سنوات المجازر المرعبة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
سنوات المجازر المرعبة
مذكرات عدنان سعد الدين 01.jpg

بقلم / الأستاذ عدنان سعد الدين

موقع إخوان ويكي


محتويات

مقدمة الأديب عبد الله الطنطاوي

مذكرات الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب العام السابق للإخوان المسلمين بسوريا من الكتب الهامة التي تؤرخ لحركة الإخوان بسوريا وتكشف كثيرا من الحقائق التي يجهلها العالم عن النظام البعثي السوري والاضطهاد الذي تعرضت له الحركة ورجالها ونسائها على يد حافظ السد الرئيس السوري.

كما توضح تسلسل مراحل الدعوة في سوريا منذ دخل الدعوة إلى سوريا وفترة المراقب العام الأول الدكتور مصطفى السباعي والذي توفى عام 1963م، كما توضح طبيعة العلاقة بين ابناء الحركة الإسلامية في هذه البلد.

وهذا هو الجزء الرابع من مذكرات هذا المؤرخ.

وقد طبعته اكثر من دار سواء دار مدبولي المصرية أو دار عمار السورية

الفترة الرابعة : سنوات المجازر المرعبة من عام 1977 وحتى عام 1983

في هذه السنوات القليلة شهدت سورية أحداثا لا تخطر على قلب بشر من إعدام واغتيال وقتل مبرمج ، ودعوة صريحة في المؤتمر القطري السابع 1980 إلى مشروع الإبادة الجماعية على لسان الثوريين التقدميين من أمثال رفعت أسد وأخيه حافظ أسد من قبل ، والتقارب -في ذات الفترة- أو التسابق باتجاه التفاهم مع العدو ما بين القاهرة ودمشق من جهة ، والعدو من جهة أخرى ، في سرية تامة ، كشفت تفاصيلها ، فيما بعد ، لشعوبنا المكبلة والمغلوبة على أمرها.


أولا : سحق النقابات العلمية

قبل الولوج في هذا الموضوع الشديد الوعورة ، أذكر بإيجاز شديد ، ما تناولناه من قبل حول البنية التنظيمية للإخوان المسلمين في سورية ، يهدف ربط الأحداث وتسلسلها في داخل الجماعة ومن خارجها.

1- جرى انتخاب مراقب عام لجماعة الإخوان المسلمين السورية استنادا إلى قرار صادر عن مكتب الإرشاد وسلطته وصلاحياته التنظيمية ، وبناء على إلحاح الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله على كاتب هذه السطور ، ليكون مراقبا عاما للجماعة ، اجتمع مجلس الشورى للإخوان المسلمين السوريين في بيروت وكذا بعض الإخوان من حماة وحلب وإدلب ، ملحين على وجوب الاستجابة ، ثم مغادرتي للفندق الذي كنت نزيلا فيه في حي المنارة ، والانتقال إلى فندق آخر هربا من الإخوان وحياء منهم ، لعدم اقتناعي بأنني جدير ومؤهل لهذه المهمة الصعبة والثقيلة ، ثم حملي على ذلك في مواقف مر ذكرها ، ثم تشكيل المكتب التنفيذي ( الذي صار يسمى فيما بعد : قيادة الجماعة ) من خمسة أعضاء ، اثنان من حلب وثالث من حماة ، ورابع من حمص رشحه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة نائبا للمراقب العام ، وخامس من محافظة دمشق ما يزال يعمل في إحدى دول الخليج.

تم وضع الترتيبات في الدخول إلى سورية بسرية تامة ، وعقد الاجتماعات -في داخلها- للمكتب التنفيذي ، ولمجلس الشورى ، ولمكاتب التنظيم في عدد من المدن ، والبدء بمرحلة جديدة ، ووضع خطة شاملة يتحرك التنظيم بموجبها في قراراته ، وعلاقاته ، وترتيباته في الشؤون التربوية والمالية والحركية في أنحاء القطر ، وتجدي النظام -الأساسي والداخلي- الذي استقيت أكثر مواده من نظام الجماعة في القاهرة ، والانتقال -كثمرة لذلك- بالتنظيم أو الجماعة من مرحلة التعريف ( التبليغ ) والوعظ والتجميع والتكوين إل مرحلة البرمجة والتخطيط ، إكمالا للمرحلة الأولى التي سبقت ، وليس إلغاء لها ، والاكتفاء بإصدار تعميم واحد على جميع أعضاء التنظيم خلال هذه الفترة الثلاثية من عام 1976 وحتى عام 1979 ، كانت خلاصته ، أو كان جوهره : أن جميع الأزمات أو الخلافات مهما استعصت ، تجد حلها في ظل التقوى ، التي جعلتها الجماعة أساسا وشعارا لها في هذه المرحلة التي أطلقنا عليها تسمية -التكوين الرباني- ، وأن أبسط الأمور ، وأيسر الخلافات يستعصي حلها في غياب التقوى ، ومراقبة العبد لمولاه في السر وفي العلانية.

2- اشتدت وطأة النظام المتسلط على السوريين ، ولا سيما المتمسكون بدينهم ، الدعاة إلى رسالة ربهم ، كان من أبرزها ( علونة الجيش ) الذي بدأه الانقلابيون منذ الساعات الأولى في 8 آذار عام 1963 ، ثم ازداد وضوحا ووقاحة بعد التدخل العسكري في لبنان ، بإبعاد من ليس علويا من الجيش ، وحشد عشرات الألوف من الطائفة العلوية في الجيش لاستلام مراكزه الأساسية والمفصلية ، والإمساك بالمواقع الحساسة في أجهزة الدولة كلها ، وتقديم العلويين ، ولو لم يكونوا من الحزبيين على غيرهم ، ولو كانوا من كوادر الحزب ، ومن المتقدمين في تشكيلاته ، وعلى الأخص في الجيش ودوائر الأمن ، لأن أهل السنة والجماعة يعتبرون أرضا خصبة في نظر العصابة الحاكمة ، ويجب الحذر منها .

كان من أوضح هذه الظاهرة الطائفية المرضية الغربية عن تركيب المجتمع السوري ونفسيات المواطنين ، توسيع السلطة للمعاهد العسكرية ، وإنشاء معاهد جديدة ، بحجة تحديث الجيش ، للإمساك بالمؤسسة العسكرية بفرعيها -الجيش والأمن- كما شهدت أجهزة الأمن تغييرا شاملا في عددها وفي مهماتها ، إذ كان يتدفق إليها عشرات الألوف من الشباب في كل عام ، إلى أن بلغ منتسبوها في عام 1978م 360 ألفا من المتفرغين ، يستخدمون 17 ألف سيارة ، وأحدث ما في تقنيات الغرب والشرق من أجهزة تنصت وتجسس وتعذيب لحماية النظام ، وتحويل مهمة المخابرات والمؤسسات الأمنية عن واجباتها في حماية المواطنين من العدو الخارجي وجواسيسه داخل الوطن ، إلى مهمة حماية الرئيس ونظامه وحزبه من الشعب ومن المواطنين .

وهذا ما حدث في الجهاز القضائي ، إذ تم إقصاء القضاة الأكفياء ، وتعيين دفعات من القضاة المنتمين إلى حزب النظام ، كما تم تعديل قانون الأحوال الشخصية للمسلمين ، وأصبح انتشار التوقيف والاعتقال التعسفي دون الرجوع إلى القضاء لعبة بأيدي المتنفذين والأمنيين ، فلم يعد المواطن آمنا على حياته أو ماله أو عرضه بعد غياب القضاء العادل النزيه ، بل الاستمرار بالعمل بأحكام قانون الطوارئ المفروض على سورية المنكوبة منذ الثامن من آذار ، كما رأينا ذلك تفصيلا من قبل.

3- عمل النظام القمعي على كل ما من شأنه أن يرفع من سخونة الصراع مع ذوي الاتجاهات الإسلامية من علماء وإخوان وجمعيات ، للوصول إلى حافة التفجر ، واندلاع مواجهات بين عصابات السلطة المسلحة بالحقد وأدوات الفتك ، وبين المواطنين العزل المغلوبين على أمرهم ، حتى غدت السيطرة على غليان الغضب الشعبي أمرا غير ممكن ولا مستطاع.

لقد أخذ النظام بسياسات التميز المفضوح بين المواطنين ، مستأثرا بجميع الفرص والمواقع ومراكز القوة ، ولا سيما في مؤسسات الجيش والأمن التي أضحت وقفا على مجموعة من هذه الفئة الطائفية دون الآخرين بمن فيهم شريحة من أبناء الطائفة العلوية نفسها المحرومة ، شأن المواطنين الآخرين.

استأثرت هذه القلة بالمواقع الحكومية الهامة ، بدءا من موظفي الوزارات وإدارات المدارس والسلك الدبلوماسي ، وفي الدوائر العامة والمؤسسات الإعلامية : الصحفية والإذاعية والتلفزيونية ، وبالبعثات العلمية التي أضحت حكرا على أبناء الطائفة الموالين للنظام في جميع التخصصات ، الأمر الذي أدى إلى استفزاز المواطنين ، ودفعهم في طريق الصدام ضد الذين امتهنوا البطش والقمع والطغيان. قام بها -كما علمنا فيما بعد- مجموعة موالية للشهيد مروان حديد رحمه الله بعد أن تمت تصفيته في سجنه ، ودفنه بعيدا عن ذويه وأهله.

لم تكن الجماعة على علم بأحداث تلك الفترة ، نقول هذا مؤكدين على ذلك ، طالبين بصوت مسموع أن تذكر أي جهة رسمية أو غير رسمية ما يناقض هذا التأكيد ، فالجماعة كانت مستغرقة في العملية التربوية والتوجيهية ، وتبليغ المواطنين أمور دينهم ودعوتهم ، لكن النظام الذي يعلم هذه الحقيقة التي اعترف بها حافظ أسد نفسه في إحدى كلماته إلى تجمع لطلاب الحزب ، وجدها فرصة طالما سعى إليها في شن حملات واسعة من الاعتقال والتنكيل والاغتيال في داخل السجون وفي خارجها ، ضد الإخوان وكل ذي توجه إسلامي من أي شريحة أو فصيل أو اتجاه ، وهذا ما انتهى بالبلاد التي كانت طيلة تاريخها بعيدة عن التعصب والعنف وسفك الدماء ، إلى تسريع الأحداث ، ودفعها إلى حافة الانفجار ، وحدوث ما لم يكن في الحسبان.

تحركت مؤسسات المجتمع المدني للتوسط بين السلطة الحاكمة وبين المواطنين لوقف هذا التدهور ، والحؤول دون وقوع مجازر دامية في الشارع السوري ، فاجتمع علماء وشيوخ عدد من المحافظات -من حلب وحماة وحمص- للتداول في شؤون البلاد والعباد ، والأزمة التي تتعرض لها سورية ، فقرروا اللقاء مع محافظ حلب ، ليطلبوا منه بضع الأمور التي من شأنها أن تنتهي إلى الهدوء ، مثل الإفراج عن النساء المعتقلات اللواتي يتعرضن في سجون السلطة للإهانة والاعتداء والتعذيب ، فرفض المحافظ مقابلتهم ، الأمر الذي أدلى إلى تزايد السخط في المدينة التي كان التوتر فيها على أشده ، فاندلعت تظاهرات نسائية في حلب بتاريخ 16- 11- 1979.

ثانيا : نشاط المحامين ومأساتهم

في هذه الآونة سطر نقيب المحامين السوريين إلى المسئولين في النظام الحاكم مذكرة بتاريخ 17- 8- 1978 ، ضمنها مطالب شعبية ، كان من أهمها : توفير مناخ الحرية وسيادة القانون ، وإطلاق سراح الذين اعتقلوا دون مذكرة قضائية.

1- صدر القرار رقم 2 بتاريخ 1- 12- 1978 عن المؤتمر العام للمحامين السوريين الذي كلف مجلس النقابة بمقابلة رئيس الجمهورية للمطالبة بإنهاء حالة الطوارئ في البلاد ، والتأكيد على مبادئ الحرية وسيادة القانون ، ثم صدر بيان مجلس نقابة المحامين في سورية فيما بعد بتاريخ 29- 9- 1979 ، وجاء فيه : إن ممارسات النظام أشاعت جوا من الهلع والخوف والقلق ، وأخلت بميزان الأمن ، وانتهكت حريات الأفراد والجماعات ، واستباحت حرمات الأمن ، فأصبحت أرواح المواطنين عرضة للإزهاق على يد سلطات الأمن ، وباتت شرعة الرهائن وتهديم البيوت وسيلة تأديبية جماعية ، حتى امتلأت السجون بالرجال والأطفال ، وبالأعداد الضخمة من صفوف المثقفين ، كالأطباء والمحامين والمهندسين والمدرسين.

وكانت النقابة من قبل قد أقرت بتاريخ 22- 6- 1978 قرارات طالبت فيها بإنهاء حالة الطوارئ ، وهددت أو أنذرت المحامين بعقوبات تأديبية إن هم تعاونوا مع الحكومة في قضايا غير مشروعة في المرافعات القضائية .

استمر اتحاد المحامين في صدام مع نظام حافظ أسد -العسكري- وبخاصة بعد تدخله في شؤون لبنان سنة 1976م ، وعندما جمع المحامون عرائض الاستنكار ، ونظموا الاحتجاجات ردا على هذا النشاط ، قامت السلطة بحجز محامين اثنين نشيطين هما : طارق حيدري و عادل كيالي ، فمات كلاهما في الحجز تحت التعذيب ، فقدم الاتحاد شكوى إلى الحكومة ، ثم أثير الموضوع في تونس في اجتماع اتحاد المحامين العرب في تشرين الثاني عام 1976 ، فلجأ النظام إلى إجبار المحامين النشيطين مثل أحمد محفل إلى البحث عن منفى له في عام 1977.

2- أضحى اتحاد المحامين بحلول عام 1978 القوة القائدة في صفوف المعارضة الديمقراطية ، وما إن انعقد مؤتمر المحامين في 22- 6- 1978 حتى طالب المجتمعون بوضع نهاية فورية لحالة الطوارئ ، وأدانوا اللجوء إلى التعذيب ، وأقروا إنذارا وزع على جميع المحامين يحذرهم من مغبة التعاون مع الحكومة في مشاريع وأعمال غير مشروعة. وفي 17- 8- 1978 أرسل الأستاذ صباح الركابي رئيس اتحاد محامي سورية مذكرة احتجاج إلى الحكومة يحثها فيها على احترام حكم القانون ، وإلغاء المحاكم الاستثنائية ، وإطلاق سراح جميع المحتجزين من دون محاكمة. وصوت المؤتمر العام لاتحاد محامي حلب في 11- 11- 1978 لصالح تأييد القرارات التي أقرها اتحاد المحامين في دمشق في شهر حزيران.

لم تضم إلا أيام قلائل حتى انقض عناصر من سرايا الدفاع على محام وزوجته في أحد شوارع دمشق ، فرد اتحاد محامي دمشق على ذلك بإضراب يوم واحد ، ثم صدر عن محامي حماة وحمص وحلب ودير الزور قرارات التأييد والدعم لنقابة محامي دمشق.

أخذ المحامون المبادرة ثانية ، إذ اتخذ محامو دمشق قرار في 31- 8- 1979 دعوا فيه إلى وضع حد لحالة الطوارئ واحترام الحقوق الدستورية ، إلا أن النظام بدا غي مبال بحملة المحامين ، بل ضاعف من شدة قمعه.

في 1- 3- 1980 اجتمع محامو حلب الساخطون ، وقرروا إضرابا لمدة ساعتين في اليوم التالي لتسليط الضوء على ندائهم بالعودة إلى الديمقراطية وتعميقها ، وفي 9- 7- 1980 أعلنت نقابتا المهندسين والأطباء في حمص ، فضلا عن اتحاد المحاميين بيانات وتصريحات مشتركة مؤيدة ، وتكرر ذلك في حماة بعد يومين من بيانات حمص .

جاءت ردة فعل الحكومة بإلقاء القبض على العديد من المحامين ، وألقتهم في السجن ، وبالرغم من أن كل أنواع المعارضة خلال الإضراب كانت سلمية تماما ، إلا أن الحكومة تعاملت مع المضربين بوحشية وقسوة ، فاعتقلت خمسين محاميا بعد الشروع في الإضراب بقليل بمن فيهم صباح الركابي رئيس اتحاد المحامين في سورية ، و موافق الكزبري رئيس اتحاد رعاية المسجونين ، و سليم عقيل الرئيس السابق لمحامي حلب ، و رشاد برمدا من لجنة حقوق الإنسان ، واستمرارا في نهج التسلط والقمع على حل مجلس الوزراء جميع الاتحادات المهنية في 9- 4- 1981 مدعيا أنها قد اخترقت من عناصر الرجعية حتى صارت خطرا على المجتمع ، وأغلقت السلطة مقرات الاتحادات الرئيسية والفرعية ، ومكاتبها التنفيذية ، ودوائر أبحاثها ودراساتها ، فضلا عن إغلاق لجنة حقوق الإنسان ونقابة رعاية المسجونين ، وفي اليوم التالي قدمت السلطة ملاكات اتحادات محامين جديدة بتعيين عناصر المجالس التنفيذية الجديدة بدلا من الأعضاء السابقين المنتخبين.

وقف مجتمع القانون مدهوشا إزاء ما يجري ، إذ إنه حتى في أسوأ لحظات الانتداب الفرنسي ، لم يحصل مثل هذا الذي تراه أعينهم في سورية قط.

استنفر المحامون بسرعة التأييد الدولي لمناصرة قضيتهم ، فرفض المجلس التنفيذي لاتحاد المحامين العرب المعينين الجدد في اتحاد محامي سورية ، وكان المجلس ما يزال في غمرة اجتماعه في مراكش في شهر حزيران 1980 ، تبعه وبسرعة إعلان مؤتمر اتحاد المحامين العرب القائل : إن قرارات الحكومة السورية تعد لاغية وغير شرعية ، كما احتج أيضًا كثير من المنظمات الدولية القانونية الأخرى ، بل إن بعضها أرسل وفودا لمحاورة الرسميين السوريين ، والتماسهم في إعادة النظر في الموضوع ، إلا أن نظام حافظ أسد القمعي رفض تغيير نهجه تماما.

فرضت السلطة السورية المستبدة القانون رقم 39 الصادر في 21- 8- 1981 المتضمن تغييرات حاسمة في هيكل الاتحاد ، محولا إياه إلى ذراع مسخر للتعاون مع الدولة والحزب الحاكم ، وقد حددت المادة الثالثة من مبادئ وقرارات حزب البعث الحاكم ، أما المادة الرابعة فقد نصت على أنه يتعين على الاتحاد أن يعمل بالتنسيق مع الدائرة المختصة في القيادة القطرية للحزب ، واستنادا إلى المادة 37 ، ليس هناك مؤتمر عام لاتحاد المحامين يمكن أن ينعقد ما لم يدع إليه ويحضره ممثل عن حزب البعث. وفي ظل القانون الجديد يستطيع مجلس الوزراء ، وفي أي وقت يشاء أن يحل مجالس الاتحاد الفرعية والقطرية تماما مثلما يستطيع حل الجمعية العمومية لاتحاد المحامين.

3- نهج النظام بكمه فم اتحاد المحامين نهج من يريد تحطيم روحه المعنوية ، وتغيير بنيته الهيكلية ، فعلى سبيل المثال ، تلجأ السلطة إلى إرسال عناصر من الأمن ليقفوا ويتربصوا في مداخل أبنية المكاتب القانونية ، لإشاعة الفزع والرعب في نفوس الموكلين ، أو الضغط على القضاة بالحكم دون وازع من الالتزام ، حتى صار لعمل القضائي يعتمد وباطراد وسرعة على عاملين : ارتباط المحامي الوثيق برجال السلطة العليا ، ومهارته في رشوة الحكام والموظفين العموميين -القضاة ومن يعمل بإمرتهم- ، وبمرور الوقت قام النظام بإطلاق سراح الكثير من المحامين المسجونين ، إلا أن ثلاثة عشر منهم بقوافي الحجز حتى العام 1985 ، إذ لم يقدم أي منهم إلى محاكمة ، وعندما عقدت اللجنة التنفيذية لاتحاد المحامين العرب اجتماعها في دمشق مارس 1986 وعدهم أسد بإعادة الحرية إلى السجناء ، فأطلق سراح عشرة منهم في مطلع كانون الأول باستثناء ثلاثة منهم ظلوا في المعتقل ثلاثة أعوام إضافية حتى نسيان 1989 بسبب رفضهم التوقيع على تصريح يشكرون فيه أشد لإخلاء سبيلهم ، ويتعدون بالإحجام عن أي نشاط سياسي في المستقبل!!

أما الحزب فقد أخذ يدعم المرشحين البعثيين كإداريين وكمحامين بمن فيهم الكثير ممن لم يمارسوا مهنة المحاماة ، ولم يتدربوا عليها فعلا.

توقع النظام من المحامين الذين يشاركون في مؤتمرات المحامين في الخارج أن يدافعوا عنه ، بيد أنه لم يحقق أي نجاح عبر جميع مؤتمرات المحامين في مراكش عام 1980 ، وفي تونس عام 1984 ، وفي الكويت عام 1987 ، وفي هذا المؤتمر الذي عقد بالكويت لم يشأ الوفد السوري أن يعارض موقف الاتحاد في شجبه لمواقف سورية من المحامين ، فحمل أسد قيادة المحامين السوريين مسئولية هذا الموقف ، وأجبر جميع أعضاء المجلس التنفيذي على الاستقالة بعد شهرين فقط من مؤتمر الكويت، ثم نصب بدلا منهم آخرين يعتمد عليهم ، وإذا أخفقت سلطة أسد في إيجاد رئيس جديد للاتحاد بين المحامين المتمرسين ، اختارت حسن حمدان الذي لم يكن محاميا قط ، بل هو موظف أمن متقاعد ، ومدير سابق في مخابرات محافظة دمشق ليس إلا .

هكذا دفعت نقابة المحامين ثمن مواقفها النزيهة والجريئة ، عندما قالت بوضوح : إن المحاكم في ظل حكم أسد تقع تماما خارج إطار النظام القضائي الاعتيادي ، بل إن الأحكام تصل مسبقا إلى المحاكم عن طريق الأجهزة الأمنية التي نفذت الاعتقال.. وعندما تبنت نقابة محامي دمشق بقرارها الشهير رقم ( 12 ) في 2 حزيران 1978 بأن كل الأحكام الصادرة عن المحاكم الخاصة يتعين اعتبارها مناقضة للقانون ولمبادئ القضاء ، نعم دفعت النقابة وأعضاؤها الأحرار المدافعون عن الحق والقانون وكرامة المواطن ثمنا غاليا شمل القتل والسجن والتعذيب والمطاردة من قبل سلطة أو قل عصابة لا ترعى حقا ولا عدلا ولا كرامة لمواطن في سورية الجريح.

ثالثا : المحامون في تنظيم الجماعة

خاض الإخوان صراعا حادا مع نقابة المحامين السوريين التي عينها حافظ أسد بعد أن حل نقابة المحامين السوريين الشرعية وطارد أعضاءها وسجنهم ، وأعدم بعضهم ، وسلم أمرهم وشؤونهم إلى ضباط أمنيين لا يمتون بأي صلة لمهنة المحاماة ولنقابة المحامين.

لقد بذل المحامون الإخوان جهودا ، بل جهادا لا يمكن نسيانه أو التغافل عنه ، وعرضوا أنفسهم لأخطار محرقة كان يعدها النظام السوري ضدهم ، ويكلف بها شراذم القمع والقتل من رجال مخابراته ، ويحشدهم في معظم مؤتمرات اتحاد المحامين العرب تحت اسم نقابة المحامين السورية.

كان من أبرز من قاد هذا النشاط الأخ المحامي محمد علي صوان حفظه الله من إدلب ، والأخ المحامي محمد العنجريني رحمه الله من حلب ، وكلاهما كان أمين سر نقابة المحامين في بلده ، قبل نزوحهما ، مع الألوف عن أرض الوطن ، والانتقال إلى البلاد العربية الشقيقة المجاورة.

استمر نشاط المحامين الإخوان معظم سنوات العقد الثامن من القرن الماضي ، وامتد من عام 1979 وحتى العام 1986 في حركة دؤوبة لا تفتر ، لفضح ممارسات نقابة المحامين السوريين التي عينها حافظ أسد بعد أن ألغى سابقتها المنتخبة الشرعية ، وألغى معها جميع النقابات العلمية الأخرى التي كانت تضم الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة والمهندسين ، وجميع الفروع التابعة لها في المحافظات السورية.

2- عقد مؤتمر دولي لجمعيات المحامين الشباب في لوزان السويسرية في 22- 8- 1982 ، فسافر الأخ محمد العنجريني عن طريق جنيف للمشاركة في هذا المؤتمر ، فتمت المشاركة ليومين في أعماله ، وطرح الأخ المأساة السورية في الحرية وحقوق الإنسان ، ومطاردة نقابة المحامين السوريين الشرعية ، وطبع الوفد مائتي نسخة من العدد السادس من مجلة المنبر المختصة بهذه الموضوعات باللغة الفرنسية ، لتوزيعه على أعضاء المؤتمر كملف قانوني عن القوانين القمعية في سوريا.

حضر المؤتمر 450 محاميا ، بينهم 30 محاميا عربيا من تونس و الجزائر و ليبيا و مصر و منظمة التحرير الفلسطينية.

يقول الأخ المحامي محمد العنجريني الذي مثلنا ضمن المحامين السوريين المعارضين : عرضنا قضيتنا مطالبين بإلغاء القوانين العرفية وحالة الطوارئ ، كما طالبنا بسيادة القانون واستقلال القضاء ، وانتقدنا القوانين التي تتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، والمعاهدات الدولية الملحقة به ، وعندما تقدمنا بهذه المطالب في سورية كان رد الحكومة الباغية حل نقابة المحامين السورية واعتقال أعضائها ، وإلغاء قانون المحاماة ، وسن قانون قمعي باسم قانون المحاماة ، وهو القانون رقم 39 لعام 1981. ثم تلونا بعض فقراته.

طالب المؤتمر بتقديم أدلة على ذلك ، وبإيراد هذه القوانين بنصوصها ، فوزعنا عليهم مجلة المنبر باللغة الفرنسية ، فأجل المؤتمر اجتماعه إلى اليوم التالي للاطلاع على هذه القوانين بصورة دقيقة.

في اليوم التالي عقد الاجتماع صباحا ، فأبدى الجميع دهشته وتعجبه لمثل هذا القانون 39 ، ثم سألونا عن مطالبنا ، فقدمناها لهم وهي :

أ- التنديد بحل النقابات المنتخبة واعتقال أصحابها ، وإرسال وفد من المؤتمر لسورية ، لمراجعة المسئولين ، مطالبا بإطلاق سراح المعتقلين ، وإرسال برقية بذلك.

ب- التنديد بالقانون 39 لعام 1981 ، واعتباره ماسا بحرية المحامين ، واستقلال المحاماة.

جـ- رفض قبول أي وفد رسمي ممثل لنقابة المحامين السوريين التي عينها النظام السوري في أي مؤتمر دولي للمحاماة.

فتقرر تشكيل لجنة لمتابعة هذه القضية التي اعتبرت إحدى القضايا الرئيسية في أعمال المؤتمر.

3- رفع محامو التحالف الوطني المعارض -وضمنهم المحامون الإخوان- مذكرة إلى الأمين العام لاتحاد المحامين العرب المنعقد في القاهرة في 18- 1- 1983 جاء فيها : ننتهز فرصة انعقاد مؤتمركم الدائم في القاهرة في هذه المرحلة الدقيقة القاسية على حياة شعبنا لنطلعكم على بعض جوانب المأساة التي يعيشها شعبنا في سورية على يد نظام وطن نفسه ، ووظف خدماته لصالح أعداء أمتنا العربية بلا حياء.

فمنذ استلم حافظ أسد السلطة -الرئاسة- عام 1971 عمل على تمزيق الشعب ، بفرض الطائفية البغيضة بين أبنائه ، وسلط أزلامه وجلاوزته على الأحرار ، وسل سيف البطش والتنكيل والإرهاب على الفئات التي لت ترضخ لطغيانه في داخل سورية وفي خارجها ، وبالإبادة الجماعية ، كالذي حدث في سجن تدمر الصحراوي ، إذ قتل فيه عام 1980 ما بين 1100 إلى 1700 معتقل سياسي ، داخل الزنزانات والمهاجع التي حشروا فيها ، وكما فعل في مدينة حماة التي استباحها طوال شهر شباط 1982 ، وارتكبت فيها عناصره الطائفية وجيوشه المخابرات وقطعات الجيش من ألوان الجرائم الوحشية ما لا يتصوره الإنسان من قتل حوالي 40 ألف مواطن ، واعتقال ما يزيد على هذا العدد ، وتشريد أكثر من 150 ألفا ، بالإضافة إلى السلب والنهب وانتهاك حرمات الحرائر ، وعلى مشهد من ذويهن في مأساة فريدة أطلق عليها المراقبون صفة -مأساة العصر- ، وكذلك فعل في بلدات : سرمدا ، وجسر الشغور ، وفي حي المشارقة في مدينة حلب ، وفي مناطق أخرى ، فعل ما فعله بغيرها من ضروب القهر والاضطهاد.

أما على الصعيد العربي ، فقد انتهج حافظ أسد سياسة جعلت نظامه يقف إلى جانب أعداء الأمة العربية ، وفي خدمة العدو الصهيوني عن طرق عدة ، أهمها :

أ- تدخله في لبنان منذ عام 1976 لتعميق الهوة بين أبناء الطوائف من جهة ، ولضرب المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية من جهة أخرى ، وممارسة عصاباته اللاأخلاقية واللاإنسانية على المواطنين اللبنانيين ، والاعتداء على النساء ، واستلاب الأموال ، وأخيرا تسليم مواقعه الإستراتيجية التي كانت بقبضة الجيش السوري في منطقة جزين وما حولها للعدو الصهيوني في حزيران 1982 ، الأمر الذي مكن الإسرائيليين من تطويق بيروت وسحق المقاومة فيها ، ومنع وصول المتطوعين والإمدادات إلى المقاومة المحاصرة ، فنال بذلك رضا الصهاينة عنه إذ قال بيغن رئيس الوزراء : إن حافظ أسد أثبت مرارا التزامه بتنفيذ الاتفاقات ، وبالمقابل قال حافظ أسد إن قواته لم تدخل لبنان لمحاربة إسرائيل.

ب- وعلى صعيد العلاقات العربية ، نسف حافظ أسد كل أشكال التضامن العربي ، باعتماده سياسة مدمرة تهدف إلى تمزيق وحدة الصف العربي إلى حد التحالف مع إيران في حربها مع العراق ، وإمدادها بالسلاح والخبرات والصواريخ وطواقمهم ، وتعميق الهوة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي ، وبين المغرب و الجزائر ، وتهديد الأردن وحشد قواته على حدوده.. إلخ مدعوما من الأمريكان والصهاينة الذين ينفذ لهم سياساتهم على حساب القضية العربية ، ولا سيما القضية الفلسطينية.

أيها الإخوة أعضاء اتحاد المحامين العرب :

كان المحامون السوريون وغيرهم من المثقفين في طليعة المنبهين إلى خطورة هذا النظام وكشف ممارساته القمعية ، فكان جزاؤهم حل نقابتهم الشرعية ، ومصادرة حريات جميع النقابيين ، واعتقال واغتيال وتشريد الكثير منهم.

4- حضر وفد التحالف وفيه الأخ محمد العنجريني اجتماع المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب الذي انعقد في تونس ما بين 16- 18 كانون الأول 1983 ، في رحلة حملت أعضاء نقابة المحامين في العراق فكنا -كما قال الأخ العنجريني- أول الوفود التي وصلت إلى تونس ، فأخذنا أمكنتنا في أحد فنادق قرطاج الذي عقدت فيه الاجتماعات ، وشرعنا في استقبال الوفود وقت وصولها ، وإمدادها بالمعلومات عن أوضاع سورية ، وما يتعرض لها المواطنون من تنكيل وقمع ، ثم ركزنا على ما يلي : عدم شرعية نقابة المحامين التي عينها النظام بعد أن حل النقابة الشرعية المنتخبة ، وعلى القانون 39 الذي فرضه النظام على المحامين السوريين ، وعلى الاعتقالات السياسية في سورية ، وبخاصة في أوساط المحامين والأطباء والمهندسين ، وعلى المجازر الجماعية في سورية ، ولا سيما مجزرة حماة الكبرى و مجزرة تدمر ، وعلى الحصار المضروب على الفلسطينيين في طرابلس ، وما سبقه من مجازر في تل الزعتر والكرنتينا وبيوت وصبرا وشاتيلا.

أ- بعد أن افتتح المؤتمر جلساته صباح الجمعة الموافق 16- 12- 1983 ، كان أول المتحدثين نقيب المحامين المصريين ، فألقى كلمة رائعة جاء فيها : يجب أن نضع النقاط على الحروف ، ونواجه المشاكل برجولة ، ولو أننا اتخذنا موقفا مباشرا وقويا من حافظ أسد يوم دمر مدينة حماة وذبح شعبها لم تجرأ على تدمير مدينة طرابلس ، وعمل على ذبح منظمة التحرير الفلسطينية وشعب طرابلس العربي المسلم.

ثم تحدث الخواجة عن نقابة المحامين السوريين ، وعن حلها ، وتعيين نقابة للمحامين في سورية بقرار من السلطة دون الرجوع إلى المحامين ، وقال : عندما حل حافظ أسد نقابة المحامين في سورية ، ذهبت إليه بعد أن تهرب من الاجتماع معي ، ثم تمكنت من لقائه ، وطلبت منه الرجوع عن قرار حل النقابة ، لأن هذا الحل سيكون بدعة سيئة ، وسوف تقلده حكومات لا تجرؤ اليوم على حل نقاباتها في الوطن العربي ، وفعلا لم تمض فترة قصير حتى أعلن أنور السادات حل نقابة المحامين في مصر ، لأننا عارضنا اتفاقية كامب ديفيد ورفضناها وقاومناها ، لكن القضاء المصري وقف إلى جانبنا ، وانتصر لنا ، وأبطل قرار الحل.

يقول الأخ العنجريني : كان الجميع متجاوبا معنا ضد سياسة البطش في سورية ، وكلهم هاجم أسد ، وتكلموا عما يعتلج في صدورنا وفي ضمائرنا.

ب- تكلم السيد جمال الصوراني نقيب المحامين الفلسطينيين ، فهاجم حافظ أسد ، وتحد عن المنشقين عن منظمة التحرير ، وتشجيع أسد لهم ، وتسليحهم وإمدادهم بالمال والدعم ، وأنهم ينطلقون من دمشق ، ليشتبكوا مع ياسر عرفات والمنظمة في معارك دامية ، وقال : النظام السوري يعمل على تصفية منظمة التحرير الفلسطينية والسيطرة عليها ، وجعلها ورقة في يده ، يتصرف بها مساومة وبيعا وشراء ، فالنية ثابتة ، وكذا الفعل ، وأركان الجريمة متوفرة.

جـ- ثم تكلم نقيب المحامين العراقيين عن الحرب العراقية الإيرانية ، وتحالف أسد و القذافي مع إيران. وفي سياق دعوة عمال الشغل التونسية بقيادة الحبيب عاشور لمؤتمر المحامين ، قال أحمد الخواجة : يا إخوتي عمال تونس ، اتركوا اتحاد العمال العرب ، فلا خير فيه ، لأنه اتحاد للأنظمة العربية الحاكمة ، وضد شعوبها ، وليس اتحادا للعمال ، فالأنظمة تعينهم ، وتنفق عليهم ، وليمجدوا الحكام ، من أجل استيعابكم ، وقال : ذهبت إلى دمشق إبان الغزو الإسرائيلي لبيروت ، وقابلت حافظ أسد ، وطلبت منه أن يتدخل الجيش السوري ، وينقذ الجنوب ، فقال : نحن دخلنا لبنان كقوات أمن ، وليس لمحاربة إسرائيل ، وأن حدودنا هي الخط 41 من حدود إسرائيل ، وقال الخواجة : بعد الهجوم على لبنان مع العدو الصهيوني ، رأينا الجيش السوري يخلي مواقعه للقوات الصهيونية من الفجر ، وقال : لقد طلب العرب من ياسر عرفات أن يخرج من بيروت ، وضمنوا له سلامة الفلسطينيين ، وبعد خروجه بثلاثة أيام حدثت مذبحة صبرا وشاتيلا.

5- وبعد العشاء -كما ذكر الأخ العنجريني- التف حولنا المحامون التونسيون ، ليتعرفوا علينا ، وعرضوا خدماتهم ، واستمعوا إلى مأساة سورية وشعبها ، وهيأوا لنا لقاء مع الصحافة التونسية في 17-12- 1983 ، فتحدث عدد من أعضاء نقابة المحامين المصرية ، فتحدث المحامي حامد الأزهري عن القانون 39 ، وعن المحامين السوريين لمخطوفين ، وقال : إنني لا آمن على نفسي من أن يخطفني النظام السوري ويغتالني ، وعلينا أن نعمل من أجل إخواننا السوريين ، ثم قال : إذا قدر الله ، وخرج إخواننا السوريون من المعتقلات ، فبأي وجه سنقابلهم؟!!

وقد خصصت رئاسة المؤتمر الجلسة الصباحية في 16- 12- 1983 للحديث عن سورية ومأساتها ، ومأساة أبنائها ، ومأساة المحامين وأعضاء النقابات الأخرى.

أ- زارت وفود المحامين مدينة القيروان ، فعقد المكتب الدائم جلسة مسائية في 18-12- 1983 ، قال فيها المحامي المصري رفعت التباوي : لماذا تدارون النظام السوري ، لماذا لا نضع النقاط على الحروف؟ إن جميع أعضاء المكتب الدائم أجمعوا على أن نظام حافظ أسد متواطئ مع الصهيونية و الإمبريالية ضد منظمة التحرير الفلسطينية ، وضد حقوق الفلسطينيين بأسلوب شيطاني باطني خبيث ، وإذا كان الفلسطينيون يتعرضون اليوم لعملية إبادة على يد حافظ أسد ، ونحن ساكتون ، فإن الشعب السوري يتعرض لعملية إبادة منذ أربع سنوات ونحن ساكتون سكوت أهل الكهف ، ثم قال المحامي رفعت التباوي : لقد أباد حافظ أسد مدينة عربية مسلمة ، وأحرق شعبها ، ليس كما فعل نيرون بروما ، بل أشد من ذلك ، لأن نيرون سمح لسكان روما أن يفروا ، بل لقد ذبح أسد من حاول الفرار ذبح النعاج ، وقال : لو وقفنا الوقفة التي يتطلبها الواجب حيال مدينة حماة وسكانها حين تم تدميرها ، ما كان أسد قد تجرأ على ذبح الفلسطينيين واللبنانيين في طرابلس وأقدم على تدميرها.

ب- كان سليمان الحديدي النقيب الأردني هو الوحيد في المؤتمر مع زميله حسين المجلي الذي برر مذابح أسد ودافع عنها ، فتصدى له المحامي المصري حامد الأزهري قائلا : غريب جدا ما أسمعه من سليمان الحديدي ، فهل نحن في عالم آخر؟ ثم طالب أن تخصص فقرة في متن القرار الذي سيصدر على المؤتمر بإدانة سورية في اعتدائها على منظمة التحرير الفلسطينية ، وتواطئها مع العدو الصهيوني ، بحصار المنظمة في البر في الوقت الذي تحاصرها فيه إسرائيل من البحر.

اتجهت وفود مؤتمر المحامين إلى مقر منظمة التحرير الفلسطينية صباح السبت الموافق 17-12- 1983 في زيارة تضمانية ، فتحدث فاروق أبو عيسى الأمين العام حديثا غامضا مبهما ، فوقف له المحامي المصري أحمد عيد رافعا صوته قائلا : آن الأوان لنضع النقاط على الحروف بلا لف ولا دوران ، فالذي يذبح الفلسطينيين هو حافظ أسد ، وهو فأر وليس أسدا ، فأمام العدو الصهيوني فأر ، وأمام الشعب السوري والمقاومة الفلسطينية يستأسد ، وهو الذي ذبح الفلسطينيين في تل الزعتر والكرنتينا ، وهو الذي سهل دخول العدو الصهيوني إلى بيروت ، وهو السبب في مجزرة صبرا وشاتيلا ، والآن ينفذ أوامر الصهاينة وأمريكا في قصف مخيمي البداوي ونهر البارد ، ويدمر طرابلس ، إن حافظ أسد عدو الأمة العربية ، لماذا نلف وندور؟ كفانا دماء ، كفانا خوفان كفانا نفاقا ، فمتى نتكلم بصراحة ووضوح؟ هل نتكلم جميعا عندما نصبح جميعا من أصحاب القبور؟

جـ- قال الخواجة لأبي إياد : أريد أن اسمع كلاما واضحا حتى أتمكن من الإجابة ، فزوجتني تسألني ، وابني يسألني ، وصديقي يسألني ، فعرض أبو إياد وقاع مرة لا يحتملها ضمير إنسان على مدى وقت طويل حول موقف ليبيا والسادات و حافظ أسد الذي أحبط انتصار الفلسطينيين وحلفائهم في لبنان ، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الانتصار الحاسم ، وسدد لمنظمة التحرير الفلسطينية ضربة قاصمة ، وحاول جاهدا شق المنظمة بالمال وبكل الوسائل الأخرى.

عقد المحامون من الشباب التونسي اجتماعا معنا يوم الثلاثاء في 20- 12- 1983 -كما ذكر الأخ العنجريني- فتحدثنا لهم عن مجازر حماة الأولى والثانية ، وعن مجزرة جسر الشغور ، ومجازر حلب وحمص وسرمدا ، وعن مجزرة تدمر ، و مجزرة سجن النساء -في الرستن- ثم تحدثنا عن مجزرة حماة الكبرى ، كما تحدثنا لهم عن التمشيط الذي جرى للمدن السورية ، وعن المعتقلات ، ومعاملة السلطة للمعتقلين ، فانفجرت ثلاث محاميات بالبكاء ، وكن ضمن خمسين محاميا عقدوا معنا اللقاء في مكتبة قصر العدل التونسي.

في اليوم التالي كتبت جريدة الرأي التونسي أن وفدا من المحامين السوريين حضر إلى مكتب الحزب ، وحدثهم عما يجري في سورية من انتهاك مشين لأبسط حقوق الإنسان ، وإن ما أوردوه لنا تقشعر له الأبدان ، ويكاد لا يصدق ، فقد كان الفاندال في القرون الوسطى أرفق بالإنسان من هذا النظام.

هذه خلاصة ما قدمه الأخ العنجريني عن مؤتمر المحامين في تونس من اجتماعات وقرارات وأنشطة ، تم فيها فضح النظام الوحشي في سورية، وكان العنجريني رجل الحلبة في هذا الجهد المشكور ، والنشاط المبرور الذي لا ينسى ، رحمه الله رحمة واسعة وآنسه في مثواه الأخير.

6- عقد أعضاء المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب مؤتمرهم في الخرطوم ما بين 26- 28 شباط 1984 ، وكان أسوأ ما فيه أن الأمين العام للاتحاد : فاروق أبو عيسى شرع في الترويج للنظام السوري علانية دونما وجل أو حياء بعد الذي عرفه المحامون العرب في كل مؤتمراتهم السابقة من قتل وقمع وانتهاك خطير لحقوق الإنسان في سورية، الأمر الذي جعل المحامين هذه المرة في الخرطوم باهتا ، لا طعم فيه ولا رائحة له ، فقلم يصدر المكتب الدائم بيانا ختاميا ، ولم يبحث فيه قضايا الحريات في الوطن العربي ، ولا الحريات النقابية.

كان ثمة مخطط مسبق تم كشفه من خلال أحاديث بعض الوفود ، ومن اتصال لجنة التحالف الوطني لإنقاذ سورية في القاهرة التي عرفت أمورا مهمة من بعض أعضاء الوفد المصري للمحامين طبقا لمخطط تم بمساعي سليمان الحديدي الذي عمل على عقد اتفاق بين النظام السوري والأمين العام فاروق أبو عيسى على حضور وفد نقابة النظام السوري ، وأن يكون عدده كبيرا ، وأن لا تبحث أي قضية تمس النظام السوري ، وأن يذكر بالمدح عبر موقفه من لبنان ، وأن لا تبحث الحرب العراقية الإيرانية ، وأن تسدد النقابة مقابل ذلك مبلغ 75 ألف ليرة سورية عن اشتراكات متراكمة ، كما تم تبرع نقابة المحامين السورية للاتحاد بمبلغ 35 ألف ليرة سورية.

أ- كان أحمد عمران رئيس المحامين السوريين يعترض على أي موضوع يتعلق بالحريات العامة ، وبالحرب العراقية الإيرانية وغير ذلك ، وعندما هممت -يقول الأخ العنجريني- أن أوزع مذكرة تخص الأوضاع في سورية ، نصحني رئيس وفد المحامين العراقيين حامد الراوي أن لا أفعل ذلك تجنبا لصدام مؤكد مع الوفد السوري ، ثم إن نور الدين حبال المحامي السوري قال للراوي وهو يجلس بجانبه : ينبغي أن نبقى أصدقاء ، وآمل أن تقدروا موقفي حين أقول كلاما لست مقتنعا به ، لأنني سأعود إلى سورية، وأقدم تقريرا أذكر فيه ما تفوهت به ، وهذا ما جعل مندوبنا يراعي موقف الراوي حتى لا نخسر تعاطفه مع القضية السورية.

ب- ساعدني -يقول الأخ العنجريني - في مهمتي الأستاذ إحسان الكيالي ، إذ رتب لي لقاء مع عمارين بن تومة ، وشرح له وضع الحريات في سورية، والمعتقلين في السجون السورية ، وذكر بأن الأسماء التي وردت في مذكرتنا من شهداء ومعتقلين كلها صحيحة ، وأكد له إعدام المحامي السوري فاروق الشيخ سعيد.

عقد الأخ العنجريني اجتماعا مع اتحاد كفاح الطلبة السودانيين ، وتبادل معهم المعلومات ، وسلمهم مذكرة محامي الإخوان السوريين ، فوزع الطلبة مذكرة نددوا فيها بالنظامين : السوري والليبي.

كان تجاوب المحامين السودانيين مع مأساة الشعب السوري كبيرا ، وقد أحاطوا مندوبي الإخوان برعاية فائقة ، وفي كل يوم كانوا يحضرون مجموعة من المحامين السودانيين ، ليستمعوا عن معاناة الشعب في سورية وعن مأساته.

جـ- كانت الازدواجية لدى أعضاء الوفد السوري ظاهرة ، فعندما يكونون منفردين ، وتذكر أمامهم جرائم النظام السوري ، يبتسمون ويوافقوا على صحتها ، وعندما يكون أكثر من واحد منهم موجودا ، يدافعون عن النظام ، ثم يعتذر أحدهم همسا أمام كل من كان قد سمعه ، معللا ذلك بأن زميله سوف يكتب عنه تقريرا ، وهذا ما كان يضطره إلى الإدلاء بكلام غير مقتنع به.

ولأولى مرة في تاريخ اتحاد المحامين العرب ، يجتمع المكتب الدائم دون أن يصدر بيانا نهائيا ، أو يعلن عن قرارات ، وإنما اكتفى بتبني قرارات المكتب التي صدرت من قبل في تونس.

د- قام ممثل الجماعة ( المحامي محمد عنجريني ) بتوزيع أفلام عن نكبة حماة سلمها إلى أحمد الخواجة و حامد الأزهري ، ونقيب المحامين التونسيين ، ونقيب المحامين المغاربة ، ونسخة خامسة لممثل لجنة التحالف في القاهرة السيد خالد الحكيم.

كما أن الأستاذ حسن عاشور صاحب دار الاعتصام تكفل بتوزيع كتاب حماة مأساة العصر في داخل مصر وفي خارجها ، وكذا كتاب مجزرة حماة ، وكتاب من الجرح السوري ، ثم تدارس المندوب مع السيد حسن عاشور تسجيل كاسيت بصوت عدنان سعد الدين بشكل خطاب موجه إلى الأمة الإسلامية حول محنة الإسلام والمسلمين في سورية ، فتحمس للفكرة قائلا :بأنه مستعد لتوزيعه ، ولكن هذا الأمر لم يتيسر.

وإذا كان نجاح المعارضة السورية كبيرا في اجتماع المحامين في تونس، فإن الخط البياني انخفض انخفاضا كبيرا في الخرطوم ، نظرا للدور السلبي الذي قام به سليمان الحديدي من الأردن و فاروق أبو عيسى ، والرعاية التي بدأ النظام السوري يحظى بها من أعداء الأمة العربية ومن المتربصين بها ، ثم كان اجتماع المحامين في نهاية عام 1983 في دمشق نكسة ، كذلك جرى بترتيب الأمين العام فاروق أبو عيسى بدعوى العمل على الإفراج عن المحامين المعتقلين ، فوجه محامو الإخوان مذكرة في نطاق التحالف الوطني لإنقاذ سورية ، ضمنوا فيها ممارسات النظام ، وكشفوا عن جرائمه ، وقاموا بتوزيعها على الأمين العام ، وعلى رؤساء وأعضاء نقابات المحامين في البلاد العربية.

7- عقد اتحاد المحامين العرب مؤتمرهم الخمس عشر في مدينة سوسة ما بين 3- 5 تشرين الثاني 1984 في تونس ، فاشترك فيه زهاء ألفي محامي ، كان فيه وفد مصر أكثرهم عددا إذ حضر من أرض الكنانة 420 محاميا ، ومن العراق 170 محاميا ، ومن سورية 150 محاميا ، ومن الأردن 70 محاميا ، ومن ليبيا 150 محاميا ، رفض الاتحاد قبولهم ، فارتدوا على أدبارهم مبعدين.

شارك التحالف الوطني لإنقاذ سورية - والإخوان جزء منهم- ضمن الوفد العراقي بثمانية عشر محاميا ، سافر عدد منهم إلى المغرب و الكويت و القاهرة قبيل انعقاد المؤتمر للاتصال بنقابات المحامين فيها.

أما سورية فقد كان على رأس وفدها رجل أمين هو العقيد في المخابرات سهيل فاضل ، وعضو بارز في الحزب هو عبد الله شكري ، ورئيس الوفد أحمد عمران من الطائفة العلوية ، أم النقيب نور الدين حبال فقد كان شاحب الوجه ، تظهر عليه علائم البؤس والاضطهاد.

أ- كانت المفاجأة ظهور ياسر عرفات وإلقاؤه كلمة في افتتاح المؤتمر ، مما أربك محامي النظام السوري الذين هددوا نقيب المحامين التونسيين بأنهم سيتقدمون إلى المنصة ، ويمنعون عرفات من الاستمرار في الحديث إذا تعرض لسورية بسوء ، فأجاب النقيب التونسي بأن أي شخص مهما كانت صفته سيسحب ويقذف به خارج الحدود إذا أخل بالأمن والنظام ، ثم استدعى مسئول الأمن التونسي نقيب المحامين السوريين قائلا له : سأحملك نتيجة إي إخلال بالأمن صادر عن المحامين السوريين.

تكلم الأمين العام مشيدا بسورية ، ومعترفا بالمنشقين عن منظمة التحرير ، فثارت في وجهه عاصفة ، اضطر بعدها إلى إنهاء كلمته بإشارة من رئيس الوزراء التونسي محمد المزالي ، ثم تكلم ياسر عرفات ، فغمز من جانب سورية بأسلوب فهمه المؤتمرون ، ذاكرا أن المنظفة تعرضت في السنوات الثلاث الماضية إلى عدوان بعض الأطراف العربية ، للقضاء عليها من خلال العدوان الأمريكي الصهيوني على الشعبين اللبناني والفلسطيني في 4- 6- 1982 ، إذ دفعت إسرائيل بأكثر من ثماني فرق ونصف تشكل ثلاثة أرباع الجيش الإسرائيلي في عدوانها الأثيم في معركة استمرت 88 يوما على أرض لبنان ، ثم حيا عرفات بعض ضباط الجيش السوري أمثال العميد محمد جلال الذي قاتل مع الفلسطينيين وانتصر لهم.

تكلم بعد أحمد الخواجة قائلا : من المعيب أن يكون لنا زملاء في السجون بدون محاكمة منذ خمس سنوات -في سورية- ولكن كيف يتكلم من في فيه ماء؟

ب- حاول أحد عملاء السلطة السورية مدح الأسد ، فقال له محام معارض : ألا يكفي ما فعله حافظ أسد في حماة؟ فهبت القاعة كلها ضد المحامي السوري ، فقال له رئيس الجلسة : نحن لم نأت إلى هنا لنمدح الأنظمة ، ومنعه من الكلام.

قبيل انتهاء الجلسة وقف أحد المحامين المعارضين قائلا : أيها الزملاء ، أنا مضطهد وممنوع من دخول سورية ، ورئيس الجلسة منعني من الكلام ، فرد عليه ظافر خير الله الذي عنيه حافظ أسد رئيسا لفرع نقابة المحاميين في حلب ، فحصلت مضاربة واشتباك ، تصدى فيها بعض المعارضين المحامين ، فتراجع محامو النظام السوري ، وبدا الذعر والخوف عليهم فتواروا.

قال محام عراقي : إن الخائن حافظ أسد قطع أنابيب النقط العراقي المار في سورية ، فحصلت معركة بالكراسي بينه وبين محامي النظام ، فأوقفت اللجنة الجلسة على أثرها ، وقال محام سوري معارض : هناك خطأ في الجغرافيا ، لقد أذاعت دمشق أن الطيران والمدفعية وراجعات الصواريخ قصفت تل أبيب ، فإذا المواطنين السوريين يشاهدون هذه القنابل تتساقط على مدينة حماة -ثم على طرابلس- وقال : لقد أعلن الرئيس السوري أن الجيش السوري حاصر مدينة القدس ، فإذا بالجنود السوريين يرون أنفسهم وهم يحاصرون حلب.

جـ- اتخذ المؤتمر قرارات كثيرة ومهمة ، منها : تأييده للعراق في حربها مع إيران التي رفضت كل المبادرات والوساطات لوقف الحرب بينها وبين العراق ، واستنكر المؤتمر غزو السوفييت لأفغانستان واحتلاله لها ، وعندما حاول فاروق أبو عيسى الكلام ، هتف المصريون في وجهه قائلين : خنت العهد يا أبو عيسى ، فتوقف عن الكلام وانصرف ، والمصريون مستمرون في هتافاتهم ضده ، وحتى بعد انسحابه. عاتب الخواجة زهيرا الميداني في انسحابه من الترشيح لمنصب الأمين العام للاتحاد ، مما سهل الطريق أمام فاروق أبو عيسى ، فأجاب زهير : أجبرني النظام السوري على ذلك لصالح أبو عيسى.

اعترف أبو عيسى أمام اللواء محمد الجراح عضو المكتب السياسي للمعارضة السورية أنه زور مقررات المكتب الدائم لصالح النظام السوري ، وفي هذه الأثناء وصلت رسالة إلى أحمد الخواجة من سليم عقيل الذي كان ما يزال يقبع في سجن النظام السوري ، ذكر فيها عدد وأسماء المحامين المعتقلين سيضربون عن الطعام ، فأطلع الخواجة فاروق أبو عيسى على ذلك ، فتجاهل ذكرها والتحدث عنها.

في أثناء تلاوة الفقرة الخاصة بإدانة السوفييت على احتلال أفغانستان ، لم يعترض على ذلك إلا ظافر خير الله ، وكان الخواجة يتلو القرار ، فصاح في وجه خير الله : اخرس ، فسكت خير الله وخرس بالفعل ( كان خير الله موقفه صدى للطاغية أسد الذي قال في مؤتمر القمة الإسلامي في الرياض : إن أفغانستان جمهورية اشتراكية وهي جزء من الاتحاد السوفييتي ).

تحرك وفد التحالف ، وكان الإخوان أشدهم حماسا وحراكا ، فقاموا بتوزيع مجموعة من الكتب الفاضحة لهمجية النظام ووحشيته مثل : حماة مأساة العصر ، و تدمر المجزرة المستمرة ، و قانون العام رقم 49 ، و رأي الإخوان في الحرب العراقية الإيرانية ، وأشرطة فيديو حول مأساة حماة ، وتقرير منظفة العفو الدولية عن انتهاكات حقوق الإنسان في سورية الصادر عام 1983 ، ومذكرة كان المحامون السوريون المعارضون قدموها للمؤتمر ، ومذكر باسم التحالف ، ودراسات قانونية ، كما قام محامو الإخوان والتحالف بإجراء مقابلات واسعة مع التونسيين والمصريين ، ومع ممثلين عن لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في تونس ، ومع مجلة المجتمع الكويتية ، ومع عدد من الصحف ، مع ممثلين عن الحزب الدستوري الحاكم ، وعدد من الأحزاب المعارضة في تونس، وجمعية المحامين الشباب ، وعدد كبير من السياسيين ، ومع اتحاد الشغيلة الذي يرأسه الحبيب عاشور ، ومع نقيب الأطباء التونسيين ، ليفضحوا ممارسات النظام السوري الظالمة.

لقد كان هذا المؤتمر مظاهرة إعلامية وثقافية كبيرة ، حضره محامون من جميع أنحاء الوطن العربي ، كما حضره صحفيون وممثلون عن منظمات حقوق الإنسان ، فكان الخاسر الأكبر فيه نظام حافظ أسد ، لأنه عري وكشف على حقيقته أمام الرأي العام الرسمي والشعبي التونسيين ، وأمام المراقبين الأجانب والإعلاميين العرب. وكانت قيادة الإخوان السوريين قد أحسنت التصرف حين طلبت من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين أن يشجعوا الإخوان المحامين المصريين على الاشتراك في هذه المؤتمرات ، إضافة إلى أن كلمة ياسر عرفات في جلسة الافتتاح أثارت الجميع ضد نظام أسد ، ومن يقف معه من المأجورين والمنتفعين.

8- عندما عقد أعضاء المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب في القاهرة بتاريخ 21- 2- 1985 رفع المحامون السوريون المعارضون وضمنهم محامو الإخوان مذكرة إلى المؤتمر ، ذكروا فيها أعضاءه بمأساة المحامين السوريين الذين لا يزال لفيف منهم يقبع في الزنزانات والسجون ، وتحت التعذيب والاضطهاد ، وذكروا مطالبهم في إلغاء حالة الطوارئ التي مضى على إعلانها في سورية خمسة عشر عاما وإعادة الحياة الدستورية ، وإلغاء المحاكم الاستثنائية ، وباستقلال القضاء ، فكان رد النظام قيامه باعتقالات واسعة ، شملت عددا كبيرا من المحامين وأعضاء النقابات العلمية الأخرى ، فتعرضوا للتعذيب الوحشي إذ استشهد العشرات منهم ، كما ذكروا في مذكرتهم مقررات مؤتمر المحامي العرب منذ 1980 وحتى عام 1985 ، وما أوضحوا في كلماتهم ومذكراتهم ولقاءاتهم عن مأساة الشعب السوري ، ولا سيما المثقفون منهم ، وفي مقدمتهم المحامون السوريون.

وعندما عقد الحقوقيون العرب مؤتمرهم في 24- 4- 1985 رفعت الأمانة العامة للتحالف الوطني كتابا مفتوحا هتكت فيه سياسة النظام السوري وجرائمه بحقائق دامغة لا ينقها البيان والوضوح عما يجري من مآس ومظالم في سورية و لبنان وضد الشعب الفلسطيني الذي ما فتئ النظام السوري يطارده ويسحقه في كل من سوريةو سورية كما قرأنا ذلك في صفحات سابقة.

أ- عقد المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب مؤتمره في بغداد بتاريخ 26- 28 تشرين الثاني 1985 ، فرفعت نقابة المحامين السوريين المعارضة مذكرة ، أكدت فيها على ما سبق أن أوضحته من ممارسات النظام السوري اليومية ، عدوانا بارزا للظلم والقهر والاستبداد ، ورمزا صارخا للقمع والإرهاب والمجازر الجماعية ، ونموذجا سيئا للتفريط بقضايا الوطن وحقوق المواطن. وجاء في المذكرة أن المؤامرة الكبرى التي ينفذها النظام تتلخص في بندين أساسيين :

- أولهما : إلغاء كامل للحياة الديمقراطية في سورية ، وشطب دور المواطن في الحياة العامة ، والاستخفاف بالإنسان وحقوقه وحرياته.

- ثانيهما : التآمر على فكرة الوحدة العربية ، وتخريب التضامن والعمل العربي المشترك ، وتشجيع سياسة المحاور والتكتلات ، وكذلك التفريط بالأرض تحت شعارات مزيفة مفضوحة ، والدور التآمري الذي ينفذه في لبنان ، وإشعال نار الفتنة بين فئة وأخرى ، وكذا ضرب المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها ، وتمزيق منظمة التحرير الفلسطينية وشق وحدتها ومؤسساتها الشرعية ، ووقوفه في الخندق الإيراني في الحرب الدائرة بين العراق وإيران!

لقد جردت أجهزة النظام السوري الأمنية والعسكرية حملات متلاحقة وتشريد وخطف ، ومصادرة أموال وممتلكات وعمليات تصفية واغتيال واعتقال أفراد أسر المحامين ، والاحتفاظ بهم كرهائن ، بسبب مطالبة المحامين إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية ، وإعادة الحياة الدستورية.

9- إن المحامين الذين يعيشون في المنفى نتيجة إرهاب الدولة في سورية ، يذكرونكم من جدي بقرارات وتوصيات المؤتمرات العامة للاتحاد ومكتبه الدائم حول محنة نقابة المحامين الشرعية في سورية، ومأساة زملائكم من المحامين والمعتقلين الذين مضى على اعتقالهم أكثر من خمس سنوات.

إننا نهيب بكم :

أ- الاستمرار بعدم الاعتراف بالنقابة المفروضة غير الشرعية.

ب- الاستمرار ببذل المساعي لإطلاق سراح زملائكم المعتقلين.

جـ- بموجب قرار المؤتمر العام الخامس عشر عام 1985 الذي يؤكد على حقوق الإنسان العربي ، فإن الاتحاد ومكتبه الدائم ملتزم بمسؤولياته تجاه شعب سورية الذي تتعرض حقوقه وحرياته للانتهاك ، وفي مقدمتها الحق في الحياة والحرية ، حتى بلغ الأمر حد تنظيم مجازر جماعية في ظل حالة الطوارئ أكثر من 22 سنة.

د- نطالبكم -أيها الإخوة الزملاء- بإدانة النظام في تآمره على منظمة التحرير الفلسطينية ، وعلى العراق وانحيازه لإيران في حربها مع العراق. إن المحامين السوريين يسألونكم باسم المعتقلين ، وباسم الذين استشهدوا منهم تحت التعذيب أو بسببه ، وباسم من شردوا وصودرت أموالهم وممتلكاتهم ، وأخذ أفراد أسرهم كرهائن ، وباسم ألوف الضحايا الذين قضوا في المجازر الجماعية وعمليات الإبادة ، أن تكونوا عونا لشعب سورية، وصوتا حرا له في محنته مع النظام القمعي الإرهابي ، ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

10- كانت آخر حلقات الصراع في إطار اتحاد المحامين العرب عام 1986 عندما قرر اتحاد المحامين العرب عقد مؤتمره في دمشق ، إذ رفع المحامون السوريون المعارضون مذكرة إلى أعضاء المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب في 3- 5- 1986 موقعة من 35 محاميا يمثلون أطياف المعارضة السورية كلها بمن فيهم المحامون المنتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وقد جاء في هذه المذكرة أمور سبق بحثها في مؤتمرات سابقة ، وورد فيها أمور جوهرية منها :

أ- إن حافظ أسد ساهم في إيصال أمتنا إلى حالة التردي والهوان التي تعاني منها سبب ممارساته العدوانية على الأمة العربية ، ومنها : سفك دماء أبناء الشعب السوري ، وتدمير مدنه ، وذبحه للمقاومة الفلسطينية ، ومشاركته في العدوان الإيراني الذي يصر على استمرار الحرب.

كل هذا وغيره يخرجه عن الانتماء للأمة العربية ، ومن ثم فإن انعقاد المؤتمر في دمشق يعتبر مخالفا لمشروع قانون اتحاد المحامين العرب ، وانتهاكا لأهدافه في تحرير الأرض والإنسان العربي ، ومحاربة الغزو الصهيوني لفلسطين.

ب- أما على المستوى المهني والنقابي ، فمن المفيد تذكيركم بالقرارات المتخذة من قبل المكتب الدائم في مؤتمراته التي عقدها في الرباط وبغداد والجزائر وتونس والخرطوم والقاهرة ، وموقف المكتب حيال نقابة المحاميين السوريين التي دمرها حافظ أسد ، وفرض عليها القانون 39 في عام 1981 المسمى : قانون تنظيم مهنة المحاماة الذي اعتبرته اللجنة التي شكلت لدراسته ماسا بكرامة المحاماة ، ومقيدا للمهنة.

إن اجتماعكم في دمشق بدعوى العمل على إطلاق سراح المحامين المعتقلين هو دعم لحافظ أسد ونظامه وإعادة الاعتبار له رغم ارتكابه الجرائم المنوه عنها بحق الوطن والشعب والمواطنين.

إننا نطالبكم بالرجوع عن قراكم في عقد اجتماع المكتب الدائم في دمشق ، لتفوا بالعهد تجاه المهنة والمحامين السوريين المطاردين والمعتقلين ، ومن استشهد منهم ، وتجاه أمتكم العربية ومع الشكر الجزيل.

11- عاملان كانا وراء هذا الإسهام النشط في موضوع الاتحاد العام للمحامين العرب ، الأول أن مهنة المحاماة معنية بحقوق الإنسان وبالحريات العامة ، والالتزام بالدستور والقوانين والدفاع ن استقال القضاء ، وعدم المس في سلطاته ، والثاني أن الصراع الذي استمر في مؤتمرات المحامين العامة التي جرى عقدها في عدد من العواصم العربية ، وكذا المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب ، كان صراعا حادا وشرسا ، بلغ حد الصدام والتشابك بالأيدي ، وإصدار البيانات التي فضحت ممارسات النظام السوري على كل الصعد.

حشدت نقابة المحامين السورية مئات المحامين الذين ألبستهم سلطات البغي في دمشق رداء المحامين ، والكثيرون منهم أبعد ما يكونون عن مهنة المحاماة ، وكان ضباط الأمن يهيمنون على النقابة ، ويحضرون المؤتمرات العامة والمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب ، وبالمقابل حشدت المعارضة السورية ( وكان محامو الإخوان ركيزة أساسية في بنيتها ) لفيفا يفيض بالحماسة للدفاع عن الشعب السوري الذي دأبت حكومة دمشق الأمنية على اضطهاده وسحقه ، فاستطاعت إحباط ما أعدته السلطة السورية وأجهزتها الأمنية ، وإبطال ما كادوا وما صنعوا ، ونجحوا أيما نجاح في فضح ممارسات النظام السوري وأعماله البربرية من قتل واعتقال واغتيال ونهب الأموال ، وخطف الحرائر ، وإشعال نار الطائفية ، وارتكاب المجازر الجماعية في كل أنحاء القطر السوري ، حتى صار المحامون السوريون في نظر المحامين العرب مصدر كره واشمئزاز ، فكانوا يتلقون الإهانات ، ويسمعون الكلمات الجارحة ، والصرخات التي تصك آذانه : مثل رئيسكم الخائن ، واخرسوا ، ويا أيها القتلة ، والمتآمرون على القضية الفلسطينية ومقاومتها ، والتعاون مع العدو ، وذبح اللبنانيين ، والمنحازين إلى الخندق الإيراني ، ومفرقي كلمة العرب ، وعشرات الاتهامات والإدانات لنظام الأقلية في سورية ، ولمن يرسلونهم إلى مؤتمرات المحامين العرب.

كان الأخ محمد العنجريني أبا أيمن الذي فقد ولده أيمن شهيدا في سورية ، فصار يدعى أبو معن ، وكان الأخ محمد علي صوان الذي فقد ولده ياسر شهيدا في سورية، فصار يدعى أبا حسن. كان الأخوان مجاهدين صلبين شجاعين في مواجهة مجرمي النظام في كل المؤتمرات العامة للمحامين العرب ، ولقد عرضا نفسيهما للخطر الحقيقي مرارا في مواجهة البغاة وتفنيد مزاعمهم المفتراة ، فوجدا تعاطفا فاق طموحهما من المحامين العرب في المغرب و تونس و القاهرة والخرطوم ، وكان للمحامين المصريين مواقف لا تنسى في مؤازرة إخواننا المحامين ، رحم الله أبا أيمن -أبو معن- وأجزل له الأجر ، وتجاوز عن تقصيره في جنب الله ، وأطال الله في عمر أبي الحسن محمد علي صوان ، وتقبل منه جهاده وتضحيته ، وأعان أبناء الجماعة الراشدة على الاستمرار في نهجها ، وتبليغها للأجيال الصاعدة ولشعوب الأرض قاطبة في أنحاء المعمورة وللعالمين.

رابعا : الاتصالات العربية الإسرائيلية

في منتصف 1977 بدأت الوساطات تنشط على عدة صعد بين العرب وإسرائيل ، كان السادات هو الذي فتح بابها على مصراعيه ، فقد شعرت إسرائيل أن السادات يتطلع إلى تفاهم معها من وراء العرب في البداية ، ثم انتهى إلى زيارة السادات لإسرائيل ، وإلقائه خطابا في الكنيست الإسرائيلي ، وهنا يحضرنا سؤال ربما لا نستطيع الإجابة عليه ، أو بالأحرى لا نجد إجابة عليه؛ ما الذي جعل من السادات عرابا للتفاهم مع من اغتصب فلسطين ، وضم إليه سيناء التي تبلغ في المساحة أربعة أضعاف فلسطين؟ وهو رئيس أكبر دولة عربية كانت في فترات عدة تتزعم الأمة العربية وتقودها؟ هل هي الماسونية التي حامت حوله شكوك الارتباط بها؟ إن والد السادات كان معجبا بجمعية الاتحاد والترقي التي عزلت السلطان عبد الحميد عن عرشه ، وهو الخصم الألد للصهيونية ولهجرة اليهود إلى فلسطين في أحداث ومواقف ليس هنا محل تفصيلها ، وأحدثت انقلابا خطيرا في السلطنة مهدت لإخراجها من العالم الإسلامي ، وفرضت اللغة الطورانية ، وأحلتها محل اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم ، ومارست -جمعية الاتحاد والترقي- الضغوط على العرب سلما وحربا ، وكان يقود هذه الجمعية -المتهمة بتغلغل يهود الدونما في صفوفها ، وفي تحريكها وتوجيهها- أربعة من قادتها هم : أنور وطلعت وجمال ونيازي ، فسمي والد السادات أسماء أبنائه بأسماء قادة الاتحاد والترقي مثل أنور وطلعت ... إلخ!!!

هل كان السادات على صلة بالمخابرات الأمريكية cia من قبل عندما شارك بتشكيل الضباط الأحرار ، وسار مع جمال عبد الناصر خانعا متمسكا حتى لقب الأستاذ صح ، لأنه كان يعقب على كل ما يقوله عبد الناصر بكلمة صح؟!!

ما الذي حمل السادات على تفكيك الجبهة العربية أمام العدو عندما عقد صلحا أخرج بموجبه مصر من الصراع مع العدو الصهيوني؟ وترك الدول العربية الصغيرة مثل الأردن و سورية و لبنان و فلسطين إلى قدرها؟

لا بد من انكشاف هذا الأمر ، ومعرفة الدوافع الحقيقية التي جعلته يهرع إلى إسرائيل ، ويلتحم مع الأمريكان ، وينادي ثعلب السياسة الأمريكية كيسنجر ، ويفتتح رسائله إليه بعبارة : عزيزي كيسنجر ، لابد لأمتنا أن تدرك وتحيط علماً بما يبيت لها في الخفاء ، لتكشف بعد فوات الأوان في كل فترة : ابن علقمي جديد ، وهي سادرة في غفوتها مستغرقة في نومها ، والعدو يقظ يخطط للقضاء عليها ، وإلغاء دورها ، بل إلغاء وجودها ، وصدق الله العظيم : ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ﴾ .

