إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

رسالة دعوتنا في طور جديد

من Ikhwan Wiki

(تم التحويل من دعوتنا في طـور جديد)
اذهب إلى: تصفح, البحث
رسالة دعوتنا في طور جديد

بقلم: الامام حسن البنا

محتويات

طور جديد طور جديد

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف يبدو أنه مفقود: /home/ikhwanwi/public_html/_new/images/6/68/الإمام-الشهيد-حسن-البنا-12.jpg

هذا طور جديد في دعوة الإخوان المسلمين ، أحببت أن أتحدث إلى القراء عنها فيه.. فقد نشأت هذه الدعوة والناس في انصراف عن الفكرة الإسلامية وفى إعجاب بالفكرة الغربية المادية فأخذت طريقها في هدوء إلى قلوب الطبقة الأولى من الناس ، طبقة الجماهير المؤمنة السليمة العقائد والصدور، وظلت في نفوسهم أمينة عزيزة وعاطفة متوقدة كريمة وشعلة مشرقة منيرة ، على حين كانت جمهرة المفكرين وأهل الرأي والتوجيه يروجون للفكرة الأخرى ويهتفون بها ويدعون الناس إليها ويزينوها في الأسماع والأبصار والقلوب بمختلف صنوف التزيين والتحسين.

وشاء الله أن تقع الأحداث العنيفة (الحرب العالمية الثانية) التي هزت كل العقول والمشاعر والقلوب والأفكار، وأشعرت الإنسانية الحاجة الشديدة إلى إعادة النظر في مناهج الحياة وقواعد المدنية ودعائم التحضر ، وانطلقت الأصوات من كل مكان تهيئ لنظام جديد وعلاج جديد.

وصادف ذلك امتحان لدعوة الإخوان كشف عن جوهرها ولفت أنظار الناس إليها ، وجمع كثيراً من القلوب النافرة حولها ، وبذلك انتقلت الدعوة إلى القلوب المؤمنة والعقول المفكرة ، وأصبحت قاعدة مسلمّا بها بعد أن كانت عاطفة متحمسة ، ونظر إليها كثير من الناس على أنها مبادئ ممكنة التحقيق صالحه للتطبيق ، فلم تعد حلماً في الرؤوس أو وجداناً في النفوس فقط.

وكان طبيعيا أن تكثر الأسئلة عن مرامي الدعوة وكنهها وعن الطرق التي يسلكها أهلها والقائمون بها في علاج ما يحيط بتطبيق مبدئها وتعاليمها من مشاكل داخلية وخارجية ، ولم يعد يكفى في الجواب عن ذلك كلام مرتجل أو خطابة تثير المشاعر أو عبارات تؤثر في العواطف ، بل صار واجبا على أهل هذه الدعوة أن يصورها للناس تصويرا منطقيا دقيقا واضحا مبينا على أدق قواعد البحث العلمي ، وأن يرسموا أمام الناس الطرق العملية المنتجة التي أعدوها لتحقيق ما يريدون ، ولتذليل ما سيصادفون من عقبات لابد من وجودها في الطريق .

ولعل طورا آخر ينتظر هذه الدعوة حين توضع موضع التجربة العملية ،وحينئذ يتم هذا الهيكل الذي تجهز له هذه اللبنات ، وحينئذ يرى الناس أي خير سينالون من تطبيق هذه المبادئ السامية وتحقيق هذه الأهداف العالية.

وسأتناول إن شاء الله خصائص هذه الدعوة ومراميها ، والشبهات التي تورد عليها والعقبات التي تحيط بها في هذا الطور الجديد ، مستمدا من الله المعونة والتوفيق.

ربانية عالمية ربانية عالمية

أخص خصائص دعوتنا أنها ربانية عالمية :

أ ـ أما أنها ربانية فلأن الأساس الذي تدور عليه أهدافنا جميعا ، أن يتعرف الناس إلى ربهم ، وأن يستمدوا من فيض هذه الصلة روحانية كريمة تسموا بأنفسهم عن جمود المادة الصماء وجحودها إلى طهر الإنسانية الفاضلة وجمالها. نحن الإخوان المسلمين لنهتف من كل قلوبنا:

"الله غايتنا" فأول أهداف هذه الدعوة أن يتذكر الناس من جديد هذه الصلة التي تربطهم بالله تبارك وتعالى والتي نسوها فأنساهم الله أنفسهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:21) . وهذا في الحقيقة هو المفتاح الأول لمغاليق المشكلات الإنسانية التي أوصدها الجمود والمادية في وجوه البشر جميعاً فلم يستطيعوا إلى حلها سبيلاً ، وبغير هذا المفتاح فلا إصلاح .

ب ـ وأما أنها عالمية فلأنها موجهه إلى الناس كافه لأن الناس في حكمها إخوة : أصلهم واحد ، وأبوهم واحد ، ونسبهم واحد ، لا يتفاضلون إلا بالتقوى و بما يقدم أحدهم المجموع من خير سابغ وفضل شامل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1) . فنحن لا نؤمن بالعنصرية الجنسية ولا نشجع عصبية الأجناس والألوان ، ولكن ندعو إلى الأخوة العادلة بين بنى الإنسان .

