إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

رسائل إلي الدعاة

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
رسائل إلى الدعاة


بقلم/ المستشار عبدالله العقيل

محتويات

مقدمة الناشر

الدعوة إلى الله جزء من حياة المسلم - كل مسلم - في بيته، ومع أسرته، وفي عمله، ومع زملائه، وحتى مع مخالفيه وأعدائه، وهي فرض كفاية يمارسها، ويتحمل مسؤوليتها كل مسلم، وليست مهمة طائفة معينة من الناس، قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (الأنعام: 162، 163).

وقد يتصور البعض أن الدعوة إلى الله أن يعتلي الداعية المنبر، ويلقي الدروس والمحاضرات، ولكنها في الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فكل مسلم داعية إلى الله في موقعه ومحل عمله، وفي تخصصه، بالسلوك والقدوة والتطبيق العملي لأخلاق الإسلام وهديه وسنة الرسول الكريم وصحابته (رضوان الله عليهم).

لكنها تحتاج إلى شروط ومقومات؛ حتى تؤتي ثمارها، وتحقق مقصدها في استمالة القلوب والعقول والتأثير فيها وجذبها للاستجابة لمطلوباتها، وأهمها: الإخلاص لله، ووضوح الهدف، وإصلاح النفس وتهذيبها، والتزود بفقه الدعوة باللين والرفق والموعظة الحسنة، ومعاملة كل فئة بما يناسبها، والتدرج معها، وعدم التعجل أو التكلف، والصبر والأناة في الدعوة.

ومركز الإعلام العربي، إذ يقدم لقرائه الكرام هذه الرسائل التي يوجهها رجل الدعوة فضيلة المستشار عبد الله العقيل إلى الدعاة، يسأل الله (سبحانه وتعالى) أن تضيف جديدًا، وأن تكون خطوة على طريق النصر والتمكين لدين الله في الأرض بإذن الله تعالى.

مقدمة المؤلف

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان، وكرمنا بدين الإسلام، وجعلنا تبعًا لسيد الأنام محمد عليه الصلاة والسلام.

وبعد،

فإن الإسلام خاتم الرسالات السماوية، والقرآن الكريم خاتم الكتب المنزلة من عند الله، حفظه الله من التبديل والتحريف والحذف والإضافة، وصانه حتى وصل إلينا كما أُنزل، قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر: 9)، ورسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأمة الإسلام التي حملت الرسالة العظيمة، وتتلمذت في مدرسة النبوة على يد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، هي التي نقلت هذا الخير إلى شتى بقاع الأرض شرقًا وغربًا، حتى عمَّ الإسلام أرجاء الدنيا.

هذه الأمة تلقت الإسلام من مصدرين: كتاب الله (عز وجل)، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، قولاً، وفعلاً، وتقريرًا، ففقهت الإسلام حق الفقه، والتزمت به في سلوكها وأعمالها، وكان كل فرد فيها إسلامًا متحركًا يسير على قدمين.. يدعو الناس إلى الخير، فكانت عملية التغيير للعالم كله من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام.

لقد تلقى صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الإسلام بعقولهم وقلوبهم.. لم يفهموه فهمًا نظريًا، بل أتْبَعُوا الفهم والتدبر بالتطبيق العملي، فكان سلوكهم كأفراد وأسر وجماعات، صورة واقعية للإسلام، ثم انتقلوا إلى مرحلة أخرى، وهي دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

والدعوة إلى الله فرض، يتحمل مسؤوليتها وتبعاتها كل مسلم، وليست مهمة طائفة معينة من الناس، وقد انطلق المسلمون الأوائل دعاة إلى الله في كل مكان، يخرجون الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد الواحد القهار.

فعلى الدعاة إلى الله في هذا العصر أن يسلكوا ما سلكه صحابة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والسلف الصالح (رضوان الله عليهم)، وأن يدعوا الناس إلى الإسلام الشامل، ويبينوه لهم بالكلمة المسموعة، والمقروءة، والفعل المشاهد، والتطبيق العملي، والقدوة، والدعوة الفردية والجماعية، ومن خلال المحاضرات، والندوات، والخطب، والمواعظ، والكتب، والمجلات، وغيرها من وسائل الدعوة.

إن مهمة المسلمين في الحياة هي هداية البشر إلى الحق، وإرشاد الناس إلى الخير، وإنارة العالم بشمس الإسلام، والمسلم الحق هو الذي يجعل دنياه وقفًا على دعوته؛ ليكسب آخرته جزاء تضحيته؛ لأن عبادة الله والجهاد في سبيل التمكين لدينه وإعزاز شريعته هي المهمة الأساسية للمسلم.

والشعوب الإسلامية لا تريد غير الإسلام، عقيدة تؤمن بها، ونظامًا يحكمها، ودينًا يجمع شتاتها، وأخوة توحد صفوفها، وعملاً صادقًا يحقق أهدافها، وعدالة تسود مجتمعاتها، ومساواة تنتظم طبقاتها، فالإسلام - و الإسلام وحده - أمل الجماهير في إخراجها مما هي فيه، والنهوض بها مما تعانيه، وبناء حاضرها ومستقبلها، والتصدي للتحديات التي تواجهها.

إن العلاج في الإسلام وحده دون سواه، فإذا حمله أبناؤه بصدق وإخلاص، وعملوا بمقتضاه، وطبقوا أحكامه في واقع حياتهم، سادوا وانتصروا وفازوا، وإن كانت الأخرى - لا قدَّر الله - فذلك هو الخسران المبين، والذل المهين.

فإلى الإسلام من جديد، عقيدة وشريعة ونظامًا ومنهاجًا للأفراد والمجتمعات، والدول والحكومات، والأمم والشعوب؛ لتسعد البشرية كلها، ويستقر الأمن والسلام، وتصان كرامة الإنسان.

الدعوة إلى الله مهمتنا

إن الدعوة إلى الله هي رسالة الأنبياء جميعًا، وسيد الدعاة هو نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو قدوتنا وأسوتنا في كل ما نأخذ وندع من أمور؛ لأنه المبلغ عن ربه، والمنزل عليه وحيه، والمخاطب بقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، ففي ظلال القرآن الكريم نعيش، ومن كنوز السنة النبوية الشريفة نغترف، وعلى منهج السلف الصالح نسير.

والدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم، وليست مختصة بطائفة دون أخرى؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: «بلغوا عني ولو آية»، فكل مسلم مطالب بأن يفقه إسلامه، ويعمل به، ويدعو الناس إليه؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى.

وإن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية تنتظم العالم كله، وتعم البشرية كلها، وهي رسالة الأنبياء جميعًا ومهمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (فاطر: 28).

وإن الدعوة إلى الله هي أحسن الأقوال وخير الأفعال (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين) (فصلت: 33).

والرسول (صلى الله عليه وسلم) قدوتنا وأسوتنا، وهو المثل الأعلى للدعاة إلى الله، حيث أمره ربه (عز وجل) بقوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، فكان الداعية الحكيم الحليم، حثنا على العلم والتفقه في الدين بقوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، ورغبنا في الدعوة وهداية الناس بقوله: «لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك من حُمر النعم».

وأوصي المسلمين بطلب العلم والتفقه في الدين والدعوة إلى الله ونشر العقيدة الصحيحة بالأسلوب الحكيم والموعظة الحسنة، والإقبال على العبادة وتهذيب السلوك وتصفية القلوب من لوثات الجاهلية كالحقد والحسد والبغضاء والشحناء والغيبة والنميمة والكذب وقول الزور، وكل ما يبذره الشيطان الرجيم في نفوس الناس.

وأوصيهم بالتعارف وإحياء الأخوة الإسلامية بينهم، واحترام أهل العلم من المشايخ والعلماء والدعاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وفعل الخير لكل الناس، وحسن التوكل على الله، وإخلاص النية له وطلب المثوبة منه.

فلنكن على يقظة وحذر، ولنأخذ للأمر عدته، فالطريق إلى الله ليس مفروشًا بالورود والرياحين، ولكنه طريق شاق وطويل؛ لأنه طريق الأنبياء، والجنة محفوفة بالمكاره، والنار محفوفة بالشهوات، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فلنعمل بما يرضي الله تعالى، ولنسر على منهج الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الدعوة إلى الله، وتقديم الخير للناس جميعًا، ولنخلص النية في القول والعمل (ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا) (الطلاق: 3).

فلنتحرك بالدعوة إلى الله في كل ميدان دون ضعف أو كلل أو تراخٍ أو كسل متفاعلين مع الأحداث، مؤثرين فيها، وموجهين لسياستها وفق المنظور الإسلامي والتصور الإسلامي المستقى من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة.

الدعوة والدعاة شرف مهمتهم ووجوب دعمهم

لم يخلقنا الله (عز وجل) إلا لعبادته وحده لا شريك له (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56)، والعبادة هي الخضوع لله (عز وجل) والتذلل له، وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ حتى يعبده الناس على بصيرة، والرسل هم هداة الخلق وأئمة الهدى ودعاة الثقلين جميعًا إلى طاعة الله وعبادته (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (النحل: 36).

وقد ختم الله الرسل ببعثة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) فكان خاتم الأنبياء، وكان الإسلام خاتم الأديان، وكان القرآن خاتم الكتب السماوية، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وأوذي في الله أشد الأذى، ولكنه صبر على ذلك كما صبر مِن قبله الرُّسل، وظل يدعو إلى الله سرًا وجهرًا، وسار الصحابة من بعده على منهجه، وكذا التابعون وأتباعهم إلى يومنا هذا.

إن الدعوة إلى الله من أهم المهمات وأشرفها في كل زمان ومكان، فقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوبها، وأنها من الفرائض (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104)، وقال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، وقال عز من قائل: (وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين) (القصص: 87)، وقال سبحانه: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) (يوسف: 108)، فبيّن الله (عز وجل) أن الدعاة إلى الله هم أتباع الرسل (صلى الله عليه وسلم)، وهم أهل البصائر.

