سراديب الشيطان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سراديب الشيطان
صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين
سراديب الشيطان
التاريخ السري للمعتقل

أحمد رائف

الزهراء للإعلام العربي

محتويات

توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم

" وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهدينكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص* وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم "صدق الله العظيم

إهداء

إلى روح المرحوم الأخ جابر رزق المجاهد المسلم الذي عاش حياته يدعو إلى الله على بصيرة , تحمل المحن الشدائد, ولم يغير ولم يبدل , ووافاه الأجل في بلاد غريبة ؛

ثم رقد في سلام بجوار أستاذه عمر التلمساني المرشد العام الرابع أو الخامس لجماعة الإخوان المسلمين , حيث ينعمان بالرضوان والملائكة يدخلون عليهم من كل باب , سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار .

أحمد رائف

مقدمة الطبعة الثانية

سراديب الشيطان هي تلك الأنفاق المجهولة المخوفة التي يضع المستبد فيها شبعه خوفا منه وكراهبة له !
والمستبد , أى مستبد والشعب , أى شعب لا يلتقيان أبدا.
والمستبد قاهر وقادر , والشعب مستكين مستضعف .
والصراع بينهما لا ينقطع لحظة واحدة حتى يقضي أحدهما على الآخر .

والاستبداد شجرته خبيثة , تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين والمستبد لا يستعين في عمله بعاقل أو رشيد أو صاحب مروءة , وكل من يعاونه من أكابر المجرمين الذين يقوم دولاب الظلم, وهم جميعا شركاء في الوزر لا ينقص أحد من وزر الآخر شيئا .

ولكن الله سريع الحساب كما أخبرنا القرآن الكريم ويعتقد بهذا كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها , وهو ينتقم من هؤلاء الظلمة في الدنيا , ويوم القيامة تراهم وقد وجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا .

وقديما سئل الفقيه العظيم مالك عن حائك المنصور , هل هو من أعوان الظلمة ؟ فأجاب بأنه من الظالمين . وقال لو امتنع هذا الحائك عن صناعة الملابس للمنصور لما خرج إلى الناس ليقيم فيها الظلم بتقلباته ورجفاته .

إن كان هذا هو رأي الفقيه في حائك المنصور فماذا يكون رأيه في حائك القوانين , ومن يمسكون السيف والسوط لمن هو دون المنصور إدراكا للقيم والأخلاق وما يصلح الناس ؟

والمستبد قديما كان يخفف من استبداده وظلمه بقية من دين , وقلة من فقهاء كانوا يشيرون لظلمه على استحياء .

واليوم من للمستبد والظالم ؟ ليس غير الحوقلة ومصمصة الشفاه والدعاء عليه في السر والجهر , بالنهار وفي الليل , وليس هناك أبعد من هذا .

وقد أوصي القرآن الكريم بمقاومة الظلم والاستبداد والعمل الدائب على القضاء عليه (والذين إذا أصابهم البغي هم ينصرون)

وجعلت السنة الشريفة أفضل الجهاد كلمة حق يقولها صاحبها عند سلطان جائر . وجعلت صاحبها سيدا للشهداء في مقام حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلي الله عليه وسلم إن دفع حياته ثمنا لها والله من قبل ومن بعد.

كنت أستمع إلى الخطاب الرئيس حسني مبارك بمناسبة عيد العمال في 1 مايو 1989 , وأنا في العادة لا أستمع لخطاباته لانشغالي الدائم حيث لا أجد الفرصة

ولكني أصبت بنزلة برد فوجدت نفسي أمام التليفزيون أستمع إلى خطاب الرئيس . وتذكرت جمال عبد الناصر وكيف كنا نستعد لسماع خطابه قبلها بأسبوع .

لقد كان خطابه هو الفرصة لإلقاء قنابله على العالم وكان يحتوى على جديد دائما , فانتظاره مفيد لمعرفة ما يكون .

وكانت تنعقد لجان الدراسة حول خطاب عبد الناصر بعد انتهائه .وتنشغل مصر كلها بدراسة خطابه والتعليق عليه .

وكانوا يطلبون منا ذلك ونحن معتقلون . وكان أكثرنا يفعل , أو تتكون لجنة من " المدربين " للتعليق وتبيان أوجه العظمة والعبقرية التي ابتدعها الخطاب .

وكانوا يأخذون هذا التعليق إلى " لاظوغلي " حيث يلقون به في احدي سلال المهملات , ومن يستطيع الاطلاع على مائة ألف تعليق قد جاءت من كل أرجاء مصر ؟

وكانوا في العادة يطلبون من المعتقلين تأييدا لما جاء في الخطاب , ولو لم يكن به ما يستدعي التأييد.ولكنها سياسة الاستخفاف بالناس وإذلالهم وتعويدهم العبودية والصغار . وجاء من بعده السادات.

وكنت أحرص على خطابه من باب المتعة والتفكه,فأنا لا أشاهد برامج التليفزيون والمسرحيات وكان خطاب السادات هو فرصتي لتحقيق شئ من الاستمتاع.

ثم جاء حسني مبارك . وخطاب الرئيس حسني مبارك ليست به مفاجآت. وسبقه في الخطابة عدة أشخاص غابت أسماؤهم عني .

وتكلم من سبقه للناس وكأنه في حاجة إلى تقديم . وتكلم من سبقه عن عظمته وقدرته وبعد نظره وأنه لولاه لهلكنا وكنا من الخاسرين. والخطباء يخطبون والناس تصفق .

وكأنك في مزرعة الخنازير التي حكي لنا عنها " جورج أوريل " كل واحد يشيد بعبقريته ودهائه وقدرته على الإدارة وكأن هؤلاء الخطباء لا يعيشون في مصر .

وكأن الحال التي وصلنا إليها من سوء المنقلب في الأهل والمال والولد قد فعلها شيطان خبيث وليس للإدارة المصرية دخل فيها .

على كل حال كان هذا شيئا طبيعيا , فالذين يخطبون هم أصحاب المصالح الحقيقية في هذا البلد الظالم أهله وهم يمجدون سيدهم لأنه في نظرهم الرازق والباسط والمانع والمعز والمذل .

وكلمة منه ترفع وتخفض , هذا ما وصلت إليه مصر من سوء المآل في دراما مثيرة قد بدأ عرضها في ذلك الصباح الكئيب يوم 23 يوليو سنة 1952 .

لم يعرض عليه واحد من الخطباء مشكلة من المشاكل التي يعيشها الناس كل يوم وهي مشاكل كثيرة ومتنوعة تبرز بأعناقها وتفرض نفسها على الجميع .

ولم يقل له واحد إننا قد سئمنا الاستبداد وسوء الإدارة والفساد الذي غشي كل شئ والرشوة التي صارت منهجا ونظاما .

ولم يقل له واحد : أنت لست أقدر الأحياء على حل المشكلات, وهناك غيرك من يقدر ويستطيع وإن من علامات الساعة أن يوسد الأمر إلى غير أهله .

لم يقل له واحد : إنك ميت وإنهم ميتون , فالهوينى الهوينى في الظلم والقهر والاستبداد قبل أن تقرع القارعة بابك. أو تحل قريبا من دارك .

وأعظم الظلم أن يتسلط بشر على بشر دون إذن منهم أو حق أو يمثل دورا قبيحا أنه جاء بإرادة الناس ورغبتهم ثم يلقاهم أحيانا بمسحة كاذبة من الطيبة والتواضع والتسامح وإنكار الذات .

وسوف تظل مشكلة الحكم المصري في يد الزمن أو رهن إرادة عزرائيل وسوف ينقضي الوقت وتتوالي الأيام وسوف يأخذ الناس حقهم في الحكم ويحصل كل فرد على نصيبه من الكرامة والحرية .

(وتلك الأيام نداولها بين الناس) ووقف الرئيس يخطب ويذكر أرقاما ويبين أياديه البيضاء على هذه الأمة المنكودة وهو يقاطع بالتصفيق .

وتدور كاميرا التليفزيون على الوجود المجتمعة فلا تجد رشيدا تطمئن إليه , وهي تقترب بحذر من المشير السابق " أبو غزالة " الذي عزل عن منصبه منذ أيام .

والعالم كله يضرب أخماسا في أسداس ولا يستطيع أحد أن يعرف سبب الطرد الذي كان في لحظة من نهار .

وهو الذي كان أبو غزالة أقوي رجل في مصر منذ أيام ! وتقف عنده الكاميرا قليلا فتجده جالسا بجوار شيخ الأزهر الشريف .." الإمام الأكبر ".

وكأن الحال التي وصلنا إليها من سوء المنقلب في الأهل والمال والولد قد فعلها شيطان خبيث وليس للإدارة المصرية دخل فيها .

على كل حال كان هذا شيئا طبيعيا , فالذين يخطبون هم أصحاب المصالح الحقيقية في هذا البلد الظالم أهله وهم يمجدون سيدهم لأنه في نظرهم الرازق والباسط والمانع والمعز والمذل .

وكلمة منه ترفع وتخفض هذا ما وصلت إليه مصر من سوء المآل في دراما مثيرة قد بدأ عرضها في ذلك الصباح الكئيب يوم 23يوليو سنة 1952 .

لم يعرض عليه واحد من الخطباء مشكلة من المشاكل التي يعيشها الناس كل يوم وهي مشاكل كثيرة ومتنوعة تبرز بأعناقها وتفرض نفسها على الجميع .

لم يقل له واحد إننا قد سئمنا الاستبداد وسوء الإدارة والفساد الذي غشي كل شئ والرشوة التي صارت منهجا ونظاما.

لم يقل له واحد : أنت لست أقدر الأحياء على حل المشكلات , وهناك غيرك من يقدر ويستطيع وإن من علامات الساعة أن يوسد الأمر إلى غير أهله .

ولم يقل له واحد : إنك ميت وإنهم ميتون , فالهوينى الهوينى في الظلم والقهر والاستبداد قبل أن تقرع القارعة بابك, أو تحل قريبا من دارك .

وأعظم الظلم أن يتسلط بشر على بشر دون إذن منهم أو حق أو يمثل دورا قبيحا أنه جاء بإرادة الناس ورغبتهم ثم يلقاهم أحيانا بمسحة كاذبة من الطيبة والتواضع والتسامح وإنكار الذات .

وسوف تظل مشكلة الحكم المصري في يد الزمن أو رهن إرادة عزرائيل , وسوف ينقضي الوقت وتتوالي الأيام وسوف يأخذ الناس حقهم في الحكم ويحصل كل فرد على نصيبه من الكرامة والحرية .

(وتلك الأيام نداولها بين الناس)

ووقف الرئيس يخطب ويذكر أرقاما , ويبين أياديه البيضاء على هذه الأمة المنكودة وهو يقاطع بالتصفيق .

وتدور كاميرا التليفزيون على الوجوه المجتمعة فلا تجد رشيدا تطمئن إليه , وهي تقترب بحذر من المشير السابق " أبو غزالة " الذي عزل عن منصبه منذ أيام . والعالم كله يضرب أخماسا في أسداس ولا يستطيع أحد أن يعرف سبب الطرد الذي كان في لحظة من نهار .

وهو الذي كان أبو غزالة أقي رجل في مصر منذ أيام ! وتقف عنده الكاميرا قليلا فتجده جالسا بجوار شيخ الأزهر الشريف ... " الإمام الأكبر ".ثم كان جلوسه بجوار شيخ الأزهر الشريف يتأمل تقلبات الليل والنهار .

ولا أحد يعرف السبب , وما ينبغي لأحد أن يعرف السبب , ونحن نعيش في بلاد تنعدم فيها الحقوق , ولا يعمل حساب للشعب , فهو في معيار الحكام وموازيهم لا قيمة له ولا اعتبار , ومن الأفضل ألا يعرف شيئا , حتى يظل عمره في دوامة من السحر والألغاز والهيبة البالغة وأن يظل الرئيس في نظر الناس عظيما قادرا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

ومشي الرئيس في خطابه يتكلم عن زيادة السكان التي يقابلها موارد لا تزيد.

ولماذا لا تزيد الموارد ؟ لم يبين لنا الرئيس ! وعندما اشتد غضبه على الشعب والناس صار حديثه حادا لائما :

- أعمل لكم إيه ؟..

وقاطعه شخص من آخر القاعة وهو يقول :

- ازرع الأرض يا ريس .

هكذا في بساطة وبديهة حاضرة ألقي إليه الحل العبقري الذي يعرفه الجميع , وسكت الرئيس برهة ثم كست وجهه بسمة خفيفة وقال :

- أزرع إيه ولا إيه ؟

ثم أشار إشارة غامضة إلى الوالي يوسف وقال :

- عندكم وزير الزراعة .

ثم عاود الكلام من جديد .بلاد لن يصلحها إلا ميزان العدل وزئير الحرية .

وأرض لن يستقيم حالها إلا بزوال الطواغيت والظلمة من سدة الحكم .وهو أمر سوف تأتي به الأيام , طال الزمن أو قصر .

نظام الحكم في مصر يتخبط بين ديمقراطية غائبة وديكتاتورية مستحيلة , ديمقراطية قد أملي شكلها ظروف لا نعرفها , وشرق الناس وغربوا في فهم دواعيها وأسبابها .

لماذا يتمسك النظام بهذا الشكل الديمقراطي الزائف ؟

أليست الديمقراطية هي حكم الأغلبية أو الشعب ؟

هل هذا ما هو كائن ؟

اللهم لا .

يحكم البلاد رئيس جاءت به الأقدار .

ومن حوله لفيف من أصحاب المصالح الذين ينفذون إلى مصالحهم دون التقيد بأخلاق أو عرف أو دين .

وهم قلة مهما كثروا بجانب أغلبية الشعب المسكين .

فمصر يحكمها نظام وليست جماعة لها وجهة نظر قد أقنعت بها بقية الناس فهم وراءها ويؤيدونها .

والنظام هو تركيبة من بعض الناس يتحكمون في المقدرات والإمكانات , مفتاحهم شخص واحد وهو يمسك بيده كل الخيوط التي تسير المسئولين ولا تقف بجانبه قوة مهما عظمت , فهو يرفع ويخفض ويعز من يشاء ويذل من يشاء , ولا معقب لحكمه أخطأ م أصاب وهو ليس مسئولا أمام أحد , ولا يقدر أحد على محاسبته مهما فعل , والشعب يئن غيظا من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ؟ وهو كما قلنا ضعيف مستخز لا يقدر على شئ .

وهو استبداد قد اعتمد الديمقراطية شكلا في تحقيق استبداده لسبب لا نعرفه على وجه اليقين كما أسلفت ولكننا نضرب لفهمه أخماسا في أسداس من باب الظن والتخمين .

وقالوا إن النظام قد اعتمدته وتبنته الولايات المتحدة الأمريكية وبينه وبينها حبل سري .

وهي تمده بالغذاء والماء والهواء .

وهو لا يملك إلا أن يدور في فلكها وينفذ لها ما تريد والولايات المتحدة الأمريكية دولة قادرة غنية عظيمة , وهي تحكم أكثر من نصف العالم من خلال التلاميذ المدربين .

ولها " موضة " تفرضها على المريدين كل عقد من العقود . ففي الخمسينيات والستينيات اعتمدت الانقلابات العسكرية يقوم بها البكباشية المسعورون للمال والجاه والنفوذ والفساد

ثم جعلتهم يخلعون الملابس الكاكية في السبعينيات وأوصتهم ببيوت الأزياء العالمية وأشارت عليهم بالعطور الباريسية .

ثم جاءت الثمانينيات فقالت لهم الديمقراطية وحكم المؤسسات وهم يفعلون ما يؤمرون أو يفقدون السلطان والجاه والفساد .

وقد مر هذا النظام بمرحلة الديكتاتورية الصريحة الغاشمة أيام عبد الناصر عندما كان يحكم البلاد بجسد مريض قد هدته الأوجاع وهي تملي عليه قراراته المتخبطة العرجاء وهو يظلم ويستبد بوضوح وصراحة , حتي إنه لا يستح من سجن الضباط الكبار فالناس جميعا تتذكر كيف اختار مجموعة من كبار الضباط وقدمهم للمحاكمة بحجة أنهم السبب في هزيمة الجيش .

ومن طريف ما يروي أن صدقي الغول قائد الفرقة الرابعة المدرعة قد سأل رئيس المحكمة :

- هل أعد أدواتي للعودة إلى البيت وأغادر السجن؟

ولم يستطع رئيس المحكمة العسكرية أن يخفي أسفه للواء صدقي الغول الذي قدم للمحاكمة ظلما , ثم أكد أنه لابد من عودته إلى بيته.

ثم فوجئ قائد الفرقة الرابعة المدرعة بالحكم خمسة عشر عاما والطرد من الخدمة , وكان من الطبيعي أن تصدر أحكام ضد هؤلاء القادة العسكريين فلو حكم لهؤلاء العسكريين بالبراءة فمن يكون المسئول عن الهزيمة أمام الرأي العام الذي يسهل خداعه في العادة إلى حين .

كان الشيطان الأكبر هو سبب الهزيمة وهو مهندسها , ولابد أن يقدم أكثر من كبش فداء عوضا عنه .

والغريب أنه أعلن أكثر من مرة أمام الميكروفونات وأمام العالم أجمع أنه المسئول عن هزيمة يونيو , وكان يقابل بالتصفيق في كل مرة يعلن فيها ارتكابه لهذه الجريمة .

ومضت السنون ولم يصدر ضده حكم بالإدانة . وأغلقت الحكومة ملفا لم تفتحه قط, هو ملف هزيمة يونيو .

ولكنه بين يدي التاريخ يفتحه كل يوم ويضيف فيه أسطرا جديدة كانت هذه هي الديكتاتورية الصريحة التي دمرت كل شئ بإذن ربها .

واليوم...

يعيش النظام حالما بهذا العهد الذهبي للاستبداد .يفكر فيه ويتمناه ولا يقدر عليه .فنحن نعيش عصر الديمقراطية الغائبة والدكتاتورية المستحيلة .
ازداد عدد الناس وهبت رياح الحرية وكتبت الكتب ونشرت الصحف ,والشعب يطالب الحكومة بدفع الحساب .حساب التخلف والضياع والتبعية والفقر .وهناك من يطالب بدفع هذا الحساب دما وقتلا وتدميرا .

ونحن نقول للظالمين قولة هادئة :

ردوا الحقوق إلى أصحابها , ودعوا الناس يحكموا أنفسهم , وكفاكم ما جري , وهذا الكتاب " سراديب الشيطان " محاولة هادئة لمنع طوفان الدم الذي يلوح في الأفق البعيد .

(وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون)

الثلاثاء 9 مايو سنة 1989 م
4 شوال سنة 1409 هـ
أحمد رائف

مقدمة الطبعة الأولي

ما زالت مصر تعاني من أيام حكم عبد الناصر!

وسوف تعاني لسنوات لا يعلم عددها إلا الله . فقد استطاع أن يفسد الشعب والجيش والدولة ويغير مفاهيم الناس وأخلاقهم واستخدم في ذلك أداة بسيطة الشكل عظيمة الأثر هي السوط .

ولم ينتبه أحد لهذا عندما جاء إلى الحكم .وتسلل إلى الناس عبر شعارات براقة , ونجح في إحكام قبضته .

وذلك الجيل الذي تكون عبر عشرات السنين قبل قيام الثورة الذي استطاع أن ينشغل ويهتم بما يدور في بلده بدليل أنه شارك في تغيير النظام الملكي , هو نفسه الجيل الذي قهر على يد عبد الناصر تحت وطأة التعذيب القاسية , وهو الذي انصرف عن الاهتمام بما يدور خوفا من السجن وفرقا من العذاب .

ثم ظهر جيل آخر وثالث لم يعرف ماذا حدث , ولا كيف تكون هذا التصور السلبي في أذهان الناس لكل ما هو هام وله صلة ببناء الوطن وقضايا الدين , ولم يعرف أحد أن عبد الناصر قد سلك بالناس في سراديب الشيطان حيث ينعدم كل شئ , ويصير الإنسان أسير الغريزة يبحث عن البقاء وليس أكثر من ذلك .

حتى يزول هذا الشعور لابد من جيل رابع يتعلم في مناخ مختلف يسمح بتطور الأفكار ونموها , وهو أمر قد حال دون تكونه جمال عبد الناصر بنظامه الفريد الذي صنعه .

وهو نظام لا يسمح بأى شئ غير بقاء الحاكم على كرسي الحكم , ولا يوجد قوة أو قانون يزحزحه عن مكانه بغير الإرادة الإلهية وحدها.وهذا في حد ذاته بلاء من ربكم عظيم .

بلاء عظيم إذا نظرنا إلى الناحية الأخرى من الوادي , حيث ذلك الشباب الذي تكون فجأة , وصار كموج البحر والناس عنه غافلون ..

وكل ما نسمعه أنهم شباب متطرف.

وما معني متطرف ؟

لا تسمع إجابة شافية من أحد .

ولا توجد فرصة لسماع رأيهم لمناقشتهم .

والنظام يزيد في الهوة بين جميع الفرق

القمع البوليسي يشتد..

والصحف القومية تنشر أخبارا لا ندري مدي صحتها .

والصحف غير القومية تنشر أخبارا آخر .

وكأننا في بلدين مختلفين .

ولكن المؤكد أن الحال سيئة على جميع المحاور وبكل الموازين والمعايير على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني .

القمع البوليسي يزداد .

وما يسمونه بالتطرف ينتشر .

كنا نسمع عنه أنه يحدث في الصعيد .

ثم رأيناه وسمعناه في القاهرة.

ألا يعني هذا التطور والانتشار أم ماذا يعني ؟

هل في وسعهم أن يأتوا بشرطة تملأ البلاد فيكون هناك شرطي لكل مواطن ؟ هذا أمر مستحيل ولكنهم لا يفهمون .

وهناك حل أسهل من ذلك أسهل بكثير , ولكنهم لا يريدون إن جمال عبد الناصر رغم موته لم يترك الحكم لحظة , فهو يحكم من خلال بعض الأراجوازات والمهرجين , وهم يحتمون به ولكنهم لا يعرفون أنه مات .

والطوفات جارف أو هو قادم يقتلع كل شئ أمامه .ولابد لمن يعنيه الأمر أن يعرف أنه مات .يجب عليهم أن ينتبهوا لهذه الحقيقة ففيها نجاتهم من غضبه لا يعرف أحد مداها ولا أبعادها .

تغير العالم ولم يعد فيه مكان لديكتاتور صغير أو كبير.وهذا الفساد الذي استشري , فيه هلاكهم لو يعلمون وقد علمتنا الأيام أن لا شئ يدوم.

لقد أفسد عبد الناصر كل شئ. ومما أفسده مستقبل الحاكمين الذين يحكمون الآن .

ويمكنهم الحفاظ علي هذا الشعب من الانهيار وهم بالتأكيد سوف ينهارون معه لو استجابوا لمطالبه ورفعوا الوصاية عنه وعاشوا مثلنا مواطنين لا آلهة .

الحل الوحيد في نظري للخلاص هو طي صفحة عبد الناصر إلى الأبد , فيصير شيئا تاريخيا مثل محمد على والخديو إسماعيل والملك فاروق .

وكفي عبثا بمقدرات الشعوب لأن غضبتها لا يتحملها حاكم مهما ظن نفسه قويا وحوله الجند والأمن .إزالة كل الألغام التي وضعها عبد الناصر في طريق الأمة .

الفساد – الرشوة - القمع ضياع حقوق المواطنين - التبعية الكاملة للغرب - فقدان الهوية .عمالة كبار الموظفين وكثير من المسئولين لجهات لا نعرفها .

عدم القدرة على الحياة . التخلف والضياع والاضمحلال .حكم الجهلة والمختلفين حسب نص الدستور , ولا أدري هل هو الثالث أو الرابع أو الخامس منذ كان عبد الناصر .

فلا توجد أمة عاقلة تشترط أن يكون المجلس التشريعي بها لا يقل عدد الجهلة فيه عن النصف . قد جربتم الحل الاشتراكي لإحكام القبضة على الشعب . والشعب يخرج من قبضتكم ولن تستطيعوا منعه .

جربوا الحل الرأسمالي كمرحلة قبل أن يجرب الشعب الحل الإسلامي , وسوف يجربه بالتأكيد , ويمكنكم معرفة هذا لو قرأتم التاريخ.

أو اتركوا الناس يختاروا ما يشاءون .هذه نصيحة عاقلة مخلصة أقولها قبل الطوفان .أخرجوا مصر من سراديب الشيطان قبل أن تبطش بكم .

جربوا شيئا قد جربه العالم .

الحرية .حرية إصدار الصحف حرية تكوين الأحزاب .

كل من عنده شئ دعوة ليقوله للناس . بيعوا القطاع العام للمصريين فتسددوا الديون التي ليس للشعب ناقة فيها ولا جمل .

اشترطوا أن يكون المجلس النيابي من المتعلمين والمثقفين والمفكرين لا أن يكون نصفه من العمال والفلاحين . اختاروا هيئة تأسيسية لوضع دستور دائم .

امنحوا الناس فترة انتقال احكموا فيها وتنعموا قبل أن يضيع منكم كل شئ . ( ولن ترضي عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم )وقد فعلت بلا فائدة . يا من بيده الأمر . نجاتك وفلاحك وربحكم أن تساعد الشعب على أخذ حقوقه التي سلبها عبد الناصر .

أن تعود بالبلاد إلى حالتها الطبيعية مثلما كانت في أيام الرجعيين والباشوات والخديو إسماعيل . وهذه ليست سخرية , فقد كان الشعب أسعد حالا في حكمهم .

على الأقل لم يكن يسجن ويضرب وتلفق له القضايا .كم باشا يحكمون مصر الآن ؟ كم بريئا اعترف أنه أطلق الناس على حسن أبو باشا ؟

أنتم تمنعون زراعة الصحراء .. لماذا ؟ ولحساب من ؟ أنتم تمنعون إقامة المصانع .. لماذا ؟ ولحساب من ؟ أنتم تحرمون الناس من حقهم في الحكم .. لماذا ؟ ولحساب من ؟

هل تظنون أن هذا يحيمكم ويبقيكم ؟ هل تصرون على صيغة عبد الناصر في الحكم ؟ الحاكم الفرعون !.. والناس كلهم عبيد !

إن كنتم تصرون على هذا فالعاقبة وخيمة .. عليكم وليست لكم. (ويؤمئذ لا ينفع الظالمين معذرتهم). احكمونا بقية حياتكم بعهد منكم تشرف على تنفيذه لجنة وهيئة تنتخب على أن نأخذ حقنا في الحكم والمشاركة فيه بعد موتكم .

وهذا اتفاق عادل ومعقول . وأعلنوا هذا للناس فتطمئن الصدور وتهدأ الضمائر أو أنتم الذين ستضيعون في سراديب الشيطان بعد أن يخرج الشعب المصري منها .

إن عبد الناصر لم ينج من لعنة التاريخ رغم كل ما يقوله الناصريون , وإن لعنة الشهداء والمعذبين سوف تطارد سيرته وتاريخه , وهي محل حساب وعقاب من الله .

عبث بمقدرات أمة . وقتل العزة والكرامة في نفوس أبنائها . وحولنا من شعب منتج إلى شعب متسول . وصنع نظاما قد اعتمد الدعارة وسيلة وطريقة للحكم والسيطرة .

وضيع جهاد الآباء من أجل الحرية والاستقلال والتفوق ولم يترك مصر إلا بعد أن أخضعها لإسرائيل خضوعا لا رأي فيه ولا كرامة ولا نملك غير أن نفعل ما يأمرون . كان غاية همه السيطرة والغلبة على أفراد شعبه المساكين ..

وماذا كانت النتيجة ؟ مات كما يموت الناس . ولا يعرف أحد سر موته .ولكن المهم أنه قد مات . وهذه هي سنة الحياة, فكل حي يموت . ولكنه ترك نظاما يتمسك به كل من يأتي بعده بتعديل طفيف .

ومن مفاسد نظامكم أنكم تصنعون هوة خطيرة بين الشرطة والشعب , وسوف يقف كل منهما أمام الآخر في يوم قريب إن لم تتداركوا هذا !

أنتم تجندون مئات الألوف لحمايتكم , وأجدر بكم أن ترسلوهم إلى الصحراء ليزرعوها وإلى المصانع فيعمروها أما أن تحولوا شبابا في عمر العمل والبذل إلى وحوش مفترسة العصي وتحطم الجماجم في صيحات لا تصدر إلا في الغابة ففي هذا نهايتكم .

افتحوا النوافذ . والبرنامج بسيط. حرية كاملة لكل المواطنين بلا استثناء . من أراد أن ينشئ حزبا فليفعل .يستوي في هذا الإخوان المسلمون والشيوعيون والأقباط , وكل من لديه شئ يقوله للناس , والعاقبة لمن يقنع .والحكم لمن يقبله الناس .

ولتكونوا أنتم أيضا حزبا ولتتقدموا للشعب ببرنامجكم وهو بالتأكيد لن يختاركم إن ظل على ما هو عليه , حيث يجمع أصحاب المصالح والذين يكرهون مصر كراهية عمياء منذ أيام إسماعيل صدقي .

لا تتآمروا على إفقار البلاد فإن فعلتم فلن يرحمكم التاريخ , هذا بالإضافة إلى عذاب الله سبحانه وتعالي , وصدقوني إنه يسمع ويري وثيب ويجازي في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم .

الأمراض كثيرة ومتفشية في جسد هذه الأمة .وعلاجها سهل وبسيط يتمثل في كلمة واحدة .لا تعضوا على الحكم بالنواجذ وكونوا مواطنين أمثالنا إن كنتم حقا مخلصين . وخذوا العبرة من التاريخ البعيد والقريب .

وإن لم تفعلوا فسوف تكونون أنتم عبرة وعظة لمن بعدكم (وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون) .

السبت 13 جمادي الآخر 1409
21 يناير 1989
أحمد رائف

الفصل الأول: " وجاءت سكرة الموت بالحق "!

بعد موت الزعيم الخالد

تعلمنا من موت عبد الناصر أن الناس تقدر وتدبر, ويضعون في حسبانهم ما يعرفون مما يقع أو يمكن أن يقع مما يدخل في إدراكهم وتلتقطه الحواس أو يتصوره العقل

وتعلمنا أن معظم الناس لا يضعون في حساباتهم العوامل الإلهية الغيبية التي لا تتوافر لأحد إلا من كان قلبه عامرا بالإيمان فهي غامضة غير جلية يلتقطها القلب ولا يضبطها العقل ,وتتعلق بالخطة الأزلية للخلق وهنا يكمن الفرق بين المؤمنين وغيرهم .

العبرة من موت عبد الناصر

كنا قد نسينا في غمرة العذاب والاضطهاد أن عبد الناصر بشر يجري عليه ما يجري على سائر الناس من ألم ومرض وموت .

وكانت الأجهزة في مصر حريصة كل الحرص على إخفاء أخبار مرضه وما يشكو منه , وكانوا يعتبرون مرضه من أسرار الدولة العليا التي يعاقب من يفشي سرا من أسرارها بصرف النظر عما يمكن أن يكون لهذا المرض من أثر على قدراته ومنها ماله صلة وثيقة بمستقبل العرب والمصريين .

ولعلنا لا ننسي قصة الدكتور أنور المفتي الذي تردد أنهم قد قتلوه بالسم لأنه تكلم في جمع من معارفه نصفهم من المخابرات عن مرض عبد الناصر وكيف أنه تسبب له في ازدواج الشخصية , وهو يحكم بهذه الشخصية المزدوجة في آن واحد , وقراراته تصدر مرة عن هذه وأخري عن تلك .

ولكنه مات فجأة دون توقع من أحد أو انتظار ! وتغيرت الحياة تماما في معتقل طره السياسي , بعد أن تأكد الجميع من موت الزعيم الخالد في زعمهم وقد ظلوا حتى يوم دفنه يشكون في الأمر.

ومرت فترة من الوقت لا يستطيع الناس فيها استيعاب ما حدث ولا يصدقونه وفي موته تكمن المشيئة الإلهية القادرة الغالبة على غير ما يريد الناس أو يتمنون ويرغبون أو تكون على نحو لا يتصوره أحد ولا ينتظره إنسان .

وقد أخذنا من موت عبد الناصر عبرا كثيرة وعظات بالغات .

تعلمنا من موته أن الناس يفكرون ويقدرون ويدبرون , ويضعون في حسابهم ما يعرفون مما يقع أو يمكن مما يدخل في إدراكهم , وتلتقطه الحواس أو يتصوره العقل وتعلمنا أن معظم الناس لا يضعون في حساباتهم العوامل الإلهية الغيبية التي لا تتوفر لأحد إلا من كان قلبه عامرا بالإيمان , فهي غامضة غير جلية يلتقطها القلب ولا يضبطها العقل , وتتعلق بالخطة الأزلية للخلق .

وهنا يكمن الفرق بين المؤمنين وغيرهم .

(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).

وهنا يكمن الفرق أيضا في درجات الإيمان وقرب الإنسان وبعده من الله سبحانه وتعالي .

وهنا تكون الثقة في وعد الله وعنايته , وأن كل ما يمر على المؤمنين من تصاريف ينبغي الرضا بها والشكر عليها وأن الغيب سر لا يفهمه أحد وهو يسير على نحو لا يتعلق بالمدارك الصغيرة والرغبات الساذجة المتعلقة باللذة والألم .

وعندما مات عبد الناصر وأعلنت وفاته كانت المفاجأة البالغة .

وشك الناس أياما في هذه الحقيقة ! ثم رأوه على شاشة التليفزيون وهو يدرج في قبره !وأهالوا عليه التراب أمام جميع المصورين وجميع وكالات الأنباء .

عندئذ ..

تحول الشك إلى يقين وتأكد الناس من موته .

وانسابت بين الجميع موجة من الارتياح العارم , وشفيت صدور كثيرة .

وعرف الجميع أن كل الخطط البشرية يمكن أن يطرأ عليها عامل غيبي إلهاي ليس في الحسبان يغير كل الموازين المطروحة , ويبدل جميع الآفاق التي يفكر فيها الإنسان أسير الحواس التي لا تري بعيدا .

وهو ينبه الناس دائما إلى ضرورة تزكية الإيمان وتثبيته في النفس وهو يقول إن كل قوانين البشر يمكن لها أن تتغير في لمحة من زمن , وفق إرادة إلهية حيث يتغير على ضوئها كل شئ . وهو يقول إن اجتهادنا محدود وقاصر, وإن دائما صغير وضئيل .

وهو يؤكد أن كل ما يراه الإنسان ويسير في خطة من رسم البشر إلى غاية قدروها وفهموها يمكن أن يتبدل في لحظة من ليل أو نهار فالقوانين لا تحكمها ولا تحيط بها والغيب هو بحر المعرفة الأعظم الذي لا يدركه الناس .

والله وحده يعلم أن إرادته لو اقتضت غير هذا واستمرت حياة عبد الناصر زمنا آخر أطول .. ماذا كان يمكن أن يكون ؟

الاضطهاد والمحن طريق أصحاب الدعوات

ربي الإخوان في السنين الماضية على النصر.

وهيأتهم المناهج والظروف والبطولة التي قاموا بها لحكم البلاد.

واستقر هذا في وجدان شبابهم .

وعندما واجهتهم المحنة الأولي ظنوا أن بينهم وبين التمكين في الأرض رمية قوس .

وخيل إليهم أنما هي خطوة واحدة تخطوها الجماعة إلى الأمام فيصيرون على رأس المجتمع فيحكمون بالقرآن وتسود شريعة الإسلام .

وتعلموا خطأ أن العالم كله ينتظر إشارة منهم فيركع تحت أقدامهم وقد يرجع هذا إلى كلمات الإمام الشهيد الملتهبة التي لم يفهم مرماها على وجه اليقين , فقد غطي وهج الكلمات على عتمة الواقع وأساه .

وقد يرجع إلى عظمة الدعوة وأهميتها في إعادة تكوين الإنسان والمجتمع ,وأنه ليس من العقل رفضها أو الوقوف ضدها .

وهو يرجع بالتأكيد إلى عدم قراءة التاريخ , وعدم استيعاب السنن والنواميس . ثم توالت الأحداث وتتابعت المحن !

وفوجئ الإخوان بأن طريقهم ليس طريق النصر القريب , ولكنه طريق المحن الطويلة والدلائل صارت تشير إلى أنه لا نهاية لها .

وتأكد ليدهم ووثقوا أنها حرب إبادة من أعدائهم !

وكانت محنهم الأخيرة التي شاهدت فصولها وعشتها معهم بكل ما فيها من قسوة الحكام وتجبرهم وطغيانهم , وكراهيتهم العمياء لوطنهم وأهلهم .

واختل الميزان في نفوس المعتقلين فهم للمرة الأولي تنجلي أمام أعينهم الحقائق وإن كانت لم تغب عن بعضهم وللمرة الأولي يتبينون أن هناك محنا يمكن أن تستمر حتى تستغرق العمر كله , وتأخذ في طريقها جيلا أو جيلين وربما أكثر وأن عوامل جمهور المعتقلين أن هناك أجيالا قد يكون من قدرها أن تعمل وتعمل وهي تعرف أن ثمار جهدهم سوف يقطفها قوم آخرون , يأتون من بعدهم ولا يزالون في رحم الغيب , بينما هم يقتلون ويعذبون ويشردون .

ليس النصر بإرادة الناس , ولكنها سنن ونواميس وفق مشيئة ونظام ويدخل فيها ما لا يعرفه أحد وما لا يمكن لبشر أن يصل إليه .

حقيقة العالم من داخل المعتقل

كانت وفاة عبد الناصر فجأة بمثابة تأكيد الأمل والثقة في قدر الله وقدرته في نفوس قد أضناها العذاب والشوق إلى العدل ذلك الوهم الذي لا تراه إلا عبر رؤى مبهة تأتي في الليل , أو تنبثق كفلق الصبح مع انبعاثه الفجر الحزين الذي كثيرا ما سمع أنات العذاب أو شهقات المحتضرين في ساحة قد ملئت بالكلاب والضباط الذين باعوا شرفهم ودينهم , ثم ضربوا بالأحذية في صيف قائظ على رمال سيناء عام 1967 .

كانت أيام المعتقلين مليئة بالحزن والآسي العميق , وكانت لياليهم أرقا وسهدا قد امتزج بالآسي والغضب والرفض , في حزن عارم يؤذي النفس .

وتذكرت مسلم بن عقبة المري الذي أرسله يزيد بن معاوية إلى المدينة كي يؤدب الصحابة وأبناءهم في يوم أغبر كئيب أطلق عليه المؤرخون اسم " يوم الحرة " فقتل من قتل وأسر الباقين , ورفض البيعة إلا أن يعترفوا بأنهم عبيد ليزيد .

لم يقبل منهم غير هذا ووافقوا نجاة من القتل ! ومع اختلاف العصور والزمن فقد فعل بنا عبد الناصر وضباطه أسوأ مما فعله السادة والمتجبرون في العصور القديمة .

كانوا ينظرون إلينا نظرتهم إلى العبيد ,وليس لنا الحق في الحياة إلا بالقدر الذي يريده ويشاءه سيدنا ومولانا .

كان الناس جميعا خارج المعتقل يعيشون في واد . وكنا نحن معشر المعتقلين نعيش في واد آخر .

فالمعتقلون وحدهم هم الذين يرون الحياة في مصر على حقيقتها , وهم ليس سواهم الذين يعرفون كذب الرئيس , ونفاق الموظفين والجلادين الصغار .

كان عبد الناصر مولعا بالطبل والزمر , شأنه شأن كل طاغية قد ظهر من قبل, فهو يسعد لسماع صوته ويدعو الناس إليه ويحشدهم ويرفع طبله عاليا بينما أصوات زمره تصم الآذان ومن ثم لا يصل إلى الناس إلا هذه الجوقة الصاخبة التي لا أول لها ولا آخر .

فكان يكذب على الناس وهم يصدقونه .يخدعهم وهم يصفقون له . يقتلهم وهم يهتفون بحياته .وأعوانه يقلبون الحق باطلا ويمهدون له رغبا أو رهبا أو هي وظيفتهم كما يقولون .

وكانوا يعرفون زيف حكومتهم , وأنهم يخدمون الباطل ويعبدون الشيطان وكل واحد فيهم عبارة عن " ترس " صغير في آلة ضخمة لا يملك حيالها , فهو يديرها ويدور معها , ويلعن نفسه في أعماقه ,ويلعنه أهله وأصدقاءه في أعماقهم وكان هؤلاء الأعوان هم أقدر الناس على رؤية الزيف والضلال .

المؤيدون والمعارضون

وكما سمعت فقد كانوا يمهدون للإفراج عن الإخوان المسلمين المسجونين في خلال عام 1958 على أمل غلق هذا الملف إلى الأبد .ثم ظهرت فتنة المعارضة والتأييد فأحدثت أيامها شرخا كبيرا بين الإخوان .

ودار حوار بين المؤيدين وأحد زبانية عبد الناصر حيث قال له أحد هؤلاء المؤيدين :

- قد أيدنا الحكومة زمنا ولم يتم الإفراج عنا :

وقال له الضابط الكبير ساخرا :


- وهل تظن أننا نصدقكم في أنكم تؤيدون الحكومة ؟

وفغر ذلك المؤيد فاه من الدهشة وقال :

- ماذا تعني ؟

واستمر الضابط في سخريته :

- إن كنا نحن ولم يلحقنا هذا العذاب والهوان لا نؤيد الحكومة في أعماقنا .

- أنتم؟

- نعم نحن ..

- هذا غريب والله ! ولكن بالنسبة لنا ..

- ماذا عنكم ؟

- هل نحن نمثل عليكم في تأييدنا للحكومة ؟

- بالتأكيد .. نحن واثقون من هذا .

- إذن لا فائدة من الإفراج عنا ؟

- من قال هذا ؟

وفي يأس قال له المؤيد :

- نؤيد الحكومة فلا تصدقوننا وتقولون نمثل عليكم ! إذن فمتى يفرج عنا ؟

وفي ابتسامة شيطانية قال له الضابط الكبير :

- نحن ننتظر حتى تتقصموا الدور وتندمجوا في التمثيل !
- وبعدها تفرجون عنا ؟
- بالضبط .

هكذا كانت تدور الأمور , الكل يخدع من حوله , وأصبح الزيف منهجا وطريقة في التعامل والحياة وصار الكل يمثل دورا ينبغي عليه إتقانه , ويستغرق فيه حتى يصدق نفسه في النهاية وينسي ما بداخله من أعماق قد تختلف عن سائر ما يؤديه من أعمال أو ما ينطق به من أقوال .

وبعد موت عبد الناصر وقبل دفنه كانت أمارات على وجوه الناس تقول إن هناك أمدا للخداع وإن طال .

ومع أن الموت شئ عادي وطبيعي , ويصيب جميع الناس إلا أن موت عبد الناصر كان له شكل يختلف , وكنا نلمح هذا حتى في وجوه بعض الضباط الذين كانوا ينظرون إلينا باسمين بين الحين والآخر , وكأننا قد انتصرنا على عبد الناصر .

فهذا الجبار بحياته , وعندما أنهزم في يونيو عام 1967 وأجبره الشعب على البقاء صارت كلمات تخرج على استحياء من هنا وهناك تنقد الأوضاع في مصر , وتنادي بضرورة التغيير , وأن النظام بما قدم كان سببا في تلك الهزيمة القاصمة أمام اليهود .

وكثرت هذه الكلمات وصارت رأيا عاما ينادي بهذه الضرورة , ولعلهم كانوا يريدون أن يقولوا إن من يجب تغييره هو رأس النظام نفسه ولكنهم لا يستطيعون .

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة

وكان هو في الواقع سبب الفساد والهزيمة , أو الهزيمة التي جاءت من الفساد .. وقد تعلمنا من التاريخ أن كل مستبد أو طاغية يحيط نفسه بمجموعة من الأوغاد قد تربوا معه ونشئوا على هديه وأشربوا تعاليمه؛

ولا يجعل أحدا جديدا ينفذ إليه من هذا الإطار أبدا وعلى من يريد النفاذ والاقتراب من دائرة السوء هذه عليه أن يكون أكثر فسادا من حاشية الزعيم , وهو أمر صعب جدا فمدرسة المستبد تجعل من يحيطون به في الدرك الأسفل من الفساد والإفساد ويصعب أن يتجاوزهم أحد ومن ثم فمن أين يأتي للناس بجديد وحاشيته محدودة والنفاذ إليهم كما قلنا ؟

والشعب ينادي بالتغيير , ويتجاوب الزعيم الخالد مع هذه النغمة ولكن من يغير ؟ طغمة قد عرفها وعرفته من أيام 23 يوليو يعز من يشاء ويذل من يشاء منهم وهذا هو التغيير , والذي لا يعجبه ينفلق .

يؤوي إليه زكريا محيي الدين ثم يصرفه ويأتي بعلي صبري ثم يصرفه , وهناك أنور السادات وحسين الشافعي وكمال رفعت وحسن التهامي وبعض المصارعين والأفاقين والقتلة والمتآمرين .

كان السيد كمال رفعت يشرف بنفسه ويأمر بجلد الناس وسلخهم في السجن الحربي وكذلك كان يفعل السيد على صبري , وكلمة " السيد " هذه كانت لازمة من لوازم عصر الثورة .

فكل وغد يضعون قبل اسمه كلمة " السيد " وما هو بسيد .

وجميعهم قتلوا .

وجميعهم سرقوا .

وجميعهم أفسدوا في الأرض .

وليرفع أحدهم رأسه ويعلن أنه برئ من القتل والسرقة والإفساد في الأرض وسوف نلقمه حجرا إن فعل .

وقد يكون الشعب مخدرا ومضحوكا عليه, أما الذين عاشوا محنة السجن والمعتقل فمن الصعب خداعهم , فهم الذين رأوا الوجه الصحيح القبيح لهؤلاء المتأنقين الذين تطالعنا الصحف بوجوههم الكالحة التي امتلأت بغضب الله ظاهرا في القسمات , وهم يبتسمون ويصرحون ويكذبون ويخدعون وجميعهم جهال لا يقدرون على شئ مما كسبوا , فما بالك بحكم الدول ؟

ولم يكن لأحد عند الزعيم الخالد حرمة فهو ينكل ويشرد أقرب المقربين إليه هذه هي مصر التي يعرفها المعتقلون في طره في ذلك المساء من يوم 28 سبتمبر عام 1970 ليلة مات الزعيم ومصر التي يعرفها أعوانه أيضا .

وقد تلقينا خبر موته بارتياح بالغ , وشكرنا الله كثيرا على هذه المنة وعرفنا دور القدر الذي يغفل حسابه معظم الناس , ولكنه يصدر عن خطة أزلية من تدبير الله سبحانه وتعالي .

ومن ثم يقلب الموازين وبغير جميع المخططات !

وللمستبد في نفوس أتباعه هيبة ورهبة وعبادة , حتى إنهم ليضفون عليه صفة أو صفات مما اختصها الله سبحانه وتعال لنفسه ومنها الخلود فهم في العادة يظنونه دائما لا يموت , أو أن موته بعيد لا يدركونه .

وعندما يأخذه الله سبحانه وتعالي في لحظة أخذ عزيز مقتدر فإن هذه النفوس تفقد توازنها وكأن الكهرباء قد صعقتها وكان أكثر الناس ذهولا بموت عبد الناصر هم أتباعه وخدامه إذا استثنينا أولئك الذين قتلوه إن صحت الشائعة التي قيلت وقتها وصدقها الكثيرون ورغم كثرة شواهدها إلا أنه لم يقم دليل حاسم عليها بعد.

وكان عبد العال سلومة قائد معتقل طرة السياسي أكثر خدم عبد الناصر إخلاصا له فيمن نراهم , وعندما مات عبد الناصر أصاب عبد العال زلزال , وتصدعت نفسه من هول الحادث , وظل أياما لا يصدقه , أو لا يريد أن يصدقه .

وعندما تبين له أنه قد مات أرسل يطلب كتابة برقيات عزاء في وفاة الزعيم ! نرسلها باسم من ؟ لا أذكر !

برقيات العزاء الزائفة

وحدث جدل كبير بين المعتقلين هل نرسل برقيات تعزية أو لا نرسل ؟ والحقيقة أن الموضوع نوقش بحدة أقل وبفكاهة أكثر , وكتب قليل من المعتقلين برقيات عزاء وهم إلى الفرحة أقرب , وربما كانوا يريدون أن يعيشوا وفاة عبد الناصر بشئ من الجدية واليقين .

وذهب الشيخ عارف بعد تشييع الجنازة إلى مبني الإدارة وفي يده حزمة من البرقيات وصار يناقش الحارس :

- نريد أن نرسل برقيات تعزية في الرئيس , لا أراكم الله مكروها .

- ويرد عليه الحارس في ضجر :

- يا شيخ عارف إحنا مش فاضيين .

- يا سيدي لازم نعزي ونقوم بالواجب

- والنبي تسيبنا في حالنا .

- والله كنا نريد أن نرسلها مع مخصوص إلى جهنم ليسلمها إلى سيادته شخصيا .

- ويضحك الشيخ عارف ملء شدقيه وهو يعود من المكاتب ممزقا في طريقه تلك الأوراق التي كانت بيده .

الساداتية مكان الناصرية

شمل الصخب أرجاء المعتقل بعد إعلان خبر وفاة الرئيس وبعد إذاعة دفنه على الهواء عبر التليفزيون , ومن خلال هذا الصخب كان هناك صمت في الأعماق حيث يفكر الجميع في مستقبل البلاد وهي فريسة لهؤلاء الأوغاد الذين يمسكون بتلابيبها ويمزقون أوصالها ويقتلون الرجولة والكرامة في أبنائها.

هزيمة يونيو عام 1967 عرف الناس نتيجة الاستبداد ورأوا آثاره واضحة وعندما مات عبد الناصر بطل السحر وهز الناس رءوسهم ليفيقوا .

ولقد دخلنا المعتقل ولا يجرؤ مخلوق على نقد الحكومة همسا , وكنا أثناء التحقيق حيث التعذيب نشيد بالزعيم الخالد وتفوقه وعظمته التي ليست لها حدود .

ورويدا رويدا صرنا نتهامس بما يعن لنا من أفكار أو انتقادات .وتطورت الأمور , وارتفعت أصواتنا نقدا ونقاشا مع من يأتي إلى المعتقل من طوائف جديدة تنتمي إلى النشاط المعادي..

حيث تكون التهمة أكثر غموضا وعدم تحديد أو من يأتون بهم من منظماتهم الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب أو من جاءوا كممثلين للكنيسة القبطية وأغرب ما كنا نجده بعض القادمين الذين يؤمنون بعظمة الزعيم الخالد , أولئك الذين تم اعتقالهم بعد خراب مالطة .

ثم تجاوز النقد والكلام أية حواجز ووصل خبره إلى كل مكان وبدأ بعض الساخرين يقول إن الناصرية قد انتهت وبدأ عصر الساداتية.

وانزعج عبد العال بك وقال :

- هل معقول أن يوجد من يدعي الساداتية ؟

- وقلت له :

- يا عبد العال بك هذا أمر طبيعي .

- وضاقت عيناه وهو يقول :

- إذن فالكلام صحيح !

- صحيح مائة في المائة .

- هل ينسي الناس الرئيس عبد الناصر بهذه السهولة والسرعة ثم يتحولون إلى ساداتيين ؟ هل هذا يصدق ؟

- هذا هو قانون مصر الخالد يا عبد العال بك .

- ماذا تعني ؟

- هل تعرف من هو أول الساداتيين في هذا المعتقل ؟

- وباهتمام شديد سألني :

- من؟

- سيادتك أول الساداتيين .

هذا هو قانون مصر الخالد " اللي يجوز أمي أقوله يا عمي " قد مات عبد الناصر يا عبد العال بك ومن الأفضل لك أن تنساه , وأن تفكر في السلطان الجديد الرئيس أنور السادات .

- وبدا على الرجل الشرود والتفكير , بينما واصلت الحديث معه :

- هل تشك في أن الرئيس هو أنور السادات ..؟

- وقاطعني وهو يضحك :

- مش راكبه عليه ... الرئيس أنور السادات ؟... والله ما هي راكبة !

- لازم تركب يا عبد العال بك ..وهز رأسه وهو يسألني :

- ماذا كنت تقول ؟

- أقول هل تظن أن الرئيس السادات سوف يهتم قليلا أو كثيرا بالرئيس عبد الناصر ؟ وفزع الرجل وقام واقفا من مكتبه :

- ما هذا الكلام ؟ هل يتنكر السادات للرئيس عبد الناصر ؟

- سوف تري بنفسك , ومن الحكمة أن تفكر في المستقبل , وتعرف اتجاه الريح , وإلا فالمباحث لا ترحم , والرئيس مهما كان اسمه جبار عظيم .

- وعاد عبد العال بك إلى مكتبه في هدوء .

- يبدو أن الحق معك . وبماذا تنصح ؟

- والله يا عبد العال بك أتمني لو تنسي ما كان , ولا تعد تهتم بما كان يسيطر عليك في الماضي قبل موت عبد الناصر فلا شئ يدوم كما تري , ولا أحد يعرف ماذا يأتي به الغيب ومصر تدخل مرحلة كبيرة من المتغيرات .

- هل تظن هذا ؟

- بالتأكيد .

- وسكت واجما بعد أن أدرك قانون مصر الخالد وكان قد نسيه للحظات .

بدأ الناس في المعتقل يعيدون النظر في القضايا السياسية التي اعتقلوا بموجبها أو على هامشها كل هذه السنوات التي مضت .

وصار المعتقلون يتفكرون في خلق المحققين الذين عذبوهم وأهانوهم وقتلوا بعضهم وكان غاية همهم هو التلفيق وهم يعلمون .(ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) !

فهذا مثلا قائد المعتقل لماذا كل هذه الشراسة في معاملة المعتقلين ؟ إنه يمقتهم ويتمني قتلهم . لماذا ؟ سؤال تصعب الإجابة عليه .

استهوته الشياطين في الأرض حيران

لعل عبد الناصر معذور فيما فعل إذا علمنا أن هناك دورا عليه أداؤه لتثبيت حكمه وهو أمر يتوقف بالتأكيد على إرضاء قوي أجنبية في الشرق والغرب , وهو لا يمكنه عصيان هذه القوى , وإلا فقد شرعيته في عالم العمالة والخيانة الوطنية ومن ثم يفقد سلطته .

فقد كان عبد الناصر واضحا في جميع تصرفاته وكان منسجما مع نفسه وفي سبيل تحقيق أهدافه ولا يخفي ذلك إلا على البلهاء والخائبين , أما الذين ينظرون إلى الأمور بوضوح وحكمة فلا يخفي عليهم من سلوكه شئ .

أراد العزة فأخطأ طريقها , ظنها في الغرب مرة , وبحث عنها في الشرق مرة أخري , وصار كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران , له أصحاب يدعونه إلى الهدي أن ائتنا فيقتلهم ويسجنهم .

ضرب الإخوان ضربا مبرحا في عام 1954 وهكذا كان الاتفاق , ومن الوثائق التي كشفت عنها الخارجية الأمريكية بعض البرقيات المتبادلة بين السفير الأمريكي وبين الوزارة ومن يقرؤها يأخذ هذا الانطباع وهو أن السفير يفهم ويعلم ماذا يدور بين الحكومة والإخوان رغم أن هناك قانونا يمنع نشر كثير من المعلومات في الوثائق لحماية عملائهم في بلدان العالم .

فمن ذلك القليل من الأوراق التي سمحوا بنشرها يفهم هذا فماذا لو سمحوا أو جاء الوقت فنشرت جميع الأوراق ؟ واليقين عندنا أن كل هذه الأسرار سوف تكشف يوما ما بالوضوح الذي لا يجعل فيها لبسا أو غموضا .

فإن كان هذا هو شأنه فما بال الضباط والمحققين ؟همي ينفذون سياسة الحكومة .لا بأس من هذا , ولكن هل يتجردون من الوطنية , ومن الإنسانية , ويهبطون إلى هذا الدرك الأسفل ؟

تتحول كل أجهزة التحقيق بمن فيها إلى أجهزة عميلة تعمل لحساب القوي الأجنبية وهي تعرف وتدرك ماذا تفعل , وفي الوقت نفسه تعذب المعتقلين عذابا شديدا وتنتزع منهم اعترافات تفيد هذا المعني .

أن تخلوا كل القلوب من الشفقة والرحمة ومعاني الوطنية بوعي وإدراك. هل هذا ما فعله الرئيس الراحل بمصر أم أن شعبها مهيأ لهذا الدرك الأسفل من أنواع الحياة ؟ أما الاثنان معا ؟

وقد تحتاج هذه الأمور إلى علماء في الاجتماع والفلسفة والتاريخ ولكن من الملاحظات البدهية البسيطة نري أن الشعب المصري بما يحمله من سبعة آلاف سنة حضارة هو شعب مستكين بليد لا يثور ولا يغضب ولا يحتج ولا يحرك ساكنا إذا ما ظلم أو اضطهد .

هذا هو الواقع المؤسف الحزين الذي يجب علينا أن نفهمه ونعيه حتى لا نكون كالذي ينفخ في " قربة " مقطوعة .

وعلى دعاة الإصلاح والإسلام في هذا البلد أن يعوا هذه الحقيقة جيدا , وأن يتصرفوا مع الناس على ضوئها .

مصر بلد كلها عبيد لمن غلب .

والذي لم يقرأ التاريخ يأتي فيشاهدنا ونحن نتقلب من معتقل إلى معتقل وتلفق لنا القضايا ونحاكم عليها ويري هذا ويبصره كل قطاعات الشعب ولا يرتفع صوت باحتجاج أو بنصيحة .

حتى علماء الدين ومشايخ الأزهر كانوا يصفقون ويباركون المستبد وهو يعلق المشانق ويسلخ الجلود .

ربما لو ربي هذا الشعب على الإسلام قد تتغير أحواله وتتبدل طبيعته , ولكن ليس قبل هذا .

ومن الحكمة أن يتوجه الدعاة إلى الناس بالتربية وتغيير المفاهيم وليس من الحكمة أن يطلب منهم أكثر من هذا .

والتربية وتغيير المفاهيم تحتاج إلى إصرار وإلى أجيال , وإلى فهم من الدعاة الذين يقومون على هذا .

فهم لطبيعة العالم الذي نعيش فيه .

وفهم لطبيعة حكامنا فكلهم صنائع الغرب والشرق , قد تم إعدادهم عبر قرن من الزمن وهم يتبادلون استعمالهم وهم في الأول والآخر أعداؤنا وعداوتهم مستقرة في قلوبهم ومن انتابه شك في هذا فلينظر ماذا يصنعون بنا .عندما نام الشرق أقسم الغرب ألا يوقظه من سباته أبدا .

كنا مستضعفين في الأرض

كل الشعوب تثور على حكامها الظالمين إلا شعبنا المسكين , وقد سقاه عبد الناصر خوفا وذلا وقهرا لن تخف درجته قبل زوال جيلين أو ثلاثة .

وكان الأجدر بالناس أن يرفضوا ويحتجوا وهم ليسوا في حاجة إلى تنظيم يقودهم . كان على الكاتب الشريف ألا يطبل ويزمر ولو مات جوعا وكان على الصحفي أن يمتنع عن التزييف .

وكان على الضابط الوطني ألا يضرب مخلوقا ولو مزقوه .

والقاضي لا يحكم إلا بالعدل مهما حدث .

وشيخ الأزهر يتذكر الحديث الشريف " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله "

وكان عبد الناصر إماما , وهكذا قال القرآن الكريم (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) يجب أن تنتشر الطليعة المؤمنة حتى تشمل سواد الشعب كله , وعندها سوف ينجز ما يريده المؤمنون بهدوء ودون ضجيج ولكن ليس قبل هذا أبدا . استطراد نعتذر عنه .

مصر بكل طوائفها في المعتقل

ونعود إلى معتقل طرة السياسي بعد يوم 28 سبتمبر 1970 .

ولم يكن في مصر اتجاه سياسي أو ديني ليس له من يمثله في معتقل طرة السياسي وليس في هذا القول أدني مبالغة .

فقد كان هناك الإخوان المسلمون وهم بطبيعة الحال يمثلون الحجم الأكبر من المعتقلين عددا ونوعا ومعاملة .

وكان هناك ممثلون لكل الجمعيات الإسلامية المشتهرة والتي لم يسمع بها إنسان من قبل .

وكان هناك فصائل التمرد والرفض الإسلامية التي خلقت في رحم المعتقل وكانوا في ذلك الوقت أفرادا يتجاوزون العشرة بقليل , وكانوا يقيمون في غرفة رقم ثلاثة من عنبر اثنين عنبر, عنبر الخطرين .

ومن خلال هؤلاء صار هذا الزخم الهائل الذي يملأ مصر وكل بلاد العالم العربي منه وغير العربي , الإسلامي وغير الإسلامي .

ويرجع الفضل في هذا أولا وأخيرا للرئيس جمال عبد الناصر . ويرجع أيضا لمباحث أمن الدولة وسائر أجهزة التحقيق والاستجواب والغريب أن كل أجهزة الأمن آنذاك كانت أجهزة تحقيق واستجواب .

هؤلاء هم الذين حقنوا ذلك الشباب بالتمرد والرفض . ( ولتعلمن نبأه بعد حين ) ! وكان في المعتقل مندوبون عن الكنيسة القبطية لا يعرفون سبب اعتقالهم ويجيبون بهذا عندما نسألهم في ابتسامة طيبة صادقة .

وكان ضباط المباحث لا يعرفون سبب اعتقالهم أيضا !ومثل هؤلاء كثيرون في معتقل طرة السياسي .

شباب وشيوخ من كل الاتجاهات لا هم ولا غيرهم يعرف سببا لوجودهم معنا .

وقد عرفنا بعد ذلك أن التنظيم الطليعي الذي كان له وجود في كل مكان في مصر يمكن أن يوصي أى فرد من أفراده باعتقال أى مواطن من خلال من تقرير يكتب لا يحقق أحد في صدقه من كذبه, ويذهبون بهذا التقرير إلى رأس كبيرة شريرة نجسة فيقوم صاحبها بكتابة كلمات لا تزيد عن ثلاث ويمهرها بتوقيعه " يتم اعتقال المذكور " ويتم ذلك بمعرفة ضابط لا يعرف السبب ويلقي المسكين بطرة , وبعد أن يمل من كثرة الأسئلة يستسلم لمصيره ,ويحمد الله عندما يسمع منا قصص العذاب التي مرت بنا , ويشعر أنه في نعمة غامرة وقد يفرج عنه لسبب لا يعرفه أحد وفي وقت لا يتوقعه أحد يفرج عنه وقد صار له ملف بمباحث أمن الدولة .

يراقبونه ويتتبعونه ويمنعونه من السفر أحيانا وإن أذنوا له بالسفر فهم يترقبون وصوله , ويفتشونه ويحققون معه ويسألونه أين كنت ؟ وماذا كنت تعمل ومن قابلت ؟ ولا تكذب علينا , نحن نعرف كل شئ .

وقد يعيدون اعتقاله مرة ثانية عندما يفعلون ما يسمي بضربة إجهاض أو الاعتقال الوقائي والمسكين لا يعرف شيئا ويظن أنها طبيعة الحال في مثل هذا المجتمع وقد تتطور أحواله ويري نفسه منسلكا في تنظيم من التنظيمات أو حزب من الأحزاب التي كثرت في مصر هذه الأيام .

حوار مع الشيوعيين

وكان الشيوعيون بطبيعة الحال ولعلهم الوحيدون الذين توجسوا خيفة من موت عبد الناصر فقد كانت الريح معهم والدولة معهم , وهؤلاء المعتقلون منهم ربما كانوا بمثابة رهائن لضمان حسن سلوك الذين في الخارج , وربما كان اعتقالهم كنوع من الصراعات الداخلية في الاتحاد الاشتراكي , أو ما يسمي بالتنظيم الطليعي أو ما يسمي بالسيد على صبري .

الله أعلم !

ولكنهم أجفلوا عندما سمعوا النبأ العظيم .

ولعل توجسهم وخوفهم لأنهم شعروا بغريزتهم السياسية أن موت عبد الناصر هو بداية توقف المد العلماني اللاديني الذي شمل مصر .

وكانوا حديثي عهد بالحرية فقد اعتقلوا بعد عام 1968 وكانوا يحدثوننا عن ظاهرة صارت واضحة في مصر, بدأت واستشرت بعد النكسة , فتيات محجبات قد ظهرن في الطرقات والمجامع والأسواق والحرم الجامعية, وكانوا يقولون إنها ظاهرة خطيرة وتمثل ردة إلى الدين , نعم هكذا كانوا يقولون , ردة إلى الدين , وإن هذه الردة قد تقوي لو وجدت الظروف المناسبة .

وكان توقعهم في محله , وكان موت عبد الناصر بمثابة فتح الباب لمن أراد العودة إلى الدين , وقد كان .

وكانوا يوجعون رءوسنا بكلام كثير لا معني له ويسألوننا عن البرنامج .برنامج إيه ؟

وكنت أقول لبعضهم مثل هذه البرامج التي تتحدثون عنها علاقاتها عضوية بالواقع الذي نعيشه , فهي خطط للتعامل مع المجتمع بشكله الردئ الذي ترون والمسألة أبعد من هذا وأعمق .

ويقول قائلهم :

- كيف ؟

- وأرد عليه :

- لو رأيت رجلا يغرق وعلمت أنه مصاب بصداع في الوقت نفسه هل تشفيه من الصداع أم تنقذه من الغرق ؟

- ويرد في حيرة :

- ماذا تعني ؟

- مجتمعنا رجل يغرق , والبرنامج هو المسكن الذي يشفيه من الصداع , وهو أصناف وأنواع متغيرة , وكل يوم تطلع علينا الشركات بأسماء عديدة منه . والذي يجب علينا أن ننتشله من الغرق أولا , ثم نعالجه من الصداع .

- والغريب أن كل ما كانوا يرددونه أمامنا من هراء هيجل وماركس عن " الدياليكتيك " والدافع الاقتصادي للحياة , وانه الدافع الوحيد والصراع الطبقي , ديكتاتورية البروليتاريا , والتفسير المادي للتاريخ كل هذا دخل المتحف الآن وفي زمن وجيز وصارت الدول الشيوعية تفكر بطريقة مختلفة ,وتبحث لها الآن عن مخرج من الإشتراكية الآخذة بتلابيبهم ولعل هذا القرن لا ينتهي حتى تنتهي معه هذه الأفكار , وتصير المسألة فرقة من الفرق التي ظهرت وماتت مثل " المزدكية " أو " الزراشتية " أو غيرها مما تحول إلى كلام باهت في كتاب قديم .

- وكنا نقول لهم :

- ما سبب إعجابكم بعبد الناصر وإخلاصكم له ؟ هل هي حمى عبادة الفرعون التي أصابت مصر منذ آلاف السنين ؟

- وكان يرد واحد فيهم قد نسيت اسمه الآن وكان عصبيا صاحب مزاج متغير طول الوقت , وهو أيضا مغرم بالكلام العظيم الفخيم الذي ليس وراءه معني محدد واضح ..

كان يقول ..

- عبد الناصر أول قيادة وطنية تأتي مصر منذ آلاف السنين .
- دعنا من آلاف السنين فهذا أمر من الصعب الحكم عليه .

- كيف ذلك ؟

-:يصعب علينا تجزئة التاريخ , الماضي مرتبط بالحاضر والمستقبل .

- فماذا تقول في صلاح الدين الأيوبي بيبرس وقضائهما على التتار ؟
- هذه قصة أخري .
- ما هو معني القيادة الوطنية في نظركم ؟

- ويفكر قليلا ويقول :

- القيادة الوطنية هي تلك المجموعة العفوية غير المريدة تكونت عبر التراكمات الكمية والتي يفرزها الشعب من خلال تفاعل عوامل الميثولوجيا مع الدياليكتيك الطبيعي آخذين في الاعتبار كل ماله صلة من فينو مولوجيا التغيير لتحقيق ديكتاتورية البروليتاريا وينظر بعضنا إلى بعض بين الهزل والجد ويرد أحد الظرفاء :

- هذا تحتاج إلى صيدلي ليتولي شرحها .

القيادة الوطنية قيادة إسلامية

وأقول له :

- القيادة الوطنية هي التي تعمل لصالح الوطن وترفض العمالة للشرق أو الغرب وتغلب مصلحة البلاد على مصالحها الشخصية وهي التي تدرس المشروعات قبل تنفيذها , وتقدم أهل الخبرة , وتعطي الشعب حريته وتصون كرامة الأفراد , وتنشئ جيشا قويا يصمد في المعارك وينتصر وتسمح بحرية التعبير وحرية اختيار ممثلي الشعب في مجلس نيابي حر منتخب , وأزيد على ذلك فأقول لك قولا قد تراه عظيما , وهو أن القيادة الوطنية هي التي تسمح بإنشاء الأحزاب وحرية إصدار الصحف .
- وبدا الذهول والعجب في عنبر الشيوعيين فقد كانت مسألة الأحزاب وحرية إنشائها وكذلك الصحف قد صارت غريبة وعجيبة وعدت من دنس العهد البائد الذي انتهي بقيام الثورة المباركة ودرس التلاميذ في المدارس أن سبب فساد مصر هو الأحزاب .

- وارتعشت شفتا الزميل وهو يقول :

- هل تري أحزابا في مصر ؟
- أنا أعرف لك القيادة الوطنية ومصر بها أحزاب غير معلنة بالفعل فكل منا أنا وأنت ينتمي إلى حزب غير معلن .

- كيف ذلك ؟

- أنا أنتمي إلى الحزب الإسلامي , وأنت تنتمي إلى الحزب الشيوعي العلماني .

- هل هذه هي الصورة في نظرك ؟

- هذه هي الحقيقة التي لا مراء فيها , وهي تبدو جلية واضحة لا ينكرها إلا جاحد
- القياد ة الوطنية في مصر يجب أن تكون قيادة عمالية .

- وأسرعت أقول له :

- أنت قد قلت بنفسك إن القيادة الموجودة بمصر ليست وطنية وإنك تنتظر قيادة عمالية لن تكون أبدا .

- وقال لى في تحد :

- وأنت ماذا تنتظر ؟

- وقلت له واثقا :

- أنا أنتظر قيادة إسلامية يسرع الزمن في تحديدها وسوف تكون .

- وينظر إلى الزميل نظرة خنزيرية وهم يتمتم:

- مصر فقدت استقلالها وكرامتها بالاستعمار الإسلامي هكذا قال وعندما جاء العرب وحكموا هذه البلاد أفسدوا كل شئ واضطهدوا المسيحيين وحولوهم عن دينهم بالقوة .

- وقلت له في هدوء :

- ينبغي على من يتعرض لتغيير المجتمعات مثلك أن يقرأ التاريخ وأن يعي درسه , وألا يلقي الكلام على عواهنه .أنت تتكلم عن الاستقلال والكرامة اللتين فقدتهما مصر بالفتح الإسلامي.