قرأت لأحد زعماء الغرب أنه يقسم الجنس البشرى إلى مبتكرين ومحافظين ومخربين ، وهو يعتبر قومه مبتكرين ويعتبر قوما آخرين من الغربيين محافظين ، ويعتبرنا نحن الشرقيين وما إلينا عدا هذين مخربين ومدمرين , هذا التقسيم ظالم جائر فضلا عن أنه غير صحيح بأصله ، فالجنس البشرى كله مرده إلى دم واحد وطينه واحدة وإن اختلفت البيئات والوسائط والمدارك والثقافات . وإذا هذب الإنسان استطاع أن يرتقي من رتبته إلى أعلي منها بدرجة ما يصل إليه من تهذيب . وليس هناك جنس من بني آدم لا يمكن إصلاحه في حدود ظروفه وبيئته الخاصة به . هذا من جهة , ومن جهة أخري فإن هذا الشرق الذي وضع في صف المخربين والمدمرين هو مبعث المدنيات ومشرق الحضارات ومهبط الرسالات ،

وهو مفيض ذلك كله علي الغرب ، لا ينكر هذا إلا جاحد مكابر . ومثل هذه المزاعم الباطلة إنما هي نزوات من غرور الإنسان وطيش الوجدان لا يمكن أن تستقر علي أساسها نهضات أو تقوم على قاعدتها مدنيات , وما دام في الناس من يشعر بمثل هذا الشعور لأخيه الإنسان فلا أمن ولا سلام ولا اطمئنان حتى يعود الناس إلى علم الأخوة فيرفعونه خفاقاً ، ويستظلون بظله الوارف الأمين ، ولن يجدوا طريقاً معبدة إلى ذلك كطريق الإسلام الذي يقول كتابه : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13) . ويقول نبيه r : (ليس منا من دعا إلى عصيبة ، وليس منا من مات علي عصيبة) رواه أحمد من حديث جبير بن مطعم t .

ولهذا كانت دعوة الإخوان المسلمين ربانية إنسانية .

بين العقلية الغيبية والعقلية العلمية بين العقلية الغيبية والعقلية العلمية

ولقد تذبذب العقل البشري منذ وجد الإنسان علي ظهر الأرض إلى يومه هذا ـ وأغلب الظن كذلك حتى تتداركه هداية من الله ـ بين أطوار ثلاثة ، وإن شئت قلت بين ألوان ثلاثة من ألوان التفكير والتصوير :

1 ـ طور الخرافة والبساطة والتسليم المطلق للغيب المجهول والقوي الخفية البعيدة عنه . فهو ينسب إليها كل شيء ويفسر بها كل شيء . ولا يري لنفسه معها عملاً ولا فكراً ، وكثيراً ما استبد هذا الطور بالإنسان في أدوار حياته الأولي يوم عاش علي هذه الأرض يجهلها وتجهله ، ولعل أقواماً من بني الإنسان لا يزالون يعيشون علي هذا النحو إلى الآن .

2 ـ وطور الجمود والمادية والتنكر لهذا الغيب المجهول ، والخروج علي هذه القوي البعيدة علي حس الإنسان والتمرد علي كل ما يتصل إليها بسبب ، ومحاولة تفسير مظاهر الكون جميعاً محاولة مادية صرفة وفق قوانين تجريبية اهتدي إليها الإنسان بطول تجاربه ودوام بحثه وتفكيره . وكثيراً ما طغى هذا التفكير علي العقل الإنساني في هذه العصور الحديثة ، التي وصل فيها الإنسان إلى الكشف عن كثير من مجهولات الطبيعة ، وعرف فيها الكثير من خواص الكائنات ، فظن أنه واصل لا محالة بهذا الأسلوب إلى معرفة ما هناك ، وإن كان الذي يعرفه بالنسبة إلى ما يجهله كالذرة من الرمال في الفلاة الواسعة الفسيحة .

وفي هذا الدور أنكر الإنسان المادي الألوهية وما يتصل بها والنبوات وما يمت إليها والآخرة والجزاء والعالم الروحي بكل ما فيه ، ولم ير شيئاً إلا هذا العالم الأدنى المحدود يفسر ظواهره بحسب قوانينه المادية الصرفة .

كلا هذين اللونين من ألوان التفكير خطأ صريح وغلو فاحش وجهالة من الإنسان بما يحيط بالإنسان .

3 ـ ولقد جاء الإسلام الحنيف يفصل القضية فصلاً حقاً ، فيقرر حق العالم الروحي ويوضح صلة الإنسان بالله رب الكائنات جميعاً وبالحياة الآخرة بعد هذه الحياة الدنيا ، ويجعل الإيمان بالله أساس إصلاح النفس التي هي من عالم الروح فعلاً والتي لا سبيل إلى صلاحها إلا بهذا الإيمان , ويصف ذلك العالم الغيبي المجهول وصفاً يقربه إلى الأذهان ولا يتنافى مع بدهيات العقول ، وهو مع هذا يقرر فضل هذا العالم المادي وما فيه من خير للناس لو عمروه بالحق وانتفعوا في حدود الخير ، ويدعو إلى النظر السليم في ملكوت السماوات والأرض ، ويعتبر هذا النظر أقرب إلى معرفة الله العلي الكبير .

هذا الموقف من الإسلام الحنيف ألزم العقل البشري لوناً من ألوان التفكير ، هو أكملها وأتمها وأكثرها انطباقاً علي واقع الحياة ومنطق الكون ، وأعظمها نفعاً لبني الإنسان : ذلك هو الجمع بين الإيمان بالغيب والانتفاع بالعقل . فنحن نعيش في عالمين فعلاً لا في عالم واحد ، ونحن عاجزون عن تفسير كثير من ظواهر الكون فعلاً ، عاجزون عن إدراك كل الحقائق الأولية التي تحيط بنا .

ونحن في إدراكها ننتقل من مجهول إلى مجهول حتى ينتهي بنا العجز إلى الإقرار بعظمة الله ، ونحن نشعر من أعماق قلوبنا بعاطفة الإيمان قوية مشبوبة ، لأن الإيمان من فطرة نفوسنا وهو لها ضرورة من ضرورات حياتها كالغذاء والهواء والماء للأجسام سواء بسواء .

ونحن بعد ذلك نلمس أن المجتمع الإنساني لن يصلحه إلا اعتقاد روحي يبعث في النفوس مراقبة الله والتعزي بمعرفته ، ومن هنا كان لزاماً علي الناس أن يعودوا إلى الإيمان بالله والنبوات وبالروح وبالحياة الآخرة ، وبالجزاء فيها علي الأعمال (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ , وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة:7-8) .