ولقد صرح العلماء بأن الدعوة إلى الله فرض كفاية بالنسبة للأقطار التي يقوم فيها الدعاة بالدعوة إلى الله، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة، وعملاً صالحًا جليلاً، ولكن عند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل، تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته.

وفضل الدعوة والدعاة إلى الله وردت فيه آيات وأحاديث كثيرة كقوله تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين) (فصلت: 33)، وقال (صلى الله عليه وسلم): «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».

فالمقصود من الدعوة إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإرشادهم إلى الحق، والمسلمون هم أمة دعوة عالمية؛ لأن رسولهم وكتابهم ودينهم للعالمين جميعًا.

ولا يصح بحال من الأحوال أمام هذه النكبات التي تجتاح العالم الإسلامي كله، وتستهدف الدم المسلم والمال المسلم والعرض المسلم والأرض المسلمة أن نقف مكتوفي الأيدي، نمضغ خلافات جوفاء، وتسيطر علينا أفكار ضحلة، وتسيرنا أهواء قاتلة وشهوات غبية.

إن الهداة المبلغين عن الله جمع غفير من بدء الخليقة إلى ختام النبوات بصاحب الرسالة العظمى سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي كان منهجه تغيير العالم أجمع من الشرك إلى التوحيد، ومن الضلال إلى الهدى ومن الجهل إلى العلم.

إننا نريد ثقافة تجمع ولا تفرق، وترحم المخطئ ولا تتربص به المهالك، وتقصد إلى الموضوع ولا تتهارش على الشكل.

يقول الغزالى: "الحق أن هناك أناسًا يشتغلون بالدعوة الإسلامية، وفي قلوبهم غل على العباد، ورغبة في تكفيرهم، وإشاعة السوء عنهم.. غل لا يكون إلا في قلوب الجبابرة والسفاحين، وإن زعموا بألسنتهم أنهم أصحاب دين، إن فقههم معدوم، وتعلقهم إنما هو بالقشور والسطحيات".

ويقول أيضًا: «إن الجهود مبذولة لمطاردة الدعاة الصادقين من العلماء الأصلاء والفقهاء الحكماء للقضاء عليهم، وترك المجال للبوم والغربان من الأميين والجهلة والسطحيين يتصدرون للدعوة، ويتحدثون باسم الإسلام.

إن القليل من الدعاة المخلصين تضيع جهودهم رغم إخلاصهم بسبب التضييق عليهم وهضم حقوقهم وجهودهم التي يبذلونها أمام هذا الجيش اللجب من المنصِّرين، فأصبح جهدهم يشبه نشاط التجار الصغار أمام الشركات الكبرى".

الأهداف العامة للدعوة الإسلامية

إن مجمل الأهداف العامة للدعوة الإسلامية يكون بنشر الإسلام الصحيح المستمد من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة، وتوحيد كلمة المسلمين، وضم صفوفهم، والسعي الجاد لإزالة أسباب الخلاف بينهم، وتوجيههم إلى العمل البناء، وجمعهم على الأصول المتفق عليها، وإحياء روح الأخوة الإسلامية والتكافل فيما بينهم، وتطبيق الشريعة الإسلامية في مجتمعهم، وإقامة حكم الله، وإعلاء رايته، ودعوة الناس جميعًا إلى دين الإسلام، وإزالة كل الشبهات والمعوقات التي يضعها الأعداء في طريق الدعوة إلى الله، فالإسلام دين عالمي، والأمة الإسلامية ذات رسالة كبرى، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) رسول هداية ورحمة للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107)، ومهمة المسلمين هي الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104).

ودولة الإسلام تطبق العدل، وتشيع السلام، وتحفظ الحقوق، وتصون الأرواح والأموال والأعراض، وتتصدى للظلم والطغيان (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (البقرة: 190).

ولهذا فواجب الدعاة اليوم أن يبذلوا كل جهد لتوحيد كلمة المسلمين ورص صفوفهم، والبعد عن مواطن الخلاف، والاجتماع على كلمة سواء تحت راية التوحيد، وفي ظل الأخوة الإسلامية والعمل الهادف البناء في تربية الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم والحكومة المسلمة التي هي ثمرة طبيعية لمنهج التربية الإسلامية الذي سنه المصطفى (صلى الله عليه وسلم).

ولا بد من بذل قصارى الجهد لرفع الظلم والحيف عن الأقليات المسلمة المضطهدة في العالم وتقديم كل المعونات المادية والثقافية والمعنوية والاجتماعية للارتفاع بمستواها، وتخفيف العبء عنها؛ لتنهض بدورها في مهمة حمل الدعوة الإسلامية، وتنطلق مبشرة بهذا الدين الحنيف في الأوساط التي تعيش فيها، بحيث يشعر المسلمون في كل مكان أنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

واجبات الداعية أمام مسؤوليات العصر الجسام

إن الدعوة واجبة على كل مسلم، وليست مختصة بطائفة دون أخرى؛ لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول: (بلغوا عني ولو آية) فكل مسلم مطالب بأن يفقه إسلامه، ويعمل به، ويدعو الناس إليه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى.

صورة من أحوال المسلمين:

على أن المتأمل في أوضاع المسلمين اليوم وبعض أقطارهم، يجد أن الكثير من تلك البلدان، مبتلاة بالغزو الثقافي والاستعمار السياسي الذي يحرم المسلمين من أدنى حقوقهم الإنسانية، ويرى انتشار الموبقات والمنكرات، وشيوع الفاحشة، والاجتراء على الدين والمروق منه، والتحلل الخلقي، ويلاحظ تسلط البنوك الربوية، وتحكيم القوانين الوضعية، واستبعاد الأحكام الشرعية.

إن حال المسلمين اليوم أشبه بحالة الأمة الإسلامية حين الهجوم الصليبي، حيث كان لكل مدينة ملك أو أمير أو حاكم، فقد ورد في كتب التاريخ أن (أنطاكية) كان يحكمها الأمير (سيان)، و(حلب) كان يملكها الملك (رضوان)، و(دمشق) كان يملكها الملك (دقاق)، و(حمص) كان يحكمها الأمير (سلمان)، فضلاً عن الدولة الفاطمية بالقاهرة، والدولة العباسية بالعراق.

ومثل هذا حدث بالأندلس، حيث كان لكل مدينة أمير المؤمنين ومنبر، والكل منهم يتهارش على السلطة، ويستعين بالنصارى على إخوانه في الدين.

وصدق الشاعر في وصفها، حين قال:

مما يزهدني في أرض أندلس

ألقاب معتصم فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

نقطة الضعف:

فكانت هذه الدويلات والحكومات والإمارات المتشرذمة المتقوقعة هي نقطة الضعف في الكيان الإسلامي، ومنها أُتِيَ المسلمون، وعن طريقها كان ضياعهم؛ لأن الإسلام لم يكن في يوم من الأيام إقليميًا ولا قبليًا ولا عنصريًا، بل كان دعوة عالمية رحبة فسيحة، تشمل الدنيا كلها والعالم كله (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء: 107).

وكان المسلمون هم القادة والرواد، ولم يكونوا قط الأتباع والأذناب. والمسلم - كما يقول شاعر الإسلام (محمد إقبال) - هو الذي يقود ولا يقاد، ويسود ولا يساد، ويكون في مقدمة الركب لا في ذيل القافلة، يذيب ولا يذوب، يؤثر ولا يتأثر، شأنه دائمًا معالي الأمور، ينظر إلى الأمام، ولا يلتفت إلى الخلف، يجاهد ولا يجبن، يتقدم ولا يتأخر.

التغريب:

ولهذا، فحين ابتعدت بعض أقطار المسلمين عن تحكيم شريعة الله، وأقبلت تقلد الغرب في قوانينه وتشريعاته وأخلاقه وعاداته وفنونه وآدابه؛ نشأت طبقة من المعجبين بالغرب، المبهورين بحضارته، دون تمييز بين الصالح منها والطالح، بل أخذوها بخيرها وشرها وحلوها ومرها، كما جاء ذلك على لسان من أسموه بعميد الأدب العربي ـ طه حسين ـ الذي يقول في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) ص41 ما نصه: "إن الطريق واضحة بينة مستقيمة، ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوربيين، ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا، ونكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يحب منها وما يكره، وما يحمد وما يعاب".

الحداثيون:

بل بلغ الزيغ بأحد رموز الحداثيين وهو الشاعر الشيوعي عبد الوهاب البياتي أن يكتب قصيدة بخط يده، وينشرها في مجلة اليمامة بعددها رقم 900 الصادر بتاريخ 30/7/1406هـ، ص81 تحت عنوان (الولادة في مدن لم تولد)، وكان مما قال فيها:

"أدفن في غرناطة حبي، وأقول: "لا غالب إلا الحب". فغرناطة التي كانت آخر معاقل المسلمين في الأندلس، والتي كتب على جميع جدران القصر الحمراء فيها عبارة (لا غالب إلا الله)، جاء هذا الصعلوك ليعارض هذه العبارة بقوله: "لا غالب إلا الحب".

ثم يقول في مكان آخر: "في الأصقاع الوثنية حيث الموسيقى والثورة والحب، وحيث الله، فسيبقى صوتي قنديلاً في باب الله".

ويتحدث عن اللغة العربية متهكمًا ومستهزئًا وشانًا عليها حربه القذرة بهذا الهذيان الذي يثير الغثيان، حيث يقول: "اللغة الصلعاء كانت تصنع البيان والبديع فوق رأسها باروكة، وترتدي الجناس والطباق في أروقة الملوك، وشعر الكدية الحصيان في عواصم الشرق على البطون، في الأقفاص يزحفون، لينمو القمل والطحلب في أشعارهم".