ويجب أن تعلم أن مصر قبل هذا الفتح كانت مستعمرة رومانية وكان السادة البيزنطيون الذين يحكمون البلاد يدينون بمذهب مسيحي مخالف لمذهب الكنيسة القبطية وهو المذهب الملكاني الذي يقول بالطبيعتين للمسيح ثم أنزلوا اضطهادهم بآباء الكنيسة حتى هربوا إلى الصحراء الغربية في أديره لا يعلم مكانها أحد, خوفا من القتل والحرق .

وقد تم إعطاء الأمان لكل الهاربين وترك حرية الاعتقاد ,ولم يجبر مسيحي واحد على تغيير دينه والدليل على ذلك بالإضافة إلى ما كتبته التاريخ هو وجود المسيحيين معنا في عنبر اثنين , فلو كان المسلمون قد قضوا عليهم بعد اضطهادهم لما رأيتهم معتقلين معنا اليوم , ولما وجدت قبطيا واحدا في مصر .

أما مسألة اضطهادهم التي تقول بها فقد يأتي مؤرخ " حمار " بعد ألف عام ويقول إن عبد الناصر كان يضطهد المسيحيين في مصر , ويستدل على هذا بالمسيحيين الموجودين بالمعتقل الآن , وينسي أن مع كل معتقل من القبط يوجد مائتا معتقل من المسلمين فأي مستبد ظالم يضطهد الجميع ويظلمهم , ولا يفرق في البطش بين الناس وهأنت ذا تري بنفسك الرئيس الراحل وهو يضطهد جميع المصريين .

ويحاول أن يغير الموضوع بعد أن يتبين جهله :

- يجب أن نفكر فيمن سوف يأتي بعد عبد الناصر, لقد ترك فراغا عظيما .
- إن أعظم ما قدمه عبد الناصر لبلاده أنه مات , وهو أمر للأسف لم يكن له فيه اختيار ولا فضل له فيه , فقد كان أحرص الناس على حياة وإن موته فرصة عظيمة للتنفس ومحاولة لتحقيق الأهداف .

- ويكمل إلى مستفسرا :

- الوطنية ؟

- وأقول له قاطعا :

- الإسلامية .

لست بصاحب مبادئ فلماذا يعتقلونني؟!

ثم يجلس في عنبر النشاط المعادي هؤلاء المساكين الذين لا ينتمون إلى المسلمين ولا إلى الشيوعيين , بل لهم تهم غير واضحة وليست محددة المعالم , ومنهم من عذب ليس بالقدر الذي أصابنا ولكنه قدر كاف أن يعبد الحكومة من دون الله ومنهم من لم يعذب , بل اكتفي بإيداعه في مكان أمين إلى أجل يعلمه الله سبحانه وتعالي .

وكان هناك عظيم من المعتقلين من هؤلاء المسمين بالنشاط المعادي وكان ينتمي إلى حزب كبير قبل الثورة , وقد تم اعتقاله على أثر جنازة المرحوم مصطفي النحاس باشا وكان قد ضاق ذرعا بالاعتقال الطويل لا يبدو له آخر ونمسك عن ذكر اسمه لمكانته الكبيرة الآن في صفوف المعارضة المصرية بمجلس الشعب ..

كان يقول :

- أنتم لكم في أنفسكم ما يبرر اعتقالكم فأنتم مؤمنون موحدون , أصحاب مبادئ تموتون في سبيلها وتستعذبون هذا أما أنا فلست كذلك .
- كل ما يدينني هو انتمائي إلى حزب قد مات وانتهي وقضت عليه الثورة بقرار , فلماذا يعاملونني الآن معاملة الزعماء وأبقي هذا الوقت الطويل في المعتقل ؟ لا أمثل قضية ولا أدافع عن وجهة نظر , وليس لى شأن بما يدور في هذه البلاد , ولست أدري ماذا ينبغي أن أفعله حتى يفهم الناس الذين يحكموننا حقيقتي ولو أعرف طريقة أفهم بها الحكومة هذه الأمور لفعلت .
- وكنا نستمع إليه باسمين مشفقين وتتسع ابتساماتنا الساخرة بعد مرور تلك السنين الطويلة على هذه الأحداث , عندما نري ذلك العظيم وقد صار عظيما كبيرا , وقطبا من أقطاب المعارضة , ونضحك ونحن نراه الآن يحاول أن يأخذ لنفسه مكانا في صفوف الحكومة بأية طريقة والحكومة ترفضه ولا تثق فيه .

زعيم بلا قضية وليست له وجهة نظر وقد صرح بهذا أمامنا منذ أكثر من عشرين عاما ! كان إنسانا مسكينا جرحته الثورة وضربت كبرياءه وجردته من كل معاني الإنسانية التي تحتويها نفسه .

أمريكا هي التي صنعت الانقلاب

كان البعض يقول غن حكومة الثورة هي قيادة وطنية قد حققت أهدافا عظيمة ونقلت المجتمع نقلة هائلة إلى آفاق جديدة وكان الذين يقولون بهذا خائفين ومرعوبين من الحكومة , ويعرفون أن الطريق الوحيد إلى الخروج من هذا المعتقل الطويل هو الكذب والنفاق والتضليل , وصاروا يكذبون ويكذبون , ومع مرور الوقت صاروا يصدقوا أنفسهم , ويتوهمون أن هذه هي أفكارهم الحقيقية الصحيحة واختلط الحق مع الباطل في عقولهم وقلوبهم وكنت تلمح هذا جليا واضحا في النقاش فتجدهم سرعان ما يتشككون ومن ثم يسكتون لا يوافقونك ولكن لا يردون .

- لماذا قام هؤلاء الضباط بالانقلاب ؟

- من طبيعة الأشياء أن يتشوف الناس إلى الأحسن , وكان الضباط مغامرين يريدون التغيير ويحدوهم في هذا أمل للإصلاح يتوهمون الوصول إليه عبر حكم البلاد .

- لن تختلف حول هذا المعنى ليكن كما قلت , فماذا فعلوا وماذا كانت النتيجة ؟

- أخبرني أنت .

- كانت البلاد تحكم حكما ديمقراطيا فاسدا وهناك ملك يملك ويتدخل في الحكم .

- ويقول متحمسا :

- أنت قد قلت بنفسك .

- واندفع قائلا :

- هذا الفساد الذي تكلمت عنه يصعب علينا الوصول إلى درجته بعد أن تمزق المجتمع وقضي عليه .

- ويهدأ صاحبنا من النشاط المعادي ويقول :

- لنعد إلى الموضوع ولا داعي للتفريع .
- اتفق الضابط بمعرفة عبد الناصر مع الأمريكان وتم أخذ الإذن منهم قبل القيام بالانقلاب .
- هذا أمر مشكوك فيه .
- هذا أمر لا خلاف عليه .

- لنكن موضوعيين , كيف اتفق الضباط مع الأمريكان ؟

- بعد الحرب العالمية الثانية ضعفت بريطانيا العظمي وتأخرت , بينما تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية لتأخذ مكانها وبدأت نشاطها في مناطق نفوذ البريطانيين بعمل انقلابات عسكرية والذي يعنينا هنا هو منطقة الشرق الأوسط . وكان انقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949 , وفشل الانقلاب .

ولم يتحقق استقرار هناك ومن ثم اتجهوا إلى مصر .

وكانت الإستراتيجية الأمريكية آنذاك هي العمل على منع الدول الفقيرة من الوقوع في أحضان الشيوعية التي كانت خطرا في هذا الوقت.

وفكر الأمريكان في أن يقوم الملك فاروق بعمل انقلاب على نفسه ويتم هذا من خلال توزيع عدة إصلاحات وإصدار تشريعات تحول بين الجماهير الفقيرة وبين الثورة واقترحوا توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين , وأوعزوا إلى بعض أعوانهم بعمل ما يسمي بحزب الفلاح لهذا الغرض , وجاء رجال المخابرات الأمريكية إلى مصر , واتصلوا بالملك والسراي , وعرفوا ما يدور على الساحة المصرية من توثب لتغيير النظام الملكي وأن هذا تيار غالب تؤيده الجماهير في أعماقها وينبغي مسايرة هذا الاتجاه لقوته .

وبطبيعة الحال كان من السهل الوصول إلى تنظيم في الجيش المصري يصدر المنشورات ويتصل بكبار الصحفيين, ومن السهل أيضا التنسيق مع بعض الضباط ذوي الطموح وتشجيعهم ودفعهم إلى الانقلاب مع وعد بالمساندة والتأييد واندفع معترضا :

- هذا محض خيال .
- لا يتم انقلاب عسكري في بلد من بلدان العالم الثالث إلا بهذا .

- وأراد أن يستكمل وبدت عليه الرغبة في السماع :

- فلتستكمل الكلام .

- وقلت :

- اتفق على تنفيذ الانقلاب في وقت يحدده الضباط , وليس بالضرورة أن كل من اشترك في هذا الانقلاب من العملاء ولكن يكفي واحد أو اثنان .

- وفي اليوم الأول أرسلوا على صبري إلى السفارة الأمريكية وكان على صلة بها , وهذا ليعلمهم بما حدث , ونشرت الصحف أو قالت الأخبار يومها إن هذه الزيارة ليطمئن الأمريكان على أرواح الأجانب ومصالحهم , ولا أظن أن مجرد ذهاب أحد الضباط إلى السفارة بمثل هذه العبارة يطمئن أحدا , بل من الضروري أن يكون هناك اتفاق مسبق حول هذا .

- ولم يخرج فاروق من مصر أو يتنازل عن العرش إلا بعد لقاء السفير الأمريكي كافري , وبعد أن تأكد أن هذه هي رغبتهم وأصر على حضور السفير مراسيم وداعه ليضمن السلامة وبوجوده .
- وسار قطار الثورة عليه العلم الأمريكي بنجومه الكثيرة .وكان أول المشروعات التي طرحها أصحاب الانقلاب هو مشروع الإصلاح الزراعي الذي فكروا في تنفيذه من خلال فاروق , صم صرفوا النظر عن هذه الفكرة وأثاروا التغيير على النحو الذي صار .

والإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية مشروع ظاهرة الرحمة , وباطنة من قبله العذاب فهو يعطي الفقراء والمحرومين بضعة أفدنة يزرعونها , وفي الوقت نفسه يضرب الإنتاج الزراعي في مقتل , ففي الوقت الذي يتجه العالم فيه إلى " الميكنة " الزراعية , ولا يتم هذا إلا من خلال الرقعة الزراعية الفسيحة التي يمكن أن تتحمل تكلفة " الميكنة " ورأس المال المبذول من أجل زيادة غلة الفدان, إذ بنا نجدهم وقد فتتوا الأرض الزراعية؛

وقد ظهر هذا بشكل لا ينكر بعد توالي السنين , ولعلنا الآن ونحن نعيش عصر الاضمحلال نري أثر هذا واضحا , فقد انقرض الفلاح , والله وحده هو الذي يعلم كيف تحضر هذه الأرض كل عام , وكيف تدهور كل شئ , وكيف تحولت القرية من وحدة منتجة إلى وحدة مستهلكة حيث يعكف الفلاحون على أجهزة الفيديو التي تبث الأفلام المكشوفة وهذا بعد أن ينتهي الإرسال التلفزيون , والوقت الذي كان ينهض فيه الفلاح المصري من نومه قبل شروق الشمس صار هو الوقت الذي يخلد فيه إلى النوم حيث رؤى الأفلام تداعب أحلامه في نوم متقطع مضطرب .

وقاطعني مستاء :

- أرجوا ألا تخرج عن الموضوع نريد أن نصل إلى نتيجة , ودعنا من حديث الفلاحين .
- لنتكلم عن العمال .

- أهناك حديث عن العمال ؟

- شغب العمال في كفر الدوار فحكموا بالإعدام على اثنين منهم بريئين وشنقوهما , البقري وخميس , لعلك تذكرهما .

وشرد ببصره وقال :

- اتهموا وقتها أنهم قد حرضوا من دولة أجنبية .

- وضحكت وأنا أقول له :

- أنت نفسك متهم أنك على صلة بدولة أجنبية .

- ورد بعصبية :

- هذا غير صحيح .
- أعلم أنه غير صحيح, كل من في هذا المعتقل متهمون بأنهم على صلة بدولة أجنبية وهو غير صحيح , ولكن هذا هو منطق الشرطة في التلفيق والدس للناس وتشويه صورتهم فهي تهمة لا دلالة لها أو معني وليس هذا ما يعنيني يا صديقي في الحديث .
عندما حوكم البقري وخميس , التقي محمد نجيب بالسفير الأمريكي , وكان محمد نجيب هو الوجه الظاهر ورأس الانقلاب , وحاول أن يعرف وجهة نظر الأمريكان في القضية هل يعدمهما بعد التصديق على الحكم أو يخففه إلى السجن المؤبد ولم يعطه السفير جوابا شافيا .
- هذا الكلام غير منطقي .

- لماذا ؟

- فهمت من حديثك أن جمال عبد الناصر هو رجل أمريكا .
- هذا صحيح .

- ما دخل محمد نجيب الذي يحاول إرضاء الأمريكان ويريد أن يعرف وجهة نظرهم في قضية العمال ؟

هل محمد نجيب عميل هو الآخر للأمريكان ؟


- حاول محمد نجيب إرضاء الأمريكان , ولو شاءوا لصار عميلا لهم ولكنهم راهنوا على عبد الناصر الذي اتفق معه من قبل .

- إذن محمد نجيب هو الآخر عميل أمريكي ؟

- أراد ولكنهم رفضوا , فللأمريكان حساباتهم .

ولكن الثابت والمشتهر أن الإنجليزفي القنال أعلنوا الطوارئ بين قواتهم هناك وسرت شائعات مضمونها أنهم قد يتحركون إلى القاهرة في محاولة للقضاء على الانقلاب في سلسلة من التحرشات المشتهرة فما تفسير هذا ؟

- هو سلطان قديم يري نفوذه يتبدد ويري الريح مع سلطان جديد قادم فهو لا يسلم بهذا في بساطة بل يحاول استبقاء سلطانه الذي يضيع .. الإنجليزيفهمون أن الأمريكان قادمون , ويأخذون مكانهم على عرش النفوذ في مصر, ويعرفون أنها طبيعة الأشياء , وأنها التطورات الطبيعية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية , وربما دارت بينهم وبين الأمريكان مناقشات حول هذه المسلمة ولكنها حلاوة الروح كما يقولون , فلو استطاعوا استبقاء سلطانهم ونفوذهم في مصر إلى عقد أو عقدين من الزمن فيها ونعمت وكانت وسيلتهم هي محمد نجيب الذي كان يميل إليهم كلما رفضه الأمريكان أو ازوروا عنه .

- معني هذا أن حكامنا عملاء ؟

- معني هذا أن أمريكا تقتسم العالم هي وروسيا والنصيب الأكبر في منطقة الشرق الأوسط يتبع أمريكا ومصر من هذا النصيب , ولولا الأمريكان لما نجح الانقلاب .
- هذه هي بدهيات التاريخ المصري الحديث في تفصيل طويل يفهمه ويعقله العالمون .

- ثم ماذا بعد ؟

- بعد سقوط الخلافة العثمانية , ظهور نزعات التحرر القومية بين العرب وصيحات الاستقلال الوطني في بعض البلاد, وارتفاع نغمة تدعو إلى الإسلام من جديد صارت تكبر في مصر ممثلة في الإخوان المسلمين, وصدي هذه الدعوة في البلاد الأخرى المجاورة ونشوء إسرائيل في موضع القلب من العالم العربي وكل هذا أدي إلى تفكير دهاة العالم في عزل مصر عن العرب وضخ الدماء في شرايين إسرائيل وتحويلها إلى دولة عظمي في المنطقة ويتم ذلك بعد القضاء على موجة المد الديني بضرب الإخوان المسلمين وتشريدهم وتمزيقهم وإيجاد نظام علماني فاسد يخنق الحريات ويقضي على كرامة الأفراد وتضييع موارد الدولة في المغامرات المختلفة ومن ثم يسهل إضعاف هذه المنطقة لمائة عام .
- حدث الانقلاب وأهداف الأمريكان واضحة من الوهلة الأول .
- وسار التخطيط على النحو الذي رسموه .

لم يحدث تصريح واحد لأحد من الضباط ضد الكيان الإسرائيلي , بل على العكس كانت هناك الاتصالات والمراسلات بين بن جوريون وعبد الناصر , وكان الوسيط روبرت أندرسون الذي صار يطير بين تل أبيب والقاهرة ينقل الرسائل والأفكار والمبادرات .

وكان اليهود على وعي كامل بطبيعة النظام المصري ,ويقولون إنهم كانوا يعلمون طبيعة شخصية عبد الناصر الذي عرفوه أثناء مباحثات الهدنة وأثناء الحصار في الفالوجا في حرب فلسطين عام 1948 , وأنه كان على علاقات وثيقة ببعض الضباط اليهود.

وكانت حكومة إسرائيل من خلال ما تعرف , ومن خلال تأكيدات الأمريكان لهم تعرف أن النظام المصري لن يقدم على حرب ضدهم مهما حدث .

وهو الأمر الذي زاد من تحرشهم بمصر, على عكس ما هو متوقع أو ما ينبغي أن يكون وربما كانت وجهة نظر اليهود أن هذه بلاد ينبغي أن تخضع على المدى الطويل , وأن الزمن ربما لا يجود بمثل هذه الفرصة , وأن الإرهاب والتخويف والقهر يعمل عمله إلى حقب كثيرة من الزمن , ولا ينمحي أثره بسهولة من نفوس الناس .

فالجارة القوية القادرة مصر يمكن لنا أن نخربها بالرعب من الخارج , وهو يتمثل في تحرشات الحدود والحروب الخاطفة, ومن الداخل بمعرفة النظام البوليسي القاهرة والاعتقالات والقتل والتعذيب , وجعل الفساد هو المنهج العام لكل العلاقات فيها وهذه الأمور تخلق اليأس في نفوس المصريين , وتقتل عندهم الأمل , ويستشري الاستسلام في وجدانهم وينطبع في عقولهم عقيدة أن إسرائيل هي السيد , وأنه لا فكاك منها أبدا ويظل غاية ما يطمعون فيه هو سلم معها ,وأن تكف أذاها عن مصر والمصريين, وأن تعربد بعد ذلك ما شاء لها أن تعربد مع الشعب الفلسطيني والبلاد العربية الأخرى .

ولو نظرت إلى تاريخنا القريب الذي عايشناه ورأيناه لتأكد لك ما أقول وخيم الصمت على الجالسين ونظر إلى بين المصدق والمكذب وقال وهل ينطبق هذا على حرب عام 1956 مع اليهود ؟

لم يكن تأميم القناة عملا وطنيا

- دعنا نسترجع الأحداث .

قامت الثورة ونجحت وحكم الضباط , وطلب الأمريكان منهم العمل على تمهيد الناس لصلح مع إسرائيل , وكانت إسرائيل دولة محدودة القوة في ذلك الوقت , وكان لها ميناء صغير على خليج العقبة هو " إيلات " بعد استيلائهم غدار وقسرا على قرية " أم الرشراش " القريبة من الميناء عام 1949 .
- ولم تكن لهذا الميناء أية أهمية لاستحالة دخول أية سفينة إلى خليج العقبة لوجود القوات المصرية عند المضايق التي تعتبر بمثابة بوابة الملاحة هناك .
- واليهود أكثر خبرة وحنكة ودراسة من الأمريكان , فهم قد يخططون وقد ينفردون فيما يريدون عمله , وهم على أى حال طامعون متوثبون .

- وقاطعني في حماسة :

- هذا أعظم عمل وطني قام به عبد الناصر وهو الذي رفع شعبيته إلى عنان السماء .
- أختلف معك في تقدير هذا العمل , واتفق معك أنه قد جعل من عبد الناصر بطلا , وتردد اسمه على كل لسان .

- وقال مذعورا :

- تأميم قناة السويس ليس عملا وطنيا ؟!
- كلا على الإطلاق ,لعله كان عملا جماهيريا يلهب الحماس , ولكن إن أردت أن تزنه بميزان الوطنية ومصالح الأمة فهناك معايير أخري .

- هل كانت ضرورة لهذا العمل ؟

- ما هي الأرباح والخسائر في حسابات تأميم قناة السويس ؟

- إن أجبت على هذين السؤالين بدقة فسوف تأخذ جانبي في هذا الموضوع ,وحتى لا نتفرغ نعود إليه بعد ذلك .

وأجابني موافقا :

- نتكلم عن الحرب واليهود .
- كانت الأمة العربية في حالة انتفاضة والمسلمون مستنفرون ضد اليهود , ورفض عبد الناصر كل التحذيرات والمعلومات التي وصلت إليه والتي تقضي بأن إسرائيل

قد أبرمت اتفاقا مع بريطانيا وفرنسا على الحرب ضد مصر, وحددوا لها موعدا الأسبوع الأخير من أكتوبر , أو الأسبوع الأول من نوفمبر , وعد عبد الناصر هذه المعلومات مجرد هراء أخذا في اعتباره صلته المستمرة باليهود , والتمهيد لصلح معهم , ووقوف الأمريكان معه وحمايتهم له .

ولم يكن عبد الناصر سياسيا ضليعا يعرف أحاييل السياسة والمناورات الدولية وكان يظن أن إسرائيل مجرد دولة تابعة للولايات المتحدة ولم يكن يعرف أن لها حساباتها ولها أيضا عملياتها الخاطفة التي تحصل بها على بعض المكاسب والأرباح وأنهم أفهم للسياسة الأمريكية وعوامل الشد والجذب ومتي يتقدمون وفي أية نقطة يتأخرون .

- أنت هكذا تجرده من كل المزايا .
- أنا ألقي ضوءا على ما حدث وأقدم وجهة نظري , وما فهمته عبر التاريخ الكئيب هل أستمر أم أمسك عن الحديث ؟
- وكان الكل في لهفة , وقد بدت على وجوههم علامات الخوف من قفل باب الكلام في هذا الموضوع , حيث حديث يدور للمرة الأولي بهذه الاستفاضة حول جمال عبد الناصر وثورة 23 يوليو .
- لا لا .. لا بأس من الكلام , قل كل ما عند ولكني أحتفظ بحقي في الرد بعد أن تنتهي .

- وقال أحد الجالسين :

- حقك في الرد محفوظ بطبيعة الحال , ونحن هنا محبوسون ليس وراءنا غير الكلام , والكلام باستفاضة على الأقل في هذه الأيام المباركة السعيدة التي تسبق " أربعين " الزعيم .
كان الجميع فرحا مسرورا لا يستطيع أن يخفي سروره العارم بموت الزعيم حتى صاحبنا الذي كان يدافع عنه ويصعب على تحليل هذه الأشياء .

وضحك الموجودون وعدت أكمل ما بدأت من حديث :

- حرك جيشه شرق القناة باتجاه إسرائيل , ثم جاءه الإنذار البريطاني الفرنسي الذي يقضي بانسحاب كل فريق من المتحاربين عشرة أميال شرق وغرب القناة ففكر وقدر وأمر بانسحاب الجيش , وصار يلقي هذه الأوامر بنفسه من القيادة العامة .
- وبطبيعة الحال ضاع الجيش في الصحراء وسحقته إسرائيل ودمر سلاح الطيران بأكمله في مأساة ساخرة , مضحكة وكأن القائمين عليها لا يعرفون شيئا من أمر الحرب والقتال .

ثم تدخلت أمريكا بعد أن رأت أن ما حدث يتمشي مع خطتها العامة.تجاه مصر والمصريين والعرب والمسلمين, وهو الخط الذي يؤدي إلى الانتهاك والتجويع والقهر , وأن تدور الإدارة المصرية في فلك السياسة الأمريكية أحقابا؛

حصلت إسرائيل على حق الملاحة في خليج العقبة , ولم يعرف المصريون بما حدث , وكانت هذه هي بذور هزيمة يونيو عام 1967 المروعة .

ووضعت إسرائيل حجر الأساس في بناء الحرب النفسية تجاه العرب بأنها قوة قادرة وقاهرة لا تغلب , بعد أن كان الجميع يستهين بها ويتحرق شوقا إلى قتالها عام 1948 .

وبدت إسرائيل ماردا في نظر العرب يصعب عليهم قتاله وهزيمته ولا يزال يتكدس هذا المعني حتى يشاء ربي شيئا .

هذا هو أمر فرعون , وما أمر فرعون برشيد .الحكم الصالح بأية معايير هو الذي يعمل لصالح هذه الأمة ويجتهد لها , والفرعون هو الذي يعمل لصالح نفسه ويهمه بقاؤه في الحكم ضاربا بهذا صفحا عن أية مصلحة عامة.

والفرعون يأتي من بعده بفراعين فهي أسرة من أسرات الحكم لا تنقضي إلا بغضبة الشعب عليها واقتلاعه لطغيانها من جذوره وشعبنا طيب مسكين خانع ليست له نظرة في معال الأمور , ومن ثم فلا نجاة من الفراعين إلا بقدر الله , فهو إن شاء غيرهم أما نحن فلا خير فينا ولا نستطيع شيئا حيال الطاغوت؛

وانبري محتجا :

- مهلا فوجودنا بالمعتقل دليل على أن شعبنا ليس بالخانع أو الذليل .
- لقد رأيت بنفسك , فقد ضربنا بالأحذية وعذبنا عذابا شديدا , وصفق الجمهور وارتفعت عقيرة الكتاب والصحفيين بالإعجاب والتهنئة عددنا قليل يا صديقي بجانب المستذلين المهانين وهو سواد هذا الشعب !.
- وسيطر شرود على الجالسين !
- كأنه ليس هناك أمل في ثورة شعبية تقضي على الفساد والطغيان؟
- ليس قبل أجيال تنقضي وفراعين صغار يموتون أو يقتلون .

- هل نعود إلى حديث الحرب والقتال ؟

حاكم فاسد ظالم قاهر لا يقوي إلا على شعبه , وهو نعامة في الحرب , إن حاربه اليهود قهروه وهزموه وأذلوه , وإن حارب العرب في اليمن مسحوا به الأرض وجعلوه عبرة وهو لا يعلم أنه سبب ذلك كله .

كيف يحكم المسلمون؟

بعد موت عبد الناصر ظهرت بوادر التمرد والغضب على كل المعتقلين حتى أولئك الذين دربوا على الطاعة ومثلوا دور الأتباع المخلصين وتهيأ الجميع لتغير المنظر على المسرح .

وأذكر حديث دار مع الإمام الهضيبي عليه رحمة الله , وتفاؤلي بأن شيئا عظيما سوف يحدث في مصر بعد موت عبد الناصر .

وتأمل الرجل قليلا وكان حكيما عظيم العقل , وقال بصوته الهادئ :

- لا يا بني ... ليس الأمر على الصورة التي تظنها , تداعي الأحداث في الأمم والشعوب يأخذ وقتا طويلا, ولا تنس التغيير الذي أحدثه عبد الناصر في الحياة بوجه عام ولا تنس أيضا أن موته لا يعني شيئا كثيرا , هو مجرد سد قد انزاح .
هناك مدرسته هي التي تحكم مصر , وحتى ينصلح الحال لابد أن يختفي الضباط إلى الأبد من ساحة الحكم والسياسة .
الطريق أطول قليلا مما تظن يا بني .

- وقلت له :

- كيف يحكم الإخوان؟

- وفي هدوء أجابني :

- لو شئت فقل كيف يحكم المسلمون, الإخوان هم طليعة الشعب المسلم , وليس بالضرورة أن يسند إليهم الحكم , والحكم حاجة طبيعية للأمم والشعوب وهو تعبير عن ذلك , وهناك ركام كثير يجب إزالته لنصل إلى هذا الأمل المنشود , وهو حكم المسلمين .
- ومد الرجل عليه رحمه الله يده وتناول المصحف مبتسما , وفتحه كأنه يستأذنني في الانصراف ,وكان ودودا رقيق الحاشية بالغ الأدب والتواضع مع حدته وصرامته وقوته .

وغادرته خارجا من مستشفي المعتقل حيث كان يقيم , وفي طريقي إلى العنبر وجدت شكري مصطفي جالسا وحوله حلقة من شباب ينفث فيهم الثورة , ويملأ صدورهم بالغضب ! ويعدهم لقتال ضروس مع أئمة الكفر إن قدر لهم أن يخرجوا من هذا السجن الطويل.

وكنت تراهم حوله وقد امتلئوا غيظا وغضبا , وقد أحمرت وجوههم وآذانهم وألقيت عليهم السلام فلم يرد أحد , بينما لم يستطيع شكري أن يمتع ابتسامة ودودا أرسلها إلى وعقل يغلي كالمرجل ,وقد اختلط فيه الماضي والحاضر والمستقبل في نهر الزمن المتدفق الذي اختلط .

كنا نسكن في عنبر 2 عنبر الخطرين

وكان يسكن في عنبر 1 الشيوعيون واليهود والنشاط المعادي والأقباط .

وكان العنبران في مبني واحد ولهما دورة مياه مشتركة قد قسمت إلى قسمين كما شرحت من قبل .

وكان هذا أخطر مبني في المعتقل على الإطلاق , فيه يقطن كل المتطرفين في نظر الحكومة .

وكان وفاة عبد الناصر قد أحدثت الكثير من ردود الفعل المتنوعة .

وكان أكثر المعتقلين توجسا هم الشيوعيين فقد كانوا يعلمون أن هذا هو عهدهم وأن سلطانهم قريب , وأنهم قاب قوسين أو أدني من ديكتاتورية البروليتاريا , وأن اعتقالهم هو اختلاف داخل الأسرة الواحدة سرعان ما يحل على النحو الذي يحبون.

لم يكن الأقباط يهتمون كثيرا بوفاة عبد الناصر بل كانت تري أمارات الدهشة على وجههم وهم يرون فرحة الإخوان وتجهم الشيوعيين .

وكان النشاط المعادي مترددا بين الفرحة والتوجس حسب اقترابه وبعده من قطبي الرحى في المعتقل:الإخوان والشيوعيين .

أما فرحة الإخوان فقد كانت عارمة , فلم تكن أمامهم فرصة للنجاة إلا بموت الزعيم الخالد, وكانوا أقدر الناس على فهم معادلات السياسة .

عمر التلمساني لم يكترث لموت عبد الناصر

التقيت والمرحوم عمر التلمساني وتحدثت معه حول وفاة عبد الناصر وبدا الرجل غير مكترث ولا يرى أى تغيير كبير قد حدث وقال

عبد الناصر أداة صغير في يد أجهزة جبارة لا ترحم , شديدة العداوة للإسلام والمسلمين , ولن يعدموا آخر يحل مكانه , لا شك أنه كان أكثر العملاء ضراوة في ضرب الدعوة , ولكن سوف تأخذ الحرب بين الإيمان والكفر شكلا آخر بموته , ولكن ألن تكون هناك خطة للإخوان على ضوء ما تغير ؟

وشرد الرجل حزينا بنظرة خابية نبيلة مليئة بالإيمان والثقة وقال :

" الأعداء لا يسمحون لنا بالتخطيط والعمل ولكننا نبذل جهدنا , وعلينا أن تحارب في كل جبهة وليت قومنا يعرفون أى خير نسوقه إليهم, وليتهم يساعدوننا على ذلك , على أى حال ربما تكون وفاة عبد الناصر سببا في زوال مفعول السحر ومن يدري ماذا تأتي به الأيام .

نحن لا نكفر مسلما نطق بالشهادتين

وكان الانشقاق قد حدث بين الإخوان حول مفهوم الدعوة وإستراتيجية الحركة والأطروحات التي ينبغي طرحها للناس .

وكانت مشكلة المستشار الهضيبي تتلخص في كلمات ..

نحن لا نكفر مسلما نطق بالشهادتين .

ويضيف إليها شكري مصطفي ومن قبله الأستاذ محمد قطب ..

وعمل بمقتضاهما , فكان هناك من حدد الإيمان عبر مبادئ معلنة .

وهناك من شدد على أنه مجموعة من الأعمال , وأنه لا مجال للتقية في أدائها وأملي المرشد العام حسن الهضيبي كتابا على ابنه المستشار مأمون الهضيبي يبين فيه طبيعة الإيمان , وما الذي يخرج الإنسان من الملة , واستند فيه إلى محكم آيات القرآن قلوبهم الاضطهاد فصعب الفهم والالتقاء .

وزادت حدة المناقشات بعد موت عبد الناصر .

وكانت ترتب الاجتماعات في المسجد المهجور القائم بجوار المستشفي في معتقل طرة السياسي في عز الظهيرة حيث لا يتجول إنسان .

وكان المرحوم الإمام الهضيبي على مرضه وسنه ينتقل إلى هناك ليجلس إلى الأستاذ محمد قطب وتلاميذه يحاورهم ويناقشهم ويحاول أن يردهم إلى ساحة الجماعة ويحذرهم من الفرقة والتباغض .

كان الهضيبي يمثل الأساسي في الجماعة أو إن شئت فقل المحافظين وكان محمد قطب يمثل التقدميين مع الاعتذار لهذه الكلمة , كان يري الحسم وعدم الهدنة مع أعداء الإسلام ومواجهتهم ومجابهتهم .

أما الهضيبي بسنه وبتجربته وحكمته فكان لا يري مصادمة نواميس الكون , وأن على العقلاء أن يغالبوها ويحولوا تيارها ويستعينوا ببعضها على بعض , وكان شكري مصطفي يري القتال الضروس والإرهاب وقتل كل من اشترك في تعذيب المعتقلين ليكونوا عبرة لغيرهم ويجب تعليم الشباب معني الشهادة والتضحية وأنه لو قتل ضابط واحد فلن يفكر آخر في تعذيب معتقل واحد بعد ذلك.

وكان يري أن الحرب لن تنتهي وأن عليهم أن يزيدوا في أوارها وحدتها , وأنه لا ينبغي أن يتم اعتقالهم على النحو الذي كان ويكون ويقول إنه من العار على المسلمين أن يمسك بهم كالدجاج دون مقاومة وإن كنا نؤمن حقا أن الموت في سبيل الله أسمي أمانينا فلماذا لا نستشهد عندما يفكرون في القبض علينا وأن يقتل كل واحد من الإخوان واحدا من الشياطين قبل أن يمسك به , ولماذا لا نبدؤهم بالحرب ؟ ومن السهل اصطيادهم في كل مكان, وكان يقول إننا نستطيع تصفية هذه الحرب لصالحنا بقتل بضع مئات من الضباط قبل أن ينتبهوا .

ويسأله عاقل :

- وما نتيجة ذلك في نظرك ؟

- ويحدق فيه شكري بعينيه الواسعتين السوداوين :

- سوف نخلق جيلا جديدا من الضباط المؤمنين سيخافون من القتل , وينتبهون لكلمة الإسلام , ولن ينفذ واحد منهم الأوامر نحن نسلب الظالم سيفه الذي يضرب به الناس .
- ويهز الشيوخ رءوسهم أسفا .

- ويسألهم شكري محتدا :

لماذا كل هذا العناء الذي عانيتموه في حياتكم الطويلة العريضة ؟

أنتم لم تصبروا على المحنة.
- نحن نعيش المحنة بأولادنا وأهلينا وأنفسنا .
- المحنة التي تهربون منها هي الموت في سبيل الله . أن يتوالي سيل الشهداء لا ينبغي أن يخلو شهر واحد من شهيد يقاوم الكفر .
- لست في سنكم أو تجربتكم ولكني أفهم معني الموت في سبيل الله وأطلبه وأدعو إليه , وتستطيعون أن تقودوا هذا الشعب المسكين لتحقيق الغاية التي يريدها الله منه ولكنكم حريصون على الحياة .. أية حياة .. شغلتكم أموالكم وأهلوكم ولن يغفر الله لكم .

- ويقول حكيم :

- أنت تدعو إلى فتنة تأكل الأخضر واليابس .

- ويرد شكري في حماسة :

- قد هلك الفرعون , وكل من تركهم كلاب , والتغلب عليهم سهل ويسير كل ما هو مطلوب منكم أن تشعروهم بالخوف (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)
- يجب أن يكون هلاك الطاغية نقطة انطلاق لحرب دينية مقدسة يعلن فيها الجهاد ولن يصمد أمامنا أحد .

- ويهز الشيوخ رءوسهم أسفا وهم غير موافقين بينما يستمر شكري في حديثه غاضبا :

- - أنتم تحبون الحياة وسوف تموتون كالكلاب واحدا بعد الآخر , نعم ستموتون مصحوبين بلعنة المسلمين وخيبة أمل الناس فيكم , أما ذلك القتل الذي تتحدثون عنه وأنهم يوف يقتلوننا عن آخرنا فلعلكم كنتم تكذبون على أنفسكم وعلى الناس عندما كنتم تقولوه الموت في سبيل الله أسمي أمانينا , وهو كما هو واضح غاية ما تخشونه وتخافون منه .
- لو قتلونا فسوف يأتي من بعدنا من يكمل وسيكون دمنا هو وقو النصر ,لن تحقق الأهداف بغير القتل والقتال والموت في سبيل الله , لو قتلنا عزلا فسيأتي من يحصل على الأسلحة ولن يقوي العالم علينا .

لقد حرص الحسين رضي الله عنه على الموت في كربلاء ليضرب لأمثالكم المثل ويعطيكم القدوة , أنا أعلم أن كلامي لن يصل إليكم , فالأقفال قد أغلقت قلوبكم وأنت تحاورون وتناورون؛

ومن الخير لكم أن تخرجوا من المعتقل وتذهبوا إلى الاتحاد الاشتراكي وتقدموا فروض الطاعة والولاء للسلطان الجديد بحجة أنه ليس بينكم وبينه ثأر , اخدعوا أنفسكم وصدقوها وانسوا الجهاد ,وابحثوا عن شئ آخر تفعلونه في هذه الحياة , ثم يستبدل الله قوما غيركم ولن يكونوا أمثالكم .

عندنا خططنا لتحقيق الإسلام في المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن .

- أنتم تضحكون على أنفسكم ,وإن كنتم صادقين فما هذه الخطة ؟
- وينفض الاجتماع دون نتيجة , بينما يزداد عدد الشباب الذي يسر ويعجب بهذا الفكر الاستشهادي .

الإخوان يتجمعون من جديد

مات عبد الناصر وانهار السد وصار معتقل طرة السياسي يمثل المجتمع المصري على نحو يكاد أن يكون دقيقا ومعبرا .

انتهت كل التحفظات من نفوس الجميع , وصاروا يناقشون كل القضايا في جرأة ووضوح وعدم احتراز .

وبرزت مدرسة الإخوان كالمارد الذي ينتظر الفرصة للخروج الحكمة ووضح الرؤية والنفس الطويل وعدم استعجال النتائج .

وظهرت القيادات الخفية التي لم ينتبه أحد إليها طوال سنين الاعتقال , رغم وجودها وأداء مهامها , ولكنها بدأت تظهر على السطح في وضوح أكثر .

- الحاج مصطفي مشهور .
- الحاج حسني عبد الباقي .
- الدكتور أحمد الملط .
- الأستاذ أحمد حسنين .

وكان من أبرز النجوم طول الوقت المستشار مأمون الهضيبي وكانت هنالك القيادات التقليدية الحائرة .

- الأستاذ فريد عبد الخالق .
- الأستاذ عبد القادر حلمي .

أعضاء مكتب الإرشاد جاءوا من السجن بعد انقضاء فترة العقوبة مثل المرحوم عمر التلمساني .

وكان حسن الهضيبي يضم هؤلاء جميعا ويمسك بهم بقبضة حديدية رغم تقدم السن وضعف الصحة .

ولكنهم كانوا جميعا يدينون له بالسمع والطاعة .

وهذه أعظم سمة تميز جماعة الإخوان .

وكانت جميع الخلافات والحوارات تنتهي بكلمة واحدة ينطقها الإمام الهضيبي , قد يسمعها البعض ولا يسمعها البعض الآخر ولكنهم يتناقلونها , وتصير دستورا لا يمكن نفضه أو الخروج عنه .

وبدأت المكاتب الإدارية تتشكل وتتكون أو يعاد تشكيلها وتكوينها .

وبدأت الأسر تتكون على استحياء وحذر .

وأعاد موت عبد الناصر تشكيل الجماعة من جديد .

كانت قيادة الإخوان تتجمع وهي حذرة تترقب.

وكان من الواضح أنهم سوف يستمرون في الكفاح والجهاد , وأن هلاك عدوهم هو العلامة على ضرورة الانطلاق والعمل .

وكان يسودهم جو من التشكك وعدم الثقة من سنوات السجن والاعتقال الطويلة المريرة ومن نافلة القول أن تقول إنهم قد مروا بمحنة من أقسي ما مر بهم من محن في تاريخهم الطويل .

والذي لا شك فيه أنهم كانوا في حاجة إليها ليميز الخبيث من الطيب .

مصطفي مشهور

بدأ نجم مصطفي مشهور يلمع في الشهور الأخيرة من الاعتقال , وربما في العامين الأخيرين .

كان الرجل يقضي أيام المحنة في الصلاة والعبادة وقراءة القرآن والصمت فقد كان الصمت من ذهب بحق في تلك الأيام المباركة .

وكان يخرج عن عادته مع أقرب المقربين إليه الذين عاش معهم في السجن وكان مسئولا عنهم لسنوات .

وليس من الأسرار أن نقول أنه صاحب خبرة عريقة في التنظيم والإدارة والتجنيد, وإن شئنا الدقة قلنا إنها ملكة وسليقة قد صقلتها التجارب وشحذتها الأحداث , وصارت الحكمة بالغة والحذر لا حدود له , وكان مهيأ بحق القيادة السفينة التي تتقاذفها الأمواج .

وقد بينت الأيام صحة هذه الملاحظات .

وكان الحاج صالح أبو رقيق عضو مكتب الإرشاد وأحد الزعماء القدامى ممن يرون مهادنة العهد القادم والالتفاف حوله , ولا أحد يعرف أو يتكهن متى ينتهي , وليس من الحكمة مصادمته , وكان يشايعه على ذلك قوم, وكل هذا كان ينتهي عند كلمة المرشد العام الصارمة التي لا تقبل المناقشة .

كان هيكل الجماعة ينتشر ويتكون عبر معتقلين من كل جهات مصر وكانوا يختارون الأعضاء العاملين بمعايير خاصة جدا لا أستطيع أن أتبين ملامحها الآن بعد انقضاء هذا الزمن .

وكان بعض الذين لا يختارون ينظرون بغضب وحسرة , ولا يستطيعون التعبير أو الشكوى والقيادة صارمة لا تقبل المناقشة وخططها سرية غير معلنة ولا ينبغي لها أن تكون غير ذلك .

وظني أن الإستراتيجية كانت الاستمرار والبقاء وحفظ الأفراد من التآكل والضياع والاستعداد للحظة غامضة قد يأتي بها الزمن .

وبين هذا التكوين الجديد كان يقف جمع غفير من المتفرجين الذين تم اعتقالهم تحت راية الإخوان , ثم تركوا لشأنهم يدبرون أمورهم بالكيفية التي يريدون وفي رأيي أن هذا كان خطأ من قيادة الإخوان , وربما كان خطأ أملته الظروف وقسوة الحوادث والمحنة الضارية التي مروا بها .

الشيخ عارف يريد البيعة

وكان الشيخ عارف رحمه الله ساخرا كما وصفته , وجاءني شاكيا :

- الناس مجتمعون عند سقيفة بني ساعدة يبايعون .

- وقلت له في دهشة :

- يبايعون من ؟

- يبايعون المرشد .

- ألم يبايعوه من قبل ؟

- هم يجددون البيعة ويأخذها نائب عنه .

- من ؟

- هذا من الأسرار العليا .

- وأنت لم تبايع ؟

- كلا.. هم يأخذون البيعة من الحكماء , وأنا لست كذلك فأنت تعرف أنني سليط اللسان وقد أتسبب في مشاكل هم في غني عنها , وأنت ؟

- ماذا عني ؟

- ألم تبايع ؟
- لم يدعني أحد إلى هذا .

وقال الشيخ عارف ساخرا :

- ولا أظن أنهم يدعونك .

- لماذا ؟

- أنت من الذين يناقشون كثيرا وهذه مرحلة السمع والطاعة , وليس هناك أى وقت لوجع الدماغ والأسئلة الكثيرة .
- وبدت على وجه الشيخ عارف نظرات حزينة آسفة , وزايله مرحة , وانهمرت دموعه على خديه , وصار يمسحها بيده يحاول أن يخفيها .

- وقلت له :

- ماذا بك ؟
- حزين جدا أنهم لم يدعوني للبيعة .
- في المعتقل تكثر الشائعات وربما ليست هناك بيعة .

- وتجاهل جملتي وقال :

- لقد عشت حياتي كلها في جماعة الإخوان المسلمين ويحزنني أن أنهي أيامي بعيدا عنها , أو أن تتجاهلني الجماعة , أو يروني أقل من أن أحظي بشرف البيعة والانتظام في الصف .

- وقلت له مواسيا :

- ليس في وسع أحد أن يخرجك من جماعة الإخوان . دعهم يفعلون ما يشاءون وسوف تجد مكانك يوما , ويجب أن تقدر الظروف .

- وسرعان ما عاوده مرحه من جديد وقال :

- على أى حال هم في حاجة إلى بعض من يشتمون الحكومة ويسبونها ولا يكونون مسئولين عنهم , وأنا أقوم بهذا الدور خير قيام , وقد يأتي يوم أنتظم فيه بالصف وأبايع .. من يدري ؟

الإخوان هم حكام المستقبل

وكان الشيوعيون ينظرون إلى تحركات الإخوان في حذر وخوف وجائني واحد منهم وسألني :

- هل يعيد الإخوان تشكيل الجماعة ؟

- لست أدري .

وبدأ عليه التشكك والحذر وقال :

- هم قوم لا يقدرون العواقب .

- وقلت له :

- أختلف معك ... الإخوان يقدرون العواقب أكثر مما ينبغي .. ولعل عيبهم هو المبالغة في تقدير العواقب .

- عاد يقول مهددا :

- ولكن الحكومة لن تسكت , والتقارير تذهب إليها كل يوم .

- وقلت له :

- لن تستطيع الحكومة أن تفعل مع الإخوان أكثر مما فعلت , ليس في وسع الحكومة شئ للإخوان .

- هل تظن هذا ؟

- وهل تشك في هذا ؟ الإخوان هم حكام المستقبل طال الزمن أو قصر

- وجاء عبد العال سلومة ليقول مضطربا :

- الأسر والتشكيلات تنتشر في العنابر والزنازين .
- هذا خبر عجيب ولكنه ليس بالجديد .

- ماذا تعني ؟

- الأسر والتشكيلات موجودة منذ اللحظة الأولي من الاعتقال لقد جمعت الحكومة الإخوان في معسكر كبير ومنعتهم من مغادرته طول الوقت .
- لن ترضي المباحث عن هذا !

- وماذا تفعل المباحث ؟

- ونظر الرجل إلى متعجبا لا يعرف الرد , فقد فعلت المباحث غاية ما يمكنها فعله قتلت وعذبت واعتقلت وشردت ومنعت لقمة العيش وكانوا فوقهم قاهرين .
ولم يغن هذا شيئا, فماذا تبقي بعد ذلك ليفعلوه ؟

وقلت لعبد العال :

موضوع الإخوان المسلمين موضوع تاريخي , ولن يقوي أحد على القضاء على هذه الجماعة , هل تعرف من كان يدرك هذه الحقيقة أكثر من غيره؟

وقال باهتمام :

من ؟

وقلت له :

- جمال عبد الناصر , كان عضوا بها ويعرف البناء الحديدي لهذه الجماعة .

- وقال عبد العال سلومة باستهانة :

- سنوات طويلة استطعنا فيها أن نخرج من صفوف الإخوان كثيرا منهم قاموا بتأييد الحكومة , وخرجوا عن الصف , وتبرأت منهم الجماعة , وسلكوا طريقا آخر وقلت له باسما :

- أنت في حديثك تعترف بوجود الجماعة , وأنها تخرج من تشاء من الصف وتقبل من تشاء فيه .

- وماذا يعني هذا الكلام ؟

- سوف يأتيك خبر هؤلاء المؤيدين بعد حين ... في ظني أن من سلك طريق الإخوان ليس من السهل عليه تركه مهما تظاهر بهذا , وتتغير الأيام والظروف ثم يأتي دوره وتجده مبايعا وفي داخل الصف .

- من أخبرك بهذا ؟

- هذه ليست أخبارا .. هذه مجرد ملاحظات .

خلاف حول الإستراتيجية والتكتيك

وكان أفراد النشاط المعادي من أكثر المجموعات إعجابا بالإخوان وتماسكهم ووضوح رؤيتهم حول الدين والسياسة وكانوا يتمنون لو ينخرطون في سلك الجماعة .

وكان مصطفي مشهور صارم النظرة عميق التجربة لا يفرح بالكثرة بل كان يهتم بالنوع, ولو تخلي عن هذه الفكرة لكان في صفوف الجماعة اليوم جمع غفير أكثر بكثير مما هم عليه الآن .

وكان محمد قطب يدعو إلى أفكاره بوضوح وصراحة ودون سرية لا إله إلا الله محمد رسول الله هي معركة المستقبل ولا يجب أن تلتبس على أحد.

وكان شكري مصطفي ومن معه شعارهم واضح :" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين " وكانت الحكومة تتهاوي وتتخاذل بعد أن نخرها الفساد وبعد أن هلك الزعيم , ولكن النتيجة في بلاد مثل مصر تظهر بعد حين بعيد , ولكنها واضحة المعالم لكل من قرأ التاريخ .

ومن بين الشد والجذب واختلاف الحوادث قد يظهر شئ جديد . ولكن الشئ المؤكد أن عبد الناصر قد مات وبدأ أصحاب الحق يستردون تركتهم المنهوبة التي عدا عليها اللصوص .

ألا لعنة الله على الظالمين !

أدرك المعتقلون الموجودون بمعتقل طرة السياسي أن ساعة الإفراج عنهم قد اقتربت بموت الزعيم وأن الحائل الذي يحول دون حريتهم قد ذهب إلى غير رجعة فتحول اليأس أملا , والوهن عزيمة وقوة .

وسرت فيهم روح جديدة اختفلت كثيرا عن عهدهم السابق عندما كانوا يستمعون إلى " الملهم " يزعق في الميكروفونات التي تملأ العنابر أن لا ملجأ منه إلا إليه , والعياذ بالله .

كانت الجماعة شيئا أساسيا في شعور الإخوان ووجدانهم , ورغم كل ما فعلوه وقالوه البعض منهم بالتأكيد إلا أن أحد فيهم لم يفكر في ترك هذه الجماعة !

وقد يعود هذا إلى برامج التربية التي استغرقتهم سنين , والألفة والمحن القاسية التي جمعتهم في بوتقة واحدة من هنا وهناك , كما كان ظهور حقهم وصلاح وجهة نظرهم وزهوق باطل غيرهم وفساد وجهة نظر الحكومة كل ذلك صار جليا للعيان .

كانت الشهور التي سبقت موت الزعيم يقضيها المعتقلون في السخرية من الحكومة ومن تصرفاتها الرعناء التي تتسم بالارتجال وعدم الحكمة بعد الهزيمة المنكرة التي لقيها الجيش المصري الذي أهين إهانة بالغة كانت حديث العالم كله؛

وبعد أن علق الجيش الإسرائيلي المنتصر لافتة كبيرة على ضفاف القنال يراها المصريون من الناحية الأخرى (وتمت كلمة ربك الحسني على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) وكان الجنود المصريون يقرءونها كل صباح ومساء وهم في داخلهم ممزقون بين الثورة واليأس والغضب والشعور بالإحباط .

وكانت تأتينا الأخبار ! ونعجب من إصرار هذه الحكومة الفاسدة الحكومة المصرية على هذا التكالب على الحكم على هذا النحو المهين , وأين الرجولة والإحساس بها ؟ولماذا لا ينتحرون أو يستقيلون ؟ ولكنهم ساروا في طريق مضحك ساخر , وأذن مؤذن بينهم أنهم قد فازوا وانتصروا في هزيمة سنة 1967 !!

ووقف الغربان والوطاويط والبوم في المجامع والمحافل والندوات يثبتون هذا الوهم في أدمغة الخنازير ويقولون إن الهدف من المعركة كان القضاء على الحكم الثوري في مصر , ولم يستطيعوا , ولهذا فنحن انتصرنا !!

ويتجاهلون أنهم الذين بدءوا المعركة , وأنهم لم يكونوا على استعداد لها ولا يزالون .

وسمعنا الصدى يجيب (ألا لعنة الله على الظالمين) وبدءوا ما سموه في تلك الأيام بحرب الاستنزاف !!وما أدراك ما حرب الاستنزاف ؟

يفتحون النيران على طول الجبهة , وتطلق المدافع داناتها ,وقالوا أيامها إن ثمن " الدانة " الواحدة خمسة وأربعون جنيها و كانت هذه النيران تطلق بلا توقف على كثبان رملية في الجانب الشرقي من الشجرة المباركة على قناة السويس , وكنا نضحك ملء أشداقنا بعد أن بكينا ليلة الهزيمة حتى ذبلت أعيننا.

وجاءهم الرد الإسرائيلي صارما وبالغ القسوة والعنت والسخرية معا !.. كنا نطلق مدافعنا على الرمال على ما في هذا من خسارة حقيقة , وجهد ضائع ودم مسفوك لا قيمة له من الجانب المصري , وهم يحرقون بقنابلهم معامل البترول في السويس , وأزالوا من الوجود مدن القناة وجعلوها ركاما , وحولوا أهلها إلى لاجئين تجاوز عددهم المليونين أكثر من مهجري فلسطين وهدموا قناطر نجع حمادي , وضربوا مصانع الصلب في أبي زعبل .

وعربدت الطائرات الإسرائيلية في سماء مصر ! هم يصيبون أهدافا حقيقية ونحن ننفق أموالنا وجهدنا ونطلق مدافعنا على مثبان رملية ألا بئس ما يصنعون .

وهذا هو منطق الديكتاتور ! الطبل والزمر مهما ارتفع ثمنه وغلا والصحف " بتاعت المرحوم والدهم " يكتبون فيها ما يشاءون وتقرأها النعاج في الصباح وتصدق أو لا تصدق وهذا لا يعنينا في كثير أو قليل .

كل هذا هز الثقة في نفوس الشيوعيين والناصريين المعتقلين حول جدية الحكومة وأهميتها . وهو نفسه ما عمق الإيمان في نفوس الإخوان المسلمين .

الصلح مع إسرائيل بدأه عبد الناصر

ثم جاء " الملهم " فنظر ثم أدبر واستكبر ثم قال إن هذا إلا سحر يؤثر فلنقبل مبادرة " روجرز " والخنازير لا تعرف مبادرة روجرز وما هي إلا لواحة للبشر عليها تسعة عشر , ورحم الله السادات !

قبل " الملهم " مبادرة " روجرز " والشعب لا يعرف شيئا عنها وصفقت له لجنة الخنازير المتطورين في الاجتماع الثنائي المتفيهق المنبثق عن الإلهام الجماعي لكل قوي الشعب غير الواعية بما يدور حولها أو في أى مكان ( هكذا كان اسمها !)

اعترف " الملهم " بإسرائيل بعد أن قضي على مصر وكرامتها وكانت قلة من الإخوان المسلمين الذين يعرفون التفاصيل لعمقهم في فهم لعبة السياسة وبقية جمهورهم يعرفون الأمور بوجه عام , أو يسألون عما لا يعرفون أو ما استغلق عليهم .

المعتقلون ممن على ديانة آمون !

بدأ عصب الإخوان يشتد من جديد فقد ظهر للجميع قصور السياسة المبنية على عبادة الفرد وتقديس الفرعون ولو أدي هذا إلى هدم معابده على رءوس الكهنة والسدنة والجمهور .

وكنا نسأل الناصريين المعتقلين في طرة السياسي :

لماذا يعتقلونكم وأنتم على دين آمون ؟ ولماذا يسجونكم وأنتم تسجدون للشمس من دون الله , وقد زين لكم الشيطان أعمالكم فأنتم في أحسن حال معهم ؟

ويتصنع ذلك المتفيهق من عنبر واحد الحكمة والوقار ويقول :

- يا رفيق ... لابد من تناقضات ثانوية بين الأصدقاء وأصحاب الطريق الواحد , وهي موجودة وقائمة ولكنها بصدد الحل , أما التناقضات الأساسية بيننا وبينكم فهي تناقضات لا حل لها ولا تنتهي إلا بانتصارنا عليكم وسوف ينتهي الصراع بالقضاء عليكم وظهورنا وتمكننا , وينعم من بقي منكم بديكتاتورية البروليتاريا .

- وأقول له وأنا أحاول جاهدا ألا أبدو ساخرا :

- وكيف تعالجون هذه التناقضات الثانوية التي تقع بينكم وبين أصدقائكم ؟

- ويرد الرفيق كأنها مسلمة لاشية فيها :

- بالحوار.

وأضحك وأنا أقول له :

- بالحوار من جانبكم , أما تلك التناقضات الثانوية فتعالجها الحكومة معكم بالحذراء وهو أبلغ وأوقي من الحوار .

وكان جمهور العوام من الإخوان في أول عهده بالشيوعيين والناصريين في المعتقل يتعجب لكلامهم الكبير يسخرون ويضحكون من الكلام الفخيم العظيم الذي لا معني له وصاروا أقوي إيمانا مما كانوا من قبل , وعرفوا الكفر على حقيقته , وأنه نجس لا يلتبس بالإيمان أبدا , ولو حمله عظماء المجتمع وكبراءهم والرئيس نفسه , فقد كفر فرعون على ملكه العريض .

وكان المسلمون يرون ببساطة أن كل من لا يري الإسلام منهج حياة لا يعد في قائمة المؤمنين وزاد من تماسك الإخوان ما كانوا يرونه من حال الشيوعيين والناصريين .

وقوي من يقين الإخوان ما رأوه في اليهود المقيمين بعنبر ثلاثة من عبادة وتقي فهم يجتمعون في أول النهار وأخره لصلاة الجماعة على النحو الذي يعرفون ووضحت المعادلة في أذهان الناس بجلاء وظهور.

دولة دينية طائفية أقامت مجتمعا قويا وانتصرت باسم الدين هي إسرائيل ودولة علمانية فاسدة أضاعت معالم الدين والأخلاق فلم تصمد ساعة واحدة أمام آلة الحرب الإسرائيلية هي مصر عبد الناصر .

ورغم ذلك لا يريد أن يتركها في حالها ويذهب وكفاه ما فعله بها !

وقال قائل :

- لو انتصر عبد الناصر في حرب يونيو وهذا ضد قوانين الطبيعة ونواميسها لهدم الأزهر , ولأقام مكانه معبدا مثل معبد الدير البحري , ولصنع لنفسه تمثالا عظيما , ولنصب من نفسه إلها ولأرغم الناس على عبادته .

وعندما توالت الهزائم بعد يونيو , وظهرت نوايا " الملهم " تجاه الفلسطينيين وإسرائيل , بطل السحر واستفاق الناس !

وكان معظم الإخوان صامتين قبل موته لا يتكلمون كثيرا في السياسة وأسرارها , بشكل عام شامل يلفت الانتباه ويدعو إلى الإنصات وبعد موته انحلت عقدة ألسنتهم وصاروا يتكلمون ويناقشون ويحللون ويجهرون بآرائهم .

فكنت تري الناس من متوسطي الثقافة ومن الأميين وهم جمهور الذين سجنوا في نكبة 1954 وقضوا سنوات السجن يتعلمون ويتناقشون هؤلاء صاروا ممن يفهمون في السياسة وأحابيلها ومعادلاتها المعقدة وكانوا يبهرون الناصريين والشيوعيين لفهمهم العميق وبساطتهم في عرض أفكارهم ووضوحها .

الإخوان مثل جبل الثلج

وقال قائل الشيوعيين والناصريين مبديا إعجابه مرة :

- لو كنتم عددا كبيرا لحكمتم مصر وبلاد العرب .

- ورد عليه خردواتي بسيط من قرية من قري الجيزة قد نسيت اسمه :

- الإخوان مثل جبل الثلج الذي لا يظهر منه غير جزء صغير فوق الماء , نحن عددنا كبير وأكثر مما تظن أو تظن الحكومة .
- وصرت أتأمل كلمات أخينا الخردواني على ما فيها من حكمة وعلم ووعي وضرب ذكي للمثل , وهو لم يسافر ليري جبال الثلج المختفية تحت الماء , ولم يقرأ الكتب والموسوعات , لكنه ربي في مدرسة السجن .

صلح الحديبية

كان موت عبد الناصر بمثابة صلح الحديبية , مع التجاوز في التشبيه !

فقد كان المعتقل كما قلنا من قبل به مبينان رئيسيان على اليمين عنبر ثلاثة وأربعة ,وعلى اليسار عنبر واحد واثنين وفي الفناء كانت بعض المباني التي ذكرنا من قبل بالتفصيل مثل المطبخ والكانتين والملاحظة ومن خلف هذا على مسافة كانت المستشفي وبجوارها المسجد المهجور الذي لا يصلي فيه أحد حتى اتخذه شكري ومن معه للعبادة في أواخر الأيام وبعد أن هجر الناس وهجروه , وكان عنبر واحد به الشيوعيون والناصريون والنشاط المعادي واليهود , وعنبر اثنين به الخطرون من الإخوان حسب تصنيف المباحث .

وكان العنبران على اتصال , ولهما بوابة واحدة بينهما مفتوحة طوال الوقت .

وكذلك كان الحال في عنبري ثلاثة وأربعة اللذين قالت عنهما المباحث إنهما أقل خطرا والجميع على درجة واحدة من الخطر لو يعلمون !

فيكفي أن تعرف أن بعنبري ثلاثة وأربعة كان يقطن الحاج مصطفي مشهور , والحاج حسني عبد الباقي , والدكتور أحمد الملط , والأستاذ فريد عبد الخالق وقبل هؤلاء جميعا الأستاذ مأمون الهضيبي , والحاج صالح أبو رقيق ومعظم الزعماء . فأين دقة التصنيف ؟

كان أهل عنبري ثلاثة وأربعة يلتقون وأهل عنبر اثنين في حدود ضيقة وأثناء الطوابير التي كانت تستمر طوال النهار في فناء المعتقل .

وكانوا يلتقون على استحياء وبحذر بالغين , وندر أن جاء زائر من عنبر ثلاثة وأربعة لزيارة أحد من عنبر اثنين .

وبعد موت عبد الناصر كثرت الزيارات بين أهل القسمين , وكنت تري من أهل عنبر ثلاثة وأربعة من يقيم ط وال النهار في عنبر اثنين حيث الخطرون من الناس .

والذي أذكره أن محمد قطب لم يكن يذهب لزيارة عنبر ثلاثة وأثنين بل كان يكتفي بلقاء من يحبون لقاءه في الطابور العام الذي يكون بالفناء أثناء النهار .

وكان يحضر الاجتماعات التي يدعي إليها في المسجد المهجور , ولم يكن يعتذر عن الذهاب إذا ما دعي لذلك أبدا , هذا حسبما تسعفني الذاكرة بعد مرور هذا الوقت الطويل .

الحوار بين الإخوان

كانت ظاهرة التزاور بين أهل العنابر تمثل الصراع الفكري , أو لو شئنا قلنا هو تبادل وجهات النظر حول الموضوعات الكلية , والاختلافات حول الأفكار الرئيسية ومستقبل الجماعة في عام قد بدأت له معالم جديدة وما هو مستقبل النشاط وكيف يكون ؟ وكانوا قد أجمعوا أمرهم على الاستمرار .

وكان موت عبد الناصر هو الذي أكد لهم ضرورة هذا الاستمرار .

وتستطيع أن تستنتج ببساطة فرسان النقاش والحوار إن كنت تعرف الإخوان , وكل حسب تكوينه وما يحمل من خصائص ومميزات وسمات .

ولا شك أن المنظم الحقيقي لهذا الحوار هو الحاج مصطفي مشهور , رغم أن المراقب يصعب عليه إدراك ذلك , إلا إذا دقق النظر , وكان مهتما ويرقب بإمعان شديد أما المباحث والإدارة فقد كانتا مهتمتين بسفاسف الأمور .

وأشهد له فقد كان الرجل مصطفي مشهور بارعا في حركاته وسكناته بشكل يصعب معه رصد ما يفعل لغير العالمين بما يدور عليها وعاشوا فيها .

فالمرشد العام على ما هو عليه من واجب طاعته من كل أفراد الجماعة يتميز بصموده العظيم أمام الفتنة الطاغية التي عاشها في المحاكمات الأولي عام 1954 ثم في المعتقل ثم في الليمان وبعد أن أفرج عنه وحددت إقامته ووضع الحرس أمام بيته ثم باعتقاله ومحاكمته مرة أخري عام 1965 , وذهابه إلى السجن فبيته فمرة أخري إلى معتقل مزرعة طرة السياسي .

هذا هو رأس الهرم وقيادته ليست محل شك أو نزاع أو مناقشة وكان الصمود هو المعيار الأساسي في النظر إلى القيادات وفي ظني أنه معيار له ألف مبرر لاعتماده في التصرف والاعتبار .

وكان قليل الحركة لمرضه ورغم ذلك كانوا يلتقون معه , وظل الأستاذ مأمون الهضيبي المستشار هو ضابط الاتصال مع القيادة الجديدة التي أفرزتها الظروف ويأتي بعد المرشد العام في سلم القيادة مكتب الإرشاد الذي حكم عليه بأحكام تتراوح بين خمسة عشر عاما والأشغال الشاقة المؤبدة .

وهؤلاء لم أر منهم إلا المرحومين عمر التلمساني والشيخ أحمد شريت , وربما كان هناك آخر لا أذكره وكانا في حالة من المرض والإنهاك لا تسمح لهما بالحركة الكثيرة المكثفة لجمع الشمل وتقريب وجهات النظر وصناعة الهيكل الجديد.

أما القيادة الفعلية الحركية القادرة فكانت تتمثل في أربعة يأتون بعد المرشد العام مباشرة .

مصطفي مشهور .. أحمد حسنين ... د. أحمد الملط

ورابع لا أذكره .. ربما كان الحاج حسني عبد الباقي , وأغلب ظني أنه هو .

مجتمع العشرات غير المؤيدين

وأود أن أسجل هنا أن ما أكتبه ليس تاريخا بقدر ما هو ملاحظات ومشاهدات لواحد ممن قدر لهم أن يعيشوا هذه المحنة وأن يشترك فيها عن كثب أحيانا, وعن بعد في أكثر الأحيان , وفي تقديري أن ما أقوله ليس من الأسرار .

ثم تأتي العشرات:

وما أدراك ما العشرات ؟

هم الذين قضوا في السجن عشر سنين ولم يؤيدوا الحكومة ولم يجل ذلك بخاطرهم أبدأ ... فهم العمد الخرسانية للتشكيل الجديد’ هم الذين أجمعوا أن يكونوا وقودا للدعوة حتى يموتوا وكنت تجلس مع بعضهم فتجد أن خاطر النصر والتمكين في الأرض ليس ببالهم ولا خاطرهم وغاية ما عندهم أنهم يؤدون واجب الدعوة حتى الموت وبعدها يفعل الله ما يشاء .

وكان فكرهم واضحا وبسيطا لا يعتوره تعقيد أو تركيب , ولا يدخلون في متاهات النظريات والتفصيلات , وغاية ما يعرفونه أن تستمر الجماعة قائمة , وأن ضياعها يؤثر تأثيرا حقيقيا على أمل المسلمين في النهوض من كبوتهم مرة أخري , ولا يخفي على أحد أن " العشرات " هم أعضاء ما سمته الحكومة عام 1954 بالجهاز السري للإخوان المسلمين .

وكان أحد الظرفاء من هؤلاء يقول في أبي زعبل للتعارف :

- أخوكم فلان الفلاني من العشرات فئة " الزعبلاوي " إقامة " القطبي " مذهبا ويقول عندما ينتهي من الطعام .
- الحمد لله العلي الكريم الذي أطعمني وسقاني وجعلني من الإخوان المسلمين , ومن الجهاز السري العظيم الحديث منه والقديم .
- ولا شك أن هؤلاء العشرات على ما بينهم من تماسك وترابط , وما يتسمون به من صمود قد كانت بينهم بعض التناقضات تلك التي كان يتكلم عنها من قابلناهم من الشيوعيين والناصريين وكانوا يقولون إنها في العادة تكون بين الأصدقاء والتي يطلق عليها التناقضات الثانوية ولم تكن لتظهر أو تراها إلا إذا اقتربت أكثر وأكثر حتى تجد نفسك في البؤرة وعندها تلمحها بوضوح وهي أحيانا في التفكير وأحيانا أخر في أسلوب الحركة والتصرف حيال مجتمع طاغ ونظام مستبد سفيه , أو في كيفية تبليغ هذه الدعوة إلى العالم متجاهلين واقع السجن وكم كانت تتلاشي هذه التناقضات عند قانون السمع والطاعة الشديد الصرامة .

- ولا أدي إن كان الأمر يمثل ميزة أم عيبا أم يحتوي على كثير من المزايا وقليل من العيوب أو العكس : كثير من العيوب وقليل من المزايا وأغلب الظن أنه نظام يحتوي على الاثنين معا بقدر لا أدريه ويصعب قياسه حيث نعيش التاريخ بأحداثه اللحظية والحكم النهائي يحتاج شيئا من الوقت غير قليل.


الطبقة الثانية من الجماعة

ثم يأتي بعد ذلك أهل السجون من غير " العشرات " بدرجات متفاوتة في القرب والبعد من ثقة القيادة أو من مكانهم في الصفوف .

ويمثل كل هؤلاء أقلية بالنسبة لجمهور المعتقلين على ذمة قضايا الإخوان المسلمين .

فقد كان هناك الذين سبق اعتقالهم وجاءوا بحكم العادة أو الناموس وكان هناك أيضا الذين اعتقلوا للمرة الأولي وكانوا من الإخوان ولم يكونوا ضمن قوائم تعرفها الحكومة , ثم جاءت بهم الظروف وانتظموا في الصفوف؛

وكان هناك نوع آخر من المعتقلين على ذمة هذه القضايا ولم يكونوا من قبل من الإخوان المسلمين أو غيرها من الجماعات ومنهم من لم تكن له علاقة بالنشاط الديني على أى صورة من الصور وعدد كبير من هؤلاء صار من أشد الناس تحمسا للإسلام وقضاياه؛

ومن ثم انخرطوا في الأنماط الإسلامية العديدة التي أفرزها الاضطهاد الشديد ومن أشهر هؤلاء المرحوم شكري مصطفي الذي اختط لنفسه طريقا متفردا, وأغلب الجدد من المعتقلين حفظوا " المأثورات " واندرجوا ضمن جماعة الإخوان ولعلهم لم ينتظروا أن يدعوهم أحد إلى ذلك .