1- طلبت إسرائيل من رومانيا وإيران ، ومن ملك المغرب الحسن الثاني العمل والمساعدة في ترتيب اجتماع بين بيغن والسادات ، وعندما توجه بيغن في شهر آب عام 1977 إل بوخارست ، طلب من شاوشسكو التحرك بهذا الاتجاه ، وفي نفس الشهر -آب- قام موشيه دايان بزيارة طهران ، وقدم نفس الطلب ، أو أعرب عن نفس الرغبة لشاه إيران أن يقوم بنفس المسعى لجمع السادات مع بيجن ، ثم طار دايان في الأسبوع الأول من أيلول عام 1977 إلى المغرب ، طالبا من الحسن الثاني أن يقوم بالمساعي الحميدة بين مصر و إسرائيل ، فآتى هذا الجهد الدبلوماسي ثماره في 16- 9- 1977 ، إذ سافر حسن التهامي نائب رئيس الوزراء المصري والصديق الحميم للسادات الذي كلفه بالذهاب سرا إلى طنجة ، ليجتمع بدايان ، ويستمع إليه فيما يحمله من مشروع لقاء بين بيغن و السادات ، فوعد دايان بأن سيناء كلها يمكن إعادتها إلى مصر ، وكإغراء إضافي للتعامل المباشر ، زودت إسرائيل السادات بمعلومات وتحذيرات عن وجود مؤامرة تدعمها ليبيا للإطاحة به.

سافر السادات إلى إسرائيل ، وهبطت به طائرته في مطار بين جوريون في مدينة اللد ، وكان في استقباله جولدا مائير التي كان يطلق السادات عليها : العجوز الشمطاء ، فداعبته قائلة : هذه العجوز الشمطاء في استقبالك ، وكان أسوأ ما وقعت أعيننا عليه القبلات المتبادلة بين بيغن و السادات وزوجته ، زوجة رئيس دولة الأزهر الشريف ، غذ مط بيغن شفتيه اللتين تشبهان فم سمكة الهامور ، ليقبل زوجة الرئيس المصري أنور السادات ، معقبا على ذلك بوقاحته المعهودة أنه لم يشم رائحة عطر في حياته كالتي استنشقها عندما كان يقبل زوجة الرئيس المصري أنور السادات ، ولم يكن لي أن أورد هذا الأمر المخجل لولا أن هذا الأمر ورد مصورا في التليفزيون ، مسجلا بصوره ومنظره المؤلم الكئيب في صحف تلك الفترة.

ما الذي دها هؤلاء الحكام حتى تجاوزوا في علاقاتهم مع العدو كل القيم العربية والمثل الإسلامية والأخلاق المحمدية والأحكام الشرعية فلم يعد لديهم حرمة يحافظون عليها ، فأضاعوا وفرطوا بالشهامات والمروءات والغيرة وهي من سجايا العرب ومقومات حياتهم وأعرافهم في جاهليتهم وإسلامهم؟!!

2- أما في سورية فإن القائد الثوري الضابط حافظ أسد أصيب بصدمة عندما أدار له كيسنجر وكارتر ظهريهما بعد أن نفذ للأمريكان أكثر مما يتوقعون ولإسرائيل أكثر ما كانت تتطلع إليه من سحق منظمة التحرير الفلسطينية على الأرض اللبنانية ، وذبح الفلسطينيين المعادين لإسرائيل بعشرات الألوف في مخيمات الجنوب والوسط والشمال على أرض لبنان ، وبعد أن سحق الجبهة الوطنية اللبنانية التي كانت تساند الفلسطينيين ، وسلم لبنان لقمة سائغة لليمين اللبناني المتحالف مع إسرائيل ، والمتعاون معها في لقاءات سرية عن طريق ميناء جونيه ، وفي بلدة بكفيا وغير ذلك مما رأينا من قبل. فدعا حافظ أسد إلى تشكيل جبهة الصمود والتصدي التي ضمت سوريا و ليبيا و الجزائر و اليمن الجنوبي ، ثم أدرك أن هذه الجبهة وهم وسراب لا تغني شيئا فاعلا على أرض الواقع ، فالتفت إلى موسكو ، وأرسل على عجل وزير خارجيته ورئيس أركان الجيش إلى العاصمة السوفيتية ، ثم تبعهما في شباط 1978 ليقدم طلبا للحصول على دبابات وطائرات ، فحصل على وعد من السوفييت برفع مستوى قدرات سورية الدفاعية ، لكن تنفيذ ذلك التعهد كان بطيئا بشكل مؤلم .

3- لم تضيع إسرائيل هذه الفرصة السانحة ، وهذا الخلل الذي أصاب دول الجوار في مصر و سورية و الأردن و لبنان ، فانقضت على لبنان ، وغزته في آذار 1978 ، واستولت بسهولة ويسر على جنوبه كله حتى نهر الليطاني ردا على خطف فلسطينيين لحافة إسرائيلية على الساحل جنوبي حيفا في 11-3-1978 ، وقتل أكثر من 30 مدنيا إسرائيليا ، فرأى العدو في ذلك فرصة لا تفوت ، فدخل في حرب مدمرة ضد لبنان ، وقتل أكثر من 200 شهيد ، وشرد حوالي 200 ألف مواطن لبناني من منازلهم ، والجيش السوري يراقب من بعيد هذه الأحداث الجسام ، وكأ نه يشاهد مباراة لكرة القدم ، ولسان حاله ومقاله : سنحدد الزمان والمكان للرد على العدو الصهيوني ، وهي مقولة ظل يرددها أكثر من ثلاثة عقود دونما خجل أو حرج ، لينطبق عليه قول النبي المختار صلى الله عليه وسلم : إن مما أدركه الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

خشي الأسد أن تكون عملية الليطاني هي المقدمة لشن هجوم على سورية ، وكان للحكومة السورية 30000جندي في بلدة جزين المرتفعة والمطلة على الشرق والغرب والجنوب ، لكنه لم يكن معنيا بتعكير صفو العدو ، ومواجهة مخططاته ، ولو برصاصة واحدة أ, بكلمة ، إذ إن جيشه الذي استهوته عمليات التهريب ، وغيرها من أنماط السلوك المنحرف بدأ يعاني من الأمراض الخبيثة .

4- بعد أن ساءت سمعة الأسد إثر ممارسته سياسة البطش في سورية ، وبعد تدخله في لبنان، وسحقه للمقاومة الفلسطينية لحساب العدو الصهيوني ، وبعد ارتكابه جرائم وآثاما رهيبة ضد الشعب اللبناني ، عمل الأسد جهده ليسترد بعض الاعتبار الذي فقده نظامه ، فأعلن عن تكوين لجنة للتحقيق في الكسب غير المشروع في 18- 7- 1977 ، وفي جرائم الاختلاس واستغلال المناصب الرسمية ، أملا في تبديد السخط الشعبي ضد الفساد المتفشي في القطاع العام وفي المرافق الأخرى.

كانت هذه الحملة التفصيلية محكوما عليها بالإخفاق منذ البداية ، إذ إن أفراد الحاشية المباشرة للأسد كانوا يشكلون أقر المقربين إليه من الضباط ، وأكثرهم علويون ، وكانوا متورطين وغارقين حتى آذانهم في الفساد والنهب والرشوة وفرض الإتاوات على التجار ، ورجال الأعمال نبها وابتزازا ، فمن الذي يستطيع أن يواجههم أو يعترض سبيلهم؟ لقد كان السائد حينذاك أن العلويين قد تقلدوا 18منصبا ( في سيطرة كاملة على القوات المسلحة ) من بين 25 منصبا رئيسيا بقيادة الجيش . حتى إن جريدة الثورة الناطقة بلسان النظام والموالية له كتبت في عددها 5089 بتاريخ يوم 28-9-1978 : إن عملية النهب لمؤسسات القطاع العام عن طريق السماسرة والوسطاء ، وصلت حدا لا يحتمل ، ويهدد بوقوع انتكاسات كبيرة في عملية البناء الوطني ، وانتهت إلى ظهور طبقة طفيلية غير منتجة ، تجني ثروات طائلة على حساب القطاع العام أولا ، وعلى حساب المواطنين كمحصلة نهائية .

خامسا : اتساع دائرة الفساد

بعد عام 1970 ، ولا سيما بعد التدخل في لبنان 1976 استغلت النخبة العسكرية سلطتها لتزداد ثراء ، وأخذ الفساد يتفشي داخل الجهاز الحزبي ، وداخل النظام بكل مرافقه ، فلم يكتب للعديد من الحملات التي كانت ترمي إلى اقتلاع الفساد ، إلا نجاح محدود جدا ، حيث كان من الصعب النيل من العناصر الفاسدة في النخبة العسكرية العلوية التي كانت تتمتع بمراكز مرموقة ، والتي كانت تنتمي لحاشية الأسد وما يتبعها كما رأينا م قبل ، وكما قرأنا في صفحات سابقة ، فمن الذي يستطيع أن يحاسب رفعت الأسد سفاح سورية الذي أحكم قبضته الفولاذية على سورية وشعبها وجميع مواطنيها ، وكل مرافقها في التجارة والاقتصاد ؟ .

1- في عام 1978 فقد العديد من ضباط الجيش رتبهم ووظائفهم ، فقد نقل الأسد عام 1978 على ثلاث موجات 460 ضابطا من القوات المسلحة من مراكزهم الحساسة في الجيش ، مستبدلا بهم جميعا أنصاره وأبناء عشيرته وطائفته  !! كما صرفت السلطة 400 ضابط آخرين من الجيش في الشهور الستة اللاحقة .

لقد لاحظ صاحب كتاب : سورية لا خبز ولا حرية ، أن الحكم في سورية لم يطرأ عليه أي تغيير في عهد بشار فيما بعد ، وأن المجلس النيابي يبقى ناديا للكلام ، وأن مهمته الرئيسية هي البصم على قرارات الرئيس.

لقد كانت سورية خلال حكم حافظ أسد تعيش نوعا من المساواة في البؤس والانعدام الكلي تقريبا للمحاسبة الديمقراطية ، وغياب الاحترام والتقدير لحقوق الإنسان . ثم يتساءل الباحث ألن جورج في فترة لاحقة ، كيف ستكون إمكانات سورية لو لم تقع تحت حكم ديكتاتوري منذ أربعين سنة؟ ومهما تكن الأسباب والأعذار ، فالحقيقة المركزية التي لا يمكن التهرب منها ، أن النظام الذي جاء به البعث - وبخاصة حافظ أسد بالذات- هو نظام شرس وفاسد .

في الدولة البوليسية -مثل دولة أسد- حيث تتعدد الأجهزة الأمنية ، وتتداخل وكالات الأمن وتتجمع تحت عنوان -المخابرات- يعمل فيها خمسة وستون ألف ضابط ، بالإضافة إلى الألوف من العاملين نصف دوام ، وعشرات الألوف من المخبرين والمتعاونين في الشرطة ، ليكون هناك بوليس سري واحد لكل 153مواطنا بالغا إذا استثنينا الأطفال .

لقد ذكر صاحب كتاب حوار حول سورية، كما ذكر غيره من كتبا وباحثين ، أن الأجهزة الأمنية شملت عددا كبيرا مثل : الأمن الخارجي ، والأمن الداخلي ، وأمن الدولة ، والمخابرات العامة ، والأمن العسكري ، والأمن السياسي ، وأمن الرئاسة ، ومخابرات القوى الجوية ، وفروع أمنية أخرى تابعة للأمن العسكري المتخصص بمنطقة دمشق العسكرية وبالجبهة ، حيث تتمركز الوحدات العسكرية الأساسية للجيش ، وفرع فلسطين المتخصص بملاحقة الفلسطينيين والحالات السورية المتداخلة معهم ، وفرع التحقيق العسكري الذي يمر به جميع معتقلي الأمن العسكري ، والذي يترأسه ضابط مسيحي من بانياس هو الضابط كمال يوسف ، وهو مصنع للتعذيب والقتل ، يعمل ليلا ونهارا بدون توقف ، كما يوجد في كل محافظة وقضاء سوري فروع لأجهزة الأمن ما بين 250إلى 300 ألف في هذه الأجهزة الأمنية .

الرقابة في سورية شاملة ، يتعرض لها المواطنون من الرجال والنساء ، في البيوت والأحياء والمتاجر والمدارس والمساجد والكنائس والكراجات وسيارات النقل العام والخاص ، وإن نسبه عالية من سيارات التكسي ملك الأمن يعمل عليها موظفون أمنيون .

بلغ عدد أقبية المخابرات في تلك الفترة 76 قبوا استقبلت مئات الألوف من المواطنين ، وبالأخص عندما شرعت السلطة تطبيق سياسة القضاء على الإخوان المسلمون ، ولا سيما الذي اتهمته السلطة الباغية ظلما وأفكا بأنه شارك في العمل المسلح ، وينطبق عليه القانون 49 الذي أصدره البغاء عام 1980 ، والذي يقضي بإعدام كل من يثبت انتماؤه للإخوان المسلمين ، ولو كان يعيش في عزلة بعيدا عن الناس وعن الاحتلال بهم.

كانت أجهزة الأمن تعتقل النساء والأطفال والشيوخ وكل من يقصد مسدا للصلاة ، أو يستمع إلى درس ديني ، لتقضي قضاء جسديا على كل منتم أو متهم ولو زورا بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين .

شرعت الأجهزة تبحث في ضمائر الناس وقلوبهم ، لتقرأ أفكارهم ومشاعرهم ، وبهذه الأحقاد الدفينة ، تم اعتقال الألوف بل وعشرات الألوف من المتهمين بأنهم من جماعة الإخوان ، وأنهم أعضاء في تنظيمها أو من أصدقائها ، بل ومن المؤمنين العاديين ، وأرسلوا إلى المشانق في واحدة من أكبر عمليات القتل التي شهدتها سجون العالم في القرن العشرين ، فقد نفذ حكم الشنق بـ 12 ألف من الرجال والنساء والشبان بين عامي 1980 و 1988 عدا عمن ماتوا تحت التعذيب ، وهم ألوف كثيرة أيضًا .

2- منذ استلم الأسد السلطة مد عينيه ويديه على إيران ليقيم معها علاقات وثيقة بدوافع معروفة وملموسة وليست على من يتابع بخافية ، وكأ ، الطاغية اكتشف قوميته العربية التقدمية الثورية في طهران ، فأحكم الصلة بين سورية والشاه في صيغ مر بنا ذكرها ، وعندما وصل الخميني إلى السلطة ، وحكم إيران ، لم يغير الأسد موقفه من طهران ، بل ازدادت الصلة بين البلدين وثوقا وعمقا ، فليس ثمة فرق بين نظامي الشاه والملالي في نظر الأسد طالما أن الدافع هو الانتماء الطائفي للنظامين. لقد مد الأسد يد المساعدة إلى أنصار الخميني ، وأعطى من يحتاج منهم جوازات سفر سورية ، وأقام اتصالا عميقا بموسى الصدر ذي الأصل الإيراني ، الذي أضحى صديق الأسد الحميم ، وحليفه السياسي ، فأصدر الصدر فتوى عام 1973 نصت على أن العلويين جزء أساسي من المسلمين الشيعة ( وهذا يخالف إجماع الأئمة المنتمين إلى المذهب الاثني عشري ، ولا سيما الإمام العسكري الذي نشأت النصيرية في زمنه ). وأبقى الصدر الطائفة الشيعية خارج ائتلاف الجبهة الوطنية التي كانت تؤيد المعارضة الفلسطينية ، والتي كان يقودها كمال جنبلاط الذي حاول أسد ترويضه واحتواءه ، وكبح جماحه ، حتى انتهى به المطاف إلى اغتياله.

كان الصدر همزة الوصل بين نظام الأسد والخميني ، ورائدا من رواد محور دمشق-طهران في ثمانينيات القرن الماضي ، وكان الأسد ، منذ الساعات الأولى لسيطرة الخميني على إيران قد أعلن عن ترحيبه بانتصار الخميني على الشاه ، وأرسل برقية تهنئة حارة له باستلام السلطة ، ثم أرسل له بعد أسابيع نسخة من القرآن الكريم المزخرفة بالذهب والأحرف الساطعة هدية إلى ( قم ) حملها وزير إعلامه أحمد اسكندر أحمد وعندما زار الأسد موسكو في تلك الفترة أصدر بيانا مع بريجنيف بدعم إيران الخميني ، وحقها في تقرير مصيرها بنفسها دون أي تأثير أجنبي ، ورخص السوفيات لسورية و ليبيا بتسليم أسلحة سوفيتية لإيران ، فكان ثمة جسر جوي من سورية إلى إيران عبر اليونان وبلغاريا والاتحاد السوفيتي ، ومن ليبيا عبر البحر الأسود لدعمها في حربها مع العراق ، ثم أعقب ذلك أن أغلق الأسد حدوده مع العراق ، وأوقف ضخ النفط العراقي إلى الخارج عبر الأراضي السورية في وقت لاحق عام 1982.

3- استفحلت عمليات النهب لميزانية الدولة وثروات الأمة من قبل رجال السلطة والمتنفذين من أقربائهم وعائلاتهم وعشائرهم وحاشيتهم ، وانتشر بناء القصور الفارهة الكثيرة في محافظة اللاذقية وفي مصايفها ، وفي دمشق ، وخارج سورية ، وصار المتنفذون الذين كثر عددهم يتبارون ي تشييدها واقتنائها وجرى تسليم القطاع العام ومؤسساته وشركاته للمرتزقة واللصوص من عصابات الحكم ، ما أدى إلى إفلاس معظم هذه المؤسسات ، فلجأت السلطة إلى طبع العملة بلا رصيد فانخفضت قيمتها وهوت مكانتها ، كما لجأت إلى نهب واردات النفط التي لم يسمح حافظ أسد بإدخالها ي حسابات الدولة ، بل دخلت في حساب رئيس الدولة وعائلته وأعوانه وحاشيته ، فانتشر الفساد والرشاوى في كل موافق القطاعات الاقتصادية بشكل معلن زكمت رائحتها الأنوف ، وعلى كل المستويات الوظيفية العليا والدنيا ، وعندما تجرأ من يسأل عن أموال النفط ، جاءت الإجابة : إنها في أيد أمينة ، فانتشرت هذه المقولة في أرجاء الوطن انتشار النار في الهشيم.

4- صدر عن الحكومة بيان جبهوي يطرح حلولا تخفف من النقمة الشعبية ضد النظام الفاسد ، فرد الإخوان على ذلك بأن هذه الحول ليست جيدة وقد سبق لحافظ أسد أن لجأ إلى مثل هذه الطروح ، كلما أحسن أن الأرض تمور من تحت قدميه ، وقال الإخوان : إننا لم ننس لجنة الكسب غير المشروع التي شكلها الأسد امتصاصا للنقمة الشعبية العارمة يوم كان يقتل الفلسطينيين في تل الزعتر ، ثم لم تلبث هذه اللجنة أن تلاشت حيث بدأت إشارات الاستفهام تتجه إلى المفسدين الكبار ، فاضطرب جريدة الثورة المؤممة لسان السلطة الحاكمة أن تنشر في عددها 5092 المؤرخ في 30-9- 1979- مقالا جاء فيه : عندما بدأ البحث عن شاطئ حرر بكامله وبيع ، وعندما نرى كيف هدمت أحياء ، وبيعت مناطق ، وارتفعت بنايات شاهقة ، ونشاهد أساطيل السيارات توضع تحت تصرف المسؤولين وأنجالهم وأقربائهم حتى الدرجة العاشرة ، وعندما نسأل عن صداقات غير طبيعية وغير شرعية نشأت بين المتنفذين وين تجار داخل القطر وربما خارجه ، عندما نرى ذلك -تقول الجريدة- سنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق ، وسيكون السؤال من أين نبدأ ، من الرؤوس الصغيرة كلي نصل إلى الكبيرة؟ أو من الكبيرة إلى الصغيرة؟ لابد أن يكون البدء بالرؤوس الكبيرة.

استهجن المجاهدون بيانات الحكومة وأقوال صحفهم قائلين : هذا ذر الرماد في العيون ، ووجهوا خطابا إلى رأس المفسدين جاء فيه : ندعوكم إلى تشكيل محكمة وطنية محايدة تمثلون أمامها ، مستعينين بمن شئتم من محامين وخبراء لتثبتوا براءتكم : إننا لا نطالب بتقديمكم إلى محكمة أمن الدولة التي اعتدتم أن تقدمونا إليها ، فبالأمس كنتم تؤيدون طلب السيد سعد الدين الشاذلي لمحاكمة أنور السادات ، فلماذا لا تستجيبون لطلبنا بمثولكم أمام لجنة قضائية نزيهة.

أيها الرئيس : أنتم متهمون أمام السوريين جميعا بالتهم التالية :

أ- الخيانة العظمى بتسليم جزء من أرض الوطن بلا قتال في حرب 1967.

ب- سو التخطيط والتصرف في حرب 1973 مما أدى إلى ضياع أجزاء أخرى من أرض الوطن.

ج- ارتكاب العديد من عمليات القتل والتصفية الجسدية لألوف المواطنين الأبرياء المظلومين ، وسوف يطالب أولياء الضحايا بحقوقهم أمام المحكمة.

د- التواطؤ أو السكوت عن انتهاك الأعراض والنيل من الحرمات.

هـ- قتل الفلسطينيين في تل الزعتر رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا ، وسوف يقاضيك اليتامى عن آبائهم ، والأرامل عن زوجاتهم ، والثكالى عن أبنائهم ، والمشوهون عن أعضائهم.

و- سرقة أموال الشعب وتحويلها إلى بنوك سرية.

إننا ندعوكم لذلك حقنا للدماء ، وإنقاذا للمواطنين ، فاللجوء إلى السلاح الذي اضطررتمونا إليه ، وسيلة أخيرة في إصلاح الأوضاع للسوريين جميعا .

سادسا : حاثة المدفعية

كانت حادثة المدفعية عملا كارثيا بالنسبة لتنظيم الإخوان المسلمين ، لأنها كانت السبب في تعطيل برامج الجماعة وعرقلة مسيرتها الدعوية ، فالجماعة قد وضعت لنفسها خطة التزمت بها ، وتقيدت ببنودها ومراحلها ووسائلها ، وكان أهم ما ورد فيها برنامج الجماعة في التعريف الذي يشمل التبليغ ونشر مبادئ الإسلام باللسان والبيان والقلم وجميع وسائل النشر المستحدثة ، تأتي المرحلة التي تعقبها ، وهي مرحلة التكوين التي تهدف إلى تهيئة العناصر القيادية في داخل التنظيم وفي خارجه ، وفي الدوائر والمؤسسات ومرافق المجتمع كلها ، وأن تسير المرحلتان معا دون أن يستغنى عن أي منها ، كما أن الخطة نصت بوضوح تام على تجنب الصدام مع السلطة المتعطشة لدماء المواطنين ، ولا سما ذوو الاتجاهات الإسلامية منهم تحت أي ظرف ، مهما كانت وأيا كانت درجة الاستفزاز من دوائر السلطة الأمنية والحزبية وميليشيات النظام ، وقد نشرنا هذه الخطة كاملة في نهاية المجلد الثالث من هذه الموسوعة الخاصة بتاريخ الإخوان المسلمين كجزء من المجتمع وليست منفصلة عنه.

ولم يكن مضى على إقرار الخطة عدة أشهر حتى وقعت حادثة المدفعية ، قبل أن نبدأ بتنفيذ بنود الخطة ، ولا سيما فيما له صلة بتطوير القوى -على كل الصعد التربوية والاجتماعية والنسائية ... إلخ- وتكوين القيادات ، وإعداد الكوادر ، فكانت هذه الحادثة كوقع الفأس على الرأس ، لأنها جاءت سببا موجعا في تعطيل برامج الجماعة على كل الصعد ، ولم نكن نعلم عنها وعن الذين قاموا بها شيئا ، حتى قرأنا تصريحات عدنان عقلة فيما بعد ينسبها إلى نفسه ، وإلى رفيقه في نشأتهما بمدينة الرقة : النقيب إبراهيم اليوسف متباهيا في هذا الأمر ، ومفاخرا في إنجازه وتنفيذه.

1- سارعت الجماعة إلى الإعلان عن عدم علمها بحادثة المدفعية وبمن قام بتنفيذها ، لأنها تتعارض تفكير الجماعة كما وردت تفصيلا في الخطة ، وكما أدت الجماعة النأي بنفسها وبأبنائها عن كل صدام أيا كانت حالة الاستفزاز التي درجت عليها مؤسسات السلطة الأمنية وغيرها ضد المواطنين ، وقد سمعت من الشهيد عبد الستار الزعيم رحمه الله أنه حذر من أي عمل في القتل الجماعي الذي يطول مواطنين أبرياء لا ذنب لهم ، وهذا مرفوض ومحرم بالإسلام على إطلاقه ، لكن عدنان عقلة الذي نسب نفسه إلى مجموعة مروان حديد رحمه الله التي يزعم أن مروان قد أنشأها ، وهذا الزعم لا أصل له البتة ، فمروان لم ينشئ ما يسمى بالطليعة ، ولم يستخدم هذا المصطلح قط ، بل إن عدنان عقلة عندما قابلته لأول مرة في إيطاليا بعد خروجه من سورية -وكان من قبل يخون ويكفر كل من يغادر سورية- متى كانت آخر مرة قابلت بها مروان؟ فأجاب : لم ألتق بمروان في حياتي ولم أره قط.

كانت عائلة عدنان عقلة قد نزحت من الجولان بعد تسليمه إلى إسرائيل ، واستقر والده في مدينة الرقة ، يعمل فيها خبازا ، وبعد حصوله على الثانوية انتقل إلى حلب ، والتحق بكلية الهندسة ، وانتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين ، فلم تمض على انتسابه فترى قصيرة حتى صدر قرار بفصله من الجماعة بعد أن لمسوا منه خروجا على منهاج الجماعة ، وتمردا وطموحا غير مألوف ، وتطلعا إلى الزعامة بأي وسيلة كانت.

عقد عدنان عقلة صلته بالنقيب إبراهيم اليوسف الضابط في الجيش السوري بعد أن تم التعارف بينهما في الرقة أو حلب على ما يذكره البعض ، ونجم عن هذه الصداقة حادثة المدفعية في الثكنة العسكرية ( الراموسة ) في حلب.

2- لم نكن نسمع أو سمعنا عن النقيب إبراهيم اليوسف قبل حادثة المدفعية ، فهو لم يكن من الإخوان قط ، بل كان بعثيا منذ فترة طويلة ، حتى بلغ درجة العضو العامل في الحزب ، وعضوية التنظيم العسكري في الجيش.

تساءل كثيرون عن الدوافع الحقيقية لهذا العمل الجري والفظيع في مدرسة المدفعية ، وذهب ضحاياها العشرات كما قال البيان الرسمي لحكومة الأقلية ، فالبعض يذكر أنما رأى النقيب إبراهيم اليوسف من تحيز طائفي ، وملء كوادر الجيش بأبناء الطائفة العلوية ، وإن لم يكونوا من ذوي الكفاءة ، وإقصاء أبناء الأكثرية السنية ، وأبناء الطوائف الأخرى ، هو الذي أثار حفيظته وسخطه ، وشحنه بالحقد على هذه الفئة البغية المتسلطة التي كشرت عن أنيابها ، وكشفت عن أهدافها بتحويل الجيش السوري من مؤسسة وطنية إلى كتلة طائفية ، فأقامت أكبر دورة لسلاح المدفعية شملت حوالي 300 طالب ضابط مدفعي ، كان العلويون يشكلون أكثر من 90% منها ، وحوالي 10% من أبناء الأكثرية ، ومن أبناء الطوائف الأخرى كالمسيحيين والدروز والإسماعيليين ، بل أن البعض قدر عدد العلويين في الدورة بـ 285 وعدد الآخرين 15 ، لتكون نسبة الجميع 5% ونسبة العلويين 95% ليكون سلاح المدفعية وقفا على العلويين ، بالإضافة إلى ما شكله الطائفيون ، وعلى التحديد والتحري بعض الطائفيين من مليشيات يغلب عليها الطابع الطائفي ، مثل سرايا الدفاع وسرايا الصراع والوحدات الخاصة والحرس الجمهوري...إلخ.

وجد النقيب إبراهيم اليوسف في عدنان عقلة تجاوبا للقيام بتوجيه ضربة قاتلة وفاضحة في هذا التمييز الطائفي المنتن.

كان النقيب إبراهيم هو الضابط المناوب والقائم بإدارة التوجيه المعنوي -السياسي- للطلبة من دورة سلاح المدفعية ، فاتفق مع عدنان عقلة الذي قدم له عددا من الذين وافقوه على تنفيذ العملية ، وهيأ لذلك كل أسبابها ، حيث ادخل مجموعة التنفيذ بسيارة مغطاة لم ير الحرس أحدا منهم ، وأوكل إليهم العمل التنفيذي فضلا ، فبدأوا باعتقال الحرس وإبعادهم ، وتعطيل غرفة الاتصالات السلكية واللاسلكية ، ثم دعا طلاب الدورة إلى اجتماع طارئ وسريع في قاعة المحاضرات ، باعتباره ضابط الأمن الذي يمثل السلطة الحزبية ، يحضره قائد اللواء ليلقي بهم كلمة مهمة ، فتسارع الطلاب الضباط إلى القاعة ، فالتف المنفذون حول القاعة ، وأخذ كل واحد منهم موقعه خلف إحدى النوافذ ، وشرعوا في إطلاق النار من الرشاشات وإلقاء القنابل اليدوية ، حتى قتل أكثر من في القاعة ، فغادرت المجموعة المنفذة الثكنة ، فكان هذا الحادث كارثة مؤلمة للسلطة الحاكمة ، وللطائفيين الطغاة المتسلطين على رقاب المواطنين.

3- لم تعلم السلطات بحادثة المدفعية غلا بعد ساعتين من وقوعها فجن جنونها ، وشرعت بإصدار البيانات التي بدأ التخبط في كل كلماتها ، فالحادثة وقعت في 16-6-1979 ، وكان ضحاياها كما جاء قبل قليل من العلويين ، فشكل هذا الحدث فضيحة للطائفيين المتسلطين على الحكم ، أراد المسؤولون في السلطة الباغية أن يستروا هذه الفضيحة ، فأعلن وزير الإعلام : أحمد إسكندر أحمد أن الضحايا من كل الطوائف ، وأن بينهم ضحايا مسلمين ومسيحيين ، ثم أتهم الوزير الإخوان المسلمين في 22-6- 1979 بحادثة المدفعية ، وفي تنفيذ الاغتيالات دون أن يكون لديه دليل واحد على اتهامه ، أما الإخوان المسلمون فقد سارعوا إلى شجب الحادثة ، مؤكدين عدم علمهم بها وبمن نفذها ، وبالرغم من مكابرة السلطة وإصرارها على اتهام الإخوان ، فإن عدنان عقلة بعد فترة قصيرة ، نسب حادثة المدفعية إلى نفسه ، وافتخر بتنفيذها مع النقيب إبراهيم اليوسف.

لم يكتف الإخوان بشجب الحادثة وبالتأكيد على عدم صلتهم من قريب أو بعيد بها ، بل نشروا ذلك بما يملكونه من وسائل النشر ، بل تحدى بيان صادر عن الجماعة أ ن تثبت أي جهة في العالم بتحقيق حيادي نزيه أن تكون قيادتهم أو عناصرهم قد مارست مثل هذا العمل وأشباهه طيلة عمرها المديد ، ثم نشرت ذلك في مجلة المجتمع الكويتية ذات الشهرة في العالم الإسلامي, ونفت نفيا قاطعا هذا الحادث في عددها 452 المؤرخ في 3- 7- 1979.

عقد وزير الداخلية عدنان دباغ الذي كان إحدى الواجهات للحكم الطائفي مقابل متع رخيصة عرف بها ، مؤتمرا صحفيا في 22-6- 1979 أعلن فيه الحرب على الجماعة واستباحة دماء أبنائها ، فاعتصم الإخوان بالله ، ثم بالصبر لمواجهة هذا الابتلاء ، وتعرضت الجماعة للملاحقة والفتك والقتل في البيوت والشوارع وعلى قارعة الطريق ، مما اضطر ، بعد ذلك الملاحقين بعد أكثر من ثلاثة ، أشهر أن يقرروا الدفاع عن أنفسهم ، ليستشهد منهم أعداد ، وتختفي أعداد ، وتغادر أعداد أخرى إلى أرض الله الواسعة.

كان لحادثة المدفعية أثر سلبي وآخر إيجابي ، فقد ألحق في الجماعة كبيرة ، وعطل برامجها وتنفيذ خطتها وكل مشروعاتها التي كانت ترمي إلى التغيير السلمي في المجتمع السوري عن طريق التبليغ والنشر والتوجيه والاتصال وتشكيل الأسرة.. الخ -التعريف- والتكوين وتهيئة الكوادر والدعاة وعناصر الاختصاص في كل حقول المعرفة ، وما يتطلبه بناء الدولة الحديثة والمجتمع من قيادات فنية وتنفيذيه ، كما جرأت السلطة على الإسراف في القتل والاغتيال وسفك الدماء. أما الجانب الإيجابي ، فهو فضح السياسة الطائفية لحكم الأقلية ، إذ كشفت حادثة المدفعية النظام وعرته من آخر ورقة توت كان يحاول أن يستر بها سياسته الطائفية في داخل سورية ، وفي المحيط الدولي ، فقد ذكر ميشيل سيرو كما نقل عنه المؤلف فان دام ، وتقرير الشرق الأوسط أن 282 طالبا عسكريا من بين 300 طالب كانوا من العلويين ، فانقض عليهم بعض رفاقهم من البعثيين -المقصود إبراهيم اليوسف- الذين لم يتحملوا هذا التعصب الطائفي ، وأوقعوا مقتلة كبيرة ، وأثبتت أيضًا أن هذا الاغتيال لم يكن ذا علاقة بالإسلاميين ( ) ، وذهب ديفيد هيرست إلى حد القول : إنه ليس البعثيون هم الذين يحكمون البلاد بأي معنى من المعاني ، بل هم العلويون الذين يحكمون البلاد من خلال الحزب ، وعمليا من خلال تضامنهم الخفي ، داخل الحزب والمؤسسات الهامة الأخرى ، وخلف الواجهة ، فإن أفضل مؤهل للسلطة بمقياس حكم الأقلية هو الصلة من خلال العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو أبناء المنطقة من العلويين ، وصلتهم بالعلوي الأول في البلاد الرئيس حافظ أسد .

سابعا : مجزرة التعليم

استمرت السلطة الحاكمة ، أو بتعبير أدق العصابة الحاكمة في هدم كيانات المجتمع ، وتحطيم مؤسساته المدنية التي يقوم بناؤه عليها ، فالتفتت إلى المؤسسة التعليمية التي ترعى وتوجه وتربي الأجيال الصاعدة منكل الأعمار ، بدءا من المراحل الأولى الابتدائية وحتى التعليم الجامعي ، التفت النظام المفسد إلى هذه المؤسسة العتيدة بعد فراغه من هدم المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية والاقتصادية ، فأعمل فيها معاول الهدم ، ليحرمها من كل المعلمين والأساتذة ذوي الخبرة العالية ، والأخلاق السامية ، والتجارب الناجحة في حقل التعليم ، لتسريحه أو نقلهم إلى مجالات لا صلة لهم بها من حيث العمل والاختصاص ، مثل دوائر البلديات والأشغال العامة والتموين والمواصلات.. الخ وتبقى المدارس والناشئة وقفا على مدرسين ومعلمين فاسدين أدبا وخلقا ، ليزرعوا بذور الفساد في الأجيال الصاعدة ، لتنشأ مجردة من القيم الرفيعة والأعراف العريقة والمثل العليا ، وقد بلغوا في هذه السياسة المدمرة شأوا بعيدا وا أسفاه ، فالذين يزورون دمشق من العراق والأردن وغيرهما يتحدثون عن موجة من الفساد لم نسمع بمثلها ، لا في البلاد العربية ولا الأجنبية ، فالأكثرية من سائقي التاكسي ومن مؤجري الشقق يواجهون الزوار والسائحين بعروض تقشعر منها النفوس الأبية ، فيعودون إلى بلادهم وبيوتهم ، وهم يتحدثون عن مشاهد ومظاهر وظواهر تشمئز من سماعها ورؤيتها جلود الذين يحملون في ضمائرهم غيره على عروبتهم وإسلامهم وتقاليدهم التي حملتها أمتنا مئات السنين ، وحافظت عليها ، وحفظت بها. وهذه إحدى نتائج مجزرة التعليم التي أقصت بها السلطة الباغية المربين الفضلاء والموجهين العقلاء عن التعليم ، لتترك أبناء الأمة ومصيرهم إلى السفلة والمفسدين.

1- تتالت مراسيم المجزرة زهاء خمس سنين ، بدءا من التوقف عن تعيين أن مدرس ذي ميول إسلامية في المدارس الإعدادية والثانوية ، وفي الجامعات ، ثم جاءت الضربة القاتلة في القرار الرسمي الذي أصدرته وزارة التربية عام 1976 بتحويل 600 مدرس من سلك التعليم إلى وظائف غير تربوية مثل وزارة التموين وغيرها من الوزارات الأخرى التي لا تمت أعمالها إلى التعليم بصلة .

ثم جاءت الضربة الموجعة التي لم يحتملها السوريون ، ولا سيما ذوو الاتجاه الإسلامي ، ألا وهي الاستمرار في مذبحة التعليم ، وتسريح المئات من مدارسهم ووظائفهم ، فكانت هذه الإجراءات الظالمة من جملة الأسباب التي زادت في الاحتقان ، وفجرت الصراع بين السلطة الباغية ، وبين أبناء الحركات الإسلامية على اختلاف توجهاتهم ، فكتبت مجلة النذير التي صدرت في 13-12- 1979 في افتتاحيتها  :

بعد أن امتدت يد الهدم في صراع التعليم من المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية إلى التعليم الجامعي : في العام الماضي أصدر ما يسمى المؤتمر القطري لحزب السلطة الحاكم عددا من القرارات السرية والعلنية ، نصت على تبعيث التعليم ، وبمعنى آخر ، على سلخ الإسلام ورجاله من أجهزة التربية والتعليم في سورية المنكوبة مثل : تطبيق التعليم المختلط ، والتضييق على المدارس الشرعية ، ووقف تعيين خريجي كلية الشريعة ، وتعديل منهاج التربية الإسلامية ، أو بالأصح تشويهه ، وتسريح ما لا يقل عن 500 على 600 معلم ومدرس في محافظات القطر ممن عرفوا بالكفاءة والأخلاق الرفيعة ، ثم اكتملت المأساة أخيرا بنقل المذبحة من التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي إلى التعليم الجامعي بين يدي انعقاد المؤتمر القطري السابع ، فأفرغ الحاقدون في السلطة والحزب كل عدائهم للإسلام والمسلمين في ميدان التربية والتعليم أو في هذه المؤسسة التربوية العتيدة.

2- تابعت افتتاحية النذير في عددها الثامن قائلة : نحن نعلم أن إسرائيل اشترطت على أنور السادات في صلحها معه أن يعيد النظر في مناهج التعليم ، وأن يحذف كل فقرة توحي بالعداء لليهود أو تنال منهم ، في عملية غسل دماغ للأجيال الناشئة في مصر العزيزة ، ومعلوم أن حافظ أسد يصف السادات بأنه طرف من أطراف كامب ديفيد ، وينعته بنعوت قاسية في صلحه مع اليهود ، فما بال الأسد نفسه؟ وما بال سورية في عهده؟ وما بال العلماء وما ينالهم من إيذاء وتنكل على يديه؟ أينسف العلم ، ويقضي العلماء ويشردهم ، ويحظر عليهم حتى دخول الحرم الجامعي؟ ويمنعهم من الاقتراب من الجامعات التي بنوها ، وخرجوا أجيالا في كل الاختصاصات من قاعاتها ومختبراتها ، أليس في الجامعات السورية مدرسون إنكليز وفرنسيون تعاقدت معهم الجامعات بأجور باهظة لحاجتها الماسة إليهم؟ فلم تطرد أبناء سورية وعلماءها أبناء الوطن الذين أفنوا شبابهم وكهولتهم في تعليم أبنائه وأجياله؟ الم تكفك أيها السفاح مجزرة الاقتصاد الذي نهبته ودمرته؟ ألم تكفك مجزرة الجيش الذي حطمته ، وفككت عراه ، وأوهنت قواه ، وحرمته من خيرة ضباطه وأبعدتهم عنه بالمئات والألوف ، فتركته بدون هيئة ضباط حسب تعبير صديقك باتريك سيل؟ لن نقول لك : اتق الله ، وأنت الزنديق الآبق ، الذي يحارب الله تعالى جهارا ونهارا؟ ولن نقول لك : احرص على الوطن الذي هو كرسي الرئاسة لديك ، والذي بعت جبهة الجولان لأجله؟ ولن نقول لك : احرص على ماء وجهك ، لأنك لو كان في وجهك قطرة ماء لما وقفت ذات يوم تعلن في التلفزيون السوري وتقول : لو كان في سورية واحد غير راض عن حكمك وموقعك في الرئاسة ، ويحك ، لو قالها تقي لما قبلها المسلمون ، فمن أنت يا فاقد ماء الوجه؟ ولن نقول لك رفقا بطائفتك التي دفعت بها إلى الصدامات الدموية مع المواطنين على مذبح احتفاظك بالسلطة الباغية ، بل نقول لك ما جاء في كتاب ربنا سبحانه : ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾ وقوله جل ثناؤه : ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ﴾ .

هذه المقالة التي أوردتها مجلة النذير ، إن هي إلا نفثه حرى تعبر عن شعور كل مواطن سوري ، أضحى مسكونا بالخوف والذعر من سلطة تهوى خطف المواطن وقتله ، ونهب ثروته وما يملك ، والعدوان على كرامته وجسده وحرمته ، وكأن لديها من الحقد على أبناء سورية مخزونا يكفي لتدمير الوطن والشعب ، وتقول : هل من مزيد؟ بل كأن هذه السلطة الطائفية تثأر للصليبين والمغول والتتار والحركات الباطنية ، والاستعمار الفرنسي ، وكل عدو ألحق بالعرب والمسلمين شرا في القديم والحديث.

3- يتتالى صدور ما يسمى بالمراسيم في إبعاد الأساتذة عن الجامعات السورية ، بعد تصفية سلك التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والتجاري والصناعي والشرعي من كل المعلمين والمدرسين ذوي النزعة الإيمانية كما رأينا ، ليأتي دور كبار الأساتذة في سورية.

لقد صدر في دمشق مرسوم برقم 1249 مؤرخ في 20-9-1979 بتسريح الدكاترة : أحمد الحمصي ، و فاروق العظمة ، و محمد هواري ، و أحمد بلال ، و فوزي فيض الله ، و وحيد الدين سوار ، و محمد دلول ، و فاروق جباوي ، و محمد دمشقي.

وفي جامعة اللاذقية صدر المرسوم ذو الرقم 1250 المؤرخ في 20-9-1979 بتوقيع القائد الثوري حافظ أسد -وكل المراسيم السابقة بتوقيعه- قضى بتسريح الدكاترة : محمد خير حلواني ، و محي الدين رمضان ، و حسن هنداوي ، و بلال حاج زين ، و ممدوح نيربية ، و عبد الرحمن الصوفي ، و خالد عبد الرحيم ، و حسني ناعسة.

وفي جامعة حلب صدر المرسوم 1256 المؤرخ في 27-9-1979 بإبعاد الدكاترة : أدهم سفاف -تمت لاحقاً تصفيته جسديا- و نزار حمضمض ، و نذير زرانجي ، و عبد الكريم حلبي ، و عمر فاروق الأفندي و حسن محمد حسين -العالم النووي تمت تصفيته في السجن فيما بعد- و بسام داخل ، و علي موسى ، كما قضى مرسوم آخر بتسريح الدكاترة من جامعة دمشق وهم : فايز المط كبير مدرسي مادة التشريح ، والتي تقي تدريسها معطلا لعامين ، و راتب كحالة ، و أبو الخي الخطيب ، و صادق فرعون ، و هيثم خياط ، و محمود جزيري ، وقد تضمنت مراسيم التسريح والنقل إبلاغ السادة وجوب تسليم ما بحوزتهم لبراءة ذمتهم وعدم دخول الحرم الجامعي .

4- دخل عام 1980 ومذبحة التعليم مستمرة دون أن يهدأ أو يسكت حقد ابن العلقمي الثاني ، فأصدر المرسوم 876 بتاريخ 21-5-1980 صرف بموجبه أكثر من 190 مدرسا يتبعه نقل عدد من أساتذة الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتربية الإسلامية واللغات المختلفة إلى دوائر لا تمت إلى اختصاصهم بصلة مثل البلديات والمصارف ومكاتب دفن الموتى ، كالذي فعله بمن سبقهم عام 1979.

لقد نص المرسوم 876 المنوه عنه على تسريح 40 مدرسا ومدرسة في دمشق ، و 17في حلب ، واثنين من محافظة اللاذقية ، وعشرة مدرسين ومدرسات من محافظة حماة ، 14من محافظة حمص ، 85من محافظة إدلب ، 6 من محافظة حوران ، و11 من محافظة دير الزور ، ولولا التطويل لذكرت أسماءهم ، ومن يرغب في معرفتهم ، فليرجع إلى العدد العشرين من مجلة النذير الصادرة في شهر تموز 1980.

ثامنًا : اتساع دائرة القتل

لم تكن السلطة بحاجة إلى مبرر في تنفيذ عمليات القتل والاغتيال وإعدام المئات ، لأنها سلطة دموية كشفت عن سوءاتها منذ اليوم الأول الذي استولت فيه على السلطة عن طريق السلاح ، غير أن حادثة المدفعية أعطتها مبررا معلنا وجرأة وقحة في الإسراف في القتل ، وإغراق المجتمع السوري كله بحمامات الدم والمجازر الجماعية ، بحيث لم تنج محافظة واحدة من هذه المآسي المروعة في القتل والتعذيب لذي لا عهد لسورية به من قبل ، ولم يسمع به إنسان قبل حدوثه في سورية مما سيأتي لاحقاً.

1- سارعت السلطة الدموية إلى إجراء محاكمة صورية وسريعة لترفع على أعواد المشانق ثلة من أبناء الدعوة عرفهم إخوانهم وعرفناهم بأنه أصفياء أتقياء كماء السماء بالطهر والنقاء وهم : عصام عقلة من مواليد 1953 طالب جامعي ، و عبد العزيز السيخ من مواليد 1954 مهندس ، و محمد مجاهد دباح البقر وشقيقة محمد مروان دباح البقر ، و الدكتور حسين خلوف طبيب أسنان من مواليد 1943 ، والدكتور مصطفى الأعوج من مواليد 1944 طبيب أسنان ، و محمد سعيد الحمش مزارع من مواليد 1948 ، و صفوان عدي تاجر أغنام من مواليد 1949 ، و عبد القادر فاعور عامل من مواليد 1955 ، و مسعف الشيخ إبراهيم من مواليد 1953 ، و مهدي علواني طالب من مواليد 1956 ، و خالد علواني طالب جامعي من مواليد 1957 ، و عمر علواني تاجر من مواليد 1949 ، و حسن سلامة عسكري مجند من مواليد 1959 .

كان المهندس رياض جعمور عضو المكتب التنفيذي قد حكم عليه بالمؤبد في نطاق محاكمة الشهداء الخمسة عشر ، إلا أن السلطة الباغية نفذت فيه حكم الإعدام في وقت لاحق بدون محاكمة معلنه ، أو بمحاكمة صورية لم نسمع عنها شيئاً ، وكان الشهيد -كما عرفته- من الأتقياء الذين تلقوا من الشيخ محمد الحامد الأوراد والأذكار التي كان مداوما عليها وشديد الحرص على أدائها ، وقد كان تنفيذ هذه الأحكام الظالمة في 28-6- 1979.

كانت هذه الثلة من الشهداء الأبرار هي البداية لأعداد كبيرة تم إعدامهم ، وهم من خيرة أبناء المجتمع السوري خلقا وعطاء واستقامة ، وكانوا يمثلون النخبة العلمية في الوطن ، ومن بين المواطنين ، وكان القاضي الذي يصدر أحكام الإعدام بالجملة هو السفاح فايز النوري من مدينة دير الزور أحد الأدوات التي استخدمها الطائفيون نظير مكاسب رخيصة بالأسلوب الذي استخدموا فيه عدنان دباغ و مصطفى طلاس وأمثالهما من قبل ومن بعد.

كان رد السلطة بعد حادثة المدفعية بحقد انتقامي كبير ، إذا احتجزت قوات الأمن 6000 مواطن برئ كما قدر ذلك في حينه ، كما صرفت الحكومة الدموية 400 ضابط آخرين من الخدمة في الجيش في الشهور الستة اللاحقة .

نقلت النذير في عددها الأول ص15 بعض من شملتهم الاعتقالات في المحافظات السورية ، فأوردت كمثال على ذلك عشرة معتقلين من دمشق ، وأحد عشر من حمص ، وواحدا وأربعين من حماة ، وسبعة وثلاثين من إدلب ، وخمسة وتسعين من حلب ، عدا عشرات الأخوات المسلمات ، وثلاثة من دير الزور ، والميادين ، وأربعة من الرقة ، وأربعة من اللاذقية ، وكل من يقرأ أسماء المعتقلين كما وردت في مجلة النذير في الصفحات من 15 حتى 18 يجد أنهم يمثلون الصفوة في المجتمع السوري من حيث الدرجات العلمية والشهادات الجامعية ، والاختصاصات الفنية ، كما تابع البغاة إعدام أعداد جديدة أو اغتيالهم في المحافظات السورية ، كان منهم في حلب : المدرس وليد عطار ، والطالب الجامعي عمر سالم ، والمدرس محمود عزيز ، والطلاب الجامعيون : عصام مواصلي ، و أسامة إدلبي ، و ياسر خطيب ، و رامز عيسى ، و ياسر غنام ، و همام الشامي ، و زهير سرحيل ، والشيخ عبد النور ، والعسكري عبد الراشد الحسين إعدام في مدرسة المدفعية لتدينه. وكان منهم في حماة : محمد دياب فاعور ، والعارف بالله الشيخ محمود عبد الرحمن الشقفة -اغتيال- والمحسن الكبير الحاج علي خير الله ، ومن حمص الشيخ فاضل زكريا ، ومن دمشق مأمون إدلبي ، و... طالب جامعي ، و أبو ياسر هشام.

تابعت النذير نشر أسماء بعض المعتقلين ، فسجلت من دمشق أسماء 14 معتقلا ومن حماة 61 معتقلا ، ومن بانياس 4 معتقلين ، ومن حلب ثلاثة معتقلين ، ثم قامت السلطة باغتيال عدد من الملاحقين في أثناء المداهمات في الشوارع أمام أعين المواطنين ، إمعانا في إشاعة الرعب والذعر في البلاد ورصدت مكافآت مالية ليمن يقدم على اغتيالهم كما حدث للشيخ الصالح محمود الشقفة -كما ذكرنا- من قبل في مسجده طعناً بالسكين بتاريخ 4-8- 1979 بيد آثمة لأحد الأشقياء ، واغتيال أحمد زلف وهو يطارد في أحد بساتين حماة :

2- أستمر القتل في كل فئات الشعب ، وكان نصيب المحامين من الشهداء كبيراً ، جاءت النذير على ذكر عدد منهم مثل : طارق حيدري ، و عادل كيالي ، و محمد أمين إدلبي ، و برهان الدين عطور ، و خضر الشيشكلي ، و فاتح أمين بركان ، و أحمد الموسى ، و أسعد علبي ، و سعيد نينو ، و فاروق الشيخ سعيد ، عدا بضع عشرات من المعتقلين الذين مكثوا في المعتقلات مددا متفاوتة ، تجاوز بعضها عشر سنين.

أما الأطباء فكان عدد الشهداء منهم كبيراً كذلك ، مثل : بدر الدين الصفدي ، و عبد الستار الزعيم ، و عبد القادر قندقجي ، و عمر الشيشكلي ، و أحمد الزلف ، و حسين خلوف ، و مصطفى الأعوج ، و طاهر حداد ، و عمر موسى ، و مالك عقيلي ، و مصطفى عبود ، و محمد نساج ، و عدنان عبود ، و توفيق فيهم ، و عبد الله دادة ، و عبد العزيز محمد ، و عماد الدين حبيب ، و رضوان قباني ، و محمد فتاحي ، و عصام الشافعي ، و أحمد قباني ، و عبد الرحمن فرواتي ، و زياد نحاس وغيرهم ، رحمهم الله جميعاً ، وأعلى مقامهم ودرجاتهم في جنات النعيم.

أما المعتقلون من الأطباء فقد أوردت النذير أسماء 76 طبيبا استشهد بعضهم فيما بعد في سجن تدمر الصحراوي .

تبع عمليات القتل والاغتيال منكل فئات المواطنين انتهاج سياسة تهديم البيوت التي يأوي إليها الفارون والملاحقون ، كالذي فعلوه في منازل آل عجعوج ، وآل درويش ، وآل مكية في مدنية حماة بتاريخ 15-10-1979 ، كما عمدوا إلى مصادرة العقارات والمساكن والأملاك الخاصة بالمعتقلين والملاحقين ، والتي بلغ عددها آلاف المنازل في كل أنحاء سورية ومدنها.

3- دفع البغاة إلى ما يسمى محكمة أمن الدولة العليا بـ 27 أخا لإجراء محاكمة شكلية أو صورية وسرية لهم ، كما هو حال جميع المحاكمات التي سبقت ، وأعدم من جرائها أعداد كبيرة من الصفوة من أبناء الوطن.

بدأت المحكمة التي يرأسها السفاح فايز النوري يوم الثلاثاء في 17-2- 1980 بمحاكمة الإخوة : المدرس عدنان شيخوني ، و الطالب محمد أمين الأصفر ، والطالب عبد الغني السباهي ، وفي يوم الأربعاء في 19- 2- 1980 كانت الجلسة للإخوة : هيثم ملا عثمان طالب الهندسة الميكانيك ، و سليم زنجير الطالب في كلية الهندسة ، والتاجر أحمد ماهر قولي ، والطبيب مالك محمد العقيلي ، والشقيقين هيثم عقيل و جمال عقيل الطالبين في كلية العلوم والهندسة ، و محمد صديق شعبان ، والطالب الجامعي بشير خليلي.

وفي يوم الأحد 24-2- 1980 جرت محاكمة المدرس محمد عادل غنوم و المهندس محمد زهير الخطيب ، والمهندس عبد الستار عبود ، والطالب محمد أسعد بساطة ، والموظفين محمد نبيل حاضري ، و محمد نديم لولو ، والطالب الجامعي عبد الحكيم جلال ، والشيخ الفاضل محمد خير زيتوني إمام وخطيب جامع بلال بحلب ، و عبد السلام عبد السلام ، و محمد نذير البوشي ، و محمد نيال.

وفي يوم الأربعاء الموافق 27-12-1980 عقد السفاحون الجلسة الرابعة للإخوة : عبد الغني خراط ، و بشار تاجا ، و عبد القادر دلال ، و مصطفى خرسا ، و حسان سرميني.

جرت هذه المحاكمات بصورة سرية ، وبشكل مسرحي ، إذ لا يوجد فيها من صفات القضاء ومعاييره أي شيء ، فلم يحضر في الجلسة الأولى أي محام ، وكان المتسلطون على هذه المحاكمات المهزلة عناصر من المخابرات بملابس مدنية ، وقد رفض بعض الإخوة الإجابة عن أسئلة القضاة إلا إذا تمت بشكل علني ، وقال بعضهم للسفاح رئيس المحكمة : إنني لم أفهم من هذه المحاكمة شيئاً ، وعندما طلب محام مقابلة بين اثنين من المتهمين قال النوري : ليس لدينا وقت ، لأن أمامنا 45 شخصاً مقدمين للمحاكمة.

فضح الإخوة ما عانوا من صنوف التعذيب الهمجي الذي تندى له الكرامة الإنسانية ، فقال النوري : لولا التعذيب لما أخذنا منكم شيئاً ، وفي أحدى الجلسات اعترف أخ بقتل اثنين ورسم مخططات العملية التي أمليت عليه ، ثم تم كشف من قام بهاتين العمليتين ، فاضطرت النيابة إلى شطب الاتهام.

أظهر شباب الدعوة أنهم رجال فحول أمام الطغاة في مناقشاتهم وأجوبتهم ، والرد على اتهاماتهم الزائفة ، ومع هذا نقل قسم منهم إلى سجن المخابرات العامة في كفر سوسة ، تمهيدا لإعدامهم.

هذه نماذج من عمليات التق وسفك الدم والمحاكمات التي تثير القرف والاشمئزاز ، وليست سوى إحدى طرق وأشكال الظلم الذي تكرر عشرات ومئات المرات ، ولكن الله المنتقم الجبار ليس بغافل عما يعمل الظالمون : ولكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ، وصدق الله العظيم : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾ .

تاسعًا : تعذيب تقشعر لهوله الأبدان

كانت السنوات الأخيرة من سبعينيات القرن الماضي ، وحتى منتصف الثمانينيات من السنوات العجاف للسوريين بعامة ، ولأبناء الدعوة الإسلامية على وجه الخصوص.

فقد أطلق السفاح ابن العلقي العنان لمئات الألوف من أعضاء الأجهزة الأمنية ، ليفعلوا بأي مواطن ما يشاؤون ، بل كان يشجع على القتل ويحض عليه ، فمارسوا ألوانا من التعذيب تقشعر الأبدان من هولها وحشية وعنفا ووضاعة لكل من يقع في قبضة الأمنيين المتعطشين لدماء المواطنين ، بغض النظر عن اتهامهم أو براءتهم ، أو التهمة الموجهة إليهم ، وقد شملت هذه الهجمة الهمجية المتهم أو قريبه أو أحد أفراد عائلته أو جاره الذي لم يخبر عنه ، وقد أدى تسرب أخبار التعذيب في المعتقلات ، وفي أقبية التقدميين إلى إشاعة أجواء من الرعب والخوف ي أوساط المواطنين ، الأمر الذي جعل الشاب الملاحق يفضل الموت ، هربا من الاعتقال وما ينتظره فيه على أيدي البغاة ، لا سيما أن عدداً من المعتقلين استشهدوا تحت التعذيب مثل الشيخ فاضل زكريا في 29-7- 1979 ، والدكتور الجراح مصطفى عبود ، والشيخ أحمد فيصل الشهابي.

1- وجه سجناء الإخوان من داخل السجون والمعتقلات نداء إلى علماء الأمة ، تضمن تذكيرهم بواجباتهم حيال دينهم وتجاه المواطنين ، كما تضمن ذكر تفاصيل العذاب الذي يمارسه الظالمون ضد المعتقلين جاء فيه :

أ- هذا النداء نوجهه إليكم من وراء القضبان ، ومن الزنزانات ، ومن أقبية التعذيب ، لتقفوا على الواقع الذي يعيشه أبناء أمتكم.

أيها السادة العلماء : نود أن نضعكم أمام مسؤوليتكم ، ونود أن نذكركم بيوم الحساب ، حين تحاسبون على ما انتدبكم الله له ، من نشر دينه ، والحفاظ على الدعاة إلى الله من أن تطالهم أيدي الطغاة الذين بغوا عليكم وعلينا ، وعلى ديننا وقيمنا ، ونالوا من أعراضنا ومقومات حياتنا. أيها السادة العلماء : إن مسؤوليتكم عظيمة أمام الله والتاريخ في هذه الظروف العصيبة ، حيث نزف الدم المسلم الذي يحكي قصة البغي والظلم والكفر والعدوان على جند الله الذين فروا إلى الله ، ليرضى عنهم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم. إنكم تستطيعون رفع أصواتكم محتجين على ما يجري ، مطالبين بوقف أعمال القمع والعسف ونزف الدم ، وتستطيعون المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين ، وبإطلاق الحريات العامة للشعب ، وحرية الصحافة ، وألوان الحريات المعترف بها دوليا ، والتي نص عليها الدستور الذي عطله المرتزقة والمنتفعون والعبيد ، الذين هم أداة السلطة الظالمة وعصاها الغليظة ، تستطيعون أن تطالبوا بوقف هذا التسلط الطائفي والحزبي ، وأنتم تعرفون أن المسلم اليوم في سورية مواطن من الدرجة العاشرة ، الأمر الذي أدى إلى دمار سورية التي كانت في طليعة البلاد العربية ، تطلعا إلى تحرير فلسطين ، وكل جزء من الوطن العربي والعالم الإسلامي .

يا علماء الأمة : ماذا بقي لكم من دينكم في حياتكم العامة؟ أين المعاهد الشرعية؟ أين المعلمون والمدرسون المسلمون؟ أين مادة التربية الإسلامية ومدرسوها؟ أين منظمات الطلائع ولاتحادات النسائية من هذا الدين ؟ أين المناهج الإسلامية والتعليم المختلط ، والمعسكرات الطلابية المختلطة ، واتحاد الشبيبة واتحاد الطلاب؟ أين صوت الإسلام في هذا الوطن الذي يمثل المسلمون أكثريته الساحقة؟

ب- يا سادتنا العلماء : إننا لفي هنا من العذاب الجسدي والنفسي من هؤلاء الجلادين ما الله به عليم ، الجلد على القدمين ظاهراً وباطناً ، وعلى كل مكان من الجسد العاري تمام كيوم الولادة ، والوضع في الخازوق ، واستعمال الصعق الكهربائي بدءاً من الأعضاء التناسلية التي يربطون بها السلك الكهربائي ، وانتهاء بالرأس والأصابع والأذنين والصدغين ، والرفس واللكم على الوجه والبطن ، وعلى كل مكان من الجسد العاري ، والإحراق بالماء الشديد الحرارة حتى الغليان ، والتعليق من القدمين والرأس إلى الأسفل ، وتقييد القدمين معا لعدة أيام في الزنزانة ، ومنع المعتقل من النوم عدة أيام وهو وقف ، والجلاد فوق رأسه يعلوه بسوطه لأدنى تململ أو استناد إلى جدار ، وإلقاء الأخ المعتقل بالزنزانة بلا فراش أو غطاء ، مع سيول الشتائم التي تخجل الساقطات من التلفظ بها ، وشتم الرب العظيم على الدوام ، وانتهاك حرمة السيدات وضربهم وتهديدهن بأعراضهن ، وتهديد المعتقلين بنسائهم وأخواتهم وأمهاتهم ، وضرب بعض الإخوة حتى الموت ، كما حدث للدكتور مصطفى عبود ، وأحمد فيصل ، والشيخ فاضل زكريا ، وقلع الأظافر ، وإحراق اللحية والشارب ، وإحراق شعر العانة والصدر ، وقضم اللحم بالكماشة ، وإطفاء السجاير في المناطق الحساسة من الجسم ، كالأعضاء التناسلية.

لسنا ندري ما إذا كنا بحاجة إلى الاستمرار في تعداد ألوان العذاب على أيدي الطغاة ، فلقد منعوا عنا المصاحف ، وحرمونا من الصلاة الجماعية .

يا علماء الأمة : ذنبنا أننا أنكرنا الفساد الداخلي الذي شمل كل قطاعات الحياة الاجتماعية والاقتصادية ودوائر الحكومة ، كما أنكرنا الحرب الشعواء على الإسلام ودعائه ، وطالبنا بالقضاء على التسلط الطائفي ، ومصادرة الحريات ، وتنشئة الأجيال بعيدا عن الإسلام وأحكامه ، والدفاع عن القضية الفلسطينية التي يتآمر عليها حكام سورية والعديد من الحكام العرب.

يا علماء الأمة : هيا انهضوا بمسؤوليتكم في هذه اللحظات التاريخية : ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

هذه مقتطفات من نداء المعتقلين ، وجهوها إلى العلماء في تشرين الثاني 1979 كما نشرتها النذير ، لمن أراد أن يقرأ هذه المناشدة لعلماء سورية الموقرين .

2- أوردت مجلات وصحف وكتب كثيرة ما يلاقيه المعتقلون من صنوف التعذيب والهوان التي لم يسمع البشر بمثلها قبل تسلط هذه الفئة الحاقدة بالسلاح على مقاليد سورية ومقدراتها ، بما في ذلك ما كتبه اليساريون والعلمانيون عن جرائم التعذيب الوحشي لمعتقلي الإخوان المسلمين ، فقد جاء على سبيل المثال ، لأن استقصاء ذلك يحتاج إلى مجلدات ، في كتاب : حوار حول سورية لمؤلفه محمود صادق : يعذب الجلادون الضحية بجميع الوسائل المخصصة للتعذيب ، ومنها الدولاب ، والكهرباء والمروحة ، والكرسي الألماني ، وبساط الريح ، والفروج المشوي ، والخشبة ذات المسامير التي يضغطون بها ركبتيه ، وزجاجة الكولا التي يدخلونها في مؤخرته ، والصاج المحمي الذي يضعونه فوق طباخ الكاز يجلسون عليه الضحية من المعتقلين ، هو عاري القفا ، والمشنقة والعصا الخيزرانية ذات الرأس الحديدية المدببة التي يضربون بها الضحية ضربات متواترة على ظاهر قدميه ، أو على مؤخرة عنقه ، إلى أن ينفصل اللحم نتفا صغيرة ، وتظهر عظام قدمه أو مؤخرة عنقه ، كما يطفئون السجاير المشتعلة مثبتة في السقف ، فيعتصر الحبل الخصيتين عندما يتم لفه حول البكرة ، أو يدخلون يده في آلة بكرة دوارة تلفها وتعتصرها كما تلف الغسالة الغسيل وتعتصره ، إلى أن تنكسر عظامها قطعة بعد قطعة ، وجزءا بعد جزء ، وأخيرا يمارسون العدوان الجنسي عليهم ، أو على أحد أفراد عائلته ، وخاصة النساء منهم .

3- حدثت جرائم غير مسبوقة لدى البشرية قاطبة بحق المواطن السوري في ظل حكم الأقلية الطائفية ، كان من الأمثلة الصارخة فيها : اعتقال أقارب المتهم والمطارد ، وممارسة أساليب خسيسة تمس كرامته وإنسانيته ، فإذا لم يكن للقريب علاقة حزبية أو بأي منظمة سياسية ، فإن أحد فروع الأمن يستدعيه ليطلب إليه في أجواء من الإهانات والسباب والضرب المبرح ، وبعد سجنه في زنزانة مظلمة وقذرة ، قد تمتد لأيام عديدة يحرم خلالها من النوم والطعام ، ويهدد بإحضار زوجته أو أحدى الإناث من أسرته -ابنته أو شقيقته أو والدته- واغتصابها أمامه ، إن هو رفض توقيع تعهد يلزم نفسه فيه بمتابعة قريبه وإعلام الأمن عنه ، أو يلتزم بالتعاون مع الأمن لاستدراج قريبة إلى منزله ، وتسلميه لكمين ينصبه جهاز الأمن المكلف بملاحقته.

أ- لنفترض أن هذا المواطن بحاجة إلى قليل من النقود ، وأنه أجر غرفة يملكها لأحد الأشخاص ، ثم اتضح أن هذا الشخص مطلوب للأمن ، فإن عقوبة المواطن تكون الحبس خمسة أعوام ، لأنه أجر أو باع بيتا دون موافقة الأمن المسبقة ، وعندما يعتقل أي مواطن لسبب من الأسباب ، فإن أبناءه وبناته وزوجته وأباه وأمه وإخوته وأخواته يبدءون مسيرة عذاب لا تنتهي ، إذ إن أول إجراء تتخذه السلطة الظالمة هو قطع راتب المعتقل أو الملاحق أو الذي تلاحقه دسيسة ، إن كان موظفا ، ومصادرة بيته وماله في أغلب الأحيان ، وتبدأ سلطات الأمن بمضايقة أسرته ، وخاصة الإناث منها ، فيتم على سبيل المثال استدعاء زوجته أو إحدى بناته أو أخواته أو أمه إلى فرع الأمن حيث يطلبون إليها أقامة علاقات أمنية جنسية ، وإلا لفقوا لها تهمة ما ، ووضعوها في السجن ، أو اعتدوا على أولادها وبناتها أمام عينيها ، أو أخذوها رهينة ، أو اغتصبوها أو أعدموا زوجها بحضورها.. إلخ ، هنالك مثل صارخ قام به العميد محمد مسعود رئيس فرع فلسطين الذي أمر باعتقال أحد العاملين في جهازه ليسارمه على أخته التي رآها مرة ، وأمر أخاها بإحضارها إليه كي يمارس الجنس معها ، وبعد اعتقال الشاب أرسل مسعود دورية أحضرتها من بيتها إلى أحد البيوت السرية التابعة لفرعه في حي المزة ، حيث قال لها بعد أن فكوا العصبة عن عينيها ، وأدخلوها إلى البيت ، وأنه أمر العناصر بإطلاق النار عليها إن خرجت بغير إذنه أو صحبته من المنزل ، ثم أمرها بخلع ملابسها والاستلقاء على السرير لـ.... فأخبرته أنها ما زالت عذراء ، فأجابها أنه يعرف طريقة تمكنه من إدخال.... دون أن يفقدها عذريتها ، وبعد أشهر من العلاقة الحرام ذكرته الفتاة بوعده لها بإخلاء سبيل أخيها ، فأجابها : أنه لن يخلي سبيله إلى أن يشبع منها ، أو تجد له فتاة أجمل منها تنام معه!!

ب- في العادة تتعرض أسر المعتقلين لعمليات تعذيب نفسي ، وإرهاب معنوي فظيع ومتصل ، من ذلك إيقاظها بالليل أو عند الفجر ، وتهديدها باختطاف أبنائها ، أو أنهم قتلوا في المعتقل ، وقطعوا عضوه التناسلي ، ويقولون لزوجته إن كانت تريد بديلا له لأحد رجال الأمن ، أو يسمعونها كلمات سباب وتهديد بأفحش الأفعال الجنسية إن هي خرجت من منزلها... إلخ. هذه الاعتداءات تستمر سنوات يحطمون خلالها الروح المعنوية لأسرة المعتقل التي تجهل عنه كل شيء لأنهم يمنعونها من زيارته أو الاتصال به بأي شكل من الأشكال. في هذه الظروف الرهيبة يسمحون لأسرة المعتقل بزيارته لمرة الأولى ، لتجد أمامها ابنا أ, أخا أو زوجا أو أبا حطمه التعذيب والإرهاب الجسدي والمعنوي ، وأنهكه الجوع والإذلال ، فترجوه القبول بتنفيذ ما يطلبونه منه ، ويطلب بدوره منها العمل لإخراجه من السجن بأي ثمن ، فيكون الانهيار والتحطيم نصيب الجانبيين .

خلال اعتقال المواطن في بيته ، يتم توجيه الألفاظ النابية إليه وإهانته أمام أسرته وأطفاله ، ويأخذونه معهم بثياب النوم ويقيدون يديه وراء ظهره ، ويربطون عصبة سوداء على عينيه. وعندما يبلغ المعتقل الفرع ، وإنزال المواطن المعصوب العينين ، المقيد اليدين من السيارة ، تنضم عناصر من الفرع إلى الدورية التي قامت بالاعتقال ، فيبدأون بدفع المعتقل وجره إلى داخل الفرع حيث يجردونه م ساعته وخواتمه ونظارته وحذائه ونقوده وهويته وربطة عنقه ، ويدفعون به تحت ضرب السياط التي تنهال عليه إلى إحدى ا لزنزانات ، المظلمة ، ترافقه التهديدات ، وتملأ مسامعه أصوات وصيحات واستغاثات من يعذبون وصرخاتهم ، فيخبره السجان أنه أصبح رقما يسمونه به ، وأنه سيعاقب إن هو استخدم اسمه أو نسي رقمه ، في هذا الجو المشحون بالحيرة والخوف ، يأتي سجان آخر ، فيسال عن اسم المواطن الذي يجيب عادة بذكر اسمه الحقيقي عندئذ تنهال عليه الضربات والإهانات ، ويقال له : إنه غدا رقما ، وعليه أن ينسى اسمه ونفسه وعالمه القديم .

ج- أعطى الأسد ضباطا برتبة رائد فما فوق حق تشكيل محكمة ميدانية عسكرية ، وإصدار أحكام بإعدام يرون أنه من أعداء النظام ، فكانت نتيجة مرسوم جمهوري كهذا تشكيل فروع عسكرية للتعذيب في معظم وحدات الجيش ، ونشر الإرهاب على كامل رقعة البلاد ، أما المحاكم الفورية ، فهي محاكم أمنية تتشكل في فروع الأمن من ضباطها ، تحاكم المعتقلين بناء على اعترافاتهم المنتزعة منهم بالأساليب التي قرأناها في صفحات سابقة ، وتعدمهم داخل الفرع نفسه ، لأن أحكامها وأحكام المحاكم الميدانية غير قابلة للطعن ، أو النقض ، أو للاستئناف.

