خيري ركوة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ خيري ركوة .. العالم الداعية

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

مقدمة

ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي

كانت هذه الأبيات يستشعرها دائما العالم الزاهد الداعية الشيخ خيري ركوة مسئول قسم نشر الدعوة في جماعة الإخوان المسلمين، فلم يكن يبحث عن دنيا زائلة، أو مظاهر كاذبة، لكنه تجرد لله وأخلاص لدعوته حتى توفاه الله.

النشأة

ولِد فضيلة العالم الجليل الشيخ ركوة أحمد مكاوي الشهير بـ"خيري ركوة" في قرية نزلة علي مركز طهطا محافظة سوهاج سنة 1934م وحفظ القرآن الكريم في كُتَّاب القرية مبكراً، فقد كان يتمتع بذاكرة قوية وهبها الله إياه.

يقول الشيخ محمد عبد الله الخطيب: كانت له همة عالية منذ صغره فبعد التحاقه بمعهد طهطا الديني الابتدائي الأزهري الذي كان يبعد عن قريته سبعة كيلو مترات كان يقطعها يوم الخميس سيراً على الأقدام عائداً إلى بيت أسرته ليبيت معهم ويخطب الجمعة وهو في هذا السن الصغير عملاً بما حفظ وعلم من القرآن والسيرة والحديث والتفسير، وقد ساعده على ذلك انضمامه المبكر لجماعة الإخوان المسلمين فقد كانوا ومازالوا خير معين للطلاب وغيرهم من احتاج منهم درساً وفَّروه له، ومن احتاج أي شيء أوجدوه بإذن الله وتوفيقه لهم، فقد كانوا يُوقِفون النشاط الطلابي أيام الامتحانات ويلزمون الطلاب بيوتهم حتى يتفوقوا في دراستهم وكانت النتائج تفوق نسبة الــ 90%".

التحق الشيخ خيري ركوة بالمعهد الديني الثانوي، وقد كان يتحدث اللغة العربية بلسان طلق، وحديث عزب، مما أهَّله بعد ذلك لإلقاء الكلمات في الاحتفالات الجامعة، فقد ذهبنا ذات ليلة وكانت ليلة امتحان إلى حفل مُقام بمناسبة المولد النبوي، فإذا بنا نجد شيخ المعهد يجلس في الصفوف الأولى، فسلمنا عليه بعد الحفل وسألنا ماذا ستفعلون غداً في الامتحان؟ وبعد العودة مكثنا على المراجعة وبفضل من الله أجدنا في الإجابة على الأسئلة، وبعد الامتحان ما كان من شيخ المعهد إلا أن دعا لنا.

ثم التحق الشيخ خيري ركوة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف ليتخرج منها بالشهادة العالية ثم ليحصل على دبلومه في التدريس، وكان يتمتع بين زملائه بإيمان صادق، وخُلق عظيم، وعلم ثمين، وذكاء, يستخدمهم جميعا لينشر دعوة الله بين خلقه أينما وجد.

بين الصفوف المؤمنة

التحق الشيخ خيري ركوة بجماعة الإخوان المسلمين وهو طالب في الجامعة، وعمل من أجلها، وظل مجاهدًا في سبيل نشرها حتى اعتُقل في عهد عبد الناصر عام 1965م ولم يخرج إلا في عام 1971م، كما أُعيد اعتقالُه في عهد الرئيس مبارك؛ حيث قضى خلف القضبان عامًا كاملاً!!

أصبح الشيخ ركوة المتحدث الرسمي باسم جبهة علماء الأزهر والتي أنشئت عام 1946م وتضم أكثر من ألف عالم وشيخ حيث تم اختياره لهذا المنصب عام 1998م، كما اختير مسئول قسم نشر الدعوة في جماعة الإخوان المسلمين.

يقول الشيخ الخطيب: فبعدما عمل بوزارة التربية والتعليم في التدريس عامين جاءت محنة 65 المخترعة المختَلقة من قِبل النظام الحاكم حينئذٍ وحُكم عليه بثلاث سنوات قضاها مع قسوتها كنموذج يحتذى به في الصبر والاحتمال والرضا بقضاء الله، ولم يكتف النظام الحاكم بالسجن فبعد الإفراج عنه ذهبوا به إلى المعتقل ليقضي به ثلاث سنوات أخرى، وكان ما كان من الشدائد في السجن والمعتقل وما كان منه إلا الصبر الجميل واحتساب الأجر عند الله.

وبعد خروجه من المعتقل عاد إلى عمله، ثم تزوج وتعاقد على العمل مبعوثاً للسعودية بإندونيسيا ثم عاد إلى مصر ويوفقه الله للعمل بدولة الإمارات مفتشاً للغة العربية لغة القرآن الكريم التي عشقها وعمل على غرس حبها في قلوب تلاميذه.

