راشد الغنوشي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ راشد الغنوشي ..والنهضة الإسلامية

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

محتويات

المولد ومراحل التعليم

الشيخ راشد الغنوشي


  • ولد الشيخ راشد الغنوشي عام 1941 بقرية الحامة بالجنوب التونسي. تلقى الشيخ الغنوشي تعليمه الابتدائي بالقرية، ثم انتقل إلى مدينة قابس, ثم إلى تونس العاصمة, حيث أتم تعليمه في الزيتونة.
  • انتقل بعد ذلك إلى مصر لمواصلة دراسته، خصوصا وأنه كان من المعجبين بتجربة عبد الناصر القومية، لكنه لم يستقر بها طويلا, وانتقل إلى دمشق في سوريا، حيث درس بالجامعة, وحصل على الإجازة في الفلسفة, وهناك بدأت تتبلور المعالم الأولى لفكره الإسلامي.الانتساب إلى الحركة الإسلامية.


  • انتقل الشيخ راشد الغنوشي إلى فرنسا لمواصلة الدراسة بجامعة السوربون, وبموازاة الدراسة بدأ نشاطه الإسلامي وسط الطلبة العرب والمسلمين، كما تعرف على جماعة الدعوة والتبليغ, ونشط معها في أوساط العمال المغاربة.


أول مشهد له في صغره ونشأته

كان أول مشهد له في صغره يعيه ويذكره يقول عنه:

"كان في مغارة- احتماء من القصف المتبادل بين الألمان والحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية كان المشهد الأول من حياتي. ولم يلبث الفرنسيون أن عادوا ينتقمون من "الخونة" أي الذين تعاملوا مع الألمان، فشهدت منطقتنا "الحامة" انطلاقة الشرارة الأولى للمقاومة المسلحة ضدهم التي انخرط فيها بعض أقاربي.
ومع الاستقلال تجدد القصف على السكان الأصليين أهل الثقافة العربية الإسلامية من طرف خلفاء الاستعمار بأشكال أشد توحشا لم تزدها الأيام إلا شراسة لا سيما بعد ظهور الصحوة الإسلامية التي لا يزال القصف على حملة لوائها مستعرا."

نشأة في بيت مسلم ريفي أصيل في أسرة مستقرة يسودها الوئام يقول عن ذلك:

"أعتبر أن طفولتي كانت عادية، فقد عشت في أسرةٍ مستقرة، يسودها الوئام، فلم أر قط والدي مثلا يصيح في هياج على والدتي فضلاً عن أن يضربها. كانت والدتي رحمها الله محترمة جداً في البيت، كانت نافذة جداً ومطيعة جداً لوالدي.
ومع أن والدي تزوج أكثر من امرأة إلا أن الانسجام بين الزوجتين كان انسجاماً كبيراً، حتى أنني كنت أدعو زوجة والدي الثانية «أمي»، وكانت محترمة جداً وتحبنا حباً شديداً. ولم يكن في البيت أزمات، وكان العنف قليلاً جداً في البيت، فلا أذكر أن والدي ضربني قط، ولا أذكر أن والدتي شتمتني أو دعت علي بسوء حتى وأنا طفل.
وكانت عائلتنا متوسطة الحال ليست بالمعدمة. كنا في قريتنا نشتغل في الحقل. كنا مستورين لم نكن من الأغنياء ولم نكن بالفقراء بين الفلاحين، ولكن عيش الفلاحين في ذلك الزمان كان عيشاً متواضعاً جداً ما كانوا يشعرون بالحرمان، إذ كان الناس يعيشون في قناعة، فلم يكن هناك مجتمع استهلاكي يجعل الناس يزهدون في ما بين أيديهم لأنهم يرون أن هناك من هو أعلى منهم، بل كان المجتمع كله متقارباً
وكان هناك من هو أكثر غنى ولكنه كان يعيش عيشة الآخرين. ولم يكن هنالك أيضاً المعدم الذي لا يجد قوت يومه أو ينام على قارعة الطريق، فالمجتمع كان متضامناً وكأنه مجرد مجموعة عوائل كبرى شديدة الارتباط والتراحم، قليلة الحاجات.
كان تناول اللحم مثلا عزيزاً جداً، لا يدخل البيت إلا مرات معدودة في السنة، ولا سيما في عيد الأضحى حيث كان والدي عندما يتيسر أمره قليلا يشتري الذبيحة ويتقاسمها مع عشرات من الجيران والأقارب. وكان العرف يقتضي أن من اشترى لحماً عليه أن يطعم منه كل الجيران. وكان بيتنا كبيراً يضم والدي وأعمامي، إذ كانوا كلهم يعيشون في نفس البيت في جو من التضامن العائلي.
وكان بيتنا يتميز عن غيره من بيوت القرية بجوه الديني، فوالدي كان الوحيد في القرية الذي يعرف القراءة والكتابة، وكان يحفظ القرآن وكان إماماً للناس ومفتياً لهم، وكان غايةً في العفة والتقوى، ولم يحترف التدين، بل كان يدرس الأطفال القرآن مجاناً ويؤم الناس مجاناً في البيت شتاءً وفي المصلى تحت أشجار النخيل صيفاً.
تعاطى والدي التجارة لفترة ولكن أفلست تجارته فعاد إلى الحقل يشتغل فيه من الصباح الباكر حتى المساء، ومعه أفراد العائلة جميعهم كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً. حتى إذا آوينا إلى البيت متعبين، وتناولنا طعام العشاء، وكان دائماً كسكساً نقبل عليه في شراهة ونجد فيه لذة عجيبة نفتقدها اليوم، بدأت السهرة فينخرط الجميع في صناعة السلال من سعف النخل.
وتمتد السهرة، خاصة في ليالي الشتاء، إلى ما بعد منتصف الليل، تدور خلالها كؤوس الشاي، وتتردد الأناشيد والمدائح الدينية في نغمات جماعية توحي بالوجد والخشوع، من مثل «اللهم صل على المصطفى بديع الجمال وبحر الوفا، وصل عليه كما ينبغي، الصادق محمد عليه السلام، صلاة تدوم وتبلغ إليه، مرور الليالي وطول الدوام»، ونكرر هذا المقطع مئات المرات في إنشاد جماعي لذيذ تقوده والدتي بصوتها الجميل الذي يفيض خشوعا وحنانا.
ولم يكن يعكر صفو السهرة بالنسبة لي غير حصة استظهار ما حدده لي والدي من آيات للحفظ، إذ كان صارماً في المحاسبة، ولا ينقذني من المأزق عندما يكون اللعب قد شغلني عن الحفظ غير قدوم ضيف ينزل عليّ كالرحمة من السماء. وحتى لسعة عقرب تصيبه أحياناً خلال السهرة لا تنقذني، إذ سرعان ما يتحامل على نفسه ويعود إلي.
ولا أدري لماذا كانت حصة القرآن، كالصلاة، ثقيلتين على نفسي في طفولتي. ولكن بعد أن طوفت في الآفاق وتحررت منهما ومن سلطة والدي، لم ألبث أن عدت إليهما في شغف، وضمن رؤية كاملة. والحمد الله، ورحم الله والدي، فلقد أحسن إلي أن حملني حملاً على ما أكره، رغم قناعتي الآن أن ذلك ليس هو المنهج الأفضل للتربية، ولكن التجربة قد تكون لصالحه بالنتيجة، فليست الفلسفة الليبرالية في التربية الأنموذج الذي يشهد الواقع المتفسخ لصالحه، بل هو يشهد لإخضاعه إلى قدر غير يسير من المراجعة والاستدراك.
وكان أهم شغل لي في اقتصاد العائلة هو تسويق منتوج الحقل، آخذه إلى السوق لأعطيه لتاجر الخضر لكي يصرّفه، وفي الغد آتيه ببضاعة جديدة وأتسلم منه الثمن لأبتاع حاجيات البيت القليلة التي لا ننتجها كالشاي والسكر والملح والزيت.
فكان شغلي في الحقل عامة محدودا وغير شاق عدا بضعة تجارب كان أشدها إيلاما ومشقة وكادت تغير مجرى حياتي إلى الأبد تمثلت في اضطرار والدي لأن يخرجني من المدرسة بسبب عجزه عن العمل وحاجة الأسرة إلى الحراثة والحصاد خارج القرية، إذ أن اقتصاد العائلة لم يكن يقتصر على زراعة الخضر والبقول في البستان بل كان يشمل قسما آخر يتمثل في الحراثة والحصاد في البادية.
ولما عجز والدي عن القيام بالجانب الأول من العمل تولت القيام به والدتي وشقيقتاي المحرومتان من الدراسة بسبب الأنوثة، وكانتا تتألمان لهذا التمييز حتى أن إحداهما وهي جميلة تمكنت من استراق فن كتابة الأحرف وتلاوة القرآن استراقا من إخوتها دون أن يكلف أحد نفسه عناء تعليمها شيئا من ذلك فكانتا تكدحان داخل البيت وفي الحقل الليل والنهار.
سيما وأن إخوتي للأب الذكور قد هاجروا إلى المدنية طلباً للعمل وشقيقَيَّ الأكبر مني سناً هاجرا إلى المدينة من أجل العلم والدراسة، إذ بعد أن حفظا القرآن أرسلهما والدي إلي العاصمة للدراسة في جامع الزيتونة، ولم يكن ذلك من عادة أهل القرية، فكان شقيقاي أول من ذهب للدراسة من أبناء القرية بسبب تحريض والدتي رحمها الله.
وكان على الأسرة أن ترسل بعض إعانات لهما مما كان الحقل ينتجه بالإضافة إلى إعاشة من فيه. فلما كبر والدي وأشرف على السبعين ولم يعد قادراً على الخروج إلى البادية للحراثة وسافر كل أبنائه الذكور لم يجد بدا من أن يقطعني عن الدراسة لأتولى نيابة عن الأسرة مهمة السفر إلى البادية مكانه، وكان عمري 12 سنة.
خرجت مع أبناء عمومتي للحراثة والحصاد، وانقطعت عن الدراسة غير أن ذلك لم يمتد إلا سنة واحدة في نهايتها كان أخي الأكبر قد تخرج ووظف أستاذا فرجعت إلى المدرسة واستأنفت الدراسة. كانت تلك أهم تجربة مؤلمة في طفولتي، إذ اضطررت وأنا في الثانية عشرة من عمري للخروج إلى البادية لأقوم بعمل شاق في الحراثة والحصاد مع عمالٍ كبار.
كان علي أن أنوب عائلتي مع أبناء عمومتي الكبار. وفيما عدا ذلك كانت طفولتي عادية. بل كان حظي من أعمال الحقل الشاقة أقل من حظ إخوتي وأخواتي لأنني أصغر الجميع فكنت مدللا نوعا ما، فوقع عليهم عبء التحول الشاق من أوضاع القرية إلى المدينة، ونعمت أنا بثمرات التحول".

إعجابه بالفسلفة وتمرده على القديم في جامعة الزيتونه

يقول عن ذلك:

الشيخ راشد الغنوشي صغيراً
"عندما كنت في السنة النهائية من الدراسة الثانوية حسب نظام التعليم الزيتوني الذي كان قد تعرض لعملية إصلاحية معتبرة استهدفت استيعاب العلوم الحديثة في إطار الثقافة العربية الإسلامية، كانت أهم مواد الدراسة التي شدتني بقوة مادة الفلسفة.
فامتلأت إعجابا بها وفتحتني على فضاءات واسعة لا عهد لي بها، وكنت مولعاً كما أسلفت بالجدل حول القضايا النظرية، كالايمان بالله، ومصير الإنسان بعد الموت والقضاء والقدر، وهو ما جعل في يدي أسلحة كان يلذ لي استخدامها في معاكسة وتسفيه والسخرية من بعض المشايخ الذين كانوا يدرسوننا العلوم الدينية.
والحقيقة أني تخرجت من جامعة الزيتونة لا يشدني إلى الإسلام إلا بعض ما تلقيته من والدي أما من الناحية الفكرية فقد كنت أقرب إلى الشك والحيرة والتمرد على القديم، وما ذلك إلا رد فعل على أسلوب المشايخ في التعليم وضد المنهاج التعليمي الذي كان سائداً في جامعة الزيتونة، والذي كان يقدم صورة عن الإسلام لم تكن تجيبنا عن تساؤلاتنا ولم تكن تعطينا أي ثقة في الإسلام ولاتقدم إلينا صورةٍ معاصرة له، بل كنا نشعر عندما ندخل حلقة الفقه أننا ندخل متحفاً تاريخياً. وعندما نخرج نجد عالماً آخر تسوده الحداثة والمعاصرة ولا علاقة له بالإسلام.
لم تقدم لنا تلك الدروس أي جسر للقاء مع العصر أو تصور له أو بديل عنه أو مجرد علاقة به، فلم يكن أحد من المشايخ يومئذ يتحدث عن اقتصاد إسلامي أو دولة إسلامية أو عن فن إسلامي، أي عن الإسلام كمنهج حياة ولم يتطرق أحد للمواقف الإسلامية من قضايا العصر، ولم تكن تسمع إلا الحديث عن العبد الآبق والبعير الشارد، وعن قضايا لا تمت للواقع بصلة، وفرعيات موغلة في القدم، وبحوث لغوية مقطوعة عن لغة العصر ومنطقه، رغم أنه كان يقدم لنا إلى جانب تلك العلوم الدينية الجامدة مواد علمية حديثة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجغرافيا، وهي نفس المواد التي تقدمها المدارس الحديثة بلغة أجنبية. فكنا نعيش في اليوم الواحد عالمين منفصلين، فإذا خرجنا إلى الشارع ازدادت الغربة.
لقد كادت تلك الصورة المشوهة تقضي على ما تلقيته من الأسرة لولا عمق التربية الدينية التي نشأت عليها، وكذلك كان حال معظم الطلاب، فمن بين حوالي ثلاثة آلاف طالب كانوا يدرسون في جامع الزيتونة في مرحلة متأخرة لم يكن يؤدي الصلاة غير ثلاثة أو أربعة طلبة. تلك كانت الحال والتعليم عربي إسلامي.
كان لجامع الزيتونة أبواب تفتح على الأسواق، وكان التجار يعرفون موعد صلاة العصر عندما يخرج الطلبة إلى صحن الجامع ليدخنوا، فكان ذلك مؤشراً على وقت صلاة العصر فيغلق التجار دكاكينهم مسرعين إلى أداء الصلاة، بينما يكون طلبة العلوم الشرعية يدخنون ويمزحون، وما ذلك إلا بسبب تخلف العلوم الدينية ومناهج تدريسها.
حاولت بعد حصولي على الثانوية العامة "التحصيل" كسر القيود الخانقة التي كانت تكبل طموح أمثالي من المقربين لي ارتياد حقول العلوم الحديثة التي كانت أبوابها موصدة أمامنا وكان الميدان الوحيد المفتوح هو التعليم الديني، وكنت أبغضه، فانخرطت في دروس مكثفة لتعلم الألمانية في المركز الثقافي الألماني لمدة تقارب السنة.
ورغم أن تحصيلي كان جيدا إلا أن نفسي عاودها الحنين إلى المشرق. وكان المال هو الحاجز فقررت الانخراط في سلك التعليم الابتدائي لتحصيل قدر من المال أرتب به وضعي وأسافر. وهكذا تم تعييني معلما في قصر قفصة أواخر السنة الدراسية 1963 فأنهيت تلك السنة والتي تليها.
ولكن طموحي كان أكبر من ذلك، لا سيما وأن شقيقي وكانا مثلين بالنسبة لي كان أكبرهما قاضياً، وكان الآخر الذي يكبرني مباشرة محامياً، فلم يكن مناسباً لي أن أقتصر على التدريس الابتدائي. كان قلبي طافحاً بحب المشرق العربي الذي كان ملجأً روحياً للمجتمع الأهلي العربي الإسلامي في مواجهة الرياح اللافحة القادمة من الغرب، والتي حققت نصرها مع الاستقلال بزعامة بورقيبة والنخبة المتفرنسة.
ولذلك سرعان ما عافت نفسي البلاد، فظللت أتحين الفرص حتى استخرجت جوازاً وجمعت بعض المال من شغلي وسافرت باتجاه المشرق إلى مصر، وكان لبعض أساتذتنا المحبوبين خريجي المشرق العربي مثل الأستاذ أحمد قاسم وغيره تأثير عظيم في تغذية تلك الصورة الجميلة عن المشرق منبع النور ومصدر الإلهام".

في مصر .. وانبهاره بالقومية العربية والتجربة الناصرية

في مصر ذهب ليتعلم الزراعة لكي يقي أهله تعب الزراعة ذهب وهو منبهر بالقومية العربية وأراد الله له مسارا آخرا يقول عن ذلك:

"وهناك اجتمعت مع حوالي 40 من الطلبة التونسيين المعربين من أمثالي كلهم قدم إلى المشرق بمفرده من أجل مواصلة الدراسة في الجامعات المصرية، شاء الله أن نلتقي هناك. وجدنا صعوبات كبيرة من أجل التسجيل في الجامعة، إذ لم يكن التسجيل في الجامعات المصرية يسيراً في ذلك الوقت (أكتوبر 1964)، وكانت السفارة التونسية تطاردنا وتعتبرنا خطراً مستقبلياً، لذلك كانت جاهدة في استعادتنا بالقوة.
إلا أننا استفدنا في البداية من الخصومة التقليدية التي كانت قائمة بين بورقيبة وبين عبد الناصر، فمارسنا ضغوطاً شديدة وتظاهرنا أمام بيت عبد الناصر إلى أن حصلنا على حق التسجيل في الجامعة.
وسرعان ما التحقت بكلية الزراعة في جامعة القاهرة حيث درست حوالي ثلاثة شهور من عام 1964. وكان يدفعني إلى هذا الاختصاص ما عانيته وأبناء قريتي من مشاق الزراعة البدائية، فكنت أحلم في صباي وقلبي ينفطر أمام معاناة والدتي وهي تلهث في اثر الحصان جيئة وذهابا المرات لاستخراج دلاء الماء من البئر لري أشجار النخيل والبقول. كنت أحلم بتفجير الماء من باطن الأرض و استخراجه من دون عناء، لقد كان يستبد بنفسي حلم تطوير القرية.
غير أن وضعنا لم يستقر، إذ سرعان ما حصل نوع من التصالح بين الزعيمين، وما لبث أن استجاب النظام المصري لطلب السفارة التونسية في استرداد «هؤلاء الآبقين»، فذهبنا إلى الجامعة ذات يوم لنجد أسماءنا وقد شطبت، وبدأ البوليس يطاردنا لتسليمنا إلى السفارة التونسية لتعيدنا قهراً إلى البلاد، وتنأى بنا عن مفاسد وأيديولوجيات الشرق.
وفعلاً تمت استعادة عدد من زملائنا. لم يدر بخلدي حينها أن فصلنا من الدراسة كان بقرار من عبد الناصر فهو عندي المثل الأعلى، بل نسبت ذلك إلى بعض الموظفين، إن عبد الناصر هو أكبر من أن يشتغل بقضية جزئية ويرتكب مثل هذا الجرم. وحينها أصبحت قضيتنا: كيف نهرب من مصر لأن السفارة كانت تريد أن تجمعنا وتضعنا في طائرة وترسلنا إلى تونس. فتصرف كل منا بطريقة فردية.
أما أنا ففكرت أن أذهب إلى ألبانيا، وما أدرى ما الذي كان يجذبني إلى ألبانيا في ذلك الوقت، لم أكن أعرف أحداً من أهلها أو ممن أقام فيها، وإنما لأني كنت قد اعتدت الاستماع إلى البث العربي من إذاعة «تيرانا» ومراسلة قسمها الأدبي ببعض القصص التي أكتبها فتذيع بعضها، إذ كانت هوايتي مطالعة الروايات، وكنت أحدث نفسي أن أكون روائيا أو صحفيا. فلما تأزم الوضع في القاهرة خطر ببالي أن أذهب إلى هناك.
وبينما أنا في مركز حجز التذاكر لأحجز إلى ألبانيا التقى بي أحد أبناء بلدتي، وكان يدرس في مصر، فلما عرف أنني أنوي الذهاب إلى ألبانيا استغرب، وقال «لا تذهب إلى هذا البلد، هذا البلد مغلق»، وأخذ يشرح لي المساوئ، وكان طالباً في السنة الأخيرة، فأقنعني وصرفني بالكامل عن وجهتي إلى وجهة أخرى، ورغبني في أن أذهب إلى سوريا وطمأنني أن له فيها أصدقاء يمكن أن يساعدوني ويمكن أن أتابع دراستي هناك دون حاجة إلى أن ألقي بنفسي إلى المجهول. وهكذا في لحظة حوّل القدر وجهتي بشكل حاسم كما حصل أكثر من مرة، لعله لأمر يريده الله".

من مصر إلى سوريا .. تحول جذري

خرج من مصر بالحال التي وصفها إلى سوريا وتحول من فكرة تعلمه الزراعة في مصر إلى تعلمه الفلسفة في سوريا يقول عن ذلك:

"وهكذا تحولت وجهتي قدراً من ألبانيا إلى سوريا، وهناك انتقلت من الزراعة إلى الفلسفة، لا أدري على وجه التحديد لماذا، ربما لأن عدداً من الطلبة التونسيين الموجودين هناك كانوا يدرسون الفلسفة وكانوا متفوقين، وربما لأنني كنت في الثانوية مولعاً بهذه المادة، أجادل بشراسة وكيد مشايخ الزيتونة حول قضايا الوجود الإلهي واليوم الآخر.
وكنت أحياناً جاداً وقد تسلط علي بعض الشك من وراء دراستي لبعض نظريات الفلسفة، وأحياناً كنت أفعله لمجرد إغاظة المشايخ وتعجيزهم والسخرية منهم، إذ كنت أبغض أكثرهم، ربما لأنني من أبناء الريف وهم من أرستقراطية المدينة، وربما بسبب ما كان مشهوراً عنهم من تناقض بين مظهرهم الديني وحياتهم الاجتماعية الغارقة في التغرب والترف.
سجلت في قسم الفلسفة، وكنت قد قدمت إلى سوريا حاملاً لفكرٍ قومي عاطفي ككل المعربين في تونس الذين كانوا يتجهون إلى المشرق يطلبون عنده السند المعنوي والإلهام في مقاومة مجتمعٍ قادته وأخذت تدفعه بلا هوادة الدولة الحديثة وحزب الدستور نحو أحضان فرنسا.
كان المجتمع التونسي منقسماً بين متغربين هم الذين بيدهم السلطات وبين معربين تطوف قلوبهم بالمشرق دفاعا عن الذات. وكان المشرق في ذلك الوقت يفيض بمشروع العروبة الناصرية التي كانت تجتذب المعربين بقوة وهم المجتمع الأهلي أو السكان الأصليون في مواجهة النخبة التي فصلها التغريب عن أصولهاوربطها ربط مصير مع الاحتلال رغم مقاومتها السياسية له.
لقد مثلت مصر الناصرية قطب جذب عارم للسكان الأصليين، إذ أعطتهم آمالا واسعة باستعادة عزة المسلمين وعزة العرب، وكانت الناصرية في شمال أفريقيا تأخذ صورة الإسلام لأن أهل شمال إفريقيا لا يميزون بين الإسلام والعروبة.
وكان خيالي عامراً بأروع الصور عن المشرق وساهم في ذلك بعض الأساتذة الذين كانوا يدرسوننا ممن تخرجوا من جامعاته. كان هؤلاء معارضين وكانوا يملؤوننا بحياة المشرق ويعطوننا آمالاً كبيرة فيه وفي الناصرية خاصة، ويعلقون عليها آمالاً كبيرة في استعادة عزة العرب وتحرير فلسطين، فرغبونا بشكلٍ أو بآخر في ان نتجه إلى المشرق لطلب العلم.
كنا نريد العلوم الحديثة مثل الهندسة والطب والزراعة والصيدلة والرياضيات التي كانت تدرس في بعض جامعات المشرق باللغة العربية. وكانت مصر بلا شك هي قطب الجذب، وإن لم تكن في الحقيقة قد عربت فيها مثل سوريا كل العلوم العصرية.
ولقد انفتحت جامعات القاهرة وبغداد ودمشق لاستقبال مئات من الطلبة التونسيين. وكان ذلك من الآثار المتبقية لجهود مكتب المغرب العربي في القاهرة الذي حمل مشروعا موحدا لتحرير منطقة المغرب العربي في امتداد للمشرق، غير أن المغتربين نجحوا في تهميشه في إطار مشروع للتحرير القطري وفي ارتباط مصيري بفرنسا.
في السنوات التي قضيتها في دمشق من 1964 إلى 1968 كان حكم البعث ما زال في بدايته لم يتمكن بعد. ولم تزل سوريا تعيش بقايا المرحلة الليبرالية. صحيح أنه لم يكن هناك برلمان ولكن كانت ملامح المجتمع المدني واضحة وكان تراث الليبرالية سائداً، فقد عرف عن السوريين ولعهم بالحرية.
حتى أطفال المدارس كانوا يقومون بمظاهرات ويخوضون في مجادلات سياسية وثقافية حامية فيما بينهم. فلقد كان المجتمع السوري مسيساً جداً ولم يكن حكم البعث قد احتوى المجتمع كله، إذ بدأ حكم البعث يحتوي المجتمع من رأس الهرم بالسيطرة على الجيش والشرطة، وأما المجتمع المدني من مدارس ومساجد وجامعات، وما كان يلقى في محاضرات تعبر عن مختلف التيارات، وما كان يدور فيها من نقاشات وصراعات فكان لا يزال قائماً يضج حيوية ونشاطا وخصوبة.
وكان الصراع السياسي خاصة في الجامعة شديداً يومئذ بين مختلف التيارات الطلابية. وكان التيار القومي من أهم هذه التيارات، وكان الصراع على أشده بين القوميين أنفسهم، بين الناصريين والبعثيين. كانت قضية الناصريين السوريين يومئذ هي استعادة الوحدة، وكان ذلك هو شعارهم المركزي، أعني الوحدة بين سوريا ومصر التي كانت قد أجهضت لتوها.
وكان يدور من جهة أخرى صراعٌ شرس بين التيار القومي العلماني عامة وبين التيار الإسلامي الذي كان تياراً قوياً في وسط الجامعة. وكان يوجد في مركز جامعة دمشق مسجد يحتل موقعاً جميلاً جداً في وسط الحديقة.
وكان يقوم بدور كبير في توجيه الطلاب عبر نشر الكتيبات الإسلامية وعبر الدروس والمناقشات، وكان خطيب المسجد أستاذاً معروفاً هو أديب صالح الذي كان يصدر يومئذ المجلة الشهيرة "حضارة الإسلام".
كما كان هناك أساتذة مشهورون منهم د. محمد سعيد رمضان البوطي ود. وهبة الزحيلي. وكان الحوار محتدماً حول موضوعات شتى من أهمها الموضوع الفلسطيني، وما السبيل إلى مقاومة الكيان الصهيوني واستعادة فلسطين.
أما الإسلاميون فكانوا يؤكدون بأنه لن تتحرر فلسطين إلا بالإسلام والعودة إلى نظامه بإقامة الدولة الإسلامية الجامعة، وأما الآخرون فكانوا يتحدون هذه الأطروحة مؤكدين على أن الطريق إلى فلسطين يمر بتوحيد العرب والقضاء على الأنظمة الرجعية وإقامة المجتمع الاشتراكي.
كما كان الموقف من الغرب موضوعاً مهماً، وكان الطرف العلماني يرى الغرب لاسيما في صورته الإشتراكية مثالاً أعلى ومنتهى ما توصلت إليه الحضارات الإنسانية. على حين كان الإسلاميون يجتهدون في إظهار عورات الحضارة الغربية وتتبع أمراضها والتبشير بسقوطها، مؤكدين أن الغرب بشقيه الرأسمالي والاشتراكي عملة واحدة و أنه حليف للصهيونية وكارثة على المصير الإنساني، فلا بد من التباين معه والاستقلال الكلي عن منظومته ونموذجه، وخاصة الوجه الشيوعي الملحد منه.
وإن مما لا زال راسخاً في ذاكرتي الحدث الزلزال، حرب 1967. لقد كان المشكل الأساسي المطروح يومها على الإسلاميين يتعلق بمدى شرعية الجهاد تحت قيادة حزب البعث راية عمية "جاهلية". أما أنا وكنت حديث عهد بالتيار الإسلامي وكذا تيار واسع من الطلبة فقد اعتبرناه نقاشاً بيزنطياً، ونزلنا في مظاهرة تطالب بحمل السلاح للدفاع عن القدس بعد أن غدت دمشق نفسها مهددة.