كان لدى السلطة الباغية قناعة أن الأحكام العرفية هي التي تمكن حكومة الأقلية من السيطرة على الأمور ، وأنهم لا يستطيعون البقاء في الحكم بدونها ، وهذا ما صرح به حافظ أسد في اجتماع للقيادة القطرية عام 1980 ، حين نوقشت مسألة إلغاء الأحكام العرفية : إذا ألغينا الأحكام العرفية ، اضطررنا لترك الحكم خلال أربع وعشرين ساعة .

هـ- يتبين لنا بوضوح تام أن حافظ أسد هو الذي أمر بالقتل العشوائي ، وأعطى كل ضابط حق تشكيل المحكمة ، وإصدار حكم الإعدام وتنفيذه دون أن يكون للضحية حق الاعتراض ، وأنه هو الذي أصر على الحكم العرفي واستمراره ، بل وهو الذي كان يأمر بالقتل المباشر بأي من المواطنين ، فقد حدث أن الأسد كان يستقبل الوفود الطلابية والعمالية والشعبية بترتيب المخابرات ليعربوا عن تأييدهم له ، وفي هذا السياق ، وفي غمرة أحداث 1979 لجأ حافظ أسد إلى عقد مؤتمرات دعا إليها معظم الاتحادات التي شكلها النظام مثل : اتحاد الفلاحين ، واتحاد العمال ، والاتحاد النسوي ، واتحاد الطلبة ، وكان يلقي في كل منها خطبا مضطربة يشدد فيها على أهمية دور هذه الاتحادات في حماية النظام ، وكانت إذاعة دمشق تنقل هذه الخطب الثورية!! ، وبعد هذه المؤتمرات كان يستقبل في القصر الجمهوري وفدا عن كل اتحاد للتحدث إليهم ، وعندما جاء دور اتحاد الطلبة ، الذي يرأس ويقود اتحاد الطلبة الجامعيين الذي يمثل كل جامعات القطر ، ومن ضمنها وفد جامعة حلب.

لقد حدث الدكتور أدهم سفاف رحمه الله وأعلى شأنه-الذي اختطفته مخابرات البغاة قبل فجر 11-6-1980 وقامت بقتله بحوالي ثلاثين رصاصة في جسده ، وألقت جثته قرب حاوية للقمامة مقابل بيته في ضاحية الروضة بمدينة حلب- على لسان أحد طلاب الاتحاد الذي حضر اللقاء مع الرئيس التقدمي ، فقال الطالب -خ.ج بعد انتهاء الأسد من خطبة في ممثلي اتحاد الجامعات السورية : سيدس الرئيس : إن جامعات القطر لا تزال ملأى بالأساتذة الرجعيين -يقصد الإسلاميين- ، فرد عليه الرئيس على الفور قائلا : ابني ، هل قمتم بتصفية أي منهم وحاسبكم أحد؟ بتحريض واضح على قتل أساتذة الجامعات من قبل الطلاب ، فذهل الطالب المتحدث ( بالرغم من مداهنته للطاغية ) ، من جواب الرئيس ، وأوشك أن يناقش ويستوضح حول جواب لم يكن ليتوقعه ، فضغط عليه زميل له كان يجلس بجانبه ، ونصحه بالصمت ، خشية أن يكون حواره أو اعتراضه سببا في تصفيته.

و- في هذه المرحلة البالغة السوء -من 1979 إلى 1980- لجأ جهاز القمع إلى أخذ رهائن ، فامتلأت السجون بهؤلاء المعذبين ، الذين كن غالبهم من الأطفال والنساء والشيوخ ، يحتجزهم البغاة لسنوات قد تطول ، لإجبار أحد أقاربهم الملاحقين على تسليم نفسه ، أو العودة من الخارج ، وهو ما يعني موته وتصفيته.

كان يوجد في قواويش السجون السورية ( مهاجع ) ومنها على سبيل المثال المهجعان 11 ، 12 من فروع التحقيق العسكري بدمشق ، عشرات الأطفال والنساء ، وبعضهم ولدوا في السجن ، لأن أمهاتهم كن حوامل عند اعتقالهن ، أو لأنهم حملن من السجانين الذين يغتصبونهن كلما سنحت لهم الفرص ، أو رغبوا في ذلك ، وقد روى سجين عراقي أنه أفاق ذات يوم في قبو سجن الحلبوني بدمشق على صوت امرأة تتوسل إلى سجانها أن يدعها لأنها حامل على وشك الولادة ، فسمع صوت السجان يقول لها : الحامل... لأنها تكون ضيقة ، ثم سمع عذابات امرأة وهي تغتصب.

من البديهي أن الرهائن من الأطفال لا يعرفون القراءة والكتابة ، ولا يعرفون أي شيء عن عالم الأطفال خارج السجن ، إذ لم يسبق لهم أن خرجوا منه أو من زنزاناتهم ، كما لا تعني كلمات الطيور والعصافير والأرانب والكرات والطائرات والسيارات والأنهار والبحار شيئا بالنسبة لهم ، فلم يسبق لهم أن رأوها ، أو لعبوا بها .

لقد بغل عدد الرهائن المئات بل الألوف بين عامي 1979 و 1982 وهي الفترة الأسدية الأشد سوءا ، إذ أن كثيرا من الرهائن كانوا نسوة من عائلات الإخوان المسلمين ممن تهددهن المخابرات بالـ.. ، بل في بعض الأحيان يقترفون الجرائم التي تؤكد هذه العصابات أنها مجردة من الأديان والخلق والشرف والإنسانية بل وأحيانا الحيوانية ، لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم.

وعندما يستحوذ أفراد المخابرات على رهينة من النسوة ، وعلى وجه الخصوص من الأخوات المسلمات ، فإن التهديد الذي ستواجهه لديهم ، يسلط ضغطا رهيبا على العائلة ، وعلى الهارب نفسه ، خذ مثلا الإخوة أسامة ونمير ومازن أولاد عمر العسكري الذين اعتقلتهم المخابرات عام 1983 ضمن من اعتقلتهم من أفراد حزب العمل الشيوعي أثناء إضراب الطلبة في جامعة حلب ، حيث اقتيدت شقيقتهم لينا رهينة بدلا من شقيقتهم الأخرى ومقابلا لها. فإذا لم يستسلم الهارب ، ولم يتمكنوا من إلقاء القبض عليه ، فقد يحتفظ جهاز الأمن بالرهائن سنين عديدة ، كما حصل مع غرناطة ابنه خالد الجندي الطالبة في كلية العلوم بجامعة حلب إذ بقيت رهينة ست سنوات مقابل والدها خالد الجندي ، ومثلا آخر أن الأمن اعتقل صفاء ربيع مقابل أخيها جمال المهندس ، فاستمرت في المعتقل حتى اعتقال أخيها جمال ، وحسب تقرير كتبه سجين سابق ، وأكثر قال : حاولت صفاء الانتحار مرتين بسبب وحشية التعذيب الذي تعرضت له ، وفي قضية موثقة اقتيد ما لا يقل عن سبعة أشخاص من أولاد حمود قباني -وزير بعثي سابق- استمر حجز ثلاثة منهم ست سنوات .

كتبت مدرسة عما حصل لها عندما اختفى زوجها على يد المخابرات فقالت : بعثت مديرة المدرسة في طلبي ، مثلت أمامها ، فأخبرتني أن ليس بمقدوري بعد الآن الاستمرار في العمل ، وعندما سألتها عن السبب أجابت : بناء على أوامر من المخابرات ، فذهبت إلى مسؤولة التربية ، كانت تعرفني ، وكنا زميلتين ، فقالت لي : حتى لو وافق رئيس الوزراء ووزير التربية على إعادتي للوظيفة ، فإن المخابرات ستلغيه تماما ، وعندما حاولت الحصول على وظيفة أخرى بعد ذلك ، حصل الشيء نفسه معي ، حتى صار وضعنا في العائلة صعبا جدا.

5- في عدد من الحالات الموثقة جدا ، مات عبد الرزاق أبا زيد عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي في معتقله تحت وطأة التعذيب الوحشي في فرع المخابرات العسكرية في دمشق ، ومات إحسان عزو في سجن صيدنايا بالسكتة القلبية إثر تعذيب قاس ، وقد أجبرت المخابرات عائلته على دفنه في دمشق دون أخذه إلى قريته ، ومات محمد السراج المدرس في اللاذقية ، وكان عضوا في حزب العمل الشيوعي في فرع فلسطين بدمشق ، ومات سليمان مصطفى عيبور من مدينة حماة في فرع المخابرات العسكرية ، كما توفى الطالب الجامعي أمين نصور بعد اعتقال دام ثلاث سنوات ، عندما رمى الحرس جثته من شباك الطابق الثالث ، زاعمين أنه انتحر ، وبعد أن استلمت عائلته جثته وجدت آثار التعذيب من حروق وصدمات كهربائية شديدة. كما توفى فلسطيني مجهول الهوية تحت التعذيب في فرع المخابرات العسكرية.

أ- انتشرت كذلك عملية الاختفاء من الوجود والحقيقة أن جميع السجناء السوريين يختفون من الوجود لأجل غير مسمى ، فعندما يعتقل أحد أفراد العائلة ، لا تعلم العائلة المعنية عنه شيئا ، ولا تحصل على أي معلومات عن السجن الذي يقبع فيه ، ومثل هذا النوع من الاختفاء الطويل ما حدث ليوسف حمام الحلاق اللبناني الذي اختطف من بيروت سنة 1970 ، لأنه شاهد حادث اغتيال في بيروت قامت به قوة أمن سورية ، وفي بعض الأحيان يعتقد ذوو العلاقة أن المختفي قد مات ، ثم يكتشفون بعد مدة أنه ما زال حيا ، كالذي حدث للطبيب توفيق دراق السباعي الذي اختفى في شهر مارس 1980 واعتقد ذووه أنه قتل في مجزرة تدمر ، ثم اكتشفوا بعد أربع سنوات أنه حي في سجن المزة.

ب- بدأ الإعدام الكيفي كممارسة بعثية في صيف العام 1963 بعد أربعة أشهر من تسلم البعث للسلطة ، فالناصريون من الضباط العسكريين الذين حاولوا الانقلاب على السلطة الجديدة ، ، ثم استسلموا لها لم ينالوا العفو والرحمة ، ولم يحصلوا على الإذن بالعيش في المنفى ، كما وعدوهم قبل أن يستلموا ، بل إنه اقتيدوا إلى محكمة صورية ، ومن ثم أطلقوا عليهم النار فورا ، وفي كل محاولات الانقلاب اللاحقة لقي الانقلابيون المعاملون بالطريقة نفسها.

جريت الحكومة نوعا جديدا من الإعدامات الصورية الكيفية في العام 1979 ردا على حركة المعارضة ذات القواعد الجماهيرية ، وانتقاما من حملة الاغتيالات التي ناء تحت وطأتها رموز النظام على اختلافهم ، إذ بدأت قوات الأمن في إعدام السجناء السياسيين من دون أدنى محاكمة ولو صورية ، وكان ثمة قتل جماعي على هذه الطريقة أحيانا ، إذ قتلت عناصر الجيش والمخابرات والميليشيات والكتائب المسلحة ، خلال الفترة من 1979 وحتى 1982 عدة آلاف من المواطنين في حماة وطلب ومناطق أخرى ، وإذا أضفنا عدد القتلى في جسر الشغور وسرمدا عام 1980 وقتلى حماة في عام 1981 ، والقتلى في أماكن أخرى ، فإن العدد الإجمالي يصبح أقرب إلى الألف وخمس مئة مواطن ممن أعدموا بأحكام صورية وكيفية خلال الفترة المذكورة خارج السجون.

ج- وفر القانون الذي صدر في 8-7-1980 ذو الرقم 49 ( والذي جعل من العضوية في جماعة الإخوان المسلمين جريمة عقوبتها الموت ) غطاء ومسوغا لارتكاب أعمال القتل المذكورة ، إذ أطلق القانون الإعدام المباشر فور الاعتقال ، وقامت عناصر الأمن في بعض الأحيان بقتل المشتبه بهم في عقر دارهم وشققهم ، أو في الشوارع وعلى أرصفة الطريق.

في تلك الأثناء تولت قوات الأمن العسكرية ، حيث تحتجز الكثير من الإسلاميين ، قتل أكثر من ألف سجين في مجزرة تدمر بتاريخ 27-6-1980 ، وخلال الفترة نفسها ، وكما عبر عن ذلك الكثير من السجناء السابقين في إفاداتهم ، أخذت أعمال الشنق تجري تباعا في كل أسبوع مرتين أو ثلاث مرات في سجني تدمر والمزة وبعض السجون الأخرى لألوف المعتقلين ، وقد قدر مصدر سوري ممن أمضى فترة الاعتقال ما بين 1981 وحتى 1983 في سجن تدمر ، أن الرقم يصل بالمعدومين على هذه الصيغة داخل السجن في تلك الفترة بما يزيد على 6000 عملية إعدام ، وإذا جمعنا القتلى خارج السجون إلى القتلى في داخلها ، فإن الحاصل الكلي يصل إلى 5000شخص كرقم في حده الأدنى خلال أربع سنوات ، عدا عن الذي حدث في تدمر ، ومر ذكره قبل قليل.

أوردت المنظمة العربية لحقوق الإنسان تقارير عن قضايا وحالات تمثل الإعدامات الكيفية في سجن تدمر ، وفي سجن الشيخ حسن في شهر حزيران 1985 ، كما أفادت بعثة الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان عام 1989 من أنها قامت بالتحري عن 29 حالة إعدام كيفي في سجن تدمر ، استنادا إلى معلومات تقدير خاص أعدته الأمم المتحدة ، قالت فيه : إن السجناء الذين تم إعدامهم فور محاكمات صورية سريعة ، لم تمنح المتهمين حق الدفاع أو الاستئناف ، وأن قوات الأمن قتلت في طرابلس وبيروت عشرات اللبنانيين ، وأنها اصطادت لبنانيين في شققهم ومساكنهم ، وقتلت المئات منهم ، وغطت بجثثهم الشوارع كافة .

عاشرا : خطاب رفعت أسدفي المؤتمر القطري

ترددت كثيرا في إيراد خطاب رفعت أسدفي هذه الأوراق التي تتحدث عن فترة عصيبة في حياة المواطن السوري ، وذلك لطوله الممل ، وحثه على القتل الجماعي لأبناء سورية ، بيد أنني عزمت على إيراده كاملا ، لأمرين خطيرين :

أولهما : ما يبشر به ( رفعت ) في هذه الأيام ، في فضائيته من الدعوة إلى إنقاذ السوريين من حكم ابن أخيه بشار ، والتأكيد على الحريات والديمقراطية والمساواة بين المواطنين ، والحفاظ على حقوق الإنسان في سورية ، وفي الوطن العربي ، وعلى حرية الرأي والانفتاح السياسي ، وما إلى ذلك من دعاوى كاذبة وملفقة ومتناقضة مع تصرفات إجرامية لا تعرف سورية لها مثيلا في تاريخها القديم ولا في الحديث ، لأكثر من عقدين من الزمن في الستينيات والسبعينيات وبعض الثمانينيات.

وثانيهما : ما تضمنه الخطاب الذي ألقاه في المؤتمر القطري السابع البعث الحاكم ، من دعوة صريحة وصارخة لإبادة السوريين وقتلهم عبر تصفية النخب السورية من علماء وأدباء وفقهاء ودعاة ، وأكاديميين ونقابيين وإعلاميين ومثقفين ، وكل من يعارض النظام أو ينتقده أن لا يؤيد نظام الإبادة بيد أو على يد الأقلية الحاكمة بعد أن أمسكت بالسلاح الذي دفع المواطن السوري ثمنه للدفاع عن الوطن ومواجهة الصهاينة الغزاة ، فإذا به يتحول على يد العصابة المارقة إلى صدور ورؤوس الأكثرية من السوريين.

حاولت اختصار الخطاب الطويل ففشلت ، لأن كل عبارة في الخطاب تحض على القتل والإبادة والتصفية على الطريقة الستالينية حسب تعبير كبير السفاحين في سلطة الأقلية رفعت أسد، فعزمت على إيراد الخطاب كما هو ، ولو كان في ذلك إثقال على القارئ إذا استطاع أن يقرأ أو يصغي إلى ما احتواه الخطاب مما يؤذى السمع وما تقشعر من فظاعته النفوس والأبدان.

1- ألقى رفعت خطابه في أعلى سلطة للحزب ، دون أن ينكره أو ينكر عليه أي عضو في المؤتمر القطري السابع ، بل حظي بموافقة الجميع والإعجاب به ، والتصفيق لأفكاره المدمرة ، وحضه على تصفية الخصوم.

قال رفعت : أيها الرفاق ، يجيء مؤتمرنا السابع في ظروف إقليمية ودولية بالغة الدقة ، مما يقضي بالضرورة أن تكون النظرة المتبصرة المحللة فيه على أعلى مستوى من الموضوعية والأمانة التاريخية لنا وللأجيال القادمة ، بل للوجود العربي كله.

وإذا كنا ، كما قال الأمين العام ، أعلى سلطة سياسية وعقائدية في هذا القطر ، فإن حجم المسؤولية في هذا القطر ، وأتباع الموضوعية ، وتحري الأمانة التاريخية ، يزداد ثقلا وارتفاعا ، فالرجل هو المسؤول من حيث يضع نفسه بالرأي والقرار والفعل.

إن مؤتمرا يمثل حزبنا كفاءة وتجربة وأصالة ، مطالب بالنظرة المتفحصة بعيدا في أعماق التاريخ ، وعاليا في آفاق المستقبل ، لتأتي رؤيته وقراراته رفيعة في التزامها ، واسعة في شمولها ، صائبة في تشخيصها ، بقدر ضخامة المشكلة والموضوع الذي نتصدى له ، والذي تتعرض له أمتنا العربية جمعاء ، وقطرنا الذي يقع من هذه الأمة موقع القلب والقائد والمحرك.

في التاريخ البشري حضارات كبيرة وعظيمة ، علينا أن نلقي عليها النظرة المتأملة المستشفة لقيمها ، ونعتبر بها ، ونستفيد من أخطائها ، حضارات كبيرة شاخت وانقرضت ، فلم يكن لديها الطاقات الكامنة التي تدفع الحضارات باتجاه الأمام ، لذلك بادت ، منها الآشورية والسومرية والبابلية والغالية واللاتينية وغيرها.

بين أيدينا تجارب عن تاريخنا العربي ، أولى بنا وأجدى أن نسترجعها بالذاكرة ، وأن نقرأ فهرسها ، لنجد فيها الكثير ، ونجد أن علينا ، قياسا على واقعنا العربي ، أن نعمل فيها الكثير ، فلا نزال رغم كل شيء في بداية الطريق.

أيها الرفاق : إني أحذركم من الخطر القادم سيلا جارفا ، يتجاوز في تدميره الكثير من السدود الهرمة الموضوعة في أمتنا ، وإني لأحذركم لتقديري أنكم موضع التحذير ، وفي مكمن الحذر ، فأنتم الآن وأمتنا العربية معكم أمام حضارة متقدمة جدا ، تدق أبوابكم الأولى ، فيما أرى أنها تلغي حضارتكم العربية ، وتمحو وجودكم الإنساني سلوكا وثقافة وتراثا وحضورا عالميا ومجتمعيا ، فما أعددتم لكل ذلك؟

2- ستقولون جئنا من الجزيرة العربية قبائل ، واجتمعنا بالعالم المحيط بنا ، وسنعود الآن كما كنا سابقا ، نملأ الأرض حضارة وحضورا إنسانيا وثقافيا ، أقولك نعم ، لقد جئتم من الجزيرة العربية ، كنا نحمل الهمة العالية ، والرأي السديد ، والتصور الواعي ، والقلب الشجاع ، وكنا مع هذا وقبله ومعنا العصبية للعروبة ، والحلم بالقومية ، والدعوة للأصالة العربية ( يبدو كان الفاتحون من حزب البعث التابع لرفعت وأمثاله )!! ، وجئنا لنواجه إمبراطورية هرمة ، تميل شمسها باتجاه الانحدار ، وتميل روح الاندفاع في مجتمعها إلى سفح الشيخوخة والتهاوي ، وكانت بالضرورة وبجدلية التاريخ تنتظر قدرها المحتوم على يدي أمة شابة برجالها وبروحها ، حتى تقتحم عليها الأسوار ، وتنهيها لتحل محلها ، فقانون الحياة وجدلية التاريخ تقولان بغلبة روح الاندفاع الجسورة ، وبانهيار الروح الشائخة اللامبالية ، بربكم أيها الرفاق ، ألسنا اليوم أشد هرما من الإمبراطورية الرومانية؟ بربكم ، أليست همة العدو وطاقته الكامنة أعلى وأكبر وأقوى من همتنا أيام انتصار حضارتنا ، واندفاع موجاتنا؟ ألا تتصورون معي خطورة هذه الأمور مجتمعة؟ ألا تتصورون هم الجيل القادم والحضارة المغلوبة الزائلة؟ نعم أنتم في مواجهة حضارة متقدمة معادية وقوية ، تدق أبوابكم لتزيلكم عن أماكنكم ، ولتمحو آثاركم لتحل مكانكم ، بل ولتجعل من أمتكم أقنانا ورقيقا استهلاكيا لشعبها وحضارتها ، فهل نبهت غافلا بهذا القول؟ هل أسمعت بهذا التحذير؟

أيها الرفاق : القدس في جوهر الموقف ليست قضية أرض أو عاصمة دنسها العدو ، القدس في جوهر الموقف هي هوية ، هي رمز من الرموز المقدسة ، الأرض العربية هويته ، والوطن العربي بجغرافيته هوية ، والتاريخ العربي هوية ، والتراث العربي هوية ، فأين نكون ، وكيف نصير ذا أخذت منا الهوية؟ الخطر قادم على أمتنا يزحف ليغير الأسماء ، ويغير الصفات ، وكل ما يغتصبه العدو يتمثله بسرعة ، ويغير معالمه بسرعة ، وبكل شيء فيه ، فالضفة الغربية لنهر الأردن اسمها اليوم يهودا والسامرة ، وبئر السبع اسمها اليوم بئر شيفع ، والقدس اسمها اليوم أورشليم ، حتى البقرة الشامية المعروفة بعرقها الأصيل تقدم اليوم على أنها بقرة إسرائيلية ، والفولكلور الفلسطيني العربي والآثار العربية في الأراضي المحتلة تجوب العالم اليوم على أنها فولكلور وآثار إسرائيلية ، فهل دقت أسماعكم هذه التسميات؟ وهل أثارت شجونكم الأهداف البعيدة لذلك؟

الحرب الدائرة اليوم بيننا وين عدونا هي حرب عسكرية واقتصادية وسياسية ، لكنها قبل ذلك حرب حضارية ، حرب وجود ثقافي وإنساني ، فهل نكون نحن الأمة الشائخة؟ هل نكون الرقيق الاستهلاكي أمام حضارة الطغيان والسلب والنهب الاستعماري؟ فإذا كان الجواب نفيا ، فماذا أعددتم للطارئ القادم؟ ماذا أعددتم لمملكة يهودا الراكبة على ظهر الإمبريالية العالمية؟ ماذا أعددتم محليا؟ ماذا أعددتم عربيا؟ ماذا أعددتم عالميا؟ ستقولون فعلنا شيئا كبيرا منذ الحركة التصحيحية ، ورفعنا منجزات صناعية وعسكرية كبيرة ، وما زلنا ننتظر الكثير ، وستقولون وقعنا بأخطاء ، وارتكبنا هفوات ، سنسلط عليها الضوء ، فلا نعود إليها أبدا ، كل هذا صحيح ، ولكنني أصدقكم القول فيما هو أصح وأدعى من كل ذلك ، سأصدقكم القول ، فالرائد لا يكذب أهله ، إن كان الذي فعلنا هو دون المطلوب في مواجهة الحضارة المعادية ، إن كل الذي أنجزناه لا يقف وحده قبالة الخطر القادم ، لقد أنجزنا أقل من المطلوب للمجابهة ، بخطأ أكثر من المتوقع في رحلة العمر ، لكن سيهجس رأسك دوما شجاعة الحقيقة ، عصبية العروبة ، فصديقك من صدقك لا من صدقك ، فكيف نتحاور بيننا تحاورا مع الصداقة ، بل الأخوة ، فنحن اليوم رفاق عقيدة ، ورفاق درب ، ورفاق مصير ووجود ، فينا دم العروبة ، ونبضنا نبض البعث ، مصيرنا أن تحيا بنا الثورة ، أو أن نموت دونها.

3- أيها الرفاق ، اليوم أكثر من أي وقت مضى ، مطلوب أن نقف لنختار -نحن أعلى سلطة سياسية وعقائدية في هذا القطر- مطلوب أن نختار الخيار الأصعب ، فالمسؤولية تكليف لا تشريف ، فلنكن جديرين بحملها ، لنكن خشبة النجاة وجيل الصعود ، وعصمة الأمن ، لنكن الرجال ، فحضارة الأجداد ولغتها واسم العروبة يستحقون منا ذلك ، إذا كنا نستحق حمل اسم أحفادهم.

في عمر الشعوب وقفات تأمل لاتخاذ القرار ، وأنتم اليوم كطليعة شعب عربي تقفون واحدة من هذه الوقفات؛ فإياكم والطريق السهل ، حذار من الطريق المعبدة ، فهي الطريق المرسومة سلفا ، والبعث يأبى إلا أن يكون له طريقه الذي يختاره ، ولو كان صعبا ، فهو القادر على سلوكه بهمة الرجال ، وعصبية القوميين ، وإصرار المؤمنين العقائديين.

ما من أمة عبرت الدنيا إلا وكان لها سماتها الخاصة بها ، ونظريتها الملائمة لوضعها ، ونحن لسنا بدعا من الأمم ، إن لنا نظريتنا التي نتعصب لها ، ونعتصم بها ، وننتصر لها ، ليكون الولاء أولا وأخرا للحزب ، للقومية العربية ، ولتسقط وإلى الأبد كل الولاءات الأخرى الهجينة والداخلية والمتقوقعة.

لقد انتصرت ألمانيا بتعصبها للعقل الألماني وللإنسان الألماني والشعب الألماني ، واليوم رغم الويلات التي لاقاها الألمان ، فهم من أعظم الشعوب الغربية تقنية وسلوكا وحضارة.

أمريكا الشمالية تسبق بآلاف الأشواط أمريكا الجنوبية رغم كونهما من قارة واحدة ، ورغم كون الأولى قد شكلت مجتمعها بالهجرات ، ومع ذلك تكاد أمريكا تقود العالم ، وسر هذا كله بتعصبها لإنسانها ولنظريته.

ستالين أيها الرفاق أنهى عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية ، واضعا في حسابه أمرا واحدا فقط هو التعصب للحزب ولنظرية الحزب ، ولو أن لينين كان في موقع وظرف وزمان ستالين لفعل مثله ، فالأمم التي تريد أن تعيش أو أن تبقى تحتاج إلى رجل متعصب وإلى حزب ونظرية متعصبة.

ماوتسي تونغ قاد أمة من ثمان مئة مليون نحو الخلاص والخلود الإنساني ، متمسكا بشعار واحد ووحيد هو التعصب للحزب ، وفي التاريخ القديم والمعاصر الكثير من الشواهد والأمثلة ، لا أريد أن أطيل عليكم ، ويكفي أن أقول : نحن النسغ الصافي في هذه الأمة ، ونحن العقل الراجح وأصحاب النظرية الصائبة والأصيلة ، فلم لا يكون تعصبنا للحزب ، ولنظرية الحزب وحده؟ للبعث ولنظرية البعث ، فخلاص الوطن ، واستمرار الأمة بهذا التعصب القومي المقدس ، به تنتصر ا لأمة ، وتخلد الشعوب ، وتكسب سباق الحضارة ، وجولات الرهان الإنساني.

4- واليوم ، ونحن نناقش الوضع الداخلي ، وبالتحديد ظاهرة العنف المنظم الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين ، يجدر بنا :

أولا : أن ندرس هذه الظاهرة ، وأن نضعها في إطارها الجغرافي المجتمعي والاقتصادي والسياسي ، لتأتي معالجتها شاملة كل جذور المشكلة ، ومقتلعة لهذه الجذور من الأعماق ، فلا تعود تظهر بعد ذلك أبدا ، إننا كحزب ثوري نرفض أن تكون معالجتنا إصلاحية أو توفيقية ، ونأبى أن تكون حلولنا وقتية أو ارتجالية أو ردة فعل ، إذ إنا لو فعلنا ذلك لأسقطنا من حزبنا صفات في غاية الأهمية والخطورة ، ولجعلنا حزبنا حزبا تقليديا عابرا في تاريخ الأمة. وحزب البعث العربي الاشتراكي حزب ثوري يملك نظرية علمية ، يؤمن بالعلم وبمنطق العلم وبجدلية التاريخ ، حزب أصيل يحمل لنفسه مسؤولية خلاص الوطن والشعب ، ويأخذ على عاقته مستقبل الأجيال ووجودها الإنساني ، ولا يمكن أن يكون حزبا تقليديا إصلاحيا توفيقيا. لذلك ، ولأن حزبنا هذه صفاته ، ولأن الجريمة اتسعت ، واستطالت ، ولأن الأمانة مع التاريخ ، والصدق في المعاملة ، والارتفاع في المسؤولية هي جميعا سمات المناضلين الذين نحن منهم وطليعتهم ، لذلك سأستعرض معكم بإيجاز أطر الجريمة وأساليب قمعها واجتثاثها بشكل ثوري عملي أصيل.

في عام 1970 وبعد الحركة التصحيحية عاشت الأمة العربية ، وبفضل تحرك قطرنا لخطاب تضامن عربي قادها قطرنا باتجاه توظيف كل الطاقات المادية والمعنوية لأمتنا العربية نحو تحرير الأرض ، وكانت حرب تشرين التي أرادها قطرنا وحربنا حرب التحرير ، بينما أرادها البعض الآخر ، وهم كثير بكل أسف ، حرب تحريك للواقع العربي ، ودفعها من هذا المنطلق باتجاه التخلص دفعة واحدة من قضية مؤمنة ، أما البعض الثالث فقد وجد فيها غطاء سياسيا يضن له وضعا اقتصاديا وماليا أفضل. إذن فسياسة الانفتاح والمرونة التي مارسها قطرنا لتوليد مناخ التضامن في سبيل النصر ، إنما هي مرونة باتجاه التنازل ، ومن ثم الركوع ، وبدأ الخلاف في وجهات النظر من هذه النقطة بالذات ، وكلما ازداد الآخرون تنازلا واستسلاما واستغلالا ، كلما كانت مواقف القطر تزداد صلابة وصمودا ، وإذا كانت الظروف العربية والدولية لم تسمح بالصدام المباشر بين هذين الاتجاهين ، فإن الطرف الآخر لم يتوقف لحظة واحدة عن الضغط على قطرنا اقتصاديا وعسكريا وسياسيا وإعلاميا وتخريبا داخليا بغرض ثنيه عن موقفه أو تركيعه ليسير في ركاب الخطة الأمريكية الاستسلامية.

اتفاقية سيناء ، والحر الطائفية في لبنان ، وزيارة الخيانة للقدس ، والمحاصرة الاقتصادية... الخ وآخرها تحريك يد القتلة من هراطقة الإخوان المسلمين ، هذه بإيجاز شديد خريطة الوطن العربي سياسيا ، وهذه هي الأسباب البعيدة لكل مظاهر القتل والفوضى داخليا وعربيا.

أما عن قطرنا والشرائح الاجتماعية فيه ، فهي كما أرى موزعة بين طبقة الفلاحين التي تشكل الغالبية من أبنائه ، وهذا أمر طبيعي ، باعتبار أن سورية مجتمع زراعي.

أ- لتقد برز من بين الفلاحين المفتقرين أساسا لأبسط مقومات الحضارة ، والذين عانوا على مدى الأجيال ، بسبب تخلف الزراعة؛ بؤسا اجتماعيا واقتصاديا كاملا ، برز من بينهم وفي أوساطهم مجموعة من كبار المالكين الإقطاعيين ، تحالفوا فيما بعد مع كبار الصناعيين ، ومع الفئة الوسيطة بينهما -التجار- فكانت البورجوازية الكبيرة.

ب- بقيت الغالبية الساحقة من الفلاحين تعاني من تخلفها الزراعي ، فوجدت في انتسابها للجيش بعد الاستقلال خلاصها ، لأنه يؤمن فكرة الانتصار للكرامة القومية. كما أفرزت هذه الغالبية أيضًا قسما آخر مارس الصناعات الخفيفة ، لا سيما في أرياق دمشق وحلب وحمص ، وقد فضل الجميع انتقالهم هذا على واقعهم المر سابقا في القطاع الزراعي.

جـ- الطبقة الثانية المشكلة بعد الاستقلال هي الطبقة التي تحوي خليطا عجيبا من الناس ، ربما أفرزتهم الطبقة البورجوازية لإدارة مصالحها في الدولة ، ولأن حياة الرفاة والهناء في الوظيفة ، لا تقاس بقسوة الحياة في الجيش.

د- في الحقيقة لا يمكن تسمية البورجوازية الصغيرة من حرفيين وكسبة وتجار صغار بالطبقة المستغلة ، فالأولى أن يصنفوا مع العمال والفلاحين ، ضمن طبقة واحدة هي الطبقة الكادحة.

5- هذه لمحة سريعة للتشكل الطبقي قبل الثورة ، وقد كانت هذه البيئة مناخا ملائما لنمو الحزب ، بهويته الوحدوية الاشتراكية المتحررة ، كما كانت مناخا ملائما لانتشاره الواسع والسريع في صفوف الفلاحين والعمال والطلاب والعسكريين وأبنائهم ، وبما أن منطق الالتزام السياسي كان وما يزال تابعا للالتزام والمصلحة الاقتصادية ، فإن تنامي حزب البعث العربي الاشتراكي ، كان يستدعي قيام حركات سياسية تقاومه دفاعا عن مصالحها الاقتصادية المهددة ، فقامت عدة حركات وأحزاب ، نتوقف اليوم عند واحد منها بالتحليل كشفا لخطواته ، واضعين في حسابنا رسم خطة محكمة لتخليص الأمة والشعب من شروره ، هو حزب الإخوان المسلمين ، وهو رديف وشقيق لحزب آخر من نوعيته أداء وفكرا وسلوكا هو حزب التحرير الإسلامي.

لقد ولد هذان الحزبان بمباركة استعمارية ، ودعم الدول الرجعية ، وعناصرها كما هو واضح ، تستغل المشاعر الدينية لدى البسطاء ، لتكون شعارا وغطاء لها في سلب هذه الطبقة الكادحة والبسيطة حقوقها ، رافعة شعارا ظاهره الحق وباطنه العذاب ، قائلة : إن الرزق من عند الله ، وإن الولاء الديني للشيخ أو من يمثله ، يرافقه رزق على الأرض ، ورحمة من السماء ، ومن لم يكسب رضى الشيخ وثقته ، فلا رزق له على الأرض ، ولا رحمة الله له في السماء ، ونتيجة البؤس والفقر والجهل فإن مثل هذه الشعوذة كانت تلاقي صداها بين صفوف البسطاء من الناس ، وكان يتكاثر عدد المبشرين بها ، والمستفيدين من الطبقة المسيطرة اقتصاديا ، أعنى البورجوازية الكبيرة ، وبقايا الزعامات التقليدية ، وهكذا كان الدين مسرحا لأبشع أنواع الاستعباد الإنساني والسلب الاقتصادي ، وكان لانتصار الحزب في إقامة ثورة آذار على أنقاض الانفصال الرجعي أن أدخل متغيرات على الواقع السياسي.

أ- انتساب واسع لحزب البعث العربي الاشتراكي من قبل أبناء الطبقة الكادحة عموما عن إيمان وقناعة بأن الحزب يحمي مصالحهم ، ويحقق صبوتهم القومية في الوحدة العربية ، وحرية الإنسان ، والإشتراكية في الجهد والدخل ، مع التنويه بأنه أندس مع هؤلاء في صفوف الحزب ، العديد من راكبي الموجة التقدمية والمستفيدين دوما من الظروف المستجدة ، ومثل هؤلاء موجود في كل بيئة ومجتمع ، ويشكل ظاهرة مرضية في جميع الأحزاب العربية والعالمية.

ب- انشطارات حزبية لها طابع التمحور الشخصي أكثر من التمييز العقائدي ، وجميع هذه التجمعات ترفع شعارا تستقيه من مبادئ الحزب عرفت للتميز بسمات شخصية مثل : الحورانيون والناصريون والوحدويون والاشتراكيون.

جـ- انفراط في تنظيم الأحزاب التقليدية الرجعية مثل حزب الشعب و الحزب الوطني والقوميين السوريين.. الخ لأن بنيتهم الاقتصادية قد تهدمت بفعل الثورة ، فكان انفراط هذه الأحزاب واختفاؤها لصالح الحزب الحاقد الذي استمر يعمل في الخفاء ، وهو حزب الإخوان المسلمين ، إذن فالخريطة السياسية في قطرنا وفي هيكلها القديم تضم :

-الأحزاب والحركات الوطنية والتقدمية ، مع تعدد الأسماء والصفات ، وحرية العمل السياسي لهؤلاء جميعا متاحة من خلال ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية ، ومن خلال مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي.

-الإخوان المسلمون وبقايا الأحزاب الرجعية والشوفينية الحاقدة ، وهم يمارسون نشاطا سريا محموما منذ زمن غير قريب ، يتجلى بنشاط واسع في بناء المساجد ، واتخاذ هذه الأماكن ستارا لمدارس دينية للفكر المتعصب ، تحت سمع الدولة وبصرها ، بحجة ممارسة الواجبات الدينية ، كما تقيم الجماعة معسكرات يشرف عليها هراطقة الإخوان المسلمين ، يمارسون على عقول الناشئة أوسع عملية تخريب حاقد في التاريخ ليقطعوهم كليا عن لوطن والقومية والحب للحضارة والمجتمع ، وتقوم في العديد من البيوت القديمة اجتماعات لها الطابع الديني المتعصب ، يلتقي فيها البسطاء والسذج من الناس ، ويقوم بينهم واحد أو أكثر من رجال الدين ليملأهم بالاتكالية والتخاذل والبغضاء والحقد ، وليصور لهم بشعوذة عجيبة تعود بتاريخها إلى القرون الوسطى المظلمة. فالعروبة والعمل والحب الوطني إنما هي جميعا من عمل الشيطان ، ومن المحزن حقا أن هذه الاجتماعات البغيضة لم تعد محصورة بالمسنين المتخلفين ، بل أخذت تتعداهم إلى اليافعين ذكورا وإناثا ، مما ينذر بأشد الخطر على مستقبل الأمة والأجيال.

6- إن اجتماعنا هذا في مؤتمرنا القطري السابع هو من أخطر اجتماعاتنا السياسة والعقائدية ، ولأننا في مؤتمرنا هذا نمثل أكبر مسؤولية سياسية وعقائدية ، فإنني أضع بين أيديكم الوقائع كما هي مهما كانت جارحة ، ومهما كانت قاتمة.

أ- المواطن العادي أولا : لم تتخذ السلطة حلا رادعا أمام التخريب القومي والوطني الذي يمارسه هؤلاء ليصبح المواطن العادي في حيرة من أمره ، ويكاد يأكله اليأس ، هل الرزق فعلا من رضى الشيخ؟ هل الرحمة تأتي من تنفيذ أوامره؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك ، فلماذا لم يأخذ الحزب مبادرته ضد هذه المظاهر الضالة والمضلة؟ لماذا لم يتحمل أحد مسؤوليته ا لتنظيمية العقائدية في الحزب ، ومسؤوليتها الإجرائية التنفيذية لإنقاذ هيبة الدولة؟ لماذا لم تأخذ القيادة مسؤوليتها بحزم وقدسية دفاعا عن القيم العقائدية؟ لماذا كانت المساومة البشعة والمرفوضة هي مبعث تحركاتهم تجاه هذه الحادثة أو تلك ، لماذا التنازل والرحمة لأعداء الشعب والأمة؟ لماذا نترك هذه الطائفة الباغية تتسع وتنتشر ، وتحرق هيبة الأمن والدولة والقيادة ، وتدوس كرامة الوطن ، وتستنزف قدراته ومواقفه القومية؟ نعم أيها الرفاق ، بسبب تخلي المناضلين من بعثيين ومنظمات وموظفين عن مسؤوليتهم الوطنية ، وبسبب من تفشي الفساد بين المواطنين من ضعاف النفوس في الكوادر الإدارية ، وبسب العديد من الاختراقات العقائدية للحزب ، وهيبة الحكم والأجهزة ، فإن زمام الأمور يكاد يفلت من أيدي رجال الأمن والنظام ، حتى أصبح الاغتيال يأخذ بشكل الاقتحام والتحدي في وضح النهار ، وفي أكثر الأماكن اكتظاظا وأصبح القط ركله أمام ظاهرة جريمة مرعبة.

ب- ضعفت ثقة الحزب بالحكم ، وسقطت هيبة القيادة لديه ، وأصبح قلقا من الداخل ، وفقد المواطن العادي الثقة بيته وبني النظام ، فالأمن لديه مفقود ، والتسيب واضح ، حتى لقد أصبحت أجهزة الأمن مثالا للتندر والسخرية بين المواطنين ، فأي مواطن عادي يعلق بعد أي حادثة اغتيال قائلا : ألقى القبض على القتيل وفر القاتل ، وهذا الشعور المرير ، ما كان ممكنا لولا أن المواطن العادي ، وصل إلى قناعة لم يستطع بعدها أن يتصور كيف أن أجهزة الأمن على اختلاف جهاتها وتفرعاتها عاجزة عن إلقاء القبض على عصابة مجرمة رغم ما بين يديها من إمكانيات مادية ومعنوية وآلية ، هذه التي تشكل أمام عينيه يوميا مظاهرة للاستعلاء في الشارع ، وفي الطريق ، وفي الباص ، وفي السينما ، وفي المكتب ، وفي كل مكان.

لهذا أخذ المواطن يحس أنه غريب في وطنه ، وأخذ تدريجيا يفقد شعوره بالمسؤولية المواطنية ، ويتخلى شيئا فشيئا عن مشاركته الوطنية والقومية ، أضف إلى ذلك كله ما يولده لدى المواطن منظر رجل الأمن المتفاخر والمتعالي من نفور وسخط داخليين.

جـ- أيها الرفاق : إلى متى يستمر هذا؟ وهل سنصدق المقولة التي يروج لها قطاع كبير من المواطنين ، بأن المصير المجهول هو ما ينتظر كل مناضل شريف؟

أتساءل : هل يجوز أن نبقى مكتوفي الأيدي حيال هذا الوضع؟ وهل مصلحتنا كمناضلين أن نبقى متفرجين على تأكل الأمن والنظام من الداخل؟ وهل مقبول أن نسمح لشرذمة من الخارجين على القانون المارقين من الدين والمرتبطين بالأجنبي أن تعبث بنضالنا وهيبتنا وتاريخنا السياسي؟ ليس أمام هذا الواقع المتردي إلا واحد من الاختيارين التاليين :

إما أن نتخلى عن استراتيجيتنا السياسية ، ومواقفنا القومية ، ونظريتنا المستقبلية العقائدية للأمة العربية ، وللمنطقة العربية لأن المؤامرة تستهدف قبل كل شيء تغيير استراتيجيتنا هذه ، ليكون الانقضاض على الحكم والثورة هي الخطوة التالية المذكورة ، وإما أن ننجح في التصدي لهذه المؤامرة في أن نغير الذهنية التي نعالج بها الأمور ، ليكون الدواء منسجما مع جنس الداء ، ومن البديهي أننا جميعا سنختار الحل الثاني ، إذا فما هي الخطوات اللازمة والواجبة التنفيذ ، حتى نعيد هيبة الدولة والقيادة ، ونجعل الأمن والنظام على المستوى الداخلي؟

هـ- أيها الرفاق : إن الإجرام المنظم الذي يطرح نفسه على بساط البحث ، قد استفحل بين ظهرانينا ، وتجاوز في خطورته حد التحدي للأمن ولجهازه ، وأصبح لزاما علينا ، ونحن هنا الآن لنعلن مسؤوليتنا الجماعية في التصدي له ، وأن نتفق الآن ، وفي هذه اللحظة على خطة المواجهة ، وطريق المواجهة.

إن حركة الإخوان المسلمين منذ بداية تاريخها 1929 في الإسماعيلية على يد حسن البنا ، وبإشارة من بعض المستشرقين البريطانيين ارتبطت سلوكا وتخطيطا وأغراضا بالدوائر الاستعمارية ، وكانت على وتيرة واحدة ضد مصالح الشعوب ، وضد إرادة الحرية ، وضد الاستقلال والتقدم ، وما يكشف في مصر إلى جانب ما تملكه الثورة في قطرنا من وثائق ، تدمغ ارتباطها بجهاز المخابرات الإسرائيلي ويجعل واجبا علينا تقييمها ، ليس فقط ، كحركة دينية رجعية ، وإنما كحلقة خبيثة في مخطط المجابهة الحضارية وأهدافها.

إن الإخوان المسلمين لا يملكون لا من الفكر النظري ، ولا من السلوك المجتمعي ، ولا من الأدوات ، ما يجعلهم قادرين على الوقوف بأنفسهم ، فهم يعملون كما كانوا دائما لمصلحة جهة ثالثة تزودهم بالمال وبالإرادة والخطة ، وساحة التحرك ، ومن ثم ، بعد أن يقوموا بدورهم ، وينكشف هذا الدور ، يتم الاستغناء عن خدماتهم ، كما تم في مصر عندما واجههم جمال عبد الناصر ، وصفى وجودهم حتى الجذور ، لكن حجم دورهم اليوم يتجاوز قطرا واحدا في سورية ، ويمتد ليشمل المنطقة العربية التي يراد لها أن يكون التابع الأمين للسياسة الأمريكية ، والصهيونية ، والحسابات التي تجريها الدوائر الأمريكية باتجاه تركيع سورية مفتاح ركوع المنطقة العربية كاملة :

7- ولذا أقترح ما يلي : أن يصدر قانون من السلطة يدعى قانون التطهير الوطني يطال كل منحرف عن المسار الوطني ، ممن يعتنق أي مبادئ هدامة ، تمس الفكر القومي أو السلامة الوطنية.

أ- أن يصدر تشريع من السلطة ينص على إنشاء معسكرات تدريبية بغرض تخضير الصحراء ، وتصحيح المسار الوطني للخاطئين وطنيا ، ويدعى إلى هذه المعسكرات كل من تحكم عليه المحاكم الشعبية التي تملك سلطة قانون التطهير الوطني المذكور ، وأن توضع برامج ثقافية ، قومية اشتراكية ، والتزام وطني ، تقسم على درجات منهجية مدرسية بحسب المدارس التعليمية التربوية ، وتدرس هذه المناهج في صفوف التدرج المذكورة للوافدين إلى معسكرات تخضير الصحراء ، وتصحيح المسار الوطني بحيث تكون الغاية منها ، إدخال الفكر القومي والحس الوطني إلى أذهان هؤلاء الوافدين ، وانتزاع الموروثات المريضة ، والأفكار الخاطئة أسريا ومجتمعيا.

توضع برامج زراعية ومناخية في المكتبة الزراعية ليقوم المدرسون المختصون بتدريسها لوافدي المعسكرات دروسا نظرية وتطبيقية بحيث تخدم في وقف التصحر ، وفي تخضير الصحراء ، و في تعديل مناخ القطر السوري مستقبلا ، كما توضع برامج لإحياء الصناعات التقليدية المهددة بالانقراض حاليا ، إلى جانب صناعات يدوية أخرى اشتهر بها العرب سابقا والسوريون.

يتقدم الوافد لمعسكرات التدريب إلى امتحانات سنوية حتى ينهي الفترة المحكوم بها ، ويعطى وثيقة تنص على تطهيره وطنيا ، وعلى اكتسابه خبرات زراعية وصناعية ، ويعود بعدها إلى الحياة العامة إنسانا سويا ، معافى من أمراضه السابقة ، محصنا بشهادة التطهير الوطني ، ومكتسبا لخبرات تؤهله للعمل والرفد الحضاري والعطاء الوطني ، وصالحا متعصبا وطنيا وقوميا.

ب- يرصد المال الكافي بحسب خطة مبرمجة لتغطية معسكرات تخضير الصحراء ، وتصحيح المسار الوطني ، إن هذا الاقتراح يرمي إلى :

-عزل المرضى قوميا ووطنيا بأمراض شتى ، مثل الانتماء إلى الهرطقة الدينية ، والتشبث بأفكار مشبوهة ، مثل التعصب القبلي أو العائلي ، أو إلى الهرطقة الدينية ، وتخليص المجتمع من أوبئتهم وأمراضهم.

-تهيئة المناخ النظيف وطنيا لنشاط الحزب والثورة ، ولإبداع الأصحاء الذين يتخطون مراحل السبق الحضاري ، ويقودون الأمة باتجاه الريادة والسيادة والتفوق.

-الإفادة من هؤلاء الخاطئين قوميا ووطنيا بالجهد العضلي على الأقل ، ومن ثم إعادتهم إلى الوطن ، مواطنين متطهرين أصحاء ، يشاركون في مسيرة العمل والبناء ، ونكون بذلك قد قللنا حتى الحدود الدنيا خسارة الوطن ماديا وجسديا.

-تطويق سورية بحزام أخضر ، يعدل مناخها من جهة ، ويوقف التصحر الزاحف إليها من جهة ثانية ، ويعيد إليها سمعتها الزراعية ، وطاقاتها المائية ، بتعديل المناخ من جهة ثالثة.

-إحياء صناعات وطنية يدوية تقليدية هي من الرموز الحضارية ، تدل على فن وذوق ومهارة وإبداع الإنسان العربي ، فضلا عما تدره اليوم هذه الصناعات من دخل لأصحابها ، ومن مردود وطني.

8- يوصي المؤتمر القيادة العامة بتكليف الرفيق وزير الدفاع بإغلاق الجوامع التي تستخدم مدارس لتخريج الفكر الطائفي الهرطقي ، وبان يضرب بيد من حديد كل الذين يسلكون هذا الاتجاه المقنع سواء في التدريس الحاقد ، أو في تخريب ولاء المواطنين البسطاء ، وأن يترافق هذا الإجراء مع المبررات المقنعة له والكافية والمشروعة.

أ- يوصي المؤتمر القيادة العامة بأن تكلف المختصين في حقول الإعلام والثقافة ، بأن تقدم للمواطنين الحجج والمبررات والوثائق والكشوف التي تدين المتاجرين بالدين والمخربين والهراطقة الذين يفسدون على بسطاء الشعب سلامة طويتهم ، نظافة إيمانهم ، بأن يدخلوا بدعا وتزويرا لا علاقة لهما بالدين ولا بالإيمان.

ب- يوصي المؤتمر القيادة العامة بأن تكلف الرفيق وزير التربية ، وهو المشرف على القطاع التربوي بإنهاء الفكر المعادي في جهازه ، وبتعديل المناهج التربوية لديه ، بما يلائم ويتوافق مع الحزب والثورة ، وبالاستغناء عن حملة الفكر المعادي ، وبالأخص الإخوان المسلمون أو المتعاطفون معهم في هذا القطاع ، كما يوصي القيادة المقبلة بأن تكلف وزير التربية بأن يستفيد في مناهجه الدينية والقومية بالنصوص القرآنية والأحاديث الشريفة ، والمأثورات عن الصحابة بما فيه إحياء التراث العربي والأخلاقي والقومي ، وبما فيه من تركيز على البطولة والإخاء والتضحية والوفاء بما يخص العمل والإنتاج ، وعلى العروبة والمحبة والوطنية والإقدام والتآخي والكرامة والوحدة والحرية ، والاشتراكية ، كما تستخلص النصوص التي تنفر من الجريمة والغدر والتآمر والاتصال بالعدو ، والعمل بما فيه خدمته ، وأن يستفاد ويرافق هذا المنهج النبيل بحملة تسحق المتشنجين ضده والمعارضين لأغراضه التربوية.

جـ- يوصي المؤتمر القيادة القادمة بأن تبتعد عن أي مساومة فكرية مهما كان نوعها ، تظهرها بمظهر الضعف ، وتفقدها هيبتها كقيادة سياسة تحكم وتقود ، وأن تعتمد القيادة على رفاق متميزين بمواصفات قيادية ، وخبرة عالية في قيادة القطاعات التي لا يسيطر عليها الحزب مثل كلية الشريعة ، فنتخذ من رفاقنا خريجي كلية الآداب كوادر للعمل التدريبي ، ولتقديم مادة الثقافة القومية والاشتراكية مع مجلس كلية الشريعة من خيرة الرفاق البعثيين لقيادتها ، وأن نهيئ القيادة اللقياديين مناطق سكنية خاصة بهم ، لأن الاختلاط يعرضهم لانزلاقات يدبرها المتسللون والمفسدون والمخربون ، وأن تبتعد القيادة في قراراتها عن قراراتها عن إقامة التوازنات الطائفية وغيرها ، وأن تأخذ القيادة على نفسها مبدأ الحزم والدقة والقدسية العقائدية في جميع الأمور التي يمكن أن تشكل مساسا بمبادئ الحزب وقيمه وسلوكياته ، وأن يعمل كل رفيق في قطاع عمله على تصفية البؤر المخربة والمتذرعة في سلوكها بذرائع إيمانية ودينية!!!

هـ- يوصي المؤتمر القيادة القادمة بأن تجعل من الجهاز الرئيسي درعا مسلحا في وجه كل الحركات أو العناصر المشبوهة فكريا وقوميا ووطنيا ، وأن تهيئ الرفاق ليكونوا خفر الحزب وعينه الساهرة ، وقوته الصدامية الشارعية ، تضرب وتتعقب المخربين والمجرمين ، وأن تحاسب بكل الشدة كل مقصد في هذا المجال ، فالانتساب للحزب مهمة نضالية ، قبل أن يكون مزية أو منفعة مادية أو معنوية.

لذلك وحتى تعطى للقيادة دورها الكامل ، فلا بد أن تكون الأجهزة كلها تحت إشراف القيادة ممثلة بعضو من أعضائها ، يتولى تشكيل مكتب مركزي ، نقترح أن تتجمع فيه كافة الذاتيات العائدة لعناصره من ضباط وأفراد وغيرهم ، وأن تتم من خلاله كافة التعيينات والتنقلات ، وأن تقر من قبله كافة عمليات التأهيل والتدريب داخليا وخارجيا ، وكل ما يستتبع ذلك ، كما يتفرع عن هذا المكتب غرف تمثل كل واحدة منها جهازا بكامله على النحو التالي : غرفة الأمن العسكري ، وغرفة الشعبة السياسية ، وغرفة أمن الدولة ، وغرفة الأمن والداخلية ، وغرفة الأمن الحزبي ، وغرفة الإدارة السياسية.. الخ ويتم تعيين رؤساء الغرف من قبل رئيس المكتب المركزي عضو القيادة ، وينشأ في المحافظات مكتب مصغر عن المكتب المركزي ، يتولى قيادة العمليات الأمنية ، ويرتبط مباشرة بالمكتب المركزي.

و- يتولى المكتب المركزي إلى جانب مهماته في التعيين والتدريب إصدار الخطط الأمنية بكل أقسامها ومراقبة تنفيذها ، والدأب على تطويرها باستمرار ضمانا لتثبيت الأمن والنظام ، كما يتولى مسؤولية التغيير الجذري في الجهاز الأمني المالي ، وتصفية شكله الحالي ، وبنائه من جديد ، ويحشد له المؤهلات وأصحاب الكفاءات والعناصر الجديرة ، وأن يجعل هذه المهمة من أخطر وأسرع مهماته ، وكيلا يكون هذا المكتب خاضعا لأي شكل من أشكال الضغط أو التعويق ، فإنني أقترح أن يكون مرتبطا بالرفيق رئيس الجمهورية ، وعلى هذا ينبغي أن يمتلك المكتب القدرة على سرعة الحركة ، وعلى الجاهزية المالية ، كي يستمر في ملاحقة الاتجاهات المعادية ، فيتمكم من حبس أنفاسهم ، وشل حركتهم ، وتقليس نفوذهم ، وضربهم أينما كانوا حتى آخر موقع لهم ، فيكون قادرا على إلقاء القبض على أي مجرم أو شبكة أو عصابة ، في اللحظات الأولى لوقوع الجريمة ، بل وعلى اكتشافها قبل وقوعها ، فالعمل الأمني فن مقدس لعقل مستنير.

وأخيرا ، يوصي المؤتمر بتكليف الرفيق مسئول الأمن باعتماد التحديث في أجهزته ، كما يوصي بتكليف وزير التعليم العالي بفتح كلية الشريعة للرفاق الحزبيين ، ممن يرشحهم الحزب لنيل شهادة الإجازة منها ، وأن يضيق على أصحاب الفكر الديني المخرب ، بحيث تصبح هذه الكلية على مدى ست سنوات قادمة ، تمتلك الغالبية من خريجيها من الرفاق المسلحين بالفكر القومي التقدمي ، كما يوصي المؤتمر القيادة القادمة بأن تشدد من رقابتها ، فلا تترك مجالا للفكر الديني المتعصب أن يتسلل إلى صفوفها ، وأن تشدد من رقابتها على القطاع الاقتصادي الملتصق بالشعب ، لأن هذه الظاهرة المؤثرة على الجماهير تسهل سقوطهم في براثن هراطقة الإخوان المسلمين.

في 6-1-1980

حادي عشر : دلالات الخطاب الدموية

بالرغم مما يسببه الخطاب الذي ألقاه رفعت أسد في المؤتمر القطري السابع في مطلع 1980 من ملل ، وما يحدث في نفوس قارئيه من اشمئزاز وغثيان ، فإنني رأيت إيراده كاملا ، لاقتناعي عبر مطالعاتي واطلاعي ومعاصرتي للأحداث التي شهدها السوريون في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات ، من القرن الماضي ، أنه أخطر وثيقة في العصر الحديث صدرت في ظل حكم الأقلية التي تسترت بحزب البعث ، بعد أن وضعت يدها على السلاح الذي دفع السوريون صمنه لحماية الوطن من الزحف الصهيوني ، لتوجهه إلى صدور المواطنين ، وتقضي به أو تقتل به كل من يعارض أو يعترض أو ينتقد أو لا يؤيد ا لفئة الباغية في تسلطها على رقاب العباد الذين اعتبرتهم مواطنين من الدرجة الثانية حسب نصوص الدستور الذي وضعوه هم ، أو وضعه لهم الدكتور محمد الفاضل عميد كلية الحقوق ثم رئيس الجامعة على مقاسهم وكما يحلو لهم أو يريدون.

أ- ينم هذا الخطاب الذي كتبه رفعت أو كتب له ، عن ضحالة وسطحية ، وجهل مطبق ليس فقط بحقائق الأشياء بله ببديهياتها ، وأ ، التدليس ملموس في كل فقرة من فقراته ، ناهيك عن الركاكة والأسلوب العقيم ، وأن الجرأة فيه على التزيف والتدليس وطمس الحقائق بل ومسخها بلغت حد السفاهة والوقاحة ، فالصحابة ، رضي الله عنهم ، الذين خرجوا من جزيرتهم لتبليغ رسالات الله إلى العالمين ، هم ، في نظر السفاح ، حملة راية العروبة والقومية ، ولم يبق عليه إلا أن يقول : إنهم ينتمون إلى حزب البعث -الطائفي- ، والإخوان في رأيه يلتمسون الرزق من الشيوخ ، وأنهم من العامة أو يخدعون العامة ، وكل من يلم بأب معرفة عن المجتمع السوري في القرن العشرين ، يعلم أن الإخوان هم من حملوا راية التنوير والتحرير ، وإنقاذ الجماهير من الخرافة والجهل والتخلف والشعوذة والدجل واستغلال الجماهير باسم بعض الطرق الدخيلة من شيوخ تعاون معهم رفعت مقابل منافع ومكاسب رخيصة ، وأن ما يؤخذ على الإخوان المسلمين أنهم استقطبوا الفئات المثقفة والعلماء والنقابات العلمية وطلاب المدارس الثانوية وأبناء الجامعات ، دون أن يولوا العامة وأبناء الريف وبعض القطاعات العمالية نفس الاهتمام الذي أولوه للمثقفين والعلماء وجمهور المتعلمين.

وإذا تجاوزنا كل هذه الغثاثة التي تثير في النفوس القرف والاشمئزاز ، فإن الخطاب جاء بجميع فقراته ليؤسس ويعبئ النفوس ، ويدفع بها ويحرضها على سفك دماء المعارضين ، والقضاء المبرم على كل عضو في جماعة الإخوان المسلمين في القتل الفردي والجماعي ، في البيوت وفي الشوارع ، وعلى قارعة الطريق وفي أقبية التعذيب ، بدعاوى كاذبة ، واتهامات زائفة ، وأوصاف خادمة يلصقونها بأبناء الدعوة و[[:تصنيف:الإخوان في سوريا|الجماعة]] ، وهي لا تمت إلى الحقيقة بأي صلة ، فقد أورد السفاح اتهامات للجماعة ، تخالف العقل ، وتنافي الواقع ، أخذ يقذفها ، جزافا أمام مؤتمر المصفقين والمنافقين الذين تم اختيارهم بهذه المواصفات ، وكأنه يستعيرها من طائفة الحشاشين الذين ذاق المسلمون منهم الويلات في العصر العباسي ، وفي أثناء الحملات الصليبية و التتار على بلادنا العربية والإسلامية .

استهل رفعت أسد خطابه بالحديث عن نشوء الحضارات وسقوطها بعد أن شاخت وانقرضت ، كما حدث للآشوريين والسومريين والبابليين.. الخ وأخذ يهرف بما لا يعرف عندما تحدث عن الرومان ، وكيف زالت دولتهم لأنها في فهمه بلغت سن الهرم ، فزالت أمام جحافل العصبية والقومية العربية!! جاهلا أو الأصح متجاهلا ذكر الإسلام والرسالة والتربية والإعداد النبوي ، وما أحدثه الإسلام في العرب ، وكيف وحدهم ، ونهض بهم ، وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس ، فظهر جيل قرآني فريد ، ليقلب موازين العالم ، وينهي تسلط الأباطرة الرومان ، والأكاسرة الفرس وكل الطغاة.

نسب الجاهل انتصار أمة الإسلام وتلاميذ سيد الخلق محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام إلى العصبية العربية والقومية متجاهلا عن عمد وعناد أن الذين جملوا راية الإسلام ، وبشروا به في العالمين ، فزالت أمام عقيدتهم وإيمانهم وإخلاصهم وربانيتهم الإمبراطوريات ، وتلاشت مثل كرات الثلج ، وكأ ، البعث -كما يقول هذا الفطحل- الذي يتستر البغاة به هو الذي أنجز الفتوحات ، ونشر مبادئ الرسالة الخاتمة ، فكان هذا أول تلفيقات الخطاب ، وتجاهله للإسلام ، فلم يذكر كلمة واحدة عن الإسلام والقرآن ورسالة سيدنا وقدوتنا محمد ابن عبد الله سيد الأنام.

وذكر رفعت أعضاء المؤتمر السابع أنهم يمثلون أعلى سلطة سياسة وعقائدية ، وبذلك يكون أعضاء المؤتمر الذين وافقوا على كل ما جاء في خطابه ، أو لم معارضوه ، قد تحملوا المسؤولية كاملة فيما دفعهم إليه من مذابح رهيبة سوف يأتي الحديث عنها في فقرات الخطاب لاحقا.

2- انتقل رفعت بخطابه خطوة ثانية في التمهيد لما يزمع عليه من قتل وسفك للدم ، ونشر الموت في أصقاع الوطن ، وإشعال الحرائق في جنباته ، وإحداث المجازر وحمامات الدم ، فدعا إلى التعصب لنظريته التي يدعو إليها دون أن يشرح لنا هذه النظرية العتيدة أو يذكر لنا بعضا من فقراتها ، أو من مبتكراتها ، وأكد على وجوب الولاء للحزب أولا وأخرا ، وللقومية العربية قائلا : لتسقط إلى الأبد كل الولاءات الأخرى الهجينة والدخيلة. فما هي هذه الولاءات التي دعا هذا السفاح إلى إسقاطها؟ هل ثمة ولاء لدى أمتنا يتقدم على ولائها المطلق للإسلام ودعوته المنقذة؟ ثم ضرب السفاح أمثلة على وجوب التعصب ، كيفي انتصرت الأمم بتعصبها لنظرياتها وشعوبها ، فذكر الشيوعية و النازية و الماوية... الخ فقال : لقد انتصرت ألمانيا بتعصبها للشعب الألماني ، وقادت أمريكا العالم بتعصبها لإنسانها ونظريته ، وأنهى ستالين عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية ، واضعا في حسابه التعصب للحزب ولنظرية الحزب -تمهيدا للمجازر التي يتهيأ رفعت لتنفيذها- وفاد ماوتسي تنغ الصين نحو الخلود ، متمسكا بشعار واحد هو التعصب للحزب الشيوعي.

استشهد رفعت بستالين دون أن يذكر نهايته المظلمة ، وأنه صار مثلا على مدى الأزمان للطواغيت والسفاحين في نظر حزبه وشعبه والعالم أجمع ، واستشهد بالنازيين ، متجاهلا مصير هتلر الذي دمر ألمانيا بسياسته وانتهى نهاية مأساوية مفجعة.

ثم اعتبر رفعت نفسه وحزبه وطائفته -أو على وجه الدقة شطرا منها- التي تحكم من وراء ستار ، قائلا : نحن النسغ الصافي في هذه الأمة ، ونحن العقل الراجح ، وأصحاب النظرية الصائبة والأصلية ، فلم لا يكون تعصبنا للحزب وحده ، لحزب البعث ولنظرية البعث؟ فخلاص الوطن ، واستمرار الأمة بهذا التعصب القومي المقدس تخلد الشعوب.

هكذا نسج رفعت على منوال الصهاينة الذين يزعمون أنهم شعب الله المختار ، فجاء زعمه بأنه وحزبه ومن والاه من طائفته هم الصفوة ، ونسغها الصافي وعقلها الراجح ، وأصحاب النظرية الصائبة الأصيلة.

3- بعد هذا التمهيد أقترب رفعت في خطابه خطوة ثالثة أخرى في الكشف عن أهدافه وبرنامجه في إبادة الخصوم فقال : نحن اليوم نناقش الوضع الداخلي ، وبالتحديد ظاهرة العنف الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين ، ونضعها في إطارها ، لتأتي معالجتها شاملة كل جذور المشكلة ، ومقتلعة هذه الجذور من الأعماق ، فلا تعود تظهر أبدا. إننا -والكلام لرفعت- نرفض أن تكون معالجتنا إصلاحية أو توفيقية ، أو تكون حلولنا وقتية أو ارتجالية ، أو ردة فعل ، فحزبنا حزب أصيل يحمل مسؤولية خلاص الشعب والوطن. ثم قال : أردنا من حرب تشرين تحرير الوطن ، وأرادها الآخرون تنازلا واستسلاما ، فحركوا الإخوان المسلمين ، دون أن يذكر من هؤلاء الذين حركوا الإخوان؟ هل هم الناصريون الذين لم يتوقفوا عن اضطهاد الإخوان ومطاردتهم وإعدام قادتهم وأئمتهم ، بعد أن خاضوا أشرف المعارك في فلسطين ، وأحرزوا انتصارات تحدث عنها المؤرخون ، وكتاب النكسة ، وقادة فلسطين ، من أمثال الحاج أمين الحسيني وأعضاء الهيئة العربية العليا بزعامة الحسيني ، بينما كان رفعت وحافظ ومن يواليهما ينسقون مع العدو في اتفاقات سرية جاء تذكر الكثير من تفصيلاتها في المجلد الثالث من هذه الأوراق. انتقل السفاح في خطابه إلى الحديث عن الفلاحين والحرفيين والكسبة ، فزعم أن الإخوان ، بمباركة استعمارية ورجعية ، يسلبون البسطاء والفقراء ، في هذه الطبقة ، حقوقهم!!!

ما أجرأ هذا الطاغوت على الإفك؟ رفعت يتحدث عن الفقراء ، وأن الإخوان يسلبونهم حقوقهم ، فهل استلم الإخوان الحكم وفعلوا ذلك؟ هل يوجد في تنظيم الإخوان ملاك كبار ، ورأسماليون أثرياء ، ورجال أعمال أغنياء؟ لقد أمضيت في الجماعة بضعة وستين عاما ، لم أصادف ثريا واحدا واسع الثراء في هذه الجماعة ، بل إن كل أعضائها من الطلاب والموظفين وأبناء الطبقة الوسطى ومن الفقراء ، ومع هذا يتهمهم صاحب حديث الإفك في خطابه دون منطق أو ضمير أو دليل ، وهو الذي سلب البلاد والعباد ، ونهب البنك المركزي والقطاع العام و وضع على جميع التجار الكبار إتاوات ، فجمع الملايين ، ثم المليارات ، ليصبح من أغنياء عصره ، ومن المقاولين الكبار في أوربا ، مشاركا في مشروع ا لقناة التي تربط بين انكلترا وأوربا عبر بحر المانش ، وشاريا في شارع بوش بالعاصمة الفرنسية ، وفي مدينة ماربيا في إسبانيا ، وفي سويسرا وأمريكا أضخم المشروعات العقارية حتى قدر رفيقه الشاعر أحمد سليمان الأحمد ، قبل أن يخاصما ويفترقا ، ثروة رفعت أسد بسبعة عشر مليار دولار ، ومع ذلك لا يخجل رفعت ، من أن يكيل ا لاتهام للإخوان ، باستغلال الفلاحين والحرفيين ، في خطابه الذي يحرص فيه على سفك دماء أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

تمادى وأمعن في اتهام الإخوان بكلام يناقض العقل ، وبجافي الواقع ويعارض الأدلة القاطعة التي يبصرها كل ذي عينين ، مستمرا في اتهامات رخيصة تثير الضحك والسخرية بآن واحد ، إذ زعم هذا المفتري أن شعار الإخوان هو الولاء للشيخ ، وأن من لم يكسب ثة الشيخ فلا رزق له على الأرض ، ولا رحمة له في السماء ، فكأن الدين ، كما قال المفتري ، مسرح لأبشع أنواع الاستعباد الإنساني ، ثم تابع في هذا الإفك قائلا : كان للإخوان نشاط واسع في بناء المساجد ، واتخاذها ستارا لمدراس دينية بحجة ممارسات الواجبات الدينية ، وأقاموا معسكرات لليافعين يشرف عليها هراطقة الإخوان يمارسون عليها عملية تخريب ، وأن الإخوان يعقدون اجتماعات في بيوتهم لها طابع ديني متعصب يملئون بها العقول بالاتكالية والتخاذل والبغضاء والحقد ، ويصورون للشباب بشعوذة عجيبة تعود في تاريخها للقرون الوسطى المظلمة : أن العروبة والحب الوطني إنما هي جميعا من رجس الشيطان!!

ما أجرأ هذا الطاغية على الافتراء ، وفبركة الاتهامات التي تثير الاشمئزاز ، وتذكر القارئ في العصر العباسي بإخوان الصفا ، وبفرقة الحشاشين التي ألحقت بالمسلمين من الأذى واغتيالات القادة الذين كسروا شوكة الصليبين في حملاتهم على بلاد العرب والمسلمين أكثر مما ألحقه المغول والصليبيون .