لم ينس الشيخ دعوته في كل هذه المراحل ولم يقصّر في حقها، فقد كان يعمل دوماً لأداء واجبه الأول الذي خُلق من أجله وهو العمل للإسلام والدعوة إلى الله، فسعى بجد حثيث ونشاط دائم ليصل بها إلى أهلها الذين قعدوا عنها، مثله في ذلك مثل جميع إخوانه الذين فقهوا قول الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33))، ونهجه في ذلك ما كان عليه رسولنا القدوة الحسنة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)، مضحياً مع إخوانه بكل ما يملكون من نفس ومال ووقت (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40))، وليتحقق فيهم قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

قالوا عنه

قال عنه الشيخ محمد عبد الله الخطيب:

الدكتور محمد سعد الكتاتني والشيخ خيرى ركوة والحاج يوسف قتة والأستاذ عبد المنعم دحروج
كان رحمه الله على فهم جيد لقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، فرأى مع إخوانه هذه الآية وأمثالها فحفظوها وأدركوا حُكم الله القاطع بأن المسلم لا خيار له إما أن يكون مع الله ورسوله يحبهما ويفديهما بكل غال ونفيس وإما أن يشتغل بفتات من الدنيا وأعشابها كما يحلو للبهائم والدواب أن تتعلق بهما، فحكم الله القاطع هو الفسق والعياذ بالله.
ولقد أدرك الإخوان المسلمون وفضيلة الشيخ خيري ركوة معهم قول الشاعر:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي
فكانت دعوتهم إلى الله أغلى عندهم من كل شيء وأعز من كل شيء، فعملوا وما زالوا يعملون ويضحون لتعلوا راية الإسلام في كل مكان.
كان مع أهله رفيقاً كما تعلَّم من سيرة الرسول، كان في خدمتهم ليدخل عليهم السرور والفرح، وما رأيته ولا سمعته يشتكي من أحدهم أبداً.
وكان رحمه الله مهذباً مؤدباً طيلة حياته فما رأيته أساء أو اغتاب أحداً من إخوانه أو من المسلمين، وكنتُ أكبر منه بأربع سنوات فقط فما غضب مني ولا ردّ لي كلمة قط، وفي مرضه الأخير ذهبتُ لعيادته، فقال انظر إلى يدي فنظرتُ إليه, وقلتُ طيبة وأنتَ طيب, وقبَّلتُ يده، فقال: أنا الذي أقبِّل يدك وقدمك.
كان كتلة من الإخلاص لدعوته ودينه وإخوانه وتلاميذه فما قصَّر في حق شئ منهم ولا تَوان في أداء واجب, رحمه الله وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.

وقال عنه الدكتور عبد الحميد الغزالي (الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والمستشار السياسي للمرشد العام):

إن الشيخ ركوة كان من رموز جماعة الإخوان التي أسهمت بإخلاص وتجرد وثبات أصيل في جانب التربية والدعوة، وأضاف أن الشيخ كان له مواقفه العظيمة وتضحياته الكبيرة في سبيل نشر الدعوة، وكيف أن الابتلاءات التي لحقت به لم تنل منه بل تغلَّب عليها فكان يخرج من كل محنةٍ منتصرًا وأقوى مما كان.
وأوضح أنه كان نموذجًا وقدوة مشرفة لتلاميذه من بعده مربيًا فيهم حب الدعوة والثبات على طريقها مهما كانت العواصف والمحن، وكان سلوكه النبيل الذي يُجسِّد المسلم الفاهم والواعي بقضيته يترك انطباعًا إيجابيًّا وحبًّا يزداد بين تلاميذه، داعيًا الله عز وجل أن يتقبَّل منه وأن يرحمه ويسكنه فسيح جناته.

وأكد الحاج مسعود السبحي (سكرتير المرشد العام للجماعة) أن:

الشيخ ركوة كان من المجاهدين الأوائل في نشر الدعوة؛ حيث بدأ يعمل لهذه الرسالة وهو طالب بجامعة الأزهر ووظَّف لها حياته وحمل أعباءها ومسئوليتها على عاتقه، وكان يخشى أن يُؤتى الإسلام من قِبله فكان أشد ما يكون العبد إخلاصًا لربه وقضيته.
وأشار إلى أن ثباته على هذا الطريق عرَّضه للاعتقال في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وأمضى في السجن ثلاث سنوات، ولكن هذه العقوبة استمرت إلى ست سنوات ثم أُعيد اعتقاله في عهد الرئيس حسني مبارك لمدة عام، وكان الشيخ الجليل يخرج في كل مرةٍ أشد ثباتًا وأقوى إيمانًا ولم يمنعه هذا المعتقل من أن يستمر محبًّا ومجاهدًا في سبيل لدعوته.
وأضاف أن الشيخ كان غيورًا على دينه وله كتابات عدة في مجال الدعوة إلى الله، كما أنه كان أحد المسئولين عن قسم نشر الدعوة، وظلَّ مجاهدًا صابرًا في طريقه إلى أن ابُتلى بالمرضِ الذي لم يمنعه من المداومة على الخير فكان يعمل ويرفض أن يُفوِّت لقاءً فيه خير إلا ويحضره، وظل كذلك حتى وافته المنية ولقي ربه صابرًا محتسبًا.

وأشار المهندس عاصم شلبي (مدير دار النشر للجامعات) إلى أن:

الشيخ ركوة كان من أبرز رموز الدعوة كان له دور غاية في الأهمية في خارج مصر، وعندما عاد إلى مصر أصبح مسئولاً عن قسم نشر الدعوة وعضوًا بمجلس شورى الجماعة، وأشار شلبي إلى أن ركوة كان بليغًا، وكان من المتحدثين في كلامهم بالبلاغة والحكمة.
ولم تُثنه الابتلاءات والمعتقلات عن المضي قُدمًا في طريق دعوته فقد اعتُقل في العهد الناصري ورأيته في المعتقل أثناء إحدى زياراتي قويًّا جلدًا يُعطي لمَن حوله الثقةَ في قضاء الله والصبر عليه.
وضرب المثل في صبر الداعية عند الشدة وعند المنحة شاكرًا، ولفت النظر إلى أن إخلاص رجال هذا الجيل هو السبب في عدم قدرة خصومهم على تحجيم نشاطهم ونشاط دعوتهم، وهو ما جعلها تنتشر وتتسع بصدقهم وعزيمتهم.