يقول سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز في مقدمته لكتاب الأستاذ القرني عن (الحداثة في ميزان الإسلام): "أحمد الله الذي قيَّض لهؤلاء الحداثيين من كشف أستارهم، وبيَّن مقاصدهم وأغراضهم الخبيثة وأهدافهم الخطيرة بهذا الكتاب. فقد كشف لنا القناع عن عدو سافر يتربص بنا، ويعيش بين ظهرانينا، ينفث سمومه باسم الحداثة، نسأل الله أن يحفظ جميع بلاد المسلمين، وأن يدفع عنها كيد الكافرين، وحقد الحاقدين في الداخل والخارج، إنه ولي ذلك والقادر عليه".

ويقول أستاذنا الشيخ الغزالي: "يبدو أن الهبوط عمَّ الدين واللغة معًا. فهان الأدب هوان الإيمان، ورسب المبنى والمعنى جميعًا في قاع بعيد القرار.

فلقد قرأت مقالاً بعنوان (القلق والإبداع والأديب المعاصر) فأدهشني أن الكاتب ذكر اسم المتنبي في سياق واحد، مع نزار قباني. المتنبي الحكيم الذي يقول في تصوير المجد وتكاليفه:

لا يدرك المجد إلا سيد فطن

لما يشقُّ على السادات فعَّال

لا وارث جهلت يمناه ما وهبت

ولا سؤول بغير السيف سئال

فيحشر مقولة نزار قباني في رثاء امرأته:

(السيف يدخل لحم خاصرتي وخاصرة العبارة، كل الحضارة أنت يا (بلقيس) والدنيا حضارة). والحق أنني استنكرت الجمع بين الحكمة والقمامة. بين الأدب في الأوج، والأدب في القاع".

الأقزام في سوق الأدب

إن سوق الأدب اليوم صار المتصدرون فيه هم الأقزام المهازيل والملاحدة المارقون. يحدثنا الأستاذ عوض القرني في كتابه (الحداثة في ميزان الإسلام) عن مثل آخر من رموز الحداثة في اليمن هو د. عبد العزيز المقالح - صاحب الفكر اليساري - حيث يقول في ديوانه ص139 تحت عنوان (قبلة إلى بكين):

ارسم قبلة على جبينك الأخضر يا بكين.

أطلق باسم اليمن الخضراء حمامة بيضاء.

متى أسير ولو أمتار رحلة النهار؟

رحلة ماو والأنصار.

ورحلة كل الطيبين.

متى متى؟.

ويقول في قصيدة أخرى نشرتها له مجلة العربي:

صار الله رمادًا.

صمتًا.

رعبًا.

في كفي الجلادين.

حقلاً ينبت سبحات وعمائم.

بين حرب الأغنية الثروة.

والرب القادم من هوليوود.

كان الله قديمًا حبًا.

كان سحابة.

كان نهارًا في الليل.

أغنية تغسل بالأمطار الخضراء.

تجاعيد الأرض.

أرأيتم إلى هذه الغثائية؟ أسمعتم بهذا الكفر البواح. إن أحد تلامذته الحداثيين يخاطبه في مجلة اليمامة بعددها المرقم 897 بتاريخ 9/7/1406هـ، تحت عنوان (إلى رمزنا الثقافي الجميل د. عبد العزيز المقالح): "ائذن لي – أستاذنا - أن أعبر لك عن إيقاع الثقافة بين جوانحنا، وعما نكنه لك هنا من إكبار وابتهاج، وبتكوينك النادر جدًا الذي أشعل إعجابنا بك وتقديرنا واحتفائنا...".

ومثال آخر، يحدثنا عنه د. عدنان النحوي في كتابه (الحداثة من منظور إيماني)، وهو المسمى (أدونيس)، واسمه بشهادة الميلاد/ علي أحمد عيسى، نصيري الأصل من جبل العلويين، منتمٍ إلى الحزب القومي السوري الذي كان يرأسه أنطون سعادة - صاحب الدعوة الغربية الخبيثة التي تربط بلاد الشام بأصول فينيقية، وتقطع صلة البلاد والعباد بالإسلام - يقول في كتابه (مقدمة في الشعر العربي) ص25: ".... الإنسان هنا - لا الله - هو المقياس للأشياء...".

ويقول في ص49: "هذا ما يتيح لنا أن نستبق الوجود نفسه، ونكون ما لا يقدر أن يكونه، البدء والنهاية، الحياة والموت في لحظة واحدة".

ويقول في ص53: "إنه الإنسان الذي لا يواجه الله بدين الجماعة، وإنما يواجهه بدينه هو ....".

فما هذا الإسفاف المتناهي الذي يستخدم تعبير (يواجه الله)؟، ويمضي هذا الدعي في مقولته، حيث يقول: "إن الطريق التي يرتسمها الإبداع حدسية إشراقية، تبني الإنسان بجحيمه وجنته، بشياطينه وملائكته... واللا محدود واللا نهائي هو مجال الإبداع في المد الخلاق نحو المجهول".

بل يبلغ به الإجرام في هدم العقيدة والدين، حيث يقول ص131: "الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطة ثابتة متعالية منفصلة عن الإنسان، والتصوف ذوب ثبات الألوهية، وأزال الحاجز بينه وبين الإنسان، وبهذا المعنى قتل الله، وأعطى للإنسان طاقته، فالمتصوف يحيا في سكر يسكر بدوره العالم، وهذا السكر نابع من قدرته الكامنة على أن يكون هو والله واحدًا" – تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا – هذا هو منهج وأسلوب من يسمون أنفسهم بالحداثيين، وهو حلقة من حلقات الهدم للدين وصرف المسلمين عن إسلامهم، فهل يعي المسلمون ذلك، وينهضوا للتصدي لدعاة الهدم الذين كرسوا هجومهم على أمة الإسلام؟!

العلمانيون ومغالبة الإٍسلاميين

يقول الدكتور القرضاوي: إن العلمانيين يحاولون أن يغالبوا الإسلاميين بالتهويل والتضليل، والإرهاب الفكري والنفسي، إنهم يلقون حبالهم وعصيهم، معتمدين على الغرب وقوته ومساندته لهم.

والإسلام الذي ندعو إليه هو الإسلام الذي يخاطب العقل، ويدعو إلى الاجتهاد والتجديد، ويتسم بالوسطية في كل شيء، ويتميز بالواقعية، ويكرم المرأة، ويرى أن الأسرة أساس المجتمع، وأن الزواج أساس الأسرة، وأن الإسلام يهتم بالتربية والتوجيه، ويقيم المجتمع على أواصر الإخاء والوحدة بين أبنائه، ويؤكد حق الأمة في اختيار حكامها، ويحافظ على المال، ويعني غاية العناية بالفئات الضعيفة، وأن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وأنهم إخوة جمعتهم العقيدة الواحدة والقبلة الواحدة والإيمان بكتاب واحد، ورسول واحد، وشريعة واحدة، يعملون لتحرير الأرض الإسلامية من غاصبيها، وفي مقدمتها فلسطين - أرض النبوات، ومسرى النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبلد المسجد الأقصى.

مهزلة هيكل!!

إن من المهازل أن جريدة (الليموند) الفرنسية نشرت حوارًا مع الصحفي المصري محمد حسنين هيكل، جاء في إجابته عن سؤال الجريدة عن المتطرفين بمصر قوله: "إن الحكومة المصرية تشجع المتطرفين؛ لأنها تذيع القرآن الكريم والأحاديث النبوية في إذاعة القرآن الكريم، وهذا من أسباب التطرف"... وكلام هيكل هذا تكرار لما جاء في الصحف الإسرائيلية على مدى ربع قرن من الزمان.

فقد جاء في جريدة (يديعوت أحرنوت) اليهودية في عددها الصادر بتاريخ 18/3/1978م: "أن على وسائل إعلامنا أن لا تنسى حقيقة هامة هي جزء من استراتيجية إسرائيل في حربها مع العرب، هذه الحقيقة هي أننا قد نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا، ويجب أن يبقى الإسلام بعيدًا عن المعركة إلى الأبد، ولهذا يجب أن لا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خطتنا في منع استيقاظ الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أٍسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا لاستعمال العنف والبطش لإخماد أية بادرة ليقظة الروح الإسلامية في المنطقة المحيطة بنا".

كما كتب الكاتب الغربي (بيرغرين دورستورن) في جريدة "الصنداي تلغراف" البريطانية بعددها الصادر بتاريخ 17/12/1978م:

"إن مجرد الاكتفاء بمراقبة الانتفاضة الإسلامية في الشرق الأوسط لن يفيدنا بشيء، وإذا لم نبادر إلى مقابلة هذه الانتفاضة بعنف عسكري يفوق عنفها الديني؛ فإننا نكون قد حكمنا على العالم النصراني بمصير مهين يجلبه على نفسه إذا استمر تهاوننا في مواجهة المسلمين المتطرفين".

رؤية إسلامية

يقول أستاذنا الشيخ الغزالي: "لقد رأيت بني قومي لا يزالون يمضغون خلافات جوفاء، وتسيطر عليهم أفكار ضحلة، وتسيرهم أهواء قاتلة وشهوات غبية، فالعالم يبحث عن الحرية، ونحن نصور الإسلام دين استبداد، وفي عالم يحترم التجربة، ويتبع البرهان نصور الدين غيبيات مستوردة من عالم الجن، وتهاويل مبتوتة الصلة بعالم الشهادة".

ويمضي الشيخ الغزالي قائلاً:

"إننا لا نستطيع فرادى أن نحقق شيئًا طائلاً. فالجماعة من شعائر الإسلام، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب. ومن أجل أن نصل إلى منهج يصل حاضرنا بغابرنا؛ لابد أن تصب الأمة كلها في تجمعات ذات أهداف حقيقية، تجمعات تشبه حلقات الإخوان التي قام عليها التحرك الإسلامي في نجد أو السودان أو مصر، تتعارف على نصرة الإسلام، وتتجاوب بروح الله، وتتكاثر حتى تنتظم القرى والمدن".

يقول الإمام البنا - رحمه الله: "إن القرآن الكريم وضَّح أن مقاصد الناس في الحياة متباينة، فبعضهم همه من الحياة الأكل والمتعة، حيث قال - تبارك وتعالى: (والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم) (محمد: 12).

