إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

سيد قطب الشهيد الحي

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
سيد قطب الشهيد الحي
دراسات حول سيد قطب وفكره'


بقلم صلاح عبد الفتاح الخالدي

محتويات

توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى الشباب الإسلامي العامل المجاهد في كل مكان إلى الراجال الأوفياء الذين باعوا حياتهم في سبيل الله، إلى جنود الحركة الإسلامية المخلصين إليهم جميعا أقدم هذه الرسالة عن الإمام الشهيد سيد قطب رضي اله عنه، وأرجو الله أن يعينني على تقديم دراسات أخرى في المستقبل، وأن يجعل الجميع خالصا لوجهه...

مقدمة صلاح عبد الفتاح الخالدي

إن الحمد لله، نحمده وستعينه ونستهديه، نعوذ بالله من شرور أنفسنأن ومن سيئات أعمالنأن من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.

أما بعد:

فلقد كان سيد قطب رائدا والرواد في تاريخ البشرية قليلون كان رائدا في ميدا الأدب والنقد، ورائدا في ميدا الفكر والبحث، ورائدا في ميدان الدعوة والحركة، ورائدا في ميدان الجهاد والاستشهاد.

عاش- رحم الله عليه- حياة حافلة، وتثقف بثقافة عريضة وترك آثارا ضخمة وختم الله حياته في هذه الدنيا بخاتمة سعيدة حيث جاءته الشهادة تسعى إليه في سجنه.

إن سيد قطب شخصية عجيبة حقا والأعجب من ذلك هو الجحود الذي قوبل به في حياته من الأدباء والدارسين والتجاهل الذي لحقه بعد استشهاده من الباحثين ولقد كان حريا بعشاق الثقافة والأدب أن ينشروا تراثه الأدبي الموود في المجلات الأدبية المختلفة، التي كانت تصدر فيها بين العشرينيات والخمسييات من هذا القرن، وأن يتبعوها بدراسات عن شخصيته وبحوثه ومقالاته وأدبه كما كان حريا بالباحثين الإسلاميين أن يعدوا دراسات عن فكره الإسلامي ومنهجه الحركي، ومواقفه الجهادية.

ولو كان سيد قطب عند غيرنا لكتبوا عنه الكثير، وفاخروا به الدنيا أنهم يجعلون من بعض رجالهم علماء وعباقرة وفلاسفة، وقادة رأي ورواد فكر، وهم بجانب سيد قطب أقزام أقزام.

أن سيد قطب قمة عالية شامخة، قمة في عالم الأدب والنقد، وقمة في عالم البحث والتأليف، وقمة في عالم الفكر والثقافة وقمة في عالم الدعوة والحركة والجهاد أن هذه القمة قد عرفت ولكنها لم تكتشف وليس عجيبا أن يكون قمة ولكن الغريب أنها لم تثر في نفوس المعجبين حوافز لاكتشافها حين اكتفوا بالنظر إليها من بعيد معجبين مبهورين.

وإن محاولات اكتشاف هذه القمة ما زالت في مراحلها الأولى تستنهض همم الباحثين.

ظهرت بعض الدراسات عن سيد قطب والدراسات التي ظهرت باللغة العربية حتى الآن هي: العالم الرباني الشهيد سيد قطب للمرحوم العشماوي أحمد سليمان وسيد قطب: خلاصة حياته ومنهجه في الحركة والنقد الموجه إليه لمحمد توفيق بركات.

ومع سيد قطب في فكره السياسي والديني للدكتور مهدي فضل الله.

وسيد قطب أو ثورة الفكر الإسلامي لمحمد علي قطب والشهيد سيد قطب وهو مجموعة من المقالات نشرتها جماعة أصدقاء الشهيد سيد قطب.

بالإضافة إلى العديد من المقالات نشرت عنه في المجلات الإسلامية في ذكرى استشهاده.

وهناك عدد من الدراسات عنه ما زالت قيد التحرير أو تحت الطبع ولكن معظم هذه الدراسات تنقصها الدقة والموضوعية والتوثيق والبحث المستقصي، حيث صيغت بأسلوب عاطفي، ووجدت فيها أخطاء كثيرة أثناء الحديث عن حياة سيد قطب الأدبية أو الإسلامية أو أثناء الإشارة إلى تراثه الأدبي والفكري.

لذلك أعددت هذه الدراسة عن سيد قطب، وأملي أن أكون قد وفقت في تقديم صورة حقيقية صادقة عن سيد قطب وأن تكن علمية موضوعية موثقة، ولائقة بالشخصية الفذة التي تناولتها.

وقد بذلت جهدا كبيرا أثناء جمع المادة، حيث بحثت عن المعلومات والأخبار في مظانهأن وحرصت على مقابلة الأشخاص الذين كانت تربطهم بسيد قطب علاقة وثيقة وكان في مقدمة قابلتهم وأفدت منهم فائدة عظيمة شقيقه الأستاذ محمد قطب جزاه الله خيرأن وقد حالت ظروف قاهرة بيني وبين مقابلة بعض الأشخاص في مصر، وأرجو أن أتمكن من مقابلتهم في المستقبل القريب.

كما بذلت جهدا كبيرا في الاطلاع على مقالات سيد قطب في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في الفترة ما بين 1924- 1954 وقد أطلعت على مقالاته في مجالات الرسالة، والثقافة، والكتاب والكاتب المصري، والمقتطف والعالم العربي، والمسلمون، وأطلعت على بعض مقالاته في مجلات: الأسبوع والبلاغ الأسبوعي وهناك العديد من المجلات لم أتمكن من الإطلاع على مقالاته فيهأن حيث حالت الظروف القاهرة، ثانية دون ذلك مثل: الجهاد والحياة الجديدة، والأهرام والوادي، والسوادي، والأفق الجديد وروز اليوسف واللواء الجديد، والإشتراكية، والدعوة والإخوان المسلمون وأرجو أن أتمكن من الاطلاع على هذه المجلات، وأن أضيف ما أجده فيها إلى طبعة قادمة وقد جعلت هذه الدراسة في بابين:

الباب الأول: عصر سيد قطب وبيئته وحياته وهو ثلاثة فصول:

الفصل الأول: عصر سيد قطب انتقيت أربعة مظاهر للحياة في هذا العصر: الحياة السياسية وأهم أحداثهأن والحياة الاجتماعية وأبرز ملامحهأن والحياة الإسلامية وأوضح مظاهرهأن والحياة الأدبية وأشهر رجالها.

الفصل الثاني: بيئة سيد قطب تحثت فيه عن قريته في الصعيد، وعن أصله، وصلت الحديث عن أسرته ورسمت ملامح لوالده ووالدته وعرفت بإخوته وتحدثت عن نشأته وسط هذه الأسرة، وتربيته فيها وختمت هذا الفصل بالحديث عن وصفه.

الفصل الثالث: مشاهد من حياة سيد قطب: عرضت فيه لمشاهد مختلفة من حياته، واخترت من المشاهد ماله دلالة واضحة على حياته وشخصيته والمشاهد التي عرضتها هي: دراسته في القرية ودراسته في دار العلوم وسيد قطب في وزارة المعارف وسيد قطب مع عباس العقاد، وعمله في الصحف والمجلات والمرأة في حياته وسيد قطب في أمريكأن وسيد قطب مع جماعة الإخوان المسلمين وختمت هذه المشاهد بذكر محنته واستعلاه ثم صدور حكم جائر غشوم بإعدامه ووصفت اللحظات الأخيرة التي سبقت استشهاده.

الباب الثاني: ثقافته ومواهبه وآثاره وهو أربعة فصول:

الفصل الأول: تحدثت فيه عن مصادر ثقافته وأثرها على فكره ذكرت فيه مصادر ثقافته في القرية وفي كلية دار العلوم ومصادر ثقافته العربية في القاهرة كما تحدثت عن مصادر ثقافته الغربية وأثرها السلبي على شخصيته ونفسيته وفكره والتي أوصلته إلى رحلة الضياع وصحبته قليلا في رحلة ضياعه وأثبت بعض أشاره التي قالها وهو يقطع هذه الرحلة ثم تحدثت عن ثقافته الإسلامة التي أنهيت ضياعه، ونقلته نقلة بعيدة إلى عالم الرضا والاطمئنان عالم المعرفة الصحيحة والتصور السليم عالم الدعوة والجهاد في سبيل الله.

الفصل الثاني: ملامح شخصته وخصائص أسلوبه: رسمت فيه أهم ملامح شخصيته وهي الصدق والجدية والحركة العصامية والعزة والنزاهة وذكرت أهم خصائص وأسلوبه وهي: التصوير والوضوح والسلاسة والثورية.

الفصل الثالث: مواهبه: بينت فيه أبرز مواهب سيد قطب باختصار واخترت سبعة جوانب تجلت فيها مواهبه وهي الأدب، والشعر النقد، والقصة والمحاضرة، والبحث والتحليل السياسي.

الفصل الرابع: تراثة الأدبي والفكري: ذكرت فيه أهمية نشر تراثه كله، وبخاصة مقالاته الأدبية في الصحف والمجلات ثم تحدثت عن كتبه المطبوعة ورتبتها حسب صدرها طبعاتها الأولى وعرفت فيها بإيجاذ وختمت هذا الفصل بذكر بحوث له أعدها أو بدأ في إعدادها ولكنها لم تنشر.

وقد جعلت هذه الدراسة حلقة أولى في سلسلة دراسات حول سيد قطب وفكره أنوي إصدارها في المستقبل أن شاء الله أرجو الله أن يوفقني فيهأن وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن يدخرها لي في ميزان حسناتي يوم القيامة.

وبعد:

فيها هي هذه الدراسة أقدمها الآن بهذه الصورة وأنني أرجو م القراء الكرام أن يتكرموا بتصحي ما قد يوجد عندهم من معلومات.

وأننني أشكر الله عز وجل على نعمه الكثيرة التي أنعم بها على ومنها هذه الدراسة فما كان فيها من حق أو صواب فمن الله وأشكره أن وفقني إلى ذلك ما كان فيها من خطأ أو نقص فمن نفسي وأعتذر عن ذلك وأعوذ بالله من فتنة القول وفتنة العمل.

دعواهم فيها سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

صلاح عبد الفتاح الخالدي.

4/ 1/ 1401هـ

11/ 11/ 1980م.

(سيد قطب..الشهيد الحي)

قليلا ما تنطق الأسماء على مسمياتها تمام الانطباق و سيد قطب من الذين تنطبق أسماءهم عليهم تمامأن فقد كان سيدا وكان قطبا.

ويحلو لي في هذا المقام أن أورد عبارات لسيد قطب قالها عن الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه في مقاله، حسن البنا ... وعبقرية البناء.

( في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور، وحكمة مدبرة في كتاب مسطور حسن البنا أنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه ولكن من يقول أنها مصادفة والحقيقة الكبرة لهذا الرجل هي البناء وإحسان البناء بل عبقرية البناء؟

لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيرا من الدعاة ولكن الدعاة غير البناء. وما كل داعية يملك أن يكون بناء وما كل بنا يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء الضخم.. الإخوان المسلمون .. أنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات.

إلى أن يقول ترى أكانت مصادفة عابرة أن يكون هذا لقبه؟ أم نها الإرادة العليا التي تنسق في كتابها المسور بين أصغر المصادفات وأكبر المقدورات في توافق واتساق.

وسيد قطب رضي الله عنه عاش سيدا كان سيدا من صغره فكانت اهتماماته هي اهتمامات الكبار وكان سيدا في شبابه ملك نفسه ولم يسمح لها أن تقوده إلى الشهوات، وكان سيدا في انتمائه إلى الإسلام واتشابه إلى الحركة الإسلامية المجاهدة وتحركه بالإسلام وجهاده في سبيل الله وكان سيدا في استعلائه على الطغيان وثباته على الحق وصبره على المحنة ومواقفه أمام الطغاة وكان سيدا حتى في مفارقته هذه الدنيا حيث رزقه الله الشهاد أمنية كل مسلم صادق لقد عاش سيدا ومات سيداوصدق فيه قول الشاعر:

علو في الحياة وفي الممات

لحق تلك احدى المكرمات

وكما كان سيدا فقد كان قطبا قطب في الأدب والنقد، يقبل القراء والمثقفون على مقالاته وقصائده، وتحليلاته بشغف واستمتاع وقطب في فكره الإسلامي حيث يعتبر في طليعة المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث وقطب في جهاده وثباته واستشهاده وقطب في اقتداء الشباب الإسلامي المجاهد به في عالم الدعوة والحركة والجهاد.

وأعتقد أن هذه القطبية سيكون لها أبلغ الأثر في مسيرة الحركة الإسلامية في المستقبل وفي الهود المبذولة لقيام المجتمع الإسلامي وتحكيم منهج الله في حياة البشر من جديد.

وأن سيد قطب هو الشهيد الحي بالمعنى الكبير لكلمتي الشهادة و الحياة لا بمعناهما الضيق، والمتبادر إلى أذهان بعض الناس عند إطلاقهما.

أن المعنى القريب الذي يتبادر إلى بعض الأها لكلمة الشهيد هو من يموت في سبيل الله ولكن للشهيد معنى أشمل من هذا أنه شهيد وشاهد.

يقول سيد قطب رحمة الله عليه عند تفسيره لقوله تعالى ويتخذ منكم شهداء إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بين المجاهدين ويتخذهم لنفسه سبحانه فما هي رزية أذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد أنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص..

وعن تضمن كلمة الشهيد معنى الشاهد يقول: ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس يستشهدهم فيؤدون الشهادة يؤدونها أداء لا شبهة فيه، ولا مطعن عليه ولا جدال حوله، يؤدونها بجهادهم حتى الموت، في سبيل إحقاق هذا الحق، وتقريره في دنيا الناس.

وكما كان سيد قطب قطب شهيدا فقد كان حيا وما زال حيا فرغم أنه رحل عنا بجسده الفاني إلا أنه حيا بيننا في فكره وجهاده وأبائه واستعلائه ومواقفه واستشهاده أن أفكاره حية، وأن كلماته دبت فيها الحياة لأنه سقاها بدمه دم الحياة ومات في سبيلها فأستوت على سوقها وضرت على القلع والاجتثاث أو القطع والبتر وصارت تعطي أكلها الشهي في قلوب مؤمنة صادق متعطشة للدعوة والجهاد والثبات.

يقول سيد قطب في تفسير قوله، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا يشعرون.

هؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتا أنهم أحياء فلا يجوز أن يقال عنهم أموات، لا يجوز أن يعتبروا أمواتا في الحس والشعور ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان أنهم أحياء بشهادة الله سبحانه فهم لابد أحياء.

أنهم قتلوا في ظاهر الأمر، وحسبما ترى العين، ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحة الظاهرة أن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد، وسمة الموت الأولى هي السلبية والخمود والانقطاع وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله، فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوأن فاعلية مؤثرة والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد وتأثر الباقية وراءهم باستشهادهم يقوي ويمتد فهم ما يزالون عنصرا فعالا مؤثرا في تكييف الحياة وتوجيههأن وهذه هي صفة الحياة فهم أحياء أولا بهذا الاعتار الواقعي في دنيا الناس.

هذا عن حياته بيننا بمواقة وحركته وأفكاره وكلماته أما حياته عند الله عز وجل كشهيد فيبينها حديث الشهداء في الجنة بقوله: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا قالوا: أي شيء نشتهي؟

ونحن نسرح من الجنة حيث شيئا ففعل بهم لك ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا ر نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا بهذه المعاني والايحاءات وبهذه الظلال والاعتبارات وكان سيد قطب شهدا حيا ولذلك أخترت لدراستي هذا العنوان سيد قطب الشهيد الحي.

والله من وراء القصد.

الباب الأول: عصره وبيئته وحياته

الفصل الأول: عصر سيد قطب

من الضروري أن يسبق دراسة شخصية سيد قطب، الحديث عن عصره الذي عاش فيه ورسم ملامح بارزة لمختلف مظاهر الحياة في ذلك العصر.

لأن سيد قطب أديب كبير، ومفكر عظيم عاش في هذا العصر وتأث بما يجري حوله، وتفاعل معه، فلابد من معرفة الحياة التي عاشها والاتجاهات التي خبرها وسبر غورها والشخصيات التي اتصل بها والبيئة التي تفاعل معها والأحداث التي أثر فيها أو أثرت فيه.

لذا لن يكون حديثنا عن عصر سيد قطب تقليدا لدراسي الشخصيات القديمة الذين يتحدثون عن عصر الشخصية التي يدرسونها قبل حديثهم عن الشخصية نفسها وإنما نتدث عن عصره لنكون صورة واضحة لهذا العصر الذي عاش فيه هذا الرجل الكبير.

وسوف نرسم في هذا الفصل صورة بارزة الملامح لمظاهر الحياة السياسية والحياة الاجتماعية والحياة الأدبية والحياة الإسلامية، لهذا العصر لأنها هي التي كان لها أثر مباشر على سيد قطب ولكن له فيها ور بارز ملموس.

الحياة السياسية

مصر أرض الكنانة مركز ثقل العالم الإسلامي ومنطلق الريادة الفكرية والأدبية والإسلامية في العصر الحديث وأحداثها السياسية تؤثرعلى العالم الإسلامي سلبا وإيجابا لذلك يهتم المراقبون برصد ما يجري فيها بعناية ويركز أعداء الإسلام عليها في مؤامرتهم ضد المسلمين.

فكرت فيها فرنسا كثيرا وكانت تنافس بريطانيا حبك المؤامرات ضدها وتسابقها على استعمارها وقام نابليون بونابرت امبراطور فرنسا باحتلالها في سنة 1798 وبقيت فيها فرنسا بعده حوال ثلاث سنوات إلى أن اضطرت للريل عنها في سنة 1801.

حكم مصر بعد رحيل فرنسا محمد علي، كوال من قبل الخليفة العثماني في أول الأمر ثم استقل بالحكم بعد أن ضعفت علاقته بالخلافة وتقرب من ول الغرب وبخاصة فرنسا وانجلترا.

استمر الحكم في أسرته وراثيأن ولم يكن الخديويون يستقلون بأنفسهم في تسير دفة الحكم بل كانوا يعتمدون على الخبراء الأجانب، وبخاصة الفرنسيين والبريطانيين فلم يكن عندهم الإرادة القوةي ولا الثقة بالنفس فكانوا يشعرون بأنهم عالة على الغرب لقد كانوا مهزومين رويا أمام الحضار الغربية المادية الصاعدة يطلقون على الغرب لقب العالم المتنور ويسمون باريس مدينة النور.

كان الخديوي بلاء على الشعب المصري حيث احتفظ لهم الشعب بمشاعر الكره والبغضاء وأن لم يكن يجرؤ على إظهار هذه المشاعر.

لقد غدت مباذلهم ذائعة وإسرافهم مشهورا حتى أن الخديوي إسماعيل كان يستدين من الدول الغربية ملايين الجنيهات للإنفاق على ملذاته وشهواته، فصارت الخزينة المصرية مثقلة بالديون الباهضة للغرب وبعد أن عجزت عن سداد هذه الديون شكلت الدول الغربية مجلسا من أعضائها للوصاية على نقات الدولة في مصر، ولتتمكن من استيفاء هذه الديون من واردات الدولة.

في سنة 1881 قام أحمد عرابي الضابط في الجيش المصري بثورة على الخديوي توفيق، عرفت فيما بعد بالثورة العرابية، وأيدته فئات كبيرة من الجيش والشعب وأوشكت ثورته أن تنج لولا أن تدخلت بريطانيا لصالح الخديوي وقامت بإخمادها حيث ضرب الأسطول البريطاني الإسكندرية ثم نزل الجيش إلى البر واتجهوا صوب القاهرة وفي الطريق انتصروا على جيش عرابي في معركة الثورة كأحمد عرابي، ومحمود سامي البارودي إلى الخارج وأعادوا الخديوي إلى الحكم.

حكمت بريطانيا مصر حكما مباشرأن وانتشر الجيش البريطاني في طول البلاد وعرضها وقامت باعتقال الفئات الوطنية أو نفيها وتشريدها وحلت مجلس النواب وأصبح لدار المندوب السامي البريطاني في مصر من النفوذ ما يقارب نفوذ قصر عابدين مقر الخديوي.

لم تكتف بريانيا بالاحتلال العسكري لمصر، فاستعمرتها استعمارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا فأحضرت الخبراء والمستشارين البريطانيين وعينتهم في الوزارت والمؤسسات والمصالح على حساب الخزينة المصرية وحرصت على أن تكون مصر تاعة لها في كل شي وكان من أشهر هؤلاء المستشارين القس زويمر واللورد كرومر المعتمد البريطني و دنلوب مستشار وزارة المعارف.

وواضح الأسس العلمانية للتعليم الحديث في مصر والذي تخرجت على يديه أفواج من قادة مصر السياسيين والفكريين فيما بعد، مثل سعد زغلول، أحمد لطفي السيد وعبد العزيزي فهمي.

وكعادة الأمم المغلوبة وجدت فئة من الوصوليين والانتهازيين المصريين كانت تعتبر نفسا تبعا لبريطانيا وقفت حياتها على خدمتهأن فكان منها رؤساء وزارات ووزراء وزعماء أحزاب وحزبيون ورجال سياسة ورجال اقتصاد ومؤسسو جمعيات وقادة فكر وأرى ومثقفون كبار..

إلخ فلا غرابة في أن يطول عمر الاحتلال البريطاني ولا عجب أن تنجح بريطانيا في تحقيق ما تريد.

نشأت في مصر أحزاب كثيرة معظمه استمد برامجه وأهدافة من الغرب، وأغلب مؤسسي هذه الأحزاب وقادتها كانوا مهزومين روحيا أمام الغرب يرون في مبادئة وقيمه ونظمه المثل الأعلى وتنافس رجالات الأحزاب في كسب أصوت الشعب في الانتخابات النيابية وتهالكوا على المناصب الحكومية والوظائف الرسمية وتسابق أكثرهم في كسب ود المندوب السامي البريطاني ورجاله وتنفيذ ما يشير به.

كان من أوائل الأحزاب ظهورا الحزب الوطني الذي أنشأه مصطفى كامل سنة 1970 وهو زعيم شعبي محبو كان مخلصا لأمته يسعى لإخراج بريطانيا من البلاد، ولا يخفي تعاطفه مع الخليفة العثماني ولا اتجاهاته الإسلامية التي اصطبغ بها حزبه فترة من الوقت ولم يعمر مصطى كامل طويلا فقد مات في ريعان شبابه بعد عام من إنشائه للحزب.

وفي عام 1970 ظهرت ثلاثة أحزاب ذات هدف متشابهة: الحزب الوطني الحر بعزعامة عبد الخالق ثروت ومحمد فريد وحزب الأمة بزعامة الشيخ حسن عبد الخالق ومحمود سليمان وحزب الإصلاح بزعامة الشيخ علي يوسف

كذلك ظهر سعد زغلول في هذه الفترة زعيما شعبيا في مصر وأنشأ حزب الوفد الذي ضم كبار الملاك والباشوات بشكل خاص وصار وزيرا أكثر من مرة ثم شكل الوزارة المصرية عدة مرات وقد تتلمذ سعد زغلول على الشيخ محمد عبدة بل كان من أبرز تلاميذه.

أقام سعد زغلول علاقات مع اللورد كرومر، وترك هذا الأخير بصماته واضحة على شخصية زعيم مصر الأول فصار سعد فرعوني الاتجاه وصار يتفلت من الإسلام في تصوراته وأخلاقه فنادى بفصل الدين عن الدولة ودعا إلى تجميد اللغة العربية وراح يستخدم الأساليب السياسية الملتوية التي تقوم على الدجل والخداع في محاولة منه لاستقطاب الجماهير حوله، وكان متونا بحب ذاته كذلك اعتاد سعد لعب القمار فهب بثروته التي تقدر بالملايين وقد ترك مذكراته التي اعترف فيها بالكثير ولكنها لم تنشر حتى الآن.

عندما قامت الحرب العالمية الأولى انضم الخديوي عباس حلمي الثاني إلى تركيا في حربها ضد الحلفاء ومنهم بريطانيا فقامت بريطانيا بخلع ونصبت مكانه حسين كامل ودخلت مصر الحرب إلى جانب الحلفاء وأصبحت قاعدة ضخمة لبريطانيا وانضم شعبها للمعركة ووضعت مواردها في خدمتها ومنها انطلق الجيش البريطاي بقيادة اللنبي إلى فلسطين وسوريا هذا ود كانت مصر مركزا للمؤامرات التي تدبر ضد الخلافة.

ولقد وقعت ثورة عارمة في مصر ضد الإنجليز سنة 1919 اشترك فيها الشعب بكل فئاته، وكان اسم سعد زغلول زعيم الثورة يتردد على كل لسان واستمرت الثورة مدة طويل وفي النهاية قضت عليها بريطايا ونفت زعماءها كسعد زغلول وعبد العزيز فهمي إلى خارج البلاد.

أصبح حزب الوفد الذي شكله سعد زغلول الحزب الجماهيري الشعبي في البلاد نظرا لما قام به في الثورة وفاز بأغلبية مقاعد المجلس النيابي وشكل الوزراة أكثر من مرة وبعد وفاة سعد زغلول، أعلن عن مصطفى النحاس زعيما للحزب، وبقي في زعامته حتى حلته الثورة مع غيره من الأحزاب عام 1952.

وفي سنة 1928 أنشأ الشيخ حسن البنا جماعة الإخوان المسمين حيث كان يعمل مدرسا في مدينة الإسماعيلية وأخذ يلقي الدروس العامة يدعو فيها إلى الالتزام بالإسلام وراح يربي الشباب وينظمهم في الجماعة وقد ظهر ثقل الجماعة الواضح على الحياة السياسية والإسلامية والفكرية في مصر والعالم في الأربعينات وأوائل الخمسينيات.

وفي سنة 1936 وقع مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد اتفاقية مع بريطانيا اعترفت فيها باستقلال مصر ولكنه كان استقلالا ظاهريا فوجود بريطانيا ظاهر ملموس وبخاصة معسكرات جيشها على ضفاف قناة السويس وأدى هذا الوضع إلى قلق الشعب المصري ثم إلى قيام مظاهرات عارمة تندد بوجود المستعمر وتحولت المظاهرات إلى أعمال فدائية فردية وجماعية استهدفت أفراد الجيش البريطاني ومنشآته في البلاد.

انضمت مصر في الحرب العالمية الثانية إلى بريطانيا ضد دول المحور ألمانيا وإيطاليا واليابان ودخلت بذلك في حب لا ناقة لها فيها ولا جمل اللهم لا إرضاء سيدتها بريطانيا ووضعت كافة الإمكانات البشرية والمادية والمعنوية في المعركة وقد أدى دخول الحكومة والقصر الحرب إلى تململ في البلاد وقامت الفئات الوطنية بإعلان معارضتها لهذا الأمر.

وفي شبا فبراير 1942 قامت بريطانيا بتدخل مباشر مفضوح في سياسة مصر الداخلية حيث حاصت دباباتها قصر الملك، وقدم مندوبها السامي إنذارا له بأنه لم يكلف مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد بتشكيل الوزارة فإن عليه أن يستقيل وأحدث هذا التدخل استياء عاما عند الشعب وفئاته الوطنية التي راحت تندد به بأسلوب مباشر وغير مباشر وسقطت آخر أسهم حزب الوفد الشعبية الذي جاء هذه المرة للحكم على أسنة وحراب الجيش البريطاني.

وتى منتصف الأربعينيات لم يكن للجهات الرسمية في مصر ولا لمعظم قادة الرأي فيها وه عربي معروف بل على العكس كانا يمجدون الفرعونية وينادون بأن مصر للمصريين وإلى جانب هؤلاء كانت فئات إسلامية في البلاد تبرز وجه مصر الإسلامي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وقد أحدثت مبادئ وأهداف هذه الجماعة تيارا إسلاميا عاما ينادي بالإسلام كبديل للفرعونية والوطنية واستقطبت هذه الجماعة فئات كبيرة من مختلف قطاعات الأمة فخشيت بريطانيا على البناء الذي أشادته في البلاد أن يتحطم تحت مطارق الإسلاميين وعلمت أن الوطنية الضيقة لم تعد تصلح رابطة تجمع الشعب.

وبعد البحث وجدت بريطانيا ضالتها في القومية كرابطة جديدة فعمت من وراء ستار على تأسيس جامعة الدول العربية وأصبحت القاهرة التي كانت بالأمس تنادي بالفرعونية مقرا لهذه الجامعة وراحت مصر حكومة وأحزابا تنادي بالقومية وتحولت إلى رائدة للقومية العربية وأبرز وجهها العربي وانطلت الحيلة على الشعوب العربية وظنوا الجامعة العربية نتاجا عربيا صوفأن كما توهموا أن في القومية العربية الحل السحري لكافة مشاكلهم.

وفي هذه الفترة بدأت الاشتباكات بين الشعب الفلسطيني والعصابات اليهودية المهجرة إلى فلسطين وكانت جماعة الإخوان المسلمين بفروعها في مصر وسوريا والأردن هي الوحيدة من بين جميع الهيئات والجمعيات والأحزاب في مصر والعالم العربي التي ساهمت مساهمة فعلية و جادة في الجهاد على أرض فلسطين فقد قامت بواجبها الإسلامي في هذا المجال فأقامت معسكرات للتدريب وأرسلت أفرادها إلى ميدان الجهاد، وقادت المتطوعين من الشعب حتى من غير الإخوان وأظهر متطوعو الإخوان شجاعة عجيبة في القال شهد بها الجميع ورغم ضعف إمكاناتهم المادية فإنهم بثوا الرعب والهلع في قلوب اليهود ولو خلى بينهم وبين اليهود لتغيرت معالم خارطة المنطقة السياسية ولكن كيف تسمح بريطانيا بهذا الأمر كيف تسمح بالقضاء على إسرائيل؟ وعلى يد من؟ على يد ألد أعدائها وهم الإخوان المسلمون.

قررت الدول العربية أعضاء الجامعة إدخال جيوشها إلى المعركة بهد انقاذ فلسطين في الظاهر وأرسلت مصر وحدات من جيشها إلى جنوب فلسطين وزودته بأسلحة فاسدة، ومني الجيش المصري بهزيمة بشعة أمام عصابات اليهود.

أما المجاهدون الصادقون في أرض المعركة فقد حيكت المؤامرات للتخلص منهم حيث اجتمع مندوبون عن كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكان، وفي معسكرات الجيش البريطاني في فايد في مصر ووضعوا خطة عاجلة للقضاء على جماعة الإخوان المسلمين وطلبوا من محمود فهمي النقراشي رئيس الوزارة المصرية التخلص من الجماعة والقضاء عليها وما كان النقراشي ليتأخر في تنفيذ طلبات أسياده فدبر للجماعة تهما ملفقة فحلها وأغلق شعبها واعتقل أفرادها في مصر وجرد مجاهديها في فلسطين من السلاح وأخذهم من ميدان الجهاد إلى معسكرات الاعتقال مثخنين بالجراح.

وهكذا كان عند حسن ظن موشي دايان الذي قال في ذلك الوقت إن إسرائيل لا تخشى الدول العربية مجتمعة ولكنها تخشى المتعصبين من الإخوان المسلمين أما هؤلاء فحكوماتهم كفيلة بهم.

أما مرشد الإخوان ومؤسس جماعتهم حسن البنا فلم يعتقل مع أفراد جماعته وإنما أبقته الحكومة المصرية طليقا لتدبر له عملية اغتيال نكراء فتم اغتياله في وسط القاهرة ليلة عيد ميلاد فاروق ملك مصر حيث اخترقت جسمه الطاهر عدة رصاصات لقي على أثرها ربه شهيدا.

وانهزمت الجيوش العربية في فلسطين وأعلن عن قيام إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948.

وفي عام 1951 وبعد أن أخرج الإخوان من السجون قادوا المقاومة الشعبية ضد قوات الاحتلال البريطاني في مصر فقاموا ضدا بعمليات فدائية جريئة مما عجل في رحيل هذه القوات بعد ذلك.

بعد ظهور خيانة المسؤولين في مصر لفلسطين وعودة الجيش المصري مهزوما إلى القاهرة حصلت الأزمات الوزارية المتعددة واشتركت الأحزاب في لعبة تشكيل الوزارة ثم حجب الثقة عنها واسقاطها حتى لقد شكلت أكثر من وزارة في عام واحد وسقطت هيبة القصر وفقد الملك سيطرته الفعلية على البلاد وصارت أيام المك في الحكم معدودة.

وتجلى هذا في حريق القاهرة الكبير الذي حدث سنة 1952 حيث احترقت شوارع تجارية في وسط القاهرة.

كان للإخوان المسلمين السيطرة الفعلية على الشارع المصري حيث ضمت الجماعة القطاعات الشعبية المختلفة وأثبتت وجودها بفعالية في أية قضية وطنية سواء في فلسطين ضد اليهود أو على ضفاف السويس ضد الاحتلال البريطاني أو غير ذلك وبهذا أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافها النهائية وقيام المجتمع الإسلامي في البلاد.

غير أن أعداء الإسلام الذين كانوا يرصدون ما يجري في مصر عن كث خافوا أن يحكم الإسلام لأنه سيقضي على خططهم ومطامعهم وأهدافهم وبما أن الملك فاروق أصبح ورقة خاسرة فكان لابد من البحث عن بديل له وكان هذا البديل متمثلا في تنظيم عسكري داخل الجيش يسمي تنظيم الضباط الأحرار فأقاموا مع المسؤولين عنه اتصالات سرية لم يكشف النقاب عنها إلا مؤخرا.

وفي 23 يوليو عام 1952 قام هذا التنظيم الضباط الأحرار بانقلاب عسكري، وظهر اللواء محمد نجيب كقائد له ومن ثم ألغيت الملكية في البلاد وشكل الانقلاب مجلسا لقيادة الثوةر وعين محمد نجيب أول رئيس للجمهورية.

وبدت الثورة إصلاحية وحلت الأحزاب وقامت خلافات بين رجال الثوة والإخوان المسلمين ودبرت مسرحية أعلن فيها عن محاولة اغتيال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر من قبل أحد شباب الإخوان وأعلنت الحرب على الجماعة وزج بعشرات الألوف من الإخوان في السجون وتعرضوا لأسوء أنواع التعذيب واستشهد منهم نتيجة له من استشهد وشكلت محاكم صورية لمحاكمة الإخوان وحكم على العديد منهم بالسجن مداد طويلة وحكم على سبعة من قادة الجماعة بالإعدام ونفذ الحكم في ستة منهم وخفض السابع إلى السجن المؤبد وبذلك حيل بين مصر وبين وجهها الإسلامي ونجح أعداء الإسلام مؤقتا في ضرب هذه الحركة الإسلامية العالمية.

وفي عام 1956 وبعد أن أعلن رئيس الجمهورية عبد الناصر تأميم قناة السويس وقع العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر واحتلت إسرائيل سيناء واجريت المفاوضات لخروج قوات الاحتلال من مصر وقامت أمريكان بضغط كبير في هذا المال وانسحبت إسرائيل من سيناء بعد أن أخذت من مصر ثمنا لانسحابها تمثل هذا لثمن في توقيع اتفاقية سرية بين عبد الناصر وأمريكا تعهد فيها عبد الناصر بتجميد الوضع على حدود إسرائيل عشر سنوات مقابل انسحابها من سيناء وغزة، وجاء بقوات الطوارئ الدولية على الحدود ومرت سفن إسرائيل في خليج العقبة وأسقطت السيادة المصرية عن شرم الشيخ ومضائق تيران.

أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 وبدأت مصر تميل نحو المعسكر الاشتراكي ولبس الثوب اليساري وقدمت لها روسيا المساعدات وأعلن عن قيام الاتحاد الاشتراكي العربي كتنظيم سياسي وحيد في البلاد وتغلغل الشيوعيون في أجهزة الدولة وبخاصة وسائ الإعلام حيث مكن لهم عبد الناصر عام 1961 أعلنت القرارات الإشتراكية وظهر الميثاق الذي وضعته الدولة وأحاطته بهالة كبرى من القداسة.

في أيلول عام 1961 وقع انقلاب عسكري في سوريا وانفصلت عن مصر وفشلت أول تجربة للوحدة العربية على أساس العروبة وكشف قادة الانفصال عن الكثير من أخطاء نظام حكم عبد الناصر.

وفي عام 1963 وقع في اليمين انقلاب جمهوري واستنجد رجال الانقلاب بمصر وأرسل عبد الناصر وحدات من الجيش المصري لمساعدتهم وتورط الجيش المصري هناك، حيث ذهب ضحية حرب اليمن آلاف الجنود المصريين واستنفذت ملايين الجنيهات من خزينة الدولة استمر التورط المصري في اليمن إلى عام 1968.

وفي حزيران عام 1967 وقعت النكبة العربية حيث هزمت إسرائيل جيوش ثلاث دول عربية مصر وسوريا والأردن في ساعات واحتلت فلسطين كلها وسيناء والجولان.

ومن هذا الاستعراض الموجز للحياة السياسية في مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى ما بعد منتصف القرن العشرين يتبين لنا أن الشعب المصر لاقى صنوفا من الظلم السياسي والكتب طوال هذه الحقبة سواء على يد محمد علي وأسرته أو رجال الاحتلال البريطاني أو رجال الثورة ونلاحظ كذلك أن هذا الشعب قدم الكثير من التضحيات وأدى ما يطلب منه، وكثيرا ما كان يوم بانتفاضات شعبية رافضا للاستعمار أو يدبر اغتيالات للبريطانيين وأعوانهم من المصريين.

على أن هذه الأوضاع السياسية المتغيرة والتدخل الاستعماري المباشر والفساد السياسي الذي عم رجالات الأحزاب هذا كله رغم تضحيات الشعب ومقاومته ولد عند الجميع حيرة وقلقا دفعت المصلحين إلى التفكير الجدي في العلاج.

وخير ما يصور هذه الحيرة عبارات سجلها سيد قطب في الأيام الأخيرة للملكية في مصر حيث نشر مقالا في مجلة الرسلاة بعنوان سأم بتاريخ 19مايو 1952 قبل أكثر من شهرين على قيام الثورة جاء فيه:

ذلك الذي تلمحه على وجوه الناس في هذه الأيام ولمسه في أحاديثهم في كل مكان سأم من كل شيء ومن كل فكرة ومن كل عمل ومن كل أحد ومن كل اتجاه سأم هو مزيج ألم قد مات ويأس من الأعمال والرجال ومن قرف شامل ومن استهتار يقلب الناس صفحات الصحف ويمرون لى العنوانات الضخمة بلا اكتراث كأن لم يعد شيء يدعو إلى الاكتراث.

ويجب في نفس مقاله المذكور عى تساؤل عن الشعر الحر الذي فق في تلك الفترة ونلمح من إجابته صورة لقلق الشعب وحيرته:

الشعر تعبر أحرار يملكون التعبير لا جمجمة عبيد أو أسرى خلف القضبان الشعر انتفاضة قلب وتحليق روح لا وسوسة السلاسل ولا جرجرة الأغلال أنظر يا سيدي حولك أنظر إلى ذلك الذي تلمحه في الوجوه وتراه في السمات أنه مزيج من ألم قد مات ومن يأس من الأعمال والرجال ومن قرف شامل ومن استهتار أنه السأم السأم الذي تموت منه الكلمات في الشفاه.

وكتب سيد قطب مصورا حالة الاضطراب السياسي في مصر، وفقدان هويتها السياسية وأن الأدب الصادق هو الذي يعكس هذه الحالة:

ونستطيع من دراسة الأدب في مصر في العصر الحديث أن نلمح أنها تجتاز فترة اضطراب وبحث عن اتجاه لم تستقر عليه الأفكار حينما نرى عدة اتجاهات إلى أقصى اليمين وإلى أقصى اليسار وبعضهم يفتش عن المثل في إطواء تاريخنا القديم في عصر النهضة الإسلامية، وبعضهم يتجمد بالفرعونية وبعضهم يتجه إلى أوروبا وأمريكأن وبعضهم يتجه إلى روسيا كما أن بعضهم ينطوي على نفسه عازفا عن المجتمع وما فيه هي حالة تموج واضطراب قد تتمخض عن انقلاب وقد تتمخض عن استقرار.

وهكذا أحس سيد قطب بالثورة قادمة قبل أكثر من خمس سنوات من وقوعها. ويرفع صوته بالشكوى عاليا في وضع آخر:

كل ما في البلد جدير بالشكوى كل ما فيها يلذع بالألم وأن التألم والشكاة لدليل على عدم الرضا ودليل السعي لتغيير هذه الحال أن الأمة التي لا تشكو من مثل هذه الحالة أمة لا تحس فهي أمة في طريقها إلى الفناء الرهيب وإن الذين يهزلون اليوم أو يغنون ويمرحون هم أحد فريقين: فريق أناني مجرم لا يعني بهذه الأمة ولا يحفل بآلامها لأنه في ظل نعمة ولا علاقة له بالآخرين وفريق ميت الوجدان ذليل الكرامة، لا تنبض به حياة إلا كالدواب والجراثيم.

هذه الحياة السياسية التي وصفناها جعلت من سيد قطب ساخطا على جميع المظاهر والأوضاع معلنا سخطه بصوت صارخ من غير يأس ولا سأم ولا تشاؤم ويعتقد بإمكانه أن يغير شيئا ولو كان وحده.

نشر مقالا في مجلة الرسالة بعنوان مدارس للسخط جاء فيه قوله:

أنه لو وكل إلى الأمر لأنشأت ضف هذه المدارس التي تنشئها الدولة لأعلم الشعب فيها شيئا واحدا هو السخط السخط على الأوضاع والمظاهر الشائهة التي تسيطر على حياة هذا الجيل في كل اتجاه.

وقد حدد الطوائف التي سيصب سخطه عليها فهي تتمثل في رجال السياسة والكتاب والصحفيين والوزاء الحكوميين والباشوات، وغير الباشوات والارستقراطيين الذين ينهبون الناس والمثقفين الذين تنكوا للشعب ومحطة الإذاعة والصحافة الداعرة وأخيرا الشعب الذي يرضي بالفساد ويسكت على هذه المظاهر والأوضاع.

الحياة الاجتماعية

قديما قبل مصر هبة النيل والأراضي المصرية الصالحة للزراعة هي التي تقع على ضفتي النهر، والمدن والقرى متناثرة حوله، ولها كانت الموارد محدودة.

تميزت في مصر طبقتان واضحتان الملامح والسمات:

الأولى: طبقة كبار الملاك من الباشوات وأصحاب الأراضي الواسعة وأفراد الأسرة المالكة كانت تشبه طبقة الاقطاعيين في الغرب والأقطاع في مصر لم يكن اقطاعا بالمعنى الصحيح للكلمة لأن أصحاب هذه الأراضي رغم سعة أراضيهم إلا أنها لم تبلغ حجم أراضي الإقطاع الأوروبي ورغم أنهم لم يصلوا درجة الاقطاعيين إلا أنهم ملكوا من السلطات والصلاحيات ما علهم يحكمون ويتحكمون في الإجراء والعمال والمزارعين الذين كانوا يعملون في مزارعهم لقد ورث هؤلاء المترفون أصحاب الكروش الأراضي بدون جهد بذلوه وساموا المزارعين عندهم سوء العذاب فقد فرضوا عليهم أن يسلموا لهم ما تنتجه الأراضي ليصرفوه على ملاذهم وشهواتهم وهم لا يذهبون لأراضيهم إلا من أجل المتعة والتنزه والمزارعون الذين يبذلون قصارى جهدهم في العمل لا يكادون يحصلون على القوات الضروري اللازم لاستمرار حياتهم.

الثانية: طبقة المزارعين والعمل الذين يعملون في أراضي الباشوات وكانت طبقة محرومة من أبسط معاني الحياة اللائقة بالإنسان فهم يحيون حياة لا تفترق عن حياة بهائمهم ومواشيهم لا يشتركون في رأي أو مشورة، أسيادهم يستغلون أصواتهم ويبيعونها لمن يريدون ولا يرون لهم أي حق إلا في بذل المزيد من الجهد في سبيل خدمة أسيادهم وأراضيهم.

كانت الطبقة الأولى المترفة، تسكن القاهرة وقد نال أولادها حظا عاليا من المعرفة والثقاة والدراسة في الداخل والخارج وعادوا يتسلمون المراكز الكبيرة في أجهزة الدولة.

أما الطبقة الثانية فكانت تسكن القرى والأرياف وكانت نسبة الأمية فيها ولم تكن تملك الأموال لترسل أولادها للدراسة العالية إلا ما ندر لذلك كان الأولاد عندما يشبون إما يصبحون عمالا الأراضي مع أهاليهم أو عمالا يرحلون إلى مناطق أخرى أو يأتون عاصمة طلبا للعمل.

وقد ساعد انشاء المصانع في العاصمة والمدن الكبيرة على ازدياد الهجرة حيث هاجر العمال إلى هذه المصانع للعمل فيهأن وراحوا يسكنون أحياء شعبية وكثرت المفاسد الأخلاقية لأن الشاب عندما يأتي إلى مدينة كبيرة لا يكاد يعرفه فيها أحد ويجد في يديه فائضا من المال ويريد أن يشبع شهواته فيسعى للحصول على الملذات والمتع بأي سبيل وينتج عن ذلك الفساد الأخلاقي.

وبعد أن حكم مصطفى كمال تركيا ألغى الخلافة حارب الإسلام منع الحجاب وفرض السفور وخرجت المرأة المسلمة في تركيا سافرة وكان لابد أن تتأثر مصر بما يجري هناك وقد كانت النساء قبل ذلك في مصر محجبات لا يخرن للعمل ولا يزاحمن الرجال في الأسواق وكانت الفتاة تتلقى التعليم في بيت أبيها.

ثم ظهر في مصر قاسم أمين الذي كان تلميذا لمحمد عبده وذهب إلى الغرب للدراسة وبعد أن عاد إلى البلاد راح ينادي بإلغاء الحجاب بخروج المرأة سافرة للعمل وبتحررها من الظلم الواقع عليها وظهر ما يسمى بقضية تحرير المرأة وانقسم الشعب المصري حيال دعوته إلى فريقين: فريق يناصره وفريق يعلن عليه الحرب واستجاب لدعوته عدد من النساء المتفرنجات.

واستلمت هدى شعرواي الراية من قاسم أمين وراحت تبشر بدعوته وشيئا فشيئا انتشرت هذه الدعوة في مصر وخلعت المرأة المصرية الحجاب وخرجت للأسواق سافرة وتخصصت مجلات بشؤون المرأة وراحت تدعو إلى تحريرها وخرجت المرأة للعمل وحصل الاختلاط بين الرجال والنساء وكانت النتيجة الطبيعية للاختلاط هي وقوع الفواحش وانتشار الفساد الأخلاقي.

وبعد أن فتحت الجامعة المصرية قرر اللورد كرومر ومن تابعه من المصريين أن ينفذوا سياستهم في الجامعة فجعلوا التعليم فيها مختلطا وجلس المراهقون والمراهقات على مقاعد الدراسة جنبا إلى جنب وكان لا بد أن تظهر النتائج السيئة لهذا الاختلاط.

أما مصايف مصر في الإسكندرية وبلطيم وسيدي بشر وغيرها فقد غدت مناسبات موسمية لخروج المصريين إليها وتعري الرجال والنساء هناك إلا من قطعة من اللباس وصارت الأسرة المصرية ذات الدخل المحدود تقتطع من دخلها فوق ما تطيق لتذهب في الصيف إلى تلك المصايف وتلقي بأنبائها وبناتها في أ؛ضان الشواطئ العارية.

وفي مواجهة ذلك كله قام العلماء ينادون الجماهير أن تعود لدينها ولكن الجماهير كانت تساق إلى الفساد بعنف وسرعة لأن دعاة الرذيلة كانوا يجرونها من خطام شهواتها ويسرعون بها حيث تذبح الفضيلة وكانت هذه الجمهير تستجيب مسرعة متلذذة بسبب ما أصابها من سعار الشهوة وما استيقظ فيها من كامن الغريزة وكلما اشتعلت فها نار الشهوة راحت تطفئها بالعب من الشهوات فتزداد طلبا لها وأصبح تنام على الفساد وتقوم عليه وحقت عليها لعنة الشهوات.

انتشرت الشيوعية في مصر حيث وجدت هناك أرضا خصبة ممثلة في الطبقات المحرومة من المزارعين والعمال الذين أغراهم بريق الدعاية الشيوعية وأخذت تصور لهم أنها تملك تخليصهم مما هم فيه من الظلم وأنهم عن طريقها سيحصلون على حقوقهم ومعروف أن الشيوعية لا تنجح ولا تنشر إلا في مجتمع تكثر فيه الأمراض الاجتماعية فهي أشبه شيء بالجراثيم التي لا تعيش ولا تنشط إلا في الجسم الضعيف.

وقام اليهود والنصارى في البلاد بالدعاية للشيوعية حيث أسسوا الأحزاب الشيوعية ودعوا الجماهير الساذجة للانضمام إليهم.

كان في مصر مجموعة من الجاليات الأجنبية تحكمت في البلاد، وراحت تصور لنفسها أنها صاحبة الحق المطلق في ثروات البلاد وأن المصريين أصحاب البلاد ليسوا إلا خدما وعبيدا لها وكان من أكبر هذه الجاليات:

الجالية اليهوية والجالية اليونانية والجالية الإيطالية والجالية الأرمنية، والجالية البريطانية وقد كان لهذه الجاليات دور كبير في نشر الفساد الأخلاقي في البلاد.

أم الجنود البريطانيون الذين جاؤوا مع الاحتلال فقد تمتعوا بامتيازات خاصة كانوا يحصلون على ما يريدون والمصري المسكين يقف أمام الجندي البريطاني بذلة ومهانة ويخدمه في مركز عمله وفي بيته.

المستشارون والخبراء الأجانب في الوزارات والمؤسسات أسياد والمصريون الموظفون عندهم أذلاء عبيد.

ونشط المبشرون من النصارى في مصر وكانت تدعمهم كنائس الغرب ويحميهم الاحتلال البريطاني في البلاد استغل هؤلاء فقر ومرض وحاجة الشعب المصري فدخلوا عليه من هذا الباب وراحوا يعالجون أفراد الشعب ويمدونهم بالمال والغذاء وفتحت الملاجئ والمستشفيات والمدارس التبشيرية لأفراد الشعب المسلم وكانت مبرمجه موجهة تهدف إلى تخريج المسلم العلماني.

الحياة الإسلامية

كانت مصر جزءا من الدولة العثمانية تدين بالولاء للخليفة العثماني إلى أن أستقل بها محمد علي وأبناؤه من بعده ولكن رغم انفصال محمد علي عن الخلافة إلا أن مشاعر المصريين بقيت مرتبطة معها ويهمهم ما يجري في استانبول عاصمة الخلافة ويؤثر عليهم وضعها خيرا كان ذلك أو شرا وهم يرون في هذا الشعور استابة لنداء الإسلام الذي يجعل المسلمين جميعا يدينون للخليفة بالولاء يسمعون له ويطيعون.

والشعب المصري متين بطبعة وشعوره الإسلامي عميق، حتى أن نابليون بونابرت امبراطور فرنسا عندما احتل مصر وأراد أن يثبت سلطته تقرب إلى الشعب طريقة غريبة فاحتفل بالموالد والأعياد الإسلامية العديدة، وأمر حكام المدن الفرنسية بالاحتفال بها بل لقد فكر في لبس عمامة وإمساك سبحة لدغدغة عواطف الشعب.

وفي عهد الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد، مر بمصر جمال الدين الأفغاني وجلس فيها مدة من الزمن وكان يدعو في اظاهر إلى نهضة إسلامية وقد ألقى دروسه في الجامع الأزهر وهناك ظهر إلى نهضة إسلامية وقد ألقى دروسه في الجامع الأزهر وهناك ظهر أكبر تلميذ له وهو الشيخ محمد عبده واستلم محمد عبده راية الإصلاح من أستاذه وكان كلك يلقى دروسه في الجامع الأزهر وصار المفتى العام للبلاد وأطلق عليه لقب (الإمام) ويعترف له بعض رواد النهضة الإسلامية الحديثة بالاستاذية بينما يثير كثير منهم علامات استفهام حوله وحول جمال الدين ويتحدثون عن علاقتهما بالماسونية وعن علاقة محمد عبده الواضحة برجال الاحتلال البريطاني في مصر وخاصة اللورد كومر.

كان من أبرز تلاميذ محمد عبده في مصر ثلاثة: محمد رشيد رضا، وسعد زغلول وقاسم أمين وكانوا ذوي اتجاهات متباينة وقد تحدثنا عن اتجاهات كل من سعد زغلول وقاسم أمين أثناء حديثنا عن الحياة السياسية والحياة الاجتماعية.

أما رشيد رضا فقد حمل راية الإصلاح من استاذه وقام بواجبه الإسلامي في الإصلاح فأصدر مجلة المنار وأنشأ مطبعة المنار وألف تفسير المنار وألف عدة كتب إسلامية وأرخ لشيخه محمد عبده بكتاب من عدة أجزاء أسماء تاريخ الأستاذ الإمام.

وعندما أوشكت الخلافة العثمانية على السقوط بعد أن سيطر عليها الاتحاديون اليهود قامت في العالم الإسلامي الخاضع لسلطان الخليفة العثماني محاولات صادقة تهدف إلى إصلاح جهاز الخلافة من الداخل وتنطلق من منطلق إسلامي خالث ومن هذه المحاولات تلك التي قامت في العراق حيث أسس محمد فاضل الداغستاني أحد كبار العسكريين أيما عبد الحميد وهو معروف بالتقوى والنبل والشجاعة في بغداد الحزب الإسلامي عام 1913ومعه مجموعة من أعيان بغداد المسلمين ونص منهاج الحزب على مناهضة حكم الاتحاديين وإعادة الحكم إلى سمت إسلامي شرعي واضح ولكن نشوب الحرب العالمية الأولى واحتلال الإنجليز للعراق شغلهم عن المضي واستشهد الداغستاني في تلك الحرب وموته ماتت المبادرة.

كما قامت في مصر محاولة مشابهة قام بها محمد رشيد رضا عن مجموعة من المصرين ولكن أعداء الإسلام خافوا أن يتم ذلك الإصلاح وأن يتجدد في الخلافة الدماء فتعود فتية قوية، لذلك سارعوا إلى القضاء عليها من الخارج.

كانت مصر موئل الإسلامية فإليها هاجر محب الدين الخطيب قادما من الشام وقام بدور بارز في الإصلاح الإسلامي حيث أنشأ مجلتي الفتح والزهراء كما أنشأ مكتبة الفتح التي نشرت العديد من كتب السلف كذلك هاجر إليها شيخ الإسلام مصطفى صبري قاما من كتب السلف كذلك هاجر إليها شيخ الإسلام مصطفى صبري قادما من تركيا، بعد إلغاء الخلاة كما هاجر إليها الشيخ محمد زاهد الكوثري من تركيا والشيخ محمد الخضر حسين من تونس والشيخ محمد بشير الإبراهيمي من الجزائر والأمير عبد الكريم الخطابي بطل الريف المغربي وغيرهم.

وقامت في الأزهر دعوة لتجديد التعليم فيه بدأها الشيخ محمد عبده ثم أكملها تلميذه محمد مصطفى المراغي، الذي كان شيخا للأزهر.

كان الأزهر في أو الأمر قائدا للشعب المصري في كفاحه ضد الفرنسيين وقام أحد الأهريين سليمان الحلبي باغتيال قائد الجيش الفرنسي في مصر الجنرال كليبر.

كما قام الأزهر بواجبه الديني والوطني ضد قوات الاحتلال البريطاني حيث كانت تخرج المظاهرات الصاخة من الأزهر يقودها العلماء تندد بهذا الاحتلال ولذلك كان الأزهر مركز المقاومة ضد المحتلين.

كان الأزهر يقوم بهذا كله عندما كان يوجهه علماء أشربت نفوسهم عزة الإسلام فما يخاون إلا من الله وهانت عليهم الدنيا وطلابها فاتجهوا إلى طلب ما عند الله.

ولما جاء للأزهر جيل جديد من الشيوخ كان همهم الدنيا والركون إلى أصحابها نسوا حق الله فلم يقوموا بواجبهم تجاه الوطن والأمة وراحوا يتسابقون إلا من رحم الله لكسب ود الملك ويشاركونه في احتفالاته ويصورونه للشعب في صورة الحاكم المسلم المنفذ لشرع الله ويصورون للناس لهوه جهادا وتهتكه عبادة وعربدته تسبيحا حتى أنهم بعد إلغاء الخلافة في تركيا دعوا إلى تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين واخترعوا له وهو اليوناني الأصل نسبا يوصله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان لابد بعد أن تخلى الأزهر عن دوره القيادي للأمة من قيام جماعة إصلاحية إسلامية لتقود الأمة وتسد الفراغ فأنشأ نفر من المصلحين الإسلاميين جمعية الشبان المسلمين وكان من أبرزهم محب الدين الخطيب وعبد الحميد سعيد، ومحمد صالح حرب.

ولكن هذه الجمعية كانت محدودة في أهدافها فهي لم تزد عن كونها مؤسسة ثقافية رياضية وبالتالي لم تعن بتهذيب سلوك الأفراد وتربيتهم تربية عملية هادفة.

بقيت الساحة الإسلامية شاغرة، تنظر جماعة إصلاحية جادة تنقذ الموقف وتملأ الفراغ وفي عام 1928 أنشأ الإمام حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في مدينة الإسماعيلية مركز قوات الاحتلال البريطاني التي كانت تنتشر على ضفاف القناة وكان إنشاء هذه الجماعة في الإسماعيلية بالذات يمثل التحدي الإسلامي للاحتلال البريطاني.

كانت الجماعة تهدف إلى إقامة المجتمع الإسلامي وتفهم الإسلام بشموله وتهتم بتربية الأفراد تربية إسلامية متوازنة ونشط الشيخ لدعوته وأقبل الشباب الظامئ إلى الإسلام على الجماعة ووجدوا فيها آمالهم فكان من أفرادها الأمي والمتعلم العامل والموظف الشيخ والشاب فكان من أفرادها الأمي والمتعلم العامل والموظف الشيخ والشاب الأزهري وخريج الجامعة الطبيب والمهندسي وأثتت الجماعة وجودها في المجتمع فأنشأت المدارس والمستشفيات والمساجد والمكتبات والمصانع والشركات وأثبتت بسلوك أفرادها وناح أعماها إمكانية قيام المجتمع الإسلامي في هذا القرن وكان الرد الإسلامي على إلغاء الخلافة وبذلك اعتبر الإمام حسن البنا بحق المجدد الإسلامي على إلغاء الخلافة وبذلك اعتبر الإمام حسن البنا بحق المجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري واعتبرت الحركة التي قام بها الحركة الإسلامية الأصيلية الجادة في هذا العصر.

وفي حرب فلسطين لبى رجال الجماعة نداء الإسلام وانطلقت كتائبهم إلى فلسطين للجهاد ما بين عامي 1948- 1949 وأثبتوا وجودهم وجدارتهم فشهد لهم الصديق وحقد عليهم العدو وراح يخطط لحربهم بعد أن فتح عينيه على قوتهم فقامت الحكومة المصرية التي كان يرئسها النقراشي استجابة لطلب أمريكا وبريطانيا وفرنسا بحل الجماعة ومصادرة ممتلكاتها ووضع الألوف من أفرادها في السجون ومعسكرات الاعتقال كما قامت الحكومة بعملية دنيئة حيث دبرت اغتيال حسن البنا الرجل الذي أسس الحركة وقادها في مسيرتها وقدمت رأسه هدية لفاروق ليلة عيد ميلاده.

واتجتاز الإخوان المحنة وخرجوا أقوى مما كانوا ولبوا نداء الإسلام على ضفاف القناة ما بين عام 1950 وعامي 1952وقاموا بعمليات فدائية جريئة ضد قوات بريطانيا هناك وقدموا عددا من الشهداء وسيطر الإخوان على الشارع المصري وكان الكل يتقرب إليهم ولو تزلفا وقد اقتبوا من خطوتهم التنفيذية بقيام الحكم الإسلامي المنشود.

غير أن عيون أعداء الإسلام الساهرة كانت تخطط أمرا آخر فقام ضباط من الجيش المصري في 23 يوليو عام 1952 ثبت أخيرا أن ولاءهم كان لأمريكا بانقلاب عسكري وعلنوا الجمهورية وعين اللواء محمد نجيب أول رئيس لها ولم يلبث في هذا المنصب إلا قليلا إذ سرعان ما أقصاه جمال عبد الناصر وسيطر على الحكم بدكاتورية بغيضة.

وكان لابد من أن ينفذ هؤلاء الضباط ما أوكل إليهم فشن عبد الناصر حربا شرسة على جماعة الإخوان المسلمين فأعدم قادتها وصادر ممتلكاتها ووضع عشرات الألو من أفرادها في السجون ولاقوا تعذيبا لم ممتلكاتها ووضع عشرات الألو من أفرادها في السجون ولأقوا تعذيا لم يعرف التاريخ مثله وأصبح آلاف الأسرى في مصر بلا معيل ولا قيم وقدمت الجماعة العديد من الشهداء.

وطالت المحنة واستمت حوالي ربع قرن وثبت رجال الجماعة على الحق وأعادوا الصورة المشرقة لرجال الإسلام الصادقين الصابرين إلى الأذهان.

هذا وقد أحدثت جماعة الإخوان المسلمين تيارا ثقافيا عام فقد وضع رجالها العديد من المؤلفات الإسلامية التي تعالج مختلف شؤون الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية كما قادوا الفكر الإسلامي المعاصر من مرحلة الدفاع على استحياء إلى مرحلة الهجوم والبلاغ والإنذار وقلما تجد كاتبا أو مكرا إسلاميا معاصرا في العالم الإسلامي لم يكن من أفراد الإخوان المسلمين أو لم يتأثر بمبادئهم ومدرستهم الفكرية.

الحياة الأدبية

عندما قام نابليون بغزو مصر كان مما أحضره إلى البلاد مطبعة عربية وانتشرت بذلك طباعة الكتب والصحف والمجلات وكانت مصر أسبق من البلاد العربية في هذا المجال ومما ساعد على انتشار الأدب فيها ظهور الصحف والمجلات الأدية المختلفة.

وباتصال مصر بدول الغرب أطلع أدباؤها على الأدب الغربي شعرا ونقدا وقصصا وبحوثا ووفدت على البلاد الآراء والاتجاهات الأدبية الغربية.

وقامت في مصر نهضة أدبية حديثة على أسس جديدة حيث ألقت وراء ظهرها المحسنات البديعية التي سيطرت على نتاج الأدباء في السابق كالسجع والجناس والطباق وغيرها وانقسم الأدباء إلى مدارس أدبية مختلفة وظهرت مذاهب أدبية متباينة وقامت معارك أدبية طاحنة بين القديم والجديد تارة وبين المدارس الأدبية تارة أخرى وبين تلاميذ كبار الأدباء ثالثة.