ولقد استجابت السلطة لطلبنا ووزعت علينا بنادق قيل أنها يوغسلافية لم يكن لها من فعل وطائرات الميراج الإسرائيلية تمزق سماء دمشق تمزيقا ناشرة الحرائق وراءها لم يكن لها من فعل إلا ما أحدثته لبضعة أيام في نفوسنا من شعور بالقوة والنخوة، لا سيما قد كنت من بين من رفض الاستجابة لدعوة السفارة التونسية لنقلنا إلى بيروت بعد أن غدت دمشق في خطر.

وما أن فتحنا أعيننا على الواقع المذهل: سقوط الجولان والقدس والضفة وسيناء حتى كانت الصدمة صاعقة. وسارعوا إلى سحب البنادق من أيدينا ليأتينا إلى مقر إتحاد طلبة المغرب العربي مندوبو حزب البعث لإقناعنا أن أهداف العدو لم تتحقق ما دامت الأنظمة الثورية وهي الهدف الرئيسي للعدوان لا تزال قائمة".

في أوروبا .. مسافر ناقد بعقل راجح

الشيخ راشد الغنوشي في بريطانيا

كان سفره إلى أوروبا مع بعض الطلاب التونسيين في ظل الظروف التي تمر بها الدول العربية من انحسار الفكر القومي الناصري بهزيمة 67 بمثابة نقطة التحول في حياته يأن عاش في الغرب وعرفهم من الداخل وبدأ يتعرف على الليبرالية والاشتراكية وهذه النظم الغربية والوضعية في مناخ الهزيمة العربية فكانت الحقيقة التي توصل إليها الفكرة الإسلامية يقول عن ذلك:

"في شهر حزيران سنة 1965، أي بعد انتهاء السنة الدراسية، سافرت على عادة الطلبة التونسيين هناك صحبة ثلة منهم افترقنا في الطريق إلى تركيا ثم بلغاريا ثم يوغسلافيا فالنمسا فألمانيا ففرنسا وبلجيكا وهولندا.
قضيت سبعة أشهر في هذه الجولة التي استمرت من أول حزيران (يونيو) إلى كانون الثاني (يناير) من السنة الجديدة، فكلية الآداب لم يكن الحضور فيها إجبارياً، وكان هدفي من هذه الجولة الإطلاع على بلاد الغرب. كان عندي دافع لأن أعيش في ا لغرب العالم المجهول وأن أتعرف على الحياة فيه.
فكنت أتنقل من بلدٍ إلى آخر أشتغل هنا وهناك من أجل توفير ثمن تذكرة السفر وتكاليف العيش. اشتغلت في ألمانيا ثلاثة اشهر في مركز تجاري يوزع البضائع بالجملة على الدكاكين في "منطقة الرور"، فكنت مساعداً لسائق شاحنة أتنقل معه، وكانت فرصتي في ممارسة اللغة الألمانية التي كنت تعلمت مبادئها في المركز الثقافي الألماني بتونس.
وبعد ذلك اشتغلت في فرنسا في جني العنب واشتغلت بعدها في بلجيكا في غسل الصحون داخل أحد المطاعم، واشتغلت في هولندا مساعداً لنجار داخل معمل نجارة لمدة شهر ونصف تقريباً. ولم أشعر بأثر للتسامح والانفتاح على الأجنبي وبدماثة الخلق وحتى الكرم إلا في هولندا من بين كل البلاد التي زرتها. ففيها وحدها وخلال ستة أشهر من الجولان استضفت من طرف أسرة ألمانية خلال أعياد الميلاد.
مدن ضخمة ومصانع ومواصلات حديثة وشوارع نظيفة مرتبة. ولكن لم ألاحظ فيها غير سباق محموم على المال والإشباع الغريزي والاحتقار للأجنبي والتهميش لجوانب الدين والأسرة والجوار وسائر المشاعر الإنسانية.
كنت أسكن في الغالب في بيوت الشباب، تلك التي تجمع شباباً من مناطق مختلفة، وكانت صدمة بالنسبة إلي أن أرى أنماطاً من الشباب الضائع المتحلل، فخمدت إلى حد كبير تلك الصورة الباهرة التي كانت عندي حول الغرب.
ثم تعززت الصورة المناقضة الواقعية ببعض القراءات حول الغرب والإسلام، فالذين كانوا مشتغلين في الصراع مع القوميين ومع غيرهم من التيارات العلمانية كانوا يستخدمون لنقد الغرب بعض الكتابات مثل كتاب أليكسيس كاريل «الإنسان ذلك المجهول»، وكتاب شبنجلر «سقوط الحضارة»، وكذلك كتابات بعض الكتاب الإنجليز اللذين انتقدوا الحضارة الغربية مثل كتاب توينبي حول تاريخ الحضارة.
كان الإسلاميون مشتغلين في جمع مثل هذه الكتابات الغربية التي تركز على انهيار الحضارة الغربية على حد سواء في وجهها اللبرالي الرأسمالي أو في وجهها الاشتراكي الماركسي ويستخدمونها كأداة في مقارعة التيار العلماني القومي السائد، وقد يستخدمون كتابات بعض الشيوعيين المنشقين مثل اليوغسلافي جيلس، ولسان حالهم انظروا، هذا هو المثال الذي تطمحون إليه، انظروا أهله ماذا يقولون عنه، تأملوا في إحصاءات الطلاق والجريمة والأمراض النفسية.
وكانت مشاهداتي في الغرب وعيشي مع شبابه تعزز قراءة الإسلاميين للغرب أكثر مما تعزز قراءة التيار القومي الذي كنت أنتمي إليه يومئذ، وبذلك بدأت فكرة الإعجاب بالغرب تخبو ومعها خبا وهج الحماس القومي ولا سيما بعد الهزيمة/الكارثة في سنة 1967 التي جاءت مصدقة للرؤية الإسلامية".

إرهاصات التحول إلى النظام والفكر الإسلامي

يقول عن ذلك:

"كانت سوريا خلال الستينات تمر بأزمة عميقة، وكانت محكومة بمخلفات الانفصال عن مصر في تلك الفترة، وكان الصراع داخل الساحة القومية على أشده بين أنصار الوحدة الناصرية وبين التيارات الأخرى كحزب البعث وغيرهم. وبسبب خلفيتي الناصرية السابقة انخرطت في الصراع لصالح استعادة الوحدة.
كنت في البداية كما أسلفت ناصرياً بالعاطفة لأن الصراع في تونس في بداية الاستقلال كان في وجه بارز من أوجهه صراعاً بين الاتجاه العروبي والاتجاه التغريبي، وخاصة في الجنوب الذي نشأت فيه وكنت منفعلاً جداً ومعبئاً بالناصرية التي انطلقت سنة 1952 مبشرة بالوحدة العربية وبتحرير فلسطين، فأعطت التيار العربي الإسلامي في تونس أيديولوجيا ودعماً معنوياً، لا سيما وأن أكبر دولة في العالم العربي أصبحت هي التي تقود التيار العربي الإسلامي.
من هنا تولد في تونس صراع مرير بين بورقيبة وعبد الناصر لشعور بورقيبة بأن عبد الناصر كان يهدده داخل بلده بسبب التعاطف العارم للتيار العربي الإسلامي معه. فصارت وسائل الإعلام التونسية تهاجم الناصرية بقوة في حين أصبحت وسائل الإعلام الناصرية القوية مثل صوت العرب تهاجم بورقيبة وتسخر منه وتصفه بالنعوت السيئة.
فكان التونسيون من أصحاب الاتجاه العربي الإسلامي وهم غالبية الشعب (السكان الأصليون)، يجدون في الناصرية ملجأ نفسياً وروحياً يمنحهم القوة والأمل. لم يكن للناصرية في تونس تنظيم، ولم يكن التيار العربي الإسلامي كذلك منظماً، وإنما كان تياراً فكرياً وعاطفياً.
ظللت وفياً للناصرية من بعد رغم أنني لم استطع أن أتابع دراستي في مصر، بل طردت منها بعد أن وقع الاتفاق بين بورقيبة وعبد الناصر وزار بورقيبة المشرق سنة 1965 وطاف بقاعه وانتهى إلى أريحا حيث ألقى فيها خطابه المشهور، الذي دعا فيه للاعتراف بإسرائيل وقبول قرار التقسيم فثار عليه المشرق ثورة شديدة وإن تكن مصطنعة كما سيكشف عن ذلك المستقبل: إن رفض وجود الكيان الإسرائيلي لم يكن مسألة جادة لدى النظام العربي.
بعد وصولي إلى سوريا وجدت طلبة تونسيين سابقين لي في الدراسة قد انتموا إلى "الاتحاد الاشتراكي"، فانتسبت إليه في السنة الثانية من وجودي في سوريا، وهو حزب ناصري متفرع عن التنظيم الناصري الأساسي في مصر الذي كان يعرف باسم الاتحاد الاشتراكي العربي، والذي ألغاه السادات وأنشأ الحزب الوطني بديلاً عنه. لم أبق في الحزب إلا سنة واحدة، انتقلت خلالها من قومي عاطفي إلى قومي أيديولوجي ملتزم، وبدأت أتعرف في داخل خلايا القومية على حقيقة الفكر القومي.
كنا ندرس كتابات ساطع الحصري خاصة، ولم أجد في هذه الكتابات ثقافة معمقة أو زاداً يثبت في الصراع داخل حلقات النقاش في الجامعة بين التيارات الإسلامية والتيارات القومية، فالرجل متأثر بالمدرسة الألمانية في سياق مختلف.
ومع تقدمي في الدراسة الفلسفية وبأثر الجولة التي قمت بها في أوروبا، والكتابات التي قرأتها، والمناقشات الحامية التي خضتها ضد التيار الإسلامي، اهتزت في نفسي أساسيات الفكر القومي وضعفت عن المقاومة، وصرت أرى حجج الفكر القومي هزيلة.
فما هي القومية العربية؟ إنها اللغة والتاريخ، ولكن هل كان لهذه اللغة من سبيل للخروج في طور اللهجات الذي كانت عليه قبل الإسلام فضلا عن البقاء موحدة والانتشار والثراء من دون اعتبار للأثر الحاسم للقرآن في ذلك؟
وهل كان سيكون لتاريخ العرب وجغرافيتهم هذا المعنى وهذه الحقائق المعروفة اليوم لولا الإسلام، فبأي منطق مقبول يمكن اعتبار هذا العامل الرئيسي في تكوين هذه البيئة القومية مكونا ثانويا كما فعل ساطع الحصري؟ ثم هذه الشعارات التي يطوف القوميون حولها: حرية، وحدة، اشتراكية ما مصاديقها؟ ما الفرق بين الناصرية والبعث؟
وجدت في النهاية أن الفرق إذا تجاوز الولاء لهذا الزعيم أو ذاك لا يتجاوز ترتيب هذه الشعارات، هذا يقول حرية وحدة اشتراكية والآخر يقول اشتراكية حرية وحدة دون تحديد واضح لمضامين هذه الشعارات وأساسياتها الفلسفية واستراتيجيات تحقيقها في الواقع، حتى أصبحت هذه المقولات في فجاجتها مصدر تندر بيننا يومئذ. ثم أضيف عنصر آخر أيضاً في توهين الفكر القومي لدي، وهو علاقة الفكر القومي بالدين.
فأنا لم أتحول قط إلى ملحد، بل ظللت باستمرار، رغم ما كان يعتريني أحياناً من شك وحيرة، مؤمناً أؤدي بعض شعائري الدينية. لم أكن أشعر، ولم يكن يدور بخلدي يوماً، حسب تربيتي المغاربية بأن العروبة تعني شيئاً آخر غير الإسلام.
لكن عيشي داخل الحركة القومية كشف لي أن ها هنا موقفاً مبايناً للدين، ها هنا عزل للدين عن كل نشاط في الحزب، عندها أصبت بصدمة نتيجة اكتشافي بأن الحلم الذي عشت به، حلم العرب والعروبة والقومية، إنما هو خدعة.
فالعروبة التي نعرفها في شمال إفريقيا، تلك التي لا تصادم الإسلام، ليست إذن هي العروبة التي يتأسس عليها الحزب الذي انتميت إليه من أجل أن أناضل في سبيل تحقيقها، بل هي عروبة أخرى منفصلة عن روحها، بل معادية لروحها. إنها بضاعة أخرى مستوردة من مواريث الغرب في قرنه التاسع عشر مشبعة بمشكلات وثقافات لمجتمعات أخرى لها سياقات تطورية أخرى وخاصة التاريخ والثقافة الفرنسيتين والألمانيتين.
انخرطت في نقاش داخل الحزب حول علاقة القومية أو علاقة العروبة بالإسلام، وكان يأتيني كل مرة مسؤول يناقشني، وكنت أطلب باستمرار تحديداً واضحاً لمكانة الإسلام في الحزب. فانتهيت إلى أنه لا علاقة للإسلام بهذا الحزب.
كنت شديد الرغبة في أن أبقى في الحزب، وكنت أريد أن أجد شيئاً أتمسك به حتى أبرر لنفسي وأريح ضميري الديني أن وجودي في الحزب ليس مناقضاً لديني، بل ليس معادياً لمبدأ الإيمان. فسألت: هل يشترط الإيمان بالله على أصل أي دين كعنصر مقوم لثقافة الحزب؟ فكان الجواب أن هذا ليس شرطاً، وأن بإمكان المنتمي للحزب أن يكون معتنقاً لأي دينٍ شاء أو أن لا يعتنق ديناً أصلاً.
عندئذٍ استيقنت أني مغرر بي قد استخدمت الأسماء الجميلة عندنا كالعروبة لخداعنا عن ديننا بعد أن أفرغت من المعاني التي نحبها ونؤمن بها وملئت بنقائضها من الفلسفات العلمانية الغريبة عن بيئتنا.
اطمأنت نفسي لترك هذا الحزب، وأدركت بأني خدعت إذ ظننت بأن انتمائي له يخدم العروبة التي نشأت عليها، بل وجدته يرفضها ويعاديها جميعها. واكتشفت ويا للهول أنني متورط في عروبة أخرى ليس لأهل شمال أفريقيا بها علاقة.
كنت ولا أزال مقتنعاً بأنه حتى الحزب الإسلامي يمكن أن ينتمي إليه مواطنون غير مسلمين بالعقيدة، ولكنهم يقبلون البرنامج الحضاري الإسلامي، على اعتبار الإسلام هو روح هذه الأمة وصانعها وباني أمجادها، ولا يزال هو طريقها للمغالبة والنهوض، فكيف يمكن تهميشه وتحويله إلى عنصر ثانوي في الأيديولوجيا القومية كما حددتها أناجيل القوميين مثل كتابات ساطع الحصري، وهناك ما هو أكثر منها سلبية وعداءً للإسلام، وخاصة في مرحلة تمركس القومية.
كان الحوار في تلك الفترة يدور مع مجموعة من الشباب السوريين الباحثين عن الحقيقة. كنا مجموعة من الطلبة يجمعها الانتماء للتيار القومي قد قادتها مئات من ساعات النقاش المعمق حول الواقع العربي وأساليب النهوض به إلى الشك في الأيديولوجيا القومية، وشرعنا نبحث.
وفي بحثنا عن البديل كنا نلتقي مع جملة من التيارات الإسلامية الموجودة على الساحة، كان منها تيار الإخوان المسلمين، وجماعة الشيخ ناصر الدين الألباني، وبعض المشايخ الذين كانت لهم نشاطات في دمشق، مثل الشيخ حبنكة رحمه الله، وبعض عناصر حزب التحرير. كنا نطوف على الحلقات لنتعرف على الإسلام، ولنستدل على الباب الذي يمكن أن ندخل الإسلام منه، ولم يكن الإخوان في ذلك الوقت إلا طرفاً من الأطراف التي دار معها الحوار.
وفي النهاية اطمأنت نفسي تماماً إلى فساد المنهج القومي وإلى أن عروبة المشرق غير العروبة التي عرفتها في بلادي، واطمأن قلبي تماماً إلى الإسلام بديلاً عن العروبة يحتويها ويعزها ويتجاوزها. وأدركت في الوقت نفسه أن الإسلام الذي نشأت عليه ليس هو الإسلام الصحيح.
وإنما كان إسلاماً تقليدياً بدائياً مخلوطاً بمواريث عصر الانحطاط، لا يمثل رؤية عامة للكون والحياة ولا نظاماً شاملاً للحياة، وإنما مجرد تدين تقليدي شخصي وخلاص فردي بعد الموت، ولذلك اعتبرت نفسي أني لم أكن مسلماً حقاً، وكان علي أن أتخذ قراراً بدخول الإسلام بعد أن تيقنت أن ما كنت عليه ليس هو الإسلام وإنما تقاليد وعادات وشعائر لا تحمل أي منهاج حضاري أو نظاما للحياة".

اللحظة الفاصلة في الليلة المضيئة

يقول عنها:

"كانت ليلة 15 يونيو (حزيران) 1966 نقطة التحول في حياتي حيث تجمعت في الحوض محصلة خبراتي إلى حد الامتلاء ففاض فكان اليقين حازما برعاية الله لي والاطمئنان كاملا إلى أنه بدعوتي سبحانه دعوة لا تتحمل الانتظار إلى الخروج من عالم والدخول في آخر.
تلك كانت هي ليلة دخولي الإسلام، خلعت فيها عني أمرين، القومية العلمانية والإسلام التقليدي في عملية واحدة، ودخلت في الإسلام الأصلي، الإسلام كما تلقيته من مصدره الأصلي: الوحي، لا كما صنعه التاريخ وصنعته التقاليد.
وفاضت على نفسي موجة عارمة من الإيمان والحب والفرح والإعجاب بهذا الدين فنذرت حياتي له. تركت الاتحاد الاشتراكي في السنة الثالثة من إقامتي في سوريا وانتقلت إلى التيار الإسلامي، فكراً وحياة ومصيرا مجردا من كل صيغة تنظيمية، تاركاً الناصرية وكانت في أوجها، أي قبل هزيمتها عام 1967.
بعد أن اهتديت إلى الإسلام في سوريا لم تتكون لدي أي تجربة عملية في التحرك به، فلم أنضم إلى أي حزب ولم أمارس أي عمل دعوي، واقتصر نشاطي على محاولة استيعاب معظم ما كتب في الفكر الإسلامي الحديث.
فخلال السنتين اللتين قضيتهما في سوريا بعد ذلك (1966-1968)، بعد تعرفي على الإسلام مجدداً، اقتصرت على النشاط الفكري تعمقاً في دراسة الفلسفة واستيعاباً لما كتب محمد إقبال والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب والبنا والسباعي ومالك بن نبي والندوي، إلى جانب دروس في الحديث والتفسير والفقه. وليس صحيحاً ما قيل عن انضمامي إلى الإخوان في سوريا.
كنت قد دعيت لأكثر من تنظيم، بما في ذلك الإخوان، ولكني اعتذرت لا لمانع عندي في الانضمام إلى الإخوان، ولكن لعدم رغبتي حينها في الانتماء لأي حركة هناك على اعتبار أني لم أكن مستقراً في سوريا، ولو كنت مستقراً فيها لربما انخرطت في الإخوان.
فباعتبار أني راجع إلى بلدي ولا أدري ماذا يوجد فيه من نشاط إسلامي لم أر مناسباً أن أدخل على بلدي بالتزام تنظيمي، بل أردت أن أدخل فقط بتوجه فكري وهناك أتفاعل مع الساحة التي قد أجد فيها تنظيماً أنضم إليه.
وبالرغم من رفضي الانتماء لأي تنظيم أو حزب إلا أنني تعرفت في سوريا على كل الاتجاهات، على الإخوان وحزب التحرير وجماعة الصوفية وجماعة السلفية، ورغم أني طفت على كثير من حلقات المشايخ إلا أن حلقة الشيخ المحدث الكبير ناصر الدين الألباني رحمه الله هي التي شدتني إليها فقضيت في حلقته أكثر من سنة وتأثرت بمنزعه في تحقيق الحديث و بتطهيره الإسلام من الخرافات، وكان مدخلي إلى ابن تيمية وابن القيم.
فهذا العنصر ظل في تكويني ثابتاً. لقد اقتنعت ابتداءً بالمنهج السلفي ولكن لما رجعت إلى البلد أعدت النظر تدريجيا بعد تجربة في ما عليه هذا المنهج من صرامة وشكلانية ونظر جزئي أحيانا، هذا التوجه الذي لا يرقى إلى النظرة الشمولية ولا يمكن أن يتفاعل مع بيئة وريثة لتقليد مالكي أشعري صوفي ولثقافة ممعنة في الحداثة، واقتصرت منه على الجوانب العقدية بما تتسم به من صفاء بعيد عن التخريف والجدل الكلامي إلى جانب منهج التحقيق الحديثي في تناول الآثار الإسلامية".

إلى جامعة السوربون بفرنسا

يحكي عن ذلك فيقول:

"ذهبت مباشرة بعد انتهاء دراستي في سوريا صيف 1968 إلى فرنسا لمتابعة دراستي العليا في الفلسفة، وكانت إضرابات الطلاب التي تفجرت في 3/5/1968 قد انتهت منذ أشهر قليلة، ولم أكن قد رجعت إلى تونس منذ خرجت منها مخافة أن تمنعني السلطات من المغادرة لأنني ذهبت للدراسة بمبارة مني رغماً عنها، إذ كان الاتجاه إلى المشرق للدراسة ممنوعاً بعد أن غُربت تونس على إثر الاستقلال.
لقد تعرفت في باريس على جوانب من حياة الطلبة الوافدين من شمال أفريقيا، وخاصة الجانبين الفكري والاجتماعي. أما فيما يتعلق بالجانب الفكري، فكنت أتردد على المقاهي التي كان الطلبة يجتمعون فيها في شارع سان ميشال بالحي اللاتيني (صار يطلق عليه اسم شارع الطلبة) وخاصة في مطعم مشهور لطلبة شمال أفريقيا، في رقم 51 من نفس الشارع، كانت تدور فيه وفي المقاهي المجاورة الحوارات حول قضايا الفكر والسياسة بين الاتجاهات الطلابية المختلفة، ولم يكن في حينها في الحياة الطلابية أي توجه إسلامي.
وكان الطلبة التونسيون شيوعيين على اختلاف اتجاهاتهم أو قوميين عرباً بعثيين وناصريين، وكان التوجه الإسلامي هو الغريب. حضرت كثيراً من المناقشات وكثيراً من الندوات، وخاصة حول القضية الفلسطينية التي كانت مطروحة بقوة في باريس يومئذ.
وكان اليسار يتصدر معارضة النظام البورقيبي وتأييد قضايا الثورة على الاستعمار. لقد كان من بين المحاضرات العامة في الشأن السياسي محاضرة ألقاها مؤرخ فرنسي هو الأستاذ فانسان مونتوي بقاعة الصداقة انتصارا للقضية الفلسطينية.
كانت الحياة الطلابية عامة محكومة بالفكر اليساري ولم أتعرف على فكر أقصى اليمين إلا من خلال جريدة محدودة الانتشار la Nation كنت قد اشتركت فيها بسبب مناصرة للقضية الفلسطينية ومعركتها مع الصهاينة فزرت وأحد الأصدقاء أحببته الأخ حميدة النيفر رئيس تحريرها في بيته وأعجبنا بأطروحاته إلا أننا صدمنا بموقفه الرافض لاستقلال الجزائر فكان اللقاء الأول والأخير.
بعد نقاشات طوال سنة 1959 تكونت نواة صغيرة من عدد من الطلبة التونسيين، كان منهم الأستاذ حميدة النيفر، الذي كان متقدماً علي في الدراسة في سوريا حيث كان ناصرياً وسبقني إلى فرنسا التي بدأت فيها شكوكه في التوجه القومي وانتهى به المطاف إلى التوجه الإسلامي، غير أن التزامه العملي تأخر إلى حين عودته الى تونس.
ومنهم أحمد المناعي مؤلف كتاب شهير عن ابن علي صدر عام 1995، وكان طالباً أيضاً في الدراسات العليا. وكان منهم طالب آخر في كلية الزراعة وآخر في كلية الفلسفة هو الأخ حسن الغضبان. كنا خمسة طلاب تونسيين، ربطتنا صداقة حميمة، بعضهم بدأ يصلي وبعضهم اقتنع بالفكرة الإسلامية ثم بعد ذلك التزم بها. وكان هذا بالنسبة إلي مجالاً آخر موازياً لحياة المسجد التي تمثلت في علاقتي بجماعة التبليغ، وهي العلاقة البعيدة عن كل نقاش وجدال وإفحام بالدليل، كانت بالنسبة لي المحضن الآمن.
كانت حواراتي مع الطلبة وخاصة التونسيين منهم تدور حول هزيمة العرب يومئذٍ في حزيران (يونيو) 1967، وحول ثورة الطلبة في باريس عام 1968، وحول ما كان يجري في تونس. لقد بدأت الثقة بالتوجه القومي تهتز إثر هزيمة الناصرية وبدأ عدد من أفراد هذه المجموعة من ذوي التوجه القومي يضعون علامات استفهام حول مصداقية وصحة التوجه القومي، أما بعضهم فاقتنع بالطرح الإسلامي خلال تلك الفترة، وبعضهم وصل إليه من بعد.
أما أنا، فلقد سبق انفصالي عن التيار القومي العلماني والتحاقي بالتيار الإسلامي هزيمة 1967 كما ذكرت، فقد كنا في التيار الإسلامي يومئذ نراها رأي العين قادمة لا محالة، بينما كان زملاؤنا القوميون يمنون أنفسهم بقضاء صائفة 1967 على شواطئ تل أبيب مع بنات اليهود.
أما المشكل الاجتماعي فكان يتمثل في الصعوبات التي يعيشها الطلبة، لا سيما غير الحاصلين على منح دراسية، وكان أهلهم فقراء مثلي. فهؤلاء كانوا يلاقون عنتاً شديداً لتوفير الحد الأدنى من المعاش، معظمهم كان يشتغل في الحراسة الليلية للفنادق والمصانع، فتلك كانت أقرب المهن إلى الطلبة على اعتبار أن الطالب يستطيع أن يذاكر وهو يمارس الحراسة ويستطيع أن ينام بعض الوقت إذا كان مكان الحراسة مناسباً، وهي وظيفة لا تحتاج إلى جهد عضلي.
ولكني لم أكن محظوظاً، إذ لم أحصل على فرصة للعمل في الحراسة رغم شدة رغبتي فيها. فتنقلت بين مهنٍ كثيرة كمهنة التنظيف ومهنة توزيع مناشير الدعاية للمؤسسات، وتلك كانت تتطلب أن يجول المرء أحياء كثيرة من أجل أن يسقط أوراق الدعاية هذه من خلال فتحات صناديق البريد وفي أبواب البيوت وكثيراً ما كان ذلك يتم تحت زخات المطر ولسعات البرد، وكان حذائي أحياناً مثقوباً تتسرب منه المياه فتجمد أصابعي.
وكان المشرف على التوزيع فرنسياً بائساً لا يجد حرجاً في أن يأمرنا بالاكتفاء بتوزيع قسم من المناشير الدعائية ثم إتلاف ما تبقى ورميه في نهر السين، فكان ذلك مصدر قلق وضيق وجداني بالنسبة لي.
ومن المشاكل التي واجهتني موضوع السكن، إذ تنقلت أثناء وجودي في باريس بين مساكن كثيرة، فالأحياء الجامعية كانت مقتصرة على الممنوحين، وبلغ بي الأمر أن كنت أحياناً أترصد بعض الطلبة حتى أنام عندهم، وفي ليالٍ كثيرة كنت أنتظر في الشتاء البارد إلى منتصف الليل حتى يأتي صاحب الغرفة فأنام عنده.
كما أن موضوع الأكل كان يمثل إشكالية أخرى، إذ كنت ملتزماً بأشد شرائع الإسلام في الطعام ولم يكن ذلك متوفراً بيسر يومئذ كما هو الآن، أضف إلى ذلك ما كان يشكله الجو الجنسي الإباحي على طالبٍ في مقتبل العمر من ضغط وتحد، حتى لقد خلت نفسي في بعض الأحيان كما رسمتها في بعض مذكرات تلك الفترة كأنني قلعة تكاد الريح تجتاحها من كل مكان من داخلها وخارجها.
ولقد كانت تلك السنة التي قضيتها في باريس أقسى سنة في حياتي. لقد كان الامتحان عسيراً، وكنت شديد الخوف من السقوط، ويشتد بي الهول عندما أتخيل نفسي وقد سقطت ولو لمرة واحدة كم سأحتقر نفسي بعد ذلك، وكم يغدو عبثيا عندئذً أن أقف بين الناس واعظاً. والحمد الله قد ثبتني الله وحماني من السقوط، ومرت المحنة بسلام".