كانوا يقرءون ورد " الرابطة " عند المغيب ولم يبق بين المعتقلين غير القليل النادر الذي اعتزل أو تظاهر بالبعد عن كل أنواع هذا النشاط .

أما الأمر المؤكد فهو أن جميع من كانوا بالمعتقل الذين جاءوا تحت اسم الإخوان المسلمين كانوا أو صاروا من أشد الناس حماسا واهتماما بالإسلام وقضاياه ومن المؤكد أيضا أن أعظم ما صهرهم وجعلهم يتقاربون ويتآلفون ويتصادقون هو بوتقة الاضطهاد الشديد , والتعذيب الجماعي المشترك؛

فقد صنع هذا نوعا من الود والتفاهم يصعب شرح كيفية تكونه ويستحيل نسيانه أو تجاهله على مر الزمن , فقد يلتقي شخصان في الطريق وآخر عهدهما بلقاء منذ عشرين عاما أو أكثر ولكن سرعان ما يعتنقان وكأن آخر لقائهما كان بالأمس القريب عندما كان يتجولان بين العنابر , قبل " صفارة " الصول التي تعلن انتهاء الطابور .

وفي بعض الأحيان عندما يذهب المرء إلى مأتم لتقديم العزاء في أخ كريم قد رحل , فتنظر في السرادق وتجول العين في أنحائه فيجد إخوة كراما أعزاء , وقد عمل فيهم عامل الزمن بفرشاته فكأنهم فريق من الممثلين قد جرت يد " ماكيير" مبدع عليهم فتغيرت ملامحهم ولكن تعرفهم بسيماهم , وكثيرا ما يقوم هذا ليحيي ذاك في حب صادق وشوق حقيقي ويتحول العزاء إلى نوع من الاحتفال باللقاء .

القيادة من الحرس القديم

بدأت قيادة الإخوان نشاطها في جمع الشمل قبل موت عبد الناصر وبلغ هذا النشاط ذروته بعد موته , ولعلهم قد صنعوا شيئا غريبا فريدا في نوعه , فهو تنظيم بغير تنظيم , وترابط بغير تشكيل , وبيعة غير معلنة وعهد صامت وتصميم حديدي على العمل من أجل الإسلام , والتزام لا تعرف كيف نشأ وصعب عليك أن تدرك كيف تكون والمباحث لا تدري وما ينبغي لها أن تدري وما تستطيع والله من ورائهم محيط.

ويقف خلف هذا البنيان رجال من الصلب والفولاذ هم قيادة الحرس القديم واستطاع رجال الحرس القديم الذين قاموا على أمر الجماعة في هذه الفترة المضطربة أن يكونوا " كوادر " جديدة لم تؤثر فيها الخلافات والتناقضات الثانوية التي تحدث بين الأصدقاء كما يقول أصدقاؤنا الشيوعيون ولولا الشك والحذر لصاروا في حالة أكبر وأعظم مما هم عليه الآن .

فقد كانوا يتحركون والشك قانون يحكمهم والحذر ميراث فرضته عليهم التجارب والمآسي التي مرت بهم وجرت عليهم .

ورغم هذا فلم ينجح رجال الحرس القديم في تسوية النتوءات الحادة التي ظهرت في مجتمع معتقل طرة السياسي والتي تمثلت في بذور جماعات تنتهج العنف والحرب كطريقة لا محيص عنها في مواجهة أعداء الدعوة .

وعندما تنظر اليوم تجد أن هذه البذور قد أفرخت فيضانا من الجماعات والتصورات قد ملأت البلاد وانتشر أثرها إلى خارج مصر , وأصبح لا يخلو مكان في المعمورة منهم , وقد عظم أمرهم اليوم وصارت حالتهم أكبر من أن يحتويها نقاش أو حوار؛

وأغلب ظني أنهم الذين يرثون الأرض , بغض النظر عن صحة منهجهم من عدمه فجميع الأطراف تتعاون على تمكينهم بعضهم عن قصد والبعض الآخر عن غير ذلك, وكل الظروف تشير إلى أنهم يسيرون في طريق نهايته الحكم والسيطرة والانتقام ممن خانوا قضية الإسلام , هم في نظرهم كثير.

كانت مهمة رجال الحرس القديم شاقة وعسيرة ولكنهم كانوا يقومون بها بجد وحماس ودأب ودون فتور , وكانت تقابلهم العثرات والمشكلات والصراعات كلما اقتربنا من قمة " الهرم الإخواني " إن جاز التعبير .

فهناك نوعان من هذا الحرس :

حرس مستأنس داجن ثابت على دعوته حريص عليها بطريقته , وحرس حديدي صارم مستفز , مصر على تحويل الهزيمة نصرا مهما كانت العقبات .
وكان الصراع بين النوعين وكانت الغلبة للأخير لأنه الأكثر حماسة والأقرب إلى نفوس المستذلين والمستضعفين في الأرض .

كان الصنف الأولي يري احتواء الحكومة والنظام وأن من السهل الدوران حوله واختراقه وخداعه أما الصنف الثاني فيري التجمع والترابط , وترك هذا النظام حتى يذوي ويتلاشي ويغرق في أخطائه حتى الموت , وكان لا يري الاقتراب منه , بل يري الحذر من الاختلاط به , ولا يري هدنة معه بحال من الأحوال .

وكانت كل الأسماء لامعة ومشتهرة من الفريقين .

وقد أفرز هذا الصراع مدرسة فكرية ينتمي إليها الكثير ويمكن أن نطلق عليها مدرسة الإخوان المسلمين وقد يخرج عن هذه المدرسة شئ جديد لا يزال في رحم الغيب .

أو أن هذا سوف يكون فهي سنة الأيام وقانون التاريخ , واختلاف الليل والنهار .ولعل هذا هو سبب اضطراب الأجهزة في تصنيف الناس ,فصعب على الأمن أن يتصور ما آلت إليه جماعة الإخوان (وما ينبغي لهم وما يستطيعون).

فقد صار الأمر أكثر عمقا من تقرير يكتبه مخبر جاهل ليقرأه ضابط لا خبرة له , في عالم قد تعددت مساربه وصار أكثر تعقيدا وتركيبا من أن تفك طلاسمه عبر ملفات قد غطاها التراب , أو تقارير أقل ما يقال عنها إنها سطحية بعيدة عن الصدق والدقة في معظم حالاتها .

وأهم عوامل التمكين لهذه المدرسة هو مسلسل الاضطهاد والظلم والتضييق وتجاهل أوليات علم الاجتماع ومبادئ دراسة التاريخ والمعرفة بنواميس الكون , كان من أكبر دعاة الالتفاف حول النظام وتطويقه واختراقه هو الحاج صالح أبو رقيق والأستاذ فريد عبد الخالق وآخرون , وكان منهم المرحوم منير دلة قبل أن يموت وهذه كلها استنتاجات أملتها على المشاهدات والملاحظات .

النظام يصفي نفسه !

وكان المرشد العام المرحوم حسن الهضيبي يميل بطبيعته وبحكم خبرته إلى الصنف الذي يدعو إلى التماسك والترابط وعدم الاختلاط بالنظام وينهي عن مهادنته بل هو يأمر بحرب صامتة لا يستخدم فيها السلاح وانتظار لحظة النصر عبر هذا الطريق وكانت له قولة مشهورة.

سوف يصفي هذا النظام نفسه فلا تستعجلوا الزمن فإن الله لا يعجل بعجلة أحدكم .

وكان محمد قطب نسيج وحده فهو لا يناور ولا يلف ولا يدور , ويصل مباشرة إلى الهدف الذي يريد هو أن جماعة المؤمنين يجب أن تتميز عن المجتمع وتستعلي عليه بما أنعم الله عليها من الإيمان , وتعلن هذا وتدعو إليه , والأمر لا يستحق السرية والشهادة أمر سهل , ولا تكون إلا لمن أنعم الله عليه وكلما دفعنا إلى الساحة بشهيد اقتربنا من النصر وزادت فرصتنا في إعلاء كلمة الله .

والفرق بينه وبين أصحاب العنف أنه يدعو إلى الثبات والمواجهة بكلمة الإسلام وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وأن ننطلق بوضوح ودون مواربة وإن كان لابد من شهداء فليسقطوا تحت هذا الشعار ويوما سوف ينتصرون ويتبين الشعب إلى أى شئ يدعون الناس .

والآخرون يرون المواجهة بالرصاص والمدفع والانتقام والبطش بالجبارين و البحث عنهم وترصدهم وتصفية كل من يعاونهم وإن سقط أبرياء في هذا المجال ويقولون إنه مهما مات من الأبرياء فلن يبلغ عددهم عدد الذين ماتوا من الجوع والعطش على رمال سيناء عام 1967 أو الذين حصدتهم نيران اليهود في الحرب والذين ضاعوا وأبيدوا بإرادة قائد جاهل وزعيم كاذب لا يري ذاته في مرآة المجتمع والتاريخ .

وكانت هناك اتجاهات مختلفة وكثيرة تجمع من بين هذه العناصر, وتمثل أشياء جديدة تختلف عن سائر ما قدمنا وشرحنا , ولكنهم جميعا يندرجون في مدرسة الإخوان المسلمين التي نجت من الفناء , وصارت كشجرة طيبة قد ثبت أصلها فهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها على نحو ما وبطريقة ما .

(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

وقد استقطبت هذه المدرسة إليها كثيرا ممن اعتقلوا تحت اسم آخر غير الإخوان المسلمين , وهؤلاء جري عليهم ما جري على غيرهم في التوجه الإسلامي بأنماطه المختلفة وصوره المتعددة .

والذي أذكره ولا أنساه أبدا أن الأيام الأخيرة لى في المعتقل قد شهدت وسمعت كل جموع المعتقلين وهم يفخرون بانتسابهم إلى الجماعة ويعلنون ذلك ولا يتبرءون منه وتذكرت أيام الاعتقال الأولي حيث الإرهاب الذي لم يسبق له نظير عندما كانوا يأمروننا بلعن الجماعة والتبرؤ منها فرادي أو ونحن مجتمعون عبر هتافات مؤلفة مؤثرة التنغيم كاذبة المعني , يعرف كذبها كل من يرفع عقيرته بها عاليا وكنا نفعل ذلك بالليل وفي النهار , وفي كل مناسبة وبلا مناسبة حتى أدرك كل واحد فينا أنه عرض ردئ لنص بالغ السوء لا يشعر به الممثلون ولا يحسونه , فهم يقدمونه كل ليلة على خشبة المسرح وإحساسهم كبير بالغثيان .

ولكن يأتي الوقت الذي يغير فيه الممثلون أداءهم ويرفضون النص الهابط ويعلنون ذلك بغير مواربة , ويظهر موقفهم الحقيقي في أشد الظروف ظلاما وقسوة .

فق لعن عبد الناصر وعهده بأعلى صوت , وأعلن الكل تمسكه بشرف الانتماء إلى جماعة الإخوان ولتذهب التقارير إلى الجحيم , ولتذهب كل الأجهزة أيضا إلى الجحيم لقد صنعت هذه الأجهزة لهؤلاء الناس شيئا عظيما لم يكونوا ليقدروا عليه , جعلتهم يؤكدون هويتهم وكانت العودة إلى الذات .

جماعة الأربعة

كانت جماعة الأربعة إن جاز التعبير تجوب العنابر شرقا وغربا للنقاش وتأكيد العهد وإزالة ما اعتري النفوس من آثار التحقيقات وكانت ندوب هذه التحقيقات كثيرة ومنها ما عميق يصعب البرء منه, ولكن وضح أنهم قد حققوا شيئا في هذا المجال , حيث صفت النفوس , واجتمع الشامي مع المغربي كما يقولون بعد أن افترقا كثيرا تحت فرقعة السياط والكلاب العاوية التي تنهش اللحم والضباط اللئام الذين لا يعرفون الشرف والمروءة بل وأبسط قواعد الرجولة والأخلاق .

وكان تكثيف الجماعة جماعة الأربعة على العشرات فمن بعدهم وهكذا حتى تصل إلى ذلك الجديد الذي يدخل المعتقل للمرة الأولي لغير سبب وجيه أو غير ذلك , قد جاء هكذا ولا أحد يعرف لماذا جاء وشاء حظه أن يبقي حتى التصفية النهائية فصار من الأقطاب , وصنف في أول القوائم .

حوار مع المرحوم الهضيبي

كنت كثيرا ما أتسلل إلى مكان المرشد العام المرحوم حسن الهضيبي حيث كان يقيم في المستشفي وكان يساعدني على ذلك الأستاذ مأمون الهضيبي فقد كانت هناك أحاديث عامة في قضايا مختلفة, وينبغي أن تنقل إلى جمهور المعتقلين من الإخوان ولا يتسني ذلك بغير هذه اللقاءات.

وكنت أحد الذين يقومون بمثل هذا الدور .وكانت هناك أحاديث خاصة تنقل إلى الإخوان عبر قنوات لا أعلم عنها شيئا ولم يكن لى دور فيها من قريب أو بعيد .

وفي مرة من هذه اللقاءات سألته:

وكان رحمه الله مهذبا صبورا جم الأدب , يعمل حسابا للصغير قبل الكبير , رغم مكانته وهيبة الجميع له بلا تمييز وقال لى :

- من أى ناحية ؟

- من كل ناحية .

وشرد الرجل ببصره قليلا وقال :

- كثيرا ما سألتني عن هذا الموضوع كأنك لم تشف غليلك بعد!

- كلا يا فضيلة المرشد .. ولكن ألا تراه موضوعا يستدعي الأسئلة الكثيرة ؟

- معك الحق يا بني .

هو موضوع جدير بالتأمل والبحث , ولكن سره قد مات مع إعدام هنداوي ومحمود عبد اللطيف والتفسير الحقيقي لهذا الحادث عندهما , وربما عند آخرين على قيد الحياة , ولكن أني لنا معرفتهم ؟

- يقولون هو من صنع الإخوان دون إذنك .
- ليس هناك ثالث لهنداوي ومحمود يعرف شيئا عن هذا الموضوع , وليس من العدل أن تعتبر هذه الجماعة الكبيرة قد انحصرت في هذين , ظني أنهما قد استدرجا إلى هذا الأمر , أحدهما أو كلاهما , بطريقة لم يتسن لى معرفتها شخصيا رغم أني قد أكثرت في الأسئلة مثلك مع عشرات ممن أعرف , وهناك من الجرائم ما يصعب الكشف عنها لسنين طويلة , ثم تعرف فجأة وقد يأتي ذلك اليوم .

- والجهاز السري ؟

- تقصد النظام الخاص ؟

- الاثنين معا يا صاحب الفضيلة .

- الجهاز السري اسم أطلقته الحكومة على النظام الخاص بعد أن أعيد تكوينه وابتسم الرجل وشرد ببصرهوقال :
- هل تعرف أن هذا الملف لم يغلق بعد؟

- وسألته في لهفة :

- أى ملف يا فضيلة المرشد ؟

وقال الرجل :

-: ملف النظام الخاص.

واعترتني الدهشة وأنا أقول :

- رغم كل ما جري من تحقيقات ؟

- لم تحدث تحقيقات على الإطلاق في كل قضايا الإخوان بعد ثورة يوليو .

- وبماذا تسمي ما حدث ؟

- يمكنك إطلاق أى اسم عليه غير اسم التحقيقات .

- واستعاد روح القاضي القديم وهو يجلس للحكم على المنصة :

- نعم يا بني ... التحقيقات شئ يختلف .. ما حدث ليس بتحقيقات ووجدت الرجل رحمه الله زاهدا في الحديث حول هذا الموضوع ويفضل الابتعاد عنه والكلام في أى شئ سواه ورغم هذا ألححت عليه بالسؤال :

- كانت سياستك هي تصفية النظام الخاص.

- هذا من الطبيعي يا بني .. نظام خاص كان عبد الناصر أحد أفراده , ثم انتقل إلى الجانب الآخر ويعرف كل شئ عنه , ماذا تنتظر مني أن أفعل وأنا على رأس الجماعة ؟

- وقلت له بإصرار : كان ذلك قبل الثورة .

- قبل الثورة كان الأمر يختلف ..

- وسكت قليلا كأنما يتذكر ما حدث في السنين الماضية ثم قال :

- كانت هناك مجموعة قد عرفت لأجهزة الأمن , وكان لابد من ابتعادها قليلا عن دائرة الضوء , وكان النظام قد ابتعد قليلا عن أغراضه في تحرير البلاد الإسلامية وعلى رأسها مصر التي كانت تحت الاحتلال , وإن شئت الدقة فقل إنه أوشك أن يبتعد عن أهدافه وأغراضه , وقد جئت للجماعة والعاصفة الهوجاء تهب على الجماعة ويجب أن نعمل حسابا لهذه العاصفة ومن حقي أن أعزل رئيس النظام وأن أضع آخر مكانه لأمور أراها وأقدرها, وقد أتكلم فيها مع بعض؛
وقد أذكر كل الأسباب والدواعي وقد أخفي بعضها حسبما يقتضيه الظرف وحسب التقدير العام للموقف والقرار هو كحكم القاضي وهو لا يصدره إلا بعد توافر كل المعلومات لديه , أمر القاضي وقراره يختلف عن رؤية المتفرجين؛
وإن كان القرار يتعلق بكيان الحركة الإسلامية في العصر الحديث فلك أن تقدر صعوبته والوقت الذي استغرق لإقراره ,والتفكير العميق حوله قبل ذلك , ومن الصعب الدخول في تفصيلاته الآن لا يزال الملف مفتوحا !

- وسكت الرجل عليه رحمة الله مسترجعا ما فات من أحداث .

- وجلست أمامه صامتا أنظر إليه وأتمنى لو أكمل حديثه , واستمر :

- بعد قيام ثورة يوليو وتأكد انفصالها عن حركة الإخوان كان لابد من رؤية جديدة وشاملة لكل شئ .. مجموعة كانت معك وتأتمر بأمرك أو هكذا كانت تدعي , ثم أقامت دولة وانفصلت عنك وهي تعرف كل أسرارك .. هذه حالة تحتاج إلى معالجة جديدة مختلفة يجب أن تعيد ترتيب البيت من جديد وكل ما يعرفونه عنك ينبغي أن يدخل عالم الأسرار مرة أخرى فكان لابد من تصفية النظام الخاص الذي يعرفونه تصفية حقيقية وكاملة لحماية الإخوان حيال عدو شرس لا يتقيد في عداوته بقواعد الأخلاق والدين .

- وبدت في وجه الرجل الذي غضنته السنون امتعاضه الذكري ..

وأسرعت أسأله :

- ولكن فضيلتك أقمت نظاما جديدا مكان القديم .

- وقال :

- هذا جيش وحتى تعمل على علاج حالته لابد من تشكيل جديد.

- قد فكر هذا التشكيل الجديد في مقاومة الحكومة والقيام بحركة الاغتيالات .

- من قال هذا ؟

وابتسم وقال :

قد قلت لك , لم تكن هناك تحقيقات وهناك فرق بين التفكير وتبادل الآراء حول بعض النقاط , ثم تذهب هذه المناقشات إلى صاحب القرار فيري فيها رأيه حتى ما تسميه بالتحقيقات لم يثبت فيها أنني أمرت بشئ من هذا على الإطلاق .

- لماذا اختفيت ؟

- جاءت معلومات مؤكدة أنهم ينوون قتلي .

- وهل تخشي الموت أو القتل ؟

- وعاودته ابتسامته الواثقة وقال :

- لكل أجل كتاب .. ولكن .. لو اغتالتني الحكومة بأية طريقة ألا تتصور أن هناك فتنة دامية سوف تكون ؟ لقد اختفيت خوفا من إراقة دماء المسلمين , لم يكن جمهور الإخوان يعرف طبيعة ما يجري , وظل عدد كبير منهم يظن أن ما يراه من خلاف مع الحكومة إنما هو خلاف داخل صفوف الجماعة .

- واليوم .. ماذا تري ؟

- وبابتسامة عذبة قال :

- البركة فيكم .

وكانت هناك عشرات الأسئلة كان يجيب عنها بالصمت ولا يتكلم إلا عندما أغير السؤال أو أتكلم في موضوع آخر .

الحاج صالح أبو رقيق

اختفلت شخصية الحاج صالح أبو رقيق كثيرا بعد موت الزعيم فقد فارقه قدر كبير من حذره الذي اشتهر به كان يتكلم ولكن في حدود بعد هذا الحادث المفاجئ الذي غير الحياة في مصر صار يتكلم بحرية أكثر وحذر أقل .

عندما تنظر إليه تلمح في عينيه دهاء بعيد الغور , ويشملك بنظرته فكأنه الصحراء المترامية لا تعرف مداها ولكنها محيطة بك .

ويقول:

- قصة الإخوان سياسية في المقاوم الأول وينبغي على الإخوان أن يدركوا هذه الحقيقة ويتبينوها ويتعلموها أيضا , نحن في صراع لا ينتهي أمام قوي نعرف بعضها ولا نعرف البعض الآخر , ولكن عندنا من الوعي والنظر ما يمكننا من فهم ما يحيط بنا ولا ينبغي أن نقف جامدين أمام الأحداث بل علينا أن نستوعبها ونطوقها ونغير من خططنا حسبما تمليه علينا الدواعي والظروف .

وأسأله مداعبا :

- وقصة الاتصال بمستر إيفانز المستشار الشرقي للسفارة البريطانية أثناء مفاوضات الجلاء عام 1954 ؟
- ويضحك ساخرا ملء شدقيه في مرح حقيقي ويقول :
- هذه قصة قد أكل الدهر عليها وشرب , وأنت تعرف حقيقتها , وقد مات من أدخل عليها التعديلات المخلة , هذه قصة قديمة .

- وهل هناك قصة جديدة ؟

- ويأخذ وجهه طابع الجد وهو يقول :

- نعم .. موت عبد الناصر هو علامة لتغير في سياسة مصر والعرب وفي نظرة الغرب إلينا .. هو بداية لمتغيرات كثيرة أن نعيها ونفهمها ونتصرف على ضوئها .. يجب أن ندرك العلامات المهمة التي تطرأ على الحياة ويجب أن نعرف كيف نستفيد منها , وينبغي ألا نتأخر في فهم الحدث إذا وقع .

- وماذا هناك ؟ مات عبد الناصر وجاء السادات !

وهز رأسه نافيا :

- لا .. الأمر مختلف وسوف تري . لقد ترك عبد الناصر مدرسته تحكم وتدير البلاد .. وهي تتخذ السادات سلما للوصول إلى الحكم وقلت له :

- وما هي مدرسة عبد الناصر ؟

- أووه .. على صبري .. سامي شرف .. محمد فوزي ..هيكل .. الاتحاد الاشتراكي .. المخابرات . الدولة كلها ..والسادات على رأسها .

- هو دخيل على هذا الكيان , وسيحاول الخلاص منه في أقرب فرصة وهل يستطيعون ؟

- وسكت الرجل طويلا وعيناه تدوران في محجريهما وقد تجمع فيهما خلاصة ما يمكن للمرء أن يتخيله من دهاء وعمق وتفكير ثم سكن وبدت عليه علامات الاهتمام والجد وقال:

- لا أظن.. هناك صدام وشيك سوف يخرج فيه السادات منتصرا ودهشت :

- ويتخلص من كل هؤلاء ؟

- نعم ..

- كأنه يقضي على الدولة ؟

- هو يقضي على دولة عبد الناصر ويقيم لنفسه دولة جديدة هو رئيسها وولي النعم فيها , هذه سنة الحياة .. السادات شخصيته لا يعرفها كل هؤلاء .. يرونه غرا يسهل عليه وتسييره وهو ليس كذلك .

- وما دخل الإخوان بكل هذا ؟

- وتبدو علامات الاستنكار على وجه الرجل وهو يقول :

- دخلنا بكل هذا ؟ هذه هي فرصتنا للخروج من هذا القمقم الذي وضعنا فيه .. والفرص الكبيرة لا تتكرر كثيرا في هذه الحياة .. يجب أن يستوعب الإخوان هذا الموقف ويستثمروه لصالحهم .
- أنت تتكلم عن غيب لم يأت بعد , بل تتصوره وسامحني لو قلت تتوهمه .
- سوف تري بنفسك وفي وقت قريب .

- وأمريكا ؟

وانفعل الرجل وهو يقول :

- وما أمريكا ؟ هم حفنة من البشر لهم عقول ولنا عقول هم رجال ونحن أيضا رجال , ولا نقل مهارة عنهم ولا ينبغي لنا .

فريد عبد الخالق

وفي ملابس جميلة أنيقة وبابتسامة عذبة لا تفارقه أبدا تجد الأستاذ محمد فريد عبد الخالق وهو يسير في الفناء جيئة وذهابا , وفي وجهه بشر لم يفارقه أبدا منذ رأيته لأول مرة مسلوخ الساقين من التعذيب في السجن الحربي , حتى أناقته في الطابور بمعتقل مزرعة طرة السياسي بعد موت عبد الناصر .

ويقول في استنكار :

- ما العجيب في موته ؟ أليس بشرا يجري عليه ما يجري على الأحياء ؟

- وأقول له :

- سامحني يا أستاذ , رغم يقيني بما تقول فإني أري موت عبد الناصر عجيبة من العجائب وغريبة من الغرائب , وأنا على يقين من أنه بشر كما تقول .

ويضحك الرجل بعذوبة ويقول :

- لقد صنع لنفسه نظاما كان سيقتله ويقضي عليه لو لم يمت , وهذا هو منطق المستبد عبر التاريخ .. وما يعنينا الآن هو ماذا بعد عبد الناصر ؟

- وقلت له مستدرجا :

- السادات بعد عبد الناصر .
- وضحك الأستاذ فريد عبد الخالق ضحكته العذبة المميزة :
- أتكلم عنا نحن الإخوان المسلمين .
- المفروض أن هناك قرارا بحل الجماعة .

وقال الأستاذ فريد :

- مثل هذه الجماعة لا تحل بقرار لأنها أمل المسلمين في القرن العشرين , وعليها أن تواجه محنتها بشجاعة , والطريق الوحيد في رأيي هو الاهتمام بالتربية والثقافة والتعليم فينشأ الجيل المسلم القادر على تحقيق الأهداف .
- أما موت هذا وحياة ذاك فهي أمور مما يجري على الكون والناس . صحيح إنها فرصة جيدة لاستنشاق مزيد من الهواء النقي , ولكن ليس الكثير, علينا أن نهتم اهتماما كبيرا بالتربية والثقافة فهما الطريق المضمون المأمون .
- وقطع حديثنا بعض الذين جاءوا يحيونه ويتحدثون معه واستأذنني بتلطف . وأدب بالغين .

الاتحاد الاشتراكي نظم جنازة عبد الناصر

مات عبد الناصر تاركا بلده وقد احتله اليهود وتحكمت فيه أمريكا أكثر.

وكان من تركته المثقلة ذلك العدد الكبير من المعتقلين أو من صفوة الدين يحملون الأفكار على تناقضها وتباينها ولم يكن ينوى أن يفرج عن شخص واحد من كل هؤلاء المجتمعين في طرة , فقد كانت هذه عادته منذ أن منيت البلاد بحكمه , فعندما سحق الجيش وارتفع العلم الإسرائيلي على ضفة القناة , حشر فنادي فجاءوا بالسياسيين والأعيان والكبراء وكل من يظن فيه قدرة على إبداء الرأي والمقاومة ورأيتهم بعيني يوم الجمعة 9 يونيو سنة 1967 في معتقل أبي زعبل السياسي , ثم نادي في ظلمات التليفزيون أنه يتنحي وأهل الرأي والسياسة يضربون في أبي زعبل وحملت الشاحنات الأنفار والصعاليك من كل بلاد مصر حتى تري صحافة العالم كيف يتمسك المصريون ببطل إسرائيل الذي قدم لها أعظم خدمة في تاريخها القصير .

وقالوا ببجاحة ووقاحة إنها مظاهرات تلقائية تعبيرا عن رغبة قوي الشعب العاملة في دعم الإمبراطورية اليهودية.

وأخبرني أحد الأصدقاء وكان محافظا لمحافظة بالوجه البحري , وكان أيضا من الضباط الأحرار أنه في ذلك اليوم الأغبر المشئوم جاءته إشارة عاجلة من الأمين العام للإتحاد الاشتراكي بالاستيلاء على كل وسائل النقل في محافظته وشحن أكبر عدد يمكن له من النعاج والحمير وإرسالهم إلى القاهرة على وجه السرعة , والأوامر أن يلقي بهم في أى ميدان أو أى مكان , وهناك سيجدون الدليل الذي يقودهم إلى بيت" الملهم " لمنعه من التنحي "

وقد أخبرني ذلك الصديق أن الأوامر كانت تقضي بصرف مبالغ لكل رأس من خمسة وعشرين قرشا إلى جنيه , وحددوا التعريفة فالأفندية يصرف لهم جنيه والعمال والفلاحون خمسة وعشرون قرشا على ما في ذلك من مناقضة لنص صريح

وعندما زال خطر العقلاء والسياسيين القدامي صرفوهم وأخرجوهم , وكان ذلك بعد أن قال الشعب كلمته .

ونزولا على إرادة الأمة وامتثالا لأمر الشعب ظل " الملهم " جاثما على صدر مصر .

وخبا الأمل في النفوس , وضاعت الفرصة في الخلاص . ولم يكن هناك من حل غير " عزرائيل " وبالصورة التي يراها وحسبما هو مقدر ومكتوب .

وجاء الحل فريدا وعبقريا ولا تهمنا الطريقة التي استخدمها عليه السلام.ولا يعنينا هل دسوا له السم ؟ هل فعلها أصدقاءه أو أعداءه ؟.

ولكن الذي أثار اهتمامنا وأبهجنا أنه قد ذهب إلى غير رجعة ,وكل من تركهم من تلامذته وصبيانه يتساقطون واحدا بعد الآخر بذلك الحل العبقري الفريد , فليس للشعب من دور لقد حطمت كبرياء الأمل وقل بها عدد الرجال ,ولم يعد أمام أحد غير النظر والاعتبار في السنن والنواميس .

وبالنسبة لمصر سوف يظل" عزرائيل هو الحل " ولفترة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالي , وبالطريقة التي سطرت في الأزل .

( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)

هكذا قال لى شكري مصطفي عندما سنحت الفرصة بصعوبة للحديث معه عن موت الزعيم بذلك المسجد المهجور في يوم حار عند انتصاف الشمس .

الفصل الثاني:" وقد أفلح اليوم من استعلي " الطريق إلى العنف

" من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ,ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون * ولله الأسماء الحسني فادعوه بها , وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون * وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)

الاضطهاد وهو الأب الشرعي للعنف

بين موجة الفرحة الغامرة التي شملت الناس جميعا غداة موت الزعيم , والتي شملت كل من بالمعتقل المؤمنين منهم وغيرهم على حد سواء , وبعد أن فرض الخبر نفسه وصار حديث الجميع بغير تمييز , كان هناك واحد من أشد أعدائه لددا وخصومة وحقدا وبدا وكأنه قد اغتاظ من موته , وقد ظهر ذلك في تقطيبه الشديد وتجهم وجهه الذي زاد .

هذا هو زعيم التكفير حسبما يحلو للمباحث أن تسميه شكري مصطفي.

فعندما بلغني خبر موت الزعيم كان من أوائل من خطروا ببالي هو شكري مصطفي وظننت أنه سوف يكون أسعد الناس بهذا الخبر , ولما رأيته على هذه الحال التي زاد معها ضيقه تعجبت , ولم أربط في أول الأمر بين خبر الوفاة وما بدا عليه من تجهم وضيق , وقلت لنفسي لعل أمورا أري تعكر مزاجه فأنسته الفرحة بموت عبد الناصر , التي تعني الخلاص من هذا السجن .

وترجع معرفتي بشكري مصطفي إلى أيام التعذيب الأولي في السجن الحربي, ثم رجعنا إلى معتقل أبي زعبل على قدر , وجمعنا عنبر الزعماء هكذا كانوا يسمونه ثم انفصل مع الآخرين إلى زنازين شمال عندما رفضوا تأييد " الملهم " حينما كنا نرفع عقيرتنا بالهتاف بأننا وراءه إلى أى مكان حتى الجحيم وكانوا يرغموننا ويكرهوننا إكراها أدبيا وماديا أن نكتب وثائق بالدم لتأييد " الملهم " وأننا فداءه , وهذا ما قاله الشعب لكل الفراعين .

وهو ما رفضه شكري مصطفي وجماعة معه ذكرت أسماءهم بالتفصيل في البوابة السوداء . وتغيرت أحوال شكري مصطفي داخل زنازين شمال .

ومن داخل هذه الزنازين نضج فكر الرفض الذي بلغ مداه عندما قالوا بكفر الحكومة , وزادوا في هذا حتى اعتبروا أن الأرض كلها دار حرب ليس فيها إسلام .

وقد تم هذا كله على مراحل , كانت تزداد حدتها وحرارتها مع توالي أيام الاعتقال وزيادة الضغط , وخيبة أمل الحكومة في كل المجالات , وفشلها المتلاحق في أمور السياسة والحرب والتنمية ورغم أن هذه كلها ليست مبررات كافية لموقف فكري بالغ الحدة والتوتر إلا أن هذا هو الذي كان و وليس هنا مجال توصيفه وشرحه .

ثم غادرنا معتقل أبي زعبل السياسي وغادره معنا أهل زنازين شمال , وذهب الجميع إلى معتقل طرة السياسي حيث المستقر والمستودع إلى أن يأذن الله بما يشاء وفي معتقل طرة السياسي تميز الناس , ومات الزعيم فتميزوا أكثر , ووضحت الرؤية أمام الجميع , وانحاز كل إلى حيث يزيد .

وفي معتقل طرة السياسي انعزل شكري مصطفي وفريق معه, وتجنب الآخرين تجنبا كاملا لا يؤاكلهم ولا يشاربهم ولا يحادثهم هو ومن تبعه من المؤمنين به وزاد من هذا الانفصال ذلك الموقف الذي وقفه شكري أمام حسن طلعت رئيس المباحث الذي جاء يزورنا ليواسينا فسمع من شكري يومها ما أوجعه وما أوجع الإخوان وأسعدهم أيضا, فقد أشبع رغبتهم في النيل من هذه الحكومة المستبدة , وفي الوقت نفسه خافوا من تقرير حسن طلعت إلى الإدارة السياسية العليا , وهي بالتأكيد سوف تزيد في النكال بهم .

لهذا كان الإخوان يعجبون بشكري مصطفي أنه وقف وسب الحكومة سبا بالغا ,لكنهم يتجنبونه ويتحاشونه وهو أيضا يفعل ذلك , ويسرف في هذا التجنب استعلاء عليهم فهم من وجهة نظره على الباطل ويحبون الدنيا ويكرهون الموت لهذا كان موقفهم المتخاذل أمام هذه الحكومة المستبدة العنيدة الكافرة الفاجرة من وجهة نظره .

حوار مع شكري مصطفي

احتلت حتى أجد شكري مصطفي وحده فأتكلم معه وسنحت هذه الفرصة يوما ما بين صلاة الظهر وصلاة العصر , ووجدته في المسجد المهجور جالسا وحده يقرأ في المصحف, وجلست بجواره صامتا أنتظر أن يفرغ من قراءته .

وفرغ منها ولم يلتفت إلى وأيضا لم يغادر المكان ففهمت أنه غير مستاء لوجودي وتشجعت وتحدثت :

- كنت أود الحديث معك منذ فترة طويلة .

- .....


- لماذا لا ترد ؟ هل ضايقك وجودي ؟

- واعتدل شكري مصطفي وصار يتأملني للحظات ثم قال :

- أحببت أن أعرف رأيك في موت جمال عبد الناصر .

وأجاب بسخرية واضحة :

- تحقيق صحفي ؟

- ليس هكذا بالضبط . لا توجد هنا صحافة . أم تقصد شيئا آخر ؟

- وتنهد وبدا عليه كأنه يشفق على وقال :

- لست أدري وأنت العاقل الرشيد كيف ترضي بما أنت عليه من كفر ؟

- وابتسمت وقلت :

- سوف أجيبك عن سؤال بعد أن أسمع إجابتك.
تسألني عن رأيي في موت جمال عبد الناصر ؟

- وقلت له مشجعا :

كأنك اغتظت من موته .
- هذا صحيح

- لماذا ؟

كنت أود أن أحظي بشرف قتله .

- هذا أمر صعب .. هناك الحرس والجند والمدافع .. ثم أخبرني لماذا تقتله ؟

ألا تراه يستحق القتل ؟

- وقلت له :

- قد يكون مرتكبا لجرائم يستحق عليها القتل .. ولكن من يعطي لنفسه حق القتل ؟ لابد من محاكمته وأن يقضي قاض بهذا إن كانت التهم ثابتة . وأن يمنح حرية الدفاع عن نفسه وأن يمكن من هذا .

- وضحك ساخرا حتى ظننت أنه لن يكف عن الضحك ثم قال :

- هذه أول مرة أضحك فيها من قلبي منذ أيام التعذيب .
وكنا في أيام التعذيب نضحك كثيرا من جهل الضباط وما نراه من مفارقات كثيرة ثم كف عن الضحك ونظرا إلى جادا وقال :
- أنت تسخر بطبيعة الحال .
- أنا جاد كل الجد.
- أريد أن أعرف رأيك أنت بصراحة ألا تراه يستحق القتل ؟

- وفكرت قليلا ثم قلت له :

- هو من وجهة نظري يستحق القتل ولكن لابد أن يحكم بهذا قاضي الشعور شئ والعدل والإحسان ونظام المجتمع شئ آخر , ونحن لسنا قضاة وقال شكري ساخرا :

- انتم دعاة لا قضاة..

وكان هذا هو الشعار الذي رفعه حسن الهضيبي وسري في مجتمع المعتقلين وقلت له :

- هذا صحيح نحن دعاة لسنا قضاة

- ألا تري الأمر مضحكا ؟

- لا .. ليس مضحكا على النحو الذي تظن . ولو أعطيناك حق قتل جمال عبد الناصر دون محاكمة وهذا أمر صعب فسوف نعطي غيرك حق قتلك , سوف نمنح الفرد حرية القصاص على النحو الذي يراه , ومن ثم ستعم الفوضى كل أرجاء البلاد.
- من يرد أن يقتل آخر فسوف يفعل .. أى حياة سوف يحياها الناس لو صار الأمر على هذا النحو ؟ كل إنسان له من عدوه من يفكر في قتله . الظلم والاضطهاد ووجود حكومة فاسدة شريرة مثل التي تحكمنا أقل ضررا من التصور الذي تقوله .
- وسكت طويلا مطرق الرأس .. وكنا متربعين على الأرض , قد جلس شكري على قطعة من القماش يحملها أينما ذهب , بينما جلست بجانبه على التراب فلم أكن أحمل قماشا مثله في يدي أثناء تحاولي عبر العنابر والفناء.
وطال صمته!

وقلت له :

- لم تخبرني برأيك فيما قلت .
- ورفع رأسه وكانت عيناه الواسعتان السوداوان تمتلئان بالشرر , ولكن تكلم في هدوء وقال :
- أنت لا تري مقاومة الحكومة والعمل على القضاء عليها ؟

- وقلت له :

- حكومة مثل حكومة جمال عبد الناصر من لا يعمل على إزالتها مخطئ إثم مقصر في حق نفسه وبلده, وهو لا يختلف عن الدواب .

- وحملق في وجهي مستفسرا بينما واصلت الحديث :

- لا يوجد شخص واحدا في هذا المعتقل موافق على بقاء هذه الحكومة , والدليل على ذلك هو وجودنا جميعا في الأسر .

- وفي حدة قال :

- هي حكومة كافرة وكل من لا يري هذا كافر مثلها .
- لو تأملت لوجدت أن هذا ليس لب الموضوع هذه كلمات مطاطة غير واضحة الدلالة مثل الإنسانية المعذبة واليأس القاتل والأزمة الطاحنة , هذه كلمات تقع تحت باب الأدب والفن أكثر مما تقع تحت باب القانون والشريعة , ونحن أولي الناس بفهم هذه المعاني .

- ونظر إلى شاكا ثم قال :

- هل أرسلك الإخوان لتؤثر على؟
- مشكلة الإخوان أنهم لا يدركون خطورتك ولا يفكرون فيك , ولا يتناولونك تناولا جادا , أما أنا فأري المستقبل لأني قرأت الماضي وفهمته , وأكاد أتخيل ما سوف تفعله عندما تغادر هذا المكان .

- وهل نغادر هذا المكان ؟

- دوام الحال من المحال .

وأطرق ثانية ثم رفع رأسه وقال :

- لو انضممت إلى فسوف نعمل شيئا يتحدث عنه التاريخ .
وسكت طويلا محدقا في وجهه ناظرا في عينيه اللتين لا تطرفان , ويخرج منهما وهج كأنه الشمس في يوم حار , وتذكرته في عنبر 12 وديعا لا يعرف شيئا مما يدور , ويسألني عن قصة الإخوان والحكومة والإسلام والأمويين والعباسين والفاطميين وحسن البنا وجمال الدين الأفغاني؛
ولم يكن يعرف شيئا عن هذا كلها وقتها , وها هو ذا الآن يضع نفسه في قائمة دعاة الإسلام العظام الذين غادروا الحياة بعد أن تركوا فيها أثرا ليس من الصعب تجاهله , وشردت بأفكاري خلال وجهه وعينيه وأفقت على صوته :
- لماذا سكت ؟ ما قولك ؟ انضم معي وسوف نفتح هذا العالم .

- قلت :

- أيام الحروب بين المسلمين والبيزنطيين على ثغور الروم, كان كل فريق يأخذ أسري من الجانب الآخر وكان المسلمون يحسنون معاملة الأسري على العكس من البيزنطيين الذين كانوا يسيئون معاملة أسرارهم من المسلمين , وكان هؤلاء الأسري يقضون في الأسر سنين طويلة .
- وكان منهم من مات في الأسر ومن يفرج عنه ويعود إلى أهله ووطنه فهو ذو حظ عظيم ويعتمد ذلك على قدر الله سبحانه وتعالي , وعلى ظروف سياسة تقضي بحسن التعامل بين الحمدانيين والبيزنطيين , فيعقدون اتفاقا ويفرج عن بعض الأسري , ولم يكن هذا يحدث كثيرا فأقل مدة قضاها أسير مسلم عند الروم لم تقل عن عشر سنوات إذا استثنينا أبا فراس الحمداني فقد قضي أقل من هذه المدة لتدخل سيف الدولة .

وقاطعني شكري مصطفي في ضيق :

- هل هي محاضرة في التاريخ ؟

- أنت تدعوني لأمر عظيم فلا أقل من أن أعرض وجهة نظري , وأناقش ما تعرض على قبل الرفض أو القبول , وهذه أبسط الحقوق .

- وطأطأ برأسه موافقا وقال :

- الحق معك .. تفضل سوف أحسن الاستماع .

- وأنا لن أطيل عليك .. تخيل هؤلاء الأسري المسلمين الذي كانوا يعيشون في معسكرات قد أقامها لهم البيزنطيون شبيهة بهذه المعتقلات التي نعيش فيها الآن وربما كانت أحوالهم أكثر سوءا تخيلهم وهم يشغلون أنفسهم طوال النهار وشطرا كبيرا من الليل يقولون فيه لأنفسهم إنكم كفرة ويجب حربكم وينبغي قتالكم ثم ينبري واحد ويقول لو خرجت من هذا الأسر فسوف أقتل رومانوس الأول القيصر البيزنطي؛ثم يدعو غيره لموافقته والانضمام معه والاتفاق على هذا , ألا بعد ذلك ضربا من الجنون ؟

م تخيل شخصا آخر من الأسري أسري المسلمين يذهب إلى الضابط البيزنطي المشرف على حفظ النظام وترتيب المعيشة في المعسكر الأسري , ويقول له : أنتم قوم عادلون, ولو أطلقتموني من الأسر فلن أعود لحربكم مرة أخري , يقول له هذا ليخدعه بعد أن ضاق بسوء المعيشة والأسر الطويل وشوقا إلى أولاده ووطنه, وهو لا يعني هذا الكلام ولا يعتقده؛
بل كل ما يطمع فيه أن يكتب اسمه في قوائم الأسري الذي يسلمون إلى المسلمين لو حدثت معاهدة أو مفاوضات .. هل بعد مثل هذا الرجل كافرا قد ترك الملة ؟ لا أظن.

وشرد شكري مع كلامي قليلا وقال :

- أنا لا أعرف الحمدانيين والبيزنطيين ولكنهم جميعا كانوا على ملة واحدة هي الكفر .
ولم يكن القتال بينهما من أجل إعلاء كلمة الله ولكن للسيطرة والقوة .
- أنت هكذا تجرد الإسلام والمسلمين من تاريخهم هل قرأت تاريخ الحمدانيين ؟
- كلا ..

- إن كنت تنوى أن تقيم جماعة إسلامية تدعو إلى الله على بصيرة , أليس من الأولي والأجدى أن تعرف أن تعرف تجربة المسلمين بقراءة تاريخهم ؟ وعاودته سخريته ومرارته وقال :

- تريدني أن أقرأ تاريخ الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وأولئك الذين قلت عنهم الحمدانيين ؟

وقاطعته:

- وقبل هذا كله تقرأ السيرة النبوية وتفهمها وتدرس القرآن وتفسيره وتعرف آراء أئمة الفقه مثل الشافعي ومالك وابن حنبل وأبي حنيفة وغيرهم .
بل تقرأ تاريخ العالم وتلم بعلم الاجتماع وعلم النفس و...

وقاطعني ضاحكا من جديد وقال :

- تقصد أن أعكف على الدراسة ؟ كم يستغرق هذا من السنين حتى يمكن لى أن أفهمه وأستوعبه ؟
- لست أدري ولكن هذا هو الطريق الوحيد لمن يريد التعرض لمثل ما تريد أن تتعرض له .. أنت تكون جماعة لتقيم دولة .. وأبسط القواعد أن تعرف كل ماله صلة بهذا الموضوع . لقد اختلف العالم كثيرا عن ذلك الذي تتخيله منذ أكثر من ألف سنة .. وأقول تتخيله ولا تعرفه ... فالخيال شئ والمعرفة التي تبني على الدراسة شئ آخر .
وكان سكوته معناه أن الكلام قد لقي موقعا ما في نفسه .

وبعد فترة من الصمت شملتنا سويا قال :

- وما رأيك في الخوارج والشيعة ؟

- رأيي في الخوارج والشيعة ؟

- نعم .

- وفكرت قليلا وأنا أجهد نفسي حتى أستميله ولا ينقطع الحوار :

- هم أحزاب المعارضة في صدر الإسلام ... قد حكم الأمويون ومن بعدهم جاء العباسيون ولكل دولة تصورها ووجهة نظرها , وخالفهم في هذا التصور الخوارج والشيعة وأرادوا انتزاع السلطة منهم على ضوء ما اعتقدوه .

وشرد مفكرا وقال :

- أحزاب المعارضة في صدر الإسلام ؟ هل في الإسلام أحزاب ؟
- هذا ما جري .. قد تحزب الناس طول الوقت منذ أيام الرسول صلي الله عليه وسلم هذه طبيعة البشر والأشياء .. لا يتفق الناس على رأي واحد لاختلاف التصورات والرؤى ..

- وما قولك في الشافعية والحنفية والمالكية وغيرهم ؟ ألا تري في ذلك نوعا من التحزب ؟

- هو نوع من التحزب على نحو ما .. ولو كان فهم الإسلام ومبادئه وتفاصيله شيئا واحدا لقال كل من مالك والشافعي وأبي حنيفة كلاما يتفق تماما مع الآخر ...
- ولما وجدوا أصلا .. الأمر يحتاج إلى شئ من التفكير .. والتفكير العميق المتروي والانفعال لا يقيم الدول ولا ينشئ المجتمعات , بل هو يدمرها ويقضي عليها ..
- لا يحتاج الأمر إلى كل هذه القراءات والدراسات .. الإسلام واضح .. ليست معك .. هل يمكن " لتمرجي " في مستوصف بقرية صغيرة من قري ريف مصر أن يجري جراحة دقيقة في المخ ؟ أو يقوم على تغيير صمام في قلب ؟

وانفعل غاضبا :

- ماذا تعني ؟ هل أنا " تمرجي " ؟

- وحاولت تهدئته :

- كلمة " تمرجي " ليست سبا ,والإسلام قد سوي بين الجميع , أم تراك نسيت ؟ ولكن إقامة الدول أمر أصعب من إجراء جراحة في المخ , وأكثر تعقيدا من تغيير صمام في القلب , ولا يقوم بهذه الأعمال إلا خبير , و الخبرة شئ أكبر وأعظم من الدراسة وهي تأتي بعدها وإن كنت صادقا مع نفسك فلا ينبغي المغالطة على الأقل أمام نفسك .

- وعدنا إلى الصمت وقطعه قائلا :

- وأنت ؟
- ماذا عني ؟

- هل ترفض ما عرضته عليك ؟

- لم أرفضه بعد, نحن نتناقش ونتحاور لنصل إلى شئ .
- الإيمان بالله لا يحتاج إلى كل هذا التفكير والجدال .

- وغاظني كلامه , ولكني كظمت غيظي وقلت :

- في هذا المعتقل الذي نعيش فيه ما الذي يفرق بيني وبينك , وما الذي يجعلك مؤمنا ويجعلني غير ذلك ؟

- وسكت و لم يجب عن سؤالي .

وقلت :

- كل هذا من آثار التعذيب , هناك ما يبقي على الظهر والساقين من بقايا السياط , وهناك ما يبقي في العقل والنفس , والأجسام تختلف , كذلك العقول والنفوس والهدم سهل والبناء أصعب وأكثر تعقيدا .
- لم تخبرني هل توافق على الدخول في جماعة المسلمين وتبايع الإمام ؟


- تقصد أنت والدكتور عصمت بدوي ؟

- والدكتور عصمت بدوي كان هو الوحيد في ذلك الوقت الذي يتبع شكري , وكان أستاذا في كلية الصيدلة شابا عميق الإيمان, ليس على شئ من الخبرة والثقافة بأمور الدين وكل ما يعرفه أن إمامة هو شكري , وكان هذا بعد سلسلة من الانشقاقات؛

ثم انفصل هو شخصيا بعد هذا الوقت , وصار أميرا لجماعة جديدة ,وكان أعضاءها واحدا فقط هو عم حنفي وكان يعمل طباخا في فندق الهيلتون قبل اعتقاله ولا أذكر بقية اسمه .

- وقال شكري :

- وهل هناك غيرنا ؟

- هناك غيركم بالتأكيد يرون ما ترون مع اختلافات طفيفة لم يتسن لى معرفتها فهناك عبد الله بن أحمد السماوي , وهناك الشيخ على إسماعيل , وهناك ... وهناك ..

وصرت أعدد له الجماعات الإسلامية الجديدة بمعتقل طرة السياسي والتي تجاوزت الثلاثين وعدد أفرادها مجتمعين لا يتجاوز العشرين !!

- وقال شكري بإصرار :

- نحن على الحق وهم على الباطل .

وقلت له بإصرار أكثر:

- جميعهم يقولون ذلك .
والحقيقة أن كل واحد فيكم يري جانبا ضئيلا صغيرا من الحق ..
أما الحق فهو أكبر وأعظم من تلك المقولات المتناثرة على ألسنتكم هنا وهناك والحق لا يعرف بالرجال , ولكن يعرف الرجال بالحق ..

- ما يغيظني منك هو قدرتك الفائقة على الكلام الكثير والجدل .

- وما يعجبني فيك هو سعة صدرك وحسن استماعك وصبرك .

وأرضته هذه الجملة فابتسم وقال :

- وما هو رأيك أنت ؟
- في أى شئ ؟

وفي حدة بالغة تكلم وقد ارتفع صوته :

- ليست هناك أشياء غير الإيمان والكفر .. إسلام أو لا إسلام وفي هدوء وصوت منخفض قلت له مذكرا .. لقد اعتقلنا جميعا باسم الإسلام .

- وزادت حدته وارتفع انفعاله :

- ثم كفرتم وغيرتم وبدلتم (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار , جهنم يصلونها وبئس القرار)

- وتمالكت نفسي وأنا أخشي من انقطاع الحديث وأن يقوم آخذا فراشه ومصحفه ويغادرني , فقلت له متحسسا كلماتي :

- أنت تستخدم الآية وتستدل بها في غير موضعها , هذه واحدة .
والثانية أننا لم نكفر ولم نبدل ولم نغير .. وإلا فأين الدليل على ذلك ؟

- ما رأيك في محمد قطب ؟

- وتعجبت من هذه النقلة العجيبة .

ولكني قلت :

- رجل عالم فاضل مسلم يعي درس التاريخ, وله نظر واجتهاد

- وحسن الهضيبي ؟

- هذا هو المرشد العام للإخوان المسلمين , وخلاصة التجربة الإسلامية في محاولة التحرر في النصف الثاني من القرن العشرين وهو رمز للصمود عظيم .

وفي حدة بالغة قال :

- هؤلاء لا يفهمون الإسلام , وحسن الهضيبي قد استأنسته الحكومة .

- ولم أتعجب أو أستغرب من كلامه فهذا هو منطقه وهذه هي شخصيته , وعندما فكرت في لقائه والحديث معه لم أتوقع أقل من هذا وقلت له هادئا :


- قد فشلت الحكومة في استئناس حسن الهضيبي وهذه حقيقة شبيهة بالشمس في سطوعها .

- لم تخبرني برأيك ... ما هي خططك من أجل تحقيق الإسلام ؟

كيف تفكر ؟

- الحكمة والموعظة الحسنة.
- الحكمة والموعظة الحسنة ؟ نؤيد الحكومة ؟ بالروح بالدم نفديك يا جمال ؟
- أنا لم أقل هذا .. لقد ذكرت لك نصا قرآنيا .. واللفظ الذي نطقته هو " الحكمة والموعظة الحسن " حسبما أمرنا القرآن الكريم مبينا لنا سبيل الدعوة إلى الله .

- كيف تترجم هذه الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله مع الأخذ في الاعتبار واقعنا الذي نعيش فيه , وسيطرة الجاهلية والكفر على كل شئ ؟

- وتصورت أنها بادرة طيبة لنقاشي لعله يسفر عن نجاحي معه فيما لم ينجح فيه أحد من قبل ولعلي كنت من أكثر الناس إحساسا وشعورا بمنهج شكري رحمه الله وقلت :
- هذا هو الكلام العلمي المنضبط وأتمنى أن يكون هذا هو منهجك في التفكير دائما ,فلنسم العالم الذي يحيط بنا بأية تسمية قد تختلف عليها ولكننا سوف نتفق على ضرورة تغييره والتغيير يحتاج دائما إلى الأسلوب الأمثل .
- لابد أن نتفق على التسمية .
- الشئ المؤكد أننا نتفق على التغيير .

- نتفق على تغيير شئ نختلف في تعريفه ؟

- ولم لا ؟ كل منا يري الأشياء من وجهة نظره , وتختلف وجهات النظر في تحديدنا للأشياء .

- وقال منتصرا :

- وتختلف أيضا وجهات النظر في التغيير .

وقلت له :

- هذا صحيح.. ولكن هناك درجة من الاتفاق على الأسلوب الأمثل فمثلا إذا اتفقنا على إزالة بناية ما وإقامة غيرها فهناك قواعد عامة منطقية تحكمنا في هذا فيمكن مثلا أن نضربها بالمدافع وندكها دكا على من فيها من سكان وقد يترتب على هذا هدم بنايات مجاورة ناهيك عن قتل من فيها من بشر وهذه طريقة من الطرق .
وقد تخليها من السكان ويخرجون بأشيائهم ونكلف المهندسين بالإزالة دون أن يتعرض أحد للخطر .
- دعنا من ضرب الأمثال .
- هذا هو أسلوب القرآن الكريم , وأنت رجل مسلم فاهم للقرآن .

- وهدأ قليلا وقال :

- فلتستمر في الحديث .
- الأسلوب الأمثل هو تفهم الزمان والمكان وعدم مصادمة نواميس الكون والاقتراب من الهدف في هدوء ودأب وصبر دون تحطيم .
- هذا كلام إنشائي لا يحمل خطة .
- هذا كلام يحدد منهجا للعمل الإسلامي في بلدك مصر .

- هل يصلح هذا في بلد يحكمه جمال عبد الناصر ؟

- قد مات جمال عبد الناصر , وكنت تود قتله .

- وقال شكري يائسا :

- سوف يحكمه جمال عبد الناصر آخر صغير .

- وقلت له :

- لاحظ العلامات والتغيرات نحن ننتقل من الأسوأ إلى الأقل سوءا .
جمال عبد الناصر نفسه فهم قبل أن يموت أنه لا يستطيع المضي قدما في سياسة القمع إلى النهاية فسمح بثقب صغير للتنفس ,جمال عبد الناصر الآخر الصغير سوف يزيد من هذه السياسة تحت ضغط الشعب وهكذا .
- لا يوجد شعب .
- نحن نوجه الناس ونعلمهم وندعوهم إلى الأحسن ويوما ما سوف يستجيبون , ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .
- هذا مشوار طويل .
- لا يوجد غيره .

- وضحك شكري مصطفي ساخرا وقال :

- وبعد بيان 30 مارس يمكن أن يسمحوا بتطوير مجلس الأمة , وما يدريك ربما يسمحون بعمل أحزاب وانتخابات ... إلى آخره إلى آخره ..
- ولماذا تستبعد هذا ؟ تأكد أن هذا كله سوف يكون .. وربما يصل المسلمون من خلاله إلى شئ .
- نحن نريد هدم كل شئ لأنه قام على الباطل , وأنت تفكر في استخدام الوسائل الجاهلية لتحقيق الإسلام , المجالس النيابية تلك التي بلينا بها من أوروبا؛
- أنت مخطئ يا صديقي .

وانتبه شكري باهتمام :

ماذا تعني ؟

المجالس النيابية التي جاءتنا من أوروبا أصلها إسلامي , وقد أخذها الأوروبيون من المسلمين ثم تطورت مع الزمن حتى وصلت إلى ذلك الشكل الذي نراه الآن .

وبدت عليه دهشة بالغة وكأنه غير مصدق وسألني :

ما هذا الكلام ؟ كيف كان ذلك ؟

استولي المنصور بن أبي عامر على خلافة الأمويين في الأندلس , وحكم باسم هشام المؤيد الصبي الصغير , وحكم أبناءه من بعده , وحدثت الفتن وانهارت الدولة الأموية هناك , ثم ظهر ما يسمي بدول الطوائف في الأندلس .
وفي كل مدينة كبيرة أو إقليم كان هناك حاكم قد كون لنفسه عصبية وصار له من أهله وعشيرته ومن الجند والأتباع ما يجعله يستنكف أن يكون تبعا لأحد وتكونت أكثر من عشرين دولة طوائف في ذلك الوقت , على النحو الذي تعيشه بلادنا الآن .

وكان الحال في قرطبة عاصمة الخلافة يختلف عن سائر المدن والأقاليم فلم يكن فيها ذلك الكبير صاحب العصبية عدا فتيان من بني أمية تتابعوا على الحكم وبدا على شكري مصطفي أن صبره أوشك أن ينفد وقال :

- لعلك لا زلت تراني ذلك التلميذ القديم الذي كان يجلس إليك في معتقل أبي زعبل لسماع الدروس والاستفسار .. أنا لا أحب هذه المحاضرات الطويلة عن التاريخ .

وقلت له متلطفا :

- لابد من مقدمة لفهم الموضوع يا صديقي وليس من داع للغضب

- ورد في ضيق :

- أنت تتكلم عن المجالس النيابية وأن أصلها إسلامي .
- لو انتظرت قليلا لفهمت ما أريد .

وتنفس الصعداء وقال :

- لا بأس من الصبر .

وحاولت جهدي أن أشرح له دون أن يغضب وينفر من السماع وينتظر حتى نهاية الحديث وقلت :

- كما قلت لم تكن قرطبة عاصمة الأندلس كمثيلاتها من المدن والأقاليم , لو توجد الشخصية ذات العصبية والأتباع التي يمكن لها أن تسيطر , وزادت الفوضى فاتجه وفد من الأعيان والكبراء والتجار والعلماء وقادة الجند للقاء أبي الحزم بن جهور قاضي قرطبة آنذاك؛
وكانت للرجل مكانة في نفوس المواطنين لدينه وعلمه بالفقه أصوله وفروعه, وهو القاضي قبل هذا كله وطلبوا منه أن يحكم المدينة لضبط النظام وفي هذه العصور المضطربة ذات الطبيعة الخاصة لم يكن لقاضي مثله أن يحكم وكل ما يحمله من مؤهلات هو ورعه وعلمه بالقضاء وأداؤه له .
وكانت مشكلة واجهته ففكر فيها فابتدع نظاما جديدا فريدا استنبطه من الإسلام لعلمه بأصوله , وأنشأ أبو الحزم بن جهور ما يسمي بحكومة الجماع اختار وزيرين هو رئيسهما واتفق أن يسير الحكم من خلال هذه اللجنة وألا تكون القرارات وأية مراسيم إلا ممهورة بتوقيع الثلاثة مجتمعين , وكأنه مجلس للوزراء صغير له رئيس؛
وهذه اللجنة تدعو مجلسا كلما استدعت الظروف مكونا من هؤلاء الذين ذهبوا إلى ابن جهور , واختاروهم بعناية من أرباب الحرف , يعني رئيس كل طائفة مثل الحدادين ومثل النجارين وغيرهم ومن التجار والأعيان وقادة الجند كما بينت؛
وإن لم يكن هناك ما يدعو إلى اجتماعهم فهناك لقاء دوري يبحثون فيه المشكلات ويرون الرأي فيها , ثم يرفعون ما يرون لمجلس الثلاثة فتخرج المراسيم والقرارات .
وبدأت حكومة الجماعة بنظام جديد أيضا , لم يكن له وجود من قبل أدي إلى ثراء البلاد وغني أهلها .
فقد أمر أبو الحزم بن جهور بتوزيع الأموال الخاصة بالدولة على التجار وأصحاب الحرف يتجرون فيها وللدولة رأس المال دون ربح , ولها أن تطلب ما تحتاج وفق نظام وضعوه واتفقوا عليه؛
وكانت النتيجة أن ازدهرت الحياة في قرطبة ومن ثم فقد جاءتها التجارة والبضائع من كل مكان وأرسلت هي الأخرى ما أخرجته مصانعها إلى كل مكان , وصارت من أغني البلاد في حوض البحر المتوسط في تلك الآونة من الزمن .

- ثم ماذا ؟

وبدا على شكري مصطفي الاهتمام بالحديث فواصلت :

وكما تعلم وهو لم يكن يعلم كان في الجانب الشمالي من بلاد الأندلس الممالك النصرانية الشهيرة مثل أراجون وليون ونافار وقشتالة .
وكان ملوك قشتالة هؤلاء يتبنون مشروع حرب الاسترداد لطرد المسلمين من الأندلس, وكان ملوك قشتالة هؤلاء رغم كراهيتهم العميقة للمسلمين أكثر الناس إعجابا بهم لتفوقهم الهائل في العلوم والفنون والثقافة بشكل عام , فكل العلوم كانت تدرس بالعربية في معظم جامعات أوروبا أنذاك .
ورأى هؤلاء الملوك أن يستفيدوا من هذه التجربة الفريدة التي صنعها أهل قرطبة رغم ما تتسم به من الاقتراب الكثير من النظم الجمهورية الحديثة فأنشئوا ما يسمي " بالكورتيس " وهو مجلس من الأشراف والنبلاء شبيه بذلك الذي أقامه أبو الحزم بن جهور من حيث الشكل ثم تطور مع الزمن , ومنه انتقلت إلى أوروبا فكرة إنشاء هذه المجالس , وعمل الزمن عمله حتى صارت على النحو الذي نراه اليوم .

وقال شكري :

- هذا كلام عجيب .

- وواصلت حديثي :

- ولو تأملت لوجدت أن أبا الحزم بن جهور بمجلسه هذا الذي صنعه إنما هو تطوير وتفسير لما يسمي عند الفقهاء بأهل " الحل والعقد "

ولكنه وضع في اعتباره اختلاف الزمان والمكان وأنه في بلد إسلامي أوروبي حيث لا توجد العصبية أو قوة الجند أو أى من العوامل المشتهرة في تلك الأيام مما يثبت الملك ويرسخ دعائمه .

واستغرق شكري مصطفي في التفكير وكان رحمه الله رغم كل شئ من أصحاب النظر رغم غرابة نزعاته ورؤاه في ذلك الحين , وكان آخر عهدي به في المعتقل فلم أره خارجه , ولو أني كنت أتوقع تطورات ما جري منه وما جري له ووجدته يفكر متقبلا للحديث فقلت .

- يجب أن نفهم أن ما يحدث في التجربة الإنسانية ليس بالضرورة غير إسلامي , وليس كل ما في الكون جاهليا نجسا .. فالحضارات تتزاوج ويخرج من خلالها ما يفيد الإنسان .

- وامتلأ وجه شكري مصطفي بانفعالات شتي , هي مزيج من الدهشة والتعجب والتصديق والتكذيب والاقتناع وعدمه وصارت تعبيراته متنافرة متباينة ولكنه سرعان ما اعتدل في جلسته وواجهني في تحد وارتدي قناعه الساخر وقال لى :

- تريد أن نصنع مجلس " للكورتيس " لنحقق الإسلام في هذه البلاد التي تعفنت من الكفر والجاهلية ؟

- وأحسست بخيبة أمل ولكني تماسكت وليس هذا ما أقصده بالتأكيد وقلت :


- لقد أردت فقط أن أبين لك أن هذا المجالس النيابية لها أصل إسلامي ولم تأت من جاهلية أوروبية كما يظن الكثير.. فشأنها شأن فلسفة اليونان .

- وماذا عن فلسفة اليونان ؟

- قد ترجمها المسلمون وأعادوا صياغتها ثم قدموها للناس عربهم وعجمهم مسلمهم وكافرهم ولولا حركة الترجمة الضخمة لكتب الأولين والتي نشأت في العصر العباسي الأولي لما عرف العالم أرسطوا وسقراط وأفلاطون وأفلوطين وغيرهم وقهقه شكري ساخرا :
- لقد ذهبت بنا بعيدا !! وماذا عنهم ؟ وما أهمية أرسطو وسقراط؟

- وتخوفت من النتيجة فآثرت التراجع وقلت :

- على أى حال هذا موضوع آخر .

- وانفجر غاصبا كالبركان ساخرا :

- والفارابي وابن رشد وابن سينا والكندي ... هؤلاء الملاحدة الكفاة . لم يفسد المسلمين غير الكلام ... الكلام الكثير , وهم أحوج ما يكونون إلى العمل وفي هدوء سألته :

- هل قرأت شيئا للفارابي أو ابن رشد ؟

- وحدق في ولم يرد وعدت أسأل :

- هل قرأت عنهما ؟

- ولم أنتظر إجابته بل واصلت :

- الإجابة لا .. وهذا ليس من العدل في شئ .. حتى يمكننا الحكم على الأشياء يجب علينا أن نحيط بها ونفهمها ويعجبني ديكارت عندما وقاطعني كأنما قد لسعته عقرب .

وقال :

- هل قلت يعجبني ديكارت ؟

- نعم ..
- انتهي الحديث بيني وبينك .

- أظن أن عقلك أكبر من أن تنهي الحديث لأني قلت جملة لم أكملها وعاد يضحك ساخرا :

- إن كان ابن حزم لا نقيم له وزنا فتقول أنت ديكارت ؟ وما ديكارت ؟ حمار كافر من حمر الغرب المسيحي الملحد ..
- إن كان الكلام للتسلية والممازحة فلا بأس.. وإن كان موقفا علميا فأنا أعترض ولا أرضي لك هذا .

ووقف وهو يلملم فراشه وقال لي :

- هل تنضم إلى جماعة المسلمين وإمامهم وتطرح ما أنت فيه من شرك وكفر ؟

- ولم أملك نفسي من السخرية والمرارة وأنا أقول له :

- كم أنت مسكين يا عزيزي شكري .. لو كانت لديك فكرة واضحة عما تقول أو ما تدعو إليه لكان الكلام أولي وأجدي .. كل ما عندك هو غضب قد امتزج بعنف هائل مع رغبة عظيمة في التحطيم والانتقام وليس هذا سبيل المؤمنين..

- وهذه من جرائم عبد الناصر .
- وكأني قد رأيت الشرر وهو يخرج من عينيه عندما غادرني دون سلام أو كلام.

هل حقا الموت في سبيل الله أسمي أمانيكم ؟

ووقفت مشدوها حزينا أنفض التراب الذي أثاره قيامه المفاجئ السريع وأنا أري بعين خيالي غبار الخيل التي كانت تحمل الخوارج وهم يغيرون على الكوفة فيقتلون الأبرياء لأنهم لم يجدوا جند الوالي, وكأني أري الغيب فقد كان شكري مشروعا خطيرا يوشك أن يكون , قد قام المعتقل بإعداده إعداده جيدا واشرف مشروعا خطيرا يوشك أن يكون , قد قام المعتقل بإعداده إعدادا جيدا وأشرف عبد الناصر وضباطه على صناعته ولم يغفلوا تفصيله صغيرة فيه .

وفوجئت به يعود , دهشت ووقفت صامتا , وبدأ كلامه وقد أصفر وجهه من فرط الانفعال , وكان كلامه كأنه طلقات من مدفع آلي سريع الطلقات .. وكان يتكلم دون تلعثم أو ارتباك رغم تأثره البالغ :

- أنت وأمثالك هم أعداؤنا الحقيقيون فأنتم درستم وقرأتم وعرفتم وصار الدين في نظركم مجرد أفكار ترددونها , ونظريات تكونونها عن حركة التاريخ وسير الأحداث وإن قلنا لكم الأمويين وظلمهم قلتم عمر بن عبد العزيز , وإن ذكرنا العباسيين وعبد الله السفاح قلتم الظاهر بالله الذي كان يصوم النهار ويقوم الليل ..

هذا كلام سمعته منك في أبي زعبل وليس من غيرك .. سوف نقيم جماعة على التقوى وسوف نغير كل شئ ولن يقدروا علينا, لقد رأيت كل شئ في رؤاي بالليل , وهي تأتي في العادة كفلق الصبح .. أنتم ماذا فعلتم للإسلام ؟ تكلمتم كثيرا وعندما يأتي وقت العمل تدخلون المعتقل كالجرذان المذعورة .. لماذا لم تموتوا قبل أن يقبضوا عليكم ؟...

- هل حقا الموت في سبيل الله أسمي أمانيكم ؟ لا أظن .. هي مجرد شعارات جوفاء ليس في الواقع منها نصيب .. لو قتلك عبد الناصر مثلما قتل سيد قطب ألا تعتبر نفسك شهيدا ؟

ولكنكم تخافون الموت وترتعد أبدانكم عندما تتذكرونه ..وعظماؤكم من قادة الإخوان ماذا فعلوا بالشباب الذين ساقوهم إلى الموت وليس لديهم أى تصورعن الدولة التي يفكرون في إقامتها .. ماذا فعلوا بكم ؟ قد ألقوكم في السجون والمعتقلات وأنتم تسيرون خلفهم كالنعاج لا رأي لكم ولا مشورة .