كأن رفعت قد استقى هذه الصورة القميئة التي أملاها عليه أفكه ، ليلحقها بالإخوان ، من الجبل الذي ولد فيه ، ومن بعض البقاع المتخلفة في أركانه ، حيث يقدس البسطاء والأميون شيوخهم الجهلة الذين يستغلونهم ، وينهبون أقواتهم ، ويضللونهم في تقديس الأموات وتعظيمهم ، ويقدمون لهم النذور والأضاحي ، ويستغيثون بالقبور ، ويتبركون بالقباب والمقامات والقبور المنتشرة بالمئات في أركان الجبل ، مما ينكره مثقفوهم والمتنورون منهم. فقد نقل رفعت هذه الصور والمشاهد المنكرة من هناك ، ليلصقها بالإخوان الذين يستقطبون الصفة من الفئات الواعية والمثقفة من الطلاب والعلماء والفقهاء والمفكرين والمؤلفين والكتاب الكبار ، الأمر الذي جعل الفئات المثقفة ، تلتف حول جماعة الإخوان انتسابا أو مؤازرة ، حتى إن النقابات العلمية ، بما تضمه من أطباء وأطباء أسنان ومهندسين ومحامين وصيادلة ، أعطت ولاءها لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا و مصر و الأردن وغيرها في عدد من الأقطار العربية والإسلامية.

لقد جددت حركة الإخوان المسلمين في الوطن العربي ، للأمة دينها وفكرها ، وحرروا جماهيرها من الخرافة والتخلف ، ودفعوا بها إلى ساحات العلم والنهوض الثقافي والحضاري ، حتى انتشرت حركتهم في شعوب الأمة الإسلامية عبر محور جاكرتا -طنجة ، وفي الأقليات المسلمة في جميع القارات ، حيث لا يوجد حركة إسلامية في العالم لا تنتمي بصورة أو بأخرى إلى مبادئ الإخوان وشعاراتهم _كما رأينا ولسمنا ذلك بشكل واضح ي طوافنا على الأقطار الإسلامية في قارتي آسيا وإفريقيا ) ونظرياتهم في التربية والتوجيه والسياسة ، والمفاهيم التي تقوم عليها أركان الدولة وأسسها في العصر الحديث.

4- انتقل رفعت في خطابه بخطوة أخرى إلى التحريض الصارخ والمباشر على الإخوان -تمهيدا لقتلهم كما سنرى- بما يشبه محاكم التفتيش بالهجوم على عقائدهم وأفكارهم وبنائهم للمساجد وأدائهم العبادة فيها ، واتهامهم بأوصاف لا تخطر على قلب إنسان سوي ، فاجتماعيهم ، في رأي الطاغية ، في بيوتهم واستقبالهم من يزروهم من أهليهم وإخوانهم وأصدقائهم وجيرانهم يشكل جريمة كبرى لا يمكن التساهل معها ، لأنها تحمل طابعا دينيا ، وشعوذة تعود إلى القرون الوسطى ، وأنهم أي الإخوان يرون في العمل وحب الوطن والعروبة رجسا من عمل الشيطان!!

اقترب السفاح في خطابه كثيرا من الكشف عن هدفه ، والإعراب عن خطته في ذبح الإخوان والقضاء عليهم ، فذكر أعضاء المؤتمر أن اجتماعهم من أخطر اجتماعاتهم السياسية والعقائدية في مؤتمرهم القطري السابع ، باعتبارهم يحملون أكبر مسؤولية ، لذا أضع -يقول رفعت- بين أيديكم الوقائع التالية :

أ- السلطة لم تتخذ حلا رادعا أمام التخريب الذي يدعي أصحابه أن الرزق من رضي الشيخ!! فلماذا التنازل والرحمة لأعداء الشعب والأمة؟ لماذا نترك هذه الطائفة الباغية تتسع وتنتشر ، وتحرق هيبة الأمن والدولة والقيادة؟ هل نبقى مكتوفي الأيدي أمام وتجاه شرذمة من الخارجين المارقين من الدين والمرتبطة بالأجنبي؟ لابد أن ننجح في التصدي لهذه المؤامرة ، لحزب الإخوان الذي أسسه البنا عام 1929 بإشارة من المخابرات الإسرائيلية ، مما يجعل واجبنا تقييمها كحلقة خبيثة في مخطط المجابهة الحضارية وأهدافها ، فلقد صفى جمال عبد الناصر وجودهم حتى الجذور!!

هكذا تطاول هذا الأرعن في خطابه المأساة على الإمام الشهيد حسن البنا الذي أجمع الطيف الأوسع من السلفيين والمتصوفة والمثقفين والمفكرين على أن البنا هو الإمام المجدد ، وأنه أحد العمالقة الكبار في العصر الحديث ، فهو الذي جدد للأمة الإسلامية دينها ، وأحيا آمالها ، وأيقظها من سباتها ، وأسمعت صيحته أرجاءها. أسس كبرى الجماعات الإسلامية في القرن العشرين الميلادي-الرابع عشر الهجري- وربى أجيالا صلبة عازمة على التغيير والتحرير والنهوض الكبير ، وانتقل بالعمل الإسلامي من حيز النظريات والفرضيات إلى سوح الجهاد والبناء وأعطى من نفسه القدرة والفداء والتجرد والإخلاص ونكران الذات.

ب- لذا سارع الأعداء ، إلى اجتماع عقدوه في ( فايد ) مركز القيادة البريطانية في معسكرات قناة السويس المصرية ، حضره ممثلو فرنسا وإنكلترا وأمريكا ، ورفعوا مذكرة نشرتها مجلة الدعوة الإخوانية بالزنغراف ، طلبوا فيها من الحكومة المصرية ، عن طريق وكيل وزارة الداخلية عبد الرحمن عمار ، التخلص من الإخوان -كحركة مجاهدة مناهضة للاحتلال- ومن قائدهم ومؤسس حركتهم الإمام حسن البنا ، وسرعان ما استجابت حكومة الملك فاروق ، وأقدمت على جريمتها النكراء ، في اغتيال الإمام حسن البنا ، ولما يتجاوز الثانية والأربعين من عمره المبارك.

تمادى هذا المدعي على القائد العملاق ، فزعم أن البنا أسس جماعة الإخوان عام 1929 ( الجماعة أسست عام 1928 ) بإشارة من البريطانيين والإسرائيليين دون أن يفطن هذا الأرعن إلى أن الإنكليز أمروا بالتخلص منه وهو في ريعان شبابه ، وقد نفذت حكومة السعديين برئاسة إبراهيم عبد الهادي ، وقتلت أكبر مصلح في حياة العرب والمسلمين في القرن الماضي ، وذلك في مطلع 1949.

ج- اقترح رفعت على أعضاء المؤتمر القطري السابع إصدار قانون دعاه بالتطهير الوطني ، وإصدار تشريع بإقامة معسكرات تدريبية بغرض تخضير الصحراء ، ووضع برامج ثقافية اشتراكية ، لانتزاع الموروثات المريضة -الإسلام- ووضع برامج زراعية وصناعية ، ليعود المعتقل معافى من أمراضه السابقة ، وحاملا شهادة التطهير الوطني ، مواطنا صالحاً ، متعصبا وطنيا وقوميا ، ورصد مبالغ كافية لتغطية نفقات تخضير الصحراء ، وعزل المريض قوميا بمرض الانتماء إلى الهرطقة الدينية ، وتخليص المجتمع من أوبئتهم وأمراضهم ، واستخدامهم بالجهد العضلي على الأقل.

فالإخوان ، في نظر السفاح رفعت أسد ، حلفاء البريطانيين ، ومرتبطون بالمخابرات الإسرائيلية ، ليكشف عما تنطوي عليه نفسه ومن لف لفه من حقد دفين على الإسلام والمسلمين ، وجهل مطبق في تاريخ الإخوان الذي شن فدائيوهم على معسكرات الإنكليز هجمات لم تتوقف ، حتى اضطر البريطانيون إلى ترك معسكراتهم في قصر النيل والعباسية في القاهرة ، وفي معسكرهم في الإسكندرية دون مفاوضات أو شروط بل لينجو عساكرهم بأنفسهم ، وانسحبوا إلى مواقعهم في قناة السويس ، لم يمكن رفعت جهله في الذي كتبه المجاهد كامل الشريف رحمه الله عن المقاومة السرية -للإخوان- في مصر على ضفاف القتال ، وربوع فلسطين ، وعن أعمالهم البطولية.

5- طلب رفعت من المؤتمر أن يوصي القيادة بتكليف وزير الدفاع بإغلاق المساجد التي تستخدم مدارس لتخريج الفكر الطائفي!! والهرطقي ، والضرب بيد من حديد على هؤلاء ، وأن يقوم الإعلاميون بإدانة المتاجرين بالدين ، والمخربين والهراطقة الذين يفسدون هوية المواطنين ، وأن يقوم وزير التربية بتعديل المناهج بما يتلاءم مع مصالح الحزب ، والاستغناء عن حملة الفكر المعادي ، وبالأخص الإخوان المسلمين ، أو المتعاطفين معهم ، وأن يركز على العروبة والوطنية والحرية والاشتراكية بالنصوص الدينية من القرآن الكريم والأحاديث الشريفة!!

الإخوان المسلمون في نظر هذا الطاغية ، طائفيون ، لأنهم ينتمون إلى أكثرية الشعب في الجمهورية السورية بنسبة لا تقل عن 80% ، أما رفعت والطغمة الحاكمة التي سرحت ، كما يقول صاحب كتاب سقوط الجولان 85% من ضباط الجيش لانتمائهم للأكثرية ، وأحلت مكانهم ما لا يقل عن 70 ألف ضابط علوي ، أما البقية القليلة التي لم تسرح من الجيش ، فقد تركوهم ليشغلوا أعمالا إدارية وخدمات لوجستية ، حتى لا تنفضح مخططاتهم الخبيثة في تطهير الجيش من ضباطه وقادته الحقيقيين من أبناء الشعب السوري الأصيل ، أما هؤلاء ، الذين لا تزيد نسبتهم عن 12% كما ذكر الضابط العلوي القديم محمد الهواش المقيم حاليا في باريس ، أما هؤلاء فليسوا طائفيين ولا متعصبين طالما أنهم أدخلوا الأكثرية من السوريين في السجن الكبير.

لقد بلغت الجرأة بهذا الطاغي أن يطلب من وزير التربية تغيير المناهج أو تعديلها ، وتسريح رجال التعليم من ذوي الاتجاهات الإسلامية ، زيادة على ما أقدموا عليه من مذبحة التعليم التي جاءت تفصيلاتها في المجلد الثالث من هذه السلسلة عن تاريخ الإخوان المسلمين ، وأن يحل محلها التركيز على العروبة التي مزقوها شر ممزق ، وعلى الحرية التي ذبحوها م الوريد إلى الوريد بوحشية وقسوة غير مسبوقة ، والاشتراكية التي سلبوا باسمها أكثر ما يملكه السوريون من ثروات ، حتى اضطر المهندس وخريج الجامعة أن يبيع الخبز للمسافرين ، ويعمل سائقا على التاكسي ، وغير ذلك من الأعمال حتى يستطيع إطعام أبنائه وأفراد عائلته ، هذا ما طالب به رفعت لإدخاله في المناهج التعليمية مدعوما بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية ( التي يزيف بها مشايخ السوء من المرتزقة والسفلة الذين يبيعون دينهم بعرض من دنياهم أو دنيا غيرهم ) بالتلفيق والتزوير ولي النصوص التي تضطلع بها فئة محسوبة في ظاهرها على الإسلام ، باعت دينها بثمن بخس ومكاسب رخيصة عاجلة.

6- اقترب الخطاب في نهايته من الإعراب عن الهدف المدمر والغرض الذي يرمي إليه حيال أبناء الإسلام ودعوته المباركة من فتية ورجال الإخوان المسلمين ، فطالب وزير التعليم العالي بالسيطرة على كلية الشريعة ، وفتح أبوابها للرفاق الحزبيين ، والتضييق على ذوي الفكر الديني المخرب ، لتصبح هذه الكلية على مدى ست سنوات ذات أغلبية من الرفاق المسلحين بالفكر التقدمي ، ثم أوصى بتشديد الرقابة على المنظمات والاتحادات كيلا تترك مجالا للفكر الديني المتعصب ، والرقابة على القطاع الاقتصادي حتى لا يسقط في براثن الهراطقة من الإخوان المسلمين ، وشدد على كوادر الحزب ليكونا خفر الحزب وعينه الساهرة ، وقوته الصدامية الشارعية لضرب المخربين والمجرمين.

وأخيرا -وليس آخرا- طالب السفاح في آخر فقرات خطابه من المؤتمر العمل على وحدة الجهاز الأمني وسريته وتقنيته ، وأن يقوم بالتغيير الجذري ، وتصفية شكله الحالي -حتى لا يبقى فيه من ينتمي للأكثرية من أهل السنة والجماعة- وبنائه من جديد ، وأن يكون بكل أجهزته تحت إشراف أحد أعضاء القيادة ، وأن يسمى مكتب الأمن القومي ، ويمنح جميع الصلاحيات ، من تعيينات وتنقلات ، وأن يشمل فروع الأمن العسكري والسياسي وأمن الدولة والأمن الداخلي والأمن الحزبي والإدارة السياسية وغيرها ، كما يتولى المكتب إصدار الخطط الأمنية ، وأن تحشد كل المؤهلات والكفاءات لهذا المكتب ، وأن يكون مرتبطا بالفريق رئيس الجمهورية مباشرة ، وأن يمتلك كل القدرات والسلطات والجاهزية المالية كي يستمر في ملاحقة الاتجاهات المعادية ، كي يتمكن من حبس أنفاسهم ، وشل حركتهم ، وتقليص نفوذهم ، وضربهم أينما كانوا حتى في آخر موقع لهم ، وأن يكون قادرا على إلقاء القبض على أي مجرم أو أي شبكة أو عصابة في اللحظات الأولى لوقوع الجريمة أو حتى قبل وقوعها.

وبالفعل ارتبطت أجهز الأمن الخمسة عشر أو السبعة عشر حسب إحصاء بعض الدارسين ، بشخص حافظ أسد، يدريها من القصر ، ويربطها مباشرة بشخصه بشبكة اتصال رهيبة ، فلا يستطيع أي مسئول أن يتدخل بشأنها ولو كان قائد الجيش أو رئيس الوزراء ، فهي شأن رئاسي تصدر بخصوصها وبكل أمر من أمورها الأوامر من حافظ أسد شخصيا ، بما في ذلك إعدام من يرى إعدامه حسب التقارير التي ترده ، وتبقى المحاكم أو المحاكمات صورية لا تستغرق إلا دقائق ، ويحال المحاكم أو الضحية للقتل حسب توصيات القائد الثوري الذي يصدرها من فوق كرسي الرئاسة!! وكم من مرة راجع المواطنون من عائلات المخطوفين والمغيبين رؤساء الوزراء المتعددين ، ليأتي الجواب : هذا ليس من اختصاصنا ، ولا يسمح لنا التدخل أو المراجعة بشأنه.

7- لو جاء هذا الخطاب المسموم في سياق الصراع الإعلامي ، لتجاوزناه دون الوقوف دونه ، لكنه جاء ليعبر عن خطة ، ويرمي إلى سياسة قمعية دموية خطيرة ، مهد له صاحبه بالحديث عن زوال الحضارات ، ووجوب التعصب للحزب ، مهما كلف ذلك من سفك الدماء ، وإزهاق الأنفس ، وسحق الخصوم والإمعان أو الإسراف في القتل ، واستشهد صاحب الخطاب بكبار السافحين في التاريخ الحديث من شيوعيين ونازيين من أمثال ستالين وهتلر وغيرهما ، ليمهد للسياسة التي يزمع على تنفيذها بموافقة المؤتمر القطري السابع ، مقترحا أن يتحول المجتمع السوري برمته إلى مجتمع أمني تسيطر عليه الأجهزة العديدة بما تملكه من ميزانية ضخمة ، وصلاحيات مطلقة ، تأذن لعناصر أجهزة الأمن أن يفعلوا بالضحايا ما يريدون من تمزيق أجسامهم ، وانتهاك حرماتهم ، ومصادرة أموالهم ، والاعتداء على أرحامهم ، استنادا إلى ما يسمونه مراسيم وقوانين تعفي رجل الأمن من أي مسئولية فيما يفعله بالمعتقلين ، وتأذن له بعقد محاكمات في الشوارع ، وعلى الأرصفة ، وتنفيذ القتل بالمواطنين دون محاكمة عادلة وقضاء عادي نزيه كما قرأنا ذلك تفصيلا في المجلد الثاني ، والعجيب بعد مرور أربعين سنة على هذه السياسة الدموية ، وبدلا من تغييرها والاعتذار عما ارتكبته من جرائم تشمئز منا الأنفس حين تسمع بها ، أضيف إليها فيما تتمته به من صلاحيات جهاز الشرطة ، إذا أعفت السلطة في مرسوم صدر في 30- 9- 2008 رجال الشرطة من أي مسئولية في أن يفعلوا بالمعتقل ما يشاؤون ، ولو كان بريئا قياسا على الصلاحيات الممنوحة لرجال الأمن في أن يفعلوا بالمعتقل ما يشاؤون ، في ممارسات استباقية تقشعر منها جلود كل من يطلع عليها أو يستمع إلى من بقي حيا من الضحايا عن فظاعتها ووحشيتها.

لقد أنه رفعت خطابه الدموي بشن حرب لا هوادة فيها ضد الإخوان المسلمين ومن يشايعهم أو يؤيدهم أو يقف معهم ، فكان طلبه بمثابة إعلان حرب على كل من ينتمي لجماعة الإخوان وقتله في الشوارع أو البيوت أو في المعتقلات والسجون ، وضربهم أينما كانوا حتى آخر موقع لهم ، وإلقاء القبض على أي مجرم أو شبكة أو عصابة في اللحظات الأولى لوقوع الجريمة ، بل قبل وقوعها -القتل بالشبهة- حسب تعبير السفاح في خطابه!!

8- لم يكد رفعت ينتهي من إلقاء خطابه ، أو طرح خطته الدموية في ذبح الإخوان أينما كانوا ، وموافقة المؤتمر القطري السابع عليه حتى بادرت الحكومة والحزب والأجهزة الأمنية والدوائر المختصة والميليشيات والكتائب المسلحة وجميع التنظيمات العمالية والطلابية وغيرها على مطاردة الجماعة طبقا لقوانين وتعليمات ومراسيم صدرت ، فسالت الدماء غزيرة ، وأزهقت أنفس بريئة ، وحدث الخطف والاغتيال في الشوارع ، وقد كانت مجموعات رفعت وسرايا دفاعه في مقدمة القتلة والسافحين ، وزاد رفعت على ذلك في نهب مئات الملايين ، وفرض الأتاوات على التجار والصناعيين ورجال الأعمال ، وخطف الحرائر من الطرقات ، وتمزيق حجاب النساء في الشوارع من فوق رؤوسهن ، بيد المظليات التابعة لسرايا الدفاع ، وحدوث ما لم يخطر على بال في سورية من قبل ، حتى لم يعد المواطن آمنا على دمه أو ماله أو عرضه.

أ- صدرت القوانين التي تبيح قتل الأخ المسلم على مجرد انتمائه للجماعة ، حتى ولو كان معتقلا قبل صدور هذه المراسيم أو اللوائح أو القوانين التي صادق عليها البرلمان العتيد!! دون أن يجرؤ أحد على استفسار أو توضيح أو اقتراح أو اعتراض ، وكل الذي قرأته في الجريدة الرسمية حول مناقشة البرلمان فيما يخص قتل الإخوان على مجرد انتمائهم أن نائب دمشق تحسين الصدفي أوصى أن يميز بين المجرم وغير المجرم من المواطنين ، فكان في كلامه هذا مجازفا في حياته ومصيره.

لقد كان عام 1980 منذ ألقى رفعت خطابه وضمنه مقترحاته وبرامجه في 16- 1- 1980 البداية في انتشار الاغتيالات والمذابح الفردية والجماعية ، وحمامات الدم والمجازر الوحشية في جميع المدن السورية من الشمال إلى الجنوب ، في حلب وإدلب وجبل الزاوية وحماة وحمص ودمشق وحوران ، ومن الشرق في الميادين والدير والرقة والجزيرة إلى الغرب من اللاذقية وجبل العلويين ومدن الساحل السوري ، وفي عدد من المناطق والنواحي والقرى ، وكانت حماة وجبل الزاوية من أشدها ابتلاءات وكوارث.

ب- كشر الطائفيون عن أنيابهم الزرق ، فأسرفوا في سفك الدماء التي كان أكثر من تسعين بالمئة ممن أصابتهم أبرياء ، لا علاقة لهم بسياسة أو بمعارضة ، وإنما هم من ذوي الملاحقين وأفراد عائلاتهم وجيرانهم وأصدقائهم ، ومن يقدم لهم يد العون لإطعام أطفالهم ، ولم ينتصف عام 1980 حتى صدر القانون 49 تطبيقا لبرنامج رفعت الذي صادق عليه المؤتمر القطري السابع ، والذي يقضي بإعدام كل من له علاقة أو انتماء لجماعة الإخوان المسلمين ، ليعج سجن تدمر سيء الصيت بالألوف ، وينفذ حكم الإعدام بما قدره البعض بثمانية عشر ألف شهيد ، ليدفنوا في مقابر جماعية في صحراء الشام ، أو في أكثر من أخدود حفره الطغاة ليقبروا به كل من يؤمن بالله العزيز الحميد.

استمرت سياسات الذبح والإعدام والخطف والاغتيال في الشوارع ، وعقدت المحاكمات الميدانية على الأرصفة سنوات متتابعة بلغت أكثر من خمس سنين دأبا حتى منتصف عقد الثمانينيات من القرن الماضي ، أما عائلات الملاحقين والمعتقلين والمعدومين ، وأحوال نسائهم وأطفالهم وذوي أرحامهم ، فهو ما يندى له جبين الإنسانية ، وليس السوريين أو العرب والمسلمين وحدهم.

لقد كانت معاناتهم ومآسيهم واضطهادهم وتجويعهم وسلب ما يملكون مروعا ، لا يستطيع أي إنسان سوى سماعه أو رؤيته أو الإصغاء إليه.

لقد أعادت هذه الجرائم إلى الأذهان تاريخ محاكم التفتيش في إسبانيا ، والتنقيب على ما ينطوي عليه صدر الضحية من أفكار ومعتقدات ، وما تختزنه ذاكرته من أفكار ، ليحاسبوه عليها ، ويعاقب من ثم بأسوأ وأبشع أساليب القتل وطرائق الإعدام ، بعد تعذيب فظيع شنيع.


الفترة الخامسة : المجازر وحمامات الدم (من عام 1980 وحتى العام 1983)

أمعنت عصابات البغي والطغيان في الاغتيالات الفردية والمذابح الجماعية وسفك الدماء في حمامات الإبادة ، فامتدت الأيدي الأثيمة إلى المنازل والشوارع والسجون لقتل كرام المواطنين وكبار الشخصيات العلمية والاجتماعية لتنفيذ تعليمات وتوجيهات رفعت أسد التي ضمنها خطابه ، وحصل على موافقة المؤتمر القطري السابع عليها.


أولا : الاغتيالات الفردية والجماعية

في هذه الفقرة نورد على سبيل المثال أسماء عدد من الشهداء والضحايا الذين أعدمتهم عناصر السلطة بأساليب متنوعة ، يغلب عليها طابع الاغتيال ، لا سيما بعد أن شجعت السلطة أزلامها على اغتيال أبناء الدعوة والحركة الإسلامية أينما كانوا ، وبعد أن رصدت مكافآت مالية لمن يسفك دماءهم.

1- ومنهم على سبيل المثال لا الحصر :

- اغتيال السيدة الفاضلة الشهيدة بنان الطنطاوي زوجة الأستاذ الكبير عصام العطار المراقب العام الأسبق للإخوان المسلمين في سورية ، ورئيس مكتب التنسيق للإخوان المسلمين في البلاد العربية ، وهي بنت الأديب الكبير القاضي الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى ، وقد أقدم المجرمون على قتلها في منزلها الذي داهموه في مدينة آخن الألمانية.

- قيام عناصر أمنية بمهاجمة كلية الشريعة في جامعة دمشق ، وتحطيم محتوياتها في 1- 6- 1980 ، لأن هذه الكلية العتيدة التي أسسها كبير الدعاة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله كانت قذى في أعنيهم ، وصرحا شامخا خرج مئات الدعاة والباحثين والمدرسين.

- ضرب مطعم ( يا مال الشام ) في دبي ، لأن صاحبه الأخ أسامة الأسعد رحمه الله كان من الإخوان ، فجرح عدد من الذين كانوا يرتادون المطعم.

- اغتيال عضو نقابة المحامين في حلب الرجل الصالح الشهيد المحامي أمين إدلبي عام 1980 ، وهو راقد على فراش المرض ، وهذا الفعل الخسيس لم يقدم عليه الصهاينة ولا الوثنيون في بلاد أخرى.

- اختطاف الدكتور الشيخ ممدوح جولحة ، والشيخ عبد الستار عيروط في اللاذقية ، ثم قتلهما والتمثيل بجثتيهما بتاريخ 27- 6- 1980 ، وكانا من أبرز الدعاة في محافظة اللاذقية التي فرض عليها الطائفيون ثقافة الرعب والقتل كي يسحقوا أهل السنة الذين يشكلون الأكثرية في اللاذقية وجبلة وبانياس والحفة.. إلخ كيلا تقوم لهم قائمة في مدن المحافظة وفي غربي سورية.

- قيام عناصر المخابرات وسرايا الدفاع في 2- 6- 1980 بمداهمة مساجد دمشق في ساعة متأخرة من الليل ، وعاثوا فيها فسادا ، وسرقوا محتوياتها من كتب ومسجلات وسجاد وأثاث ، واعتقلوا من كان فيها نائما ، وكان منهم الأخ الشهيد ياسر فخري من خيرة شباب حماة كما عرفناه وهو عضو إدارة مركز حماة ، وعندما اقترب الفجر وتوافد المصلون على المساجد لأداء صلاة الفجر ، واجههم أفراد العصابة بالإهانة والتنكيل ، فكان شهر حزيران ، كما أورد بعض الكتاب ، شهر المجازر الهمجية ، في داخل سورية وفي خارجها.

- اغتيال الشيخ علاء الدين أكبازلي ابن الشيخ أحمد أكبازلي الأستاذ في كلية الشريعة ، وهو من أسرة معروفة بالتمسك بالإسلام والدعوة إلى رسالته.

- تنفيذ حكم الإعدام بخمسة عشر أخا مسلما بتاريخ 28- 6- 1980 كما رأينا من قبل ، انتقاما لما حدث في مدرسة المدفعية بحلب ، دون أن يكون لهم أي صلة بأحداث صدامية مع السلطة.

- قتل عدد من المعتقلين في أثناء المداهمات أمام أعين المواطنين المارين في الشوارع والأماكن القريبة من عمليات القتل ، دون أـن تكلف السلطة أفرادها بإلقاء القبض عليهم ، وإحالتهم إلى المحاكم إن كان صدر عنه ما يستدعي ذلك.

- اغتيال الضابط المسرح عبد الوهاب البكري في عمان بتاريخ 30- 6- 1980 ، وقد ألقت السلطات الأردنية القبض على القتلة المجرمين من أعضاء المخابرات ، فأعدمت المجرم ، وأخلت سبيل آخر من السفارة السورية لحصانته الدبلوماسية.

- اغتيال الشيخ محمود عبد الرحمن الشقفة العالم المتقي الورع الذي أنشأ المدرسة المحمدية الشرعية ، والتزم فيها بتدريس طلابها منهج وزارة التربية كيلا يحرم أبناؤها من حمل شهادات الدولة التي تفتح لهم الباب أمام تولي الوظائف ، والالتحاق في الجامعة ، مضيفا إلى ذلك ، برنامجا شرعيا شمل القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، والفقه ، والتوحيد ، والسيرة النبوية ، وعلم الفرائض ، في أوقات إضافية ، وفي حصص حلت محل الحصص غير الأساسية في المنهاج الحكومي ، فكان لهذه المدرسة فضل علينا فيما تلقيناه من تعليم وتوجيه ، ثم أنشأ الشيخ الصالح الشهيد رحمه الله معهد الروضة الهدائية نسبة إلى أبو الهدى الصيادي الذي كان قريبا من السلطان عبد الحميد ، فشرع في فتح المعاهد في سورية ، كان منها المعهد الذي لم يستكمل بناؤه ، لأن أبا الهدى خطفه وسجنه الاتحاديون في انقلاب 1909 مع السلطان عبد الحميد ، وأودعوه السجن حتى فارق الحياة ، وقد شهد مأساة خطفه وجيه المعرة الكبير ونائبها حكمت الحراكي عندما كان في زيارة لعمته بنت نورس باشا الحراكي في استنبول ، فسمعت تفصيل ذلك من الوجيه حكمت الحراكي وما شهده من فصول هذه المأساة قبيل وفاته.

انبرى الرجل العارف بالله محمود الشقفة لهذا المعهد فأكمله وأجمله بما جمع له من تبرعات ، وفتح أبوابه لطلاب العلم ، فتخرج فيه المئات والتحقوا بالجامعات والكليات الشرعية ، وكان الأزهر الشريف في مقدمتها ، فملأ خريجو المعهد الهدائي وخريجو مدرسة الشيخ التقي الورع أحمد الحصري ( التي استفادت من اعتراف الأزهر بالمعهد الهدائي ، والتحقت باسمه كليات الأزهر ) فراغا كبيرا في الإمامة والخطابة والدعوة إلى الإسلام.

امتدت يد غادرة أثيمة من شياطين السلطة ( أكرم طاقوجة ) بخنجر إلى الشيخ وهو جالس على كرسيه في المعهد الهدائي ، وبقرت بطنه ، فاندلقت أمعاؤه ، فلم يلبث أن فارق الحياة ، رغم المحاولات التي بذلت لإنقاذه ، فالتحق في ركب الشهداء العارفين بالملأ الأعلى ، وفي جنات النعيم بإذن الله وفضله وعطائه.

- في 21- 7- 1980 اغتال تلاميذ صلاح الدين البيطار أستاذهم مؤسس حزب البعث الذي حولوه إلى بؤرة طائفية ، بعد أن أنكر عليهم طائفيتهم وجرائمهم في القتل والنهب ، فكتب مقالين في جريدته الأسبوعية -الإحياء العربي- التي أصدرها في باريس ، يعتذر فيها للشعب السوري عما ألحقه به هذا الحزب الذي أسسه ، والذي خرج عن مساره ، فكلفه ذلك حياته ، فقد تم اغتياله وهو يكرب مصعد العمارة إلى مكتبه.

- اغتال أفراد هذه العصابة الطالب السوري في بلغراد ( عبد القادر ودعة ) لنشاطه الإسلامي في الوسط الطلابي في العاصمة اليوغسلافية.

- كما اغتالوا كذلك الداعية ا لإسلامي الأستاذ نزار الصباغ الذي اضطلع بمسؤولية كبيرة في إحياء الدعوة الإسلامية في إسبانيا التي كان شعبها وأحزابها يتحسسون من ذلك في تلك الفترة ، جراء رواسب الماضي ، عندما كانت إسبانيا تعيش لثمانية قرون في ظل الإسلام ، فكان الشهيد مسؤولا عن المركز الإسلامي في غرناطة ، وفي أول زيارة قمنا بها لإسبانيا ، أشار إلينا من داخل بيته بيده إلى قصر الحمراء المتربع على هضبة مطل على غرناطة ، ليبدو لنا ، عندما زرناه ، وكأنه شيد اليوم وليس قبل عدة قرون.

- تعاونت سلطة الطغيان والقمع مع الإرهابي الدولي كارلوس في تنفيذ عدد من الأعمال الإرهابية المدفوعة الأجر من أجهزة النظام ، من رفعت أسد ، ضد شخصيات سورية معارضة.

- نفذت عصابات الأمن التي لا تلتزم بدين أو خلق ، ولا تتقيد بقانون أو دستور أو بمعنى إنساني ، سلسلة من عمليات الإعدام الجماعي بحق المواطنين ، فأعدمت أحد عشر عسكريا من الضباط وضباط الصف في 5-7-1980 ، وأعدمت خمسة مواطنين بتاريخ 26-12-1980 ، وعشرين مواطنا في دمشق ، وسبعين مواطنا في حماة في أواسط تشرين الأول من عام 1980.

- وأخيرا -وليس آخرا- أعدمت الشهيد حسني عابو وعددا من أخوانه ناكثة العهد الذي قطعته واتفقت عليه مع الشهيد أمين يكن في وساطة قام بها ، وقبلوها ، ثم فاجؤوا الناس بنقضها ونفذوا أحكام الإعدام في حسني عابو و زهير زغلوطة و ياسر الخطيب ، وإخوانهم ، دون أن يرعوا فيهم وعدا أو عهدا أو ميثاقا أو اتفاقا.

هذا نزر يسير ، وأمثلة قليلة عن الذين طالهم القتل الهمجي ، والاغتيال الوحشي ، وقد بلغوا العشرات ، بل المئات وعشرات المئات ممن ذكرت كتب كثيرة أسماءهم وأنسابهم ومدنهم ، وما كانوا يشتهرون به من علم مكين وخلق كريم.

2- أما المجازر الجماعية وحمامات الدم التي شتملت العشرات والمئات في حلب وحماة والرقة وغيرها ، والألوف التي أبيدت في سجن تدمر الصحراوي ، وفي مجزرة حماة الكبرى في عام 1982 ، فالحديث عنها ذو قروح وجورح وشجون ، وهذه أمثلة قليلة ، وليست على سبيل الحصر ، نذكر بها تفصيلا لاحقا بالمواطنين ، كيلا يطويها التقادم أو النسيان. من هذه المجازر :

أ- في اليوم العاشر من شهر آذار 1980 عقدت السلطة الباغية محكمة عسكرية ميدانية برئاسة المجرم توفيق صالحة ( من الطائفة الدرزية ) عضو القيادة القطرية لحزب البعث ، والذي وصل من دمشق بالطائرة ، وعلى الرغم من بقاء تفاصيل جلسات المحاكمة التي عقدت جلساتها على الرصيف من بلدة جسر الشغور طي الكتمان ، فإن المواطن يلمس نتائجها مما شاهده : تنفيذا لأحكام الإعدام بحق أكثر من مئة محتجز ، حتى بلغ ما قتلتهم قوات الأمن من سكان المدينة مائة وخمسين إلى مائتين ، حسب التقديرات التي أوردها باتريك سيل وأوردته منظمة العفو الدولية في تقريرها ص 34 لعام 1983 ، و كتاب الإخوان المسلمين لمؤلفه سيرو ص 145 ، فقد تحدث كل من سيرو وباتريك سيل عن مقتل مائتي مواطن من بلدة جسر الشغور الصغيرة!! أعقبها إحراق 15 منزلا و 40 محلا تجاريا فيها.

ب- إن الذين كانوا ينفذون هذه الجرائم هي عناصر خمسة عشر جهازا قميعا ( أمنيا ) كانت ترتكب هذه الأعمال الإجرامية في سورية ، ولكل منها أقسامها الإدارية الخاصة بها ، ورؤساؤها المباشرون الذين يرفعون التقارير مباشرة إلى ( الرئيس ) والكل يمارس الاعتقال ، واستجواب السجناء ، ويشرفون على عملية الحجز والحبس ، وليس لهذه الأجهزة حدود في سلطاتها إزاء تنفيذ الاعتقالات والتفتيش والاستجواب والحجز ، إذ لم يعرض أي سجين من بين آلاف السجناء لأسباب سياسية على محكمة ما ، تنظر بأمره منذ عام 1980 .

كان الذين يشرفون على تنفيذ هذه السياسات الأمنية المدمرة هم من أقرباء حافظ أسد ، من أمثال شفيق فياض قائد الفرقة المدرعة الثالثة ، و علي حيدر آمر القوات الخاصة ، و علي دوبا رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية ، و محمد الخولي رئيس مخابرات القوى الجوية ، وكانت هذه المخابرات تثقل كاهل الخزينة السورية بنفقاتها ، إذ ذكرت بعض التقديرات أن ثلث الميزانية العسكرية تم تخصيصها لأجهزة المخابرات .

ج- كان نصيب مدينة حماة من المجازر كبيرا ، إذ حدثت عدة مجازر قبيل وقوع المجزرة الكبرى عام 1982 ، كانت أولاها في 5 نيسان ، وقد استمرت إلى 12-4-1980 ، قتل فيها المئات من كبار الشخصيات ووجهاء مدينة أبي الفداء ، من أمثال الدكتور عمر الشيشكلي رئيس جمعية أطباء العيون ، و خضر الشيشكلي ، وريث الكتلة الوطنية و شقيق توفيق الشيشكلي زعيم الكتلة الوطنية في مدينة حماة ، والدكتور عبد القادر قنطقجي طبيب الجراحة العظيمة ، وخريج الجامعات الألمانية ، والوجيه أحمد قصاب باشي بعد تعذيبه ، وقطع أصابع يديه ، وقلع أظافره قبل إعدامه.

وحدثت المجزرة الثانية في 21-5-1980أي بعد أقل من 40يوما من وقوع المجزرة الأولى.

ثم تبعتها مجزرة ثالثة في 10-10-1980 ، وكل ذلك حدث قبل حدوث المجزرة الكبرى التي سترد في فقرة خاصة بها لفداحتها وفظاعتها ، والتي لم يحدث مثيل لها في الحروب العالمية الكبرى ، أو في ثورات الاستقلال في سورية أو مصر أو العراق أو السودان أو تونس أو المغرب ، باستثناء ما وقع في الجزائر عام 1945 عندما انتفض الشعب الجزائري في نهاية الحرب العالمية الثانية التي ساهم وشارك مشاركة حاسمة في انتصار فرنسا فيها ضد ألمانيا ، وطالب بالاستقلال ، ثمنا لتضحياته ، فقتل منه الفرنسيون قرابة 45ألف جزائري في الجزائر وفي المدن الفرنسية.

د- وإذا عرجنا على كارثة تدمر ، نستمع إلى أحد شهودها قبل أن نلج على تفصيلاتها.. فقد قال أحد معتقلي سجن تدمر في شهادة له أمام منظمة العفو الدولية : الحياة في تدمر أشبه بالسير في حقل ألغام ، قد يفاجئك الموت في أي لحظة ، إما بسبب التعذيب أو وحشية السجانين ، أو المرض أو الإعدام ، وتقول المنظمة في تقريرها المعنون بـ( تعذيب ويأس وتجريد من الإنسانية في سجن تدمر ) : يوسف عادة سجن تدمر في سورية بأنه مكان : الداخل فيه مفقود ، والخارج منه مولود ، وقد أصبح سجن تدمر بالنسبة للسوريين مرادفا للوحشية واليأس والتجريد من الإنسانية ، وقد قاسى السجناء في سجن تدمر مستوى مروعا من الصعب التصديق لما حدث فيه من ضروب التعذيب والتنكيل والوحشية ، فالقتل والتعذيب حتى الموت سمة رئيسية من سمات أجهزة النظام السوري تحت إمرة حافظ أسد ، إذ التصفية الدموية رافقته من أول يوم استولى فيه على السلطة ، وهذا الوصف ثبت في ملفات جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والعالمية التي دونت خلاصاتها وفقا للمعايير الأممية ، كما نص على ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10-12- 1948 ، إلا أن النظام السوري وأجهزة مخابراته الإجرامية تنقض المعاهدات والمواثيق -بالرغم من توقيعه عليها- ويقوم بتصفية عشرات الألوف بصورة دموية ، لم تعرف سورية مثيلا لها في تاريخها القديم والحديث.

3- في صبيحة السابع والعشرين من شهر حزيران عام 1980حدثت -في سجن تدمر الصحراوي- مجزرة رهيبة ومرعبة ، كان منفذوها من سرايا الدفاع التي يرأسها ويقودها رفعت أسد تنفيذا لما جاء في خطابه الدموي الذي حض فيه على القتل ، ونال فيه موافقة أعضاء المؤتمر القطري السابع ، متأسيا بستالين الذي أباد عشرة ملايين في الاتحاد السوفييتي حسب تعبير رفعت أسد.

لقد أشارت إفادات المعتقلين الذين قدر لهم النجاة من مجزرة تدمر ، وخرجوا من السجن ، وهم قلة قليلة ، بالنسبة إلى ألوف الضحايا الذين دخلوا السجن وهم أحياء ، ثمن اندثرت وغيبت أخبارهم عن ذويهم وعن العالم في جوف المعتقل الصحراوي ، حيث الإحصائيات تقول : إن عدد المفقودين في تدمر على مدى أربع أو خمس سنوات بلغ عشرين ألف ضحية.

أ- لقد مضى أكثر من ربع قرن على وقوع مجزرة تدمر الرهيبة سيئة الذكر ، واستمرار المجازر في هذا المسلخ البشري ، وقد أقر أحد أركان النظام مصطفى طلاس وزير الدفاع في نظام حافظ أسد ، ونائب رئيس الوزراء في حديث لمجلة دير شبيغل الألمانية في شهر شباط 2008 وفي عددها ذي الرقم 8/ 2005 أجرته معه الصحفية سوزان كوليبيل أنه كان يوقع في أوائل الثمانينات على 150 حكما بالإعدام أسبوعيا على المعارضين السياسيين الإسلاميين ، كما اعترف بأن يده -الأثيمة- وقعت على أحكام إعدام بلغت الألوف دون أن يبلغ ذووهم عن إعدامهم ، باعتباره نائب الحاكم العرفي بموجب حالة الطوارئ المفروضة ، فكانت تحال إليه نتائج المحاكم الصورية الميدانية في تدمر وغيره من مراكز الاعتقال والتحقيق للتوقيع عليها.

ذكر من كتبت له الحياة -وهم كما جاء قبل قليل قلة قليلة- أن المهجع الذي يبلغ عدد المعتقلين فيه ما بين 150 إلى 200 سجين لم يبق فيه سوى عدد يتراوح ما بين 20 إلى 30 بعد أن كانت تدفع إلى ساحة الإعدام من معتقليه في كل أسبوع دفعة أو دفعتان للقتل ، وكان نزلاء المهاجع الأخرى يسمعون تكبيرات الشهداء قبل أن تنفذ فيهم عمليات القتل ، فصارت تضع لواصق على أفواههم ، حتى تحرمهم من هتاف الله أكبر كيلا يسمع المعتقلون في المهاجع الأخرى نداءاتهم واستغاثاتهم لربهم حينما كانوا يقتلون.

ب- لقد حاولت السلطات الحاكمة في سورية أن تسدل ستارا من الكتمان الكثيف على جريمة سجن تدمر المروعة ، لكن سرعان ما انكشف ذلك الستار عندما اعتقل جهاز الأمن الأردني مجموعة من العناصر المسلحة في 13- 1- 1981 أرسلتهم سلطة البغي السورية إلى عمان لاغتيال رئيس وزراء الأردن الأسبق السيد مضر بدران ، فتبين من مجريات التحقيق أن عنصرين من الذين كلفوا بالاغتيال كانا قد شاركا في مجزرة تدمر ، واعترفا بتفاصيل المذبحة التي تباعها الشعب السوري والأردني والعرب في أقطارهم والعالم أجمع عبر التلفزيون الأردني وهو يبث اعترافات المجرمين القتلة أو الذين احترفوا القتل في سورية ولبنان والأردن وقتل الفلسطينيين حيثما وجدوا.. إلخ ، وقد ضمت هذه الاعترافات إلى وثائق الأردن الرسمية.

كان جميع السجناء والمعتقلين والضحايا الذين ذبحتهم عصابات القتل في تدمر وغيره من السجون والمعتقلات وأقبية التعذيب الـ 76 قبوا ، وفي جميع المحافظات والأقضية السورية : أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين ، ومن أنصار التيار الإسلامي ، الذين عارضوا انتهاكات حرمات الإسلام والمسلمين.

ج- في فجر السابع والعشرين من حزيران 1980 قامت وحدات من سرايا الدفاع التابعة لسلطة رفعت الأسد بالانتقال بالطائرات المروحية ، وعددها إحدى عشرة طائرة من مناطق تمركزهم قرب دمشق إلى تدمر ، حيث كانت الأوضاع في السجن يجري ترتيبها على قدم وساق ، بإشراف مدير السجن : فيصل غانم لتنفيذ المجزرة الرهيبة.

ففي الساعة الثالثة والنصف من فجر 27- 6- 1980 دعيت مجموعتان من سرايا الدفاع للاجتماع بلباس الميدان الكامل ، فكانت المجموعة الأولى من اللواء 40 الذي يقوده الرائد معين ناصيف صهر رفعت أسد قائد السرايا ، وكانت المجموعة الثانية من اللواء 138 الذين يقوده المقدم علي ديب ، تضم كل مجموعة 100 عنصر انتدبوا للذهاب إلى تدمر وذبح عدد كبير من المعتقلين فيه.

اجتمعت مجموعة اللواء 40 في سينما اللواء حيث ألقى فيهم معين ناصيف كلمة قال فيها : راح تقوموا بهجوم على أكبر وكر للإخوان المسلمين ، ثم انتقلت المجموعة إلى مطار المزة القديم ، وهناك التقت المجموعتان ، حيث كانت في انتظارهم طائرات الهيلوكبتر التي تتسع كل واحدة منها إلى 24 راكبا.

كلف المقدم سليمان مصطفى قائد أركان اللواء 138 بقيادة العملية الإجرامية ، وكان معه من الضباط : الملازم أول ياسر باكير ، والملازم أول منير درويش ، والملازم أول رئيف عبد الله.

أقلعت الطائرات حوالي الخامسة صباحا ، فوصلت إلى مطار تدمر حوالي الساعة السادسة ، فعقد اجتماع لضباط العملية ، تم فيها توزيع المهمات ، وتقسيم المجموعات ، ثم أعطي للعناصر استراحة لمدة 45 دقيقة. كان السجن هادئا ، قد اتخذت فيه ترتيبات معينة ، جرى فيها تفقد المعتقلين ، وتسهيل مهمة مجموعات سرايا الدفاع ، وكانت الشرطة العسكرية المكلفة بالحراسة عند الباب الخارجي ، كما كان رئيس الحرس وشرطته العسكرية مجتمعين في ساحة السجن.

دعي عناصر سرايا الدفاع إلى الاجتماع حيث تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات ، الأولى مكومة من 80 عنصرا ، كلفت بدخول السجن ، وسميت مجموعة الاقتحام ، والثانية مكونة من 20 عنصرا ، كلفت بحماية طائرات الهيلوكبتر ، والثالثة مكونة من بقية العناصر ، ظلت في المطار للاحتياط.

ركبت مجموعة الاقتحام سيارات دودج تراك ، وحين وصلت إلى السجن انقسمت إلى مجموعات صغيرة ، وقد سلم مدير السجن النقيب فيصل الغانم مفاتيح المهاجع إلى ضباط سرايا الدفاع ، كما زودهم بمرشدين لغرف السجن وباحاته.

كان عدد مهاجع السجن 34 مهجعا ، في كل واحد منها معتقلون يتراوح عددهم ما بين 20 إلى 70 معتقلا تبعا لحجم المهجع ، وقد تم تنظيم العملية بقتل المعتقلين على دفعتين ، الأولى تشمل الغرف المطلة على الباحات : 1 و 2 و 3 ، والدفعة الثانية تشمل الغرف المطلة على الباحات : 4 و 5 و 6 ، وبسب انخفاض المهاجع وعتمتها في غرف الدفعة الأولى ، تقرر إخراج المعتقلين إلى الباحات ، فوقف المعتقلون مغمضي العيون.

في الباحة رقم ( 1 ) تم إخراج نزلاء المهاجع : 4 و 5 و 6 ، وجمعوا في زاوية الباحة الشمالية الشرقية ، وفي الباحة رقم ( 3 ) تم جمع المعتقلين من المهاجع : 12 و 13 و 16 و 17 في الزاوية الشرقية الواسعة من الأمام ، وهكذا تم تجميع المعتقلين مع أغراضهم بشكل يجعل عملية القتل والإبادة تبدأ في الباحات الثلاثة في وقت واحد ، والجدير بالذكر أن المعتقلين جميعا في اليوم السابق تعرضوا لأنواع من التعذيب الشديد الذي لم يسبق له مثيل ، فقد اندفت عناصر الشرطة العسكرية تطوف بالمهاجع ، وتضرب المعتقلين بالسياط والعصي ، كما أخرجوا نزلاء بعض المهاجع بالتسلسل ، وانهالوا عليهم ضربا بالعصي والسياط ، فأصيب الكثيرون من المعتقلين بكسور وجروح مختلفة.

أعطيت إشارة البدء بالقتل ، فانطلقت الآلات النارية تصب جام غضبها على المعتقلين العزل الأبرياء ومعظمهم رهائن ، وألقيت عدة قنابل في الباحة رقم ( 2 ) واستخدمت قاذفات اللهب مع إطلاق النار الكثيف في كل الباحات الثلاث ، فتعالت صيحات المعتقلين بهتافات : الله أكبر ، وخلال دقائق قليلة انتهى الأمر ، لكن بعض المعتقلين تمكنوا من الهرب ودخول المهجع الكبير المزدوج 4 و 5 ، فلحق بهم عناصر سرايا الدفاع وقتلوهم ومثلوا بهم ، ثم اندفعت ست مجموعات من القتلة إلى الباحة رقم ( 4 ) وفيها أربعة مهاجع مليئة بالمعتقلين ، فدخلوا عليهم ، وأخذوا يطلقون رصاصهم رشا على الضحايا الذين سقط معظمهم على الأرض ما بين قتيل وجريح ، حتى قضوا على كل من في المهجع ، ثم انطلقت المجموعات إلى الباحتين 5 و 6 حيث توزعت على المهاجع الخمسة الباقية ، فبدئ بقتل من فيها من المعتقلين ، وقام بعض الضباط والعناصر بتقليب جثث الضحايا ، للتأكد من مقتلها أو الإجهاز على من فيه بقية من رمق ، حتى تلطخت أيديهم وثيابهم وصدورهم بالدماء ، وكان ممن قاموا بهذا العمل البطولي الثوري التقدمي!! الملازم رئيف عبد الله ، والملازم منير درويش ، والرقيب علي محمد موسى.

تم تنظيف الساحات ، والقيام بطلاء الجدران في السجن لإخفاء معالم الجريمة النكراء ، ثم عاد القتلة إلى مطار المزة في الساعة الثانية عشرة والنصف ، وكان في انتظارهم الرائد معين ناصيف ، حيث اجتمع بهم ، وشكرهم على جهودهم قائلا لهم : ما لازم تطلع أخبار العملية لأحد ، بل تظل مكتومة وسرية ، ثم وزع عليهم في اليوم التالي على كل عنصر 200 ليرة سورية، مكافأة لهم على ( جهادهم ) ليس في الجولان التي كانت سرايا الدفاع أو الهاربون منه باتجاه دمشق ، بل بقتل أسرى ومعتقلين في سجون القتلة المجرمين.

اطلعت لجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الأمم المتحدة -التي انعقدت في جنيف في دورتها السابعة والثلاثين- على وقائع مجزرة سجن تدمر ، والتي تضمنت إفادات المشاركين في المجزرة ( عيسى إبراهيم فياض ، وأكرم بيشاني ).

كانت المجزرة مدبرة ، لأن عملية الفصل بين المعتقلين الإسلاميين وغيرهم من نزلاء سجن تدمر بدأت قبل أسبوعين ، كما أفاد بعض البعثيين المناوئين لحكم حافظ أسد ، والذين كانوا معتقلين في سجن تدمر ، وأفكار القتل ومعسكرات الاعتقال في الصحراء ، والتصفية الجسدية ، وتقليد ستالين في سياسة التصفية والإبادة ، واجتثاث الحركة الإسلامية من الجذور ، وملاحقة أبناء الجماعة أينما كانوا -كانت سياسة رفعت المعلنة في خطابه بالمؤتمر القطري السابع الذي وافق على ما جاء في هذا الخطاب الدموي. وقد سارع حافظ أسد بعد مجزرة تدمر بسن قانون يشرعن التصفية الجسدية ، إذ صدر القانون رقم 49 في 7- 7- 1980 يدين أي علاقة بالإخوان المسلمين ، ويعاقب عليها بالإعدام ، وقام حافظ أسد في اليوم التالي ، أي في 8- 7- 1980 بالتوقيع عليه ، ليصبح قانونا نافذا بأثر رجعي ، بحيث قضت المادة الخامسة من القانون أنه لا يستفيد من اعتقل قبل هذا التاريخ من أي فرصة ، لذلك فما نشر عن تعرض حافظ أسد لمحاولة اغتيال فاشلة ، لا نعرف عنها ولا عن منفذيها شيئا ، إن هي إلا للتغطية على هذه المجزرة المدبرة التي استهدفت شريحة من علماء سورية وشيوخه وأطبائها ومهندسيها وجامعييها وطلابها وأدبائها وفلاحيها ومن كل فئات الموطنين ، بلغ عددهم حسب مصادر هيومان رايتس ووتش 1182 في مجزرة تدمر ، وقد رفع بعض الباحثين والمعنيين العدد إلى 1700 شهيد.

د- إننا نعتقد ، وفق المنطق القانوني والقضائي ، أن هذا الحق لا يضيع بالتقادم ، لأنه جريمة بشعة ضد الإسلام والمسلمين والسوريين والبشرية قاطبة ، والدماء الزكية التي أريقت ، وأصحابها معتقلون ومقيدون لن تضيع سدى ولو طال الزمان.

إننا نؤكد على ما صدر عن اللجنة السورية لحقوق الإنسان في 27-6-2007 من أن سجن تدمر قد تحول على مدى عقدين ، إلى مجزرة حصدت فيه آلاف الأرواح في حملات الإعدام الجماعية التي أكدتها تصريحات مصطفى طلاس وزير الدفاع لمجلة دير شبيغل الألمانية ، كما رأينا من قبل.

لقد بلغ عدد الذين ابتلعهم سجن تدمر ، واختفت آثارهم فيه ، وفي جوف الصحراء المحيطة به ، سبعة عشر ألف شهيد من النخبة ، ومن صفوف الشعب في سورية ، والسلطات الباغية لم تزل من 29 سنة تتجاهل الموضوع برمته ، وتتعامل ببالغ القسوة مع كل استفسار عن أي مفقود في سجن تدمر الصحراوي والسجون السورية كافة.

لقد طالبت اللجنة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان -ونحن معها ومن مؤيديها- بما يلي :

-الإعلان عن مصير كل مفقود في سجن تدمر والسجون السورية الأخرى ، والإفراج عن الذين ما يزالون على قيد الحياة .

-الكشف عن أماكن دفن الذين ذبحوا في المجازر أو تحت التعذيب ، ومنح ذويهم حق نقل رفاتهم إلى مقابر أسرهم.

-فتح تحقيق مستقل في مجزرة سجن تدمر ، والمجازر الجماعية كافة.

-التعويض الكامل لذوي المفقودين ، بسبب ما ألحقه فقد ا لزوج والأب والأخ والابن من أضرار مادية ونفسية واجتماعية جسمية ، وغير ذلك محمد دعت إليه اللجنة السورية لحقوق الإنسان.

وإننا إذ نختم الحديث عن هذه الفقرة التي طالت لأنها أفظع جرائم العصر بالعبارة الموجزة : إذا ظن المجرمون والسفاحون وسفاكو الدماء والوحوش الضارية أن هذه الجريمة ذهبت أدراج الرياح ، وأن التقادم أو النسيان طواها أو سيطويها ، فإنهم واهمون ، وفي غيرهم سادرون ، إذ لا بد من أن ينالوا العقاب الذي يستحقونه بموجب شرع الله وعدالة السماء ، ثم بالقوانين البشرية التي لا يختلف عليها أحد ، ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً ﴾ .

4- تتالت المجازر الجماعية ، واتسعت دائرتها ، وامتد جحيمها في معظم محافظات القطر دون توقف ، ودون أي شفقة أو رحمة ، يشرف عليها ، ويدفع إليها ، ويحث عصاباته على تنفيذها : حافظ أسد الذي صادق على القانون 49 بعد ساعات من صدوره بظاهرة غير مألوفة في تاريخ القانون ، لشدة تعطشه لسفك الدماء ، وإعدام المظلومين والأبرياء ، ومن المجازر التي ارتكبها الطغاة على سبيل المثال لا الحصر :

-مجزرة جبل الزاوية بتاريخ 13-5-1980 وراح ضحيتها 14 مواطنا.

-مجزرة سوق الأحد في حلب ، وقد حدثت في 13-7-1980 في السوق الشعبي ، فراح ضحيتها 192 مواطنا من أبناء مدينة حلب التي فقدت الألوف من أبنائها في هذه الفترة العصيبة من تاريخ سورية الحديث ، على أيدي عصابات البغي المتسلطة على البلاد ، وعلى رقاب العباد.

-مجزرة حي المشارقة -أو مقبرة هنانو- في حلب أيضًا ، وقد حدثت في شهر آب 1980 ، وراح ضحيتها 100 مواطن ، وقد أفاد العميد هشام المعلا : أن الذي أمر بها هو رفعت أسد ، فراح ضحيتها 86 مواطنا ، أنزلهم البغاة من منازلهم في ويوم حزين صباح يوم العيد ردا على حادثة وقعت بين المعارضين وبين رجال السلطة ، فأخرج البغاة السكان من منازلهم بلباس النوم ، وأوقفوهم ووجوههم إلى جدار المقبرة ، ثم صبوا عليهم نيران بنادقهم ورشاشاتهم ، وأردوهم قتلى البغي والظلم والطغيان.

-مجزرة سرمدا ، حدثت في 25-7-1980راح ضحيتها 11 رجلا وامرأة ، وجرى تمثيل ببعض الجثث كما حدث للشهيد أمين الشيخ.

-مجزرة بستان القصر ، حدثت في يوم 12-8-1980 ، تم فيها إعدام 120 امرأة كن رهينات ، ونمسك عن الحديث المأساوي لما جرى ، لأن القلم يعف عن ذكر ذلك ، وبعض الأخبار التي وردتنا تقول : إن هذه الحادثة جرت في سجن الرستن الذي يقع ما بين حمص وحماة.

-مجزرة البساتين في حمص ، حدثت في 16-8-1980/ وخلفت عشرات القتلى ، لم تستطع أي جهة حقوقية أن تحدد أعدادهم.

-مجزرة ساحة العباسيين في دمشق بتاريخ 18-8-1980 خلفت 60 قتيلا و 50جريحا.

-مجزرة الرقة التي حدثت في منتصف شهر أيلول 1980 ، وبلغ عدد ضحاياها 200 ضحية.

-مجازر الحجاب ، جراء الاعتداء على النساء المحتشمات المحجبات في شوارع دمشق ، وكانت في 18-8-1980 ، إذ شرع السفلة والساقطات من المظليات ومن عناصر المخابرات يمزقن حجاب النساء ، فأدى هذا العمل الشائن إلى استشهاد بعض النساء ، وهن يرفضن الكشف عن الرؤوس والنحو تحت تهديد السلاح ، مع شتمهم بالكلمات البذيئة ، فسقط نتيجة ذلك قتيلات وجريحات ، والحديث عن هذه المآسي يطول ، ويثير الألم والاشمئزاز ، ويورث الأحقاد والضغائن بين المواطنين.

أما مجزرة حماة الكبرى ، فلها مكان آخر في هذه الأوراق لأنها كارثة كبرى ، بل هي أكبر الكوارث التي شهدها القرن العشرون.

5- ثمة مجزرة من نوع آخر ، ذات أهداف خبيثة في تمزيق الوحدة الوطنية ، وترويع أهل السنة في محافظة اللاذقية ، لبث الرعب في أوساطهم والتنكيل بهم ، لحملهم على النزوح ، وترك مساكنهم ، بما يشبه التطهير العرقي والتهجير القسري إلى خارج المحافظة ، ففي 30-8-1979 قتل الشيخ العلوي يوسف صارم في منطقة الرمل الشمالي ، حيث تقطن أغلبية علوية ، وكان الشيخ يوسف يوالي صلاح حديد الذي كان في نزاع حاد مع حافظ أسد ، كما كان الشيخ يوسف ينتمي إلى فرقة الحيدرية ، بينما كان حافظ أسد ينتمي إلى فرقة الكلازية ، وعلى الرغم من فرار القاتلين اللذين يرجح أنهما اقترفا جريمتهما لأسباب عائلية بحتة ، فإن تبعية القتل ألقيت تلقائيا على المسلمين من أهل السنة والجماعة ، فسارع شباب الطائفة العلوية إلى التجمهر يتقدمهم ضابط من سرايا الدفاع هو الملازم نبيل داوود ، فسارع الغوغاء وتحت حماية عناصر الشرطة العسكرية والمخابرات ، لا يدعون شيئا للمسلمين السنة إلا أتوا عليه ، لقد أحرقوا السيارات وكسروا واجهات المحلات التجارية ، وأشعلوا النار في محطات الوقود ، وهاجموا الفنادق وأحرقوها ، وصبوا نار سخطهم على سيارتين سعوديتين أمام فندق الريفيرا ، وتعرضوا للسائحين السعوديين بالضرب ، وسلبوا ونهبوا كل من مر بهم .

أ- سار المتظاهرون يهتفون بشعارات معادية للإسلام ، ويشتمون الصحابة -أبو بكر وعمر وعثمان- رضي الله عنهم ، فحصل صدام دموي مع أهل مدينة اللاذقية ، قتل فيها قائد المظاهرة الملازم نبيل داوود.

في المناطق التي يسكنها العلويون ، وضع شبابهم المتاريس على طريق كسب -اللاذقية ، والشاطئ الأزرق- اللاذقية ، وشرعوا في تفتيش السيارات ، فقتلوا ونهبوا ، فكان من القتلى ثلاثة حلبيين من آل الصباغ.

أتجه بعض المتظاهرين إلى منطقة حي الجمال حيث يسكن التركمان المسلمون ، فقام الغوغاء بأعمال النهب والسلب ، ودخلوا مسجد علي الجمال ، فنهبوا أثاثه ، ومزقوا المصاحف ، وأحرقوا المسجد ، وكسروا زجاجه ، فتعطل المسجد عشرة أيام لا تقام فيه الصلاة ، وكان محصلة قتلى التركمان عشرين شهيدا.

وفي ( الحفة ) خرج الغوغاء يحملون جنازة الشيخ يوسف الصارم ، ويطوفون بها على القرى لتحريض العلويين للاشتراك بالفتنة ، وكلما مروا على قرية من قرى المسلمين السنيين ، نهبوا ، وقتلوا ، وأشعلوا النيران في العقارات والأملاك.

وفي مدينة اللاذقية قام أحد عناصر المخابرات في حي الصليبة بقتل المواطن اللاذقي نادر حصري ، وهو ابن ثمان وعشرين سنة ، فانطلق المسلمون يحملون شهيدهم على أكتافهم يوم الجمعة في 31-8-1979 ، وهم يهتفون بـ  : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وساروا بها إلى ساحة الشيخ ضاهر ، فأطلق ثلاثة مسلحين النار على المشيعين ، فسقط منه في الحال ثمانية قتلى ، وجرح خمسة آخرون ، فوقعت الجنازة على الأرض ، غير أن المشيعين صمموا على السير بها ، حتى واروا الشهيد في مثواه الأخير .

ب- أدرك الإخوان ما يبيت للمسلمين السنة في اللاذقية ، فأصدروا بيانا في 6-9-1979 حول أحداث المدينة ، خاطبوا فيه السوريين والعرب والمسلمين وأحرار العالم بكلام جاء فيه : لقد سمعتم الأكاذيب والأباطيل التي لفقها النظام السوري ضد الإخوان المسلمين بقتل شيخ من العلويين ، لإيقاظ فتنة طائفية ، ذهب ضحيتها الكثيرون من المسلمين.

إن الإخوان المسلمين يطالبون الجامعة العربية والدول العربية ، كما يطالبون حكام المسلمين ، و هيئة الأمم ، ودول العالم ، ولجان الدفاع عن حقوق الإنسان ، ولجنة العفو الدولية ، بإجراء تحقيق عادل نزيه حيادي ليقف العالم بأسره على الحقيقة الناصعة ، من براءة الإخوان المسلمين ، ومن تخطيط النظام الطائفي الذي دبر المجزرة للمسلمين في اللاذقية ، وفي الساحل السوري.

إن الإخوان المسلمين يضعون في أعناق المسلمين مسؤولية التدخل لإيقاف المذبحة الجماعية للمواطنين المسلمين ، فالعلويون بيدهم كل أنواع السلاح ، والمسلمون عزل ، لا حول لهم ، وفي كل يوم يقيم الطائفيون مسلخا بشريا ، ويجرون نهرا من الدماء البريئة في اللاذقية وفي المدن الأخرى .

ج- أهاب الإخوان المسلمون بالعرب والمسلمين أن يهبوا لنجدة إخوانهم الذين يواجهون في منطقة الساحل السوري خطة رهيبة كخطة الصهاينة في إجلاء الفلسطينيين عن ديارهم ، أو إبادتهم ، وإن ما يجري في اللاذقية شبيه بمجزرة قبية ، ومجزرة دير ياسين ، لتصفية السنيين في الساحل ، وتهجيرهم ، وإحلال البعض من سكان الجبل محلهم.

إن الإخوان يناشدون العرب والمسلمين لإيقاف المذابح التي تجري في سورية. وختم الإخوان نداءهم ومناشدتهم بقول القائل :

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة

حتى المنابر ترثي وهي عيدان

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

إن كان في القلب إسلام وإيمان

6- ضج العالم من هول ما يجري في سورية من قتل وإبادة ، وحمامات الدم ، ومجازر جماعية ، تسفك فيها دماء العشرات والمئات والألوف ، كما جرى في سجن تدمر ، وفي مدينة أبي الفداء ، وبدأ الناس يسمعون نداءات المسلمين في العالم ، وصرخات ذوي الضمائر الحية ، في المشارق المغارب من هول الفاجعة ، وما يحدث للسوريين على أيدي التتار الجدد ، والمغول الحاقدين ، وإمعانهم في القتل ، وإسرافهم في إبادة من يؤمن بالله العزيز الحميد.

وكان الإخوان قد وجهوا مذكرات عديدة في عام 1979 و 1980 إلى الحكومات العربية ، وإلى جامعة الدول العربية ، والهيئات الدولية ، والمنظمات الحقوقية المدافعة عن حقوق الإنسان في لندن وجنيف وغيرهما.

أ- كانت صيحة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في هذا الشأن مدوية ، إذ وجه برقية لحافظ أسد في 29-7-1979 جاء فيها : لقد هال المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية المنعقد في المدينة المنورة ، والذي يحضره ممثلون من علماء المسلمين وقادة الفكر في العالم الإسلامي ، ما جرى ويجري في سورية المسلمة ، من إعدام وتعذيب وتنكيل بالمسلمين الذين يطالبون بتحكيم شريعة الله في المجتمع.. الخ.

إن المجلس الأعلى للجامعة يأسف أشد الأسف لما يجري في هذا البلد الغالي من سفك دماء الذين ينشدون ما هو واجب على كل حكومة تؤمن بالله ورسوله ، ويستغرب المجلس الأعلى أشد الاستغراب أن تكون الدعوة في بلد إسلامي عريق جرما يستوجب أهله الاعتقال والإيذاء والقتل ، دون أن يسمح للمتهم بأدنى قدر من الحرية لجلاء الحقيقة .

كما رفع الإخوان مذكرة إضافية إلى لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان ، تضمنت شرحا وافيا عن نكبة المسلمين في سورية منذ خمسة عشر عاما في ظل حكم ديكتاتوري متعطش لسفك الدماء ، وإزهاق الأرواح ، والتعذيب حتى الموت في سجون المزة ، والشيخ حسن ، والحلبوني ، والقصاع ، وأقبية المخابرات ، وسجون المحافظات المدنية والعسكرية ، التابعة لعدد من أجهزة القمع ، ومخابرات رئاسة الجمهورية ، وتضمنت المذكرة أسماء شهداء أبرار قضوا غيلة أو تعذيبا ، وأسماء سجينات عذبن بالكهرباء والوسائل الأخرى. وقد قرأنا من قبل مقتطفات من بيان الإخوان الذين خاطبوا به السوريين والعرب والمسلمين ، وأحرار العالم في الصفحة الثامنة من العدد الثاني من مجلة النذير.

ب- ثم صدرت فتوى صريحة عن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لنصرة المجاهدين في سورية جاء فيها : من عبد العزيز بن باز إلى من يراه من ذوي الخير والإحسان : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أما بعد : فقد ثبت لدي أن إخوة لكم في سورية قد قتلوا ، وبعضهم غيب في السجون ظلما وعدوانا ، وما نقموا منهم إلا أنهم مسلمون ، يدعون إلى الله سبحانه ، ويرشدون العباد إلى توحيده وطاعته ، وقد خلفوا عوائل وأولادا قاصرين ، هم في حاجة إلى المواساة والإحسان ، ولا يخفى عليكم أن المسلمين أينما كانوا كالبنيان الواحد والجسد الواحد ، يشد بعضهم بعضا ، ويألم بعضهم لبعض ، ويواسي غنيهم فقيرهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم  : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ، وقال عليه الصلاة والسلام : المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كن في حاجة أخيه ، كان الله في حاجته ، وقال عليه الصلاة والسلام : والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ، ولهذه الأحاديث ، وما جاء في معناها ، رأيت تعريفكم بحالهم ، راجيا منكم العون والمساعدة لهم من الزكاة ، رحمة بحالهم ، ومواساة لهم ، وقياما بحق الأخوة الإسلامية ، والله المسؤول أن يضاعف أجركم ، ويتقبل منكم ، ويخلف عليكم ما تنفقون في سبيل الله بأحسن الخلف ، إنه جواد كريم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ج- كما وجه الأستاذ سالم عزام الأمين العام للمجلس الإسلامي الأوربي رسالة للسيد توماس هامابربرج الأمين العام لمنظمة العفو الدولية حول الأوضاع في سورية ، هذا نصها : لا شك أنكم مطلعون على الأخبار المفجعة عما يجري في سورية منذ فترة طويلة ، من اعتقالات جماعية ، ونشر الإرهاب ، وتذبيح جماعي للمعارضين السياسيين لنظام الأسد ، ولقد تجاوزت همجية نظام الأسد كل الحدود ، ووصلت إلى أبعاد لم يسبق لها نظير ، كما يمكنكم أن تروا من القصاصة المرفقة على صحيفة الدايلي تلغراف عدد أمس ، وتدل التقارير الصادرة عن مصادر موثوقة في سورية ، أن نظام الأسد قد جن جنونه ، وأن عصاباته من القتلة الذين يتلذذون باللعب بالخناجر والبنادق ، تذبح الناس بدون تمييز وفي نطاق واسع جدا ، وأن الوضع على غاية بالغة من الخطورة ، مما يدعو لعمل فوري ، إذا أريد منع مجازر جديدة يذهب ضحيتها آلاف الأشخاص.

لقد لعبت منظمتكم دائما دورا بارزا وهاما ضد مثل هذه الأعمال في أنحاء العالم ، ولا يساورني شك أنكم ستتخذون كل الخطوات الضرورية ، وتولون هذه الأمر أولوية قصوى ، وإن المجلس الإسلامي من جانبه يقوم بواجبه أيضًا ، وإن الأمر يتطلب من كل الدول المتمدنة ، ومن وسائل الإعلام والمنظمات والأشخاص أن يتكاتفوا ، ويتجاوبوا بسرعة وعزيمة مع هذا الأمر الفاجع.

وقد أجاب السيد توماس على رسالة الأستاذ سالم عزام برسالة مطولة ، جاء فيها :

-لقد عبرت منظمة العفو الدولية خلال الأشهر الماضية عن قلقها حول حقوق الإنسان في سورية ، وقد قام قسم الأبحاث لدينا بنشاطين عاجلين ضد إعدام 14 حكموا بالإعدام ، وخمسة عشر آخرين أعدموا في دمشق.

-بيان صحفي في 30-1-1980 يتضمن إرسال برقية إلى حافظ أسد ، تطالبه بتأكيدات حول حقوق الإنسان من الحكومة السورية.

-بيان صحفي في 25-4-1980لإعلان تقارير عن اعتقالات واسعة النطاق ، وعن إعدامات ميدانية ، وسنستمر في عمل ذلك في المستقبل ، وأؤكد لكم أن منظمة العفو الدولية ستستمر في العمل في أرجاء العالم كله ضد اعتقال السجناء السياسيين ، وضد التعذيب ، وللإلغاء التام ضد عقوبة الإعدام.

الأمين العام : توماس هامابرج

د- وعندما عقد المؤتمر الإسلامي لقاء في إسلام آباد عاصمة باكستان في 29-1-1980 تلقى برقية من المركز الإسلامي في ميونخ ، ومن الاتحاد الإسلامي في ألمانيا جاء فيها : نناشدكم مساعدة إخواننا الأفغان في كفاحهم الشجاع ضد الغزاة السوفيات ، الذين يتجبرون بقواتهم المتغطرسة ، كما نحثكم على إدانة الرئيس السوري حافظ أسد بشدة ، لأنه الرئيس الوحيد لبلد مسلم الذي أيد الاحتلال السوفياتي لأفغانستان.

