ذكرياتي في عهدين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ذكرياتي في عهدين

صلاح الشاهد

محتويات

أهداء

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

إلى أرواح الزعماء العظام الذين تشرفت بالعمل في ظلالهم وتركوا ظلهم على مصر.

إلى هؤلاء المؤرخين أو الكاتبين الذين جعلوا من عمالقة مصر أقزامًا...

إلى هؤلاء المؤرخين أو الكاتبين الذين تشرفت بالعمل في ظلالهم وتركوا ظلهم على مصر.

إلى هؤلاء المؤرخين أو الكاتبين الذين جعلوا من عمالقة مصر أقزامًا...

إلى هؤلاء الكتبة الذين صنعوا من الأقزام عمالقة...

إلى التاريخ الذي لا يكذب أبدًا مهما ضل الناس..

أنشر هذه الذكريات وهي ليست كل الأسرار.. بل بعض ما شهدت وسمعت.

نورًا وهدى لبعض الحقائق..

ربيع الأول 1396.

مارس 1976

صلاح لبيب الشاهد.

مقدمة

الورق الكائن الحي السعيد الحزين

الورق من لب الشجر، والشجر كائن حي، وهو من أجمل الكائنات الحية يستظل الناس به ليحميهم من شمس يوم حرور، أو يختفون خلقه أو في فجوة فيه من لسعة يوم يريد..

ونرى في بعض الأشجار حماية لطائر حائر يجد فيه الملاذ فيحط عليه وبيني عشه ويفقس بنيه، ونرى بعض الناس يسرون إلى الأشجار ما في نفوسهم فيتناجي في رعايتها، المحبون، ويلتقي عندها الوالهون، ويسجلون عليها أحيانًا عبارات الحب الطاهر الخالي من الأدران والمجون...

والشجر هذا الكائن الحي، تمتد أفضاله على بني البشر، فمن أوراقه وأغصانه يتدفئون، ومن ثماره يأكلون ويشبعون، أو ينالون من دموعه ما يفيد صناعتهم وتجارتهم كما تشاهد في صناعة وتجارة المطاط وغير ذلك من شئون.

ويقسو البشر على الشجر وهو كائن حي، فيقطعونه اقتلاعًا ويحيلونه إلى ورق، إلى أنماط من ورق، يدونون عليه كل جميلة وجليل، كما يدونون عليه الكذب والرياء، ويزحمونه بالشر والنكبات.

فكم من أحكام ظالمة سجلت على هذا الورق؟

فكم من أحكام ظالم احتواه هذا الورق..؟

وكم من أمر قاس يسجن أو إعدام أو سحل أو مصادرة أموال أو فرض حراسة أو تعذيب إنسان برئ سطروه على هذا الورق، على هذا الكائن الحي الذي لم يعرف إلا الحب والحنان، ولم يؤثر عنه إلا كل مفيد وتليد...؟

وكم سطر على هذا الورق الأكاذيب؟

وكم سجل على هذا الورق تزوير التاريخ؟؟

وكم زحم هذا الورق بمنشورات الباطل؟

وكم ملئت صفحاته بالغاش والتدليس؟

إن الورق أعظم مظلوم في التاريخ...

إن الغالبية التي تحترق أشجارها، أنما هي بهذا الحريق تنتحر قبل أن تتحول إلى ورق خشية ما سوف يسجل عليها من زور وبهتان.

كم بودي أن يقل الشجر حتى يشح الورق،ثم يغلو ثمنه فيصبح أغلى من الذهب وعندئذ يخشى الإنسان أن يسطر عليه إلا ما يفيد البشر ليسترد بهذا المفيد المكتوب ما سد في الحصول على هذا الورق..

كم بودي أن أرى الورق شحيحا يغلو سعره عن الذهب والماس، حتى إذا آذوه بالكذب والنفاق والرياء، وكان على الأقل أغلى صريع في عالم الأحياء..

العهد الأول :الملكية

سعد زغلول باشا

في حديث مع الرئيس السابق صاحب الدولة إبراهيم عبد الهادي باشا سألته: كيف قامت ثورة سنة 1919 والأسباب التي أدت إليها واختيار سعد زغلول باشا زعيمًا..

فقال دولته:

عندي أنا إن القوى المحركة الموجهة والتي تركت في الأعماق بذور التحرر والنماء ترجع إلى عدد من المفكرين وأصحاب العقائد: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، سعد زغلول، ومصطفى كامل، هذه المجموعة بروحها القوية، مضافا إليها التنافس بن كرومر المعتمد البريطاني والخديوي عباس الثاني على السلطة أفسحت المجال لحرية الرأي وانطلاق الأقلام، فظهر من أصحاب الأقلام النظيفة والعقول المفكرة عدد استطاع أن يوجه الأفكار نحو الثورة التحريرية من ربقة الاستعمار وسط هذه العواطف: بين اليمين واليسار.

تجمعت في سعد زغلول الشخصية التي يمكن أن تقود الأمة عند العاصفة لماذا؟

وجوابي على ذلك.

أنه الشخصية التي تمثل مصر تمثيلا خاليا من الصناعة وإذا قامت إنه كان يمثل مصر كلها فبحق لأنه ابن عمدة إبيانه فلاح بن فلاح وفي الوقت نفسه شخصية تحمل كبرياء الرئاسة وليس جبروتها كبرياء الرئاسة التي تتمثل فيها روح المسئولية ونحمل تبعاتها.

بهذه الروح العصرية الخالصة والنفس العالية المورثة انتقل سعد إلى الأزهر (طالبًا) وفي الأزهر عاش على هذه الصورة لم ينحرف عنها.

وقد حدثنا عنها المحامي المعروف (إبراهيم الهلباوي) الذي قال عنها:

إنها كانت أنظف من المستوى الذي كان يعيشه طلاب الأزهر ي ذلك الحين. وبهذه النظافة في المستوى المعيشي والفكري كانت أفكاره وآراؤه فيها من الامتياز والانطلاق والتفتح ما جعله موضع احترام زملائه وعلماء الأزهر أنفسهم.

واتصل بالسيد جمال الدين الأفغاني في صدر الحركة العرابية وأخذ الكثير منه، واشترك مع الشيخ محمد عبده في تحرير الوقائع المصرية، وهي الجريدة الرسمية للدولة، وبالرجوع إلى أعداد هذه الجريدة في تلك الفترة، نجد التطوير الكبير الذي أحدثه الشيخ محمد عبده وسعد زغلول فيها، فقد أبرزا فيها الناحية الفكرية التقدمية من ناحية وحقوق الشعب وواجباته وتثقيفه من ناحية أخرى.

بعد ذلك اشتغل بالمحاماة وفيها تظهر بجلاء روحه الاستقلالية المتأصلة فقد رضي لنفسه أن يشتغل بهذه المهنة وقد كان يومئذ سبة وعارا لأن الطبقة المشتغلة بها وقتئذ لم تكن على مستواها وفي هذه المهنة انطلقت كوامن نفسه وقوته الفكية وقدرته القانونية كرجل متفهم للتشريع الإسلامي قادر على هضمه قادر على كشف كوامنه وخصائصه، قوة في المعارضة والإقناع مضافًا إلى هذا كله خصلة نادرة ما كنت توجد في هذا الوقت في هذه المهنة بالذات وهي الأمانة والاستقامة مما كانت سبيله إلى اختياره لمنصب القضاء.

وبذلك كان سعد زغلول أول محام انتقل من المحاماة إلى القضاء. وتاريخه في القضاء معروف وقد أثبت فيه أن المحامي صنو القاضي في عمله وفضله ومكانته وقد كان قبوله لهذا المنصب فيه تضحية كبيرة من الناحية المالية لأن مكتبه كان يدر عليه الكثير.

وفي منصب القضاء كان قضاؤه العدل والنزاهة واستقلال الرأي، وليس هذا رأي، ولكنه رأى زملائه القضاء سواء كانوا أجانب أو وطنيين إذ كانت صفحته أنقى وأطهر فحصة وبقي في القضاء 14 عامًا إلى أن تولى الوزارة سنة 1906 ومما يرى عنه أنه حين تولى زعامة الأمة لشريكة حياته: إنه الآن سيوفي كل ما فاته من دفاع عن المظلومين لأن هذه القضية هي القضية المصريين جميعًا.

ولقد عمل سعد ما استطاع لخلق جيل مثقف يتحمل المسئولية وفي ندوته كان الشباب الوطني يتلقى منه التشجيع على مواصلة جهاده، وساعد الشيخ على يوسف بالمال لتبقى المؤيد صحيفته التي كان إحدى الصحف الوطنية الكبرى في هذه المرحلة وأيد قاسم أمين في دعوته لتحرير المرأة وإصلاح الحياة الاجتماعية كجزء من خطة التي رسمها لكي يخدم القضية الوطنية بإيقاظ روحها وتكوين رأيها ورفع صوتها.

ولما قامت الدعوة العظيمة لإنشاء الجامعة المصرية شجعها كل التشجيع وصدر من منزله أول منشور على الأمة لتأييدها وتبرع لها مع المتبرعين بملغ مائة جنيه.

ومما يدل على قوة شخصية سعد زغلول شهادة خصومه قبل أنصاره فيه فاللورد كرومر مع ما هو معروف عنه غطرسة وقف يخطب في حفل وداعه.

فقال عن سعد زغلول ما معناه (إن فاتني النص) إن هذا الرجل شجاع في عقيدته قدير في عمله وقد علمني كيف احترمه. وكان سعد زغلول يمتاز أيضا بإرادة حديدية قل أن تتوفر في شيخ مثله فقد تعلم الفرنسية وهو في سن الأربعين ونبغ فيها واجتاز بها امتحانا في الحقوق. كان سعد زغلول يملأ نواحي متعددة ويشغل فراغا قل أن يشغله شخص واحد بذاته.

كان بيته ندوة يلتقي فيها زملائه وأصدقاؤه وغيرهم، من الراغبين في المعرفة والاستزادة من الثقافات المختلفة، والمعنى الذي اختص به سعد زغلول يومئذ الاتجاه إليه في الرأي والمشورة.

وفي التعليم ترك أثرًا ما زالت البلاد تنعم به فمدرسة القضاء الشرعي والدراسة باللغة العربية وروح الإدارة المصرية ودفع عدوان الأجنبي عنها وحكايات دانلوب والمعارك التي دخلها معه.. كل ذلك كان من غرسه ونتائج فكره وجهد المتصل وقد استقبلته صحيفة اللواء لسان مصطفى كامل عندما عين وزيرًا للمعارف استقبالا كريمًا، ولكنها في الوقت نفسه أشفقت عيه من دانلوب وجبروته وتساءلت:

هل سيكون كبقية الوزراء، أم يكون وزيرًا اسمًا وعملا ويحي سلطة الوزراء المصرين..؟ والواقع كما هو معروف أن سعد زغلول كان وزيرًا مصريًا اسما وعملا، أوقف دانلوب في مكانه الصحيح.

والذي لا شك فيه أيضا أن تعين سعد زغلول ناظرًا للمعارف كان تتويجًا للحركة الوطنية إثر حادث دنشواي سنة 1906.

ولم يمض أسبوعان على توليه الوزارة حتى جمع كل السلطة في يده وكان كل أمر من أمورها يظل معلقًا حتى يؤخذ رأيه فيه، وبدأ كل موظف بالوزارة يشعر أن عهدًا انتهى وعهدًا بدأ، وأن الوزارة والمستشار، يقول رأيه فقط، والوزير هو صاحب السلطة الفعلية.

ولا أود أدخل في التفاصيل، فهي كثيرة يخطئها الحصر.. وإني لأذكر حادثًا أو حادثين .. وهما.. حادث ناظرة مدرسة السنية الإنجليزية التي فصلت طالبة بغير وجه حق وأصرت على أريها برغم أمر الوزير بإعادتها فما كان منه إلا أن أعاد الطالبة وأحال الناظرة إلى مجلس تأديب وهاجت الصحف البريطانية وبعض الصحف المصرية الناطقة بلسان الإنجليز ولكنه لم يعبأ بذلك ومضي في الشوط إلى نهايته. وانتصرت إرادته.

والحادث الثاني مع الدكتور كتنج ناظر مدرسة الطب فقد دخل عليه بغير إذن فلم يصنع إليه إلا حين اعتذر له عن دخلوه بغير إذن.

أما الحادث الخطير الذي أغضب الخديوي وأغضب شيخ الأزهر وأصر عليه سعد زغلول، فهو إنشاء مدرسة القضاء الشرعي وتعيين المرحوم عاطف بركات بك مديرًا للمدرسة بعد أن تعب الشيخ محمد عبده في علاج وإصلاح بعض شئون الأزهر الذي انتهى بالشيخ محمد عبده إلى اعتزال منصبه في مجلس الأزهر الأعلى.

وكانت مدرسة القضاء الشرعي تطويرًا للدراسة الأزهرية التقليدية وأخذا بالنظم الحديثة وفتحا لباب الاجتهاد مما أهاج عليه ثائرة علماء الأزهر حتى بلغ بهم العنف في الخصومة إلى اتهام الشيخ محمد عبده وسعد زغلول بالكفر

وتولى سنة 1910 وزارة الحقانية فأرسى قواعد الاحترام للقضاء، كما اهتم بكرامة القضاة واهتم بكرامة المحامين، فأسس لهم نقابة تحميهم وتصون حقوقهم وتجمعهم في هيئة واحدة يناط بها الدفاع عن سمعتهم وشرف صناعتهم. كما أنصف القصر والمحجور عليهم من القوام والأوصياء وقد قدم استقالته في قضية مشهورة تدخل فيها اللورد كتشنر شخصيًا.

وعندما ترك الوزارة ونشأت فكرة الجمعية التشريعية اتجهت إليه جميع الأنظار والحزب الوطني الذي كان يناوشه أحيانًا ويهاجمه أحيانا أخرى فرشح نفسه في دائرتين في القاهرة بعيدا عن منبته في الريف، وقد نجح في الدائرتين معا: بولاق والسيدة زينب برغم محاربة كتشنر له والكل يعلم مدى قوة السلطان البريطانية في ذلك الحين.

وفي الجمعية التشريعية يبدأ مركز الزعامة القومية فيتبوأها سعد زغلول بغير منازع وأصبح العلم الذي التفت حوله جميع الفرق، وقد تقرر منذ ذلك التاريخ مستقبل الحركة الوطنية عندما قامت في سنة 1919.

وفي هذه الجمعية التشريعية يبدأ مركز الزعامة القومية فيتبوأها سعد زغلول بغير منازع وأصبح العلم الذي التفت حوله جميع الفرق، وقد تقرر منذ ذلك التاريخ مستقبل الحركة الوطنية عندما قامت في سنة 1919.

وفي هذه الجمعية التشريعية يبدأ مركز الزعامة القومية فيتبوأها سعد زغلول بغير منازع وأصبح العلم الذي ألتفت حوله جميع الفرق، وقد تقرر منذ ذلك التاريخ مستقبل الحركة الوطنية عندما قامت في سنة 1919.

وفي هذه الجمعية كان المحامي الضليع عن حقوق الأمة، فكان صاحب الآراء العنيفة والعبارات الثورية الخالدة كقوله على سبيل المثال:

الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة. كان هو الوكيل المنتخب وعدلي باشا يكن الوكيل المعين وكأن المقادير منذ هذا التاريخ هي التي أخذت تعد هذه الشخصية الفذة وتمدها بروح النضال الفكري والثقافي والدستوري وتهيئتها لليوم المرتقب لقيادة الأمة في ثورتها التحررية الكبرى التي أيقظت الشرق كله من سباته وهيأته للنضال ضد الاستعمار.

وبذلك سارت الأمور في الطريق الذي جعل سعد زغلول رجل الأمة وزعيمها الناطق بحقوقها وقلبها النابض بآمالها وآلامها وحري النضال على نحو ما يعلم الجميع هذه الفترة السابقة لثورة 1919 كانت مدرسة للتشبيه المصرية عن طريق الصحافة المصرية الخالصة برغم ما كانت عليه من حال متواضع سواء من ناحية التحرير أو ظروف الحرية المتاحة، وكان الشباب يتسابقون إلى حياض المعرفة خطفًا من كل ناحية، وقل أن يكون ذلك عن طريق مرشد أو راغب إلا حبا في الاستزادة من العلم والتأسي بكبار المصريين الأصلاء في مصريتهم مثل الشيخ محمد عبده وسعد زغلول ومصطفى كامل والشيخ على يوسف أو من تشاء من أهل الرأي والفضل.

وجري بينهم عشق وتنافس عارم على الأدب العربي وحب التزود منه وكانوا يجتمعون لذلك طوائف وأنت علم بأن الأدب هو وعاء كل معرفة خصوصًا ما يتصل بتربية الإحساس والعاطفة وليس أقرب إلى قلوب الشباب من العاطفة الوطنية.

كان الشباب جميعًا يتتبعون كل كلمة تقال في الجمعية التشريعية أو تكتب في الصحف أو تقال في الأندية.

ولما انتهت الحرب أو قاربت بدأت الرؤوس المفكرة وبدا القلب الكبير ينبض في الساعة الملائمة وأخذ سعد زغلول يضم إليه من رجال مصر من يشاء من أهل الكفاية والقدر على مختلف معنى القدر، فمنهم من يعين بالرأي والمشورة وبما يتبع، ومنهم من يعين بماله، والمال كما تعلمون عصب الحياة.

ومنهم من ضمه إلى الصفوف ليتقي خروجه على الصف وأخذ يبشر لليوم الكبير بالمبادرة إلى كل أمر يبدو يسيرا وإن كانت أعقابه كبيرة، فيوم وقف مستشار الحقانية بالجمعية الجغرافية يمهد لتغيير القانون المصري وإبداله بالقانون السوداني الموضوع على النمط الإنجليزي كان الناس ينصتون إلى خطابه، وما كاد ينتهي منه حتى رأي الجمهور سعد زغلول وعلى البديهية يرد عليه ويفند محاولته بحجج آية في البساطة وآية في الوضوح وآية في القوة..

ومن أمثال هذا وغيره أخذ ينبه الناس ويلفت أنظارهم إلى أن في الأمر شيئا خطيرًا.. وأن الحماية التي ضربت على البلاد برغمها لا يفكر الإنجليز في رفعها بعد انتهاء الحرب وإنما يعملون على التمكين لها بتغيير التشريع مما هو من طبيعة الاستعمار ودهائه.

استمر الحال حتى 13 نوفمبر سنة 1918 الإنجليز يخططون لدوام بقائهم والعقول المصرية المستنيرة تنبه إلى الخطر المحدق، وفي هذا الوقت أمكن تشكيل الوفد على ما هو معروف وفي خلال ذلك كانت محاولة حسين رشدي باشا للسفر إلى الخارج لبسط القضية المصرية في انجلترا قد باءت بالإخفاق.

وكان قد تم تشكيل الوفد المصري وجمعت التوكيلات من جميع هيئات الأمة وموظفيها برغم محاربة السلطات البريطانية وبهذه الصورة أكتمل لسعد زغلول تمثيل مصر تمثيلا لم يسبقه إليه أحد ولا تجد عليه مطعنا من كائن من كان.

بهذه الصفات المكتملة لتمثيل الأمة قابل سعد زغلول وصاحباه: على شعراوي باشا، عبد العزيز فهمي بك، سير ريجنالد ونجت المعتمد البريطاني في مصر طالبين السفر للمطالبة باستقلال البلاد فاستنكر ونجت موقفهم خصوصًا بعد ما ذكروا له الغرض الحقيقي من السفر وهو المطالبة باستقلال البلاد.

ومضت الأمور في طريقها، فاعتقل سعد زغلول وأصحابه وفي 8 مارس سنة 1919 تقرر نفيهم.

وفي صبيحة 9 مارس علم الطلبة والبلاد بالخبر فذهب وقد منهم وكنت أحدهم إلى بيت الأمة يثتوثق من صحته، فقابلنا لطفي السيد وعبد العزيز فهمي ومحمد على علوبة فتحققنا مما سمعناه، ولما استشعروا رغبتنا وتصميمنا على أنه لابد أن يتحرك الشباب حركة غضب لاعتقال زعماء البلاد حاول عبد العزيز فهمي إقناعنا بأن هذا ربما يضر بالقضية وربما صور الوفد على أنه عنصر إثارة وتهييج، فأكدنا له أننا نحن الشباب إذا اتخذنا قرار فسيكون على مسئوليتنا وحدنا بعيدا كل البعد عن الوفد، ونحن نعلم مقدما أننا معرضون للانتقام وراضون به أما أن ينفي زعماء البلد وتبقي البلد راكدة ساكنة لا تتحرك فذلك مالا نرضاه ونراه عيبا وسبة لنا معشر الشباب وقضاء على القضية التي من أجلها اعتقل الزعماء.

فذهبنا إلى مدرسة الحقوق وأكدنا الخبر لطلابها فتركوا فصول المدرسة وتجمعوا في صالة المدرسة وقد رغب ناظرها (مستر دلتون) أن يستمهلنا حتى حضر مستر إيموس مستشار الحقانية وكان ناظرًا قديمًا لمدرسة الحقوق وقد حضر على عجل وحاول عبثا إثناءنا عن فكرتنا حرصا علينا وعلى مستقبلنا فلم يجد واحد يشذ عن رأينا الذي عقدنا العزم على تنفيذه.

ولما لم يفلح من هذه الناحية طلب إلينا أن نسترشد برأي أولياء أمورنا لأن الموقف جد خطير، فرددت عليه قائلا:

إن أولياء أمورنا ومن يلجأ إليهم عند المشورة تفتهم السلطات البريطانية ولا سيل إلى الاتصال بهم في الوقت الحاضر. وخرجت صيحة الطلبة جميعا في هذا اليوم هاتفه: يحيا الإضراب.. ولتسقط بريطانيا.

ومررنا على مدرسة الهندسة فخرجت عن بكرة أبيها ومررنا على السعيدية فحدث الشيء نفسه وذهبنا إلى مدرسة الطب وكان ناظرها مستر كتنج وكان رجلا استعماريا مخيفا فحاول تهديد الطلبة ومنه طلبة الطب بالذات من الخروج في المظاهرة فتصدى له عبد الحميد داود بمدرسة الهندسة وجذبه جذبة قوية دحرجته على السلم واندفع الطلبة في مظاهرة عارمة كالفيضان تسير في شارع قصر العيني.

وعند شارع المبتديان تصدى لها عدد من الكونستيلات الإنجليز فوقع من وقع وجرح من جرح واتجهت المظاهرة نحو درب الجماميز وكانت ملحمة عنيفة بين الطلبة وقوات البوليس الراجلين وراكبي الموتوسيكلات والخيل برئاسة اليوزباشي النقيب محمد حيدر، وقبض على عدد كبير من الطلبة وأودعوا سجن القلعة.

وسارت الثورة منذ ذلك اليوم في طريقها ولم يقتصر الإضراب على الطلبة وإنما تعداه إلى عمل الترام وإلى الحوذية وأغلقت المحال العامة احتجاجا وتجددت المظاهرات من الجميع وكان يقابلها الإنجليز بالمدافع والرشاشة وأضرب المحامون إلا من كان يوفدهم مجلس النقابة إلى المحاكم لتأجل القضايا.

وانتشر المظاهرات في مدن القطر جميعها وكانت كلها تقابل بالرصاص فانفجرت الثورة في جميع أنحاء البلاد جارفة تضم الطلبة والموظفين والعمال والفلاحين جميع أبناء مصر بغير استثناء وانقطعت خطوط السكة الحديدية وقام التخريب في كل مكان تصل إليه الأيدي وظهرت شجاعة الشعب بجميع طوائفه على نحو رائع بالتضحية والفداء حتى إن البعض كان يموت وهو يهتف بحياة الوطن أو رافعا العلم وحين كان يسقط العلم من الأيدي التي كانت تحمله بعد وقوعها مضرجا بالدم يبادر إلى رفعة آخر يستقبل الموت كزميله سعيدا مبرورا.

ونفي سعد إلى جزيرة مالطة، وهو في مالطة لم ينس القضية التي قام يدافع من أجلها فكان أول عمل له هناك أن أرسل برية تاريخية إلى رئيس الوزراء البريطاني يذكره بتصريحات الحكومة البريطانية المتكررة بالجلاء عن مصر وأن الاحتلال لن يكون إلا وقتيا ويذكر لهم في هذه البرقية أن شرف الحكومات والممالك لا يقدر إلا بمقدار احترام ساستها ورجالها للمعاهدات السياسية التي يبرمونها والتصريحات الرسمية التي يقولها رجالها الرسميون.

وكان ذلك آخر ما يتوقعه البريطانيون من سعد زغلول في هذه الجزيرة التي يملكونها والتي بدأ سعد يتخذها ميدانا لمعركته مع بريطانيا بعد أن نفته فيها فاضطرت بريطاني إلى الإفراج عنه وعن زملائه بعد شهر واحد من النفي والسماح لأي من أعضاء الوفد بالسفر إلى حيث يشاء.

وهناك في باريس التقى الوفد بكامل هيئته وهنا يبدو موقف الثورة المصرية بقيادة سعد زغلول في مكانه الحق من التاريخ هذا التاريخ الذي لم يعرف قبلها وقفة الإيمان مجردة من القوة في وجه إمبراطورية لا تغرب الشمس عن أملاكها وهي خارجة من أكبر حرب عالمية مزهوة بالنصر مدججة بالسلاح.

ولا شك في أن هذه الثورة ارتقت بالجهاد الإنساني خطوة جديدة في سبيل رفعة الإنسان وصعوده إلى مراتب التقدم التاريخي ولعل من أهل الرأي الرفيع من أعطاها حقها وقدرها وحسبي أن أشير إلى المهاتما غاندي حين قال:

نحن في جاهدنا تلاميذ لسعد زغلول.

كانت الروح الوطنية تشغل المصريين جميعا وتربطهم برباط الإيمان القوي والتآخي الذي يفدي فيه كل وطني أخاه ولقد عز واستحال على الإنجليز أن يجدوا سبيلا فتنة المواطنين بالرشوة والمال الغزير أو بالتهديد والتنكيل الشديد وكثيرا ما وقعت حوادث ذهب فيها بعض الأبرياء ضحية وهم يعرفون من المسئول عنها وتأتي وطنيتهم أن يوجهوا التهمة إلى فاعلها لينجو من هول العقاب.

والوقائع تروي قصة: إبراهيم نظير حين اتهم بقتل أحد البريطانيين وحكم عليه بالإعدام وبعد سنتين من هذا الحكم ونفاذه ظهر أن القاتل الحقيقي كان محمد علي أحد العمال الذي حوكم على هذه التهمة نفسها وحكم عليه بالإعدام وليس هناك مثل في التضحية ولا فيما سطر في تواريخ الجهاد والفداء في وثبات الأمم أروع من هذا المثل.

سيكتب التاريخ الحقيقي وأتمنى أن يكتب هذا التاريخ في حياتكم من علماء التاريخ فتعرفون أن سعد رفع الإنسانية إلى مقام لم يكن لها من قبل وأشعرها أنها بإيمانها وتصميمها والرضا بالتضحية لا بد أن تصل وتحقق أهدافها.

ثم سألت دولة الرئيس السابق إبراهيم عبد الهادي باشا عن حقيقة الائتلاف الذي وقع عام 1926 وموقف سعد من هذا الائتلاف.

فقال دولته:

إن موقف سعد زغلول في هذا الائتلاف كان صريحا وواضحا وهو لم يكن يسعى إلى الائتلاف وإنما كان يريده اندماجا ولو طال به العمر لحققه على هذا الأساس.

النحاس باشا

كيف انضم النحاس باشا إلى الوفد سنة 1919

سألت صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا أن يرى قصة انضمامه إلى عضوية الوفد المصري سنة 1919 فقال: هذا شيء يطول شرحه ولكنه سأحدثك بوجه عام وكان هذا الحديث على ما أذكر في صيف عام 1947 وفي الإسكندرية قال رحمة الله عليه:

أنت تعلم قوة إيماني بالعلي القادر الذي أنشانا من الأرض واستعمرنا فيها ليبلونا فيما آتانا، وأينا أحسن عملا.

ومن فضائل الإيمان، والوطنية وحماية الحرم وقد درست القانون وقواعد العدل والمساواة والحرية للأفراد والشعوب وعلت في المحاماة وفي القضاء وتمكنت الشورى والديمقراطية في عقل وفكري.

ومن كل هذا ومن الجهاد المصري للاستقلال وتأكيد الحضارة المصرية التي أثارت العالم منذ آلاف السنين تكون وعائي النفسي والخلقي.

ولقد لفت انتباهي في شبابي رجلان مصطفى كامل، وسعد زغلول، وما أهمني في أسلوب مصفى اعتماده على الخديوي عباس الثاني صاحب السلطة الشرعية علي هذه الأمة والذي حاول قدر ما استطاع التمكن من هذه السلطة بانتزاعها من معتمد الاحتلال الغاصب ولذلك كنت أميل إلى مبادئ الحزب الوطني وكان لي بين رجاله أصدقاء.

وكان عزل الخديوي عباس وفرض الحماية على مصر غصبًا حديث كل الوطنيين المصريين بعد أن تناست بريطانيا العظمى وعودها العديدة بالجلاء وترك السلطة الشرعية تمرس حكم المصريين.

وما إن قاربت الحرب العالمية على النهاية حتى تقاربت الرءوس وتهامس الوطنيون يبتغون الوسيلة للاستقلال والحرية ومنع المحتل الغاصب من تبديل الحماية والأحكام العرفية إلى ضم مصر إلى ممتلكات التاج البريطاني التي لا تغيب عنها الشمس.

ولا قوة لدينا غير حقنا في الحرية والاستقلال من غير تدخل أجنبي ثم صدق الوطنية والجهاد وهو ما تمنع به جيلنا الذي نشأ على الأمانة الوطنية.

ولا يقولون أحد إن بين قادوا هذا الشعب في العصر الحديث من خان الأمانة الوطنية، بل إن الفكر والتكوين والظروف والإمكانيات والإغراءات والأسلوب هو الذي يفرق بين هذا وذاك، ثم هناك مطامع النفوس ومطامحها مما يسارع بالعاجل الأقل ولا ينتظر الآجل الكامل.

وأكاد أقول هكذا الدنيا وهكذا ساسة العالم. ولقد فتنت بالزعم الأوحد لهذا الشعب ووكيله المفوض من كل طبقاته وفئاته، المرحوم خالد الذكر سعد زغلول باشا.

وتتبعت آثاره محاميا وقاضيًا ووطنيًا أمينًا وتمنيت مقامه، وأكرمني رب العزة فأصبحت خليفته في قيادة هذه الأمة الخالدة على الزمن.

وطلع علينا الدكتور ويلسون رئيس الولايات المتحدة بمبادئه الأربعة عشر وما كان يهمنا فيها تأكيده حق الشعوب الصغيرة وحريتها في تقرير مصيرها وهو ما كان يغلي في جوانح المصريين كافة بعد أن سامتهم السلطة الغاصبة العذاب في التطوع الإجباري للحرب إلى جانبها ونهب خيراتها بل مواشيها.

تفكير الشباب

وكنت قاضيا في طنطا كثير التردد على القاهرة والاجتماع مع صفوة من الأصدقاء في مكتب المحامي الشهير المرحوم أحمد بك عبد اللطيف وكان علي ماهر باشا يحضر بعض هذه الاجتماعات، وكان يومئذ مديرا لإدارة المجالس الحسبية بوزارة الحقانية (العدل) وكنا مشبعين بآراء الحزب الوطني.

وذات يوم عرضت على المجتمعين فكرة ثورية بأن نأتي نحن ومن تسمع ضمه إلى جماعتنا عملا تسمع عن طريقه أوربا وأمريكا صوت مصر المحتلة الراغبة عن استحقاق في أن تتمتع بما انطوت عليه مبادئ الدكتور ويلسون وراقت الفكرة للجميع وفكرنا في الأسلوب وأخذنا نتدارسه لكننا انتهينا إلى أننا جنود صغار لا يعرف الشعب عنا شيئا وقد لا يجدي عملنا الأثر الذي نأمل وقررنا أنه لابد لنجاحنا أو نجاح الأمل الذي يراودنا أن تتقدمنا أسماء ذات شهرة تقلدت المناصب الرفيعة فيكون لسعينا الأثر المطلوب في أوربا وفي أمريكا ووقعه لدي الجماهير المصرية.

ونبهت الإخوة وقتئذ إلى أن السلطة العسكرية لن تسكت على هؤلاء الكبار الذين تختارهم وستطاردهم وقد تعتقلهم وواجبنا في هذه الحال أن تنزل الميدان ونحمل علم الجهاد ولم يطل تفكيرنا في الزعيم القائد بل اجتمعنا على أن يكون سعد زغلول باشا.ط

ولكن كيف الوصول إليه وليس بيننا من هو على صلة به تمكنه من مفاتحته في الأمر، ولما قيل لي إنك لا بد أن تعرف سعد باشا وقد كان لك موقف معه لما كان وزيرا للحقانية فقلت إنها معرفة رسمية سطحية لا تؤهلني لمفاتحته في هذا الأمر الخطير فقال على ماهر إنه يعرف عبد العزيز فهمي بك وربما تمكن من إقناعه بمخاطبة سعد باشا بأفكارنا وقيادته حركتنا.

وزار على ماهر عبد العزيز بك ثم قمت أنا بزيارته وتتابعت الزيارات وذات مساء مال علينا عبد العزيز فهمي بك وقال بصوت خافت:

اسمعا.. لقد فكرنا نحن فيما فكرتم فيه أنتم ونفذنا الفكرة هذا الأمر سر لكما وأود ألا يعلم به أحد.

فاندهشت ووجدتني أقول له نفذتم الفكرة وكيف ذلك.

فقال عبد العزيز:

إني وسعد باشا وعلي شعراوي باشا ومحمد محمود باشا وأحمد لطفي السيد بك نواصل الاجتماع والبحث في تأليف وقد يسافر إلى أوربا لبسط قضية مصر أمام ساستها.

هذا سر بيني وبينكما فاكتماه في أعماق قلبيكما وألزما وصحبكما كل هدوء الآن، ولا تكثرا من التردد علينا لئلا تلتفت أنظار السلطة إلينا فتحوم الشكوك حولنا ثم نهض واقفا وقال: أستودعكما الله.

وكان لكل منا في هذه الفترة جهاده ومن ثم عرفت الزعيم سعد زغلول باشا ومن بعد كان ما هو معروف من تأليف الوفد المصري بقيادة سعد زغلول باشا. ولما شرع سعد باشا في تشكيل الوفد المصري بقيادة سعد زغلول باشا.

ولما شرع سعد باشا في تشكيل الوفد المصري النهائي الذي سيسافر إلى أوربا نشأ بينهم وبين الحزب الوطني بعض الخلافات فرأى سعد باشا رغبة منه في التوفيق لخدمة قضية البلاد أن يقترح على الحزب الوطني أن ينضم إلى الوفد مصطفى النحاس والدكتور حافظ عفيفي عضو الجنة الإدارية للحزب.

ووافق الحزب الذي كنت انتمي إليه فكريا وأصبحت عضوا في الوفد المصري بقرار صدر يوم 20 نوفمبر سنة 1919

وفي يوم 23 نوفمبر 1919 اجتمع الوفد وصادقنا على مشروع قانون تأليف الوفد. وكانت المادة الأولى تنص على تأليفه من الأعضاء السبعة السابقين على ضمن وحافظ عفيفي.

وحددت الثانية مهمة الوفد في السعي بالطرق السليمة المشروعة حيثما وجدا للسعي سبيلا إلى استقلال مصر استقلالا تاما. ونصت المادة الثالثة على أن الوفد يستمد قوته من رغبة أهالي مصر التي يعبرون عنها رأسا أو بوساطة مندوبيهم في الهيئات النيابية.

ونصت المادة الثالثة على أن الوفد يستمد قوته من رغبة أهالي مصر التي يعبرون عنها رأسا أو بوساطة مندوبيهم في الهيئات النيابية. والمادة الخامسة على أنه لا يجوز للوفد أن يتصرف في المهمة التي انتدب لها، فليس للوفد ولا لأحد أعضائه أن يخرج في طلباته عن حدود هذه الوكالة التي يستمد منها قوته، وهي استقلال مصر استقلالا تاما وما يتبع ذلك من التفاصيل.

ونصت المادة الثامنة على أن للوفد أن يضم إليه أعضاء آخرين مراعيا في انتخابهم الفائدة التي تنجم عن اشتراكهم معه في العمل. ولعل ما أوردته المادة الخامسة عن حدود وكالة الشعب للوفد كان السبب في الخلاف بين الزعيم سعد زغلول باشا وغيره.

رأى سعد زغلول باشا في مصطفى النحاس باشا

سأل الأستاذ الجليل محمد كامل سليم بك سعد زغلول باشا وكان سكرتيره عن رأيه في مصطفى النحاس فقال سعد باشا:

مصطفى النحاس.. رجل ذو قلب طيب، ومبدأ ثابت، يميل إلى الثرثرة ولكنه خفيف الروح به خفة ورعونة يميل إلى الخيال، سريع الانفعال ولكنه لا يتغير بتغير الأحوال وطني مخلص وهو فقير مفلس، ذكي غاية الذكاء، وفي كل الوفاء وله في نفسي مكان خاص.

مع الزعيم مصطفى النحاس

كنا ثلاثة فصلتنا وزارة المعارف من مدرسة فؤاد الأول الثانوية قرب نهاية عهد صاح الدولة إسماعيل صدقي باشا الذي حكم البلاد بأسلوبه الخاص وأنشأ لها دستورا على هواه.

محمد عبد المنعم شوقي ابن شقيقه زعيم مصر الراحل العظيم مصطفى النحاس وعلى حسيب نجل حسن باشا عضو الوفد المصري ووزير الحربية وكاتب هذه الذكريات.

وإذا كانت السمة الوفدية قد برزت في السطور السابقة على زميلي فلم أكن غريبا عن الوفد والوفدية والوفديين فوالدي المرحوم محمد لبيب الشاهد باشا كان عضوا في الهيئة الوفدية وكانت المرحومة والدته عضوا في لجنة السيدات الوفديات وكان ثلاثتنا ضيوفا دائمين في منزل الزعيم مصطفى باشا يرعانا بأبوته النادرة وكان مصطفى باشا من المعجبين بفن المرحوم علي الكسار وكان يشاكنا معه في كل حفلة يحضرها وكثيرا ما تمتعنا في هذه الحفلات في ظلال النحاس باشا بفن بربري مصر الوحيد

في مدرسة الأهرام الأهلية

وجمعتنا مدرسة الأهرام بالسنة الرابعة بالقسم الأدبي. ومضت بنا شهور هذا العام سريعة بين المسارح واحتفالات الوفد، والمشاركة السياسية في الأحداث التي جرت في نهاية حكم المرحوم صدقي باشا وبداية حكم صاحب الدولة المرحوم عبد الفتاح يحي باشا والآمال تسرح في عودة مصطفى باشا إلى الحكم.

وفوق أنه لم يكن للتحصيل العلمي لدينا نصيب فقد اعتمدنا على أن سنوات الانتقال في المدارس الأهلية سهلة في امتحاناتها بل يمكن التجاوز فيها عن الامتحان نهائيا.

وفوجئنا في نهاية العام بأن ثلاثتنا راسبون في امتحان النقل إلى السنة الخامسة وتجمعنا في مكتب صاحب ومدير مدارس الأهرام المرحوم الأستاذ طه السويفي في وجود شريكه المرحوم الأستاذ محمد عبد الهادي والأستاذ علي صالح أطال الله حياته وكيل المدرسة وظهرت براعة عبد المنعم شوقي وقال للمرحوم طه إن دولة النحاس باشا كلفني أن تبلغه أنت شخصيا نتيجة امتحاننا.

وأمسك بالتليفون وطلب منزل النحاس باشا وقال له إن الأستاذ طه السويفي مدير المدارس سيخبركم شخصيا بنجاحنا أنا وعلي وصلاح.

وسارع بمناولة السماعة إلى الأستاذ طه الذي وقف من علي كرسيه يحي دولة الباشا بصفات ونعوت مختلفة ويبلغه نجاحنا وانتقالنا إلى السنة الخامسة (البكالوريا) فسر خاطر النحاس باشا وقال له إن المدارس الأهلية أخذت تجاري المدارس الأميرية، وشكره على الجهد العلمي الذي تبذله مدرسته ووعده بمساندة التعليم الحر عند عودته للحكم ما دام قد ارتقى هذا الرقي.

ثم دعاه وشريكه ووكيل المدرسة واملدرس الفرنسي مسيو أو كتاف كيفان ومدرس اللغة الإنجليزية مستر (بالمار) ومدرس التربية الوطنية المرحوم عبد العزيز وصفي لتناول الغداء على مائدته بمنزله بمصر الجديدة وكنا بين الحاضرين.

وما إن انتهى من المحادثة مع دولة النحاس باشا حتى انفجر فينا مهاجما وسألنا كيف ننجح ونحن لم نفكر في الدروس طوال العام؟

ثم تفتق ذهنه عن إحضار ثلاث شهادات بيضاء وأخذ يضع الدرجات حسب هواه، وعندما عرف رسوبنا أعطى كلا منا درجة النجاح فقط.

وكان عبد المنعم راسبا في الرياضة فأعطاه 4 درجات من 20 وكان علي راسبًا في اللغة العربية فأعطه عشرين من خمسين. وكنت راسبًا في اللغة الفرنسية فأعطاني سبعا ونصفا من ثلاثين.

وفي اليوم التالي تقابلنا بالمدرسة وذهبنا بالمدعوين إلى منزل النحاس باشا الذي أحسن استقبالهم وأصر على الإطلاع على الشهادات بعد أن تمنع عبد المنعم بدعوى أن ذلك يكون بعد الغداء.

وما إن اطلع على الدرجات السابقة خاصة في مواد الرسوب حتى ثار على الأستاذ طه، وقال له إن مدارسه بايظة لأنع غير معقول أن تكون درجة النجاح هي جهد الطالب بهذا التحديد معقول تكون أربعًا ونصفًا أو خمسًا مثلا أو ثلاثًا ونصفًا ويعتبر الطالب راسبًا؟... أما أن تتضمن الشهادة الحد الأدنى للنجاح فهي دليل على عدم نجاح التعليم الحر..

ثم أمر دولة النحاس باشا أن يحضر مدرسو المواد التي رسبنا فيها إلى الإسكندرية في الصيف لتقويتنا في هذه المواد استعدادًا للبكالوريا، وقرر النحاس باشا حبسنا طوال إجازة الصيف مع المدرسين للمذاكرة وكان لا يسمح لنا بالخروج إلا إلى البحر معه في الساعة السادسة صباحًا يوميا ونسبح معه بإشراف رائد السباحة إسحق حلمي.

مطالبة النحاس باشا بخمسمائة جنيه

من الوقائع الطريفة التي قصها على الزعيم الجليل مصطف النحاس باشا هذه الواقعة ولا يمكن لإنسان عرف النحاس باشا أن نكر عليه أسلوبه السلس وتواضعه الجم وطبيعته الشعبية. كان النحاس باشا مرآة صافية شفافة لا غموض فيها أو التواء.

كان النحاس باشا وهذا ما يعترف له به خصومه قبل أصدقائه نزيها لا يعرف غير الحق وطيبا بكل ما في المصريين من طيبة وأصالة وسماحة نفس كان النحاس باشا لا يخفي أنه كان فقيرا وكان لا يملك سوى مرتبة عندما كان قاضيًا.

وعندما اشتعلت ثورة 1919 لبي نداء الثورة وخلع وشاح القضاء وضحى بمرتبه لينضم إلى لواء سعد باشا. وعندما تفرق كبار أعضاء الوفدي من حول سعد باشا لم يبق بجواره سوى مصطفى النحاس باشا وفتح الله بركات باشا وسينوت حنا بك وويصا واصف بك ومكرم عبيد باشا الذين آمنوا بسياسة سعد زغلول زعيم الشعب ورئيس الوفد الموكل عن الأمة.

وعندما تولى مصطفى النحاس باشا منصب سكرتير الوفد كان الوفد يخصص مرتبا للسكرتير ليستطيع مجابهة أعباء الحياة.

وعندما ترك النحاس باشا رئاسة الوزراء (سنة 1930) على أثر إخفاق مفاوضات النحاس هندرسون بسبب مسألة السودان كان معاشه من الدولة 125 جنيها شهريا كان النحاس باشا يخصص منه 15 جنيها للسيدة شقيقته، كان يعطي لمديرة منزله ستين جنيها للإنفاق على لوازم المنزل، أما الباقي فكان ينفقه في شكل هبات وتبرعات، وكان رفعته كريما وسخيا لا تعرف شماله ما تعطيه يمينه.

ومما يذكر أنه خلال الثلاثينيات بدأت الدعوة لحماية الصناعة المحلية من غزو الصناعات الأجنبية بعد أن استفحل شأنها. وكان النحاس باشا في وزارة عام 1927 قد أصدر قانونا للرسوم الجمركية لحماية الصناعة الوطنية، وكان القصد منه الحد من تأثير المنتجات الأجنبية على الاقتصاد الوطني وهو القانون الذي ألغته وزارة إسماعيل صدقي باشا سنة 1930.

وبدأ لفيف من الشباب ما سمى (مشروع القرش) وهو مشروع قصد منه إقامة بعض الصناعات المصرية. وبدأت حملة التبرعات وتوجه الشاب الأستاذ أحمد حسين رئيس حزب مصر الفتاة أو الحزب الاشتراكي فيما بعد وهو حزب ناصب مصطفى النحاس باشا العداء بل إن أحد أعضاء مصر الفتاة حاول اغتيال الزعيم مصطفى النحاس باشا وطلب من زعيم مصر التبرع لمشروع القرش، وسارع النحاس باشا وأعطى الأستاذ وطلب حسين خمسة عشر جنيها واستبقى لنفسه جنيها واحدا، وهذه واقعة رواها أحمد حسين في كتابه (إيماني).

أما الواقعة التي أقصدها أساسا في هذا المقام.... فمن المعروف أن إسماعيل صدقي باشا تولى رئاسة الوزراء وأجرى انتخابات زائفة بعد أن ألغى دستور سنة 1923 وقامت المظاهرات في طول البلاد وعرضها تطالب بعودة دستور الأمة وخضب الأرض الدماء إذ قمعت الحكومة المظاهرات بقوة السلاح وارتكبت ما اقشعرت له الأبدان كما حدث في البداري وحلوان وغيرهما وأنزلت العقوبات بجميع المناوئين لسياستها وأنشأت بنك التسليف الزراعي الذي سخرته لأنصارها وقاومتها الأمة بزعامة مصطفى النحاس باشا الذي انضم إليه المرحوم محمد محمود باشا والأحرار الدستوريون.

وحاول صدقي باشا النيل من مصطفى النحاس باشا فأصدر دولته وكان وزيرا للمالية بجانب الرئاسة قرارًا بتخفيض معاش النحاس باشا إلى 60جنيها بحجة أن رئاسة الوزراء قد أخطأت في ضم الفقرة التي قضاها النحاس باشا في الجهاد والمدة التي نفي فيها النحاس باشا إلى سيشل مع الزعيم الخالد سعد زغلول باشا.

ولم تعلن الحكومة قرارها إلى النحاس باشا اكتفاء بإبلاغ بنك مصر الذي كان يحول المعاش إليه واستمر بنك مصر يصرف المعاش كما هو دون الخصم الذي قررته الحكمة حتى تراكم على النحاس باشا مبلغ 500 جنيه، قيمة الفرق المستحق للبنك بعد تخفيض المعاش، وفوجئ النحاس باشا بخطاب من بنك مصر يطالبه بالوفاء بهذا المبلغ.

وتسلم المطالبة الأستاذ إبراهيم فرج وكان سكرتيرا خاصا للنحاس باشا فتوجه إلى البنك حيث قابل المرحوم طلعت حرب باشا الذي استاء لمطالبة زعيم الأمة بهذا المبلغ، وصمم على مجازاة المتسبب لعدم إبلاغه أي النحاس باشا بالقرار الحكومي.

ولما علم النحاس باشا بهذه الواقعة كلف مكرم عبيد باشا برفع دعوى على الحكومة وأنصف القضاء مصطفى النحاس باشا،وألغى القرار وقبض النحاس باشا فرقا وصل إلى 1000 جنيه سدد منه دين البنك. وكان النحاس باشا يفخر بهذه القصة.

ومما يذكر في هذا الصدد.أن الوفد المصري وهو أضخم الأحزاب المصرية على الإطلاق في الحياة السياسية العامة منذ سنة 1919 حتى قام ثورة 1952 لم يكن له أمين للصندوق وكانت كافة المبالغ المملوكة للحزب مودعة في خزينة خاصة ببنك مصر باسم الناس باشا.

وعند صدور قرار إلغاء الأحزاب سنة 1953 وأيلولة أموالها للحكومة قام مصطفى النحاس باشا بتسليم الحكومة مبلغ 90 ألف جنيه هي أموال الوفد التي كانت لديه في حقيبة خاصة حتى إن أحد كبار الوفديين المقربين من رفعته أشار عليه بالاحتفاظ ولو بجزء من هذا المبلغ الكبير الذي لم يكن يعلم بعه إلا القليل من كبار الوفديين وصرخ النحاس باشا في وجهه قائلا إنه ليس مالي وأنا لا أزال الآن كما كنت قاضيا وأسكن في شبرا وغذائي طبق خضار والحلوى طبق بلح.

(الهيئة الوفدية تجتمع في محل الشيمي الكبابجي) (15 مايو سنة 1941م)

ولما كان الوفديين ملاحقين دواما من حكومات الأقلية التي يشكلها القصر لغاية ولمواجهة الوفد المصري حزب الأغلبية الشعبية فقد رأت الهيئة الاجتماع في منزل آل الشريعة بشارع سليم الأول بالزيتون.

ثم نما إليهم أن مكان الاجتماع قد علمت به وزارة الداخلية وأنها بسبيل منعه حيث لم تصرح الحكومة باجتماع عام.

وتم التفاهم مع أعضاء الهيئة على أن يذهبوا فرادى إلى الزيتون ثم ينصرفوا للاجتماع في محل الشيمي الكبابجي بميدان توفيق.

وكان السائد بين النحاس باشا ومكرم باشا أن يمر الثاني على المنزل صباحا ويخرجا معا يوميا في سيارة مكرم باشا إلى بيت الأمة.

وفي المساء يمر مكرم باشا على منزل النحاس باشا ويصرف السيارة إلى حيث تريدها عقليته عايدة هانم ثم يركبان سيارة النحاس باشا إلى بيت الأمة.

ودعاني النحاس باشا وطلب مني أن أركب سيارته مع المرحوم اللواء وحيد شوقي ابن شقيقته الأكبر، ثم نذهب إلى الزيتون على أن نسدل الستائر الخلفية للسيارة.

وغادرنا المنزل في طريقنا إلى الزيتون تلاحقنا سيارة المراقبة البوليسية بقيادة المرحوم محمد وصفي.وأوصانا النحاس باشا بأن نرد تحية الشعب لسيارة الزعيم.

وفوجئت الرقابة البوليسية بنزولنا من سيارة النحاس باشا وأنه لم يكن بها وكذلك مكرم باشا فسارعوا إلى منزل النحاس باشا الذي كان قد غادره ومعه مكرم باشا حيث عقدت الهيئة الوفدية اجتماعها برئاسته في الشيمي الكبابجي.

الخلاف بين الملك والنحاس .. قديم

على أن كاتب هذه الذكريات الذي عاصر النحاس باشا في منزله منذ عام 1935 يرى أن العلاقات السيئة بين الملك والنحاس كانت قائمة منذ ولي الملك سلطاته الدستورية عام 1937 وقد حدث الانقسام الثاني في الوفد في هذا العام وكان الأول عام 1932 لما خرج ثمانية من أعضاء الوفد عليه وأطلق عليهم الأستاذ محمد التابعي (السبعة ونصف) وكان هذا النصف هو علي الشمسي باشا لقصر قامته ...

عندما أعاد النحاس باشا تشكيل وزارته تولى املك سلطاته بدأت الاحتكاكات بين ملك البلاد الشاب وزعيم الشعب صاحب التاريخ الوطني الطويل العريض النزيه المؤمن.

وكان ثلاثة ينفخون في النار.. علي ماهر أحمد حسنين الشيخ محمد مصطفى المراغي، وتفاقمت الخلافات وشارك كثيرون ممن لهم مصالح في توسيع شقة الخلاف ومن النوادر اللطيفة أن هؤلاء السعادة أرادوا إقلاق راحة النحاس باشا وهو يستجم في رأس البر حيث تلقى تبليغا ملكيا بأنه ليس من سلطات الحكومة تعين موظفي القصر وخصوصا إذا كان الموظف أجنبيا.

وعاد النحاس باشا إلى القاهرة وطلب مقابلة الملك الصغير ثم أخذ يشرح له الحدود الدستورية وسلطات الحكومة المنتخبة من الشعب وأنه شخصيا يعتبر نفسه المستشار الأول للملك وفقا للدستور (أبوك كان يعاملني كده) فثار الملك وقال (مستشار إيه.. أبويا بتجيب سيرته بالطريقة دي إزاي؟ أنت ناقص تقول لي إنك تعين الحلاق اللي يحلق لي ذقني) وأمسك الملك بذقنه فقال النحاس باشا ده يكون أحسن لراحتك ولحمايتك من كل مساءلة)

في هذا الجو نسج المتآمرون خيوطهم بعناية ودهاء شديد وراحوا ينشرون في المجالس السياسية والمنتديات أن الملك لا يكره حزب الوفد وأنه خاضع للدستور ولا يمكن أن يحرم الأغلبية الشعبية من تولي الحكم، ولكنه لا يحب النحاس باشا أو أنه يستثقل دمه...)

وهل خلا الوفد من الأشخاص وعقمت فيه الزعامات بحيث صار النحاس باشا صاحب الأمر والنهي المفرد الذي يوجه السياسة في كل شيء وفي أي قرار؟

أو ليس من الأولى اختيار شخصية وفدية ممن يثق بهم النحاس باشا تؤلف الوزارة ويوجهها هو من وراء الستار كما يحب ويشاء؟

وقد تزعم هذه الدعوة المرحوم علي ماهر باشا الديوان الملكي ربما ليصل بشقيقه المرحوم الدكتور أحمد ماهر باشا إلى رئاسة الوزارة ويقصي النحاس باشا الذي خلف سعد باشا في زعامة الشعب والوفد، وبقي علي ماهر باشا محدود الصلة بالشعب.

والدكتور أحمد ماهر باشا له تاريخه الوطني المعروف وكان أحد البارزين في الوفد وكان وزيرا للمالية في وزارة سعد باشا سنة [1924]] التي استقالت عقب مقتل السردار.

وحاكم الإنجليز الدكتور ماهر والمرحوم محمود فهمي النقراشي وكان سعد باشا يشرف على دفاع المحامي عنهما. وكان من شأن هذه التنحية لو تمت الحد من نفوذ مكرم عبيد باشا في الوفد وأبلغ الدكتور ماهر باشا النحاس برأي الملك فيه، وبأنه لا يمانع في تولي الوفد الحكم ولكن ليس برئاسة النحاس باشا.

فقال له النحاس باشا: يا أحمد لا تصدق أن هذا الكلام يراد به الحق والصدق.. فرد الدكتور ماهر: هل نضيع الدستور لأجل أشخاص أو لعدم الاستلطاف الملكي؟

وكما هو معروف احتكم الدكتور ماهر باشا إلى الهيئة الوفدية بخطاب استمر أربع ساعات دار حول إنقاذ الدستور واختفاء النحاس باشا بعض الوقت وانتهى الأمر بخروجه من الوفد بعد خروج النقراشي باشا حيث كونا معا الهيئة السعدية حزبا منشقا على الوفد.

على أن القصر ورئيس الديوان علي ماهر قد انتهى بهما الأمر إلى تولي المرحوم محمد محمود باشا رئاسة الوزارة حتى لا يكون الإخوان رئيس الديوان ورئيس الوزارة هما المسيطرين علي السياسة العليا في البلاد وذلك بعد إقالة النحاس باشا.

وزارة 4 فبراير 1942 وتضحية النحاس باشا

واستمرت علاقة الأبوة مع النحاس باشا حتى ولي الحكم يوم 4 فبراير سنة 1942 وأصدر قرارا بتعييني في الحكومة.

ولقد كتب الكثيرون عن أحداث 4 فبراير 1942 وتناولتها وثائق وزارة الخارجية البريطانية التي أعلنت رسائل السفير البريطاني إلى حكومته وقرار حكومة الاحتلال خلال احتدام الصراع البريطاني مع دولتي المحور ألمانيا وإيطاليا واليابان.

ولن نتوسع كثيرا في هذا الميدان، ولكن واجبنا كمراقبين ومطلعين على صور الأحداث في مصادرها يدعونا إلى القول بأن الملك فاروق كان ألماني النزعة يعلن ذلك في مجالسة الخاصة وتصل أخباره إلى السفارة البريطانية.

وكان الملك فاروق يشارك من قلبه شعبه في كراهية الاحتلال الإنجليزي وكانت له اتصالاته الخاصة مع المحور، حتى إن السلطات العسكرية البريطانية استولت على القصر الملكي في رأس التين بدعوى أن اتصالات خاصة كانت تتم منه في الليل وقد روي لنا الأستاذ الحسيني زعلوك.

وكان وثيق الصلة بالنحاس باشا أن النقاط الهامة في الخطاب الذي أعلن فيه النحاس باشا في رأس البر في صيف 1941 أن الإنجليز يستغلون قوت الشعب المصري حين يستولى على أقطانه بالسعر المنخفض الذي كان سائدا وكانت الخطة متفقا عليها بين أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي وبين النحاس باشا بوساطة الأستاذ الحسيني زعلوك.

وكان وثيق الصلة بالنحاس باشا أن النقاط الهامة في الخطاب الذي أعلن فيه النحاس باشا في رأس البر في صيف 1941 أن الإنجليز يستغلون قوت الشعب المصري حين يستولون على أقطانه بالسعر المنخفض الذي كان سائدا وكانت الخطة متفقا عليها بين أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي وبين النحاس باشا بوساطة الأستاذ الحسيني.

هل أتحدث عن بعد نظر النحاس باشا، وهو الذي أعلنت وثائق الخارجية البريطانية أخيرا أنه نبه إلى أخطار إ،شاء دولة صهيونية في فلسطين عام 1937؟

وهل أقول وهو قول حق، كررته الوثائق إن جميع من عملوا في المجال السياسي والحكومي كانوا يتلقون توجيهات السفارة البريطانية ومن قبلها دار المندوب السامي بصورة أو بأخرى؟

وأنه كان لكل رأيه السياسي في المفاوضات والمراحل أو الجلاء الناجز برا وبحرا وجوا كما أصر المرحوم صاحب الدولة أحمد نجيب الهلالي باشا.

لقد أدرك النحاس باشا برصيده السياسي، أن قرار الحكومة البريطانية قد استقر على عزل الملك فاروق. وكثيرا ما سمعت النحاس باشا يفتخر بالدستور وأن الوفد المصري هو حامي الدستور في دولة ملكية دستورية أقسم دولته يمين الولاء والطاعة لهذا الدستور.

وقد فسر النحاس باشا قبوله لوزارة فبراير 1942 في خطابه يوم 13 فبراير سنة 1945 وفي أثناء رئاسة المرحوم النقراشي باشا للوزارة

وقال:

إنه ضحى يوم 4 فبراير بقبوله رئاسة الوزارة بعد الإنذار البريطاني وأنه قدم التضحية راضيا ليجنب البلاد هزة كبرى يعزل الملك فاروق.

الملك فاروق يكلف النحاس باشا بإحضار نازلي من القدس

نشب خلاف بين الملك فاروق ووالدته في أثناء رئاسة النحاس للوزراء سنة 1942 وذلك بسبب علاقة الملكة نازلي مع أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي حينذاك وقد هجرت الملكة القاهرة إلى القدس ونزلت بفندق الملك داود حيث نما إلى علم الملك فاروق بعض التصرفات غير اللائقة بها فاستدعى الملك النحس باشا وأبلغه قائلا له:

إن والدتي تحبك وتحب زينب هانم وأرجو أن تسافر لإحضارها وبالفعل سافر النحاس باشا وقرينته إلى القدس نزلا بالفندق لمدة أسبوع واتصل رفعته بالملكة وحاول إقناعها بالعودة ولكنها اشترطت أن تستقبل في محطة مصر استقبالا رسميا فوافق النحاس باشا على ذلك ثم طلبت أن يكون الملك نفسه على رصيف المحطة في استقبالها ووعدها النحاس باشا بذلك فقالت له (هل تضمن ذلك) فقال لها إذا رفض فسأخبرك تليفونيا)

وقفل النحاس باشا والسيدة قرينته عائدين إلى القاهرة ثم قابل الملك وروي له ما حدث فأصر الملك على ألا يذهب إلى المحطة وأن يكفي للاستقبال الرسميون وتشريفه من الحرس الملكي.