والبعض الآخر همه في الحياة الزينة والعرض الزائل، حيث قال - تبارك وتعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ) (آل عمران: 14).

والبعض الثالث همه في الحياة إيقاد الفتن، وإحياء الشرور والمفاسد، وهم الذين قال الله فيهم: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) (البقرة: 204ـ 205).

تلك مقاصد الناس باستثناء المؤمنين الذي برَّأهم الله منهم، وألقى على عاتقهم واجب هداية البشر إلى الحق، وإرشاد الناس جميعًا إلى الخير، وإنارة العالم كله بشمس الإسلام.

يوضح ذلك قول الحق - تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) (الحج: 77ـ 78)".

أين المسؤولية:

إن المسؤولية تقع على المسلمين جميعًا؛ فكلهم راع ومسؤول عن رعيته، ولكنها تتأكد على من بيدهم الأمر من الرعاة والدعاة، فالأمراء بقوة السلطة، والعلماء بقوة العلم، والأغنياء بقوة المال - هم المسؤولون بالدرجة الأساس عن نصرة الإسلام، وإصلاح حال المسلمين، والنهوض بهم من كبوتهم، وتوجييهم إلى ما فيه رقيهم ونهضتهم، على أن يكون الأمراء والعلماء والأغنياء هم القدوة الصالحة للأمة، فيكونوا في مقدمتها في الصلاة والجهاد، كما يقول المجاهد الشاعر العالم الجهبذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري:

لا نرتضي إمامنا في الصف

ما لم يكن أمامنا في الصف

بعد هذا الاستطراد نخلص إلى القول بأن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية تنتظم العالم كله، وتعم البشرية كلها، وهي رسالة الأنبياء جميعًا، ومهمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (فاطر: 28)، وأن أحسن الأقوال وخير الأفعال هي الدعوة إلى الله: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين) (فصلت: 33)، ورسوله الله (صلى الله عليه وسلم) كان المثل الأعلى للدعاة، والقدوة للمؤمنين، أمره ربه بقوله: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل: 125)، فكان الحكيم الحليم، والداعية العظيم. حثنا على العلم والتفقه، فقال: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)، ورغبنا في الدعوة وهداية الناس، فقال: (لأن يهدي الله على يديك رجلاً خير لك من حمر النعم)، وقال: (نحن معاشر الأنبياء لم نورث دينارًا، ولا درهمًا، وإنما ورثنا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، وبيَّن أن الصلاة هي عماد الدين، والجهاد ذروة سنام الإسلام، وأن الخيرية في هذه الأمة لا تنقطع، وهي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره.

تحديات العصر ومسؤولية الدعاة

يواجه المسلمون في عصرهم الحاضر تحديات ضخمة تتطلب منهم الوقوف بحزم تجاهها وإعداد العدة اللازمة لمواجهتها آخذين بعين الاعتبار قوة أعدائهم وشراسة حربهم وشدة حقدهم على الإسلام ودعاته، وسعيهم الحثيث للحيلولة دون أن يستعيد المسلمون أمجادهم، ويأخذوا مكانهم اللائق بهم بين الأمم.

ومن أجل هذه الأهداف يسعى خصوم الإسلام بكل السبل المشروعة وغير المشروعة لزرع الخلافات وإضرام نار العداوات بين جماعات المسلمين على مختلف مستوياتها حتى لا يلتئم الصف الإسلامي ولا تتوحد المسيرة، وينشغل المسلمون بأنفسهم عن أعدائهم، ويكون بأسهم بينهم شديدًا.

ومن هنا نحتاج إلى وقفة متأملة لما يجري في الساحة الإسلامية الواسعة، نعيد النظر في الكثير من المواقف، ونتخذ من الأساليب المشروعة ما يحقق للدعوة أهدافها، مستفيدين من تجارب السابقين، ومضيفين إليها حصيلة ما استجد، مختارين لكل مجال رجاله، ولكل بيئة ظروفها، مستهدين بمنهج الإسلام الأصيل المستمد من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة الذي يَعتبر أول مراتب القوة قوة العقيدة، ثم قوة الوحدة، ثم قوة الساعد، ولا يصح بحال من الأحوال أن نفرط في جانب من الجوانب على حساب الآخر، ولا أن نهتم بقوة الساعد قبل قوة الوحدة، ولا بقوة الوحدة قبل قوة العقيدة، فالمسلم الحق هو الذي تكون عقيدة التوحيد قد تشربت في أعماق قلبه، واستشعرها في كيانه وأحاسيسه، وتمثلت في حركاته وسكناته وجوارحه، فصار يتحرك بالإسلام، ويمثله في كل تصرفاته ويواجه الخصوم بكل صلابة؛ لاطمئنانه إلى أن الله معه (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل: 128)، ويسعى جاهدًا لأن يأخذ الإسلام مكانه في واقع الحياة، ويحكم بمنهج الله، باذلاً جهده في بيان دعوة الإسلام، وداعيًا لجمع الكلمة تحت راية التوحيد، وآخذًا بكل الأسباب الموصلة إلى وحدة المسلمين وتوثيق أواصر الأخوة الإسلامية فيما بينهم والتعاون لإعداد العدة والأخذ بها (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة) (الأنفال: 60).

ولهذا فإن الوحدة المنشودة التي يتطلع إليها كل مسلم هي التي تجعل أخوة الإسلام الفيصل في العلاقات بين الأفراد والجماعات والمعلم البارز لكل تصرف يصدر من الدعاة أفرادًا أو قيادات، والميزان الذي توزن به الأمور وتحل بمقتضاه المشكلات والمعضلات، فقد شرع الرسول (صلى الله عليه وسلم) في ترسيخ معاني الأخوة الحقة بين المهاجرين والأنصار، ثم بعدها أخذ في الإعداد والاستعداد لمواجهة الخصوم بقوة الساعد والسلاح؛ فكانت المعارك الحاسمة بين الحق والباطل، وكان البلاء الحسن لرجال العقيدة والوحدة والأخوة والقوة، فحقق الله النصر على أيديهم، ورفع راية الإسلام، وأعلى كلمته، وقمع الباطل وأهله وأزال دولته، وأشرقت الأرض بنور ربها، وزال الطغاة، وتحطمت الأصنام، وانطلقت جحافل المجاهدين شرقًا وغربًا تطهر الأرض من دنس الباطل، وتستأصل شأفة المتكبرين والمتسلطين، وتحرر العباد والبلاد من الظلم والفساد وتظلها براية الإسلام الحنيف الذي جاء لخير الإنسانية كلها ولسعادة البشرية جميعها.

إن الوقفة المتأملة المطلوبة من الدعاة اليوم هي أن يراجعوا مدى التزامهم كأفراد وجماعات بهذا الإسلام، وأن يتأكدوا من سلامة الطريق المطلوب تحقيقها، وأفضل السبل المستطاعة المشروعة للوصول إلى الأهداف والمراحل اللازمة لكل خطوة من الخطوات؛ حتى تتضح الصورة، ولا يلتبس الطريق، وليحرص من بيدهم الأمر على الاختيار الجيّد البناء؛ فالعبرة بالكيف لا بالكم، والنوعية لا بالعدد، فكم من رجال قلائل أجرى الله على أيديهم الخير الكثير لما فيهم من مواصفات الرجال الصادقين المؤمنين، وكم من أعداد هائلة كانت من أسباب الشتات والضياع والهزيمة والفشل.

الصحوة الإسلامية ومكر الأعداء

إن الصحوة الإسلامية تنتظم العالم الإسلامي كله، وهي في الصميم من اهتمامات الدعاة والعاملين في الحقل الإسلامي، يولونها جُلَّ عنايتهم، ويبذلون في تيسير أمورها وترشيد مسارها كل طاقاتهم من خلال الدورات والمؤتمرات والندوات والمحاضرات، والتي آتت ثمارها الطيبة ـ والحمد لله ـ في كل مكان.

ونحن نعلق الآمال الكبار على شباب الصحوة الإسلامية الذين فَقِهوا إسلامهم الصحيح من كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وعرفوا طريقهم إلى الدعوة لإبلاغ رسالة الإسلام وفق المنهج النبوي الشريف المتمثل في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن.. هؤلاء الشباب الصادقون في إيمانهم الذين أتقنوا فن الجهاد لأعداء الله من اليهود والشيوعيين والملاحدة والعلمانيين والمستعمرين، وصاولوهم في ميادين فلسطين وإريتريا والفلبين وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين.

لقد ظن دعاة الباطل وأهل الكفر الذين يراقبون وقائع الصحوة الإسلامية أنه بانقراض كبار السن يخلو لهم الجو، ويعملون عملهم مع ناشئة المسلمين، فيصوغون عقولهم وفق مناهج الغرب وقيمه وأفكاره ومبادئه، ولكن الله تعالى رد كيدهم في نحورهم، وأفشل كل مؤامراتهم، وبقي أبناء الإسلام بدينهم متمسكين، ولرسولهم (صلى الله عليه وسلم) متبعين، وبشريعة ربهم ملتزمين (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون) (الأنفال: 36).

لقد طار صواب الحاقدين على الإسلام من كل الفئات، فتناسوا خلافاتهم، وعكفوا للتآمر على هذا التيار الإسلامي الجارف، الذي أتى على كل مخططاتهم من القواعد، وضاع كل الجهد الذي بذلوه، والأموال التي أنفقوها، وبدءوا بأساليب ماكرة، وخطط خبيثة جديدة لإحداث الفجوة بين العاملين للإسلام، وصنفوا الدعاة إلى متطرفين وسلفيين؛ ليخيفوا الناس من هؤلاء الشباب الطاهرين الملتزمين الحريصين على دينهم، العاملين لدعوتهم، وانطلق إعلامهم المقروء والمسموع والمشاهد يشهِّر بهؤلاء الشباب، ويغمزهم ويلمزهم ويتهمهم بصنوف الاتهامات، ولم يترك مجالاً من مجالات السخرية إلا وسلكه؛ فالسخرية من الحجاب، ومن اللحية، ومن الالتزام بالسنة، والتشكيك في القرآن الكريم والسنة النبوية، والانتقاص من لغة القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي والتقاليد والأعراف الأصيلة، والمجاهرة بالكلام الساقط في العقيدة والقصة والمقالة، وترجمة المئات بل الألوف من كتابات المستشرقين والمبشرين الذين يحقدون على الإسلام ونبيه، وتوزيعها بالملايين بأسعار رخيصة لتشكيك المسلمين في دينهم، فضلاً عن ملايين النسخ من الأناجيل باللغات المختلفة لتنصير المسلمين.