قد وليتم يوم الزحف .. يوم التقي الجمعان ... فئة تقاتل في سبيل الله وأخري كافرة .. نكصتم على أعقابكم .. وبعد هذا هل تظن أن أى واحد منكم من المؤمنين ؟

- سأقيم جماعتي من قريتي فأنت نبت عفن قد أفسدته العلوم والثقافة ودمرت عقله الكتب , سأبدأ بالأميين وأنتهي بهم , فهم الأصل , وهم الذين نزل من أجلهم القرآن وهو يخاطبهم وليس غيرهم.. وسيزداد عددنا ولن يقدر أحد علينا .. هذا ما أؤكده لك .. وسوف يأتي اليوم الذي تسمع فيه بخبرنا .. ويومها ربما أقول لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء .. والطليق ليس له الحق في الخلافة .. هذا بعد أن نثخن في الأرض .

وربما تكون من قتلي معركة الكفر والإيمان التي توشك رحاها أن تدور ..أنا أقول لك هذا الكلام لأن لم في نفسي منزلة , ولا أريدك في معسكري الكافرين صدقني أنتم في نظرنا لا تختلفون عن غيركم .

- قال هذا الكلام أو ما هو شبيه به , فقد مضي وقت طويل على هذا الحادث , ووقف ينتفض من الغضب والانفعال , قد تصبب عرقا وتأملته صامتا لا أقول شيئا وهو ينتظر مني الحديث .

- مالك لا تنطق .

- وقلت له مهدئا :

- لست مهيأ لسماعي يا أخي العزيز .

- وثار كالبركان :

- لست بأخيك .


- لكلام لا يجدي .. لو كان الكلام يجدي معك لا نتفعت بما قلته لك عندما التقينا في عنبر 12 .. أنت حالة نفسي , وينبغي أن تعرض نفسك على طبيب نفساني بعد الخروج من المعتقل قبل أن تفكر في إنشاء الجماعة .
- هذا ما قاله المشركون عن رسول الله ... قالوا مجنون .

- وشعرت بالآسي والأسف وقلت له :

- أود الانصراف .. هل تريد أن تقول شيئا آخر .
- نعم .
- تفضل إني أستمع إليك .
- هيا .. اذهب وأخبر المباحث بما سمعت فتنال الحظوة وتخرج مع الخارجين في كشف الإفراج القادم.

بذر عبد الناصر بذرة العنف في كل بلاد الإسلام

وشعرت بعمق الإهانة وأنني أمام شخص غير طبيعي , وهذا ما أعرفه من قبل ولكني ابتلعت إهانته فليست هناك جدوى من تنبيهه إليها وقلت :

- لقد قلت بنفسك هذا لرئيس المباحث من قبل .

وتركته أنا هذه المرة , وخرجت من المسجد المهجور وأنا أفكر في جريمة عبد الناصر التي ارتكبها في حق هذه الجماهير الممتدة في ذلك الجسد الهائل الممتد من المحيط إلى الخليج فقد صنع نظاما إرهابيا صار قدوة لكل البلدان المجاورة وهم يقلدونه ومن ثم سوف يكون في كل بلد شكري مصطفي آخر بملابس مختلفة وبلهجة أرخي ولكنه سيكون بنفس هذه الروح المدمرة التي ترفض العلم وتلقي بنفسها في مجهول الخرافة؛

وتنتظر يوما يحطم العالم نفسه إثر حرب ذرية بين العملاقين كما كان يقول في بعض أحاديثه الساذجة ويعود الجميع إلى استعمال السيف في الحرب حيث عالم الكهوف والجبال والأحراش.

قد فقد الأمل في الحياة ويريد الموت بطريقة مبتكرة تحوطها هالة من وهج الإيمان الزائف حيث مواكب من الجن والأشباح تشيعه إلى مقره الأخير , وهو يدعو غيره إلى الانتحار , ويبحث عن وقود من البشر لتلك " المحرقة " التي يزمع إنشاءها وتخيلت عالم شكري مصطفي المزمع أن يكون ,... عالما قد ملء بالفتية والفتيات..

وقد ملئت أخيلتهم بأحلام الشهادة وضباب التضحية من أجل غاية لا يفهمونها في سبيل مثل لا وعي لهم بها , ومن خلال طريق مخوفة مجهولة قد فرض الوهم نفسه عليها وغابت عنها الحقائق وتواري العلم بعيدا كأنه نقطة من نور خابية تراها العين .

وقلت ربما هذا طور من الأطوار يتحرك إلى شئ معلوم مفهوم يؤدي إلى شئ ولكننا لا نصنع الكون فنحن بعض أدواته ومن خلالنا يتشكل التاريخ وتكون المشيئة الإلهية على قدر العلم الذي كان .

الشيخ على إسماعيل يرجع عن فكر التكفير

ساعد موت عبد الناصر على زوال الشعور الضاغط بالتعذيب والاضطهاد والذي كان مجسما عند أصحاب التكفير فمنهم من هدأت نفسه وعاد إليه وعيه الذي ضاع مع السياط والأسياخ الحديدية المحماة بالنار .

وجلست مع الشيخ على إسماعيل شقيق المرحوم عبد الفتاح إسماعيل الذي أعدم مع الشهيد سيد قطب وكان يقيم في غرفة " المكفرين " وكان من زعمائهم يوما, ثم اعتزلهم وأقام جماعة وحده .

وكانت غرفة " المكفرين " من عنبر اثنين تضم لفيفا من الجماعات الجديدة أدناها واحد وأكثرها عددا اثنان , بعد أن كانوا لفيفا .

وكان الشيخ على إسماعيل يتميز على الآخرين بأنه من خريجي الأزهر , فقد حصل العلوم الشرعية وعلى إلمام جيد بالفقه والتفسير ويفهم القواعد الأصولية واختلافات الفقهاء وأدلتهم حول هذا الاختلاف ولهذا كان من أهم الشخصيات الموجودة لأنه يستطيع أن يبني تكفيره للناس على قواعد فقهية وعنده من الأدلة والأسانيد ما يجعل الحجج أمامها ضعيفة مع استعداد الناس العظيم لهذا الاتجاه الذي يغذيه العقل الباطن ورفض المجتمع والشعور العارم بالاضطهاد .

وفي غرفة أربعة من عنبر اثنين جلسنا على " نمرة " الشيخ على إسماعيل وكان الرجل عليه رحمة الله كريما خفيف الظل على حس عال بالفكاهة رغم علمه وفقهه وإيمانه بالله , ولا أذكر ماذا قدم لى يومها من حق الضيافة .

وقلت له :

- ما رأيك في موت عبد الناصر ؟

- وابتهج وأشرق وجهه وقال :

- وهل هذه في حاجة إلى رأي يا أبا رائف ؟ لقد رد الله سبحانه وتعالي الأمل الذي كان يتبدد من نفوسنا , الموت حق ولكن هلاك هذا الطاغية قد أعاد الثقة إلى النفوس التي أضناها الظلم , لقد هدأنا وأصبحنا ننظر إلى الأمور نظرة أكثر تعقلا وقد أعملت الرؤية في كل النصوص التي كنا " نكفر " بها فوجدتها يمكن أن تؤخذ على وجه غير ذلك الذي ذهبنا إليه.
ولأول مرة أفهم رأي الفقهاء في شروط الفتيا والجلوس للقضاء فقد كانوا يشترطون عدم وجود أى ضغوط على ذلك الذي يتعرض لهذا حتى يكون رأيه نزيها محايدا .
- وكان يتحدث وهو يتلفت يمنة ويسرة كأنه خائف من أولئك المتناثرين في هذه الغرفة الكبيرة ممن جماعات شتى وعددهم قليل كما ذكرت .

- وهمست له :

- هل تخشاهم ؟

وبدا الحرج على وجهه وقال :

- هم يؤمنون بالتصفية الجسدية لمن يذيع الأسرار .

- وهل توجد أسرار بعد هذا الزمن الطويل في المعتقل ؟

- كل ما كان يقال في هذه الغرفة هو من الأسرار بغض النظر عن طبيعته .

- وهل تنوي أن تحكي لى بعض هذه الأسرار ؟

- وقهقه الشيخ على إسماعيل عاليا وقال :

- كأنك لم تسمع بما حدث ؟
- قد حدث الكثير .

أيها تقصد ؟

وفي همس لا أكاد أتبين منه كلماته قال :

- لقد تركت " التكفير " وعدت إلى صفوف الإخوان .
- هذه قد سمعت بها , ولكني لم أعرف التفاصيل .

وقال لى :

ما رأيك لو خرجنا إلى الفناء نتحدث لأني هنا لا أضمن عاقبة الكلام .

وقلت له :

لا بأس من هذا .. هيا بنا .

ونحن خارجان صرت أنظر يمينا ويسارا إلى أولئك الذين قد جلسوا على " نمرهم " وهم يتلون القرآن في صوت خفيض , فلما قمنا تركوا مصاحفهم وصاروا ينظرون ناحيتنا شذرا , وكانت عيونهم تنطق بالشرر , وتنذر بالخطر , ولا يرون في هذا الاجتماع خيرا أبدا , وجميعهم كانوا من الشباب وأعمارهم أقل من الخامسة والعشرين وتشجعت وألقيت السلام على أحدهم فوضع وجهة في مصحفه ولم يرد على .

وفي الممر بين الغرف ونحن في طريقنا إلى الفناء للحديث قلت للشيخ على :

- لماذا ينظرون إلينا هكذا ؟

وحوقل ومصمص شفتيه وقال : (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)
- ما أسهل أن نستدل بآيات القرآن الكريم .

وكنا قد اقتربنا من الباب المؤدي إلى الفناء الخارجي للمعتقل , وتوقف الشيخ على إسماعيل وقال لى باهتمام :

- هل تعرف أن شكري مصطفي يبحث عن غرفة في عنبر اليهود ليقيم هناك هو وجماعته ؟

- جماعته ؟ تقصد الدكتور عصمت ؟

- نعم .

- الجماعة ثلاثة فأكثر , هكذا تعلمنا من اللغة العربية ؟

- وضحك وهو يقول :

- هناك فرد بأمة أم تراك نسيت " إن إبراهيم كان أمة "

- إبراهيم وليس شكري يا شيخ على ولكن لماذا يفكر في الانتقال إلى حيث يقيم اليهود ؟

- يقول إنهم أهل كتاب , وهم أقرب إلى قبول الدعوة من غيرهم .

- كيف اعتزلت " المكفرين "؟

- جاني من أخبرني أن فضيلة المرشد يريدني فأسرعت إليه .

- ألم تضعوه مع الكافرين ؟

- كنا نضعه في أول القائمة , ولكن سرعان ما نسيت هذا وأسرعت بالذهاب يبدو أن كلامك الذي كنت تقوله صحيحا .

- أى كلام تقصد ؟

- كنت تقول إنها أمور يحكمها الشعور وتحركها العاطفة وليس قواعد الفقه وأصول الدين ... هذا الكلام صحيح إلى حد كبير .. وهذا ما شعرت به شخصيا وجلسنا عند شجرة في فناء المعتقل تقع بين " الملاحظة " والمستشفي كبيرة وارفة الظلال ووجدت دموع الرجل تنساب على وجنتيه فقد كان عاطفيا عميق الشعور , وهذه ظاهرة كنا نراها كثيرا فلا نعجب لها , فهؤلاء المعتقلون الذين صمدوا أمام التعذيب ولم ترتفع أصواتهم بالصراخ والعويل إلا في أقل القليل كان كل واحد منهم أو أغلبهم يحمل بين طيات صدره قلب طفل , وسرعان ما يتأثر لأى موقف له صلة بالشعور فتدمع عيناه ويرق قلبه وتراه في صورة مختلفة , وتركته حتى انتهي واستمعت إليه :
- أنت تعرف كيف أمسكوا بنا وتعرف ماذا فعلوا معنا وكيف جعلونا نعترف بما لم نقترف . وكيف كانت جلسة لدراسة القرآن تسببت لصاحبها في الأشغال الشاقة المؤبدة منها وغير المؤبدة .
وتعرف كيف أعدموا أخي الشهيد عبد الفتاح إسماعيل , وقد رأيته ممزقا بالسياط قبلها لأنه هو الذي جمع الناس لدراسة القرآن وقد رأيت الشهيد سيد قطب وهم يجرونه جرا وهو لا يستطيع المشي مرضا وضربا , وكذلك الشهيد محمد يوسف هواش وغيرهم وغيرهم .. وأنت تعرف كل هذا فقد حدث في وجودك .
- وطافت بخاطري ذكريات التعذيب وكيف كان وحشيا غير إنساني , وتذكرت هؤلاء الضباط وقد تجردوا من كل رحمة وهم يتعاملون معنا , وقد وضحت أمامهم صورة ما كانوا يسمونه بالتنظيم, وأنه ليس بتنظيم , وتذكرت المرحوم فاروق المنشاوي وهم يخلعون أظافره هو وفايز إسماعيل , والمرحوم جابر رزق عندما سقط على الأرض وطلبوا منه النهوض فلم يستطيع رغم لسع السياط , والمرحوم أحمد إسماعيل الفيومي وهم يدقون رأسه على " الفسقية " وكل الشهداء الذين سقطوا في هذا المعترك الدامي , وكان يكفي أن يجمعوهم في صعيد واحد , ويقف أحد هؤلاء الضباط ويعلن في وضوح وصرامة .. ممنوع قراءة القرآن .. ممنوع الاجتماعات لأى سبب كان .. وكان الكل سيمتثل .. وتنتهي القصة بغير ما خلفته من آثار جسام , أقلها أنها سوف تقضي يوما على هذا النظام , وظني أنها تكون نهاية مروعة تصير حديث العالمين فهم يسيرون في الطريق نفسه بعد كل تلك السنين .

- وقلت للشيخ على إسماعيل حزينا من الذكري:

- ومن يستطيع نسيان ما حدث ؟ نعم أعرف كان ما جري .

- وانبري الشيخ :

- أخذوني من بين أولادي بليل وحدث لى مثلما حدث لك .. وتبين لهم أني برئ حتى من حلقات الدراسة التي كانت تجري , ورغم ذلك لم أرحم من العذاب والضرب , وبعد أن تبين لهم براءتي جاءوني بعد أيام وأعادوا العذاب وهم يسألون عن القنابل وكانت مشكلتي أن أبحث في ذاكرتي عن محل لبيع هذه القنابل لأدلهم عليها وكدت أموت يومها من العذاب؛
فقد أصر الضابط أن آتيه على الأقل بقنبلة أو قنبلتين .. وأجهد ذاكرتي فلا أقدر .. ثم نقلوني بين الحياة والموت إلى " الشفخانة " ومكثت بها أياما.

- ثم دخلوا على وجراحي لم تلتئم وظننت أنهم جاءوا للاعتذار عما حدث ,فوجئت برئيسهم يسألني :

- أتذكر مكان القنابل ؟

ومادت بي الأرض وضاق صدري وعرفت أنه الموت , وشعرت بالعجز , وقلت له :

- يا سيادة الضابط القصة ليست قصة قنابل ... أنت تعرف أنه ليس عندي منها شئ , ولا أعرف طريق الحصول عليها , وأنا عالم من علماء الأزهر , وليس هناك ما أفعله بهذه القنابل , الرأي أن تأخذني ومعك القنابل اللازمة ونذهب إلى بيتي ومعك المصورون وتستخرجوها وأنا أعترف عندها أمامهم .

- وقال الضباط :

- تعترف بماذا ؟

وزادت حيرتي ودق قلبي سريعا ولا أدري ماذا أقول له ولكني قلت :

- أعترف بكل شئ .. سيادتك تخبرني بما أقول ولو غيرت حرفا واحدا فأنا بين أيديكم افعلوا بي ما شئتم .. وهكذا تستريح ضمائركم أمام الله .

- وقال الضابط في سخرية ووحشية :

- الله !! كم أنتم حمير يا علماء الأزهر ... لو كانت لديك ذرة من عقل لعرفت بعد كل الذي حدث أنه وهم صنعته فئة في زمن قديم , وزاد من هذا الوهم أن يأتي كل حين من الوقت من يدعي أن الله قد اتصل به وأرسله نبيا , ويصدقه بعض السذج والبلهاء من أمثالك .. دجالون يزعمون أنهم أنبياء ويأتي أغبياء فيصدقونهم ..
- الله هذا لا يوجد في غير رأسك العفن .

- من كان هذا الضابط ؟

- لا أذكر اسمه .. ولكن هكذا قال لى .. وكان يقف معه ضابط آخر والطبيب والكل يبتسم معجبا بكلام هذا المسكين

ورغم علمي بكل هذا ولكن عندما أسمعه أدهش , وسوف أظل هكذا أبدا الدهر أدهش لسماع الجريمة , ولو سمعتها ألف مرة وقلت له :

وماذا قلت له ؟

وقال الشيخ على إسماعيل :

- لم أقل شيئا , ولكن في هذه اللحظة فقط عرفت أنني أتعامل مع كفرة ووضحت الرؤية لى وعممت هذا على الجميع منذ ذلك الوقت.

- وكيف انتهت قصة القنابل؟

- وشرد الشيخ على ببصره ليتذكر وقال :

- سكت, لم أنطق بحرف بعد هذا الكفر البواح الذي سمعته وأعاد على السؤال عن القنابل ولم أرد لأني فهمت الموقف , أنا أتعامل مع كفرة غلاظ شداد لا يعصون الشيطان ما أمرهم وأشار الضابط إلى الطبيب وقال له : أعطه الحقنة المسمومة فنستريح منه إلى الأبد .
- ولحظتها أحسست بالراحة وهم يمسكون بذراعي وأنا لا أقاومهم , وقلت أذهب إلى الله سبحانه وتعالي فأشكو له ما يعلم وأخلص من هذا العذاب .
- وأعطوني الحقنة وغبت عن الوعي .

- والقنابل ؟

- ولم يتحدث أحد معي يشأنها بعد ذلك.
وشرد كلانا قليلا وكل يتذكر ما مر به من أحداث جسام , وطافت بخاطري جملة ابن خلدون الشهيرة " الظلم يؤذن بخراب العمران " وقد خربت العمران والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه .

وأفقت على حديث الشيخ على إسماعيل وهو يقول :

قصصت كل هذا لفضيلة المرشد عندما طلبني وعرف أنني أتزعم فريق " المكفرين " وأنا الذي أمدهم بالآيات والأحاديث والأسانيد الفقهية , وهي كثيرة كما تعلم .

وضحك كلانا من كل قلبه للذكريات المبكية المضحكة وقال الشيخ على :

- اسمع يا " أبو رائف " هل تشك في كفر هؤلاء ؟

- وضحكنا ثانية وقلت :

- هل عدلت عن أفكارك مرة ثانية ؟ ماذا قال لك المرشد؟

- عندما انتهيت من قصتي قال لى : وأين صبر المؤمنين الصادقين ؟ فلندع حساب هؤلاء على الله سبحانه وتعالي , ولنصبر ونحتسب ولنقم بدورنا , وهو يتلخص في الدعوة إلى الإسلام وتفهيم الناس , وينبغي ألا نشتت جهودنا في الهدم ولنفكر في البناء فنحن دعاة لا قضاة .
- ونزل كلام المرشد العام على قلبي بردا وسلاما وذهب ما في قلبي من غضب وضيق وعدت ثانية فردا في جماعة الإخوان المسلمين وأنا أعرف واجبنا حيال هذه الأمة التي ضيعها حكامها .

- وقلت له مترددا :

- ولكن .. هل تراهم كافرين ؟

وقال متحمسا :

الكافرون بشر يمكن لهم أن يؤمنوا يوما ولكن هؤلاء كالأنعام بل أضل هم أقل من الدواب ,هم كافرون كافرون كافرون .
ولكن لا ينبغي على أن أقول هذا فليس ذلك سبيلنا , ويجب أن ألتزم بالصف , وليحتفظ كل واحد بأفكاره لنفسه وينسجم مع ما تراه الجماعة وتقرره؛
ثم ما فائدة أن نصرخ في الناس أنت كافر .. وأنت كافر ... سوف نبدد طاقتنا أو نستفيد قوتنا فيما لا يفيد .. ولن يكون دورنا إيجابيا في هذا المجتمع .

وهل تظن أن هؤلاء الجالسين كالغربان في غرفة أربعة من عنبر اثنين سوف يسكتون ؟

أبدا .. سوف يخرجون يوما من هذا المعتقل وسوف يملئون قري مصر ومدنها بأتباعهم والناس على استعداد لتقبل هذا فالكل يكره الحكومة كراهية التحريم .

وسوف يأتي اليوم الذي يكون فيه إنقاذ المجتمع من التدمير في يد الإخوان المسلمين وقلت له :

- وما رأيك في جمال عبد الناصر ؟

- من ناحية الكفر والإيمان ؟

- نعم

وانفعل الشيخ علي إسماعيل انفعالا شديدا وهو يقول :

هذا كافر سواء وافق المرشد على هذا أو لم يوافق .

ونظر إلىّ متعجبا وقال :

- هل تشك أنت في هذا ؟ بعد كل ما فعل وتسألني هل هو كافر أو مسلم؟ وانصرف غاضبا ولحقت به وهو يتمتم :

- قتل الشهداء وضرب المسلمين وقوي اليهود وأوضاع الأرض . وقال شريعة الله لا تصلح وكتب الميثاق .
- والتفت إلى ضاحكا وعاد إليه صفاؤه من جديد .

حوار مع السماوي

كان عبد الله بن أحمد السماوي شابا وسيما يرتدي الملابس العربية القديمة على النحو الذي يظهر في المسلسلات التليفزيونية الرديئة التي يشرف عليها صفوت الشريف الآن؛

وهذه العبارة لا تقع تحت طائلة قانون المخابرات الجديد , فليس فيها ما يفيد أنه يجيد نوعا آخر من المسلسلات لا يعرض على الناس ولكن كان هناك اقتراح ببيعه للحصول على عملة صعبة من بيروت فهذه كلها مجرد شائعات؛

ونحن نثق في دين الوزير وأمانته وشرفه وتاريخه الحافل في خدمة مصر والإسلام من خلال الكاميرا التليفزيونية الخفية , وأعتذر لهذا الاستطراد ولكني أحببت ألا تضيع الفرصة قبل أن أحيي الرجل الذي قضي حياته , وكان له نبوغ مبكر في عالم الإخراج والتصوير .

ونعود إلى عبد الله بن أحمد السماوي صديقنا الشاب آنذاك .

جاء إلى المعتقل متأخرا ولكن دون سبب معلوم كما جاء غيره من الشباب والشيوخ وكان دون العشرين مهذبا رقيقا هادئا لا يغضب ولا يثور إلا الله؛

وهكذا كان يقول ويتكلم اللغة الفصحى في حديثه العادي معنا أو مع غيرنا , وأحيانا ما يستعملها في الشجار , الأمر الذي كان يستحيل معه الإمساك عن الضحك الشديد ويصير الأمر فكاهيا عندما ينقلب علينا لضحكنا منه وهو ينتظر مناصرتنا له .

وكان يري أن هذا هو أهم مظاهر العودة الصحيحة إلى الإسلام ! وقد سمعت أقواما يتحدثون الفصحى وقد ينفعلون بها ويأتي كلامهم بليغا طبيعيا مؤثرا لا يثير ضحك بل يثير انتباهك وإعجابك لأن ثقافتهم قد اكتملت وصارت هذه هي طبيعة حديثهم فلا تنبو كلمة ولا يشذ لفظ , بل ترتاح الأذن تماما مع الحديث .

وكنت أحب الحديث مع عبد الله بن أحمد وكان اسمه الأصلي طه السماوي وتوقعت له أن يكون زعيما كبيرا في ذلك الوقت , وقد صح توقعي وصار كذلك وكنت عندما أحاول أن أفهم لماذا قبض عليه لا أستطيع , وهو يحكي لك كل ما يمكن أن يساعدك ويساعده على الاستنتاج والفهم بلا فائدة .

وسلك الشاب سبيل " المكفرين " وكان هذا هو السبيل الذي يصعب عليك أن تمنع مثله من ولوجه بعد أن حدث له ما حدث من ظلم واضطهاد .

وصار يتردد على مدارس التكفير المختلفة يستمع إلى هذا ويناقش ذاك ولم يأخذ الأمر منه وقتا طويلا فسرعان ما استقر رأيه وتبلورت أفكاره , وصنع فرقة تكفيرية هو رئيسها ومعه شخص اسمه عبد الحميد الجمال .

وكان هذا أمرا طبيعيا آنذاك في تلك الفترة المضطرمة من الاضطهاد ومن الظلم والاعتقال الذي لا يبدو له آخر .

واستطرد آخر لا مندوحة عنه .

هذه الجماعات التي وصفت " بالتكفيرية " كان لا يزيد عدد أفرادها على ثلاثة وهي تتراوح بين الرقمين : اثنين أو ثلاثة فهي نوع من الانسجام النفسي والتوافق في الميول والنزعات في ظروف قاسية يبحث فيها الشاب عن صديق يحدثه ويستمع إليه ثم يأخذ الأمر بعدا فكريا فجا , تؤصله بعض المعلومات الفقهية التي تأتي من هنا أو هناك حيث يعتورها الخطأ والنسيان والتشويش .

وكانت أغلب شخصيات التكفير رغم التجاوز في إطلاق هذا اللفظ شخصيات " شكسبيرية" لها ملامحها الدرامية المميزة وهي لا تتشابه في شئ إلا في النزوع والنفور والرغبة الجامحة في تحقيق الذات مع التباين الكبير بين الأحلام والقدرات والإمكانات التي يمكن أن تحققها .

وكان أمل كل واحد من هؤلاء وقد أكون مخطئا أن يكون حسن البنا الآخر الذي يأمر فيطاع ناسيا ظروف المكان وتغير الزمن , والإمكانات الشخصية . وكان هذا أحد أسباب الكوارث !

وقد ساعدت الحكومة وممارساتها الإرهابية الإجرامية في تكريس هذا الواقع عن قصد أو غير قصد , والأولي أرجح وأكثر منطقية .

أما حسن البنا فرجل قد اشتركت عوامل كثيرة في صنعه , أهمها ملكاته الخاصة وما ألقي الله سبحانه وتعالي فيه من مواهب وخصائص اجتهد في تطويرها والإفادة منها .

فقد كان هو شخصيا مشروعا إسلاميا ناجحا قد أحسن إدارته وجاء بأحسن النتائج في زمن كان أحوج ما يحتاج إليه فيه , وكانت الساحة كلها مهيأة لظهوره فقد تضافرت عوامل التاريخ والجغرافيا ومبادئ الإسلام في ظهور حسن البنا فكان ظاهرة فريدة من نوعها لتوافر هذه العوامل مجتمعة .

وقد تطورت ظاهرة التكفير وهي تعبير عن رفض المجتمع شكلا وموضوعا في نظام لم يكن يسمح بكلمة واحدة للنقد ضد أى مخلوق يمثل السلطة بشكل أو بآخر .

وكان الحاكم يري نفسه إلها لا يقبل أن يشرك به ولا يغفر ذلك , ويغفر مادون ذلك لمن يشاء , وهو الأمر الذي جعل المعارضة الحقيقية تعتمد في كيانها على الكفر بهذا الإله المزيف .

وما نحن فيه من تيار جارف غالب ما هو إلا ظاهرة من ظواهر التعبير للمعارضة الحقيقية التي لم تتح لها فرصة الظهور بشكل هادئ وطبيعي

نظرية الحاكم الفرعون

ولا يزال النظام يعتمد نظرية الرئيس الحاكم الفرعون الإله , وهي نظرية قد عفا عليها الدهر , ولم تعد تصلح للتعامل مع الناس .

حتى ولو في بلد ضعيف مثل مصر , والمطاوي والسكاكين والجنازير , سوف تجبر هذا الإله على النزول من فوق عرشه وفي تقديري أن فرصة إصلاح هذه المواقف قد ذهب أوانها فعدة الفرعون الإله في مواجهة هذا المد الديني الهائل؛

مع كل التحفظات حول ما يقولون هي جيش من الشرطة قد صنع عداوة مع الشعب فهم يبطشون بالناس دون تمييز وهذا يجعل الجميع يتعاطفون ضدهم , وإذا تكرست العداوة بين الشرطة وجمهور الشعب العادي فإن عواقب وخيمة سوف تكون .

ويعتمد الفرعون الإله في مواجهة هذا المد الديني الذي يمكن أن يكون رشيدا على مجموعة من العلماء المهازيل الذين يتقوتون من فتات الحكومة حتى أن أكبر عمامة في مصر تصدر بيانا يكتب في الصفحات الأولي ويقول بتكفير هؤلاء المتطرفين ثم يقول البيان إنه لا يجوز أن يكفر مسلم مسلما ! وكيف يتأتي هذا وصاحبه يكفرهم في أول البيان ؟

وهؤلاء العلماء المهازيل الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم , وهم لا يعلمون أنهم محل احتقار الجميع الفرعون الهامان والمستضعفين وأنفسهم .. وبعض من عنده بقية احترام للقرآن الذي قرأه والفقه الذي يلوكه بفمه كأنه يمضغ لبانا هؤلاء يرون الشرطة تضرب الناس وتقتلهم فيوجهون حديثهم إلى المضروبين المقتولين ويطلبون منهم الهدوء والتعقل؛

وكان أولي بهم أن يوجهوا حديثهم إلى الضارب إلى صاحب البطش الأكبر وإلي هامان وإلى جنودهما لو كان بيان العلماء قد وجه إلى الحاكم الإله لمنع الفتنة , لو قالوا له أنت بشر تخطئ وتصيب ويمكن أن تموت في ظروف غامضة؛

كما حدث للفرعون الأول لهدأت الفتنة لو قالوا له إنك بشر يمكن أن يأتي قادر ويغرقك بالرصاص كما حدث للفرعون الثاني لسكن الجميع لو قالوا له لا تدفع الشعب إلى موقف ضيق لهدأ الناس , ولقابلوا كلام العلماء بالاحترام ولتوقير ولكانوا أكثر طاعة لهم فيما بعد .

ولكنهم جلسوا في صحن الأزهر وهو لم تعد له المكانة القديمة واهتزت العمائم وومضت عدسات التليفزيون وكل عالم كبير يقف ويلقي كلمة يؤكد فيها أنه ليس من علماء السلطة وأنه لم يأت بأمر الشرطة .

سبحان الله !! وهل اتهمكم أحد بهذا ؟ يكاد المريب يقول خذوني . ثم يتحدثون عن فتنة دامية توشك أن تشمل البلاد , ويقولون إن تغيير المنكر باليد يكون مهمة الحاكم , وتغييره باللسان يكون من مهمتهم يعني أصحاب العمائم .

حسن هذا وجميل ! ولا خلاف عليه أيضا , فليكن الأمر كما قلتم وليس في وسعي جدالكم أو نقاشكم , فأنتم أصحاب نظر وقادرون على الفتيا وتعرفون من أمور الدين والفقه مالا أعرف .

الخلاف حول تفسير معني المنكر !!

هل تقصدون بالمنكر الأشياء المخالفة للإسلام والتي ليس فيها نص صريح أو حكم واضح مثل أن تخرج المرأة سافرة أو أن تعمل في مكان ما , وبعض الجماعات يرون هذا منكرا وللحاكم أن يغيره إن شاء أو لا يفعل ؟هل هذا ما تقصدون ؟
أما احتلال حي بأكمله والضرب بالرصاص على النوافذ والشرفات ومنع التجوال وتعذيب المواطنين ليس في المعتقلات ولكن في داخل هذه الأحياء بالضرب المبرح بكعوب البنادق , والأمر بالقبض على المتهمين أمواتا فهذا ليس من المنكر , بل هي جرائم تستدعي تدخل جماعات حقوق الإنسان في العالم !!

وهل تستطيع الشرطة مهما كبر حجمها ومهما زيدت مخصصاتها مقاومة ما سمي ببؤر الإرهاب التي انتقلت من الصعيد إلى القاهرة ؟ ألا يدل كل هذا على أن هناك خللا ما في التناول ؟

لو وجه العلماء خطابهم إلي الحاكم وإلى هامان لهدأت الفتنة وظني أنها سوف تزيد لأن هناك خللا في كل شئ .

نحن على عتبات عصر الإرهاب والعنف !

والطريق إلى العنف قد بدأ منذ سنين من أيام معتقلات عبد الناصر حيث انعدم القانون وظن الحاكم أنه فوق كل شئ .

صلاح الدسوقي وإلغاء مجلس الدولة

ومن طريف ما يروى..

كان صلاح الدسوقي صديقا " للملهم " ويلعب معه التنس للرياضة كل يوم وصلاح الدسوقي الششتاوي هذا كان من الذين يعذبون المؤمنين في السجن الحربي عام 1954 ثم صار محافظا للقاهرة ولا أدري ماذا تسنم من مناصب أخري بعد ذلك .

سامحوني في الاستطرادات الكثيرة فأنا أكتب ملاحظات ومشاهدات وذكريات . وسامحوني أيضا في قطع الحديث ..

لمحت على المكتب أمامي أثناء الكتابة الآن جريدة الأخبار عدد الخميس 5 [يناير]] 1989 الطبعة الأولي , في الصفحة الأولي خبر مكتوب على النحو التالي :

تطوير صناعة الطعمية

الإسكندرية مكتب الأخبار

يعقد في الإسكندرية اليوم مؤتمر تطوير الطعمية ويبحث المؤتمر طريقة تصنيع الطعمية حاليا , والأساليب العلمية الحديثة في تصنيعها آليا .
وسيفتتح المؤتمر الدكتور سعيد عبد الفتاح رئيس جامعة الإسكندرية والدكتور محمد صباح عميد الدكتور الزراعة بالجامعة , وسيعقد بقاعة المؤتمرات بالكلية ويشرف عليه الدكتور محمد يوسف ومن المنتظر أن يتوصل المؤتمر إلى أسلوب جديد في إنتاج الطعمية هذه ليست نكتة !! وليست كاريكاتيرا !!
وإتماما للفائدة نكتب العنوان الرئيسي للجريدة نفسها لسان حال الدولة بعرض الصفحة كلها وهو كالتالي : المقاتلات الأمريكية تسقط مقاتلين ليبيتين فوق البحر المتوسط .

ولا تعليق !!

ونعود إلى موضوع صلاح الدسوقي قبل أن نستكمل الحديث مع الأخ عبد الله ابن أحمد السماوي وأكرر الاعتذار لعدم الترابط في الشكل رغم تأكده في المضمون والله أعلم .

كان صلاح الدسوقي من ضمن المعذبين , الذين يقومون بالتعذيب وقيل والعلم عند الله أنه أحد مدبري حادث المنشية " تمثيلية محاول اغتيال الملهم للقضاء على الإخوان " وكان هو الصديق للزعيم في فترة , ثم انقلب عليه بعد ذلك وأودع المعتقل مثل غيره ممن انقلب عليهم , وقد كان الرئيس واضحا وصريحا دائما الرئيس عبد الناصر وليست عنده وسطية في الأمور , إما أبيض وإما أسود .. هكذا ..

السجن .. أو الوزارة ولعب التنس ..وكانت هذه مرحلة لعب التنس مع صلاح الدسوقي .

وكان هؤلاء الضباط الذين اشتركوا في صناعة الثورة والذين قتلوا الناس وعذبوهم يتميزون بالحقد الهائل الذي يملك قلوبهم حيال أى مخلوق يختلفون معه ..

كما حدث من واحد فيهم كانت زوجته لا تستلطف جارتها , فأمر ذلك الضابط بالقبض على زوجها وعذب في محنة 1954 ,ومكث سنتين في المعتقل وخرج منه وقد صار من الإخوان المسلمين .

وكان صلاح الدسوقي على خلاف مع أحد وكلاء وزارة الصحة .

خلاف كبير أو صغير الله أعلم .

ولكنه في الاستراحة بين اللعب قال للزعيم :

- هناك واحد بيشتغل في وزارة الصحة وسمعت إنه " بيلسن " علينا .
- وهو تعبير بلدي ! وكلمة " بيلسن " هذه كانت استخداما " رئاسيا " في تلك الفترة وقد استخدمها جميع المرءوسين وهي تعني أن يتكلم في حق الثورة , وهي من " اللسان " عضو الكلام عند الإنسان أو أحد أعضائه , وكانت هذه الكلمة الغامضة التي يتهم بها أى فرد تتسبب في الحكم على المتهم بأى شئ مثل الاعتقال والفصل أو أى شئ , وضع تحت هذه الكلمة أية عقوبة من العقوبات التي تخطر ببالك أو لا تخطر ,وانزعج الزعيم , والتفت ناحية صلاح الدسوقي الششتاوي :

- يعني إيه يا " صلوحة "؟

هذه كانت عادة الزعيم لأنه رحيم وطيب القلب ويدلل خدمه ومساعديه , فيقول لسامي شرف يا مشمش ويقول لمحمود الجيار يا جيّ, وقد نطق الأخيرة أمامي واحد ممن سمعوها منه ,ونطقها غير كتابتها , وقد اجتهدت .
- لا أبدا يا سيادة الرئيس .. موضوعه سهل ..
- حطه في المعتقل مع الإخوان .

وبابتسامة صفراء قدم له صلاح الدسوقي ورقة وهو يقول له :

- احنا صبيانك يا ريس ونعرف كيف نؤدب هؤلاء الكلاب , الاعتقال سهل ولكن لازم نفصله من وظيفته علشان يشحت .

- ونظر عبد الناصر إلى الورقة في يد صلاح الدسوقي وقال :

- ما هذا؟

- هذا قرار جمهوري .. بس سيادتك توقع عليه بالاستغناء عن خدماته وأمسك الزعيم بالورقة عليها دون أن يقرأ الاسم وهو يقول :

- فصله يستدعي قرار جمهوري ؟ هو بيشتغل إيه ؟

- أبدا ده هلفوت ... بيشتغل وكيل وزارة الصحة ..

وأعطي عبد الناصر القرار لصلاح الدسوقي بعد أن وقعه وهو قرفان متعكر المزاج يبدو عليه الضيق وقال :

- أنا يا " صلوحة" مش عارف البلاوي دى بتدحدف علينا من أى داهية ؟

- الزعيم لا يعرف من أين تأتيه هذه البلاوي ؟

تأتيه من الشعب اللي رفع الراية لصلاح الدين وسلمها يمي عبد الناصر ويمينه يمين حسب كلمات الأغنية الملغاة والتي كانت تغنيها أم كلثوم .ثم جاء السادات ومنع إذاعتها بقرار جمهوري !
المهم ..
رفع وكيل الوزارة دعوى أمام مجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية بصفته , كما تقضي العادة بذلك. فإذا أصدرت وزارة الزراعة قرار ضد أحد الموظفين وأراد ذلك الموظف أن يقاضي الوزارة فهو يرفع الدعوة ضد وزير الزراعة بصفته , سواء كان الذي أصدر القرار هو الوزير نفسه أم تغير وجاء وزير آخر .

هكذا جرت العادة في المحاكم بمصر المحروسة . يعني القضية ضد القرار الجمهوري وليس ضد عبد الناصر وأى " عرضحالجي " يستطيع فهم هذا الموضوع دون لبس .

وأعتذر للقارئ العزيز إذ أعود لموضوع الطعمية مرة أخري !

فجرائد الصباح كلها على مكتبي وأنا أكتب الحكومي منها والشعبي والكاذب فيها والصادق وألقب النظر بين الحين والآخر في هذه الصحف كنوع من الترويج أو تحت وطأة الأنفلونزا؛

وكما يقولون فالصحف يفسر بعضها البعض ,فأنت تقرأ خبرا في جريدة وقد تسخر منه مثل ذلك الخبر الذي كتبته منذ صفحات عن مؤتمر لصناعة الطعمية وتطويرها تشرف عليه جامعة الإسكندرية ثالث أو رابع جامعة في التاريخ البشري , وقد تظن أن الذي كتبه يتعاطي المخدرات؛

ثم تنظر في الصحيفة الحكومية الأخرى فتجد الكلمة الرئيسية لرئيس التحرير حول هذا الموضوع فتفهم أنها سياسة دولة , ورئيس التحرير في العادة وبحكم الوظيفة في الصحف الحكومية يروق للبعض أن يسميهم كتاب السلطة و(فتح السين أو ضمها لا يغير المعني) لأنهم الذين يروجون أفكار الحكومة بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها .

وجدت في الصفحة الأولي لجريدة الجمهورية إحدى جرائد الحكومة الثلاث في اليوم نفسه عدد الخميس 5 يناير سنة 1989 تحت عنوان :

الصناعات الصغيرة موضة عام 1989 بقلم : محفوظ الأنصاري .
" الموضة" هذه الأيام .. ولأيام قادمة .. هي " الصناعات الصغيرة "
- ستتحدث عنها الصحافة , أخبارا وتصريحات وتعليقات , و" فتاوى"
- ستتمسح فيها المصالح والإدارات والوزارات .. أجهزة العاصمة , وأجهزة المحليات " سيركبها " البعض ليقطع بها طريقا .. ويصل بها إلى " محطة" .. ويسجل بها " أبناطا " .. حتى ينتهي " المولد وينفض .. وحتى تفقد " الموضة " إغراءها وجاذبيتها .. وإلى أن يفتح الله علينا " بموضة " جديدة أو موديل جديد وموسم جديد .. فنبدأ " اللعبة " من أولها وحتى نهايتها .

- قد تبدو الصورة مزعجة بل و" مقرفة "

- قد... قد...... قد......

لكن الشئ المؤكد في صحته .. هو أن " الصناعات الصغيرة " هي الحل .... وعلى وجه الدقة ... هي إحدى الأدوات , والوسائل الأساسية للحل ..

- حل .... حل..... حل .....

- هي كذلك .... هي كذلك..... هي السبيل .....

- ومن أجل هذا وبسببه... تولدت الخشية أو الخوف .. واكتسي الحديث بمسحة تشكك أو تشاؤم ...

فلا يصح أن نتعامل معها بنفس الأسلوب الذي تعاملنا به مع قضايا على الدرجة نفسها من الأهمية والخطورة ,, في السابق .. ولم نكمل فيها المشوار ..

- هل تذكر بهذه المناسبة .. قضية الاستثمار .

- قضية إزالة المعوقات وتبسيط الإجراءات

- قضية الدعم ووصوله إلى مستحقيه.

- قضية الفائض والمخزون ..

- قضية " التكنولوجيا " وعصر الكمبيوتر.

فيكل هذه القضايا ,وغيرها .. تعاملنا معها بأسلوبين :

- إما أسلوب " الموضة " التي تظهر وتملأ الدنيا ,وسرعان ما تخبو وتذوب ويبتلعها النسيان .
- أو أسلوب " الموسم " ... أى الاهتمام الموسمي بمشكلة من المشاكل أو أزمة من الأزمات .. أو قضية , تندفع إلى سطح (البقية ص 3)


- ويملأ الكاتب نصف صفحة ثلاثة هذه بالكامل بمثل هذا الكلام الذي كتبنا معظمه ولا ينسي بطبيعة الحال أن يشيد بعظمة وحكمة الرئيس .
وفهمت أن كل من حكمنا حكماء وعظماء !! وأن الطعمية هي الحل ومن أجل هذا يعقدون لها المؤتمرات الدولية .
وأن سياسية الدولة ربما تأخذ هذا الاتجاه , الأمر الذي له أكبر الدلالة على أننا نعيش في مستشفي للأمراض العقلية أو مصحة للأمراض النفسية على أقل تقدير .
ونعود إلى قضية صاحبنا وكيل وزارة الصحة .

رفع يطلب بطلان قرار رئيس الجمهورية بفصله من عمله .. وأخذت القضية شوطا طويلا . وأوشك مجلس الدولة أن يحكم ببطلان هذا القرار .

وعلم صلاح الدسوقي الششتاوي أحد أبطال مذبحة سنة 1954 مع الإخوان وذهب ليلعب التنس مع الرئيس كالعادة .
وأثناء شربهما للكوكاكولا المستوردة كلمة في الموضوع .

كانت كل المشروبات الموجودة في العالم تأتي إلى الرئاسة والمباحث وأجهزة أخري يحرم القانون إفشاء أسرارها .

فمن الجائز أن تستخدم هذه المشروبات في تنفيذ سياسة عليا !!

قال صلاح الدسوقي للرئيس :

- تصور يا ريس الرجل المجنون اللي سيادتك فصلته من وزارة الصحة .. والله ما أنا عارف أقول إيه ..

- ويحاول الرئيس أن يتذكر :

- راجل مي نده يا " صلوحة "؟
- يا فندم ده رفع دعوى ضد سيادتك

لا يجوز الطعن على قرارات الرئيس أمام أية جهة !

وقامت القيامة ووقعت الواقعة وأصفر واربد وجه الرئيس,وأرغي وأزبد وهو لا يكاد يصدق هذا الكلام , حتى أخرج له صلاح الدسوقي صورة من عريضة الدعوي المقامة ومكتوب فيها عبارة " ضد السيد رئيس الجمهورية بصفته " وفي اليوم التالي كان بدوي حمودة رئيس مجلس الدولة يجلس مرتعدا في مكتب الرئيس الذي كان يروح ويجئ حوله كالضبع الهائج ويقول :

- أنا لا أصدق ما أسمع .. بعد كل هذه السنين يوجد من يجرؤ على رفع دعوي ضدي ؟ هل هذا معقول ؟ انطق ..
ويبتلع بدوى حمودة ريقه وهو ينطق بصعوبة ..

- يا فندم القصة مش دعوى ضد سيادتك شخصيا , ولكن هي دعوي ضد رئيس الجمهورية بصفته .. يعني ..

- ويقاطعه الرئيس مزبدا ..
- يعني إيه ضد سيادتك ومش ضد صفتك .
- لا فندم يعني بصفتك .. أصل القانون .. وهذا لا يكون إلا في مجلس الدولة ..

- ويقاطعه الرئيس بصوت كالرعد :

- اكتب لى قرارا جمهوريا الآن بإلغاء مجلس الدولة .
ويحكي بدوى حمودة للذي روى لى القصة أن هذه العبارة نزلت فوق رأسه نزول الصاعقة , فبعد هذا العمر الطويل في خدمة الحكومة والثورة وتأليف القوانين وتفصيلها على المقاس المطلوب , وأنهي خدمتي بهذه الكارثة , ويتم إلغاء مجلس الدولة على يدي .

وألقي الرئيس بنفسه بورقة في وجه بدوي حمودة وهو يصرخ فيه :

- هيا اكتب القرار الجمهوري .
- حاضر يا فندم .
وراح عبد الناصر وجاء هائجا , بينما جلس بدوي حمودة كالفأر وفي يده الورقة ولا يدري ماذا يكتب فيها .

وفجأة قال للرئيس :

عندي فكرة قانون ستعجب سيادتك يا فندم .. نعم .. قانون يا فندم .. كل قراراتك من أعمال السيادة ولا يجوز الطعن فيها أمام أى جهة .. لا مجلس دولة ولا مجلس الأمن حتى .
وهدأ الرئيس تماما وامتدت يده إلى الجرس وضغط عليه . ودخل الساقي في رتبة وزير , وكل الوزراء يعرفونه ويبجلونه ويتملقونه , وقال له الرئيس :
هات حاجة ساقعة لبدوي .
وكتب بدوي القانون .
وهذا بعض التاريخ السري لمصر عبد الناصر !

نحن لا نكفر أحدا بل نعرض عليه الإسلام

في هذا المناخ العام تم اعتقال عبد الله بن أحمد السماوي , وإذا كان رئيس مجلس الدولة هكذا يسارع بتلبية أوامر الزعيم فما بالك بضابط شرطة أو وزير شرطة سوف يبالغ في تنفيذه هذه الأوامر .

ومنها أن يأتي إلى المعتقل ألف برئ بل عشرة آلاف دون ذنب , ودون تهمة واضحة . ومن هؤلاء عبد الله بن أحمد السماوي الشاب الصغير الذي لم يصل بعد إلى العشرين في ذلك الزمن الأغبر .

وكان من الطبيعي أن يصير من " المكفرين " بعد أن رأي ما رأي من اضطهاد وعذاب وضياع للمنطق والعدل , والعبثية واللامعقول في كل ما يدور حوله من أحداث وحكومة يقول عنها مثلي إنها فاجرة ظالمة لا ترعي مصلحة أحد..

بل لا تهتم بمصلحتها وغاية ما تحرص عليه هو البقاء والبقاء ولو على أشلاء الشعب فلابد أن يحكم عليها عبد الله بن أحمد في ذلك الزمن بالكفر , ولابد له أن يحكم على مثلي بذلك إن لم أوافقه على رأيه ولكنه لم يفعل .

واكتفي بفكرة عرض الإسلام علينا فإن قبلنا , فنحن مؤمنون وإن لم نقبل فنحن الذين اخترنا طريق الغي , وذنبنا يقع علينا .

وقلنا له اعرض علينا الإسلام الذي تراه .

فقال وهل هناك إسلام تراه وإسلام آخر أراه ؟ دين الله واحد .

فقلت له :

قل هذا لنفسك .. دين الله واحد .. ولكن الرؤية ووجهة النظر قد تختلف أحيانا .. هذه هي طبيعة العقل والحياة , ولهذا كان اختلاف أئمة الفقه وكان يقول :

سوف أعرض عليكم الإسلام في الوقت المناسب .

ونضحك معه :

تقصد عندما تكون وجهة نظر ... عندما تستعد .. تقرأ وتدرس ثم تري ماذا يقال , وما يمكن أن تأخذه من نصوص لتخدم فكرة قد كونتها بالفعل في رأسك .. وكان العكس ينبغي أن يكون .
ومرت الأيام والشهور وتحدثنا معه في الكثير وجلس هو إلى الكثير , آخذا في اعتباره أن أهم من يلتقي معهم ويتحدث إليهم هم أصحاب النزعات إلى التكفير ونبذ المجتمع .
وكغيره من أصحاب هذا الفكر الذين التقيت معهم في معتقل طره السياسي .. كانت ميولهم إلى القيادة والإمارة والترأس , فأغلبهم لا يرضي أن يكون مأمورا ,إن صار فلفترة قصيرة ريثما يستعد ويمهد ثم ينصب نفسه أميرا ولو على شخص واحد , وهو الذي يتركه بعد فترة ليصبح أميرا هو الآخر ولو على نفسه .
كان كل ما نراه من فكر التكفير ونزوع أصحابه هو ضرب من الرفض والاحتجاج والغضب والثورة والرغبة في إعلان ذلك إلى الجميع ملتمسا صاحبه غاية ما يقدر عليه وفي أضعف حالاته أن يظل بداخله كراهية مريرة في وجدانه وتصور وفكرة في رأسه بغض النظر عن احتمالات الخطأ والصواب أو دواعي الحق والباطل .

وعبد الله بن أحمد السماوي واحد من هؤلاء , ولكن كانت له من الميزات ما يجعله قريبا إلى قلب من يرفضه فهو لم ينهج سبيل الانفصال والاستعلاء بشكلهما العام وظل على هذا حتى الأيام الأخيرة التي سبقت الإفراج حيث ترك الجميع وأنا منهم .

أما قبل أن يتخذ هذا الموقف , فكان كثيرا ما يحلوا لنا السمر معه , وكنا نتخذ من زنزانة الأستاذ على محمود الصحفي مقرا مختارا لنا , حيث نجلس فيها ويجتمع الشامي مع المغربي , ثم يأخذ بنا الحديث مداه .

وفي هذه الأونة كنا نتحدث معه في فساد فكرة تكفير المجتمع والابتعاد عنه وكيف أنها فكرة سخيفة وغير عملية , وكان الحديث يدور في شئ من الجدية التي تختلط دائما بالدعاية والهزل والسخرية ورغم حرصنا الشديد على غير ذلك.

ولم يكن السماوي كشكري مصطفي عنيفا غضوبا متنائيا عن الناس يمهد لأمر عظيم سوف يكون بعد الإفراج عنه , بل كان ودودا حلو المعشر , يشاركنا جدنا ولا يغضب من هزلنا عندما يكون هذا الهزل له صلة بفكره الذي لم يتكون بعد ولم يأخذ شكله الأخير .

وكان السماوي يحاول أن يلتزم بكل ما يصل إلى علمه من الأوامر والنواهي ويعمل على تطبيقها ولا يفكر حولها أو فيها , ومصدره أى حديث قد سمعه أو قرأه بغض النظر عن درجة صحة الحديث ولم يكن يجهد فكره في التفكير بعيدا عن الدلالة الظاهرة أو سبب وظروف الحديث ويتناسي الزمان والمكان بطبيعة الحال .

فمثلا قرأ أو سمع أن الرسول صلي الله عليه وسلم كان يكتحل , فيصر على أن يفعل ذلك ونحن في المعتقل حيث لا يوجد سوق للعطارة , فيرسل أو يوصي بمن يأتيه بهذا " الكحل " حتى يكون كرسول الله صلي الله عليه وسلم في كل شئ حتى تكحيل العينين , والله أعلم بحقيقة القصة , هل اكتحل الرسول عليه الصلاة والسلام مرة أم كانت عادة عنده ؟

وفي ظروف مثل ظروف المعتقلين الموجودين بطرة السياسي ألا يرفع عنهم حكم الكحل لتعذر الحصول عليه والمشقة في إتيانه ؟

وكان يحاول أن يقلد مشية رسول الله صلي الله عليه كما وصفتها الكتب , وأشياء أخري لا أذكرها , وأغلبها يرتبط بالشكل العام وعلاقته ضعيفة جدا بالمضمون بل قد يؤثر عليه في بعض الأحيان .

وكانت هذه الأشياء تتم فتعطي شكلا فكاهيا في نهاية الأمر , ورغم هذا فقد كان يصر على أدائها مهما كان فيها من عنت ومشقة .

وكنا نتسلي بهذه الأشياء التي نراها ونسمعها في ذلك المعتقل الأصم الذي ارتفعت أسواره وأحكمت أبوابه , ولم يعد أمامنا غير ما نراه ونعيشه .

وكان كل يوم يمر عليه يقربه أو يقترب به من باب الرفض الأعظم وهو العنف والتفكير في سحق كل من يخالفه ولا يتفق معه .

وكان هذا هو شعار كل أصحاب النزعات التي تستهدف الرفض ولو لم يعلنوا.من ليس معي فهو مع أعدائي ضدي !

ولم يكن ذلك صحيحا بكل المعايير فجميع المعتقلين قد أعلنوا عن رفضهم للمجتمع ولكن بطريقة تختلف عن طريقة هؤلاء .. ودليل ذلك كونهم معتقلين .

الهجرة تقوم الحرب الذرية

وعندما مات عبد الناصر كان الأمر قد بلغ مداه بعبد الله بن أحمد السماوي وشعر أن العناية الإلهية تؤهله لدور عظيم , وأن الظروف كلها تسير معه إلى تحقيق هذه الغاية .

وهذا ما قاله لى عندما سألته عن رأيه في موت جمال عبد الناصر !

وكان في هذه الآونة قد اقترب كثيرا من أفكار شكري مصطفي وانتظم في جماعته لفترة قصيرة جدا , ولكن حال دون التقائهما نزوع كل واحد منهما للإمارة والقيادة ولا يجتمع سيفان في غمد كما يقولون .

وكانت في أعماقه رغبة عارمة للحرب والقتال في ميدان لا يراه ولكنه يتمني أن يكون .

وكان ساخطا من ظهور الدبابات والطائرات والحرب الإلكترونية وسائر هذه المسميات وكان يري أن الذي يحكم بين الحق والباطل إنما هو السيف بمعناه الحرفي وليس بمعناه المجازي .

وكان يشاركه في هذا التفكير شكري مصطفي , وربما كان الأخير هو صاحب هذا الرأي , وكانا يتمنيان أن يأتي اليوم الذي يقاتلان فيه بالسيف والسهام حيث الخيل والكر والفر والاحتماء خلف التلال والجبال .

وما زالت هذه الفكرة تلح عليهم حتى تصوروا حربا ذرية سوف تقوم بين الأمريكان والروس وتنتهي الحضارة على كوكب الأرض .. ومن ثم يعودون إلى استعمال السيوف ضد مخالفيهم .

ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة الهجرة عن ديار الكافرين والاحتماء بالكهوف والجبال من الحرب الذرية القادمة .

واعتقد عبد الله بن أحمد بعد تلك الفترة القصية التي قضاها تلميذا في مدرسة شكري وربما قد نقل عنه أن خير مكان للاحتماء والحياة حتى يأتي وعد الله هو جبال اليمن , ولم يكونوا قد رأوها ولكنهم سمعوا عنها وعرفوا كم هي شاهقة وعالية ومليئة بالكهوف؛

كانت تصوراتهم عن اليمن من الأخبار المتناثرة التي وردت في كتب الحديث والتاريخ الإسلامي والتي أتيح لنا أن نطلع عليها في ذلك المعتقل ولم يكن كل ما يطلبه الإنسان يجده في المعتقل , فقد كان كل شئ بحدود وبقدر معلوم ومرسوم .

وكان السماوي يتمني أن يجتمع كل المسلمين الفاهمين على رأيه , ويقبلوا قيادته لحرب المجتمع عندما يخرجون أو يأذن الله بزوال هذه الدولة فنخرج من معتقل طرة بعد أن نحطم أبوابه ونحن في جمعنا الغفير .

وقال الشيخ عارف :

- ولماذا نكسر الأبواب ونحطمها إن سقط النظام ؟

وقال على محمود :

- هم سوف يفتحون لنا الباب , ويعطوننا فرصة لجمع أشيائنا ونخرج بهدوء .

ويبتسم عبد الله بن أحمد ويقول من بين ابتسامته التي يحاول أن يعبر بها كثيرا :

- لا .. الرمز هنا مطلوب تحطيم الأبواب والأقفال والخروج في جمع .

وأقول له :

- نسير إلى أين ؟

وينظر إلىّ الشيخ عارف :

- نسير إلى بيوتنا .. ليس هناك مكان آخر نذهب إليه .

ويسأل على محمود في خبث :

- وملابسنا وأشياؤنا التي تركناها كيف نأخذها ؟

ويرد الشيخ عارف ساخرا :

- سوف يعين قائد إسلامي للمعتقل وهو يتولي إرسال الحاجات إلينا وهنا يتدخل الشيخ السماوي :
- لا توجد معتقلات في الإسلام.

- ويرد الشيخ عارف :

- وماذا نفعل بالحاجات .. الأشياء .. الملابس ؟
- نعود إلى الرأي الأول .. لا ضرورة للخروج في جمع غفير .. كل واحد يجمع أشياءه ويخرج في هدوء .

ويقول الشيخ عارف رافعا صوته :

- وماذا سنفعل مع أعداء الإسلام ؟

- ويرد السماوي في صرامة :

- ليس لهم غير السيف .

ويقول على محمود :

- يجب أن يتم التحقيق والمحاكمة لتحديد أعداء الإسلام .

- ويضحك الشيخ عارف عاليا ساخرا :

- نحاكم الشعب كله ؟ وماذا يكون مصيرنا ونحن في المعتقل قبل أن تأتوا إليه ؟ ورجل مثلي سجنت واعتقلت قبل أن تولد ..

- ونضحك ولكن السماوي يأخذ الأمر جدا ويقول :

كل هذه الأمور سوف تبحث بدقة , وظني أن حكمكم سيكون حكم الطلقاء , تدخلون في الإسلام , ولكن لا تتولون المناصب والوظائف العامة .

- ومن سيتولاها ؟

- جماعة المسلمين .

- وأين هم ؟

ويعود الضحك من جديد

الطريق إلى الزعامة طويل

وينظر عبد الله بن أحمد فيجد نفسه صغير السن حدثا , وبالمعتقل عدد غير قليل من المجاهدين أصحاب السابقة في الإسلام من جماعة الإخوان ,ويتحسر ويزداد تحسره عندما يعلم أنه لو سلك نفسه في هذه الجماعة , فلن يصيبه الدور في القيادة قبل زمن غير قليل , وربما لا يأتيه في حياته أبدا .

فكان كثيرا ما يكلمنا عن حداثة السن وأنها ضرورية للقيادة وأن الرسول صلي الله عليه وسلم قد أختار شبابا لها .

وأقول له :

ليس أمامك غير شابين جعلهما رسول الله صلي الله عليه وسلم في هذا الموضوع فيوم الفتح جعل عتاب بن أسيد أميرا على مكة حتى لا تتنازع المشيخة من قريش , وأسامة بن زيد لتأديب الروم فقد كان موتورا لاستشهاد أبيه زيد بن حارثة في مؤتة , وقد كان ذلك جائزا لا واجبا .

أما بقية القواد والأمراء فقد كانوا من أصحاب السن والتجربة , وعندما مات صلي الله عليه وسلم لم يفز على بن أبي طالب بالخلافة لأسباب كثيرة كان منها أنه حديث السن , وكان الذي يناقش الأمر هم كبار الصحابة .

ويسكت عبد الله بن أحمد يائسا فحجته ضعيفة وسنه صغيرة والطرق إلى الأمارة صعب وطويل ... لهذا كان لابد من رفض تلك " التركيبة " الاجتماعية بمسلميها وكافريها, والأفضل أن يكونا جميعا كافرين , ومن السهل تكوين الجماعة اللازمة لتحقيق الإسلام من الشباب وإن كان فيها كهل أو كهلان فلن يحدث ضرر.

ومن ثم كان لابد أن يضع هؤلاء الذين يراهم في المعتقل والذين جاءوا باسم الإسلام في مصاف المنافقين أو الكافرين أو المسلمين الذين في إسلامهم زيغ ودخن , وهكذا يسهل رفضه , ويستريح ضميره الديني , ويكون أكثر حرية في العمل .

واعتبر عبد الله بن أحمد موت عبد الناصر إيذانا بعصره الجديد وعالمه المختلف , وعليه هو مهمة تشكيله كيفما أراد وعلى النحو الذي يتصوره واشتدت خطاه في هذا الطريق وابتعد عنا رويدا رويدا, حتى اجتنبنا تمام ولم يعد يختلف إلينا , وصار يعاملنا معاملة الكافرين ولكن على استحياء شديد وفي أدب جم .

سقط فاروق بعد أن اضطهد الإخوان

كان كل من بالمعتقل يرفض المجتمع بدرجات متفاوتة فمنهم مجموعات كانت تريد الإصلاح على ضوء المعطيات الموجودة على أن يكون التصادم معه حواريا جدليا .

ومنهم من كان يري أن دور المصلحين والراغبين في التغيير لا ينبغي أن يتخطي مجرد إبداء الرأي والإعلان عنه والناس أحرار فيما يعتنقون أو ما يفعلون .

ومنهم من كان يري أن عليهم واجب القضاء على هذا المجتمع واجتثاثه من جذوره ولو على أشلاء كل الأحياء من كل الفرق التي لا تري رأيهم .

ولكنهم يتفقون جميعا على ضرورة تغيير هذا المجتمع بشكل أو بآخر .. ولم تكن هذه القضايا مطروحة في أيام الاعتقال الأولي , فقد كان الناس في شغل عن هذا كله بالسياط والتعذيب وتمزيق الأوصال والاستشهاد , وهو أمر أكبر وأعظم من أى تفكير .

وقد أخطأ عبد الناصر مرتين ...

الأولي عندما اعتقل وعذب ونكب ونكل .

والثانية عندما تركهم يعيشون سويا في معسكر يفكرون ويناقشون .

فهو قد خدم فكرة رفضه وعزله وتغيير نظامه , وإن طال الزمن بعض الشئ فنظامه بالضرورة إلى زوال .

وقد مر الإخوان المسلمون بتجارب سياسية عديدة قبل الثورة , وكان اضطهادهم من الأسباب الرئيسية المباشرة لسقوط النظام الملكي وقيام ثورة 23 يوليو .

وقد تعلموا كثيرا مع النظم الديمقراطية , فهم الذين جاءوا بصدقي رئيسا للوزراء وهم الذين أسقطوه , وكان شعارهم هو حسن الظن إلى أن يثبت العكس وهم أيضا الذين جاءوا بالنقراشي , وهم الذين دعموه وأيدوه بإرسال العرائض والمكتوبات التي تبين تأييد الشعب له أثناء وجوده في مجلس الأمن ضد شعبية الوفد والنحاس باشا بصفة خاصة .. وهم أيضا الذين قتلوه !

وكانوا ينظمون المظاهرات تهتف بحياة الملك أثناء ذهابه إلى البرلمان , وحتى يطمئن الأمن ويسمح للمظاهرة بالتمكن ويفسح لها الطريق وتقترب من موكب فاروق أكثر , وهنا ترتفع الهتافات الإسلامية الإخوانية .

واستطاعوا بنجاح أن يحققوا وجودهم في مخيلة الملك وتفكيره بجهودهم الذاتية , ناهيك عن تقارير الأمن التي كانت ترفع إلى السراي .

وكان حسن البنا قد سافر إلى السعودية لأداء فريضة الحج والتقي والملك عبد العزيز آل سعود وأخبره أنهم يهتمون بتربية الأجيال القادمة وأنهم يهتمون بأساتذة الجامعة وبأن ينهجوا النهج الإسلامي فصار هذا عونا على تنشئة الطلبة تنشئة إسلامية ودار بينهما حوار طويل .

وسأله الملك عبد العزيز :

- هل تسعون في نشاطكم هذا للحكم وتريدونه ؟

ورد عليه حسن البنا :

- بل الحكم هو الذي يسعي إلينا .

والذي لا شك فيه أن هذا الحوار قد عرفه الملك فاروق أو وصل مسامعه بطريقة أو بآخري وكان بمثابة تحذير وإنذار للنظام !وتداعت الأحداث على النحو الذي صار .

من كل هذا تخلص إلى أن الإخوان قد صارت لهم تجربة عريضة في التعامل مع الأنظمة بشتى أشكالها : الملكي والرئاسي , الديمقراطي والاستبدادي , والتصور أنهم بعد نكبة عام 1965 وما حدث بها من ويلات أخذوا يعون دروسا قد حفرت أخاديدها في قلوبهم ومن ثم فقد استقر رأيهم وفهمهم على سنن ليس من السهل إقناعهم بالحيدة عنها , بعكس أولئك الذين جاءوا للمرة الأولي .

انفجر الطوفان من معتقل طرة السياسي

كان عالم التكفير والهجرة يستعد ويتكون في رحم المعتقل القاسي , وقد شارك النظام الأحمق في صياغته وتحديد مساره , ولم يخطر ببال أحد منهم أن ذلك الاضطهاد الكبير يمكن أن يسفر عنه حقد وكراهية تنمو جذوتها فتتمثل رغبة في الانتقام والتغيير .

وكما قلنا فتلقي الناس للاضطهاد والظلم يختلف من شخصية إلى أخري , ويكون رد الفعل على حسب هذه الشخصية وثقافتها وتجربتها في الحياة؛

فقد نجد رجلا بسيطا كان يعمل في حرفة بسيطة قبل أن يعتقل ثم جاءوا به على قدر من الله بعد أن سلبوه حق رعاية أبنائه , وحرموه من سعيه في طلب الرزق , وألقوا به في مكان لتهمة لا يعرفها وبسبب جريمة لم يرتكبها فهو دائما يصلي بالليل ويتهجد ويدعو على من ظلمه ولا يزال يتذكر ما فعلوه به حتى يستقر في وجدانه كراهية كل ما يمت إلى الحكومة بصلة .

وهو رجل بسيط الثقافة نال ضئيلا من التعليم قليل الكلام فلا يختلط بهذا أو بذاك . وهو رغم إيمانه بالله سبحانه وتعالي علمه ويقينه بأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح؛

ورغم كونه تقيا يعمل الصالحات فإنه يري نفسه أقل من معظم الموجودين حوله والمعتقلين معه, من حيث المكانة الاجتماعية , وارتفاع درجة الثقافة والتعليم والهيئة بوجه عام , لهذا فهو ينزوي ويبتعد عن الناس بقدر ما يستطيع حماية لنفسه ولكرامته أو هكذا يظن .

ورغم هذا كله فإنه يجد نفسه في معتقل أبي زعبل السياسي وقد صنف مع الزعماء ووضع في عنبرهم وعدوه ضمن ستة وثلاثين شخصا هم في رأي الحكومة الجاهلة وأجهزتها غير الواعية من أخطر الناس شأنا وأنهم سبب كل بلاء وشقاء .

(لم يكن الحاج مصطفي مشهور ضمن سكان هذا العنبر مثلا)

ويصاب صاحبنا بدهشة عارمة , ويستقر في وجدانه أنه تحت يد باطشة قادرة تفعل ما تشاء , بغض النظر عن علمها أو جهلها , وتستقر نفسه ويهدأ باله بعد فترة من الوقت .

وتتغير أحواله عندما يجلس إليه من يحدثه حديثا جديدا ربما قد سمعه من قبل ولكنه بدأ يستشعر معناه ومراميه بشكل جديد , فيقول له محدثه :

- أنت أعظم من هؤلاء الكبراء والعظماء , وإن كانوا يتكلمون الكلمات الغريبة التي يلوكها المثقفون , فأنت بإيمانك أعظم وأكبر , وهناك فرق بين أمية القلب وأمية العقل , وهناك التفكير والإلهام؛

وإن تقوي الله هي أعظم أبواب المعرفة وأصدقها , وأنت بحسن إيمانك أكثر ثقافة منهم , فقد حرمهم المولي من علمه اللدني , ومنحك إياه , وجعلهم يبيتون ما لا يرضي من القول, أما أنت ففي نعمة وحتى تظل عليها فواجبك هو الإيمان وشهادة أن لا إله إلا الله قولا وعملا ويعني أن ترفض أى إله يعبد من دون الله, على أية صورة كانت هذه العبادة .

ومن ثم تظل دائما أعلي وأكبر من كل هؤلاء .

ويقع الكلام في نفس صاحبنا موقعا حسنا , فهو يراه حلا لمشكلته .

وهو يحقق ذاته وسرعان ما يجد نفسه في صفوف المعارضة العنيفة بالفكر أو بالقتل , والتي تري أهمية البطش بهؤلاء الكافرين أينما وجدوا , أو الموت في سبيل الله .

وتعلمنا في المعتقل أن الطريق إلى العنف سهل وبسيط ويمكن أن يعتنقه عدد كبير وأن نار الاضطهاد هي التي تغذيه وأن التعذيب هو " المحضن " الطبيعي للقضاء على أى نظام .

أعقل الرافضين

من لم يمت بالسيف مات بغيره

تنوعت الأسباب والموت واحد

هذا ما قاله لى محمد قطب عندما سألته عن رأيه في موت جمال عبد الناصر !!

قال بيت الشعر في بساطة , ودون تشف أو أى تعبير يوحي بالفرحة والحبور ثم أردف :

- الموت هو مآل كل حي , والعبرة بما بعد الموت

- وقلت له :

- ألا يعني هذا تغيرا على نحو ما في السياسة المصرية ؟

وقال :

- في السياسة المصرية فقط ؟ والعربية والإسلامية ونظرة القوي العالمية إلى المنطقة .