وقال الدكتور حازم فاروق (عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين سابقا وأحد الذين تربوا على يد العالم الجليل):

إنَّ أعيننا تفتحت على الشيخ ركوة دءوبًا مربيًّا مثابرًا يرص اللبنة تلو اللبنة والشباب بجوار الشباب، ويبث فيهم الثقة في نصر الله وبأنهم جيل هذا النصر المنشود، كما أنه كان شعلةً تُضيء أمامنا الطريق ويدًا ترسم لنا ملامحه، يسافر هنا وهناك، ويربت على كتف الكبير ويحتضن الصغير حتى تثمر النبتة، واستمر الشيخ في جهاده لم يفتر ولم يُغيِّر ولم يبدل حتى لقي ربه صابرًا شاكرًا.
وأشار إلى أن الله اجتباه بابتلائه وامتحانه بالاعتقال والمرض حتى يخرج من ذنوبه ويلقاه راضيًا مرضيًا، وختم فاروق قائلاً: إن أعين محبيه وتلامذته وأهله وإخوانه لتدمع وإنَّ قلوبهم لتحزن على فراقه، ولكنهم لا يملكون إلا قولهم ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

وفاته

تُوفي الأستاذ والعالم الجليل الشيخ خيري ركوة في 3 مارس 2007م الموافق 13 صفر 1428 هجريًّا.

حيث نعاه الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين للعالمين العربي والإسلامي، وشيعت جنازته من مسجد رابعة العدوية بضاحية مدينة نصر بشرق القاهرة عقب صلاة ظهر يوم الأحد 4 مارس 2007م.

من كتاباته

شدائد الفترة المكية وأهميتها في عقيدة المؤمنين

كتب تحت عنوان (شدائد الفترة المكية وأهميتها في عقيدة المؤمنين):