وحاول النحاس باشا إقناع الملك بأساليب مختلفة ولما رأى إصراره على موقفه قال له (إذا كنت تريد سماع نصيحتي فسأتصل بها تليفونيا وأبلغها بالموقف حسب وعدي لها وهذا ليس لأجل خاطري ولكن لأجل خاطرها وخاصة وأنها أمك)

فنزل الملك عند رأي النحاس باشا الذي اتصل بالملكة تليفونيا وأبلغها بالموافقة على طلباتها وعادت إلى القاهرة وكان الملك على رأس الاستقبال الرسمي.

كاد الوفد أن يخلع الملك سنة 1943 ويعلن الجمهورية؟

وإذا كان قد بدا في السطور السابقة دفاع عن سياسة المرحوم النحاس باشا مع الملك فاروق رحمة الله عليه وحرص النحاس باشا على ألا تتعرض البلاد فهزات في رمزها الأعلى، فإن مباذل الملك فاروق وسهراته التي شاعت في مصر وخارجها وأسلوبه في معاملة زعيم الشعب ذي الكفاح والتاريخ الوطني الطويل حتى وصل الحال إلى أن أمر الملك بألا يرافقه النحاس باشا في السيارة الملكية في بعض الاحتفالات الدينية وهي من المراسيم التي جرى العمل بها من قديم وظهر أن الملك وحاشيته وفي مقدمتهم المرحوم أحمد حسنين باشا سائرون في سياسة غير وطنية وغير كريمة بحيث أصبح رمز البلاد مضغة في الأفواه ورأى كبار الوفديين عز الملك عن العرش.

وعرض الأمر على مجلس الوزراء فأقره هذا الاتجاه وعهد إلى المرحوم أحمد نجيب الهلالي باشا بأن يصوغ بأسلوبه الدقيقة العميق مبررات خلع الملك فأعد بيانا وسلمه إلى الأستاذ محمود سليمان غنام باشا وزير التجارة الذي ذهب إلى مكتبه فأغلقه عليه وحده وأخذ في تبيض مسودة نجيب باشا.

ولما انتهى من ذلك ذهب إلى منزل النحاس حيث كان الوزراء لا يزالون موجودين وتم توقيعهم جميعا على البيان كقرار صادر من مجلس الوزراء يخلع الملك فاروق وإعلان الجمهورية.

ويبدو أن هذا القرار كانت فيه جوانب من المناورة، فقد كان الشائع وقتذاك (1943) أن فرقا خاصة من ضباط الجيش قد نظمت للاعتداء على النحاس باشا ووزرائه انتقاما من قبوله رئاسة الوزارة في 4 فبراير وأن حسنين باشا كان وراء هذه التنظيمات وكان الملك يرتاح لهذه الأسلوب من السياسة.

على أنه بعد أيام توجه المرحوم عبد الحميد عبد الحق باشا إلى منزل النحاس باشا وأبلغه أن قرار عزل الملك فاروق قد نما إلى علم السفارة البريطانية وأنها تشجع هذا الاتجاه وأن عبد الحق باشا علم بذلك م أمين عثمان باشا.

عندئذ طلب النحاس باشا مسودة القرار التي كتبها الهلالي باشا وأشرف على حرقها في دورة المياه.أما قرار مجلس الوزراء المكتوب بخط غنام باشا فقد أخذه عنده.

وقد بذلت جهدا في البحث عن هذا القرار وعلمت أنه لم يكن ضمن الأوراق التي تركها النحاس باشا ومنها بعض مذكراته ومذكرات المغفور له الزعيم سعد زغلول، وأنه قد جري مثل هذا البحث بوساطة فؤاد سراج الدين باشا وأحمد حمزة باشا وغنام باشا وإبراهيم فرج والدكتور محمد محفوظ بك طبيب العيون والأستاذ محمود شوقي ابن شقيقة النحاس باشا.. ولم يعثر أحد على القرار.

أحمد حسنين باشا

حين نسرد صور هذه المرحلة السياسية نرى لزاما علينا القول أن أحمد حسنين باشا رئيس الديوان كان يتعجل رئاسة الوزارة بعد أن أبعد عنها علي ماهر باشا وبعده وفاة محمد محمود باشا وأنه في سبيل غايته في الرئاسة ملأ فكر الملك فاروق بن النحاس باشا قد أضعف سلطان الملك لما قبل الوزارة بطلب الحكومة البريطانية.

وتحدثت الوثائق التي نشرت أخيرا عن تشكيله وزارة في إبريل 1944، لم توافق عليها الحكومة البريطانية.

وقد كان مكرم باشا يعمل بوحي من أحمد حسنين باشا. واستطاع أحمد حسنين باشا أن يقنع الملك بأن النحاس باشا لو رفض قبول الوزارة لما استطاع الإنجليز الاعتداء على عرش مصر.

رأي في الأزمة 4 فبراير

يري المرحوم الأستاذ محمود سليمان غنام باشا أنه برغم أن أمين عثمان كان يتدخل كثيرا بين النحاس باشا والسفارة البريطانية، وما قيل من أن النحاس باشا كان متصلا بحادث 4 فبراير قبل الإنذار البريطاني فإن ظواهر الأمر وسفر النحاس باشا إلى أسوان، تدل على أنه فوجئ بتطور الأحداث.

ولقد امتاز النحاس باشا بالصدق ولو على نفسه. ويأسف غنام باشا لأن مكرم باشا الذي كان يقدس النحاس باشا ورافقه في أحداث 4 فبراير، لما خرج عليه وأسس الكتلة الوفدية، تناقلت الأنباء أن كامل اسحق عضو مجلس النواب عن نجع حمادي أبلغ مكرم باشا أن النحاس باشا قد تباحث مع شخصية إنجليزية قبل الأحداث في أسوان.

وأن مكرم باشا ارتاح إلى هذه الشائعات ورجها مع حسنين باشا انتقاما من النحاس باشا الذي احتضن فؤاد سراج الدين باشا.

مكرم عبيد باشا يتقرب للقصر

لاحظ النحاس باشا في وزارة فبراير 1942 أن مكرم باشا وزير المالية كثيرا ما ينفذ رغبات القصر الملكي مما يدخل في اختصاصه من غير تشاور أو إعلام للنحاس باشا.

وحدثه في الأمر وتكرر التنبيه بأن يطلعه على الرغبات الملكية قبل تنفيذها للتفاهم بشأنها أو على الأقل للعلم بها.

وظهرت عند مكرم باشا نغمة لم يشهدها النحاس باشا من قبل فقد كان رده أن هذه الرغبات من اختصاص وزير المالية وحده.. وبدأ الشقاق وازداد حتى خرج مكرم باشا من الوزارة وأصدر الكتاب الأسود.

ماذا كان في الكتاب الأسود:

وكنت مع الأستاذ محمود شوقي مدير مكتب النحاس باشا رئيس الوزراء وبن شقيقته تتردد كثيرا على صديق يقطن فيلا بكوبري القبة بشارع سليم الأول وكان يشاركنا هذه الزيارات زميل لنا كان يرأس مكتب الشكاوي بالرئاسة الذي تصادف ذات يوم أن سبقنا إلى هذه الزيارة حيث أخرنا عطل في السيارة حتى سبقنا رجال البوليس إلى الفيلا واعتقوا زميلنا رئيس مكتب الشكاوي ومعه مظروف به بعض الأوراق الرسمية الخاصة برئيس الحكومة.

وعلمنا فيما بعد أن الكتاب الأسود كان يوزع في أشولة من حجرة في الفيلا ولم تنفع شفاعة محمود شوقي لدى خاله لإقناعه ببراءة رئيس مكتب الشكاوي وبقي معتقلا حتى أقبل النحاس باشا في 8 أكتوبر سنة 1944، وجاء مكرم باشا وزيرا للمالية من المعتقل ليفرج فورا عن زميلنا ويصبح من رجاله الذين رعاهم بالترقية الاستثنائية والعلاوات. وأود أن أذكر أن كل ما تناوله الكتاب عن استغلال مادي لم يتجاوز عشرة آلاف جنيه بكثير.

أيضا:

قص على المرحوم محمود سليمان غنام باشا أنه يرى أن صدور الكتاب الأسود كان بتحريض من أحمد حسنين باشا وأن الأستاذ محمد التابعي تناول الموضوع في كتابه مشيرًا إلى توجيهات الملك وحسنين باشا، بعد سوء التفاهم الذي ساد بين القصر والوزارة بعد 4 فبراير.

ورئي النيل من أحمد حسنين بطريقة أو بأخرى، وتقدم أحد نواب الوفد بسؤال في مجلس النواب عن دين مطلوب من أحمد حسنين باشا لوزارة المعارف التي يتولاها نجيب الهلال باشا وأعلن الوزير في المجلس أن أحمد حسنين باشا كلف مدرسة الصناعات الزخرفية في بولاق بصناعة طقم خشي لمنزله، ولم يدفع الثمن برغم مضي وقت طويل على لسمه هذا الطقم وضج حسنين باشا من علانية هذا الموضع وإثارته في البرلمان، ثم وسع حسنين باشا من أساليبه السياسية فكان وهو رئيس الديوان الملكي يجري اتصالات مع معارضي الحكومة الوفدية.

وقال إنه سمع من الأستاذ فايق قصجي الذي شارك في توزيع الكتاب الأسود أن توزيعه كان يتم بوساطة سيارات الجيش بأوامر من الفريق إبراهيم عطا الله باشا رئيس الأركان وبتوجيه ملكي.

وأن مكرم باشا انقلب على القصر لأنه لم يتعين رئيسًا للوزراء ولم يحظ حزب الكتلة بالعدد المناسب في انتخابات 1945 التي أعقبت إقالة وزارة النحاس باشا وحل مجلس النواب الوفدي وغدا مكرم باشا ينشر في الكتلة بقلم حكيم كلاما فيه غمزا ولمز للملك فساءت علاقته بالملك وحسنين باشا.

وقد أخذت الوزارة الوفدية تبحث عن المكان الذي طبع فيه الكتاب الأسود وكان النحاس باشا وزيرا للداخلية ومحمود غزالي بك مديرا للأمن العام الذي لم يصل بسبب أو لآخر لمعرفة المكان فانتدب النحاس باشا عبد الفتاح الطويل باشا بصفة غير رسمية لينوب عنه في وزارة الداخلية.

ثم يستطرد غنام باشا قائلا:

وعينني وكيلا برلمانيا بهذه الوزارة حيث جاءني ذات يوم شاب أخبرني أن شخصًا في بني سويف أعور وأخاه اسمه كمال وهو طبيب قد توليا طبع الكتاب الأسود، فذهبت إلى عبد الفتاح باشا بوزارة الداخلية وأحضرنا محمود غزالي بك لمناقشة هذه المواضيع التي قد توصل إلى مفتاح الحقيقة، ثم أحضرت الأميرالاي محمد يوسف من القسم السياسي بالمحافظة وتحرينا عن هذه المعلومات فأفاد أن الكتاب طبع في بيت نجيب إبراهيم باشا في القبة وتناقشت مع عبد الفتاح باشا بحضور غزالي بك وقد وصلوا فعلا إلى المكان والشخص.

حول خروج مكرم عبيد من الوفد

تعددت الأسباب التي دعت إلى خروج مكرم باشا من الوفد والوزارة ولقد اشتعلت نار الخصومة الحادة التي خاض غمارها مكرم عبيد باشا دون هوادة، بل دون مراعاة واجب الزمالة التي ربطته بصديق العمر: مصطفى النحاس باشا منذ فجر الحركة الوطنية سنة 1919.

وأرى أن هذه الأسباب ترجع إلى ما يلي:

  1. أن مكرم باشا قد أعتاد أن يلعب دور المستشار الأول والأوحد لمصطفى النحاس باشا طوال الفترة من 1927 إلى 1942 ولم يكن هناك راد لكلمته أو مشيئته، ولا نزاع أن مكرم عبيد باشا كان كفئا وذكيا ووطنيا وعبقريًا، من الطراز الأول، ولكنه كان أيضًا شخصًا يريد السيطرة ولا يرضى المشاركة في النفوذ ومن هنا.كانت نقطة الضعف فيه كأي إنسان آخر، معجب بذاته عن حق وبتقديس هذه الذات، ولذلك فقد أغضب الجميع.. وعندما أحس بتقلص نفوذه بدأ الهجوم خفيا تارة، وصريحا تارة أخرى بما لا يتفق والحياة الحزبية السليمة.
  2. أن النحاس باشا رأى ألا يغضب باقي أعضاء الوفد وبخاصة بعد انفصال ماهر والنقراشي وكانا وطنين كبيرين وقد سبق لهما أن اشتكيا من تسلط مكرم باشا. وتكونت رواسب لدي مكرم باشا، وحاول البعض تنقية الجو بينه وبين مصطفى النحاس باشا، ولكنه كان يفتأ أن يعود إلى سيرته الأولى من إغضاب باقي أعضاء الوفد.
  3. أن مكرم باشا قابل الملك بناء على دعوة منه دون أن يستأذن النحاس باشا مخالفا بذلك التقاليد.
  4. أن القصر وخاصة أحمد حسنين باشا قد استغل نقاط الضعف في مكرم باشا استغلالا كبيرا.

وكان مكرم باشا كالنار لا يبقى ولا يذر، فاستجاب لدسائس القصر، وخرج على الصداقة التي امتدت منذ سنة 1919 بل إن مكرم باشا كان يستجيب لمطالب القصر الملكي التي تدخل في اختصاص وزير المالية دون إبلاغ أو استئذان رفعة النحاس باشا وقد عاتبه فعته في ذلك فكان رده على زميل الجهاد غريبا حيث قال له إن هذه المطالب يختص بالرأي فيها وزير المالية.

رحم الله مكرم باشا .. لقد كان وطنيا مخلصًا، ولكنه كان إنسانًا جبل على طبيعة الإنسان بما فيها من نواحي الضعف والقوة. لقد أدرك مكرم باشا لقد كان وطنيا مخلصا ولكنه كان إنسانا جبل على طبيعة الإنسان بما فيها من نواحي الضعف والقوة.

لقد أدرك مكرم باشا هذه الزلة بعد أن تعاون مع أحمد حسنين باشا أو أحزاب الأقلية سنوات فعندما توفي المرحوم صبري أبو علم باشا سكرتير الوفد المصري الذي خلف مكرم باشا، شوهد مكرم باشا يقبل النحاس باشا في سرادق العزاء.

فهل كان المرحوم مكرم باشا يأمل أن تعود العلاقات بينه وبين النحاس باشا ويعود سكرتيرا عاما للوفد؟ وقد اشتهر عن مكرم باشا أنه بعد انتخابات 1945 التي لم يتقارب حزبه الكتلة الوفدية في مقاعد مجلس النواب من حصة حزب السعديين وحزب الأحرار الدستوريين أنه قال.لقد أقمت هذا النظام وعلي أن أهدمه.

حادث القصاصين

وصل الخلاف بين القصر والوزارة إلى أن النحاس باشا لم يتوجه مع وزارته إلى القصاصين لتهيئة الملك بنجاته، ولم يكن مصطفى باشا هو البادئ في هذا المجال.

بل إن مصطفى باشا اعترض على منح مدير الشرقية الأستاذ محمود عبد الرحمن صهر حمدي باشا سيف النصر وزير الحربية رتبة البكوية بأن منح الرتب إنما تتقدم الحكومة بطلبه من جلاله الملك لا أن يمنحه هو ولو بنطق ملكي، فقد يكون الموظف المنعم عيه يحاكم تأديبيا أو ليس أهلا بين زملائه لأن تتقدم الحكومة بطلب الإنعام عليه (وقيل آنذاك إن الملك طلب ألا يزوره النحاس باشا)وهكذا.. ساءت العلاقات.

لكن اللواء وحيد شوقي كان يرسل يوميا –صباحا ومساء- باقة ورد إلى الملك في القصاصين ويكتب على كل منها (صباح الخير يا مولانا) (مساء الخير يا مولانا)

إقالة النحاس باشا سنة 1944

وفي يوم 8 أكتوبر سنة 1944 وحوالي الثانية والنصف بعد الظهر كان الملك خارجا من قصر رأس التين فشاهد اللواء وحيد شوقي مدير خفر السواحل عائدا إلى منزله من مكتبه بالأنفوشي في الطريق وقال له إنتوا لسه قاعدي؟

وارتبك وحيد وقال: إننا قاعدون برضاك وعطف جلالتك.وجاءني وحيد في بولكلي وروي هذا الحادث دون تعليق.وكنا نعمل في بولكلي بصفة غير رسمية حيث لم تنتقل الحكومة، وربما كان عدم انتقال الحكومة مديرا من القصر حتى لا يشارك النحاس باشا الملك في السفر بالقطار أو يلتقي معه على المأدبة الملكية في المنتزه كما جرت العادة كل صيف وكان النحاس باشا يقيم في فندق سيسل.

وتواترت الأخبار عن الإقالة النحاس باشا وتولي الدكتور أحمد ماهر باشا رئاسة الوزارة. وقد استغل القصر حادث اليفط في مصر القديمة والتي قرنت اسم النحاس باشا بالملك في الاحتفال بالجمعية اليتيمة في جامع عمرو، وأن وزير الداخلية فؤاد سراج الدين باشا قد أحال المرحوم محمود غزالي بك مدير الأمن العام إلى المعاش لأنه نفذ أمر الملك بإزالة اليفط حتى لا يراها بعد الصلاة دون الرجوع لرئيسه وزير الداخلية قبل ذلك بأيام قليلة.

ورأينا أنا وزملائي موظفو الرئاسة أن نغادر بولكلي إلى فندق سيسل وكان المرحوم اللواء إبراهيم عطا الهأ رئيس أركان حرب الجيش قد أعارنا سيارتين لاستعمالها لنا رسميا حيث لا نستطيع استعمال سيارة الرئيس لأن الوزارة لم تنتقل للأسكندرية رسميا.

ونزلنا قبيل الساعة الخامسة بدقائق فلم نجد سيارات الجيش هدية عطا الله باشا لنا وركبت تاكسي إلى فندق سيسل حيث علمنا أن النحاس باشا قد تسلم كتاب الإقالة من حسن يوسف بكل وكيل الديوان الملكي وقتذاك في تمام الساعة الخامسة، حيث كان الدكتور أ؛مد ماهر باشا قد جلس على كرسي الرئاسة في القاهرة في الموعد ذاته. وكلفنا النحاس باشا أن نذهب في الصباح إلى أعمالنا بالقاهرة.

لقائي مع وزير الحربية

وتولى وزارة الحربية حيث كنت أحد موظفيها ومنتدبا تشريفيا بالرئاسة المرحوم الأستاذ السيد سليم باشا وشاهدته يوم 9 أكتوبر لأول مرة صاعدا إلى مكتبه ومعه في المصعد الأستاذ جلال الحمامصي والملازم أول السيد فرج والمرحوم صلاح ندا.

واستقبلت الوزير محييا وقدمني إليه جلال الحمامصي ودخل إلى مكتبه وهم معه وجلست عند سكرتيره الخاص المرحوم إمام سلطان. وبعد فترة استدعاني الوزير وسألني عن أسرار صرف المصاريف السرية في عهد النحاس باشا وكان ردي أن اسم هذا المبالغ يجعلها من السرية التي لا يصح الإباحة بها في مثل هذا الاجتماع على الأقل فأذن لي بالانصراف.

ثم استدعاني وهو منفرد في مكتبه وأعاد السؤال فوجهت إليه عبارات مهينة معتمدا على أننا وحدنا ولا مسئولية علي.

فثار الوزير واستدعى المرحوم: إمام سلطان والصاغ حافظ أبو الشهود فسارعت بالقول عن إذن معاليك يا معالي الوزير، وغادرت المكتب لأكتب استقالتي من الوظيفة في مكتب المرحوم المهندس عبد الخالق صابر وكيل الوزارة معلنا تبرعي بمرتب الأيام التسعة الأولى من أكتوبر للترفيه عن الجنود والمرحوم السيد سليم كان أحد المحامين النابهين في أجا بمديرية الدقهلية وكان عضو الكتلة الوفدية بزعامة المرحوم مكرم عبيد باشا.

ولقاء مع الدكتور أحمد ماهر باشا

ويوم 10/ 10/ 1944 استدعاني المرحوم الدكتور أحمد ماهر باشا إلى رئاسة الوزارة وألح علي أن أسحب الاستقالة وأبقى معه في الرئاسة كما كنت مع النحاس باشا، فاعتذرت فعرض علي أن أرشح نفسي على مبادئ حزب الكتلة الوفدية في بلدتي فديمين بالفيوم واعتذرت أيضا.

لماذا نقل قنصل القدس

في أثناء تولية سراج الدين باشا وزارة الداخلية في الوزارة الوفدية (42/ 1944) كان الأستاذ أحمد زكي سعد مديرا عاما للجوازات، وكان مدير الجوازات دائما يخشى سطوة السراي بعد أن كان يرفض الوزير تدخلها لعدم قانونية ما تطلبه وكان يخشى أن تقال الوزارة وما يتعرض له من جزءا وبناء على رغبته رشح للعمل مديرا عاما للبريد بشرط ترشيح ثلاثة من بينهم الأستاذ أحمد رمزي بك الذي كان قنصلا بالقدس للعمل مديرا للجوازات وفعلا تولى رمزي بك هذا المنصب.

وفي أثناء مباراة أقيمت بين النادي الأهلي ونادي فاروق (الزمالك) وكان وزير الداخلية من كبار المشجعين للنادي الأهلي كما كان رئيس الديوان الملكي:

أحمد حسنين باشا من أنصار النادي الأهلي وكان حيدر باشا من أنصار نادي الزمالك فاروق.وهز النادي الأهلي.وأراد الملك أن يغيظ رئيس الديوان بسبب الهزيمة التي وقعت لناديه

ولكن فؤاد سراج الدين باشا أجاب الملك:إننا لم نهزم لأن النادي يحمل اسم جلالتك.وضحك الملك.وفي أثناء الاستراحة وعند تناول الشاي طلب الملك نقل الأستاذ أحمد رمزي بك من وظيفته إلى وظيفة خارج الوزارة. ولكن الوزير رفض بأدب لأن رمزي بك لا تشوبه شائبة، ولا يمكن نقله دون سبب.وانتهى الأمر عند ذلك الحد.

وعندما قابل رمزي بك وزير الداخلية سأله عن سبب غضب السراي عليه وطلبها نقله قال:

إن الملك كان يدعو للخلافة الإسلامية، وأرسل بعثة برئاسة الفريق عمر فتحي باشا والأميرالاي أحمد كامل بك والقائم مقام محمد حلمي حسين طافت بالبلاد العربية مروجة لهذه الفكرة. وكان آخر جولتها فلسطين.

ولكن القائم مقام محمد حملي حسين بك طلب مني أن أعمل حفلة بها ستات ولكن اعتذرت لأني رجل محافظ. وعند عودة البعثة قال عمر فتحي إننا طفنا البلاد العربية فقوبلنا في كل مكان بالحفاوة والترحيب إلا في القدس لأن أحمد رمزي القنصل زوج كريمة عثمان محرم باشا وينقل إليه كل الأخبار والأسرار وأصر فؤاد باشا سراج الدين على عدم عزل أحمد رمزي بك.

وفي 8 أكتوبر سنة 1944 أقيلت الوزارة الوفدية. وكان أول عمل للوزارة التي شكلها أحمد ماهر باشا أن نقلت أحمد رمزي بك إلى وزارة التجارة والصناعة.

النحاس باشا والإخوان المسلمون

بدأ الإخوان المسلمون بجمعية دينية لا دخل لها بالسياسة منذ سنة 1928 بالإسماعيلية برئاسة المرحوم الأستاذ حسن البنا حيث كان يعمل مدرساي هناك، وبدأ ينشر الدعوة الدينية خلال الثلاثينيات وقد جذبت الدعوة الدنية الكثيرين.

وفي أوائل الأربعينات اقتحمت هذه الجماعة ميدان السياسية ورشح المرشد العام الأستاذ البنا نفسه عن الإسماعيلية لعضوية مجلس النواب سنة []1924]].

وقد استدعى النحاس باشا الأستاذ البنا بمكتبه برئاسة مجلس الوزراء حيث أفهمه أن سياسة الحكومة تسمح بالدعوة الدينية للجماعة على ألا تعمل هذه الجماعة بالسياسة أو تقحم نفسها فيها.

ولم يحتدم الخلاف بين الوفد والإخوان المسلمين إلا بعد أن تولى المرحوم إسماعيل صدقي كرسي الوزارة سنة 1946 حيث أراد أن يواجه الوفد بالإخوان المسلمين.

ويروي فؤاد باشا سراج الدين أن علاقة الإخوان بالوفدي كانت طيبة وأنه خطب ذات يوم بالمركز العام بالحلمية وشجع الجمعية بوصفه وزيرا للشئون الاجتماعية.

ثم قال إنه يأسف لتدهور العلاقات بين الوفد والإخوان فيما بين عامي 1945 و 1950 حيث تغيرت الصورة تغيرا كبيرا إذ حاولت الحكومات أن تتخذ من الإخوان قاعدة شعبية لمحاربة الوفد، وقد مهد لهم حسنين باشا وغيره الذي كن يتصل بزعمائهم كما اتصل بهم إسماعيل صدقي باشا لاستغلالهم في المجال السياسي.

ولما شعر المرشد العام بهذا الاهتمام دارت رأسه وظن أنه أصبح زعيما حيث يتودد إليه القصر وكذلك الحكومات والأحزاب وكان الوفد يساعده ولكن في حزم إذ أنه في عام 1944 تلقي وزير الداخلية تقريرا بأن الإخوان يستقبلون المرشد العام بمظاهرات في الشوارع وموسيقي وهم في ملابس المليشيا.

فاستدعي المرشد العام وخبره بأن تظل الجماعة جمعية دينية أو تتحول إلى حزب سياسي يمكن أن تعامله الحكومة كما تعامل باقي الأحزاب، ولكن المرشد العام قال إنه لا يستطيع أن يستعيض بالدعوة إلى الله أي دعوة أخرى وأعلن أنه سيوقف كافة هذه الإجراءات.

الوفد والدفاع المشترك مع بريطانيا

تضمنت معاهدة 1936 نصا يقضي بجواز النظر في أحكامها بعد انقضاء عشر سنوات من توقيعها. وفي أواخر عام 1945 طالب المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا من الحكومة البريطانية فتح باب المفاوضات للنظر في تعديل المعاهدة وخاصة بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية وما قدمته مصر من تضحيات وخدمات لصالح الحلفاء ولكن وزارة النقراشي باشا استقالت من الحكم إثر حوادث الطلبة سنة 1946 وخلفتها وزارة إسماعيل باشا صدقي الذي ما لبث أن عقد مفاوضات مع بريطانيا انتهت بمشروع الاتفاقية التي عرفت باسم (صدقي- بيفن).

ويلاحظ أن الوفد المصري أتباعا لسياسة إنهاء الاحتلال وعدم ربط مصر بأي قيود أو محالفات عسكرية أو غيرها مع الحكومة الإنجليزية قد ندد بسياسة الدفاع المشترك التي سادت عهد إسماعيل صدقي وانتهت بإسقاط مشروع الاتفاقية واستقالة إسماعيل صدقي من الوزارة.

وكان صدقي باشا قد حاول إشراك الوفد في وزارته أو اشتراكه في هيئة المفاوضات مع بريطانيا ولكن الوفد أصر على سياسته بأن يتولي الحكم دون مشاركة من أحزاب الأقلية ومن ثم رفض الاشتراك في الوزارة في الهيئة التي تولت المفاوضات مع لورد ستانسجيت رئيس الوفد البريطاني.

وقد ثارت الصحف الوفدية على سياسة صدقي باشا مما اضطره إلى مصادرتها أولا ثم إلغاء تراخيص إصدار بعض هذه الصحف وزج بمحرريها في السجون.

وكانت الحكومة البريطانية قد طلبت إشراك الوفد في المفاوضات فلما لم يشترك ما طلت في توقيع المعاهدة الجديدة رسميا بعد أن وقعت بالحروف الأولى في لندن بوساطة إسماعيل صدقي باشا وإبراهيم عبد الهادي باشا وزير الخارجية بعد استقالة لطفي السيد باشا من هذه الوزارة لعد موافقته على النص النهائي للمعاهدة الجديدة.

الملك يضمن المعاهدة مع بريطانيا

عندما شعر إسماعيل صدقي باشا بأنه لن يصل مع الإنجليز إلى اتفاق ما .. رأي الملك فاروق أن يتعهد شخصيا بتنفيذ أيه معاهدة يتم الاتفاق عليها وعث برسالة خاصة إلى السفير المصري بلندن (عبد الفتاح عمرو باشا)

وفي هذا النطاق رأى الملك أن يشكل وزارة برئاسة خاله شريف صبري باشا وكلفه بهذا التشكيل بالإسكندرية في الأسبوع الأول من أكتوبر سنة 1946 واجتمع شريف باشا لهذا الغرض مع النقراشي باشا وهيكل باشا وحسين سري باشا في منزل الأخير برمل الإسكندرية ولكن هذه المشاورات لتشكيل الوزارة باءت بالفشل واعتذر شريف باشا عن تشكيل الوزارة واستمر إسماعيل صدقي في الحكم ومفاوضة الإنجليز حتى استقال في الأسبوع الأول من ديسمبر سنة 1946 ليخلفه مرة أخرى المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا.

وجدير بالذكر أن مستر بيفن وزير الخارجية البريطانية حينذاك الذي أشرف على المفاوضات قد استاء لإخفاقها وعز ذلك إلى خطأ بريطانيا في إجراء مفاوضات مع الحكومة الأقليات.

الإخوان المسلمون ومشروع المعاهدة

عندما توصل إسماعيل صدقي باشا مع مستر بيفن إلى التفاهم على الخطوط العريضة لمشروعها توهم الإخوان المسلمين قاعدة شعبية ذات وزن فاستدعى المرشد العام (المرحوم الشيخ حسن البنا) بعد وصوله من لندن بساعتين وأطلعه على مشروع الاتفاقية قبل أن يطلع عليه النقراشي وهيكل المشاركين له في الحكم وحصل على موافقته على المشروع وهنا أحس المرشد العام بأنه أصبح زعيما فوق الأحزاب لدرجة أن عرض عليه مقابلة النحاس باشا فطلب أن يذهب النحاس باشا إليه.

ولما اشتدت المظاهرات الشعبية ضد هذه المعاهدة طلب صدقي باشا من المرشد العام أن يركب سيارة سليم زكي باشا مساعد الحكمدار المكشوفة ليعمل على تهدئة الجماهير. واستجاب المرشد العام لطلب صدقي باشا..

وزارة حسين سري باشا 1949

لما لم ينجح المرحوم إسماعيل صدقي باشا في عقد معاهدة مع الحكومة البريطانية ولم يأت الاحتكام أمام مجلس الأمن بوساطة المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا بالنتيجة المرجوة وكانت دعوى الحكومة البريطانية أن حكومات أحزاب الأقليات ليست أهلا لتوقيع معاهدة معها كان الملك فاروق محصورا في نطاق ضيق مع أن التطورات الدولية تأخذ أشكالا منذرة بأحداث كبرى حيث العلاقات بين الشرق والغرب تسري من سيئ إلى أسوء ودول الغرب تعمل على إنشاء حلف شمال الأطلنطي وتضغط في المنطقة العربية لإقامة نظام للدفاع المشترك تكون هي راعيته.

وسط هذا المناخ وقع اغتيال المرحوم النقراشي باشا يوم 28 سبتمبر 1948 وعهد الملك إلى إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الديوان الملكي برئاسة الوزارة.

وجاء في كتاب التكليف الملكي لرئيس الوزراء الجديد ما يلي:

نسأل الله تعالى أن يوفقكم إلى تحقيق أمنيتنا نحو توحيد الصفوف وتركيز الجهود لمواجهة الظروف الداخلية والخارجية التي تجتازها بلادنا في هذه الآونة العصبية

الحالة الداخلية

وكان لمصرع المرحوم النقراشي باشا ومن بعده المرحوم الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين الذي كان من بينهم قاتل النقراشي باشا آثارا سيئة على الحالة الداخلية فازدادت الأمة تفرقا وشاعت في البلاد إجراءات بوليسية غير عادية.

محادثات عسكرية مع بريطانيا

وجرت محادثات عسكرية مع المارشال سليم قائد القوات البريطانية في عهد دولة إبراهيم باشا ولم تصل إلى نتيجة يتم الاتفاق عليها بشأن البريطانية في قاعة قناة السويس.

عبد الهادي باشا يعمل لانتخابات جديدة

ولما كان موعد استكمال مجلس النواب المؤلف من أحزاب الأقلية للسنوات الخمس المحددة لكل مجلس قد قرب، فقد أخذ دولة إبراهيم باشا عبد الهادي في اتخاذ الإجراءات لانتخاب مجلس جديد.

هجوم النحاس باشا يشتد

واشتد هجوم المرحوم مصطفى النحاس باشا على النظام القائم وأخذ يندد في خطبه بالإرهاب ويدعو إلى ضرورة إجراء انتخابات حرة تقول فيها الأمة كلمتها بإرادة حرة وتختار نوابا وقادة حكمها.

الملك يطلب التفاهم مع الوفد

وقد علمت وقتذاك كما علم المرحوم مصطفى النحاس باشا، وفؤاد سراج الدين باشا أني الملك فاروق استدعى دولة إبراهيم عبد الهادي باشا لمقابلته وجري في هذه المقابلة حديث يمكن تلخيصه فيما يلي:

قال الملك:

إن الانتخابات مقبلة، وأنا شايف أنه جو غير مناسب لحكمك وأحسن طريقة أن تتفاهم مع الوفد.

فأجاب عبد الهادي باشا:

يا مولانا والوفد في جيبي ولو أن جلالتك عاوز الوفد يشترك معي فاعتبر أن هذا أمر سهل.

فرد الملك:

المهم يا دولة الباشا، أن تكون الانتخابات هادئة وهذا أفضل...وانتهت المقابلة.

وفي اليوم التالي، دعا دولة عبد الهادي باشا رئيس الوزراء، الشيخ المحترم فؤاد سراج الدين باشا إلى تناول فنجان من القهوة في مكتب رئيس الوزراء بمجلس الشيوخ. ودخل الاثنان المكتب، وأضيء النور الأحمر إيذانا بعدم دخول أحد حتى الوزراء.

وقال دولة إبراهيم عبد الهادي باشا لفؤاد باشا:

متى تستريح من الحرب المخربة والهوسة دي.

فرد عليه سراج الدين باشا:

ما حدش يحب الحرب إحنا بندافع عن أنفسنا

فرد عليه عبد الهادي باشا:

أنا أعرض عليك عرضا وأحنا ولاد عم، وكلنا أصلنا وفديون خذوا أي عدد في الوزارة وخذ أنت وزارة الداخلية وخذوا الأغلبية وزارة سعدية دستورية وفدية، وتجري هذه الوزارة الانتخابات.

فرد فؤاد سراج الدين باشا:

إنك يا إبراهيم باشا تتكلم وتتصرف في الحكم كأنك وحدك لا شريك لك.. هل شركاؤك الدستوريون في الحكم موافقون على هذا الاقتراح.

قال دولته: أنا كفيل بهم.

فقال فؤاد باشا: لازم أرجع لرفعة النحاس باشا ويوم الثلاثاء زي بكرة أرد عليك وسنتقابل في الإسكندرية بعد التفاهم مع النحاس باشا ومعرفة رأيه.

وفي يوم الاثنين التالي استقبل الملك دولة إبراهيم عبد الهادي باشا بحضور حسن يوسف باشا وعلم من رئيس الوزراء أنه لم يتم شيء. ويوم الثلاثاء الساعة السابعة والنصف صباحا بعث الملك المرحوم الفريق محمد حيدر باشا إلى بيت دولة إبراهيم عبد الهادي باشا في لوران وطلب مقابلة الباشا الذي لبش الروب ودخل الصالون

وقال لحيدر باشا:

أنا عارف معاليك جاي علشان أيه.. علشان تقول لي قدم الاستقالة.. فرد حيدر باشا قائلا:

جلالة الملك بيقول: إنك وعدت وعدا ولم ينفذ وعاوزك تقدم الاستقالة.

هدية العيد من الملك

بعد استقالة إبراهيم عبد الهادي باشا وكان التفاهم مع السراي أن يتولى حسين سري باشا تأليف وزار ائتلافية وأجرى اتصالات لتأليف الوزارة.

روي لي حسن سري باشا: أنه كلما كان يعرض اسم فؤاد سراج الدين باشا لوزارة الداخلية يعترض إبراهيم باشا عبد الهادي وهيكل باشا.. ويقولان:

لا نوافق على الداخلية .. موافقين على الزراعة أو المواصلات. والحقيقة التي أعرفها جيدا أن فؤاد سراج الدين باشا ما كان يطمع في تولي وزارة الداخلية خصوصا وهذه وزارة ائتلافية لإجراء انتخابات لمدة شهرين ورغب رغبة أكيدة أن يتولى المواصلات لأن شغلها سهل لمدة نصف ساعة أو ساعة يوميا وسوف تهدي له بوصفه وزيرا للمواصلات الميدالية الذهبية التي تعطي لحاملها ركوب القطارات مجانا مدى الحياة (تسلمها سنة 74).

سافر سراج الدين باشا من مصر وهو يعلم بما ستنتهي إليه المباحثات لتأليف الوزارة وفعلا تم التشكيل في سرعة غير عادية. وهنا استأذن حسن يوسف باشا من جلالة الملك أن يرتدي الوزراء الجدد الملابس القاتمة عند التشرف بمقابلة جلالة الملك لحلف اليمين الدستوري فأذن لهم الملك.

واجتمع الوزراء في مكتب حسين سري باشا فقال أحمد عبد الغفار باشا مخاطبا. فؤاد سراج الدين باشا (وكأنه قد علم بالتطورات حيث كان على اتصال دائم بالسفارة البريطانية)اسمعني أنت لا بس الردينجوت لوحدك؟ وإخوانك لا بسين الملابس القاتمة

فرد عليه فؤاد باشا:

أنا دائما أحمل معي الردينجوت الرمادي والأسود والأسموكنج لأي ظرف طارئ فقال عبد الغفار باشا..

ما تعلم إخوانك.

وذهب الوزراء إلى رأس التين وتشرفوا بالمثول أمام جلالة الملك وأقسموا اليمين الدستورية وقال الملك للوزراء.

هذه هدية العيد.. وأنا أعرف جيدا أن هناك بعض الوزراء قبلوا وزارات أقل من مراكزهم.. وكان بالطبع يقصد فؤاد سراج الدين باشا.

مشاكل أمام الوزارة

استمرت الوزارة الائتلافية وأمامها مشكلتان: الإفراج عن الإخوان المسلمين وتعديل الدوائر الانتخابية. بالنسبة للإخوان فقد كان حسين سري باشا متفقا مع الوفد في الإفراج عنهم، أما السعديون والدستوريون فهم ضد الإفراج عنهم على طول الطريق.

وفعلا تمكن حسين سري باشا ومعه الوفد من الإفراج عن عدد كبير من الإخوان والمشكلة الثانية مشكلة الدوائر.. هناك دوائر سهلة.. عاوزين يدمجوا قرية مع دائرة أخرى أو ينتزعوا قرية من دائرة لمصلحة المرشحين، علما بأن هذه الدوائر لها شروط خاصة العدد المواصلات.. وكان الدافع على هذا التغيير والتبديل أساسه الصالحة الحزبي.

كانت خطة الوزارة التي اتفق عليها هي بحث الدوائر مع كل المرشحين.. وثار المرشحون الوفديون وقال الوزراء الوفديون لحسين سري باشا. أن الوزراء السعديين يتصلون بالمديرين من أجل الانتخابات وطالبوا بوزارة محايدة مائة في المائة ولا داعي لهذه الوزارة الائتلافية وهنا قال سري باشا لفؤاد سراج الدين باشا.كيف يمكن حل هذه الوزارة؟

وطلب سراج الدين السماح له بإنقاذ الموقف فوافق سري باشا وفي أثناء اجتماع مجلس الوزراء قال سراج الدين:

إن لجنة الدوائر الانتخابية تأخرت واحنا لم ننته من شيء وتقولوا لسه فاضل شويه دوائر. واصطنع فؤاد باشا خناقة مع أحمد باشا عبد الغفار وكان من عادة الأخير أن يزعق في كل جلسة وقال:إن الائتلاف تصدع وأنا لا يمكن العمل في مثل هذا الجو الخناق.

وفي اللجنة طالب محمود باشا غالب تحويل لجنة التعديل إلى مجلس الوزراء واعتراض سراج الدين باشا وقال.. بدوي خليفة باشا يجيب الخرائط التي عليها الخلاف.

فرد سري باشا:

تبدأ بأي مديرية؟

فرد فؤاد باشا:

بالفؤادية

أجاب أحمد باشا عبد الغفار.

لماذا لا تبدأ بالمنوفية لأنها دائرتي.

فأجاب سراج الدين باشا:

لماذا نبدأ بالمنوفية؟

فقال عبد الغفار باشا..

لأنها قريبة من القاهرة

فرد سراج الدين باشا.

لا نجيب من فوق.

وهنا نكهرب الجو وفتحت الخرائط وقال سراج الدين: بركة السبع، مثلا.. وقاطعه أحمد عبد الغفار باشا وكان سراج الدين لم يستكمل حديثه فقال محتدا: سيبني يا باشا أكمل.. سأقص وجهة نظرك بالضبط.فرد عبد الغفار باشا.أنا لست بأبكم..

فقال سراج الدين باشا:

أنت بتزعق كده ليه..هو احنا في دوار في بلدك؟ احنا هنا في مجلس الوزراء.. هو أنا أطرش؟ الناس اللي في الشارع سامعين.. احنا فين.. هو احنا في مضيفة.

فرد عبد الغفار باشا..

أنت هاتعلمني؟ وهنا أخذ الوزراء في تهدئة الجو..

فرد سراج الدين:

أنا معترض على سير الجلسة بهذا الشكل.. ورأى دسوقي باشا أباظة أن ستحصل فرقة في الجلسة فأمسك بيد سراج الدين باشا وقال:ده رجل لا يطاق ويثور دائما. يقصد عبد الغفار باشا

ورد سري باشا وقال:

مش قادر اشتغل وسأرفع الاستقالة للملك وانتهت الجلسة دون حل لتقسيم الدوائر كما راد الوفد. وفي منتصف الليل.. اتصل سري باشا بفؤاد سراج الدين باشا تليفونيا وقال له: يا سعادة فؤاد باشا .. أنت عارف أناديك بسعادة ليه مش معالي؟

لأن الوزرة استقالت وأنت مش تنفع وزير.. أنت تنفع تكون ممثل عند يوسف وهبي. وفي رأي فؤاد سراج الدين باشا أن حسين سري باشا أخطأ خطأ شنيعا بعد سماع وجهة نظره حيث قابل الملك وعرض عليه أسماء الوزارة الجديدة وأنه أذاع كل التشكيل الوزاري بعد الانتهاء من جلسة مجلس الوزراء وقال فؤاد سراج الدين باشا لحسين سري باشا: أنت لا تنفع أن تكون ممثلا بالمرة.

وطبعا كان التفاهم مسبقا بين سري باشا والوفد على الاستقالة وعلى إجراء انتخابات سلمية دون أي تدخل من رجال الإدارة في حرية الناخبين.

الملك كان متفقا مع الإنجليز

ويروي الصحافي العجوز الأستاذ عوض قنديل قصة التحول الملكي ناحية الوفد على أنه تم قبل خروج دولة إبراهيم باشا عبد الهادي بشهور وأن اتصالات تمت بوساطة المرحوم محمود غزالي باشا بين مستر تشايمان أندروز القائم بأعمال السفير البريطاني في القاهرة وكانا صديقين ودودين وحسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالنيابة وحسن سري باشا والدكتور محمد نصر الطبيب الخاص للنحاس باشا تستهدف تألف وزارة محايدة برئاسة المرحوم حسين سري باشا وتجري انتخابات حرة ويؤلف حزب الأغلبية في مجلس النواب الحكومة الجديدة وكان مفهوما أن الوفد هو صاحب الأغلبية الساحقة المؤكدة وأن رئاسة الحكومة ستكون للمرحوم مصطفى النحاس باشا.

وبدأت هذه الاتصالات في مسكن المرحوم محمود غزالي باشا بالمنزل رقم 10 بشارع سراي الجزيرة. وكان غزالي باشا وهو رجل الأمن العتيد يعمل على أن يتولى الوفد الحكم، فقد كان وفدي الميول وكان شقيقه المرحوم شاكر بك عضو مجلس النواب عن دائرة أبنوب وعضوا في الهيئة الوفدية كما كان غزالي باشا سكرتيرا للمرحوم سعد زغلول باشا لما كان رئيس لمجلس النواب وكان صديقا شخصيا لكافة أقطاب الوفد القدامى، وخاصة المرحوم الدكتور أحمد ماهر باشا والمرحوم محمود فهمي النقراشي باشا حيث كان له ولشقيقة شاكر بك فضل في تعينه مديرا للتعليم في مجلس مديرية أسيوط قبل أن يتفرغ النقراشي باشا للسياسة لكن الملك فاروق كلف المرحوم النقراشي باشا عندما تولى الوزارة في ديسمبر 1946 بإحالته إلى المعاش وأحيل فعلا.

وتصادف عندما كان غزالي باشا يقيم في فندق شبرد القديم بعد الإحالة وفي الساعة الواحدة من إحدى الأمسيات كان غزالي باشا يقيم في فندق شبرد القديم بعد الإحالة وفي الساعة الواحدة من إحدى الأمسيات كان غزالي باشا وصديقنا الأستاذ عوض قنديل جالسين يشربان فنجاني نعناع كعادة غزالي باشا قبل النوم في الصالون الدائري للفندق الذي كان يتوسط النادي الليلي ومدخل الفندق أن مر عليهما الملك فاروق خارجا من النادي الليلي فلما شاهدهما التفت إلى كريم ثابت باشا الذي كان يرافقه وقال له على مسمع منهما: الجماعة دول بقوا روبابيكيا...

وكان الملك فاروق يعرف الصلة الوثيقة بين غزالي باشا وكبار رجال السفارة البريطانية.

حسين سري يسافر ويترك عنوانه لدى السفارة

وإذا تحدثنا عن علاقة المرحوم حسين سري باشا والإنجليز فنقول إنها كانت قديمة بل كانت موروثة عن والده المرحوم إسماعيل سري باشا.

وعندما تأكد سري من نجاح اتصالات غزالي باشا مع جميع الأطراف وخاصة القصر الملكي الذي كان يمثله حسن يوسف باشا وهو أيضا رجل سري باشا حيث عينه مديرا للرقابة عندما كان رئيسا للوزراء سنة 1941 ثم قدمه إلى القصر الملكي بعد ذلك حيث صار فيما بعد وكيلا للديوان الملكي وكان على صلات طيبة بجميع الجهات المحلية والأجنبية حيث المشهور عن حسن يوسف باشا أنه موظف أمين فقط.

عند ذلك كان سري باشا يريد السفر إلى أوربا لقضاء شهري يونيو ويوليو ولذلك رأى أن يترك عنوان إقامته في أوربا لدى السفارة البريطانية وأبلغها أن شركة كوك تستطيع الحصول عليه في أي وقت، كما أبلغ غزالي باشا أنه فوض صهره المرحوم الدكتور محمد هاشم باشا في إجراء كافة الاتصالات والاتفاقات.

وتبين للأستاذ عوض قنديل أثناء هذه الاتصالات أن المرحوم إدجار جلاد باشا صاحب جريدة الزمان التي كان يعمل بها كان على علم بهذه الاتصالات وكان ذلك بالصدفة المحضة حيث علم بذلك من مستر تشايمان أندروز في غداء خاص بنادي السيارات بالقاهرة أقامه غزالي باشا وحضره ثلاثتهم فقط، وتأكد من جلاد باشا نفسه في حديث بينهما بمكتب الجريدة في الإسكندرية فيما بعد.

ولم يكن كريم ثابت يدري بأي شيء مما يجري برغم صلته الوثيقة بالملك نهارا وليلا.

اجتماع للاتفاق النهائي

وفي منزل غزالي باشا الذكر اجتمع ذات مساء مستر ريفنسديل السكرتير الشرقي بالسفارة البريطانية والمرحوم الدكتور محمد هاشم صهر المرحوم حسين سري باشا والدكتور محمد نصر الطبيب الخاص للمرحوم مصطفى النحاس باشا وتم الاتفاق على أن يؤلف حسين سري باش وزارة ائتلافية من جميع الأحزاب تجري بوساطتها الانتخابات حرة دون أي تدخل حكومي بحيث تفصح عن الرغبة الحقيقية للشعب فيمن يتولى حكمه.

الدكتور محمد نصر يؤيد الرواية

وقد رأيت عند إعداد هذه الذكريات أن أتأكد من صحة هذه الرواية فدعوت الدكتور محمد نصر والصديق عوض قنديل إلى منزلي وتناولنا الموضوع فأكد الدكتور محمد نصر أنه حضر الاجتماع المذكور في منزل المرحوم محمود غزالي باشا وما تم فيه غير أنه قال إنه لا يذكر خاصة والحادث كان عام 1949 أن المرحوم الدكتور محمد هاشم كان حاضرا.

كما أضاف الدكتور نصر أن المرحوم النحاس باشا لم يكن يعلم بهذه التفاصيل ولا باجتماعه بمندوب السفارة البريطانية وأن حدود معلومات المرحوم النحاس باشا أنه قال له إن غزالي باشا والإنجليز يعملون على عودة الوفد إلى الحكم وأن الملك موافق على ذلك.

وأن النحاس باشا قال إنه لا يمانع في أن يؤلف حسين سري باشا وزارة محايدة تجري انتخابات نزيهة يكون الحكم فيها للأمة وأنه وافق على أن تكون الوزارة ائتلافية من الأحزاب بشرط عدم المساس بحرية الناخبين في اختيار النواب وأن هذه الموافقة كانت في المراحل الأخيرة من المباحثات.

حسين سري يعود

وفي الثالث والعشرين من يوليو 1949 استدعى الدكتور محمد هاشم حسين سري باشا فوصل الإسكندرية في اليوم التالي.

ونشر الصديق عوض قنديل في صحيفة (الزمان) وكانت تصدر مسائية خبر عودة سري باشا من الخارج بعد أن اتفق مع إدجار جلاد باشا على وضع هذا الخبر في المكان المخصص عادة لرؤساء الوزارة.

وتصادف أن قابل المرحوم الفريق محمد حيدر باشا في الساعة الحادية عشرة في المكان في فندق سان ستفانو صديقنا وقال له:

أنت نشرت الخبر بالصورة دي والناس أخذت تتساءل على كل حال جلالة الملك كلفني الآن بالذهاب إلى إبراهيم باشا عبد الهادي لأصلب منه كتاب استقالة وزارته، وستكون زيارتي الساعة السابعة والنصف بكرة (26 يوليو) بناء على أمر الملك. وكان العيد قد اقترب موعده..

قصة التوازن في مجلس النواب

لما فوجئ دولة إبراهيم باشا عبد الهادي بهذا التحول الملكي وتوقع النتائج المترتبة عليه خاصة بالنسبة للأحزاب التي ساندت الملك منذ عام 1937 لما تألفت الهيئة السعدية وتعاونت مع حزب الأحرار الدستوريين والحزب الوطني ضد المرحوم مصطفى النحاس باشا أجرى اتصالات مع المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس الأحرار الدستوريين والأستاذ محمد زكي على باشا قطب الحزب الوطني.

واتفقوا على أن يطلبوا من الملك بوساطة كريم ثابت باشا مستشاره الصحفي ورفيق سهراته الليلية الخاصة، أن يعمل الملك على قيام توازن بين أعضاء مجلس النواب الجديد بحيث لا يحصل الوفد على الأغلبية المطلقة التي تمكنه من الحكم منفردًا، ووعدهم كريم ثابت بتحقيق رغبتهم.

وزين كريم ثابت للملك قصة التوازن، وقال له إن طرد إبراهيم باشا عبد الهادي بهذه الصورة وهو رئيس الهيئة السعدية، وحليف الأحرار الدستوريين وهم الذين حاربوا الوفد ووقفوا بجانب الملك هذه السنوات الطوال يسيء إلى الملك أبلغ إساءة بين جماهير الحزين والحزب الوطني والإخوان الأخلاقية مما يعطي دعاية هؤلاء قبولا عند الجماهير عامة التي سترى أن الملك يخضع دواما للمطالب البريطانية.

وأضاف كريم ثابت للملك أنه يستطيع بصلته الوثيقة مع السفير البريطانية الذي عاد من إجازته أن يقنعه بالتوازن وتحلل السفارة من وعد مستر تشايمان اندروز واتفاقه مع الوفد. فأذن له الملك بإجراء اتصالات لتحقيق هدفه. وفي أثناء ذلك قابل كريم ثابت السفير البريطاني في مأدبة غداء وأوعز إلى جريدة أخبار اليوم وكان شبه محرر بها وكانت في أشد مواقفها عداء للمرحوم النحاس باشا وفي غاية الولاء للملك وأحزاب الأقلية، عداء للمرحوم النحاس باشا وفي غاية الولاء للملك وأحزاب الأقلية، لتنشر صورته مع السفير لتطمين قادة هذه الأحزاب ونشرت الصورة، وأخذت الإشاعات تناثر.

غزالي باشا مع السفير

ودعا محمود غزالي باشا السفير للعشاء في نادي محمد علي وتناول الحديث بينهما شائعات موافقة الإنجليز على التوازن وحذره من النتائج التي تترتب على تزوير إرادة الناخبين وأن الأحداث الجارية في مصر وفي المنطقة والتطورات الدولية تقتضي أن يشترك المصريون فعلا في اختيار حكامهم دون أي ضغط أو حتى مجرد توجيه، وطمأن السفير غزالي باشا على أن الحكومة البريطانية عند اتفاقها وستحاول ما استطاعت منع التدخل الحكومي في الانتخابات وأنها في سبيل أن تبلغ هذه السياسة غايتها لا تمانع خروج الأحزاب من وزارة رفعة حسين سري باشا، ثم يؤلف وزارة محايدة تجري انتخابات حرة كما يرغب رفعة مصطفى النحاس باشا.

وقد تم ذلك فعلا والملك غارق في فكرة التوازن وقد عاوده عداؤه المعروف للمرحوم النحاس باشا وخشي على سلطاته فيما لو تولى رئاسة الوزارة.

الدكتور محمد هاشم والتوازن

وكان الدكتور محمد هاشم قد كلف من قبل صهره حسين سري باشا بالإشراف على شئون وزارة الداخلية وعلى الانتخابات واستطاع كريم ثابت إقناعه بوجوب التوازن في مقاعد مجلس النواب وأن هذه رغبة جلالة الملك وقد سبق للدكتور هاشم أن كان عضوا ممثلا للهيئة السعدية عن دائرته (شبلنجة) في مجلس النواب، كما كانت له تطلعات في أعلى المناصب، وكان سري باشا يترك له كل شيء في الشئون السياسية.

وقد حاول هاشم باشا تحقيق الرغبة الملكية ولكنه لم ينجح فجاءت نتيجة الانتخاب في المرحلة الأولى كما يلي: 169 للوفد، 24 للهيئة السعدية، 22 للأحرار الدستورين، 4 للحزب الوطني، 22 للمستقلين عن الأحزاب، وظل الحزب الاشتراكي واحدا.

ومعنى هذه النتيجة أن الوفد اكتسح الانتخابات وحاز الأغلبية منذ المرحلة الانتخابية الأولى، وحصل في المرحلة الثانية وكانت الانتخابات قد أجريت في 77 دائرة على ثلاثين مقعدًا منها ونال المستقلون ثمانية والسعديون أربعة والأحرار الدستوريون أربعة والحزب الوطني مقعدين.

وقد اسر المرحوم الدكتور محمد هاشم إلى الأستاذ عوض قنديل بأن اللواء محمد إبراهيم إمام رئيس القسم السياسي بمحافظة القاهرة قد أخل باتفاقه معه وأنه كان وراء فوز الوفد في جميع دوائر محافظة القاهرة.

من أخلاق الدكتور هاشم

على أنني أذكر أن الصديق عوض قنديل جاءني في مكتبي بقصر القبة في أغسطس عام 1966 وطلب مني السؤال عن مصير طلب الدكتور محمد هاشم الإذن له بالعمل مستشارا قانونيا لحكومة الكويت بناء على عقد حدد له مرتبا شهريا خمسمائة دينار ومسكنا وسيارة. وكانت الحراسة قد فرضت على أمواله وأموال زوجته بالتبعية وصارت حالته المالية غاية في السوء.

واتصلت تليفونيا بالمسئول فأفادني برفض الطلب، واتقنا على أن يكتب الدكتور محمد هاشم التماسا إلى المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر ويأتيني به دون أن يحضر الدكتور هاشم إلى القصر.

وفوجئت في اليوم التالي بأن الدكتور هاشم رفض بشدة فكرة التقدم بالتماس إلى الرئيس الراحل ولم تمض شهور حتى انتقل الدكتور هاشم إلى جوار ربه.

الانتخاب في دائرة طوخ والتوازن في انتخابات 1950

الانتخابات سارت كما كان مرسوما لها عندما قربت المعركة وكان هاشم باشا وزير الدولة بوزارة الداخلية يعمل سرا على الحفاظ على التوازن وقام بجولتين في الأقاليم بدأ بالوجه البحري وكانت الشكاوي ترد تباعا من مرشحي الوفد من تدخل رجال الإدارة والبوليس.

كما وردت بعض الشكاوي ترد تباعا من مرشحي الوفد من تدخل رجال الإدارة والبوليس كما وردت بعض الشكاوي من محافظة القاهرة أخذ كل هذا فؤاد سراج الدين بصفته سكرتيرا عاما للوفد وذهب على حسين سري باشا ليلا فوجد عنده المرحوم حسن يس وهو مرشح وفدي يشكو له وهنا ثار سراج الدين على المرحوم حسن يس وقال له:

أنت جاي تشتكي للشخص اللي أمر بكده؟

وقال سراج الدين باشا لسري باشا:

حتى لو أردت تزوير الانتخابات فلن تكون رئيس وزارة ائتلافية مستقل فوفر على نفسك عار. أنك زورت الانتخابات الملك هو الذي طالب بالتوازن أنت عارف يسري باشا اللي بيعمله زوج بنتك (يقصد هاشم باشا) تحب تعرف تعليماتك ؟ أتفضل .. وأعطاه بيانا بالشكاوي

ثم قال له:

إما أنك تصدر هذه الأوامر وإما إنك تمر من تحت ذقنك.

فرد على الفور:

أبقى مغفل..

بس بقول .. تعز على أنك أنت واحد يزور الانتخابات .. صدقي ... محمد محمود وأنت ثالثهم وأنا هنا بأقول باسم الوفد لن تكون رئيس وزارة. ويقول فؤاد سراج الدين أن هاشم صدقي له وأخطأ في حقه حين اتصل به في المنيا وكان حديثا قاسيًا ولكن سراج الدين اعتذر له بعد ذلك وبعد يومين، عاد هاشم باشا من الصعيد وقابل فؤاد باشا قائلا:

إحنا إخوان.. تشتمني في التليفون .. وعامل التليفون سامع.. دي مش لطيفة. يا فؤاد باشا حاسبني بعد الانتخابات في كل الدوائر إلا دائرة واحدة لشخص معين لازم ينجح بالحق أو بالباطل.

وكان يقصد دائرة (طوخ) المرشح لها المرحوم الدكتور هاشم صدقي عضو الوفد المصري أيام سعد زغلول حامد محمود خرج مع النقراشي باشا برغم هذا قال فؤاد باشا.

رغم ده كله مش حينجح .. وأراهن. وراهن هاشم باشا وزير الداخلية فؤاد سراج الدين باشا.. وكسب الرهان فؤاد سراج الدين باشا..استمرت المعركة الانتخابية وبدأت جرائد الوفد تهاجم التدخل من جانب الحكومة ولكن الوزارة لم تتراجع عن الخطة الموضوعة

وقال سراج الدين باشا:

وقال..إننا لو أمكنا منع البوليس من التدخل لوصلنا إلى ما نبغي..

وأذكر أن فؤاد سراج الدين باشا كان في المنيا قبل الانتخابات وخطب خطبة طويلة كلها موجهة إلى رجال البوليس وقال: أنا لا أناقشكم بما فعلته حكومة الوفد لرجال البوليس فهذا حقهم المهضوم ولا يصح أن يكون اعترافكم بالجميل هو التزوير.. وكانت الخطبة فيها ترغيب وتهديد..

وقال لي فؤاد باشا إن الضباط الذين أثق فيهم عملوا رابطة خاصة واتصلوا به للوقوف على الحياد. نعود إلى نتائج دائرة طوخ، وكانت الانتخابات يوم السبت. وفي يوم الخميس أرسل فؤاد سراج الدين السيد/ محمود البديني إلى مأمور مركز طوخ بسارة فؤاد سراج الدين الخاصة ليقول للمأمور.

أناجي لك برسالة من فؤاد الدين الخاصة ليقول للمأمور.أناجي لك برسالة من فؤاد باشا والدليل هو عربيته.إن كل التعليمات التي أصدرها هاشم باشا وزير الداخلية هي التزوير لصالح الدكتور حامد محمود ويذكرك فؤاد باشا دوائر القطر كلها كوم ودائرة طوخ كوم ويستحسن أن يكون كل شيء على الحياد التام.