وكان أسبق الأدباء ظهروا محمود سامي البارودي أحد زعماء الثورة العرابية والذي اعتبر شاعرا مجددا حيث خرج على الموضوعات الشعرية التقليدية.

وظهر بعده أحمد شوقي شاعر القصر الذي أطلق عليه لقب أمير الشعراء ولشوقي نتاج شعري غزير في مناسبات عديدة وقد كتب عدة مسرحيات شعرية مثل كليوباترا ومجنون ليلى وقمبيز .

وعاصر شوقي الشاعر حافظ إبراهيم الضابط في الجيش المصري وقد أطلق عليه لقب شاعر النيل وكما كان شوقي شاعر القصر، وكان حافظ شاعر الشعب.

وقد شغل هذان الشاعران النقاد في حياتهما وبعد وفاتهما وانقسموا في شأنهما إلى فريقين: فريق يرى فيهما شاعرية فياضة وأن شعرهما يصدر عن إحساس صادق ومعاناة حقيقة وفريق آخر يراهما وبخاصة شوقي شعراء مناسبات لم ينبع شعرهما من إحساس صادق وإنما يقولان ما يرضي الجماهير.

وكان من أوائل الأدباء ظهورا في مصر مصطفى لطفي المنفلوطي الذي نشر العديد من المقالات الأدبية ثم جمعها في كتاب سماه النظرات كما ترجم إلى العربية عددا من القصص الأجنبية مثل: ماجدولين، والفضيلة وفي سبيل التاج.

وظهر بعده طائفة من الأدباء منهم الأدباء الثلاثة: عباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وعبد الرحمن شكري وكان الثلاثة شعراء جمعهم مذهب واحد ورأوا أن حالة الأدب في البلاد وبخاصة النقد الأدبي غير مرضية فأصدروا كتابا في النقد أسموه الديوان وسموا بعد ذلك بجماعة الديوان وأصدروا العديد من الدراسات والقصص ونظموا دواوين شعرية عديدة كما كتبوا المقالات المتتابعة في الصحف والمجلات الأدبية وكونوا مدرسة أدبية تتلمذ عليهم فيها كثير من الأدباء والشعراء وقادوا حركة النقد في مصر فترة من الزمن.

وكان على رأسهم العقاد الأديب الكبير الذي قرأ وطالع الكثير وأصدر عدة دواوين شعرية منها عابر سبيل ووحي الأربعين و أعاصير مغرب كما نشر دراسات كثيرة في شتى نواحي المعرفة الإنسانية منها العبقريات الإسلامية وقد زادت كتبه التي نشرها عن مائة كتاب وكان العقاد معتدا بنفسه لا يرى أحدا يدانيه من الأدباء وقد أطلق عليه طه حسين لقب أمير الشعراء بعد وفاة شوقي ولكنه لم يقبل به لأنه لم يوفه حقه في رأيه.

واستمر الأدباء الثلاثة عباس العقاد والمازني وشكري يعملون معا فترة من الزمن إلى أن فرق بينهم الوشاة فهجر شكري الشعر وأنصرف المازني عن العقاد وبقي العقاد وحده في الميدان.

وكان معاصرا للعقاد الأديب مصطفى صادق الرافعي الذي اختط لنفسه أسلوبا خاصا في الكتابة والشعر واعتبر من كبار أدباء العربية المعاصرية بل كان يعتبر نفسه أديب العربية في مصر وكان الرافعي معتدا نفسه كالعقاد لذلك دارت بينهما معارك أدبية حادة وشهدت صفحات المجلات والجرائد الأدبية جولات عدة بين الأديبين كذلك دارت معارك أدبية بين تلاميذ الرافعي وتلاميذ العقاد وقد نشر الرافعي عددا من الدراسات الأدبية والنقدية منها تاريخ آباب اللغة العربية وإعجاز القرآن ورسائل الأحزان وكتاب المساكين وحديث القمر، وأوراق الورد، والسحاب الأحمر وجمع عددا من مقالاته في المجلات في كتاب (وحي القلم).

وعاصر العقاد والرافعي الأدبي الدكتور طه حسين الذي درس في الأزهر ثم التحق بجامعة السوربون في فرنسا وتثقف الثقافة الأجنبية وعاد إلى مصر وتبوأ فيها عددا من المراكز منها تدريسه في الجماعة المصرية عند إنشائها ثم عين مديرا للجامعة ثم صار وزيرا للمعارف وقد أطق عليه لقب عميد الأدب العربي وقد أصدر طه حسين عددا من الدراسات الأدبية والنقدية كما ساهم في الكتابة في الصحف والمجلات الأدبية وقد أثار طه حسين عددا من المعارك الأدبية حيث تبنى آراء بعض المستشرقين الفرنسيين، التي يطعنون فيها في الإسلام والعربية وكان من أهم تلك الآراء التي جلبت عليه السخط موقفه من الشعر الجاهلي حيث اعتبره منحولا مقلدا في ذلك رأي المستشرق الإنجليزي مرجليوث وأثبت هذا في كتابه في الشعر الجاهلي وكان يدعو إلى أن تكون مصر نسخة طبق الأصل عن الغرب ونجد هذا في كاب مستقبل الثقافة في مصر.

وقامت في مصر جماعة أبوللو الأدبية التي أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي ودعا إلى مذهب تجديدي في الشعر، وأصدر مجلتي (أبو للو) و (الأمام) اللتين نشرتا بحوثا ومقالات وقصائد لبعض الأدباء الشبان.

وانقسم الأدباء في مصر إلى فريقين:

شيوخ الأدب: الذين أسهموا في النهضة الأدبية الحديثة ببحوثهم وقصائدهم ومقالاتهم ودراساتهم وندواتهم وتتلمذ عليهم كثير من الشبان الناشئين ومن هؤلاء الشيوخ عباس العقاد والرافعي وطه حسين وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري والدكتور محمد حسين هيكل الذي عرف بدراساته في السير والدكتور أحمد أمين صاحب فجر الإسلام الذي أنشأ مجلة الثقافة في الثلاثينيات واستمرت حتى أوائل الخمسينيات وكانت مجلة أدبية مستقلة أسهمت في النهضة الأدبية ونشرت للعديد من الأدباء ومنهم أحمد حسن الزيات، الذي أنشأ مجلة الرسالة وقامت بدور كبير في أداء رسالتها.

وكانت كذلك مجلة أدبية مستقلة وكتب فيها كثير من الأدباء الشيوخ والأدباء الشبان واستمرت في أداء رسالتها حتى توقفت بعد الثورة ومنهم توفيق الحكيم صاحب المسرحيات والدراسات الأدبية مثل أهل الكهف وعودة الروح ويوميات نائب في الأرياف ومنهم الدكتور زكي مبارك والدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور محمد أحمد الغمراوي وغيرهم.

والفريق الثاني: الأدباء الشبان الذين تتلمذوا على الجيل السابق وأبدعوا في الشعر والنثر والبحوث والدراسات، ونشرت لهم المجلات الأدبية في النصف الأول من هذا القرن- العشرين- المقالات والبحوث والقصص والقصائد كما نشروا كتبا مختلفة الموضوعات كان بعضهم تلاميذ للعقاد مثل: سيد قطب، وعبد الرحمن صدقي، ومحمد خليفة التونسي، وبعضهم تلاميذ للرافعي مثل: محمد سعيد العريان، وعلي الطنطاوي.

ومن هؤلاء الأدباء الشبان: الدكتور عبد العزيز عتيق، وفايد العمروسي، صديقا سيد قطب الحميمان ومنهم: محمود محمد شاكر والعوضي الوكيل، وصالح جودت، وعلي محمود طه، وإبراهيم ناجي وعلي أدهم وإسماعيل أدهم ومحمود حسن إسماعيل ونجيب محفوظ وأنور المعداوي وعز الدين إسماعيل وغيرهم.

وقد تقدم النقد الأدبي في مصر خطوات إلى الأمام وحتى الأربعينيات كان يقود النقد جماعة الديوان بصورة خاصة، بالإضافة إلى الرافعي وطه حسين وأحمد أمين وزكي مبارك.

وفي الأربعينيات كان سيد قطب يتبوأ مركز الصدارة في النقد الأدبي بخاصة حيث نشر مقالاته النقدية المتعددة في الصحف والمجلات كما أصدر كتابيه كتب وشخصيات والنقد الأدبي أصوله ومناهجة واستمر سيد قطب الناقد الأول في مصر إلى أن أنصرف إلى دراساته الإسلامية.

و استلم راية النقد من بعده الناقد الشيوعي الدكتور محمد مندور وعاصره من النقاد أنور المعداوي وعز الدين إسماعيل وغيرهم كما ظهر من بعه النقاد الدكتور محمد غنيمي هلال والدكتور أحمد كمال زكي ورجاء النقاش وغيرهم.

كانت مصر أسبق البلاد العربية في إصدار الصحف والمجلات التي كان لها دور بارز في النهضة الحديثة والتعريف بنتاج الأدباء من قصائد ومقالات وقصص وبحوث ومسرحيات وكانت من أوائل المجلات ظهورا المتقطف للدكتور يعقوب صروف ثم الأهرام ليوسف تكلا ثم الهلال لاميل زيدان وكان من هذه المجلات أبوللو للدكتور أحمد زكي أبو شادي والأسبوع لأدوار عبده والبلاغ اليومي والأسبوعي لعبد القادر حمزة والسياسة الأسبوعية لمحمد حسين هيكل والرسالة للزيات والثقافة لأحمد أمين والكتاب لعادل الغضبان والكاتب المصري لطه حسين والفتح والزهراء لمحب الدين الخطيب والعالم العربي والفكر الجديد لسيد قطب وغير من المجلات الأسبوعية والشهرية.

كما كانت بعض الجرائد اليومية تصدر ملاحق أدبية وتخصص صفحات منها للأدب مثل: الأهرام والبلاغ، والجهاد وغيرها.

الفصل الثاني: بيئة سيد قطب

قريته.

ولد سيد قطب في قرية من قرى الصعيد، تتبع محافظة أسيوط تسمى قرية (موشى) كما تسمى بلد (الشيخ عبد الفتاح) وهو أحد أوليائها وله مقام فيها.

وقد شب وترعرع في قريته تلك، ولم يغادرها إلا في شبابه ولذلك لابد من التعرف على طبيعة هذه القرية لأنها تركت آثارا واضحة على الرجل وساهمت في تكوين شخصيته ولا نهدف من هذا البحث إلى وصف قريته وصفا جغرافيا لذات الوصف إنما نهدف إلى أمر آخر:

فقد فتقحت عينا سيد قطب على الحياة في قريته وقضى فيها حوالي ثلاثة عشر عامأن مما جعل لها أُثرا عظيما في نفسه وعقله وتفكيره فهي البيئة الأولى التي عاش فيها وإذا كان الطفل يكتسب الكثير من بيئته فمن الضروري أن نعرف ماذا اكتسب سيد قطب من تلك البيئة كما أنه من المسلم به أن للمناظر الطبيعة التي تتفتح عليها حواس الطفل أثرا على نفسيته فمن الضروري كذلك أن نعرف مناظر الطبيعة التي تفتحت عليها حواس سيد قطب الشاعرة والتي تأثرت بها نفسه، وكونت ذلك الرصيد الضخم من الصور المذخورة في مخليلته.

وإذا كانت دارسة حياة أي زعيم أو مفكر لابد من أن تستوعب كل مراحل حياته وتبين مؤثرات كل مرحلة فمن الضروري أيضا معرفة مؤثرات قرية سيد قطب على المرحلة الأولى من حياته وعلى المراحل اللاحقة لهأن والتي قد تأثرت بها تأثرا واضحا.

لكل هذه الأمور سنعني هنا بتصوير قريته، وبيان أثرها على تكوين شخصيته.

تقع قريته على الشريط الأخضر من الأراضي الطبيعية الذي يقع على جانبي نهر النيل ونظرا لمرور النيل من أراضيها فقد امتازت بالعديد من من البساتين كانت أكبر من عدد الأيدي العاملة فيها.

يحدثنا سيد عن ثلاثة مواسم زراعية كان وجه القرية يتغير فيها كل عام وكانت هذه المواسم تؤثر على نفسية وأحاسيس الجميع والأطفال بصفة خاصة، حيث ينتظرونها من العام إلى العام وهي موسم اللوق، وموسم الحصاد، وموسم جني القطن.

ونترك الحديث لسيد قطب ليحدثنا عن موسم اللوق ومنظر الأراضي والبلدة خلاله، وشعور وأحاسيس الكبار والصغار تجاهه:

(موسم اللوق لا يعرف إلا سكان الأراضي التي تروي بالحياض تلك الأراضي التي تظل مكشوفة طوال العام حتى يحين موعد الفيضان في سبتمبر وأكتوبر (أيلول وتشرين أول) من كل عام فتنطلق مياه الفيضان التي تعم الأرض الزراعية جميعا وصبح لجة يرتفع فها الماء إلى متر ويصل في بعض المواضع إلى مترين أو أكثر عندئذ تصبح القرى جزائر في وسط اللجة لا يصل بعضها إلى بعض إلا في صغار المراكب وخفاف القوارب) كما يقول عمرو بن العاص في رسالته التي كان الصبي يحفظها في المدرسة الأولية ويجد مصداقها فيها تقع عليها عينه كل عام.

والحق أن منظر اللجة من الجبل إلى الجبل منظر فريد ساحر فالوادي كله وعلى جانبيه التلان اللذان يسميهما الأهالي جبلين، يستحيل إلى لجة متصلة ينفلت فهيا النيل من عقاله ويتخطى حواجز جسوره، ليعانق الأرض الحبيبة التي يزورها مرة واحدة في العام وينظر الناس إلى النيل نظرة المودع الآسف للوداع حتى لقد سمع الطفل أحد القوريين السذج يتأمل النيل الهابط في حسرة، وقد خمد الموج العالي في اللجة وانساب انسيابا حسيرا ثم يقول: مسكين خلاص همد) وكان الرجل يقولها وكأنها يتحدث عن إسنان حي تربطه به آصرة القربي وصلة العائلة ومودة الأصدقاء.

وعندما كبر سيد وذهب إلى المدرسة كان أكثر ما يكون فرحا حين تتحول مدرسته إلى شبة جزيرة في وقت الفيضان يحيط بها الماء من ثلاث جهات وتبقى الجهة الرابعة تصلها بالقرية عن طريق البر وقد كانت المدرسة تقع في طرف القرية على حدود الحقول الزراعية.

وكان المدرسون يأتون إلى المدرسة من القرى القريبة بالمراكب والقوارب الشراعية وكان سيد يلقى بنظراته من المدرسة على تلك المشاهد الفاتنة.

ولا شك أن طول مدة بقاء الفيضان يستمر شهرين ومنظر القوارب والمراكب تنقل جيئة وذهابا وسط اللجة والقرى تتناثر وسط الفيضان كالجزر، والأشجار الباسقة تتمايل يمنة ويسرة وسط الماء ولا شك أن هذا كله ترك أثرا عظيما على نفسية سيد قطب وإحساسه بالجمال وشعوره بالأنس نحو الطبيعة وحقا كم لمنظر الماء من أنس وسحر على أخيلة وأحاسيس الصغار والكبار.

وبعد أن ينحسر الماء على أراضي القرية يخرج المزارعون من الأهالي ومن العمال الغرباء إلى الحقول ليبذروا الحب ويخرج سيد إلى مزارع والده لا ليعمل مع المزارعين بل ليستمتع برؤية تلك المناظر الخلابة وليداعب العمال وهم يزرعون ولينظر إلى الماشية ترعى في الحقول وليجري في البساتين بخفة ورشاقة الأطفال وليشنف سمعه بتغريد الطيور والبلابل يخرج إلى الطبيعة الحية لتفتح أحاسيسه وأخيلته ولتستمتع نفسه بجمال الكون الذي خلقه الله.

لقد كان عالم الحقل الذي درج فيه سيد، عالما ساحرا حقأن فسيحا ممتدا..

وأما بيوت القرية والممرات وأزقتها فلم تكن تخلو من الأشجار الباسقة الجميلة مثمرة كانت أو غير مثمرة.

وبيته الذي عاش فهي أشجار متنوعة فيه نخلتان شاهقتان تهزهما الريح فتأتيان بحركة عجيبة متناسقة تؤثر في نفسية سيد وإحساسه وتهز فؤاده كله وكذلك المدرسة التي درس فيها فيها شجرتان ظليلتان وفيها أزهار جميلة منها زهرة (دقن الباشا) التي تفوح منها رائحة عطرة والتي لا نظير لها في القرية كلها.

تقع قريته بين جبلين يحيطان به وبأراضيها الزراعية ويسكن قريته عدد من النصارى لهم كنيسة في القرية ودير يقع في حضن الجبل، على خمسة كيلو مترات منها.

كانت قريته التي وصفنا حقولها ثرية معروفة بالثراء والرقي والنظافة بالقياس إلى القرى الأخرى المجاورة.

ورغم سعة أراضي القرية الزراعية فلم تكن المكليات الكبيرة التي تشبه الأقطاع معهودة فيها فأكبر ملكية زراعية لم تكن تتجاوز المأتي فدان وقل أن يكون في القرية فرد أو بيت لا يملك قطعة أرض صغيرة أو كبيرة.

كانت الفوارق بين أهالي القرية شبه معدومة، وكانت العلاقة بين الجميع تقوم على الود والمساعدة ولا مجال فيها للحقد الطبقي أو استعباد الأخرين.

توزيع الأراضي الزراعية على هذا النحو كان يقرب الفوارق بين الطبقات ويخلق حالة من اأنفة الشخصية في صلات الناس بعضهم ببعض فلم يكن هناك خدم بالمعنى المعروف في المدينة أو بعض الضياع والتفاتيش حيث يهبط الخادم إلى مرتبة الرقيق...

كان الخادم في القرية إنسانا فقيرا محتاجا إلى العمل ولكنه لا ينطق كلمة (سيدي) المقيتة، بل يستعيض عنها بكلمة عمي لصاحب البيت وامرأة عمي لسيدته.. ثم هو يعمل في الدار أو في الحقول وفي تربية المواشي طوال اليوم فإذا جن الليل عاد إلى بيته وأهله كما يعود أي سيد.

أما مستوى المعيشة في القرية فهو مستوى معقول بالقياس إلى القرى الأخرى فأفقر بيت يأكل اللحم كل أسبوعين مرة وغالبا ما يأكلونها كل أسبوع والسمن البلدي معروف في البيت جميعا والفاكهة والبطيخ والشمام والبلح والرمان النبق والقثاء والخيار والجوافة والتفاح البلدي والقصب تدخل البيوت جميعا مع اختلاف المقادير.

كان لكل أسرة في القرية بيت مملوك صغيرا كان أو كبيرا والأكواخ الطينية لم تكن معروفة في القرية كان أثر بيوتها مبنيا بالطوب الأحمر وسائرها من اللبن ومعظم البيوت يتكون من طابقين أو ثلاثة وبعضها يصل إلى أربعة وندر أن يتألف المنزل من طابق واحد حتى بيوت الفقراء.

البيت الذي عاش فيه سيد كان بيتا فسيحا جميلا وصفه سيد كما وصفه إخوته ولكن هذا البيت لم يستمر ملكا للعائلة، فقد باعه والده إلى أحد أقباط القرية وقد تهدم جزء كبير منه بعد أن مات المشتري وأهمله ورثته من بعده.

ورغم أنه قد بيع لظروف قاهرة إلا أن وقع البيع كان شديدا على نفوس جميع أفراد العائلة إذ كان بيت العائلة الذي نشأ فيه الجد والأب والأم والأولاد، وللجميع فيه ذكريات وأحلام.

أصله

هو سيد قطب إبراهيم حسين شاذلي ولد في قرية موشة إحدى قرى محافظة أسيوط في الصعيد وكانت ولادته في سبتمبر أيلول سنة 1906.

وقد اختلف الذين كتبوا عنه في أصله أهو مصري أو هندي؟ فذهب معظمهم إلى أن أصله هندي وأن أحد أجداده قدم من الهند إلى مكة للحج ثم استوطن قرية موشة في صعيد مصر.

بل إن أبا الحسن الندوي نقل في كتابه مذكرات سائح في الشرق العربي كلاما لسيد قطب نفسه، يؤكد هذا حيث قال له مبينا الباعث الطبيعي عنده لزيارة الهند:

وأما الباعث الطبعي فلأن جدنا السادس كان هنديا وهو الفقير عبد الله ولا تزال السحنة الهندية موروثة في أسرتنا.

وكان يكفينا كلام سيد هذا دليلا على ما ذهبوا إليه حيث حدد أن جده السادس الفقير عبد الله قدم من الهند أقول كان يكفينا هذا لولا أن شقيقة الأستاذ محمد قطب نفي هذه الحكاية عندما قابلته وقال إنها مجرد ظن، مبعثه أن تقاطيع وجه العائلة قريبة الشبة بتقاطيع وجوه أهل الهند.

فقالوا: لعل أحد أجدادهم قد هاجر من الهند وحمل كلام سيد قطب السابقة على أنه قال للندوي على سبيل المجاملة والدعابة فقط.

وأنا أميل إلى الرأي القائل بأن سيد قطب هندي الأصل اعتمادا على كلام سيد قطب إلى أبي الحسن الندوي، حيث حدد له اسم الجد القادم من الهند وبهذا يكون قد أقام الدليل على صحة دعواله مع الأخذ بعين الاعتبار بأن نسبه الحقيقي هو الإسلام لأن جنسية المسلم عقيدته.

أسرته

حدثنا سيد عن أسرته ومركزها المرموق في القرية فقال:

(نشأ في أسرة ليست عظيمة الثراء، ولكنها ظاهرة الامتياز، كانت في وقت من الأوقات عظيمة الثروة ولكنها توزعت وتضاءلت بالميراث وبقي لوالده قدر لا بأس به منهأن ولكنه كان يتناقص دائما .. وكان والده قد صار عميد الأسرة المكلف حفظ اسمها ومركزها في الوقت الذي لم ينله من الميراث إلا نصيب محدود، لا ينهض بها كانت تنهض به ثروة الأسرة مجتمعة على حين لا يستطيع أن ينقص شيئا من تكاليف المظهر في الريف.

كما حدثنا عن أسرة والدته قائلا:

وكانت والدته من أسرة مماثلة أو أعرق وقد وقع لها ما وقع لأسرة الوالد حرفا بحرف ولكنه زاد عليها أن اثنين من أخواله كان قد أوفدا إلى الأزهر في القاهرة شأن غالبية الأسر الريفية الثرية فأنشأ هذا في الأسرة شيئا من الرقي العلمي، بجانب الوجاهة الريفية يضاف إلى هذا كله أن جده لوالدته كان قد قضى شطرا كبيرا من حياته في القاهرة هو وزوجته، حتى إذا عاد إلى القرية أنشأ فيها بيتا يقرب من بيوت العاصمة على قدر الأمان في نظامه وتنسيقه وتقاليده ومستواه وساعده المال على تحقيق ما أراد.

وفي هذه البيئة نشأن وكل ما حوله يشعره أنه وسط آخر غير وسط القرية.

هذه أسرة سيد قطب التي عرف الحياة في جوها وشب في أحضانها جمعت ين الوجاهة الريفية والرقي العلمي وكان كل أهل القرية ينظرون لوالده عميد الأسرة بعين الإكبار والإجلال حيث احتل مركزا مرموقا وبعض أهل القرية يأتون إلى العائلة يحيطون بها كخدم وأعوان.

والأغراب القادمون من القرى البعيدة للعمل في مزارع القرية، يفضلون العمل في مزارع الأسرة. وموظفو الدولة الذين يعملون في القرية يترددون على الأسرة باستمرار والحفلات التي تحييها الأسرة دائما يحضرها أهل القرية والولائم الكبيرة التي تقام في المواسم ويتلى فها القرآن تتكرر، عند الأسرة أكثر من مرة في السنة.

لا غرابة إذن في أن يشعر سيد أن أسرته ليست كباقي الأسر وأنها تمتاز عن غيرها بذلك المركز المرموق الذي يغبطها عليه الكثيرون ولقد غرست هذه المشاعر ف نفسه معاني العزة والكرامة، وهي المعاني التي صاحبته طيلة حياته ورحمه الله.

والده

إذا ما ألقينا نظرة على ما كتبه سيد قطب في طفل القرية وعلى أهدائه كتابه القرآن مشاهد القيامة في القرآن]] وعلى الكتاب المشترك الذي ألفه مع إخوته الأطياف الأربعة استطعنا أن نتعرف على والده وأن نرسم له في مخيلتنا صورة واضحة الملامح بارزة السمات.

لقد ورث والده الحاج قطب إبراهيم من الأسرة قدرا محددا من الثروة الزراعية وورث مع ذلك عمادة الأسرة وكان هذا يتطلب منه أن ينفق الكثير الكثير من أجل المحافظة على مركز الاسرة المرموق ولا يستطيع حتى لو أراد أن ينقص شيئا من تكاليف المظهر في القرية فلابد أن يدفع ثمن هذا كله ومع أن ما بين يديه من المال لا يكفي للاستمرار في دفع هذا الثمن والقيام بتلك النفقات الكثيرة لذا بات من الضروري أن يبيع بعض أراضيه فراح يبيع بين الحين والآخر كلما وقع في ضائقة مالية قطعة من أراضيه فباع ما يملك قطعة قطعة واضطر في النهاية إلى بيع بيت العائلة الكبير.

لم يكن البيع نصيب أراضي والده فقط، بل كان كذلك نصيب أراضي أسرته لأمه، حيث قام أخواله، بعد وفاة أبيهم، ببعثرة ثروته الواسع التي ورثوها عنه، يمينا وشمالأن حتى انتهت عن آخرها.

كان وقع هذا البيع شديدا على والدته، وقد صور لنا سيد حالتها بعدما قام والده ببيع قطعة من أراضيه، كما صور لنا وقع هذا البيع على نفسه الصغيرة حيث سيفقد الحقل والبيت والبهائم وكانت أمه تعده ليعيد للأسرة ما فقده أبوه بالبيع وذلك بإرساله إلى القاهرة ليتعلم ثم يحصل على وظيفة ويدخر المال اللازم ويعود إلى قريته ليشتري ما باعه أبوه.

ولكن بعدما تخرج وسكن القاهرة صار عنده ما يشغله وجد عليه والواجبات ما حال بينه وبين تحقيق أمنية أمه.

كان والده كريما متلافا مضيافا ينفق الكثير على أولاده وأهل بيته ولا يبخل عليهم بشيء فما كانوا يحتاجون إلى شيء مما يوجد في السوق لأنه كان أسبق الجميع في إحضار أجود أصنافه إليهم.

وكان عند والده عدد من الخدم لم يكونوا خدما بالمعنى المعروف، بل كانوا خدما من نوع خاص وهم فقراء من أهل القرية بعضهم أقارب بعيدون للعائلة وبعضهم جيران لها كانوا يقومون ببعض شئوون المنزل من الليل أ والنهار، أو يساعدون في أعمال الحقل في مقابل أكله أو شيء من الوقود الذي يلزم لهم من روث الدواب وفي مقابل بعض الملابس التي يخلعها أهل البيت، ويستطيع هؤلاء الفقراء أن يجدوا فيها من الصلاحية ما لم يجده أهل الادار ثم في مقابل كيلات من الحبوب في المواسم وكميات من التين وأعواد الذرة الجافة للوقود.

ويرفض والده أن يكون هؤلاء الخدم أذلاء أمامه فما يقبل أن يخاطبوه بكلمة سيدي التي تنضح بالذل وبرضى أن يناديه الصغار بلقب عمي الحاج والكبار بقلب الحاج.

شمل كرم والده العمال الأغراب، الذين يأتون للعمل في أرضه كل موسم، ولم يكن الطعام الذي يقدمه لهم في متسواه أٌل من طعام العائلة وهو يخالف في ذلك عرف أهل القرية الين يميزون طعامهم عن طعام عمالهم وعندما طالب هؤلاء العمال مرة أن يأكلوا على حسابهم مقابل زيادة في أجرتهم اليومية، وافق على منحهم الزيادة على أن يستمر في تقديم الطعام لهم.

وكان من كرم والده أيضا تلك الولائم التي تتكرر في بيته سنويأ وقد حدثنا عنها سيد قائلا: والختمة كانت عادة موسمية في منزلهم تتكرر أربع مرات أو خمسا في العام... وفحواها أن يدعي بعض الخطباء أي قراء القرآن إلى المنزل لتلاوته تبركا وتيمنا على أرواح الاموات في مواسم معينه: في يوم عاشوراء وفي العيدين الصغير والكبير وفي اليوم السابع والعشرين من رجب وفي نصف شعبان وكان يقدم للقراء والخطباء والحضور، بعد انتهاء الختمة، أجود أصناف الطعام في الإفطار والغداء والعشاء.

وقد كان والده متنورا عنده المام بنواحي المعرفة والثقافة وعنده وعي وطني وسياسي فقد كان من قراء الصحف مشتركا في صحيفة الحزب الوطني اليومي اللواء وقام بواجبه الوطني خير قيام إذ انضم إلى الحزب الوطني وكان عضوا في لجنة الحزب بالقرية.

والحزب الوطني الذي انضم إليه من أوائل الأحزاب المصرية نشوءا حيث أنشأه مصطفى كامل سنة 1907 وكانت ميوله الوطنية والإسلامية واضحة، كما كان من أغنف الأ؛زاب هجوما على بريطانيا وقد ضم الحزب عددا من خيرة المصلحين المصريين ذوي الميول الإسلامية مثل الشيخ عبد العزيز جاويش واستمرت هذه الميول واضحة لدى الحزب إلى فترة طويلة، حيث تخلى عنها فيما بعد.

لقد كان والد سيد حزبيا نشيطأن حيث جعل من بيته مركزا سياسيا هاما تعقد فيه الاجتماعات السياسية الوطنية العلنية العادية منها والسرية الخطيرة التي لا يحضرها إلا المختصون. وعلاوة على ذلك كانت الدار مركز تثقيف جماهيري حيث تأتيها الجموع لتسمتمع للأحاديث السياسية الوطنية ولتقرأ جريدة الحزب الوطني اليومية حيث تطلع على أخر الأخبار المحلية والعالمية وتستفيد من التحليلات السياسية.

وقد حدثنا سيد عن دور والده في التحضير لثورة سنة 1919 في القرية وعن الاجتماعات التي كانت تعقد في دارهم تمهيدا لها:

كان ذلك في نهاية الحرب العظمى الماضية، وكان بالمدرسة ناظر شاب يتقد وطنية ولما كان والد الطفل عضوا في لجنة الحزب الوطني ومشتركا في صحيفته اليومية فقد كان منزلها مثابة للوطنيين من رجال القرية ولهذا كان الناظر الشاب كذلك الذي انعقدت صداقة حميمة بينه وبين والده وفي هذه الاجتماعات كانت تدور أحاديث يحضر بعضها الصبي (سيد قطب) وبعضها كان سريا لا يعلم عنه أحد شيئا.

ويحدثنا سيد عن أثر هذه الاجتماعات على نفسه، وما تلقيه في حسه وروعه:

وكان يبدو أن هناك شعورا معينا يختمر يذكر الآن ذلك كله، ويدرك أنه وهو طفل كان يتوقع في حسه مع هؤلاء الرجال شيئا غامضا لا يدري ما هو ولا كيف يقع ولكن شيئا ما سيحدث والسلام وكانت الاجتماعات السرية التي تعقد في منزله والأبواب مغلقة والأصوات تجري همسأن كانت هذه الاجتماعات تلقى في روعه هذا الشيء الغامض الذي لا يدريه.

كانت علاقة والده بربه قوية متينة، فقد كان متدينا يقيم الصلاة في كل وقت ويصليها في المسجد الجامع وكثيرا ما كان يصطحب طفله سيد معه وعندما كبر سيد ووصل العاشرة من عمره صار يذهب إلى المسجد وحده، ويحرص على أداء الصلاة جماعة فيه.

وقد أدى والده فريضة الحج وكان الصغار لقبونه ب عمي الحاج والكبار بلقب الحاج وهذا دليل على قوة العقيدة في نفسه ومسارعته إلى مرضاة ربه فما كان يؤدي فريضة الحج في زمنه إلا القليل من الأثرياء الذين عمر قلوبهم الإيمان بالله.

وقد كان كثير الصدقة في سبيل الله، على الفقراء والمساكين في القرية ومنهم من كان يجلس معه في البيت يأخذون نصيبهم من الطعام أو الحبوب في المواسم.

كما كان يتصدق على العمال الذين يعملون في أرضيه فيعطيهم أجرا يزيد عن أجور زملائهم الذين يعملون عند الآخرين ويقدم لهم طعاما أجود من طعام الآخرين كذلك.

كان يقيم حفلات الحتمة في البيت عدة مرات في العام حيث يجتمع قراء القرية، يقرءون القرآن مقابل أجرة مادية يدفعها لهم ووليمة فخمة يضعها أمامهم وكان يجمع القراء في المنزل طوال شهر رمضان يقرءون القرآن وينفق عليهم من الأموال الكثير ويقدم لهم أطايب الطعام ويبتغي بهذا كله وجه الله.

كان يعيش كل يوم والآخرة في حسابه هي المسيطرة على حركاته وسكناته ومواقفه وأعماله وخير ما يصور لنا هذا سيد فقد أهدى له كتابه مشاهد القيامة في القرآن ومما جاء في أهدائه قوله:

ولقد طبعت في حسي وأنا طفل صغير مخافة اليوم الآخر لم تعظني أو تزجرني ولكنك كنت تعيش أمامي واليوم الآخر في سحابك وذكراه في ضميرك وعلى لسانك كنت تعلل تشددك في الحق الذي عليك وتسامحك في الحق الذي لك بأنك تخشى اليوم الآخر وكنت تعفو عن الإساءة وأنت قادر على ردها لتكون كفارة لك في اليوم الآخر وكنت تجود أحيانا بما هو ضرورة لك لتجده ذخرا في اليوم الآخر...

وإن صورتك المطبوعة في مخيلتي ونحن نفرغ كل مساء من طعام العشاء فتقرأ الفاتحة وتتوجه بها إلى روح أبويك في الدار الآخرة ونحن أطفالك الصغار نتمتم مثلك بآيات منها متفرقات، قبل أن نجيد حفظها كاملات.

ولا شك أن هذه السمات البارزة في شخصية والده، والتي ذكها سيد هنا قد أثرت فيه كثيرا ورسخت في نفسه وشعوره ورسمت ملامح شخصيته وكان لها صلة مباشرة بالمواقف التي وقفها في حياته مواقف العزة والثبات، والاستعلاء والكرامة.

أمه

لقد كانت أم سيد قطب من أسرة رفيعة من أسر القية ذات مكانة مرموقة فيها نظرا لثروتها الواسعة التي جمعها والدهأن نظرا لدراسة اثنين من إخوانها في الأزهر الشريف حيث جمعت بهذا بين الوجاهة العلمية والوجاهة الاجتماعية.

كان لها أخوة أربعة اثنان منهم نالا قسطا من العلم، وكان لأحدهما أحمد حسين عثمان أثر كبير على سيد عندما سكن معه في القاهرة.

ورغم أن ثروة الأسرة في القرية قد بيعت عن آخرها إلا أن مه لم تجزع فقد اتصفت بالإيمان والثقة والعزة والكرامة وكان لأسرتها فضل كبير في غرس هذه الصفات في نفسها ووالدها رجل أزهري ثري تقي وأخواها تعلما في الأزهر كذلك.

كانت تحب سماع القرآن وتخشع عند تلاوته وتحث والدها سيد على أن يقرأ لها القرآن وتتسمع من وراء الشيش للقراء يرتلون القرآن في المنزل وقد صور لنا سيد هذه السمة فيها عندما أهدى إليها كتاب التصوير الفني في القرآن قائلا:

لطالما تسمعت من وراء الشيش في القرية للقراء يرتلون في دارنا القرآن طوال شهر رمضان وأنا معك أحاول أن إلغو كالأطفال فتردني منك إشارة حازمة وهمسة حاسمة، فأنصت معك إلى التراتيل وتشرب نفسي موسيقاه وإن لم أفهم بعد معناه وحينما نشأت بين يديك بعثت بي إلى المدرسة الأولية في القرية وأولى أمانيك أن يفتح الله علي فأحفظ القرآن وأن يرزقني الصوت الرخيم فأرتله لك كل آن.

ولقد رحلت عنا –يا أماه- وأخر صورك الشاخصة في خيالي جلستك في الدار أمام المذياع تستمعين للترتيل الجميل ويبدو في قسمات وجهك النبيل أنك تدركين بقلبك الكبير وحسك البصير مراميه وخفاياه.

إذا كانت هذه حالتها عند سماع القرآن فلابد أنها كانت صوامة قوامة تقية بارة.

كانت كريمة تكثر من الصدقة في سبيل الله وتقوم بإعداد الطعام بنفسها للقراء الذين يقرءون القرآن في المنزل كما كانت تعده أيضا للعمال الأغراب الذين يعملون في حقول الأسرة وتجهد نفسها في هذا كله وهي راضية النفس لأنها تتقرب إلى الله بهذا العمل، وترجو ما عنده.

كانت حريصة على أن تغرس في نفوس أبنائها الصفات الغيمانية التي اتصفت بها وأن تربيهم عليها كي يتمثلوها في تصرفاتهم وسلوكهم ومواقفهم وكانت عنايتها بسيد فائقة فهو الابن البكر، وهو محط آمالها ومعقد رجائها لذلك حرصت على أن تبني شخصيته على الإيمان والعزة والكرامة والمروءة وتحمل المسئولية.

كانت تريد منه أن يكون رجلا حتى قبل أوانه لذلك راح يهرب من كل مظاهر الطفولة في طفولته ويعزو السبب إلى الكبرياء التي أودعتنيها منذ الطفولة فجعلتني أهرب من كل مظاهر الطفولة.

وعندما توفيت أمه سنة 1940 كان مما رثاها به قوله: أما من ذا الذي يقص على أقاصيص طفولتي كأنها حادث الأمس القريب وصور لي أيامي الأولى فيعيد إليها الحياة ويبعثها مرة أخرى في الوجود.

لقد كنت تصورينني لنفسي كأنما أنا نسيج فريد، منذ ما كنت في المهد صبيا وكنت تحدثني عن آمالك التي شهد مولدها مولدي فينسرب في خاطري أنني عظيم وأنني مطالب بتكاليف هذه العظمة التي هي من نسج خيالك ووحي جنانك، فمن ذا يوسوس إلى بعد اليوم بهذه الخيالات الساحرة ومن ذا يوحي إلي بعد اليوم بتلك الحوافز القاهرة.

إذا كان هذا ما أوحت به إليه وإذا كان هذا ما أملته فيه فلا غرابة إذن في المواقف العظيمة التي وقفها والتكاليف الباهظة التي دفعها حتى هانت عليه حياته وبذلها في سبيل ما يعتقد وإن لأمه أثرا عظيما ملموسا على هذه المواقف ولقد صدق ظن أمه فيه فقد عاش سيد قطب عظيما ومات عظيما وما زال تلاميذه يتحسسون مواطن العظمة فيه، ويسيرون على خطاه.

اخوته

تزوج والده زوجتين، الأولى أنجبت أولادأن أشار سيد إلى أحدهم في كتابه طفل من القرية.

والثانية أم سيد- أنجبت أولادأن عرفنا منهم خمسة: ابنان وثلاث بنات وهم: نفيسة وسيد وأمينة ومحمد وحميدة.

نفيسة:

وهي المولودة الأولى تكبر سيد بثلاثة أعوام ولا نعرف عنها الكثير وقد أشار لها سيد في كتابه طفل من القرية دون ذكر اسمها ولم يكن لها اشتراك في الأعمال الأدبية كباقي إخوتها وقد قدمت أغلى ما تملك في سبيل الله حيث استشهد أبنها (رفعت بكر شافع) الطالب في كلية الهندسة بجامعة القاهرة وذلك عندما زج جمال عبد الناصر بالألوف من أفراد جماعة الإخوان المسلمين في السجون، عام 1965 وجرت لهم مذابح رهبة فيها وقد لقي هذا الشهيد ربه عندما كان الزبانية يعذبونه في مكتب شمس بدران وزير الحربية يومئذ وكان سيد يحب هذا الشاب كثيرا بل كان أحب أولاد أخته إليه للشبه الكبير بينهما كما سجن شقيقه عزمي وعذب تعذيبا شديدأن أوشك أن يموت منه.

وقد نالت نفيسة نصيبها من السجن والتعذيب ولم يرحم الطغاة ضعفها وشيخوختها حيث كان عمرها يزيد عن الخامسة والستين ولم يخرجوها من السجن إلا بعد استشهاد ولدها رفعت.

سيد:

وهو أول مولود ذكر، أنجبته أمه، حيث كان له أخ أكبر منه، إلا أنه غير شقيق له، وقد خصصنا هذا الكتاب للحديث عنه ودراسة شخصيته.

أمينة:

كانت تصغر سيد وعاشت في القرية لفترة من الزمن ثم انتقلت إلى القاهرة وتزوجت وكانت لها ثقافة أدبية واسعة ولها مشاركة في الأعمال الأدبية وكان فن القصة هو أكثر فنون الأدب إجادة له حيث نشرت في المجلات الأدبية عددا من القصص الهادفة وتتبع قصصها من التصور الإسلامي للأدب والحياة كم شاركت أمينة أخوتها في كتابهم المشترك (الأطياف الأربعة) بقصص منها.

وقد عرف بها سيد في مقدمة الأطياف قائلا: تلك الفتاة الهادئة أمينة أنها ساربة في الماي لا تكاد منه تعود أنها شاعرة ثروتها من التصورات أجزل من ثروتها في التعبير أنها مستغرقة في حلم:

بالمستقبل الذي لا تملك وبالماضي الذي لن يعود.

ونعرف لها مجموعتين من القصص المطبوعة:

في تيار الحياة مجموعة أقاصيص ضمت اثنتي عشرة أقصوصة وقد أهدت هذه المجموعة إلى أخويها سيد ومحمد، ومما جاء في الإهداء قولها:

يا شقيقي الحبيبين إليكما أهدي هذه الأقاصيص إن في بعضها صرخات في التيه.. قبل أن تبدو لعيني معالم الطريق المأمون وفي بعضها الآخر خطوات متعثرة في منحنيات الطريق الطويل فتقبلاها مني ريثما أتحسس المعالم والسمات وأدرب قدمي على مشاق الصعود.

ومن أهدائها هذا يتجلى لنا أنها وإن لم تبد لعينيها معالم الطريق المأمون في ذلك الوقت فقد سارت خطوات متعثرة في منحنيات الطريق الطويل وأنها بهذا السير وهذا التعثر سوف تتحسس المعالم والسمات للطريق اللاحب الطويل والذي دربت قدميها على مشاق صعوده وقد صعدت هذا الطريق فيها بعد وتحملت مشاقه وأهواله، وأخذت نصيبها من المحنة والابتلاء، فأدخلت السجن وعذبت وصبرت، وخرجت منه أقوى أيمانا من قبل.

المجموعة الثانية من أقاصيصها في الطريق وهو يشابه اسم كتاب شقيقها سيد معالم في الطريق.

محمد:

لقد بقي سيد هو الولد الوحيد عند والديه ما يزيد على ثلاثة عشر عاما إلى أن ولد شقيقه محمد في أبريل نيسان سنة 1919 وقد قضي محمد طفولته في القرية وانطبعت في مخيلته صورهها ومشاهدهأن وتأثرت نفسه بمناظرهأن وتفتحت مشاعره وأحاسيسه على جمالها وبهائها وكثيرا ما كان يذهب إلى الحقول والبساتين الخضراء يجري فيها ويتفؤ ظلال أشجارها ويرهف سمعه لشدو بلابلها وزقزقة عصافيرها ويقطف لنفسه من زهورها ويستروح نسيم عبيرها.

ولما استقر شقيقه سيد في القاهرة ارتحل إليها مع أمه وأختيه وبعد أن أنهى دراسته الثانوية التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة وقد كان يرغب في أن يدخل قسم اللغة العربية وآدابها ولكن شقيقه أراد له أن يلتحق بقسم اللغة الإنجليزية وقد حصل محمد علي الليسانس في اللغة الإنجليزية كما حصل على دبلوم التربية وعلم النفس وبعد التخرج التحق محمد بوظيفة في وزارة التربية والتعليم.

وقد سار محمد في طريق الدعوة إلى الله، وتحمل تكاليفها بصبر وثبات، حيث أدخل سجون الطغاة في مصر، مرتين، الأولى في عام 1954 والثانية في مذبحة الإخوان عام 1965 حيث كان أول المعتقلين وقد لاقى إيمانا وثباتا وفجع في السجن بشقيقه وصنو روحه سيد، وقد ترك استشهاده جرحا عميقا في نفسه، ولكنه صبر واحتسب وطالت محنته في السجن ثم أفرج عنه، وتعاقدت معه جامعة الملك عبد العزيز في مكة، حيث يعمل الآن مدرسا فيها.

غرس سيد في نفس شقيقه محبة الأدب وفنونه فمارس محمد كتابة المقالة، وعرفته المجلات الأدبية التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات مثل الأسبوع والرسالة والثقافة وغيرها ونشر فيها كثيرا من مقالاته كما نظم محمد الشعر، ويغلب على شعره النبوة العاطفية ويتجه به إلى نفسه يحللها ويستنطقها ويستفهم منها عن سر الوجود والحياة ونشر كثيرا من قصائده في مجلات الرسالة والثقافة وغيرها.

وبينما تتلمذ سيد على الكاتب الكبير عباس العقاد كان محمد علي شدة إعجابه بالعقاد يرى أن الكاتب الساخر إبراهيم عبد القادر المازني أحب إليه من باقي الأدباء المعاصرين.

والأستاذ الحقيقي لمحمد هو شقيقه سيد، الذي ترك لمساته واضحة على شخصيته وحياته، وقد أهدى محمد أول مؤلف مطبوع له سخريات صغيرة إلى شقيقه سيد وجاء في الأهداء قوله:

إلى أخي الذي علمني كيف أقرأ كيف أكتب وحياتي برعايته منذ طفولتي فكان لي والدا وأخا وصديقا.. إليه أهدي هذا الكتاب لعلي أستطيع أن أفي بشيء من الدين العظيم.

وبعدما اتجه سيد الاتجاه الإسلامي وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين انضم شقيقه محمد إلى الإخوان بعده بشهور في سنة 1951 وبدأ محمد بتأليف مجموعة من الكتب الإسلامية هي:

1- الإنسان بين المادية والإسلامية: وهو أول مؤلف إسلامي له نشره في سنة 1951 واعتبره الأصل لبعض كتبه الإسلامية التي تلته

2- شبهات حول الإسلام.

3- في النفس والمجتمع.

4- قبسات من الرسول.

5- معركة التقاليد..

6- منهج التربية الإسلامية.

7- منهج الفن الإسلامي.

8- التطور والثبات في حياة البشرية.

9- دراسات في النفس الإنسانية.

10- جاهلية القرن العشرين.

والكتب الثلاثة الأخيرة، هي أنضج كتبه.

وبعد محنته عام 1965 انقطع عن التأليف فترة تزيد على عشر سنوات وقد أعد الآن عددا من البحوث الإسلامية وهي:

1- دراسات قرآنية.

2- منهج التربية الإسلامية الجزء الثاني.

3- كيف نكتب التاريخ الإسلامي.

4- مفاهيم ينبغي أن تصحح

5- المستشرقون والإسلام.

وأسلوب محمد سلس مشرق يخاطب الفطرة ونغماته وإيقاعاته هادئة ويجيد التحليل ومناقشة الخصوم حيث يبسط فكرة الخصم ثم يفندها ويدحضها من وجهة نظر الإسلام.

وهو متأثر بشقيقه سيد في كل شيء ولا يعني هذا أن نبخس محمدا حقه فنزعم أنه لم يقل جديدا بل كان شارحا ذكيا فحسب لا لقد قال الكثير من الجديد المفيد، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى إيضاح ولكن نهجه الفكري وتصوراته التي شكلت خلفيات مباحثة ما هي إلا الثمرة الناضجة التي أنبتتها شجرة أخيه الشهيد رحمه الله.

ولو لو يكن لسيد إلا أنه خرج أخاه هذا وسلمه الراية من بعده لكفاه أن سيد كان يعد أخاه ليخلفه من بعده، وكان يأمل أن يكوم مكملا له فعندما أصدر أول ديوان له وهو الشاطئ المجهور أهداه إلى محمد ومما جاء في إهدائه قوله:

أخي أنت نفسي حينما أنت صورة
لآمالي القصوى التي لم تشارف
تمنيت ما أعيا المقادير إنما
وجدتك رمزا للأماني الصوادف
فأنت عزائي في حياة قصيرة
وأنت امتدادي في الحياة وخالفي

وكأني بسيد قطب عندما قال هذه الأبيات كان يحاو أن يستشف الغيب ببصيرته النافذة وإنما لكرامة لسيد جاءت في صورة أمنية له.

وقد حقق محمد أمنية أخيه وقد مد الله في عمره، فخلفه، واعتبر امتدادا له في حياته.

ويعتبر الأستاذ محمد قطب الآن في طليعة الدعاة الإسلاميين والمفكرين الملتزمين والمربيين الحركيين وقد شارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية داخل البلاد الإسلامية الكثيرة التي استمع لها الآلاف من الشباب الإسلامي.

حميدة:

هي صغيرة الأطياف الأربعة، عرف بها سيد في مقدمة الأطياف قائلا:

تلك الصبية الناشئة حميدة إنها موفوزة الحس أبدا متفزعة من شبح مجهول إنها تعبد الحياة وتخشاها إنها تتلفت في ذعر كلما تفرست في المجهول.

عاشت في القرية فترة من حياتها ثم التحقت بشقيقها سيد في القاهرة عندما استقرت العائلة كلها عنده، وأتمت دراستها في القاهرة ولها اهتمامات أدبية، عرفنا منها الحيز الذي كتبته في الأطياف الأربعة وكتبت المقالات في المجلات التي كانت تصدر في مطلع الخمسينيات مثل مجلة المسلمون والإخوان المسلمون.

وبعد محنة الإخوان المسلمين سنة 1954 قامت حميدة مع مجموعة من الأخوات المسلمات المجاهدات بهمات عظيمة في رعاية أسر المجاهدين المعتقلين وكانت الساعد الأيمن للمجاهدة زينب الغزالي كما كانت حلقة الوصل في التنظيم الإخواني بينه وبين شقيقها سيد الذي كان داخل السجن تحمل تعليماته وتوصياته للتنظيم وكان نصيبها من الابتلاء والتعذيب في محنة الإخوان عام 1965 كبيرا وهي الوحيدة من آل قطب التي حكم عليها بعقوبة محددة باستثناء شقيقها الشهيد حيث حكم عليها بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة قضت منها ست سنوات وأربعة أشهر بين السجن الحربي وسجن القناطر.

نشأته

في هذا العصر الذي وصفنا عاش سيد قطب وفي هذه القرية الجميلة الهادئة نشأ ودرج، وفي أحضان تلك الأسرة المستقرة المطمئنى المهندية تربي، وبين هؤلاء الأخوة الأبرار قضي فترة من العمر لا تنس.

لقد كان أثر القرية وما فيها من جمال واضحا على نفسيته ويظهر ذلك في كثرة ذكره لها وأشادته بمحاسنها وجمالها بل أنه ألف أحد كتبه وهو طفل من القرية ليبين كثيرا من مزاياهأن حيث رسم فيه صورا رائعة لها.

هذه القرية الجميلة الهادئة الحالمة ذات المناظر الطبيعية الفاتنة التي طالما أجال سيد قطب طرفه في ربوعها ينقل ناظرية من سحر إلى فتنة ومن فتنة إلى سحر، فمن منظر الفيضان والمياه تغمر وجه الأرض، وترتفع إلى أكثر من متر، والخيالات والرؤى التي كان يسبح بها سيد حينما ينظر إلى الماء إلى مشهد الأراض السمراء التي تتكشف عن مياه الفيضان إلى حركة العمال يبذرون فيها الحب، وبسواعدهم المفتولة وبشرتهم السمراء التي لوحتها أشعة الشمس إلى لوحة النبات والزهور المختلفة الألوان إلى الأشجار المختلفة الأحجام والألوان والثمار ..

تلك المناظر الجميلة الخلابة الممتعة قد تركت آثارا في نفس سيد قطب حيث كانت نفسه تتأثر من كل واحد منها فتضيف بذلك المزيد إلى حيث كانت نفسه تتأثر من كل واحد مها فتضيف بذلك المزيد إلى رصيدها من الجمال فإذا كانت عيناه تقع كل يوم عل مالا يعد من هذه المشاهد الفاتنة لأنه كثرا ما كان يقوم بنزهات ممتعة إلى حقول أسرته فيجري ويقفز ويمرح، ويلاطف من يشتغلون فيها وكثيرا ما كان يرافق لداته وخلانه في نزهاتهم الخلوية إلى أحضان الطبيعة سواء في النهار الضاحي أو الليل المعتم الساجي إذا تصورنا مشاهداته هذه تصورنا رصيدا ضخما من المشاهد والمناظر مذخورا في مخيلته وعرفنا سر أحلامه ورؤاه.

هذا عن المشاهد الساحرة التي كانت تقع عيناه عليها كل يوم فماذا عن الأصوات الموسيقية التي كانت تطرق سمعه؟

لا شك أنه في نزهاته التي وصفنا يسمع تغريد الطيور وزقزقة العصافير وشدو البلابل التي كانت ترف من غصن إلى غصن فتصفق الغصون لشدوها طربأن فكان سيد يطرب لألحانها المويسيقية وتتخدر مشاعره وأحاسيسه لإيقاعها الساحر.

ومن الأصوات التي طرقت سمعه، وأثرت في نفسه وساعدت على بناء شخصيته القوية القويمة، مواويل العمال الغرباء، الذين كانوا ينشدونها من عز وإباء فيسمعها سيد مسحورا مخدار وكلما تعبوا وكفوا طالبهم بالمزيد فاستجابو له كانت اغاني هؤلاء الناس الشجية التي تقطر بالمرارة والأسى في رجولة وتجمل تستجيش نفس الصبي الصغير وأحاسيسه فيستمع إليها شبه مسحور وتجيش في نفسه الصغيرة نفعالات لا يدريها ولا يحاول التعبير عنها ولكنه أبدا يحن إليها وينتظرها من العام للعام ويستكثير من إنشادها ويستزيد إن صمت القوم من التعب والإعياء وهم في كل مرة يجيبونه إلى ما يطلب فهو ابن سيد البيت الصغير ثم هو صديقهم فردا فردا.

وطرق سمعه أصوات النساء في القرية وهي تعد: أي تتحزن بصوت مسموع وتردد منظومات حزبية والدموع تسح من عيونها بغزارة فتؤثر في نفسه وتسكب الحزب في قلبه وطرق سمعه صراخ النساء وهي تبكي وتردد كلمات الفجيعة إذا فجعت واحدة منهن بزوجها أو ابنها أو أحد أقاربها أو بقرت بطون بهائمها من قبل لصوص القرية كذلك طرق سمعه أغاني المحبين من الشباب ومواليهم التي سنشدوها في انفعال ولهفة.

هذه المناظر الجميلة التي رآها سيد وهذه الأصوات المختلفة البواعث والإيقاع والتأثيرات التس سمعها سيد في كل آن وأحدثت في نفسه مختلف المشاعر هذا كله أخذه سيد من قرية وكان له أثر واضح على نفسه وحسه ومشاعره ووجدانه ومخيلته وقد ساعدت هذه الأمور كلها على نمو فكره التصوير والتشخيص في نفسه وكتاباته على السواء. هذا عن أثر قريته بمناظرها وإيقاعاتها وإيحاءاتها على سيد قطب.

أما والداه فقد كان أثرهما واضحا في مختلف نواحي شخصيته وإننا نحس لمساتهما التربوية واضحة فيه لقد غرسا في نفسه الكثير:

غرسا في نفسه الإيمان والطهر والعفاف: والده الذي كان يرتاد المساجد للصلاة ويدفع الحقوق لأصحابها ويسير ومخافة اليوم الآخر نصب عينيه ويختم نهاره بالفاتحة ووالدته التي كانت تؤدي حق الله عليها وتنصت إلى القرآن بخشوع والولائم المتعددة التي تقام في بيتهم كل عام ويتلى فيها القرآن هذا كله ساعد على غرس المعاني والحقائق الإيمانية في قلبه فدفعته وهو طفل صغير إلى المحافظ على الصلاة في المسجد وإلى حفظ القرآن وهو لما يكمل المرحلة الابتدائية.

وغرسا في نفسه محبة المساكين ونصرة الضعفاء ودفع الظلم عن المظلومين: والده الطيب الكريم الذي كان يستقدم العمال الأغرب للعمل في حقوله، ويعاملهم كما يعامل أفراد العائلة في الطعام والشراب ويعطيهم من الأجر أكثر مما يعطي أصحاب الأراضي الآخرين ووالدته التي كانت تتقرب إلى الله بقيامها على طعامهم بنفسها والتي كانت تتصدق على فقراء القرية هذا كله أثر في نفسه فوقف نفسه لمناصرة المظلومين فالعمال الذين يكرمهم والده ومع هذا كان هو المحامي لهم يأخذ لهم من بيته زيادة على استحاقهم.

وكان يصادقهم ويجالسهم ويستفيد الكثير منهم اطلع على أحوالهم وأسرارهم وعرف الكثير عنهم عرف خصائص حياتهم وطبيعة أكلهم ومورد دخلهم وحياتهم الاقتصادية عرف كل هذا وهو طفل صغير ولكنه ترك في نفسه أثرا واضحا يحدثنا عنه قائلا:

وعلم أشياء وأشياء لم يتبين عمق آثارها في نفسه وقسوة وقعها على حسه، إلا وعة يسترجعها الآن في الحين بعد الحين فيشعر في قرارة نفسه بالخجل ويحس لنفسه ولشعبه بالإزدراء أنه سارق سارق لهؤلاء الغرباء وأمثالهم من الملايين الكثيرة التي تنبت الذهب في الوادي وتجوع.. سارق.. ولو كان في الوادي قانون عادل لقادة إلى السجن قبل أولئك الكثيرين الذين يحسبهم القانون لصوصا ومجرمين هذا هو الشعور الذي ظل يعاوده أبدا كما جلس يتناول طعاما دسما أو فاكهة لذيذة أو حلوى أنيقة أو يتمتع بأيسر مباهج الحياة بين ملايين المحرومين.

وغرسا في نفسه الأباء والعزة، والمروءة والشمم: كان يرى العزة التي يقفها والده فتؤثر في نفسه ولقد طبعته والدته على هذه المعاني منذ صغره وأعدته إعدادا خاصا ليكون رجلا غرست في نفسه الكبرياء التي يقول عنها: الكبرياء التي أودعتنيها منذ الطفولة فجعلتني أهرب من كل مظاهر الطفولة ويقول في رثائه لها لقد كنت تصورينني لنفسي كأنما أنا نسيج فريد منذ ما كنت في المهد صبيا وكنت تحدثينني عن آمالك التي شهد مولدها مولدي فينسرب في خاطري أنني عظيم، وأنني مطالب بتكاليف هذه العظمة.

ولذلك كان يأبى على نفسه أن تقف موقف ذل أو هوان أو يأتي بفعل ينقص من قدرة في أعين الناس فعندما اضطره الخوف إلى الهرب من المدرسة في أول يوم ذهب إليها أدرك ما في فعلته من غضاضة وكان على صغر سنة يدرك هذه الغضاضة فلم يستطع أن يواجه أهل البيت بفعلته لا خوفا فقد كان آمنا من الضرب ولكن حياء من الفعلة التي لم تكن تليق.

وعندما تحذره أمه من السير في طريق مظلم خطر ليلا خوفا عليه يكون هذا التحذير كافيا لأن يقتحم هذا الطريق الخطير ف الليل البهيم وهو طفل صغير وذلك لأن تحذيرها أثار كبرياءئه وجرح عزته واعتداده بنفسه وعندما سار في الطريق الخطر أحس بالرهبة وسيطر الخوف عليه ولما مر عليه رجل من أهل القرية تصنع الشجاعة وأنكر الخوف واصطنع عذرا يتفق واعتداده بنفسه لأنه رأى في اعترافه بالخوف أمام الرجل مهانة وغضاض وهو لا يريد لكبرياءه أن تجرح أن تخدش.

هذه الحادثة تدلنا على ما تمتع به من العزة والكرامة والشهامة منذ صغره وقد لازمته هذه الصفات في مختلف مراحل حياته فلم يعهد عليه موقف ذل أو هوان في مدرسة أو كلية أو عمل قام به أو وظيفة التحق بها أو صراع أدبي أو سياسي أو اجتماعي قاده رغم الضغط الذي تعرض له والمساومات التي أجريت معه.

وغرسا في نفسه الحيوية والحركة والعمل الجاد لإصلاح الوطن وكان للندوات السياسية التي تعقد في بيته وهو صغير والتي قرأ للحضور فيها الجريدة اليومية أثرها على نفسه كما كان للاجتماعات السياسية السرية المغلقة التي تعقد في بيته كذلك أثرها الواضح أيضا.

وقد ورث عن والده السياسي عضو لجنة الحزب الوطني في القرية الاهتمام بالسياسة ومتابعتها والانغماس فيها فها هو يقرأ الجريدة السياسية كل يوم ويتثق نفسه بما جاء فيها وتتفتح مواهبه السياسية بالاطلاع على تحليلاتها وقد خاض غمار السياسة وهو ما زال في القرية فعندما قامت الثورة الشعبية سنة 1919 واشتركت بها فئات الشعب المصري واشتركت قريته فيها وكان لوالده دور بارز فيها لم يقبل سيد أن يبقى ساكتا والناس يتحركون وإنما حدثنا عن دوره فيها قائلا:

وقعت المعجزة على يده هو فانطلق في حماسة الثورة وفورتها يكتب هو الخطب ويضمنها أبياتا من الشعر يحسبها موزونة وهي متهالكة ويلقيها في المجامع والمساجد حيث نفخت الثورة المقدسة في المجتمع فصاروا يستمعون لكل هاتف بالثورة ولو كان طفلا صغيرا مثله لم يكد يتجاوز العاشرة.

ولم يتخل عن هذا الاهتمام طيلة حياته فانضم إلى حزب الوفد وكان عضوا مؤثرا فيه ثم انفصل عنه وانضم إلى حزب السعديين ثم يئس من الأحزاب القائمة وعمل بمفرده وأخيرا وجد ضالته في جماعة الإخوان المسلمين التي بقي يعمل من خلالها إلى أن لقي ربه.

تربيته

حرص والدا سيد قطب على أن يربياه التربية القويمة ليكون إنسانا صالحا وليحقق الآمال التي يرجوانها منه.