بسم الله والحمد لله، وبعد.. فمن المعلوم أن الإسلام ليس مجردَ عنوان يُطلق أو كلمة تُقال، ولكنه كيانٌ ذو بناءٍ متكاملِ العناصر، يقوم على تناسب هذا الكيان والبناء.. عمقًا واتساعًا وامتدادًا، ومن مقتضيات البناء أن يقوم على أسس ودعائم، وبقدر ضخامة البناء وشموخه وحجمه يكون النظر في تشييد الأساس متانةً وصلابةً واستمراريةً.
فأساس يقوم عليه بناء من عدة طوابق يختلف عن آخر يتكون من طوابق أقل عددًا أو أكثر، والإسلام عبَّر عنه الرسول- صلى الله عليه وسلم - بهذا المفهوم "البناء"، فقال- صلى الله عليه وسلم -: "بني الإسلام على خمس"، وشبَّه علاقة المؤمنين فيما بينهم وشدة التحامها بالبنيان، فقال - عليه السلام -: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، ونوَّه القرآن الكريم بصورة تعاضد المسلمين في صف القتال في سبيله فقال - تعالى -: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ" (الصف: 4).
وهذا البنيان سواء كان في شكل قواعد للإسلام، أو في شكل توحُّد المسلمين جسدًا واحدًا، أو في شكل صفٍّ يواجه أعداء الدعوة في ميادين القتال.. إنه في كل هذه الصور يتطلَّب اللبنات القوية التي بها يتحقق هذا البناء المطلوب؛ كي يحقق هدفه ويؤدي أغراضه.. ويستطيع مواجهة الأنواء والنوازل والهِزَّات.
خلت الأرض من نور الهداية فترةً من الزمن، ثم تداركتها رحمة الله الرحمن الرحيم، فبُعث محمدٌ- صلى الله عليه وسلم - برسالة الإسلام؛ بناء يدعو إليه ويقيم دعائمه، وفي أول يوم يتلقَّى فيه النبي- صلى الله عليه وسلم - النبوةَ ويرجف من لقاء جبريل فؤاده، ويقول زملوني زملوني من أثر غطة الملك عليه.. يلتقي بـ"ورقة بن نوفل" ويخبره بما حدث له في الغار، فيقول له "ورقة"- وكان عنده علمٌ من الكتب السابقة-: "والذي نفسي بيدِه، إنه ليأتِيك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنَّك لنبيُّ هذه الأمة، ولتؤذَيَّن، ولتكذَّبَن، ولتقاتَلَن، ولتُنصرَن، ولئن أدركني يومك لأنصرنَّك نصرًا يعلمه الله..!! "
يروي صاحب (السيرة النبوية الصحيحة) قول "ورقة بن نوفل": "يا ليتني فيها جذعٌ.. أكون حيًا حين يخرجك قومك"، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "أوَمخرجيَّ هم؟ " فقال "ورقة": نعم.. لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عُودي، وإنْ يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرا".
فمِن أول يومٍ لتلقِّي مهمةِ الرسالة يشاءُ الله تعالى أن يطلع الرسول على ما سوف يواجهه من متاعب وأعباء في سبيل الدعوة، إنه سيكون إيذاءٌ وتكذيبٌ ومقاتلةٌ وإخراجٌ من الديار؛ لكن يعقُب ذلك نصرٌ، ولن يكون هذا النصر قبل هذه الشدائد.
إن هذا الدين وهذه الرسالة لم تأتِ لتصلح من كل فرد شأنه، ثم يخلو بنفسه بعيدًا عن الناس، لا شأنَ له بهم ولا شأن لهم به، وحينئذٍ، فلا عناءَ ولا إيذاءَ، فكلٌّ في خاصة نفسه لا شأنَ له بالآخَرين، فمَن أراد آمن ومَن لم يُرِد لا شأنَ لأحدٍ بهٍ، فله أن يعبدَ ما شاء ويتبَع مَن شاء ويفعل ما يشاء، دون قانون أو حدود للفعل أو الترك في الأموال أو الأنفس أو الأعراض أو الدماء أو التعبُّد أو الاستعباد، أو الظلم أو القهر للضعفاء والمستضعفين.
إن هذه الرسالة قد جاءت لإصلاح الإنسان وإعادته إلى رشده وسلامة فطرته، وتكوين مجتمعه الآمن المطمئن على الأنفس والأموال والأعراض والحريات، وعلى المساواة بين بني البشر.. "كلكم لآدم"، وصمام ذلك كله العقيدة في الله، التوحيد (توحيد الألوهية والربوبية)، وتلك الأخيرة هي التي دونها الدماء والأنفس والرقاب..
لقد كانت كلمة التوحيد هي القضية الأولى في الإصلاح.. "أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".. يأتي رجل من البادية يقول: دلوني على هذا الرجل "محمد" فلمَّا لقيَه قال: ما الذي جئت به قومك؟ قال: "لا إله إلا الله"، قال الرجل: أتريد أن يقولوا لا إله إلا الله؟! قال الرسول: "نعم" قال الرجل: "إذن يقاتلك الأبيض والأسود والأحمر"، وقالوا: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" (ص: 5)
انطلق محمد- صلى الله عليه وسلم - يدعو ويبلغ رسالته، وهو مدرك ما سيواجَه به هو ومَن يستجيب لهذه الدعوة، وهو مدركٌ كذلك أنَّ أولئك الذين يستجيبون للإسلام هم القواعد التي سترفع بها البنيان، وهم الأركان التي سيقوم عليها البناء الكبير الواسع الممتدُّ العريضُ، الذي سيظلل الأرضَ كلَّها والبشريةَ كلَّها، وأنه لا يقتصر أمرُه على أهل مكةَ أو الجزيرة العربية، بل البناء أوسع من ذلك إنه للعالمين جميعًا، وإنه لم يأت لتزكية الأنفس وصلاحها الداخلي فقط.. لا علاقة له بمعايش الناس ونظم حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.. لا بل المنهج واسع شامل يحتوي كل حركة للإنسان في نفسه ومع غيره، وحركة المجتمعات مع غيرها في سلمها وحربها.. في نظامها وقوانين حياتها، وبهذا ستكون المواجهة ليست مع فرد آخر ولا مع أسرة ولا مع مجتمع، ولكنها مع كل البشر، وكل الثقافات وكل الأَعراف.
ومن هنا كان الإعداد لحمَلة هذه الرسالة- الذين يلبون دعوتها ويؤدون مطالبها- لابد أن يكون إعدادًا لكل جوانب الإنسان الذي يحمل هذه الدعوة.. إعداد النفس والقلب والروح والمشاعر.. إعداد الأبدان والجوارح.. إنهم سيواجَهون بالمحن بوجوهها المتنوعة.. محن الرهباء.. ومحن الرغباء.. محن الجوع والعطش.. محن الإيذاء البدني والنفسي.. محن المتع والشهوات.. محن العلائق والمحاب.. الآباء والأبناء..
محن العواطف والأشواق، والأزواج والزوجات، والبنات والأمهات، كل ذلك سيكون في طريق مَن يؤمن بهذه الدعوة يشكل في طريقه عوائق ومنعطفات، قد تغريه بالتخلي عن هذا الطريق (طريق الدعوة)، وما فيه من الأشواك، ومن هنا كان لابد من الامتحانات للصقل والتطهير، والتزكية والتحرير، تحرير النفس من علائقها الدنيا، ومن رغباتها العجلى، وتخليصها من الشوائب التي تخالط جوهر النفس، فتكدر صفاءه، وتغش خلوصه، لابد من الفتنة التي تنقي المعدن الصافي الغالي من الزبد، كما ينفي الكير خبث الحديد.. إن الأمانة كبيرة وثقيلة وطويلة الطريق، فما لم ينقَّ المعدن الذي يحملها لا يقدر على حملها ولا على الاستمرار في هذا الطريق المليء بالصعاب، فليكن من البداية الاختبار والابتلاء.. "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ" (محمد: 31).
إن الإسلام أمانة؛ لأنه دعوة الله إلى العالمين إلى يوم القيامة، وهذه الأمانة تقتضي أن يحملها من تأهَّلوا لذلك: فلابد أن يُجرَّبوا من خلال تعرِّضهم لأنواع من المعانات، فيتعرَّضوا لصنوف من المشاق العملية التي تكبدهم الآلام في جسومهم، والآلام في رغباتهم وشهواتهم فيواجهوا سغب البطون وظمأ الأكباد، ولهيب الهواجر وغلظة أكباد الطغاة وصلفهم، وينالوا عذاب الأجساد ضربًا ورجمًا وإحراقًا، يعانون القسوة من الآباء والأزواج والزوجات والقبيلة والعشيرة، وتُصَبُّ عليهم جامات الغضب والكُره والقسوة من الأحباب والأصحاب ليفتنوهم عن دينهم، ومن المؤهلات للصدق في حمل هذه الدعوة أنهم يصبرون على هذه الآلام، ويسترخصون الحياة في سبيل دينهم وعقيدتهم التي أسلموا لها، وآمنوا بها، ويقول قائلهم:
ولست أبالي حين أُقتل مسلمًا
على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أشلاء شلوٍ ممزَّع
إنهم يصبرون على المحن والابتلاءات؛ لإيمانهم أنها في سبيل الله، وأن الصبر عليها نصر من نصر الله، يهبه لمن يشاء من أحبابه، فيستعين بما يعرض من الآلام النفسية أو البدنية طامعًا وآملاً أنَّ نصر الله آتٍ لا محالةَ.. "وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج: 40).
يمرُّ النبي- صلى الله عليه وسلم - على آلِ ياسر وهم يعذَّبون بالنار والضرب الشديد فما يزيد على قوله: "صبرًا آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنة"، ولم نسمع أنه دعا لهم بهلاك مَن يعذبونهم، أو بانصرافهم عنهم، ونراه يأتيه "خباب" فيقول له: يا رسول الله، ادع الله لنا يخفِّف عنا هذا العذاب.. فيقول له: "إن مَن كان قبلكم كان يؤتَى بالرجل فيُحفَر له في الأرض، ثم يؤتَى بالمنشار فيوضَع على مفرق رأسه فينشر نصفين، ثم يؤتى بأمشاط الحديد فيمشط جسمه.. ما بين لحمه وعظمه.. ما يصرفه ذلك عن دينه، ولينصرن الله هذا الدين أو ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلا الله والذئبَ على غنمِه غير أنكم تستعجلون".
إنه الدرس في مدرسة الصبر على البلاء في سبيل الله وفي سبيل دعوة الله.. "إنه صهر المعادن النفسية لتتخلص مما علق بها من الزَّبد الذي عادةً ما يَذهبُ جفاءً ولا يبقي إلا ما ينفع الناس.
ومن مؤهلات حمل الأمانة الاستعلاء على الشهوات، فللنفس محاب ورغبات، حب المال، وحب الأولاد وحب الأزواج، ذلك غريزة مركوزة في الأنفس، من لا يستعلي عنها غلبته على نفسه، واستولت على قلبه وعقله وسيطرت على فكره وتوجهاته، فأصبح لا يرى إلا بمنظارها، فحب الشهوات يعمي عن سداد الرؤية وصواب النظر.. "حبك الشيء يعمي ويصم".
فصاحب الدعوة وحامل الأمانة لابد أن تكون شهوته طوَعَ إيمانه وأسيرة إيمانه وعقيدته، ولا تكون ضخمة الحجم والسيطرة على صاحبها، فإنه في طريق جهاده ستبرز أمامه أهواء شهوة القرابة- كالأبوة والنبوة- وشهوة الجاه والمنصب لتكون في معادلة مع دينه وعقيدته وجهاده، فأي الكفتين ترجَّح لديه ومع أيهما يميل؟ "فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا" (النساء: 135)، وقد عيب على قوم سبقوا ضلوا طريق أسلافهم من المؤمنين، قال تعالي: "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا" (مريم: 59).
وإن من مؤهلات من يعد لحمل الأمانة أن يكون مملوء القلب ثقةً في نصر الله وثوابه، فإن هذه الثقة هي التي تعين على وجود المؤهلات الإيمانية التي ذكرت وتزيدها نموًا وأثرًا، فيصبر على المعاناة والمشاق، ويستمر في العلو فوق الشهوات، ويستخفف ما يلاقي من الآلام؛ لأنه يوقن في نصر الله للحق وإزهاق الباطل، ويؤمن بأن أجرَ الله وثوابَه مضمون للعاملين الصابرين، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