كل هذا في الوقت الذي يجب عليهم فيه أن يطلقوا لعقولهم العنان لتعلم وتعرف وتخترع وتكتشف وتسخر هذه المادة الصماء وتنتفع بما في الوجود من خيرات وميزات : (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) (طـه:114) , وإلي هذه اللون من التفكير الذي يجمع بين العقليتين الغيبية والعلمية ندعو الناس .

لقد عاش الغرب أخريات أيامه مادي النزعة لا يشعر بغير المادة ولا يعترف بغير المادة ولا يحس بوجود غيرها حتى ماتت في نفوس أبنائه عواطف الرحمة الإنسانية ، وخبت أنواع الروحانية الربانية . وهيمن الغرب علي الدنيا بأسرها بعلومة ومعارفه ومباهجه وزخارفه وكشوفه ومخترعاته وجنوده وأمواله , وصبغ الفكر البشري في كل مكان بصبغته هذه .

والآن والدنيا كلها تكتوي بهذه النيران تنبثق الدعوة من جانب جديد لتهيب بالناس في الشرق والغرب معاً أن يمزجوا المادة بالروح , وأن يؤمنوا بالغيب والشهادة ، وأن يعترفوا من جديد إلى الله : (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذريات:50) .

القومية والعروبة والشرقية والعالمية القومية والعروبة والشرقية والعالمية

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف يبدو أنه مفقود: /home/ikhwanwi/public_html/_new/images/1/12/الإمام-الشهيد-حسن-البنا-في-غزة.jpg
الإمام البنا في غزة هاشم

وكما أن دعوتنا هذه ربانية تدعو إلى هجر المادية ومقاومتها والوقوف في وجه طغيانها والحد من سلطانها والفرار إلى الله والإيمان به والاعتماد عليه وحسن مراقبته في كل عمل , فهي كذلك إنسانية تدعو إلى الأخوة بين بني الإنسان وترمى إلى إسعادهم جميعاً لأنها إسلامية , والإسلام للناس كافه ليس لجنس دون جنس ولا لأمه دون أخرى , (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) (الفرقان:1) , (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (الأعراف:158) ,(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (سـبأ:28) .

ومن هذا العموم في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومدى رسالته استمدت دعوتنا العموم في هدفها ومرماها ، فهي دعوة توجه الناس جميعا وتسعى لخيرهم جميعا وتؤاخي بينهم جميعا ولا تعترف بفوارق الأجناس والألوان و لا تتغير بتغير الشعوب والأوطان .

وتتردد في أفواه الدعاة والناس ألفاظ كثيرة يعنون بها أراء ومذاهب فأين مكان هذه الألفاظ في دعوتنا؟ إن لكل لفظ من هذه الألفاظ ولكل رأى من هذه الآراء مكانا في دعوتنا لا لأننا نعمل لإرضاء الجميع و نجامل في الفكرة وعلى حسابها ولكن لأن طبيعة دعوتنا هكذا عموم وشمول :

أ ـ فالمصرية أو القومية : لها في دعوتنا مكانها وحقها في الكفاح والنضال.

إننا مصريون بهذه البقعة الكريمة التي نبتنا فيها ونشأنا عليها . ومصر بلد مؤمن تلقي الإسلام تلقياً كريماً وذاد عنه العدوان في كثير من أدوار التاريخ وأخلص في اعتناقه و طوى عليه أعطف المشاعر وأنبل العواطف ، وهو لا يصلح إلا بالإسلام ولا يداوى إلا بعقاقيره ولا يطب له إلا بعلاجه .

وقد انتهت إليه بحكم الظروف الكثيرة حضانة الفكرة الإسلامية والقيام عليها فكيف لا نعمل لمصر و لخير مصر ؟ وكيف لا ندفع عن مصر بكل ما نستطيع ، وكيف يقال إن الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام ويهتف بالإسلام! إننا نعتز بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب عاملون له مجاهدون في سبيل خيره ، وسنظل كذلك ما حيينا معتقدين أن هذه هي الحلقة الأولي في سلسلة النهضة المنشودة ، وأنها جزء من الوطن العربي العام ، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة والشرق والإسلام .

وليس يضيرنا في هذا كله أن نعني بتاريخ مصر القديم , وبما سبق إليه قدماء المصريين الناس من المعارف والعلوم .

فنحن نرحب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وفيه علم ومعرفة . ونحارب هذه النظرية بكل قوانا كمنهاج عملي يراد صبغ مصر به ودعوتها إليه بعد أن هداها الله بتعاليم الإسلام وشرح لها صدرها وأنار به بصيرتها وزادها به شرفاً ومجداً فوق مجدها ، وخلصها بذلك مما لاحق هذا التاريخ من أوضار الوثنية وأدران الشرك وعادات الجاهلية .

ب ـ والعروبة : أو الجامعة العربية ، لها في دعوتنا كذلك مكانها البارز وحظها الوافر , فالعرب هم أمة الإسلام الأولي وشعبة المتخير ، وبحق ما قاله r : (إذا ذل العرب ذل الإسلام) ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها ، وإن كل شبر أرض في وطن عربي نعتبره من صميم أرضنا ومن لباب وطننا .

فهذه الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية لا تمزق في أنفسنا أبداً معني الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب علي أمل واحد وجعلت من هذه الأقطار جميعاً أمة واحدة مهما حاول المحاولون وافتري الشعوبيون .

ومن أروع المعانـي في هذا السبيل ما حدد به الرسول r معني العروبـة إذ فسرها بأنها اللسان والإسلام .

فقد روي الحافظ بن عساكر بسنده عن مالك قول النبي r : (يا أيها الناس إن الرب واحد , والأب واحد ، والدين واحد ، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم ، وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي) .

