شبهة جنائية في وفاة عبد الناصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
شبهة جنائية في وفاة عبد الناصر

شهادات: الفريق محمد فوزيشعراوي جمعة- سامي شرفحسين الشافعي- الفريق سعد الدين متولي – أطباء عبد الناصر

المقدمة

لا يمكن أن نأخذ صفحات هذا الكتاب بجدية إلا إذا فتحنا أعييننا لنرى ما حدث خلال فترتين زمنيتين قصيرتين هما الفترة التي بدأت من الساعة الثالثة بعد ظهر يوم 28 سبتمبر سنة 1970 وامتدت عبر مكانين هما مطار القاهرة الدولي وبيت الرئيس وغرفة نومه بمنشية البكري حتى الساعة السادسة والربع مساء... والفترة الثانية التي بدأت مساء نفس اليوم إثر انتقال جثمان الرئيس جمال عبد الناصر إلى قصر القبة ليحفظ من التلف إلى حين الاحتفال بتشييع الجنازة في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الخميس الأول من أكتوبر سنة 1970 من مجلس قيادة الثورة بالجزيرة.

وماذا حدث في المكان الزمان؟ ماذا حدث ما بين الساعة الثالثة والسادسة و15 دقيقة في غرفة نوم جمال عبد الناصر؟؟

ثم ماذا حدث بعدئذ لجثمان الرئيس عبد الناصر عندما انتقل إلى قصر القبة وظل في هذا القصر الكبير من مساء الاثنين 28 سبتمبر 1970 إلى صباح الخميس أول أكتوبر سنة 1970؟

صفحات هذا الكتاب هي إجابة عن هذين السؤالين..

والواقع أن الأمر بدا ليغير قابل للتصديق عندما جلس أتمعن ذات يوم أسباب موت عبد الناصر وكنت قد سمعت أن أحد الأطباء الذين وقعوا شهادة الوفاة ينكر موت عبد الناصر بجلطة في القلب ويقول أنه مات بكومة سكر كان من الممكن تداركها بقطعة سكر.. وإذا كان هذا الطبيب قد قال هذا...فلماذا لا أستنتج أن التشخيص الخطأ يكون بسوء نية أو بحسن نية...؟

وكنت قد استمعت إلى عدد من القصص أو الشائعات لكني لم أعرف التفاتا لا لأنني أملك الحقيقة ولكن لأنني في بلد يعجز فيه أقوى الناس عن الوصول إلى الحقيقية بل إن الحقيقة أو المعلومات التي تؤدي إلى كشف الحقيقة تعتبر سرا من الأسرار التي لا يجوز معرفتها أو حتى الاقتراب منها.

أما السبب الوحيد الذي جعلني لا أعر هذه الشائعات التفاتا فهو أنني أعتبرها الشيء الحقيقي الوحيد والمثل الشعبي عندنا يقول: «لا دخان بلا نار» ولذا فقد كنت لا ألتفت إليها بل أسلم بها تسليما إلى حين فإذا ما أخضعتها للبحث والفحص وثبت لي صدقها فبها ونعمت وإذا ما ثبت كذبها فالله لطيف بالعباد..

لكن الحقيقة ليست بنت يوم وليلة فنحن مثلا كنا نعرف إلى خمس سنوات مضت أن الإمبراطور نابليون قد مات في جزيرة سانت هيلانة سنة 1821 بسرطان في المعدة ثم ظهر طبيب أسنان أحب الإمبراطور وقرأ كل شيء عنه وظل يبحث وينقب واكتشف أن امبراطوره لم يمت بالسرطان في المعدة إنما مات بالسم وحدد القاتل الذي وضع السم على مراحل في وجبات الطعام وفي أكواب النبيذ الذي كان يتجرعها الإمبراطور بشراهة.

في حالة عبد الناصر وقف أمامي عدة صعوبات من شأنها أن تثني أي باحث عن السير في طريق بحثه أو تحقيقه.

الصعوبة الأولى: أن مصدر المعلومات في هذه القضية ضابط أحاطوا بعبد الناصر وأطباء عالجوا عبد الناصر فالضباط كانوا حكاما والأطباء تحولا إلى آلهة..

لقد اعتاد الضباط منذ قيام ثورة 23 يوليو 1952 على ألا يسألوا بل هم الذين يسألون ..وألا يذهبوا إلى الآخرين لأي سبب بل على الآخرين أن يذهبوا إليهم وألا يكشفوا عن أي سر لأن الأسرار كانت وقفا عليهم وحكرا لهم بل إن المعلومات نفسها والتي قد تكون متداولة لا يمكن أن يعترفوا بها ومن المضحكات أنه إلى وقت قريب كانت مصلحة الاستعلامات المصرية تصدر نشرة يومية باسم «جريدة الجرائد العالمية» وكانت تصلني على عنواني في المجلة كما كانت تصل بالطبع إلى كثير من الكتاب والصحفيين على أنها سرية للخاصة وليس للكافة وكان مكتوبا عليها بالخط الأحمر ومطبوع على الظرف «سري جداً».

مادة هذه الجريدة هي ترجمة حرفية لما يريد في الصحف الأجنبية فهل هذا سر .. وسري جداً؟ وهذه العادة السيئة التي اكتسبها الضابط بثورة يوليو، التي جعلت للضباط مكانة أعلى من مكانة المواطنين العاديين لم يقض عليها إلا بعض الضباط الذين مكنتهم ثقافتهم ووعيهم وأفلتوا من مرض الطفولة السياسية...

وهؤلاء الضباط كانوا واجهة جيدة لثورة يوليو وللضباط على حد سواء .. لكن لم يأت ضباط يوليو جميعهم من هؤلاء .. ولذا فقد كانوا حكاما شرسين ومستبدين بالإضافة إلى أنهم كانوا ضباطا سيئي السمعة مثل جنرالات هزيمة يونيو وضباط الأجهزة السرية التي كانت تعمل لا لحماية آمن البلاد بقد ما كانت تعمل لحماية مكاسبها وامتيازاتها وإشباع نهمها إلى السلطة والثورة.

هؤلاء بالطبع كانوا مصادر معلومات سيئة للغاية فهم فضلا على أنهم لم يكونوا محايدين فإنهم كانوا يفتقرون إلى التميز ما ينفع ومالا ينفع فقراء في المواهب عاجزين تماما عن ابتكار أساليب جديدة في العمل.. وفي تأدية الواجب..

ومثل هذه النماذج من الصعب جدا على الكاتب أو المحقق الصحفي أن يأخذ ما يقولونه بصدق وجدية.

الصعوبة الثانية: أن الأطباء الذين كانوا يعالجون الرئيس أخذتهم العزة بالإثم فصاروا يتهمون كل من يقترب من منطقة البحث في مرض عبد الناصر وأزمته الصحية بأنه يتعدى على اختصاصهم ويقتحم معبدهم على الرغم من أن الإحصائيات والأبحاث تثبت أنه من بين كل 100 طبيب يوجد 12 لا يحترمون آداب المهنة ويتقاضون أجورا فاحشة لا تتفق مع ما يقومون به من أعمال .. من الـ12 يتورط خمسة في القيام بأعمال تتنافى مع احترام جسم الإنسان بل وتقتل الحياة في هذا الجسم وتسبب له آلاما مبرحة..

الصعوبة الثالثة : أنه على مدى الـ18 عاما التي قضاها عبد الناصر زعيما وحاكما تكونت حوله بطانة من المفسدين به وبسلطاته وزعامته وتوجهاته ونمت هذه البطانة وكبرت وتضخمت تحت أسماء وشعارات مختلفة وأصبحت تصنع حاجزا بين عبد الناص والجماهير وظل هذا الحاجز قائما في حياته وعبد وفاته حتى كان من الضروري على الباحث أو المحقق أن يدق على هذا الحاجز إذا ما أراد أن يبحث أمراً ويحقق واقعة أو يستوضح سرا بل لقد كان الاعتراض الوحيدة على إثارة قضية موت عبد الناصر هو أنها إذا ما أثيرت فيجب أن تثار من أصحاب هذا الحاجز أو لابد من أخذ الإذن منهم.

الصعوبة الرابعة: أن تفسيرات مختلفة انطلقت حول أهمية صنع هالة قدسية حول عبد الناصر سواء فيما يتعلق بطريقة إدارته للدولة أو فلسفته أو نظام الحكم بل امتدت هذه القدسية إلى الأفراد المحيطين به والقريبين إليه ومن هنا فالقول بأن موت عبد الناصر يحمل شبهة جنائية يتضمن في الوقت نفسه اتهاما لرفاقه والمحيطين من حيث فشلهم في حمايته والمحافظة على حياته وهو زعيم الثورة..وهذا يعني أنه إذا كانوا قد فرطوا وأهملوا وقصروا في حماية الزعيم فهم بلا شك أضعف من أن يحملوا رايته بعد وفاته وأقل من أن يرفعوا شعاراته ويحافظون عليها والناصرية على يديهم وبقيادتهم محكمة عليها بالموت..

الصعوبة الخامسة: أنه لا يوجد «أرشيف» للدولة ولا دار وثائق قومية تفتح أبوابها للباحثين والمحققين والذي ينشد هذا الأمر ويريده ما عليه إلا أن يدق أبواب لندن وباريس وواشنطن والوثائق الأمريكية عن ثورة 23 يوليو أشهر وأدق من كل ما لدى مصر في هذا الشأن.

وصحيح أنه يوجد ما يسمى بأرشيف «منشية البكري» لكنه في الواقع لا وجود له إلا لدى السيد هيكل والجزء الذي تبقى نقله الرئيس السادات إلى مكان غير معلوم..

قصارى القول: أنن كنت أتحرك على حبال من الشوك لا طوق نجاة أقفز به إلى هنا أو هناك.

كان السؤال الذي يطرح نفسه قبل غيره ومنذ البداية كان السؤال هو:

هذا الزعيم الطويل القامة الممتلئ بالحيوية والنشاط الذي تدين له منطقة شاسعة من البلاد العربية من الخليج إلى المحيط ويحسب له الغرب ألف حساب والذي تكاتفت المخابرات الأمريكية والإنجليزية والفرنسية والإسرائيلية والنظم العربية الرجعية على قتله والتخلص منه وفشلت فقد كان ينجو ليس بأعجوبة أو معجزة إنما كان يخيف القتلة أنفسهم فلا يجرؤون على ضغط الزناد... وقد اعترف له (صول) بأنه ضالع في خطة لاغتياله والثمن عدة ملايين من الدولارات فما كان من عبد الناصر إلا أن أخذ الملايين وكافأ الصول ثم أم بأن يقام بما تبقى «برج عال» يطل على القاهرة ويرى من يصعد إليه « الأهرامات وأبو الهول» والقلعة المضاءة ويصبح هذا البرج عنوانا في فشل المخططات الغربية التي كانت ترمي إلى القضاء عليه..

هذا الزعيم يموت بجلطة في الشريان التاجي بلا مقدمات..؟

بالضبط كما قيل: إن نابليون بونابرت مات بالسرطان بلا مقدمات أيضا؟

كانت لياقة عبد الناصر وحصته وطاقته مضرب الأمثال .. وكان هذا الزعيم الذي مات على فراشه والذي لم يبلغ الثالثة والخمسين يتميز بحس مرهف ونظرة ثاقبة ونافذة للرجال .. كيف غفلت هذه النظرة عن كشف حقيقة المحيطين..؟

وكما سبق القول لقد قيل عن نابليون عندما مات إنه مات بالسرطان لكن طبيبا للأسنان هاويا لعلم السموم ومن كبار المتحمسين لكل ما يمت بصلة إلى الإمبراطور الفرنسي قام بتحريات واسعة ليبرهن أن نابليون مات مسموما عام 1821 وما أن أثبت ذلك حتى شرع يبحث عن القاتل بين أفراد حاشية نابليون الذين رافقوه إلى منفاه الأخير في جزيرة القدس سانت هيلانة إلى أن عثر عليه وللأسف الشديد كان قد بارح الحياة وكان ما تناثر من إشاعات هنا وهناك عن موت عبد الناصر باسم من جراء تدليلك ساقه ونفاذ السم من الجلد إلى الدورة الدموية على مراحل تجد رواجًا متزايدًا خاصة وأن المخابرات المصرية كانت تعتبر السم سلاحًا من أسلحتها. ومن هنا فقد راجت قصة محورها رجل يعمل بالعلاج الطبيعي عهد إليه تدليك ساق عبد الناصر بهدف قتله على مراحل.

لم أكن بالطبع مهيئا للبحث لكني التقيت ذات يوم في السبعينات بالدكتور محمد شرف أخصائي الروماتيزم والعلاج الطبيعي والطبيب بالقوات المسلحة.. وتطرق الحديث عن وفاة عبد الناصر وسألته إذا ما كان يمكن لإنسان أن يموت بالسم دون أن يتناوله بفمه أو على طريق الحقن؟

أجاب الدكتور شرف: نعم يقال مثلا إن علي العاطفي «المدلك» الخاص للرئيس جمال عبد الناصر كان يسمه عن طريق التدليك..

قلت له: لكن الذي يقوم بالتدليك في هذه الحالة سوف يصاب أيضا ...

أجاب: إن هناك بعض الدهانات تعزل أيدي المدلك عن التأثر بأي مادة يستعملها في التدليك.. إنه يضع يده في هذا السائل مثلا فيصبح كمن يرتدي قفازا في يديه ثم يضع السم في يده ويدلك جسم الشخص المطلوب فيسري الدم من الجلد إلى الدورة الدموية ويأتي مفعولا لسم نتيجة لدرجة وكمية التركيز وقد يصل السم إلى الجسم على دفعات تمتد إلى ستة أشهر .. وهكذا إلى أن يصل التركيز إلى أعلى درجة معينة في الجسم وعندئذ يموت الشخص:

ثم أضاف د. محمد شرف: سمعت أن علي العاطفي هذا قبض عليه بعد موت عبد الناصر وكانت التهمة هي: التجسس لصالح إسرائيل وصدر الحكم عليه بالسجن 15عاما ولكن كيف كان يتجسس وأين قضيته ومتى حوكم لا يدري أحد عن هذا شيئا.

وفيما بعد فقد ذكر المحامي شوقي خالد ف كتابه «محاكمة فرعون - خفايا محاكمة قتل «السادات» الصدر عن دار سينا للنشر القاهرة 1986 ذكر المحامي شوقي خالد أن السادات قد خفف الحكم عن الجاسوس الإسرائيلي «علي العاطفي» من الإعدام إلى السجن 15عاما والعاطفي أحد المتهمين بقتل عبد الناصر بالسم عن طريق التدليك لساقه المريضة.

وفيما بعد أيضا فقد ذكر هيكل في كتابه «[[بين الصحافة والسياسة]]» الطبعة السادسة سنة 1985 ص374 أن السادات صارحه في صيف عام 1976 بأن هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا حمل إليه رسالة من جولد مائير رئيسة وزراء إسرائيل تطالب فيها بالإفراج عن عدد من الأشخاص الذين حكم عليكم في قضايا تجسس لصالح المخابرات الأمريكية وضمن هؤلاء: مزراحي وغيره.

وأن طلب جولد مائير تضمن أيضا طلب جثث اليهود الذين اغتالوا لورد موين بالقاهرة سنة 1945 وقال السادات إنه سيفرج في هذه الصفقة عن مصطفى أمين الكاتب الصحفي الذي أدين بتهمة التجسس لصالح أمريكا وحكم عليه سنة 1965 وعندما استبدت الدهشة بهيكل وظهر ذلك على قسمات وجهه قال السادات: إنهم يطلبونه وأنا أريد أن أجاملهم فيه...

تساءل هيكل: من هم؟

رد السادات: كثيرون.. الأمير سلطان طلب مني وكمال أدهم أيضا.

وكان من الغريب أن يرد اسم كمال أدهم وهو الشخصية الرئيسية أو حلقة الوصل بين عدد من قادة الدول العربية ومسئوليها والمخابرات الأمريكية وقد نشر في حينه أن هؤلاء القادة المسئولين كانوا يتقاضون مرتبات ثابتة من المخابرات الأمريكية ومنهم أنور السادات والملك حسين إلخ.. وقد أثار هذا الموضوع النائب الناصري كمال أحمد في البرلمان المصري وطالب الحكومة بالتحقيق في هذه الوقائع لكن بدلا من التحقيق فقد أبعد النائب من البرلمان المصري ..!!

وتردد حينئذ أن «علي العاطفي» كان ضمن الصفقة التي طلب من السادات إبرامها لصالح أمريكا وإسرائيل باعتبارها أي الصفقة بندأ من بنود اتفاقيات فك الاشتباك الأول بين الجيش المصري والإسرائيلي..

وفي الثمانينيات عاد الحديث وتجدد مرة أخرى عن السم ففي الثامن والعشرين من سبتمبر سنة 1986 راودني خاطر البحث عن أصل حكاية السم .وعن «علي العاطفي» هذا ..وخيل إلي أن الدكتور أحمد ثروت الطبيب الخاص لجمال عبد الناصر والذي كان قد وصل إلى رتبة اللواء وإلى منصب كبير بالرياسة .. ثم أقصى في حادث انتحار المشير عبد الحكيم عامر إثر هزيمة يونيو سنة 1967 وما تردد وقتذاك عن انتحاره بالسم خيل إلى أنه يستطيع أن يفيدني فاتصلت به في عيادته بشارع مصر والسودان بالقبة لكن أحدا لم يرد فأعد الاتصال ببيته في مصر الجديدة فردت على السيدة رحمة وقالت لي: أنه توفي منذ 12عاما وأن ابنه الدكتور محمد سوف يكون في عيادته بعد ساعة وبعد ساعة اتصلت بالدكتور محمد وأعطاني موعدا لمقابلته بعد يومين في عيادته وكان قد نشر ب[[جريدة الأهرام]] في نفس اليوم (28/ 9/ 1986) مقالا مأخوذا عن تصريحات السيد صلاح الشاهد كبير أمناء القصر الجمهوري في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، نشرت في إحدى المجلات العربية تتضمن استراجاعا لذكرى هذا اليوم (28/ 9/ 1970) منذ 16 عامًا، أي يوم (28/ 9/ 1970) تاريخ وفاة جمال عبد الناصر وتتضمن الذكريات طعنا في الأطباء المعالجين للرئيس ناصر وتطعن في كفاءتهم ومقدرتهم وتخصصاتهم وأوردت الصحيفة أسماء عدد منهم وضمنهم الدكتور أحمد ثروت ، وكان جوهر المقال هو أن جمال عبد الناصر لم تكتب له شهادة وفاة لأنه مات نتيجة إهمال الأطباء وعدم تخصصهم وكان من الطبيعي أن يكون الدكتور محمد ثروت قد قرأ المقال الذي يتضمن مساسا بكفاءة والدة الراحل ولذا لم يمانع كما سبق القول في مقابلتي بعد يومين حيث ذهبت إليه وكان قد أعد مجموعة من الأوراق خلفها والده وهي عبارة عن روشتات وأجندات صغيرة وأراق منتزعة من كراريس وقدم لي بعضها فأخذت أقلب فيها أمامه..

إن د. أحمد ثروت من مواليد المنيا سنة 1916 فهو أكبر من عبد الناصر بعامين والمنيا هي مسقط رأس المشير عام ومن الواضح أن المشير هو الذي دفع به إلى الرئاسة الجمهورية ليكون الطبيب الأول فيها ويقال إن عبد الناصر كان يستبشر به، وبقال أيضا أنه كان عينا على جمال عبد الناصر لصالح المشير وهو من الأفراد القلائل الذي زاروا المشير عام أثناء حصاره ببيته بالجيزة وكان د. ثروت يعمل في الوقت نفسه بالمخابرات ويعزي إليه إنشاء القسم الطبي بالمخابرات والرياسة معا...

وكان من أوراق د أحمد ثروت أسماء كثيرة لأعضاء مجلس قيادة الثورة وكان اسم اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر يردد أحيانا كذلك كانت هناك أسماء: جمال عبد الناصر عبد الحكيم عامر صلاح نصر عباس رضوان .. كذلك كانت ترد بعض الأسماء مسبوقة بكلمة: «عائلة» فلان..

وكان ابنه د. محمد ينظر إلى وأنا أقرأ ويحاول أن يقرأ ما يجول بنفسي وكان د. مجمد قد أصبح الآن أستاذا مساعدا بكلية طب عين شمس وقال لي إن والده كان طبيبا أساسيا في الرئاسة منذ قيام الثورة وإنه كان في الأصل طبيبا في القوات المسلحة.

قرأت في أحدى الأوراق تحذيرا لجمال عبد الناصر من صلاح نصر مدير المخابرات العامة من أنه قد يصافحه بيد ملوثة بالسم ليقتله.

من ناحية أخرى ذكر لي د. محمد أحمد ثروت أنه قرأ في إحدى الأوراق تحذيرا آخر موجها من والده إلى عبد الناصر حتى لا يقابل صلاح نصر وإذا قابله فلا يصافحه ما معنى هذا؟

ثم تعود الأوراق للتحدث عن قفاز مسمم بالسيانور وإمكانية أن ينفذ السم من خلاله إلى الجلد ويتسرب إلى الدورة الدموية ويموت الشخص.

ثم تمتلئ صفحتان من الأوراق بحكاية عن ضياع أو فقد 7زجاجات من السم من المخابرات العامة في 5يونيو 1967 ...

والأخطر من ذلك ما جاء في ورقة من الأوراق بلا تاريخ عن مسؤولية الدكتور الصاوي حبيب في إعطاء عبد الناصر حقنة الأنسولين.. ويتردد ذكر الأنسولين والحقنة أكثر من مرة .. فهل كان المقصود نوعا معينا من الأنسولين أو حقنة معينة من الأنسولين أم المقصود هي الحقنة التي أعطاها الدكتور الصاوي حبيب للرئيس عبد الناصر صباح يوم 28 سبتمبر سنة 1970 وهو اليوم الذي فارق فيه الحياة؟؟؟

لم أعثر على إجابة شافية بالنسبة لتاريخ عدد كثير من الأوراق ضمنها الأوراق التي تتضمن حكاية حقنة الأنسولين.

إلا أن الأوراق أرشدتني إلى طريق آخر كان الرئيس جال عبد الناصر يسير فيه بالنسبة للعلاج وبالنسبة لتغلب على عوامل الإرهاق والتعب التي كان يعانيها ومن هذا الطريق كان من السهولة بمكان أن يصل إليه السم فيقد كان كما ظهر من أوراق د. أحمد ثروت -يتعاطى جرعات كثيرة من الفيتامينات عن طريق الحقن. وكان الذي يقوم بذلك هو د. ثروت نفسه..

امتدت جلستي مع د. محمد أحمد ثروت قرابة ساعتين تواعدنا بعدها على اللقاء بعد أسبوع لإعادة ترتيب الأوراق من جديد وتصويرها بالفعل فقد أجريت إتصالا هاتفيا بعد أسبوع لتحديد موعد اللقاء إلا أن الدكتور محمد اعتذر بسفره إلى الإسكندرية وقال في معرض كلامه أنه يريد أن يظل بعيدا عن هذا الأمر .. وقال إنه نصح بهذا .. ولكن بالطبع لا مانع من اللقاء.

لكن هذا اللقاء لم يتم ..

من الذي طلب منه أن يظل بعيدا عن هذا الموضوع؟ موضوع السم؟

ومن الذي نصحه بذلك..؟

والغريب أنني لم أشعر بأنني أسير في طريق مسدود ولذا واصلت تحقيقي..

في مساء الأربعاء 15 أكتوبر سنة 1986 كنت في زيارة للأستاذ ضياء الدين داود المحامي الذي كان وزيرا ثم عضوا في اللجنة التنفيذية العليا رقم 1 لسنة 1971 فيما يعرف بقضية 15 مايو أو مراكز القوى وقد حكم عليه بالسجن مع زملائه: علي صبري وسامي شرف وشعراوي ومحمد فايق وفريد عبد الكريم وغيرهم.

كان ضياء داود يحضر إلى القاهرة يومي الأربعاء والخميس كل أسبوع أما بقية أيام الأسبوع فيقضيها في مدينة دمياط حيث مكتبه وقضاياه وكنت أعرفه منذ عام 1964 عندما كان أمينا للاتحاد الاشتراكي لمحافظة دمياط وامتدت صداقتنا وتعمقت أكثر وسألته إذا ما كان يشك في موت عبد الناصر وأن موته لم يكن جلطة بل إنه مات ميتة بها شبهة جنائية؟.. نفي ذلك أول الأمر . زلقد كان ضياء داود في هذا اليوم في جبهة قناة السويس مع الوزراء والمسئولين بناء على رغبة عبد الناصر لمعايشة الضباط والجنود الذين يخوضون حرب الاستنزاف وإشعارهم بأن قلب مصر ينبض مع قولبهم ولكن استدعي مساء ذلك اليوم الحزين على عجل للقصر الجمهورية بالقبة وحضر اجتماعا مشتركا لأعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء وقبل حضوره كان قد عرض في بداية الاجتماع تقرير طبي عن وفاة الرئيس عبد الناصر وأسبابها ويبدو أنه لم يلمس شيئا عير عادي في أسباب الوفاة فقد كانت الفاجعة أكبر من أن تترك للإنسان فسحة من التفكير في الظروف التي أحاطت بالوفاة..

كان هناك شك عندي في أن الخطأ في التشخيص وراءه ما وراءه ولذا فقد صارت السيد ضياء داود بشكوكي فلم ينكرها أو يؤيدها ولم يتسع الوقت عندئذ للدخول في التفاصيل نظرا لقدوم جماعة الزوار وحرص على نصيحتي بضرورة الاتصال بالأستاذ محمود فهمي مدير مكتب عبد الناصر أو محمد أحمد سكرتيره الخاص ويفضل الاتصال بسامي شرف وزير رئاسة الجمهورية، وقال لي وهو يدعني عند المصعد: إنه سوف يعرف بأسماء الذين حضروا وفاة عبد الناصر وتوقيتات وصولهم إلى البيت ودخولهم غرفة عبد الناصر ثم أضاف يشير علي بالاتصال باللواء حسن طلعت رئيس مباحث أمن الدولة وقتذاك..

كان الشك يتزايد عندي لقد مات عبد الناصر ولكنه مات بسبب آخر غير ما جاء في إعلان الوفاة فما هو هذا السبب ؟ السم. أم حقنة مملوءة بالموت؟

كنت في الواقع أبحث عن دليل خاص وهو: هل كان السم واردا ضمن المواد أو الأسلحة التي تقرر أن يموت بها جمال عبد الناصر؟

كنت أتحسس وقع أقدامي في البحث ولم أشأ أن أعلن هدفي منذ كانت هناك محاولات كثيرة لقتل عبد الناصر كان مطلوبا أن يموت منذ قيام ثورة يوليو حتى سبتمبر 1970.

ففي كتاب «الطريق إلى السويس مثلا أكثر من حكاية عن محاولات القتل ويذكر هيكل أن دارما السويس بدأت في الواقع عندما سمع «إيدان» عن طرد «القائد العام للجيش الأردني أو الفريق السير «جون باجوت جلوب» في أول مارس سنة 1956وتقرر أن يغادر الأردن فورا فمنذ هذه اللحظة أعلن أيدن حربا شخصية على الرجل الذي اعتبره مسئولا عن هذا العمل وهو: جمال عبد الناصر

وكتب أنتوني ناتنج في مذكراته يقول: كرجل قضي المساء بطوله ونصف الليل بعده يناقش «إيدن»يوم طرد «جلوب» فإني استطيع أن أشهد أنه وضع كل اللوم على ناصر وفي هذا اليوم المشئوم فإنه قرر أن العالم لم يعد يتسع له ولـ «ناصر»

ويستطرد ناتنج موضحا مدى الكراهية التي يكنها إيدن لعبد الناصر فيقول:

في مساء يوم 4مارس سنة 1956 دعوت «هار ولد ستاسن» عضو في وزارة أيزنهاور إلى العشاء في فندق سافوي وأثناء العشاء دعيت إلى التليفون وجاءني صوت يقول «إنه أنا» «its me» وعرفت صوته رئيس الوزراء يقول «ما هذا الكلام الفارغ الذي أرسلته إلي إنني لا أوافق على كلمة واحدة مما جاء به..» وكان إيدن يشير إلى مذكرة أرسلها إليه ناتنج سام باسم وزارة الخارجية بناء على طلب رئيس الوزراء عن البدائل المتاحة للعمل ضد جمال عبد الناصر ويقول ناتنج: رددت على إيدن بأنها كانت محاولة للنظر في المستقبل ولترشيد موقفنا في الشرق الأوسط حتى نتجنب في المستقبل نوع الضربات التي أصابتنا في موضوع «جلوب» واستطرد إيدن: وما هو هذا الهراء حول عزل «ناصر» أو تحييده كما تقول؟ ألا تفهم أني أريد تدميره؟ إني أريد إزاحته وإذا كنت أنت ووزارة الخارجية لا توافقان فالواجب أن تحضر اجتماع الوزارة لترشح السبب وقد حاولت تهدئته بأنه قبل أن نقرر تدمير «ناصر» يقد يكون من الحكمة أن نبحث عن بديل لا يكون أكثر عداء لنا وأنه في الوقت الحالي لا يوجد بديل عدوا كان أو صديقا وأن النتيجة الوحيدة لإزاحة «ناصر» هي انتشار الفوضى في مصر..

وروي ناتنج بعد ذلك في برنامج وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية أن إيدن قال له: إنني أريد جثة «ناصر» أريده مقتولا.. وقام إيدن بعد ذلك باستدعاء السير جون سينكلير رئيس إدارة المخابرات البريطانية (Mig) وطلب إليه أن تتولى على إدارته تصفية «جمال عبد الناصر» في أسرع وقت:

بالطبع لم تكن هذه المحاولة الأولى فقد سبقتها محاولات وتلتها محاولات لم تتوقف لتصفية جمال عبد الناصر محاولات بريطانية وإسرائيلية وأمريكية من خلال عملاء ورجال يقبضون الثمن ويبيعون قادة بلادهم لقاء أي شيء وتؤكد أقوال أنتوني ناتنج ما جاء في الأعراف المثير أمام القضاء الاسترالي الذي أدلى به «جون ديتلام» رئيس وزراء استراليا خلال الفترة من عام 1972 إلى عام 1975 حيث قرر أمام المحكمة العليا بمدينة جنوب ويلز باستراليا بشأن القضية المنظورة أمام المحكمة لحظر نشر كتاب «صائد الجواسيس» الذي ألفه الضابط السابق بالمخابرات البريطانية بيتر رايت الذي كانت حكومة المافظين تبذل جهودا مكثفة للحيلولة دون نشره خاصة وأنه يكشف عن كثير من أسرار المخابرات البريطانية التي عمل خلالها رأيت في جهاز المخابرات وذلك في جلسة الأول من ديسمبر سنة 1986 حيث اعترف بأن أنتوني إيدان رئيس وزراء بريطانيا وافق على أكثر من محاولة لاغتيال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر خلال أزمة السويس.

ودعمت هذه الشهادة الإذاعة البريطانية في نشرتها الإخبارية المذاعة الساعة الثانية بتوقيت جرينتش يوم 2 ديسمبر سنة 1986 حيث أعلنت أن قاضي المحكمة العليا بجنوب ويلز الجديدة قد أصدر امرا بتسليم الوثائق الخاصة بالسويس إلى محامي الضابط السابق حيث ذكر أن غيدن خلال أزمة السويس قد وافق مرتين على الأقل على الإجراءات الخاصة باغتيال جمال عبد الناصر سنة 1956في القوت في الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء الاسترالي منزيس يستعد للتفاوض مع الزعيم المصري(!!)

ولم تكن بالطبع المخابرات البريطانية وحدها هي التي تعمل في مجال تصفية جمال عبد الناصر فقد كانت بالطبع تستعين بالموساد (المخابرات الإسرائيلية) وكانت هذه الأخيرة تنفرد في محاولات كثيرة للقيام بهذا العمل الذي لم توفق أبدا فيه فيذكر كتاب «عملية ياخنين» لمؤلفه شمونيل سيجيف وهو الكتاب الذي ظل حبيسا في الرقابة الإسرائيلية لمدة 15عاما يذكر أن منظمة «النطاق» التابعة على تهجير اليهود من الغرب إلى إسرائيل وكان قد تسلم قيادة النطاق إرهابي اسمه الحركة «أرسين» وكان المغرب تستعد لاستقبال «لجنة الجار البيضاء» التي دعاها الملك محمد الخامس لبحث مسألة الكونغو واجتمعت اللجنة في 3يناير سنة 1961 بمشاركة كل من جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر وفرحات عباس رئيس جمهورية الجزائر المؤقتة بالإضافة إلى رؤساء كل من غانا مالي وممثل عن حكومة ليبيا وافتتح الجلسة الملك المغربي محمد الخامس..

وعلى الرغم من أن اللجنة قد اجتمعت لبحث مشاكل الكونغو إلا أنها أدانت إسرائيل ونشاطها وفي إفريقيا وقال الملك محمد الخامس إنه يؤيد وحدة الأراضي وأصحابها وضمنها فلسطين العربية التي قسمت ضد إرادة أصحابها وشدد الملك على أن بلاده سوف تحارب لتحرير فلسطين من الصهيونية..

أما جمال عبد الناصر فقد كان عنيفا في إدانته لإسرائيل، وقال إن إسرائيل أداة في يد الدولة الغربية واتهم الامبريالية الغربية بأنها هي التي زرعت إسرائيل كرأس حربة وقاعدة للهجوم في الشرق الأوسط وأكبر دليل على هذا العدوان الثلاثي الذي وقع على مصر سنة 1956

كان اليهود المغرب قد ارتدوا الثياب السوداء احتجاجا على زيارة عبد الناصر للمغرب وقبضت الشرطة المغربية على بعضهم.. ووضع «أرسين» رئيس جماعة النطاق التابعة للموساد خطة قتل عبد الناصر بواسطة وضع متفجرات في فراش عبدا لناصر بواسطة عامل في الشاليه الذي كان يقيم فيه عبد الناصر لكن هذا الاقتراح رفض لأن رجال الأمن المصري اعترضوا على وجود يهودي في طاقم العمال والخدم بالشاليه وستبدل الاقتراح بإرسال باقة من الزهور مشحونة بالمتفجرات إلى الرئيس في الشاليه.. وبالفعل وصلت هذه الباقة واستطاع رجال الأمن المصريون إبطال مفعول المتفجرات وعندئذ فقد قررت السلطات المغربية تنظيم رقابة قوية وفعالة على وجبات الطعام التي تقدم للرئيس ناصر ومرافقيه خوفا ن دس السم له.

كان السم سلاحا واردا أيضا للتخلص من عبد الناصر وبصرف النظر عما في قضية السم من محاذير إلا أنه من الضروري على كل باحث يتصدى لهذا الأمر أن يوفي هذه النقطة حقها واعتقد أن أوراق القضية رقم 4 لسنة 1979 أمن دولة عليا فيها شبه تغطية لهذه النقطة.

والمتهم الرئيسي في هذه القضية هو الدكتور علي العاطفي الذي اشتهر بأنه كان يدلك ساق عبد الناصر وأنه دس السم في كريم التدليك فتشرب ببطء إلى الدورة الدموية وأدى إلى موت الرئيس دون ظهور أعراض السم عليه.

وعلي العاطفي هذا كان عميدا لمعهد العلاج الطبيعي وقبض عليه بتهمة التجسس لصالح إسرائيل وقضت المحكمة عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة إلى أن الرئيس السادات تعاطف مع المتهم وخفف الحكم إلى 15 عاما.

من خلال أوراق القضية وما كتب عنها(1) فإنه في نهاية الخمسينيات سافر العاطفي الذي كان وقتها «مدلكا» بالنادي الأهلي إلى أمستردام ومعه مدرب كرة القدم عبده صالح الوحش وفي هذه الزيارة تعرفا معا على فتاتين هولنديتين وكان أن تزوج العاطف آنا ماريا جوهاني وتزوج عبده صالح الوحش صديقتها.

ومن هنا بدأت رحلات العاطفي إلى امستردام تتكرر دون أن يثير ذلك شكوك رجال الأمن المصري فقد اتخذ العاطفي زوجته ستارا لاتصالاته بالإسرائيليين، وحصل العاطفي على شهادة الدكتوراه في العلاج الطبيعي بطريقة غامضة وهذا ما فتح له الباب ليصبح عميدا لمعهد العلاج الطبيعي بالقاهرة وكان قد نجح قبل ذلك في توطيد علاقته بأنور السادات...

هل دخل العاطفي بيت الرئيس عبد الناصر في منشية البكري عن طريق السادات؟.؟؟

وقيل هذا: هل دخل العاطفي فعلا بيت الرئيس ناصر وقام فعلا بمهمة تدليل ساقه؟؟

لا يوجد في أوراق القضية ما يشير إلى أنه من الملاحظ أن العاطفي كان يصر في التحقيقات أنه لم يعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية إلا منذ عام 1976 أي بعد وفاة عبد الناصر بست سنوات (!!) لكن المحقق استطاع أن يواجهه بمعلومات تسجل عليه أنه قام بإرسال معلومات عن طريق اللاسلكي منذ عام 1971 وهذه المعلومات ثابتة بموجب التسجيلات الرقابية التي ترصدها محطات التسجيل التابعة للمخابرات وهنا انهار العاطفي واعترف أنه كان يعمل لحساب الإسرائيليين منذ عام 1969(!!) على أنه لم يشر إلى أنه قام بتدليك ساق عبد الناصر بالسم!

اعترف علي العاطفي أيضا بأنه كان يعرف السيدة جيهان السادات معرفة شخصية وعائلية ومن كبار الشخصيات التي ذكر العاطفي أنه كان يعرفها: كمال حسن علي رئيس الوزراء الأسبق والذي رافق الوزير حسن التهامي في رحلته إلى المغرب المقابلة الإسرائيليين في قصر الملك المغربي والاتفاق معهم على خطوات السلام (!!) كما ذكر العاطفي أيضا أنه يعرف شقيقة طلعت حسن علي، والمهندس سيد مرعي رئيس مجلس الشعب في عهد السادات وعبد المحسن مرتجي وعثمان أحمد عثمان الذي أدين ابن شقيقته بهجت حمدان بتهمة التجسس لحساب إسرائيل وأعدم سنة 1979.

وعندما قدم العاطفي للمحاكمة كان الحكم المتوقع هو الإعدام إلا أن المحكمة اكتفت بالأشغال الشاقة المؤبدة وخفض السادات الحكم إلى 15 عاما ودونما سب واضح ويذكر الكتاب دون ذكر المصدر أن السادات عندما خفض الحكم فإنه فعل ذلك استجابة لطلب مناحم بيجين وأمر أيضا بعدم اقتراب الصحافة من هذه القضية حتى لا يغضب إسرائيل»

وبعد صدور الحكم جرى حصر ممتلكات العاطفي وقدرت بحوالي مليوني و200 ألف جنيه .. وصودرت..

والمعومات الجديدة في هذا الموضوع والتي استقبلتها شقيقه أن العاطفي مازال مسجونا في مزرعة طرة وأنه قد فقد بصرة تقريب ويحاول شقيقه الآن تقديم التماس للإفراج عنه.

إن أوراق العاطفي لم تحسم قضية السم كذلك لا يستطيع أحد حسم هذه القضية إلا هؤلاء الذين كانوا بحكم مناصبهم يعرفون كل ما يقترب من بيت جمال عبد الناصر في منشية البكري وأهم هؤلاء هم:

سامي شرف: وزير المالية ومدير مكتب الرئيس للمعلومات

محمد أحمد: السكرتير الخاص للرئيس ناصر

شعراوي جمعة: وزير الداخلية في العهد الناصري

اللواء فؤاد عبد الحي: السكرتير المساعد والمسئول عن أمنه.

قال السيد سامي شرف لا أعرف شخصا بهذا الاسم دخل بيت الرئيس جمال عبد الناصر ولا أعرف أحدا يسمى العاطفي قام بتدليك ساق عبد الناصر وقد سمعت هذه الرواية من قبل وسألت السيد محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس عما إذا كان هناك شخص دخل بيت الرئيس بهذا الاسم فأنكر ذلك..

وأضاف السيد سامي شرف:

وقد سمعت بوجود هذا الشخص معنا في سجن طرة كان في زنزانة يقضي بها عقوبته إزاء تهمة التجسس لصلاح إسرائيل وعلى كل حال فإن السيد محمد أحمد سكرتير الرئيس كان هو المسئول عن علاج الرئيس وعن الأطباء المعالجين.

وقال شعراوي جمعة: ليس لدي أية معلومات عن العاطفي هذا إلا أنه كان جاسوسا لإسرائيل وقبض عليه وحوكم.

وأكد هذا اللواء فؤاد عبد الحي، الذي سخر من هذه الادعاءات وقال «إن كان دخل بيت الريس .. يبقى دخل من وراء ظهرنا وده مش معقول..»

وما كدت أوشك على إغلاق صفحات هذه الرواية نهائيا حتى فوجئت بالأخ والصديق د. خالد عبد الناصر يزورني في بيتي القريب من مستشفى الدكتور إبراهيم بدران حيث كانت تجري لابنته ماجدة عملية جراحية لاستئصال الأعور كان لا يرد حضور العملية وفضل أن يبقى بعض الوقت لدي.. وسألته عن العاطفي هذا والسم . فلم يزد تعليقه عما قرره السادة سامي شرف وشعراوي جمعة ومحمد أحمد وفؤاد عبد الحي..

وفي يناير سنة 1988 قابله الصحفي اللامع مصطفى بكري في يوغسلافيا وسأله بالتحديد:

«ردد البعض أكثر من مرة أن الزعيم الرحل قد توفي بفعل مؤامرة إسرائيلية أمريكية عبر تدليك جسمه بالسم البطيء كما تردد أن الدكتور علي العاطفي عميد معهد العلاج الطبيعي سابقا وأحد الذين كانوا يعالجون عبد الناصر قد اعترف بذلك داخل السجن ما مدى صحة ذلك..؟

أجاب خالد: طبعا كانت هناك مؤامرات أمريكية وإسرائيلية دائمة ضد عبد الناصر هذا معروف لكن هذه الواقعة ليس لي بها علم ولا أذكر أنني رأيت علي العاطفي هذا من قبل(2)

كان من الضروري أن أنفض يدي نهائيا من موضوع الشك في قتل الرئيس جمال عبد الناصر بالسم... لا، المعطيات التي عندي ناقصة مفككة الأجزاء لا أكاد أسير في درب منها حتى أجده يفضي إلى غيره قد ينجلي الأمر بعد فترة من الوقت ولكن متى وجثة جمال عبد الناصر في القبر منذ وفاته في عام 1970 حتى الآن عام 1988 ولا أحد من أسرته أو من المعنيين بالأمر لديه الرغبة أو مجرد الاستجابة لدواعي الشك التي أثارتني والتي تدعو إلى فتح القبر وإخراج الجثة وإعادة تشريحها وفحصها.

ومن الواضح أن تصريحات خالد عبد الناصر الأخيرة تظهر بما لايدع مجالا للشك أن فكرة السم لم ترد لهم أي لأفراد الأسرة على بال.

ولنفرض أن أحدا من الأسرة اعتوره الشك وداهمه الارتياب فهل سيبعث هذا لديه الرغبة في إخراج الجثة وإعادة تشريحها من جديد؟ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: هل يمكن اكتشاف السم بعد 18 عاما من الوفاة؟؟

وحتى لو كانت هذه الإمكانية متوافرة فعلى أي أساس يصدر قاضي الأمور المستعجلة قرارا بفتح المقبرة؟ أتكفي الشكوك ومجموعة الاستنتاجات المتناثرة هنا وهناك...؟

لقد كان لدي أسبابي الخاصة التي يمكن أن تصلح دليلا في تقديري أمام قاضي الأمور المستعجلة لإصدار قراره بفتح المقبرة وإخراج الجثة ومن هذه الأسباب:

1- انتشار إشاعة التسمم بالسم البطيء عن ريق التدليك لساق الرئيس ناصر بواسطة الدكتور علي العاطفي مدير معهد العلاج الطبيعي بالقاهرة والمتهم في قضية تجسس لصالح إسرائيل رقم 4 لسنة 1979 أمن دولة عليا وحكم عليه بالسن مدى الحياة وخفض إلى 15 عاما بأمر من السادات...

2- ترددت استعمال السم في كثير من مغامرات المخابرات المصرية ما ذكره د. أحمد ثروت عن ضياع 7زجاجات من السم من المخابرات ومن تحذيره للرئيس بألا يصافح بيده صلاح نصر خوفا من تسرب السم إليه من خلال الجلد.

3- استعمال سم الاكونتين في انتحار المشير عبد الحكيم عامر مساء يوم 13/ 9/ 1956(وللمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع: انظر البحث الذي قدمه للنائب العام الدكتور علي محمد دياب الخبير بتحليل السموم بالمركز القومي للبحوث ونشر في يومين متتاليين 6، 7/ 8/ 1987 بجريدة الوفد التي تصدر بالقارهرة)

4- ما أثير عن حكاية موت الدكتور أنور المفتي الطبيب الخاص للرئيس عبد الناصر حيث ذكر موسى صبري أن مصطفى أمين نشر قصة الحكم الذي أصدره كما يزعمون عبد الناصر على المفتي لأنه عرف حقيقة مرضه وأنه هذا المرض بسبب له انفصاما في الشخصية وعندئذ قرر التخلص منه حتى لا يذيع هذا بين الناس وأن مصطفى أمين الذي أتهم بالجاسوسية سنة 1965 وأدين وحكم عليه بالسجن 15 عاما وأفرج عنه أنور السادات ضمن صفقة الإفراج عن الجواسيس الإسرائيليين بناء على إلحاج من جولد مائير خلال مفاوضات فك الاشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية عند الكيلو 101 بعد حرب أكتوبر سنة 1973- مصطفى أمين هذا قد اتصل بالسيدة فاطمة المفتي أرملة د. أنور المفتي الذي كان يشارك في علاج عبد الناصر وأسرته ليعرف حقيقة الرواية فأكدت له الزوجة الحزينة (!!)

وتستطر هذه الرواية التي أرويها لمجرد الاستدلال على لعبة السم في جهاز السلطة تقول الراوية: إن عبد الناصر كان يستمتع بالحوار مع د. المفتي بعد أداء مهمته الطبية وأذيع بين الناس أن أنور المفتي كان يردد في مجالسه الخاصة أنه اكشف من الحوار مع عبد الناصر أنه مصاب بالـ paranoia وأنه أصبح غير مؤهل للحكم لأن مرض السكر في الدم يمكن أن يؤثر على توازن التفكير.

وأن د. المفتي كان يحلل شخصية عبد الناصر وأنه كان يترك أهم شئون الحكم ويتفرغ لتحقيق واقعة قدمت إليه في تقرير عن أن شخصا عاديا هاجمه في مجتمع أو جلسه وقد مات أنور المفتي في ظروف مفاجئة، وتصورت السيدة فاطمة المفتي أن زوجها مات مسموما بأمر من عبد الناصر ونشرت أخبار اليوم هذا الاتهام وتصنع السادات الغضب وقال: هذا افتراء وتشهير عبد الناصر لم يكن قاتلا لماذا هذا الحقد(3)..

ونفي صلاح نصر مدير المخابرات في عهد عبد الناصر نفي هبذه الرواية وقال: إن المخابرات في عهده لم تقم بدس السم لأنور المفتي.. أو أنها قدمت السم لعبد الناصر ليستخدمه ضد أعدائه..

ولم يذكر صلاح نصر إذا كان المفتي مات بسم المخابرات أو دس له السم في كوب العصير الذي قدم له في منزل عبد الناصر.

ويتردد في نفس الرواية أن عبد الناصر سأل المفتي:

هل يحق للطبيب أن يفش سر مريضة؟

وعندئذ رفع. د. المفتي كوب العصير إلى شفتيه وشربه وعندما عاد إلى منزله نظر إلى المرآة ووجد مفعول السم يسري في جسده ويظهر أثره في حدقة عينيه والتفت إلى حرمه قائلا:

- سأموت بعد فترة..

- ومات بعدها بساعات..

- ونشرت هذه الأكاذيب وذاعت هذه الرواية ووصل خيط منها إلى هؤلاء الذين يبحثون عن أية ثغرة لينفذوا منها ويفرقوا المصري عن المصري والعربي عن العربي طبقا لمبدأ «فرق تسد» وكان هؤلاء في باريس يعملون عملاء للـ CIA وأصدروا كتابا بعنوان «هؤلاء المرضى الذين يحكموننا» تحدث الكتاب عن جمال عبد الناصر وإيدن وبومبيدو وديجول وستالين والبابابيوس الثاني عشر.. إلخ.

المهم أن هذا الكتاب تناوله أنيس منصور بالترجمة وادعى تأليفه كالعادة ثم دفع ببعض صنائعه لتقديم بعض شذرات منه تخدم الهدف في صورة كتاب تحت عنوان «التاريخ يصنعه هؤلاء» حيث يذكر في الصفحة (14).

«وأخيرا استشار (عبد الناصر أبو المفتي الذي لم يستمر في علاجه طويلا قال أنور المفتي: عن عبد الناصر مريض منذ فترة طويلة بمرض السكر دون أن يعرف(!) وأن المرض قد وصل إلى مرحة خطيرة وكان معنى هذه الأعراض أن التهابا شريانيا ينمو ويزداد في الأعضاء كلها وقال الطبيب إن هذه الأعراض ستؤثر على قواه العقلية..»

ويقول الكتاب: إن الدكتور أنور المفتي دفع ضريبة صراحته فقد نفذ صلاح نصر الأوامر بقتل هذا الطبيب بالسم(4).

5- ويظهر السم أيضا في الجناية رقم 3842/ 180 كلي لسنة 1975 المتهم فيه صلاح نصر رئيس هيئة المخابرات العامة وآخرون حيث اتهمتهم النيابة العامة بأنهم في الفترة من 21/ 7/ 1965 إلى 26/ 10/ 1965 أمروا بتعذيب مصطفى أمين المتهم الجنائي رقم 10 لسنة 1965 دولة عليا وقد نظرت هذه الجناية في جلسات 15/ 2/ 1976 إلى 25/ 5/ 1976 وصدر الحكم فيها في 26/ 6/ 1976 بالحكم بسن صلاح نصر 10 سنوات وقد ذكر صلاح نصر في ختام دفاعه أنه أنشأ قسما للسموم في المخابرات عندما ثبت أن إسرائيل كانت تستعمل السموم وأن الذي أنشأ هذا القسم هو الدكتور النبوي المهندس وأساتذة كبار من كليات الطب والعلوم(5).

وجاء في أسباب الحكم وما أثاره الدفاع في القضية أن السم كان سلاحا من الأسلحة التي تستعملها المخابرات المصرية للتخلص من خصوم النظام أو الذين يمكن أن يكشفوا بعض الأسرار التي يجب أن تظل في الكتمان وأن الدكتور أنور المفتي من هذه النماذج التي ماتت بالسم كذلك فإن كمال الدين حسين الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية قد دس له السم ولكن زوجته هي التي شربته فماتت على الفور... (6)

وقالت أسباب الحكم: إن المخابرات المصرية استوردت سم الأكونتين من ألمانيا الغربية. هذه بعض أسباب شكي في موت عبد الناصر بالسم نتيجة لتدليك ساقه وطبقا لأقوال الأطباء المعالجين أن جمال عبد الناصر كان بحاجة إلى تدليك ساقية لأنه كان مصابا بما يسمى «مرض بيرجر» وهو مرض يؤدي إلى تخثر الدم أي تجمد الشعيرات الدموية في الساقين وقد أطلق على هذا المرض أيضا اسم: «مرض اليهود». لأنه أصاب اليهود الذي يعملون في بورصة نيويورك حيث الأعصاب مشدودة وحيث الإصابة بمرض السكر منتشر وحيث التدخين بإسراف وهو مرض يصيب أيضا هؤلاء الذين يجلسون إلى مكاتبهم فترات طويلة. إن ما يؤكد شكوكي أو يدحضها دليل واحد هو: الجثة.

ولما كانت الجثة في المقبرة ويقتضي الحصول عليها قرار من النيابة العامة بناء على طلب من ولي الأمر هنا هو أسرة عبد الناصر ولما كانت أسرة الزعيم مازالت تعتبر الوفاة قضاء وقدرا فضلا عما يبعثه فحص الجثة وإعادة تشريحها هذا إذا كان فيها بقية ما من ألم وحزن فإن الموت بالسم يصبح خارج نطاق البحث على أنه لا يجب إغلاق هذا الملف موت ناصر بالسم دون النظر إلى عدة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن قرار النيابة بفتح المقبرة أو إخراج الجثة يتضمن بالضرورة اتهاما بالقتل ويصبح تحديد اسم الجناة أو الجاني أمرا لا مفر منه.. وهذا في حد ذاته يثير قضايا كثيرة منها ضرورة الإشارة إلى الدول والجهات صاحبة المصلحة الأولى في تصفية جمال عبد الناصر وتسمية الوسطاء والعملاء الذين قاموا بتجنيد أشخاص وزرعهم في أماكن معينة يتواجد فيها الرئيس عبد الناصر وتحديد أدوات الجريمة والإمساك بها وتسليط الضوء على الذين استفادوا استفادة حقيقة من وفاة الرئيس جمال عبد الناصر سواء بالقفز على السلطة أو بالحصول على مراكز وامتيازات أو الشراء الفاحش وتحقيق مكاسب غير مسبوقة والظروف المحلية والعربية غير قادرة الآن على مواجهة هذا الفيض من الاتهامات.

الاحتمال الثاني: إغلاق هذا الملف المفتوح بواسطة قرار ما بحجة أن فتح هذا الملف يمنع أجهزة المخابرات الغربية مثل الـCIA والموساد وعملائهما في المنطقة يمنحها امتياز اليد الطويلة بأنها تستطيع الوصول إلى الخصوم السياسيين داخل بيوتهم.

الاحتمال الثالث: محاولة التشكيل في استمرار فتح الملف بأنه يخدم القوي المعادية للناصرية بمقولة: إن رفاق عبد الناصر والمحيطين به وقد عجزوا عن حمايته وقصروا الدفاع عنه.. هم بطبيعة الحال عاجزين عن حماية الناصرية وبناء الحزب الجديد.

وهذا ولابد من التذكير بأن كثيرا من الصحف الأجنبية أشارت إلى وثائق تدين عددا من رؤساء الدول والملوك وتتهمهم صراحة بأنهم كانوا يتقاضون راتب شهرية من المخابرات المركزية عن طريق بعض المسئولين العرب الذين كانوا يتآمرون على جمال عبد الناصر تنفيذا لتوجيهات أسيادهم.

وبالطبع لا يوجد لدينا وثائق المبلغ التي تسلمها هؤلاء الرؤساء عن طريق الوسطاء ولا أرقام الشيكات أو أرقام الحسابات التي أودعت هذه المبالغ بها كما لا نملك بالطبع وثائق تتضمن أوامر القتل وتوجيهات الاغتيال.

وسوف يظل ملف استعمال السم مفتوحا إلى أن تظهر وثائق جديدة.. أو تتمكن السلطة من وضع يدها على أدلة هذا الموضوع وإلى أن يحين هذا فلنفتح الصفحة الأولى من الملف الثاني وهو يبحث فما إذا كانت وفاة عبد الناصر بجلطة الشريان التاجي أم بكومة سكر.. وهل كان الخطأ في التشخيص هو الذي عجل بالوفاة وأفقد الرئيس جمال عبد الناصر حياته أم كان الأمر مدبرا..؟؟

28 سبتمبر 1970

في مساء يوم 28 سبتمبر 1970 ذهب أنور السادات إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون وكان ينتظره على الباب الرئيس محمد حسنين هيكل وزير الإعلام، وصحبه إلى حيث كان الاستديو معدا ليلقى بيانه على الأمة الذي تضمنه خبر وفاة الرئيس جمال عبد الناصر:

قال السادات في بيانه:

فقدت الجمهورية العربية المتحدة وفقدت الأمة العربية وفقدت الإنسانية كلها رجلا من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال وهو الرئيس جمال عبد الناصر، الذي جاد بأنفاسه الأخيرة في الساعة السادسة والربع من مساء اليوم 27رجب 1390 الموافق 28 سبتمبر 1970 بينما هو واقف في ساحة النضال يكافح من أجل وحدة الأمة العربية ومن يوم انتصارها.

لقد تعرض البطل الذي سيبقى ذكره خالدا إلى الأبد في وجدان الأمة والإنسانية لنوبة قلبية حادة بدتا أعراضها عليه في الساعة الثالثة والربع بعد الظهر وكان قد عاد إلى بيته بعد انتهائه من آخر مراسم اجتماع مؤتمر الملوك والرؤساء العرب الذي انتهى بالأمس في القاهرة والذي كرس له القائد والبطل كل جهده وأعصابه ليحول دون مأساة مروعة دهمت الأمة العربية.

إن اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ومجلس الوزراء وقد عقد جلسة مشتركة طارئة على أثر نفاذ قضاء الله وقدره لا يجدان الكلمات التي يمكن بها تصوير الحزن العميق الذي ألم بالجمهورية العربية المتحدة وبالوطن العربي والإنساني وإزاء ما أراد الله امتحانها به في وقت من أخطر الأوقات.

إن جمال عبد الناصر كان أكبر من الكلمات وهو أبقى من كل الكلمات ولا يستطيع أن يقول عنه غير سجله في خدمة شعبه وأمته والإنسانية مجاهدا عن الحرية مناضلا من أجل الحق والعدل مقاتلا من أجل الشرف إلى آخر لحظة من العمر.

ليس هناك كلمات تكفي في عزاء جمال عبد الناصر.

إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفي بحقه وبقدره هو أن تقف الأمة العربية كلها الآن وقفة صابرة صامدة شجاعة قادرة حتى تحقيق النصر الذي عاش واستشهد من أجله ابن مصر العظيم، وبطل هذه الأمة ورجلها وقائدها.

«يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي»

والسلام عليكم ورحمة الله.

وعند منتصف الليل أذيع التقرير الطبي ونصه كالأتي:

أثناء توديع سمو أمير الكويت بالمطار في الساعة الثالثة والنصف مساء اليوم 28/ 9/ 1970 شعر سيادة الرئيس بدوخة مفاجئة مع عرق شديد وشعور بالهبوط.

وقد توجه سيادته بعد ذلك فورا إلى منزله بمنشية البكري حيث حضر على الفور الأطباء ووجدوا عند سيادته أزمة قلبية شديدة نتيجة انسداد بالشريان التاجي للقلب.

وقد أجريت لسيادته جميع الإسعافات اللازمة بما في ذلك استعمال أجهزة تنظيم ضربات القلب ولكن مشيئة الله قد نفذت وتوفى إلى رحمة الله في الساعة السادسة والربع أثناء إجراء هذه الإسعافات:

توقيع:

د. رفاعي كامل

د. منصور فايز

د. زكي الرملي

د. الصاوي حبيب

د. طه عبد العزيز.

وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد قضى العشرة الأيام الأخيرة في عمل متواصل ففي يوم الخميس 17/ 9/ 1970 التقى بالعقيد معمر القذافي في مطروح وعقد اجتماعا طويلا امتد حتى المساء تناولا فيه تطورات الموقف في الأردن حيث كان الجيش الأردني قد بدأ في قصف مناطق الفلسطينيين وتجمعاتهم بهدف تصفية المقاومة والقضاء عليها.

وفي اليوم نفسه جرى اتصال مع الرئيس السوداني جعفر نميري واتفق الرؤساء الثلاثة على تكليف الفريق محمد صادق رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة المصرية بأن يطير إلى عمان حاملا رسالة إلى الملك حسين ملك الأردن وياسر عرفات رئيس قوات المقاومة يطالبون فيها بوقف الصدام المسلح وإعطاء فرصة للمشاورات.

وكان عبد الناصر قد تلقى ثلاث رسائل من ياسر عرفات يطلب فيها منه التدخل الفوري وبكل الوسائل لإيقاف محاولة تصفية الثورة الفلسطينية وأمضى اليوم التالي الجمعة بطوله يتابع تطورات الموقف في الأردن دقيقة بدقيقة.

وفي يوم السبت والمعارك تتصاعد في عمان وكانت الولايات المتحدة تهدد بالتدخل اتخذ الرئيس ناصر خطوة مباشرة لتعزيز مهمة الفريق صادق فبعث برسالتين إلى الملك حسين وياسر عرفات قال في الرسالة الأولى للملك:

«إنني أتوجه إليكم مباشرة بنداء عربي صادق مخلص بأن يتوقف إطلاق النار بأسرع وقت لمدة 24 ساعة لكي يتيح لأمتنا فرصة نحتاجها وطنيا وقوميا وحتى إنسانيا إن معلوماتنا عن الخسائر مخيفة وتقديراتنا للعواقب محفوفة بالخطر وهناك آلاف الأبرياء تحت رحمة النيران أو تحت رحمة النزيف في الشوارع إن ذلك وضع لا يمكن أن تقبله أمتنا وهو عار يلحقنا جميعا أمام ضمائرنا وأمام أجيالنا المقبلة وأمام العالم صديقنا فيه وعدونا.. إنني واثق أن هذا النداء سيلقى استجابتكم الفورية بما يمكننا جميعا من وقف المأساة المحزنة الجارية الآن ووضع حائل يصد المؤامرة الدولية التي تبدو في التحركات المشبوهة للأسطول الأمريكي السادس بالبحر الأبيض(7) وقال عبد الناصر في رسالته لياسر عرفات:

«إن الجمهورية العربية المتحدة تعتقد أن الشعب الفلسطيني هو العصب الحساس في النضال العربي المعاصر كله وأن المقاومة الفلسطينية هي تجسيد حي لوجود هذا الشعب ولدوره وآماله ورجائي إليكم أيها الأخ أن تساعدونا من جانبكم في تحقيق ذلك حتى نستطيع تجنب موقف متفجر كما هو محزن..»

واقترح الرئيس التونسي عندئذ عقد مؤتمر على مستوى القمة لرؤساء وملوك الدول العربية لبحث الموقف المتردي في الأردن ويتم ذلك بحضور الملك حسين وياسر عرفات وقد أبدى جمال عبد الناصر موافقته على الاقتراح وقال إن القاهرة على استعداد للقيام بكل جهد في سبيل الأمة العربية ويلات حرب أهليه كتلك التي جرت في الأردن.

وبدأت القاهرة الاتصالات بالعواصم العربية للتمهيد لمؤتمر القمة وفي نفس الوقت حذرت القاهرة الولايات المتحدة الأمريكية من التدخل في أزمة الأردن.. هذا ينما كان السيد حسين الشافعي عضو اللجنة التنفيذية العليا قد ذهب إلى الرياض يحمل رسالة من الرئيس إلى الملك فيصل حول تطورات الموقف في الأردن.

ثم أرسل الرئيس برقية عاجلتين إلى الملك حسين قال في الأولى:

«إن آخر التقارير التي تلقيتها من الفريق صادق تظهر أن هذه المخاطر سوف تؤثر على أمتنا ومسيرتها ونضالها وآمالها إلى مدى كبير إنني أرجو تدخل جلالتكم الشخص والفوري لكي تلتزم وحدات الجيش الأردني بوقف إطلاق النار وأري من واجبي أن أرفع صوتي محذرا من خطورة النتائج التي يمكن أن تترتب على عدم تنفيذ ذلك..»

أما البرقية الثانية فكانت تتضمن:

«لقد علمت الآن أن المكان الذي رتب فيه اللقاء بين الفريق صادق وياسر عرفات يتعرض هذه اللحظات لقصف عنيف من جانب عناصر من الجيش الأردني وذلك وضع أعتقد أن جلالتكم لا يمكن أن ترضوا به أو تقبلوه . كما أن جمعيا العرب معكم ومعي في أنه وضع لا يمكن لأحد أن يرضى به أو يقبله أني أناشدكم مرة أخرى أن تساعدونا على تفويت هذه المحنة بما ألحقته بنا جميعا حتى الآن من آلام وكوارث..

«إنني أرى أن أي خطأ في التقدير أو الحساب يمكن أن يجرنا جميعا إلى حيث لا نريد وإلى حيث لا ترتد أمتنا وعلنا جميعا أن نتدبر موقع خطانا قبل أن سوقنا تداعي الحوادث إلى مضاعفات بالغة الخطورة.

«إنني أتمني من كل قلبي أن تتخذوا من القرارات الفورية ما هو كفيل بوضع حد لما يجري الآن ويكفي هذه الأمة ما عانته من عذاب خلال الأيام الأخيرة وأدعو الله أن يوفقكم ويسدد خطاكم..»

وفي يوم الاثنين 21/ 9 أصدر الملك حسين قرارا بوقف إطلاق النار استجابة لرسائل الذين بدأوا يتوافدون من القاهرة استعداد لاجتماعات القمة العربية لكن هذا القرار لم ينفذ.

وفي اليوم التالي (الثلاثاء 22/9) كان قد تجمع في القاهرة زعماء 9 دول عربية وأصبحوا مجموعة عمل لمواجهة الموقف العربي بالأردن وقد عرض عبد الناصر خلال سلسلة من الاجتماعات مجموعة مراسلاته مع الملك حسين وياسر عرفات وتقارير الفريق صادق وتقارير المعلومات الواردة من عمان.

وحضر الرؤساء والملوك وبدأت الاجتماعات بالهيلتون حيث أنشئ كوبري معلق يوصل بينه وبين قاعات الاجتماعات بمبنى جامعة الدول العربية بحيث لا توجد فواصل أو حدود بين أماكن إقامة الرؤساء والملوك ووفودهم وبين قاعات الاجتماعات بحيث يعقد المؤتمر وتدور الماشورات وحضر الملك حسين وياسر عرفات واستطاع ناصر أن يقرب وجهات النظر ويوقف نزيف الدم.. وتم ذلك مساء الأحد 27/ 9/ 1970 وذهب إلى بيته وفي صباح اليوم التالي كان عليه أن يذهب لوداع الملك فيصل ثم عاد إلى المطار بعد الظهر لوداع أمير الكويت .. وعاد إلى البيت وصعد فورا إلى غرفة نومة وطلب طبيبه الخاص د. الصاوي حبيب الذي حضر حوالي الساعة الرابعة من مساء يوم 28/ 9/ 1970 وفي الساعة السادسة والربع بالتوقيت الصيفي قيل إن الرئيس قد أسلم الروح بجلطة في الشريان التاجي فكيف حدث هذا..؟

كان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام وقتذاك ووزير الإعلام هو أول من رسم صورة ليوم 28 سبتمبر في بيت الرئيس جمال عبد الناصر ولم يفعل ذلك مرة واحدة إنما فعلها ثلاث مرات وأكثر.

المصدر الوحيد إذا لهذا اليوم الحزين هو هيكل وقد قدم ثلاث روايات على الأقل لصورة هذا اليوم.

الرواية الأولى قدمها في الأهرام صباح اليوم التالي مباشرة أي يوم 29/9/1970 والرواية الثانية قدمها يوم 16/10/ 1970 والرواية الثالثة قدمها بعد خمس سنوات من الوفاة وبالتحديد في يناير سنة 1975 في كتاب «بصراحة عن عبد الناصر» لفؤاد مطر دار القضاء بيروت.

وفي كل رواية من هذه الروايات كان هيكل يغير في الوقائع ويضيف ويعدل ويحذف إلى أن جاء عام 1988 حيث أثيرت قضية وفاة عبد الناصر ف « مجلة التضامن» التي تصدر بلندن في سلسلة من الحلقات خلال شهري يونيو ويوليو هنا قدم هيكل راوية أخرى أو رواية رابعة في مجلة «أكتوبر» العدد 608 الصادر في 19/ 6/ 1988 ولا يمكن لأي باحث أو كاتب أو محقق أن يتعرض لظروف وفاة جمال عبد الناصر دون أن يأخذ هذه الروايات الأربعة في الاعتبار لا لأن صاحبها «شاهد عيان» إنما لأن صاحبها رغم صداقته وقربه الشديد من جمال عبد الناصر لم يكن له وجود في القضية الحقيقية لوفاة عبد الناصر فهو لم يدخل حجرة الرئيس جمال عبد الناصر إلا بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة بأكثر من ساعة إنما استقى رواية موت عبد الناصر من خلال هؤلاء الذين كانوا يريدون أو من مصلحتهم أن تظهر هذه القصة بالشكل وبالطريقة وبالمضمون الذي قدمت به في الروايات الأربع.

وقبل أن ندق على باب الحقيقة ينبغي أن نقرأ وبتمعن الروايات الأربع:

الرواية الأولى

عبد الناصر في رحاب الله

«وقف الشعب المصري وأمته العربية والعالم كله أمس أمام فجيعة بغير حدود مفاجئة كأنها الصاعقة وذلك بانتقال الرئيس جمال عبد الناصر بطل هذه الأمة وقائدها ومعلمها إلى رحاب الله وكان ذلك إثر نوبة قلبية مفاجئة أحس بأعراضها وهو في مطار القاهرة الدولي يودع أمير الكويت الذي كان آخر من غادر القاهرة من الملوك والرؤساء العرب الذين شاركوا في اجتماع القاهرة الكبرى لبحث أزمة الأردن.

وأحس الرئيس بألم في صدره وهو واقف بجوار طائرة أمير الكويت في انتظار تحركها ثم أحس بالعرق يتصبب منه بغزارة والتفت بجانبه وطلب أن تجيء سيارته إلى حيث يقف لأنه يشعر بتعب مفاجئ ولا يستطيع هو أن يسير إليها كما كان يفعل عادة.

ودخلت السيارة بسرعة إلى جوار الطائرة وركب عبد الناصر متوجها إلى بيته ودخل غرفته ولحق به طبيبه المقيم الدكتور الصاوي حبيب وبعد كشف أولي، كان الساعة الرابعة إلا ثلثا وجد الدكتور الصاوي أن الأمر خطير فطلب استدعاء الدكتور منصور فايز الذي يشرف على علاج الرئيس كما طلب الرئيس زكي الرملي والدكتور طه عبد العزيز ثم لحق بهم جميعا الدكتور رفاعي محمد كامل .

وكان التشخيص الفوري أن هناك جلطة شديدة أحدثت أزمة قلبية حادة وأن هناك عدم انتظام يثير الانزعاج في دقات القلب.

وبدأت الإسعافات السريعة بأجهزة الأوكسجين وأجهزة الصدمة الكهربائية وغيرها من أنواع العلاج.

وفي نفس الوقت كان بعض معاوني الرئيس وأصدقاءه قد هرعوا إلى بيته وشبح الكارثة يخيم على حجرة النوم التي رقد فيها جمال عبد الناصر والأطباء من حوله يصارعون الخطر.

وكانت السيدة قرينته تقف خارج حجرة نومه بأمر الأطباء وكانت دموعها تتدفق في صمت كما كان بقية أفراد أسرته من حولها ودموعهم في عيونهم والقلق يشد كل الوجوه والأعصاب.

وفي داخل غرفة النوم كانت كل دقيقة تحمل معها نذيرا مروعا فقد كانت الحالة تتدهور باستمرار ووقف بجانب الفراش الفريق محمد فوزي والسيد شعراوي جمعة والسيد سامي شرف والسيد محمد أحمد ومحمد حسنين هيكل ثم ما لبث أن انضم إليهم السيد حسين الشافعي والسيد علي صبري ثم وصل نائب رئيس الجمهورية السيد أنور السادات.

وكان الموقف مذهلا لا يكاد يصدق.

كان الأطباء عاكفين على كل محاولة في طاقة الطب والعلم وكان الباقون في حجرة النوم واقفين في أركانها يرقبون الفراش الذي يرقد عليه حبيب مصر وبطلها، كان بعضهم يبكي في صمت وكان بعضهم يصلي وكان بعضهم في ذهول مما يرى.

وبدأ الدكتور الصاوي يقوم بعمليات تدليك للقلب ثم راح يضغط على الصدر عشرات المرات. وفي الساعة السادسة والربع تماما بدا أن الأمل ضاع وأن الروح فارق الجثمان المسجى ولكن أحدا لم يكن يريد أن يصدق أن ما يروه أمامهم يمكن أن يحدث.

كان ما يحدث أكثر هولا من أن يصدق كأنه كابوس مخيف يمسك بقبضته كل العالم وكل البشر.

وفي الساعة السابعة بدأ الطلب والعلم يدرك أنه لا فائدة أمام قضاء الله وابتعد الأطباء عن الفراش ثم انفجر الدكتور منصور فايز باكيا وانفجر بعده كل الواقفين في غرفة النوم.

وأحست السيدة قرينة الرئيس بما يجري فاندفعت إلى غرفة النوم تمسك بيد رفيق عمرها وتقبلها وفي حالة ذهول تمزق القلوب واندفعت السيدة هدى عبد الناصر داخلة ومعها شقيقتها السيدة منى ثم تبعها خالد عبد الناصر وعبد الحكيم عبد الناصر ولم يكن عبد الحميد عبد الناصر موجودا لأنه ضابط بالكلية البحرية وكان في عمله بالإسكندرية ودع على عجل بالطائرة ليجيء إلى القاهرة.

وأفسح كل الموجودين في الحجرة مكانه وغادروها ليتركوا لأسرة البطل العظيم لحظات الوداع الأخير وكان كل شيء لا يزال وكأ،ه كابوس مخيف يمسك في قبضته بالدنيا كلها وبالبشر جميعا.

وكان الذين خرجوا من غرفة النوم واقفين في غرفة المكتب الملاصقة لها ونشيج الوداع الأخير بين الأسرة ورجلها العظيم يصل آذانهم وكلهم مجهش في البكاء لا يتمالك نفسه أو يقدر على الإمساك بأعصابه.

وكان لابد من تحرك لمواجهة الموقف ودعا السيد أنور السادات إلى اجتماع في صالون بيت الرئيس حضره السيد حسين الشافعي والسيد علي صبري والسيد شعراوي جمعة والفريق أول محمد فوزي والسيد سامي شرف ومحمد حسنين هيكل .

وكان إحساس الكل أن خير ما يقدمونه لقائدهم وبطلهم ومعلمهم أن يكفلوا عنصر الاستمرار من أجل مصر ومن أجل الأمة العربية وقد أعطاها البطل الذي دخل رحاب الله وتم الاتفاق على عدة إجراءات:

• إعلان حالة الطوارئ في الجبهة مواجهة لأية طوارئ.

• دعوة الجنة التنفيذية للاتحاد الاشتراكي العربي ومجلس الوزراء إلى جلسة عاجلة لإعلان النبأ المروع وبحث الإجراءات المترتبة عليه.

• نقل جثمان الرئيس إلى القصر الجمهوري بالقبة باعتباره المقر الرسمي لرئيس الدولة.

• تحديد موعد الجنازة في الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس حتى تتاح الفرصة لأصدقاء عبد الناصر من ملوك ورؤساء الدول الذين يرغبون الاشتراك في وادعه الأخير.

• أن يكون مدفن البطل العظيم في المسجد الجديد في منشية البكري وهو مسجد أشرف الرئيس جمال عبد الناصر على بنائه بنفسه من أموال التبرعات التي كانت تصل إليه ويطلب أصحابها توجيهها بمعرفته لخدمة الإسلام.

ودعي الأطباء الخمسة الذين حضرا الساعات الأخيرة إلى كتابة تقرير رسمي عن الوفاة لكي تعرض على الاجتماع المشترك للجنة التنفيذية العليا ولمجلس الوزراء.

وجاءت السيدة قرينة الرئيس تطلب محمد حسنين هيكل وتمسك بيده ترفض أن تصدق ما حدث بينما خالد عبد الناصر وعبد الحكيم عبد الحكيم عبد الناصر وحاتم صادق يحاولون جميعا قدر ما يستطيعون مساعدتها.

وكانت السيد الجليلة في حزنها العميق تقول:

لا أريد شيئا.. لم أرد في حياتي غيره... لم يكن بالنسبة لي رئيسا للجمهورية . .كان زوي وليس من أمل في الدنيا غير أن أدفن إلى جانبه. وكان المشهد يمزق القلوب والأكباد والأعصاب.

وجاءت سيارة الإسعاف الخاصة برئاسة الجمهورية ورفع جثمان البطل العظيم من فوق فراشه وسجي على لنقالة الخاصة بها ثم حلمها أصدقاؤه وهو عليها وهبطوا بها من السلم حتى أدخلوها سيارة الإسعاف.

وخرجت سيارة الإسعاف إلى القصر الجمهوري بالقبة إلى العيادة الخاصة في القصر حيث تقرر أن يغسل الجثمان الطاهر ويصلى عليه في مسجد القصر الصغير ثم يبقى في نعشه حتى موعد تشييع الجنازة بع اتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة لحفظه حتى ذلك الوقت.

وبدأ أعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء يتدفقون على القصر وبعضهم لا يعرف لماذا دعي وينهار مر ة واحدة عندما يسمع النبأ الرهيب وكان هناك جمع من الوزراء في زيارة خاصة للجبهة ونقلتهم طائرة خاصة بسرعة وهم بعد بملابس الميدان لحضور الاجتماع.

وتحدث السيد أنور السادات فقال: إنه كان يتمنى أن لا يعيش هذا اليوم وأن ينعاه جمال عبد الناصر ولا يقوم هو بنعي عبد الناصر.

وأجهش الدكتور عزيز صدقي بالبكاء ونهض سيد مرعي من مائدة الاجتماعات يترك القاعة يريد أن تنفجر دموعه خارجها وكان الدكتور محمود فوزي يبكي في سكون حزين.

ودعي الأطباء إلى تقديم تقريرهم ثم تم الاتفاق على أن يتوجه السيد أنور السادات نائب رئي الجمهورية ليذيع بنفسه بيانا عن الفاجعة وكانت الإذاعة والتليفزيون قد قطعا البرامج العادية اكتفاء بتلاوة القرآن الكريم وكانت تلك أول إشارة إلى العالم بأن هناك شيئا مروعا قد حدث.

ولم تكن هذه هي النوبة القلبية الأولى التي أصابت الرئيس جمال عبد الناصر فلقد تعرض في سبتمبر من العام الماضي لنوبة قلبية واتفق يومها، حرصا على أشياء كثيرة أن يعلن عنها باعتبارها نوبة أنفلونزا وقضي الرئيس وقتها في الفراش ستة أسابيع وكانت نصيحة الأطباء له أن لا يجهد نفسه وأن يراعى ظروفه الصحية ولكن الرئيس بعد قيامه من الفراش وجد نفسه مشدودا إلى دوامة العمل بحكم الظروف السياسية والعسكرية التي تحيط بالوطن.

وعندما كان الرئيس جمال عبد الناصر في زيارته الأخيرة للاتحاد السوفيتي عاده طبيب القلب المشهور، الدكتور شازوف ويومها قال له الدكتور شازوف: إنه يتابع من بعيد برامج عمله ويعرف أنه كان أخيرا في ليبيا وفي السودان وأنه يعمل أكثر من أربع عشرة ساعة في اليوم وأن هذا خطر عليه وأنه يحذر من استمرار هذا الوضع.

وقبل الرئيس جمال عبد الناصر وقتها في إلحاح طويل عليه أن يدخل مصحة بربيخا لأسبوعين من العلاج المنظم على أن يلتزم بمواعيد محددة للعمل بعد ذلك، ولكن الرئيس عاد إلى القاهرة لاجتماعات متصلة ولعمل لا ينقطع.

وأخيرا وبعد إلحاح شديد وعليه ورجاء كل الذين كانوا يعرفون الحقيقة قبل الرئيس جمال عبد الناصر أن يذهب في إجازة إلى مرسى مطروح ولكن في يوم وصوله إليها انفجرت أزمة الأردن والمقاومة الفلسطينية وطار الرئيس معمر القذافي إلى مرسى مطروح لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر ثم تطورت الأمور بما اضطر الرئيس في اليوم التالي إلى قطع إجازته إلى مرسى مطروح ولكن في يوم وصله إليه انفجرت أزمة الأردن والمقاومة الفلسطينية وطار الرئيس معمر القذافي إلى مرسى مطروح لمقابلة الرئيس جمال عبد الناصر ثم تطورت الأمور بما اضطر الرئيس في اليوم التالي إلى قطع إجازته والعودة إلى القاهرة بعد أن نشأت فكرة اجتماع الملوك والرؤساء العرب في القاهرة .

وكان الثقل الكبير في هذا المؤتمر الحافل بعوامل التوتر كله على كاهل الرئيس جمال عبد الناصر وكان حزنه شديدا طويل الوقت على نزيف الدم المستمر في الأردن.

وحين لفت بعض الأصدقاء نظره إلى الجهد العنيف الذي بذله قال بالحرف:

إن هناك رجالا ونساء وأطفالا يموتون ونحن في سباق مع الموت ولم يلتفت أحد إلى أن هناك إشارة أقدار في هذه العبارة ولمدة تسعة أيام كان عبد الناصر يوجه جهده وفكره وأعصابه في جو مشحن إلى هدف واحد هو «وهو وقف النزيف في الأردن» و «إتاحة الفرصة للمقاومة الفلسطينية» حتى تم توقيع اتفاقية القاهرة.

وغادر الرئيس جمال عبد الناصر فندق هيلتون في الساعة العاشرة من مساء أمس الأول بعد توقيع الاتفاق وهو يشعر بإرهاق شديد.

وقام بتوديع الرئيس معمر القذافي وظل معه الليل حتى الفجر يتابع عمل اللجنة التي كانت قد سافرت إلى الأردن برئاسة البهي الأدغم، وفي توفير كل ضمانات العمل لها ابتداء من وضع اعتمادات مالية تحت أوامر اللجنة إلى الأمر بتوفير معدات الاتصال اللاسلكي لها في القاهرة.

وفي الصباح الباكر كان عليه أن يودع عددا من الملوك والرؤساء الذين سيغادرون القاهرة.

وفي الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا اتصل الرئيس تليفونيا مع محمد حسنين هيكل يسأله عن آخر التطورات بعد اجتماع كان هيكل قد عقده مع ياسر عرفات وبقية زعماء المقاومة الفلسطينية.

وقال له الرئيس جمال عبد الناصر في نهاية الحديث:

- إنني أشعر بتعب شديد، ولا أحس أنني قادر على الوقوف على قدمي

- وقال له محمد حسنين هيكل:

- إن الوقت قد حان لإجازة.

- وضحك الرئيس وقال:

- سوف أضع قدمي في ماء ساخن به ملح وسوف أشعر براحة بعدها.

- وقال له هيكل:

- إن الجهد كان كبيرا ومازال الرئيس في حاجة إلى إجازة

- ثم اقترح عليه أن يقضي بضعة أيام في الإسكندرية.

- وقال الرئيس:

- بعد قليل سأذهب لوداع أمير الكويت وأعود بعدها لأنام.

- واستطرد:

- أريد أن أنام نوما طويلا. لن أستطيع أن أستريح في الإسكندرية .. أريد يوم أو يومين من النوم هنا وبعدها نفكر في الذهاب إلى الإسكندرية.

- واستراح الرئيس بعض الوقت في بيته ثم غادره في الساعة الثانية والنصف إلى مطار القاهرة وشعر بما شعر به هناك وعندما عاد لم ينس أن يسألا السيدة قرينته، وهو يدخل متعبا إلى غرفة النوم:

- هل تغديت؟

- وقالت السيدة الجليلة:

- كنت في انتظارك..

- وقال لها وهو يدخل الغرفة:

- لا أشعر أنني أستطيع أن أضع في فمي شيئا

- وتبعته إلى غرفته ووقفت معه وهو يخلع ملابسه ويستلقي على الفراش ثم يدق الجرس ويطلب الدكتور الصاوي طبيبه المقيم.

- وخرجت هي من الغرفة وكان قضاء الله وقدره يدخل إليها في هذه اللحظات الحزينة..»

- (أهرام29/ 9/ 1970).

وقبل أن نغلق صفحات الرواية الأولى عن موت عبد الناصر فإني أطلب من القارئ الفطن أن يضع خطًا على عدد من الوقائع ونراها من جديد ونقلبها إثر كل رواية تجيء بعد هذا التاريخ.

الوقائع هي:

1- أن الرئيس جمال عبد الناصر أحس بأعراض النوبة القلبية وهو في المطار: ألم في الصدر العرق يتصبب منه بغزارة.

2- وأنه طلب أن تجيء إليه السيارة لأنه شعر بتعب مفاجئ.

3- عندما حملته السيارة إلى بيته بمنشية البكري اتجه إلى حجرة نومه ولحق به طبيبة المقيم د. الصاوي حبب والساعة الرابعة إلا ثلثا (3,40) ووجد الصاوي أن الأمر خطير فطلب استدعاء د. منصور فايز كما طلب د. زكي الرملي ود. طه عبد العزيز لحق بهم د. رفاعي كامل.

4- بدأت الإسعافات السريعة بأجهزة الأوكسجين وأجهزة الصدمة الكهربائية وغيرها من أنواع العلاج لكن الحالة كانت تتدهور باستمرار وكان إلى جانب الفراش: الفريق فوزي شعراوي جمعة سامي شرف، محمد أحمد هيكل.. ثم انضم إليهم حسين الشافعي وعلي صبري وأخيرا جاء أنور السادات.

5- أن الأطباء كانوا عاكفين على محاولة في طاقة الطب.

6- بدأ د. الصاوي حبيب يقوم بعملية تدليلك للقلب ثم راح يضغط على الصدر عشرات المرات!!

7- وفي الساعة السادسة و15 دقيقة بدا أن الأمل ضاع وفي الساعة السابعة بدأ الطلب والعمل يدرك أنه لا فائدة أمام قضاء الله.

هذه هي الملاحظات السبع على الرواية الأولى لمحمد حسنين هيكل عن وفاة جمال عبد الناصر.

والآن إلى الرواية الثانية وتاريخها يرجع إلى 16 أكتوبر سنة 1970.

ماذا تقول هذه الرواية..؟

في السادس عشر من أكتوبر سنة 1970 قدم هيكل روايته الثانية عن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر تحت عنوان: «بصراحة: 28 سبتمبر .. الأربع والعشرون ساعة الأخيرة» وبالمصادفة البحتة أنه كان قد جرى في اليوم السابق الاستفتاء على أنور السادات رئيسا للجمهورية وبالتالي فقد صدرت صحف ذلك اليوم (أي 16 أكتوبر سنة 1970) بالمانشتات بالصفحات الأولى عن الاستفتاء وكان مانشيت الأهرام: الملايين أمام صناديق الاستفتاء أمس بإصرار قاطع على تحمل المسؤولية نسبة الاستفتاء كانت قاطعة باهتمام جماهير الشعب وتصميمها على توجيه الأمور، الاتجاه الغلاب في نتائج الاستفتاء هو: نعم..(!)

وبالطبع كانت صورة السادات وهو يدلي بصوته في قرية ميت أبو الكوم منوفية على الصفحة الأولى.

في هذا الوقت استرجع هيكل وفاة عبد الناصر ومن هنا كانت الرواية الثانية فماذا قال فيها؟

الرواية الثانية

«وصلت إلى مكتبي بالأهرام في الساعة الثامنة والنصف من صباح اليوم (الاثنين 28 سبتمبر) وحين دخلت كان أول ما قيل لي:

«إن الرئيس اتصل بنفسه وسأل عنك... ولما عرف أنك لم تحضر بعد قال: إنه لا داعي لأن تطلبه لأنه خارج إلى المطار الآن وسوف يتصل بك هو عند الظهر»

ولم أذهب إلى وزارة الإرشاد كما أفعل عادة في الحادية عشرة صباحا وإنما بقيت في الأهرام قريبا من التليفون الذي يطلبني عليه عادة.

كان تليفونه قبل الثامنة النصف أول اتصال أجراه ذلك اليوم.

ثم قام كما علمت فيا بعد إلى حمام الصباح ثم جلس إلى إفطاره وأكل تفاحة واحدة من صندوق تفاح جاء به الوفد اللبناني إلى مؤتمر القاهرة ثم فنجان قهوة مع السيدة الجليلة قرينته.

وقال له هي قبل أن ينزل إلى أول وداع رسمي ذلك اليوم في مطار القاهرة:

- إن «الأولاد» سيكونون جميعا على الغداء اليوم.

- وسألها عن أحفاده قائلا:

- «وهالة» و «جمال»

- وقالت هي إن «جمال» هنا منذ الصباح الباكر جاءت به «منى» وهي في طريقها إلى عملها وتركته في البيت لكي يراه جده في الصباح كما طلب قبل أن ينام .. وأما «هالة» فهي في الطريق الآن

- وقال هلا سوف يراهم جميعا على الغداء..

- وخرج من البيت قبل الساعة التاسعة بدقيقتين.

- وفي الساعة الواحدة دق جرس التليفون في مكتبي .. وجاءني صوته وأحسست به متعبا متعبا إلى أقصى حد.

- وأعدت عليه حديث الأجازة وقال إنه سوف يستريح بعد وداع أمير الكويت..

- وسألته عما يشعر به قال:

- أجد نفسي غير قادر على الوقوف.

- وسألته:

- هل رأيت الطبيب:

- وقال:

- كان عندي الدكتور الصاوي وأجرى رسما جديدا للقلب. .وقال لي: إن كل شيء كما هو.

- وقلت:

- وآلام الساق... أما من دواء لها؟

- وقال: وسوف أضع قدمي في ماء دافئ به ملح وأظن أن الألم سوف يتحسن هو طول الوقوف فيما اعتقد.

- وعدت ألح في حديث الأجازة وأقترح أن يذهب إلى الإسكندرية. وقال:

- لا أستطيع الذهاب متعبا بهذا الشكل . .. سوف أنام هنا يوما كاملا.. وبعدها أفكر في الذهاب إلى الإسكندرية.

- ثم تطرق الحديث إلى السياسة كالعادة وسألني عن رد الفعل في إسرائيل لا تفاق حكومة الأردن مع المقاومة.

- وأجبته بملخص البرقيات التي وردت ذلك الصباح.

- ثم قال:

هل تعرف أن بيرجيس يقصد دونالد بيرجيس القائم على شئون الرعايا الأمريكيين في القاهرة سوف يسافر إلى إيطاليا وهناك سوف يجتمع بنيكسون..

أنه اتصل بالخارجية أمس وسأل إذا كان هناك ما يستطيع أن ينقله إلى نيكسون..

أريدك أن تطلبه الآن أن تبلغه رسالة مني إلى نيكسون.

اطلب منه أن ينقل له أنني ما زلت أسعى إلى حل على أساس قرار مجلس الأمن. إن موقفي لم يتغير.

إن الضجة التي يثيرونها عن الصواريخ زادت عن حدودها وهي بلا منطق إذا كانت إسرائيل لا تنوي الانسحاب إذن فإن الواجب يقتضينا إذا لم نكن قد ركبنا الصواريخ أن نبادر فعلا إلى تركيبها؟

قلت له: إنني سأطلب ببرجيس.

قالت: أطلبة الآن.

ورفعت سماعة التليفون الآخر وطلبت إلى مكتبي إتصالي بدونالد بيرجيس وقالت له:

- إن لدي رسالة كلفت بإبلاغها إليك لكي تنقلها إلى نيكسون.

- وقال بيرجيس:

- متى تريدني أن أجيء؟

- قلت له:

- الساعة السابعة مساء.

- وأقفلت التليفون معه والرئيس على الخط الآخر يواصل الحديث ولا يخطر ببالي أنني سأؤجل موعدي مع «بيرجس» لأن عبد الناصر سوف يكون قد رحل قبل الموعد المحدد.

- ثم تشاء المقادير أن أسلم الرسالة إلى ريتشارد سون الذي رأس وفد العزاء في عبد الناصر وكان قد جاء ليتحدث معي وقلت له:

- «ليس لدي ما أقوله لك غير رسالة كلفني هو بإبلاغها إلى بيرجيس لينقلها لنيكسون وهذه الرسالة الآن لك»

- واستطرد الرئيس يقول:

- قد لا أتصل بك في المساء لأنني سوف أنام.

- ووجدتني أقول هل بطريقة تلقائية.

- تصبح على خير.

- وقال ضاحكا

- «ليس بعد. نحن مازلنا الآن في عز النهار»

- وكانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوته.

- واستراح قيلا في غرفته ثم قام يرتدي ملابسه مستعدا للتوجه إلى المطار لمراسم الوداع الأخير مع أمير الكويت.

- واتصل بالسيد سامي شرف يسأله عما إذا كان هناك جديد؟

- قال له سامي شرف إنه ليس هناك جديد ولكنه يلح على الرئيس في ضرورة أن يريح نفسه لأن الجهد الذي يبذله عنيف.

- وقال الرئيس:

- «سوف أنام بعد أن أعود.. سوف أنام نوما طويلا.»

- ثم استطرد:

- «وفي الغد نتكلم عن الأجازة»

- وخرج من غرفته متوجها إلى السلم وتردد لحظة أمام المصعد ثم ضغط على الزر يطلبه وكانت أول مرة منذ تركيب المصعد في بيته يستعمله فيها للنزول كان دائما يستعمل في الصعود.. وعند النزول كان يفضل السلم.

وفي وداع أمير الكويت أحس في الدقائق الأخيرة أنه متعب بأكثر مما يحتمل لكنه تماسك بجهد ال يصدق.

وقبل أمير الكويت وهو يتصبب عرقا والدوار يعتريه.

وصعد أمير الكويت إلى طائرته والتفت الرئيس يطلب سيارته وكان ذلك على غير المعتاد فقد كانت العادة أن يذهب هو ماشيا إلى حيث تقف سيارته وأن يحي جماهير المودعين.

وجاءت السيارة ودخل إليها وهو يقول للسيد محمد أحمد: اطلب الدكتور الصاوي يقابلني الآن في البيت.

واستقل المصعد من الدور الأول إلى الدور الثاني وكانت الأسرة كلها في انتظاره.

أحسوا جميعا أنه متعب ولكنه وقف وسطهم دقيقة يتحدث فيها مع حفيدته «هالة» و«جمال» ثم يتوجه بعد ذلك إلى غرفة نومه وتلحق السيدة الجليلة قرينته تسأله متى يريد الغداء ويقول لها وهو يخلع ملابسه:

«لا أستطيع أن أضع شيئا في فمي»

ويرتدي بيجامة بيضاء بخطوط زرقاء ويدخل إلى سريره.

ويجيء الدكتور الصاوي وتستأذن السيدة الجليلة قرينته في الخارج لأنها كما عودها دائما لا تقف في الحجرة وهناك فيها غيره حتى ولو كان الطبيب.

لكن قلبها لا يطاوعها على الخروج بغير سؤال لمحه الرئيس في عينيها قبل أن تنطق به.

وقال لها مطمئنا: لا تخافي أظنه نقصا في السكر.

وقالت بسرعة: هل أجيئك بشيء..؟

وقال الدكتور الصاوي..

أي عصير..

وذهبت هي تعصر كوب ليمون وكوب برتقال..

بينما الدكتور الصاوي يشعر من أول لحظة أن هناك طارئا خطيرا.. ويخرج من الغرفة ليتصل بالسيد محمد أحمد على التليفون ويطلب منه استدعاء الدكتور منصور فايز والدكتور زكي الرملي.

ويعود إلى الغرفة والسيدة الجليلة قرينة الرئيس تدخل إليها حاملة كوب عصير برتقال وكوب عصير ليمون.

ويختار الرئيس كوب البرتقال ويشربه وتخرج هي من الغرفة ويبدأ الدكتور الصاوي محاولاته لوقف الطارئ الخطير.

كان تشخيصه على الفور أن هناك جلطة في الشريان الأمامي للقلب...

ولما كانت الجلطة السابقة في سبتمبر من العام الماضي قد أثرت في الشريان الخلفي إذن فإن الموقف دقيق وحرج.

ويصل الدكتور منصور فايز وعند وصوله تحس السيدة الجليلة قرينة الرئيس أن هناك شيئا غير عادي.

كانت طول الوقت واقفة تنتظر في قاعة الجلوس التي تجتمع فيها الأسرة وهي على مدخل البهو المؤدي إلى غرفة مكتب الرئيس ثم غرفة نومه في الدور الثاني من البيت.

وحين وجدت الدكتور منصور فايز أمامها اقتربت منه والقلق يشد ملامحها لتقول له:

«لا تؤاخذني يا دكتور . لا أقصد إساءة.. ولكن مجيئك يقلقني .. أنت تجيء عندما يكون هناك شيء غير عادي..»

وقال لها الدكتور منصور فايز.

«أرجوك أن تطمئني .. كل شيء بخير إن شاء الله»

ودخل. وبعد قليل لحق به الدكتور زكي الرملي.

كان التشخيص واحدا وكانت الإسعافات التي بدأها الدكتور الصاوي قبل مجيئهما مستمرة وكان الرئيس متنبها على كل ما يجري.

وحوالي الساعة الخامسة بدا أن الأمل يقوى.

كان النبض قد بدأ ينتظم وضربات القلب تعود إلى قرب ما هو طبيعي واستراح الأطباء والتقطوا أنفاسهم وهم بجواره وهو يراقبهم بابتسامة هادئة على شفتيه.

ثم بدأ يتحدث معهم.

كانت الساعة الخامسة إلا خمس دقائق بالضبط.

قال له الدكتور منصور فايز: إن الرئيس في حاجة إلى إجازة طويلة

وقال الرئيس:

«كنت أريد أن أذهب إلى الجبهة قبل الإجازة هل أستطيع أن أذهب وأرى «أولادنا» هناك قبل أي إجازة.

وقال الدكتور منصور فايز:

« إن ذلك سوف يكون صعبا ويجب ألا تسبق الأجازة أي نشاط آخر.»

وقال الرئيس:

«إن كل الوزراء اليوم في الجبهة لقد طلبت أن يذهبوا إلى هناك وأن يعيشوا يومين مع الضباط والجنود.. ويجب أن يعرفوا ويعرف كل مسئول حقيقة ما يقوم به الجيش في الجبهة..»

وهم الرئيس في فراشة ومد يده إلى جهاز راديو بجانبه وفتحه ويريد أن يسمع نشرة أخبار الخامسة من إذاعة القاهرة.

وبينما اللحن المميز لنشرة الأخبار من إذاعة القاهرة ينساب في الغرفة ويبدد بعض الشيء جوها المشحون بالطارئ الخطر أحس الدكتور منصور فايز أنه يريد أن يدخن سيجارة وتصور أن خروجه من الغرفة ليدخن سيجارته قد يكون فرصة يطمئن فيها السيدة الجليلة قرينة الرئيس على صحته.

وخرج فعلا إلى غرفة المكتب ثم إلى البهو المؤدي إلى غرفة الجلوس ووجدها أمامه ويداها تعصران وجهها من القلق ومشقة الانتظار.

وقال لها باسما: إنه بخير والحمد لله.

وسألته بلهفة: صحيح؟؟

وقال لها:

«إنني كطبيب اسمح لك أن تذهبي وتريه بنفسك»

وقالت له:

«أخشى إذا دخلت أن يشعر بقلقي ويتضايق إنه لم يتعود أن أدخل وهناك أطباء وإذا دخلت فقد يتصور أن هناك شيئا غير عادي»

في غرفة النوم كان المشهد يتغير بسرعة لم تكن متوقعة

استمع الرئيس إلى مقدمة نشرة الأخبار ثم قال:

لم أجد فيها الخبر الذي كنت أتوقع أن أسمعه..»

ولم يقل شيئا عن الخبر الذي كان ينتظر سماعه..»

وتقدم منه الدكتور الصاوي وقال:

- ألا تستريح سيادتك إنك فتحت جهاز الراديو ثم قفلته ولا داعي لأي مجهود الآن؟

- وعاد الرئيس يتمدد تماما على فراشه ويقول بالحرف

- «لا يا صاوي.. الحمد لله.. دلوقت أنا استريحت»

- ولم يفرغ الدكتور الصاوي من عبارة يقول فيها:

- «الحمد لله يا فندم»

- لم يفرغ ونظره مركز على الرئيس حتى وجده يغمض عينيه ثم وجد يده تنزل من فوق صدره حيث كان وضعها وتستقر بجواره.

- بعدها لم يشعر عبد الناصر بشيء..

- لم يقل كلمة.

- وكانت ملامح وجهه تعكس نوعا غريبا من الراحة المضيئة.

- وجري الدكتور الصاوي هالعا ينادي الدكتور منصور فايز ووقف كل الأطباء حول الفراش بيدهم وعقولهم كل ما يستطيع العلم .

- ووصلت إلى البيت وصعدت السلم قفزا وكانت السيدة الجليلة قرينة الرئيس أول من لقيت وكانت إحدى يديها تضغط على خدها اليد الأخرى تمسك برأسها وليس على لسانها وقد ملكها الخوف والخطر إلا نداء واحد:

- «جمال.. جمال»

- وكانت تكتم نداءها حتى لا ينفذ إلى حيث يرقد هو.

- وعبرت غرفة مكتبه بسرعة إلى غرفة نومه وإلى فراشه وكان الأطباء ما زالوا من حوله وكان ممددا على الفراش وسطهم بالبيجامة البيضاء وخطوطها الزرقاء .

- وفوجئت بما رأيت.

- عندما دعيت إلى البيت لم يخطر ببالي ما قدر لي أن أراه.

أقصى ما خطر ببالي عندما دعيت إلى بيته «لأنه متعب» هو أن شيئا مما ألم به في العام الماضي قد عاوده.

لكنني لم أكن مهيأ لما رأيت.

ولأول نظرة على الفراش فإنني أحسست بما لا أستطيع اليوم ولا غدا أن أصفه من مشارعي.

كان هناك على الفراش هدوء غريب.

صمت كامل..

كان هناك شيء واحد يلمع بشدة وهو دبلة الزواج في يده ينعكس عليها ضوء النور المدلى من السقف.

ولم أحاول أن أقترب من أي واحد من الأطباء فلم يكن من حق أحد أن يشغلهم.

والتفت حولي إلى بقية من في الغرفة: شعراوي جمعة وسامي شرف، ومحمد أحمد. وكانا جميعا مثلي معلقين بين السماء والأرض.

ووجدتني أدور في الغرفة وأبتهل..

أردد والدموع تنزل صامته: يا رب .. يا رب.

ثم أرقب محاولات الطب الأخيرة، وأناديه في علاه: يا رب غير ممكن يا رب غير معقول.» وتستمر محاولات التدليك الصناعي للقلب.

وتتكرر تجربة الصدمة الكهربائية والجسد الطاهر المسجى يختلج ولكن الهدوء يعود بعد كل اختلاجه بلا حسب ولا نبض.

وأحسست أن الأطباء قد فقدوا الأمل . وأنهم لا يحاولون بالعلم. ولكن يحاولون ضد العلم. وجاء علي صبري ووقف مبهوتا أمام ما يجري.

وجاء أنور السادات ووقف أمام الفراش رافعا وجهه إلى السماء يتمتم بآيات من القرآن.

ودخل الفريق أحمد محمد فوزي والذهول يملأ وجهه في نفس اللحظة التي قال فيه أحد الأطباء:

«إن كل شيء قد انتهى»

وقال الفريق أول فوزي بحدة ملتاعة:

«لا .. لا يمكن. واصلوا عملكم»

وانفجر الدكتور منصور فايز باكيا وانفجر معه كل الأطباء باكين..

وانهمرت الدموع طوفان من الدموع..

ودخلت السيدة الجليلة قرينته الغرفة المشحونة بالجلال والحزن.

لا يمكن أن أصف أحزانها المتوهجة كالجمر المشتعل..

أمسكت يده تقبلها وتناديه.

وسمعت أحد الباكين يقول:

الرئيس .. الرئيس..

والتفتت تقول:

«لا تقولوا الرئيس .. قولوا أنه جمال عبد الناصر وكفى.. سيبقى بالنسبة لي وللناس كلهم جمال عبد الناصر»

ثم انحت عليه تقبل يده مرة أخرى وهي تقول:

«لم يكن لي في الدنيا سواه.. ولا أريد في الدنيا غيره. ولا أطلب شيئا... إلا أن أذهب إلى جواره حيث يكون..»

ثم التفتت إلى السيدة الجليلة في حزنها الذي يفتت الصخر تسألني:

«قل لي أنت.. رد علي.. ألن أسمع صوته بعد الآن..»

وأقبل أحد الأطباء يغطي وجهه ونظرت إليه متوسلة بالدموع والنشيج:

«أتركوه لي.. أنظر إليه.. أملأ عيني به..»

واستدار كل من في الغرفة خارجين تاركين لها اللحظة الأخيرة وحدها معه.

وعندما جاءت السيارة التي تنقل جثمانه الطاهر إلى قصر القبة..كانت في وداعه حتى الباب وكانت كلمتها المشوبة باللهب الحزين والسيارة تمضي به:

«حتى بعد أن مات .. أخذوه مني.. لم يتركوه لي..»

وانطلقت به السيارة في جوف الليل الحزين.

وسرى النبأ كعاصفة برق ورعد. وزلزال يهز البحر الأبيض قلب الدنيا وبؤرة التاريخ من أعماق إلى ذري الأمواج العالية..

• وفي شرق البحر الأبيض – في عمان- تسمرت الدبابات في أماكنها وخرج رجال المقاومة من خنادقهم يصرخون وينادون عليه.

• وأجهش حافظ أسد وزير الدفاع السوري بالبكاء وهو يقول:

كنا نتصرف كالأطفال وكنا نخطئ .. وكنا نعرف أنه هناك يصحح ما نفعل ويرد عنا آثاره..»

• وفي شرق الأبيض البحر الأبيض – في تل أبيب كان النبأ أخطر من أن يصدق للوهلة الأولى وقالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل..

- «من الذي أطلق هذه النكتة السخيفة؟»

ثم تأكد النبأ وخرجت جولدا مائير تشارك شعب إسرائيل فرحته بالخلاص من أعدى أعداء إسرائيل..

وأصدر ديان أمره إلى القوات المعدة للتدخل الإسرائيلي الأمريكي أن تتفرق..

• وفي شمال البحر الأبيض كان الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قد صعد لتوه إلى ظهر حاملة الطائرات ساراتوجا . ثم توجه إلى كابينة القيادة التي يسمع جمال عبد الناصر في القاهرة صوت مدافعه.

ودخل عليه مساعده هالدمان بالنبأ

وذهل نيكسون ..

ثم كان قوله بعد قليل:

لا داعي الآن لهذه المناورة كلها..

وصمتت قعقعة السلاح على قطع الأسطول الأمريكي السادس وطأطأت المدافع رؤوسها للحدث الخطير الذي يتعدى بآثاره كل الحدود.

وران على البحر الأبيض قلب الدنيا وبؤرة التاريخ سكون كسيف وهدأت العواصف ورتمت الأمواج على الشواطئ وقد استنفدت كل وقواها.

وكان جمال عبد الناصر في حياته أكبر من الحياة.

وكان جمال عبد الناصر بعد رحيله أكبر من الموت.

ومرة ثانية أرجو للقارئ أن يكون يقظا معي ليضع يده على نقط الاختلاف بين الروايتين الأولى المنشورة في 29/ 9/ 1970 والرواية الثانية المنشورة في 16/ 10/ 1970

1- ففي الرواية الأولى تحس الرئيس بأعراض النوبة القلبية وحددها بأنها: ألم في الصدر والعرق يتصبب بغزارة وفي الرواية الثانية أن الرئيس أحس في الدقائق الأخيرة من وداع أمير الكويت بأنه متعب أكثر مما يحتمل وقبل أمير الكويت وهو يتصبب عرقا والدوار يعتريه.

• فالدوار في الرواية الثانية شيء جديد.

2- دار حوار في الرواية الثانية بين الرئي وحرمه والدكتور الصاوي حبيب وقال الرئيس إنه يشعر أنه بسبب نقص السكر وعرضت السيدة حرمه تقديم عصير فقال د. الصاوي بلهفة «أي عصير» وأنه في النهاية اختار عصير البرتقال بينما لم يرد ذكر لهذا الحوار في الرواية الأولى..

3- تذكر الرواية الأولى أن الأطباء الذين حضروا ودخلوا غرفة عبد الناصر هم بترتيب وصولهم: الصاوي حبيب زكي الرملي منصور فايز طه عبد العزيز رفاعي كامل.

بينما تسقط الرواية الثانية الدكتور طه عبد العزيز والدكتور رفاعي كامل والمعروف أن د. رفاعي كامل هو الذي طعن في تشخيص الأزمة المرضية لعبد الناصر ود. طه عبد العزيز هو الطبيب الوحيد الذي لم يوقع على شهادة وفاة عبد الناصر أو على تقرير وفاته الذي أودع بمضابط اللجنة التنفيذية العليا ومجلس الوزراء..(!)

4- في الرواية الأولى أن حالة عبد الناصر كانت تتدهور باستمرار إثر عودته من المطار وأن د. الصاوي كان يقوم بتدليك القلب ويضغط على الصدر عشرات المرات بينما تقول الرواية الثانية أنه في حوالي الخامسة بدأ الأمل يقوى والنبض ينتظم وضربات القلب تعود إلى قرب ما هو طبيعي..

• كيف يمكن التوفيق بين هذا التناقض الصارخ؟

5- في الرواية الثانية ترد لأول مرة قصة الراديو الذي فتحه الرئيس لسماع نشرة الأخبار ثم لم يجد الخبر الذي توقع أن يسمعه بينما لم يجئ ذكر شيء من ذلك في الرواية الأولى

6- في الرواية الأولى: أن الأمل ضاع في إنقاذه الساعة السادسة الربع بينما تقرر الرواية الثانية على أنه مات بعد سماع موجز نشرة الأخبار والفرق بين التوقيتين أكثر من ساعة.

7- في الرواية الأولى: أن السادات كان آخر من دخل حجرة الرئيس ناصر وفي الرواية الثانية أن الفريق فوزي هو آخر من دخل غرفة عبد الناصر.

هذه الاختلافات السبعة بين الروايتين الأولى والثانية والتي لا يفصلها عن بعضها سوى 15 يوما تثير لدي أكثر الناس إيمانا وثقة .. الشك والريبة.

و الذى كتبه فؤاد مطر وأصدرته دار القضاء للنشر بيروت في يناير سنة 1975 ماذا تقول الرواية الثالثة وهل تختلف كثيرا عن الروايتين...؟

يقول هيكل في راويته عن وفاة عبد الناصر:

صباح يوم 28/ 9/ 1970 توجهت إلى مكتبي ونحو الساعة التاسعة صباحا اتصل بي الرئيس عبد الناصر هاتفيا على مكتبي في «الأهرام» يسأل عن ردود الفعل حيال اتفاق القاهرة وكان مهتما جدا بمعرفة رد فعل إسرائيل وكان محور المناقضة ما الذي يمكن أن تفعله إسرائيل حيال هذا الاتفاق.

وقبل أن يتصل بي كان عبد الناصر اتصل بالفريق صادق يسأل عن الموقف عمان وعما إذا كان القتال توقف بين المقاومة والجيش الأردني(8)

بعد ذلك توجه إلى المطار ليودع الملك فيصل وبعض الملوك والرؤساء الذين شاركوا في مؤتمر القمة ونحو الثانية عشرة والنصف اتصل به ثانية هاتفيا وقال إنه عائد من المطار في غاية التعب وقال أيضا عبارة تشاءمت منها وهي: «فاضل الوداع الأخير(9) .. مع أمير الكويت..»

وقلت له: ما دمت متعبا إلى هذا الحد فلماذا لا يقوم أحد بالنيابة عنك بتوديع أمير الكويت

أجاب: صحيح أن ألم قدمي شديد ولكني سأضعها في الماء والملح وهي وصفة قديمة يلجأ إليها الفلاح المصري في مثل هذه الحالات.

وردا على تحفظ مني تجاه هذه الوصفة أجابني بما معناه أنه يعرف أنني «بتاع تكنولوجيا» وأنه متأكد من أن الوصفات البلدية تفيد.

وقال لي إنه سيتوجه إلى المطار ليودع أمير الكويت وعندما سيعود لن يتصل بي لأنه يريد أن ينام نوما طويلا وذكر لي أنه قال لطبيبه الدكتور أحمد ثروت أن يستعد لإعطائه حبة تمكنه من النوم الطويل(10)

وقلت له: إذن نتكلم في اليوم التالي أي يوم 29/ 9/ 1970 وعندما تستيقظ من النوم أرجو أن تتصل بي لأنني أريد أن أقطع عليك نومك.

وتوجه إلى المطار ليودع أمير الكويت وكان قبل ذلك طلب من زوجته وأولاده انتظاره لتناول طعام الغداء معهم ذلك أنه طوال فترة انعقاد قمة «الهيلتون» لم يرهم لأنه كان مقيما في الفندق.

بعدما عاد إلى منزله من توديع أمير الكويت توجه على الفور إلى غرفة نومه وكشف عليه طبيبه الذي كان قد لحق به وشعر أنه في حاجة إلى أطباء آخرين فتم اتصال سريع بالأطباء في هذا الوقت طلب من زوجته كوبا من عصير البرتقال وتناول نصف الكوب وكان الأطباء وصلوا.. وعندما سأله فؤاد مطر عن الخبر الذي كان يريد سماعه عندما فتح الراديو قال هيكل:

وفي اعتقادي أن جمال عبد الناصر لم يكن أعطى خلال الفترة التي تبدأ من مغادرته المطار إلى بيته وتنتهي قبل ثوان من الساعة الخامسة أوامر أو أصدر قرارات تبديل أو تعيين وكان ينتظر سماعها من الإذاعة الذي حدث هو أن عبد الناصر قبل ثوان من انفجار الشريان الذي جاء بعد الذبحة القلبية الثانية وكان قاتلا استدار وفتح الراديو الذي إلى جانب سريره وسمع دقات الساعة الخامسة ثم سمع موسيقى العلامة المميزة لنشرة الأخبار ثم الموجز وكان صوته خافتا عندما قال: مفيش حاجة.

وقال له طبيبه الدكتور منصور فايز: سيادة الرئيس . مفيش داعي للمجهود.

وأجابه عبد الناصر: لا أنا كويس الحمد لله.

وألقى رأسه على المخدة وفي خلال ثوان أرخي يده، كانت الساعة الخامسة والربع تماما وحاول الأطباء الذين كانوا حوله إسعافه لكن حركة اليد كانت مؤشرا إلى أنه فارق الحياة.

هذه هي رواية هيكل الثالثة عن وفاة عبد الناصر ورغم أنها موجزة جدا فإنها أيضا تختلف عن الروايتين السابقتين في أنه هنا على الأقل يؤكد أن جمال عبد الناصر عندما عاد من توديع أمير الكويت وكشف عليه طبيبه الخاص شعر أنه بحاجة إلى أطباء آخرين .. إلخ. ثم يأتي التناقض أنه استدار وفتح الراديو الذي إلى جانب سريره كيف يمكن التوفيق بين الحالتين:

حالة المصاب بالجلطة والقلبية الذي لا يتحرك بل لا يمكن أن يتحرك وبين القول بأنه تحرك واستدار وفتح الراديو؟؟

على كل حال لا نريد الاستطراد في كشف مدى الاختلاف بين روايات هيكل لكن الذي يعنينا قبل أن نصل إلى الرواية الأخيرة عن الوفاة أن نسأل بلا أمل في الإجابة: ماذا وراء هذه الروايات المختلفة والمتناقضة..؟

يقدم هيكل في راويته الرابعة عن وفاة عبد الناصر تفسيرا شبه واضح في غموض الروايات السابقة من خلال أحاديث طويلة أجرها معه الكاتب الصحفي الأستاذ صلاح منتصر رئيس تحرير مجلة أكتوبر المصرية على مدى الأعداد 606، 607، و608 وآخرها صدر في 19 يونيو سنة 1988 واستغرق ملحقا من تسع صفحات من المجلة ويهمنا بالطبع الجزء الخاص بوفاة عبد الناصر خاصة وأن قضية الشك في أسباب وفاته كانت وما زالت مطروحة في الصحافة المصرية والعربية. على السواء.

قال هيكل:

«لم يكن جمال عبد الناصر يعرف من ظروف مرضه أن حياته قصيرة، كان يقول: إن حجم عمله ومسئولياته سوف يأخذ من عمره لكن هذا شيء وأنه كان يعرف من ظروف مرضه أن حياته قصيرة شيء آخر..

«معرفة المرض تدفع الناس إلى الحرص على حياتهم وأنت أمام رجل ظل إلى آخر يوم يعمل 18 ساعة في اليوم على الأقل..

«هل هذا أسلوب رجل يعرف حقيقة مرضه وأن عمره قصير؟ نفسية أي مريض تدفعه إلى الحرص على الحياة الحرص على الحياة أهم إحساس لدى أي مريض..

«أنت أمام رجل يبذل مجهودا خارقا للعادة ويتحمل مسئوليات من غير حدود لو أنه كان يعرف لخفف من عمله من أعباءه ومسئولياته لاستراح يعطي نفسه يوما واحدا زائدا في الحياة..

أنت أمام رجل كان يعيش حياة الناس يشعر معهم مرة تغيرت وزارة لأن سعر الأرز ارتفع 5مليمات .. رجل لم يكن ينام أيام حرب الاستنزاف إلا بعد أن يطمئن إلى كل دورية مقاتلة في سيناء عادت بسلام..

«الرجل عند ربه منذ 18 عاما ولا يمكن أن يتهم أحد أن ينافقه .. العكس صحيح. الهجوم عليه الآن له ثمن وله ثمن كبير وجوائز مغرية.. ومع ذلك أرجوك

يوجه حديثه إلى الكاتب صلاح منتصر أن تقبلها مني أنت تظلمون الشعب المصري قبل أن تظلموا رجلا من أعظم الرجال في تاريخ هذا الشعب..