عاش سيد بين أفراد أسرة متماسكة يرفرف الحب في سمائها ويتمتع أفرادها بالهدوء والأمن والسكينة فما كانت تثور المنازعات بين الأب والأم ولا يقع الشقاق والخصام بينهما وبين الأولاد يمرحون ويلعبون ولا مجال لحقد أو حسد بينهم.

لم يكن والده يستخدم الضرب كوسيلة للتربية فقد كان متنورا بعض الشيء وعندما اضطر سيد الهرب من المدرسة في أول يوم عاتبه أهل الدار وتهكم عليه البعض إلا والده فإنه لم يوجه إليه كلمة واحدة وكان هذا أمر عليه.

كذلك لم يكن مسموحا له أن يلعب في شوارع القرية وطرقاتها مع الأولاد الآخرين حفظا لملابسه النظيفة من القذارة وحماية لأخلاقه من التلوث بأخلاق أولاد القرية السيئة وألفاظها البذيئة.

ولا منافاة بين منعه من اللعب في طرقات القرية مع باقي الأولاد وبين خروجه في نزهات خلوية وحيدا أو مع أهله أو مع لداته من الأولاد لأن أسرته كانت تراقب نشاطاته وتوجهها نحو بناء شخصيته القويمة المستقيمة نتيجة لهذه التربية نشأ سيد نشأة صالحة مستقيمة فرأيناه يحرص على أداء الصلاة في المسجد ويحرص على حفظ القرآن ويكون قدوة لباقي شباب القرية.

وعندما اهتم سيد بالكتب في القرية وعرف باقتنائه كتابين لهما رواج عند أهل القرية كتاب أبي معشر الفلكي وكتاب شمهورش أقبل الجميع عليه طمعا في معرفة الحظوط أو عمل الرقي والتعاويذ والتمائم.

وكانت نساء القرية تفضل التعامل معه على التعامل مع الرجال الآخرين الذين يملكون أمثال الكتابين لأسباب منها: أنه لا يتناول أجرا على الخدمات التي يقوم بها لؤلاء ومنها أنه صبي يدخل البيوت وتقابله النسوة والفتيات بلا تحرج ودون أن يثير وجوده بينهن تساؤلا كالذي يثيره وجود من يتعاطون هذه الأعمال من الكبار ومنها أن السيدة أو الفتاة لا تتحرج أن تقضي برغباتها وأسرارها ومخاوفها لصبي لم يبلغ الحلم ولا تدعو سنه إلى الخجل منه.

ورغم اتصال سيد المستمر نتيجة لأعماله تلك بنساء القرية ورغم طبيعة الأعمال التي يقوم بها إلا أن تربيته المنزلية أبعدت نوازع الجنس والفساد عن خياله ولقد كان صغيرا لم تثر في نفسه نوازع الجنس بعد وتربيته المنزلية تجعل في نفسه كثيرا من الحشمة والحياء حتى لو ثارت بعض هذه النوازع.

ولما انضم لمدرسته سبع طالبات صغيرات لم يتجاوزن العاشرة راح بعض التلاميذ الكبار في المدرسة يعاكسونهن بالكلمات والحركات والأصوات أما هو فإن حياءه الشديد، وتقاليده العائلية قد أمسكت به بعيدا عن هذه الحركات ولكن هذا لم يكن معناه أنه أقل رغبة من الآخرين في لفت النظر إليه إنما كانت وسيلته إلى ذلك مما يتفق مع نشأته فأخذ جانب المدافع عن كرامة البنات حيثما وجه إليهن اعتداء.

وكان سيد حييا منذ صغره ويشمئز لأي منظر مناف للأخلاق وقد كان في القرية مجذوب يقضي معظم أوقاته عاريا بشكل مؤذ وكان سيد يستحي من منظره ويستنكره أمام أهالي القرية.

وكان لتربيته العائلية الطاهرة، أثر في استقامته بعدما كبر وذهب إلى القاهرة فعندما خطب سيد فتاته وفوجئ مرة برؤيتها في بيتها في حالة لا تليق حدثنا عن نفسه أثناء ذلك الموقف قائلا: كانت تربية الأولى في بيئة محافظة متطهرة وكان قد انصرف في حياته إلى نوع من الجد لا يسمح له بالعبث وان الشعر والفن قد صانا خياله من التلوث وكان هذا كله يبعده عن المرأة ويصيبه بلون من الربكة والاضطراب حين يلقاها وجها لوجه إيا كانت طبقتها وسنهأن فلما ووجه مفاجأة بالفتاة التي يحبها شبه عارية، كان ذلك مضاعفا لخجله وارتباكه.

وعندما اتصلت به خطيبته به تليفونيا في مكتبه وحلوه زملاؤه ارتبك وأخذته الحيرة وفي نهاية المكالمة قال لها: سأكون عندكم في الخامسة وفي هذه اللحزة تنبه إلى أنه بين زملائه فأراد في محاولة ساذجة أن يبعد عن نفسه الريب وعنها هي أولا وإن لم يعلم أحد من تكون قال أخبري بابا أنني سأحضر في هذه الساعة.

وصفه

كثيرا ما يرسم الشخص في مخيلته، صورة شاخصة للشخص من العظماء وبخاصة الأدباء من كتاب وشعراء ويظن أن هذه الصورة المتخيلة تنطبق على صاحبها تماما وهو لم يرسمها إلا بعد أن يسمع عن هذا العظيم أو يقرأ عنه، أو يقرأ له ويتمعن في أسلوبه.

وكثيرا ما يفاجأ هذا الشخص بعدم انطباق الصورة على شخصية صاحبها وذلك عندما يشاهده في الواقع، وعندها يمحو من مخيلته صورته الأولى ويحتفظ مكانها بصورته الجديدة.

وهذا ما حصل للمعجبين بسيد قطب، الذين لم يسبق لهم أن شاهدوه بل قرأوا مقالاته النقدية في الصحف والمجلات وتابعوا معاركه الأدبية على صفحاتها وطلعوا على قصائده الشعرية العاطفية فيها أو قرأوا بحوثه الأدبية والفكرية الإسلامية المتنوعة ورسموا نتيجة لهذا الاطلاع صورة متخيلة له.

من هؤلاء علي الطنطاوي الذي شده وبهت عندما قابل سيد قطب للمرة الأولى في دار مجلة الرسالة في مصر وأحلف أني شدهت وكنت ارتقب أن يكون هذا الشاب أي إنسان إلا سيد قطب وكنت أستطيع أن أتخيل سيد قطب على ألف صورة إلا هذه الصورة وازددت يقينا أن من الخطأ البين أن تحكم على شخص الكاتب بكتابته أو تعرف الشاعر من شعره كما فوجئ مرة أخرى عندما أهدى إليه مؤلفه الجديد التصوير الفني في القرآن لأنه على حد قوله: لم أتخيل سيد قطب إلا مقارعا محاربا ولم أعرفه إلا كاتبا مجادلا مناضلا يهاجم مهاجما ومدافعا ومحايدا.

ومنهم أبو الحسن الندوي الذي رسم له في مخيلته صورة خيالية يقول عنها كنت أتخيله أديبا في العقد الرابع من عمره فارع القامة عريض ما بين المنكبين قوي البنية.

ومنهم محمد علي قطب الذي يحدثنا عن صورة سيد المتخيلة في ذهنه والتي زالت عندما قابله والحقيقة التي أريد أن أثبتها هنا هي أن شيئا واحدا قد خاب رجائي معه ذلك أن مطالعتي لسيد من مؤلفاته أوحت لي أن صاحبها من ناحية الشكل ضخم الجسم عملاق البدن قوي النبرة حاد الصوت إذا تحدث سمعه كل الناس أبيض البشرة كبياض السريرة.

فما هي صورة سيد قطب يا ترى؟ وما هو وصفه؟

كان سيد قطب رجلا أسمر اللون لوحت بشرته شمس الصعيد الحارقة كما كان متوسط الطول معتدل الجسم لا هو بالسمين ولا بالنحيف وقد كان ضعيف البنية ناحل البدن حيث انهكت جسمه الأمراض التي صاحبته منذ صغره وما كانت تفارقه إلا ليقع في براثنها من جديد، وقد تركت آثارها واضحة على بدنه وكان لمحنته التي طالت حيث غيب في السجون وقضى الوقت الطويل على أرضية الزنازين الباردة وحرم من الاستمتاع بأشعة الشمس الدافئة وللسيطان ووسائل التعذيب المختلفة التي تعرض لها كان لهذا كله أثره الواضح على بدنه الناحل يقول محمد علي قطب عندما رآه بعد اعتقاله الأول وجدته يشكو كثيرا من الأمراض ولا طاقة للبدن أبدا مهما كان قويا أن يحتمل النفس الكبيرة:

وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام

لقد وجدته وقد نالت منه الأيام فبدت آثارها على وجهه تغنأن وفي جبهته أخاديد عميقة وفي عينيه حمرة وفي شعره الأسود القاتم شيبا.

هذا وأسلوب سيد قطب في الكتابة لا يدل على مظهره فهو في الكتابة كما يقول علي الطنطاوي بحق مقارع محارب، وكاتب مجادل مناضل، يهاجم مهاجما ومدافعا محايدا ويتجلى هذا الأسلوب في مقالاته الأدبية التي خاض من خلالها معاركه الأدبية والنقدية كما يتجلى في مؤلفاته التي أعدها بعد هذه المرحلة من حياته فهو في كتبه هذه ثائرا مناضل مجادل عنيف مهاجم، وفي كتبه، العدالة الاجتماعية في الإسلام و معركة الإسلام والرأسمالية وفي ظلال القرآن و معالم في الطريق مصداق ما نقول بل إن صفة الهجوم لازمة له حتى اعتبر بأنه أول من قاد الفكر الإسلامي من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.

أقول رغم أن هذا هو طابع أسلوبه، إلا أن مظهره العام عند اللقاء به يدل على العكس من هذا تماما فهو كما يقول علي الطنطاوي عندما قابله، حيث وجده لطيفا هادئا تبدو عليه سيما المسالمة والموادعة والإيناس ولذلك يفاجأ من يراه، ولا يكاد يصدق إن هذا الشخص الهادئ المسالم هو نفسه الذي تصدر عنه هذه المقالات والكتب ولا يظهر بادئ ذي بدء أنه هو صاحب الأسلوب القوي في الموضوعات الدينية كما قال عنه الندوي بحق.

وتزول الغرابة والمفاجأة عندما نعلم أن العبرة ليست بضآلة الجسم أو ضخامته إذ لا أثر لها على أسلوب الكاتب وإنما العبرة بالروح التي يحملها الكاتب بين جنبيه، ولا شك بأن جسم سيد الناحل الصغير قد ضم بين جوانحه روحا تأئرة هي التي صدرت عنها تلك المؤلفات التي زلزلت عروش الطغيان ورسمت معالم الطريق للمجاهدين السائرين إلى الله.

الفصل الثالث: مشاهد من حياة سيد قطب

دراسته في القرية

كان في قريته منهجان للتعليم: منهج التعليم الحكومي الذي تشرف عليه وزارة المعارف والمتمثل في المدرسة ومنهج التعليم الديني الأزهري الذي يدرس فيه عادة رجال إما تخرجوا من الأزهر، أو تعلموا القراءة والكتابة وحفظوا القرآن ويسمى الرجل منهم خطيبا وتسمى مدارسهم كتاتيب ويعتمدون في أجورهم على آباء الأولاد الذين يدرسون عندهم وعندما كبر سيد وناهز السادسة من عمره فكر أهله في أن يبدأ حياة التعليم ولكن أين يدرس؟ انقسموا إلى فريقين فريق يؤيد ذهابه إلى الكتاب ليحفظ القرآن ويفوز بالبركة وفريق يرى إرساله إلى المدرسة لأنها أرقى وأنظف والقرآن يعلم فيها إلى جانب العلوم الأخرى وأخيرا انتصر فريق المدرسة وأخبروه بالقرار فتلقاه بالقبول ولكن بغير حماسة ظاهرة فقد كان أروح لنفسه أن يظل في الدار يعلب مع أخته التي كانت تكبره قليلا.

وتمت تهيئته للمدرسة وجيء له بملابس جديدة جميلة مميزة عن باقي ملابس الطلاب وذهب به أبوه في اليوم الأول إليها وبما أن المدرسة كانت في حاجة إلى تأليف قلوب الأهالي فإنها لم تتبع النظام المعروف في تقسيم التلاميذ حيث يقسمون تبعا لدرجة العلم والمعرفة فتم تقسيمهم حسب السن.

وكانت مدة الدراسة في المدرسة خمس سنوات السنة التحضيرية التي تحضر الطالب للسنة الأولى، ثم السنوات من الأولى حتى الرابعة وبعد السنة الرابعة يتخرج الطالب من المدرسة ليتابع دراسته في مدرسة المعلمين.

وطلب والدهه من ناظر المدرسة أن يوضع وهو لم يتعلم الكتابة في السنة الرابعة ولاسيما أن ابن خالته فيها ويحسن أن يجلس معه ليستأنس به ولكن الناظر وقد أنس به شيئا من التنور والمعرفة صارحه في الأمر وبين له أن مصلحة الطفل تقتضي أن يوضع في السنة التمهيدية ليستفيد ويسر مع الدراسة سيرا طبيعيا فاقتنع والده برأي الناظر.

وصادف في اليوم الأول لذهابه إلى المدرسة مجئ مدرس الرياضة وهو أحد الجنود القدامى ليعطي الطلاب التمارين الرياضية وقد سمع سيد من ابن خالته ومن غيره من الطلاب أخبارا عن قسوة هذا المدرس على الطلاب وضربه لهم وقد كان ما يسمعه عنه من قبل كافيا لإثارة الرعب في قلبه الصغير ولكن التلاميذ الشياطين استغلوا حداثته وعدم معرفته بهذا الشأن وراحوا يخوفونه بما لا تحتمله أعصابه من المبالغات ولذلك وبعد انتهاء الحصة الثانية هرب سيد من المدرسة خوفا من ذلك المدرس.

مضي على هروبه من المدرسة شهر وبعض شهر، وحزنت والدته كثيرا عليه لأنه بهروبه قد ضيع الآمال التي تعلقها على نجاحه في الدراسة وراح أخوه الأكبر وهو ليس بشقيقه يتهكم عليه وسكت أبوه واكتفاء بتأنيب ضميره وأمام هذه العوامل كلها أن قرر سيد بنفسه العودة إلى المدرسة بدون مراسيم ولا مظاهر وبكر إلى بيت ابن خالته ذاهبا معه وفرح المدرسون لمقدمه، كما شاع الفرح في كيان أمه.

كان يشرف على ثقافته وتربيته في السنة التحضيرية فراش المدرسة الوحيد العم إبراهيم نظرا لعدم وجود العدد الكافي من المدرسين، ولم يستفد سيد منه شيئا ولما كان المدرسون يحبونه لأن والده دائم الضيافة لهم ولأنه كن يحضر لهم في جيبه كميات من السكر والشاي كل صباح فقد طلب من الناظر أن يلحق بالفصل الذي يضم السنة الأولى والثانية.

فوافق على طلبه كما وافقه على أن يذهب في بعض الأحيان إلى السنة الرابعة عند ابن خالته، إما إذا جاء المفتش فلابد أن يجلس في السنة التحضيرية مدة وجوده.

وكان الناظر والمدرس وهما الهيئة التدريسية في المدرسة يعنيان بالتدريس له على حدة داخل الفصل ويكتبان له الحروف الأبجدية ثم الكلمات ثم الجمل على لوحه الذي يحمله ويتركانه لمحاكاتها وكان يتقدم يوما بعد يوم وهو يتلقى العمل في شبه درس خوصي وهكذا نرى أن سيد قطب قد أحيط بجو خاص في المدرسة ولقي عناية واهتماما كبيرين من المدرسين وقد ساعد هذا كله على استيعابه السريع وعلى تفتح ملكاته العلمية وعلى نبوغه المبكر في هذا المجال وحينما كان سيد في السنة الثانية جاء للمدرسة مدرس جديد مؤهل علميا فكان لابد من أن يستغنوا عن شيخ الكتاب الذي لم يحمل شهادة غلمية ولم يستطع تدريس الحساب والمواد الثقافية الأخرى.

وعندما تم الاستغناء عنه، أشاع في القرية أن الحكومة ترد محو القرآن بعدم تحفيظه في مدارسها ولذلك فصلوه من التدريس وهو حامل القرآن.

وتأثر الناس بالإشاعة وأخرج عدد كبير منهم أولادهم من المدرسة وأدخلوهم كتاب الشيخ ليحفظوا القرآن وراح الشيخ يقنع باقي الأباء بضرورة التحاق أولادهم بكتابه وكان ممن مر عليهم والد سيد قطب فلم يود أن يجرح شعور سيدنا ابن سيده ووعده بأن يكون الطفل منذ الصباح الباكر في الكتاب.

ورغم معارضة والدته في هذا القرار الجديد لأنها تعلق الآمال على بقائه في المدرسة إلا أن والده وعد وما يجوز أن يعود الرجل في وعودهم واضطر سيد إلى الذهاب إلى كتاب الشيخ ولا يذكر أن قلبه الصغير قد عرف من قبل مثل الهم الذي عرفه في ذلك اليوم ولا أن صدره قد ضاق وحرج وأكتأب كاليوم أيضا.

ورغم أن الشيخ استقبله استقبالا خاصا بالحفاوة والبشر والبشاشة وأجلسه بجواره على فروته، إلا أن نفسه لم تنفتح لشي لأنه لم يجد في الكتاب ما يشرح صدره وراح يقارن بين مدرسته الجميلة الأنيقة في كل شيء وبين هذا الكتاب الذي يتصف بالوساخة في كل شيء.

على أية حال قد امتلأت نفسه اشمئزاز من كل ما حوله وأحس هناك بغربة مريرة ذليلة وحينما عاد إلى المنزل كان قد صمم على ألا يعود أبدا إلى هذا المكان القذ ر مهما أصابه من التهديد والتبكيت وأسر بهذه الرغبة الملحة في أمه فاغرورقت عيناها بالدموع.

وذهب في اليوم التالي إلى المدرسة مبكرا وراح يقص على التلاميذ فيها ما شاهده في الكتاب وأخبر ناظر المدرسة بقصته ورجاه أن يقنع والده ببقائه فيها وهكا كان وقد أثرت هذه الحادثة في نفسه كثيرا وارتفعت المدرسة بما فيها ومن فيها في عينه درجات وآلى على نفسه أن يكون داعية المدرسة المكافح دونها ضد الكتاب.

وقد تزعم سيد قطب جبهة من تلاميذ المدرسة ضد أولاد الكتاتيب جبهة للمفاخرة بكل شيء يفاخر ببناء المدرسة وفنائها وأشجارها وأواني الشرب فيها ومقاعدها والأدوات الكتابية التي تصرف للتلاميذ فيها يفاخر أولاد الكتاتيب بهذا كله ويقارن بينه وبين وضع كتاتيبهم السيئ في هذا المجال.

والميزة التي تميز الكتاب على المدرسة هي أنه يهتم بتحفيظ القرآن حيث يتخرج التلاميذ منه يحفظونه ولم تكن المدرسة تعني بتحفيظ القرآن كله وفكر سيد قطب زعيم فريق المدرسة في الطريقة التي تنتصر فيها المدرسة على الكتاب في هذا الأمر وقادة تفكيره إلى أن يحفظ هو القرآن وراح سيد قطب بعصامية نادرة يحفظ القرآن بنفسه وجمع بين دروس المدرسة وواجباتها وبين حفظ القرآن ومراجعته وأنه ليرهق نفسه وصحته المرهقة ويسهر إلى منتصف الليل ليعيد في كل ليلة جميع ما سبق له حفظه من القرآن وذلك بجانب الدروس الأخرى فما يكتمل العام حتى يكون قد حفظ ثلث القرآن حفظا جيدا يباهي به من يتحداه.

واتم سيد قطب بهمة عجيبة حفظ القرآن كاملا في ثلاث سنوات ابتداء حفظه وهو في السنة الثانية الابتدائية واتمه في نهاية السنة الرابعة الابتدائية وراح يباهي به ويتحدى طلاب الكتاتيب في إجراء المباريات بينه وبينهم وكثيرا ما فاز عليهم وأحس بنشوة جارفة بهذا الانتصار.

وقد زاد حب مدرسيه له لحفظه القرآن وارتفع في أعينهم درجات كما ازداد حب أهله له وبخاصة والدته التي كانت هذه هي أغلى أمانيها.

أنهى سيد قطب دراسته في المدرسة بعد أن أنهى السنة الرابعة لكنه مازال صبيا لم يكمل الحادية عشرة من عمره وسنه هذا لا يؤهله لدخول مدرسة المعلمين كباقي زملائه كبار السن وكان يتمنى لو يكون في مثل سنهم ليتم قبوله.

ولكن سيد لم يغادر المدرسة بعد أن أنهى السنة الرابعة إذ كم كان شاقا على نفسه أن يغادر وطنه هذا الصغير وأن يبتعد عن رفاقه ولداته الذين يحبهم ويحبونه وكم كان عزيزا على المدرسين أن يفرطوا فيه وهو حجتهم الأولى ف نجاح المدرسة في تحفيظ القرآن وما كان أسرع ما أحتالوا لذلك فقيدوا اسمه في السنة الرابعة بعد مضي شهر من العام التالي على أنه مستجد وهكذا عاد إلى المدرسة الحبيبة ليقضي بين جدرانها عاما آخر دخل سيد المدرسة عام 1912 لأنه كان في السادسة من عمره وتخرج منها عام 1918 إذ بقي فيها ست سنوات وقد كان عمره اثنى عشر عاما وكان الأصل أن يغادر القرية إلى القاهرة لإكمال دراسته ولكنه لم يتمكن من ذلك لأن ثورة الشعب عام 1919 قد اشتعلت نيرانها وانقطعت بسببها المواصلات وكان عليه أن يبقى في القرية حتى تهدأ الثورة وتعود الأمور إلى حالتها الطبيعية.

بقي سيد في القرية عامين آخرين وغادرها إلى القاهرة عام 1921 وكان عمره آنذاك أربعة عشر عاما.

هذا عن دراسته النظامية في مدرسة القرية.

ولكن سيد قطب لم يكتف بهذه الدراسة النظامية بل زاد عليها حيث راح يثقف نفسه بنفسه فها هو قد أتم حفظ القرآن في ثلاث سنوات وعمره لم يتجاوز العاشرة وقد أفاده حفظ القرآن كثيرا وبخاصة وهو في السنت المبكر إذا اتسعت آفاقه وازدادت ثقافته وقوم لسانه وقوي بيانه وحسن أسلوبه وشفت روحه وتفتحت مداركه وقد ترك ذلك أثرا واضحا على شخصيته ونفسيته وأسلوبه فيما بعد.

وأضاف سيد قطب إلى ثقافته المدرسية وحفظ القرآن ثقافته الخاصة والتي دفعه إليها حبه للقراءة واهتمامه بشراء الكتب إذ كان يأتي إلى قريته عم صالح حاملا معه كتبا متنوعة الموضوعات والاتجاهات ففيها قصص العرب كأبي زيد والزير سالم، ومنها كتب التراجم والسيرة ومنها كتب البطولة والكتب الدينية والكتب البوليسية وكتب الثقافة العامة وكتب السحر والتنجيم والتمائم والتعاويذ وكان سيد قطب زبونا ممتازا عند عم صالح وكان هذا الأخير يحتفظ له بأجود الكتب وأغلاها قيمة فإذا عجزت ميزانيته عن شراء كتاب استعاره منه مقابل أجرة أو طلب منه أن يحتفظ له به، إلى أن يوفر ثمنه.

فإذا غادر (عم صالح) القرية حدثت فيها حركة ثقافية حيث يتبادل سيد مع زملائه التلاميذ المثقفين الكتب التي اشتروهأن فما ينتهي الموسم إلا ويكون سيد قد قرأ جميع الكتب الموجودة في القرية.

وبعد أن كثرت عنده الكتب صنع لها مكتبة ضخمة حيث ملأت صفيحة كاملة وقد حوت مكتبته كتبا عديدة ذات مواضيع مختلفة ومن بين الكتب التي ضمتها كتاب أبي معشر الفلكي في التنجيم وكتاب شمهورش في السحر.

وقد ضمن له هذان الكتابان شهرة ذائعة وصيتا كبيرا على صغره في بيوت القرية وعند كثير من نسائها خاصة وكذلك عند فريق من الشبان و كان يحضر من المدرسة فيجد كثيرا من التوصيات لطلبه من عدة بيوت وبعضها كان يرسل رسولا يترقبه ليحضر به وبخاصة بعد أن عرف الجيمع أنه مشغول بالكثير من هذه الدعوات والحق أنه كان يحس بنشوة عجيبة والطلبات تتوالى عليه والأبواب جميعها تفتح له وكان عمله في البيوت هو قراءة الطالع ومعرفة الحظوظ وعمل الرقي للمحبة بين الأزواج.

وبهذا اشتهر سيد قطب بالكتب وبالقراءة في أوساط المثقفين بالقرية فارتفع في أعينهم درجات وأخذ الجميع ينبئون له بالمستقبل الزاهر.

وقد تمتع سيد قطب بهمة قوية وجلد عجيب على القراءة والإطلاع سواء كتب المدرسة ودروسها أم الكتب الثقافية الخارجية اليت كان يستعيرها أو يشتريها وقد أكسبه هذا محبة مدرسيه وتقديرهم له، فتوقعوا نبوغه وكان من هؤلاء ناظر المدرسة الذي أعجب بذكائه ولفت نظره معالوماته وثقافته فأعاره كتابين أحدهما كتاب تاريخ لمحمد الخضري والثاني ديوان لشاعر وطني يسمى ثابت الجرجاوي وكانا جديدين عليه إذا لم يوجد في مكتبته مثلهما ولم يسبق له أن قرأ كتابا بموضوعهما وقد قرأهما في وقت كان الروح الوطنية قد استيقظت في نفوس أبناء الأمة وفي نفسه هو كذلك فأعجب بهما إذ وجد فيهما كلاما يغذي هذه الروح التي استيقظت على الجو العائلي الذي يعيش فيه حيث تعقد في بيته الاجتماعات السياسية وعلى الجو العائلي الذي يعيش فيه حيث تعقد في بيته الاجتماعات السياسية وعلى الجو العام الذي كان مليئا بتيارات وطنية خفية تستعد للانفجار تلك التي سبقت ثورة عام 1919.

وبما أنه وجد فيهما هذه المادة، فقد تصور أنه لا يوجد لهما نظير، وإن صاحبهما الناظر لن يمنحهما له، لذك احتفظ بهما في صورة أخرى عجيبة جميع من جميع كراساته في السنوات الماضية الأوراق البيضاء منها فصارت له كراسة ضخمة من الورق الأبيض أما المداد والأقلام فموجودان وأخذ في صبر ودأب عجيبين ينقل الديوان بيتا بيتا إلى هذه الكراسة وينقل مقدمة كتاب التاريخ الأثرية وإنه ليعجب اليوم لنفسه كيف استطاع أن ينهض بهذا العمل ولكن الأعجب منه أنه حفظ هذا الديوان حفظا جيدا وظل يذكره بعدها سنوات وسنوات.

تدلنا هذه الحادثة على همته واجتهاده وجده ومثابرته وذاكرته العجيبة كما تدلنا على اهتماماته الوطنية التي رافقته منذ الطفولة.

ولن ننسى مشاركة سيد قطب والده ببعض أعماله السياسية حيث كان يقرأ الجريد اليومية للذين يحضرون إلى منزله ويشارك في بعض الاجتماعات السياسية التي تعقد في بيته كما لن ننسى مشاركته في الثورة التي قامت في طول البلاد وعرضها بخطب من إنشائه وشعر من نظمه وهو لم يكد يتجاوز العاشرة.

دراسته في دار العلوم

بعد أن تخرج سيد قطب من مدرسة القرية في السنة الثانية عشرة من عمره وكان ذلك عام 1918 وجهته والدته للدراسة في القاهرة وكان عليه أن يسافر إليهأن ولكن الظروف اضطرته أن يبقى في القرية عامين آخرين وذلك بسبب الثورة التي عمت البلاد وانقطعت بسببها المواصلات واضطربت الأحوال تلك هي ثورة الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني عام 1919 والتي اشترك فيها سيد قطب بجهده المتواضع في القرية.

وبعد أن أخمدت الثورة، وفي عام 1921 غادر سيد قطب القرية إلى القاهرة وكان عمره إذ ذاك يزيد على أربعة عشر عاما.

وقد أحيطت رحلته إلى القاهرة بهالة فخمة: وكان كل شيء حول رحلت الفتى يوحي بأن له مهمة عظيمة: حتى لكأنه ذاهب إلى فتح عكا وغادر القرية بصحبة أحد أقربائه الذي يدرس في كلية الحقوق غادر القرية بصحبة أحد أقربائه الذي يدرس في كلية الحقوق غادرها وسط دموع والديه وحزنهم الشديد على فراقه.

نزل سيد قطب في القاهرة في بيت خاله أحمد حسين عثمان وكان قد تخرج من الأزهر واشتغل بالصحافة والتدريس وكان يكتب في الصحف بتوقيع أحمد الموشي نسبة إلى قريته موشة وكان يسكن في صاحية الزيتون إحدى ضواحي مدينة القاهرة.

بقي سيد قطب في بيت خاله حوالي أربع سنوات لا نعرف فيها شيئا عن دراسته أو أعماله أو حياته.

التحق بمدرسة المعلمين الأولية في القاهرة عام 1925 وكان لا يلتحق بهذه المدرسة إلا من تجاوز الخامسة عشرة من عمره وكانت المدارس الحكومية، وكانت شهادتها تسمى الكفاءة وهي تعادل الدراسة الإعدادية أو المتوسطة في الوقت الحاضر.

لم يكتف سيد قطب بهذه الشهادة التي حصل عليهأن ولو أراد أن يعمل بعدها مدرسا في المدارس وأن يحصل على راتب حكومي دائم وبهذا يحقق أمنية أمه التي أعدته لهذه المهمة لتم له ذلك ولكنه وجد في نفسه رغبة في الاستزادة من العلم والدراسة وطموحا إلى ما هو أعلى واسمى وكان لابد أن يستكمل دراسته.

التحق في عام 1928 في تجهيزية دار العلوم وهي مدرسة خاصة بكلية دار العلوم تؤهل الطالب فيها للدخول في الكلية ومدة الدراسة فيها سنتان ويتلقى الطالب فيها منهجا دراسيأن يعتبر مقدمات للموضوعات التي تدرس في الكلية من أدب وجغرافيا وعلوم وتربية وغيرها.

درس فيها سيد قطب سنتي 1928و 1929 وهما تماثلان الصف الأول والصف الثاني الثانوي الآن.

التحق في عام 1930 في كلية دار العلوم، وبقي فيها أربع سنوات حيث تخرج منها عام 1933 وكان عمره سبعا وعشرين سنة وقد حصل منها على شهادة الليسانس في الأدب مع دبلوم في التربية.

درس فيها علوم العربية من نحو وصرف وعروض وبلاغة وأدب ونقد، وعلوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه، كما درس التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم التربية والرياضيات والفزياء والفلسفة.

ورغم هذه الدراسات المتنوعة التي تلقاها سيد في الكلية إلا أنها لم تشبع نهمه إلى العلوم والثقافة ولم تلب حاجاته وأشواقه وكان حانقا على هذا المنهج ويرى أن كلية الأداب التابعة لجامعة القاهرة أفضل منهأن وتقدم زادا خيرا منها يحدثنا عن هذا قائلا: لقد كنت وأنا طالب شديد الحنق على دار العلوم شديد النقمة على تقصيرها في حق الثقافات الأدبية وكنت أتخيل أن هناك على الضفة الأخرى للنيل وفي مدرجات الجامعات عالما آخر من الثقافة الواسعة وكان هذا التخيل يزيد نقمتي على المدرسة التي لا تلبي حاجة نفسي ومضت أيام واختلطت بأبناء الضفة الأخرى وقرأت ما يكتبون فالحق أقول لك يا دكتور لقد علمت أنني ظالم لنفسي ولمعهدي وقد هدأ ثورتي وزالت حدتها.

كان من أسباب عدم رضاه عن ثقافة دار العلوم تقصيرها ف تدريس اللغات الأجنبية لا يحسب أحد أننا راضون كل الر ضا عن ثقافة دار العلوم فلا ريب أن جهل المدرس باللغة الأجنبية يقص أجنحته عن التحليق وعن متابعة آخر البحوث العلمية والنفسية لتجديد نفسه ومعلوماته. ولا ريب في كذلك أن دراسة الأدب ناقصة في هذه المدرسة ومثلها دراسة التربية وعلم النفس.

لم يكتف سيد قطب بإعلان عدم رضاه عن مناهج الدراسة في الكلية وإظهار حنقه عليها وإنما خطا خطوة إيجابية عملية وكانت خطوة عجيبة حقا أن تصدر منه وهو الطالب في الكلية الخاضع لهذه المناهج تمثلت هذه الخطوة في ما حدثنا هو عنها قائلا: ولقد سبق لي أن صرحت بها وأنا طالب في المدرسة منذ ست سنوات وقد قدمت بها اقتراحات ضمنها برامج كاملة للدراسة العربية وعلوم الدين فتهيء بذلك للقسم العالي، على أن تستمر دراسة الإنجليزية في هذا القسم ويتوسع في دراسة اللغة العبرية وفي علوم التربية ويخلق درس النقد الفني بجانب تاريخ أدب اللغة الذي يدرس الآن، وتزاد سنوات الدراسة بالقسم العالي إلى ست سنوات تنتهي بتقديم رسالة، ويستقل مجلس إداراتها بتسيير نظامها.

ولقد كانت مقترحات جريئة جدا وإن لم يؤخذ بها إلا أنها زادت من اعتباره في نفونس مدرسية.

لم يكن سيد قطب في دارالعلوم مجرد طالب عادي كباقي زملائه الطلاب وإنما كان قوة وحيوية ونشاطا وتفكيرا وتخطيطا وانكبابا على البحث والمطالعة وجرأة وشجاعة نادرتين.

كان سيد قطب معروفا أثناء دراسته في الكلية بآرائه النقدية حيث كان يتزعم الجماعات الأدبية التي ترى رأيه من ذلك رايه في أدب وأسلوب مصطى صادق الرافعي، الذي يذكره لنا زميله في الكلية محمد رفيق اللبابيدي قائلا: أنا أعرف رأي الأخ قطب في الرافعي من قبل وأعرف أنه رأى غير تقليدي فلقد كنت في دار العلوم وكانت حلقة الإخوان تضم قطبا وكنا دائما على طرفي نقيض فجماعة منا مع الرافعي وأخرى عليه، وكان على ما أذكر الأخ قطب لسانها.

كما عرف بانتاجه المتجدد الجوانب كالشعر وكتابة المقالات الأدبية أو النقدية أو التربوية أو الاجتماعية والتي كان ينشرها في الصحف والمجلات كما عرف بمحاضراته التي كان يلقيها في المجامع الأدبية وببحوثه التي أعدها أو في طريقه إلى إعدادهأن أو في نيته إعدادها.

وكان محبوبا من قبل الطلاب والمدرسين في الكلية حيث نال إعجاب الجميع.

ومن أعز أصدقائه الذين درسوا معه في الكلية الدكتور عبد العزيز عتيق وفايد العمروسي وجمعت بين الثلاثة صداقة متينة وعاشوا معا حياة أدبية متصلة وهم بعد طلاب في الكلية وبعد أن تخرجوا منها وكان الثلاثة شعراء مبدعين ويشعرون أنهم متميزون فنيا عن باقي زملائهم وإن عندهم من المواهب ما ليس عند غيرهم فكانوا لا يفارقون بعضهم يجلسون معا يستمع بعضهم قصائد بعض ويندرون على غيرهم.

وعندما نشر عبد العزيز عتيق أول ديوان له عام 1933 وكان لا يزال طالبا في الكلية وهو (ديوان عتيق) قدم له سيد قطب مقدمة جيدة بين فيها أنه أعرف الناس بشخصية صاحب الديوان وبتصرفاته في الحياة وبأفكاره وخواطره ودراسته وعندما نشر سيد قطب أول ديوان له الشاطئ المجهول عرف به صديقه فايد العمروسي وحلله تحليلا جيدا في مجلة دار العلوم.

نعرف من أبحاث سيد قطب وهو طالب في الكلية بحثه الذي أعده وألقاه محاضرة فيهأن وهو في السنة الثالية، ثم نشره تحت عنوان مهمة الشاعر في الحياة وشعراء الجيل الحاضر وهو أول مؤلف طبع له وقد اعتبره مقدمة لبحث كامل في موضوعه مهمة الشاعر في الحياة.

وقد كان عنده وهو ما زال طالبا في السنة الثالثة في الكلة عدد من البحوث جاهزة للطبع وإذا كانت الظروف لا تهيء اليوم إلا طبع هذا المبحث الصغير دون غيره مما بين يدي فأنا أطمع في فرصة قربة أكثر توفيقا وهذه البحوث الجاهزة للنشر والتي أعدها وهو ما زال على مقاعد الدراسة تدلنا على ما تمتع به سيد قطب من همة عالية ودأب متواصل وصبر على معاناة البحث كما تدلنا على نتاجه الغزيز المختلف الموضوعات وقد وعد بإخراج بحث جديد عن شوقي بعد أن اختلف مع أستاذه محمد مهدي علام حول شاعريته وإن كان راي في شوقي كله بعد درساة كاملة شاملة لكل ما أنتجه لا يختلف كثيرا عن تعليقي على الأمثلة المختارة وبهذه المناسبة أعد بأن أكتب نتيجة دراستي لشوقي في محاضرة أو كتاب آخر يتسع للبحث والدراسة والاستصاء ويكون رأيي إذ ذاك مؤيدا بكل ما أنتجه شوقي بلا استثناء وهذا يدلنا على قدرة سيد قطب العجيبة على التفكير في البحوث واختيارها وأخذ نفسه بالشدة والعزيمة حتى ينتهى من إعدادها.

كان سيد قطب موضع إعجاب وتقدير أساتذته وزملائه الطلاب في الكلية ومن أساتذته الذين عرفناهم الدكتو مهدي علام أستاذ التربية في الكلية وكان معجبا بتلميذه إلى حد كبير فقد قال في تقديمه لكتاب مهمة الشاعر في الحياة ولئن كنت قد قدمت المحاضر سيد قطب بأنه طالب يسرني أن يكون أحد تلاميذي فإنني أقول اليوم وقد سمعت محاضرته أنه لو لم يكن لي تلميذ سواه لكفاني ذلك سرورا وقناعة، واطمئنانا إلى أنني سأحمل أمانة العلم والأدب من لا أشك في حسن قيامه عليها.

وقد ذكر الدكتور علام في تقديمه أن من أسباب محبتهم لسيد وتقديرهم له قوة شخصيته وجرأته في قول ما يعتقد حتى لو خالف فيه أساتذته:

يعجبني في كاتب هذه المحاضرة جرأته الحازمة التي لم تسفهفتصبح تهورا ولم تذل تغدو جبنا وإن هذه الجرأة الرشيدة التي دعته إلى الاستقلال بالراي في بحثه حتى ولو خالفنا في بعض ما نعتقده من الأراء الأدبية لهي التي تجعله أحب إلى قلوبنا.

وبعد أن أشار إلى تواضع سيد قطب، ختم الدكتور علام تقديمه بقوله، وقصارى القراء أن أقول لهم أنني أعد سيد قطب مفخرة من مفاخر دار العلوم وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب.

لم تكن اهتمامات سيد في دار العلوم اهتمامات أدبية أو ثقافية فقط فقد كان له نشاط بارز في المجالين السياسي والاجتماعي ونشير إلى واحد مما قام به في هذه الفترة فعندما افتتحت الحكومة المغربية سفارة لها في مصر عام 1938 وعينت المكي الناصري سفيرا لها قال سيد قطب ولقد كان لي من قبل حظ معرفة الرجل الوطني العامل الذي يشرف اليوم على بيت المغرب بأقسامه الثلاثة إذ كان يدرس بمصر عام 1929 وكنت وجهتنا إذ ذاك مع نخبة من أكرم الإخوان المصريين والشرقيين أن نؤلف جمعية للطلبة من هؤلاء وهؤلاء تمكن م الروابط بين الجميع وتعمل للمستقبل في توثيق العلاقات وتسهل للطلبة الشرقيين وسائل العلوم والراحة في مصر وكان الاستاذ المكي الناصري أشد المتحمسين للفكرة وكنا نجتمع غالبا في داره للمباحثات في تحقيق هذ الأمل الكريم.

سيد قطب في وزارة المعارف

عمل سيد قطب فور تخرجه من دار العلوم في وزارة المعارف، مدرسا في مدارسهأن واستمر في التدريس ست سنوات: سنة في بني سويف وأخرى في دمياط وسنتين في مدارس القاهرة، والسنتان الأخيرتان استقر فيهما في مدرسة حلوان الابتدائية في ضاحية حلوان إحدى ضواحي القاهرة وهي الضاحية التي استقر فيها مع إخوته فيها بعد.

ولم ينقطع وهو في التدريس في بني سويف ودمياط والقاهرة عن مراسلة المجلات الأدبية ونشر مقالاته وقصائده فيها.

انتقل بعد التدريس موظفا في الوزارة حيث عمل في التفتيش فترة قصيرة ثم في مراقبة الثقافة العامة وبقي في عمله فيها مدة ثماني سنوات من عام 1940 إلى عام 1948 حيث أوفدته الوزارة إلى أمريكا.

أثناء عمله في مراقبة الثقافة اسندت إليه الوزارة أعمالا أخرى عرفنا منها انتدابها له للتفتيش في الصعيد لمدة شهرين وانتدابه سكرتيرا فنيا للجنة الاستشارية للكتب والمجلات في الوزارة.

بعد عودته من أمريكا عمل مع المستشار الفني للوزارة وكان بالإضافة إلى عمله في الوزارة يلقي محاضرات في كلية دار العلوم ثم انتدب للتدريس في الكلية.

قبل قيام الثورة بقليل استقال سيد قطب من وزارة المعارف نهائيا لأنه لم يتمكن من العمل فيها وسط جوها الكئيب ولأنه ووجه بحرب شرسه من قبل أعوان أمريكا في الوزارة حيث خيب ظنهم في بعثته لأمريكا.

لم يكن سيد قطب في الوزارة مجرد موظف عادي، يقوم بوظيفته بطريقة روتينية وإنما كان المفكر الجرئ، يفكر بعمل الوزارة ومناهجها ووسائلهأن ويضع الخطط التي يراها لمسيرتها ويقوم بهذا كله في جرأة وشجاعة ولو أى إلى غضب رؤسائه إذ لم يكن همه كسب رضاهم والتزلف إليهم والحرص علي الترقيات والزيادات وإنما كان همه قول ما يرى أنه الحق والاهتمام الجدي بعمله والتفكير المضنى في رفع مستوى الأجهزة في الوزارة وتحسين خدماتها. من تلك المقترحات التي قدمها المقترحات التي أشرنا إلهيا عند حديثنا عن دراسته في دار العلوم والتي قدمها إلى إدارة الكلية حيث بقي مصرا عليها حتى بعد أن عمل في الوزارة.

ومنها معارضته لفكرة طه حسين في تكثيف اللغات الاجنبية للطالب في المرحلة الابتدائية والإعدادية والتي يعزوها إلى الثقافة الفرنسية التي ثتقفها الدكتور واكتظاظ البرنامج الفرنسي بالمواد وقدم البرنامج الذي يراه بقوله: وإنا شخصيا أنكر كل برنامج يكلف التلميذ من السابعة إلى سن العاشرة أن يشتغل بالدراسة النظرية أكثر من أربع ساعات في اليوم بحال من الأحوال وأنكر كل برنامج يكلفه من سن الحادية عشرة إلى السادسة عشرة أكثر من ست ساعات أما ما عدا ذلك فللرياضة البدنية وللفنون الحرة وللقراءة الشخصية.

ومنها اقتراحاته التي قدمها لإصلاح دروس البلاغة والصرف والإملاء ومنها مشروع الترجمة الذي أعده وقدمه للوزارة حيث وضع فيه خطة عامة للترجمة وقد اهتمت به فترة من الوقت ثم أغفلته.

ومنها اقترحه الذي قدمه للوزارة بخصوص مكتبات المدارس: لقد اقترحت مرة على وزارة المعارف أن تزيل الغبار عن سمعتها في أسواق الوراقين وهي سمعة لا يسر الوزارة أن تعرفها ورائحة لا يريحها أن تشمها لقد اقترحت عليها أن تنشيء ألف مكتبة فرعية صغيرة في المدن والقرى الكبيرة ولا يكلف إنشاء الواحدة منها أكثر من مائة جنيه.

وقد فصل اقتراحه بشكل يضمن للكتاب الجيد الرواج وذكر اسباب عدم الأخذ به: لأنه يحرم بعض دور النشر المحظوظة من الاستيلاء على أكبر مبلغ من ميزانية الكتب في وزارة المعارف ويحرم بعض ذو النفوذ من الاتجار بنفوذهم في سوق الوراقين ويحرم بعض ذوي الشفاعات من المؤلفين أن يستمتعوا بالربح الحرام.

وفي عام 1943 أرسلته الوزارة إلى الصعيد في مهمة تفتيشية وطلب منه رئيسه المستشار الفني للوزارة الدكتور طه حسين أن يقدم عند عودته تقريرا شاملا عن دراسة اللغة العربية في المدارس على اختلافها وأن يفصل اقتراحاته في إصلاح هذه الدراسة بصفة عامة وعندما عاد قدم تقريره الشامل ورسم فيه خطة لتغيير دراسة اللغة العربية ووضع أسسا سليمة لتقوم عليها من جديد ولكن تقريره رفض وفشلت الخطة.

وفي عام 1947 قدم إلى وزير المعارف الدكتور عبد الرزاق السنهوري خطة شاملة لتغيير نظام دراسة التاريخ كي يقام على أساس سليم، وفشلت الخطة.

وعندما أوفدته والوزارة إلى أمريكا عام 1948 ليدرس نظام التعليم هناك في مختلف الجامعات والمعاهد وبعد أن عاد للوزارة قام بمحاولات لإصلاح جهازها أشار إلى عضها قائلا: ألم أحاول عشرين مرة بعد عودتي من البعثة إلى أمريكا أن أنشىء لوزارة المعارف إدارة فنية صحيحة تقيم نظم التعليم ومناهجه على أساس سليم ففشلت في هذه المرات فشلا ذريعا لأن المراد في هذه المرة كان إصلاحا في الصميم.

ويبدو أن لفشله في هذه المقترحات التي قدمها ارتباطا مباشرا في استقالته من الوزارة في آخر الأمر حيث وجه اتهامه إلى كبار الموظفين في الوزارة ومما جاء فيه: إن التعليم لكي يؤدي مهمته هذه يحتاج إلى تعديله من أساسه.. ومما يؤلم النفس إن هذا التعديل لا يحتاج إلى مال غير الذي ننفقه وقد لا يحتاج إلى رجال غير الذين يزاولون اليوم مهمة التعليم ولكنه يحتاج فقط إلى إيمان بهذا التعديل الشامل وإلى عقليات قليلة ناضجة تشرف على التنفيذ أم لعلني أمام عقدة العقد؟ وأنا أحسبها من الهين اليسير ثم يحدد تهمته قائلا: لقد أفلح الاستعمار في تطعيم عقلية وزارة المعارف بالميكروب الثابت أنه يبدو دائما في صورة كبار الموظفين.

حتى المعاهد الثقافية التابعة للوزارة في الخارج فشلت في أداء مهمتها وقد ضرب سيد قطب مثالا عليها المعهد الثقافي المصري في لندن فإنه ما يزيد على أن يعلم اللغة العربية لبضعة عشر يهوديا معظمهم قد اشتغلوا فيها بعد جواسيس على العرب في حرب فلسطين وبضعة عشر إنجليزيا ممن يعدون أنفسهم لخدمة الاستعمار الإنجليزي في الشرق العربي وهذه المهمة تستغرق جهود رجل مصري مثقف كالدكتور عبد العزيز عتيق، كم كانت إحدى كليات الجامعات المصرية في حاجة إليه هنا لاستكمال أساتذتها؟.

لم يكن سيد قطب وهذه شخصيته وهذه مواقفه، وهذه مقترحاته ودراساته وتقاريره وهذه محاولاته ومشاريعه لم يكن بهذا كله ليرضي رؤساءه في الوزارة كباقي زملائه الموظفين وبخاصة إذا علمنا أنه كثيرا ما يتغير وزراء المعارف بتغيير الزارات حيث يأتي وزير من حزب آخر غير حزب الوزير السابق فيتنافس كبار الموظفين إلى كسب ود الوزير الجديد باعتناق مبادئه أو التزلف إليه وهكذا يجهدون أنفسهم في علاقاتهم مع هؤلاء الوزراء المتشاكسين وقل مثل هذا علاقة كبار موظفي الوزارة بصغار الموظفين.

ولكن سيد قطب الذي يأنف نفسه مواقفه الذلة والهوان أو التزلق والتذبذب أو تغيير الآراء بتغير الظروف والذي تميزت شخصيته بالقوة والشجاعة والجرأة ولالتزام سيد قطب بهذه الصفات أسخط عليه رؤساءه وتميزت علاقته معهم بالمشاكسات، وجرت عليه هذه الصفات كثيرا من المضايقات وكان يتقبلها بارتياح لأنها ضريبة العزة والشجاعة.

كما كان للمقالات السياسية التي يكتبها في الصحف والمجلات أثر علي صلته برؤسائه حيث أنه موظف رسمي والموظف يحظر عليه الكتابة السياسية وأبداء رأيه في القضايا الوطنية ولذلك وجهوا إليه إنذارات لكتابته تلك واثبتوها في إضبارته.

ففي أبن الحرب العالمية الثانية عام 1943 جرت عليه صفاته التي ذكرناها ومقالاته السياسية وابداء رايه في القضايا الوطنية ولذلك وجهوا إليه إنذارات لكتابته تلك وأثبتوها في اضبارته.

ففي إبان الحرب العالمية الثانية عام 1943 جرت عليه صفاته التي ذكرناها ومقالاته السياسية التي كتبها غضب وزير المعارف آنئذ وقال لابد أن يفصل هذا الموظف أو ينفي من الأرض أو يشرد فيها وحدد التهمة بأنه يعمل لحساب المعارضة وأنه يتحدث لأصدقائه عن بعض الوزراء منقدا لهم وأنه إداة لخطة حزبية ضد الحزب الحاكم كما أخبرته بذكل إدارة الأمن العام بالإضافة إلى كتابته السياسية في المجلات وأمام تهمة الوزير وقرارة قرر سيد قطب أن يستقيل من الوزارة لأنه لن يخضع لأهواء الوزراء ولم يقلع عن الاستقالة إلا بعد الحال من رئيسه المباشر للدكتور طه حسين الذي تمكن من إقناع الوزير بالعدول عن قراره والاكتفاء بنفي سيد قطب إلى الصعيد لمدة شهرين تحت شعار التفتيش فهو يقوم بجولة تفتيشية في الظاهر بينما هو منفي في الحقيقة.

هذه الحادثة التي كشف سيد قطب النقاب عنها واحدة من حوادث عديدة مشابهة لم نطلع عليها تبين علاقته بالوزراء من ناحية وبرؤسائه المباشرين من ناحية اخرى كما تبين أي موظف كان.

كذلك إيفاده في بعثة إلى أمريكا لم يكن في الحقيقة إلا عملية سياسية للتخلص منه.

سيد قطب مع العقاد

كان عباس محمود العقاد أشهر حامل لراية التجديد الأدبي في مصر وقد بدأ يظهر نتاجه الأدبي منذ صغره، وراح يكتب في الصحف والمجلات منذ أوائل هذا القرن العشرين وكون مع زميليه عبد الرحمن شكري وإبراهيم المازني جماع الديوان ويعتبر العقاد رائد النقد الأدبي في مصر، حيث ظهرت مقالاته النقدية في وقت مبكر جمعها بعد ذلك في كتب أشهرها:

ساعات بين الكتب و مطالعات ومراجعات في الآداب والفنون كما نشر عدة دواوين شعرية مثل وحي الأربعين وعاصير مغرب واختص بعد ذلك بدراسة الشخصيات من الشرق والغرب.

هذا وقد تتلمذ عليه عدد من الأدباء الشبان، ومن أشهر تلاميذه سيد قطب وعبد الرحمن صدقي ومحمد خليفة التونسي وعبد الفتاح الديدي وطاهر الجبلاوي.

بدأت صلة سيد قطب بالعقاد في وقت مبكر عندما سكن عند خاله أحمد حسين عثمان لأن خاله كان على صلة بالعقاد حيث كانا عضوين في حزب الوفد الذي أسسه سعد زغلول وكان بينهما تزاور لأنهما يسكنان في ضاحيتين متجاورتين العقاد في مصر الجديدة وأحمد حسين في الزيتون وكثيرا ما كان سيد قطب يرافق خاله في زياراته تلك وأعجب سيد بشخصية العقاد القوية، كما أعجب بفكره وأدبه وعقليته وبمكتبته الكبيرة التي ضمت مختلف الكتب والمجلات العربية والأجنبية.

وتحول الإعجاب إلى تلمذة وتأثر فكري وأدبي وارح سيد قطب يقرأ في مكتبة أستاذه بشغف كبير، يلتهم ما فيها التهاما ليشبع حاجاته النفسية والأدبية ويلبي أشواقه وتطلعاته الفنية واستفاد سيد الكثير من مكتبة العقاد وتزود بزاد عظيم من الثقافة والمعرفة، وتفتحت أمامه آفاق أدبية وفنية جديدة.

وكما استفاد من مكتبة أستاذه استفاد منه هو ومن نظراته في الأدب والشعر والنقد والفن ومن شخصيته القوية وشموخه واعتداده بنفسه وتعاليه وتبنى سيد آراء أستاذه المختلفة كما تأثرت شخصيته به ورأينا فيها بعض صفات أستاذه.

وقد شمل تأثير العقاد عليه حياته السياسية الأولى فرأينا سيد قطب عضوا في حزب الوفد، ويبدو أن خاله وأستاذه هما اللذان أثرا عليه من هذه الناحية واستمر سيد مع حزب الوفد مدة طويلة منذ أن بدأ الدراسة في القاهرة إلى أن شكل زعيمه مصطفى النحاس الوزارة بطلب من الإنجليز في شباط عام 1942بعد أن حطمت الدبابات الإنجليزية أبواب قصر عابدين وقد أفقد هذا الحديث ثقة سيد بالحزب وتخلى عنه بعد ذلك لينضم إلى حزب الهيئة السعدية وهو الحزب المنشق عن الوفد الذي لم يمكث فيه أكثر من سنتين اعتزل بعدها الأحزاب نهائيا.

اختضن العقاد تلميذه سيد قطب وفتح أمامه أبواب الصحف والمجلات التابعة لحزب الوفد السياسي منها والأدبية وهي التي كان العقاد يشرف على تحريرها أو يسهم في الكتابة فيها ليعطيها شهرة كبيرة مثل البلاغ والبلاغ الأسبوعي والجها وغيرها.

فظهرت فيها مقالات سيد الغزيرة وقصائده وتحليلاته الأدبية والاجتماعية.

اشتهر سيد في الأوساط الأدبية كتلميذ للعقاد، وراح بعضهم يلمزه بهذه التلمذة، واعترف سيد بتلمذته عليه، وأشاد بهأن اعتبرها مصدر قوة له لا نقطة ضعف ضده فهو يخاطب الدكتور أحمد أمين قائلا لقد كنت مريدا بكل معنى كلمة مريد لرجل من جيلكم تعهرفونه عن يقين والأسلوب الأدبي، وله على فضل في العناية بالتفكير أكثر من اللفظ وهو الذي صرفني عن تقليد المنفلوطي والرافعي ويبين لأحمد فؤاد الأهواني صلته بالعقاد وحتى العقاد نفسه وصلته بشخصه معروفة وصلتي بادبه أوثق مرات من صلتي بشخصه ولو فهم الكثيرون غير هذا.

كان سيد قطب يخشى على شخصيته أن تذوب في شخصية العقاد فعندما أصدر العقاد ديوانه وحي الأربعين عام 1933 تحدث عنه سيد قطب في محاضرة ألقاها في رابطة الأدب الحديث ابتدأها باعترافه بصداقته للعقاد واتبع يقول ولست أخشى من هذه الصداقة على أشدها أن تؤثر في رأي لأن لي صداقة أخرى أقوى من هذه الصداقة وهي صداقتي لضميري لا بل صداقتي لشخصيتي وحرصي عليها أن تفنى في أية شخصية أخرى.

ولما عرف سيد طريقه ورسم بنفسه معالمه بعد أحد عشر عاما من كلامه هذا زال عنه خوف الفناء في شخصية العقاد وقال إنني لم أعد أحرص ايوم على مقاومة الفناء في الشخصيات الأخرى لأنني عدت أكثر اطمئنانا لعدم الفناء وإني لأ‘ترف اليوم أن صيحتي يومذاك إنما كنت صيحة الخائف الذي يحدث نفسه في الظلام وينفي عنها الأوهام ليشعر بالاطمئنان.

لقد كنت أتحدث يومها عن العقاد وكانت شخصية العقاد هي الشخصية الوحيدة التي أخشى الفناء فيها كنت أحس هذا بيني وبين نفسي ولقد ظلت هذه الخشية إلى وقت قريب جدا حينما بدأ أشعر أنني قد تخلصت وإنني أنتفع بالعقاد ولكنني لا أقلده وإن لي طريقا ألمح معالمه واستشرف آفاقه وإنني أتذوق بحسي وأنظر بعيني وأسمع بأذني وإن كان للعقاد فضل التوجيه في الطريق العام.

درس سيد أستاذه دراسة عميقة فاحصة وتزود بمختلف وسائل المعرفة والثقافة التي تعينه على معرفة كنه الرجل وسبرغوره وقد حدثنا عن درساته التي توصل بها إلى معرفته قائلا ولقد رقيت إلى محاولة استيعاب العقاد وأفلحت إلى مدى على درج من دراسات شهصية جمة ليست دراسة الأدب العربي ولا اللغة العربية إلا أولى خطواتها دراسات تشمل كل ما نقل إلى اللغة العربية على وجه التقريب من الأداب الأفرنجية قصة ورواية وشعرا ومن المباحث النفسية الحديثة: نطريات العقل الباطن والتحليل النفسي والمسلكية ومن المباحث الاجتماعية والمذاهب القديمة والحديثة ومن مباحث علم الأحياء بقدر ما استطعت وما نشر عن دارون ونظريته ومن مباحث الأحياء بقدر ما استطعت وما نشر عن دارون ونظريته ومن مباحث الضوء في الطبيعة والتجارب الكيماوية ومما استطعت أن أفهمه عن اينشتاين والنسبية وعن بناء الكون وتحليل الذرة وعلاقته بالأشعاع وقد عقب الدكتور محمد رجب البيومي على كلام سيد بقوله هذا بعض ما أهل به سيد قطب نفسه ليدرس العقاد، وإذا كان العقاد جبار الثقافة دون نزاع فأنه قد أورث تلميذه شرها للمعرفة لا يجد، وهو صادق حين يذكر هذه الفروع الدقيقة ف إطلاعاته لأنه يزور استاذه في مكتبته الخاصة ويرى سعة معارفه فلا بد أن يجاريه ما استطاع ويا لها من همة.

وبعد أن درس أستاذه بوسائله التي ذكرها أعجب به إلى حد التعصب وأحبه إلى درجة الغيرة فأنا لا أنكر أنني شديد الغيرة على هذا الرجل شديد التعصب له وذلك نتيجة فهم صحيح لأدبه، واقناع عميق بفكرته.

نتيجة لهذا التعصب الشديد والغيرة الشديدة، وراح سيد قطب يصدر أحكاما على أستاذه العقاد، ويصفه بأوصاف يظهر فيها الغلو والمبالغة وعدم الموضوعية وهذا ليس بغريب فإن شدة التعصب تنسى صاحبها الأتزان وشدة الغيرة تعمي صاحبها عن أبصار نبوغ وقدرات الأخرين ولقد بقي سيد قطب رغم اسقتلاله بشخصيته لفترة طويلة لا يرى في سماء الأدب إلا العقاد ولا يلمس إلا جوانب من عبقرية العقاد ولا يتذوق إلا شعر العقاد فهو أديب العالم وهو فيلسوف العالم وهو أشعر شعراء العالم ولا غرابة أن تصدر عن سيد قطب مثل هذه الأحكام فإن حبك الشيء يعمي ويصم.

عندما أطلق الدكتور طه حسين على العقاد لقب أمير الشعراء بعد وفاة أحمد شوقي راح سيد قطب يعلن على صفاحت المجلات أن هذا اللقب غير لائق به وراي أن هذا اللقب لأئق بالعقاد لأن المسافة بينه وبين شعراء العربية في هذا العصر أوسع مما بين السوقة والأمراء ويغالي سيد في حكمه على شعر العقاد بأنه أشعر شاعر في لغة العرب في القديم والحديث قد يكون هناك كتاب يتقاربون مع العقاد ولقد كنت هممت بإصدار بحث عن الشعراء المعاصرين ونظرت في أدب جميع الشعراء الأحياء وأنا من بينهم ولكن عاقني عن إصداره أنني لم أجد نقاط اتصال بين العقاد الذي ساكتب عنه أولا وبين جميع الأخرين من الشعراء الفرق هائل جدا.

العقاد في عين سيد قطب ليس شاعرا العربية الأوحد فحسب بل هو لا يدانيه في شعره شعراء العالم أجمع ونحن لا ننصف الرجل حين نقول أن الأوتار التي يوقع عليها الحب في نفسه لم تجتمع قط لشاعر عربي ولا تجتمع لعشرة من شعراء العربية في جميع العهود نحن لا ننصفه حين نتححدث عن اللغة العربية وحدها ولكننا نقول ذلك مؤقتا لأنها اللغة التي نستطيع الحكم على آدابها حكما نملك أدلته كلها ونجزم فيه بالصواب وإلا فبين يدي معربات كثيرة لشعراء من الغرب مشهورين معروفين كبيرون وشيلي والفريد دي موسيه وفكيتور هوجو لا أرى فيها من تعدد الجوانب الصادقة الأصلية ما اراه في غزل العقاد وشعره عامة.

لا شك أن هذه الأحكام المبالغ فيها والتي أصدرها سيد قطب على أستاذه العقاد، أضرت بسيد قطب نفسه حيث شن عليه النقاد وحق لهم حملة في المجلات وأضرت باستاذه العقاد كذلك وكأني به وهو الذي لا يعجبه إلا المديح والإطراء قد تأثر منها وأدرك الغلو والمبالغة فيها.