وهنا لطم المأمور على خديه وقال لمحمود البديني وهو زميل له في البوليس وزير الداخلية الحالي لي زور ووزير الداخلية اللي جاي بكرة بيقول ما تزورش أعمل إيه..؟

فرد عليه محمد البديني:

خليك بضميرك .. هاشم باشا ماشي بكرة.. ووزير الداخلية المقبل بيقول لك ارضي ضميرك وخلي الانتخابات حرة.

وعندما عاد فؤاد باشا من بلدته وصل إلى طوخ الساعة الثالثة صباحا ووجد الفوانيس على الطريق مضيئة فأدرك أن زعزع الذي تقدم على أنه وفدي وليس مرشح الوفد واقفا على السكة الزراعية وأوقف سراج الدين باشا وأخذ يقبله فسأله فؤاد باشا عن النتيجة فقال إن الدكتور حامد محمود لم يسترد التأمين.

وبمجرد وصول سراج الدين باشا إلى القاهرة اتصل بهاشم وأبلغه النتيجة وتسلم العشرة الجنيهات.. الرهان..

الملك لا يريد النحاس باشا رئيسا للوزارة

في أثناء معركة الانتخابات عام 1950 وضغط نظرية التوازن على الوفد كما كانت تريد السراي كان فؤاد سراج الدين باشا سكرتير عام الوفد المصري موجودا بالإسكندرية ليخطب في الشعب مؤيدا المرشحين الوفدين وذهب بعد منتصف الليل إلى فندق سيسل لتمضية الليلة بالفندق.

نمي إلى علم سيادته أن إدجار جلاد باشا يريد مقابلته لأمر هام وعاجل وأنه يحمل رسالة من الملك ويرغب إبلاغها لفؤاد سراج الدين باشا. وتمت المقابلة حيث أبلغ جلاد باشا سراج الدين باشا أن الوفد يشكو من سير الانتخابات وأن هناك تدخلا من الحكومة فعلا.

وأردف قائلا:

والواقع يا فؤاد باشا أن الملك يرتب على أن الوفد لا يفوز بأغلبية مطلقة أما إذا كنتم تريد الحيدة في الانتخابات فهذا ممكن تنفيذه فورا ولكن على شرط ألا يتمسك النحاس باشا بتأليف الوزارة وهذه هي رغبة مولانا ما فيش مانع أنك أنت تؤلف الوزارة لأن الملك لا يستطيع العمل مع النحاس باشا

رد عليه سراج الدين باشا قائلا:

أنا أغش الملك لو وافقته على هذا .. وأن أي عضو في الوفد لا يوافق على هذا ونحن لسنا على استعداد أن نبيع مصطفى النحاس زعيم هذا الوطن بأي ثمن..الوزارة لا تهمنا مطلقا...
قل للملك هذا أما إذا زورتم الانتخابات فستكون الحرب سافرة ضد الملك لأنه ثبت للوفد أن حسين سري باشا لا يستطيع عمل هذا كله إلا بموافقة الملك وبتأييد منه وأنكم أنتم الذين تعرضون الملك للتدمير والهلاك خبره بكل هذا.. لن نقبل حتى لو قبل مصطفى النحاس باشا وأي عضو في الوفد يعطيكم هذا الأمر فهو يخدعكم لن تجدوا قطة في النادي السعدي توافقكم على ذلك.

كريم ثابت يطلب تعيينه وزيرا وفديا

تقابل إلياس أندراوس مع فؤاد سراج الدين وقال إنه قادم إليه في مسألة هامة وقال له:

إن كنتم عاوزين تقعدوا عشرين سنة في الحكم.. أنا عندي طريقة وهي أن تأخذوا كريم ثابت وزيرا.

فرد فؤاد باشا على الفور:

أنت يا باشا مجنون؟

فر أندراوس أنه مصري وصحفي درجة أولى والمهم أنه عند الملك فرخة بكشك فرد سراج الدين باشا. إن نظام الوفد لا يسمح لأن ده معناه أن الهيئة الوفدية تشيلنا ويصبح نظام الوفد فاشلا لأن فيه مائة واحد منتظرين علاوة على أنه متمصر وثانيا أن أي خبر يتسرب من مجلس الوزراء سيكون كريم ثابت هو المسئول وسيقال إن الملك أحضر جاسوسا.

أنا سوف أذهب إلى مصطفى باشا النحاس بنفسه على شرط ألا تكلم رفعة الباش وعندما نزل اتصل سراج الدين باشا بتليفون خاص بينه وبين النحاس باشا وأخبره بالأمر خوفا من أن يشتم مصطفى باشا أندراوس باشا أو كريم ثبت باشا أو الملك سمع أندراوس من النحاس باشا وكأن المتحدث هو سراج الدين باشا..بنفس ترتيب الرد، وفهم أندراوس أن سراج الدين اتصل بالنحاس.

مناورة من كريم ثابت

كانت أحزاب الأقلية والمتصلون بكريم ثابت باشا يشيعون أن الملك برغم فوز الوفد بالأغلبية الساحقة لا يزال يرفض توليه الحكم، وأنه يفكر في حل البرلمان كما فعل والده عقب الانتخابات التي أجرتها وزارة المرحوم يحي إبراهيم باشا لو تمسك الوفديون بالحكم وبرئاسة الوزارة.

واتصل كريم ثابت باشا بفؤاد سراج الدين باشا وأبلغه أنه شاهد مظاهرة ضخمة تمر أمام منزله (كان في جاردن سيتي) متجهة إلى منزل رفعة مصطفى النحاس باشا وأنه سمع الهتاف المدوي بحياة (زعيم الأمة النحاس ..

حبيب الأمة النحاس) تردده الألوف في المظاهرة وأنه تشرف بمقابلة الملك في المساء وروي له ما شاهد وما سمع وأنه نصح الملك بتجاوب مع هذا الشعور الوطني وأن حصول الوفد على هذه النتيجة الساحقة في الانتخابات برغم كل ما عمل لتحقيق التوازن البرلماني دليل واضح على أن الناس باشا رجل كويس، وأنه يجب على الملك سرعة تكليف النحاس باشا بتأليف الوزارة.. وأن الملك وافق وسيتم إعداد كتاب التكاليف الملكي في صباح اليوم.وفعلا صدر كتاب التكليف كما أبلغ كريم باشا فؤاد باشا.

طلب إبعاد كريم ثابت والحاشية

كان كريم ثابت شخصية غامضة تحوط بها الأساطير ومهما قيل في التزامه بمسائل أخلاقية معينة، فلا مراء أنه لعب دورا خلال الفترة من 1946- 1952 في تاريخ مصر.

وكانت دسائس القصر تحدق بكريم ثابت وكان يتغلب عليها فيعود منتصرا وعند زواج الملك بالسيدة ناريمان سنة 1951 اشترطت السيدة ناريمان إبعاد كريم ثابت ومن على شاكلته من حاشية الملك لتنقية جو القصر ذاته وأبعد كريم ثابت فعلا.

وأذكر أن السيد ناهد رشاد وكانت تطل من شرفة القصر إلى جوار الملك في 16 يناير سنة 1952 استرعى نظرها شعور السخط والتبرم اللذين كانا مقترنين بميلاد ولي العهد أحمد فؤاد، لم تكن الأمة مبتهجة مثلما كانت ترفع أعلامها عند زواج الملك الشاب سنة 1938 بالسيدة صافيناز هانم ذو الفقار، مات المرح برؤية الملك سماع أخباره فحل محله شعور مكبوت بعدم الارتياح.

وقالت ناهد رشاد:

انظر يا مولنا من الشرفة .. إننا أمام بوادر خطيرة .. يجب يا مولانا أن نقوم بعمل كبير يهز هذا الشعب .. يجب أن تكون القارعة.

ورد الملك ساخرا.

القارعة..؟

فأجابت ناهد رشاد:

نعم يا مولانا قارعة تجعل الشعب يلتف حول العرش ويحميه مثل أن تتنازل عن نصف أموالك للشعب أو شيء من هذا.

ولكن الملك ضحك ضحكة ساخرة واحترقت القاهرة وأقيلت حكومة الوفد وتوالت الحكومات الإدارية على البلاد ويعد استقالة وزارة نجيب الهلالي باشا، كان أحمد مرتضى المراغي باشا يسعى سعيا حثيثا لرئاسة الوزارة.

وهنا ظهر كريم ثابت، واتصل به المراغي وأخبره أنه مستعد لأن يعين كريم ثابت وزيرا للخارجية فيما لو نجح في إقناع السراي عن طريق إلياس أندراوس ليتولى رئاسة الوزارة.

ولكن أندراوس لم يوافق على ذلك وقال لكريم ثابت ضاحكا. أنت عايز تبقى وزير .. ح أخليك وزير وعين كريم ثابت وزيرا في وزارة سري باشا.

ولكن الحقيقة أن كريم ثابت كان يسعى من وراء ذلك لجلب رضاء الملك عليه ولينفي أما أعدائه شبهة إقصاء السراي له عندما أردت الملكية ناريمان إبعاده عن القصر.

طلاق الملكة فريدة

روي لي دولة إبراهيم عبد الهادي باشا أن مراد باشا محسن ناظر الخاصة الملكية زاره في مكتبه بالديوان الملكي حيث كان رئيسا للديوان وأنبأه بأن الملك ينوي الانفصال عن الملكة فريدة ..

فقال عبد الهادي باشا:

لابد من التروي في إصدار هذا القرار فالمسألة خطيرة لا يستهان بها وطلاق الملك غير طلاق الشخص العادي.

ولكن مراد باشا محسن قال:

لا فائدة يا باشا فقد انتهى الأمر ولا تتعب نفسك وأنصح دولتك صادقا ألا تتدخل في مثل هذه الشئون فالمسألة أصبحت منتهية.
مع تقديري لنصيحتك فإنني أعتقد أننا أمام مسألة لا يستهان بها ويجب أن نكون على حذر منها حفظا على كيان الأسرة المالكة وعلى سمعة البلاد.

وفي هذه الأثناء حضر إلى مكتبي حسن يوسف بك وكيل الديوان الملكي ببعض الأوراق لأوقع عليها وتحاشيت أن أحادث حسن بك في هذا الموضوع أو أنظر إلى الأوراق إذ أني قد عزمت ألا أتكلم في هذا الموضوع أصلا.

ومضت عدة شهور وجاءت إحدى المناسبات وفاتحني الملك في طلاقه من السيدة صافيناز هانم ذو الفقار قلت له:

إن الملكة هي سيدة وإن البلد نصفها من النساء وكلهن سوف يعطفن عليها بعد طلاقها وبخاصة أن بنات الملك سوف يبقين في حضانتها ولا أوافق جلالتكم على فكرة الطلاق ولكن الملك قال:

ألست إنسانا أليس لي الحق كأي إنسان في أن أطلق زوجتي ما دمت غير سعيد معها.

فقلت له:

يا صاحب الجلالة إن جلالتكم إنسان ولكن ليس ككل الناس فهناك اعتبارات أخرى. ونقل الملك الموضوع إلى مسألة أخرى نامت حكاية الطلاق لفترة.

ثم يستطرد عبد الهادي باشا في روايته لقصة طلاق الملكة فريدة أن الملك أجريت له عملية بالإسكندرية وذهب الجميع لعيادته واستدعى الملك إلى غرفته بالمستشفى عبد الهادي باشا وقال له:

إن جميع الناس سألوا عني في المستشفى إلا فريدة.

فقال له معللا عدم زيارتها:

إنها لا تعلم بخبر العملية ولو كانت قد علمت بها لهرعت إلى المستشفى وكان عبد الهادي باشا يطمع في أن تتاح فرصة لرفع الخلاف بين الملكة والملك وعودة الحياة الزوجية بينهما

ولكن الملك صاح غاضبا:

أنا لا أريد أن أراها ولا أريد أن تأتي لزيارتي. وساءت الأمور بسرعة فاستدعى نائب المحكمة العليا الشرعية للإشهاد على وثيقة الطلاق.

وجدير بالذكر أن الشيخ محمد إبراهيم سالم نائب المحكمة بذل قصار جهد في أن يجعل الملك يعدل عن الطلاق بل اقترح عليه أن يكون الطلاق رجعيا لتمكن الملك من مراجعة زوجته. ولكن الملك رفض..وأصر على أن يكون الطلاق بائنا..

مجوهرات الملك محجوزة في جمارك إيطاليا

كانت التعليمات الصادرة من القصر بعد مولد الأمير أحمد فؤاد ولي الهد أن تكون الهدايا التي يقدمها المواطنون إلى السراي عينية ومن الأفضل أن تكون من الذهب الخالص بمناسبة هذا الحدث الفذ.

وكان مصدر هذه التعليمات الأستاذ كريم ثابت باشا المستشار الصحفي لجلالة الملك. وأذكر أن المرحوم اللواء وحيد شوقي بك كان قد قدم للقصر هدية عبارة عن صينية من الذهب وبها جنيهات ذهبية تحمل صورة الملك فاروق كما أن كريم ثابت أوعز إلى الكنيسة المارونية التي كان ينتمي إلى طائفتها لتقديم صينية من الذهب أيضا كذلك البطريركية القبطية.

وأذكر أن الملكة السابقة ناريمان عندما حصلت على حكم بحضانة الأمير الصغير ذهبت إلى إيطاليا لتنفيذ الحكم وتفقد أحوال الصغير وثروته ففوجئت بأن مجوهرات الملك ما زالت موضوعة في أكثر من سبعة صناديق من الخشب ملفوفة فورق جرائد بالية ومودعة بالجمارك بعد أن ثار خلاف بين الملك فاروق وسلطات إيطاليا حول الرسوم المستحقة على المجوهرات بالجمارك. وعرضت القضية أمام القضاء الإيطالي.

النحاس باشا يؤلف وزارة 1950

أذكر أن أول يناير سنة 1950 كان يوم عطلة لمناسبة الاحتفال بالمولد الشريف وسألت فؤاد باشا عن الانتخابات في أثناء تناولنا طعام الغداء على مائدة المرحوم محمد حشمت وعن دائرة باب الشعرية التي كان مرشحها فيها عن الوفد المرحوم المهندس مصطفى موسى وكان طالبا بكلية الهندسة ضد السيد/ سيد جلال مرشح السعديين ونائب باب الشعرية في برلمان 1945.

فقال سراج الدين باشا:

لابد أن ينتصر سيد جلال.لكن أصررت على أن الفوز سوفي يكون معقودا لمصطفى موسى ولكن فؤاد باشا لم يرجع عن رأيه فتراهنا على خمسة جنيها أدفعها إذا لم يكسب مصطفى موسى الجولة الانتخابية. وقد حصلت على هذا المبلغ بعد إعلان نتيجة الانتخابات في اليوم الأول من ظهور النتائج وكانت معارك الانتخابات شديدة وكان من المعروف أن الوفد سوف يكتسح خصومه.

وفعلا ظهرت النتائج لتؤكد هذا الفوز الساحق واجتمع مجلس الوزراء برئاسة حسين سري باشا وأكبر الظن أنه اجتمع لمناقشة وزير الداخلية هاشم باشا بعد أن تناولته الصحف المعارضة للوفد بالنقد والطعن والتجريح ووصفته صحيفة أخبار اليوم بأن الوزير الصغير. ثم اجتمع سري باشا في اليوم التالي بالأستاذ إدجار جلاد باشا.

وفي اليوم الثالث كان الملك يفتتح مؤسسة مكافحة الحفاء ووقف سري باشا منتظرا وصول الملك ومرتبا ما يقوله لو سأله الملك عن سبب اكتساح الوفد للانتخابات ولكن الملك لم يسأله شيئا.

ثم استمرت مقابلات سري باشا لبعض الشخصيات غير الوفدية كالمرحوم أحمد خشبة باشا وغيره من الأحرار الدستوريين وبعض الوفديين كالأستاذ عبد الفتاح الطويل باشا وبعض المستقلين كالدكتور عبد الجليل العمري والأستاذ عبد الرحمن حقي واللواء محمود هاشم باشا كاتم أسرار وزارة الحربية أحمد عبد السلام الكرداني بك وكنت أعجب لهذه المقابلات وتساءلت هل يريد سري باشا تشكيل وزارة جديدة أو أن النحاس فوضه لتشكيل مثل هذه الوزارة؟

وكان الجوس السياسي يسوده الغموض والشائعات. فالوفد قد حصل على أغلبة برلمانية ساحقة تؤهله لتأليف الوزارة وفي انتخابات الإعادة كانت النتيجة فوزا مبينا للوفد لا خلاف فيه.

وحضر فؤاد باشا من عزبته مساء 10 يناير سنة 1950 وقابل النحاس باشا في اليوم التالي ثم صدر أمر ملكي بتكليف النحاس تشكيل الوزارة الجديدة وقدم حسين باشا سري استقالته ظهر يوم الخميس 12 يناير سنة .195 بعد أن اجتمع مجلس وزرائه لمدة نصف ساعة وغادر رئيس مجلس الوزراء مكتبه إلى منزل الزعيم مصطفى النحاس وتقابلا معا لمدة ساعتين.

وفي الليلة نفسها ألف الناس باشا وزارته الأخيرة وحلف الوزراء اليمين الدستوري أمام الملك. ومن الطريف أن النحاس باشا رشح وزيرا للتموين الأستاذ المستشار قطب فرحات ولكن سكرتارية الرئيس اتصلت خطأ بالأستاذ مرسي فرحات الذي فوجئ به النحاس باشا بعد حلف اليمين..

وقد اجتمع مجلس الوزراء السبت 14 يناير سنة 1951 لأول مرة. وعقد البرلمان أولى جلساته يوم 16 يناير سنة 1951حيث ألقى النحاس باشا خطبة العرش.

كيف أصبح طه حسين وزيرًا

عند تأليف وزارة النحاس باشا سنة 1950 طلب رفعته أن يشترك الهلالي في الوزارة... ولكنه اعتذر.. وعندئذ طلب النحاس باشا من فريد زعلوك (باشا) حمل الهلالي على الحضور إلى منزل النحاس باشا لكي يقنعه شخصيًا.

وحضر الهلالي باشا.. واجتمع بالنحاس في صالون منزله ثم طلب من الهلالي باشا قبول وزارة الخارجية فاعتذر ولكن الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا وفريد زغلول باشا أشارا بإحضار الشيخ طه حسين ليقنع الهلالي باشا بقبول المنصب لصداقته الوطيدة به وحضر الدكتور طه حسين ولكن نجيب باشا أصر على الاعتذار وقال مخاطبًا النحاس باشا.

ما هو عندكم الشيخ طه.وخجل الدكتور طه حسين من هذا القول...وانتهى الاجتماع عندما برحوا منزل الناس باشا على أن يعين عبد اللطيف محمود وزيرا للمعارف وكي عبد المتعال سكرتيرا عاما للبنك الأهلي ولكنه غضب من ذلك بسبب تعيين الدكتور حامد زكي وزير دولة

وقد تدخل الدكتور محمد نصر طبيب النحاس باشا الخاص لفض الخلاف وعين النحاس باشا زكي عبد المتعال وزير ونقل عبد اللطيف محمود إلى وزارة الصحة وذهب الدكتور طه حسين لمقابلة فؤاد باشا واحتج على معاملة النحاس له فاقترح فؤاد باشا تعيين الدكتور طه حسين وزيرا للمعارف ولكن النحاس خشي من معارضة القصر.. وتمكن فؤاد باشا أن يذلل هذه المشكلة بالاتصال بكريم ثابت وإلياس أندراوس. وصدر المرسوم بتعيين طه حسين وزيرا للمعارف.

وقال له رفعة النحاس باشا:

يا حسين أنا حاطك تحت التجربة.

وقد توطدت لذلك العلاقة بين فؤاد سراج الدين والدكتور طه حسين وازدادت توثقا مع الأيام وفترت علاقاته مع نجيب الهلالي باشا.

وإذا كان لي أن أبدي رأيا في تصرفات عميد الأدب العربي بلا منازع، فأكتفي بالقول بأنها أخلاقياته السياسية منذ أن عرفناه، وعرفنا ظروفه المالية وحاجته إلى الإنفاق على زوجته الفرنسية وأولادها منه. وقد كان لها عليه فضل كبير منذ بداية دراسته في فرنسا مبعوثا من الجامعة المصرية القديمة.

النحاس باشا والمستر بيفن

في 28 يناير سنة 1950 حضر مستر بيفن وزير خارجية بريطانيا حيث قابل وزير الخارجية محمد صلاح الدين باشا. ومما يذكر أن رفعة النحاس باشا كان يجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة وكان لا يجيد اللغة الإنجليزية.

وقد اتصل السفير البريطاني بمجلس الوزراء لدعوة رئيس الوزراء لحضور مأدبة عشاء بدار السفارة البريطانية بالقاهرة أقامها لوزير الخارجية الإنجليزي وذكرت رفعة الرئيس بموعد العشاء ولكنه اعتذر عن العشاء ولكني قلت له:

إن وزيرا لخارجية سيحضر المأدبة وأن رفعتك رئيس لمجلس الوزراء وقد استقبلت مستر بيفن صباح اليوم.

ولكنه ابتسم وقال:

يا ابني السياسة كدة.. أنا قابلته في الصباح بمكتبي لعمل رسمي، ولكنني لا أريد الجلوس إلى جواره في مائدة عشاء.. فأنا لا أحب الإنجليز ولن أجلس على مائدة مع الإنجليز إلا مائدة المفاوضات رحم الله زعيم الحريات والديموقراطية.

النحاس باشا والجنرال دي جول

وأذكر أن النحاس باشا كان صديقا حميمًا للمسيو شارل روا رئيس هيئة قناة السويس، وقد سمعت من النحاس باشا أن الجنرال دي جول صديق لشارل روا، وأن النحاس باشا كان يرسل نقودا إلى دي جول في أثناء وجوده في المنفى وإقامته بمصر وتشكيله لحكومة فرنسا الحرة إيمانا من النحاس باشا بالديموقراطية إيمانًا عميقًا..

ولقد كنت الشخص الذي يحمل النقود إلى الزعيم الفرنسي الراحل وكانت مقابلتي معه تتم بمقهى إربيان بمصر الجديدة وكان لموقف النحاس باشا من فرنسا في محنتها ومع زعيمها العظيم في منفاه أثر كبير في العلاقات الفرنسية المصرية والتي أيدت مصر في قضايا الوطنية حتى تأمين القناة سنة 1956 ثم تأييد مصر بعد حرب سنة 1967.

وتولى شارك دي جول الحكم في فرنسا وتحسنت العلاقات بين البلدين التي تربط بينهما أواصر ثقافية وعلمية وسياسية منذ عهد طويل.

مباحثات النحاس باشا والجنرال سليم

في 5 يونيو سنة 1950 وفي أثناء المباحثات التي جرت بين مصطفى النحاس باشا والجنرال سليم قائد القوات البريطانية وكان النحاس باشا يتكلم الفرنسية بطلاقة، ولا يجيد التحدث بالإنجليزية فاقترح أن يندب أحد موظفي وزارة الخارجية المصرية للترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وبالعكس وعهد بهذه المهمة إلى الأستاذ رشاد مراد وكان قنصلا عاما في سان فرانسكو. وجرت المحادثات في رياسة مجلس الوزراء.

وأذكر أن الجانب المصري كان برئاسة مصطفى النحاس باشا ويصم: فؤاد سراج الدين باشا وإبراهيم فرج باشا، ومن الجانب البريطاني الجنرال سليم والسر رالف ستفينسون السفير البريطاني بالقاهرة وبعض كبار موظفي السفارة وتولى الأستاذ رشاد مهمة الترجمة وكان عليه أن يترجم ما يقوله مصطفى النحاس باشا بالإنجليزية إلى الجانب البريطاني ثم ينقل بدوره ما قله الجانب البريطاني بالعربية إلى الجانب المصري.

وعادة ما كان يتكلم النحاس باشا بالفرنسية وفؤاد باشا سراج الدين وإبراهيم فرج باشا الإنجليزية فينقل رشاد مراد ذلك بالإنجليزية ثم بالعربية والإجابة عليها وبالعكس، ثم يعد تقريرا بكل ما دار في الجلسة باللغة العربية لرفعه إلى رئيس الوزراء.

وقد كان هذا العمل مجهدا ومرهقا لرشاد مراد. وأذكر أنه كان يخرج للاستراحة بمكتبي بعد كل فترة وقد بدا على محياه التعب واستمرت المحادثات يمين وانتهى الأمر برفض مصطفى النحاس باشا ما عرضه الجانب البريطاني بالنسبة لفكرة الدفاع المشترك، وأن تكون مصر مقرا لقيادة الدفاع عن الشرق الأوسط.

وأذكر أن مصطفى النحاس باشا كان يرفض هذه الفكرة شكلا وموضوعًا أما فؤاد باشا سراج الدين فيبدو أنه كان يحبذ إقامة دفاع مشترك بين الدول العربية، لا تنضم إلى بريطانيا أو أمريكا أو تركيا.

وبعد انتهاء المحادثات وكان في النية أن يتوجه النحاس باشا إلى باريس وأن أرافقه في هذه الرحلة وعرضت على رفعته رأيا هو أن يدعو الأستاذ رشاد مراد إلى هذه الرحلة مكافأة له على مجهوده في أثناء المباحثات.

ووافق رفعته على ذلك وصحب رئيس الوزراء إلى باريس.وهناك لاحظ النحاس باشا أن الأستاذ رشاد لا يبرح الفندق فاستدعاه وقال له:

بلهجة الأبوية:

يا بني لما كنت في شبابك هنا، كنت ما أقعدش في البيت أنت ما معاكش فلوس؟ أعطي لك أنا مش جايبك حرس لي أنا جايبك علشان تتفسح أخرج كل يوم وشوف كل حته.. بس راعي ربنا في تصرفاتك.
وبسبب الترجمة بقي رشاد مراد في رحلة ممتعة في أجمل عواصم الدنيا وبرفقة خليفة سعد العظيم أكبر زعماء مصر في القرن العشرين.

من أسرار المفاوضات التي أجراها الوفد مع بريطانيا

بعد تأليف الوزارة سنة 1950 كان في نية الحكومة أن تجري مباحثات وليس مفاوضات بالمعنى القانوني فالمفاوضات كانت تعني وجود محاضر ومن المحتمل أن تنشر هذه المحاضر وتؤثر تأثيرا كبيرا على سير الأمور، أما المحادثات أو الحوار بالمعنى البسيط فلا يعني أكثر من إلقاء الضوء على قصد المتفاوضين وترك حرية العمل على ضوء الخطوط الواسعة التي تستفاد من سير المباحثات، وبخاصة أن المباحثات لا تقيد أحدًا، ولا تلزم الأطراف بأي شيء.

وكان رأي الحكومة مستقرا على أن يتولى الدكتور صلاح الدين باشا وزيرا الخارجية والأستاذ إبراهيم فرج وزير الشئون البلدية والقروية المحادثات أما عملية المفاوضات فيتولاها رفعة النحاس باشا شخصيا.

وقد طالت المباحثات وتعثرت كثيرا وتعرضت لأن تقطعها إما بريطانيا أو مصر وكان الاتفاق على مجلس الوزراء على الاستعانة بالأستاذ فؤاد سراج الدين باشا إذا وصلت المباحثات إلى طريق مسدود، فيأتي فؤاد باشا ويصل الخيوط من جديد.

ويبدو أن المباحثات لم تنته إلى نتيجة برغم إخفاء أمرها وكانت تتم في مبنى بالمكس بالإسكندرية وقد لاحظ فؤاد سراج الدين باشا أن كلا من الجانب الإنجليزي الذي يضم مفاوضين وضباطا والجانب المصري الذي يضم الوزيرين وبعض كبار الموظفين كان يقوم بتحرير محاضر وكان فؤاد باشا يري أن هذا خطأ بين كما لاحظ فؤاد باشا كما قال لي .

أن الإنجليز لأول مرة في حياتهم أعوزتهم المرونة إذا التزموا خطأ واحدا واستمر زهاء ثلاثين جلسة، وهذه ليست عادة الإنجليز ودبلوماسيتهم العريقة المعروفة بالشدة والجذب، إذا ما أرادوا الاتفاق، وبخاصة أن الوزارة تتفاوض على هذا الأساس منذ توليها زمام الأمور.

ولكن الجانب البريطاني قد التزم خطة معينة هي عدم التفاوض وإثارة المشكلات أمام الجانب المصري. وقد رأى فؤاد باشا بعد أخذ رأي الوزيرين عضوي المفاوضة أن يقوم بالاتصال جانبية مع السفير البريطاني وهي اتصالات بقصد جس نبض السفير وتتم دوم محاضر ودون هيئة مباحثات بأمل الوصول إلى شيء.

ويذكر فؤاد باشا أنه اتصل بالسفير البريطاني بعد أن أوضح له أنه يتحدث بصفته الشخصية فهو لا يمثل الوزارة ولكنه يمثل الوفد بوصفه سكرتيرا عاما وغاية مقابلته هو الوصول إلى نقاط يمكن الاتفاق عليها ومهما يكن من أمر السفير أو من أمر المباحثات التي تمت بين فؤاد باشا وبين السفير فإن هذه المباحثات اتسمت بالصراح والوضوح وأمكنهما الوصول إلى نتيجة طيبة، واتفق الاثنان على أن يصاغ هذا الاتفاق في ورقة عمل وقال السفير إنه سوف يبعث إلى لندن بالخطوط العامة للاتفاق وسوف يتصل بالوزير عند وصول الرد.

وبعد يومين قابل فؤاد باشا السفير الذي أخبره أن وزارة الخارجية البريطانية لم توافق على الاتفاق بدعوى أن الحكومة مقبلة على انتخابات ولا تريد الموافقة على إجراء تستغله المعارضة لاتهامها بالتهاون والتفريط وطلب السفير البريطاني إرجاء المباحثات لحين انتهاء الانتخابات وظهور نتائجها وكان من رأيه أيضا استمرار الاتصال بين الجانبين.

وقد اعترض فؤاد باشا على هذا الرأي معللا ذلك بأن الجانب البريطاني يرد تعطيل الوصول إلى حل وأن ذريعة الانتخابات ليست حجة سديدة لأن البرلمان تعرض عليه نتائج المفاوضات بعد إتمامها وكان الاتصال بين فؤاد باشا والسفير تتم في منزل إلياس أندراوس باشا.

ولكن فؤاد باشا لم يفقد الأمل فطلب من الوزيرين مداومة الاتصال بالسفير واستكمال نقاط البحث معه وسافر فؤاد باشا في إجازة خلال شهر يوليو سنة 1951 وعاد ي 18 أغسطس سنة 1951 فاتصل به رفعة النحاس باشا وطلب منه الحضور إلى سان استفانو للتباحث في شأن المباحثات وبعد بحث واتصالات لم يتقدم الإنجليز خطوة واحدة إلى الأمام وتوقفت المباحثات.

وأذكر أن الدكتور صلاح الدين باشا وزير الخارجية كان قد أدلى بتصريح في مجلس النواب يتضمني القول أن الدورة البرلمانية لن تنفض إلا بعد أن تعطي الحكومة بيانا عن المفاوضات. وقد انقضى شهر أغسطس وتلاه سبتمبر وكان الموقف معقدا للغاية

ظروف تعيين عفيفي باشا رئيسا للديوان الملكي

المعروف أن إنجلترا بعد إلغاء المعاهدة لم تقطع العلاقات كما لم تبدأ حكومة الوفد في قطع العلاقات الدبلوماسية إذ كانت بعض المشاكل المعلقة بين البلدين كالقطن والأرصدة الاسترلينية تدعو الوزارة إلى التمهل في إصدار قرار قطع العلاقات وشكلت الوزارة فعلا لجنة لدراسة الموضوع من كافة نواحيه الاقتصادية والسياسية ولكن الموضوع ظل قيد البحث ولم ينته حتى إقالة الوزارة. ولكن الوزارة سحبت عبد الفتاح عمرو باشا سفير مصر في لندن كنوع من الاحتجاج وليس من قبيل قطع العلاقات وسارع الملك فعينه مستشارًا خاصا له.

أما المسألة التي أثارت زوبعة وأحدثت دويا أكثر مما تستحق فقد كانت تعيين حافظ عفيفي باشا رئيسا للديوان الملكي والواقع أن الحكومة لم تقترح تعيين حافظ عفيفي باشا ولكنها لم تعترض على تعيينه وأرادت الحكومة أن تفوت على الملك فرصة الخلاف حرصا منها على استمرار معركة القنال وأرادت السراي أن تومئ من طرف خفي أن المرشح لرئاسة الوزارة الجديدة هو حافظ عفيفي باشا بعد إقالة النحاس باشا، ولكن الحكومة الوفدية لم تكثرت للأمر فالمسألة لا تستحق منها في هذه الظروف سوى أن يمر التعيين ببساطة، لأن إلياس أندراوس كان يريد أن يعين رئيسا لبنك مصر ومحل حافظ عفيفي باشا فمن مصلحة القصر أن يمنى حافظ عفيفي باشا برئاسة الوزارة حيث كان إلياس أندراوس المستشار الاقتصادي للملك وكل الصفقات التي يتمها كانت لحساب الملك.

الوفد وحافظ عفيفي باشا

كان إلغاء المعاهدة حدثا جليلا في تاريخ مصر فقد أطلقت الوزارة العنان للشعب لكي يعتبر عن كراهيته للاستعمار إلى حد لم يسبق له مثيل منذ قيام ثورة 1919 ألتي كانت صيحة الشعب بقيادة خالد الذكر سعد زغلول باشا.

ولا أغالي عندما أقول إن حكومة النحاس باشا نقلت الإحساس المباشر بطغيان الإنجليز ووطأة الاحتلال من مدن القنال إلى جميع أنحاء البلاد بحيث أعادت إلى الأذهان وذكرى حوادث ثورة 1919 وجمهورية زفتى، ونضال أسيوط.

وشجعت كتائب التحرير بأقصى وسائل التشجيع الأدبي والمادي معا، حتى إن ميكروفون الإذاعة بناء على طلب فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية كان ينتقل إلى معسكرات الإنجليز في القناة ليروي قصص الاحتلال البريطاني الدموية منذ سنة 1882.

وقد سبق أن ذكرنا أن الوزارة مدت الفدائيين بالسلاح وشجعت ضباط الجيش والبوليس على التطوع واستدعت سفيرنا من لندن وهمت بقطع العلاقات السياسية فلم يبق بينها وين حالة الحرب الفعلية إلا خطة واهية.

ولقد برز أشخاص ثلاثة على مسرح الحوادث هم: إلياس أندراوس وعبد الفتاح عمرو وحافظ عفيفي. ولعب كل منهم دورا خطيرا في هذه الآونة، ولكن أخطر هؤلاء لا مناص كان حافظ عفيفي باشا.

وإذا كانت الحكومة لم تعترض على تعيينه أن تفوت على السراي الصيد في الماء المعكر، فإن الناس قد ثارت على تعيينه بسبب الحديث الذي أدلى به للأستاذ كامل الشناوي ونشرته الأهرام وانبرى فيه مدافعا عن معاهدة سنة 1936 وطالب بالارتباط بالإنجليز إلى أقصى حد في الوقت الذي كانت الحكومة على وشك إلغاء المعاهدة.

وحافظ عفيفي طبيب أطفال دخل السياسة هويا وكان عضوا في الحزب الوطني الذي اختاره سعد زغلول باشا مع الزعيم مصطفى النحاس باشا لينضم إلى الوفد وسار كلاهما في طريق مختلف فبينما كان النحاس باشا رجل الشعب كان حافظ عفيفي في أعداء الديموقراطية وصناع المؤامرات التي دبرت للإنقاص من حقوق هذا الشعب وانغمس بكليته في المضاربات السياسية التي عرفتها البلاد. وكان سفيرًا في لندن وانتهت سفارته بإصداره كتاب الإنجليز في بلادهم.

فقد اشترك في أكبر عدد من تعطيلات الدستور. فبينما نجد علي ماهر اشترك في تعطيل الدستور مرتين، وإسماعيل صدقي مرتين، ومحمد محمود مرة واحدة، نجد حافظ عفيفي أسهم في الانقلابات على الديمقراطية ثلاث مرات:

والأول: مع محمد محمود باشا سنة 1928 في حكومة اليد الحديدية.

والثانية: مع إسماعيل صدقي باشا 1930 بعد إلغاء دستور سنة 1923 وإصدار دستور سنة 1930 الذي رفضه الشعب وقاومه مقاومة رهيبة قمعتها الحكومة بالسلاح.

والثالثة: مع الهلالي باشا في وزارة سنة 1952 حيث أعلنت الأحكام العرفية وعطلت أحكام الدستور.

فقد عينه محمد محمود باشا وزيرا للخارجية وحلقة اتصال بدار المندوب السامي وأخفقت المفاوضات التي أجرتها الحكومة مع بريطانيا وقتئذ وفي وزارة إسماعيل صدقي باشا سنة 1930 نقل من الوزارة إلى وظيفة وزير مفوض في انجلترا لكي يكون سندا للانقلاب في بلاط سان جيمس.

وفي تاريخ المفاوضات المصرية - الإنجليزية يبرز حافظ عفيفي باشا ليضرب الرقم القياس بين جميع الساسة المصريين في مائدة المفاوضات. وإذا كان مصطفى النحاس باشا زعيم البلاد فاوض الإنجليز خمس مرات فإن حافظ عفيفي باشا جلس إلى مائدة المفاوضات ست مرات.

الأول: مع سعد زغلول باشا وعدلي باشا يكن سنة [1924]] (مفاوضات سعد زغلول باشا / ماكدونالد)

والثانية: مع محمد محمود باشا سنة 1928 محمد محمود باشا / هندرسون) وكن وزيرا للخارجية.

والثالثة: مفاوضات صدقي باشا سنة 1930

والرابعة: مع مصطفى النحاس باشا سنة 1936 التي انتهت بتوقيع معاهدة 1936

والخامسة: مع صدقي باشا سنة 1946 وانتهت بمشروع معاهدة (صدقي/ بيفن) وهي المفاوضات التي رفضت فيها أغلبية هيئة المفاوضة المشروع.

وأخيرا: اشتراك في مفاوضات الهلالي باشا ورالف ستيفينسون.

عريضة المعارضة

تقدمت المعارضة في أثناء تولي حكومة الوفد في سنة 1950 بعريضة إلى الملك وكانت المعارضة في هذا الوقت تشعر أنها ضاعت في خضم الجماهير التي ارتضت حكومة الوفد بناء على انتخابات حرة نزيهة وصل فيها الوفد إلى الحكم بعد إقصائه خمس سنوات, ومحاربته حربا لا هوادة فيها وبكافة الأسلحة.

وكانت المعارضة تزعم أن الظروف التي قدمت فيها العريضة إلى الملك هي خير الظروف المناسبة لإصلاح شئون البلاد، أو على الأصح إزاحة وزارة النحاس باشا من الحكم.

وفي الواقع أن حجة الإصلاح في رأينا لا أساس لها فالمعروف أن العريضة قدمت بعد أن أجرت مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء التجديد النصفي لأعضاء مجلس الشيوخ الذي زلزل مقاعد المعارضة جميعا وانتهى بعزل الدكتور هيكل باشا من منصبه كرئيس لمجلس الشيوخ.

كما أن المعارضة تعللت بأن الملك كان في رحلات لا تتصل بالمصلحة الوطنية وأرادت أن تشعره بالمسئولية وإلزامه بالصالح العام، ولكن هذا القول أيضا فيما تعلم لا أساس لله فالوفد في هذه المرحلة بالذات كان على صفاء مع القصر أو في فترة مهادنة فرضتها الظروف العام للبلاد بعد حكومات الأقليات التي استمرت زهاء خمس سنوات وشجعت على توسيع هوة الخلاف بين القصر وممثلي الشعب.

ووقع على العريضة: المرحوم محمد حسين هيكل باشا رئيس الأحرار الدستوريين والمرحوم عبد المرحوم الرافعي بك من الحزب الوطني، ودولة عبد الهادي باشا والأستاذ مصطفى مرعي بك أطال الله بقاءهما في الحزب السعدي والمستقلين.

ووقع هؤلاء على العريضة كما كتبها دولة عبد الهادي باشا ولكن بعض الساسة طلبوا تعديل صيغة العريضة وعدلت بالفعل ووقع عليها بعد التعديل الدكتور نجيب إسكندر ومحمود غالب باشا وطه السباعي باشا.

وجدير بالذكر أن عبد القوي أحمد باشا وزير الأشغال الأسبق وقع على العريضة واختفى بعد التوقيع ورفض علي ماهر باشا وحسين سري باشا الاشتراك في التوقيع على العريضة كما أن العريضة عرضت على بعض السياسيين الآخرين ولكنهم رفضوا جميعًا.

وقد أصر الموقعون على العريضة على تقديمها عندما علم الملك بالعريضة أمر رجال القصر بعدم مقابلة أي فرد من الموقعين على العريضة.

ويذكر أن الملك قد عرف قصة العريضة من أحمد نجيب الجواهرجي الذي رجا الملك أن يسمح له بمقابلة عبد الهادي باشا عن طريق الأستاذ زكي علي وهو صديق لدولة عبد الهادي باشا وأحد وزرائه لإقناع عبد الهادي باشا بعدم تقديم العريضة.

وتمت المقابلة بين عبد الهادي بباشا وأحمد نجيب الجواهرجي وأبلغ نجيب الجواهرجي أن عدم تقديم العريضة رغبة ملكية، فرفض عبد الهادي باشا وأصر على تقديمها.وأرسلت العريضة بالبريد المسجل ووصلت فعلا إلى الملك الذي أخذها ووضعها في جيبه.

وقد حاول الملك مرات كثيرة حمل الموقعين على هذه العريضة على الاعتذار ولكنه أخفق غلا حافظ رمضان الذي بادر بالاعتذار إلى الأعتاب الملكية ونشر هذا الاعتذار في صدر جريدة الأهرام في 18/ 6/ 1950

الهلالي باشا يوافق على إلغاء المعاهدة

من المعروف أن القصر كان يدخر المرحوم الهلالي باشا لوقت معيني وكان الهلالي باشا مرشحا لتولي الوزارة بعد مصطفى النحاس باشا، ومن المعروف أيضا أن بعض الصحف المناوئة للوفد بدأت تركز الأضواء على الهلالي باشا وتشيد بعبقريته وذكائه وفطنته وتؤكد أنه سوف يقوم، بدور معين وتذكر بمناسبة وبدون مناسبة أنه رفض أن يدخل حكمة الوفد وأن مصطفى النحاس باشا عرض عليه أية وزارة يختارها وأنه عرض عليه وزارة الخارجية.

وكان في تصور السراي أن يأتي الهلالي باشا بعد مصطفى النحاس باشا وفي هذه الحالة إما أن يؤيد مجلس النواب الوفدي الهلالي باشا فيظل البرلمان قائما أولا يؤيده فيصدر قرار بحله.

وتمت مقابلة بين الملك والهلالي باشا ودار الحوار حول إلغاء المعاهدة فأقر الهلالي باشا رأي الحكومة في إلغائها ودلل بأن الشعب متحمس لإلغاء المعاهدة وأن المعاهدة نسها استنفدت أغراضها وأن حكومة الوفد أرادت أن تضع الملك أمام إرادة الشعب وتعرضه لامتحان رهيب وأخيرا لا مفر من إلغاء المعاهدة لحماية الملك شخصيا من غضب الشعب الثائر.

وخاصة في هذه الآونة التي بدأت فضائح القصر تنتشر وتفرج الإشاعات وربما يعلل البعض موافقة الهلالي باشا على إلغاء المعاهدة بغرض آخر، وهو أنه كان لابد أن يعلم أن إلغاء المعاهدة يعجل بذهاب حكومة الوفد وأنه سوف يثير الخلاف بين الإنجليز والقصر والحكومة ولابد في النهاية أن ينتهي بإقالة النحاس باشا.

ولكن لا يجوز الحكم بالعلل والمهم أن دولة الهلالي باشا كان متقنعا بإلغاء المعاهدة وقد أفتى بذلك بعقلية القانون الدقيق.

ومن المقرر أن القصر لم يكن تخطر باله عواقب إلغاء المعاهدة، فقد صدق الملك على مرسوم الإلغاء دون أن يعلم بما سوف تتمخض عنه الحوادث، فالوفد كان جادا في تنفيذ ما اعتزمه وما يقتضيه الإلغاء من إجراءات وتعبات.

تحديد إقالة الملك فاروق

في يوم الأحد 7 أكتوبر سنة 1951 عاد حضرة صاحب المقام الرفيع المغفور له مصطفى النحاس باشا طيب الله ثراه من الإسكندرية إلى القاهرة بقطار الساعة الخامسة والنصف مساء.

وفي يوم الاثنين 8 أكتوبر طلب مني رفعة النحاس باشا العمل فورا في توصيل ميكروفون من قاعة مجلس النواب إلى مكتبه برئاسة مجلس الوزراء على أن يتم هذا التوصيل في أقل من ساعة وكلفت المهندسين وتم ما أراد الزعيم.

ثم استدعاني رفعته قال:

ادخل المجلس من الموظفين وادعهم جميعا لحضور الاجتماع بمجلس النواب ثم أضاف. إن جلالة الملك سوف يحضر وبمجرد وصوله يدخل فورا إلى مكتبه.وقد تم ذلك في دقائق دون علم أحد. كما طلب مني مصطفى النحاس أن أغلق باب المكتب بالمفتاح وألا أسمع للملك بالخروج من المكتب.

وسألته مستفسرا:

كيف يتم كل هذا يا رفعة الباشا.. إنه الملك.. لا أجرؤ أن أفعل هذا ولكن النحاس صمم على ما قال. وعند دخول الملك إلى مكتب رئيس الوزراء بالرئاسة قال له:

عن إذن مولانا لما أروح البرلمان جلالتك سوف تسمع ما أقول والجهاز موجود أمامك على المكتب. وخرج وأغلق بيده باب الغرفة وأخذ المفتاح ثم قال لي: تعالى معي.

وذهبنا معا إلى مجلس النواب واستقبل النحاس باشا استقبالا حارا ووقف على منبر مجلس النواب ليعلن للأمة أنه من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر طلبكم اليوم بإلغائها وعاد فورا إلى مجلس الوزراء وفتح باب المكتب.

ومما يذكر أن إياس أندراوس قابل فؤاد سراج الدين وسأله عن نية الوزارة نحو إلغاء المعاهدة قبل ثلاثة أيام من الإلغاء ولكن فؤاد باشا نفي ذلك نفيا باتا.

وذهب إلياس أندراوس إلى السفير البريطاني وكان يبدو أنه موفد من قبله لينقل إليه عدم اعتزام الحكومة إلغاء المعاهدة مؤكدا ذلك وأنه استعلم الأمر شخصيا من وزير الداخلية الذي جزم له بأنه ليس من مشروعات الوزارة إلغاء المعاهدة.

وأبرق السفير إلى حكومته بتكذيب كل الشائعات حول إلغاء المعاهدة ثم فوجئ السفير البريطاني إلى حكومته بتكذيب كل الشائعات حول إلغاء المعاهدة ثم فوجئ السفير البريطاني وإلياس أندراوس بإلغاء المعاهدة وتصديق الملك عليها.

وقد عاتب إلياس أندراوس فؤاد سراج الدين بعد ذلك الذي قال له:

أنت تنتظر كنت أقول ح نلغي المعاهدة عشان تروح تبلغ السفير البريطاني بالإلغاء فرد إلياس أندراوس: أنت يا معالي الباشا حرقت السفير البريطاني لدى حكومته وفي رأيي ف هذه المرة الأولى الذي يؤكد فيها السفير البريطاني أمرا ثم يظهر الأمر بخلاف ما أكد.

وفي صباح الثلاثاء 9 أكتوبر سنة 1951 رجع النحاس باشا إلى الإسكندرية وفي رأيي أن النحاس باشا بإلغاء معاهدة 1936 قام بعمل وطني من أعظم الأعمال في تاريخ مصر وكأنه يحس أن هذا العمل هو آخر عمل سوف يقدمه إلى مصر طوال زعامته لها لمدة تقارب 25 عاما أبلى فيها بلاء حسنا وناهض فيها أعداء الأمة، وكافح من أجل حرية البلاد واستقلالها.

وكان إلغاء المعاهدة بالظروف والملابسات ومكانة القصر واتصاله بالإنجليز الوثيق خير دليل على بسالة مصطفى النحاس ووطنيته التي لا يمكن للشعب المصري أن ينكرها عليه.

ورحم الله النحاس حيث قال بالإسكندرية بعد إلغاء المعاهدة وكان في آخر خطبه:

ألا هل بلغت.. اللهم فاشهد.. لقد وقعت معاهدة 1936 من أجل خير مصر ثم ألغيتها أيضا من أجل خير مصر.. لقد بلغ الكتاب أجله...

احتجاج الدول الأربع على إلغاء المعاهدة

بعد إعلان قرار إلغاء المعاهدة في 8 أكتوبر سنة 1951 طلب سفراء الدول الأربعة وهي انجلترا وأمريكا وفرنسا وتركيا مقابلة وزيرا لخارجية بصفة عاجلة وعندما علم النحس باشا بهذا الطلب قال إنها مظاهرة سياسية.

وطلب من الدكتور صلاح الدين باشا أن يقابل الوزير السفراء كل على حدة، على أن تتم المقابلة بين كل سفي وآخر بعد انقضاء نصف ساعة. وتمت المقابلة وكان من الغريب أن تقدم السفراء جميع بمذكرة تضمنت صيغة طبق الأصل احتجاجا على إلغاء معاهدة سنة 1936 وفي الحقيقة كانت العقبة الكثود هي السودان وحين كان الجلاء أمرا مفروغا منه ويمكن الاتفاق بشأنه فإن السودان كان موضع مناقشات ومساومات وأخذ ورد طويلين.

وطالب السفير بالرجوع إلى السودان لحل الإشكال ولكن الحكومة رفضت هذا الطلب بشدة وشجبت محاولات الانفصال وطالبت بالوحدة بين البلدين الشقيقين تحت التاج المصري.

والواقع كما ذكرت أن مذكرة السفراء ولنقل إنها كانت مذكرة انطوت على صيغة واحدة تضمنت إجراء استفتاء حول مصير السودان وكان الوفد يرفض هذه الفكرة من أساسها إذ لم يكن القطر الشقيق إلا جزءا لا يتجزأ من الوطن كالإسكندرية والغربية وأسيوط وأسوان.

وعند اجتماع مجلس الوزراء عرض وزير الخارجية المذكرة التي قدمها السفراء ورفضها المجلس بالإجماع وكلف المجلس الوزير مقابلة السفراء فرادى وإعلانهم بقرار الرفض.

وطلب صلاح الدين من مجلس الوزراء أن يترك له الرد على السفراء وكانت الغاية من ذلك هي التسويف من جانب صلاح الدين باشا لرفض المذكرة أو تأجيل الرد عليها وكأن مجلس الوزراء مازال يبحث المذكرة.

ولكن المجلس رفض ذلك لأن المذكرة مرفوضة من أول وهلة، بل إن المجلس أصر على ذلك وعزم النحاس باشا على إعلان قرار رفض مذكرة السفراء أمام مجلس النواب في جلسة علنية.

وكان الزعيم الجليل مصطفى النحاس حاسما في مثل هذه الأمور ولا يقبل فيها جدلا أو مناقشة أو مساومة بأي حال بل كانت هذه مبادئه التي كان يدين بها منذ انتمائه إلى الحركة الوطنية في مطلع شبابه وكان قراره دائما بالنسبة لما يمس مصر والسودان أو يكون محلا لمزايدة أو تلاعب الرفض القاطع الذي لا يقبل بحال الرجوع فيه.

وكانت خطة سراج الدين باشا تتمثل فيما يلي:

يطلب أحد نواب المعارضة (الأستاذ حامد العلايلي بك) وهو من الأحرار الدستوريين الكلمة في مجلس النواب فيرد عليه رئيس المجلس المرحوم عبد السلام فهمي جمعة باشا عما يطلب بهذه الكلمة.

فيقول النائب:

هناك مسألة خطيرة لا يمكن السكوت عليها وأرجو أن يتسع صدر المجلس إلى سماعها أرجو سؤال الحكومة فيها.ط

فيوافق رئيس المجلس على إعطاء العضو الكلمة فيقول بصوت عال:

إنه نمى إلى علمي أن الدول الأربع وعددها تقدمت باقتراح إلى الحكومة حول إلغاء المعاهدة والخطوات التالية عليها.

ويطلب وزير الداخلية وسكرتير عام الوفد فؤاد سراج الدين باشا الكلمة ويرد بالآتي:

إن الحكومة ترحب بسؤال النائب المحترم ويهم الحكومة أن توضح لحضرات الأعضاء المحترمين حقيقة الأمر فقد تقدمت الدولة الأربع الكبرى بمذكرة وقد عرضت على مجلس الوزراء فرفضها بالإجماع لما تنطوي عليه من تدخل في شئون مصر وتمس استقلالها وأمانيها. ويصفق الأعضاء طويلا لكلمة الوزير الذي أجهز على كل مساومة يمكن أن تتم في هذا الموضوع الخطير.

لماذا أراد القصر عزل حكومة الوفد..؟

بعد إلغاء معاهدة 1936 في 8 أكتوبر سنة 1951 كما أسلفنا وإعلان الحكومة الجهاد ضد القوات المحتلة في قناة السويس بدأت أعصاب الملك تهتز وبدأ يخشى مغبة استمرار الكفاح الشعبي الذي قاده مصطفى النحاس وقد حاول البعض أمثال: إلياس أندراوس استغلال حالة الملك النفسية وإيهامه بأن الوفد يزمع عزله.

وكما أوضحنا أنه كان هناك مأدبة غداء أقامها الملك بمناسبة سبوع ولي العهد لكبار رجال الجيش في يوم السبت 26 يناير سنة 1952 أي يوم حريق القاهرة.

وعند اندلاع الحرائق وامتدادها إلى أنحاء كثيرة من العاصمة توجه وزير الداخلية فؤاد باشا سراج الدين إلى القصر لكي يعرض على الملك ما آل إليه الحال ويطالب بإنزال الجيش إلى الشوارع لحماية العاصمة.

وجلس وزير الداخلية ينتظر المثول أمام الملك مدة ساعتين ونصف الساعة ثم أذن له بمقابلة الملك وكان معه حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان الملكي وكريم ثابت باشا المستشار الصحفي.

وطالب فؤاد باشا الملك بضرورة نزول الجيش إلى العاصمة ووافق الملك على ذلك قد نمى إلى علمي فيما بعد أنه قبل 26 يناير سنة 1952 عقد اجتماع بين حافظ عفيفي باشا وكريم باشا ثابت والفريق محمد حيدر باشا واستقر الرأي على الإطاحة بحكومة الوفد ولكن حيدر باشا لم يقتنع بذلك وأوعز إلى الملك بالإبقاء على الحكومة الوفدية حفاظا على العرش.

وقد علمنا أن السبب في ذلك يرجع إلى أن حافظ عفيفي باشا كان يريد أن يتولى رئاسة الوزراء، وأنه كان ضليعا في المؤامرة التي أدت إلى إعفاء النحاس باشا من الحكم.

ولكن الملك بعد إقالة النحاس باشا لم يكلف حافظ عفيفي باشا كما كان يريد ويدبر بل كلف دولة الهلالي باشا بهذه الوزارة فاعتذر مشيرا بتكليف رفعة علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة الجديدة

أما إلياس أندراوس فقد كان يحقد على فؤاد باشا سراج الدين حقدا شخصيا ولأسباب اقتصادية منها أن إلياس أندراوس كان يضارب على القطن في البورصة نزولا أما سياسة فؤاد باشا سراج الدين منذ توليه وزارة المالية فكانت تهدف إلى ارتفاع أسعار القطن مما أدى إلى إلحاق الخسائر بإلياس أندراوس الذي صمم على إبعاد فؤاد باشا عن الحكم وكثيرا ما أدخل في روع الملك أنه بحكم اتصاله بالإنجليز فهم أن الوزارة في سبيل قطع علاقاتها بانجلترا وإذا أقدمت على ذلك فإن انجلترا سوف تعتبر نفسها في حالة حرب مع مصر وستأخذ الملك أسير حرب.

ولذلك فقد ألح على الملك بضرورة إقالة الوزارة. أما بالنسبة لكريم ثابت فلا نطيل القول بأن العداء قديم بينه وبين حزب الوفد شخصيا فقد كان الوفد يعلم أن كريم ثابت شخص لا يؤمن جانبه وأنه كان قوي التأثير على القصر في نواح غير أخلاقية وكان كريم ثابت يعلم أن حكم الوفد عقبة كثود أمامه، وأن الوفد لن يصبر على بقائه بالقصر وأن وجوده عاجلا كان أو آجلا مؤقت وسوف تطلب الحكومة عزله يوما ما.

ولذلك فقد انضم إلى ركب الناقمين على الحكومة وسياستها، وكان أحد مدبري الطبخة كما قال حيدر باشا لفؤاد سراج الدين باشا.الفدائيون والسلاح.

لما ألغيت معاهدة سنة 1936 وأعلنت حكومة الوفد الجهاد ضد الإنجليز بدأت حركة الفدائيين في منطقة القنال تؤرق مضاجع جنود الاحتلال وكانت الحكومة الوفدية تشجع الحركة بكل طاقتها وتمد الفدائيين بالسلاح وذلك عن طريق ضباط من البوليس.

وقد ضمت الحركة بين أطرافها شبابا من كافة النزعات وكان قوامها طلبة الجامعة الذين قدموا زهرة شبابهم كما انضم إلى حركة الفدائيين بعض الإخوان المسلمين ولفيف من ضباط الجيش.

ولكن كان والحق يقال – محرك هذه الحركة ضباط البوليس الذي كان وراءهم وزير الداخلية نفسه فؤاد سراج الدين باشا.

ولقد اكتشف الإنجليز هذه المسألة وعرفوا أن حكومة الوفد تحرك الفدائيين وحضهم على مزيد من حركة العنف وتخريب المعسكرات فأرسل رالف ستيفنسون السفير البريطاني حينذاك إنذارا للحكومة جاء فيه.

إن كل من يقوم بهذه العمليات ضباط من البوليس. وإن الحكومة البريطانية تحذر حكومة الوفد من الاستمرار في عمليات الفدائيين وهذا الإنذار ما زال موجودا في أرشيف وزارة الداخلية وبين المستندات الرسمية ينطق بخطورة عمليات الفدائيين المصريين.

ولكن فؤاد سراج الدين باشا لم يأبه لهذا الإنذار وسخر منه، وأشار بحفظه والحق أقول إن هذه المعركة النبيلة التي خاضها شباب الأمة ونفخ فيها الوفد من روحه، وفقت توفيقا كبيرا وكانت حركة كما قال لي رفعة النحاس باشا مباركة ومثمرة وكان شغل الحكومة الشاغل أن يستمر وهج الحركة الوطنية مشتعلا وأن تستمر حركة الفدائيين فعالة كي يضطر جيش الاحتلال أن يرحل من منطقة القناة خاصة بعد أن امتنع العمال المصريون عن العمل في معسكرات الاحتلال، وبعد أن قاطع تجار المنطقة الإنجليز بتحريض من الحكومة وبعد أن سددت المنافذ على بريطانيا أن تحارب الفدائيين بوصفهم جيشًا.

وسوف يسجل التاريخ أن حكومة الوفد كانت تشتري السلاح من الصعيد وأن الأستاذ رفيق الطرزي وهو نائب في البرلمان الودي ونجل أحد أقطاب الوفد القدامى كان يرسل السلاح من بلدته منفلوط في الصعيد إلى الفدائيين بمنطقة القناة، كما أن محافظة بور سعيد عبد الهادي غزالي كان ينقل بنفسه السلاح بسيارته الحكومية إلى الفدائيين.

وأذكر أنه ذات يوم حضر لمنزل الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا قريب له كان يحمل أخبار غريبة في بابها تتلخص في أنه علم بأن هناك قوات مسلحة قادمة من أستراليا سوف تصل إلى القناة لضرب الفدائيين وتعزيز القوات البريطانية الموجودة بالمنطقة.

واقترح على وزير الداخلية نسف القناة وسدها لكيلا تصلح للملاحة وذلك عن طريق طرد ألغام ينقل من القاهرة إلى بلدة القنطرة شرق بالسكك الحديدية لكي تتفادى تفتيش الإنجليز ثم يثبت في مكان ما يعينه الضباط لنسف القناة وتعطلها وأن يصحب الطرد: وجيه أفندي.

فوافق فؤاد باشا وزير الداخلية واتصل فورا بالمهندس المرحوم سيد عبد الواحد وكان مديرا عام لسكك حديد مصر وأخبره بأن هناك طردا من وزارة الداخلية سرى وعلى قدر كبير من الأهمية ولا يريد أن يطلع عليه أحد ومعه موظف اسمه وجيه أفندي

كما أتصل وزير الداخلية في الوقت نفسه بمأمور القنطرة شرق وأبلغه بأن طردا هاما يصل إليه الليلة ومعه موظف اسمه: وجيه أفندي وطلب منه أن يمر من الجمرك.دون تفتيش وأن يتم على وجه السرعة وبصورة سرية للغاية.

