ريحانة فلسطين الحاجة صفية دودين أم الأسرى والمقاومين في ذمة الله / فؤاد الخفش

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
ريحانة فلسطين الحاجة صفية دودين أم الأسرى والمقاومين في ذمة الله


بقلم:فؤاد الخفش

على الدوام كنت أقول وأردد إن نساء فلسطين لسن كباقي نساء الكون فالفلسطينية هي الوحيدة في هذه الدنيا التي قد تكون أسيرة وأم أسرى وأم شهداء وأخت شهيد وزوجة معتقل ولها أشقاء بالأسر وشهداء ... حالات كثيرة قد تجمعها الفلسطينية ورغم كل ذلك وهذا تقف على قبر ابنها أو على شباك زيارته في سجنه تخرج الزغاريد وتغني للأقصى والحرية وفلسطين.

واحد وثلاثون عاماً من عمرها أمضتها تتنقل من سجن لسجن ومن مركز تحقيق لمركز توقيف تضع على رأسها المنديل الفلسطيني وتلبس ثوب العزة المطرز بلون العلم وعلى وسطها زنارها العريض تضع به أوراق الصليب وصور أطفال أبنائها الأسرى.

هي الحاجة صفية أم الأسرى المقاومين والأسيرة المحررة حكايتها مع الاحتلال بدأت عام 1979 بعد اعتقال ابنها البكر إبراهيم وتلاه اعتقال ابنها الثاني ياسر ومضت السنين وبدأت انتفاضة الحجارة وكان لولديها موسى المقدام وعايد الهمام نصيب الأسد ... اعتقل البطل موسى عام 1992 ومازال من هذا التاريخ رهن الاعتقال وأخضع لتحقيق قاسٍ لانت سلاسل قيده ولم تلن له هامة ... عجز سجانوه وما اعترف .. أحضروا له أمه لكي يضغطوا عليها فتحدتهم وضربت ضابط السجن وكسرت الكاميرا التي أحضروها لكي يلتقطوا لها مشهداً يساوموا عليه ابنها.

أما حكايتها من فلذة كبدها عايد أبو حمزة فهي حكاية مختلفة ... ثلاثة عشر عاماً هي التي أمضاها هذا الهمام يتنقل من سجن لسجن ومن حكم لحكم تصبره وهي الصابرة ... تحثه على الثبات وهي من علمه الثبات وزرع في قلبه الشجاعة فاخرت به وبأشقائه نساء الدنيا وقالت من منكم أعطى فلسطين كما أعطيت أولادي كلهم فداء فلسطين.

أسلمت اليوم الحاجة صفية الروح لربها عن عمر يناهز ال74 عاماً بعد صراع طويل مع المرض ... نقول لقد ارتاحت الحاجة صفي اليوم بعد هذا العمر الطويل من الجهاد والرباط وخلفت خلفها ولدين ما زالا في الأسر موسى الفارس الهصور والمجاهد المقدام وعايد خادم الأسرى وعميد الأسرى الإداريين والمهدد بالإبعاد لقطاع غزة أو البقاء في الأسر.

تحدثت اليوم إلى عايد وبدأت حديثي معزياً فبات متماسكاً قوياً صلباً .. قلت له رحمها الله يا أخي وتقبلها في الصالحين وبدأت أسأله عنها حتى تكون عنوان مقالي فحدثني عنها وقال لقد ماتت أمي كمداً وقهراً وكانت تتمنى أن نكون بجوارها وقت خروج روحها ولكنه قدر الله.

قال لي والله إنه فخر لكل فلسطيني أن تكون له أم كأمنا كانت تودعني وقت حضور الجيش لاعتقالي بقولها "يا ابن بطني إياك وأن تقبل الدنيا وإياك والجبن أو الخور كن شجاعاً ولا تنظر للخلف وأستودعك ربي وقلبي داعي لك "

وقال لي كانت تأتي لزيارتنا في الماضي وكانت تمر على الشباب على شبك الزيارة تبث فيهم الروح والحماس وتدعو لهم الله أن يفرج كربهم وكانت على الدوام تقول لهم يا رجال فلسطين الحديد بلين ولكن عزايمكم يمة ما تلين.

انتقلت إلى جوار ربها الريحانة والفارسة الصلبة وأم الرجال والمقاومين من دون أن تتمكن من أن تحتضن أولادها أو أن يحتضنها موسى وعايد يمرغون رؤوسهم على صدرها ويكحلون عيونهم برؤيتها ... يقبلون يديها يطلبون منها السماح لما سببوه لها من تعب ومشقة طوال هذه العقود يطلبون رضاها.

عايد المتواجد في سجن النقب وموسى المتواجد في سجن هداريم الشقيقان اللذان لم يلتقيا من أمد بعيد رغم وجودهما بالسجن لفترات طويلة كل منهم جلس ومن حوله رفاق السجن يشدون من أزره يصبرونهم يذكرونهم بالاحتساب وفي قلب كل واحد منهما نار تشتعل وجروح غائرة ، عايد تذكر أغاني أمه وقت خروجه من كل اعتقال وحسن استقبالها وطعامها الجميل.

موسى ابن الريحانة الشاب الوديع المحبوب والقائد الفذ الملهم والذي لم يلتقِ أمه من زمن بعيد والذي مضى على اعتقاله ثمانية عشر عاماً عادت به الذاكرة لأيام الصبا واللعب بجوار أمه وهي تخبز له الخبز وتحضر لإخوته الطعام .. تذكر لوعتها على شقيقه وقت اعتقالهما حيث كان هو طفل صغير تمنى لو كان بجوارها ومعها وقت مرضها ليقوم ببرها أو يلقنها الشهادة وقت الاحتضار والنزول معها لقبرها ولكن قدر الله نافذ ولا راد لحكمه.

كم هي صعبة تصاريف الزمن وكم هو مؤلم حال موسى وعايد وكم هي قاسية ميتتها أم الرجال والمقاومين صفية التي خرجت روحها وهي تقول ربي يرضى عليك يا عايد ربي يرضى عليك يا موسى وشهقت شهقة كانت آخر عهدها بالدنيا صداها وصل عايد وموسى في سجنيهما.

رحمك الله يا أماه وأسكنك فسيح جناته وجمعك الله بالشهداء والصالحين وفرج الله كرب ولديك وفك أسرهما وتقبل الله منك جهادك وصبرك وصمودك فأنت أنت ريحانة فلسطين وأم الأسرى المقاومين.