من جماعة التبليغ والدعوة .. إلى الإخوان المسلمين

الشيخ راشد الغنوشي في حديث مع الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للاخوان

"وفي باريس، لم يكن للحياة الفرنسية أثر كبير على فكري وسلوكي، ربما بسبب حظ ساقه القدر لي إذ تعرفت فيها على جماعة التبليغ، التي وجدت فيها الحماية من الريح العاتية فضلاً عن كونها أضافت إلى تكويني بعداً لم يكن موجوداً.

إذ أن هذه الجماعة تأسس فرعها في باريس على يد مجموعة صغيرة من الباكستانيين أتت إلى باريس سنة 1968، وأسست نواة صغيرة من بعض العمال المغربيين وبعض الباكستانيين. وفي حيٍ فقيرٍ جداً، ومن منزل صغير لتاجر جزائري اسمه سي عبد القادر يقع في 15 شارع بال فيل Belle Ville اتخذ مكاناً للدعوة، كان منطلق تجربتي الدعوية الأولى.
ولما كانت المجموعة معظمها من العمال فقد جعلوا مني إماماً لهم على الرغم من افتقاري لأي تجربة في العمل الدعوي، وهناك اتبعنا طريقة جماعة التبليغ في الخروج للمساجد والشوارع والذهاب لمواطن العمال في أحيائهم وحتى في حاناتهم لدعوتهم إلى الإسلام، إلى إسلام بسيط متمركز حول الجوانب الروحية الدافئة كالصلاة الجماعية والذكر والتلاوة والأخوة وإكرام المسلم والتلطف مع المخطئين ومساعدتهم في حنان على التوبة.
وكم من مسكين غارق في الخمر تلطف الدعاة معه وهو يعبث بلحاهم أو يسبهم ولكنهم لا يزالون به حتى يتطهر ويتحول إلى داعية كبير. كانوا يقدمونني فكنت أنا المتحدث. لقد اندمجت وجدانياً وحياتياً مع هذه الطبقة المسحوقة من العمال المغاربيين، إذ عشت معهم في أحيائهم المعدمة ولمست عن كثب مدى شقائهم وأصالتهم، وكانت تجربتي الدعوية الأولى معهم التي التحمت فيها خلفيتي الريفية الفقيرة مع إرث الفكر اليساري الناصري مع هذا الإسلام الشعبي البسيط.

فهنا، في "حي بال فيل" و"درانسي" و"نانتير"، نزلت ثقافتي الإسلامية من برجها الفلسفي إلى مستوى وهموم هذه الفئة المسحوقة الملفوظة والمقتلعة من أرضها، فبدأت أتعلم الخطابة وتحولت من أستاذ فلسفة إلى مثقف إسلامي إلى داعية.

وتمت عملية التحول هذه على أيدي جماعة التبليغ بما تتميز به حياتهم من بساطة وتواضع وتركيز على الجانب الروحي من الإسلام وعلى اتباع السنن، وكان لهذا الجانب أثر في نفسي ظل ملازماً لشخصيتي. حتى أنني عندما عدت إلى تونس عدت بفكرٍ إسلامي سياسي إخواني مودودي وفلسفي لكن بتجربة عملية تبليغية، ولم يكن معي من منهج عملي للتحرك بالإسلام بعدما عدت إلى تونس غير منهج التبليغ.
ولذلك انعكست التجربة على أسلوب عمل مجموعتنا في تونس، إذ ظللنا ثلاث سنوات تقريباً على منهاج جماعة التبليغ نجتمع في المسجد لحفظ آيات من كتاب الله العزيز وأحاديث النبي عليه السلام، ثم ننطلق إلى المساجد ندعو الناس إليها من الشوارع المحيطة لوعظهم وترغيبهم في الصلاة والاستقامة وذلك بعيدا عن كل تأثير سياسي.
غير أن السلطة ما لبثت إلى أن أوقفتنا، بما فرض علينا إعادة النظر في هذا المنهاج العلني الصرف والبسيط وانتهينا إلى أنه لا يتناسب مع ظروفنا لأنه منهاج مفتوح لا سرية فيه إطلاقاً قد يتناسب مع ساحة عمل مفتوحة كالهند والباكستان وبلاد الغرب ولكنه لا يتناسب مع بلد محكوم بنظام الحزب الواحد المتطرف في فرديته وعلمانيته. فكيفنا وضعنا بحيث يشتمل على تثقيف شعبي علني وعلى تكوين تنظيمي سري، ومن هنا بدأت حاجتنا للاستفادة من منهاج الإخوان وتجربتهم".

مسجد باريس

كانت إقامتي في باريس تجربة مريرة وغربة حقيقية لأن الإسلام كان يومئذ غريباً تماماً. كانت الأقلية الإسلامية، ولم يكن هناك سوى مسجد وحيد هو المسجد المركزي في باريس الذي تأسس منذ العشرينات مكافأة لجهود عشرات الآلاف من جنود شمال أفريقيا الذين حرروا فرنسا من الاحتلال الألماني.

غير أن هذا المسجد الوحيد كان تحت سيطرة رجل من أصل جزائري يسمى حمزة أبو بكر يعتبر من المنظور الوطني الجزائري خائناً، إذ كان نائباً عن الصحراء في الجمعية الوطنية الفرنسية خلال استعمار فرنسا للجزائر.

حاولت أن أقوم بنشاطٍ في المسجد فمنعني، وكان له أعوان عبيد من الصحراء يضربون كل من يسلطهم عليه، وكان يشاع أنه يوجد تحت المسجد كهف يهدد بالإنزال إليه وتعذيب كل من ناوأه، وأنا نفسي كنت مهدداً بالضرب والطرد بسبب مشاركتي كعضو قيادي في الجمعية الطلابية الإسلامية، التي كانت تتألف من مجموعة صغيرة من طلبة الجامعة مقرها في المسجد نفسه.

وكان يرأس الجمعية طالب إيراني تعرفت من خلاله على فكر "بازركان" وعلى فكر الإمام الخميني، وقد كنت أعين الأخ الإيراني "فخري" في ترجمة خطب الخميني من الفرنسية إلى العربية، وما كنت أعلم يومئذ شيئاً عن الخميني حتى اندلعت ثورته وزرته في باريس في شتاء 1979 في نوفال لوشاتو.

وإن مما يلفت النظر أن ذلك الطالب الإيراني الذي اخترناه لرئاسة جمعية الطلبة المسلمين بفرنسا كان الإيراني الوحيد، وكان شديد التدين على المذهب الجعفري، وما اعترض أحد على تشيعه أو أثار هذا الموضوع جدلاً أو شكل عائقاً أو مصدر حرج لاختياره لموقع الرئاسة في جمعية كل أعضائها سنيون شدهم إليه تدينه وكفاءته.

فهل يتصور اليوم أحد إمكان حدوث ذلك في أي جمعية أو هيئة سنية أو العكس، بأن يقدم سني ليترأس جمعية قاعدتها من الشيعة؟ فماذا دهى المسلمين؟ ولماذا هم يمشون القهقرى في بعض مساراتهم؟ العالم ينفتح وهم ينغلقون؟ العالم يتوحد وهم يزدادون تفرقا وإمعانا في التطرف وهو منبع وسند التشقق؟

لم يلبث حمزة أبو بكر أن طردنا في النهاية من المسجد، فوجدنا مكاناً صغيراً في الحي اللاتيني أجرناه مقراً للجمعية التي كنت أمينها العام. وكنا نعقد ندوةً مساء كل سبت، وكان يأتي إليها مجموعة من الطلبة (حوالي 15 طالبا).

وكان الدكتور العلامة محمد حميد الله يأتينا كل سبت ليلقي علينا كلمة مدتها تتراوح بين ربع ساعة إلى عشرين دقيقة حول موضوعٍ إسلامي، وهو حفظه الله لا يزال على قيد الحياة بارك الله في عمره، وهو الآن في التسعينات من عمره، ولا شك أنه من كبار علماء الإسلام المعاصرين، إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق، وقد ترجم معاني القرآن إلى الفرنسية.

ومن أهم ما ألف كتاباً في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفرنسية في جزأين، كان أهم مراجعي في دروس السيرة النبوية (نبي الإسلام le Prophet de L’Islam)، إلي جانب كتب كثيرة أخرى أهمها الوثائق السياسية والإدارية في العهد النبوي ومدخل إلى الإسلام Introduction a L’Islam))

كانت هذه السنة على قصرها غنية بالتجربة والثقافة، ومارست خلالها حياة عملية إسلامية تمثلت أساسا في نشاطٍ إسلامي مع العمال، تلك الفئة المسحوقة في قاع المجتمع الفرنسي في ضواحي باريس الفقيرة جداً. وكنت معظم السنة قد عشت معهم إذ كان فيهم بعض أقاربي وأبناء بلدي، وكنت عندما يضيق بيَ الحال ولا أجد من يؤويني أذهب إلى بعض أصدقائي العمال.

وكانت الأسرة صغيرة، والسرير الواحد ينام عليه شخصان في غرفة تؤوي عشرين من العمال. وكان جزء من حياتي ضمن نواة من الطلبة الإسلاميين بعضهم إيرانيون وبعضهم مشرقيون، كنا نخوض المناقشات مع مجموعات من الطلبة في الإطار الثقافي والسياسي العام، وما تبقى من الوقت فهو للجامعة التي كان لها الحظ الأصغر من الوقت.

كنت أذهب إلى الجامعة حيث بدأت أعد أطروحة حول التربية بإشراف أستاذ اسمه سندراس، وكان موضوع الأطروحة منهاج التربية في القرآن. وكان ذلك يقتضي إشراف أستاذين، أستاذ مختص في التربية وأستاذ مختص في الإسلاميات. بدأت خطواتي الأولى في إعداد الأطروحة.

عودته إلى تونس

يقول عن عودته:

"ولكن بعد سنة ونيف جاء أخي الكبير الحاج المختار رحمه الله إلى فرنسا بعد أن بلغه أني كنت أتنقل مع جماعة الدعوة والتبليغ بين أحياء العمال. وبعض هؤلاء العمال كانوا من قرى الجنوب فنقلوا هذه القصة إلى عائلتي التي هالها الأمر، فابنهم الشاب غادر البلاد عصرياً «مودرن» وكان منتظراً أن يرجع أكثر عصرية، فإذا به يبلغهم من أخباره أنه انتهى إلى شيخ سائح في الأرض فخشوا أن يكون قد أصابني جنون، فأرسلوا لي كبير العائلة لإنقاذي!
وكان الناس في ذلك الوقت ينظرون إلى السلوك الإسلامي على أنه سلوك أهبل، فمجرد رؤية شاب مثقف وقد أعرض عما هو معتاد في مناخات التحلل وأقبل على الالتزام بتعاليم الإسلام وتحول إلى داعية كان ذلك مثيراً للسخرية والاندهاش إلى درجة الشك في سلامة عقله فقد يكون قد اعتراه قدر غير قليل من الجنون أو الهبل وأنه يحتاج إلى علاج قبل فوات الأوان.
لذلك جاء أخي بقصة مرض والدتي وقد مضت خمس سنوات على مفارقتي لها، وهول لي الأمر لا لشيء إلا لأجل أن أرجع عن هذا "الهبل" حسب عرف تلك الفترة. والحقيقة أنني كنت أوشك على المضي في سبيل أخرى، فجماعة التبليغ هؤلاء يطلبون ممن ينضم إليهم أن يسافر إلى الباكستان مدة أربعة أشهر، وإذا كان مثقفاً، وهم يسمونه عالماً، فإنه يحتاج إلى سبعة أشهر من أجل تأطيره التأطير الكامل، فيعيش بينهم في الباكستان.
وبينما كنت أهيئ نفسي للسفر إلى هناك ظهر شقيقي فجأة فحوّل وجهتي مرة أخرى أيضاً كما حصل في مصر حينما كنت أهم بالسفر إلى ألبانيا فصادفت من حولني عنها إلى سوريا، «وإليه يرجع الأمر كله».
وكانت النية أن أذهب لزيارة والدتي خلال شهر وأعود ولذلك تركت أشيائي في باريس. وكانت عودتي عبر الأندلس فمررت بقرطبة وزرت المسجد الكبير، وكان لذلك أثر كبير في نفسي، إذ بكيت بكاء مراً، وحتى أخي رغم عدم التزامه مع أنه كان حافظاً لكتاب الله إلا أنه بسبب المناخات العلمانية في الخمسينات والستينات ترك الصلاة.
عندما وقف في مسجد قرطبة انفجر من أعماقه يبكي بكاء الثكلى. ومنذ تلك اللحظة عاد إلى الصلاة ولم يتركها حتى توفاه الله. وأذكر أنني لما وقفت لأصلي في المحراب جاء قسٌ ليمنعني فغضبت غضباً شديداً وكنت مستعداً لأن أقاتله، فتركني وشأني أؤذن في المسجد وأصلي في المحراب.
وبعد ذلك مررنا على الجزائر والتقيت بمالك بن نبي، وكنت أمني نفسي بلقائه بما عرف به من عقلانية وقدرة على التحليل الاجتماعي والتاريخي، وقد قرأت له ما شوقني لمقابلته. وكان للقائي به تأثيرٌ كبير في نفسي وفي مجموعتنا التي ستنشأ.
وستتكرر رحلتي إلى الجزائر في السنوات الموالية مع جمع من الإخوة ثلاث مرات لحضور مؤتمرات الفكر الإسلامي وأساسا لحضور ندوات مالك بن نبي التي كان يعقدها في بيته رحمه الله. وقد كان لذلك اثر بالغ على الحركة الإسلامية التونسية التي ربما تكون قد أفادت من إرث الرجل أوفر من أختها الجزائرية التي ربما تكون قد تمشرقت أكثر من اللازم.
وأذكر أنه في إحدى الندوات سأله أحد تلاميذه هل يمكن للجزائر وقد استقلت وأسست التعليم الأصلي وجامعة الأمير عبد القادر أن تحل محل تونس مركزا حضاريا أساسيا في المنطقة؟ فأجاب الحكيم: إن المراكز الحضارية الكبرى في تاريخ كل حضارة لا تقوم ولا تختفي في يوم، فكان ذلك تشجيعا أيما تشجيع لنا".

واقع تونس بعد عودته

يقول عن ذلك:

"عدت إلى البلاد وكانت التجربة الاشتراكية تحتضر، والتغريب قد بلغ مداه حتى قدر أهل الفكر العلماني أنه إقلاع بلا عودة. ولأول مرة بعد زيارة أهلي في الجنوب مررت في طريق عودتي إلى باريس بجامع الزيتونة بعد أن استيقن أشقائي بما يمثله أسلوبي الذي باشرته في نقد الأوضاع علنا من خطر على العائلة وعلى نفسي أن الأصلح لي وللعائلة العودة من حيث أتيت فأنا في تقديرهم لم أعد أصلح لهذه البلاد ولا هي تصلح لي، ولن أجد بهيأتي هذه حتى امرأة تقبل أن تكون زوجة لي.
فسافرت إلى العاصمة وكانت مفاجأتي كبيرة أن رأيت حلقة تدريس تضم شيخاً اجتمع حوله بضعة عشرات من الصبية وبعض المسنين. ولفت نظري وجود شاب كان ظاهرة شاذة حسب تقديراتي، تعرفت عليه فقادني إلى حلقة لجماعة التبليغ أنشأها الباكستانيون منذ سنة تضم خمسة أنفار يقومون بالدعوة.
كان من بين الخمسة شاب معمم هو الشيخ عبد الفتاح مورو، وعرفت أنه كان طالباً في كلية الحقوق. كان تعرفي على تلك الحلقة وعلى الشاب الشيخ قد أعاد لي الأمل أن الخير لم ينقطع في هذا البلد المنفلت، فانضممت إليهم، وانطلقنا نتواعد كل أسبوع على دعوة الناس إلى المساجد وتعليمهم الصلاة. وانصرفت عن العودة إلى باريس، ورأيت أن الواجب الأوكد هو متابعة هذا العمل. وسرعان ما باشرت مهنتي كمدرس فلسفة في صف البكالوريا، فكان ذلك حقلاً آخر لنماء الشطء الجديد لزرع الإسلام".

مدرس فلسفة للبكالوريا

يقول عن تلك المرحلة من حياته:

"كنت أدَرّس الفلسفة لطلبة البكالوريا وكانت الفلسفة في سنة البكالوريا ذات أهمية كبيرة إذ كانت علاماتها تضاعف ست مرات وكانت تأخذ سبع ساعات في الأسبوع في أقسام الآداب، وكان المنهاج مؤسساً ليس على الفلسفة الغربية في جملتها وإنما على فرع منها هو الفلسفة المادية في أبعادها الماركسية والفرويدية والداروينية والدوركايمية والوجودية والبنيوية. وكان واضع المنهاج هو مفتش الفلسفة الأستاذ الكرايس، وهو ماركسي عرف عنه تعاونه مع بعض الفرنسيين الماركسيين.
وكانت مادة الفلسفة تستهدف وضع اللمسات الأخيرة على الطالب قبل أن يذهب للجامعة حتى يصبح هناك مناضلاً ماركسياً شاكاً في كل القيم الدينية، وشاكاً في التاريخ الإسلامي وفي العقائد وفي كل القيم المطلقة عدا المطلق المادي، مولهاً بالثورات والنماذج الغربية، سيئ الظن بالإسلام وتاريخه، وغالباً ما ينتهي مستهتراً بهما، ملحداً مرتداً عن الإسلام، وعدواً له محاربا.
وكنت قد كتبت مقالاً اشتهر في حينه نشرته أهم صحيفةٍ يومية في تونس ثم نشر بعد ذلك في أكثر من كتاب، وكان المقال بعنوان «برامج الفلسفة وجيل الضياع»، اعتبرت فيه منهاج الفلسفة مسؤولاً عن جيل الضياع الموجود في تونس، ووجهت انتقادات عميقة للمنهاج وطرحت بديلاً له.
شعرت أنه لا بد للفكرة الإسلامية لكي تجد طريقها إلى الشباب من نقدٍ عميق لبرنامج الفلسفة، فكنت أقوم بذلك سواء في دروسي أو في الندوات التي كنت أنظمها خارج المدرسة أو في داخلها وفي مقالاتي ومحاضراتي التي غطت خلال عشرية السبعينات معظم المعاهد الثانوية والكليات، فضلا عن المساجد والنوادي. كان هذا هو العمل الرئيسي الذي ركزت عليه وإخواني مشروعنا الإصلاحي للبلاد .
كان للفكر الماركسي هيمنة كاملة على الثقافة والأدب وسائر العلوم الإنسانية ولا سيما الدراسات الفلسفية فكان لا بد من نقد الفلسفة المادية ، إضافة إلى فلسفة التاريخ كما أسسها هيجل ونحى بها ماركس منحى ماديا.
نقد فلسفة الديالكتيك في الطبيعة وفي التاريخ والمجتمع، أي صراع الطبقات، ونقد الفرويدية في تفسيرها للسلوك البشري من خلال الرغبات الجنسية المكبوتة، وكان لا بد من نقد الوجودية كما حددها سارتر في اعتبارها الإنسان الفرد مقياس كل شيء وفي نظرتها العبثية للوجود، وكان لا بد من نقد أسس علم الاجتماع كما حددها دوركايم التي تلغي في النهاية المسؤولية الفردية التي يقيم عليها الإسلام سلوك البشرية، والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة وهذا النقد كان ينبغي أن يستخدم نفس الأدوات العلمية، نفس الأدوات العقلية.
من أجل فتح الطريق أمام إعادة الاعتبار للنص الإسلامي الذي لا يمكن أن يأخذ مكانه في القلوب ما لم تطهر النفوس والعقول من هذه المطلقات، المطلق الجنسي والمطلق الاقتصادي وسائر أدوات التحليل التي اعتمد عليها الفكر الغربي، مطلقات مرجعية بديلة عن مرجعية الوحي العليا التي تمثل فضاء مفتوحا أكثر من كونها نقطة أو وصفة جاهزة وإجابات نهائية عن كل سؤال يطرح كما حاول بعض الإسلاميين المتشددين تصويرها قديماً وحديثاً.
وعندما أقرأ أحياناً لمفكرين حتى ولو لم يكونوا شيوعيين أفاجأ بأنهم يتحدثون عن الإسلام ويحاولون أن يفسروا الصحوة الدينية في العالم الإسلامي بما لا يكادون يخرجون به عن التحليل الماركسي وعن التحليل الاجتماعي القائم على علم الاجتماع الديني عند الغرب أو تفسير التدين عند فرويد وما ذاك إلا بسبب هيمنة الفلسفة المادية وما تولد عنها من رؤى على سائر مجالات العلوم الإنسانية.
ومن العجيب أن نرى الغرب الذي حارب الماركسية كنظام سياسي يعتمد مرجعية فكرية مقولاتها تحليلية مطلقة وذلك ما يجعل ماركس هو الغربي الحق أو هو الغرب مكثفاً، والماركسي الأكثر تغرباً هو الأكثرمركزة أوروبية من أي غربي آخر، وكأن الماركسية هي التأليف النهائي للفكر الغربي وهي ذروة العلمنة. فمن هنا لا مناص من نقدها.
لكن هذا النقد ككل نقد كان في مرحلته الأولى نقداً جذرياً راديكالياً لا يستبقي من المبدأ شيئاً، بل ينسف هذه المبادئ نسفاً، ثم ما لبث في المرحلة التالية أن أصبح أكثر اعتدالاً، فلم نعد نرفض فكرة تأثير العامل الاقتصادي في السلوك البشري، ومن هنا جاء التأكيد على العدل الاجتماعي وعلى محاربة الإسلام للفقر وعلى الانحياز "للمستضعفين" حسب التعبير القرآني الذي كشف عنه أعظم ثوري في القرن العشرين الإمام الخميني.
فالماركسية بعد أن نسفت من الأساس أعيد لها الاعتبار كعاملٍ من عوامل التحليل وليس باعتبارها قيمة مطلقة أو "دوغما"، وكذلك الأمر بالنسبة لللاشعور عند فرويد بمضمونه الجنسي، فهذا أيضاً أعيد له الاعتبار، بحسبان العامل الجنسي مؤثراً من مؤثرات السلوك. وأن الإسلام وخلافا لبعض الديانات، أولى أهمية كبرى للعامل الجنسي وارتقى بالنشاط الجنسي إلى مستوى العبادة عندما يمارس في الإطار المشروع أي الزواج.
كانت محصلة التحليل النقدي رفض هذه المبادئ باعتبارها قيماً مطلقة أو باعتبارها الحق المطلق والسبب الوحيد، مع الأخذ ببعض ما نوهت به من مؤثرات في السلوك البشري وفي التاريخ البشري. ففي حياة الإنسان عامة مؤثرات لا يمكن تجاهلها، منها العامل الجنسي والعامل الاقتصادي والعامل الاجتماعي، وليس من شأن دين الفطرة إلا الاعتراف بها والعمل على توفير أفضل الشروط لاشباعها بما يزكي إنسانية الإنسان ويرتفع بها إلى آفاق أعلى، لا بما يرتكس به إلى درك الحيوانية.
ومن هنا تأتي أهم إضافة أضافتها الحركة الإسلامية في تونس للفكر الإسلامي المعاصر، ألا وهي الانتقال في التعامل مع الفلسفة الغربية وكيفية النظر فيها من مرحلة النقد المطلق الذي يفقد هذه النظريات أي وجهٍ للصواب وأي وجهٍ للحق باعتبارها باطلاً محضاً إلى مرحلة الرفض النسبي أو التعامل الموضوعي، وهو ما أفسح المجال أمام إمكان قيام علاقات حوار وتفاهم وتعاون بين التيار الإسلامي والتيارات العلمانية: ليبرالية ويسارية، ومن ذلك الدفاع عن الحريات وعن مؤسسات المجتمع المدني وعلى استقلال المنظمة النقابية.
لقد غدت الحركة الإسلامية هنا تتعامل مع الفكر الغربي ومع الواقع من منطلق الرفض الإيجابي أو النقد الإيجابي، وليس النقد السلبي. فبعد أن رفضت تلك الأيديولوجيات باعتبارها مطلقات قبلتها باعتبارها نظرات جزئية للحق وأدوات جزئية مفيدة للتحليل، كقضية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق العمال وحقوق النساء. فما ينبغي أن نرفض فكرة لمجرد أنها تأسست على مرجعية فاسدة كالإلحاد أو بسبب ما صاحبها من غلو في النسبية وما رافقها من تحلل بل يجب وضع الأمور في ميزانها.
ولابد من الاعتراف بأنه كثيرا ما تعامل الفكر الإسلامي من موقع ردة الفعل مع الفكر الغربي. وإذا كان العلمانيون العرب قد قبلوا الفكر الغربي كمطلقات وإذا كان الماركسيون قد اعتبروا ماركس الناطق باسم الحقيقة، فقد حاول بعض الإسلاميين أن يرفضوا رفضاً بالجملة كل ما جاء من الغرب.
أظن أن منطق الإسلام هو ما ورد في الإية الكريمة «ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون» (المائدة 07) ومن معاني العدل النظر الموضوعي في كل ما يعرض والتعامل الإيجابي مع الإرث البشري كما تعامل ابن رشد وآخرون مع الفكر اليوناني فقبلوا ما رأوا فيه من حقٍ ينسجم مع الإسلام، ورفضوا ما فيه من باطل.
حصلت على شهادة الكفاءة في البحث من كلية الشريعة في تونس عام 1984، وكان موضوع الرسالة «القدر عند ابن تيمية»، وبعد ذلك بدأت أعد لرسالة الدكتوراه في موضوع الحريات العامة في الدولة الإسلامية الموضوع الذي أقض مضجعي طويلا. ولكن طالت المحنة ولم أجد فرصة لأقدم الموضوع في الجامعة. وجدت من بعد أن الموضوع تحتاجه الساحة الإسلامية، فرأيت أن أنشره في كتاب بغض النظر عن الألقاب والرسميات حتى لا تتعطل هذه الأفكار التي ألحت في طلبها الساحة وأقضت مضجعي طويلا".

تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي "النهضة"

في نهاية الستينات عاد الشيخ الغنوشي لتونس وبدأ نشاطه الدعوي وسط الطلاب وتلاميذ المعاهد الثانوية, الذين تشكلت منهم حركة الاتجاه الإسلامي المعروفة بالنهضة.

أسس الغنوشي لدى عودته حزب حركة النهضة.

وفي 27/12/1974 تم إجراء تعديل في الدستور التونسي، وأسندت رئاسة الدولة للحبيب بورقيبه مدى الحياة، ونظرا للتوترات التي شهدتها البلاد في السنوات الأولى، اضطر الحزب الدستوري الحاكم في تونس لإقرار مشروع التعددية السياسية سنة 1981، وقد بادر أعضاء الجماعة الإسلامية التي كان يتزعمها راشد الغنوشي إلى عقد مؤتمر عام، أعلنوا في ختامه عن حل الجماعة الإسلامية، وتأسيس حركة جديدة باسم حركة الاتجاه الإسلامي، وانتخب راشد الغنوشي رئيساً لها وعبد الفتاح مورو أميناً عاما، وتم الإعلان رسميا عن هذه الحركة في 06-06-1981، وتقدمت هذه الحركة الجديدة بطلب إلى وزارة الداخلية للحصول على اعتماد رسمي، ولكنها لم تتلق أي جواب من وزارة الداخلية، وقد صدرت وثيقتها التأسيسية في التاريخ نفسه، ولا زالت تعد المرجع الفكري لحركة النهضة .

أعيد انتخابه عام 2007 كأمين عام لحركة النهضة وبهذا يكون زعيم هذه الحركة منذ 25 عام.

المحن والابتلاءات

  1. محاكمته عام 1981 وقد حكم عليه بالسجن 11 عاما.
  2. محاكمته عام 1987 وقد حكم عليه بالسجن مدى الحياة.
  3. محاكمته غيابيا عام 1991 مرة أخرى بالسجن مدى الحياة.
  4. محاكمته غيابيا عام 1998 بنفس الحكم السابق.

بعد خروجه من السجن لجأ إلى الجزائر وبقي فيها هو وأنصاره إلى أن دخلت مرحلة الاضطراب ولذلك انتقل إلى ليبيا وبقي فيها شهرا وبعدها ذهب للسودان ومكث فيها بضعة أيام. وبعد ذلك طلب اللجوء للمملكة المتحدة وذهب إليها .

كما أنه مُنع من دخول الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا والسعودية وإيران.

من مؤلفاته

وقد ترجم بعض من كتبه إلى لغات أجنبية، كالإنجليزية، والفرنسية، والتركية، والإسبانية والفارسية.

دوره في القضية الفلسطينية

الشيخ راشد الغنوشي في مظاهرة لنصرة فلسطين
  • كان الغنوشي يحلم أن يساهم في تعبئة الطاقات وتنويرها نحو بيت المقدس، وله العديد من المقالات تأييدا للجهاد والمقاومة في فلسطين، وتأييدا لحركة المقاومة الإسلامية حماس، "وقد أشاد بأداء حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وبانجازاتها على الأرض.

وأكد أن مسارها في المقاومة حمى القضية الفلسطينية من مصير الضياع، الذي قال بأنمنظمة التحرير الفلسطينية قد دشنته بدخولها نفق المفاوضات. وأشار الغنوشي إلى أن "حماس" مثلما أنقذت المشروع الوطني الفلسطيني من الضياع الذي قادته إليه منظمة التحرير الفلسطينية شرعت كذلك للحركة الإسلامية.

وقال: "حركة حماس أعطت شرعية للحركة الإسلامية، صحيح أنها بنت للحركة الإسلامية ولكنها بنت مباركة، وهي إضافة نوعية لها، وجعلت من الحركة الإسلامية تؤوي أهم قضية وتحمل أشرف وأنبل راية راية تحرير المسجد الأقصى وفلسطين، وهذا شرف للحركة الإسلامية كلها، لأنه منذ ولدت القضية الفلسطينية كل من حمل رايتها قاد الأمة.

فهكذا هو حال جمال عبد الناصر الذي حملها فقاد الأمة ولما سقطت من يده حملها عرفات ولما سقطت من يده انتقلت الراية إلى الأيدي المتوضئة فأصبحت الحركة الإسلامية من خلال حماس تقود الشارع الإسلامي، وهي بذلك أعطت الشرعية للحركة الإسلامية".

وأوضح الغنوشي في تصريحات لوكالة قدس برس أن نهج حركة حماس في المقاومة أعاد الأمل للأمة الإسلامية، وأعاد الحياة للقضية الفلسطينية في نفوس الأمة. "

  • شارك في أسطول الحرية، وقال فيه:
"ولم يكن صدفة أن يؤقّت الصهاينة هجومهم على أسطول الحرية بصلاة الفجر رغم وجود غير مسلمين، ولكن من الواضح أن الإسلام هو العمود الفقري الذي يقود معارك الأمة الكبرى اليوم وفيما يستقبل، فهذا زمن الإسلام وحلفائه، وكأنّ مؤذّن الكون يؤذّن، فيشقّ صوته عنان السماء وينداح في الأرجاء، يؤذّن مع النبي نوح عليه السلام وسط الطوفان، مناديًا ابنه إلى سفينة النجاة {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِم} (هود: 41، 42)- منقول للإفادة.

عضوية المؤسسات الإسلامية

يعتبر الشيخ راشد الغنوشي:

  • من مؤسسي الندوة العالمية للشباب الإسلامي عام 1971.
  • أحد مؤسسي المؤتمر القومي الإسلامي، الذي يجمع بين التيار القومي العربي والتيار الإسلامي.
  • أحد مؤسسي حلقة الأصالة والتقدم، التي تعنى بالحوار الإسلامي المسيحي، والتي تضم عددا من كبار المفكرين الإسلاميين والأوروبيين والأميركيين.

ما بعد الثورة التونسية

عاد راشد الغنوشي إلى تونس بعد أكثر من 21 عاما من اللجوء السياسي ببريطانيا، و إستقبله بمطار تونس قرطاج الدولي أكثر من 20 ألفا من أنصار حركة النهضة. و أكد الغنوشي منذ عودته، على عدم نيّته الترشح لأي منصب سياسي، و أنه سيغادر رئاسة حركة النهضة في المؤتمر القادم.

أضواء على الحركة الإسلامية في تونس

البعث الإسلامي في تونس

يصفه الأستاذ راشد الغنوشي قائلاً:

"في الوقت الذي تغربت فيه الحياة بفعل السيطرة الاستعمارية على الاقتصاد والإدارة، وبضغط وإصرار من السلطة الاستعمارية، ظلت المعاهد الدينية قائمة على المناهج القديمة لم يدخل عليها تحديث لا في لغتها ولا في مضامينها، وظل الفقه يدرس كما كان يدرس سابقاً، يطرح مشكلات لا وجود لها في الواقع، مشكلات هي غير مشكلاتنا، أما المشكلات التي فرضها الاستعمار وأصبحت واقعاً فلا يتطرق إليها.
ونتج عن ذلك انفصال بين الدين والحياة، فبينما تغربت الحياة ظل الدين منغمسا في التاريخً، فكأنما الشباب الذي يدرس في المعهد الديني يقوم بجولة في متحف تاريخي لا يزوده بأي نورٍ يهديه في حياته، ولا يبين له كيف يعيش إسلامه في حياة قد تغرّبت. كانت الدروس مملّة، وكان الذي ينتمي إلى المدارس الدينية إنما يفعل ذلك لأنه لا يجد مكاناً يدرس فيه غير هذا المكان، أو لأن والده دفعه لهذه الدراسة، أو لأنه يدرس حتى يمتهن مهنة لا للاستنارة والفهم، فقد كان معظم الطلبة ريفيين فقراء.
هكذا كان حال الزيتونة رغم ما قام به الشيخ الطاهر ابن عاشور وأصحابه رحمهم الله من جهود كبرى لتطوير التعليم في الجامع حتى يكون هو إطاراً للتحديث. لقد كانت تلك تجربة طريفة، لو تم لها الاستمرار ووجدت الدعم لكان مصير تونس غير هذا المصير، ولَتم تحديثها ولكن في الإطار العربي الإسلامي، ولكن التقت إرادة المستعمر الفرنسي مع حزب الدستور خليفته لإجهاض ذلك المشروع إلحاقاً لتونس بفرنسا وتضحية بالإسلام والعروبة. وأعتقد أن إجهاض مشروع التحديث في إطار عربي إسلامي كان أهم بند سري في صفقة الاستقلال، وهو ما سيكشف عنه مستقبل البحث.
ولذلك لم تكن الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس من ثمار جامع الزيتونة، بل لم يكن للجامع دور يذكر في نشأتها. كانت الحركة الإسلامية إلى حدٍ كبير انعكاساً لأثر الفكر الإصلاحي في المشرق، ولم تكن امتداداً لمنهج التعليم الذي كان سائداً في جامع الزيتونة.
لقد قامت محاولات كبيرة لتحديث التعليم في جامع الزيتونة منذ بداية القرن، فقد زار الشيخ محمد عبده تونس في عام 1905 والتقى بالشيوخ وشجعهم على التحديث، أي على نقل الحداثة لجامع الزيتونة من حيث تدريس العلوم الحديثة باللغة العربية.
وتشكلت لجان هامة للإصلاح كان يشرف عليها الشيخ المجدد محمد الطاهر بن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير وكتاب مقاصد الشريعة، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ولكن فرنسا كانت حاسمة في القضاء على المشروع فحالت دون تواصله حتى ينتهي إلى غايته في تحديث شامل للبلاد على أساس إسلامي، فحاصرت المشروع وهمشته من خلال فرنسة الإدارة ثم من خلال ما زرعته من مؤسسات تعليمية فرنسية موازية خريجيها بكل حظوة فجعلت لهم امتيازات في الوظائف، وهكذا تغربت الحياة جملة.
لقد خرجت فرنسا جيلاً غَرّبَ الحياة وغَرّبَ الإدارة والثقافة، بينما ظل جامع الزيتونة مشرّقا،فاختنق وبدأت أكفانه تنسج منذ دخلت فرنسا إذ صار خريجوه لا يجدون أعمالاً لأن الحياة أصبحت كلها تُدار باللغة الفرنسية، ولذلك كان من يرغب منهم في مواصلة تعليمه يذهب إلى المشرق، رغم أن البرامج التي كانت تدرس في المعاهد الفرنسية في ميادين العلوم كانت نفسها تدرّس في جامع الزيتونة بعد الإصلاح بما في ذلك الرياضيات والعلوم الطبيعية والجغرافيا والتاريخ، مع فارق أن هذه البرامج كانت تُدرّس في المعاهد الفرنسية بلغة فرنسية مؤطرة بإطار غربي بحيث كان الخريج منها يحمل منظوراً عاماً للحياة وللحضارة والتاريخ من وجهة نظر غربية.
وبالمقابل كانت المواد نفسها تدرّس في جامع الزيتونة باللغة العربية ولكن دون أن تكون مؤطرة بإطار إسلامي كاف، فكان الخريج ممزقاً بين ثقافة لا تزال غاية في التخلف وبين ثقافة حديثة مفصولة عنه. ولذلك كانت المهمة الأساسية للحركة الإسلامية هي الوصل بين هذين الجانبين، بمعنى القبول بالعلوم الحديثة وتأطيرها في إطار إسلامي بحيث يتخرج الفرد في الحركة الإسلامية الحديثة وهو يحمل مفهوماً جديدا ومعاصراً للمجتمع الإسلامي.
بينما خريج جامع الزيتونة لم يكن عنده مفهوم عن المجتمع الإسلامي سوى ما قرأه وسمعه عن المجتمعات الإسلامية التقليدية، فلم يكن يعرف معنى للاقتصاد الإسلامي، بل لم يكن هذا المفهوم قد دخل جامع الزيتونة إطلاقاً، ولم يعرف مفهوم الدولة الإسلامية ومؤسساتها وعلاقتها بالدولة الغربية المعاصرة، ولا مكانة المرأة ولا التعددية ولا الفنون والآداب، ولا نظرة الإسلام للغرب وفلسفاته ونظمه في الحياة وقيمه وفنونه، ولا رؤية الإسلام الفلسفية للإنسان والحياة والعلاقات الدولية.
لقد كان طالب العلم في جامع الزيتونة ممزقاً، يعيش حياته في إطار غربي ويتلقى العلم في إطارٍ عربي قاصر لا يعطيه منظوراً لمجتمعٍ بديل، فكان ينجذب بطبيعة الحال إلى نموذج الحياة الغربي الذي يؤطره والحياة كلها، فيعيش في حالة اغتراب وتمزّق تدفعه إما إلى الهرولة للانخراط الأعمى في الحياة الحديثة أو إلى محاولة التمرد اليائس.
نشأت الحركة الإسلامية لتجيب على مثل هذه الأسئلة الكبرى، حول الوجود، وحول التاريخ، وحول الدين ونظام الحياة، والموقف من الحداثة، والمسألة الفلسطينية، والعلاقة مع الغرب والموقف الغربي من الإسلام، والمستقبل العربي. فمثل هذه القضايا لم تكن مطروحة في التعليم الزيتوني. ثم بعد أن شبت الحركة الإسلامية على الطوق أخذت تراجع نفسها وتحاول أن تُجَسّر العلاقة بينها وبين جامع الزيتونة الذي كانت البورقيبية قد أحدثت بينه وبين الحياة الحديثة قطيعة تامة.
بدأت الحركة الإسلامية تبحث في جامع الزيتونة عن جوانب التجديد لتؤصّل نفسها في إرث البلاد، كان ذلك في الثمانينات. وأذكر أن أول ما قرأته لابن عاشور وهو أهم رمز للثقافة الإسلامية في تونس الحديثة كان في الثمانينيات، ولم أكن قبل ذلك قد قرأت كتاباً إسلامياً تونسياً واحدا، بما في ذلك الكتاب المرجع لنواة فكرة الإصلاح "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك"
بل كل الذي قرأته من قبل كان كتابات مشرقية، هي التي فتحت لي الطريق إلى الإسلام، ولكنها أوقعتني في قطيعة مع تراث الإسلام المحلي ومع تراث تجربة التحديث العريقة في تونس والتي بدأت بمنطلقات وغايات إسلامية منذ منتصف القرن التاسع عشر سعيا لإنقاذ البلاد من مخاطر التفوق الغربي المهدد لها بالاحتلال وذلك عن طريق تحديث الإدارة بالحد من السلطان المطلق للحاكم وتحديث المؤسسة الدينية لتضم إليها العلوم الحديثة.
غير أن ميزان القوة الدولي كان قد مال كليا للطرف الآخر فلم يسمح لهذه العملية أن تصل إلى غايتها فتم التآمر على رائدها الوزير خير الدين التونسي فأبعد وجماعته من أجل فرض فتح أبواب البلاد أمام الاحتلال، ورغم أن مشروع الإصلاح وقعت محاولة استئنافه واستؤنف المشروع في العهد الاستعماري إلا أن المحتل صمم على إجهاضه وتواطأ في ذلك كما حصل في المرة السابقة مع النخبة المتغربة من أبناء البلاد التي سلم إليها زمام الحكم والقيادة عندما اضطر للرحيل مؤثرا الضرر الأصغر.
وأغرب ما في الأمر أن خلفاء فرنسا هم الذين أجهضوا بعون الدولة تجربة التحديث الإسلامي لصالح سياسة الالحاق الحضاري للغرب، ادعوا لأنفسهم وراثة الحركة الإصلاحية التي قادها خير الدين وهم في حقيقة الأمر إنما استمدوا جانبا كبيرا من مشروعية سلطتهم من القضاء عليها فانقلبت على أيديهم تجربة الإصلاح تغريبا مناوئاً للإسلام متحرشاً به ناظراً إليه على أنه عقبة في طريق التقدم، وذلك بعد أن استولى العلمانيون على الحركة الوطنية وعلى تجربة التحديث وعلى البلاد جملة، وعملوا على تهميش الإسلام كلياً دون أن يتنازلوا عن مهمة الإشراف عليه واحتكار الحديث باسمه كما فعل الكماليون في تركيا أو أسلافهم في فرنسا مع المسيحيين، فكان ذلك غاية في النفاق والخبث".

ما اختصت به الحركة الإسلامية في تونس

يتحدث عن تلك الخصوصية الدكتور راشد الغنوشي قائلاً:

"للحركة الإسلامية التونسية خصوصية تميزها بعض الشيء عن غيرها، وقد حاولت في ورقة لي بعنوان «الأصول الفكرية لحركة الاتجاه الإسلامي»، أن أجيب عن سؤال «لماذا تبدوا الحركة في تونس متميزة ولها بعض الخصوصية؟ ومن أين تأتي هذه الخصوصية؟
وكانت الورقة تعقيباً قدمته في ندوة نظمتها سنة 1984 جمعية الأمم المتحدة بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية، وكانت خلاصتها أن الحركة الإسلامية في تونس ذات خلفية فكرية متنوعة تداخلت فيها في محصلة التحليل عناصر ثلاثة: التدين التونسي التقليدي المؤسس على التصور أو المذهب المالكي، والثقافة الإصلاحية المشرقية، والثقافة العقلانية الحديثة.
إن التحديث الذي حصل في تونس وأصبح واقعاً كان له تأثيره بلا شك، رغم أننا في المرحلة الأولى من دعوتنا (1969-1979) كنا في حالة رفض للمجتمع القائم، أي للبورقيبية بكامل أبعادها، وللتدين التقليدي لصالح التدين الإصلاحي المشرقي الوافد الذي حملناه إلى البلاد فاصطدمنا مع المجتمع في كل أبعاده، اصطدمنا في مجتمع الحداثة المتغربة مع النخبة المتغربة وعلى رأسها الشيوعيين باعتبارهم الأكثر تغرّباً، واصطدمنا في المجتمع التقليدي بمشايخ جامع الزيتونة.
وهذا الصدام في النهاية كان لا بد أن يفضي إلى أحد أمرين: إما أن نهمَّش أو أن نقلب المجتمع كله بأن نفرض عليه هذا الوافد، وما كان هذا ممكناً، فالمجتمع أصلب من أن يكون عجينا نطوعه لبضاعة وافدة. إن الذي حصل كان نوعاً من الأخذ والعطاء، من الزواج أو الوفاق، أفضى في نهاية السبعينات إلى نشأة حركة نقدية للفكر المشرقي، وخاصة لفكر سيد قطب رحمه الله، ممثلاً في موضوع جاهلية المجتمع وفي مسألة مفاصلته، واعتبار أن الجماعة هي الأمة الإسلامية وأن بقية المجتمع ليست على شيءٍ من الدين، وأن المطلوب من هذه النواة أن تتوسع على حساب المجتمع أو أن تنقل المجتمع إليها حتى تستوعبه في الإطار الجديد.
أدت هذه الحركة النقدية إلى تمزيق الجماعة، فخرجت عنها مجموعة اسمها «اليسار الإسلامي» بدأت بنقد سيد قطب ثم الإخوان المسلمين ثم الفكر السلفي عامة وانتهت إلى الصدام مع النص الإسلامي الأصلي معتقدة ضرورة التمييز فيه بين ما يناسب العصر وما لا يناسبه.
ولئن أحدثت هذه الحركة النقدية تمزقاً في الجماعة، إلا أن النقاش الذي تمخضت عنه كان مفيداً في استعادة الوعي، وفي إحياء البعد النقدي في الحركة والتعامل مع هذا الفكر الوافد تعاملاً نقدياً وليس من موقع التتلمذ والتسليم.
إلا أن مجموعة اليسار الإسلامي مضت إلى أبعد من ذلك في النقد إذ اقتربت إلى حد التطابق في محصلة طرحها للفكر المقاصدي من الموقف العلماني البورقيبي في نظرته إلى الشريعة. إلا أن الغالبية العظمي من الحركة لئن قبلت في النهاية مبدأ المراجعة والنقد والتطوير فإنها أصرت أن يكون ذلك في إطار النص الديني وسلطة الوحي العليا. أما الذين لم يقبلوا ذلك فقد غادروا الحركة، وما لبثوا أن استوعبتهم إلى حد كبير المؤسسة الحديثة على شروطها.
إن الحركة النقدية للوافد المشرقي في تصوري أدت إلى تسهيل عملية التفاعل بين الإسلام والواقع التونسي الذي مضت فيه أفكار الحداثة الغربية شوطاً بعيداً، إذ توجب على هذا النمط من التدين عندما اصطدم بقوة مع المجتمع أن يعيد النظر في مقولاته وفي فهمه. بمعنى آخر، لقد جرى حوار بين الوافد وبين الواقع التونسي انتهى إلى التسليم بضرورة إعادة النظر في البضاعة الوافدة. ولكن كما أشرت أفرزت الحركة بعد ذلك اتجاهين.
كان الاتجاه السائد يقر بالمرجعية العليا للنص وبالتالي يقبل التطور والحداثة سواء التونسية أو الغربية ولكن في إطار ما يطيق النص الإسلامي دون تعسف، لأننا إذا تمردنا على النص لم يبق ما نتمسك به بعد زوال الإطار.
أما التيار الثاني فمثلته مجموعة قبلت التطوير دون تقيدٍ بضوابط صارمة، وفي النهاية تهمشت هذه المجموعة، واستلم بعض أفرادها مناصب رسمية عليا مع علمانيين عتاة. فوزير التربية الشرفي مثلاً، الذي عرف عنه عداؤه الشديد للخيار الإسلامي والذي أتي به لمصادرة ما تبقي من تدين في مناهج التعليم، كان مستشاره الديني أحد رموز هذا التيار الإسلامي التقدمي".

