن نعقد مقارنة بين الحالتين لنفسر لماذا ضاعت هذه الورقة من يد جمال عبد الناصر فى سنة 1967 ؟

أولا : أن الولايات المتحدة التى من المفترض أن يوجه ضدها هذا السلاح لم تكن تستورد سوى 3 بالمائة من حاجياتها من النفط العربى . فكان من الممكن الاستغناء عنه , فى حين أنها صارت تستورد منه 15 بالمائة سنة 1973 .

ثانيا : ان عددا من دول الخليج لم يكن قد حصل على استقلاله بعد , وكان بوسع بريطاينا أن تستخدم نفوذها لاستمرار رضخ النفط .

ثالثا : أنه لم يكن قد تكونت الدول العربية المنتجة للبترول مدخرات كافية تمكنها من التوقف فترة طويلة عن تصدير النفط . لذل يلاحظ أن قرار تخفيض الانتاج اتخذ فى أكتوبر 1973 اقترن باجراء يتعلق برفع السعر .

رابعا : وكانت العلاقات العربية مثقلة بخصومات طويلة , ولم يكن من السهل محوها فى مدة وجيزة حتى مع وجود الحماسة الطارئة أثناء الأيام المعدودة التى استغرقها القتال , فى حين أنه سبقت حرب أكتوبر استعدادات مدروسة لاستخدام سلاح النفط , وكان من أهمها ازالة تلك الخلافات . ولعل مفهوم الرئيس السادات لقضية الوحدة العربية الذى يختلف تماما عن مفهوم سلفه , كان من أهم العوامل التى أزالت ما يمكن وصفه بالحرب الباردة العربية . فهذا المفهوم ينبنى على أساس التضامن بين الحكومات القائمة دون المساس بالكيانات الاقليمية فى المرحلة الحالية . كذلك توقف الحديث عن تصنيف الأنظمة القائمة وتقسيمها الى تقدمية ومحافظة باعتبار أن هذه الأمور تتعلق بالشعوب .

خلاصة القول ان عبد الناصر عول على أوراق مختلفة تتعلق بالأوضاع الدولية والمؤثرات الاقتصادية وجمع العرب على أساس مجابهتهم للولايات المتحدة ثم اغفل الركيزة الرئيسية ألا وهى الاستعداد العسكرى لمجابهة إسرائيل . أو على الصح لم تدرس التطورات العسكرية التى أحرزها العدو , وجلبت له تفوقه فى المعركة فكثير من وقائع الحرب جاءت مفاجأة للقيادات العربية , وليس من اختصاصنا تناول هذه القضايا العسكرية فنيا , كما أن هذا الموضوع لا يدخل فى خطة الكتاب , الا أنه توجد بعض القضايا تتداخل فيها السياسة مع الشئون العسكرية , وهذا ما سنحاول طرحه فى السطور التالية :

أولا : هل كانت ثمة مفاجأة للقوات المصرية فى صباح الخامس من يونيو ؟ هناك من الشواهد ما ينفى وجود الفاجأة , كما أن بعضها الآخر يشير الى حدوث المفاجأة بالفعل . وحسب تصريحات عبد الناصر فانه كان يعرف على وجه التقريب موعد الهجوم الإسرائيلى . يضاف الى ذلك تحذير الفريق عبد المنعم رياض من مركز قيادته فى الأردن بوجود استعدادات لهجوم وشيك . ثم هناك ما ذكره الفريق صلاح الحديدي فى كتابه " شاهد على حرب 67 " من أن إسرائيل شنت هجوما بريا فى الساعة السابعة من صباح الخامس من يونيو على موقع " أم بسيس " وللأسف لم تكثرت القيادة بالقاهرة بهذا الحادث , مع أنه كان نذيرا باندلاع القتال .

أما المؤشرات التى تدل على وقوع المفاجأة فتتمثل فى النشاط الدبلوماسى المتزايد , واستعداد حكومة واشنطن لاستقبال زكريا محيى الدين فى الخامس من يونيو . فربما استنتج من ذلك أن الولايات المتحدة تؤيد الحل السياسى , وقد اشترك ديان فى خديعة الرأى العام العالمى فى أن إسرائيل قد صرفت النظر عن شن الحرب , وذلك حينما صرح فى مؤتمر صحفى فى الثالث من يونيو بقوله ان الوقت الحالى غير مناسب للحرب , فهو اما مبكر جدا , أو متأخرجدا . ونتيجة لذلك أخذ بعض الصحفيين الأوربيين يغادرون منطقة الشرق الأوسط عائدين الى بلادهم .