وقد سأله صالح منتصر: نحن نسمع اليوم الكثير مما يقال ويحيط يوم الوفاة أو ظروفها بأسرار غامضة؟؟

يجيب هيكل:

كان هناك مشرف على صحة عبد الناصر هو الدكتور منصور فايز وهو وحده من أكبر وأشهر وأهم الأطباء في مصر هل سأله أحد عن مرض عبد الناصر الرجل كتب كتابا عن تجربته لا أحد في مصر يريد أن ينشه له حتى الآن على الأقل.. ولنفرض أن هناك شكوكا حول وفاة عبد الناصر فهل هذه هي الطريقة التي يعالج بها أمر مهم بهذه الدرجة وإذا كان عندي شيء في هذا الموضوع أقول إذا كان فليس بهذا الأسلوب ولا في هذا المناخ ولا مع هؤلاء الناس..»

وفيما يتعلق بواقعة فتح الراديو ساعة نشرة الأخبار فقد رد عليها هيكل في العدد رقم 606 من أكتوبر وقال:

«بالنسبة لتلك لواقعة لم يكن هناك شيء في خزانة عبد الناصر يتعلق بهذا الأمر أي وجود قرار بتعيين عبد اللطيف البغدادي نائبا لرئيس الجمهورية ولم يكن هذا هو الخبر المنتظر سماعه يوم رحيل عبد الناصر حكاية أن عبد الناصر كان ينتظر سماع خبر مهم في الراديو قبل وفاته وما يقولونه عن هذا الخبر فمن الغريب أن الذين يروون هذا الكلام ينسون أن واقعة الراديو أنا الذي كتبتها بالأهرام وأنا الذي كنت مصدرها لأني حضرت هذا المشهد ولو أنه كان هناك خبر بهذا الحجم ينتظره جمال عبد الناصر فأنا الذي كان المسئول عن إذاعته باعتباري كنت وزيرا للإعلام في ذلك الوقت..

وللحقيقة فإن ما كان يريد عبد الناصر أن يسمعه في ذلك اليوم وقد سألني فيه قبلها صباحا وظهرا ردود الفعل الخارجية في العالم لمؤتمر القمة العربية بشأن المقاومة الفلسطينية في عمان وهو المؤتمر الذي كان معقودا في القاهرة وكان حضور عبد الناصر ومتابعته له وتوديع الملك والرؤساء الذين حضروه وهو آخر نشاط قام به في حياته أما أن يحول هذا إلى أسطورة وكل إنسان يقول إنه كان يريد أن يقول كذاو كذا يقصد أن يقول كذا وإنسان منعه فهذا نوع من التعسف..إلخ»

1- الملاحظة أن هيكل في هذه الرواية يسقط كل أسماء الأطباء الذين أحاطوا بالرئيس جمال عبد الناصر يوم وفاته ولا يستبقي منهم إلا واحدا هو: د. منصور فايز

لماذا أسقط هيكل الأطباء الآخرين ولماذا أبقى على د. منصور فايز.. هل كان د. منصور فايز ألصق وأقرب لعبد الناصر من د. الصاوي حبيب مثلا..؟

2- لأول مرة يتكلم هيكل عن الشكوك التي تحيط بعلاج ووفاة عبد الناصر وهو هنا لا ينفيها إنما يقول إن هذه ليست الطريق لمعالجة مثل هذه الشكوك (!!).

3- بالنسبة لواقعة الراديو الذي فتحه عبد الناصر ليسمع خبرا لم يسمع قبل وفاته يعترف هيكل بأمرين:

أ‌- بأنه مصدر هذه الواقعة.

ب‌- وأنه حضر هذا المشهد.

فهل حضر هيكل حقا هذا المشهد، أي هل رأى جمال عبد الناصر وهو يمد يده ويفتح الراديو ويسمع الموجز ثم يغلقه وبالتالي يصبح هيكل هو مصدر هذه الواقعة..؟

لعل الصفحات القادمة تجيب على هذا السؤال وأسئلة أخرى..

والآن إلى شهادات الذين كانوا حول جمال عبد الناصر في اليوم الأخير.. وفي البداية نقرأ شهادة أول اسم على رأس الأطباء الذين وقعوا على شهادة الوفاة وهو: الفريق أول طبيب رفاعي كامل..

شهادة الدكتور رفاعي كامل

س: لقد كنت أول الموقعين على شهادة وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وكان يترتب توقيع الأطباء كما يلي:

1 - د. رفاعي محمد كامل(11)

2- د. منصور فايز

4- د. زكي الرملي ،

5- د. الصاوي حبيب،

6- د. طه عبد العزيز.

حيث جاء في إعلان الوفاة ما يلي:

«أثنا توديع سمو أمير الكويت في المطار الساعة الثالثة والنصف من يوم 28/ 9/ 1970 شعر سيادة الرئيس بدوخة مفاجئة مع عرق شديد وشعر بالهبوط.

«وتوجه سيادته بعد ذلك فورا إلى منزله من منشية البكري حيث حضر على الفور الأطباء ووجدوا عند سيادته أزمة قلبية شديدة نتيجة انسداد في الشريان التاجي للقلب.

«وقد أجريت لسيادته جميع الإسعافات اللازمة بما في ذلك استعمال أجهزة تنظيم ضربات القلب لكن مشيئة الله قد نفذت وتوفى إلى رحمة الله في الساعة السادسة والربع أثناء إجراء هذه الإسعافا»

أجاب الفريق أول طبيب رفاعي محمد كامل:

ج: كان فعلا من الموقعين د. منصور فايز ود. الصاوي حبيب، ود طه عبد العزيز ومش فاكر د. أحمد ثروت كان موجودا وإلا إلا..

• لأ . .. أحمد ثروت لم يكن اسمه موجودا على إعلان الوفاة فهل كان موجودا؟

• لا .. ده ساب الرياسة من زمان لكن الريس كان بيتفاءل به.

• هل تذكر وقائع يوم 28 سبتمبر سنة 1970 يوم وفاة جمال عبد الناصر؟

• نعم كان يوم اثنين..

• كنت فين أول النهار؟

- أنا كنت في البيت وكنت متفق مع الفريق فوزي الحربية أنه يفوت على في العيادة الساعة حداشر بالليل ونروح مستشفى المعادي للكشف على والدة وزير الحربية السوداني هناك وهي جات معاه بالطيارة.

- كان إيه حالتها..؟

- كانت مريضة بالقلب وكان الفريق فوزي متفق معاي إنه يمر على بالعربية ويأخذني المعادي لأكشف عليها وكانت رتبتي في هذا الوقت «لواء» قد ترقت إلى هذه الرتبة سنة 1959 ورقيت فريق سنة 1970 وظللت في هذه الرتبة إلى عام 1974 لقد كنت مسئولا عن الخدمات الطبية في القوات المسلحة وبهذه الصفة كنت من قواد حرب 1973 إن عمرى الآن 72 عامًا وتسعة أشهر.

• إذن لقد كنت أكبر من عبد الناصر وتخرجت قبله.

• نعم أنا من مواليد عام 1914 وتخرجت من الكلية الحربية سنة 1936

• بعدها بعام واحد دخل جمال عبد الناصر الكلية الحربية أي في عام 1937؟

• ومن ناحية أخري.. اليوم يكون قد مصي على 50 عاما وأنا طبيب

• فلنعد إلى يوم الاثنين 28 سبتمبر؟

- نعم كان لدي موعد في الحادية عشرة مساء لأذهب مع الفريق فوزي ... ومن هنا فعندما جاء وقت العيادة لم أستخدم عربتي بل استخدمت تاكسي وأوصلني إلى عيادتي بشارع هدى شعراوي رقم (8) بباب اللوق حوالي الرابعة مساء ولا أذكر أنني كشف على أحد من المرضى الذين كانوا بانتظاري لكنني.. أذكر أن التمورجي فاجأني عند وصولي حوالي الساعة الرابعة مساء بقوله إن بيت الريس جمال اتصلوا بك وعايزينك ضروري.. أنا عارف طبعا نمرة البيت فطلبها ورد علي الصاغ شريف سامي وقال لي يا فندم سيادتك مطلوب هنا حالا فأنا سألته منين اللي عيان؟ لأنه أحيانا كان الرئيس جمال يصل بي ويقول لي فلان تعبان من أفراد العيلة فأوله أ،ا جاي كل مثلا فلما قلت له مين اللي تعبان فقال: معرفش يا فندم إنما سيادتك مطلوب جالا كان الساعة تقريب الرابعة والنصف أو ما بين ذلك والخامسة.

- بالتحديد .. متى تم الاتصال بينك وبين بين الرئيس عبد الناصر؟

• ما بين الرابعة النصف والخامسة.

• كيف وصلت؟؟

• أخذت تاكسي ورحت بيت الريس.

• متى وصلت إلى هناك؟

• وصلت حوالي الخامسة أو الخامسة إلا ربعا أو خامسة وربع.

• كيف وجدتهم هناك في بيت الريس..؟

- في الدور الأرضي شفت محمد أحمد والفريق سعد الدين متولي . وأظن محمود الجيار فقالوا لي أطلع فوق ضروري فسألت: هو مين العيان؟؟ فقالوا: الريس فطلعت الدور الفوقاني (أي الأول بعد الأرضى) وفي الدور الفوقاني فيه أودة قعاد أي «أنتريه» صغير يفصل حجرة نوم الرئيس عن حجرات الأولاد ولقيت منى عبد الناصر واقفة تلطم خدودها قلت لها: إيه يا مني؟ لكنها لم ترد علي ومشيت الجهة اليمنى فيما أدة السيدة تحية حرم الريس وأودة الريس على الشمال وبينهما دورة مياه صغيرة دلفت من خلال المكتب الصغير وطرقت باب الريس للاستئذان في الدخول فلم يجبني أحد دفعت الباب فانفتح وفوجئت بعدد من رجال الحكم في الحجرة منهم: حسين الشافعي وهيكل ومحمود الجيار وسامي شرف والفريق فوزي وشعراوي جمعة والدكاترة: عبد العزيز طه، والصاوي حبيب ومش فاكر مين تاني كان موجود كان الريس نايم ومتغطي فاتجهت ناحية السرير كان متغطي من رأسه لقدميه أزحت الغطاء عنه ومسكت إيده ووجدتها باردة ومفيش نبض فالحقيقة أنا كانت تربطني بالريس صداقة انهمرت دموعي على الفور وغشاني حزن ثقيل كالجبل وبصيت وكان في وجهي وأمامي الفريق محمد فوزي والوزير سامي شرف قلت لهما: ونادهينلي بعد إيه.. بعد ما خلاص انتهى كانت الساعة في الوقت ده حوالي الخامسة.

- بالضبط كم كانت الساعة سيادة الفريق؟

- بالضبط الخامسة أو الخامسة والربع واللي شفته ده شفته قبل كده في الحلم تكرر عندي وعند زوجتي إثر ما ترسب في نفسي عندما سمعت أن الريس جاب دكتور شافه من غير ما يقول لي.

- مين الدكتور ده؟

- الدكتور محمود صلاح الدين بتاع إسكندرية وهو مختص بالقلب.

- هل زعلت من الريس؟

- أخذت على خاطري.

- إيه حكاية الحلم..؟

- قبل وفاته حلمت أن الباب خبط ففتحته مراتي فوجدت على الباب تحية هانم (زوجة الرئيس ناصر) ووراها الريس شايل كفنه على كتفه وبيقول لي:

- الحقني يا رفاعي..

- أخذت عبد الناصر في الأودة عندي في البيت وكشفت عليه وبعدين خرجت فسألتني تحية هانم عن النتيجة فقلت لها: وجايبينه ليه..؟ ما خلاص انتهي نفس الجملة التي قلتها للفريق فوزي وللوزير سامي شرف المهم قلت الجملة دي في وش فوزي وشرف ورحت داخل أودة صغيرة جنب منه بابها يفتح على حجرة نومه وفيها مكتب صغير وتليفون دخلت الأودة وجلست على مكتبه لأتمالك نفسي وأجفف دموعي ومكثت قليلاً.

- كم من الوقت مكثته في الحجرة الصغيرة الملحقة بحجرة نوم الريس؟

- دقائق معدودة.. ثم نزلت تحت وشفت في الهول علي صبري وأنور السادات..

- إذن علي صبري والسادات لم يكونا في حجرة نوم الريس مع الآخرين؟؟

- لا .. وكان كمان أمين هويدي وبدأت المجموعة اللي فوق تنزل في الصالة (الهول).

• فلنعد سيادة الفريق إلى حجرة نوم الريس ناصر عندما دخلت وكشفت الغطاء عن الجسد المسجى وأمسكت بيده هل تبينت أو الوفاة وقعت في التو واللحظة أم وقعت منذ مدة؟؟

• يدوبك ميت ما أقدرش أحكم يعني يدوبك ربع ساعة مضت على وفاته

• نزلت تحت ليه بعد أن تبينت وفاته هل كان ثمة ما يعمل.؟.؟

• لا حبيت أعرف سبب الوفاة نزلت تحت علشان أشوف تحليل الدم اللي كان عامل الدكتور ناصح أمين في نفس اليوم (د. ناصح أمين أستاذ تحاليل بجامعة القاهرة) ورأيت فيه أن نسبة التجلط 22٪ واطلعت على رسم القلب اللي أتعمل له في اليوم ده أي ويوم الاثنين 28 سبتمبر سنة 1970 وكان لا يفترق عن رسم قلب عملته له أنا منذ خمسة أيام فتأكدت أنه لم يمت بذبحة صدرية لأنه لو كان مات بذبحة صدرية كان يبقى رسم القلب فيه تغيير واختلاف ونسبة التجلط ما تكونش وافية بهذا القدر.

• هل نسبة التجلط 22٪ منخفضة..؟

• نعم 22٪ منخفضة والمهم إنني رحت قعدت مع الجماعة دول..

• الجماعة دول .تقصد مين..؟

أنور السادات وعلي صبري فاتفقوا على ميعاد الجنازة الساعة 11يوم الخميس وفي هذه الأثناء جاء سامي شرف وأخذ توقيعي على شهادة وفاة مذكور فيها: إنه توفى بذبحة أو بنوبة قلبية تردت ثانية لكن لو قلت إنني لن أوقع فسيسري الشك.

• الشك في ماذا؟

• الشك في أنه مات بذبحة..

• وقعت على الشهادة؟؟

• أيوه وبعد شوية جاء السادات نحوي وقال لي أنت يا رفاعي مسئوليتك الجثة تحافظ عليها لغاية ما نشيع الجنازة فقمت وجبت أربعة ضباط من الحرس وجابوا نقالة وطلعوا بيها وكانت تحية هانم والولاد قعدوا شوية مع الجثة وبعدين لما نقلنا الجثة وضعناها في عربة إسعاف وركبت معها ومع الضباط الأربعة. وبسرعة انطلقت العربة إلى قصر القبة وبعدها وصلت وأغلق الباب نظرت إلى الميدان وكان قد امتلأ بالجماهير ولم يعد فيه موقع لقدم وتساءلت: كيف عرف الناس الخبر وكيف سري بينهم بهذه السرعة المخيفة.


• ماذا فعلت بالجثة هناك في قصر القبة..؟

- هناك قلت لسامي شرف: هات لي الطبيب الشرعي وكان اسمه الدكتور كمال مصطفى كبير الأطباء الشرعيين على ما أذكر وجاء الدكتور كمال مصطفى وفحصنا أنا وهو الجثة من الظاهر ولم نجد آثار مقاومة أو شيئا يوحي بأن الوفاة فيها شبهة جنائية.

- وهنا استطرد الفريق طبيب رفاعي كامل إلى القول بأن كبير الأطباء الشرعيين قال إنه لكي نتمكن من معرفة سبب الوفاة فلابد من تشريح الجثة فقلت للدكتور كمال كبير الأطباء الشرعيين إنني لا أملك إصدار مثل هذا القرار فصاحبه هذا القرار لابد أن يكون هو صاحب السلطة العليا.. وصاحب هذه السلطة العليا قد مات فالذي يصدر قرار تشريح لابد أن يكون هو صاحب السلطة العليا المقبل وقد وجدت حرجا شديدا في أن أنقل رغبة كبير الأطباء الشرعيين إلى علي صبري إذ معني ذلك أن أختص علي صبري بهذا الأمر ليصدر فيه قرار معناه أنه صاحب السلطة العليا أي رئيس الجمهورية المقبل.. وهذا ينطبق على كل من السادات وحسين الشافعي فإذا طلبت أحدا من هؤلاء فمعناه أنني ميزته عن زملائه بسلطة إصدار القرار قلت هذه الهواجس لسامي شرف وزير شئون رياسة الجمهورية وكان أعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء قد بدءوا اجتماعا هاما في الدور الأول من قصر القبة لبحث الموقف الخطير فقلت لسامي شرف: عليك إذن بأن تنادي لنا الثلاثة الكبار: علي صبري والسادات حسين الشافعي.

• من الذي نادى للثلاثة الكبار؟

سامي شرف . وجاء الثلاثة وقالوا: إيه خير يا دكتور رفاعي فقلت: أنا وكبير الأطباء الشرعيين هو بيقترح تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة أو لا نقربها فما رأيكم؟؟

• أجاب الثلاثة الكبار في نفس واحد: مفيش داعي لبهدلة الجثة ونكتفي بالكشف الظاهري ومن هنا اكتفينا بالكشف الظاهري وبعدين قلت لسامي أنا عايز أتحفظ على الجثة من النهاردة ليوم الخميس أي يوم الجنازة فأرجو أن تبحث لي عن صندوق كبير بلا جدوى ولهذا لم أجد طريقة غير وضعه في ثلاجة المطبخ الخاص بقصر القبة، ولهذا كلف سامي شرف عددا من العمال بنقل ما في الثلاجة من لحوم وخضروات وخلافه إلا أن أرفف الثلاجة كانت مقسمة وعلى هذا لم تتسع للجثة ولم يكن هناك مناص من وضع الجثة على نقالة ووضع النقالة في أرضية الثلاجة وقد غطيتها بملاءة بيضاء وأغلقت أبواب الثلاجة وسلمت المفتاح لسامي شرف(12) انتظار ليوم الخميس الأول من أكتوبر حيث يتم تشيع الجنازة.

مازال الحديث للفريق طبيب رفاعي كامل الذي يستطرد قائلا:

وبعد يومين من الوفاة أي قبل الجنازة بالتحديد يوم الأربعاء الموافق 30 سبتمبر سنة 1970 استدعاني الوزير سامي شرف.. هوه في الواقع كلمني مش استدعاني وقال لي الهانم عايزاك لأن تحية هانم حرم الرئيس كان بيجي لها دور خفقان في ضربات القلب وكنت دايما أروح أعالجها(13)

ورحت البيت وكشفت عليها وكتبت لها علاجا .. وبعد كده مسكت فيه وقالت لي أقعد أنت رايح فين..؟ أنا عايزة أتكلم معاك شوية قعدت في الأنتريه الذي يفصل بين غرفتي الريس وتحية هانم وتطرق الحديث بيني وبينها وعلقت على ما كنا نقوله من تعبير «الرئيس الخالد» وقالت: أهو الريس الخالد مات مديون..

فقلت لها: مديون لمين..؟

فقالت: لعثمان أحمد عثمان بني الفيلتين بتوع هدى ومنى بـ 18 ألف جنيه كل واحدة بـ9 آلاف وتسدد من المبلغ ده 6آلاف من حسن صادق أبو حاتم صادق و 12 ألف جنيه لسه على الريس مات وهو مديون بيهم.

قلت لها: ربنا يسهل وكل شيء يوم الوفاة..

وبعدين سألتها عن اللي عمله الريس يوم الوفاة..

فقالت لي: الريس قام وخد حقنة الأنسولين اليومية.

س: هل كان يتناول حقنة يوميا من الأنسولين؟؟

ج: نعم .. كان يتعاطى حقنة يوميا من الأنسولين بسبب السكر.

واستطرد الفريق طبيب رفاعي كامل:

وقالت حرم الرئيس عبد الناصر: إن الرئيس بعد أن أخذ حقنة الأنسولين اليومية قعد على ترابيزة السفرة وأكل نصف تفاحة بالضبط ونزل «جري» وقال أنا أتأخرت عن الملوك والرؤساء وبعدين الصاوي أعطي له حقنة أنتستين وحقنة بانتوبون اللي هوه من مشتقات المورفين.

• هي فيه حقن أنتستين لأن المعروف أن الأنتستين دواء نقط لحساسية الأنفس شيء من ذلك..

• أيوه فيه حقن أنتستين دي حقن ضد الحساسية وتعمل هبوط على طول أخذ الريس حقنة أنستين وحقنة بانتوبون لكن الدكاترة اللي جم بعد الصاوي سألوه . سألوا الدكتور الصاوي: أنت إديته إيه؟

• فقال لهم: إديته حقنة بانتوبون

• فقالوا: إديلوا حقنة تانية

• أخذ حقنة ثانية بانتوبون والا حقنة ثانية أنتستين..؟

• باتنتوبون .. .فراح في غيبوبة.

• مين اللي قال للدكتور الصاوي أن يعطيه حقنة ثانية بانتوبون .. حد من الدكاترة الموجودين؟

• في الواقع مسألتش...

• هذا الكلام اللي قالته لك السيدة تحية هانم حرم الرئيس هذا الكلام ألم يثير عندك الرغبة في معرفة المزيد؟ خاصة وأن الكلام قيل لك يوم الأربعاء والجثة مازالت موجودة في ثلاجة قصر القبة ويمكن فحصها والتعرف على سبب الوفاة بالضبط وعما إذا كان الريس أخذ حقن أنتستين وبانتوبون من عدمه؟؟

لم يجب الفريق طبيب رفاعي على هذا السؤال إنما استطرد قائلا:

كان كلام تحية هانم يشير إشارات خطيرة ولذا أخذت أفكر يومي الأربعاء والخميس فيم قالته وما رأيته في بيت الريس يوم الوفاة من تقرير رسم القلب وتحليل الدم الذي يثبت أن نسبة التجلط لا تزيد على 22٪ وانتهيت إلى قرار أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يمت بنوبة قلبية ولكنه مات بكومة من السكر ويثبت هذا ما رأيته في التليفزيون حينما كان يودع الملوك والرؤساء ويتصبب عرقا ورجليه بتلف على بعضها في المطار ولم يمكنه التوجه للعربية علشان يركبها لأن صلاح الشاهد كان بينادي على العربية ونظرا لأنني كنت مقتنعا بهذه الشواهد والتحاليل ورسم القلب فقد تأكدت أنه لم يمت بنوبة قلبية وكانت هذه الأعراض الظاهرة عليه أعراض هبوط نقص السكر فأيقنت أنه مات بغيبوبة نقص السكر والحقن اللي أخذها عجلت بوفاته ولو كان أعطى قطعة سكر كان أنقذ وأنا لهذا يوم السبت..

• يوم السبت بعد الجنازة الموافق 3أكتوبر سنة 1970؟

- أيوه ذهبت إلى الفريق محمد فوزي وزير الحربية لأنني أتبعه وهو رئيس وقابلته وقلت له أنا جاي أولك إنني مضيت شهادة الوفاة غلط وهو أي الريس ناصر لم يمت بنوبة قلبية ولكنه مات بغيبوبة نقص السكر فقال لي اعمل معروف لا تثير هذا الموضوع لأن الناس أعصابهم معبأة ولو علموا بهذا الخطأ يمكن نروح كلنا في داهية فاسكت واكفي على الخبر ماجور.. لأن طبعا الحقن المهبطة والمثبطة أخدها وهو في حالة غيبوبة عجلت بوفاته.

- تدخلت حرم الفريق طبيب رفاعي كامل وقالت:

إن الناس فضلت ساكتة لغاية الأربعين وبعدها بدأت الحرب علينا لأننا لم نسكت وحاولنا أن تصل هذه الحقيقة إلى كل الناس.

واستطرد الفريق طبيب رفاعي كامل مقاطعا زوجته:

أيوه الحقن اللي أخذها عجلت بوفاته.

كنت الطبيب الأول لجمال عبد الناصر وصاحب الخبرة الطويلة والاسم الكبير ألم يسترع انتباهك أنهم لم يتصلوا بك يوم الوفاة وهو يوم الاثنين 28 سبتمبر سنة 1970 إلا متأخرا كما ذكرت ما بين الرابعة والنصف والخامسة إلا ربعا في اللحظات الأخيرة التي أوشك فيها الرئيس أن بلفظ أنفاسه..؟

لا هم اتصلوا بي قبل ما أروح العيادة أنا رحت العيادة بين الرابعة والنصف والخامسة لكن هم كانوا اتصلوا بي قبل كده في العيادة والتمورجي رد عليهم.

• أيوه اتصلوا بك في العيادة .. لكن متى..؟

• معرفشي والله

• العيادة بتفتح الساعة ثلاثة .. ومعنى كده أن الاتصال لم يتم قبل ثلاثة وكان يمكنهم الاتصال بك في البيت أو الجيش.. وإذا أعراض الهبوط أو أعراض الكومة ظهرت بعد ثلاثة لكن الثابت أن هذه الأعراض ظهرت في المطار؟

- الأعراض ظهرت عليه في المطار حوالي الساعة ثلاثة.

- تدخلت السيدة حرم الفريق وقالت: إن الرياسة كانت أحيانا تتصل لطلب الدكتور رفاعي لأشياء ليست هامة ولا ضرورة لها فمن في رياسة الجمهورية يريد الدكتور رفاعي؟ ربما ضابط أو جندي في الحرس أو قريب أو شيء من هذا القبيل ولذا لم يكن الاهتمام باتصال الرياسة له الأولوية ثم إن الذي اتصل لم يترك رسالة سوى أن الدكتور رفاعي مطلوب لكن لمن..؟

- عندما وصلت إلى بيت الريس وصعدت إلى غرفته وكان هناك في غرفته عدد من الأطباء ألم يسترع انتباهك عند دخولك أن هناك شيئا غير طبيعي يجري في الغرفة؟

- لا..

• قرأت بعض صفحات من مذكرات لطبيب كان بالرياسة هو الدكتور أحمد ثروت وكان قد ترك الرياسة سنة 1967 أو بعدها.. بعد عدوان 1967 وجدت في مذكراته إشارة غريبة إلى السم وتحذيرا من صلاح نصر هل يعني هذا عندك شيئا؟

• سم ؟؟

• نعم سوف أذكر لك النصر ويرجع إلى أوائل عام 1968.

• هنا تدخلت الزوجة وقالت إن الدكتور أحمد ثروت كان قد استبعد في عام 1967 من الرئاسة(14)

• نعم هذا ما ذكره لي ابنه الدكتور أحمد ثروت وعرفت أن الرئيس ناصر كان يتصل به بين الحين والآخر رغم قرار الإبعاد.

• أجاب الفريق طبيب رفاعي كامل: إن الرئيس عبد الناصر كان يتفاءل بالدكتور أحمد ثروت وكان يقربه إليه.. وعندما استبعد لم تنقطع الصلة.

• وجدت في مذكرات الدكتور ثروت هذه الجملة: «نصحت بألا يصافح الرئيس صلاح نصر لأنه يوجد سم من شأنه النفاذ من الجلد إلى الدورة الدموية..» ولم يتضح لي لمن وجه الدكتور ثروت هذه النصيحة وفي صفحة أخرى من مذكرات الدكتور أحمد ثروت يذكر أنه علم بأن سبع زجاجات من السم فقدت من المخابرات .. فين هم..؟

• تدخلت الزوجة وقالت: إن هذه الأقوال كانت تتردد كثيرا ولذا فقد خشيت على الدكتور رفاعي بأن يوضع له السم في أي شيء لإسكاته وإلزامه الصمت إلى الأبد.

• لم يعلق الدكتور رفاعي ولم يرد.. فاستطردت في السؤال:

• تردد أن الرئيس ناصر طلب عصير ا فقدمت له السيدة حرمه كوبا من عصير البرتقال فهل قدمت السيد حرمه هذا الكوب من عصير البرتقال حقا يوم الوفاة؟

• لا لم تذكر لي السيدة تحية هذه الواقعة..

• ألم تذكر لك شيئا عن هذه الكوب من العصير ضمن أحداث هذا اليوم العصيب يوم الاثنين 28 سبتمبر أثناء اللقاء يوم الأربعاء 30 سبتمبر عندما ذهبت إلى بيت الرئيس للكشف علهيا وعلاجها من خفقان القلب التي كانت مصابة به..؟

• لا لم تذكر هذه الواقعة..

• هل قرأت الأهرام وما جاء فيه حول موت الرئيس ناصر؟

• نعم..

• هل قرأت رد الطبيبين أحمد ثروت والصاوي حبيب ودفاعهما ضد ما أثير من أن الرئيس مات بكومة سكر وليس بجلطة الشريان التاجي..؟

• تدخلت السيدة حرم الفريق رفاعي وقالت: طبعا لازم يكون فيه رد من د. الصاوي حبب لأنه من مصلحته.

• لكني عرضت على الفريق طبيب رفاعي أن أقرأ له الرد المنشور بهدف تبيان شخصية د. الصاوي حبيب لأنه الشخصية التي كانت حاضرة الوفاة وأول طبيب دخل حجرة الناصر إثر إحساسه بالتعب.

• وقرأت نص الرد ومنه:

يقول الدكتور الصاوي حبيب في معرض رده على أنه غير أخصائي في القلب وأنه طبيب أطفال يقول في رده بأهرام 1/ 10/ 1986 ص... 7

أولا: أنا حاصل على درجة الدكتوراه في الأمراض الباطنية ودبلوم أمراض القلب ولا علاقة لي بطب الأطفال.

هنا تدخل الفريق طبيب رفاعي كامل وعلق قائلا: لا ده حصل على المؤهلات دي بعد كدة بسنين .. بالذات دبلوم القلب لم يحصل عليه إلا بعد سنة 1970..

ثانيا: لم تحدث لجمال عبد الناصر غيبوبة أو أي درجة من فقدان الوعي سواء بالمطار ولحين وصوله إلى منزله ولحين وفاته.

ثالثا: لم يتم حقنه بالأنتستين بريفين لأن هذا عبارة عن نقط للأنف.

وتدخل الفريق طبيب رفاعي كامل وقال: فيه أنتستين برفين نقط للأنفس وفيه أنتستين حقن وهو أتحقن بأنتستين.

رابعا: لم تتم الوفاة على الفور بل بقي الرئيس الراحل في المنزل حوالي ساعتين..

خامسا: تم استدعائي للمنزل أثناء عودته من المطار وكذلك الأستاذ الدكتور منصور فايز الذ حضر بعدي بربع ساعة والأستاذ الدكتور زكي الرملي الذي حضر بعدي بثلث ساعة وتأكد من رسم القلب من وجود انسداد بالشريان التاجي.

• تدخل الفريق رفاعي وقال:

• لأن غلط.

• واستطرد في قراءة النص:

هو الانسداد الثاني خلال عام وكان الأول في 11سبتمبر سنة 1969 وقد أجرى له كل ما يمكن من علاج لحين الوفاة»

فهل رسم القلب الذي أجرى للريس والتحليل الخاص به الذي تم يوم الوفاة موجودان..؟ وأين.؟

أجاب الفريق طبيب رفاعي كامل:

- التحليل اللي شفته بعيني اللي كان موجود بالدور الأرضي لما نزلت بعد وفاة الريس التحليل ده كان عامله الدكتور ناصح أمين وكان نسبة البروثرومبين 22٪ وهذا التحليل تم يوم الوفاة.

- ومعنى هذا بصراحة أن هذا التحليل يشير بوضوح أن الموت لم يكن بأزمة قلبية..

- والرسم أيضا الذي أجرى للقلب لم يكن يشير إلى حاجة جديدة ولا يختلف عن الرسم الذي أجريته له منذ خمسة أيام أو ستة أيام قبل الوفاة.

- الرسم اللي أنت عملته قبل الوفاة أين هو..؟ هل هو موجود بالرياسة؟

- طبعا..

- والرسم اللي جرى يوم الوفاة..؟

- في الرياسة أيضا..

- هو فعلا اللي شافه منصور فايز وزكي الرملي وواحد فيهما هو اللي قال للصاوي حبيب إديله واحد بانتوبون تانية، فمن منهما الذي طلب ذلك هل تعرف الاسم يا د. رفاعي؟

- ولم يجب د. رفاعي

- أردت أن أعيد لذاكرة الفريق طبيب رفاعي نص إعلان الوفاة الذي وقع عليه فربما تذكر شيئا غاب عنا قرأت:

- أثناء توديع سمو أمير الكويت في الساعة الثالثة والنصف من يوم 28/ 9: 1970 شعر سيادة الرئيس «بدوخة» مفاجئة مع عرق شديد وشعر بالهبوط.

- تدخل الفريق رفاعي وأضاف: شعر بإعياء

- واستطردت في القراءة:

- «وقد توجه إلى منزله فورا في منشية البكري حيث حضر على الفور الأطباء ووجدوا عنده أزمة قلبية شديدة نتيجة انسداد في الشريان التاجي للقلب.

- أضاف وعلق الفريق رفاعي: ده الغلط

- استطردت في القراءة.

- «وقد أجريت لسيادته جميع الإسعافات اللازمة بما في ذلك استعمال أجهزة تنظيم ضربات القلب لكن مشيئة الله قد نفذت وتوفى إلى رحمة الله في الساعة السادسة والربع أثناء إجراء هذه الإسعافات والتوقيع بالترتيب التالي:

- 1- د. رفاعي محمد كامل. 2- د. منصور فايز – 3 – د. زكي الرملي 4- د الصاوي حبيب 5 – د. طه عبد العزيز.

- رد الفريق رفاعي قائلا: أنا ما كنتش موجود مع منصور ولا زكي الرملي أنا جيت بعدهم وده اللي أنا بأقوله لك دي الحقيقة كاملة .

- إذن عبد الناصر لم يمت بأزمة قلبية إنما مات نتيجة هبوط وكومة سكر وأن الحقنتين اللي أخدهم عجلوا بوفاته؟

- أنا باعتبر إن اللي حصل ده هو سبب وفاته.

• أضافت السيدة حرم الفريق رفاعي:

«كان هذا سيتكرر بالنسبة للسيد علي صبري لكني أنا الذي تدخلت في العملية والسيدة حرم السيد علي صبري ثارت وطردت الأطباء.. وهي موجودة وتستطيع أنت تتكلم..»

• وتكلم الفريق رفاعي عندما سألته عن الرقابة على علاج عبد الناصر وعما إذا كان الدواء الذي يقرر له يخضع للمراجعة فقال:

• في الواقع أنا عادة أقرر حقنة أو أقراصا أو كسبولات أو علاجا من أي نوع .. ثم أدع التنفيذ لأحد من الأطباء الآخرين مثل الصاوي وغيره وغيره.. ولما كان الدكتور ثروت موجود كان يقوم بالتنفيذ.

• معنى هذا أن هناك من يقرر العلاج وهناك من ينفذه؟

• نعم أنا لم أكن أعطي لعبد الناصر الحقنة بنفسي.

• ألم يتبادر إلى ذهنك أنه من الممكن أن يقوم هؤلاء بتنفيذ شيء لم تقرره أو على خلا ما قررته.؟

• الحقيقة لم يخطر ببالي شيء من ذلك فأنا سليم النية.

• وهنا تدخلت زوجة الفريق رفاعي وقالت

• «طبعا ممكن يعملوا أي حاجة والناس دول تقصد أطباء الرياسة مستفيدين استفادة لا مثيل لها»

• أين رسم القلب اللي اتعمل للريس يوم الوفاة وأين التحليل الذي أجراه الدكتور ناصح أمين للريس؟

• في الرياسة.

• أين رسم القلب الذي عملته أنت للريس قبل الوفاة بخمسة أيام أو ستة..؟

• في الرياسة.

• من المسئول في الرئاسة عن حفظ مثل هذه الأشياء؟

• ربما محمد أحمد وربما سامي شرف لأن سامي الوزير المسئول عن شئون رياسة الجمهورية.

• هل لديك شك في أن الرئيس عبد الناصر مات بغير كومة السكر..؟

• لا ..وأدلتي هي التي ذكرتها وهي

1- المظاهر العامة له بعد الساعة الثالثة

2- رسم القلب

3- تحليل الدم.

وانتهى اللقاء مع الفريق طبيب رفاعي كامل.

شهادة الفريق محمد فوزي

رفعت شريط الدكتور رفاعي كامل من الكاسيت ووضعت شريطا جديدا لأسجل ما يقول الفريق فوزي.. (15)

قال الفريق أول محمد فوزي:

ترتب على شهادة الوفاة أو هذا الإعلان استداعاء رسمي لحضور الأطباء الموقعين أمام أعضاء اللجنة التنفيذية العليا وأعضاء مجلس الوزراء في الاجتماع الذي عقد بقصر القبة مساء يوم الوفاة 28 سبتمبر 1970 بحيث يقدمون أي الأطباء جماعة التقرير الطبي.

كان على الموقعين على الشهادة وهم أربعة حسب ما أذكر وحسبما سجلت ذلك في كتابي «استراتيجية المصالح» الجزء الثاني الفصل السادس بعنوان: وفاة الزعيم جمال عبد الناصر ص115 وما بعدها والأطباء الأربعة هم:

1- الفريق أول طبيب رفاعي كامل

2- د. منصور فايز.

3- د. زكي الرملي.

4- د. طه عبد العزيز.

تدخلت وقلت للفريق فوزي: خمسة أطباء وليسوا أربعة وهم على هذا النحو من الترتيب: 1- الفريق أول طبيب رفاعي كامل.

2- د. منصور فايز.

3- د. زكي الرملي

4- د. الصاوي حبيب وهو الطبيب المختص بعلاج جمال عبد الناصر.

5- د. طه عبد العزيز.

أيهما الحقيقي ما جاء في كتابك أو ما جاء في الشهادة التي أعلنت على الملأ..؟

أجاب الفريق فوزي:

تبقى الشهادة هي الصح لكن اذكرهم مرة أخرى فأعدت قراءة الأسماء مرة أخرى فقرر بصحتها أنها خمسة أسماء وقال: هي دي الشهادة اللي قدمت مساء يوم الوفاة في الاجتماع المشترك بين أعضاء اللجنة التنفيذية العليا وأعضاء الوزارة.

لكن هل قدمت الشهادة فقط أم قدمت الشهادة وناقش أعضاء الاجتماع المشترك الأطباء في الأمر أي في ظروف الوفاة...؟ سألت الفريق فوزي فقال:

الفريق فوزي:

الشهادة قدمت وجرت مناقشة أحد الأطباء حول محتواها ثم أودعت سجلات مجلس الوزراء سؤال: قبل وصول الجثة إلى قصر القبة وقل الاجتماع المشترك لتقرير مصير البلاد والسلطة وإعلان الوفاة وتحديد موعد الجنازة وغير ذلك من الأمور..

قبل هذا حدث في بيت الرئيس عبد الناصر واقعة إثر وفاته فبعد أن تأكدت الوفاة من قبل الفريق طبيب رفاعي كامل انتقل الجميع من حجرة النوم إلى المكتب الصغير حيث اطلع د. رفاعي على تحاليل الدم الذي أجراه الدكتور ناصح أمين للرئيس ناصر في نفس اليوم ووجد أن نسبة التجلط لا تزيد عن 22٪ وأنها نسبة لا تؤدي إلى جلطة كما اطلع على رسم القلب ووجده لا يختلف عن رسم القلب الذي أجراه له منذ خمسة أيام تقريبا...

ترك د. رفاعي الورقتين وهبط إلى الصالون الكبير حيث وافاه هناك السيد سامي شرف وزير الدولة وأحد الرجال الأقوياء الأربعة الذين كانوا يخيطون بجمال عبد الناصر(16) وقدم سامي شرف إليه ورقة ليوقع عليها، وتأمل د. رفاعي الورقة ووجدها شهادة الوفاة وقال له سامي شرف: امضي... (أي وقع على الشهادة...؟)..

فرفع إليه وجها محتشدا بالاستنكار وقال له: دي مش شهادة وفاة.. دي إعلان وفاة هل حدث هذا؟

هز الفريق فوزي رأسه وقال:

مش عارف ده حدث ولا لأ .. إنما وصلت الجميع إلى أوده المكتب تحت المواجهة للصالون ثم رحت إلى مكتب الرئيس جمال عبد الناصر وبالتليفون أصدرت تعليمات وكان الناس الموجودين في الصالون هم:

1- أنور السادات

2- الشافعي

3- علي صبري

4- حسنين هيكل.

دول اللي كانوا تحت في الصالون واقفين بيتكلموا وحسنين هيكل «مصطاد» ودن أنور السادات وشغال كلام.

س: هناك واقعة أخرى في قصر القبة، وهي أن الدكتور رفاعي يذكر أنه عندما وصل بالجثة إلى قصر القبة واجهته مشكلة الحفظ فالثلاجات الموجودة لم تكن تتسع لجسد الرئيس جمال عبد الناصر وعلى كل فهذه الواقعة ليست هي المقصودة إنما الواقعة المقصودة هي تحقيق الوفاة أو ما يعرف بشهادة الوفاء وهذه لابد أن يقررها الطبيب الشرعي وبالفعل جاء كبير الأطباء الشرعيين وهو الدكتور كمال مصطفى وكيل وزراء الصحة وقال: علشان نطلع شهادة وفاة لابد من تشريح الجثة.

الفريق فوزي: القصة دي سمعتها فعلا..

س: وهنا وقع الدكتور رفاعي كامل في مأزق فليس من سلطته أن يصرح لكبير الأطباء الشرعيين بتشريح الجثة ومن جهة أخرى فكل من يموت لابد له شهادة وفاة وشهادة الوفاة هنا مرهونة بإجراء التشريح كانت معادلة صعب ولابد من التوفيق بين طرفيها.

الفريق فوزي: من هنا طلبنا من الأطباء أن يقدموا لنا في الاجتماع المشترك تقريرا عن الوفاة ولكن كيف خرج د. رفاعي من المأزق؟؟

س: قلت للفريق فوزي: كما ذكر لي الفريق أول طبيب رفاعي كامل فإنه كان مكلفا بالتحفظ على الجثة إلى حين تشييع الجنازة وبالتالي كان مسئولا عن كل ما يتصل بها ولا يمكن البدء في اتخاذ إجراءات حفظ الجثة إلا بعد قرار كبير الأطباء(17) الذي يقضي بإصدار شهادة الوفاة من عدمه وتوصل سامي شرف إلى قرار اعتبره حكيما وهو أن ينادي الثلاثة الكبار: علي صبري والسادات وحسين الشافعي وقال لهم د. رفاعي إن كبير الأطباء الشرعيين يطلب إذنا بتشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة فقال الثلاثة في وقت واحد:

لا بلاش بهدلة في الجثة ...وبالتالي لم يتم التشريح ولم تصدر شهادة الوفاة المطلوبة..

الفريق فوزي: بس دي مسألة دخلت فيها الجنة التنفيذية العليا والوزراء وعرض الأطباء التقرير الذي صدر عقب الوفاة وموقع عليه من أربعة أو خمسة من الأطباء وتدون هذا في محضر رسمي(18).

س: طبعا اللي أنا قلته دي رواية فريق الأطباء رفاعي كامل صاحب أول توقيع على إعلان الوفاة وبالطبع لا يعرف ماذا كان يدور داخل الاجتماع المشترك .

الفريق فوزي: تقصد جوه في الاجتماع المشترك..؟

س: أيوه .. ماذا تم؟ هل استدعيتم الأطباء الخمسة أو الأربعة علشان يقولوا إزاي مات وإلا اكتفيتوا بقراءة إعلان الوفاة الموقع عليه الأطباء ...؟ (19) والتقرير الذي أودع بالملف؟

الفريق فوزي: لا لم نكتف بالإعلان بل حدث طلب إجماعي من المجلس المشترك أنه استكمالا لخطوات الوفاة أثير من أحد الأعضاء فالكل وافق وهكذا طلب استدعاء المختصين الأربعة..

س: من الذي استدعاهم؟؟

الفريق فوزي: المكتب مكتب الرئاسة سكرتير في الرئاسة ودول موجودين، ثم إن الدكاترة كانوا مع الجثة عندما وصلت إلى القبة وكنت مكلفا باستدعاء بقية أعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء من الجبهة نص مجلس الوزراء كان لابس أفرول، الاستدعاء للوزراء كان بواسطة أجهزة القوات المسلحة دخلوا بالافرول إلى قاعة الاجتماعات كان لابد من استكمال هذا العمل ومن هنا كان اجتماعنا في قصر القبة بعد الجثة ما وصلت الجثة لم تمكث بالبيت أبدا لأن قرارنا في صالون البيت بمنشية البكري هو نقل الجثمان إلى القبة(20)

س: وهل جاء الأطباء.؟

الفريق فوزي: نعم جاء الأطباء الأربعة(21) وبأقوال أنهم أربعة وقد تم تدويني لما جاء في كتابي على أثر الحوادث دي وشفت الوشوش الوجوه دي وعارفهم وما أعرفش طار مني الاسم الخامس إزاي؟؟

س: بالتحديد هل تذكر أسماء الأطباء الذين مثلوا أمام المجلس في قصر القبة...؟

الفريق فوزي: في هذه الواقعة أناح أتكلم في توثيق أكثر لما يقول لك د. رفاعي فلان كانوا حاضرين يبقى أصح من المذكرات بتاعتي.

س: إذن جاء الأطباء ودارت مناقشة حول الوفاة ما هو الموضوع الرئيسي الذي دارت حوله المناقشة؟؟

الفريق فوزي: قلنا لهم عاوزين منكم تقرير يثبت هنا في المحضر الرسمي عن سبب الوفاة وما أعرفش إن كان الكلام اللي في المحضر هو نفس الكلام اللي في إعلان الوفاة وإلا لا..

س: هل ذكر أن السبب الجوهري الذي أدى إلى الوفاة هو جلطة القلب؟...

الفريق فوزي: ما حصلت تشكك وراء الألفاظ الورقة(22) طلعت من الأطباء أتحفظت في المجلس ما حصلش وراءها تعليقات من اللي قاعدين لسبب بسيط أن مفيش حد منهم مختص بقدر يناقش الأربعة من فطاحل الأطباء الموجودين ده كلام بالمنطق كده.

س: إذن هل تذكر بالتحديد السبب الأساسي الموجود بالورقة التي أودعت محضر مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية العليا عن سبب الوفاة يعني الرئيس جمال عبد الناصر مات زاي .. طبعا لابد أن يكون هذا مذكورا في الورقة التي قدمت في الاجتماع المشترك؟

الفريق فوزي: سبب الوفاة هم يغلبوا في دقتهم وصحتهم عما أرويه أنا أو هيكل حاجة تخص القلب وليس الكومة صحيح هو عنده السكر وعنده الدوالي(23)

س: شيعتن جنازة الرئيس جمال عبد الناصر يوم الخميس أول أكتوبر بسنة 1970، ويوم السبت 3أكتوبر جاء إليك الفريق طبيب رفاعي باعتبارك رئيسه وقال لك إنه عمل حاجة غلط وأترك لك الفرصة لسماع صوته يقول ذلك(24).

الفريق فوزي: والله بالنسبة لي فأنا لا أكر تماما لكن ما دام الفريق رفاعي كامل قال كده يبقى صح بصرف النظر عن متعلقات الخبر، الراجل معرفة قديم سابقة وموثوق فيه جدا، وعالم، وأنا أخذتها استنتاجات وليس واقعا نتيجة أني رديت له الرد ده(25)، اعذرني رفاعي كامل مضبوط لكنه مضى على سطرين هم سبب الوفاة ما كانش هناك داعي يمضي ما كانش فيه عجلة(26)

س: لا سيادة الفريق كان فيه عجلة.. إذ لابد من إعلان الأمر على الناس لابد من معرفة كيف مات الرئيس.. هل قتل أم الوفاة طبيعة لأن عبد الناصر كان هدفا لكثير من المؤامرات.

الفريق فوزي: ما كانش فيه عجلة فيه إجراءات عادية لاستكمال الاجتماع المشترك ولابد أن يكون بند سبب الوفاة واضحا قبل إعلان الوفاة وما كانش فيه ضغط عليه وكان معاه زمايل لا يقلوا عن رفاعي كامل من ناحية الفن والتدقيق وكان فايز (يقصد دكتور منصور فايز) والتاني (يقصد د. الصاوي حبيب) بيداسوا (أي يعملون أو ضالعين معه أكثر) أكثر من رفاعي كامل .. رفاعي كان بيجي استكمال للمراجعة.

من أي النواحي تقصد سيادة الفريق من ناحية أن الفريق طبيب رفاعي كامل أكبر من الآخرين سنا أم باعتباره من القوات المسلحة..؟

الفريق فوزي: لا اسم رفاعي كامل فوق عالم خصوصا في القلب(27)

س: فيما يختص بالفقرة التي قال فيها د. رفاعي أن سامي شرف دفع إليه بإعلان الوفاة ليوقع عليه.. ربما كان في طرق تقديم الإعلان للدكتور رفاعي من قبل سامي شرف أي في هذه الطريقة شبهة ضغط أحسه الدكتور رفاعي ثم كان هناك ضغط من نوع آخر وهو الوقت الذي وقعت فه الوفاة و العدو على حدودنا وحرب الاستنزاف قائمة والجبهة الشرقية مهددة بالقتال الحدث في الأردن بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية وهذا الموضوع الذي بحثه مؤتمر القمة العربية (مؤتمر هيلتون).

الفريق فوزي: لقد فكرت في كل هذا على نحو آخر أن الموضوع كان قد انتهى ودفن الرئيس طبعا هناك خطأ ارتكبه د. رفاعي لأنه وقع على شهادة غلط ولا أعتقد حتى الآن أنه كان هناك ضغط واقع عليه ليوقع الورقة الأولى الرسمية في ملف الحكم الجديد كان هو إعلان وفاة الرئيس جمال عبد الناثر وربما يمثل هذا ضغطا من نوع ما إذ لا يمكن أن يذهب للإذاعة ليعلن للناس وفاة عبد الناصر وليس في يده ورقه رسمية مستوفاة شيء يخاطب به الشعب والأمة العربية.

س: بعيدا عن خطأ الفريق رفاعي في التوقيع على ورقة خطأ وعن الإجراءات غير السليمة ألم يستوقفك شيء في هذا الاعتراف الصادر عن فريق طبيب تحت رئاستك؟؟

الفريق فوزي: الواقع أنني كنت مشغولا بالظروف الجديدة التي كانت فيها البلاد فق مات الزعيم عبد الناصر وجنازته كانت تضم الملايين كما تعرف وإسرائيل على الحدود تحتل الضفة الشرقية صحيح أننا كنا في جو حرب الاستنزاف التي بدأت بعد شهر من الهزيمة في يونيو 1967 والوضع كان يتطلب اليقظة الكاملة هذا بالإضافة إلى أني اعرف ما يمكن أن يحدث بين الأطباء من صراعات وأحقاد مما يدفع بعضهم إلى أن يكيل الاتهامات للآخر.

س: كنت مع الرئيس ناصر في وداع أمير الكويت عصر يوم 28/ 9/ 1970 هل لاحظت شيئا غير عادي؟؟؟

الفريق فوزي: الشيء غير العادي الذي لاحظته عليه أنه أشار بإصبعه لتتجه العربة إليه حيث كان يقف تحت جناح الطائرة هذه الإشارة هي الشيء غير العادي أما غير ذلك فلم ألاحظ شيئا وحتى هذا فإنه لم ير لديه شيئا وإلا كنا رافقناه إلى بيته.

س: عندما وصلت إلى بيت الرئيس جمال عبد الناصر في منشية البكري هل كان قد توفي أم كانت الحياة ما زالت تنبض فيه..؟

الفريق فوزي: لا ما كانش توفي كان في غيبوبة ومتركب على صدره أجهزة القياس وأجهزة ضغط القلب وهو في غيبوبة ولابس البيجاما قبل الوفاة بنصف ساعة كان الجميع حاضرين اللي عارفهم عدا الشافعي وأنور السادات حسين الشافعي دخل وبعدين في الآخر خالص وصل أنور السادات(28)

س: أليس من الغريب ألا تحضر أنت ورفاقك الذين هم رافقه وأيضا أليس غريبا ألا تحضر إلا وهو في النزع الأخير؟ لماذا لم يحضر الجميع في وقت مبكر وتحاولون إنقاذه(29) ما دام هناك تسليم بالتشخيص الذي يقول بالأزمة القلبية إن غرفة العناية المركزة كانت جديدة في مستشفى المعادي والمستشفى نفسه كان مجهزا لاستقبال مثل هذه الحالات.

الفريق فوزي: هذا ما حدث والواقع أنني عندما ذهبت إلى هناك وصعدت إلى غرفة نومه كانت أجهزة قياس الصدمة وتنظيم ضربات القلب مربوطة في جسمه وكان إلى جانبه من الأطباء الصاوي وحبيب يضغط على صدره بجهاز تنشيط القلب وكان حوله الأطباء الآخرون ومنهم د. رفاعي..

س: لكن الفريق طبيب رفاعي كامل يذكر أنه جاء بعد أن كان الرئيس مات فعلا..؟

الفريق: لا .. جاء والنبض كان لا يزال في جسد الرئيس ناصر..

س: مرة أخرى من كان موجودا من الرفاق؟؟

الفريق فوزي: علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف وهيكل ومحمد أحمد..

س: مرة أخرى في المطار هل كان الرئيس ناصر يبدو متعبا؟؟

الفريق فوزي: أتحدى أن يلاحظ أحد أن الرئيس جمال عبد الناصر كان غير عادي في حركة جسمه أو صدر منه فعل يشتم منه ضعف أو طلب نجدة لا أحد لاحظ شيئا غير عادي سوى إشارته بإصبعه للعربة..

س: قيل إن كوبا من العصير قدم إليه قبل أن يدخل العربة؟

الفريق فوزي: لا .. وهو صلب ورأسه ناشفة وقد لا يدرك عواقب الأزمة الصحية التي كان يعانيها..

وإلى هنا وتنتهي أقوال وشهادة الفريق فوزي وزير الحربية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وبطل حرب الاستنزاف من 1967 إلى مايو سنة 1971..

شهادة الدكتور الصاوي حبيب

س: د. الصاوي(30) أستاذ بجامعة الأزهر الآن.. أليس كذلك؟

د. الصاوي: أنا حاليا وكيل أول وزارة بالمجالس القومية وعضو شعبتي البحث العلمي والتكنولوجي وشعبة التعليم الجامعي وأعمل أستاذا غير متفرغ بكلية طب الأزهر.

س: وبالطبع صاحب عيادة أو عيادتين والطبيب الخاص للزعيم جمال عبد الناصر ما عمرك الآن يا دكتور صاوي؟

د. الصاوي: أنا من مواليد 7ديسمبر سنة 1929 وأسرته من المنوفية (محافظة أنور السادات رئي جمهورية مصر 70- 1981) إلا أنني ولدت في طنطا (محافظة الغربية) وأسرتي كما ذكرت من المنوفية زاوية الناعورة العراقية مركز الشهداء منوفية وحصلت على البكالوريوس في الطب في ديسمبر سنة 1952 بدرجة جيد، وفي مبدأ حياتي عملت طبب امتياز بمستشفيات جامعة القاهرة ثم نائب جراحة بمستشفيات وزارة الأوقاف وحصلت على دبلوم جراحة ومسالك بولية ثم أصيبت بقرحة في الاثنى عشر وكانت قرحة الاثنى عشر في ذلك الوقت من الأمراض التي لها أهمية كبيرة موش زي دلوقتي وكان من النادر أنها تيجي في العشرينيات كان أكثر حدوثها في الأربعينيات فاتجهت بعد وصولي إلى مرحلة الجراحة والمسالك البولية إلى امتحان الماجستير اليت تعادل الدكتوراه الآن (!)(31) وكما سبق القول جات لي حكاية القرحة دي وقد تزوجت سنة 1959 ودخلت القوات المسلحة طبيب وكنت في هذه الفترة أحاول أن أدرس كثيرا..

س: متى ذهبت إلى رئاسة الجمهورية طببا لعلاج عبد الناصر..؟

د: سنة 1961(32)

س: هل كان بالرياسة قسم طبي في ذلك الوقت؟

ج: أيوه وكان يرأسه الدكتور أحمد ثروت ومعه اثنان آخران..

س: ما هما..؟

س: لا داعي لذكر الأسماء(33)

س: هل أحدكما هو الدكتور رفاعي كامل والثاني هو الدكتور منصور فايز؟

ج: هل لا الدكتور رفاعي ده أستاذنا(34) أنا قصدي أقول إن الاثنين الآخرين أطباء من مستوانا لأن الدكتور رفاعي كان في الخدمات الطبيبة للجيش...

س: لكن الدكتور رفاعي كان بيجي الرياسة ...؟

ج: كان بيجي لمين .. ما أعرفش..

س: طيب كان القسم في الرياسة بيتكون من مين؟؟

ج: من أطباء يرأسهم الدكتور ثروت(35) واثنين من الصيادلة وطيب أسنان..

س: هل كان الدكتور غزال رئيس مجلس إدارة شركة الجمهورية للأدوية حاليا من الصيادلة؟

ج: لا كان الصيدلي هو الدكتور صلاح جبر وهو على المعاش حاليا ويلي الدكتور ثروت في الأقدمية وبعين كان فيه اثنين من الأطباء البشريين كما سبق القول . وكان فيه الدكتور غال وده كان كبير الصيادلة..

س: من الذي كان يقوم بالتحاليل للرئيس جمال عبد الناصر؟.

ج: كان قوم بالتحاليل الدكتور صلاح جبر(36)

س: صلاح جبر والا ناصح أمين؟

ج: د. صلاح جبر كان بيحلل البول اليومي وإنما التحاليل الثانية كان يقوم بها الدكتور ناصح أمين الذي كان يتمتع بمنزلة كبيرة عند الرئيس جمال عب الناصر وهو الوحيد الذي لم يكن يتناول أجرا وأنا فاكر إن الريس الله يرحمه مرة عرف أن الدكتور ناصح كان مسافر بره فبعث له 500جنيه استرليني فرفض قبولهم تخيل سيادتك مع أنها كانت عمله نادرة وقال يومها: أنا مش عايز حاجة..

أما أنواع التحاليل التي كان د. ناصح أمين يجربها في القصر الجمهوري؟

ج: أنا باقصد هنا مش القصر الجمهوري أقصد بيت الريس في منشية البكري وعلى كل حال فالدكتور ناصح أمين ما كانتش بيحلل داخل البيت أو القصر إنما كان بياخد العينات معاه في معمله..س: كل العينات كان د. ناصح يأخذها يحللها بره ف معمله؟

ج: أيوه...

س: هل ظل هذا القسم كما هو وهل كان به صيدلية وأدوية؟

ج: أيوه

س: هل كان الصيادلة مقيمين بصفة دائمة؟

ج: أيوه كان فيه يوم كامل مقيمين أي نظام اليوم الكامل وكانوا يشترون الأدوية من أي مخزن أدوية مش من مكان واحد وذلك طبعا للأمان.