وعن مسيرة التحديث في الفكر الإسلامي التونسي يقول الأستاذ راشد الغنوشي:

"نستطيع أن نقول بأن خصوصية الحركة الإسلامية في تونس أتت إلى حدٍ كبير من خصوصية الواقع التونسي نفسه ومدى تغلغل أفكار التحديث فيه، والحقيقة أن أفكار التحديث في تونس كانت مطلباً زيتونياً، أي مطلباً دينياً، منذ القرن التاسع عشر قبل أن يأتي الفرنسيون، أي أن المجتمع التونسي طلب التحديث قبل الاستعمار.
وعندما جاء الفرنسيون عملوا على الإجهاز على تحديث يتم في الإطار الإسلامي لفرض تحديثٍ غربي مستورد، الأمر الذي يجعل الصراع الثقافي في تونس ليس بين الحداثة والتقليد الإسلامي، وإنما بين نمطين من الحداثة: حداثة محتواها التغريب وإلحاق البلاد بما وراء البحار، وحداثة محتواها استيعاب العلوم والفنون والنظم الغربية في إطار الإسلام وتراثه بحسب حاجة الإسلام إلى ذلك وبمقاييسه ومن أجل خدمته ونهوضه واستعلائه على اعتباره كلمة الله الأخيرة والميزان الأعلى للحق. وإن مما يعين على هذا الاستيعاب مرونة وعمومية وعقلانية النص الإسلامي وغياب مرجعية كنسية.
في الخمسينات من القرن التاسع عشر نشأت حركة التحديث في تونس تطالب بتحديث التعليم وبتحديث الإدارة وبتحديث الدولة، وتطالب بالحد من سلطة الحاكم. ولذلك كان دستور سنة 1864 في تونس أول دستور في العالم الإسلامي يضبط سلطة الحاكم ويحاول إدخال ما سمي في الخلافة العثمانية بالتنظيمات، أي أسلوب الإدارة في المصطلح الغربي ولكن في الإطار الإسلامي.
تبلورت هذه الحركة على يد مصلحٍ سياسي، كان هو الوزير الأول خير الدين باشا أو خير الدين التونسي، الذي كتب كتاباً شهيرا اسمه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» يعتبر مرجعاً مهماً في تاريخ حركة التحديث في العالم الإسلامي. وكان قد أعد المادة الدينية لهذا الكتاب مشايخ في جامع الزيتونة، لأن الرجل لم تكن له ثقافة دينية، بل كان سياسياً واقتصادياً قاد حركة التحديث في الإدارة التونسية.
غير أن عناصر الفساد في الإدارة، والتي كانت متصلة بالنفوذ الأجنبي من خلال القناصل الغربية، دفعت إلى عزل خير الدين التونسي وقضي الاستعمار بذلك متعاونا مع عناصر الدكتاتورية المحلية والفساد على حركة الإصلاح، وجاء الاستعمار كثمرة لإفشال عملية الإصلاح داخل الإطار الإسلامي.
لقد كان خير الدين إسلامياً شديد الغيرة على الإسلام مؤمناً بصلاحية وعظمة شرائعه، وكانت حركة التحديث التي قادها تستهدف الدفاع عن الإسلام واستيعاب الثقافة الحديثة ولكن في إطار إسلامي. أما التحديث الذي فرضته فرنسا فكان على حساب الإسلام وتمرداً عليه وتخلصاً منه وعداءاً له.
لقد كان التحديث الفرنسي أداة لمحاربة الإسلام، بينما كان التحديث الذي طلبه رجال جامع الزيتونة دفاعاً عن الإسلام، ولذلك طرح خير الدين مفهوم «الاقتباس» من الغرب، مقترحاً أن «نقتبس» من الغرب مادة نحيي بها مجتمعنا ونجدد بها حياتنا.
فنجد مثلاً أن قضية إصلاح الأسرة التي يعدها رجالُ التحديث في تونس أهم إنجازات بورقيبة، والمتمثلة في مجلة الأحوال الشخصية وإصلاح قوانين الأسرة، كان قد دعا إليها رجالٌ في جامع الزيتونة معتبرون، منهم الشيخ عبد العزيز جعيط المفتي، وزير العدل في عهد الحماية الفرنسية، الذي ألف مجلةً للأحوال الشخصية جمع فيها بين الفقه المالكي والفقه الحنفي وقنّن فيها مسائل الطلاق ومسائل الزواج ودافع عن حقوق المرأة التي نصت عليها الشريعة.
وما المجلة التي أتى بها بورقيبة بعد سبع سنوات من ذلك التاريخ، وتعرف بمجلة الأحوال الشخصية ويعتبرها أنصاره التاج البورقيبي وقمة الإصلاح، إلا امتداداً لتلك المجلة مع إدخال عناصر مناوئة للإسلام فيها، مثل إجازة التبني والتسامح في إباحة العلاقات الجنسية خارج الزواج، والانتهاء عن اعتبار العلاقة الجنسية الحرة جريمة يعاقب عليها القانون ما دامت تتم بالتراضي.
وكذلك تشددها المتطرف في تضييق حق الطلاق من خلال الغرامات الباهظة التي تسلط على الراغب فيه والمضطر إليه، إلى درجة التنفير من الزواج والخوف منه. وكل ذلك تم تحت ضغط الانبهار بالغرب والروح الكاثوليكية وتحت ضغط زوجة الرئيس عليه، وتدخلها المفرط في شؤون الدولة بدون وجه قانوني.
وبعيداً عن لواحقها المتطرفة والمناخ الثقافي العام المتمرد على الدين الذي صاحبها وساهمت في إشاعته، تبقى مجلة الأحوال الشخصية في شكلها العام امتداداً لإصلاح طالبَ به الزيتونيون. ونذكر في هذا المجال جهود بعض خريجي جامع الزيتونة مثل الطاهر الحداد، أديب تونس، الذي ألف كتاب «امرأتنا بين الشريعة والمجتمع» انتقد فيه الظلم الواقع على المرأة وانتقد ما نتج عن التعدد من مصائب للنساء.
ومع أنه كانت للمشايخ على هذا الكتاب مآخذ كثيرة، منها أنه تجاوز في بعض مواطنه الحدود الشرعية، إلا أن الكتاب يحمل دلالة واضحة على أن المجتمع التونسي، ومن داخل المؤسسة الدينية، كان يطالب بتحديث في الإدارة وفي الأسرة وفي نظام الدولة وفي الأدب واللغة (انظر شعر الشابي وهو زيتوني، وأحد أبرز رموز التجديد الأدبي في الأدب العربي الحديث).
ولكن على حين كان المجتمع التونسي يطالب بتحديثٍ في إطار الإسلام جاء الاستعمار الفرنسي ليحول دونه، وليجهض تحديثاً أصيلاً لصالح تحديث دخيل هو التغريب وإلحاق تونس بما وراء البحار، وكانت البورقيبية امتداداً متفاقماً لهذا الانحراف.
نستطع أن نقول بأن الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس، وبعد فترة من التتلمذ على الفكر المشرقي، فتحت من جديد ملف التحديث، وبدأت تتعامل مع واقع مجتمعها وتمد جذورها إلى حركة التحديث الأولى التي بدأها رجال جامع الزيتونة وقادها المصلح خير الدين التونسي، من أجل استئناف المسيرة المجهضة على أيدي المستعمر وخلفائه البورقيبيين.
لقد سعت الحركة الإسلامية في تونس إلى وضع البورقيبية بين قوسين وأن تميز بين التحديث وبين التغريب، فإذ هي قبلت الأول، بمعنى استيعاب العلوم والقيم الغربية في إطار ما يسمح به الإسلام ومن أجله، رفضت الثاني الذي يعني سلخ المجتمع التونسي عن هويته العربية الإسلامية ودمجه أو إلحاقه بفرنسا.
ورفعت الحركة شعار نعم للتحديث بمعنى عقلنة الإدارة وعقلنة الاقتصاد وعقلنة المجتمع وأساليب الحكم ومناهج التعليم، ولكن لا للتمرد على الأخلاقيات الفطرية وعلى التراث الإسلامي وعلى نظام الإسلام وقيمه، نعم لتحديث يعزز استقلال أمتنا وعزتها واستئنافها لحمل رسالة الإسلام الإنسانية، ولا لتحديث يرسخ التبعية للغرب والتذيل له.
إن التحديث الذي أنجزه بورقيبه في تونس، والذي زعم بأنه امتداد للتحديث السابق، تحديث مغشوش متطرف. والحقيقة أنه تجاوز التحديث السابق إلى أكثر مما كان يريد أهله الذين كانوا متمسكين بالإسلام. لقد كان التحديث بالنسبة لبورقيبة عملية إلحاق تونس بما وراء البحار.
بل ليته كان تقليداً للغرب في كل شيء، إذن لكنا أسعد حالاً، ولكانت تونس العلمانية لم تخسر مؤسساتها الدينية وسائر مؤسسات مجتمعها المدني التقليدي، حيث كانت سلطة الدولة محدودة جداً. لو كان تحديث بورقيبة تحديثاً حقيقياً وليس تحديثاً مغشوشاً لكانت تونس تنعم الآن بدولة ديمقراطية تعددية - على الأقل مثل تركيا الكمالية.
على حين هي لا تزال ترزح تحت وطأة نظام فردي مطلق وأوليغارشيا فاسدة أشبه ما تكون بعصابة مافيا، الأمر الذي يجعل حداثة بورقيبة أشبه ما تكون من حيث نمط الحكم وعلاقة الدولة بالمجتمع بحداثة تشاوشيسكو أو موسوليني أو هتلر، ويجعل نموذجه للحكم، وكذلك نموذج خليفته، أقرب انتماء لملوك وسلاطين عصر ما قبل الحداثة منه للنموذج الديمقراطي الحديث.
إن حداثة بورقيبة تشبّه مظهري بالغرب ليس إلا، لاسيما في مجال التمرد على الدين وقيمه والاعتقاد المطلق والمظهري في مثالية الغرب وحضارته، إنها أحلام فولتير وديدرو ودونميار، أو قراءة متخلفة لأدبياتهم ، وإنزالها في بيئة غريبة عنها. تلك هي البورقيبية والحداثة التونسية.
ومع ذلك لم نعد في الثمانينات نرفض البورقيبية رفضاً مطلقاً، ولم نعد نرفض المجتمع الحديث الذي في تونس رفضاً بالجملة، وإنما أصبحنا نقوم بعملية فرز، فنميز بين ما يمكن أن يجد له مكاناً في الإسلام، بين تحديثٍ يمكن أن يتموقع في الإطار الإسلامي باجتهادٍ مرنٍ وإن يكن مرجوحاً، وبين تحديثٍ مصادم لا يمكن الدفاع عنه في إطار الإسلام إلا بالتضحية بالنص الإسلامي، ونحن مسلمون قبل كل شيء.
وهذا يقودنا إلى أن بعضاً من خصوصية الظاهرة الإسلامية في تونس ناجمة عن خصوصية تعامل تونس مع الغرب، أو خصوصية شمال أفريقيا عامة إلى حد كبير في علاقته بالغرب من حيث القرب وشدة التأثر.
فالإسلام هنا لا يستطيع أن يرفض الغرب جملة، إذ أن ضرورات التعامل مع الغرب اقتضت في هذه المنطقة بالذات أخذاً وعطاءاً مع الغرب، ورفضاً وقبولاً له، بينما لم تشعر مناطق القلب الإسلامي في بلاد الشام ومصر والجزيرة العربية بهذه الضرورة لأنها محمية إلى حد كبير من الرياح الغربية. فالإسلام ليس مهدداً في مناطق القلب تلك، ولذلك يدور الصراع الثقافي هناك غالباً بين الإسلاميين من جهة والدولة والنخبة العلمانية من جهة أخرى، ليس بين إسلام وكفر وإنما بين مستويات من الإسلام.
فالإسلام هناك مقبول حتى من العلمانية هوية ومصدراً للأخلاق وكثير من التشريعات، لكن لا على أساس أنه المصدر الأعلى الموجه لكل شيء كما يريد الإسلاميون. بينما الصراع الثقافي في شمال أفريقيا كثيراً ما أخذ ويأخذ شكل صراع النقائض بين علمانيين متطرفين متأثرين بالنمط الفرنسي أو الماركسي للعلمانية يسعون لإقصاء الإسلام وتهميشه جملة عن أي دور توجيهي للمجتمع والدولة، وبين إسلاميين يكافحون من أجل عودة الإسلام ليحتل مكان الصدارة في الثقافة والتشريع على اختلاف بينهم بين مرن ومتشدد.
إن الإسلام في الأطراف ومناطق الثغور مثل شمال أفريقيا شخصيته مهددة ولذلك نرى فَرقاً بين الاستعمار الذي خضع له شمال أفريقيا والاستعمار الذي خضعت له مصر مثلا، سواء من حيث المدة الزمنية أو من حيث الغزو الثقافي.
فبينما يكون السؤال في حالة مصر: كم من المثقفين المصريين مثلاً يتكلم الإنجليزية ويستعملها في بيته وفي حياته؟ السؤال في شمال أفريقيا هو: كم من المثقفين لا يعرف الفرنسية، بل كم منهم من لا يستعملها في تعامله اليومي في بيته بين أولاده وفي عمله؟ فاللغة الإنجليزية هناك لغة وظيفية بالنسبة لأهل المشرق، وليست لغة إدارة وثقافة وعادات وتقاليد. كما أن فرنسا لم تفعل في سوريا ولبنان ما فعلته في شمال أفريقيا بسبب عدم التعامل المباشر، وبسبب بعد المسافة بينها وبين مناطق القلب الإسلامي مقارنة بما بينها وبين بلدان الشمال الأفريقي".

تجربة إسلامية بنكهة تونسية

ينعتها الأستاذ راشد الغنوشي بقوله:

أحد تصريحات الغنوشي لقناة الجزيرة
"لقد أسفرت عملية التفاعل بين الفكر الإسلامي الوافد وبين الواقع التونسي عن بلورة ما يمكن اعتباره على نحو ما صيغة تونسية للفكر الإسلامي وللحركة الإسلامية، وتمخض ذلك عن حصول قناعة عامة في الوسط الإسلامي أن تونس لا يناسبها أن يستورد لها حل ثوري، وإنما هي بحاجة إلى حل يتفاعل مع البيئة التونسية ويطورها بالتدريج، لا حل يقلب الأوضاع رأساً على عقب.
وذلك رغم أننا كنا قد تفاعلنا مع الأحداث الكبرى الداخلية والخارجية التي عصفت بالبلاد في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات مثل الثورة الإيرانية التي كان تفاعلنا معها شديداً، خاصة وأن اندلاعها تصادف مع مرور تونس في نهاية السبعينات بأزمة سياسية حقيقية تمثلت في انتفاضة العمال والفقراء سنة 1978 إثر الإضراب العام الذي نظمه في 26 يناير (كانون الثاني) اتحاد الشغل، فشلّ الحركة في البلاد كلها، وانطلقت مظاهرات عارمة شارك فيها العمال والفقراء والطلبة ضد النظام القائمالذي أصدر أوامره بنزول الجيش إلى الشوارع وإطلاق الرصاص على الناس، مما أودى بحياة ما بين 400- 500 متظاهر.
لقد أيقظتنا ثورة العمال هذه والتي مثلت قمة التحرك اليساري في تونس من غفلتنا ونبهتنا إلى أهمية المشكل العمالي وخطورة المشاكل النقابية والاجتماعية، وكنا قبل ذلك منشغلين بمسائل الدعوة والتبليغ وبالمسائل الفكرية البحتة، وكنا ننتقد السلطة نقداً خفيفاً لأننا بحكم تكويننا العقائدي السلفي كانت المسألة العقائدية هي المسألة الأساسية، وكان الشيوعيون هم عدونا المركزي، سواء في الجامعة أو في النقابات، ومع أن البورقيبية كانت عدواً أيضاً إلا أنها لم تكن في الترتيب العدو الأول.
ولذلك كان اليساريون يشيعون ما اعتبروه حقيقة مسلّمة من أن الحزب الحاكم شجع ظهور التيار الإسلامي من أجل ضرب التيار اليساري، وهذا ما يردده اليساريون في مصر أيضاً من أن السادات هو الذي أطلق الإسلاميين من السجون وشجع التيار الإسلامي من أجل ضرب اليسار.
ما من شك بأن التيار الإسلامي ساهم في إضعاف التيار اليساري، ولكن من العبث أن يصور ذلك على أنه خطة أو مؤامرة، فمثل هذا التصوير يندرج ضمن التفسير التآمري للتاريخ، بمعنى أن هذه الظاهرة الإسلامية الضخمة هي نتيجة مؤامرة أو لعبة أوجدتها الأنظمة وبالتالي يمكن لها أن تتخلص منها.
والحقيقة أن الأنظمة يمكن أن تكون قد استفادت من ظهور التيار الإسلامي في إضعاف التيار اليساري ولكن الفرق شاسع بين أن نقول إن الأنظمة استفادت وبين أن نقول بأنها هي التي خططت لظهور التيار الإسلامي أو رحبت به أو كان لها دورٌ في ظهوره.
هذا باليقين ليس صحيحاً ونحن في تونس لم تكن لنا أية علاقة مع الحزب الحاكم أو مع الدولة، بل كانت الدولة مطمئنة إلى أنها نجحت في القضاء على التيار الإسلامي حتى أن الدكتور عبد الباقي الهرماسي وهو أستاذ مشهور في علم الاجتماع أكد في محاضرة له عام 1969 على أن الحداثة في تونس بلغت من العمق والاتساع درجة لم يعد معها ممكناُ ظهور تيار إسلامي.
ويشاء الله أن يظهر التيار الإسلامي في تلك السنة نفسها، ولكن لما كانت البورقيبية تفتقر إلى تجربة كتجربة الناصرية في المشرق في مقاومة التيار الإسلامي، لم تتنبه إلى خطورته ظناً منها بأنه بعد الذي أنجزت من عملية التحديث أي عملية علمنة تونس أن الدولة أصبحت حرة من أي ضغطٍ إسلامي على سياساتها في الاقتصاد أو في الإدارة أو في الفن أو في التشريع، وتشكلت لدى النظام قناعة بأن الدولة لم تعد مضطرةً لتجامل الإسلام أو تقدم له التنازلات أو حتى تضعه في حسبانها.
ونقصد بعلمنة تونس أن الدولة أصبحت تسلك في سياساتها ما تراه نافعاً مقلدةً تقليداً يكاد يكون أعمى العلمانية الغربية الفرنسية في جوانبها الثقافية لا في نموذجها السياسي الديمقراطي، فانطلقت تنظم الإدارة والاقتصاد والتشريع بتحررٍ واستقلالٍ كامل عن الدين.
وقد ساهم اطمئنانها ذلك في غفلتها عن تنامي التيار الإسلامي، لاسيما وأن الإسلاميين عندما نشأوا لم يركزوا على القضايا الحساسة، فلم يكن نقدهم لسياسات الدولة مباشراً، وكان اليساريون هم الذين يتبوؤون الصف الأول في مقاومة الدولة وانتقاد سياستها. وكان التيار الإسلامي بحكم تكوينه العقائدي والفكري يركّز إلى جانب بعض النقد الملطف للنظام على نقد الأسس الفكرية للفلسفة المادية وصورتها الصارخة المتمثلة في الماركسية.
وكانت الدولة مطمئنة إلى أن الإسلام انتهى وأن هذه الممارسات الدينية لبعض الشباب لعب أطفال، معتبرة وجود مجموعات تصلي في المساجد ظاهرة من مخلفات التطور لا غير بتعبير داروين، فلم تلق لها بالاً حتى عام 1978 ولذلك استفاد التيار الإسلامي قرابة عشرية من العمل الدؤوب في الجامعات والمدارس والمساجد دون إعاقات من الدولة تذكر.
ولكن عندما كنا نظهر نشاطنا على السطح في تجمعات كانت السلطات تعيق هذه التجمعات كما حصل في سوسة سنة 1973 غير أنها كانت إعاقة محدودة لأن الدولة لم تكن معبأة ضد التيار الإسلامي بل كانت مشغولة باليساريين.
غير أنها بعد أن فرغت من ضرب اتحاد الشغل سنة 1978 بعنف شديد موجهة من وراء ذلك ضربة شديدة للتيار اليساري، وظهر التيار الإسلامي إلى السطح وتضخمت أعداده وظهرت سافرة بوادر خطابه المعارض لسياسات الدولة والمؤيدة لاتحاد الشغل، تنبهت الدولة لهذا الخطر الجديد الذي ملأ المساجد وراح يصارع الشيوعيين في الجامعة بكفاءة ويقيم اجتماعات جماهيرية كبيرة، ويندد بسياسات الدولة الداخلية والخارجية وينتهي إلى تأييد اتحاد الشغل".

تطور فكر الحركة الإسلامية التونسية

يمكن القول بأن العوامل التي ساهمت في تطوير فكر الحركة وبروز صيغة أو خصوصية تونسية للثقافة والحركة الإسلامية تمثلت أولاً في الصراع والصدام العنيف الذي حصل سنة 1978 بين النقابات وبين الدولة، وثانياً في الصراع في الجامعة بين التيار الإسلامي والتيار اليساري مما أدى إلى أن يستوعب التيار الإسلامي خلال صراعه المرير مع اليسار كثيراً من مقولاته حول طبيعة الصراع في العالم وفي البلاد.

ثم ثالثاً تفجّر الثورة الإيرانية، ورابعاً الفكر السياسي الاجتماعي للحركة الإسلامية في السودان، لاسيما فيما يتعلق بالفكر العملي (البراغماتي) والمشاركة الواسعة للمرأة في نشاط الحركة والمجتمع، إلى جانب تأثرها بالتيار الليبرالي الديمقراطي الذي نشأ في تونس في النصف الثاني من السبعينات وازدهر في الثمانينات قبل الانقلاب عليه من طرف العسكر والبوليس بقيادة ابن علي في 19877/11/، دون أن نغفل عن تأثير فكر مالك بن نبي في اعتماده المنهج الخلدوني في تحليل الظواهر الاجتماعية والحضارية".

الصراع بين الشباب الإسلامي والشباب اليساري

أدرك طلابنا عندما خاضوا الصراع في الجامعات مع الشيوعيين أن أدواتهم فيه محدودة وأن بضاعتهم قاصرة، إذ كان الشيوعيون يخوضون في قضايا ليس في تكوين طلابنا ما يسعفهم للخوض فيها، مثل قضايا الصراع الدولي بين الإمبريالية وبين قوى التحرر في العالم وقضايا الصراع المجتمعي بين الطبقات. وإثر أحداث 1978 أصيب التيار الإسلامي بنوع من العقدة، إذ صدمتنا انتفاضة العمال.

فكنا حينها نتساءل، كيف حصلت هذه الانتفاضة ونحن غائبون لم نشارك فيها ولم نتوقعها أصلاً؟ عندئذٍ فقط تنبهنا إلى المسألة الاجتماعية، مسألة الفقراء، وشعرنا أن هناك صراعاً آخر في المجتمع غير الصراع العقائدي بين الشيوعية والإسلام، صراع آخر لا يقل أهمية عنه، هو الصراع بين فقراء معدمين مستغلين وبين فئة قليلة مستغلة متحالفة مع الدولة، بل هي الدولة.

وقد تصادف تحولنا مع نشأة تيار ديمقراطي في نهاية السبعينات في تونس انشق أنصاره عن الحزب الحاكم يطالب لا بعدالة اجتماعية وإنما بالتعددية السياسية وبالحريات المدنية. وكان من زعمائه أحمد المستيري. بدأنا نتصل بهم ونتنبه أيضاً لهذا البعد الآخر من الصراع، وسرعان ما بدأنا نعيد النظر في البضاعة الفكرية الوافدة من المشرق، والتي وردت إلينا من خلال كتابات سيد قطب الذي رسخ فكرة الصراع بين الحق والباطل والإيمان والكفر والجاهلية والإسلام

فأصبحنا نرى للصراع أوجهاً أخرى لم نستلهمها من الفكر المشرقي، فهناك وجه اجتماعي للصراع بين فقراء مُستَغَلين وأغنياء مُستَغِلين، هناك صراع على المستوى العالمي بين الرأسمالية الدولية والشعوب الفقيرة، وهناك صراع بين جماهير تريد الحرية والمشاركة في السلطة ودولة الحزب الواحد والزعيم المتأله.
فمن هنا بدأت عملية نقد ومراجعة للنماذج الفكرية التي وفدت إلينا من باكستان ومن مصر والتي لم تر من الصراع إلا بعداً واحداً هو البعد العقائدي، ومن هنا بدأت التجربة التونسية عملية إثراء أو اكتشاف لأبعاد أخرى في الإسلام: الأبعاد الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والإنسانية للصراع من منظور إسلامي.

في سنة 1981، وفي سياق انتفاضة العمال سنة 1978 استيقظ وعينا الاجتماعي فبدأنا نكتشف هذه الأبعاد الراسخة في نصوص الإسلام مثل النص القرآني الذي أحياه فكر الخميني (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين...) مصطلح جديد دخل خطابنا لأول مرة هو مصطلح المستضعفين في مواجهة المستكبرين.

كما بدأنا نكتشف نصوص أحاديث نبوية تؤكد على مناصرة الفقراء والمستضعفين ومقاومة الترف والاستغلال. فبدأنا نبرزها في خطابنا مثل أحاديث «كاد الفقر أن يكون كفراً»، «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر»، «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً».
وعبّرنا عن تلك المعاني ضمن البيان التأسيسي سنة 1981 الذي أعلن عن ولادة حركة سياسية (حركة الاتجاه الإسلامي) عبرت عن التزامها الكامل بالفكرة الديمقراطية وعن انحيازها إلى صف الفقراء والعمال في صراعهم ضد طغيان الرأسمال.
وكانت تلك قفزة هائلة في سياق الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية حيث كانت هذه الأبعاد ضامرة أو غائبة تماما من الفكر الإسلامي. لقد عدنا من أجل إبراز البعد الاجتماعي في الإسلام إلى كتابات سيد قطب القديمة مثل كتاب "العدالة الاجتماعية" وكتاب "الصراع بين الرأسمالية والإسلام". إلا أن هذه القضايا لم تعد كتب سيد قطب في المرحلة الثانية من فكره تلقي لها بالاً، فرجعنا فيها إلى فكر مالك بن نبي.

بدأ التيار الإسلامي يدخل النقابات ويزاحم اليساريين، وصرنا ندفع قاعدتنا للانتماء للحركة النقابية من منظور أن في المجتمع صراعاً حقيقياً بين الرأسمالية وبين جماهير الناس المسحوقة، وأن الإسلام ليس حيادياً وإنما منحاز إلى الطبقة الفقيرة.

وسرعان ما حدث تحول في عملنا اليومي. كنا في المرحلة الأولى عندما يدعو اليساريون في الجامعة وفي النقابات إلى الإضرابات نعمل على كسرها وندعو إلى إفشالها على اعتبار أن عملا يقوده شيوعيون كفار لابد بالضرورة أن يقاوم.
لقد تغيرت نظرتنا إلى الأمور وصرنا نعي أن الله لم يخلقنا لنقاوم الشيوعية وإنما لنحقق أهداف الإسلام التي قد تلتقي مع الشيوعية وأي مذهب آخر في بعض النقاط، وأن أهداف الإسلام الأساسية قيام العدل في العالم، فقيمة العدل هي القيمة الكبرى في الإسلام والعدل اسمٌ من أسماء الله فكيف نتورط في معارضة الذين يكافحون لأجل مصالح الفقراء والمستضعفين حتى لو كانوا يساريين.
وأصّلنا لذلك بما ورد في السيرة النبوية من أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يحتفلون بعاشوراء فسألهم عن ذلك، فقالوا إنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وأغرق فرعون فقال عليه الصلاة والسلام نحن أولى بموسى منكم، وسن صيام التاسع والعاشر.
وعلى أساس ذلك قلنا إنه ما من قضية عدلٍ إلا ونحن أولى بها من غيرنا. وسرعان ما أصبحنا ندعو للإضرابات سواء في الجامعة أو في الحركة النقابية وذهبنا نناصر القضية النقابية. وصدر أول بيانٍ للحركة على الإطلاق بمناسبة أحداث 1978، أدنا فيه الحزب الحاكم واعتبرناه المسؤول عن هذه الأحداث وأيدنا العمال ودعونا إلى قيام جبهة وطنية للتصدي للاستبداد في العام الموالي".