المؤمنون الذين استجابوا للدعوة، ويغدون لحمل أماناتها لا يكفى منهم أن يقولوا بألسنتهم آمنَّا، بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فقط..

إن هذا لا يكفي لأن تسند إليهم الأمانة فقد يقفون في الطريق فلا يواصلون مسيرتهم، وقد يجتزئون بعضها دون الآخر، وقد يختارون ويتركون، وقد يكتفون بأنفسهم أو ببعض ذويهم ولا يهتمون بهذه الدعوة جميعها شريعةً وعقيدةً وناسًا وأُمَمًا مستخفين بعضًا ومستثقلين بعضًا.. يقول الله تعالي: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ" (العنكبوت: 2) لا.. بل لابد أن يُفتَنوا وأن يُبتَلوا، وأن يجرَّبوا بعد قولهم آمنَّا؛ لتعرف المعادن، ويعرف الصدق من الكذب، واليقين من الشك، وكيف يترك مَن يعلن الإيمان بلسانه دون فتنة وابتلاء، وسنة الله فيمن سبقهم من المؤمنين في الأمم السابقة أنهم تعرضوا للفتن والابتلاءات، فتميز الصادقون من الكاذبين والصامدون من المتقلبين، فمِن هنا كان لابد من التعرُّض للمكاره والشدائد؛ لتصفية المعادن النفسية مما علق بها من الزَبَد الذي يذهب جفاءً.. فإن للشدائد دورها في إظهارها لجوهر المؤمن ونقاوته.