إن القمع الوحشي والمذابح الرهيبة التي تقترف ضد المسلمين المخلصين في سورية ، تدل بكل وضوح على أن هؤلاء الذين هم في مركز قوة لا يترددون حتى في بيع أوطانهم إذا كان ذلك يمكنهم من البقاء في السلطة. إن كل من يقوض التضامن الإسلامي بتفضيله المساعدة الشيوعية على دماء المسلمين ، هو عدو لله ولرسوله وللمؤمنين.

ساعدوا -ولكم الشكر- المسلمين السوريين على إنقاذ وطنهم من مخالب نظام كافر .

هـ- تبع ذلك أن أصدر اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا بيانا بتاريخ 11-3- 1980 ندد فيه بالنظام الطائفي المتداعي لحافظ أسد ، وجرائمه القمعية التي ارتكبها مؤخرا بحق الشعب السوري المجاهد ، أما المجلس الإسلامي الأوربي فقد عبر من خلال جبهة التضامن الإسلامي عن قلقه بسبب الاضطهاد القاسي الذي يتعرض له المسلمون في سورية ، وحذر البيان الصحفي لجبهة التضامن الإسلامي حافظ أسد ، جزار الفلسطينيين في تل الزعتر والمخيمات الفلسطينية الأخرى -وهو المعروف بجرائمه ضد الإسلام والمسلمين- من استمراره في عمليات القمع الوحشية التي لم تمنع المسلمين في سورية من أداء واجبهم تجاه الإسلام. وأضاف البيان : يجب أن يعلم أن المسلمين في أنحاء العالم ينظرون إلى أفعاله بالاحتقار والاستهجان.

وكان المسلمون في ألمانيا الغربية قد وزعوا منشورات تفضح النظام السوري ، وتطلب من لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان زيادة سورية ، والإطلاع على أحوال المعتقلين عن كثب ، كما اشترك المسلمون ف ألمانيا بمسيرة ليلية نظمتها لجنة العفو الدولية ، وشارك فيها مسلمو كولن وفرانكفورت ، فضلا عن أبناء الجاليات التي تمثل الشعوب المضطهدة التي تعاني من الأنظمة الاستبدادية ، وقد حمل المتظاهرون اللافتات التي تدافع عن قضايا شعوبهم ، ومنها قضية الشعب السوري المجاهد المصابر الذي يرزح تحت أبشع نظام استبدادي عرفه العالم في العصر الحديث.

ثانيا : صدور القانون 49 لعام 1980

كان سكان شبه جزيرة القرم في البحر الأسود من المسلمين ، وكانت الحرب بين الروس والعثمانيين سجالا ، فتارة ينتصر الروس ، وتارة ينتصر العثمانيون ، وكثيرا ما وقعت شبه جزيرة القرم تحت الاحتلال الروسي ، فقرر ستالين -المثل الأعلى لرفعت أسد- القضاء على السكان المسلمين في شبه الجزيرة ، فأسرف ، كعادته ، في عمليات الإعدام لتبلغ عشرات الألوف ، فلم يشف هذا القتل نفس ستالين الدموية الخبيثة ، ورأى أن ذلك لا يحقق قصده في إبادة سكان شبه جزيرة القرم ، فدلته نفسه الشيطانية على أسلوب آخر ، فأسرع يتخلص فيه من السكان الذين كن عددهم خمسة ملايين ، فحاصر شبه الجزيرة ، ومنع عنها الغذاء والأسباب المعيشية ليموتوا جوعا ، وقد كان ذلك ، إذ فني سكان شبه جزيرة القرم ، ومات معظمهم جوعا وعطشا ومرضا ، حتى لم يبق منهم سوى ثلاث مئة ألف من السكان الذين نكبوا بسياسة ستالين الوحشية ، وهذا ما قرأته في كتاب وزعه أبناء شبه الجزيرة ، وليس تحت يدي في هذه الغربة.

1- هذا ما حدث شبيه في سورية ، إذ أن بطل المذابح رفعت وأخاه السفاح ابن العلقمي الثاني ومن يدور في فلكهم من الطائفيين والمنافقين من أمثال مصطفى طلاس وفايز النوري ، لم يشف غليله قتل واغتيال ومذابح المؤمنين المظلومين في حماة وتدمر وحلب وحمص ودمشق والرقة وجسر الشغور واللاذقية وسرمدا وجبل الزاوية ، فأملت عليهم أحقادهم أن يتجاوزوا هذا القتل البطيء المتدرج أيا كانت حصيلته : عشرات أو مئات أو ألوفا كالذي حدث في تدمر وحماة ، فسولت لهم نفوسهم الخبيثة الأمارة بالسوء والظلم والإبادة : قتل السوريين من الإخوان ذوي التوجهات الإسلامية مرة واحدة ، بإصدار الحكم بإعدامهم طبقا لقانون ما عرف العالم الحديث والمتمدن له سابقا أو شبيها ، فأصدروا القانون 49 لعام 1980 وصدقوا عليه من البرلمان السوري التقدمي العتيد.

إنني أهيب بكل سوري أو إنسان غيور على الإسلام ، وعلى دماء المسلمين أن يقرأ -كما قرأت- ما نشرته الجريدة الرسمية إذ ذاك من مناقشات حول إعدام م ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين ، وكيف كان الخطباء يتبارون بالحث على ذبح أعضاء الجماعة دونما شفقة أو رحمة ، فكان قانون العار ذو الرقم 49 الذي يعد لطخة عار في جبين الفئة الباغية التي أصدرته ، وأقره الرئيس الطاغية بعد صدوره ببرهة وجيزة في تصرف غير مسبوق في تاريخ القوانين ، ونفذ بموجبه قتل عشرات الألوف من أعضاء الجماعة الراشدة المجاهدين التي أنقذت جيلا بل أجيالا من الضياع والانحراف وأخذت بأيديهم على حظيرة الإيمان ورحاب الإسلام.

2- صدر قانون العار رقم 49 في 7-7-1980 الذي أقره مجلس الشعب أو مجلس عدو الشعب ( الذي جاء به الطاغية في انتخابات تثير السخرية لدى كل من يعرف حقيقتها وكيف تمت ) في جلسة 7-7-1980 ، ونصت فيه المادة ا لأولى على اعتبار كل منتسب لتنظيم الإخوان المسلمين مجرما يعاقب بالإعدام ، ويعفى حسب المادة الثانية من العقوبة كل منتسب إلى هذه الجماعة ، إذا أعلن انسحابه منها خلال شهر واحد من تاريخ نفاذ هذا القانون ، كما نصت المادة الخامسة من قانون العار أنه لا يستفيد من التخفيض والعفو الوارد في المادة الثالثة في هذا القانون الذين هم قيد ا لتوقيف أو المحاكمة.

رئيس مجلس الشعب محمود حديد

وهذا يعنى أن جميع المعتقلين سينفذ فيهم حكم الإعدام ، وهذا ما يفسر إرسال أفواج المعتقلين في تدمر إلى ساحات الإعدام فوجا إثر فوج حتى بلغ عدد من نفذ فيهم حكم الإعدام في سجن تدمر حوالي عشرين ألف شهيد ، هل عرف الإنسان مثل هذا التعنت والظلم والقسوة على البشر كالذي نراه من عسف وحقد على الذين يشهدون بالوحدانية لله ، ويعملون على نشر دعوة الله والالتزام بأحكام الشريعة والتزام أوامره واجتنبا نواهيه؟

هل قرأ القارئون وكل من يعنيه مصير الإنسان على هذه البسيطة وعلى كوكبنا الأرضي مثل هذه الوحشية في إبادة البشر كالذي ارتكبه الطاغية حافظ أسد في سورية؟ لقد كان القانون 49 كارثة في نصوصه ، والإجراءات التي انتهت إلى إقراره ، فقد نص قانون التضحية هذا في مادته الأولى أن كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين يعتبر مجرما ، كما رأينا ، ويعاقب بالإعدام ، نعم بالإعدام ، إذا كان يؤمن بمبادئ الإخوان المسلمين -التي هي مبادئ الإسلام- التي تعتنقها عشرات التنظيمات الإخوانية في الوطن العربي والعالم الإسلامي ، وفي أوساط الجاليات الإسلامية في القارتين الأوربية والأمريكية.

3- إن طريقة إقرار القانون لا يقل غرابة وإجراما عن نصوصه ، فقد عرضه من يسمى رئيس مجلس الشعب محمود حديد ، فطلب النائب غازي خضرة استعجال النظر في القانون ، فأوضح عبد الله موصللي أن للسلطة التنفيذية أو لأي عضو أن يطلب صفة الاستعجال لأي موضوع ليحال إلى اللجان المختصة لتبت فيه خلال خمسة أيام ، وكما تعلمون فإن دورتنا تنتهي في منتصف هذا الليل ، أي بعد خمس ساعات ونصف ، ثم قال : الموضوع خطير جدا ، لذا أطلب من الأعضاء عدم الموافقة على الاستعجال فيه ، وأن يبحث في ترو وإمعان ودقة ، وسوف أعلن أمام الجميع بأنني لن أحضر جلسة اللجنة الدستورية حال إقرار الاستعجال فيه ، فتعالت الأصوات للحد من قسوة هذا القانون الجريمة ، من أمثال عبد الله الموصللي والشيوعي وحيد مصطفى ، و تحسين الصفدي ، و نجم الدين صالح ، و جمعة عبدون اللذين استغربا تطبيق القانون بأثر رجعي على الموقوفين ، فرد وزير الداخلية ناصر الدين ناصر : أن القانون سوف يطبق على الموقوفين لكن هذه الأصوات النبيلة تلاشت في الجو المحموم ، وأمام المتعطشين لسفك الدماء من أمثال جمال عبد الدين ، و محمود كللو ، و محمد جمعة تفتنازي ، و غازي خضرة ، و جميل أسد الذي أضاف على القانون اقتراحا يقضي بمصادرة الأموال لمن ينفذ فيهم حكم الإعدام من المنتمين إلى الإخوان المسلمين.

لم يعثر المحامون على قيد واحد لقضية وضعت النيابة العامة عليها تطبيقا للقانون 49 ، وعندما قام وفد من علماء سورية ، ومعهم آباء لعدد من المعتقلين لزيارة حافظ أسد ليطمئنوا على أبنائهم بعد المجزرة التي ارتكبها الطغاة في سجن تدمر يوم 27-6-1980 وذهب ضحيتها ما بين 1000- 1700سجين ، دون أن تعلن أسماء الضحايا ، قال لهم : لقد عقدت في تدمر محاكم ميدانية لتقوم بعملها.

لقد تساءل الحقوقيون المحامون عن هذه المحاكم الميدانية ، ومن هم قضاتها؟ وهل هي محاكمات سرية أم علنية؟ وما هي للدفاع عنه؟ وهل أحكامها قابلة للطعن؟ لابد من الرجوع إلى قانون المحاكم الميدانية لمعرفة ذلك.

من قراءة قانون محاكم الميدان العسكري نرى أنها محاكم استثنائية ، ليس لها اختصاص إلا في زمن الحرب ، عندما تقع اشتباكات مع العدو ، وإن قضاتها من العسكريين ، ولا يوجد نص يلزمها بالعلنية ، ولا تلتزم بإتباع الأصول والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات النافذة ، ولا يحق للمتهم أن يستعين بمحام ، وأن أحكامها قطعية غير قابلة للطعن ، ولما كان القانون ( 49 ) قد صدر بتاريخ 7-7-1980 ، ومعلوم أنه قبل صدوره ، وحتى نهاية القرن العشرين ، لم يقع صدام عسكري مع العدو ، ولا اشتباكات مسلحة مع أي عدو من أعداء الوطن ، لذا فإن محاكمة الإخوان المسلمين أمام هذه المحاكم باطلة ، وأن قراراتها معدومة ، وأن قضاتها الذين أصدروا أحكاما بالإعدام على ألوف المعتقلين قد ارتكبوا جرائم قتل عمدا ، ولابد للشعب من محاكمتهم ، وإنزال العقاب بهم كمجرمين.

4- ضج المدافعون عن حقوق الإنسان مما يعانيه المواطن السوري منذ أكثر من أربعة عقود وما يزالون ، من إرهاب وتعذيب وحرمان من أبط حقوق الإنسان ، بل ومما هو دون الإنسان ، وما برحوا يرسلون صيحاتهم ونداءاتهم لجميع شعوب العالم ، ولكل ذي ضمير حي كي يعملوا ويسهموا في رفع المعاناة عن الإنسان في سورية.

أ- أوردت اللجنة العربية لحقوق الإنسان حالات من العذاب والقهر تشمل الألوف التي تعيش في ظل حكم إرهاب الدولة لا مثيل لوحشيته في العالم كله ، إذ لا توجد فترة زمنية للتوقيف الاحترازي في سورية ، ولم تجر العادة في سورية أن يتلقى موقوف سياسي مذكرة توقيف ، أو يؤذن لمحام بالدفاع عنه أ و يحال إلى محاكمة عادلة. فكل هذه الإجراءات غائبة عن قانون الحكم في سورية ، لدى اللجنة العربية لحقوق الإنسان. إن لدى المنظمة قائمة غير مكتملة بـ 300 شخص ، بدأت محاكمتهم لدى محكمة أمن الدولة بعد عشر سنوات من اعتقالهم ، وقائمة غير مكتملة بـ 650 شخصا لم يحاكموا يوما رغم بقاء بعضهم بالسجن 27سنة ، وكل ضحايا الوفاة تحت التعذيب لم يجر التعويض على عائلة ضحية واحدة.

ب- لقد وصل عدد الذين دخلوا السجن ي العقود الثلاثة الماضية لأسباب تتعلق بحرية الرأي والضمير في حوزة المنظمة إلى 18000 شخص ، منهم أكثر من 5000 فلسطيني ، وأكثر من 800 لبناني ، والقائمة بالتأكيد غير مكتملة ، والسلطة السورية لم تقبل بإجراء تحقيق حول مصير أي مفقود ( بعد تطبيق هذه السياسة الإجرائية من 30سنة ) كما توجد قائمة غير مكتملة بأسماء 3100 شخص ما زال مصيرهم مجهولا ، وفقا لشهادة المهندس فاتح جاموس الذي أمضى 18 سنة في عدة سجون ، وهو القائل : قتلت أجهزة الأمن من عام 1980 وحتى 1985 في سجن تدمر من خمسة إلى ستة آلاف سجين ، في حين يعطي أقرباء أعضاء جماعة الإخوان المسلمين العدد نفسه لعامي 1980-1982 ، وبفضل الضغوط الدولية ، أحيل فاتح جاموس -اليساري- إلى محكمة أمن الدولة ، وبالرغم من انتهاء الحكم عليه في السجن 15 سنة بقي في السجن ثلاث سنوات إضافية ، وكذلك كان حال الأستاذ عبد الكريم أصلان الذي أمضى في السجن 16 سنة و 8 سنوات في الملاحقة ، أما الأستاذ رياض الترك الرجل الصلب : فقد بقي في زنزانته الانفرادية وفي عزلة تامة عن العالم دون محاكمة أكثر من 17 سنة.

ج- بلغ عدد المحرومين من حقوقهم المدنية أكثر من خمسة آلاف ، أما عدد المنفيين لأسباب سياسية فيبلغون حوالي 27 ألفا على أقل تقدير ، وهذا غيض من فيض لشرح أسباب المأساة التي أوصلت سورية الجريح إلى ما بلغته اليوم ، ووصلت إليه من انحطاط سياسي وحقوقي ، حسب تقديرات اللجنة العربية لحقوق الإنسان.

بعد أكثر من أربعة عقود على سيطرة القوانين الاستثنائية الشاذة وإلغاء مفهوم السلطة القضائية ، وتسلط أجهزة الأمن آمره وناهية على رقاب الناس ، لم تكن هذه المآسي في نطاق الممارسات من فوق الدستور ، وإنما أدخلت في صلب الدستور الدائم الذي فصله حافظ أسد ، ليأتي أنموذجا في التعسف والجور الطغيان.

إن منظمة حقوق الإنسان العربية في دمشق التي أسست عام 1962 جرى حظرها عام 1982 ، وزجت السلطات أعضاءها في السجن طويلا ، فأصبح الخطاب الرسمي يتحدث عن عدم أهلية الشعب في سورية للديمقراطية ، والحاجة إلى ظروف تؤهل هذه الرعايا إلى مستوى المواطنة ، مع أن سورية مارست الديمقراطية منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بالكمال والتمام ، وبحرية كاملة ، وخاضت صراعا حادا مع سلطات الانتداب الفرنسي ، وانتزعت بوعي الشعب وصلابته انتخابات حرة نجح فيها الوطنيون بقيادة فوزي الغزي ، وهاشم الأتاسي ، ثم شكري القوتلي ، انتصارا مؤزرا ، ونالوا الأكثرية في البرلمان السوري ، وبعد ثمانين سنة من هذه الممارسة الديمقراطية التي سبقت أقطار العالم الثالث في انتزاعها ، لم يعد السوريون مؤهلين للحرية والانتخابات الديمقراطية ، إلا إذا كانوا من قرية القرداحة ، أو من عشيرة حافظ أسد الكلازية!!

وبهذا المنطق السقيم أو التزييف وطمس الحقائق ، وتضليل الشعب والعسف الجائر ، وخلال ثلاثة عقود أو يزيد مارس حافظ أسد السلطة كعمل فردي تعينه عليه أجهزة تنفيذية أمنية ، وبطانة سياسية ، فتم تجميد القضاء ، وتطويع السلطة التشريعية التي تحولت إلى فرقة للمدح والقدح والنوح تسمى مجلس الشعب ، ومن ثم لم يعد من الممكن الخروج من الطريق المسدود الحالي بعد مجزرة حماة الكارثية دون كسر الصيغة أو النموذج السائد ، وإعادة الاعتبار لكل مواطن يعيش على أرض الوطن.

5- لم تقتصر انتهاكات حقوق الإنسان في سورية على أبنائها وحدهم ، فقد شمت كل من طالته يد السلطة الإرهابية من المواطنين العرب ، ومن أبناء دول الجوار ، كالبنانيين والفلسطينيين والأردنيين والعراقيين واليمنيين وغيرهم ، فقد سجل السيد حاكم الفايز عضو القيادة القومية لحزب البعث ، حلقتين في جريدة العرب اليوم الأردنية ، تحدث فيهما عن اعتقال السلطات السورية له ، وخطفه من لبنان ، بعد تخديره.

أ- ذكر الفايز أن الأمن السوري ألقى القبض عليه من منزله بطريقة وصفها بأنها رخيصة ، فقد كانت حاجته لرخصة مسدس هي المصيدة التي وقع فيها بالفخ الذي نصبه له زهير محسن بواسطة شقيقه ماجد محسن الذي أحضر إلى شفته مجموعة لم يستطع تقدير عددهم ، حيث سارعوا إليه بالضرب المبرح بالبنادق والمسدسات ، فسال الدم منه ، وبلل قميصه الداخلي الذي ما زال يحتفظ به ، ثم قاموا بتكتيفه والدم ينزف منه ، وتخديره ، ففقد وعيه ، وعندما صحا لم يكن يعرف أين هو ، وكان الوقت ليلا ، ثم وجد نفسه في كراج للسيارات على الأرض مكتوف اليدين والقدمين ، وعلى فمه لاصق ، نظر إلى ثيابه ليجدها مليئة بالدم ، ثم خدروه مرة أخرى فعاد للغيبوبة ، ولم يصح إلا وهو داخل الزنزانة في دمشق ، ثم نقلوا إلى سجن المزة ليمكث فيه اثنتين وعشرين سنة فقط!! دون محاكمة أو تحقيق أو سؤال أو جواب.

إن ما لاقاه حاكم الفايز الذي ينتمي إلى إحدى العشائر الأردنية حدث لرفقائه أعضاء القيادة القومية مثل : ضافي جمعان ، و مجلي نصراوين ، و حسن الخطيب ، و يوسف البرجي ، و سليمان عبد الله ، و محمود بيضون ، وهم من العراق والأردن وفلسطين ولبنان ، ولدى كل واحد منهم قصة لا تقل فظاعة عما لقيه السيد حاكم الفايز من محنة على أيدي الفئة المجرمة في دمشق.

ب- أما مأساة المواطن اللبناني فهي أدهى وأمر ، فمنذ أطلقت أمريكا يد السلطة في لبنان كما جاء في الجزء الثالث من مذكرات كيسنجر التي نشرها ، واللبنانيون يعانون أشد الويلات على أيدي أجهزة الأمن السورية التي تتحكم بمفاصل الحياة في لبنان ، لقد أطلقت السلطة السورية سراح الشيخ هاشم منقارة من سجونها بعد إخفاء قسري استمر خمسة عشرا عاما بشكل غير قانوني ، وكانت السلطات سورية واللبنانية -الخاضعة للأمن السوري- تنفيان وجوده في السجن ، ثم دعت لجنة دعم المعتقلين والمنفيين إلى الإفراج عن جميع اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية ، مؤكدة أن مسلسل المعتقلين والمسجونين والمفقودين يشكل عقبة أساسية في طريق حل هذا الملف الشائك والمؤلم في تاريخ العلاقات اللبنانية السورية.

وفي نيسان / أبريل 1998 أفادت منظمات مدافعة عن حقوق الإنسان ، من بينها منظمة العفو الدولية في لندن أن 228 لبنانيا معظمهم من التنظيمات المسيحية ومن المسلمين الأصوليين لا يزالون معتقلين في سورية ، جلهم من دون محاكمة ، وبعضهم منذ أكثر من 15 سنة في عزلة تامة ، بالرغم من مضي أكثر من عامين على مطالبة المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان ، فإن ملف المخطوفين من لبنان ، والقابعين في زنازين وأقبية المخابرات السورية ما يزال مفتوحا ، بل ويزداد تعقيدا وتأزما.

6- كان ضمن الذين أفرج عنهم من أعضاء القيادة القومية لحزب البعث الذين مكثوا في زنازينهم ومعتقلاتهم 22 سنة من 1972 - 1994 دون أن يسألهم أحد سؤالا واحدا خلال هذه الفترة ، العراقي سليمان عبد الله الذي قدر لنا رؤيته والتقاؤه في بغداد ، إذ تمت دعوته إلى مقر التحالف الوطني للمعارضة السورية في حي المنصور ، فجلس في صالة المقر يحدث الحاضرين وعددهم يتراوح ما بين 10 - 15 -وكنت منهم- عما يلاقيه المعتقلون من التعذيب الوحشي والمهانة والتنكيل الذي يطال جسد الإنسان وكرامته ، وتحدث سليمان عبد الله عن أنواع من التعذيب لا تخطر على قلب بشر قبل رؤيته لها ، ثم أردف قائلا : لكن تعذيب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين ، وقتلهم تحت التعذيب يفوق كل ما يعانيه المعتقلون الآخرون ، ثم تحدث عن أمرين حدثا للإخوان ، علم بهما في فترة سجنه ، أما أحدهما : فقد جرى عندما صدر أمر بنقل أحد الذين يديرون شؤون السجن ، يرجح أنه نائب مدير السجن في تدمر ، فأراد أن يقدم عملا بطوليا خارقا بين أيدي الطغاة قبل أن يغادر السجن إلى مقر عمله الجديد ، فطلب إحضار عشرة أطباء من معتقلي الإخوان ، فتسابق الأطباء بتقديم أنفسهم ، عندما ناداهم السجان ، ظنا منهم أن إدارة السجن سوف تستخدمهم في الأعمال والخدمات الطبية ، وكان ما يفرضه نظام السجن في تدمر ، أن المعتقل إذا نودي عليه يحضر ورأسه منكس إلى الأرض ، أو متجه إلى الخلف ، كيلا تقع عينه على من يناديه أو يستجوبه ، أو يحقق معه ، وكان السجان المنقول مدربا أو مختصا بالقتل عن طريق الخنق أو كسر الحنجرة والبلعوم ( الجوزة ) بيده ، فدخل الأطباء واحدا بعد آخر ، وكل من يصل إلى السجان رأسه وعنقه منحنيان إلى الخلف ، ورقبته بارزة من الأمام ، مد السجان يده إلى عنقه وكسر حنجرته وبلعومه ( جوزة العنق ) ليقع على الأرض ، ثم يحمل بعيدا ، ليرمى بعد ذلك في القبور أو الأخاديد الجماعية ، وهكذا حتى انتهى من قتل الأطباء العشرة بهذه الطريقة الوحشية ، فأصاب الجالسين الذهول والهلع والاشمئزاز وهم يستمعون إلى القيادي البعثي سليمان عبد الله عضو القيادة القومية ، وهو يروي هذه الفاجعة ، ثم ذكر حادثة أخرى في أسلوب قتل المعتقلين من أعضاء الإخوان ، فقال في نفس الجلسة : كان سجن المزة مبنيا من طابقين ، فإذا نزل السجين لسبب أو لآخر من الطابق الثاني منحدرا إلى الطابق الأول ورأسه إلى الخلف مع سجانه ، وحبل المشنقة يتدلى من السقف فوق درجات السلم التي تلي الدرجة التي يقف عليها المعتقل ، فيأمره السجان بتقديم رأسه إلى الأمام ، ليضع حل المشنقة حول عنقه ، وهو فاقد الإرادة ولا حول له ، فيدفعه السجان أو يرفسه ليصبح معلقا في الهواء ، وما هي إلا لحظات حتى يلفظ أنفاسه ، وقد مارس السجان هذا الأسلوب أو الفعل الشنيعة بعدد من السجناء ، ولم أعد أذكر الذي ذكره أو السجان الذي مارس هذا النوع من القتل هل هو الذي قتل الأطباء أم سجان آخر ، إذ إنني لم ألتق السيد سليمان عبد الله بعد ذلك مرة أخرى ، لمغادرتي العراق ، كي أستوضح منه عن هذه التفاصيل الجزئية.

لقد أسندت هاتين الجريمتين لمن رواهما على عكس ما درجت عليه من عدم ذكر الرواة خشية عليهم أو على أهلهم ومن يلوذ بهم ، لفظاعتهما ووحشيتهما.

وإذا استغرب السامع أو القارئ مثل هذه الأحداث التي يقف العقل أمامها حائرا ، والضمير حيالها مضطربا ، وساوره أي شكل في حدوثها ، فليلقني لأصله ببعض من حر الجلسة ، واستمع إلى ما تحدث إليه ورواه سليمان عبد الله ، وهو على صلة به ، ليروي له ما سمعه أو يوصله به ليسمع منه مباشرة عن هذه المظالم التي رآها أو علم بها ، عندما أمضى في معتقله 22 سنة دون أن يوجه إليه سؤال واحد أو استفسار ، وسوف يرى القارئ أن هذه الجرائم الرهيبة أقل وحشية من ألوان العذاب التي مورست على المعتقلين ، ونقلته منظمة العفو الدولية -امنيستي- ولا سيما ما جاء في تقريرها الذي نشرته عام 1987 بعدد من اللغات ، كانت العربية إحداها ، ليرى القارئ ويقرأ ويسمع ما حدث من جرائم لم تخطر على باله ولا على بال أي إنسان مهما كان معتقده أو انتماؤه أو العرق الذي ينتسب إليه ، وليس إدخال القضيب المحمي بالنار في مؤخرة الإنسان ، أو إجلاسه على صاج محمي بالنار وهو عريان ، يشم بأنفه رائحة شواء مقعده ، إلا أمثلة سوف يأتي الحديث عنها مفصلا وموثقا عن غربيين يهود ومسيحيين ليس فيهم سوريون ولا عرب ولا مسلمون.

فأي نوع من البشر هؤلاء السفاحون؟ وأي حقد تفيض به قلوبهم ضد أبناء الوطن الذين أدخلوهم في الجيش ، وقدموا لهم السلاح؟ لقد قرأنا عن حقد الصليبيين في حملاتهم على بلادنا ، وعن كيد الصهاينة في مكرهم ولؤمهم ، وعن الوثنيين في شبه القارة الهندية وبعض الدول الآسيوية ، ولكن الذي فعله الطائفيون اللؤماء بالمواطن السوري يفوق هذا كله ، ويدلل على الحقد الدفين الذي تنطوي عليه صدروهم ضد العرب والعروبيين ، وضد الإسلام والمسلمين.

غير أن عزاءنا وصبرنا واحتسابنا ما أصابنا عند الذي لا تخفى عليه خافية ، والذي يبشر عباده الصابرين بالنعيم المقيم ، ويتوعد عباده الفجار بنار الجحيم ، وأنه جلت قدرته لهم ولأمثالهم بالمرصاد ، وأنه سبحانه ليس بغافل عما فعله ويفعله السافحون والظالمون ، ولكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.

ثالثا : النهوض بالعمل الدعوي

رغم هذه المآسي التي جاء ذكر أمثلة عنها والتي سيأتي الحديث عنها مفصلا ، رغم ذلك ، فإن أبناء الدعوة وجنودها وشباب الجماعة وشاباها ، وقيادييها والمسؤولين عن شؤونها وتسيير أعمالها ، لم يتخلوا عن حمل الراية المحمدية ، والاستمرار في أداء واجباتهم تجاهها ، وتقديم كل ما تتطلبه رسالة الله في تفان وتضحيات للنهوض بها ، والانتصار لها ، لذا فإنهم عكفوا في هذه الفترة العصيبة على إصدار بيان الثورة الإسلامية ومنهاجها باسم الجماعة لتبشر به وبما انطوى عليه من مبادئ سامية ، وأهداف نبيلة ، وبرامج تسعد المواطنين كل المواطنين دون تمييز أو تفريق ، فالناس كلهم عيال الله ، وهم متساوون أمام الحق وعدالة السماء ، أقول : نشرت الجماعة بيانها ومنهاجها ، فكان بحق وحقيق ، وشهادة كل من قرأه واطلع عليه ، قفزة نوعية ، وسبقا حضاريا ، ومنعطفا تاريخيا حاسما في برنامج الإخوان المسلمين السياسي ، مما يستدعي نشره وإيراده كما هو ، للتدليل على السبق الذي أحرزه الإخوان في الحلقين : الأيديولوجي والاجتماعي.

فالأخوان أصروا في مناهجهم على الديمقراطية والشورى بأوسع معانيها ، وحذروا من التضييق عليها باسم الغيرة على المثل والقيم الرفيعة ، وحذروا من تدخل السلطة التنفيذية بحرية الأحزاب والهيئات السياسية ، ليبقى هذا الأمر رهن القضاء النزيه العادل ، في الوقت الذي كان فيه السياسيون أو كثير منهم يسيرون في ركب الأنظمة الشمولية ، والانقلابات العسكرية ، وحكم الفرد ، في معظم البلاد العربية ، والعالم الإسلامي ، حين صدور البيان والمنهاج ، منذ حوالي ثلاثة عقود ، في طبعته الأولى عام 1980.

1- من المعروف لدى جميع أفراد الجماعة ، ولدى المنصفين من خارج الجماعة ، أن الذي أبدع نظريات العمل الإسلامي ، وصاغ شعاراته ، ووضع مناهجه ووسائله وطرق تنفيذه ، وما يتطلبه من مراحل ، للانتقال بالعرب والمسلمين من مجتمع أصابه الانحراف والوهن ، وأبعده عن جوهر الإسلام وقيمه ومثله ، إلى مجتمع مثالي صالح ، أساسه الإيمان ، ومبدأه الإسلام ، وروحه مكارم الأخلاق ، وسلوكه مستمد من منهج النبوة ( الصادر عن سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ) بأسلوب التبليغ والدعوة والإقناع ، وبالكلم الطيب والقدوة المثلى ، إنما هو الإمام المجدد حسن البنا الذي كانت رسائله ، طي الله ثراه ، بمثالة المتون للدعوة الإسلامية ، وتبليغها للبشرية قاطبة بأسلوب واضح ، وبيان مشرق ، ولغة سهلة قريبة المتناول ، وبمنطق العصر أو القرن العشرين ، وبالمفاهيم السائدة والأساليب المألوفة في الحياة المعاصرة.

تلا هذه الرسائل ، بعد وفي أثناء صدورها ، وبتأثير كبير منها ، ومن توجيه الإمام ، بروز فئة من الباحثين والمفكرين والكتاب الكبار ، تخرجوا من مدرسة الشهيد حسن البنا ، من أمثال : عبد القادر عودة ، الحقوقي والقانوني الكبير صاحب التشريع الجنائي الشهير ، و محمد الغزالي المفكر العملاق ، و أحمد أنس الحجاجي ، و محمد عبد الله السمان وغيرهم في مجال الفكر والثقافة ، و البهي الخولي في حقل التربية والسلوك والتزكية ، و سيد سابق في تجديد وتنظيم أبواب الفقه وهو صاحب موسوعة فقه السنة بكل فروعه ، و عبد العزيز كامل ، و محمد فرغلي ، و عبد المعز عبد الستار ، و يوسف القرضاوي ، في مجال نشر الدعوة ، والتعريف بمبادئ الإسلام ، وتوضيح محاسنه وصلاحه لإنقاذ البشرية وإسعادها ، وغيرهم وغيرهم حتى ملأوا المكتبة الإسلامية بتآليفهم وأفكارهم وإبداعهم ، وتجدي الحركة الإسلامية على منهج إمامهم ومربيهم حسن البنا طيب الله ثراه ، ثم لحق بهم الشهيد سيد قطب رفع الله مقامه ليثري المكتبة بتفسيره وكتبه وإبداعه ، فكان رحمه الله أمة في حقل الدعوة إلى الله والتضحية في سبيله.

2-أعقب ذلك طرح منج عملي للمجتمع الإسلامي والحكومة الإسلامية ، وأسس الدولة ، وبرامج السلطة ، تقدم به تنظيم الإخوان المسلمين السوريين -الذي التزم من أول أيامه بمنهج الإمام حسن البنا والذي أسس بعيد ميلاد جماعة الإخوان المسلمين في مصر بست سنوات. نشأت النواة الأولى في حمص عام 1934 على يد الداعية أبي السعود عبد السلام- تحت عنوان : منهاج الثورة الإسلامية ومنهاجه في سورية الذي نحن بصدده ، والذي عقد العزم على نشره معتمدا على عون الله وتوفيقه ، ليطلع أبناؤها وأحفادنا وإخواننا وحلفاؤنا على أدبيات الجماعة ، وعلى ما أنجزته في مختلف الحقول والساحات ومجالات الفكر والثقافة والسياسة وغيرها ، مثل : خطة الجماعة ( في التربية والتكوين والتغيير ) التي اختتم بها المجلد الثالث من هذه السلسلة ، ومثل بيان الثورة الإسلامية ومنهاجها ، وكذا إبداعات القائد الفذ مصطفى السباعي ، ورفيق دربه المفكر الكبير محمد المبارك والأستاذ عصام العطار ، والشيخ محمد أديب الصالح ، والعارف الكبير الشيخ محمد الحامد و الشيخ عبد الفتاح أبو عدة ، وأبنائهم البررة أمثال : الشيخ سعيد حوى والأساتذة : عبد الله الطنطاوي ، و إبراهيم عاصي ، و ، و أحمد فرحات ، وعمر عبيد متنوعة ، ما أشد حاجة الأجيال إليها ، ليجددوا بها فكرهم ، ويشحذوا بحقائقها الناصعة عزائمهم ، لتستأنف الرسالة الإسلامية مسيرتها في إنقاذ الشعوب والأمم ، وهداية العالمين.

3- ومما عجل في صدور بيان الثورة الإسلامية ومنهجها في سورة : إلحاح أبناء التنظيم بوجوب إصدار برنامج لجماعة الإخوان المسلمين في دعوتهم الإسلامية ، وبرنامجهم السياسي ، حتى يعرف الناس هدفنا ، ويدركوا غايتنا ، ويطلعوا على منطلقاتنا ، وعلى الأسباب التي كانت مبعث تحركنا ، وتصدينا للظالمين ، وكذا تساؤل المواطنين ، وفي مقدمتهم رجال السياسة وقادة الأحزاب والمفكرون والمثقفون من يسار ويمين ، وتعريفهم بأهداف جماعة الإخوان وبرامجهم ومقاصدهم ، ومناهجهم في الإصلاح ، وخططهم في الحكم ، ومفاهيمهم في الجهاد و السياسة والعلاقات الدولية ، ومواقفهم من مخالفيهم السياسيين والعلمانيين ، وعن آرائهم في تشكيل الأحزاب ، وفي دور المرأة ، والمشاركة في الحكم ، والنظرة إلى الأقليات ، وطريقهم في الوصول إلى تحمل المسؤولية ، وما إلى ذلك ، فكان لزاما على الجماعة أن تجيب على هذا كله ، لأبنائها وحلفائها من جهة ، ولمخالفيها وخصومها والمتربصين بها من جهة أخرى ، فكان صدور هذا المنهاج الذي أرى بيانه الشيخ محمود مشوح الكاتب الكبير مفتي الميادين طيب الله ثراه.

4- لجأت إلى مدينة سدي وقرة عيني وسويداء قلبي محمد بن عبد الله ورسوله ومصطفاه ، وأقمت في جواره شهرا كاملا ، امتد من اليوم الأول لشهر رمضان المبارك عام 1401 من الهجرة النبوية الشريفة الموافق 1980 من ميلاد السيد المسيح عليه السلام ، في خلوة هيأها لي في منزله خصصه للضيافة المهندس الذي استشهد في حادث سير هو وعدد من أفراد أسرته ، ألا وهو الأخ المعطاء ، بديع الشفقة طيب الله ثراه ، فلم أخرج إلى الحرم إلا مرة واحدة لشدة الاشتياق ، فعرف الإخوة بحضوري إلى المدينة المنورة ، فكان هذا مبعث قلقل أن أنشغل عن كتابة المشروع بالأحباب والأصحاب ، فانسحبت ونأيت بنفسي عنهم في الشهر المبارك ، وفي النفس غصة ، واكتفيت باستقبال الوافدين من أمثال الشيخ فيصل المولي ، و زين العابدين الركابي ، وعدد قليل آخر.

عكفت على كتابة بيان الثورة منذ اليوم الأول من رمضان المبارك وهو يوم وصولي إلى المدينة المنورة ، وأداء واجب التحية لمن أرسله الله رحمة للعالمين مبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ثم شرعت فيا لخلوة المباركة لإعداد المنهج والبيان.

لم أرى فائدة أو حكمة في التعمق والتفرغ في هذا الإعداد كيلا يحول المنهاج إلى كتاب ، أو أطروحة أو سفر كبير مفعم بالمعلومات والتفصيلات ، بل اكتفيت بما تحتفظ به الذاكرة من مخزون وعته عبر ثلاثة عقود ونيف ، وبما أفدته من إخوتي قادة الإخوان في مصر ، من محاضراتهم وكتبهم واللقاء بهم ، واللجان المتخصصة في تنظيمهم ، ولا سيما لجنة الشباب المسلم التي كان يشرف عليها ويضطلع بمسؤولية توجيهها الدكتور عبد العزيز كامل رحمه الله وغفر لنا وله.

لم يأت اليوم الأخير من رمضان المبارك ، إلا وكان المنهاج قد اكتمل ، فنسخنا عنه اثنتي عشرة نسخة في صباح يوم العيد الأول من شوال ، بعثت بها إلى قيادة الإخوان في سورية المقيمة في عمان ، وإلى الإخوة أعضاء مكتب الإرشاد ، وإلى عدد من قادة الإخوان ، قبل طباعته ، في العالم العربي ، من أمثال حسن الترابي ، و فتحي يكن قبل أن يصير حالهما إلى ما صار إليه ، وإل شخصيات كبيرة من خارج الجماعة ، من أمثال السياسي المخضرم الأستاذ عبد الرحمن العظم ، والاقتصادي الدكتور أنس الزرقا ابن أستاذنا وشيخنا العلامة مصطفى الزرقا رحمه الله ، والعسكري عبد الحق شحادة ، والبعثي اليساري المعارض حمود الشوفي وآخرين ، فلم يعترض أعضاء مكتب الإرشاد بأي اعتراض ، وكذا العظم وشحادة وأنس الزرقا ، وكل ما سمعته من الدكتور الترابي ، هدانا الله وإياه ، ملحوظتان قال فيهما : لماذا تحظرون على أنفسكم رفض القروض ، وتقيدون أنفسكم ، اتركوا هذا الأمر للظروف ، ولما لا تفسحون مجالا للفن في منهاجكم؟ فأخذنا باقتراحه ، وتحدثنا بجمل قليلة عن الأدب باعتباره فنا قوليا أداته الكلمة ، كذلك تلقيت من حمود الشوفي ملحوظة ذكرها مشافهة هي : لماذا لم تذكروا شيئا عن الدعوة إلى الإسلام؟ فقلت له : كل ما جاء في المنهاج مستمد من الإسلام ، ويهدف إلى تحقيقه ، فأجاب : هذا غير اكف ، لأن العالم الإسلامي يدين بالقيادة للعرب الذين نزل القرآن عليهم وبلغتهم ، ولهم فضل نشره وتبليغه إلى شعوب الأرض ، وقد كنت سفيرا لسورية في اندونيسيا أكثر دول العالم الإسلامي سكانا -ربع مليار الآن- ولمست ذلك ، ورأيت كيف يحب الاندونيسيون العرب ويحترمونهم فأخذت بمقترح السياسي المحنك الأستاذ حمود الشرفي البعثي القديم وأمين قطري للحزب ويساري ودرزي ، غير أن التجربة لديه ، واتساع ثقافته الموسوعية كشفت له سر الإسلام وقوته وأثره في العالم الإسلامي ليشكلوا في قابل الأيام : أكبر وأقوى كتلة اقتصادية وسياسية ، أين منها حلف الناتو ، وحلف وارسو من قبل ، لأن مقومات الوحدة أو الأخوة الإسلامية ينفرد بها المسلمون ، لتشمل وحدة اللغة -لغة القرآن- والتاريخ والنظام -شريعة الإسلام- والقوة الاقتصادية الهائلة ، والعادات والتقاليد ، وربع مساحة الكرة الأرضية ، وكيف أعز الله العرب بالإسلام دون استعلاء أو تسلط أو استغلال لأي شعب من الشعوب ، فالمؤمنون إخوة في عقيدة الإسلامية الذي شرف الله العرب بحمله ونشر مبادئه وتبليغهم للعالمين.

اعترض أحد قادة الإخوان في سورية ، واقترح إضافات على البيان ، رأيت أنه إلغاء له وإطفاء لوهجه ، فرفضت الاعتراض خوفا على المولود الجديد أن يفارق الحياة قبل أن يرى النور ، وعندما عرضنا الأمر على أعضاء القيادة الثمانية ، أيدوه بالإجماع ، ووافقوا على البيان والمنهاج جميعا ، فدفعت به إلى النشر والتوزيع على نطاق واسع ، وتمت ترجمته إلى جميع اللغات الحية المعاصرة ، الغربية منها ( الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية ) والشرقية ( الإندونيسية والماليزية والتركية والأردية ).

5- بعد أن حملت نسخة من البيان والمنهاج من أوروبا بعد أن ساعدنا الأستاذ سالم عزام على طباعته ، نشرناه في البلاد العربية والإسلامية ، فلقي اهتماما كبيرا لدى الحكومات وأجهزة الأمن ورجال السياسة والفكر ، فقد قرر مسؤولون كبار في السودان و اليمن الاستفادة منه في تجربة كل منهما في الحكم ، وعكفت عليه أجهزة المخابرات في الدول العربية المجاورة ، فسأل مدير المخابرات العراقي إذ ذاك ( برزان التكريتي ) مدير المخابرات في بلد مجاور عن هذا المنهاج ، وهل هو صورة عن الصرعة الإيرانية الخمينية حسب تعبير السائل ( لأن التحرك الشعبي الإيراني والإخواني السوري جاء في عام واحد هو عام 1979 ).

فأجابه : وهل قرأت منهاجهم لتعرف حقيقتهم ، وتقوم حركاتهم؟

كما عقدت ندوات عديدة لمناقشة بيان الثورة الإسلامية في سورية ومنهجها ، كان من أبرزها ندوة عقدها المفكر التونسي الجنحاني ، وشارك فيها عدد من رجال الفكر والسياسة ، انتهى بعدها إلى القول : وهل هذا فكر الإخوان حقا؟ أم هو للتصدير والاستهلاك الإعلامي؟ وكتب عنه غربيون ، كان في مقدمتهم كاتب أمريكي من أصل لبناني يدعى حنا بطاطو ، وكتاب أمريكيون كثيرون ، وعدد آخر من الكتاب الغربيين.

هذه بعض الانطباعات عن بيان الثورة الإسلامية ومنهاجها الذي لم يعتمد على أقوال فقهية ضعيفة ، ولا على آراء شاذة ، يلجأ إليها البعض جراء هزيمة نفسية يعانون منها تألفا للخصوم ، بل هي -أي نصوص المنهاج- من الأحكام المعتمدة ، والفقه السائد الذي يحظى بموافقة الجمهور ليدرك الدعاة وحاملو لوائه : أن التمسك والصلابة في متطلبات الشريعة ومقتضيات الفقه الذي أجمع عليه الأئمة الكبار والمجتهدون من عظماء المسلمين من أمثال الأئمة الأربعة ، ومن يليهم في الشهرة ، كالأوزاعي وأبي ثور... إلخ ، هو الطريق الأصح لكسب القلوب ، وإقناع العقول ، بل الثبات على المبدأ والصلابة في الدفاع عن الإسلام ، والغيرة على شرع الله ، ونهج نبيه ومصطفاه ، عليه السلام ، هو الطريق الأمثل للنجاح في الدنيا والفوز في الأخرى ، وهو الذي يكسب الداعية احترام الآخرين عندما يشعرون بصدقه فيما يحمله من أفكار ، ويقدمه من علاج بعقل مستنير ، وقلب تقي ، وأسلوب بارع مؤلف في كسب المخالفين ، وإقناع المناوئين.

وكذلك ليطلع أبناؤه وأحفادنا على منجزات جماعة الإخوان المسلمين الذين تربوا في أكنافهم ، وبما قدمته من فكر سبقت به غيرها عقودا ، ولكي يستعيدوا ثقتهم بالجماعة ، وليتحرروا من الإحباط الذي عانى منه معظمهم وما يزالون ، إثر الظروف القاسية التي مرت بها جماعتهم الراشدة ، جراء التآمر الدولي والضغوط السياسية ، وخذلان اللاهثين وراء المكاسب الدنيوية العاجلة ، وهذا من سنن الدعوات ، فالابتلاء والاختبار جزء من مسيرتهم ، ليستكملوا أسباب التكوين ومعاني الثبات والإخلاص والتجرد والتضحية ، التماسا لمرضاة الله ، واتباعا لسنة نبيه وجتباه.

لقد تراجع البعض من أبناء الجماعة الذين ضعفوا واستكانوا أمام العدو الذي ذبح أبناءهم ، ويتم أطفالهم ، وأجاع أهلهم وأرحامهم ، والأمل أن يستعيد هؤلاء وأمثالهم من أبناء الدعوة وبناتها ، ورجالها وشيوخها ثقتهم بالله ثم بها ، وليقرأوا سورة الأحزاب ، وما أصاب المسلمين المحاصرين من إحباط ، سرعان ما خرجوا منه متسأنفين سيرتهم الأولى في حمل الراية والجهاد في ذات الله وفي أنفسهم ، ومجتمعهم ، والدولة التي ينشدون ، لعل الله تعالى بفضله أن يكتبهم من الذين يدافعون عن القدس في أكنافه وأكناف المسجد الأقصى الذي بارك الله فيه وحوله.

6- أصررت على أن يصدر البيان والمنهاج باسم شخصية كبيرة معروفة ، وألححنا على شيخنا عبد الفتاح أبو غدة -أبو زاهد- الذي كان يأخذ بنصائح من حوله ، فقبل ذلك ، ورضي بتحمل مؤنته ، لكن الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري الذي كان أبو زاهد يحترمه ، ويعتبر متقدما عليه في العمر وفي غيره ، أقنع الشيخ بعدم الإقدام على هذه الخطوة ، فطلبت من إخواني توقيع مجموعة من الإخوة كالشيخ سعيد حوى رحمه الله ، فتمت الموافقة على ذلك ، وصدر البيان والمنهاج بتوقيع ثلاثة إخوة هم : سعيد حوى ، و علي البيانوني ، و عدنان سعد الدين ، وعندما حدث الخلاف والفراق بالتي هي أحسن ، مع الاحتفاظ بالود والاحترام المتبادل ، وحفظ الألسنة ، من مقولات السوء ، لكل من انتمى لهذه الدعوة الربانية ، متضرعين إلى الله عز وجل أن يغفر لنا ولهم ، وأن يجزيهم على ما قدموه منا لخير في صحائف أعمالهم. أقول :

بعد هذا الفرق الذي انتهى فيما بعد ، صدرت الطبعة الثالثة باسم المراقب العام عدنان سعد الدين عن أحسد الشطرين اللذين افترقا ثم التحما بفضل الله ورحمته ، وذلك في 1- 1- 1988 ، متكلا على الله ، معتمدا على إخوة كرام ، في حمل عبء أكبر من طاقتي ، وأقوى من عزيمتي ، بيد أنني توكلت على الله القوي العزيز ، ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ .

لقد جاء البيان كمدخل للمنهاج ، وتفسيرا للأحداث ، والصراع الذي نشب بين أبناء الدعوة ومن والاهم من المؤيدين والمناصرين ، ومن خالفهم من المعارضين ، وبين سلطات الأقلية أو بعضها ، التي فرضت نفسها وسلوكها وسياساتها على السورين بقوة السلاح ، فجاء البيان كأمواج هادئة ، تنتهي كل موجة أو فقرة إلى التي تليها في الفكر والترابط وتسلسل الأحداث.

وهذا هو نص البيان الذي جاء مقدمة للمنهاج الذي اعتبره إخوة وأصدقاء من الأدب السياسي الرفيع الذي وفق الله إليه ببركة سيدي ومولاي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبت في جواره والقرب من مسجده الشريف.

رابعا : بيان الثورة الإسلامية ومنهاجها

جاء في المقدمة الثالثة منه : أن الأحداث في سورية بوم اندلعت عام 1979 كانت الحركة الإسلامية ، قد بلغت أو أوشكت أن تبلغ سن الرشد ، وتجاوزت عتبة الأربعين من عمرها الميمون ، وخلال هذا لعمر المديد ، كانت مثالا لكل ذي عينين في أسلوبها في العمل على أساس الحوار والإقناع ، والدعوة إلى مبادئها ، وإلى سبيل ربها بالتي هي أحسن ، فقلم يسجل التاريخ عليها في العصر الحديث ومنذ نشأتها أن لجأت إلى العنف مرة واحدة في تعاملها مع الآخرين ، بل كان سبيلها وأسلوبها افتتاح مستوصف ، وإنشاء مدرسة ، يتعلم فيها العامل الفقير ، وتشكيل الأندية الرياضية والفرق الكشفية ، لإعداد الشباب نفسيا وخلقيا ، ليكونوا مواطنين صالحين ، ومشاركة جادة في حركات التحرر الوطني في إرسال أفواج المجاهدين إلى ربوع فلسطين ، واشتراكا فعليا في الحياة السياسية كل ما تتطلبه من إصدار الصحف ، ودخول البرلمان والوزارات الائتلافية ، والمعارضة السلمية ، والنقد البناء.

استمرت الجماعة على هذه الحال عقودا تجذب إلى رحابها وساحاتها أجيالا من الشباب والطلاب والشابات والمثقفين دون أن تلجأ قط إلى أي مغامرة عسكرية ، أو زج للجيش في الشؤون السياسية ، بل كانت الجماعة تستهجن هذا الأسلوب المنافي للحريات وحقوق المواطنين ، إلى أن جاءت الطامة الكبرى عندما سقطت سوري في براثن حكم غريب عن طبيعتها وانتمائها ، يعادي عقائد أهلها وتقاليد شعبها ، ويمسك بالرذائل من كل أطرافها ، فهو حكم طائفي إجرامي قمعي ، مزق سورية ، وهدمها بمعاول الطائفية البغيضة ، كما فعل في لبنان سواء بسواء ، واقترف من الجرائم ما لم تقدم عليه سلطة مستبدة في تاريخ أمتنا في القديم والحديث ، من سفك الدماء ، والاعتداء على الحرمات ، ونهب الأموال ، وإفساد الأخلاق ، وترويع الآمنين ، وهدم الأحياء ، واجترح من الآثام ما يصعب عده وحصره في مثل هذا التقديم.

وقد نال تنظيم الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية الأخرى أكثر مما وقع على غيرهم ، رغم أن الكارثة قد عمت كل أبناء سورية دونما استثناء ، بمن فيهم شريحة من أبناء الطائفية العلوية التي ينتمي إليها سفاح سورية حافظ أسد وعدد من المتنفذين في السلطة ، فانتهت هذه السياسة الرعناء إلى ما يشبه الحرب الأهلية في سورية ردحا من الزمن ، فإن النار تحت الرماد ، وفي التاريخ القديم والحديث أمثلة تستعصي على الحصر.

والآن وبعد مضي أكثر من ثماني سنوات -يوم كتابة هذا التقديم- على الأحداث الدامية في سورية العزيزة ، وبعد مراجعة شاملة للأوضاع في المنطقة العربية ، سجل تنظيمنا على نظام حافظ أسد : إمعانه في الإجرام ، بعد هدم مدينتين كبيرتين شهيرتين عريقتين هما : حماة أبي الفداء ، وطرابلس الشام ، وضواحيها والبقاع ، وبيروت الغريبة ، وتماديه في الإجرام ، وتعاونه مع أعداء العرب والمسلمين ، وتكريسه للروح الطائفية في المنطقة كلها ، وتنفيذ خطة مبرمجة في تجويع جماهير الشعب ، والتضييف عليه في الحصول على الخبز والرغيف ، كما يعلم جميع السوريين الذين عانوا من ذلك سنوات ، وإذلال المواطنين ، الأمر الذي رسخ القناعة لدى كل فرد في تنظيمنا من القمة إلى القاعدة ، بصحة سيرنا في معارضة هكذا نظام ، وصواب رأينا تجاه هذا العدو الذي لا تجدي معه مهادنة أو مفاوضة أو مصالحة ، إذ هو كالسرطان الذي يكمن علاجه في استئصاله ، وأملنا بالله كبير ، ثم بوعي شعبنا لمتابعة نضالنا ، ومواصلة مسيرتنا الجهادية ، حتى نطهر الوطن في رجسه ، فتعود البسمة إلى ثغور أطفالنا ، والعزة إلى مواطنينا ، ويقولون : ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً ﴾ ( ) ، ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾.

المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية

عدنان سعد الدين

بتاريخ 1- 1- 1988

خامسا : نصوص البيان ومفرداته

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وإمام المرسلين وقائد المجاهدين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن دعا بدعوته ، واهتدى بسنته إلى يوم الدين ، أما بعد :

أيها الإخوة المواطنون :

إن الثورة الإسلامية المعاصرة إذ تحمل على عتقاها عبئ الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى ، وتحكيم شريعته في الأرض ، ضمانا لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة ، وإذ تتحمل وطأة الهجمة الظالمة التي يشنها عليها أعداء الله ، وأعداء الإنسان في الداخل والخارج ، تجد من ثقتها بتحقيق موعود الله تعالى ما يدعوها إلى تبشرهم بأن المد الإسلامي المتصاعد في كل مكان ، ماض في طريقه ، حتى يتحقق النصر المؤزر لهذا الدين بعون الله على كل قوى الشر والظلام والجاهلية المقيتة.

1- ولينصرن الله من ينصره

ولكن الثورة الإسلامية المعاصرة ترى من واجبها -منعا للقعود والتواكل- أن تذكر كل مواطن بحقيقة أولية ، لا يجوز لأي مؤمن أن يتجاوزها ، وهو يخوض غمرة الصراع ضد أعداء الله تعالى ، وأعداء الإنسان ، وهي أن سنة الله مضت في الماضيين واللاحقين أن تتحقق مشيئته تعالى في المسيرة البشرية بواسطة الإنسان ، من خلال ما يبذله من جهد يتحقق فعلا في واقع الحياة ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً .. ﴾ . ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ﴾. وهذا يوجب على كل مواطن أن يعيش أقصى حالات اليقظة والتنبه. وأن يجند كامل وقته وجهده لخدمة عقيدته وشعبه ووطنه.

2- الانحراف وانعدام الثقة

وقد مضت حياة المسلمين في زمن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وفي زمن الخلافة الراشدة على الجادة المستقيمة ، وبذلك حققوا العجائب والمعجزات التي ما زالت وستظل المثل الكامل الذي يحدو السائرين في مدارج الكمال ، حتى ذر قرن الفتنة ، واشرأبت الجاهلية بالافتيات على حقوق الأمة ، والعدوان على مصالحها ، اتباعا لشهوات الأنفس ، وتدعيما لمغانم السلطان ، فترك هذا ظلاله الكئيبة في حياة المواطنين طوال عهود مديدة ، أدت إلى انعدام الثقة بين الحاكمين والمحكومين ، ونمت في المجتمع عصبيات جاهلية ، وأفكار منحرفة وعوائد منافية لمناقب الإسلام.

فكان لا بد أن تتول الوحدة الجامعة إلى فرقة مستحكمة ، والشرعة الواحدة إلى طوائف متنابذة ، والحماس الذي كان مندفعا باتجاه الظفر والكمال إلى بدايات الانحسار ، وإلى هجوم القوى المعادية لتثأر من الإسلام لنفسها ، وقد أفلحت في ذلك إلى حد بعيد ، فلقد حذرنا ربنا سبحانه مصارع الماضيين ، ودعانا إلى الاعتبار بآياته في الأنفس والآفاق. ولكن دوافع الهوى كانت أقوى وأنفذ ، فغاب الإسلام عن الساحة العالمية غيبة طويلة ، ووقع المسلمون أسرى الجهل والتخلف ، وكفوا لفترة طويلة عن التأثير الصحيح والعطاء الخير ، بعد أن تخلى عن الإسلام أهله وذووه وحملة رسالته.

3- الإسلام عصي على التزييف

لكن الشيء الذي لا يعرفه العدو هو أن الإسلام شرعة الله في هذه الدنيا ، ونظامه في هذا الكون ، وأنه بطبيعته الربانية الخالدة عصي على التزييف والتطويع ، فإما أن تحمله بأمانة ووفاء ، وإما أن ينبذك لتنطرح بعيدا غارقا بذنوبك وأوزارك ، ويبقى هو خالصا بنقائه وطهارته : ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾؟

كان المسلمون الأوائل يدعون الناس لهذا الدين فكانت القلوب تفتح لهم قبل أن تفتح الحصون ، ثم تنكرت الخلوف لهذا الإسلام العظيم ، فذاقت وبال ما فعلت ، وكان عاقبة أمرها خسرا ، وانجلت غاشية الحرب العالمية الأولى عن تمزيق أوصال الوطن العربي والعالم الإسلامي ووقوعه تحت قهر الاستعمار المباشر البغيض.

لقد شهدت بدايات هذا القرن تيارين بارزين متمايزين :

تيار هالته الهزيمة المنكرة التي حلت بالمسلمين ، فأقام منهجه على ضرورة وحدة المسلمين بالقوة المفقودة ، وتيار جعل الدعوة إلى نشر العلم غاية مسعاه ، أملا في أن يبلغ المسلمون بالعمل مرحلة القوة التي تعيد إليهم مكانتهم.

4- دعوة الإمام حسن البنا

لقد أثبت الاتجاهات قصورهما عن الوفاء باحتياجات الثورة الإسلامية المعاصرة ، فكانت الحاجة ماسة إلى الحركة الكاملة التي ترى أن الإسلام لا يقبل التجزئة ، كما لا يقبل التطعيم ، كما لا يقبل -في غمرة العمل- إعمال جانب وإهمال جانب آخر ، بل لابد أن يتم التحرك على مستوى الإسلام الشامل سواء أكان هذا على صعيد السلوك والمناقب والفضائل ، أم على صعيد الحياة المحكومة بشريعة الله التي عليها وحدها ترتكز حياة الناس ، وذلك ما فعله الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

إن دعوة الإمام الشهيد -منذ بواكيرها الأولى- قد لفتت أنظار أعداء الأمة إلى حقيقة وحجم المخاطر التي سيتعرضون لها في ا لمنطقة الإسلامية ، وفي الوطن العربي بالذات إذا هي مضت في طريقها المرسوم.

وكان ما كان : الأسلوب المكشوف الذي نفذت به جريمة اغتيال الإمام الشهيد ، وملء المعتقلات بالذين استجابوا لدعوته ، ورأوا فيها سبيل الخلاص.

5-روح تسري في نفوس المسلمين

بيد أن المعطيات الحالية على الساحة الإسلامية هي غير المعطيات التي كانت متوافرة خلال الخمسينيات من هذا القرن ، لقد كانت ضربة قاسية في مكان ما في الوطن العربي والعالم الإسلامي كافية لإجهاض التحرك الثوري الإسلامي لمدة طويلة على امتداد الساحة الإسلامية ، أما اليوم ، فالإسلام يشهد نموا وتصاعدا في كل زاوية من زوايا الأرض ، بحيث أفزع الأعداء ، كما أفزع أذنابهم وصنائعهم في الداخل.

ولما كانت الثورة الإسلامية تتحمل اليوم في القطر العربي السوري العبء الأكبر من واجب التصدي لأعداء الله وأعداء الإنسان ، فإن هذه الثورة ترى واجبا عليها أن تتقدم إلى الأمة بهذا البيان الشامل والمنهاج المفصل ، موضحة فيهما مسيرة الدعوة الإسلامية ، أملا في أن تجد جماهير شعبنا النبيل فيهما ما يدفعها إلى الالتفاف حولها صفا واحدا وقلبا واحدا ، من أجل وقف التدهور والبدء في عملية النهوض والمسيرة الظافرة بعون الله وتوفيقه.

6- الإسلام الذي ندعو إليه

تعرضت صورة الإسلام في العصور المتأخرة لتشويه مريع ، ساعد على وجوده عاملان رئيسان :

أولهما : جهل المسلمين بحقيقة دينهم.

ثانيهما : العمل الدؤوب الذي كان يبذله أعداء هذا الدين لتشويه صورته وطمس محاسنه ، وإلصاق التهم والمعايب فيه ، وقد آن لهذه الحالة الكريهة أو تزول ، وآن للحقيقة الناصعة أن تستعلن بكل صفائها ونقائها.

إن الإسلام حقيقة واضحة وضوح الحق والخير والعدل ، وتجاوز لكل ركام الماضي وعقده وحساسياته ، فالإسلام الذي ندعو إليه هو ما جاء في كتاب الله تعالى ، وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، وجماع ذلك ينحصر في تأكيد قضية التوحيد والتنزيه ، بالبساطة التي عوضتها أصول الإسلام ، وإقامة العبادة والدينونة لله تعالى ، وتأكيد الكرامة البشرية التي كفلتها شريعة الإسلام ، والحفاظ على التماسك الاجتماعي الذي شدد عليه الإسلام ، وكفالة الضرورات التي هي أم دعائم الإسلام ، وحياطة الفضائل التي لا يستقيم بغيرها الإسلام ، وبناء الأمة التي يتمثل فيها هذا الإسلام ، والعمل الذي لا ينقطع ولا يتوقف حتى ينتصر الإسلام.

أما المسلمون الثائرون ، فإنهم يؤمنون بالإسلام دعوة عالمية شاملة للحياة الإنسانية كلها ، عازمين على تنفيذه في كل شعبة من شعب الحياة ، ملتزمين بالكتاب والسنة ، مستهدفين فلاح البشرية وسعادتها ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، تقضي دولتهم على كل مظهر من مظاهر الظلم ، والاستغلال ، والانحلال الخلقي ، وتقيم العدل ، وتخدم خلق الله تعالى ، وتضمن لكل مواطن حاجاته الضرورية من الغذاء والكساء والدواء والمسكن والتعليم ، وتفتح في وجه الجميع أبواب الكسب الحلال ، وتنمي ثروة البلاد بكل الطرق المشروعة ، وتسهر على توزيعها بالحق والعدل والقسطاس المستقيم.

7- سورية تكافح الاستعمار

لقد وقع القطر العربي السوري -ككل الأقطار العربية الأخرى- ضحية الاستعمار المباشر ، وضحية المؤامرة العالمية الضخمة الرامية إلى تفتيت هذه المنطقة من الوطن الكبير ، من أجل إذلال شعوبها ، واستثمار خيراتها ، وقطع الخيوط التي تشد هذه الأمة إلى جذورها الأصيلة التي تكون السد الذي لا يمكن اختراقه في وجه المؤامرات المعادية ، ولقد بذل هذا القطر كما بذلت الأقطار العربية الأخرى جهودا كبيرة ، وقدم كما قدمت تضحيات غالية ، عبر معارك مشرفة أسفرت عن تحقيق الاستقلال الناجز. لكن الاستعمار -حين جلا عن هذا القطر- خلف نظاما ديمقراطيا زائفا ، وبذلك غابت عن الساحة العامة كفاءات كان يمكن أن تسهم في تدعيم استقلال الوطن ، وكسر القيود عن المواطن ، وترسيخ التقاليد الديمقراطية التي تضع أمور الوطن بين أيدي المواطنين ، وصولا إلى إحباط خطط الأعداء في التجزئة والتخلف.

ومع بدايات الاستقلال دأبت الحركة الإسلامية على لفت الأنظار إلى ضرورة النظر بعملية وحدية نحو مقاصد الاستعمار ، وما يبيته لهذه الأمة ، وإلى التفكير بعمق بما وراء الجشع الاقتصادي الذي كان الاستعمار نفسه يحرص على أن يجعله الدافع الأساسي من وراء الحركة الاستعمارية العالمية ، كي يخفي أحقاده الدفينة على دين الله الذي تقع مسؤوليته على عاتق هذه الأمة ، ومن المؤسف أن صنائع الاستعمار الذين رباهم على غينيه لينوبوا عنه في تنفيذ بقايا المخطط الرهيب ، رفعوا هذا السلاح في المعركة ضد الاستعمار زاعمين أنهم اكتشفوا الخارقة التي يمكن أن تتكرر ، مع أن هذا كان الهدف المعلن للاستعمار.

الهوة سحيقة بين الأمة والحكومات

إن الفقر والجهل والمرض والاستبداد جعل الكثرة الساحقة من هذه الأمة تقع ضحية لغسل دماغ مدروس ، ومخطط له بكفاءة عالية ، لأن الدوائر التي تقف وراء ووراء الذين يمثلونه ، تملك القدرات الهائلة على اختلاف أنواعها وأشكالها ، بيد أن شعبنا بجماهيره الواسعة كان يحس في أعماقه بالريبة والشك حيال هؤلاء الناس ، وأصبحت جماهير الأمة أبعد ما تكون عن الثقة بالفئات القائدة والزعامات التقليدية ، والفئات المصلحية ، التي كانت تهادن الإسلام وتتملقه بمقدار ما تستخدمه لتدعيم سلطانها وخدمة أغراضها.

وكان ثمة ، دعوات وأحزاب قومية عربية وغير عربية ، تخوض صراعا مكشوفا مع الحركة الإسلامية ، وتضع كل ثقلها وثقل ساداتها لأبعاد ممثلي الإسلام عن الساحة ، وكانت الحركة الشيوعية تعمل بصمت وهدوء مستفيدة من جملة التناقضات التي يتخبط فيها رجال السلطة والسياسة ، غير أن الحركة الشيوعية معادية بطبيعتها للإسلام ، وهذا ما جعل الشيوعية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي بلا مستقبل. نتيجة لهذا الوضع غير السليم كان لابد أن ينفجر النظام الديمقراطي ، وأن تتوالى سلسلة الانقلابات العسكرية التي كانت في جملتها مشبوهة الدوافع والمقاصد والارتباطات.

تجربة الوحدة بين مصر وسورية

ثم كنت تجربة الوحدة بين مصر وسورية في ظل الجمهورية العربية المتحدة ، والتي عبث بها الانتهازيون ومحترفو السياسة ، وتسابقوا إلى استغلالها لمصالحهم الذاتية والحزبية ، ثم انتهى الأمر بمدعيها والمتسلقين باسمها أن يتآمروا عليها عندما عجزوا عن الاستمرار في استثمارها ، فباؤوا بعار هدمها وتحطيمها ، من غير إغفال لجملة المظالم ، وسوء الإدارة ، ونظرة الاستعلاء ، والعجز عن فهم تطلعات الشعب في هذا القطر ، وهي الأسباب التي سهلت بمجموعها مهمة الأنانيين ، ليقوموا بجريمة الانفصال التي كرسها الحزب الطائفي في سورية زهاء عشرين سنة ، دون أن يخرج عليها أو يتزحزح عنها قيد أنملة ، لتصبح التجزئة وتمزيق الأمة عقيدته الصلبة ومبدأه الثابت.

8- حزب البعث ينقض على السلطة

لم تدم فترة الانفصال أكثر من الوقت الذي سمح لحزب البعث السوري بتكثيف وجوده داخل الجيش والقوات المسلحة ، ثم قام بانقضاض على السلطة الهزيلة التي كانت قائمة في ذلك الوقت ، والتي بلغت من الهزال حدا جعلها تفزع من صفير الصافر ، وتنهار أمام عدد من الدبابات لا تزيد كثيرا على عدد أصابع اليدين.

وعبر سلسلة متتالية من التصفيات المدروسة ، آل حزب البعث إلى الوضع المأساوي الذي هو عليه الآن. لقد استغل الحزب الطائفي في سورية قيمتين كبيرتين :

هما الحرية ، وهي مهماز فعال بين شعب مقهور ، والوحدة وهي أمل عزيز عند كل مواطن في هذا القطر وغيره من الأقطار العربية التي تعيش حالة التجزئة المصنوعة ، وكشف الحزب عن ميله إلى الانتهازية وتكالبه على السلطة ، يتجلى ذلك في الانقلابات العسكرية الأخيرة. وهذا يمنحنا القدرة على تفسير الجرائم التي ارتكبها الحزب الطائفي بحق نفسه ، وبحق الأمة منذ تسلمه السلطة ، تحت عامل غياب القيم والفضائل الإسلامية التي هي وحدها العاصم من الجنوح نحو هذه المنزلقات الخطيرة.

إن تجربة الحزب في السلطة كانت وما تزال كارثة كاملة ، فعلى الصعيد الداخلي ، قام الحزب باغتيال الحرية بفظاظة لا يحسد عليها ، وألغى الأحزاب وأمم الصحافة ، وألقى بالأحرار في السجون ، وعلق على أعواد المشانق شهداء أبرارا ، كل جريمتهم أن رفعوا أصواتهم باستنكار الظلم والعدوان على مصالح الشعب.

كذلك عمدا هذا الحزب -الذي تنكر لأبسط قيم العمل السياسي- على إقصاء المناضلين المخلصين وقريب الأذناب ، وضعاف النفوس ، ممن وجدوا في العيش على حاشية النظام ، والدوران في فلكه ، وسيلة سهلة مريحة للكسب الحرام ، والإثراء غير المشروع ، فكان من نتيجة ذلك أن تحول الحزب إلى تجمع غريب لا يجمع بين عناصره إلا المصالح المتبادلة والولاء المشبوه ، وزج بالجيش في السياسة ، فأخرجه بذلك عن مهمته الأساسية حارسا للحدود ، وعدة لاستعادة الحقوق المغصوبة ، ليكون من حيث النتيجة حارسا للنظام ، بعد أن عملت سلسلة الانقلابات على تفريغه من جميع الكفاءات العلمية والقتالية ، وشوه الحزب صورة ( الديمقراطية ) تشويها ذريعا ، فالدستور أكذوبة ، والاستفتاءات مهزلة ، والمنظمات الشعبية شيء يدعو على الخجل.

9- طائفية الحكم في سورية

ثم كانت العثرة التي لا تقال ، والتي كونت مقتل النظام ونعني : السقوط المريع في مستنقع الطائفية.