وقد خاض سيد قطب معارك أدبية دفاعا عن أستاذه العقاد بين فيها نواحي نبوغه وعبقريته وكان أعنفها تلك التي خاضها على صفحات مجلة الرسالة حول العقاد والرافعي وطالت المعركة بحيث استغرقت أكثر شهور عام 1938 بدأت طلائعها في العدد (251) بتاريخ (25 أبريل 1938 وانتهت بالعدد (280) بتاريخ 14 نوفمبر 1938 وكانت المعركة طاحنة كان خصمه فيها تلاميذ الرافعي من كبار الأدباء، مثل محمود شاكر والدكتور محمد أحمد الغمراوي ومحمد سعيد العريان وإسمعيل مظهر وعلي الطنطاوي وعبد الجليل المحجوب والغريب أن سيد قطب أدار المعركة وحده، أمام هؤلاء جميعا أدارها بشجاعة وقوة وجحدة واعتداد برأيه وباستاذه وقد لفت إليه الأنظار ف قوة وانبهار حيث أعجب الناس والأدباء منهم بخاصة برجل يقود المعركة وانبهار حيث أعجب الناس والأدباء منهم بخاصة برجل يقود المعركة منفردا ضد عدد من ذوي النباهة من الأدباء وينتصر عليهم في النهاية.

وقد تحمل سيد تبعة دفاعه عن العقاد وتبيينه لمزاياه تحمل تكاليف هذا كله راضيأن فهو قد كلفه على حد قوله الترعض لغضب الكثيرين من ذوي النفوذ في هذه الوزارة وف كل وزارة ومن بينهم كثير من رؤسائي في وزارة المعارف نفسها وخصومة الأدباء من المدرسة القديمة والحديثة على السواء و خصومة كثير من ناقصي الرجولة وهم أعداء العقاد الطبيعيون وكثير من ناقصي الثقافة الذين لا يفهمون العقاد.

ولم ينتفع مع هذا بنفوذ العقاد ذلك الانتفاع الذي يبدو غير مفهوم حينما كنت أناصر العقاد وهو خصم الوزارات القائمة، وأوقع على ما أكتبه بإمضائي الصريح في أحرج الأوقات.

وراح سيد قطب يرقب كتب أستاذه العقاد، فما أن يصدر كتاب منها حتى يتناوله بالشرح والتحليل والنقد ويجعل حديثه عن الكتاب مناسبة للحديث عن صاحبه وبيان مزاياه ونبوغه وعبقريته.

سيد قطب تلميذ للعقاد، ولكنه ليس نسخة أخرى منه ولو قارناه بتلميذ آخر للعقاد وهو محمد خليفة التونسي لتميزت شخصيته فاتلونسي لم يكن أكثر من تلميذ ذكي يحسن ما يقوله أستاذه فحسب وكذلك تلميذ العقاد الآخر عبد الرحمن صدقي فإنه نسخة طبق الأصل من العقاد ويظهر الفرق بين التلميذين هذين وبين سيد قطب عندما ننظر في عمال سيد وآثاره التي خالف فيها أستاذه فسيد قطب عندما أمن من ذوبان شخصيته في شخصية العقاد، صرح قائلا أنني أنتفع بالعقاد ولكنني لا أقلده وإن لي طريقا ألمح معالمه واستشرف آفاقه وأنني أتذوق بحسي وأنظر بعيني وأسمع بأذني.

وتبعا لاستقلاله خالف العقاد في بعض آرائه أنني أختلفت معه في بعض الأحيان، على تعريف الشعر وتذوقه وعلى النظرة إلى العاطفة وأطوارها ولكنه اختلاف الرأي والإحساس الذي لا بد أن يقع بين شخصيته وشخصية متى تبلورت الشخصيات وظهرت معالمها كاملة ولو كانتا شخصيتي التلميذ والأستاذ كانت مخالفته له في وقت مبكرا جدا ففي أول مقالات سيد النقدية على صفحة الأهرام عندما أصدر العقاد ديوانه هدية الكروان كتب سيد قطب عنه يقول: إن هدية الكروان تمثل منتهى النضوج الفني عند العقاد وإنها سلمت من بعض أشياء كانت تغض من الجمال الفني الكامل لبعض شعر العقاد وهي ما اسميته قسوة القالب وعنيت به إن يحتجب الشعور الطليق في ثوب أضيق وأقسى مما يلائم هذا الشعور الطليق.

وعن أثر هذا النقد الهادئ على العقاد قال وهو كذلك لا يسلم بقسوة القالب في بعض شعره ولا يبيح لي أن أواجه هذا النقد لأن منشأة هو قصوري عن فهم شعره وإن على الناقد أن يرتفع إلى مستوى الشاعر، وليس على الشاعر أن يهبط لمستواه وكان العقاد مهتاجا ولكنني كنت هادئ الأعصاب وبقي رغم هدوء أعصابه على موقفه لم يغيره بل رد على العقاد قائلا إن الناقد الذي يكتب محاضرة عن ديوان وحي الأربعين فيفهم دقائقه فها يرضي عنه العقاد لا يقصر عن فهم هدية الكروان وهي أسهل من وحي الأربعين وافترقنا وفي نفس العقاد شيءأحسه ولكنني أسف له وإن كنت لا أنوي التأثر به.

وراح سيد يخالف أستاذه في كثير من آرائه وينشر مخالفته له على صحات المجلات الأدبية وفي كتابه كتب وشخصيات أماكن عديدة لهذه الآراء.

بدأ سيد في بداية عام 1946 بعد أن ألف كتابه التصوير الفني في القرآن يبتعد تدريجيا عن مدرسة العقاد الأدبية وينتقد آراءها في الأدب والفكر والحياة ونورد فيما يلي مثالا لانتقاده الجاهز لهذه المدرسة قالأثناء حديثه عن قضية اللفظ والمعنى القضية المعروفة في الأدب العربي ثم عرضت هذه القضية مرة أخرى في العصر الحديث في معرض الجدل بين مدرسة شوقي وحافظ المعنية بالإيقاع الموسيقي والجمال اللفظي ومدرسة العقاد وشكري المعنية بالصدق الشعوري والتدقيق المعنوي وقيل كلام كثير في معرض الجدل ليس كله صوابا بطبيعة الحال ونحن في هذه المناسبة لا نتردد في أن نرد إلى الإيقاع الموسيقي والجمال التعبيري اعتبارهما ولكن على أساس آخر غير الأساس الذي يفهمه الشوقيون والتعبيريون على العموم.

وبقي سيد يبتعد تدريجيا عن مدرسة العقاد في الأدب، والحياة إلى إن خرج منها نهائيا ليكون مدرسة أدبية جديدة على أسس جديدة ونظرة جديدة للأدب والحياة.

وتجلى هذا الخروج في مقالة كتبها في مجلة الكتاب ينقد فيها ديوانا لأحد أبناء المدرسة العقادية أحمد مخيمر قال فيها لقد آن أن نفهم اشعر على ضوء جديد بعدما قطعنا كل هذه المراحل وبعدما أجتزنا كل تلك التجارب أن نفهم الشعر لا على طريقة مدرسة شوقي وحافظ والمنفلوطي ولا علي طريقة العقاد وشكري والمازني فكلتاهما مرحلتان من مراحل التطور قامتا بدوريهما في النهضة وآن أن يخلفهما فهم للشعر جديد.

تحدث عن مدرسة العقاد قائلا: وقامت أخراهما على أساس أن الشعر صورة حياة وخلجات نفوس وسمات شخصيات وحقائق شعور وهذا كله صحيح ولكن هذه المدرسة عند التطبيق العملي لفهمها الشعر كانت طاقتها الشعرية أقل من تصورها للشعر، فجاء نتاجها الشعري في عمومه ناقص الحرارة غير مكتمل الشاعرية وظلت إلى قليلا تمتح من تصورها الواعي للشعر قبل أن تفيض من شعورها الكامن في الضمير.

وتحدث عن تجربته مع هذه المدرسة قائلا ولست أنكر فتنتي فترة طويلة من العمر بهذه المدرةس كفكرة وفتنتني بنتاجها الأدبي كشعر وتأثري بها إلى الحد الذي أنفقت فيه شطرا من حياتي وأنا أقول الشعر لا أفرق فيه بين الفكرة الجميلة الشعرية اعتنقها مذهبأن والأحساس الجميل الشعري ينبض به شعوري ويعيش انفعالا غامضا في ضميري.

ولم أجد نفسي إلا منذ عامين اثنين (1946) انتبه إلى الفارق الأصيل بين الفكرة الجميلة والشعور الجميل وأجد للشعر مذاقا آخر، غير ما سبق لي أن أحسسته في نحو خمسة عشر عاما أو تزيد.

وهكذا انتهي به المطاف الأدبي بعد حياة طويلة في مدرسة العقاد دامت ما يقرب من ربع قرن، انتهى به إلى مدرسة أدبية جديدة هو رائدها وأستاذها الأول لها أسسها ونظراتها وآرائها ومنهجها في الشعر والأدب والفن والنقد وكان معه في مدرسته عدد من الأدباء، وكان بمقدور سيد أن يرسى أسس مدرسته الجديدة، وينميها ويرعاها ويمدها بالجديد من نظراته الثاقبة كان بمقدروه هذا لولا أنه تركها لاهتماماته الجديدة، حيث فتح الله أمام عينيه ملامح طريق جديدة، فسار فيها مفكرا وكاتبا وباحثا تلك هي المرحلة الأخيرة من حياته وهي اتجاهه الإسلامي.

وقد بين سيد قطب أسبابا أخرى لخروجه من مدرسة العقاد، غير آرائه الجديدة في الأدب والفن والشعر منها ما ذكره لأبي الحسن الندوي إن نفسي لم تزل متطلعة إلى الروح وما يتصل بها وكنت في صغري مشغوفا بقراءة أخبار الصالحين وكراماتهم ولم تزل هذه العاطفة تنمو في نفسي مع الأيام والأستاذ العقاد رجل فكري محض لا ينظر إلى مسألة ولا يبحث فيها إلا عن طريق الفكر والعقل فذهبت أروي نفسي من مناهل أخرى هي أقرب إلى الروح ومن ثم عنيت بدراسة أشعار الشرقيين كطاغور وغيره.

كما أن من أسباب خروجه على مدرسة العقاد، هو ضعف العقاد وجبنه في كثي من المواقف السياسية بعدما أمتد به العمر في الأربعينيات يقول أني كنت أعتقد أن مثل الأستاذ العقاد في عقله الكبير وشخصيته العظيمة لا يخضع للضروات والملابسات كالحكومة والسلطة ولكنه جفا العقاد سيد قطب بعد خروجه عليه أدبيا أولا ثم فكريا بعد ذلك بل مقته لاتجاهه الإسلامي ولم يكن العقاد يطيق الاتجاه الإسلامي المتمثل في حكرة الإخوان المسلمين بل كان يحاربه بشراسة وراح العقاد ينتقد سيد ويتحدث عنه ويأسف له وكتب في الرسالة مقالة بعنوان إرادة الغفلة ضد سيد قطب دون أن يذكره بالاسم.

وبعد افتراق طريقهما وبعد أن وقف سيد المواقف الإسلامية الجريئة ضد رجال الحكم والعسكري في مصر، بعد أن ضحى بالكثير صار العقاد يثني عليه ويمدحه ويشيد به في مجالسه الخاصة كان للعقاد فضل كبير على سيد قطب إذ أنه استفاد منه الكثير وبخاصة في حياته الأدبية ولكن كان له أثر سلبي عليه حيث يعزي إليه العقاد السبب في تأخير سيد قطب في اتجاهه الإسلامي لأن سيد الذي نشأ نشأته الدينية في القرية، كان المتوقع له أن يسير في طريق إسلامي واضح ولكن اتصاله بالعقاد أوجد عنده ميلا إلى الأدب والنقد والشعر وصارت عنده اهتامات أدبية وفنية وسيطرت عليه هذه الاهتمامات فترة طويلة من الوقت زادت على ربع قرن من الزمان وكمنت اهتماته الإسلامية والروحية طوال هذه الفترة ولم تظهر من جديد إلا بعد جديد إلا أن اتصل بالقرآن ولبي أشواقه الروحية والوجدانية والشعورية وإخراج كتاب التصوير الفني في القرآن وكان هذا في أيامه الأخيرة في مدرسة العقاد عندما أوشكت علاقته به على الانتهاء.

في الصحف والمجلات

بدأت علاقة سيد قطب بالصحف والمجلات في و قت مبكر من حياتهن وساعد على اتصاله بها خاله (أحمد الموشي) الذي كان يشتغل بالتدريس والصحافة إذ بواسطة تعريف سيد عليهأن كما ساعد على اتصاله بها علاقته المبكرة بالعقاد، الذي كان يشرف على عدد من الصحف ويكتب في عدد آخر.

بدأ اشتغال سيد بالصحافة عام 1921 وأول مقال نشره كان عن طريق التدريس وكان في صحيفة البلاغ اليومية.

واستمر اتصال سيد قطب بالصحف والمجلات إذ كتب فيها عندما كان طالبا في مدرسة المعلمين الأولية، وفي تجهيزية دار العلوم، وفي كلية دار العلوم ثم بعد أن تخرج من الكلية وعمل موظفا في وارة المعارف وصار يراسل المجلات وينشر فيها مقالاته وهو في أمريكا ثم بعد أن عاد من أمريكا واستقال من الوزارة ولم تنقطع صلته بالمجلات إلا بعد أن أدخل السجن عام 1954.

لم يكن عمله في هذه المجلات على حالة واحدة: فبعضها كان يعمل فيها موظفا يتناول مرتبا شهريا حيث يحرر فيها صفحة أدبية وكان عمله في صحيفة الأهرام وصحيفة البلاغ من هذا القبيل.

وبعضها كان يكتب فيها المقالات اليومية أو الأسبوعية بدون أجر ويكفيه أن تفسح المجلة لمقالته صفحاها ليقرأ الناس آراءه وكانت غالبية مقالاته من هذا القبيل كمقالاته في مجلات الأسبوع والوادي و كوكب الشرق والرسالة والدعوة و الإشتراكية وغيرها.

وبعضها كان يتولى فيها رئاسة تحرير المجلة والإشراف عليها وكتابة عدة مقالات في العدد الواحد مثل مجلات الفكر الجديد والعالم العربي والإخوان المسلمون.

كانت أول مقالات سيد قطب ظهورا في الصحف والمجلات التابعة لحزب الوفد لأن خاله وفديا وأستاذه العقاد كان وفديا وهو نفسه انضم إلى حزب كلها وبما أن منها مجلات أدبية وأخرى سياسية فقد كتب فيها المقالات السياسية والأدبية والتربوية ونشر فيها قصائده الشعرية.

في عام 1934 حدثنا أحد قرائه عن أول نتاج له قائلا: فقد قرأته من ثلاثة عشر عام شاعرا في صحيفة الحياة الجديدة ثم قرأته بعدئذ شاعرا وكاتبا في البلاغة، ثم ها أنا الأن أقرأه شاعرا وكاتبا في الأهرام والأسبوع.

ويخبرنا سيد عن بعض المجلات التي كان ينشر فيهأن حيث نشر نثرا ونظما منذ عام 1924 بالبلاغة اليومي والأسبوعي وكوكب الشرق والوادي والمصور وسواها من الصحف.

لم يكن سيد قطب كما قلنا متفرغا لعمله الصحفي بل كان يجمع بين الصحافة الدراسة والنثر والنظم وهذا ما رفعه في أعين الأدباء في تلك الفترة ورأوا فيه همة ونشاطا عديبين وذكاء ونبوغا بارزين وتوقعوا له مستقبلا عظيما.

من هؤلاء على أحمد عامر الذي كتب مقالة في الأسبوع بين فيها بعض ملامح سيد قطب ويظهر فيها بعض نواحي نبوغه ويقول متحدثا عن مقالات سيد النقدية والأدبية التي ينشرها في الصحف ويجد فيها الأدباء طلبتهم فقد طالما دفعته الدنيا إلى ملابسة الرجولة بينما هو في بداية طلبتهم فقد طالما دفعته الدنيا إلى ملابسة الرجولة بينما هو في بداية مراحل الشباب وقد طالما أسرفت حقائق الحياة معه.

فآذنت له أن يجمع أعصابه على موزانات في الأدب والشعر والنقد كان قراء الصحف ينصرفون إليها مغتبطين ومؤمنين أنهم ملاقون فيها شيخا كشفت تجاريبه وجوه الأشياء جميعا وكشفت السنون الطويلة له خايا الناس وطوايا الفنون.

ويصوره لنا في عمله اليومي ولو أنهم أبصروا به تلميذا يقتعد أريكته في حجرة الدراسة باحثا عن خبر كان منقبا عن غزوة أحد كادحا وراء فقه اللغة دائبا على مصاولة الشعراء العباسيين لأسلافهم من شعراء أمية ولو أنهم بصروا به متحفزا يثب إلى مكتبه في الليل يستذكر الدرس ثم يكتب رسالة الغد إلى الصحيفة التي يعمل فيهأن لها أن تذوع .. ولو أنهم بصروا به في هذه المشاهد التي يؤلف ما بينها التناقض لأنكروا على ابن الخامسة عشرة أن يقول الشعر، ولأنكروا على ابن المدرسة أن يكابد التحرير ... وكلنه سيد قطب طراز وحده في أدباء الشباب.

ويبين طريقة في الكتابة قائلا: في هذا الهيكل الناحل وفي تلك الابتسامة الخاطفة وفي هذا الرأس الدقيق تأتلف جاعة من القوى الصاخبة ولكنها لا تلبس قفاز الملاكمة إلا حين يكون ملقيا همه في زمرة من الورق الأبيض يجري عليها بقلمه فإذا السطور السوداء رسالات من دخائل الحياة.

من المجلات التي كان يكتب فيها في العشرينيات وهو لما يتخرج من الكلية مجلات البلاغ والجهاد، البلاغ الأسبوعي والوادي والحياة الجديدة والأهرام والمقتطف وغيرها.

وفي الثلاثينيات بقي يكتب في هذه المجلات وأضاف إليها المجلات التي صدرت في هذا الوقت مثل: كوكب الشرق، وروز اليوسف وأبوللو، والإمام والأسبوع، والرسالة، والثقافة، ودار العلوم.

وفي الأربعينيات استمر يكتب في المجلات التي بقيت منها مثل: الرسالة، والثقافة ودار العلوم، وأضاف إليها المجلات التي صدرت في هذه الفترة مثل: الكاتب المصري والكتاب، والسوادي، كما أشرف على هذه الفترة على مجلتي الفكر الجديد والعالم العربي.

وفي الخمسينيات وبعد عودته من أمريكا بقي يكتب في مجلات: الرسالة والثقافة والكتاب وأضاف إليها المجلات التي ظهرت في هذه الفترة مثل: اللواء الجديد، والإشتراكية والدعوة والمسلمون كما أشرف على مجلة الإخوان المسلمون.

كانت كتاباته متنوعة أما قصيدة شعرية غنائية أو مقالة أدبية أو نقدا لكتاب أو تسجيلا لمحاضرة القاهأن أو نظرة في الأدب والحياة أو تعليقا على حوادث سياسية أو نقدا لمظاهر اجتماعية أو مقالة قصصية أو نقدا للفنون والأغاني أو تعليقا على محاضرة أو كلمة لأديب أو هجوما على مظاهر شائهة في السياسة أو المجتمع، أو تهكما بالاستعمار وأدواته في البلاد، أو معركة أدبيه، أو إصلاحا أخلاقيا أو دراسة فكرية، أو دعوة لثورة أو تغيير وعلى العموم ما ترك سيد قطب رحمه الله مجالا من مجالات الكتابة على كثرتها الأخاض فيها وكان فيها ابن بجدتها وفارسها البارز وعندما تقرأها تقول: كأنه وكان فيها ابن بجدتها وفارسها البارز وعندما تقرأها تقول: كأنه لا يحسن إلا القول في هذا المجال ثم تفاجأ به ميرزا في مجال آخر وهكذا وبألقاء نظرة فاحصة على المجالات المتنوعة التي خاض فيها على صفحات المجلات العديدة يتبين صدق هذا الكلام.

كما أن الملاحظ أن سيد قطب كان يخص كل مجلة بمقال يناسب تخصيصها سواء كان سياسيا أو إصلاحيا أو أدبيا أو نقديا أو شعريا أو دينيا.

وهذه المقالات الأدبية العديدة أثارت إعجاب الأدباء والمطلعين والمراقبينففي عام 1934 وبعد ثلاثة عشر عاما من مسيرته الأدبية كتب أحد هؤلاء وهو علي أحمد عامر مقالة في الأسبوع أشاد فيها بجهود سيد وبنبوغه وهمته كما سجل إعجابه بنتاجه المتعدد في هذا الوقت القصير وفي ذلك يقول: ولو أننا تناولنا نتاجه في ضوء عمره لدعونا الزملاء جميعهم إلى اكتتاب عام يطيب لكاتب هذا الفصل أن يساهم فيه برأسه حتى تقيم له تمثالا في حجم صورته ونتوجه بهذه الشهادة: نشهد نحن الموقعين على هذا أن زميلنا سيد قطب من أولئك الذين أربت أقدارهمخ على أعمارهم ولكننا في مصر مصر المحروسة بلد العقوق وإذا كان نتاج سيد قطب الوفير في فترة زمنية قصيرة من بداية حياته قد نال إعجاب الأدباء والباحثين حتى قدم أحدهم هذه الشهادة فكيف بسيد قطب وقد ملأ سمع العربية وبصرها في الأربعينيا والخمسينيات وقد استقر به المطاف في طليعة أدباء العربية وقادة النقد الأدبي ثم بدأ مسيرته الإسلامية حتى انتهى إلى أن أصبح عملاق الفكر الإسلامي الحركي كيف تكون الشهادة إذن وكيف يكون التقدير؟ ولكن هذا العلامة النابعة نال من الإهمال والإساءة والعقوق ما لم ينله أديب أو مفكر في القديم ولا في الحديث حيث أزهقت روحه لأنها أبت أديب أو مفكر في القديم ولا في الحديث حيث أزهقت روحه لأنها أبت الخنوع والخضوع وعومل معاملة أقسى من معاملة المجرمين ولا عجب فنحن في مصر المحروسة بلد العقوق.

لقد تمتع سيد قطب بهمة فائقة وطاقة عجيبة ونفس قوية وأفكار دانية وأسلوب محكم، وصبر دائب وقلم مطاوع لا يستعصي ولولا هذه الميزات لما استطاع أن يقدم هذا النتاج الوافر الغزير فها هو في بداية حياته الأدبية يتمكن من التوفيق بين الدراسة بمتطلباتها الكثيرة ومناقشاته وندواته الأدبية مع الأخرين وكتابة مقالاته وإسالها إن الصحف، ونظم أشعاره، وتنمية ثقافاته وإطلاعاته واستمتاعه بخيالاته وأحلامه ورؤاه، ووفائه، بواجباته الأسرية والاجتماعية.

وهو في الثلاثينيات يجمع بين وظيفته كمدرس وهي تأخذ من وقته الكثير ووظيفته في مجلة البلاغ وتأخذ كذلك من وقته الكثير ويكتب مقالات مطولة في مجلات أسبوعية منتظمة في البلاغ والأسبوع وكوكب الشرق والرسالة بانتظام.

وفي الأربعينيات يكتب مقالات أسبوعية منتظمة في: الرسالة والثقافة ومقالات في مجلات شهرية مثل: الكاتب المصري والكتاب ودار العلوم والمتقطف ويشرف على مجلة العالم العربية أو الفكر الجديد، ويطلع على كل مؤلف جديد في السوق أو يتابع أفكار أديب بقراءة كتبه ومقالاته في الدوريات أو يخلو إلى نفسه لينظم قصدة أو يعد بحثا عن بحوثة الأدبية أو الفكرية بالإضافة إلى عمله في وزارة المعارف.

وفي الخمسينيات كان يكتب في مجلات الدعوة والإشتراكية وللواء الجديد، مقالات ثورية بالإضافة إلى مقالاته الشهرية في الكتاب والمسلمون أو يقوم بإعداد بحث فكري أو يلقي محاضراته في المجامع والنوادي أو يقوم بواجباته العملية مع جماعة الإخوان المسلمين أو يستعير الكتب والمراجع لتنمية ثقافاته ويقدر على النهوض بكل هذه الواجبات حقا أن هذا لعجيب ولكن:

وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجساد.

تعتبر مقالاته المختلفة في المجلات سجلا أمنيا لحياته الأدبية والفكرية وبإطلاع عليها نتعرف على مراحل حياته وتدرك تطور اهتماماته أولأن وتطور أسلوبه وأفكاره ونظراته ثانيا كما نتعرف على شخصيته ونتلمس ملامحها في مختلف المراحل.

وأنها لخدمة عظيمة للأدب والفكر، ولتراث هذا العلامة الجليل واعترافا بفضله وأستاذيته أن يقوم أحد الباحثين ويتبع مقالاته تلك في مختلف المجلات التي كانت تصدر ما بين 1920و 1954 وتصنيفها وترتبيها حسب تاريخ صدورها فإنه سيخرج بنتائج جديدة للأدباء والمفكرين وستعينه على دراسة شخصية سيد قطب دراسة وافية من كافة النواحي.

بعد تتبعي لمقالاته في مجلة الرسالة من حين صدورها عام 1934 إلى توقفها عن الصدور عام 1952وبتصنيفها حسب موضوعاتها وجدتها: من سنة 19331937 قصائد شعرية وبعض المقالات الاجتماعية.

في سنة 1938 في الإعداد 251- 282 معركته الأدبية الشهيرة ضد الرافعي نصيرا للعقاد.

من سنة 1940- 1941 تركزت على نقد الأغاني والألحان وتخللها بعض القصائد والمقالات الاجتماعية.

وهو في الثلاثينيات يجمع بين وظيفته كمدرس وهو تأخذ من وقته الكثير ووظيفته في مجلة البلاغ وتأخذ كذلك من وقته الكثير ويكتب مقالات مطولة في مجلات أسبوعية منظمة في البلاغ والأسبوع وكوكب الشرق والرسالة بانتظام.

وفي الأربعينيات يكتب مقالات أسبوعية منتظمة في الرسالة والثقافة ومقالات في مجلات شهرية مثل: الكاتب المصرية والكتاب ودار العلوم والمقتطف ويشرف على مجلة العالم العربي أو الفكر الجديد ويطلع على كل مؤلف جديد في السوق أو يتابع أفاكر أديب بقراءة كتبه ومقالاته في الدوريات أو يخلو إلى نفسه لينظم قصيدة أو يعد بحثا من بحوثه الأدبية أو الفكرية بالإضافة إلى عمله في وزارة المعارف.

وفي الخمسينيات كان يكتب في مجلات الدعوة والإشتراكية واللواء الجديد مقالات ثورية بالإضافة إلى مقالاته الشهرية في الكتاب والمسلمون أو يقوم بإعداد بحث فكري أو يلقى محاضراته في المجامع والنوادي أو يقوم بواجباته العملية مع جماعة الإخوان المسلمين أو يستعير الكتب المراجع لتنمية ثقافاته ويقدرع ىل انهوض بكل هذه الواجبات حقا أن هذا لعجيب ولكن:

وإذا كان النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجساد.

تعتبر مقالاته المختلفة في المجلات سجلا أمينا لحياته الأدبية والفكرية وبالإطلاع عليها نتعرف على مراحل حياته وندرك تطور اهتماماته أولا وتطور أسلوبه وأفكاره ونظراته ثانية كما نتعر على شخصيته ونتلمس ملامحها في مختلف المراحل.

وأنها لخدمة عظيمة للأدب والفكر ولتراث هذا العلامة الجليل واعترافا بفضله واستاذيته، أن يقوم أحد الباحثين يتبع مقالاته تلك في مختلف المجلات التي كان يصدر ما بين 1920، 1954 وتصنيفها وترتيبها حسب تاريخ صدورها فإنه سيخرج بنتائج جديدة للأدباء وترتيبها حسب تاريخ صدورها فإنه سيخرج بنتائج جديدة للأدباء والمفكرين وستعينه على دراسة شخصية قطب دراسة وافية من كافة النواحي.

بعد تتبعي لمقلاته في مجلة الرسالة من حين صدورها عام 1934 إلى توقفها عن الصدور عام 1952 وبتنيفها حسب موضوعاتها وجدتها:

من سنة 19331937 قصائد شعرية وبعض المقالات الاجتماعية في سنة 1938 في الإعداد 251- 282- معركته الأدبية الشهيرة ضد الرافعي نصير للعقاد.

من سنة 1940- 1941 تركزت على نقد الأغاني والألحان وتخللها بعض القصائد والمقالات الاجتماعية.

وفي سنة 1943 في معركته الأدبية ضد الدكتور محمد مندور حول الأدب المهموس والأدب الخطابي.

في سنة 1944 وبداية عام 1945 مقالات نقدية لكتب وقصص ودواوين ومعركة أدبية ضد صلاح ذهني حول القصة وقصص محمود تيمور.

في النصف الأول من عام 1945 معركة أدبية ضد عبد المنعم خلاف حول كتابه التصوير الفني في القرآن.

من عام 1945- 1947 اهتمام بالقضايا الوطنية والأحداث السياسية والمشاكل الاجتماعية وتركيز عليها مع بعض المقالات النقدية.

في الفترة ما بين 1948- 1951 انقطاع عن الكتابة قبل ذهابه إلى أمريكا بسنة وطيلة وجوده هناك.

من عام 1951- 1952 بعد عودته من أمريكا أصبح كاتب الرسالة الأولى يكتب المقال الأول فيها ويهتم بالقضايا والأحداث السياسية والأمراض الاجتماعية ويعالجها من وجهة نظر إسلامية وبيان لأفكار إسلامية مع بعض المقالات الأدبية.

خاض سيد قطب على صفحات المجلات معارك أدبية حامية، بشجاعة بالغة وأثبت قدراته الأدبية والنقدية الفائقة ومن هذه المعارك التي تمكنت من الاطلاع عليها.

1- معركة ضد جماعة أبوللو التي خاضها عام 1934 على صفحات مجلة الأسبوع بحجة قوية وأسلوب محكم، حتى أن بعض الأدباء شك في أنها نتاج سيد قطب نفسه، فعزاها إلى أستاذه العقاد وزعم أنه آثر أن يوقعها باسم تلميذه.

2- معركته ضد الرافعيين عام 1938 والتي أخذت وقتا طويلا وسودت صفحات كثيرة من مجلة الرسالة وكان فيها وحده، ضد جماعة من كبار الأدباء مما جعل الأنظار تتجه إليه مشدوهة.

3- معركته ضد الدكتور محمد مندور حول الأدب المهموس والأدب الخطابي على صفحات الرسالة عام 1943.

4- معركته ضد الدكتور طه حسين التي خاضها على صفحات مجلة العالم العربي التي كان يشرف عليها حول الأدباء الشيوخ والأدباء الشبان حيث وجه سيد إليهم اتهامات عنيفة صارخة ورد عليه طه حسين في مجلة الهلال عام 1947.

5- معركته ضد صلاح ذهني في الرسالة حول الأساليب الفنية في كتابة القصة وقصص محمود تيمور عام 1944.

6- معركته ضد عبد المنعم خلاف في الرسالة حول كتابه التصوير الفني في القرآن عام 1945.

7- معركته ضد إسماعيل مظهر وعبد الله القصيمي عند ظهور كتاب الأخير هذه هي الأغلال عام 1947.

8- مناوشات خفيفة بين الحين والأخر بينه وبين بعض الأدباء مثل زكريا إبراهيم وعباس خضر وأحمد فؤاد الإخواني وغيرهم.

هذا عدا المعارك الأدبية الأخرى التي لم أتمكن من الاطلاع عليها:

اتفق سيد قطب مع يوسف شحاتة وهو رجل نصراني على أن يمول هذا الأخير مجلة باسم العالم العربي وأن يتولى هو الإشراف عليها وقد رسم سيد في الصفحة الأولى من العدد الأول برنامجها ومنهاجها.

وغايتها وخطة سيرها وراح ينشر فيها التحليلات السياسية حيث حدثنا علال الفاسي عن أحدها قاءلا: ولقد عرفته في آخر هذه المرحلة حينما كان يشرف على مجلة العالم العربي وقد أخذ مني أحاديث عن القضية المغربية عني بنشرها والتعليق علها ثم كتبت بطلب منه بحثا عن السياسة الأمريكية إزاء العرب نشر في هذه المجلة وكان له أثر كبير في الأوساط الأجنبية إذ ترجمه عدد كبير من المعلقين الإنجليز والأمريكان.

لم يستمر سيد في عمله في هذه المجلة إذ تنحى عنها بعد صدور العدد الرابع منها لأسباب لا نعرفهأن حيث نشر رئيس تحريرها الجديد محمد العزب موسى في مفتتح العدد الخامس كلمة تحت عنوان إيضاح لا افتضاح قال فيها: كان يضطلع بأعباء رياسة التحرير لهذه المجلة الأستاذ سيد قطب يعاونه نخبة من الكاتبين وصفوة من كرام الباحثين وعلى يديه ولدت هذه المجلة وقطعت من العمر أربعة أشعر ممثلة في أربعة أعداد وجدت أمور بعد ذلك أوجبت أن يستقيل الأستاذ أو يتنحى عن المضي في الإشراف على غرس يده وموالاة الرعاية لهذا النبت ولم يتم نماؤه بعد.

ثم اتفق سيد قطب بعد ذلك مع الحاج محمد حلمي المنياوي صاحب دار الكتاب العربي ومن جماعة الإخوان المسلمين على أن يمول مجلة باسم (الفكر الجديد) ويكون سيد قطب هو المشرف عليها. وكان ذا ميول أسماها يومذاك بالإشتراكية وكان خط سير المجلة الهجوم على الإقطاع وهو في عنفوانه وتبكيت الباشوات وهم في أوج المجد والسلطة وتحدى الرأسمالية وهي التي تحكم مصر يومذاك.

غضب عليه الملك فاروق على أثر إصداره المجلة وضاق ذرعا به وطالب باعتقاله بل قيل أنه دس إليه من يطلق عليه النار ولكن أخطأه الرصاص ونجا من محاولة الاغتيال ولكن رئيس الوزراء وكانت له بسيد قطب صلة عندما كان سيد في حزب الوفد، أوحى إليه أن يسافر إلى أمريكا وأغلقت المجلة بعد صدور أثنى عشر عدد منها.

ولما عاد من أمريكا صار يكتب في ثلاث مجلات بالإضافة إلى المجلات التي يصدرها الإخوان المسلمون و (الإشتراكية التي يصدرها أحمد حسين زعيم الحزب الاشتراكي) و (اللواء الجديد) التييصدرها فتحي رضوان أحد شباب الحزب الوطني وكان أعنفها وأشدها مقالة في (الإشتراكية) وأخفها الذي ف (الدعوة) وكثيرا ما كانت الرقابة تمنع صدور المجلة بسب مقالة أو تصدر وهي خالية بعد حذفه وكان يحقق معه ثلاث مرات في الأسبوع على مقالاته في المجلات الثلاث وكان يحقق معه ثلاث مرات في الأسبوع على مقالاته في المجلات الثلاث وقد حاز سيد في هذه الفترة بسبب مواقفه ومقالاته إعجاب الجميع واعتبر من المهدين للثورة التي قامت بعد ذلك.

وبعد قيام الثورة، وقبيل محنة الإخوان المسلمين أسند إليه مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين الإشراف على مجلة الإخوان المسلمين وقام بعمله بجدارة إلا أنها لم تعمر طويلا إذ صدر منها اثنا عشر عددا ثم وقعت المحنة.

لقد قدم سيد قطب في المجلات المتعددة التي فتحت صدرها له نتاجا وافرا غزيرا متعدد الجوانب منه الأدبي والنقدي والشعري والفلسفي والاجتماعي والسياسي والإصلاحي والإسلامي وغير ذلك، ولو جمع هذا النتاج وصنف تصنيفا بيليوجرافيا حسب الموضوعات لكان مساويا في حجمه كتبه الأدبية المطبوعة وإن في جمعه ونشره رغم ما به من آراء تخلي عنها صاحبها في آخريات أيامه لخدمة عظيمة للأدب والثقافة وللأدباء والعلماء وكشفا لكثير من مواهب هذا العلامة الجليل وأضافة جديدة إلى المكتبة الأدبية والثقافية لم يطلع عليها كثير من الباحثين.

المرأة في حياته

أحب سيد قطب مرتين في حياته: المرة الأولى عندما كان في قريته. وقبل أن يغدرها إلى القاهرة كانت فتاته تربطها به صلة مصاهرة بعية حيث كانت ابنة عم زوجة عمه، وقد أعجبت برجولته وشجاعته ونخوته، وعندما كان يقف مدافعا عن الفتيات حينما يعتدي عليهن أحد طلاب المدرسة بالكلمة أو الإشارة وكانت تزوره في البيت مع صويحباتها الطالبات بحجة اللعب مع شقيقته الصغيرة ووقعت محبتها في قلبه كما أحس أنها هي الأخرى تبادله نفس الشعور.

حدثنا سيد عن أوصافها وما حببها إليه قائلا: كانت خمرية اللون ذات طابع خاص غير مكرر في الوجوه ولم تكن حسب مقاييس القرية جميلة فليست بيضاء البشرة وليست أنفها دقيقا بالقدر المطلوب وليس فمها كذلك خاتم سليمان وكنها هي وحدها من بين بنات المدرسة بل من بين بنات القرية جميعا كانت تبدو في نظره جميلة وكان سر جمالها عنده أنها ذات طابع خاص وإن لم يكن يدرك في ذلك الحين معنى الطابع الخاص.

وبعد غيبة ثلاثة أعوام في القاهرة، كان أول ما قام به في القرية عند وصوله هو: السؤال عن مصير الطفلة التي فتنته أول مرة وعلم أنها تزوجت وأنها تزوجت في جهة نائية عن القرية ورأى نفسه في حاجة لأن ينسحب من الجمع، ورأى عينيه تتغرغران بالدموع.

المرة الثانية: عندما شب وتخرج من الكلية وعمل في وزارة المعارف وفي أواخر الثلاثينيات كانت فتاته بنتا قاهرية ملامحها تكاد تشبه بنت قريته فهي لم تكن ممن يحسبهن العرف جيملات كان تكونيها الجسدي إذا استثنينا صدرها الفاتن ليس ممتازا ولكن كانت هناك في وجهها جاذبية ساحرة، كانت خمرية اللون واضحة الجبين وفي عينيها وهج غريب تطل منه إشراقة مسحورة.

وبعد أن أحب سيد فتاته وبادلته هي حبا بحب تقدم لخطبتها من أهلها وقد بني في أحلامه عش الزوجية وكانت تصغره بعشر أعوام.

ولكن في ليلة الخطبة وعندما تناول يدها ليلبسها خاتم الخطوبة أحس بيدها ترتعش ملتصقة في يده ونظر فإذا دمعة تند من عينيها وأحس بأن أحلامه قد تلاشت إذ طلع عليها نهار الواقع المر المؤلم وبعد الحاجة في سؤاله عن سر دمعتها اعترفت له بأنها قبل أن تتعرف به كانت تعيش قصة حب مع ابن جيرانها الضابط في الجيش.

بعد معرفة هذه الحقيقة تعذب سيد قطب وفتاته عذابا مضنيا لا هو يقدر على أن يتزوجها لأنها لم تعد عذراء القلب وهو يتطلب في فتاة أحلامه مفارقات لا تجود بها الحياة يتطلب الحورية القاهرية المغمضة العينين يتطلب الفتاة العذراء القلب والجسد في زي قاهري ولا هو قادر على فراقها لأن محبتها نقشت على سويداء قلبه وظللت سماء حياته.

وعاشا سنوات في هذه الحيرة وهذا العذاب وسارا طويلا في الأشواك وكانت تجري فصول مأساتها في أيام الحرب العالمية الثانية وأتخذ سيد قطب من حرمانه وعذابه مادة لقصائده الشجية التي راح ينشرها على صفحات المجلات.

ومن أروع قصائده التي قالها فيها في هذه المرحلة قصيدة الكأس المسمومة التي قال فيها:

أقلاك أقلاك كالشيطان أقلاك
أقلاك كالسم يسري في جد فتاك
أقلاك أنك في نفسي وفي زمني
وفي حياتي أفعى ذات أشواك
سممت عيشي وأحلامي وأخيلتي
وأنت شيطانة في سمت أملاك
وعشت أرعاك في قلب وأنت بلا
قلب يحس ويرعى كيف أرعاك
من أنت أني حائر قلق
أنت أسطورة في كف أفاك
أنسى الليل التي قضيتها قلقا
وأنت ساكنة راض محياك
أنسى الدموع التي أرسلتها غدقا
ولست لولا هواك المر بالباكي
وكبريائي التي ما كنت أخفضها
من قبل أو بعد في دنياي لولاك
أنسى وأذكر أحلامي وأخيلتي
كأنهن نجوم بين أحلاك
وكلهن نسيج الوهم في خلدي
ولست غير أحابيل وأشواك
أقلاك ليت فإني لست أقلاك
أهواك؟ ليت فإني لست أهواك
أهوى وأقلى وايامي موزعة
بين الهوى والقلى كالضاحك الباكي.
هذا الرحيق وهذا السم قد مزجا
ولست أروي بكأس غير رياك
هاتي لي السم صرفا لا يمازجه
هذا الرحيق فإني لست بالباكي
مللت كأسك لا ألتذ نشوتها
ولا أحطمها تحطيم سفاك.

وبعد معاناة شديدة قرر فسخ الخطوبة، عله يسلو، ولكن لم يزده البعد إلا شوقا ولم يزده الحرمان إلى حنينا وكان يحاول أن يعود إليها ولكن كانت كبرياؤه تأبى عليه أن يعود وكانت مرارة الذكرى تطغى على حلاوتها في معظم الأحيان وكانت تجربته تذكره دائما بالآلام ولكن هذه التجربة وتلك الكبرياء لم تكن واحدة منها بمستطيعة أن تصرف طيفها عنه، أو تمحو صورتها من نفسه وبعد فترة طن أنه نسيها وأحس فيها حقيقة بأن عالمه قد خلال من تلك الأسطورة اللعينة ولكنه لم يسترح لهذا الإحساس لقد شعر بالفراغ والجفاف وانتابه ما ينتاب المؤمن بعد الإلحاد وما يصيب الصوفي بعد الضلال وقال في هذه الفترة عدة قصائد منها تطير الصنم وعبادة جديدة) (وحب الشكور) و (نهاية المطاف).

ونختار فيما يلي مقاطع من قصيدته نهاية المطاف) التي يقول فيها:

قد مضى الحلم فحقق في العيان
هل ترى إلا خواء في الزمان
وتهاويل الرؤى يا ويحها
غالها الصحو فماتت منذ كان
نم قرير العين إن كنت تنام
لفك الصمت وغشاك الظلام
يأمن الدنيا ويخلو للكرى
معدم الكفين مفقود الحطام.
قد خلا الهيكل من وحي الصنم
وغدا معبودك الأسنى حطم
أتطيق الأن تحيا ملحدا
أم ترى تخلى لشيطان الندم
ضقت بالخوف دنيا الاضطراب
أترى الأمن هنا بين اليباب
أيها المنكوب في أحلى المنى
الحياة الحب والحب العذاب.

إلى أن يقول:

أين أحلام بالعش الجميل
أين آمالك بالظل الظليل
قد مضى الحلم وولى موهنا
فاركن الآن إلى الصحو الطويل
نم يا منكود ما كنت تروم
ومشى السلوان في الحب القديم
نم يا قرير العين واهنا بالكرى
الكرى الميت في القلب العقيم.

وبعد مضي ما يزيد على عام فسخ الخطوبة، قرر سيد إرجاعها والاقتران بها لأنه لم يطق صبرا على فراقها وذهب إلى بيتها لكنها لم توافقه على رايه وعللت معارضتها بقولها: أنت رجل شاعر فلتمض إلى عملك الأدبي كفنان قال وقد حسب أنها تتجمل ولا تنوي ما تقول لا يا سيدتي إن كان الشعر لا ينضجه إلا الحرمان فأنا سأطلق هذا الشعر من الآن.

وبعد أن انتهت علاقتهما بالفراق راح سيد يسأل نفسه تراه أخطأ الطريق فطلب الحورية العذراء في بنت من بنات القاهرة أم تراه أخطأ الطريق من أوله فطلب حياة زوجية لا تصلح له بحال.

ولقد ألف قصته الرومانسية أشواك وفيها تسجيل لقصتهما وقدمها هدية لهأن وقال في الإهداء إلى التي خاضت معه في الأشواك فدميت ودميت وشقيت وشقيت، ثم سارت في طريق وسرت في طريق: جريحين بعد المعركة لا نفسها إلى قرار ولا نفسي إلا استقرار وقد تزوجت هي من بعده أما هو فقد قام بعدها بأكثر من محاولة للخطبة فالزواج ولكنه لم يوفق في جميعها إلى ما يريد ثم أدخل السجن ولقي ربه شهيدا.

سيد قطب في أمريكا

كان إيفاده إلى أمريكا عملية سياسية للتخلص منه أولا ثم للحيلولة دون اعتقاله كما طلب الملك فاروق وذلك أن الحرب العالمية الثانية، وما أحدثته من مآسي بين أفراد الشعب المصري، وشروخ في بنيان المجتمع جعلت سيد قطب يميل في مقالاته نحو معالجة هذه المشكلات وصار يغلب على تلك المقالات الطابع السياسي والاجتماعي والانتقادي وقد تمتع سيد بأسلوب حاد عنيف في هجومه وانتقاده وكانت المجلة الجديدة التي اتخذها ميدانا رئيسيا له بالإضافة إلى مجلاته السابقة هي مجلة الفكر الجديد التي مولها المنياوي وترك لسيد الحرية الكاملة في كتابة ما يريد ضاق الملك فاروق ذرعا به وأوعز إلى رئيس الوزراء باعتقاله ولكن رئيس الوزراء كان يحب سيد قطب يوم كان معه في حزب الوفد، فأوحى إليه أن يخرج من البلاد وطلب من الدكتور عبد الرزاق السنهوري وزير المعارف أن يهيء له وسيلة الخروج ولكن سيد قطب ساءه هذا ولم يوافق على السفر واستغرب كيف يضيق به وطنه ويحال بينه وبين محاولات إصلاحه حينئذ منع من الكتابة في الصحف وأغلقت الحكومة مجلة الفكر الجديد وأمام هذا التضييق لم يجد سيد بدا من السفر.

وبما أنه كان يعمل في وزارة المعارف في مديرية التفتيش الفني لذلك هيئت له مهمة تتناسب مع عمله فتم إيفاده في بعثة لدراسة المناهج التعليمية في الولايات المتحدة الأمريكية كما قال هو ولم تكن بعثة دراسية للحصول على الماجستير كما ظن بعض من كتبوا عنه وإنما كانت بعثة عملية يقوم فيها بزيارة مختلف الجامعات والمعاهد العلمية هناك حيث يطلع على مناهجها الفنية في التربية والتعليم ليطبقها على وزارة المعارف عند عودته كما لم تكن بعثته محددة بزمن معين وإنما كانت مدتها مفتوحة تنتهي بانتهاء دراساته الميدانية فقد كان أمر إنهائها بيده هو يعود متى شاء.

وكان يهدفون بالإضافة إلى أبعاده عن القاهرة إلى تغيير أفكاره وتثقيفه بالثقافة الأمريكية وتجنيدة لخدمة أمريكا تخط لمصر وتعد أناسا من قادة الفكر والراي من المصريين ليكونوا أداة لها في التنفيذ ولذلك وضعوا لسيد برنامجا مدروسا لإفساده أخلاقيا وفكريا ونفسيا ليعود أداة طيعة في أيديهم كغالبية المبتعثين إليهم، ولكن خاب مسعاهم في هذه المرة، لأن الله رسم له منهجا آخر ونقل خطاه فيه (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).

غادر سيد قطب مصر إلى أمريكا في أواخر عام 1948 على ظهر الباخرة أومض في قلبه نور أضاء جوانحه قال عنه أخذتني نشوة ألقت بي في شعاع من نور أطمأن له قلبي واستراحت له نفسي وأطمأنت إليه أيما اطمئنان.

وبعد أغفاءة قصيرة راح يخاطب نفسه أأذهب إلى أمريكان وأسير فيها سير المبتعثين العاديين الذين يكتفوةن بالأكل والنوم، أم لابد من التميز بسمات معينة؟ وهل غير الإسلام والتمسك بآدابه والالتزام بمنهاجه في الحياة وسط هذا المعمعان المترف المزود بكل وسائل الشهوة واللذة والحرام وأردت أن أكون الرجل الثاني وأراد الله أن يمتحنني هل أنا صادق فيما اتجهت إليه أم هو مجرد خاطرة؟

كان ابتلاء الله له بعد دقائق من اختياره طريق الإسلام إذ ما أن دخل غرفته حتى كان الباب يقرع وفتح فإذا أنا بفتاة هيفاء جميلة فارعة الطول شبه عارية يبدو من مفاتن جسمها كل ما يغري وبدأتني بالإنجليزية: هل يسمح لي سيدي بأن أكون ضيفة عليه هذه الليلة؟ فاعتذرت بأن الغرفة معدة لسرير واحد وكذا السرير لشخص واحد فقالت: وكثيرا ما يتسع السرير الواحد لاثنين واضطررت أمام وقاحتها ومحاولة الدخول عنوة لأن أدفع الباب في وجهها لتصبح خارج الغرفة وسمعت ارتطامها بالأرض الخشبية في الممر فقد كانت مخمورة.

بعد نجاحه في الابتلاء الأول قال: الحمد لله. هذا أول ابتلاء وشعرت باعتزاز ونشوة إذا انتصرت على نفسي وبدأت تسير في الطريق الذي رسمته لها.

هذه الفتاة كانت الوسيلة الأولى في الخطة الأمريكية لاحتوائه ولكن الله علم منه صدق الاختيار. اختيار جانبه فوفقه لهذا الانتصار.

واصل سيد مسيرته الجديدة، فراح يقيم الصلاة على ظهر الباخرة ويدعو المسلمين من ركابها لأداء صلاة الجمعة وقام هو بأداء الخطبة وأمامه المصلين وعندما وصل إلى أمريكا كان مثال المؤمن المتمسك بإسلامه.

لم تنقطع المحاولات الأمريكية لإغرائه وإغوائه، أشار سيد إلى بعض منها: مثل تلك الفتاة التي قامت بجهد كبير لغوايته ولاحقته من جامعة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى وتلك الفتاة التي ناقشته في معهد المعلمين في مدينة جريلي ف كولورادو، في مسائل جنسية مكشوفة وعامل الفندق الذي عرض عليه تلبية ما يريد من نزوات جنسية طبيعية أو شاذة وأثاره بالحديث المكشوف عن عينات منها والشاب العربي الذي كان يغريه بإسماعه قصصا عن مغامراته الجنسية مع الأمريكيات والممرضة التي كانت تغريه وهو في المستشفى بإسماعه مواصفاتها التي تطلبها في الشخص ليكون عشيقا لها والفتاة الجامعية التي تريد أن تمحو من فكره النفور من الرذيلة الجنسية وتزعم أنها عملية بيولوجية جسدية لا داعي لإقحامها في المعاني الأخلاقية وغير ذلك.

ولكن الله ثبته في هذه المواقف جميعها لأنه يعده لمهمة كبرى واستعلى سيد قطب على الإغراء وانتصر على الإفساد وفشلت الخطة التي رسمت له.

وانعكست الآية، فبدل أن يتأُر هو بأمريكا ويعود داعية لها نراه قد وجد ذاته هناك، ووجد الإجابة على استفساراته عن الحياة وغاياتها ومهمة الفرد فيها راح من هناك ينظر في كتاب الله المنظرو نظراته الفاحصة الدارسة ويقرأ في كتاب الله المسطور القرآن الكريم حديثه عن هذا الكون فالتقت النظرتان على ذاته ومشاعره ووجدانه واستقرت العقيدة في قلبه وغمر النور الرباني حياته وأضاء له طريقه فكيف تحول قوى البشرية جمعاء بين فرد وبين هذا النور وكيف تستطيع أن تكسب لصف الشر فردا فتح الله قلبه على هذه الحقائق ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها راح سيد يراسل أهله في القاهرة ومعارفه وأصدقائه في الداخل والخارج يقص عليهم قصته مع الوجود ويحدثهم عن مذاقاته الجديدة ويرسم لهم ملامح شخصيته الجديدة ويخبرهم بنظراته وأحلامه ومشاعره، وتطلعاته وأمانيه في المستقبل.

لم يكتف بثباته على مبادئه بل راح يدرس المجتمع الأمريكي عن كثب دراسة فاحصة ويسجل ملاحظاته ونتائج دراساته وعندما نشر بعض ملاحظاته هذه فوجئ الناس بها وتكشفت لهم أمريكا على حقيقتها حيث تحدث عن بعض مشاهداته هناك: قسوتهم على الضعيف ووقوف جماعة منهم أمام زميلهم الذي يحتر وهم يسخرون منه، وخروج الزوجة بعد وفاة زوجها مباشرة لسهرة جماعية وفرح زوجة أخرى لوفاة زوجها لأنه كان مؤمنا على حياته وكشف عن حقيقة موقف الأمريكيين من الفنون وبعدهم عن الفن الإنساني وكيفية زيارتهم للمتاحف وتذوقهم للوحات الفنية المعروضة فيها واشترك ف عدة نواد كنسية هناك في كل مدينة عاش فيها لأنها كانت تمثل ناحية هامة من نواحي المجتمع تستحق الدراسة عن كثب ومن الداخل وبين لنا الدافع لإنشاء الكنائس وموقف الشعب منها وكشف عن انسياقها مع التيار الماجن واستخدامها أساليب شاذة لاكتساب الزبائن وتهيئتها الأجواء لارتكاب الفواحش ودعوتها للرذيلة.

لقد عرى سيد قطب المجتمع الأمريكي المثل الأعلى لكثير من المثقفين في البلاد الإسلامية وأبان عن مباذله ومفاسده وانحاطه الخلقي والاجتماعي والإنساني وصار دائم الشعور باستخسار هذا الشعب الذي يصنع المعجزات في عالم الصناعة والعلم والبحث ألا يكون له رصيد من القيم الإنسانية الأخرى ولذلك فهو شديد الإشفاق على الإنسانية الأخرى ولذلك فهو شديد الإشفاق على الإنسانية أن تؤول قيادتها إلى هذا الشعب وهو فقير من تلك القيم جميعا.

كثيرا ما كان يهاجم أمريكا وحضارتها ومبادئها أثناء وجوده هناك ويبرز مآسيها وأمراضها ويبين بالمقابل ما في الإسلام من خير، قال: بعض هؤلاء الأمريكيين كانوا يواجهوننا نحن القلائل المنتسبين إلى الإسلام في أمريكا في السنوات التي قضيتها هناك وكان بعضها يتخذ موقف الدفاع والتبرير وكنت على العكس اتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية سواء في معتقداتها الدينية المهلهلة أو أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المؤذية وكانت هذه حقائق نواجهها في واقع الحياة الغربية وهي حقائق كانت تخجل أصحابها حين تعرض في ضوء الإسلام.

لم يتخل أثناء وجوده هناك عن اهتماماته السياسية وتفكيره في بلده وواقعها السياسي السيء فقد كان يكتب المقالات السياسية في المجلات الأمريكية منها مقال كتبه في مجلة (fulecrun) التي تصدر في مدينة جريلي بكولورادو بعنوان العالم ولد عاق بني فكرته على الأسطورة المصرية القديمة التي تتضمن أن التاريخ كان في جولته التي يقوم بها لتتبع الأحداث وتسجيلها وقد جرى أن يسأل الآلهة عما يغمض عليه فشاهد أمرأة تعلم طفلا فسأل الإله عن ذلك فأجابه بأن المرأة هي مصر وأن الطفل هو العالم وترمز الأسطورة إلى أن مصر هي أم الحضارات وقال الأستاذ سيد: أن العالم بعد أن كبر عق أمه ومعلمته مصر فأمريكا مثلا خذلتها في قضاياها السياسية ووقفت مع أعدائها.

وقد كان يتنافس رجال المخابرات الأمريكية والبريطانية كل في كسبه إلى جانب الأمريكيون منهم بوسائلهم الكثيرة لإغرائه واجتذابه والبريطانيون بوسائلهم التي يشككون فيها بنوايا الأمريكيين حدثنا سيد عن وسيلة منها قائلا: والكثير من الحاكمين في الدولة الأمريكية تخرجوا في المعاهدة التبشيرية وهي حقيقة أفضى بها على أحد الأساتذة الإنجيز الذين ألتقيت بهم في أمريكا وعد لي عشرات من الأسماء البارزة في وزارة الخارجية الأمريكية وفي السلك السياسي ولم يكن يفضي إلى بهذه الحقيقة بريئا لوجه الله، وإنما هو كما عرفت فيما بعد أحد رجال قلم المخابرات البريطانية الذين يهمهم إلا يثق الشرقيون كثيرا في نيات أمريكا مما دعاني إلى التشكك في بياناته لي فتحققتها بوسائل أخرى هذا الرجل الذي أشار إليه اسمه جون هيوورث دن وقد ادعى الإسلام وتسمى باسم جمال الدين دن وتزوج مصرية مسلمة اسمها فاطمة وقد عرض على سيد قطب إعراء له أن يترجم كتابه الجديد العدالة الاجتماعية في الإسلام إلى الإنجليزية مقابل عشرة آلاف دولار ولكن سيد قطب رفض العرض وأعطى الكتاب إلى المجلس الأمريكي للدراسات الاجتماعية ليترجم مجانا حيث قام بترجمته المستشرق يوحنا جون .ب. هاردي الأستاذ بجامعة هالفكس بكندا وليس غريبا أن تتنافس على اكتسابه بريطانيا وأمريكا لأنهم توقعوا أن يكون له دور مهم في وزارة المعارف ويخشون منه على عملائهم فيها هذا ما حدث مع الدكتور طه حسين إذ عندما أصبح وزيرا للمعارف وكان الإنجليز يعرفون أن ميول الرجل ثقافته فرنسية فلما صارت إليه وزارة المعارف أدركوا أن هناك خطرا على الثقافة الإنجليزية قد يصيبها مع وجود هذا الوزير وهنا فقط تذكروا أن طه حسين أديب كبير يستحق الدعوة إلى انجلترا والضيافة على الحكومة البريطانية والمعهد البريطاني والتكريم بالألقاب الجامعية من جامعات انجلترا فقط عندما صار وزيرا للمعارف أنه الاستعمار يخشى على حبائله في وزارة المعارف أن تتكشف أو تتزعزع.

وفي أخريات أيامه هناك، سيطر عليه الشوق إلى مصر، وراح ينتظر قدومه إليها بفارغ الصبر، ومما يصور هذا قوله في قصيدته هتاف روح:

في النفس يا مصر شوق
لخطرة في رباك
لضمة في ثراك
لنفحة من جواك
لومضة من سماك
لهاتف من رؤاك
لليلة فيك أخرى
مع الرفاق هناك
ظمآن تهتف روحي
متى تراني أراك.

وبما أنه لم تحدد مدة معينة لبقائه هناك ولم يطلب منه الحصول على شهادة دراسية عليا وإنما فقط ليطلع على نظم التعليم فقد رأى سيد أن مهمته قد انتهت والأرجح أنه علم أن الأسباب التي أبعد من أجلها عن مصر قد خفت وأنه إن عاد فلم ينال منه أحد لاسيما وأن الملك فاروق قد ضعفت سيطرته الفعلية على البلاد عندما قرر العودة إلى مصر حيث وصلها في 20 أغسطس عام 1950.

سيد قطب مع جماعة الإخوان المسلمين

بعد أن احتل سيد قطب مركز الصدارة في الأدب والنقد والشعر، وبعد أن أصبح رائد مذهب أدبي متميز رسم الله له طريقا جديدا وأعد له مهمة جديدة ووفقه وأخذ بيده نحوها ونقل خطواته فها تلك هي وجهته إلى الإسلام وخدمته له.

دخل سيد قطب عالم الفكر الإسلامي بعد أن أتسعت آفاقه وازدادت ثقافته واستقام بيانه وسلس أسلوبه وصفت قريحته وتفتحت شاعريته لقد كانت حياته الأدبية مرحلة لابد منها لحياته الإسلامية وأساسا متينا لنجاحه في حياته الجديدة تزود منها بالصفاء والبيان والشاعرية والدقة والوضوح تزود منها بقوة الفكرة ومتانة العبارة وشاعرية الأسلوب بحيث يؤثر في وجدان القارئ بأسلوبه وبيانه، فيسير معه شبه مسحور ويتلقى عنه الأفكار والقيم والمبادئ التي عبر عنها بهذا الأسلوب السلس الساحر.

لم يكن اتجاه سيد قطب إلى العمل الإسلامي قد تكون بين عشية وضحاها وإنما أتجه إليه تدريجيا وعلى مراحل وقد ذكر هو نفسه للندوي عند لقائه به مراحل حياته وكيف وصل إلى العقيدة الإسلامية أو الإيمان بالإسلام من جديد:

1- نشأ على تقاليد الإسلام في الريف وفي بيته.

2- ثم انتقل إلى القاهرة فانقطعت كل صلةبينه وبين نشأته الأولى وتبخرت ثقافته الدينية وعقيدته الإسلامية.

3- ومر بمرحلة الارتياب في الحقائق الدينية إلى أقصى حدود

4- ثم أقبل على مطالعة القرآن لدواع أدبية

5- ثم أثر فيه القرآن وتدرج به إلى الإيمان

ومن المعروف أنه في القاهرة اتصل بالعقاد ووجهه وجهت أدبية فنية نقدية وعاش حياة أدبية لفترة طويلة تقدر بحوالي ربع قرن ومع هذا كان سيد يلمس الجدب الروحي والوجداني والشعوري عند أتساذه العقاد وينتقده بين الحين والآخر، ويراه أديب العقل والذهن المجرد ولم يشبع العقاد حاجات سيد الروحية العظيمة والتي صاحبته طيلة حياته لكنها كمنت وتوارت طيلة صلته بالعقاد، بسبب تأثيره عليه وعندما افترق عنه عادت هذه إلى الظهو مرة أخرى وأنبتت بذورها في نفسه وروحه ووجدانه من جديد.

فلا عجب إذن أن نراه مع العقاد وقد تبخرت ثقافته الدينية وعقيدته الإسلامية بل أن يمر بمرحلة الارتياب في الحقائق الدينية إلى أقصى حدود. كما قال للندوي.

أتصل سيد قطب بالقرآن وراح يطالعه لدواع أدبية عندما كان يعد بحثه عن التصوير الفني في القرآن وقد قرأه متصلا مرات متوالية قرأه دراسة فاحصة وهنا ألتفت مع اهتمامه بالجانب الفني إلى جوانب أخرى تستحق الدراسة فأعد بحثه الآخر عن العدالة الاجتماعية في الإسلام وما انتهى منه إلا وقد أثر فيه القرآن وقاده إلى الإيمان من جديد ووجد نفسه ووجد في القرآن الجواب الشافي على أسئلته التي حيرته ونمت بذور العقيدة في كيانه واستوت على سوقها وراح يغذيها بنظراته المتجددة في القرآن وحياته في ظلاله.