الإسراء .. مشاهد وعبر ودروس


وكتب أيضا تحت عنوان (الإسراء .. مشاهد وعبر ودروس):

بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ خيري ركوة والأستاذ وحيد الدهشان
وفي هذه الرحلة التي اجتاز فيها النبي هذه السماوات حتى وصل إلى مقامٍ وتجاوَزه، وما كان لأحد قبله أن يتجاوز هذا المكان، ولم يجئ من بعده من يتجاوز هذا المكان، ثم ناداه الله تعالى وأراه من آياته الكبرى، وفرض عليه الصلاة وهي المعراج اليومي المتكرر، لكن مَنْ يؤمن بهذه الرسالة؟!
ومن يتبع هذا النبي الكريم؟! فكل الشرائع جاءت لمحمد عليه الصلاة والسلام وهو في الأرض إلا هذه الفريضة التي فُرضت على النبي مباشرةً، دون واسطة بينه وبين الله سبحانه وتعالى، وفي هذه الرحلة المباركة رأى النبي من المشاهد والآيات ما رأى، ونحن نصدق ونؤمن بما جاء فيها، وما وصلنا مرويًا عن الرسول في الخبر الصحيح.
نُؤمن بذلك أكثر مما لو رأينا بأعيينا؛ لأننا قد نرى فيزيغ منا البصر، ولكن النبي وصفه ربُّه بأنه ما ضل وما غوى.. هذا الموقف الذي ثبت فيه أبو بكر عندما كذَّب أهل مكة ما حدَّث به الرسول عن الإسراء وذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: أرأيت ما يقول صاحبك إنه يقول: إنه أُسري به إلى المسجد الأقصى، ونحن لو أردنا أن نذهب هناك لقطعنا مسيرة كذا وكذا، فما رأيك؟ قال أهو قال ذلك؟ قالوا: قال.
قال: أشهد إن كان قال ذلك فأنا أصدقه، إنا نصدقه في أعظم من ذلك، نصدقه في خبر السماء يأتيه وهو جالس بين ظهرانينا، ومن هنا كان هذا اللقب العظيم لقب الصديق، وأصبح في أرض الله لا يعرف بهذا اللقب بعد الأنبياء إدريس ويوسف إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

دروس للدعاة::

هذا الحدث يمكن أن نستلهم منه بعض الدروس، ولأنه في مسيرة الدعوة إلى الله ينال الدعاة الكثير من الهموم والأسى تمحيصًا وابتلاءً واختبارًا، ثم إذا شاء سبحانه وتعالى أفسح لهم وفرج عنهم، وأنزل عليهم من آياته ورحماته ما يجعلهم يمسحون هذه الآلام التي مضت، ويستقبلون الحياة بعزم جديد وهمة قوية، لا يعبئون بما يتعرض له الواحد منهم من أذى الناس، وتنكرهم لما هم عليه من الحق، فتأتي هذه الرحلة ليرى النبي فيها من آيات الله الكبرى وقدرته التي لا تُعد ولا تُحصى ليعلم الناس أنهم وهذه الحياة ليسوا شيئًا يُذكر إزاء ما عند الله من القدرة والعطاء والمكافأة والثواب الجزيل..
بهذا يعود النبي صلى الله عليه وسلم وهو في عزم جديد وهمة كبيرة وينقل ذلك لأتباعه من المؤمنين الصابرين فلا يبالون بما أصابهم من شدائد، ويرون أن ذلك لا يعتبر شيئًا أمام ما أُعِد لهم عند الله - تعالى -من الفوز العظيم، وصدق الله العظيم: "وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، ومن هنا يستعذبون المر ويستسهلون الصعب ويقول الواحد منهم أمام ما يتعرض له من الأذى: ولسْتُ أبالي حين أُقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي، وحين ينظر أحدهم إلى يده التي تُصاب يقول: إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت.
تتغير الأحوال وتقوى الهمم والعزائم ويتجدد شباب الدعوة والدعاة بعد هذه المنن التي يطلع عليها الله رسوله وحملة الدعوة، ونحن- معشر الدعاة- بلغنا هذا، واستقر في نفوسنا، ووعينا ما أعد الله للعاملين، وكأننا شاهدناه وحضرناه، ويجعلنا ذلك نتذكر هذه الدروس والعطايا التي هي ليست لمن سبقنا فحسب بل ممتدة لكل من يحمل هذه الدعوة فيصبر وينتظر الثواب الكبير عند الله الغني الوهاب.

معجزات ومبشرات:

الرسول- صلى الله عليه وسلم - رأى فيما رأى من الآيات الكبرى والمشاهد للصالحين والطالحين، ويسأل جبريل عنهم فيقول له هؤلاء من أمتك يفعلون كذا أو كذا هؤلاء المجاهدون، هؤلاء المصلون، هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى، ولم تكن هناك شرائع أُنزلت في مكة بعد، فلم تكن الزكاة والصلاة قد فُرضت بعد، فهذا تصوير لما سيحدث من بعض أفراد الأمة ومواقفهم أمام الشريعة التي ستأتيهم يظهر فيها الطائع المستجيب لربه والعاصي البعيد عن رحمة ربه، ويحكي الرسول ذلك للمؤمنين؛
ليكونوا على فكر وذكر وتصور لما سوف يحدث مع الأمة، فهي بيانات عملية ودروس لمواقف الأمة من الشريعة، فإن كانت الآيات قد جاءت لبيان من يفعل كذا أو لا يفعل فهي أمور نظرية تسمعها الآذان وتصل إلى بعض القلوب فتغير، وقد لا تصل لباقي القلوب لكنْ عندما تأتي البيانات العملية والصور التطبيقية ونحفظها ونعلمها للأجيال من بعدنا فكأننا لا نعطيهم مجرد مواعظ نظرية ولكنها مشاهد من الجنة والنار، أليس ذلك الصحابي واحدًا من الذين استثمر هذا الأمر فيقول له النبي: كيف أصبحت يا حارثة؟ فيقول له أصبحت مؤمنًا حقًا!! فيقول له النبي: يا حارثة، انظر..
لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟! فيقول عزَفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهاري، وأيقظت ليلي فرأيت عرش ربي بارزًا، ورأيت أصحاب الجنة يتزاورون فيها، ورأيت أصحاب النار يتضاغون فيها.. فيقول له الرسول: عرفت فالزم، أي الزم الإسلام، الزم النهار العابد والليل الساجد، كأنه يقول كن مع أوامر ربك وشرائعه وما يطلبه، كن مع هذه كلها في عناق لا تنفك عنه؛ لأن الالتزام يعني الانضمام والمعانقة، أي اجعل هذا معانقًا لك لا تفك يديك عن عنقك ولا تفك يديك عن هذه الرؤية، وهذا التوفيق الذي هداك الله إليه، فـحارثة يعرف ما رأى الرسول في الجنة والنار فيتمثل ذلك، ويعيش له.
ويأتي أحد الصحابة فيقول يا رسول الله: علمني شيئًا يُدخلني الجنة فأنا لا أعرف دنْدنتك ولا دندنة بلال، فقال له: أتريد الجنة قال: نعم فقال: حولها ندندن، فمعنى ذلك أن المسلم الذي يؤمن بمحمد- صلى الله عليه وسلم - ينبغي أن يكون ديدنه الجنة لا تنفك عن خواطره ولا عن نواظره، ألسنا ندعو دعاءً مأثورًا (اللهم ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونجنا من النار وما يقرب إليها من قول وعمل).
دروس كثيرة في الإسراء والمعراج.. هذا الكون الفسيح الواسع ما خُلق عبثًا "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ" (الحجر من الآية 85)، فالرسول- وهو في معراجه من سماء إلى سماء- يجد في كل سماء بابًا ومسئولاً عن هذا الباب، ولا يدخل من هذه السماء إلا بعد إذن، يقول جبريل (افتحوا لنا)، فيقول حارس هذه السماء (من أنت؟) فيقول: جبريل، ويُقال: فمن معك؟، فيقول محمد، فيقال له: أو قد أرسل إليه؟ فيقول: نعم. فيفتح، ويقول جبريل للنبي- صلى الله عليه وسلم -: ألق السلام فإنه أخوك فلان، فـجبريل غادٍ ورائحٍ بين السماوات كثيرًا ومأذون له ولا يُستفتح، لكن في هذه المرة يعرفون أنه ليس وحده، ومحمد معروف لديهم، ولكن الذي لم يصلهم بعد هل كُلّف بالرسالة أم لا؟، كما أن دخول النبي واستئذانه تأكيدٌ على قيم الاستئذان التي أورثناها نحن المسلمين.