وحول هذه القضية الخطيرة ، فإن الثورة الإسلامية تود أن تكون واضحة في موقفها ، صادقة في حكمها وتحليلها ، كما تود أن تواجه هذه المشكلة بصراحة تامة ، لأن الالتفاف من حولها ، وتجاهل واقعها وآثارها المخيفة ، سيزيد المشكلة تعقيدا والخطر تفاقما ، وسيكون السكوت على الممارسات الطائفية المفضوحة ، والتي بلغت حد الإثارة والتحريض ، خيانة للقضية لا تعدلها خيانة.

إن الثورة الإسلامية ترى في بروز الاتجاهات الطائفي منذ بواكيرها في التاريخ الإسلامي مؤشرا على السقوط والانهيار ، ولذا فقد وضعت في حسابها منذ البداية أن تتجاوز هذه الاتجاهات الضارة ولا سيما أن أسبابها وداعيها قد زالت منذ زمن بعيد.

ولكن الطائفية السياسية بأساليبها الملتوية استطاعت أن تطوع كوادر الحزب الهشة لخدمة أغراضها المعادية لصالح الجماهير العريضة من هذا الشعب ، بعد أن أبعدت عن بنية الحزب جميع العناصر التي تتمتع بالقدرة على أن تقول : لا.

ومن المهازل أن هذه الطائفية رفعت إلى قمة السلطة وزير الدفاع المسؤول مباشرة عن هزيمة الخامس من حزيران ، وهذه أغرب مكافأة عرفها تاريخ الإنسانية ، والذي حصل بعد ذلك معروف ومكشوف.

إن الثنائي -حافظ ورفعت- ومن حنى الرأس لهما بمساندة من عناصر طائفية مختارة ، تحكما بمفاصل السلطة ، فأصبح لهم الأمر والنهي ، فطغوا في البلاد ، وأكثروا فيها الفساد ، واتخذوا عباد الله خولا ، ومال المسلمين دولا ، وأماتوا الضمائر ، وأفسدوا الذمم ، النسيان ، واستبدلوا به طائفة أخرى ، يكون مصيرها مصير سابقتها..

وهكذا جرا وجرجرة بغير انتهاء.

وحولوا الحزب إلى مجرد واجهة قميئة لا تقدر على ستر عري النظام ، وأنشؤوا ( الانكشارية الحديثة ) المتمثلة في سرايا الدفاع والصراع والوحدات الخاصة والمخابرات وأشباهها.

وزوروا إرادة الشعب بوضع دستور زائف ، ومجالس شعب لا يقيم لها الشعب وزنا ، واستفتاء على الرئاسة الأولى ، شارك فيها حتى الأموات!

10- نداء إلى أبناء الطائفة

إن الثورة الإسلامية تود أن تصارح أبناء الطائفة العلوية بما هي أدرى به من سواها ، أنتم تعلمون أننا لا نحمل سياسة ولا حقدا ، وآية ذلك أن تاريخنا الحديث سجل سير هذا الشعب بمجموعة خلف قيادات من طوائف الشعب كله ، وذلك لأنها كانت قيادات تحمل كثيرا من الأهلية والوفاء.

وبالرغم من أن أجهزة الإعلام المسخرة لتدعيم سلطة حافظ أسد والإشادة بكفاءاته العالية في الداخل!! والأجهزة الأخرى المشتراة في الخارج ، عملت طال أكثر من ثمانية عشر عاما لتدعيم هذا الوهم ، فإنها لم تزده في قلوب الناس إلا مقتا ، لأنها كانت تصرخ من واد ، وتنفخ في رماد.

ونحن واثقون تماما أن عقلاء الطائفة يشاركوننا الرأي في أننا وإياهم لسنا ملزمين بتدعيم إمبراطورية حافظ ورفعت أسد.

أن الممارسات الاستفزازية العدوانية التي ينفذها النظام الطائفي الفاشي كفيلة بأن تذهب بحلم الحليم ، وأن تحيل الساحة على حرب أهلية ضروس ، ومن الخطأ الفاحش أن يتصور أحد أن أجهزة الحكم هي التي منعت اندلاع مثل هذه الحرب الأهلية بضعة عشرة عاما ، إن الذي أشعل فتيل الحرب الأهلية والصدامات الشعبية المسلحة إنما هي الممارسات الفظيعة التي كان من جملتها إزهاق الأنفس ، ونهب الثروات ، والعدوان على الكرامات ، والتآمر على الوطن والمواطنين.

11- إهابة بأبناء الطائفة الحزب

إننا نأمل من أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها هذا البلاء المسلط ، حافظ أسد وشقيقه الماجن السفاح ، أن تسهم بصورة إيجابية في منع المأساة أن تبلغ نهايتها.

كما نهيب بالعناصر الواعية في الحزب أن تراجع حساباتها ، معلنين بغير مواربة ولا خداع أنه يسرنا أن تنفض عن نفسها وصاية العناصر الفاسدة التي قادتها إلى هذا المأزق الدقيق.

إننا مؤمنون إيمانا راسخا أنه ليست من المحتم أن تحل المشاكل بالعنف ، بل الوضع الطبيعي أن يجري حل هذه المشاكل بالحوار البناء ، ولكن ما العمل إذا كان الطرف الآخر يصر على تجاهل الآخرين ، ويرفض الحوار معهم إلا بلغة القوة؟!..

بناء على هذا ، وإيمانا منا بأن النظام القائم بلغ مرحلة اللاعودة ، وأصبحت المراجعة الجذرية بالنسبة إليه مستحيلة ، فإننا لن نهادن ، وسنمضي في طريقنا غير عابئين بالعقبات والأخطار ، حتى ينهار هذا النظام الغشوم ، ويذهب على غير رجعة ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوَارِثِينَ ﴾ .

منهاج الثورة الإسلامية

من الخطأ الفادح أن تجري معالجة الأمور بناء على الواقع الراهن ، لأن التغاير شديد بين واقع المسلمين اليوم والصورة التي رسمها الإسلام لحياة المسلمين ، وتركهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن بعده خلفاؤه الراشدون.

ولا ينكر أحد أن الإسلام نزل على رسول الله إسلاما موحدا ، لا طوائف فيه ولا فرق ، وعلى هذا فإن الثورة الإسلامية ترى أن معالجة الأمور ينبغي أن تؤسس على المنابع والأصول ، وأن تستفيد مما أثبتت التجربة صلاحه وأهليته للبقاء ، وبذلك يلتقي المواطنون جميعا على كلمة سواء ، تكون الركيزة الصالحة في بناء عالم جديد يتجاوز الجاهليات المعاصرة جميعا ، وتزول فيه الحساسيات والعقد التي بذر بذورها الأعداء ، وغذاها الاستعمار ، وأخلى الجهل لها الطريق ، وأملى لها تراخي الزمن.

ومن هذا المنطلق تتحرك الثورة الإسلامية في الحقلين الداخلي والخارجي ، لتصوغ حياة الأمة ، وتبني المجتمع وفق هذه الأصول في المجالات الدستورية والقضائية والاقتصادية والعسكرية والفكرية والتربوية والاجتماعية والصحية ، تعتمد على الله وحده ، وتلتزم بشرعة ومنهاجه ، وتستهدف إصلاح الأمة دون تفريق أو تمييز ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .

في السياسة الداخلية

أولا : الحياة الدستورية والقضائية

إن أولى دعائم الحياة في إنقاذ بلادنا ، والنهوض بأمتنا -بعد اعتمادنا على الله سبحانه -اشتراك مجموع شعبنا من خلال طرح أفكارنا وتصوراتنا عن المستقبل المنشود ، لكي يعرف هذا الشعب النبيل نياتنا وأهدافنا ، ولكي نقطع الطريق على كل تشويش وتضليل ، متيقنين أنه لا جدوى من محاورة النظام الثمل بخمره السلطة ، والغارق في الدماء الطاهرة والأموال المحرمة ، والذي أذاق الناس من ألوان الشقاء والبلاء ما لا يعرف التاريخ له في ماضي الأمة وفي حاضرها مثيلا.

إن أفدح مصاب نزل بشعبنا إقصاء الإسلام وغياب الحرية ومصادرتها ، وحكم الشعب بكل فئاته بالقهر والاستبداد ، والإصرار على تحويله إلى قطيع مسلوب الإرادة ، مجرد عن كل مناعة في معتقداته ، وأخلاقياته وقدراته ، ليجعل منه البغاة فريسة سهلة السقوط في أيدي العصابات والانكشارية في الداخل ، وبراثن العدو المتحفز في الخارج ، وكلاهما يكمل دور الآخر في قهر الوطن ، وإذلال الشعب ، والقضاء على رسالته وتدمير حضارته.

إن مصادرة الحريات ، وحرمات شعبنا منها تحت أي ذريعة ، إنما هي خيانة عظمى تستهدف استئصال الأمة من الجذور ، وتسليمها للأعداء لقمة سائغة.

إن جماعة الإخوان تعلن بأعلى صوتها أن حاجة الأمة إلى استعادة حرياتها كحاجتها إلى الهواء والماء والغذاء ، وكل ما ينال من هذه الحرية من دعاوى ومزاعم ، أو يقلل من شأنها أو يحد منها ، أو يضع القيود عليها ، تحت أي شعار أو ستار ، إنما هي دعاوى مشبوهة ، ومزاعم مشكوك بنيات أصحابها ، مهما ادعوا من سمو أفكارهم وقداسة معتقداتهم.

إن جماعتنا لتعلن على الملأ لكل المواطنين ، وللناس أجمعين المبادئ الدستورية التالية :

أ- المساواة بين المواطنين :

الناس كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله ، والناس كلهم لآدم ، لا فضل لإنسان على غير بماله أو نسبه أو جاهه ، فالناس يتفاضلون أمام الله تعالى بالتقوى والعمل الصالح ، وهم جميعا متساوون أمام القانون ، ل يستثنى من ذلك أحد مهما بلغت منزلته؟.

ب- حماية المواطنين :

من أوائل واجبات الدولة حماية المواطنين من الاستبداد والاستعباد والقوانين الجائرة والأحكام العرفية والممارسات البوليسية والاستغلال الاقتصادي والكبت السياسي والضغط الإداري والتسلط الحزبي والطبقي والطائفي ، ومن أي شكل من أشكال الهيمنة الظالمة في المجتمع.

جـ- الحفاظ على كرامة المواطنين :

ضمان حماية المواطن -أيا كان جنسه ومعتقده- من التعذيب الجسدي والنفسي ، ومن كل ألوان الأذى الذي يمس كرامة الإنسان وشرفه وآدميته ، واعتبار أي لون من ألوان التعذيب ، جريمة يحظرها الدستور ، ويعاقب عليها القانون.

د-إلغاء السجون السياسية : إلغاء السجون السياسية التي أضحت تنافس المدارس في عددها ، وإغلاق المعتقلات الانفرادية والجماعية التي قارب عددها عدد الثكنات العسكرية كثرة وضخامة ، وحظر ذلك قاطعا ، وإحالة القضايا السياسية كلها إلى القضاء المختص.

هـ- نظام الشورى :

حدد القرآن الكريم للمؤمنين صفات يتميز بها مجتمعهم ، ويعرفون بها من بين سائر الشعوب ، وجعل الشورى واحدة من أبرز هذه الصفات ، فقال جل وعلا في كتابه العزيز : ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ ( ) . كما أمر الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتلطف بأمته ، وأن يستشيرهم في الأمر ، تثبيتا لقاعدة الشورى في الحكم ، وفي بناء المجتمع ، فقال سبحانه  : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ .

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كبير الأمور وصغيرها ، يستشير الرجال والنساء ، وفي السلم والحرب على حد سواء ، ففي المعارك الكبرى الثلاث التي خاضها وقادها في بدر وأحد والأحزاب ، استشار الجند من أصحابه ، ونزل على رأيهم راضيا حينا ، كما حدث في بدر ، وكارها حينا كما حدث في أحد ، ولو شاء لأمضى ما يريد ، فهو رسول الله ، يتلقى الوحي ، ولا ينطق عن الهوى ، ولكنه عليه الصلاة والسلام يعلم أمته مبادئ الشورى ، ويربيهم على التزامها ، ويؤكد عليها حتى في أشد الأوقات حرجا ، وكان يقول ( لأبي بكر وعمر ) : « لو اجتمعتما في مشورة ، ما خالفتكما » .

الشورى أساس الحكم الصالح من الوجهة الإسلامية ، وقد أثبتت تجارب الأمم صحة هذا المبدأ ، وأنه قارب النجاة من الأمواج العاتية والعواصف الهوج ، والعاصم من الدكتاتورية السياسية والعسكرية ومن الطموحات الفردية والطغيان الحزبي أو الطائفي.

إن جماعتنا في سورية تعلن استمساكها بالشورى ، وتأكيدها على إطلاق الحريات السياسية للمواطنين جميعا ، وإلغاء المسوغات التي يتخذ منها المستبدون والطغاة ذريعة باسم شعارات خادعة للجنوح بالحكم إلى التسلط والطغيان.

لا حياة لأمة بدون الحرية والشورى وحفظ كرامة الإنسان ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : « إذا رأيت أمتي تهاب الظالم : أن تقول إنك ظالم ، فقد تودع منها » .


2- الفصل بين السلطات

ومن الأصول الراسخة في الحكم الشورى الذي يحفظ الحقوق ، ويصون الحريات : مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ، التشريعية والتنفيذية والقضائية ، فقد أصل الإسلام منذ البداية هذا الأمر ، فقد نظل التشريع بكلياته وكثير من تفصيلاته قرآنا كريما ، وجاءت السنة الشريفة لتفسيره وشرحه وبيانه ، وكان على السلطة التنفيذية أن تعمل ضمن الثابت من النصوص دون أن تخالفها ، وكان للسلطة القضائية صلاحية مساءلة الخلفاء والولاة وقادة الجيوش ، وكم من حكم صدر من القضاء ضد خليفة المسلمين أو أحد الولاة لمصلحة مواطن أو غير مواطن من المسلمين أو المسيحيين أو غيرهما ، وأقدم الخليفة أو الوالي على تنفيذه دون تردد أو تلكؤ.

أ- حرية تأليف الأحزاب السياسية

ومن الحقوق الأساسية للمواطنين تأليف الأحزاب السياسية ، إذا لم تخالف الأمة في عقيدتها ، ولم ترتبط بدولة أجنبية في ولائها ، والفصل في ذلك أو في أي اتهام يوجه لحزب من الأحزاب من حق القضاء المختص ، كيلا تتحكم السلطة التنفيذية في هذا الحق ، وفي الحريات السياسية الأخرى ، للتخلص من المنافسين ، والانفراد بالسلطة دون الآخرين.

إن جماعتنا في ضوء ما تقدم ، تعلن أنه ليس لديها تحفظ على أي حزب ، منطلقة في ذلك من قناعتها الراسخة أن الغلبة للحق والعاقبة للتقوى ، وضمن مناخات الحرية الكاملة ، فإن جماعة الإخوان تسقط مسوغات وجودها إذا كانت تخشى على الإسلام من منافسة الأحزاب الأخرى.

ب- الانتخاب المباشر

نعلن التزامنا بمبدأ الانتخاب المباشر على جميع مستويات التمثيل مؤكدين على ما يلي :

-تضييق الدوائر الانتخابية بحيث يكون ميسورا أن يعرف الناس بعضهم بعضا ، ضمانا لحسن الاختيار المؤسس على الخبرة والرؤية الواضحة.

-عدم وضع أي قيد على المرشح ما لم يكن محكوما عليه بجرم شائن.

ج- حرية التفكير والتعبير

تصان حرية التفكير والتعبير والنشر وإبداء الرأي المخالف ، وإصدار الصحف ، مهما يكن اتجاهها ما لم يثبت ارتباطها بجهة أجنية ، أو تخرج على مبادئ الدستور وعقيدة الأمة ، ولا قيمة لأي اتهام قبل إحكام المتهم على القضاء المختص وصدور حكم قضائي مبرم.

د- الحريات النقابية

إعادة الاعتبار إلى النقابات العمالية والعلمية والحرفية ، وتحريرها من طغيان السلطة والحزب الواحد ، وفك ارتباطها بالدولة تكوينا وتمويلا ، وعدم إلزام عمال صناعة واحدة على الانضمام جميعا إلى اتحاد بعينه.

هـ- حقوق الأقليات جميعا

الحقوق المدنية والقانونية لجميع الأقليات العرقية والدينية مصونة ، وحرياتهم الشخصية مكفولة ، والدولة مسؤولة عن حفظ أنفسهم وأموالهم وكراماتهم.

وليست هذه الحقوق صادرة عن رأي شخص ، أو اجتهاد فقهي طارئ ، أو موقف تكتيكي ، أو قرار حكومي ، وإنما هي من أحكام الإسلام الأساسية التي أثبتتها النصوص ، وطبقها الرسول الكريم ، وأي مساس بها أو تساهل فيها ، إنما هو خروج على قواعد إسلامية ثابتة.

انطلاقا من هذه المبادئ الأساسية في الحريات السياسية والحياة الدستورية : نرفض استبداد الحاكم الفرد كما نرفض مقولة الحزب الواحد ، لأن هذه المقولة في أبسط معطياتها تمثل فئة صغيرة من الشعب ، ولا تمثل الشعب بمجموعه ، وترفض الاعتراف بالآخرين والتحاور معهم ، إلا إذا كان هذا الحوار يصب في المحصلة النهائية في خانة الحزب الحاكم ، وبسبب هذه الطبيعة الملازمة لحكم الحزب الواحد تتولد تلقائيا ظاهرة العنف والعنف المضاد.


3- السلطة القضائية

كان القضاء في سورية دعامة المجتمع ومفخرة الأمة في ترفعه ونزاهته ومستوى رجاله الخلقي والعلمي ، وكان ملاذا للضعيف لينصفه ، والمظلوم ليأخذ له ظلامته من أي معتد ، سواء أكان فردا ، أو جماعة ، أم حكومة بصرف النظر عن القوانين النافذة آنذاك ، ولكن هذه المؤسسة العتيدة النزيهة فسدت كما فسد غيرها من المؤسسات في ظل هذا الحكم الطائفي الغاشم ، فزالت حصانة القضاء والقضاة ، وأضحى هذا الموئل بؤرة للطامعين والمرتشين ، من أشباه الرجال وأنصاف المتعلمين ، وعرف الناس أن الدعاوى لا يمكن تحريكها أو النظر فيها إلا بدفع المبالغ بمقدار أهمية الدعوى ، وهكذا تحول الحامي إلى حرامي ، والمؤتمن إلى سارق ، بانهدام آخر معقل في بلادنا الصابرة ، يلوذ به الخائف والمظلوم والمعتدى عليه ، وذلك ما يوجب إعادة النظر في بنية هذه المؤسسة ، لتطهيرها من الوباء الذي تفشى فيها ، وإعادة الحصانة إليها ، واختيار الأكفياء لها من رجال القانون والقه من ذوي النزاهة والأخلاق الرفيعة ، ووجوب استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية ، وإقامة بنيانها على قواعد راسخة وأصول ثابتة ، منها :

-لا جريمة بغير نص ، ولا يجوز توقيف أحد إلا بموجب مذكرة قضائية.

-إلغاء جميع المحاكم الاستثنائية ، وحصر حق التقاضي بالقضاء العادي.

-إنشاء محكمة عليا مهمتها النظر في دستورية القوانين ، ومنحها الصلاحيات الكاملة في ممارسة هذا الواجب ، كيلا يبقى هذا الأمر صوريا ، كما هو الواقع في ظل الفئة التي لا تعرف للقانون حرمة.

-لا حصانة لأحد أمام القضاء رئيسا كان أو مرؤوسا ، فالقانون هو السيد ، والناس جميعا متساوون أمامه ، وهذا ما كان ساريا وسائدا يوم كان حكم الإسلام قائما.

-وضع شروط دقيقة في اختيار القضاة كي توضع قضايا الناس وحقوقهم بأيد نزيهة وأمينة.

-رفع الضرائب القضائية عن المشتكي إذا أثبت القضاء أنه كان محقا في دعواه ، كيلا تحول الرسوم بين المظلومين وبين تقديم الدعوى إلى القضاء.

-الخلاص من التعقيد والروتين في عرض الشكوى وتأجيلها شهورا وسنوات. مما يضطر الكثيرين إلى التنازل عن حقوقهم ضيقا ويأسا.


ثانيا : الأوضاع الاقتصادية

يتضح من الأصول الإسلامية الثابتة قيام الأوضاع الدستورية والاجتماعية والسياسية والتربوية على أسس إيمانية ويم أخلاقية ثابتة ، وضمن ذلك وفي مقدمته الأحكام المالية والنظم الاقتصادية التي أولاها الإسلام كبير الاهتمام ، وأحلها مكانها اللائق بها في ذلك الله وشرعه القويم ، حتى لم يعد خافيا على أحد أن للإسلام نظامه الاقتصادي الكامل المؤسس على الاعتراف بالحوافز الفطرية التي لا يمكن تجاهلها ، وليس خافيا كذل كأن الشواهد التاريخية أثبتت بما لا يدع مجالا للمارة أن نظام الإسلام الاقتصادي استطاع مع رعاية حسن التطبيق -أن يحقق في المجتمع الإسلامي توازنا مثاليا قائما على الدافع الإيماني والالتزام الأخلاقي ، فضلا عن الضوابط القانونية الهادفة إلى تحقيق العدالة في هذه الأرض.

وبالرغم من قناعتنا الراسخة أن ردم الهوة بين الغني والفقير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الدولة الواحدة نظرا لانعدام التكامل الاقتصادي في ظل التجزئة المصطنعة فإن جماعة الإخوان ترى أن تخفيف آثار هذه الظاهرة ينبغي أن يحدث وينفذ إلى أبعد حدوده الممكنة ، وترى أن تصحيح هذا الوضع الشاذ المنذر بالخطر الماحق يتوقف على تحكيم شريعة الله في باب الاقتصاد كما في سائر مرافق الحياة الأخرى.

إن النظام الاقتصادي الذي يسود سورية في الوقت الحاضر هو نظام ظالم من فوق رأسه إلى أخمص قدمه ، لأنه استجمع في أحضانه مفاسد الحياة الغربية ، وويلات الأنظمة الإشتراكية ، إن السياسة التي ندعو إليها في عالم المال والاقتصاد ترتكز في جملتها على الأسس التالية :

أ- التوزيع العادل للثرة ، وعدم تكديسها في أيد قليلة.

ب- القضاء على جميع أشكال النهب والاستغلال.

جـ- توفير الفرص المتكافئة لجميع المواطنين.

د_ تحرير الاقتصاد من التسلط الداخلي والتبعية الأجنبية.

هـ-القضاء على الفقر والحاجة ، وتأمين كل مواطن في المعيشة والتعليم والعلاج والزواج والمسكن وغيرها.

وفيما يلي تفصيل ما يمكن تفصيله في برنامجنا لنخاطب به شعبنا الصامد وأمتنا الواحدة والناس أجمعين :

1- حق التملك والقطاع الخاص

أ- حماية الملكية الفردية ، وتشجيع رأس المال الخاص على الإسهام الفعال في رفع وتائر الاقتصاد الوطني ، بحمايته من المصادرة ، ما دام قائما بوظيفته ، مؤديا لواجباته ، لا يلحق ضررا أو أذى بالوطن وبالمواطنين.

ب- الحرية الاقتصادية في التصنيع والتصدير والاستيراد ، ضمن خطة مدروسة موزونة مصدق عليها من المجلس الشورى ( البرلمان ).

جـ_ ومع أن في بعض التجار طمعا فاحشا ، وشحا قبيحا ، وميلا إلى الاحتكار فإننا نرى أن الدولة تخفق في تحقيق ما تهدف إليه حين تجنح أن تكون تاجرا ، وهذا لا يعني إلغاء الرقابة الصارمة على الأسواق التجارية ، والتدخل بقصد التوازن التجاري كلما دعت الحاجة.

2- الثروات العامة( القطاع العام )

أ- الثروات العامة كالنفط والغاز والمعادن على تنوعها ملكية عامة للأمة ، ولكل فرد حقه الثابت من هذه الثروة.

ب- ينبغي الحفاظ على ا لقطاع العام ، بعد إصلاحه وتطهيره من المفسدين والناهبين ومن الكسالى والخاملين.

جـ- تشجيع القطاع الاقتصادي المشترك الذي تساهم فيه الدولة ، ويشارك فيه الشعب.

د- ثمة مصالح لابد أن تكون في يد الدولة ، وتحت هيمنتها الكاملة ، نظرا لطبيعتها التخصصية ، أو وضعها الأمني ، أو ضخامة حجمها ، أو ارتباط ملكيتها بمجموع أفراد الأمة.

3- الفلاح والأرض

طالب الإمام البنا بتحديد الملكية الزراعية في عام 1948 قال الإمام :

( توجب علينا روح الإسلام الحنيف ، وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي أن نعيد النظر في الملكيات الكبيرة ، فتختصر الملكيات الكبيرة ، وتشجع الملكيات الصغيرة حتى يشعر الفقراء والمعدمون بأنه قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره ، ويهمهم شأنه ، وأن توزع أملاك الحكومة حالا على هؤلاء الصغار حتى يكروا ) اهـ.

إن تمليك الأرض الموات لمن يحييها ويعمل فيها من الأمور المسلمة ، ومن الأحكام المنصوص عليها في شريعة الإسلام وفقهه. وإذا كانت بعض الحكومات قد قامت بتوزيع الأرض على الفلاحين بطرق وأساليب نبدي عليها كثيرا من التحفظات ، فإن الذي ننادي به ونؤكد عليه إنما هو تمكين الفلاح من ملكية الأرض ، وإطلاق يده في العمل فيها ليقطف ثمرات جهده ، وتحريره من القيود الثقيلة التي أرهقته واستهلكته ، ومن الوسطاء والأوصياء والمتنفذين الذين يمتصون عرق جبينه وكد يمينه ، باسم الدولة والحزب ولاشتراكية ، وتخليصه من الأسعار المنخفضة والمجحفة التي تفرضها عليه السلطات الجائرة.

إن النهوض الزراعي -من الوجهتين الاقتصادية والاجتماعية- يقتضي الإقدام الشجاع على إجراءات حاسمة أشبه ما تكون بالثورة الزراعية ، من أهمها :

أ- استغلال جميع الأراضي القابلة للزراعة ، وإحياءها وتمليكها لمن أحياها ، بعد الأخذ بالأسباب الجادة لهذا الإحياء ماليا وفنيا.

ب- الاستفادة على أوسع مدى من الوسائل الحديثة والتقنية في الري والزراعة وحراثة الأرض ، واستخدامها في الأرض الزراعية كلها ، وتحرير الفلاح والمزارع من الوسائل التقليدية البالية.

جـ- حماية الحقوق والزارع والمروج والغابات من الحشرات والطفيليات التي تضعف الإنتاج وتهبط مستواه.

د- توزيع أراضي الدولة الزراعية على الفلاحين ، وإعطاء الأولوية في التوزيع لسكانها وسكان الأراضي المتاخمة ، وإمدادهم بالقروض والأسمدة والآلات والخبرات الفنية ، حتى يستطيعوا إضافة هذه البقاع إلى الأراضي الزراعية المنتجة.

هـ- حماية الفلاحين والمزارعين من الوسطاء والأوصياء ، كيلا يخطفوا من إنتاجهم شيئا ، لينالوا القيمة الكاملة لإنتاجهم ومحصولهم.

و- تحرير القروض التي تقدمها الدولة للفلاحين والمزارعين من الربا.

ز- وقاية الغابات والإحراج بشكل جدي من الآفات البشرية والطبيعية ، وتوسيعها واستغلالها ، وتشجير الجبال والهضاب الجرداء ، والاعتناء بالشجرة ، وعدم السماح بتحويل البساتين والمزارع إلى أحياء سكنية ومناطق صناعية ، كما حدث في جميع المدن والأرياف ، مما جعل هذه البساتين تتقلص بصورة مفزعة ، وتتحول من غابات الأشجار المثمرة إلى غابات من الإسمنت ، بالرغم من وجود مساحات واسعة غير مزروعة وقابلة للبناء والتوسع العمراني ، وصالحة للمناطق الصناعية ، أملا في أن تعود سورية إلى ما كانت عليه في العصور الإسلامية الزاهية ، يوم كان المسافر من دمشق إلى بغداد لا يحتاج إلى حمل الزاد ، لكثرة ما يرى من الثمار والخضر والفاكهة في طول البلاد وعرضها.

ح- حماية المزارعين الذين يملكون أرضا زراعية يقومون على زراعتها من التسلط تحت أي شعار كان ، ليأمن المواطنون جميعا على إنتاجهم وحريتهم وكرامتهم.

ط- تحقيق التوازن بين الإنتاج الزراعي وحركة التصنيع ، وبعبارة أخرى : بين المحصولات التجارية والصناعية من جهة ، وبين المحصولات الغذائية من جهة أخرى.

ي- إطلاق المبادرات ، وتشجيع المزارعين في الريف والبادية لتعميم المحطات والحظائر والدواجن وخلايا النحل ، لتربية الأبقار المنتجة والأغنام والدجاج والطيور ، وإغراق الأسواق المحلية باللحوم والإنتاج الحيواني ، ليكتفي الشعب ويجد غذاءه وافرا رخيص الثمن ، ولتوفير الملايين التي نستورد بها اللحوم المثلجة وغيرها من الخارج لبلد كسورية يمكنه أن يصبح من بلدان الدرجة الأولى في التصدير لهذا الإنتاج ، لو صح العزم ، وأطلقت حريات المواطنين من الفلاحين والمزارعين وأبناء الريف وسكان البادية.

ك- الاهتمام بالثروة السمكية في الشواطئ والأنهار والبحيرات ، والعمل على إكثارها بالطرق الفنية الحديثة ، وعلى إقامة أحواض خاصة بتربية السمك ، وتنشيط الصيد ، ودعم هذه الحرفة كي يصبح السمك غذاء شعبيا في متناول كل الناس.

وأخيرا.. فإن الاهتمام بالقطاع الزراعي ينبغي أن يأخذ مداه ، لما يترتب علي ذلك من نتائج بالغة الخطورة ، فبالزراعة تجمل البلاد ، ويتحسن المناخ ، ويكتفي الناس ، ويتحرر الشعب من الحاجة إلى ا لغذاء ، في عالم يشكو من قلة الغذاء ، وتنشر فيه المجاعات ، وتقع بعض الدول وفيها الكبرى كروسيا تحت وطأة هذه الحاجة أمام أعدائها ، فيهددونها في كل مناسبة بوقف تصدير الأغذية إليها.. وبازدهار الزراعة تنشط التجارة ، وتجد الصناعة حاجتها من الإنتاج والمواد الخام.

لهذا كله يجب تشجيع الزراعة ودعمها ، وحشد جميع الطاقات والإمكانات لانتشارها وازدهارها ، وتقوية الحوافز في الأوساط الريفية والزراعية لوقف الهجرة من الريف إلى المدينة ، كالتمليك والإقراض والتوجيه ، وجني المحصول كاملا ، وتسليم الثمن الذي هو ثمرة العمل والكسب الحلال دون اقتصاد أي نسه منه.

إن ما حدث في سورية سار في الخط المعاكس لمصالح الفئات الكادحة عامة ، والقطاع الزراعي بشكل خاص ، فالإصلاح الزراعي نفذ بصورة أدت إلى إهمال أراضي الدولة الصالحة وهي كثيرة ، وإلى هبوط الإنتاج في أخصب الأراضي إلى النصف ، وأحيانا إلى الثلث ، وتحولت جنات في بلادنا إلى خرائب ، وهذه حقائق يعلمها جميع الموظفين المختصين. وبهذا سار الإصلاح الزراعي بعكس طبيعة الأشياء ، وضد فطرة الناس.

ومن قبل حدث في روسيا مثل هذا ، فقد كانت روسيا من قبل تصدر الحبوب والمواد الغذائية ، ثم هبط الإنتاج في ظل النظام الماركسي والجمعيات القسرية ، لتظل الزراعة في الاتحاد السوفييتي هي القطاع الأضعف في الاقتصاد السوفييتي ، بل ظلت عقدة الزراعة السوفييتية سوطا يلاحق الحكومات المتعاقبة في هذا النظام ، وعلى الأخص في أيام خروتشوف الذي ظلت لعنه الزراعة السوفييتية لاحقه حتى قضت عليه.

وفي الأشهر التي سبقت عزله اضطر خروتشوف لأول مرة في تاريخ روسيا القيصرية والشيوعية إلى شراء القمح ومنتجات الدواجن والزبدة واللحوم المجمدة من كندا وأستراليا وألمانيا الغربية وفرنسا والولايات المتحدة والصين ، ولتأمين العملة النادرة اضطر السوفيات إلى شحن قسم من مخزونهم الذهبي لبيعه في سوف الذهب بلندن.

واستمر السوفيات في استيراد المواد الغذائية من الخارج منذ عام 1964م ، بالرغم من أن الاتحاد السوفييتي يشمل على أكبر مساحة صالحة للزراعة في العالم ، ورغم أن الإمكانات الطبيعية لتطوير الزراعة لا تقل فيه عن أب بلد آخر ، وهذا يؤكد أن عقدة الزراعة في الاتحاد السوفييتي تدخل في مجال ا لتنظيم الاقتصادي والاجتماعي أكثر مما هي ناتجة عن عوامل طبيعية ، والفائض الهائل الذي يشتريه السوفيات من أسواق العالم الغذائية يؤدي إلى ارتفاع أسعار القمح وغيره. ويقلص الكميات المتاحة للدول الفقيرة التي تصب بالجفاف في آسيا وإفريقيا وغيرهما.

وبالرغم من اضطهاد السوفيات للزراعة الخاصة ، فما تزال هي أرفع إنتاجية من المزارع الجماعية ، حتى إن قطع الأرض الصغيرة الخاصة تؤمن 50% من إنتاج البطاطا ، 40% من الدجاج ، ونسبة عالية من الفاكهة والخضر ، وهذا ما اضطر الدولة السوفييتية في مطلع السبعينيات إلى مضاعفة حجم القطع الزراعية الخاصة ، بعد أن كانت تعمل على تقليصها والتضييق ضريبيا عليها في ا لستينيات. إن جماعة الإخوان في سورية مصممة على النهوض بالقطاع الزراعي ، وإحلاله المقام الأول في سلم الإصلاح العاجل ، لتعود بلادنا كما كانت مروجا خضراء بإذن الله ، وليعم الرخاء الغذائي ، ولتصبح المواد الغذائية بكل مشتقاتها فائضة ووافرة ودانية من الشعب كله ، ولتحرر الزراعة من الكوارث التي حلت بها في ظل الحاقدين.

4- العامل والصناعة

ظهر الإسلام ، والعرب يكرهون العمل في حرفة أو صناعة ، ويعدون ذلك منقصة ينزهون أنفسهم عنها ، فحرر الإسلام العرب من هذا الفهم ، وجاء القرآن الكريم مشيدا بالعمل وبالعاملين ، وتكلم القرآن عن أنبياء الله تعالى ، وعن إتقانهم لبعض الحرف والصناعات ، وقد وردت في ذلك آيات كريمات مثل ﴿ وَأَلَنَّا لَهُ الحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ﴾ و ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ ﴾ أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أحل العمل مكانا عظيما ، ورفع شأنه ودفع بالناس إليه ، وكان عليه الصلاة والسلام ، مثالا يقتدي في قوله وفعله ، فقد رعى الغنم ، وزاول التجارة ، وحض على الاحتراف والصنعة والعمل اليدوي ، وله عليه الصلاة والسلام في ذلك توجيهات كريمة من مثل قوله :« من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له » « إن الله يحب العبد المحترف .. الخ » فكان من ثمرة هذه التعاليم أن اتجه العرب والمسلمون إلى الحرف والعمل اليدوي ، فلم تمض عليهم فترة قصيرة حتى أبدعوا في هذا المجال ، وسبقوا غيرهم ، وصارت أمتهم في العهد العباسي من أرقى الأمم التي عاصروها في الحرف والأعمال الصناعية.

فلا عجب والحالة هذه أن تعد جماعة الإخوان في سورية برنامج عمل يدفع بالبلاد والعباد إلى صناعة متقنة ، تسد حاجة الوطن ، وتحرر الأمة من التبعية الصناعية والاستيراد الدائم ، والارتباط الاقتصادي بالدول الأجنبية ، و من أبرز نقاط هذا البرنامج :

أ- دفع عجلة الصناعة إلى الأمام ، وخاصة فيما أتقنه السوريون وعرفوا به وسبقوا في مضماره ، وتوفرت لديهم مادته وخاماته ، لتعود سورية إلى سيرتها الأولى يوم كانت تغزو بضائعها الأسواق العربية والعالمية ، وتنافس البضائع الأجنبية في أسواق روما وباريس ، وبالمهارة والمتانة والسعر والذوق الرفيع ، وذلك قبل أن تمتد إليها يد التخريب والعبث.

ب- تشجيع الصناعات اليدوية والمنزلية على أنواعها ، لتعود على البيوت بالربح ، وتملأ فراغ الكثيرات ، وتنقذ قطاعا كبيرا من بؤس الحاجة ، وتزيد على المدى الطويل في دخل البلاد.

جـ- إنشاء الصناعات البتروكيميائية والثقيلة الممكنة ، بالتعاون مع الدول الشقيقة لسد حاجة البلاد من السيارات والجرارات وسواها.

د- تطوير صناعة السلاح ، وإقامة المصانع لإنتاجها مهما بلغت الأعباء ، كي نتحرر من الاعتماد على الدول الكبرى في تسليح جيشنا ، واستيراد الذخيرة وقطع الغيار التي تجعل منها الدول المصدرة لها سيفا مسلطا على رقابنا ، لتملي شروطها وتفرض على الأمة ظلها الثقيل. وعندما يستطيع العراق أن يخطو في طريق امتلاك السلاح النووي خطوات حاسمة ، وتستطيع باكستان أن تفعل ذلك ، فإن مجموع الدول العربية والإسلامية تستطيع بيسر أن تملك أضخم المصانع وأخطر الأسلحة لو كانت جادة ومتعاونة في هذا السبيل.

هـ- الصناعات التي تكون ذات أهمية رئيسية في حياة البلاد ، تدخل ضمن القطاع العام بقرار من المجلس النيابي طبقا للأصول الشرعية والدستورية.

إن إقامة الصناعات ا لتي لا تستغني البلاد عنها ، واللحاق بالأمم المتقدمة صناعيا ، والقضاء على التخلف في هذا الشأن من فروض الكفاية كما نص الفقهاء ، كيلا تقع الأمة تحت وطأة الحاجة لغيرها ، فيؤدي ذلك إلى ضعفها وتسلط الأقوياء عليها. ولكن حدوث مثل هذه النهضة الصناعية سيظل بعيد المنال مهما بذل من الجهد وأنفق من المال ، ما لم يكن العمال والصناع في وضع يطمئنون فيه على غدهم ، وعلى مستقبل أبنائهم ، وينالون في ظله جميع حقوقهم ، ويتحررون فيه من لاشعور بالظلم والحيف وضياع الجهد ، فيجنون ثمرة كفاحهم ، وهذا ما يوجب حل المسألة العمالية من الجذور ، والقضاء على عوامل القلق والصراع والاستغلال التي تتعرض لها وتعيش تحت وطأتها جماهير العمال والكادحين.

و- إن أخطر ما أفرزته النهضة الصناعية في المجتمعات الرأسمالية هذا التناقض بين جشع الرأسمالية وهدر حقوق العمال ، فكان صاحب المصنع يطمع أن يمتص ما يستطيع من جهد العامل بأقل ما يمكن أن يؤديه له من أجر ، فإذا ما نال العامل حقوقه أو بعضها كان ذلك على حساب الأرباح الفاحشة التي يعمل الرأسمالي على زيادتها بكل الوسائل ، وليس على نقصانها ، مما أدى إلى صراع بين هاتين الفئتين. وإلى كفاح انتهى بهزيمة الرأسمالية وانتصار الإشتراكية في بقاع كثيرة من العالم.

ز- فحلت الدولة محل ذوي رأس المال ، فواجه العامل سلطانا أشد وأقسى من سطوة رأس المال ، لأن الدولة تزعم أنها تحكم باسم الطبقة العاملة ، وأن العمال هم المالكون الحقيقيون للمصانع ولأدوات الإنتاج ومن ثم فلم يعد بمقدور العمال أن يحتجوا للحصول على حقوقهم ، أو رفع الظلم عنهم كما كانوا يفعلون من قبل ، بل إن احتجاجهم يقابل في ظل ملكية الدولة بالشدة والقسوة البالغة كما حدث في المجر من قبل ، وفي بولندا بعد ذلك ، وفي عدد من البلدان الإشتراكية التي نمت فيها طبقة ثالثة تحكم باسم العمال ، وتعيش على حسابهم معيشة أقرب ما تكون إلى حياة الأباطرة ، وتسوم العمال سوء العذاب.

ح- وهكذا استمر هذا التناقض ، بين العمال من جهة ، والمتسلطين من جهة أخرى.

لقد كان المتسلط بالأمس على العمال هم الرأسماليين ، وأصبح المتسلطون اليوم هم الاشتراكيين الذين تربعوا على كراسي الحكم ، وأصبحوا قياصرة العصر باسم الحزب والإشتراكية والصراع الطبقي وملكية العمال لأدوات الإنتاج ، وليس للعامل أن يتفوه بكلمة ا, أن يقول : لا ، فالعامل الذي تحرر من سياط الرأسماليين ، وقع في جحيم الاشتراكيين الذين يملكون كل أسباب التسلط وجميع وسائل القهر ، وسطوة الحزب وجهاز المخابرات.

إن حل المسألة العمالية في رأينا يكمن في إزالة هذا التناقض ، وإنهاء هذه الوصاية على العمل ، أيا كان شكلها ، وأيا كانت التسمية التي يحملها هؤلاء الأوصياء ، وهذا لا يكون إلا بتمليك العمال لجهدهم وعملهم بإحدى الطرق التالية :

أ- تحويل ملكية المصانع والمؤسسات الصناعية التي تملكها الدولة إلى العمال ، مقابل أقساط تسترد من تعويضاتهم ، وتقتطع من مرتباتهم على فترات طويلة دون أن يؤثر ذلك على معيشة أسرهم.

ب- تنشئ الدولة مصانع ، وتوزع أسهمها على العمال ، ثم تسترد ثمنها على غرار ما ورد في الفقرة السابقة.

بذلك يملك العمال المصنع ، ويشاركون في مجلس إدارته ، ويبذلون قصارى جهدهم في العمل ، فيزداد الإنتاج ، وتتحسن نوعيته ، ويزول التناقض ، وينطفئ لظى الحقد ، وتزدهر الصناعة ، ويلغى دور الأوصياء والمستغلين.

يستثنى من ذلك المصانع ذات الطابع الأمني كمصانع السلاح ، أو الفني كالنظائر المشعة وأضرارها ، فإنها تبقى ملك الدولة وتحت إشرافها المباشر.

وأما المصانع التي يملكها أصحابها في القطاع الخاص ، فينبغي تحديد الصلة بين أصحابها وبين العمال بشكل دقيق وصورة واضحة ، بحيث لا يضيع على العامل من ثمرات جهده شيء ، ولا يفرط العامل كذلك في إتقانه لعمله وقيامه بواجبه وتحسينه لأدائه بشيء ، كما يحدث في بعض الأحيان ، عندما يفهم بعض العمال أن لهم الحق في كل شيء ، وليس لغيرهم أن يطالبهم بشيء ، فتتحول بعض المصانع والمؤسسات إلى تكايا يملؤها الكسالى والقاعدون ، وهذه ظاهرة خطيرة شاعت في بلادنا ، وأدت إلى نتائج خطيرة وعواقب وخيمة.

بالإضافة إلى ما تقدم فإن ما ينبغي أن يراعى في محيط العمل ، ويأخذ صيغة التشريع الواضح أمور منها :

-تشديد النكير على تشغيل الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم سنا معينة يحددها القانون.

-لا يزيد أسبوع العلم على 42ساعة ، ليكون لدى العامل وقت لتثقيف نفسه ورعاية أهله وأداء واجباته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :« إن لربك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا ، وإن لنفسك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه ».

-الاهتمام بوضع المصانع من النواحي الصحية والعلمية والثقافية ، بحيث يطمئن العامل فيه على صحته من حيث التهوية والإضاءة والحرارة ، وحتى يجد المسجد الذي يؤدى فيه العبادة ، والمكتبة التي يملأ فيها ما لديه من فراغ في المطالعة والمشاهدة والاستماع.

-التأهيل المهني الدوري للعمال والمستخدمين ، ليبقى تقدمهم المهني دائما ، وتطورهم النفي مستمرا ، فإن توقف الإنسان عند حدود معينة ، وعدم تجاوزه لها : أذان بتخلفه وتراجعه وارتداده إلى الأمية ، كما حدث لكثير من المثقفين والفنيين.

-يتمتع جميع العمال -شأن بقية الموظفين- بالإجازات الأسبوعية والسنوية ، ويجبرون على الحصول عليها كيلا يشغلوها بالعمل الإضافي ، فيكون ذلك على حساب راحة العامل واستقراره النفسي والأسري. -ضمان العمال وعائلاتهم صحيا بالعلاج والدواء ، وماليا في حال العجز والمرض والإصابة والشيخوخة في رابت تقاعدي شأن بقية الموظفين سواء بسواء.

بمثل هذه الإجراءات التي هي معالم على طريق الإصلاح العمالي في برنامج جماعتنا ، يطمئن العامل على غده ، وعلى مستقبل أهله وولده ، وتسود المحبة أبناء الوطن ، ويزول التناقض بين مصالح فئة وأخرى ، وينصرف الكل إلى الارتقاء بالإنتاج نوعا وكما ، وإلى تحسين أحوال البلاد من خلال السعي إلى تحسين أحوالهم والنهوض بها إلى حياة فضلى ، في ظل شريعة عادلة تطبق العدل والمساواة بين جميع المواطنين.

5- النظام الضريبي

عندما سأل الخليفة عمر بن الخطاب عامله أبا هريرة في البحرين على الصدقة ، أجاب العامل إجابة تفيض بالثقة والوضوح فقال : وليتني عليهم ، فذهبت إليهم ، وأخذت فضول أموال أغنيائهم ، ورددتها على فقرائهم ، وعدت إليك كما ذهبت عنك ، أعلمني دينا جديدا ، وهكذا كان الفهم واضحا لدى الخاصة والعامة من المسلمين ، ومؤداه أن الضريبة تؤخذ من الأغنياء ، وترد إلى ذويها ومستحقيها من الضعفاء ، ليظل التوازن الاقتصادي والاجتماعي في الأمة مستمرا.

أ- بهذا المقياس نرى النظام الضريبي في سورية ظالما جائرا يأخذ من الفقير كما يأخذ من الغني ، ويساوي بينهما في التكاليف ، فالذي يملك بيتا لسكناه يدفع عنه ضريبة بالرغم من أنه لا يؤجره ولا يستثمره ، كذلك فإن الضريبة غير المباشرة -وهي الضريبة السائدة- تسوي بين أغنى الأغنياء وأفقر الفقراء ، بل وربما كان عبء الفقير منها أثل منه على الغني ، لأن الفقير أكثر استهلاكا للمادة الأساسية كالسكر مثلا وغيره ، من الغني الذي يجد في غيرها عوضا أو رديفا.

ب- لذا لا بد من إعادة النظر كليا في النظام المالي ، والضريبي خاصة -والمساهمة الفعالة من الأغنياء ، وإعادة التوازن في المجتمع كيلا يكون المال دولة بين الأغنياء دون الآخرين ، ولتطويق هذا التكديس الهائل من الثروات الأسطورية التي ملأت خزائن أصحابها ، وغمرت بنوك الدول الأجنبية تحت الحسابات السرية التي ينميها سدنة النظام السوري الجائر في أوربا وأمريكا ف شراء الأسهم والعقارات وفي تجارة الذهب والمخدرات ، والتي أصبح الكثير من أرقامها وأسرارها مكشوفا ومفضوحا. كذلك لابد من تطبيق نظام ضريبي يقوم على قواعد ومبادئ من أهمها :

جـ- القضاء على الهدر الضريبي المتمثل بالمحاباة وإهمال المحاسبة وعدم اعتماد الضوابط العلمية التي تؤدي إلى حصر مقادير الدخول ، حتى يكون طرح الضريبة عادلا.

د- إعادة النظر في النظام الضريبي أو على الأخص الضرائب غير المباشرة التي تسوي بين الأغنياء والفقراء.

هـ- مراعاة العدالة بين المناطق في جباية الضرائب وفي إنفاقها ، حتى يكون الازدهار للوطن كله ، وليس للمدينة على حساب الريف ، أو الريف على حساب البادية ، أو الجبل على حساب المناطق الأخرى. إن جولة سريعة في المناطق الشمالية والشرقية من سورية كفيلة بإظهار الفارق الكبير في الرقي والإصلاح ما بين منطقة وأخرى ، فالريف السوري في الجزيرة والرقة والفرات وحلب وحماة وحمص وحوران ما يزال في تخلف معيب ، وكل ما ادعاه الطغاة من دعاوى الإصلاح والتقدم وإنصاف الريف دعاوى كاذبة ، فسورية قد تأخرت عشرات السنين في ظل هذا الحكم البغيض ، والطبقة الوسطى في تقلص ، وأفراد الطبقة الجديدة لم يعد يكفي الواحد منهم مائة مليون أو مائتان يحصل عليها من طريق الرشاوى والعمولات والسلب المكشوف ، فلا بد أن يجاري أغنى أغنياء العالم في ثروته الطائلة ، وحساباته السرية والجارية ، وطوابير الشعب تلهث وراء الخبز والوقود والمواصلات وكل الحاجبات الأساسية!!

و- لابد من فرض ضرائب تصاعدية على المال والربح قياسا على فريضة الزكاة ، تجبى من الأغنياء ، ويعفى منها الفقراء أسوة بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما كان يفرض الضرائب الثقيلة على العنب ، والضرائب الرمزية على التمر لأنه طعام الفقراء.

6- الأعمال المصرفية

النظام المصرفي الذي يسود بلادنا وحياتنا المالية منبثق عن النظام الرأسمالي بكل عيوبه ومأسيه ، والزعم بتطبيق الإشتراكية يثير السخرية والشفقة معا ، فالقصد من شعار الإشتراكية هو الابتزاز والتسلط وسحق المعارضين ، والنظامان الاشتراكي والرأسمالي كلاهما أقل سوءا من الأوضاع الاقتصادية التي تسود بلادنا ، فالنظام المفروض على سورية- إن صحت تسميته بالنظام- أخذ من النظم الاقتصادية أسوأ ما فيها ، وترك النافع منها والمفيد فيها ، مما يوجب إعادة النظر فيه من ألفه إلى يائه ، وبناءه على أسس شرعية عادلة نذكر منها :

أ- إعادة الثقة إلى رؤوس الأموال العربية والإسلامية ، وسحب جميع الأرصدة العربية والإسلامية لتوظيفها في بلادنا ، لأن إبقاءها على هيئة ودائع في الخارج يؤدي إلى عدة أمور ، ما منها واحد إلا وهو ضار بالأمة حاضرا ومستقبلا :

-إنها تبقي شريان الاقتصاد المعادي متدفقا بالحياة.

-تستخدم لإنتاج أدوات الفتك التي توجه إلى صدورنا.

-يجرى امتصاصها عن طريق التضخم المصطنع.

-وأخيرا -وليس آخرا- هي عرضة للتجميد في كل وقت ، مما يجعلها عبئا على أصحابها ، وليست امتيازا لهم.

ب- محاربة التضخم ، والعودة إلى قاعدة التغطية الذهبية مدعومة بوفرة وتحسين الإنتاج ، إنقاذا لعملتنا المتدهورة بصورة دائمة ، من جراء طبع النقد بكثرة دون رصيد ، وبسبب عمليات التهريب التي يقوم بها المتنفذون والمتسلطون.

جـ- الاعتماد على رأس المال والوطني في بناء الاقتصاد وتشييد المشروعات.

د- استبدال وظيفة البنوك والمصارف المرتكزة في جوهرها على الفوائد والربا ، واعتماد نظام المشاركة والاستثمار الاقتصادي المباشر والإقراض الحسن ، طبقا للقوانين ، واللوائح التي تنظم هذه الأمور ، وتحريم الربا بكل إشكاله وصوره ، وما يلحق به من الاحتكار والغبن والغش والربح الفاحش ، فالربا في أقل حالاته سوءا رفع سعر السلعة عندما تضاف الفائدة على رأس المال والربح ليدفعها المستهلك ، وفي أسوأ حالاته سلب طعام الفقير من فمه وأفواه أطفاله ، لقد ألف الناس أن يقرؤوا مسرحية تاجر البندقية لشكسبير دون أن يقفوا على آثارها المروعة في عالم الاقتصاد ، وما يجره الربا على البشرية من ويلات.

هـ- إن كل ما ورد في الإسلام من تشريعات ، عظيم ، ومن أعظم ما فيه : تحريمه للربا؛ لتحريم وإنقاذ الضعفاء والفقراء من براثن المرابين والمستغلين.

لقد أدرك العالم أضرار الربا ، واعتبره كبار العلماء والاقتصاديين من أمثال كينز مصدر الأزمات الاقتصادية ، وساد في عالم اليوم أن ارتفاع معدل الفائدة دليل على سوء الأوضاع الاقتصادية ، وبمقدار ما ينخفض سعر الفائدة تتحسن هذه الأوضاع.

لقد آن للناس جميعا -والاقتصاديين منهم خاصة- أن يدركوا أهداف الإسلام من تحريمه القاطع للربا ، بعد أن ثبتت أضراره الفاحشة وأوضاره في تأريث الحقد بين الناس ، وتكريس الانقسام الطبقي في المجتمع ، وإفراز طبقة من المستغلين لا تنتج شيئا ، وتحكم رأس المال بأقدار الناس ، بدلا من تحكم الناس بالمال وتسخيره لهم كما أراد الله تعالى لخلقه ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ .

لقد آن للناس أن يدركوا مقاصد شرعهم الحكيم ، ومعنى قول الله سبحانه وتعالى ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ وقوله ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ ﴾.

7- الزكاة والوقف

اقترنت كلمة الزكاة في أذهاب الكثيرين بمعنى التفضل والتسول ، على غير ما أراد الله تعالى لهذه الفريضة ، فقد وردت نصوص الكتاب والسنة من أن الزكاة حق معلوم تقوم الدولة على جبايته وتسليمه لذويه شأن الضرائب والمشروعة ، كما تصرف الرواتب لأصحابها ، وتزيد الزكاة على ذلك أنها تزكية للنفوس ، وتطهير لها من الأثرة والشح ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾ وإن مثوبتها عرضة للبطلان إذا رافق دفعها منة أو أذى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى ﴾ .

الزكاة تأمين اجتماعي شامل ، لم حظ مجتمع بشري مثله خلا المجتمع الإسلامي عندما كان تطبيق الإسلام كاملا. وعندما نقارن فريضة الزكاة بأي نظام تأميني آخر نجد الفرق واسعا والبون شاسعا ، فالتأمينات تؤخذ من الجميع فقراء وأغنياء ، وتعطى للمصاب ولو كان غنيا ، أما الزكاة فإنها لا تؤخذ إلا من الأغنياء ، ولا تصرف إلا على الفقراء ، شأن مبادئ الاقتصاد الإسلامي الذي يجانب المصادفة في كل أحكامه.

إن للزكاة خصائص جدير بالناس أن يعلموا حقيقتها ، ليكونوا على بينة من هذا الركن الثالث من أركان الإسلام :

أ- الزكاة فريضة وليست ضريبة ، وذلك يعني أن ليس بمقدور أي حكومة أن تلغيها أو تستبدل بها غيرها ، أو تعدل من نصابها.

ب- تؤخذ الزكاة من رأس المال ومن الربح جميعا ، أي من مجموع ثروة الأمة ، وليس من الأرباح فقط ، وبذلك يكون مردودها هائلا ، وتغطيتها لحاجات المستحقين كاملة.

جـ- تصرف في المناطق التي تجبي منها ، ولا يجوز نقل شيء منها إلى منطقة أخرى -باستثناء بعض الحالات- إلا بعد اكتفاء جميع المستحقين من أبناء المنطقة.

د- حدد الإسلام مقدارها وأنواعها ومن تجب عليه ، ومن يستحقها بتفصيل لا يترك مجالا لأي تغيير أو تزوير.

هـ- رفع الإسلام نسبة الزكاة على بعض المزروعات مراعاة لمصلحة المستحقين ، حتى بلغت 10% في القمح مثلا إذا كانت الأرض تسقى بماء السماء.

و- لا تؤلف الزكاة ميزانية الدولة كما يتوهم البعض ، وإنما هي ميزانية مستقلة لا تختلط بغيرها ، لها أجهزتها وموظفوها والقائمون عليها ، ولا يحق للحكومة أن تنفق منها على غير مصارف الزكاة الشرعية مهما كانت أهميته -ولو كان مسجدا- لتبقى حقوق الفقراء محفوظة ، لا تطغى عليها قرارات الحكومات ولا احتياجاتها التي لا تنتهي ، وبذلك يصرع الفقر ويزول الحرمان.

ز- أما الذين يوسعون معنى في ( سبيل الله ) من آية الزكاة لتشمل الكثير من المشروعات الاجتماعية ويخالفون الآراء والأحكام الفقهية المعتمدة من قصر هذا الباب على المجاهدين وطلاب العلم ، فإنهم يخطئون خطأ كبيرا ، ويفتحون بابا واسعا للطامعين والعابثين ، ليتصرفوا بأموال الزكاة حسب ما يشتهون ، بتأويلات بعيدة عن روح الإسلام وأحكام الشريعة ، فيكون ذلك على حساب الفقراء والمساكين والغارمين والمحرومين.

لهذا و غيره كانت فريضة الزكاة في الإسلام من الركائز الأساسية في الاقتصاد الإسلامي ، وفي بناء المجتمع ، تقضي بها الدولة على الشقاء والبؤس ، وتعيد بها التوازن إلى المجتمع ، وهي جزء لا يتجزأ من نظامها الاقتصادي الشامل.

ح- أما الوقف فقد عم نظامه في المجتمع الإسلامي منذ فجر الإسلام ، وكان مصدر خير وبركه على جميع المسلمين ، كما كان عاملا قويا في بناء حضارة عتيدة ، ففي كل العصور كان الأغنياء يوقفون الدور والحقول والبساتين للمشروعات الخيرية الكثيرة ، فانتشرت الأوقاف وأضحى لكل مرفق ولكل مشروع خيري أوقاف ينفق دخلها عليه ، فكانت الأوقاف للمساجد والمدارس والمشافي والرفق بالحيوان ، ولإصلاح ذات البين ، ولإطعام الدواب في حال عجزها حتى يدركها الموت ، ولتقديم الدور الواسعة لأعراس الفقراء يشغلونها فترة محددة ، وغير ذلك كثير.

ط- استمر نظام الأوقاف في إمداد المجتمع وإسعافه بكل ما يحتاجه من منافع يجلبها ، ومن مفاسد يدرؤها ، حتى امتدت يد العبث إلى هذا الخير لتصادر أملاكه ، وتبدد أمواله وتسطو عليه.

إن الواجب يقضي بإنقاذ هذه الثروة وانتشالها ووضعها حيث وضعها واقفوها لإصلاح المجتمع وإسعاد أفراده.

8- حظر التبذير والاستغلال

لقد استفحل داء الترف والبذخ ، ولم يعد للأموال العامة حرمة ، وشجع المتسلطون ، بما سلكوه من سلب ونهب ، غيرهم في وظائف الدولة والمؤسسات العامة على الرشوة والفساد والتزوير والنهب والسلب إلى درجة خطيرة ، جعلت سورية في مقدمة الدول المصابة بهذه الأمراض ، بعد أن كانت من أفضل الدول في العالم الثالث على الأقل كما تقول تقارير الأمم المتحدة ، فازداد تبعا لذلك عدد المسرفين والمترفين الذين لا تعنيهم إلا مصالحهم ، ولو أدى ذلك إلى خراب البلاد وإفقار العباد.

لا مناص -والحالة هذه- من الضرب بشدة على أيدي هؤلاء المسرفين ، وتخليص الأمة من شرورهم ومفاسدهم ، فقد أهلكوا الحرث والنسل ، والله لا يحب الفساد ، إنه لا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة ، من أهمها :

أ- حظر السرف والترف ، فقد أصبحت روائح أثرياء العرب في بلدنا وفي الوطن العربي كله تزكم الأنوف ، ومهازلهم في عواصم اللهو والمجون سبة وعارا على العرب والمسلمين ، وفي هذا المجال لابد أن يطبق حكم الله على هؤلاء بتعريضهم للعقوبات القانونية الصارمة.

ب- تلغى جميع الامتيازات التي نشأت بسبب استغلال السلطة ، وتستأصل شأفة التكديس الغاشم للثروة بسبب معاطاة الطرق المحظورة غير الجائزة ، ويحاسب جميع الأفراد الذين تكدست لديهم الثروة بصورة غير مشروعة لاسترداد الأموال المكتسبة عن طريق الحرام.

جـ- يلغى الربا -حسب خطة مدروسة- والقمار والاحتكار والبيوع الفاسدة والاستغلال بكل صورة وأشكاله لتحرير المواطن منه.

د- استئصال أسباب الغلاء ، والقضاء على جميع الحيل لافتعاله واستغلال الجماهير بالأسعار الباهظة.

هـ- عدم التوسع في أجهزة الدولة ، وقصرها على ما تدعو الحاجة إليه ، وذلك بعد هذا الحشد الهائل من الموظفين في الدوائر والمؤسسات بهدف السيطرة على الناس ، والتحكم في موارد رزقهم ، والانتهاء بهم إلى الإذعان لسلطان الحكومة التي يتقاضون أجورهم منها ، وحرمات الأمة من إنتاج هذا الجيش من الموظفين في مجالات العمل الحر والمبادرات الطموحة. علما بأن هذه الكثرة في كل دائرة أدت إلى مردود ضعيف ، وإلى شيوع التواكل في أوساط بعض الموظفين.

و- منع الحفلات الماجنة والترف والإسراف الفاسد الذي درجت بعض الحكومات عليه.

ز- حظر التمايز الصارخ في المعاملة بين منطقة وأخرى من أجزاء الوطن بدافع العصبية أو الطائفية أو أي مرض آخر ، فلقد فشا في ظل هذه الفترة القاتمة من تاريخ سورية المعاصر توجيه الصرف والإنفاق على مناطق بعينها ، وإهمال ما عداها.

ومن الأمثلة على هذا الانحراف : أن شركة الطرق -رودكو- التي أحدثت في عام 1976م كرس نطاق عملها الأساسي لمناطق بعينها دون سواها.

إن البرنامج الاقتصادي لجماعة الإخوان مستمد من مبادئ الإسلام القائمة على الحق والعدل والمساواة بين جميع الناس ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وتوظيف طاقات الأمة كلها في الإنتاج والإنجاز والتقدم ، وتأمين حاجات المواطن في الغذاء والكساء والدواء والتعليم والمسكن والزواج ، وهو مرفوع الرأس موفور الكرامة.


ثالثا : الشئون العسكرية

فرض الله الجهاد على المسلمين ، وجعله فريضة محكمة ماضية إلى يوم القيامة ، وما ترك المسلمون الجهاد إذا ذلوا وتسلط العدو عليهم ، فألبسهم ثوب المهانة والمسكنة. لقد نص الفقهاء على أن الجهاد فرض عين على الرجال والنساء إذا داهم العدو أرضنا وغزا بلادنا ، وإذا اعتدى الغزاة على امرأة في المشرق وجب على أهل المغرب أن يهبوا جميعهم لنجدتها.

لقد كان جيشنا في الحقب الزاهية من تاريخنا يتألف من مجموع شعبنا ، فكان كل فرد يحمل سلاحه ، وينفر في سبيل الله متى سمع نداء الجهاد ، أما اليوم فالجيش أصبح عل الناس عبئا ثقيلا ، يسيطر قادته على سياسة البلاد ، ويتحكمون في شؤون العباد ، ويلهثون وراء المكاسب والمناصب ، لأنفسهم ولمن يلوذ بهم ، فتشغلهم هذه المغانم عن مواجهة العدو ورد المعتدين ، وهو الأمر الذي جعل الهوة سحيقة بين الشعب والجيش. بعد أن كانت الأمة كلها ترمق جيشها بعين الحب والتقدير والإكبار.

ومن جراء هذه السياسة الرعناء أضحت الجندية الواجبة بغيضة على نفس المواطن ، يعمل على التخلص منها بكل سبيل ، لما يلحق بالمجندين من القسوة والمهانة على أيدي العلوج والحاقدين ، وكيلا يضيع مستقبل المجند بعد أن صار المسئولون في الجيش يمسكون بالمجندين ثلاث سنين متصلة وخمس سنين وربا استمرت الخدمة في الجيش سبع سنين ، فينسى هذا المجند علمه وتخصصه الذي سلخ السنوات الطوال في دراسته ، ويفون الوقت في بناء حياته العائلية ، ويقرع كل يوم ، سمته السباب والشتائم التي تخدش الحياء وتمس الكرامة ، رغم ما تنفقه الأمة على هذا الجيش من مبالغ ضخمة ، تستغرق قسما كبيرا من ميزانية الدولة ، يدفعها المكلف السوري ضرائب باهظة ، يتحمل عبئها الفقراء قبل الميسورين.

إن حالة الجيش بحاجة إلى مراجعة شاملة لتعود الثقة به كما كانت ، وحتى يستطيع القيام بواجبه كاملا بعد تحريره من الطغاة المتحكمين فيه ، لابد من أمور ، أهمها ما يلي :

1- عقيدة الجيش القتالية

ينبغي أن يدرك كل جندي وقائد في جيش الأمة أنه في رباط وجهاد ، يقاتل في سبيل الله ، دفاعا عن الأرض والشعب لتكون كلمة الله هي العليا ، كما كان جيش أبي عبيدة وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص ، جيش عقيدة وجهاد ، يسير النصر في ركابه أنى سار ، وتحرسه عناية الله ، وتحيطه الأمة بتقديرها وبعميق حبها.

2- التأهل العسكري

يجب إعداد الجيش إعداد كاملا ، وتأهيله تأهيلا تاما من النواحي الفكرية والبدنية والفنية ، حتى يكون على مستوى العصر ومتطلباته ومستجداته ، ولن يتأتى له ذلك إذا شغل في غير مهماته ، ودفع به إلى ساحة الصراع الداخلي ، وإلى ميدان الجدل السياسي ، وإلى التدخل في شؤون الناس ، وفي إغرائه بالمكاسب والابتزاز ، كما أرد الحاقدون لجيش سورية العتيد.

3- الأمن العسكري

يجعل الأمن العسكري للجيش في سورية بأيد أمينة كتومة ، تحفظ سره وتصون عتاده وتغار عليه ، ويخلص الجيش من الفئات الطاغية التي تملأ الضغينة قلوبها ، ويدفع بها حقد دفين لتمزيق الجيش ، والتنكيل به ، والانتقام من قادته ، وتصفية بعضهم وإبعاد آخرين إلى أعمال لا تمت إلى تخصصهم بصلة.

4- الحرص على الكفاءات

لقد دأب الطغاة على تصفية جيشنا الباسل من جميع القيادات القوية ، وتفريغه من كل الكفاءات العالية ، وهذا ما ويجب العمل على إعادة هذه الكفاءات العسكرية إلى مواقعها ، لتعود للجيش كفاءاته وقدراته عندما كان في طليعة جيوش المنطقة شجاعة وتدريبا وتنظيما وانضباطا عسكريا.

5- الصناعات الحربية

لقد سبقنا من العالم الثالث دول -كالهند- في صناعة الطائرات ، كما سبقنا العدو إلى هذه الصناعة ، وإلى الحصول على سلاح المتطور ، ونحن سادرون مشغولون بالتصفيات ، وفي إعدام ضباطنا وجنودنا البواسل ، وفي إغراق المؤيدين بالسفاسف من الأمور ، فلقد أنفق الشطر الأكبر من ثروتنا خلال أربعين عاما على التسليح ، وكان يجب التفكير بإنشاء المصانع الحربية للسلاح الثقيل بالتعاون من البلاد العربية الجادة في هذا السبيل ، فالعرب يملكون أضخم الثروات ، ويستطيعون إقامة أكبر المصانع للسلاح الثقيل ، وعندئذ يتحررون من تحكم الدول الكبيرة في تجارة السلاح وفي قطع الغيار والذخيرة ، ويوفرون الثروات الضخمة التي يدفعونها ثمنا لأسلحة نشتريها من الغرب تارة ومن الشرق تارة أخرى.

6- تنظيم الخدمة العسكرية

يعتمد النظام الذي عرفته أمتنا في الماضي ، وأخذت به دول كثيرة في الحاضر ، ألا وهو تدريب الشعب كله ، واستدعاء المجندين لمدة شهر في كل عام ، لتدريبهم على ما يجد من الفنون العسكرية ، وتهيئة البلاد للتعبئة العامة خلال ساعات قصيرة ، فيوفر على الناس وقتهم ، وعلى الوطن ثروته وينصرف الشعب إلى ا لإنتاج في كل المرافق والقطاعات ، وإذا ما دعا داعي الجهاد، وأعلن النفير العام التحق كل مواطن بموقعه المحدد له في الجيش المتحفز لخوض المعركة واقتحام خطوط القتال.

7- تحرير الجيش من الحزبية والطائفية

يحرر الجيش والقوات المسلحة من ربقة الحزبية والتركيب الطائفي في هذا القطاع ، ليتسنى لهذه المؤسسة العتيدة أن تتفرغ للمهام السامية في حماية الوطن ورد المعتدين ، وتحري المقدسات ، فيكون جيش الجميع وموضع حب الجميع وتقديرهم.


رابعا : الوضع الفكري والتربوي

وفي الوضع الفكري والمجال التربوي نرى في الإسلام نظاما تعليميا كاملا ، وفلسفة تربوية شاملة ، ليس في مجال البحث وحيز النظر فحسب ، وإنما في التطبيق العملي والواقع التاريخي والتراث الضخم الذي حفلت به آيات الكتاب الكريم وأحاديث النبي العظيم ، وخلفه لنا العلماء المسلمون من أمثال الغزالي والقابسي وابن جماعة وابن الجوزي وابن خلدون ومئات من كبار المفكرين والمربين.

والتربية الإسلامية حددت « الأيديولوجية » والمبادئ الأساسية والأهداف العامة والوسائل والمراحل ومراعاة الفروق الفردية والميول والاستعداد الفطري ، لتنشئة وتكوين الإنسان الصالح من كل نواحيه الروحية والعقلية والفكرية والجسمية ، بحيث لا يهمل جانب منها ، ولا يطغى جانب على آخر.

1- لقد أقبل المسلمون الأوائل على العلم والمعرفة إقبالهم على العبادة ، وأخذوا بإلزامية التعليم ، ونشره في كل فئات الأمة فيما يسمى اليوم بديمقراطية التعليم ، فنبغ العلماء في كل المجالات والاختصاصات ، وتسابق المعلمون على تربية الأبناء وتعليمهم جيلا فجيلا ، وتورعوا عن تقاضي الأجر ، وعندئذ تحولت المساجد والجوامع الكبيرة إلى مدارس ومعاهد وجامعات في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، نتيجة لتعاليم النبوية في أقوال وأفعال المصطفى صلى الله عليه وسلم ، مثل قوله : « طلب العلم فريضة على كل مسلم ». وقوله : « من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ». وقوله : « يوزن دم الشهداء بمداد العلماء ».

فكان من جراء ذلك أن خلف لنا السلف حضارة زاهية حفظت للبشرية تراثها ، وأظلت العالم بخيراتها وآثارها ، ومهدت للنهضة الحديثة التي تعيشها البشرية اليوم.

2- لقد كان الضعف في نظامنا التعليمي الحديث باديا في المجال الروحي والخلقي ، وكان الاهتمام منصبا على الجانب العلمي ، لحمل الشهادة التي تفتح لحاملها أبواب الوظائف الحكومية ، وكنا نأمل أن تستكمل السياسة التعليمية هذا النقص ، وتسد ذلك الخلل ، وإذا بالمرض يصيب الجوانب الأخرى في حياتنا التعليمية ، ويدب الضعف في أعضاء الجسم كله ، فيعمل الطغيان الطائفي على تجهيل الأمة ، وسد نوافذ المعرفة أمامها ، وتنشئة الجيل على تقديس الفرد والحزب والكفر السقيم ، وتجريد هذا الجيل من كل مناعة خلقية أو روحية ، وإغراقه بالمباذل والمفاسد ، وباللهو والضياع ، فهبط المستوى التعليمي ، وتفشت الأمية والعامية ، وحمل الشهادات أناس عاجزون عن الكتابة الصحيحة والتفكير السليم ، حتى أضحى من الأمور العاجلة إعادة النظر في السياسة التعليمية والأصول التربوية والمناهج المدرسية ، والمستويات الفكرية والثقافية ضمن إجراءات كثيرة وحاسمة ، من أهمها :

أ- إنقاذ الجيل من الموجة الانحلالية التي هيأ الحكم الطائفي لها كل الأسباب ، لتخريج جيل من الموظفين ، لا يقوى على حمل الأمانة ، وتحمل المسؤولية وحماية البلاد وصد المعتدين.