وقد أشرنا سابقا إلى أنه بدأ حياته السياسية مع حزب الوفد وبقي فيه فترة طويلة إلى أن وقع حادث فبراير 1942 عندما انفصل عنه وانضم إلى حزب الطليعة الوفدية أو حزب السعديين الذي انشق عن حزب الوفد وبقي فيه إلى عام 1945 حيث ترك الأحزاب كلها وقال:

هذا القلم ليس لحزب من الأحزاب فقد بات صاحبه لا يرى في الأحزاب إلا أقزاما بعد أن خلا الميدان من كل جبار فهو بهذا يتوجه إلى مصر الخالدة وهي أخلد وأسمى ويقول مبينا سبب تركه الأحزاب، مصورا شخصيات رجالها فلم أعد أجد في حزب من هذه الأحزاب ما يستحق عناء الحماسة له والعمل من أجله كلهم سواء أولئك الرجال رجال اجيل الماضي للجميع عقلية واحد لا يصلح لهذا الجيل عقلية إنصاف الحلول كلهم أنشأوا وفي قرارة نفوسهم أن انجلترا دولة لا تقهر وأن الفقراء مرضى مستوطن.

و كلهم يؤمن إن كانت قد بقيت لأحدهم طاقة الإيمان بشيء إن الله خلق الدنيا في ستة أيام هؤلاء جميعا لم يعودوا يصلحون لقيادة الجيل أعصاب منهوكة وقلوب خاوية من الإيمان الحار بشعبهم وأمتهم.

لم يكن لسيد قطب وقد فقط إيمانه بالأحزاب وتخلى عنها لم يكن له أن يجلس في بيته يبكي على وطنه دون أن يتحرك لإصلاح مجتمعه والقضاء على مظاهر الفساد فيه فراح يكتب المقالات السياسية في الهجوم على الاستعمار الإنجليزي في المجلات القائمة مثل الرسالة وأنشأ مجلتين خصصهما لمحاربة الإقطاع والظلم السياسي والاجتماعي وهما العالم العربي والفكر الجديد ولم يمكث طويلا في المجلة الأولى وضاق الملك فاروق بمقالاته في المجلة الثانية فأغلقها ومنع سيد من الكتابة.

كان منزله في حلوان منتدى عاما يقصده الشباب المتلهف على الإصلاح ليستفيد من تجارب سيد ويستمع لأحاديثه وندواته وتوجيهاته ولم يكن سيد يفكر في تنظيم هؤلاء الشباب ولكنه كان يشعل فيهم نار الثورة وكانت ثورة إسلامية تدعو إلى الإصلاح على أساس الإسلام.

في هذه الفترة كانت جماعة الإخوان المسلمين في قمة نشاطها وقد استقطبت مختلف فئات الأمة من مثقفين وعمال ومهنيين واستحوذت على اهتمام كبير في الداخل والخارج.

وكان هناك التقاء في بعض أفكار سيد قطب مع أفكار الإخوان المسلمين فعندما نشر في جريدة الأهرام وفي مجلة دار العلوم نقده لكتاب مستقبل الثقافة في مصر للدكتور طه حسين تبنت جريدة الإخوان المسلمين هذا النقد ونشرته على صفحاتها.

واتصل بالإخوان عن طريق اتفاقه مع الحاج محمد حلمي المنياوي صاحب دار الكتاب العربي وعضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين حيث اتفق معه على إصدار مجلة الفكر الجديد.

واتصل ثالثة بالإخوان عندما قدم إلى المطبعة كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام وقدم له بمقدمة ظنت السلطات المصرية أن المقصود بها هم شباب الإخوان المسلمين الذين كانوا في السجون فصادرت الكتاب مع أنه للحقيقة لم يقصد ف مقدمته شباب الإخوان وإنما كان يقصد شباب لمحهم بعين الخيال ويراهم أمنية وحلما وهو ما تحققه بعد ذلك في شباب الإخوان.

لم توافق السلطات على طبع الكتاب إلا بعد حذف الإهداء فتم حذفه وحتى ذلك الحين بعد ذهابه إلى أمريكا لم يكن على حد قوله: لم أكن أعط الحركة الإسلامية ولا مرشدها من اهتمامي ما يجعلها على مستوى التنظيمات السياسية أو الدعوات الاجتماعية الأخرى ولم أكن أتصور أنها تشكل في بؤرة الشعور الغربي شيئا يذكر حتى صدمني الواقع من حولي في أمريكا وهزني هزا وفتح عيني فتحا على مالم أفطن إليه من قبل.

وهذا الواقع الذي أثر فيه وفتح عينيه على الحركة الإسلامية يتمثل في حادثتين:

الأولى عندما تم اغتيال الإمام حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين على ايدي رجال الملك فاروق وبإيعاز من الدول الاستعمارية في فبراير 1949 وكان سيد وقتها في المستشفى في إحدى المدن الأمريكية، فشاهد مظاهر الفرح والابتهاج بل والشماتة في كل شيء حولي: في الصحافة وفي جميع أجهزة الإعلام وفي كافة المنتديات كلها تهلل وتهنئ بعضها بعضا بالتخلص من أخطر رجل في الشرق.

الثانية: حادثته مع رجل المخابرات البريطانية جون هيورورث دن حيث دعاه أكثر من مرة إلى بيته وراح يحدثه عن أحداث مصر السياسية والاجتماعية والمخاطر التي تنتظرها في المستقبل وأخذت جماعة الإخوان المسلمين قسطا وافرا من أحاديثه وراح يعرض على سيد قطب تقارير مفصلة ودقيقة عنها وعن تحركات حسن البنا وخطبه ونشاطاته منذ أن تكونت الجماعة في مدينة الإسماعيلية عام 1928 إلى أن تم أغتياله عام 1949 وعقب رجل المخابرات على أحاديثه بتصوير الخطر الملحق الذي يحل بالبلاد لو نجحت هذه الجماعة واستلمت الحكم حيث توقع مصر في التأخر وتحول بينها وبين الحضارة الغربية وأظهر له أن الأمل معقود على أيدي الشباب المثقفين والمفكرين من أمثاله ليحولوا بين هذه الجماعة وين استلام الحكم كما نصحه بالكف عن معاداة بريطانيا والهجوم عليها لأنها خرجت من مصر فستحل أمريكا محلها وهي أشد عداء منها.

وقال سيد قطب قلت في نفسي الآن حصص الحق، وأيقنت أن هذه الجماعة على الحق المبين ولم يبق لي عذر عند الله إن لم أتبعها فهذه أمريكا ترقص على جمجمة حسن البنا وهذه بريطانيا تسخر أجهزتها وأقلام مخابراتها حتى داخل أمريكا لمحاربة الإخوان فصممت في قرارة نفسي أن أنضم إلى الإخوان المسلمين وأنا لم أخرج بعد من منزل رجل المخابرات البريطاني.

ولذلك انقطع عن الكتابة في الصحف طيلة وجوده في أمريكا وكان بإمكانه أن يكتب وأن يرسل مقالاته إلى الصحف والمجلات لتنشرها ولكنه عزف عن الكتابه ويعلل هذا بقوله: ولعل منشأ هذا العزوف كان هو الرغبة في تحقيق شيء أكبر من الكتابة أنني على إيماني بقوة الكلمة وامتدادها كنت أحسب أننا في مصر وفي الشرق قد تكلمنا أكثر مما ينبغي وأنه آن لنا أن نصنع شيئا آخر وراء الكلام وغير الكلام.

و قد فكر سيد وهو في أمريكا في عمل شيء آخر غير الكلام والكتنابة فكر في أن يبدأ العمل للإسلام بتربية مجموعات من الشبا المثقفين تتكون كل مجموعة من خمسة أفراد ولكنه فكر في خطته التي رسمها مليا وقال مخاطبا نفسه لماذا أبدأ من أول الطريق وقد بدأ غيري وساروا مراحل واسعة في هذا السبيل أليس الأفضل أن أبدأ من حيث انتهوا وأتابع طريقهم في هذا المجال.

صمم بعد عودته من أمريكا أن يدرس عن حسن البنا قال وقرأت جميع رسائل الإمام الشهيد ووقفت على سيرته النقية وأهدافه الحقة وعلمت لماذا يحارب ولماذا قتل وعاهدت الله على أن أحمل الأمانة من بعده وأواص السير على نفس الطريق الذي لقي الله عليه.

وكان سيد قطب معجبا جدا بالإمام الشهيد وكان إعجابه يتركز على عبقرية البنا في ناحيتين:

أولا: في البناء النفس المتوازن لأغضاء الحركة بإيجاد النسب المتكافئة بين العلم والروح والحركة من جهة وبين المدارس الإسلامية المتخصصة كالصوفية والسلفية والمذهبية من جهة ثانية.

ثاينا: في البناء النفسي المتوازن لأعضاء الحركة بإيجاد النسب المتكافئة بين العمل والروح والحركة من جهة وبين المدارس الغسلامية المتخصصة كالصوفية والسلفية والمذهبية من جهة ثانية.

ثالثا: في البناء التنظيمي للجماعة وقد كان هذا البناء هو الأول من نوعه في العالم بالنسبة للعمل الجماعي.

عاد سيد إلى مصر والخطر ما زال مفروضا على الإخوان المسلمين، ولكن الإخوان كانوا يمارسون نشاطهم العملي رغم عدم التصريح القانوني لهم وكانت لهم صحف يكتبون فيها مثل صحيفتي (المباحث) و (الدعوة) وفتحت الدعوة صفحاتها أمام مقالاته وصار يكتب في الصحف الثلاث التي كانت تكافح الطغيان الدعوة مجلة الإخوان والإشتراكية مجلة الاشتراكيين واللواء الجديدة مجلة الوطنيين وكانت مقالاته من القوة بحيث أزعجت الطغاة وأثرت في قلوب الجماهير.

وعندما أطمأن صالح عشماوي أحد قادة الإخوان المسلمين البارزين إلى صدق سيد قطب دعاه إلى الانضمام إلى الإخوان قلبي الدعوة.

وعندما رفع الحظر عن نشاط الجماعة العلني، وتم انتخاب المرشد العام الجديد حسن الهضيبي كان سيد قطب في مقدمة من بايعه.

اعتبر سيد قطب نفسه قد ولد من جديد وأن تاريخ ميلاده هو تاريخ انضمامه إلى الإخوان المسلمين وكان دائما يردد قوله: لقد ولد عام 1951 فاعبتر السنوات الطويلة التي مضت خمسة وأربعون عاما من عمره وكأنها لم تكن واتجه بنية صادقة وهمة عالية ودأت عجيب إلى خدمة الإسلام والحركة الإسلامية وصار يكتب المقالات العنيفة الحادة التي مهد بها لقيام الثورة المصرية واعتبر كأنه ميرابو الثورة وقد أقضت مقالاته مضاجع الطغيان، وجرت عليه الكثير من المضايقات ولقد أشفق الكثيرون من أصدقائه وزملائه عليه وراحوا يزينون له الركون والسكوت بحجة أن الشعب لم يبلغ درجة من الوعي يتابعه ويدرك ما يريد، وقد صور سيد على لسان أحد زملائه الخطر المحدق به قائلا: وأنت تجابه قوي جارفة قوى تملك أن تشتري دولا وأمما وشعوبا وقوى مدربة لها عملاء في كل مكان ولها أجهزتها التي مرنت على العمل هذه القوة تملك أن تحيلك متهما في أعين مواطنيك تملك أن تجردك من سمعتك ذاتها فتظهرك للناس خائنأن وتجد ألف شاهد وألف جهاز من أجهزة الدعاية تهتف بذلك ليل نهار أنك لست غنيا ولست فتيا وبعد محاورة بينهما قال له زميله: فهمت فهمت إذن أنت تريد أن تموت فرد عليه قائلا: يا صديق إنك لم تفهمني بعد أنني ما أردت أن أموت أؤكد لك أنني أريد أن أحيا أريد أن أحيا حياة طويلة فأنا لم أشبع من هذه الحياة وأنا لم أتم إلا القليل من الواجبات التي أرجو أن أوفق إلى النهوض بها وأمر آخر: أني قد بعدت فترة من حياتي عن الله وإني لأرجو أن أعيش حتى أنفق من عمري في قربه فترة تعدل كفتي الميزان.

ولكن الموت والحياة غيب من غيب الله، فلا يجوز أن يكونا في حساب أحد يريد أن يؤدي واجبأن أو يغير منكرأن أو يذهب ويجيء وراح سيد بالإضافة إلى مقالاته الغزيرة يعد البحوث ويلقي المحاضرات ويعقد الندوات ويدير الجلسات ويشترك في المناقشات وكما كان يجذب القارة إليه جذبا كان يؤثر في قلوب سامعيه فيتفاعلون معه ويسلمون قيادهم إليه ولقد شهده المركز العام للإخوان المسلمين محاضرا ومتحدثا يجتمع عليه العديدي من الإخوان يستفيدون من تجاربه ويعملون بتوجيهاته وآرائه كما شهد بيته في حلوان الأفواج من الشباب الإسلامي من المصريين والمغتربين يفدون إليه لحضور ندواته المتكررة التي يقيمها فيه.

وأن الناظر في حياة سيد قطب وفي أوجه نشاطه وفي نتاجه لعيجب أشد العجب وتسائل كيف استطاع سيد أن يقوم بهذه الأعمال كلها وهي تحتاج من الرجل وقتا واسعا ليقوم بها أن وقته محدود كغيرة وأن يومه لا يزيد عن أربع وعشرين ساعو ولكن الله الذي علم منه صدق توجهه إليه وجديته في السير إليه بارك له في وقته وهداه للاستفادة القيمة منه وكان الساعات قد ضوعفت له.

من أبرز ما قام به سيد في هذه الفترة دعوته إلى قيام الكتلة الإسلامية التي تضم جميع الشعوب الإسلامية ككتلة ثالثة تختلف عن الكتلتين الشيوعية والرأسمالية وتستقل بنفسها وتثبت ثقلها الدولي وتتحرر من سيطرة النفوذين الشيوعي والرأسمالي وألقى المحاضرات وكتب المقالات شارحا دعوته هذه وقد تبنى الإخوان المسلمين الدعوة ودعوا إليها فيوسائل نشرهم ولكن الأحداث اللاحقة وأدت هذه الدعوة في مهدها.

كان لسيد قطب دور عملي في التحضير للثورة وقد بين الضابط محمود العزب هذا الدور بقوله: إن رائدا وأستاذنا سيد قطب هو الذي رعا الثورة جنينا فوليدا وأمرنا أنا نستعد لها ثم قال: قبيل الثورة بأيام تلقينا من الأستاذ سيد قطب أمرا بأن نكون على استعداد وكنت على رأس تنظيم الإخوان المسلمين في بور سعيد ولما تلقيت الأمر حضرت إلى القاهرة ومضيت إلى منزل الأستاذ سيد، وكان ذلك في يوم 19يوليو وكان لديه بعض قادة الثورة منهم البكباشي جمال عبد الناصر وذكر له الأستاذ سيد أن أكون أنا ومن معي على أهبة الاستعداد وأن يكون الإخوان المسلمون المدنيون على استعداد أيضا فإذا سمعنا بقيام الثورة كنا حماتها وحفظة الأمن في بور سعيد، وحذرنا من سفك الدماء.

ومجئ جمال عبد الناصر مع مجموعة من رجاله إلى بيت سيد قطب قبل قيام الثورة بأسبوع يدل على الدور الكبير الذي قام به سيد قطب في التحضير للثورة وتجنيده كافة الطاقات لنجاحها كما يدل على مكانته الرفيعة الظاهرة عند رجالها حيث يأتمنونه على أدق أسرارها ويدرسون معه خططها وتفصيلاتها.

ولما قامت الثورة عام 1952 كان سيد قطب موضع احترام وإكبار رجالها جميعا اعترافا بجهوده التي بذلها في التمهيد لها فكان كثير من قادتها يتردد على منزله في حلوان وكان هو المدني الوحيد الذي يحضر جلسات مجلس قيادة الثورة أحيانا ولقد كان متواضعا لا يعمل للهشرة, ويبتعد عن الأضواء ويمتنع عن حضور الحفلات العامة مع أعضاء مجلس قيادة الثورة، وقد نشرت له في السنة الأولى للثورة، بعض الصور التذكارية مع محمد نجيب ومع جمال عبد الناصر ومع غيرهما من رجالات الثورة وقادتها.

وكمظهر من مظاهر تكريم قادة الثورة لسيد قطب فقد طلبوا منه أن يلقى محاضرة في نادي الضباط بالزمالك وجعلوا عنوانا التحرير الفكري والروحي في الإسلام وكان ذلك في شهر أغسطس 1952 وقبل سيد قطب الدعوة وفي الموعد المحدد ازدحم النادي بحدائقه وأبهائه الفسيحة بالحضور من كافة فئات الشعب، حيث حضرها: جمع لا يحصى من الشعب وحضر إلى النادي أبناء الأقطار العربية والإسلامية الموجودون في مصر وكثير من رجال السلك السياسي وكبار زعماء الأدب والفكري والقانون والشريعة وأساتيذ من الجامعات والكليات والمعاهد كما حضر الدكتور طه حسين وأحمد لطفي السيد.

وقد حرص قادة الثورة على حضور هذه المحاضرة وكان من المقرر أن يتولى محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة تقديم سيد قطب إلى الحضور وتقديم محمد نجيب قائد الثورة سيد قطب دليل آخر على سمو منزلة سيد ورفعة مكانتة عند قادة الثورة.

إلا أن عذرا عارضا أضطر محمد نجيب إلى التخلف فأناب عنه نائبه جمال عبد الناصر وبعث برسالة مع أنور السادات يعتذر فيها عن الحضور وقد تليت رسالته على الحضور وقد وصف سيد قطب فيها بأنه رائد الثورة ومعلمها وراعيها وقائد قادتها ورئيس رؤسائها.

وقد استغل قادة الثورة الحفل وجعلوه مناسبة للاحتفاء بسيد قطب والحديث عن مناقبة وتبين مزاياه فقدمه الدكتور طه حسين وبين أهم ملامح شخصيته وعقب على تقديمه أحمد عبد الغفور عطار وتحدث الضباط محمود العزب عن دور سيد قطب في التحضير للثورة ومكانته عند رجالها.

ولما وقف سيد قطب لإلقاء محاضرته أثر في السامعين حتى دميت الأكف من التصفيق وبحت الحناجر من الهتاف وكان طه حسين وأحمد لطفي السيد من أشد المعجبي المصفقين.

ومما جاء في محاضرة سيد قطب عن الثورة قوله: إن الثورة قد بدأت حقا وليست لنا أن نثني عليها لأنها لم تعمل بعد شيءا يستحق أن يذكر فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام.

ولقد كان يتوقع بحسه البصير، وفراسته الصادقة، ونظراته النافذة أن نياله من الأذى والمركوه على أيدي رجال الثورة رغم تكريمهم له أكثر مما ناله منه في عهد الملكية قال في محاضرته لقد كنت في عهد الملكية مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا فأنا في هذا العهد مهيء نفسي للسجن ولغير السجن أكثر من ذي قبل.

وهنا وقف جمال عبد الناصر وقال بصوته الجهوري ما نصه: أخي الكبير سيد والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا جثثا هامدة ونعاهدك باسم الله بل نجدد عهدنا لك أن نكون فداؤك حتى الموت.. إلخ وصفق الناس تصفيقا حادا متواصلا مع الهتاف المتكرر بحياة سيد قطب.

ولا نريد أن نعلق على كلمة عبد الناصر هذه سوى أن نذكر أن عبد الناصر هو نفسه الذي أمر بسجنه وتعذيبه وأصدر عليه حكما بالسجن مع الأشغال الشاقة خمسة عشر عاما ثم أصدر عليه حكما بالإعدام بعد أربعة عشر عاما كاملة من كلمته هذه ومن تقدير رجال الثورة له أنهم عينوه مستشارا لمجلس قيادة الثورة للشئون الثقافية والداخلية ولم يستمر أكثر من عدة شهور.

كما عرضوا عليه بعض المناصب الأخرى منها ما ذكره الأستاذ أحمد عطار قرر مجلس قيادة الثورة أن يسند إليه منصب وزير المعارف المصرية كما أذكر ولكن سيد قطب اعتذر ورجوه أن يتولى منصب المدير العام للإذاعة فاعتذر وأخيرا وافق على أن يكون السكرتير العام لهيئة التحرير ولبث فيه شهورا وما رضي بهذا المنصب الخطير إلا ليسعه التخطيط للسياسة العليا.

وبدأ الخلاف مبكرا بين جمال عبد الناصر وزملائه وبين سيد قطب وسبب الخلاف إسلامي حيث كان سيد قطب يستحثهم الإسراع بتطبيق الإسلام وكانوا يراوغون في هذا الأمر فاضطر سيد قطب إلى تقديم استقالته من منصبه كسكرتير عام لهيئة التحرير ولم تنشر الصحف كلمة عن استقالته وخلفه في منصبه عبد الناصر نفسه.

وفي 2/3/ 1953 عقد في دمشق مؤتمر حلقة الدراسات الاجتماعية وقد انتدبت لجنة الدراسات الاجتماعية المصرية سيد قطب ليمثلها في هذا المؤتمر فسار إلى دمشق وألقى فيه محاضرة عن التربية الخلقية كوسيلة لتحقيق التكامل الاجتماعي وانتهز الإخوان فرصة وجوده فأعدوا له محاضرة ألقاها في كلية الآداب جامعة دمشق وكانت محاضرة رائعة حلق فيها سيد قطب خلال ساعتين من الزمان يبحث في جمال التغبير القرآني ويضع أيدينا على جوانب الإعجاز ولم يكن بيده كتاب ولا ورقة كما يقول محمد الياسين مرافقه مدة وجوه في سوريا.

وبعد أن انتهى المؤتمر من دراساته اتجه سيد قطب إلى الحدود الأردنية ليقوم بزيارة إلى الأردن ولكن السلطات الأردنية منعته من الدخول بأمر من قائد الجيش الأردني الجنرال الإنجليزي جون بادوت جلوب الذي كان يحكم في الأردن كما يشاء.

وفي 2/ 12/ 1953 عقد في مدينة القدس المؤتمر الإسلامي الذي دعت إليه جماعة الإخوان المسلمين وشاركت فيه الجمعيات والشخصيات الإسلامية في العالم الإسلامي بهدف دراسة السبل لحماية القدس والحيلولة دون وقوع الأقصى في أيدي اليهود وانتدب مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين في مصر سيد قطب ليمثل الجماعة في هذا المؤتمر ولولا أن وفود المؤتمر كانت في زيارة جماعية لحيل بينه وبين الدخول في المرة الثانية كما حيل بينه وبين الزيارة الأولى.

وكان سيد قطب متواضعا مناضلا في المؤتمر يصفه علال الفاسي بقوله: فرايت من سيد قطب المناضر المتواضع الذي لم يكن يتطلع لشيء من المناصب أو الألقاب بل يتأثر حينما يرى بعض أصدقائه يتهافتون عليه ولقد عملنا معا في اللجنة السياسية التي كنت أترأسها وصلينا وأعضاء هذه اللجنة بأثر وشاية من بعض شيوخ فلسطين المشهورين ذوي الصلة بكلوب باشا.

ثم انتخاب سيد قطب عضوا في مكتب الإرشاد الجديد لجماعة الإخوان المسلمين كما عين رئيسا لقسم نشر الدعوة في المكتب حيث أصبح مسؤولا عن نشر الدعوة الإسلامية والفكرة الإخوانية داخل مصر وخارجها وقام سيد بعمله على أتم وجه.

وافق سيد قطب المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي في إحدى جولاته لمنطقة الصعيد في مصر وألقى هناك عدة محاضرات وأطلع على الأحوال البائسة للأهالي من الناحية الاجتماعية والسياسية والإنسانية وحزت هذه المآسي في نفسه وآلمته وكت مقالات في مجلة الدعوة وسجل فيها هذه المظاهر البائسة وعلق عليها بأسلوبه الثائر الحاد وأحدثت مقالاته دويا في البلاد.

وعندما اصطدم الإخوان مع الحكومة في المرة الأولى في أوائل 1954 واعتقل عدد من قادة الإخوان كان سيد قطب في مقدمة المعتقلين وبقي 1954، وأفرج عن المعتقلين بعدها لخلافات وقعت بين ضباط الثورة وعندما قرر مكتب الإرشاد للإخوان أعادة إصدار مجلة الإخوان المسلمين عهد إلى سيد قطب بالإضافة إلى ما عهد إليه من مهمات الإشراف على تحريرها وجند طاقات بيته لخدمة الدعوة فكتب في المجلات شقيقه محمد وعهد إلى شقيقتيه أمينة وحميدة تحرير الأبواب النسائية فيها وعندما وقع رجال الثورة اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954رأى الإخوان أننها مجحفة لمصر وأنها بها لن تحصل على الجلاء الحقيقي فانتقدوها بشدة وتولى سيد قطب كتابة ونشر المقالات العنيفة الحادة في نقدها فأغلقتها الحكومة ولم يصدر منها سوى اثنى عشر عددا وفي الأيام الأخيرة وقبل مذبحة الإخوان في نهاية عام 1954 وبعد أن أدرك سيد قطب ما تبيته الحكومة ضد الإخوان انتقل سرا من القاهرة إلى مدينة بني سويف التي عمل فيها مدرسا فور تخرجه من الكلية عام 1933 وأصدر هناك نشرة سياسية سرية تفضح المخططات المرسومة للقضاء على الحركة الإسلامية وتكشف عمالة رجال الثورة وألقى القبض عليه قبل القضية الكبرى التي اتهم فيها الإخوان بمحاولة اغتيال عبد الناصر.

لقي سيد قطب كباقي إخوانه ألوانا شتى من التعذيب في السجن لا تضاهيها إلا ألوان التعذيب في محاكم التفتيش في أوروبا في القرن الوسطى ومن هذه الألوان البشعة تسليط الكلاب البوليسية عليه ومطاردتها له لساعات بينما تنقض هذه الكلاب المدربة الضخمة على لحمه تنهشه نهشا إذا توقف عن الجري وقد واجه كل هذا بنفس صابرة وقلب ثابت وعزم على المضى في الطريق واستعلى بإيمانه وتذوق حلاوة الاتصال بالله وهان عليه كل ما يلاقيه في سبيل الله.

وعندما تقررت محاكمة الإخوان المسلمين عام 1954 وفي اليوم الذي حددت محاكمته فيه جاءه مدير السجن حمزة البسيوني وقال له.

( لن نحاكمك لأنك مصدور) وعرف السبب بعد ذلك لأنه كان من المقرر حضور مندوب عن لجنة حقوق الإنسان الدولية ويخشون أن يتحدث سيد أمامه بشيء وفعلا وبعد ذهاب المندوب قدم إلى المحاكمة وعندما طلب منه الدفاع عن نفسه خلع قميصه ليرى القضاة والمحفين آثار التعذيب الوحشية عليه وصدر عليه حكم بالسجن خمسة عشر عاما ولكن اعترض مستهزئا بأن هذا قليل فأين حكم الإعدام؟ وكان في سجنه يردد دائما: اللهم ارزقني إحدى الحسنيين والشهادة عندي في المقدمة.

نقل سيد قطب بعد الحكم عليه سجن ليمان طرة خارج القاهةر ليقي الفترة المحكوم عليه بها ولما ساءت صحته في السجن نقل إلى المستشفى الملحق بالسجن وبقي فيه حوالي عشر سنوات إلى أن أفرج عنه وهناك في السجن بل في مستشفى السجن وعلى وجه الخصوصو هيأ الله له كل وسائل الراحة حيث لقي عناية ورعاية تامتين إذ كان حوله مجموعة من الإخوان المسجونين يسهرون على راحته وكون مع طبيب السجن ومديره صداقة شخصية حيث أعجبا به وبأخلاقه فعاملاه معاملة حسنة، ووفرا له الراحة ولا عجب في هذا الموقف منهما فإن السجن هو السجان وبإمكانه بأسلوبه أن يخفف من وطأة السجن ولا نقصد من هذا أن سيد قطب كان وهو في السجن وكأنه في بيته يتمتع بالحرية وإنما نقصد أن معاملته وبخاصة وهو نزيل مستشفى السجن لا السجن نفسه كانت أحسن من معاملة إخوانه وأن الله رقق له قلب سجانيه ليتمم المهمة التي أعده الله لها ويكمل الطريقة الذي رسمه له.

ورغم أن الكتابة في السجن ممنوعة رسميا إلا أن الله هيأ له ظروف الكتابة، وظروف النشر أيضا وكان يكتببنفسية صابرة هادئة وروح متصلة بالله ومطمئنة ومن هناك قدم للمكتبة الإسلامية وللعاملين المجاهدين أقوى بحوثه وأعمقها على رأسها موسوعته في (ظلال القرآن).

لم تفارقه صفاته الكريمة وهو في السجن بل تمكنت من نفسه وصقلتها المحنة فملك قلوب السجناء والسجانين حتى عندما كانت تنشب مشكلة بين السجناء يسرعون إلى سيد قطب لحلها وأطلب عليه لقب (قاضي السجن) بل أن مدير السجن الحلواني كان يقول: إن المدير الفعلي للسجن هو سيد قطب يروي مصطفى العالم الذي كان معه في نفس الزنزانة في السجن قبل نقله إلى ليمان طرة أنه قد أصيب بانفصال غضروفي والوسيلة الوحيدة لعلاجه هي أن يبقى مستلقيا على ظهره مدة لا تقل عن ستة شهور وأن سيد قطب بقلبه الكبير وعواطفه الأخوية الصادقة، كان يقوم على خمة أخيه، ويطيب خاطره كيلا يتضايق.

شفت روحه واستعلى بإيمانه على المحنة والابتلاء وبدلا من أن يكون في سجنه قلقا ضجرا عابسا مكتئبا رأيناه مؤمنا لطيفا بشوشا وقورا متواضعا ملك قلوب من حوله وصاروا يكنون له الحب والاحترام سواء كانوا مسجونين عاديين أم سياسيين أم من عتاة المجرمين حتى أن هؤلاء المجرمين الموغلين في الإجرام الذين ينزلون معه مستشفى السجن يرفضون أن يتناولوا العلاج إلا من يده الكريمة أملا في الشفاء كما كان يقف بين السجناء والسجانين يخطب فيهم العيد أو الجمعة رغم مخالفة ذلك لتعليمات السجن.

وقد رويت حادثة غريبة تدل على مدى حبه الذي سيطر على القلوب، فقد كان أحد الإخوان سجينا بسجن بعيد عن سجن سيد واشتاقت روحه لرؤية أستاذه وهو لا يملك حريته لينتقل إليه فكان أن أدى أنه مريض جدا وأن مرضه يستدعي عملية جراحية وقرر له الطبيب الانتقال إلى مستشفى سجن طره وأجريت له عملية في المثانة والمسالك البولية وصبر لى آلامها المبرحة وتحقق له مقصوده حيث إلتقى بأستاذه.

جعل سيد قطب من سجنه خلوة يختلي فيها مع القرآن ويعيش في ظلاه ويعمق صلته بالله، فها هو يجوب الزنزانة كل يوم يذرعها قارئا لسورة من كتاب الله بصوتن عذب رخيم ومعه قلمه يدون كل ما يخطر له من خواطر وأفكار على هامش المصحف وهو فرح مسرور بما يجول في خاطره من معان جديدة لم تكن تلامس ذهنه قبل أن يدخل السجن ويأنس فيه بكتاب الله في جو من الصفاء العجيب.

إن سيد قطب يمثل في سجنه ظاهرة عجيبة، قل أن يوجد لها نظير في التاريخ فهو قد أمد المكتبة الإسلامية ببحوثه الإسلامية العميقة الرصينة وأتم تفسيره للقرآن الذي يمثل موسوعة كاملة وأقبل العاملون على كتبه يجعلونها معالم لهم في طريقهم في مواجهة الجاهلية لأنها صادرة عن تجربة حية واعية.

وكان الأهم من ذلك كله نفسيا أن أعاد اتصالاته مع الإخوان المسلمين داخل السجون وخارجها وأنشأ أرقى أشكال التنظيم الإسلام سرية وفاعلية في مصر وكان هذا الإنشاء يعتبر عملية انتحار أن جاز التعبير في الظروف الرهيبة التي كانت تسود أرض الكنانة.

وكما يسر الله له في سجنه وسائل الكتابة يسر له وسائل النشر كذلك فصارت كتبه تصدر عن دور النشر في القاهرة وكان المسؤولون يوافقون على نشرها لأن في نشرها أبطالا لاتهامات الإخوان عن سجن سيد قطب وتعذيبه فعندما زار رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر باكستان كان يواجه بالأسئلة الكثيرة عن سيد قطب وسجنه وتعذيبه وأنكر تهمة السجن أو التعذيب حيث زعم أنه في بيته معافي يتمتع من أحد الباكستانيين إلا أن أرسل برقية إلى شقيقه محمد قطب يستفسر منه فيها عن صحة كلام الرئيس ولم يستطع محمد أن يبين له الحقيقة ولا أن يرد عليه وأصدرت الحكومة المصرية تعليمات إلى سفاراتها في الخارج توصيها باتباع أسلوب الرئيس عندما يسألون عن سيد قطب.

وهكذا أراد الله وبهذه الوسيلة العجيبة أن تنشر كتبه كي ينتفع بها العاملون.

وفي أواخر عام 1964 زار مصر الرئيس العراقي عبد السلام عارف وكان قد قرأ لسيد في الظلال وتقدم له علماء العراق بطلب يلتمسون فيه أن يتدخل لإطلاق سراحه وبذل جهده عند الرئيس المصرية عبد الناصر وصدر الأمر بالإفراج عنه بعد أن أمضى في السجن ما يزيد على عشر سنوات.

وعرض عليه الرئيس العراقي أن يسافر معه إلى العراق وبين له أنهم في حاجة إليه وأنه سيكون عندهم معززا مكرما ويسشغل أرقي المناصب ولكن سيد لم يستجيب لهذا الإغراء وبين له أن مصر إليه أحوج وبخاصة في هذه الفترة الدقيقة التي تمر بها إذ أنه على ثغرة من ثغور الإسلام فيكف يتخلى عنها.

استشهاده

خرج سيد قطب من سجنه بقائمة من الأمراض مثل الذبحة الصدرية والنزيف الرئوي التي سببها له سجنه الطويل والعذاب الوحشي الذي لاقاه لا سيما وأنه كثيرا ما كان يشكو من الأمراض قبل دخوله السجن والتي راقته طيلة حياته. ولكن السجن زادها ومكن لها في جسده الناحل.

لم يركن إلى الراحة بعد خروجه بل استمر في إعداد بحوثه العميقة كما كان يكتف بالكتابة والتأليف حيث أشرف على التنظيم الذي أنشأه داخل السجن بإذن من المرشد العام حسن الهضيبي وكان يتعاهده ويرعاه.

كان يزوره في بيته عدد من الإخوان من مصر وخارجها رغم أن أجهزة المخابرات تراقب بيته دائما وترصد حركة الداخلين والخارجين إلا أنه كان يهزأ بها ويعقد اللقاءات ويدير الجلسات ويزود القادمين بنصائحة وتوجيهاته ويطلعهم على تجاربه، ويعلق على الأحداث القائمة من الزاوية الإسلامية.

من هذه الزيارات زيارة أحد طلاب جامعة الخرطوم حافظ الشيخ وكان من جملة ما قاله له سيد: إن الشيوعية لا يمكن أن تنتصر من الطريق الديمقراطي لأنه ليست لها جذور في السودان ولكن الخطر أن يلجأ الشيوعيون إلى نظام حكم شيوعي بالقوة فالخطر في الجيش. ولكن حتى إذا أفلح الجيش في القيام بانقلاب ووصل الشيوعيون إلى الحكم وأقاموا نظامهم فإنه لن يستمر طويلا لأن الأمريكان حريصون إلا يقوم في الشرق العربي نظام شيوعي وهم أصحاب النفوذ ي هذه المنطقة ثم ضرب مثالا بسوريا فقال: إن سوريا كادت أن تصبح شيوعية فدبروا لها الوحدة بين مصر وسوريا لغرض معين وهو القضاء على الشيوعية وانتهت بمجرد أدائها الغرض ثم قال: إن الخطر الحقيقي هو خطر الصهيونية والأمريكان وهم الذن يبسطون نفوذهم على منطقة الشرق.

بهذا التحليل السياسي الرائع، كشف سيد عن وعيه العميق لأحداث المنطقة وعن رؤيته الصادقة لحقيقة القوى التي تخطط لها وتؤثر فيها وكان يدرك أنه لمعلوماته هذه ونظراته الصائبة أصبح هدفا لأمريكا والصهيونية يقول إبراهيم المصري في الشهاب: وهنا لا بد من كشف النقاب عن حديث استكتمه سيد رحمه الله ورضي عنه أحد إخوانه قبل اعتقاله بأسابيع كان الحديث يدور حول اليهودية العالمية وخطرها على العالم أجمع والمسلمين خاصة يقول سيد: ولقد وقفت على مدى تغلغل الأصابع اليهودية وخطرها بعد بحث وطول وعناء واليهود إذا علموا أنني أحيط بذلك فلا بد أن أقتل.

ومن موسكو عاصمة الإلحاد وقف الرئيس المصري عبد الناصر عام 1965 يعلن اكتشاف مؤامرة دبرها الإخوان المسلمون بقيادة سيد قطب للاستيلاء على الحكم بالقوة والقيام باغتيالات لرجال الحكومة والمسؤولين، والممثلين والمغنين والفنانين وتدمير البلاد اقتصاديا وعمرانيا. ونشطت أجهزته في إلقاء القبض على الإخوان المسلمين وأصدقائهم ومعارفهم وأقاربهم ونسائهم وأطفالهم وأقيمت مذبحة للإخوان ولا قوا من التعذيب الوحشي الرهيب ما لا يحتمله أو يطيقه بشر عادي.

وكان نصيب سيد قطب وآله من هذا أكثره حيث وضع في السجن هو وشقيقه وإخواته الثلاثة، وأبناء أخته، وأولاد أخواله ولاقى الجميع من الأهوال ما لا يوصف ورأى سيد أمام عينيه استشهاد أعز أقربائه وأقربهم إلى قلبه ابن أخيه رفعت بكر شافع ووسع قلبه الكبير ونفسه العظيمة محنته وعذابه الرهيب وعذاب أهله أمام عينيه وعذاب إخوانه وتحمل هذا كله بقلب صابر ويقين ثابت.

كان سيد يحس إحساس المؤمن بالأشياء قبل وقوعها فقد توقع هذا كله في فترة اعتقاله الثاني حيث قال: لقد عرفت أن الحكومة تريد رأسي هذه المرة فلست نادما لذلك ولا متأسفا لوفاتي وإنما أنا سعيد للموت في سبيل دعوي وسيقرر المؤخون في المستقبل: من كان على الصراط المستقيم الإخوان أم نظام الحكم القائم.

لقا كان مستعدا للموت في سبيل الله في كل لحظة منذ أن اتجه وجهته الإسلامية قال في رسالة بعثها من أمريكا إلى أخته في القاهرة لم أعد أفزع من الموت حتى لو جاء اللحظة لقد عملت بقدر ما كنت مستطيعا أن أعمل هناك أشياء كثيرة أود أن أعملها لو مد لي في الحياة ولكن الحسرة لن تأكل قلبي إذا لم أستطع أن آخرين سوف يقومون بها أتها لن تموت إذا كانت صالحة للبقاء.

وعندما زاره أحد إخوانه قال له: رأيت البارحة كأن ثعبانا أحمر يلف نفسه حولي ثم قترب فاستيقظت من ساعتها ولم أنم قال اسمع يا سيدي هذه هدية سقدمها لك أحد المؤمنين هي ملفوفة لفات بخيط أحمر قال سيد ولماذا لا يكون تفسيرها أن أكون أنا الهدية المقدمة للمؤمنين قال له غليس بقاء الصالحين أنفع للدعوة الإسلامية؟ أجاب سيد قائلا: ليس دائما بل ربما كان ذهابهم أنفع، وأنا لا أتعمد التهلكة ولكن يجب أن نتعمد الثبات مع علمنا أن في الثبات التهلكة.

وهكذا كان فبعد تعذيب رهيب، قدم سيد قطب مع مجموعة من الإخوان إلى محاكمة صورية، وكان سيد في المحكمة كالأسد يخيف وهو في فقص الاتهام مجردا من كل وسيلة بنظراته رئيس المحكمة الذي يتمتع بالسلطة والقوة المادية، فقد كان يتحاش النظر إلى عيني سيد النافذتين.

وقد صدر عليه الحكم بالإعدام مع اثنين من قادة الحركة الإسلامية محمد يوسف هواش وعبد الفتاح إسماعيل وقامت المظاهرات والاحتجاجات في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وقدمت العرائض للتوسط لتخفيف الحكم وبذل بعض المسؤولين في الدول الإسلامية جهودهم لدى الرئيس المصري وبعد الحكم عليه بخمسة أيام سمح الطغاة لسيد قطب أن يزور أخته حميدة التي كانت في زنزانة مع زينب الغزالي وكان برفقته ضابط من جيش السجن قالت زينب الغزالي: قلت مرحبا يا أخ سيد هذه مفاجأة سارة وغالية جدا أنها لحظات من رضوان الله، أن تجلس إلينا وجلس يتحدث إلينا عن الآجال ومواعيدها وأنها بيد الله ولا أحد يتحكم فيها إلا الله وأمرنا بالرضا والتسليم.

وكان بعد صدور الحكم بالإعدام راضيا بقدر الله فرحا بقرب لقائه مستبشرا بما عنده وقال: الحمد لله لقد عملت خمسة عشر عاما من أجل الحصول على الشهادة.

وفي صفر عام 1386 الموافق أغسطس (آب) 1966- أي قبل أقل من شهر من إعدامه تلقى الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار في مكة المكرمة رسالتين كريمتين من سيد قطب بعثها إليه من زنزانته وشاء الله لهما أن تصلا إليه بطريقة خاصة وقد نشرها الأستاذ أحمد عطار في مجلة كلمة الحق بخط سيد قطب الزنكوغراف.

وتعتبر الرسالتان وثيقتين هامتين تصوران حالة سيد قطب الإيمانية بعد العذاب الرهيب الذي لقيه وبعد صدور الحكم بإعدامه كما تصوران جلده وصبره وجهاده وثباته وعزته واستعلائه.

ونورد فيما يلي مقتطفات منهما قال في الرسالة الأولي: أما أنا فأجدني خيرا من أي وقت مضي في عقيدتي وإيماني وفي وضوح هذه العقيدة وهذا الإيمان في نفسي وفي وضوح إدراكي وتصوري لهذا الأمر ومقتضياته ووضوح الهدف والوسيلة والطريق والغاية وكل هذا خير جزيل جميل يرجح كل ما أديته ثمنا له من راحتي وصحتي والحمد لله.

وقال في الثانية: أهم من أشكرك فيما أعتقد أن أطمئنك على وأنا في وضعي الذي تعلمه لقد وجدت الله كما لم أجده من قبل قط.

ولقد عرفت منهجه وطريقه كما لم أعرفه من قبل قط ولقد أطمأنت إلى رعايتها ووثقت بوعده للمؤمنين كما لم أطمئن من قبل قط وأنا بعد ذلك على ما عهدتني مرفوع الرأس لا أحنيه إلا الله والله يفعل ما يشاء والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولا نريد أن نعلق على هذه الفقرات فكل عبارة فيهما بل كل كلمة وحرف معالم مضيئة وبصائر هادية في طريق العمل الإسلامي اللاحب الطويل بينها سيد قطب بكلامه بعد ما بينها بعمله وجهاده وثباته رضي الله عنه.

وفي أثناء ذلك تعرض سيد في سجنه لوسائل شتى من الإغراء منها أنه إذا قدم أسطرا لرئيس الدولة يعتذر عما فعله فإنه سيخرجه من السجن ويعيد إليه اعتباره ويوليه وزارة التربية والتعليم واستخداموا إخوانه وأهل بيته للضغط عليه ولكنه استعلى على كل هذه المحاولات وثبته الله على موقفه وأطلق من سجنه عبارات نابعة من القلب ذهبت مثلا إذ صار يتمثلها كل من وفقه الله للسير على طريق العمل الإسلامي بجد وثبات وإخلاص.

من هذه الكلمات الخالدة: إجابته على سؤال أحد إخوانه لماذا كنت صريحا كل الصراحة في المحكمة التي تملك عنقك قال لأن التورية لا تجوز في العقيدة وأنه ليس للقائد أن يأخذ بالرخص.

وقال: لماذا استرحم إن سجنت بحق فأنا أرضى حكم الحق وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.

وقال إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية.

وعندما طلب منه الاعتذار مقابل إطلاق سراحه قال: لن أعتذر عن العمل مع الله.

وأمام ضغط المظاهرات والاحتجاجات التي أحدثها الحكم بإعدامه وعز عبد الناصر إلى رجاله بضرورة الإسراع في تنفيذ الحكم، وفي ليلة التنفيذ 28/ 8/ 1966 جاء مدير السجن الحربي حمزة البسيومي في محاولته الأخيرة للحصول على تنازل منه وكلم شقيقته حميدة لتضغط عليه وقد روت ما جري بقولها قال لي: أن الحكومة مستعدة أن تخفف هذا الحكم إذا كان شقيقي يجيبهم إلى ما يطلبون ثم أردف قائلا: إن شقيقك خسارة لمصر كلها وليس لك وحدك أنني غير متصور أن نفقد هذا الشخص بعد ساعات أننا نريد أن ننقذه من الإعدام ولا أحد يستطيع أن يؤثر عليه إلا أنت أنت وحدك مكلفة بأن تقولي له هذا نريد أن تقول: إن هذه الحركة كانت على صلة بجهة ما وبعد ذلك تنتهي القضية بالنسبة لك أما هو فسيفرج عنه بعفو صحي قلت له ولكنك تعلم كما يعلم عبد الناصر أن هذه الحكة ليست على صلة بأي جهة من الجهات قال حمزة البسيوني أنا عارف وكلنا عرافون أنكم الجهة الوحيدة في مصر التي تعمل من أجل العقيدة نحن عارفون أنكم أحسن ناس في البلد ولكننا نريد أن نخلص سيد قطب من الإعدام قلت له إذا كان سيادتك عاوز تبلغه هذا فلا مانع ولما عرضت عليه مطلبهم قال لها والله لو كان هذا الكلام صحيحا الاصتال بجهة أجنبية لقلته ولما استطاعت قوة على وجه الأرض أن تمنعني من قوله، ولكنه لم يحدث وأنا لن أقول كذبا أبدا.

ثم سمح لهما أن ينفردا ببعضها قليلا فأفهمته أصل الطلب فسأل سيد شقيقته وأنت ترضين ذلك قلت: لأن قال: أنهم لا يستطيعون لأنفسهم ضررا ولا نفعا أن الأعمار بيد الله وهم لا يستطيعون التحكم في حياتي ولا يستطيعون إطالة الأعمار أو تقصيرها كل ذلك بيد الله والله من ورائهم محيط وحملها الأمانة للمرشد الهضيبي قائلا إن رأيت الوالد المرشد فبلغيه عني السلام وقولي له: لقد تحمل سيد أقصى ما يحتمل بشر حتى لا مس بأدنى سوء.

كان سيد قطب متشوقا إلى الشهادة طالبا لها: قال في تفسيره لقوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) وهو تعبير عجيب عن معنى عميق.

إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بين المجاهدين ويتخذهم لنفسه سبحانه فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم بقربه.

ولذلك قال عندما سمع الحكم بإعدامه: الحمد لله لقد عملت خمسة عشر عاما من أجل الحصول على هذه الشهادة.

وفي ليلة التنفيذ تم نقله بسيارة إلى المكان المعد لتنفيذ الحكم ليقضي فليه ليلته والتقطت له أجهزة الإعلام صورة عند ركوبة السيارة وظهرت في الصورة ابتسامة عريضة مشرقة ملأت وجهه وهو يودع إخوانه وقد وضع سيد قطب في ابتسامته هذه كل ما يريد أن يقوله لإخوانه ومريديه وتلاميذه والأجيال اللاحقة وأبان فيها عن ثباته واستعلائه على المغريات كما أبان عن فرحته بقرب لقاء الأحبة في الجنة محمد وصحبه.

وقبل بزوغ فجر يوم الاثنين 29/ 8/ 1966 الموافق 13 جمادي الأولى عام 1386 تقدم سيد وإخوانه إلى حبل المشنقة بخطى وئيدة ثابته وتنفس الصبح على منظر الأبطال الثلاثة وقد علقت أجسادهم بحبل المشنقة بينما حلقت أرواحهم الطاهرة في رحلتها إلى عالم الخلود واصطف المؤمنون والشهداء لتحية هذا الموكب الكريم وتزينت الحور العين لاستقابل أزاجها وأزلفت الجنات للوافدين الجدد وأسدل الستار على آخر صفحة من حياة الرائد الشهيد في هذه الدنيا الفانية وبدأ عند ربه حياته الحقيقية في جنات الخلود التي طالما تشوقت روحه إليها.

علو في الحياة وفي الممات
لحق تلك إحدى المكرمات.

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون صدق الله العظيم.

الباب الثاني: ثقافته ومواهبه وآثاره

الفصل الأول: مصادر ثقافته في القرية.

عرفنا أن سيد قطب أمضى دراسته الأولية في القرية وأنه كان في مقدمة الطلاب الأوائل مما يدل على أنه هضم الكتب الدراسية المقررة، التي تعلم مبادئ القراءة والكتابة وتعطي للتلميذ معلومات أولية في مختلف العلوم تتناسب ونموه.

لم يكتف سيد بتلك الكتب بل طمحت نفسه إلى المزيد من الثقافة فصار يرتاد المساجد ويحضر دروس التفسير والحديث والفقه التي يلقيها الأزهريون في مواسم معينة ويثقف نفسه بها وكان على صغره يتجرأ ويسأل الشيخ والواعظ أن أبهم عليه شيء أو تعارض ما يقوله مع معلومات سابقة لديه.

وبعد أن حفظ القرآن استفاد منه زادا ثقافيا جديدأن بالإضافة إلى تقويم لسانه وحسن بيانه حيث تفتحت مواهبه المبكرة على أساليب القرآن الفنية المؤثرة وقد كان لذلك أكبر الأثر على مسيرة سيد قطب الأدبية الفنية والبيانية فيما بعد.

كما كان يكثر في قريته من الإطلاع على الكتب الأدبية من قصصية أو شعرية أو تاريخية والتي كان يعدها له مدرسوه الذين أعجبوا به وبمواهبه وتوقعوا له نبوغا ومستقبلا في عالم الأدب والفكر والثقافة.

ولا ننسى في هذا المجال الجريدة اليومية التي كان ولده مشتركا فيها والتي كان يقرؤها للقادمين إلى البيت ثم يخلو بنفسه إليها ويطالع أخبارها تحليلاتها السياسية ومقالاتها الأدبية والعلمية والاجتماعية والقصص والأشعار التي تنشرها حيث كانت هذه أغلب موضوعات الصحف في ذلك الوقت.

وازدادت حصيلته الثقافية بمكتبته الكبيرة بالنسبة إلى سنه والتي اشتراها من العم صالح بائع الكتب المتجول حيث قرأها كلها كما قرأ الكتب الأخرى التي اشتراها زملاؤه في القرية وكانت موضوعاتها متنوعة فهي أما قصص خرافية أو مترجمة أو كتب صغيرة للأطفال أو كتب سحر وطب شعبي.

وجمع إلى هذا كله تصوراته التي رسخت في بذهنه عن عفاريت القرية وغيلانها وجنها والقصص الريفية القديمة التي سمعها وانفعل بها ومواويل الغربة والشوق والمحبة المنبعثة من أفواه العمال والمحبين.

مصادر ثقافته العربية

قدم سيد قطب إلى القاهرة ومعه حصيلته الثقافية التي كونها في قريته وهناك راح ينهل من معين الثقافة الصافي في الكتب الدراسية المنهجية التي كانت مقررة عليه سواء في دراسته في مدرسة المعلمين الأولية أو في تجهيزية دارالعلوم أو كلية دار العلوم نفسها التي تخرج منها للحياة العملية.

درس في هذه المرحلة الكتب العربية، التي تشمل علوم العربية ممثلة في النحو والصرف والعروض والبلاغة بأقسامها والأدب العربي وتاريخه وأطواره. والأدب الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي والمملوكي والأدب الحديث والنقد الأدبي واتجاهاته ومدارسه التجديدية في الشعر العباسي والشعراء الموهوبين كالبحتري وأبي تمام وابن الرومي والمتنبي والمعري ورجال الشعر في العصر الحديث والمدارس الشعرية المعاصرة.

ودرس علوم الدين الإسلامي، متمثلة في الفقة وأصوله، والحديث ومراحله، والتفسير وأبرز كتبه ومناهج المفسرين وعلوم القرآن والبلاغة القرآنية مثل بديع القرآن ومعاني القرآن وتشبيهات القرآن وكناياته وإعجاز القرآن ومراحله ومدارسة.

لم يتعمق في هذه العلوم الدينية والعربية وإنما ألم منها ينسب مختلفة متفاوتة حسب مناهج الدراسة المنهجية والمقصود من تدريسها للطالب أن يلم باجمال مختصر يمكنه من التعمق في هذه الموضوعات أن أراد في المستقبل جمع سيد قطب بالإضافة إلى الدراسات السابقة دراسات أخرى في التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماعية والرياضيات والفلسفة والعلوم من فيزياء وأحياء ومناهج التربية ورجالها وأساليبها.

كان سيد يمثل في هذه المرحلة الطالب الذي يعي ما يدرسه ويتفاعل معه ويتأثر به ويزيد رصيده الثقافي حتى بز أقرانه وحاز إعجاب أساتذته وقد تخرج من الكلية مجازا في اللغة العربية وآدابها ولم يكن خالي الوفاض من المعرفة والثقافة كبعض الخريجين وإنما ضم جوانحه على حصيلته الثقافية ثم نماها وغذاها بالإطلاعاته الجديدة.

مصادر ثقافته الغربية

خرج سيد إلى الحياة العملية مزودا بثقافته الواسعة التي حصلها أثناء دراسته في مراحلها المختلفة ولكنه لم يكتف بها بل راح يبحث عن مصادر جديدة يضيفها إلى رصيده الثقافي ويوسع آفاقه من خلالها.

وجد ضالته في مكتبة أستاذه العقاد، التي كانت مليئة بمختلف نتاج الفكر الغربي شعرا أو أدبا أو قصة أو تاريخا أو فلسفة أو علوم طبيعية أو تربية أو دراسات نفسية أو حضارية منها ما هو بلغته الأصلية ومنها ما هو مترجم إلى العربية.

وقد كان العقاد وزميلاه المازني وشكري يتأثر بالفكر الغربي والثقافة الغربية ومن المعجبين بالنتاج الغربي في شتى نواح المعرفة الإنسانية بل أنهم كيفوا نفوسهم وفق معطيات هذه الثقافة حيث نمت عقولهم وثقافتهم عليها وتكونت نفسياتهم وتربت على مبادئها وصار من الطبيعي أن يتأثر تلاميذهم بهم وأن يتركوا لمساتهم واضحة على نفسه هؤلاء التلاميذ.

ولقد كان أثر العقاد على سيد قطب كبيرا إذ وجهه إلى البحث والدراسة والتحليل حيث فتح له مكتبته ليتزود بمختلف فروع المعرفة والثقافة ودعمه في بدء حياته العملية وحال بينه وبين الفكر الماركسي الذي كان يمكن أن يتجه إليه.

وأغراه بدراسة الفكر الغربي والثقافة الأوربية التي راح يعب منها والتي أثرت على فكره ونفسه وأحاسيسه وتسببت بمرحلة من القلق والضياع والشك والحيرة كادت تعصف به وتوقعه في الضياع والعدمية حيث انقطعت كل صلة بينه وبين نشأته الأولى، وتبخرت ثقافته الدينية وعقيدته الإسلامية ومر بمرحلة من الارتياب في الحقائق الدينية إلى أقصى حدود على حد قوله لأبي الحسن الندوي وقد طالت هذه المرحلة في حياته وأخرت وجهته الإسلامية لفترة طويلة وقد كان العقاد هو المسؤول المباشر عن هذه المرحلة لأنه هو الذي وجهه إليها.

رحلة الضياع

إن الثقافة الأوربية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين والتي نهل منها سيد قطب وأستاذه العقاد: تتميز بالسير نحو الفردية وتنمية الاستقلال الفكري والنفسي وإيجاد قيم خاصة، والخروج على القيم السائدة لذلك فإن الذي يهنل منها بغير مييزان ثابت يتيه في مجاهلها ويضيع في تيار ضلالها.

وقد تركت آثارها في مختلف نواحي المعرفة الإنسانية بصياغتها لها وفق مبادئها وتصوراتها وقيمها إن اتجاهات الفلسفة بجملته واتجاهات تفسير التاريخ الإنسان بجملتها واتجاهات على النفس بجملتها عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها ومباحث الأخلاق بجملتها واتجاهات التفسيرات والمذاهب الاجتماعية بجملتها فيها عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة لا النتائج العامة المستخلصة منها ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها أن هذه الاتجاهات كلها في الفكر الجاهلي أي غير الإسلام قديما وحديثا متأثرة تأثرا مباشرا بتصورات اعتقادية جاهلية وقائمة على هذه التصورات.

نهل سيد قطب من هذه المعارف المختلفة التي اتتبعتها الثقافة الغربية كيفيتها كما تريد وراح يلتهم كل ما تنجه المطبعة العربية من كتب مؤلفة أو مترجمة، أو دواوين شعرية أو دوريات يومية أو أسبوعية أو شهرية وكانت هذه الدوريات تحمل خلاصة الفكر الغربي وآخر مكتشفات العلم هناك وكان سيد يجد لذة في الاطلاع على هذه الخلاصة ومتابعة ما يجري هناك أولا بأول وكانت مجلة المقتطف هي الرائدة في هذا المجال.

تشرب سيد قطب هذه الثقافة وغدا صاحب نظرات في الأدب والنقد وفي الفلسفة والتربية وعلم النفس وفي الحياة ومعناها وسرها وغايتها وأهدافها ورسالة الإنسان فيها نظرات جديدة وفق قيم هذه الثقافة ومبادئها واتجاهاتها وصاغ عقليته الثقافية على هديها ومر بمرحلة الضياع والشك، والحيرة والقلق والعذاب والألم فكان يبحث ويتأمل وينظر ويفكر ويسأل الأحياء والأموات والجوامد يريد أن يكشف سر الحياة ويعرف كنهها وغايتها فحاول السير إلى القمة وغاصت أقدامه في الرمال وراح يبكي ويصرخ من الألم ويلوم نفسه المتحفزة وعقله الباحث على ما وصل إليه ويتمنى لو يدركه الموت ليخلصه من عناء العرفة وعذاب البحث وظل يبحث ويتأمل ويسأل كل يوم فلا يصل إلى الاستقرار ولا يجد لأسئلته واستفساراته ومجيبا فوقع في قلق دائم وهياج مستمر وفقد اطمئنان الضمير، وسعادة النفس وراحة البال وسعة الصدر ويقين القلب فقد نفسه وقلبه ويقينه وحياته وسعادته فغدا رجلا بائسا حزينا قلقا عديما لم يعرف سر وجوده ولا سر الكون من حوله ولا هدف الحياة التي يحياها فاعتبرها تافهة بكل مافيها من حوله ولا هدف الحياة التي يحياها فاعتبرها تافهة بكل مافيها واعتبر الفناء تهايتها بكل ما فيها من أفكار وقيم ومشاعر وأ‘مال واعتبر الفناء نهايتها بكل ما فيها من أفكار وقيم ومشاعر وأعمال وسيطرت عليه روحه العدمية وراح ينشر قصائده التي تنضح بهذه الروح وغدا شبيها بعمر الخيام في رباعياته وضياعه وقلقه وحيرته.

هذا الكلام عن سيد قطب قد يبدو غريبا ولكن لن يستغربه غلا إنسان لم يدرس مراحل حياته ولم يتعرف على اتجاهاته في هذه المراحل لأن معظم الناس لم يعرفوه إلا مفكرا إسلاميا أصيلا ولم يتعرفوا عليه إلا في مرحلة العطاء الفكري التي ختم بها حياته والبعض تعرف عليه أدبيا ناقدا قبل اتجاهه الإسلامي ولكن من لم يدرس حياته بالتفصيل ولم يطلع على نتاجه المتنوع المنشور في الصحف والمجلات لم يعرفه حق المعرفة.

ولو قام باحث بجمع قصائده المنشورة في هذه الدوريات ورتبها ترتيبا زمنيا حسب تاريخ نشرها لعرف هذه المرحلة من حياته وتعرف على اتجاهاته فيها ولمس أثر الثقافة الغربية عليه وشاهد ملامحه في رحلة الضياع التي سارها والتي أنقذه الله منها فلم يصل إلى نهايتها حيث نقل خطاه نقلة بعيدة في طريقه إلى الخلود.

وسنقدم فيما يلي نماذج من قصائده فيها الدليل القاطع على ما ذكرناه.

من هذه القصائد قصيدة السر التي نشرها في يناير 1935 والتي يقول فيها مخاطبا أصحاب القبور عند زيارته لوادي الموتي: يقول معرفا بنفسه:

هو الشاعر الملهوف للحق والهدى
وللسر لم يكشفه ضوء لناظر
تحير في سر الحياة وما اهتدى
إليه ولم يقنع بتلك الظواهر
وساءل عنه الموت والموت سادر
وساءل عنه الشعر في حنق ثائر.
وساءل عنه كل شيء فلم يفز
بشيء ولم يرجع بصفقة ظافر
أفي هذه الأجداث طلسم سره
لعل فمن يدري بسر المقابر.

وقد عرف أهل القبور بقصده من زيارتهم قائلا:

أنا الحي لما يدرس أسباب خلقه
أنا المدلج الحيران بين الخواطر.
دلفت إلى وادي المنايا لعلني
أوفز بسر في حناياه غائر

ثم طرح أسئلته عليهم وكله أمل في أن يجد عندهم الجواب الشافي عليها.

أما تعلمون السر في خلق عالم
يموت ويحيي بين حين وآخر
وتكنفه الأحداث من كل جانب
ويركب للغايات شى المخاطر
وليس له من غاية غير أنه
مسوق إلى تحقيق رغبة قاهر
ضنين بما يبغيه ليس يبيحه
لسائله عما وراء الظواهر
وماذا وراء الغيب والغبيب مطبق
وهل يتجلى مرة للنواظر
سؤال أخي شوق وقد طال شوقه
وحيرته بين الشكوك الكوافر

ولأنه لم يسمع سوى صدى أسئلته فرجع خسران خائب الآمال وراح يتمنى لو يأتي الموت ليريحه:

فألفي سرايا ثم لا ينقع الصدى
فواندما عن بحثه المتواتر
فقد كان خيرا أن يعيش على المنى
ويأمل بعد الموت كشف الستائر
ويا ليت هذا الموت يسرع خطوه
فيطوي حيا عمره ربح خاسر.