س: متى حصلت على الدكتوراه..؟

ج: أنا حصلت على دبلوم الطب في نوفمبر سنة 1968 والدكتوراه بعدها بسنة(37)

س: ماذا كان موضوع الدكتوراه؟

ج: «نقص زلال الدم في حالات بلهارسيا الكبد» وهل بسبب ضعف خلايا الكبد أم سببه ارتفاع ضغط الدم واعقد أنها أول مرة يثبت فيها في مصر نقص زلال الدم في حالاته بلهارسيا الكبد نتيجة لارتفاع ضغط الدم في الوريد البابي وليس لضعف خلايا الكبد..

س: كم عام قضيتها في العمل بالرياسة مع بعد الناصر..؟

ج: أنا كنت أعمل في نفس الوقت بمستشفيات المؤسسة العلاجية وأدرس بكلية طب الأزهر بعد حصولي على الدكتوراه وكان لدي عيادتي الخاصة وذلك لأنني مؤمن بأني كلما رأيت عددا أكثر من المرضى فهذا أفضل يعني ما تقوليش بقى أقعد في وظيفة طبيب رئيس الجمهورية وبس أنا لو قعدت طبيب رئيس الجمهورية مستوايا يهبط ولذا لازم أشوف عدد أكبر من المرضى.

س: ما الوقت الذي كان يستغرقه العمل في رياسة الجمهورية أي في بيت الرئيس بمنشية البكري.

ج: هو في الواقع أن أهم شيء كان يشغل تفكيري هو الواحد يحصل على الدكتوراه أحسن من أي حاجة ثانية لكن الرياسة طبعا كان فيها شغل كثير جدا لدرجة أننا بدأنا في سنة من السنين عديت (أحصيت) الناس اللي شفتهم ما بين الرياسة والقيادة (قيادة الجيش) ما أعرفش طلعوا (11ألفا ) يعني ناس كتير وبعدين كنا زمان العدد أكبر (يقصد عدد الأطباء الذين في الرياسة كثير) وبعدين أنت موش بتعالجهم بس لا دا أنت تحت الطلب ليل نهار(38)

س: كيف يختار الطبيب للعمل برياسة الجمهورية..؟ (39)

ج: بناء على ترشيح شخصي..

س: ما الاشتراطات مثلا في الطبيب الذي يعالج رئيس الجمهورية؟

ج: مثلا لما جيت أروح القسم الطبي للرئاسة رحت لمدير القسم الطبي واسمه الدكتور أحمد ثروت طبعا طلبت الأول موعدا معه الراجل قابلني قلت له: سيادتك عندك واحد ح يطلع أنا الدكتور الصاوي حبيب ومؤهلاتي كذا وخبرتي كذا وأنا باشتغل في الجيش وأنا أحب أشغل في الحتة دي.. أي في الرياسة.

س: لكن الدكتور ثروت كان في السلك العسكري أيضا وكانت له اتصالات بالمشير عبد الحكيم عامر . كذلك كان يعمل بالمخابرات؟؟

ج: لا هو ما كانش متصل بالمشير، كان شغله الأساسي مع جمال عبد الناصر.. يعني هو كان طبيب جمال عبد الناصر مش طبيب عبد الحكيم عامر .

س: سمعت أن د. ثروت محل ثقة عب الناصر وكان الريس بيتفاءل به...؟

ج: هوه على كل حال كان طبيب الريس ولم يكن بالطبع يمنع الأطباء الآخرين من رؤيته، على كل حال قلت للدكتور ثروت فلان رايح بعثه وفلان مسافر هناك وأنا حاصل على دبلومات لكا وكذا.. وسكت ولزم الصمت هو أيضا، ويبدو أنني عندما تقدمت إليه مباشرة ودون وساطة فقد أعجبه هذا في، واختارني لأن كان فيه أطباء بتتقدم عن طريق ناس ثانية فرأي أن يكون صاحب فضل على أحس ما ييجي واحد من بره، بس، ونفس الزملاء اللي كانوا موجودين برضه كنا دفعات متقاربة في السن فاختارني لهذا السبب وأنا كنت أيامها نظرا لظروف القرحة المصاب بها كانت محتاج أن أقعد في مكان أذاكر فيه وخاصة أني كنت قررت أن أبتدي من أول وجديد في الأمراض الباطنية والقلب وفعلا في الفترة دي ما كانش حد يعرفني ولا حد له دعوة بي ومتفرغ تقريبا للعلم..

س: متى رأيت الرئيس عبد الناصر أول مرة، أي متى كشفت عليه كطبيب لأول مرة..؟

ج: هو أول مرة أعيت له دواء كان يوم ما كان خروشوف هنا في مديرية التحرير(40)

س: هل كان هذا سنة 1964أو 1965 ؟

ج: أظن كده وبعدين لما كان رئيس الجمهورية يبقى في مشوار يبقى وراه حراسة من ضمنها الطبيب واحنا كنا بنتبادل هذا الواجب أما طبيبه الخاص الدكتور ثروت فلا يذهب معه في كل مشوار..

س: هو الدكتور ثرت ترك الرياسة سنة كان؟

ج: في النكسة (يونيو 1967 ) والواقع أنه لم يترك الرياسة لكن ظروفه الصحية ما خلتوش يستمر فابتدأ لا يقدر على الحضور لمنشية الكبرى؟

س: لكن حدث أن الريس عرف أن الدكتور ثروت زار المشير عامر عندما كان محاصرا في بيته بالجيزة(41) فمنعه من الحضور لمنشية البكري؟

ج: لا هذا لم يحدث وعن لساني أنه لم يحدث والدكتور ثروت كان مسموحا له أن يجيء إلى الرئاسة في أي وقت عند الريس ويخشى يقعد معاه من غير ما يكشف عليه ولا حاجة.

س:لأ ربما يكون كلامك صحيحا قبل سنة 1967 ؟

ج: بعد سنة 1967 تقصد..؟

طبعا بعد يونيو 1967 الريس قال له أنت رحت للمشير عامر ما تروحش تاني هذا ما سمعته..

ج: الواقعة دي لا يوجد ما يثبتها وأنا ما عنديش أي فكرة عنها وأعتقد أنها غير صحيحة وبالعكس أنا ميال جدا أن أقول أنا غير صحيحة.

س: إذن فأنت تعتقد أن ظروف د. أحمد ثروت ظروفه الصحية هي التي أبعدته عن جمال عبد الناصر..؟

ج: نعم...

س: فلنعد إلى أول لقاء بينك وبين الرئيس جمال عبد الناصر، لقد ذكرت أنه أثناء زيارة خروشوف لمصر وفي الطريق لزيارة مديرية التحرير فإن الركب توقف وجاء من يقول لك إن الريس تعبان..؟

ج: رحت للريس وقال لي: «أنا عاوز أتقيأ» أعطيته داء ورجع تاني ما كملش المشوار دي كانت أول مرة وبعد ما اشتغلت معاه بسنة هو اللي فكرني بها إنما أول مرة أوقع الكشف الطبي الشامل كان يوم 13/ 7/ 1967 علشان أقيم الموقف الصحي بتاعه...

س: ماذا وجدت عنده؟؟؟

ج: طبعا لا أعتقد أن سر المهنة (42)

س: طبعا لا لأن فيه حاجات كثير نشرت عن هذا الموضوع..

ج: وأعتقد أن الأستاذ هيكل كتب عن هذا الموضوع..

س: نعم، كتب هيكل هذا بشكل تفصيلي في حواره مع الكاتب فؤاد مطر، ونشر في كتاب تحت عنوان «بصراحة عن عبد الناصر»(43) وقبل هذا نشر في الأهرام عدة موضوعات عن مرض عبد الناصر.

د. الصاوي: الواقع أن الدكتور أحمد ثروت كان تعبان ولم يعطني فكرة عن الموقف الصحي للرئيس جمال عبد الناصر والمشرف على علاجه الدكتور منصور فايز أستاذي وكذلك الدكتور ناصح أمين الذي أدخلني أولا عده قبل الكشف الشامل علشان يعرفني بالموقف وهذا اليوم أي اليوم الذي سبق الكشف (12/ 7/ 1967 ) أعطيته حقنة الأنسولين.

س: هل كان جمال عبد الناصر يأخذ أنسولين يوميا وما مقدار الجرعة ونوع السكر..؟ (44)

د. الصاوي: نعم ويوم 13/ 7/ 1967 هو اليوم اللي دخلت عليه واستأذنته أن أكشف عليه علشان أعرف موقفه الصحي فوجدت أن عنده إلى جانب السكر عنده شوية تمدد في إحدى الرئتين تمدد في شعب إحدى الرئتين.

س: أي رئة اليمين أم الشمال؟

د. الصاوي: مش فاكر وكمان عنده تصلب في شرايين رجليه واحد منهم كان ناطر.

س: لكن حكاية ساقه لم تظهر إلا الأيام دي ما كانش لها وجود قبل كده..؟

ج: لأ أنا عارف أنت تقصد إيه لأن حصل بعد كده آلام شديد بالساقين ورآه ناس كتير بالحالة دي وهذه الآلام كانت شديدة جدا وضمن الأطباء الذين زاروه: الدكتور يحيي طاهر وشخصها بأنها التهاب في جذور الأعصاب لكن الروس قالوا إنها «لي ريش» وبعدين اتضح أنها فعلا التهاب في جذور الأعصاب وده هو الي خلاه يسافر وفي الواقع إن ده كان نوع من مضاعفات مرض السكر لوجود ضمور في العضلات وآلام شديدة ويمكن أن تزول خلال ستة شهور وعمل له مؤتمر كبير قبل أن يساف ونوقش في هذا المؤتمر موضوع سفره وحضر هذا المؤتمر عشرة أطباء منهم د. منصور فايز د. علي البدري، د. مسلمي د. محمود صلاح الدين، د. يحي طاهر. ووافق الجميع على سفره للعلاج الطبيعي.

س: هل تتذكر أسماء أخرى كانت في هذا المؤتمر الموسع؟

ج: أظن كان فيه أيضا المرحوم الدكتور رياض فوزي والدكتور محمد صبري.

س: الدكتور رفاعي كامل ما كانش موجود؟

ج: والله موش متأكد لكن متهيأ لي إنه كان موجود وأنا علشان مش متذكر مش عوز أقول أسماء(45).

س: هل وافق المؤتمر على سفره للعلاج الطبيعي في الاتحاد السوفيتي؟

ج: نعم والمياه المعدنية التي كان يعالج بها هي نوع به أشعة مفيدة وقد قالوا إنه سخيف خلال ستة شهور وقد كان بل إنه شفي تماما وأنا من ناحيتي جربت هذه المياه وحبيت أشوف بتعمل إيه .

س: معنى هذا أنك كنت معه..؟

ج: من عام 1967 كنت مسئولا عنه كطبيب خاص وكان المشرف على العلاج الدكتور منصور فايز وبعدين كان الدكتور محمود صلاح الدين فيما يختص بالقلب(46) لفترة ثم في السنة الأخيرة كان الدكتور زكي الرملي.

س: يعني أنت كنت في الاتحاد السوفيتي معه لمتابعة العلاج؟

ج: ما كانش ممكن يروح هنا ولا هنا إلا لما أشوفه، وكنت أشوفه مرتين في اليوم مرة الصبح ومرة بالليل..

س: هل لاحظت تقدما في صحة الرئيس خلال فترة وجوده في الاتحاد السوفيتي؟؟

ج: العلاج الطبيعي كان موضوع هام جدا إحنا كنا بنخليه يمشي..

س: كان مين تاني مع حضرتك من الأطباء المصريين؟

ج: د. منصور فايز كمشرف وطبعا ده بيجي مش أقل من مرتين في الأسبوع لأنه هو يعني كان زي رئيس القسم وأنا الطبيب الثاني أو بمعنى أصح لما الريس يكون رايح زيارة أو موعد غير هام يكون معاه اثنين يتناوبان على خدمته وطبعا أثناء الأزمات الكبيرة كان الواحد يقيم بالقرب منه.

س: كان فه مكان للإقامة؟

ج: في السكرتارية لأن فيه ضابط حراسه لهم إقامة ودي مش مشكلة..

س: يعني في فترة علاجه بالاتحاد السوفيتي كنت أنت مقيما هناك وكانت تتاح لك الفرصة لتراه يوميا؟

ج: طبعا كنت أراه مرة ومرتين يوميا كما كنا نتقابل مع الأطباء السوفييت المعالجين وكانت تدور بيننا مناقشات كثيرة.

س: سبق أن ذكرت أنه بعد ستة شهور شفي تماما هل تؤكد على هذا القول؟؟

ج: يعني الآلام زالت والضمور إتحسن ولو قارنت بين الوقت اللي كان فيه الألم الشديد والوقت اللي خف فه ح يظهر لك الفارق الكبير..

س: هل مكث في الاتحاد السوفيتي للعلاج مدة طويلة؟؟

ج: 26 يوم لكن هو ما خفش في ال 26 يوم يعني هو رجع وبدأت الآلام تزول فعلا بالتدريج.

س: بالتدريج يعني العلاج الطبيعي اللي عمله كان له تأثير كويس عليه؟ هل لأن النظام هناك كان مضبوطا أم لأن تعليمات معينة في العلاج رأوا أنه ينبغي عليكم اتباعها أم أن الجو.؟

ج: كل هذه الأسباب مجتمعة جعلته يصبح أحسن هذا بالإضافة إلى أنه كان قد أبطل التدخين ..

س: حقا؟؟

ج: نعم وكان هذا صعبا عليه لأن التدخين كان عنده حاجة مهمة جدا.

س: فلنترك رحلة الاتحاد السوفيتي الآن ولنعد إلى عملك بالرئاسة هل كان من المقرر عليك أو ضمن واجباتك أن ترى أو تزور أو ترعى مرضى الرئاسة.؟

ج: في الواقع ما كنتش بأشوف حد إلا في اليوم إلا حاول فيه المشير عبد الحكيم عامر الانتحار في بيت جمال عبد الناصر يوم 25 يوليو أو كنت موجود بالبيت بالصدفة وجاء إلى أحدهم وقال لي إلحق .. المشير انتحر ومش عارفين إيه السم اللي أخذه رحت وسألت المشير والسيد زكريا محيي الدين يسأل معي عن السم الذي تناوله .. وقال لي السيد زكريا محيي الدين هو أخذ حاجة وبلعها قدامنا وخلاص ورأيت ألا أضيع الوقت في السؤال عن هذه المادة التي تناولها وأن أجعله يتقيأ وفعلا أنا والسيد حسين الشافعي أمسكنا به وأخلينا الحجرة عدا أنور السادات قمنا بتكتيف المشير عامر وإرغامه على التقيؤ وبعدين قعدت أعطيه منشطات لغاية ما بقى كويس وراح البيت بيته وبعدين رحت الصبح له في بيته بالجيزة واطمأنيت عليه وقال لي ما معناه: «إنت فرحان علشان اللي عملته إمبارح» ..و..

س: ولكن ما هو السم الذي كان قد تناوله..؟

ج: هو الأدريانين: اللي انتحر به بعد كده عندما واتته الظروف وهو وحده ومقفول عليه(47)

س: إذن ليس السيانيد أو السيانور؟

ج: هم قالوا أخذا سيانيد لكن أيامها قالوا لي إنه أخذ سيانيد.. إلا أنني أعتقد أن الأدريانين هو السم الذي حاول الانتحار في بيت الرئيس جمال عبد الناصر وطبعا اللي أنقذه أنه في اللحظة اللي بلع فيها السم كنت أنا موجود وما كانش الوقت ضاع في س وج وأرغمناه على التقيؤ فورا.

س: هو السم ده له تأثير قوي؟

ج: نعم جايز بعد ربع ساعة ما دامت عملية الامتصاص ماشية على طول وألا يكون في معدته أكل يعطل الامتصاص.

س: ألم تر المشير عامر بعد ذلك؟

ج: لا وسافر الإسكندرية وعدت قبل عودة الريس إلى القاهرة وقد أبلغ بواقعة انتحار المشير عامر في شهر أغسطس والريس لي السيد أمين هو يدي(48) قائلا لي أن حاجة تعوزها إعملها عايز دكاترة هات عايز أدوية هات ابذل كل ما يمن أن تفعله ويومها سألت الدكتور رفاعي كامل(49) فلم أجده لأنه كان مسافرا بالبحر الأحمر، وعلى كل حال فقد طلبت دواء ضد السموم من مستشفى الطيران.

س: بمناسبة حكاية المشير عامر ألم يتبادر إلى سمعك ما قيل عن ضياع كمية السم من إدارة المخابرات العامة هل تردد مثل هذا الكلام في الرياسة؟

ج: بصراحة لا أريد أن أخفي عليك أنا دائما معلوماتي قليلة لأنه لي عالمي الخاص الذي أعيش فيه لقد كنت أذهب لعبد الناصر يوميا لكن لم يكن سوى الطب بالنسبة لي وهو أي الرئيس ناصر الله يرحمه يوم ما توفى أنا كنت طبيب في الدرجة الثانية لا آخذ قرش زيادة ولا حاجة خالص في آخر الطابور لا ترقية ولا علاوة ولا حاجة خالص .. الحمد لله.

س: على كل حال سوف نعود إلى هذا فيما بعد لأني كنت قد قرأت عن هذا الموضوع ولا أذكر المصدر وقرأت أيضا أن الذين لديهم علم بهذه المسألة هم أطباء الرياسة وبعض هؤلاء الأطباء كتب في مذكراتهم عن موضوع السم لكن دعنا من كل هذا لنصل إلى الأزة القلبية التي عايشتها مع جمال عبد الناصر؟

ج: وفي وقت من الأوقات ظهر الأسيتون عنده..

س: إيه هو الأسيتون..؟

ج: الأسيتون من مضاعفات مرض السكر فعندما لا يجد الجسم مادة نشوية أو مادة كربوهيدراتيه يحرقها لكي يحصل على الطاقة نتيجة فقد الجلوكوز في البول يحتاج الجسم إلى طاقة فيأخذها من الدهن وناتج حرق الدهن للحصول على طاقة هو الأسيتون وهذا لا يحدث إلا عندما يزيد السكر جدا ويقل الأنسولين ويصبح الجسم في حاجة إلى طاقة من مصدر غير نشوي.

س: يعني الأسيتون نتيجة احتراق الدهن؟؟

ج: احتراق لحصول على مصدر للطاقة غير الجلوكوز.

س: وهل الأسيتون مادة سمية بحيث يمثل وجودها في الجسم خطرا على الحياة..

ج: نعم هي فعلا مادة سمية لأنها مادة كميائية حمضية دهنية.

س: كيف يؤثر الأسيتون في جسم الإنسان؟

ج: الأسيتون يذهب في خلايا الجسم وبعدين لما يزيد يبقى في الدم وينزل في البول ووجود مؤشر على أن السكر انطلق ولا سيطرة عليه وطبعا السكر ده مرض فيه عدة عوامل: عامل المجهود فكلما زاد المجهود وزاد التفكير والانفعال والتوتر ارتفع السكر يعني تعمل مجهود فقط يقل السكر تفكر وتبتدئ تزعل وتنفعل يرتفع السكر تأكل كثيرا يرتفع السكر إذن الأكل والانفعال يزيد السكر والمجهود يقلل السكر فأنت ممكن تعمل كنترول على المجهود وعلى الأكل لكن الانفعال تعمل فيه أيه. تقول له ما يشتغلش (يقصد الرئيس) ما يزعلش ما يفرحش ما تيوترش ما يغضبش يبقى مش بني آدم والدكتور اللي يطلب من مريضه إنه ما ينفعلش يبقى عاوزه لا يعيش في الدنيا لكن لو قال له تجنب مصادر انفعالك يبقى كده كويس ودي حاجة من الصعب السيطرة عليها كل ما تزيد من طعام يزيد السكر اعمل مجهود يقل السكر لا تنفعل . كيف؟؟

س: ارتفاع نسبة السكر عند الرئيس عبد الناصر لاحظتها أمتي بالتحديد..؟

ج: في الفترة التي أعقبت الهزيمة..

س: وعلمت إيه لما لاحظت كده؟

ج: عملنا حالة طوارئ الدكتور منصور فايز وأنا وجبنا الدكتور على البدري وأصبح هو المشرف عليه من ناحية السكر وساعة ما ظهر الأسيتون تعلن الطوارئ على طول يعني طوارئ طبيبة يعني: انتبهوا لازم يقف الأنسولين طويل المفعول ويقعد يأخذ 3 مرات في اليوم أنسولين عادي ويحلل بدل مرة واحدة يحلل 3مرات.

س: تقصد تحليل البول والآم الدم 3 مرات يوميا؟

ج: البول والدم ولذا كنت تجد الدكتور ناصح أمين يوميا في البيت وهو أصله أي الرئيس ناصر كان يشجع الواحد مننا على العمل يعني مثلا الدكتور ح يجي الساعة التاسعة صباحا هنا تجد جمال عبد الناصر على باب حجرت واقف الساعة التاسعة تماما بالدقيقة وهو كان غريب من الناحية دي ولا يمكن أن يتأخر أو يعطلنا.

س: بينما كان يعلن أنه سيحضر مؤتمرا هاما الساعة الحادية عشرة لكنه لا يحضر إلا الساعة الثانية عشرة؟

ج: دي كانت حاجة غريبة يقول للدكتور ناصح يجي الساعة 9 مثلا تبص تلاقيه على الباب زي ما قتل لك الساعة 9 تماما يعني ممكن الدكتور ناصح يتأخر لكن عبد الناصر يكون في الميعاد بالضبط ببجامته على باب حجرته.

س: هل اقتضى ظهور الأسيتون تغييرا في طبيعة العلاج فبعد أن كان يتناول الأنسولين طويل المفعول أصبح يأخذ الأنسولين العادي 3 مرات في اليوم واقتضى منه أيضا زيادة مجهوده وتقليل انفعالاته..؟

ج: ده بعد ما راح الأسيتون.

س: الأسيتون استمر عنده أد أيه؟؟

ج: 24 ساعة فقط.

س: وإذا استمر أكثر من ذلك؟؟

ج: لأ يبقى وحش جدا.

س: هل ظهور الأسيتون يشعر به الشخص العادي وما مظاهره وأعراضه؟؟

ج: أول مظهر من مظاهر أو أعراض الأسيتون هو أن يصبح الشخص جافا جدا ورائحة الأسيتون تفوح منه وتحدث عنده تغييرات في الوعي..

س: هل يمكن العودة إلى موضوعنا: العلاج وتطور المرض وكيف كان يتطور مع الظروف التي تمر بها البلاد..؟

ج: في يوم من الأيام مثلا نزل اليهود على ساحة البحر الأحمر(50) وقد متضايق جدا بعدها وفي اليوم التالي أو بعد يومين دخلت عليه الصبح وكشفت فلاحظت في الكشف الأكلينكي أن حاجة في صوت القلب متغيرة وأخذت أفكر أنه من المستحيل أن أغادر البيت قبل أن أجري له رسما للقلب وكنت في حيرة أقول له إيه وأعمل الرسم إزاي؟ المهم أن إحنا كنا مسافرين للاتحاد السوفيتي بعد خمسة أيام فقلت له: أنا عاوز أكمل الأبحاث وأعمل رسم للقلب والدكتور ناصح أمين ح يجي يعمل التحاليل وعملت الرسم وفوجئت بما كنت أخشاه فقد أصيب الرئيس بجلطة(51) وجاء الدكتور منصور فايز وقال للرئيس: لازم تستريح وعللنا الأمر(52) أي القلق والتعب المصاب بها الرئيس بأنها وهم وأعطى د. منصور فايز تقييمه للأمر بأن طلب عددا من المختصين لمشاركتنا الرأي في علاج حالة الرئيس ومنهم الدكتور محمود صلاح الدين الذي طلبناه من الإسكندرية وجاء دون أن يعلم الرئيس وكان الرئيس يستقبله في أي وقت فرحت للرئيس وقلت له إن الدكتور محمود صلاح الدين في القاهرة في نفس اليوم هنا وعايز يسلم عليك قال: يجي دلوقت وجاء الدكتور محمود صلاح الدين وهو نسب الدكتور زكي الرملي أي أن زكي الرملي متزوج بابنته وقال د. صلاح للريس أنا جاي مع زوج ابنتي كام يوم وفوجئ الرئيس بأن الدكتور محمود صلاح الدين بيجي له الصبح وبالليل كل يوم وكل زيارة يقول له الدكتور صلاح الدين كلمة زيادة الأول قال له: أنت عندك إنفلونزا وفي الزيارة الثانية قال له: لاحظ يا ريس إن الإنفلونزا دي ممكن تؤثر على القلب واحنا سوف تحتاط وأنت تستريح والصحة أهم من كل حاجة ثم في زيارة تالية قال له: أنا شايف برضه إنك تستريح لأن الأنفلونزا متعبة جدا... وظل على هذا التدرج في إعلام الرئيس إلى أن عرف الرئيس وسأنلي سؤال واحد فقط هو: الدكتور محمود صلاح الدين جاء من الإسكندرية وألا كان في مصر؟ ولم أجب فعرف عندئذ أن هناك شيئًا في قلبه..

س: هل كان جمال عبد الناصر يخاف من المرض أو كان قاسيا على نفسه لدرجة أنكم كأطباء له كنتم غير قادرين على مواجهة بحقيقة مرضه..؟

ج: لا هو في الحقيقة لم يكن يخاف لأنه لو كان بيخاف ما كانتش حصل له اللي حصل لأنه وهو يعلم أنه مصاب بجلطة في الشريان التاجي من المعتاد كنت أدخل الصبح أكشف عليه وبعدين أعرف أنه جاي آخر النهار أو سهر وبالصدفة أكتشف أنه لم ينم بالأمس إلا الساعة الثانية صباحا فأسأله ببراءة ليه.. سيادتك كنت فين..؟ فيكون الرد «كنت في القيادة» مش بس كده.. ففي شهر أغسطس الذي سبق الوفاة كان من الواضح أنه موقفه لا يمكن السكوت عليه(53)

س: كيف ؟

ج: كان لا يستريح ما فيش راحة خالص الراحة دي معدومة نهائي وقد جادله الدكتور محمود صالح الدين وزكي الرملي وناصح أمين ومنصور فايز واجتمعنا بعد أن عرفنا بالطبع أنه لم يسمع الكلام ولا اعتبر بأي حاجة كنا نطالبه بأن جلسات مجلس الوزراء تكون صباحا وليس مساء وأن يحدد ساعات العمل(54) لكن بتكلم مين؟؟ طبعا الدكتور محمود صلاح الدين كلمه قال له: سيادتك ما نفذتش الكلام إللي قلناه هذا فضلا على أن الروس كانوا أيضا غير متفاءلين في حالته كان رأيهم إنه لازم يتعمل عليه كنترول أكثر لأن كده مش تمام ولما كشفوا عليه تاني في روسيا قال له محمود صلاح الدين إن الوضع كذا وكذا ولزم هو الصمت وقال يعني كده أنا ما اشتغلش الشغلانة دي. تقول له إيه بقى؟ يعني آخر مؤتمر اللي كان في الهيلتون واللي حصل فيه لا يمكن تصديقه، لو أخذنا الأحداث دي بالتصوير البطيء نلاقي أنه من المنطقي جدا أنه يموت(55) كان من ضمن الحاجات الغريبة اللي سمعتها أنه لو كان انتقل من المطار إلى البيت في سيارة إسعاف كان بقي أفضل.

س: ده كلام عبد الحميد فريد سكرتير عام رياسة الجمهورية وأمين العاصمة السابقة..

ج: أنا عاوز أسأل طيب ينتقل من المطار ووراه عربية إسعاف وفيها طبيب إزاي؟ حاجة من إتنين إما أنه يطلب واقع وإما إنه يقول أنا مش قادر أمشي وإزاي تبص في وجه رئيس الجمهورية وتقول له: لا إنت تعبان لازم تركب عربية الإسعاف؟ هو رئيس الجمهورية ده مالوش رأي تبص له كده وتقول له: لأ ده أنت تعبان اركب عربية الإسعاف..؟

س: ماذا يعني هذا؟؟ هل يعني أنه لا حيلة لكم فيه؟ ولابد من التسليم أنه كان متعبا أو مريض مشاغب؟

ج: متعب في إنه ؟ بصراحة أنا لا أتحدث في السياسة.

س: كان متعب في مرضه وقاس على نفسه.

ج: في حاجة واحدة كانت بارزة فيه إنه لا يناقشك إنما يبدو أنه ما كانتش حاسس إنه لازم يعمل كده أو ما يعملش كده قصدي إن كل واحد بيفتي يقدم الفتوى المفروض إن الواحد يفتي في الشيء الذي يخصه ولا يفتي فيما يخص الآخرين لأن دي هي اللي بتأخرنا لورا، يعني مثلا كلنا بنعلق على المعارك الحربية كأننا جنرالات(56) لأ كل واحد دلوقتي عامل نفسه دكتور وبيفتي ويقول دي بتاعة نقص سكر ودي مش بتاعة نقص سكر.

س: تقصد ما نشر أخيرا ..هو طبعا نقلها من جريدة أو شيء من هذا القبيل أو من شخص موثوق فيه؟ ج: نقلها عن مين..؟

س: نقلها عن صلاح الشاهد كبير الأمناء في القصر الجمهوري وتقصد ما نشر بالأهرام بتاريخ 28/ 9/ 1986؟

ج: طيب إزاي؟

س: يبدو لي أن هذا الموضوع جاء عندما سألوه عن عبد الناصر..

ج: لكن الذي يقول شيئا مش لازم يحاسب؟ لأن ممكن الكلام اللي يقوله يلحق الضرر بشخص آخر إذا كان هذا الكلام يمس شخصية عامة.

س: إذا سمحت ننتقل من هذا أو نبقيه ونعود إليه فيما بعد أريد أن أعرف المزيد عن مؤتمر الهيلتون (23- 27/ 9/ 1970) أسين كنت فيه؟؟

ج: كنت أذهب إلى المؤتمر يوميا وأكتشف على الرئيس صباحا وبعد الظهر في البيت يعني إذا كان الرئيس يعني إذا كان الرئيس في المؤتمر فإنا في المؤتمر وإذا كان في البيت فأنا في البيت..

س: هل كان لك مكان .أي غرفة أو جناح في الهيلتون؟

ج: أيوه كان لي مكان مع الدكتور منصور فايز كان مكاني دايما مع الدكتور منصور فايز.

س: هل كنت ترى الريس يوميا؟

ج: نعم..

س: ألم تلاحظ في أيام المؤتمر وهي الفترة من 23 إلى 27 سبتمبر أية ملاحظات على الرئيس عبد الناصر.

ج: طبعا لاحظت التعب العادي اللي يظهر على أي شخص مرهق..

س: هل كان الإرهاق واضحا عليه يعني لو حضرتك فتحت أجندتك على أيام علاجه في الاتحاد السوفيتي وعودته ثم فتحت الأجندة على أيام المؤتمر في سبتمبر 1970 هل يبدو التغير واضحا؟

ج: لا مفيش فارق كبير لأنه هو كان لديه دائما ما يشغله وعنده أيضا ما يتعبه يعني في المؤتمر هو قاعد بيتكلم مع ده وده. إنما تعرف منين إنه كل يوم بيروح القيادة وإلا بيروح مشاوير بعد الظهر؟

س: وربما كان بيتلقى تليفونات تضايقه أو تنرفزه؟

ج: لأ التليفونات دي كانت شغلانة تانية لدرجة أني كنت الأول أدخل ألاقيه بيتكلم في التليفون وبعدين بقي الموضوع عادي وأصبحت يقول ليه: ما لكش دعوة بالتليفونات بتاعتي إعمل شغلك يعني كنت أشوفه بيتكلم فأبقى عايز أخرج بره الحجرة لكن بعد كده إتعودت أن أبتدي أرتب حاجاتي وأجيب الدواء وهو قاعد بيتكلم في التليفون وبقيت مسألة عادية جدا إنه بيتكلم في التليفون الصبح وبعد الظهر(57)

س: هل كان يأخذ حقنة الأنسولين في الصباح؟

ج: طبعا..

س: من الذي كان يعطيها له؟؟

ج: أنا ..

س: إذا قررت دواء للرئيس هل كنت تطلبه من الصيدلية الخاصة بالرئاسة مباشرة..؟

ج: طبعا كان الدكتور جبر كبير الصيادلة يبعث إلى بما أريده.

س: هل كنت ترسل إليه رسولا حاملا ورقة بها أسماء الأدوية المطلوب؟؟

ج: لأ لكن عندما أريد دواء فأنا أطلبه من الصيدلية والدكتور صلاح يسلمه لي فأحمله معي إلى الرئيس وطبعا كانت أشياء الرئيس داخل حجرته مثل جهاز الضغط والسماعة وحقيبة بها أدوية وعندما كنت أدخل حجرة الرئيس لا أحتاج لحمل أي شيء معي من الخارج.

س: الرقابة على الأكل كانت تخضع لك أو لمن؟

ج: الأكل كانوا يقومون بشرائه من أي مكان في السوق وليس لبيت الرئيس متعهد خاص السيارة يركبها المختص ويتسوق الخضار من أي مكان...

س: إنني أسأل عن الرقابة على الطعام؟

ج: مفيش رقابة في البيت على الطعام إنما كانت الرقابة على طعام الحفلات والاستقبالات.

س: من المسئول عنها في الحفلات والاستقبالات وكيف كانت تتم هذه الرقابة؟؟

ج: الدكتور صلاح جبر كبير الصيادلة، كان حاصلا على دبلومة في الأغذية وكان يعاين الطعام.

س: لقد سمعت أن بعض الأنظمة كانت تصفي أعداءها في الرأي عن طريق السم والسم في الطعام أو السم على الجلد بطريق المصافحة؟؟

ج: هذا الكلام ينطبق أكثر على جيمس بوند والعميل رقم 2 الناس بتقابل رئيس الجمهورية ميين اللي يقابله؟ ده لازم يكون مضمون وموثوق فيه الكلام اللي أنت بتقوله ينطبق على الشخص العادي إنما بالنسبة لرئيس الجمهورية فالأمر يختلف.

س: بالنسبة للأكل هل كانت هناك رقابة عليه ومن أي نوع؟

ج: تفتكر يعني إنت عاوز الأكل إلي يدخل البيت يتحلل يوميا؟؟

س: عايز أعرف القواعد العامة بهذا الخصوص؟

ج: القواعد العامة إنك ما تشتريش أكل من مكان معين بل لابد أن تشترية من أماكن مختلفة كل يوم والأشخاص أنفسهم الذين يقومون بالشراء يكون عليهم رقابة أو يتغيروا وكذلك الطباخ في البيت وإن كان فيه طباخ لكن قيمته بالنبسبة لجمال عبد الناصر ما كانتش كبيرة لأنه كان شخص غير أكول بالمرة وكان في كثير من الأحيان السيد قرينته هي التي تطبخ له وكان طعامه من السهولة لدرجة أن الطباخ بتاعته اعتقد أن مواهبة لا يمكن أن تظهر في بيت عبد الناصر المواهب دي كانت تظهر لما يتناول الطعام على مائدته شخص تاني غيره زي أولاده مثلا إنما بالنسبة له لأ، كان طعامه بسيط خالص وهذا كان من طبعه بصرف النظر عن مرض السكر..

س: هل كان فيه ضمن العلاج علاج طبيعي؟

ج: طبعا ..

س: في مصر..

ج: أيوه..

س: كان مين من الأطباء هو الذي يقدم بالعلاج الطبيعي..؟

ج: هو إحنا في الحقيقة اقتصرنا على المشي والتدليك وفي هذا الموضوع جاء الأول الدكتور محمد فودة الذي كان رئيسا لمركز التأهيل الطبي وكان رجع من انجلترا وكشف عليه وأبدى بعض الاقتراحات واقتصر بعد كده العلاج الطبيعي على المشي.

س: كنتم كأطباء موافقين على كده؟

ج: أيوه المشي أساسي لكن الدكتور فودة في الأول بيعمل تمرينات وحمامات مية وعندما زادت الآلام توقفت هذه التمرينات..

س: حمامات مياه. كيف؟؟

ج: يعني الواحد يقعد في حوض مملوء بمياه تخرج كأنها تيار تعمل شوية تهدئة طبعا دي كانت حمامات بسيطة لكن لما زادت الآلام سافر إلى روسيا اتحسن واقتصر العلاج الطبيعي بعد كده على تمرينات المشي ومزاولة التنس على خفيف.

س: كان بيمشي قد إيه؟؟

ج: نصف ساعة مرتين في اليوم على الأقل.

س: والتدليك كان يوميا أم كان أسبوعيا..

ج: التدليك كان حسب رغبته هو وبطبيعته كان لا حيب أن يقل عن 3أو 4 مرات ف الأسبوع.

س: من الذي كان يقوم بالتدليك؟

ج: في الأول قام بالتدليك مقدم اسمه أحمد عبد اللطيف فني تحت إشراف الدكتور فودة وبعدين كان بيعمل التدليك ده زينهم اللي كان هو بعد كده بيدلك الرئيس السادات(58)

س: لم أسمع عن شخص يعمل بالتدليك اسمه زينهم.. من هو؟

ج: هو رياضي بيلعب جودو وأظن أنه كان من أبطال الجودو وكان يقوم بعمل تمرينات للرئيس وتدليك أيضا وهذه التدريبات والتدليك كانا يتمان بطريقة خفيفة كأسلوب للاسترخاء relaxation وهذا النوع من العلاج كان أساسه المشي.

س: من الذي رشح زينهم هذا للقيام بهذا العمل في بيت الرئيس جمال عبد الناصر.

ج: لا أذكر إنما زينهم شخص كويس جدا ومازال كذلك وقد استمر مع السادات وكان من حراسته الخاصة إلى أن توفي السادات في المنصة أمام زينهم فقد حدثت له جلطة ف القلب وكانت له قصة وأنقذت حياته بأعجوبة.

س: ألم تسمع عن شخص يدعى الدكتور علي العاطفي كان يقوم بتدليك الرئيس وثارت حوله قصص أنه مثلا كان مكلفا بقتل الرئيس عن طريق تدليكه بمرهم مسموم..؟

ج: سألوني مليون مرة عن هذا الشخص وبالقطع هذا الرجل لم يدخل بيت الرئيس عبد الناصر بعد سنة 1967 لأن جمال عبد الناصر ليس الشخص الذي يتركك تخرج من عنده فيستدعي طبيبا آخر إن معني دخول هذا الشخص بيت الرئيس يتصرف في علاجه من وراء ظهورنا وهذه ليست أخلاق جمال عبد الناصر وهذا الرجل المدعو د. العاطفي لم أره ولا سمعت عنه.

س: باعتبارك كنت مسئولا مسئولية كاملة عن صحة عبد الناصر مع الدكتور منصور فايز من سنة 1967 ؟

ج: لأ الأصح أن تقول تحت إشراف أستاذي الفاضل الدكتور منصور.

س: على كل حال دعنا نقفز إلى الحدث الكبير.. أين كنت يوم 28سبتمبر سنة 1970؟

ج: كالعادة يوم 28 سبتمبر ذهبت صباحا إلى بيت عبد الناصر كشفت عليه في حدود الموعد اليومي وهو الساعة التاسعة والنصف تقريبا وكان كالعادة بيتكلم في التليفون.

س: هل أعطيته حقنة الأنسولين؟

ج: طبعا ولكن لعملك فإن كمية الأنسولين التي كان يتعاطاها الرئيس عبد الناصر كانت كمية قليلة جدا يعني كانت احتياجاته للأنسولين قليلة جدا، واحنا نتفادى أن يحدث له هيبوجلاسيما (أي كومة أو غيبوبة زيادة في كمية السكر في الدم) في أي وقت من الأوقات ولذلك كان اعتمادنا في تخفيض نسبة السكر أنه يمشي شوية لأن نقص السكر تضعه في مواقف صعبة مثلا يوم ما كنا رايحين بني غازي في ديسمبر 1969 وبدأت الطائرة في الهبوط لم ينزل العجل وظللنا في الجو لمدة ساعة ثم نزلنا متأخرين أنا والدكتور منصور فايز وركبنا عربية بالعافية وكانت الساعة الثانية وهو ماشي لوحده أي عبد الناصر(59) طبعا كانت في جيبه أقراص جلوكوز كورامين لو احتاج علشان الهيبوجلاسيما وأيضا يقظين لأن تكون كمية الأنسولين صغيرة إذا ما حصل له هيبوجلاسيما في يوم زي ده، طبعا كانت ح تحصل ولكن بعد أن نزلنا المطار فوجئنا بانقطاع الصلة بيننا وبينه الجماهير وعبد الناصر بقوا حاجة واحدة وكنت أنا والدكتور منصور فايز مع بعض أصحبنا بندور على بعض العربية شالوها شيل، والناس هجمت واختلط الحابل بالنابل وطول ما إحنا ماشيين كنت أفكر فيما يمكن أن يحدث له نزل الريس من الطائرة الساعة الثانية ووصل بين الضيافة الساعة الخامسة ساعتها كنت عاوز أصرخ وأقول يا ناس لازم الريس ياخد حاجة يتغدى يشرب أي حاجة لماذا لم يحدث له هيموجلاسيما لأن كمية الأنسولين بسيطة وفي جيبه أقراص الجلوكوز كرامين(60)

س: وماذا تعني هذه الأقراص لمريض السكر..؟

ج: تمنحه جلوكوز أي تعطيه طعاما..

س: هل مثل هذه الأقراص تبقى معه دائما أم في حالات السفر فقط؟

ج: في السفر في الرحلات ودايما معاه سكر علشان لو احتاج ياخد.

س: أريدك أن تعود بنا إلى يوم 28 سبتمبر سنة 1970 لقد ذهبت إليك كالعادة وأعطيته حقنة الأنسولين البسيطة..

ج: آه ودخلت عليه الصبح العادة وكشفت عليه وأعطيته الأدوية اللازمة وقال لي: أنا ما عنديش غير مشوار المطار أتذكر هذا الآن ولم أكن أعرف متى سيذهب إلى المطار على أساس أن هذا آخر يوم عمل بالمؤتمر وكان قد انتقل من الهيلتون إلى بيته وقلت في نفسي: «إنه سوف يستريح ومفيش وراه حاجة ولا محتاجة»

س: ما الوقت الذي مكثته معه في ذلك الصباح الحزين؟؟

ج: لم أمكث معه أكثر من الوقت الذي استغرقه الكشف الطبي عليه وهذا لم يستغرق سوى 25 دقيقة..

س: هل لاحظت عليه شيئا؟

ج: كان عادي جدا...

س: يعني حضرتك يا دكتور صاوي كشفت على الريس كشفي مضبوط على القلب والصدر والكلام ده أو لم تجد مبررا لذلك؟

ج: لا لازم أكشف أمال أدخل عليه أعمل إيه..؟ ما هو لازم ينكشف عليه كويس يعني يقاس الضغط ويتسمع القلب وعلى كل حال الريس راح مشواره وأنا مش عارف كان برنامجي إيه يومها(61) وعلى كل حال فأنا خلصت وجايز أكون قعدت في المكتب شوية وبعدين ذهبت إلى بيتي وعندئذ استدعيت ..

س: متى استدعيت من بيتك..؟

ج: حوالي الساعة الثالثة والنصف أو الثانية و45دقيقة بعد ظهر يوم الاثنين 28 سبتمبر سنة 1970 وقالوا لي الريس عاوزك وطبعا إلي كان بيتكلم ويبلغ ليس الرئيس وعلى كل حال قد نزلت وكان برضة الدكتور فايز والدكتور زكي الرملي(62)

س: متى وصلت إلى بيت الرئيس جمال عبد الناصر وهل وصلت حوالي الرابعة أو بعد الرابعة؟؟

ج: لا وصلت قبل الساعة الرابعة أنا يمكن وصلت بالكثير ويا دوب لقيته لابس فعلا البيجامة وقاعد في السرير.

س: كان قاعد تعبان..؟

ج: طبعا قال لي: أنا حسيت بتعب في المطار تعب شديد وجيت بأحس بضربات القلب وطبعا لأول وهلة كان يبدو أن الموقف خطير ..

س: من كان معك ومعه في حجرة نومة...؟

ج: المدام (يقصد تحية هانم حرم الرئيس عبد الناصر)

س: ألم يكن الدكتور منصور فايز قد وصل بعد...؟

ج: لأ، الدكتور منصور وصل بعدي بربع ساعة والدكتور زكي الرملي إتأخر ولذا طلبت استعجاله عن طريق سكرتارية الرئيس فجاء بعد حوالي 10 دقائق...

س: هل قدمتم إليه شيئا ليأكله أو يشربه..؟

ج: على ما أعتقد أخذ كوب عصير قدمته له المدام والمدام هي اللي كانت موجودة ولا أذكر أحدا من الأولاد لكني أذكر أن المدام هي التي رأيتها والموقف زي ما أنا فاكر كان يدعو إلى الخوف من الدقيقة الأولى...

س: الخوف من ماذا.. من مظهر الرئيس؟ من نومه على السرير؟ ماذا كان يبعث على الخوف بالضبط.؟

ج: الذي كان يبعث على الخوف هو السرعة الشديدة في ضربات القلب مع انخفاض ضغط الدم الشديد ووجود عرق وبرودة الأطراف ودع علامة وحشة عند أي مريض خصوصا إذا وضعت إيدي عيه ووجدتن رجليه باردة معنى هذا أن المضخة أي القلب لا تعمل بكفاءة..

س: هل توصلت يا دكتور صاوي إلى هذا التشخيص بناء على الكشف الظاهري أم استعملت أجهزة قياس القلب ورسمه وما إلى ذلك..؟

ج: طبعا استخدمنا جهاز قياس القلب والكشف وقمت بكل ما يلزم والتشخيص لم يكن يحتاج إلى شيء يقصد أن التشخيص لم يكن صعبا انخفاض الضغط وبرودة الأطراف ومن هنا تبينت خطورة الوضع وشعرت لأول مرة أن الضغط يتسرب من بين يدي وينخفض بشدة والأطراف باردة ولكنه كان متيقظا تماما وليس عنده أي خوف ولا كأنه في حاجة خالص وهو كان من الناس الذين لا يجيء لهم انسداد الشريان التاجي بألم لأنه أول مرة جاء له لم يكن بألم فنسبة من الناس لا يجيء لهم نسداد الشريان التاجي بألم من مرض السكر بالذات وهذا هو ما كان له أهمية كبرى في اكتشاف جلطة الشريان التاجي الأولى(63) لأنها جاءت من غير ألم والمرء لا يعرف فربما تجيء له بألم وليس كل مريض سكر إذا أصيب بجلطة لا يشعر بالألم بل نسبة معينة من مرض السكر . وبالطبع كان الرئيس عبد الناصر يدخل في هذه النسبة.

س: لكن الأعراض بتبقى واحدة أو تختلف في الحالتين حالة الشعور بالألم وحالة انعدام الشعور به...؟

ج: يظهر هذا في الكشف فأنت مثلا تجد صوتا مختلفا في ضربات القلب، دي حرفة بقي، تكتشف إن دي جلطة حادة في الشريان التاجي وأهم حاجة فيها وأبسط طرق العلاج هي الراحة ..

س: ألم يكن من المجدي أن ينقل إلى غرفة العناية المركزة؟

ج: لأن أيامها (سنة 1970) لم تكن توجد في غرفة عناية مركزة أول غرفة إنعاش هي تلك الت تبرع بإنشائها بمبلغ عشرة آلاف جنيه عندما جاء له الدكتور محمود صلاح الدين فأعطى له شيكين باسم جامعة الإسكندرية على مرتين ولمعلوماتك أن 50٪ من وفيات الشريان التاجي تحدث في المستشفيات المجانية قبل النقل للإنعاش.

س: وأين كان غرفة الإنعاش هذه؟

ج: في الإسكندرية ولم تكن قد ظهرت بعد للوجود..

س: تقصد أنه لم تكن في مصر كلها غرفة إنعاش؟(64)

ج: نعم والذي نبهني لهذا هو الدكتور زكي الرملي، قال: إنت فاكر الشيكين اللي طلبهم د. محمود صلاح الدين من الريس دول كانوا علشان كده، وأذكر أن المسودة الأولى لإنشاء معهد ناصر للعلاج(65) إنشاء وحدة للعناية المركزة لمرضى الشريان التاجي.

س: ما الفرق بين الجلطة الثانية والجلطة الأولى...؟

ج: الجلطة الثانية غير الجلطة الأولى، لأن كل جلطة في الشريان التاجي تحدث تليفا في عضلة القلب ويتراوح هذا التليف بين 30٪ أو 40٪ من حجم عضلة القلب ومن هنا يمكن أن تؤدي الجلطة الثانية إلى توقف القلب أي لا يصلح لعمل كمضخة ..

س: هل هذه حقائق توصلتم إليها من خلال التجارب والخبرة أم هي حقائق معروفة...؟

ج: دي حاجات معروفة..

س: ألا يمكن علاج هذا..؟

ج: إيه هو...؟

س: تليف القلب؟؟

ج: لأ، ويتوقف هذا على حجم التليف وهناك نوعين من المضاعفات للجلطة نوع يؤدي إلى لخبطة في ضربات القلب وهذا ما ينفع فيه وحدات العناية المركزة، أما النوع الثاني من الصدمة القلبية أو الجلطة القلبية لا يمكنه العمل كمضخة وعلاج هذا النوع الأخير يعتبر من المعجزات..

س:كيف تصرفت إذن عندما وجدت انسدادا في قلب الرئيس جمال عبد الناصر بعد ظهر يوم 28 سبتمبر سنة 1970؟

ج: بدون الدخول في تفاصيل العلاج، فالمعروف أن فيه خطوات بنعملها يعني مثلا إذا كنت بتستعمل أوكسجين تعطي حاجة من الحاجات التي تقوي عضلة القلب أو موسعات الشريان التاجي أو منظمات ضربات القلب دي خطوات لازم القيام بها مؤقتا وبعد فترة بدأ الرئيس يستريح وتكلم مع الدكتور منصور فايز في عدد من الموضوعات(66) .

س: هل كان الدكتور منصور فايز قد وصل إلى بيت الرئيس إنك لم تذكر هذا؟

ج: كان قد حضر بعدما بدأ الموقف يتحسن (67) وكان الريس بيكلم الدكتور منصور فايز يعني كان د. منصور يقول له: لازم تاخذ إجازة طويلة فيقول له الرئيس: لأ ممكن أروح الجبهة الأول، فقال له د. منصور: لأ لازم تاخذ أجازة بعدين نبقى نفكر في الجبهة فقال الريس: دا الوزراء كلهم رايحين الجبهة النهارده، أن فاكر حديث من هذا النوع وأنا مش فاكر ده قال إيه وده قال إيه والدكتور منصور قال له: استريح ياريس.

وقام الرئيس وولع الراديو وبص في الساعة وبعدين سمع نشرة الأخبار..

س: هل كان أحد من المسئولين قد حضر...؟

ج: لا لم يحضر أحد خالص..

س: لغاية الساعة الخامسة مفيش حد وصل..؟

ج: لأ وبعدين قفل الراديو وقلت له: سيادتك استريح بقى إنت عملت مجهود قال لي: أنا استريحت ومات على كده هي كده بالضبط الكلمة اللي قالها «أنا استريحت» وخلص وكانت آخر كلماته ...

س: من الذي دخل حجرة نوم الرئيس وأول من رآه بعد وفاته؟

ج: شوف بقى إحنا قعدنا نعمل تدليك..

س: إنت والدكتور منصور فايز؟

ج: أيوه...

س: وفين الدكتور زكي الرملي؟

ج: والدكتور زكي الرملي...

س: هل كان قد وصل ..؟ إنك لم تذكر هذا...؟

ج: لأ كان موجود من الأول الدكتور زكي الرملي كان معانا من الأول خالص..

س: متى بالتحديد؟ من حوالي الساعة الثالثة والنصف أم الثالثة و45 دقيقة..؟

ج: لا .. من حوالي الساعة الرابعة والنصف أنا جبت (حضرت) الأول بعدي تقريبا بربع ساعة الدكتور منصور فايز وبعدها بثلث ساعة جاء الدكتور زكي الرملي...

س: من من الأطباء الآخرين...؟

ج: مفيش...

س: من الذي حضر بعدما فتح الرئيس الراديو وقال «أنا استريحت» ثم أسلم الروح؟؟؟

ج: بعدما أسلم الروح بصيت لقيت الحجرة مليانة ناس مين حتى موش فاكر، وجاء الدكتور طه عبد العزيز( ) وأعطى له صدمة كهربائية ويجوز أن اللبس الذي حدث من كلام صلاح الشاهد كبير الأمناء أن الدكتور طه عبد العزيز هذا حاصل على دبلوم في طب الأطفال(68) .

س: فيه أحد الأشخاص أمسك بك بعد أن أوقفت الصدمات وقال لك يا دكتور ليه بتوقف الصدمات؟ هذا بعدما توفى الرئيس؟؟

ج: هو أنا أوقفت الصدمات؟ لست أذكر..

س: أي أنك رفعت الأسلاك عندما أدركت عبث المحاولة؟

ج: لأ، اللي قام بعمل الصدمة هو الدكتور طه عبد العزيز ولا أعرف بصراحة كنت قد فقدت الأمل وقتل حتى لما يعمل له مائة صدمة يعني في الحالات اللي زي دي اعتقادي أنه بعدما تحدث أعراض الصدمة القلبية مفيش أمل لكن استيفاء للروتين قلنا اعمل يا دكتور طه صدمة كهربائية عملها الدكتور طه.. لكن هل كانت نجدية..؟ ولذلك أنا نسيتها وأنا بأرد على كلام صلاح الشاهد لأنها ما كانتش ح تفرق وما كانتش ح تفيد..

س: إذا سمحت لي يا دكتور صاوي أنا عاوز تفاصيل كاملة في هذا الموقف إذا كان ممكن عندما حضرت أنت والدكتور منصور الدكتور الرملي وتأكدتم تماما من الخطر ووجود انسداد في الشريان التاجي ماذا أعطيتم من دواء للرئيس عبد الناصر؟

ج: لا تسألني أعطيتم له إيه بالضبط ده سؤال يسأله دكتور إنما لا يسأله كاتب أو صحفي لأنه في هذه الحالة لا يفيد...

س: هناك اتهام يا دكتور صاوي وكلام قيل إنك أعطيت للرئيس عبد الناصر حقنة أنتستين أنا أيد توضيح هذه النقطة...؟

ج: لا يوجد أنتستين في الحالات اللي زي دي وباختصار أين ستعطي الأنتستين...؟ (69)

س: قصدي ربما أعطيته دواء منشطا للقلب وهو فسر هذا الدواء بأنه أنتستين...؟

ج: وأنا أعمل إيه ما يفسر إنما يعني أنت تيجي تقول أنتستين؟ الأنتستين ليس له دور في هذا الموضوع...

س: ليس له دور...؟

ج: أبدا وهل الأنتستين يموت؟ ده دواء للحساسية وما لوش دور يعني ... يعني ما هو اللي قال إنها...

س: غيبوبة سكر لأنه هل حصل له غيبوبة..؟ هل هو حصل له أي فقدان وعي ؟ إذا كان حصل له كده ما كان عربية الإسعاف ..ده يشهد على أنه لم يحدث له فقدان وعي، صحيح أنا لم أكن في المطار(70) لكن لم يكن من المعقول أن أذهب إليه في بيته بعد عودته من المطار وأجده يقظًا وقاعد يوصف لي اللي حدث وبعدين يقعد ما أعرفش يتكلم ده كله وبعدين يتقال إنه كان في غيبوبة طيب غيبوبة إزاي وانتقل للبيت إزاي؟ ما كان أنتقل للمستشفى...؟ (71)

س: لابد أنك قرأت ما قاله السيد عبد المجيد فريد سكرتير عام رئاسة الجمهورية السابق في عهد الرئيس جمال عبد الناصر؟

ج: لأ لم أقرأ ما قاله..

س: على كل حال ما قاله عبد المجيد فريد بعيد الآن عن موضوعنا ولكن بالمناسبة بمناسبة كومة السكر فهناك ثلاثة ادعاءات: الادعاء الأول يقول بأنه قد أجرى للرئيس عبد الناصر رسما للقلب يوم 28 سبتمبر وهذا الرسم لا يختلف في شيء عن رسم القلب الذي أجرى له منذ عدة أيام؟

ج: أيوه.

س: الادعاء الثاني أن الدكتور ناصح أمين قام بعمل تحليل للدم يوم 28 سبتمبر سنة 1970 وكانت نسبة التجلط 22٪ ؟

ج: الغرابة تتصور إن الواحد بيخاف أحسن ينس حاجة وأنت عارف إن الواقعة دي مضى عليها أكثر من 16 سنة، ولسه واحد جاي يفكرني يقول لي: إنت مش فاكر إن الدكتور فلان جاء لي وإن الدكتور ناصح أمين جاء للريس يومها وعمل له تحليل دم وطلع نسبة التجلط 22٪مش فاكر ...

س: هل كان الدكتور ناصح أمين موجودا؟

ج: لا أذكر ...

س: من الذي يستطيع أن يتذكر ويقول لي إذا ما كان قد حضر من عدمه؟

ج: مش ممكن حد يفتكر لكن أقطع أن الدكتور ناصح أمين لم يوجد في بيت الرئيس هذا اليوم يوم 28 سبتمبر سنة 1970.

س: الادعاء الثالث!

ج: الادعاء ده مش ماشي برضه...

س: أنا أذكر لك يا دكتور صاوي ما قيل من ادعاءات ولم أصفها بأنها حقائق، وعلى كل فالادعاء برسم القلب وأنه كان لا يختلف عن رسم القلب الذي عمل منذ أيام للرئيس وليس ادعاء بل حقيقة والادعاء الثاني تقول عنه غير حقيق حقنة أنتستين ولي أنتستين بريفين وحقنة بانتوبرون وهذه من مشتقات المورفين وبعدين الدكتور منصور أو طبيب آخر...

ج: جابها منين حقنة البانتوبون؟

س: على كل حال أرجو أن تسمع بقية الادعاء جاء طبيب آخر من المحيطين بعبد الناصر ونصح بأن يعطى عبد الناصر حقنة أخرى بانتوبون فبعدما أخذ الرئيس عبد الناصر حقنة البانتوبون الثانية توفى على الفور.

ج: هذا ادعاء غير صحيح شوف لو ذهبت تسأل الدكتور منصور فايز عن ترتيب الوقائع وعلى كل حال فإن هذا الكلام لكي يكون صحيحا لابد أن يكون صادرا عن أحد ثلاثة هم: أنا الدكتور منصور فايز أو الدكتور زكي الرملي...

س: هل كان الدكتور رفاعي كامل موجودا؟؟

ج: سوف أقول لك لم يحضر سوى الدكتور زكي الرملي وبالعكس الموضوع كان ماشي كويس جدا لكن زي ما قلت لك ما حدش في الدنيا يقول في الظروف دي الناس كلها بتحكم على الراجل من منظره هذا الرجل الذي هو جمال عبد الناصر كانت ظروفه تحتم السرية في مرضه وكان ممكن الجلطة الأولى لو كان قام بمجهود ما أو في الشارع كان يمكن يحصل نفس الوضع ولكن الظروف أن الأزمة كانت في البيت وربنا شاء أنها تمر لأنها كانت تجي للريس من غير ألم..