وبذلك نعلم أن هذه الشعوب الممتدة من خليج فارس إلى طنجة ومراكش علي المحيط الأطلسي كلها عربية تجمعها العقيدة ويوجد بينها اللسان ، وتؤلفها بعد ذلك هذه الوضعية المتناسقة في رقعة من الأرض واحدة متصلة متشابهة لا يحول بين أجزائها حائل ،ولا يفرق بين حدودها فارق ، ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام ولخير العالم كله .

ج ـ والشرقية : لها في دعوتنا مكانها وإن كان المعني الذي يجمع المشاعر فيها معني وقتياً طارئاً ، إنما ولده وأوجده اعتزاز الغرب بحضارته وتغاليه بمدنيته ، وانعزاله عن هذه الأمم التي سماها الأمم الشرقية وتقسيمه العالم إلى شرقي وغربي ، وندائه بهذا التقسيم حتى في قول أحد شعرائه المأثور : الشرق شرق والغرب غرب ولا يمكن أن يجتمعا .

هذا المعني الطارئ هو الذي جعل الشرقيين يعتبرون أنفسهم صفاً يقابل الصف الغربي ، أما حين يعود الغرب إلى الإنصاف ويدع سبيل الاعتداء والإجحاف فتزول هذه العصبية الطارئة وتحل محلها الفكرة الناشئة ، فكرة التعاون بين الشعوب علي ما فيه خيرها وارتقاؤها .

د ـ أما العالمية : أو الإنسانية فهي هدفنا الأسمى وغايتنا العظمي وختام الحلقات في سلسلة الإصلاح .

والدنيا صائرة إلى ذلك لا محالة فهذا التجمع في الأمم ، والتكتل في الأجناس والشعوب ، وتداخل الضعفاء بعضهم في بعض ليكتسبوا بهذا التداخل قوة ، وانضمام المتفرقين ليجدوا في هذا الانضمام أنس الوحدة , كل ذلك ممهد لسيادة الفكرة العالمية وحلولها محل الفكرة الشعوبية القومية التي آمن بها الناس من قبل ، وكان لا بد أن يؤمنوا هذا الإيمان لتتجمع الخلايا الأصلية ، ثم كان لا بد أن يتخلوا عنها لتتألف المجموعات الكبيرة ، ولتحقق بهذا التآلف الوحدة الأخيرة . وهي خطوات إن أبطأ بها الزمن فلا بد أن تكون ، وحسبنا أن نتخذ منها هدفاً ، وأن نضعها نصب أعيننا مثلاً ، وأن نقيم هذا البناء الإنساني لبنته وليس علينا أن يتم البناء ، فلكل أجل كتاب .

وإذا كان في الدنيا الآن دعوات كثيرة ونظم كثير يقوم معظمها على أساس العصبية القومية التي تستهوي قلوب الشعوب وتحرك عواطف الأمم ، فان هذه الدروس القاسية التي يتلقاها العالم من آثار هذه القوة الطاغية بأن يفنى الناس إلى الرشد ويعودوا إلى التعاون والإخاء .

ولقد رسم الإسلام للدنيا هذه السبيل فوحد العقيدة أولا، ثم وحد النظام والإعمال بعد ذلك ، وظهر هذا المعنى الساحر النيل في كل فروعه العملية .

فرب الناس واحد ، ومصدر الدين واحد ، والأنبياء جميعاً مقدسون معظمون ، والكتب السماوية كلها من عند الله ، والغاية المنشودة اجتماع القلوب , (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى:13) , والقرآن عربي وهو أساس هذا الدين ،وركن الصلاة أفضل القربات إلى الله ، وتلك هي الوسيلة العملية إلى وحدة اللسان بعد وحدة الإيمان .

وهذه الصلاة وتلك الزكاة ، والحج والصوم إنما هي كلها تشريعات اجتماعية يراد بها توثيق الوحدة وجع الكلمة وإزالة الفوارق وكشف الحجب والموانع بين بنى الإنسان .

ومن هنا كانت دعوتنا ذات مراحل نرجو أن تتحقق تباعا ، وأن نقطعها جميعا وأن نصل بعدها إلى الغاية .

نرجو أن تقوم في مصر دولة مسلمة تحتضن دعوة الإسلام ، وتجمع كلمة العرب وتعمل لخيرهم وتحمي المسلمين في أكناف الأرض من عدوان كل ذي عدوان ، وتنشر كلمة الله وتبلغ رسالته .. حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

يقظة الروح ـ الإيمان والعزة والأمل يقظة الروح ـ الإيمان والعزة والأمل

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف يبدو أنه مفقود: /home/ikhwanwi/public_html/_new/images/0/0e/الإمام-الشهيد-حسن-البنا-والدكتور-مصطفى-السباعي-وعمر-بهاء-الأميري.jpg
الجهاد الذي زرعه الإمام البنا في نفوس اتباعه أيقظ فيهم الروح

وينظر الناس في الدعوات إلى مظاهرها العملية وألوانها الشكلية ، ويهملون كثيرا النظر إلى الدوافع النفسية والإلهامات الروحية التي هي في الحقيقة مدد الدعوات وغذاؤها وعليها يتوقف انتصارها ونماؤها . وتلك حقيقة لا يجادل فيها إلا البعيد عن دراسة الدعوات وتعرف أسرارها ، إن من وراء المظاهر جميعا في كل دعوة روحا دافعة ، وقوة باطنة تسيرها وتهيمن عليها وتدفع إليها ، ومحال أن تنهض أمة بغير هذه اليقظة الحقيقية في النفوس والأرواح والمشاعر: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11) .

ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم له في دعوتنا ، وأهم ما نعول علية في نمائها وظهورها وانتشارها هذه اليقظة الروحية المرتجلة . فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح ، حياة القلوب ، صحوة حقيقية في الوجدان والمشاعر ، وليس يعنينا أن نتكلم عما نريد بهذه الدعوة من فروع الإصلاح في النواحي العملية المختلفة بقدر ما يعنينا أن نركز في النفوس هذه الفكرة .