أثر الثورة الإيرانية على الحركة الإسلامية التونسية

يشرح هذا الأثر في قوله:

"لقد جاءت الثورة الإيرانية في وقتٍ مهمٍ جداً بالنسبة إلينا، إذ كنا بصدد التمرد على الفكر الإسلامي التقليدي الوافد من المشرق والذي يختصر عملية الصراع في المجتمع في بعدٍ واحد. كنا متهيئين لقبول فكرة وجود جبهات للصراع غير الجبهة العقائدية، مثل الجبهة السياسية والجبهة الاجتماعية، فجاءت الثورة الإيرانية لتعطينا بعض المقولات الإسلامية التي مكنتنا من أسلمة بعض المفاهيم الاجتماعية اليسارية واستيعاب الصراع الاجتماعي في إطارٍ إسلامي.
إذ كان الماركسيون يلحون على أن الماركسية هي التي اكتشفت طبيعة الصراع في المجتمع وأنها القادرة وحدها على أن تقدم الحل من خلال مقولة الصراع الطبقي وانتصار الإشتراكية ضد الرأسمالية. رأينا في الثورة الإيرانية شيخاً معمماً استطاع أن يقود ثورة المستضعفين ضد نظام مستبد عميل للإمبريالية وضد طبقة رأسمالية متعفنة.
أهم ما قدمته الثورة الإيرانية لنا كان مقولة الصراع بين المستضعفين والمستكبرين، وهي ترجمة أخرى للصراع بين الفقراء والأغنياء، للصراع الطبقي ولكن في إطار إسلامي أشمل وبمصطلحاتٍ إسلامية.
كان الفكر السياسي لسيد قطب في مرحلته الثانية يقوم أساساً على تفسيره لآيات المائدة «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون»، «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون»، فخلص إلى تكفير الأنظمة وتكفير حتى المجتمعات التي ترضى بها.
فلما جاءت الثورة الخمينية علمتنا درساً آخر من الكتاب العزيز لخصته هذه الآية من سورة القصص «ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون»، وجدنا فيها الحل وكأننا نقرأها لأول مرةٍ. وجدنا في هذه الآية الإطار الذي يستوعب الصراعات الاجتماعية .
لقد كانت هذه الآية مفتاحاً ودواءً ونوراً، إذ أعطتنا هدياً إسلامياً في قضية الصراع الاجتماعي، فالإسلام يعترف بوجود صراعٍ بين مستضعفين ومستكبرين، والإسلام منحازٌ للمستضعفين، بل هو ثورة لتحرير المستضعفين في العالم، وما جاء الأنبياء إلا لنصرة المستضعفين على المستكبرين. شعرنا كما لو أن الفكر الإسلامي من قبل لم يقرأ هذه الآية، وكأنما هي كشف خميني.
من هنا اشتد حماسنا للثورة الإيرانية وأصبحت وسائل إعلامنا تنشر صورة الخميني، ودروسنا أصبح فيها نفسٌ جديد، نفس ثوري يناصر النقابات، يناصر الفقراء، يتهجم على المترفين، يتهجم على علاقات تونس الخارجية المتذيلة للإمبريالية.
منذ تلك الساعة لم يعد نقدنا للدولة نقداً دينياً أخلاقياً وحسب كما كان سابقاً، ولا تكفيرياً اعتماداً فقط على أن الدولة لا تحكم بما أنزل الله، أي لا تلتزم بالشريعة الإسلامية، وإنما أصبح نقدنا للدولة أعمق، فازدادت الهوة بيننا وبينها اتساعاً، إذ أصبح للصراع معها - إلى جانب البعد الثقافي في أنها متغربة ضد هوية بلادنا الإسلامية العربية وأننا مدافعون عن هذه الهوية، عن الإسلام مشروعاً مجتمعياً متميزاً أبعاد اجتماعية، فهي في صف المستكبرين داخلياً وخارجياً ونحن تحيزنا إلى الصف المقابل، والدولة ديكتاتورية ونحن مع الديموقراطية.
لقد جاءت الثورة الإيرانية في الوقت المناسب لتعطينا أدوات تحليلية إسلامية لصراعات لم تستطع بضاعتنا الثقافية التقليدية تأطيرها.
لقد أصبحت المساجد بعد أن ضرب اتحاد الشغل في يناير 1978 هي مأوى الثائرين الغاضبين على الدولة، وتبنت المساجد القضايا الاجتماعية والسياسية في إطار إسلامي يرسخ الإيمان ويولد العاطفة الدينية ويحيي المواريث ويستقطب تأييد عامة الناس، بينما اليساريون إذ تبنّوا هذه القضايا ما كانوا قادرين على أن يحرّكوا بها العمق الثقافي بحكم عزلتهم عن الثقافة الإسلامية.
حفلت المساجد بالدروس الجماهيرية وصار آلاف من الناس يذهبون إليها، واستقطبت اجتماعات الطلبة الحشود الهائلة من الشباب، وتحولت الثانويات إلى ما يشبه المراجل، وصار الطلبة يحيون ذكرى أحداث يناير 1978 في كل عام.
وفي سنة 1980 احتفلت الحركة في الأول من مايو (أيار) لأول مرة بعيد العمال في أكبر المساجد في تونس، وحضر الاحتفال حوالي 5000 شخص. وألقى رئيس الحركة محاضرة كانت ذات شأن حول طبيعة الملكية الزراعية في الإسلام، أصّلت مقدمات مهمة حول المسألة الاقتصادية ووضعها في الإطار الإسلامي.
وفي المسألة الزراعية أكّدت أن الملكية ذات طبيعة اجتماعية وظيفتها أن تكون في خدمة المجتمع وأن القائمين عليها إذا لم يسخّروها لخدمة المجتمع يمكن انتزاعها للصالح العام من طرف المجتمع ممثلاً في الدولة التي عليها أن تنتزع الملكية التي لا تخضع للصالح العام.

وأن الأرض كلها التونسية وأرض العرب هي في الأصل أرض فتوحات والحكم فيها أنها ملكٌ للأمة، وأن المالكين فيها ليس لهم إلا حق الانتفاع وفق سياسات الدولة، وبالتالي يمكن للدولة أن تنتزعها إذا أساء المنتفعون استخدامها. ثم أكدت على مبدأ الارتباط بين الملكية والعمل، فالطرف الوحيد الذي له حق أن يجني الثمرة في الأرض هو العامل فيها.

إن العمل في الإسلام هو أصل القيمة، ولذلك فإن تأجير الأرض والمزارعات وكل المعاملات التي تعطي لمن يدعي ملكية الأرض حقوقاً فيها دون أن يقوم بأي عمل فيها كلها باطلة. فالطريق الوحيد لاستغلال الأرض هو العمل فيها.
وفي مايو الذي تلاه (1981) احتفلنا أيضاً بتلك المناسبة، وقُدمت محاضرات حول حقوق العمال في الإسلام في كافة المساجد التونسية، فأدركت الدولة عندئذٍ ما يمثله الاتجاه الإسلامي من خطر على المصالح الرأسمالية التي تحميها.
ولم يمر بعدها غير شهرين ونيف حتى جاء هجومها علينا كاسحاً، فأُعتقلت القيادة وحوالي 500 من أعضاء الحركة. وانفتح باب الصراع المكشوف بين التغريب والتعريب، بين الأسلمة والعلمنة، بين الحرية والاستبداد، بين السكان الأصليين ثقافة ومصالح وارتباطات وبين القلة المتغربة المتنفذة وريثة مشروع الاحتلال وهذا الصراع الذي لم تنجح في تخفيف حدته كل ما عبّرت عنه الحركة من اعتدال ودعوة إلى التعايش وذلك بسبب الطبيعة الإقصائية والاستئصالية اليعقوبية (نسبة لليعاقبة الذين تسلموا زمام السلطة بعد الثورة الفرنسية وعرفوا بدمويتهم الشديدة) لمشروع التغريب في تونس.
وبسبب انحسار شعبيته وإفلاس مشروعه وتصاعد الطلب على التغيير في إطار هوية البلاد وعلاقتها العربية والإسلامية، فقد تصاعدت نزعات العنف لديه حتى أسلم أمره للجهاز الأمني فكشف مشروع التغريب عن طبيعته التسلطية القعية وريثة الاحتلال بعد أن مزقت الحركة الإسلامية أقنعته الحداثية المزيفة: من ديمقراطية وحقوق إنسان وحرية المرأة".

الحركة الإسلامية التونسية والتعددية

يصف هذا التحول والسبق الأستاذ راشد الغنوشي فيقول:

"أما بالنسبة لما جذبنا في الثورة الإيرانية، فنظراً لعدم وجود شيعة في تونس تعاملنا مع الثورة على أنها ثورة إسلامية، ولم نلق بالاً لبعدها الشيعي الذي مثل حاجزاً بينها وبين المسلمين في المشرق، بل تعاملنا معها بانفتاح.
ولكن الملفت أن تبنينا للثورة الإيرانية لم يكن تبنياً مطلقا وإنما ضمن الإطار التونسي، فقد استفدنا من أبعادها الاجتماعية دون تبني نهجها في التغيير. بل أعلنا في سنة 1981 في أوج الحماس للثورة عن تكوين حزب حركة الاتجاه الإسلامي، وأكدنا في البيان التأسيسي لهذا الإعلان على الأبعاد الديمقراطية، ولم يكن مسبوقاً في الحركة الإسلامية ذلك التبني للتعددية وللتداول على السلطة عبر الانتخاب وعدم استثناء أي طرف، بما في ذلك الطرف الشيوعي، أي اعتبار العملية الانتخابية هي أصل الشرعية، والالتزام بأنه إذا اختار الشعب التونسي الشيوعيين حكاماً عن طريق عملية انتخابية نزيهة فسنعتبر حكمهم قانونيا، وليس علينا إلا أن نتوجه إلى الشعب لإقناعه بالتراجع.
وما أن أسفر هذا التوجه الديمقراطي للحركة عن نفسه حتى انتقدنا الإيرانيون بعد أن كانوا قد استبشروا بتأييدنا العارم لهم، فشنت بعض دورياتهم مثل دورية الحرس الثوري علينا هجوماً إذ رأوا في هذه الأبعاد الديمقراطية «تأثراً بالقيم الغربية الزائفة»، فرددنا بأننا وإن كنا نعتبر الثورة الإيرانية ثورة عظيمة ونساندها ولكننا لا نعتبرها نموذجاً ولا نرى حقاً لها في أن تمارس على المسلمين وصاية، بل انتقدنا اعتبارها نموذجاً وحيداً للتغيير، فنحن نرى أن نماذج التغيير غير محدودة، وكل بلد عليه أن يبحث عن أسلوب التغييرالذي يناسبه.
ثم انتقدنا ما تخللها من أبعاد طائفية، وانتقدناها في تبسيطها للصراع الدولي واقتصاره على صراع مع الأمريكان فيما سمي بالشيطان الأكبر، فهناك أبعاد ٌ كثيرة للصراع الدولي لا تقتصر على هذا البعد الواحد، وأنه لا يضير الإسلام أن يلتقي بكل قيمة إنسانية نافعة كالديمقراطية، فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها.
وكما رفضت الحركة الإسلامية في تونس الفلسفة المادية للماركسية، رغم أنها تبنت بعض أبعادها الاجتماعية في إطار الإسلام، رفضت كذلك التجربة الإيرانية كمشروع مغلق مطلوبٌ تَمثله في حين استفادت من بعض جوانبها ضمن إطار عملية إصلاح وتطوير المجتمع الإسلامي التونسي تطويراً تدريجياً.
فتقدمنا في أوج حماسنا للثورة الإيرانية بطلب لاعتمادنا كحزب سياسي في تونس معلنين التزامنا كاملاً بالديمقراطية نظاماً ومنهجاً للتغيير، وهو ما كان مرفوضاً في أوساط الحركة الإسلامية في ذلك الزمان، إما باعتباره نوعاً من الاعتراف بالسلطة الحاكمة وبشرعية الدولة القائمة أو باعتباره تقليداً للغرب، ولذلك انتقدنا بسببه في المشرق، إذ لم يكن حزبٌ إسلامي قد عبر بوضوح عن مثل هذا التوجه ولاسيما في البلاد العربية.
وقد ظلت الحركة الإسلامية التونسية منتقدة رغم أن الحركة الإسلامية عامة سارت في نفس ذلك الاتجاه ولكن على جرعات، كلما ضغط عليها الواقع تتناول جرعة من ذلك الشراب الذي تناولته حركتنا سنة 1981 دفعة واحدة.
ورغم ذلك التحول على المستوى العام للحركة الإسلامية، ظل هناك نوع من الحساسية والشعور بأن ثمة زعامة تونسية تنافس الزعامة المركزية، وأن هذا الفرع من الحركة الإسلامية ليس منسجماً انسجاماً مطلقاً مع الأصل، على افتراض أنه ينبغي أن ينبعث التطور من الأصل إلى الفروع. لكن الذي حصل هو انبعاث التطور من الأطراف إلى المراكز المشرقية.
وأذكر في هذا المجال بأنني كنت في الفترة بين 1979 و1980 قد التقيت بالشيخ عمر التلمساني رحمه الله، وهو رجل رباني مهيب، معتدل في فكره رصين في مواقفه. وقفت، وكنت شاباً يتدفق حماساً، أمام الشيخ أناقشه بحدة على عادة مزاج أهل المغرب في موضوع التعددية السياسية ملحاً عليه في أن يتقدم الإخوان بطلب للاعتراف بهم كحزب وفي أن يتحالفوا مع أحزاب المعارضة الأخرى.
فاعتبر هذا كلاماً فارغاً وأمراً غير وارد، فالإخوان في نظره حزبٌ فوق الأحزاب وجماعة فوق الجماعات، بل وأكبر من أن يكونوا حزباً، وبالتالي كيف يمكن أن يتحالفوا مع هذه الجماعات العلمانية أو الفاسدة.
ولكن ما أدهشني وأنا في السجن في سنة 1982 أو 1983 أن بلغني أن الإخوان تحالفوا مع حزب الوفد، فأدركت بأنه لولا أن يسر الله هذا القائد بفكره القانوني الحي ما كان لهم وبعد خمسين سنة أن ينفكوا عن فتوى مؤسسهم العظيم الرافضة للتعددية رغم ملابساتها المعروفة.
فقد اعتبروا مخالفة الإسلام للديمقراطية التعددية مسلّمة ورثوها عن أسلافهم، وبالذات عن الشيخ المؤسس حسن البنا، وهو صاحب فكرٍ سياسي حي ومجدد، ولكنه وقف ضد الأحزاب. ويمكن تفسير تلك النزعة لديه بظروف مصر وطبيعة الأحزاب السياسية في ذلك الوقت وبنظرته هو للصراعات الدولية.
كما يمكن أن يعزى ذلك في تقديري إلى تأثره بالأحزاب الشمولية كالفاشستية والشيوعية. وقد يستهجن البعض أن نقول بأنه تأثر بتلك الأحزاب، و الحقيقة أنه في الأربعينات والثلاثينات لم تكن سمعة مثل هذه الأحزاب سيئة كما هي اليوم، بل على العكس كانت هي الملهم الأكبر لزعماء الحركة الوطنية في العالم الثالث، فكلهم كانوا يتصورون أن الطريق إلى مقاومة الاستعمار وبناء النهضة يمر بتكوين حزبٍ للأمة يجمع كل طاقاتها لمواجهة الاستعمار وقضايا التنمية، وأن التعددية بالتالي هي تفريق للصفوف في وقت يستلزم الهجوم على الأمة تجميع قواها لا تشتيتها.
وليس صحيحاً أن البنا طالب بحل الأحزاب لفسادها، كما يحاول البعض تفسير وتبرير موقفه معتبرين أنه كان يؤمن بالتعددية وأنه إنما كان ضد تلك الأحزاب لفسادها.
لا بل هو لم يؤمن بالتعددية أصلاً لأنه كان يرى بأن التعددية ستفرق الصفوف وتبلبل الأفكار وتضيع الأوقات. وجاء عبد الناصر لينفذ وصية شيخه البنا ويحقق نموذج الإخوان ولكن على طريقته الخاصة وحسب المزاج السياسي السائد، فأول ما عمله بعد استلامه للسلطة هو حل الأحزاب والاستعاضة عنها بحزب واحد يعبئ صفوف الشعب في تقديره من أجل البناء والنهضة الشريفين وتوحيد أمة العرب وتحرير فلسطين ومواجهة الأعداء.
لقد كانت الناصرية امتداداً لفكر الإخوان من هذه الناحية، ويمكن القول بأنها حققت النموذج الإخواني في عدة مستويات.

أولاً: حل الأحزاب، دون الإخوان المسلمين، وتكوين حزب للأمة.

وثانياً: تطبيق جانب كبير من البرنامج الاجتماعي للإخوان برنامج الإصلاح الزراعي، بما في ذلك التأميم، الذي قاده عبد الناصر وكان قد دعا إليه الإخوان أصلاً،

وثالثاً: أيديولوجيا توحيد العالم العربي وتحرير فلسطين هي في الأصل أيديولوجيا إخوانية احتواها عبد الناصر أو استولى عليها، ولكنه أراد أن يحققها في إطار علماني دكتاتوري، لاسيما بعد أن تآمر عليه الغرب واستهدفه فاضطر للاتجاه إلى الطرف المقابل، إلى المعسكر الشيوعي. وكان لهذا التوجه تأثيره الكبير على علمنة المشروع الناصري وترسيخ تصادمه مع الحركة الإسلامية دون أن يتحول الرجل إلى عدو للإسلام، بل ظل الوجه السياسي هو الغالب على صراعه مع الإخوان.

خلاصة القول في هذا النطاق أن الحركة الإسلامية في تونس نشأت متتلمذةً على الحركة الإصلاحية المشرقية ولكنها لما نمت وتفاعلت مع التحديات التي طرحها المجتمع التونسي، وخاصة تحديات التحديث والصراع الاجتماعي السياسي، اكتشفت أن بضاعتها المشرقية لا تسعفها في قيادة عملية التغيير المطلوبة في مجتمعها الأكثر تغربا من مجتمعات المشرق، وفي استيعاب إرث الحداثة فيه والأبعاد الأخرى للصراع غير البعد الثقافي.

وعلى هذا الصعيد استفادت الحركة الإسلامية في تونس بلا شك في تطورها من الثورة الإيرانية، ومن إرث اليسار والحركة الديمقراطية، كما استفادت من بعض المفكرين المجددين من مثل محمد فتحي عثمان ومالك بن نبي، ومن المنهج الأصولي التجديدي والبراغماتي لحسن الترابي، من أجل صناعة نموذج تونسي للحركة وللتفكير نحسب أنه كان نموذجاً متقدماً في الحركة الإسلامية على الصعيد العالمي، وقع امتصاصه على جرعات من طرف الحركات الإسلامية الكبرى ولا يزال مرفووضاً بالكامل من طرف بعض التيارات الإسلامية التي لا تزال تفكر بمنطق مبسّط.

وكما تطورت الحركات الشيوعية في أوروبا إلى حركات ديمقراطية، كذلك تطورت الحركة الإسلامية التونسية من فكرٍ شمولي إلى فكرٍ تعددي، وهذا التطور يحصل الآن في معظم الحركات الإسلامية في العالم. إنه تطور من الفكر الشمولي الذي يلخص الصراع في أنه صراع بين حق وباطل، وأننا على حق و الآخر على باطل، إلى فكر فيه جرعات من النسبية، أي الاعتقاد بأننا على حق ولكن بشكل نسبي.
فالإسلام وحده هو الحق المطلق، أما ما نفهمه نحن من الإسلام فهو حقيقة نسبية، وبالتالي هناك تعددية داخل الإسلام انطلاقاً من مبدأ الاجتهاد، وللأمة مكانتها في الإسلام انطلاقاً من مفهومي الإجماع والشورى، وبهذا وقع إحياء جملة من المفاهيم المكنونة في الإسلام من خلال الصراع مع الغرب واستيعابه.
من الواضح هنا أن هذا المسار هو استئناف جاد لمشروع الحركة الاصلاحية بقيادة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد العزيز الثعالبي وحسن البنا الذين كان هدفهم الأساسي نهضة الأمة من خلال استيعابها لمكاسب الحداثة الغربية على شروط الإسلام ومصلحته قبل أن ينحرف به تيار التغريب ونموذجه بورقيبة وشاه إيران وأمان الله خان واتاتورك.

فتحولت عملية الإصلاح والانفتاح على الغرب إلى عملية انبهار به وتقليد أعمى له ورغبة في الانصهار فيه تحت شعار اللحاق بركب الأمم المتقدمة. أما التيار الثاني فهو تيار الحركة الإسلامية الذي انكمش على نفسه تحت وقع الضربات ومال إلى التشدد والالتفات إلى الماضي حكما على الحاضر لاسيما مع تصاعد الخط الغربي الأمر الذي كادت معه حركة الاجتهاد التي انطلقت مع حركة الإصلاح أن تتوقف جملة تاركة مكانها لمفاهيم التميز والجاهلية والمفاصلة والاستعلاء وتحريم الديمقراطية ومشاركة المرأة.

ولا شك أن كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية يمثل تكثيفاً وتأطيراً لهذا التطور، الذي لا يزال يحتاج إلى جهدٍ كبير حتى يستكمل مراحله، استيعاباً للحداثة في إطار الإسلام، والمقصود استيعاب مكتسبات العقل الغربي وتجاوزها في إطار اجتهاد إسلامي حديث.
وبدل أن يكون المشكل كيف نقضي على الحداثة أو كيف نقضي على منجزات العقل الغربي باعتبارها مصادمة للإسلام، وبدل تبني مفهوم التقدم كما تبلور في الغرب من خلال السؤال الذي تم الانحراف به عن معناه الايجابي لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟
يصبح المشكل كيف نستوعب مكاسب وقضايا عصرنا ونرسم أهدافنا الخاصة وفلسفتنا في الحياة في إطار ذاتية الإسلام وأسسه وفي إطار هويته المستقلة تماما كما استوعب الإسلام الإرث الديني الذي سبقه، وكما استوعبت الحضارة الإسلامية مكتسبات الحضارات اليونانية والهندية والفارسية، وكما فعل الغرب مثل ذلك في عصر نهضته في علاقته بالحضارة الإسلامية. إن التحدي اليوم لا يكمن في كيف نتصادم مع الحضارات والحضارة الغربية بالذات وإنما في كيف نستوعبها ونتجاوزها.
ليس المشكل كيف نهرب من العصر الذي يؤطره الغرب وإنما كيف نعيش في العصر مسلمين كما ذكر ذلك العلامة الشيعي السيد حسين فضل الله، على حين كان مشروع التحديث البورقيبي وأمثاله يدور حول كيف ننخرط بأسرع ما يمكن في الحياة الغربية وننعم بخيراتها وهو ما يجعل من الإسلام وتراثه عقبة لابد من إزاحتها أو الاحتيال عليها.
إنه الثمن الوحيد في نظر "حداثيي العرب" حتى تتم عقلنة السياسة وعقلنة الاقتصاد وحتى نحكم على الأشياء بنتائجها وبأسبابها، بمقاييس موضوعية، وتصبح المصلحة بمعناها المادي مقياساً أساسياً في الحكم على مصلحة الفرد ومصلحة الأمة، ويمكن النهوض بالاقتصاد وتحرير السياسة من سيطرة النخبة وتحويلها إلى مصلحة الجماهير ويتم استيعاب التقنيات المعاصرة وتحقيق مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية.
إن الحركة الإسلامية الحديثة هي المشروع الذي يؤكد أن كل ذلك ممكن ولكن في إطار إسلامي يحفظ الأسرة ولا يهدمها. بل إن ذلك غير ممكن خارج هذا الإطار، إذ لا تجديد جديراً بهذا الاسم لا يتأسس على النص الإسلامي ولا يكون مشبعاً إيماناً بمقاصده وجدارته. إن الإسلام روح هذه الأمة، فأنى لتحريكها وتعبئتها لمشروع دون المرور بالإسلام الذي أطلق للعقل العنان وحرره من كل وصاية".

المرأة والحركة الإسلامية التونسية

الشيخ راشد الغنوشي في حوار مع قناة الرافدين

"وعلى ذكر المرأة، فقد نشأت الحركة الإسلامية في تونس متأثرة في هذه القضية وغيرها بالأدبيات المشرقية التي تنحو في عمومها إلى مهاجمة وضع المرأة في الغرب، وخطر ذلك الوضع على الأسرة والمجتمع، مكتفية في الإسلام بالتأكيد على دور المرأة كأم وزوجة وربة بيت منتقدة لكل اختلاط لها مع مجتمعات الرجال

والحق أن الأدبيات الأولى للحركة الإسلامية كما صاغها البنا كانت في هذا الشأن وغيره أكثر انفتاحا ومرونة، ولكن أدبيات المحنة واشتداد تأثير منطقة الخليج نحا بقطاعات من الفكر الإسلامي في بعض المراحل صوب التشدد والضيق وبسبب التحدي البورقيبي للإسلام وهجومه عليه انطلاقاً من موضوع تحرير المرأة والإيحاء الدائب بظلم الإسلام للمرأة وإنقاذ بورقيبة لها.

وبسبب رد الفعل ضد مناخات التحلل التي فشت في المجتمع، فقد انصب خطاب الحركة في هذا الباب خلال العشرية الأولى على مهاجمة الموقف البورقيبي في مسألة منعه للتعدد وتجريمه لفاعله، وفي إباحة الزنا وفي فرض الاختلاط في المدارس. وفي هذا السياق غدا حتى موضوع تعليم المرأة حسب منزعنا في تلك المرحلة غير مرغوب فيه، وإن كان ولابد منه فليكن بالحد الأدنى الضروري الذي يرفع الأمية عن المرأة دون حاجة إلى مواصلتها التعلم.

بل من الأفضل تزويجها مبكراً والحد من كل فرصة للاختلاط. غير أنه ومع فشو مناخ النقد للوافد المشرقي، ومع زيارتي الأولى للسودان سنة 1979 ومشاهدتي لنموذج آخر غير الذي قدمته الأدبيات المصرية الباكستانية السائدة في مرحلة نشأتنا في السبعينات التي تأثرنا بها في موضوع المرأة، بدأت نظرتنا تتغير.

وكان النموذج السوداني متميزاً باتساع مشاركة المرأة في المجهود الإصلاحي والدعوي وعفوية علاقتها بالرجال ووجودها الكثيف في مناشط مشتركة كثيرة في الجامعة وفي الندوات والرحلات. وأذكر أن اتحاد الطلبة نظم رحلة نيلية (نسبة إلى نهر النيل) ليوم كامل شارك فيه عدد من الطلبة والطالبات وكنت أنا والشيخ حسن الترابي والشيخ المرحوم محمد صالح النيفر رحمه الله ضيوفا في تلك الرحلة.