والجلطة الثانية جاءت له بعد إرهاق شديد وهي نتيجة منطقية للتاريخ المرضي للرئيس في القلب جزء متليف من عضلة القلب والجزء الثاني حدث فيه جلطة ماذا تتخيل أن يحدث؟ وبعدين ما فيش حد عارف الوصف واحد تلاقيه عرقان وأطرافه باردة وضغطه منخفض جدا ونبضه سريع دي كلها علامات الصدمة القلبية التي بيقولوا لغاية النهاردة لا يجود علاج لها.. لماذا؟؟

القلب فيه جزء سليم.. جزء محسوس سليم.. ودائما النجاح له مائة أب أما الفشل فيتم النجاح إزاي؟؟ إذا عاش واكتشف الناس أنني عالجته إنما دلوقتي كل واحد أصحب طبيب ويشخص: انخفاض السكر ده في المطار ولماذا لم يحدث وهو قاعد في بيته؟ ولماذا لم يحصل وهو في بني غازي قاد بدون غذاء من الساعة التاسعة صباحا للساعة الخامسة بعد الظهر كل واحد أصبح بيحشر نفسه في حياة هذا الشخص الخاصة شخص بالحجم ده صحته إنت مثلا لما حد من أولادك بيتعب بتسكت؟؟ ما ا،ت لازم تتحرك مع الدكتور تعطي له مضاد حيوي ليه؟؟ وهل الحرارة سوف تضيع بالمضاد الحيوي ...؟ أنا أقول لك أ‘طي له أسبرين يضيع الحرارة طيب تعطي له مضاد حيوي ليه أقول لك علشان يموت الميكروب طيب وهو ده ميكروب وإلا فيروس؟؟

س: أنا شخصيا أحترم الأطباء جدا وكلامهم ربنا فوق وهم تحت..

ج: يعني أساسا يا أسنتاذ جمال هل الناس اللي كانوا قائمين على الخدمة الطبية لجمال عبد الناصر على مستوى وإلا لا.؟ هذا الرجل الذي تعرض لأسيتون وجلطة في الشريان التاجي لم يسأل أحد نفسه من هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم أساتذة في الطب ويشخصون وهم جالسون عي بيوتهم أمام التليفزيون لم يسألوا أنفسهم لماذا لم يعش عبد الناصر كثيرا على الرغم من أن والده عاش كثيرا يعيش هو عمرا أكثر ثم ما السبب الذي يودي به إلى الإصابة بالسكر وهو في الثلاثينيات ..؟ هل هذا شخص عادي؟ يبقى لما يعيش حياة عادية يبقى شخص عادي القضية هي هل تثق في أم لا؟ تسلمني روحك أم لا؟

تسلمني روحك فاطمئن تقصير عمر جمال عبد الناصر لم يقم به الأطباء لأ... س: ربما كان ما أثير من ادعاءات وكلام السيد صلاح الشاهد وكلام غيره يستند إلى كلام رجل حجة في القلب وفي الطب مثلا الدكتور رفاعي كامل.. ما رأيك؟

ج: مش ممكن يقول الدكتور رفاعي كامل هذا الكلام مش ممكن(72)

س: د. رفاعي كامل قال هذا الكلام وكرره أمام الفريق محمد فوزي وزير الدفاع الأسبق.

ج: استحالة لكن طبعا الفريق فوزي ده وزير دفاع يرى أمامه جمال عبد الناصر يموت ..إزاي يموت جمال عبد الناصر؟ بقى واقف مذهول طب اطلبوا الدكتور رفاعي حاجة طبيعية جدا هاتوا الدكتور رفاعي إمال ح يجيب مين؟

فيجي الدكتور رفاعي يبص فيه آه ميت دي مسالة طبيعية جدا...

س: سمعت أن الفريق رفاعي كامل رفض أو تردد في توقيع الشهادة أو حاجة من هذا القبيل أقصد شهادة الوفاة؟؟

ج: لم أسمع بهذا الكلام ده خالص هذه أول مرة أسمعه.

س: بعد نقل جثة الرئيس جمال عبد الناصر إلى قصر القبة مساء يوم 28 سبتمبر حيث عقد هناك اجتماع مشترك ضم أعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء الذين كان معظمهم في الجبهة والاجتماع بهدف إعلان وفاة الرئيس عبد الناصر وانتقال السلطة إلى نائبه أنور السادات وتحديد موعد الاحتفال بتشييع الجثمان إلى مقره الأخير هل طلب منكم الاستماع إلى رأيكم في أسباب الوفاة أما المجتمعين؟؟

ج: لأ ده كان فيه بيان وهذا البيان وقع عليه الدكتور بها والدكتور رفاعي كامل ولنفرض أنه رفض التوقيع يعني ما هو شايف الجثة قدامه ولا توجد أيه شبهة يعني مثلا إذا أنا رحت لمريض أعرفه ولقيته قدامي ميت ولا توجد به أية آثار عنيفة أرفض التوقيع على شهادة وفاته؟ طبعا ده منطق غير طبيعي واتعطلت جلسة مجلس الوزراء إلى أن يصل الدكتور منصور فايز علشان يقرأ البيان بصفته أكبرنا سنا ورئيسنا(73)

س: في الواقع الدكتور رفاعي كامل ليس صغيرا وهو أيا رجل عسكري ومحل ثقة ولا غبار على كفاءته التي هي محل تقدير الجميع كذلك لا أعتقد أنه بكلامه هذا يبحث عن ضحية لحكم القدر لكن السؤال هو: ما مصلحة الدكتور رفاعي كامل في أن يشكك في موت عبد الناصر؟

ج: الواقع أن الدكتور رفاعي كامل لا أهمية له في الموضوع لأنه لم يحضر ما سبق الوفاة أو الوفاة نفسها وبالتالي مناقشة أي شيء يتعلق به لا قيمة له فالظروف اللي جابته أن قائد الجيش الفريق فوزي عايز يعمل أي حاجة لإنقاذ الرئيس فنادى الدكتور رفاعي...

س: على كل فلنترك هذا الموضوع إلى الاجتماع المشترك في قصر القبة هل حضرت الاجتماع وناقشت الأعضاء والوزراء في أسباب موت الرئيس عبد الناصر؟؟

ج: لأ، أنا بصراحة لم أحضر لأن السيدة حرم الرئيس عبد الناصر حصل لها دور من ضربات القلب الشديدة بتوصل من 160 إلى 220 فأنا كملت معاها والدكتور منصور فايز قرأ البيان ومن هنا فإن كل ما ذكر عن رفض إصدار شهادة وفاة للرئيس غير حقيقي سواء كان هذا كلام د. رفاعي كامل أو السيد صلاح الشاهد وأنا في الواقع جلست أسأل نفس مليون مرة هذا السؤال: ما مصلحة صلاح الشاهد إنه يقول كده.؟ فلم أصل إلى إجابة وأعتقد أنه جاءه شيء من اللبس وأن دوره هو دور جنرالات الهزيمة وأنا ما زلت أقول إن النجاح له ألف أب أما الفشل فيتيم ولا أب له.

وإلى هنا وانتهت شهادة الدكتور الصاوي حبيب طبيب الرئيس جمال عبد الناصر من عام 1964 إلى عام 1970.

شهادة فؤاد عبد الحي

عندما قامت ثورة 23 يوليو كان فؤاد عبد الحي(74) برتبة نقيب (يوزباشي) في الجيش وقد عمل في المخابرات العامة وتولى بعض الوظائف في رئاسة الجمهورية فكان مثلا مسئولا عن أمن الرئيس الأمن الشخص كما كان مسئولا في الوقت نفسه عن الأمن والحارسة في نفس الوقت بالتنسيق مع قائد الحراسة الخاصة اللواء محمد البنا الذي نفذ خطة تحركات الرئيس وكان حتى ذلك سنة 1966 على قوة المخابرات فأصدر الرئيس أمرا بنقله إلى رئاسة الجمهورية مديرا عاما ثم عين سكرتيرا خاصا له..

والواقع الذي لم يقله فؤاد عبد الحي أن سكرتيري الرئيس ناصر وهما: محمد أحمد الجيار ومحمود فهيم كانا يقاربان عمر الرئيس وكان من الصعب عليهما مواصلة العمل الذي يعتمد في جزء كبير منه على اللياقة البدنية وسرعة البديهة وكان من الطبيعي أن يلاحظ الرئيس ذلك فأبقاهما في مكتبهما يقومون بالأعمال الروتينية واختار فؤاد عبد الحي ليكون سكرتيرا خاصا له وكان ذلك في عام 1966 وعمره لم يتعد بعد الخامسة والثلاثين.

وفؤاد عبد الحي من الأشخاص الذين تحبهم وترتاح إليهم لأول وهلة، وعندما يتحدث يسمي الأشياء بأسمائها وقد يستعمل كلمات جارحة بهدف تحديد المعنى المراد تحديدا دقيقا فمثلا عندما يصف بعض المحيطين بالرئيس وقت هذه الأزمة فإنه يختار حكمة فائقة الدلالة على المعنى وهي أصلهم كانوا مدهولين وكلمة مدهولين لا تضاهيها كلمة عربية واحدة في المعنى ولكن كلي تصل إلى معناها لابد من استخدام حشد من الكلمات والجمل..

وحتى الآن وعمره يقترب من النصف الثاني من الخمسين فما زال كما هو شابا رشيقا لا يزيد وزنه في تقديري عن 65 كيلو وطوله لا يتعدى 160 سنتيمترا أسمر في لون عبد الناصر الذي أحبه كثيرا..

كان قريبا جدا من عبد الناصر وكان رفيقه ربما الوحيد في اللحظات التي سبقت وفاته ومن هنا فلشهادته أهمية كبيرة وقد لا يكون دقيقا ولكن على أية حال صادق وقد يجامل ولكنه لي على حساب الحقيقة .. يكفيه أنه ذكر لأول مرة واقعة على جانب عظيم من الخطورة وهو أن حضرات الأطباء المشرفين على علاجه أرسلوا يطلبون أنبوبة أكسجين والأنبوبة في صيدلية والصيدلية في الدور الثاني من مبنى السكرتارية على الرصيف الآخر من بيت الرئيس وكانت الصيدلية مغلقة مديرها لا وجود له واقتضى الأمر تحطيم الباب لإخراج أنبوبة الأوكسجين لم تكن العقبة فقط أن الصيدلية مغلقة مديرها لا وجود له واقتضى الأمر تحطيم الباب لإخراج أنبوبة الأكسجين لم تكن العقبة فقط أن الصيدلية مغلقة ولكن العقبة أيضا أن أنبوبة الأوكسجين «عهدة» أو «أمانة» ورجل آخر زعيم هذه الأمة يلفظ أنفاسه الأخيرة في حاجة إلى جرعة من الأوكسجين من هذه الأنبوبة..

هل هذا إهمال الأطباء ؟ أم إهمال يصل إلى حد التواطؤ على حياة رئيس الجمهورية ..؟ ولكنه إهما يصل إلى حد التواطؤ على حياة رئيس الجمهورية وعلى كل فلنستمع إلى شهادته بصبر واهتمام...

س: أين كنت يوم 28 سبتمبر سنة 1970؟

ج: كنت مع الريس في المؤتمر ما كنتش أسبيه..

س: هل ترافقه دائما في الرحلات والمؤتمرات والزيارات..؟

ج: نعم من يوم ما صدر قرار بأني سكرتير خاص، كنت أطلع معاه في كل حتة وباستمرار أي مكان يروح فيه أكون معاه وعلى هذا فقد كنت معه بالطبع في المؤتمر اللي انعقد في الهيلتون على ما أذكر.

س: تذكر طبعا أنه كان فيه استعدادات خاصة للحماية والأمن؟؟؟

ج: طبعا أذكر من هذا: الكوبري الذي كان يصل بين الهيلتون وقاعة اجتماعات جامعة الدول العربية كان فيه أيامها مشاكل بين الأردن والمقاومة وكانت فيه وفود بتروح وبتجي وفي انتظار عودة النميري من الأردن ورجع مع ياسر عرفات وياسر وصل والدنيا زايطة صحيح الواحد ما كانت في القاعة من جوه لكن من وراء الكواليس والواحد كان بيشعر أن الرئيس رحمه الله كان بيبذل مجهود فوق طاقته.

س: هل تذكر متى ذهبت مع الرئيس إلى المؤتمر؟؟

ج: أعتقد يوم 23 سبتمبر سنة 1970 وكان لنا جناح في الهيلتون لكن الواحد كان بيحس إن المؤتمر كله بيدور في فلكه حول عبد الناصر يعني هو اللي قاعد يلزق في المؤتمر علشان نوصل لنتيجة طبعا الضغط واضح عليه، والظروف كانت واضحة أن الشغل كان كتير قوي وكان برضه بيروح ما بيحبش يبان هو في الهيلتون(75)

س: هل كان فعلا يعود إلى بيته كل ليلة بعد انتهاء أعمال المؤتمر..؟

ج: تقريبا بنسبة 90٪ ، 95٪ وبعدين ما كانش هو يحب ينام بره أو يأكل بره..

س: هل كان فريق الأطباء المرافق معه في الهيلتون أيضا..؟

ج: طبعا كان فيه sestem نظام..

س: إيه هو هذا الـ sestem ..؟

ج: ال sestem هو إن فيه خدمة طبية موجود بالسكرتارية في منشية البكري وهي عبارة عن صيدلية كبيرة يرأسها وكيل وزارة قد الدنيا صيدلي وده كان هو الدكتور صلاح جبر وده راجل محترم والصيدلية الـ24 ساعة مفتوحة وأنابيب الأوكسجين برضه موجودة وكل الاستعدادات الطبية موجودة في السكرتارية علاوة على أنه له طبيب خاص هو الدكتور الصاوي حبيب والريس برضه هو إللي اختاره(76)

س: هل أنت متأكد أن الرئيس هو الذي اختاره..؟

ج: لأ ما أعرفش إحنا بصينا لقينا الصاوي بيشتغل لكن كيف جاء أنا شخصيا لا أعرف ظروف وجود الصاوي إيه(77) لكن قبل كان فيه الدكتور أحمد ثروت وأنا حضرت فعلا الرياسة قبل الصاوي حبيب وكان فيه الدكتور أحمد ثروت وكان هو المسئول عن العملية الطبية..

س: هل الدكتور أحمد ثروت هو الذي رشح الدكتور الصاوي حبيب؟

ج: أظن(78)

س: والصاوي حبيب هو اللي جاب الدكتور منصور فايز؟؟

ج: لا أن أقول لسيادتك إن الصاوي كان حويط شوية(79) منوفي(80) يعني أكثر من حويط يعني ناصح المهم كان عندنا نظام خاص للخدمة الطبية كان فيه طبيب خاص ودوره واضح وهو بيجي يشوف يشوف الريس كل يوم الصبح وده حسب شغلى وأنا فاهمه لأن أنا فاهمه لأن أنا بقى اللي أشوفه يعني الدكتور الخاص كان الدكتور أحمد ثروت كان له دور فوق عند الريس الله أعلم كان بيعمل إيه فوق لكن الراجل بيطلع كل يوم بيقولوا بيدي الحقنة للريس.

س: هل تعرف هذه الحقنة التي كان يعطيها الدكتور الصاوي حبيب للريس.؟

ج: إعفيني لأن التكنيك إللي فوق(81) لم أره ولا مرة..

س: لكن الدكتور الصاوي كان يصعد يوميا إلى فوق؟

ج: كل يوم الصبح البوابة تفتح له على طول..

س: حوالي الساعة كام..؟

ج: الله لما يقولوا إن الريس صحي (استيقظ) أصل الريس ده ريس يعني كان السفرجي ساعات يسأل الدكتور عندكم؟. فإذا كان الريس صحي يقول السفرجي طيب قولوا له الريس صحي تكون الساعة أصبحت تسعة وإلا ثمانية تطلع عشرة لكن دي فترة الصبح.

س: يعني الدكتور بيجي دايما في فترة الصباح في الساعة الثامنة إلى الساعة العاشرة.؟.

ج: هو الريس كان بيصحى بدري ما كانش فيه الخصلة (العادة) إنه يصحى الساعة 11، 12 وعلى كل الطبيب بيطلع كل يوم ويعمل ما يلزم هناك فوق الله أعلم بيعمل إيه لكن المعلومات إنه كان في الفترة الأخيرة كل الناس كانت عارفة وأنا من الناس اللي كانت عارفة إن الريس عنده سكر. معروفة زي الشمس عشان حاجات قبل كده حصلت وأنا شخصيا عندي سكر، وبعدين الموضع بتاع القلب اللي جاله سنة تسعة وستين، كنا عارفين أن السكر والقلب دول المرضين الأساسيين اللي بيطلع لهم الدكتور الصاوي حبيب، بيعمل له أيه بقى فوق؟ موش عارف لكن ده الهيكل بتاع العلاج المهم يطلع الدكتور في فترة الصبح وينزل بعد نصف ساعة أو 45 دقيقة أو ربع ساعة وبيروح يشوف شغله وكان عندنا دكاترة نوبتجية ودول كان اسمهم أطباء الركاب وأطباء الركاب كان على ما أظن أو أتذكر كانوا: د. محمود فراج، د. طه عبد العزيز د. محمد إبراهيم.

س: هل كان الفريق رفاعي كامل يتردد على بيت الرئيس عبد الناصر..؟

ج: لأ لأ ما تسمعش أنا أقول لك الواقع بصفتي وموقعي عن الحاجة الشخصية الخاصة بالريس يعني أنا بأقول لك أنا سكرتيره الشخصي يعني حتى مع احترامنا للإخوان بتوع الورق والمعلومات(82) يعني ما يعرفش السفرجي فيه إيه في البيت جايز يعرف المطبخ وبس فأنا بأقول لك الواقع والحقيقة وقدام ربنا لا د. رفاعي ولا مارفاعيش(83)

س: تقصد من هذا أن الدكتور رفاعي لم يكن يحضر إلى بيت الرئيس؟

ج: أنا لم أر رفاعي دخل بيت الرئيس إلا إذا كان دخل من وراء ظهري لكن أن يتردد فلابد أن أعرف أنه حضر ولم أره هذا اليوم وقد أراه غدا لكني لا أذكر أن رفاعي تردد على بيت الرئيس لكن أتذكر أنه جاء يوم 28 سبتمبر سنة 1970(84) أظن بعد ما توفى لكن ما كانش الريس يحبه هو كان فيه خصل(85) تتعب الدنيا عموما ده مش موضوعنا المهم كان فيه أطباء ركاب(86) يبقى موجود في السكرتارية مع نوبتجية الحراسة طبيب اسمه مثلا الدكتور فلان قاعد مع ضباط الحراسة الذين يكونون طقم حراسة كل 24 ساعة مع هذا الطاقم يوجد الدكتور دائما قاعد بدون مواعيد ومعروف أنه مثلا الرئيس خارج الساعة الثانية أو الساعة الخامسة فيصبح من المعروف ذلك وعندئه تجهز سيارات الحراسة مع ضباط الحراسة والدكتور وسط هذا كله هذا هو النظام وبعد ما ينام الرئيس الدكتور طبعا بتاع النوبتجية يروح ونبتدي نروح كلنا هذا هو النظام الذي أتذكره.

س: في فندق الهيلتون وأثناء المؤتمر من الفترة 23- 27 سبتمبر 1970 هل كان فيه نوبتجية حراسة وطبيب؟

ج: طبعا الحراسة والنوبتجية 24ساعة في مكان يوجد فيه الرئيس والنظام هو كده: الريس نازل ينزل معاه في العربية واللي بيركب معاه السكرتير الخاص بيركب جنبه وإذا كان حد من النواب معاه يبقى السكرتير في عربية من العربيتين اللي وراه في هذا اليوم أي يوم 28 سبتمبر 1970 أنا أذكر أننا كنا نودع الرؤساء الموجودين وكان ميعاد أمير الكويت الظهر كان ميعاد «رذل»(87) كانت الساعة الثانية حاجة زي كده(88) فأنا أذكر تماما أن السيد محمد أحمد(89) كلمني وقال لي: يا فؤاد الراجل الكويتي ده «بايخ» وأنا تعبان وتطلع مع الريس إنت والنبي أحسن مش ح أقدر وعلى هذا دخلنا جهزنا الركاب وكان ميعاد الريس أظن الساعة الواحدة والنصف أو الساعة الثانية أو الساعة الثانية والنصف في الميعاد البايخ ده وبعدين إحنا قاعدين من كتر الروتين بيبقى الواحد بيعملها أوتوماتيك المهم أنا سمعت ركاب أمير الكويت ولقيته مر من أمام بيت الريس في منشية البكري الريس ما نزلش فطلبت السفرجي فقال لي: إيوه يا بيه الريس بيلبس وبعدين أنا دخلت جوه العربية برضه من الحاجات المفروض أنها تتقال أن السكرتير بيقعد مع الريس في العربية إلا إذا كان فيه ضيف مع الريس يركب جنبه يعني كان أنور السادات الله يرحمه وحسين الشافعي كانوا بيركبوا فالمهم أن اليوم ده ما كانش فيه حد فالرئيس نازل لوحده فركبت جنبه وطلعنا من البيت وشايف أنا إنه مجهد وتعبان ويعني قرفان فأنا طبعا عارف إن ده تعب الخمس والست أيام اللي فاتوا وأذكر أنني وأنا جالس إلى جانبه في العربة عايز أقول له حاجة يقول لي حاجة يعني «أنكشه(90)» يتكلم كان من العصب أن الإنسان يفتح حديث معاه غير لما يأذن هوه بطريقته الخاصة ومهما سمعت من روايات اللي الواحد بيسمعها للأسف بعد موت الرئيس ناصر إن أي حد من اللي عامل «غضنفر»(91) دلوقتي أي واحد لم يكن يستطيع أن يفتح فمه بكلام معاه إلا لو الريس هو اللي فتح الكلام أولا، وهذه هي نقطة أقولها للتاريخ علشان يعني فيه ناس كثير عاملة دلوقتي شجاعة المهم أنا شفته تعبان وكان حالق ذقنه وأنا فاكر إنه كان له عادة أنه يمسح ذقنه بالقطن فأنا وجدت قطعة قطن صغيرة جدا على كتف الجاكت فأنا عايز أشوف سبب أكلمه فمسكت قطعة القطن والتقطتها من على الجاكت فبص لي وقال: إيه..؟ فيه أيه..؟ قلت له: لا يا فندم الظاهر سيادتك قطعة قطن بس سيادتك تعبان؟ رد قائلا: آه الواحد تعب وإلى هنا وبس وكفاية على أنا قلت كده وهو رد علي ورحنا المطار ووصلنا كويسين 24قيراط واتعملت مراسم التوديع وكل حاجة تمام 24 قيراط...

س: هل كان نزوله من العربة طبيعي..؟

ج: عادي جدا ونفسي اللي بيتعمل كل مرة في التوديع هوه هوه، ورحنا عند سلم الطائرة وأمير الكويت صعد سلم الطائرة وعملنا له باي باي والتاني عمل له باي باي وبعدين حصلت الحاجة اللي مش طبيعية نعم الحاجة إلي مش طبيعية بدأت من لحظة ما أمير الكويت طلع على سلم الطائرة والباب اتقفل أو بيتقفل، فلقيت أظن حسين الشافعي أو أنور السادات يعني بيقول هاتوا العربية هنا(92)

س: هل هناك أحد آخر من المسئولين حول الرئيس؟

ج: لأ ما كانش فيه حد.. وبعدين مين يفتكر ويتذكر النقطة دي؟(93)

س: هل كنت على مقربة منه لتسمع ذلك تسمع ما قاله أحد الاثنين الشافعي أو السادات: هاتوا العربية هنا؟؟

ج: بيني وبينه ما فيش متر وطبعا الريس لما يقف مع النواب يا دوب إحنا نبقى واقفين على مسافة مترين ونتيجة الوشوش (الهمس) مع النواب هو اللي أنا فاكره إن الاثنين النواب(94) كانوا وياه لكن الشيء الذي أذكره بالتحديد أن أنور السادات كان موجود لأنه هو الذي نظر إلي وقال: هاتوا العربية هنا ..دي كانت جديدة علينا بقى..

س: وماذا كانت العادة المتبعة؟

ج: في العادة كانت العربات تنتظر في مكان الانتظار وهو مكان ليس بعيدا كان للعربات مكان معين ولا تدخل أكثر منه والرئيس بعدما ينتهي من التوديع يسير نحو العربة ويركبها فالجديد علينا أن تذهب العربة إلى وأذكر أن السادات هو الذي قال: هاتوا العربية هنا وهنا أحضرنا العربة وركبت إلى جانبه وسارت العربة 24 قيراط إلى أن وصلنا إلى سور الكلية الحربية تقريبا وأذكر جيدا صورته وهو قاعد في العربية كان يستند بيده على مسند العربة ووضع رأسه على إيده مستندا والتعب ظاهر عليه..

س: عرق والا مجرد تعب؟؟

ج: لأ مجرد تعب وبعدين برضه أنا يعني قاعد مش مستريح كان صعبان علي الواحد بيحبه طبعا أو حتى بيحبه أو ما يحبوش أهو راجل تعبان قاعد جنبك، فأنا كنت عايز برضه أكلمه أنا بأقول لك على مشاعري وزي ما قلت لك أن عملية كلامه دي مشكلة حقيقية فلغاية العربية ما وصلت من بداية السور حتى باب الكلية الحربية وفاتت شوية وبعدت عن السور وأنا قاعد أفكر أكلمه إزاي؟ إزاي أفتح الكلام معاه ؟؟ وبعدين قلت لنفسي: «لأ .. ضروري أكلمه»

كان السبب هو جلسته تلك في العربة واستناده بيد علي المسند وباليد الأخرى يسند بها رأسه، هذا الوضع كان غير طبيعي بصيت له تاني كده وقعدت أتنحنح شوية ما ردش ولا بص ناحيتي وبعدين اضطريت أقول له: موش سيادتك دلوقتي أحسن يا فندم والحمد لله فقام قايم وقال: «آه كويس بس أول ما نوصل هات لي الصاوي»

قلت له: حاضر...

ووصلنا البيت في أمانة الله.

س: ونزل من العربية لوحده وإلا كان محتاج لمساعدة؟

ج: نزل من العربية كويس و 24 قيراط ونزلت معاه وأنت عارف إن في الفترة الأخيرة كانوا عملوا له أسانسير في البيت هو البيت دور واحد صحيح لكن بعدما حدث له السنة الأخيرة عملوا له الأسانسير علشان يطلع فيه.. المهم نزلت معاه من العربية وعادة وتأدبا ومن الواجب أن يظل الواحد واقفا إلى فينده لك ويقول لك عليها المهم فضلت واقف طبيعي جدا الريس ركب الأسانسير قدامي والأسانسير أتحرك لوحده 24 قراط وطلع وأنا رحت على مكتبي وعلى طول بدأت التعليمات بطلب الدكتور الصاوي(95) آلو: أطلب لي يا بني الدكتور الصاوي، آلو الدكتور تعالى سيادة الريس عايزك قال: خير قلت له: ولا حاجة الظاهر تعبان شوية أو مجهد وقال لي أنده لك رد علي وقال لي: حاضر مفيش ربع ساعة وإلا ما أعرفش أد إيه ربع ساعة أو ثلث ساعة، مسافة السكة(96) يعني جه الراجل (الدكتور الصاوي) وما يفوتش علينا طبيبه الخاص البوابة بتفتح ويدخل بيت الرئيس وشويتين ولقيته برضه بيطلبني من وفق وبيقول لي: والنبي يا فؤاد تطلب لي د. زكي الرملي، لأ مش زكي الرملي آسف هو قال لي: اطلب لي د. منصور فايز.

س: هذا الطلب باستدعاء د. منصور فايز..متى...؟

ج: بعد حوالي ربع ساعة أو 10 دقائق من وصوله.. وحكاية د. منصور فايز طبيعية برضه.. ليه؟ لأن الصاوي نرجع نقول إنه منوفي(97) وعايز بدل الرأي الواحد إتنين وكان الدكتور منصور فايز أيامها مدرسة قديمة لكن سيادة الريس كان يحبه ويثق فيه فالصاوي برضه عاوز منصور فايز، والله أعلم هو عايزه ليه؟ وطلبنا له منصور فايز: والنبي يا دكتور منصور الدكتور الصاوي فوق وبيقول لك عايزك شوية قال: حاضر(98) وجاء منصور فايز وبعدين بعد شويتين هو الظاهر الصاوي برضه طلب د. زكي الرملي من تحويلة التليفون اللي فوق عرفت ذلك لما أبلغني الشرطي الذي بالبوابة أن الدكتور زكي الرملي دخل.

س: بعد أد إيه وصل الدكتور زكي الرملي.؟؟

ج: بعد حوالي ساعة إلا ربع أحداث متتالية وراء بعضها..

س: مفيش حد من أولاد الريس خالد عبد الحكيم مثلا كانوا موجودين في الصالون أو فوق؟

ج: موجودين كلهم فوق(99)

س: في حجرته..؟

ج: لأ لأ أصل سيادتك عاوز برضه أحط سيادتك في الصورة الراجل ده (يقصد الرئيس ناصر) ما كانش حد يخش له الحجرة بتاعته بسهولة برضه لا ابنه ولا مراته يعني هم عارفين إنه راجل بتاع شغل ال24 ساعة موش سهل صحيح مراته (تحية هانم) ما تدخلش له لما تشوف الدكاترة أو الهيصة دي برضه، بس هو كان معود البيت على نظام يخش له دكاترة يخش له تعابين يعني مش زي ما إنت متصور، أي بيت في دكاترة يبقى أدخل أشوف جوزي لأن عملية كانت خشنة لم يكن من السهل أن تدخل عليه تحية هانم في الفترة الأولى أي الساعة الأولى من وصول الصاوي إنما يعني هي تخش له إمتي...؟

تدخل له في المرحلة الثانية التي بدأت بحضور د. زكي الرملي.

س: ماذا فكرت أنت؟؟؟

ج: د. منصور فايز وبعدين د. زكي الرملي واحنا كنا متعودين أن الصاوي وإلا منصور يقعدوا له ساعة ويروحوا يعني نصف ساعة لقينا العملية طولت وأنا بصراحة واحد من الناس ما كنتش خرجت ولا مشيت وكنت على موعد مع ناس من أصحابي الساعة الخامسة فالساعة بتمشي وبتطول وطبا ليس من السهل أن تتكلم وتسأل: هو فيه إيه؟ وهذا من الخشونة اللي سبق وقلت لك عليها المهم كنت قاعد ومستعد والدكاترة فوق بتشتغل يعني فيه حاجة يعني فيه شغل وبعدين بعد شوية الساعة قربت من أربعة وشوية(100) فوجئت بالسفرجي الخاص بجمال عبد الناصر واسمه فؤاد دخل المكتب على.

س: أين كانت مكتبك بالضبط تحت في البيت؟؟

ج: لأ مكتبي ليس في نفس بيت الرئيس، بيت الرئيس ليس فيه شخص غريب عن أسرة الرئيس ومكان السكرتارية يقع في البر الثاني من الشارع اللي فيه بيت الريس أي أنهما إذا صح القول بيتان متقابلان بيت الريس وبيت السكرتارية ويفصل بينهما شارع أو ممر كبير . والاثنان حولهما حراسة، بالإضافة إلى أن بوابة بيت الريس لا تفتح إلا بمعرفتنا ولابد من معرفة الداخل والخارج..

س: وإذن فأنتم تشاهدون كل شيء من نوافذ السكرتارية الداخلية والخارجية؟

ج: شباك مكتبي يقع على الشارع أو الممر الواسع وأرى بوضوح الشارع والبيت والبوابة فرأيت السفرجي فؤاد داخل المكتب علي وكان في حالة غير عادية سألته: فيه إيه يا فؤاد؟ قال: عاوزين أنبوبة أكسجين يا بيه..

كان فؤاد السفرجي «متلخبط» سألته: فيه إيه؟ قال: الريس تعبان والدكاترة بيشتغلوا مش عارف أيه هم عايزين أنبوبة أوكسجين قلت: طيب يا فؤاد خد الأول أنبوبة الأوكسجين..

ولم تكن أنبوبة الأوكسجين عندي كانت في الصيدلية في الدور الثاني في نفس مبنى السكرتارية فالمهم كانت الصيدلية مغلقة فأمرت بكسرها لإخراج الأنبوبة فشالها فؤاد مع عساكر من الحراسة لكني على الرغم من الكلمات القليلة التي فاه بها السفرجي فؤاد فقد أدركت أن الأمر خطير..

س: هل كنت المسئول وحدك أو الوحيد في ذلك الوقت عن السكرتارية...؟

ج: السكرتارية فيها طقم حراسة ودكتور وسفرجي ومحمد أحمد هو الـHead الرأس الكبيرة بتاع العملية ومحمد أحمد لم يحضر وزي ما قلت لك من قبل أن محمد أحمد كان سايب الموضوع ووجدت الوضع غريب وبدأت أفكر ووجدت فعلا أن الحكاية أعمق وأهم فمسكت التليفون وطلبت سامي شرف(101)

س: كلمت سامي شرف لأول مرة ..؟ أي أنك لم تتصل به من قبل في هذا اليوم .. لا في الصباح ولا عند عودتك من المطار؟

ج: الأول أنا كلمت محمد أحمد وأفتكر أنا كلمت 3 أو 4 لكن مين الأول ومين الثاني لا أذكر لكني أتذكر الآن أنني كلمت محمد أحمد الأول وبعدين كلمت سامي شرف وبعدين شعراوي جمعة.

س: هل أنت متأكد من هذا..؟ لأن سامي شرف ذكر لي أنك كلمته وقام هو بدوره بالاتصال بشعراوي جمعة؟؟

ج: احتمال لأن سامي شرف وشعراوي وصلوا مع بعضهما وكانا هما أول ناس يحضروا

س: هل تحدثت مع أحد آخر من المسئولين..؟

ج: كلمت أنور السادات.. (102)

س: هل تذكر بالتحديد كم كانت الساعة عندئذ؟

ج: كانت الساعة قد دخلت على الرابعة والنصف أو الخامسة حاجة كده وبعدين أنا بدأت أحس بأن الريس فيه حاجة لأن الدكاترة حواليه وما حدش منهم خرج يقول حاجة وبدأت أشم إن هو تعبان أكثر لما الولد السفرجي دخل علي وهو متلخبط والسفرجي ده مهم وأعتقد أنه موجود واشتغل مع السادات والسفرجي ده معروف زي الشمس وهو مهم جدا(!!) واسمه فؤاد زكي(103) لكن معرفش حاليا هو فين تستطيع أن تبحث عليه وتجده إسأل عنه في الرياسة على كل بدأت أتصل بالباقين في التليفون زي ما قلت: سامي شرف وشعراوي والسادات وده كان طبيعي لأن الشغل بيحتم علي أن الواحد يتصل بدول ولما وصلوا.

قاطعته سائلا:

س: ومتى وصولا هل تتذكر..؟

ج: أفتكر الساعة الخامسة وأنا في مكتبي لأن مكتبي ده كنترول ح أسيبه وألطع فوق أعمل إيه ..؟ أتفرج؟؟ ما الدكاترة فوق لكن أنا ابتديت أطلع لما لقيت أصوات وتحركات أنا قلت لك أنا ابص كده أعرف على طول وأنا في مكتبي شفت سامي شرف داخل وشعراوي جمعة ومحمد أحمد يمكن حضر لكن متأخر شوية.

س: هل تذكر متى جاء محمد أحمد..؟

ج: والله مش فاكر لكن فاكر إنه جاء متأخر شوية.

س: هل كان سامي وشعراوي هم أول الحاضرين فعلا؟؟

ج: أيوه كانوا أول ناس وكان يهمني إن هم دول يكونوا أول ناس وبعدهم بدأت العربيات تيجي وأنا في المكتب وسامي وشعراوي هم اللي كلموا الفريق فوزي وحسين الشافعي ولكموا هيكل المهم أنني برضه فضلت في المكتب لأن وجودي فيه مهم وبالطبع شعرت بأن الموضوع غير طبيعي كان فيه «دربكة» لكن أنا طلعت فوق بعد فترة لقيت الأسرة وأنا طالع سمعت حسهم وأصواتهم وأنا لم أكن أسمع صوتهم أبدا في الصالة برة شفت مني وكانت بتعيط ..(بتبكي).

س: منى فقط..؟

ج: منى وكانت مع والدتها في الصالة وأيضا هدى وفي المكتب الملحق بغرفة نوم الريس كانوا رايحين جايين وبيعيطوا أنا لم أكلمهم ودخلت غرفة نوم الرئيس..

س: ماذا رأيت عندما دخلت غرفة نوم عبد الناصر وهل كان بها أحد من أولاده، خالد أو عبد الحكيم أو عبد الحميد؟؟

ج: لا أتذكر أنه كان في الغرفة أحد من أبناء الريس عندما دخلت الغرفة رأيت منظرا لا يمكن أن أنساه أبدا رأيت الرئيس عبد الناصر مسجى على السرير بالفانلة وبنطلون البيجاما والدكتور طه عبد العزيز راكب عليه كده وبيعمل له التدليك بتاع القلب الموقف كان صعب علي وكان في الغرفة الفريق محمد فوزي والشافعي وسامي شرف وشعراوي وهيكل وشفت جسم الريس وهو بيتنفض من صدمة الكهربا، كانوا كلهم بيعيطوا (يبكون) والفريق فوزي قاعد يزعق ولا أعرف بيزعق ليه ولقيت الدكتور رفاعي كامل(104) أيضا وفي اليوم ده ما كانش فيه نظام وعلى فكرة الريس لم يشرب عصير في المطار خالص ولا تناول شيئا علشان زي ما أنت عارف بعد التوديع حملتنا العربة وجئنا إلى البيت(105).

س: الواقع إنني أريد توضيحا منك حول روايتين واحدة منهما تقول بأن الرئيس «شاور» لكي تأتي السيارة إلى حيث كان واقفا وصاحبها هو الفريق فوزي ويؤيدها صلاح الشاهد أنه أشار إليه ليأتي بالسيارة الرواية الثانية أنت صاحبها وهي أن الرئيس لم «يشاور» بيده إنما الذي طالب بالسيارة لكي تأتي هو أنور السادات حيث ذكرت أن السادات قال: هاتوا العربية هنا(106)

ج: قل للفريق فوزي على لساني يا سيادة الفريق أنت أستاذنا ومعلمنا الصدق والأمانة وأن الكلام الذي ذكرته لم يقع...

س: وهناك راية أخرى قال بها الدكتور رفاعي كامل، الذي كان يتابع برنامج توديع الرؤساء في التليفزيون ببيته فقد ذكر أنه رأى الريس في التليفزيون بعدما ودع أمير الكويت أن رجليه لفت على بعضهما ومش مضبوطة؟

ج: يبقى يروح الفريق طبيب رفاعي يقيس رجلين الريس ويشوفها مضبوطة والا لا(107) عمر الراجل ما اتهزت رجليه وإذا كان الدكتور رفاعي كامل لاحظ هذا في التليفزيون يبقى يعني مش بشر، لو دكتور لاحظ رجلين الريس في التليفزيون وشاف إنها مش مضبوطة بينما الأفندية اللي حواليه لم يلاحظوا ذلك يبقوا أكيد هؤلاء الأفندية المحيطين بالرئيس حيوانات.

س: د رفاعي بيتكلم من ناحية أن الرئيس له مشية معينة وشافها اتغيرت؟

ج: يلاحظها إزاي في التليفزيون عاوز أعرف؟ يعني دكتور يكشف بالتليفزيون؟؟

س: د. رفاعي يرى أن لكل شخص مشية معينة يعرف بها من بعيد أو قريب؟

ج: مشية الريس كانت سليمة 24 قراط دا أنا موصله لغاية الأسانسير بعدما عدنا من المطار معنى كده أنني مقدرش أعرف إذا كان فيه حاجة وإلا لا؟؟

س: معنى هذا ان الروايتين رواية الفريق فوزي والسيد صلاح الشاهد .. ورواية الدكتور رفاعي هاتان الروايتان مشكوك فيهما؟

ج: المنطق بيقول كده..

س: لماذا؟؟

ج: أولا حكاية أن الريس شاور لصلاح الشاهد : «هاتوا لي العربية» ده مش صلاح الشاهد والريس لم «يشاور» أنور السادات هو الذي قال: «هاتوا العربية هنا» وقال لي أنا وليس لأحد آخر وعلى هذا أحضرنا العربة ودي مش شغلانة صعبة ولا عويصة...

س: وعندما ركب السيارة كنت بجانبه؟

ج: بالضبط..

س: ألم يضع الرئيس ناصر يده على قلبه أو منتصف صدره؟

ج: لا قلبه ولا حاجة فقط كوع الرئيس كان تحت دماغه.

س: إيه مظاهر التعب التي لاحظتها على الرئيس عبد الناصر؟

ج: وجهه كان تعبان وشكله كان تعبان..

س: هل كان وجهه أصفر؟

ج: حضرتك عارف إنه كان أسمر فالصفار لا يظهر عليه هو كان فيه زرقة فى وجهه وشكله كان تعبان فعلا وبعدين زي ما قلت لسيادتك حبيت أنتحنح له لغاية ما قلت له: يا سيادة الريس إنت تعبان؟ قال لي: شوية بس يا فؤاد أول ما نوصل إبقى ابعت هات الدكتور الصاوي يعني إذن كان تعبان فعلا وإلا كان طلاب الصاوي ليه؟؟؟ وكان الرئيس واعي تماما وأنا أقول لحضرتك أمام التاريخ ولا صالح الشاهد ولا رفاعي كامل أنا أقول لك الواقع جايز فوق حصل حاجات وأنا أعفيت نفسي منها لأني ما أعرفش ولأنه أصلا كان تعبنان قبل ما نروح المطار لما التقطت القطنة من على كتفه «تلكيكة»(108) في العربية علشان اكلمه وأشوف إيه وضعه وبأقول لسيادتك إنه كان تعبان وقال لي وقتها: «آه والله الواحد تعبان» وسكت لكن تعبان بيشتغل جمعة أو أزيد شغل متواصل.

س: أرجو أن تسمح لي بأعادة واقعة دخولك حجرة نوم الرئيس بعد «الدربكة» حضرتك وصلت ودخلت في لحظة محاولة الأطباء عمل الصدمة الكهربائية أليس كذلك ماذا رأيت بالضبط عندئذ؟

ج: أنا شفت الدكتور طه عبد العزيز على السرير بيعمل له التنفس الصناعي والسلوك موجودة بتاعة الجهاز.

س: بالجهاز وألا باليد؟

ج: صراحة ما خدتش بالي...

س: هل ممكن أن نعيد تسمية أسماء الأشخاص الذين كانوا في حجرة الرئيس عبد الناصر وقت وفاته؟؟

ج: كان فيه سامي شرف وشعراوي جمعة ومحمد فوزي وأنور السادات وحسين الشافعي وهيكل رفاعي كامل والدكاترة طه عبد العزيز وزكي الرملي ومنصور فايز والصاوي حبيب لكن من بالتحديد كان من ملحق الحجرة أي المكتب الصغير ومن في نفس الحجرة فأرجو أن يعفيني لأني لا أذكرن ولكن هذه هي المجمعة كاملة عندما رأيتها عند دخولي(109)

س: هل رأيت ف حجرة الرئيس عبد الناصر أنبوبة الأكسجين التي طلبها منك فؤاد السفرجي هل كانت داخل حجرة نوم الريس أو لم تلاحظ ذلك؟

ج: الحقيقة إنني لم ألاحظ، لكن الأنبوبة طلبت منى والذي طلبها هو فؤاد السفرجي..

س: هل كان بالرياسة شخص يقوم بتدليك جمال عبد الناصر؟

ج: أيوه واسمه «زينهم»

س: زينهم أين هو الآن؟

ج: الآن لازم حد من بتوع المخابرات العامة أو الرياسة يدلك عليه.

س: ألم تره قريبا..؟

ج: شفته أيوه أنا لسه شايفه يوم 28 سبتمبر 1986 اللي فات ده في العزاء اللي في بيت الريس(110) وكان زينهم ده بيدلك أنور السادات أيضا..

س: هل له عيادة؟؟

ج: لأ..

س: هل هو طبيب .. أي يحمل إجازة جامعية في التدليك؟؟

ج: لأ هو معاه شهادة من معهد العلاج الطبيعي أو بتاع الرياضية ده واللي كانوا جابوه للريس هم بتوع المخابرات العامة(111) وأعتقد أصلا أنه كان بيشتغل هناك وبعدين عندما حضر لم يكن منضما لقوة السكرتارية لكن في أيام السادات أصحب على قوة رياسة الجمهورية وكان أيام عبد الناصر يطلبوه ويحضر يعمل شغله ويعود إلى المكان الذي جاء منه...

س: هل كان زينهم هذا يحضر كل يوم..؟

ج: لأ..

س: يقال إنه كان يدلك الريس؟؟

ج: لأ ما تصدقش الكلام ده..

س: عندما يريد الريس الاتصال بأحد هل يجري الاتصال عن طريقك أو عنده وصلة يتصل بها؟؟

ج: هم عملوا له مؤخرا سنترال خاص عليه حوالي 15أو 20 خط بينه وبين صلاح نصر والسادات يعني كانوا 15 خط ممكن إنه يطلب أي حد عليه، لكن طلباته الطبيعية كانت عن طريقنا..

س: يقول سامي شرفك إن الريس لما عاد من المطار طلبه؟

ج: ممكن جدا..

س: هل فيه وصلة من غرفته لمكتب سامي شرف؟

ج: لأ فيه وصلة سنترال صغير (BBX).

س: يعني يمكن يطلب اللي عايز يكلمه يدور القرص ويطلب؟

ج: بأقولك الراجل (يقصد الريس) كان سليم 100٪ يعني كان ممكن الواحد العادي يتعب يغمي عليه يقول لك: اسندني، مثلا كل ده ممكن يحصل كإنسان ده طالع كويس بنسبة 100٪ لغاية ما دخل الأسانسير وضغط على الزرار وطلع الأسانسير وبعدين الصاوي جاء له بعد ربع أو ثلث ساعة لو كان فيه حاجة كان الصاوي «حلوس» الدنيا يعني مش بس اطلب لي منصور فايز، ده ح يقول لك نتوسايبين الراجل لما تعب وإلا امرأته حتى والا .. لكن ما حصلش من دي حاجة مفيش حاجة مثيرة..

س: ما تفسرك إذن للوقت الضائع منذ دخول الرئيس عبد الناصر إلى حجرة نومه الساعة الثالثة و30 دقيقة تقريبا ووقوع الارتباك الذي أدي بك إلى الاتصال بسامي شرف الساعة الرابعة و50 دقيقة؟؟

ج: تفسيري أنا ..؟ راجل تعبان ود كاترة بتعالج فيه ملهاش تفسير تاني راجل تعبان طلب الدكتور ما أنا أتعب أطلب الدكتور ولو تعبان قوي مثلا يجيبوا لي كونصلتو...

س: هل حالة الريس كانت تستدعي كونصلتو..؟

ج: ما هو الكونصلتو هم الدكتور منصور فايز باطني وزكي الرملي بتاع سكر، والراجل لا يخرج مرضه عن حاجتين ودول اللي كانوا بيعالجوه من 10 أو 15 سنة.

س: لم يكن فيهم واحد مختص بالقلب؟

ج: لأ ما أتذكرش موضع القلب ده من يوم العملية اللي أصيب بها في الستينيات ما كانت موضوع القلب في دماغنا.

س: لكن في إعلان الوفاة قاولا إن سبب الوفاة جلطة في الشريان التاجي؟؟

ج: لأ ما أعرفش لكن قصدي أن الدكاترة اللي كانوا بيترددوا عليه كانوا بتوع سكر وباطنية ويتركزوا في منصور فايز والصاوي ويمكن رفاعي جاء مرة والكلام ده لما كان تعبان قوي سنة 1969جابوا الدكتور رفاعي كامل أيامها لكن أعتقد أن موضوع القلب ده كان بينكشف عليه يومي بواسطة الصاوي..أعتقد كده...

س: أين توجد الأوراق الخاصة بالتحاليل ورسوم القلب وتقارير الأشعة؟ ج: دي شغلة الدكتور هذه الأشياء لا توضع عندنا ولا عند سامي شرف أنا في تقديري كده لأني لم أرها أبدا عند سامي شرف...

س: الوزير سامي شرف أجابني على هذا السؤال قال لي: إن الذي يعرف هذه المسائل السكرتارية الخاصة أي المسألة محصورة في محمد أحمد أو مساعده وهو أنت أي فؤاد عبد الحي؟؟

ج: لا .. الحاجات دي تبقى مع الدكتور هل سألت محمد أحمد؟

س: لأ لأنك تعرف أكثر منه كذلك فإن محمد أحمد لم يكن موجودا يوم 28 سبتمبر إلا في اللحظات الأخيرة التي أعقبت الوفاة أي لم يحضر إلى بيت الرئيس عبد الناصر إلا عندما أبلغته أنت بعد طلب أنبوبة الأكسجين بواسطة السفرجي فؤاد زكي حوالي الساعة الخامسة وبالتالي فمعلوماته عن هذا اليوم ليست بذات أهمية..ولا يعول عليها.

ج: أنا بأقول لك بالنسبة للتقارير الطبية لأن محمد أحمد غاوي طب فيمكن كان بصفته سكرتيره منذ مدة وعلاقته بالريس علاقة قوية يحب يشيل التقارير دي يحب يقرأ ويشوف الراجل عمل إيه..أقول لسيادتك محمد أحمد غاوي طب هذا علاة على وظيفته.

س: من الذي كان يقوم بالتحاليل الخاصة بالرئيس عبد الناصر؟

ج: كان دكتور اسمه ناصح أمين جوز الست الله يرحمها..

س: هل كان هناك أحد آخر يقوم بتحاليل؟

ج: على قدر معلوماتي لم يكن هناك سواه على أساس أنه صديق شخصي لمحمد أحمد ,أستاذ للدكتور الصاوي... أعتقد أن التحاليل كانت مركزة في الدكتور ناصح أمين..

س: أريد أن أسألك عن واقعة حدثت يوم الوفاة وهي أن أحد الأطباء الذين كانوا حول الرئيس عبد الناصر لحظة الوفاة رأي ورقتين الأول عبارة عن رسم قلب والثانية عبارة عن نتائج تحليل دم للرئيس والورقة الأولى ثابت فيها أن القلب كويس وعادي والورقة الثانية تثبت أن نسبة التجلط 22٪ وهذه النسبة لا تسبب جلطة في الشريان التاجي..

هاتان الورقتان كانتا على مكتب الرئيس الملحق بغرفة النوم وهذا ما أثار الشك في أسباب موت الرئيس فهل كان من المعتاد أن يكون على مكتب الرئيس مثل هذه الأوراق إنني أعف أن هذا ليس من اختصاصك ولكن هل لاحظت ورأيت هذه الأوراق عندما دخلت حجرة نوم الرئيس عبد الناصر مساء ذلك اليوم؟؟

ج: لا لأنه كانت في الحجرة وفي البيت كله حالة «دهولة» كاملة واللي يقول غير كده يبقى مش مضبوط.

س: لقد ترتب على هذا التحليل أن نبعث فكرة جديدة وهو أن ما أصيب به عبد الناصر لم يكن جلطة صحيح أن الأعمار بيد الله لكن ما أصيب به هو غيبوبة السكر ووقع خطأ في التشخيص وهذا ما أدى بالأطباء المحيطين إلى إعطائه بعضا لحقن التي عجلت بوفاته وضمن هذه الحقن حقنة «بانتوبون»bantobon وهي من مشتقات المورفين ومن الممكن أن تسبب الوفاة فورا إذا كان في حالة «كومة» سكر لأن مثل هذه الحقنة تصيبه بالهبوط الفوري فهل تعتقد من خلال الأعراض التي رأيتها على الرئيس عبد الناصر خلال عودتكما من المطار هل تعتقد أنه كان مصابا بكومة سكر هذا السؤال تستطيع ألا تجيب عليه..؟

ج: لأ غيبوبة سكر لأ لأن لو غيبوبة سكر كانت الشاهد إللي قلت لك عليها اتغيرت يعني غيبوبة السكر في العربية نيجي ننزل يغمى عليه إنه مثلا يجي ينزل من العربية ويروح ناحية الأسانسير وهي مسافة حوالي 20 مترا كان وقع منا كان وفق وعلى ما وصل الصاوي كان يبقى غيبوبة وكان السفرجي صرخ وصوت وقال الرئيس وقع مني في السكة ومراته صوتت كل ده كان طبيعي لأن غيبوبة السكر شواهدها غير اللي حصل خالص وبعدين في غيبوبة السكر موش ح يرد على الدكاترة وح يبقى في غيبوبة وكل ده لم نلمسه وبعدين هو كان معاه جلوكوز في جيبه دائما...

س: هذا رأيك على كل حال وهناك ما أود أن أعرف رايك فيه أيضا وهو ما جاء في تصريح للسيد عبد المجيد فريد السكرتير العام السابق لرئاسة الجمهورية (أيام عبد الناصر) في جريدة الدستور بمناسبة مرور 15 عاما على وفاته (عام 1985 ) من أن سبب الوفاة هو الإهمال وأسس تصريحه على شقين أولهما: أن موكب الرئيس عبد الناصر لم تلحق به سيارة إسعاف متكاملة لإنقاذه

وثانيهما: هو أن الأطباء الذين كانوا حوله لم يكونوا على الكفاءة المطلوبة..

ما رأيك وأنت سكرتير خاص لعبد الناصر منذ عام 1966 إلى حين وفاته سنة 1970؟

س: عبد المجيد فريد ما جاش ليه العربية المجهزة دي شغلته كانت إيه.؟.

ج: كان سكرتير عام رئاسة الجمهورية.

س: ماذا تعني وظيفة سكرتير عام رئاسة الجمهورية؟

ج: لا أعرف..

ج: معناها كل النواحي الثقيلة في الرئاسة معناها أن عنده صلاحية رئي الجمهورية في جميع الشئون الإدارية والمالية ودي سلطة خولها له رئيس الجمهورية بصفته سكرتير عام وبعدين هو اللي كان بيجيب الدكاترة والأدوية وكله(112) وإذن لماذا لم يحضر مثل هذه العربة؟؟ هذا رد هناك رد آخر على هذا التصريح وهو أن من قال إنه لم تكن هناك عربة مجهزة كان يوجد عربة إسعاف مجهزة بالأوكسجين درجة أولى وكانت بتطلع ورانا في الركاب 24 قيراط بس كانت كبيرة مش معقول الريس خارج نصف ساعة تخرج العربي وتمشي وراه وهو ما كانش يحب يشوف عربية الإسعاف دي أصلا تخيل منظر الراجل وامراته و أولاده نازل وعربية الإسعاف ماشية وراه(113)

س: ما رأيك إذن فيما يقال إن المخابرات الأمريكية والإسرائيلية وكان يهمهما التخلص من عبد الناصر وتعرف بالطبع أن هناك محاولات لتحقيق هذا الهدف على مر السنين منذ قامت ثورة يوليو سنة 1952 يقال في هذا الشأن إن المخابرات الأجنبية (أي الأمريكية والإسرائيلية) زرعت عددا من الأشخاص في بيت عبد الناصر لقتله بالسم لقد قرأت بعض مذكرات للدكتور أحمد ثروت الطبيب الخاص لعبد الناصر حتى سنة 1967 يشير فيها إلى وجود السم في المخابرات وضياع كمية منه ثم قرأت ما يشبه التحذير لعبد الناصر من السم ما رأيك ..؟

ج: رأي أن الرئيس جمال عبد الناصر مات ميتة طبيعية جدا لقد كان مصابا بالسكر وعنده القلب وجاء قدره وكل هذه الضجة التي حدثت لأنه جمال عبد الناصر ولأنه رئيس جمهورية ولكن هو الراجل مات بسكر وعنده القلب والدكاترة حاولوا معالجته في المرحلة الأخيرة ما عرفوش لأسباب خارجة عن إرادتهم فتوفى موضوع السم ده كلام ممكن يتردد لكن في تصوري لو كان في حادثة زي دي أي الموت بالسم عن طريق التدليك فهي مجال لمن يعنيه الأمر ومن لا يعنيه الأمر لكن مين اللي ح يقدر يقول عبد الراجل ما مات والسم راح ومين النهاردة اللي ح يقدر يثبت أو ينفي إن ده حصل لكن أهو كلام حلو يقال في مجال حواديت لكن من موقعي اللي كنت فيه أنها بعيدة قوى أن اليهود يزرعوا أشخاص في بيت الرئيس عبد الناصر وده رأي الشخصي فعلا الكلام ده إتقال بعد سنة 1967 وسمعنا عن حكاية السم دي في حوادث سنة 1967 بالنسبة للمشير عامر وبالنسبة لصلاح نصر مدير المخابرات العامة.

س: هل عندما يدخل شخص ما الرياسة أقصد بيت الريس يبقى معروف أعني أن يقيد اسمه ويكون فيه معلومات عنه وإلا إيه ؟؟ لأن د. علي العاطفي المقول بأنه دس السم للريس أثناء التدليك يمكن دخل بيت الريس باسم ثاني؟

ج: لأ علي العاطفي لم يدخل بيت الريس عبد الناصر في منشية البكري ولا أتذكر شخصا بهذا الاسم دخل بين الريس والشخص الذي كان يدخل بيت الريس طبعا يكون معروف بالنسبة للمصريين بالذات وبالنسبة لشغل البيت لأن علي العاطفي ده جه يعمل إيه؟ إذا كان بيدلك فهاذ شيء لأبد أن أعرفه أكيد إلا إذا جاء ياسر عرفات مثلا ومعاه ثلاثة ما أعرفش وفيهم علي العاطفي أو وفد بتاع أي دولة مش معقول ح نحقق في أعضاء الوفد لكن مصري يدخل مثلا علشان يصلح الزجاج لازم أكون عارفه مش حكاية تدليك ضروري أي حد بيدخل البيت لازم ياخد تصريح وبعدين الريس كان ساكن في بيت مش في قصر وبعدين هو راجل معاه مراته وأولاده بأقول لسيادتك وأكرر إنه هو راجل له نظام.

س: جايز النظام الدقيق الصارم هو اللي قتله أيضا؟؟

ج: النظام ده قتله وأنا أوافقك تماما لأن أخونا عبد المجيد فريد السكرتير العام لرئاسة الجمهورية قال إيه ؟؟ قال إن اللي موت الرئيس عبد الناصر هو الإهمال أي إهمال؟ ليس في علاجه السبع ساعات الأخيرة لأ إهماله في نفسه وعدم تمكن الآخرين من أنهم يسيطروا عليه كرئيس دولة دي حقيقة لكن علي العاطفي يدخل يدلك لأ.. طبعا لأن الريس أصلا لم يكن يحب التدليك..