نحن نريد نفوساً حية قوية فتية ، قلوباً جديدة خفاقة ، مشاعر غيورة ملتهبة متأججة ، أرواحاً طموحة متطلعة متوثبة ، تتخيل مثلاً علياً ، وأهدافاً سامية لتسمو نحوها وتتطلع إليها ثم تصل إليها ، ولابد من أن تحدد هذه الأهداف والمثل ، ولابد من أن تحصر هذه العواطف والمشاعر ، ولابد من أن تركز حتى تصبح عقيدة لا تقبل جدلاً ولا تحتمل شكاً ولا ريباً .

وبغير هذا التحديد والتركيز سيكون مثل هذا الصحوة مثل الشعاع التائه في البيداء لا ضوء له ولا حرارة فيه ، فما حدود الأهداف وما منتهاها ؟!

إننا نتحرى بدعوتنا نهج الدعوة الأولي ونحاول أن تكون هذه الدعوة الحديثة صدي حقيقياً لتلك الدعوة السابقة التي هتف بها رسول الله r في بطحاء مكة قبل ألف ومئات من السنين ، فما أولانا بالرجوع بأذهاننا وتصوراتنا إلى ذلك العصر المشرق بنور النبوة ، الزاهي بجلال الوحي ، لنقف بين يدي الأستاذ الأول وهو سيد المربين وفخر المرسلين الهادين ، لنتلقى عنه الإصلاح من جديد ، وندرس خطوات الدعوة من جديد .

أي نور من وهج الشموس الربانية أشعله النبي الكريم في قلوب صحابته فأشرقت وأضاءت بعد ظلمة و ديجور ؟ وأي ماء من فيض الحياة الروحية أفاضه عليها فاهتزت وربت ونمت فيها الأزاهير وأورقت بالوجدانيات والمشاعر وترعرعت فيها العواطف والضمائر ؟!

إن النبي r قذف في قلوب صحابته بهذه المشاعر الثلاثة فأشرقت بها وانطبعت عليها :

( أ ) قذف في قلوبهم أن ما جاء به هو الحق وما عداه الباطل وأن رسالته خير الرسالات ، ونهجه أفضل المناهج ، وشريعته أكمل النظم التي تتحقق بها سعادة الناس أجمعين ، وتلا عليهم من كتاب الله ما يزيد هذا المعني ثباتاً في النفس وتمسكاً في القلب :

(فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ , وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ) (الزخرف:43-44) , (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) (النمل:79) , (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثـية:18) , (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) .

فآمنوا بهذا واعتقدوه وصدروا عنه .

( ب ) وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا أهل الحق وما داموا حملة رسالة النور وغيرهم يتخبط في الظلام ، وما دام بين يديهم هدى السماء لإرشاد الأرض فهم إذن يجب أن يكونوا أساتذة الناس وان يقعدوا من غيرهم مقعد الأستاذ من تلميذه : يجنوا عليه ويرشده ويقومه ويسدده ويقوده إلى الخير ويهديه سواء السبيل .

وجاء القرآن الكريم يثبت هذا المعني ويزيده كذلك وضوحاً ، وصاروا يتلقون عن نبيهم من وحي السماء :

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران:110) , (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143), (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج:78).

فآمنوا بهذا أيضاً واعتقدوه وصدروا عنه .

( ج ) وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق معتزين بانتسابهم إليه ، فإن الله معهم يعينهم ويرشدهم وينصرهم ويؤيدهم ويمدهم إذا تخلي عنهم الناس ، ويدفع عنهم إذا أعوزهم النصير وهو معهم أينما كانوا . وإذا لم ينهض معهم جند الأرض تنزل عليهم المدد من جند السماء وأخذوا يقرءون هذه المعاني السامية واضحة في كتاب الله :

(إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (لأعراف:128) , (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء:105) , (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40) , (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21) , (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21) , (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) (لأنفال:12) , (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم:47) , (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ) (القصص:5) .

قرءوا هذا وفقهوه جيداً فآمنوا به واعتقدوه وصدروا عنه .

وبهذه المشاعر الثلاثة : الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله إياها ، أحياها الراعي الأول r في قلوب المؤمنين من صحابته بإذن الله , وحدد لهم أهدافهم في هذه الحياة ، فاندفعوا يحملون رسالتهم محفوظة في صدورهم أو مصاحفهم ، بادية في أخلاقهم وأعمالهم معتدين بتكريم الله إياهم واثقين بنصره وتأييده , فدانت لهم الأرض وفرضوا علي الدنيا مدنية المبادئ الفاضلة وحضارة الأخلاق الرحيمة العادلة ، وبدلوا فيها سيئات المادية الجامدة إلى حسنات الربانية الخالدة , ويأبى الله إلا أن يتم نوره .

إلى هذه المشاعر الثلاثة ندعو الناس أولاً

أيها الناس , قبل أن نتحدث إليكم في هذه الدعوة عن الصلاة والصوم وعن القضاء والحكم وعن العادات والعبادات وعن النظم وعن المعاملات ، نتحدث إليكم عن القلب الحي والروح الحي والنفس الشاعرة والوجدان اليقظ والإيمان العميق بهذه الأركان الثلاثة : الإيمان بعظمة الرسالة والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله إياها , فهل أنتم مؤمنون ؟ .

الفرد المسلم ، البيت المسلم ، الأمة المسلمة الفرد المسلم ، البيت المسلم ، الأمة المسلمة

وهذا الشعور القوي الذي يجب أن تفيض به النفوس ، وهذه اليقظة الروحية التي ندعو الناس إليها لابد أن يكون لها أثرها العملي في حياتهم!ولابــد أن تسبقها ولا شــك نهضــة عمليــة تتنــاول الأفـــراد والأســر والمـجتمعات .