وقد تم كل شيء في أقل من 48 ساعة ولكن الوزارة لم تتمكن من أن تستمر في جهادها المقدس بسبب إقالتها بعد 22 ساعة.وصدرت الأوامر مبعد ذلك بوقف نشاط الفدائيين ووأدت الحكومات المتعاقبة بأمر الإنجليز نشاط الفدائيين.

وأذكر أنه عندما حوكم فؤاد باشا سراج الدين أمام محكمة الثورة سنة 1953 ذكر للمحكمة ما قام به من أعمال في منطقة القناة ومنها نقل الطور بيد لنسف القناة.

وقد نسب رئيس المحكمة السيد عبد اللطيف البغدادي هذه الواقعة إليه كتهمة ولكن سراج الدين باشا أنكر ذلك بقوله:إن أحد الضباط منكم هو الذي طلب مني ذلك ونفذت له ما أراد.

وفي اليوم الثاني للمحاكمة وأثناء الاستراحة دخل شخصي على فؤاد سراج الدين باشا ومن الطريف أنه كان وجيه أفندي وهو قائد الجناح وجيه أباظة) وقال له إنه قادم خصيصا لكي يستدعيه فؤاد باشا إلى الشهادة ولكي يؤدي رواية سراج الدين باشا

ولكن فؤاد باشا اعتذر له قائلا:

إن هذه الشهادة لا تقدم ولا تؤخر.

ولكن وجيه أباظة ألح عليه إلحاحا كبيرا ولم يستجب له فؤاد باشا. وهنا اقتحم وجيه أباظة المحكمة أثنا الاستراحة وأعلن لها أن ما قاله فؤاد سراج الدين صحيحي فقد نقل اللغم، أما كل ما قام به عبد اللطيف البغدادي فهو نقل جهاز اللغم.

أمريكا تحتج على.. مقتل ممرضة أمريكية

بدأت حركة نضال الشعب ضد الاحتلال البريطاني واستشهد المصريون بالمئات برصاص الإنجليز الغادر.

وبلغ إسراف الإنجليز ووحشيتهم في إراقة الدماء مبلغا تأباه الضمائر، فقد أطلق رصاصة من أحد جنود الاحتلال على الراهبة الأمريكية آن بديرسان فنسان دي بول يوم 19 يناير سنة 1952 فأودت بحياتها.

وكان لاغتيال الراهبة الأمريكية دوي هائل في الأوساط الأمريكية والبريطانية واحتج السفير الأمريكي بالقاهرة مستر جيفرسون كافري على مقتل الراهبة آن.

وقدم هذا الاحتجاج إلى الدكتور محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية وكان الاحتجاج شديد اللهجة فاتصل صلاح الدين باشا بسراج الدين باشا وأطلعه على المذكرة وقال له:

إن السفير يريد مقابلتك. ورفض فؤاد باشا ولكن النحاس باشا طلب منه أن يجتمع بالسفير كافري واجتمع السفير الأمريكي بالوزيرين المصريين وسأله وزير الداخلية عن سبب الاحتجاج وهل تأكدت الحكومة الأمريكية من الرصاصة التي قتلت الراهبة أنها رصاصة أطلقها مصري؟ ورفض الاحتجاج لحين إجراء تحقيق في هذا الموضع وكان السفير ضيق الصدر بادي التبرم.

وثبت من التحقيق في مقتل الراهبة استحالة أن يكون مصدر الإصابة مصريا إن الأدلة كانت قاطعة في أن الرصاصة من مصدر بريطاني وأنها لقيت مصرعها بنفس الرصاص الذي استشهد به المصريون. وبعد هذه

النتيجة استدعى كافري لمقابلة سراج الدين باشا الذي قال له:

لقد كانت الحكومة الأمريكية تطالب بتعويض عن فعل ما نرتكبه، ولو كنا قد قبلنا مذكرة الاحتجاج لطالبنا نحن بالتعويض.

عزام باشا.. والدفاع المشترك

بعد إلغاء معاهدة 1936 قدم السفير البريطاني سير رالف ستيفنسون مذكرة إلى رفعة النحاس باشا رئيس مجلس الوراء في 13 أكتوبر 1951 تنطوي على مروع للدفاع المشترك في الشرق الأوسط تكون مقر قيادته القاهرة وتشترك فيه الدول الأربع: انجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا..

مما يذكر أن النص على تركيا في معاهدة الدفاع المشترك جاء في اتفاقية الجلاء التي أبرمها الرئيس عبد الناصر في أكتوبر سنة 1954 مع الجانب البريطاني وقد رفض النحاس باشا المذكرة شكلا وموضوعا بل رفض أن يناقش الفكرة من أساسها ومما يذكر أنه لم يمض وقت طول بعد إعلان قرار النحاس برفض قيادة الشرق الأوسط ومشروعاتها الدفاعية وهو ما اعترض عليه منذ وزارة إسماعيل صدقي باشا سنة 1946 في مشروع المعاهد التي سميت باسم معاهدة صدقي بيفن وهي التي ثار عليها الشعبي وانتهت باستقالة الوزارة وقطع المفاوضات ومن بعد عرض النقراشي باشا النزاع على مجلس الأمن سنة 1947.

وأذكر أن عبد الرحمن عزام باشا قابل المرحوم اللواء وحيد شوقي بك مدير خفر السواحل في هذا الحين وقال له:

لماذا استعجلت الحكومة رفض المشروع، وهناك مشروع للضمان الجماعي موجودا بالجماعة العربية قدمه الدكتور ناظم القدس منذ سنة 1949 ولم يتحرك حتى الآن؟ ولكن النحاس باشا لم يقبل مشروع الدفاع المشترك وكان من رأيه أن يتخذ موقفا جديا فوريا من الغرب وتهيئة الشعب لكل الظروف والاحتمالات.

على هامش حريق القاهرة سنة 1952

اجتمع السفير البريطاني سير رالف ستيفنسون مع حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان الملكي وناقشه في الأزمات التي هدد بها الوفد الوجود البريطاني في منطقة قناة السويس وأثره على علاقات البلدين.

وكان الاجتماع قبل حريق القاهرة يوم 26 يناير سنة 1952 بأيام قليلة ووافقه حافظ باشا على رأيه خاصة وأن الملك وافق على تولي الوفد الحكم للوصول إلى معاهدة مع الحكومة البريطانية لكن الوفد لم يقبل العروض البريطانية كما لم يقبل مشروع قيادة الدفاع عن الشرق الأوسط الذي تقدمت به بريطانيا وأمريكا وفرنسا وتركيا بل إنه ألغى معاهدة 1936 وأصح الاحتلال البريطاني بدون أي سند.

وكان إلياس باشا المستشار الاقتصادي للملك فاروق يقوم بتبادل الرسائل بين الملك والسفارة البريطانية وأفهم الملك أن الإنجليز قد تخلو عن أي مساندة للقصر، وأن حرب مصطفى النحاس باشا للإنجليز في القناة قد تؤدي إلى عزل الملك.

وبعد اجتماع السفير البريطاني مع حافظ عفيفي باشا قابل حافظ باشا الملك الذي بدا ثائرا على الأوضاع فقال له حافظ باشا.إنني أرجو جلالتك أن تضبط أعصابك عدة أيام قليلة.

وفي يوم 26 يناير 1952 بدأت المظاهرات صباحا وأحرقت القاهرة وطلب القصر من الوزارة إعلان الأحكام العرفية لتمكين القصر من المؤامرة وإقالة الوزارة وقد خشي النحاس باشا من نتيجة إعلان الأحكام العرفية ولكن وزراءه أقنعوه ومن ثم كانت الإقالة التي توقعها المرحوم النحاس باشا.

ذلك أن المرحوم حافظ عفيفي باشا، وكريم ثابت باشا حاولا مباشرة إقناع الملك بالإقالة لكن المرحوم الفريق محمد حيدر باشا كان ضد الإقالة واستطاع إقناع الملك وخرج حيدر باشا ليبلغ فؤاد سراج الدين باشا تليفونيا فقال له فؤاد باشا: وسبتهم معاه ليه زمانهم كملوا الطبخة.

وكان حافظ باشا يردد في مجالسة الخاصة أن الحكومة لو قطعت العلاقات مع بريطانيا فمؤدى ذلك إعلان الحرب وأخذ الملك فاروق أسيرا، وأنه أمام خيارين، إقالة النحاس باشا أو أخذه أسيرا.

المستفيدون من حريق القاهرة

ولابد أن يتبادر إلى الذهن من هم المستفيدون من حريق القاهرة. إن نتيجة حريق القاهرة كانت شيئا واحدا، هو إجهاض الحركة الوطنية التي أشعلتها وزارة النحاس باشا في القناة ووأدها، وإقالة الحكومة التي فجرت نار الجهاد وإقصاء النحاس باشا عن الحكم بأية وسيلة.

وقد تحقق ذلك جميعا فقد أقليت الحكومة عقب حريق القاهرة وفرضت الأحكام العرفية، وتحولت البلاد إلى ظلام ما بعده ظلام ولكن لا يزال الغموض يكتنف مدبري الحريق من هم..؟

هل هم الإنجليز أو القصر أو عناصر معينة أرادت أن تشوه وجه الحركة الوطنية، أو عناصر ذات اتصال بأمريكا لقد اشترك بعض المهيجين في حريق القاهرة وهذا أمر لا خلاف فيه ولكن السؤال الذي كان عليما بكل ما يجري في الخفاء وهو فؤاد سراج الدين باشا وزير الداخلية يتهم الذي استفاد من هذا الحريق ويستدل على ذلك بأنه رغم وجود بعض العناصر التي ساهمت في إحداث الشغب واستغلاله فإن المواد التي استعملت في الحريق لم تكن في متناول الأفراد ولا يمكن للأفراد الحصول عليها بسهولة كما أن فؤاد سراج الدين باشا نفي أن يكون أحمد حسين زعيم مصر الفتاة ضليعا في المؤامرة فقد كان الأمر مدبرا بدقة ابتداء من مصر الجديدة إلى حلوان وهو أمر أحكم إحكاما كبيرا.

ولكن ما دور القصر في الحريق لقد كان من المدعوين على الغداء الملكي جميع ضباط بوليس القاهرة من رتبة صاغ فما فوقها مع ثلثمائة من ضباط الجيش بمناسبة ميلاد ولي العهد.

يمكن أن يكون للملك فكرة معينة حول الحريق ولكن تصرفاته يوم الحريق كانت تصرفات مشبوهة مريبة وربما كان بعض من حوله قد افهموه بأنهم يدبرون أمرا بصد إتاحة الوسيلة للإطاحة بالحكومة الوفدية ولكن الملك أيضا لم يكن طرفا في المؤامرة بأي حال بل إن المؤامرة اتسعت أيضا لتلتهم الملك كذلك.

وقد سرد وزير الداخلية حوادث ذلك اليوم بالتفصيل في بيان خطير نشرته جريدة المصري يوم 10 فبراير 1952 أثناء وزارة علي ماهر باشا بعد إقالة الحكومة الوفدية، كشف فيه الستار عن ظروف الحريق وما أكتنفه من ملابسات وحلل فيه الوقائع تحليلا يكشف عن المتآمرين في حريق القاهرة

ولكن الحكومة صادرة الجريدة ولم تسمح بنضر البيان ,لكن الجريدة احتالت على النشر وضللت الرقيب ونشر البيان وكان له دوي هائل. وكان في إمكان القصر أن يطلب من رجال الشرطة الانصراف لإخماد النيران ولكن ذلك لم يحدث بل حدث أنه بعد الغداء جمع الملك الضباط وبدأ في الكلام معهم.

ويطلب وزير الداخلية إنزالا الجيش الاشتراك في إخماد الحريق ولكن لا مجيب ويسوف حيدر باشا في الأمر بحجة عرض الأمر على الملك (خشية حيدر من مشاركة الجيش للثوار). وفي الساعة الثانية والنصف طلب فؤاد باشا عرض المسألة على مسامع الملك ولكن قبل أن بقابل فؤاد باشا الملك لينقل إليه المأساة ويطلب إخماد الحريق، يجد حيدر باشا وحافظ عفيفي باشا يجلسان في المكتب وكأن شيئا لم يكن وكأن القاهرة لم تصب بأضرار.

ومن الطريف أن حيدر باشا وحافظ عفيفي باشا قابلا أنباء الوزير بشيء من البرود، كان كل منهم يدعو الآخر إلى رفع الأمر إلى الأعتاب الملكية إلى درجة أن وزير الداخلية صرخ فيهما بعد أن فقد أعصابه وقال حيدر ثم عاد ليقول إن الملك أمر بنزول الجيش..

ووصل الجيش إلى حديقة الأزبكية في الساعة الخامسة والربع واتصل الأستاذ حسين صبحي بك مدير الأمن العام بوزير الداخلية في القصر الملكي ليقول له:

إن الجيش نزل إلى الشارع ولكنه لا يحرك ساكنا.

واتصل الوزير بعثمان المهدي باشا رئس أركان حرب الجيش الذي قال له:

إن معاليكم لم تصدروا إلينا بإطلاق الرصاص. وكان فؤاد باشا من قبل قد اتصل بحيدر باشا الساعة الحادية عشرة صباحا

ولكن حيدر باشا قال له:

بلاش ... نزل البوليس

فأجاب فؤاد باشا:

لكن البوليس فقد أعصابه بعد معركة الإسماعيلية وانضم لطلبة الجامعة في المظاهرات فقال حيدر باشا.

سأعرض الأمر على الملك مستأذنا في ذلك لأنه القائد الأعلى للجيش أنا ما ليس دعوة.

وقد تناقل الخاص وقتئذ أن فؤاد باشا قال لحيدر باشا في غضب أنه سبق أن قال له وقت احتدام معارك الفدائيين والبوليس في القناة إن الاحتياطات كاملة لإنزال الجيش في الشوارع عند حدوث أي شغب وأن حيدر باشا رد عليه أنه الآن يخشى انضمام الجيش إلى الجمهور الغاضب بعد الاعتداء الإنجليزي الوحشي على رجال البوليس والمظاهرات التي قام بها جنود البوليس وشاركهم الجامعيون والشعب.

وكان معروفا وقتها أن حيدر باشا غير راض عن سياسة الملك، وأن يده مغلولة بالنسبة للجيش رغم أنه القائد العام وأن الأستاذ مرتضى المراغي وزير الحربية واللواء حسين سري عامر هما صاحبا الرأي لدى الملك مما دعا حيدر باشا إلى تقديم استقالته ورفض الملك لها.

كما أن العلاقة العائلية بين المرحوم حيدر باشا والمرحوم المشير عبد الحكيم عامر كانت معروفة وأن المرحوم صلاح سالم كان يعمل في مكتب حيدر باشا.

وربما كان لدى حيدر باشا إلى جانب التقارير الرسمية معلومات عن الإعداد لحركة الجيش في يوليو 1952. هذه حدود معلوماتي عن حريق القاهرة.. ولا يزال السؤال حتى الآن قائما:

من الذي دبر حريق القاهرة ولا يزال السؤال حتى الآن قائما:

من الذي دبر حريق القاهرة.

علاقة الوفد بالولايات المتحدة الأمريكية

والواقع أن علاقة وزارة الوفد الأخيرة بالأمريكان كانت علاقة طيبة ولم يكن مرد ذلك بحال إلى الدكتور أحمد حسين باشا الذي كان وزيرا للشئون الاجتماعية في عهد الوفد حتى استقال ولكن كان مرجع ذلك إلى تقدير الولايات المتحدة الأمريكية للأسلوب الذي كان وزيرا للشئون الاجتماعية في عهد الوفد حتى استقال ولكن كان مرجع ذلك إلى تقدير الولايات المتحدة الأمريكية للأسلوب الذي كان يتبعه الوفد في إدارة البلاد وسياستها في هذه الآونة الدقيقة من التأييد والشعبية التي تتمتع بها الوفديون.

ولا أدل على ذلك من أن السفير الأمريكي في القاهرة مستر جيفرسون كافري كان وثيق الصلة بالحكومة بل إنه كان يقدم لها كما قال فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية يد العون أثناء صراعها مع الإنجليز بعد إلغاء المعاهدة إلى حد أن العلاقات قد ساءت بين السفارة البريطانية والسفارة الأمريكية بالقاهرة، ووصلت إلى درجة القطيعة بينهما، وكان ذلك بعد خروج الدكتور أحمد حسين باشا من الوزارة وكان فؤاد باشا دائم الاتصال بالسفير الأمريكي ويستعين به على الإنجليز للحد من تصرفاتهم الطائشة خلال معركة القناة.

وعلى سبيل المثال: فقد منع الإنجليز تدفق السولار إلى القاهرة من منطقة القناة، وكانت مواد الوقود تكفي البلاد أسبوعا واحدا ثم تتعطل المرافق العامة كالمياه والمجاري والكهرباء وذلك بقصد الإضرار بمركز الحكومة بعد إلغاء المعاهدة، وكان فاد باشا يقابل السفير الأمريكي عادة في منزل الاقتصادي المصري الكبير أحمد عبود باشا وفي ذلك الوقت حذر وزير الداخلية السفير من مغبة تصرف قوات الاحتلال وإقدامها على مثل هذا التصرف الخطير

وقال الوزير:

إن مثل ها التصرف سوف تنعكس آثاره على الأجانب ولا ندري عواقب الفتنة التي سوف تتمخض من ثورة الشعب على الأجانب.

وقال السفير:

إننا نريد معركة أرضها قناة السويس، ونرجو أن تظل محصورة في القناة وحدها واتصل السفير الأمريكي بوزارة الخارجية الأمريكية وأرسل لها تقريرا عاجلا عن تصرف قوات الاحتلال البريطاني.

واتصل وزير الخارجية الأمريكي بزميله البريطاني فألغى القرار البريطاني وأخطرت وزارة الخارجية الأمريكية مستر كاري بهذا الإلغاء قبل أن يصل إخطار الخارجية البريطانية لسفيرها بالقاهرة فسارع مستر كافري بإبلاغ فؤاد باشا.

وعلى الجانب المقابل، حاولت الحكومة المصرية الاتصال بالاتحاد السوفيتي لتزويدها بالسلاح أثناء معركة القنال، ولكن الاتحاد السوفيتي لم يستجيب لطلب الحكومة وعلل ذلك بارتباطاته الكثيرة كما حاولت الحكومة الاتصال بدول المجموعة الشيوعية ولكن هذه الدول لم تخرج عما سرا عليه الاتحاد السوفيتي من الامتناع عن تزويد مصر بالسلاح وكل ذلك طبعا كان رعاية لبريطانيا.

وكان متسر جيفرسون كافري إذا استطرد في شرب الويسكي ينطلق لسانه بعض الانطلاق وفي مقابلة له مع فؤاد سراج الدين باشا بمنزل أحمد عبود باشا سأله فؤاد باشا عما إذا كان الروس قد توصلوا لصنع القنبلة الذرية فأجابه بأنه يعتقد ذلك ولكن ليس على المستوى الأمريكي.

فقال فؤاد باشا:

ولماذا لا تنتهز أمريكا الفرصة لحل المسائل المختلفة عليها مع الروس مع التلويح باستعمال القوة أو استعمالها فعلا.

فضحك مستر كافري قائلا:

يا معالي الوزر إن الذي يعلن الحرب في الاتحاد السوفيتي شخص واحد أما في الأمريكان فلابد ن موافقة الكونجرس واتخاذ إجراءات طويلة والروس يعلمون ذلك.

رفض الوفد الاشتراك في حرب كوريا

لما استطاعت الولايات المتحدة في غيبة الروس وحيث قررت الأمم المتحدة تشكيل قوة دولية للفصل بين كوريا الشمالية وكويا الجنوبية طلب من الحكومة المصرية المشاركة بقوة رمزية بين قوات الأمة المتحدة في كوريا فرفض النحاس باشا هذه المشاركة بأي صورة كانت.

وأذكر أنه في هذا اليوم كانت الحكومة تعتزم الاعتراف بالصين الشعبية بعد انتصارها على قوات شان كاي شيك سنة 1949 ولكن السفير الأمريكي تدخل وضغط على القصر لمنع الاعتراف بالصين الشعبية، وأرجأ مجلس الوزراء الاعتراف بالصين إلى جلسة أخرى وكانت النية متجهة أن يصدر الاعتراف بهدوء وبشكل غير ملفت للأنظار.

الوفد والاتحاد السوفيتي

كانت وزارة الوفد عام 1942 أول وزارة تعترف دبلوماسيا بالاتحاد السوفيتي وتقيمي معه علاقات سياسية وذلك ليس إيمانا بالمبادئ البلشفية أو اليسارية ولكن لما يحتمل من فؤاد تجارية.

وكان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية أحد الحلفاء ضد المحور الألماني الإيطالي الياباني وكانت مصر تتلقى الرأي البريطاني بل الأمريكي وتبحثه في نطاق ما تستطيع كسبه لمصر. وقد حاول الملك فاروق استغلال الفرصة ضد حكومة النحاس باشا فادعى الغضب لأن الاعتراف بفتح الباب المصري للشيوعية.

وبعد قيام العلاقات مع الروسي تبين للحكومة أن السياسة السوفيتية كانت وربما لا تزال حريصة على عدم إغضاب حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وبوجه خاص، فقد كان قانون الإعارة والتأخير الأمريكي وسيلة الروس إلى هزيمة الألمان وردهم عن موسكو.

صلة الوفد باليسار

ومن الأمور الواجب إزاحة الستار عنها مسألة صلة حزب الوفد باليسار وقد قلنا إن الوفد كان أول من أنشأ علاقات سياسية مع الاتحاد السوفيتي أثناء وزارة 1942، ولكن دون غايات سياسية بل كان يقصد إقامة علاقات تجارية وبقصد التوازن مع بريطانيا وقد أبدى الملك فاروق معارضته بدعوى خطر الشيوعية على البلاد.

ويلاحظ أن الوفد قد أبرم اتفاقية الذرة مع يوغوسلافيا وهي إحدى الدول الشيوعية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي حتى 1948 ولكن روسيا كانت حريصة على عدم إغضاب الولايات المتحدة بعد خروج أمريكا من الحرب العالمية الثانية منتصرة وقد حصلت على القنبلة الذرية التي لم تكن روسيا تملكها في هذا الحين ولم تستطع حكومة الوفد فيما يبدو أن تفيد من هذا الموقف لأن السياسة الروسية كانت ملتزمة بعدم الصدام مع أمريكا وانجلترا.

وفي أثناء هجوم الفدائيين عل معسكرات الاحتلال بعد إلغاء معاهدة 1936 في أكتوبر سنة 1951 طلب وزير الداخلية شراء أسلحة من دول الكتلة الشيوعية كروسيا ويوغويلافيا وتشيكوسولفاكيا على أن يكون الدفع بالنقد الفور ولكن هذه الدول لم توافق بحجة أن مصانعها مرتبطة بعقود لسنوات طويلة ولكن في الحقيقة كانت تعلم أن هذا السلاح معد للحرب.

أما بالنسبة لموقف الوفد من اليسار في الداخل فإن وزير الداخلية الوفدي ينفي صلة الحزب باليسار ولم تكن هناك قيمة تذكر قبل 1952 لما يطلق عليه تيار يساري فالجهود الشيوعية لم تزد عن كونها محاولات فردية كإنشاء الخلايا عن طريق أفراد معروفين للبوليس السياسي وكان بعض الأفراد ينضم للخلايا بقصد الابتزاز أما القلة فكانت تؤمن بمبادئ اليسار وهذه القلة لم يكن يؤبه لها ولا تشكل خطورة بوصفها تيارا سياسيا يمكن أن يلعب دورا في الأحداث.

وكانت سياسة حزب الوفد سياسة ليبرالية تبتعد عن الصدام حتى أثناء الظروف العسكرية لم تستغل ذلك للبطش باليسار، بل كانت معظم حركة الأفراد الذين يعتبرون من اليسار مكشوفة لحكومة الوفد إذ كانوا يوزعون المنشورات في ظل حماية القانون دون أي ضغط أو إرهاب من جانب الوفد.

ويقال إن الهيئة الوفدية كانت تضم لفيفا من اليسار ولكن سكرتير الحزب فؤاد سراج الدين باشا ينفي ذلك بصورة قاطعة فاليسار لم يكن القصد منه الشيوعية بل كان يقصد به المطالبة بالإصلاحات الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة وهذا ما كانت تلتزم به الحكومة الوفدية ذاتها بل كان فؤاد سراج الدين باشا نفسه يدعو إلى زيارة الضرائب التصاعدية

وفي عهد حكومة الوفد وفرضت ضرائب التركات وضرائب الدخل العام وأطلقت مجانية التعليم وقرر الضمان الاجتماعي وهي مبادئ اشتراكية صحيحة ولكنها لم تكن مبادئ شيوعية ووزارة النحاس باشا 4 فبراير 1942 هي التي أصدرت تشريعات حماية العمال.

ويذكر فؤاد باشا سراج الدين أنه قدم غليه تقرير مفاده أن نجل عباس سيد احمد باشا وهو الأستاذ محمد سيد أحمد المحرر حاليا بالأهرام ونجل الوزير عبد اللطيف باشا محمود وهو الأستاذ محمود النبوي عضوان في خلايا شيوعية وقابل وزير الداخلية في نادي السيارات بالإسكندرية المرحوم عباس سيد أحمد باشا بعد أن طوي التقرير في جيبه قوال له قبل أن يعطيه التقرير:

إن ابنك متعب وشيوعي النزعة.. فماذا أفعل عندما يقبض عليه.. هو عمره كام..

فقال عباس باشا سيد أحمد:

25 سنة.

فقال الوزير:

أنت بتدي له كام مصروف جيبه؟

فقال:

5 جنيهات.

فسأله عن إيراده فقال:

50 ألف جنيه في السنة

فضحك فؤاد باشا قائلا:

لابد أن يصبح شيوعيا أعطل له 20 جنيها وأنا لا أدري ماذا أفعل عندما يقبض عليه .. هل أحبسه؟

فقال عباس باشا:

عالجه أنت.

فرد وزير الداخلية:

أنا إذا عالجته بالسجن يخرج مجرما.

وتكررت نفس القصة بالنسبة لعبد اللطيف محمود باشا ولكن فؤاد باشا اقترح أن يعطي الأب لولده 50 فدانا بإيجار عشرة جنيهات بشرط أن يعمل فيها ويستولى على الإيراد.

ولم تنقض سنة عندما قابل فؤاد باشا عبد اللطيف محمود باشا الذي ذكر له أن محمود النبوي يغالطه في الحساب كأكبر رأسمالي؟ ويقيني أن الهيئة الوفدية لم تكن تضم بين صفوفها شيوعيا واحدا.

وإذا كانت للبعض أفكار تقدميه فإنها كانت تتفق وطبيعة التطور ومركز الوفد بالنسبة للشعب بوصفة الحزب الذي عبر عن الأمة.

وأذكر أن بعض النواب قدموا مشروعا لرفع سعر اليروسين فثار بعض شباب الوفد على هذا المشروع وتلقف خصوم الوفد هذا النقد واتهموا الشباب بأنهم شيوعيون ولكن فؤاد باشا سراج الدين خطب في سرادق أقيم في شبرا بمناسبة انتخابات سنة 1950 تأييدا لمرشح الوفد الأستاذ حسين أبو الفتح قائلا:

إن خصومنا يتهموننا بأن الوفد هيئة شيوعية بقصد الإيقاع بينه وبين القصر ولكنني أنفي ذلك وإن كنت أرحب بالأفكار التقدمية وإذا كانت مبادئ الوفد في التقريب بين الطبقات ورفع الضرائب والإصلاح الداخلي مبادئ شيوعية فنحن شيوعيون والخلاصة أن الوفد كان حزبا أقرب إلى الاشتراكية الصحيحة المعتدلة.

ولادة الأمير أحمد فؤاد إبلاغها أزعج مجلس الوزراء

أذكر أنه بعد ولادة الأمير أحمد فؤاد ولي العهد اتصل بمجلس الوزراء معالي المرحوم عبد اللطيف باشا طلعت كبير الأمناء بالقصر الملكي ليبلغني أن سعادته يريد مقابلة رفعة النحاس باشا لأمر عاجل.

وحددت المقابلة مع مصطفى النحاس باشا بمنزلة بعد نصف ساعة. وفي الميعاد قابل رئيس الوزراء كبير الأمناء ولم تستغرق المقابلة أكثر من دقيقتين خرج بعدها النحاس باشا لكي يودع عبد اللطيف باشا طلعت وكان مبتهلا مبتسمًا.

وطلب رفعة النحاس باشا مني دعوة مجلس الوزراء فورا. وبدأت الشكوك تساورني ولكن كان من بواعث اطمئناني أن رفعة النحاس باشا كان قرير العين مطمئن البال.

وبدأت أتصل بمديري مكاتب الوزراء وألقيت الرعب في قلوبهم بأن الوزارة مصيرها معلق في يد القدر وأن مجلس الوزراء دعي لاجتماع عاجل بناء على طلب القصر وأنه يجب على الوزراء الحضور إلى مجلس الوزراء في أقل من نصف ساعة.

وجاء الوزراء وأشهد أنهم كانوا منزعجين قلقين.وكان الجد مرتسما على وجهي. ودخل الوزراء وكأن على رؤوسهم الطير للاجتماع، ولكن فؤاد باشا سراج الدين كان يعرف المسألة بحذافيرها فطلب مني أن أستمر في الدور إلى النهاية ودخل وهو مقطب الجبين بادي القلق بشكل لا يخفى.

وعندما وصل النحاس باشا إلى مكتبه بالرئاسة طلب مني أن أدخل لمجلس الوزراء أثناء انعقاده محمود بك يونس الأمين بالقصر الملكي.

وبدأ الاجتماع عندما دخل النحاس باشا ورحب بالوزراء وطمأنهم وبعد دقائق وصل محمود بك يونس ودخل لمجلس الوزراء في التو واللحظة ثم بدأ يتلو خطابا موجها من الملك إلى رئيس وزارته ومكتوبا بماء الذهب ويتضمن إشادة بجهود الوزارة وعهدها الزاهر وتمنيات الملك لرئيس الوزراء ولوزرائه بالتوفيق والسداد.

الأمير محمد علي يهاجم سياسة الوفد

كان معروفا أن الأمير محمد علي ولي عهد الملك فاروق وثيق الصلة بالإنجليز بل كانت الأحلام تراوده بخلع الملك توليته العرش.

ولما ساءت علاقة حكومة الوفد الإنجليزي وكان الملك فاروق في كابري والرئيس مصطفى النحاس باشا بباريس كان المرحوم المهندس الكبير عثمان محرم باشا وزير الأشغال رئيسا للوزراء بالنيابة فوجئ الناس بحديث للأمير محمد علي نشرته (الأهرام) وتضمن مطاعن ضد الوزارة وانتقادا لسياستها الاقتصادية.

وكان هجوم سراج الدين باشا وزيرا للمالية بعد إخراج الدكتور زكي عبد المتعال فنشر حديثا فند فيه المطاعن وأوضح أن (حكومة جلالة الملك) تلتزم جادة الصواب في الشئون الاقتصادية وأن هذه الانتقادات لا أساس لها من الصحة.كما أن حكومة جلالة الملك تحتج أشد الاحتجاج على آراء ولي العهد.

وتقاطرت التهاني على فؤاد باشا الذي قال:

إن واجبي الرد على أي إنسان ولو كان ولي العهد، وقد تعمدت أن أقول (حكومة جلالة الملك) كي أضع الأمور في نصابها الصحيح. وحدثت أزمة بين ولي العهد ووزير المالية.

وحاول سكرتير ولي العهد المرحوم أحمد مختار تخفيف الأزمة باعتذار من فؤاد باشا الذي رفض لأن الأمير هو الذي بدأ بالهجوم. وفي اليوم التالي طلب سكرتير ولي العهد أن يقابله وزير المالية بقصره الساعة الحادية عشرة فاعتذر فؤاد باشا بانشغاله، وحدد موعدًا آخر بعد يومين.

وتمت المقابلة بقصر الصفا بالإسكندرية وعاتبه ولي العهد قائلا:

أنت زي ابني وأنا كنت على صلة بوالدك وأزوره.

فقال فؤاد باشا:

أنا لم أفعل شيئا وسموك تعلم أننا لم نتأخر في تحويل أموال للخارج لأشخاص ملازمين لك بالمنزل ولك، ودائما كنا نعمل ما تريد وكنت أنتظر أن سموك تكلمني بملاحظاتك.

وحاول ولي العهد تخفيف الموقف فقال:

أنت عارف إلي يمشي وراء الصحفيين يغرق.

وفي اليوم التالي ترك الأمير بطاقته بمنزل فؤاد باشا وكذلك فعل مع المرحوم عثمان محرم باشا رئيس الوزراء بالنيابة.

ولما عاد الملك من الخارج روي له كريم ثابت القصة.وفي أول مقابلة ملكية مع فؤاد باشا قال له الملك. أنت هلكت أبو دقن.

الملك يرفض طلب الوفد بإحالة حيدر إلى المعاش والجيش يستقبله بالتصفيق

تقدمت حكومة الوفد بطلب إحالة حيدر باشا وعثمان المهدي باشا إلى المعاش بناء على طلب مصطفى نصرت باشا وزير الحربية.

وفي 6 مايو 1951 يوم الاحتفال بعيد جلوس الملك بنادي الضباط بالزمالك كانت سيدة الغناء أم كلثوم ستحيي الحفل سألت الوزارة السراي عن اسم مندوب الملك الذي سيحضر الحفلة ولم تتلق الوزارة جوابا وكان سؤال الوزارة عن اسم المندوب حتى أنها لو علمت أنه حيدر لاعتذر مصطفى نصرت عن استقباله ولكن السراي تكتمت الخبر وفوجئ معالي مصطفى نصرت باشا بوصول مندوب الملك الفريق محمد حيدر باشا الذي اضطر لاستقباله كمندوب عن الملك.

وعندما استقبل حيدر باشا من أكثر من أربعة آلاف ضابط بعاصفة من التصفيق استمرت أكثر من خمس دقائق. وهنا أشفق الوزراء على موقف مصطفى نصرت وهو رجل مسن ثم قام نصرت باشا وزيرا لحربية ليلقي الكلمة التقليدية في هذه المناسبة ولم يصفق له أحد مطلقا وبعد غناء أم كلثوم ودع نصرت باشا.. حيدر باشا وفي صباح اليوم الثاني جاء كريم ثابت برسالة من الملك إلى فؤاد سراج الدين قائلا: إن شاء الله يكون مصطفى نصرت والناس سمعوا أم كلثوم وانبسطوا وعلشان تعرفوا قد إيه الجيش بيحب حيدر باشا. وهذا طبعا معناه.. أن رأي حكومة الوفد في حيدر باشا خطأ.

رفض الوفد تعيين إسماعيل شرين محافظا للقاهرة

حضر حسن يوسف لمقابلة فؤاد سراج الدين وقال له:

إن الملك يريد تعيين إسماعيل شرين محافظا للقاهرة.

فرد سراج الدين قائلا:

ليس من مصلحة الملك تعيين إسماعيل شرن محافظا للقاهرة ولا إسماعيل شرين في حاجة لمرتب محافظ وهو زوج الأميرة فوزية أخت الملك وأنا لا أقبل أن يقابلني زوج أخت الملك على رصيف المحطة بوصفي وزيرا للداخلية وهذا يثير عليه الكثيرين ويصبح ضمن عشرين واحدا منتظرين وصولي أرجو إبلاغ رأيي هذا للملك يمكن تعيينه في أي شركة إ كان يريد عملا بجانب عمله.

وأعاد حسن يوسف الكرة مرة أخرى وقال لفؤاد باشا:

إن الملك يرجوه في تعيين إسماعيل شرين محافظًا.فرفض سراج الدين وقال حسن يوسف باشا. لو أصدرت الوزارة مرسوما بتعيين محافظ للقاهرة فإن هذا المرسوم لن يوقعه الملك وفي الحال أصدر سراج الدين باشا قرارا بندب وكيل المحافظة محافظا بالنيابة وظل المحافظ بالنيابة إلى أن انتهى حكم الوفد.

صلاح الدين باشاواستفتاء السودان

أثناء انعقاد جمعية الأمم المتحدة بباريس في يناير سنة 1952 وكان صلاح الدين باشا وزير الخارجية يستعد للسفر لإلقاء خطبة في الجمعية العمومية أراد فؤاد باشا سراج الدين أن يعلم فحوي الخطبة قبل إلقائها على ضوء السياسة التي كانت تنتهجها حكومة الوفد بالنسبة لقضية الاستقلال والسودان.

ودار حديث بين فؤاد باشا سراج الدين ووزير الخارجية. وقال وزير الخارجية وعلى شفته ابتسامة اعتاد أن يرسمها على وجهه عندما كان يصاف مسائل خطيرة.إنني أنوي أن أقذف في وجه الإنجليز بقنبلة خطيرة أثناء الجمعية العمومية فقال له فؤاد باشا..ما هي؟

فقال: لقد صممت أن أوافق على الاقتراح بعمل الاستفتاء في السودان بشرط خروج الموظفين الإنجليز من السودان قبل إجراء الاستفتاء .

ولكن فؤاد باشا عارض هذه الفكرة بشدة لأنها كانت تخالف رأي الوفد في قضية وحدة وادي النيل، وإصراره على الوحدة منذ عهد بعيد.

فقد تحطمت المفاوضات التي أجراها سعد زغلول وخليفة مصطفى النحاس باشا منذ سنة 1924 على صخرة السودان وقال النحاس باشا كلمته المدوية في مفاوضته مع هندرسون. تقطع يدي... ولا أفرط في السودان.

وكانت انجلترا منذ سنة 1947 أي منذ عرض قضية السودان على مجلس الأمن تطلب الاستفتاء ولكن الوفد وهو يعبر عن الأمة بشطريها أصدق تعبير كان يرفض هذه الفكرة من أساسها باعتبارها منازعة في حق مسلم به لمصر كما أخذت أمريكا أخيرا في تأييد دعوى الاستفتاء.

وكانت حجة فؤاد باشا سراج الدين دامغة وهي أن: قبول مصر لفكرة الاستفتاء معناه بوضوح هو أنه يعطي لإنجلترا ذريعة وإثارة للتشكيل فيما نادي به الوفد منذ فجر الثورة المصرية سنة 1919. وأخيرا سأل وزير الخارجية:

يا صلاح باشا هل أخذت رأي رفعة النحاس باشا؟

ولكن صلاح الدين باشا أجاب بالنفي ثم قال:

ما دمت أنت ترى ذلك وأنت سكرتير الوفد فأرى أنه لا داعي للرجوع إلى رفعة الرئيس. وسافر صلاح الدين باشا إلى باريس وألقى خطابا يتضمن كل ما ذكره لفؤاد باشا ونشرت الصحف نص الخطاب.

ولم تمض أكثر من ساعات، إلا واتصل النحاس باشا فؤاد سراج الدين قائلا:

شفت الكلام اللي قاله صلاح الدين ما كنا خلصنا من زمان لو كان عاوزين نعمل استفتاء. وتصادف أن يوم نشر الخطاب كان هو اليوم المقرر لاجتماع مجلس الوزراء وتعمد فؤاد باشا سراج الدين أن يمر على منزل النحاس باشا قبل الذهاب إلى مجلس الوزراء ليصطحب رفعته. واجتمع مجلس الوزراء.

وتكلم الدكتور طه حسين باشا وزير المعارف بعد أن رفض التقليدي بجدول الأعمال بسبب مسائل خطيرة لا يمكن إغفالها أو التغاضي عنها ثم ذكر واقعة خطاب صلاح الدين باشا وما تضمنه من اقتراح لإجراء استفتاء في السودان

وقال طه حسين:

إن هذا يناوئ سياسة الوفد.

وتساءل:

وهل الوفد قد غير من مبادئه؟

وطالب وزير المعارف بإقالة وزير الخارجية فورا. وقامت زوبعة بين الوزراء وكان النحاس باشا واجما لم ينطق بحرف إذا كان حزينا وكلم وزير الداخلية فؤاد سراج الدين باشا موجها الخطاب إلى رفعة مصطفى النحاس باشا.

لقد كنت قاضيا ورفعتكم تعل أنه لا يجوز محاكمة متهم دون سماع دفاعه وحق الدفاع حق مقدس، فكيف تحكمون على إنسان دون أن تسمعوا دفاعه فربما كان ذلك راجعا إلى خطأ في الترجمة أو النقل وأرى تكليف إبراهيم فرج باشا وزير الخارجية بالنيابة الاتصال فورا بالدكتور صلاح الدين باشا وأن يطلب منه باسم مجلس الوزراء العودة فورا إلى القاهرة.

وبالفعل اتصل إبراهيم فرج باشا بالوزير الغائب الذي وصل القاهرة يوم 25 يناير 1952 وهو يوم مشهود وأقيلت الوزارة دون أن يجتمع مجلس الوزراء.

الأيام الأخيرة لحكومة الوفد

عندما ألغى النحاس باشا معاهدة 1936 ثم رفض مشاركة مصر في حرب كوريا كان يعلم أن الكتاب ربما قد بلغ أجله ولا بد أن ينتهي عهد حكومة الوفد عاجلا أو آجلا.كان هذا الإحساس يغمر مصطفى النحاس باشا وكان صادق الحس مؤمنا أنه قاد مصر في فترة حاسمة من تاريخها كافح واستبداد القصر وتعينت الإنجليز ولم تلن له قناة.بل أذكر أن النحاس باشا ارتد بعد إلغاء المعاهدة شابا غض الإهاب متوقد الحماسة كأنه ابن العشرين.

ولكن القصر والإنجليز لم يغفروا لمصطفى باشا النحاس إقدامه على إلغاء المعاهدة، فبدأت الحملات المسعورة تنشر أنباء مختلفة تتسم بالمبالغة والاختلاف عن محاربة الوزارة للفدائيين واعتقالهم بقصد زعزعة الثقة بين المقاتلين في الجبهة والوزارة في الداخل وتطوعت صحف القصر والإنجليز وخرجت صفحاتها بالحملات الجائرة على مظاهر الفساد الداخلي في الوفد والتشهير بالأخطاء والسرقات واستغلال النفوذ بغية صرف اهتمام الناس إلى الوضع الداخلين وإضعاف ثقة الشعب في الوزارة التي اختارها بأغلبية ساحقة سنة 1950.

وقد تمت مشاورات متصلة بها القصر وأعوانه للبحث عن وزارة تخل وزارة الوفد ويتوفر فيها مواصفات خاصة من أهمها الادعاء بالاستمرار في مقاومة الإنجليز والقدرة على إلهاء الشعب تدريجيا وفي هدوء عن قضية الاستقلال.

كما قام الإنجليز باستفزازات وتحرشات عنيفة لا غرض من ورائها سوى تعريض الحكومة لهزات عنيفة وإثارة موجة السخط في الداخلي بقصد إثارة الشعب لإحراج الحكومة واتهامها بعدم القدرة على المحافظة على الأمن وحراسة أموال وأرواح الأجانب ففي 8 ديسمبر سنة 1951 هدم الإنجليز حيا بمدينة السويس، هو كفر أحمد عبده وأبادوه من الوجود.

وكان القائد العام للقوات البريطانية أرسكين قد طلب من محافظ السويس إبراهيم زكي الخولي إخلاء منازل الكفر بحجة أنه يقع بجوار وابور المياه الذي يزود المعسكرات البريطانية بالماء ولأن القيادة البريطانية تنوي أن تمد طريقا وتقيم جسرا يصلان بين المعسكرات البريطانية وهذا الوابور.

واتصل المحافظ بوزارة الداخلية فرفض فؤاد سراج الدين باشا طلب القيادة وأمر قوات البوليس بحماية مساكن الكفر والحيلولة دون هدمها ودفع كل اعتداء يقع على ساكنيها من القوات البريطانية.

ولكن في يوم الجمعة 7 ديسمبر وجهت القيادة البريطانية إنذارا باحتلال الحي في صباح اليوم التالي بقوات كبيرة من المشاة تؤيدها المدفعية والدبابات لهدم الحي.

وأبلغ الإنذار إلى مصطفى النحاس باشا الذي قرر رفض طلب القيادة البريطانية وعهد إلى المحافظ باتخاذ الإجراءات اللازمة لمقاومة الاعتداء على الأهالي ومقاومة تنفيذ الإنذار بالقوة.

وكان رأي الحكومة قاطعا في رفض العدوان على الأهالي ومقاومة تنفيذ الإنذار بالقوة. وكان رأي الحكومة قاطعا في رفض العدوان الذي لم يكن له مبرر من ضرورة حربية وقد أوضحت وزارة الخارجية المصرية في مذكرتها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة فظاعة العدوان البريطاني المسلح على القرية الآمنة، وكان القصد من ذلك كله هو إطلاق عقال المظاهرات وإشاعة الفوضى في الداخل بقصد إقالة الوزارة.

ولا أكذب على التاريخ عندما أقول إن النحاس باشا كان رجل الديمقراطية في مصر فقد أطلقت الحريات في عهد الحكومات الوفدية ولكن أعداء الوطن كان لابد أن يبحثوا عن وسيلة للحد من الحريات العامة لأن وأد القضية لا يمكن أن يتيسر في ظل الحريات.وتمت الخطة بحذافيرها..وأحرقت القاهرة..

وساطة جلالة الملك عبد العزيز

بعد إلغاء مصطفى النحاس باشا معاهدة 1936 ازداد تدهور العلاقات السياسية بين مصر وبريطانيا وبدأت حركة الكفاح المسلح بمنطقة القناة ضد القوات البريطانية مما أقلق الحكومة البريطانية.وتقدمت العراق للوساطة بين مصر وبريطانيا عن طريق سفيرها المرحوم نجيب الراوي ولكن مصر رفضت هذه الوساطة.

وقال النحاس باشا:

إن نوري السعيد ملكي أكثر من الملك.

ثم تدخلت المملكة العربية السعودية لبذل مساعي الوساطة بين مصر وبريطانيا وفي الخامس من ربيع الثاني سنة 1371 هـ أرسل جلالة الملك عبد العزيز آل سعود كتابا خاصا إلى رفعة النحاس باشا بيدي فيه قلق الشديد من تردي العلاقات المصرية البريطانية ويعلن استعداد جلالته للتدخل لعلاج الموقف على الأسس الآتية:

  1. اعتبار معاهدة 1936 ملغاة وكأن لم تكن.
  2. تقوم القوات البريطانية بالجلاء عن منطقة القناة إلى أماكن خرج المملكة المصرية.
  3. يقوم الجيش المصري بالحلو محل القوات البريطانية تباعا بمنطقة القناة.
  4. يتم تسليح القوات المصرية وتدريبها لتصبح قادرة بنفسها على مهمة الدفاع عن مصر.
  5. تعقد معاهدة صداقة جديدة بين مصر وبريطانيا وينظم أمر الدفاع باتفاق ثنائي يقوم على التعاون ويوضح فيه شكل التعاون ووسائله في حالتي السلم والحرب
  6. يترك أمر السودان لاختيار أهله ويجري استفتاء خالص من كل شائبة.

وقد قبل رفعة النحاس باشا هذه المبادرة الطيبة من الملك عبد العزيز وكتب إلى جلالته الرد التالي: حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود حفظه الله.

تشرفت باستلام كتاب جلالتكم المؤرخ 5 من ربيع الثاني سنة 1371 هـ الذي تفضلتم فيه جلالتكم بالإعراب عن مكنون محبتكم لمصر وما ينطوي عليه قلبكم الكبير من أماني الخير لها والرغبة الصادقة من دفع السواء عنها وإني باسم الشعب المصري وأسمى لأقدر هذا الشعور النبيل الخليق بملك عربي جليل وستبقى ذكرى هذه العواطف الشريفة خالدة في قلوب المصريين مقرونة بالود والإكبار والامتنان.

إن البواعث الكريمة التي حدت بجلالتكم أن تتفضلوا باقتراح أساسي لحل النزاع الذي استفحل أمره بين مصر وانجلترا باعتباره اقتراحا شخصيا من جلالتكم قد تلقيته بما يستحقه من عناية واعتبار ووضعت إلى جانبه ما رأيت من التعديلات المرافقة التي أ‘تقد أنها تكلف تحقيق ما تصبو إليه جلالتكم من مطالب مصر القومية عن طريق الوفاق والاتفاق.

وأرجو أن تفضلوا يا صاحب الجلالة.

بقبول موفور الشكر والاحترام.

مصطفى النحاس.

أما هذه التعديلات التي أشار إليها كتاب رفعة النحاس باشا فقد انطوت على ما يلي:

  1. تعتبر المعاهدة التي كانت معقودة بين مصر وبريطانيا سنة 1936 وملحقاتها واتفاقية سنة 1899 ملغاة اعتبارا من تاريخ العمل بالقوانين المصرية التي أصدرها البرلمان المصري بإلغائها في 16 ، 17 أكتوبر من سنة 1951.
  2. يبدأ جلاء القوات البريطانية والجوية والبحرية فورا عن منطقة قناة السويس إلى أماكن خارج القطر المصري على أن يتم الجلاء الكامل في مدة لا تزيد على ستة أشهر.
  3. تسلم القاعدة العسكرية إلى القوات المصرية ويحل الجيش المصري تباعا محل القوات البريطانية التي تجلو عن قناة السويس.
  4. يسلح الجيش المصري ويزود بمختلف الأسلحة والمعدات والطائرات
  5. ينظم أمر الدفاع باتفاق بيني على التعاون الصادق بين الذين يتف معهم في هذب المضمار يوضح فيه شكل ذلك التعاون وحدوده في حالة الحرب فقط
  6. الإقرار فورا بالوحدة بين مصر والسودان تحت التاج المصري وفقا للتشريعات التي أقرها البرلمان المصري عل أن يكون للسودانيين حق الاختيار بين الوحدة أو الانفصال وذلك في استفتاء حر خال من كل شائبة.

وقامت الحكومة المصرية بإيفاد المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزام بك وكان سفيرا لمصر في باكستان ويقضي إجازة بالقاهرة وزودته بكافة البيانات المطلوبة لمقابلة العاهل العربي الكبير.

وبالرغم من قيام هذه الوساطة فلم يهدأ الكفاح المسلح بمنطقة قناة السويس ضد القوات البريطانية بل زادت حدته وضراوته وظل عبد الوهاب عزام بك في السعودية حتى إقالة الحكومة الوفدية في 27 يناير سنة 952 بعد حريق القاهرة.

ثم نوري السعيد باشا ثانية

بعد إلغاء معاهدة 1936 تفجرت الطاقات الشعبية وخشي الإنجليز على وضعهم في المنطقة وبدأت دعوة الحكومة الوفدية إلى حمل السلاح وتجنيد الفدائيين لإقلاق مضاجع الإنجليز ودفعهم إلى الجلاء عن مصر.

ومما يذكر أنه في يوم 2/ 1/ 1952 وكان فؤاد باشا سراج الدين بوزارة المالية، أن طلب سفير العراق نجيب الراوي مقابلته لأمر هام.وفعلا تمت المقابلة

وبعد أن تبودلت كلمات المجلة قال السفير لفؤاد سراج الدين باشا:

لا أريد أن ألف عليكم بل سوف آني من الطريق المستقيم وهو أقصر الطرق، لقد نجحتم إلى أقصر الطرق لقد نجحتم إلى أقصى حد يمكن أن يصل إليه سياسيون مناضلون وقد أرسلني نوري السعدي باشا بطلب الوساطة بين مصر وانجلترا والواقع أن الإنجليز طلبوا من نوري السعيد باشا أن يتوسط شخصيا على أساس الجلاء عن منطقة القنال بشرط أن توفقوا المعركة الدائرة الآن:

وقد رد سراج الدين باشا على السفير:

أشكر لسعادتكم هذا الإطراء ولكني لا أستطيع أن أقبل الوساطة سواء كنت وزيرا وكنت وطنيا ولا أستطيع أن أقنع الشعب بأن الإنجليز قد وعدوا بالجلاء عن مصر وقد قطع الإنجليز على أنفسهم في خلال 70 عاما أكثر من سبعين وعدا، ولكن عدا منها لم يتحقق والوعد شيء والتنفيذ شيء آخر فإذا بدءوا التنفيذ فعلا فلا محالة أن الأمر سوف يتغير وأننا في هذه اللحظة سوف نفكر في جدوى الوعد وأهميته.

فقال السفر:

أنت محق يا معالي الوزير، وسوف أسافر إلى العراق للاتصال بحكومتي وبعد أيام عاد نجيب الراوي من بغداد حاملا رسالة من نوري السعيد باشا تتضمن أن السياسي العراقي الكبير قد اقتنع بوجاهة رأي وزير الداخلية المصري وأنه اتصل بالإنجليز وأنهم قد وافقوا على بدء الجلاء بشروط أن تؤمن ظهورهم لكي يتفرغوا للعملية وأن الجلاء أصبح قاب قوسين أو أدنى.

وقد وعد فؤاد سراج الدين باشا بعرض الأمر على مصطفى النحاس باشا ولكن النحاس باشا لم يقتنع بوساطة العراق وكان يدرك بإحساسه العميق بأن الأمر لا يعدو أن تكون مناورة يسهم فيها أحد كبار أنصار بريطانيا في الشرق الأوسط لتصفية الحركة الوطنية.

وقد حققت الأيام صدق هذه الرؤية فلم تمض أيام إلا واحترقت القاهرة وأقبل الوفد وتغير وجه التاريخ. ولا أدل على أن الإنجليز كما يروي ذلك الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا قد شاركوا فيحيق القاهرة وأن كل شيء توقف تماما بعد الحريق، وأخمدت الحركة الوطنية.

رأي في إلغاء المعاهدة

لا خلاف أن إلغاء معاهدة سنة 1936 كان عملا من أخطر الأعمال في تاريخ مصر السياسي وقد تمخض عن نتائج خطيرة عميقة الأثر.

وقد تعددت الآراء في تصوير واقعة الإلغاء ذاتها ويذكر المرحوم محمود سليمان غنام باشا وهو من الطليعة الوفدية المناضلة لشباب ثورة سنة 1919 تصويرا دقيقا عن هذه الواقعة، فيقول:

كان منتقدو الوفد يأخذون على مصطفى النحاس باشا مهادنته للقصر في الأيام السابقة على إلغاء المعاهدة ولكن النحاس باشا كان يدبر أمر إلغاء المعاهد إذ لا بد من موافقة الملك على هذا الإلغاء وضمان عدم معارضته وكان النحاس باشا يخشى نفوذ رجال القصر من إقناع الملك بعد الانصياع لرئيس الحكومة كما كان النحاس باشا يخشى في الوقت نفسه من تأثير الإنجليز على الملك لكي يحولوا دون صدور مراسيم الإلغاء.

وفي اليوم المقرر لإلغاء المعاهدة وهو يوم مشهود في تاريخ البلاد (8 أكتوبر سنة 951) اجتمع النحاس بوزرائه جميعا وأخذ عليهم عهدا وإيمانا مغلظة ألا يذيعوا خبر الإلغاء خشية أن يتسرب الخبر إلى الصحف وكانت الصحف المعارضة تدعي أن الحكومة لن تجرؤ على إلغاء المعاهدة أبدا.

ويستطرد الأستاذ غنام باشا أنه عندما رجع الوزراء إلى منازلهم لاذ كل منهم بالصمت حتى دوي صوت النحاس باشا عاليا في مجلس النواب: من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم بإلغائها معلومات خاصة.

في أوائل يناير سنة 1952 حضر إلى مجلس الوزراء الأستاذ فرد شحاتة سكرتير الدكتور طه حسين وقتها وأخبرني أن الوزارة مآلها الإقالة قبل انقضاء شهر يناير وقد هالني هذا النبأ وقلت له إن الوزارة تتمتع بالعطف الملكي ولاسيما في الآونة الأخيرة الدقيقة بعد إلغاء المعاهدة.

ولكنه ما لبث أن اتصل بي في منتصف الشهر ذاته مؤكدا أن الوزارة ستقال وقد راهنته على ذلك وأيدني في الرهان المرحوم عبد الحليم الغمراوي المحرر بالأهرام وفي صباح يوم 24 يناير سنة 1952 عاود المذكور الاتصال بي وفي هذه المرة أكد أن ثمة مظاهرات سوف تنفجر صباح السبت ولن تنتهي إلا بإقالة الوزارة في نفس اليوم.

وبالفعل جاء صباح 26 يناير سنة 1952 وكانت الحوادث الشهيرة التي انتهت بحريق القاهرة وإعلان الأحكام العرفية في نفس الليلة بعد اجتماع مجلس الوزراء بمنزل مصطفى النحاس.

وأثناء تكليف من رفعة النحاس باشا بإحضار القرارات مع الأستاذ عبد العظيم الدلجموني مدير الإدارة برئاسة مجلس الوزراء اتصل بي أحد الأشخاص تليفونيا ليخبرني بأنه يعمل لدى أحد الأجانب وأن هذا الأجنبي يتصل الآن بمحطة لاسلكية بمنزله وأعطاني رقم التليفون وعاودته لأتأكد أنه المتحدث وعلمت بالفعل أنه يعمل في خدمة هذا الشخص الذي كان يقطن بشارع الأمير فؤاد محمود عزمي حالا بالزمالك.

ثم اتصلت فورا بالأستاذ حسين صبحي بك مدير الأمن العام وقتئذ وأخبرته بهذه الواقعة ولكنه اعتذر لي بعدم استطاعته أن يفعل شيئا بسبب أنه لا يوجد بالعاصمة جنود أو ضباط بوليس والكل مشغول بالحريق.

وفي نفس الليلة أقيلت الوزارة وكلف الرئيس السابقة علي ماهر باشا بتأليف الوزارة الجديدة الذي حضر إلى رئاسة مجلس الوزراء الساعة الثانية من صباح يوم 27 يناير سنة 1952 وكان قد فرض حظر التجول بسيارة من سيارات الإسعاف أحضرها له الأستاذ إبراهيم عبد الوهاب سكرتير عام الجمعية.

وفي أول مارس 1952 نشرت جريدة أخبار اليوم خبرا مؤداه أن رئيس الوزراء لن يقابل السفير البريطاني في الموعد المحدد له الساعة الحادية عشرة من يوم السبت أول مارس 1952.

واتصل بي فريدي شحاتة مؤكدا لي صحة هذا الخبر وأن الاعتذار سيكون بسبب وعكة صحية ألمت بالسفير بعد مباراة التنس التي قام بها بنادي الجزيرة.

فذهبت إلى وزارة الخارجية لأكون في استقبال السفير عند حضوره لاسيما وأن رئيس الوزراء كان بمكتبه. وفي تمام الحادية عشرة أبلغت من السفارة بنفس الاعتذار الذي قيل لي من الشخص المذكور وهو إصابة السفير بوعكة بسبب ما تش التنس.

وأخبرت رئيس الوزراء الذي كلفني بالذهاب إلى مجلس الوزراء لدعوة مجلس الوزراء إلى الاجتماع. وفعلا انعقد المجلس ورفع استقالته إلى الملك. وقد ذهب علي ماهر لمقابلة كبير الأمناء حيث قدم له استقالة وزرائه. وفي هذه الأثناء اتصل بي فريد شحاتة مرة رابعة وأخبرني بأن الهلالي باشا سوف يؤلف الوزارة الليلة. وبالفعل تحقق ذلك.

وعندما تصادف وقابلت فريد شحاتة وسألته عن مصدر الأنباء الصحيحة التي تأكدت أخبرني بأن أجنبيا لا يعرف جنسيته ويرجح أنه ربما كان إنجليزيا أو أمريكيا كان يتصل به تليفونيا ويطلب مقابلته ثم يتقابلان على رصيف شارع سليمان باشا أمام محل لوك ويسيران معا ويتحدث الأجنبي معه أثناء سيرهما ويخبره بكافة الأنباء ويختفي ثم يعاود بعد ذلك الاتصال به عندما يجد جديد أو يكون ثمة نذير في الأفق.

هكذا رواية فرد شحاتة وربما كانت أخباره من أحد الأساتذة الإنجليز في كلية الآداب الذي قد أسلم وتزوج بمصرية وعاش بالقاهرة حتى طردته حكومة الثورة. وكان مشهورا بأن يعمل لحساب المخابرات البريطانية.

وساطة النحاس باشا بين الهند والباكستان

الخلاف بين الهند والباكستان قديم وأذكر أنه في عهد الوزارة الوفدية الأخيرة طلب إلى النحاس باشا أن يتوسط لوضع حد لهذا الخلاف وكان مصطفى النحاس باشا يتمتع بثقة لا حد لها في تاريخ الهند الحديث بل كان حزب المؤتمر الهندي الذي لا يزال يحكم الهند يترسم خطى حزب الوفد المصري وحدد النحاس باشا موعد لسفير الهند على أن يليه في المقابلة وبعد نصف ساعة سفير دولة الباكستان.

ووصل سفير الهند ورافقته إلى الصالون الوحيد الملحق بمكتب رئيس مجلس الوزراء. ولكن المغفور له مصطفى النحاس باشا تأخر عن الحضور في الموعد واقترب موعد سفير الباكستان ثم أدركتنا العناية الإلهية ووصل رئيس الوزراء إلى مكتبه ولكن بمجرد أن جلس على المقعد اتصل القصر برئيس مجلس الوزراء وكان الملك هو المتحدث وأضئ المصباح الأحمر أثناء الحديث.