ومن هنا، فإن الواجب على الدعاة جميعًا أن يتخذوا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القدوة والأسوة في كل شيء (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (الأحزاب: 21)، وأن يعرضوا حقائق الإسلام كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ويتناولوا قضايا المجتمع ومشكلات الناس على ضوء المنهج الإسلامي، ويبتعدوا كل البعد عن السباب والشتائم والغمز واللمز للأشخاص والجماعات والهيئات، ويسلكوا مسلك التلميح بدل التصريح، مؤثرين أسلوب النصيحة دون الفضيحة، والتوجيه بدل التوبيخ، والتذكير بدل التشهير، والدعاء بالهداية بدل اللعن، والعمل الهادئ بدل الضجيج، والإخلاص بدل الشهرة.

إن ظاهرة انتشار المساجد وبنائها وصيانتها وعمارتها، وإنشاء المدارس والمعاهد الإسلامية، ورواج الكتاب الإسلامي والشريط الإسلامي، وإغاثة المسلمين ونجدتهم، غراس طيب ومنارات مضيئة وعلامات حياة هذه الأمة المسلمة المستعدة دائمًا للبذل والعطاء والجود بالمال والنفس في سبيل العقيدة؛ لأنها تعلمت من رسولها أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وأنه ما ترك قوم الجهاد إلا ذُلوا، وأنه ذروة سنام الإسلام.

وهاهي النماذج الرائعة والبطولات الفذة التي يقدمها لنا أبطال الحجارة في فلسطين، أكبر شاهد على أن الجهاد الإسلامي هو المولود الأصيل الذي أتى به رحم الصحوة الإسلامية التي انطلقت تجاهد الطاغوت الصهيوني، فقدمت الشهيد تلو الشهيد، والجريح إثر الجريح، وعجت سجون الطغاة بالمئات؛ بل بالألوف من شباب الإسلام وجند الحق.

وإن بوارق النصر لتلوح في الأفق، ومقدمات الفوز وعلائم النجاح بادية للمؤمنين من كل هذه التحديات والحرب الضروس على الإسلام وأهله، لأن الصراع بين الحق والباطل سنة ماضية، والمؤمن سلاحه الصبر والمصابرة والرباط والمثابرة والجهاد والمجالدة (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا) (النور: 55)، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يا رجال الإسلام تحركوا

إن المتتبع لسير الأحداث العالمية، والمتأمل في مجريات الأمور السياسية - يلمس بصورة واضحة دقيقة، أن معظم الناس في العالم كله أصبحوا لا يثقون في قدرة المبادئ والنظم السائدة في العالمين: الشرقي والغربي على حلول مشكلاتهم وعلاج عللهم، سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، مما جعلهم يتشاءمون من كل حركة أو دعوة جديدة لها، فيلحقونها بما سبقها من دعوات لم يكن لها من رصيد سوى الدعاية والقوة التي تفرضها على الشعوب فرضًا، وتلزمها بقبولها قهرًا.

وإزاء فشل الدعوات الحديثة في مداواة جراح الإنسانية، وتسكين آلامها، وبعث الطمأنينة والسلام بين شعوبها.

وأمام هذه الحيرة التي يقف حيالها أحرار الفكر ودعاة السلام الحقيقي، باحثين عن حل حاسم وعلاج ناجع يقضي على هذه الحرب الباردة، ويريح البشرية من نتائجها وويلاتها.

وأمام هذا الجشع المسعور والتسابق المحموم إلى تعبئة القوى وحشد الجهود لحمل الناس حملاً على تبني مبادئ لا يؤمنون بصلاحيتها، بل يوقنون بخيبتها وإفلاسها.

أمام كل ذلك يقف المسلمون، ووسط هذا الخضم المتلاطم يعيشون، دون أن يبدوا حراكًا، أو يتقدموا خطوة، مع أن الحل في أيديهم، والدواء في عقيدتهم، وقد سبق أن سار أسلافهم الأولون يحملون إلى البشرية مشاعل الحرية وأنوار الهداية، فسعدوا، وأسعدوا، وتحرروا، وحرروا، وانطلقوا سراعًا لا يلوون على شيء إلا مرضاة الله، وتقديم الخير إلى الإنسانية جمعاء، وإعتاقها من أغلال العبودية، وقيود الذل، وروابط التبعية.

ولم يحدثنا التاريخ قديمه وحديثه عن دعوة أسمى من دعوة القرآن، ولا دين أرحم من دين الإسلام، ولا خلق أفضل من خلق المسلمين، ولا حكم أعدل من حكم الخلفاء الراشدين.

ولم تسعد الشعوب في ظل دولة كما سعدت في ظلال الإسلام الوارفة، وتعاليمه السمحة وشريعته الغراء.

لذلك ندعو – وكلنا ثقة وأمل بالاستجابة – رجال الفكر الإسلامي، وقادة الإصلاح الاجتماعي، وحملة الشريعة المحمدية إلى أن تتضافر جهودهم، وتتكتل قواهم، ويُجمعوا أمرهم على خوض معركة الحياة بقوة وعزم وصبر وثبات وثقة واطمئنان، فإن السيل لا يوقفه إلا سيل مثله، والتيار لا يصده إلا تيار أقوى منه، وحل المعضلات لا يكون بالهروب منها أو التواري عنها، بل يكون بالبحث والاستقصاء والدراسة والتتبع وإعمال الفكر والنظر، وتشخيص الداء، وتلمس العلاج، فما من مشكلة أو معضلة، وما من مسألة أو حادثة إلا وفي الإسلام لها حل.

ونحن نرى اليوم دعاة الشر قد تجمعوا وأعداء الإسلام قد اتحدوا، وانقضوا على الإسلام يريدون أن ينقصوه من أطرافه، وانقضوا على المسلمين يفسدون أخلاقهم، ويشوهون عقيدتهم، وعلى الوطن الإسلامي يستغلون ثرواته، ويستنزفون خيراته، مستعينين في ذلك بالدول الكبرى، والدعايات الضخمة، والجيوش الجرارة، والمخططات السرية الهدامة، وكل وسائل الإغراء والتهديد والدس والخديعة.

ويساعدهم على ذلك تفرُّق كلمة المسلمين، وتكالبهم على الدنيا، وتطاحنهم على ملاذها وسفاسفها، وإهمالهم لأسباب التقدم والحضارة والمدنية والرقي، وتقاعس العلماء عن أداء واجبهم، والإدلاء بدلوهم في مشكلات العصر، ونكوصهم عن قيادة جماهير المسلمين إلى الحياة الإسلامية الكريمة.

ومما لا شك فيه أن المسلمين جميعًا، وعلى رأسهم علماؤنا الأعلام، لو أخذوا بأسباب اليقظة والنهوض، واجتمعوا على شكل مؤتمرات تضم الصفوة المختارة من أهل الحل والعقد في كل أمر من أمور الإسلام، يتدارسون فيما بينهم حلول الإسلام لمشكلات العصر الحاضر، وينظرون في واقع المسلمين، وسبيل النهوض بهم، وطرق التبشير بالإسلام في المناطق البدائية والبلاد التي لم يصلها الإسلام، أو وصل إليها بصورة مشوهة عن غير طريق أبنائه.

والمسلمون – بحمد الله – لا زالوا بخير، والطاقات العلمية متوفرة لديهم، والعلماء الأفذاذ يملؤون ديار الإسلام، ولكن ينقصهم التجمع والتعارف والتعاون على العمل المشترك في أسلوب منظم وخطة منهجية مستمرة.

ونرجو أن يكون قادتنا الأعلام في مقدمة الركب الإسلامي الزاحف نحو بلوغ مُثُلِه العليا وأهدافه السامية، والله من وراء القصد.

القضية الكبرى

إن الحديث عن المآسي التي أصابت وتصيب المسلمين في أنحاء الأرض أضخم وأكبر من أن نلخصها في كلمة موجزة. إنها سجل دامٍ من المآسي المتلاحقة التي يأخذ بعضها بخناق بعض بحيث أصبح المسلمون بسببها يسيرون في منحدر هاوٍ رهيب لا يعلم مداه إلا الله.

ومن هنا؛ فإن القضية الكبرى التي تواجه العاملين في الحقل الإسلامي والدعاة إلى الله منهم على وجه الخصوص، هي كيفية العمل وسط هذا الخضم المتلاطم من المشكلات المستعصية والأعداء المتكالبين على الإسلام، أهله ودياره، وما أفضل السبل للسير في طريق الدعوة البنَّاءة التي تنظر إلى المشكلات بمنظور إسلامي يستوعب جوانبها كلها، ويخلص إلى العلاج التدريجي المستقى من منهج القرآن وهدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) والسلف الصالح، في تشخيص العلل وطرح الحلول لمعضلاتها بالدواء الناجح والبلسم الشافي، ومن نظرة فاحصة متبصرة وخطوات حكيمة متئدة.

إن أول مشكلة تواجهنا هي جهل المسلمين بحقيقة الإسلام، وبأنه نظام شامل كامل لجوانب الحياة كلها، وظنُّ الكثيرين منهم أن مجاله دور العبادة فقط، والعلاقة بين الخالق والمخلوق في الذكر والعبادة، وترك أمور الدنيا تُنظم وفق التصورات البشرية غير الملتزمة بمنهج الإسلام في مجالات الحياة كلها، وهذا من أكبر الأخطار التي تسللت إلى عقول أبناء المسلمين، وخاصةً المثقفين بثقافة الغرب المتأثر بالعداء بين العلم والكنيسة.