ب- الاهتمام بالتنشئة الخلقية والعسكرية للأجيال الناهضة ، من خلال مناهج مطورة مدروسة ، تجمع بين الأصالة والمعاصرة ، وتعمل على إعداد وتكوين الإنسان الصالح.

جـ- توجيه المناهج وجهة علمية لتخريج الفنيين والمتخصصين ، وتنقيتها من الحشو واللغو ، وإفساح المجال لتأخذ المهارات العلمية والعملية والتطبيقية حيزا كافيا في مناهجنا ، كما فعلت دول كثيرة معاصرة ومتقدمة كاليابان وغيرها.

د- انتشال اللغة العربية من الهوة التي تردت فيها ، لتعود كما كانت في عهودها الزاهية ، وفي مطلع عصر النهضة الحديثة.

هـ- إحياء التراث الذي تملأ مخطوطاتها مكتبات الشرق والغرب ، لتستفيد منها أجيالنا والعالم أجمع.

و- إطلاق طاقات المواطنين -والموهوبين منهم خاصة- والتشجيع على الإبداع والاختراع في كل ميدان ، ورعاية المواهب ، وترغيب العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين والكتاب بالعودة إلى وطنهم بعد أن هربوا من البطش والاضطهاد.

3- تهيئة الأسباب لترغيب الناس بالقراءة والمطالعة ، وبالإقبال على البحث والدرس والكتاب ، بعد تحريرهم من ربقة الحاجة ، ومن وطأة الاستبداد. فالإسلام شجع على التفكير والتدبر والتأمل والاستقصاء في مئات الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وأول كلمة بدأ بها القرآن كلمة ( اقرأ ) مع تحديد وسيلة التعليم في آية ( اقرأ ) نفسها ألا وهي القلم فقال تعالى : ﴿ اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ . لتعود أمتنا أمة قارئة مثقفة.

أ- وإذا كانت الماركسية جوهر التعليم في البلاد الإشتراكية وكانت البراغماتية أو النفعية أساس التعليم في البلاد الرأسمالية ، فإن الإسلام ( عقيدة وعبادة وخلقا وشريعة ) هو محور العملية التعليمية في المجتمع الإسلامي ، تدور في فلكه وتصب في جدوله ، وتقاس بمقياسه ، وتوزن بميزانه. ب- إن مهمة التربية هي التمكين للعقيدة ، والقيام على خدمتها ، أما إذا انحرفت التربية عنها ، وسارت في طريق تشويهها ، أو التشكيك فيها. فإنما هي تربية خائنة كما قال المفكر الأستاذ الندوي أحد كبار رجال التربية المعاصرين.


خامسا : الحالة الاجتماعية

1- في الحالة الاجتماعية ومجال الإصلاح لمجتمعاتنا ترى جماعة الإخوان أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع المثالي الذي تنشده الإنسانية ، لتظفر بما تحلم به من استقرار وسعادة. وتحدد ثورتنا قواعد الإصلاح الاجتماعي التي يقوم بناء المجتمع عليه بما يلي :

أ- إعلان الأخوة بين الناس ، إذ لا فضل على آخر بماله ونوعه وعرقه وجاهه ، فالناس كلهم لآدم ، وآدم من تراب ، وقد طبق هذا المبدأ بصور تامة من أربعة عشر قرنا في ظل الإسلام ، والإنسان ما زال في ظل الحضارة المادية من التفرقة العنصرية في أمريكا وأفريقيا وغيرهما من بلاد الله الواسعة.

ب- النهوض بالرجل والمرأة جميعا ، وإعلان التكامل والمساواة في الحقوق ، وللمرأة حق التملك والعمل والمشاركة بالنهوض في المجتمع في حدود ما سنه الإسلام ، على ألا يطغى ذلك على واجب المرأة تجاه بيتها وزوجها وبنيها ، فالنساء شقائق الرجال كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والله سبحانه وتعالى : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ﴾ .

جـ- حماية الطفولة ورعايتها في التنشئة والتغذية والتربية النفسية والجسمية والتوجيه والتعليم ، وحظر استخدام الأطفال في أعمال تلحق بهم الأذى ، ومنع تشغليهم قبل بلوغهم السن القانوني.

د- رعاية اليتيم وكفالته وحسن تربيته وكأنه يعيش في أحضان والديه ، كيلا يخلف اليتم آثارا سيئة تنعكس على نفسه وعلى المجتمع.

هـ- تشجيع الزواج ودعمه ، وتذليل كل ما يعترضه من أسباب مالية وغيرها ، والقضاء على البغاء والفاحشة بكل صورها وأشكالها.

و- حماية الأسرة وإحاطتها بالرعاية والاعتناء بها ، فلقد أقام الإسلام نظام الأسرة على قواعد محكمة ، فأرشد إلى حسن الاختيار ، وبين أفضل الطرائق للارتباط ، وحد الحقوق والواجبات ، وعالج ما يعترض الحياة الزوجية من مشكلات ، واختط في كل ذلك طريقا وسطا لا تفريط فيه ولا إفراط.

ز- توفير الحاجات الأساسية في حياة الناس ، كالغذاء والكساء والدواء والكهرباء والمواصلات التي استعصت مشكلتها ، ولم يعد ثمة مناص من وضع برنامج كامل لها.

ح- تأمين العلاج للمواطنين ، والقضاء على الأمراض المتفشية ، وذلك باستئصال أسبابها الطبيعية والخلقية ، وإعطاء الأولوية في سلم الإصلاح لهذا الأمر ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع في شريعة الله ، مع الإبقاء على المبادرات الشخصية في العلاج والطبابة.

2- لكل مواطن لحق في مسكن يؤويه ، وغذاء يكفيه وزواج يعفه ، وكفالة في حالة العجز أو الشيخوخة ، أو ضعف المورد أو تراكم الدين ، فالضمان الاجتماعي الذي هو في عرف الاقتصاديين مشروع استهلاكي ، هو في نظر الإسلام واجب يتحتم على الدولة قضاؤه ، والمواطن يأخذ حقه منه دون أن يعرق جبينه أو يمسه المن والأذى.

أ- توفير العمل لكل القادرين ، فالعمل حق وشرف ، ما أمكن ذلك ، فقد كان نبي الله داود يأكل من عمل يده.

ب- محو الأمية والقضاء عليها طبقا لخطة موضوعة ، تحدد الفترة الزمنية ، والميزانية الكافية ، وجميع وسائل التنفيذ ، لتخليص البلاد من الأمية ، وما تجره على الشعب من كوارث في كل ميادين الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

جـ- تكافح الجريمة ، وتستأصل جذورها بالقضاء على أسبابها ودوافعها ، وتمنع الخمور منعا قاطعا ، وتلغى أندية القمار ، وتسهر الدولة على حماية الأخلاق العامة.

على هذه الأسس وما يقاس عليها يقوم مجتمع متوازن ، لا يطغى فيه الفرد على المجتمع ، ولا يهمل المجتمع حقوق الفرد ، ولا تتصارع فيها الطبقات والفئات ، فالأمة كلها طبقة واحدة ، يتساوى الجميع في هذا المجتمع ، لا يجوع فيه المواطن ولا يعرى ، ويجد في ظله العلاج والمأوى ، وليس بمؤمن من شبع وجاره جائع ، يقول صلى الله عليه وسلم : « ما آمن بي ساعة من نهار ، من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ». ولي بمسلم من لم يسلم الآخرون من لسانه وعدوانه ، المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص تماسكا ، وكالجسد الواحد تعاطفا.


سادسا : الصحة العامة

فالعقل السليم في الجسم السليم ، والجسم مطية لصاحبة يحقق به مبتغاه ، ويؤدي به كل الوجبات التي تحفظ له دينه ودنياه ، ولهذا كان الحفاظ عليه والاعتناء به من أوائل مقاصد الشريعة الغراء ، فالأحكام الشرعية نصت على حرمته وحرمة كل جزء منه في الحياة وبعد الموت.

1- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مثلا أعلى في كمال الجسم وقوة البدن ، وكذا كان الصحابة الكرام ، وقد أوصى عليه الصلاة والسلام المؤمنين بأن يكونوا أقوياء في أبدانهم وأرواحهم فقال : « المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كل خير ». كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالمعالجة والمداواة في حال المرض والاعتلال فقال : « يا عباد الله تداووا ، فإن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل له دواء ».

والعناية بصحة الأبدان من حق الفرد وواجب الجماعة ، والدولة مسؤولة عن مكافحة الأمراض وعن علاج المرضى تتخذ لذلك كل الأسباب والتدابير ، ومن ذلك :

أ- تأمين الدواء للجميع ، فالشعب في سورية يعاني من نقص الدواء ، وفقدان أنواع كثيرة منه ، يبحث عنها في البلدان المجاورة ، ويشكو من ارتفاع سعر الدواء ، وكثيرا ما يطلب المريض من الطبيب ، أن يغير له الدواء ، ويصف له دواء أقل كلفة ، حتى يستطيع شراءه.

ب- تأمين الدواء يستدعي إقامة صناعة الأدوية على نطاق واسع ، واستدعاء علمائنا وأطبائنا ، وإطلاق أيديهم في تشييد هذه الصناعة ، ليعيشوا في وطنهم ، ويؤدوا الخدمة لشعبهم ، ويوفروا حاجة المواطنين من الدواء.

جـ- اتخاذ التدابير الجادة في القضاء على مصادر المرض ، وخاصة في الأرياف ، كتعميم المجارير وتجفيف المستنقعات ، وتأمين الغذاء الأساسي كالحليب وغيره ، وتقديمه بأسعار رخيصة ليكون في متناول الجميع ، تقوية للأبدان ولإعطائها المناعة في مواجهة المرض والتغلب عليه.

د- إدخال المعلومات الأساسية في الصحة الوقائية والإسعاف الطبي والتمريض ومكافحة الأوبئة في مواد الدراسة والمناهج ، وعلى الأخص في المرحلتين الإعدادية والثانوية ، وأن يكون لهذا الأمر طابعه الجدي كيلا يظل صوريا فلا يؤدي إلى تحقيق الهدف.

هـ- النهوض بمستوى العاملين في المستوصفات والمشافي ، وتأهيلهم لينهضوا بالمهام الإنسانية النبيلة الملقاة عليهم في معاملة المرضى وخدمتهم والتلطف بهم ، والسهر على راحتهم ، حتى يشعر المريض أنه بين أهله وذويه ، وأن اليد التي تعالجه يد حانية رحيمة ، فيزداد طمأنينة ، ويحس بالراحة النفسية التي تساعد على الشفاء ، وعجل به بإذن الله.

و- النهوض بمهنة التمريض من الوجهة الخلقية -علاوة على الناحية الفنية والتخصيصة- ليسود الاحتشام والوقار والآداب الإسلامية والمعاني الإنسانية الرفيعة أوساط الممرضات والعاملات.

ز- إذا استعصى علاج المرض العضال الذي يعاني منه المواطن المريض ، وعجز ماليا عن المعالجة في الخارج وجب على الدولة أن تتحمل نفقات سفره وعلاجه ، كيلا تبقى هذه الخاصية وقفا على المتنفذين وحواشي الحاكمين وكبار الموظفين.

2- في ختام هذا البرنامج في السياسة الداخلية لذوي الاتجاهات الإسلامية ، نؤكد أن تطلعاتنا في هذا المجال أن تعم السعادة بلادنا العزيزة ، وأن يأمن المواطن على دينه وماله وعرضه ، وأن يعبد الله خاليا ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ حتى يتحقق ما بشر به المصطفى صلى الله عليه وسلم : « والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراعي من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه. ولكنكم قوم تستعجلون ».

في السياسة الخارجية

أولا : الوحدة العربية

لم يكن يخطر على بال أحد من قادة الحركة الإسلامية الحديثة ، أن الزمن سيتمخض عن تمزيق هذا العالم الواحد بعد الحرب العالمية الأولى ، إلى ما صار إليه واستقر عليه ، إلا أن إرادة الأعداء المتربصين كانت أقوى من آمال المخلصين. ومن المخزن أن دهاقنة الاستعمار قد وجدوا من ذوي النفوس المريضة ، وأصحاب المطامع الرخيصة من يدوس مصالح الوطن الكبير ، من أجل زعامة تافهة وغرض خسيس ، وهكذا وجدت الحدود المصطنعة بين أجزاء الوطن العربي من جهة ، وبين شعوب الأمة الواحدة من جهة أخرى.

1- مرض التجزئة

ومنذ ذلك التاريخ كان التوجه الأساسي لدى المخلصين من قادة هذه الأمة يتمثل في إزالة حاجز التجزئة ، وإعادة الوطن العربي الممزق إلى وحدته الكاملة تمهيدا لاتحاد المسلمين ، شعورا منهم أن هذه الأمة لا يمكن أن تؤدي واجبها تجاه ذاتها ، وتجاه الإسلام ، وتجاه الإنسانية إلا من خلال الوحدة الشاملة ، وفي إطار الدولة الواحدة ، لأن هذا هو الحل الذي يسمح بالتوظيف الأمثل للطاقات البشرية والمادية بصورة متكاملة ومتوازنة.

لكن الوجود المادي للاستعمار في مرحلته المباشرة ، والوجود غير المرئي لهذا الاستعمار في مرحلته الجديدة غير المباشرة حال -عن طريق صنائعه والمرتبطين به- دون تحقيق أمل في الوحدة الشاملة ، وعمل بكل الوسائل على إذكاء نوازع الفرقة وبذر بذور الشقاق ، وبعث العصبيات الجاهلية ، عرقية ولغوية وطائفية. فشهدت بدايات عهد الاستقلال هجمة هي أشد مكرا من سابقتها ، وأكثر تنوعا ، وأفتك أسلحة ، وأغزر جندا. وتحت تأثير هذين العاملين : الاستعمار وعملائه الممسكين بزمام الحكم ، شهد النصف الثاني من هذا القرن مزيدا من الانقسام والتمزق ، وإمعانا في التباعد والافتراق.

جماعة الإخوان في جماعة الإخوان في سورية تعتبر بداية الانفصال في دولة الوحدة بين مصر وسورية -مع كل البواعث الأليمة التي أدت إلى هذا المآل- نهاية التوجيهات الحقيقية نحو الوحدة ، وبداية التدعيم الكثيف للنزعات العرقية والطائفية والإقليمية والقطرية ، وشفاء لما ينطوي عليه صدر العدو من حقد دفين على هذه الأمة الماجدة ، وعلى هذا الدين الكريم ، وتثبيتا للوجود الصهيوني الغريب الذي سيظل عامل امتصاص وتدمير كل مجهود يمكنه تجنيده لخدمة المصلحة العليا في هذه الأمة.

إن من العار الذي ما بعده عار على شعب يتكلم لغة واحدة ، ويدين بعقيدة واحدة ، ويعبد ربا واحدا ، أن يعتبر أبناءه في بعض الأقطار العربية غرباء ، في الوقت الذي يسرح فيه الغرباء الحقيقيون في هذه الأقطار ، يعبثون ويفسدون ويتجسسون على هذا الشعب ، ويطلعون على أسراره دون حسيب أو رقيب. إن أمتنا كلها وبمجموع أفرادها تبوء بإثم التمزق والانقسام ما لم يعملوا على استئصال أسبابه ، والقضاء على بواعثه ، والعودة بالأمة إلى سابق وحدتها وغابر مجدها.

2- مقومات الأمة

تختلف الأمم في أصول نشوئها وعوامل تكوينا ، فالأمة السويسرية ترتكز على وحدة الأرض ، وإيطاليا على وحدة التاريخ واللغة ، وروسيا إلى النظرية والفكرة ووحدة النظام ، والعدو الصهيوني يقيم كيانه على عقيدته الدينية المتمثلة في التوراة والتلمود.

أما الأمة التي ننتسب إليها فإنها تملك من مقومات الوحدة ما تفتقر إليه الأمم الأخرى قاطبة ، ومن أبرز هذه المقومات :

أ- وحدة العقيدة المتمثلة في توحيد الله والعبودية الخالصة له سبحانه ، والتحرر من كل عبودية لسواه.

ب- وحدة النظام الذي كفلته الشريعة الغراء. والتي تشمل كل جوانب الحياة الدنيوية والأخروية على مستوى الفرد والأسرة والأمة والدولة.

جـ- وحدة اللغة : فالعربية لغة القرآن الكريم والحديث الشريف ، ولسان العبادة وسجل علوم المسلمين وتراثهم.

د- وحدة التاريخ بكل أمجاده وبطولاته وحضارته وقادته وأحداثه وسيرة الأسلاف الغابرين.

هـ وحدة الوطن بكل أجزائه وبقاعه ، والأرض التي تعيش عليها الأمة ، وتحمي حماها وتصون حدودها وتستعيد ما سلبه العدو منها.

و- العادات والتقاليد التي حددت السنة الشريفة كل تفاصيلها في المأكل والمشرب والملبس والسلوك الشخصي ، والآداب العامة ، والأخلاق الاجتماعية والعلاقات الإنسانية : ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾. فهل يجوز بعد هذا أن تصبح أمتنا أمما؟ وأن تظل أشتاتا ومزقا!!؟

3- الطريق إلى الوحدة الشاملة

إذا بقي شعبنا مقسما ووطننا مجزءا وأمتنا متفرقة ، فسوف نظل وراء الشعوب وخلف الأمم نعيش على هامش الحياة الدولية ، يطمع بنا العدو ، ويستمر في تحديه لنا ، واحتلاله لأقدس بقاعنا ، كما سنظل عاجزين عن تحقيق آمالنا في جيش قوي ، وصناعة ثقيلة ، وتكامل اقتصادي ، وعن إحياء مجدنا وبناء مستقبلنا ، وعن توظيف طاقاتنا وقدراتنا ، ن وفرض مهابتنا في عالم تسوده شريعة الغاب.

لق بات محتما ، بل واجبا ملحا قيام الوحدة العربية كخطوة أساسية على طريق تماسك المسلمين واتحادهم ، وإحباط المخططات الرامية إلى تمزيقهم والسيطرة عليهم. إن قيام هذه الوحدة يقتضي وجوب السير الحثيث والعنيد بخطى موزونة وثابتة ، تتجاوز المهاترات والمصالح واختلاف وجهات النظر ، لتمضي بالأمة إلى كيان موحد في مناهج التعليم والنقد والجيش والسياسة الخارجية والتمثيل السياسي ، فتشهد الدنيا ولادة الكيان الذي يفرض مهابة هذه الأمة ويحمي أبناءها وأرضها ، ويعيدها إلى ما أراده الله لها أمة واحدة ذات عقيدة ورسالة ، تنقذ بهما البشرية جمعاء.


ثانيا : القضيةالفلسطينية

إنه لمما يذكر بالعرفان للخلافة العثمانية أنها رفضت مبدأ البحث في الهجرة لبعض الصهاينة إلى فلسطين ، وحتى بعد استقلال العرب وسقوط الخلافة ، وتنكر الأتراك الاتحاديين للإسلام. فإنه ما كان للمشكلة الفلسطينية أن تنشأ لو لم يتم تمزيق العالم العربي ، كي يتهيأ المناخ الملائم ، لزرع الكيان الصهيوني في قلب هذا الوطن ، وهذا ما حدث.

1- الإسلام والقضية الفلسطينية

إن القضية الفلسطينية من الوجهة الإسلامية ليست قضية أرض مسلوبة بقدر ما هي قضية دين وعقيدة ، وإن كل ذي عينين يدرك جيدا أنه لا يوجد على وجه الأرض عربي مخلص ، ومسلم صادق نقي الإيمان ، يخطر على باله مجرد القول بالدولة الإسرائيلية بعد أن سمع قول الله تعالى : ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ .

إن قضية فلسطين قضية عربية إسلامية ، وهي تعني العرب والمسلمين ولا تعني سواهم ، وإنها حق مغصوب يجب أن يعود إلى أصحابه ، وإن عملية السلب هذه تمت بعناصر يهودية غريبة ، تقاطرت على المنطقة من شتى بقاع الأرض ، ولن تتم إعادة هذا الحق المغتصب إلى ذويه ، إلا بعد أن يعود هؤلاء الغاصبون من حيث أتوا طائعين أو داخرين.

عندما بدأت خيوط المؤامرة الاستعمارية الصهيونية لاغتصاب فلسطين ، وإقامة دولة صهيونية على أرضها ، أدرك قادة الحركة الإسلامية وأبناؤها أن الجهاد هو الحل الأوحد للإبقاء على فلسطين ، وإنقاذها من براثن الصهيونية والاستعمار ، فكانت الدماء المسلمة أول دماء تراق على بطاح فلسطين.

لقد لفتت الجدية في طلب الشهادة أنظار الدوائر الاستعمارية في العالم بشدة ، فأوعزت إلى صنائعها في المنطقة أن تعمل على لجم هذه الظاهرة ، فاستشهد الإمام حسن البنا ، وحلت جماعة الإخوان المسلمين ، واستشهد ثلة من رجالها والسابقين في تأسيسها ، فكانت هذه أول نكبة حلت بهذه الجماعة الرائدة في القرن العشرين ، من أجل بيت المقدس وفلسطين ، والحفاظ على أرضها.

2- كيف عولجت القضية

قام الكيان الصهيوني ، وملأنا الدنيا صراخا وعويلا ، ونثرنا التهديد والوعيد في الخافقين ، وبرزت على الساحة العربية شعارات وآراء كان أصحابها يرون أنها تضع الأمة على طريق الحل. فماذا كانتا لنتيجة؟ لقد أخفقت تماما مقولات وحدة لهدف ووحدة الصف العربي والتضامن العربي وعلاقات حسن الجوار ، إلى آخر هذه الشعارات الهزيلة ، وعلى ذلك فالواجب وضع القضية في إطارها الصحيح وانتزاعها من أيدي العابثين ، لترجع إلى موضعها ، إلى العرب والمسلمين.

لقد كان لمعظم الأنظمة ممارسات خطيرة بحق القضية والمقاومة. وكان النظام الطائفي في سورية أشد هذه الأنظمة إيغالا في الجريمة ، وذلك بضربه المقاومة ضربات موجعة ومتلاحقة ، لتطويعها وتدجينها ومنعها من ممارسة نشاطها ضد العدو الصهيوني من الأرض السورية، وبتصفية فصائل منها في لبنان ، وتمكين عدوها منها ، ووضع البوليس الدولي على الحدود سدا منيعا في وجه المقاومة ، كيلا تتمكن من الدخول إلى فلسطين ، والتنسيق مع الدول الكبرى لتحجيم المقاومة شمال الليطاني ، وتمكين العدو من ضربها جنوبي النهر دون أن تحرك سورية ساكنا مكتفية بأن تكون في صف المشاهدين حينا والعدو الصهيوني حينا آخر.

وعندما أعلنت سورية عن عزمها على الانسحاب من منطقة بيروت ، أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من هذا القرار ، وطلب سفيرها في دمشق من الخدام أن تعيد حكومته النظر في هذا الأمر ، وأن تبقى في لبنان ، لإكمال الدور الذي قامت به في هذا القطر الشقيق من تأريث النزاع الطائفي ، وقتل الأبرياء ، وتحجيم المقاومة وكبح جماح الحركة الوطنية اللبنانية بقتل أو اعتقال قادتها وزعمائها ، وتمكين إسرائيل من التحكم في الجنوب ، والتقائها مع أنصارها من الانعزاليين في خندق واحد.

إن على المقاومة الفلسطينية أن تبني حساباتها على أساس أن معظم دول المنطقة ، تقر بالوجود الصهيوني على أرض فلسطين ، وتكتفي مطالبها بإعادة الأرض التي احتلت في الخامس من حزيران عام 1967 ، واعتبار قضية فلسطين قضية لاجئين يوجه الخطاب بشأنها إلى الضمير العالمي!!

3- فلسطين و جماعة الإخوان المسلمين

ترى جماعة الإخوان المسلمين في تشجيع المقاومة الفلسطينية على ولوج دهاليز السياسة الدولية إقداما على أبشع جرم يرتكب بحق هذه الأمة ، وأن الأنظمة التي تشجع على هذا السلوك تتهرب من مواجهة المشكلة ، وتتحلل من تباعتها.

وإذا كانت بعض الجهات الدولية الآن تحاول أن تعدل في صيغة القرارات المتعلقة بهذا الشأن ، فما ذلك إلا لفتح الطريق أمام المقاومة ، لتدخل في حوار مباشر أو غير مباشر مع الكيان الصهيوني ، قصاراه أن يعطي الفلسطينيون قطاع غزة ، وبعضا من الضفة الغربية.

وإذا كانت فلسطين تخص جميع العرب وكل المسلمين ، فمعنى ذلك أنه لا يوجد عربي واحد ، ولا مسلم واحد فلسطينيا أو غير فلسطيني ، يملك القدرة على التنازل عن ذرة واحدة من تراب هذا الوطن.

وحول المقاومة الفلسطينية ، ثمة سلبيات يجب أن تزول ، وأخطاء ينبغي أن تصحح ، يجب أن تتحرر المقاومة الفلسطينية من هيمنة الأنظمة التي تهدف إلى تطويعها واحتوائها ، وأن تحل الوحدة الكاملة الصف الفلسطيني كله ، ولن يجدينا شيئا أن تتمركس بعض الفصائل ، وأن يتغرب بعضها الآخر ، بل الذي يجدي حقا أن تتحرر الأسس والمنطلقات ، وأن توضع القضية في إطارها الصحيح.

ونحسب أنه بات واضحا أن الشرق والغرب على سواء ، متفقان على حماية الوجود الصهيوني ، وأن الشرق والغرب كليهما قد أفهما كل الزعماء العرب ، ومن ضمنهم قادة المقاومة هذا الاتجاه المشترك.

إن الثورة الإسلامية -فيما يخص المشكلة الفلسطينية- ترى أن الحل الجذري يكمن فيما يلي :

أ- إعلان إسلامية القضية ، واستنفار الطاقات العربية والإسلامية كافة ، ووضعها في خدمة القضية الفلسطينية.

ب- رفض جميع المقررات الظالمة الصادرة عن الأمم المتحدة ، والمحافل الدولية الأخرى ، المتعلقة بالقضية.

جـ- الإعلان الواضح الصريح عن الرفض الجازم للكيان الصهيوني جملة وتفصيلا.

د- العودة إلى ربي القدس وربوع فلسطين تحت راية الجهاد ، ليدخل الإسلام المعركة بعد أن أقصى عنها طوال أربعين عاما ، فالنصر لن يكون بغير الإسلام والجهاد في سبيل الله. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود ».

5- تعلن الثورة الإسلامية أن معركتها مع النظام الطائفي في سورية ، إنما هي تمهيد لهذه المعركة الحاسمة ، فالنظام السوري قد جيء به كواجهة تعمل على شغل الشعب في سورية عن معركته الحقيقة مع الصهاينة ، وهذا ما جعله يحظى بتأييد الشرق والغرب على حد سواء.

إن شعار ثورتنا المباركة هو ما كان في معركة الأحزاب ، يوم أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد انتصاره على الأحزاب سائلا : هل وضعتم أسلحتكم؟ إن جبريل لم يضع بعد سلاحه ، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ، وهذا ما يفسر قلق الحكومة الإسرائيلية من اشتعال الثورة في سورية ، وتصريحات مناحيم بيجن بين فينة وأخرى حول الوضع في سورية ، وتعهد في الدفاع عن الطوائف إذا بلغت حد التعرض للخطر ، وتخوفه من انتصار الثورة الإسلامية في سورية ، وإنه لن يرضى بوصول العناصر المتعصبة -على حد تعبيره- إلى حكم سورية.

إن شعارنا ثورتنا الإسلامية : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يصلين الفجر إلا في ربوع القدس ، وعلى مشارف يافا وحيفا وعكا وصفد وطبريا وبيسان ومدينة الخليل.

هذا هو الطريق الإسلامي الصحيح لحل هذه القضية ، وهذا هو المعيار الدقيق لمعرفة مدى وطنية أي فرد أو حزب أو جماع.


ثالثا : العالم الإسلامي

إن فريضة الدين في قانون الأخوة الإسلامية ، ودواعي المصلحة المشتركة ، وكثافة الأعداء ، ومضاء أسلحتهم ونفوذهم داخل المنطقة الإسلامية ، كل ذلك يحتم اعتماد صيغة اتحادية ، تضمن وحدة الحركات الإسلامية في وجه الأعداء.

إن الطاقة الهائلة التي يملكها المسلمون -عقيدة وشريعة وموقعا وثورة وكثافة سكانية ...- لو وظفت توظيفا صحيحا لخدمة الهدف الإسلامي الكبير ، لقلبت موازين القوى ، وغيرت صورة العالم ، وذلك لابد كائن بإذن الله.

إن أوجاع أي مسلم هي أوجاع لكل المسلمين ، وذلك هو الفرض على كل مسلم ، انسجاما مع هذه النعمة التي لا يقام شكرها ، نعمة الأخوة الإسلامية ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ .

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ﴾ .

1- العدوان على أفغانستان

و جماعة الإخوان -انطلاقا من هذه الشعبة من شعب الإيمان- ترى في الغزو السوفييتي لأفغانستان المسلمة ، تهديدا حقيقيا للعالم الإسلامي برمته ، وتهيب بالمسلمين جميعا أن يهبوا لنجدة إخوانهم الأفغان ، لقد أوجب الإسلام على المسلمين كافة أن يهبوا لنجدة امرأة واحدة إذا اعتدي عليها ، ولو أتى ذلك على أموالهم جميعا ، فكيف وقد ديست حرمات الملايين من المسلمين من رجال ونساء ، شيبا وشبابا وأطفالا.

إننا إذ ندين بحزم احتلال السوفييت لأفغانستان ، ونشير إلى أن التباكي الأمريكي على الإسلام والمسلمين باطل بطلان دعوى الروس في غزو أفغانستان ، نعلن أن حرمة الأرض الإسلامية واحدة ، تستوي في القيمة أجزاؤها جميعا ، وليس من الوطنية في شيء ، أن تبارك بعض النظم المشبوهة احتلال الروس لأفغانستان ، بحجة أولوية القضية الفلسطينية ، فهذا مسلك العملاء لا مسلك المخلصين ، إن الوطنية الصحيحة هي التي تقول : إن هذا باطل وهذا باطل ، ولا مخايرة بين ألوان الباطل.

2- جماعتنا والعالم الإسلامي

إن الجماعة ترى في صدد علاقتها بالمسلمين -ودون إخلال بالهدف النهائي للمسلمين في وحدتهم- أن يتم لقاء الثورة الإسلامية في سورية مع شعوب العالم الإسلامي من خلال الأسس التالية :

أ- الاعتراف بأن الشيء الملزم لكل مسلم ومسلمة هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما سوى ذلك فهي اجتهادات لها طابعها ، دون أن يعني ذلك اطراحها وإهمالها ، فلابد من استثمار الصالح منها.

ب- أن نجعل نشر اللغة العربية في العالم الإسلامي كله هدفا يتقدم كل ما عداه ، وهذا أصل من أصول الإيمان والإسلام ، وبدونه لن تتحقق وحدة المسلمين.

جـ- التعاون مع الشعوب الإسلامية في شتى المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية ، وفي الشؤون الدولية.

د- تبليغ دعوة الله إلى الناس كافة لإنقاذ البشرية في الضلال إلى الهدى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ .

هـ- مساندة الأقليات الإسلامية المضطهدة والأخذ بيدها ، والنهوض بها مما تعانيه من قهر واضطهاد. إن العالم الإسلامي يرنو إلى بناء عالم جديد ، تسوده المحبة ، وترفرف فوقه أعلام السلام الإسلامي العالي ، تنتهي فيه دواعي الصراع والاقتتال ، لا ينحاز إلى شرق ولا إلى غرب ، وإنما ينحاز إلى دعوة الله ، كما ينحاز إلى فئة المسلمين.


رابعا : العلاقات الخارجية

إن ما يميز دولتنا التي نجاهد من أجل قيامها : هو التزامها بالعقيدة ، وارتباطها بالشريعة المنبثقة منها ، والفكرة التي هي جزء منها ، والقيم الأخلاقية التي تحكم سلوك الناس وتصرفاتهم.

والعلاقات الخارجية لهذه الدولة محكومة بهذه المبادئ ، متميزة من التكتلات والمعسكرات والأحلاف ، منفتحة على كل الشعوب ، لتبليغها دعوة الله تعالى بالتي هي أحسن ، وتشرح لسكان هذا الكوكب قضاياها ، وتمد يد الصداقة والتعاون إلى جميع الأمم ، بلا خوف ولا وجل ، دون أن يكون ذلك على حساب مبادئها أو مصالحها ، أو أن يمس حريتها واستقلالها ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ .

1- إن تطور العلاقات ودعمها وتحسنها مع الدول الأخرى يتوقف على موقف هذه الدول من قضايانا العادلة ، وحقوقنا التي نجاهد من أجلها -وخاصة القضية الفلسطينية- وقضايا الشعوب العربية والإسلامية التي تكافح لتحرير بلادها وتطهيرها من الغاصبين ، كما هي الحال في أفغانستان وأرتيريا والصومال وفاني والفلبين وغيرها.

وفي نطاق علاقتنا الخارجية سوف نعمل على الاستفادة من تجارب الأمم ومن تقدمها التقني والعلمي سواء أكانت في الشرق أم في الغرب مادام ذلك لا يؤثر على عقيدتنا وعلى مصالح أمتنا ، فمن تقاليدنا الأصيلة وأفكارنا الراسخة منذ أمد بعيد ، اطلب العلم ولو بالصين ، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها.

2- عندما ظهر الإسلام لأول مرة ، تبدى للناس أنه ثورة بأشمل معاني الثورة وأعمقها ، فقد كان ثورة الذات على الذات قبل كل شيء ، فلقد أدى فساد النظم ، وانتشار الجور ، وشيوع الفساد ، إلى تخريب بعيد المدى في النفس الإنسانية ، لذلك كانت مهمة هذه الثورة شاقة ، وتكاليفها ثقيلة.

لكن الله تعالى أحاط رسوله صلى الله عليه وسلم برجال سكن الإيمان بهذا الدين قلوبهم ، فمنحوه أنفسهم كاملة ، معتقدين أن من تمام إيمانهم ، ومن صميم واجبهم أن يعيدوا التوازن إلى حياة الناس ، وأن يكونوا لهم منقذين ، وأن السبيل إلى هذا التغيير في حياة الناس يتمثل في تحرير بعضهم من بعض وتعبيدهم جميعا لله رب العالمين ، بعد أن أعلى الله تعالى شأن الإنسان وكرمه ، واستخلفه في الأرض ، وفضله على كثير من مخلوقاته تفضيلا ، من أجل ذلك كان قائلهم يقول : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عد الإسلام.

إن جماعة الإخوان المسلمين اليوم تقول للناس ما قاله لهم أسلافنا من قبل ، وتعلن على رؤوس الأشهاد أن الواقع الإنساني شديد الفساد ، بالغ الخطورة على مستقبل الجنس البشري ، وأن الأرض قد أصبحت مسبعة يأكل القوي فيها الضعيف ، وأن القيم العالية والمثل الرفيعة والإنسانية المهذبة قد أخلت مكانها للقوة العمياء.

الإسلام والوضع الدولي

وأن الإسلام بعقيدته وشريعته ونظامه وآدابه يمثل السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية وتلك هي رسالة الإسلام ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ .

3- إن الهدف النهائي لجماعتنا هو إحلال سلام الإسلام الدائم في الأرض ، بتغيير معالم الصورة البشرية الراهنة تغييرا يتناولها من الجذور ، فكل إنسان في عالم اليوم ينام ويصحو ويده على قلبه ، إشفاقا على مصير البشرية ، ولكن الكل لا يعرف أين هو الطريق الصحيح.

لقد أصبح العالم يعيش في حالة استقطاب حاد بين قوتين هائلتين لم يعرف لهما التاريخ نظيرا ، ولقد أفزع هذا الاستقطاب ناسا كثيرين ، فتنادوا إلى وضع الحلول التي من شأنها أن تلغي هذا الاستقطاب أو تخفف من آثاره ، فكانت منظمة الأمم المتحدة بمؤسساتها العديدة ، ولكن هذه المنظمة عاجزة عن فعل أي شيء بسبب لخلل في تركيبها ، فكانت منظمة دول عدم الانحياز ، ولكنها انتهت إلى أن تكون منحازة كلها ذات اليمين وذات الشمال ، وكانت المنظمات الإقليمية التي استهدفت توفير الحماية الضرورية للشعوب ، ثم تبين جليا أن القيم الإنسانية لا مكان لها في عالم الأقوياء ، لقد أخفقت كل هذه التجارب إخفاقا محزنا ، وسقط الإنسان في هاوية الرعب الدائم واليأس الرهيب.

لقد آن للمسلمين أن يتصدوا لحل المعضلة المستعصية بجملة حلول من بينها :

أ- إعادة النظر في بنية المنظمات الدولية ، بحيث يلغى حق النقض ، وتؤخذ القرارات بالأكثرية.

ب- ترشيد الاقتصاد العالمي ، وإلغاء استثمار الإنسان لأخيه الإنسان ، وتسخير الطاقات الهائلة إلى زيادة الإنتاج وتحسينه وتنويعه ، ليجد كل إنسان في هذا العالم حاجته ، عوضا عن تسخيرها لحمى التسلح وجنون التسابق إلى القوة المدمرة ، وإنفاق معظم ما يملكه الإنسان عليها.

جـ- فتح باب الحوار أمام مختلف الآراء كي تتلاحم وتتفاعل بحرية ، بعيدا عن وسائل القهر والتزييف.

د- إعادة الثقة المفقودة بالإنسان ، بالإعلان الصريح أن الإنسان ليس في حاجة إلى الوصاية عليه من أحد.

إن جماعتنا -وإن كانت تعتقد أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة- ترى أن الجهاد بصورته المادية العنيفة ، هو آخر الدواء ، وليس أوله ولا وسطه ، فإذا تكافأت حقوق التحاور الروح بين دول العالم وشعوبه ، وإذا خلي بيننا وبين عقول الناس وقلوبهم ، كنا واثقين بنصر الله لدينه الحق وشرعه القويم ، لأنه دين العقل والفطرة السليمة ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

الخاتمة

هذا هو برنامجنا لأمتنا وللناس أجمعين ، وهذا بياننا لشعبنا ومنهاجنا إلى الخلق يعرفون من خلاله ماذا نريد بعيدا عن دعوة الأعداء وتغرض المغرضين. متيقنين أن ما ندعوهم إليه هو مطلب الناس كلهم ، وليس مطلب المسلمين وحدهم ، لأنه الخير المحض ، والحق الصريح ، والعدالة الكاملة ، وإلى أبناء شعبنا نسوق هذا الحديث :

لقد عمت الخديعة طويلا ، أما وقد سقطت الأقنعة ، وانكشفت السوءات فنحن ندعوكم إلى طريقكم.. إلى حقيقتكم.. إلى دينكم.

وإن قال لكم قائلون : نريد أن نحقق لكم الوحدة العربية ، تأسيسا على فهمهم للقومية ، مجردة من أي إضافة أو مضمون حياتي يخص قوما دون قوم ، فقد رأيتم ما الذي آلت إليه هذه الدعوة ، على الصعيد القومي : تفتت لا يؤذن بانتهاء ، وفي المحتوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي : استعارة وترقيع.

أما نحن فندعوكم إلى العروبة الصافية التي هي اللسان. بعيدا عن خرافة التمايز العرقي بين الشعوب والأجناس ، لقد كان من صنع الله تعالى أن حمى مهد الرسالة الإسلامية من الجبابرة والفراعين والقياصرة والأكاسرة ، فلم يذلهم جبار ، ولم يتعبدهم قاهر ، وهذا ما رشحهم ليكونوا حملة دين الله ، ولتكون لغتهم هي التي نزل بها كتاب الله الذي افترض تعلمه على كل مسلم ، لتسير العربية مع الإسلام أنى سار.

لقد ربط الله تعالى شرف العرب بالإسلام ، وجعلهم مسؤولين عن حمله وتبليغه ، فقال سبحانه ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ .

وقالوا لكم : نحن نريد أن نحقق الإشتراكية التي تعمم الرخاء على الناس ، وأنتم يا قومنا أدرى بأن الإشتراكية المدعاة تكشفت عن لصوص ، سرقوا مال الشعب ، واحتكروا خيرات الوطن ، وألقوا إلى المرتزقة والعبيد بالفتات ، أما الشعب المرحوم فلم يعرف الإشتراكية إلا من زاوية الفاقة والاستبداد.

أما قولنا : فهو أن الله حكم بأن تكون خيرات الأرض مائدة ممدودة للناس جميعا ، حقهم منها في الاكتفاء ثابت ومضمون بنصوص الإسلام ، وهو حق : المنة فيه لله والشكر له وحده.

وقالوا : سنمنحكم الحرية ، فكانت حريتهم على الإنسان عارا ، واسألوا سكان القبور ، ونزلاء السجون ، والمعذبين والمشوهين ، ماذا فعلت بهم حريتهم؟

ونحن نذكركم بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ظهر المؤمن حمى ، وما قاله الخليفة الثاني عمر بن الخطاب : متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

أو لم يتضح الطريق بعد؟ بلى وربنا ، فتعالوا إلى كلمة سواء أن لا نعبد إلا الله ، وأن لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، وأن نتصدى جميعا للهدف الكبير بهمة العظام وصبر الكرام. ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ ﴾.

1408هـ - 1988 م

قيادة الثورة الإسلامية في سورية

عدنان سعد الدين

جاء البيان كمدخل للمنهاج ، وتفسيرا للأحداث والصراع الذي نشب بين أبناء الدعوة وحلفائهم من الإسلاميين والمعارضين ، وبين الأقلية أو بعضها ، التي فرضت نفسها وسلوكها وسياساتها على السوريين بقوة السلاح ، فجاء البيان كأمواج هادئة متلاحقة ، تنتهي كل واحدة منها إلى التي تليها في الفكر وتسلسل الأحداث ، لقد نص البيان الذي كان للعلامة الشيخ محمود مشوح مفتي الميادين رحمه الله ، بصمات في العديد من عباراته التي لا تخفى على من يعرف أسلوبه في أدبه الرفيع وكتاباته التي تبلغ بصاحبها أن يكون في عداد كبار الأدباء والمفكرين رحمه الله.

الفترة السادسة : المآسي والنكبات الكبرى (من عام 1981 وحتى عام 1983)

بينما كان تنظيم الجماعة منشغلا ، بل ومستغرقا فيما أعده ويعده من برامج ومناهج وخطط في الحكم والسياسة والاقتصاد والتربية والشؤون الأخرى ، لتنظيم أمور المجتمع والنهوض به ، وتلبية طموحاته وتطلعاته ، ليستدرك ما تعانيه بلادنا من تخلف عن الركب الحضاري ، ( مما جاء بعضه في بيان الإسلامية ومنهاجها ) ، كانت العصابات الأمنية الحاكمة تمعن في القتل والاغتيال وسفك الدماء ، والمجازر الجماعية وحمامات الدم التي عمت جميع المحافظات السورية، حتى أضحى المواطن السوري مسكونا بالخوف والرعب على عرضه وكرامته ودمه وماله وحرياته الخاصة والعامة ، فلم يبق مواطن في سورية يجرؤ على المعارضة ، أو الإنكار على ما يحدث أو حتى على تقديم النصح بله الاعتراض.

هكذا كان عام 1980 منذ ألقى رفعت أسد خطابه في المؤتمر القطري السابع في 6- 1- 1980م عام القتل والخطف وتمزيق حجاب المرأة في شوارع العاصمة السورية دمشق ، في 29- 9- 1980 وكان كذلك عام التسلط على التجار ، وحتى الصغار منهم ، يلبسهم ، ويفرض الأتاوات والرشا عليهم ، بل وبدأت تظهر في الشارع السوري وفي المعتقلات والبيوت حوادث اغتصاب ، لم تحدث من قبل العهود الماضية بما فيها عهد الانتداب الفرنسي.

وعندما اطمأنت سلطة الأقلية الباغية على سيطرتها المطلقة على الشعب في جميع أنحاء الوطن ، ولم يعد ثمة أي مواطن يرفع صوته بالرفض ، أو حتى بالشكوى الجهرية ، ولم تعد تجد أي إنكار لجرائمها من الحكومات الأجنبية ومن أكثر الحكومات العربية ، أو من المنظمات الدولية ، أو من هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان بما يكفي ، انتقلت من اقتراف الجرائم إلى مرحلة أخرى من داخل سورية إلى خارجها ، وقررت تصفية خصومها فيما وراء الحدود ، وإسكات كل صوت أنكر عليها سفك الدماء ، وإزهاق الأرواح وسحق المواطنين.

تفرغ ضباط سرايا الدفاع وأمثالهم من عصابات القمع إلى وضع الخطط لتنفيذ الاغتيالات في البلاد المجاورة ، وفي عدد من الدول الأوروبية ، وانتدبوا لهذه المهمة ( النبيلة )!!! مجموعات دربوها وسلحوها ومولوها ، وفرغوها ، ليس لحرب إسرائيل واستعادة ا لأرض المحتلة في الجبهة السورية، وما حولها ، والتي سلموها دون قتال ، مقابل استمرارهم في السلطة عقودا أخرى ، وكان رفعت ، كما هو حاله وشأنه ، المشرف على تنفيذ هذه الخطط ، وتنفيذ الاغتيالات ، بم بشر به في خطابه الدموي في المؤتمر القطري السابع ، وبما أعده من مال وسلاح وعناصر اختارها من سراياه ومن بعض المرتزقة والمنتفعين كما رأينا من قبل.


أولا : محاولة اغتيال مضر بدران

كان السيد مضر بدران رئيس وزراء الأردن هدفا رئيسيا لهذه الشبكة الإجرامية ، وهو السياسي المحنك والوطني الغيور الذي كان محسوبا على العراق فيما كان يتعرض له من حصار ودماء ، كما شغل من قبل منصب رئيس المخابرات الأردنية ردحا من الزمان ، وكان معروفا بتوجهاته في بناء الوحدة الوطنية التي تضم كل عناصر الشعب وفئاته ، من وطنيين وقوميين وإسلاميين ، وكان عدد كبير من السوريين قد هرب من حر القتل والمطاردة إلى الدول المجاورة ، في تركيا والعراق ولبنان ، وكان للأردن النصيب الأوفر في عدد النازحين من سورية إليه ، فاستضاف من دخل أرضه ، ومنحهم الأمان والاطمئنان ، وفرص العمل ، فعاش الألوف من السوريين حياة رغيدة أو مستورة لا ينسون فضل الأردن في تأمينها لهم.

1- شرع ضباط سرايا الدفاع فيا لتحرك والتنقل بين دمشق وعمان للاستطلاع ، وتهيئة الأسباب لتنفيذ اغتيال السيد مضر بدران رئيس الوزراء ، من استئجار بيوت ، وتهريب السلاح وإدخاله إلى عمان ، وتأمين السيارات ، وصرف المبالغ بالعملتين السورية والأردنية.

بتوجيه مباشر من رفعت أسد ، وإشراف من أحد ضباطه هو الرائد سليمان جديد ، الذي رعى التمويل والتدريب وتسليم السلاح على مدى شهرين.

في مطلع 1981 ، بدأ التحرك النشط ما بين دمشق وعمان ، إلا أن رجال الأمن الأردني كانوا يقظين ، ويرصدون كل تحركاتهم ، يوما بيوم ، وساعة بساعة ، فألقوا القبض عليهم ، قبيل الشروع بالتنفيذ ، وعرضوا على شاشة التلفزيون الأردني اعترافات أفرادها ، وأذاعوا تفصيلاتها وأسرارها على العالم أجمع ، ثم أصدرت وزارة الإعلام الأردنية كتاب باللغتين العربية والإنكليزية ، ضمنته أسماء المشاركين بالجريمة ، وصورهم واعترافاتهم المذهلة ، وكان من قدر الله أن اثنين من عناصر سرايا الدفاع ، مشاركان في مجزرة تدمر ، وقد اعترفا تفصيلا بأحداثها ، وكانت ما زالت مجهولة بتعتيم النظام السوري على مأساتها ، ولأهمية هذا الحديث ، ولأنه يكشف عن طبيعة النظام في الإرهاب ، واحتراف عمليات القتل للشخصيات السياسية والفكرية والإعلامية في المنطقة ، ( نورد خلاصة لما تضمنه كتاب الوثائق الأردنية ) من أمثال صلاح البيطار رئيس الوزراء السوري السابق في باريس ، والسيد سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث الأسبوعية أشهر المجلات في وقتها ، والداعية الإسلامي الأستاذ نزار الصباغ في إسبانيا ، والطالب السوري في يوغوسلافيا : الشهيد عبد القادر ودعة ، ومحاولة تفجير محلات يا مال الشام في دبي لصاحبها أسامة أسعد رحمه الله ، وتفجير جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ، كما مر معنا بعض منها ، وعرض عدد من أحداثها.

2- بدأ كتاب الوثائق الأردنية بتقديم ذي أهمية بالغة نورد بعضا من فقراته للاطلاع المفيد ، منها : منذ عام ونيف بدأت زمرة الحكم الفئوي الطائفي المتسلطة على الشعب العربي في سورية ، تنفث سموم الحقد والكراهية ، وهي تذرف دموع التماسيح ، متباكية على القضية العربية ، وتزعم الدفاع عن القضية الفلسطينية ، وتدعي الحفاظ على التضامن العربي ، ولكن سرعان ما تكشفت نوايا حكام دمشق علانية في محاولاتهم المتتالية لمنع عقد مؤتمر القمة العربي الحادي عشر ، إلا أن انعقاد المؤتمر في مكانه وزمانه المحددين ، كان الضربة التي أفقدتهم صوابهم ، فخرجوا عن الطور ، ولجأوا إلى حشد القوات السورية على الحدود الأردنية ، بعد أن جددوا لقوات الطوارئ الدولية ، وأمنوا خط التماس الأحمر مع إسرائيل في الجولان ، ومع إسرائيل في لبنان.

لم يرتدع حكام دمشق أيضًا ، فبدأوا يلوحون بأساليب هدم وتخريب أخرى غير أسلوب الحشد على الحدود ، وخرج الرئيس حافظ أسد نفسه محددا هذه الوسائل وتسميتها بالوسائل الفنية ، وقال بالحرف الواحد ، في تصريحه الذي نشرته جريدة الرأي العام الكويتية بتاريخ 16- 12- 1980 :

قد لا يكون من الأهمية بمكان أن نتطرق إلى مثل هذه الأمور ذات الطابع الفني!! ثم توالت التصريحات عن المسؤولين السوريين في تأكيد هذه النوايا الخبيثة المبيتة ضد أمن واستقرار الأردن.

بعد إلقاء القبض على عصابة الإرهاب التي بعث بها حكام دمشق بإشراف رفعت أسد شقيق الرئيس السوري حافظ أسد ، وقائد سرايا الدفاع للتخريب في الأردن ، وقبل الإعلان عن ذلك صرح وزير إعلام النظام الطائفي في دمشق أحمد اسكندر أحمد إلى صحيفة الواشنطن بوست 16- 2- 1981 : إن سياسة سورية ترمي إلى معاقبة الزعماء الأردنيين ، وخاصة رئيس الوزراء مضر بدران ، وفي الوقت الذي أعلنت فيه الأردن أنها ستقوم بإذاعة اعترافات عصابة الإرهاب التي بعث بها رفعت ، وقبل أن تتم إذاعة هذه الاعترافات ، بادرت أجهزة القمع في سورية إلى نشر اعترافها بهذه العملية ، إذ أذاعت بيانا صادرا عن مصدر أمني في دمشق يوم 24- 2- 1981 ، أعطت لنفسها الحق في مثل هذه العمليات ، ومتابعة إرسال المزيد منها -على حد قول المصدر الأمني- في الوقت المناسب ، لمعاقبة الزعماء الأردنيين. وفي اليوم التالي لإذاعة اعترافات عصابة الإجرام والإرهاب ، أذاع راديو دمشق تعليقا أعلن فيه : أن يد سورية طويلة ، ويمكن أن تمتد في كل زمان ومكان إلى الأردن.

فبماذا يمكن أن نصف تلك الفئة الحاكمة في دمشق بأكثر من أنها عصابة امتهنت القتل والإجرامات والإرهاب ، تمارسه يوميا بعمليات قتل جماعية ، وجرائم بندى لها الجبين ضد الشعب السوري ، والتي تتنافى مع أبسط قواعد الأخلاق العربية ، وتأباها الأعراف الإنسانية ، وتمجها القوانين الدولية ( ).

3- عندما اكتشف الشعب العربي في سورية حقيقة النظام الفئوي الطائفي المتسلط عليه ، وفضح زيف الشعارات القومية التي تتستر بها ، وحين بدأ النظام القائم على تحكم فئة من الطائفة العلوية ، لجأ إلى سياسة البطش والقمع والإرهاب في الداخل والخارج فاغتال صلاح الدجين البيطار رئيس وزراء سورية الأسبق البعثي في باريس ، وكمال جنبلاط الزعيم الدرزي ورئيس التكتل الوطني الذي كان يضم سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث ذات الشهرة الواسعة في تلك الفترة ، وقتل السيدة بنان الطنطاوي زوجة الأستاذ عصام العطار في ألمانيا ، وقتل كثيرين غيرهم في لبنان وسورية ومن الفلسطينيين ، دون أن يفرق بين رجل وامرأته ، وبين شاب وشيخ ، ولم تسلم من حقده الأسود الطائفة العلوية نفسها التي زجها واستخدمها في الصراع الطائفي غير المألوف في سورية ، إذ عمل على تصفية بعض قادة الطائفة العلوية ، مما خالفوه في الرأي ، وفي مقدمتهم اللواء محمد عمران رئيس اللجنة العسكرية السورية والذي يتقدم عليه في الرتبة العسكرية ، فأرسل إليه من صفاه جسديا في مدينة طرابلس شمالي لبنان (.

واليوم نقدم للمواطنين -كما قالت الوثائق الأردنية- وللأمة العربية جمعاء ، وإلى جميع الدوائر الإنسانية والحضارية في العالم ، تفاصيل مؤامرة حاكها النظام الفئوي الطائفي في سورية ، للاعتداء على حياة رئيس الوزراء في الأردن السيد مضر بدران.

أ- في أواسط كانون الأول عام 1980 أصدر العقيد رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع أوامره إلى الرائد العلوي سليمان جديد ضابط أمن سرايا الدفاع في دمشق ، لوضع خطة تنفذها عناصر عسكرية من سرايا الدفاع لاغتيال رئيس الوزراء الأردني مضر بدران.

وبتاريخ 23- 125- 1980 دخلت المجموعة الأولى من عناصر العملية للأردن عن طريق حدود الرمثا بقصد عمليات الاستطلاع لتحركات السيد رئيس الوزراء تمهيدا لتأمين التسهيلات المادية اللازمة لعناصر تنفيذ العملية ، وكانت هذه المجموعة مؤلفة من : تاج الدين علي محمد سوري علوي ، يعمل في أمن سرايا الدفاع.

ب- وبتاريخ 30- 12- 1980 دفعت سورية من نقطة الحدود الأردنية السورية مجموعة مكونة من أربعة عناصر من سرايا الدفاع على دفعتين ، تتألف الألى من : تاج الدين محمد ، والرقيب أحمد ماجد أبو شلحة ، علوي من سرايا الدفاع ، بينما تتألف الدفعة الثانية من طه محمد الحدار ، ومعه عنصران من سرايا الدفاع ، وهذه المجموعة مكلفة باستكمال مهمة الاستطلاع حول أماكن وجود السيد رئيس الوزراء ، واستئجار منزل لإيواء عناصر العملية.

جـ- بتاريخ 6- 1- 1981 دخلت الأردن مجموعة ثالثة من سرايا الدفاع مؤلفة من أربعة عناصر هم : تاج الدين محمد ، وطه محمد الحدار ، والرقيب أحمد ماجد أبو شلحة ، والملازم أول سعد صباح علوي من سرايا الدفاع ، دخل الحدود بهوية مزورة باسم خالد أحمد حسون.

في هذه الفترة التي كانت المجموعة في الأردن ، كانت توجد في عمان مجموعة من عنصرين من سرايا الدفاع هما : الرقيب عيسى إبراهيم فياض علوي يحمل هوية سورية باسم عبد المنعم محمد فياض ، والعريف نزيه كاسر بلول علوي ، يحمل هوية مزورة باسم نزيه تامر بيضون ، وقد قام طه محمد الحدار هذه المرة بنقل رشاشتين ، نوع كلاشنكوف ، وستة مخازن محشوة بالعتاد ، مخبأة في سيارته التي تحمل لوحة سورية.

د- وبتاريخ 15- 1- 1981 قام طه محمد الحدار وتاج الدين محمد باستئجار منزل في منطقة صويلح لاستعماله لتنفيذ العملية ، وفي هذه الفترة كانت المجموعات التي تدخل الأردن تعود إلى دمشق لتناقش نتائج الاستطلاع الأولي ، ومخططات التنفيذ مع الرائد سليمان جديد ، كما كان يشارك في الإشراف على خطة التنفيذ ، في قيادة سرايا الدفاع : الرائد معين ناصيف قائد اللواء أربعين من سرايا الدفاع ، وهو زوج ابنة العقيد رفعت أسد ، كما كان الرائد سليمان جديد ضابط أمن سرايا الدفاع يقوم بإطلاع العقيد رفعت أسد على نتائج سير العملية أولا بأول.

هـ- بتاريخ 21- 1- 1981 دخل الأردن العقيد الركن عدنان بركات من سرايا الدفاع ، بعد أن وقع اختيار العقيد رفعت أسد عليه لقيادة العملية ، والإشراف على تنفيذها ، وقد رافقه تاج الدين محمد ، حيث قاما بالاتصال بالعناصر الموجودة في الأردن ، وباستطلاع منطقة رئاسة الوزراء مشيا على الأقدام ، ليومين متتاليين بقصد حصر فترة مغادرة السيد رئيس الوزراء مبنى الرئاسة ، ثم عاد إلى دمشق لمناقشة التفاصيل النهائية لخطة تنفيذ العملية في ضوء الاستطلاع المكثف الذي أجراه العقيد عدنان بركات في تلك الفترة .

4- بعد مناقشة التفاصيل أصدر رفعت أسد أمره النهائي بتنفيذ العملية ، بعد عودة السيد مضر بدران من مؤتمر القمة الإسلامي بالطائف ، وقد اتفق بشكل نهائي أن يكون مكان التنفيذ ملتقى الطريق الممتد من مبنى رئاسة الوزراء ، مع الشارع الممتد إلى الهوليدي إن ، من الدوار الثالث ، عند موقع الإشارة الضوئية ، أما وقت التنفيذ ، فقد اتفق على أن يكون موعد مغادرة السيد رئيس الوزراء مبنى الرئاسة في نهاية الدوام الرسمي المعتاد ، كما اتفق على أن يتم تنفيذ العملية بقيادة عنصرين من سرايا الدفاع بمهاجمة الموكب عند المكان المحدد بالرشاشات والقنابل اليدوية على سيارة السيد مضر بدران ، بدءا بسيارات الحرس ، لشلهم وإرباكهم ، ومن ثم التوجه بالرشاشات والقنابل على سيارة الرئيس ، وفق الخطة التي سيقوم الرقيب عيسى إبراهيم فياض ، والعريف أكرم بيشاني بعملية الهجوم ، وهما من عناصر سرايا الدفاع التي قامت -شاركت- بتنفيذ مجزرة تدمر في حزيران عام 1980 ، بينما يقوم بالإشراف ومراقبة التنفيذ قائد العملية العقيد عدنان كامل بركات.

أ- بتاريخ 13- 1- 1981 دخل العقيد بركات إلى الأردن مرة ثانية بهوية مزورة باسم خالد محمود بزازة للتنفيذ ، فألقي القبض عليه في مركز حدود الرمثا ، وفي نفس اليوم ألقي القبض في الحدود على السائق جورج عبده بيطار ، مع السيارة المعدة لتنفيذ العملية ، وهي من نوع مرسيدس 280 تحمل لوحة سعودية رقم 3911 ، وضبط بداخلها مخبأ سري به أربع قنابل ، كانت ستستخدم في تنفيذ عملية اغتيال ، كما تم في نفس اليوم إلقاء القبض على عنصر التنفيذ : الرقيب عيسى إبراهيم فياض ، والعريف أكرم بيشاني ، والمدعو طه الحدار في البيت المستأجر في بلدة صويلح ، فأحبطت بذلك أجهزة الأمن الأردنية المؤامرة التي دبرتها وخططت لها قيادة سرايا الدفاع الموكل إليها مهمة حماية النظام القائم في سورية ، وتم القبض على جميع عناصر تنفيذ العملية ، كما صودرت الأسلحة ، وأدوات تنفيذ الجريمة.

خلاصة إفادة طه الخالدي : اسمي طه محمد الحدار الخالدي من مواليد 1950 في بادية حمص ، متزوج ، وأعمل في التجارة ، قال لي صديق لي يدعى : تاج الدين محمد من محافظة حمص في قرية القصابية ( وكنت قد ذكرت له أن ثماني سيارات لهي مهربة ، صادرتها الجمارك ، وعليها غرامات مالية كثيرة ) : المشكلة بسيطة ، وليس لها إلا ضابط من سرايا الدفاع ، يستطيع أن يحل المشكلة كلها ، وكن صديق تاج الدين يعمل في المخابرات العسكرية ، فعرفني بالرائد سليمان جديد ضابط أمن سرايا الدفاع الذي طلب مني ، بعد ترددي عليه خلال ثلاثة أشهر ، أن أتعاون معه في مجال أمن البلاد ، في كل ما يخل بأمن الدولة ، وبالفعل اتصل بمديرية الجمارك ، وأوقفت الغرامات ، والمسؤولية المترتبة على السيارات المهربة ، وأمر بمعالجة ابنتي المصابة بالشلل النصفي في مدينة الحسين الطبية في عمان ، وكان ذلك في 23- 12- 1980 ، فسافرنا إلى عمان ، ونزلنا في فندق سلطان ، وبعد ثلاثة أيام عدت إلى دمشق ، فطلبني الرائد سليمان ، وكلفني بالسفر إلى عمان ، لاستئجار منزل ، فعدنا إلى الأردن في 30- 12- 1980 في سيارة يسوقها أحمد ماجد أبو شلحة بتكليف من الرائد سليمان جديد ، وبعد عودتنا إلى دمشق ، طلب الرائد سيارتي بالذات في 6- 1- 1981 ، ثم أصاب سيارتي عطل بعد عودتي إلى عمان فتركتها في كراج العاصمة ، ورجعت أنا وأبو شلحة بسيارته إلى دمشق ، وقابلنا الرائد سليمان ، ثم عدنا إلى عمان ، ومررنا بفندق سلطان ، فقابل أبو شلحة اثنين لا أعرفهما ، ورجعنا إلى دمشق بسيارة أبو شلحة مع الاثنين اللذين عادا معنا ، وطلب الرائد سليمان عمل صيانة لسيارتي حتى اكتملت ، فكلفني الرائد بالعودة إلى عمان ، قائلا : تاج وأبو شلحة ينتظرونك في كراج أمانة العاصمة ، وذكر اسم أحد اثنين ، واسمه عبد المنعم وهو أحد الذين اشتركوا في مجزرة تدمر ، وأنه كان ضمن نقتلهم طائرات الهليوكبتر إلى جوار السجن ، وحدثنا أنه أحد الذين دخلوا على المساجين وقتلوهم جميعا بعبارة -روحانهم كلهم- وكان رفيقه الثاني يؤازره في الكلام ، وقد كان عدد الذي تم قتلهم بـ : 700 سجين أو أكثر ، ثم جاءت جرافات بسيارات قلاب ، فحملوا الجثث إلى وادي يقع شرق تدمر ، ودفنوها هناك.

أكمل المتهم طه محمد الحدار قائلا : وصلنا الشام ، وقابلنا الرائد سليمان ، فوجدنا عنده تاج الدين وآخرين لا أعرفهم ، فطلب منا السفر إلى عمان واستئجار منزل ، والعودة إلى دمشق, جاءني أبو شلحة ليساعدني في تصليح السيارة لأنه مختص بذلك ، فقال لي : في سيارتك سلاح ، فتفاجأت بذلك ، فأخرج كلاشنكوف عدد 2 ، وستة مخازن مليئة بالذخيرة روسيات الصنع ، فوضعنا السلاح في المنزل ، وعدنا إلى دمشق ، واجتمعنا بعد يومين بالرائد سليمان ، ورأينا في مكتبة ستة أشخاص ، كان أحدهم العقيد عدنان بركات ، كما عرفت ذلك فيما بعد ، فطلب مني السفر إلى عمان ، لأقابل تاج والعقيد في صويلح ، وبعد عودتنا إلى دمشق ، والاجتماع بالرائد سليمان ، قال تاج : رتبنا كل شيء ، وعرفنا كل شيء.

في 31- 1- 1981 طلب مني الرائد الذهاب إلى عمان ، وطلب لوحات لبنانية للسيارات من أحد العناصر ، ودفعها لي لاستعمالها في سيارات التنفيذ ، وعندما عدت إلى البيت مساء ، فتحت المنزل ، وإذا بالأمن الأردني يعتقلني.

جـ- أما السائق جورج بيطار فقد أفاد أنه من قرية المشيرفة في محافظة حمص ، وأنه من مواليد1953، وقد حضر إلى الأردن بتاريخ 1- 2- 1981 ، وقال : تم اعتقالي في الرمثا على الحدود الأردنية ، وكان سبب مجيئي أن تاج الدين المحمد عرض علي توصيل سيارة من سورية إلى عمان مقابل 500 ل. س ، وبعد العودة إلى دمشق ونزولنا في فندق التل ، سلمني السيارة التي تحمل نمرة سعودية ، وقال : تروح فيها إلى عمان ، وإذا صادفت أي عقبة فستجد شخصا اسمه جابر الأحمد ، وعند وصولك إلى عمان ، اترك السيارة في الكراج دون أن يحدد لي اسم الشخص الذي سيستلمها ، لأن الذي اشتراها لديه نسخة أخرى من مفاتيح السيارة ، فسافرت بها بعد إنجاز الوكالة القانونية عند كاتب العدل ، وعند وصولي إلى الرمثا اعتقلني رجال الأمن الأردنيون.

د- كانت إفادة أكرم بيشاني من أهم الإفادات ، لأنه عنصر التنفيذ في الاغتيال ، ولأنه قتل حسب اعترافاتها عددا من معتقلي سجن تدمر بيده الأثيمة.

قال أكرم : أنا أكرم علي جميل بيشاني من محافظة طرطوس ، قرية يحمور ، ومن مواليد 1962 ، أعزب ، شهادتي الصف السادس الابتدائي ، أبي علي ، وأمي حليمة ، وأنا عريف في سرايا الدفاع.

في 23- 3- 1979 التحقت بسرايا الدفاع ، ونقلت إلى معسكر التدريب في القابون قرب دمشق ، والتحقت بدورتين ، الأولى دورة لغة ، والثانية دورة الصاعقة ، ثم نقلت إلى كتيبة مدفعية رقمها 149 من اللواء 40 في سرايا الدفاع في الشهر الخامس عام 1980 ، ثم نقلت ضمن مجموعة الحراسة في بيت الرائد معين ناصيف ضمن مجموعة مكونة من 25 عنصرا ، ثم كلفت بمهمتين : الأولى مهاجمة سجن تدمر ، والثانية : اغتيال مضر بدران في عمان.

شرع البيشاني يشرح عملية سجن تدمر من أولها ، حينما ركبوا طائرات الهيلوكبتر إلى أن تمت تصفية السجناء بحمام دم مرعب ، ثم عادوا بالطائرات نفسها ، ليتقاضوا مكافأة قدرها 200 ل. س لكل من شارك في ذبح المعتقلين ، ويتلقوا كلمة شكر على قتلهم للمعتقلين من الرائد معين ناصيف زوج تماضر ابنة العقيد رفعت أسد.

ذكر المجرم البيشاني عددا من أسماء العناصر التي غمست أيديها الآثمة في دما المعتقلين من أهل أخدود أو أخاديد تدمر ، فكان منهم كما ذكر : العريف ناصر عبد اللطيف علوي من قضاء طرطوس ، والعريف غسان شحادة علوي من قضاء اللاذقية ، والرقيب طلال أحمد علوي من اللاذقية ، والرقيب نزيه بلول علوي من قضاء حمص ، والعريف حسن عيسي، علوي من قضاء حمص ، والرقيب همام أحمد علوي من اللاذقية ، كما ذكر البيشاني عددا من أسماء الضباط الذي غمسوا أيديهم في دماء الأسرى المعتقلين مثل : الملازم رئيف عبد الله من كتيبة المشاة التابعة للواء 40 من سرايا الدفاع ، وهو علوي من قضاء اللاذقية ، والملازم منير درويش ، وهو علوي من نفس الكتيبة ، والملازم أول ياسر باكير من اللواء 40 وهو علوي من قضاء حماة ، ثم تابع يقول :

في 18- 1- 1981 طلبني الرائد سليمان جديد ، وهو علوي من قضاء اللاذقية قائلا : تأتي إلى مكتبتي باللباس المدني الساعة الثالثة ، فقابلني في غرفة النوم الملحقة بمكتبه ، وقال : هل تعرف الرقيب عيسى فياض؟ قلت : نعم ، فقال : تأتي أنت وهو إلى مكتبي غدا في الصباح ، حضرنا وقابلنا في غرفة النوم ، فطلب صورا لتزويدنا بهويات مزورة ، وصار يمتدحنا ، ويصفنا بالشجاعة والبطولة ، وقال :نحن نريد أن نكلفكم بمهمة في الأردن ، وهي عبارة عن اغتيال إحدى الشخصيات البارزة في عمان ، قال لي الرائد سليمان : إذا سألنا موظفو الحدود الأردنية -ليش جاي لعمان- فقل لهم : أبوي مريض ، وأريد أن أحضر له دواء ، وقال لزميلي : نفس الكلام ، ويجيب الموظف في الجمارك بأن عنده مدجنة ، ويريد أن يحضر لها دواء للمكافحة.

أخذ الرائد مني الهوية العسكرية ، وسلمني الهوية المدنية ، وأعطاني قائمة تحتوي على خمسة أنواع من الأدوية ، وقدم لي 1500 ل. س ، و 70 دينارا أردنيا ، وهذا ما فعله مع زميلي عيسى فياض ، وعندما سألنا عن الشخص الذي قرروا اغتياله ، قال العقيد عدنان بركات وكان هناك : سنقول لكم اسمه في صويلح.

خرجنا من دمشق أنا والعقيد عدنان بركات وعيسى فياض وتاج الدين محمد ، وأنا أحمل الهوية المدنية المزورة باسم : أكرم محمد قاسم ، وزميلي عيسى فياض يحمل هوية مدنية مزورة باسم عبد المنعم فياض.

قال لنا تاج الدين : اذهبوا إلى عمان ، وسنلتقي في الساعة الثانية عشرة أمام فندق السلطان ، وعندما التقينا ، سلمنا مفاتيح الشقة في صويلح قائلا : تطلعوا على البيت ليلا ، فذهبنا إلى البيت ، وحضر تاج وعدنان إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل.

عدنا إلى دمشق أنا وعيسى فياض وقابلنا الرائد سليمان في اليوم التالي ، فأخذ منا الهويات العسكرية ، وقال : نعطيكم إجازة ثلاثة أيام ، وسلم كل واحد منا 300 ل. س.