ويوجه في قصيدته الإنسان الأخير دعوة إلى عزرائيل كي يخلصه من هذا العذاب والضياع فقد يئس من معرفة سر الحياة

هنالك دوت في السماكين صيحة
دعاء لعزرائيل والكون سادر
برمت بهذا الكون همدان موحشا
برمت بملك ربه فيه خاسر
فهيا إذن للموت أروح رحلة
لتكشف أستار ويهدأ ثائر
وفيما يعاني سكرة الموت رقرقت
إلى مسمعيه هاتفات سواحل
هو السر أن تهفوا إلى السر لهفة
وأن تشترو الآتي بما هو حاضر

ويصور نفسه فردا في قافلة الرقيق يسير مذعنا إلى المجهول فإذا ما حاول التوقف لمعرفة السر اقتيد قسرا إلى رحلته يقول في قصيدته (قافلة الرقيق):

قف بنا يا حادي العمر هنا
لحظة ننظر ماذا حولنا
في طريق قد نثرنا عمرنا
فيه أشلاء حياة ومني
قد نثرناها على طول الطريق
ومضينا ضمن قطعان الرقيق
موكب يعطو إلى الشط السحيق
مغمض العينين يمشي موهنا
من ظلام الغيب تخطو قدماه
لظلام الغيب تنساق خطاه
في طريق غامض يدعي الحياة
بهتف الحادي فيمضى مذعنا.

ويبلغ سيد قطب قمة (العدمية) والشعور بتفاهة الحياة وفنائها وزوالها بما فيها من قيم وآمال وشخوص وظلال وتبدو لمسات الثقافة الجاهلية واضحة عليه بل يخيل للقارئ أن صاحب القصيدة ليس سيد قطب الذي عهده بل هو عمر الخيام قائد الضائعين في رحلة الحياة الذي يقول:

ليس ثوب العمر لم استشر
وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف انضو الصوب عني ولم
أدر لماذا جئت أين المقر.

أقول أن سيد قطب يمثل هذا في قصيدته أقدام في الرمال التي يقول فيها:

نحن؟ أم تلك على الأرض ظلال
وخيال سارب أثر خيال
في متاهات وجود لزوال
كبقايا الخطو في وجه الرمال
زمر تدلف في أثر ونر
ويح نفسي أنه ركب البشر
مغمض العينين في كف القدر
كلما أوغل في التيه اندثر
أين رأس الركب أم أيان سارا
ما أرى في أثره حتى غبارا
ما أرى قبرا وما أبصر دارا
ضلة لي ذاك ظل وتوارى
من ظلام الغيب في التيه البعيد
لظلام الغيب في التيه المديد
ومضة كالبرق تجتاز الوجود
ويسميها بنو الأرض الخلود
خدعة راقت لأبناء الفناء
حينما اعيا على الأرض البقاء
المساكين هباء في فضاء
رحمة للذر في مسرى الهواء
ما أرى الأرض تحس الوافدين
أو أرى الأرض تحس الراحلين
كل ما كان وما سوف يكون
نأمة تهجس في جوف السكون
خطوات ذاهبات في الرمال
وخيالات تراءى لخيال
وشخوص تتوارى كظلال
للزوال كل شيء للزوال

وقد خلع سيد قطب على الكون كله حيرته وتعبه وضياعه فصوره لنا يقف شاخصا حيران لا يعرف وجهته وبين كل ما فيه فهو ضائع يقول:

وقف الكون حائرا أين يمضي؟
ولماذا وكيف لو شاء يمضي
عبث ضائع وجهدا غبين
ومصير مقنع ليس برضي

نقلة بعيدة

لو استمر سيد قطب في رحلة الضياع التي وصفناها لقضي عمره في ضياع قلقا حائرا بائسا حزينا يسأل ولا يجد جوابا يبكي ويصرخ ويتعذب ويتألم ويئن ويشكو لايجد قلبه ولا نفسه ولا معنى لحياته.

ولكن الله قدر له أمرا آخر ورسم له طريقا جديدا وأعد له مهمة كبرى وسار سيد في الطريق الذي رسمه الله له بخطى ثابته موفقة وإذا به يتحول كلية من حال إلى حال وإذا بنفسه وحسه ومشاعره وأفكاره وقيمه تولد ولادة جديدة وتتكيف مع الوضع الجديد وإذا به إنسان آخر، واضح الملامح والسمات مقطوع الصلة بالماضي الذي وصفنا ولايكاد المرء يصدق ن سيد قطب الذي عرفه بالأمس هو نفسه سيد قطب الذي يعرفه اليوم بل يكاد يجزم أنهما شخصان مختلفان.

ويزل عن المرء استغرابه وتنتهي حيرته عندما يعرف السر الذي أدركه سيد قطب والذي غير حياته ونظراته إلى الكون والإنسان والحياة هذا السر هو ومضة الإيمان التي أضاءت جوانح قلبه فبددت ظلامه وراح يمشي مبصرا في عالم النور سويا على صراط مستقيم.

أومضت له هذه الومضة النورانية عندما أقبل على القرآن الكريم وكان أول إقباله عليه أنه أراد أن يطالعه ويدرسه ويتمعن فيه لدواع أدبية صرفة فقد أراد أن يتحس مواضع الجمال الفني فيه ووفق في اكتشافه الجديد الذي سجله في كتابه التصوير الفني في القرآن.

لم يكن قد تكيف مع القرآن حتى الأن ولا عاش حياته الحقيقة في ظلاله لأنه لم يتخلص بسهولة من الرواسب التي تركتها الثقافة الغربية في نفسه وإنما راح في معانهة وجهد عجيبين يتخلص منها ويتكيف مع حياته الجديدة.

وعندما سافر إلى أمريكا ورأى الجاهلية هناك على حقيقتها تعمقت معاني الإيمان في قلبه وشعشع النورفي شغاف قلبه وعلى ضوئه أخذ يدرك سر الحياة وغايتها.

يقول في مقاله موسيقى الوجود أنه أحس بهذه الموسيقي مرتين:

مرة وأنا في عرض المحيط والباخرة تمر مر الريح على وجه الخضم.

والنسيم رخاء والليل ساكن والقمر مفضفض اللألاء والثانية وأنا على قمة جبل تشر على حديقة من الصخور يسمونها هنا حدائق الألهة وقد انكشف المرتقى والمنحدر كلاهما واعتنقا عند تلك القمة الشاهقة ف الفضاء ليست أدري كيف أحسست ولست أدي كيف أوقل إلا أن تعبيرا واحدا انساب على لساني في تلك اللحظة التي أومضت في روحي كما تومض الشعلة فتكشف الطريق إلى بعيد ثم تغيب تغبير واحد أحسست فهي كل ما فاض على خاطري في تلك اللحظة من قدسية وشفافية وتسبيح موسيقي الوجود.

وقد أثرت فيه هذه الومضة النورانية التي أسماها موسيقي الوجود مباشرة وتمكنت من حسه ونفسه ووجدانه واكتشف سر الحياة على ضوئها وأعلنها واضحة كلا إنها ليست لقى هذه الحياة ولا وليدة المصادفة العمياء كلا إن هناك نغما واحدا ساربا في هذا الكون كله ولكن الآذان لا تسمعه في كل آن وإن هناك نسقا واحدا يضم الأشتات ولكن العيون لا تبصره في كل اللحظات ثم يتساءل بعدما أحس هل خدعتني الأوهام وكذبتني الأحلام؟ كلا فإني لأكذب ما تلمسه يدي وما تراه عيني وما تسمعه إذني ولا أكذب مس هذه اللحظة الخاطفة لروحي وإشراقها في ضميري.

تفاعل كيانه مع هذه الومضة وفتح مغاليقه لهذا النور وتذوقت روحه حلاوة الإيمان وهنا أحس أنه قد ولد من جديد أحس لذة الراحة وبرد اليقين ووجد نفسه وذاته وعرف سر وجوده لقد رزق الإيمان أكبر منه في الوجود، وضم جوانحه عليه وصار عليه حريصا وبه ضنينا لقد عرف قيمة ما معه وصار أغلى عنده من الحياة نفسها لأن قلبه من قبل قد اجتاحه القلق والظلام وعمرته الوساوس والشكوك واستبد به الأسى والشقاء وتخبط طويلا في ظلماء لا يعرف أين يضع قدميه هذا الرصيد من الهدى والنور والثقة والطمأنينة والرضا والسعادة والمعرفة واليقين.

استقرت حقيقة الإيمان في قلبه وسيطرت على وجدانه وحسه وفكره ووجهت مشاعره وأفكاره وأعماله وسلوكه نحو الغاية المحدودة أثر الإيمان في نظرته إلى الوجود فوسع من تصوره له وقوى من يقينه فانطلق يصحح على أساسه تصوره للقيم والأشياء والأشخاص والأحداث واطمأن بذلك على رحلته على هذه الأرض وأنس بكل ما في الوجود من حوله وشعر بقيمته وكرامته وأحس بأن له مهمة مرسومة وهدفا محددا وطريقا واضحة وأن عليه أن يتحمل ذلك كله بأمانة وإخلاص ليرضى الله عز وجل ويحقق الخير للناس.

وجد بهذا الإيمان الجواب الفاصل اليقيني على أسئلته التي طالما وجهها إلى الأحياء والأموات والكون عرف من أين جاء ولماذا جاء وبهذا الجواب اختفت عنه مشاعر القلق والشك والحيرة الناشئة عن عدم معرفته المنشأ والمصير وعدم رؤية المطوي من الطريق وعدم الثقة بالحكمة التي تكممن وراء مجيئة وذهابه ووراء رحلته في الحياة.

لقد كسب بإيمانه كسبا ضخما في عالم الشعور وعالم التفكير وعالم الجسد والأعصاب.

أقبل على القرآن يتذوقه ويعيش معانيه وأقبل على الثقافة الإسلامية ينهل منها ويعب ولا يرتوي حتى بلغ مجموعة ساعات مطالعاته في اليوم عشر ساعات كحد أدني للبحث والإطلاع.

صاغ على هدى هذا القرآن قيمه ومبادئه وموازينه وفكره ونفسه ووجدانه ومشاعره وإحاسيسه وصار يسعى إلى تطبيق ما يؤمن به ويكيف حياته وسلوكه وواقعه وفقه لم يعد على هدى حالته الجديدة يؤمن بالتفريق بين المبدأ وصاحبه لأن المبدأ أو الفكرة بدون عقيدة حارة تدفع قلب الشخص إلى الأمام ليس سوى كلمات خاوية أو معان ميتة أو صياغة لفظية خالية من الروح والحياة وأن التفريق بين الفكرة والشخص كالتفريق بين الروح والجسد أو المعنى واللفظ وأن تمت فإنما تعني التحلل والفناء.

وقد حدثنا عن تجربته في معايشة وقد حدثنا عن تجربته في معايشة ما يؤمن به وكنت أجدني أقرب إلى حقيقتي وأنا أكتبه إلى حد أن أعيش هذه الأفكار والخواطر وأترجمها شعورا وسلوكا لحظة بعد لحظة ويوما بعد يوم وكنت أجد من الصفاء الروحي والرضا النفسي بسبب عيشتي لهذه الأفكار ما يملأ حياتي غبطة أن لا أجد ما يخجلني أمام نفسي من عزلة بين ما أقول للناس وما أزاوله في الحياة.

وبدأ يتخلص من أثر الثقافة الغربية عليه ويزيل رواسبها شيئا فشيئا فصار وهو في أمريكا يهاجم الحضارة الغربية في عقر دارها ويكشف عوراتها ومساوئها ويعلن بعزة وشجاعة تمسكه بالإسلام ويدعو إليه على بصيرة.

وعندما عاد إلى مصر أدرك على هدى إيمانه الجديد أنه لابد أن يجند نفسه وقته وطاقاته ومواهبه لخدمة هذا الدين والدعوة إليه وتحكيمه في واقع الحياة فرأيناه حنديا عاملا في الدعوة الإسلامية حيث سخر كل ما يملك في سبيل الله من خلال عمله مع جماعة الإخوان المسلمين.

تغيرت نغمة كتاباته بعدما تعمق الإيمان في قلبه فانصرف عن نظم الشعر وعن الاهتمامات الأدبية الأخرى من مقالة أو نقد أو بحث واتجه إلى الإسلام في مقالاته وبحوثه يجلي محاسنه ويبين مبادئه ويعالج أمراض المجتمع على هديه ويجاهد الجاهلية به ويستخرج معالم الطريق منه.

وبمقدار ما أغاظ أعداء الإسلام في داخل البلاد وخارجها باتجاهه الجديد وبروحه الفتية التي توفرت لديه، بمقدار ما استحوذ على قلوب الشباب المؤمن في الداخل والخارج ووجدوا في مقالاته وبحوثه محاضراته ونشاطاته زادا ومعرفة وثقافة وجعلوه قدوة لهم ورائدا يكشف أمامهم الطريق.

تحولت كلماته إلى معالم مضيئة تنير الطريق للمجاهديهن وفي نفس الوقت تحولت إلى كوابيس مرعبة تقضي مضاجع الظالمين وانذارات موجة إلى أعداء الدين.

وقد كانت كلماته وأفكاره الوقود الذي أشعل الثورة المصرية، وقد عجب هو نفسه من قوة الكلمة وكشف عن سر هذه القوة قائلا: إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء الكلمات أنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس في هذ يمكن سر الكلمة وفي شئ آخر: في استمداد الكلمات من ضمائر الشعوب ومن مشاعر الإنسان ومن صرخات البشرية ومن دماء المكافحين الأحرار أنه ليس كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها تجمعها وتدفعها إنها الكلمات التي تقطر دماء لأنها تقتات قلب إنسان حي كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب الإنسان أما الكلمات التي ولدت في الأفواه وقذفت بها الألسنة ولم تتصل بذلك النبع الإلهي الحي فقد ولدت ميته ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام أن أحدا لن يتبناها لأنها ولدت ميتة والناس لا يتبنون الأموات أن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا ولكن بشرط واحد أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق إن أفاكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناه بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء.

فإلى الذين يجلسون إلى مكاتبهم ويكدون قرائحهم لينتقوا اللفظ الأنيف وينمقوا العبارة الرنانة ويلفقوا الأخيلة البراقة إلى هؤلاء أتوجه بالنصيحة وفروا عليكم كل هذا العناء فإن ومضة الروح وإشراق القلب بالنار المقدسة نار الإيمان بالفكرة هو وحده سبب الحياة حياة الكلمات وحياة العبارات.

بهذه الكلمات القوية أبان لنا عن سبب تأثير كلماته وأرانا روحها وعلى هذا الهدى سار في بقية حياته فعاش عزيزا شجاعا عاملا ولما ضيق عليه في دنياه واكتوى بنار المحنة والابتلاء مع إخوانه، سخر بالجلادين والطغاة، واستعلى عليهم بإيمان وأرهم من نفسه العزة والكرامة وعاش سنوات المحنة في الزنازين والسجون في جو آخر وحلق في آفاق شفافة عالية عاش مع القرآن وتفيأ ظلاله وتذوق ألفاطه ومعانيه وقيمه وأخرج للعالم نظراته ودراساته فيه وبين لنا طرفا من حياته معه وكشف لنا عن سر روحه ونفسه الراضية الآمنة.

وأخيرا بذل روحه في سبيل دينه وقدم نفسه فداء لما يؤمن به ولقي ربه شهيدا صادقا وفيا قال قبل أن يلقى الشهادة إن كلماتنا تبقى عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة.

وما أن خرجت روحه من جسده حتى دبت الحياة في كلماته فتلقفها الشباب الظامئ إلى الإسلام وراح يغترف من منهلها ويحي نفسه وفكره وروحه بمعانيها.

أن سيد قطب يمثل نموذجا خاصا يذكرنا بالصحابة الكرام عند استقبالهم لهذا القرآن فما أن يومض الإيمان في قلب أحدهم حتى يتحول إلى رجل جديد بملامح جديدة ويكيف سلوكه وواقعه وفق تعاليم الإسلام ويخلع على عتبة الإسلام كل ماضيه وهكذا كان سيد قطب لمسنا فيه آثار هذا الإيمان وسار معه نقلة بعيدة وهذا يبين لنا فضل الغسلام عليه فلولاه لبقي ضائعا تائها قلقا وبه صار رائدا أجيال وقائد دعوة ومدرسة جهاد ويمنوه عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن أهداكم للإيمان أن كنتم صادقين.

صار سيد قطب بالإسلام رائدا والرواد في تاريخ الإنسانية قليلون وقد بين لنا طبيعية هؤلاء الرواد بقوله: أن الرواد دائما كانوا وسيكونون هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدسة التي تنصهر في حرارتها كل ذرات المعارف وتنكشف في ضوئها طريق الرحلة مزودة بكل هذه الجزيئات قوية بهذا الزاد وهي تغذ السير نحو الهدف البعيد هؤلاء هم الرواد الذين يدركون ببصرتهم تلك الوحدة الشاملة المتعددة المظاهر في العلم والفن والعقيدة والعمل..

إنهم قليلون قليلون في تاريخ البشرية: بل نادرون ولكن فيهم الكفاية فالقوة المشرفة على هذ الكون التي تضوغهم وتبعث بهم في الوقت المقدر المطلوب.

الفصل الثاني: ملامح شخصيته وخصائص أسلوبه

أهم ملامح شخصيته.

إن المتتبع لسير سيد قطب في مراحل حياته المختلفة منذ طفولته إلى استشهاده والدارس لنتاجه وآثاره والمطلع على مواقفه وأعماله والمتذوق الأدبه وبيانه يستطيع أن يرسم في مخيلته صورة واضحة القسمات تبدو فيها ملامح شخصيته وتظهر فيها العوامل المؤثرة في نفسيته كما تطل منها على السطح سجاياه ومزاياه وأخلاقه.

وقبل أن أوجز أهم ملامح شخصيته أرى من المناسب أن أدعه يتحدث عن شخصيته ويحلل نفسيته ويرينا أياها واضحة فأدري الناس بالنفس ويخاياها هو صاحبها يقول سيد متحدثا عن نفسه:

نفسي خيرة محبة، يغمر الحنان جوانبها تريد لو استطاعت أن تبسم لكل شيء وإن يبسم لها كل شيء وهي تعشق الرضا والهدوء وتتلمسهما في كل ناحية وفي كل مظهر من مظاهر الحياة وتود لو كانت الحياة منبسطة هادئة لا عوج فيها ولا نتوء ولكنها مع ذلك تحتفظ بخيرها وحنانها في أشد ساعات الغضب والانفعال والسخرية وهي تود ألا تغضب ولا تنفعل في يوم من الايام حتى إذا انتهى ذلك الموقف عاد إليها حنانها وعادت تبحث عن مظاهرالود والمحبة بحث اللاهت المستزيد وكل ذلك في غرارة بريئة مندفعة في رضاها وسخطها على السواء وفي طفولة كبيرة لا تخرج منها إلا وهي تحن إليها وتسخط على الحوادث والتجارب التي فجعتها فيها.

ويعلل سبب ثورته وشكواه وغضبه وسخطه بأنه ناتج عن التفاعل بين الحياة بقسوتها وسكونها وبين هذه النفوس التي تفجع في هدوئها وتنكب في آملها.

ويبين آفاق حبه يقوله: وهذا الحب الذي يخفق به قلب شاعرنا ليس مقصورا على حب المرأة ولا حب الأصدقاء وما أردت ذلك فقط حين قلت إن نفسه محبة وإنما قصدت إلى معنى أشمل هو معنى الحب العام الذي يعمر النفوس فلا يدع فيها مكانا للبغضاء أو الحقد والذي يجعلها نزاعة أبدا إلى الاجتماع والعطف، وتلقى كل مظهر من مظاهر الحياة بنوع من القبول والرفق فهو يودلو سشمل الكون جمعية بالحنان وأن يشمله كل شيء في الكون بالحنان كذلك وأن يكون بينهما تعاطف وتراحم وتواد..

ويكمل تحليل نفسيته ببيتين من الشعر يقول فيهما:

هو قلب ما درى كيف الشرور
لا ولا كيف يرائي أو يخون
يحفظ الود وحاشا أن يجور
ولكم يبكي لمرأى البائسين

ونستطيع أن نضيف إلى تحليله الذي ذكر فيه بعض ملامح شخصيته وسمات نفسيته بعض الملامح الأخرى:

الصدق:

غرست هذه السمة فيه منذ صغره وبقيت ملازمة له طيلة حياته فقد كان في طفولته صادقا في كلامه وفي معاملاته وفي علاقته مع الأخرين وعندما شب سيد قطب وصار يمارس الكتابة ونظم الشعر انصبغت آثاره كلها بهذه الصبغة الصدق المطلق الصدق في بواعث القول والصدق في الإحساس الشعوري فما كان ينظم قصيدة إلا بعد إن يعيشها في شعور وتتوهج نفسه في الأحساس بمعانيها ثم تأتي الكلمات والأبيات الشعرية تنقل هذه التجربة التي مر بها بصدق ولذلك ما رأينا سيد قطب مثل بعض الشعراء يقف في المجامع والاحتفالات ينشد قصائده يتزلف بها في مدح ملك او عظم وما رأيناه كغيره من الشعراء يقول الشعراء في معان لم تتفاعل بها نفسه وقد عاب في مقالاته النقدية كثيرا من شعراء المناسبات الذين يكون القوافي عندهم جاهزة للقول في أي غرض شعري.

انصبغت مقالاته بهذه الصبغة فكان صادقا في قوله ما يريد يقوله صريحا فيه غير عابئ بما يصيبه منه، المهم عنده أنه كان صادقا مع نفسه في التعبير عما تحس به ولذلك ضاق الأدباء ذرعا بمقالاته النقدية التي وجهها لأدبهم وشعرهم وحاولوا بشتى الوسائل أن يحملوه أن يغير أحكامه ولكنه كان يصر عليها.

كذلك ضاق النظام الحاكم في مصر وعلى رأسه الملك بمقالته الصادقة التي بين فيها أمراض المجتمع وأظهر فيها صورا عديدة من الظلم الاجتماعي يتجلى فيها الترف الاجر في مقابل البؤس والحرمان.

ولقد اتصفت بحوثه المختلفة بالصدق وما سجل أفكاره وآراءه إلا بعد أن عاشها في قلبه واققعه وما أعلنها للناس إلى بعد أن أقتاتت قلبه وتغذت بدمه، ولذلك أقبل عليها الدعاة العاملون لأنها حية حملت روحا من روحه واصطبغت بلهجته الصادقة.

ونتيجة لهذه الصفة صار تعامل رجال السياسة معه مستحيلا لأن حياتهم مبنية على الكذب والخداع فلم يتمكن من الاستمرار في حزب الوفد ولا حزب السعديين ولم يكن مرضيا عنه عند رؤساء في وزارة المعارف، ولا عند أصحاب الصحف لأنهم لا يطيقون إلا من يتزلف إليهم وعندما قامت الثورة لم يستطع أن يسير معهم في وظيفته الجديدة إلا عدة شهور ولما استحال عليه بصفته هذه الاستمرار في حياته الوظيفية اعتزال الوظائف كلهأن وانصرف إلى الشباب المؤمن المجاهد يربيه في صدق.

كان صادقا في اتجاهه إلى الله ففتح الله له المغاليق وأنار له معالم الطريق وأعانه على الصبر والثبات في المحنة ووفقه في بحوثه الإسلامية الحركية الجادة.

وكان صادقا في طلبه الشهادة فرزقه الله إياها وجاءته تسعى إليه فس سحنه وكتب الله له السعادة والحياة الأبدية على أيدي قوم بؤساء كتبت عليهم التعاسة والشقاء بإزهاقهم روحه الصادقة.

الجدية:

وكما اصطبغت شخصيته بالصدق تميزت كذلك بالجدية فهو جاد منذ صغره لا مجال في حياته للهو أو لعب أو ترخص وبينما كان لداته الصغار من الأطفال ينصرفون إلى العبث واللعب كان هو منصرفا إلى الجد والمثابرة في مدارسة كتبه أو مداومة النظر في آيات القرآن يحفظها أو مطالعة الكتب التي اشتراها أو مشاركة الكبا أحاديثهم الجادة أو السير في الحقول يتأمل خلق الله.

وعندما شب وكبر وانصرف زملاؤه إلى العبث واللهو انصرف هو إلى الجد المتمثل في اهتماماته الأدبية من مطالعة الكتب أو كتابة البحوث والمقالات أو نظم الشعر فلم يجد متسعا من وقته للهو أو الترخص.

وكانت الجدية في البحوث التي اتجه إليهأن حيث لم تكن اهتماماته الأدبية منصرفة إلى كتابة المقالة الساقطة أو القصة المكشوة أو القصدية العابثة وإنما إلى البحوث الأدبية الجادة ودراسة الشخصيات الأدبية وتحليل نتاجها ورسم ملامحها.

كان حريصا على وقته أن يضيع يقول في إحدى محاضراته مخاطبا جمهورا من المثقفين وأنا ممن يؤمنون إيمانا جازما بأن أعمارنا القصيرة وساعاتنا المحدودة في هذه الحياة العاملة أقصر وأثمن من أن تضيع في التكرار وكل مطلع شمس لا يغذيني بجديد ويعوضني عن اليوم الفائت من عمري عمقا وسعة في فهم الحياة هو خسارة لا تعوض.

وكانت الجدية في حياته الإسلامية الزاهرة فلم تفارقه حتى وهو في أمريكا البلد التي تغوى الكثيرين بمباهجها ومفاسدها بل انصرف فيها إلى الحياة الجادة المستقيمة.

وتتمثل الجديى في مسيرته مع جماعة الإخوان المسلمين قبل دخول السجن وأثناء سجنه حيث صار بجيدته في مواقفه التي وقفها منا جهاد للعاملين.

وتظهر الجدية في الموضوعات التي عالجها والبحوث القيمة التي قدمها حيث كان يكتب في مشكلات الساعة وقضاياها الملحة التي يعيشها الناس ويعانون من شرورها وآثامها ووضع الحلول الصالحة التي يعتقد صوابها وجدواها.

كما تظهر الجدية أيضا في الاهتمام بالكليات والأصول والابتعاد عن الجزئيات والفروع التي تستهلك أوقات المسلمين وأعمارهم في معارك كلامية جانبية وجدل فارغ عقيم حيث راح ف بحوثه وموسوعته الظلا على العقيدة وترسيخها في القلب ويعرضها عرضا أخذا بليغا ويؤثر في الوجدان متأثرا بأسلوب القرآن في العرض ومبتعدا عن طريق المتكلمين والفلاسفة العقلية الجافة.

الحركية:

لم يكتف سيد قطب النظر في نصوص القرآن بقصد المتعة العقلية والزاد الثقافي وإنما نظر فيها بقصد العمل والحركة ولذلك ما أن تعرف على هذا الزاد، وأضاء نور الإيمان جوانح نفسه حتى سار بالانضمام إلى الحركة الإسلامية جنيدا مع العاملين وسخر كل إمكانياته الثقافية والعملية للإسلام وعاش أقسى تجربة عملية حية ولاقى الكثير واحتمل أقصى ما يحتمله بشر من صنوف الأذى والعذاب وقابل هذا بنفس راضية وصبر عجيب وفي سجنه ومن خلال مواجهته للجاهلية التي كادت له راح ينظر في نصوص القرآن ويتذوقها على هدى تجربته الجديدة ولابس الأحداث التي عاصرت نزولها أول مرة ةنسم جوها الواقعي انتقل بتجربته الجديدة إلى جو مكة والدعوة مستضعفة والمسلمون مسجونون فس الشعب، وسمعت أذنه أصوات السياط تهوي على أجساد القلة المؤمنة في جنبات مكة ولذعت جسدة بألمها وجراحها ورأت عينها الدماء تسيل من أجساد المجاهدين في مكة وسار مع الحركة الإسلامية خطواتها الأولى خطوة خطوة وراح ينظر في نصوص القرآن على ضوء مسيرته الجديدة فوجد له مذاقا جديدا وفتح الله عليه فهما جديدا وأنار له معالم الطريق اللاحب الطويل، فسار فيها بثبات وعزم ويقين.

وآتاه الله المفتاح الحركي الذي فتح به كنوز القرآن الحركية هذا المتفاح هو قوله: إن المسألة في إدراك مدلولات القرآن وإيحاءاته ليست هي فهم ألفاظه وعباراته ليست هي تفسير القرآن كما اعتدنا أن نقول المسألة ليست هذه إنا هي استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه في خضم المعترك معترك الجهاد جهاد النفس وجهاد الناس...إلخ

وقد جعل هذا أساس تفسيره في ظلال القرآن ودعا الذين يريدون فهم القرآن إلى الحركة به كما تحرك هو ومواجهة الجاهلية بنصوصه كما واجه هو والعيش في ظلاله كما عاش هو وتتبع مسيرة الجماعة المسلمة الأولى كما تتبع هو والصبر على مشاق الطريق كما صبر هو تحمل كل ما يلاقيه أنثاء المسير كما تحمل هو وأعلن أنه بدون هذه اطريق فإن القرآن لنيفتح كنوزه لاي باحث مهما أوتى من العلم والمعرفة والثقافة وبين أن هذا هو الميدان الذي يجب أن يدخله العاملون ودعا العلماء والباحثين والمؤلفين إلى دخوله وكشف النقاب عن أن العمل في الجانب الفكري النظري الإسلامي وحده هو ضياع العمر والجهد فما لا طائل تحته ولإن من يسلكه فإنه يتهرب من دفع ضريبة العزة وإنما يؤثره قاصدا الراحة طالبا العاقبة المأمونه ونصح للذين يسلكون هذا الجانب وحده وهم يظنون أنهم يخدمون الإسلام بأن يشغلوا بعمل آخر يتكسبون منه كالزراعة والصناعة.

العصامية:

وأعني بها دأبه ومثابرته لتحصيل العلم والثقافة والتزود كل يوم بجديد وتثقيفه نفسه بنفسه، وإقباله على الثقافة ينهل منها وخوضه غمار البحث والدراسة وحيدا دون معونة أحد.

فقد وهبه الله نبوغا وذكاء وعبقربة وفطره على محبة البحث والتحليل والمطالعة ولو اكتفى بنبوغه وذكائه لما قدم لنا هذا النتاج الكبير لأن النبوغ وحده لا يكفي ولا العبقرية كذلك ولا بد من أن يتبعهما الدأب والثبات والمثابرة وكثيرا ما تضع المواهب النفية لأنها لم يواكبها الدأب والمثابرة.

أقبل سيد قطب على الكتب القديمة والحديثة العربية والمعربة وعلى المجلات في مختلف التخصصات، وكون منها رصيدا ثقافيا كبيرا استطاع به أن يكون أديبا وشاعرا وقاصا وصحفيا وناقدا ومصورا وباحثأن وما كان يترك كتابا مهما كان إلا ويطلع عليه ولا يضيع لحظة من وقته في ليل أونها بل عندما كان جسمه الناحل يعلن تمرده ويصاب بالإعياء والتعب والمرض وينصحه الأطباء بالأخلاد إلى الراحة كان يجلس على سرير المرض متأملا متفكرا أو يتناول أوراقه ليسطر عليها قصيدة أو مقالة.

يقول سيد قطب مشيرا إلى عصاميته: وأنا اليوم أحمد الله على أنني خططت طريقي بنفسي مستقلا وبجهدي خالصا لم يأخذ بيدي عظيم ولم يقدمني إلى الناس استاذ.

بهذه المهمة القوية والعصامية النادرة شق سيد قطب طريقه في عالم الأدب والنقد ففي الثلاثينيات كان من الشعراء الشبان الذين يشار إليهم بالبنان ونظم قصائد ترقى إلى عيون الشعر العالمي وفي الأربعينيات كان في طليعة النقاد المصرين المرموقين بل كان ناقد مصر الأول وهو لم يتخصص في دراسته بالنقد ولم يتعمق في مناهجه بل استصحب معه حاسة نقدية عميقة وفطرة سليمة وفي أوائل الخمسينيات كان في طليعة أدباء العربية.

وعندما اتجه وجهته الإسلامية شق طرقه في عالم الفكر بنفسه وأقبل على أمهات الكتب الإسلامية في مختلف التخصيصات وصار ينشر بحوثه الإسلامية التي أثرت في الناس وهزت عروش الظالمين.

وعندما ضاقوا به ذرعا زجوا به في السجن وصبوا عليه صنوف العذاب والاضطهاد وما أن خف عنه، حتى عاد سيرته الأولى في عالم البحث والدراسة والتأليف فوجد في سجنه خلوة خلا فيها إلى نفسه وفكره وأقبل على القرآن الكريم وأصدر موسوعته الإسلامية في ظلال القرآن وغيرها من البحوث الإسلامية الحركية الجادة التي أثرت في مسيرة الحركة الإسلامية.

إن الإنسان ليعجب من إنسان ينتج كل هذا النتاج في السجن ولكن المطلع على حياة سيد قطب والتعرف على شخصيته والمدرك لعصاميته يزول عنه هذا الجانب فهو طراز وحدة بين الأدباء والنقاد والباحثين والعلماء والرواد والمفكرين.

العزة:

وقد جبلت نفسه عليها سجية ونماها والده فيها فكان منذ صغره يأنف مواقف الذل والجبن وينفر من المواقف التي تسيء له أو تسبب له الضعف أو الغضاضة كان معتدا بنفسه واثقا من شخصيته.

وقد سيرت هذه الصفة حياته العملية وفي الوظيفة والصحف والمجلات التي يعمل فهيا فما عرفنا عنه أنه وقف موقف ذل أو ضعف أو جبن أو استخداء بل كان عزيزا أبيا وهكذا ما عقد علاقته برؤسائه الذين لم يتعودوا من المرؤوسين إلا السكوت أو الجبن والاستخداء يقول سيد قطب أنا لا أؤمن بهذا الحياء الذي يقعد بأصحاب الكفايات عن بلوغ حقهم وترك الكلاب تلغ في الاستثناءات وغير الاستثناءات بل أنا أشك في كفاية هذه الكفايات التي ترى حقوقها تؤخذ وتعطى للكلاب من الوصوليين ثم تتقبل ذلك وتستنيم.

وعندما تعرف على النور الإلهي وسار في طريقه الإسلامي الواضح نمى الإيمان هذه الصفة وطبعها بطابعه وأعطاها بعدا إسلاميا وأغاظت هذه الصفة أعداءه الذين عذبوه وساوموه ولكن الإيمان استعلى في قلبه والعزة والإباء تمكنت من نفسه فصمد وصبر وثبت ووفى بالعهد وعندما طلبوا منه أن يعتذر واجههم بعزيمة الإيمان وعزة المسلم وقال عبارته التي تقطر حروفها عزة وإباء لماذا استرحم أنا أن سجنت بحق فأنا أقبل حكم الحق وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن استرحم الباطل.

هذا بالإضافة إلى صفات أخرى لم تفارقه وملامح بارزة ميزت شخصيته منها الشاعة النادرة التي نماها الإسلام والتي تجلت في مواقفه بعد انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين ودخوله السجن ومواقفه أما المحققين وأمام القضاة والمحلفين.

ومنها الكرم والسخاء الذي اشتهر به حيث كان ينفق ما يأتيه ولم يدخر شيئا من المال الوفير الذي يأتيه من ريع كتبه المطبوعة مرات ومرات.

وقد روى لي الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار حادثة غريبة رآها بنفسه تدل دلالة واضحة على كرمه فقد كان العطار يزوره في منزله في حلوان كثيرا وكان أثاث غرفة الاستقبال متواضعا لأن حالة سيد قطب المادية لم تكن تسمح له بتحسينه وزاره ذات يومفوجد عنده أثاثا جديدا جميلا فسر بهذا التغيير ثم زاره مرة أخرى فوجد أثاثا قديما فاستغرب وبعد إلحاح منه على سيد قطب ليعرف حقيقة الأمر أجابه بأنه باع الأثاث الجديد وقدم ثمنه مساعدة لأحد إخوانه ليتمم مصروفات زواجه وقال له: إن ما معك من المال لا يكفي لفنقات الزواج فإذا انفقته عشت فقيرا معدما فاستعن بمالك على حياتك العائلية القادمة وأنا أتبرع بكل نفقات الزواج.

وكان الذي تبرع به هو ثمن أثاثه الجديد.

هذه هي القمة في الكرم وهذا هو الإيثار كخلق إسلامي يقدمه سيد قطب في صورة عملية

وكان لأقاربه وللفقراء والمحتاجين من الناس عموما ومن الإخوان المسلمين على وجه الخصوص ولأسر المعتقلين من الإخوان كان لهم نصيب من ماله وقد شمل كرمه المجرمين في السجن كما شمل السجانين وتعداهم إلى الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب.

ومنها النزاهة: فقد عاش سيد قطب حياته كلها نزيها شريفا نظيفا لم تمتد يده إلى مال بغير حق ولا إلى عظيم أو كبير يتزلفه مادحا ليهب له بعض عطاياه ولا إلى جهة ما عارضا علهيا خدماته مقابل حفنة من المال يبيع بها نفيه كل فعل ويفعل كثير من قادة الرأي والفكر والأدب والثقافة لقد عاش سيد قطب حياته فقيرا حتى أنه رغم المال الوفير الذي يأتيه من كبته المطبوعة مرارا لم يستطع أن يدخر من المال شيئا لكثرة أعبائه المالية ولكرمه وجوده وكان من الممكن أن تكون هذه نقطة ضعف يستغلها من يودون استغلاله وتسخير مواهبه لخدمتهم ولكن نفسية سيد قطب الحساسة المرهفة وشخصيته النزيهة المستقيمة تأبى عليه أن يحمل مواهبه إلى سوق المزايدات التي تباع فيها الأفكار والقيم والمبادئ والمثل.

وقد حدثني أحد الأساتذة الفضلاء وقد كان له بسيد قطب صلة وثيقة عن حادثة تدل على نزاهة سيد قطب وهي أقرب إلى الخيال قال اتصل بي سيد قطب تلفونيا ذات يوم وطلب منى أن آتي إلى منزله سريعا ورجاني باستحياء أن أحضر معي بضعة عشر جنيها لأنه مريض ولا يملك ثمن الدواء قال فذهبت إلى منزله مسرعا ورايت هناك مشهدا عجيبا وأقسم لقد هشت مما رايت كان مع سيد قطب في الغرفة سفير دولة عربية بترولية وأمامح حقيقة مليئة بالأوراق المالية من مختلف الفئات تبلغ عدة آلاف وهو يرجو سيد قطب بحرارة أن يأخذها فهي هدية من دولته له لأنها تعرف منزلته ومسؤولياته وتريده أن يستعين بها على أعباء حياته ويمول بها مشروعاته الأدبية والفكرية ويتابع هذا الأستاذ الفاضل حديثه قائلا ونظرت إلى سيد قطب فإذا به حزين مكتئب ثم رد هدية السفير بحزم وبدا الغضب عليه وهو يخاطبه لا أبيع نفسي وفكري وعقيدتي بأمواال الدنيا كلها فأعد أموالك إلى حقيبتك ثم التفت سيد قطب لى وقال هل أحضرت المبلغ خرج محتارا متعجبا مما رأى وقال إن كثيرا من قادة الرأي والفكر والأدب يأخذون يأخذون من دولتي هدايا مالية باسمترار ولكن سيد قطب طراز وحده وهذه الحادثة أثبتها بدون تعليق وأسواقها لمن يتناولون حياة سيد قطب وفكره وآراءه الحركية ومواقفه الجهادية بالتخطئة وهم يعيشون في ترف ظاهر ويلهثون وراء المال ويرتبطون الارتباطات المشبوة وأقوال لهم: قليلا يا هؤلاء فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه وأين أنتم من هذا الإمام الشهيد.

ومنها ما وصفه به الدكتور طه حسين عندما قدمه إلى الحضور ليلقي محاضرته في نادري الضباط بالزمالك القاهرة في أغسطس (آب) عام 1952 حيث قال إن في سيد قطب خصلتين هما: المثالية المنثالية والعناد.

ويعني بالمثالية المثالية أن سيد قطب كان مثاليا فكل سيرته وحياه ومواقفه مثالية فهو فيها قدوة مثلي ومثلي عملي للمقتدين والعاملين والسائرين كما أنه مثالي في المثالية وهذه قمة جديدة أسمى من كونه مثاليا فهو ليس قدوة ومثل فقط، بل هو مثال رفيع في قدوته ومثاليته.

أما العناد فيعني به أن سيد قطب كان يصر على ما يراه أنه الحق إذا عرف حقا اعتقده وآمن به وثبت عليه فكان عنيدا في الحق عنيدا في مواقفه عنيدا في كفاحه وجهاده، عنيدا في مواجهته مع الجاهلية من حوله فلم يثن عزيمته وعناده أمر من الأمور التي تحطم الرجال الأشداء الأقوياء حطما وهذه الصفة جرت عليه أذى كثيرا من قبل الطغاة لأنهم حاولوا بشتى الوسائل تحكيم عناده في الحق ولكنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

ومنها تواضعه الجم، فرغم منزلته البارزة في عالم الفكر والبحث والتأليف وفي عالم العمل والحركة والجهاد وفي عالم العذاب والأذى من أدعياء التقوى والتواضع بل كان من العباد الأتقياء الأخفياء لأنه قدم ما قدم وهو يرجو الثواب من الله.

ومنه حبه ووفاؤه وإخلاصه وتجرده ويقظته وجرأته وإقدامه وسمو روحه ورضا نفسه ووضوح الرؤية لديه، والعمق في فكرته والشمول في معالجاته والثورية في فكره وشخصه وغير ذلك من السمات الواضحة في شخصيته والتي سيرت خطاه في حياته وحددت له مواقفه.

خصائص أسلوبه

إذا كان أسلوب الكتاب انعكاسا لشخصيته فإن هذا يصدق صدقا كاملا على سيد قطب وأسلوبه حيث نجد أبرز ملامح شخصيته التي أشرنا إليها تظهر على أسلوبه واضحة وتصبغه بصبغتها.

من المعروف أن سيد قطب كان تلميذا من تلاميذ المدرسة العقادية في الأدب وهي المدرسة التي حملت لواء التجديد وبخاصة التجديد في المعاني والأساليب.

وقد عني هو بالتجديد في الأسلوب حيث خرج على الأساليب القديمة التي كانت تعتمد على الزخارف اللفظية وتبالغ فيها على حساب المعاني والأفكار وقد دعا كناقد أدبي ذواقة إلى اعتماد الأسلوب الجميل في الصياغة وإلى المعاني الصادقة القيمة التي يحويها.

إن أهم مميزات أسلوبه هي:

1- التصوير:

وقد استفاد هذه السمة، من طبيعة الفنية الشاعرة وذوقه العميق وخياله المتناسق ونفسه المصورة الحالمة كما استفادها عندما أقبل على القرآن الكريم وهو صغير فكان له أكبر الأثر في تنمية مواهبه المصورة وعندما سطع نجمه في أفق الأدب وأقبل على القرآن يتذوقه من جديد، وخرج بنظريته التي اكتشفها فيه وهي (التصوير الفني) راح في أسلوبه ينسج على منواله، ويترسم طريقته في التعبير والعرض.

2- الوضوح:

وهي سمة ناتجة عن وضوح الفكرة في الذهن أولا الناتج عن المعاناة والمعايشة والتفكير فيها فيأتي تعبيره واضحا كوضوح الفكرة نفسها لأنه صادق في الدلالة على ما في ذهنه.

3- السلاسة:

حيث كان يعني دائمأن ببيان فكرته والتدليل عليها ويستخدم في ذلك الألفاز الموحية والتراكيب المتقاربة وقد أوتي في هذه الناحية مقدرة فائقة وكأن اللغة العربية أسلمت له قيادهأن فراح ينتقي من مستودعها ما يحلو له من الألفاظ والتراكيب التي يراها تجلو فكرته وبما أنه قد أتى بأفكار جيدة غريبة على الوسط الذي يعيش فيه سواء في النقد الأدبي الذي تربع على عرشه أو في الفكر الإسلامي الذي صار رائدا له فإنه كان يحتاج إلى بيان وإسهاب في شرح هذه الأفكار والدليل لها لتحظى بالقبول عند القارئ الذي يستغربها لأول وهلة ولولا مقدرة سيد قطب في اختيار الألفاظ والتراكيب المناسبة لما نجح في بسط أفكاره هذه وقد عد البعض هذا عيبا في أسلوبه واعتبروه تكرارا يؤدي إلى الضيق في نفس القارئ ولكن الأمر ليس كما ظنوا إذ أنه سلاسة في الأسلوب لا تكرار في الأفكار.

4- الثورية

يمتاز أسلوبه كذبلك بالثورية وأعني بها الهجوم والحدة وهذا ناتج عن الثقة بالنفس إلى درجة كبيرة وقد خاض في المرحلة الأدبية من حياته معارك أدبية عديدة ضد أدباء كبار وتمتع بنفس طويل في الهجوم وكان يخرد من كل معركة منتصرا ويرتفع بأسلوبه هذا كثيرا في أعين الأدباء والقراء والدارسين الذين يتشوقون لهذا الأسلوب الحاد في الكتابة وعندما انصرف إلى الإصلاح السياسي والجتماعي لم تفارقه صفة الثورية في الكتابة وبهذه الصفة غزا قلوب القراء واحفظ قلوب الأعداء واوقع الغيظ فيها وعندما اتجه إلى الفكر الإسلامي راح يهاجم الحضارة الغربية والجاهلية بأفكارها ومؤسساتها بل أنه قاد هذا الفكر من مرحلة الدفاع على استحياء إلى مرحلة الهجوم المباشر وصار بهذه الصفة هو الكاتب المفضل عند الجماهير التي تفضل هذا اللون من الكتابة إنه مهاجم في كل حالاته فهو يهاجم مهاجما ومدافعا ومجادلا ولكنه لم يسف في استخدام ذلك ولم يخرج إلى حد المهاثرات والسباب وإنما كان له في عقله الواعي وفكره المتزن عاصما يعصمه من الوقوع في هذا وهذه السمة في أسلوبه واقعت القارئ ف خطأ عندما يرسم له في مخيلته صورة لشخصيته إذ يتصوره ضخم الجسم عريض ما بين المنكبين قوي البنية مفتول العضلات ولكنه يفاجأ عندما يراه ضعيف البنية ناحل الجسد تبدو عليه سيما الموادعة واللطف والود والإيناس.

كذلك يمتاز أسلوبه بالبساطة والحيوية والعمق والجاذبية والصدق وقوة العاطفة والإشراق.

الفصل الثالث: مواهبه

حبا الله سيد قطب مواهب كثيرة، مثل الذكاء والنبوغ ومحبة البحث والدراسة والتحليل ولم يكتف سيد بهذه المواهب أعني لم يعتمد عليها ويجعلها سلاحه في خوضه غمار الثقافة والمعرفة، إذ هي وحدها لا توصل صاحبها إلى شيء، وكثيرا ما رأينا أناسا اعتمدوا على مواهبهم الفطرية وحدها فضيعوها وسيطر عليهم الكسل والخمول ولم يتقدموا إلى الأمام خطوات تذكر.

أما سيد قطب فإنه استخدم هذه المواهب خير استخدام وغذاها بهمته وعصاميته وجهده فكان يصبر نفسه على البحث والدراسة ويشدها إليه حتى أسلمت له قيادها وأشغلها بداية ومثابرته وجهده فصار يقرأ ويمضي الساعات الطويلة في القراءة والاطلاع وراح يكتب ويقف عند الفكرة وقفة المتأمل المتعمق ينظر فيها ويقلب وجوه النظر ويركز ذهنه عليها ويخرج بعد هذا كله بالتحليل الصائب الشامل العميق.

ما ترك سيد قطب مجالات الأدب والفكر إلا تحدث فيه ولا ميدانا إلا خاضه بهمة عالية وثقة أكيدة ونظرة فاحصة ورأي سديد كان له دراساته المتنوعة وإطلاعه الواسع على شتى أنواع المعارف والآداب والفنون وثقافته العريضة وعقليته الكبيرة التي تستوعب ما يصلها وتزوه بما عندها من آراء وتدفعه إلى أسلوبه تستوعب ما يصلها وتزوده بما عندها من آراء وتدفعه إلى أسلوبه الرصين الذي يحسن التعبير عن مضمون ما فيها ويخرجه إلى رواد الأدب والثقافة فينال ثقتهم ويحظى بإعجابهم.

إن الناظر في تراث سيد قطب ليعجب من المساحة العرية الفسيحة التي جعلها ميدانا له والتي أجاد فيها بما قدمه لعشاق الأدب والفكر والمعرفة.

ونحن إن شاء الله سنشير إشارات خاطفة إلى مجالات نتاجه المختلفة والتي تعيننا على تلمس الخطوط العريضة فقط وذلك حسب ما تقتضي به طبيعة هذا الكتاب وفي الحقيقة أنه يستحق أن يفرد في كل مجال بدراسة مستقلة للتعرف على ما قدمه فيه وعلى آرائه وأفكاره وعلى عبقريته الواسعة في شتى المجالات سواء في الأدب أو الشعر او النقد أو القصة أو المقالة أو الصحافة أو الفلسفة أو التاريخ أو علم النفس أو السياسة أو الخطابة أو الدراسات الإسلامية المختلفة.

سيد قطب الأديب

تفتحت مواهب سيد قطب الأدبية في القرية وغذاها ونماها بدراساته واطلاعاته وفي القاهرة درس الأدب في تجهيزية دار العلوم ثم في الكلية وبدأ حياته الأدبية في مدرسة العقاد التي كانت تعني بالتجديد في المشاعر والأساليب.

الأدب عنده ليس ترفا ولا اشغالا للوقت ولا مجرد صياغة لفظية مزركشة ولا بضاعة يحمها صابحها ويبذلها لمن يدفع الثمن، ويبيع أدبه ومواهبه له.

إن الأدب عنده هو التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية فالتجارب الشعورية هي مادة التعبير وإذا لم يستمد منها صار مجرد صياغة تعتمد على رصيد صاحبها من الألفاظ والعبارات لا شأن لها بالمشاعر والأحاسيسي وهي بهذا بعية عن أن تسمى عملا أدبيا موحيا.

كذلك يشترط للعمل الأدبي عنده كي يكون أدبا يكون صاحبه صادقا في تجربته الشعورية صدقا واقعيا وفنيا بحيث عندما تقرأ للأديب تشعر أنه صادق في معاناته وتفكيره صادق في مشاعره وأحاسيسه وأن الفكرة قد أقتاتت قلبه وتغذت بدمه وسيطرت على عالمه وتوهجت بها نفسه وأن يرزق هذا لاأديب موهبة في التعبير الجميل الأخاذ بصورة موحية مؤثرة ينقل بها تجبرته الحية ومعاناته الحقيقية إلى القارئ ليتذوقوها ويعيشوها فإذا لم يزرزق هذه الموهبة لم تخرج عن إطار التجربة الشعورية وبقيت مختصة بصاحبها لم يشاركه فيها أحد.

وقد كان سيد قطب خير من تمثل هذه الحقيقية في أعماله الأدبية المختلفة فهو لم يخرج لنا عملا أدبيا إلا بعد ما عاش تجربته في نفسه وعاناه معاناة حقيقيية في مشاعره وأحاسيسه ووجدانه وقد كان صادقا في نقل هذه التجربة كاملة إلى القراء ليطلعهم على تطورها في نفسه.

ويصور لهم مشاعره وأحاسيسه وهي تعيشها ولم ترض نفهس الأدبية الصادقة أن ينافق في نتاجه الأدبي أو يتزلف به إلى ذوي المكانة والنفوذ كما فعل كثير من الأدباء كما رزق سيد قطب موهبة فطرية وقدرة فائقة على اختيار الصورة الموحية التي ينقل بها تجربته الأدبية إلى القراء حيث يؤثر في وجدانهم ومشاعرهم ويسحرهم بأسلوبه السلس الجميل.

سيد قطب الشاعر

بدأ اهتمام سيد قطب بالشعر منذ صغره فقد أخبرنا أنه عندما كان في القرية وأثناء ثورة عام 1919 راح يخطب في مساجد القرية وينظم الشعر وينشده فيها لم يكن شعرا قويا رصينا ولكن محولاته الشعرية هذه تدل على تفتح حاسته الشعرية مبكرا.

وفي القاهرة صار ينشر قصائده في الصحف والمجلات وقد عرف في الأوساط الأدبية كشاعر موهوب قبل دخوله كليه دار العلوم واصطفى في الكلية شاعرين موهوبين مثله هما عبد العزيزي عتيق وفايد العمروسي وصار الثلاثة يلتقون ونيشدون قصائدهم وينشرونها في المجلات.

وبعد أن تخرج من الكلية تابع نشر قصائده في المجلات وقد اشتهر في الثلاثينيات وكان في مقدمة الشعراء الشبان وقد شهر له النقاد بالنبوغ والعبقرية والشاعرية الفياضة.

لقد كان سيد قطب شاعرا حقيقيا لأنه أحس بالحياة إحساسا عميقا وكان إحساسا بها دقيقا وباروزا وعمقا ومتميزا عن إحساسا الآخرين كما انه عبر عن إحساسه هذا تعبيرا عاليا ساميا ترجم فيه عن نفسه وسجل ثائره بما حوله ولمسنا في شعره فلسفة خاصة له فسر الحياة على ضوئها وقد كان شاعرا مصورا يصور أفكاره وأحاسيسه وانفعالاته في صور فنية رائعة تستحوذ على قلوب القراء وتتفاعل معها مشاعرهم وأحاسيسهم.

الشعر عنده تعبير عن الحياة بل هو تعبير عن اللحظات الأقوى والأملأ بالطاقة الشعرية في الحياة وهو: (هتاف حياة ودعوة حياة وتعبير حياة الشعر طاقة فائضة تريد لها متنفسا وحيوية دافقة تبتغي لها مسيلا الشعر تعبير أحرار يملكون التعبير لا جمجمة عبيد أو أسى خلف القضبان الشعر انتفاضة قلب وتحليق روح لا وسوسة السلاسل ولا جرجرة الأغلال.

ولكن يكون الشعر شعرا فلابد أن يكون صادقا في التعبير عن المشاعر والأحاسيس صادق الدلالة على ما تجيش به نفس الشاعر من خواطر وانفعالات صادقا في تصوير شعور صاحبه ومعاناته وما عدا ذلك فليس بشعر.

وموضوع الشعر عنده وظيفته هي الغناء المطلق بما في النفس من مشاعر وأحاسيس وانفعالات حين ترتفع هذه المشاعر والأحاسيس عن الحياة العادية وحين تصل هذه الانفعالات إلى درجة التوهج والإشراف أو الرفرفة والانسياب على نحو من الأنحاء.

جمع مجموعة من قصائده ونشرها في أول ديوان له وسماه (الشاطئ المجهول) وقد صدر في كانون ثاني يناير عام 1935 كما وعد بإخراج دواوين جديدة مثل (أصداء الزمن) و (حلم الفجر) و (قالة الرقيق) و (الكأس المسمومة) ولكنه صرف النظر عنها في النهاية.

وبالاطلاع على قصائده ودراستها نلمح فيها ملامح شخصيته وحالاته نفسه ومشاعره وأفكاره واهتماماته وقضاياه ومشاكله فهي سجل أمين لحياته الشخصية والفكرية وإن الإنسان يستطيع أنيدرك مراحل حياته الأدبية وسماتها من الاطلاع على قصائده وأن ترتيب هذه القصائد حسب تاريخ نشرها يفيد في معرفة المراحل التي قطعها وحالته النفسية والكفرية في كل مرحلة بقي يقول الشعر إلى أن توجه الوجهة الإسلامية عندها عزف عن قوله وصارت عنده اهتمامات جديدة وإن الإنسان ليعجب ويحتار في معرفة الصارف له عن نظم الشعر هل وجد نفسه وعرف غايته وسر وجوده وانحلت العقدة الكبرى التي كانت تقلقه وتدفعه إلى التوهج فتنساب القوافي على لسانه هل انتهت الأزمة الكبيرة أزمة الشعور بالضياع الكامل في الحياة وعبث الجهد المبذول فيها؟ وهل انتهت رحلة الضياع عنده وانتهى باتنهائها نظم الشعر فأحس بالوجود الكبير وقد يكون الجواب على كل هذه التساؤلات بالإيجاب وقد يكمن في هذا الجواب السبب الذي ترك الشعر من أجله.

قد يكون اتجاهه الإسلامي الواضح هو الصارف الذي صرفه لأن طبيعة الإسلام التي تعرف هو عليها هذه الطبيعة العملية الحركية الجادة الثابته لا تتفق مع طبيعة الشعراء لأنهم أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة تتحكم فيها مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما كانت ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود وفي لحظة أبيض يرضون فيقولون قولا ويسخطون فيقولون قولا آخر ثم هم أصحاب أمزجة لا تثبت على حال هذا إلى أنهم يخلقون عوالم من الوهم يعيشون فيها ويتخيلون أفعالا ونتائج ثم يخالونها حقيقة واقعة يتأثرون بها قيقل اهتمامهم بواقع الأشاء لأنهم يخلقون هم في خيالهم واقعا آخر يعيشون عليه.

وهم يهيون في كل واد من و ديان الشعر والتصو والقول وفق الانفعال الذي يسيطر عليهم في لحظة من اللحظات تحت وقع مؤثر من المؤثرات وهم يقولون مالا يفعلون لأنهم يعيشون في عوالم من صنع خيالهم ومشاعرهم ويؤثرونها على واقع الحياة الذي لايعجبهم ومن ثم يقولون أشياء كثيرة لا يفعلونها لأنهم عاشوا في تلك العوالم الموهومة وليس لها واقع ولا حقيقة في دنيا الناس المنطورة.

إن طبيعة الإسلام وهو منهج حياة متكامل معد للتنفيذ في واقع الحياة وهو حركة ضخمة في الضمائر المكنونة في أوضاع الحياة البشرية في الغالب لأن المشاعر يخلق حلما في حسه ويقنع به فأما الإسلام فيريد تحقيق الحلم ويعمل على تحقيقه ويحول المشاعر كلها لتحقق في عالم الواقع ذلك النموذج الرفيع.

ومن ثم لا تبقى في الطاقة البشرية بقية للأحلام المهومة الطائر فالإسلام يستغرق هذه الطاقة في تحقيق الأحلام الرفيعة وفق منهجه الضخم العظيم.

وقد آثرنا نقل فقراته كاملة على طولها لندرك طبيعة غالبية الشعراء وطبيعة الإسلام الخالفة لها فقد يكون تركه للشعر ناتجا عن صدق اتجاهه نحو الإسلام وشعوره بأن هذا الإسلام قد ملأ حياته واستوعب فكره وعقله وأحلامه وانفعالاته ومن ثم ل يبق في طاقته الضخمة بقية للخيالات والأوهام لأنه صرفها إلى الجهد العملي الحركي الواقع الجاد.

ولم نعرف له بعد اتجاه الإسلام إلا قصدتين قالهما وهو يكتوي بنار المحنة والابتلاء وكانتا من عيون الشعر العالمي وهما:

1- (هبل. هبل) يصور بها مفاسد الطاغوت الجاهل ومآسيه والأعداء التي استغلت سذاجته فصنعت له الأمجاد زائفة فصدقها الغبي والجماهير المسحوقة التي انساقت وراءه بلا روية.

2- وهي النشيد الإسلامي الهادر الذي رسم به معالم طريق الدعوة وصور أوشواكها وبين عاقبتا وقد وعته قلوب الشباب العاملين وتردد على شفاههم وقد قاله في لحظة انفعال ظاهر إذ أنه عندما كان خارجا من زنزانته إلى ساحة السجن لمح يد أحد إخوانه تحييه بحرارة ظاهرة من إحدى الزنازين ولم يعرف صاحبها ولكن حركتها نقلت إلى قلبه كل ما يريد أخاه أن يقوله فتجاوبت روحه وانفعلت أحاسيسه وتوهجت نفسه وانطلق لسانه بذلك النشيد.

سيد قطب الناقد

مارس سيد قطب الكتابة في النقد والتحليل في وقت مبكر شديد التبكير من حياته الأدبية وكان ظهروه كناقد يوازي ظهوره كشاعر وعندما اشتغل في صحيفة الأهرام عهدت إليه إدارتها تحرير صفحة النقد والأدب فيها وقام بالمهمة بنجاح وهو ما يزال طالبا في كلية دار العلوم.

بل إن أول كتاب مطبوع له، هو كتاب في النقد وهو مهمة الشاعر في الحياة حيث أعده وألقاه محاضرة في مدرج كلية دار العلوم وكان لايزال طالبا في السنة الثالثة فيها وقدمه أستاذه محمد مهدي علام كما قدم كتابه عندما قدمه للطبع وأشاد بمناقبه وسجل إعجابه بشخصيته وشجاعته وثقفته وازانه وإن خالفه في بعض آرائه، واعتبره مفخرة نن مفاخر دار العلوم وصرح بأنه يسره أن يكون سيد قطب أحد تلاميذه بل قال: أنه لو يكن له تلميذ سواه، لكفاني ذلك سرورا وقناعة واطمئنانا إلى أنني سأحمل أمانة العلم والأدب من لا أشك في حسن قيامه عليها.

وقد كان عنيفا في نقده، جريئا في عرض آرائه صريحا في تسجيل أفكاره موفقا في الموضوعات التي طرقها والنماذج التي استدل بها.

وشهدت المجلات الأدبية بعد تخرجه من الكلية صولات له وجولات في معاركه الأدبية النقدية التي أثارها وقادها بجرأة وشجاعة سواء في مجلة (الأسبوع) أو (الرسالة) أو ( الثقافة) أو (العالم العربي) أو غيرها.

كما نشر مقالات نقيدة كثيرة في هذه الصحف والمجلات وألقى محاضرات نقيدة في المجامع الأدبية وقد نالت مقالاته ومحاضراته استحسان وإعجاب جمهور المثقفين والأدباء.

جمع بعض هذه المقالات في كتابه (كتب وشخصيات) وهو ثالث مؤلف نقدي له إذ سبقه كتابان (مهمة الشاعر في الحياة) و (نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر) للدكتور طه حسين وكان في نيته أن يجعل (كتب وشخصيات ) مؤلفا من أجزاء وكان ينوي أن يصدر هذه الأجزاء تباعا ولكنه لم يصدر إلا الجزء الأول.

وفي نهاية حياته الأدبية أصدر كتابه النقدي الرابع الرائع النقد الأدبي وأصوله ومناهج الذي وضع فيه خلاصة آرائه في أصول ومناهج النقد الأدبي والذي خرج به على كل المدارس الأدبية المعاصرة واعتبر نواة لمدرسته الخاصة في الأدب والنقد وكان في هذه الفترة متربعا على عرش النقد الأدبي في مصر بعدما انصرف عنه النقاد الأوائل مثل العقاد والمازني وشكري وهيكل وطه حسين.