وقلت له :

- وهل لهذا من توضيح يا أستاذ ؟

وكانت طريقة الأستاذ محمد قطب فريدة في نوعها , فهو عندما تفاجئه بسؤال يجيبك عنه بداهة أو يفكر ثم يتكلم , وعندما يتكلم مجيبا عن السؤال الذي وجهته له تشعر كأنه قد سبق له تحضير هذه الإجابة , فالكلام يخرج من فمه مسلسلا جزلا دون تلعثم وفي ترتيب , وأحيانا يقول : لا أعرف ,وأحيانا أخري يقول : دعنا نفكر بصوت مرتفع , ثم يطرح أسئلة مختلفة حول السؤال فتتضح الرؤية فيه , ثم يمضي في الشرح والإفاضة , وكم قال لنا من أشياء أثناء فترة الاعتقال كنا نعدها ضربا من الخيال ثم حدثت وصارت حقيقة .

وقال الرجل :

- بالنسبة لموت عبد الناصر فهو بمثابة العد التنازلي لثورة 23 يوليو.

وهذا العد التنازلي قد يستغرق عشرين أو ثلاثين عاما .

وفزعت وقاطعته مستنكرا :

- عشرين أو ثلاثين عاما ؟

وابتسم وقال :

- وربما أكثر من ذلك.. هذا يتوقف على عوامل كثيرة نعرف بعضها ولا نعرف البعض الآخر , ولكن المؤكد أن دولة الثورة تسير إلى النقص وليس إلى الزيادة .

- وزادت ابتسامته وقال :

- أنت تستكثر عشرين أو ثلاثين عاما ؟ طيب أنا شخصيا موافق على هذا الرقم بشرط أن يتم الجلاء بعده دون قيد أو شرط .. ثورة 23 يوليو مثل الاحتلال الإنجليزي , هي في نفس حجمه رغم أن تأثيرها في مصر أعظم ألف مرة من تأثير الاحتلال .
كان عبد الناصر يستعد لعقد صلح مع إسرائيل , وكان قبوله لمبادرة " روجرز " خطوة في طريق هذا الصلح , ومات بطريقة لم نعرفها بعد , ولن يتسنى لنا معرفتها إلا بعد انتهاء ذلك العهد بأكمله , ثم تفتح بعض الملفات , وربما يظهر في ملف منها الطريقة التي مات بها , وعلى العموم هذا لا يقدم أو يؤخر في الأمر فهي قد تعيننا على فهم بعض الظواهر وقد لا تضيف إلينا جديدا مهما .
سيقوم السلطان الجديد بإبرام الصلح مع إسرائيل , وإن صدق حدسي فسيتم هذا قبل عشر سنوات , هذا إن ظل على قيد الحياة هذه المدة , وإن مات فسوف يقوم بإبرام الصلح من يأتي بعده ,ولو أني أرجح أن أنور السادات هو الذي يوقع اتفاقية صلح مع إسرائيل .

والحقيقة أنني أحسست بفزع حقيقي وقلت :

- يتم صلح مع إسرائيل ؟

- وعاد يقول لى في تأكيد :

- لقد قامت ثورة 23 يوليو من أجل هذا الصلح مع إسرائيل , ولكنه تأخر بعض الوقت .
ربما لظروف خارجة عن إرادة أصحاب القرار .

وهل يقبل المصريون هذا الصلح مع إسرائيل ؟

وزادت ابتسامته وهو يقول :

- المفروض فيك أنك أحد الذين يفهمون هذه الأشياء .
يقبلون أولا يقبلون ليس هذا مأخوذا في الاعتبار .

وكنت أود أن أستمع إليه ولا أقاطعه , فهو أحد قلة نادرة في بلاد العرب , ممن يفهمون المخططات الاستعمارية و الألاعيب الدولية , ويعرفون كيف تسير هذه اللعبة ولكني كنت أجد نفسي مضطرا لمقاطعته بين الحين والآخر , وقلت :

- وهل يقبل العرب ؟

- هم أيضا مثل المصريين يقبلون أو لا يقبلون لن يفيد هذا في شئ المهم أن الصلح سيتم بين مصر وإسرائيل , ومعني هذه العبارة أنه سيتم صلح بين إسرائيل والعرب فمصر هي أكبر دولة عربية ويدخل العرب في اللعبة على نحو ما .

- بطبيعة الحال هناك خطط لتحقيق هذا , وهذه الخطط تتغير وفقا للمتغيرات مثل موت عبد الناصر مثلا .

فالصلح به يختلف عن الصلح بغيره , ولهذا وسائله وشكله وللآخر كذلك .

غاية ما تريده أمريكا من نظام 23 يوليو هو أن يعمل على إقرار الأوضاع في الشرق الأوسط .

وهذه العبارة تعني أمن وحماية إسرائيل , وأول خطوة في تحقيق هذا الأمن هو الصلح بينها وبين مصر , ثم تتلوها خطوات كثيرة ومتنوعة ولها اتجاهات مختلفة .

- أهم ما يشغل أمريكا هو المد الديني الذي بدأ في الظهور بمنطقة الشرق الأوسط , وسألته بتعجب :

- وأين هذا المد الديني الذي تتحدث عنه ؟

وقال في ثقة :

- وهل تظن أن عين أمريكا غافلة عما يحدث بالمعتقل هذه الأيام ؟هم قريبون جدا منا , ومعلوماتهم عما يدور في معتقل طرة السياسي أكثر من معلومات أجهزة الأمن, فهم يجمعون المعلومات منهم ومن غيرهم , وعندهم تفاصيل أدق مما لدي غيرهم , وهم يخضعون ما يجمعون من بيانات للفحص والتحليل, ومن ثم تكون قدرتهم على التنبؤ كبيرة على النحو الذي يحدث في مصلحة الأرصاد الجوية , فإذا وقف موظف يقول طقس معتدل شمال البلاد مع احتمال سقوط أمطار خفيفة على الساحل؛

فهذه العبارة تتم من خلال معلومات قد تم تحليلها فأدت إلى هذه النتيجة وقاطعته قائلا :

- معظم تنبؤات مصلحة الأرصاد الجوية غير دقيقة , وتأتي بنتائج عكسية وقال :
- لأنها مصلحة أرصاد جوية مصرية , شأنها شأن أية جهة مصرية , أمنية كانت أو زراعية تعتمد على تحليل معلومات ناقصة فتتوقع نتائج لا تكون في أغلب الأوقات , أما مصلحة الأرصاد الجوية الأمريكية فهي لا تخطئ لأنها تعتمد على معلومات كاملة ومن ثم تكون نتائجها دقيقة والأمريكان عندهم مصلحة للأرصاد السياسية تشمل العالم أجمع ,وهي تهتم بهذا الموضوع اهتماما يفوق اهتمامها بأى شئ آخر فنحن نعيش عصر أمريكا , وهي حريصة على دوام هذه السيطرة ,وتشترك في تسيير الأحداث وخلفها في كثير من الأحيان , ويساعد على هذا شعوب جاهلة مريضة قد قتلها التخلف بعد أن فقدت إيمانها بالله .
- فهذا الذي تراه اليوم في المعتقل من تعدد الجماعات وإن صغر عددها واختلاف الآراء مهما كان بعضها تافها لا يستحق المناقشة سوف ينتقل برمته من المعتقل إلى مصر , ويشملها جميعا بأعداد أكبر وبحدة أكثر , وسوف يشمل كل البلاد العربية والإسلامية وسوف يكون في أوروبا وأمريكا عبر أفواج المهاجرين إلى هناك هربا من الاضطهاد أو بحثا عن الأمن والأمان .
- وعندما يكتمل شكل هذه الجماعات التي أتحدث عنها سوف تعمل أمريكا على إذكاء جذوة الخلاف بينها , وأرجو ألا يخطر بذهنك أنني أتكلم عن جماعة التبليغ , أو الجمعية الشرعية وجمعية الهداية الإسلامية مع الإخوان المسلمين , حيث يوجد لكل مما ذكرت ممثلون شرعيون لهم في المعتقل .

هذا خلاف الإخوان الذين يمثلون الجانب الأكبر والأكثر خطرا بين هذه الجماعات , من جهة نظر الغرب والذين يقومون على رصد الظواهر ومراقبة التحركات والتأثير فيها فأنا أتكلم عن جماعات سوف تظهر في المستقبل القريب , فقد وضعت البذور وأثمرت وأخرجت زرعا , وسوف ينتقل هذا بكامله إلى الخارج وقد تري واحدا ممن نراهم رائحين وغادين هنا وهناك يبحثون عن نصير لهم أو تابع فلا يجدون , ولكنهم خارج هذا المعتقل سوف يتبعهم الكثير أكثر مما يظن أى أحد , ربما عشرات الألوف أو قل مئات الألوف .

- ألا تبالغ قليلا يا أستاذ في الأرقام ؟

وابتسم في تواضع وهدوء وقال :

- هذه رؤيتي على أى حال .

- وهل يسمحون بهذا ؟

- هناك أمور لا يقال فيها يسمح بها أو لا يسمح مثل شروق الشمس وغروبها والصيف والشتاء , وسائر ما يجري في الكون من سنن ونواميس .

- والإخوان المسلمون ؟

ماذا عنهم ؟

- كيف تري مستقبلهم ؟

- وسكت الرجل برهة من الوقت وقال :

- سيأخذون شكلا آخر وسمتا مختلفا .

- كيف ؟

- لست أدري .

قالها الرجل بلهجة من يعرف الإجابة ولكنه لا يحب الخوض في مثل هذا الحديث .

وأنت ؟

- ماذا عني ؟

- ماذا تنوي ؟

- ما ترى .. ليس هناك جديد أضيفه .. ما أقوله هنا سوف أقوله في كل مكان أذهب إليه , يجب أن تتحد المعركة بيننا وبين أعدائنا , وهي معركة العقيدة أولا وآخرا , لا إله إلا الله محمد رسول الله , فإن كانت هذه هي الراية المرفوعة فلن يحدث لبس أبدا عند أحد, وغير ذلك ضرب من اللغو .. ما قلته لك في أبي زعبل هو ما أقوله الآن في طرة , وإن أحياني الله فسوف أقوله في أى مكان وفرقتنا " صفارة " الشاويش معلنة انتهاء الطابور .

- ومضيت أفكر في كلام محمد قطب .

فقد ذهب الشهيد سيد قطب مخلفا وراءه " تركة " أحس شقيقة أنه مسئول عنها عدد لقليل من التلاميذ لهم صلابة وثبات وقوة .

" المشروع الإسلامي " وقد نفض عنه الغبار قبل أن يستشهد .تفسير لمعاني القرآن وروح الإسلام له وهج يعشي الأعين .

أعين الأصدقاء قبل أعين الأعداء .

راية قد نكست لبعض الوقت , وعليها أن ترتفع من جديد. انقسام مع الأهل أملته ظروف الخوف والفزع والرغبة في الحياة .

واجب عليه أداؤه دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء .

تلك الخطوط التي رسمها بنفسه لنفسه ,ولم ترسمها له أجهزة الأمن وقوي الشر وغيب قادم قاتم في جلبة تملأ المكان والزمان , وصخب لم يسمعه أحد بعد , فقد كان المسلمون يجتازون عتبة الطريق إلى العنف رغم تحذير العقلاء .

الفصل الثالث:"هل أتاك حديث الغاشية "؟

الحاكم النذل يخلق أمة بلا أخلاق ويقود شعبا كالنعاج . الحاكم المستبد هو غاشية تغشي الناس . تبرز أسوأ ما فيهم , وتقتل كل ما عندهم من ملكات ومواهب .والضرب بالسياط يقتل كرامة الإنسان

طبع في مصر

أغضب كتاب " البوابة السوداء " الناس جميعا عندما ظهر للقراء .

أغضب القارئ لأن الكتاب لم يشف غليله في كثير من الأمور التي تناولها وزعم القارئ أن الكتاب لم يفصح عن هوية المؤلف , وبهذا جاءتني الرسائل .

وأغضب إخوة المعتقل والسجن لأني لم أوف الموضوع حقه ,وتجاوزت عن كثير من الحقائق والحوادث التي يشيب لهولها الولدان .

أغضب الزبانية الذين كشفت عن قليل مما فعلوه من جرائم وأغضب أجهزة الأمن الحديثة فما جاء في الكتاب يصنع إسقاطا على ما يصنعون هذه الأيام في زعمهم , ويلقي أضواء على ممارستهم ومن ثم يثير غضب الناس .

أذكر أنني عندما قدمت الكتاب للرئيس حسني مبارك في معرض القاهرة للكتاب عام 1986 أبدي عجبا شديدا من عنوانه وقلب صفحاته وأطلع على فهرسه وسألني :

- أين طبع هذا الكتاب ؟

- قلت له باسما :

- طبع في مصر .
على طريقة " صنع في مصر " التي عرف بها الرئيس .

سألني مداعبا :

- وهل سمحوا لك بنشر هذا الكتاب ؟

- وناوله إلى أحد مساعديه وقال :

- سوف أقرأ هذا الكتاب باهتمام .

- وقبل أن ينصرف قال لي :

- هذا حدث أيام الرئيس عبد الناصر ؟

- قلت له :

- نعم يا سيادة الرئيس .

- قال متوجسا :

- ولكن هذا لا يحدث الآن بطبيعة الحال .

قلت له وأنا لا أستطيع منع الابتسام :

- الكلام كثير .

وأنا لم أشرف بعد بالاعتقال في عهدكم السعيد .

- نظرا إلىّ متشككا للحظة , وابتسم وانصرف , ومن ورائه عدد كبير من الوزراء والكبراء , وانصرفوا خلفه وهم يتخافتون ويتلفتون كالأفاعي السامة.

من بينهم لمحت عيني أحمد رشدي وهما مزيج من عين الأفعى وعين الصقر .

الذين غضبوا من كتاب " البوابة السوداء "

الكتاب كما يعرفه من اطلع عليه يحكي قصة طغيان عبد الناصر, وفساد الأجهزة العديدة التي أنشأها لحماية نظامه الذي أسس على الفجور والفسق والضلال كما شهدنا وعرفنا .

كانت هذه الأجهزة تتظاهر بحمايته والمحافظة على النظام , وكان الشعب قد تحول بعد الطغيان إلى قطيع من النعاج ومن ثم فليس هناك ما يخيف .

ولكنهم كانوا يخترعون المؤامرات الوهمية , ويختلقون القصص ليعيش الزعيم في جو من يجرفه أمامه , فتركهم يعيثون في الأرض فسادا ويظلمون ويقهرون ويضربون ويعتقلون ويصادرون الأموال ويكبسون البيوت , على نحو أشد واعتي مما كان يحدث في أشد عصور التاريخ ظلاما وقتامة .

كانوا يسرقون وينهبون ويأكلون المال الحرام , وهو في أدني صوره مكافآت التعذيب التي كانوا يتقاضونها وثمن رءوس الشهداء وكانت العطية جزلة وكبيرة كان اللواء أحمد رشدي وزير الداخلية السابق من الذين غضبوا لفتح هذا الملف , ولم يدر أنه ملف لم يغلق لحظة وسيظل مفتوحا حتى لحظة الحساب .

أشهر من غضبوا من نشر كتاب "البوابة السوداء " هو اللواء فؤاد علام وما أدراك ما فؤاد علام !! ثم ما أدراك ما فؤاد علام !!.

غضب أحمد رشدي لأنه قد أعلن توبته من كل ما اقترفت يداه .

والله أعلم بالسرائر .

فؤاد علام

وما بال فؤاد علام لا يتوب مما فعل ؟

وهو الرجل الذي عاش عمره يلهث خلف السلطة , ثم غادرها أو غادرته إلى الأبد , وانتهي دوره في التاريخ المصري الحديث الملئ بالشهداء والمعذبين, وها هو ذا قابع في بيته ينتظر الآخرة, حيث الحساب العسير والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .

وإني لفي دهشة من غضب فؤاد علام , على التعذيب والقتل والتشريد ! فحسب علمي وأنا مؤلف الكتاب لم أعرض له إلا في أقل القليل .

وبرغم دوره البالغ وأعماله التي يعجز القلم عن سردها ووصفها فإننا لم نعرض لها كثيرا , بل كنت أكتفي بالإشارة إليها والمرور عليها , وكنت أفتح له بهذا بابا للاعتذار والرجوع .

ولو أنه اعتذار مقبول ولا يوجد من بين الأحياء من يمكنه قبوله , والذين يملكون الصفح والغفران هم الشهداء , ونحن لا نملك قبول الاعتذار نيابة عنهم بعد أن غادروا الدنيا .

الذين يملكون الصفح هم أولئك الذين استشهدوا على أيد آثمة .. فؤاد علام وأحمد رشدي وأحمد راسخ وحسن أبو باشا وغيرهم من أكابر المجرمين والجلادين .

وسوف تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم وسياطهم وسجونهم , نحن مهما اجتهدنا فلن يمكننا محاكمتهم في كتاب , فأمرهم أعظم عند الله من أن تكتب عنهم صفحات ثم ينتهي الموضوع .

لعلي أتنازل عن حقي وأغفر لهم بضعة آلاف من السياط التي كانت من نصيبي وكذلك ضرب الهراوات المركز الموجع , وقد أسامحهم طمعا في رحمة الله وعدله وصفحه .

لكني بالتأكيد لا أملك الصفح عن فؤاد علام وزملائه في قتل العشرات , ويكفي من رأيتهم بنفسي من الشهداء .

- زكريا المشتولي
- بدر القصبي
- أحمد السيد شعلان .

عقوبة على التأليف

وفؤاد علام شخصية غريبة فريدة ذات طابع خاص , يندر أن تجد له نظيرا أو مثيلا.

فهو يقتل والبسمة على شفتيه ويحرق بالنار من خلال نظرة شاردة حالمة , وله في القتل والتشفي والتعذيب متعة وروعة لا تخفي على أحد ممن وقع تحت يديه , وهو يذكرني بحمزة البسيوني الذي فرمته الأسياخ في لحظة بليل .

كان مريضا صاحب نزعة إجرام وانتقام بلا سبب ظاهر , ولعل هناك في طفولته ما يعلل هذه النزعة للإيذاء , ولكني لا أدعي العلم بتاريخ حياته .

ولم أكن أعرف أنني سوف أقضي فترة العقوبة على ظهور الطبعة الأولي من البوابة السوداء التي كانت قد ظهرت على استحياء في ربيع عام 1974 وكان هذا الكتاب أول كتاب يظهر ليحكي أسرار حكم عبد الناصر, ومن بعده صدرت الكتب تتري وكانت هذه العقوبة قد تأخرت بضع سنين .

عندما أصدرت الكتاب لم يكن يعنيني فؤاد علام وغيره من الجلادين , بل كان غاية همي ألا يتحول جمال عبد الناصر إلى وثن يعبده الناس لجهلهم بما فعل , وكنت أخشي أن تستمر أكاذيبه وشعاراته تسود واقع الناس وتصوراتهم أمدا ثم تتباعد السنون فيصير مثل أتاتورك اليوم في تركيا؛

فأينما تذهب إلى أى مكان في تركيا : قرية أو مدينة أو مبني حكومي أو أهلي تجد وثنا عليه كآبة يمثل الغازي أتاتورك, وهم لا يقبلون مجرد مناقشة أى عمل من أعماله , ولكن الصحوة الإسلامية اليوم في تركيا كفيلة بتحطيم هذه الأوثان في زمن ندعو الله ألا يطول .

ونسي فؤاد علام ما قدمت يداه وقرر أن يعاقبني .

وتأخرت عقوبته سنين !

وقد أخبرني هو بذلك يوما , واعتبره من الظلم الذي يصيب المؤمنين ثم جاءوا به على قدر .

وجعلوه على سجون الأرض ومعتقلاتها . وهو في هذا المجال حفيظ عليم .

ورفعوا درجته , وجعلوه نائبا لمدير مباحث أمن الدولة وهو خبير بالدسائس والمؤامرات ولا يباري في ألاعيبه وأساليبه فهذا عمله واستند على ذلك الذي عينه وهو حسن أبو باشا .

وأهمل مديره وتجاهله وصار يقضي الأمر دونه .

والباشا لا يعرف الحياء ويعرف ذلك كل من عاينوه وخبروه.

ويشهد بذلك يوم القيامة من استشهدوا على يديه .

وقرر أن يعاقبني على إصدار الكتاب .

وكتب ما شاء الله له أن يكتب من زور وبهتان ورفع الأمر إلى هامان وأدرجوني في قوائم الممنوعين من السفر سنين .

وقابلته وعاتبته فادعي كذبا أنه ليس المسئول وقال إن الذي فعل هم رجال الأمن القومي .

وتأملوا معي :

الأمن القومي
الأمن المركزي
أمن رئاسة الجمهورية
الجيش – الطيران – البحرية
وآخرين من دونهم لا نعلمهم !

ومع كل هذا فنحن أضعف الدول , وأقل الناس شأنا في الرقعة العربية , وعلى مستوي الكون نقع في آخر القائمة , إن كانت ثمة قائمة تصنف البشر وتضع لهم الدرجات .

وما يزال الباشا يدوخني ويهد في حيلي ويستعرض أمامي قوته وسلطانه ويمنعني من السفر رغم الخسائر التي ترتبت على ذلك حتى قيض الله عظيما من العظماء أمره ونهاه وزجره , وانتهت مدة العقوبة وخرج من بعدها مطرودا من مباحث أمن الدولة وصار مواطنا عاديا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .

كنت أتردد عليه ليلغي ذلك القرار الظالم , وكنت أصبر على هرائه وادعائه , ولم أكن أملك غير هذا .

انتحار الشهيد كمال السنانيري !!

أذكر مرة أثناء هذه الزيارات أنه أخبرني أن الشهدي كمال السنانيري قد انتحر تعجبت وسألته :

- وكيف تم الانتحار ؟

ونظر نظرة صفراوية وقال :

- أنت لا تصدق إذن أنه انتحر ؟

- وقلت :

أنا أسأل كيف تم هذا ؟

- وانتفخ فوق كرسيه ووضع ساقا على ساق , ومد يده إلى مسبحة أمامه على المكتب وصار يلعب بحباتها , وانطلق صوته كفحيح الأفعى :

- ربط عنقه بفوطة , ثم ربطها بطوع الحوض الموجود بالزنزانة وصار يجذب نفسه حتى مات , وفي الصباح اكتشف السجان الجثة , وجاء الطبيب الشرعي وعاينها وأثبت سبب الوفاة .
قال هذا ثم حدق في عيني بتحد ظاهر .

قلت له :

- ولماذا انتحر ؟

ابتسم ابتسامة شيطانية وقال :

عندما تقابله في الجنة عليك أن تسأله .

قلت له :

المنتحرون في العادة لا يذهبون إلى الجنة .

وقال ساخرا :

- يا سيدي هذا مجاهد قديم , وأمضي عمره في السجون والمعتقلات , وهو من أهل بدر , وما يدريك " لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ".

- ولم أستطع أن أجاريه , وخيم علىّ صمت حزين على الشهيد فقد كانت هذه هي المرة الأولي التي أسمع فيها خبر استشهاده , وكنت أعرف أنه يعذب أشد العذاب أملا في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين , فهكذا كانت الشائعات تملأ كل مكان .

- وقطع الصمت فحيح الأفاعي :

- كأنك لا تصدق أنه انتحر ؟

قلت له :

- ما رأيك أنت؟

- واعتدل في جلسته وقال :

- أنا الذي أسألك .

- بطبيعة الحال لا أصدق ذلك , ولا أظن أن هناك من يمكنه تصديق هذا الكلام , وأنت لا تنسي أنني خبير بالأساليب , وقد تم التحقيق معي بمعرفة سيادتكم , وأيامها كانوا يهربون ولا ينتحرون .

وتنهد فؤاد علام حزينا :

- وماذا نفعل لموضة الديمقراطية والحرية التي ملأت مصر !

- قلت له ضاحكا :

- تقصد الحرية والديمقراطية التي ملأت الصحف وحفلت بها الخطب !

استمر مستاء حزينا :

- نعم .. هذه اللهجة أصبحت لا تسمع لنا بأداء واجبنا على الوجه الأكمل , صرنا نعمل حسابا لصحف المعارضة ولتلك الأحزاب الورقية التي أمرنا بإنشائها السادات , وصار لزاما علينا أن نطور في الأساليب .

- وقلت بعفوية :

- ولكن ما السبب الحقيقي لقتل كمال السنانيري ؟

ونظر إلى نظرة مستنكرة غاضبة فقلت :

- أقصد السبب الحقيقي وراء انتحاره .

- وملأت الابتسامة وجهه من جديد وقال :

- كان يعرف الكثير ولا يريد البوح به فآثر الموت حفاظا على إخوانه .

- قلت له باسما والمرارة تملأ حلقي :

- كان يسر كمال السنانيري أن يسمع هذه الشهادة منك .

- هو يسمعها .. أليس الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ؟

وتعجبت من الرجل :

- أنا لا أفهمك يا سيادة اللواء .
- بل تفهمني جيدا ... كلانا يفهم صاحبه , فلنتكلم في موضوع آخر .. موضوع منعك من السفر .

- متى تأذن لى بالسفر ؟

- تعالي إلىّ في الأسبوع القادم .

شجرة تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين

هذا مثل من الزبانية الذين كانوا يحكمون مصر .

وهو نبت كالح كئيب .. نما واستشري وصار له وجود في كل مكان في أرض مصر هو فساد سرطاني قد استشري بعد أن وضعت بذرته في 23 يوليو 1952 .

وظهر هذا الفساد واضحا جليا في معسكرات التعذيب والاعتقال الناصرية .

فقد كان الجلادون يبذلون غاية جهدهم في التنكيل والعذاب و كانوا يستطيعون أن يخففوا منه , فلم يكن هناك من رقيب غير الله الذي يراهم , ولكنهم لم يكونوا يعملون له أى حساب والظن أنهم لم يكونوا يؤمنون به وبوجوده بل كان إيمانهم بعبد الناصر وخوفهم منه أعظم وأكبر , ويظنون أنه يراهم هو وقبيله من حيث لا يشعرون .

وكانوا يسرفون لأن إلههم الذي يعبدونه يراهم , وهم لا يعرفون سواه ولا يؤمنون بغيره .

ذلك الإله الزائف هو الرئيس جمال عبد الناصر !

وبقيام ثورة 23 يوليو أغلقت بوابة سوداء ضخمة على شعب مصر .

ونصبوا الوثن وزينوه وانتشر من حوله السدنة والكهنة والويل لمن رفض عبادته وتقديم القرابين له .

وانتهت أحلام الإصلاح وقضاياه .

وذهب أمل الناس في مجتمع جديد يسوده العدل .

لم يعد هناك من شئ يشغل أحدا غير عبادة الفرعون الجديد.

وصار هو الوطن والدين والانتماء , والخروج عليه خروج على كل هذه المعاني وصارت معارضته خروجا عن الملة والعياذ بالله .

وصار عبد الناصر هو مركز الثقل , وهو المحور الذي يدور حوله كل شئ وكل ما عداه صار باطلا , ووهما ولم يعد أحد يفكر في سواه .

وأقاموا المشانق والشياط لكل من يخرج عن هذه الخطة .

والحقيقة أن عبد الناصر قد غير تاريخ مصر والعرب والمسلمين أو غير مساره لسنوات لا يدري عددها إلا الله .

وشعب مصر شعب مؤهل ومدرب على الذلة والخنوع والهوان وهو يعرف كيف يتماوت كالثعلب إذا رأي الخطر .

ولعمري ليس ذلك من شيم الكرام !

المصريون يقتلون محمد كريم

تحضرني قصة رواها الجبرتي عن السيد محمد كريم الثائر البطل الذي قاوم الفرنسيين , ودعا المصرين باسم الإسلام لمقاومتهم ,وكانت له في هذا المضمار قصص كثيرة , وكاد يجمع القاهرة صفا لمقاومة الغزاة .

وبعد أن فعل الأفاعيل بالفرنسيين قبضوا عليه وأودعوه السجن ثم حاكموه وحكموا عليه بالإعدام .

وتدخل بونارت الرحيم وخفف الحكم لو استطاع محمد كريم أن يدفع ثلاثين ألف ريال كغرامة أو فدية لحياته .

وكانوا قد صادروا أمواله من قبل وصار فقيرا معدما .

حددوا لإعدامه موعدا بعد صلاة عصر يوم في قلب القاهرة .

وأرسل الشهيد إلى بعض مدينيه يطلب دفع الفدية من ماله الذي عندهم فتهربوا واختفوا .

وجاء موعد الإعدام

وطلب محمد كريم أن يسمح له بجولة في شارع الأزهر يبحث عن مدينيه .
وسار الرجل مكبلا بالحديد والجند يلكمونه ويكزونه وكلما وقف أمام متجر من المتاجر لم يجد فيه غير الصبي , ويسأل عن صاحب المتجر فيقال له إنه لم يأت بعد من صلاة العصر .

وقطع الطريق جيئة وذهابا بلا فائدة وصار يصرخ قبل إعدامه :

- اشتروني يا مسلمين .. فليدفع كل واحد خمسة ريالات من أموالي التي دفعتها لكم من قبل .
واختفي التجار الجبناء وعلق الشهيد .
ولست أدري لماذا لم يجمعوا له الفدية ؟

فيصل يتشفع في سيد قطب

وتذكرت قصة حكاها لى مؤخرا أحد الوزراء في عهد عبد الناصر والقصة عشية إعدام الشهيد سيد قطب .

كان هذا الوزير يجلس مع عبد الناصر لمناقشة بعض الأمور الاقتصادية كان يحضر الجلسة أنور السادات وحسين الشافعي .

ودخل سامي شرف وفي يده ورقه , وحاول أن يهمس في أذن عبد الناصر الذي رفع صوته محتدا :

- إيه ؟ ... فيه إيه ؟

- وتمتم سامي شرف :

- يا أفندم هذه برقية من الملك فيصل يلح في الرجاء في عدم إعدام سيد قطب .

وبدأ الغيظ والضيق على وجه عبد الناصر وقال :

- أنا مش عارف أولاد ... دول مهتمين ليه بسيد زفت ده ؟

ووقف سامي شرف مرتبكا , وصرخ فيه عبد الناصر :

- انصراف .

وأسرع سامي شرف يغادر المكان .

واستوقفه عبد الناصر ثانية وقال له :

اسمع ..

- أفندم ..

وفكر عبد الناصر قليلا وقدر , فقتل حيث قدر , ثم قتل حيث قدر , ثم أدبر واستكبر وقال :

- أعدموه في الفجر بكره , واعرض على البرقية بتاعت سي فيصل بعد الإعدام ثم أرسل برقية اعتذار له .. وينكتب في الأهرام تم الإعدام في سطرين .

- والتفت إلى فردتين وقال ضاحكا ممازحا :

- مش كده ولا إيه ؟

وشاركاه في الضحك , وانصرف سامي شرف .

وأعدم سيد قطب مع الصبح .
ومعه محمد يوسف هواش
ومعهما عبد الفتاح إسماعيل

وأقيمت المآتم في كل البلاد الإسلامية .

أما الناس في مصر فكانوا يسيرون في الشوارع في ذلك الصباح كالخنازير وجف حلقي وأنا أسأل الوزير :

- وأنت ماذا قلت ؟

- وقال :

- أنت لا تعرف عبد الناصر .. ليس هناك من يستطيع مناقشته .. فما بالك بالاعتراض على حكمه .

- وقلت للوزير :

- وانتهي الاجتماع بطبيعة الحال بعد هذا القرار الفظيع .

- وقال الوزير السابق :

- على العكس استمر أكثر من ساعتين , وفاتت مني يومها صلاة المغرب ولم أستطع الاستئذان للصلاة .

- سألت :

- وهم ؟ ألم يكونوا يصلون ؟

فكر الوزير قليلا وقال :

- لم أر واحدا منهم يصلي إلا في العيد أحيانا أمام كاميرات التليفزيون.

- وسألته واجما :

- وبعد تنفيذ حكم الإعدام أم يظهر واحد من الوزراء الألم أو الاحتجاج ؟

- وقال الرجل :

- بعد تنفيذ حكم الإعدام في الشهيد سيد قطب كان كل وزير يحرص على أن ينقل عنه للرئيس كلمة تدل على الفرحة والابتهاج وشردت بأفكاري .

- وتذكرت الحاج صالح أوزجان عندما قال لى :

- دخلت على الملك فيصل رحمه الله عندما أعدم الشهيد سيد قطب , ولم أكن أعرف بالخبر بعد, ووجدته حزينا دامع العينين .

- وتعجبت ودهشت وسألته فقال لى :

- عظم الله أجرك في الشهيد سيد قطب , فقد لقي ربه اليوم .

- وتمتمت:

- إنا لله وإنا إليه راجعون .

وقال الملك فيصل

- أرسلت إليه وتوسلت أن يطلقه حيا ويطلب فيه ما يشاء , ولكنها إرادة الله , ولكل أجل كتاب , ولابد لهذه الأمة من شهداء .
وعدت بالذكري إلى اليوم الذي جاءنا فيه خبر إعدام الشهيد .
وكنا أيامها بمعتقل أبي زعبل السياسي .

وكان الكلام حراما وممنوعا .

والرعب يخيم على العنابر والزنازين .

وكانت رغم هذا أول صلاة جماعة في فناء المعتقل .

وكانت صلاة المغرب .

وقرأ الإمام :

( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر , قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين )

وضج المعتقل بالبكاء .

اليابان تبحث سر النهضة المصرية أيام إسماعيل

استطاع عبد الناصر أن يحول الأمة كلها إلى قطيع من النعاج .

ضرب الصغير والكبير بالحذاء .

صارت كلمته هي القانون والقضاء .

أجهض كل أمل في الإصلاح .

حكم الأمة بنفسية مريضة مليئة بالأحقاد والأهواء , وبجسم عليل قد هده المرض وأثر في فكره وعقله , وصدق أنه إله ودعا الجميع إلى عبادته ولم يرحم في حكمه شيخا أو امرأة أو صبيا , فقد رأينا كل هؤلاء يعذبون بأمره وبأيدي رجاله وزبانيته أبعد الحكماء ورفع السفهاء وعاد بالبلاد إلى دوره بعيدة المهوي عميقة القرار .

ومن عنده شك في هذا فلينظر إلى الناس كيف يعيشون اليوم في مصر .

بدأت نهضة مصر في الوقت الذي بدأت فيه نهضة اليابان .

وكانت مصر قد قطعت شوطا في التقدم والازدهار .

وروي الرافعي في كتابه تاريخ الحركة القومية في الجزء الخاص بعصر إسماعيل أن وفدا يابانيا قد قدم إلى مصر عام 1868 م وفيه علماء وحكماء ومفكرون , جاءوا ليدرسوا سر هذه النهضة حتى يسيروا علي نهجها بعد سنين من التخلف كل هذا منذ أكثر من مائة عام !

وانظرا اليوم إلى اليابان وأية قمة وصلت إليها !

وتأملوا مصر وأى درك نزلت إليه .

قطار الرحمة والضباط

قامت الثورة فانتشرت الملابس الكاكيه في طول البلاد وعرضها ونحي الحكماء والعلماء وحل محلهم الشاوشية والصولات .

ووغد زنيم أطلق عليه لقب " مندوب القيادة " وصار له مكتب في كل وزارة وفي كل مصلحة من المصالح الحكومية وكل مهمته أن يحول الجميع إلى جواسيس وإلى كتبة تقارير ويسرق ويسرق قدر ما يستطيع .

وكان الشعب المسكين يحلم بآفاق جديدة فوثق بهؤلاء الأوغاد وخرج " قطار الرحمة" يجوب البلاد بطولها وعرضها يطلب التبرعات وفي القطار اجتمع الضباط مع الفنانات .

وبدأ الفساد من اللحظة الأولي

وعاد كل ضابط ومعه حقيبة مليئة بالنقود هي حصيلة التبرعات ورقم تليفون فنانة وعنوانها من أولئك اللائي كن في صحبته ويحكي أحد الذين شهدوا هذه المهزلة فيقول :

كانت الفاحشة ترتكب في كل مقصورات القطار في المسافة بين المحطة التي قام منها والمحطة التالية , وعندما يقترب القطار من المحطة الجديدة يسرع الجميع بارتداء ملابسهم , وتسرع الفنانات بوضع الماكياج على وجوههن ثم يخرجن إلى المساكين الذين اجتمعوا لدفع التبرعات .

وذكر أسماء شهيرة من رجال الثورة المباركة , وكيف عادوا بالمال وبالمطربات والفنانات .

ويحكي عن اسم شهير قدمت له كنيسة صليبا من الذهب تبرعا لقطار الرحمة وكيف تم ضبطه وهو يحاول كسره وأخذ قطعة منه , ولكنه لم يستطع , فلم تكن معه الأدوات اللازمة لهذا ولما أعيته الحيل وضع الصليب بأكمله بين جلده وبين السروال .

هكذا بدأت الثورة عهدها المبارك في مصر غير المحروسة .

كان الناس يحلمون بالعدل فأشبعهم الشاويشية ضربا على القفا بعد قيام الثورة كان يحلمون بالشبع بعد الجوع , وأوشكوا اليوم أن يأكلوا الروث .

كان يطمعون في مزيد من المشاركة في حكم بلادهم , قامت الثورة وأخذت من الجميع توكيلا موقعا على بياض , وصاروا يعيشون في بلادهم بلا حقوق .

انتهي جيل العمالقة

حفلت مصر قبل الثورة بمئات الشعراء والأدباء والمفكرين والعلماء والباحثين فالحرية هي المناخ الذي يسمح بتفجر الطاقات في جميع المجالات .

فإن قلت الشعر قبل الثورة المباركة تسامت الأسماء أمام مخيلتك ووجدت الدواوين تملأ رفوف المكتبات ..

أحمد شوقي ... حافظ إبراهيم ... إبراهيم المازني ... إبراهيم ناجي .. على محمود طه ... محمد الأسمر ... الشيخ محمد عبد المطلب ... إسماعيل صبري .. عزيز أباظة وتستطيع أن تملأ مجلدا بأسماء شعراء عظام .

وتسأل عن الشعر بعد الثورة فلا تجد إلا مجموعة من " السناكيح" والصعاليك والأفاكين , سماهم من يدعي عبد القادر حاتم بشعراء فصاروا كذلك , وأضاف إلى القائمة من يدعي ثروت عكاشة .

ولكم من هم ؟ وأين هم ؟

ليسوا سوي أسماء هزيلة قد كتبت في كشوف مهترئة بأيد خجلة رغم بجاحتها وإن قلت الأدب والرواية قفزت الأسماء تفرض نفسها :

محمد حسين هيكل .. محمود تيمور .. توفيق الحكيم ... نجيب محفوظ ... محمد عبد الحليم عبد الله .. على أحمد باكثير .. محمد فريد أبو حديد .. سيد قطب .. أحمد حسن الزيات .. محمود شاكر ..وتستطيع أن تملأ بأسمائهم مجلدا ... وانظر إلى مصر بعد أن أوسعها الشاويشية ضربا بالشوم وصفعا على القفا فلن تجد من تسميه أديبا غير أولئك الذين فرضوهم علينا فرضا عبر قوائم لا نملك مناقشتها ولا يعرفهم أحد إلا إذا عاد إلى تلك القوائم واطلع عليها .

وانظر مثلا إلى العقاد وطه حسين وهل صار لهما مثيل أو شبيه بعد أن غلب اللون الكاكي على أرض الكنانة ؟

الإجابة لا لأن من يقتل الكرامة في أمة يقتل معها الموهبة والإبداع ويزرع الخوف فتتغلب الغريزة على كل نظرة أو أمل في السمو .

حكم الشاويشية والصولات

طرد الضباط كل أصحاب الموهبة والخبرة في كل المجالات ولم يكن أمامهم غير الاستعانة بالصولات.

فهم يأتون بضابط يجعلونه وزيرا أو مديرا أو رئيسا , وينشغل هذا الضابط بالإمرة والرياسة والسرقة , والعلاقات النسائية التي لم ينج أحد منهم من إغرائها وبريقها .

ثم يترك أمر الإدارة التي وكلت إليه إلى صول الكتيب الذي كان يخدم معه أيام الفقر والوطنية .

ويجد حضرة الصول نفسه وقد صار كبيرا ينحني أمامه وكيل وزارة , يحمل لقب دكتوراه ويسأله التوجيه في أدق الأمور الفنية .

ويستعرض الصول المشكلة بعقلية ضحلة خربة ثم يصدر فيها القرار !

وقد حكي لى أحد الأصدقاء وكان يعمل في مصلحة المناجم والوقود التابعة لوزارة الصناعة في أول الثورة , عن أحد هؤلاء الصولات الذين تمكنوا في غفلة من الدهر .

ويقول هذا الصديق إن ذلك الصول الذي كان يحكم تلك المصلحة كان يستعين في حكمها وإدارتها ببعض من يعرف من الشاويشية والأنباشية في تأديب الموظفين وإذلالهم .

وكان الحضور في الثامنة صباحا ..

ثم يرفع سجل التوقيع ويجمع الذين تأخروا , وفي غرفة جناب الصول أمروا بخلع أحذيتهم وارتفع صراخهم وهم يجلدون بالعصا على أقدامهم وكان منهم وكيل للوزارة يعمل في المصلحة .

وفعل به مثلما فعل بالآخرين واحتج وقدم استقالته .

واستدعاه سيادة العقيد , وصار يصفعه على وجهه حتى غشي عليه .

هذه ليست أساطير , ولكنها حقائق قد عاينها الكثير من الناس .

وانضبطت أحوال المصلحة في الحضور والانصراف وملازمة المكاتب . وذهب الإنتاج ولم يعد حتى كتابة هذه السطور .

وكان هذا الصول يحضر الاجتماعات ويرأسها عندما يكون سيادة العقيد منشغلا مع صديقته وكان وقته كله لها .

وفي هذه الاجتماعات التي يحضرها الفنيون والأساتذة والاختصاصيون كان الصول يقول لهم :

- كنتم ستخربون البلد يا جهلة يا أولاد الكلب , نعم ... هكذا كان يخاطب الصول أساتذة الجامعة .

وهكذا كان يفهم الحكام أصحاب السترات الكاكية .

كانوا يظنون أن العناية الإلهية هي التي وضعتهم على كرسي الحكم.

فقد هبطوا بمصر والعرب وظهرت للجميع هذه الأيام

فقد هبطوا بمصر والعرب إلى هاوية بعيدة القرار , والخروج منها يقترب في حكمه من المستحيل الذي لا يعقله أحد , وفقا لنواميس الكون والحياة . وأذكر أن جنديا من جنود التعذيب في السجن الحربي وكان من صنف لو قوم بالمال أيام بيع العبيد في أسواق النخاسة لعلقت على سترته ورقة بالسعر , ولا أظنه يتجاوز ثلاثة قروش فهو لا يساويها ( وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ) قال هذا الجندي وهو منتفخ الأوداج :
- كنتم تريدون الحكم يا أولاد الكلب ! أنتم فاكرين إنها سهلة ؟ ها نحن في الحكم وتعبانين ولا ننام الليل .

هذا الجندي الذي يرد عند البيع لو طلب فيه صاحبه قرشين .. لا يختلف كثيرا عن أولئك الذين تسنموا المناصب العالية مثل جمال عبد الناصر وعلى صبري وعلى شفيق والمشير عبد الحكيم عامر وكل زملائهم بلا استثناء .

والفرق بينهم وبين ذلك الجندي الذي يحكم معهم أنه كان يقوم على سرقة ما تيسر له من " تعيينات " السجن وأدواته على قدر استطاعته .

أما الآخرون فكانوا يرتدون الملابس الغالية الثمن والعطور الفرنسية يضمحون بها أجسادهم ليخفوا بها رائحة الجيف المنبعثة من صدورهم العفنة .

وهم يسرقون كل شئ بلا استثناء , وكل ما يعجبهم يأخذونه .

أخذوا ما أرادوا دون خجل أو تحفظ

البيوت والأراضي وحتى الزوجات والبنات , وأين فؤاد علام وأبو باشا وأحمد راسخ رشدي من كل هذا الفساد والإجرام ؟
لقد كانوا كذلك الجندي الأبله البسيط , يقومون بدوره ولكن بملابس أكثر أناقة كما قلت , وحظهم في الغنيمة أكثر من سرقة " التعيينات " أو حصيلة " الكانتين ".

وكانوا يساومون على الجرائم المؤلفة التي شاركوا في وضع السيناريو لها بخيالهم المريض ونفوسهم العفنة .

هؤلاء لو شنقوا ألف مرة لكان ذلك عقابا دون العدل.

ولو ظل الرصاص ينهمر عليهم دهرا وهم يموتون ويحيون لما أخذوا ما ينبغي لهم من عقاب .

تغيير النظام في مصر

ذهب كل أمل في الإصلاح مع حكم الضباط.

وهذا شئ بديهي ومن السهل فهمه فالحكم والسياسة ينبغي أن يقوم عليهما المتمرسون بشئونهما, ولا ينبغي أن تترك هذه الأشياء للهواة والجهلة ويتم تغيير مسار أمة من الأمم تحت ضغط مفكريها وكتابها والرأي العام الذي يمكنهم صنعه وتعميمه .

ولنتخيل مثلا مؤسسة ضخمة مثل مؤسسة الطاقة النووية ..

هل يمكن أن يقوم على إدارتها مجموعة من النجارين أو الحدادين ؟

وشركة مثل شركة " جنرال موتورز "

هل يتيسر لمجموعة من الحلاقين أن يديروها ويضعوا لها السياسة ؟
قد يصير الأمر على هذا النحو لأمور لا دخل لإرادتنا بها ..

ولكن كيف تكون النتيجة ؟

سوف يعود هؤلاء غير الاختصاصيين بهذه المؤسسات إلى درجة الصفر المطلق , ولو أراد الله لعاد النمو من جديد وتكونت مجموعات من القادرين والفاهمين , ويعودون إلى النقطة التي تسلم فيها الإدارة الحدادون والنجارون والحلاقون ولكن متى يتم هذا حسب السنن والنواميس ؟

ربما بعد مائتي عام !

فعندما يسود الجهلة والمتغطرسون ويحكمون تراهم يصنعون تقاليد جديدة ويعملون على تربية جيل يرثهم ويسير على نهجهم ومنوالهم .

وهذا الجيل الجديد يأخذ أفكاره وأخلاقه من سادته ويورثها .

وتدور البلاد في ساقية نكدة من الفساد

وتسود المفاهيم الخاطئة , ويتعود الناس المنكر, ومع الزمن لا ينكرونه بقلوبهم , وذلك أضعف الإيمان كما يقول الحديث الشريف .

ومن أطرف ما يجري هذه الأيام وهو نتاج تجربة أصحاب الملابس الكاكية أنك تقرأ الصحف اليومية فتشهد بعض الملاحظات .

تلحظ أن السرقة والاختلاس وبيع الذمم وشراءها صار شيئا مستساغا لا يغضب له أحد ولا يدهش .

تجد أصحاب المناصب الكبيرة في قفص الاتهام بتهمة السرقة والكسب غير المشروع .

محافظا سابقا مثلا !

وتتأمل .. فتجد العجب العجاب !

هذا المحافظ كان في اتحادات الطلبة أيام الزعيم الخالد !

وكان يكتب التقارير عن زملائه .

وكان السبب في اعتقال عدد منهم !

وشجعوه على هذا وغرسوا في نفسه هذه المفاهيم . وجعلوه نائبا لوزير أو وزيرا .

وأجلسوه في ناحية من مجلس الوزراء أثناء انعقاده واختل ميزان الكون في عقله وقلبه .

وجعلوه قدوة لمن يريد أن يكون فاسدا أو عميلا .

ثم دارت دورة الأيام ونصبوه محافظا , وصار يسرق ويسرق والدنيا كلها تعرف وما ينبغي له أن يكون أمينا , فقد ربي على غير هذا .

فما الذي حدث اليوم ليحاكموه بتهمة السرقة ؟

والمحافظون الآخرون الذين يسرقون اليوم والأمس متى يحاكمونهم ؟

ما هي معايير محاكمة اللصوص من الحكام ؟

لا شك أنها معادلات يضيق العقل عن فهمها .

وأولئك الذين في مكان أكبر من المحافظين !

طبقة الوزراء .. ماذا عنها ؟

والذين هم أكبر من الوزراء ؟

وهنا يرتعد القلم ويتوقف عن الكتابة فما ينبغي لنا أن ندخل قدس الأقداس في عالم الجريمة والفساد في بلاد أقل ما يقال عن أهلها وسكانها أنهم أقل من النعاج ! وتلاحظ ملاحظة أخري لا تقل عجبا عن الأولي .

كان المجرمون الأوائل يعذبون المواطنين خلف البوابة السوداء سرا ولا يسمحون بتسرب الأخبار والتفاصيل عن هذه الجرائم .

واليوم ! قد تطورت الأمور تطورا بعيدا , وصار مهوى الدرك لا يصل إليه أحد.

فالصحف قد ملئت بأخبار المعذبين .

والصور قد نشرت للمساكين وهم مكبلون بالأصفاد , والسياط علاماتها قاطعة على ظهورهم وجنوبهم .

ويقدم بعض الضباط إلى المحاكمة بتهمة تعذيب المواطنين .

ويقوم بعضهم بضرب المحامين في قدس المحكمة وأمام حضرة القاضي .

ثم يحكم لهم بالبراءة ! لنقص الأدلة !!

وصارت جميع أقسام الشرطة بلا استثناء تقوم على جلد المواطنين وتعذيبهم وتنشر هذه الأخبار ويقرؤها الناس .

ولا شي بعد ذلك !

كانت الإشارة إلى تعذيب مواطن في صحيفة تقيم الدنيا وتقعدها .

أما اليوم فقد اعتبر الناس هذا عملا عاديا , أو خبرا لا يلتفت إليه , ولا يهتم به أحد , مثل قيام الرئيس بافتتاح محطة للمجاري أو كوبري يهوي ويسقط بعد أن ينصرف الرئيس بأيام .

قد تعود الناس سماع أخبار الجرائم , ولم يعودوا يستنكرونها .

وهذا والله أمر عظيم !

ومن الملاحظات أن تأتينا الصحف بخبر عن مجموعة من العاطلين أو غير العاطلين قد اختطفوا فتاة واعتدوا عليها , وتركوها بين الحياة والموت , ومرة يقولون إنهم طعنوا أخاها أو زوجها بمطواة وأخري يقولون إن الفتاة عمرها عشر سنوات وثالثة إنها في العشرين .
وتتابع الصحف هذا الخبر يوما أو بعض يوم , ثم تنتقل إلى خبر آخر مثيل له . وفي بداية ظهور هذه الأخبار اهتم الرأي العام بها وقامت الصحف بعمل كثير من التحقيقات الصحفية وعمل لقاءات مع علماء الاجتماع والقانون والذين يفسرون الظاهرة ويبحثون عن طرق تلافيها ويقترحون العقاب الصارم الرادع لمن يفعل هذه الجريمة النكراء .
ومع الزمن اعتاد الناس هذا النوع من الأخبار وصار أمرا عاديا أن يقرأه الناس كل يوم أو كل يومين ويجدوه مكتوبا في زاوية مهملة من الصحيفة وقد لا يعلق عليه أحد ولا يستنكره إنسان .
وصارت أخبار اغتصاب الفتيات في أعمار مختلفة مثل تصريحات رئيس الوزراء أو وزير التموين في عدم أهميتها وجداوها .

واعتاد الناس المنكر وألفوه , وصار جزءا من حياتهم اليومية , يقرءونه ويسمعونه ويرونه , وأصبحت سمة الحياة في مصر الجريمة والباطل والاضطهاد والظلم والاستكبار وكل ما نعيشه ونحياه هذه الأيام هو الثمرة التي غرسها ورعاها المجرمون الأوائل وتعهدوها بالسقاية والاهتمام , حتى خرجت إلينا شجرة خبيثة تنبت في أصل الجحيم ( طلعها كأنه رءوس الشياطين ) .

شروط أساسية للمنصب الكبير

كان الحاكم في الماضي تعبيرا عن إرادة الأمة بشكل أو بآخر وتغيرت الدنيا , وصار الحاكم تعبيرا عن رفض الناس وكراهيتهم وازدرائهم كان أصحاب الحكم في الماضي لهم كرامة وكبرياء واعتداد بأنفسهم ومن مسته شبهة أو أقل من ذلك استقال وترك الحكم , ورفض أن يعود حتى بعد ظهور براءته في يقين لا يقبل الشك.

وأصحاب الحكم اليوم على النقيض !

لا يحصل على المناصب الكبيرة إلا من هو مجرم وضالع في الكبائر , ولا بد له من ملف أسود كريه يخلد صاحبه في جهنم .

قصة اختيار المدعي الاشتراكي

روي لى المستشار مأمون الهضيبي حكاية اختيار المدعي الاشتراكي الأستاذ عبد السلام حامد , وهي عجيبة من العجائب ولكنها تتسق مع طبيعة النظام .

كانت الشائعات تتردد حول هذه القصة , وكان من يعرف تاريخ الأستاذ عبد السلام حامد يستبعد هذه الشائعة ويظن أن النظام ليس في حاجة إلى وضع رجل كان ممثلا للنيابة في يوم من الأيام ويقوم بنفسه على تعذيب المتهمين والشهود وليس ثمة ضرورة لهذا .

وفي يوم كان مجلس الشعب مجتمعا , وعرف المستشار الهضيبي أن الأمر ليس مجرد شائعة وأنهم ينوون عرض هذا الأمر على المجلس وإقراره في نفس اليوم فقام من مجلسه إلى حيث يجلس يوسف والي في مقدمة الصفوف , وهو رجل صاحب مناصب كثيرة أغلبها غامض ومجهول , ومن المعلن فيها أنه نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة منذ زمن بعيد , وله صفة أخري في الحزب الوطني الحاكم لا أذكرها .

والحزب الوطني هذا هو خلاصة تجارب أصحاب الملابس الكاكية ومستشاريهم حتى يواكبوا عصر الكمبيوتر , ويتطوروا مع الزمن .

ومعذرة للاستطراد

همس مأمون الهضيبي في أذن يوسف والي :

هل صحيح أنكم سوف تعرضون اسم عبد السلام حامد لمنصب المدعي الاشتراكي ؟

ورد عليه يوسف والي حذرا في صلف وبرود :

نعم

وقال المستشار :

- وهل أجريتم التحريات اللازمة للترشيح لمثل هذا المنصب ؟
- وقال يوسف والي في كبرياء وأنفة :
- نحن لا نرشح أحدا من فراغ .
- كيف ؟
- عندنا كل المعلومات عنه .
- هذا غريب والله .
- أى شخص يرشح لمنصب كهذا تجمع عنه التقارير من كل أرجاء الأرض وتشترك جميع الأجهزة في صياغة هذه التقارير وحتى تكون الصورة واضحة وانبري في تكبر !
- هل لك اعتراض عليه ؟

- وقال مأمون الهضيبي :

هل تعرف أنه كان يقوم على تعذيب المتهمين في السجن الحربي عام 1965 ؟

وبدا الاستنكار على وجه يوسف والي :

- لقد كان رئيسا للنيابة.
- أعرف .

- واعتدل يوسف والي في جلسته وبدا عليه الاهتمام ولو أن الموضوع برمته لا يعنيه وكأنه أراد أن يعرف أبعاد هذا الكلام وقال :

- يا أستاذ مأمون : هذه شائعات وأنت رجل قاض وكنت رئيسا للمحكمة ومن السهل اتهام رجل شريف بتهمة هو برئ منها ولا يملك الرد عليها في نفس الوقت .
- وقال له مأمون الهضيبي في هدوء .
- لقد حقق معي شخصيا وأمر بتعذيبي أثناء التحقيق وتم ذلك , رغم تنافيه مع كرامة النيابة وكرامة الإنسان نفسه ,ولن تعدموا شخصا آخر يقوم بنفس الدور وعلى نفس الدرجة من الخدمة , وليس من داع لهذا بالذات .

وظهر القلق على يوسف والي .

قلق ليس مصدره التهم الموجهة إلى المدعي الاشتراكي الأستاذ عبد السلام حامد فهو يعرفها بالتأكيد ويعرف أكثر من ذلك عنه وعن سائر الجالسين .

ولكنه لم يكن يظن أن الأمر مشتهر ومعروف إلى هذا الحد , وهم يحرصون على أشخاص ملفاتهم في حرز مصون ما أمكن لا يعرف ما بها أحد, وهذه أصول لعبة الحكم والنظام في مصر .

وتلفت يمنة ويسرة .

ووقعت عيناه على صفوت الشريف وزير الإعلام .

وابتسم ابتسامة ساخرة غامضة , وعاوده الجد من جديد وقلت النظر في الوجوه .

واستقرت عيناه على من يدعي كمال الشاذلي , وهو أحد الإفرازات " الكاكية" إن جاز التعبير .

وأشار إليه فأسرع نحوه .

وقص عليه ما سمع .

وبعظمة وتعال قال الشاذلي كمال كأنه قد وجد المخرج :

- سيادة المستشار من السهل الكلام , ولكن هل عندك الدليل على هذا ؟ الدليل هو الحل , ولو وجد فسوف نسحب ترشيحه .

وسأله المستشار الهضيبي سعيدا لهذه النتيجة :

- وهل تستطيعون ذلك ؟
- وانتفخت أوداج الشاذلي كمال إلى غاية ما يمكن للأوداج أن تنتفخ وقال – سوف نطلب من الرئيس أن يسحب الترشيح

قال الهضيبي  :

رئيس من ؟
- رئيس الجمهورية .. والآن .. عن طريق التليفون

وكان يتكلم بنبرة عالية وفي ثقة بالغة :

- ولكن لابد من الدليل يا سيادة المستشار , يجب ألا نلقي التهم على عواهنها وفي هدوء أخرج مأمون الهضيبي ورقة من جيبه وقدمها لهما :
- هذا هو الدليل .. وثيقة حكومية تدينه بتهمة التعذيب وهو رئيس للنيابة . واضطرب كل من يوسف والشاذلي وهما يتخاطفان الورقة ليقرأ ما فيها وقد بدا عليهما الهم والغم , وصارا يقلبان النظر وكأنه قد أحيط بهما .

وأردف المستشار الهضيبي  :

- أرجو أن يبلغ أحد كما سيادة رئيس الجمهورية أنه ليس من مصلحته أن يكون عبد السلام حامد مدعيا اشتراكيا وله هذا التاريخ غير المشرف , وأبلغوه أيضا أن لديكم قوائم بمئات يصلحون لمثل هذا المنصب ولا توجد أدلة ضدهم ومن الصعب الحصول عليها ياليتكم تختارون رجلا نظيفا لهذا المنصب , ليس ضده أى شئ موثق أو غير موثق .
- خرج يوسف والي والشاذلي وثالث من نفس الشجرة , وعادوا بعد قليل قال يوسف للمستشار الهضيبي  :
- قد طلبنا سحب الترشيح من الرئيس ولكنه رفض .

وتعجب الهضيبي:

- رغم ما أخبرتماه عنه ؟

قال أحدهما :

- قد تهتز مكانه الرئيس وهيبته لو سحب الترشيح ومعناه أنه لا يستطيع الحكم على الرجال .

- وقال الهضيبي في دهشة :

- لا يعيب الرئيس أن يسحب ترشيح عبد السلام حامد من منصب المدعي العام الاشتراكي بعد أن تبين له أنه قد ارتكبها , وهذا يزيد من قدره أمام الناس .

- وقال الذي عنده علم بالنظام :

- خلاص .. انتهينا .. الرئيس قرر أن عبد السلام حامد سيكون المدعي الاشتراكي .. ولا راد لقضاء الرئيس .

وكان من قل يؤكد أنه يستطيع أن يأمر الرئيس بسحب الترشيح فيفعل ! وقال الهضيبي آسفا :

- لا حول ولا قوة إلا بالله .
- وقاد معركة شرسة وكشف عن تاريخ الأستاذ عبد السلام حامد أمام حضرات النواب المحترمين .
وتم التصويت .
وتم تعيين عبد السلام حامد في منصب المدعي الاشتراكي رغم أنف مصر .
ربما فات المستشار الهضيبي أنهم كانوا يعرفون عنه ما قاله لهم , بل يعرفون أكثر وأكثر مما لم يتح لمأمون الهضيبي أن يعرفه .
ولكنه لم يفته أنهم يختارون على علم بما يفعلون , وأهم صفة لصاحب هذا المنصب الكبير أن يكون له ملف أسود ملئ بالجرائم , حتى يكون متسقا مع نفسه في واجب حماية النظام الذي هو جزء منه , والذي يحرص عليه حرصه على حياته , فلو سقط هذا النظام فسوف يقدمه أى نظام جديد للمحاكمة .

محاكمة عادلة !

الحكم فيها الإعدام !
وكم هو صعب ومحال أن نجد وطنيا شريفا يجلس في المنصة العالية , وصارت هذه الظاهرة مما يعرفه رجل الشارع ولا يملك معها غير الضحك والسخرية .
وكم من كلام عجيب وغريب أسمعه , ورغم ما أعرف عن النظام وطبيعته ومنهجه في اختيار السدنة إلا أنني أحيانا لا أستطيع التصديق .

كيف يختارون الوزراء ؟

اختاروا مرة وزيرا لوزارة مهمة .

وعرفت هذا الخبر على مائدة للعشاء في مطعم بلندن , وكنا قد عدنا من معرض فرانكفورت للكتاب عام 1986 وكان الجالسون على المائدة ممن يشتغلون بالثقافة

وسمعت اسم الوزير للمرة الأولي .

ولم أكن قد سمعت به من قبل .

وسألت الجالسين عنه فأجابتني الضحكات المجلجلة من معظم الحضور وتعجبت وسألت :

- ماذا هناك ؟ هل غريب أنني لم أسمع باسم هذا الوزير من قبل ؟ هل هو أول وزير نكرة يأتي إلى الحكم بعد الثورة؟

وهمس واحد في أذني ( وهو ناشر كبير ) :

- لا نستطيع أن نخبرك بسبب الضحك لوجود سيدات على المائدة .

وامتلأت دهشة وعجبا وأنا أقول :

وهل للضحك صلة بهذا الوزير الجديد ؟
وعاد الهمس من جديد .
وأخبرني بما يقال عن ذلك الوزير !

وبالفعل لم أصدق .

ولكن جاءني الجواب :

- أمره أكثر شهرة من أن تصدق أو تكذب .

- وصرت أضرب كفا بكف وأنا أقول :

- أنا أعرف أنهم يأتون بمختلس أو جلاد أو.... أو.... ولكن ليس إلى هذا الحد.

وضحك محدثي مجلجلا وهو يقول :

لا ويجد حد للاختيار , ولعل هذا يكون أقل سوءا من اللصوص والجلادين ووجدت الحق معه .
ووضعت وجهي في الطبق أزدرد طعامي بلا شهية , والضحكات والنكات تتعالي وكلها تدور حول الوزير الجديد.
هذه هي مصر المحروسة التي تمكنت منها الشياطين وأعانهم على ذلك شعب ميت بليد خانع ذليل .

حكاية جمال باشا فوزي

قد يكون الحاكم نذلا , وهو كذلك في أغلب الحالات .

وقد يأتي النقائص معتمدا على أن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت وضيعة ومشينة , وكم تدور من فظائع وراء الستر والحجب .

حدث أثناء الصراع بين محمد على باشا والسلطان العثماني أن فوجئ جمال باشا فوزي قائد الأسطول التركي بتعيين خورشيد باشا صدرا أعظم , وكان على خلاف معه والكراهية بينهما شديدة .

وكان جمال باشا يرابط بأسطوله في أحد المواني على بحر " إيجة"وجاءته الأوامر من الآستانة بالقفول إليها , فعلم أنه العزل من المنصب .

وكان جمال باشا يري أن الخلافة العثمانية قد دب في جسدها السوس ونخر عظامها وهي في حاجة إلى دم جديد ورأس قوي يدير هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف .

وكان أمله في محمد على باشا كبيرا , ويظن أنه القادر القوي الذي يستطيع أن يغير التاريخ لو جلس على كرسي السلطنة في الآستانة .

وكانت الدلائل جميعها تشير إلى ذلك وإمكانياته .

فقد استطاع محمد على أن ينشئ جيشا قويا قادرا , وأن يقيم المصانع في مصر وعلى الأخص مصانع الذخيرة والسلاح وكان مؤهلا لهذا الغرض لو ساعدته الظروف .

فكر جمال باشا فوزي وقدر .

ثم قفل بالأسطول إلى الإسكندرية ووضع نفسه تحت تصرف محمد على باشا , وصار الأسطول المصري أقوي الأساطيل الموجودة في البحر المتوسط آنذاك .

ومضت رايات محمد على باشا خفاقة مرفوعة , حتى فهم الغرب أن وصوله إلى الآستانة خليفة للمسلمين معناه تغير التاريخ وأنه يستطيع أن يحشد كل هذه القوي والطاقات لدحر الغرب وهزيمته .

وأجمعوا أمرهم على هزيمته ونجحوا.

واستطاعوا أن يحجموه ويرغموه على قبول معاهدة لندن عام 1840 , وأن يتم الصلح بينه وبين السلطان على ضوئها , وكسائر المعاهدات التي تبرم كان لها بنود معلنة وأخري سرية لا يعرفها إلا من يهمه الأمر .

والبنود المعلنة قد كتبتها الكتب وأطنبت في شرحها .

أما البنود السرية فمنها عودة الأسطول التركي وتسليم جمال باشا فوزي للعقاب وتم عودة الأسطول التركي إلى السلطان .

وأبي محمد على أن يسلم جمال باشا فوزي .

وأصر السلطان على تسليمه و فبهذا قضت المعاهدة .

وأصر محمد على باشا على الرفض .

وتدخل أهل الخير بينهما للتوفيق .

جاء وافد السلطان إلى القاهرة , وقال لمحمد علي :

- الوسيلة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هو موت جمال باشا فوزي , وأنت تعلم أن الموت حق على رقاب العباد .

وأخرج من جبته شيئا قدمه لمحمد على وهو يقول :

- هذه قارورة بها شئ نادر , ولا يوجد مثله إلا في خزائن السلاطين والملوك. ويقيني أنها تفيدك , فهي تسرع بقدر الله وقضائه وانصرف وافد السلطان .

- وجلس محمد على باشا يقلب القارورة بين يديه مفكرا ,وكان قد حضر المقابلة أحد خلصائه فتقدم منه وتناول القارورة وهو يقول :

- دعني أعفيك يا سيدي من هذا العناء .
- وتركها له محمد على باشا وهو ينظر في أثره ساهما .

وذهب ذلك الياور إلى قصر جمال باشا فوزي بالقاهرة , واستأذن في المثول بين يديه وأذن له .

وتحدث معه طويلا عن شجاعته وبلائه وإيمانه بربه ورضاه بقضائه , وذكرت بالموت وأن ما عند الله خير مما عند الوالي والسلطان , وأن الموت هو الراحة الكبرى في مثل هذه الأيام الكالحة , وأنه من الخير للإنسان أن يأتيه الموت في بيته بين أهله وخدمه وفي هدوء وبلا ضجيج

ثم أخرج القارورة من جيبه , وصار يقلبها أمام نظر جمال باشا فوزي الذي أدرك ما يراد , بينما أردف الياور وهو يحدق في عينيه بثبات :

- لو أمرت بصنع القهوة فسوف يكون الأمر سهلا :

- وامتقع وجه جمال باشا وأيقن أن لا نجاة .

وقال له متلعثما :

أنا لم أصل العصر بعد .
وقال له الياور : لسنا على عجلة من أمرنا , نستطيع السمر حتى صلاة المغرب , ويمكننا أن نصليها جماعة .

وقام جمال باشا فوزي في هدوء مهدودا وهو يتمتم :

- تكفي صلاة العصر وتقبيل الأولاد:

وعاد بعد برهة بعد أن ارتدي أجمل ما عنده من ملابس , ومن خلفه خادم يحمل في يده صينية القهوة وعليها فنجانان وفتح الياور القارورة , وأفرغها في فنجان جمال باشا فوزي وهو يقول :

- لم يأخذ الأمر أكثر من نصف دقيقة والأولاد في رعاية مولانا الوالي , وليس هناك من ألم سوف ينتهي كل شئ بأسرع مما تظن .

- وظهرت من خلف الستر طفلة صغيرة صارت تنظر إلى أبيها الذي تناول القهوة وصار يرسف منها ويردد :

- قسمت ... قسمت

يقصد أن هذا هو قضاء الله .

وأرسل محمد على باشا إلى السلطان يعتذر إليه عن عدم القدرة على تسليم جمال باشا الذي مات فجأة .

حديث الغاشية

الحاكم النذل يخلق أمة بلا أخلاق , ويقود شعبا كالنعاج.

الحاكم المستبد هو غاشية تغشي الناس , تبرز أسوأ ما فيهم , وتقتل كل ما عندهم من ملكات ومواهب .

والضرب بالسياط في المعتقلات يقتل كرامة الإنسان .

وعندما تموت الكرامة في شعب فذلك أسهل الطرق وأقربها إلى الانحدار ونحن في مصر في آخر درك ومزلق من الانحطاط من هول ما مر بنا في ظلمات الاستبداد وفرقعة السياط وحكومة لا ترحم , وهي فاجرة لا تعرف الله , وما نحن فيه اليوم هو نتاج العذاب والسيطرة .

عذاب المؤمنين الصادقين في السجون والمعتقلات .

والسيطرة على الفنانين والفنانات والعبث بكل المقدسات في دولة قد حجبت الله سبحانه وتعال عن فكرها وعبدت فردا وقدسته وارتكبت في ساحة معبده كل الموبقات .

وكان حديث الغاشية التي تعشي الناس اليوم بعذابها الأليم .

الفصل الرابع " وتلك الأيام نداولها بين الناس "

" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين , إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يجب الظالمين ) آل عمران : 139 , 140

• كان صيف عام 1951 في بلدة شبين القناطر حيث ولدت ونشأت وهي تقع على بعد ثلاثين كيلوا مترا تقريبا من مدينة القاهرة .
• ولم تكن مدينة آنذاك بل هي شئ أشبه بالقرية ولكنها ليست كالقرى التي نراها في ريف مصر هذه الأيام , حيث المنازل غير المنتظمة , والروث الذي يملأ الطرقات , ودروب وسكك قد اضطربت ونشأت بين هذه البيوت والبهائم والبشر الذين يسيرون بين الأزقة في انتظام وتزامل , ثم يبيتون ليلتهم في أماكن متجاورة .

كانت في ذلك الوقت شبيهة بالقرى الإنجليزية , ويمكن أن يتخيلها من قدر له زيارة الريف الإنجليزي بطرقه المستوية النظيفة وحدائقه المتعددة حيث ينعدم التراب كأنه لا وجود له والنظافة التي تشمل المكان في عبق عبقري .