( أ ) ستعمل هذه اليقظة عملها في الفرد فإذا به نموذج قائم لما يريده الإسلام في الأفراد ... إن الإسلام يريد في الفرد وجداناً شاعراً يتذوق الجمال والقبح ، وإدراكاً صحيحاً يتصور الصواب والخطأ ، وإدارة حازمة لا تضعف ولا تلين أمام الحق ، وجسماً سليماً يقوم بأعباء الواجبات الإنسانية حق القيام ويصبح أداة صالحة لتحقيق الإرادة الصالحة وينصر الحق والخير .

وقد وضع الإسلام تكاليفه الشخصية علي القواعد التي توصل إلى هذه النتائج كلها ، وفي النظر الإسلامي ما يرقي بالعقول والألباب ويدفعها إلى كشف ستائر الكون ومعرفة دقائق الوجود .

وفي الخلق الإسلامي ما يربي الإرادة الحازمة والعزيمة الماضية الصارمة ، وفي النظام الإسلامي في الطعام والشراب والمنام وتوابع ذلك من شؤون الحياة ما لو اتبعه الفرد لحفظ جسمه من مهلكات لا دواء لها ، ولظل في وقاية من فواتك الأمراض .

ولهذا نجوب علي الأخ المسلم أن يتعبد بما أمره الله به ليرقي وجدانه ، وأن يتعلم ما وسعه العلم ليتسع إدراكه وأن يتخلق بأخلاق الإسلام لتقوي إرادته ، وأن يلتزم نظام الإسلام في الطعام والشراب والنوم ليحفظ الله عليه بدنه من غوائل الأمراض والسقام .

والإسلام حين يضع هذه القواعد لا يضعها للرجال ويدع النساء ولكن الصنفين في هذه الناحية الفردية في الإسلام سواء ، فعلي الأخت المسلمة أن تكون كالأخ المسلم في دقة وجدانها وسمو إدراكها ومكانة خلقها وسلامة بدنها .

( ب ) وسيكون لهذا الإصلاح الفردي أثره في الأسرة ، ذلك أن الأسرة مجموعة أفراد ، فإذا صلح الرجل وصلحت المرأة ـ وهما عماد للأسرة ـ استطاع أن يكونا بيتاً نموذجياً وفق القواعد التي وضعها الإسلام ، وقد وضع الإسلام قواعد البيت فأحكم وضعها ، فأرشد إلى حسن الاختيار ، وبين أفضل الطرائق للارتباط وحدد الحقوق والواجبات ، وأوجب علي الطرفين رعاية ثمرات هذا الزواج حتى ينع وتنضج في غير عبث ولا إهمال ، وعالج ما يعترض هذه الحياة الزوجية من المشكلات أدق علاج ، وأختط في كل نظراته طريقاً وسطاً لا تفريط فيه ولا إفراط .

( ج ) وإذا صلحت الأسرة فقد صلحت الأمة مجموعة هذه الأسر وإنما الأسرة أمة مصغرة والأمة أسرة مكبرة ، وقد وضع الإسلام للأمة قواعد الحياة الاجتماعية السعيدة ، فعقد بين بنيها آصرة الأخوة وجعلها قرينة الإيمان ، ورفع مستوى هذه الصلة إلى المحبة بل إلى الإيثار ، وقضى على كل ما من شأنه أن يمزق هذه الروابط أو يضعف هذه الوشائج ، وحدد الحقوق والواجبات والصلات ،فللأبوة حقها وعليها واجبها ، وللنبوة مثال ذلك ، ولذوى القربى حقوقهم وعليهم واجباتهم ، وفصل مهمة الحاكم والمحكوم أدق تفصيل ، وبين المعاملات بين الناس أحكامها بأفصح بيان ، ولم يجعل لأحد علي أحد فضلاً إلا بالتقوى فلا سيد ولا مسود ولا أمراء ولا عبيد ، ولكن الناس في ذات الله سواسية كأسنان المشط ، إنما يتفاوتون بعمل الصالحات ، وكذلك حدد صلات الأمم بعضها ببعض ، وبين حقوق كل صنف فيها وواجباته ، ولم يدع من ذلك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

وقد عالج الإسلام بعد ذلك مشاكل المجتمعات . فالوقاية مما يؤدي إليها أولاً واستئصال ما عساه أن يحدث منها ثانياً . فلكل مشكلة اجتماعية عنده دواء ، والدواء الأول في كل علاج صلاح النفوس والتضامن الاجتماعي بين بني الإنسان .

و الإسلام يحيط بكل ذلك لا يسلك سبيل العنت ، ولا يحمل الناس علي ما يؤدي إلى الحرج ولكن يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر ، ويضع القواعد الكلية ويدع الفرعيات الجزئية ويرسم طرائق التطبيق ، ويكل للأزمان والعصور وبعد ذلك أن تعمل عملها وهو لذلك شريعة كل زمان ومكان ، وهو لذلك يفرض نشر الدعوة حتى تشمل الناس أجمعين ويتحقق قوله تعالي : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107) .

وإذا قوي الشعور الذي أشرنا إليه آنفاً ، وأدي إلى نتيجته التي وضعناها الآن ، فطبق نظام الإسلام علي الفرد والبيت والأمة ، ووصلت الرسالة إلى القلب والآذان ، فقد نجحت فكرتنا واستجيبت دعوتنا ويأبى الله إلا أن يتم نوره .

بين الصبغة الاستقلالية والصبغة التقليدية بين الصبغة الاستقلالية والصبغة التقليدية

الإمام البنا الرجل الذي فقه واقع أمته فصوب فاصاب هدفه

نحن نريد الفرد المسلم ، والبيت المسلم ، والشعب المسلم ، ولكنا نريد قبل ذلك أن تسود الفكرة الإسلامية حتى تؤثر في كل هذه الأوضاع وتصبغها بصبغة الإسلام ، وبدون ذلك لن نصل إلى شيء ، نريد أن نفكر تفكيراً استقلالياً يعتمد علي أساس الإسلام الحنيف لا علي أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا نتقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيء ، نريد أن نتميز بمقوماتنا ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد.