وكانت عقارب الساعة تتحرك والموقف يزداد سوءا والظنون تشد أذني فما العمل عندما يحضر سفير الباكستان ويلتقي بسفير الهند في صالون واحد إنها القارعة كما يقولون..؟

واستقبلت السفير بترحاب زائد وبدأ ذهني يعمل بسرعة بحثا عن الحل وأسعفني الله أن أقول للسفير. يا سعادة السفير إني أعلم بأنك ذواقة تحب الفن وسوف أنتهز هذه الفرصة لأرى سعادتكم الآن لوحة مرسومة في سقف البهو.

ونظرت إلى أعلى ونظر السفير معي وطفقت أستعين بكل ما أعرفه عن الفنون واللوحات وأهميتها وبدأت أشرح له تاريخ هذه اللوحات التي ترجع إلى مطلع القرن العشرين وكيف أن الخبراء قدروا ثمنا لها عشرة آلاف جنيه عندما اشترت الحكومة القصر.

ويبدو أن اللوحة والحديث قد استهوى سعادة السفير فظل غارقا في التأمل. وسمعت جرس رئيس الوزراء واستأذنت السفير وتركته يفكر في اللوحة وروعتها وأهميتها على أن أدخلت سفير الهند لمكتب النحاس باشا وخرجت لسفير الباكستان وأتممت قصة اللوحة على مسامعه وكان يستزيد الحديث بدقة الفنان وذوقه ثم صحبته إلى الصالون دون أن يشعر بالمأزق الذي كنت غارقا فيه. وأنقذتني لوحة الأميرة شويكار..هذا هو مصطفى النحاس باشا.

الإنعام على عبد المجيد عبد الحق بالباشوية برغم أنف الملك

في مأدبة الغداء التي أقيمت بمناسبة سبوع ولي العهد قبل 26 يناير سنة 1952 ضمت المأدبة الوزراء وكبار الضباط وأكثر من 300 من الشخصيات العامة، ودخل الجميع لتهيئة الملك رسميا واستبقى الملك النحاس باشا ووزراءه بقاعة العرش وكان آخر قائمة الوزراء هو الأستاذ عبد المجيد عبد الحق بك.

وارتفع صوت النحاس باشا مهنئا بولي العهد باسمه وباسم وزرائه وكان الملك غير موفق الرد إذ قال: متشكر. وبكره الولد يكبر ويرازي في الوزارات ويحل البرلمان .. وطبعا مش حتكونوا موجودين وقتها .. وضحك.

وكان الرد غير كريم إذ ينبئ عن إصرار الملك في تنشئة ولي العهد نفس النشأة التي نشأ عليها. وهمس فؤاد سراج الدين باشا في أذن الملك بطلب الإنعام على عبد المجيد عبد الحق برتبة الباشوية لأنه الوزير الوحيد بالوزارة الذي لم يحصل على هذه الرتبة ولكن الملك رفض بسبب عدائه التقليدي للوفد ورئيسه.

ولم يسمع عبد المجيد عبد الحق ما دار..

وفجأة صاح النحاس باشا بعبد المجيد عبد الحق قائلا:

اشكر مولانا على الباشوية.

ولكن الملك قال:

أنا لم أقل شيئا يا باشا.

فرد النحاس باشا:

إننا نمثل جلالتك .. فالدستور ينص على أن الملك يباشر سلطاته عن طريق وزرائه. وتم الإنعام على الوزير إذ أقبل عبد المجيد عبد الحق معتقدا أن الملك قد أنعم عليه برتبة الباشوية وصافح الملك ولم يكن أمام الملك إلا مصافحته ولكن الملك ظل متجهما.

وعلى مأدبة الغداء ظل الجو متوترا وكان الملك يتميز غيظا من الوزراء وكان رئيس مجلس النواب المرحوم عبد السلام باشا جمعة جالسا بعد مقعدين من مقعد الملك ولكن الملك ابتدره قائلا.

لقد رأيت صورتك في الصحف وأنت تقرأ مرسوم ولي العهد دون أن تكون لابسا طربوشا على رأسك وكان يجب أن تلبس الطربوش.وكان النقد غاية في قلة الذوق لأن رئيس مجلس النواب كان أكبر من أن ينتظر من الملك درسا في المراسم أو الإتيكيت.

وتوقع الوزراء أن يرد عبد السلام جمعة على الملاحظة الثقيلة ولكنه ضحك معللا ذلك بأن الجو كان شديد الحرارة.ومرت الأزمة الأولى. ولكن ما لبث أن مضى الملك إلى الإدلاء بملاحظات أخرى فذكر أن بعض الوزراء كانوا يدخنون السجائر والسيجار في المناسبات الرسمية.

وأراد وزير الداخلية فؤاد باشا سراج الدين أن يعترض على هذه الملاحظة ولكن الأستاذ غنام وزير التجارة والصناعة همس في أذن سراج الدين باشا قائلا.إنه لم يذكر أسماء وهو لا يستحي ويريد أن يفتعل أزمة عدل فؤاد باشا فالملاحظة تنطبق على أكثر من وزير.

وفي العودة كان النحاس باشا يركب سيارته وإلى جواره وزير الداخلية وكان ثائرا لأن الملك أنعم على حسين الجنيد وزير الأوقاف برتبة الباشوية بسبب اكتشافه نسب الملك إلى النبي عليه الصلاة والسلام واتصاله بالسراي دون إذن رئيس الوزراء ثم يسوف عندما يطلب رئيس الوزراء الإنعام على عبد المجيد عبد الحق.

ولكن فؤاد باشا هدأ خاطرة قائلا

إن الجندي وفدي على كل حال برغم أنه على يقين أن حسين الجندي كان يتصل بالقصر من خلفه.

وسأل النحاس باشا فؤاد باشا:

هل تعتقد أن الملك سيعترف بالباشوية؟

ثم أمر سراج الدين باشا أن يرافق بيان كبير الأمناء عن المأدبة فإذا جاء اسم عبد المجيد عبد الحق دون لقب يمنع النشر فقال فؤاد باشا.ولكن منع النشر مشكلة خطيرة فرد النحاس باشا بحزم. كلمة واحدة.

ثم صدر البلاغ وكان آخره اسم عبد المجيد عبد الحق مقرونا بالباشوية فطمأن وزير الداخلية رئيس الوزراء على ذلك. وانتهت أزمة عنيفة مثلت فيها شجاعة النحاس باشا وجسارته عندما رد على الملك بأسلوب جاد معروف عن النحاس باشا طوال زعامته لمصر.

قوة إيمان النحاس باشا

في أوائل أغسطس سنة 1950 وصلني من الأستاذ حسين صبحي مدير عام الأمن العام منشورا للعلم بأن هناك معلومات أن أشخاصا يلبسون الزي العربي سيقتلون مصطفى النحاس باشا بخناجر يحملونها في طيات هذا الزي.

وعلى ما أذكر يوم 15 أغسطس اتصل بي صاحب السمو الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة بن عم صاحب السمو أمير البحرين المعظم يطلب موعدا لمقابلة النحاس باشا رئيس الوزراء.

وتحدد الموعد وفوجئت بصاحب السمو الشيخ محمد يحمل خنجرين ظاهرين عند وصوله إلى رئاسة مجلس الوزراء للمقابلة.

ودار في ذهني ذلك المنشور الذي وقعت عليه بالعلم، وما أستطيع أن أطلب من سمو الشيخ محمد خلع الخنجرين فدخلت معه ووقفت بينه وبين المرحوم النحاس باشا بشكل غير عادي وكلما تحرك حركة عايدة قمت بحركة بهلوانية مبعثها ما في نفسي.

ولما انتهت المقابلة سألني رفعة النحاس باشا .. إيه الحكاية.. كان لك حركات غير طبيعية ولا مناسبة. فقصصت على رفعته أمر منشور مدير الأمن العام وأنني في كل حركة كنت أستعد لأي تصرف.

فضحك رفعته وقال

اسمع يا ابني لقد حاولوا قتلي بالمترليوز، وأصيب الذين عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدامي وقذفوا الديناميت على غرفة نومي ولم يحصل لي أي شيء ولا حتى مجرد إصابة وتكررت محاولات الاعتداء على حياتي من قبل ذلك ومن بعده إن إيماني ويقيني أنني سأموت عندما ينتهي أجلي.

عظمة أخلاق النحاس باشا

كان النحاس باشا قد حدد موعدا لعودته إلى القاهرة وفي اليوم السابقة على هذا الموعد طلب رسل باشا حكمدار القاهرة مقابلة وزير الداخلية فؤاد سراج الدين باشا وأبلغه أن لديه معلومات عن اعتزام جماعة مصر الفتاة الاعتداء على حياة النحاس باشا ولاسيما أن لهم سابقة في الاعتداء عليه سنة 1937 عندما شرع عز الدين عبد القادر في محاولة الاعتداء على النحاس باشا.

وبسبب خشية الاعتداء كلف الوزير الحكمدار باتخاذ ترتيبات الأمن المناسبة فقال رسل باشا: سأعلم كردونات من جنود البوليس مزدوجة من رصيف المحطة حتى باب السيارة التي ستقل النحاس باشا على نظام عسكري في ظل عسكري وألا يدخل المحطة سوى كبار الزوار ويبقى الشعب وراء كردون البوليس.

وأضاف الحكمدار إن هذه الترتيبات سوف تغضب النحاس باشا الذي يحب أن يكون الاستقبال شعبيا دون أي تدخل من جانب البوليس. وقبل موعد الوصول بعشر دقائق لاحظ وزير الداخلية أن مساعد الحكمدار فينتزباتريك في حالة غضب شديد بسبب أن المرحوم الأستاذ حسن ياسين شتمه لوجود جند البوليس يحولون دون الشعب واستقباله لزعيمه مصطفى النحاس.

ثم وصل القطار إلى المحطة ونزل مصطفى النحاس حيث لم يجد في استقباله غير كبار المسئولين وفوجئ وزير الداخلية باختراق الأستاذ حسن ياسين لكردون البوليس وتصور فؤاد باشا أنه يريد أن يخاطب النحاس باشا أو يقبله.

وبمجرد رؤية النحاس باشا للاستقبال أبدى غضبا شديدا وفوجئ المستقبلون بأن رفعته ضرب أول ضابط بوليس قابله في صدره وصرخ فيه سيبوا الناس واندفعت الجماهير وتاه الوزراء في خضم المستقبلين في صدره وصرخ فيه سيبوا الناس واندفعت الجماهير وتاه الوزراء في خضم المستقبلين وأصبح النحاس باشا وسط الجماهير لا يظهر منه غير طربوشه وقال فؤاد باشا لمن معه النحاس باشا ضاع.

وقد روي لي فؤاد باشا أن ربع الساعة الذي انقضى بين نزول النحاس وركوبه السيارة كان أشبه بربع قرن من الانتظار والترقب.واستاء وزير الداخلية من ضرب ضابط البوليس ولم يذهب إلى منزل النحاس باشا وقال لبعض زملائه لماذا لم يطلبني النحاس باشا داخل صالون القطار قبل نزوله.

وكان المفروض أن يتناول الوزراء طعام الغداء على مائدة النحاس باشا ولكن وزير الداخلية لم يذهب بل أرسل خطابا يطلب فيه إعفاءه من منصبه لأسباب صحية كما كان راغبا في عدم حضور جلسة مجلس الوزراء التي ستعقد مساء ذلك اليوم.

وفي الساعة السادسة فوجئ بإبلاغ أن رفعة النحاس باشا قد وصل إلى منزله. وسارع فؤاد باشا بلقاء النحاس باشا الذي سأله عن سبب عدم حضوره مأدبة الغداء فقال فؤاد باشا (أنا مستقيل) فرد النحاس باشا نحتكم لمجلس الوزراء تعالى معي بالله وعقد مجلس الوزراء في جو متوتر.

وكان محمد صلاح الدين بك سكرتيرا عاما لمجلس الوزراء تعال معي بالله وعقد مجلس الوزراء في جو متوتر. وكان محمد صلاح الدين (بك) سكرتيرا عاما لمجلس الوزراء فوجه النحاس باشا إليه الكلام: أكتب أنني أسجل اعتذاري وأسفي لمعالي وزر الداخلية.

فأمسك فؤاد باشا يد صلاح الدين ومنعه من الكتابة وقال إن الأمر قد انتهى ولكن لي رجاء وأمل في أن تستقبل الضابط الذي ضربته غدا برئاسة مجلس الوزراء وقد وافق النحاس باشا.

وفي اليوم التالي حضر إلى الرئاسة مساعد حكمدار القاهرة سليم زكي باشا على رأس لفيف من الضباط بينهم الضابط المذكور الذي ضربه النحاس باشا وكان الضباط يتألفون من أقدم ضابط في كل رتبة واصطفوا أمام النحاس باشا الذي سأل عن الضباط المضروب ودعاه وقبل رأسه وقال ما تزعلش يا بني أنا فؤاد باشا كلمني عن الحكاية فبكي الضباط وبكي زملاؤه فقال لهم النحاس باشا: أرجوكم وراحوا قولوا لفؤاد باشا إنكم مش زعلانين.

الرئيس الحبيب بورقيبة يتحدث عن مصطفى النحاس

أثناء زيارة الرئيس أنور السادات لتونس، وكنت أرافقه في هذه الرحلة أراد رئيس المراسم بالقصر الجمهوري في تونس أن يقدمني لفخامة الرئيس الحبيب بورقيه، ولكن الرئيس ما إن سمع باسمي حتى هتف صائحًا.

إنني أعرفه منذ عهد طول . إنه صلاح الشاهد بتاع النحاس باشا وكرر هذه العبارات أكثر من مرة ونحن في طريقنا إلى قاعة الاجتماعات حيث كان الرئيسان السادات وبورقيبة يجتمعان.وما إن رأى الرئيس السادات حتى صاح بأعلى صوته.

يا فخامة الرئيس إن صلاح الشاهد بتاع النحاس باشا في تونس الخضراء أثر من آثار وأمجاد الزعيم المصري الكبير.و المعروف أن الرئيس بورقيبة أطلق اسم مصطفى النحاس باشا على أكبر شوارع تونس العاصمة بل على الشارع الرئيسي في العاصمة.

كما أنه عندما ألقى خطابا أمام الرئيس السادات وكنت قد نبهت الدكتور مراد غالب وزير الخارجية في هذا الوقت إلى أن متانة الصلات بين الرئيسي التونسي والزعيم المصري الخالد مصطفى النحاس قد تجعل الرئيس التونسي ينتهز الفرصة لكي يشيد بعظمة مصطفى النحاس وأمجاده الوطنية وتاريخ كفاحه لنصرة العرب والعروبة.

وقد تحقق حدسي فارتفع صوت فخامة الرئيس التونسي ينتهز الفرصة لكي يشيد بعظمة مصطفى النحاس وأمجاده الوطنية وتاريخ كفاحه لنصرة العرب والعروبة.

وقد تحقق حدس فارتفع صوت فخامة الرئيس بورقيبة ليذكر زعيمين خالدين من زعماء مصر هما: سعد زغلول ومصطفى النحاس، وليطلق لسانه في التحدث عن تاريخهما ونضالهما ضد الاستعمار في كافة صوره.

ومن المعروف أن مصطفى النحاس باشا كان صديقا للحبيب بورقيبة عندما كان لاجئا في مصر من حكم الإعدام الذي أصدرته سلطات الاحتلال الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية وكان موضع إعزاز مصطفى النحاس ومحل تقديره ورعايته بكل ما يحتاج إليه. وهذا ما لم ينسه الزعيم التونسي الذي ظل وفيا لذكرى زعيمنا المصري الخالد.

النحاس باشا والسباحة

تبدو رعاية النحاس باشا للسباحة وأبطالها في أجل معانيها، عندما كانت يداعب أبطالها مداعبة الأب لأولاده.وفي سنة 1941 عندما كان يصطاف النحاس باشا في رأس البر بادر السباح المعروف عبد المنعم عبده ... قائلا:

اسمع يا منعم.. أنت لازم تفهم أن مش أنت بس لوحدك بطل السباحة في البلد أنا كمان بطل كبير في السباحة وبكره إن شاء الله تجي وتنزل معايا البحر ونعوم قصاد بعض ونشوف بقه.. مين اللي حيسبق الثاني؟ وبالفعل تمت المباراة بين الزعيم الكبير والبطل الشاب.وكان الزعيم رقيق الحاشية مرحا كابن البلد في نقاوته وصفائه، ومشجعا للبطل الشاب بكل صور التشجيع.

ولم يكتف الزعيم بذلك بل إنه كلف الصحفي المعروف الأستاذ محمد التابعي لكي يتصل بالموسيقار محمد عبد الوهاب ليقيم حفلا برأس البر يخصص دخله لمعاونة السباح، ماديا بعد أن علم أنه مقبل على تجهيز شقيقاته للزواج بصفته رشدي العائلة وعندما اعتذر عبد الوهاب عن إقامة الحفل لعذر عائلي انتهز النحاس باشا فرصة سفره للقاهرة لمقابلة الملك عقب استدعائه له بعد خطابه المشهور في رأس البر الذي ندد فيه بسياسة الحكومة والإنجليز وخاصة في شئون القطن وانتهز رفعة النحاس باشا فرصة وجوده في القاهرة لعدة أيام واتصل بالفنان الكوميدي الكبير المرحوم نجيب الريحاني وطلب منه إقامة حفل في رأس البر يخصص إيراده لمساعدة السباح عبد المنعم عبده.

وأقيمت الحفلة وقدمت فرقة الريحاني مسرحية (لو كنت حليوه) تبرعا بناء على رغبة النحاس باشا. ومن الطرف أن السباح عبد المنعم عبده أراد أن يعبر عن امتنانه لمصطفى النحاس باشا فأهداه قفصا صغيرا من السمان لا يزيد وزنة على كيلو واحد.

وتقبل الزعيم الهدية الصغيرة بقبول حسن برغم أن السيدة قرينته قالت ساخرة عندما نظرت إلي القفص الصغير:

فين هي الهدية دي، حي تعمل عزومة على قفص جريد؟ .. دا حتى ميكفيش نفر واحد.

ولكن الزعيم استمر بلهجة حانية:

يا سلام يا منعم هديتك عظمة قوي في نظري .. أنا متشكر منك جدا وممنون خالص ولم يقتصر تشجيع النحاس باشا على مجرد الرعاية المعنوية بل إنه قد عين البطل عبد المنعم عبده بإدارة التربية البدنية بوزارة المعارف في وزارة الوفد سنة 1942.

ومن المعروف أن رفعة مصطفى النحاس باشا كان رياضيا في شبابه وكان يهتم بالرياضة ويشجع الرياضيين الذين كانوا يجدون في رحابه الأب المشجع.

وأذكر أنني كنت برفقة بعض زملاء الصبا وخلان الشباب ومنهم اللواء وحيد شوقي ومصطفى شوقي ومحمود شوقي وعبد المنعم شوقي نقوم برياضة السباحة صباح كل يوم بشاطئ الإسكندرية (جليم) وكان رفعة النحاس باشا وهو مولع شديدا بالسباحة وبرفقته البطل المصري إسحق حلمي كانا يشهدان هذه السباحة ويشجعان الرياضيين الشباب وكان النحاس باشا يدعو الفريق الصغير إلى تناول طعام الإفطار على مائدته بعد انتهاء الرياضة.

إن رياضة السباحة تدين للنحاس باشا ومآثره على هذه الرياضة كثيرة فقد رصد في ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية سنة 1950 مبلغ خمسة آلاف جنيه إسترليني لبعثة المانش. وعندما سافرت البعثة إلى لندن استقبلها قبل سفرها وأوفد أحد المندوبين لوداعها وكان يترقب أخبار الرحلة بشغف كبير واهتمام ظاهر.

وأنثا عبور البطل المصري المعروف: حسن عبد الرحيم وحصوله على جائزة الديلي ميل أغسطس سنة 1950 كان النحاس باشا يترقب الأخبار وهو في طريقه من الإسكندرية إلى القاهرة بعد أن أمر بإبلاغه نتائج المباراة أولا بأول من نظار المحطات وعندما دخل القطار القاهرة كانت أنباء انتصار حسن عبد الرحيم قد وصلت وفرح النحاس باشا فرحا شديد وكان وهو يسير ممسكا بعصاه من منتصفها يختال زهوا وكأنه هو الذي حقق لمصر هذا الفوز العظيم.

وطلب مني أن أرسل برقية للسفير المصري بلندن للتهنئة السباحين والبعثة وإعطائهم أي مبلغ هم في حاجة إليه. وعند رجوع البعثة إلى القاهرة قابلها مصطفى النحاس باشا في سان استفانو مهنئا ودعا أفرادها لتناول الشاي ووقف منهم خطيبا ومشيدا ببطولتهم ثم قال إنه يرى أن الدعاية عن طريق الرياضة خير وأبقى وأكثر ثمارا من الدعاية الدبلوماسية الباردة.

النحاس باشا يرفض شهادتي في قضية زينب هانم الوكيل. وأذكر أنه أثناء قضية زينب هانم الوكيل حرم الزعيم مصطفى النحاس باشا رحمها الله أن طلبت زينت هانم من المحكمة سماع أقوالي في واقعة تتعلق بالقضية وقد نشرت مجلة التحرير وكانت تعبر عن رأي مجلس قيادة الثورة، ويصدرها ضباط هذا الخبر.

وقد كنت على استعداد لأن أدلي بشهادتي إيمانا مني بإظهار الحقيقة على الملأ كما أني عملت وقتا طولا بالقرب من مصطفى النحاس واتصلت به منذ شبابي وكان الرجل وزوجته غفر الله لهما أثيرين إلي نفسي، ولم يكن من المعقول وأنا رجل عام أن أتخلى عن ذكر الحقيقة أيا كان الموضع الذي كنت أشغله كما يقول الله سبحانه وتعالى: ولا تكتموا الشهادة.

وقد أبديت رغبتي في التوجه إلى المحكمة للسيد الرئيس اللواء محمد نجيب فأبدى شيئا من الحر خشية أن يؤول الأمر باعتباره معاداة للثورة.ولكني لم أتردد.

واتصل بي المحامي الكبير الأستاذ أحمد رشدي بك وكان مدافعا عن السيدة الجليلة زينب هانم ودعاني لمقابلة السيدة زينب هانم فلبيت والتقينا في منزل مصطفى النحاس وأبديت بجلاء استعدادي للشهادة وليكن ما يكون.

ولكن مصطفى النحاس باشا رفض ذلك وقال بالحرف الواحد للأستاذ أحمد رشدي:

يا أحمد بك لا تتعب نفسك فالحكم مكتوب قبل المحاكمة وكل شيء معد مقدما ولا داعي لإحراجه في وقائع لن تسمعها المحكمة. وفي اليوم التالي سحب الأستاذ رشدي طلبه باستدعائي للشهادة ... وصدر الحكم.

القاضي سعد زغلول واحترام القضاء

أخبرني المغفور له رفعة الزعيم الجليل مصطفى النحاس باشا وهو يرى لي ذكريات نضاله أثناء الحركة الوطنية سنة 1919 وظروف تكوين الوفد وزعامته للأمة وبعض الجوانب الخفية من حياة الزعيم الخالد سعد زغلول باشا.

وقال مصطفى النحاس باشا بأسلوبه السلس الواضح.. .في ذكريات له في عظمة سعد زغلول وهي حادثة فيما نعلم لم ترد في أي كتاب كتب عن سعد زغلول حتى الآن برغم المؤلفات العديدة التي كتبت ولا تزال تكتب عن نشأة الزعيم الوطني ودوره في الجهاد منذ الثورة العرابية وكفاح ضد دنلوب وهو ناظر للمعارف، وعضويته عن الأمة في الجمعية التشريعة سنة 1913 وكان نائب الأمة بحق المعبر عن أمانيها وآمالها والمدافع عن حقها وحقوقها.

قال المغفور له خليفة سعد، وحامل لوائه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى أن سعد زغلول كان ناقما على المستشار أحمد طلعت بك وكان مستشارا بمحكمة الاستئناف لأنه رشح نفسه في الانتخابات وجاءت الانتخابات معبرة عن إرادة الأمة كأي انتخابات نزيهة تعبر فيها الأمة عن إرادتها الحرة بلا تقيد.

وانتصر سعد زغلول على خصومه وسحقهم سحقًا. ولما كان وفقا لقانون إنشاء المحاكم الوطنية المعمول به منذ سنة 1883 أنه يجوز لمجلس الوزراء ندب أحد المستشارين بمحكمة الاستئناف لرئاسة إحدى المحاكم الابتدائية أراد الزعيم سعد زغلول أن ينتقم من المستشار أحمد طلعت وأن يستعمل هذا الحق المقرر لمجلس الوزراء في ندب مستشار الاستئناف لوظيفة أقل.

واستدعى سعد زغلول رئيس إدارة قضايا الحكومة لبحث مسألة ندب المستشار، ولكن رئيس إدارة قضايا الحكومة لبحث مسألة ندب المستشار ولكن رئيس إدارة قضايا الحكومة وكان المرحوم بيولا كازيللي، أفتى بعدم جواز هذا الندب وقال لسعد زغلول:

إنه ليس سعد زغلول القاضي هو الذي يطالب بالمساس بالقضاء وليس سعد زغلول القاضي الذي عرفته المحاكم نزيها، هو الذي يهدر حقوق الإنسان كما أن هذا النص الوارد في قانون إنشاء المحاكم الأهلية لابد أن يفسر علي ضوء الظروف التاريخية وقت صدوره وسعد زغلول القاضي منذ 1892 والمستشار بعد ذلك يعرف مثل هذه الظروف فلم يكن هناك مستشارون مصريون في وقت صدور القانون. واقتنع القاضي سعد زغلول بوجاهة الحجج التي ذهب إليها بيولا كازيللي وصرف النظر عن الموضوع.

البوليس يقبض على كل من يلقي ملبسا على النحاس باشا

بعد زيارة رفعة مصطفى النحاس باشا لأوربا سنة 1950 وصل إلى ميناء الإسكندرية واستقل سيارة مكشوفة وإلى جانبه معالي فؤاد سراج الدين وباشا وزير الداخلية وكان من المعروف أن رئيس الوزراء بالنيابة عثمان محرم باشا هو الذي كان يجب أن يحاور مصطفى النحاس باشا أثناء ركوبه السيارة، ولكن الزعيم كان يريد أن يجعل من فؤاد باشا وهو عنصر الشباب والدم الجديد في الوفد خليفة له، بشكل يوحي بأن الزعيم إسماعيل يبايع فؤاد باشا بعد انتقاله إلى رحمة الله.

وكان حماس الجماهير كبيرا حتى ألقى الناس على الموكب زهورا وملبسا وخشي البوليس على حياة الزعيم من الملبس وخافوا أن يكون قنابل فالقوا القبض على المستقبلين والذين اشتعلوا حماسا.

واشتكى المعتقلون من سبب الاعتقال إذا لم يكن له من سبب سوى حماسهم وحبهم للزعيم الوطني. واستاء مصطفى الناس باشا وكان لا يخشى الموت لإيمانه العميق وأمر بالإفراج عنهم وقال لرئيس الحرس. اللي يرموا الملبس تقبضوا عليه.. أما اللي يرمي قنابل تعملوا فيه أيه؟ شيء عجيب!!

أخلاق الشيخ الكبير

وأذكر أنه بعد إعفاء رفعة النحاس باشا من الوزارة أثر حريق القاهرة في 26 يناير سنة 1952 أن أسندت رئاسة الوزارة إلى رفعة علي ماهر باشا واتصل بي بالرئاسة شخص كان يشغل مركزا دينيا كبيرا في مجلس الوزراء وكان معروفا بوفديته منذ عهد بعيد، كما كان لمصطفى النحاس باشا أياد بيضاء عليه وعلى أخويه وكان أزهريا عريقا وسألته:

حضرتك مين؟أنا فلان.. وأشغل الوظيفة الفلانية ولكني سألني..من أنت. وكأنه لم يدرك أن المتكلم شخص آخر غير صاحب هذه الذكريات وكان موقفنا بأن المتحدث قد أعفى من منصبة بسب إقالة مصطفى النحاس باشا.

وآثرت أن أضلله فأنكرت نفسي وطلب أن يسمح له بمقابلة رئيس الوزراء وسألته:

ما سبب الزيارة؟

لتهنئة رفعت رئيس الوزراء.

وما هو العنوان؟

إنني أسكن جنب منزل المرحوم.وتبادر إلى ذهني لأول وهلة أن مولانا يقصد المغفور له دولة أحمد ماهر باشا شقيق رئيس الوزراء... فقلت.

في حدائق القبة بجوا المرحوم ماهر باشا؟

ولكنه لم يتمهل بل قال:

بل إنني أقصد النحاس باشا.

فارتعت قائلا:

وهل انتقل النحاس باشا إلى جوار الله؟

فأجاب ساخرا

لم يمت النحاس باشا ولكن النحاس باشا لن تقوم له قائمة بعد المأساة التي انتهى إليها لقد ذهب النحاس باشا إلى الأبد.وحزنت وأحسست بالألم يعتصرني.وبكي قلبي على الوفاء، وترحمت على الأوفياء.

ونقلت الحديث إلى رفعة علي ماهر باشا... وبان على وجهة الاستياء وأمر باستدعاء الشيخ وكيل الوزارة الذي هرج لمقابلة رئيس الوزراء لتقديم فروض الولاء والدعاء لرفعته بالمجد والسؤدد.

ولكنه فوجئ بأن رئيس الوزراء يطلب من فضيلته تقديم الاستقالة..!وقدم الاستقالة فعلا..النحاس باشا أخلص الناس وطنية:سألت دولته عن اختيار النحاس باشا رئيسا للوفد وهل كان هناك من ينافسه؟ فقال دولته:

لقد انتخب مصطفى النحاس رئيسا للوفد بلا منازع والحقيقة التي يجب أن يعملها أبناء هذا الجيل أن مصطفى النحاس كان من أخلص الناس وطنية وطن أكثرهم فما للقضية المصرية والشيء الذي يؤخذ على النحاس باشا.. شدة عناه وربما كان محمدة فيه ...قلت:

وما هي أسباب انشقاق السعديين وانفصالهم عن الوفد وخروج أحمد ماهر والنقراشي فقال دولته:

مشروع خزان أسوان وقد لعب مكرم عبيد دورا كبير أدى إلى هذا الانشقاق كان مكرم يخشى ماهر والنقراشي وكان وثيق الاتصال بالنحاس باشا في غداوته وروحاته، وجاء مشروع خزان أسوان فوقع الخلاف الذي انتهى بهذا الانقسام.

لقد كانت شركة بريطانيا تقدمت بعطاء عن مشروع كهربة خزان أسوان ورأت أغلبية مجلس الوزراء أن يتم الاتفاق على هذا المشروع بالممارسة ولكن النقراشي باشا ومحمود غالب باشا ومحمد صفت باشا والفريق علي فهمي باشا رأوا أن مشروعا كهذا لا يصح أن يبت فيه بالممارسة بل لابد أن يعرض في مناقصة عالمية وهنا رأى النحاس باشا أن تستقبل الوزارة ليعيد تشكيلها من جديد مستغنيا عن النقراشي وغالب وصفوت وعلى فهمي.

وهنا ظهر الرأي المخالف للطريقة التي اتبعت في إقصاء الوزراء عن مناصبهم لا لشيء إلا لأنهم استمسكوا برأي وهو لا شك أقرب على المصلحة العامة وإلى الطمأنينة للجماهير على سلامة تصرف الحكومة في أموال الدولة.

وعندما فوق ذلك أن الخلاف الشخصي الداخلي في الوفد بين مكرم باشا صاحب النفوذ الظاهر المستمر على النحاس باشا وبين النقراشي وهو من عمد الوفد الأصلية وحراسة مبادئه القوام على تنظيمه قد فعل فعله في تغيير النفوس وتهيئتها لانتهاز أول فرصة للتخلص من تشدد النقراشي فيما يراه حقا واستعمال حقه هذا في مصارحة الرئيس ولو كان على غير رأيه.

وقد انضم النقراشي (68) من أعضاء الهيئة الوفدية وكان هؤلاء من أصلاء الوفديين الذين أسهم أكثرهم بنصيب في الحركة الوطنية.واضطر الوفد أن يسد هذه الثغرة فملأها ولكن من أناس بعضهم لم يكن له سابقة جهاد بل كان بعضهم حربا على الحركة الوطنية ولا داعي لذكر أسماء..

بل إن من أعضاء الهيئة الآخرين من قدم استقالته وأعطاني إياها أمانة وبقيت في جيبي بضعة أيام وجاءوني بعدها يطلبون هذه الاستقالة فسلمتها إليهم دون أي محاولة للتشهير بواحد منهم أو الكشف عن أسمائهم. كان من نتيجة هذا أن تكاثر الناس في دهشة واستغراب يتساءلون كيف يفصل عضو من أعضاء الوفد كالنقراشي وهم يرونه من كيان الوفد الأصيل لا كأي فرد أو عضو من المنتسبين!

وانقسمت الآراء في الهيئة الوفدية مستنكرة هذا التصرف وكان من أثر ذلك محاولة بذلها مكرم باشا ليغطي أثر الجرح الذي ضج الوفد منه فعرض على النقراشي عضوية مجلس إدارة قناة السويس والمرتب الضخم والامتيازات الكثيرة، ولكن النقراشي رفض هذا كله وكان له تصريح في كلمات أنه لا يطلب إلا حكما صالحا.

ونفخ النافخون في نار الخلاف ونتج عن ذلك فصل النقراشي من الوفد، ولكن ماهر باشا أعلن في اجتماع الوفد أنه لا يلتزم بهذا القرار وأنه يعتبر النقراشي دائما عضوا في الوفد من حقه أن يطلعه على كل مداولاته وأسراره فقبل الوفد ذلك ولم يعترض على ذلك مصطفى النحاس باشا أو مكرم وكان هذا طبيعيا تفاديا لمضاعفة الأثر بخروج ماهر على النقراشي في وقت واحد.

فقلت له:

أود يا سيادة الرئيس أن تذكر لي الظروف التي جاءت بوزارة الدكتور أحمد ماهر باشا بالحكم عام 1944.

فأجاب دولته:

كانت الظروف كلها في ذلك الوقت تدعو إلى تغيير الوزارة ولا داعي لذكر الأسباب وتولى أحمد ماهر الوزارة وألف هيئة استشارية من جميع الأحزاب غير الوفدية ومن بعض المستقلين للمفاوضات مع بريطانيا ولكن الم يقدر لهذه الهيئة أن تمارس المهمة التي شكلت من أجلها فقتل أحمد ماهر في البرلمان وتولى النقراشي من بعده الحكم ولم يتم شيء في هذا الموضوع ثم تولى صدقي باشا الحكم فاتصل بالإنجليز ووافقوا على المفاوضات وبعثوا اللورد (ستانسجيت).

وجرت بين الاثنين مباحثات تمهيدية وبعد ذلك اشتركنا مع صدقي باشا في الحكم وتوليت أنا وزارة الخارجية وسافرنا إلى انجلترا وعقدنا جلسة طويلة واحدة مع مستر بيفن وزير خارجية إنجلترا في ذلك الحين ثم الاتفاق فيها على جميع أسس الاتفاق الجديد أو مشروع المعاهدة سمها كما شئت وقد كان انطباعي عن هذه الجلسة لشخصية مستر بيفن أنه كان رجلا مستقيم الطريق واضح الغاية وكان يقصد فعلا إلى إنهاء الوضع القائم على أسس يتحقق معها استقلال مصر مع تنفيذ الجلاء.

وفي هذه الجلسة تحددت المسائل واضحة والجلاء بنوع خاص وعلى أساس أن يكون في مدى محدد وقد طلبت بالذات تحديد يوم الجلاء من الشهر والسنة فوافق وحدد اليوم التاسع عشر من سبتمبر سنة 1949 وقد عرض مستر بيفن مشروعه على مجلسا لوزراء البريطاني مصحوبا باستقالته إذا لم يوافقه المجلس عليه.

وفي هذا الوقت كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة منعقدة وكان مستر بيفن سيحضرها بصفته وزير خارجية بريطانيا فرجانا كل الرجاء وألح في ذلك كثيرا بألا ندلي بأية تصريحات من قريب أو بعيد عن مضمون المشروع حتى يعود من هيئة الأمم قائلا لأنكم لا تعلمون أن مجلس الوزراء البريطاني وافق على المشروع مرغما وتحت التهديد بالاستقالة وذلك دفعا لأية محاولة لهدمه من جانب الكارهين وغير الموافقين عليه من جانب الذين وافقوا مكرهين تحت الضغط والتهديد، بالاستقالة وقد يتيسر هذا في غيابي لعدم وجود من يدافع عنه.

والواقع في رأي أنه كان اتفاقا عظيما مشرفا حتى إن بعض المصريين الذين عرفوا بمضمون هذا الاتفاق دهشوا للتوفيق الذي حصل عليه المفاوضون المصريون فأخذوا يزايدون والعجيب أن لطفي السيد باشا كان أحد الوزراء الذين وافقوا على المشروع وكان أحد أعضاء هيئة المفاوضات ثم انضم إلى المعارضين منهم وكان صوته هو المرجح لرفض الهيئة للمشروع.

المهم أ، بعض الصحفيين المصرين أذاعوا على لسان صدقي باشا عبارات انتهزها خصوم الاتفاق في انجلترا وفي مصر مما حمل مستر أتلي رئيس الوزارة البريطانية أن يصدر بيانا في غيبة مستر بيفن يقول فيه: إن صدقي باشا أعطى بيانات مضللة وكان هذا هو النذير بفشل المفاوضات.

وعاد بيفن حزينا لم يستطع أن يصلح ما قد فسد وظلت المرارة في نفسه عند مروره قبل وفاته بالقاهرة في عهد حكومة سري باشا وصرح بأنه آسف وحزين لضياع هذا الجهد ويقول في معرض تأييده للوفد. لقد أخطأنا المفاوضة مع حكومات الأقليات.

حديث خاص مع دولة إبراهيم عبد الهادي باشا

وقلت للرئيس السابق إبراهيم عبد الهادي:

ألم يجدد الإنجليز معكم المحاولة مرة أخرى حينما توليتم الوزارة عام 1949؟ نعم حدث وبعد أشهر قليلة من توليتي الوزارة وصلنا إلى حالة هدوء داخلي كامل بعدما انحسرت موجة الجريمة التي اجتاحت البلاد، يومئذ زارني الأستاذ حسن يوسف وكيل الديوان الملكي وأبلغني أن المارشال سليم قائد قوات الإمبراطورية موجود ويريد أن يستأنف مع الحكومة المصرية محادثات في شأن العلاقات بين مصر وانجلترا فرجت بذلك واتفقنا على أن ندعوه للعشاء بقصر الزعفران واستجاب الرجل للدعوة والتقينا بغير ضجة أو ضوضاء..

وحضر معنا خشبة باشا وزير الخارجية وحسن يوسف باشا ومحمد حيدر باشا، ومن الجانب البريطاني المارشال سليم وآخر.بعد العشاء اجتمعت والمارشال سليم على انفراد فعرض وجهة نظره التي تقضي بإقامة أساس لتأمين الشرق الأوسط من خطر العدوان الأجنبي فكان ردي بأن ذكره بمفاوضاتنا السابقة مع الحكومة البريطانية عام 1946 وأن هذا الموضوع بذاته أشير إليه يومئذ وانتهينا فيه إلى نتيجة كنت أحد الموقعين عليها وإن كان هناك جديد أرجو أن يسلم إلي مكتوبا.

فاستجاب وأرسل إلى مذكرة لا يخرج ما فيها عن شيء مما سبق أن صفيناه في مباحثات (صدقي – بيفن) عام 1946.وقد شرحت له وجهة النظر المصرية مرة أخرى على أساس أن الاحتلال أصبح فوق كونه مكروها فإنه لا فائدة فيه إلا إثارة الكراهية زيارة عما هي وعدم التصديق لأي عهد تتعهد به انجلترا طالما كان الاحتلال قائما.

ولكنه أراد أن يجعل من وجود أسلحة ومعدات ضخمة في القاعدة في فايد والسويس ولها مخابئ تحت الأرض ومنها أجهزة كهربائية معقدة ليس من السهل استعمالها بغير خبرائها مبررا لبقاء هؤلاء الخبراء في القاعدة.

فرددت عليه بأن ذلك لا يستوجب بقاء جيش وبما أننا ننوي أن نكون عند وقوع حرب حلفاء فلا بأس من أن تبقى هذه الأجهزة أمانة لدينا كحلفاء لكم فإذا وقعت الحرب يمكن أن تكون معدة للاستعمال. فكان جوابه: نحن لا نأمن عليها غير رجالنا.

فرددت عليه بقولي:

بأن من لا يؤتمن على بعض أسلحة فكيف يؤتمن على أن يكون حليفا وما دام الأمر كذلك فارفعوها واحملوها إلى حيث تشاءون فوافق على ذلك.

وقد عينا من قبلنا خبراء مختصين مصريين لتحديد المدة اللازمة لنقل هذه المعدات والأسلحة ونقلها وهم: القائمقام أحمد حمدي هيبة وكان معروفا بأنه من أوسع الضباط الكبار علما ومعرفة كرئيس للمجموعة المصرية يعاونه البكباشي عز الدين عاطف للسلاح البحري والبكباشي إبراهيم جزارين للطيران وصلاح جوهر، واجتمعوا بالخبراء البريطانيين وجاءوا بتقريرهم.

وفي هذا التقرير تحديد للمواعيد التي يتم فيها الجلاء البري والبحري والجوي، أما ما يتعلق بمهمات البحرية والطيران فأمر لا يستغرق حمله أكثر من أسبوعين وأما المخازن الأخرى فهمي تحتاج إلى ستة أشهر.

ولكن الجانب البريطانية لم يوافق على هذا التقرير وحاول المارشال سليم أن يكون الرأي القاطع في تقرير ذلك من الحكومتين، فتمسكت بقرار العسكريين وقلت:

إن كل حكومة تستشير من خبرائها العسكريين من تختار ولكن المفاوضات والقرار النهائية شأن الحكومة وحدها. وقفت الأمور عند هذا الحد، ثم أرادوا بعثها بعد ذلك بقليل فتمسكت بوجهة النظر السابقة ولكنهم أرسلوها كلمة نقلها إلى الطيار إبراهيم جزارين إذ جاءني يقول إنه حدث في الاجتماع الأخير أن رئيس المجموعة الإنجليزية قال:

إن من يتمسك بهذا الرأي يجب أن يكون في غني عن مركزه. وكان هذا التبليغ بحضور الضباط الثلاثة. فطمأنتهم بأن هذا الكلام ليس موجها إليكم أنتم بقدر ما هو موجه إلى كرئيس للحكومة ثم عقبت على ذلك قائلا:

ومع ذلك فإن حدث لأحدكم ضرر أعاهدكم أن لقمة العيش التي عندي ستكون قسمة بينكم وبيني. كل هذا يعلمه السيد إبراهيم جزارين والسيد عز الدين عاطف والسفر الحالي صلاح جوهر ورحمة الله عليه: أحمد حمدي هيبة.

علاقة الملك وإبراهيم عبد الهادي باشا

وقلت للرئيس السابق إبراهيم عبد الهادي:

أريد أن تحدثني عن سبب أو أسباب إعفاء الملك لكم من الوزارة ولم تمض على الحكم إلا سبعة أشهر... إن لم تخن الذاكرة؟

فقال:

لقد وضعت تشريعا يقضي بالحكم على من يضبط معه سلاح بخمس سنوات سجن فضبط مصطفى كمال صدقي وكمال يعقوب على ما أذكر، وقدما للمحاكمة فحكمت المحكمة على مصطفى كمال صدقي بخمس سنوات.

ولما كان الحكم لا يصبح نافذ المفعول إلا إذا صدق عليه الحاكم العسكري وبعد الحكم مباشرة جاءني حسن يوسف وقال لي:

إن مولانا يريد عدم التصديق على الحكم.

فقلت له:

بلغ مولانا أن هذا ليس من مصلحته كما أنني لا أقبل هذا لأنني أنا واضح التشريع ولا أستطيع أن أهدره بنفسي في بدء تطبيقه فذلك أمر عسي على نفسي ولا أستطيع مطلقا أن أهدم قانونا أو مشترك في وضعه دا مش ممكن مستحيل قل لمولانا هذا .. هذه أول مسألة أغضبت الملك.

والمسألة الثانية أنتم كلكم تعرفون أن عثمان باشا المهدي ضابط كبير رجل طيب الله يرحمه ويحسن إليه رشحته السراي ليكون رئيسا لهيئة أركان حرب الجيش ولكني كنت أرى أن فؤاد صادق باشا أصلح لهذا المنصب كقائد محارب ولكن حيدر باشا كما علمت أفهم الملك أنه لو تم تعيين فؤاد صادق فسيكون كعرابي باشا كما علمت أفهم الملك أنه لم تم تعيين فؤاد صادق فسيكون كعرابي باشا كما علمت أفهم الملك أنه لو تم تعيين فؤاد صادق فسيكون كعرابي باشا وتفاديا للحرج ووفق على تعيين عثمان المهدي باشا رئيسا للأركان مع وعد بتعيين فؤاد صادق مفتشا عاما للجيش.

ويقضي القانون بأن من يعين في وظيفة مدير عام فما فوق يكون بمرسوم ترفعه الحكومة إلى الملك للتصديق .. فوضعت المرسوم وصدق عليه الملك وبعد حوالي شهر ونصف من تاريخ صدور المرسوم علمت من الأستاذ كامل سليم بك سكرتير عام مجلس الوزراء يومئذ وهو رجل أمين أن السراي طلبت منه إرسال المرسوم الخاص بتعيين عثمان المهدي رئيسا للأركان فرابني هذا الطلب لأن السراي لديها ولا شك صورة من هذا المرسوم في محفوظاتها فلماذا وما هو الداعي لطلب النسخة الأصلية من المرسوم لذلك أبديت له عدم موافقتي على إرساله.

وفي اليوم التالي جاءني حسن يوسف باشا فكرر الطلب، فلم أوافق لعد اقتناعي بذلك وقلت له:

إذا كان المراد الاعتراض على عثمان المهدي فذلك جاء متأخرا لأن تعيينه حدث وجري بموافقة الملك فما الذي جد في هذه الفترة القصيرة ليبرر العدول عن هذا ؟ والموافقة على ذلك تضييع لحق قانوني دستوري لا أوافق عليه لأنه اختلاس لحق الأمة وما دامت لم أفكر في أن أختلس لنفسي شيئا فلا أظن أن أحدا يحملني على أن أختلس لصالح الملك شيئا.

وقد تكرر طلب هذا المرسوم في اليوم التالي بواسطة كريم ثابت ورددت عليه بنفس الرد، والحمد لله الذي أنطق بهذا كريم ثابت نفسه في مذكراته التي نشرتها إحدى الصحف في هذا العهد وهي جريدة الجمهورية.

ثالثا: المحروسة والاعتماد الخاص بها..

جاءني حيدر باشا بعد أن انتهينا من وضع الميزانية واقترح حسين فهمي وزير المالية إذ ذاك كما انضم لحيدر باشا أن يكون الاعتماد الخاص بالمحروسة اعتمادا خاصا غير داخل في ميزانية وزارة الدفاع.

ولما عرض على اللجنة المالية في مجلس النواب لقي ما يستحق من معارضة فجاءني حيدر باشا يعلن أنه غير قادر على إقناع اللجنة المالية التي طلبت حضور رئيس مجلس الوزراء شخصيًا.

فذهبت وأدركت خوف اللجنة المالية التي كنت أشاركها في وجهة نظرها وتداولت معها اللجنة وأعطيت كل الضمانات التي ترى فيها كفالة وصيانة لعدم تمكين أي راغب في التلاعب بالاعتماد، واستقر الرأي على أن يعهد إلى رئيس مجلس الوزراء شخصيا الإشراف على هذا الاعتماد وأن يكون التصرف فيه قائمًا على أساس تقرير من خبراء دوليين يقررون أن إصلاح يخت المحروسة خير من شراء قطعة بحرية جديدة تنوب عنه وذلك لأن المتقدمين من قبل البحرية بطلب الاعتماد ادعوا أن هيكل المحروسة من مواد صلبة وأمتن من المواد المستعملة في السفن من أمثالها في الوقت الحاضر وأن تطرح العملية على شركات عالمية للمناقصة.

ووافق مجلس النواب على هذا كما وافق عليه مجلس الشيوخ كذلك، ولما وافق عليه مجلس الشيوخ كنت قد خرجت من الوزارة ولم يجر أي تصرف في هذا الاعتماد في مدة حكمي. ولما جاءت وزارة حسين سري أهملت كل هذه الشروط والقيود ونفذ الاعتماد وف عهد حكومة الوفد كلك صرف مبلغ فرق دولارات زيادة.

حكاية المحروسة هذه كانت ذات أثر في نفس الملك وقد لوح لهذا في المأدبة حكاية المحروسة وهذه كانت ذات أثر في نفس الملك، وقد لوح لهذا في المأدبة التي أقامها الوزراء عند السفر إلى الإسكندرية قبل الاستقالة بأيام حيث عرض الحديث على المائدة أن الموسيقى التي تسمع ألحانها هي موسيقى المحروسة وبأثر هذه القضية على نفسه شهد الأستاذ حسن يوسف عرضا أمام إحدى الهيئات القضائية في المحاكمات التي جزت خلال هذا العهد بأن حكاية المحروسة هذه كانت من أشد ما أغضب الملك على الوزارة ورئيسها.

وقد فاتني أن أذكر الصدى الذي نتج عن عدم الموافقة على إلغاء محاكمة مصطفى صدقي ومبلغ ما ترك في الغضب في نفس الملك حيث لم أقبل رغبته في عدم المصادقة على الحكم فقد تذكرون أن زميلي في الوزارة مصطفى مرعى وكنت أشركه فيما يختص بالأحكام العرفية قد استقال من وزارة حسين سري التي تلت وزارتي في الحكم وكان من بين أسباب هذه الاستقالة ما أراد سري باشا أن يشركه أو يورطه فيه من عدم التصديق على الحكم المشار إليه فرفض مصطفى مرعى واستقال أعود فأقول: إن حسن يوسف يقول لي:

مولانا عاوز المرسوم الخاص بتعيين عثمان المهدي.

فقلت له:

مولانا عاوز. مولانا يا حسن باشا .. مولانا على عينا ورأسنا لكن تسليم مرسوم

مثل هذا للسراية يبقى معناه إيه؟

وذهب إلي كامل بك سليم سكرتير عام مجلس الوزراء وقال له:

إن مولانا عاوز مرسوم عثمان باشا المهدي.

فجاءني كامل سليم بك وأبلغني ما قاله حسن يوسف فقلت له:

هذه وثيقة من وثائق الدولة وهي أمانة عندك، وأنت المسئول عنها.وقلت له كلاما آخر.. لا داعي لذكره.

جاءني حسن يوسف وأعاد على نفس الطلب فقلت له: لما يكون فيه مستند عندي وعاوزين صورة منه ممكن أما المرسوم الموقع من الملك فلا .. وأنا أفهمتك هذا.

فقال:

مولانا عايزه.

فقلت له:

عاوزه ليه يا سيدي؟ علشان يغيره بأمر ملكي .. إزاي يا حسن باشا. الناس .. يقولوا إيه؟

الراجل بتاعكم وأنتم طالبيه بالذات ونفذنا الطب إيه تاني؟ عاوزيني أسرق حتى دستوري من حقوق البلد علشان أديه لكم؟ وأنا ما بسرقش لنفس الحكاية.

مرسوم ملكي يصبح أمر ملكي..؟ دا شيء؟ غير معقول.بعد الظهر كلمني الملك في هذا الموضع بالتليفون قائلا: سعيدة فرددت عليه سعيدة مبارك با مولانا.

قال:

إيه الحكاية بتاعت عثمان المهدي؟

قلت:

تم تعيينه للأركان كطلب مولانا.

قال:

لا .. الموضوع اللي كلمك فيه حسن..

قلت:

لن أوافق يا مولانا على هذا الرأي، لأنه ليس من مصلحتك ولا من مصلحة البلد ثم الناس تضحك علينا يا مولانا.. الحاجة اللي عملناها وصدق عليها الملك. نرجع فيها ثاني بعد شهر واحد.فسكت ... وقبلها..

والواقع أنني أحسست أن في الجو شيئا غير عادي فاستصدرت جميع القوانين التي أريدها، وسافرنا إلى الإسكندرية وعزمنا الملك على الغداء في قصر المنتزه ثم انتقالنا إلي التراس المطل على البحر وكان الملك عنده قدرة كافية فائقة في الحديث اللطيف إن شاء وأن يأتي ببعض الطرائف والأشياء مما يؤنس الجالسين معه، وحرصا منه على أن يضفي على الجلسة جوا عائليا صرفا أحضر الأميرات ليسلمن علي.

وكان قبل هذا تناثرت الأحاديث بأن وزارني ستستقيل بعد أيام، فكنت أؤكد لمن يفاتحني في هذا بأن الوزارة قوية وتسير وفق البرنامج الذي وضعته لنفسي ولا أنكر أننا قضينا وقتا جميلا في ذلك اليوم. وبعد بضعة أيام أقام مأدبة في سراي رأس التين لأعيان ووجهاء الإسكندرية وكنت أحد المدعوين فمال الملك على أذني وقال لي:

حتعمل إيه في الإخوان المسلمين؟

قلت:

اللي يعمل حاجة تستحق المحاكمة بتقدمه للمحاكمة وبعضهم في المعتقل.

فقال:

بلغني أنكم تضربونهم.

قلت:

هذا غير صحيح... دا بعضهم تزوج في المعتقل وأعطينا لهم حق شراء كل ما يحتاجون إليه م المتعهد.. خلافا للتعيينات المقررة لهم.

فقال كلاما آخر... رددت عليه بأن هذا طبيعة الخصوم السياسيين عندما يريدون التشهير بالحاكم. وخرجت من عنده وأنا على يقين بأن ما قاله هو حيثيات الحكم لخروجي من الوزارة .. وقد كان..

عندما طلبت من الملك إطفاء النور

عندما كانت الوزارة تتنقل من مقرها الصيفي بالإسكندرية إلى قصر عابدين قبل الثورة كان يصدر بيان من كبير الأمناء يحدد فيه موعد الانتقال إلى القاهرة

وأذكر أنه حدد يوم أول نوفمبر سنة 1951 لانتقال الحكومة إلى العاصمة كما حدد يوم السبت 3 نوفمبر سنة 1951 لإقامة مأدبة غداء يحضرها رئيس الوزراء بعابدين.

وفي يوم الخميس أول نوفمبر سنة 1951 وكنت أقود سيارتي بشارع إبراهيم باشا الجمهورية حاليا عند تقاطعه بشارع الساحة (رشدي باشا حاليا) فوجئت بسيارة واقفة ويخرج منها نور قوي يبهر البصر، فأخذت أنبه قائدها إلى إطفاء النور عن طريق إضاءة وإطفاء نوري، ولكن قائد السيارة لم يستجب وسدد الكشاف إلى عيني مما جعلني لا أتبين طريقي واضطررت عند فتح الإشارة أن أكسر عليه وبصوت عال صحت به: ما تفتح يا أخينا.

وهنا صدمت عندما شاهدت الملكة ناريمان بجوار السائق، فعلمت أنه الملك .. وأصابني دوار أشبه بدوار البحر.. وذبت خجلا .. ثم وجدت جندي المرور يوقف سيارتي ليطلب مني رخصة السيارة ورخصة القيادة ونبهني أنني قد شتمت الملك وحاولت أن أدفع عن نفسي وقلت له:

إن سائق السيارة المضيئة ليس الملك لأن الملك سوف يشرف العاصمة صباح السبت كما جاء في الصحف وهو الآن مازال بالإسكندرية. ولكن دفاعي لم يجد وأخذ مني رخصتي القيادة والسيارة بعد أن عطلني الجندي حوالي نصف ساعة.

وفي اليوم التالي اتصلت بالأخ اللواء حسن مشرفة مدير المرور مستفهما عما تم في طلب القصر مصادرة السيارة بعد حادثة الأمس. ولكنه أخبرني بأن أحدا لم يتصل به. وذهب النحاس باشا يوم السبت 3 نوفمبر سنة 1951 لحضور مأدبة الغداء بالقصر وكنت أثناء ذلك مترقبا ما سوف تأتي به الأيام ومنتظرا أن يصدر أمر ملكي بإحالتي إلى المعاش أو نقلي إلى أسوان وهذا أضعف الإيمان.

ولكن لم يحدث ومرت الدقائق وكأنها سنوات..وعاد النحاس باشا من القصر واتصل بي في المنزل وطلب مني أن أتوجه غدا في الصباح لمقابلة معالي عبد اللطيف باشا طلعت كبير الأمناء لأمر هام.. بناء على طلب الملك شخصيا.

ويعلم الله كيف مرت على هذه الليلة الليلاء إذ استبدت الهواجس بنفسي ودارت برأسي الظنون وقلبت الأمر من جميع وجوهه، فلم أجد سببا إلا واقعة شتمي أو سيء للملك.

وتوكلت على الله وليكن ما يكون .. وقابلت معالي عبد اللطيف باشا في يوم مازال سجلا في ذاكرتي وهو الأحد 4 نوفمبر سنة 1951 الذي بادرني بابتسامة لطيفة وقال لي:

إن مولانا يطلبك للعمل بالقصر.وفوجئت بذلك وخشيت أن يكون طلب العمل بالقصر وسيلة للانتقام من شخصي ولكن خشيت أن أرفض فأزيد الطين بله.

ووافقت ولكن قلت لعبد اللطيف باشا:

أرجو أن تبلغ مولانا شكري وتقديري غير أني لا أريد أن أترك رفعة النحاس باشا إذ أن لرفعته مآثر كبيرة على كما أنني ربيت في بيت النحاس باشا.

وخرجت من القصر ثم نقلت ما دار إلى رفعة النحاس باشا فقال:

يا ابني هناك أحسن لك وأنت عارف أن أحنا يوم هنا ويوم في الشارع أما هناك ففيه استقرار.

ولكني قلت له:

سوف أتحمل المصير الواحد.
ولم أكن أدري .. ماذا سوف تخبئة الأيام، إذ لم نمض سنة واحدة حتى قامت الثورة وأعفى بعض رجال الحاشية الملكية من مناصبهم كما أنني أصبحت من أشد الناس إيمانا بأن الله يرتب الحوادث كما يشاء وأن الرزق بيده سبحانه وتعالى وكما تقول الآية الكريمة: ( وفي السماء رزقكم وما توعدون)

لماذا نفذت الثورة الحكم علي فؤاد سراج الدين؟

بعد قيام ثورة يوليو سنة 1952 حاول الرئيس جمال عبد الناصر الاتصال بالسياسيين لمعرفة رأيهم في حل الأحزاب السياسية وقد وافق المرحوم حسن الهضيبي مرشد الإخوان المسلمين على حل الأحزاب.

ويقال إن عبد الناصر عارض إلغاء الأحزاب بعد ذلك.وقد حاول الإخوان منذ بدء الثورة احتواءها وذهب وفد منهم لمقابلة اللواء محمد نجيب ودامت المقابلة أكثر من ثلاث ساعات.

واجتمع بهم وفتئذ جمال عبد الناصر مرحبا. وفي هذه الأثناء اعتقل فؤاد سراج الدين ووجهت إليه اتهامات كان من الراجح أنه برئ منها وحكم عليه بالسجن لمدة 15 عاما.

ويبدو أن هناك عاملا خارجيًا في الحكم على فؤاد سراج الدين بهذه العقوبة، وكانت حكومة الثورة تخشى من إطلاق سراح سراج الدين باشا وهو من أقوى الشخصيات السياسية وسكرتير لأكبر الأحزاب السياسية التي عرفتها البلاد في تاريخها الحديث كما أن تنفيذ الحكم في سراج الدين باشا كان مرده أيضا إلى عامل داخلي تمثل في الصراع الذي نشب بين الإخوان المسلمين وبين الثورة.

وكان لابد من القضاء على كافة خصوم الثورة قبل الانقضاض على الإخوان المسلمين وصدق على الحكم الصادر بعقوبة فؤاد باشا من مجلس الثورة دون تعديل، وكان الصاغ كمال الدين حسين معارضا في هذا الحكم بعد أن اعترض عليه اللواء نجيب نفسه فثارة عبد الناصر على كمال الدين حسين ثورة شديدة قائلا.

إن الوفد إن كان بريئا فلا بد من عودته إلى الحكم. واستمرت المداولات بين أعضاء مجلس الثورة وقتا ليس بالقصير وانتهت بتراجع الأعضاء جميعا عدا كمال الدين حسين الذي أصر على البراءة وصدر قرار المجلس بإجماع الآراء فيما عدا رأي العضو المعارض.

وأذكر أن اللواء نجيب رفض أن يقابل السيدات شقيقات فؤاد باشا خشية أن يتأثر بالمقابلة وقد ظل سراج الدين باشا عامين في سجن الأجانب قضاهما في غرفة بها ثلاجة وراديو وكانت زيارته مفتوحة.