وإن علاج هذه المشكلة يكون بعرض الإسلام بكل جوانبه دون تجزئة أو انتقاص، بل كما جاء من عند الله في كتابه الكريم وسنة نبيه العظيم، جامعًا شاملاً، محيطًا بكل شيء، لم يغادر صغيرة ولا كبيرة، وإفهام المسلمين جميعًا حقيقة الإسلام وشموله وعمومه وكماله واستمراريته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ثم الالتزام بهذا الإسلام قولاً وعملاً وخلقًا وسلوكًا ونظامًا ومعاملات وتشريعات وعبادات، وبناء المجتمع ـ أفرادًا وجماعات وشعوبًا وحكومات ـ وفق المنهج الإسلامي الصحيح المستقى من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة والتابعون لهم بإحسان.

وبعد هذا يأتي التصدي لأعداء الإسلام، ومواجهة الباطل وتعريته والوقوف في وجه الظالمين والمفسدين الذين يكيدون للإسلام وأهله، ويريدون تحكيم شريعة الإنسان ومحاربة شريعة الرحمن والصمود بكل صلابة وقوة أمام قوى البغي والعدوان باتخاذ كل السبل المشروعة لتحقيق مرضاة الله (عز وجل) وإقامة حكمه وتطبيق شريعته.

ولعل من المفيد مع الاهتمام بتربية الأفراد وتوعية الجماهير وإشاعة الوعي الإسلامي لدى عامة المسلمين أن تتخذ كل وسائل التعريف والتكوين، والاستفادة من مستجدات العصر في مجالاته المختلفة لتحقيق ما نصبو إليه من رفعة ديننا وسعادة مجتمعنا والارتقاء بأمتنا، بإقامة المؤسسات والمراكز والجمعيات والمدارس والمعاهد والجامعات والمجلات بسائر اللغات ولكل المستويات بأسلوب مبسط وعرض شيق يقدم الحقيقة الأصيلة لكل الناس على اختلاف مداركهم، بحيث يستوعبونها ويدركون مراميها وأهدافها، وتفنيد كل الدعاوى والمقولات الباطلة التي تطلقها ألسنة السوء من أعداء الإسلام وتلامذة الفكر الغربي وسماسرة الاستعمار الشرقي والغربي على حدٍ سواء.

فالنشاط التبشيري الصليبي الذي يهدد كثيرًا من بلدان العالم الإسلامي، وخاصةً في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، والتغلغل الصهيوني الذي يهدد العالم العربي، وتمتد جذوره إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي والأنظمة الدكتاتورية الموالية للشرق أو للغرب... كل هذه تحتاج إلى مواجهة إسلامية منظمة تأخذ بالأسباب المستطاعة، وتعد العدة، وتستكمل القوة بكل صورها، وتضع في الاعتبار أهمية الجهد البشري بعد التوكل على الله وإخلاص النية له والتدرج في تحقيق الأهداف خطوة إثر خطوة مراعية الأولويات في الترتيب وتقديم الأهم على المهم، ومدركة لظروف الزمان والمكان والإنسان، وملتزمة بمنهج الرحمن الذي سار عليه المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في نصرة دعوة الحق والخير وجمع الناس عليها، وتنشئتهم على مفاهيمها وسلوكياتها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

التضامن والوحدة الإسلامية

من الأمور المسلَّم بها أن الإنسان مدني بطبعه، فهو لا يعيش بمفرده، وإنما يعيش ضمن جماعة، يسهم في كل أمورها، ويشارك في كل ما يصلح شأنها، ويرفع مكانتها، ويُعلي مراتبها.

والعالم اليوم يعيش في حالة تخمة من الدعوات والمبادئ، ما بين سياسية وقومية ووطنية واقتصادية وعسكرية وسلمية، وغيرها من المزيج المركب الذي ينتظم العالم في الشرق والغرب، على حد سواء.

كما يعيش أزمة حادة نتيجة الأهواء الفردية والمطامع الإقليمية والاستبداد والدكتاتورية لبعض الأنظمة التي تستمد بقاءها من البطش بشعوبها والاعتداء على جيرانها.

ونحن ـ المسلمين ـ ننطلق في دعوتنا ومفاهيمنا من أصلي الإسلام، وهما: الكتاب والسنة، اللذان وضحا لنا هدف المسلم في الحياة وغايته، واللذان بيّنا لنا أن البشر سواسية، لا فرق بين أسود وأبيض، فكلهم لآدم وآدم من تراب.

فمنطلق الوحدة عند المسلم يرتكز بالدرجة الأساس على العقيدة والتوحيد والمحبة والأخوة، والخير والمصلحة، وليس على العدوان، وفرض الوحدة بالقوة ووفق المبادئ الوضعية التي تدين بها الأحزاب العلمانية التي لم تجنِ منها الشعوب الإسلامية إلا الويلات المتتابعة والنكبات والمصائب التي لا زلنا نعاني من آثارها، والتي انتصبت برموزها حربًا على الإسلام والمسلمين، وطرحت شعاراتها العلمانية كبديل عن الإسلام.

والإسلام الذي ندين به، ونعمل من أجله، وندعو الناس إليه، هو نظام شامل ينتظم شؤون الحياة جميعًا، ويفتي في كل شأن من شؤونها، ويضع نظامًا محكمًا دقيقًا للسياسة والحكم والاقتصاد والتربية والقضاء والتشريع والإعلام، وهذا ما يوضحه القرآن الكريم بآياته الصريحة، وتوضحه السنة النبوية بأحاديثها الصحيحة، فالقرآن الكريم هو أساس الإسلام ودعامته، والسنة النبوية هي المبينة والشارحة، والمسلمون الأوائل من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين هم المنفذون لأوامر الإسلام، العاملون بها، وهم الصور الصادقة والمثل العملية لهذا الإسلام العظيم الذي نؤمن به، ونعيش في ظلاله، ونجاهد في سبيله.

ومن هنا؛ فإن حدود الوطنية عند المسلم هي بالعقيدة لا بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وطن عند المسلمين جميعًا، له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له، والجهاد في سبيل خيره وعزته ومنعته، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهل وإخوة، اهتماماتهم واحدة، ومشاعرهم واحدة، وهذا هو الفارق بين المسلمين وبين دعاة الوطنية الضيقة الذين لا يتجاوز نشاطهم حدود الوطن الجغرافية، بينما المسلم يعتقد أنه مطالب بهداية البشرية كلها بنور الإسلام، ويبذل في تحقيق ذلك ماله ودمه ونفسه مرضاة لله تعالى، وإسعادًا للعالم بهذا الدين، وتحريرًا للعباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار.

وواقع المسلمين اليوم في شرق الأرض وغربها، شمالها وجنوبها، واقع مؤلم نتيجة التخلف والعصبية والعنصرية والفقر المدقع في مكان، والتبذير والإسراف في مكان آخر، فالاستعمار والحزبية والربا والشركات الأجنبية، والإلحاد والإباحية، وفوضى التشريع والتعليم، واليأس والشح والجبن فضلاً عن الفرقة والجهل والمرض وغيرها من الأمراض التي أصاب المسلمين منها أضعاف ما أصاب غيرهم، بسبب تكالب الأمم عليهم، واحتلال أوطانهم، واستنزاف خيراتهم، وسرقة أقواتهم، وتسخير طاقاتهم لمصالح المستعمرين من شيوعيين وصليبيين وعلمانيين وبوذيين وهنادكة ويهود، فضلاً عن المنسلخين عن الإسلام من أبناء المسلمين وبعض حكامهم الذين ارتبطوا بالأعداء، وأصبحوا لهم عبيدًا، وعلى شعوبهم أسودًا.

عبيد للأجانب هم ولكن

على أبناء جلدتهم أسود

كل هذا وغيره من عوامل الضعف يقتضي منا وقفة تأمل، نتدبر فيها الطريق الأقوم لعلاج ما نحن فيه، والخطة المثلى لإقامة الوحدة والتضامن على أساس متين ومنهج سليم، لا يتصدع، ولا ينهار أمام العواصف والأعاصير، بل يظل ثابتًا وراسخًا رسوخ الجبال الشم، ونحن نعلم أن شعوبنا مريضة معلولة بعلل شتى من داخلها ومن خارجها، ولن تتيسر لها العافية حتى نعرف العلة، ونشخصها، ونصف الدواء الناجع لعلاجها، ونباشره بثقة وعزيمة، وصبر ومصابرة.

إن الشعوب الإسلامية اليوم تغلي غليان المرجل، وهي تنفض عن نفسها الكسل، وتحطم السدود التي تحول دون الأمة والعودة إلى دينها وشريعة ربها، وتنطلق صيحاتها في كل مكان: لا حل إلا بالإسلام، ولا نظام إلا الإسلام، ولا وحدة إلا تحت راية الإسلام، ولا عزة إلا بالإسلام، نداء تهتف به من أعماق قلوبها، وجهاد متصل وتضحيات جسام في فلسطين وأريتريا والفلبين وكشمير وتايلند وسريلانكا والهند وغيرها.

وقد أدرك الأعداء ذلك، وانطلقوا جميعًا للوقوف أمام الموجة الإسلامية والصحوة الإسلامية، وراحوا يخططون لحربها وإجهاضها والإجهاز عليها، مستعينين بالحكومات العميلة، والنفوس المريضة، والزعامات الهزيلة، والمقلدين للغرب بخيره وشره، وحلوه ومره، والذين يريدون جر شعوبهم إلى هاوية التردي الخلقي والانتكاس عن الفطرة، والارتكاس في حمأة الرذيلة، وأودية الضلال، ومهاوي الذل والعبودية.