لقد ورثنا هذا الإسلام الحنيف واصطبغنا به صبغة ثابتة قوية ، تغلغلت في الضمائر والمشاعر ولصقت بحنايا الضلوع وشغاف القلوب ؛ واندمجت مصر بكليتها في الإسلام بكليته : عقيدته ولغته وحضارته ودافعت عنة وذادت عن حياضه وردت عنة عادية المعتدين ، وجاهدت في سبيله ما وسعها الجهاد بمالها ودم أبنائها ، وأنقذته من براثن التتار وأنياب الصليبيين ، وردت الجميع على أعقابهم خاسرين ، استقرت فيها فيها علوم الإسلام ومعارفه ،واحتوت الأزهر أقدم جامعة تقوم على حياطتة ورعايته وحراسته ، وانتهت إليها زعامة شعوبه الأدبية والاجتماعية ، وصارت مطمح أنظار الجميع ومعقد آمالهم.

هذا الإسلام ، عقيدته ونظمه ولغته وحضارته ، ميراث عزيز غال على مصر ليس تفريطها فيه بالشيء الهين ولا إبعادها عنه بالأمر المستطاع مهما بذلت في سبيل ذلك الجهود الهدامة المدمرة . ومن هنا بدت مظاهر الإسلام قوية فياضة زاهرة دفاقة في كثير من جوانب الحياة المصرية : فأسماؤها إسلامية ولغتها عربية ، وهذه المساجد العظيمة يذكر فيها اسم الله ويعلو منها نداء الحق صباح مساء ، وهذه مشاعرنا لا تهتز لشيء اهتزازها للإسلام وما يتصل بالإسلام .

كل ذلك حق ، ولكن هذه الحضارة الغربية قد غزتنا غزواً قوياً عنيفاً بالعلم والمال ، وبالسياسة والترف ، والمتعة واللهو وضروب الحياة الناعمة العابثة المغرية التي لم نكن نعرفها من قبل . فأعجبنا بها ، وركنا إليها ، وأثر هذا الغزو فينا أبلغ الأثر وانحسر ظل الفكرة الإسلامية عن الحياة الاجتماعية في كثير من شؤونها الهامة ، واندفعنا نغير أوضاعنا الحيوية ونصبغ معظمها بالصبغة الأوروبية ، وحصرنا سلطان الإسلام في حياتنا علي القلوب والمحاريب ، وفصلنا عنه شؤون الحياة العملية ، وباعدنا بينه وبينها مباعدة شديدة وبهذا أصبحنا نحيا حياة ثنائية متذبذبة أو متناقضة .

الإسلام بما فيه من روعة وجلال ، وبسلطانه الساحر العذب الجذاب ، وأصوله الثابتة المدعمة القوية ، وحجته البـالغة يجذب إليـه القلـوب والمشاعر ، ويجعلنا نحن المؤمنين به في حنين دائم إليه .

وهذه الحياة الغربية بما تحتويه من مباهج ومفاتن وبما لها من مظاهر القوة المادية تحاول أن تسيطر وتهيمن علي ما بقي لنا من شؤوننا الحيوية . هذا وضع مشاهد ملموس يراه ويعلمه كل ما يعنيه أمر هذه الأمة ، ولا بد أن ينتهي هذا التذبذب إلى استقرار ولابد أن يتغلب أحد الجانبين علي الآخر فلكل شيء نهاية !.

فنحن الإخوان المسلمين نشفق كل الإشفاق من أن تكون هذه النهاية هي التحلل مما بقي من مظاهر الإسلام والانغماس الكلي في الحياة الغربية بكل مظاهرها ، ولقد ارتفعت بذلك صيحات وقامت علي قواعده دعوات ، وسبقتنا غليه شعوب وحكومات ، وإن كان ذلك كله قد خفت وطأته الآن أمام ما يقاسي العالم كله من محن وويلات.

نحن نشفق من هذا المصير ، وندعو إلى أن تعود مصر إلى تعاليم الإسلام وقواعده ، تعتمد عليها وتستمد منها وتبني علي أساسها النهضة الجديدة وتركز عليها الأوضاع الاجتماعية في المستقبل إن شاء الله .

وإذ كان الإسلام يدعو إلى أن نأخذ من كل شيء أحسنه ، وينادي بأن الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها ، ولا يمنع من أن تقتبس الأمة الإسلامية الخير من أي مكان ، فليس هناك ما يمنع من أن ننقل كل ما هو نافع مفيد عن غيرنا مفيد ونطبقه وفق قواعد ديننا ونظام حياتنا وحاجات شعبنا .

أما أثر هذا التذبذب في مظاهر حياتنا العملية فكبير واضح ، ولعلة مصدر كثير من المشكلات في التعليم والقضاء ، وفى حياة الأسرة وفى منابع الثقافة العامة وفى غير ذلك من الشؤون العامة ، هل هناك أمة غير مصر يسير التعليم فيها من أول خطواته على هذين اللونين من ألوان التربية ، فهناك التعليم الديني يتصل بنصف الأمة وينتهي إلى الأزهر ومعاهدة وكلياته ، وهناك التعليم المدني يتصل بالنصف الثاني ويتميز كل منها بخواصه ومميزاته ؟ وهل لذلك من سبب سوى أن السلسلة الأولى هي أثر الإسلام الباقي في نفوس هذه الأمة وأن السلسلة

الثانية هي نتاج مجاراة الغرب والأخذ عنة ، فما الذي يمنع من توحيد التعليم في مراحله الأولى على أساس التربية القومية الإسلامية ثم يكون بعد ذلك التخصص ؟ وهل هناك أمة غير مصر ينقسم فيها القضاء إلى شرعي وغير شرعي كما ينقسم القضاء المصري وهل لذلك سبب سوى أن القضاء الأول أثر الإسلام في الحياة المصرية والثاني وليد النقل عن الغرب والأخذ عنه ، وما الذي يمنع من أن تتوحد المحكمة على أساس اعتبار الشريعة الإسلامية هي شريعة البلاد ومصدر التقنين ؟

وهذه البيوت المصرية ، ألسنا نلمح فيها أثر هذه الحياة المذبذبة المتناقضة ، فكثير من الأسر المصرية لا تزال شديدة المحافظة على ما ورث من تعاليم الإسلام وآدابه في الوقت في الوقت الذي انسلخ فيه الكثير عن هذه التعاليم وخرج على هذه الآداب وغلبت علية نزعة التقليد في كل شيء بل جاوز بعضنا ذلك الحد حتى صار غريبا أكثر من الغربيين .