اتصال الوفد بالضباط الأحرار ومحمد نجيب

وقد حدث في أكتوبر سنة 1951 بعد إلغاء معاهدة 1936 أن اتصل بعض الضباط الأحرار بمعالي فؤاد باشا سراج الدين وزير الداخلية وقتئذ من بينهم قائد الجناح وجيه أباظة والبكباشي أحمد أنور ودار حديث بين الوزير والضباط في منزله حول إلغاء المعاهدة والموقف المشرف للحكومة وتصعيد حرة المقاومة ضد الإنجليز وأخبر الضباط الوزير بإمكانه الاعتماد على الجيش وأن الجيش لن يسمح للملك بالانقلابات الدستورية.

فقال فؤاد باشا:

إن هذا موقف عظيم منكم.. ونحن لا نريد من الجيش أكثر من ذلك .. ولكننا لا نريد أن يعمل الجيش بالسياسة .. كما أن موقف الحكومة من الملك واضح لإخفاء فيه وأنها قادرة على تحمل مسئوليتها التي فرضتها عليها الأحداث إما أن تخرج أو يخرجنا فإن استقالتنا في جيبنا .. ويومئذ سوف تعلمون أننا عجزنا فاعملوا ما تريدون..

وكانت هذه المرة الأولى للقاء الذي تم بين فؤادي باشا سراج الدين والضباط الأحرار.. ولم يكن يعلم أنهم من الضباط الأحرار أو أنهم ينتمون إلى تشكيل ثوري فقد كان كلامهم كلاما عاما حول أحداث الساعة. والواقع أن فؤاد باشا كان في استطاعته أن يعرف من اتصل به ولكنه لم يفعل لإيمانه أنه يتحدث إلى وطنيين دفتهم وطنيتهم وشبابهم إلى التطوع والتحرك من أجل مصر.

ويذكر فؤاد باشا سراج الدين أنه في أثناء معركة القتال طلب اللواء نجيب مقابلته وذلك على طريق الأستاذ الصحفي محمد خالد وحدد مكان المقابلة في عيادة لطبيب أسنان بشارع خيرت بالسيدة زينب .. وفعلا تمت المقابلة وتوقع فؤاد سراج الدين باشا أن يقول اللواء نجيب معلومات عن حكاية نادي الضباط ولكن اللواء نجيب تحدث حديثا عاما.

وقد تساءل فؤاد سراج الدين حول الغاية من مقابلة اللواء محمد نجيب وعلل ذلك أنه يريد إثبات وجوده وخاصة في المكان الذي تمت فيه وكانت الساعة الثالثة بعد الظهر ويبدو أن فؤاد باشا اعتقد أن محمد نجيب كان هيابا من الموقف.

وبعد خروج الوفد من الحكم توقع سكرتير الوفد أن يتصل به اللواء نجيب ويمده ببعض المستندات ضد القصر أو الحكومة ولكن اللواء لم يفعل وتحاشى الاتصال بالأستاذ سراج الدين.ثم قامت الثورة وكان رفعة النحاس باشا وفؤاد باشا في أوربا فعادا إلى القاهرة في اليوم التالي لقيام الثورة.

وطلب النحاس باشا من سراج الدين باشا مقابلة اللواء نجي لسؤاله عن الانتخابات والدستور والبرلمان. وطلب فؤاد باشا بوصفه سكرتير الوفد أن يقابل اللواء نجيب باعتباره رئيسا لمجلس الثورة عن طريق السيد عيسى سراج الدين وكان من الضباط الأحرار ومن عائلة سراج الدين ويعلم الآن سفيرا بوزارة الخارجية.

ومن المعروف أن بعض جلسات الضباط الأحرار كانت تعقد بمنزل عيسى سراج الدين لقرابته لوزير الداخلية وعدم تطرق الشك إليه ولأن زوجته سيدة تركية لا تعرف اللغة العربية جيدا ولكن عيسى سراج الدين أخبر فؤاد باشا أن اللواء لن يقابله لأنه يخشى أن يضعه السياسي الكبير في جيبه ولكن اللواء طلب إبلاغ معاليه رسالة معينة.

وحدد موعد المقابلة في منزل اللواء نجيب بحلمية الزيتون وحضر المقابلة جميع أعضاء مجلس الثورة ودامت المقابلة من الساعة الرابعة مساء إلى الساعة الواحدة صباحا ومما يذكر أنه في هذا اليوم فتش البوليس جريدة المصري بحثا عن أصل خبر نشرته الجريدة في الصباح لهذا اليوم مضمونه أن النية تتجه إلى توفير بعض الوظائف الزائدة على الحاجة.

وجاء الأستاذ أحمد أبو الفتح لمقابلة محمد نجب ثائرا من عملية التفتيش ولكن الضباط هدءوا ثائرته وأكمل الجلسة مع فؤاد باشا والضباط.وقد دار حوار شيق بين السياسي فؤاد سراج الدين وشباب الثورة حول المسائل الشخصية ثم تطرق فيها بعد إلى الأحداث التي كانت تهم الرأي العام في هذه الوقت ومن أهمها قانون تحديد الملكية الزراعية.

وكان رأي فؤاد باشا واضحا وصريحا ومع إيمانه بالمبدأ فإنه ينكر وسيلة تطبيقه ويبدو أن الحديث قد أتعب فؤاد سراج الدين فطلب منه صلاح سالم متأدبا أن يجتمع بهم مرة كل أسبوع للتشاور، كما طلب جمال عبد الناصر أن يبقى فؤاد سراج الدين بالقاهرة.

وفي نهاية الجلسة أقترح أحمد أبو الفتح أن تعقد الجلسة التالية بمنزله.ولكن هذا الاجتماع لم يتحقق أبدا. ففي اليوم التالي صدرت مجلة آخر لحظة وكانت تصدر عن أخبار اليوم ويحررها الإخوان مصطفى وعلي أمين خبرا مفاده أن فؤاد سراج الدين قد اجتمع بالضباط الأحرار ثم خرج مصرحا بأنه وضع أعضاء مجلس الثورة في جيبه وكان النشر بقصد الإيقاع بين فؤاد باشا ومجلس الثورة.

وبالفعل علم فؤاد باشا من الأستاذ أحمد أبو الفتح أن الرئيس عبد الناصر أجل الاجتماع وبعد أيام قلائل صدر الأمر باعتقال فؤاد سراج الدين باشا بسبب هذا الخبر المدسوس والذي نشرته إحدى صحف أخبار اليوم بقصد توسيع الهوة وإفساد العلاقات بين الوفد والثورة.

أزمة بسبب راقصة

في صيف 1951 كان الملك فاروق في دوفيل، وعدد جلالته أحد أصحاب الكاباريهات باستقدام راقصة من القاهرة تحيي ليالي ألف ليلة في المدينة الفرنسية الصاخبة.

وتقدمت الراقصة بطلب تأشيرة الخروج من القاهرة ولكن وزير الداخلية رفض السماح لها. وحدثت أزمة .. بين القصر والحكومة وفشلت الحاشية الملكية في إقناع وزير الداخلية بأن سفر الراقصة لتمثيل مصر في الخارج إرادة ملكية سامية لا يمكن للحكومة إزاءها إلا الطاعة والتسليم.

ولكن وزير الداخلية لم يقتنع بل أصر على الرفض إصرارا شديدا.وأذكر أن الملك بنفسه- أتصل بوزير الداخلة محاولا جعل الوزير يستجيب ولكن الوزير رد على الملك بقوله:

إنني أرفض التصريح لهذه الراقصة لأن فيها مساسا بالعرش وأنا أدري بمصلحة العرش. واهتزت العلاقات بين السراي، وفؤاد سراج الدين باشا، ووصلت إلى حد التوتر الذي ينذر بوقوع شيء للحكومة.

ولكن فؤاد سراج الدين بقي صامدًا.وأشار خصوم الوفد على الراقصة الملكية بأن ترفع دعوى أمام مجلس الدولة ضد وزير الداخلية شخصيا لإلغاء القرار والحكم عليه بالتعويض لمساسه بالحرية الشخصية لإحدى الراقصات.

ورفعت الدعوة بالفعل الراقصة سامية جمال. وصدر حكم المجلس برفض الدعوى باعتبارها تدخلا في سلطة الإدارة التي هي أعلم بمصالح البلاد. ولم تسافر سامية جمال كما طلب الملك.

الدكتور النقيب يمنع النحاس باشا من زيارة والدة ناريمان

كانت السيدة أصيلة هانم والدة ناريمان مريضة وتعالج بالجناح الملكي في مستشفى المواساة ولما بلغت المرحوم مصطفى النحاس باشا أبدى رغبته في زيارتها فاتصلت باللواء أحمد لبيب الشاهد (زوج أختها) والسيد مصطفى صادق (شقيق زوجها) اللذين كانا في انتظار المرحوم النحاس باشا على باب المستشفى.

وصعدنا جميعا إلى الجناح الملكي فاستقبلنا المرحوم الدكتور أحمد النقيب باشا مدير المستشفى ورحب بالنحاس باشا وسأله عن غرضه فأبلغه رغبته في زيارة أصيلة هانم فاعتذر النقيب باشا بأنه لا يسمح لرفعته بالزيارة وذلك بناء على أوامر الملك.

فاستاء النحاس باشا وبدا الغضب ظاهرا علي وجهه ثم قال:

طيب ننزل نزور زوجة عبد المنعم النحاس .. وغادر الجناح.وسارعت إلى غرفة أصيلة هانم ورويت لها ما فعله الدكتور النقيب خاصة وأنني أبلغتهم بالزيارة قبل موعدها.

فاتصلت أصيلة هانم تليفونيا مع الملك في قصر المنتزه فطلب ذهابي إلى هناك فسارعت وقابلت جلالته ورويت له ما حدث فقال:

تروح حالا تجيب رفعة النحاس باشا إلى المستشفى وإذا لم يحضر فسأسجنك فقلت يا مولانا.ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه وأنا ذنبي أيه.

فقال:

هذا أمر روح الآن ويذهب رفعة النحاس باشا للمستشفى فسارعت بسيارتي إلى فندق سان ستيفانو وكان المرحوم النحاس باشا يتوضأ لصلاة العصر ففاجأني قائلا:

إيه اللي حصل ده.. أنا ما ما عرفتش أتغذي وحكمت أعصابي لأنه كان واجب أضرب النقيب بالعصا وأدخل. فقلت:

أنا حاضر من عند الملك الآن وقد أخبرته بما فعله النقيب فأبلغني أنه ذاهب بشخصه الآن إلى المستشفى وسيكون في استقبال رفعتك، وإذا لم تذهب فسيصدر أمرا بسجني فقال إن السيارة قد صرفت فقلت لرفعته إن سيارتي موجودة فقال:

بتسوق كويس.فقلت ربنا يسهل وفي ذهني أنني أتحمل مسئولية كبرى حينما أقود السيارة التي يركبها زعيم البلاد.وارتدى رفعته ملابسه وذهبنا للمستشفى وصعدنا للدور العلوي حيث الجناح الملكي وفتحت باب غرفة أصلية هانم فوجدنا الملك جالسا فلما رآنا وقف وقال:

أهلا مصطفى باشا أنا آسف من اللي حصل.. تصرف النقيب تصرف خاطئ وأنا لم أصدر أمرا بعدم الزيارة . وأنا شاكر أنك حضرت للسؤال عن حماتي، كما أشكرك على قرار تعديل معاشها وبالنسبة للنقيب إذا لم تقبل اعتذاره يحال الآن إلى المعاش.

فرد النحاس باشا بأسلوبه المعروف:

نقيب إيه ومعاش أيه يا جلالة الملك، أنا بيقولوا علي أنني مغرم بتقبيل السيدات، وأنا شايف قمر نايم ولسه ماسلمتش عليه ونفسي أقبله، وجلالتك بتقول حماتي دي صغيرة وزي القمر.وعن إذن مولانا..

واتجه رفعته إلى أصيلة هانم وقبلها وألقى بيتا من الشعر عن الجمال لا أذكره.

فضحك الملك وقال النحاس باشا: إنني بعد هذه القبلة نسيت الإساءة التي صدرت من الدكتور النقيب الذي لم يفهم ما قلته له إنني رئيس وزراء ومن حقي التفتيش المفاجئ على أي مستشفى.

هدية الملك للنحاس باشاخاتم زمرد

يوم 15 يونيو سنة 1950 وفي الساعة الخامسة مساء وصلت إلى جناح المرحوم مصطفى النحاس باشا بفندق سان ستيفانو سلة فواكه من مزارع الخاصة الملكية مع مندوب ملكي قال لي:

هذه السلة هدية من جلالة الملك لرفعة النحاس باشا بمناسبة عيد ميلاده، فصعدت بالسلة إلى غرفة المرحوم النحاس باشا الذي فتح غطاءها فوجد كمية من المشمش وفوقها علبة مجوهرات وفتحها رفعته فوجد بداخلها خاتما من الزمرد فسألني رفعته لخاتم ده حريمي ولا رجالي.

فقلت:

إنه رجالي وإن الملك أرسله هدية بمناسبة عيد ميلاد رفعتك اليوم ولبسه رحمه الله عليه فورا ونادى على المرحومة قرينته وقال لها شوفي هدية الملك في عيد ميلادي عرف أزاي مقاس صباعي لازم السياسي بتاعه عارف كل حاجة.فقال رحمة الله عليها.دا جميل خالص أعطيه لي. فقال: هدية الملك لا تهدى ولا تخلع من يدي.

صحف المعارضة تستغل الخاتم

ومما يذكر أن بعض الصحف المعارضة للوفد دست أحد مصوريها ليصور الخاتم في يد المرحوم النحاس باشا عدة صور وخاصة أخبار اليوم وحرصت على أن تنشر هذه الصورة بين حين وآخر وتتهم المرحوم النحاس باشا في نزاهته، وكيف يستطيع الحصول على ثمن هذا الخاتم.

وكان رفعته دائم الصبر كعادته. وإنني أتساءل الآن هل كان الملك بعد أن ساءت العلاقات بينه وبين النحاس باشا وبلغت الأزمات مع الحكومة الإنجليزية غايتها وراء ما تنشره هذه الصحف التي كانت وثيقة الصلة بالقصر الملكي وقد علمت أن الخاتم هدية ملكية.إنني لا أقطع بذلك بل أشك. والمعرفة أن الملك الراحل رحمة الله عليه. كان واسع الخيال في مناوراته.

سرقة حذاء النحاس باشا

في سنة 1941 كان النحاس باشا يصطاف في رأس البر وكان مولعا بالسباحة وكان يصطحب كاتب هذه الذكريات في رياضته المفضلة ويضم إلى زمرة مرافقيه الرياضي الكبير إسحق حلمي وبن دمياط البار: عبد المنعم عبده.

وفي أحد أيام الجمع و النحاس باشا ومكرم باشا عبيد يعومان في مياه الجربي.. قال النحاس باشا مداعبا مكرم عبيد باشا:أمتى يا مكرم تسلم علشان تصلي معانا الجمعة.فضحك مكرم باشا..وانتهت فترة الاستحمام وخرج النحاس باشا من البحر إلى عشته وارتدى ملابسه وذهبنا جميعا لأداء الصلاة في دمياط.

واستقبل النحاس باشا ومرافقوه استقبالا حماسيا حافلا.وبعد أن أدى رفعته الصلاة خرج يفتش عن الحذاء فلم يجده وكانت حادثة من أطرف الحوادث التي مرت بالنحاس باشا.

وخرج أهالي دمياط عن بكرة أبيهم ليكسروا حوانيت الأحذية بحثا عن حذاء ملائم لرفعة الباشا ولكنه رفض. وعاد بالسيارة .. دون حذاء..!

ووجد مكرم باشا منتظرا في عشته برأس البر.وعندما علم بهذا الخبر استغرق في الضحك وقال لرفعة النحاس باشا مداعبا:عايزني أسلم يا باشا، علشان جزمتي تنسرق؟

الباشوية للشيخ طه

في أثناء المشاورات التي سبقت تشكيل وزارة مصطفى النحاس باشا سنة 1950 قابل حسين سري باشا رئيس الديوان الملكي مصطفى النحاس باشا في منزله وأبلغه اعتراض السراي على شخص واحد في هذا التشكيل هو المرحوم الدكتور طه حسين بك الذي رشح وزيرا للمعارف وقد برر ذلك بأن الملك يعتقد أن الدكتور طه حسن متطرف ويساري الاتجاه والتفكير.

وكان طه حسين ينادي بتأميم التعليم وأن التعليم كالماء والهواء، وقد جعل التعليم الابتدائي بالمجان عندما كان مستشارا فنيا للمرحوم نجيب الهلالي باشا وزير العارف في وزارة الوفد سنة 1942.

وبالرغم من أن طه حسين لم يكن وفديا فقد أصر مصطفى النحاس باشا على ترشيحه تقديرا منه للشيخ طه، كما كان يطلق عليه مداعبا، وطلب من رئيس الديوان إبلاغ الملك أن الوزارة إما أن تشكل وبها طه حسين وإما ألا يشكلها أصلا ويعتذر عن عدم تأليفها.

وأصر النحاس باشا على موقفه ولم يذعن لرجاء سري باشا.وقد نزل الملك على إرادة الزعيم الكبير وعين طه حسين وزير للمعارف واستمر يشغل هذا المنصب حتى أقيلت وزارة الوفد.

وطبق في هذه الوزارة سياسة تأميم مرفق التعليم وصدر قانون يجعل التعليم الثانوي بالمجان، كما أنشئت جامعة (إبراهيم) وجامعة (محمد علي) اللتين أطلق عليهما فيما بعد (عين شمس) و (أسيوط).

وكانت حكومة الوفد سنة 1942 قد أنشأت جامعة فاروق (جامعة الإسكندرية) فيما بعد.وأذكر أنه بعد شهور معدودة من تشكيل الوزارة افتتح الملك معهد الصحراء في مصر الجديدة وألقى الدكتور طه حسين في حفلة الافتتاح خطابا أشاد فيه بمآثر محمد على وخلفائه على التعليم في مصر، وما قدموه من خدمات جليلة في هذا الشأن.

وكان الملك مسرورا قرير العين، إذ لم يكد الدكتور طه حسين ينتهي من إلقاء خطابه حتى كان الملك قد منحه رتبة الباشوية وهنأه بنفسه. وكان طه حسين (باشا) أول وزراء الحكومة الذين منحوا هذه الرتبة وسبق زملاءه الذين لم يكونوا يحملونها بنحو عام كامل.

ترشيح فؤاد سراج الدين رئيسا للديوان الملكي

وأذكر أن أندراوس قال لفؤاد سراج الدين باشا وكان وزيرا للداخلية إن الملك يرشح وزير الداخلية رئيسا للديوان الملكي. ولكن فؤاد باشا اعتذر عن قبول هذا المنصب وضحك على مجرد الفكرة وعرف أن المقصود منها هو بث الفرقة في صفوف الوفد.

فقال أندراوس:

إن الملك يقول... إنه إذا عين غير وفدي فإن الوفد يثور ويحتج والسوابق على ذلك كثيرة منذ سعد زغلول باشا سنة [1924]] إلى مصطفى النحاس باشا في وزارة سنة 1936.

فرد فؤاد سراج الدين باشا:

إنني أقبل على شرط واحد، هو أن أحتفظ بعضويتي في الوفد

فقال أندراوس:

لعلك تذكر أنك اعترضت على تعيين إبراهيم عبد الهادي باشا رئيسا للديوان وهو نائب رئيس الحزب السعدي.

فقال سراج الدين باشا (ضاحكا) يا باشا بلاش حركات .. وأنتم عايزين أخرج من الوفد وبعدين انتهى سياسيا وأفقد عضويتي في الوفد؟

وكان يستوي لدى فؤاد باشا سراج الدين أن يكون أي شخص رئيسا للديوان لأن قوة الوفد ليست في القصر بل هي في الشعب.

ولعل ذلك هو ما حدا بالحكومة الوفدية بعد الاعتراض بصورة جدية على تعيين حافظ عفيفي باشا رئيسا للديوان الملكي، فقد كان بعيدا عن الأحزاب.

القصر يرفض تعيين فؤاد سراج الدين نائبا لرئيس مجلس الوزراء

في أثناء سفر النحاس باشا إلى أوربا في صيف سنة 1950 وكان فؤاد باشا سراج الدين وزيرا للداخلية وسكرتيرا عامًا للوفد المصري كما كان الشخص الذي يؤهل لخلافة مصطفى النحاس باشا في زعامة الوفد.

وكان النحاس باشا فيما أعلم يزكي فؤاد باشا تزكية خاصة وينزله في قلبه منزلة الابن، إذ كان فؤاد باشا يمثل الشباب الذي هيأته الأقدار لأن يتولى دفة الأمور.وكان فؤاد باشا يمثل الشباب الذي هيأته الأقدار لأن يتولى دفة الأمور.

وكان وفقا للتقاليد يتولى منصب رئيس الوزراء بالنيابة أقدم الوزراء، وهو المهندس الكبير المغفور له عثمان محرم باشا، وأراد النحاس باشا أن يضفي على فؤاد باشا شيئا من شرعية النيابة فاقترح على القصر أن يصدر مرسوم بتعيين فؤاد باشا سراج الدين نائبا لرئيس مجلس الوزراء.

وبالرغم من أن الوفد في وزارته الأخيرة لم يشرك فيها الهلالي باشا، فإن القصر قد استشار الهلالي وهو صاحب العقلية القانونية والدستورية الفذة، فأفتي بقانونية الاقتراح ولكن القصر رفض لسبب غير مفهوم وليس ذلك إلا إشاعة الفرقة في صفوف الوفد.

وأذكر أن فؤاد باشا لم يكترث لذلك، بل قابل الموضوع بروح الرياضي الذي أدرك مغزاة وفوت على القصر ورجاله ما يرمون إليه.

عثمان باشا محرم يرفض مقابلة السفير البريطانية يوم الجمعة

وفي أثناء سفير النحاس باشا إلى أوربا في ذلك الوقت كان المرحوم المهندس عثمان محرم باشا وزير الأشغال رئيسا للوزراء بالنيابة.

وأذكر أنه في يوم الخميس 17 أغسطس سنة 1950 اتصل بي السفير البريطاني. السير رالف ستفينسون وطلب مقابلة رئيس الوزراء لأمر هام للغاية، وحدد للمقابلة يوم الجمعية 18 أغسطس سنة 1950 انتظار لوصول رسالة ترد من لندن مساء الخميس، ويحب إبلاغها فورا إلى الحكومة، ولا تحتمل أي تأخير.

وبالفعل اتصلت بالمرحوم المهندس الكبير عثمان باشا محرم وعرضت عليه رغبة السفير فرفض معاليه أن يجتمع بأي إنسان حتى لو كان ملكة بريطانيا العظمي يوم الجمعة أو أن يخاطب أي إنسان في العمل أيام الراحة الأسبوعية وطلب إبلاغ رأيه إلى السفر وأن تتم المقابلة صباح السبت التالي 19 أغسطس سنة 1950 في بولكلي.وفعلا، تمت المقابلة، وحضر السفير إلى مقر رئاسة المجلس.

وبعد أن انتهت الزيارة قال لي عثماني باشا محرم:

إن السفير البريطاني كان محرجا لأنه كان يخشى أن تسأله حكومته عن سبب عدم مقابلته لرئيس الوزراء المصري في الموعد الذي حدده.

ولكن عثمان باشا قال له:

أرجو أن تبلغ حكومتك ما أبلغتك به صلاح بك .. فلو جاءت الملكة نفسها إلى القاهرة وطلبت مقابلتي يوم الجمعية لاعتذرت.

الملك يعتزم قتل كريم ثابت باشا:

وأذكر ذات يوم ونحن في بولكي في صيف سنة 1951 أن أفضى إلى المرحوم محمد وصفي قائد حرس الوزارات بأن الملك أصدر أمرا بقتل كريم ثابت باشا.

عجيب لهذا الخبر وسألته في دهشة:

هل ستنفذ أنت هذه المهمة..؟

فقال مستنكرا:

لا إن الأوامر قد صدرت إلى الحرس الحديدي الملكي لتنفيذ هذه المأمورية ولا أعرف الشخص المكلف بها وإنما أعلم أنه سوف يغتال بمدفع رشاش هذا اليوم وفي صباح اليوم التالي لم يقتل كريم ثابت.

وقابلت وصفي ضاحكا..

وأنا أقول:

إنه لم يقتل، إن أخبارك أصبحت لا يوثق بها..

ولكن محمد وصفي لم يفقد ثقته بأمر الملك وأجاب:

لقد نجا كريم ثابت بفضل صلاح الدين باشا.

وسألته:

كيف كان ذلك؟

فأجاب:

لقد قابل كريم ثابت في أثناء تنزهه على الكورنيش أمام فندق سان استفانو الدكتور صلاح الدين باشا وزير الخارجية فحياة وأقبل عليه، وسار إلي جواره متحدثا.. وهنا شاهده .. (المنفذون) فأحجموا عن تنفيذ المهمة خوفا من قتل وزير الخارجية معه.

وهكذا نجا كريم ثابت من موت محقق ولا أعلم سبب الأمر باغتياله حتى الآن وكل ما أعلمه أن الملك لما علم بنجاته مصادفة رفع غضبه عنه وقال: اتركوه.. له عمر.

موت محمد وصفي قائد حرس الوزارة

ذات مساء وبعد منتصف الليل في أوائل وزارة علي ماهر باشا التي تألفت بعد 23 يوليو سنة 1952 مر علي بمكتبي المرحوم محمد وصفي يرتدي جاكت كحلية وبنطلونا رماديا وخرجنا معنا المرحوم البكباشي رشاد مهنا (ضابط البوليس)

للنزهة واشترينا مانجو ثم ذهبنا إلى الحسينية لنأكل زبادي من أشهر محل لعمل الزبادي وأمضينا وقتا سعيدا تستمع إلى نكات رشاد مهنا حتى الساعة الثالثة صباحا وأوصلنا وصفي إلى منزله وذهب كل منا إلى منزله.

وفي الصباح الباكر اتصل بي المرحوم رشاد مهنا وقال:

إن مراسلة سفرجي وصفي اتصل به وأخبره أنه طرق باب حجرة نومه ولكنه وصفي لم يرد.. فذهب مسرعين إلى منزله وفتحنا الباب بالقوة فوجدنا المرحوم محمد وصفي نائما على ظهره واضعا رجلا على رجل يقرأ مجلة روز اليوسف وقد فارق الحياة.

وقد أشيع أن وصفي مات منتحرا لاتهامه بمقتل عبد القادر طه في المنيل والشيخ حسن البنا. وسبب الإشاعات أنه مات منتحرا وجدت علبه الحبوب المنومة خالية من الحبوب وظنوا أنه ابتلعها كلها.

وأرى إحقاقا للحق وقد شاهدته نائما على سريره ممسكا بمجلة روز اليوسف، وتذكرت ليلة وفاته لهونا وضحكنا وتواعدنا على المقابلة في الصباح كل هذه الشواهد تجزم بأنه مات بسكتة قلبية لا منتحرا.

القسم السياسي يراقب الدكتور يوسف رشاد

ذات يوم وبعد منتصف الليل وكنت أقطن بجليمونوبلو برمل الإسكندرية في أثناء انتقال الوزارة إلى الإسكندرية للمصيف في أغسطس سنة 1951 أخبرني السفرجي أنه سمع من اثنين يجلسان تحت نافذة منزلي أنها في انتظار ارتكاب جريمة قتل خصوصا أن معهم سيارة أجرة تنتظرهما للهروب،ففتحت النافذة وأمسك السفرجي والبواب بأحدهما وفر الآخر بالسيارة وأحضراه لي فسألته عن سر وجوده في هذه الساعة وسبب حمله هذا السلاح فكان جوابه أنه مخبر ولن يبوح بأكثر من ذلك.

فاتصلت بالأميرالاي زهران رشدي بك رئيس القلم السياسي بالإسكندرية الذي طلب التحدث إلى المخبر المقبوض عليه وسأله بعض الأسئلة وأعطاه المخبر رقمه فطلب زهران التحدث معي وقال:

مضبوط هو مكلف بمأمورية معينة.فتركته ظنا أنه يراقبني أن شخصيا.وفي صبيحة اليوم التالي توجهت إلى الرئاسة وأخبرت رفعة مصطفى النحاس باشا بكل ما حدث وهنا.. ثار رفعته وطلب الاتصال بمدير الأمن العام السيد حسين صبحي وطلب منه تقريرا بذلك ووصل التقرير يفيد أن الأمر الصادرة إليه من الملك هي مراقبة مصطفى كمال والدكتور يوسف رشاد اللذين كانا يسهران في المنزل المجاور الذي يقطنه المستشار علي رضا.

الوفد باقي يا صحب الجلالة

في 15 نوفمبر سنة 1951 وكان الملك عائدا من مصيفه بالإسكندرية أقيمت مأدبة غداء بقصر القبة حضرها الوزراء مع رفعة النحاس باشا.ولم يكد الملك يجلس على كرسه حتى ابتدأ الوزراء وكان وجهة متهللا بصوت عال الوفد يبكش وألا أيه..؟ الهلالي طلع منه.

وكان الوفد قد أصدر قرارا بفضل الهلالي باشا من عصوية الوفد.وما كاد الملك ينتهي اهتزت الأطباق بسببها وقال صارخا:الوفد باقي يا صاحب الجلالة ولا يكش يا مولاي بل الوفد ينضف ينضف. وكانت بوادر أزمة في الجو أعادت إلى الأذهان ما فعله سعد زغلول عندما ضرب المائدة بقبضة يده أمام الخديوي عباس حلمي الثاني انتهت بإخراجه من الوزارة ولكن الملك بلغ الإهانة حيث كان يحس بالخشية أمام الزعيم العنيد الذي لا يزال يتمتع بحماسة الشباب برغم شيخوخته، كان صلبا لا تلين له قناة.

وقال:

يا باشا أنا ماليش دعوة بالأحزاب تطلع حد أو ما تطلعش أنا قصدي واحد خرج من الوفد

وأعاد النحاس باشا في صوت هادئ قوله:

يا مولاي إن الوفد باقي لأن الشعب باقي لا يموت..

وأراد الملك أن يغير الحديث ... وخشي أن ينزلق في جدال عن الديمقراطية والحرية مع زعيم الديمقراطية والحرية. ووجه الحديث إلى إبراهيم باشا فرج وكان وزيرا للخارجية بالنيابة قائلا:أيه أي وزير الخارجية في الاتصال بتاعت صلاح الدين اللي في باريس مع الشيوعية؟

وكان وزير الخارجية يحضر اجتماعات الأمم المتحدة.ولم يترك النحاس باشا هذه الملاحظة تمر دون تعليق. شيوعية أيه يا مولانا هو لما صلاح الدين يقابل السفراء والوزراء في اجتماعات دولية يبقى فيها أيه. وسكت الملك.

حول إلغاء معاهدة 1936

عقدت معاهدة 1936 في ظروف دولية معينة وبانتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت بوادر انتفاضة وطنية عامة، معادية للاحتلال تطلبت إعادة النظر في معاهدة سنة 1936.

وكانت وزارة النقراشي باشا في الحكم بعد إقالة الوزارة الوفدية في 8 أكتوبر 1944. وبتاريخ 20 ديسمبر سنة 1945 أرسلت الوزارة مذكرة إلى وزير خارجية بريطانيا تطلب فيها فتح باب المفاوضات لتعديل معاهدة 1936.

وجاء في هذه المذكرة ما يلي:

وإذا كانت مصر قد قبلت المعاهدة بكل ما انطوت عليه من قيود تحد مني استقلالها فلأنها كانت تعرف أنها قيود أملتها ظروف وأحداث وقتية تزول بزوال هذه الظروف التي قضت بقبولها.

ولذلك كان لزاما أن يعاد النظر في معاهدة 1936 بعد أن نفذت الظروف التي فرضت عليها طابعا خاصا لكي تكون متمشية مع الحالة الدولية الجديدة فإن أحكامها التي تمس باستقلال مصر وكرامتها لم تعد تساير الوضع الحالي.

ولما لم تسفر المفاوضات عن نتيجة مع الجانب البريطاني توجهت مصر إلى مجلس الأمن في أغسطس سنة 1947 وتولى النقراشي باشا عرض القضية المصرية ولكن المجلس لم يستطع أن يتخذ قرارا في هذا الشأن.

وعاد النقراشي باشا بعد أن وصف الإنجليز بأنهم قراصنة، ولم يكن الوفد راضيًا عن منهج الحكومة النقراشية في عرض القضية إذا لم يكن النقراشي باشا يعبر عن رأي الأمة بل كان رئيسا لإحدى الوزارات الانتقالية التي عرفتها البلاد منذ [1924]] وفي نوفمبر سنة 1948 وبمناسبة عيد الجهاد الوطني الذي مهد السبيل لثورة 1919 بزعامة الزعيم الخالد سعد زغلول وكانت البلاد تحتفل بهذا العيد احتفالا رسميا وشعبيا خطب النحاس باشا في النادي السعدي خطبة طالب فيها بإلغاء اتفاقيتي: 1899 وإعلان سقوط معاهدة 1936 إذ لم يعد مقبولا أن يتذرع الاحتلال في وجوده إلى معاهدة جديرة بالسقوط.

وفي 16 يناير سنة 1950 جاء في خطاب العرش الذي ألقاه مصطفى النحاس باشا ما يلي:

وترى حكومتي أن معاهدة 1936 قد فقدت صلاحيتها كأساس للعلاقات المصرية البريطانية وأنه لا مناص من تقرير إلغائها ولا مفر من الوصول إلى أحكام جديدة ترتكز على أسس جدية تقرونها جميعا ألا وهي الجلاء الناجز الشامل ووحدة مصر والسودان تحت التاج المصري.

وتعلن حكومتي أنها لم تحيد عن التمسك بهذه الأسس وتؤمن إيمانا عميقا بأن الاعتراف بها من الجانب البريطاني أكبر ضمان لاستتباب السلام في ربوع الشرق الأوسط.

وتنتظر حكومتي أن يصل إليها في القريب ما يحقق تلاقي وجهات النظر في هذا السبيل ويرضى رغبات شعب وادي النيل العزيز، ومهما يكن الحال فإن حكومتي ماضية دون تردد أو إبطاء في تحقيق الأهداف الوطنية ولن تترك وسيلة إلا اتخذتها للوصل إلى غايتها بفضل تأييدكم وعون الأمة ويقظتها وفي طليعة هذه الوسائل إعلان أنها معاهدة سنة 1936 استنادا إلى تعارضها الواضح مع أحكام ميثاق هيئة الأمم المتحدة فضلا عن تغير الظروف سنة 1899 الخاصتين بالحكم الثنائي في السودان اتفاقيتي 16 يناير، 10 يوليو سنة 1899 الخاصتين بالحكم الثنائي في السودان.

وتأمل حكومتي أن يقدر الجانب البريطاني ما تجنيه الديمقراطية وما تكسبه قضية السلام العام من إرضاء شعب الوادي مصره وسودانه بالمبادرة إلى إقرار مطالبه الوطنية العادلة حتى يتفرغ للمساهمة بنصيبه في بناء مجد الحضارة والوقوف إلى جانب الديمقراطية لخدمة السلام.

ولما لم تسفر المحادثات مع بريطانيا أقدم النحاس باشا على وضع حد للتسويف والمماطلة وأقدمت الحكومة في 8/ 10/ 1951 على إلغاء معاهدة 1936 وملحقاتها وأحكام الاتفاق الخاص بالإعفاءات والميزات التي تتمتع بها القوات البريطانية الموجودة في مصر كما أنهت الحكومة العمل بأحكام اتفاقيتي سنة 1899 بشأن إدارة السودان أي إلغاء الوضع الذي كان قائما من وجوب أن يكون حاكم السودان بريطانيا يتم تعيينه بموجب مرسوم ملكي يصدره ملك مصر، كما طالبت الحكومة بتعديل المادتين 159، 160 من دستور 1923 لتقرير الوضع الدستوري في السودان، وتلقيب الملك بملك مصر والسودان.

وكان إقدام الحكومة على هذه الخطوات تعبيرا عن إرادة الشعب وآماله ونهاية لمرحلة طويلة من مراحل المفاوضات المصرية البريطانية.وقد قوبل النحاس باشا في مجلسي البرلمان بالتأييد الكامل وتفجرت الوطنية في نفوس الشعب.

ولا بد من الإشارة إلى أن الملك كان قد نسف خطته مع الإنجليز لمنع إلغاء معاهدة 1936 فقد تلقى عبد اللطيف طلعت باشا كبير الأمناء بالقصر الملكي أمرا في أثناء وجود الملك في الخارج وذلك تنسيقا للاتجاهات بين الملك والإنجليز للحد من اتجاهات رئيس الوزراء الوطنية.

وطلب السفير البريطاني مقابلة رئيس الوزراء على انفراد. وفي الموعد المحدد وجد السفير أن الأستاذ إبراهيم فرج باشا وزير الخارجية بالنيابة موجود مع النحاس باشا، وأمتعض السفير البريطاني وقال لرئيس الوزراء:

إنني طلبت مقابلة خاصة لا يحضرها أحد.

فقال النحاس باشا:

وأنا عند وعدي فالأستاذ إبراهيم فرج يحضر بوصفه سكرتيرا خاصا للاجتماع ليدون ما يجري في أثناءه من حديث.ولم يخرج فرج باشا.. وبدأ السفير البريطاني الكلام وقال.إن مجلس الوزراء المصري منقسم على نفسه بشان فكرة إلغاء المعاهدة وسأله النحاس باشا مستفسرا.عن إلغاء ماذا؟

وقال السفير:

عن إلغاء معاهدة 1936

فقال النحاس باشا ساخرا:

يا سيدي إن هذه المسألة لم يبحثها المجلس لأنها لم تعرض عليه أصلا وإني أنصحكم ألا تستقوا معلوماتكم إلا من مصادر صحيحة والمعلومات التي وردت إليكم غير صحيحة ومن الأسف أنكم تنساقون إلى مثل هذه الأنباء وتكون النتائج التي تنتهون إليها غير صحيحة.

كان النحاس باشا يلقن السفير البريطاني درسا في المنطق وأصول البحث ونطاقه وذهل السفير البريطاني وبقي هذا الحديث مطويا لم يعرفه أحد.وعاد الملك من الخارج في نهاية صيف سنة 1951.

وبدأت المناورات التي كان يدبرها القصر لاختلاق أزمة مفتعلة مع الوزارة سعيا للتخلص منها قبل إقدامها على إلغاء المعاهدة.وكان الاتفاق مدبرا على أن يؤجل الملك مقابلته رئيس الوزراء بضعة أيام ثم يعين له اليوم والساعة لتلك المقابلة وأنه سوف يعمل على إثارة النحاس باشا بطلب إخراج وزيرين وفديين أولهما مصطفى نصرت باشا وزير الحربية وكان يقوم برحلة في الخارج يطوف فيها ببعض دول أوربا لعقد صفقات أسلحة لازمة للجيش ومعه لجنة من الضباط وذلك لإشعار الجيش بعدم الرغبة في تزويده بما يحتاج إليه من أسلحة والثاني هو عبد الفتاح الطويل باشا بسبب التحقيقات في صفقة الأسلحة وعلم النحاس باشا بالمناورات.

وقابل الملك وأخفقت المناورات ولم يخرج أحد من الوزراء وأخفقت المحاولات لمنع النحاس باشا من إلغاء المعاهدة ودخل الوزارة بعد هذه المقابلة وزيران جديدان أحدهما حسين الجندي وكان وكيلا لمجلس الشيوخ وعبد المجيد عبد الحق وكان وكيلا لمجلس النواب.

ثم استطلع الملك رأي الهلالي باشا وكان يطمئن إلى الهلالي باشا ويثق بذكائه وحسن مشورته حول إلغاء المعاهدة فقال الهلالي باشا.

إن الوفد لا يمكن أن تقدم وزارته على إلغاء المعاهدة بل إن النحاس باشا يخوف الملك ويحاول إحراجه أمام الشعب بإظهاره أنه يحول دون ما أجمع عليه الشعب ونصحه بتأجيل الأزمة مع الوزارة والمسألة لا تخلو من أمرين:

الأمر الأول: ألا تقدم الوزارة على إلغاء المعاهدة وكفي الملك شر القتال وفي هذا الفرض تخسر الوزارة تأييد الشعب ويفقد النحاس باشا شعبته وزعامته.

الأمر الثاني: أن يجرؤ النحاس باشا على إلغاء المعاهدة وهو فرض خيالي بحت، فإن ذلك سيكون إيذانا بدق آخر مسمار في نعش الوزارة ولن تعدم حيلة في الإطاحة بها بعد ذلك بصورة أو أخرى.

الدكتور وحيد رأفت أعد التشريعات

كان الحل بعد أن توقف المفاوضات في رأي سراج الدين باشا هو تنفيذ ما طالب به الوفد وهو في المعارضة في أثناء حكومة المغفور له: محمود فهمي النقراشي باشا أو دولة إبراهيم عبد الهادي باشا، ألا وهو إلغاء معاهدة بقانون يعرض على البرلمان يعدل الدستور ليصبح ملك مصر ملكا على مصر والسودان وكانت حجة فؤاد سراج الدين باشا تقوم على أن الإنجليز وهم طرف في معاهدة 1936 قد أخلوا بأحكام هذه المعاهدة، فقد كان ينص على وجود عشرة آلاف جندي بمنطقة القناة في حين كان يحتل المنطقة ثمانون ألف جندي كما أنه يجوز للدول إلغاء معاهدات إذا تغيرت ظروف إبرامها والمسائل الدولية رهينة الظروف والظروف متغيرة بطبيعتها.

وكان رأي فؤاد باشا من الوضوح وقوة الحجة، بحيث إن الزعيم مصطفى النحاس باشا أبدها بحماس شديد، وأضاف إليها حججا من عنده، وقبل فؤاد باشا...وهنأه.

وكان مصطفى النحاس باشا ديمقراطيا في نزعته ليبراليا في تفكيره حرا في اتجاهاته لا يعرف التعصب يمتاز بعقلية القاضي الوطني الذي يزن المسائل بميزان العدل والإنصاف وتسود روحه النزاهة والأصالة، وكان يترك الجميع يتكلمون ثم يتكلم في النهاية فإذا سمع ما أعجبه، اهتز طربا كالأب الحنون عندما يسمع شدو أولاده، أما إذا لم يعجبه ما قيل فإنه يدلي برأيه، وفي المسائل الوطنية فإن المسائل لا تتصل بالحكومة وإنما تتصل بالوفد والوفد هو الأمة والوفد يعني رئيس الوفد.منذ أيام سعد باشا.

وقد بقي الوفد برغم خروج البعض عليه، وظل مصطفى النحاس باشا ثابتا كالطود.كان منهج النحاس باشا الديمقراطية في كل صورها بشرط ألا تمس هذه الديمقراطية حقوق الشعب الذي اختار النحاس زعيما في فترة زعامة امتدت ربع قرن من الزمان شهدت أمجاد مصر وعظمتها وروعتها.

ولقد اعتنق الزعيم مصطفى النحاس باشا فكرة أصبح لا يتنازل عنها وهي إلغاء المعاهدة وتبناها باعتباره زعيم الجهاد الوطني، وعندما كان يتعلق الأمر بالجهاد فمصطفى النحاس باشا لا يعرف سوى أن الحكم وسيلة وإذا اختلف مع الجهاد أي الغاية فإن الوفد لابد أن يترك الحكم لتبدأ مسيرة الجهاد.

وكان النحاس باشا يتوقع أن يتمخض إلغاء المعاهدة عن نتائج خطيرة كان يدرك مداها وكان يتوقع أيضا أن يتلقف خصوم الوفد إلغاء الوفد للمعاهدة لكي يبرروا سبب الإلغاء بأسباب تختلف عما كان الأمر في الواقع أو الحقيقة.

وقد تم تشكيل لجنة من وزير الداخلية ووزير الخارجية ووزير الشئون البلدية والقروية لإعداد بيان يلقيه الناس باشا أمام مجلس البرلمان يتضمن إلغاء المعاهدة.

وكان يساعد هذه اللجنة مستشار من كبار مستشاري مجلس الدولة وهو الدكتور وحيد رأفت .. وتكتمت الوزارة نبأ الإعلان عن إلغاء المعاهدة حتى الوزراء الذين لم يعلموا به إلا في الوقت المناسب.

وبعد أسبوعين ألقى النحاس باشا وكأنه عاد إلى شبابه الأول عند اندلاع ثورة 1919 بيانا وطنيا توجه بالعبارة الشهيرة الخالدة.من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر.. أطالبكم اليوم بإلغائها.

وقد أعد الدكتور وحيد رأفت التشريعات بدقة وبسرعة.وأذكر أن هذه كانت أول التشريعات التي عدلت من دستور 1923 قبل إلغائه في عهد الثورة.

وكان مصطفى النحاس باشا بعقلية القانوني الضليع كما أذكر يعارض عملية تعديل أحكام الدستور حتى لو كان هذا التعديل إلى الأحسن إيمانا منه بقدسية الدستور، وأنه يجب أن يظل في منأى عن أي تعديل أو تغيير وأن الأمة وهي دائما مصدر السلطات وستظل مصدر السلطات وحدها صاحبة الرأي وأنه لا يجوز لأي فرد كائنا من كان أن يمس المبادئ العليا وذلك بغية حماية الدستور من التعديلات تحت دوافع من بعض النزوات.

واجتمع مجلس الوزراء يوم الأحد بيولكلي، على أن يجتمع النواب والشيوخ يوم الاثنين وفي يوم الأحد عرضت التشريعات على مجلس الوزراء واتسمت هذه العملية بالسرية بمقدار الخطرة التي انطوى عليها هذا الإجراء إذ قد يضغط الإنجليز على الملك لإقالة الحكومة قبل أن تعرض المراسيم الجديدة على البرلمان وتضيع الفرصة.

وكانت خطة الوفد أن تسلم المراسيم إلى حسن يوسف باشا رئيس الديوان الملكي بالنيابة مع تحذيره بخطورة سرية هذه المراسيم وإذا تسربت فإن السراي سوف تتحمل تبعة هذا الأمر وفي هذا خطورة على القصر ورجاله، كما حذر حسن يوسف باشا من الاتصال بإلياس أندراوس تحذيرا شديدا خشية أن يقوم أندراوس بإبلاغ السفارة البريطانية وهو صديق معروف لها فتبوظ المسألة بأكملها وكان النحاس باشا قد قرر أنه حالة في حالة عدم موافقة الملك على التصديق على المراسيم فإنه سوف يعلن أمام البرلمان أنه عرض الأمر على القصر الملكي ولكن القصر لم يوافق، وفي هذا البيان سوف تكون الطامة الكبرى على القصر الذي كان سيواجه ثورة عارمة من الشعب وهو أمر لا تحمد عقباه، ولا تعرف نتائجه..

ما بعد إلغاء المعاهدة

أصدر مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 21 أكتوبر سنة 1951 بعد إلغاء المعاهدة قرارات سرية بالدرجة الأولى نصها كما يلي:

أولا: اتخاذ كل السبل المؤدية لعدم تعاون العمال مع القوات البريطانية عن طريق مكاتب مصلحة العمل والنقابات والشيوخ والنواب والهيئات الأهلية على أن تصرف لهم الحكومة أجورهم من يوم توقفهم عن العمل وأن تدبر لكل منهم ما يناسبه من عمل.

ثانيا: عدم اتخاذ إجراء رسمي حاليا بالنسبة لموردي تموين القوات البريطانية على أن يسلك حيالهم السبل السابقة لحملهم على عدم التعاون مع هذه القوات.

ثالثا: زيادة سعر كل من سكر البطاقات والطوارئ بمقدار قرشين في الأقة الواحدة اعتبارا من أول نوفمبر سنة 1951 وكذلك زيادة ثمن الكسب بمقدار جنيهن في الطن الواحد مع الاستيلاء عليه. على أن تخصص حصيلة هذه الزيادات لمواجهة تكاليف القرار الأول.

رابعا: الإذن لوزير المواصلات في صرف استمارات سفر مجانية على خطوط السكك الحديد المصرية للعمال المشار إليهم في القرار الأول الذين قيدوا ويقيدون أسماءهم في مكاتب العمل المختصة وذلك للسفير من مقر أعمالهم الحالية إلى البلاد التي يطلبون التوجه إليها هم وعائلاتهم الذين كانت تقيم معهم فعلا في مقر أعمالهم كذلك استمارات مجانية لنقل أمتعتهم المملوكة لهم والتي كانت بمقر عملهم وعلى أن تكون هذه الاستمارات صالحة للاستعمار لمدة شهر من تاريخ الصرف مع جواز استعمالها كاملة أو مجزأة ومع الترخيص المكاتب العمل المختصة في صرف الاستمارات المشار إليها.

خامسا: إرجاء اتخاذ قرار يتعلق بالحكم العام للسودان إطلاقا مهما كانت الظروف والأحوال وعليه أن يقام بالقوة على كل محاولة لإخراجه منه لآخر رجل ولآخر طلقة.

ثامنا: مقاومة القوات البريطانية إذا ما اجتازت منطقة القناة مهما كانت النتائج والدفاع عن القاهرة إلى النهاية.

تاسعا: إرسال برقية إلى مجلس الأمن بتحميل الإنجليز مسئولية تهديد السلام العالمي من جراء اعتداءاتهم التي تزداد كل يوم على سيادة مصر وأراضيها وأهلها ومرافقها العامة.

عاشرا: استدعاء سفراء الدول الكبرى وتبليغهم ما ذكر في القرار التاسع بشكل أوسع وأوضح.

الحادي عشر: تكليف سفير مصر في لندن بتقديم احتجاج صريح إلى وزارة الخارجية البريطانية على هذه الاعتداءات.

الثاني عشر: تكليف سفراء مصر بالخارج بعقد مؤتمرات صحفية وإعطاء البيانات الصحيحة عن اعتداءات الإنجليز الأخيرة.

الثالث عشر: الاتفاق مع الأمين العام لجامعة الدول العربية للاتصال بالدول العربية لا استدعاء وزراء الدول الأربع المتحالفة لمقابلة حضرات وزراء الخارجية في الدول العربية وإظهار استيائهم مما يقع في مصر.

الرابع عشر: عدم منح أي تصريح جمركي بإدخال مواد أو عتاد للقوات البريطانية حتى في حالة قيامهم بدفع الرسوم المقررة.

الخامس عشر: إخطار وزراء الداخلية والحربية والبحرية الخارجية بكل ما يقع من السلطات البريطانية في دائرة اختصاص أي وزارة في اليوم نفسه.

السادس عشر: تأليف لجنة من مديري مصالح السكة الحديدية والجمارك والمواني والسواحل والحدود والجوازات والجنسية لتنسيق العمل بينهم فيما يختص بالحالة التي نشأت عن إلغاء المعاهدة وتفويض وزير المالية في الإشراف على أعمال هذه اللجنة واعتماد قراراتها.

السابع عشر: تكوين لجنة وزارية من:

  1. فؤاد سراج الدين، وزيرا الداخلية ووزير المالية
  2. عبد الفتاح حسن باشا وزير الشئون الاجتماعيةووزير الحربية النيابة
  3. عبد المجيد عبد الحق باشا وزير الدولة.

وتفويضها في اتخاذ القرارات التنفيذية المترتبة على قرارات مجلس الوزراء الخاصة بهذه المسألة. ويستفاد من هذه القرارات أن الحكومة كانت قد أعدت العدة لكافة الاحتمالات وأنها كانت مستعدة لكافة النتائج والآثار القانونية المترتبة على إلغاء المعاهدة وأنها لم تكن مرتجلة في قرار الإلغاء، بل كانت صادقة وحريصة.

ولكن ما لبث أعداؤها أن ائتمروا عليها وكانت كارثة الحريق التي شوهت وجه القاهرة الجميل ذات صباح.وختمت عهدا.. وبدأت عهدا..

صفقة من الحديد الخردة

أذكر أنه في أحد أيام نوفمبر سنة 1951 حضر إلى رئاسة مجلس الوزراء السيد (م. ح) والسيدة قرينته وطلب الإذن بمقابلة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا دون موعد سابق.

واستأذنت رفعة الرئيس الجليل الذي علم بأن زوجة السيد المذكور هي مدام (ح) فاغرورقت عيناه بالدموع وأخبرني في صوت متهدج:

إن لوالد هذه السيدة دينا في عنقي لا أنساه.فقد طلب والدها أن يرافق النحاس باشا عند نفيه وسعد زغلول وصحبه إلى سيشل سنة 1921 وكان الوالد مثال الإخلاص النادر إذا ارتضى النفي الاختياري وكان يتولى رعاية النحاس باشا رحمه الله في أثناء مرضه، ويلازمه كظله حتى أبله الله من مرضه.

وكان النحاس باشا نموذجا للوفاء الخالص.وما إن رأى النحاس باشا السيدة وزوجها حتى قبلها كابنته، وكانت عاطفة الأبوة من أجمل مزاياه، كان أبو الجميع يظلمهم بعطفه وسألها وزوجها عما يستطيع به الوفاء بالدين القديم.

وتقدم الزوج على استحياء بطلب للرئيس الجليل يطلب الموافقة على تصدير مائة ألف طن من الحديد الخردة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهذه الكمية وغيرها توجد في الصحراء الغربية ومن مخلفات جيش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وأبدى استعداده لدفع عشرة جنيهات عن كل طن أي أن الصفقة تبلغ مليون جنيه تدفع للحكومة المصرية.

والجدير بالإشارة أن السيد المذكور كان قد نشر تعليقا مصورا في مجلة آخر ساعة في اليوم نفسه جاء فيه أن كميات من الحديد الضخمة بالصحراء تتعرض لغزوات البدو كما أن الأستاذ حسين حجاب الذي كان قد اشترى من الجيش البريطاني كل المخلفات قد أعلن بناء على شهادة مصنع الحديد الوحيد في مسطرد أن المصنع لم يعد في حاجة إلى هذه الكميات ..وأنها أضحت نهبا للبدو، ويجب حمايتها.

والواقع أن عرض الصفقة كان مغريا فالحكومة المصرية تحصل على مليون من الجنيهات دون غرم وعلى الفور قام النحاس باشا بعد اقتناعه بالتأشير على الطلب بما يلي:

معالي أحمد حمزة باشا.

برجاء استخراج التصريح المطلوب

مصطفى النحاس.

ولم يكتف النحاس باشا بذلك بل طلب مني أن أتوجه بصحبة السيدة وزوجها بسيارتي إلى وزارة التموين لإنجاز ما يطلبان.وقدمت الطلب إلى الأستاذ أحمد حمزة باشا الذي أبدى استغرابه لهذا الأمر على أنه لفت نظري بعد المقابلة أن (م. ح) وقد لاحظ أن سيارتي صغيرة الحجم بادرني بقوله:

غدا سوف تجد سيارة كاديلاك بدل هذه السيارة الصغيرة وعشرين ألف جنيه وقد كان هذا القول مثارا للدهشة وتوجست أن يكون وراء الأكمة ما وراءها من الطلب والعرض المغري والملابسات التي أحفت بالموضوع جميعا.

على أن هذه الظنون قد تأكدت عندما رجعت إلى مكتبي وكان رفعة النحاس باشا قد غادر الرئاسة إلى منزله ووجدت صحفيين وهما من أقرب من عرفت إلى قلبي وكانا زميلين في جريدة الأخبار وهي جريدة كانت سافرة العداء للوفد وزعيمه ومن أخطر الصحف المعارضة في هذا الوقت.

وابتدرني أحدهما قائلا:

هل تم التصريح؟

فتجاهلت السؤال وقلت له: أي تصريح تقصد؟

فقال والابتسامة تعلو شفتيه:

يا سيدي لا تتغابى تصريح الحديد الخردة.

وتظاهرت بأن المسألة عادي وسألته:

وما أهمية هذا التصريح؟

فقال:

هل لازلت مصرا لقد قبض النحاس باشا نصف مليون جنيه رشوة. وصعقت لقد كانت المسألة جميعها أمام عيني تترى بفصولها وحوادثها ولكن ما أكد الشكوك هو عرض السيارة الكاديلاك والعشرين ألف من الجنيهات.

وكانت المسألة لعبة يراد بها الإيقاع بزعيم من أنزه زعماء مصر في تاريخها الحديث والمعاصر. ولم أتردد بل توجهت لمقابلة الزعيم الجليل وكان يتوضأ .. للصلاة..وقصصت عليه ما سمعت وما حدث.

فطلب مني أن أحضر الطلب من وزير التموين بنفسي وفي لحظات كان الطلب أمام رفعة النحاس باشا. واحرقنا الطلب وأخفينا معالمه، وكأن شيئا لم يكن وفي الصباح التالي حضر إلى الرئاسة السيد (م. ح) مستفسرا عن مصير الطلب وأجبته بحدة لا تخلو من مرارة.لقد رفض الطلب.وخرج صاحبنا دون أن يدري لذلك سببا مشيعا باللعنات.

ومن الطريف أن المسألة تكررت فصولا مع الرئيس اللواء محمد نجيب إذ حضر السيد (م. ح) مرة أخرى إلى دار الرئاسة ومعه أحد أقرباء اللواء محمد نجيب وعرض نفس الأمر بكافة التفاصيل والجزيئات وكاد الرئيس نجيب أن يوافق.

ولكني أيضا هذه المرة لم أكتم اللواء نجيب القصة بحذافيرها من الألف إلى الياء وقلت له:

إن مصطفى النحاس كان نزيها وهذه المسألة لا تحتاج إلى دليل أما أنت فلو كنت نبيا لاتهمت بالرشوة

وأذكر أنه أعطى لقريبه درسا لا ينساه وطرده شر طرده وأنذره بالعقاب لو عاد للأمر مرة أخرى.

مصر وقضية فلسطين

لم تكن قضية فلسطين الشاغل الأول لمصر في الفترة التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية فقد كانت قضية مصر واستقلالها أهم ما يشغل أفئدة المصريين في هذه الآونة الحرجة.

أما البلدان اللذان استغلا القضية ورفعا الشعارات فقد كانا سوريا والعراق وكانت وجهة النظر العراقية هي ضم سوريا إلى العراق وتكوين (الهلال الخصيب) علاوة على أن الملك عبد الله كان ينوي ضم باقي الأراضي الفلسطينية إلى إمارته الصغيرة.

ويلاحظ أن الشعب المصري كان مهتما اهتماما كبيرا بقضية الاستقلال الوطني فيما عدا البعض كعزام باشا.. وغيره من الذين تراودهم بعض الأفكار النظرية عن القضايا العربية وقد كان لإنشاء الجامعة العربية سنة 1944 بعد أن وقع النحاس باشا البروتوكول أن وجهت الأنظار إلى القومية العربية وعند حضور سماحة الحاج أمين الحسني مفتي القدس إلى مصر دعاه عزام باشا لإثارة قضية فلسطين.

وبدأت الحملة للفت أنظار الجماهير إلى القضية وذلك بقصد جلب العطف على سماحة الحاجة أمين الحسيني شخصيا. وقد استغل الأخوان المسلمون قضية فلسطين استغلالا كبيرا بعد أن تناولت الصحف المصرية القضية بالتحليل والتعليق وإثارة المشاعر.

ولكن الاهتمام الرسمي لم يتجاوز حدود الاتصال والمشاركة في الرأي. وفي أثناء المفاوضات بين الحكومة المصرية برئاسة إسماعيل صدقي باشا والحكومة الإنجليزية سنة 1946 لم تعرض مسألة فلسطين على مائدة المباحثات وكان في ذهن المفاوضين المصريين أن الإنجليز ليسوا بحاجة إلى قاعدة عسكرية بعد إتمام الجلاء عن مصر وبخاصة أن لهم هذه القاعدة في قبرص وفلسطين.

ويعلم الله ماذا كان سوف يحدث لو كان الإنجليز قد جعلوا من فلسطين قاعدة عسكرية لهم إذا كانت هذه المعاهدة قد أبرمت؟

وفي سنة 1947 ظهر مشروع التقسيم الذي وضعته الأمم المتحدة وبدأت الدعاية قوية ضد هذا المشروع ولكن أكرر.. أن المسألة الفلسطينية لم تكن محل دراسات جادة أو عميقة أو صريحة لمعرفة حقيقة الأوضاع وقوة اليهود ومركز الإنجليز في فلسطين بل أكثر من ذلك لم يكن قد ظهر في الأفق أن انجلترا قد تحولت إلى دولة من الدرجة الثانية بحيث يتعين عليها أن تكون تابعة للولايات المتحدة الأمريكية بشأن توطين اليهود في شكل دولة وليس مجرد استيطانهم في بلد عربي.. وهو ما سوف تكشف عنه الأيام فيما بعد..

وقد اشتدت الحملة الدعائية في الداخل حتى سنة 1948 وقد تصدى لذلك الذين رأوا أنهم أعلم بحقيقة الأمور العربية وبخاصة أمين الحسيني وعزام باشا كما ساندهم في ذلك بعض الشخصيات التي اختلطت بأمين الحسين وتجاوبت معه وكان التصدي للأفكار الوطنية في هذه الآونة لا يكلف الناس كثيرا وبخاصة إذا كانت بعيدة عنهم. وعلى سبيل المثال: كانت اللجنة العربية العليا التي ضمت شخصيات منها توفيق دوس باشا وعلوبة باشا وفؤاد أباظة باشا ورشوان محفوظ باشا وآخرون.