وكان الشباب من الجنسين يشاركون بكل عفوية وبراءة في كل المناشط مثل إلقاء الكلمات والأسئلة والإنشاد وإعداد وتقديم الطعام والتنكيت. فمثلت هذه المشاهد نموذجا إسلاميا أخر متميزا في العلاقة بين الرجال والنساء كان له اثر كبير في تطوير موقف حركتنا من المرأة على نحو يسّر تفاعلها (أي حركتنا) مع مجتمعها الذي نالت فيه المرأة حظوظا كبيرة من التطور المحمود وغير المحمود تصدينا لها بدافع رد الفعل دون تمييز، والجدير بالملاحظة أن اكتشاف التجربة السودانية وتميزها عن بقية التجارب الإسلامية السائدة على صعيد الفكر والعمل مثّل مصدرا مهما من مصادر تطوير فكر الحركة الإسلامية في تونس.

وأذكر أنني ألقيت سنة 1980 بمقر مجلة "المجتمع" بساحة المنجي بالي بالعاصمة محاضرة حول المرأة بعنوان "وضع المرأة في الحركة الإسلامية" قمت فيها بنقد ذاتي شديد لمواقفنا السابقة داعيا إلى تجديد في الموقف باتجاه تأكيد مبدأ المساواة بين الجنسين وضرورة المشاركة الفاعلة للمرأة في كل نشاط اجتماعي وسياسي يتجاوز دورها في البيت مع التأكيد على هذا الدور الحيوي وعدم إلغائه بدعاوى تحررية زائفة وما يقتضيه ذلك من إعداد علمي لها يتجاوز مستوى رفع الأمية إلى تشجيعها على بلوغ أعلى المراتب العلمية، والتأكيد على حاجة النهضة الاجتماعية إلى عملها وأن يكون مقياس توزيع العمل بحسب الكفاءة والاقتدار.

كما أكدت المحاضرة على ضرورة الحاجة إلى زعامات نسائية إسلامية تجسم قيم الإسلام من أجل نهضة عامة شاملة ومن أجل التصدي لزعامات نسائية علمانية بورقيبية لا تعدو كونها زينة في صالونات المدن والأوساط المترفة. والتأكيد كذلك على أن الاختلاط البريء ليس ممنوعا، وأن تعدد الزوجات ليس فريضة في الإسلام حتى نجعل منه قضية من قضايا الدعوة.
ولقد ساهم هذا النقد في تطوير علاقة المرأة التونسية بالحركة فازداد إقبالهن على الحركة وتضاعفت مشاركتهن في مناشطها سواء أكن يرتدين الزي الإسلامي أم لا. وظهر ذلك في تعزيز الصف الطلابي في الجامعة وفي تعزيز موقف الحركة وفوزها بأغلبية ساحقة في الانتخابات التشريعية سنة 1989 التي تورط النظام في تزييفها على نطاق واسع حاكما على وعود 7 نوفمبر بالإفلاس دافعا البلاد إلى المجهول كما أدى هذا الموقف إلى إعلان الحركة في198817/7/ قبولها اعتبار مجلة الأحوال الشخصية إطاراً صالحا في عمومه لتنظيم شؤون الأسرة يجد في عمومه سنده الديني. وكذلك أدى إلى وجود عناصر نسائية في كل مستويات القيادة منذ مؤتمر 1981.

وهذا التطور يعود بنا إلى جذور الحركة الإصلاحية في القرن التاسع عشر كما نشأت مع خير الدين التونسي ورفاعة الطهطاوي وعبد العزيز الثعالبي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. هؤلاء جميعاً كانوا مخلصين للإسلام شديدي الإيمان به، وكانوا متألمين لما حققه الغرب من تقدم في كافة المجالات بينما المسلمون متخلفون، وكان مشروعهم كيف يقتبسون بلغة خير الدين - من الغرب مادة تفيد المسلمين، وكيف يستوعبون مكاسب التقدم الغربي دون التضحية بالإسلام.

لأن المشروع الذي كان يطرحه الغرب وتلاميذه عليهم لسان حاله: لا سبيل لكم أيها المسلمون لتحصلوا على بركات التقدم وخيراته إلا بالتضحية بالإسلام أو على الأقل بأبعاده الاجتماعية، أي أن تحيّدوا الإسلام وتُقصوه عن مهماته ورسالته في توجيه الحياة كلها، أي أن تعلمنوه كما علمن الغرب مسيحيته.

ولئن كانت المسيحية في الأصل متهيئة لذلك (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، فإن الإسلام لا يقبله، بل ينبغي أن تمتد توجيهات الله وأنواره في كل أرجاء الفكر وميادين العمل، ولكن دون وصاية من سلطة دينية، إذ أن السلطة في الإسلام مدنية من كل وجه، أي من صنع البشر باجتهادهم وفهمهم ولخدمتهم ومسؤولة أمامهم".

تأثير مالك بن نبي على الحركة الإسلامية التونسية

يقول عن ذلك التأثير:

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
المفكر الجزائرى مالك بن نبي
"لقد كان لمالك بن نبي تأثير في المجموعة الإسلامية التونسية، التي استفادت كثيراً من "ملتقيات الفكر الإسلامي" التي كانت تنعقد مرةً أو أكثر كل سنة في الجزائر خلال السبعينات، وكانت مجموعتنا التي تضم الشيخ عبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وصالح بن عبد الله وحميده النيفر وراشد الغنوشي تذهب في كل سنة في الأعوام 1970، 1971 ، 1972 من تونس إلى الجزائر لحضور تلك الملتقيات حيث نلتقي بمالك بن نبي، الذي كان يخصنا باللقاء والمحاضرة والحوار والتوجيه.
وكنت ولا أزال شديد الإعجاب به، وأعتقد أنه يمثل عنصراً من عناصر الثقافة الإسلامية المعاصرة لم يشغل نفسه بشرح مفاهيم الإسلام في المطلق وانما سلط أدوات التحليل العلمي والمعرفة المعاصرة على واقع المسلمين والواقع الدولي عامة لتبصير المسلمين بحقائق هذا الواقع والقوى المتحكمة فيه وعوامل تطوره بما جعله بحق من دون غيره الامتداد الطبيعي لمدرسة ابن خلدون.
ومما أتذكره جيدا خلال لقائي الأول مع هذا العلامة وكان ذلك في طريق عودتي من فرنسا إلى تونس صائفة 1969 مروراً بالجزائر، أنه رحمه الله وجه انتقادات شديدة لسيد قطب رحمه الله الذي ذكر في أحد كتبه أن الحضارة هي الإسلام أو الإسلام هو الحضارة، وأنه حين كان في أول عهده يعتقد مثل ما كان يعتقد "كاتب جزائري"، كان يكتب عن الإسلام «إن الإسلام شيء والحضارة شيء آخر»، في إشارة إلى مالك بن نبي دون أن يذكر اسمه. ويبدو أن مالك بن نبي اعتبر ذلك تحقيراً من شأنه، فوجد في نفسه على سيد رحمهما الله، وقد انحزت إلى موقف مالك بن نبي واعتبرت أنه أعمق فهماً للحضارة من سيد قطب.
ذلك أن الحضارة هي تحرك الإنسان بالفكرة في الواقع، حركة تفهم الواقع وتغيره وتوظفه لمصلحة الإنسان. أما الإسلام مجرداً فهو منهاج، هو هداية، هو مشروع للحضارة، وليس حضارة ناجزة. وإنما يصبح حضارة عندما يفهم على حقيقته ويطبق التطبيق الجيد من خلال تحرك معتنقيه به في الحياة الحركة المؤثرة في "الإنسان والتراب والزمن" التأثير الإيجابي الفاعل.
وعليه نقول بأن المسلمين يمكن أن يكونوا متحضرين كما يمكن أن يكونوا متخلفين. وأما سيد قطب فمقتضى موقفه أن الإنسان متحضر إذا كان مسلماً ومتخلف إذا كان غير مسلم، وهذا يقود في النهاية إلى التكفير، مثل اعتقاد الخوارج بأن المسلم هو الإنسان الكامل لأن الإسلام هو الكمال، ولا يكون الإنسان مسلماً بزعمهم حتى يتماهى مع هذا الكمال.
وبالتالي كفّر الخوارج الناس بالمعاصي والذنوب لأنها تتناقض مع صفة الكمال. كذلك طور سيد قطب هذه الفكرة المثالية للخوارج وطبقها على موضوع الحضارة، ومقتضى ذلك أنه لا يكون الإنسان متحضراً إلا إذا كان مسلماً كاملاً، وبالتالي فإن مجتمعاتنا جاهلية غير مسلمة لأنها غير متحضرة، ومن هنا أتت فكرة الجاهلية ويكون غير المسلم بالضرورة بدائيا متخلفا وهو ما لا يشهد عليه الواقع.
بل يشهد أن الحضارة دول "وتلك الأيام نداولها بين الناس" تماما كالصحة والمرض والفقر والغنى، وهو ما يتساوق مع شهادة التاريخ والواقع. فتكون الحضارة وفق مالك بن نبي شيئا آخر غير الإسلام، وأن المسلم يمكن أن يكون متحضراً إذا أحسن فهم الإسلام وتفاعل به مع الواقع فغيره.
وأما إذا لم يحسن الفهم والتطبيق حتى مع اعتقاده في الإسلام، فهو مسلم ولكنه مسلم متخلف أو ظالم. وبالتالي يمكن أن نتصور مسلماً متحضراً وآخر متخلفاً، ومسلماً عادلاً وآخر ظالماً، تماماً كما يمكن أن نتصور كافراً ظالماً وكافراً عادلاً.
فالكافر الذي يحسن زراعة حقله متحضر في الزراعة، بينما المسلم العابد الذي يقوم الليل لكن لا يحسن الفلاحة أو يهمل زراعة الحقل فهو مسلم متخلف في الزراعة،وسيكافئه الله على قيامه الليل يوم القيامة ولكن لن يرفع من مستوى إنتاجية حقله المتدنية ولن يحرم الكافر من ثمار حقله التي استحقها بجهده لا بسبب كفره.
وكما أن الفلاح المسلم لا يكفر ولا يخرج عن الإسلام لمجرد كونه فلاحاً بدائياً أو فاشلاً، فكذلك الحاكم المسلم الذي لا يعدل لا يخرجه ظلمه بالضرورة من الإسلام مع أنه سيبقى به متخلفاً ظالماً، على حين أن نظيره الحاكم الغربي وإن يكن كافرا بالعقيدة لكنه ما عدل في حكمه بين الناس أو أحسن توظيف الطاقات البشرية في اكتشاف كنوز الكون وتسخيرها لمصالح الناس فهو متحضر ومستحق لثمار جهده في الدنيا انتصارا وازدهارا.
وقديماً تحدث علماء الإسلام مثل ابن تيمية عن العادل الكافر والمسلم الظالم فقالوا إن الله ينصر الحاكم العادل وإن يكن كافراً ولا ينصر الحاكم الظالم وإن يكن مسلماً، فكان تفكيرهم أقرب إلى الاعتدال والمعاصرة وروح الإسلام من كثير من مناهج التكفير الرائجة في أوساط من الحركة الإسلامية المعاصرة التي لا تخلو من ادعاءات النطق باسم الحقيقة الإسلامية المطلقة واحتكار تمثيل جماعة المسلمين والفرقة الناجية.
وهو تفكير تكفيري متشدد مصادم للتعددية الإسلامية ولمنطق الإسلام السمح، إنه "الكنيسة الإسلامية" المعاصرة، أوالانحطاط الإسلامي المعاصر الذي مثّل نكوصا بالفكر الإسلامي عمّا كان عليه في زمن الأفغاني وعبده ورشيد رضا والثعالبي وابن باديس والبنا...ألخ، إنه زحف الصحراء على المدن في زمن انكماش دور الحواضر الإسلامية الكبرى التي كانت معروفة.
لقد أضاف مالك بن نبي بعداً آخر إلى تكويننا هو البعد التاريخي الاجتماعي، أو البعد التحليلي للظاهرة الاجتماعية والسياسية والتاريخية، فلم نعد نتعامل مع نظريات إسلامية، مثل المرأة في الإسلام أو الاقتصاد في الإسلام أو الحكومة في الإسلام
كما هو سائد في الأدبيات الإسلامية، وإنما أصبحنا نتعامل مع واقع المسلمين سواء الواقع القائم الآن أم الواقع التاريخي، على ضوء مفهوم الحضارة والتخلف والعدل والظلم والديمقراطية والديكتاتورية وليس فقط على ضوء مفهوم الإيمان والكفر.
ذلك أن معادلة السلوك الإنساني فردا وجماعة لا تتقوم بعنصر واحد على أهميته هو عنصر الايمان. وهو ما يتساوق مع منطق القرآن في تعامله مع الأمم الأخرى حيث الأداة المستخدمة غالبا ليست أدوات التعميم مثل كل، وانما أدوات التبعيض "ليسوا سواء من أهل الكتاب...".

وهذا المنطق التحليلي النسبي يجعل غير المسلمين ليسوا كتلة صماء واحدة معادية، بل منهم العدو ومنهم المحايد ومنهم الصديق وكل حين له أحكامه الخاصة في التعامل (سورة الممتحنة 7)، والمسلم ليس مبرّءا من الظلم وصدور العدوان عنه مما يوجب في رده عن غيه ولو بمقاتلته (سورة الحجرات). لقد منحنا ابن نبي أدوات أخرى للتحليل فوسّع من آفاقنا.

فأصبحنا نرى أنه من الخطأ أن يظل المجتمع والسلوك البشري بمختلف تعقيداته يحلّل على ضوء مفهوم واحد مبسّط مثل مفهوم الإيمان والكفر، لأن السلوك البشري أكثر تعقيداً من أن يستغرق في مفهومٍ واحد كما تقدم ثم بعد ذلك جاء الخميني ليضيف إلى تكويننا في نهاية السبعينات بعداً آخر وأداة تحليلية أخرى هي الاستكبار والاستضعاف، وهي أداة تحليلية مفيدة في فهم السلوك البشري، فالناس لا ينقسمون فقط إلى مؤمنين وكافرين.

بل ينقسمون أيضاً إلى متحضرين ومتخلفين، وعادلين وظالمين، ومستكبرين ومستضعفين. وأنه في الصراع الدائر بين هؤلاء وأولئك يوجب الإسلام على المسلم الوقوف مع مواقف التحضر ضد التخلف ومواقف العدل ضد الظلم، ومع صف المستضعفين ضد صف المستكبرين، ومع أنصار الحرية والديمقراطية ضد الطغاة والمتجبرين، مع موسى ضد فرعون بقطع النظر عن الجانب العقدي لهؤلاء وأولئك. فالحق أحق أن يتبع وهو ليس منحصرا في المؤمنين، قال تعالى" يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى" المائدة07".

من ثمار تعدد التجارب والمرجعيات

يشرحها قائلاً:

"هيأتنا هذه الأدوات التحليلية لخوض الصراع مع الحركة اليسارية في الجامعة. وكانت حركة أصولية تكفيرية بالمعنى الاجتماعي أو الفلسفي، ذات بعد واحد تسعى جاهدة لاختزال حركة التاريخ وصراعات المجتمع ومسالك الأفراد في بعد واحد هو العنصر الاقتصادي.
"لقد بدأنا نستوعب الصراع في تعقداته، وندرك أن الله لم يخلقنا لمحاربة الشيوعيين، بل خلقنا لمحاربة الظلم والظالمين، والظلم قد يصدر من المسلم وقد يصدر من الكافر، وإنما جاء الإسلام بالعدل ولذلك ينبغي أن ندافع عن العدل وحيثما العدل فثم شرع الله وحيثما الظلم فثم أعداؤنا.
بعد هذا التوجه أصبحنا في طليعة المدافعين عن الحركة النقابية في الثمانينات بعد أن استوعبنا قضايا الحرية والعدل ومنها أننا أصبحنا نحن الذين نقود الإضرابات وقد احتوينا قضايا العمال في الإطار الإسلامي، وأصبحنا نحن الذين نقود النضال ضد الظالمين وأوليائهم، ضد الحكومة والرأسماليين الجشعين.
وأصبحنا نؤكد على انحيازنا للمستضعفين لا تأبيداً لصراع اجتماعي بين العمال وبين رأس المال، إذ ليس في المجتمع المسلم المثالي ظلم مجحف يؤدي إلى انقسام المجتمع وإلى صراع بين الطبقات. مجتمع الإسلام مجتمع أخوة، مجتمع عدل وتضامن وتعاون، وتقارب في مستويات العيش.
ولكن مادام الظلم والانقسام والصراع قائماً فالحركة الإسلامية ينبغي أن تنحاز للمظلومين وأن تقف في وجه الظالم المتمثل في رأس المال ودولته. نحن مع المظلوم في الصراع بين الاستكبار والاستضعاف، بين الرأسماليين المحتكرين والشعوب المستضعفة إن على الصعيد المحلي أو على الصعيد الدولي. فكما لا ينبغي لنا أن نقف مع الظالم لا يجوز لنا أن نظل حياديين، بل يفرض علينا ديننا أن نقف مع المظلومين والمستضعفين من أهل ملتنا أو من غيرهم على حد السواء.
نقلتنا هذه المقولات من المعارضة الآلية ذات البعد الواحد للدولة إلى المعارضة المؤسسة على مبادئ وقيم إنسانية تجد أسسها ومكانها في الإسلام، بل إن مكانها الأساسي في الإسلام، وكان خطأ أن ضيّقنا إطار الإسلام فاختزلناه في بعد واحد من أبعاده هو البعد العقدي، أي معيار الإيمان والكفر.
لقد استوعبنا حقيقة أن الإيمان بالله الحق العدل الرحيم تجلياته تتبدى في المجتمع: كفاحاً ضد الظلم ونضالاً من أجل العدل وحقوق المستضعفين، بينما الكفر في أحلك صوره هو الظلم. وفي ضوء ذلك يمكن أن يفهم المرء قول الله تعالى: «إن الشرك لظلمٌ عظيم»(لقمان 12).
وفي هذا المنظور الواسع للإسلام أمكن بيسر لحركتنا استيعاب قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومناصرة ثورات التحرر في العالم في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية فضلاً عن القضية الفلسطينية حتى عندما كانت تقودها منظمة التحرير العلمانية، فقد ناصرناها على حين كانت حركات إسلامية أخرى متحرجة.
وكذلك كان حالنا في قضية تحرير المرأة، فكما عارضنا في الأول مفهوم الاشتراكية أو العدل لتلبسه بالشيوعية عارضنا "تحرير المرأة" لأن جماعة بورقيبة هي التي رفعت رايته. ولكن في نهاية السبعينات، عندما استيقظ الحس الاجتماعي فينا تحت وطأة حركية المجتمع مستفيدين من تجربة التحرر النسوي في السودان، وهي تجربة متميزة في الحركة الإسلامية المعاصرة، تبين لنا وجود ظلم حقيقي للمرأة في المجتمع الإسلامي التقليدي.

وكان العلمانيون هم الذين يرفعون لواء الدفاع عنها حتى وإن كان ذلك تأثرا بالنمط المجتمعي والحضاري الغربي وليس امتدادا مع تراث الحركة الإسلامية الإصلاحية، تماماً كما أن ضحايا الرأسماليين من المظلومين حمل لواء الدفاع عنهم الشيوعيون وهي بالأساس قضية إسلامية دافع عنها محمد علي الحامي والطاهر الحداد وسيد قطب من موقع الإسلام.

أدركنا أن ذلك لا يبرر ولا يجيز بحال أن نتخلى عن قضية نحن أولى بها منهم، بل مطلوب منا أن نتفاعل مع كل قضية عدل. بل ينبغي على المسلم إزاء كل قضية عدل أن يعتبر نفسه أولى بها من غيره، ولقد أخطأ بعض المسلمين فهم ما يجري في المجتمع والعالم بسبب تضييقهم للجهاز التحليلي مما أفقدهم القدرة على استيعاب القضايا الإنسانية مثل قضية الديمقراطية وقضية مبادئ حقوق الإنسان ودعم سلطة المجتمع المدني ومؤسساته إلى ما سواها من القضايا العادلة التي هي من جوهر إسلامنا، ولا يضير المسلم أن يكون قد حمل لواء الدفاع عنها غيره بل إن في ذلك ما يحمله على الشعور بالذنب والتقصير، وما يدفعه إلى الاستدراك واللقاء مع القائمين يناضلون على أي جبهة من تلك الجبهات للشد من أزرهم وتنسيق الجهد معهم في اتجاه توحيد الجهد والتحالف.
ومما يؤسى له أنه لا يزال قطاعٌ من المسلمين يماري في الدفاع عن هذه القضايا العادلة ويعتبر أنها جاءتنا من الغرب والمتغربين وأنه ما دام قد حمل لواءها الأمريكان والغربيون فينبغي أن نجافيها أو نعارضها أو نتحفظ على الأقل في استخدام مصطلحاتها، وذلك على غرار الشيوعيين الذين طالما ناصبوا الديمقراطية وحقوق الإنسان العداء واعتبروها بضاعة امبريالية بورجوازية ولكنهم بعد أن روّضتهم المحن وعرّكتهم التجارب لم يكتفوا بالانتماء إليها وإنما عمدوا إلى احتكارها واتخذوها سيفا مسلطا على رقاب الإسلاميين كما فعلوا مع مفهوم المجتمع المدني، مع أن الأصل أن كل ما هو خير فالإسلام أولى به، أليست الحكمة ضالة المؤمن، وهل بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، أو ليس الإسلام هو مجتمع الأسماء الحسنى " ولله الأسماء الحسنى ".
لكل هذه الاعتبارات التي أسلفنا، نحسب أن مشروع الحركة الإسلامية في تونس رغم أنه أقصي بالقوة والعنف، إلا أنه لا يزال يمثّل أملاً، لا للتونسيين فقط وإنما لغيرهم، في الحوار والتعايش بين التيارات والأحزاب وحتى بين الحضارات كالإسلام والغرب.
ولذلك لا عجب أن يجد هذا المشروع الذي أخذت الحركة الإسلامية العالمية تستوعبه بالتدريج بوعي أو بدونه دون أن تسميه في كثير من الأحيان بعد أن كانت في السابق ترفضه وتنال من دعاته صدىً كبيراً متعاظماً، إذ كان له دور كبير في الحوارات الوطنية بين الإسلاميين وبقية الأحزاب وفي التحالفات والمشاركات الإسلامية في الحكم، وفي إقامة العلاقة مع القوميين والمبادرة بالحوار معهم مما تمخض عنه في النهاية تكوين مؤسسة تجمع بين القوميين والإسلاميين.

كما وكان له دور مهم أيضاً في الحوار مع الغرب، حتى غدا كثير من الغربيين الآن يؤكدون على أهمية هذا الفكر الذي يقدم أرضية مشتركة ويطرح الحوار والتعاون بديلاً عن حتمية الصراع. كما كان لهذا المشروع الفكري دور في الدفاع عن صورة الإسلام في العالم، وهي تتعرض لحملات منظمة من طرف أعتى وأمضى أجهزة الفكر والإعلام الغربية وامتداداتها بقيادة الأخطبوط الصهيوني الذي نصب الإسلام غرض على إثر سقوط الاتحاد السوفياتي وخشيته من فقدان الدور والاهمية والتمويل والدعم.

فنفخ في كير العداء للإسلام والتهويل من خطره. حتى كادت صورة الإسلام تقترن بكل ما تبغض النفوس، واعتباره الخطر الأعظم المهدد لكل منجزات الانسانية، فكان لفكر الوسطية الإسلامية وما أقامه من علاقات مع الأوساط العلمانية التحررية إن في الوطن العربي أو في الغرب دور مقدر في التخذيل عن الإسلام وفي المساعدة على اكتشاف مشروعه الإنساني العظيم. وكان من ذلك "حلقة الأصالة والتقدم" التي تأسست من طرف عدد من المفكرين الإسلاميين والغربيين من بلاد مختلفة منذ سنة 1996 وعقدت ندوتين حتى الآن".

قراءات في فكر راشد الغنوشي

وهنا نسرد لحضراتكم قراءات لبعض الكتاب في فكر راشد الغنوشي للإفادة:

كتب الأستاذ عبد التواب عبد الله على موقع مركز المسبار للدراسات والبحوث [2] "قراءة في فكر الأستاذ راشد الغنوشي" الآتي نصه:

يؤكد الغنوشي على تواصله مع تيار الإصلاح الإسلامي، الذي بدأه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، مرتئيا أن الإسلام هو الشرط الوحيد لتجديد حياة المسلمين، حيث يقول إن
"التخلف الذي تردى فيه المسلمون منذ قرون، وأسلمهم الى الضعف وغلبة الأمم عليهم، وسبقها لهم في مجالات العلوم ونظم الحياة، مما يفرض إعادة التفكير في الإسلام باعتباره الشرط الضروري لكل تجديد وتطور في حياة المسلمين، بسبب ما يتمتع به الإسلام من مكانة محورية في تكوين العقليات والسلوكيات الفردية والجماعية لدى المسلمين. وفي هذا الصدد يكثر في أدبيات المصلحين منذ قرنين على الأقل الاستئناس بالحديث الشهير الذي بشر فيه صاحب الدعوة عليه السلام بأن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها".
وهو يرى أن هذا الحديث الذي خضع لتأويلات غير قليلة، يمكن تفسيره بـ"جماعة" أو" مذهب" أو" مدرسة"، كما يمكن أن يكون فرداً، ورأى أن هذا التيار تمثله بعض الاتجاهات من مثل: اتجاه مدرسة التنظيمات الذي تعبر عنه تجربة محمد على في مصر، ويرى سقوطها عائدا لهجمة الجيوش الغربية عليها، وكذلك تجارب شبيهة، كإيران مصدق، وفترة عبد الناصر، ويعيد فشلها لأسباب خارجية، ونجاعة الأخيرة ناتجة عن فقدانها للسند الشعبي.
أما الاتجاه الأقدم والأعرق في رأي الغنوشي فهو اتجاه السلفية الجهادية، الذي مثله محمد بن عبد الوهاب في السعودية، ودعوة ولي الله الدهلوي في الهند، والسيد أحمد الشهيد، ويضم إليه المهدي السوداني، وعثمان بن فودي، الذي كان من المجددين في مالي ونيجيريا وأسس دعوة ودولة هناك، كما يضم له محمد عبده ورشيد رضا، بل وتيارات الإخوان المسلمين حيث يرى أن حركة الإخوان في بلاد العرب، والجماعة الإسلامية في شبه الجزيرة الهندية، تعتبران نموذجاً لهذا المشروع الإصلاحي، الذي يخوض اليوم معارك كبرى ضد خطة الهيمنة الغربية وامتداداتها وعملائها.
وهنا يلاحظ أن الغنوشي الذي كتب هذه الورقة عام 2002، لا يفرق بين السلفية العلمية والسلفية الجهادية والسلفية الإصلاحية، ولكن يدمج الجميع في تيار واحد، صار الأشهر المعبر عنه هو تنظيم القاعدة، فالسائد في الخطاب العربي المعاصر، هو تعريف تيار الشيخ محمد عبد الوهاب وربما انضم إليه تيار الأفغاني وعبده وغيرهما بتيار الإصلاح، أو السلفية الإصلاحية، أما أن يدمج الجميع في تيار معاصر، يشير إلى تنظيم متطرف كالقاعدة وغيرها من الجهاديات المعولمة، فلا شك أن الغنوشي لو كان يقصد ذلك فهو مصاب بإشكال كبير، خاصة وأنه لم يشر للقاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى، السابقة أو اللاحقة، وإن لم يكن يقصد ذلك فتظل المشكلة مصطلحية ومفهومية عنده فقط.
كما يلاحظ في الاقتباس السابق استخدام الغنوشي لتعبيري "الهيمنة" و"العمالة" وهما تعبيران تآمريان وإيديولوجيان بامتياز، وهو ما يوحي بتصلب نظري مستور في الخطاب الفكري لراشد الغنوشي، كما سنوضح من خلال عدد من النماذج، وقضايا فكرية ثلاث، هي:
    1. قضية العلمانية والموقف من العلمانيين.
    2. الموقف من المجتمع المدني.
    3. الموقف من الغرب.