وكان متوقعا أن يرسم دعائم مدرسته الأدبية الجديدة، ويبين مناهجها وآرائها لولا انصرافه إلى اهتمامات جديدة أثرت حياته الفكرية والعملية فيما بعد.

وخطة سيد قطب في مقالاته النقدية، أنه كان يقدم لمقاله بمقدمة يذكر فيها بعض آرائه في طبيعة العمل المنقود قصة أو شعر أو بحثا ثم يتناول هذا العمل بالنقد.

وقد بين أن للنقاد عملين أساسيين هما عمله في الجو العام وعمله مع كل مؤلف على حدة فأما عمله في الجو العام فهو التوجيه والتقديم ووضع الأسس وتشخيص المذاهب وتصوير أطوارها ومناهجها وأما عمله في كل مؤلف فهو وضع مفتاحه في أيدي قرائه الذين يقرؤون أعماله متفرقة ولا يدركون الطبيعة الفنية التي تصدر عنها هذه الأ‘مال ولا يتعرفون إلى شخصيته المميزة الكامنة وراء كل عمل.

وقد وفق سيد في تفصيل مفاتيحه للشخصيات الأدبية المختلفة ودل هذا على موهبته الفنية وذوقه السليم وتقديره الصحيح وتشخيصه الصادق.

ولم يكن من همه القيام بدراسات مفصلة مطولة عن الشخصيات وإنما يكتفي بتفصيل المفتاح المناسب لها ووضعه في يد القارئ.

والمساحة العريضة التي جال فيها سيد تدل على باعه الطويل وذوقه السليم ودأبه العجيب وثقافته الواسعة فقد نقد مختلف التخصصات العلمية الشعر والقصة والرواية والدراسة المسرحية والترجمه والتاريخ والدراسات النفسية والفلسفية والإنسانية والتراجم والسير والبحوث والمقالات وغير ذلك من فنون الأدب والعلم والمعرفة.

لم تكن طريق النقد ممهدة أمامه فمنذ أن ابتدأت مقالاته النقدية في الاثلاثينيات بذلت محاولات كثيرة لإغرائه واحتوائه من مختلف الأدباء والمدراس الأدبية وقام بعضهم بمساعي حثيثة لثنيه عن مواقفه أو تغيير أحاكمه وآرائه والضغط عليه بمختلف الوسائل كي يغيرها أو يتراجع عنها لكن نفسه الأبية العزيزة وشخصيته القوية وإيمانه بمبادئ وبثباته عليها أبت عليه الاستسلام للإغراءات أو الوضوخ للضغوط وكانت نتيجة لذلك يفقد أصدقاءه ومعارفه من الأدباء الواحد تلو الآخ لأنهم لم تعجبهم أحكامه على نتاجهم حيث كانوا يتوقعون منه أن يراعي صداقتهم وزمالتهم وأن يخالف ما يراه ويعتقده من أجلهم ولما كان يأبى هذا ويجهر برأيه صراحة انفضوا عنه وكالوا له التهم وقد كان يعز عليه ويؤثر في نفسه فقد هؤلاء لكنها ضريبة النقد التي لابد من دفعها يقول من يومها –يون تصدي للنقد- وأنا أفقد الأصدقاء واحد أثر واحد لا كسب عددا معادلا من الخصوم بل عددا أكبر لأني أضم إليهم كل يوم خصوما ولكني أعاهد القراء على أنني سأمضي في الطريق فحسبي أن أعوض ما أفقد من بين القراء المحايدن وهم بحمد الله كثيرون وقد كان ينفق الكثير من وقته المزدحم بالأعمال في النقد حيث كان يقرأ كل ما انتجته المطابع من الفنون الأدبية المختلفة وإذا أراد نقد عمل شخص فإنه يحرص على قراءة كل ما انتجه من بحوث ومقالات ليتعرف على شخصيته ويفصل مفتاحه ويكتب عنه مقالة معدودة الصفحات.

يقول عن الوقت والجهد الذي ينفقه: (فالنقد ضريبة وتضحية فما أحسب الناقد في الشرق العربي إلا خاسرا لو حسب المسألة بالقياس إلى ذا قيمة أنه لا يرضى أحدا إلا القليلين وأنه لينفق من الجهد ليقول شيئا ذا قيمة أكثر مما ينفقه في أي فن آخ من الفنون الأدبية فكتابة مقال تستأديه على الأقل قراءة كتاب أو عشرة كتب أو عشرين في بعض الأحيان ويدلل على صحة دعواه بتجربته قائلا: لقد صنعتها حينما كتبت في الرسالة منذ عام أربعة فصول عن: الدكتور طه حسين ومدرسة الأسلوب التصويري والأستاذ توفيق الحكيم ومدرسة التنسيق الفني والأستاذ المازني وطريقة الحركة الحيوية والأستاذ العقاد ومدرسة المنطق الحيوي ولقد كلفتني كل مقالة قراءة كل كتاب لهؤلاء الأربعة ومعظم ما كتبوه من مقالات ولم أكن لأزيد على هذا الجهد شيئا لو اعتزمت أن أؤلف عنهم كتابا وكل ما يعزيني عن هذا الجهد أن هؤلاء الأربعة هم مع آخرين عندي اليوم موضوع كتاب.

ويصرح سيد بأنه لا يوجد في مصر منتصف الأربعينيات ناقد يؤدي ضريبة النقد من جهده ووقته: ولكنني أصرح وليقل من شاء ما شاء بأنه ليس هناك الآن ناقد يؤدي هذه الضريبة كان هناك رجلان يستطيعان أداءها على اختلاف في النوع والطاقة هما العقاد والمازني فانصرفا وحق لهما ذلك إلا الخلق والابتكار.

ثم تصدى لها الدكتو مندور والدكتور مندور من خيرة الشبان المثقفين ومن القلة النادرة بين الجامعيين في مصر الذين لديهم ما يقولونه وما يزيدون به شيئا غير الفهارس والعنوانات ولكنه مع هذا كله وعلى الرغم من كتابه الميزان الجديد لا يصلح ناقدا أنه ناقل ثقافة وشارح آادب أما النقد فلا أن الحاسة الأولى للناقد تنقصه حاسة التفرقة لأول وهلة بين الأصالة والزيف وبين النضج والفجاجة.

ونستنتج من كلامه هذا أنه بع انصراف العقاد والمازني عن مهمة النقد صار سيد قطب لناقد الأول في مصر ولم ينازعه على هذه المنزلة إلا الدكتور محمد مندور وقد عرفنا من كلامه هذا منزلة الأخير في عالم النقد.

انتهى المطاف الأدبي النقدي بسيد قطب إلى هذه المنزلة وقد كان في نيته أن يصدر عددا وفيرا من البحوث والدراسات النقدية.

ولكنه أعلن تخليه عن هذا الطريق بعدما وصل إلى نهايته وصار الأستاذ الرائد فيه وراح يبحث عن طريق جديد، يبدأ فيه السير من أوله لينتهي به إلى الريادة.

عجبا بأنك سالم من وحشة
في غاية ما زلت فيها مفردا

يقول النقد ضريبة يؤديها الناقد من وقته وجهده وأنا أؤديها قدر ما أستطيع وأنني لأرغب في التخلي عن أدائها لأنشئ أعمالا أدبية أخرى فلولا أجازة أعطيتها لنفسي في صيف هذا العام ما استطعت أن أؤلف كتابا وأشهد أنني لم أنعب فيه أكثر من تعبي في إعداد مقالة من مقالات النقد الصغيرة.

سيد قطب القاص

يتمتع سيد قطب بموهبة فينة في مجال كتابة القصة وقد كتب عدة قصص فنية رائعة منها ما نشره ومنها ما عدل عن نشره.

وقد كان ينشر مقالاته في المجلات ينقد بها بعض القصص المطبوعة لبعض الكتاب مثل محمود تيمور ومحمود بدوي وعبد الحميد جودة السحار ونجيب محفوظ والعقاد وطه حسين والحكيم وغيرهم وتميز في نقده بحاسة فنية دلت على مقدار إطلاعه على القصص العربي والعالمي ومرعفته بمواطن الجمال والنقص فيها وكيفية صياغتها ورسم أدوارها وتحريك الشخصيات فيها والتنسيق الفني بينها.

وقد كان جناح القصص في مكتبته ضخما يكاد يحوي كل القصص والأقاصيص المؤلفة بالعربية يقول بعدما فوجئ بأقصوصة وسوسة الشيطان لعبد الحميد جودة السحار وقادتني هذه المفاجأة إلى أن أراجع كل ما تحويه مكتبتي من الأقاصيص المؤلفة بالعربية وهي تكاد تشمل كل ما تحويه المكتبة العربية في هذا الباب.

ثم يتابع الموازنة بين أقصوصة السحار والقصص المترجمة في كتبته: وأدت أو أتابع الموزازنة فعدت إلى ما تحويه مكتبتي من الأقاصيص المترجمة وهي تكاد تشمل كل ما نقل إلى اللغة العربية فإذا كانت مكتبته تكاد تحوي كل ما صدر من القصص والأقاصيص مؤلفا بالعربية أو مترجما إليها وهو عدد ضخم فكم تحوي من مختلف الفنون الأدبية الأخرى؟ وكم تحوي من مختلف العلوم كم سيكون حجمها ولا شك أن سيد قد قرأ كل ما تحويه هذه المكتبة واستوعبه وتفاعل معه ولعلنا بهذا تحاول أن ندرك ثقافته الواسعة الناتجة عن هذا الاطلاع.

دخل سيد قطب عالم القصة بخطى ثابته وموهبة عالية، وثقافة واسعة، وقد ألف بعض القصص: ففي الواعية كتب قصته المصورة (طفل من القرية) وفي الرمزية المدينة المسحورة وفي الرومانسية أشواك وقد أحدثت هذه القصص فور صدورها وبخاصة أشواك أثرا كبيرا في عالم الأدب واستقبلها الأدباء والمثقفون واكتشفوا بها موهبة سيد قطب الجديدة في عالم القصة وأضافوها إلى مواهبه الفنية الأخرى.

وكان في نيته أن يصدر عددا من القصص مثل (من أ‘ماق الوادي) و القطط الضالة وبحثا عن القصة الحديثة ولكنه عدل عنها في النهاية.

وقد كان سيد قطب قبل دخوله عالم التأليف في القصة يجم عن دخول هذا الميدان الجديد ويخشى على نفسه أن يفشل فيه يقول القصة أمر عسير إذا أريد لها أن تكون عملا فنيا كاملا وعن نفسي أذكر أن القصة هي العمل الفني الوحيد الذي كنت أستهوله وأحجم عن محاولته طالما أنا أقرأ القصص الموضوعة في العربية فرأيتني أنسى إحجامي وأحاول كتابة القصة القصيرة فهذه المجموعة الجديدة قصص روسية وفرنسية وأسبانية ترجمها للعربية عبد الرحمن صدقي تحت عنوان ألوان المحب قد ردت على إحجامي وتركتني أقدر الموهبة والمهارة اللازمتين لكتابة القصة الفنية.

ويبين سيد قطب الأسس الفنية اللازمة لتأليف القصة ونجاحها واعتبارها قصة فنية أن الفكرة فيها ليست كل شيء إنما طريقة التعبير عن هذه الفكرة: الأسلوب. اللمسات الكلمات الانسجام الخفي بين التوقيعات المختلفة الصادرة عن المنظر والحادثة والعبارة والأثر النفسي.

والقصة في رأيه بعد الفكرة الجيدة والتعبير الجميل هي: عمل في حاجة إلى ملكة التنسيق القائمة على التصوير والموسيقى في آن التصوير الذي يعود العين انسجام الألوان والموسيقى التي تعود الأذن انسجام الألحان وبعد أن توجد الفكرة يجب أن تشترك اللمسة واللفظة في تكوين الجو المناسب لها فكل منظر يشار إليه وكل حادث يتضمنه السياق يجب أن ينسج مع رنة الأسلوب وإيحاء الألفاظ ويجب أن يبرز كذلك أثره في الانفعالات النفسية المصاحبة ويؤلف ذلك كله اللوحة التي نسميها القصة الفنية.

بهذا البيان الدقيقة كشف لنا عن موهبته في عالم القصة تأليفا ونقدا وتحليلا وعلى هذه الأسس الفنية سار في قصصه المؤلفة فجاءت لوحات فنية رائعة.

سيد قطب المحاضر

تفتحت موهبة سيد قطب في الخطابة والتحديث والمحاضرة منذ صغره فعندما كان في القرية كان يقف في وسط الأهالي الذين يأتون إلى منزل أسرته يقرأ عليهم الجريدة السياسية اليومية بنفس واثقة ويشاركهم أحاديثهم وكأنه شاب وعندما قامت ثورة الشعب سنة 1919 اعتلى منابر مساجد القرية ينفخ في بوق الثورة ويستمع أهالي القرية حديث الصغير مندهشين معجبين.

وفي القاهرة صار يلقى المحاضرات وهو ما زال طالبا في الكلية منها حاضرته مهمة الشاعر في الحياة التي ألقاها على مدرج كلية دار العلوم وأعلن فيها آراءه الأدبية بثقة وجرأة وقوة أثارت أعجاب الجميع.

ثم تعددت محاضراته ونداوته الأدبية منذ أن تخرج من الكلية في عام 1933 وإلى أن سافر إلى أمريكا عام 1949 وقد كان يلقي هذه المحاضرات في جمهور كبير من الأدباء والمثقفين وكان فيها كعادته يعلن آراءه بشكل صريح وجرئ وقد نشرت له مجلة دار العلوم عددا من هذه المحاضرات.

وعندما اتجه وجهته الإسلامية صار يلقي محاضبرات عديدة في مختلف النوادي والجمعيات والمؤسسات.

وقد حضر أبو الحسن الندوي محاضرة له تحدث فيها عن فرنسا فقال عنه أنه قرأ كلمة بمناسبة هذه الحفلة (استنكار اعتداء فرنسا على المغرب عام 1951) كانت موجهة إلى عبيد فرنسا وكانت كلمة أدبية تهكم فيها بهؤلاء العبيد الذين يسبحون بحمد فرنسا بكرة واصيلا.

ويبين أثر كلمته في الجمهور وكانت الكلمة تقاطع بهتافات صارخة وتصفيقات حارة وكان الجمع يهتف بين حين آخر (تسقط فرنسا ووصفت مجلة (الدعوة) ندوة السيد قطب أقيمت في قاعة المحاضرات في الجامعة الشعبية في القاهرة في 11 أبريل 1953 وكانت حول الصحافة والرأي العام أيهما يوجه الآخر؟ اشترك معه فيها فكري أباظة مدافعا عن الصحافة وحافظ محمود منتقدا انتقادا لينا وتوفيق ديابا الذي وقف بين بين.

أما هو فقد: هاجم الصحافة هجوما عنيفا لأنها صاحبة الجلالة ويجب أن تضحي ولا تتعامل بحساب الريح والخسارة وأشار إلى أنها دائما مع العهد القائم وتقوم بتضليل الرأي العام لا توجييهة وانتقد الانحدار الأخلاقي في المقالات والتحقيقات الصحفية وعزا السبب في هذا كله إلى أن دخل الصحافة من الإعلانات أولا ومن المصروفات غير المنظورة من أصحاب الملايين هو الذي يوقعها في هذا المأزق فهي تعطي أهل الملاليم بقدر ملاليمهم وأهل الملايين بقدر ملايينهم.

ثم أجاب سيد قطب بعد ذلك على أسئلة الحاضرين بنفس الصراحة التي انتقد فيها الصحافة.

أما أسلوب سيد قطب في محاضراته فقد أوضحه تلميذه الأستاذ يوسف العظم وهو أدرى الناس به لطول صحبته له ونترك له المجال ليحدثنا عنه يقول:

(للأستاذ سيد قطب موهبة في الحديث تجذب كل من يستمع إليه فهو لا يعد في الخطباء إذا انصرف المفهوم الخطابي إلى العاطفة الثائرة. ولكنه في طليعة المتحدثين إذا تصورنا المنطق السليم والحجة الدامغة والتسلسل فيها يورد من أفكار وما يدلي به من آراء.

وحديث الأستاذ سيد حين يقابل جمهوره يبدأ هادئا ولكن ف ثقة بسيطا ولكن في عمق. سلس العبارة ولكن في غير سوقية ولا تبذل وقد يهاجم الأستاذ خصومه ويبكت من ينصرفون عن الحق ممن يعبدون الرجال والمال ولكن في أدب وعفة مقال.

من أروع ما يعرف عن أستاذنا وما لمسناه فيه أنه قدير إلى أبعد حدود القدوة على مهاجمة الحاكم بصورة تثير الجمهور وتحرك فيه كوامن السخط والغضب على الظالمين دون أن يؤخذ على الأستاذ المتحدث مأخذ واحد بأنه سب أو شتم أو خرج عن حدود اللياقة والذوق بل النظام والقانون.

والذين استمعوا لأستاذنا سيد علي مدرج الجامعة أو في المركز العام للإخوان المسلمين في القاهرة أو في المنتديات والمؤتمرات يجمعون على أن لدى الرجل حجة قوية وأسلوبا منطقيا ونبرة صوته معبرة تأخذ بالألباب وتسيطر على السامع وتحمله بأسلوب لا قسر فيه ولا رهق أن يستجيب للرجل وأن ينقاد لما يقول.

سيد قطب الباحث

شعفت نفسه سيد قطب بالبحث والتحليل منذ مطلع حياته الأدبية وكان يجد لذة عجيبة في هذا المجال ويمضى الساعات الطوال في مكتبته في صحبة كتاب علمي أو أدبي وما كان يحس بالزمن وهو يمر وعندما كان جسمه يعلن التمرد ويقعه في المرض كان الطبيب يلزمه بترك البحث والدراسة وعدم بذل أي مجهود راحة لأعصابة ولكن نفسه ترفض الالتزام بهذا فيقضي وقته على السرير في صحبة الكتاب.

كانت المقالات الأدبية التي ينشرها في مختلف المجلات حصيلة بحث طويل وكان بعضها يستأديه قراءة كتاب وبعضها الأخر يستأدية قراءة عشرة كتب باحثا محللا لهأن ومن المعروف أن هذه القراءة الفاحصة الواعية تأخذ من وقته الكثير.

إذا أراد بحث موضوع فإنه يستوفي كل خصائص البحث بهمة عالية ودأب ومثابرة ولم يكن يكتب بحثه إلا بعد أن يرجع على كل المراجع عنه وبعد أن يفكر فيه ويتأمله ويلاحظ قضاياه ويعشها لم يكن يسلقه سلقا وإنما ينضجه على نار هادئة ولهذا كان يستحوذ على إعجاب القراء.

عندما نشر بحثه المرأة لغز بسيط في ست حلقات في مجلة الأسبوع قال: ولقد عنيت منذ عشر سنوات تقريبا في أن أدرس هذا الموضوع بمقدار ما تهيء الظروف لشاب وحاولت أن أجد اللغز فيمن عرفتهن أو عرفهن أصدقائي وفيمن قأت عنهن أو قرأت لهن، فكان بحثي عن اللغز نفسه.

وعندما أعد بحثه عن الصور والظلال في الشعر العربي واستقصى البحث فيه قال: رجعت فيه إلى ما يملك فرد أن يرجع إليه من مصادر الشعر العربي.

وعندما أعد بحثه عن المدارس الأدبية المعاصرة اعتذر عن الوقت الطويل الذي استغرقه هذا البحث قائلا: ومنذ عامين لدى كتاب عن المدارس الأدبية المعاصرة وما يؤخرني عن كتابته إلا استيفاء بعض الدارسات الشخصية لا بطاله وقد استطعت أن أجمع عن كثب معظم ما أريد جمعه عن العقاد وتوفيق الحكيم وشيئا مما أريد جمعه عن طه حسين والمازني وقليلا عن المنفلوطي والزيات ومتفرقات عن تيمور وحي ولاشين وآخرين. وبعدما أستوفي هذه الدراسات لا قبله سأخذ في الحديث عن المدارس الأدبية المعاصرة لو صرفت عامين آخرين فأنا أقدر قيمة هذا العمل وأعرف ما هو مطلوب مني إزاءه.

وعندما أعد بحثين عن الشعر المعاصر وعن القصة الحديثة استوفى بحث كل أشعار وقصص الأدباء المصريين ولكن هذا لم يكفه وإنما كان يريد الحصول على نتاج الشعر والقصة في العالم العربي كله فاستخدم طريقة غريبة للحصول عليه وهي طريقة لم يستخدمها أي أديب أو باحث فقد نشر إعلانا في مجلة الرسالة قال فيه:

إلى أدباء البلاد العربية.. لم تبق إلا هذه الوسيلة إن لدى بحثين معطلين عن شعر الشباب وعن القصة الحديثة لأنني لا أستطيع الحصول على أعمال المعاصرين من الشعراء والقصاص في البلاد العربية. ولا أحب أن أقصر بحثي على أعمال الأدباء المصريين فرجائي إلا كل شاعر ولك قصاص في البلاد العربية أن يتفضل فيرسل إلى بأعماله في هذين البابين محولا بثمنهما على البريد.

فماذا حدث نتيجة هذا الإعلان يقول حدث أن تفضل بعض الشعراء والأدباء في فلسطين والعراق والحجاز بإهداء دواوينهم وقصصه إلي ولكن البقية لم تصلني كما أن سورية ولبنان لم يسمعها النداء أن هذا الإعلان الجرئ يطلعنا على مقدار عناية سيد قطب بالبحوث التي يعدهأن وحرصه على أن تكون نتيجة بحث مستوفي ودراسته شاملة مستوعبة.

وعندما اتجه وجهته الإسلامية صار يبحث ويتعمق في البحث ويتوسع فيه ويستقصي جوانبه فكتاب مثل خصائص التصور الإسلامي استغرق إعداده أكثر من عشرة أعوام وكاب نحو مجتمع إسلامي بدأ إعداد موضوعه منذ أوائل الخمسينيات واستشهد عام 1966 ولم يتمه وكما كان باحثا أدبيا وإسلاميا كان باحثا اجتماعيا فعندما سافر إلى أمريكا عني بدراسة المجتمع هناك دراسة فاحصة وبذل في ذلك جهدا كبيرا وأعد كتابه أمريكا التي رأيت ولكنه لم ينشره.

سيد قطب المحلل السياسي

دخل معترك الحياة السياسية منذ صغره، وقد كان له في قريته مشاركة سياسية محلية ثم انضم إلى حزب الوفد فترة طويلة، ثم انفصل عنه وانضم إلى حزب السعديين فترة قصيرة ثم هجر الأحزاب السياسية كلها بعد ذلك.

اشتهر في الأبعينيات بتحليلاته السياسية الصائبة والتي نشرها على صورة مقالات في المجلات مثل (الرسالة) و (العلم العربي) و (الفكر الجديد) وتحدث فيها عن الاحتلال الإنجليزي لمصر، وعن فشل الأحزاب السياسية في مصر في نهضة المجتمع وتحرير البلاد كما تحدث عن مشكلات العالم العربي الأخر مثل قضية فلسطين وفظائع فرنسا في سورية ومذابحها في المغرب العربي.

وفي أمريكا تمعن في الحياة السياسية هناك، وعرف بعض مخططات أمريكا في العالم العربي وأدرك حربها الشرسة ضد الحركة الإسلامية بوجه خاص وعرف خلفيات قادتها السياسية ودور الصليبية واليهودية في توجيه السياسة هناك.

وعندما عاد إلى مصر اعتقد أن طريق الإسلام هو طريق الخلاص وأنه متمثل بالحركة الإسلامية فانضم إليها ووضع كافة قدراته في خدمتها وصار يكتب المقالات السياسية ويحلل فيها الأحداث الجارية.

وأهم آرائه السياسة التي تبناها ودافع عنها ودعا إليها وتبنتها جماعة الإخوان المسلمين كذلك الكتلة الدولية الثالثة التي دعا إلي قيامها وألقى المحاضرات عنها وكتب المقالات موضحا أبعادها والتي تضم العالم الإسلامي كله وتقف في وجه القوتين العظميين الكتلة الغربية بزعامة أمريكا و الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفياتي وأعلن أنها تقدر على الصمود بسبب ما يملكه العالم الإسلامي من ثروات طبيعية مكنوزة ومدد بشري هائل ومركز استراتيجي حساس وقبل هذا كله عقيدة إسلامية محركة ومنهاج إسلامي حضاري وتوفيق الله في النهاية ولكنه أعلن كذلك أن الطريق أمام قيامها صعب وشاق وأن القوى العظمى لن تسمح به وقد صدق ما توقعه إذ قامت بعد ذلك منظمة دول عدم الانحياز وضمت مختلف الدول الأسيوية والأفريقية والأمريكية ولكن الولايات المتحدة تمكنت من احتوائها.

وقبل قيام الثورة في مصر عام 1952 أصدر كتابه السلام العالمي والإسلام بين فيه رغبة الشعوب كلها في السلام كما بين أن هذا السلام لا يجود إلا في الغسلام وقد تجلت في هذا الكتاب موهبة سيد قطب في التحليل السياسي.

وقد كشف يوسف العظم النقاب عن ما قامت به المخابرات الأمريكية من حذف تحليل سياسي رائع كتبه سيد قطب في الفصل الأخير من الطبعة الأولى من الكتاب بعنوان (الآن) حيث صدرت طبعته الثانية خالية منه.

وقد ذكر يوسف العظم بعض محتويات هذا التحليل وحيث لم نستطع الوقوف عليه فسنكتفي بإيراد كلام العظم في هذا المقام قال علي لسان سيد قطب:

إن رؤوس الأموال الأمريكية بحاجة ملحة إلى حرب جديدة...

ومن هنا كان مشروع (مارشال) وكانت لهذا المشروع غايات أساسية ثلاثة:

الغاية الأولى كانت هي تصريف الإنتاج الأمريكي الفائض والغاية الثانية هي القضاء على حالة التبطل بين عمال أمريكا والغاية الثالثة كانت هي تعمير أوروبا تحقيقا للنشاط الاقتصادي العالمي كله من ناحية ومقاومة للشيوعيين في أوساط المتعطلين من ناحية أخرى.

ومن هنا يعد (مارشال) صاحب هذا المشروع في نظر الأمريكان أحد رجال التاريخ الأمركيين وقد عدته بعض الصحف الأمريكية أحد العشرين الذين صاغو القرن العشرين لا في أمريكا وحدها بل في العالم على الإطلاق.

وتناول الأستاذ سيد قطب موضوع المساعات الاقتصادية الأمريكية وموضوع النقطة الرابعة من مشروع ترومان والصراع بين الكتل الشيوعية والغربية وحديث الحرب سواء كانت حربا محلية وكأنما يشير إلى حرب في فيتنام أم حربا عالمية شاملة ... تناول كل ذلك بصورة مدروسة.

واعية لفتت نظر المخابرات الأمريكية التي أشارت بدورها على السلطات المصرية أن تحذف كل هذا التحليل في الكتباب في طبعاتها التالية.

وقد نقلنا كلام سيد قطب لحافظ الشيخ أحد أعضاء اتحاد جامعة الخرطوم عندما زاره في منزله الذي تحدث فيه عن خطرأمريكا والصهيوينة على هذه المنطقة وعن بعض مخططاتها للسيطرة عليها وعلل فيه أسباب قيام الوحدة بين مصر وسورية وأسباب فشلها وبها تتجلى موهبته الرائعة في التحليل السياسي.

بين سيد قطب دور المخابرات الأجنبية في تمويل وتوجيه الصحف المصرية بقوله: إن الصحف المصرية إلا النادر القلل مؤسسات دولية لا مصرية ولا عربية مؤسسات تساهم فيها أقلام المخابرات البريطانية والأمريكية والفرنسية والمصرية والعربية أخيرا مؤسسات تحرر صفحات كاملة فيها بمعرفة أقلام المخابرات هذه لتروج دعايتها في تحرر صفحات كاملة فيها بمعرفة أقلام الخابرات هذه لتروج دعايتها في أوساط الجماهير مؤسسات تخدم الرأسمالية العالمية أكثر مما تخدم قضايا الشعوب العربية وتخدم الاستعمار الخارجية والجهات الحاكمة قبل أن تخدم أوطانها وشعوبها الفقيرة وهذا هو السر في أن الدولة لا تفرض عليها القيود التي تفرض على الكتب لأن وراها أقلام المخابرات ومصالح الرأسمالية العالمية وهي كفيلة بأن تسندها وتذلل لها العقبات وتفسح الرأسمالية العالمية هي كفيلة بأن تسندها وتذلل لها العقبات وتفسح لها الطريق لنشر دعايتها المستودة في أطراف البلاد العربية جميعا.

الفصل الرابع: تراثه الأدبي والفكري

أهمية نشره

ترك سيد قطب تراثا أدبيا وفكريا كبيرا فقد عرفنا أنه ظل يكتب المقالات الأدبية المتنوعة في مختلف المجلات مدة تزيد على خسمة وعشرين عاما وهذه المقالات مملوءة بالكنوز المخبوءة والمعلومات المفيدة وتدل على موهبته الفذة في عالم الأدب وهي تراث أدبي مجهول ضمته صفحات مجلات عديدة هي بدورها مجهولة لنا حيث وضعت على أرفف المكتبات ودور الكتب وأن أي محاولة لإخراج هذه الكنوز هي محاولة شاقة ومضنية وتحتاج إلى صبر وأناة ودأب ومثابرة وإذا تمت فسيكون فيها إضافة جديدة لسجل الأدب والثقافة ومتعة للأدباء ومحبي الثقافة وكشفا لصفحات مجهولة من حياة هذا الرجل النابغة وبيانا لبعض ملامح شخصيته وإظهارا لبعض مواهبه.

كذلك ترك لنا تراثا فكريا كبيرا يتمثل في دراساته وبحوثه الإسلامية العميقة التي نشرها في موسوعته في ظلال القرآن وقد أعد عدة بحوث إسلامية أخرى ولكن الطغاة أتلفوها ولم يسمحوا لها أن ترى النور.

إن سيد قطب شخصيت عجيبة حقا والأعجب من شخصيته هو الجحود الذي قوبل به في حياته من الأدباء والدارسين والتجاهل الذي لحقه بعد استشهاده وكان حريا بعشاق الثقافة والأدب أن يعدو دراسات عن شخصيته وفكره وتراثه الأدبي كما كان حريا بمريديه الإسلاميين أن يعدوا دراسات عن فكره الإسلامي وشخصيته الحركية ومواقفه البطولية وما أضافه إلى الفكر الحركي الإسلامي وشخصيته الحركية ومواقفه البطولية وما اضافه إلى الفكر الحركي الإسلامي من أفكار ولو كان سيد قطب عند غيرنا لكتبوا عنه الكثير وفاخروا به الدنيا إنهم يجعلون من بعض رجالهم علماء وعباقرة وفلاسفة وقادة رأي ورواد فكر وهم بجانب سيد قطب أقزام أقزام.

إن سيد قطب قمة عالية قمة عرفت ولم تكشف حتى الأن وليس عجيبا أن يكون قمة ولكن الغريب أنها لم تثر في نفوس المعجبين حوافز استكشافها حيث اكتفوا بالنظر إليها من بعيد معجبين مبهورين مندهشين.

وقد وجه لسيد قطب كيد ماكر من أعدائه انتهى به إلى القضاء على حياته كما لفه جهل غرير من كثير من إخوانه وبهذا وقع بين كيد هؤلاء وجهل هؤلاء وبقيت محاولات استكشافه في مرحلها الأولى تستنهض همم الدارسين.

لئن كان أدباء آخرون مثل العقاد وطه حسين قد وجدوا في تلاميذهم من يدرسهم ويجمع تراثهم حتى المقالات الصغيرة التي كتبوها في المجلات فأعتقد أن سيد وهو يوزاي قادة الأدب والكفر هؤلاء يوازيهم في المجال الأدبي والفكري ويزيد عليهم في المجال الإسلامي والحركي بل لا مقارنة بينه وبينهم في هذا المجال أني أعتقد جازما أنه أولى منهم بالعمل على جمع تراثه كله سواء كان بحوثا أم قصائد أم مقالات.

ومن أغرب الدعوات التي ظهرت بعد استشهاده دعوة صدرت عن مريديه وتلاميذه يدعون فيها إلى إلغاء كل تراثه الأدبي السابق على اتجاهه الإسلامي الجاد بل إلى إلغاء كتبه الإسلامية التي أصدرها قبل إدخاله السجن عام 1954.

ويعللون لدعوتهم هذه بأن اهتماماته الأولى اهتمامات أدبية ليست إسلامية حركية جادة فكأنها لهو وتسلية ولا يجوز أن يضيع الوقت فيها كما أن في هذا التراث الأدبي اتجاهات باطلة لسيد قطب مخالفة للإسلام ونشرها يسيء إلى شخصيته ويؤثر على صورته في نفوس مريديه ثم إن سيد نفسه أعلن عن تخليه عن هذه البحوث والكتب والمقالات في أواخر حياته وأثبت في أخر الجزء اثالث عشر من (في ظلال القرآن) قائمة بالكتب التي تبناها وترك ما عداها.

ونحن نحسن الظن بهؤلاء ونلمح صدق النية في دعواهم هذه ولكننا نرى ضرورة وأهيمة إخراج هذا التراث المطمور ونشره للأدباء والمثقفين خدمة للأدب والثقافة وإضافة جديدة لعشاق الأدب وكشفا لبعض مواهب الرجل الأدبية.

لا يوجد في حياة سيد قطب ما يخجل كما لا يوجد في تراثه ما يستحيا من نشره لأنه كان صادقا في حياته صادقا مع نفسه صادقا مع أدبه.

إن هذا التراث الأدبي الذي يدعو الداعون إلى إهماله أخذ من وقت وجهد سيد قطب الكثير وملأ ما يقرب من أربعين سنة من حياته وهي سنوات طويلة لها أثر عميق في شخصيته.

يقول سيد قطب عن نفسه في معالم في الطريق:

إن الذي يكتب هذا الكلام ضرورة الاعتماد على الإسلام فقط كمدصر وحيد للثقافة إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة كان عمله الأول فيها هو القراءة والإطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية ما هو من تخصصه وما هو من هواياته ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم وما هو بادم على ما قض فيه أربعين سنة من عمره فإنما عرف الجاهلين على حقيقها وعلى انحرافها وعلى ضآلتها وعلى قزامتها وعلى جعجعتها وانتقاشها وعلى غرورها وإدعائها كذلك.

وإذا اسقطنا ماقدمه في هذه السنيني واكتفينا بما وصل إليه من فكر ناضج ورأي سلم فإن صفحالت عديدة ستطوي من حياته وإن جوانب كثيرة ستكون مجهولة إن كل جانب من جوانب حياته يمثل صورة أو فصلا لابد من معرفته وإدراك خفاياه ولا نعرف هذا إلا بالإطلاع على تراثه الأدبي الضخم غير معقول أن نقف مع سيد قطب على القمة دون أن نعرف الرحلة التي قطعها حتى وصل إلى هذه القمة ولا ملامح الطريق التي سار فيها وإن في آثاره الأدبية وصفا للطرق وبيانا للزاد الذي حمله معه في هذه الرحلة.

أما أن في هذه التراث اتجاهات جاهلية مخالفة للإسلام فنحن نقر به ونعترف بوجوده ولكن هذا لا يعيب الرجل بل على العكس يرتفع قدره في أعين الناس ويدل على أنه لم يقطف ثمرة المعرفة واليقين إلا بعد جهد ومعاناة وإن في بيان بعض ملامح رحلة الضياع التي قطعها والتيه الذي تاه فيه بيان لقمة النقلة البعيدة التي نقله إليها الإيمان والأفاق السامية التي حلق فيها على هدى هذا النور ولا يعرف فضل الإيمان عليه إلا بالاطلاع على صفحات من حياته السابقة وبيان لعقيدة الإيمان الفاعلة المحركة وبيان لميزة جديدة من مزايا سيد قطب في التفاعل مع هذا الإيمان.

إن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يكتف المؤرخون المسلمون بذكر سيرتهم الإسلامية فقط ولم يهملوا حياتهم الجاهلية الأولى حفاظا على صورتهم الوضيئة في أعين المسملين كلا بل ذكروا كل ما وصل إليهم من صور حياتهم الجاهلية واعتبروا ذكرها أمرا ضروريا لبيان فضل الإسلام الذي نقلهم هذه النقلة وبيان فضلهم في التفاعل مع الإسلام.

أفلا يكون عمل المؤخين هذا قوة لنا حين نتحدث عن سيد قطب ودافعا لنا إلى بيان ملامح حياته الأولى وما خلف فيها من تراث.

أما أن سيد قطب نفسه أعلن عن تخليفه عن بضع كتبه الأولى فهذا دليل على أن الرجل وقد وصل إلى الرياة أراد أن يبين للدعاة الكتب الناضجة التي تمثل لهم زاد فكريا وحركيا في طريق العمل الإسلامي وإن بعض ما قدمه في الساق قد أدى غرضه ف حينه ولا يعني هذا إعدام كل هذا التراث الكبير.

ولا تعني دعوتنا إلى نشره أننا نعتقد أن كل فقرة منه تصلح زادا للدعاة العاملين لأن بعض تراثه أدبي محض ولكنه زاد للأدباء والمثقفين ولابد كذلك من إلقاء الضوء على الكتاب الذي تبناه قطب والكتاب الذي تخلي عنه وتبرأ منه.

ثم إن معرفة حياته الأدبية الأولى والإطلاع على تراثه الأدبي الضخم ضرويان لمعرفة خلفيته الأدبية والفكرية ولكشف مواهبه ومزيا شخضيته هذه الحياة وهذا التراث مدخل لمعرفة نتاجه الإسلامي فلولا تكوين سيد الأدبي في سابقة حياته وتحليه بقوة عارضة ورصانة لغة وفكر مفتوح على آفاق المعرفة وتعمق في الفهم لما وصل سيد إلى قوة هذا العطاء وإلى هذا الفكر الناضج.

أن تكوينه السابق لدخوله إلى ميدان الدعوة الإسلامية كان فاتحة عمل عظيم وقدرة معطاءة.

تصنيف آثاره وكتبه

لا أعني بالتصنيف ذكر الفنون التي كتب فيها فقد ذكرنا سابقا أنه ما ترك فنا من فنون الأدب ولا حقلا من حقول المعرفة إلا وكتب فيه.

وإنما أعني بالتصنيف تقسيم هذا التراث إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول: مقالاته المختلفة في المجلات والتي استمرت ما يزيد على ثلاثين عاما وهي مقالات مختلفة منها الأدبية ومنها السياسية ومنها الاجتاعية ومنها النفسية ومنها الإسلامية.

القسم الثاني: البحوث الكثيرة التي أعدها ولم ينشرها.

القسم الثالث: مؤلفاته المطبوعة.

بالنسبة إلى القسم الأول لن أتحدث عنه هنا لأن هذه الدراسة لا تستوعبه ولأنني لم أتمكن رغم ما بذلت من جهد من الغطلاع على كل المجلات التي كتب فيها حيث لم أطلع إلا على نتاجه في مجلات الأسبوع و(الرسالة والثقافة) و(العالم العربي) و (الكتاب المصري) و (دار العلوم).

وبالنسبة إلى القسم الثاني سوف أذكر البحوث التي أشار هو نفسه إلى أنها قيد البحث أو قيد التحرير أو تحت الطبع وأغلب الظن أن هناك بحوثا أخرى أعدها ولكني لم أجد إشارته إليها لأني لم أطلع على كل مقالاته.

وبالنسبة إلى القسم الثالث فسوف أعرف تعريفا موجزا جدا بهذه الكتب وأتناولها حسب تاريخ صدور طبعاتها الأولى لا حسب موضوعاتها لأنني رأيت بعض من كتبوا عن سيد قطب لم يعرفوا السابق من هذه الكتب ومن ثم لم يرتبوها حسب ظهورها وأري أن معرفة أسبقها ظهورا يفيدنا فائدة كيرة في معرفة التطور الفكري الذي مر به سيد قطب ولا بد لمن يريد دراسة هذه الكتب أن يصنفها حسب صدورها كما لابد لمن يريد دراسةمقالاته أن يرتبها حسب تاريخ نشرها.

وقد عانيت كثيرا في ترتيبها على هذا الأساس وبهذه المناسبة أقرر أن دور النشر العديدة التي نشرت هذه الكتب سواء بطريق مشروع أو غير مشروعة وقعت في خطأ فاحش وهو عدم إشارتها إلى تاريخ لطبعة الأولى للكتاب مع أن الطريقة المثلى هي الإشارة إلى تاريخ الطبعة الأولى عند إعادة طبعه وذلك حتى يكون القارئ على بينه وحتى لا يقع الباحث في حيرة لأن أفكار الكاتب في تطور فقد يسجل رأيا في الكتاب ثم يتخلى عنه في طبعة لاحقة له والتطور أبرز ما يكون في أفكار سيد قطب ولا يعرف هذا إلا بتصنيف كبته على هذا الأساس وأنصح لكل من يريد أن يقف على التطور في أفكار سيد قطب أن يرتب كتبه ومقالاته حسب صدورها.

كتبه المطبوعة

تأخر سيد قطب في تأليف الكتب ونشرها حيث أمضى أكثر من عشرين سنة من حياته الأدبية يكتب البحوث والمقالات والقصائد وبعد أن آنس من فكره نضجا صار يؤلف الكتب.

يقول في خطابه إلى الدكتور أحمد أمين: لقد كنت مريدا بل معنى المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين يعني العقاد ولقد كنت صديقا أو ودودا مع الأخرين من جيلكم كذلك لقد كتبت عنكم جميعا بلا استثناء شرحت آرائكم وعرضت كتبكم وحللت أعمالكم بقدر ما كنت أستطيع ثم جاء دوري جاء دوري في أن أنشر كتبا بعد أن كنت أنشر بحوثا ومقالات وقصائد لقد جاء دوري في نشر الكتب متأخرا جدا لأنني آثرت ألا أطالع المئذنة من غير سلم وأن أتريث في نشر كتب مسجلة حتى أحس شيئا من النضج الحقيقي يسمح لي أن أظهر في أسواق الناشرين.

وبعد أن قرر تأليف الكتب عام 1945 صار يصدرها تباعا فأصدر عشرة كتب في أقل من خمس سنوات مما رفع منزلته في أوساط المثفين والأدباء وصار في فترة وجيزة في طليعة الأدباء والمفكرين في العالم العربي واستحوذ على قلوب عشاق الأدب والثقافة والفكر لكن الأدباء الأخرين فوجئوا بهذا الصعود المافجئ وصاروا ينفسون على سيد قطب مكانته الجديدة وتجاهلوا نتاجه الغزير وكأنهم تواصوا بذلك وكان في مقدمتهم أستاذه العقاد.

يقول في حديثه إلى الدكتور أحمد أمين فماذا كان موقف جيل الشيوخ لا من هذا الكتاب وحده يعني التصوير الفني في القرآن ولكن من الكتب العشرة التي نشرتها حتى الآن؟

أراجع كل ما خطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب فلا أعثر إلا على حديث في الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازني وإلا إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم في أخبار اليوم.

وقد زاد تجاهل الأدباء والمفكرين له بعد اتجاهه الإسلامي وبعد اصطلائه بنار المحن والعذاب في سجون الطغاة.

وفيما يلي نقدم تعريفا موجزا بكتبه ونتحدث عنها حسب تاريخ صدورها:

1- مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر:

أعده في الأصل محاضرة ألقاه في مدرج كلية دار العلوم عندما كان طالبا في السنة فيها وقدمه إلى الحضور أستاذه محمد مهدي علام كما قدم الكتاب عندما دفعه سيد إلى المطبعة وقد أثنى ف تقديمه على سيد قطب وبين اعتزازه بأن يكون أستاذا له وأنه لو لم يكن له تلميذ سواه لكفاه ذلك سرورا كما بين في تقديمه إعجابه بجرأته الرشيدة واستقلاله بالرأي وعصبيته البصيرة وسجل توفيقه ف بحثه وإن خالفه في بعض آرائه واعتبره مفخرة من مفاخر دار العلوم.

وقال سيد قطب في تقديمه هذا مجهود ضئيل الحجم أعد ليكون محاضرة فحسب فلا يحتاج إلى مقدمة تبين أغراضه وتوضح أتجاهه فهو ذاته يصح أن يكون مقدمة لمبحث كامل في موضوعه هذا مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر وسيكون وقد بين في كتابه مهمة الشاعر في الحياة ومنزلة الشعر بين الفنون الجميلة ثم بين من هو الشاعر وفرق بينه وبين المصور تحدث عنه الخيال في الشعر وعن تناسق الخيال وتحدث عن ذوق الشاعر وأثر البيئة في الذوق والخيال وتحدث عن التعبيرات الشعرية وفرق بين التعبيرات الشعرية والتبعيرا تلانثرية وختمه بالحديث عن شخصية الشاعر صلته بالعصر الذي يعيش فيه ومكان العاطفة في نفسه وشعره وهو أول مؤلف نقدي له وكون أول مؤلفاته كتابا في النقد الأدبي له دلالة خاصة على تفتح مواهبه النقدية مبكرا.

وقد طبع كتابه عام 1933

2- الشاطئ المجهول:

هو أول ديوان مطبوع له وهو الأخير إذا لم يطبع دواوينه الشعرية الأخرى التي أعلن أنها تحت الطبع وقد صدرت طبعته الأولى في نياير 1935 وهو الكتاب الوحيد الذي لم يطبع طبعة أخرى لا في حياته ولا بعد استشهاده ولذلك أصبح الحصول على نسخة منه شبه مستحيل وقد طبع منه ألفا وخمسمائة نسخة وبلغ عدد صفحاته مائتين وثماني صفحات.

وحيث لم أتمكن من الاطلاع عليه رغم ما بذلت من جهد فسأكتفي للتعريف به بنقل فقرات من مقال محمود الخفيف في الرسالة ينقد به هذا الديوان.

ابتدأ سيد قطب ديوانه بمقدمة نقدية بقلمه هو نقل الخفيف بعض ما جاء فيها ففي الديوان نظريات علمية وفلسفية والشاعر ملم بها والشاعر متصل بالعوالم المجهولة تربط قواه الورحية بالوحدة الكونية الكبرى وللشاعر إحساس متيقظ بالزمن ومروره ويملأ الشغف بكشف المجهول والحيدث عن السر حيزا كبيرا في ديوانه والشاعر في هذا الديوان يقف موقف المصور في كثير من القصائد وفي الديوان ظاهرة تستحق التسجيل ذلك أن لونا من ألوان الموسيقى يتفشى كله كذلك تبدو في هذا الديوان صورة واضحة للتعبير الدقيقة المصور للأفكار.

القسم الأول من كتابه سماه ظلال ورموز نشر فيه بعض قصائده التي يحاول بها كشف المجهول مثل (الشعاع الخابي) و (خراب) و (في الصحراء) و (في خريف الحياة) و (غريب) و (الإنسان الأخير) و (الشاعر في وادي الموت) ولعله لهذا السبب أطلق عليه اسم (الشاطئ المجهول) حيث لم يتمكن م كشف سر الحياة المجهولة.

أما بقية ديوانه فيشتمل على بعض قصائد ريفية وقصائد غزلية وقصائد وطنية هي في الجملة جيدة تحس أنها صادرة حقا عن قلب ولقد أعجبتني بنوع خاص قصائده (توارد خواطر) و (سر انتصار الحياة) و (المعجزة) و (الليلات المعبوثة) وطربت كثيرا لها ولو نظر الشاعر أو الناقد سيد قطب معي نظرة حقلفهم السر في نجاحه في تلك القصائد التي يستحق من أجلها أطيب الثناء ولولا هنات في بعض تعبيراته لعدت هذه من عيون الشعر.

وبعض قصائده أنشدها وهو في رحلة الضياع ويبدو فيها قلقه وحيرته وشكه وضياعه ولذلك لم يرض عنه بعد اتجاهه الإسلامي ولعل هذا هو السر في عدم إعادة طبعه وقد قال يوسف العظيم عنه: غير أن أستاذنا في أخريات عهدنا به كان يصرح بأن الديوان أثر من آثار جاهليته وكم كان يجب أن تصل يده لكل ما جاء في كل نسخة وصلت أية بقعة في الأرض حتى يأتي عليه.

3- نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر:

عندما أصدر الدكتور طه حسين كتابه عن مستقب الثقافة في مصر عام 1937 قامت حوله ضجة كبيرة لأن الدكتور كان جريئا جدا في عرض آرائه التي تدعو إلى اعتبار مصر جزء من الحضارة الغربية وإلى أخذ هذه الحضارة بحلوها ومرها وخيرها وشرها وقام المفكرون والأدباء في مصر ينقدون هذا الكتاب ويظهرون زيفه.

وكان سيد قطب في طليعة من تصدوا لنقده فور صدوره، وكان نقده له من وجهة نظر تربوية لا إسلامية إذ راح يفند آراءه تربويا وتعليميا ونشر هذا النقد في حلقات مسلسلة في صحيفة دار العلوم وقد تبنت جريدة (الإخوان المسلمون) التي كانت تصدر في هذه الفترة تبنت هذا النقد ونشرته على صفحاتها وبعد انتهاء هذه المقالات جمعها سيد قطب في كتاب وأصدر طبعته الاولى عام 1939 يعرف سيد قطب بهدف الدكتور طه حسين من كتابه ولم يرسم هذا الكتاب الضخم سياسة التعليم فحسب أو سياسة الثقافة المدرسية فحسب ولكنه تجاوزها إلى ما بعد مراحل التعليم كلها إلى ثقافة المجتمع وعواملها إلى المسرح والخيالة والمذياع والصحافة وتجاوزها إلى الأدباء والجو الأدبي وإلى واجب الدولة والهيئات للبحث العلمي والنشاط الأدباء والجو الأدبي وإلى واجب الدولة والهيئات للبحث العلمي والنشاط الفكري وإلى كل ما يتصل بكلمة ثقافة بأوسع معانيها وفي أوسع حدودها ملائما بين كل مرحلة والتي قبلها والتي تليها.

ولم يكن سيد قطب معارضا لكل آراء طه حسين يقول وفي هذا الكتاب ما نوافق الدكتور فيه أشد الموافقة وفيه ما نخالفه فيه أشد المخالفة ومه ما يحتمل الأخذ والرد والزيادة والنقصان.

4- التصوير الفني في القرآن:

هو أول كتاب إسلامي له كما هو أساس مكتبته القرآنية وبه تعرف إلى القرآن فاضاء الإيمان جوانب نفسه ولولا هذا الكتاب ما عرفنا كيف ستكون مسيرة سيد قطب المستقبلية وقد صدرت طبعته الأولى في أبريل عام 1945.

وتكفينا هذه الإشارة إلى الموجز هنا لأننا سنخصص له دراسة مستقلة ستكون الكتاب الثاني من هذه السلسلة بعون الله.

5- الأطياف الأربعة:

صدرت طبعته الأولى عام 1945 عن لجنة النشر للجامعيين وقد اشترك في تحريره سيد قطب وإخوته: حميدة وأمينة ومحمد قطب حيث شغل كل منهم حيزا من الكتاب.

ابتدأت حميدة قطب الكتاب بقصتها (غربة) ثم مقطوعاتها (عبادة الحياة) وأيها القبر وغرور وقلب متمرد والحلم واليقظة وإلى المجهول والزمن الساحر وفي الليل وفي ضوء القمر واليد الخفية وعظمة الليل وأرنب يستغيث.

ثم تبعتها الطيف الثاني (أمينة قطب) التي ساهمت بقصصها المنوال المسحور ورحلة إلى ماضي وخريف وربيع و رسوله الفناء وثياب العيد وأختان.

ثم ساهم الطيف الثالث محمد قطب في صورته النفسية (ذكريات الطفولة) وقصته القصيرة (في الامتحان) وصورته النفسية ( بين الأرض والسماء ) و (الزمن).

وختم الطيف الرابع سيد قطب الكتاب بمقالات مختلفة الاتجاهات سبق له نشرها في مجلة (الرسالة) بدأها بأربع مقطوعات في رثاء أمه التي توفيق عام 1940 نشرها تحت عنوان (أماه) وأتبعها بلفتاته في (الزمن الساحر) وهتفاته في (الفاكهة المحرمة) وسبحاته في (التية) وصلواته في (عبادة الأصنام) وخطراته في (مع نفسي).

وقد أهدى هؤلاء الأطياف كتابهم إلى أمهم التي تاثروا كثيرا بوفاتها وقد عرف سيد قطب بالأطياف الأربعة بقوله: صبية وفتاة وفتى وشاب أولئك هم الأطيف الأربعة أخوة في الدم أخوة في الشعور كلهم أصدقاء وذلك هو الرباط القوي أنهم يقطعون الحياة كأنهم فيها أطيفا هم أنفسهم كل ما يملكون في الكون العريض كل ما يربطهم بالكون أن يتطلعوا غليه هنيهة ليردوه صورا في عالم المسحور أنهم أبدا يحلمون وقد يتفزعون في الحلم ولكنهم إليه يعودون.

وبعد أن يرسم صورة خاصة لكل طيف من الأطياف الأربعة يختم تعريفه بقوله: (أولئك هم الأطياف الأربعة وهذه خطراتهم في كتاب أها عصارة من نفوسهم وظلال حياتهم أنها أطيفا الأطياف والحق كما يقول وديع فلسطين في تعريفه بالكتاب إن كتاب الأطياف الأربعة ممتع يلتذ القارئ بقراءته حتى ليكاد يستعيد بعض فصوله مرات ومرات فإن الصور الخاطفة التي ساقها مؤلفوه والمشاعر السامية التي أودعوها صفحاته دلت على قدرة مشاعة بين أخوة أربعة وفظنة مشتركة بينهم ولباقى أدبية يتميزون بها ويتحلون.

6- طفل من القرية:

أصدرت لجنة النشر للجامعيين عام 1946 وأهدى الكتاب إلى الدكتور طه حسين صاحب كتاب الأيام وكان سيد قطب معجبا بكتاب طه حسين إلى حد كبير كما كان معجبا بكتاب توفيق الحكيم يوميات نائب في الأرياف وعلى منوالها نسج كتابه هذا.

وكتابه هذا صور ريفية قال في المقدمة هذه صورة من حياة القرية عاصرت طفولتي منذ ربع قرن من الزمان لم أنمق فيها شيئا ولم أصنع أكثر من نقلها من صفحة الذاكرة إلى صفحة القرطاس.

وقد سجل فيها حياته تسجيلا وافيها حيث صور بيئته في القرية ووضع أسرته الاجتماعي والاقتصادي والعلمي والسياسي كما صور المدرسة ونظامها ومدرسيها ومستوى التعليم فيها وصور الحالة الصحية في القرية واعقادات أهلها في المرض والعلاج وصور الخرافات السائدة في القرية عن العفارين والجن والرعب الذي تثيره هذه الخرافات في النفوس وصور الحالة الاجتماعية في القرية وعلاقات أهلها ببعض قوانين اللصوص فهيا وسرقاتهم وأنواع السرقات ودوافعها وأصحابها وصور المستوى الديني لأهل القرية واعتقاد أهلها بالأولياء الأحياء والأموات وصور حال الأحياء منهم وشخصيتاتهم وسلوكهم كما رسم صورة للقرية وحقولها ومزروعاتها ومياه الفيضان فيها والعمال الأغراب فيها ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي السيء.

وهو في تسجيل حياته في طفولته في القرية لم يرتب الحوادث ترتيبا تاريخيا وإنما اتبع فيها الطريقة التصويرية فكان فيها أقرب إلى الرسام المصور منه إلى الكاتب وقد استطعنا أن نعرف من صوره ملامح شخصيته في القرية وتركيبها وما أثر فيها.

وفصول الكتاب هي: المجذوب و (ضابط الجمباز) و (المدرسة المقدسة) و (بعثة طبية) و (سيد الحكيم) و (العفاريت) و (حركة ثقافية) و (قانون اللصوص) و (جمع الأسلحة) و (الحصاد) و (أحزان الريف) و (الرحيل).

وأكثر الفصول تسجيلا لحياته هي المدرسة المقدسة والعفارية و حركة ثقافية و أحزان الريف.

7- المدينة المسحورة.

ألفه في عام 1946 ونشرته له دار المعارف بمصر في سلسلة أقرأ وهي قصة خيالية رمزية ألفها علي غرار قصص ألف ليلية وليلة) حيث بعث (شهرزاد) و (شهريار) بطلا قصص ألف ليلة وليلة الأسطورية وراحت شهرزاد تقص على مسامع الملك شهريار قصة المدينة المسحور.

وقد تجلى في هذه القصة الخيالية موهبته القصصية ورأينا ف أسلوب جديد يختلف عن الأسلوب الذي عهدناه فيه كناقد أو أديب ذلك أنه ينطوي على سلاسة في السرد وإشراق في العبارة ويسر في التناول يبلغ في نفس القارئ وقلبه ووجدانه ما يحب أن يبلغه كاتب القصة من قراءه.

كانت شخوص القصة تتحرك وتتكلم وكان يختفي خلف المسرح وبيده الخيط الدقيقة يحرك به هذه الشخوص ويهمس لها بما يريد من معاني وأفكار لتنطق به ولكنه كان أحيانا يظهر من خلف المسرح ويقف أمام النظارة ويسمعهم بعض ماشعر وأفكاره من هذه المشاهد التي ظهرت فيه قولهك كم يفقد الإنسان حينما يفقد الأحلام إن هذا العالم ضيق ضيق تافه حقير حقير أن ما تبلغه الحواس لهو أمد قصير وإن لم يبلغه الوعي لهو أفق قريب وإن الخيال والأحلام ليبلغان بهذا المخلوق الإنساني المحدود أبعد الأماد وأوسع الحدود إلا ما أشقى الإنسان الذي لا يملك من هذا العالم إلا ما تبصره عيناه.

ومنها قوله: الحقيقة الكبرى لن تحدها نظرة جيل والواقع الأصيل لن يحصره إدراك فرد إن الحقيقة أعلى بكثير وأكبر بكثير من كل ما يتصوره فرد أو جيل وإن الواقع لأعمق بكثير وأفسح بكثير مما تحده الأبصار والحواس، وإن ما يسميه أبناء الفناء بالواقع والحقيقة أن هو إلا طرف صغير ضئيل من الواقع ومن الحقيقة أنهم لن يصلوا إلى شيء إلا بالوجدان والخيال والأحلام هذه هي الأشعة السحرية التي تكشف الأباد والأفاق.

وقد تأثر سيد قطب في مدينته المسحورة بينا بيع ثلاث كانت مصدر الهامة ومنطلق عطائه:

1- قصص ألف ليلة وليلة.

2- القصص الفرعونية الأسطورية الملئ بالحديث عن السحر والتمائم.

3- قصة أهل الكهف الواردة في القرآن الكريم حيث سحر المدينة وجمد الحياة فيها مئات السنين ثم دبت الحياة فيها فجأة ثم مات أهل المدينة جميعا بعد ذلك مباشرة تماما كأصحاب الكهف.

8- كتب وشخصيات:

هو ثالث كتاب نشره عام 1946 إذ سبقه (طفل من القرية ) و (المدينة المسحورة) وقد أهدى كتابه إلى الأدباء والشعراء والقصاصين والباحثين الذين نقد أعمالهم الأدبية وبين في إهدائه أن كتابه مرآة يرفها لهم ليروا فيها صفحتي الوجه.

وبين في تقديمه وظيفة النقد وأشار إشارة موجزة إلى وضع النقد في مصر في العصر الحيدث كما بين عمل الناقد على وجه التحديد وأنه يتحدد في ناحيتين: الأولى عمله في الجو العام وهو التوجيه والتقويم ووضع الأسس وتشخيص المذاهب وتصوير أطوارها ومناهجها.

والثانية عمله مع كل مؤلف وهو وضع مفتاحه في أيدي قرائه ليتعرفوا به على ملامح شخصيته.

يقول عن خطته في الكتاب على هذه الأسس سرت في هذه الفصول وأسميتها كتب وشخصيات لأنني حاولت أن أصور شخصية كل أديب تناولت أحد كتبه بالنقد فالكتاب وصاحبه في هذا الكتاب موصوفان مرسومان مميزان.

وكل فصول الكتاب سبق نشرها في المجلات في صورة مقالات.

قسم الكتاب إلى أقسام رئيسية:

القسم الأول أسماه (أصول النقد) تحدث فيه عن (النقد والفن) و(طريقة الأداء في الفن) و (الصور والظلال في الفن)

والقسم الثاني (في عالم الشعر) تحدث فيه عن (الوعي في الشعر) و (النفس الإنسانية في الشعر العربي) و (الطبيعة في الشعر العربي) و (نفحات من فارس) و(العقاد الشاعر) وقد ظهر في هذا في آراء في الشعر جديدة خالف فيها مخالفة صريحة أستاذه العقا بل وقنده في بعض آرائه وكانت هذه بذور مدرسته الأدبية الجديدة.

والقسم الثالث (في عالم القصة والرواية) تحدث فيه عن كثير من القصص والروايات الأدبية.

والقسم الرابع (في النفس والعالم) خصصه لكتب الدراسات النفسية والإنسانية.

والقسم الخامسي (في البحوث والدراسات) والقسم السادس (في التراجم والتاريخ). وقد نشر على غلاف الكتاب الأخير قائمة بالكتب التي ألفها أو التي ف طريقه إلى تأليفها وبلغت ثلاثة وعشرين كتابا.

9- أشواك:

قصة حب رمانسية ظهرت في مايون عام 1947.

وقد سجل فيها بأسلوبه الأديب الرفيع، وموهبة القصاص المصور حوادث قصة حب حقيقية بينه وبين فتاه قاهريةأحبها من كل قلبه فتقدم إلى خطبتها وراح يتخيل أحلامه عش الزوجية الهانئ وفي ليلة الخطبة وهو يلبسها خاتم الخطوبة – اعترفت له بأنها كانت على علاقة حب مع أحد الشبان وكان هذا النبأ هو الخطوة الأولى التي سار فيها الاثنان في طريق الأشواك هي تحب خطيبها الجديد وهو يحبها من كل قلبه وما يطيق الأشواك هي تحب خطيبها الجديد وهو يحبها فيها الاثنان في طريقة الأشواك هي تحب خطيبها الجديد وهو يحبها من كل قلبه وما يطيق فراقها أو الانفصال عنها ولكن كبرياءه لم تقبل ان يقترن بفتاة ليست عذراء القلب وتمزق بين هتاف قلبه ونداء كبريائه ألف جاذب يجذبه إليها وألف دافع يدفعه عنها وفي هذه الفترة أنشد قصائد فنية رائعة صادرة عن معاناة حقيقية صادقة.

وانتصرت كبرياؤه في النهاية وانفصل عنهأن وقلبه يتمزق ونفسه شاردة وقد تركت في نفسه أثرا بقي لفترة طويلة، وبقي يتحسس وخز الأشواك التي أدمته.