كانت هذه اللجنة تقوم بالخطابة وإشعال الحماس ولا شيء غير ذلك.وقد استهوت هذه التنظيمات بعض الشباب خاصة الإخوان المسلمين بتكوين تشكيلات لنصرة قضية فلسطين مع فارق المميزات بين الطائفتين من حيث السن والنضج وطريقة التفكير.

كما شاع بين الناس فكرة أن اليهود مجرد عصابات من اليسير القضاء عليها بقليل من التعاون العربي وكان يبدو أن المروج لهذه الفكرة عزام باشا شخصيا.وتطوع بعض الشباب لحمل السلاح كما استقال بعض الضباط من الخدمة وقادوا بعض الشباب المتطوع والمتحمس للفكرة.

ولكن الأحداث توالت .. وأدت إلى تحرك السلطات الرسمية لإنقاذ فلسطين وعلى حين فجأة تحرك الجيش بأمر الملك والله يعلم من الذي ملأ رأس الملك بهذه الفكرة وبخاصة أن اللواء حيدر باشا كان طوع بنان الملك. ودخل الجيش الحرب.

وبيقين فإن دولة النقراشي باشا لم يكن يعلم بنية دخول مصر الحرب ولم يكن راضيا عن ذلك ووقف الرجل حائرا فإما أن يسكت وإما أن يضرب جيش البلاد في ظهره ويعلن استقالته على الملأ وربما أدى إلى إخماد جذور الحماس التي سرت بين الناس مسرى النار في الهشيم كما أن ذلك لابد أن يؤجج الفتنة في الجبهة الداخلية.

ولم يجرؤ أحد على إعلان معارضته دخول مصر الحرب سوى إسماعيل صدقي باشا الذي اتهم في وطنيته بسبب هذا الموقف.وبدأت الحرب...

الحق نقول إن حرب سنة 1948 كانت صفحة مشرفة للجيش المصري، بالرغم من أنه كان قليل العدد والعتاد فقد كان موفقا في المعارك التي خاضها والذين يدعون أن الجيش المصري قد هزم في هذه الحرب فإن إدعاءهم هذا قائم على غير أساس فقد أوقف الحرب أكثر من مرتين وكان جيش مصر مقتحما فلسطين ومحتلا اللد والرملة ولم تطأ قدم يهود أرض سيناء.

وأوقفت الحرب أول مرة ثم عاد اليهود في الجولة الثانية وغرروا بالجيش المصري الذي لم يتقدم أحد لمناصرته من الدول العربية التي شاركت في القتال كالعراق والأردن وفي هذه المرة حوصر قسم من الجيش في الفالوجا ومع ذلك استمرت الحرب والجيش يقاوم.وفي أثناء ذلك اغتيل المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا وعهد إلى إبراهيم عبد الهادي باشا تشكيل الوزارة خلفا له.

وفي هذه الظروف التعسة حاول الإنجليز الضغط على دولة عبد الهادي باشا من أجل مد العمل بمعاهدة سنة 1936 مقابل حصول مصر على السلاح وكان رئيس الوزراء رفض ذلك الضغط وأبت وطنيته أن ينفخ في روح هذه المعاهدة التي كان يجاهر منذ أن كان وزيرا للخارجية بأنها قد استنفدت أغراضها.

وتدخلت الأمم المتحدة لوقف القتال وكان رئيس الوزراء يتعرض لضغط شيدي من جانب القصر لإعلان ذلك وكان حيدر باشا وزير الحربية والبحرية حينئذ يعلن في كل مناسبة أنهم في حاجة إلى رجل سياسي ثم تقررت الهدنة...

وجاء إلى دولة الرئيس القائم بأعمال السفارة الأمريكية بالقاهرة وأنبأ دولته بإبرام الهدنة قبل أن يصل رأي الحكومة في القبول أو الرفض على طريق الخارجية المصرية.

وقبلت الهدنة ووقف القتال وكانت مفاوضة رودس التي تمسك فيها الجانب المصري بأن الانسحاب يكون عن طريق الأمم المتحدة وعدم إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وكان وفد مصر مؤلفا من اللواء محمد إبراهيم سيف الدين والأميرالاي كامل الرحماني والقائمقام إسماعيل شيرين واليوزباشي محمود رياض أمين الجامعة العربية الحالي) واليوزباشي صلاح جوهر السفير حاليا.

وتم الاتفاق مع حفظ كرامة مصر وكان رالف بانش مساعد سكرتير عام الأمم المتحدة الوسيط بين مصر وإسرائيل وكان من بين شروط إسرائيل لرفع الحصار عن الفالوجا تجريد القوة المصرية من السلاح ولكن دولة عبد الهادي باشا رفض الشرط وأصر على خروج الجيش المصري بسلاحه وكرامته واحترامه.

علي ماهر يؤلف وزارة الأحكام العرفية

لا أستطيع أن أنسى ذلك اليوم الحزين 26 يناير 1952 ذلك اليوم الذي صارت فيه الحضارة التي أنشأها العلم والفن المصري نارا ودخانا وترابا ورعاعا لا تقدر أية مسئولية وأي فكر ولا تقف عند حد. فقد فوجئت ذلك الصباح بالمظاهر يقودها المرحوم اليوزباشي عبد الهادي نجم الدين ضابط البوليس صار لواء ومدير الأمن بمحافظة الغربية فيما بعد والذي قبل وقتها إنه ذو اتصال بالهيئة السعدية والمتظاهرون جنود البوليس والطلبة وأبناء الشوارع وضباط الأمن يهتف ضد الملك والحكم القائم، وباعة السميط والخس والجزر ينتهزون هذه الجموع الحاشدة مقيمة في حديقة مجلس الوزراء للدخول والبيع وحرس المجلس من الجنود لا يتحرك حتى لقد خفت على حياتي ووضعت كرسيا في غرفة ماكينة الأسانسير بالدور العلوي لاختفاء.

واتصل بي المرحوم مصطفى النحاس باشا ووصفت له الحال فأبلغني بقدومه إلى المجلس من الباب الخلفي من شارع محمد سعيد باشا ولما شاهد الحال اتصل تليفونيا بعبد الفتاح حسن باشا وزير الدولة بالداخلية وعاد رفعته إلى داره وجاءنا عبد الفتاح باشا يخطب المتظاهرين من غرفة مكتبي وفي مواجهته غرفة حرس المجلس ضابط الأمن نجم الدين يوالي هتافاته ضد كل السلطات.وبدأت أخبار الحرائق في معالم قلب القاهرة تتوالى حتى الساعة الثالثة بعد الظهر.

سفرجي يبلغني أن انجليزيا يتصل لاسلكيا

واتصل بي مصري قال إنه يعمل سفرجيا لدى انجليزي ساكن في شارع الأمير أحمد فؤاد بالزمالك بجوار عمارة بهلر، وإن الإنجليزي يجري اتصالات لاسلكية وأبلغني رقم تليفونه، ولما تأكدت باتصالي بهي من رقم التليفون اتصلت بمدير الأمن العام حسين صبحي الذي رد علي بأنه لا يمكن عمل أي شيء لعدم وجود أي ضابط بوليس.

وبعد نزل الجيش في الخامسة مساء ذهبت إلى منزلي وفي الساعة السادسة والنصف اتصل بي المرحوم محمود شوقي سكرتير عام مجلس الوزراء وأبلغني تعليمات المرحوم النحاس باشا بدعوة الوزراء للاجتماع بمنزله وتكليف عبد العظيم الدلجموني إعداد مرسوم إعلان الأحكام العرفية وتعيين حاكم عسكري وفهمت أن هذه رغبة القصر وأن النحاس باشا عارض الفكرة ولم يصر على المعارضة.

مظاهرة معايدة للنحاس باشا

وعلم وحيد بهادر مدير مكتب وزيرك الداخلية أن مظاهرة تسير عند الإسعاف في اتجاه منزل النحاس باشا وأنها تهتف ضده ولما لم يجد مسئولا في الوزارة لتفريقها حمل مدفعا رشاشا وركب سيارة مكشوفة وفرق المظاهرة. وانتهى مجلس الوزراء حوالي الساعة الحادية عشرة مساء وأعلنت الأحكام العرفية وذهبت لمنزلي.

إقالة الوزارة

وفي الساعة الواحدة اتصل بي الأميرالاي محمد وصفي قائد حرس الوزارة وأبلغني إقالة الوزارة وأن رئيس الوزراء الجديد نجيب الهلالي باشا أو علي ماهر باشا وبعد دقائق اتصل فريد شحاتة سكرتير الدكتور طه حسين وقال عن علي ماهر باشا سيؤلف الوزارة وعاود الأميرالاي وصف الاتصال مؤكدا ذلك.

وكنت في حيرة فسألته:

أيه رأيك أحضر ولا تبقى مسألة بايخة والكل يعف علاقتي بالنحاس باشا ..

فضحك المرحوم وصفي وقال:

علي باشا يسعده أن تعمل معه إن لم يكن ذلك يضايقك.

ووصلتني سيارة إسعاف أرسلها إبراهيم عبد الهادي وزير في وزارة ماهر باشا وكان سكرتيرا عاما لجمعية الإسعاف وعلي ماره باشا رئيسا. ولما قابلت علي ماهر باشا كان معه المرحوم محيي الدين فهمي والأستاذ مصطفى أمين والمرحوم علي أمين.

نشاط علي ماهر

وأذكر أن المرحوم علي ماهر باشا كان يحضر إلى مجلس الوزراء في التاسعة صباحا، ويشرب فنجان شوربة الساعة الواحدة ويبقى حتى الرابعة ويذهب لمنزله أو الدهبية الخاصة ويعد الساعة الخامسة ويبقى حتى منتصف الليل.

وكان يعقد اجتماعات في مكتبه وفي الصالون الملحق به وفي قاعة اجتماع مجلس الوزراء ومكتبي. اختيار علي ماهر:

وقد روي لي المرحوم نجيب الهلالي باشا أن الملك بعث إليه مساء 26 يناير المرحوم حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان الملكي بمنزله بالمعادي لتكليفه تشكيل وزارة وأنه فوجئ بوجود إلياس أندراوس باشا يرافق حافظ باشا فأبدى له في خلوة استياءه من هذه الرفقة فخفف حافظ باشا الأمر بأن إلياس ركب معه كرها واعتذر نجيب باشا عن تأليف الوزارة.

وفي أثناء وجود حافظ باشا وصل الأستاذ فريد زغلوك وأبلغ نجيب باشا أن علي ماهر باشا أرسل إليه المرحوم الأستاذ حمادة الناحل المحامي يطلب أن يرشح الهلالي باشا ماهر باشا لرئاسة الوزارة مع وعد بتعيين فريد والدكتور نور الدين طراف وزيرين ورشح الهلالي باشا علي باشا الذي لم يشرك لاثنين معه.

مرسوم بحل البرلمان

رأى علي ماهر باشا أن يواجه الوفد محتاطا لكل الظروف فاستصدر مرسوما ملكيا بتأجيل مجلس النواب ذي الأغلبية الوفدية الساحقة شهرا وحمله معه وحضر جلسة المجلس وأشاد بصاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا قائلا عنه سلفي العظيم فقوبل بالتصفيق والتأييد ولم يظهر مرسوم الحل الذي بقي سرا حتى استقالته بيوم واحد وبعد أيام قليلة والرجل يبذل أقصى الجهود في مختلف الجبهات ويواجه أخطر الظروف السياسية التي مرت بالبلاد فوجئت بصديقنا فريد شحاتة يقول لي:

قبل نهاية شهر فبراير هذا لازم علي ماهر باشا يمشي.

الأزمات تحاصر علي ماهر باشا

مما لا شك فيه أن الملك فاروق لم يكن يطمئن إلى رفعة علي ماهر باشا لأسباب كثيرة معروفة لدى المتصلين بالسراي، والمعروف أن صلة علي ماهر باشا بالملك ترجع إلى عام 1936 عندما كان رئيسا للوزراء ثم رئيسا للديوان الملكي ثم أقصى منه بعد ذلك وتدهورت العلاقات بعد ذلك بسبب المناورات والدسائس التي حاكها خصومه وفي مقدمتهم أحمد حسنين باشا رئيس الديوان فيما بعد.

وأذكر أن الملك كان يتعمد في مناسبات كثيرة إهانة علي ماهر باشا، بل إن ماهر باشا كان لا يستقبل في القصر الملكي الاستقبال الذي يليق بحامل قلادة فؤاد الأول والتي لا يحملها سوى سبعة أشخاص على قيد الحياة في مصر وتعطي صاحبها أرفع ألقاب الدولة وهو: صاحب المقام الرفيع.

وفي سنة 1951 عندما دعي ماهر باشا إلى حفل شاي أقامه القصر بمناسبة زفاف الملك أجلس في مكان قصي من حديقة القص، وذلك بقصد إهانته والحد من قدره وكرامته.

وقد ذكر أنه لا يذكر أنه جلس في مكانه اللائق بالحضرة الملكية إلا في مناسبتين:

الأولى عندما أعلن علي ماهر باشا عن تأليف جبهة مصر وهي أشبه بالحزب السياسي منه بالجماعة السياسية، وأراد الملك أن يحرج السياسي العجوز على مأدبة الغداء أمام الجميع فقال له ساخرا وبصوت عال يحمل الاستهزاء.إيه حكاية جبهة مصر؟

وبدأ يروي أهداف هذه الجبهة ولكن الملك لم يعره أذنا مصغية أما المناسبة الثانية: فقد حدثت عندما دعي على مأدبة غداء بالقصر احتفالا بميلاد ولي العهد وكان الملك يجلي بين حسين سري باشا وعلي ماهر باشا وأمضى كل الوقت على المائدة أو في الصالون وهو يوجه حديثه إلى رفعة حسين سري باشا دون أن يحاول مرة واحدة أن يخاطب علي ماهر باشا بكلمة واحدة.

وكان الملك يتعمد إذلال صاحب المقام الرفيع أمام أقرانه ولكن علي ماهر باشا كان يتذرع بالصبر ويبتلع الإهانات والإساءات وكثيرا ما كان يغزو سلوك الملك إلى الخفة والطيش والوشايات والدسائس التي يموج بها القصر.

وبعد مأساة حريق القاهرة بدأت المشاورات لتأليف وزارة جديدة واتجه الملك إلى ترشيح علي ماهر باشا وجدير بالذكر أن الفريق محمد حيدر باشا طلب من الملك إعادة تكليف مصطفى باشا النحاس بتشكيل وزارة جديدة لأن النحاس باشا يتمتع بالأغلبية المطلقة وأنه زعيم الأغلبية بلا منازع كما أن حيدر باشا لا يمكن أن يطمئن إلى الجيش إلا بوجود مصطفى النحاس باشا في الحكم إذ كانت تساوره المخاوف من انقلاب الجيش على العرش وكان لديه الكثير من المعلومات.

ولكن هذا الرأي لم يلق ما يستحقه من الاهتمام لدى صاحب الجلالة. . بل إن الملك رأى أن يكلف حيدر باشا نفسه بتشكيل الوزارة الجديدة ولكنه اعتذر.

وطفا على السطح رفعة علي ماهر باشا ولم ير القصر بدا وخاصة أن الهلالي باشا رشحه فألفها. ولكن الأزمان حاصرت علي ماهر باش في وزارته التي استمرت شهرا واحدا وأذكر في أثناء تشكيل هذه الوزارة أن كريم ثابت باشا زار الأستاذ إبراهيم عبد الوهاب الذي كان يتمتع بثقة ماهر باشا واقترح عليه أن يرشحه وزيرا ليقوم ببذل المساعي الحميدة بين القصر والوزارة ويكون رسولها لدى القصر الملكي.

ولكن علي ماهر باشا رفض بشدة وثار في وجه إبراهيم عبد الوهاب. وبدأت الأزمات تطل بوجهها فقد أراد القصر تعيين اللواء أحمد طلعت بك وكان يمت بصلة القرابة على ماهر باشا حكمدارا للعاصمة ولكن الوزارة كانت رشحت لشغل المنصب اللواء أحمد عبد الهادي وفعلا صدر هذا القرار ونشر بالصحف ولكن الوسطاء سعوا بين الوزارة والقصر وقبل رئيس الوزراء أن يعني اللواء أحمد طلعت حكمدارا للعاصمة.

وثارت مشكلة جديدة بسبب عودة عبد الفتاح عمرو باشا سفير مصر لدى بلاط سان جيمس إذا استدعته الحكومة الوفدية بعد إلغاء معاهدة 1936 وصدر أمر ملكي بتعيينه مستشارا للملك في الشئون الخارجية وكان علي ماهر باشا يري أن يعود عمرو باشا إلى لندن مادام يراد تحسين العلاقات بين مصر وبريطانيا بعد الأزمة الخطيرة التي تعرضت لها هذه العلاقات ولاسيما بعد أن قابل رئيس الوزراء علي ماهر باشا السفير البريطاني السير رالف استفينسون في محاولة لإعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين ولكن الملك لم يوافق على هذا الرأي.

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تعداه إلى محاولة النيل من على ماهر باشا وإذلاله فقد أود الملك تعيين الأستاذ كامل القاويش نائبا عاما مكافأة له على التحقيق الذي تولاه في قضية مصرع أمين عثمان باشا وأنعم عليه برتبة البكوية.

ولم يخف رئيس الوزراء غضبه واحتجاجه وكانت حجته قوية في عدم استحقاق الأستاذ كامل القاويش لهذا المنصب الخطير فالقاويش أحداث مستشار ولا يمكن أن يتخطى زملاء لمجرد رغبة ملكية تهز الجهاز القضائي واستقلاله.وتدخل الوسطاء مرة أخرى لإزالة الخلافات وعين القاويش وكيلا لوزارة الداخلية لشئون الإعلام والدعاية.

كل هذه الأزمات والحق يقال كانت يسيرة وتافهة إلى جانب أزمة نشأت بين القصر وعلي ماهر باشا منذ تأليف الوزارة ولم يكن في مقدور الوسطاء أن يتخطوها وهي أزمة عاصرت الوزارة منذ ولادتها وهي الأزمة التي تمثلت في مهادنة الوزارة للوفد وزعيمه الكبير مصطفى النحاس باشا وكان علي ماهر باشا من الذكاء بحيث أبى أن يكون مخلب قط لضرب الوفد، ثم سرعان ما يتخلص القصر منه وفقا للعبة التي يجيدها من قديم وخاصة أن علي ماهر باشا لا ينتمي إلى حزب سياسي أو يتمتع بأغلبية في البرلمان وله في هذه السياسية باع طويل وقديم

وطلب القصر من رئيس الوزراء حل البرلمان الوفدي وإجراء ما يسمى بحركة التطهير وتقديم كل من استغل نفوذه أيام الحكومة الوفدية إلى المحاكمة ولكن علي ماهر باشا لم يوافق على ذلك وأيا كانت نواياه أو اتجاهاته فقد كان يرى أن تبدأ الحكومة بمفاوضة الإنجليز ووضع حل للمشكلات الخارجية ثم يبدأ بعد ذلك الإصلاح الاجتماعي الداخلي.

وكان قد بادر بزيارة مصطفى النحاس باشا في منزله في اليوم التالي لتشكيل الوزارة ثم أعلن في مجلس النواب تحياته وتقديره لسلفه العظيم مصطفى النحاس باشا. ولقد طلب المرحوم علي ماهر وهو رئيس الوزراء مقابلة الملك مرتين ولم يوافق الملك على المقابلة.

وربما كان الملك يريد الخلاص من علي ماهر ليتمكن من إسناد الوزارة إلى المرحوم أحمد نجيب الهلالي وفقا للخطة التي كان متفقا عليها مع الوزير المفوض بالسفارة البريطانية مستر كريزويل والذي بناء عليها رشح الهلالي باشا ماهر باشا ليخلف المرحوم النحاس باشا لكي يخلو الطريق أمام الهلالي باشا من أي زعيم آخر يصلح للوزارة في هذا الظرف الدقيقة.

وفي أول مارس 1952 وبعد أن نشرت أخبار اليوم في ذات الصباح أن السفير البريطاني لن يقابل رئيس الوزراء وأبلغني السفارة في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والخمسين أن السفير يعتذر عن الموعد المحدد (الساعة الحادية عشرة) لمقابلة علي ماهر باشا بوزارة الخارجية بسبب وعكة برد أصابته بعد لعب التنس في نادري الجزيرة اتصلت من مجلس الوزراء برفعة ماهر باشا بوزارة الخارجية وأبلغته الاعتذار عندئذ كلفني رفعته بدعوة مجلس الوزراء إلى الاجتماع فورا بدار الرئاسة ثم جاء إلى المجلس ودخل حجرته وطلب مني إبلاغه عندما يكتمل المجلس ومنع أي اتصال به فسألته: خير يا رفعة الباشا.

فقال:

إنني أعد كتاب استقالة الوزارة.

ولما اكتمل الأعضاء دخل عليهم وبقي معهم حوالي عشر دقائق تلا فيها كتاب الاستقالة الذي حرره عندما حضر لمجلس الوزراء بخط يده ثم أغلق عليه مظروفا وسلمه إلى المرحوم محيي الدين فهمي بك لتسليمه إلى رئيس الديوان الملكي المرحوم حافظ عفيفي باشا ولما لم يكن حافظ باشا موجودا بقصر عابدين فقد سلمه محيي الدين بك إلى المرحوم عالي عبد اللطيف طلعت باشا كبير الأمناء.

الهلالي باشا يشكل الوزارة

وإثر تقديم الاستقالة فوجئت باتصال تليفوني من فريد شحاتة يقول:

مبروك عليك نجيب الهلالي باشا.

ومضى النهار ومنتصف الليل ووصل المرحوم الهلالي باشا إلى رئاسة مجلس الوزراء ومعه الأساتذة فريد زعلوك ومصطفى أمين وعلي أمين وبدأ الاتصال بالوزراء الجدد ترشيح محمد نجيب لوزارة الحربية:

واستدعاني الهلالي باشا وسألني هل أعرف اللواء محمد نجيب ولما علم صلتي به كلفني الاتصال به ليعين وزيرا للحربية ووافق اللواء محمد نجيب وأبلغت الهلالي باشا الموافقة فاتصل بحافظ عفيفي باشا الذي أبلغه رفض الملك الذي وصف اللواء محمد نجيب بأنه عرابي رقم اثنين وأذكر أن بأسماء الوزراء بخط الهلالي باشا واسمه بينهم فضحك وقال:

أنا كنت متوقع اعتراض الملك.

وردع على قبر والد ناريمان:

وافق صباح اليوم الأول لوزارة الهلالي باشا الذكري الأول لوفاة المرحوم حسين صادق والد الملكة ناريمان وركبت مع الهلالي باشا وهو يرتدي الردنجوت استعدادا لحلف اليمين أمام الملك ووضعنا باقة ورد على القبر ثم توجه الهلالي باشا إلى القصر.

الملك يطلب تعيين الدكتور النقيب وزيرا:

ولما دخل الهلالي باشا وجد الدكتور أحمد النقيب باشا مرتديا الردنجوت فصافحه وظن أنه كان في الحضرة الملكية.وكان الوزراء قد اجتمعوا في القصر لحلف اليمين الدستوري، ودخل الهلالي باشا مكتب الملك ليفاجأ بطلب تعيين الدكتور النقيب وزيرا للصحة وقال الملك إنه موجود وجاهز لحلف اليمين وكأنه أراد إحراج الهلالي باشا في آخر لحظة.

فاعتذر الهلالي باشا بأن الوزارة متجانسة والوزراء منسجمون جميعا..وخرج الهلالي باشا من لدن الملك فوجد أمامه المرحوم محمود غزالي باشا والأستاذ فريد زعلوك فقال لهما:

مفيش حلف يمين:

لكنه فوجئ بالملك من خلفه يقول: ألا تصلح شهادتي في الدكتور النقيب بأنه صالح للوزارة.وأصر الهلالي باشا على موقفه.وذكر لي فريد زعلوك أن الأستاذ محمد حسين هيكل كان رئيس تحرير آخر ساعة اتصل به في محكمة جنايات الجيزة حيث كان يترافع في إحدى القضايا وأخبره أن الهلالي باشا يؤلف الوزارة وأنه يطلب أن يتوجه الأستاذ فريد إلى منزله فتوجه إلى المعادي.

وأضاف أن حلف اليمين تأخر حتى الساعة الحادية عشرة مساء بسبب اعتذار الهلالي باشا عن تحقيق طلب الملك تعيين الدكتور النقيب وزيرا للصحة والأستاذ كامل القاويش محافظا للقاهرة.

مرسوم تأجيل مجلس النواب

تداول الناس أن الهلالي باشا استعمل الدكتور زكي عبد المتعال باشا والأستاذ مرتضى المراغي باشا للتعجيل باستقالة علي ماهر باشا حيث أبلغا أخبار اليوم خبر المرسوم الملكي بتأجيل جلسات مجلس النواب شهرا وكان ماهر باشا قد استصدره وأودعه مكتبه.

وقد أكد لي الهلالي باشا زيف هذه الشائعة وروي لي أن المسألة أثيرت في مجلس الوزراء فقال علي ماهر باشا للوزراء إن التأجيل لم يعد له مقتضى حيث كان الهدف من المرسوم مواجهة مجلس النواب به فيما لو عارضت الأغلبية الوفدية اعتماد الخمسة الملايين من الجنيهات التي قررتها الحكومة لتعويض بعض المحلات التي أحرقت يوم 26 يناير بالقاهرة، وأن المجلس أقر الاعتماد ولذلك يجب العدول عن تأجيل جلسات المجلس.

وقال الهلالي باشا أنه لم تكن له أية علاقة بهذه المسألة.على أنه تردد وقتئذاك أن الدكتور زكي عبد المتعال باشا والأستاذ [[أحمد مرتضى المراغي باشا اعتراضا على رأي ماهر باشا بحجة أن العدول عن التأجيل لا يتفق مع كرامة الحكومة وأنهما قدما استقالتهما من الوزارة بالاتفاق مع القصر الملكي الذي كان على تفاهم مع السفارة البريطانية بوساطة المرحوم محمود غزالي باشا صديق الهلالي باشا وعديل الدكتور زكي عبد المتعال باشا حيث كان قد تزوج الشقيقة الصغرى لزوجته لما صار وزيرا للمالية في وزارة المرحوم النحاس باشا.

وإنني أرى أن هذه الفترة الخطيرة في التاريخ المصري يجب أن يذاع كل ما قيل عنها من شائعات وما تردد من معلومات عن موقف الملك فاروق وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة البريطانية ويكتب عنها تاريخ دقيق.

عندما دخل الهضيبي علي إبراهيم عبد الهادي

في أثناء وزارة رفعة علي ماهر باشا أراد أن يجري مشاورات مع زعماء الأحزاب السياسية للتفاهم عن الوضع بعد إقالة الوزارة الوفدية.ودعي إلى مقابلة رئيس الوزراء كبار رجال الوفد الأساتذة فؤاد سراج الدين باشا.وإبراهيم فرج باشا وعلي زكي العرابي باشاوالدكتور محمد صلاح الدين باشا.

كما دعي للمقابلة: الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين والأستاذ حافظ رمضان باشا رئس الحزب الوطني والأستاذ مكرم عبيد باشا رئيس حزب الكتلة الوفدية.

وأخيرا دعا رئيس الوزراء دولة إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس حزب السعديين والأستاذ حسن الهضيبي بك المرشد العام للإخوان المسلمين رحمة الله عليه.وحدد مواعيد المقابلات وكان من المفارقات أن يأتي دور الأستاذ الهضيبي بك بعد دولة عبد الهادي باشا مباشرة.

ولكن حدث بعض التأخير في مواعيد المقابلات.وحضر دولة إبراهيم عبد الهادي باشا وقابل رئيس الوزراء. وفاجأني المرحوم محيي الدين فهمي بك سكرتير عام مجلس الوزراء بطلب غريب هو إدخال فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين مكتب رئيس الوزراء مباشرة في أثنا مقابلة عبد الهادي باشا.

وحاولت أن أفهم الأستاذ محي الدين فهمي بك بغرابة هذا الطلب إذ كيف يتفق أن يدخل المرشد العام للإخوان المسلمين على دولة عبد الهادي باشا والمرشد العام يتم الحزب السعدي باغتيال المرحوم حسن البنا؟

ولكنه أصر على هذا الطلب بحجة أن هذه أوامر أصدرها رفعة رئيس الوزراء وأعدت محاولتي وحاولت بكافة الوسائل أن أتنصل من هذا العمل والمسئولية الناجمة عنه ولكن سكرتير عام مجلس الوزراء أصر على موافقة إصرار شديدا وكرر أنه طلب علي ماهر باشا وحضر الأستاذ الهضيبي ودخل على رئيس الوزراء دون أن يعلم المفاجأة التي في انتظاره.

وهنا وقعت الواقعة وحدث انفجار في مكتب رئيس الوزراء، وثار دولة عبد الهادي باشا والأستاذ الهضيبي معا في الوقت نفسه، وخرج عبد الهادي باشا مسرعا في مشيته.وكذلك خرج الهضيبي مهرولا غاضبا. وطلبني رئيس الوزراء وكان غاضبا غضبا لا يوصف وصاح بي:

إيه اللي عملته ده.. أنت عملت أزمة كبيرة.وقلت وقد تزرعت بالصبر بصوت هادئ.يا رفعة الباشا إن محيي الدين بك هو الذي أمر بذلك.ولم ينتظر علي ماهر باشا بل أسرع إلى مكتب الأستاذ محيي الدين فهمي بك ووجه إليه عبارات اللوم على الإهمال الجسيم الذي صدر منه على رؤوس الأشهاد الموجودين بالمجلس. وثار محيي الدين بك.. وترك مكتبه.

ويبدو أن علي ماهر باشا قد شعر بقسوة ملاحظاته على تصرف الأستاذ محيي الدين بك فهمي وأراد أن يعتذر للأستاذ محيي الدين بك فغادر مقر الرئاسة إلى منزل الأستاذ محيي الدين بك لاسترضائه. ولكنه نظر إلي قبل أن يتوجه للاعتذار وطلب مني أن أصلح ما أفسده محيي الدين بك بكل الوسائل وأن أحضر المرشد العام بعد ربع ساعة.

ولن أصف الحيرة التي وقعت فيها فقد كانت المسألة في نظري دقيقة ومحرجة وتحتاج إلى قدر من الصبر وسعة الصدر. على أنني توكلت على الله وتوجهت إلى منزل المرشد العام بمنيل الروضة وشرحت لفضيلته رحمه الله المسألة بأبعادها وأنها حدثت بسبب خطأ أوقعني فيه سوء الحظ وأنها لم تكن مقصودة.

وكررت الرجاء ولكن المرشد العام رفض بإباء وشمم.ولم يتطرق اليأس إلى قلبي وزعمت للمرشد العام أن هذه الغلطة سوف تؤدي إلى فصلي من الخدمة.ولا قلب المرشد العام وحضر معي وقابل رئيس الوزراء.

وانتهت الأزمة على خير ولكنني أتساءل هل قصدها علي ماهر باشا بنفسه أولا؟ وأغلب الظن أن الشيب الذي علا مفرقي قبل الأوان يرجع في المحل الأول إلى هذه الأزمات التي خضعت غمارها في أثناء عملي بمكاتب رؤساء الوزراء.رحم الله الجميع وغفر لهم.

استثناء من الاستثناءات

وعندما جاء الهلالي رئيسًا للوزراء في أول مارس سنة 1952 أعلن برنامجا يحارب فيه الوفد محاربة لا خفاء فيها.. وأصدر في أثنا ذلك قانونا بإلغاء الاستثناءات التي منحتها حكومة الوفد لعض الموظفين فيما عدا الرياضيين تقديرا من الدولة وتشجيعا لهم مثل: مرعي حسين حماد وسيد العربي حسن عبد الرحيم وغيرهم من أبطالنا الكبار..

وذات يوم دخل على شخص لم أره قبلا وقدم نفسه لي بأنه عبد الفتاح عنايت وهو من الأبطال المصريين خلال ثورة سنة 1919 الذين بذلوا التضحيات في سبيل مصر وحوكم بتهمة اغتيال السردار سنة 1924 حيث قضي زهرة شبابه وراء القضبان بعد إعدام شقيقه وقد طالب باستثناء المحكوم عليهم سياسيا من قانون إلغاء الاستثناءات بعد أن وصل إلى الدرجة الأولى بمجلس النواب، أسوة بأبطالنا الرياضيين وكان هذا بعد أن وصل إلى الدرجة الأولى بمجلس النواب أسوة بأبطالنا الرياضيين وكان هذا الاستثناء من قانون الاستثناءات يستفيد منه شخصان الأستاذ عنايت والمرحوم الشافعي البنا.

واقتنعت بذلك.. وأيدت هذا الاقتراح أمام رئيس الوزراء الذي سألني هم قرايبك .. ولكني قلت له: يا دولة الرئيس أنا لا أتوسط لأقاربي ولا لأصدقائي بل إنني مقتنع بعدالة المطلب.ووافق دولته وكلف الأستاذ فريد زعلوك باشا بالاتصال فورا بالسراي وتعديل القانون من قبل التصديق عليه.

درس:بعد تولي الهلالي باشا الوزارة طلب السيد محمود زكي الطويل وكان وقتئذ وكيلا لوزارة شئون السودان الإذن بمقابلة رئيس الوزراء لتهنئته بمنصبه.وعندما دخل على الهلالي انحنى على يده ليقبلها ولكن الهلالي سحب يده بشدة وقال له:

لماذا تسلك مثل هذا المسلك وأنت موظف كبير بالدولة أنا لا أرضى عن ذلك في تعبيرك عن الإخلاص والولاء وأما أن تقبل يدي استخفافا بشأن أو ضحكا على هذا مالا أضاه أرجو أن تحترم وظفتك وتحترم نفسك فأنت شقيق زميلي عبد الفتاح الطويل باشا وكان عبد الفتاح الطويل باشا وكان عبد الفتاح باشا رسول النحاس باشا إلى الهلالي باشا عندما كان النحاس باشا يرغب في استشارة الهلالي باشا في شئون الدولة في وزارة 1950.وأمر دولته بعد ذلك ألا يسمح له بالدخول عليه.

قشاشة والشافعي:

كان المرحوم الأستاذ علي قشاشة يعمل سكرتيرا خاصا للزعيم الراحل مصطفى النحاس باشا كما كان الأستاذ أحمد الشافعي يعمل سكرتيرا صحفيا للزعيم برئاسة مجلس الوزراء.

وبعد أيام من ولاية الهلالي باشا طلب دولته نقل قشاشة والشافعي إلى وزارة الداخلية وكان مرتضى المراغي باشا وزيرا لها بقصد الاضطهاد ونقلها إلى أقصى الصعيد وطلب مني رئيس مجلس الوزراء إعداد مذكر بذلك ولكني سألت دولته مستنكرا عن سبب هذا الإجراء.

فقال دولته: أنا لست في حاجة إليهما. قلت لدولته: يا دولة الرئيس مجرد اختيار رئيس وزراء لشخص ما معناه أنه موضع ثقته وفي نظري هي درجة الدكتوراه التي تضاف إلى مؤهلاته العلمية بل أكثر من هذه الدرجة وإن كنت لا تريدهما فإنني أطلب منهما أن يختارا الوظيفة المناسبة لهما ويكونا موضع تكريم عند نقلهما من رئاسة مجلس الوزراء.

فقال مقاطعا: لازم دول أصحابك قوي.فقلت: يا دولة الرئيس.. إنني أدافع عن كياني شخصيا ... ما ذنبي لو لم تكن تريدني فلماذا أنقل إلى أقصى الصعيد وأي جرم ارتكبته لكي أنال هذا المصير؟

فقال باسما: لقد أقنعتني .. ونفذ ما تريد. وبالفعل اختار الأستاذات قشاشة والشافعي الوظيفة نقل كل منهما إليها بعد تكريمهما بصورة لائقة.

تحديد إقالة فؤاد سراج الدين باشا

في أثناء وزارة الهلالي باشا رفع إلى وزير الداخلية تقرير من القسم السياسي أنه لم تزل هناك مقاومة بالقناة وأن علي رأس زعمائها الأستاذ عبد الحميد صادق المعروف بميوله الوفدية ولكتاباته في صحف الوفد.

ورأت الوزارة أن الظروف عصيبة بعد حريق القاهرة وأنها كوزارة مستقلة ومحايدة من أهدافها إصلاح الأوضاع لا إشعال الفرقة.كما نمي إلى علم الوزارة أنه على رأس المحرضين فؤاد باشا سراج الدين الذي يمد حركة المقاومة بالأسلحة والأموال والمفرقعات.. إلخ.. وكان يجتمع بهم ويشجهم على مداومة الكفاح.

فاقترح الأستاذ مرتضى المراغي باشا وزير الداخلية في مجلس الوزراء اعتقال فؤاد باشا بموجب الأحكام العرفية ولكنه الهلالي باشا اقترح بدلا من ذلك تحديد إقامته بعزبته في بلبيس.واستدعاني الهلالي وأخبرني بهذا القرار وأخذ رأيي وفوجئت وخشيت أن يكون الهلالي باشا يختبرني..

وعند عودتي إلى منزلي طلبت من السيدة حرمي ألا تدخل علي أحدا أو تنبئ أحدا بوجودي في المنزل خشية أن يتسرب الخبر.وفي صباح اليوم التالي صدر الأمر بتحديد إقامة فؤاد سراج الدين في عزبته ونشرته الصحف جميعها.

ولكن سراج الدين طعن في القرار أمام مجلس الدولة مطالبا بإلغائه وحكم المجلس بإلغاء القرار. وقد ذكر المرحوم الهلالي باشا للصديق الأستاذ عوض قنديل أنه استشعر من التقرير ومقدمة الأستاذ مرتضى المراغي باشا وزير الداخلية في وزارة المرحوم علي ماهر باشا وفي وزارته المسئولية الخاصة في أثناء المناقشة في مجلس الوزراء ومن يعرف المرحوم الهلالي باشا العالم الحكيم اللطيف ذي التهذيب الأديب يدرك طلبه تحديد الإقامة أنه عندما عرض الأمر أمام مجلس الدولة قرر ألا يكون للحكومة أي رأي وألا يعرض على المجلس سوى تقرير وزير الداخلية. وقد عرف عن الهلالي باشا عدم تدخله في شئون الوزارات وتركها لوزرائها.

عيد الدستور (15 مارس)

وجاء 15 مارس وطلب مني الهلالي أن أذهب إليه في منزله بالمعادي فذهبت وكان هناك الأستاذ فريد زعلوك باشا وزير الدولة ووجه الهلالي كلمة بالإذاعة احتفالا بهذه المناسبة.

وبعد إلقاء الكلمة طلب مني أن أصحبه في سيارته خلافا للعادة إلى القصر الملكي وكانت العادة قد جرت أن يرافقه ياوره من رجال حرس الوزارات وهو البكباشي إسماعيل إبراهيم اللواء فيما بعد.

وفي أثناء الطريق بدأ الهلالي هجوما على الوفد وزعيمه، وكان حادا في هذا الهجوم ولم يترك نقيصة إلا رمي الوفد بها وبمصطفى النحاس وزوجته مما أذهلني ولم أحر جوابا وتركته يتكلم. ووصلنا قصر عابدين حيث قيد اسمه في دفاتر التشريفات وعند توديعي إياه طلب مني أن أعود معه إلى المعادي.. وعدنا..

وفي الطريق طلب مني الرأي فيما قاله عن الوفد ومصطفى النحاس والسيدة قرينته واعتذرت بدعوى أنه لم يطلب مني الإصغاء إلى حديثه منذ بدايته لأعد رأيا في هذا الشأن ولكنه أصر فقلت له: يا دولة الرئيس لي رأيان في الرد على هذا الهجوم رأي صلاح الشاهد الحر ورأي صلاح الشاهد الموظف، فأي الرأيين تفضل؟

فقال دولته: كلاهما..وبدأت برأي صلاح الشاهد الحر بعد أن أخذت عليه عهدا بأن يتقبل هذا الرأي وإن خالفه فوعد بذلك وهنا أعلنت رأي مخاطبا إياه كيف تسمح لنفسك يا دولة الرئيس وأنت الذي عاشرت مصطفى النحاس وصاحبته وزاملته طيلة أعوام كثيرة أن تهاجمه في شرفه ونزاهته ووطنيته هو والسيدة الجليلة قرينته؟ لقد أخطأت يا دولة الباشا في الإساءة إلى هذا الزعيم الوطني الكبير الذي تفخر به البلاد.

أما رأي صلاح الشاهد الموظف فأنت على حق يا دولة الرئيس فيما تقول وكان رئيس الوزراء الكريم قد أمر منذ تأليف وزارته بأن يتناول كل الضباط طعام الغداء على مائدته إذا ما وصل إلى منزله الساعة الثانية أو ما بعدها وكان المعتاد دائما أن يعود بعد الثانية. ودعانا جميعا إلى مائدته.

وأجلسني إلى جواره وخاطب كافة الضباط الموجودين قائلا لهم:

اليوم هاجمت النحاس باشا أمام صلاح بك زورا وبهتانا وطلبت رأيه فيم قلت من هجوم مرير اعتبره إسفافا لا يليق وكنت أتوقع أن يجاملني صلاح بك فيما قلت كما جرت عادة الموظف لرئيسه ولكن صلاح بك أبي بل دافع دفاع الأبطال عن النحاس باشا دون مبالاة بغضبي.

ووجه كلامه أمام الحاضرين وكان وجهه ينطق بالشر وقال لي: أنت اليوم موضع تقديري وثقتي واحترامي وهذا آخر اختبار أجريته لك منذ أن عملت معي.وهنا سألته عن الاختبارات السابقة ومن حقي أن أعلم بها.

فقال دولته وعلى شفته الابتسامة كان أول اختبار لك عن مدى كتمانك للسر، عندما أخبرتك عن رأيك في تحديد إقامة فؤاد سراج الدين بعزبته ببلبيس وكنت الوحيد الذي يعلم بذلك ومع ذلك لم تذع سرا.

ثم أعطيتك أوراقا تتضمن معلومات خاصة باستبدال العملة وكان في الإمكان أن تثري ثراء كبيرا لو أذعت هذه المعلومات ولكنك كنت أمينا فلم تفعل. وأخيرا أردت أن أعرف مدى وفائك لمن عملت معه فعلمتني كيف يكون الوفاء.

همه 121 يوما

رحمة الله المستشار عبد الفتاح رجائي صديق الهلالي باشا فقد داء يوما كان بالمعاش وطلب مقابلة الهلالي باشا فرحب ولما فتحت باب المكتب وقف فيه وقال للمرحوم الهلالي باشا:

همه مائة وواحد وعشرين يوما وبعدها نتقابل في ال (مونسنيير) في الإسكندرية وحاول الرجوع. فقال له الهلالي باشا.. تعالى رايح فين.

فرد قائلا:

لا يا سيدي أنا ماليش دعوة برؤساء الوزارات. وغادر رئاسة مجلس الوزراء والعجيب أن رئاسة الهلالي باشا لم تزد عن ال121 يوما.

الملك يثير الأزمات ضد الهلالي باشا

من المعروف أن الهلالي باشا كان قد استقدم وفدا من رجال السيد عبد الرحمن المهدي باشا وكان عبد الرحمن باشا للحقيقة والتاريخ من أشد الناس عداوة للإنجليز وانتصارا لوحدة القطرين:

مصر والسودان ولكن لما كان السيد علي الميرغني مناوئا للمهدي فقد اعتبر المهدي من أنصار الإنجليز وكان الإنجليز يشترون القطن قبل زراعته من جزيرة آبا التي يزرعها المهدي.

وقد حاول عبد الرحمن باشا المهدي أن يتقرب إلى مصر ولكن الإنجليز كانوا قد أبلغوا المغفور له الملك فؤاد ثم من بعده الملك فاروق بأن المهدي يطمع في أن يكون ملكا على السودان وبذلك استطاع الإنجليز أن يكونوا أسيادا في كلا البلدين.

ولكن الهلالي باشا كان مقتنعا بضرورة تحسين العلاقات مع عبد الرحمن باشا المهدي وأمكنة أن يجعل الطيب حسين سفير الباكستان في مصر يطالب حكومته بالاعتراف بأن فاروق ملك مصر والسودان وفقا للقانون الذي أصدرته حكومة المرحوم النحاس باشا مع قانون إلغاء المعاهدة.

ولما كانت دولة الباكستان عضوا ي الكومنولث فكان من المتعين أن توقع الاعتراف ملكة بريطانيا ومن ثم تكون بريطانيا قد اعترفت بأن فاروق ملك مصر والسودان.

ولكن حدث أن خرج فضيلة الشيخ حسنين مخلوف مفتى الديار المصرية وبدون مناسبة إلى الحديث عن المذهب الذي تعتنقه الباكستان وأنه القاديانية من المذاهب التي يكفرها الإسلام وقد احتجت وزارة الهلالي على هذه الفتى وطلبت إخراج مفتى الديار المصرية.

وفعلا ساءت العلاقة بين مصر وباكستان وساءت العلاقات بين القصر والوزارة. ولما جاء وفد السودان برئاسة عبد الله الفاضل المهدي رحمه الله للمفاوضة وبينه الأستاذ محمد أحمد محجوب دعاه رئيس الوزراء إلى مأدبة إفطار بصر أنطونيادس ثم إلى حضور الدرس الديني الذي أعتاد القصر إقامته بمناسبة شهر رمضان المبارك يوميا برأس التين.

وكان صاحب الفضيلة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية بلي الدرس بعد صلاة العشاء أطال الله بقاءه)وكان يرتاد هذه الدروس أفراد الشعب حيث كانت تقدم القرفة والشاي.وفي أثناء إلقاء فضيلة الشيخ مخلوف درس الديني حضر أحد تشريفاته. القصر وسلم الشيخ رسالة قيل إنها بخط الملك فاروق.

وما لبث الشيخ أن قال: إنه كان يرجو لو كان يلقي درسه في الخرطوم وبدأ من قرب يهاجم رجال المهدي وقال: كيف نشرب من نيل واحد ونحن يجمعنا دين واحد ولا يكون مليكنا ملك مصر والسودان كان يجيب أن تأتوا إلى مليككم وتعلنون الولاء.

وساد الوجوم وارتسم على وجوه أعضاء الوفد وامتنعوا عن تناول القرفة وانصرفوا غاضبين. وتعثرت بسبب ذلك المفاوضات لمدة أربعة أو خمسة أيام بذل فيها الهلالي باشا كل من الجهد لإعادة المباحثات وأخبرني الهلالي باشا في حديث معه أن هذه الأزمة الدافع إليها الرغبة في إقصائه عن الوزارة لأنه عندما قابل الملك أخبره بأنه سيلغي الاستثناءات ويبدأ بالتطهير وبتطهير رجال القصر أولا وأصبحت العلاقات بين الملك والهلالي باشا غاية في السوء.

ولم تصل المفاوضات مع الحكومة البريطانية إلى نتيجة يستطيع الهلالي باشا أن يواجه بها الشعب. وبدأ مستر جيفرسون كافري سفير الولايات المتحدة الأمريكية يزيد من اتصالاته وتدخله في الشئون المصرية سواء لدى الملك أو الوفد أو غيرهما.

ودارت الإشاعات في القاهرة أن عبود باشا يريد أن يتولى سري باشا الحكم لأن شركات عبود مدينة للحكومة بمبلغ خمسة ملايين جنيه ضرائب وسيقوم سري باشا بتسوية الدين.وأصبح الهلالي باشا على يقين من دفع عبود باشا هذه الرشوة فقال لي إنه سيرفع استقالة وزارته.فاتصلت بالسيدة أصيلة والدة الملكة ناريمان ونبهتها إلى خطورة الموقف وأن قبول الاستقالة يكشف الملك ويؤكد شائعة المليون جنيه.

قصة المليون جنيه

أوردت وكالات الأنباء أن صحيفة ديلي إكسبريس) البريطانية نشرت أن المرحوم أحمد عبود باشا دفع مليون جنيه للملك فاروق عن طريق إلياس أندراوس باشا ثمنا لإقالة وزارة الهلالي باشا حيث كانت الحكومة تطالب شركة السكر بضرائب متأخرة تزيد على خمسة ملايين جنيه وبتعيين المرحوم حسين سري باشا رئيسا للوزارة وكانت علاقاته بعبود باشا معروفة.

فلما قرأ الهلالي باشا النبأ قرر الاستقالة وقال:

إن الملك يريد بيعنا وأن الأحزاب غير راضية عن وجودنا.وكان ذلك يوم الخميس 26 يونيو سنة 1952.

وكنت دولته الاستقالة واتفق مع وزرائه بالإسكندرية على إرجاء تقديم الاستقالة إلى يوم السبت. وكان الدكتور زكي عبد المتعال وزير المالية والاقتصادية موجودا بالقاهرة ويتصادف أن اجتمع بحافظ عفيفي باشا رئيس الديوان في القطار صباح يوم السبت في أثناء عودتهما إلى الإسكندرية

وعند وصول القطار إلى سيدي جابر نزل حافظ باشا متوجها إلى رئاسة الوزارة ببولكلي فلم يجد الهلالي باشا الذي كان قد ذهب إلى قصر رأس التين لتقديم الاستقالة.. وقد ترك كتاب الاستقالة وغادر القصر إلى منزله بالمندرة.

ولما ألغ المرحوم عبد اللطيف طلعت باشا كبير الأمناء الملك بكتاب الاستقالة تصادف وصول حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان إلى القصر فسأله الملك عن أسباب الاستقالة فأخبره بما نشرته الصحيفة البريطانية وما كان له من أثر في نفس الهلالي باشا الذي قال:

إن الملك قد باعنا..وبسبب عدم صحة النبأ، وأن الملك فكر أن وزارة الخارجية البريطانية أوعزت إلى الصحيفة بنشره للصعوبات التي اقترنت بها المفاوضات التي كان يجريها الهلالي باشا مع الإنجليز ووصفهم إياه بالتشدد فقد أخفى الملك نبأ الاستقالة لمدة يومين.

وبينما كان الملك يقضي سهرته بنادي السيارات وخبر الاستقالة شائع في الثغر دخل المهندس شفيق جبر وسأل الملك عن حقيقة خبر الاستقالة فنفاه الملك وخرج شفيق من الغرفة التي بها الملك ليلتقي بفريد باشا زعلوك وزير الدولة وقال له:

إن الملك نفي خبر استقالتكم.فما كان من فريد باشا إلا أن أكد النبأ فعاد شفيق جبر إلى الملك ونقل إليه تأكيد فريد باشا باستقالة الوزارة.وهنا رد الملك.هو اللي قال كده؟ ابن ال... ونادى كريم ثابت وكلفه بالذهاب إلى حسين سري باشا لإبلاغه تكليف الملك بتشكيل الوزارة.

ولما أراد كريم ثابت فرض نفسه على سري باشا بتعيينه وزيرا رفض سري باشا وتأخر تشكيل الوزارة فقام كريم ثابت بمناورة قصد بها إرغام سري باشا والدكتور محمد هاشم باشا على إشراكه في الوزارة فاقنع الملك بتكليف المرحوم بهي الدين بركات باشا بتشكيل الوزارة لكن هاشم باشا حرصا منه على تشكيل الوزارة من تمكن من إقناع سري باشا وأسرته بدخول كريم الوزارة.

وتم التشكيل في 2 يوليو سنة 1952 وظل الهلالي باشا وقتا طويلا موقنا أن إلياس أنداروس تسلم مليون جنيه لحساب الملك ثمنا لإقالته ولم يكن هذا الظن صحيحا إذ لم يدفع أحمد عبود رشوة لهذا الغرض وإنما حقيقة الأمر تتلخص في أني تاجر مجوهرات كبيرا في أمريكا اللاتينية يدعى (هاري ونستون) أراد أن يبيع الملك قطعتين من الماس تزن إحداهما 126 قيراطا والأخرى 76 قيراطا بثمن مليوني دولار عن طرق سفير مصر في باريس الأستاذ أحمد ثروت وتدخل في الأمر أحمد نجيب الجواهرجي وحصل على سمسرة قدرها 50 ألف دولار دون علم الملك.

وطلب نجيب الجواهرجي من عبود دفع الثمن فلم يستطيع عبود جمع المبلغ كله ولكنه تكن من دفع مبلغ مليوني ومائتي ألف دولار تسلمها فيما بعد من أحمد نجيب الجواهرجي.ووافق البائع مقابل وفاء الملك بباقي الثمن.

ولم يمض وقت طويل حتى عزل الملك عم العرش وبدأ تاجر المجوهرات في المطالبة بباقي الثمن فأبلغ أن هذه المجوهرات موجودة بقصر القبة فطلب منه أن يكتب رسالة أو أن يوقع على رسالة يفيد ذلك فكتب الملك الرسالة وأرسلها التاجر إلى الحكومة في القاهرة التي عثرت عليها لكنها لم تدفع باقي الثمن المطلوب.

ولجأ الرجل إلى القضاء المصري وحصل على حكم بأحقيته في المبلغ ولكنه لم يستطيع تنفيذ هذا الحكم لعدم وجود أموال للملك في مصر بعد أن صودرت أملاكه. ومن الطريف أن الأستاذ فريد زعلوك كان أحد محامي الجواهرجي.

الهلالي باشا وشيوخ ونواب أسيوط

أناب الملك الهلالي باشا لوضع حجر الأساس لكوبري سوهاج, وعندا وصل القطار الخاص إلى أسيوط قامت المدينة لتحية الهلالي باشا الذي كانت أسيوط مسقط رأسه.

وفي أثناء التحية وكان يستقل القطار بعض الخبراء الأجانب الذين هرعوا للتفرج على أسيوط من النافذة وتركوا أماكنهم في غرفة الطعام بالقطار احتل بعض الشيوخ والنواب مقاعدهم وأبوا الرحيل عنها.وقد حاولت إقناعهم بالتنحي عن هذه الأماكن لضيوفنا ولكنهم أصروا على موقفهم إصرارا عجيبا.

وعندما علم الهلالي باشا مني المسألة خرج من صالونه الخاص حيث غرفة الطعام ولقن أعضاء الشيوخ والنواب درسا في كرم الضيافة وأخلاق الصعايدة وأبي عليه كرمه إلا أن يدعو الخبراء الأجانب إلى مائدته لتناول طعام الغداء معه.

ظرف الهلالي باشا

وكان الهلالي باشا حاضر البديهة سريع الفطنة والنكتة الطريفة وأذكر أنني ذات مرة وكان يتناول طعام الإفطار بقصر أنطونيادس أن خرج إلى الفراندة وبرفقته عبد الله الفاضل المهدي وآخرون من وفد السودان وحاولت أن أنبه دولته لتناول القهوة وقلت له:

يا دولة الرئيس القهوة.فأجاب على الفور.هنا أهواوله في هذا المجال الكثير مما يؤلف كتابا ممتعا.

أول يوم في وزارة سري باشا الثانية

كنت قد قابلت في العاشرة والنصف مساء المرحوم الدكتور بهي الدين بركات باشا لأتلقى منه تعليمات بانتظاره في رئاسة مجلس الوزراء الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي.

وفي الساعة الواحدة صباحا اتصل بي تليفونيا المرحوم الأميرالاي عميد محمد وصفي قائد حرس الوزارة والياور الخاص للمرحوم إسماعيل صدقي باشا والمرحوم حسين سري باشا وطل مني الحضور إلى منزل سري باشا.

فذهبت وتقابلنا معا في سري باشا الذي طلب مني أن أحضر إلى الرئاسة في التاسعة صباحا ليجري مشاورات تأليف الوزارة ويتم إعداد مراسم التشكيل.

وبعد وصول سري باشا بقليل حضر إلى المكتب في بولكلي محمود بك سري الشقيق الأكبر لسري باشا وطلب مقابلته فسارعت بفتح الباب ودخل محمود بك وفوجئت بحسين سري باشا يقول لي:

إيه اللي جاب البيه دي هنا، أنا مشي قلت ماحدش يخش إلا لما تقول لي وأوافق. فقلت له: يا رفعة الباشا أنت قلت لي على أنك رئيس وزراء وحتى الآن لم تحلف اليمين ومبارح كان بهي الدين بركات باشا نام على أنه رئيس وزراء وصحا من النوم ليجد نفسه كما هو

ومن حق الأخ الأكبر الدخول على الأخ الأصغر ما دام هذا لا يشغل مصبا رسميا ورفعتك لم تحل اليمين للآن. فأصرع على خروج محمود بك الذي غادر المكتب وفي عينيه دمعتان ولم ألاحظ على المرحوم سري باشا موقفا يمكن أن يوصف بالضعف إلا أمام قرينته المرحومة ناهد هانم عندما كانت تؤنبه بشدة على تعيين كريم ثابت باش وزيرا في وزارته برغم ما يعلمه عن فساد تصرفاته وما عمله ليخرجها من رئاسة الهلال الأحمر.

وكان رد سري باشا أن الملك عاوز كده ولازم نسمع كلام الملك.

سري باشا

وكان موجودا المرحوم الدكتور هاشم الذي كان يلطف من حدة حرم سري باشا باعتباره هو الذي أثر علي سري باشا وقال:

كريم حيبقى كويس وحيسندنا في القصر والسياسية عاوزه كده .. وكان هذا الموقف من هاشم باشا سببا في تغيير معاملة سري باشا له حتى إنه كان قبل أن يدخل مكتب سري باشا يقرأ الفاتحة ويترك السيجارة على مكتبي ويزرر الجاكتة.

أما كريم ثابت فكان إذا طلبه سري باشا يسألني خير إن شاء الله ثم يتجه إلى المرآة ويعدل وضع الطربوش على رأسه ويترك السيجار على مكتبي ويدخل وهو يرتعد.

تعليمات محددة

وعندما حلف اليمين وعاد الرئاسة وقال اسمع يا صلاح الآتي:

  1. حضر معي كل المقابلات إذا كان الضيف في درجة أقل من سفير.
  2. عند تحديد الموعد تراعى الدقة المتناهية في دخول الضيف وخروجه بمعنى لو حددنا لسفير مثلا نصف ساعة من الساعة العاشرة مثلا يدخل على في تمام العاشرة ويخرج عشرة ونصف بالضبط وإلا فمسئوليتك خطيرة فاهم يا صلاح.وكثيرا ما كنت أنتزع الضيف من أمام رئيس الوراء انتزاعا.
  3. لا أحد يدخل علي دون موعد محدد مسبق، وأذكر أن المرحوم الفريق محمد حيدر باشا حضر دون موعد وكان القائد العام للجيش ودخل علي سري باشا الذي طلبني وقال:

خذ سعادة الباشا وصله للسيارة .. وخرج حيدر باشا يمضغ شفتيه ويتعجب من تصرفات بلدياته سري باشا.

سري باشا يرفض مقابلة سفير تأخر خمس دقائق

حددنا الساعة الحادية عشرة لمقابلة طلبها سفير البرتغال تليفونيا من القاهرة وقد تأخر الديزل الذي كان موعد وصوله محطة سيدي جابر الساعة 40‚10 وكان به السفير الذي وصل إلى بولكلي بعد الموعد المحدد بخمس دقائق فرفض سري باشا مقابلته برغم أنه كان يعرف أن السفير صديق شخصي للملك فاروق ومقرب منه، وأنه يشاركه رحلات صيد البط أسبوعيا.

فقلت له إن السفير حضر دون أن تكون معه ملابس يستطيع بها المبيت في فندق حتى الساعة التاسعة والنصف من اليوم التالي وهو الموعد الجديد.

فقال: لقد قصدت تحديد الموعد بهذه الصورة لينام من غير بيجامه ويتعلم أنه يحضر في الموعد المحدد له بالضبط. وتمت المقابلة في اليوم التالي

ذلك القلب الطيب

والذين عرفوا المرحوم حسين سري باشا على حقيقة يذكرون ذلك القلب الطيب والإنسان الذي يغطي هذا كله بتكشيرة وصوت عالي في حدة ثم لا يلبث أن تنبثق منه حقيقته رحمه الله رحمة واسعة.

ذات مرة أعطاني خمسمائة جنيه لمصاريف البيت من ماله الخاص طبعا وأخذت أصرف منها وكان من بينها تذاكر سفر لابنته وزوجها الأستاذ إسماعيل مظلوم وكان ولد إسماعيل أغنى ماليا من سري باشا. وطلبني سري باشا ذات يوم وقال:

أنت أغنى ولا أنا.

فقلت: ما أعرفش ثروة رفعتك علشان أرد على السؤال

فقال: لا.. لا .. أنا أغنى.

فلما سألته عن سبب السؤال قال:

حسابي كام عندك.

فاستأذنته وأحضرت بيان المصروفات وناولته لدولته فمزقه ورماه في سلة المهملات وثار غاضبا. مش عيب تجيب لي كشف مكتوب .. قول لي عايز كام وبس.

فقلت له مبتسما:

على كل حال دي حركة كويسه ضيعت رفعتك أصل الحساب وأنا مخي مش دفتر ورفعك أكلت من علي الذي دفعته.