مؤشر آخر يدل على عدم توقع الحرب , وهو توجه عبد الحكيم عامر فى جولة تفتيشية فى صباح الخامس من يونيو الى سيناء , وقد تجمع قادة الأسلحة لاستقباله فى أحد المطارات المتقدمة بالجبهة . وصدرت الأوامر الى أسلحة الدفاع الجوى بالتوقف عن العمل أثناء وجود المشير بالجو وهذا الحادث الذى قد يبدو ثانويا اثرا كبيرا على مجريات الأمور , لأنه فوت على الدفاع الجوى فرصة مجابهة الضربة الأولى .

نحن نرجح مع ذلك أن اندلاع القتال لم يكن مفاجأة تامة , وانما كانت المفاجأة الكبرى فى حجم قوة طيران العدو , والوسائل التى اتبعتها فى الهجوم الجوى واختيار الساعة التى لم يألف فيها الطيارون أن يبدأو غاراتهم الجوية أى فى وضح النهار .

أما حجم السلاح الجوى الإسرائيلى الذى استخدم فى الموجات الأولى , فقد بلغ أربعمائة طائرة , وفى العادة يوفر ثلث الطيران للدفاع عن أجواء البلاد , ويخصص ثلث كقوة اعتراضية , ويستخدم الثلث الأخير للقذف . والذى حدث هو أن إسرائيل لم تحتفظ الا بعشرين طائرة للدفاع الداخلى واستخدمت جميع الأنواع بما فى ذلك بعض ناقلات الجنود من أنواع قديمة للهجوم .

كذلك كانت خطة الوصول الى الأهداف غير متوقعة , اذ سارت الطائرات على ارتفاع منخفض تجنبا لالتقاط الرادار , كما دارت أحيانا حول الصحراء الغربية للوصول الى مطارات مصر الوسطى . وهاجمت فى وقت زاحد عشرة مطارات , وأخذت تقتنص طائرات الميج 21 والتيو 16 , كما ركزت القذف على المدرجات لتشل الطائرات الأخرى من العمل .

ومما جعل القيادة المصرية تعتقد بتجاوز الحجم المعروف للطيران الإسرائيلى توالى الطائرات فى سرعة غير متوقعة . فهذه الطاقة الكاملة للطيران استخدمت فى ثلاث طلعات متوالية , استغرقت ثلاث ساعات بمتوسط ساعة للطلعة الواحدة . ومع ارتباك قوة الدفاع الجوى , أمكن بواسطة هذه الطلعات الثلاثة تدمير معظم الطائرات والمطارات المصرية . وهذه المفاجىت هى التى حملت القيادة المصرية على الاعتقاد بأن ثمة دولة كبرى تحمى إسرائيل بمظلة جوية , وتغنيها عن الاحتفاظ بجزء من طيرانها للدفاع عن الداخل . وهذه الدولة الكبرى لا يمكن أن تكون سوى الولايات المتحدة , بيد ان هذا التفسير لم يعلن الا فى اليوم التالى لأغراض سياسية . وبطريقة مختلفة بعض الشىء عن هذا التصور الذى تكون لدى القيادة العسكرية .

القضية الثانية هى : كل كانت هناك خطة مصرية هجومية أو دفاعية ؟ أو لم تكن هناك خطة دقيقة بلغت الى الوحدات حتى تعرف كل منها مهمتها المكلفة بها ؟ وتذكر المصادر الإسرائيلية أن قواتها عثرت على خطة مصرية تستهدف الهجوم على صحراء النقب والاتصال بالقوات الأردنية . وتعتقد هذه المصادر أن الخطة لم تستهدف غزوا شاملا لإسرائيل , بل مجرد الاستيلاء على بعض المواقع ثم المساومة بها للحصول على ميزات . وستعلن السلطات الإسرائيلية نفس الشىء بالنسبة للجبهة الأردنية . فتدعى العثور على خطة هجومية أردنية . والقصد من ذلك كله تبرير العدوان أمام الرأى العام العالمى .