هكذا كانت شبين القناطر في ذلك العام !

بلدة نظيفة الطرقات ,وبها عدة حدائق بأماكن مختلفة , يقوم العاملون على ترتيبها كل صباح ومساء وكذلك يفعلون بالطرقات .
وكانت الإدارة تهتم بنظافة البلدة آنذاك اهتماما فائقا .
وكانت الدوائر الحكومية تقوم على عملها باهتمام ويقظة وشعور بالواجب والمسئولية عميق ,وكانوا لا يتقاضون الرشوة وهو أمر عجيب وغريب , قد يستغربه ويتعجب منه شباب هذه الأيام التي نعيشها حيث الفساد الضارب بأطنابه على كل شئ والرشوة التي يتنفسها الموظفون في مصر فهي لهم كالماء والهواء .

فكان مفتش الصحة يقوم بواجبه ومعه موظفوه ومساعدوه , وهم يمرون على القنوات والمستنقعات التي تقع خارج البلدة حيث يضعون المواد التي تمنع تكاثر البلهارسيا وكذلك الرش المستمر للقضاء على الناموس والذباب .

وهم يمرون كل يوم على الأحياء الفقيرة وكانت معظم الأحياء فقيرة لا تزال ويقومون بتطهير المنازل من الحشرات الضارة وغاية ما يأخذونه من أصحاب البيت هو كوب صغير من الشاي .

وكانت هناك وحدة مكافحة الانكلستوما والأمراض المستوطنة وتعمل بجد ونشاط وتقدم العلاج المجاني كل يوم .

والمستشفي الأميري حيث العناية الكبيرة بالمرضي الفقراء , وتقديم العلاج المجاني أيضا وكذلك العمليات الجراحية وكانت العيادات الخاصة لا تزيد على ثلاث وكانت هناك المدرسة الثانوية حيث تقدم الوجبات الساخنة اليومية للطلاب في مطعم المدرسة , وهي مكونة من طبق به خضروات تعلوه قطعة كبيرة من اللحم . وطبق من الأرز وآخر من السلطة ورغيفين وحلوي أو فاكهة الموسم ,, هذا الطعام يقدم ظهرا بالإضافة إلى وجبة باردة بعد الدرس الثاني كل يوم .

وكانت هناك المدرسة الجديدة أو مدرسة " حافظ الفقي " لأنها كانت قصرا لصاحبها ثم أجرها أولاده للحكومة حينا من الدهر حتى استولت عليها حكومة الثورة .

وكانت هناك مدرستان أوليتان : مدرسة مصطفي الجندي الأولية حيث تعلمت فيها , وهي تقع على مقربة من ضريح سيدي سعيد , ومدرسة أخري قد نسيت اسمها وتقع في شارع الفقهاء , الشارع الرئيسي في البلدة , وكان هذا الشارع مستويا لا أعرفها في آخر عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وقد زرتها مؤخرا فوجدت آثارا قليلة منها باقية .

وكان التعليم في تلك الأيام يبدأ من " الكتاب " حيث يحفظ الطفل ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم على الأقل , ثم ينتقل إلى المدرسة الأولية فيقضي فيها سنوات , ثم ينتقل إلى المدرسة الابتدائية , حيث الشهادة الابتدائية القديمة مفخرة العهد البائد الذي سبق الثورة المباركة .

وكان التلاميذ يتعلمون في تلك الأيام !

وكان بالبلدة مركز بوليس حيث المأمور , تلك الشخصية المهيبة في البلدة كلها , وكان هناك الأمباشي والشاويش , وأى منهما له قيمة كبيرة فيكفي ظهوره في أى مكان حتى يستقر الأمن وينتهي الشغب .
كان الأمباشي أو الشاويش يذهب إلى مكان الحادثة بغير سلاح وكان يعامل معاملة من معه جيش كامل , فقد كان الناس في تلك الأيام يحترمون النظام والقانون ويعملون لهما كل حساب , رغم أن البوليس في تلك الأيام لم يكن يضرب أحدا أو يعذبه , ولم يخطر ببال رؤسائه في ذلك الوقت أن يجردوا جيشا للقمع وقتل الأبرياء كما يفعل " الأمن المركزي " هذه الأيام بأوامر وزير الداخلية وكان وزير الداخلية في تلك الآونة رجلا وطنيا محترما له رأي وتصور وتصدر تصرفاته عن مسئولية كاملة وكان عف اللسان شأنه شأن جميع الوزراء آنذاك .

ويذكرني هذا بوزير داخلية حديث , من الذين أفرزتهم أيام الثورة السوداء وأشاعوا عنه أنه كان يتاجر في الحشيش ويعمل على تهريب البضاعة لبيعها للناس , ثم وضعوه وزيرا واتصل به صحفي كبير يتوسط لابن أخته في دخول كلية الشرطة وهذه الأيام كما تعلمون لا يتم فيها شئ إلا بالواسطة .

وعبر التليفون دار الحديث الآتي :

  • الصحفي الكبير : إزاي صحتك يا سعادة الباشا ؟
الوزير : الحمد لله وانت يا .. بيه ؟
  • الصحفي الكبير : طول ما أنت بخير أن بخير يا باشا .
الوزير : تحت أمرك يا .. بيه .
  • الصحفي الكبير : والله كنت أريد من سعادتك خدمة .
الوزير تحت أمرك يا ... بيه .
  • الصحفي الكبير : ابن أختى أريد أن ألحقه بكلية الشرطة .
الوزير : بالتأكيد . بالتأكيد .. اعتبره قد التحق بها .
  • الصحفي الكبير : ربنا يعمر بيتك يا معالي الوزير.
الوزير : وعلى فكرة يا ... بيه .
  • الصحفي الكبير : تحت أمرك.
الوزير : الواد ابن اختك ده جايب كام مجموع ؟
  • الصحفي الكبير: خمسين في المائة يا معالي الوزير .

وجلجلت ضحكة الوزير عالية عبر أسلاك التليفون وقال :

الوزير : يعني ابن العاهرة عاوز يدخل كلية الشرطة بهذا المجموع ؟
  • ولم ينطق الصحفي الكبير وارتج عليه !
ولكنه ذهب يشكر الوزير بعد أن التحق ابن أخته بكلية الشرطة بعد أيام .

ما علينا من هذا فليس هو موضوعنا .

في بلدتنا شبين القناطر كان هناك مبني المحكمة حيث جلس الزعيم مصطفي النحاس باشا قاضيا على منصتها يوما ما .

وكان القاضي يحكم بالعدل ولا يرتشي , ولم يكن لأحد أى سلطان عليه مهما علا ذلك الأحد .

وكان هناك النادي حيث يجلس فيه الموظفون بعد الظهر لشرب الشاي ولعب البلياردو وهي لعبة أدخلها الإنجليزإلى مصر .

نسيت أن أخبركم أن المدرسة كان بها جميع الملاعب لكل الألعاب المعروفة وكان عدد التلاميذ في الفصل لا يزيد على عشرين ويعرفهم المدرس بالاسم واحدا واحدا , وفي تلك الأيام كاد المعلم أن يكون رسولا كما قال الشاعر فهو محترم من التلاميذ ومن الآباء ومن كل أهل البلدة .

وكان التلاميذ الذين يأخذون دروسا خصوصية يعدون على أصابع اليدين , وكانت معرة ولا يفعلها إلا أخيب التلاميذ , ويحاول أن ينجو منها بسرعة , ولا دخل للمدرس في نجاحه أو رسوبه آخر العام بمعني ألا يعطيه المدرس نموذج الامتحان فيدخل وهو يعرف طبيعة الأسئلة أو نصها .

كان المدرس محترما جدا !وكان التلاميذ يذاكرون ويجدون وكانت هناك محطة القطار الذي يغادر إلى القاهرة كل ساعة , ويصل في موعده بالتمام ويغادر في الوقت المحدد له دون أن يتغير ذلك أبدا وكانت العربات جميلة وأنيقة والكراسي في سفرهم ولا تجد واقفا أبدا .

وكنا نذهب للنزهة إلى محطة القطار لجمالها وأناقتها وحسن تنسيقها والورود التي كانت تحيط بها من كل جانب تأخذ اللب وتبعث البهجة في النفوس .

وكان قضيب السكة الحديدية يفصل ما بين البلدة والحقول المترامية المتناسقة التي لا يصل البصر إلى مداها مع الخضرة الغامرة وتغريد الطيور الذي لا ينتهي .

وكنا نخرج إلى هذه الحقول للمذاكرة والقراءة أيام الخريف والربيع حيث الهواء النقي والنسيم العليل كما يقول الأدباء .

وكان التعليم لكل الأولاد لا فرق بين صغيرهم وكبيرهم وكان هناك ما يسمي بالتعليم الإلزامي وهو يفرض التعليم على الأطفال لسن معينة , ويعاقب ولي الأمر الذي لا يلحق ابنه بهذه المدرسة .

وكان يجلس في الفصل الواحد جميع التلاميذ  : ابن المأمور , وابن الخفير ولم نكن نسمع في تلك الأيام بالمدارس الخاصة وربما لم تكن قد نشأت بعد .

وكان الناس يعرف بعضهم بعضا , ويتزاورون في المآتم والأفراح , ويجامل بعضهم بعضا في كل المناسبات ويجلسون لفض الخلاف في بيت أحد الكبراء أو العقلاء ولا يذهبون إلى البوليس والشرطة إلا فيما قل وندر .

هكذا كانت الحياة في بلدتي قبل الثورة المباركة !

وقد يظن البعض أنني أبالغ في الوصف ولكنها الحقيقة التي وعيتها طفلا ثم تأملت فيها رجلا بعد مضي السنين .

هذه هي الصورة البهيجة لبلدتي في ذلك الزمن .

والصورة القاتمة كانت تتمثل في الفقر الذي كان يشمل قطاعات كبيرا منها , وقد تضاعف حجمه في هذه الأيام التي نعيشها حتى صار أغلب الناس فقراء , فقد كنا نري صورا للفقر أيامها وندعو الله أن تنتهي يوما , ثم جاءت الثورة وازداد عددهم وها هي ذي الثورة تقترب من نهايتها , ولكن بعد أن حولت معظم الناس إلى مساكين لا يستطيعون الوفاء بالتزاماتهم اليومية أمام أنفسهم .

كنا ننعي القذارة التي نراها في بلدتنا في بعض الأحيان , وكان يحدها من الشرق والغرب ترعتان لتصريف المياه وري الأرض , وكان بعض الفقراء يرسلون نساءهم لغسل الملابس هناك على الشاطئ وكنا نعد هذا من القذارة ثم رأينا ما حدث بعد ذلك بسنين طويلة وكيف تحولت تلك البلدة إلى مدينة تموج بالقذارة بكل أنواعها , فقد ألغيت الحدائق تمام , وأقيمت مكانها المباني غير المستوية والمحلات والمتاجر , واختلط الروث مع البشر مع " مياه المجاري " حيث تضع البائعات خضرواتهم أو جبنهن في وعاء من " الخوص " على الأرض وقد نفذت إليه هذه المياه القذرة , والناس يرون هذا بأعينهم ويشمونه بأنوفهم . ثم يشترونه ويأكلونه بأفواههم ولا يملكون لهذا البلاء ردا أو تعديلا .

فالفقر والجهل والمرض والقذارة والتخلف أمور نسبية بطبيعة الحال .

كنا في تلك الأيام نري أنفسنا فقراء رغم ما وصفت , وكنا نعلم أننا جهلاء ولا يقدر أحد على أخذ حظه من التعليم وكنا نري المرض يستشري بين الناس ,

ثم مرت السنون وعلمنا أن ما حلمنا بتغييره لا نحلم الآن بالعودة إليه .

ولات حين مناص !

كان غاية الظلم في بلدتي آنذاك أن يرسل المأمور جنديا من جنوده ليشتري الزبدة حسب التسعيرة وكنا نري هذا ظلما ومقتا واستكبارا في الأرض .

واليوم أسمع عن مركز البوليس في بلدتي شبين القناطر أن الناس يساقون إلى هناك حيث يضربون ضربا شديدا موجعا , ومنهم من مات من هذا الضرب , والناس في بلدتي صاروا كالخنازير لا يحسون ولا يغضبون وهم كغيرهم في بلاد مصر .

كانوا يأخذون القتيل ويغسلونه ويصلون عليه في الجامع الكبير , ثم ينصبون سرادقا حيث يجلس الشيخ عبد العاطي ناصف ليقرأ القرآن , وقد يأتي القاتل ومعه المأمور للعزاء , وقد يفرح بهذا أهل القتيل , ويتحدثون عن الواقعة بفخر واعتزاز وكيف أن المأمور بنفسه قد حضر للعزاء .

ويسمعون القرآن ويتمايلون يمينا ويسارا وينفض الحفل , وصاحبنا ملقي في المقابر يأكله الدود ولا ينتقم له إنسان , ثم نسي الناس قصته بعد حين .

وهذه هي بلدتي مثل كل بلاد مصر قد حلت بها اللعنة ونزلت بها النقمة فهي عبرة ومثل للمكذبين .

كان الأمن والنظام مستتبين في بلدتي في تلك الأيام .

وكان الخروج على القانون أمرا نادرا غير ملحوظ , ومن يفعل فهو يحاسب وكانت دوريات الشرطة على الخيل تجوب البلدة بالليل , وتخرج أيضا إلى الطرقات المتصلة بها في القرى المجاورة .

واليوم آلاف الأحكام بالسجن والغرامة ولا يتم تنفيذها !

وليس من مصلحة الشرطة أن ينفذ المجرم هذه الأحكام , فكل مرة يذهب المخبر لتنفيذ أمر الضبط والإحضار يتقاضي من المجرم مبلغا يتراوح بين عشرة جنيهات وخمسين جنيها , فمن مصلحة الشرطة ألا يتم القبض على هذا المجرم , فالقبض عليه يعني انقطاع هذا المورد . ولا شك أن المخبر يقتسمه مع آخرين على أكتافهم النجوم والنسور والكلاب .

كانت الشرطة في بلدتي عندما كنت طفلا في خدمة الناس , فهي تحميهم وتحقق الأمن وتفض مشاكلهم , وصارت اليوم ماردا جبار مخيفا, يقتل ويسرق ويهتك الأعراض .

كان المأمور عندما كنت طفلا رجلا مهيبا يخشاه الجميع ولكنه رجل طيب لا يرتكب الجرائم وما ينبغي له أن يفعل .

والمأمور اليوم يرسل وراده كل نهار إلى التجار , إما لأخذ الطعام الحرام دون أن يدفع ثمنه أو الجزية التي يفرضها على المحلات والدكاكين والكل يدفع خوفا من تلفيق القضايا , والضرب والتعذيب حتى الموت , ثم يأتي وكيل النيابة ويزيف محضرا لينجو القاتل من حملة النجوم والنسور والكلاب على أكتافهم .

وعندما كنت طفلا كان وكيل النيابة رجلا فاضلا ليست له صداقات وينعزل عن الناس ليظل محايدا طول الوقت وهو يعيش تحت سلطة ضميره الذي يقوده إلى الصواب دائما .

أما اليوم فهو يشارك في السهرات الماجنة بالليل حيث الخمر والميسر وما تيسر من النساء وكذلك يفعل القاضي .

والناس يدورون في دوامة من البلادة والبلاهة وهم كالبهائم والخنازير .

كان مجتمع البلدة في ذلك الوقت من صيف عام 1951 يتكون من شرائح مختلفة :

كبار الموظفين ويندرج تحت هذا الاسم المأمور ومعاون المباحث والضباط ووكيل النيابة والقاضي وسكرتير المجلس البلدي ونظار المدارس ومفتش الصحة وأطباء المستشفي الأميري ورئيس بنك التسليف الزراعي .
وصغار الموظفين , وهم الذين يعملون تحت إمرة السابقين .
وهاتان الشريحتان تتداخلان , ولا يوجد حد فاصل دقيق بينهما , ويتم هذا التداخل من خلال العمل وطبيعته , واتصال التلاميذ بعضهم ببعض في فصول المدارس المختلفة .
وتلحق بهما شريحة أخري أو تسبقهما وتتداخل معهما أيضا .
هذه الشريحة تتمثل في الأعيان من أصحاب الأراضي الزراعية والتجار أو إن شئنا أن نكون أكثر تحديدا فإننا نقول كبار التجار, وهؤلاء في بلد صغير مثل بلدتي لم يكونوا كبارا على النحو الذي نراه اليوم , بل يمكن القول إنهم تجار الجملة في البقالة والخضروات والفواكة وغيرها من المحاصيل .
ثم طبقة العمال وصغار الحرفيين وأولئك الذين يعملون لدي أصحاب المتاجر والحوانيت وكان هؤلاء يمثلون قطاعا كبيرا في البلدة .

ومن خلال طبقة صغار الموظفين كان مدرسو المدارس الإلزامية , وهي تعد بحق أهم شريحة في البلدة وهي التي تمثل القيادة الفكرية , ولها شعبية ونفوذ في سائر أنحاء البلدة .

وكان هناك في تلك الأثناء عالم من علماء الأزهر , يطلقون عليه الشيخ على الواعظ ولا اذكر وظيفته على وجه التحديد, وغاية ما أذكره أنه كان ملتحيا ويصادق كبار الناس في البلدة , ولا يختلط بصغارهم .

أما الزعامة الدينية فقد كانت للشيخ محمد العروسي مأذون البلدة , حيث كان درسه اليومي بين صلاة المغرب والعشاء .

وكان يجلس إليه بعض الصالحين من صغار الموظفين والتجار والعمال , وكان يحضر إليه أيضا بعض الطلبة .

وكان يخطب في جامع " المعلويين " الشيخ عبد الباسط فواز , ثم ورثه ابنه الشيخ أحمد عبد الباسط .

وكان هناك أيضا الشيخ يس وكان كفيف البصر له خطبة مشوقة تشد الانتباه وهو يشبه الشيخ عبد الحميد كشك في طريقة خطابته .

وعلى وجه عام لم يكن للعلماء نفوذ يذكر في بلدتنا ولكن يرحب بهم في الولائم والاحتفالات .

وكانت هناك طبقة يسمونها " الفقهاء " وهي لا تعني المدلول الذي نعرفه ولكنهم قوم قد حفظوا القرآن الكريم وهم يقرءونه على المقابر أيام الخميس حيث يذهب الناس زرافات ووحدانا لزيارة الموتى ويتقاضون أجرا زهيدا على هذا هو مليمات وهي عملة لم يعد لها وجود فعلي في عالم اليوم ولكن كانت لها قوة شرائية في تلك الأيام , أو يكون الأجر رغيفا من الخبز المتواضع المصنوع من دقيق الذرة .

ومن يترق من هؤلاء " الفقهاء " فهو يعمل خادما في مسجد , حيث يؤذن للصلاة وفي وقتها أو يفتح كتّابا يحفظ فيه الأطفال القرآن , أو يقرأه على الناس على مكث في المآتم والمناسبات .

ولم يكن أغلب أهل هذه الطبقة بأصحاب دين , وربما كان منهم من لا يقيم الصلاة وكان الناس يعرفون هذا ويسخرون منهم .

وتبقي فئة لم نذكرها ولعلها كانت أهم فئة في البلدة آنذاك.

طلبة الجامعات والمدارس الثانوية وهم الذين كانوا طلائع البلدة ومثقفيها وأصحاب التوجهات الثورية والسياسية .

ولم يكن في بلدتنا شيوعي واحد !

ولم يكن فيها من ينكر الدين ويلحد في ربه !

كان بالبلدة كثير من العصاة ولكنهم مؤمنون في ضمائرهم وقلوبهم ويظهر هذا في كلامهم وأحاديثهم .

كنا عند ذهابنا إلى المدرسة صباحا عن طريق القنطرة , حيث نفق يمر من تحته الناس والعربات ويمر القطار من أعلاه نري لافتة كبيرة قد كتب عليها بخط جميل باللون الأبيض بينما اللافتة قد طلبت بالأسود .

" عمر عبد الفتاح التلمساني " المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة "

وكان هذا الرجل العظيم من أبناء بلدتي وقد قدر له أن يكون المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين بعد وفاة المرشد الثاني المرحوم حسن الهضيبي , وهو أيضا من قرية تتبع بلدتي إداريا , هي عرب الصوالحة مركز شبين القناطر .
والغريب المثير للدهشة أن الناس كانوا في ذلك الوقت متحزبين كل ينتمي إلى حزب من الأحزاب السياسية التي كانت موجودة مثل الوفد والأحرار الدستوريين والحزب الوطني الأصلي , وكان كل من ينتمي إلى حزب من الأحزاب يدافع عنه ويتبني قضاياه , ولا يتهاون في سبيله ويضحي بكل رخيص وغال من أجل فوز هذا الحزب وتفوقه .
وكانت هناك في ذلك الوقت طائفة تتبع حزب الحكومة ,وهي الآن نفسها أو أبناءها اليوم هم أتباع الحزب الوطني , ليس ذلك الذي أنشاه مصطفي كامل , ولكن ذلك الحديث الذي أنشاه المهرجون والمطبلون وأولاد الأفاعي على أنقاض هيئة التحرير والاتحاد القومي والاشتراكي والمنابر فحزب مصر .

فرصة دون الحديث عن الخطيئة والخلاص والمحبة وسائر المقولات المسيحية وكان جميع مدرسي اللغة الإنجليزية من الأقباط وكذلك كان معظم مدرسي الحساب والرياضة .

وكان كل الصرافين من الأقباط .

كنت تجدهم يحتلون أماكن عجيبة وغريبة في مجتمع بلدتنا ولكن كانت العلاقات بينهم وبين المسلمين طيبة طول الوقت , ولا أذكر حادثة واحدة قد حدثت يفهم منها أن هذه العلاقة ليست على ما يرام .

وكان يستذكر الدروس معي في البيت زميل اسمه " فائق مسيحه عبده " لا أدري أين هو الآن , كان أبوه يعمل صرافا فيما يسمي " بنك ريتشو " وريتشو هذا كان من أكبر تجار القطن في البلاد آنذاك .

وكانت عائلة " فائق " زميلي هذا متدينة إلى أبعد الحدود وأسرته مكونة من الأب والأم وأربع بنات وصبي آخر وكانوا يذهبون إلى الكنيسة بانتظام ثم إلى ما يسمي بمدارس الأحداث حيث النشاط الرياضي والتثقيفي .

وقد صنع الإخوان المسلمون مدارس الجمعة على هذا الغرار عندما نشطوا بعد محنتهم الأولي من جديد وكانت هذه المدارس – مدارس الجمعة - تحت إشراف الأخ حسن عيسي عبد الظاهر بالأزهر, والذي قدر له أن يكون بعد ذلك الدكتور حسن عيسي عبد الظاهر الأستاذ بجامعة قطر الآن .

كانت " الخمارة " الوحيدة في البلدة للخواجة " بني " وهو يوناني أقام في سبين القناطر وفتح محلا للبقالة يبيع فيه الخمر أمام قهوة " عسر " وقد انتهت معالمها الآن ,وكانت تقع في ميدان المحطة .

ثم اتفق الخواجة " يني" وأعد دار للسينما مع بعض اليهود في القاهرة , وكان يوم افتتاحها يوما مشهودا فقد اجتمع الناس الذين لم يجدوا تذاكر للدخول خارج دار السينما وكانوا قد جاءوا من القرى المجاورة ليروا هذه العجيبة وكلما تذكرت هذا اليوم تذكرت معه عبارة الإمام الشهيد حسن البنا :" ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة , ولكن غالبوها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض "

هذه العبارة الفريدة لأولئك الذين يحرمون السينما والتليفزيون وأدوات الفن المختلفة من ناحية المبدأ وكان أولي بهم وأجدر أن يحرموا ما يقدم من خلالها إن كان حراما ويحلوا ما يقدم فيها إن كان حلالا.

فلو رأيت الناس وهم يملئون المكان خارج السينما وفي وجوههم بهجة ودهشة لفهمت النفس البشرية , وكيف هي مولعة بكل عجيب وغريب .

ومما يستدعي التذكر أيضا أن الأفلام التي كانت تعرضها " سينما سني " وهي الأفلام المصرية القديمة كانت كلها تخض على مكارم الأخلاق ,وتدعو إلى الفضيلة ولم تعد كذلك الآن بطبيعة الحال .

وأذكر يوم عرض فيلم " ظهور الإسلام" في هذه السينما وكيف ملئت القاعة لحافتها ولم يعد هناك جالس وواقف , بل هي كتلة بشرية قد اجتمعت منقطعة الأنفاس في انبهار شديد وكأنهم يرون الإسلام في أيامه الأولي ورغم رداءة التمثيل وضعف الأدوات في ذلك الوقت ,لكن كان جمهور المتفرجين في هذا اليوم , وكنت معهم يكبرون ويهللون وينفعلون مع المواقف وظل الفيلم حديث الناس زمنا طويلا , وكانت عربات " الكشري " تقف على مقربة من دار السينما تبيع للرواد .

وكذلك عربات الترمس والكبدة المقلية واللب والفول السوداني .

ولنجاح هذه السينما وتأثيرها في مجتمع بلدتي الصغير حيث كان جميع الناس يرتادونها وأذكر بعض الذين كانوا يذهبون كل ليلة ليروا نفس الفيلم , كان الشيخ يس يخطب خطبته على هيئة فيلم , بمعني أنه يبدأ الخطبة فيقول :

- سوف نعرض لكم اليوم فيلما هو آدم وحواء .
ويمضي في الخطبة كأنه يحكي قصة فيلم , وكيف خلق الله سبحانه وتعالي آدم ومن بعد حواء وخطيئتهما وكيف جرت الأمور كما يرويها القرآن الكريم وهذا لشدة انجذاب الناس للسينما في ذلك الوقت .
وكان عدد أجهزة الراديو في بلدتي محدودا جدا .
والذين يحوزونه في بيوتهم يشار إليهم بالبنان .
وأذكر يوم اشتري والدي رحمه الله جهاز راديو , اجتمع كل أهل الحي يستمعون إلى نشرة الأخبار وهم في ذهول من تكلم الحديد , والبعض منهم يدور حول الجهاز يحاول أن يفهم سر هذا الكلام الذي يسمعه وكيف يصدر من هذا الصندوق وأذكر أن ثمن هذا الجهاز وهو من ماركة " فيلبس " كان واحدا وعشرين جنيها تدفع بالتقسيط المريح على حين من الدهر , وكان يوجد ما يسمي بالراديو بسماعات وهو عبارة عن " إيريال " هوائي ينصب فوق أسطح المنازل وينزل السلك إلى سماعات هي من مخلفات الجيش الإنجليزي وعبر إبرة تنتقل على قطعة من " الكحل " يمكن التقاط بعض الموجات الإذاعية .

وكان راديو السماعات هذا له أيضا انتشار محدود .

وكانت الإذاعة المصرية في ذلك الوقت على بساطتها وقلة ساعات إرسالها تقدم مادة جيدة للمستمع وكان كبار الكتاب مثل عباس العقاد وطه حسين وغيرهما يلقون الأحاديث اليومية , وكانت جادة ولا تقدم إلا ما هو مفيد للناس , بالإضافة إلى برامج الترفيه البريئة التي لا تسئ ورغم ذلك كنا نسمع بعض المتنطعين من المشايخ يقول إنها حرام .

ولله في خلقه شئون !

ولست أدري السند الذي اعتمدوه في تحريم الراديو في ذلك الوقت , ولا أفهم لماذا ينشغل هؤلاء الناس بتسفيه كل ما هو جديد بغض النظر عن فائدته أو عدم فائدته .. ولعلها طبيعة في الناس فعندما يتدني المجتمع لا يفكر علماؤه إلا في التوافه من الأمور , ولا ينشغلون إلا بما هو هزيل وسخيف ولعلنا لم نسمع فتوى واحدة يقول فيها صاحبها في ذلك الوقت إن قبول الاحتلال الإنجليزي حرام ويجب مقاومتهم بكل طريقة ووسيلة , وإن من يقتل في سبيل ذلك فهو شهيد .
وإني اذكر هنا عندما دخل " الحبر " المستورد إلى اليمن " كيف اختلف العلماء خوله هل هو حرام أم حلال ؟ ذلك أن بالحبر مادة " الكحول " وهي مسكرة .
وقد قال أحد الظرفاء معلقا – ولم يكن عالما – إن شربه حرام والكتابة به حلال , وقال : لا أعرف عاقلا يشرب الخمر .

والذي يثير الحسرة أن علماء الإسلام في العصر الحديث وأقصد بهؤلاء فقهاء السلطان الذين يحلون ويحرمون حسب مزاج الحكومة وطلبها لا يتماشون مع أى عصر رغم عدم انضباطهم وانعدام ورعهم , وهم متخلفون ثلاثمائة عام عن أى نقطة زمنية يعيشون فيها .

وهذا من علامات عصر الانحطاط والجهل والتبعية .

ولعل السبب في تشددهم في المسائل التافهة هو تسيبهم في الأمور الكبيرة فهم يرتكبون الكبائر والمنكرات بموافقتهم ورضاهم على الظلم وبعد الحكومات عن الدين . ثم يثرثرون بعدها فيما لا يفيد .

وما أبلغ كلمة المسيح :" ويل لكم أيها القادة العميان الذين يغصون بالبعوضة ويبلعون الجمل ".

وكان يخاطب الكهنة من بني إسرائيل , وما أشبه كهنة اليوم بهم .

وهم في هذه الأيام نسوا الراديو , وكانوا قد انشغلوا بعده بالتليفزيون , ثم نسوه هو الآخر , وصاروا يتكلمون في الأفلام الرخيصة التي استجدت وصارت تملأ الدنيا ومعذرة للاستطراد .

وأنا هنا لا أكتب مذكرات , ولكني أحاول أن أنقل تجربة عشتها , عسي أن يقرأها من يستفيد منها , ونحن خلالها نستعرض كيف سارت الأمور .

رغم الحرية والديمقراطية التي كانت مناخا طبيعيا يعيشه الشعب , وهم يخافونها ويهابونها طول الوقت .

ولكنهم مستذلون مستضعفون مهانون من جميع الحكام حسبما رأيت وشاهدت فهناك من الحكام من يضربهم بالحذاء وهناك من يضربهم بالقبقاب أو " الشبشب وهم مضروبون على جميع الأحوال والأوضاع . ورغم هذا فقد كان مجتمع بلدتي أكثر نضجا ووعيا منه في هذه الأيام !

وأذكر يوما زرت فيه أحد أقاربي وكنت قد تركت البلدة منذ زمن , واعتذر لعدم استطاعته تقديم الشاي لى لعدم وجود ماء , وقال إن المياه والكهرباء قد انقطعتا عن المدينة منذ عشرين يوما .

وتعجبت يومها وسألته :

- وماذا فعل الناس ؟

ونظر إلىّ في عجب واستغراب وقال :

- لم يفعلوا شيئا ؟

إلى هذا الحد من السلبية والهوان صار الناس !

وكان أكثر الأحياء شهرة في بلدتي حي " القيسارية " وبه محلات البقالة أو " مسمط " وبعض الترزية الذين يفصلون الملابس الإفرنجية أو أولئك الذين يصنعون الجلاليب والبيجامات.

وربما تعود كلمة " القيسارية " هذه إلى قرون بعيدة أيام حكم الرومان , فكل بلد به حى بهذا الاسم , وبه المحلات التجارية .

و" القيسارية " هي " القيصرية " وتنسب إلى قيصر الذي كان يحكم البلاد , وعلى مقربة من هذا الحي في بلدتي كان " مصنع حلج الأقطان " المصنع الوحيد آنذاك ثم أغلق في عهد الثورة المباركة بعد أن تم التأميم مع سائر ما أغلق من مصانع لم يجدوا لها مديرا أو لم يهتموا بها أو ليسبب آخر لا أعلمه .

وقد زرت المدينة بعد ذلك فوجدتهم قد هدموه وأقاموا مكان مساكن دفع فيها المقاول رشوة لمجلس المدينة , فهي تنقض على رءوس ساكنيها المساكين , أو ربما تكون قد انقضت بالفعل عندما يصل إليك هذا الكتاب .

وكان هناك حي " الجبسة " وهو يقع على حدود البلدة الجنونية الشرقية على مقربة من المقابر حيث الطريق إلى كفر حمزة فالقاهرة , أو الذي يسمي طريق المعاهدة وسمي المتقدمون في السن اسم " الخليج " لأنه كان يجري مكانه خليج أمين المؤمنين وهو الاسم الذي اختاره عمرو بن العاص على الترعة التي تصل النيل بالبحر الأحمر .

ومن الواضح أن إطلاق أسماء الرؤساء أو الملوك على المشروعات التي تقام تقليد مصري قديم قد جري عليه المسلمون عندما فتحوا البلاد .

وقبل الدخول إلى طريق كفر حمزة بعد المرور على مقابر البلدة نجد ما يسمي " بتل اليهودية " وهي أنقاض مدينة " رمسيس " التي بناها رمسيس الثاني والمظنون أنه فرعون موسي عليه السلام .

وحسب النظرية التي تقول إن الطرق الرئيسية في أغلبها طرق قديمة الإنشاء فإننا نتصور أن هذا الطريق هو نفسه الذي سلكه بنو إسرائيل خلف موسي وهم يخرجون من مصر حسب القصة المشهورة التي رواها القرآن الكريم .

وكان في بلدتنا أحياء أخري كثيرة مشتهرة في ذلك الحين ,وهي تنسب إلى الأماكن أو العائلات مما يؤكد أن هذه العائلات كلها من أصل عربي قدم مع جيوش الفتح الإسلامي , فالعرب وحدهم هم الذين يتمركزون في أماكن من أسرهم وذويهم فهناك " الصوافين " و" الحبايبة " و" الوكلاء " و" الشعالنة " و" الخولة " و" الطنانية " وكلها أسماء عائلات وأسماء أحياء في الوقت نفسه .

وأحيان ما كانت تحدث بعض الخلافات بين فردين من عائلتين مختلفتين فيخرجون للشجار والقتال , ويخرج رؤساء العائلات الأخرى للحجز بين المتشاجرين وهو للشجار والقتال ويخرج رؤساء العائلات الأخرى للحجز بين المتشاجرين وهو أيضا تقليد عربي قديم.

وكانت أقوي العائلات وأغناها في بلدنا آنذاك هي عائلة الفقي , ومن هذه العائلة كانت أمري يرحمها الله .

وهناك قصة سمعتها وأنا طفل صغير وهي أن جد أمي , وكان كبير البلدة قد التقي وعرابي باشا وهو عائد مهزوما من معركة التل الكبير عام 1882 أمام الإنجليز, وقد أكرم جدي هذا وفادته , وطلب عرابي منه أن يهدم قنطرتين على الترع التي تدول حول البلدة حتى يعوق تقدم الجيش الإنجليزي إلي القاهرة .

وانصرف عرابي بعد أن حدثه جدي حديثا طيبا ووعده بفعل ما يمكن , وبعد ذهابه قال جدي لمن حوله :

- هذا الرجل لا يفهم في العسكرية والقتال . لقد عاد بشرذمة قليلة من الضباط على الخيل , وانتهي الجيش المصري , وهل يمنع تدمير القنطرتين من احتلال مصر ؟
- لقد تحققت الهزيمة وتم الاحتلال ,ولن يخسر غير تكلفة القنطرتين عندما يأتي الإنجليزبعد يومين أو ثلاثة , ويجبروننا بقوة السلاح على بناء القنطرتين من جديد ,ويجمعون التكلفة من الفلاحين .
- ولا أدي هل كان جدي محقا في رأيه هذا أم لا ؟! فكل حادثة في هذا الكون تخضع لملابساتها الخاصة .

وكان أغلب أصحاب الحرف يتجمعون أيضا في حارات أو أحياء خاصة بهم فهناك " الجزماتية " والحدادين " و" النجارين "و" العطارين " وغيرهم .

وبطبيعة الحال قد تغير كل هذا الآن واختلط الحابل بالنابل وصارت المدينة كما قلت خلطة عجيبة من الحيوانات والبيوت والبشر , وتراها – لو قدر لك – من طائرة هليكوبتر ذات شكل عجيب من خلال هذا الزحام .

كانت قوة البوليس قليلة العدد ولكنها تحمي الأمن والنظام وكان عمال البلدية لا يتجاوزون العشرين ولكن النظافة هي الطابع العام فهم يخرجون قبل الشمس لكنس الشوارع ورشها بالماء , ويخرج كل بستاني مسئول عن حديقة ليهتم بها ويرعي شئونها .

وكانت المدارس قليلة ولكنها منضبطة ومنظمة وتعلم التلاميذ

وكان كل شئ على أتم ما يرام ولكنه لم يكن يعجب أحدا وكان الكل يفكر في الثورة وتغيير النظام .
وكانت البيوت منتجة ففيها البهائم حيث اللبن والزبد والجبن , وفيها الدجاج حيث البيض وقد اختفي هذا الإنتاج الآن وصارت مدينة مستهلكة يستورد لها الطعام ويباع في المجمعات الاستهلاكية حيث الرشوة والواسطة للحصول على ما تريد فالذي يعرض لا يكفي كل المستهلكين .

وكان الناس فقراء ولكنهم كانوا شرفاء أيضا !

وكانت القاهرة شيئا بعيدا لا يذهب إليها أحد إلا في القليل النادر , فكل شئ متوافر في البلدة ولا يذهب إلى القاهرة إلا عدد قليل من الطلبة الذين يدرسون في الجامعة وبعض الموظفين , أما باقي الناس فلم تكن هناك ثمة ضرورة تحتم عليهم الذهاب .
وكان هناك شخصان يقومان بالسفر كل يوم إلى القاهرة , ويسمي كل واحد منهما ( الأبونيه ) ومهمته أن يشتري الأشياء التي يحتاجها الناس من القاهرة , وهم يأتون إلى داره حيث يوزعها عليهم في المساء نظير رسم صغير محدود وهو أقل بالتأكيد من أجرة التذكرة للمسافر إلى القاهرة .
وكنا نذهب إلى القاهرة كتلاميذ في رحلة نشاهد فيها حديقة الحيوان تلك الحديقة التي أقامها الخديو إسماعيل وصنع لها سورا لا يزال قائما , ولا يمكن لجهة أخري في مصر اليوم أن تقوم بإنشاء سور مثله مهما بلغت قوتها وخبرتها فقد تغير نو ع البشر . أو نذهب في رحلة لزيارة المتحف المصري والمتاحف الأخرى وكذلك الأهرام والقناطر .

وكنا نذهب بقطار المرج إلى الزيتون في الأجازات لزيارة مكتبه الزيتون ونمكث وقتا في المطالعة , ولا أعرف مصير هذه المكتبة الآن ولما كبرنا في السن قليلا كنا نذهب إلى دار الكتب في باب الخلق بالقاهرة ,حيث نري كتبا أكثر ويمكننا الاستعارة منها .

ولا أظن أحدا يرتاد هذه المكتبات العامة في هذه الأيام التي نعيشها الآن إلا نادرا , وأتصور أنها قد تحولت إلى شئ آخر , ولم يعد لها وجود .

كان سعر البيضة سبعة مليمات .

وكان زوج الحمام " بخمسة أبيض " يعني قرشين ونصفا .

ورطل اللحم الكندوز بثمانية قروش ونصف وأقة البطاطس بقرشين هي الأخرى .

وكان الحذاء لا يتجاوز خمسة وعشرين قرشا , ويستعمل إلى يوم القيامة .

والبدلة الواحدة , قماشا وتفصيلا , تساوم فيها فتدفع ثلاثة جنيهات من أصواف إنجليزية مستوردة .

وتستطيع القياس على هذا كيف كانت الحياة تسير .

وقد يقول قائل كان عدد الناس في هذه الأيام عشرين مليونا , أما اليوم فقد تجاوز الخمسين !

فإن قالوا هذا قلنا لهم عدد الناس أيام محمد على باشا الكبير لا يتجاوز ثلاثة ملايين نسمة .

ولكن الحكومات المتعاقبة تراعي هذه الزيادة المطردة وتعمل على مواجهتها بزيادة الإنتاج وخطط التنمية .

وهذا على خلاف ما فعلته الثورة المباركة !

فقد كان غاية همها المعارك في الكونغو , والشهيد باتريس لومومبا ,والحروب هنا المؤامرات هناك , واعتماد خورشيد , والكلام الفارغ الذي لا أول له من آخر كانت صناعة الحكام قبل الثورة هي المدارس والمصانع والتطوير ..

وصارت صناعة الحكام بعد الثورة هي الكلام والكلام والكلام , ثم القهر والتعذيب وقتل الشرفاء وتحويل المواطن إلى فأر ذليل .

وقد نجحوا في ذلك أيما نجاح ! وبلغوا غاية نجاحهم وظهر أثره في 5 يونية عام 1978 عندما ضرب موشي ديان جمال عبد الناصر على قفاه أمام العالم أجمع , ثم سقاه جونسون –

الرئيس الأمريكي وقتها – من مياه المجاري .

ونعود إلى صيف عام 1951 الذي بدأنا به الحديث .

كانت إجازة المدارس وكان الجو حارا وكنا نسير على شاطئ الترعة وكان رمضان حيث العطش الشديد لأطفال لم يتعودوا الصيام

وسمعنا الآذان فتنبهنا .

كان الأذان قادما من شقة في إحدى البنايات المطلة على شاطئ الترعة , وكانت أول مرة نسمع فيها أذانا ينطلق من شقة ففي العادة لا نسمعه إلا من المساجد .
واقتربنا ووجدنا لافتة كبيرة قد وضعت على مدخل المنزل وقد كتب عليها " شعبة الإخوان المسلمين بشبين القناطر "
ودخلنا وأدينا صلاة العصر خلف المرحوم مصطفي شحرور نائب الشعبة آنذاك.
وبعد الصلاة علمنا أنها جميعها تقام في الشعبة وكان بها عدد وفير من مختلف المهن والطوائف .
وأخبرونا أن درسا يقام بعد صلاة التراويح .
وتذكرت صلة قديمة كانت لى مع الإخوان .

كانت هذه الصلة قل ذلك التاريخ بخمس سنوات يعني عام 1946 وكنا نلعب أمام منزلنا الذي يقع أمام محطة القطار .

وكانت القطارات تأتي وتروح كل ساعة بانتظام كما قلنا .

وكان يلذ لنا أن نقترب فنشاهد القطار وهو يدخل المحطة , وفي هذا اليوم لمحنا شيئا غريبا لم نره من قبل .

كانت القطارات مليئة عن آخرها وتموج بالبشر, وهناك ضجة كبيرة وينزل الركاب وينتظمون صفوفا كأنها طوابير الجيش , وهم يرتدون ملابس عادية ,ثم يسيرون في خطوات منتظمة ومعهم قائد يقودهم وانطلقت الهتافات يدوي بها قائد الطابور ويرد عليه الباقون في صوت كالرعد :

الله أكبر ولله الحمد .

لا إله إلا الله , محمد رسول الله عليها نحيا وعليها نموت ... وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقي الله . الله غايتنا , والرسول زعيمنا , والقرآن دستورنا , والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمي أمانينا .

في سبيل الله قمنا

نبتغي رفع اللواء

فليعد للدين مجده

ولترق فيه الدماء

وساروا يخترقون شوارع البلدة على النحو الذي وصفت , وأنا أسير خلفهم مشدوها أسمع الهتافات تدوي , والنسوة يرددون الزغاريد في إيقاع مثير ,وانتابتني نشوة غامضة وأنا أسير مسحورا خلف هذا الموكب متجاوزا الخط الأحمر الذي رسمته لنا الأسرة في دائرة البيت .

وفي نهاية المطاف وجدنا سرادقا ضخما قد أقيم في " النعناعية " وهي ناحية من البلدة قد ملئت بالحدائق وأشجار الكافور والسنط .

وصار هؤلاء القادمون يأخذون أماكنهم على الكراسي التي أعدت , وقد تركوا في مقدمة السرادق أكثر من عشرة صفوف واستمر التتابع والناس يأتون يرددون الهتاف على النحو الذي وصفت , ووجدت حسنين أفندي نصر وكان ناظرا للمدرسة الإلزامية الثانية في البلدة يقوم على النظام والترتيب .

ثم دوي صوت الطبل من بعيد في إيقاع عسكري مهيب .

وتكأكأ الناس من النظارة وأنا منهم لنعرف سبب الضجة

ورأيت طابور الجوالة الخاص بالإخوان المسلمين يتقدمهم شاب يرتدي ملابس العلماء بعباءة بيضاء ,هو الإمام الشهيد حسن البنا , وكان يسير على الإيقاع في مشية عسكرية رغم ثيابه التي يرتديها و من خلقه شاب يرتدي الملابس الكاكية يحمل علما أخضرا كبيرا قد رسم عليه سيفان بينهما مصحف , وكلمة الإخوان المسلمون , وبين قاعدة السيفين كتبت كلمة " وأعدوا "

وخلف هذا الشاب كان خمسة يسيرون متجاورين , وهم الذين يقومون بالضرب على الطبل , ثم طابور الجوالة الكبير بالملابس الكاكية والمشية العسكرية المنضبطة . وعند ظهور الشيخ حسن البنا جاوزت الزغاريد عنان السماء في ترجيع مهيب عجيب ما زلت أذكر أثره حتى الآن .

وامتلأ المكان بالضيوف وكان في مقدمة الجالسين في الصفوف الأولي كل رجال الإدارة في البلدة وعلى رأسهم مأمور المركز.

وتلي القرآن الكريم ثم قام الإمام الشهيد ليتكلم بعد أن قدمه حسنين أفندي نصر في حماسة وحب وفخر وإعزاز .

وتكلم الرجل ....

وخشعت الأصوات للرحمن ..

وانطلق يجلجل , وليس من صوت يبين غير كلامه المتهدج المؤثر , وصوت الرجل يعلو ويعلو حتى استحال إلى قبسة نورانية من الإيمان والجلال , وكانت له وقفات في الحديث يعلو فيها هتاف الإخوان المشهور الذي ذكرته منذ قليل ..

كان عمري وقتها صغيرا جدا , ولهذا لم أكن أعي كلامه على وجه التحديد كل ما أذكره أنه كان يتكلم في موضوع يمكن أن نضع له عنوانا هو :

كيف نفهم الإسلام ؟

وتأخرت يومها عن البيت , فقد انتهي الرجل من خطابه قرب الساعة الحادية عشرة مساء .

ولم يفارق هذا الموقف خيالي بعد ذلك قط؟

وكانت هذه أول مرة أسمع فيها عن الإخوان المسلمين وأراهم في ذلك العرس البهيج وعلمت في اليوم التالي أن معظم أهل البلدة قد ذهبوا إلى السرادق يستمعون .
وظل هذا الحفل حديث الناس لأيام طويلة ,وكنت أسمع أبي – رحمه الله – يتكلم مع ضيوفه وزملائه عن ذلك الذي حدث , ولكني لا أفهم القصة على وجه التحديد لصغر سني .
كل ما شعرت به أن طاقة من النور قد انبثقت في قلبي وظلت تقودني دهرا طويلا , ولم يغب عن بالي قط حتى هذه اللحظة حرارة اللقاء.

كانت صورة حسن البنا يومها غريبة رائعة مؤثرة ,وكأنه الإسلام نفسه وقد انبعث على صورته , بعد أن اغتيلت الخلافة العثمانية ووطئوها بالأقدام , ثم دفنوها في التراب , وأقاموا حفلا بهيجا صفق فيه العلمانيون وطبل فيه اليهود والمشركون وكل أصحاب الثارات القديمة من الإسلام.

بدأ الضياع الذي شعر به المسلمون على أثر سقوط الخلافة العثمانية يتبدد , وبدأ حلم جديد يغزو نفوسهم , حلم لم يتهيئوا له التهيئة الكاملة فقابلوه بالفرحة والزغاريد , ولم يكونوا يعملون أنه في سبيل تحقيق هذا الحلم سوف يسقط شهداء وشهداء .. فتية أطهار , وحتى ذلك الرجل نفسه صاحب اللباس الأبيض والصوت الرخيم المعبر , سوف يخر كالأسد الجريح من طلقات رجال الشرطة في الشارع العام , لم يكن أحد يعلم أن رمز الإسلام حسن البنا سوف يقتل.

ولم يكن أحد يعلم أنه بعد قتل الإمام البنا سوف يكون كل واحد ممن سمع صوته وانتبه إليه وصاحبه في سفر .. سوف يكون حسن البنا آخر .

نعم على أى نحو من النواحي سيكونون حسن البنا سواء في قوتهم أو ضعفهم , في قربهم أو ابتعادهم , في صمودهم أو بأسهم , وهم أحرار أو في ظلمات السجون .

وهذا ما حدث بعد حسن البنا

ذهب الإمام شهيد إلى ربه في ليلة من ليالي آخر الشتاء .
وقامت جماعة الإخوان تعيد ترتيب الدار من جديد في مناخ قاس وزمن صعب , قامت تضمد جراحها بعد أن فتن من فتن , وتماسك من تماسك .
ولكن أغلب المسلمين أصروا على الاستمرار في طريق الدعوة بعد أن رأوا صدق نبوءة مرشدهم فالتشريد والاعتقال والسجن الذي وعدهم به قد حدث وعاينوه بأنفسهم وتأكدوا أنهم من أصحاب الدعوات اختلطت الذكريات في رأسي وتداخلت , فلا أعرف ماذا حدث ثانيا وماذا حدث أولا .
الشوارع تدهن بالجير الأبيض الذي يغطي مساحات كبيرة من أسوار البيوت وترسم صورة عربي يرتدي عقالا ويكتب بجوار الصورة :تطوعوا لإنقاذ فلسطين الجريحة .
وفي منزل جدتي .. ملئت حجرة كبيرة بكراسي من الخيزران ومكتب خشبي قديم وبعض اللافتات , ومنها ذلك العلم الأخضر الذي كتب عليه شعار الإخوان وكان يحمله الشاب الجوال الذي كان يسير خلف الإمام الشهيد تحت قرع الطبول .

ولافتات كثيرة تدعو إلى القتال في أرض فلسطين .

وأسأل جدتي عن هذه الأشياء فتقول :

- هذه أشياء تخص المسلمين .

- ولماذا جاءوا بها إلى بيتك؟

- ومن بين الحزب والتعب تقول لي :
- الحكومة الكافرة وضعت المسلمين في السجن .

ومن بين حزنها شرحت لى القصة , كيف باعوا ممتلكات الإخوان في المواد العلني وقد اشتراها أحد أقاربها الطيبيين حتى يردها للمسلمين يوما .

وإطفاء الأنوار, وغارات اليهود بالطائرات على مصر وهرج ومرج كثير . والمدرسون يأمروننا بالقيام لحضرة الناظر الأستاذ مصطفي الجندي , الذي يشرح لنا فظائع اليهود وما يفعلونه بالفلسطينيين العرب الأبرياء , ويطلب من كل التلاميذ التبرع بمصروف الغد من أجل إنقاذ فلسطين .

وعند خروج الناظر من الفضل لن أنسي همسة جعفر أفندي الطناني لحضرة الناظر .

- حكيت لهم ما يفعله اليهود بالمسلمين ولم تخبرهم بما يفعله المسلمون بالمسلمين .
- وكنا صغارا فلم يهتم كل من الناظر بالحديث أمامنا , رغم نظرة حضرة الناظر الحرجة ناحيتنا وهو لجعفر أفندي :
- وكانت الصحف تتكلم عن الأوكار والسيارة الجيب الانفجارات والإرهابيين ,ولم يكن فيها من حديث عن الإنجليزأو اليهود .

وأذكر أنني سمعت أمين أفندي صقر , وكان صديقا لأبي ويأتي إليه بين الحين والآخر ويجلسان للسمر الطويل سمعته يقول له :

شركة الإعلانات المصرية التي فجرها الإخوان المسلمون كانت وكرا لليهود في مصر , ألف عفارم على الإخوان ..
لم أكن وقتها بقادر على تحديد صورة صحيحة منضبطة عما يدور في مصر ! كنت أسمع جملا وكلمات متفرقة من هنا وهناك وأعرف أن غليانا يدور , ولكن ما هي طبيعته ؟ لست أدري !
وظلت رؤى الإخوان والإسلام تتخللني بين الحين والآخر حتى دخلنا الشعبة في ذلك اليوم من أيام صيف عام 1951 .
لعلي لا أكون مبالغا لو قلت إنني اكتشفت في الشعبة عالما غريبا .
فقد كان بها معظم الزملاء في المدرسة المشهور لهم بالجد والنشاط .

ولاحظت أن كل واحد فينا يعجب لوجود زملائه معه في نفس المكان , وكان كبار الطلبة من المشهورين في البلدة يملئون الغرف , والشعبة كخلية النحل وفي غرفة من الغرفات جلسنا إلى الشيخ حسن عليان من عرب الصوالحة يعلمنا قراءة القرآن ويفسره لنا وكان شابا نشيطا قد درس بالأزهر , وكان صارما حازما يعاملنا معاملة الكبار ونحن ما زلنا أطفالا وظلت هذه الذكريات تعاودني دائما بعد مرور السنين وأساءل نفسي هل كان الشيخ على حق ؟؟ وأجد أنه كان على حق فقد استطاع أن يشعرنا بالمسئولية والجدية في وقت مبكر جدا , ولهذا فقد اختلفت نظرتي للأمور ونظرة جيلي كله عن جيل أولادنا مثلا .

ففجأة وخلال شهور قليلة كنا ندرك من أمور السياسة وما يدور في مصر ما قد لا يفهمه كبار هذه الأيام , أصبحنا نعرف أبعاد المشكلات التي يتداولها السياسيون صرنا ندرك معني الأحزاب وظروف تكونها , وما هي العقدة في إخراج الإنجليزمن مصر ومن هم أصحاب المصلحة في بقائهم , وما هي أهمية الجهاد في سبيل الله .

وهل هو جهاد من أجل مصر وحدها . أم من أجل تحرير كل الأقطار الإسلامية التي تقع تحت نير الاستعمار , وما هو واجب المسلم في هذا العالم الذي نعيشه وما هي الشروط والاستعدادات حتى يؤدي هذا المسلم واجبه ؟

كل هذا تعلمناه أو سمعناه في ذلك الصيف .

دخلنا المدرسة مع الخريف . وكان النحاس باشا قد ألغي معاهدة 1936 .

وخرج الفدائيون إلى القنال من شباب الإخوان يدمرون القطارات ويهاجمون المعسكرات ويموتون .

وصارت القاهرة هي بؤرة الأحداث , وجاء إليها كل مندوبي الصحافة ووكالات الأنباء من سائر أنحاء العالم , وبدأ الضغط الجدي على بريطانيا في الجلاء عن مصر ,

ويبدو أنها قد استجابت لهذه الضغوط الممثلة في الاعتداء على معسكراتهم ومحاولة خلعهم بالقوة من مصر .

وبدأ العد التنازلي للاحتلال الإنجليزي لمصر, وصار واضحا لجميع المراقبين والمحللين أن الإنجليزيبحثون عن طريقة مثلي للخروج من مصر وأن المسألة مسألة وقت ليس إلا .

وكان الإنجليزيتفاهمون مع الأمريكان في ذلك الحين على ترتيبات الخروج وكيف ستكون السياسة بعد خروجهم , وكيفية تكريس انفصال مصر عن السودان .

ولم نكن ندرى في هذا الحين ما يدور .

كل ما كنا نعرفه هو الحركة السياسية اليومية , وتفاعل الأحداث وتطورها والخروج في مظاهرات ضخمة , حيث يتجمع الطلبة من القوي الوطنية كافة بالمدرسة ثم تبدأ بالهتاف ويسخن الجو وينضم إليهم بقية التلاميذ المسطحين الذين لا رأي لهم ولا إنماء فجو الحماسة جو ينتقل بسرعة إلى من يعيش فيه .

وقد تنتظم بعض الفصول وسرعان ما يذهب إليها بعض الطلبة القادرين ويجبرون الأستاذ على إخراج التلاميذ للانضمام إلى المظاهرة .

ويرتفع الصراخ ويخرج الناظر فيقابله التلاميذ بهتاف واحد يشق عنان السماء نريد العلم ... علم المدرسة .

وفي تلك الأيام الخوالي كان لكل مدرسة علم ويستجيب الناظر للضغط .

وتخرج المدرسة كلها في طابور إلى محطة القطار , وهتافاتهم تثير البهجة والحماسة في نفوس كل المواطنين وهم في طريقهم إلى المحطة يمرون على مركز البوليس حيث يقف بعض الضباط وبعض الجند ولا يتعرضون لهم بحال , بل هم يبتسمون معجبين ومحيين .

وفي القطار الذاهب إلى القاهرة نجده قد ملئ بالمدارس الأخرى فالزقازيق الثانوية وبلبيس وأبو كبير والتل الكبير . وفي الطريق تلحق بنا قليوب الثانوية وبهتافاتها العالية .

ثم يتوحد الهتاف , ويصير لهذه المظاهرة هتاف مميز يخرج من فم واحد ويردده الجميع .

وفي ميدان باب الحديد نجد المدارس قد جاءت من كل أنحاء مصر .

وتختلط الأصوات والصرخات وتتباين الهتافات ثم تتوحد , فنجد أن هتاف الإخوان المسلمين هو الذي يسود المكان .

الله أكبر ولله الحمد .

ولعلي قد تجاوزت الخريف إلى الشتاء .

ولعلي أقف مع مصر وهي تشيع شهداء الإخوان الذين ماتوا في القنال!

وكان يوما مشهودا في القاهرة .

وفي هذا اليوم وضحت الرؤية , فقد تحدد مصير النظام وظهر خطر الإخوان في منعطف جديد .

ولله في خلقه شئون !

كانت المدرسة في ذلك الوقت تضم جمعا كبيرا من طلبة الإخوان , أو من كانوا يسمونهم بالأشبال , وكان هناك مسئول عن المدرسة من الطلبة , وهو على ما أتذكر الدكتور عبد الفتاح خالد منصور, وكان له سلطان على المدرسين وأيضا على الناظر , وكان مهذبا دمثا يعقد اجتماعاته كل يوم اثنين , وكان هناك مسئول عن كل فصل , وربما كان في الفصل الواحد عدة أسر , والأسرة تتكون من خمسة لهم نقيب , ولهم برنامج دراسي ورياضي وتربوي وتثقيفي ولهم حضور واحترام بين المدرسين والتلاميذ كافة .

وكان أكثر من نصف المدرسين من الإخوان , وكان الناظر نفسه من المتعاطفين مع الجماعة وكان ينظر برضا وحبور إلى نشاطهم وإلى حسن أخلاقهم وجديتهم وتفوقهم في دراستهم .

كل هذه النظرات والذكريات محاولة لرسم صورة الإخوان ودروهم في المجتمع المصري في تلك الأيام التي سبقت ثورة 23 يوليو.

كانت هناك شعبة في كل قرية ومركز من حولنا , ويجتمع في هذه الشعبة صفوة المثقفين وأهل العلم والطليعة الرائدة التي لها دور في تغيير المجتمع الصغير والكبير من خلال التدخل في فض المنازعات ومن خلال التربية والتعليم والتثقيف , وجعل العبادة منهجا يوميا يحرص الجميع عليه .

بالإضافة إلى هذا كان للإخوان الدور الرائد في تنبيه الشعور القومي والوطني وبعث الحس الإسلامي الكامن في نفوس الذين يحلمون بدولة عظيمة يحكمها الإسلام .

واستطاعت شعبة الإخوان أن تجند الشعب المصري كله بطوائفه كافة في مختلف المجالات وفي حدود نطاق وجودها لحرب الإنجليزوالسراي والفساد .

وخرج المتطوعون إلى القنال .

وكانوا جميعا من الشباب صغار السن كما وصفنا .

وسرت في القرى والكفور والنجوع روح غريبة جديدة .

وكانت الشعبة الرئيسية في مركز شبين القناطر لها نظام ثقافي وتربوي ورسالي , فكل يوم جمعة يذهب إمام وخطيب إلى قرية مجاورة لخطبة الجمعة .. إلى معظم القرى تقريبا .

ويخطب الخطيب بروح جديدة , وبعد الصلاة يجلس في " دوار " ويجتمع وشباب القرية وشيوخها وأهلها , ويساعده أهل شعبة القرية فيجتمع كل الناس , ويكون مؤتمر شعبيا دينيا , تناقش فيه كل القضايا , وكان يحدث في أحيان كثيرة مناظرات مع أصحاب الأحزاب الأخرى , تبدأ بعداوة وتحد وتنتهي باتفاق وصداقة .

واستطاعوا في زمن وجيز يسير أن يجعلوا من القضية الوطنية الدينية شغل الناس الشاغل .

وبدأت جماهير الشعب تفكر في الجرائم التي يرتكبها القصر والبوليس السياسي . وظهرت صور حسن البنا في البلاد والبيوت والمساجد والمدارس .

وتهيأ المسرح لحدث جديد سوف يكون وبدت معالمه !

كان الناس قد بدءوا يتعودون عادات جديدة مع ظهور الإخوان في البلاد , فتغيرت طبائع الصناع والموظفين وصار الجميع حريصين على تغيير المجتمع من خلال رفض العادات الموروثة التي لا نفع منها , والتي كانت تعمل عمل السوس في البنية الأساسية للدولة والمجتمع .

صار يتردد أن الملك هو سبب كل مصيبة , وأن رجال الحاشية هم الذين يمدون له في الغي .

وكثرت الحركات الوطنية وكلها كانت تصب بروافدها في نهر الإخوان المسلمين ولعميق الأسف لم يكونوا على وعي كامل وواضح بكل ما يراد بهم .

وكانت الدوائر تحيط بهم , الأعداء يعدون عدتهم لحربهم والقضاء عليهم واستئصالهم وأكد هذا اشتراكهم في حرب فلسطين , ثم المقاومة الساخنة للإنجليز في القنال .

واتصل بهم الشيوعيون يحاولون التنسيق معهم .

وكذلك فعلت جماعة مصر الفتاة

وعزفت معزوفة جديدة تعلن حياة جديدة لما أطلق عليه بعد ذلك " دول العالم الثالث "

وتهيأ الجميع وشاركوا في انقلاب 23 يوليو 1952 .

عودة إلى الشعبة

كان دور " الشعبة " في حياة الناس دورا رئيسا في تلك الفترة الميمونة التي سبقت الثورة التي سموها المباركة ولم تكن كذلك .

واستطاعت أن ترسل نورها عبر جيل من الرواد العظام الذين لم يبق منهم على قيد الحياة الآن غير عدد قليل يعدون على أصابع بعض الأيدي .

وعظمة الإنسان قد تقاس بقدر تأثيره في الناس وتغييره من طبائعهم ومن سلوكهم بالقول والتعليم والسلوك و التصرف والصمت أحيانا .

ذوكانت عظمة هؤلاء الناس عندما أتأملها عبر عشرات السنين التي مرت على أحداث الطفولة والصبا , تتمثل في بساطتهم ويسرهم ولينهم , وتكمن أيضا في شدتهم وقوتهم وحزمهم وصبرهم , وتراها وتبصرها في وعيهم العالي بالتاريخ وإدراكهم بمشكلة الإسلام والمسلمين في تلك الحقبة من الزمن , في إصرار لا حدود له , وثبات لم أجد له مثيلا بعد تطاول السنين .

كانوا فقراء وضعفاء في ظاهرهم ولكنهم يقفون أمام الملك ورجال القصر والحكومة ومن خلف هؤلاء جميعا الإنجليزواليهود بأنيابهم الكاشرة .

وكانوا يدركون أى عدو يواجهون في حربهم التي بدأت ولا يعرفون موعدا لانتهائها .

وكانوا يعلمون أن السجن والاعتقال والشهادة أمر حتمي لكل من يسلك هذا الطريق فكانوا ينتظرونه , ويتوقعونه لا يتهيبون أن يقع شئ منه , وكان هذا أيضا من مظهر عظمتهم التي يعجز أمامها المحللون والمفسرون, رغم أنها ببساطة قبسة من روح الإسلام .

كانوا فقراء لا يملكون الكثير ولكنهم في المواقف تراهم أثرياء يفعلون الكثير . ف

الشهيد الحاج محمود يونس ذلك الرائد الذي لا ينسي من عرب جهينة مركز شبين القناطر , وأحد الذين ندين لهم بالفضل ونذكره ونترحم عليه , كان من أوسط الناس وهو إلى الفقر أقرب , ولكنه يبيع ما تركه له أبوه من قطعة أرض لا تزيد على فدانين وهي كل ما يملك لأن الإمام الشهيد حسن البنا يريد أن يشتري دار للإخوان المسلمين في القاهرة .

ويعود الشهيد محمود يونس إلى قريته بعد صلاة العشاء الآخرة ثم يرجع إلى القاهرة ويسلم الإمام الشهيد ثم الأرض بعد أن أدي معه صلاة الفجر في الجماعة .

كانت حياة هذا الداعية المجاهد ملكا للدعوة وهو لا يعرف غيرها في صحوه أو منامه , في حله أو ترحاله , أعطاها كل ما يملك , ولما فاض به الكيل وهبها حياته شهيدا في كرم وإيثار وأريحية في قصة خالدة في قصص التعذيب الوحشي الذي كان يجري في مجلس قيادة الثورة وقصر عابدين والسجن الحزبي الشهير .

وكانت هذه النماذج الرفيعة التي عرفتها في صباي تذكرني بالصحابة عليهم الرضوان فهم إليهم أقرب وسلوكهم بهم أشبه , حيث التجرد ونكران الذات والإخلاص الذي لا تبدو له حدود كالبحر في تدفقه .

ولم أكن أعرف في تلك الأيام الصفة التنظيمية لبعض هذه النماذج العالية , فحتى هذه اللحظة لم أعرف ما هي الصفة التي كان يحملها الشهيد محمود يونس , ولعلي لم أسأل ولكني كنت أراه في كل موقع وأثناء أية مناسبة , فقد كنت أعرف أيامها أن الحاج الحسيني يونس وهو نائب شعبة شبين القناطر , ثم عرفت بعد تطاول السنين أنه كان مسئولا عما يسمي مركز الجهاد بمركز شبين القناطر .

وكنت أري الحاج حسن عليان الذي أنشأ وأقام مدارس الجمعية حيث كان يقوم على التدريس بها حسن عيسي عبد الظاهر كما ذكرت , ثم عرفت بعد تطاول السنين أن الحاج حسن عليان هو مسئول الجهاد عن مركز الخانكة آنذاك .

وكانت عواطف هؤلاء الناس رقيقة وعميقة يلفها شئ غير قليل من وهج التصوف ونور الإشراق الإلهي في قناعة وتجرد , فكان تأثيرهم في الناس عظيما , فهم الوجوه وهم السادة , وهم الذين يرحب بهم في أى مكان وكان الشهيد محمود يونس أحد أربعة ذهبوا لتقديم العزاء للمرحوم أحمد عبد الرحمن البنا والد الإمام الشهيد يوم استشهد .

وتم اعتقاله مع غيره بعد تقديم العزاء !

عواطف متأججة وعميقة كانت تلف هؤلاء الناس فينفثونها نورا يؤثر فيمن يلقونه بغير تمييز .

وكان هذا من أشهر ما يميزهم ويختصون به .

وتذكرت واقعة قريبة في استطراد لا مندوحة عنه ..

كنت أجمع معلومات عن حياة الإمام الشهيد حسن البنا الشخصية , لموضوع أرجو من الله النجاح والتوفيق فيه .

وأشار على الصديق العزيز الحاج حلمي عبد المجيد بمقابلة الحاج عبد الله الصولي شقيق المرحومة زوجة الإمام الشهيد .

وقلت له : وأني لنا به ؟ فقال : هو صديقي وسوف أحدد لك معه موعدا وفي يوم حار أخذنا طريقنا إلى الإسماعيلية حيث يقيم الحاج عبد الله الصولي بعد أن حدد لنا الحاج حلمي عبد المجيد موعدا معه .

وصعدنا السلم في بناية عتيقة تنبعث من ثناياها رائحة التاريخ القريب وعبقه . وجلسنا في غرفة الضيوف في انتظار الحاج عبد الله الصولي الذي لم يكن في استقبالنا وقد عللت ذلك وقتها بأننا قد حضرنا مبكرين عن الموعد قليلا .

ثم هل علينا الرجل الطيب صاحب الدار .

وفوجئت به شيخا قد تجاوز الثمانين يسير محني الظهر بصعوبة شديدة وفي يده عصا غليظة يتوكا عليه .

وساعدناه حتى أجلسناه .

وقدمني إليه الحاج حلمي عبد المجيد وشرح له طلبي وغرضي من الزيارة وارتسمت أمارات الارتياح على وجهه الذي غضته السنون .

ثم وجدت الدمع ينهمر من عينيه فظننته رمدا فيها , ثم رأيته يبكي بكاء مرا ويلتفت إلى الحاج حلمي معاتبا أنه لا يأتي لزيارته كل هذه السنين الطويلة وعرفت أنهما لم يلتقيا منذ سنين .

وتحدثا فكأنهما لم يفترقا لحظة من زمن .

وصرت أرقبهما في عواطفهما الجياشة وهما يتذاكران الأحداث البعيدة والقريبة في حالة هي أقرب لما يسميه المتصوفة بالوجد , وتحدثنا معه ما شاء الله لنا أن نتحدث ثم جاء موعد الانصراف , وبكي الشيخ بكاء مرا مرة أخري , فقد أزعجه ذهاب صديقه أو انصرافه .

وتعانقا ثم افترقنا فإذا بالشيخ ينادي من بين بكائه :

- يا حلمي ..

- وانقلب إليه الحاج حلمي عبد المجيد مسرعا :

- نعم يا سيدي .

ومن إشراقة الوجد وتلألؤ الدمع وصدق العاطفة قال له الحاج عبد الله الصولي ( الذي كان جالسا أثناء وداعنا لصعوبة قيامه وإصرار الحاج حلمي على بقائه جالسا ) : قال :

- دعني أقبلك مرة أخري قبل أن تنصرف يا حلمي. ومسكت دموعي وأنا أتامل هذا الفيض من الجلال والبهاء , وتلك العواطف الغريبة العجيب التي لم يعد لها وجود .
- ونزلنا السلم صامتين وقد لفت كل واحد منا عواطفه وأفكاره .
هذه العواطف كنت أراها في عالم " الشعبة " في شبين القناطر في تلك السنين البعيدة التي انصرمت مع تقلبات الليل والنهار .
وهناك أسماء لا ينبغي أن تنسي بل يجب أن تسجل وبحروف من نور .

فإلي جوار اسم الشهيد محمود يونس والحاج حسن عليان من الأحياء – مد الله في عمره - والمرحوم الحاج الحسيني يونس نضع اسم المرحوم الشيخ عبد الفتاح السيد من عرب العليقات والمرحوم الشيخ أمين الفحل من كفر شبين القناطر والمرحوم الشيخ إبراهيم البلاد والمرحوم الشيخ الهادي الزلباني والمرحوم محمد سليمان الهضيبي الذي هاجر ومات في أرض الهجرة والشهيد محمد صوابي الديب من الشوبك والذي مزقته السياط والأسياخ المحمية في أتون السجن الحربي فاستشهد يافعا كمصعب بن عمير .