فقال لا.. أنت عارف الحساب، وآدي كمان خمسمائة جنيه أخرى

فقلت له:

يبقى أنا أغنى من رفعتك لأنني عاوز 625 جنيها فوق الخمسمائة الأولى فضحك وأعطاني 652 جنيها وطلب أن يكون الحساب أسبوعيا. ولم يمض على ذلك أسبوع حتى استقال من رئاسة الوزارة.وطلبني من منزله تليفونيا لأوافيه بأوراقه الخاصة.

فلما سلمته الأوراق بكي وقال:

يا صلاح أنا ماعنديش أولاد وأنا كنت سعيد بعملك معي كنت أعتبرك ابني

سري باشا واليوزباشي مهندس حسين زكي

طلبي مني رئيس الوزراء ووزير الحربية حسين سري باشا استدعاء المهندس يوزباشي حسين زكي من سلاح المهندسين لمقابلته.وجرت العادة أنه في مثل هذه المقابلات يتحتم علي البقاء مع رئيس الوزراء لحضور أوامره.وعند مقابلته لرفعة رئيس الوزراء سأله رفعته:

هل أنت المهندس المشرف على بناء المصنع الحربي بطره؟

فأجاب بالإيجاب.

ثم سأله:

إلى أي مرحلة وصلت في البنا؟

فأجاب الأساس والأعمدة المسلحة والسقف المسلح انتهينا منه.

فرد عليه:

ضروري من إزالة كل هذا.

فدهش اليوزباشي وقال لرئيس الوزراء.

أهد مليون جنيه دفعت في إنشاء هذا المصنع الحربي؟

فقال له :

نعم.. إنه أمر مني بإزالته فورًا.

فاحتد اليوزباشي قائلا:

يا أفندم مش معقول

وخبط رئيس الوزراء على المكتب بيده وصرخ:

أنا وزير الحربية بأمرك.

وقال له الضابط..

الأمر يصدر إلي من رئيسي مدير سلاح المهندسين أما أنا فلن أزيل وأعلم يا رفعة الباشا جيدا أن سبب هذا الطلب مرده لأنكم عند خروجكم من الوزارة تعينون بشركة الأسمنت بطره عضوا بمجلس إدارتها ولا تريدون لمصنع الأسمنت أن يكون هدفا حربيا.وخرج اليوزباشي غاضبا.. ثائرا..وهو الآن رئيس مجلس إدارة شركة فيبرو للأساس.

ومع القائم مقام محمود سيف اليزل خليفة

وكان القائم مقام محمود سيف اليزل خليفة مديرا لمكتب وزير الحربية قبل أن يعين حسين سري باشا وزيرا لها ودخل لكي يعرض بريد الوزارة على الوزير مرتديا الزي العسكري الصيفي البوشرت وغضب الوزير لارتداء القائم مقام مثل هذا الزي بدون قميص أو رباط عنق وقال له:

يا حضرة .. تاني مرة تلبس قميص وكرافته.

فقال له مدير المكتب:

متأسف أنت وزير وأنا مدير مكتبكم للشئون العسكرية والإدارية أما تغيير الزي فهو من سلطة القائد العام للقوات المسلحة وأخشى أن غيره فأحاكم بتهمة.. لبس غير لائق.

فثار مرة أخرى غاضبا وقال له.أنا الوزير الذي أصدر التعليمات وليس القائد العام.وأصر القائم مقام سيف اليزل على موقفه وانصرف دون عرض البريد.ولولا قيام الثورة لتغير مصير القائم مقام وأحيل إلى التقاعد بدلا من أن يكون أول سفير مصري في السودان الشقيق لمدة سنوات طويلة.

ومع اليوزباشي عادل طاهر

كان اليوزباشي عادل طاهر ياورا لوزير الحربية وكان حسين سري باشا يحب رياضة المشي فكان يسير في مناطق نائية مثل: الرأس السوداء والملكس وطريق أبو قير لمسافة خمسة كيلومترات يوميا..

وكان يرافقه في هذه المرحلة المرهقة الياور عادل طاهر صامتا.وفي يوم أراد أن يتجاذب معه أطراف الحديث لكي يخفف عن نفسه مشقة السير.

فقال له:

يا أفندم المشي رياضة جميلة.

ولكن رئيس الوزراء انفجر قائلا:

اسكت أنا ماشي بافكر في مهام الدولة مش في البامية والملوخية اللي بتفكر فيها أنت. فسكت الياور على مضض وهنا أحس رئيس الوزراء بأنه كان عنيفا مع الياور الشاب فسأله الرئيس: أنت رياضي؟

قال له:

طبعا يا أفندم

قال له:

بتلعب أيه؟

فأجاب:

كل أنواع الرياضة

فسأله رئيس الوزراء:

هل لعبت الشيش؟

فقال:

نعم

فقال له:

أي النوعين لعبت؟

فأجاب:

النوعين

وهنا حدث حوار طويل بين رئيس الوزراء وياوره حول الشيش لإلمام الرئيس بفنون اللعبة بسبب أن زوج إحدى كريماته كان بطلا من أبطالها.وأصبح عادل طاهر كأنه في طابو سير يمشي دون حديث.

في أثناء أزمة انتخابات نادي الضباط:

طلب المرحوم حسين سري باشا رئيس الوزراء المرحوم الدكتور محمد هاشم وزير الدولة المشرف على وزارة الداخلية فجاءه في الرئاسة وطلب سري باشا دخولي معه ودارت المحادثة كالآتي:

سري باشا فيه في المطرية عساكر الهجانة ن سلاح الحدود بتوع اللواء محمد نجيب ضربوا في عساكر اللواء حسين سري عامر، أنت سمعت بكده.

هاشم باشا أيوه دول كانوا خارجين من السينما وحصل احتكاك بسيط وانتهت المشكلة بتغلب فريق محمد نجيب .. والخلاف أساسه انتخابات رئاسة نادي الجيش.واستأذنت في الخروج وخرجت.

وبعد ذلك بيومين أطلق أحدهم الرصاص على اللواء حسين سري عامر ولم يصب بشيء.وقد أطلق الرصاص من سيارة ستود بيكر بيضاء.ولم يصل التحقيق الذي قام به البوليس والنيابة إلى معرفة السيارة أو من أطلق الرصاص وإن كان قد تردد وقتها أنه كان في السيارة ضابطان من الشباب أحدهما من رجال القوات المسلحة والثاني من بوليس القاهرة، وبالتأكيد لم يكن بينهما الضباط جمال عبد الناصر.

وزارة الهلالي باشا الثانية

على أثر استقالة المرحوم حسين سري باشا (20 يوليو) اتصلت به السيدة أصيلة هانم والدة الملكة ناريمان وأبلغته أن الملك سيكلف الهلالي باشا بتشكيل الوزارة وسيكون ذلك تكذيبا قاطعا لإشاعة المليون جنيه إياها.

فأخبرت السيدة بأن للهلالي باشا شروطا لقبول الوزارة والخروج من صومعته التي لزمها بعد استقالته هي تطهير الحاشية وإبعاد لفيف من المفسدين وعلى رأسهم إلياس أندراوس وكريم ثابت ومحمد حسن وبوللي وحلمي حسين .. فقالت:إن الملك قبل هذه الشروط.

وبالفعل اتصلت بالهلالي باشا فلم أجده بمنزله ولكني علمت أنه سيناول طعام الغداء على مائدة فريد زغلوك بمنزله بسان استيفانو واتصلت به تليفونيا وطلب مني الحضور فورا فذهبت ووجدت الهلالي باشا والأستاذين مصطفى وعلي أمين والأستاذ محمد حسين هيكل وتناولنا معا طعام الغداء.

وأخبرت الهلالي باشا بما دار بيني وبين أصيلة هانم وطلب مني إحضار قائمة الوزراء الذين كانوا تحت رئاسته في وزارته الأولى.

ثم ذهبنا معا إلى منزله بالمندرة وكان برفقته نفس الجماعة السابقة وقد قرأ الهلالي باشا أسماء الوزراء وأيد تعاون بعضهم معه في الوزارة المقبلة فيما عدا محمود غزالي باشا الذي كان وزيرا للزراعة في وزارته الأولى وطلب مني البحث عن وزير للزراعة.

ترشيح حسن كامل الشيشيني باشا وزيرا

وقد رجعت لأسماء الوزراء السابقين في الدليل المصري ووقع نظري على اسم المرحوم الشيشيني باشا رئيس مجلس إدارة بنك التسليف الزراعي، وعرضت اسمع على الهلالي باشا فوافق عليه فورا وطلب مني الاتصال به وعرض منصب الوزارة عليه فاتصلت بمنزله بالدقي ولكنني علمت أنه رحل إلى الإسكندرية بقطار الظهر وسألت عن عنوانه فلم أستدل عليه فكلفت ضابطا من حرس الوزراء بالمرور على جميع سماسرة الرمل وسؤالهم عن الذين استأجروا شققا أو فيلات حديثا أمكن لنا بعد طول البحث العثور على الشيشني باشا وقابلته في منزله بلوران وعرضت له الرغبة في تعيينه وزيرا للزراعة ولكنه اعتذر وكررت عليه العرض قائلا: إن دولة الهلالي باشا عرض اسمك على السراي ووافقت.واعتذر مرة أخرى.

وبعد إلحاح صرح لي بعدم قبول هذا المنصب بسبب أنه عضو مجلس إدارة البنك الأهلي ويتقاضي مكافأة ألف جنيه سنويا ويخشى أن تضيع هذه المكافأة وخاصة في عهد اتسم بعدم الاستقرار وتوالي الوزارات على الحكم وهو في حاجة إلى هذه المكافأة كما أنه لا تتوافر لديه بدلة الرد نجوت الرمادية للمثول أمام جلالة الملك عند حلف اليمين ولكنني ذللت هذه الصعوبة عندما عرض عليه جاكتي التي تناسبه تماما وقالت له: سوف أرسل لكل البدلة فورا وقد أرسلت له البدلة وارتداها وحلف اليمين ودخل الوزارة وخرج منها بعد ساعات بعد أن خسر مكافأة البنك الأهلي.

وقد عرضت قصة حسن كامل الشيشيني باشا على اللواء محمد نجيب بعد قيام الثورة بكافة تفاصيلها وظروفها وأخبرته بأنني مسئول عما لحق به من أضرار وتفضل سيادته ورد إليه المكافأة وبقي يتقاضاها إلى أن توفاه الله.

تعيين القائم مقام إسماعيل شيرين بك

في أثنا محاولة الهلالي باشا تشكيل الوزارة بحضور الأساتذة علي أمين ومصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل وفريد زعلوك باشا دخل علينا الدكتور حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان الملكي وقتئذ وهنأ دولة الهلالي باشا بإسناده الوزارة إليه.

ثم طفق يتباحث معه في المرشحين لدخول الوزارة فأخبره بأسماء المرشحين الجدد وهم حسن كامل الشيشيني باشا والمهندس يوسف سعد والأستاذ مريت غالي بك والدكتور سيد شكري بك.

وهنا سأله عفيفي باشا عن رأي في القائم مقام إسماعيل شيرين بك زوج الأميرة فوزية فأثنى عليه الهلالي باشا ثناء كبيرا وأشاد بأخلاقه وأنه من بيت طيب.

وكان الهلالي باشا ينتوي أن يستند إلى مرتضى المراغي وزارة الحربية كما فعل في وزارة أول مارس سنة 1952.

وطلب مي كتابة أسماء المرشحين الذين وقع عليهم الاختيار لإصدار المرسوم الملكي بتعينهم وزراء وبالفعل أعد المرسوم من الإدارة العربية لرفعه إلى القصر وأرسل فعلا وعاد عفيفي باشا بالمرسوم دون توقيعه من الملك وسأله الهلالي باشا عن سبب عدم إدراج اسم إسماعيل شيرين ضمن الوزراء وزيرا للحربية برغم أن الملم موافق على تعيينه فبدت الدهشة على وجه الهلالي باشا وقال:

مين قال إني أرده وزير حربية.

فقال حافظ باشا

لقد أخذت رأيك وأنت مدحته.

فرد الهلالي باشا:

لقد سألتني عن شخصي معين دون الوظيفة يعني لو سألتني عن صلاح الشاهد وقتل كويس يبقى وزير يا حافظ باشا وزير الداخلية مرتضى باشا هو وزير الحربية.

فقال حافظ باشا:

لقد فهمت خطأ ورفعت إلى الملك موافقتكم على تعيينه وزيرا والحل الوحيد هو أن أقدم استقالتي من رئاستي للديوان حلال لهذه الأزمة.وهنا حاول كل الموجودين بصالون الهلالي إقناعه كي تمر الأزمة خاصة وأن الملك أجاب كل مطالب الهلالي باشا من تطهير وإبعاد لرجال الحاشية.

ورضي الهلالي باشا يدون أن يقتنع..ودخل القائم مقام إسماعيل شيرين بك وزيرا للحربية.وهنا تتحقق نبوءة مصطفى النحاس باشا الذي قال عندما تولى عفيفي باشا رئاسة الديوان الملكي أواخر سنة 1951 إن عفيفي باشا رجل الولايات المتحدة الأمريكية المرتقب. ويبدو أن حافظ عفيفي باشا أراد بإدخال إسماعيل شيرين بك وزيرا للحربية إثارة الخواطر وتهييج المشاعر على الملك تعجيلا بثورة الجيش.

كاد وجه التاريخ يتغير

وعين القائم مقام إسماعيل شيرين بك وزيرا للحربية بناء على طلب الدكتور حافظ عفيفي باشا.

ولكن إسماعيل شيرين رفض أن يحلف اليمين وحاول أن يقبل يد الملك والدموع في عينيه. يا مولاي أنا خادم العرش.. والعرش في خطر.. ولن ينقذ العرش سوى شخص واحد هو مصطفى النحاس.

وأجفل الملك ولكن إسماعيل شيرين استمر يقول:

يا مولاي نحن أمام بوادر انقلاب في الجيش وسوف يطيح بالعرش وأنا مخلص لجلالتكم وأطالبكم بإنقاذ العرش المفدى.كان إسماعيل شيرين صادق في لهجته عندما أردف يقول: أرجو أن تعطيني الفرصة لإثبات ولائي لجلالتكم. ورد الملك:وكيف ذلك؟

أرجو أن تكلفني بأن أذهب على ظهر طائرة خاصة لإحضار مصطفى النحاس باشا من أوربا في ساعات وأنا كفيل بأن الشعب عندما يرى زعيمه بين صفوفه سوف يهتف للعرش وجلالتكم.

وابتسم الملك .. يا مولاي إنها فرصة أرجو أن تغتنمها.وكان الملك مترددا وكان يخشى سطوة النحاس باشا بين جماهير الشعب وقبل الملك في النهاية واستعد إسماعيل شيرين للسفير في آخر الأمر.

ولكن الداهية حافظ عفيفي باشا رئيس الديوان الملكي وقتئذ تدخل لدى الملك لمنع إسماعيل شيرين من تنفيذ اقتراحه وقال ساخرا.إن إسماعيل شيرين قليل التجربة في الحياة السياسية إنه شاب لم ينضج بعد ولو دعي النحاس باشا لمثل هذا الأمر لشارك بنفسه في خلع الملك واقتنع الملك.

وقامت الثورة التي انتهت بخلع الملك بعد ثلاثة أيام.وكأن إسماعيل شيرين كان يقرأ في كتاب مفتوح.

العهد الثاني الثورة

انتخابات نادي الضباط

إذا أردنا أن نؤرخ ثورة 23 يوليو سنة 1952 فإنه تجدر بنا الإشارة إلى واقعة معينة، هي واقعة انتخابات نادي الضباط فقد كانت هذه الواقعة أيضا المظهر العلني لحركة الضباط السرية، والمحك الأول لإرادة الضباط الأحرار.

واذكر بمناسبة علاقتي بالجيش وأهله منذ نشأتي الأولى أن انتخابات النادي كانت تتم في هدوء بحيث لم يكن أحد من الساسة الكبار يعني بالاهتمام بها.

فانتخابات النادي كانت انتخابات مهنية أو طائفية.أما حوادث انتخابات النادي سنة 1952 فقد كانت آخر تمخض عنه أحداث عظام.فقد قرر اللواء محمد نجيب وهو الذي يطلق القصر عليه اسم عرابي رقم 2 أن يرشح نفسه رئيسا لمجلس إدارة النادي بعد أن تقرر نقله من سلاح الحدود.

وكان رجل القصر اللواء حسين سري عامر مرشحه للرئاسة.واجتمعت الجمعية العمومية للضباط وقررت عدم جواز ترشيح اللواء حسين سري عامر لأنه من سلاح الحدود وهي لا تعتبره سلاحا لأنه يضم ضباط من مختلف الأسلحة.

وبدأت الانتخابات واشتد وطيسها وبدأت القصة.فقد كانت فترة الانتخابات فرصة يلتقي فيها اللواء محمد نجيب مع الضباط في ناديهم بالزمالك الذي كان قد ضم إليه مبنى الاتحاد المصري الإنجليزي وهو النادي الذي لعب دورا أساسيا في توجيه السياسية المصرية خلال الحرب العالمية الثانية.واختمرت فكرة الانقلاب

فقد كان الضباط يحتشدون في النادي كل ليلة، وكانت المناقشات صاخبة ولم تكن تدور حول النساء والخمر، بل كانت في الموضوع المفضل وهو الموقف السياسي العام بأبعاده واتجاهاته بعد أن تدهورت الأحوال السياسية في مصر عقب حريق القاهرة.

وكان المرشحون لرئاسة النادي: اللواء محمد نجيب، واللواء حافظ مدير سلاح المدفعية واللواء إبراهيم زكي الأرناءوطي مدير المهمات واللواء سيد محمد مدير الصيانة.

والواقع أن اللواء محمد نجيب كان رمزا لشيء جديد، وكان باقي المرشحين قيادات تقليدية ولعل ذلك كان مؤشرا للأصوات التي حصل عليها المرشحون.

فقد حصل اللواء محمد نجيب على مئات من الأصوات وحصل باقي المرشحين على 58 صوتا وكان مجلس الإدارة يضم بعض الأعضاء الذين سوف يعلو نجمهم يوما مثل القائم مقام رشاد مهنا الذي اختير سكرتيرا للنادي والذي أصبح وصيا على العرش فيما بعد والبكباشي زكريا محيي الدين وقائد الجناح حسن إبراهيم اللذين وصلا إلى منصب نائب رئيس الجمهورية والصاغ جمال حماد الذي كتب للسينما المصرية قصة فيلم غروب وشروط مؤرخا لأحداث الثورة كما صورها خياله والذي أصبح يوما محافظا لأحد أقاليم الجمهورية.

ولقد كانت نتيجة الانتخابات مفاجأة للقصر .. وكان لابد أن يحدث شيء فقد استدعى الفريق محمد حيدر واللواء نجيب والقائم مقام رشاد مهنا إلى مكتبه وبدون مواربة قال لها:

اسمعا .. إن أوامر (مولانا) أن يدخل حسين سري عامر مجلس إدارة النادي ولكن اللواء محمد نجيب ابتدره قائلا:

يا سعادة الفريق، إن هذا ليس من حق مجلس الإدارة بل هو من صميم حقوق الجمعية العمومية، فإذا أصر مولانا فإنني سأعقد الجمعية العمومية وأعرض الأمر عليها وقد استمرت الجلسة سع ساعات حتى الثانية صباحا في حوار..

وقال لي اللواء نجيب فيما بعد:

إننا لم نتزحزح عن موقفنا قيد أنملة، برغم أن حيدر باشا خرج إلى التهديد السافر عندما أعيته الحيل.

ولكن القصر لم ييأس، فقد حاول تعديل لائحة النادي عن طريق الجمعية العمومية بما يسمح بأن يدخل حسين سري عامر ممثلا للحدود، ولكن هذه المحاولة لم تسفر عن أي نجاح.

وأخيرا استقر الرأي على حل مجلس إدارة النادي وتعيين مجلس مؤقت برئاسة اللواء علي نجيب وهو شقيق اللواء محمد نجيب ونقل رشاد مهنا إلى العريش.وقد أثار ذلك بلبلة في الخواطر وإن كنت موقنا بأن هذا النقل كان بناء على طلب رشاد مهنا نفسه بقصد الابتعاد عن القاهرة وتوقيا لغضب الملك واتقاء لما تنذر به الأيام.

وكان اللواء محمد نجيب موضوعا تحت الرقابة ورجال البوليس السري يحرمون حول منزله، وبعض الأفراد يحاولون استدراجه في الحديث وهو لا يثق بهم.عمد اللواء نجيب إلى الحيطة والسرية المطلقة في الاتصالات ولم تكن الثمرة ناضجة في رأي اللواء نجيب للقيام بأية حركة.

وكان الموقف بعد حل النادي لا يخرج عن اتخاذ إحدى الوسائل التالية:

الأولى: إرسال برقيات احتجاج من الضباط للملك. الثانية: احتلال النادي بالقوات المسلحة. الثالثة: جمع كبار الضباط واعتقالهم وفرض شروط الضباط على الملك.

وكان اللواء نجيب يعارض في الوسيلتين الأولى والثانية فمن شأن الوسيلة الأولى الكشف عن أسماء الضباط وعدم استجابة الملك لهم أما الوسيلة الثانية فقد كانت عملا متطرفا ربما يؤدي إلى التصادم بين الجيش وإراقة دماء المصريين بأيد مصرية.

أما الوسيلة الثالثة فقد وافق عليها اللواء نجيب وكانت الإرهاصات جميعًا تنبئ عن شيء ما بعد أن انتشرت منشورات الضباط الأحرار وبدأ توزيعها على نطاق واسع.

ويذكر اللواء نجيب أنه فوجئ بزيارة اللواء أحمد فؤاد صادق في مكتبه ليقص عليه همسا أنه كان في منزل الدكتور يوسف رشاد وإذا به بعد اتصال تليفوني يعود إليه قائلا بأنه سوف يقبض على اللواء محمد نجيب لاتهامه بتزعم حركة ثورة داخل الجيش.

واستمر أحمد فؤاد صادق في روايته لمحمد نجيب إنه نفي ذلك نفسا قاطعا وإن يوسف رشاد قال له: إن المسألة خطيرة لأنها تتعلق بحياة الملك.ويبدو أنه اقتنع

وفي يوم 18 يوليو 1952 حضر إلى منزل اللواء نجيب رجل كان وثيق الصلة به وطلب منه الذهاب لمقابلة المرحوم الدكتور محمد هاشم باشا وزير الداخلية وزوج كريم حسين سري باشا والرجل القوي في وزارته هذا الرجل هو المرحوم طه عبد المطلب مدير مكتب الدكتور هاشم بوزارة الداخلية.

وكان هذا الرجل يعمل مع المرحوم محمود فهمي القيسي باشا بالداخلية وقريبا لزوجة محمد نجيب نفسه.وعندما وصل اللواء نجيب إلى المنزل المقصود لم يجد الدكتور هاشم ومرت الدقائق ثقيلة بطيئة، وقد روي اللواء نجيب أنه أحس بالخوف والقلق يتسللان إلى نفسه.

وجاء الوزير.. وبدأ نجيب يناقش الوزير..وكان مدار النقراشي هو حالة التذمر التي نشبت في الجيش. وكان محمد نجيب يرجع ذلك إلى الأسلوب الدكتاتوري الذي تستعمله السلطة في حكم البلاد.

وكان الحديث طويلا ويقول محمد نجيب إن الوزير عرض عليه منصب وزير الحربية لإزالة أسباب التذمر وخلق حالة من الرضا.ولم ين ترشيح محمد نجيب لمنصب وزير الحربية هو الأول من نوعه فالقصر كان يعارض معارضة شديدة مثل هذا الاقتراح منذ وزارة الهلالي الأولى.واعتذر نجيب هذه المرة وشعر بالمناورة لإبعاده عن الجيش.

وذكر لي محمد نجيب يوما أن حديثه مع محمد هاشم باشا امتد إلى الساعات الأولى من الليل وكان هاشم باشا ذكيا أريبا وبطريقة عابرة قال:هناك لجنة من 12 شخصا عرفت الجهات المسئولة أسماءهم.

ولم يسأل محمد نجيب عن ذلك ولم يفصح هاشم عن أسماء هؤلاء الأعضاء ولكن محمد نجيب قال: يا معالي الوزير إن هناك شعورا عاما وجارفا في صفوف الجيش ضد كثير من تصرفات رجالي السراي.

وانتهت الجلسة وعاد محمد نجيب إلى داره مع الدكتور هاشم في سيارته حرصا من الدكتور هاشم على حياة محمد نجيب الذي كان الأمر مدبرا لاغتياله وفي الصباح الباكر حضر إلى منزل الصاغ جلال ندا الضابط السابق الذي كان يعمل محررا عسكريا بدار أخبار اليوم ومعه الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير مجلة آخر ساعة لسؤاله عما دار في مقابلته مع هاشم باشا واستبد العجب باللواء نجيب.

وكان محمد حسنين هيكل مراسلا حربيا في أثناء معركة فلسطين وحضر لتغطية القتال عقب معركة أسدود كما أن نجيب كان قد عرف هيكل بالأستاذ عبد الحميد صادق المحامي الذي كان يبذل ماله على كتائب الفدائيين في أثناء معركة الكفاح ضد الإنجليز بالقناة عقب إلغاء المعاهدة سنة 1951 لعمل تحقيق صحفي عن الفدائيين.

وفي أثناء الجلسة حضر إلى منزل نجيب البكباشي [[جمال عبد الناصر]] والصاغ عبد الحكيم عامر، على غير موعد.وفي الجلسة أيضا تحدد موعد الثورة وإن لم يعلم به هيكل.

أحمد نجيب الهلالي باشا

تخرج في مدرسة الحقوق الملكية سنة 1912 وكان أول دفعته وكانت العادة المتعبة أن يسافر الأول في بعثة إلى باريس للحصول على درجة الدكتوراه في القانون من جامعاتها كالمغفور لهم الدكاترة: 1912 باشا – حسن نشأت باشا- عبد الحميد أبو هيف بك – وبهي الدين بركات باشا – ولكن والده رفض أن يسافر إلى الخارج وحرم من البعثة التي رشح لها المرحوم محمد المفتي الجزائري باشا الذي صار وزيرا للأوقاف في وزارة الهلالي باشا.

وقد عين الهلالي مساعدا للنيابة ثم نقل إلى إدارة التفتيش بوزارة الحقانية ومنها إلى قضايا الخاصة الملكية ثم أصبح أستاذا في مدرسة الحقوق وكان من بين زملائه أعلام القانون في مصر في هذا القرن كالمغفور لهم على ماهر باشا وسيد مصطفى باشا وكامل مرسي باشا وعبد الحميد أبو هيف بك والعميد الفرنسي ليون ديجي.

وعند إنشاء الجامعة المصرية سنة 1925 اقترح فصل الأساتذة الذين ليست لهم أبحاث قانونية وفي غضون ثلاثة أشهر أخرج الهلالي باشا مؤلفه الجليل عن عقد البيع وهي أول دراسة في القانون المدني تميزت بالأصالة والعمق وقد طبع هذا المؤلف فيما بعد مرتين بإشراف الدكتور حامد زكي باشا أحد تلاميذ الهلالي باشا.

وترك الهلالي باشا التدريس بالجامعة ليعين مع زميله الدكتور محمد صبري السوريوني بالمكتب الفني بوزارة العدل وسكرتيرا عاما لوزارة المعارف بعد ذلك ثم وكيلا لها.

تولى رئاسة لجنة التحقيق في أثناء وزارة عبد الفتاح يحيي باشا التي خلفت وزارة إسماعيل صدقي باشا في فضيحة الكورنيش وما نسب إلى المهندس الإيطالي دانتمارو وإلى صدقي باشا رئيس الوزراء من تهم الرشوة والفساد واستغلال النفوذ وحقق الهلالي باشا مع أحمد صديق باشا وإبراهيم سيد أحمد بك وأحمد كامل باشا من كبار موظفي بلدية الإسكندرية والأخيران من أقرباء صدقي باشا.

وانتهى الهلالي باشا من التقرير ونشره بروح القاضي النزيه فاستدعاه عبد الفتاح باشا يحيي وقال له: يا نجيب بك لو كنا عارفين أنهم ح يطلعوا براءة ما كناش عملنا اللجنة دي ولم يرق ذلك الهلالي الذي صاح قائلا.

لو كنت أعرف أنكم عاوزين تزوروا التحقيق لم أكن أقبل العمل في هذه اللجنة.وتقلد الوزارة أول مرة سنة 1935 في وزارة توفيق نسيم باشا وكان يتولى وقتئذ منصب المستشار الملكي بقلم قضايا الحكومة وكان بين زملائه المغفور له:

أحمد عبد الوهاب باشا الذي عين وزيرا للمالية وقد حدث أن مرض أحمد باشا مرضا خطيرا وبالكشف عليه قرر الطبيب الإنجليزي الذي دعي لعلاجه أنه مرهق إرهاقا كبيرا وأنه سوف يقضي نحبه من العمل بوزارة المالية ولا بد أن يترك الوزارة وإلا ساءت حالته.

وفكر الهلالي باشا في المسألة وقلبها على وجوهها وأدرك أنه لو علم عبد الوهاب باشا بحالته الصحية فإنه سوف يموت من الخوف ولذلك فقد اقترح الهلالي باشا أن تقسم وزارة المالية إلى وزارتين هما المالية والتجارة، واحتفظ الهلالي لنفسه بوزارة التجارة وقد ثار عبد الوهاب باشا من توزيع اختصاصات وزارته ولكنه علم بعد ذلك بالحقيقة فشكر الهلالي باشا.

وفي الانتخابات التي أجريت بعد تأليف الجبهة الوطنية سنة 1935 وأجرتها وزارة علي ماهر باشا ترك الوفد للهلالي باشا دائرة في المنزلة رشح نفسه فيها لينزل معترك الحياة العامة لأول مرة، وقد اعتبر الهلالي باشا مرشحا وفديا وأصبح رئيسا لكل من اللجنة الدستورية واللجنة التشريعية بمجلس النواب أثنا وزارة النحاس باشا.

وفي أواخر عهد الوزارة وقبل إقالتها في 30 ديسمبر سنة 1937 بشهرين تولى الهلالي باشا وزارة المعارف وخطب خطبته الشهيرة في الدرب الأحمر التي جاء فيها:

إذا لم أكن مع الوفد في البداية فإنني مع الوفد إلى النهاية:

وفي سنة 1938 عرض رفعة محمد محمود باشا منصب وزير المعارف على الهلالي باشا ولكنه اعتذر. لم ينعم على الهلالي باشا برتبة الباشوية إلا في وزارة الوفد سنة 1942وكان وزيرا للمعارف ولكنه لم يشترك في الوزارة الوفدية سنة 1950 ولقد ظل الهلالي باشا وفيا للنحاس باشا، وعندما دب الخلاف بين النحاس باشا ومكرم عبيد باشا رفض الهلالي باشا إلا أن يلتف حول النحاس باشا برغم صداقته لمكرم باشا بل إنه نصح مكرم باشا ألا ينشق على الوفد وحذر من كيد الكائدين له ولكن مكرم باشا لم ينتصح وكانت المأساة.

توفيت زوجته فجأة وهي تتوضأ وحزن عليها حزنا شديدا وعندما قابل فريد زعلوك باشا قال له في نبرة من الأسى.لقد أصبح من المستحيل أن أعيش بعدها لقد كانت رفيقة عمري وشبابي وشريكة شيخوختي. وبعد عشرة أيام انتقل إلى رحمة الله العالم الجليل والسياسي النزيه والمصلح الكبير الذي كان يحرص على كرامته فلا يزيد توديعه للسفير البريطاني عن باب مكتبه.

وكان معروفا أنه يناصب القصر العداء فقد نشر بتوقيع المرحوم أحمد قاسم جودة عديدا من المقالات الشهيرة بعنوان (مخالب القطط) و (آن لنا أن نصرح) كان رحمه الله قمة شامخة في الأدب السياسي الرفيع شأنه في المحاماة حيث كانت حيثيات الأحكام تصدر متضمنة فقرات كاملة من مذكراته في القضايا التي كان يترافع فيها وما ترافع إلا لإحقاق العدل وتأكيد سيادة القانون.

ليلة 22 يوليو 1952 كما يرويها فريد زعلوك

يذكر فريد باشا زعلوك وكان وزيرا للتجارة والصناعة في وزارة دولة أحمد نجيب الهلالي باشا الثانية التي عاجلتها حركة الجيش في 23 يوليو سنة 1952 فأطاحت بها قبل انقضاء ثماني عشر ساعة على تشكيلها وطويت بها صفحة من تاريخ مصر؟

يذكر أحداث مساء 22 يوليو 1952 كما يلي:

إن الهلالي باشا اتصل به تليفونيا في منزله وأبلغه بأن هناك ثورة في البلد كما أن مرتضى المراغي وزير الداخلية اتصل به ونقل إليه أن الجيش بدأ في التمرد وأن هناك تفكيرا في إصدار الأوامر للواء أحمد طلعت حكمدار القاهرة لإخماد التمرد ولكن الأستاذ زعلوك كان له رأي آخر أشد حذرا وخشي أنه لو قبض على الثائرين وضرب على أيديهم تثور ثائرة الجيش ويحدث مالا يحمد عقباه، كما أن هناك سببا آخر يدعو إلي التريث، هو أن الوزارة كانت تشعر بالفساد الذي ضرب أوصاله في الحياة المصرية وأن الوزارة كانت تريد أن تكبح جماح الملك واستبداده وتقلم أظافره.

ويستطرد الأستاذ زعلوك في روايته ليقول:

إنه اتصل تليفونيا بالأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير آخر ساعة فقيل له إنه نائم ولنكه طلب إيقاظه، فاستيقظ وطلب منه الأستاذ زعلوك أن يذهب إلى عابدين وأ، يتصل به.

واتصل الأستاذ هيكل بالوزير زعلوك من أخبار اليوم وأخبره أن معه على الخط اللواء محمد نجيب فاتصل الأستاذ زعلوك باللواء نجيب عن طريق أخبار اليوم وأخبره اللواء نجيب أن أحمد مرتضى المراغي باشا قد كلفه بأن يهدئ من ثورة الثائرين ولكن ليست لديه أوامر كتابية بذلك كما أنه لا صفقة له واعتذر عن فعل أي شيء ولكن الأستاذ زعلوك رجا اللواء نجيب أن يفعل ما يرضى ضميره وبخاصة أن وزير الداخلية في الإسكندرية وأن اللواء نجيب في القاهرة.وانتهى الاتصال..

وذهب زعلوك باشا إلى رئيس الوزراء وألغه ما حدث وذهبا معا إلى بولكلي فوجدا الأستاذ مصطفى أمين في وزارة الداخلية واتصل الأستاذ زعلوك باشا باللواء نجيب مرة ثانية ليكلمه الهلالي باشا.

وقال الهلالي باشا.. في نبرة جادة يا سعادة اللواء إن الإنجليز تحركوا على بعد 45 كيلو متر من القاهرة ونحن لا نريد أن نكرر حكاية عرابي ولا نريد حربا أهلية تراق فيها الدماء ولا نريد بأي حال من الأحوال أن تكرر مسألة الاحتلال.واستمر الهلالي باشا يقول.

إذا كانت للحركة مطالب معينة فطائرتي موجودة وأنا قادم إلى القاهرة أما إذا كانت الحركة أبعد من ذلك فإن ردك يكون أبعد عن طريق الإذاعة.واجتمع الهلالي باشا بوزير العدل كامل مرسي باشا والمفتي الجزايرلي باشا وزير الأوقاف للمشاورة فيما يجري من الأمور وعرض أحمد مرتضى المراغي أن يستقل الطائرة إلى القاهرة وكان مرافقا له الصحفي مصطفى أمين.

وفي الساعة الحادية عشرة مساء اتصل الأستاذ زعلوك باللواء نجيب مرة ثالثة وقال له:

يا سعادة اللواء أنتم ثوار ونحن سياسيون وإن معنا قوات.

فقال اللواء نجيب:

يا معالي الباشا كلنا احترام وتبجيل لدولة الهلالي باشا ودولته أستاذي وقد منحني الليسانس ولكن لنا اعتراضات على بعض الأشخاص من الوزراء.فقال له الأستاذ زعلوك مستفسرا عن هؤلاء الأشخاص؟فأجاب اللواء نجيب.إسماعيل شيرين ومرتضى المراغي.

ويبدو أن الحديث لم يرق الأستاذ زعلوك باشا فقال له:

اعتبر وزارة الهلالي باشا مستقبلة. فأجاب اللواء نجيب .. آسفا.كنا نود بقاء الهلالي باشا ولكن الأغلبية تريد رفعة على ماهر باشا.وطلب الأستاذ زعلوك رفعة علي ماهر وقص عليه ما حدث.

وكان الهلالي قد ذهب إلى القصر وأبلغ الملك ما حدث ولكن الملك رفض أن يكلف على ماهر باشا بتشكيل الوزارة بحجه أن ماهر باشا أيقظه في الفجر وقال له: إن بعض الضباط حضروا إليه فطردهم شر طردة وقال لهم: إنه لا يعرف للبلاد إلا سيدا واحدا .. هو الملك.

ولكن الهلالي باشا نصح الملك بعرض الوزارة على رفعة علي ماهر باشا توقيا لما قد يحدث. وأخيرا أعن الملك للنصيحة وطلب منه أن يكلف حافظ عفيفي باشا على ماهر باشا بتأليف الوزارة.

ولم يكتف الهلالي باشا، بل اتصل شخصيا بعلي ماهر باشا من بولكلي ولكن على ماهر باشا طلب إمهاله ساعة ليفكر في الأمر.ولكن يبدو أن الأمور كانت تسير سيرا خطيرا فقد صرح الهلالي باشا الساعة الخامسة بأن الموقف جد خطير ولا يحتمل الإبطاء.

ولكن على ماهر باشا اتصل بالهلالي باشا وقال له: إن الموقف أصبح في يده وأنه سيحضر غدا إلى قصر المنتزه مباشرة.وقد تمت المقابلة وكان الملك قد طلب إحضار الهلالي باشا، ولكن علي ماهر باشا تجاهله وطلب مقابلة الملك رأسا.ويذكر زعلوك باشا.أن الهلالي باشا طلب من الملك التنازل عن العرش إلى ولي العهد.

كما يذكر أن الهلالي باشا اتصل بالملك ورد عليه مصطفى صادق الطيار (عم الملكة ناريمان) وطلب إليه أن يفاوض الضباط، وقد اعتبر الهلالي باشا حين أبلغه الملك بالرجوع إليه في مسائل المفاوضات أن المسألة متعثرة لأن بعض الضباط الملتفين بالملك كانوا قد هونوا من شأن الحركة.

ومما يذكر أن السفير الأمريكي جيفرسون كافري اتصل بالهلالي باشا مستوضحًا الأمر فقال الهلالي باشا: إن المسألة داخلية.وكان كريزويل الوزير المفوض بالسفارة البريطانية قد اتصل بالهلالي باشا في منزله في أثناء وزارة حسين سري باشا وحذره مما في منزله في أثناء وزارة حسين سري باش وحذره مما يحدث لو وقع حادث جديدي كحريق القاهرة يؤدي إلى المساس بحياة الرعايا الأجانب. وكان تهديدًا سافرًا من السفارة البريطانية للهلالي باشا قبل تأليفه الوزارة.

ليلة 22 يوليو 1952

ذهب إلى نادي الصيد بالإسكندرية للعشاء مساء 22 مايو وفي الساعة التاسعة والنصف طلبتني السيدة أصيلة هانم والدة الملكة ناريمان للذهاب إلى منزلها.

وهناك وجدت الملك فاروق:

وقالت أصيلة هانم إنه يبدو أن في القاهرة حركة للجيش غير عادية وقد طلبتك لإبداء رأيك.

فتوجهت إلى الملك قائلا:

جلالتك تلبس بدلة الماريشالية وتتوجه إلى رئاسة الجيش في القاهرة وتقابل ضابط الحركة وتبحث معهم مطالبهم

فرد الملك: بعد أن فكر قليلا:

أنت عاوزني أروح أسلم نفسي بنفسي لهم علشان يغتالوني أو يعتقلوني لا لن أذهب بهما مهما كانت الظروف. وعندئذ طلبني المرحوم نجيب الهلالي باشا للذهاب إلى رئاسة الوزارة بولكلي فاستأذنت وغادرت المنزل (كما سيأتي تفصيله بعد)

وأذكر أن أحد السادة أعضاء مجلس قيادة الثورة قال لي بعد نجاح الحركة إنه كان في تقديرها أنه إذا حضر الملك إليهم وبحث معهم أسباب حركتهم وأقر وجهة نظرهم فسيعودون إلى الثكنات.

بيان الثورة الأول

صباح الأربعاء 23 يوليو قصد البكباشي أنور السادات إلى الإذاعة وتوجه إلى غرفة المذيع ليعلن بيان الثورة الأول.

وامتنع المذيع عن السماح للرئيس السادات بإذاعة البيان إلا بعد موافقة الرقيب العام الأستاذ أنور حبيب رئيس ديوان المظالم الآن واتصل البكباشي السادات بالأستاذ أنور تليفونيا فواقف على إذاعة البيان على مسئوليته الخاصة وحمل الأثير صوت الرئيس السادات يعلن انتهاء عهد وبدء عهد..

الوزراء يأكلون الساندويتش

وصل المرحوم علي ماهر باشا جابر الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين وقصد فندق سان ستفانو وطلبني المرحوم محيي الدين فهمي بك وتوجهت للفندق حيث أملاني رفعة علي ماهر باشا مسودة كتاب قبوله تأليف الوزارة يوم الخميس 24 يوليو ثم تحدد موعد مقابلته الملك وأداء الوزارة اليمين الدستورية وقد تم ذلك في ذات اليوم حيث كان ماهر باشا قد دبر أموره مع الضباط والوزراء المختارين وتم التشكيل على الوجه التالي:

علي ماهر باشا للرئاسة الداخلية والخارجية والحربية والدكتور إبراهيم شوقي للصحة وإبراهيم عبد الهادي للتجارة والصناعة والتموين وسعد اللبان للمعارف ومحمد علي رشدي للعدل وعبد الجليل العمري للمالية والاقتصادي وألفونس جريس للزراعة وزهير جرانة للمواصلات والشئون الاجتماعية ومحمد كامل نبيه للأشغال وفؤاد شيرين للأوقاف وعبد العزيز عبد الله سالم للشئون البلدية والقروية.

ومن المصادفات أن الأستاذ عبد الجليل العمري لم تكن لديه بدلة الردينجوت الرمادية ليؤدي اليمين أمام الملك فأعطيته بدلتي، مثل ما حدث مع المرحوم حسن كامل الشيشيني قبل ثمان وأربعين ساعة.

اللواء نجيب في بولكلي

وفي اليوم التالي الجمعة 25 يوليو قدم دار الرئاسة في بولكلي اللواء أركان حرب محمد نجيب ومعه قائد الجناح جمال سالم واليوزباشي إسماعيل فريد واستقبلت اللواء نجيب كما اعتدت من سنوات طوال من الصلة العائلية وقلت له:

إيه إلي عملتوه ده بكرة الملك حيشنقكم.

فضحك وقال:

ربنا يسهل يا أبو صلاح.واستقبل ماهر باشا اللواء نجيب ومرافقيه. وطلب اللواء نجيب إبعاد ستة من حاشية الملك هم.إلياس أندراوس وأنطوان بوللي والطيار حسن عاكف، والدكتور يوسف رشاد، والأميرالاي محمد حلمي حسين ومحمد حسن.

وكان كريم ثابت قد قدم استقالته ..ولما أبلغ الملك وافق وقدموا جميعا استقالاتهم..وأمر الملك بالإنعام على اللواء محمد نجيب برتبة فريق.

الملك ينتقل إلى قصر رأس التين

وانتقل الملك في سيارته ومعه الملكة ناريمان وولى العهد أحمد فؤاد وتولى بنفسه قيادة السيارة وتبعتها سيارة أخرى فيها الأميرات بناته إلى قصر رأس التين ولم أعلم سببا لهذا الانتقال من قصر المنتزه الذي لم يره الملك بعد ذلك.

عزل الملك

وفي الساعة التاسعة من صباح السبت 26 يوليو قدم الرئاسة اللواء محمد نجيب لمقابلة علي ماهر باشا وكان رفعته قد توجه إلى قصر رأس التين حيث طلبه الملك من سان ستفانو بعد أن أطلق جنود الحركة الرصاص على قصر رأس التين ردا على رصاص صدر من الحرس الملكي ظنا منه أن الجنود يهدفن الاستيلاء على القصر.

وكان مستر سباركس المستشار بالسفارة الأمريكية موجودا بدرا الرئاسة حيث قابل الأستاذ سليمان حافظ وهو في أشد حالات الاضطراب وقال له إنه موفد من السفير جيفرسون كافري لمعرفة حقيقة إطلاق الرصاص على قصر رأس التين ومدى ما ينجم عن ذلك من أضرار قد تسيء إلى مصالح مصر.

وكانت فرصة للأستاذ سليمان حافظ الذي أبلغ اللواء نجيب برسالة سفير أمريكا وقابله المستشار فأهمه اللواء نجيب أن حرس القصر ظن أن القوات التي اقتربت منه وهي إحدى فرق المحافظة على النظام تبغي الهجوم وأن الأمر قد انتهى وأنه أمر بإجراء تحقيق وانصرف مبعوث السفير الأمريكي.

وبعد فترة حضر علي ماهر باشا حيث قابله اللواء نجيب وقدم له إنذار الجيش للملك بالتنازل عن العرش قبل الساعة الثانية عشرة ظهرا ومغادرة البلاد قبل السادسة مساء.

وكان رد علي ماهر باشا ما يلي:

زي ما تشوفوا....وغادر اللواء نجيب الرئاسة وبعد دقائق وكانت الساعة قد قاربت العاشرة قصد علي ماهر باشا قصر رأس التين وقابل الملك وأبلغه الإنذار ونصحه بالقبول ووافق الملك دون أيه مناقشة.

مطالب الملك

وقد سأله علي ماهر باشا عن وسيلة السفر وهل يكون جوا أو بحرا فقال الملك إنه بفضل السفير على الباخرة المحروسة على أن يحرسها الأسطول المصري حتى إيطاليا وأن تصحبه زوجته ناريمان وأنبهما الأمير أحمد فؤاد وبنات الملك من الملكة فريدة وأن يودع بصورة تليق بملك تنازل عن عرشه باختياره وتشترك الحكومة في وادعه ممثلة في رئيسها والجيش ممثلا في اللواء محمد نجيب وأن يقابل السفير الأمريكي جيفرسون كافري قبل السفر.

وأذكر أن اللواء نجيب وافق على جمع الطلبات ما عدا حراسة الأسطول المصري للباخرة المحروسة الحرية فيما بعد فقد رأى تكون حتى نهاية المياه الإقليمية المصرية وليس حتى إيطاليا ورضخ الملك

اللواء نجيب يعود للرئاسة

وفي الساعة الحادية عشرة عاد اللواء محمد نجيب ومعه البكباشي أنور السادات وقائد الجناح جمال سالم إلى بولكلي حيث أطلعهم الأستاذ سليمان حافظ علي صيغة الأمر الملكي بالتنازل عن العرش وكان قد أعده الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة ومعه الأستاذ سليمان حافظ وكيل المجلس.

وقد رأى جمال سالم وأيده الدكتور السنهوري باشا أن يتضمن الأمر الملكي عبارة ونزولا على إرادة الشعب وصيغت العبارة وأضيفت..ولما قابل اللواء محمد نجيب علي ماهر باشا قال إنه نصح الملك بالتنازل عن العرش لابنه استبقاء العرش في ذريته وإن الملك قال له إنه ليس جبانا وإن لديه قوات من الجيش موالية أكثر مما لدي الثائرين.

وأن علي ماهر باشا اعترض بأنه لا يوافق على تعريض البلاد لحرب أهلية لا يعلم نتائجها إلا الله وأن الملك لم يناقشه في الأمر.وأعتقد أن نجاح الحركة وتنازل الملك إنما يرجع إلى نصيحة السفير الأمريكي جيفرسون كافري وعلي ماهر باشا حيث أقنعاه بالقبول بطلبات الجيش ووعده السفير الأمريكي بحمايته وأسرته حتى يغادروا مصر.

ولهذا كانت الانفعالات التي بدت على مستشار السفارة الذي أوفده السفير إلى بولكلي لما أطلق الرصاص على قصر رأس التين حيث كان الملك قد أبلغ به السفير.وقبيل الظهر ذهب الأستاذ سليمان حافظ وكنت معه أحمل الأمر الملكي رقم 65 لسنة 1952 وقابلنا الملك في الدور الأول بقصر رأس التين وكان سعيدا جدا حين أطلع على التنازل ووقعه وهو مسرور ووقع الأمر الملكي بقلم حبر خاص بي ولا زلت أحتفظ به.

وقد علق الناس حينما شاهدوا بالصحف صورة الأمر الملكي رقم 65 لسنة 1952، فمنهم من قال إنه كان مضطربا فوقع مرتين.وحقيقة الأمر أن الملك كما شبهته كان مثل الرجل المحكوم عليه بالإعداد ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة ومن هنا يمكن للقارئ أن يعرف سعادة فاروق وهو يوقع الأمر الملكي.أما مسألة التوقيع فقد جرت العادة أن يوقع الملك فوق اسمه ثم يوقع تحت الأمر الملكي.

وهاك نص الأمر الملكي بالتنازل عن العرش.

أمر ملكي رقم 65 لسنة 1952م نحن فاروق الأول ملك مصر والسودان. لما كنا نطلب الخير دائما لأمتنا ونبغي سعادتها ورقيها. ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة.

ونزولا على إرادة الشعب.قررنا النزول عن العرش لولي عهدنا الأمير أحمد فؤاد، وأصدرنا أمرنا بهذا إلى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه.

صدر بقصر رأس التين في 4 ذي القعدة سنة 1371ه. 26 من يوليو سنة 1952

إعداد الباخرة المحروسة

وأعدت الباخرة المحروسة ونقلت أمتعة الملك إليها تمهيدا للرحيل حسب رغبة الملك. وقبيل الساعة السادسة غادر فاروق قصر رأس التين إلى رصيف الميناء ولم يكن اللواء نجيب قد وصل وما إن غادر الملك القصر حتى أنزل العلم الملكي وطوي وسلمه قائد الحرس الملكي إلى علي ماهر باشا الذي قدمه بدوره والدموع تنزل من عينيه إلى الملك الذي قبل العلم واستقل اللنش إلى المحروسة وأطلقت المدفعية 21 طلقة تحية لرحيله وأدى حرس الشرف التحية العسكرية.

وكان الملك قد تحادث لدقائق مع علي ماهر باشا.. والسفير جيفرسون كافري سفير أمريكا ثم نظر إلى ساعته وقال:

يجب أن أذهب الآن فالساعة قاربت السادسة.ثم صافح مودعيه، على ماهر باشا والسفير الأمريكي ومستشار السفارة وإسماعيل شيرين ومحمد علي رؤوف زوج الأميرة فائزة أخت الملك وبعض ضباط الحرس وكان المودعون وخدم القصر يجهشون بالبكاء والدموع تنهار من مآقيهم.

اللواء محمد نجيب يودع فاروق

ووصل بعد ذلك إلى القصر اللواء محمد نجيب حيث كان قد أخره زحام المرور وهتاف الجماهير وتحيتها له ولم تكن قد علمت بعد بتنازل الملك كما أن سائق السيارة ال جيب توجه إلى ميناء خفر السواحل بدلا من الميناء الملكي بقصر رأس التين الذي كان فاروق قد غادره منذ خمس دقائق مرتديا ملابس القائد الأعلى للقوات البحرية.

واستقل اللواء محمد نجيب لنشا عسكريا دار حول المحروسة دورة كاملة على الأسلوب المتبع في تقاليد القوات البحرية للتحية، ثم صعد إلى المحروسة ومعه القائم مقام أحمد شوقي البكباشي حسين الشافعي وقائد الجناح جمال سالم واليوزباشي إسماعيل فريد حيث التقى بالملك وبناته وأدى اللواء نجيب التحية العسكرية ورد فاروق ثم صافحه بيده.

ومضت لحظات صمت قطعها اللواء محمد نجيب بقوله أفندي. ثم تحدث عن استقالته يوم الاعتداء البريطاني على قصر عابدين بالدبابات يوم 4 فبراير سنة 1942.

فقال فاروق:

إن مسئوليتكم كبيرة وإني أوصيك خيرا بالجيش المصري.ولاحظ فاروق أن جمال سالم يحمل عصاته فتوقف عن الحديث وتوجه إلى جمال قائلا:ارم عصاك فحاول جمال سالم الاعتراض فمنعه اللواء محمد نجيب فألقى العصا ووقف وقفة فيها الكثير من اللامبالاة.

وعندئذ أدى اللواء نجيب التحية العسكرية فمد فاروق يده وصافحة وقال:

أنتم سبقتموني في اللي عملتوه .. اللي عملتوه الآن كنت أنا راح أعمله.ثم طلب فاروق يصافح بقية العسكريين الموجودين وعندما صافح القائمقام أحمد شوقي قال له:

أنت قريب علي ماهر؟

فأجاب بالإيجاب.

واستغرق فاروق في لحظة التفكير، حيث كان يعتقد أن هذا الانقلاب قد دبره علي ماهر بالاشتراك مع اللواء نجيب والقائم مقام أحمد شوقي ولكن لحظات التأمل لم تطل قد هبط المدعوون إلى اللنش لكي يقلهم إلى الشاطئ.

ويبدو أن لوعة هذه اللحظات التاريخية قد أثرت تأثيرا كبيرا على اللواء نجيب والقائم مقام أحمد شوقي وهما ينظران إلى فاروق وبناته فانخرطا في البكاء حتى إن قائد جناح جمال سالم تهكم من هذا البكاء.

ومن الطريف أن الباخرة المحروسة التي أقلت الملك فاروق إلى نابولي هي الباخرة التي سبق أن حملت الخديوي إسماعيل جده إلى منفاه في نابولي بعد أن عزل عن العرش.

وفي مساء يوم 26 يوليو سنة 1952نودي بالملك أحمد فؤاد الثاني ملكا على البلاد وأعلن مجلس الوصاية ليباشر السلطات الدستورية.وقد استمر الملك فؤاد الثاني ملكا اسميا على البلاد لحين إعلان الجمهورية في يوم 18 يونيه سنة 1953.

ومن الطريف أيضا أن السفير الأمريكي جيفرسون كافري الذي حضر أحداث ثورة 1952 جميعها وكان السفير الوحيد الذي كان ي وداع فاروق عند رحيله صر في حفلة نادي الروتاري في سبتمبر سنة 1953بأنه وضع قدميه في بلد إلا وكان وراء انقلاب عسكري وإن مصر هي رابع بلد يعمل بها سفيرا حدث بها انقلاب عسكري بعد تعيينه سفيرا لبلاده.والدول الثلاث من دول أمريكا اللاتينية.

منع سفير بوللي

ومما يذكر أن اللواء محمد نجيب لم يوافق على سفر أنطوان بوللي مع الملك وبقي بوللي بالإسكندرية تحت حراسة مشددة حتى رافق اللواء نجيب في الطائرة التي أقلته إلى القاهرة يوم 27 يوليو

أول قرار لعلي ماهر

في الساعة الخامسة والنصف مساء 26يوليو أبلغني الأستاذ صلاح مرتجي أن البكاباشي طبيب حسين صميدة زوج ابنة شقيقي قد توفي في لندن إثر عملية جراحية، وكان صديقا عزيزا على فانفرطت في البكاء ورآني أحدهم، فأبلغ علي ماهر باشا أنني بكيت عند مغادرة فاروق لمصر.

وفي المساء دخلت على علي ماهر باشا وكان معه الأستاذ سليمان حافظ وطلبت منه بوصفه وزيرا للحربية الموافقة على نقل الجثمان على نفقة الدولة.

فثار علي ماهر باشا وقال:

هو دا واقته.

فأسعفني الأستاذ سليمان قائلا:

أيوه يا رفعة الباشا وقته لأن المتوفى زوج بنت أخت صلاح.

فنظر علي ماهر باشا وقال:

علشان كده كنت بتبكي مشي علشان الملك أنا قالوا لي إنك بتبكي فأبلغت جماعة الثورة أنك بكيت لتنازل الملك عن العرش ومغادرته البلاد. ثم وافق وكان أول قرار أصدره بصفته وزيرا للحربية ورئيسا لمجلس الوزراء.

بيان اللواء نجيب عن تنازل الملك

وكانت الإذاعة منذ الساعة الخامسة تثبت نداءات للشعب تطالبهم بالهدوء والنظام وعدم التهور في التصرفات عند متابعتهم لتطور الأحداث.وفي الساعة السادسة والنص أعلنت الإذاعة أن اللواء محمد نجيب سيلقي البيان التالي الذي أذيع بصوته:

بني وطني

إتماما للعمل الذي قام به جيشكم الباسل في سبيل قضيتكم قمت في الساعة التاسعة من صباح السبت 26 من يوليو 1952 الموافق 4 من ذي القعدة 1371 بمقابلة صاحب المقام الرفيع علي ماهر باشا رئيس مجلس الوزراء وسلمته عريضة موجهة إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول تحمل مطلبين على لسان الشعب.

الأول: أن يتنازل جلالته عن العرش لسمو ولي عهده قبل ظهر اليوم.

الثاني: أن يغادر جلالته البلاد قبل الساعة السادسة مساء.

وقد تفضل جلالته فوافق على المطلبين وتم التنفيذ في المواعيد المحددة دون حدوث ما يعكر الصفو. وإن نجانا إلى الآن في قضية البلاد يعود إلى تضافركم معنا بقلوبكم وتنفيذكم لتعليماتنا وإخلادكم إلى الهدوء والسكينة.

وإني أعلن أن الفرح قد يفيض عن صدوركم لهذا النبأ غير أنني أتوسل إليكم أن تستمروا في التزام الهدوء حتى نستطيع مواصلة السير بقضيتكم في أمان.ولي كبير الأمل في أنكم ستلبون ندائي في سبيل الوطن وفقا الله جميعا لما فيه خيركم ورفاهيتكم والسلام.

اللواء نجيب يتنازل عن رتبة الفريق

وفي الساعة الثامنة مساء بثت الإذاعة البيان الثاني لقائد الحركة اللواء محمد نجيب بصوته وجاء فيه:

بني وطني

إن ما ينسب إلى من عمل مجيد إن هو في الحقيقة إلا مجهود وتضحيات لرجل لجيش البواسل من جنود وضباط ولم يكن لي إلا شرف قيادتهم.قد أمر جلالة الملك فاروق عندما طلب الجيش إسناد منصب القيادة العامة إلى بأن ينعم على برتبة الفريق بدرجة الوزير فلم أعلن رفضها حتى لا يعرقل ذلك غرضا أسمى وهو تنازل الملك عن العرش.

والآن وقد انتهت الأمور فإني أعلن تنازلي عن هذه الرتبة قانعا برتبة اللواء مراعاة لحالة الدولة المالية وغادر اللواء محمد نجي ثكنات مصطفى باشا الإسكندرية بالطائرة ظهر اليوم التالي 27 يوليو إلى القاهرة حيث اجتمع بقادة الحركة وشكلوا مجلس قيادة الثورة برئاسة اللواء محمد نجيب وصار البكباشي جمال عبد الناصر مديرا لمكتبه.

قصتي مع محمد نجيب وتحديد إقامتي

كان والدي مع والد اللواء محمد نجيب في السودان بعد الحملة التي أرسلت لاسترداه إثر الحركة المهدية.وتزوج الاثنان بسيدتين سودانيتين وأنجب كل منهما أولادا إذ أنجب والدي المرحوم اللواء أحمد لبيب الشاهد كما أنجب المرحوم يوسف نجيب اللواء محمد نجيب.

ومنذ سنة 1900 نشأ وترعرع كل من أحمد الشاهد ومحمد نجيب في ربوع السودان حيث توثقت الصداقة بينهما والتحقا معا بالكلية الحربية وتخرجا بعد ذلك ضابطين صديقين بالجيش المصري وعملا بوحداته بالبلد الشقيق حتى مقتل السردار سير لي ستاك سنة [1924]] وأعيد الجيش المصري من السودان.

ومنذ ذلك الحين لم تنقطع صلتي باللواء نجيب.وعندما رشح وزيرا للحربية في وزارة نجيب الهلالي باشا الأولى، اتصلت به ووافق على دخول الوزارة ولكن القصر لم يوافق إذا اعتبر اللواء محمد نجيب عرابي رقم 2 تاريخ مصر وتجدد ترشيح اللواء نجيب للوزارة أثناء تأليف وزارة حسين سري باشا ولكن هذا الترشيح كان مصيره مصير الترشيح الأول وأصرت السراي على الرفض إلى أن حدثت أزمة نادي الضباط في يوليو سنة 1952 وانفجرت الثورة على أثرها.

وكانت وزارة نجيب الهلالي الثانية قد شكلت وأقسم الوزراء اليمين مساء يوم 22 يوليو سنة 1952 بقصر المنتزه.وذهب كل منا للراحة بعد يومين مريرين دون نوم أو راحة.وفي منتصف ليلة 23 يوليو سنة 1952 اتصلت بي السيدة أصيلة