على أنه يجب التمييز بين أمرين : وجود خطة على الورق من جهة . والتدريب عليها وابلاغها الى الوحدات المختلفة حتى تعرف كل منها المهمة المنوطة بها . وفى جميع الحالات ينبغى أن يكون هناك تنسيق بين الأسلحة الثلاثة : البرية والبحرية والجوية . ويمكن القول ان خطة بهذا المعنى لم توضع موضع التتنفيذ بصورة جديدة بما فى ذلك الخطط الدفاعية . ويكفى دليلا على ذلك أن قائد الجبهة عبد المحسن مرتجى لم يتسلم قيادته الا بعد ارسال الحشود الى سيناء , ولم يمر كاف لكى يلتحم بقيادة الأولوية . كما أن القيادة العسكرية بالقاهرة كانت تتصل مباشرة بهؤلاء القادة , مما جعل قائد الجبهة عاجزا عن التنسيق . وخلافا لما هو شائع فان القوات البرية المصرية لم تتجاوز 130 الف استطاعت أن تحشدها كقوات برية للهجوم على الجبهات العربية الثلاثة . معنى ذلك أنه كانت متفوقة من حيث عدد القوات البرية بنسبة 2 الى 1 فى حين أن عدد الطائرات كان متساويا بين الطرفين . بل ان مجموع قوات الطيران العربية كان يفوق حن حيث الحجم الطيران الإسرائيلى . معنى ذلك أنه حتى بدون الضربة الجوية المفاجئة لم تكن هناك خطة جادة للدفاع بواسطة القوات البرية التى كان عليها أن تواجه قوات العدو المتفوقة عليها ولم يكن عدم التكافؤ مقصورا على الحجم . بل كذلك من حيث النوعية فمعظم القوات التى حشدت فى سيناء هى من القوات الاحتياطية " الرديف " غير المدربة . أما المتطوعون المتدربون فكانوا يؤثرون العمل فى اليمن لما فيه من اغراء مادى . ولا شك أن التورط فى اليمن كان له تأثيره البالغ على كفاءة الخطة الدفاعية من عدة وجوه , فحرب اليمن التى استنفدت معظم الميزانية عطلت مشروعات لبناء الستائر الواقية للطائرات من الغارات الجوية . كما أنها تركت انطباعا لدى الجنود والضباط بأنه من الممكن استخدام أساليب حرب اليمن فى مواجهة إسرائيل .

ومن أهم القضايا التى تطرح بهذه المناسبة هى : هل صدر أمر بالانسحاب من سيناء ؟ وممن صدر ؟ لقد تضمن خطاب الرئيس السادات فى مجلس الشعب يوم 16 أكتوبر 1973 الاشارة الى أن الجيش المصري لم يعط فرصة للحرب واذا كان هناك أمر بالانسحاب فقد تم بدون علم عبد الناصر ويبدو أنه وسط حالة الفوضى التى عمت القيادة منذ الساعات الأولى من اندلاع القتال , جعلت من الصعب تحديد الجهة التى يمكن أن تكون قد أصدرت أمرا بالانسحاب وهناك بعض الشواهد التى ترجح فى اعتقادنا أن الانسحاب بدىء به دون صدور اوامر أصلا . ذلك أن أجهزة الاعلام ظلت تمجد فى عبقرية خطة الانسحاب من سيناء سنة 1956 , حتى أجهزة الاعلام ظلت تمجد فى عبقرية خطة الانسحاب من سيناء سنة 1956 , حتى وقع فى نفس الجنود والضباط أن تكرار الخطة لا يعتبر تقصيرا أو خيانة . ثم ان الضباط الذين عملوا فى اليمن درجوا على الانسحاب على محاور . بل كان الانسحاب يعتبر تحسينا للموقع , فربما طبقوها فى سيناء دون ملاحظة الفرق .

شاهد ثالث : صدور أوامر للفرقة الرابعة فى السابع من يونيو بالعودة للالتحام بالعدو فى سيناء بعد أن كانت قد تراجعت حتى عبرت الى الضفة الغربية من القناة . وقد أدى هذا الأمر الى مزيد من الخسائر . لكنه يدل على عدم تقدير الموقف العسكرى . وطالما أنه لم يكن هناك تقدير دقيق , فان القيادة معرضة للخطأ سواء اذا أصدرت أوامر بالانسحاب أو بالصمود .

من الشائع أن عبد الناصر لم يبلغ بكارثة اليران الا فى الساعة الرابع من مساء الخامس من يونيو . كما أن القيادة الإسرائيلية لم تعلن عن انتصاراتها الا فى منتصف الليل أمام مؤتمر صحفى عقد لهذا الغرض لذلك , سعى عبد الناصر فى ثانى أيام الحرب لايجاد ورقة سياسية يستخدمها لمواجهة العالم الخارجى وليمهد أيضا للاعتراف بالهزيمة فى الداخل . وعاد لذاكرة حسب ما هو مألوف الى أيام العدوان الثلاثي سنة 1956 فلماذا لا يعلن فى هذه المرة أيضا عن اشتراك ثلاثة أطراف فى العدوان على البلاد العربية ؟ ولتكن هذه الأطراف على