أما هي فقد اقترنت بشاب جديد وعاشت معه حياتها الزوجية وأما هو فقد بقي على حالته بدون زواج.

وقد ألف قصته (أشواك) يتحدث فيها تجربته معها ويصورها بمختلف مراحلها فأساس القصة واقعي حقيقي ولكنه أضاف إليها ما أوحاه إليه خياله بأسلوب تصويري رائع.

وقد أهدى قصته إلى صاحبته وشريكته في طريق الأشواك وقال في إهدائه: إلى التي خاضت معي في الأشواك فدميت ودميت وشقيت وشقيت ثم سارت في طريق وسرت في طريق جريحين بعد المعركة لا نفسها إلى قرار ولا نفسي إلى استقرار.

والقصة تحفة أدبية وفنية رائعة وقد أحدثت فور صدورها ضجة في دنيا الأدب والنقد لروعة الأسلوب الأدبي المؤثر الذي كتبت به.

10- مشاهد القيامة في القرآن:

صدرت طبعته الأولى في أبريل عام 1947 عن دار سعد مصر بالفجالة بالقاهرة وهو الكتاب الثاني في مكتبة القرآن التي كان ينوي أصدارها وقد ألفه على طريقة التصوير الفني فعندما أصدر كتاب التصوير الفني في القرآن عام 1945 الذي تحدث فيه عن فكرة التصوير وخصائصها في التصوير والتخييل والتجسيم والتناسق.. إلخ وآفاقها في القصة والمثل والحوادث الماضية ومشاهد الطبيعة ومشاهد القيامة إلخ وعند الحديث على مشاهد القيامة في التصوير الفني قال ومشاهد القيامة هي أكثر المشاهد تنوعا في القرآن حتى لهممت أن أفراد لها فصلا خاصا لولا تضخم الكتاب ثم صح عزمه على أفرادها بكتاب مستقل وهو هذا الكتاب.

وقد استعرض في كتابه (خمسين ومائة مشهد موزعة في ثمانين سورة)

والمشاهد التي استعرضها هي التي تتفق مع تعريفه للمشهد وهو الذي تتوافر فيه الصورة والحركة والإيقاع أما المواضع التي ورد فيها ذكر اليوم الأخر مجردا أو ذكر الجنة تجري من تحتها الأنهار أو ذكر العاب الأليم أو المهين أو العظيم دون أن يرتسم منها مشهد شاخص أو متحرك فلم أتعرض لها وهي كثيرة جدا فلا تكاد سورة واحدة من سور القرآن تخلو من ذكر أو إشارة أو تلميح وكذلك أغفلت القليل من المشاهد القصيرة.

وقد بين طريقته في استعراض المشاهد وتبوبيها وهي: الطريق الاستعراضي مراعيا الترتيب التاريخي على قدر الإمكان لورودها فعرضتها بترتيب السور التي وردت فهيا ورتبت هذه السور حسب نزولها وذلك عمل تقريبي لأجزم فيه وقد عدل عنه كتابة (الظلال) حيث فسر السور القرآنية حسب ترتيبها في القرآن لا حسب نزولها.

خصص الفصل الأول من المشاهد للحديث عن العالم الأخر في الضمير البشري) حيث استعرض فيه هذه الفكرة استعراضا سريعا عند الوثنيات والجاهليات القديمة وعند الأمم الأولى: المصريين القدماء، والفرس والإغريق والرمان، وعند اليهود والنصرانية.

وخص العالم الأخر في القرآن بفصل مستقل تحدث فيه عن سمات هذا العالم كما وردت في القرآن.

11- روضة الطفل:

سلسلة ألفها سيد قطب بالاشتراك مع أمينة السعيد ويوسف مراد وأصدرتها دار المعارف بمصر وقد صدر منها حلقتان: الأولى أرنبو والكنز) والثانية (كتكتت المدهش) ونالتا إعجاب الأطفال.

ولم أتمكن رغم ما بذلت من جهد من الحصول على هاتين القصتين ولا معرفة ما إذا أصدر حلقات أخرى من هذه السلسلة.

12- القصص الديني:

سلسلة قصص دينية كتبها للأطفال، بالاشتراك مع عبد الحميد جودة السحار.

وبما أنني لم أتمكن من الاطلاع على هذه السلسلة ولا معرفة عدد حلقاتهأن فسأكتفي ينقل تعريف يوسف العظيم لها: تناول فيها أنبياء الله نبيا نبيأن وأكثر من الحديث عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بأسلوب قصصي جذاب، يستميل به عقل الطفل ونفسه، وينمي في فكره الخلق والفضيلة والمثل من خلال حكاية تحكى أو قصة تروى في يسر وسهولة وإشراق.

وابداع أستاذنا سيد تقوم على جمال العرض وسهولة الكلمة تسلسل الفكر منذ آدم أبا البشر ونبيا حتى محمد صلوات الله عليه خاتما للأنبياء والمرسلين.

وقصة الرسول الكريم منذ ولد حتى التحق بالرفيق الأعلى.

13- الجديد في اللغة العربية:

وقد ألفها بالاشتراك مع آخرين ويبدو أنه كتاب منهجي قررته وزارة المعارف على المدارس كمنهج دراسي للغة العربية.

14- الجديد في المحفوظات:

ألفه مع آخرين وهو كتاب منهجي آخر، مقرر على المدارسي التابعة لوزارة المعارف كمنهج دراسي للمحفوظات.

وهذه الكتب الأربعة، كتب تربوية له، تتعلق بالتربية والتعليم ولم أتمكن من الاطلاع عليها لمعرفة موضوعاتها لأنها لم تعد طباعتها كسائر كتبه ولم توجد في الأسواق أو المكتبات نسخ عن طبعاتها الأولى.

15- النقد الأدبي أصوله ومناهجه:

أصدر سيد قطب كتابه (النقد الأدبي) في يونية 1948 وقد ضمنه آخرآرائه النقدية وهو الكتاب النقدي الرابع والأخير له وفي كتابه هذا تظهر أصالة سيد قطب في النقد، وقد ارسى به دعائم مدرسة أدبية جديدة في النقد والشعر والفن، وكان هو رائدها وكان متوقعا أن يدعمها بالمزيد من دراساته وبحوثه ونظراته لولا أنه أنصرف عن هذه الناحية، إلى الاهتمام بالفكر الإسلامي والعمل الإسلامي، وانصرف عن علام الأدب والنقد وهو في قمة العطاء والحيوية والفاعلية ليدخل عالم الفكر الإسلامي الذي انتهى به إلى الريادة والقيادة والشهادة.

قسم كتابة إلى قسمين:

القسم الأول خصصه للحديث عن أصول النقد الأدبي، وقد تحدث فيه عن العمل الأدبي وصلته بالحياة كما تحدث عن القيم الشعورية والقيم التعبيرية في العمل الأدبي وبين أنه لا انفصال بينهما وإنما هما مرحلتان متعاقبتان القيم الشعورية تحدث أولا في النفس وتنتج عن تجربة شعورية ومعاناة حقيقية ثم تليها القيم التعبيرية حيث يعبر الأديب، وهو في حالة شعورية متوهجة، يعبر عما عاناة وأحس به فتكون هذه التعابير صادقة في الدلالة على شعور صاحبها.

وقد تحدث في القيم التعبيرية عن الألفاظ وكيفية دلالتها على المعاني الذهنية أولأن ثم على الصور والظلال المصاحبة لها ثانيا ثم بين كبيف يستخدم الأديب الناجح الصادق الألفاظ للدلالة على تجاربة الشعورية وقد استفاد سيد قطب في هذا الفصل عن القيم الشعورية والقيم التعبيرية استفاد من طريقة القرآن الكريم في التعبير وهي طريقة التعبيرية استفاد من طريقة القرآن الكريم في التعبير وهي طريقة التصوير تلك الطريقة التي خصص كتابة (التصوير الفني في القرآن لبيانها).

ثم تحدث عن فنون العمل الأدبي وهو الشعر والقصة والأقصوصة والتمثلية والترجمة والسيرة والخاطرة والمقالة والبحث وقد خالف في كلامه على هذه الفنون بعض آراء المدارس الأدبية المعاصرة.

والقسم الثاني من الكتاب خصصه للحديث عن مناهج النقد الأدبي وهي المنهج التاريخي والمنهج النفسي والمنهج المتكامل وقد تحدث عن قواعد كل منهج ومن اعتمده من الأدباء والنقاد العربي في التقديم والحديث قواعد كل منهج ومن اعتمده من الأدباء والنقاد العرب في القديم والحديث واستشهد بأقوالهم وبين المآخذ كل منهم ثم بين أنه بفضل المنهج المتكامل الذي يجمع حسنات المناهج الثلاثة كلها ويتلافى المآخذ التي أخذت عليه.

16- العدالة الإجتماعية في الإسلام:

ألف كتابه هذا قبل إيفاده إلى أمريكا وقبل سفره عهد إلى شقيقه محمد قطب بمهمة طبعه، وقد صدرت طبعته الأولى في أبريل 1949وهو أول كتاب له في الفكر الإسلامي والكتابان الإسلاميان اللذان سبقاه وهما (التصوير الفني في القرآن) و (مشاهد القيامة في القرآن) كتابان أدبيان عنى فيهما بييان طريقة القرآن في التعبير، والوقوف على خصائص أسلوبه.

قلنا سابقا أن سيد قطب أقبل أول مرة على القرآن يطالعه لدواع أدبية، عندما كان يعد كتابه التصوير الفني في القرآن) ولكن الرجل فوجئ بوجود قواعد ومناهج في هذا القرآن تصلح أساسا لإنشاء مجتمعات وإقامة حياة وقد استرعت هذه انتباهه وشدته إليها شدأن فكتب عنها ملاحظات صغيرة، وراح يكمل بحوثه وكتبه الأدبية التي أشرنا إليها وفي نيته أن يعود إلى هذه القواعد والمناهج ليدرسها ويتمعن فيهأن ويظهرها للناس، ويحاول أن يجعلها الأسس المتينة لإقامة المجتمع الإسلامي المنشود.

وقد أختار ميدان العدالة الاجتماعية يكتب فيهأن ويبين منهج القرآن في إقرارها وقواعده في تحقيقها لأن البلاد كانت تمر في مرحلة اجتماعية حرجة فقد خرجت مصر من الحرب العالمية الثانية محطمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيأن وتزلزلت بنية المجتمع المصري فبالإضافة إلى طبقات الإقطاعيين ولاباشوات وكبار الملاك الذين استحوذوا على غالبية الثروة في البلاد ظهرت طبقات أغنياء الحرب والمستغلين والمنتفعين وبقيت غالبية الشعب المصري في فقر مدقع لا تجد قوت يومها وتبيت ليلتها طاوية وحدثت هزات اجتماعية وانتشر المتسولون وقطاع الطرق، وراح الشعب يئن تحت وطأة الظلم الاجتماعي.

ونشط الشيوعيون في مصر في الدعاية لمذهبهم وراحوا يمنون الفقراء والعمال والفلاحين المعدمين بجنتهم الموهومة ويزيتون لهم الشيوعية فأقبل عليها الناس ومعروف أن دعاة الشيوعية كالحشرات والديدان لا تنشط إلا على الأوساخ والنفايات.

كان سيد قطب يعيش هذه المأساة ويزعجه المظاهر الاجتماعية الشائهة ويزعجه نشاط الشيوعيين فراح يبشر بالعدالة الاجتماعية التي وضع يديه على خطوطها العريضة في القرآن وأنشأ مجلة الفكر الجديد التي بشر فيها بهذه العدالة ونقد فيها المظاهر الاجتماعية الشائهة وحارب الشيوعيين والقصر والطبقات التي تتحكم في البلاد.

ثم أكب على القرآن الكريم، وظهر مناهجه وقواعده في العدالة الاجتماعية وبين للشعب الفقير المحروم المظلوم أن العدالة الاجتماعية الصحيحة الصادقة ليست عند الشيوعيين ولا عند الغربيين وإنما هي واضحة في الإسلام وإن الإسلام وحده هو طريق الخلاص مما يعانون من ظلم اجتماعي وفقر اقتصادي.

وقد أحدث كتابه (العدالة الإجتماعية في الإسلام) فور ظهروه ضجة في مختلف الأوساط فالأوساط الشيوعية اعتبرته عدوها الرئيسي لأنه يفتح عيون الشعب المرحوم المظلوم على باب جديد للعدالة الاجتماعية غير الباب الذي يدعونهم هم إليه.

والأوساط الحكومية الرسمية، اعتبرته انتصارا لخصومهم (الإخوان المسلمون) الذين كانوا في هذا الوقت وراء جدران السجون والمعتقلات وكان سيد قطب قد أهدى كتابه إلى طليعة الشباب المؤمن المجاهد الذين يلمحهم بعين الخيال قادمين ليرفعوا عن الشعب ألوان الظلم والحرمان ويعيدوا المجتمع الإسلامي حقيقة واقعة وللحقيقة نقول إنه لم يكن يقصد في هذا الإهداء جماعة الإخوان المسلمون بعينها وإنما يرى أن وجود هؤلاء الشبان أمر ضروري تحتمه طبيعة الظروف الراهنة وهو ما لمسه بعد ذلك متمثلا في جماعة الإخوان المسلمين ولكن الحكومة ظنت أنه يقصد بإهدائه هذا الجماعة فصادرت الكتاب بعد ما طبع، ولم تسمح له بالظهور إلا بعد إلغاء الإهداء.

والأوساط الإسلامية اعتبرته فتحا جديدا في المكتبة الإسلامية، ونصرا مؤزرا للفكر الإسلامي في صراعه مع الأنظمة الفكرةي الأخرى واعتبرت مؤلفه مفكرا إسلاميا كبيرا يتمتع بالإيمان والصدق والإخلاص مما قرب المسافة بينه وبين الحركة الإسلامية لقد كان الكتاب إرهاصا لأنضمام صاحبه إلى الحركة الإسلامية بعد ذلك.

طبع كتابه عدة طبعات في حياته والطبعة الأخيرة هي الطبعة السادسة التي صدرت عن درا إحياء الكتاب العربية بالقاهرة عام 1964 وهي طبعة جديدة منقحة أضاف إليها آخر أفكاره وحذف منها بعض الأفكار الأخرى التي تبين له خطؤها ومما أضافه إليها فصل التصور الإسلامي والثقافة وهو أحد فصول (معالم الطريق).

17- معركة الإسلام والرأسمالية:

انقطع سيد قطب عن التأليف طوال عامين، أثناء وجوده في أمريكا وعندما عاد إلى مصر وجد الأوضاع الاجتماعية والسياسية تزداد سوءا وفي هذه الفترة تعرف على جماعة الإخوان المسلمين وانخرط في صفوفهم وفي فبراير 1951 ألف كتابه معركة الإسلام والرأسمالية وقد صدر عن دار الكتاب العربي بمصر.

وبما أنه يتحدث في كتابه عن المعركة الطاحنة بين الإسلام والرأسمالية فقد كتبه بأسلوب المعركة وهو أسلوب قوي موح، أسلوب الحدة والثورة، والجرأة، وكأنه يصدر بلاغات عن سير المعركة، ويحدد المشتركين فيها ويعرف بصفاتهم وملامحهم.

أطلق في الفصل الأول (صيحة النذير) في وجوه المتحكمين: أن الوضع الاجتماعي السيء في البلاد لابد أن يتغير ولابد من حدوث هزة تزلزل البنية الاجتماعية بكاملها.

وفي الفصل الثاني (أني أتهم) توجه بأصابع الاتهام إلى الأوضاع الاجتماعية القائمين عليها بأنها تشل قوى الأمة عن العمل والإنتاج وأنها تهدر الكرامة الإنسانية وأنها تشيع الفساد في المجتع وأنها تدفع الشعب دفعا للارتماء في أحضان الشيوعية.

وفي فصل (في الإسلام خلاص) بين وبوضوح أن الإسلام وحده هو القادر على علاج كافة المشكلات الاجتماعية الخطيرة والقضاء على كافة المظاهر الاجتماعية الشائهة وإيجاد الحلول الناجعة هذا إذا استلم سدة الحكم وتسلم القيادة والتوجيه.

وفي فصل (شبهات حول حكم الإسلام) عالج بعض هذه الشبهات وقضي عليها مثل (بدائية الحكم) و (حكم المشايخ والدراويش) و طغيان الحكم وغموض النصوص والحريم والأقليات.

وفي الفصل الأخير (عدوات حول حكم الإسلام) كشف عن هذه العداوات بين بواعثها وأظهر خفاياها وأبان عن خطرها واستعرض أهم أصحابها (عداوات الصليبيين) و (عداوات المستعمرين) و (عدوات المستغلين والطغاة) و (عداوات المحترفين من رجال الدين) و (عداوات المستهترين والمنحلين) و (عداوات الشيوعية والشيوعيين)

18- السلام العالمي والإسلامي:

صدر في أكتوبر عام 1951 عن دار الكاتب العربي بالقاهرة ألف سيد قطب كتابه هذا في فترة اضطراب عالمي اضطراب في الأحوال السياسية وتغير معدلاتها وموازينها ومراكز الثقل الدولية فيهأن واضطراب في الأحوال الاجتماعية وتمزق الروابط بين كافة أفراد المجتمع الدولي تمزق الروابط بين أفراد البيت والأسرة والمدينة والقطر واضطراب في الأحوال الاقتصادية وسوء توزيع الثروات وتفشي الأمراض الاقتصادية كالربا والاستغلال والاحتكار والمشاكل والأزمات الاقتصادية الدورية.

وقد عانى العالم كله من حربين عالمييتين أكلتا الأخضر واليابس وراح ضحيتها الملايين من القتلى والملايين من الجرحى ومئات الملايين من الأموال التي انفقت فيها ونتجت عنها الأثار الخطيرة في كافة المجالات والأنشطة نتج عنها القلق والأمراض النفسية ونتج عنها الفساد الأخلاقي وتغير الموازين والمقاييس والمعايير الأخلاقية ونتج عنها تغير المعادلات الدولية هزيمة دول عظمى وظهور أمم أخرى فتية وأكتوت الإنسانية كلها نبار هذه الحرب وظهرت فيها آثارها ونتائجها بشكل واضح.

ولم يصل المجتمع العالمي إلى السلام بعد هاتين الحربيين العالميتين بل استمرت الحرب الباردة بين الدول العظمى وتوزعت الكتلتان الشرقية الروسية والغربية الأمريكية اقتسام باقي العالم وبسط نفوذهما عليه.

ولم يتحقق تبعا لذلك السلام السياسي والاجتماعية والنفسي والاقتصادي.

وسيد قطب الذي عاصر هاتين الحربين وأحس بالمشاكل الدولية المختلفة ورأى بؤر الصراع التي تهدد بنشوب حرب عاليمة ثالثة أو حروب محلية مختلفة وشاهد القلق والاضطراب مرتسما على الوجوه البشرية وعاين الأثار الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن هذا كله.

ووازن بين هذا الاضطراب العالمي وبين السلام الذي يحققه الإسلام فقدم خدمة عظمى للبشرية المنكودة وأظهر فيها ملامح هذا السلام في الإسلام حيث تحدث عن أثر العقيدة وويفتها وتحدث عن سلام الفرد مع نفسه وضميره وسلام البيت وسلام المجتمع وسلام الدولة والسلام الدولي وبين أن هذا كله لا يتحقق إلا بالإسلام وبين في كتابه أن التكتلات المستفيدة من الحروب هي التي تحول بين البشرية وبين السلام ولذلك فهي تحارب الإسلام وبعنف كي تحجب نوره عن العالم وقد ضاقت المخابرات الأمريكية بتحليلات سيد قطب السياسية الموفقة في الكتابة فأوحت إلى الحكومة المصرية بحذبف هذه التحليلات من طبعاته اللاحقة.

19- في ظلال القرآن:

عند ما ألف سيد قطب كتابه (التصوير الفني في القرآن) عام 1945و بين فيه طريقة القرآن في التعبير وأظهر فيه المجال الفني المتناسق العجيب كانت إحدى أمانيه في ذلك الوقت أن يعرض القرآن كله في ذلك الضوء وأن يتناوله سورة سورة وآية آية، يبين فيه خصائص وسمات هذا الجمال الفني ويظهر آفاقه ومجاله ويسجل ما تحسه نفسه وما يتذوقه قلبه وما توحيه إليه خواطره من هذا الجمال المعجز وبقيت هذه الأمنية كامنة في شعوره فترة من الوقت طويلة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 1951 أصدر سعيد رمضان مجلة المسملون وكانت مجلة فكرية شهرية، ويكتب فيها قادة الفكر والرأي في العالم الإسلامي وطلب سعيد رمضان من سيد قطب أن يشترك فيها بمقال شهري، وأبدى رغبته أن لو كان هذا المقال في موضوع مسلسل أو تحت عنوان دائم.

وفي هذا الوقت ظهرت رغبة سيد قطب الكامنة وقفزت إلى ذهنه فصار يفسر القرآن تحت عنوان دائم (في ظلال القرآن)

كتب الحلقة الأولى في العدد الثالث من المجلة في شهر فبراير شباط 1952 وابتدأ بسورة الفاتحة ثم ثنى بسورة البقرة وقد نشر في المجلة سبع حلقات.

وفي نهاية الحلقة السابعة في العدد التاسع من المجلة أعلن عن إيقاف نشر هذه الحلقات في المجلة لأنه سوف يقوم بتأليف التفسير وطبعه في كتاب مستقل في أجزاء تظهر تباعا وقال: بهذا الدرس ينتهي ما قدر له أن ينشر من هذه السلسلة في (المسلمون) وذلك أن (في ظلال القرآن) ستنشر مستقلة في ثلاثين جزءا على التتابع تظهر كل حلقة على رأس كل شهرين ابتداء من شهر سبتمبر القادم بإذن الله تنشرخا دار إحياء الكتب العربية لعيسى الحلبي وشركاه أما (المسلمون) فتأخذ في نشر بحث آخر تحت عنوان (نحو مجتمع إسلامي).

وفعلا ظهر الجزء الأول من (الظلال) في أكتوبر عام 1952.

وقد وفي سيد قطب بتعهده مع القراء، حيث راح بهمة عجيبة يصدر كل شهرين جزءا من هذه الظلال بل كان يزيد على هذا أحيانا ويصدر الجزء من الظلال في أقل من شهرين وفي الفترة الواقعة ما بين أكتوبر 1952 إلى أول يناير 1954 كان قد أصدر ستة عشر جزءا من الظلال أي في سنة وأربعة أشهر.

وقد اعتقل سيد قطب للمرة الأولى مدة ثلاثة شهور من يناير إلى مارس 1954 وأصدر وهو في السجن الجزأين السابع عشر والثامن عشر.

وبعد ما خرج من السجن لم يصدر أجزاء جديدة، حيث أشرف على مجلة الإخوان المسلمين وكان مهتما بأمور الدعوة، ولم تسمح له كثرة المشاغل أن يصدر من (الظلال) شيئا.

ولم يلبث طويلا خارج السجن إذ أعيد إليه هو والألوف من أفراد (جماعة الإخوان المسلمين) في نوفمبر 1954.

وفي الفترة الأولى من سجنه لم يكتب شيئا من (الظلال) لأنه كان ينقل من سجن إلى أخر وقد صب عليه من صنوف العذاب ووسائل التعذيب مالا يوصف ولم يستطع معها أن يكتب شيئا.

وبعد أن صدر عليه الحكم بالسجن خمسة عشر عاما وتوقف عنه التعذيب واستقر في السجن وتكيفت نفسه مع الوضع الجديد، انصرف إلى إكمال ما بدأ به وكتب الأجزاء الباقية من الظلال.

كانت اهتمامات سيد قطب في غالبية الأجزاء من الأول إلى السابع والعشرين من الطبعة الأولى كما حددها هو في مقدمة هذه الطبعة بقوله:

وما جاوزت أن أسجل خواطري وأنا أحيا في تلك الظلال كل ما حاولت ألا أغرق نفسي في بحوث لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحي وتحجب روحي عن القرآن، وما اتسطردت إلى غير النص القرآني ذاته من خاطرة روحية أو اجتماعية أو إنسانية وما أحفل القرآن بهذه الإيحاءات كذلك حاولت أن أعبر عما خالج نفسي من إحساس بالجمال الفني العجيب في هذا الكتاب المعجز ومن شعور بالتناسق في التعبير والتصوير.

وفي الأجزاء الثلاثة الأخيرة من الظلال بدأ يبرز عند سيد قطب الاتجاه الحركي الذي تولد عنده نتيجة لتجربته العملية في الحركة بالإسلام ونتيجة لنظراته المتجددة في القرآن وكان لابد من أن يعيد النظر في (الظلال) ويعيد كتابته على أساس من اتجاهاته الحركية الجديدة.

فكان أن أصدر سيد قطب الطبعة المنقحة من الظلال وهي الطبعة الثالثة وقد أصدرتها دار إحياء الكتب العربية في القاهرة.

كتب سيد قطب الأجزاء العشرة الأولى من الطبعة الثالثة المنقحة بتركيز شديد وكان يقف عند الآيات طويلا ويسجل حولها كل خواطره ويتعرض للحديث عن ما تشير إليه من أمور في العقيدة أو الفقه أو التشريع أو المعاملات أو السياسة أو الاقتصاد أو التاريخ أو الفلسفة أو التربية أو الاجتماع أو غير ذلك ويقف طويلا على إيحاءاتها الحركية، ويسجل للعاملين للإسلام موحياتها ويرسم لهم على ضوئها معالم الطريق كما كان أكثر تركيزه على قضايا العقيدة وبخاصة الألوهية والحاكمية والتشريع.

ولذلك تضاعف حجم الطبعة المنقحة هذه إذ كان حجم الجزء منها يزيد على ضعف حجمه في الطبعة الأولى.

وكان الجزء السابع أكثر هذه الأجزاء العشرة تركيزا إذ توسع في الحديث على قضايا العقيدة أثناء مقدمته المطولة لسورة الأنعام.

وفي الأجزاء الثلاثة الباقية من الحادي عشر حتى الثالث عشر، لم يقف طويلا عند الآيات لأنه قال أكثر ما يريد قوله في الأجزاء العشرة الأولى ومع ذلك جاءت موسعة أكثر منها في الطبعة الأولى وكتبها على نفس المنهج الذي كتب به الأ<زاء العشرة وكان النضوج واضحا في أفكاره في هذه الأجزء وقد كتب هذه الأجزاء الثلاثة الأخيرة في الفترة التي أطلق فيها سراحه وهي بضعة شهور من عام 1965.

وقد كان سيد قطب يتمنى أن يعيد كتابة باقي الأجزاء من الثالث عشر إلى السابع والعشرين على هذا المنهج الجديد، ويترك الأجزاء الثلاثة الأخيرة بدون إعادة لأنها كتبت على ضوء هذا المنهج ولكن الطغاة عجلوا بالقضاء عليه قبل أن يحقق هذه الأمنية التي ضاعت مع الكثير من أمانيه الأخرى وحالت المؤامرة المرسومة للقضاء عليه بينه وبين تحقيقها.

قبل إدخال سيد قطب السجن في المرة الأولى كان قد تعاقد مع دار إحياء الكتب العربية على نشر (الظلال) ولما أدخل السجن منع من الكتابة ورفعت الدار الناشرة دعوة على الحكومة تطالبها بدفع تعويض قيمته عشرة آلاف جنيه لأنها تضررت من عدم السماح لسيد قطب بالكتابة وأراد الله (للظلال) أن يظهر فسمحت الحكومة لسيد قطب بالكتابة في (الظلال) وعينت الشيخ محمد الغزالي رقيبا دينيا يعرض عليه ما كتبه سيد قطب قبل طبعه، وباشر الغزالي مهمته، وصارت تعرض عليه كتابات سيد قطب وقد أجاز الغزالي كل ما كتبه وأذن له بالطبع ولم يحذف إلا فقرات من تفسير سورة البروج أشار فيها قطب إلى التعذيب الذي لاقاه هو والمجاهدون في السجون.

هذه هي المراحل التي مر فيها تأليف (الظلال) باختصار.

لم يعتبر كتابة تفسيرا للقرآن فقط لذلك أطلق عليه اسم في ظلال القرآن وهو لم يتكلف إطلاق هذا العنوان عليه عندما بدأ في كتابته.

واعتبر كتابه تسجيلا لحياة هانئة عاشها (في ظلال القرآن) يقول: (في ظلال القرآن عنوان لم أتكلفه فهو حقيقة عشتها في الحياة) وكانت تعن له في هذه الحياة خواطر في العقيدة وخواطر في النفس وخواطر في الحياة وخواطر في الناس كنت أكتفي بأن أعيشها ولا أسجلها ويقول عن (ظلاله) وبعد: فقد يرى فريق من قراء هذه الظلال أنها لون من تفسير القرآن وقد يرى فريق آخر أنها عرض للمبادئ العامة للإسلام كما جاء بها لاقرآن وقد يرى فريق من قراء هذه الظلال أنها لون من تفسير القرآن وقد يرى فريق آخر أنها عرض للمبادئ العامة للإسلام من تفسير القرآن وقد يرى فريق ثالث أنها محاولة لشرح ذلك الدستور الإلهي في الحياة والمجتمع وبيان الحكمة في ذلك الدستور أما أنا فلم أتعمد شيئا من هذا كله وما جاوزت أن أسجل خواطري وأنا حيا في تلك الظلال.

وفي الحقيقة أن (الظلال) ليس تفسيرا للقرآن بالمعنى التقليدي لكلمة تفسير وإنما هو موسوعة تعرض فيها سيد قطب لكافة فنون المعرفة والثقافة على ضوء الإسلام وعلى منهج القرآن كما تعرض لمناهج الحياة في الإسلام المناهج السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والحركية والأهم من هذا كله أن (ظلال ) حياة في (ظلال القرآن) بكل ما تحمله كلمة حياة من معنى أنه وهو يتحدث عن الأيات يتحدث عن حقيقة لمسها وحياة عشاها وتجربة واقعية مر بها وحلاوة تذوقها ونعمة أحس بها ولذلك هو ليس تفسيرا للقرآن فقط بل هو اكثر من التفسير بكثير.

ولقد لفي (الظلال) رواجا كبيرا في مختلف أرجاء العالم الإسلامي لأن صاحبه يتحدث عن تجربة ويصف حياة وقد بذل نفسه في سبيل ما يؤمن به وقد طبع عدة طبعات باللغة العربية منها الأصلية ومنها المسروقة ومن أهم هذه الطبعات الطبعات اللبنانية التي ظهر فيها في ثمانية مجلدات ضخمة وطبعة دار الشروق الأخيرة التي ظهر فيها في ستة مجلدات ضخمة.

وقد صدر عن الظلال دراسات قيمة وجيدة منها (فقه الدعوة) جمع أحمد حسن و (طريق الدعوة في ظلال القرآن) جمع أحمد فائز في جزءين و (الوم الأخير في ظلال القرآن) لأحمد فائز أيضا.

20- دراسات إسلامية:

صدرت طبعة الأولى عن مكتبة لجنة الشباب المسلم عام 1953، والكتاب عبارة عن مقالات إسلامية مختلفة كتبها سيد قطب في أوقات مختلفة ونشرها في مجلات مختلفة مثل الر سالة والكتاب والدعوة في الفترة ما بين عام 1950 وعام 1953.

وقد بلغ مجموع هذه المقالات التي ضمها الكتاب ستا وثلاثين مقالة منها خذوا الإسلام جملة أو دعوة) و (إلى النائمين في العالم الإسلامي) و (إسلام أمريكاني) و (ضريبة الذل) والعبيد وقوة الكلمة وسلسلة المسلمين متعصبون وحسن البنا وعبقرية البنا.

وقد قدم الكتاب محب الدين الخطيب واعتبر أهم مميزات أدب سيد قطب هي القوة وأطلق على أدبه لقب (أدب القوة) وبين كيف أن قوة الكلمة أزعجت قوى الطغيان في البلاد وتمنى على سيد قطب أن يصدر كتابا مثله في مطلع كل عام يتحف به القراء والمثقفين والعاملين.

21- هذا الدين:

بعد أن أدخل الإخوان المسلمين في سجون عبد الناصر ولاقوا صنوف من التعذيب والعذاب وفجعو في أمالهم وأمانيهم فقد البعض منهم الثقة بنفسه أولا وبهذا الدين وقدرته على مواجهة الجاهلين ثانيا وبإمكانية تحقيقة غاية الحركة الإسلامية القريبة ثالثا.

أدرك سيد قطب وهو القائد المربي، ما يعانيه إخوانه وما تختلج به نفوسهم وخشي أن تكون النتائج سيئة، أن تؤدي بهم إلى ترك راية الجهاد فألف كتابه (هذا الدين) يبين فيه خصائص هذا الدين وأنه منهج للبشر وأن الله قادر على أن ينصره بجنود من الملائكة ولكنه شاء أن ينصر بجهود البشر لحكم كثيرة وأن هذا الدين منهج متفرد لا يماثله منهج آخر وأنه منهج ميسر لا عسر فيه ولا مشقة ويسهل على النفوس الجادة النهوض بتكاليفه وأنه منهج مؤثر يحدث أثره الفعال في النفس والمجتمع متى ما حملته نفوس صادقة عزنت على التضحية.

كما بين أن لهذا الدين رصيدا من النجاح، وأن هذا الرصيد يتمثل في رصيد الفطرة لأنه بعقيدته وشريعته ونظامه يوافق الفطرة الإنسانية المستقيمة كما يتمثل في رصيد شريعته ونظامه يوافق الفطرة الإنسانية المستقيمة كما يتمثل في رصيد التجربة حيث ن مبادئه ليست مثالية خيالية غير صالحة للتطبيق العملي الواقعي فقد طبق ونجحت التجربة وكانت الفترة المحدودة التي طبق فيها أثقل من عمر البشرية كلها وأكثرها سعادة وطمأنينة.

إن كتاب (هذا الدين) يعتبر مرحلة جديدة في فكر سيد قطب وأسلوبه فهو بداية اتجاهه الحركي الإسلامي حيث أدرك به الخصائص الحركية لهذا الدين وبهذا أظهر أن المستقبل لهذا الدين وكما كان كتاب التصوير الفني في القرآن) اساس منهجه الجمالي الفني في فهم القرآن وتفسيره جماليا كذلك كان كتاب (هذا الدين) بداية استخدامه المفتاح الحركي لفتح كنوز القرآن الحركية المذخورة التي لم يطلع عليها قبل سيد قطب أحد سواه ولذلك رأيناه بعد تأليف هذا الكتاب يعيد النظر في الظلال ويصدر الطبعة الجديدة المنقحة منه على أساس منهجه الحركي في التفسير.

22- المستقبل لهذا الدين:

وهو يكمل مهمة الكتاب السابق (هذا الدين) فبعد أن أعاد ذلك الكتاب الثقة في نفوس العاملين ورسم لهم ملامح الإسلام وخصائص منهجه بين في هذا الكتاب أن المستقبل هو لهذا الدين.

كما بين كيف أن الإسلام منهج حياة شامل كامل يستوعب مختلف شؤونها على أسسه ومبادئه ويلبي كافة حاجات الإنسانية ولا يوجد أي دين يؤدي هذه المهمة وتتوفر فيه هذه الخصائص سواه ولذلك وبهذا الاعتبار فإن المستقبل أنما هو لهذا الدين فقط.

وتحدث في كتابة عن الفصام النكد الذي تم بين الديانة النصرانية المحرفة وبين العلم الحديث وأنه تم لملابسات خاصة هناك وأن الإسلام لن يقع خصاصم بينه وبين العلم كما بين أن الرجل الأبيض الذي يقود الحضارة الغربية قد انتهى دوره واستنفذت الحضارة الغربية أغراضها وسجل بعض صيحات الخطر أطلقها بعض علماء الغرب يحذرون فيها من المصير البشع الذي تقود الحضارة الغربية البشرية إليه وأعلن أنه لابد من مخلص يغير مسار القافلة ويخلصها من ما فيه وأنه لن يكون إلا الإسلام.

24- خصائص التصوير الإسلامي ومقوماته:

خصصه للحديث عن العقيدة الإسلامية وخصائصها وقد أعلن عنه أولا بسام فكرة الإسلام عن الكون والحياة الإنسان) ولكنه عدل عن هذا الاسم وأطلق عليه اسم خصائص التصوير الإسلامي) وقد جعل هذه الدراسة في قسمين القسم الأول عن (خصائص التصور الإسلامي) وقد جعل هذه الدراسة في قسمين: القسم الأول عن (خصائص التصور الإسلامي) والقسم الثاني عن (مقومات التصور الإسلامي) ولم يظهر من هذه الدراسة إلا القسم الأول فقط.

لقد أمضى سيد قطب وقتا طويلا وهو يبحث ويدرس حتى أخرج هذا الكتاب وقد استغرق تأليفه حوالي عشر سنوات من عام 1951 حتى عام 1960 ولا غرابة في ذلك فالعقيدة الإسلامية هي التي أنهت رحلة الضياع التي قطعها سيد قطب لفترة من الوقت وهي التي نقلت خطاه هذه النقلة البعيدة.

والكتاب من أعمق كتب سيد قطب وقد تحدث عن العقيدة بألوبة المعهود بسلاسة ووضوح وجاذبية وهو قد استفاد كثيرا من أسلوب القرآن في عرض العقيدة.

تحدث عن أسلوب القرآن في عرض العقيدة ثم بين الركام الذي أوجده البشر في إضافاتهم للعقيدة والتيه الذي ساروا فيه ثم تحدث ببيان ووضوح عن خصائص هذه العقيدة وهي: الربانية. الثبات. الشمول. التوازن. الإيجابية. الواقعية. التوحيد.

25- الإسلام ومشكلات الحضارة:

الحضارة المادية الغربية التي تسلمت قيادة البشرية في القرن العشرين حضارة بشرية جاهلية يقودها الشيطان وجنوده من الإنس والجن يقودون البشرية إلى الهاويةويدغدغون لها عواطفها وشهواتها ونزواتها وهي تسير معهم كالقطيع الذي لا يدري أين يذهب به صاحبه وقد أنتجت هذه القيادة الجاهلية الشيطانية للحضارة مشكلات إنسانية أوقعت فيها البشرية وصارت البشرية وبخاصة المفكرون والمصلحون يتخبطون في حل هذه المشكلات الحضارية ولكنهم فشلوا في إيجاد الحلول الناجعة.

وسيد قطب الذي عرف هذه الحضارة عن كثب وعايشها قرابة أربعين عاما وتحسس مشكلاتها القاتلة ورأى جهود المصلحين في حلها كأنها عبث أطفال وهو من جهة ثانية تعرف إلى الإسلام، الدين الإلهي الخالد، الذي حفظه الله من التحريف وجعل إصلاح البشرية مقصورا عليه. سيد قطب الذي عرف هذا الإسلام وعرف دوره في إصلاح البشرية والأمال التي تعلقها عليه.

ألف كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) ليعطي البشرية العلاج لناجع ويعرفها على الدواء الشافي ويدعوها إلى الإقبال على هذا الإسلام لتحل كافة مشكلاتها التي أحدثتها حضارتها المادية التي أوجدتها القيادة الجاهلية الشيطانية.

وكان من كتابه يشخص المشكلة ويبين سماتها وآثارها ويستشهد لها بكلام مفكري الحضارة وعلمائها ثم بعد هذا يصف الدواء ويبين الحل الإسلامي لهذه المشكلة وهو يشخص المشكلة بأسلوب الخبير ويقدم الحل الإسلامي بطريقة العالم المفكر.

26- معالم في الطريق:

وهو آخر مؤلفاته المطبوعة إذ سيق سيد قطب وإخوانه إلى السجن بعد ظهور الكتاب بفترة قصيرة و هو الذي عجل في إصدار حكم الإ‘دام على صاحبه وجعله الطغاة من بين حيثيات الحكم بل كانوا يسألون المعتقلين في التحقيق عن قراءتهم للكتاب.

وقد كتبه سيد قطب بأسلوب ثوري عنيف مدعم بالبراهين وكان أسلوبه فيه يتميز عن أسلوبه في باقي كتبه، لقد كان سيد قطب في كتابه جريئا وفي غاية الجرأة صريحا وفي غاية الصراحة وكان يقول لأحد تلاميذه واسمه (سيد): (تعالى يا سيد نراجع معا ما فصلا من فصول هذا الكتاب - يعني معالم في الطريق وأنا أظن أن أبواب السجن ستفتح لنا وله من جديد وقد تنصب لنا أ‘واد المشانق وكان تلاميذه وإخوانه يرجونه ألا يطبع المعالم حفاظا على حياته فيرفض قائلا: (لابد أن يتم البلاغ)

بين في مقدمة الكتاب أنه لابد من طليعة مؤمنة تقوم بالعبث الإسلامي وتعزم على السير في الطريق لتعيد القيادة الإيمانية إلى البشرية وإن الطرق أمامها ملئ بالأشواك لأن القيادة الجاهلية الشيطانية لن تسلم قيادها لها بسهولة بل تحاربها بكل مؤسساتها وإمكانياتها ولكن العاقبة لهذه الطليعة إن هي صبرت ورسم لهذه الطليعة معالم طريقها التي لابد أن تقام من القرآن الكريم لهذه الطليعة المرجوة المرتقبة كتبت معالم في الطريق منها أربعة فصول مستخرجة من كتاب في ظلال القرآن (وهي طبيعة المنهج القرآني) و (التصور الإسلامي والثقافة) و (الجهاد في سبيل الله) و (نشأة المجتمع الإسلامي وخصائصه) مع تعديلات وإضافات مناسبة لموضوع كتاب المعالم ومنها ثمانية فصول غير هذه المقدمة مكتبوبة في فترات حسبما أوحت به اللفتات المتوالية إلى المنهج الرباني الممثل في القرآن الكريم.

فكتابه هذا كتاب في العقيدة والفكر والبناء والتنظيم لم يؤلفه للثقافة فقد وإنما ليصوغ العاملون أفكارهم على ضوئه وليجعلوه رائدا لهم في مسيرتهم وليقيموا البناء والتنظيم على هدى منه وليهتدوا به في طريقهم اللاحب الطويل.

والكتاب كله بلاغ للناس جميعأن ووصية من سيد قطب للعاملين من بعده وهو يغدر هذه الحياة الدنيا والفصل الأخير منه (هذا هو الطريق) الذي تحدث فيه عن قصة أصحاب الأخدود التي وردت إشارة لها في سورة البروج، وما توحيه هذه القصة للعاملين بشكل عام وطلائع البعث الإسلامي بشك خاص يتجلى في هذا الفصل وصية الرائد القائد لجنوده وهو ذاهب إلى ربه.

يقول: (لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم؟ وكم كانت البشرية كلها تخسر؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير، معنى زهادة الحياة بلا عقيدة وبشفاعتها بلا حرية وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد.

ويبين ما توحيه خامتهم في الأخدود قائلا: لم يكن بد من هذا النموذج الذي ينجو فيه المؤمنون ولا يؤخذ فيه الكافرون: ذلك ليستقر في حس المؤمنين أصحاب دعوة الله أنهم قد يدعون إلى نهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله وأن ليس لهم من الأمر شيء إنما أمرهم وأمر العقيدة على الله إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا...وواجبهم أن يختاروا الله وأن يؤثروا العقيدة على الحياة وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة وأن يصدقوا الله في العمل والنية ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدينه ودعوته ما يشاء.

بهذه الكلمات ختم سيد قطب كتابه وبهذا الكتاب ختم سيد قطب حياته في هذه الدنيا الفانية، وغادرها إلى ربه يحمل معه أسمى وسام وسام الشهادة غادر الدنيا وإخوانه وتلاميذه ومريدوه في أمس الحاجة إليه في حاجة له أكثر من حاجتهم له في أي وقت مضى مضى إلى ربه تاركا وراءه – فيما ترك- عددا من البحوث والدراسات القرآنية والتربوية والحركية الناضجة التي ماتت بمغادرته لأنه لن يظهرها إلا سيد قطب فقط الذي تميز عن غيره من العاملين بمميزات كثيرة أهلته هو وحده للقيام بهذه المهمة وإعداد تلك الدراسات.

لقد وصل سيد قطب بتوفيق الله بعد جهد موصول واطلاع بصير وتجربة عميقة أكثر من خمسين عاما من عمره وعرف كيف يستفيد منها بموهبته فهو لم يكد يراهق حتى بدأ حياته الأدبية في جد واحتفال وكان الاطلاع عمله الأول وراح ينتج بحوثا أدبية تجلي فيها الخصب والنماء.

ثم سار في طريقة الإسلامي وقطع فيه خطوات قصيرة في العد، إذ لا تزيد هذه الحياة على خمسة عشر عاما ولكنها ثقيلة في الميزان مباركة فيالعطاء صادقة في النية والاتجاه وقد أوصلته هذه الطريقة المباركة إلى شجرة المعرفة فاستروح بنسيمها وعاش فترة سعيدة في ظلالها فترة أطالت عمره وباركته وزكته وصار كلما أراد أن يتحف العاملين والمجاهدين بتحفة جديدة يهز هذه الشجرة هزا رقيقا فتتساقط ثمارها الناضجة في يسر ورخاء، فيقدم هذه الثمار زادا لهم.

ويتجلى هذا في كتبه الإسلامية التي قدمها فعندما ظهر كتابه الأول (التصوير الفني في القرآن) قال العرفون: هذا هو كتاب سيد قطب وعندما ظهر كتابه (العدالة الاجتماعية في الإسلام) قالوا: لا بل هذا هو كتاب سيد قطب وعندما ظهر كتابه (خصائص التصوير الإسلامي) قالوا: لا بل هذا هو وعندما ظهر (في ظلال القرآن) قالوا: هذا هو الكتاب وأخيرا عندما ظهر كتاب (معالم في الطريق) قالوا: هذا هو كتاب سيد قطب ولو لم يكن له غيره لكفاه.

وأعتقد أنه لو قدر الله –جلا وعلا- لكتبه الإسلامية الحركية الأخرى بالظهور بعد (المعالم) لغطت على ما سبقها فالشجرة عنده متهيئة للعطاء خاصة في آخر أيامه، ما يكاد يلمسها لمسة رقيقة حتى تعطي الجني الشهي في رفق ولين.

هذه هي الكتب الخمسة والعشرون، التي طبعها سيد قطب في حياته وأحب أن أبين –فيما يلي- حقيقة كتب ظهرت بعد استشهاده، وأوحت إلى القراء أنها ألفها سيد قطب وقدمها إلى المطبعة بهذا الشكل الذي ظهرت فيه مع أن الأمر ليس كذلك:

1- أفراح الروح:

مجموعة من الخواطر والأفكار خطرت في ذهن سيد قطب وهو في أمريكا في الفترة ما بين عامي 1949، 1951 سجلها في وسائل خاصة إلى أخيه وأختيه وأصدقائه في مصر وسائر البلاد العربية وفي انجلترا وفرنسا كذلك ويتحدث عن شعوره أثناء كتابتها قائلا وكنت أجدني أقرب إلى حقيقتي وأنا أكتبه إلى حد أن أعيش هذه الأفكار والخواطر وأترجمها شعورا وسلوكا لحظة بعد لحظة ويوما بعد يوم وكنت أجد من الصفاء الروحي والرضا النفسي بسبب عيشتي لهذه الأفكار ما يملأ حياتي غبطة أن لا أجد ما يخجلني أمام نفسي من عزلة بين ما أقوله للناس وما أزاوله في الحياة وكنت في الفرح بهذا التوافق إلى حد أن أحفظ أنا الذي لا أحفظ له فقرات كاملة من هذه الرسائل الخاصة لكثرة استعادة ألفاظها وأنا استشعر مدلولاتها.

ثم خطر له أن هذه الرسائل الخاصة تصلح للنشر لأنها قصة واقع حي فجمع طائفة منها وأرسلها إلى عادل الغضبان رئيس تحرير مجلة الكتاب التي كان يكتب فيها سيد قبل ذهابه إلى أمريكأن وكان الغضبان يراسل سيد ويستحثه أن يكتب شيئا لمجلته ولكن الغضبان لم ينشر هذه الرسائل واحتفظ بها إلى حين عودة سيد قطب من أمريكا وسلمه إياها في أول لقاءه به.

احتفظ سيد قطب بهذه الرسائل ولم يشأ أن يطبعها في كتاب مستقل وعندما بدأت محنتة الأولى حصلت مجلة الفكر التونسية على هذه الرسائل فنشرتها تحت عنوان (أضواء من بعيد).

وبعد إعدام سيد قطب عام 1966 جمعت الدار العلمية) في بيروت هذه الرسالة المنشورة في مجلة (الفكر) ونشرتها تحت عنوان (أفراح الروح) وصدر الكتيب عام 1971 في ثلاثين صفحة من القطع الصغير.

2- نحو مجتمع إسلامي:

عندما صدرت مجلة المسلمون عام 1951 في القاهرة اتفق سعيد رمضان مع سيد قطب على أن يشترك في تحريرها بمقالة دائمة فكتب سبع حلقات في سلسلة (في ظلال القرآن) ثم تعاقد مع دار إحياء الكتب العربية بمصر على أن تنشر له (الظلال) في أجزاء متتابعة وبعد أن توقف عن كتابة الظلال في مجلة المسلمون كتب فيها خمس مقالات في زاوية جديدة أسماها (نحو مجتمع إسلامي) والمقالات هي (المستقبل للإسلام) و (كيف نستوحي الإسلام) و (طبيعة المجتمع الإسلامي) و(مجتمع عالمي) و(نظام رباني) وقد نشرها في الأعداد العاشرة والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من المجلة.

ثم توقف الكتابة تحت هذه الزاوية.

وقد سبق أن أعلن عن بحث له تحت عنوان (نحو مجتمع إسلامي قبل أن يكتب في (المسلمون) هذه الحلقات وكان المراقبون يرتقبون هذا البحث ف شوق ولهفة ولكنه كان يعيد النظر في بحثه دائما على ضوء ما استفاده من دراساته وبحوثه ونظراته المتكررة الفاحصة في القرآن.

وعندما أصدر كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) عام 1962 أشار في فصل (طريق الخلاص) إلى هذا البحث بقوله (وفي حدود جهدي الخاص: لقد أعددت لهذا (ملامح المجتمع الإسلامي وخصائصه) بحثا ضخما مفصلا تحت عنوان (نحو مجتمع إسلامي).

وتصريح سيد هنا بأن بحثه ضخم مفصل يدل على أن البحث كبير الحجم وقد قضى أكثر من أربعة عشر عاما وهو يعد هذا البحث مما يدل على أنه بذل فيه جهدا كبيرا وأولاه عناية خاصة.

ثم استشهد سيد قطب وتسابقت المكتبات إلى نشر كتبه، الإتجار بها وصورت عنها عدة طبعات.

وفي عام 1969 نشرت (مكتبة الأقصى) في عمان كتابا تحت عنوان (نحو مجتمع إسلامي) لسيد قطب وأقبل المجتمع على الكتاب وهم يظنون أنه هو نفس البحث الذي أعلن عنه سيد قطب البحث الضخم المفصل وفوجئوا به إذ رأوه على هذه الصورة والحقيقة أن مكتبة الأقصى جمعت المقالات الخمس المنشورة في المسلمون ونشرتها تحت هذا العنوان وكان عليها أن تشير إلى أصل الكتاب الذي نشرته حتى لا يقع اللبس ولا تضيع الحقيقة العلمية.

3- في التاريخ فكرة ومنهاج:

نشر سيد قطب مقالتين تحت هذا العنوان في مجلة المسلمون في العددين الأول والثاني.

وبعد استشهاد سيد قطب وتسابق المكتبات إلى المتاجرة بكتبه نشرت الدار السعودية للطباعة والتوزيع بجدة هاتين المقالتين في كتيب اسمته بهذا الاسم (في التاريخ فكرة ومنهاج) وأضافت إليها مقالتين أخريين عن التصوير الإسلامي للأدب لا أدري أين نشرهما فتوهم الناس أن هذا الكتاب ألفه سيد قطب في حياته.

4- معركتنا مع اليهود:

مجموعة مقالات كتبها سيد قطب في مجلة (الدعوة) المصرية في أوائل الخمسينيات وقسم منها اقتطع من (في ظلال القرآن) وهو (إلى المتثاقلين عن الجهاد) وقد مع هذه المقالات زين العابدين الركابي وقدم لها بمقدمة جيدة بين فيها جوانب من عظمة سيد قطب ونشرتها لأو مرة الدار السعودية للنشر والتوزيع) بجدة.

وقد أحس الجامع زين العابدين الركابي صنعا عندما كان يشير في الحاشية عند أول كل مقالة إلى المجلة التي نشرت فيها وكان من المستحسن أن يشير بالإضافة إلى إشاراته تلك في أول الكتاب إلى أصله حتى يعرف القارئ حقيقته لأول وهلة.

5- تفسير سورة الشورى:

اقتطعت الدار السعودية تفسير سورة الشورى في من كتاب (في ظلال القرآن) ونشرتها في كتاب مستقل وظن البعض أن سيد قطب خص تفسير هذه السورة بكتاب مستقل زيادة على تفسيره لها في (الظلال) ولا أدري لماذا أخذ هذا القسم من التفسير ولماذا سورة الشورى بالذات؟ وماذا يميز تفسيره لها عن تفسيره لباقي السور؟ لا سبب لهذا إلا الرغبة في تحقيق الكسب المادي عن أي طريق كان.

6- تفسير آيات الربا:

وقصة هذا الكتاب هي قصة سابقة (تفسير سورة الشورى) اختارته (الدار السعودية) من (الظلال) ونشرته في كتاب خاص لا لهدف سوى التجارة والربح.

7- قصة الدعوة.

8- إسلام أو لا إسلام.

9- إلى المتثاقلين عن الجهاد.

10- رسالة الصلاة.

كتيبات أربع أختارها الناشرون من (في ظلال القرآن) ونشروها على الملأ وظن الناس أن هذه كتابات جديدة لسيد قطب فأقبلوا عليها بشغف ولهفة واستفاد الناشرون منها ربحا حراما ودخلا غير مشروع لأنه تحايل وسرقة وغش وزوير.

وإذا لم يتم وضع حد لعبث العابثين واستغلال المستغلين وجشع الطامعين فكم سنرى كتبا جديدة تنزل الأسواق تحمل عناوين جديدة للمؤلف الشهيد سيد قطب وإذا أجاز بعض الناشرين لأنفسهم أن يقتطعوا ملازم من (الظلال) يقدمونها إلى المطابع فكم سنرى كتبا جديدة له؟

إن سيد قط الرجل الرائد المجاهد الذي مات في سبيل ما يؤمن به مات في سبيل كتبه وبحوثه الحقة ولم يؤلفها ليستغلها المستغلون من بعده ويتاجروا بها ويكسبوا آلاف الجنيهات منها ويثروا ورائها الثراء الفاحش والحرام وأمر عجيب أن يموت مؤلف من أجل كتبه وأن يتعيش مرتزقة عليها ويتاجروا بها باسم الإسلام.

إنني أدعو إلى إخراج تراث سيد قطب المطمور في بطون المجلات في المكتبات أدعو إلى إخراجه وتصنيفه وتبوبيه ونشره ولكن على أن يشار على غلاف الكتاب أو في مقدمته إلى أصل الكتاب وحقيقته وأدعو إلى إجراء دراسات عديدة عن سيد قطب تشمل مختل ما أنتجه وتتعرض لكافة المجلات التي أنتج فيها وتعرف على مواهبه الفذة العديدة وشتان بين دراسة وثائقة علمية جادة تهدف إلى نشر الحقيقة وبين تجارة مادية لا ترعى عهدا ولا تظهر حقا.

بحوث له لم تنشر

رزق الله سيد قطب فيما رزقه إياه موهبة فذة في اختيار البحوث وتصنيفها كما رزقه نظرة فنية في تبويبها وتمتع بهمة عالية، وجلد دائب وصبر عجيب وتوفر كامل على الحبث والسير فيه واستيفاء جوانبه وتقصي حاجاته، حتى أتمامه أو مقاربة إتمامه.

والعجيب في سيد قطب فوق هذا كله أنه لم يرضى عن بحوثه ويركن إليها ويعتمد عليها فما يكاد يقطع مرحلة طويلة من البحث ويقارب على نهايته حتى يتولد في ذهنه بحث جديد يراه أولى من البحث السابق فيترك الذي بين يديه ويبدأ سيرا جديدا مع بحث جديد وهكذا.

والذي يدرس أثار سيد قطب وبخاصة مقالاته في الصحف والمجلات يطلع على عدد من البحوث كان ينوي تأليفا ويشير إليها في هذه المقالات ولكنه كان يتخلى عنها في أخر لحظة وإن هذه البحوث على اختلاف أنواعها لو أكملها ونشرها لأضافت الجديد المفيد إلى عالم الأدب والنقد والشعر والقصة والفكر الإسلامي.

والبحوث التي أطلعت على إشارته لها والتي لم يقدر لها أن ترى النور هي:

1- مهمة الشاعر في الحياة:

بحث ضخم كان ينوي تأليفه واعتبر الكتاب المطبوع بهذا العنوان مقدمة لذلك البحث.

2- دراسة عن شوقي:

كان ينوي إعداد هذه الدراسة الشاملة عن أمير الشعراء أحمد شوقي ويستوفي كل قصائده وأشعاره لتكون النتائج التي يصدرها صادقة وبعد خبرة ومعرفة واطلاع.

3- المراهقة: أخطارها وعلاجها:

كتاب في التربية وعالجة مشاكل الشباب، قال عنه: أنا على وشك إخراج كتاب في التربية عن المراهقة أخطارها وعلاجها مما يدل على أنه كان جاهزا بين يديه.

4- المرأة لغز بسيط:

عنى بدراسته مدة عشر سنوات، ونشر خلاصة له في مجلة الأسبوع.

5- المرأة في قصص توفيق الحكيم:

وعد أن يكتب هذا البحث ونشر هذا الوعد في مجلة الأسبوع

6- أصداء الزمن:

ديوان شعر لهن وهو الثاني بعد الشاطئ المجهول) الذي صدر فعلا وكان قد قدمه إلى المطبعة ووعد أن يصدر في عام 1937 ولكن عدل عنه في آخر لحظة.

7- الكأس المسمومة:

ديوان الشعر الثالث له، أعلن عنه أنه تحت الطبع.

8- قافلة الرقيق:

الديوان الرابع وأعلن عنه أنه تحت الطبع.

9- حلم الفجر:

الديوان الخامس، وحل به ما حل بالدواوين السابقة.

10- القطط الضالة:

قصة مصورة له أعلن عنها أنها تحت الطبع.

11- من أعماق الوادي:

قصة أخرى أعلن عنها أنها قيد التحرير.

12- المذاهب الفنية المعاصرة:

بحث نقدي من سلسلة بحوثه النقدية أعلن أنه تحت الطبع وقد أشار إليه في مواطن آخر باسم المدارس الأدبية المعاصرة.

13- الصور والظلال في الشعر العربي:

بحث آخر من سلسلة بحوثه النقدية.

14- القصة في الأدب العربي:

بحث نقدي آخر له أعلن أنه قيد البحث.

15- شعراء الشباب:

أشار إليه في مواطن آخر باسم (الشعر المعاصر) وهو من سلسلة بحوثة النقدية.

16- القصة الحديثة:

بحث آخر من سلسلة بحوثه النقدية.

والبحوث الخمسة الأخيرة بحوث نقدية وقد سلك طريقا عجيبا في تحرير البحثين الأخيرين منها (شعراء الشباب) و (القصة الحديثة) حيث كتبه إعلانا في مجلة الرسالة وجهه إلى الأدباء العرب في العالم العربي رجاهم فيه أن يرسلوا له كل نتاجهم الأدبي من الشعر والقصة ليستكمل البحثين ويستقصي جوانبهما.

17- عرابي المفتري عليه:

بحث أعده لدراسة شخصية أحمد عرابي وترجمة حياته ورد المفتريات عنه.

18- الشريف الرضي:

أعده لدراسة الشريف الرضي وترجمه حياته وبيان دوره في الأدب العربي.

19- لحظات مع الخالدين.

لم نعرف من هؤلاء الذين سيتركنا نعيش معهم لحظات لكن نجزم أنه كان من بينهم الشاعر محمد إقبال.

20- أمريكا التي رأيت:

بحث سجل فيه دراسته العميقة الفاحصة للحياة الأمريكية والمجتمع الأمريكي وكان من المتوقع أن يثير ضجة لو صدر وكان سيد قطب راغبا في إصداره إلا أنه عندما اعتقل عام 1954 عهد بمسودة البحث المخطوطة إلى أحد معارفه ليخفيه ريثما تستقر الأحداث وتنتهي الأزمة وطلب منه الاحتفاظ به لكن هذا الأخير لم تكن عنده الشجاعة الكافية فلم يتمكن من الاحتفاظ بالأمانة إذ عندما اشتدت وطأة الاعتقالات ضد الإخوان المسلمين خاف الرجل على نفسه فأحرق البحث وبهذا حرم الناس من بحث من أعمق بحوث سيد قطب.

وقد نشر سيد قطب في الرسالة ثلاث حلقات مختصرة من هذا البحث بلغت صفحاتها خمس عشرة صفحة تحدث فيها عن أمريكا وحضارتها ونشوئها وبدائية الشعب الأمريكي في كل شيء بدائيته في تفكيره وعاداته وأذواقه وأعرافه وكشف الكثير من خلفيات الحياة هناك.

21- القصة بين التوراة والقرآن.

22- النماذج الإنسانية في القرآن.

23- المنطق الوجداني في القرآن.

24- الأساليب الفنية في القرآن.

أشار إلى هذه الأربعة في نهاية كتابه (كتب وشخصيات) وفي مقدمته لكتاب (مشاهد القيامة في القرآن) ويبدو أنه تعرض لهذه البحوث عندما ألف موسوعته القرآنية (في ظلال القرآن) بالقدر الذي تسمح به طبيعة (الظلال) وعلى ضوء اهتماماته الإسلامية العديدة.

وعندما طبع الجزء الثالث عشر من (الظلال) الطبعة المنقحة عام 1964 أثبت في نهايته قائمة بالكتب المعتمدة لدية وأشار إلى بحوث أخرى تحت عنوان كتب تالية بإذن الله) وهي:

25- معالم في الطريق: (المجموعة الثانية).

26- في ظلال السيرة:

وأشار إليه في (الظلال) أثناء حديثه عن الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك.

27- في موكب الإيمان:

28- مقومات التصوير الإسلامي.

وهو القسم الثاني المتمم للخصائص وقد علمنا أن قسما كبيرا من البحث لم يتلف وأنه تحت الطبع الآن.

29- أوليات في هذا الدين:

30- هذا القرآن:

31- تصويبات في الفكر الإسلامي المعاصر.

وقد أشار إليه في (الظلال) عند تفسيره لسورة هود.

32- نحو مجتمع إسلامي:

وقد أشار إليه عدة مرات في كتبه.