وبجانب هؤلاء من الأحياء الحاج حسن حافظ الفقي – مد الله في عمره – وكذلك الحاج الحسيني ثابت , والحاج محمد المخ من عرب جهينة .

والأسماء كثيرة ولامعة وكلها مضيئة.. تتوهج بالإيمان واليقين .

وأنا أكتب حسب ما تسعفني الذاكرة .

فقد كان من الغر الأماجد المرحوم عبد الفتاح العسيلي والمرحوم إسماعيل الدبيس والمرحوم محمود وهبة , والحسيني أبو زيد ولا أدري هل هو بين الأحياء أو الأموات , والمرحوم عبد العزيز البشوتي .

وهناك وجوه أراها بمخيلتي ولكني لا أستطيع النطق بأسمائها لضعف الذاكرة وتقدم السن وتوالي الأحداث .

ولكن وهج هذه الأسماء , ومثلها يتكرر في كل مدينة ومنطقة هو الذي حفظ هذه الدعوة وحماها من التآكل والنسيان ومن خلف ذلك إرادة الله القادرة الغالية المريدة .

أخشي أن نغرق في بحر الأسماء .

كان النشاط في تلك الأيام عجيبا وغريبا , لم يعهده أحد من الناس , ولكن كان الإخوان المسلمون يعملون على تغيير المجتمع ووضع قواعد جديدة وقيم لم يعرفها الناس من قبل على وحي من الإسلام وعلى هدي من روح القرآن .

فذلك التعارف الذي ينبغي أن يكون بين الإخوان في رحلاتهم وفي زياراتهم الدائبة التي لا تنتهي , حيث تذهب مجموعة لزيادة مجموعة أخري في بلدة أخري , ويتم التعارف بينهم , ومن الواجب أن يذكر كل واحد اسم أخيه وصناعته وأين يقيم وكيف يقيم وكم ابنا له أو بنتا وما هي المشكلة التي يواجهها وكيف يستطيع أن يساعده في حلها ؟ ولابد له أن يتفهم ظروف أخيه , ويصير ذلك أكثر عمقا في محيط الأسرة وهي وحدة البناء في مجتمع الإخوان المسلمين فقد نسمع ضابطا يتكلم عن آخر فيقول .

فلان هذا من دفعتي , فتفهم مدي عمق الصلة بينهما على الفور .

وعلى غرارها قد تسمع واحدا من الإخوان يذكر آخر فيقول :

- الأخ فلان كان في الأسرة .
- وهنا نعرف أن بينهما صلة ليست بين اثنين في أى مجتمع آخر .
- كانت شعبة الإخوان المسلمين بشبين القناطر مراكز من مراكز الجهاد كما قلنا وكان المحرك الرئيسي للنشاط في تلك المنطقة هم إخوان العرب وعلى وجه التحديد عرب الصوالحة وعرب جهينة .
- وكانوا ينوون إقامة مركز للجهاد في بنها .

وفي سبيل ذلك اتفق أن يذهب الشيخ حسن عليان – مد الله في عمره – ومعه الشهيد محمد صوابي الديب إلى بنها حيث يعاونهما هناك الشيخ عز العرب فؤاد حيث كانت النية تحريك بنها وما حولها فتكون بؤرة للنشاط مثل شبين القناطر والخانكة وهذا عرفته مصادفة بعد سنين طويلة .

ولكن أحداث التاريخ أخذت وجهة أخري فلم يتمكنا من ذلك .

وكان نائب الشعبة في شبين القناطر هو المرحوم الحاج الحسيني يونس الموظف بالمجلس البلدي آنذاك .

وكان الموظفون في المجلس البلدي في ذلك الوقت لا يزيدون على عشرة .

وهم الآن يقتربون من الألف , وهي أرقام تجعل الحليم حيران .

وكان هذا الرجل – عليه رحمة الله – محل احترام وتوقير كبار رجال البلدة حتى مأمور المركز كان يعمل له كل حساب ليس لموقعه كنائب للشعبة ولكن لخلقه الرفيع وعظيم تأثيره في الناس .

وكان مجال الدعوة والنشاط في ذلك الوقت هو الطبقة الوسطي حيث الموظف الصغير والعامل والفلاح ومدرس الابتدائية وصغار التجار ثم الطلبة بكل تخصصاتهم وتوجهاتهم, ولو صعدنا قليلا فإلي مدرس الثانوي.

ولا أذكر في تلك الأيام أنني رأيت طبيبا واحدا في الشعبة لكن كثيرا من الطلبة آنذاك صاروا أطباء مشهورين .

ولا اذكر أيضا أنني رأيت مهندسا واحدا- ربما كان هناك ولكني لا أذكر – لكن كثيرا من الطلبة الذين كانوا ينتظمون في الأسر صار منهم اليوم بعض المهندسين المشهورين ومنهم من صار عميدا لكلية من كليات الهندسة , بل هناك أكثر من عميد .

كانت الحركة كلها والتوجه بأكمله في خطوط نشطة ناحية الطبقة الوسطي أو ما تحت ذلك إن جاز التعبير .

ولعل الذين أخذوا حظا أعظم من العناية والاهتمام هم العمال والفلاحون أو الطلبة, وذلك لسهولة الاقتراب منهم والتعامل معهم .

وكانوا يقومون بتمويل أصحاب الصنعة الصغار حتى يستقلوا بعملهم . وأذكر الأخ " مصباح " الخياط الذي كان يعمل في محل خياط , محل المرحوم عبد الفتاح الخولي , وجمع له الإخوان ثمن ماكينة خياطة واستأجروا له محلا صغيرا , واستقل بعمله وصار من أصحاب الحرف وأرباب العمل .

وكل ذلك كان يتم بجهود ذاتية قليلة الحجم ولكنها مباركة التأثير.

كان الإخوان المسلمون يقلبون المجتمع تقليبا في ذلك الوقت ويعملون على تغييره تغييرا أصليا ونجحوا نجاحا عظيما في توصيل دعوتهم إلى كل بيت وقد لا نكون في هذا مبالغين .

كانت هناك محاضرة تلقي يوم الخميس من كل أسبوع , وكانوا يحددون لها وقتا بين صلاة المغرب والعشاء , ويحضر هذه المحاضرة أغلب من له علاقة بالإخوان المسلمين من المركز والقرى المجاورة , وكنت أري الإخوان يمرون على المحلات التجارية بعد صلاة العصر يدعون الناس لحضور هذه المحاضرة .

وفي بعض الأحيان كان يأتي زائر من القاهرة من الدعاة الكبار الذين لهم شهرة مثل حسن دوح والدكتور محمد خميس حميدةوالشيخ عبد اللطيف الشعشاعي والدكتور سعيد رمضان والمرحوم عمر التلمساني.

وقد رأيت الشهيد سيد قطب وهو يلقي كلمة في الشعبة أيام أن كانت في منزل المرحوم عليوة الوكيل عمدة البلدة .

وبعد أن وضع المرحوم الحسيني يونس دعائم الشعبة وسار النشاط فيها على النحو الذي يحبون ويرضون أوكلوا بها الحاج حسن الحافظ الفقي نائبا ومسئولا , ثم رأيته بعد ذلك يتلقب في السجون والمعتقلات مثل غيره من الرواد الأوائل .

وكان هناك تقليد متبع في كل من أيام الجمعة كما قلنا .

ففي هذا اليوم تخرج مجموعات الدعاة من المركز إلى القرى التي ليست بها شعبة فتخرج ثلاث سيارات أو أربع حسب ما هو متوافر من الدعاة

داعية ومعه ثلاثة أو أربعة من المرافقين ويذهبون إلى القرية وقد يكون هناك ترتيب فيخطب الجمعة حيث يكلم الناس بلسان جديد ولهجة لا يعرفونها من قبل , أو يستأذن فيسمح له بالكلام بعد صلاة الجمعة و ويكون ذلك فتحا جديدا في القرية .

وكانت هذه القافلة لا تقبل الضيافة إن كانوا لا يعرفون أحدا من هذه القرية ولعل جماعة التبليغ قد أخذت هذا التقليد من تلك الأيام , فقد كان زعيم التبليغ الحاج فريد العراقي أحد رؤساء هذه القوافل التي تخرج للدعوة يوم الجمعة .

وقد يكون من أهل القرية من يعرفون فيقبلون ضيافته , ونذهب إلى " الدوار " ونتناول الغداء , ثم يكون مؤتمر مشهود يحضره الوافدون ومعظم أهل القرية وتكون ندوة عن الإسلام : حاضره بين ماضيه ومستقبله .

وكان هذا الداعية يثير في ذلك اللقاء قضايا غريبة ومركبة في الدين والسياسة على هؤلاء الفلاحين البسطاء الذين كانوا يتقلبون الكلام ويعجبون به ويشغفون بسماعه ومن ثم تتغير آفاقهم وأفكارهم من هذا اللقاء .

وقد يفتح الله على الداعية فيصر الحاضرون على إنشاء شعبة للإخوان وكان ممن يخرجون في هذه القوافل كل جمعة الشيخ عمر إسماعيل منصور وكان طالبا في كلية دار العلوم في ذلك الوقت وكان بليغا متكلما , ودودا متلطفا في قوله يقترب من الناس في مودة ولين ويسر , ولا أذكر أنه تخلف مرة عن هذا الخروج .

وكان ممن جلسنا إليهم وتعلمنا منهم , كم شرح لنا أساليب دعوة الإسلام ودورها في تغيير المجتمعات والناس , وكان كثير المواظبة على قراءة القرآن ,يحضر إلى الشعبة كل يوم وكأنها بيته الثاني, فهو يكاد لا يفارقها .

ثم فرقت بيننا الظروف والأيام ولم ألتق به في سجن أو معتقل.

وبعد أن انزاحت الغمة وهدأ الضجيج سمعت أنه من أعضاء الحزب الوطني في نفس البلدة التي شهدت جهاده القديم .

وفي كل مرة أسمع أنه يشارك في انتخابات الحزب الوطني بتلك الطقوس الغريبة المشتهرة حيث يجعلون الموتى يدلون بأصواتهم ويحرمون على المواطن إبداء رأيه ويخوفونه بالحكومة إن أراد أن ينتخب غير مرشحها فلا أكاد أصدق فالرجل صاحب دين وخلق وقد تعلمنا منه الكثير .

ولكنها تقلبات الليل والنهار , وفي كل مرة أسمع عنه هذا تعتريني الدهشة والتعجب وكأني أسمع ذلك للمرة الأولي , ثم أتذكر كلماته العذبة المؤثرة عن عالم الإسلام الذي نحلم بوجوده وبمجده الذي نتمناه ثم أعجب وأدهش أن الرجل كان أحد من صنعوا جيلا من المسلمين لا يزال متمسكا بكلماته التي ألقاها عليهم منذ عشرات السنين , فقد كان من أشهر من يقفون للكلام في الشعبة , فهو المتحدث إن غاب زائر كان مقدرا له أن يجئ وكان متمكنا من الكلام على علم بتفسير القرآن , وعلى وعي بأسلوبه في مناجاة النفس البشرية وغرس دعائم الإيمان فيها , وعهدي به صلبا قويا فاهما , ولا أدري ماذا حدث له أو ماذا حدث للناس ,ولكني أعود فأتذكر أن الله يحول بين المرء وقلبه كما كان يخبرنا وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين .

وعندما أتذكر تلك الأيام البعيدة تأتيني الآية الكريمة :

( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) ثم تلح على مخيلتي آية آخري  : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) ( الأحزاب : 23 , آل عمران : 179 ).

فهذه المحن التي يلاقيها أصحاب الدعوات هي جزء من الخطة الأبدية التي رسمت من الأزل وأن الإنسان المسلم بحياته المحدودة التي تتراوح ما بين ستين عاما وثمانين لا يستطيع أن يضع قواعد كل شئ , وعليه أن يقوم بالواجب ويؤديه وأن ما يفعله قربة إلى الله سبحانه وتعالي , وألا يفكر في نتائج هذا العمل ’ وثمرة ذلك الجهاد فهو يفعل الواجب ويترك الخطة الأبدية لصاحبها الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور , وأن يفعل ما ينبغي عليه قربة إلى الله سبحانه وتعالي وأن ينسي أن عليه أن يأخذ أجر هذا الجهد والجهاد في الدنيا وإنما هي جولة من جولات الشمس في طلوعها وغروبها حتى يفد الإنسان إلى ربه فيحاسبه على ما قدمت يداه وأن عمر الأمم لا يقاس أبدا بعشر سنين أو ضعف ذلك أو ضعفيه , ولكن عمر الأمم يقاس بمدي تدخل القدرة الإنسانية ودرجة الإخلاص لله سبحانه وتعالي وموقعها وموقفها من خطة الأزل .

ولم نع هذا الدرس إلا بعد سنين طويلة فقد ربي الإخوان في الماضي على النصر القريب وكانوا على يقين من " حسني " عرفوها من " الحسنيين " هي النصر وكان خاطر كل واحد أنها إنما هي جولة بالخيل , فينجلي الغبار فيجدون أنفسهم في المكان الأعلى من النصر والتمكين في الأرض ولم يدر في خلد واحد – إلا من عصم ربي – أنه قد يمر عمره وينتهي ولا يصل إلى غاية النصر المرجو والذي يداعب شوقه خلجات النفس في كل لحظة من الصحوة أو خلجة من خلجات الحلم في الليل .

وقد صنع ذلك وهج الحماسة ونور الإيمان وقلة الخبرة بظروف الحياة وتصاريفها وعدم الوعي بنكد الواقع الأليم الذي نعيشه بلاد الإسلام .

وكم من مخلص مؤمن قضي حياته في الجهاد وتوفاه الله ولم ير ذلك المجتمع الذي نحلم به ونعمل على تكونه ووجوده وقد يري ذلك قوم لم يأتوا بعد , أو آخرون جاءوا بعد أن فاتهم عمل قديم .

كان برنامج الإخوان المسلمين في الشعبة يعتمد على التربية و على التثقيف , فقد كانت هناك مواد معدة قام على ترتيبها ووضعها اختصاصيون أصحاب درجات كبيرة في تخصصهم وكانوا يهتمون بالقرآن الكريم وتلاوته وتفسيره , يهتمون بالسنة النبوية وبالأحاديث وعلمها , ويهتمون أيضا بالسيرة النبوية وماذا حدث لرسول الله صلي الله عليه وسلم من أمور , وكيف سار بجهاده منذ بعث بالإسلام حتى توفي عليه السلام بالمدينة والدروس المستفادة في العهد المكي وكيف كان تصرفه وفعله باليهود والمنافقين والذين أشركوا في المدينة حتى أشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وأسلم كل من فيها .

وكانت هناك دروس في كل التخصصات والمجالات للتثقيف العام ولخلق جيل يعي دوره في تغيير المجتمع بعد الهجمة العلمانية الإلحادية الشرسة من أجل تحقيق مبادئ الإسلام وقيمه .

وكانت هذه الدروس تعد إعداد دقيقا يتناسب مع أعمار من يذهبون إلى " الشعبة " وثقافتهم وتوجهاتهم وكانت تطبع في رسالة صغيرة قليلة الثمن يستطيع دفعه أى واحد مهما قل دخله .

وكان هناك قسم للطلبة وقسم للعمال ولكل قسم برنامجه في التثقيف والإعداد وكانت الشعبة بوجه عام كخلية النحل في العمل والدأب والنشاط , فقد كانت تغص بالناس يروحون ويجيئون فهي مليئة كثير من فيها فمنهم المحب والصديق ومنهم من يعجبه هذا اللحن الغريب الذي يعزف ومنهم العضو العامل الذي يقوم بواجبات الدعوة وأعبائها ويفعل ما فهمه من واجبات الجهاد .

وكان هذا كله محل تأثير وإعجاب من كل أهل البلدة أو بقية من ظلوا بعيدا في نظر وترقب .

ولم يكن من العجيب أن تجد أتباع حزب الوفد وكانوا أغلبية في بلدتنا قبل قيام الثورة وبعد قيامها فلم يكن مستغربا أن تجد كثيرا منهم يرتادون " الشعبة " وكانت هناك بقية من الأحرار الدستوريين وهو حزب من الأحزاب البائدة التي ذهبت كأن لم تغن بالأمس , وكانت هذه البقية ترتاد " الشعبة " أيضا .

لم يكن أحد يجد غضاضة في ارتياد " الشعبة رغم اختلاف التوجه السياسي ورغم العداوة الشديدة التي كان يحملها رؤساء هذه الأحزاب للإخوان المسلمين .

وكان أتباع هذه الأحزاب ممن يرتادون دار الإخوان يميلون كل الميل فيذرونها كالمعلقة فكل واحد منهم حزبي التوجه إخواني الهوى , على بقية مما ترك سعد زغلول وغيره من زعماء الأحزاب , في أمور شكلية المظهر غير بعيدة العمق , لا تكفي حاجة الروح والعقل وغالبا ما ينتهي الحال بمثل هؤلاء إلى أخ عامل من الإخوان المسلمين .

ويذكر لى الشيخ أمين الفحل – عليه رحمه الله – أنه في لقائه الأول والإمام الشهيد حسن البنا وكان ذلك اللقاء في منزل الشيخ أمين بكفر شبين , توجه الإمام الشهيد بالنقد إلي حزب الوفد وكيف نسي القضية الأصلية وهي الإسلام وتكلم في أمور أخري فرعية , ثم عرج في حديثه على سعد زغلول .

ولم يملك الشيخ أمين الفحل – رحمه الله - نفسه فزجر حسن البنا الذي غير الحديث ولم يتكلم في الموضوع بقية الليلة .

ومضى الزمن وصار الشيخ أمين الوفدي المتعصب نائبا لشعبة الإخوان , كان ما يحدث في شبين القناطر هو نفسه ما يحدث في سائر البلاد بأنحاء مصر , وكانت هذه الجماعة تسري في شرايين المجتمع رويدا رويدا وتوشك أن تصبغه بصبغتها بشكل نهائي وكامل .

وكان الكل يتهيأ لتغيير كبير يشمل مصر كلها وقد مهد له الإخوان تمهيدا جيدا , وأصحاب الأحزاب بتوجهاتهم الوطنية المختلفة كانوا يجدون حاجتهم النفسية والروحية عند أصحاب " الشعبة " بغض النظر عن توجهات القيادات الحزبية في العاصمة .

وكانت حوادث الإخوان القريبة رغم الإعلام السيئ الذي رسمته لهم الحكومة بكل أجهزتها والصحافة العالمية ووسائل الإذاعة المختلفة , قد مهدت لزرع فكرة أن هؤلاء الناس هم من يقومون على قيادة المجتمع نحو الأحسن .

وتردد بين الجماهير أخبار انتشار الجماعة في كل بلاد الدنيا حتى إن واحدا مثل أبي الحسن الندوي من أعظم علماء الهند المسلمين قد كبد نفسه المشقة وجاء واجتمع ولفيف يمثلون أعضاء الجماعة وتحدث في اجتماع سري معهم قد أحسن ترتيبه ثم أصدر محاضرته لهم في كتيب سماه "أريد أن أتحدث إلى الإخوان "

ولم يعد عند أحد شك في أن هذه الجماعة هي الأمل الوحيد والباقي لنهضة المسلمين وتقدمهم وأنها البديل الفكري والحركي عن الخلافة الضائعة التي ضيعها المسلمون بحمقهم وقصر نظرهم وحرصهم على مملكة هنا وإمارة هناك , ولا وعي لهم بما يدور في عالم المخططات والأساليب السرية لتمزيق الجسد الإسلامي .

هذا النشاط " لتحتي " الذي كان يقوم به الإخوان المسلمون من خلال الشعبة التي وجدت في أغلب بلاد مصر هو الذي مهد تمهيدا جيدا لتغيير النظام الملكي الذي كان على وشك السقوط .

وقد استطاع القائمون على " الشعبة " بنشاطهم الدءوب أن يفهموا الناس معنى الحقوق وأهمية الواجبات ,وتمكنوا من تبديد " السلبية " وغرس روح الاهتمام والمشاركة بين الناس في كل القضايا التي تهم الوطن , الذي أصبح بعد نشر المفاهيم الدينية الصحيحة جزءا من الدين , ولم يعد في حد ذاته غاية ينتهي إليها الجهاد .

كان الإخوان على يقين من تغيير النظام الوشيك , فهم يعملون من أجل ذلك وهم في نفس الوقت يفهمون تطور الأحداث وتبدلات الأيام , وكانوا يتحدثون بهذا في مجالسهم , وربما كانوا يفضون بذلك إلى بعض أصدقائهم الذين يتفقون معهم في الميول الوطنية .

ولعل المراقب والمطلع على أحداث التاريخ التي سبقت الملكية والتي أعقبت ذلك يري دور الإخوان المسلمين واضحا في هذا التغيير على المستويين : التغيير الفعلي وعملية الاطاحة بالملكية , وتقبل الناس لذلك وتأييدهم له ومساندتهم الشعبية التي كانت عاملا أساسيا في نجاح هذا التغيير .

ومن ملاحظاتي الشخصية أن " الشعبة " التي عشت أياما فيها أثناء صباي كانت هي المصدر الأساسي لكل صور الرفض للاستبداد والقيم غير الإسلامية والتي ظهرت بصور مختلفة أثناء حكم الثورة المشئوم الذي لا يزال ينوء بكلكله عن البلاد كليل امرئ القيس الكندي.

لم يكن أحد من الإخوان يعرف أن هذا الجهد الكبير الذي يبذل من أجل التغيير إنما هو من أجل " فصيل " انتهازي التفكير والأخلاق سوف يمكن له حيث يضع بصماته الجاهلة الغاشمة على البلاد والعباد لسنين لا يعلم عددها إلا الله .

والثورات دائما حلم عبقري في خيال بعض المؤمنين يقوم على صنعه جمع من المجاهدين ... وقوده الشهداء المجهولون ويجني ثماره الانتهازيون والجهلة واللصوص والأفاكون ,وأصحاب حتمية الحل الاشتراكي في عالم يسوي التراب على قبر الإشتراكية الشيوعية التي ماتت منذ حين .

كانت كل المقدمات منطقية لانقلاب 23 يوليو سنة 1952 .

الفصل الخامس " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " الإخوان بين المطرقة والسندان

( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين , وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) ( آل عمران : 146 -147 )

النظام الخاص

• ارتبط تاريخ الإخوان المسلمين بالنظام الخاص الذي أنشئوه .

وينعي عليهم هذا كثير من الكتاب وأصحاب الدراسات , وهنا ربط مستمر ودائم بين الإخوان والإرهاب في خطة تم نجاحها وآتت أكلها ضعفين .

ولعل هذا الكلام له حظ من الدعاية أكثر من حظه العلمي الموضوعي والغريب أن كثيرا من كتاب الغرب الذين تعرضوا بالبحث والكلام عن الإخوان هم أنفسهم أو هم نفس المدرسة التي مجدت وأشادت بالمقاومة الفرنسية للاحتلال النازي أثناء الحرب العالمية الثانية .

وقد أشاد كتاب الغرب بوجه عام بدور المقاومة الأوروبية للنازية في تلك الحقبة سواء حدث هذا في فرنسا أو هولندا أو بلجيكا أو أى مكان آخر من أوربا , وكتبت الروايات ودون التاريخ ودبجت القصائد وعبئ العالم كله , واحتشد لتحية هؤلاء الأبطال الذين قاوموا النازي , لم يصفهم كاتب واحد بالإرهاب , رغم أنهم كانوا يطلقون الرصاص على القوات النازية المحتلة , وكانوا يطلقونه أيضا على المتعاونين معهم من المدينين ولم يفرقوا في هذا بين رجل وامرأة , فكل من تعاون مع النازي كان لابد أن يقتل , وبأية طريقة , سهلة كانت أم صعبة , هادئة أم تتسم بالوحشية والقسوة .

ويتبادل الوطنيون التهنئة في الصباح كلما سمعوا باغتيال خائن بالليل , وأطلق " النازي " كلمة " الإرهابيين " على هؤلاء الأبطال الذين قاموا بأعمال المقاومة ضدهم , رغم أنهم كانوا محل تقدير وإعجاب وإعزاز وثناء من كل المثقفين في العالم آنذاك ولا يزال التاريخ يمجدهم ويشيد بدورهم .

ونعود إلى النظام الخاص الذي أقامه الإخوان المسلمين فنجده لم يفعل أكثر مما فعله النظام الخاص الفرنسي عندما أطلق الرصاص على الألمان وعملائهم من أهل البلد .

وقد تكون النظام الخاص للإخوان المسلمين في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر .

وقام بدور وطني كان له أثره في الجلاء بعد ذلك .

وعندما أعلنت الدولة اليهودية في فلسطين في 15 مايو عام 1948 كان أول من ذهب لقتال اليهود هم أعضاء النظام الخاص , كانوا هناك من أول [يناير]] .

ولو لاحظنا الفترة الأخيرة من تاريخ مصر الحديث لوجدنا أن هذا النظام كان له دور كبير في مسائل أساسية .

ولو مررنا أيضا مرورا سريعا على أعمال المقاومة التي كانت في الفترة ما بين إنشائه حتى ظهور سافرا مدججا بالسلاح لوجدنا الأمر كما يلي :

دوره في حرب اليهود بفلسطين عام 1948 .

تصعيد المقاومة إلى ذروتها ضد الإنجليزفي القنال عام 1951 .

التحضير والقيام بالاتفاق مع الضباط بثورة 23 يوليو عام 1952 .

وهذه أكبر ثلاثة أعمال قام بها النظام الخاص للإخوان المسلمين وقد يكون هناك من يقول إن هذا النظام كان تشكيلا جهاديا وطنيا , قد أسس على التقوى وطاعة الله ولكن كانت له أخطاء .

وإن كان الأمر كذلك فهو شئ طبيعي , فكل تشكيل له أخطاء , ولكن ما هي هذه الأخطاء على وجه التحديد ؟

تختلف الأقاويل والرؤى حولها , فالبعض يقول لم يكن من المناسب اغتيال أحمد الخازندار القاضي , ويرد عليهم من يقول إنه كان عميلا للإنجليز , وإنه كان يقول بشرعية الاحتلال وإن وجود القوات الإنجليزية في مصر كان بموجب معاهدة شرف وصداقة – يقصد معاهدة 1936 – وإنه قال هذا في المحكمة ردا على الدفاع الذي كان يشير إلى دوافع المتهمين الوطنية في عدوانهم على العساكر الإنجليز.

وهناك من يقول إن قتل النقراشي باشا كان من أخطاء هذا النظام , والصواب والخطأ يخضعان لظروف الحادث ونحن هنا نذكر أقوال المحايدين وبطبيعة الحال هناك أعداء الإخوان وأصحاب المصلحة في عدم وجودهم على الساحة المصرية , وهم الذين وصفوهم بالإرهابيين وألصقوا بهم هذه التهمة ونحن هنا لا نناقش هؤلاء بأى حال .

وكان هناك من المحايدين من وصف مقتل النقراشي باشا بأنه عمل وطني يستحق الإعجاب والثناء لأسباب موضوعية أطنبوا في شرحها ووصفها .

وعموما فقد اختلفت رؤى المحللين السياسيين حول نشاط النظام الخاص , فهناك من دافع عن وجوده بشكل عام , وأثني ووافق على كل جزئيات نشاطه , وهناك من أقر وجوده , ووافق الإخوان على مثل هذا النوع من النشاط في مواجهة قوي الاحتلال الإنجليزي , ولكن كانت لهم تحفظات على بعض الممارسات والتصرفات .

نشأة النظام الخاص

تكون النظام الخاص على فترات ومراحل , وكان يستهدف كما قلنا – وحسب رأي الذين كونوه وأداروه وكذلك أعضاؤه – الإنجليزفي مصر واليهود في فلسطين وكذلك مساندة المجاهدين المسلمين في كل الأقطار الإسلامية التي تعاني من الاستعمار , سواء كان إنجليزيا أو فرنسيا أو غير ذلك.

وكان الإخوان ينوون نقل هذا النشاط الجهادي إلى كل هذه الأقطار , وكان عندهم ما يسمي بقسم الاتصال بالعالم الإسلامي يقوم بالعمل على تنظيم هذا وترتيبه .

وقد لا نعلم أن " الحبيب بورقيبة " عندما هرب إلى مصر في الأربعينيات لجأ إلى دار الإخوان المسلمين , وأقام فيها , وهناك من خرج معه إلى شارع إبراهيم باشا – الجمهورية الآن – ليشتري له بعض الملابس للمعيشة والخروج من قمصان وبيجامات وغير ذلك .

وكذلك كان " هوارى بومدين " رئيس الجزائر السابق من المقيمين في حارة متفرعة من شارع الأزهر , ومعه كثير من حكام الجزائر السابقين والحاليين , وكان الذي يقوم على مصالحهم وشئونهم هو الأستاذ صالح أبو رقيق , وهو أيضا الذي كان يقوم بدفع أجرة هذا البيت بمعرفته من ميزانية الإخوان .

وتفصيل ذلك يطول فلو تتبعنا هذا الأمر على هذا النحو لوجدنا طلائع المجاهدين المسلمين في شتى الأقطار قد جاءت إلى مصر واتصلت بالإخوان , وأن هناك تنسيقا ما من أجل طرد المستعمر , أو التخلص من الحكومات الظالمة المستبدة على النحو الذي حدث فعلا في الثورة اليمنية عام 1948 وما عرف عن صلة الإخوان الوثيقة بهذه الثورة , وكانوا يأخذون على الإخوان اغتيال الإمام يحيي رغم أن الحقيقة قد أظهرت بعد ذلك أن من قام بقتله هم شباب من القبائل اليمنية كافة .

وهناك بطبيعة الحال من يعد هذا من مفاخرهم وحسناتهم .

واختلفت الآراء حول نشأة النظام الخاص للإخوان بشكل عام .

وهناك من يقول إنه قد تكون عام 1937 , على أثر ظهور الخطر اليهودي في فلسطين وعلى الأخص بعد ثورة فلسطين الإسلامية عام 1936 .

وهناك من يقول إنه قد تكون في بداية عام 1942 مع تحرك الصراع بين الألمان والإنجليزفي الحرب العالمية الثانية ,واقتراب قوات المحور من الأراضي المصرية قادمة من ليبيا على يد الغازي روميل آنذاك .

وبسؤال الكثير من أهل الذكر حول هذا الموضوع يبدو أنه لا يوجد تاريخ دقيق أعلن فيه نشأة هذا النظام .

ويبدو أنه قد نشأ على مراحل ,وعلى صور مختلفة , وبأشخاص متعددين ويتضح لنا ذلك من تعدد الروايات حول نشأته , ويبدو أيضا أنها حلقات قد تداخلت بعضها في بعض حتى أخذت شكلها الأخير ربما مع عام 1944 .

فقد حدثني أحد قادة هذا النظام أنه كان عضوا في تشكيل جهادي يضمه مع آخرين قد أقاموه بأنفسهم وبمعرفته هو وزملائه قبل أمر حسن البنا عليه رحمة الله له بالاندماج ومن معه ليتكون النظام الخاص .

وكانت هناك مجموعات أخري شبيهة ليست تابعة لأحد , ولكنها قامت من منطلق عقائدي جهادي .

وهناك أوجه كثيرة للنظر حول هذه النقطة عن كيفية نشأة النظام الخاص للإخوان ولكن ليس هناك بالتأكيد توقيت دقيق لتاريخ تسربه إلى الجيش المصري , ولكن بالبحث والسؤال نستطيع أن نصل إلى بعض المعالم .

ففي غضون عام 1942 كان قسم العمال بالمركز العام للإخوان المسلمين يستهدف ضم أكبر عدد ممكن إلى صفوف الإخوان , ونشر الدعوة بينهم والتغلغل في صفوفهم .

وكان يقوم على هذا القسم المهندس (....) برغم أنه كان نائبا لرئيس القسم وكانت منطقة المعادي بما فيها من مصانع هي هدف هذا النشاط .

ومن خلال العمل على تجنيد بما فيها من مصانع هي هدف هذا النشاط .

ومن خلال العمل على تجنيد أكبر عدد ممكن استطاعوا الوصول إلى صف الضباط الفنيين العاملين بالقوات المسلحة من سلاح الأسلحة والمهمات .

وقد كانت الصلة وثيقة بين هؤلاء العمال الفنيين من العسكريين .

وكان هؤلاء الفنيون من صف الضباط يذهبون إلى المركز العام لحضور درس الثلاثاء ومن أشهر هؤلاء الحاج عباس السيسي .

وكانوا يظهرون بين الناس بملابسهم الرسمية , وقد قال البعض إن المشهد كان مليئا بالعسكريين في يوم من أيام الثلاثاء هذه .

وأزعج هذا الإمام الشهيد حسن البنا , وكان رجلا بعيد النظر كثير الحرص بالغ الحذر وهو الأمر الذي جعله يفكر في عزل هؤلاء العسكريين والتنبيه عليهم بعدم الظهور بهذا الشكل السافر , في بلاد يحكمها الإنجليز, ويعرفون أخبار الناس ونشاطهم من خلال القلم المخصوص أو البوليس السياسي فالمباحث العامة , فمباحث أمن الدولة فيما بعد .

ومنذ هذا الوقت بدأ التفكير بشكل جدي في نشر الدعوة بين صفوف الجيش وتطلع الإمام الشهيد إلى ضم ضباط إلى النظام الخاص .

وعهد إلى الصاغ محمود لبيب وكيل الجماعة آنذاك بالعمل على تحقيق هذا , وقد نجح نجاحا كبيرا في هذا المجال , ولعله هو الأب الحقيقي لثورة 23 يوليو 1952 .

وقد أدي إلى تدعيم هذا الاتجاه وتقويته ظهور الضابط عبد المنعم عبد الرؤوف في المركز العام للإخوان واستماعه إلى درس الثلاثاء , واجتماعه والمرشد العام , وكان عبد المنعم عبد الرؤوف ضابطا وطنيا متدينا متحمسا, به بعض الاندفاع , وله خصائص مميزة بوجه عام , ومن الذين يجيدون الترتيب والتجنيد والتنظيم وكان أحد العوامل الهامة التي دفعت عجلة الإخوان بسرعة داخل صفوف الجيش , وكان عزيز المصري يعاون محمود لبيب في نشاطه .

وكان عبد المنعم عبد الرؤوف ضابطا له شعبية داخل صفوف الجيش صنعتها محاولته – مع آخرين – تهريب الفريق عزيز المصري إلى صفوف الألمان عندما كانوا على مقربة من الحدود المصرية وسقوط الطائرة عند قليوب في قصة غامضة في تفصيلها حتى الآن ,وتدور حولها الكثير من علامات الاستفهام .

بدأ الإخوان يكونون خلايا سرية بين صفوف الضباط في الجيش .

وكان الجيش مهيأ تماما لمثل هذا النشاط !

فعندما ألغي أتاتورك الخلافة العثمانية عام 1925 تبدد كل أمل للمسلمين في الكرامة وتحقيق الهوية .

ثم تكرست دول سايكس – بيكو على أنقاض خلافة الإسلام .

وجد الإنجليزوالفرنسيون في تزكية الشعور القومي والوطني بين المسلمين , وهو الأمر الذي لم يكن له وجود من قبل بقدر ما هو موجود الآن بين أهل إقليمين في دولة واحدة .

وبدأ تلامذة المستعمرين في العالم الإسلامي في تحريك أكبر حملة للتغريب وطمس الهوية الإسلامية للأمة بين الناس .

وقامت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 , وكأنها جاءت على قدر مع إلغاء الخلافة , وكأنها رد الفعل الطبيعي ضد هدم المآذن ورفع الصليب وإبعاد القرآن .

ويمكننا القول إن أكثر المثقفين والذين كانوا لا يزالون على دينهم وتداعبهم أحلام المجد المنصرم كانوا يفكرون في استعادة ما كان عليه المسلمون .

ولم تكن آمال التحرر من المستعمر هي التي تداعب نفوسهم فقط , بل كان الأمر أبعد من هذا وأعمق فقد كان هؤلاء جميعا تداعبهم فكرة الإسلام في دولته الكبيرة القادرة التي كانت منذ قرون , ثم ضيعها عبث الحكام .

ولا شك في أن كثيرا من ضباط الجيش المصري المسلمين كانت تداعبهم هذه الخيالات , ويرون إمكانية تحقيق ذلك عبر القوة , ومن خلال تجربة لم يقدر لها ما يلزمها من نضج واكتمال .

وكان يدعم هذا الخيال في نفوسهم ظهور العسكريات المتغطرسة في العالم, وكانوا يرون " هتلر " وهو يطأ أوروبا بحذائه , وفي حياله تستطيع أشباح القياصرة الرومان , وكان العالم متقطع الأنفاس وهو يرقب " هتلر " أثناء حربه مع العالم أجمع بشعب كان مهزوما هزيمة قاسية منذ قليل .

وكان " هتلر " هو المثل الأعلى الحديث في نفوس الشباب كافة من أهل البلاد النائمة أو كأنه المثل الذي ضرب للمستضعفين في الأرض .

كل هذا جعل الكثير من الضباط يسارعون إلى الانضمام لتشكيل تنظيم الإخوان السري في الجيش , مع احتفاظ كل منهم برؤيته الخاصة حول كل شئ .

وكان هذا الانضمام يخضع لنظام دقيق محكم , فلم يسمح لكل المتعاطفين والذين امتلئوا حماسة أن يكونوا أعضاء عاملين , كما كان كل ضابط يخضع لتجارب عديدة وإلى كثير من الاختبارات والتهيئة حتى يظفر بهذه المكانة .

ويظل الباقون بعيدا حتى يأتي دورهم فهم يمثلون الرأي العام أو البيئة التي تسمح بالاختيار والنشاط .

وكان جمال عبد الناصر من المسارعين في الانضمام إلى هذا النظام .

واجتاز كل الاختبارات حتى جلس للبيعة ذات مساء .

والأمور تجري على قدر الله ومشيئته بعد التفكير والتقدير .

وقد باشر نشاطه كعضو عامل في النظام الخاص للإخوان عام 1944 .

وكان معه عدد من الذين قدر لهم أن يشتهروا بعد حين :

كمال الدين حسين - حسين الشافعي – حسن إبراهيم – خالد محيي الدين – حسين حمودة .

وكان يرأس هؤلاء الجدد الضابط صلاح خليفة , شقيق الدكتور كمال خليفة واشتكى عبد الناصر أن رئيسه في التنظيم أقل رتبة منه , وهو أمر لا يتفق مع تقاليد الجيش . وحكم الأقدمية الذي يحدد القيادة والرئاسة .

ووصلت هذه الشكوى إلى الإمام الشهيد حسن البنا أخبره بها عبد الرحمن السندي عن طريق أبي المكارم عبد الحي , وكان مسئولا عن تشكيل الإخوان في الجيش بجوار عبد المنعم عبد الرؤوف أو بالاشتراك معه .

وكان كل من عبد المنعم وأبي المكارم يتبعان الصاغ محمود لبيب في التسلسل القيادي لهذا التشكيل الجديد .

وكان تعليق الإمام الشهيد على شكوى عبد الناصر أن الرئاسة والمسئولية في صفوف الإخوان تعتمد على السابقة في الدعوة وحسن الإسلام .

وضرب مثلا بأخ من الإخوان اسمه محمد رسمي كان كاتبا عموميا أمام محكمة إمبابة ولم يأخذ حظا من التعليم , ولكنه كان نقي القلب مخلصا مطيعا وله سابقة في الدعوة , وكان يرأس أسرة من بين أفرادها الدكتور عبد العزيز كامل والدكتور حسن الباشا , وهما من أساتذة الجامعة و قد يكون في هذا الكلام شئ من النقد والاعتراض , ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا ظروف تلك الفترة وطبيعة المجتمع آنذاك .

وقال الإمام الشهيد إن تنظيم الإخوان في الجيش يتبع جماعة الإخوان, وهو مقيد بنظامها وتقاليدها – يقصد عبد الناصر – وإن تنظيم الإخوان في الجيش ليس من مؤسسات الجيش .

وابتلع عبد الناصر اعتراضه وسكت على مضض .

وكانت سياسة محمود لبيب المسئول عن النظام تقضي بالتشاور والتفاهم مع أبي المكارم عبد الحي وعبد المنعم عبد الرؤوف وتستهدف التحام الجيش والشعب , ونقل الخبرات وتبادلها من خلال مجموعات منتقاة .

وكانت هناك خطط وأفكار ودراسات لتصرف كبير تفضي الأحداث إليه والكل يخطط له رويدا رويدا .

القيادة بين الجيش والشعب

تم الاتفاق على تكوين نشاط مزدوج بين العسكريين والمدنيين على مستوي قيادات النظام الخاص .

وقد تم الاتفاق على عشرة لبدء التجربة ولتنفيذ هذا الاندماج من خلال معسكر صيفي صغير بصحراء " الصف " على مقربة من بلدة " أطفيح " حيث يعيش الحاج حسنى عبد الباقي أحد هؤلاء العشرة , وهو أيضا من أعيان الناحية .

واتفق على أن يقوم العسكريون بتقديم كل ما عندهم من خبرات عسكرية أثناء انعقاد هذا المعسكر , وكانت هذه الخبرات قليلة جدا ولا تعدو عدة كتب في الاستراتيجية والتكتيك , بالإضافة إلى قوانين الضبط والربط العسكرية .

واتفق أن يقوم المدنيون بتقديم خبراتهم المتقدمة جدا في عالم المفرقعات وكيفية تركيب العبوات الناسفة .

وقد استفاد عبد الناصر من هذا الدرس واستخدمه شخصيا وبمعرفته أثناء أزمة مارس 1954 في القاهرة , وقد راح ضحيتها بعض المدنيين حسبما روي عبد اللطيف البغدادي في مذكراته .

وكان هؤلاء العشرة : سبعة من المدنيين هم :

1- عبد الرحمن السندي .
2- مصطفي مشهور .
3- حلمي عبد المجيد .
4- حسني عبد الباقي
5- محمود الصباغ .
6- السيد فايز عبد المطلب .
7- أحمد حجازي .

وثلاثة من العسكريين هم :

1- عبد المنعم عبد الرؤوف .
2- أبو المكارم عبد الحي .
3- جمال عبد الناصر حسين .

وأثناء انعقاد المعسكر كانوا عرضة للكشف مرتين !

وكانوا قد أقاموا معسكرهم في بقعة مهجورة من صحراء , لا يرتادها أحد , وقد ذهبوا إليها بليل حيث الظلام الذي يستر كل شئ .

ولم تكن الشرطة أيامها على تلك الدرجة من الهيمنة والبطش , على النحو الذي صار بعد ثورة 23 يوليو 1952 ,وكان من السهل إقامة مثل هذا المعسكر .

وفي ليلة من ليالي الصيف الحارة , وأثناء نوبة عبد الناصر في الحراسة قام بإيقاظ زملائه في قلق وعلى عجل .

واستيقظوا مسرعين وأخذوا وضع الاستعداد .

وكانت تبدو عند خط الأفق أنوار كاشفة لسيارات بعيدة تتجه صوبهم .

وتشاوروا مشاورة سريعة , وألح عبد الناصر في اقتناص هذه السيارات والقضاء على من فيها .

ووجود معسكر يضم مجموعة من العسكريين وأخري من المدنيين أمر لا يخطر ببال حكومة من الحكومات , هذا بالإضافة إلى أن الكشف عن مثل هذا يؤدي إلى خطر عظيم لا يخفي على أحد .

وكانت معهم المدافع الآلية وكمية الذخيرة اللازمة للدفاع والهجوم وكانوا يستطيعون السيطرة على هؤلاء المجهولين القادمين .

وعمرت المدافع الآلية ووضع كل واحد ما يلزمه من ذخيرة بجواره .

وكان آمر المعسكر هو المرحوم عبد الرحمن السندي .

وكانت تلك السيارات القادمة قد فقدت طريقها إلى أحد المحاجر ثم صارت تبتعد في هدوء ودون قصد عن النقطة التي كانوا يعسكرون عندها .

وكانت وجهة نظر عبد الناصر هي اصطياد هذه السيارات ومن فيها , رغم زوال الخطر من باب التدريب على حرب العصابات .

واستنكر الباقون منه هذا ووبخوه عليه .

وتكررت حادثة شبيهة بالأولي , ومرت بسلام لحسن الحظ , وتغلبوا عليها في هدوء وانفض المعسكر في موعده المقرر بعد أن حقق الغرض منه .

من تقاليد النظام الخاص

كان النظام الخاص للإخوان في تلك الفترة يمثل نواة نشطة لدولة فتية قادرة شديدة الحماس , حيث يقوم الأفراد بواجباتهم قربة إلى الله سبحانه وتعالي وتحقيقا للإسلام وتمهيدا لتغيير المجتمع في وقت يرجونه قريبا .

وكان هذا النظام يشمل خليطا متميزا من المجتمع المصري , وفيه سائر أصحاب الاختصاصات , وشتي أنواع المهن من شباب دون الثلاثين في أغلب الأحوال , وكانوا يختارونهم عن وعي وعلم وبتمحيص شديد , ويمر الذي وقع عليه الاختيار بشتى أنواع الاختبار .

وكان موغلا في الصرامة والسرية , ولا يجوز لمن وقع عله الاختيار ثم انضم إليه طائعا أن يتركه أو يستقيل , فليس هذا واردا بأى حال.

وليس من المتوقع أو المنتظر أن يخون واحد من أعضائه بأن يفشي أسرار النظام , ومن يفعل " يخل سبيله " هي عبارة غامضة لا يخطئ أحد دلالتها , ولم يحدث هذا حسبما نما إلى علمنا .

وربما يرجع ذلك لصعوبة الاختيار ودقة الاختبار , ثم حماسة أعضائه وإيمانهم الفائق بأهمية تحقيق الإسلام في المجتمع .

وكان هذا النظام يقوم بعملية هيمنة وسيطرة عل المجتمع المصري وهو أمر سهل في بلد قد تمزق بين المحتل الإنجليزي وعملائه من بين الحاكمين .

وكان الإنجليزحريصين كل الحرص على ألا يصل إلى كرسي الوزارة , أو أن يتولي رئاستها إلا من كان ضالعا في العمالة لهم بشكل أو بآخر .

وكانوا رغم سوئهم – عليهم رحمة الله – لم يسيئوا إلى مصر والمصريين بالقدر الذي فعله من جاء بعدهم من الوطنيين الشرفاء الذين خلقوا فينا العزة والكرامة كذابا وادعاء وما زلنا نعيش في ضلالهم وزيفهم ولكننا نبصر في ابتهاج شمسهم المائلة إلى المغيب في بحر لجئ لا يرحم هو بحر التاريخ .

اهتم هؤلاء الحاكمون الذين جاء بهم الإنجليزبكل شئ عدا الشرطة والأمن السياسي على العكس من الذين جاءوا من بعدهم وأولئك الذين اهتموا بالأمن السياسي وتركوا كل شئ عدا ذلك وأهملوه .

حتى استقلال البلد فرطوا فيه وأضاعوه .

ونترك الاستطراد فنقول إن الظروف هي التي مهدت للنظام الخاص التغلغل في كل الأنشطة , ويخطئ من يظن أنه كانوا – كما قلنا – هم النواة لدولة جديدة تتدرب على الإدارة والحكم , وهي أيضا تتناول كل المشكلات بالعلاج ووضع الحلول .

وقد عملوا في هذا المجال دون سابقة من خبرة أو تجربة وكانت لهم رؤية بها قدر كبير من الشمول والخيال .

وكانت تلك الحقبة من الزمن التي نشأ فيها النظام تتسم بالإثارة والرغبة الجامحة في التغيير والتبديل وقد ظهر هذا في اتجاهات شتى :

أقام النظام الخاص الشركات المختلفة في عالم التجارة والصناعة وكأنهم كانوا يضعون النواة الأولي للاستقلال الاقتصادي.

وكانوا قد وضعوا الأساس للصناعة الوطنية .

ولعل فكرتهم في إقامة مصنع للذخيرة والأسلحة لم تكن مبالغا فيها , إذا أخذنا بعين الاعتبار الهمة العالية التي كان يتميز بها أولئك الناس .

ولم يكونوا بأى حال مسرفين في الخيال بالقدر الذي لم يكن يتناسب مع الزمان والمكان .

واستطاعوا باقتدار أن يقيموا فروعا وإدارات مختلفة تشكل كل نواحي الناشط كما قلنا .

كانت هناك مجموعة تهتم بالسياسة والأخبار والحركة التي تشمل العالم وتقوم بإعداد الدراسات والتقارير حول هذا .

وهناك جماعة تقوم على رصد نشاط السفارات والشخصيات العامة وعمل تقارير مفصلة عن كل هذا .

وجاء الوقت الذي صار فيه جميع الذين يتحركون في السر أو في الخفاء من ساسة وكتاب وضباط كبار تحت عدسة النظام المكبرة فهم يعلمون عنهم كل شئ في وقت غابت فيه المعلومات وعزت , والناس ينشطون ويتحركون ولا يعلم أحد ما يدور .

استطاع رجال النظام الخاص أن يكونوا تصورا واضحا عن حركة كبار رجال وزارة الداخلية , فهم يعرفون إلى أين يذهبون للسهر مع عشيقاتهم وكيف يرسلون بتقاريرهم إلى الإنجليزفي سفارتهم , ودور العشيقات في نقل الأخبار بين الداخلية والإنجليزواليهود .

وقد كشفت كل هذه الأسرار في قضية السيارة الجيب عندما ضبطت , وكان ضبطها خطأ كبيرا وقع فيه بعض القائمين على النظام .

حصلت الحكومة على عدد ضخم من التقارير حول كل ما يدور في مصر المحروسة ولهذا كان البطش عظيما بهم, وهو بطش يهون إذا قيس بما حدث بعد ذلك !

وكانوا يهتمون اهتماما خاصا بالشرطة ورجالها وصلة اللواءات بكل جميلة ومشتهرة بين الممثلات , وعلى الأخص من كانت يهودية منهن .

ونذكر هنا تلك الصلة الشهيرة بين عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية والممثلة كاميليا التي ماتت في حادث احتراق طائرة .

وكان لهذه الممثلة صلات حميمة بالقصر والإنجليزواليهود , وربما جهات أخري لا نعرفها .

وقد استطاع النظام الخاص ولأول مرة أن يكشف ما يدور خلف الستار في غيبة وغفلة من المصريين .

وكما قلنا كان لكل مسئول ملفه الخاص به .

كل تحركاته وهواياته وصفاته وعاداته وكل ما يهتم به , وصلاته المختلفة بهذا وذاك ومن طريف ما يروي أن الشيخ عبد المنعم النمر تعجب لإلقاء القبض عليه في ذلك الوقت في أواخر الأربعينيات وإيداعه سجن الأجانب , وكان الرجل وطنيا يتعاطى الإرهاب ضد الإنجليزوأعوانهم كسائر الأحرار من رجال لأزهر في ذلك العهد .

وكان الشيخ النمر يتلطف في نشاطه هذا , يفعل ما يشاء ولا يشعر به أحد ثم جاء المرحوم أسعد السيد مسئول المخابرات في النظام الخاص وأعد التقارير الخاصة به بعد وقت غير قليل من رقابته وتتبع خطاه وأودع التقرير أرشيف النظام , ثم عثر عليه ضمن ما عثر عند ضبط السيارة الجيب واعتقل الشيخ النمر وكان يتعجب .

لماذا كتب أسعد هذه التقارير عنه ؟

وفي سجن الأجانب التقي معه وسأله :

- لحساب من كل هذه التقارير ؟

- لحساب الإخوان يا مولانا .

وفي دهشة سأل الشيخ النمر :

- وما الفائدة منها ؟

وسكت أسعد قليلا ثم قال :

- للتاريخ .

- وفي انفعال قال الشيخ النمر :

- وأنت تظن نفسك الجبرتي ؟

الإنجليزوالقصر في مواجهة الإخوان

انتبه الإنجليزوالقصر لخطورة نشاط الإخوان المسلمين ولم يكونوا يعرفون حجمه بعد ولا إلى أين يسير ,وكان ذلك قبل حرب فلسطين , ولكنهم عرفوا أنهم يعزفون معزوفة جديدة تختلف عن كل ما عزف تحت عنوان الجهاد الوطني آنذاك , كلام جديد وروح جديدة سوف تضر بالتأكيد .

وعرفوا أن الإخوان قد أخذوا طريقا لو ساروا فيه أكثر من ذلك فنهايته وخيمة العاقبة أو ينبغي أن تكون فهم يحلمون بمجتمع إسلامي دستوره القرآن وطريقهم في هذا هو الجهاد في سبيل الله , حيث الرسول زعيمهم والموت في سبيل الله أسمي أمانيهم .

ومن فقد فتحوا عيونهم جيدا لحربهم .

وربما لم ينتبه الإخوان لهذا مع الأسف أو انتبهوا ولم يكن في وسعهم شئ ومضي النظام الخاص في تحقيق غاياته عبر الوسائل التي ارتضاها .

مقتل سليم زكي وآخرين

قتل سليم زكي باشا حكمدار القاهرة مصادفة في حادثة شارك هو شخصيا في صنعها .

فقد اقتحم الباشا كلية الطب لفض المظاهرات والاعتصام , وكان يجلس على مقدمة سيارة مصفحة وفي يده مدفع آلي في شكل مستفز يثير الغضب , وكان الطلبة ينظرون إليه على أنه صنيعة الإنجليزوعصاهم التي يضربون بها ومن الدور الثالث أو الرابع ألقي أحد الطلبة الشبان قنبلة من النوع الذي لا يقتل , ولكنها أصابته في موضع قاتل .

ولم يكن طالب كلية الطب هذا – الذي صار فيما بعد طبيبا كبيرا – يقصد قتله أو حتى إصابته , ولكن هكذا شاءت إرادة الله .

ثم قتل الخازندار والنقراشي , وبدأت أحداث المسلسل تتصاعد في عنف لا يستطيع أحد وقفه.

وكانت المواجهة صريحة مع الإخوان من الحكومة التي يساندها القصر والإنجليزومن لا نعلم .

ولعل من أخطاء النظام الاستجابة لتحرشات الحكومة , وكان عليه أن يتجاهل هذا كله ليحقق أغراضه ولكن تلاحق الأحداث , وتنوعها ربما لم يدعا لهم هذه الفرصة , هذا إذا أخذنا في الاعتبار إعلان الدولة اليهودية في فلسطين المحتلة ودور النظام في حرب العصابات ضد اليهود .

فالحوادث تتلاحق ويأخذ بعضها بخطام بعض , وإن تجاهلنا هذه لا يمكن لنا أن نتجاهل تلك فقد أجبر الإخوان على البروز بقوتهم ولا أدري هل كان يمكنهم تحاشي هذا الموقف أم لا ؟

ففجأة وعلى غير انتظار فوجئ العالم أجمع أن هذه الجماعة بمعرفة الشيخ حسن البنا قد استطاعت أن ترسل فريقا كبيرا من المتطوعين المدربين من الشباب للقيام بحرب العصابات ضد اليهود

وتعجب الجميع عندما رأوا المسلحين يخرجون من الشعب للحرب .

وكانت غاية ظنهم أنها جماعة لا تختلف كثيرا عن سائر الجماعات الإسلامية التي تملأ مصر اللهم إلا في درجة الحماسة, ولكن أن يكونوا مسلحين ومدربين فذلك أمر جديد يثير الترقب والانتباه والحذر.

الفصل بين المدنيين والعسكريين في النظام الخاص

كانت حرب فلسطين عام 1948 هي العلامة الزمنية للفصل الحقيقي بين العسكريين من الإخوان والمدنيين منهم من أصحاب النظام الخاص .

وكان جمال عبد الناصر قد ذهب مع آخرين إلى بيت في حي الصليبية حيث قام بالبيعة على السمع والطاعة كما قلنا من قبل .

وصار عضوا عاملا في التشكيل العسكري للإخوان .

وحدثت الظروف التي شرحناها آنفا مثل حرب فلسطين والعثور على السيارة الجيب و بها كل المستندات المطلوبة لفهم نشاط النظام الخاص .

ومنذ ذلك التاريخ اتفق على فصل نشاط العسكريين عن المدنيين لحمايتهم من البوليس السياسي الذي نشط وصار يتتبع آثار أعضاء التنظيم في كل مكان , ولعل هذا التوقيت هو الذي حدد فيه جمال عبد الناصر إمكان الانفصال عن تشكيل الإخوان مع الحفاظ على دعمهم وتأييدهم والاستفادة من شعبيتهم الجارفة.

ولكنه أخر إعلان ذلك رسميا حتى ثلاثة أيام مضت على نجاح الانقلاب .. وصارت محاورات ومناقشات كلها تضع " بروتوكول " الانفصال الشكلي مع بقاء الصلة العضوية .

واتفق على أن يكون مجال عبد الناصر ومن معه هو ضم ضباط جدد إلى التنظيم من كل المسالك والاتجاهات , وكان الذي يجدون فيه تدينا وصلاحا يرسلونه إلى الإخوان ويبقي معه أصحاب النزعة الوطنية الذين لا يتقيدون بقواعد الدين ولا يريدون .

وكان هذا لسلامة الضباط وعدم تجريم الإخوان في اتصالهم بالجيش أو هكذا استطاع أن يقنعهم بذلك .

وكانت هذه النقطة هي بداية انطلاق عبد الناصر في التحرر من التبعية للتنظيم الإخواني مع الاحتفاظ بتأييده ودعمه لكل خططه .

وهو في قراره نفسه لم يكن يدين لهذا التنظيم أصلا , بل كان يعتبره وسيلة لغاية ما وقد أثبتت الحوادث صدق ذلك فيما بعد , وما جاء مستقبلا من أحداث ومع الأيام تكرس الانفصال بين النظام الخاص وتنظيم الضباط الأحرار الذي سماه بهذا الصاغ محمود لبيب بعد أن كانت الصلة بينهما عضوية .

ولم ينتبه الإخوان لهذا " التاكتيك " الذي استخدمه عبد الناصر , فقد كانوا يعتبرونه عضوا منهم قد بايع ,أقسم على السمع والطاعة ولم يكن هناك ما يريب في الأمر .

كان الصاغ محمود لبيب هو الذي يعرف شخصيا كل من هو عضو في تنظيم الإخوان من ضباط الجيش وثم سلم هذه القائمة لجمال عبد الناصر عندما اشتد به المرض .

وسلمه أيضا الأموال الخاصة بهذا التنظيم وكان مصدرها اشتراكات الضباط وقد حضر هذه الواقعة الصاغ حسين حمودة آنذاك .

كانت حرب فلسطين عام 1948 هي العلاقة الزمنية التي أظهرت قوة الإخوان وخطرهم على المصالح الغربية في مصر وبلاد العرب .

وكانت حرب فلسطين أيضا هي النقطة التي فتحت الآفاق أمام جمال عبد النار وطورت أحلامه إلى إمكان السيطرة على مصر من خلال انقلاب علماني وطني في زعمه تكون جماعة الإخوان فيه أداة مفيدة وذات دور فعال .

ومن الصعب الحكم على نوايا عبد الناصر في تلك الآونة , ولكن من السهل تفهم هذا من النتائج التي صارت بعد ذلك عند تتبع الحوادث وما أدت إليه وكانت قضية السيارة الجيب هي العلامة البارزة لنهاية النظام الملكي , فقد حوكم النظام أثناء نظر القضية وعند محاكمة المتهمين .

وكانت حرية الصحافة في تلك الأثناء حقيقة واقعة , وليس كما يحدث في هذه الأيام فكل ما يدور في المحكمة تنتاوله الصحف وتكتب عنه ويهتم به الرأي العام وتهيأ جميع المصريين إلى أن هذا النظام لن يكتب له الاستمرار بعد نظر قضية السيارة الجيب فقد نشرت المخازي والمساوئ وعرف فساد الحكم والقائمين عليه , وبدأت القوي الوطنية تنادي بأهمية التخلص من الملكية وما يتبعها .

بدأ الأمريكان والإنجليزيدركون أهمية تغيير هذا النظام خوفا من ثورة اشتراكية شيوعية حيث كانت تلك هي المخاوف العالمية آنذاك .

وكان لدي عبد الناصر من الانتباه ما يجعله يدرك ويفهم هذه الأمور !

ولم يكن الأمريكان بعيدين عن التيارات الوطنية ولكنهم كانوا يرصدون الشارع ويرقبون الأحداث ويتهيئون ويهيئون لعالم جديد في مصر .

وكانت بريطانيا العظمي قد خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة ولكن بعد أن فقدت لقبها الذي تميزت به أكثر من قرن .

ولم تعد بريطانيا العظمي بل صارت بريطانيا فقط !

والارتباط بين أمريكا وبريطانيا ارتباط عضوي يحقق مصالح واحدة , وأمريكا فتية ذات مال كثير ونفوذ , وهي في أول عهدها بالانفتاح على العالم وتستطيع أن تحل محل بريطانيا في منطقة الشرق الأوسط.

والأمريكان وفقا للمنهج الغربي الذي طوروه عن المسلمين عبر اتصالات استمرت قرونا أثناء الحروب الصليبية والدراسة في جامعات الأندلس ,وكانوا أصحاب علم ودراسة ,وهم خلاصة التقدميين الذين هاجروا إلى العالم الجديد بعد اكتشافه .

فهم يرصدون الظواهر ويجمعون المعلومات في دقة ودأب ومن تكن هذه هي طريقته فهو يستطيع أن يتفهم حركة التاريخ , ومن البديهي أن تكون له ملكة التوقع والتنبؤ وإن كان ذا قدرة فيمكنه التدخل في سير الأحداث , ويقدر على تحريكها وتوجيهها .

وكان كل شئ مرصودا في مصر أثناء السنوات العشر التي سبقت قيام ثورة يوليو 1952 .

وكان الأمريكان يعلمون طبيعة سير الأحداث ونشاط الضباط في الجيش وصلة ذلك بالإخوان المسلمين .

وكان الأمريكان أيضا يعرفون طبيعة التنظيمات الشيوعية وحجمها وقدرتها بل كانوا يشكلون بعض هذه التنظيمات وينفقون عليها للهيمنة والفهم واستقطاب وتحديد كل أصحاب النزعات الإشتراكية والتحكم في بورصة التنظيمات السرية .

وكان هناك تنسيق بين المخابرات الأمريكية والمخابرات الإنجليزية في التعامل مع الحالة المصرية لحلول الأولي محل الأخيرة في النفوذ والسيطرة .

ومن ثم فهناك اتفاق وتصور لما ينبغي أن يكون .

ويتم هذا من خلال العقل الإنجليزي الذي يفرض تصوره على القدرة الأمريكية في عالم ضعيف قد فقد حضارته ويستعد لاستقبال سيد جديد هو " العم سام " وكان على السيد الإنجليزي القديم أن يرحل عن ضفاف النيل وهو في غاية الحزن والأسف فقد أجبرته الظروف على ذلك وكان أمرا مفهوما ومقررا بعد أن قد اسمه وشرفه وسمعته في البلاد عبر حملة إعلامية استمرت أكثر من سبعين سنة هي عمر الاحتلال الإنجليزي .

وكان هذا السيد الإنجليزي قد فقد قدرته على الإنفاق بعد أن خرج من الحرب منتصرا ولكن بعد أن استهلك أثناءها الكثير من أرصدته وقدرته وذهب جيل الساسة والإداريين العظام .

أما السيد الأمريكي الجديد فلا يزال فتيا قادرا على الإنفاق في بلاد لابد أن يتحكم فيها الغرب بغض النظر عن الشكليات وأهميتها في نوع السيطرة والهيمنة .

وكان الضباط الوطنيون قد اشتركوا في معسكرات للتدريب في فلسطين المحتلة قبل قيام دولة إسرائيل .

وكانت هذه المعسكرات تحت إشراف الإنجليز, ولم تكن بعيدة عن أعين الأمريكان حيث الدراسة والفحص والبحث وتحديد الهوية لشباب من الضباط يتسم بقلة الثقافة وضيق الأفق وعدم إدراك ما يدور في العالم مع الأمية السياسية والبعد الكامل عما يسمي بلعبة الأمم في عالم المتغيرات .

وقد قدر لهؤلاء الضباط أن يحكموا مصر بعد ذلك أكثر من ثلاثين عاما فكان منهم المحافظ والوزير ورئيس البنك والمسئول عن المؤسسات المختلفة .

أما السيد الأمريكي الجديد فلا يزال فتيا قادرا على الإنفاق في بلاد لابد أن يتحكم فيها الغرب بغض النظر عن الشكليات وأهميتها في نوع السيطرة والهيمنة .

وكان الضباط الوطنيون قد اشتركوا في معسكرات للتدريب في فلسطين المحتلة قبل قيام دولة إسرائيل .

وكانت هذه المعسكرات تحت إشراف الإنجليز, ولم تكن بعيدة عن أعين الأمريكان حيث الدراسة والفحص والبحث وتحديد الهوية لشباب من الضباط يتسم بقلة الثقافة وضيق الأفق , وعدم إدراك ما يدور في العالم , ومع الأمية السياسية والبعد الكامل عما يسمي بلعبة الأمم في عالم المتغيرات .

وقد قدر لهؤلاء الضباط أن يحكموا مصر بعد ذلك أكثر من ثلاثين عاما . فكان منهم المحافظ والوزير ورئيس البنك والمسئول عن المؤسسات المختلفة .

وكان منهم من أقام جهاز المخابرات المصري بعد الثورة .!

وكان الإخوان على وعي بما يدور على شكل ما .

ولكن كانت هناك هوة كبيرة بين الوعي والقدرة على إبطال المخططات .

رياح الثورة تهب

جاء عام 1950 ومعه المشكلات والزوابع في بلد قد تحدد مصيره من وجهة نظر الكبار الذين يتحكمون فيه .

وكان قد تكرس الانفصال الشكلي بين الضباط الأحرار والإخوان وجاءت انتخابات نادي الضباط .

ووقف الضباط الأحرار في تماسك شديد خلف اللواء محمد نجيب مرشح الجيش ضد اللواء حسين سري عامر مرشح القصر .

وكان أمام الضباط الأحرار مرشحون ثلاثة :

الفريق فؤاد صادق .

السيد طه بطل الفالوجا في حرب فلسطين .

هكذا سموه .

اللواء محمد نجيب .

وتم اختيار اللواء محمد نجيب عقب لقاء بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب في بيته بحلمية الزيتون .

وقصة إصرار الضباط الأحرار على اختيار محمد نجيب رئيسا للنادي رغم إرادة الملك قصة مشتهرة ومعروفة وتناولها الكثيرون من الكتاب شرحا ورواية , ودارت تفاصيلها أمام أعين المخابرات الأمريكية اليقظة.

ولم يفهم الملك فاروق يومها أن مصيره قد تحدد , شأنه في هذا شأن أى حاكم في البلاد المتخلفة , حيث يعتمد في رؤيته على تقارير للأمن أغلبها مختلق وتعوزه الدقة هذا بالإضافة إلى تغلغل النفوذ المخابراتي الأجنبي في صفوف الأمن .

ويظل الحاكم في البلاد المتخلفة دائما بعيدا عن القارعة حتى تحطم رأسه ! وهم يعيدون نفس الخطأ في تكرار ممل بطئ ينتهي دائما بنهاية محتومة, حيث يعرف الجميع أن شمسه مائلة للمغيب , أما هو فيعيش مع أوهام التقارير التي يكتبها له رجال الأمن , وهم في العادة بين أمرين إما أنهم على وعي بما يكتبون فهم مسيرون أو على جهل وتخبط وعجز والأولي هي ما أعتقد وأظن والله أعلم , وكانت جماعة الإخوان تضمد جراحها في تلك الفترة بعد نكبة 1948 .

ولعلهم كانوا يعتمدون منهجا آخر وخطة جديدة بعد اغتيال الإمام الشهيد وتمثل هذا في اختيار المرحوم حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان .

بين عبد الناصر ومحمد نجيب

ومن طريف ما يروي أن عبد الناصر عندما زار محمد نجيب في منزله بحلمية الزيتون , وبعد عودتهم من حرب فلسطين ذكر له بالتفصيل كل ما يفعله الضباط الأحرار وطبيعة النشاط , والمنشورات التي يكتبونها ويعدونها ويرسلونها إلى جميع الضباط وكل المكاتب .

وسأله سؤالا مباشرا :

هل يقبل قيادتهم أم لا ؟

وذكر له أنهم سوف يمضون في هذا الشوط بعيدا , وأنهم ينوون عمل أشياء أكثر تقدما وخطورة وأن أوانها قد جاء , ولم يكن نجيب ساذجا .

ورحب الرجل صاحب التاريخ الطويل في التنظيمات السرية .

فقد اشترك محمد نجيب في جمعيات سرية مختلفة منذ عام 1920 .

وكما قلنا كان الناس جميعا مشغولين بالتغيير , وتداعبهم أحلام التحرر والاستقلال , وكانوا يعملون على هذا بكل التوجهات السرية والعلنية .

وكل الفاهمين يريدون تحقيق الهوية الإسلامية للأمة بعد سقوط الخلافة العثمانية وأفول شمسها للمغيب .

وقال عبد الناصر لمحمد نجيب :

- المجموعة التي أنتمي إليها من الضباط تشترط أن يكون شخصك بعيدا عن كل أنواع النشاط التي نقوم بها .

وفكر محمد نجيب قليلا وسأل :

- لماذا ؟

وفي براعة قال عبد الناصر

- أنت رتبة كبيرة ولا نحب أن نعرضك للكشف .

وسكت محمد نجيب متأملا موافقا , بينما أردف جمال عبد الناصر حازما :

- سوف أكون أنا صلتك بالتنظيم فما رأيك ؟

وكان من الطبيعي أن يوافق محمد نجيب , فلم يكن من المنطقي أن يشاركهم في طبع المنشورات , أو أن يقوم بتوزيعها مع صغار الضباط .

وكان من الحكمة أن تدخر هذه الشخصية ليوم مثل 23 يوليو عام 1952 .

وهنا تبرز طبيعة جمال عبد الناصر الذي عاد إلى مجموعته , ولم يكن هو رئيسها بل كان فردا منها , وهم ينتخبون مسئولا عنهم كل فترة على طريقة الإخوان وقال عبد الناصر لمجموعته :

قد اشترط محمد نجيب شرطا أساسيا للموافقة على رئاسة التنظيم .

وحدق الضباط في وجه عبد الناصر الذي قال :

- لا يتم أى اتصال به إلا من خلالي هذا حتى نحقق أمنه الشخصي ونحافظ عليه ,

فلا يصل علم الأمن إليه .

وأمّن الحاضرون على هذا الشرط .! وهكذا صار عبد الناصر نائبا للأمام الغائب ومن ثم فقد استطاع أن يتحرك بعيدا وباقتدار , وأن يمسك بخيوط كل واضعا هدفا أمامه .. أن يكون يوما على رأس التنظيم .