س: أرجو أن تسمح لي بأن أعيد سؤالك إذا ما استجد جديد؟

ج: تحت أمرك وأكرر أنني أجد أنه واجب على الواحد إنه يوضح ويذكر ويساعد الآخرين على الوصول إلى الحقيقة وطبعا ده أعتبره واجب نعم ذكر الحقيقة بما يرضي الله واجب..

وهكذا تنتهي شهادة فؤاد عبد الحي السكرتير الخاص لجمال عبد الناصر من 1966 إلى1970...

شهادة الفريق أول سعد الدين متولي

وظيفة كبير الياوران(114) من الوظائف الحساسة جدا في رئاسة الجمهورية فكبير اليارون هو الذي يتقدم الرئيس في الاحتفالات والاستقبالات وفي الزيارات الخاصة والعامة وهو المرشد له أو الدليل للطريق الذي يسير فيه الرئيس وهو الذي يبتبعه كظله في المراسم الرسمية ويكون إلى جانبه أو أمامه أو رائه حسبما يقتضي الموقف وهناك لغة متبادلة بين الرئيس وكبير الياوران فكبير الياوران يكون أول من يراه الرئيس عندما يفتح باب سيارته ويتبادل الرئيس مع كبير الياوران النظرات ويعرف الرئيس أن كل شيء على ما يرام وأن عليه أن يتبع الياوران لأن بالطبع لا يعرف المكان الذي يذهب إليه ولا الطريق ولا الأماكن التي قد يضطر للجلوس فيها ولا الأشخاص الين عليه أن يتوقف لمصافحتهم ويسبق هذا بالطبع دراسة يقوم بها كبير الياوران للمكان موضوع الزيارة أو الاستقبال أو التوديع أو الاحتفال ويرسم مع الفريق المتقدم من الحرس الخاص والسكرتارية خريطة لكل تحركات الرئيس وعلى هدى هذه الخريطة يقود الرئيس...

ولا يعرف بالطبع كيفية اختيار الياوران هل بالأقدمية في العمل بالحرس الجمهوري أم بالخبرة والمران هل بالدراسة لكن الاختيار للفريق أول سعد متولي تم بطريقة مغايرة على ما نعتقد لكل ما هو مألوف ففي عام 1957 بعد العدوان الثلاثي على مصر وتوثيق العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتي تقرر سفر عدد من البعثات العسكرية إلا الاتحاد السوفيتي وكان الفريق سعد متولي عندئذ برتبة عقيد وعلى رأس أولى هذه البعثات ومعه من الأسماء اللامعة الفريق صادق والفريق مرتجى والمشير أحمد إسماعيل وزير الدفاع في حرب أكتوبر سنة 1973 ومن التقاليد المتبعة قبل السفر أن يذهب أعضاء البعثة إلى قيادتهم للتحية والسلام وهكذا قصد العقيد سعد متولي إل القائد العام ووزير الحربية المشير عامر وسأله المشير: هو أنت عايز البعثة دي..؟

ولم يجب العقيد الشاب سعد متولي، واستطرد المشير عامر: بلاش البعثة وروح في الياوران مع عبد الناصر روح بكرة واستلم العمل هناك نائبا لكبير الياوران..

وفي اليوم التالي ذهب إلى قصر القبة ودخل مكتب كبير الياوران حينئذ الفريق رشاد حسن وقال له: «أنا أتعينت هنا نائبا لك..»

ورحب به الفريق رشاد حسن وسأله عن أي موقع يريد فقال له سعد متولي: سأهب إلى مكتب عبد الناصر وأقف أمامه وعندما يصل سوف يختار هو لي الموقع الذي يريده..

وكان مكتب عبد الناصر في قصر القبة يقع في نهاية الممر الذي يبدأ بغرف السكرتارية والياوران والحرس الخاص على اليمين وعلى اليسار قاعة مجلس الوزراء وكان عبد الناصر عندما يصل يتجه يسارا إلى مجلس الوزراء إذا كان المجلس في انتظار الانعقاد فإذا لم يكن كذلك فإنه يتجه يمينا إلى مكتبه وفي هذا اليوم عندما وصل الرئيس جمال عبد الناصر إلى مكتبه فوجئ بالياوران الواقف على بابه هو سعد الدين متولي فصاح به: ليس هذا مكانك..

ومنذ هذا الوقت أصبح سعد الدين متولي كبيرا للياوران عمليا بينما كان رسميا ما زال نائبا لكبير الياوران رشاد حسن الذي توفى عام 1963 فحل مكانه سعد متولي رسميا وكان قد وصل إلى رتبة فريق والواقع أن اللقاء الذي تم بين الفريق سعد متولي وعبد الناصر والذي تم أمام بابه في قصر القبة لم يكن هذا اللقاء الأول فقد كان زميلا لعبد الناصر في الكلية الحربية بل كان في الدفعة السابقة عليه لقد كان مطلوبا في هذه الدفعة 40 طالبا فقد وتقدم لها 800 طالب منهم جمال عبد الناصر ونجح الـ800 طالب جميعهم في الكشف الطبي وكان من شروط القبول أن ينجح الطالب في كشف الهيئة كما يذكر الفريق سعد الدين متولي ولما كان بالدفعة عدد كبير من أبناء الضابط فقد أعفوا من كشف الهيئة أما غير أبناء الضباط فقد كان الحظ يلعب دروا هاما في نجاحهم في كشف الهيئة وعلى كل كما يقول سعد الدين متولي فإن جمال عبد الناصر لم يدخل في هذه الدفعة بينما كنت أنا وأنور السادات من المقبولين ولذا فقد اتجه عبد الناصر إلى كلية الحقوق وقدم طلبا للالتحاق في الدفعة التالي في أواخر عام 1936 أو أوائل عام 1937(115) وتخرج سعد الدين متولي في فبراير سنة 1938 وكان أول الدفعة حسين ذو الفقار صبري شقيق السيد علي صبري وعبد المنعم رياض وزكريا محيي الدين وأنور السادات وحسين الشافعي وبعد خمسة أشهر بالتحديد أي في يوليو سنة 1938 تخرجت الدفعة التالية التي كان بها جمال عبد الناصر..

وعلى كل حال فإن سعد الدين متولي عين في منقباد وعندما تخرج جمال عبد الناصر ذهب هو أيضا إلى هناك ووجد سعد الدين متولي وخدم معه في كتيبة واحدة تسمى «خمسجي بنادق مشاة»

فلقاء قصر القبة لم يكن هو اللقاء الأول بل سبق من قبل عدة لقاءات ومعايشة كاملة في الكلية الحربية وفي منقباد..

وتدرج سعد الدين متولي في الحياة العسكرية، وفي سنة 1949 اختير ضابطًا بالحرس الملكي لمدة طويلة وقضي هذه المدة ما بين القاهرة والإسكندرية ثم عاد إلى السلك العسكري وعندما وقع العدوان الثلاث في 29 أكتوبر سنة 1956 كان سعد الدين متولي قائدا للواء الرابع في العريش برتبة عقيد وفي هذا الوقت أصيب قائد اللواء السادس فتولى العقيد سعد متولي قيادته وخاض به معركة أبو عجيلة وعندما عاد منسحبا من سيناء وقضي بعض الوقت بالقاهرة جاءته البعثة إلى الاتحاد السوفيتي وشاء القدر ألا يسافر ... وأن يصبح كبير الياوران..

والفريق سعد الدين متولي من مواليد عام 1918 وفي 4 يوليو 1988 يكون قد بلغ السبعين من عمره وقد ظل إلى جانب عبد الناصر نائبا للياوران وكبيرا للياوران منذ عام 1957 إلى أن توفي عبدا الناصر في 28/ 9/ 1970 ثم استمر كبير للياوران مع أنور السادات إلى أول يوليو سنة 1971 أي حوالي تسعة أشهر إلى أن عين سفيرا بالخارجية بناء على طلبه وكان الفريق أول سعد متولي قد صرح برغبته هذه لكل رفاقه بالرياسة الذين عملوا مع عبد الناصر وكان من رأيه أن السادات لن يقبل أن يستمر معه الذين عملوا مع عبد الناصر وأنه لابد أن يختار كل مسئول بالرياسة مكانا ملائما له ويطلب من السادات نقله إليه إلا اضطر آخر الأمر أن يقبل ما يفرضه عليه السادات وكان هذا اتجاها ذكيا من الفريق أول سعد متولي لأن السادات سرعان ما أطاح بالجميع وأبقى فقط على بعض الذين يثق فيهم ولديهم الأسباب لتي تدخلهم في طاعته ويكونون من بطانته..

والواقع أن الفريق أول سعد الدين متولي كان في «حالة» ومن رأيه عدم التدخل فيها لا يعنيه وإلا لقي مالا يرضيه وهو مثل قديم يعتنق فلسفته وربما هذا ما أبقاه في الرياسة شهرا ونصفا بعد انقلاب 15 مايو سنة 1971 وما جعل السادات يستجيب لطلبه بالنقل سفيرا للخارجية .. ويرى بعض رفاق الفريق سعد متولي أنه لا يتعاطى السياسة وهذا حقيقي ولم يكن على وئام كبير مع وزراء الرياسة الذين كانوا ضباطا صغارا فأصبحوا وزراء مثل كمال رفعت وسامي شرف..إلخ..

والعلاقة بين العسكريين تعتمد إلى حد كبير على الأقدمية والرتبة ومهما ارتفع نجم الضابط وأصبح وزيرا فإنه لا يمثل بالنسبة لأقارنه سوى الضابط زميل الدفعة وصاحب الرتبة العسكرية لا صاحب المنصب المدني.. وقد وقعت مشادات ومعارك صامتة في مواقع كثيرة من التي يعمل فيها العسكريون إلى جانب المدنيين ذوي الأصل العسكري..

• سألت الفريق أول سعد الدين متولي:

س: أين كنت يوم 28 سبتمبر 1970 اليوم الأخير في حياة جمال عبد الناصر؟؟

• قال الفريق:

ج: كنت مع الرئيس طبعا وكان فيه المؤتمر الخاص بوقف المذبحة الدائرة في الأردن لأفراد المقاومة الفلسطينية وكان المؤتمر يعقد في الهيلتون والواقع أن يوم 28 سبتمبر لا يبدأ كباقي الأيام من الصباح الباكر بل في تقديري أن هذا اليوم بدأ من اليوم السابق ففي المساء كان الاتفاق قد وقع على وقف القتال وصعد الرئيس إلى جناحه في الدور الحادي عشر كان الوقت حوالي التاسعة مساء عندما تتصل بي العميد صلاح الدين شهيب من قصر القبة وهو الياور المعين لمرافقة القذافي وقال لي: فخامة الرئيس الليبي دعا طاقم طائرته للاستعداد للإقلاع إلى ليبيا الليلة، بعد حوالي 15 دقيقة سيتحرك ركب القذافي إلى المطار قلت له: ابق على التليفون واتصلت بمحمد أحمد سكرتير خاص الرئيس وأبلغته فطلب مني أن انتظر لحظة عاد بعدها وطلب تحويل المكالمة إليه وقال للعميد صلاح شهيب: لا تدعوا القذافي يسافر الرئيس سوف يجيئ إليكم في القبة..

ويبدو أيضا أن سكرتارية الرئيس اتصلت بالمطار لتعطيل طائرة القذافي وهبط عبد الناصر من الدور ال11 وركبت في عربة تبعته بها إلى قصر القبة وكان القذافي في انتظار الرئيس وركبا سويا وذهبا إلى المطار وودعه الرئيس وتحركت طائرة القذافي وعندئذ كانت الساعة قد بلغت الثانية عشر(116) أو تخططت منتصف الليل بدقائق وعاد عبد الناصر إلى بيته في تلك الليلة ولم يذهب إلى الهيلتون.

س: وبهذا نصل إلى يوم 28 سبتمبر سنة 1970 أين كنت؟

ج: إنك تقلب الذكريات الأوجاع أيضا عندما كنت أرافق عبد الناصر في أية مهمة لم أكن أرافقه لواجبات وظيفتي فقط بل لأني كنت أحمل له معزة خاصة كل الذين عملوا مع عبد الناصر وتفانوا في حبه وإخلاصهم له كل منهم يمل له جميلا لا ينسى مثلا أنا فعلا أحمل له جميلا لا ينسى أذكر سنة 1959 وكنا في الشام أيام الوحدة وكنت قد وقعت في حب فتاة ألمانية واتفقنا على الزواج ولكن ظهرت أمامنا العقبة الوحيدة وهي جنسيتها الألمانية وكانت القوانين العسكرية تحو دون ذلك فقد كانت تحرم على ضباط الجيش الزواج من أجنبيات وكان هذا النص موجودا أيام املك ولكنه كان ينتهي بفقرة هامة وهي: «إلا لموافقة جلالة الملك» وألغى عبد الناصر هذه الفقرة ومن هنا أصبح ممنوعا على ضابط الجيش الزواج من أجنبيات إلا أنني كنت مصمما على الزواج منها بأي ثمن وصارحت محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس بقراري هذا ولم يكن هناك في تقديري مفر من الخروج من الخدمة إلا أن محمد أحمد أشار علي بالكتابة إلى عبد الناصر فسهرت الليل أكتب في ورقة لا يزيد عدد سطورها عن ثلاثة وهي: سيادة الرئيس، أفندم لقد قررت الزواج من الآنسة (...) الألمانية الجنسية ولما كان هذا ممنوعا على الضباط فإني أعرض على سيادتكم ما يلي:

1- نقلي إلى وظيفة مدنية.

2- إحالتي إلى المعاش المبكر.

3- إحالتي إلى الاستيداع أو ما ترونه.

وفي الصباح قدمت الورقة لمحمد أحمد الذي كان بسبيله إلى تقديمها للرئيس عندما فوجئنا بضرورة التحرك للقاء على الحدود بين الرئيس عبد الناصر واللواء فؤاد شهاب رئيس لبنان كان ذلك في 26 مارس سنة 1959 وكان قد دبر هذا اللقاء عبد الحميد السراج.. وضع محمد أحمد الورقة في جيبه وبدأنا نتحرك إلى الحدود وتم اللقاء بين الرئيس في خيمة على الحدود على المرتفعات الجبلية وكان الجو بارا ونحن حول الخيمة نقف على الثلوج وبعد اللقاء تحرك الركب وهو عبارة عن ثلاثة سيارات إلى مطار صغير تقف فيه طائرة صغيرة أليوشن ليس بها سوى صالونين بسيطين والطائرة نفسها صغيرة وبسيطة، وكان الوقت في رمضان وحان موعد الإفطار وطلب الرئيس كوبا من الماء لكن لم يكن بالطائرة لا ماء ولا كوب وكنت أجلس بزاوية مع الرئيس وعندئذ أخرجت علبة سجائري وأشعلت واحدة وسحبت منها نفسا عميقا أحس به الرئيس فألتفت إلي وقال: إنت صايم..

واستطرد قائلا: أنت لا توصم أبدا أنا أعرف هذا من أيام منقباد سنة 1938، كنا نصوم وأنت الوحيد الذي تفطر.

وفاضت الذكريات وأخذنا نتحدث في الماضي وأيام منقباد والساعات الأولى في الثورة وهبطت الطائرة في مطار ألماظة.

وأمسك عبد الناصر بذراع محمد أحمد وقال له: طوال فترة وجودنا بالطائرة وأنا أتحدث مع سعد متولي وهو يتحدث معي لكني أشعر أنه يحمل في نفسه شيئا يريد أن يقوله لي ماذا كان يريد أن يقول...؟أخرج له محمد أحمد الورقة وأعطاها له..

يستطرد الفريق أول سعد الدين متولي:

وانتظرت عدة أيام وأنا متوقع أن يصدر قرار بإحالي إلى المعاش أو نقلي إلى وظيفة مدنية فلم يكن هناك حل لمشكلتي سوى هذا لكن فجأة جاء لي محمد أحمد وسلمني قرارا أصدره جمال عبد الناصر وينص القرار على منح الأنسة «...» المقيمة ب«...» بألمانيا الجنسية المصرية وألا ينشر ها القرار بالجريدة الرسمية..

وفي هذا المجال أذكر بالخير سامي شرف لأنه أصدر أوامره بأن تتم إجراءات تنفيذ هذا القرار بأسرع ما يمكن وعلى هذا فقد سافرت إلى ألمانيا وعدت مع خطيبتي وأعلنت إسلامها وعقد قراننا وطارت المشكلة الخاصة بالجنسية إلى الأبد فقد أصبحت زوجتي مصرية 100٪ لكن بعد نقلي من الرياسة إلى الخارجية وصدور قرار تعيني سفيرا لمصر في براج 1971 عادت مسألة الجنسية مرة أخرى فقد قالوا أنه ليسمن حق الديبلوماسي أن يكون متزوجا من سيدة ليست ذات أصول مصرية..وعندئذ واجهتهم بجيهان السادات زوجة رئيس الجمهورية وقتئذ فسكتوا..

س: هل نعود إلى يوم 28 سبتمبر؟

ج: نعم لقد حرصت على أن أقدم لك نموذجا لإنسانية عبد الناصر وبصيرته النافذة وسرعة استجابته فلم يكن أحد يتصور أن يكون حل مشكلة جنسية زوجتي في الإسراع بهذه الطريقة المبتكرة الفريدة التي حل بها عبد الناصر المشكلة وعلى كل ففي يوم 28 سبتمبر كنت في المطار فترة الصباح ولا أذكر من كنا نودع إلا أنني أذكر أنه بعد انتهاء مراسيم التوديع وعودة عبد الناصر إلى مبنى المطار وضع يده على كتفي وصار يحيي المستقبلين باليد الأخرى الذين كانوا يقفون في الشرفة بالمطار القديم هل كان يستند علي أم شعر يفيض من المودة للأشخاص الذين سيفارقهم قريبا..

على كل حال عدت إلى البيت وعاد هو إلى بيته في منشية البكري وكان على أن أعود لحضور وداع أمير الكويت في الثالثة وكنت حريصا دائما على أن أصل قبل الموعد بوقت مبكر.

وصلت الساعة الثانية ظهرا إلى المطار وقمت بالاطمئنان كالعادة على الطائرة وطاقمها وعلى الاستراحة واحتياطات الأمن وفي الاستراحة جلست أنتظر وإذا بالتليفون من فؤاد عبد الحي سكرتير الرئيس المساعد لمحمد أحمد كان يتكلم من مكتبه بيت الرئيس في منشية البكري قال ي فؤاد عبد الحي: الريس ح يتأخر شوية خلي أنور السادات يستقبل أمير الكويت ويقعده معاه في الاستراحة ويستبقيه إلى أن يصل الريس..

سألته: ليه؟

قال: الريس تعبان قوي.. وح يتأخر.

عندما جاء السادات انفردت به وقلت له:

- أنا عايز منك خدمة..

- أجاب السادات:

- خير .فيه إيه..؟

- قلت له:

- أول الريس م يودع أمير الكويت تطلع معاه بالعربية على برج العرب وتريح هناك كان يوم وتقطع التليفون ومتخليش فيه اتصالات ولا جرايد ولا حاجة..

- التفت إلى أنور السادات وأجاب:

- والله يا سعد لك حق.

- قلت:

- إنت وهو وبس ومفيش حد تاني.

ووصل أمير الكويت واستقبله أنور السادات ودخلا إلى الاستراحة وبعد لحظات عرفت أن الرئيس عبد الناصر وصل .. ويقتضي الواجب أن أقف لاستقباله عند العربة وقام أحدهم بفتح باب العربة كانت العربة التي يركبها الرئيس في ذلك الوقت ماركة كاديلاك كبيرة المسافة بين الكرسي والجالس عليه والباب كبيرة وكان إلى جانبه فؤاد عبد الحي الذي هبط سريعا من الجانب الآخر، ولاحظت ربما لأول مرة أن الريس يمد يده ليمسك بمقبض الباب القريب منه ويشد نفسه لكي ينهض فنهض ولكن بصعوبة ثم بعد ذلك هبط من العرب ومشي بخطوات متباطئة وعند الاستراحة لاحظت أنه يصعد الدرجات واحدة واحدة ليأخذ راحته ويقف ويحيي الناس ثم يصعد درجة أخرى وهكذا... وكان في العادة يصعد الدرجات الأربعة مرة واحدة بل كان يتوقف بين كل درجة ودرجة ليأخذ أنفاسه ويستريح كان يتحامل على نفسه وكان هذا شيئا غير طبيعي وبعد أن دخل الممر الصغير الذي ينتهي إلى الصالون توقف لحظة ثم واصل السير ببطء أيضا إلى أن وصل إلى الصالون..

وتحتم على واجبات وظيفتي أن أقوم بعدة إجراءات قبل أن أدعو الرئيس ليصحب ضيفه إلى الطائرة فاذهب إلى الطائرة وأتأكد من وجود الطاقم الذي عليه أن يبلغني بأنه جاهز وأن قواعد السلامة متبعة وما أن قمت بذلك حتى عدت إلى الاستراحة وقلت:

اتفضل يا فندم..

رفع إلي وجها متعبا وقال «خليني أريح شويه..»

خرجت من الاستراحة والتفت حولي إلى المرافقين للرئيس وكأني أسألهم:

الريس عايز يريح شوية أستنى قد إيه كده..؟

وعلى كل فقد انتظرت حوالي 10 دقائق وفي ذهني أن هناك عدة إجراءات أخرى باقية ف بروتوكول التوديع، إذ يقف جندي من حرس الشرف على رأس ممر الطائرة وعندما يرى الرئيس عليه أن يرفع علما في يده وتعتبر هذه إشارة بدء لعزف السلامين الكويتي والمصري ثم تأتي الخطة التالية وهي المرور على حرس الشرف أما الخطوة التالية فتتم عندما يحيي ضيفه الذي يقف على سلم الطائرة ثم يتجه إلى أول الصف الذي يقف فيه المودعون للضيف ويقف على رأس هذا الصف إلى أن تقلع الطائرة ثم يتجه إلى مكان العربة ويركب لكن ما حدث هذه المرة كان شيئا مختلفا فقد انتظرت حوالي 10 دقائق ثم عدت إلى الاستراحة وقلت للرئيس أدعوه: اتفضل يا فندم.

في هذه المرة نهض ولكنه أشار لي وقال بصوت خفيض: بلاش الوقفة (أي لا داعي لعزف السلامين الكويتي والمصري..)

وبدأ السير مع ضيفه والمودعين بالطبع أشرت لحامل العلم بألا يرفع العمل ومن هنا لم يتم عزف السلامين الكويتي والمصري..

ثم وللمرة الثانية أشار لي الرئيس قائلا: مفيش مرور وان يعني لا داعي لمرور على حرس الشف كما هي العادة..

وصعد الضيف إلى الطائرة وحياه الرئيس برفع يده لكنه لم يتجه إلى أول صف المودعين كالعادة بل نادى علي وقال: يا سعد.. عايز العربية هنا..

س: سألت الفريق أول سعد الدين متولي كبير الياوران في ذلك الوقت قال لي صلاح الشاهد كبير الأمناء إنك اعترفت له بأن رائحة الأسيتون(118) كانت تنبعث واضحة من فم الرئيس؟

قال وكأنه يبعد خاطرا خاضت فيه الصحف كثيرا وهو أن عبد الناصر مات بكومة سكر وليس بجلطة الشريان التاجي وقال لا مش كتير كده.. (119)

س: نعود إلى تفاصيل ما حدث في المطار على إثر توديع أمير الكويت بعد ظهر يوم 28 سبتمبر سنة 1970..

ج: عندما قال لي الرئيس: يا سعد عايز العربية هنا انطلقت هنا وهناك لأفسح الطريق لمجيء العربة حيث يقف وعندما جاءت العربة حاول أنور السادات الركوب معه لكن الرئيس طلب منه البقاء وعلى هذا فقد ركب معه فؤاد عبد الحي أما أنا فقد ركبت عربة الفريق الليثي ناصف وقلت له: اطلع بينا على بيت الريس..

كنت أريد أن أطمئن عليه .. إن الأحداث التي رأيتها كانت رسالة موجهة إلينا بأن الرئيس لي على ما يرام على كل وصلنا بيت الرئيس وقابلنا فؤاد عبد الحي وسألناه هيه إيه الحال إزاي أخبار الريس دلوقتي؟

أجاب فؤاد عبد الحي: كل حاجة تمام (120)

أنا والليثي أخذنا نفس العربة التي جئنا بها وذهب كل منا إلى بيته..

ذهبت إلى بيتي وفي الساعة الخامسة و 15 دقيقة جرس التليفون في بيتي كان المتحدث هو أحد السكرتارية في بيت الرئيس قال لي بكلمات مقتضبة تعالى على بيت الريس فورا..

أخذت عربتي الخاصة وألقيت بنفسي فيها ووصلت البيت خلال عدة دقائق دخلت البيت فوجئت بالصالون الكبير مملوء بالمسئولين والدكتور رفاعي كامل يهبط من الدور الثاني حيث تقع غرفة نوم الرئيس إلى البهو بالسلم الداخلي وكان يبكي كانت عيناي معلقة به قال لي: تم قضاء الله..

وكان هذا حوالي الخامسة والنصف أو السادسة إلا ربعا.

س: هل أنت متأكد أنك رأيت الدكتور رفاعي كامل وهو يهبط من السلم الداخلي إلى بهو الصالونات في بيت الرئيس عبد الناصر بمنشية البكري ويبكي قائلا: تم قضاء الله..؟

ج: طبعا لقد كان د. رفاعي كامل برتبة فريق أستاذا عظيما في القلب وأعرفه جيدا لا يمكن أن أجهله نعم رأيته نازلا من السلم الداخلي يبكي وأنا أعرف الدكتور رفاعي جيدا..

س:هل تناول الرئيس جمال عبد الناصر كوبا من عصير البرتقال أو الليمون أو شيئا من هذا القبيل أثناء وجوده في المطار..؟

ج: أفهم ما تقصد إليه أنني استبعد أن يكون عبد الناصر قد مات بالسم أو أن أحد أطبائه قد أعطاه أدوية خطأ أدت إلى وفاته كما يردد هذا الدكتور (...) طبيب القلب المعروف وأستاذ الجامعة إنه يقول إن الذي قتله هو العيل (أي الطفل ) اللي جايبينه في الرياسة وأنا شخصيا لا أعرف إن كان قد شرب عصير البرتقال أو ليمون أو لم يشرب لأنه قد جرت العادة أن يقدم في استراحة الرئيس ثلاث صواني كبيرة واحدة مملوءة بأكواب من شتى العصائر والصينية الثانية مملوءة بالشاي الصينية الثالثة قهوة وبالتالي فلا أعرف إن كان الرئيس شرب شيئا أم لا.. لأن مهمتي لا تمتد إلى داخل الاستراحة بل عند بابها فأنا أنتهي بالرئيس إلى باب الاستراحة فيدخل أو يستقبله أحد من الموجودين ثم أستلمه من باب الاستراحة إذن داخل الاستراحة لا شأن لي به..

س: من يصنع هذه العصائر أو يقدمها..؟

ج: يوجد إلى جانب الاستراحة أو على الأصح داخلها «أوفيس» صغير يتم يه تحضير هذه الأشياء ويقوم بهذا طاقم من الرئاسة متخصص في هذا النوع من الخدمة ويجب أن تعرف أن استراحة الرئاسة لا تفتح إلا بواسطة طاقم الرئاسة وبعد أن يتم فيها الاستقبال أو التوديع تغلق تماما ومن رأي أن الرئيس جمال عبد الناصر قد مات 3 مرات: الأولى: عند الانفصال سنة 1961 والثانية: ي 5 يونيو سنة 1967 والثالثة: إثر انتهاء مؤتمر القمة في سبتمبر سنة 1970 وهي الموتة الأخيرة ده راجل عنده تعليمات أنه لا يشتغل فكان يشتغل أكثر من اللازم معنى كده إيه..؟

س: هل كان محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس موجودا في هذا اليوم

ج: لا أعرف إذا كان موجودا أو غير موجود لكني لم أره والذي رايته هو زميله أو مساعده السيد فؤاد عبد الحي وهو الآن مساعد الوزير بالخارجية..

س: يقال إنه كان ترافق عربة الرئيس عبد الناصر عربة مستشفى مجهزة تجهيزا كاملا لحالات الطوارئ وبها طبيب أو طاقم من الأطباء هل كانت موجودة في هذا اليوم ومن كان الطبيب النوبتجي بها؟؟؟

ج: جرت العادة أنه في كل تحركات الرئيس كان يبتع الركب عربة مستشفى لكن لا أتذكر إذا ما كانت موجودة من عدمه وهذا الموضوع لي في حسباني لأن اهتمامي الكلي كان منصبا على الرئي تحركاته وحضوره وانصرافه، لكن أعرف أن طبيبا مستديما مع الرئيس هو الدكتور الصاوي حبيب وهو الذي تولي علاجه عندما وصل إلى البيت لكني لم أره في المطار..

س: أين كان مكان الطبيب الخاص في ركب الرئيس.؟

ج: كان مكانه في سيارة من سيارات الحرس الجمهوري وكنت أرى الدكتور أحمد ثروت هو الطبيب الخاص لعبد الناصر وجاء مكانه الدكتور الصاوي حبيب.

س: لقد اقترحت على أنور السادات نائب الرئيس في ذلك الوقت أن يذهب بالرئيس إلى برج العرب للراحة على إثر انتهاء مراسم التوديع فلماذا لم تقترح عليه أيضا وقد لمست مدى تعبه وإرهاقه لماذا لم تقترح عليه نقل الرئيس إلى مستشفى المعادي العسكري الذي كان مهيئا لإجراء الفحوص واستقبال كبار المسئولين فإذا لم تقترح هذا لا بصفتك كبيرا للياوران بل لأن عبد الناصر زميلك ورفيقك في الكلية وتعايشتما في منقباد فأنتم إخوة في السلاح كذلك فإن أنور السادات كان من دفعتك أيضا...؟

ج: سياستي هي «من تدخل فيما لا يعنيه لقي مالا يرضيه» هذا منجهة ومن جهة أخرى كان الرئيس عنيدا لقد رفض أن يصحبه أنور السادات في سيارته وقال له: خليك إنت هنا فكيف كان يمكن أن يقبل نقله إلى مستشفى المعادي..؟

س: الواقع أنني لا أفهم شيئا عن هذه السياسة التي تقول بها لكنني ألاحظ اللامبالاة شبة الكاملة من الطاقم المحيط بالرئيس جمال عبد الناصر بخطورة حالة الرئيس بدءا بالسكرتارية الخاصة وانتهاء بالنواب والوزراء والأصدقاء الذين رافقوه في مراسيم التوديع و تحدثوا إليه بالتليفون أو غير ذلك..

ج: لم يكن أحد من الرئاسة يتدخل فيما لا يعنيه.. وكل كان يقوم بالواجبات المسندة إليه فقط وهذا ينطبق على ديوان الأمناء وديوان كبير الياوران أما بخصوص الحراسة الخاصة فلم يكن لأحد منهم أن يتدخل وكان قائد الحراسة الخاصة محمد أحمد إذا أراد أن ينبه لأي حاجة في هذا الموضوع فعليه أن ينبه...

س: ذكر السيد فؤاد عبد الحي مساعد محمد أحمد سكرتير الرئيس عبد الناصر والذي رافق الرئيس أثناء ذهابه وإيابه إلى المطار فترة ما بعد الظهر لوداع أمير الكويت ذكر أن الرئيس عبد الناصر طلب منه أثناء العودة موافاته بالدكتور الصاوي إلا أنه كما تقول قد ذكر لكما أنت والفريق الليثي عندما سألتماه عن صحة الرئيس أجابكما بأن كل شيء تماما ما تفسيرك لهذا التناقض؟.

ج: لا تناقض إن السيد فؤاد عبد الحي يعلم أن الرئيس منذ الأمس في تعب كثير من مراسيم التوديع وخلافه ولو أبلغنا بغير ذلك أي بغير ما يطمئننا لمكثنا في بيت الرئيس ولذا أبلغنا أنه كويس.

س: ألم يثير موت الرئيس عبد الناصر لديك تساؤلات وشكوكا على الرغم من إيماننا الكامل بأن لكل أجل كتاب والأعمار بيد الله وأنه لا راد لقضائه؟؟

ج: لم يخطر في بالي في وقت من الأوقات أن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر غير طبيعية...

س: عندما استدعيت إلى بيت الرئيس بعد الساعة الخامسة مساء ثم انتقلتم إلى قصر القبة لحفظ الجثة في الثلاجة بالدور الثاني وإجراء الاجتماع المشترك للجنة التنفيذية العليا والوزراء هل سمعتم شيئا عن ضرورة تشريح جثة الرئيس لمعرفة سبب الوفاة وأن هذا كان شرطا لإصدار شهادة الوفاة وتصريح الدفن؟

ج: نعم أذكر هذا وأعتقد أن الذي أثاره هو السيد حسن التهامي وزير الدولة وكان صوته أوضح وأقوى من أن تحول بينه وبين الوصول إلينا الأبواب المغلقة ولا شك أنك تعرف أن السيد حسن التهامي قدم خدمة جليلة للسادات بل هي الخدمة الأولى وأهم خدمة.. فقد تحدث الدكتور لبيب شقير رئيس مجلس الأمة وقتذاك عن حقه في الرئاسة المؤتة طبقا للدستور باعتباره رئيسا لمجلس الأمة فاعترض حسن التهامي بقوة وصاح: ده غلط لأن فيه نائب رئيس الجمهورية.. (121)

فرد عليه د. لبيب شقير: لكن السادات ليس نائبا أول كما ينص الدستور.

فصاح التهامي: لكن مفيش نائب غيره، هو نائب واحد، يبقى هو الرئيس المؤقت.

س: ألم تسمع أو تر شيئا من هذه الليلة الحزينة يشير إلى عمل قناع لوجه الرئيس جمال عبد الناصر بعد وفاته من الجبس لإمكانية صب تماثيل عليه من البرنز أو النحاس أو أي مادة أخرى؟؟

ج: نعم لقد مر ف مخيلتي هذا الموضوع وعن عمل قناع لكن لا أجزم به..

س: أما زلت تصر على أن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر سنة 1970 كانت وفاة طبيعية ...؟

ج: نعم..

وانتهت شهادة السفير الفريق أول سعد الدين متولي..

شهادة السيد شعراوي جمعة

كان هذا اللقاء(122) أول لقاء بيني وبينه منذ خروجه من السجن بعد أن صدر عليه الحكم بالإعدام وخفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة فيما يعرف بقضية مراكز القوى الجناية رقم 1 لسنة 1971 أو انقلاب السادات المسمى ب15 مايو كنت أعرفه منذ أكثر من ربع قرب فقد تقابلنا سويا عندما كان محافظا في السويس في أوائل الستينيات وفي فترة التحول الاشتراكي وبناء الاتحاد الاشتراكي توطدت العلاقة أكثر وكان الذي عرفني به الصديق الأستاذ محمد عروق مدير إذاعة صوت العرب في ذلك الوقت، والذي أصبح فيما بعد مديرا لمكتب شعراوي جمعة لشئون التنظيم الطليعي ومحمد عروق من أبناء السويس حيث تأسس هناك أول معهد للدراسات الاشتراكية وكنا نذهب إلى هناك أسبوعيا للحوار والمناقشة والمحاضرة عن الاشتراكية والتاريخ والثقافة ولم أكن وحدي بالطبع كان هناك عدد من الزملاء منهم محمد عودة محمود أمين العالم كامل زهيري محمود السعدني جلال السيد د. محمد أنيس وغيرهم وغيرهم..

ذهبت إلى شعراوي جمعة في بيته بمصر الجديدة كان رقيقا ومتواضعا لم يتغير كثيرا ازداد سمنة حزن عميق هادئ يمر عبر عينيه دققت النظر فيهما ثيابه ليست أنيقة لكنها متناسقة متواضعة يرتدي كرافتة سوداء على عزيز مات لديه لا يستطيع نسيانه .. من هو ...؟

قلت له في البداية: أنت تعرف ما أبحث عنه ويقيني أن سامي شرف قد أبلغك أنني أحقق في موت الرئيس جمال عبد الناصر أنا غير مطمئن إلى موته بجلطة في الشريان التاجي للقلب أعتقد أن في موته شيئا غامضا أرجو أن تعينني على كشفه..

أجاب: على كل حال ففي سبيل الحقيقة وعلى حسب معلوماتي وطبقا لما أتذكره سوف أقدم ما عندي.

س: يوم 28 سبتمبر سنة 1970 مات عبد الناصر وقيل في شهادة وفاته أو إعلان وفاته أنه مات بجلطة في الشريان التاجي للقلب وقد وقع على هذه الشهادة خمسة من الأطباء أكبرهم وأعلمهم فيما يختص بالقلب وقرر أنه كتب هذه الشهادة أو وقع هذه الشهادة تحت تأثير الظروف التي تمر بها البلاد حينئذ وكان حينئذ وكان الواجب يقتضيه ألا يوقع عليها لأنه رأي أن عبد الناصر لم يمت بجلطة في الشريان التاجي إنما مات بكومة سكر أخطأ في هذا الخطأ حيث حقنوه بثلاث حقن مثبطة عجلت بوفاته هذا الطبيب الذي قرر أخيرا وأخيرا واعترف به بعد 16 عاما من وفاته أي في شهر أكتوبر سنة 1986 هو الفريق طبيب رفاعي كامل الذي يبلغ من العمر الآن 75 عاما وكان الفريق رفاعي قد ذهب عقب تشيع جنازة الزعيم الراحل بيوم واحد أي في يوم السبت 3 من أكتوبر سنة 1970 إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية الفريق أول محمد فوزي وأفضى إليه بهذه الحقيقة باعتباره الرئاسة المباشرة له فطلب منه الوزير أن «يكفي على الخبر مأجور» وهو تعبير مألوف بلا شك بعني أن يبقى الأمر سرا ولا يخرج أبداً...

وهنا سألني السيد شعراوي جمعة إذا ما كنت قد عرضت هذا الاعتراف على الفريق فوزي فأجبت بأنني عرضته عليه في لقاء معه ثم في مسكنه بمصر الجديدة في 11 أكتوبر سنة 1986 وقرر لي بأنه يثق في الدكتور رفاعي كامل فهو رجل علم وطب وأخلاق وله به علاقة طويلة وأنه إذا كان الفريق رفاعي قد قال هذا الكلام فهو صادق لكنه أضاف معلقا أن هذا رجل عسكري وأنه يكتب سطرين مسئول عنهما فكيف يجيء له بعد أن انتهى الأمر ويقول بأن أخطأ كان هذا هو تعليق الفريق صادق عندما أسمعته الشريط المسجل الذي قال فيه الدكتور رفاعي اعترافه الخطير..

أجاب السيد شعراوي جمعة:

هو في الواقع أنا سوف أقول لك معلوماتي....

س: هذا ما أريده منك أريد التفاصيل الدقيقة منذ أن استدعيت إلى بيت الرئيس جمال عبد الناصر مساء ذلك اليوم 28 سبتمبر 1970..

قال السيد شعراوي جمعة:

الساعة الخامسة والربع من ذلك اليوم اتصل بي السيد سامي شرف وقال لي الريس عايزنا وأنا ح أفوت عليك حالا ولم يقل لي الريس تعبان ولا حاجة وبعدين فات على حوالي 5.30 واحنا بيتنا جنب بعض وكان هو اللي سايق العربية ورحنا بين الريس لقينا فؤاد عبد الحي كان هو النوبتجي وان الهلع مسيطرا عليه وقال بصعوبة: الريس تعبان وطلعنا أنا وسامي وكنا أول اثنين وصلوا إلى حجرة نوم الريس عبد الناصر كان الريس نايم على السرير وحواليه مجموعة من الأطباء ثلاثة أو أربعة وفيه أجهزة كهربائية متصلة بجسد الرئيس عن طريق أسلاك هنا وهناك والأطباء قاعدين يدلكوا القلب..

س: أتذكر الوقت بالضبط...؟

ج: كان الوقت حوالي 5.40 لكن لم يعلن أحد من الأطباء حتى هذا الوقت أن الريس مات يعني كانت المحاولات مازالت جارية فأنا نزلت بسرعة واتصلت بأمين هويد ولم يكن موجودا بالبيت كان في زيارة للجبهة وكذلك لم أجد الفريق فوزي في بيته فتركت لهما رسالة عاجلة ليحضرا ..

س: من أين قمت بالاتصال؟.

ج: من مكتب الريس تحت في الدور الأرضي..

س: ألم يكن محمد أحمد موجودا..؟

ج: لا . في الوقت ده لم يكن محمد أحمد موجودا المهم أجريت هذا الاتصال وطلعت تاني فوق وكانت الناس قد بدأت تصل ولا أستطيع بالتحديد أن أتذكر من وصل الأول أو من الثاني أو الثالث هيكل الفريق فوزي علي صبري أمين هويدي ثم حسين الشافعي وبعدين وصل السادات كان آخرهم..

س: متى وصل السادات ...؟

ج: وصل حوالي السابعة وأثناء وصولهم وكنا واقفين كلنا اللي بيدعي واللي بيصلي واللي بيقرأ قرآن حصلت هزة في الجسد انتفض الرئيس على إثرها وقلنا في نفسنا «الحمد لله»...

س: دي طبعا كانت رد فعل شحنة كهربائية من جهاز الصدمات؟

ج: طبعا وبالفعل الأطباء قالوا مفيش فايدة...

وعاد السيد شعراوي جمعة يتذكر بدقة أكثر فقال:

جاء أنور السادات بعد ذلك وكشف الغطاء عن وجه الرئيس عبد الناصر وقبله وقال: «هم الأطباء قاموا بالواجب بتاعهم» وكان سؤاله هذا خارج الموضوع.

وبعد كده قلنا نسيب الريس للعيلة بقى العيلة واقفة بره الأودة في حالة منهارة ونزلنا علشان نجتمع في المكتب في الصالون اللي تحت بتاع البيت..

س: عندما دخلتم حجرة نوم الرئيس ورأيتم الأطباء من حولنا والجهاز على صدره..

قاطعني السيد شعراوي جمعة وقال لي: لأ الجهاز لم يكن موجودا على صدره بل كان إلى جانبه فقط الأسلاك كانت تمتد منه وإليه...

وعدت إلى سؤالي:

س: هل لاحظتم شيئا من الأدوية على الترابيزة المجاورة للفراش والتي غالبا ما يوضع عليها شيء صغير كقلم أو ورقة أو مفكرة هل لاحظتم أدوية أو بقاياها كعلب أو حقن أو ما شابه ذلك؟

ج: في الوقت ده وفي الظروف دي كان تركيزنا الوحيد على الريس شخصيا كل تفكيرك هو إيه إلي ح يحصل ولا تستطيع أن تقول حتى من كان في الأودة وإيه هو اللي كان هنا واللي كان هنا.. وحتى الآن فإن الصورة الباقية في ذهني أنه في السرير نايم بالبيجامة والأطباء حواليه لكن تسألني: الأودة فيها إيه؟؟ بلاك أوت بالنسبة لي black out مش متذكر الأطباء هم مين لكن طالما إن فيه أجهزة يبقى لازم معاها الدكتور طه عبد العزيز لأنه هو اللي بيشغل الأجهزة ومسئول عنها لكن جه إمتي؟؟ ومين بالترتيب من الأطباء ومتى دخل؟.؟ لا أعرف بعدين رفاعي مش متذكره بالحقيقة دخل إمتى ربما يكون دخل أثناء ما كنت أنا خارج الأوده أنده لأحد أو شيء من هذا القبيل إنما رفاعي موجود آخ جه إمتى؟ لا أعرف رفاعي صديق لابد أن أكون متذكره جه أمتى؟؟؟ لكن كان موجودا

س: وإذن فقد نزلت أنت وسامي شرف تحت في الدور الأول؟؟

ج: نزلنا كلنا كل الحشد بما فينا أنور السادات نزلنا كلنا في الصالون تحت علشان نضع ترتيب الخطوة التالية إيه اللي ح يحصل؟ اللي هو اجتماع مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية العليا فورا وتحدي ميعاد الجنازة يوم الخميس علشان إعطاء فرصة للوفود اللي ح تيجي نقل الجثمان إلى قصر القبة للحفظ في الثلاجة أو في العيادة اللي هي مكيفة..

س: وإذن ماذا بشأن الوفاة وإعلانها؟؟

ج: عندما اجتمع مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية العليا اتقرأ علينا تقرير

س: من الذي قرأه؟؟

ج: واحد من الأطباء مش عارف إنما في الغالب الدكتور منصور فايز...

س: هل جرت مناقشة في التقرير الطبي؟؟

ج: لا أعتقد إنما ممكن حسن التهامي ساعتها أو بعدها سأل..

س: سأل عن أيه .. عن سبب الوفاة أو طلب تشريح الجثمان؟

ج: حاجة زي كده.. مش متذكر إنما سأل أسئلة التقرير اللي أتقرأ علينا كان مهم جدا ولذا كان لازم يجي الدكتور أو كبير الأطباء اللي هو موجود علشان يقوله هل التقرير اللي قرأه منصور أو الصاوي حبيب ...

س: لأ .. يبدو أن الذي قرأ التقرير هو منصور فايز لأن الدكتور الصاوي حبيب لم يكن موجودا(123) وتذرع بأن تحية أصيبت بحالة خفقان فكان إلى جانبها..

ج: بالطبع اللي قرأ التقرير هو د. منصور فايز باعتباره أكبر الأعضاء سنا...، ولا أعتقد أن أحد تدخل في مناقشة تفاصيل التقرير ولا أحد اختلط بالأطباء لا سامي شرف ولا حد، لا، عملية كتابة التقرير تمت من خلال الأطباء بينهم وبين بعض قعدوا في أوده لوحدهم وكتبوا التقرير ووصلنا التقرير طبعا إحنا كلنا كنا في حالة ثانية كنت بأطلب الوزراء علشان يحضروا وأنت عارف أن الوزراء كانوا في بورسعيد في الجبهة وكان لابد من استدعائهم علشان يجوا بسرعة لكني لا أعتقد أن سامي شرف أخذ التقرير علشان يمضي د. رفاعي عليه؟ لأن رفاعي كان قاعد مع الأطباء يدرسوا فإذا كان رفاعي موجود فإذن لي في حاجة إلى أن يمضي سامي على التقرير يعني مثلا التقرير كتبوه على الماكينة نفرض وبعد أن تم ذلك جاء الأطباء الموجودين علشان يمضوه الدكاتره قاعدين مع بعض فما دخل سامي شرف..

ملحوظة:

أ‌- من الواضح أن السيد شعراوي جمعة أحس بطريقة ما أنني أتهم السيد سامي شرف بالضغط على الدكتور رفاعي كامل لتوقيع شهادة الوفاة أو إعلان الوفاة والشهادة أصبحت مثار الشك والريبة ولذا نراه يحاول إبعاد الشك عنه.

ب‌- كذلك يبدو أن واقعة إصدار الشهادة لم تكتمل في بيت الرئيس بمنشية البكري إنما اكتملت في قصر القبة.


وعدت أسأل السيد شعراوي جمعة:

س: يجوز أن سامي شرف قام بهذه المهمة باعتباره وزيرا لشئون رياسة الجمهورية وضمن واجباته تقع هذه المسئولية إنها مسألة إجرائية وروتينية ربما قال في نفسه أما أخلص الشغلانة دي فأخذ الشهادة إلى رفاعي وقال له: إمضي..

ج: لأ ليه يعني حضرتك بتتصور كده؟ أنا لم أر هذا المنظر يعني أنا أناقش إن ممكن تقرير الوفاة يكتب بالقلم ثم يعاد كتباته على الآلة الكاتبة يعني ده احتمال وممكن يكتبوه بخط كويس ويتمضى وبعدين يكتب بعد كده على الآلة الكاتبة ثم هم كانوا قاعدين مع بعض بيدرسوا ويكتبوا التقرير فإذا كان قالوا كذا أو كذا فهو حاضر قطعا في الوصف أو القرار الخاص بنوع الوفاة موش كده؟ إنما كان سامي شرف جاب له التقرير يمضيه يبقى معنى كده إن رفاعي ما حضرش الوفاة وما حضرش كتابة التقرير وأنا أشك في هذا ورفاعي طبعا صديق وراجل كويس لكن طول الزمن والواحد بينسى ويمكن سامي شرف مش عارف لأنه كان موجود معانا طول الوقت في قاعة الاجتماعات بقصر القبة لكن إذا كان سامي شرف قال إنه أعطى التقرير تقرير الوفاة لرفاعي ليمضي عليه يبقى أعطى ولو قال ما أعطاش يبقى هو الصادق هو الفيصل يعني لكن أنا أقول استنتاجاتي..

س: لأ سامي شرف قال لا وإنه لا يعرف شيئا عن هذه المسألة.

ج: يبقى كده هذه النقطة بالذات ما تضرش سامي شرف في حاجة فلو كان أعطى التقرير كان يقول والله أنا أخذت التقرير من الأطباء وأعطيته لرفاعي كامل(124)

س: على كل لندع هذا الأمر قليلا ما رأيك فيما أثاره حسن التهامي من التشكيك في أسباب الوفاة منذ اللحظة الأولى بينما هو آخر من يتصور المرء أن يبدأ هو بالتشكيل إذ ذكر لي السيد سامي شرف في لقائي معه المتقدم ذكره أن التهامي كان يشكك في وفاة الرئيس وقال إنه لازم يتشرح..

ج: لم أسمع هذا الكلام في بيت الرئيس بمنشية البكري.

س: لكن سامي شرف أكد لي..

ج: هذا الكلام تردد في الاجتماع المشترك للجنة التنفيذية العليا ومجلس الوزراء

س: أعرف أنه تردد في هذا الاجتماع الذي عقد مساء يوم الوفاة في قصر القبة.

ج: فقط في الاجتماع المشترك لكنه لم يتردد في البيت وأنا فاكر هذه العملية كويس.

س: توجد دلائك على وجود ارتباك شديد في بيت الرئيس إثر الإحساس بخطورة حالة الرئيس من ذلك مثلا ما رواه لي فؤاد عبد الحي سكرتير الرئيس ومساعد محمد أحمد في 12/ 11/ 1986(125) أنه فوجئ بفؤاد زكي سفرجي الرئيس يدخل عليه ملتاثا طلبا أنبوبة أكسجين للريس وكان ذلك حوالي الساعة الخامسة والنصف وأن الأكسجين كان بالصيدلية في الدور الثاني من مبنى السكرتارية ولم يكن الدكتور الصيدلي صلاح جبر المشرف على الصيدلية موجودا وكانت مغلقة والمفتاح معه أو لم يكن موجودا واضطر بمساعدة بعض أفراد الحرس إلى كسر باب الصيدلية لإخراج أنبوبة الأكسجين وحملت إلى فوق غرفة الرئيس..

لقد أدرك فؤاد عبد الحي بمدى خطورة حالة الرئيس من هذا الطلب بالإضافة إلى أنه شاهد عددا من الأطباء يهرولون ويدخلون من البوابة ويصعدون على الفور إلى غرفة الرئيس هذه المظاهر من الارتباك والهرولة من الممكن أن تؤدي وحدها إلى فشل كل الجهود التي كانت تبذل لإنقاذ حياة الرئيس.

ج: في الواقع إحنا أنا وسامي شرف ولما وصلنا البيت لقينا فؤاد عبد الحي في الجنينة وقال الريس تعبان فوق اطلعوا شوفوه.

س: ألم تشعر سيادتك وقتئذ أن بيت الرئيس عبد الناصر لا ضابط له ولا حاكم، فرئيس الجمهورية أصيب بتعب مفاجئ في هذا اليوم وقبلها تردد أنه متعب.. ألم يسأل أحد طوال الأيام التي سبقت هذا اليوم عن الريس ويقول هو الريس عنده إيه ؟؟ كل المسئولين ورفاق عبد الناصر كتبوا واعترفوا أن الرئيس قال لهم إنه متعب وهم بدورهم سجلوا مظاهر هذا التعب هذا اليوم واليوم الذي سبقه ثم بعد ذلك يضطر سفرجي إلى البحث عن أنبوبة أكسجين وتحطيم باب صيدلية بيت الريس لإخراج الأنبوبة هذا لا يحدث لأقل مواطن مصري.

ج: نعم كان تعبان لكنه كان حاضر المؤتمر والدليل على كده إنه صمم أنه يطلع المطار ويودع أمير الكويت..

س: على كل هذه واقعة أما الواقعة الثانية فمن حقك أن تفهمها على الوجة الذي يحلو لك لقد سألت د. الصاوي حبيب: بما أنك كنت طبيبه الخاص وأدركت وشخصت حالته بأنها جلطة في الشريان التاجي أو ذبحة أو شيء من هذا القبيل ألم يكن من الطبيعي نقله على الفور من المطار إلى غرفة العناية المركزة بمستشفى المعادي العسكري..؟

ج: تقصد نقله من البيت؟؟

س: ممكن من البيت ينقل على الفور وكانت جديدة وحديثة وعلى أعلى مستوى..

ج: أين كانت هذه الغرفة للعناية المركزة في أي مستشفى..؟

س: قلت له في مستشفى المعادي التابع للقوات المسلحة وكان يرأس قسم القلب هناك الدكتور أحمد طلعت فأجابني الدكتور الصاوي حبيب: أنه لم تكن توجد في مصر غرفة عناية مركزة في ذلك الوقت.

ج: لا توجد غرفة عناية مركزة؟

س: هل ما قرره د. الصاوي حبيب ثم اتضح لي بعد ذلك أنه كانت توجد أربع غرف عناية مركزة بمستشفى المعادي للقوات المسلحة..

ج: ممكن تكون ضربت «لخمة»

س: استنكرت ذلك وسألت: يحدث هذا مع طبيب رئيس الجمهورية؟ لا..

ج: وأضاف السيد شعراوي جمعة وبعدين الصاوي أيامها (سنة 1970) هل كان حصل على دبلومة القلب ولا لسه ..؟ هوه كان بيشوف الريس وكان بالطبع أول ما يطلب ويستنجد يستنجد بالأطباء اللي بيشوفوا الريس.

ولم أفهم بالضبط العلاقة بين سؤالي وبين ما قاله السيد شعراوي جمعة ويبدو أنه كان يجب على سؤال لم أطرحه بعد وهو: هل كان د. الصاوي حبيب مؤهلا هو وزملاؤه لعلاج الرئيس جمال عبد الناصر ؟ وعلى كل فقد قلت للسيد شعراوي جمعة بأن الدكتور الصاوي لم يحصل على دبلومة في أمراض القلب فعلق قائلا إنه كان مكتوب إنه حاصل على دبلوم القلب وموش عارف إيه وكان مكتوب أخصائي قلب وباطني وربما كان يقصد السيد شعراوي جمعة تلك اللافتات المعلقة على العيادات وبطاقات الأطباء المكتظة بالألقاب العلمية والشهادات من كل ملة ودولة وأضفت موضحا للسيد شعراوي جمعة بأن الدكتور الصاوي حبيب رفع دعوى ضد السيد صلاح الشاهد كبير الأمناء لرئاسة الجمهورية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر ضد ما اتهمه به من أنه كان غير متخصص وأنه طبيب أطفال وغير مؤهل لعلاج رئيس الجمهورية وكان مقدار التعويض الذي يطالب به د. الصاوي حبيب 50 ألف جنيه مصري اتهمه بالقذف فيما نشره بجريدة «الأهرام» المصرية ومجلة «الوطن العربي» الباريسية وقد ورد بصحيفة الدعوى التي رفعها الدكتور الصاوي حبيب حصر بالمؤهلات الحاصل عليها وليس من بينها دبلوم في القلب وقد حكم في هذه الدعوى ببراءة السيد صلاح الشهد وبراءة رؤساء تحرير الصحف التي نشرت ما ادعى بأنه قذف ضده(126)

ثم أعدت سؤال السيد شعراوي جمعة مرة ثانية عن السبب الذي حدا بالدكتور الصاوي حبيب وهيئة الأطباء المعالجين للرئيس بالامتناع عن نقله إلى غرفة العناية المركزة بمستشفى المعادي للقوات المسلحة نعم ما السبب؟؟

ج: في البداية لابد أن يستدعي الطبيب المعالج والأطباء المشاركون معه في العلاج ليقولوا رأيهم أن ينقل الرئيس إلى غرفة العناية المركزة بالمعادي فهذا قرار سياسي وليس قرارا سياسي وليس قرار طبيا ودي عملية مش سهلة أن ينقل جمال عبد الناصر إلى هذا المكان عايز بجانب القرار الطبي قرار سياسي وهذا ما لا يجرؤ الدكتور الصاوي حبيب أن يصدره من تلقاء نفسه.

س: إذا أصيب أبي أو أخي أو ابني بتعب مفاجئ لابد أن أسال الدكتور فلان والدكتور علان فإذا شعرت بأن التعب يتزايد فلا بد أن أطلب نقله فورا إلى المستشفى..

ج: لم يخطر هذا على بال أحد وأول شيء خطر على بال الدكتور الصاوي حبيب هو أنه يستدعيهم: د منصور فايز وزملائه ودي عمل طبيعي جدا لأن ده رئيس الجمهورية..

س: كنت أنت وزيرا للداخلية ونائبا لرئيس الوزراء وأمينا للتنظيم السياسي ومن الشخصيات البارزة في الحركة الناصرية ألم يتبادر إلى ذهنك أن تكون وفاة الرئيس بهذه الطريقة وعلى هذا النحو إشارة إلى وجود شيء غير عادي شخص مزروع مثلا في بيت الرئيس جمال عبد الناصر؟؟

ج: لم يخطر ببالي هذا مطلقا وبعدين الأفراد المقربين من عبد الناصر والذين يتحركون معه باستمرار مثلا: محمد أحمد محمود فهيم فؤاد عبد الحي وكل الناس دي على ثقة كبيرة جدا وإخلاصهم للريس حسب ما الواحد يعرف إخلاصهم كبير ومش ممكن حد منهم بالذات وبالنسبة لأمن الرياسة أنا لست مسئولا عنه لكن أين أمن البيت؟ هذه الأشياء من اختصاص أمن الرئاسة:

الأفراد والتفتيش عليهم كل هذه المسائل مسئولية أمن الرئاسة ..

س: مسئولية محمد أحمد سكرتير الريس جمال عبد الناصر منذ قيام الثورة؟

ج: لأ لأ سامي شرف مسئول أمن الرياسة وسامي حريص جدا في النقطة دي وبقية الناس اللي في بيت الريس قدام جدا..

س: لا مثلا هناك شخصيات تاريخها متلخبط مثل الدكتور العاطفي وما تردد عنه أنه كان يدلك الريس و...