الموقف من العلمانية والعلمانيين

الشيخ راشد الغنوشي في الصين
يُلاحظ على موقف راشد الغنوشي من العلمانية والعلمانيين ضبابية وعدم وضوح كبيران، حيث يحمل شبهة تكتيكية في كثير من الأحيان، ويمكن الاستدلال على ذلك بأن الغنوشي في موقفه النظري الغالب من العلمانية هو التشدد والرفض، وكذلك الموقف من العلمانيين، ولا تحضر إمكانية التحالف والحوار إلا على قضايا مشتركة، ذات مرجعية علمانية بالأساس، مثل الديمقراطية وحق المشاركة للإسلاميين، أو الدفاع عن حقوقهم الإنسانية، أو الموقف من العلمانية الغربية، التي تحتضن الجزء الأكبر من الحركة الآن، بينما تظل مرونته أو تجديده النظري محصورة في الإطار التقليدي، بل يستخدم التعبيرات نفسها للتخوين والاتهام ذوي الدلالة العقدية أو السياسية.
يقسم الغنوشي العلمانيين إلى فريقين، متطرف ومعتدل، يرى في المتطرفين فريقا عميلا ومنافقا في رأيه، وهم يستلهمون مرجعية فكر الأنوار وخلفائه الماركسيين
"ممن لا يرون في الدين غير كونه وهما وملاذا للعاجزين، وأداة استغلال في يد أصحاب النفوذ للضعفاء والمساكين، وهو تيار لا شأن له بالإصلاح الإسلامي، لأنه خارج الدائرة جملة، حتى وإن اضطره صعود المد الإسلامي للهروب من لافتة الشيوعية والتخفي تحت لافتة الديموقراطية والمجتمع المدني وحقوق الانسان، وكان تحوله هذا بسرعة البرق على إثر سقوط الإميراطورية الشيوعية، بما يجعله امتدادا لمدرسة النفاق التي برزت تاريخيا إثر انتصار الإسلام".
هكذا تحضر تعبيرات: "خارج الدائرة جملة" و"امتداداً لمدرسة النفاق"، وهي تاريخيا كما أشار الغنوشي تعرف بإظهار الإسلام وإبطان الكفر، وهي تأتي بعد حديثه عن المفاصلة بين هذا الاتجاه وبين المد الإسلامي السياسي مما يوحي بخطاب اتهامي بالجملة، لا شك أنه يفتقد ما قد يلح عليه البعض من اعتدال الغنوشي.
وهذا ما يتضح أكثر في توصيفه للعلمانيين المعتدلين، الذين كنا نظن أنه سيلح على التقارب منهم، أو التخطئة الجزئية لهم، فلم يكن إلا كمن يقول: ليس لهم من الاعتدال إلا اسمه، ولكنهم متطرفون ومنبوذون في الحقيقة؛ فميزتهم فقط أنهم "يبدون حرصا متزايدا ولا سيما هذه الأيام على انتمائهم الإسلامي، ولا يستبعد من بعضهم أداء بعض شعائر الإسلام"

ولكنه يضيف:

"وكثير منهم قد تصل به اللجاجة الى حد أن يقدم نفسه مجتهدا ومجددا في الإسلام، مدافعا عنه لدرجة اتهام كبار فقهائه بالجهل بمقاصده، كاتهام دعاة الحركة الإسلامية وعلمائها بالإساءة اليه، وباستغلاله في أغراض سياسية"؛ وهو يرفض منهم اقتصارهم في نظرتهم للدين على أنه تراث حضاري فقط، ولا شأن له بالدولة والتشريع، ويسخر الغنوشي منهم في كونهم يرفضون قوانين الإسلام وشرائعه، بينما يقبلون "سلطان القانون الدولي ومؤسساته وعهوده، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
ويذكر الغنوشي عدداً من النماذج من هؤلاء العلمانيين المعتدلين مثل "المصري نصر أبي زيد، والجزائري الفرنسي أركون...وبعض الإسلاميين الإيرانيين"، وهو يرى في هذا الاتجاه "امتدادا لغلاة المتصوفة من أقطاب فلسفة الحلول من أصحاب الأذواق والمواجيد والتفسير الإشاري، ولذلك لا عجب أن احتل أقطاب فلسفات الحلول ووحدة الوجود مكانة متميزة لدى أصحاب التيار العلماني"، وهو يرى أن هذا التيار لم يضف شيئا مذكوراً، وليس أكثر من تكرار لعلي عبد الرازق صاحب الإسلام وأصول الحكم قائلا: "هذه الموجة من المصلحين لا تضيف شيئا مذكورا الى دعاوى علي عبد الرزاق، بل هي نقل وإحياء لها رغم توبته منها".
ويتضح موقف الغنوشي أكثر من العلمانية في كتابه "مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني"، الذي يقول فيه تحت عنوان "جاءتنا العلمانية على ظهر دبابة وبقيت تحت حمايتها" ما يوحي ويؤكد اتهامه لها:
"سيلاقي المنافقون من حكام العرب والنخب العربية الملتفة حولهم، والتي لم يبق لهم من مشروع ومن مصدر استرزاق غير محاربة الإسلام والإسلاميين، سيجدون عنتا شديدا إذا أرادوا أن يجعلوا لخطابهم ضد الحركة الإسلامية مصداقا لدى الشعوب"؛ هكذا نذير العنت للأنظمة الحاكمة والنخب العلمانية يطلقه الغنوشي في وجه الجميع، ما لم يطبقوا الإسلام كما تتصوره جماعات الإسلام السياسي، وهو نذير يشبه نذر الراديكالية الإسلامية في تشكلاتها العنفية المختلفة.
ويفسر الغنوشي لنا عنوانه في المقاربات "مجئ العلمانية على ظهر دبابة" باستشهاده بالحالة الجزائرية "لقد بلغ الأمر في الجزائر، إلى حد خروج حشود العلمانيين إثر فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مظاهرة يستصرخون الدبابات لمنع قيام حكم إسلامي، شاهدين على أن العلمانية قدمت إلى بلادنا على ظهر دبابة ولا تزال، غير قادرة على الحياة إلا في حمايتها" ويضيف في رفض العلمانية للإسلام: "قامت العلمانية وخرجت منادية بأعلى صوتها: "لا للعروبة، لا للإسلام.. قالتها في صراحة أن مشكلها ليس مع اجتهاد من اجتهادات المسلمين ضد آخر، إنه ضد الإسلام نفسه" .
هكذا يخلع الغنوشي لباس الهوية والانتماء عن العلمانية العربية والعلمانيين العرب، أي انتماء، فهم ضد العروبة وضد الإسلام وضد الوطن وضد الجماهير.. هم منافقون ليس أكثر كما أكد في سياق سابق، لا شك أن نقد التجربة الجزائرية والانقلاب على نتيجة الانتخابات كان خطأ بدرجة ما، رغم تبرير البعض لها، لكن لاشك أن الإسلاميين الجزائريين كانت لهم أخطاؤهم كذلك في إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات، وهو ما كنا ننتظر من وجه إسلامي يوصف بالاعتدال شأن الشيخ راشد الغنوشي أن يشير إليه، ولكن الرجل كما يشير لا يراهم يملكون رؤية وليسوا أكثر من جهلة، فهم "ليسوا في غالبهم من أهل العلم أو الثقافة، وإنما هم إلى عصابات المافيا أقرب" .
هكذا تتشكل وتتضح رؤية الغنوشي للعلمانيين العرب على المستوى النظري، رغم أن بعض هؤلاء عمليا كانوا من مؤيديه، وممن وقفوا ضد استبداد النظام البورقيبي بحركته، وهم مطالبون دائمون بالديموقراطية، ورفض التعذيب، ونموذج الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وبعض المثقفين الموضوعيين في تونس ماثل، ودليل قوي على ذلك، فقد خسرت هذه المنظمة شرعيتها ونزل عليها جام الغضب من النظام التونسي الحاكم، نتيجة وقفتها ورفضها للمحاكم الاستثنائية والعسكرية للإسلاميين في تونس.

الموقف من المجتمع المدني

لا يختلف الغنوشي عن تصور الإسلاميين للمجتمع المدني بالمرادفة بينه وبين المجتمع الأهلي، دون تفريق بينهما، وهو الخلط الذي يتجاهل ما يسمى "قيم المجتمع المدني نفسه" شأن التسامح السياسي والفكري والديني والروح المدنية وغيرها من بنيات هذا المجتمع" .
ويرى الغنوشي أن مفهوم المجتمع الإسلامي المدني "راسخ متين، لأنه متفرع عن طبيعة الإسلام التمدينية الحضارية، وتحقيق لرسالة الإسلام، ومقاصده التمدينية في الانتقال بأهله من حال البداوة، إلى حال المدن والحضارة"، وفي حديثه عن تاريخ تطور المفهوم في الغرب بالمقارنة بالعالم الإسلامي يقول: "لقد اتجه نضال الشعوب الغربية إلى تحرير الإنسان والمجتمع والدولة من هيمنة المقدس الساحق، على حين تتجه الشعوب الإسلامية في نضالها المعاصر إلى تحرير الإنسان والمجتمع والدين من هيمنة الدولة الحديثة التي سحقت المجتمع".
وهو يرى أن مهمة الحركة الإسلامية الآن هي إقامة مجتمع أهلي إسلامي، عبر مبادرات أفراده بإقامة مؤسساته، وهو يثنى على تجربة محمد خاتمي في إيران حين جعل مشروعه للحكم قائما على إقامة مجتمع مدني إسلامي في ظل سلطة القانون، أي سلطة الشريعة، وهو ما ينقل مركز الثقل من الحاكم إلى المحكوم، ومن الأمة إلى الدولة، كما يستشهد بما قاله الإمام محمد مهدي شمس الدين، من أن المقدس هو الأفراد والجماعات، ليس غيرهم .
ويرد الغنوشي انحدار أو تراجع المجتمع الأهلي الإسلامي إلى "تمكن الغزو الغربي من الإجهاز على نمط الدولة السلطانية، التي ورثت الخلافة، بدءاً بتنحية سلطان الشريعة، وإبدالها بالقانون الغربي، كما حصل في معاهدة لوزان، التي فرضت على دولة تركيا التخلي عن الشريعة الإسلامية"، وهو ما كان من نتاجه، حسبما يذكر الغنوشي، مصادرة الوقف الإسلامي، وتأميم مؤسسات المجتمع الأهلي الإسلامي، وتأميم مؤسسات التعليم وإلحاقه بالدولة، واسبتدال فئة العلماء -باعتبارها صانع فكر الدولة وثقافته بفئة المثقفين خريجي المدارس الغربية".
إن نظرة الغنوشي للمجتمع المدني إيجابية لحد كبير، وهو ينصف التجربة الغربية في الانتصار لهذه القيم، رغم تحفظاته على الثقافة والسياسة الغربية في كثير من تشكلاتها وتجلياتها، وهو ما يعكس وعي الغنوشي بأهمية تقوية المجتمع المدني في مواجهة الدولة التسلطية، التي عانى منها وأقرانه فترة طويلة، و"تأنيسها بعد توحش، وإحداث انقلاب في موازين القوى لصالح الأفراد وكرامتهم، ولسلطان الجماعة، واستغناءها لحد بعيد عن الدولة، وتقليص تمدد هذه الأخيرة وحصرها في أضيق نطاق، ليمثل هدفا رئيسا لجهاد الحركة الإسلامية الحديثة على طريق دورة حضارية جديدة" .
ونرى في مثل هذا الخطاب وعيا متنورا بأهمية المجتمع المدني، لكن لا شك كذلك أنه موظف لخدمة الهدف الإسلامي ليس أكثر، كما أنه لا يؤكد على أهمية التحالف، فضلا عن إمكانية القبول بممثلي المجتمع المدني، الذين ينتمي أغلبهم لمرجعية "نفاقية" و"علمانية" حسب توصيفات الغنوشي نفسه.

الموقف من الغرب

يتبدى الغرب في كثير من الأحيان في فكر وخطاب الغنوشي في صورة العدو المتآمر ضدنا، والذي ينبغي علينا مواجهته دائما، ما يجعل الصراع في تصوره غير منته، حسب قوله:" الحقيقة التي للمسلمين أن يفخروا بها، هي أنهم كما كان لهم شرف الإسهام الكبير في انهيار امبراطورية الإلحاد، فقد كان لهم الشرف العظيم أن كان لمقاوماتهم الإسلامية الدور الطليعي في استنزاف قوى العملاق الأميركي، وإصابة جيوشه واقتصاداته ومجتمعه بأعظم الخسائر التي فاقت قوى تحمله" ، وهو خطاب يقترب كثيرا من خطاب الراديكاليين الإسلاميين لأقصى حد.
بل يرد الغنوشي الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في الربع الأخير من 2008 للمقاومة الإسلامية، وهو المنطق نفسه الذي يتحدث به زعماء القاعدة، وسقوط اليمين المحافظ في الولايات المتحدة، ويصعد بدلا منه الديموقراطيون ممثلين في الرئيس أوباما والإدارة الأمريكية الجديدة (انتخابات 2008)، ولكنه لن يكون عالم الإنصاف والعدل.

ولكن عالم الأنصاف، أي أنصاف الحلول حتى لا يستبشر المسلمون، فكما أن أوباما يحتوى الأنصاف في جذوره (من أب مسلم وأم مسيحية)، فكذلك ستأتي حلوله، يقول الغنوشي: "يمكن اعتبار أن المرحلة كما قيل هي مرحلة الأنصاف وليس الإنصاف: رئيس من أب أسود وأم بيضاء، أب مسلم وأم نصرانية، رئيس من أب أفريقي وأم أميركية. وهكذا مرشح أن تكون الحلول أنصافا بين المحافظة والتجديد، بين رأسمالية بجرعة اشتراكية أو إنسانية، سيطرة أميركية بشراكة أوروبية" .

ويعتمد الغنوشي المرادفة بين الحرب على الإرهاب والحرب على الإسلام، كما يحاول كثير من قادة الراديكالية الإسلامية ترويج هذا الترادف، فواحد من ملامح العالم الجديد بعد إدارة بوش في رأيه هي "أن الفشل الذريع لاستراتيجية الحرب على الإرهاب، كانت غالبا الاسم الرمزي للحرب على الإسلام، تلك الحرب التي مثلت تهديدا خاصة للوجود الإسلامي في الغرب، يضع أمام الإسلام فرصة لأداء رسالته في إعادة المعنى والقيمة الخلقية إلى حضارة فقدتهما" ، كما أن من ملامح هذه الفترة الجديدة حسب الغنوشي أنها تقدم فرصا جديدة للأقليات الإسلامية، وللحركة الإسلامية والديموقراطية، فالأقليات الإسلامية في الغرب بشكل خاص، تنفتح أمامها فرص غير مسبوقة للاندماج الفاعل في مجتمعاتها.
وفي حديثه عن الوجود الإسلامي في الغرب، يرى الغنوشي أن تأثير جماعات الإرهاب تشوه صورة الإسلام هناك، وتسبب العديد من المشاكل لهذا الوجود، وهي نقطة مهمة نوافقه عليها، إذ تفصل بين إسلاميتين، إسلامية واعية يمثلها الغنوشي وغيره، وإسلامية عدمية تمثلها جماعات الإرهاب حسبما يصفها، يقول الغنوشي: "يضاعف من مشاكل المسلمين تصاعد تأثير جماعات الإرهاب على صورة الإسلام عامة، وعلى الأقليات المسلمة بشكل خاص، بما يكاد يجعل من كل مسلم في الغرب مشروع إرهابي يخشى منه".

وهو ما يزيد من أثره على حد قول الغنوشي:

"غياب نماذج مجتمعية إسلامية تشهد لعدالة الإسلام ورحمته وقدرته على استيعاب كل كسب حضاري، بما يرجح صورة الإسلام الخطر، والربط بينه وبين الإرهاب والعداوة للفنون الجميلة وللديموقراطية وللسلام ولحرية المرأة ولحقوق الإنسان، بما هو الضد من كل وجه لدين، إنما جاء لمصالح العباد وتتميم مكارم الأخلاق واعتبار البشر كلهم إخوة".
يلح الغنوشي في كثير من كتاباته على إمكانية وضرورة المصالحة بين الإسلام والقيم الحديثة، شأن الديموقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهو بهذا الخطاب يفارق ويفاصل مع الجماعات الجهادية، ولكن يظل هناك التقاءات غير مقصودة بين خطاب الرجل وبين هذا الخطاب الذي يرفضه، من قبيل تصور الحرب على الإرهاب حربا على الإسلام، أو امتداد هذه الحرب منذ الحروب الصليبية، أو وصف المخالفين من الحكام أو النخب العلمانية بالنفاق والعمالة كما سبق أن ذكرنا، وهو ما جعل خطاب الغنوشي يحمل سمات الاعتدال والمرونة، كما يحمل سمات التشدد والتصلب، كما اتضح في بعض مواقفه العملية بالخصوص طوال فترة رئاسته للحركة.
إن واحدا من أبرز علامات الاعتدال في فكر راشد الغنوشي، يتضح في تمييزه النخب الغربية إلى فريقين، وأن منهم العقلاء الذين يمكن التحالف والتعاون معهم، وهم الذين يفهمون السياق الدولي فهماً عادلاً وموضوعياً، مقابل فريق اليمين المتطرف الذي ينظر لهذا السياق وبخاصة قضايا المسلمين فيه نظرة أيديولوجية غير عادلة، فهو لا ينفي وجود القوى العاقلة في الغرب، التي "تنطلق من أن الإسلام أمر واقع ومكون من مكونات الحقيقة الغربية، وليس من سبيل غير العمل على إدماجه، والإفادة مما يتوفر عليه من إمكانات خلقية اجتماعية يحتاجها الغرب" .
ويرى راشد الغنوشي أن هذه القوى العاقلة هي التي "لا تزال غالبا تمسك بمقود القيادة السياسية، ولكنها تتلقى ضغوطا هائلة، وبالخصوص من قبل القوى اليمينية والصهيونية، وما تمتلكه من قنوات إعلامية نافذة، وتهدد بالوصول إلى الحكم لتنفيذ برامجها.. ولا يؤمن وصولها" .
وتبدو دعوته للتحالف بين القوى الإسلامية في الغرب، وبين الاتجاهات العقلانية والحقوقية هناك، حيث يقول:
"الواضح أن محصول المسلمين ضعيف على صعيد عقد تحالفات مع القوى ذات المصلحة في التغيير، مثل القوى الحقوقية والإنسانية واليسارية، عدا أمثلة محدودة برزت هنا في السويد، خلال حكم الاشتراكيين، كما برزت في بريطانيا خلال الحرب على العراق وفلسطين، عندما تولى قيادة الرابطة الإسلامية فريق تمكن من عقد تحالف واسع مع فئات يسارية ومضادة للعولمة وللحرب قادت مسيرات مليونية" .
ويدعو الشيخ راشد الغنوشي المسلمين في الغرب لضرورة تطوير فكر "الإسلام الغربي"، والذي يعتبره واحداً "يمثل أهم تطورات عصرنا، وهو مرشح لأن يكون له دور مهم جداً في مستقبل علاقات الإسلام بالغرب، كجسر تواصل وتقارب، قد ينتهي بوضع حد نهائي لعلاقات الحرب، فاتحا عهداً جديداً من التعارف والتعاون" ، وهو ما يتم في رأيه عبر تفاعل إيجابي بين ثقافة إسلامية أصيلة وسطية، وبين مقومات الثقافة الغربية المحلية، من أجل إنتاج مسلم سويدي أولا ثم مصري أو تونسي، ويحدد لذلك عددا من الأدوات مثل المزاوجة بين تعليم اللغات المحلية واللغة الأم، ودوام تواصل الأجيال الجديدة مع بلد المنشأ، وغيرها من الأدوار الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الغربي نفسه.
ويشدد الغنوشي على تطوير الخطاب الإسلامي الموجود في الغرب قائلا: "الخطاب الإسلامي في الغرب مطلوب أن يتطور في كل اتجاه، في اتجاه إسلامي جامع لكل مكونات هذا الوجود، متجاوزا الحدود القطرية والاختلافات الحزبية والمذهبية باحثا عن الإجماع"
وهو ما يؤكد على ضرورته للأسباب التالية:
"حتى يمكن لهذا الكم الإسلامي الممزق أن يكتشف مصالحه الجامعة ويعبر عنها تعبيرا واحدا، وأن يتطور في اتجاه الأجيال الجديدة متوجها إليها بلغاتها، حاملا همومها، مستوعبا مشاكلها، وأن يتطور في اتجاه أبناء البلد الأصليين، حاملا خطابا إسلاميا وطنيا بأثواب قيمية إنسانية جامعة، مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان، ومكانة الآداب والفنون، ومكانة المرأة، والدفاع عن مقومات الوطنية، وكذلك ضرورة التحالف مع القوى التحررية في الغرب" .
تبين هذه العينة التي اخترناها من القضايا، أن خطاب الشيخ راشد الغنوشي يتميز بانفتاح عال في كثير من المسائل، ولكنه انفتاح يظل محكوما في المقام الأول بضغوط الموقف السياسي والسياق الذي يتكلم فيه وإليه، ولكن يظل إشكالية، على الرغم من مرونته التي لا تختصر السياسي في الديني، مميزة بينهما دون تقسيم، إلا أنه يحتوي تصلبا في الموقف من الحكومات والنخب العربية المخالفة له، وكذلك في الموقف من العالم الغربي في كثير من الجوانب، وليس فقط من يصفهم بالعقلاء في فضائه، من المتعاطفين مع القضايا العربية الإسلامية.

ألبوم صوره

ألبوم صور الشيخ راشد الغنوشي


إضغط علي الصورة لتظهر بحجمها الكامل

 

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-يستقبل-السيد-جنباز-سيرخراز-القيادي-في-الحزب-الاسلامي(معترف-به)-في-افغانستان

راشد الغنوشي

مصطفى-مشهور-والغنوشي

راشد الغنوشي

لقاضي-حسين-أحمد-أمير-الجماعة-الاسلامية-يزور-الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

لشيخ-راشد-الغنوشي-في-حديث-مع--الدكتور-محمد-سعد-الكتاني-رئيس--الكتلة-البرلمانية-للاخوان

راشد الغنوشي

بلافق

راشد الغنوشي

راشد-الغنوشي-مع-سعد-الدين-العثماني

راشد الغنوشي

الغنوشي

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-يلقي-كلمة-في-الاجتماع-العام

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-يستقبل-بعض-قيادات-أهل-السنة-في-ايران

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-يستقبل-السيد-جنباز-سيرخراز-القيادي-في-الحزب-الاسلامي(معترف-به)-في-افغانستان

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-مع-الأستاذ-محمد-نزال-عضو-المكتب-السياسي-لحركة-حماس-والدكتور-وليد-الطبطبائي

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-مع-الاستاذ-أحمد-جه-أمير-جماعة-عباد-الرحمان-السينغالية

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-في-مكتبه

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-في-حوار-صحفي

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-في-حديث-مع-نشطاء-إسلاميين-من-فرنسا

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-في-حديث-مع-الكاتب-الصحفي-نبيل-شبيب

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-في-حديث-مع-إسلاميين-من-تركيا

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-تونس

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-في-الصين

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-09

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-10

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-08

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-07

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-06

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-05

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-04

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-03

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-01

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-02

راشد الغنوشي

السيد-شهباز-شريف-حاكم-مقاطعة-البنجاب--يستقبل-الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

قناة-الرافدين-تحاور-الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

قناة-الهلال-التركية-تستضيف-الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

صحفي-تركي-في-حوار-مع-الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

صحفي-تركي-في-حوار-مع-الشيخ-راشد-الغنوشي

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-والبيانوني-في-مظاهرة-لغزة

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-مع-الدكتور-محمد-الأحمري

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-مع-الدكتور-عبدالرحيم-علي-رئيس-مجلس-شورى-حزب-المؤتمر-الوطني-الحاكم

راشد الغنوشي

راشد-الغنوشي-مع-حارث-الضاري-الأمين-العام-لهيئة-علماء-المسلمين-في-العراق-وهمام-سعيد-المراقب-العام-للإخوان-المسلمين-في-الأردن

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-مع-الدكتور-حارث-الضاري-الأمين-العام-لهيئة-علماء-المسلمين-في-العراق-والدكتورهمام-سعيد-المراقب-العام-للإخوان-المسلمين-في-الأردن

راشد الغنوشي

الشيخ-راشد-الغنوشي-مع-الدكتور-حارث-الضاري-الأمين-العام-لهيئة-علماء-المسلمين-في-العراق-والدكتورهمام-سعيد-المراقب-العام-للإخوان-المسلمين-في-الأردن



المراجع والمصادر


للمزيد عن الشيخ راشد الغنوشي

مؤلفات وكتابات الشيخ راشد الغنوشي

.

أقرأ-أيضًا.png

مفات متعلقة

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

ألبوم صور الشيخ

وصلات فيديو

تابع وصلات فيديو

.

أقرأ-أيضًا.png
ملف الإخوان في تونس

.