الشيخ خيري ركوة يكتب عن رمضان


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والداعين بدعوته إلى يوم الدين، وبعد،،
أيها الإخوة الكرام أحييكم بتحية الإسلام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإنا لننتهز هذه الفرصة لنزفَّ إليكم التهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك، والذي كان كل المسلمين في الماضي- وأخذنا ذلك عنهم- الجميع يلهجون دائمًا بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى قائلين: اللهم بلغنا رمضان، والإنسان دائمًا لا يطلب الحياة واستمرارها لمجرد الحياة، وإنما يقول دائمًا "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرًا لي"، فهنا طلب أن يبلغ الإنسان رمضان وأن يصل إليه هو من هذا الباب؛ ليزداد الإنسان إقبالاً على ربه، وإما أن يكون محسنًا فيزداد أو أن يكون مسيئًا فيستعتب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى، إنه الفضل من الله سبحانه وتعالى أن يكرمنا بأن نكون بين الصائمين ومع الصائمين الخاشعين الذاكرين لله سبحانه وتعالى.
هذا الشهر المبارك الذي فرض الله سبحانه وتعالى صيامه، وسنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قيامه، فالله سبحانه وتعالى يقول فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
فإنَّ هذا الصيام كُتِبَ على جميع الأمم السابقة، كُتب على موسى وعلى عيسى وعلى غيرهم من الناس، وكان هذا الصيام كذلك ثلاثين يومًا، ولكن حدث فيه نوع من التحريف والتغيير، فبعض الأمم أرادت أن تستوثق فيه وتتأكد، فاحتياطًا صاموا يومًا قبله واحتياطًا صاموا يومًا بعده، واستمر كل جيل يأتي يزيد يومًا قبله ويومًا بعده حتى صار الصيام خمسين يومًا.
ثم كانت هذه الأيام الخمسون تأتي أحيانًا في شدة الحر، فاقترحوا أن يجعلوها في أيام البرد وأيام الربيع، وكان على الصورة التي نسمع عنها، والله سبحانه وتعالى حفظنا وحفظ لنا هذا الشهر، وحفظ هذا الشرع كله من أن يغير أو يبدل، وإنما يبقى على ما هو عليه لأن الله سبحانه وتعالى لما أنزل هذا الذكر تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظه: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
هذا الصيام الهدف منه- كما قال الله تعالى- ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ولعل هذه معناها طلب الرجاء، صوموا رجاء أن تصلوا إلى مرتبة التقوى، والتقوى- كما قال القائلون- هي أن الإنسان دائمًا يكون على ذكر لربه، وألا يكون في غفلة أو نسيان حتى يأمن الثغرات التي يمكن أن يخطئ فيها أو يذل، ومن هنا هذا الصيام ليكون موصلاً إلى التقوى، لابد أن يُحاط بضمانات كثيرة منها حفظ الأيدي والأقدام والأعين والآذان والعقل والفكر، لابد أن تُحفظ هذه الأشياء كلها في نهار رمضان حتى يكون الإنسان فعلاً قد أعرض عن اللغو وعن الرفث وعن الفسوق.
وليس الصيام هو أن يجوع الإنسان ويعطش، ولكن الصيام هو أن يصوم البدن كله وأن تصوم النفس جميعًا عن كل هذه المذلات، وعن كل هذه المساوئ، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنَّ علينا بصيامٍ سليمٍ صحيح يخشع فيه القلب وتسلم فيه الجوارح، ونصوم فيه صومًا صحيحًا سليمًا نلقى الله به ونحن على قلوب سليمة وأفئدة طاهرة وألسن صادقة وأيدٍ نقية.
بهذا يكون الصيام أدَّى المهمة وأدَّى الهدف الذي منه، وهو الوصول إلى مرحلة التقوى، والتي لمَّا سأل بعض الصحابة عن معناها فقال: هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل، ذلك هو التقوى، التقوى معناها الحذر الشديد من أن يُدنس ثوب الانسان ولا نقصد هنا بالثوب هو الجلباب الذي يرتديه أو الحلة التي يتحلى بها، وإنما كما جاء في تفسير قول الله تعالى في أمرٍ إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنذِرْ(2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)﴾ (المدثر)، فبعض العلماء يقول المقصود بالثياب هنا القلب، أي وقلبك فطهر.
فمطلوب أن نطهر هذه القلوب حتى تكون صافية وحتى تكون نقية وحتى تكون خاشعة تستقبل وحي الله وتستقبل ذكر الله، وتستفيد من هذا الصيام فهذا الصيام لابد أن نتعامل مع القرآن بشكل جديد، وبشكل مفيد، ولابد أن نتعامل مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومع سنته، وأن نتعارف ونتحاب مع الذاكرين ومع الصالحين، وتعمر بنا المساجد، وتنشر بنا المصاحف، وأن يكون لنا مع الصالحين المسلمين لقاءات ومدارسات، وتذكر يعين بعضنا بعضًا على هذا الأمر؛
تختفي فيه الشحناء وتختفي فيه البغضاء وتتنقى فيه الصدور وتغسل فيه القلوب حتى تكون صافية تستعد لاستقبال هذا القرآن الكريم في هذا الشهر العظيم؛ حتى يكون فعلاً لنا الفوز في أوله وفي وسطه وفي آخره، وحتى ننال الجائزة التي أعدها الله تعالى لهؤلاء الصائمين في آخر رمضان، وحتى نستطيع أن نكبر الله تعالى على ما هدانا، ونشكر الله سبحانه وتعالى على توفيقه علي هذا الأمر.
فلنعمل لله ولنعمل بالله ولنتقي الله سبحانه وتعالى حق التقوى في هذا الشهر العظيم، وفي هذه الأيام الكريمة، وألا نضيع منها شيئًا، وألا نخسر شيئًا من حياتنا ولا في أعمارنا في غير طاعة وفي غير معرفة وفي غير منفعة وفي غير خدمة لهذا الدين، ولهذه الدعوة التي ننتمي إليها وننتسب إليها.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيي فينا القلوب، وأن يزكي الأرواح، وأن يجمعنا على الخير، وعلى البر وعلى التقوى، وأن يجعله شهرًا مباركًا ميمونًا تعز فيه كلمة الإسلام، وينصر الله فيه المسلمين وتندمل في جراح إخواننا المجاهدين المكافحين في العراق وفي فلسطين وفي كل بلاد الأرض.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لهم من كربهم فرجًا، وأن يجعل الله لهم من عسرهم يسرًا، وأن ينصرهم على عدوهم وعلى عدونا وعلى القوم الظالمين اللهم آمين.. اللهم آمين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ألبوم صوره

ألبوم صور الشيخ خيري ركوة


إضغط علي الصورة لتظهر بحجمها الكامل

 

خيري ركوة

خيري-ركوة

خيري ركوة

المهندس-الشاطر-والشيخ-خيرى-ركوة

خيري ركوة

الشيخ-خيرى-ركوة

خيري ركوة

الشيخ-خيرى-ركوة-الأستاذ-وحيد-الدهشان

خيري ركوة

الدكتور-جمال-عبد-الهادى-والشيخ-خيرى-ركوة-والحاج-يوسف-قته

خيري ركوة

الأستاذأسامه-محمد-جادو-والشيخ-خيرى-ركوة-والأستاذ-محمد-عبد-المنعم-أحد-قيادات-إخوان-الأسكندرية