ج: الدكتور العاطفي لم يدخل بيت الريس وأنا سألت محمد أحمد ومحمود فهيم عن الكلام ده فقالوا لا نعرفه ولا شفناه لأن اللي كان بيدلك الريس هو محمود فهيم .. ود.. وده.. س: تقصد زينهم..؟

ج: زينهم آه يمكن زينهم كان أيام السادات ما أعرفش ولكن أساسا كان الدكتور محمود فهيم والعاطفي ده مش عارف خالص جه منين وإيه الدافع إنه يحكي الحكاية دي.. ومش عارف الراجل ده لسه في السجن ولا خرج منه.. (127)

الدكتور العاطفي حس أقوال أخيه المحاسب محمد خليل العاطفي (128) مازال موجودا في مزرعة ليمان طرة..

ج: بس هذا الرجل أكيد عايز يعمل هالة حول نفسه..

س: أصل الموت بالسم وبالتحديد بالتدليك قصة شائعة..

ج: طبعا من الممكن واحد بالشكل ده بما إنه عميل لإسرائيل ممكن تكون إسرائيل مجنداه ومن ضمن واجباته إنه إذا وصل لبيت جمال عبد الناصر يدلكه ويعمل كذا وكذا لكن هوه أكيد لم يصل إلى بيت الرئيس عبد الناصر حسب معلوماتي.

س: الواقع أن ما يثير الانزعاج أن حكاية السم واحتفاظ المخابرات المصرية بكمية منه واستخدامه بعد ذلك في انتحار المشير عامر وما قرأته من مذكرات د. أحمد ثروت طيب الرئيس قبل الصاوي حبيب المحفوظة لدى ابنه الدكتور محمد ثروت حيث ورد في هذه المذكرات ملاحظات قوية عن السم وفيها إشارة واضحة ل (x) من الناس أن يبلغ الرئيس بالحذر من مصافحة صلاح نصر وإلا كان أحدهم يقصد تسميمه بالمصافحة وعندئذ ينفذ السم من الجلد إلى الدورة الدموية.

ج: من الذي يبلغ الرئيس ومن أحدهم..؟

س: هذا ليس واضحا في المذكرات ثم ما نشر عن زيارة الرئيس عبد الناصر للمغرب ومحاولة تقديم طعام مسموم له ثم المؤامرة على وضع السم في طعام مرسل من محلات جروبي إلى بيت الرئيس في مناسبة ما أو ما يعرف بمؤامرة عمال جروبي من كل هذا يتضح أن تسميم الرئيس عبد الناصر كان موضوعا مطروحا على ساحة القوى المعادية لعبد الناصر وللناصرية..

ج: أنا عاوز أقول لك حاجة الدكتور ثروت ده كان صديقي وابنه زي ابني بالضبط(129) وكان الدكتور ثروت الأب بيحب الريس جدا وكان بيمشي ويقول: «أنا خايف يقتلوه» كان يقول هذا ويردده بعد أن أبعد عن الريس ولا يوجد أحد يردي أن يقول لماذا أبعد..؟

س: هل أبعد بسبب زيارته للمشير عامر سنة 1967 أثناء حصاره؟

ج: لأ.. هذه الزيارة لم يكن لها أي تأثير على الإطلاق إنما أبعد لأن حالته الصحية ما كنتش هية.. (130)

س: طبعا هذا ممكن ..

ج: بس هو ظل حتى آخر لحظة يجي لنا ويقعد مع الريس وهو رجل مخلص جدا والريس أدرك أن حالته الصحية تعبانه لكن لم يجرؤ أحد على مصارحته بهذا لأنه صديق وأخ..

س: عندما اجتمع مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية العليا كيف قدم تقرير الوفاة إلى المجتمعين؟ أعرف أنك كنت مشغولا بتجميع الوزراء؟

ج: في الواقع كانت الناس قد بدأت تتوافد وجاء أنور السادات ورأس الاجتماع وبدأ يشرح العملية وترتيبات الجنازة وقد استغرق هذا الموضوع وقتا طويلا لأنه كان يوجد رأيان رأي يقول بأن تخرج الجنازة من الأزهر وراي آخر يقول بأن تخرج الجنازة من مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، كان رأي أن تخرج من مجلس قيادة الثورة وكان رأي حمدي عاشور(131) أن تخرج من الأزهر وخرجنا وأجرينا معاينة للمكانين وكان معنا اللواء حسن طلعت مدير الأمن العام وقد تمت هذه المعاينة بعد الاجتماع لكن أثناء الاجتماع يخيل إلى أن السادات قال: هاتوا التقرير واستدعوا الأطباء وجاء الدكتور منصور فايز وقرأ التقرير..

س: هل تتذكر أن مناقشات قد جرت حول هذا الموضوع؟

ج: آه والله أتذكر أن الكلام كان من حسن التهامي.

س: هناك واقعة حول هذا وهي أن كبير الأطباء الشرعيين رفض إصدار شهادة وفاة طبقا لإعلان الوفاة الموقع عليه خمسة من الأطباء وبموجب هذه الشهادة يصرح بدفن الجثمان هذه الشهادة- كما تعرف- ضرورية لدفن أية جثة وطلب كبير الأطباء الشرعيين تشريح الجثة شرطا لإصدارها.

ج: أنا سمعت الكلام ده لكن الحقيقة أنا لم أدور في دوامة هذا الحديث لكن أنا عايز أسأل سؤال: هو أي واحد يموت لازم تتشرح جثته..؟ (132)

س: لا تشرح جثته إذا كانت الوفاة طبيعية ولا شبهة جنائية فيها..

ج: يعني أنا النهاردة جمال عبد الناصر مات وحوله خمسة من الأطباء كلهم قاولا إنها جلطة أو غيبوبة سكر لكن حدث اللي حدث وقالوا إن هذا موت طبيعي ما فيش حد يقدر يقول غير كده فيه رعاية طبيبة وفيه أزمة جاءت له قبل كده وفيه علاج قبل كده والمرض عنده له تاريخ وليس مفاجئا..

س: لكن على الرغم من هذا ممكن الواحد يأخذ حقنة هواء مثلا؟

ج: ممكن بس صعب مين ح يقترب من جمال عبد الناصر ويعطي له حقنة هواء؟؟؟

س: عدد من الأطباء دخلوا الرياسة بطرق مختلفة فيه واحد دكتور دخل عن طريق الدكتور أحمد ثروت عندما كان طبيبا للرئيس... وعن طريق الدكتور ثروت دخل واحد ثاني وعن طريق الثاني دخل واحد ثالث وهكذا...؟

ج: لأ . ده مش ممكن .. وبعدين دول دخلوا يعملوا إيه؟؟

س: استشارات.

ج: لأ ده صعب لأن الدكاترة اللي كانوا بيدخلوا للريس هم د. ثروت ثم الصاوي حبيب وهما طبيبان مسئولان ومنصور فايز وزكي الرملة ورفاعي.. وغير كده مش ممكن طبيب صغير يدخل عند الريس يشوف عنده إيه ويكشف عليه ما أعرفش يعني هي النقطة دي بالذات علشان تبقى مدروسة كويس ومين اللي بيدخل ومين إلي بيدخل هو سامي شرف(133)

س: أعتقد هناك نقطة في أجهزة أمن الرياسة؟

ج: طيب ومحمد أحمد...؟ (134)

س: محمد أحمد عليه علامات استفهام كثيرة وعلى كل حال دعني أخبرك بأن من الأطباء الذين دخلوا بيت الرئيس جمال عبد الناصر وعالجوه عملوا أيضا مع السادات وانضموا إلى جمعيات الروتاري ونوادي الليونز وسافروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ..

ج: أيام جمال عبد الناصر..؟

س: بعد 28 سبتمبر 1970 ولا أريد أن أذكر أسماء لكن منهم على سبيل المثال أحد الأطباء الذين عالجوا عبد الناصر وظلوا معه إلى حين وفاته..

ج: لكنك لا تستطيع اتهامه..

س: ولذا لم أذكر اسمه.. وعلى كل فلنعد إلى موضوعنا ألم يثير في اجتماع مجلس الوزراء وأعضاء اللجنة التنفيذية العليا مساء 28 سبتمبر سنة 1970 أسباب وفاة عبد الناصر أو الشك في هذه الأسباب وأنت نفسك ألم تتساءل بينك وبين نفسك عن هذه الأسباب وهل هي معقولة أمل لأ؟؟؟

ج: لم يخطر ببالي على الإطلاق شك في هذا الموضوع صحيح أن أول من تلكم في هذا الموضوع هو حسين الشافعي وهو أول من أثاره هذا في الحقيقة وحدث هذا بعدما مات السادات يمكن قال إن اللي قتله واللي سمه هو أنور السادات لأن له مصلحة في هذا إنما قبل كده ما حدش فكر في هذا الموضوع..

وإلى هنا تنتهي شهادة السيد شعراوي جمعة..

شهادة الوزير محمد أحمد

س: أين كنت يوم 28 سبتمبر سنة 1970 يوم وفاة الرئيس جمال عبد الناصر؟.

ج: كنت(135) مريضا في هذا اليوم وقلت في نفسي إنه عندما تنتهي المؤتمرات الواحد يرتاح لكن الرئيس جمال عبد الناصر الله يرحمه كان لماح قوي ولاحظ أنني تعبان من طول العشرة بيعرف إمتة أكون تعبان وإمتى مش تعبان، كان يبص (ينظر) في عيني يعرف كل حاجة أنا مثلا في البيت بنتي تقول لي: أنت بتبص في عينيه فقلت لها: أنا وظيفتي أبص في عينيه (عيني عبد الناصر) لما أبص في عينيه أعرف أيه حالته وأتكلم وإلا لأ من عنيه أعرف إيه المود بتاعه فكان ساعة ما أبص له كده يقول لي: أنت عاوز تقول حاجة أقول له: لأ يا فندم وأشوفه مشغول يقول لي: إنت عاوز تقول حاجة فأرد عليه: بس سيادتك شوف أعمالك وبعدين لما تخلص أقول لسيادتك اللي عاوز أقوله كان فيه لغة مشتركة بيننا وقد لاحظ أنني تعبان والواقع أنا رحت له قبل التوديع الأول بنصف ساعة أو ثلاثة أرباع ساعة(136)

س: يعني انت رحت له البيت قبل ذهابه إلى المطار في التوديع الأول...؟

ج: طبعا.

س: هل كنت في بيت الرئيس عبد الناصر بمنشية البكري حوالي الساعة التاسعة صباحا..

ج: غالبا قبل الساعة التاسعة صباحا.

س: عندما ذهبت إلى البيت هل رأيته مباشرة؟

ج: أيوه ..

س: هل كان قد ارتدى ثيابه؟

ج: أيوه.

س: هل رأيته وهو ينزل السلم الداخلي..؟؟

ج: أيوه وكان نادرا ما يتسعمل المصعد في النزول كان المصعد يستعمل في الصعود فقط بالنسبة له..

س: إذن فقد رأيته صباح ذلك اليوم كيف كان يبدو؟؟

ج: كان يبدو على ما يرام إلا أنه كان يبدو مرهقا وكنا قبل هذا بحوالي عشرة أيام في مرسى مطروح علشان يستريح يومين أو ثلاثة لكن القذافي جه وكانت فيه أزمة بينه وبين زملائه وقعد القذافي من الساعة العاشرة صباحا حتى الساعة السابعة مساء لم يتركه حتى عندما جاءت الساعة الثالثة قال للريس: مش ح تغدينا؟ وحتى على الغداء فإن القذافي لم يترك عبد الناصر.. وأخيرا قال لهم عبد الناصر: ده مش شغل ثوار ولا سياسيين وصارحهم بقسوة وقال لهم: خدوا بعضكم وروحوا وكانت الساعة وصلت إلى الثامنة مساء تقريبا..

س: كان ده قبل مؤتمر الهيلتون؟

ج: أيوه يوم 19 سبتمبر على ما أعتقد ونهض وقال لي أنا ح أقول أستريح دلوقتي ومش عايز أي حاجة تقلقني وهو كان يحب يهزر وقال لي لو حد صحاني ح أحطك في السجن وبعد قليل في نفس الليلة أو ثاني يوم على ما أعتقد جاء لنا برقيات أيلول الأسود التي كان قد بدأ في الأردن فأنا طرقت عليه الباب علشان أبلغه، وبدأ يرتدي ثيابه على طول ونزلنا وأذكر تعبيره وأحنا جايين ف السكة من مرسى مطروح «أنا دلوقتي بأسابق الموت» فيه شيوخ وأطفال ورجال بيموتوا هناك في عمان عايزين نوقف المجزرة دي..

س: في العادة كنت بتركب إلى جانبه؟

ج: نعم في أغلب الأوقات كنت أركب إلى جانبه إلا إذا كان فيه أحد من الضيوف أو ا؛د من النواب فكان يركب معاه إلى جانبه أو طالب مثلا وزير معاه وعاوز يخلص معاه شغل في الطريق إنما في العادة وفي كل وقت أنا كنت أركب إلى جانبه..

س: هل حضرتم من مرسى مطروح إلى القاهرة مباشرة؟

ج: لأ ركبنا العربية من مرسى مطروح ووصلنا إلى الإسكندرية واستراح في الإسكندرية ساعة أو ساعة ونصف وبعد ذلك أكملنا الرحلة إلى القاهرة.

س: هل في مثل هذه الحالات يرافقكم طبب مع الركب..

ج: في العادة تبقى في عربية بها طبيب مع الركب..

س: هل كانت في هذه العربة الدكتور عبد المجيد لطفي؟؟؟

ج: لأ كان فيه الدكتور ثروت والدكتور طه عبد العزيز وكان معانا الدكتور الصاوي حبيب وكان الأول الدكتور ثروت الله يرحمه أو أي طبيب من أطباء الرئاسة والطقم الثاني زي ما تقول «stand by» على أهبة الاستعداد.

س: ألم يكن هناك عربة إسعاف مجهزة؟؟

ج: كانت عربة الإسعاف المجهزة موجودة في آخر الركب..

س: هل عربة الإسعاف تصحب الركب في المسافات الطويلة فقط؟

ج: نعم وهي عربة ستيشن وأتذكر أنه في الفترة التي كنا فيها بالإسكندرية للراحة جاء السيد عبد اللطيف بغدادي زار الريس وقعدوا مع بعض واتكلموا شوية(137) ثم بعد ذلك واصلنا رحلتنا إلى القاهرة وكانت الاستعدادات قد اتخذت لعقد المؤتمر العربي في الهيلتون لوقف مذبحة أيلول في عمان ولذا فقد مررنا على بيت الرئيس عبد الناصر وأخذنا ثيابه ومتعلقاته واتجهنا إلى الهيلتون مباشرة.

س: نفهم من هذا أن الدعوة إلى عقد المؤتمر بدأت من مرسى مطروح؟

ج: هذا ما حدث بالضبط وكان الرئيس منذ وصولنا إلى الهيلتون لا يذهب على فراشه إلا في الرابعة صباحا..

س: هل مكث الرئيس ناصر طوال فترة انعقاد المؤتمر في الهيلتون أي لم يذهب للمبيت في البيت بمنشية البكري؟؟

ج: لا كنا سويا في الهيلتون في الدور ال11 وكنت إلى جانبه دائما.

س: من هم الأفراد الذين كانوا برفقتك عندئذ؟

ج: كان معنا الأخ محمود فهيم والأخ فؤاد عبد الحي وبعض ضباط الحراسة.

س: ألم يكن في صحبة الرئيس أحد من الخدم أو السفرجي أو الطباخين؟

ج: لأ لكن جرت العادة أننا كنا وبطريقة غير محسوسة ندفع الدكتور صلاح جبر للكشف على الطعام الذي يقدم للرئيس لأننا كنا نعرف ما يمكن أن يحدث.

س: هل كان الدكتور صلاح جبر هو المسئول عن صيدلية البيت في منشية البكري..؟

ج: أيوه وهو في الوقت نفسه كان مسئول عن صيدلية الرياسة في القبة وصيدلية المخابرات وكانت له خبرة كبيرة في الكشف عن الطعام وهذه الخبرة هي التي جعلتنا نعهد إليه بالكشف على الأكل وفي بعض الأحيان كنا نجعله يكشف على الأكل في البيت صحيح الولاد اللي معانا عندنا عنهم معولمات كافية ومطمئنين لهم تماما ولهم مدد طويلة في الرياسة لأن الرئيس ناصر كان من النوع الذي لا يميل إلى تغيير المحيطين به كان يحب نوعا من الاستقرار يكون سائدا في البيت.. وكان إذا أخطأ ا؛د يقول لي: وجهه إنما ما كانس يحب يسيبه أو يغيره..

س: هل كان عبد الناصر يتعاطى حقن الأنسولين صباحا ومساء؟

ج: لأ دي الدكتور الصاوي هو اللي كان بيدخل يعطيها له(138) إنما أنا أعتقد أنه في هذه الأوقات لم يكن يأخذ أنسولين كان يتعاطى الحبوب وأحيانا الأنسولين وأحيانا أخرى كان يتعاطى الحبوب مع الحقن.

س: هل حدث خلال فترة المؤتمر بالهيلتون ما يستوجب استدعاء أحد الأطباء؟

ج: لأ هو كان كويس فترة المؤتمر ومفيش شك أن مرض السكر يتطلب راحة وعدم تفكير ثم القلب والقلب سببه السكر

س: ألم يكن يشكو من التهاب الساقين؟

ج: ده كان برضه بسبب السكر فتجد الدم لا يصل إلى الأطراف يعني تجد أطرافه باردة جدا إنما كان يتحمل مسئولياته بالكامل بصدق وأمانة.

س: هل كان يبدو على وجهه عندما يزداد عنده السكر أي هل كان لون وجهه يتغير إلى اللون البرونزي؟؟

ج: لأ إنما كان يعرق لكن مفيش أي نوع من الأعراض الأخرى تظهر عليه، كان بيعرق كتير..

س: هل تعتقد أن التعب والإرهاق في اليوم السابق ليوم الوفاة أي يوم 27/ 9/ 1970 كان له تأثير ما على صحته؟؟

ج: هذا لا شك فيه كانوا قد طلبوا منه ألا يعمل إلا أربع ساعات لكنه كان يعمل 14 ساعة كنا نخرج من الاجتماع في الهيلتون الساعة الواحدة ونصف صباحا فيتلفت ويقول للفريق فوزي: يا فوزي ما تنساش التمام بتاع الساعة 6 صباحا(139)

س: قلت سيادتك إنك كنت في منشية البكري صباح يوم 28 سبتمبر حوالي الساعة التاسعة وكانت طائرة الملك فيصل سوف تطير بعد حوالي 15 دقيقة وقابلت كما كرت الرئيس عبد الناصر وهو نازل السلم وكان يبدو عليه الإرهاق..

ج: لكنه كان يتصرف عادي وراح المطار عادي.

س: هل ركبت بجانبه؟

ج: أيوه وقام بتوديع الملك فيصل في المطار..

س: ألم تلاحظ عليه شيئا غير عادي أو لم يقل لك شيئا؟؟.

ج: قال لي في السيارة الواحد عايز يستريح بقى فأنا رديت عليه وقلت له فعلا يا فندم لازم حضرتك تستريح يومين أو تلاتة سواء هنا في مصر أو أي حته تانية إنما كان عادي في توديعه للملك فيصل وزي العادة استعرض حرس الشرف ووصل الضيف لسلم الطيارة ورجع ووقف مع المودعين بطريقة عادية جدا.

س: هل اتبعت نفس خطوات البروتوكول خطوة خطوة؟

س: أيوه إلى أن تحركت الطائرة وركب هو سيارته وعاد إلى البيت.

س: هل عدت معه إلى البيت في منشية البكري..

ج: أيوه وبعدين هو قال لي لازم تروح تستريح

س: أين قال لك هذا الكلام في البيت أم في السيارة؟

ج: في السيارة

س: ألم يبدو أية ملاحظات أخرى؟

ج: لا إنما كان هو مرهق وعايز يتسريح..

س: متى كان هذا بالتحديد..؟

ج: قبل الساعة الحادية عشرة ولا يمكن القول أنه كان غير قادر على التحكم في تصرفاته أو حركات يديه.. (140)

س: هل صعد فورا إلى غرفته في البيت؟

ج: أيوه..

س: هل ركب المصعد..؟

ج: لا أتذكر هذا إنما ما أعتقد طلع بالأسانسير لأن هو بيستخدم الأسانسير في الصعود لكن في النزول بيستعمل السلم..

س: ماذا فعلت بعد ذلك هل ذهب إلى بيتك لتستريح؟؟

ج: كان معانا فؤاد عبد الحي السفير بالخارجية الآن وكان مساعدي قلت ليه يا فؤاد خليك إنت مع الريس وبعد ذلك أخت سيارتي وذهبت إلى بيتي إلى أن تلقيت مكالمة من فؤاد عبد الحي الساعة الرابعة تقريبا.

هل تتذكر بالضبط كم كانت الساعة؟؟؟

ج: الرابعة أو الخامسة بعد الظهر وقال لي إن الرئيس باين عليه تعبان قوي وطلبت له الدكاترة دلوقتي فقلت له كلم بقي منصور فايز وشوف د. الصاوي عند وشوف الصاوي عايز مين كمان وأنا جاي على طول ولبست ونزلت جري ..

س: متى وصلت بالتحديد..؟

ج: خمسة تقريبا خمسة وشوية وكان طالع معايا الدكتور منصور فايز.. طلعت ورحت أودته (حجرته) دخلت عليه لقيته يبتسم وبيقول لي شايف يا محمد الواحد تعبان إزاي؟

س: هذا يعني أنك رأيت الريس قبل وفاته؟

ج: نعم قبل وفاته بثوان..

س: عندما دخلت حجرة عبد الناصر من كان موجودا بها؟؟

ج: استدرك قائلا وبسرعة(141) كان فيه الدكتور منصور فايز والصاوي وما كانش لسه جه حسين الشافعي ولا أنور السادات وموش عارف كان هيكل جه وإلا لأ...

س: هل كان علي صبري موجودا..؟

ج: على ما أعتقد كان علي صبري موجودا وسامي شرف وشعراوي جمعة والفريق فوزي وكان منتظر د. رفاعي كامل الذي لم يكن قد وصل بعد.. (142)

س: هل جاء الدكتور رفاعي كامل كبير الأطباء الجيش وأنت في الحجرة ؟؟

ج: أيوه وبعدين في اللحظة دي بدأ الريس يجب دماغة كده وكان جهاز تنشيط القلب متركب عليه وفي هذه اللحظة أدركت أنه مات..

س: ذكر السيد فؤاد عبد الحي أنه حوالي الساعة الخامسة هرول إليه السفرجي المدعو فؤاد زكي وقال له عايزين أنبوبة أكسجين من الصيدلية وكانت الصيدلية مغلقة وسادت حالة من الهرولة للبحث عن مفتاح الصيدلية ولما لم يوجد فقد جرى كسر باب الصيدلية وبمساعدة عدد من رجال الحري أخرجت أنبوبة الأوكسجين وصعدوا بها إلى حجرة الرئيس عبد الناصر ويبدو أنهم وصلوا بعد فوات الوقت .. هل تعتقد أن هذه الواقعة صحيحة..

ج: أيوه ..

س: الذين كانوا في حجرة نوم عبد الناصر لم يلاحظوا وجود أنبوبة أكسجين هل لاحظت وجودها أنت؟؟

ج: أيوه كان موجودة إلى يمين الفراش أو على شماله..

س: لقد رسم السيد سامي شرف لي خريطة للحجرة يوم الوفاة وليس بها وجود لأنبوبة الأكسجين.

ج: أنا شفتها..

س: أين ؟؟ على يمين الفراش كان الراديو؟

ج: تبقى كانت على شمال الفراش.

س: فلنعد إلى ما قبل الوصول إلى منشية البكري لقد تلقيت مكالمة من فؤاد عبد الحي السكرتير الخاص المساعد للرئيس جمال عبد الناصر إنني أرجوك أن تتذكر كل شيء بدقة هل حضرت على الفور ووصلت قبل الوفاة بلحظة.؟

ج: نعم..

س: هل طلبت منه استدعاء الدكتور منصور فايز عندما حدثك تليفونيا؟؟

ج: نعم ..

س: معنى هذا أنه حتى هذه اللحظة لحظة استدعائك إلى بيت الرئيس عبد الناصر وتوقيت هذا كما تقول حوالي الرابعة والنصف أو الخامسة حتى هذه اللحظة لم يكن أحد قد استدعى الدكتور منصور فايز؟

ج: ما أعرفش...

س: معنى هذا أنه عند وصولك إلى بيت الرئيس عبد الناصر لم يكن موجودا في حجرته سوى الدكتور الصاوي حبيب؟؟

ج: لأ كان أيضا موجود الدكتور طه عبد العزيز..

س: ألم يكن الدكتور رفاعي كامل قد وصل بعد؟؟

ج: لأ..

ملحوظة:

هذا يعني أن الدكتور الصاوي حبيب قد انفرد بالرئيس جمال عبد الناصر من الساعة 3.30 دقيقة إلى حوالي الساعة الخامسة ونصف تقريبا . .فماذا حدث خلال هاتين الساعتين وما العقاقير التي أعطاها الدكتور الصاوي حبيب للرئيس جمال عبد الناصر؟

س: قرر الدكتور رفاعي كامل طبيب القلب وكبير أطباء الجيش المصري أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يكن بجلطة في الشريان التاجي بل بكومة سكر كان يمكن علاجها بقطعة من السكر لكن الرئيس عبد الناصر أعطة حقنة أنتستين وحقنتين من مشتقات المورفين (بانتوبون) وهذه الحقن عجلت بوفاته.

ج: إزاي يكونوا أساتذة كبار ولا يكتشفوا أنها غيبوبة سكر؟؟

س: هذا ما دفعني إلى هذا السؤال كيف حدث هذا؟..؟

ج: دول دكاترة كبار صحيح مش بتوع قلب لكن متخصصين في الباطنية هل معقول ما يفهموش غيبوبة السكر؟؟؟

س: الدكتور رفاعي رأي رسم القلب وتحليل الدم للرئيس والرسم والتحليل لا يؤديان للإصابة بالجلطة؟؟

ج: لكن من أعطى الريس هذه الحقن التي ذكرتها لي وأدت إلى التعجيل بوفاته؟؟

س: الأطباء الذين كانوا يعالجونه بالطبع..

ج: الدكتور الصاوي حبيب؟

س: ها ما يقال أو ما ذكره لي الدكتور رفاعي كامل...

ج: هل الدكتور الصاوي جاهل لهذه الدرجة؟ إنه عارف عن واحد نده سكر وأعطى له حقنة أنتستين وبانتوبون .. هل هو أعطاهم للريس بعد عودته من المطار؟

س: يقال وطبقا لأقوال الدكتور رفاعي فإن الريس أخذ هذه الحقنة عندما أدرك من حوله أنه مصاب بجلطة ومن شأنها أنت تؤلمه فربما أرادوا تخفيف الألم.؟؟

ج: لأ أنا عيان بالقلب في الحالة دي أنا أعطي أنتستين بل هيبارين وأنا لما بتيجي لي الأزمة آخذ هيبارين لا أعتقد أن الدكتور الصاوي بهذه الدرجة من الجهل

س: هذه مسألة تخصص الدكتور الصاوي حبيب غير متخصص في القلب (ثم سألته) هل ترى أن علاج عبد الناصر كان يحتاج لنظام طبي أكفأ وأدق وأطباء على مستوى عظيم من العلم...

ج: الواقع أن علاج عبد الناصر كان عملية تلعب فيها أو لعبت فيها النوازع الشخصية دورا مؤثرا فمثلا صلاح الشاهد كبير الأمناء كانت له رغبة في أن يتولى الدكتور أحمد طلعت أخصائي القلب وهو زوج ابنته علاج الرئيس كلك كان الفريق رفاعي كامل من الفريق المعادي للثورة خاصة بعد أن خرج السيد عبد اللطيف البغدادي نائب رئيس الجمهورية سنة 1964.

ملحوظة:

رأيت حسم هذه النقطة الخاصة بأن صلاح الشاهد كبير الأمناء كانت له الرغبة في أن يتولى زوج ابنته د. أحمد طلعت علاج عبد الناصر فالتقيت صباح يوم الاثنين 26/ 9/ 1988 بالسيد صلاح الشاهد في بيته على النيل بالجيزة وسألته عن حقيقة دوره في علاج عبد الناصر وهل كان ما ذكره ونشر في حينه من اتهامه لأطباء عبد الناصر بأنهم ليسوا أخصائيين وأنهم أطباء أطفال وأنهم السبب في موته بخطئهم في التشخيص هل كانت نوازعه الشخصية وراء هذه الاتهام؟؟

أجاب السيد صلاح الشاهد :

لقد طاش سهم صديقي السيد محمد أحمد باتهامي بأنه كان لي نوازع شخصية ليعالج د. أحمد طلعت زوج ابنتي جمال عبد الناصر لقد طاش السهم وذلك لعدة أسباب:

السبب الأول:

أن الدكتور أحمد طلعت زوج ابنتي كان في هذا الوقت في لندن ومن بعده كان في الولايات المتحدة الأمريكية للتخصص في أمراض القلب وعندما عاد إلى مصر، ورغم حداثة سنة وصغر رتبته فقد كان برتبة نقيب في مستشفى المعادي العسكري وعندما رقي إلى رتبة رائد أصبح رئيسا لقسم القلب بمستشفى المعادي العسكري رغم وجود أطباء كبار برتب أعلى كرتبة العميد واللواء لكنه أي الدكتور طلعت كان بمؤهلاته ودرجاته العلمية كان يرأس كل هؤلاء وقد رفض فعلا علاج جمال عبد الناصر.

س: رفض فعلا علاج عبد الناصر كيف ومتى استدعاه؟

أجاب السيد صلاح الشاهد :

ج :أقصد أنه رفض أن يسير في ركاب جمال عبد الناصر كما يفعل الأطباء الذين يتبعون الرياسة حيث يوضعون في سيارة ضمن سيارات ركب عبد الناصر عندما يذهب هنا أو هناك..

س: لماذا أهي مسألة كرامة؟

ج: بل لأنه كان لديه عمله كانت لديه عيادته الخاصة وكان لديه عمله في مستشفى المعادي ولديه مرضاه وليس م المعقول أن يترك كل هذا ويتجاهل خبرته ومؤهلاته ودرجاته العلمية ليتبع جمال عبد الناصر في سيارة إسعاف خاصة وأنه كضابط في القوات المسلحة لن يتقاضى أجرا مجزيا على عمله هذا ..

السبب الثاني:

أنه عندما أصيب حسين عبد الناصر عم جمال عبد الناصر بنزيف في المخ وغيبوبة وكان في مستشفى المعادي وعلم عبد الناصر وكان في أسوان فحضر على الفور لزيارة عمه، وكان عمه في غيبوبة وكان يشرف على علاجه اثنان من الأطباء هما: د. منصور فايز ود. علي البدري وكان يزعمان أن عمه حسين على ما يرام بينما هو غائب عن الوعي بسب نزيف المخ غلا أن جمال عبد الناصر كانت له عينان يرى بهما فأدرك أن ما يقوله هذان الطبيبان يتناقض مع ما رآه فدخل حجرة الدكتور أحمد طلعت من تلقاء نفسه إنه لم يستدع الدكتور طلعت إنما ذهب إلى حجرته بقدميه وسأله قائلا: د. أحمد قل لي حالة عمي حسين أيه.؟؟؟ وهل هي على ما يرام؟؟

رد عليه د. أحمد طلعت: يا فندم عمك الحاج حسين من ساعة ما دخل المستشفى وهو في غيبوبة ولن يفيق منها والمسألة مسألة أيام أو ساعات حسب رأي وأن عمك لن يفيق وأن ما يقوله لك الدكاترة ده كلام فارغ ويريدون إدخاله عليك يضحكون عليك كنص تعبير صلاح الشاهد) إنه لن يفيق وما هي إلا ساعات أو أيام كما قلت لك ويموت وقد كان.

هذه واحدة والأخرى هي في عهد السادات عندما طلب منه أن يدخل ضمن فريق أطبائه قبل 15 مايو سنة 1971 وكان الذي حمل هذه الرغبة إلى الدكتور أحمد طلعت هو الفريق فوزي لكن الرد كان واحدا وهو أنه لن يسير وراء رئيس الجمهورية في عربة إسعاف لأنه أيضا لا يريد أن يكون على علاقة برئيس من الرؤساء.

ويستطرد صلاح الشاهد :

إن د. أحمد طلعت لا يذهب إلى مرضاه إنما هم يذهبون إليه إلا بالطبع في الحالات التي يتعذر فيها الانتقال لقد كانوا يريدون من د. أحمد طلعت أن يجلس في السيارة التي تشبه التابوت والتي تسير وراء الرئيس ليهب لعلاج الرئيس إذا أصيب بأزمة يستطيع أن يلحقه أحمد طلعت وكان رأي أحمد طلعت أن لديه «تليفونا» في بيته وفي عيادته وفي المستشفى.. فمن في حاجة إلى فليطلبني فأذهب على الفور لكني لا أستطيع أن أكون أسير رئيس الجمهورية أتحرك معه وأقيم إلى جواره هكذا كان يقول د. أحمد طلعت إن لكل منا عمله هو رئيس الجمهورية وأنا طبيب ولست تابعا لأحد.

س: هل هذان هما لسببان اللذان منعا د. أحمد طلعت أن يكون طبيبا لعبد الناصر أو كان وراء عدم اهتمامك بإدخال زوج ابنتك د. طلعت لمنشية البكري لعلاج الرئيس كان وراءهما النفي للتهمة التي وجهها إليك السيد محمد أحمد بأن النوازع الشخصية لعبت دورا مؤثرا في علاج عبد الناصر إذ من الواضح وطبقا لكلامك لم يكن لك نوازع لإلحاق د. طلعت للعمل في القسم الطبي برئاسة الجمهورية لأنها على الأقل لم تكن بالشيء الذي يسعى المرء للحصول عليه؟؟

ج: الواقع أن الأطباء الذين كانوا يمسكون القسم الطبي بالرئاسة ومسئولين عن علاج رئيس الجمهورية منهم د. ثروت وكان طبيب أطفال أما الباقي فهم ولا حاجة وكان من الصعب على د. طلعت أن يركب عربة تلحق بركب الرئيس الذي يذهب مثلا للاتحاد الاشتراكي ويمكث هناك عدة ساعات والدكتور طلعت ينتظره في السيارة.

س: إذن اتهمك السيد محمد أحمد بأنه كان لك نوازع شخصية وأنك كنت تريد إلحاق زوج أبنتك بالقسم الطبي بالرئاسة؟

ج: اسمع في الحكاية التي رويتها لك عن دخول عبد الناصر حجرة د. طلعت في مستشفى المعادي أثناء وجود عمه حسين هناك مصابا بجلطة ونزيف في المخ. في اللحظة التي دخل فيها عبد الناصر حجرة د. طلعت لم يكن يعرف أن د. طلعت هو زوج ابنتي لكن عندما رآه توقف لحظة ثم سأله الله هو أنا شفتك فيه..؟ فرد السيد محمد أحمد سكرتيره الخاص وقال له: ده د. أحمد طلعت جوز بنت صلاح الشاهد .. فرد عبد الناصر يا بني دا أنا شاهد على جوازك لقد تذكره وقال له بألفة: تعالى بقى قل لي الحقيقة فقال له د. طلعت: الحقيقة أن حالة الحاج حسين مفيش فيها فايدة وح يموت ح يموت . .وبعد يومين توفى الحاج حسين عم جمال عبد الناصر .

  • انتهت الملحوظة*

ولنعد إلى موضوعنا حيث كان يتكلم السيد محمد أحمد وكنت أقول له إن السيد صلاح الشاهد قد ذكر من قبل ان الأطباء الذين عالجوا الرئيس جمال عبد الناصر كانوا أطباء أطفال ولكن هذا شيء وما ذكره رفاعي كامل شيء آخر، فأجاب السيد محمد أحمد:

- كان صلاح الشاهد كبير الأمناء لا يثق بالدكتور أحمد ثروت ولذا فق استعنا بالدكتور منصور فايز والبدري وصلاح الدين وهؤلاء يعتبرون أساتذة أساتذة للدكتور أحمد طلعت زوج بنت صلاح الشاهد .

قلت لمحمد أحمد:

س: أليس غريبا أن أسأل الدكتور الصاوي حبيب حبيب عبد الناصر في لقاء معه بتاريخ 12: 10: 1986 عن الأسباب التي حدث به الامتناع عن نقل جمال عبد الناصر إلى غرفة العناية المركزة أليس غريبا أن أسأله هذا السؤال فتكون إجابته بأنه لم تكن في مصر كلها غرفة عناية مركزة..

أجاب السيد محمد أحمد:

ج: لأ كان يوجد أكثر من غرفة عناية مركزة في مستشفى المعادي العسكري وأنا شخصيا دخلت غرفة العناية المركزة عندما أصبت بما يشبه الانفجار في المخ فنقلت فورا إلى مستشفى المعادي العسكري وهناك أجريت لي 3 عمليات لوقف النزيف وكان ذلك قبل وفاة الرئيس جمال عبد الناصر..

س: ألم يكن يعرف الدكتور الصاوي حبيب بوجود غرفة عناية مركزة في المعادي؟؟

ج: إزاي وهو أصلا طبيب جاي من الجيش ويعرف هذا جيدا

ردد في نفسه المثل:

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

شهادة السيد حسين الشافعي

هذه شهادة السيد حسين الشافعي(143) وهو أحد الذني حضروا إلى بيت جمال عبد الناصر بمنشية البكري بناء على اتصال من سكرتارية الرئيس.

س: هل كان أنور السادات صاحب مصلحة في التخلص من حسين الشافعي.. أجاب حسين الشافعي:

ج: ربما كان أنور السادات صاحب مصلحة في التخلص من جمال عبد الناصر أيضا..(!)

س: نشر أخيرا أن أنور السادات كان على علاقة بالمخابرات الأمريكية وكان يتقاضى منها رابتا شهريا منذ الستينيات فهل كنت تعرف ذلك؟؟

ج: لم أسمع به إلى في سنة 1976 عندما نشرته جريدة أمريكية.

س: هل تعتقد من خلال اتصالك بالسادات أن ذلك صحيح؟

ج: ما وصلنا إليه من تغيير اتجاه الثورة إلى بهذا الحد يمكن أن يرد على السؤال أبلغ رد.

س: هل تعتقد أن وفاة عبد الناصر كانت جنائية؟

ج: هذا أمر تحقيق أي تحقيق

س: لا تجزم أنها كانت وفاة طبيعية؟.

ج: هذا أمر لا يعلمه إلا الله لأن من دبر لا يعلن عن نفسه ولقد قرأنا في كتب المخابرات عن وسائل التخلص من الذين يقفون في وجه سياستهم.

س: هل تشك أنه تم التخلص من عبد الاصر لحساب أنور السادات؟

ج: أنا أحسبها بتداعي الحوادث لأن عدوان سنة 1967 كان خيانة وكان مؤامرة القصد منها أن يسقط جمال عبد الناصر فلما لم يسقط لم يكن هناك بديل إلا أن يحضروا من ينفذ سياستهم ويتخلصوا من الذين يقف في وجه سياستهم وهذا استنتاج طبيعي في مجرى الأحداث ومع ذلك فإن لا أجزم إلا إذا حدث تحقيق

النقط فوق الحروف

لا يمكن القول بشهبة جنائية في وفاة عبد الناصر إلا إذا سلطنا الضوء على دوافع الجريمة وأدلتها فمن بديهيات القانون الجنائي أن السؤال الأول الذي يطرحه المحقق إثر عثوره على جثة رجل مقتول في الطريق العام هو: لماذا قتل هذا الرجل ولمصلحة من وما الدافع لقتلة ومن المستفيد ...؟ إن هذه الأسئلة هي وحدها التي تقود إلى الإجابة على السؤال الحاسم من القاتل وفي الجرائم السياسية لا يختلف الأمر كثيرا عن الجرائم العادية إلا في أن بعضها لا يقوم به صاحب الشأن بنفسه وينفذ القتل بيديه إنما يعهد بهذه المهمة مهمة التخلص من خصمه إلى آخرين وغالبا ما يكون هؤلاء الآخرون ضالعين مع صاحب الشأن في المصالح والأهداف بمعنى أن الذي يقوم بالتنفيذ لا يقوم به مقابل الأجر فقط إنما لأن تصفية الخصم تعنيه وتهمه ومن مصلحته وهذا أدعى للحماس في طبخ الجريمة ونضجها قبل تنفيذها حتى تتوافر لها صفة الكمال والدقة ولا يكشف عن أمرها أو يشير كشفها إلى الفاعلين الأصليين أو الفرعيين..

وهناك أساليب كثيرة ومختلفة ومتنوعة في الجرائم السياسية فصاحب المصلحة إذا عجز عن الوصول إلى الضحية أو كانت هناك أسباب قوية تمنعه من ارتكاب الجريمة بنفسه فإنه يلجأ بطبيعة الحال إلى استئجار آخرين أو يلجأ إلى شركائه في المبدأ والهدف والمصلحة ويزرعهم في بيت الضحية بحيث يتمكن منه أو يضعهم في طريقه للانقضاض عليه أسالبي وطرق كثيرة تؤدي جميعها إلى التخلص من الخصم السياسيين وتحضرني هنا قصة اغتيال تروتسكي عندما هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعاش في الجنوب مع فتاة كابنته تماما وكان يحبها حب الوالد لابنته ولم تكن الفتاة تفارقه كانت أيضا معجبة به وبآرائه وكان بمثابة الوالد لها إلى أن التقت بشاب أخذ يتودد لها بصبر وجلد لأكثر من 3 سنوات إلى أن أوقعها في حبه وبذا استطاع دخول بيت تروتسكي وعندئذ تمكن منه وقتله بالبلطة ومن هنا فإنه يمكن رسم خطط طويلة المدى لاغتيال الشخصيات المطلوب التخلص منها..

وقد كان عبد الناصر هو العد الأول لأمريكا والغرب في المنطقة وكان أيضا وبطبيعة الحال عدوا للنظم الرجعية في المنطقة ولم يكن هناك شك في مصلحة أمريكا والغرب وإسرائيل والنظم الرجعية العربية في التخلص من عبد الناصر وكانت هذه القوى الخارجية سواء كانت أمريكية أو أوربية أو إسرائيلية على علاقة واتصال بالأنظمة الرجعية التي كانت بدورها على اتفاق تام مع عناصر الثورة المضادة في مصر وكان من عناصر الثوةر المضادة في مصر أشخاص قريبون من السلطة بل كان هناك في صفوف الثورة نفسها عناصر تعمل على تخريبها ومعادية بطبيعتها وطبقتها لثورة يوليو وعبد الناصر..

وتقدم لنا الوثائق الحديثة والمعاصرة أدلة لا تقبل الشك على أن الولايات المتحدة وإسرائيل مستعينة بعناصر من الداخل قامت بوضع أكثر م خطة لقتل عبد الناصر ومن حسن الحظ أن هذه الخطط كان مآلها جميعا إلى الفشل ويذكر أمين هويدي (رئيس المخابرات ووزير الدولة السابق) أن الملك سعود رصد شيكا بمبلغ مليوني دولار لاغتيال عبد الناصر إثر الوحدة المصرية السورية ووقع اختيار الملك علي عبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني السوري (المخابرات) ليقوم بهذه المهمة إلا أن عبد الحميد السراج سلم دليل المؤامرة إلى جمال عبد الناصر..

ولم تكن هذه هي المحاولة الوحيدة التي قامت بها السعودية للتخلص من عبد الناصر فقد سبقتها ولحقت بها محاولات عديدة، وليس من المهم أن نعرف أن الملك سعود رصد هذا المبلغ وغيره ثمنا لرأس عبد الناصر ولكن المهم أن نعرف لصالح من كان الملك يريد رأس عبد الناصر؟ هل كان يريدها لنفسه أم كان يريدها لتقديمها على طبق من الذهب لسيد البيت الأبيض؟؟

ولسنا بصد الأسباب التي كانت تجمع بين الأمريكيين والسعوديين للتخلص من عبد الناصر إنما نكتفي بسبب واحد من الأسباب العديدة التي كانت تجمع بين الاثنين للتخلص من عبد الناصر وأمثاله وهذا السبب هو أن عبد الناصر هو الحاكم الوحيد الذي أخرج مصر من منطقة النفوذ الغربي وكان الغرب يرد أن يسترد منطقته النفوذ الغربي يعني كل شيء للغرب ولإسرائيل وللنظم الرجعية ويعني أولا وأخيار أنه لم يعد هناك خطر على الغرب ولا على نفوذه ولا على مصالحه وأنه لم يعد هناك خطر على النظم الرجعية ولا على العملاء وممثلي الغرب في المنطقة هذه هي المصلحة الحقيقية في إزاحة عبد الناصر والقضاء عليه وقد جرت محاولات كما سبق القول محاولات من الداخل ومحاولات من الخارج وكان عدوان يونيو كما سبق القول محاولات التي استهدفت القضاء على عبد الناصر لكن عبد الناصر خرج من هذه المحاولة أقوى مما كان وتمسك به الشعب أكثر واستطاع أن يكنس البقايا المختلفة التي كانت تعوق انطلاق ثورة 23 يوليو ومن هنا كان لابد أن من اصطياده في بيته والقضاء عليه داخل فراشه حتى لا يفلت هذه المرة..

فكيف يصل القاتل إلى فراش عبد الناصر؟

لكي يصل القاتل إلى فراش عبد الناصر لابد أولا أن يدخل بيت عبد الناصر في منشية البكري وهذا لن يتأتي إلا عن طريق السكرتارية الخاصة للرئيس والتي كان يتولاها السيد محمد أحمد..

السيد محمد أحمد هو الذي يسمح لأي شخص بالدخول إلى بيت عبد الناصر وحتى إذا أراد سامي شرف أن يدفع بشخص ما إلى مقابلة عبد الناصر فلابد أن يعطي اسمه وميعاده إلى محمد أحمد..

السيد محمد أحمد هو الذي يختار الأطباء للرئيس وهو الذي يتولى نفقات البيت وهو المسئول عن السلامة الشخصية للرئيس بما يسمى «أمن المقر»

وهو الذي يعرف الأقارب والأصدقاء الذين يجيئون ويذهبون لا يمكن أن يمد أحد قدمه إلى بيت الرئيس دون علم محمد أحمد والطاقم الذي يعمل معه في السكرتارية الخاصة..

كان محمد أحمد هو الوحيد الذي يستطيع أن يتحكم في دخول أي شخص في بيت جمال عبد الناصر عدا أهل البيت ولا يوجد من أهل البيت ما يمكن أن يكون على اسمه علامة استفهام كبيرة سوى أشرف مروان زوج السيدة منى الابنة الصغرى للرئيس جمال عبد الناصر

ولم يكن محمد أحمد يسمح بدخول أي شخص لمجرد أنه أراد ذلك كان يسمح فقد بدخول الشخص:

1- إذا كان من أفراد الأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء.

2- إذا كان قد تلقى اسم الشخص من سامي شرف.

3- إذا كان قد تلقى أمرا من الرئيس بدخول الشخص.

4- إذا كان الشخص يقوم بعمل ما في بيت الرئيس وبالطبع كان لنواب الرئيس مكانة خاصة.

وتحت اسم البند الرابع كان يدخل الأطباء والصيادلة بيت الرئيس جمال عبد الناصر وتحت هذا البند الرابع كان تعمل المخابرات العامة بدقة متناهية قبل عام 1967 فقد كان الدكتور أحمد ثروت هو المسئول عن علاج الرئيس وعائلته وكان د. ثروت أصلا يعمل في المخابرات ولم يتركها إلى رئاسة الجمهورية إنما اعتبر المخابرات هي الأصل والرئاسة هي الفرع ولا فقد وافق على أن يكون منتدبا من المخابرات العامة للرئاسة ويعزي إلى د. أحمد ثروت أنه هو الذي أنشأ القسم الطبي بالمخابرات وكذلك أنشأ القسم الطبي برئاسة الجمهورية وكان هو الذي يختار الأطباء الذين يقومون بعمل ما في الخدمة الطبية بالرئاسة فيمكن مثلا أن يرشح محمد أحمد طبيبا لكن عليه أولا أن يكون مقبولا نم قبل د. ثروت أي مقبولا من المخابرات وإذا ما كان الشخص مقبولا من المخابرات للعمل في بيت عبد الناصر فهذا يعني أن يكون مقبولا من صلاح نصر رئي المخابرات العامة ومن هنا فإن صلاح نصر كان هو الذي يستطيع أن يدفع شخصا ما إلى جانب فراش عبد الناصر وعلى هذا الشخص أن يحمي عبد الناصر ويعالجه أو يقتله..

إن أكثر من 70٪ من العاملين في بيت الرئيس وفي رئاسة الجمهورية كانوا يعملون أصلا في المخابرات العامة أو كانوا منتدبين منها وبالتالي كان الولاء موزعا بين الرئاسة والمخابرات ولم تكن المخابرات في ظل صراع السلطة خالصة للرئاسة إنما كانت خاضعة للقوات المسلحة وتحت النفوذ الشخصي للمشير عامر الذي كانت تربطه صداقة عميقة بالسيد صلاح نصر رئيس المخابرات العامة ولي غريبا أنه بعد انتحار المشير عام في سبتمبر 1967 وإخراج صلاح نصر من المخابرات ومحاكمته فيما يعرف بقضية انحراف المخابرات أن خرج معه أكثر من 180 ضابطا وهم ليسوا جميعا منحرفين إنما كانوا من أصحاب الولاء المزدوج كذلك لا يمكن تجاهل التحذيرات التي كان يطلقها د. أحمد ثروت بعد عام 1967 للرئاسة بألا يتركوا الرئيس جمال عبد الناصر يصافح أحدا من رجال صلاح نصر لأنه كان قد عرف أن عدة زجاجات من السم قد اختفت من المخابرات وأنه يمكن استعمال هذا السم لقتل أي إنسان بمجرد المصافحة فقط هذا التحذير لا يمكن أن يطلق إلا نتيجة إحساس حقيقي بالخطر الذي كان محدقا بعبد الناصر من جراء خلافه مع المشير واتهامه بأنه تخلى عنه في محنته أو هزيمته أو الكارثة التي سببها للبلاد..

إذن فالمخابرات العامة كانت تملك مفاتيح بيت عبد الناصر..

وكان هناك شخص آخر يملك هذه المفاتيح وهو نواب الرئيس وكان السادات والشافعي نائبين لرئيس الجمهورية وإن كان الشافعي أقدم في هذا المنصب من السادات إلا أن السادات بمجرد حصوله على قرار التعيين في هذا المنصب أراد أن يكون له مندوب في بيت الرئيس وكان هذا المندوب هو: أشرف مروان..


والواقع أن أشرف مروان كان شابا ذكيا نشطا يملك طاقات وإمكانيات كثيرة ولديه مواهب نادرة ساعدته على أن يشق طريقه ويصبح الآن من المليونيرات المعدودين ورجال الأعمال في انجلترا..

وقصة أشرف مروان لا تنهض فوق من كونه زوجا لابنه الرئيس جمال عبد الناصر بل لسلطاته الشخصية وإمكانياته ومواهبه كما سبق القول هذه المواهب والإمكانيات التي انفتحت أمامها الطرب بزواجه من ابنه الزعيم وكان أشرف مروان قد تخرج من كلية العلوم في أوائل الستينيات والتحق بالجيش في سلاح المهندسين وكان والده اللواء أبو الوفاء مروان مديرا للإمدادات والتموين في الجيش وفي نادي الضباط بمصر الجديدة استطاع أن يتعرف على منى عبد الناصر وذات يوم كما يذكر صلاح الشاهد جاء أبو الوفاء بصحبه ابنه أشرف وقالا إن لديهما موعد مع السيد الرئيس لأمر خاص وكان أبو الوفا يسير في المسافة القصيرة بين البوابة وبيت الرئيس كإمبراطور وتم الاتفاق على الزواج وكان أشرف وقتها برتبة ملازم أول وبعد قليل طلب من الرئيس أن يلحقه بمكتب المعلومات أسوة بحاتم صادق وهدى عبد الناصر اللذين كانا يعملان في المكتب وهنا بدأت علاقته بسامي شرف الذي رأى أنه يمكن الاستفادة منه بأن يكون حلقة الوصل بين سلاح المهندسين وكان يستطيع بالطبع ان يعرف إذا ما سأل مدير السلاح لكنه كان يرد أن تكون له عين داخل السلاح نفسه وهكذا قام أشرف بهذا الدور ولم يكتف بأن يكون حلقة وصل ومصدر معلومات بل انتهز فرصة تعيين السادات نائبا لرئيس الجمهورية والتقت إرادة الاثنين السادات وأشرف مروان على أن يكون أشرف مديرا لمكتب أنور السادات في مكتب سامي شرف للمعلومات وبعد فترة من الوقت كان أشرف قد أصبح على علاقة وثيقة بعائلتي الصباح والسادات واستطاع أن يستفيد كثيرا من العقلية التجارية التي تتمتع بها السيدة جيهان السادات وأصابها بالانبهار من توقعاته واقتراحاته المثيرة ولمس وترا حساسا عندما صرح لها بأنه من السهل عليهما هو وهي أن يجمعها ثروة لا بأس بها من نقل السلاح وتجارته وخاصة أن تنويع مصادر السلاح» كان مشروعا ضمن مشاريع الارتماء في أحضان الغرب الذي كان السادات يرتب لها ويحلم بتحقيقها وكان عملية السلاح شرائه ونقله على درجة عالية من الأهمية والسرية ولذا لم يكن هناك أحد يستطيع أن يخوض فيها سوى السادات نفسه وأهل بيته ومن هنا بدأ أشرف يقترب خطوة خطوة من هذه المنطقة الحساسة ولكن قبل أن يمنحه السادات البركة كان عليه أن يختبره ويمتحن ولاءه فأرسله في عدة مهام ورسائل للسعودية وليبيا والكويت وكان يدلي بتصريحات لا يدلي بها إلا الوزراء والمسئولون الكبار ويقابل الرؤساء والملوك بسهولة ويسر وشيئا فشيئا أصبح ممثلا شخصيا للسادات ثم وفي لحظة مضيئة للحظ أصدر السادات قراره بأن يصبح رئيسا لمجلس إدارة الهيئة العربية للتصنيع وانفتحت أبواب المجد لأشرف مروان(144)

ولم يكن هذا حال أشرف مروان وهو واحد من عائلة عبد الناصر إنما أيضا هذه كانت حال رجل آخر كان لصيق الصلة بعبد الناصر وهو السيد محمد أحمد فلم يكن عبد الناصر يرى دون محمد أحمد سكرتيره الخاص ولكن ما كاد يشرق صباح 15 مايو سنة 1971 يوم انقلاب السادات) حتى ذهب محمد أحمد إلى الرياسة وجمع موظفي الرئاسة العاملين في البيت ورجال الأمن والحراس وخطب فيهم مشيدا بالسادات ومنددا بالرجال الذين أحاطوا بعبد الناصر وأطلق عليهم مراكز القوى».

وفي نفس الوقت من هذا الصباح (15 مايو 1971) كان السادات يصدر قرارا بأن يصبح أشرف مروان مديرا لمكتب الرئيس للمعلومات أي بدلا من سامي شرف الذي قبض عليه مع زملائه وهكذا أصبح كل شيء في يد أشرف مروان وكان هذا هو الطريق الذي دفعه إلى ما أصبح عليه ثم كان هناك قرار آخر بأن يصبح محمد أحمد وزيرا ثم نائبا لرئيس الوزراء في الاتحاد الثلاثي(!)

ولا يمكن القول أن ثقة السادات بأشرف مروان قد نبعت وفاضت ماؤها خلال الأيام القليلة التي انقضت منذ وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 إلى 15 مايو سنة 1971 وهي فترة لا تزيد على ثمانية أشهر إنما بدأت بلا ريب هذه الثقة من قبل ومنذ أن أصبح السادات نائبا لرئيس الجمهورية في ديسمبر سنة 1969 واختار أشرف سكرتيرا له للمعلومات في مكتب سامي شرف ومنذ هذه اللحظة أصبحت للسادات عين في منشية البكري يرى بها ما يحدث داخل البيت وداخل مكتب سامي شرف ويعرف من يقابل الرئيس ومن لا يقابله وماذا عند محمد أحمد من أخبار ومعلومات بل لا أغالي إذا قلت إن ما كان يعرض على الرئيس عبد الناصر من أوراق من خلا مكتب سامي شرف كان يصل إلى أنور السادات في نفس اليوم وربما في نفس اللحظة.

وتكونت في الرئاسة بمنشية البكري جبهة وقوية تضم العسكر بين الذين صاروا يحكمون بواسطة رجل أقل منهم رتبة لكنه أكثر منهم حظوة لدى عبد الناصر هو سامي شرف وكانت هذه الجبهة تضم فيما تضم:

1- محمد أحمد

2- الفريق أول سعد الدين متولي كير الياوران..

3- الفريق الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري وغيرهم.

وكان الولاء الطبيعي لهذه الجبهة للسادات وكان السادات قد بدأ الاقتراب أكثر من عبد الناصر كان قد قدم صفقة العمر من وجهة نظره بجمع أعضاء مجلس الأمة وصباح ومساء يوم 10و 9 يونيو سنة 1967 استجابة لخروج جماهير الشعب وإصرارها على بقاء عبد الناصر في الحكم بعد أن أعلن قرار التنحي مساء 9 يونيو سنة 1967 ويذكر السادات في كتابه البحث عن الذات ص 238 أنه كان في مجلس الأمة بمكتبه يوم 10 يونيو وكانت الجماهير تملأ الشوارع منذ الأمس وتحيط بمجلس الأمة وطلب الرئيس وقال له:

الجموع دي بقى دلوقتي 17 ساعة في الشوارع هل تحب يا جمال أن تحترق القاهرة ثاني زي يوم 26 يناير سنة 1952؟ إحنا على وشك كده دلوقتي لازم ترجع يا جمال لأن إرادة الشعب هي الصمود..

ملحوظة: يدعي السادات في كتابه أنه قال لجمال عبد الناصر وهو يحدثه يوم 10 يونيو مفيش هروب من هذه المسئولية النهاردة»

ويستطرد السادات:

اقتنع جمال ورد علي بالموافقة ولم يمض وقت طويل حتى اتصل بي مستشاره الصحفي(145) ليبلغ بيان عبد الناصر الذي يقرر فيه العودة فكتبته وأمرتهم في المجلس بدق الأجراس للاجتماع.

كنا أي أعضاء مجلس الأمة قبل ذلك قد قررنا عدم قبول استقالة عبد الناصر فلما اكتمل الاجتماع أعلنت للأعضاء أن عبد الناصر قد قرر العودة بناء على رغبة الشعب وأنه كان بوده لو يستطيع أن يقرأ عليهم القرار بنفسه وكان لهذا أثر رائع على النواب فتملكتهم فرحة مفاجئة صفقوا معها وهللوا وصرخوا وبكوا..