وقد ساعده على هذا سرعه حركته ودأبه ومثابرته .

بدأ العد التنازلي لتغيير النظام في مصر

اجتاز الضباط أزمة انتخابات ناديهم بنجاح .

كان يسند محمد نجيب تنظيم الضباط الأحرار والقواعد الإخوانية العريضة في صفوف الجيش من صغار الضباط .

وكانت الأزمة في صفوف الإخوان بعد الحملة الإعلامية العاتية ضد ما أسموه بالإرهاب , وما أطلقوا عليه ممارسات التنظيم الخاص , واكتشاف الوثائق التي تؤكد قيام النظام بالتجسس على الأحزاب والبوليس .

وقتل الخازندار واغتيال النقراشي ,ومحاولة اغتيال حامد جودة وكانوا يرتبون لإبراهيم عبد الهادي والتبس الأمر عليهم فنجا .

وكان سيل المقالات في الصحف والمجلات .

وانفض كثير من الإخوان خوفا من الحكومة !

واستجاب الكثير للدعاية المضادة , وأعلنوا براءتهم من الإرهاب .

واغتيل الإمام الشهيد حسن البنا في مشهد درامي مؤثر , حيث قامت الحكومة بتنفيذه كما تفعل أية عصابة من العصابات , دون اعتبار لقدسية الحكومة – أية حكومة – ومكانتها ودورها في المجتمع .

وبدأت القوي الوطنية في مصر كافة تستعد للتغيير وتتهيأ له ,وتحاول أن يكون لها دور في صناعته حتى تأخذ جانبا من الغنيمة , أو يشارك في الحكم على نحو ما .

وكانت الحكومة هي الجهة الوحيدة التي لا تشعر برياح التغيير التي تهب , رغم قدرتها المفترضة على الحصول على كل ما تريد من معلومات على الأقل في هذه الناحية .

وكان الأمريكان قد استقر عزمهم على إجراء التغيير بعد أن فقدوا الأمل في فاروق , وإمكان استغلاله في إحداث انقلاب ضد نفسه .

وأخطروا الإنجليزبنيتهم هذه !

وبدأ العد التنازلي لتغيير النظام في مصر!

وصارت كل القوي تبذل غاية جهدها في تحقيق ذلك والحكومة غافلة نائمة .

مقتل حسن البنا كان عاملا من عوامل انفراد عبد الناصر بالتنظيم

لا شك أنه بعد ضرب الإخوان في عام 1948 واستدعاء جمال عبد الناصر لمقابلة إبراهيم عبد الهادي لشكه في وجود صلة بينه وبين الإخوان تجمد النشاط السياسي إلى حين , وصارت كل الاتصالات مشوبة بالحذر الشديد والتوجس , وبلغت حد التوقف في فترة من الفترات .

كانت صلة جمال عبد الناصر عبر تنظيم الإخوان بالجيش من المفروض أن تنتهي في التسلسل الهرمي بشكل أو بآخر إلى عبد المنعم عبد الرؤوف ثم عبد الرحمن السندي رئيس النظام الخاص على الرغم من انفصال النشاطين العسكري والمدني .

وكان عبد الناصر قد استطاع أخيرا أن يستحوذ على التنظيم من الناحية الميكانيكية على الرغم من انتماءات معظم أفراده إلى جماعة الإخوان , ولكنه كان يدرك أن التنظيم يتبعه في النهاية وتكون النتائج حسب القدرة على " التاكتيك " وإمكان التحرك وسرعته .

ورغم أن تنظيم الضباط الأحرار هو إخواني الهدف والتشكيل إلا أن عبد الناصر بدأ ينفصل رويدا رويدا عن الجماعة من خلال تجاهله للقنوات الشرعية التي كان يتصل بها من خلاله , وفي عام 1950 التقي صلاح سالم موفدا من قبل جمال عبد الناصر والصاغ صلاح شادي , التقيا في تفصيل طويل رواه الأستاذ صلاح شادي في كتاب حصاد العمر .

وكأن صلة جديدة بين تنظيم الضباط الأحرار والإخوان نشأت عبر قناة جديدة وكأنه مشروع جديد تماما لا صلة له بجذوره القديمة , ولعلها الخدعة الكبرى التي قام بها عبد الناصر , ولعلها قد انطلت تماما على أستاذنا الأستاذ صلاح شادي وحسن النية من جانبه وراد بالتأكيد , وكذلك انطلت على كل مجموعة الاتصال الجديدة .

كانت الفترة بين عام 1948 وعام 1952 من أشد الفترات في تاريخ مصر صخبا وقلقا وتنظيما وترتيبا أيضا وكانت هي المدخل والبيان لثورة يوليو .

فعندما اغتيل الخازندار وقتل النقراشي وكانت محاولة نسف مبني المحكمة وخروج النظام الخاص سافرا عن وجهه أخذ المثلث يضع اللمسات الأخيرة لمحاولة القضاء على الإخوان , وإنه مثلث يقع بين نقاط ثلاث : القصر والحكومة والإنجليزوتم اعتقال جماعة الإخوان , أو من وصلت أسماؤهم إلى علم البوليس السياسي .

وتدخل بعض السياسيين في الوساطة بين حسن البنا والنظام وكانت شروط الصلح قاسية جدا.

وعرضوا عليه أن يقوم بتسليم كل قطعة سلاح في حوزة الجماعة أو يدل عليها وطلبوا منه قائمة بأسماء أعضاء النظام الخاص في الجيش والشعب .

وألمح المفاوضون , وكانوا مجموعة من الساسة مثل صالح حرب باشا ومصطفي مرعي وغيرهم إلى أنه نظير هذا سيسمح للإخوان بالنشاط .

وأضاف مصطفي مرعي على استحياء أن الحكومة على استعداد لدفع منحة شهرية لحسن البنا .

وكان غاية ما يفكر الرجل فيه المعتقلون من الجماعة وكيفية إنقاذهم من المعتقل .

وكان وحيدا حائرا إلا من بعض الأصدقاء الذين يزورهم بين الحين والآخر على تخوف من إحراجهم لرقابة البوليس الصارمة له .

وكان هناك من يحرص على لقائه سرا في خفية عن أعين البوليس ,ذلكم هو المرحوم حسن الهضيبي المرشد الثاني .

وذهب إليه حسن البنا وقص عليه القصة , وأخبره أن ثمن الإفراج عن المعتقلين والصلح وعوده الجماعة هو ما ذكر .

وأكد له حسن الهضيبي أن هذا فخ يسوقونه إليه ونصح بعدم الاستجابة إلى هذا الطلب, ووقف مشاورات الصلح , فهي خدعة يجب ألا تنطلي عليه , وأنها مفاوضات شكلية الغرض منها كسب الوقت لعمل شئ ما , وكان هذا هو رأي حسن البنا أيضا .

وفي هذا اللقاء أكد المرشد الأول للمرشد الثاني أن وقف مفاوضات الصلح معناه القتل على قارعة الطريق , وأن هذا مصير لا ينبغي الهرب منه أو الخوف من حدوثه وأدرك حسن الهضيبي أن الأيام الباقية لحسن البنا قليلة .

وكان هذا آخر لقاء بينهما !

واستشهد الإمام الشهيد بعد ذلك بأيام على قارعة الطريق بيد الحكومة الآثمة وترك بمستشفي قصر العيني ينزف حتى الموت .

والذي لا شك فيه أن موقف الإمام الشهيد من الصراع السياسي والمسلح ضد السلطة والإنجليزكان موقفا تمليه حركة الأحداث السريعة المتلاحقة التي لم تسمح له بالتقاط الأنفاس أو الاختيار , وإحساسه باعتقال الإخوان .

ونعود إلى عبد الناصر عضو النظام الخاص الذي خرج من النافذة بحجة الحفاظ على تنظيم الضباط الأحرار الابن الشرعة لجماعة الإخوان , ثم دخلها من الباب الخلفي بعد أن أخفي هذا الوليد ونسبه إليه .

دخل الجماعة من الباب الخلفي على أثر ذلك اللقاء الذي تم بينه وبين صلاح شادي والذي مهد له صلاح سالممن قبل .

كان يريد التخلص من عبد المنعم عبد الرؤوف وأبي المكارم عبد الحي ومعروف الحضريوفؤاد جاسر وغيرهم وغيرهم من القيادات التي يمكن أن تجعل مكانه بعيدا عن الصدارة على مائدة الاجتماعات بوجودهم وتألقهم وإعجاب الضباط بهم .

وبدا التحضير للثورة من خلال تنظيم للضباط انقسم أعضاءه حول تحديد هوية هذا التنظيم بعضهم يظن أنه إخواني الشكل والمضمون والآخرون من السكارى والمخمورين المغامرين يرونه تنظيما وطنيا , وهو أداة جيدة للمغامرة والانقضاض على السلطة .

ولم يكن أحد يعرف أنه تنظيم جمال عبد الناصر فقط غير جمال عبد الناصر نفسه .

المرشد الجديد والنظام الخاص.

وبدأ المرشد العام الجديد حسن الهضيبي- عليه رحمة الله – يعيد ترتيب البيت, وكانت أول مشكلة تواجهه أو تعرض لحلا هي وضع النظام الخاص وصلته بقيادة الجماعة , وما هي صلاحيات هذا النظام وقائده ؟ وأين ينبغي أن يقف ؟

وإنصافا للحق فمن خلال ما قرأناه وسمعناه عن شخصية المرحوم عبد الرحمن السندي نري أنه كان مغامرا جريئا مقداما , وكان من الشخصيات النادرة في عالم التنظيمات السرية واختيار الكوادر وفق قواعد دقيقة مدروسة .

وقد ساعدته انتصاراته المتعددة في عمليات كثيرة وتخطيطه المحكم في تحقيق نفوذ بالغ العمق على مساعديه وأعوانه .

وقد أخبرني واحد من هؤلاء, من أعضاء النظام الخاص – وهو شخصية كبيرة الآن – أنه كان ينظر هو وغيره إلى عبد الرحمن السندي على أنه عملاق ما رد ليس له نظير أو شبيه .

سألته: وكيف كان يدور الحديث بينكما ؟

دهش الرجل كثيرا وأجاب :

- أى حديث يمكن أن يدور بيننا ؟ أنا رقم 146 ,لقد كنت أراه فقط في اجتماعات الثلاثاء التي يحضرها الإخوان كافة , ولم يدر بيني وبينه حديث قط كانت صلتي بالنظام الخاص لا تعدو المجموعة ورئيسها ولا شئ أبعد من هذا .

وقلت له :

- مثل الجيش ؟
- أى جيش ؟ لا يوجد أى وجه للمقارنة بين النظام الخاص وأى جيش في العالم .

النظام الخاص تحكمه الطاعة العمياء والإيمان المقدس بأن هذه الطاعة جزء من كمال الدين وتمامه .

هذا الرجل أستاذ في الجامعة وشخصية مرموقة ويشغل منصبا دوليا الآن .

وهذه الأمور التي ذكرت تجعل شخصية عبد الرحمن السندي متوثبة يصعب جماحها وهي بكل المعايير – وهذه وجهة نظري وقد أكون مخطئا – خطر عظيم على النظام العام لجماعة الإخوان , فهو يرأس نظاما قويا حديديا يتبعه مباشرة , وكان هو يتلقي تعليماته من المرشد الأول استشهد , ولعله كان يري نفسه في مكانه لا يساويه أحد فيها ولعله كان أبصر بكل ما يعترض طريق الإخوان من مشكلات .

وهو لا يدين بالطاعة لغير حسن البنا , ومات حسن البنا وجاء من بعده قاض قد تخطي الستين يختلف تماما عن البنا, وقد قابل كل من الهضيبي السندي الآخر ببرود شديد وعدم ارتياح من أول لقاء تم بينهما .

وهو أمر ليس غريبا ويتفق مع طبيعة الأشياء .

رجل عاش حياته على منصة القضاء .

وآخر عاش متخفيا عن أعين الشرطة والرقباء , ويعمل على إسقاط النظام , وعلى الثاني أن يكون مرءوسا للأول ! والأول يرفض ذلك ويري رأيا آخر , وهو ما زاد الأمر تعقيدا شديدا ,وأدي إلى الصدام الذي حدث بعد ذلك .

وعلى نفس النحو كان عبد الناصر ينظر لعبد الرحمن السندي .

وكان لا يري له مكانا بجانبه . لهذا كان حريصا أن تكون صلته من طريق آخر حيث لا يلتقي وهذا الوهج الذي يسلب الزعامة ويضيع الفرصة في التآمر وتحقيق الأهداف ,ولعل الاتصال بالإخوان عن طريق صلاح شادي ذلك الرجل الوديع المهذب الخجول الرقيق الحاشية يكون أولي وأجدي وأنفع لتحقيق الأهداف .

والظن أن عبد الناصر قد استطاع خداع الاثنين معا, واستخدمهما لتحقيق أهدافه علي نحو ما وفي أزمنة مختلفة , والأمور تجري بمقادير .

كان عبد الناصر حريصا كل الحرص على استخدام الإخوان , وعدم الانفصال عنهم إلى آخر مدي ممكن , فهو على يقين من أنهم القوة الشعبية الكبيرة المنظمة القادرة والمسلحة أيضا .

وكانالإخوان يرونه واحدا منهم وكان عبد الناصر حريصا على هذه الصلة ولو أمام جماهير الإخوان البعيدة عن الأحداث , فكان يضع قادة الجماعة في السجن ويذهب ليقرأ الفاتحة أمام قبر حسن البنا ومعه حشد من المصورين والصحفيين .

حسن الهضيبي يتعرف إلى مؤسسات الجماعة

لم تكن جماعة الإخوان المسلمين بعد أن نمت ذلك النمو الكبير في وحدة متجانسة متكاملة ولم يتح لقادتها عمل هذا الانسجام والتناسق بين كل الأقسام المختلفة والمتباينة أحيانا مثل النظام الخاص وقسم الوحدات .

وجاءت الكوارث التي انتهت باستشهاد حسن البنا فقضت تماما على أى أمل قريب في تحقيق هذه الوحدة والتجانس , هذا برغم الكثرة العددية الهائلة إذا ما قيست بأي حزب من الأحزاب .

منذ هذا الوقت كان لدي عبد الناصر معلومات يقينية عن الجماعة , وعلى الأخص جهازها الضارب :" النظام الخاص " .

وكما قلت كان حريصا على قطع العلاقة التنظيمية به , وصنع أو شق لنفسه قناة أخري عبر صلاح شادي وحسن عشماوي وعبد القادر حلمي ومنير دله , رحم الله الأحياء منهم والأموات , وانعدام الوحدة والتجانس في صفوف الإخوان جعل شخصية مثل حسن الهضيبي وهو على رأس الجماعة لا يعرف بتفصيل ما يدور بين جماعة الاتصال هذه وتنظيم الضباط الأحرار ولا يعرف موعد الانقلاب إلا قبل وقوعه بأيام حيث طلبت منه الموافقة وضغط عليه في قبولها بحجة ضيق الوقت رغم تردده الشديد لنقص المعلومات لديه وارتيابه في إمكان النجاح .

واضطر جمال أن يؤخر موعد الثورة يوما حتى تأتيه موافقة المرشد التي تعني وقوف الشعب المصري بأكمله خلف حركة الجيش .

وفي هذا الوقت كانت الأجنحة المتصارعة لا تعرف على وجه اليقين حقيقة ما يدور لم تكن مجموعة الاتصال لديها الخبرة الواسعة بإقامة الدول وتغيير المجتمعات وكيفية التنسيق مع قوة مثل قوة الضباط .

وكانت تضع اليقين محل الشك وتفكر في الأمور بقلبها وليس بعقلها .

ولم تكن تعرف طبيعة الشخص الذي تتعامل معه ... جمال عبد الناصر .

تصرفت معه على أنه واحد من أعضاء الجماعة, لا قيمة لسلطان الدنيا كلها أمام كلمة المرشد وقانون السمع والطاعة , فاكتفي صلاح شادي الوديع الرقيق بقراءة فاتحة معه على الباب وهو يودعه عشية الثورة !

وكم قرأنا الفاتحة مع أوغاد لم يجعلوا لها أدني اعتبار !

وتحركت آلة الإخوان الضخمة لمناصرة الانقلاب وضمانتها سورة الفاتحة التي قرأها الأستاذ صلاح شادي وحده على سلم بيته مودعا جمال عبد الناصر , ولم يكن بينهما أى اتفاق واضح غير ثرثرة هنا وهناك أغلبها من رياض الصالحين.

وفي العصافرة كان الهضيبي شديد التردد في مناصرة هذا الانقلاب , ولم يكن يعرف كل ما يدور في صفوف الجماعة , ولا شك أن المجموعة التي طلبت منه التصديق على قيام الثورة قد عرضت الأمر من وجهة نظرها وعلى النحو الذي فهمته وكان فهما خاطئا بكل المعايير كما بينت الأحداث ..

ولم يكن أمام الهضيبي غير الموافقة ولكنه بشخصية القاضي استمع بإمعان وسأل عشرات الأسئلة , والقاضي لا يحكم بحسه ولكن بما يقع تحت يديه من أدلة وبراهين ومعلومات .

وهكذا سارت الأمور !

مهرجان الثورة والإخوان

وظل المهرجان قائما مدة ليست يسيرة , الإخوان يظنون أن الانقلاب من صنعهم والضباط المسلمون على يقين من أنهم قاموا بالانقلاب تحقيقا لخطة الإخوان , وعبد الناصر يتعامل مع جميع الفرق المتناحرة ويوسع شقة الخلاف بين الجميع والسكارى والمخمورون من الضباط ينظرون بتوجس وحذر لصلة عبد الناصر الوثيقة بالإخوان , وهو لا يكشف لأحد عن خططه بل يخفيها في نفسه وينظم ما يريد على شكل أحداث تقضي في النهاية إلى رغبته .

وقد حكي لى المرحوم عبد المنعم عبد الرؤوف أمام الأستاذ أحمد عادل كمال وأمام اللواء حسين حمودة أنه عندما ذهب إلى الإسكندرية لحصار رأس التين , وكان أخبر الناس بجمال عبد الناصر , وأكثر معرفة به من صلاح شادي وحسن عشماوي وسائر الإخوان المسلمين – حكي أنه أقترح على عبد الرحمن السندي أن يمده بألف من الإخوان يرتدون ملابس الجيش ويقوم بالقبض على مجلس الثورة ولم يكن يعرفه أحد في ذلك الوقت ويكون الحكم إخوانيا خالصا .

ولم يستطع عبد المنعم عبد الرؤوف أن يحقق شيئا من هذا , الكل كان يظن أنه انقلاب الإخوان فكيف يقومون بالقبض على القائمين به ؟ ولم يستمع أحد لقوله , ودفع الجميع الثمن غاليا بعد ذلك .

واستطاع عبد الناصر استقطاب كل العناصر الإخوانية التي تركت الإخوان وركنت إليه بحجة أنه الأمير الشرعي للحكم الإسلامي المنتظر .

ومن طريف ما يروي أنه تعرف إلى سامي شرف الشهير في " كتيبة " في منزل عبد القادر حلمي , وجمع أشهر معاونيه من بين صفوف الإخوان ,وأسماء أخري كثيرة صارت لها شهرة في عالم الناصرية لا ينبغي ذكرها في هذا المجال , وباختصار حتى لا تضطرب الموازين .

جمال عبد الناصر من الإخوان

التقي المرشد العام وجمال عبد الناصر في بيت صالح أبي رقيق يوم 28 يوليو عام 1952 وقال له :

- ليس هناك اتفاق تفصيلي على شئ مع هؤلاء يا فضيلة المرشد وهاهم أمامك ولم يعلق أحد من الجالسين وكان منهم صلاح شادي وحسن عشماوي .
- وسكت المرشد بقية الجلسة التي استمرت ساعتين .
- وفي نهايتها قال لمن معه :

لا خير يرجي من هذا الرجل

وتحت ضغط الحماس العارم في صفوف القاعدة الإخوانية طلب أعضاء مكتب الإرشاد من المرشد العام الذهاب إلى قصر عابدين وكتابة كلمة في سجل التشريفات يحي بها ثورة الجيش , وكان ذلك بعد أسبوعين أو ثلاثة من الثورة

وكانت الكلمة محل غضب واعتراض ولوم من جمال عبد الناصر وجاءت قصة الوزارة واجتمع مكتب الإرشاد ورفض الاشتراك في وزارة مع ضباط الثورة لأسباب متنوعة , وليس من بينها خطة واضحة المعالم أو رؤية لما هو قادم في عالم الصراع الذي بدأ .

كانت خطة عبد الناصر أن يجعل ضباطه من الإخوان ينقلبون عليهم من خلال إفهامهم أنه صاحب الحق الشرعي , وأن الآخرين عصاة , وكان يسوق الحوادث في هذا الطريق بحنكة ودهاء أكثر – بالتأكيد – من الإخوان الذين كانوا في مرحلة لا يعرفون فيها من معهم ومن عليهم وخططهم غير واضحة ,وخبرتهم السياسية ضعيفة .

وقد ظل كثير من الإخوان حتى آخر لحظة يحسنون الظن بجمال حتى إن يوسف صديققد ذهب لتحذير المرشد العام من خطر عبد الناصر على الحرية وسيره في سبيل تحقيق ديكتاتورية العسكر وليس ديكتاتورية البروليتاريا التي كان ينادي بها يوسف صديق, وكان هذا اللقاء في منزل المرحوم منير دله وسمعت زوجته الحديث فقالت : ينبغي تنبيه الأخ جمال على الفور .

وبلغ الأخ جمال ونكل بيوسف صديق.

وسار في طريقه يدير الصراع في حنكة ودهاء , وأرسل من أوعز إلى المرحوم عبد الرحمن السندي في فترة من فترات الصراع أن يقوم على اغتيال الأستاذ الهضيبي وأكد له أن الحكومة سوف تغض الطرف عن هذا ورفض الرجل هذه الفكرة .!

العالم يرفض فكرة حكم الإخوان

واقترب عام 1952 من نهايته .

وفي الأسبوع الأول من ديسمبر التقي سفراء الدول الأربع الكبرى وجمال عبد الناصر واحدا بعد الآخر . السفير الأمريكي .. الروسي ... الإنجليزي .... الفرنسي وكان لهم مطلب واحد.

وقال السفير الأمريكي :

- نحن لم نساعدكم في الوصول إلى الحكم ليحكم الإخوان ونحن نفضل حكم أى حزب شيوعي على حكم هؤلاء المتطرفين .

- وقال السفير الروسي :

- نحن نفضل حكم الأمريكان علي حكم الإخوان .

وقال السفير الفرنسي :

- إن حكم الإخوان فمعني هذا أن يمتد اللهيب الإسلامي إلى المغرب العربي

وقال السفير الإنجليزي :

- على ضفاف القنال ثمانون ألف جندي بريطاني سوف يتحركون إلى القاهرة إن لم تضعوا حدا لهذه المشكلة الإخوانية .
وأخفي عبد الناصر سروره وانعقد مجلس قيادة الثورة , وكان من به من السكاري والمخمورين قد اجتمعوا من قبل وهؤلاء السفراء .
وطرح الأمر , لخداع الجانب الإخواني في المجلس ,وكانوا بطبيعة الحال على استعداد كامل للانخداع بحكم التكوين وعدم اتساع الرؤية .
وطلب عبد الناصر الرأي من المجتمعين .
ونقل المخمورون ما سمعوه من السفراء !
قوة الإخوان الشعبية كبيرة , وللقضاء عليها ينبغي أن تتكون قوة شعبية أخري تحتويها ثم تلفظها ويتخلص منهما واحدة بعد الأخرى .

وقال عبد الناصر :

- نستطيع خداع الدول الكبرى لو قبل الإخوان تجميد نشاطهم والاندماج فيما يمكن أن نسميه بهيئة التحرير , ويكفي أن ننزع اللافتات من فوق شعب الإخوان ونضع مكانها لافتة عليها اسم هيئة التحرير .
- ثم أرسل البكباشي مؤخرة الثورة – كما كان يسميه – إلى المرشد العام واقترح عليه هذا الاقتراح , وقال له سم من شئت ليكون رئيسا لهيئة التحرير هذه .
- ولكن حكمة الرجل وتجربته جعلته يرفض وعلم أنها الواقعة ليس لوقعتها كاذبة .

الرؤية السياسية للإخوان

والذي نعرفه أن قيادة الإخوان كانت على وعي بالمخططات الاستعمارية وعدائها التقليدي المتوارث من أيام الحروب الصليبية في الشرق والغرب , في بلاد الشام والممالك اللاتينية التي نشأت ثم بادت وفي حرب ما يسمي بالاسترداد في الأندلس المسلمة .

ثم ظهور الممالك الأوروبية والإمبراطوريات عقب عصر الكشوف الجغرافية والصدام الكبير بين البرتغاليين والمماليك في مصر واكتشاف رأس الرجاء الصالح , ثم خروج بريطانيا بأساطيلها لغزو الهند المسلمة , وسائر ما في هذه القصة من تفاصيل القوة التي خرج بها الغرب , والضعف الذي آل إليه الشرق .

وتغير أسلوب الصراع مع الزمن , وصارت السياسة تغني عن الأساطيل والمدافع أو ينبغي أن يكون الأمر كذلك .

وتطورت المعارف والعلوم والنظرة إلى الأشياء . وبدأت صحوة المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية أو أثناء التمهيد لذلك , وهي علامات تغير الأزمنة وتحولها من طور إلى طور , عبر عالم غامض لا تبدو فيه الحدود الفاصلة بوضوح بين العهود والعصور ولكنها تتداخل في امتزاج يصعب فصله أو إدراك علاماته على وجه التحديد .

سقطت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية , وظهرت أمريكا وروسيا على أنقاض عالم ما قبل الحرب العالمية في الوقت الذي كان المد الإسلامي فيه قد صار يشكل خطرا جديدا وتكوينا يوشك أن يفرض نفسه على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية .

وهنا تلتقي القوي كافة, في الشرق الملحد والغرب المسيحي , على احتواء هذا المد الجديد, ليس بالحديد والنار , ولكن بالسياسة وحسن التقدير , ومن خلال التلاميذ والصنائع والعملاء , وهم أسهل شئ يمكن عمله في بلاد قد فقدت حضارتها ودينها وشرفها وانهزمت روحيا ونفسيا أمام أعدائها .

ورغم أن قيادة الإخوان ومفكريهم كانوا يدركون هذه الأمور الواضحة وهو ما ينبغي لأهل العلم والثقافة ,فإن الحوادث بتلاحقها لم تكن تدع لهم الفرصة لتبين الخطوات المرحلية , مع العجز عن النظرة الجزئية للتفصيلات التي تأتي وفق خطط مرسومة من هنا وهناك .

وكان جسم الإخوان المسلمين أو البنية الأساسية لهم تعتمد على مدرسي المدارس الإلزامية والصناع بمختلف تخصصاتهم , ورغم الدور الذي لعبه هؤلاء في القرى والأحياء الشعبية في المدن الكبرى فإنهم عكسوا أفكارهم على قيادة الإخوان وعلى مفكريهم أيضا , وكان العكس هو الذي ينبغي أن يكون , لهذا كان الإدراك السياسي العام ضعيفا مع انعدام القدرة على تكوين الكوادر السياسية وقيادة الشارع المصري من خلال تبني مشاكله الرئيسية .

وبوجه عام لم تمنحهم الأحداث الفرصة الكافية العادلة للتفكير والتخطيط وتصوروا خطأ أن طبيعة المرحلة تستدعي الحشد والجمع ورص الصفوف لجند قد لا يتبينون الخطة الكلية , وقادة لا يعرفون غاية في هذا الحشد على وجه واضح مبين .

كل هذا ترك أثره في الجماعة عندما دخلت حربا من نوع جديد لم تعهده من قبل واستغرقتها تفصيلات لم تكن ببالها .

وضع شياطين الغرب أمامهم عدوا قادرا منظما يمدونه بالمعلومات والتفاصيل وهم أيضا يعينونه على الحركة ويرسمون له الخطط لضرب الإخوان وينفذون معه ونصف الإخوان كانوا يظنونه واحدا منهم .

وأكثر من النصف كانوا يتصورونه صراعا داخليا في صفوف الجماعة ذلك العدو هو – بالتأكيد جمال عبد الناصر .

صنعه الغرب ومهد له ووطد لسلطانه , والتقت الغاية فكان حلفا غير مقدس وربما أدرك جمهور الإخوان ذلك في السجون والمعتقلات وفي صحراء الواحات الحارقة حيث النفي والسجن والبعد عن العالم حتى ينسوا الإسلام أو ينساهم الناس.

لماذا قامت ثورة 23 يوليو ؟

كان حسن الهضيبي يفهم هذه الأمور بالتفصيل وقليل ممن معه .

وكانت صلته بالجماعة هي صلة السمع والطاعة وعلى دخن في أحوال كثيرة ولم يساعده قرب عهده بقيادة الإخوان على الإحاطة السريعة بطبيعة المؤسسات المنتشرة داخل الجماعة وقدرتها وتأثيرها في سير الأحداث .

وكانت رغبته عميقة في ترك القيادة , وأبدي هذه الرغبة في ظروف متعددة .

ولكن الواجب أرغمه على البقاء حتى آخر لحظة من حياته ومن ثم أصبح رمزا للصمود والتحدي والصلابة ولم ينتبه الإخوان أن بظهورهم يؤذنون بدولة جديدة مؤهلة لقيادة العالم وسيطرتهم عليه من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي على شواطئ اندونيسيا واليابان , وأنهم مؤهلون لهذا الدور , وأن جميع العوامل تؤدي إليه .

ولم ينتبهوا إلى خصمهم وأساليبه , وكانوا عاطفيين أكثر مما ينبغي في بساطة المؤمنين وسذاجة الصالحين وغفلة المتحمسين .

لم يعرفوا أن هناك المعاهد العلمية والمخابرات العالمية تقوم على رصد الظاهرة الإسلامية وتضع الخطط للقضاء عليها وإبطال مفعولها .

وبعد كل هذه السنين نجد التاريخ يكرر نفسه وهذا ما يحدث الآن مع التطور الكبير في المعلومات وطرق تصنيفها وسرعة الحصول عليها .

وجد الإخوان أنفسهم في حرب لم يفهموها ولم يدركوا أبعادها وتناولوها تناولا ساذجا حتى بدت الصورة لبعضهم ولبعض أصحاب النظرة الجزئية أن الأمر لا يعدو صراعا على السلطة في بلد صغير يقع على ضفاف النيل اسمه مصر .

والحقيقة أنها كانت حربا ضروسا شديدة الوطأة لمحو كلمة الإسلام .

( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

واستطاع أعداء الإخوان والإسلام أن يشغلوهم عن إستراتيجية الحرب , وأن يشغلوهم بالتفصيلات الصغيرة وأن يستنفدوا طاقتهم في نقاشها وتحديد موقفهم منها بينما الحركة الإستراتيجية ماضية قدما في قتل هذه الطليعة وسحقها , وكان لهم ما أرادوا إلى حد ما .

أو على الأقل في تلك الحقبة التي مضت من الزمن .

لم يع الإخوان درس التاريخ فكانت محنتهم المروعة التي تركت أثرها في التغيرات الاجتماعية الكبرى , ولا تزال .

كان قيام ثورة 23 يوليو لوقف المد الإسلامي ورصد القوى الإسلامية بشكل دقيق , ووضعهم في المختبر لوضع العلاج لمثل هذه الظواهر في مستقبل الأيام فالتاريخ هو نهر الزمن المتدفق عبر الأزل في اتساق مع الماضي والحاضر والمستقبل .

وعندما ندخل في التفصيلات نجد جماعة قد انقسمت على نفسها وقد استغرقتها الجزئيات وهي قادمة على محنة مروعة قد قدرت لهم فيها الإبادة لولا لطف الله ورحمته وعهده بالحفاظ على دينه حسب النواميس التي ارتآها .

كان أمام حسن الهضيبي خياران لا ثالث لهما .

الخيار الأول : أن يدخل في حرب سافرة مع النظام الذي يمثله جمال عبد الناصر واحتمالات انتصاره كبيرة وموجودة رغم كل المعوقات إذ أخذنا في الاعتبار أن جسم الإخوان الأكبر يدين له بالسمع والطاعة , وأن من بين هذا الجسم عددا غير يسير من الضباط , ومن بينهم من هو في موقع قيادي مؤثر , بالإضافة إلى أن البلد ما زال به روح الحرية التي لم يقدر لها القتل بعد وكراهية معظم من في الجيش من الضباط المحايدين لجمال عبد الناصر حسدا أن صار رئيسا لمصر وجلس على كرسي فاروق .

وإذا أخذنا في الاعتبار أن قوة الإخوان الشعبية تسمح لهم بتحرك ناجح يلتف حول السلطة ويأخذ مكان الحكومة في مناورة قد تسفر عن حرب أو قتال ينتهي في النهاية لمصلحتهم . ورفض حسن الهضيبي هذا الخيار .

وكان الحق معه .

فالحابل قد اختلط بالنابل , وسوف يصعد بجماعة إلى كرسي الحكم بعد طوفان من الدم وسوف يؤكد الديكتاتورية ويقوي جذورها باسم الإسلام عبر عناصر لم تكتمل تربيتها بعد ولم تع درس التاريخ , ولا تفهم ما الذي يراد بها ومنها على وجه التحديد في عالم متغير شديد التعقيد .

وأحد الأدلة على صواب نظرته أن معظم الجبابرة الذين حكموا مصر في عهد الثورة وأحكموا رباطها بحذاء الغرب قد مروا على شعب الإخوان يوما ومنهم من بايع المرشد على السمع والطاعة ومنهم من كان في النظام الخاص .

وإذا أعطينا مثلا قريبا إلى الذهن فنقول : (.....) الذي لبث في الوزارة أحقابا وكان من أعضاء شعبة العباسية للإخوان .

ولعل من يقول وماذا في هذا المثل ؟

لنري التغيير الضخم الذي صنعته القوى المعادية للإسلام عبر حكومة الثورة بدءا بضرب الإخوان وانتهاء إلى ما نحن فيه الآن , وما أدراك ما نحن فيه الآن ؟

الخيار الثاني كان ترك الأمور تسير على النحو الذي رسمه الأعداء وهو أبقي للدعوة وإعطاء الفرصة لجولة في المستقبل , وأعمار الأمم تقاس بعشرات السنين .

وليس من صواب الرأي الدخول في حرب لا يدرك القائمون فيها على الجيش أبعاد المعركة وأهدافها .

كان هذا هو الخيار الصعب الذي اختاره حسن الهضيبي مع بذل جهده لتخفيف هذه المحنة ووقعها على نفوس الإخوان .

وبذل في هذا السبيل غاية ما استطاع .

رفض بإصرار أية فكرة لإحداث شغب .

استطاع أن ينقع معاونيه بعدم التفكير في اغتيال عبد الناصر , فالأمر أكبر وأعظم من وجوده أو عدمه .

عرض فكرة محاولة ترتيب البيت من جديد , ومحاولة دراسة المعطيات وكل الظروف المحيطة .

في هذا الوقت كان محمد نجيب يتقرب من الإنجليزويستعين بهم في صراعه مع عبد الناصر , وكان لا يزال يظن أن الإنجليزهم سادة الموقف , وأنهم وراء الأحداث والتغيرات , ولم يتخيل أبدا أنهم – الإنجليز - قد تركوا القيادة وتنفيذ المخططات للأمريكان .

وكان هذا هو الفرق الجوهري القاتل في صراعه مع عبد الناصر ذلك الصراع الذي انتهي تلك النهاية المأساوية التي يعرفها الجميع .

وكان الهضيبي أبعد نظرا , فقد كان يري الحقيقة ظاهرة , فعربة الشرق الأوسط قد جلست أمريكا على مقعد القيادة فيها , وبجوارها جلست انجلترا لمحض إرشاد القائد إلى بعض علامات الطرق لطول عهدها بالمكان .

أما العربة نفسها – عربة الشرق الأوسط – فقد تحدد مسارها بشكل لا يقبل المناقشة أو المراوغة وغايتها منع حدوث انتفاضة إسلامية هائلة تغير التاريخ في ذلك الجسم الضخم المارد الممتد في أكبر بقعة من أرض العالم القديم , وهو أيضا يرنوا بعين متوثبة إلى العالم الجديد.

الهضيبي يريد تخفيف الصدمة

كانت مهمة حسن الهضيبي شاقة وصعبة , فقد استوعب كل المعادلات في عقله ووعاها بوجدانه , وكان من القادرين على فهم حركة التاريخ ودور المسلمين وإمكاناتهم في هذه المحنة المدلهمة التي زاد وغطي عليها ظهور عبد الناصر .

أراد الهضيبي أن يخفف ما وسعه من شدة الصدمة , وحاول أن يجعل المحنة أقل فظاعة مما كانت عليه , ولكن لابد له لتحقيق هذا من وجود جهاز قادر علي درجة مقاربة من فهمه للأمور , ولم يكن هذا متيسرا مع الأسف الشديد .

كانت الظواهر واضحة ولم يدركها أحد على شكلها الصحيح .

أرادوا أن يصدروا بيانا صحفيا ينعي على الاستعمار " الانجلو أمريكي " وقدم خالد محيي الدين البيان لجمال عبد الناصر فاعترض وقال : يكفي الاستعمار الإنجليزي أو الاستعمار فقط , وهذا يحقق المعني المطلوب .

وحكي لي المرحوم منير دله – وكان مستشارا بمجلس الدولة – عن مشروع قانون تابع " للنقطة الرابعة " وكانت النقطة الرابعة هي من مقدمات الاقتراب من هذه البلدان النائمة , وهو يعطي صلاحيات أمريكية على حي شبرا كتجربة تصل إلى المجلس البلدي والشرطة وكل شئ .

كان هذا في الأيام الأولي من الثورة .

والتقي منبر دله بعبد الحكيم عامر وقص عليه القصة وتعجب وقال له هذا غير معقول وأجابه منير دله أن المشروع مقدم من مجلس الوزراء , وكان رئيس المجلس هو جمال عبد الناصر , وأكد عبد الحكيم عامر أن عبد الناصر لا يمكن أن يوافق على مثل هذا المشروع .

وتم لقاء عاجل بين الثلاثة .

وكان عبد الناصر يتكلم بسخرية واستهانة في هذا اللقاء .

قال له منير دلة :

- هل تفهم ماذا يعني هذا القانون ؟

وقال عبد الناصر :

- وماذا يعني ؟
- يعني أننا نضع حى شبرا تحت الإدارة الأمريكية بالكامل .

وقال عبد الناصر:

- والله لو وافقوا على أن يضعوا القاهرة كلها تحت إدارتهم لوافقت ,أنتم لا تدركون مزايا الإدارة الأمريكية والحكم الأمريكي .
وضحك ساخرا .

وقال له منير دله في حزم :

- لن يوافق مجلس الدولة على هذا القانون .

واصفر وجه عبد الناصر انفعالا وقال :

- هذه هي مساوئ الديمقراطية والحرية وسائر ما نعرف من كلام فارغ .

وتودد إليه منير دله وهو يقول :

- هل تدرك يا جمال ما الذي تفعله ؟

- وفي غضب أجاب :

- أدرك جيدا , وسوف يأتي الوقت الذي نحقق فيه أهدافنا دون العودة إلى مجلس دولتكم هذا الذي يضم طائفة من الجهلة المخرفين .

- والتفت منير دله إلى عبد الحكيم عامر :

- ما رأيك يا عبد الحكيم ؟
ولم يرد عبد الحكيم بكلمة واحدة !
ولم تصل تلك المعاني بوضوح إلى جمهور الإخوان .

وعندما قص منير دله هذه القصة على حسن الهضيبي ابتسم ساخرا ولم يعلق ربما لأنه يفهم هذه الأشياء جيدا وليس في حاجة إلى أدلة جديدة وكانت المشكلة الرئيسية عنده هي كيفية التخفيف من هول الصدمة القادمة .

هذا ليس عصر الإخوان

فهم البعض أنه يستجيب لطلبات عبد الناصر عندما قام بفصل قادة النظام الخاص من جماعة الإخوان المسلمين عقب لقاء تم بين قادة الثورة وقادة الإخوان وعلى رأسهم المرشد العام وفهموا أنه يقوم على تصفية الجماعة وقد أخطئوا في هذا الفهم بالتأكيد .

كان الهضيبي يعرف جيدا أن هذا ليس عصر الإخوان ولكنه حكم الأمريكان , والإخوان لا يفهمون هذا وأنهم بصدد محنة ضروس ولكن لا يعلمون والغريب أننا ما زلنا نعيش في حكم الأمريكان .

ولعلها آخر أيام حكمهم !

وبدأت قصة الحمل والذئب , ودوت مدافع حرب الإبادة .

والرجل يعمل جاهدا على تخفيف عدد القتلى والجرحى في معركة ليست متكافئة بلا فائدة .

وأذكر مرة عندما التقيت معه في مستشفي معتقل طرة السياسي.

وسألته : فضيلة المرشد .. هل تنوي كتابة مذكراتك ؟

وسرح طويلا وابتسم وقال :

- كلا ..

وقلت له متأدبا :

لماذا ؟ ألا تري لها أهميتها وفائدتها ؟

وزادت ابتسامة الرجل – عليه رحمة الله – وقال :

- ضررها بالغ ومحقق !
- لماذا ؟
وفتح المصحف معلنا نهاية اللقاء كعادته .

وكثيرا ما فكرت .. ما الذي يمكن أن تحتويه مذكرات ذلك الرجل العظيم ؟

ونعود إلى ما كنا فيه ..

أمريكا تحكم قبضتها على مصر !

عبد الناصر ينوي ضرب الحركة الإسلامية في مقتل ومقتلها هو الإخوان  ! وجماعة تهيئ نفسه للحكم بالإسلام , وهي غير واعية أنها لا تستطيع على الأقل في تلك الحقبة السوداء من الزمن .

ولا يزال سوادها جاثما على المكان !

ورجل على رأس الجماعة يريد أن يدخل بها إلى طور الكمون حتى تتهيأ الظروف بأقل ما يمكن من خسائر في المال والأرواح .

ولعله نجح في بعض ما كان يفكر فيه وربما كان يستطيع النجاح بشكل أكبر من ذلك لو فهمه كل من معه .

ولكن كما هي عادة التاريخ فإن التغييرات الكبرى لا يمكن أن يعيها غير أفراد قلائل وعلامات الأزمنة لا يفهمها غير الندرة والصفوة من الناس .

كانت خطة الرجل بسيطة وسهلة .

وهي تجنب الصدام , ولو أدي الأمر إلى تسليم مفاتيح المركز العام لجمال عبد الناصر مع الفتوى بعدم جواز قتله هو أو غيره .

ولكن ماذا يفعل حيال جمهور قوى غاضب مسلح قد هيأ نفسه للنصر والحكم ؟

وفكرت الحكومة في اغتياله , واختفي تجنبا لرد فعل قتله .

وصارت تعرض الخطط واحدة إثر أخري وهو في مخبئه , ويرفضها واحدة بعد الأخرى واضطر تحت ضغط الظروف إلى الموافقة على قيام مظاهرة مسلحة تنادي بالحرية والديمقراطية عندما يعلن محمد نجيب ذلك من أجهزة الراديو من الإذاعة وكان هدفه الدفاع عن النفس ولكنه كان حلما من الأحلام .

وكان محمد نجيب ممن لا يفهمون معادلات السياسة في مصر هو الآخر , وكان يعيش عصر الإمبراطورية البريطانية التي انتهي عهدها , وأمر حسن الهضيبي بتشكيل الجهاز السري ليرث النظام الخاص تمهيدا لطور الكمون الذي كان يفكر فيه , وكان لابد له أن يسيطر على جميع التشكيلات , ويحصل على كل الأسلحة الموجودة طرف المجموعات .

ولم يكن الجهاز السري الجديد يفهم حقيقة أبعاد ما يجري .

وكان كل تصرف يفعله أو يأتيه الهضيبي يقابله سيل من الشائعات والإعلام المضاد .

وقد صرح لبعض من يثق بهم قائلا :

- يجب أن يتهيأ الإخوان لمحنة قاسية الله سبحانه وتعالي وحده يعلم كيف تنتهي وقال أحد الجالسين :

- عندنا قوة تستطيع أن تقف أمام الجيش .
- ونظر الرجل إليه ولم يرد فلم يكن هذا صحيحا ! وتكلموا في بابا المقاومة المسلحة ورفض الرجل في حزم, ولم يجد من ينصفه فيما فعل , إلا قلة من الفاهمين الذين أدركوا وجهة نظره بوضوح وعلموا أن عين الحكمة هو ما ارتآه : ولو أطاعوه لخف الضرر كثيرا عما كان ولصارت المحنة أخف ضراوة ووحشية مما

حسن الهضيبي يتهيأ للمحنة

وهيأ حسن الهضيبي نفسه لنهاية شبيهة بنهاية سلفه حسن البنا ولهذا كان مطمئنا واثقا من خاتمة المطاف وأن الخير فيما يقدره الله .

وعندما حكمت عليه محكمة الشعب بالإعدام لم ير أكثر هدوءا وانشراحا مما كان عليه .

واتصل أحمد حسن الباقوري وزير الأوقاف آنذاك بالسيدة المرحومة حرم المرشد العام وقال لها :

- اطمئني , نحن نبذل قصارى جهدنا لتخفيف حكم الإعدام إلى المؤبد .

وردت عليه – رحمها الله – في التليفون :

- لقد أخذ مكان رجل أريق دمه على قارعة الطريق العام وهو مهيأ دائما منذ أخذ هذا المكان لنفس المصير , ولكن ما شعورك أنت .. عضوا مكتب الإرشاد السابق فيما يحدث الآن من التنكيل بالمسلمين ؟
- ووضع أحمد حسن الباقوري السماعة دون أن يرد , والله وحده يعلم المشاعر التي كانت تجيش بصدره ونفسه ساعتها .

عود على بدء

لا شك أن اختيار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين بعد وفاة المرحوم حسن البنا كان اختيار مثاليا , فلم تكن توجد الشخصية التي يتفق عليها الإخوان اتفاقا تاما بين أعضاء مكتب الإرشاد , وكان من المشاكل الرئيسية التي تواجه الجماعة وضع النظام الخاص , فهو مع أهميته في الدور الوطني والقومي إلا أن هناك ما ينبغي علاجه له صلة بالنظام عقب الحوادث التي حدثت مؤخرا آنذاك .

استفحل النظام , وشعر رئيسه بصلاحيات وسلطات لا حدود لها بعد نجاحه في كثير من العمليات التي قام بها ضد الإنجليزوأعوانهم , ويقال إنه كان يقوم علي تنفيذ أشياء ون الرجوع إلى حسن البنا .

والذي وضح للأذهان هو قوة عبد الرحمن السندي وسلطانه الذي زاد وشعوره بأهميته وأهمية النظام لحماية الجماعة , وقد يكون الحق معه , ولكن لابد أن يكون هذا في إطار من نظام , وهذا ما بدأ يتزعزع في نفس المرحوم عبد الرحمن السندي .

وكان الإعلان الهائل الذي قامت به الحكومة ضد الإخوان ووصفهم بالإرهاب والمبالغة في تصوير عملياتهم وعرضها على الرأي العام وتشويه صورتها,تغيير دوافعها كل هذا كان لابد له من خطة لعلاجه مع الناس .

فاختيار أحد رجال القضاء يحسن الصورة أمام الناس والرأي العام ,ذلك انه عندما يرون علما من أعلام القضاء في ذلك الوقت قد صار مرشدا عاما للإخوان فإن الصورة تتحسن كثيرا لديهم ولو لم يذهب الموضوع إلى أبعد من هذا .

ولكن لو جاء هذا المرشد الجديد وقال كلاما ضد الإرهاب تمهيدا لتحرك إعلامي جديد فإن هذا يساعد على تحسين الوضع بشكل عام.

كان المرشد العام يعرف أن هذا النظام الخاص معد لتحرير مصر وسائر البلاد العربية والإسلامية من الاستعمار , ولكن الكلام في هذا المجال لا يصلح , والشرح لن يفيد , بل سوف يزيد من سوء الصورة التي صنعها الإعلام .

ولهذا كان كل شئ يحتاج إلى تحرك جديد وتصور مختلف .

وكان هذا هو واجب المرشد العام الجديد رغم معلوماته القليلة عن مؤسسات الجماعة وأعضائها , ومن الطريف أنه هو نفسه – حسن الهضيبي – قام على طبع أحد منشورات الإخوان إبان نكبتهم عام 1948 , ونجح في وضع المنشور على مكتب الملك فاروق بمعني أن صلته بالعمل السري موجودة .

وكان لابد من عمل إعلامي مضاد لإعلام الحكومة , وبدأت الشائعات تخرج من الصفوف الإخوانية , بعضها الإخوانية , بعضها عن غير قصد , والآخر وفق خطة مرسومة .

ولم يعترض الإخوان على شائعة أن حسن الهضيبي هو مرشح الملك, حتى أن جهات الأمن تصورت هذا في فترة من الفترات , وانه قد جاء لإلغاء النظام الخاص ومحو العمل السري , وتنظيم علانية الدعوة , وقد أدي هذا دورا هاما في تحسين الصورة أمام الحكومة والناس والغريب أن ما يقوله الناس تصدقه الحكومة وما تقوله الحكومة لا يصدقه الناس أبدا .

وزادت قوة هذه الشائعات حتى أن الإخوان أنفسهم قد صدقوها , أو صدقها بعضهم وفي لقاء مع المرشد الجديد سأله حلمي عبد المجيد :

- هل صحيح أن فضيلة المرشد ينوى إلغاء النظام الخاص ؟

ورد عليه المرشد الجديد وكان قليل الكلام :

- إن النظام الخاص من الجماعة كحرف الخاء لا نستطيع حذفه .

- وكان قد ذهب إليه من قبل المرحوم عبد الرحمن السندي ومعه الشيخ سيد سابق وسأله السندي عن حقيقة ما يقال عن نيته في إلغاء النظام الخاص , وأجابه المرشد الجديد بكلمة واحدة غامضة :

- لا سرية في الدعوة .

وقيل إن عبد الرحمن السندي كان متغطرسا في هذا الاجتماع وإنه كان يكلم مرشده الجديد بشئ من الكبرياء والأنفة وإن كان قد حدث شئ من هذا فربما شعر قائد النظام بأن ما قام ببنائه يوشك على الانهيار على يد مرشد جديد لا يعرف أبعاد الدعوة وأسرارها من وجهة نظره .

وكان السندي قد طرح اسما على الإخوان ليكون مرشدا هو المرحوم صالح عشماوي, ولكن الإخوان استقروا على حسن الهضيبي وبايعوه .

وخرج السندي ثائرا من اجتماعه مع المرشد وأعلن لأعضاء النظام أو لقيادته يقينه من أن المرشد الجديد قد جاء لإلغاء النظام .

وذهب واحد للقاء المرشد يسأله عن هذه القصة ومدى حقيقتها .

وابتسم الرجل الذي حنكته الأيام وقال لذلك الذي جاء يسأله :

- كيف يتسنى لقائد نظام سري – يقصد السندي – المفروض أنني رئيسه أن يأتي ليسألني في أمر دقيق كهذا ومعه شاهد ؟ هذا يتنافي مع أصول السرية وطبيعتها لو يعلم فهو ليس عنده نظام ولا يعرف السرية .

وسأله الرجل عن حقيقة الموضوع .

وزادت ابتسامة المرشد العام الغامضة ولم يقل شيئا ولم يخطر على بال أحد من أعضاء النظام وقادته وعلى رأسهم السندي – علي رحمه الله – أن هذا النظام وقيادته صار معروفا بأسماء أصحابه بعد الحوادث المشهورة , وأنه من الحكمة أو طبيعة العمل السري أن تتغير كل هذه الأسماء التي صارت هدفا مرصودا .
ولكن هذا يأخذ وقتا ليس باليسير , وهناك أوليات ينبغي عملها وبكل المقاييس كان يجب تغيير كل الأسماء التي ظهرت وعرفت من مكان القيادة ولكن الأحداث تلاحقت فأحدثت ارتباكا في كل توقيت .

تم فصل تنظيم " الضباط الأحرار " الذي أنشأه الإخوان - عن الإخوان عام 1950 قبل أن تتم انتخابات نادي الضباط وقبل ضم محمد نجيب إلى هذه المجموعة وتولي عبد الناصر قيادة التنظيم ثم جاء الوقت الذي اشترط فيه أو استطاع إقناع صلاح شادي بأن صلة " الضباط الأحرار " بالإخوان لا ينبغي أن تكون عبر عبد المنعم عبد الرؤوف أو أبي المكارم عبد الحي وذلك لتأمين التنظيم .

وعرض الأمر على المرشد الجديد الذي يتحسس طريقة لمعرفة الجماعة عبر حقول الألغام التي خلفتها نكبة عام 1948 ووافق ولعلها خطوة من وجهة نظره في سبيل تغيير الأسماء المعروفة التي قد يضر وجودها أكثر مما ينفع .

وتشكلت لجنة للاتصال بالضباط الأحرار مكونة من منبر دله وصالح أبي رقيق وصلاح شادي وعبد القادر حلمي وحسن العشماوي .

ثم توثقت الصلة بين الضباط الأحرار ويمثلهم جمال عبد الناصر , واثنين هما صلاح شادي وحسن العشماوي , وكان الأخير على صلة وثيقة بجمال عبد الناصر وقريبا إلى قلبه ونفسه , وكان الأول هو منافس عبد الرحمن السندي في العمل السري , وكان المرشد الجديد يثق به ويتلمس طريقه عبر الجماعة من خلاله وآخرين .

وكان المرشد يتوجس خيفة من عبد الرحمن السندي , ذلك عندما علم أن ذلك الزائر الذي ذهب إليه يسأله عن حقيقة قصة إلغاء النظام قد جاء بعد اجتماع خطير أعد له عبد الرحمن السندي وجمع فيه نخبة من قيادات النظام مثل مصطفي مشهور وأحمد حسنين وحسني عبد الباقي وحلمي عبد المجيد والسيد فايز والدكتور أحمد الملط وكمال السنانيري ومحمد شديد وجمال فوزي .

وفي حماسة وعنف عرض المرحوم عبد الرحمن السندي فكرة خلع المرشد وتنصيب صالح عشماويمكانه , ورحم الله الجميع .

ودافع عن فكرته , وحاول أن يأخذ قرارا من المجتمعين بهذا ولو وافقوا لتم له ما أراد ولكن المجتمعين أصروا على سؤال المرشد والاستفسار منه .

استقرت الأحوال للمرشد الجديد وبدأ ينفذ سياسته الجديدة لإعادة ترتيب البيت من الداخل وإزالة ما علق باسم الإخوان من إعلام سيئ .

وقضي شهوره الأولي يستمع ويحاور ويسأل ويستفسر حتى انتهي إلى قرار كان هذا القرار هو تنحية عبد الرحمن السندي عن قيادة النظام الخاص .

وكان محقا في قراره فليس من المعقول أن يقوم على رأس النظام اسم معروف لكل دوائر الأمن في مصر والعالم . ذهب الأخ مح

مد شديد إلى المهندس حلمي عبد المجيد وقال له :

- قد قرر المرشد العام عزل عبد الرحمن السندي عن رئاسة النظام .

- ودهش حلمي عبد المجيد , ولم يكن يصدق وأعاد السؤال للتأكد , وأكد له محمد شديد أن هناك مشاورات كثيرة قد تمت لاختيار رئيس جديد للنظام قال حلمي عبد المجيد :

- ليس أمامنا غير السمع والطاعة ومن الذي اختاره المرشد ؟
- أنت
- وأسرع حلمي عبد المجيد للقاء المرشد العام وجلس إليه في بيته , وقال له إنه ممن يسمعون ويطيعون , ولكن هذا الاختيار ربما لا يكون موفقا .
وصار يسوق له من الحجج والمعاذير والأسباب والدواعي ما يجعله يرجع عن قراره وسمي له أسماء أخري تصلح لهذا العمل خيرا منه .

واستمع إليه المرشد العام باهتمام وصبر ثم قال :

- كل ما قدمته من حجج ومعاذير لم أقتنع بها وأرجو تنفيذ التكليف وصار حلمي عبد المجيد رئيسا للنظام الخاص بدلا من عبد الرحمن السندي وكانت عليه مسئولية إبلاغ قيادة النظام بهذا التكليف الجديد .
وكان حلمي عبد المجيد حصيفا فجمع مجلس قيادة النظام وتلطف في إبلاغهم التكليف الجديد وكان حريصا كل الحرص على ألا يثير حفيظة عبد الرحمن السندي , والذي لم يتبين طبيعة البعد " التاكتيكي " والسياسي لهذا القرار , فقد كان يعتبر نفسه هو الأب الشرعي لهذا التشكيل ولا ينبغي أن يقوم غيره على رعايته وازداد حلمي عبد المجيد في التلطيف , وبين أنهم سوف يسيرون على ما كانوا عليه وكل ما في الأمر أنه سوف يكون همزة الوصل بين النظام والمرشد , وأضاف :
- اعتبروني ضابط اتصال وليس أكثر .

وسارت الأمور على دخن !

فالقصة لا تعدو تغيير رئيس بآخر ولكن للمسألة أبعادا كثيرة فلها أبعاد إعلامية وسياسية وخطة ينبغي أن تبلغ مداها لتحقيق هدف المرشد في إزالة كل الآثار التي ترتبت على حوادث الماضي القريب , في وقت كانت جماعة الإخوان فيه لا تزال تضمد جراحها الغائرة الكثيرة .

وبدأ الأمر يظهر على صورته الحقيقية

لم يكن حلمي عبد المجيد مجرد ضابط اتصال فقط , بل جاء بسياسة جديدة ينبغي أن تنفذ وفق خطة متكاملة مرسومة عليه تنفيذها .
وبدأ عبد الرحمن السندي يدرك هذا وهو يرفض تنحيته عن رئاسة النظام شكلا وموضوعا ويعتبر أن هذه هي المنطقة الحرام التي يجب ألا يدخلها المرشد العام أبدا أن التشكيل الذي قام هذا النظام الخاص عليه أبدي ولا يقبل التغيير.
وفي يوم من الأيام فوجئ حلمي عبد المجيد بأن عبد الرحمن السندي يستدعيه لحضور اجتماع لمجلس النظام .
وذهب إلى مكان الاجتماع رغم عجبه الشديد !
وفي الاجتماع الذي حضره كل أركان حرب النظام انبري عبد الرحمن السندي يبين خطورة الانسياق خلف هذه المخططات التي تستهدف تصفية التشكيل في النهاية , ثم ألقي قنبلته في الاجتماع!

يجب تغيير المرشد العام وهي قضية لا تقبل المناقشة وأن له عليهم حق السمع والطاعة ,ولنبحث كيف يتم هذا التغيير بهدوء ودون خسائر .

انبري حلمي عبد المجيد يرد على عبد الرحمن السندي في هدوء وبين أن حق السمع والطاعة للمرشد العام أولا , وقال إن عبد الرحمن قد فقد صفته كرئيس للنظام بقرار المرشد وهو ملزم للجميع والتفكير في غير هذا عبث وخروج عن خط الدعوة , وقال له إنني كنت أمثل ضابط اتصال بين النظام والمرشد إكراما لك فإذا وصل إلى نقطة العصيان فإني منذ هذه اللحظة المسئول عن النظام الخاص بقرار المرشد .

ولم يعترض أحد من الموجودين وبدأ حلمي عبد المجيد يتصرف دون الرجوع إلى عبد الرحمن السندي في شئ ومن أهم ما فعله حلمي عبد المجيد تغيير لائحة النظام الخاص .

فقد كانت حافلة ببعض بنود شديدة منها إخلاء سبيل من يفشي أسرار النظام ومعني إخلاء سبيله مطاط وغامض , ويصل في التفسير إلى القتل .

وكلمة إفشاء الأسرار أيضا كلمة مطاطة وغامضة فمثلا لا يغدر أحد بإفشاء الأسرار بسبب التعذيب .

وكانت هناك حادثة الاعتداء وكانت هناك حادثة الاعتداء على حامد جودة وانهار أحد أعضاء النظام وأدلي بمعلومات كثيرة أثناء التحقيق معه في قسم مصر القديمة , ومن ثم كانت هناك نية أو تفكير في إخلاء سبيله .

وتم تغيير لائحة النظام الخاص.

كان عبد الناصر بحكم صلته العضوية بالنظام وأفراده على علم بالكثير من هذه الخلافات التي لم تكن تظهر على السطح , بل كانت تدور تفصيلاتها بين عدد محدود ممن قدر لهم العلم أو الاشتراك في هذه الأمور , ولهذا كان طلبه أن تكون الصلة بالجماعة من خلال آخرين في الوجه المقابل لعبد الرحمن السندي قد قوبل بارتياح شديد .

وبدأ الإخوان .. المرشد العام ومجموعة قليلة تدرس التفاصيل الخاصة بالثورة قبل موعدها بأسبوع , وآخر الموعد يوما كما هو معروف , واشترط الهضيبي عدم إسالة الدماء وعدم قتل فاروق ويكتفي بطرده من البلاد.

وبطبيعة الحال كانت الأمور تسير دون علم ضابط الإخوان الأصليين بما يدور مثل عبد المنعم عبد الرؤوف وأبي المكارم عبد الحي وغيرهم الذين انفصلوا عن تنظيم الضباط الأحرار ليعطوا الفرصة لإلحاق العناصر الوطنية غير الإسلامية للدخول في التنظيم .

ولكن عبد المنعم عبد الرءوف في لقاء عابر مع صلاح نصر في حلمية الزيتون قبل الثورة بيومين فهم من صلاح نصر أن الاستعدادات قد تمت , وكان الأخير لا يتخيل أن عبد المنعم عبد الرءوف بعيد عن هذه الأمور .

والتقي عبد المنعم عبد الرؤوف وبعض المسئولين في الجماعة ,ولكنه لم يحصل على جواب شاف عن سؤاله .

وذهب إلى حلمي عبد المجيد وقال له :

- هناك تحرك في الجيش يوشك أن يكون بين ساعة وأخري , ولا أدري ما هي علاقتنا بهذا فالإجابات كلها غامضة .
- وما المطلوب ؟
- يجب سؤال المرشد سؤالا صريحا محددا إن كانت هذه الحركة من صنعنا فنحن معها وما هو المطلوب منا , وإن كان يريد إحباطها فأنا ومن معي من الضباط قادرون على ذلك ,وإن طلب منا أن نبقي على حالنا وندع الأمور تسير كما تسير فنحن أيضا ننفذ , المهم ... ما هو المطلوب منا على وجه التحديد ؟

ربما تكون مخطئا في هذه التصورات .

- وأجاب عبد المنعم عبد الرؤوف في حزم :
- أنا على يقين مما أقوله لك .

وسافر حلمي عبد المجيد في قطار الصحافة الذي يقوم الساعة الثالثة صباحا إلى الإسكندرية ووصل إلى بيت المرشد في الساعة السادسة صباحا , ودق جرس الباب , واستقبله المرشد في هدوء , فقد كان من الطبيعي أن يدق بابه أى أحد في أى وقت من أوقات الليل أو النهار .

ودعاه المرشد إلى شرب الشاي والإفطار معه وصار يستمع منه – صامتا لكل ما قاله عبد المنعم عبد الرؤوف .

ثم خرج معه إلى الشاطئ إلى الكابينة التي كانت له بالعصافرة وقال له :

- تكلم معي حتى الساعة الثامنة , فعندها موعد مع أحمد باشا عبد الغفار , وعندما يأتي اذهب أنت بعيدا حتى ينصرف وعد إلىّ.
- وبعد أن انصرف أحمد عبد الغفار باشا عاد حلمي عبد المجيد إلى المرشد الذي قال .
- بلغّ عبد المنعم عبد الرؤوف " وأبو المكارم" عبد الحي أن هذه الحركة حركتنا ونريد لها النجاح و عليهما ألا يدخرا وسعا في ذلك .
ورغم استياء عبد المنعم عبد الرؤوف الشديد , لأنه أقدم في الرتبة من جمال عبد الناصر وأنه ... وأنه ... فإنه ذهب لجمال عبد الناصر ووضع نفسه تحت تصرفه .
وأصفر وجه جمال عبد الناصر عندما فوجئ بحضور عبد المنعم عبد الرؤوف وأنه يعلم التفاصيل , وكان ممن يخشاهم من الضباط على نفسه وقيادته

وابتلع عبد الناصر المفاجأة وقال :

-: اسمع يا منعم .. كل ما أريده منك هو رأس التين .

- وأبو المكارم؟
- قصر عابدين .

وبعد أن أبلغ أحمد أبو الفتح جمال عبد الناصر أن الملك قد عرف كل الأسماء ما عدا اسم جمال عبد الناصر , وأنه ينبغي عليهم التحرك الليلة وكانت ليلة 22 يوليو عام 1952 أصر عبد الناصر على انتظار رأي المرشد الذي كان يدرس كل التفاصيل التي قدمت إليه ورفض بشدة أن يبدأ التحرك دون رأيه وموافقته النهائية .

وقامت الثورة ليلة 23 يوليو عام 1952 .

خرج المرشد من لقائه الأول مع جمال عبد الناصر غاصبا , وأعلن أنه مغامر يريد الحكم وتأكد أنه ليس الأخ الملتزم بالبيعة , والذي يعرف قانون السمع والطاعة .

وقد بني سياسته منذ الوهلة الأولي على أنها حكومة جديدة ويمكن أن تسير في طريق الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي , وعلى التخلص من الملك , وأنه يمكن التعاون معه تحت هذا الباب وليس أكثر .

ولم يتفق واحد قط من الإخوان في الرأي مع المرشد العام حول هذه النقطة !! بل هناك من صار يظن أن عبد الناصر من ذؤابة الإخوان حتى مست الأسياخ المحمية ظهره في السجن الحربي.

وقد أخبرني المرحوم منير دله أنه رأي بعينيه جمال عبد الناصر والذي يدعي بالسيد على صبري أثناء تعذيبه بالسجن الحربي وعندما التقت أعينهما به تواري جمال عبد الناصر وهو الذي طالما تناول الطعام في بيته على مائدته قبل الثورة وبعدها وأياديه البيضاء عليه أكثر من أن تحصى .

أما ما يسمي بالسيد على صبري فقد تقدم ناحية المرحوم منير دله , ووقف أمامه ببجاحة وصلف أثناء تعذيبه وصار يلقي عليه الأسئلة .

كان المرشد العام للإخوان المسلمين المرحوم حسن الهضيبي في واد , وكل الإخوان المسلمين في واد آخر بالنسبة لنظرتهم إلى جمال عبد الناصر والثورة استطاع المرشد أن يفهم المسألة من الوهلة الأولي بينما تأخر فهم الإخوان لها كثيرا .

حكم عادل ومحاكمة ظالمة !

كان درس الثلاثاء من تقاليد الإخوان وعقب الدرس كانت تلقي الأسئلة ويجيب عنها المرشد العام .

ومن الطبيعي أن تكون هناك بعض الأسئلة قد أرسلتها الحكومة أو أوحت للبعض بطرحها وهذا من السهل جدا في تجمع به عدة آلاف من البشر , بل من المستنكر أن يهمل مثل هذا الاجتماع لفهم تيار واتجاه أكبر تجمع شعبي في مصر.

وأعيدت محاكمة قتله المرحوم حسن البنا .

وكان ممن حكم عليهم بالإعدام في هذه القضية إبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء الذي قام على تدبير الحادث .

وسأل سائل في نهاية درس الثلاثاء عن رأي المرشد العام في الحكم الذي صدر وأجابه حسن الهضيبي :

حكم عادل ومحاكمة ظالمة .

وجلس إليه أحد كبار الإخوان ومعه مجموعة من الإخوان بعد أن انفض الجمع واحتج على طريقته في الإجابة على ذلك السؤال فقال :

لابد أن يقف المتهم أمام قضائه الطبيعيين وإن نحن وافقنا على هذا الوضع الشاذ فسوف يأتي اليوم الذي نقف نحن أنفسنا فيه أمام هذا النوع من المحاكم وكأنه كان يري الغيب !

الإخوان يقدمون الضباط إلى الشعب

ظل الناس فترة لا يعرفون غير محمد نجيب كقائد للحركة المباركة , وكانوا يرون صورة جمال عبد الناصر ومن معه ولا يعرفون أسماءهم حتى الوقت للإعلان عنهم , وطلبوا من المرشد العام أن يساعدهم في تكوين شعبية لهم وانتووا الخروج في رحلة للوجه البحري يخطبون ويتكلمون ويراهم الناس ويعرفونهم .

وتم عمل تعميم على جميع الشعب بترتيب أحسن استقبال لهم وقد كان .

وخرج ركب رجال الثورة في موكب شعبي كبير من القاهرة إلى الزقازيق وقد شكل هذا الركب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين , وكل شعبة برجالها تنضم إلى الركب حتى وصلوا إلى الزقازيق ومعهم جمهور غفير كأن الشعب المصري قد خرج معهم , وعدوى الحماسة تنتقل بسرعة من هذا إلى ذاك .

وكانت الذبائح تذبح أمامهم عند مدخل كل قرية وبلدة , لاحظ جمال عبد الناصر ذلك التجمع الشعبي الهائل ولم يكن يتصوره , وأدرك في هذه الرحلة قوة الإخوان الشعبية , فقد كانت هتافات الإخوان المعروفة تنطلق مع كل خطوة , وهتافات أخري لتحية محمد نجيب ولا أحد آخر .

وتم هذا في " أبو كبير" وكفر صقر والمنصورة والسنبلاوين .

وكان جمال عبد الناصر يخشي من سنمود بلد المرحوم مصطفي النحاس باشا ونبه الإخوان إلى هذا فطمأنوه .

وتم عمل ترتيب خاص لمدينة سنمود

فقد تم احتلال المدينة مع الفجر من جمهور الإخوان من مختلف بلاد الوجه البحري ,ودخل ركب الثورة المدينة ومعه الصحفيون ورجال وكالات الأنباء العالمية , وكان الإخوان يقفون أمام البيوت وعلى مداخل الحارات وفوق السطوح , وكان أعظم استقبال لرجال الثورة في مدينة سنمود موطن الرئيس الراحل مصطفي النحاس .

وكان هذا الحادث في عناوين الصحف في كل أنحاء العالم .

وكانت هذه إحدى نقاط التحول الكبيرة في تحقيق أكبر شعبية للثورة ورجالها وتكررت الرحلة في الصعيد , وبدأت من أسوان في طريقها إلى القاهرة وفي الرحلتين تأكد عبد الناصر أن الشارع المصري من من أقصي البلاد إلى أقصاها يملكه الإخوان المسلمون ملكية لا ينازعهم فيها أحد ..

وقد أثار هذا كل قلق في نفسه وعجل بتفجير الصراع !

كانت كل محطة يقف فيها قطار الثورة لا يسمع فيها إلا الله