ولا بد من وضع حد لهذا التفاوت الغريب حتى نظفر بالأمة الموحدة ، فبدون الوحدة لا تحقق نهضة ولا تحيا أمة حياة الكمال .

لهذا يدعوا الإخوان المسلمون إلى أن يكون الأساس الذي تعتمد علية نهضتنا هو توحيد مظاهر الحياة العملية في الأمة على أساس الإسلام وقواعده وبذلك تبنى مصر نفسها ، وتقدم للعالم كله أكمل نماذج الحياة الإنسانية الصحيحة.

وسيلتنا العامة .. بين جماعة وفكرة وسيلتنا العامة .. بين جماعة وفكرة

الكلام عن الوسيلة العامة للإخوان المسلمين يقف بنا أمام هذه الدعوة كجمعية من الجمعيات التي تقوم بالخدمة العامة ، ثم يقف بنا كذلك أمامها كدعوة من الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب التي ترسم لها منهاجا جديدا تؤمن به وتسير عليه.

أ ـ لا شك أن جماعات الإخوان تقوم بالخدمة العامة من بناء المساجد وعماراتها ، ومن فتح المدارس والمكاتب والإشراف عليها، ومن إنشاء الأندية والفرق وتوجيهها ورعايتها ، ومن الاحتفال بالذكريات الإسلامية احتفالا يليق بجلالها وعظمتها ، ومن الإصلاح بين الناس في القرى والبلدان إصلاحا يوفر عليهم كثيرا من الجهود والأموال ، ومن التوسط بين الأغنياء الغافلين والفقراء المعوزين بتنظيم الإحسان وجمع الصدقات لتوزع في المواسم والأعياد ، لاشك أن الإخوان يقومون بهذا كله ولهم فيه والحمد لله أثر يذكر، وقد تضاعفت نشاطهم في هذه النواحي مضاعفة ملموسة في هذا الدور من أدوار الدعوة بطبيعة التفات الناس إليها وإقبالهم عليها .

ووسيلة الإخوان في هذه الميادين التنظيم والتطوع والاستعانة بأهل الرأي والخبرة ، وتدبير ما تحتاج إليه هذه المشروعات من أموال من المشتركين تارة ومن المتبرعين أخرى إلى ما ينفع لمثل هذه المشروعات ، ولسنا نقول إن الإخوان قد اكتملت جهودهم في هذه الناحية ولكنا نقول انهم يسيرون بخطوات واسعة نحو الكمال ، والله الموفق المستعان. هؤلاء هم الإخوان وتلك هي دعوتهم كجماعة من جماعات

الخدمة العامة . الخدمة العامة .

ب ـ ولكن الإخوان كما علمت ليسوا كذلك فحسب ، ولكن لب دعوتهم فكرة وعقيدة يقذفون بها في نفوس الناس ليتربى عليها الرأي العام وتؤمن بها القلوب وتجتمع من حولها الأرواح : تلك هي العمل للإسلام والعمل به في كل نواحي الحياة .

أما الوسيلة إلى تحقيق ذلك فليست المال ، والتاريخ منذ عرف إلى الآن يحدثنا أن الدعوات لا تقوم أول أمرها بالمال ولا تنهض به بحال ، فهي تحتاج إلى مال في بعض مراحل طريقها ولكن محالا أن يكون قوامها ودعامتها، فرجال الدعوات وأنصارها هم دائما المقلون من هذا المال وسل التاريخ ينبئك ، وليست الوسيلة القوة كذلك فالدعوة الحقة إنما تخاطب الأرواح أولا وتناجى القلوب وتطرق مغاليق النفوس ، ومحال أن تثبت بالعصا أو أن تصل إليها على شبا الأسنة والسهام ، ولكن الوسيلة في تركيز كل دعوة وثباتها معروفة معلومة مقروءة لكل من له إلمام بتاريخ الجماعات ...

وخلاصة ذلك جملتان : إيمان وعمل ومحبة وإخاء . ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تركيز دعوته في نفوس الرعيل الأول من أصحابه أكثر من أنه دعاهم إلى الإيمان ، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء ، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لابد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها وان ناوأها أهل الأرض جميعا، وماذا فعل الدعاة من قبل ومن بعد أكثر من هذا ؟ ينادون بالفكرة ويوضحونها ويدعون الناس إليها فيؤمنون بها ويعملون لتحقيقها ويجتمعون عليها ويزدادون عددا فتزداد الفكرة بهم ظهورا حتى تبلغ مداها وتبتلع ما سواها ، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا .

وليست دعوة الإخوان بدعا في الدعوات فهي صدى من الدعوة الأولى يدوي في قلوب هؤلاء المؤمنين ويزداد على ألسنتهم . ويحاولون أن يقذفوا به إيمانا في قلوب الأمة المسلمة ليظهر عملا في تصرفاتها ولتجمع قلوبها علية ، فإذا فعلوا ذلك فأيدهم الله ونصرهم وهداهم سواء السبيل .. فإلى الإيمان والعمل وإلى الحب والإخاء أيها الإخوان والله معكم وتلك هي وسيلتكم والله غالب على أمره .