إن مهمة المسلمين في الحياة هي هداية البشر إلى الحق وإرشاد الناس إلى الخير، وإنارة العالم بشمس الإسلام، والمسلم الحق هو الذي يجعل دنياه وقفًا على دعوته؛ ليكسب آخرته جزاء تضحيته، لأن عبادة الله والجهاد في سبيل التمكين لدينه وإعزاز شريعته هي المهمة الأساسية للمسلم.

كما أن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه، والمساومة عليه، والخديعة بغيره، وصبر ومصابرة وعمل دؤوب وجهاد متصل ويقظة وحذر واستعداد كامل.

وقد يظن كثير من الناس أن المسلمين تعوزهم القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب والكفاح؛ لينهضوا، ويسابقوا الأمم التي سلبت حقوقهم، وهذا صحيح ومهم، ولكن أهم منه، وألزم؛ القوة الروحية من الخلق الفاضل، والنفس النبيلة، والإيمان بالحق، والإرادة الماضية، والتضحية في سبيل الواجب، والوفاء والثقة والوحدة.

إن الشعوب الإسلامية لا تريد غير الإسلام عقيدة تؤمن بها، ونظامًا يحكمها، ودينًا يجمع شتاتها، وأخوة توحد صفوفها، وعملاً صادقًا يحقق أهدافها، وعدالة تسود مجتمعاتها، ومساواة تنتظم طبقاتها، فالإسلام.. والإسلام وحده أمل الجماهير في إخراجها مما هي فيه، والنهوض بها مما تعانيه، وبناء حاضرها ومستقبلها، والتصدي للتحديات التي تواجهها.

لهذا كله نرى الأمة الإسلامية كلما حظيت، ولو بقليل من حرية الرأي والتعبير، طالبت بتحكيم الإسلام وإقامة شرعه، وقد ظهر هذا في مصر والسودان والأردن والجزائر وتونس وباكستان ودول الخليج وسائر البلاد الإسلامية، وغيرها من البلدان العربية، فضلاً عن الأمم الإسلامية التي تخوض معارك رهيبة من أجل البقاء على دينها وممارسة حقها في الحياة في ظل الإسلام.

لذلك كله لا محيص من الدعوة الصادقة للشعوب العربية والإسلامية كلها للتجمع والتضامن والوحدة على أساس الإسلام في خطوات وئيدة متزنة مدروسة على مراحل متتابعة، كل مرحلة تسلم إلى التي بعدها مع الحفاظ على الخصائص القطرية لكل بلد، والبدء في العمل الموحد للقضايا المتفق عليها، والرجوع إلى استفتاء الشعوب في كل مشكلة، أو خلاف يظهر أثناء السير إلى الوحدة الكاملة الشاملة بإذن الله.

هذا هو التصور العام لما يمكن أن تقوم به الشعوب المسلمة أمام هذه التحديات الحضارية، والتكتلات العالمية التي أخذت تضيق هوة الخلافات بينها، ويتقارب بعضها مع البعض من أجل مصلحة شعوبها، فحري بنا، نحن العرب والمسلمين، أن نكون السباقين لذلك، لأن ما بيننا من عرى الوحدة وأسباب التضامن والتكافل والتعاون والترابط أكثر مما بين أمم الأرض جميعًا، فهل نطمح إلى أن يبادر المعنيون من رجال الحكم والدعوة والسياسة والاقتصاد والتربية والاجتماع في عالمنا العربي والإسلامي إلى تبني ذلك، والدعوة إليه بصدق وإخلاص وعزيمة وإرادة؛ حتى تقتعد أمتنا مكانها اللائق بين الأمم، وتحقق إخبار الله (عز وجل) في كتابه الكريم (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران: 110).

إن تباشير الخير لاحت بوادرها رغم الخطوب المدلهمة والأخطار الجسيمة التي تحيط بالمسلمين، ورغم ضراوة الهجمة الصليبية والصهيونية على الأمة الإسلامية.. رغم ذلك كله؛ فإن اليقظة والصحوة الإسلامية تعم العالم الإسلامي كله، ولا تحتاج منا إلا تضافر الجهود لرفدها ودعمها ومساندتها وترشيدها وتسديدها، فالخير في هذه الأمة باق، وهي الشهيدة على الناس، القائمة بالحق والعدل، الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر.

والعالم يشهد إفلاس القيم الغربية، وتهاوي الأنظمة الوضعية، وكثرة المآسي الإنسانية، وإهدار الكرامة الآدمية، وهذا يتطلب من المسلمين جميعًا أن يكونوا على مستوى المسؤولية، وأن يشرعوا في التضامن فيما بينهم، وتقريب شقة الخلاف والعمل الجاد الدؤوب للسير في طريق الوحدة على هدي من الكتاب والسنة مع فهم مجريات العصر وتقدير ظروفه، والتحرك بخطى ثابتة مدروسة بعيدة عن الارتجال وردود الأفعال، والتعامل مع الأحداث والوقائع بأسلوب العصر ومنهج الشرع.

ولو صدقت النيات لدى المسؤولين ومن بيدهم القرار لاستطاع المسلمون بوحدتهم أن يقدموا النموذج الصادق، والمثل الحي للإسلام الحق الذي تتطلع الإنسانية كلها إليه لانتشالها من عثارها، وإنقاذها من تخبطها، فالحضارة اليوم بمقدار ما تقدمت في العلوم التقنية التجريبية، والاكتشافات والاختراعات وغزو الفضاء، والغوص في أعماق البحار، فإنها مفلسة في عالم القيم والأخلاق والمبادئ، وصارت الأنانية والمادية والشهوات بأنواعها هي المسيطرة على أهواء الحكام والغالبة على أخلاق الشعوب؛ مما جعل الكثير من قادة الفكر المبصرين يحذرون من هذا الانحدار المخيف نحو الهاوية، والتردي إلى المصير المحتوم الذي ينتظر كل أمة تتفلت من الضوابط الخلقية، وتطلق العنان لشهواتها ورغباتها تدمر شبابها، وتقطع أواصرها، وتهدم أُسَرَها ومجتمعاتها.

إن العلاج في الإسلام وحده دون سواه، فإذا حمله أبناؤه بصدق وإخلاص، وعملوا بمقتضاه، وأنزلوا أحكامه في واقع حياتهم، سادوا وانتصروا وفازوا، وإن كانت الأخرى - لا سمح الله - فذلك هو الخسران المبين، والذل المهين.

لقد قامت محاولات للوحدة، ولكن على غير أساس الإسلام، بل على أساس قومي يبعد الإسلام، ويهمل شرائعه، وينادي بالعروبة المجردة، فزالت تلك الوحدة القومية، وانتهت، ولم تترك إلا الجروح الدامية والآثار المدمرة، التي لا زالت الأمة تعاني من ويلاتها.

لهذا فالمؤمل أن تكون الدعوة إلى الوحدة متبناة من قادة الفكر والدعاة والعلماء والساسة وأصحاب القرار الذين جربوا أنواع النظم وما كسبوا منها غير الخراب والدمار وسيطرة الأشرار على الأخيار، وشيوع الفتن واضطراب الأمن، والتباغض والتدابر.

فإلى الإسلام من جديد عقيدة وشريعة ونظامًا ومنهاجًا للأفراد والمجتمعات والدول والحكومات والأمم والشعوب؛ لتسعد البشرية كلها، ويستقر الأمن والسلام، وتصان كرامة الإنسان، فالناس جميعًا وُلِدوا أحرارًا، ويجب أن يعيشوا أحرارًا كرامًا (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) (الإسراء: 70).

والله الموفق لكل خير والهادي لأقوم سبيل.

منهج البنا ما زال الأمثل

فكر يتميز بالقرب من المجتمع والبعد عن العنف

إن الجديد الذي قدمه الإمام الشهيد حسن البنا، وفاق به أقرانه ومعاصريه ومن سبقوه من الدعاة والمصلحين والمجددين - إنما هو انصرافه إلى بناء الرجال، وتكوين النماذج الإسلامية الصادقة قولاً وعملاً؛ حيث كان جل عنايته وجهوده في برامجه ومناهجه، صياغة الفرد المسلم وفق منهج الإسلام المستقى من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة. فكانت نظم الكتائب والأسر والجوالة والكشافة والرحلات والمعسكرات والندوات والمحاضرات والدروس والتعليمات - ميادين لتربية الأفراد التربية الإسلامية العملية، بل كانت "رسالة التعاليم" التي وضعها الإمام البنا للمجاهدين من الإخوان المسلمين الإطار الفكري والمنهج العملي الذي من خلاله أدرك الإخوان حقيقة الإسلام وفهموه من خلال هذه الأصول العشرين الموجزة.

كما كانت أركان البيعة العشرة وواجبات الأخ العامل هي البرنامج العملي للأخ المسلم في شخصه، وبين أسرته، وفي مجتمعه المحلي، ومجتمع المسلمين في العالم كله.

وقد كانت هذه الرسالة "رسالة التعاليم" القاعدة الفكرية الأصيلة التي جمعت الدعاة المسلمين حول دورهم الجهادي الرائد في مقارعة الاستعمار البريطاني بمصر، والاستيطان الصهيوني بفلسطين؛ مما أثار عليهم الأعداء الذين تكالبوا عليهم من الشرق والغرب، وتآمروا على تصفية الجماعة، واستئصال وجودها، وشرعوا في تحريض عملائهم من الأنظمة الحاكمة فحلوا جماعة الإخوان، واغتالوا مؤسسها ومرشدها الإمام البنا، وصادروا ممتلكاتها ومؤسساتها ودورها وصحفها، واستمرت هذه الحرب الضروس على الجماعة من 1948م، ولا زالت إلى يومنا هذا.