في 31- 1- 1981 ذهبنا إلى مكتب الرائد فوجدنا في مكتبه العقيد عدنان بركات ، والشيخ طه ، وتاج الدين محمد ، فأخذ العقيد يتحدث نفس الكلام الذي كنا نسمعه عن الشجاعة والرجولة والبسالة ، وأشار إلى أن العملية تستهدف شخصية بارزة ، ستكون ضمن موكب مؤلف من ثلاث سيارات ، فواحد منكم يركز إطلاق النار على السيارة الأولى ، وواحد يطلق على السيارة الثانية ، وبعد شل الحركة ترتكزان أنتما الاثنين على السيارة الهدف التي هي بين السيارتين ، وإذا لزم الأمر تستعملون القنابل ، وقبل ذلك عليكما ترك الهويات في البيت ، حتى لا يكشفوا أنكما سوريان ، وإذا حاولت السلطة الأردنية إلقاء القبض عليكم بعد تنفيذ العملية تطلقون النار على أنفسكم -نطخ أنفسنا-.

بعد أن أنهى العقيد بركات كلامه ، قال الرائد سليمان جديد : باستطاعتكم الآن أن تمشوا ، ثم أخذ الهويات العسكرية وأعطانا الهويات المدنية ، فتوجهت وزميلي عيسى إلى مكتب الكراجات الموحد ، وطلعنا بسيارة تكسي عمومي ، فوصلنا إلى عمان حوالي الثالثة والنصف بعد الظهر ، وذهبنا إلى المنزل ، ونمنا فيه حتى الصباح ، فطلب زميلي عيسى أن نحضر فطورا إلى البيت في الساعة التاسعة ، وعند العودة ، وقبل الوصول إلى المنزل ، ألقى رجال الأمن الأردني القبض علي وعلى زميلي عيسى فياض .

هـ- كذلك كانت إفادة عيسى إبراهيم فياض خطيرة باعتبار صاحبها كان العنصر الأساسي الثاني في التنفيذ ، وهو من مواليد 1960 ، وأن والده هو إبراهيم حامد فياض ، وأمه جميلة صقر ، وأنه ترك المدرسة قبل أن يحمل الثانوية ، ليعمل مع والده في الزراعة ، ثم ليلتحق بسرايا الدفاع في 10-3-1979 ، وهو الآن برتبة رقيب ، وذكر أنه التحق بمعسكر القابون في دورة مدتها 45يوما ، ثم التحق بدورة صاعقة ، مدتها ثلاثة أشهر ، عاد بعدها إلى معسكر القابون ، ليتلقي تدريبا على المظلات لمدة شهر ، وأخيرا ، التحق باللواء 40الذي يقوده معين ناصيف صهر رفعت أسد ، وكلف أخيرا بحراسة رفعت ضمن المجموعة المؤلفة من 25عنصرا ، كلهم ، كما قال عيسى في إفادته ، من العلويين ، وعندما سئل عن المهمات التي قام بها ، ذكر أنه شارك في مذبحة تدمر في 26-6-1980 ، وسرد تفصيلاتها على غرار ما ذكره زميله أكرم بيشاني من قبل في إفادته ، بما في ذلك أسماء المشاركين والضباط الذين ذكرهم البيشاني.

لقد قدر عدد الذين قتلهم في تدمر بخمسة عشر معتقلا ، وذكر أنهم كانوا يجهزون على الجرحى ، وقال : لقد استغرقت عملية قتل الإخوان حوالي نصف ساعة في مجزرة تدمر ، ثم عدنا إلى دمشق ، فشكرنا الرائد معين ناصيف ، وحذرنا من إفشاء سر ما حدث في تدمر.

أما المهمة الثانية فهي التي كلفنا بها الرائد سليمان جديد ، الذي أعطاني هوية مزورة باسم عبد المنعم فياض ، كما أعطى زميلي نزيه بلول هوية باسم نزيه بيضون ، وطلب مني أن أقول لرجال الأمن الأردنيين : إنني ذاهب إلى عمان للحصول على دواء للدجاج ، لأن أبي يعمل في مدجنة للدواجن ، كما أوصى نزيه أن يقول بأنه يود شراء قطع غيار.

اتجهنا أنا وتاج والشيخ طه ونزيه بسيارة واحدة إلى عمان يوم 7-1-1981 ، ونزلنا في فندق صلاح الدين ، ثم انتقلنا إلى فندق سلطان ، ثم رجعنا إلى سورية ، والتقينا الرائد سليمان ، فسأل عن الحدود الأردنية ، فقلنا له : ماشي الحال.

وفي يوم 20-1-1981 طلبني الرائد سليمان ، وأمرني أن أرتدي لباسا مدنيا ، فلبست ، ورجعت إليه ، لأجد عنده العقيد عدنان بركات ، وتاج الدين ، والشيخ طه وأكرم بيشاني ، فأعطاني تعليمات بالذي ينبغي قوله على الحدود الأردنية ، ثم ذهبنا إلى عمان ، ونزلنا في البيت المستأجر بصويلح ، والذي حضرت إليه لأول مرة ، ثم ذهب عدد من العناصر للاستطلاع ، وعادوا إلى المنزل ليلا.

في صباح 21-1-1981 طلب نزيه نزولنا إلى عما ، ومقابلته في الرابعة بعد الظهر أمام فندق السلطان ، فأعطانا نسختين من مفتاح المنزل ، وقال : اذهبوا حالا إلى البيت ، وفي اليوم التالي قال لنا : سافروا إلى سورية ، واذهبوا إلى الرائد سليمان ، فذهبت أنا وأكرم وتاج الدين والعقيد بركات ، فالتقيناه في الساعة التاسعة صباحا يوم 23-1-1981 ، فسألت الرائد عن العملية التي سنكلف بها ، فقال بعدين بتعرف ، أما العقيد عدنان ، فقد ذكر أن العملية هي اغتيال شخص في الأردن دون أن يذكر لنا أسمه ، ثم صار يعطينا تعليمات ويقول : أنت معك 120طلقة مش لازم تروح سدى ، لازم يكون الرمي دقيقا ، والانسحاب كيفي ، والهويات تبقى في المنزل ، ثم قال : اذهب إلى المنزل أنت وأكرم في صويلح ، فوصلنا البيت حوالي الساعة الثامنة ، ثم نزلنا إلى عمان ، وعدنا أنا وأكرم إلى البيت ، ونمنا فيه ، ثم نزل أكرم حتى يجلب لنا فطورا ودخانا ، فإذا بالمخابرات الأردنية بعد خمس دقائق تلقي القبض علينا وتعتقلنا.

ثم تحدث عن المبالغ التي استلمها من سليمان جديد ، وذكر اسم الرقيب علي موسى من حراسة معين ناصيف ، وأحد الذين رافقوا عبد الحليم خدام وزير الخارجية عندما ذهب إلى مؤتمر القمة في عمان ، ثم ذكر أسماء عدد من الذين شاركوا في مجزرة تدمر مثل : الرقيب علي موسى ، علوي من حمص ، والرقيب همام أحمد من منطقة جبلة ، والرقيب علي منصور من منطقة مصياف ، والعريف عبد الرحمن هدلان ، والعريف نزيه بلول ، وبشير قلو ، وعلي الموسى ، وكلهم قد شاركوا في مذبحة تدمر ، وعندما سأل المحقق الأردني عيسى إبراهيم الفياض قائلا : هؤلاء كلهم شاركوا في مذبحة تدم ، ورافقوا السيد عبد الحليم خدام إلى عمان؟ أجاب : نعم .

و- كان دور العقيد عدنان بركات خطير أن فقد اختاره رفعت من ذوي الرتب المتقدمة ، وكلفه بالتخطيط للمهمة الإجرامية والإشراف عليها ، وتنفيذها ، فكان مع الرائد سليمان جديد يخططان للعناصر المنفذة ، ويصدران إليهم التوجيهات ، وزاد بركات على ذلك بالإشراف المباشر في عمان ، واصطحاب بعضهم للاستطلاع ، وجمع المعلومات التي تساعد وتمهد لعملية الاغتيال في وسط عما ، لشخصية كبيرة مثل السيد مضر بدران رئيس مجلس الوزراء الأردني.

في إفادته التي أدلى بها العقيد عدنان بركات بعد إلقاء القبض عليه ، ذكر أنه عقيد ركن من مرتبات سرايا الدفاع ، وأنه علوي من مواليد 1945 في بلدة القرداحة ، وأنه متزوج وله ولدان ، ويسكن في دمشق.

يقول العقيد عدنان بركات ، إنه انتسب للجيش عام 1963 ، وتخرج من الكلية العسكرية عام 1965 ، بعد انتقاله إلى سرايا الدفاع ، ثم التحق بدورة قائد كتيبة مدفعية ، ثم ترفع إلى رتبة رائد عام 1973 ، ثم إلى رتبة مقدم عام 1976 ، والتحق بدورة أركان ، وتنقل ما بين الفوج 65 وبين سرايا الدفاع إلى عام 1979 ، إذ عينه رفعت أسد قائدا لقطاع الهرمل في لبنان ضمن قوات الردع العربية ، وبعد ستة أشهر عاد إلى سرايا الدفاع قائدا للكتيبة 404التي تتبع حاليا للواء الرائد معين ناصيف. وقال :

جلست في المنزل بدون عمل حوالي ستة أشهر ، وإذا بزوجتي تخبرني بعد عودتي إلى المنزل ظهرا بتاريخ 19-1-1981 أن الرائد سليمان جديد سأل عنك ، فتحدثت معه بالهاتف ، فقال : تعالى إلى المكتب الساعة السابعة مساء لأبلغك تعليمات من القائد رفعت خاصة بك ، قلت وما هي؟ قال : سفرك إلى الأردن لاغتيال شخصية مهمة في عمان هي شخصية مضر بدران.

في صباح اليوم التالي ، وفي تمام الساعة التاسعة صباحا في 20-1-1981 حضرت ثانية إلى مكتب الرائد في المزة لأجد عنده شخصا ذكر أنه الدليل ، وأنه أحد العناصر في المهمة واسمه تاج ، وبعد قليل حضر المقدم سليمان عيسى ، وهو ضابط علوي ، في قيادة سرايا الدفاع ، فقال الرائد سليمان : إن المقدم سليمان عيسى ذهب إلى الأردن قبلك واستطلع ، و لديه مخطط مرسوم عليه منطقة سكن رئيس الوزراء الأردني في الشميساني ، والطريق المؤدية إلى منطقة رئاسة مجلس الوزراء ، ومنطقة رئاسة المجلس ، ومداخل المنزل والسيارات التي ترافقه ، وأن أنسب الأماكن لتنفيذ عملية الاغتيال هي منطقة رئاسة المجلس.

طلب مني الرائد صورا لإصدار هوية مدنية مزورة باسم : خالد منصور بزازة ، وخلال ساعة جاءت الهوية ، وكان في مكتبه شخصان عرفني عليهما قائلا : هذا أكرم وهذا عبد المنعم ، اللذان سينفذان العملية ، وهما مدربان ، وكان الرائد يعطي التعليمات التي تلقاها من العقيد رفعت ، وقد أوضح لي أن الشيخ طه هذا العنصر المدني الثاني استأجر بيتا في منطقة صويلح ، وتم نقل بارودتين وستة مخازن ، وسوف يلحق بكم طه اليوم أو غدا ، ثم أعطاني ثلاثة ألاف ليرة سورية، ومأتي دينار أردني ، وأعطى لكل واحد من العناصر مبلغا من المال ، وزودهم بتوجيهات خاصة باجتياز الحدود ، والأسباب التي جاءت بهم إلى عمان ، فذهبنا إلى عمان بسيارة أجرة ، لنصلها في حدود الساعة الخامسة والنصف مساء ، فتوجهنا في الحال إلى المنزل في صويلح حيث كان لدى تاج مفتاح للمنزل ، وبعد ساعة قمنا بجولة استطلاعية تشمل منزل رئيس مجلس الوزراء ، ومنطقة رئاسة المجلس.

في اليوم التالي 21-1-1981 نسخنا عدة مفاتيح للمنزل ، وسلمنا كل عنصر مفتاحا وشاهدنا إحدى سيارات المرافقة تسير باتجاه المجلس ، وبعد دقائق قليلة مر موكب رئيس الوزراء المؤلف من خمس أو ست سيارات ، فقلت لزملائي : الحماية قوية ، وقدراتنا ضعيفة ، والعملية انتحارية كما أرى ، فأجاب تاج : هذا ما قلته للرائد سليمان.

انتظرنا إرسال تعليمات لنا من رفعت عن طريق الرائد سليمان ، ووصول سيارة نستعملها في تنفيذ العملية ، فقررنا العودة إلى دمشق ، لعدم وصول أحد ، ظنا منا أن العملية قد ألغيت في أجواء المصالحة التي نوهت عنها الصحف عبر مؤتمر القمة ، وبعد أن تجاوزنا درعا ، شاهد تاج زميلنا طه في سيارة متجها إلى الأردن ، فركبنا معا ، وعدنا أدراجنا إلى عمان ، وفي الطريق أخبرنا طه بوجوب بقائنا في الأردن ، فطلبنا منه العودة إلى دمشق بسيارته في 22-1-1981 ، للتباحث مع الرائد فيما إذا كان قد جرى تعديل أو إلغاء على ضوء أخبار القمة ، وعندما التقيناه قال لنا : لم يحدث أي تعديل ، وما الذي لديكم حول هذا الموضوع؟ فقلت-أي العقيد عدنان بركات-  : والله هذه العملية انتحارية ، فأجاب : هل تريدون عناصر إضافية طالما أن العملية بعنصرين مستحيلة أو عسيرة كما تقولون؟ وينبغي أن يكون القائد رفعت بالصورة.

ذهبت إلى بيتي ، ومكثت فيه أسبوعا بانتظار توجيهات جديدة ، لا سيما أن رئيس الوزراء الأردني مضر بدران سيسافر مع الملك إلى الطائف لحضور مؤتمر القمة.

في التاسع من صباح السبت الموافق 31-1-1981 ذهبنا إلى مكتب الرائد ، فقال لنا : جهزنا لكم السيارة بنمرة سعودية ، وفيها أربع قنابل ، اثنتان دفاعيتنا ، واثنتان هجوميتان ، سبقنا طه في 31-1-1981 إلى عمان ومعه سائق يقود السيارة ، ثم يعود ، أما أنا -يقول عدنان- فقد أجلت سفري لحضور والدتي من اللاذقية وتوجهت صباح الأحد في 1-2-1981 إلى مكتب الرائد سليمان ، فذكر لي التعليمات النهائية لتنفيذ العملية ، وقال : في صويلح تغيرون اللوحات السعودية بأخرى لبنانية ، ويتم تجهيز الرشاشات مع المخازن ، وإخراج القنابل من مخبئها ، وفي اليوم التالي تقوم بعملية استطلاع ما بين الثانية عشر والواحدة ، ثم يحضر طه العناصر إلى مكان التنفيذ عند تقاطع الشارع الرئيسي بالشارع الفرعي النازل من مجلس الوزراء قبل الإشارة الضوئية. ثم تحدث الرائد سليمان مع العقيد عدنان عن تفصيلات العملية التي تشمل المراقبة والتحرك ، وإخراج الرشاشات ساعة وصول الموكب ، والشروع بإطلاق النار على موكب الرئيس لاغتياله ، ثم يترك القتلة السيارة والرشاشات ، ويتوجهون بانسحاب كيفي باتجاه المنزل في صويلح.

يقول العقيد بركات : بعدما استعرضنا التعليمات النهائية لتنفيذ الخطة ، وبعد أن سلمني 3 آلاف ليرة سورية، توجهت باتجاه درعا بسيارة أجرى إلى الحدود الأردنية ، السورية حيث ألقى القبض علي رجال الأمن الأردني ، وبجيبي هوية مدنية باسم خالد محمود بزازة .

6- لم يكد الأردنيون يعلمون بنبأ المؤامرة الخسيسة التي استهدفت رئيس وزرائهم حتى عمت موجة عارمة من الغضب المجتمع الأردني الذي تحول إلى ما يشبه البركان من الكره والمقت ضد العصابة التي تمسك بخناق سورية والسوريين ، فشرع الكتاب والإعلاميون أقلامهم ، لتسيل سما زعافا ضد الوحوش الكاسرة المتسلطة على قلب العروبة دمشق ، والتي أهلت الحرث والنسل ، واستباحت الوطن بكل ما فيه من دماء أهله وأرواحهم وحرماتهم وأموالهم وكل ما يملكون ، فكانت أول ردة فعل من الرأي العام ما صدر عن مجلس المنظمات الإسلامية في الأردن ، مناشدا الشعوب العربية أن يعملوا على وقف المذابح في سورية ، ووضع حد لمأساتها ، ثم نشرت جريدة الرأي الأردنية البيان الحكومي في 8-3-1981الموافق 2جمادى الأولى 1401هـ. والذي جاء فيه : لقد كنا نسمع أخبارا مفزعة تتحدث عما يجري للسوريين من اعتقال ، ومطاردة ، وهدم منازل ، ومصادرة أموال ، وتجويع المواطنين ، وهتك أعراض ، وإعدام شباب ، فكان بعضنا يقول : هذه روايات مبالغ فيها ، ولا نظن أن إنسانا يملك ذرة إيمان بالله ، أو خلق أو ضمير يفعلها مهما تسعرت فيه نزعة الإجرام ووحشية التصرف ، حتى إذا سمعنا ما سمع الناس من اعتراف ، أدركنا أنه يوجد على ظهر الأرض رجال ليسوا من البشر ، وإن كانوا يحملون صورة البشر ، وأن الناس مهما استنكروا هذه المجزرة ، وبأي صورة أعربوا عن مشاعرهم تجاهها ، فسوف تظل مذبحة تدمر أقسى من الاستنكار ، وسوف تبقى وصمة عار تتداول قصتها الأجيال المتعاقبة إلى يوم الساعة ، وسوف يضمها التاريخ إلى مذابح الصليبيين والتتار ، وإلى مذابح دير ياسين وكفر قاسم وغيرها.

إننا نناشد الملوك والرؤساء العرب أن يتخذوا موقفا يفرضه عليهم إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر ، لوقف المذابح في سورية ، ووضع حد للتأمر والتخريب ضد الأردن ورجاله ، ونذكرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  : من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، كما وجهت المعارضة السورية إلى الأردن عبر المجلس الوطني الاستشاري -البرلمان- تحية إعزاز وإكبار من شعب سورية الأبي عبر المجلس الوطني الاستشاري في الأردن الشقيق إلى الشعب الأردني الذي نجاه الله من كيد السفلة المجرمين.

7- تتابعت المقالات التي ملأت أعمدة الصحف تترى ، وتسيل فيها الأقلام دمعا ودما ، على ما يحدث للسوريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين من مآس تقشعر منها جلود من يسمع عنها أو أطلع على أحداثها وتفاصيلها ، وكان ضمن من كتبوا وتكلموا :

أ- الأستاذ عبد المجيد شريدة كتب مقالا قال فيه : إن مياه الفرات ، وأمطار السماء ، ومخزون الأرض لا يكون في مقدورها ، غسل اليد المجرمة من دماء الشهداء من أبناء سورية في حمص وحماة وحلب...الخ. إ ، مجزرة دير ياسين كانت أقل عنفا وحقدا من مذبحة سجن تدمر ، إن الأولى كانت من فعل بيغن الصهيوني ، فمن يكون فاعل الثانية؟ الله أكبر ، الله أكبر ، كان هذا النداء هو سلاح الشهداء في سجن تدمر ، واجهوا به وحوش الأرض ، وهم يحصدونهم بالمدافع والقنابل.

ب- وقال الأستاذ عبد الرءوف الروابدة الذي أسند له منصب رئيس الوزراء فيما بعد ، قال دولته : ما أقساها على النفس لحظات ، يقف الإنسان فيها ينعى الرجولة حين تلجأ سلطة عربية مسئولة إلى الجريمة المنظمة ، وسيلة لإسكات الرجال الذين يأبون أن يناموا على ضيم ، ويرفضوا أن يسلكوا سبل العمالة المستأجرة.

ج-أما الأستاذ خالد الفياض فكتب يقول : هل حقا يوجد في سورية دولة أو عصابة؟ هل يوجد في سورية رئيس وزراء ، ووزراء ، ومجلس شعب ، وقيادة قطرية ، وقيادة قومية؟ أم أن سورية محكومة بسرايا الدفاع من العصابة العلوية الانعزالية؟ وناشد الفياض القيادات العربية شجب الممارسات السورية مهما كان مصدرها.

د- وقال السيد شمس الدين طاش : إن ما سمعناه وشاهدناه من اعترافات أفراد العصابة التي كلفت باغتيال الرئيس بدران ، وما تحدث به أفراد العصابة عن المجازر التي ترتبك في سورية ، يجعلنا نقول : كان الله في عون إخواننا في سورية ، فهم مغلوبون على أمرهم ، لكن الله تعالى بحوله ، لن يترك ظلام ليلهم يطول ، إنها جولة الباطل التي سوف تستحقها جولة الحق.

وأردف الأستاذ شمس الدين قائلا : ضابط صغير ، ولأنه زوج ابنة رفعت شقيق حافظ أسد ، يتولى حبك المؤامرة وإعطاء الأوامر ، وتوزيع الأدوار على أفراد العصابة ، مع أن فيهم ضابطا أعلى منه رتبة ، لكن رتبهم لا تخولهم حق مناقشة خطة المؤامرة ، بل يسكتهم الضابط ، أي يسكت الرائد منه العقيد ، قائلا : هذه أوامر القائد ، ثم يقول هذا الضابط للعصابة : اقتلوا رئيس وزراء الأردن ، وانشروا الرعب والذعر في شوارع عمان ، وبالرشاشات والقنابل كما فعلتهم في سجن تدمر.

هـ- أما الدكتور إسحاق مرقة رئيس نقابة الأطباء في الأردن ، فقد أنذر الأمة جمعاء قائلا : إن عمان اليوم تطلق صيحة النذير حول الخطر الذي يتهدد الأمة في فلسطينها ومكتها ، في دينها وكرامتها ، خطر لا كالخطر اليهودي المكشوف ، إنما خطر يحيق بالعالمين العربي والإسلامي ، ويلبس مسوح الوطنية ، ورداء القومية ، وإذ أستنكر ، ليس محاولة الاعتداء على حياة السيد مضر بدران ، وإنما الاعتداء على كل طفل ، وكل أم في هذا العدوان ، والذي لا يقف في وجهه وتجاه مخططاته إلا عقيدة قوية ، وإيمان صادق ، ودين سمح ، ومن واجب هذه الأمة حكاما ومحكومين أن يعلنوا ويبرزوا الهوية الواضحة لأمتنا في إطار البناء والعطاء.

و- وناشد ا لدكتور يعقوب أبو عيسى الأمة العربية أن تنظر في الأعمال التي تقوم بها الطغمة الحاكمة في دمشق ، لكي يظهر لها جليا أن هذه الأعمال ، إنما هي عمالة لخدمة العدو الذي أصبح الجميع بفضلهم -بإجرامهم- عنه لا هين ، حيث هيأ نظام الحكم السوري جنوبي لبنان ليكون مسرحا لشن الهجمات العسكرية الصهيونية ، وقال الدكتور يعقوب : لقد أرسلوا تلك الطغمة المجرمة لتقوم بأعمالها الإجرامية التي خطط لها رؤوس عفنة ، وأدمغة مأجورة ، وكان همهم الاعتداء اللئيم على حياة دولة الرئيس ، ونحمد الله أن سخر لنا في بلدنا جهازا ساهرا على أمنه ، فكشف هذه المؤامرة وغيرها ، ثم قال الدكتور يعقوب : سحقا للرؤوس الخفاشية التي دبرت في الظلام ، كما دبرت ونفذت القتل بخسة وجبن فيما يقرب من الألف سجين أعزل في سجن تدمر ، بأقل من نصف ساعة.

ز- وخاطب السيد جمعة حماد المواطنين في الأردن قائلا : أيها الإخوة : منذ زمن بعيد خاطب المعري حكام سورية بهذه الكلمات :

مل المقام ، فكم أعاشر أمة

أمرت بغير صلاحها أمراؤها

ظلموا العشيرة واستباحوا كيدها

وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

ترى؟ ما ذا يقول المعري لو بعث حيا هذه الأيام؟ ماذا يمكن أن يقول عما يحدث في بلدته ومسقط رأسه -معرة النعمان- ومدينة تدمر ، وأخواتهما في حلب وحمص وحماة ودرة العروبة دمشق الفيحاء؟ ماذا يمكن أن يقول أبو العلاء لو قدر له أن يفلت من التصفية الجسدية؟ ماذا يمكن أن يقول أكثر من أن الظلم الذي ذكره في كلماته قد تبلور في المذابح الجماعية ، وفي هدم البيوت على رؤوس أصحابها ، وفي تحويل الأوطان إلى سجون كبيرة بالأساليب ذاتها؟ وبنفس الأساليب القديمة التي مارسها القرامطة؟ ولكن بأسلحة العقد الأخير من القرن العشرين.

إنني أعتقد بأن الأمر في غاية الجد ، ولا عذر فيه لغافل أو متخاذل ، ولا مكان فيه لمثلنا العربي القديم : انج سعد فقد هلك سعيد ، لأن نجاة سعد هي في ثباته وصموده وأخذه العبرة من هلاك أخيه ، فهذه المجموعة التي ينتهي إليها أمر الناس في دمشق ، قد دمت واستدمت ، ولن يكفوا عن تدمير حتى يدمروا .

8- استمر المجتمع الدولي المتمثل بالقارتين الأوربية والأمريكية في الدرجة الأولى بالتستر على جرائم النظام القمعي لحكومة الأقلية في سورية ، فلم يصدر عن أمريكا أو فرنسا أو إنكلترا أي شجب أو إنكار ، بل كانت كلها ، ضمنا ، راضية بما يحدث ، طالما أن هكذا سياسة هي في سحق للعرب وللمسلمين ، وهذا ما شجع النظام القمعي على الاستمرار في اقترافه الجرائم والإمعان في القتل وفي حمامات الدم ، والتطاول على الحرمات والمجاورة ، وعلى المنظمات والهيئات في خارج الوطن ، ومن ذلك :

القنبلة التي وضعها عملاء النظام السوري في مقر جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت ، وكان مقدارا لها أن تقتل العشرات لولا لطف الله تعالى الذي أحبط كيدهم ، وأبطل مسعاهم ، فاكتشفت القنبلة قبل الانفجار ، وقد لفت نظر المتتبعين للقضية اشتراك أعضاء السفارة السورية في الكويت ، بالتخطيط للعملية وتنفذها ، مستغلين الصفة الدبلوماسية التي يتسترون بها ، ويحتمون بما يفعلونه من جرائمها بحصانتها ، فأحالت السلطات الكويتية على محكمة أمن الدولة المتهم الأول : فواز فرحان العلاوي الذي ذكر أنه غير مهنته من فراش مدرسة إلى إمام مسجد في جواز سفره في السفارة السورية، عن طريق موظف السفارة عزيز ديوب ، وقد كشفت المحكمة أو ضابط المباحث للمحكمة عن تحرك محمد يوسف درغام الذي يتحرك بسيارة دبلوماسية ، ولديه علاقات مع ضباط أمن السفارة ، عزيز ديوب ومحمد أحمد الخطيب ، وأنه يجمع المعلومات عن المعارضة السورية، وكذلك فإن المدعو فواز فرحان العلاوي الملقب بالشيخ عطية له علاقة بالضابطين المذكورين ، وهو يجمع معلومات عن الإخوان المسلمين في الكويت ، وعن جمعية الإصلاح ، ويقدمها إلى عزيز ديوب ومحمد أحمد الخطيب ، أفاد المتهم فواز بأن الخطيب عرض عليه تأمين المعيشة وشراء منزل في سورية مقابل وضع القنبلة في الجمعية ، وأن محمد الخطيب رافقهم بالسيارة ، وسلمهم القنبلة من الصندوق الخلفي ، وهو الذي يتمتع بالحصانة الدبلوماسية ، ولا يجوز تفتيش سيارته أو منزله وزعم المتهم أنه رفض المهمة في البداية ، ولكن الخطيب ودرغام شهرا سلاحهما في وجهه ، وهدداه بالتصفية أن توقف عن التنفيذ.

9- تتابعت بيانات الاستنكار ضد جرائم النظام السوري ضد المواطنين ، وضد الإمعان بعمليات القتل والاغتيال ، فأصدر اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا بيانا مطولا جاء فيه : إن اتحاد المنظمات الإسلامية في أوربا الذي يراقب باهتمام بالغ تدهور أوضاع المسلمين وتفاقم رزاياهم في البلد العربي الإسلامي العريق سورية ، ليؤلمه هذا السكوت المعيب من جانب إخوانهم المسلمين ، فلا يكاد ينقضي يوم إلا ونسمع عن مزيد من الأبرياء قتلوا ، ومزيد من الأعراض استبيحت ، ومزيد من الحرمات انتهكت ، ومزيد من الأيامى ، ومزيد من الثكالى ، ومزيد من الظلم والتنكيل والتمشيط والتدمير والتصفية الجسدية ، لأبناء الشعب المسلم على يد حافظ أسد وأخيه قائد سرايا الدفاع ، وأعوانهما الطائفيين المتسلطين على رقاب المسلمين في سورية.

إن نظام حافظ أسد قد جر على المسلمين في سورية ، وفي المنطقة كلها من الخطوب ما يطول الحديث عنه ، فالجميع يذكر بيعه وتسليمه لمنطقة وجبهة الجولان الحصينة لأعداء الله والمسلمين عام 1967 ، وتسليمه للعدو الصهيوني مزيدا من الأرض والقرى عام 1973

إن المتتبع لتاريخ هذا الطاغية السفاح يدرك تماما الدور الذي يقوم به في إقصاء الإسلام من الساحة في هذه المنطقة الحساسة ، أما حزبه أو من شايعه من حزبه الذين باعوا أنفسهم بثمن بخس ومكاسب عاجلة ، فما يزال يتفنن في إشاعة الفساد والتهتك بين شباب المسلمين وذلك بإجبار الشباب والفتيات على الاختلاف في المخيمات ذات النشاطات المتحللة.

إن الذي يحز في نفوس المسلمين ليس هذا التأييد الذي يحظى به حافظ أسد من أعداء الإسلام ، وإنما هذا الدعم المادي الهائل الذي يتلقاه من حكومات بعض الشعوب العربية والإسلامية.

إننا ندين بشدة تقديم أي دعم لحكومة حافظ أسد من أموال العرب والمسلمين .

لقد أدت سياسة حافظ أسد الهدمية والقمعية إلى بث الخوف ، وانتشار الرعب بين المواطنين ، الأمر الذي أدى نزوح أعداد كبيرة من العلماء والمثقفين إلى خارج الوطن ، وانتشارهم في البلاد العربية والإسلامية ، وفي القارتين الأوربية والأمريكية حتى إن جريدة البعث الرسمية نشرت بتاريخ 17-3-1980" ـ/ 14000حريد جامعي قد غادر سورية خلال السبعينيات وأن 5668 طبيبا ومهندسا وعالم طبيعة وعالم اجتماع تركوا سورية إلى أمريكا من عام 1970وحتى عام 1975 ، أي في السنوات الخمس الأولى من حكم الطاغية حافظ أسد .

ترى؟ هل ترك حافظ أسد أمرا يؤذي المسلمين ولم يقدم عليه؟ فعندما احتل السوفيات أفغانستان ، أ ، كر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها هذا الاحتلال ، ومدوا أيدي المساعدة للشبع الأفغاني وطالب المؤتمر الإسلامي باسم أكثر من خمسين حكومة برحيل السوفيات ، إلا حافظ أسد فإنه اعتبر أفغانستان بلدا شيوعيا ، وجزءا من السوفيات ، وقال : من وجهة نظرنا فإن أفغانستان ليست بلدا إسلاميا ، بل هي بلد شيوعي ، وإذا كنتم لا تقرون بهذا الأمر ، فأولى بنا أن لا نقر بالجمهوريات الإسلامية الموجودة داخل الاتحاد السوفياتي.

إن هذه الفقرة مجتزأة من خطاب حافظ أسد أمام مؤتمر الحزب الحاكم الثالث عشر .

إن سكوت العرب عن جرائم حافظ أسد ، وإمداد بعض دول الخليج بالأموال للطاغية ، وكأنها مكافأة له على ذبح دعاة الإسلام ، وتستر دول العالم على جرائمه ، بما في ذلك عدد من المنظمات التي تزعم أنها معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان ، جعل الطاغية يتمادى في طغيانه ، ويصعد من جرائمه ، ويمعن في قتل دعاة الإسلام بكل الأساليب داخل السجون وخارجها ، حتى بلغت مأساة السوريين المنتهى بمذبحة حماة الكبرى هدم شطر كبير من المدينة وإحراقها ، كما فعل نيرون في روما ، عندما أشعل فيها النار ، وأحرقها ، ليتمتع بمرأى ألسنة النيران في منازل روما وأحيائها ، مع فارق واحد ، بين نيرون والأسد ، وهو أن نيرون أحقر روما بعدما أخرج منها أو خرج منها أهلها ، أما الطاغية حافظ أسد ابن العلقمي الثاني فقد أحرقها بسكانها ، وهدم أبنيتها على رؤوس سكانها.


ثانيا : نكبة حماة الكبرى

من المفيد إن لم يكن من الواجب التعريف بمدينة حماة وتاريخها وجغرافيتها بإيجاز قبل أن تحل بساحتها هذه الكارثة الماحقة أو النكبة التاريخية الكبرى ، ليدرك القارئ ، وتعلم الأجيال ، وإلا سيما أبناء المدينة ، عظم الكارثة التي ألحقت بمدينة أبي الفداء ، وكم كان حجم نكبتها ، وحجم الأحقاد التي حملت الطغاة على هدم هذا الصرح التاريخي العتيد.

1- تقع مدينة حماة في وسط سورية ، وتبعد عن دمشق حوالي 200 كم نحو الجنوب ، وعن حمص 47 كم جنوبي حماة ، و 135كم عن حلب ، باتجاه الشمال ، وعن بانياس 97كم باتجاه الغرب ، ويمر بها نهر العاصي ، وتحيط بها سلسلة من التلال في الشرق والشمال والجنوب ، وتقوم في وسطها قلعتها التاريخية العتيدة.

حماة مدينة أثرية ، يعتبرها بعض علماء الآثار من أقدم مدن العالم ، فيه الكثير من المساجد والكنائس والقصور والحمامات والزوايا والتكايا للعباد والزهاد ، وفيها الخانات والأسواق المسقوفة والمكتبات ، والنواعير ، حتى إن المدينة اشتهرت بمدينة النواعير.

لقد عثرت البعثة الأثرية الدانماركية عام 1938 على مكتشفات في حماة تعود إلى العصر الحجري في الألف الخامس قبل الميلاد ، ويقال إن اسمها مأخوذ من اسم النبي حام المدفون في حماة ، مع تفسيرات أخرى لاسم المدينة.

أ- حكمها الأموريون عام 2600ق.م ، ثم توالى على حكمها السومريون فالأكاديون ، وفي عام 2000ق.م ملكها الحثيون ، فازدهرت في عهدهم ، ثم اجتاحها الهكسوس عام 1750ق.م ، فحكموها حتى استولى عليها الآراميون عام 1100ق.م.

في عام 854ق.م غزا الآشوريون حماة ، ثم جاءها الكلدانيون فالفراعنة عام 607ق.م ، كما حكمها نبوخذ نصر ثم قورش الفارسي الذي أحرقها ، ثم خضعت للإسكندر المقدوني عام 133ق.م ، ثم لخلفائه من السلوقيين ، فاستعادت في ظلهم ازدهارها ورقيها الزراعي ، بابتكار النواعير ، فصارت النواعير سمة المدينة وعنوانها.

وفي عام 64ق.م وقعت حماة تحت الحكم الروماني الذي استمر في حكمها حتى عام 638م -17هـ حيث انضوت تحت الحكم العربي الإسلامي صلحا مع الفاتح الجليل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، فقد توجه جيش الرسالة الإسلامية إلى سورية عام 15هـ بقيادة أبي عبيدة ، ومعه قادة الفتح ، وفي مقدمتهم أبو سليمان خالد بن الوليد ، فخاضوا معارك كثيرة في سورية بدءا من دمشق التي دخلوها صلحا من إحدى جهاتها ، وحربا من جهة أخرى ، ثم دخل أبو عبيدة حمص فتحا ، ودخل حماة صلحا في عام 17هـ ، ومما يسترعي الانتباه أن جميع المدن السورية الكبيرة قاومت المسلمين ولا سيما مدينة حلب ذات القلعة الشهيرة الحصينة ، إلا حماة فقد فتحت للجيش الإسلامي أبوابها وقلوب أبنائها دونما قتال أو مقاومة ، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن حماة كانت شديدة الوطأة على الغزاة والمحتلين في كل عهودها ، فقد قاومت الصليبين ، وهزمت الفرنسيين في العصر الحديث ، وكسرت شوكتهم في معارك الاستقلال عام 1945 ، ولم يستطع الصليبيون دخولها على مدى 420سنة ( ابتدأت الحرب الصليبية عام 1089وانتهت عام 1522م في رودس التي كانت آخر معارك الصليبيين ).

ب- ما الذي جعل حماة لينة وديعة مع المسلمين ، وصلبة شديدة المراس على الأعداء الطامعين؟

بعد الهجرات العربية من الجزيرة إلى العراق وبلاد الشام استقرت قبيلة قيس في حماة ، وغلبت في أعدادها وطابعها على سكانها ، فأهل حماة يعودون في أصولهم إلى القيسية وقد جاء في مجمع الزوائد ما رواه الطبراني في الكبير والأوسط عن رجال ثقات ، وما جاء في المعجم الوسيط والمعجم الكبير عن غالب بن عبد الله بن أبجر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : إن قيسا فرسان الله في الأرض ، إنما قيس بيضة أهل البيت ، إن قيسا ضراء الله -يعني أسد الله- أهـ أو كما قال صلى الله عليه وسلم الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ، فالخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم في بلاد الشام كلها ، وفي مصر والجزيرة والعراق ، من العرب ومن المسلمين في كل بقاع الأرض ، فسوف تظل منهم طائفة ظاهرة على الحق إلى يوم القيامة ، بمشيئة الله تعالى وعونه.

وفي فترة الحروب الصليبية وقفت حماة سدا منيعا في وجوه الغزاة -كما رأينا- فلم يتمكنوا من دخولها ، وارتدت جيوشهم في المعركة التي دارت رحاها خارج أسوار المدينة عند قرية -الرقيطة- غربي المدينة.

ج- وعندما استفحل خطر الباطنية أو الحشاشين ، وخطر حركات التمرد ضد الدولة الأيوبية حينا ، وضد دولة المماليك حينا آخر ، كان للمدينة موقف إيجابي ساهم في وأد حركات التمرد والنزاعات الداخلية.

ففي التاسع من رجب سنة 669هـ حاصر السلطان الظاهر بيبرس قلعة الحصن ، فالتحق به صاحب حماة في هذا الحصار ، ثم استولى السلطان على حصن القليعة من صحون الإسماعيلية ، وأبرم اتفاقا مع صارم الدين الذي سرعان ما نقضه بعد عودة الظاهر إلى القاهرة ، وطرد نائب السلطان عز الدين العديمي من مصياف ، فأرسل السلطان بيبرس معالي بن قدوس على خيل البريد ، ومعه نجم الدين الكنجي إلى حماة يحمل أمرا بالتوجه إلى مصياف ، فخرج ملك حماة المنصور الثاني على راس قواته ومعه عز الدين العديمي ، فغادرها صارم الدين إلى القليعة ، فاستلم المنصور مصياف ، وأعاد عز الدين واليا عليها ، ثم اعتقل المنصور صارم الدين بأمر من السلطان ، وبعث به إلى القاهرة.

توفى الملك الظاهر عام 677هـ فانتقل الحكم إلى ولي عهده السعيد بن ظاهر ، فقام للتو بالهجوم على بلاد السيس ، وبصحبته قلاوون قائد الجيش أبعد السعيد ونصب أخاه بدر الدين ، ثم استلم السلطة ومسى نفسه بالملك المنصور تيمنا بالمنصور ملك حماة ، كما ذكر قلاوون نفسه للمنصور ، وعندما أعلن سنقر العصيان في دمشق ، قمع قلاوون حركته بسرعة فهرب إلى الرحبة مستنجدا بأبغا بن هولاكو ، لكن قلاوون أصلح ما بينه وبين سنقر ، ليتفرغ لملاقاة أبغا ابن هولاكو الذي شن هجوما على الشام ، فتصدى له قلاوون ومعه المنصور صاحب حماة ، وسنقر الأشقر ، ونشب قتال بين الطرفين فكان النصر حليف المسلمين .

د- كثيرا ما شهدت بلاد الشام خلافات بين منطقة وأخرى ، وبين قبيلة وقبيلة ، بل وفي داخل البيت الواحد ، كما حدث بين الأيوبيين أنفسهم ، حتى إن بعضهم سلم القدس للفرنجة دون قتال جراء المنازعات ، كما فعل السلطان الكامل الذي سلم القدس عام 626هـ -1228م ، لتبقى في أيدي الصليبيين إحدى عشر سنة ، ثم استعادها منهم الملك الناصر داود ملك الكرك ، ثم أعاد السلطان الصالح ملك دمشق إسماعيل بن العادل تسليم القدس عام 641هـ بعد أن أقاموا فيها عاما واحدا ، والشيء نفسه حدث بين الأمراء المماليك ، فكثيرا ما انضم بعض الولاة إلى الأعداء أو أعلنوا التمرد ، أو أحدثوا انقسامات في السلطة شجعت العدو على الهجوم أو التحالف مع طرف ضد آخرين. وعلى العكس من ذلك ، فلم يحدثنا المؤرخون في كل المصادر الموثوقة والمعتمدة أن مملكة حماة الأيوبية قد دخلت صراعا فيما بين أمرائها ، أو فيما بين الممالك الإسلامية في بلاد الشام ، أو في مصر ، وعندما كان يحدث خلاف كانوا يعالجونه بالصبر والأناة تجنبا للصدام والاقتتال ، كالذي حدث بين الملك المنصور وبين أخيه الذي وضع يده على الحكم في غياب أخيه المنصور ولي العهد ، إذ انتظر تسع سنين حتى استرد السلطة دون صدام ، لتعود المياه إلى مجاريها بين الأخوين ، والشيء نفسه جرى مع أبي الفداء الذي صبر وصابر على قسوة بعض الولاة الأربعة الذين حكموا المملكة إحدى عشرة سنة حيث كان يقيم في دمشق ، تجنبا للفتنة حتى عاد الأمر إلى نصابه .

هـ- والخلاصة أن هذه المملكة التي وصفها سلاطين الأيوبيين وسلاطين المماليك بالمباركة ، كانت عامل استقرار في بلاد الشام وفي السلطة كلها ، أمضت تاريخا في رباط دائم ، واستنفار مستمر ، ومطاردة للأعداء ، والاشتراك بكل المعارك الحاسمة طيلة أيام الحملات الصليبية ( مثل معركة عكا ومدن الساحل وطرابلس وحطين وعين جالوت والمنصورة في مصر ) وتحرير المدن والأقاليم من برائن الصليبيين ، ونأت بنفسها عن النزاعات فيما بين أمرائها وبين الآخرين ، واعتمدت سياسة دائمة لم تحد عنها ، وهي وحدة مصر وسورية ، سواء أكان الحكم فيها للأيوبيين أم المماليك ، وساهمت بجدية وجدارة وحزم بقمع حركات التمرد والانقسام ، مما كان له أكبر الأثر في التصدي للأعداء ، وعلى كل الجبهات من صليبيين ومغول وأرمن ، وفي أخطر مراحل التاريخ العربي والإسلامي ، وإحراز أعظم الانتصارات ، وتحرير البلاد ، وإنقاذ العباد من رجسهم وظلمهم.

والقصد من نشر هذا التعريف بمدينة أبي الفداء ، وبهذه الصحائف الغر ، هو تفسير ما حدث لحماة من هدم ، وانصب عليها من ضغينة وحقد ، انتقاما منها للصليبيين وللحشاشين والغزاة الآخرين من جهة ، ولتطلع الأجيال الصاعدة على ما سطره الأجداد من بطولات وأمجاد في صراعهم مع الغرب الذي رمى البلاد العربية والإسلامية بكل دوله ( فرنسا وإنكلترا وأسبانيا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها ) عن قوس واحدة ، ومع الشرق المغولي فقد زحف المغول على بلادنا كالجراد المنتشر ، فواجه الأجداد هذا كله ، بالإيمان المطلق بالله ، والتسليم لمشيئته ، والاعتماد على قوته وقدرته ، وبالاستعداد الكامل للمواجهة ، وإحياء شعيرة الجهاد التي بها نكون أعز الأمم ، وبالتخلي عنها وطي رايتها نكون أضحوكة الأمم وأذلها ، وألعوبة بأيدي طغاتها ، وبالوحدة بين شعوب الأمة الإسلامية وبين أقطارها ، ولا سيما بين مصر وسورية ، ومعهما العراق والجزيرة العربية وشمالي إفريقيا وبقية أرض الإسلام ، فهل يعيد التاريخ نفسه ، بالنسبة لأمتنا انتصارا ، كما يعيده بالنسبة لأعدائنا خذلانا ؟ وصدق الله العظيم : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ ( تجتمعوا على الحق كما يجتمعون على الباطل ) تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾.

2- استهلت حماة تاريخها الحديث بانتفاضات شعبية ضد الفرنسيين ، وقدمت مواكب الشهداء من فلذات كبدها وخيرة رجالها على مدى ربع قرن ، ولاسيما في عام 1925 يوم شاركت بالثورة السورية بجانب غوطة دمشق وجبل العرب ، وشمالي سورية ، وفي معظم المدن السورية ، فقصفها الفرنسيون بالطائرات ، وفرضوا عليها الغرامات ، ولكنها ثأرت من الاستعمار الفرنسي عام 1945 حين أرهفت قوات الاحتلال ، وأنزلت بها خسائر كبيرة حتى قام قائد الجيش البريطاني الثامن سبيرس عندما دخل سورية ليوقف العدوان الفرنسي : لقد أنقذنا المدن السورية من بطش الفرنسيين ، وأنقذنا الفرنسيين من سكان حماة المجاهدين ، وقد أورد هذه الرواية عدد من المصادر التاريخية ومنه مذكرات أكرم الحوراني في مجلداته الأربعة عن مشاهداته وذكرياته. كما أوردها عدد من الساسة السوريين الوطنيين المخضرمين ، وكان منهم الأستاذ رئيف الملقي فقد سمعته يذكر ذلك على رؤوس الأشهاد في احتفالاته العامة الانتخابية.

ثم كان استقلال سورية في 17-4-1946 بداية لعهد جديد ومحصلة لكفاح مرير أثمر استقلالا ناجزا غير مشروط ، وحرية تامة في حياة سورية السياسية في العصر الحديث ، والانعتاق من كل أنواع التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية ، فظل هذا الجهاد في تصاعد حتى انتهى إلى قمة الصراع مع الطاغية حافظ أسد ، ذلك السفاح الذي أمر بإحراق مدينة أبي الفداء وتدميرها على رؤوس ساكنيها ، كما فعل من قبل الطاغية الفارسي قورش ، والطاغية المغولي هولاكو ، غير أن ما فعله السفاح حافظ أسد في سورية ، ولا سيما في مدينة حماة ، فاق جرائم قورش وهولاكو ، بما أنزله بها من دمار وخراب وسفك دماء المواطنين ، وتمثيل بأجسامهم وبأبنائهم بصورة تقشعر من هولها الأبدان كما سيأتي ذلك في سياقه.

أ- في عهد الانتداب الفرنسي ظلت حماة شوكة في حلق الفرنسيين ، واستمرت تصارعهم مع شقيقاتها المدن السورية وتقاومهم ، فعاقبت فرنسا حماة ، وحرمتها من كل أسباب التطور والتنمية ، وتركتها مدينة ريفية زراعية ، ومنعت عنها بناء المصانع والمؤسسات الصناعية ، وبعض الدوائر ذات الصلة بخدمات المواطنين ، لذلك لم يكن غريبا أن يجد نظام الأقلية الأسدية في حماة عقبة أمامه ، وقد أردك الغربيون ذلك ، ومنهم كوبلاند عضو المخابرات المركزية الأمريكية ، وصاحب كتاب : ( لعبة الأمم ) الذي قال : إن سورية تشكل مصدر تعب للإمبراطورية الأمريكية ، إذ كانت ترفض المساعدات والدخول في الأحلاف مثل حلف بغداد ، والحلف المركزي ، وسورية الكبرى ، والهلال الخصيب ، ومبدأ أيزنهاور ، والنقطة الرابعة... الخ وتناصر الشعوب الضعيفة ، تقدم المساعدات للأشقاء ، لينالوا استقلالهم ، فحاول الأمريكان والإنكليز : على ما بينهما من تنافس ، تعطيل دور سورية ، مجربين كل الوسائل ، وفي مقدمتها الانقلابات العسكرية ، فلم يحققوا ما يريدون ، حتى وقعوا على ضالتهم بالاعتماد على إثارة النزاعات والصراعات الطائفية ، فجاؤوا بهذا الحكم الطائفي ، لينهوا به دور سورية الوطني والعروبي والإسلامي الذي عرفت به على مدار السنين.

ب- ولما كانت حماة تشكل عقبة في وجه هذا المخطط الرهيب ، كان متوقعا ما قالته التقارير المتسرية عن مؤسسات النظام السوري ، من أن حافظ وطغمته ، ويبيتون شرا لهذه المدينة ، وسوف يطالع القارئ في هذه الأوراق مضمون القرار الإداري الذي أصدره مجلس الأمن الأعلى ، قبل تنفيذ مأساة حماة بشهرين ، والقاضي بإطلاق يد رفعت شقيق حافظ وشريكه ، وأن يكون مسئولا عن الحكم العرفي ، وتسليمه 12 ألف عنصر من سرايا الدفاع لشن حملة على مدن الشمال ، وتطهيرها من المعارضين ، واعتبار مدينة حماة منطقة عمليات أولى. كما فوضه المجلس أو الحكام البغاة بقتل خمسة آلاف مواطن حموي من دون الرجوع إلى موافقة مسبقة ، وسموا له مئة أسرة يستطيع إبادتها ، وسمحوا له بالقتل الكيفي والعشوائي الذي لم يكن غريبا عن مسلك حافظ أسد ومن معه من البغاة ، ولكنه في هذه المرة يستند على قرار صادر عن قيادة السلطة الطاغية.

لقد أسفرت النيات الخبيثة عن وجهها الكالح عبر عمليات التمشيط التي هي اسم مخفف لانتهاك حرمات المدن والبيوت والأسر الكريمة.

وسوف تتضح المؤامرة الدنيئة حين يطالع القارئ حجم قوات الجيش والأمن التي كانت مرابطة في المدينة ، من مخابرات عسكرية ، ومخابرات أمن الدولة ، والشعبة السياسية.. الخ وإقامة اللواء 47 المدرع في ضاحية المدينة ، وترك اللواء 21 الميكانيكي ثالث أيام الأحدث ، للتدخل في هدم المدين ، وتقل سكانها ، وهذا اللواء جزء من الفرقة الثالثة التي مشطت مدينة حلب ، وعاثت فيها فسادا عام 1980.

كان البيت الواحد في حماة يفتش أكثر من عشر مرات ، لا يكاد يخرج جنود هولاكو حتى يدخلوا إليه مرة أخرى.

تضامنت المدن الأخرى مع حماة في مأساتها ، فحاولت مدينة حلب أن تعلن عن إضرابها ، فهددتها السلطة بالقصف والهدم على لسان قاضيها نهاد القاضي. وكذلك حاولت دمشق الإضراب تضامنا مع مدينة حماة ، فاستدعى الطاغية إلى القصر الجمهوري أعضاء غرف التجارة ، وهدد كل من يغلق دكانه بالمصير نفسه ، علما بأن المحتل الأجنبي لم يكن يجرؤ على مثل هذا الإرهاب.

وبعد هدم المدينة وقتل عشرات الألوف من سكانها ، ساقت السلطة أبناء القرى العلوية ف تظاهرة تأييد لحافظ أسد ، فيما أحدثه من إجرام ، ودخلوا المدينة يرقصون على جراح شعبها ، ووقف ممثل الطاغية يقول : هؤلاء أبناء حماة ، يحتفلون بهدم مدينتهم ، ويرقصون على جثث أبنائهم ، فهل عرف التاريخ مثل هذا الصنف من البشر ، أو مثل هذه الصفاقة؟!!

لقد ذكر المراسلون الأجانب أن حماة أضحت كأنقاض بعض المدن الألمانية عقب الحرب العالمية الثانية.

ج- بعد أن اغتصب الطاغية حافظ أسد الحكم كما رأينا بانقلاب عسكري في تشرين الثاني عام 1970 ، واستولى على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، وأجرى استفتاء صوريا ، وعين ( مجلسا للشعب ) وقدم لهذا المجلس دستورا مفصلا على مقاسه ، أبقى فيه السلطات الثلاث بيده ، وصار بموجب هكذا دستور ، رئيسا للجمهورية ، يعين الوزراء ورئيسهم ، ويقيلهم ، وهو في الوقت نفسه رئيس لمجلس القضاء الأعلى.

لم يبق أمام المفكرين والمثقفين في ظل هذا الحكم القمعي الشمولي مجال لطرح أفكارهم ، وفضح الممارسات الخاطئة من قبل الأجهزة الأمنية والجيوش الطفيلية ، كالوحدات الخاصة ، وسرايا الدفاع ، وسرايا الصراع ، والميليشيات المسلحة التي أطلقوا عليها أسم الكتائب العمالية ، والكتائب الطلابية ، وفتيان علي ، وفتيات علي ، والفرسان الحمر ، وفرق المظليات ، وجمعية المرتضى ، والألوف المؤلفة من عناصر المخابرات ، وعملائهم المخبرين.. لم يبق لرجال الفكر وعلماء الدين من مكان يطلقون منه صوت النذير سوى دور العبادة والندوات لدى نقابات المهن العلمية ، لطالبوا منها برفع حالة الطوارئ ، وإلغاء المحاكم الاستثنائية ، وإعادة صلاحيات التقاضي إلى القضاء المدني ، واستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية ، واحترام مبادئ الإعلان العالمين لحقوق الإنسان ، وإجراء انتخابات حرة.

واجه النظام هذه المطالب العادلة من كل النقابات ، باعتقال أعضائها ، كما اعتقل عددا كبير من الأكاديميين والمحامين والأطباء والصيادلة والمدرسين والعلماء ، وألوفا من طلاب الجامعات ، وشرع في قتل المئات ، وإلقاء جثثهم في الشوارع ، كالذي حدث للشهيد الدكتور أدهم سفاف الأستاذ في كلية الزراعة بحلب ، والمربي الفاضل الشهيد عبد القادر الخطيب مدرس الرياضيات في ثانويات حلب ، وأغلق عددا من دور العبادة ، ودمر قسما منها ، وصار الجنود يدخلون المساجد بأحذيتهم ، ويطلقون النار على المصلين ، ويمزقون الكتب والمصاحف ، ليشهد المواطنون عهدا من الإرهاب دون عهود محاكم التفتيش ، وارتكب النظام الأسدي جرائم غير مسبوقة ، ولا عهد لأبناء أمتنا بها ، كالذي مر معنا من قبل في صفحات سابقة.

ابتدع نظام الأسد الثوري التقدمي أسلوبا للإرهاب هو الاعتداء على حرمة البيوت ، واختطاف النساء والفتيات ، والسطو على الأموال والممتلكات ، وقتل الأزواج ، والتمثيل بهم أمام زوجاتهم وأبنائهم وبناتهم تحت اسم  : تمشيط المدن والقرى ، يستبيحون خلافها كل شيء ، من سرقة ونهب وتدمير واعتداء على الحرمات ، وقتل كل من يفتح فمه باحتجاج ، متهمين إياه أنه من الإخوان المسلمين ، وكثيرا ما أبادوا أسرا بكاملها ، وقطعوا الأيادي والأصابع للسطو على الأساور والخواتم الذهبية ، وكانوا يسحلون من يقتلون بالدبابات والسيارات لنشر الرعب والإرهاب في قلوب المواطنين ، ولم تخل مدينة أو قرية إلا وتعرضت للتمشيط ، فمدينة حلب مشطت مرتين ، ومدينة حماة ، مشطت تسع مرات ، وهكذا سائر المدن والقرى في سورية الممتحنة والمنكوبة.

ولقد رأينا من قبل ما حدث من مجازر في جسر الشغور ، وجبل الزاوية ، وتدمر ، وسوق الأحد في حلب ، وسرمدا في محافظة ، إدلب وحي المشارقة قبل النكبة الكبرى التي سيأتي ذكرها مفصلا بعد قليل.

د- كانت حماة تعيش أقسى أيامها منذ 11-11-1981 ، وإذ كان السفلة من الجنود يفتشون المواطن والمسدسات مسلطة على رأسه ، أو يقومون بضربه وشتمه أمام أهليه وأطفاله ، وكانوا يخرجون السكان من بيوتهم لإذلالهم وامتهان كرامتهم ، واختيار أعداد منهم لحلق نصف شعر الرأس لبعضهم ، أو حلق طرف الشارب للبعض الآخر.

طلب السفهاء من أحد الرجال المسنين في حي البارودية -وهو في السبعين من عمره- أن يرقص تحت التهديد ، فعاد إلى بيته ولم يخرج منه حتى مات كمدا بعد شهر ، ومن أنواع الاضطهاد للمواطنين إرغام المارة على الاستلقاء أرضا ، ورفع الأرجل ، ليتلقى وابلا من العصي والكرابيج ، أما إذا اتهم أحد باستقبال أو إيواء أحد الملاحقين ، فإنهم يمسكونه من يديه ورجليه ، ويلوحون به في الهواء ، ويقذفونه من سطح المنزل إلى الشارع ، كما كانوا يطلبون من البعض الركوع لحافظ أسد ، وعندما رفض أحد المواطنين أن يذعن لذلك ، فقأوا عينه ، ولما أصر على الرفض فقأوا عينه الثانية ، أما إذا استجاب تحت التهديد والسلاح ، وهتف لحافظ أسد ، قهقه ضباط الوحدات وسرايا الدفاع قائلين : لقد أحب أهل حماة حافظ أسد غصبا عنهم.

لقد شرعوا في هدم عشرات المنازل لشخصيات وعائلات معروفة ، وقتلوا وجهاء لهم شهرتهم واحترامهم ، وحشدوا قوات عسكرية من الوحدات الخاصة ، وسرايا الدفاع ، والمخابرات العسكرية ، والمخابرات العامة ، والشعبة السياسية والكتائب الحزبية واللواء 47 واللواء 21 ، تمهيدا لليوم المشئوم والفجيعة الكبرى.

هـ- انتهت التحضيرات لهدم المدينة على ثلاث مراحل ، انتهت الأولى في بداية تشرين الأول عام 1981 ، بتشكيل قيادة أمنية من  : أمين فرع الحزب في حماة أحمد الأسعد ، ومحافظ حماة خالد حربة ، ورئيس فرع المخابرات العسكرية ، ورئيس الشعبة السياسية المقدم وليد أباظة ، ورئيس أمن الدولة راغب حمدون ، وكانت الكلمة العليا في هذه القيادة للعقيد يحيى زيدان.

في المرحلة الثانية في نهاية تشرين الأول ، انتدب المقدم مصطفى أيوب ، وهو من شيعة جنوبي لبنان -متاولة- من مدينة بنت جبيل ، وكان قد هاجر إلى درعا مع عائلته ، فرعى أمره العميد العلوي محمد الخولي، فتولى مخابرات أمن الدولة بدلا من راغب حمدون ، لأن حمدون هذا من أبناء مدينة حماة ، وجمعوا له وأسندوا إليه فرعي المخابرات العامة في كل من حمص وحماة ، كما استعان بالكتائب الحزبية المسلحة ، تمهيدا لحدوث الكارثة الكبرى لمدينة حماة.

في المرحلة الثالثة ، فوض المقدم علي ديب ، وأطلقت يده في حماة ، فاحتل ما يزيد على عشرين موقعا استراتيجيا من مبانيها ، ومن مؤسساتها ، وما يزيد على عشرة مواقع في منطقة الحاضر ، وأقام عشرة حواجز ثابتة ، وسير دوريات مكثفة ، وذكرت التقارير التي تسربت عن اجتماعات المجلس الأمني الأعلى في أيلول 1981م أن المجلس أصدر أمرا إداريا برقم 184 بتعيين اللواء رفعت أسد آمرا عرفيا لمناطق حماة وحلب ودمشق ، وتسمية حماة منطقة عمليات أولى خاضعة لأوامر الحاكم العرفي ، وانتقال 12ألف عنصر من سرايا الدفاع إلى حماة ، والإذن لعناصر السرايا بالقتل العشوائي ، ومضايفة أسر المطلوبين ليسلموا أبنائهم ، كما رفع مرسوم جمهوري إلى مجلس الشعب يقضي بمصادرة أموال كل من تثبت عليه تهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين ، وفوض رفعت أسد وسراياه بعمل ما يراه مناسبا في تلك المناطق ، دون العودة إلى المجلس الأمني ، لأخذ موافقته أو استشارته!!

كان المقدم العلوي علي ديب قائد سرايا الدفاع في حماة ، ونائبا لرفعت أسد ، يطلع رئيسه على سير العمل أولا بأول ، حتى إذا ما تفجر الوضع العام في المدينة ، حضر رفعت إلى حماة ليدير عمليات التدمير والقتل والإبادة بنفسه ، فقد ذكر جندي أسير أن رفعت موجود في ثكنة الشرفة المطلة على حماة عموما ، وعلى القلعة بخاصة من جهة الغرب ، وهي أعلى الهضاب المحيطة بالمدينة. و- أما أهم تطور في أحداث شباط 1982 ، فهو أن نظام أسد قرر استباحة مدينة حماة بأسرها ، في سابقة لا مثيل لها ، إذ لم توفر الأبرياء ولا العناصر الحزبية المنتشرة بين المواطنين ، كما سيأتي لاحقا. إن الخطة التي نفذها أسد في تدمير حماة يمكن تسميتها بالوأد الجماعي ، فقد حوصرت المدينة من كل الجهات بثلاثة أطواق ، استدعيت لها قوات كثيفة من لبنان ومن الجنوب -من الجبهة- بحيث لا يستطيع طائر أن يخترقها دخولا أو خروجا ، ثم شرعت قوات البغي بقصف المدينة بالمدفعية الثقيلة قصفا عشوائيا تمهيدا لاقتحامها بالدبابات والآليات ، في الوقت الذي تخوض فيه عناصر سرايا الدفاع والوحدات الخاصة حرب الشوارع والمنازل ضد المواطنين ، يرافق ذلك كله تعتيم إعلامي في الداخل والخارج ، لتخفي ما يجري عن أبناء المدن الأخرى ، مع أن المعلومات تؤكد أن الأقمار الصناعية صورت كل ما حدث بالتفصيل ، ولا سيما لدى الأمريكان ، وما تزال أمريكا ، حتى كتابه هذه السطور ، تخفيها وتحتفظ بها ، دعما للنظام القمعي حتى يكمل مهماته في إبادة السوريين ولاسيما العارضون منهم ، ومن يشايعهم ويتعاطف معهم من العرب ، ومن المسلمين.

3- بدأت مجزرة حماة مساء الثلاثاء في 2-2-1982 ، وهيأت لها السلطة كل أسباب التدمير والإبادة ، وقد استمرت المجزرة شهرا كاملا ، ذاق فيها أبناء المدينة ( من معارضين ومسالمين ، ومن حزبيين وإسلاميين ، ومن مسلمين ومسيحيين ) نيران الحر ب وزمهريرها ، كانوا يناموا على مذبحة ، ويستيقظون على أخرى ، استخدم فيها أبطال الجولان ( كانت سرايا الدفاع أول الهاربين والعائدين من الجولان إلى دمشق ) الذين هربوا أمام الصهاينة دون قتال ، وانسحبوا انسحابا كيفيا ، ( تنفيذا لمؤامرة خسيسة قرأنا تفصيلاتها في أوراق سابقة من هذه الموسوعة ) ، لا تستطيع طيوب الهند أن تطغى على نتنها ، ولا يستطيع أي كاتب إنسان منصف أن يكتب فصولها دون أن ترتجف أصابعه ، وتذرف دموعه. والذي يظن أن في هذا الكلام مبالغة أو تهويلا ، فليقرأ أو يستمع إلى يوميات المذبحة الكبرى التي تغذيها وتؤججها أحقاد دفينة قديمة تكفي ليس لتدمير حماة أو سورية ، بل لتدمير العرب جميعا كما قال البعثي المخضرم سامي الجندي ، وسوف نجمل هذه اليوميات بثلاث فقرات ، كل واحدة تتحدث عن مذابح عشرة أيام ، أو ثلث شهر شباط ، شهر المجزرة الحزينة الدامية للعام 1982.

أ- في منتصف ليلة الثلاثاء ، داهمت عناصر السلطة الباغية بأعداد كبيرة عددا من البيوت والمخابئ التي يختبئ بها الملاحقون ، ثم وسع المعتدون دائرة عدوانهم ، فبدأوا في الصباح الباكر بتعزيز السلطة لقواتها ، بنقل أعداد كبيرة من الوحدات الخاصة ، والكتائب الحزبية المسلحة ، عبر مطار حماة ، وبتوجيه اللواء 47 المدرع إلى مدينة حماة.

وفي المساء قات قوة عسكرية من سرايا الدفاع والمخابرات العسكرية ، بتطويق حي البارودية تدعمها 20 سيارة اقتحام مصفحة في مكان لا يبعد أكثر من 350 مترا من دار الحكومة في وسط المدينة ، مستخدمة بعض البيوت والمخابئ التي يفر إليها الملاحقون والمواطنون ، وقد ساعدت مجموعة من الكتائب الحزبية المسلحة ، سرايا الدفاع ، ودعمتها في هجومها على حي البارودية.

انتقلت قوات السلطة إلى هجوم أوسع ، طبقا لخططها المرسومة التي تقضي بإرسال نجدات سريعة لمواقعها المنتشرة داخل المدينة ، وبزج قوات جديدة من خارج المدينة لحسم الموقف بسرعة وعنف ، ولتحقيق هذين الهدفين ، قامت السلطة بالفعاليات التالية طوال نهار اليوم الأول ، والجدير بالذكر : أن قوات الوحدات الخاصة كانت تعسكر بجانب ( سد محردة ) منذ عام 1980م ( غربي المدينة ) ، أي أنها تستعد هذا اليوم في العاشرة صباحا ، أقلعت 13 طائرة عسكرية من مطار المزة العسكري ، متوجهة إلى مطار حماة ، كما رجح ذلك المراقبون ، وكان أهل المدينة قد لاحظوا وصول 3 طائرات نقل عسكرية ضخمة إلى المطار الذي يقع في غربي المدينة.

أنزلت السلطة مجموعات من الوحدات في شرقي المدينة عند الحميدية شرقا ، وخلف مدرسة عثمان الحوراني شمالا ، وقريبا من المستشفى الوطني القديم في حي الحاضر ، ثم جاء رتل من الدبابات عن طريق كورنيش البشريات -الأربع نواعير- كان قد وجهها وبعث بها اللواء المدرع 47.

ومما لفت الانتباه تركيز البغاة على تهديم المساجد ، وعلى الأخص قصف المآذن ، مثل المسجد الشرقي في حي الشرقية ، وزاوية الشراباتي في حي جورة حوا ، ومسجد الشيخ إبراهيم في حي الدباغة ، ومسجد الأفندي في سوق برهان التجاري والحاضر ، ومسجد سوق الشجرة ، وجامع الشيخ علوان في حي العليليات ، ومسجد حي الشريعة ، ومسجد الشيخ زين في حي الشمالية ، ومسجد حي الحميدية ، ومسجد عمر بن الخطاب في حي السخانة ، ومسجد حي المناخ ، ومسجد المسعود في حي المحالبة ، ومسجد حي كرم الحوراني ، ومسجد الشيخ محمد الحامد في المحطة ، ومسجد الحراكي في حي بين الحيرين ، ومسجد صلاح الدين في جنوب الملعب البلدي -جنوبي المدينة على طريق حمص- ومسجد الشهداء في حي الصابونية ، ومسجد الإيمان في حي الشريعة ، ومسجد الأربعين في حي الأميرية ، والجامع الكبير في حي المدينة -غربي حماة- ومسجد سعد بن معاذ في حي الفراية ، ومسجد الهدى في حي طريق حلب -شمالي المدينة- ومسجد رستم بك في حي المحالبة ، ومسجد الهدى في طريق حلب ، وزاوية الشيخ حسن الكيلاني في حي الكيلانية ، ومسجد الشيخ إبراهيم في حي الزنبقي ، ومسجد الدرابزون في حي العصيدة ، ومسجد السرجاوي في حي الجراجمة.

في هذه الفترة عينت السلطة قائدا للواء 47 هو العقيد العلوي نديم عباس ، وقامت بتصفية الضباط التي تشك في ولائهم ، أو لأنهم ينتمون إلى الأكثرية السورية من أهل السنة والجماعة ( تسريحا أو إبعادا ) وأمرت اللواء 47 بالتوجه إلى حماة ، لإخماد الزخم الشعبي ، وتفويض التصفيات للحاقدين من اللواء.

قام اللواء 47 بثلاث مهمات ، الأولى : إرسال دبابات متفرقة على وجه السرعة ، تتمركز في عدد من المواقع ، مثل منطقة المحطة ، ودوار محردة -غربي المدينة- والثانية : محاصرة المدينة بإغلاق محاورها الأربعة ، ثم الشروع بقصف المدينة عشوائيا ، غذ وجهت السلطة 18 دبابة إلى طريق حلب في شمالي المدينة ( مركز الشعبة السياسية ، كما وضعت 9 دبابات في مقبرة باب البلد -الجنوب الغربي من المدينة- وقامت بالقصف باتجاه حي البياض ، ومنطقة المحطة ، وحي الشيخ عنبر ، وحي شرق الشجرة ، وحي الحوارنة ، وعلى مدى خمسة أيام -في الوسط والغرب- ثم تحول القصف إلى منطقة الحاضر الذي كان حقد البغاة عليه بالغا ، وكانت المهمة الثالثة اقتحام قلب المدينة عبر الخط الممتد من المحور الجنوبي في بداية شارع العلمين في الجنوب على طريق حمص ، إلى المحور الشمالي في نهاية شارع سعيد العاص على طريق حلب ، وهذان الشارعان المتصلان يخترقان المدينة من شمالها إلى جنوبها.

تقدمت 31 دبابة باتجاه دار الحكومة -وسط المدينة- وهي تقصف دون هوادة ، لتدخل منها إلى شارع سعيد العاص في حي الحاضر ، حيث كانت مقاومة السكان فيها شديدة أقرب ما تكون إلى الأعمال الفدائية والاستشهادية.

ب- في العاشرة من صباح الأربعاء 3 شباط - يم المجزرة الثاني- حاصرت مجموعة من المواطنين مركز الجيش الشعبي بالقرب من البئر الارتوازي ، واستطاعوا السيطرة عليه دونما قتال ، فغنموا كمية ضخمة من البنادق الروسية والمسدسات وصناديق الذخيرة. وفي حي الصابونية جنوبي المدينة دخلت عناصر الوحدات الخاصة وصادرت كل ما وجدته من سيارات المواطنين الشاحنة والصغيرة والمتوسكلات في مناطق الوادي ، وسوق الشجرة ، والشيخ عنبر ، والمحالبة ، والحوراني ، والباب القبلي ، وتل الدباغة.

اقتحمت قوات السلطة هذه المناطق من أربع جهات ، وارتكبت فيها عمليات وحشية حاقدة ، إذ قدمت أرتال الدبابات من الثكنة في منطقة الشرفة المطلة على القلعة ، فتصدى لها أهالي المنطقة بالأحجار ، فكانت كالقذائف على رؤوس المهاجمين. ثم تقدمت الدبابات من شارع المرابط إلى شارع 8 آذار ، بدعم من الطيران المروحي الذي كان يقصف من ارتفاع علا خوفا من مقاومة المواطنين.

استأنفت السلطة محاولتها للسيطرة على شارع 8 آذار لاقتحام ا لأحياء الشعبي التي تقع حواليه والفتك بها ، فلجأ المواطنون إلى صناعة قنابل المولوتوف ، وأعطبوا بها ثلاث دبابات.

تقد