ومع هذا، فلا زال فكر الإمام البنا ومنهجه في الدعوة إلى الله، وتربية الأفراد والأسر والمجتمعات هو النهج الأمثل في الساحة الإسلامية، بل إن رجال الفكر والدعاة المصلحين وأساتذة الجامعات وأصحاب الدراسات الأكاديمية ومراكز البحوث في عالمنا المعاصر، عكفت على فكر الإمام البنا تدرسه، وتطيل النظر فيه، وتستقرئ أسباب نجاحه في البقاء، واستمراريته في الحركة والنماء، وينظرون إلى هذا الأثر الواضح والثمار اليانعة لهذا الفكر متمثلة في هذا التيار الإسلامي وأبناء الصحوة الإسلامية في كل مكان.

لقد كان الإمام البنا متصلاً بالجماهير الشعبية على مختلف طبقاتها. يشرح لها حقيقة الإسلام في المقاهي والأندية والمساجد والمدارس، ويسلط الأضواء على واقع الأمة الإسلامية ومشكلاتها، ويطرح الحلول لمعضلاتها على هدى الإسلام الذي فيه صلاح أمرها في الدنيا والآخرة.

كما كان يعنى بالتركيز على الصفوة من أبناء الأمة، ويحملهم مسؤولية القيام بأعبائها، والنهوض بتكاليفها، والتصدي لعلاج مشكلاتها، ويستحث الشباب على وجه الخصوص بقوله: "إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، ومن هنا كان الشباب قديمًا وحديثًا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها".

إن الإمام الشهيد حسن البنا كان نمطًا فريدًا متميزًا قلَّ أن تجد من القادة المعاصرين من توفرت فيه صفاته ومؤهلاته، فهو عالم متمكن، ومؤمن صادق، ومجاهد محتسب، طيب المعشر، متواضع الخلق، بسيط المظهر، بعيد عن التكلف والتحذلق والتعالي.

لم أر فيمن التقيت بهم ممن عرفوه عن قرب إلا الإكبار لأخلاقه، والحب الصادق له، والتتلمذ على يديه، والقناعة التامة بمنهجه وأسلوبه، ولم أعرف جماعة من الجماعات، أحبت قائدها هذا الحب الصادق، كما لم أر جماعة بينها من الحب والتكافل والتعاون مثل ما رأيت في جماعة الإخوان المسلمين، وبخاصة في مصر.

لقد كان الإمام البنا يعرف واقع المجتمع الذي يعيش فيه، ويشارك أفراد هذا المجتمع آلامهم وآمالهم، ويخاطبهم على قدر مستوياتهم، فكانت آثاره في كل بلد حل فيه، ويكفي أن يلتقي بالشخص مرة واحدة فلا ينسى أحدهما الآخر، ولا تنفصم عروة ارتباطهما على مدى الأيام والسنين.

كما كان فكر الإمام البنا ومنهجه واضحًا غاية الوضوح، صالحًا لكل الظروف، بدليل بقائه، واستمرار دعوته، وكثرة أتباعه في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، ولقد حقق منهج الإمام البنا الكثير من أهدافه ومنجزاته في حياة البنا، وبعد استشهاده، ولا زال هذا المنهج يحقق أهدافه، وتتسع رقعة المؤمنين به والمقتنعين بصلاحيته، رغم كل العقبات التي اعترضت مسيرته من القوى الداخلية والخارجية، وهذا أكبر دليل، وأصدق برهان على النجاح المتميز لهذه الدعوة المباركة التي قام بها الإمام المجدد حسن البنا.

وإن الجماعات الإسلامية المتأثرة بفكر الإمام البنا في عالمنا العربي والإسلامي قد تتفاوت في ترتيب الأولويات، فيطغى جانب على جانب حسب الظروف لكل قطر من الأقطار، ولكن المسيرة العامة لجماعة الإخوان المسلمين لا زالت تشق طريقها وسط كل العقبات، وأمام كال التحديات، ولم تسلك في وسائلها وأساليبها مسالك العنف، اللهم إلا في الدفاع عن حقها المشروع في مقاومة المحتل البريطاني بمصر، أو الاستيطان الصهيوني بفلسطين، وهذا جهاد شرعي أمر الإسلام به لمقاومة الاستعمار والاحتلال، وتخليص ديار المسلمين من الغاصبين المعتدين.

وإن ما يشيعه الإعلام الغربي، وتردده الأبواق المأجورة في عالمنا العربي والإسلامي من أكاذيب وأباطيل واتهام للإسلام كدين وللمسلمين كأمة وللحركات الإسلامية بأنها حركات عنف وإرهاب - فهي أوصاف تنطبق على مطلقيها ومروجيها من المستعمرين، وعملائهم.

إن الحركة الإسلامية المعارضة، رغم كل الأذى الذي أصابها والابتلاءات التي حلت بها، لم تحاول الرد على الحكام والظلمة، الذين آذوها لئلا تكون فتنة الاقتتال الداخلي والاحتراب الدموي داخل الوطن الإسلامي، وآثرت الصبر على البلاء، واحتساب الأجر عند الله تعالى.

إن تاريخ الإخوان المسلمين في كل الأقطار يثبت أنهم لم يمارسوا العنف قط لتحقيق أهدافهم، بل إن بعض الحكام المستبدين والأنظمة الطاغوتية هي التي مارست العنف ضد الإسلام ودعاته.

وما نراه اليوم من رواج الفكر الإسلامي ومعظمه من مدرسة الإمام البنا، وانتشار التيار الإسلامي في محيط المدارس والجامعات والنقابات المهنية للأطباء وعلماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة، ورجال الفكر والأدب، وانتشار البنوك الإسلامية، والحجاب الإسلامي - لأكبر دليل على النجاح، والمتأمل في نماذج الخريجين من مدرسة الإمام البنا يجد فيهم كل ألوان الطيف من العلماء والمفكرين والأدباء والمعلمين والمربين والمهندسين والمحامين والأطباء والصيادلة والدعاة والوعاظ، وغيرهم.

حقوق الجار

إن كل مسلم ملتزم بالإسلام يعلم تمام العلم حقوق الجار التي حث الإسلام على الوفاء بها في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال تعالى: (والجار ذي القربى والجار الجنب) (النساء: 36)، وقال (صلى الله عليه وسلم): «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، وقال: «والله لا يؤمن (ثلاثًا) قالوا: من يا رسول الله، قال: من لا يأمن جاره بوائقه».

وكان المسلمون طوال تاريخهم نماذج مشرفة في حسن المعاملة مع الجار وتجنب الإساءة إليه حتى ولو كان الجار نصرانيًا أو يهوديًا، التزامًا بمنهج الإسلام، واقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم).

وحين بَعُد المسلمون عن دينهم، وانغمسوا في الحياة المادية، وركنوا إلى الشهوات، وطغت الأنانية الفردية والمصلحة الشخصية، وتأثروا بالمفاهيم الجاهلية المعاصرة المستقاة من الغرب الكافر، وقلَّدوه في كل شؤونهم، صاروا مسخًا مشوهًا له اسم الإسلام فقط، أما سلوكياتهم فهي ما شاع من الأعراف والتقاليد والعادات التي وفدت على بلاد المسلمين من المستعمرين وتلامذتهم وأعوانهم وأذنابهم الذين يعملون الليل والنهار لينسلخ المسلمون من دينهم، ويسيروا في ركاب أعدائهم من اليهود والنصارى والعلمانيين، بحيث صار مثلهم الأعلى ليس الإسلام، بل الغرب المادي بخيره وشره وحلوه ومره، وما يُحب منه وما يُعاب.

لهذا نرى البعض في المجتمعات الإسلامية التي طغى عليها العرف الاجتماعي الغربي لا يعرفون للجار حقه، ولا يسألون عنه، ولا يهتمون به، بل قد يسيئون إليه أحيانًا بالحق وبالباطل؛ لأن الضوابط الشرعية للسلوك الإسلامي قد ضعفت في نفوسهم، والأنانية والأثرة قد استحكمت في تصرفاتهم، ومن ثَم فهم قرود تقلد الغرب، وببغاوات تردد مقولاته للأسف الشديد، ولا يعني هذا بحال من الأحوال أن هذه الشريحة من الناس تمثل المجتمع الإسلامي العريض، بل هي نماذج شاذة تحتاج إلى التقويم لعوجها، وتوجيهها بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والسلوك القويم، وليس كالإسلام علاج لهذا الخلل الاجتماعي المعاصر، ففي الإسلام وأخلاقياته الدواء الناجع لكل الأمراض الخلقية والاجتماعية، ونحن محتاجون دائمًا إلى توعية الناس بحقوق الجار وضرب الأمثلة والتطبيق العملي حتى يتعمق هذا الفهم الإسلامي، ويتأكد السلوك الإسلامي في نفوس الناس جميعًا.

إن المسلم الحق هو الذي يجعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) قدوته في كل شيء، فقد كان خلقه القرآن، وكان على خُلق عظيم، ولن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

نسأل الله (عز وجل) أن يُقيل عثرات المسلمين، وأن يوفقهم لالتزام المنهج القويم والصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ليقدموا المُثل الصادقة والنماذج الحية للمسلم القائم بواجباته نحو ربه وأهله وأقاربه وأرحامه وجيرانه حتى ينعم المجتمع بنور الإسلام، ويعيش في ظلال القرآن، ويقبس من أخلاق الرسول(صلى الله عليه وسلم)، ويهجر جاهلية القرن الحادي والعشرين التي طغت وأفسدت، وخربت ودمرت، وحولت المجتمعات إلى صراعات بين الأفراد والجماعات، وبين الشعوب والحكومات، فتقطعت أواصر الأخوة وحقوق الجوار والتكافل بين الناس، وصار العدوان والجور والظلم طابع هذه الحضارة المادية المعاصرة، فانتشرت الآفات الاجتماعية من السرقة والنهب والغش والاحتيال والكذب والتزوير والنفاق والملق، وكثرت الجرائم بأنواعها، وانتشرت المخدرات، وعجزت وسائل الدول عن القضاء عليها.

فبالإسلام، والإسلام وحده، تسعد المجتمعات ويسود الأمن والأمان، كما نحس بذلك ونلمسه في بلادنا الإسلامية، والله الموفق لكل خير.