وقد ذكر لي السيد محمود أبو وافية عديل السادات أن الخدمة التي لا تنسى التي قدمها السادات لعبد الناصر كانت هي عقد مجلس الأمة لرفض تنحيه جمال عبد الناصر وعدم قبول استقالته في 9و10 يونيو هذا عمل لم يستطع أحد أن يقوم به غير السادات السادات هو الذي أبقى عبد الناصر على كرسيه ليحكم ...» ثم أضاف «إذا قلنا إنها صفقة وإن السادات قد دفع فعلى عبد الناصر أن يرد الدين..» وبالطبع كان هذا الكلام يعني إسقاط إرادة الجماهير التي غيرت كل شيء يومي 10و 9 يونيو ..

كانت هذه المناقشة تعليقا على ما أثير غداة انتخابات اللجنة التنفيذية العليا فلم يكن للسادات نصيب في هذه اللجنة ولم يكن ليحظى بأصوات تدفع به إلى عضوية اللجنة لولا تدخل عبد الناصر وضغطه على الأعضاء لقد كان السادات مرفوضا من أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي وهي اللجنة التي كان عليها أن تختار أعضاء اللجنة التنفيذية أو أعضاء المكتب السياسي..

نعم كما قال محمود أبو وافية رحمه الله كان على عبد الناصر أن يرد الدين يدفع بالسادات إلى مكانه في اللجنة التنفيذية كما فعلها السادات معه غداة 9و 10 يونيو حيث أبقاه وثبته على كرسي الرئاسة.

كان كلام أبو وافية مع الفارق الشديد منطقيا بلغة التجار ورجال الأعمال لا بلغة السياسة وبلغة السياسة فإن السيد ضياء الدين داود عضو اللجنة التنفيذية يعرض في كتابه الهام «سنوات مع عبد الناصر» الصادر سنة 1984 ص 196 قصة انتخاب اللجنة التنفيذية العليا بحياد كامل لا يتناسب مع ما لحق به من سجن وبطش وظلم على يد السادات ورجال 15 مايو يقول ضياء داود:

في جلسة اللجنة المركزية بتاريخ 16/ 10/ 1968 قال عبد الناصر: إن التجديد معناه أن هناك عناصر جديدة تبرز جماهيريا وسياسيا وهذا البروز الجماهيري والسياسي يعطيها في الحقيقة الفرصة لأن تصل إلى أعلى المناصب في الاتحاد الاشتراكي العربي لقد وجدت أيضا أنه من الضروري عدم الجمع بين الوزارة وعضوية اللجنة التنفيذية العليا حتى لا يطغي عمل الوزارة وعضوية اللجنة التنفيذية العليا حتى لا يطغى عمل الوزارة ومسئولياتها على أدائه كعضو للجنة التنفيذية..»

وقال الرئيس ردا على ما أثاره الأعضاء من إصرارهم على ترك الاختيار للرئيس، إلا أن الرئيس رفض وقال لابد من إعطاء الفرصة للجنة المركزية لتظهر منها العناصر وتنتخب اللجنة التنفيذية العليا ..

وقال الحقيقة أنا بدي آخذ مثل كيف تتكون القيادات الجماعية التي تشابه اللجنة التنفيذية العليا للأحزاب الأخرى؟ بتتكون بمضي الزمن وبمضي المدة وبتكون العناصر التي تقود النضال في الأول أي حزب أو في أي تنظيم سياسي ثم العناصر إلي تزهر العملية بتأخد وقت علشان ده يطلع في القيادة أنا فكرت عدة أفكار الأول أن أجيب ال14 اسم ( اللجنة التنفيذية تتكون من 14 عضوا) طب ح أجيب ال14 اسم من مين؟ من الناس اللي أنا اشتغلت معاهم ومعنى هذا أنني ح استبعد عدد كير من أعضاء اللجنة المركزية لأني أنا باشتغل معاكم بس كأعضاء لجنة مركزية من ثلاثة أسابيع فقط أو أربعة ولم نختبر بعض الاختبارات الكافية وإذا أخذتهم من الذين اشتغلت معهم ينتفي العنصر الذي طلبه كل من قابلتهم وهو العنصر الجديد..»

«والحل الثاني أن نعين جزاء من اللجنة التنفيذية العليا ونعين الباقي بعد ذلك وهو نصف حل..»

«وأخيرا وصلت إلى رأي وهو أن نؤجل انتخابات اللجنة التنفيذية العليا لبعض الوقت خاصة وأن الجنة المركزية للظروف غير العادية في حالة انعقاد مستمر كل أسبوع أو كل أسبوعين تبحث كل الأمور ونعين أعضاء اللجان وأمناء اللجان ثم في الوقت المناسب تنتخب اللجنة المركزية اللجنة التنفيذية العليا بعد أن يكون قد تم التعارف والتفاهم بين جميع الأعضاء»

ورغم ذلك ظل حديث الأعضاء مصرا على أن الثقة في الرئيس بلا حدود من ثم عليه أن يجري اختيار أعضاء اللجنة التنفيذية العليا...

ورد الرئيس عبد الناصر وقال إنه شاكر لهم هذه الثقة ويعتز بها ولكنه يرى أنه من الضروري إذا ما كانت هناك ضرورة ملحة للتعجيل بتشكيل اللجنة التنفيذية العليا أن يتم ذلك عن طريق الانتخاب قائلا: «لازم كل واحد فيكو ياخد مسئوليته في هذا الموضوع» وقال: «بالنسبة للاستمرار أنا قادر على أني أعطي فيه رأي» ثم قال:

«أما بالنسبة للتجديد لازم نتكلم بوضوح وصراحة وأنا باعبر عن ضميري أنا لا أستطيع ترشيح أحد لم أباشر معه عمل ولم أحتك بهم ولم أعرفهم وإلا أكون بهذا قد وضعت الأمور في غير موضعها بالنسبة لمن أعرفهم أستطيع أن أقول فلان وفلان ممن اشتغلت معهم عشر سنين وعشرين سنة ويبقى ضميري مستريح وبالنسبة لمن لم أشتغل معهم ولم أخبرهم سوف أسأل ولا يكون ضميري مستريحا هناك فرق كبير بين أن أقدم «لستة» وبين أن تنتخبوا فرق كبير من الناحية النفسية بالنسبة للجماهير.

واستطرد الرئيس عبد الناصر قائلا في اللجنة المركزية: سمعت كلام كتير قيل أنهم أعطوه أي لعبد الناصر تفويضا في مجلس الأمة ويمكن إنتو سمعتوا أيضا وجاء اللجنة المركزية وأعطته أيضا تفويض لازم الواحد يبقى حساس وأقول لكم هناك ثورة مضادة موجودة في البلد وتود أن تتصيد لن حتى حسن النية وبهذا لابد أن نمشي حذرين جدا..

ورأى الرئيس في نهاية الاجتماع استطلاع رأي الأعضاء في التعجيل بتكوين اللجنة التنفيذية العليا أو بتأجيلها فوافقت الأغلبية على التعجيل ثم طرح اقتراح بإجراء انتخاب للجنة ووافقت الأغلبية وتحدد يوم السبت للانتخاب وقام الرئيس باستطلاع الرأي بين أمناء المحافظات والتقى بكل منهم على انفراد بقصر القبة ولم يحضر هذه اللقاءات سوى شعراوي جمعة بصفته أمينا للتنظيم وقد انتهى استطلاع الرأي إلى تزكية تنرشيخ 6 أعضاء هم بترتيب القائمة:

أنور السادات

حسين الشافعي

علي صبري

محمد فوزي

رمزي ستينو

ضياء الدين داود..

وقد ذكاهم التنظيم الطليعي لدى أعضائه باللجنة المركزية باستثناء الوزراء على أن يكون للأعضاء حرية اختيار باقي المرشحين:

أما باقي المرشحين إلى جانب هؤلاء فكانوا هم:

1- عبد المحسن أبو النور

2- د. لبيب شقير

3- كمال رفعت

4- كمال الحناوي

5- علي السيد

6- سيد مرعي

7- د. عزيز صدقي

8- د. مصطفى أبو زيد

9- أحمد السيد درويش

10- خالد محيي الدين

11- أحمد فهيم

12- د. جابر جاد عبد الرحمن

13- حسن عباس زكي

14- فهمي منصور


وكان أكثر أمناء المحافظات قد أبدوا تحفظات شديدة على ترشيح السادات وبدرجة أقل على حسين الشافعي إلا أن الأمناء لمسوا حرص الرئيس جمال عبد الناصر على ضرورة وجود السادات وحسين الشافعي باعتبارهما من الباقين معه من أعضاء مجلس قيادة الثورة وكان لبعد الناصر عاطفة نحو أعضاء مجلس الثورة والضباط الأحرار ويحرص على أن يبقى بعضهم بجانبه حتى إنه عندما أثير في مجلس الوزراء مناقشة حول ضباط الجيش الذين عينوا وبالشركات ووزارة الخارجية أثار حديثا عاطفيا وإنسانيا طويلا نحوهم وفاء لدورهم وقال إنهم قلة وإنهم أبعدوا عن القوات المسلحة طالما اشتغلوا بالسياسة وكان ضروريا الانتفاع بهم في مواقع أخرى...

واستنتج السادات من نتائج استطلاع الرأي أن حسين الشافعي سوف يتفوق عليه في الأصوات وزاد من قلة إزاء ها الاستنتاج ما كان قد أعلنه عبد الناصر من إعادة ترتيب الأقدمية على ضوء نتائج الانتخابات وترتيب الأصوات وقد جاهد السادات في البداية ليعين محمد عبد السلام الزيات وكان وقتها أقرب مساعديه ومحل ثقته أن يعينه رئيسا للجنة الانتخابات وعلى حد قوله «ليتصرف» ولكن تقرر تشكيل لجنة محايدة تماما يرأسها الدكتور عبد المجيد عثمان الذي أصبح مؤخرا رئيسا لجامعة القنال..

ثم قام السادات من ناحيته باصطفاء مجموعة من أعضاء الجنة المركزية وثيقي الصلة من المنوفية والبحيرة لحجب أصواتهم عن حسين الشافعي وبالتالي حسبما قدر يحتفظ لنفسه بأكبر الأصوات وحين بلغ عبد الناصر هذه الواقعة علق قائلا بأن حسابات السادات خاطئة وأن هذا الأجراء سوف يكون لصالح علي صبري لا لصالح السادات وفعلا كانت النتيجة حصول علي صبري على 134 صوتا حسين الشافعي 130 صوتا محمود فوزي 129 صوتا أنور السادات 119 صوتا كمال رمزي استينو 112 صوتا عبد المحسن أبو النور 104أصوات ضياء داود 104 أصوات لبيب شقير 80 صوتا.

وقد أعلن انتخاب هؤلاء الثمانية أعضاء باللجنة التنفيذية العليا وبذا فاز ثمانية أعضاء في حين حصل بعض المرشحين على صوت واحد وصوتين كمصطفى أو زيد أول مدعي اشتراكي بقرار من السادات بعد انقلاب 15 مايو...

ويقول ضياء داود إن السادات أضمر منذ ذلك الحين الغيظ إلى أن سنحت له الفرصة بعد 13 مايو سنة 1971 فأطاح بهم جميعا وأثار الغبار حول سلامة انتخابات الاتحاد الاشتراكي وانتخابات اللجنة التنفيذية العليا..

ويرى ضياء داود أن نتيجة انتخابات اللجنة التنفيذية العليا كانت منطقية تماما ذلك أنها جرت في أعقاب فترة جرت فيها مظاهرات الطلبة التي اتجهت إلى مجلس الأمة تندد به وبرئاسة السادات وتصفه بأنه الذي أود بالديمقراطية وكبت البرلمان.

ووضاح من هذا العرض الوافي لانتخابات اللجنة التنفيذية التي لم يحظ فيها السادات إلا ب119 صوتا بينما حصل خصمه اللدود علي صبري على 130 صوتا دون جهد يذكر على الرغم من تزكية عبد الناصر للسادات واضح أن الرئيس عبد الناصر كان يريد أن يجامل السادات ويقدم له شيئا كان يشعر في قرارة نفسه أنه في حاجة إليه وهو التأييد الشعبي من التنظيم السياسي الوحيد في مصر لكن ها التنظيم قد خذله تماما ومن هنا لم يعد أمام عبد الناصر فيما بعد إلا أن يلتمس وسلة أخرى لإرضاء السادات وسنحن له هذه الفرصة أخيرا عندما أصدر قرارا بتعيينه نائبا له في ديسمبر سنة 1969

هل كان السادات يسعى فعلا ليكون هذا الرجل..؟

هل كان يريد أن يكون نائبا للرئيس..؟

الواقع أن أنور السادات كان يريد هذا ولم يكن لتسنى له أن يصبح هذا الرجل في وجود علي صبري ولذا فقد رسم خطة ذكية للاقتراب أكثر من عبد الناصر الذي كان بدوره يعاني من الوحدة والتوتر والعمل الشاق المتواصل لاستكمال بناء القوات المسلحة وإعدادها للمعركة ويذكر هيكل في خريف الغضب ص 91 الطبعة العربية أن السادات في هذه الأوقات الصعبة ازداد قربا من جمال عبد الناصر وان بيت السادات في الجيزة على النيل المكان الوحيد الذي يستطيع فيه جمال عبد الناصر أن يذهب لكي يقضي بين حين وآخر ساعات مع صديق لم يكن ضغط على أعصابه بإثارة مناقشات سياسية أو عسكرية ملحة..

بينما يرى آخرون أن خطة السادات كانت جذب عبد الناصر إلى بيته بعيدا عن العمل وأحاديث السياسة والتليفونات وأوامر الأطباء وفي البيت كانت السيدة جيهان السادات تقدم له ما هو ممنوع من تناوله من أطعمه شهية وأنواعا من الطعام تعتبر قاتلة بالنسبة له تعجيلا بالضغط على أعصابه وشرايينه وقلبه وكانت تفيض عليه من أحاديثها الشيقة وحكاياتها المسلية ما تجعله ينسى ويستمتع..

ويرى هؤلاء أيضا أن السيد جيهان السادات هي التي كانت تتعجل عبد الناصر لإصدار قراره بتعيين السادات نائبا كانت خائفة أن يخطفه الموت ويضع السادات بين ما كان يسميهم «العاصبة التي تحكم مصر» وكانت السيد جيهان ترى أن قرار التعيين سلاح في يد زوجها يشهره باسم الشرعية عندما يختار الله عبد الناصر إلى جواره.. إما بالقدر أو بالتآمر..

إذن.. فالسباق كان يجري بحدة للحصول على قرار الشرعية حتى لا يحدث نزاع أو خلاف على التركة عندما يغيب صاحبها الأصلي..

لقد كان مطلوبا من السادات أن يكون هو الخليفة الذي لا يتنازع الآخرين على مقعده ولم يكن السادات والسيدة جيهان وحدهما اللذان يعنيهما وجود السادات في السلطة بعد عبد الناصر بل كان هناك آخرون ينتظرون ويترقبو نهاية السيناريو المحكم وكان هؤلاء في واشنطن وبعضهم في تل أبيب وبعضهم في طهران وبعضهم في الرياض.. و.. و.. إلخ

كانت هناك عواصم تترقب وتنتظر وعينها على مؤتمر القمة العربية المعقود في فندق هيلتون بالقاهرة في الفترة من 21 سبتمبر على 27 سبتمبر لإيقاف مذبحة المقاومة الفلسطينية في الأردن وكان هناك آخرون يتساءلون لماذا يمنعهم عبد الناصر من تصفية الفلسطينيين لماذا يقف في طريقهم ولماذا لا يطاح به ليخلو لهم الجو ويمرحوا في الشرق الأوسط كما يريدون؟؟

أين رجالنا الذين يعملون هنا وهناك؟ وأين هؤلاء الذين زرعناهم إلى جانب الزعيم المصري لماذا لا يتحركون ويضعون حدا لحياة هذا الرجل...؟

قبل أن يصل أنور السادات إلى رئاسة الجمهورية كان يعمل في الظل ولم يكن أحد يرى فيه خطرا ولا كان يمكن لأي شخص أن يرى غير ضابط من الضباط الأحرار قانع بمنصبه ينقل من هنا أو هناك فيقبل راضيا لا يدخل معارك ولا يختلف يعمل من وراء ستار فإذا نجح كان بها وإذا فشل لم يبدو وأحلامه لا تتعدى الاستقرار في موقع من المواقع تسلط عليه الأضواء فيه بعض الوقت..

لم يكن أحد يظن أنه يجند معارفه وأصدقاءه ليوم قادم يخوض فيه معركة ولم يكن يتصور أحد أن يعمل ليكسب إلى جانبه أحد أفراد أسرة عبد الناصر وهو الذي انقبل عليه فور انقلاب 15 مايو سنة 1971..

ولم يكن يدور بخلد أي متآخر أن يتمكن السادات من تجنيد عدد كبير من ضباط الجيش والشرطة ويصبحوا في يده سلاحا يضرب به الناصريين بمجرد أن تسنح له الفرصة فيقبض عليهم ويحاكمهم ويسجنهم دون أن تتحرك جماعة واحدة من الجماعات الناصرية لتحتج أو تتظاهر..

إن القاتل قد يسير في جنازة الضحية ولا يبدو عليه ما ارتكبه وعند المقبرة وفي لحظة قد ينكشف وينفضح أمره وهذا ما حدث بالضبط بالنسبة للسادات فجأت نشرت الواشنطن بوست أن السادات كان عميلا للمخابرات المركزية ال cia ويتقاضى مرتبا ثابتا من كمال أدهم المسئول عن الCIA في منطقة الشرق الأوسط وإذن فإن السادات عندما استولى على السلطة إثر وفاة عبد الناصر لم يكن يستولي عليها لحسابه وعندما رفض تشريح جثة عبد الناصر لمعرفة أسباب الوفاة لم يقم بذلك دفاعا عن قدسية الجسد إنما دفاعا عن نفسه وعن المتورطين معه..

وعندما انحاز للغرب وفتح البلاد للرأسمالية الغربي باسم الانفتاح الاقتصادي لم يفعل ذلك لأن هذه قناعاته فقط إنما لأن هذا هو ما اتفق عليه وكأن أقل ما اتفق عليه: «أن تعود مصر إلى منطقة النفوذ الغربي»...

ويعترف السادات صراحة بأن كان صديقا لهؤلاء الذين عادوا مصر في عهد عبد الناصر بل إنه لم يمض شهر على تولي السادات رئاسة الجمهورية حتى ظهر على مسرح السياسة المصرية كمال أدهم فمن هو كمال أدهم هذا؟؟

إن كمال أدهم كان يعمل مديرا للمخابرات السعودية وبهذه الصفة فقد كان وكيلا CIA في المنطقة العربية وكان صهرا للملك فيصل بمعنى أن الملك فيصل كان متزوجا من شقيقة كمال أدهم، وكان طوال فترة حكم الملك فيصل يقوم بالمهام الخاصة التي يكلفه بها الملك فيصل ورغم أنه لم يكن رئيسا للمخابرات السعودية رسميا فقد كان الرئيس الرسمي هو عمر شمس إلا أنه كان الرئيس الفعلي للمخابرات وكان هو المحرك لصفقات السلاح في حالتي الشراء والبيع وكذلك النقل وكانت السرية تحيط بهذه الصفقات نظرا لطبيعتها..

وبعد مقتل الملك فيصل تولى المخابرات تركي الفيصل ابن فيصل بن عبد العزيز شقيق سعود الفيصل وزير الخارجية أما صفقات السلاح فقد تولاها عدنان خاشقجي في عهد الملك خالد..

وعندما جاء خادم الحرمين الملك فهد قرر أن تتولى الدولة بنفسها عقد صفقات السلاح وترك مسألة نقله للظروف..

لكن كمال أدهم لم يترك السياسة بعد الملك فيصل على الرغم من أنه يمتلك في كينيها أكبر مزرعة لتربية وإنتاج الخيول في العالم إنما أصبح يقبل على السياسة كلما كان هناك تكليف له أو كانت المملكة في حاجة إلى خدماته..

ويعترف السادات بأن كمال أدهم صديق «الروح بالروح» وكان شاهد عقد زواجه ويقول محمد عبد السلام الزيات في مذكراته التي نشرها بالأهالي الحلقة الثامنة وما عبدها بعنوان السادات القناع والحقيقة» يقول: « أنه في أقل من شهر من تولي السادات رياسة الجمهورية ظهر على المسرح المصري كال أدهم وأخذ يتردد على القاهرة بتحفظ في بداية الأمر ثم أخذ تردده صفة الانتظام.

وبعد أن تخلص السادات ممن أسماهم بمراكز القوى وتمركزت كل السلطات في يده أصبحت الاجتماعات يومية في حالة وجود كمال أدهم في القاهرة أو مع السفير السعودي في ذلك الحين (هشام الناظر على ما أذكر) في حالة غيبة كمال أدهم عن القاهرة أو عن طريق قنوات الاتصال التي أنشئت بين مصر والسعودية ثم بين مصر وأمريكا بعد ذلك واستطاعت السعودية من خلال كمال أدهم أن تعيد ترتيب الأوضاع في مصر بما يساير الاستراتيجية الأمريكية التي تعتبر السعودية امتدادا عضويا لها في المنطقة العربية..

وعندما تعددت لقاءات السادات مع كمال أدهم أذكر أنه في حديث لي مع هيكل أبدى غضبه الشديد وطلب مني أن أوجه نظر السادات إلى كمال أدهم كبير عملاء المخابرات الأمريكية CIA في المنطقة العربية طلبت منه أن يوجه هو شخصيا السادات إلى هذا الأمر لأنه أقدر مني على إقناعه في هذه الناحية ولكن على ما أذكر لم يفعل ولو كان فعل ما كان في مقدوره أن يبعد كمال أدهم فالعلاقة بين الاثنين علاقة عضوية وكل منهما يمثل امتدادا للآخر كان كمال أدهم يمثل خطورة مزودة بثقله السعودي وثقله الأمريكي بالضغط الذي يمكن أن يحدثه في اتجاه إجراء تغييرات اجتماعية واقتصادية في مصر تخل بالخط الاشتراكي الذي أرسته ثورة 23 يوليو وكان تحالفه مع الرجعية المصرية التي تحارب في نفس الاتجاه تحالفا طبيعيا يهدد بمزيد من الضغط للتراجع عن هذا الخط من قبل السادات.» ويكشف كتاب «البحث عن الذات» عن أسرار هذه العلاقة بين السادات وكمال أدهم (ص 251 وما بعدها) حيث يقول:

وفي السعودية كان الملك فيصل صديقا شخصيا لي منذ 21 عاما بالذات منذ المؤتمر الإسلامي في عام 1955 وكان وقتها وليا للعهد وبرغم حرب اليمن ظللنا أصدقاء (وقد يلقى هذا القول الضوء على الدور المزود للسادات في حرب اليمن)

ويسترسل السادات:

وفي المغرب ترجع صلاتي بالملك الحسن الثاني إلى عام 1969 حين ذهبت بدلا من عبد الناصر لأحضر أول مؤتمر يعقد من أجل حرق المسجد الأقصى وهناك توطدت علاقة أخوية وصداقة بيني وبين الحسن وبلغني أن الملك فيصل قال للمك الحسن: «إذا أراد الله لمصر خيرا يحكمها السادات»

ويلقى جيم هوجلاند محرر الشئون الخارجية في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في عدد الصحيفة الصادرة في 25/ 2/ 1977 الضوء على العلاقة بين السادات وكمال أدهم مستقيا معلوماته من وثائق لجنة المخابرات الأمريكية برئاسة واحد من أبرز أعضاء الكونجرس الأمريكي وهو السناتور «تشرس» حيث يشير على إحدى هذه الوثائق التي تؤكد أن أنور السادات قد عمل في أوائل الستينيات تحت رئاسة كمال أدهم الذي كان رئيسا للمخابرات الأمريكية وذلك بأن حفظ العرش السعودي مما أطلقت عليه الوثيقة: «مؤامرات عبد الناصر» لأن السادات كان يبلغهم بها وكان السادات في هذه الفترة يتولى مسئولية الجانب السياسي في حرب اليمن إلى جانب علاقته الوثيقة مع عبد الناصر ويذكر الزيات أنه عندما كان السادات رئيسا لمجلس الأمة في ذلك الحين كانت مقابلاته مع السفير الأمريكي منتظمة في مكتب بمجلس الأمة وذات مرة سأله الزيات عن أسباب هذه المقابلات فكان رده أن السفير الأمريكي يبدي تعاطفه لأننا بمساعدة اليمن إنما ننقل الشعب اليمني من غياهب القرون الوسطى إلى القرن العشرين..

وإذن فقد كانت هنا علاقة ثابتة بين السادات وبين CIA وكان همزة الوصل أو المقاول هو كمال أدهم ومن الثابت أيضا أن الموساد تقوم بعمل المخابرات الأمريكية في بعض مناطق الشرق الأوسط فالعلاقة العضوية بين المخابرات الأمريكية والإسرائيلية حقيقة وعندما تختار المخابرات شخصا ليصبح عميلا فإنها تختاره لسبب واضح ولمهمة محددة فإذا قام بها ونفذها كما ينبغي فتحت له المخابرات أبواب المجد وكانت وفاة جمال عبد الناصر تعني لأنور السادات فتح أبواب المجد..

كانت تقارير السفارة المصرية في عمان في صيف عام 1970 تشير إلى قرب الصدام بين الجيش الأردني والمقاومة الفلسطينية مما قد يؤدي إلى تصفية المقاومة الفلسطينية التي كانت قد بدأت تنظيم نفسها للعمل ضد العدو الصهيوني الذي يحتل الأراضي العربية في فلسطين وبين السلطة في كل من لبنان والأردن..

كانت الأردن ولبنان يريان أن هذه الأعمال تعرض أمن البلدين للخطر..

وكان جمال عبد الناصر يرى أن على مصر أن تحافظ وتؤمن حركة المقاومة الفلسطينية مع تفادي الصدام مع السلطة الشرعية في كل من لبنان والأردن..

والواقع أن مصر كانت وسيطا جيدا عندما اصطدمت المقاومة مع السلطة اللبنانية سنة 1969 عندئذ دعا جمال عبد الناصر كلا من ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية والعمال البستاني قائد الجيس اللبناني إلى القاهرة وكان الرئيس شارك الحلو قد بعث للرئيس عبد الناصر يشكو من عدم وجود تنسيق بين المقاومة والجيش اللبناني مما يؤدي إلى وضع القيود على الحركة الفلسطينية..

وبالفعل عقدت عدة اجتماعات بين الرئيس عبد الناصر وبين ياسر عرفات والعماد البستاني ثم تكررت الاجتماعات مع السيد محمود رياض وزير الخارجية الذي يقول في مذكراته «أنه رأى لتأمين الاجتماعات وسريتها أن تتم في مبنى وزارة الحربية» وشارك فيها بالطبع الفريق فوزي وبعد عدة جلسات أمكن عقد «اتفاق القاهرة» وهو الاتفاق الذي جرى العمل به طوال الأربع السنوات التالية (69- 1973)....

وما كاد الموقف يستقر في لبنان حتى بدأ يضطرب في الأردن كأنما كان المقصود اختلاق أسباب لتصفية المقاومة سواء كانت في لبنان أو الأردن. .وكان تصفية المقاومة يعني دق إسفين في الجبهة الشرقية ويعترف محمود رياض بأن عبد الناصر كان يشعر بالقلق الشديد خوفا على مصير المقاومة وكان يغذي هذا القلق ما كان يصلنا من معلومات تشير إلى أن واشنطن وراء هذه المحاولات للصدام بين المقاومة والسلطة في كل من الأردن ولبنان..

كنت أرى بأن أي صدام أردني فلسطيني سوف يؤثر بشكل خطير على الجبهة الشرقية وكانت خطتنا لتحرير الأرض ترتكز على قيام جبهة شرقية فعالة تضم سوريا والأردن والعراق والمقاومة الفلسطينية...» (146)

وجاء الملك حسين إلى القاهرة في الأسبوع الثالث من أغسطس سنة 1970 وكان ضيق الصدر بتصرفات المقاومة التي كانت ترى أن رد إسرائيل على الأعمال الفدائية والذي قد يأخذ شكل احتلالها لمزيد من الأراضي العربية سوف يدفع الدول العربية إلى تعبئة مواردها وإمكانياتها للتصدي للعدوان الإسرائيلي وتحرير فلسطين في النهاية كان الملك حسين بالطبع يرفض هذا الرأي ويرى أن استفزاز إسرائيل سيؤدي إلى احتلال إسرائيل لمزيد من الأراضي العربية بيما يجب العمل بكل الوسائل للمحافظة على ما لدينا من أراض ننطلق منها من أجل استرجاع ما فقدناه في حرب 1967 .

وعندما اجتمع الملك حسين بعبد الناصر في الإسكندرية أثار الملك حسين موضوع تفاقم الخلاف بين السلطة الأردنية والمقاومة الفلسطينية وأشار الملك إلى قيامهم بعمليات داخل إسرائيل عبر الحدود الأردنية دون تنسيق مع سلطات الجيش مما يؤدي إلى قيام إسرائيل بغارات مفاجئة على القرى الأردنية.

وكان رد عبد الناصر هو أنه لا يجب مهاجمة المنظمة ولا العمل ضد الفلسطينيين لأن المستفيد في هذه الحالة هو العدو..

وقد أورد السيد محمود رياض في مذكراته نص كلام الرئيس ناصر حيث قال للملك حسين:

أرجو أن تأخذهم بالصبر حتى ولو أخطأوا وذلك من أجل شعبك ومن أجل الشعب الفلسطيني ولا تنسى أن سيدنا أيوب كان من سكان نهر الأردن.. إنني أكرر أن تتعاملوا في هذا الموضوع بالعمل السياسي وليس بالعمل البوليسي.

رد الملك حسين

سيادة الرئيس أما عن صبر أيوب فهذا هو شعار سياستنا منذ أمد طويل ولكن هناك ولا شك حدود للصبر إن وجود جميع منظمات المقاومة على أرضنا نقل إلينا كل التناقضات الموجودة في العالم العربي...

ولم يمر أسبوعان على هذا اللقاء حتى تفجر الموقف بين المقاومة والسلطات الأردنية وعقد مجلس الجامعة العربية اجتماعا طارئا وشكل لجنة سافرت إلى عمان لهذا الغرض يوم 7 سبتمبر 1970...

وفي نفس الوقت وقع تطور آخر أدى إلى تصعيد الموقف على المستوى الخارجي فقد قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باختطاف 3 طائرات يوم 7 سبتمبر وحول المختطفون اثنين من تلك الطائرات: الأولى بوينج 707 تابعة لشركة الخطوط الجوية العالمية والثانية دي سي 8 تابعة لشركة الخطوط الجوية السويسرية إلى مطار المفرق بالأردن أما الطائرة الثالثة فكانت بوينج 747 وجاء بها المختطفون إلى مطار القاهرة وأخرجوا الركاب منها ونسفوها...

وبعد يومين أي في يوم 9سبتمبر قامت عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باختطاف طائرة رابعة تابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية عبر البحار وانضمت إلى الطائرتين في مطار المفرق وتجاوز عدد الرهائن 500 شخص وبعد أن نسفت الجبهة الشعبية الطائرات في مطار المفرق أطلقت سراح معظم الرهائن في يوم 13 سبتمبر واحتفظت بأربعين راكبا كرهائن مقابل الإفراج عن فدائيين فلسطينيين محتجزين في سجون إسرائيل وسويسرا وألمانيا الغربية.

وقد أدى هذا إلى رد فعل دولي خطير مما اضطر منظمة التحرير الفلسطينية إلى إصدار بيان بتجميد عضوية جبهة التحرير الشعبية..

كانت هذه فرصة سانحة لضرب المقاومة.

• السخط الدولي على المقاومة بسبب اختطاف الطائرات.

• الاستفزازات المتصاعدة بين السلطة الأردنية والمقاومة.

• الانشقاق داخل صفوف المنظمة بسبب الموقف من قضية اختطاف الطائرات..


وقرر الملك حسين تشكيل حكومة عسكرية في الأردن يوم 15/ 9/ 1970 التي أصدرت أمرا إلى أفراد المقاومة الفلسطينية بتسليم أسلحتهم وبدأت الحكومة الأمريكية تسرب أنباء عن ضرورة الاستعانة بإسرائيل لتأديب المقاومة وبعد أن انتشرت هذه الأنباء وصلت 25 طائرة فانتوم أمريكية إلى قاعدة «انسرليك» بجنوب تركيا وبدأ الأسطول السادس يتحرك في البحر الأبيض للقيام بمظاهرة عسكرية لإيقاف عبد الناصر عند حده إذا أراد أن يتحرك لمساعدة المقاومة..

في هذا الوقت كانت القوات المسلحة المصرية قد تمكنت من الوقوف على قدميها بعد هزيمة يونيو 1967 واستطاعت أن تغير الموقف في منطقة القناة لصالحها لهذا بالإضافة إلى التواجد السوفيتي القتالي في مصر(147) وكان الرئيس عبد الناصر قد ناشد في أول مايو سنة 1970 ناشد الرئيس الأمريكي نيكسون بوقف دعمه لإسرائيل بالطائرات الفانتوم مقابل عدم تعريض المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر..

كان هذا في أول مايو سنة 1970 وبعد شهر واحد أي في يونيو سنة 1970 أيقنت الولايات المتحدة الأمريكية أن دعمها المستمر لإسرائيل سوف يعرض مصالحها مع العالم العربي للخطر وأن التواجد السوفيتي القتالي سوف يزداد كلما تصاعدت العمليات العسكرية وأن خسائر الطائرات الأمريكية الفانتوم والإسكاي هوك آخذة في الزيادة وكانت خسائر إسرائيل من هذه الطائرات قد وصلت في شهر يونيو ويوليو إلى 18 طائرة تدمير وإصابة أكثر من 50 طائرة وتحركت واشنطن وقدمت مشروعا للتسوية الشاملة على الجبهات الثلاث يتضمن وقف إطلاق نيران مؤقت تمهيدا لمفاوضات غير مباشرة تحت رعاية الأمم المتحدة في نيويورك وهو المشروع الذي سمي بمبادرة روجرز والذي على أساسه توقف إطلاق النار اعتبارا من أول أغسطس سنة 1970..

لم يكن هناك شك في أن التحرك السريع للولايات المتحدة الأمريكية لإيقاف حرب الاستنزاف بصفة مؤقتة مثيرا للريبة والشك فما أن قبلت مصر المبادرة وتوقف إطلاق النار في أول أغسطس سنة 1970حتى بدأت المناوشات بين المقاومة والجيش الأردني وتصاعدت إلى أصدر الملك حسين قراره بتشكيل الحكومة العسكرية في 15/ 9/ 1970 التي أصدرت أول أوامرها للمقاومة بتسليم أسلحتها ثم كان المظاهرة العسكرية الأمريكية في شرق البحر الأبيض المتوسط التي كانت تتم تحت اسم «مناورة» ويذكر هيكل في 16/ 10/ 1970 استنادا إلى تقارير وكالات الأنباء أنه كان مقررا أن يشهد الرئيس نيكسون هذه المناورة من جسر حامل الطائرات «ساراتوجا» في البحر الأبيض وكان المقصود من هذه العملية كلها على حد قول «ماكس فرانكل» الصحفي بالنيويورك تايمز الذي كان يرافق الرئيس نيكسون على ظهر حاملة الطائرات «ساراتوجا» كان المقصود شيئا واحدا:

أن يسمع جمال عبد الناصر في القاهرة دوي ما دافع الأسطول الأمريكي السادس..

وكان الموعد المقرر لبدء المناورة هو الساعة العاشرة من مساء يوم 28/ 9/ 1970...

وليس من قبيل الصدف بالطبع أن يكون أنور السادات في استديو الأخبار بالتليفزيون المصري الساعة العاشرة مساء يوم 28/ 9/ 1970 ليعلن على العالم وفاة جمال عبد الناصر إنه نفس الوقت الذي اختاره نيكسون لبدء المناورة في شرق البحر الأبيض..!

قبل هذا بيوم واحد في 27/ 9/ 1970 كان مؤتمر القاهرة (هيلتون) قد توصل إلى اتفاق جماعي ينص على:

أولا: إيقاف إطلاق النار فورا بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني في جميع المواقع بالأردن..

ثانيا: انسحاب الجيش الأردني وأفراد المقاومة من كافة المدن قبل مغرب نفس اليوم.

ثالثا: تكليف لجنة برئاسة الباهي الأدغم ممثل الرئيس التونسي بالسفر إلى الأردن في اليوم التالي مباشرة (28/ 9/ 1970) لمتابعة تنفيذ الاتفاق

لقد كان الموقف في الأردن بين المقاومة والجيش الأردني على وشك الانفجار الذي يشعل حربا جديدة في المنطقة قد تمتد نيرانها إلى القوتين الأعظم..

استجابت سوريا لنداء المقاومة لمساعدتها وأنفذت لواء مدرعا إلى الأردن.. وكان دخول المدرعات السورية حدود الأردن هو العامل الذي استندت إليه واشنطن لتغيير طبيعة المشكلة من مشكلة محلية إلى مشكلة دولية خاصة وأنها زعمت أن تحرك اللواء السوري المدرع يستند إلى قوة الأسطول السوفيتي الذي كان يتمركز وقتها في البحر الأبيض..

وكان الخطر الآخر الذي كان يجري حسابه هو أن تنتهز إسرائيل الفرصة لتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا وبرغم أن مصر لم تكن تملك القوات التي تساعد بها سوريا إلا أن مصر كما يقول محمود رياض وزير الخارجية كانت تستأنفي القتال في جبهة سيناء وهذا ما كان يؤدي إلى حرب جديدة..

لقد جرى تصور الأزمة بين المقاومة وحكومة الأردن التي كانت مصممة على تصفيتها على أنها مواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وكان كسينجر كما يذكر في مذكراته يدفع رئيسه ريتشارد نيكسون إلى سحق المقاومة باعتبارها ضربة للاتحاد السوفيتي متجاهلا أنه لم يكن للاتحاد السوفيتي أية مصالح ليدافع عنها في الأردن وكان كيسنجر يكتب:

«أنني أعتبر أنه من الضروري أن نحافظ على حكم الملك حسين، فمن المهم أن ندلك على أن الصداقة مع الغرب واتباع سياسة خارجية معتدلة سوف تتم مكافأتها بالمساندة الأمريكية الفعالة..»

وتكشف مذكرات كيسنجر في هذا الوقت سبتمبر 1970 عن كراهيته وحقده على جمال عبد الناصر فيقول:

«إنني شعرت بميل وانحياز نحو مساندة الملك حسين حينما كان ذلك ممكنا تماما مثلما سعيت إلى إحباط ناصر طالما أنه يعتمد بهذا العمق على علاقته بالسوفييت ويساند كل الحركات الراديكالية ومن ثم فقد بدا لي الآن أن من المهم أن ندلل على أن الصداقة مع الولايات المتحدة لها منافعها لقد كان حسين يناصر الاعتدال دائما ويقاوم المد الراديكالي ويتفادى الشعارات المعادية للغرب وهكذا فإن الأردن في رأي كانت اختبارا لقدرتنا على التحكم في أحداث المنطقة..»

وبالطبع فقد تجاهل السيد كسينجر أن قضية الملك حسين لم تكن هي فقط سحق الفدائيين الفلسطينيين وقتئذ وإنما كانت قضية أيضا منذ 1967 هي استعادة الضفة الغريبة من إسرائي وهي قضية اجتمع من أجلها كسينجر أكثر من مرة مع الملك حسين بغير أن يحاول كسينجر أن يدلل عمليا على أن «الصداقة مع أمريكا لها منافعها»(148)

وبقدر ما يعترف كيسنجر بأن كن يسعى إلى إحباط عبد الناصر مدعيا أن السبب في ذلك هو اعتماده على السوفيت بقدر ما يتجاهل حقيقة أن الذي سعى إلى وقف القتال في الأردن هو عبد الناصر وأن مساندة كيسنجر لسحق الفدائيين الفلسطينيين هي في الواقع مساندة لهدف إسرائيلي وليس لهدف أردني..

وكان كيسنجر يرى أن دخول المدرعات السورية إلى الحدود الأردنية يوم 18 سبتمبر سنة 1970 كان بدافع من السوفيت ومن ثم ففي تهديد سوريا وانسحابها هزيمة للسوفييت وهذا مخالف للحقيقة لأن الاتحاد السوفيتي نصح سوريا بسحب مدرعاتها.

لقد كانت بصمات الولايات المتحدة على الأزمة واضحة وكان الكثيرون من الساسة يدركون للولايات المتحدة وإسرائيل مصلحة مؤكدة في انهيار الجبهة الشرقية وازدياد الخلافات العربية..

كانت إسرائيل تريد ترسيخ التوسع في الأراضي المحتلة بعد حرب 1967 وهذا لن يتم إلا بالهدوء على الجبهة الجنوبية وقد تم ذلك بموجب مبادرة روجرز وبقي أن يتحقق ذلك بانهيار الجبهة الشرقية وهذا ما كانوا يريدونه ولكن عبد الناصر كان يقف في طريقهم وكان عليهم لكي يصلوا إلى أغراضهم أن يزيحوه من طريقهم ..

وكان هناك رحل جري إعداده بدقة وحاصل على كل المؤهلات التي كفل له الشرعية وفي يده ورقة رسمية تقول بأنه نائب رئيس الجمهورية ولم يكن هناك صعوبة في عملية الاستبدال إلا في الكيفية التي يختفي بها جمال عبد الناصر من على المسرح كيف؟؟؟ هل يكفي أن ينزل الستار ثم يقوم الممثلون بخنق البطل؟؟

وكانت هناك مفاوضات ولقاءات واجتماعات كثيرة قد تمت للإعداد لهذا اليوم اليوم المحدد لإنزال الستار على البطل..

كان الملك فيصل قد حضر مؤتمر القاهرة (هيلتون) وكان الوفد السعودي من أكبر وفود المؤتمر وكان أنور السادات هو الزائر المفضل للوفد ورئيسه الملك فيصل..

وكانت هناك علاقات سابقة للسادات مع الأسرة المالكة السعودية ومع رجل السعودية القوي كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية وممثل الcia في المنطقة والذي أصبح فيما بعد الزائر شبه الدائم للسادات بعد عام 1970.

وإذا كان جمال عبد الناصر قد ذهب إلى الهيلتون يوم 23 سبتمبر وكانت إقامته في الدور 11 واستمر هناك لمدة خمسة أيام حتى مساء 27/ 9/ 1970 وخلا الخمسة الأيام هذه كانت الرتوش النهائية قد تمت للتخلص منه قبل أن يتوصل إلى قرار إجماعي بإيقاف مذبحة الفلسطينيين في الأردن.

وكان لدي المخططين محوران:

المحور الأول: يتم فيه التمهيد للقضاء على عبد الناصر من خلال فندق هيلتون الذي يصل فيه رأس المال الصهيوني إلى 54٪ ويحث يقدم الفندق من خلال مطبخه وجبات الطعام للملوك والرؤساء والوفود المختلفة..

وصحيح أن هناك إشرافا على وجبات الطعام التي تقدم للرئيس عبد الناصر ولكن إشراف غير دقيق وغير محكم لأن المشرفين على هذه العملية كانوا يفتقرون إلى المعرفة الضرورية بإجراءات حماية رئيس الجمهورية عن عمد وسوء قصد أو عن حسن نية وبلاهة...

ومنذ اليوم الأول لوجود الرئيس في الهيلتون فإنه بدأ يشعر بالتعب والإرهاق وعلى الرغم من وجود عدد من رفاقه معه ضمن الوفد المصري مثل: أنور السادات حسين الشافعي علي صبري.. وهيكل فإن كل من كتب عن هذه الأيام يسجل بأمانة تامة أن التعب والإرهاق كانا يحاصران عبد الناصر وكانا يعلنان عن وجودهما في طريقة السير في التنقل وفي الجلوس والنهوض وفي لون الوجه وفي حركات اليدين وفي الحيوية الضائعة وفي ضيق الصدر البادي للعيان وفي فترات الراحة الطويلة التي يطلبها الرئيس..

ويقدم لنا هيكل في مقالته الشهيرة «28 سبتمبر الأربع والعشرون ساعة الأخيرة» المنشورة في 16/ 10/ 1970 يقدم لنا صورة تكاد تنطلق بالمرض والألم يقول:

«وعندما انتهت الجلسة في الثالثة والنصف (27/ 9/ 1970) كنت في انتظاره بجناحه في الدور الحادي عشر وعرفت منه بعض التفاصيل عما حدث وتركته ليستريح بعض الوقت ودخل إلى غرفة نومه وكانت الساعة الرابعة وتوجهت أنا إلى بيت وكان الموعد المحدد للجلسة الختامية هو السادسة مساء...

وفي الساعة الخامسة كنت أدخل على أطراف أصابعي مرة أخرى إلى جناحه وكان محمد داود (149)

الذي يقوم بخدمته الخاصة واقفا على باب حجرة النوم واقترب منى يقول:

- إن الرئيس نائم، وقد طلب إيقاظه في الساعة الخامسة والنصف.

ودخلت غرفة الصالون المواجهة لغرف النوم واتجهت إلى الشرفة أطل منها على النيل وأنتظر.. وبعد دقائق جاءني محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس يقول لي:

- إن الرئيس نميري والسيد الأدغم في طريقهما الآن إلى جناح الرئيس فهل نوقظه؟

- ونظرتا في ساعتي كما أتذكر جيدا وكانت الخامسة وسبع دقائق وقلت:


- ننتظر بعض الوقت نعطيه دقائق إضافية من النوم لو كنا نستطيع..

- ويمضي هيكل في سرد بعض الوقائع إلى أن يذكر أن محمد داود الذي يقوم على خدمة الرئيس جاء إليه يطلبه إلى غرفة نوم الرئيس:


وذهبت وكان واقفا بجوار الفراش واستمع إلى في ثوان قليلة ثم قال:

«اجلس معهما أي مع نميري والباهي الأدغم وسف آخذ حماما سريعا وألحق بكم..»

واستطرد وهو يتنهد:

لقد كنت في نوم عميق من شدة التعب(150) هذه الصورة التي يقدمها هيكل ويستعيدها ويكررها في كل ما كتب تكشف عن متاعب حقيقية ظهرت لدى الرئيس منذ وجوده في الهيلتون فماذا حدث له هناك؟

لقد أعدت مشاهدة جزء من فيلم وثائقي عن عبد الناصر وفيه يظهر عبد الناصر في مؤتمر هيلتون والفيلم صور يوم 25/9/ 1970 أي قبل الوفاة بثلاثة أيام وكان التعب باديا عليه بصورة واضحة ألم يسترع هذا التعب نظر المحيطين بعبد الناصر ويسألوا عن السبب وعما إذا كان قد تناول شيئا ضارا من عدمه؟؟؟ وهل فكر أحد من السادة الأطباء الذين يزعمون أنهم كانوا يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم وليتهم ما فعلوا هل فكر أحد منهم في أن يعمل للرئيس chek ub؟

ويبدو أنه كن مقررا أن يموت عبد الناصر في الهيلتون وليس بعد ذلك لكنه تحامل على نفسه أكثر ولم يمت إلا بعد المؤتمر وفي 28/ 9/ 1970...

المحور الثاني: كان المحور الثاني للقضاء على عبد الناصر يتم من خلال أطبائه بحيث يبدو فيه الأمر على أسوا الفروض إذا ما انكشف وكأنه خطأ طبي أو خطأ في التشخيص ويعالج بالتالي على هذا الأساس الخاطئ وعندئذ يفقد حياته..

كانت عملية القضاء على عبد الناصر تبدأ في الهيلتون فإذا فشلت تستكمل في منشية البكري وهذا ما حدث بالضبط..

نهض الرئيس جمال عبد الناصر صباح ذلك اليوم (الاثنين 28/ 9/ 1970 كعادته دائما حوالي الثامنة ألقى نظرة على الصحف ووصل طبيبه الخاص د. الصاوي حبيب وأعطاه حقنة الأنسولين اليومية وتختلف الأقوال بعد ذلك عما إذا كان قد أجرى له د. الصاوي رسما للقلب من عدمه فطبقا لرواية هيكل المنشورة في 16/ 10/ 1970 أنه تحدث بالتليفون مع الرئيس جمال عبد الناصر الذي قال له: «أجد نفسي غير قادر على الوقوف» كان ذلك طبقا لرواية هيكل الساعة الواحدة ظهرا إثر عودته من توديع الملك فيصل يوم الاثنين 28/ 9/ 1970 وعندئذ سأله هيكل تليفونيا..

هل رأيت الطبيب؟

وأجاب:

كان عندي الدكتور الصاوي وأجرى رسما جديدا للقلب وقال إن كل شيء كما هو فهل كان يعني أن الدكتور الصاوي قد أجرى رسما للقلب صباحا وقت تعطاي الأنسولين أم في وقت معاصر للمحادثة التليفونية مع هيكل؟

الثابت لدينا أن د. الصاوي حبيب زاره في صباح يوم 28 9/ 1970 وأعطى له حقنة الأنسولين ولم أمكث معه سوى 15 دقيقة هو الوقت الذي استغرقه الكشف الطبي عليه ولم ألاحظ عليه شيئا غير عادي وبالطبع كشفت عليه كويس يعني قياس الضغط والقلب وعلى كل حال الريس راح مشواره وأنا مش عارف أنا كان برنامجي إيه يومها وعلى كل حال فأنا خلصت وجايز أكون قعدت في المكتب شوية وبعدين ذهبت إلى بيتي وعندئذ استدعيت حوالي الساعة الثالثة والنصف أو الثالث و45دقيقة..»

هذا يعني أن د. الصاوي حيب لم ير الرئيس عبد الناصر إلا في صباح ذلك اليوم فإذا كان قد أجرى رسما للقلب فإنه يكون قد أجراه في الصباح لكنه لم يذكر أنه أجرى رسما للقلب إنما كشف على القلب بالسماعة..

فمن أين إذن استقى هيكل معلوماته عن رسم القلب لأنه من الثابت والحال كذلك أنه لم يجري للرئيس رسما للقلب ولا يمكن أن يذكر جمال عبد الناصر شيئا لم يحدث هذا من ناحية ومن مناحية أخرى فإن الجملة التي أوردها هيكل على لسان الرئيس هي: كان عندي الدكتور الصاوي وقد أجرى رسما جديدا للقلب وقال عن كل شيء كما هو..

فهذه الجملة تعني أن هناك رسما للقبل جديدا غير الرسم القديم ثم تسقط الجملة في بلاهة منقطعة النظير إذ ماذا يعني أن كل شيئ كما هو ماذا يقصد بها إنها جملة فاقدة المعنى ونظرا لأنها غير صحيحة فإنها أخذت هذا الوضع غير المفهوم..

ولذا فنحن نستبعد أنه قد جرى رسم للقلب للرئيس جمال عبد الناصر لا صباح يوم 28/ 9/ 1970 لأن الطبيب الذي زاره لا يقر بأنه أجرى رسما له ولا ظهر يوم 28/ 9/ 1970 لأ،ه لم ير أحدا من الأطباء في فترة الظهيرة..

لكن لماذا أورد هيكل هذه القصة؟ ثم ما الذي تعنيه هذه القصة بهذه الطريقة؟؟

هذه القصة أوردها هيكل لصالح د. الصاوي حبيب الذي يزعم بأن موت عبد الناصر قد تم بجلطة في الشريان التاجي جلطة مفاجئة لا يمكن أن تنبئ عن نفسها أو تعلن عن قدومها في رسم للقلب أو كشف بالسماعة وتعني هذه القصة أن الرئيس جمال عبد الناصر كان تحت رعاية مكثفة من أطبائه وهذا غير صحيح بالمرة..

والواقع أن منظومة الموت بجلطة في الشريان التاجي للقلب لا تخدم د. الصاوي حبيب فقط بل تخدم أيضا د. منصور فايز المقول بأن كان المشرف على علاج عبد الناصر وتظهرهم بأنهم قاموا بكل الاحتياطيات اللازمة إلا أن الجلطة أو السكتة القلبية فأجأتهم وهذا لا يد لهم فيه..

ويذكر لي الدكتور الصاوي حبيب أنه كان يريد أن يتكلم مع أحد ولم يجد عندئذ إلا أن يذهب إلى هيكل في مكتبه ويقول له إنه يريد أن يقول له كل شيء وما قاله له كان هو المادة الرئيسية التي اعتمد عليها هيكل في مقاله المنشور في 16/ 9/ 1970 بعنوان «28 سبتمبر الأربع والعشرون ساعة الأخيرة..»

فهل ما ذكره د. الصاوي حبيب للأستاذ هيكل هو الحقيقة أم كان سيناريو جديدا متفق عليه للوفاة؟؟

وعلى كل حال فقد أفلتت الحقيقة من قلم هيكل عندما ذكر له عبد الناصر ظهر يوم الوفاة: « أجد نفسي غير قادر على الوقوف» فمتاعب الرئيس بدأت إذن منذ الصباح..

يذكر محمود الجيار مدير مدير مكتب عبد الناصر في ذكرياته أنه كان في المطار أثناء وداع الرئيس عبد الناصر للملك فيصل الذي تم قبل الظهر وأنه بعد تحرك الطائرة وأثناء دوران الرئيس للوراء أختل توازنه ومال إلى السقوط فاقتربت منه بحيث لو سقط لسقط فوقي ووقتها يمكنني أن أسنده»

فالمتاعب الصحية والواضح كما سبق القول بدأ يعانيها الرئيس عبد الناصر منذ الصباح.. فلنرى ماذا تناول في هذا الصباح الحزين؟؟

في البداية لا بد أ، نسلم بأنه تناول حقنة أنسولين من الدكتور الصاوي حبيب فما الذي كانت تحتوي عليه هذه الحقنة هل كانت تحتوي على الأنسولين فعلا؟ وهل كان الأنسولين بالكمية المضبوطة؟ ويذكر د الصاوي حبيب: «أن الرئيس عبد الناصر كانت احتياجاته من السكر قليلة جدا واحنا كنا نتفادى أن يحدث له: هيبوجلاسيما (أي غيبوبة زيادة السكر في الدم» وقد سبق أن حدثت له هذه الحالة وفيها يفقد المريض وعيه وتعرف أيضا هذه الحالة بasidosis وتظهر رائحة الأسيتون في زفير المريض مع حدوث قيء والتهاب حاد بالبطن ويصبح جلد المريض جافا ويظهر في تحليل البول (سكر + أسيتون)

يتحدث د. أحمد الغريب وهو من أكبر أساتذة الغدد الصماء ومرض السكر في كتاب له صدر عن دار المعارف بعنوان (مرض السكر للمواطن والممارس العام) يتحدث عن مرض السكر وعن أنواع العلاج لهذا المرض ويطرح في ص 27 سؤالا هاما: هل هناك مضاعفات من استعمال الأنسولين؟

ويجب د. الغريب على السؤال بقوله:

لكل عقار مضاعفاته حتى الأسبرين لا يخلو من مضاعفات ولكن الأنسولين إذا فهم المريض كيف يعمل اتقى شر مضاعفاته فإذا زادت كمية الأنسولين عن المعدل اللازم لاحتراق ما أكله من طعام انتهى به إلى نقص في كمية السكر وإذا حدث وأخذ الأنسولين مثلا ولم يأكل فقد أعرض حقنة الأدرينالين لمريض الربو مثلا فيشعر بصداع وعرق مع هزال شديد ويمكن إسعاف المريض في الحال إذا كان واعيا بإعطائه قدرا من السكر مذابا في الماء أو حلوي أما إذا فقد الوعي فلابد من أخذ الجلوكوز حقنا في الوريد وإذا ترك المريض مدة طويلة فاقد الوعي دون تشخيص فإن الأمل في شفائه ضعيف فقد تحدث أثناء هذه الغيبوبة جلطة بالقلب أو المخ.

ويؤكد د. الغريب على ضرورة نقل المريض فورا إلى المستشفى في حالة الغيبوبة مع إعطائه سكرا في الحال ..

إذن فكمية الأنسولين هامة جدا وعلى هذه الكمية تتوقف أحيانا حياة مريض السكر وكمية الأنسولين سلاح ذو حدين إن الأنسولين كالقنبلة الذرية يمكن استعماله للأغراض السلمية وللأغراض التدميرية ويتوقف هذا على الكمية ليس إلا ..

كمية الأنسولين هامة جدا وسوف يؤكد لنا د. الصاوي حبيب أنه أعطى الرئيس الكمية المناسبة والمعتادة ولكن من يدري؟؟ أن الدكتور الصاوي حبيب يصر دائما على اعتبار كل ما يتصل بنوع العلاج والعقاقير الخاصة بعبد الناصر يعتبرها سرا من الأسرار العسكرية لكنه لا يعتبر أمراض الرئيس بنفس الأهمية أو يغلفها بنفس القدسية لأن العلاج والعقاقير تتصل بذات الطبيب التي لا يجب أن تمس بينما مرض الرئيس من الشئون العامة لا قيد ولا حرج من الإعلان عنها والتحدث فيها خاصة وأنه غائب عنا..

غير حقنة الأنسولين التي تناولها الرئيس عبد الناصر في الصباح جلس على المائدة وتناول نصف تفاحة طبقا لأقوال تحية هانم (حرم الرئيس) للدكتور رفاعي كامل(151) وطبقا لأقوال هيكل(152) أنه تناول تفاحة واحدة من صندوق تفاح جاء به الوفد اللبناني إلى مؤتمر القاهرة ثم فنجان قهوة مع السيدة حرمه..»

بعد ساعتين أي في الساعة الحادية عشرة تقريب بدأت المتاعب تظهر على الرئيس عبد الناصر وكل الذين تحدثوا إليه تليفونيا أو مواجهة وكل الذين شاهدوه شعروا بأن الرئيس يعاني من متاعب حقيقية والرئيس نفسه لم يستطيع أن يخفي تعبه ألا يدفعنا هذا إلى الشك في سلامة التفاحة التي تناولها الرئيس؟

فمن أين حصل مطبخ الرئيس عبد الناصر على هذه التفاحة؟؟

ذكر ي السيد محمد أحمد سكرتير الرئيس والذي كان مرافقا له طوال مدة عقد مؤتمر القاهرة بفندق الهيلتون أن الوفد اللبناني لم يحمل معه إلى الرئيس صندوق تفاح بل لم يحمل له أيه هدية على الإطلاق ونحن نتفق مع نفي السيد محمد لأنه نفي منطقي فليس من المعقول أن يحضر الوفد اللبناني على عجل لمؤتمر يناقش مذبحة الفلسطينيين في الأردن ويحمل معه صندوقا مليئا بالتفاح بالإضافة إلى هذا لدى السيد محمد أحمد تعليمات واضحة وصريحة بعدم قبول أي هدايا من أي وفد وخاصة الهدايا اللبنانية وبالتالي فلا يمكن أن تكون هذه التفاحة التي تناولها الرئيس مصدرها الوفد اللبناني ي مؤتمر القمة لكن السيد هيكل يكرر هذه الرواية أكثر من مرة ويصر على أن الوفد اللبناني جاء بصندوق تفاح وأن هذه التفاحة من هذا الصندوق ولما كان من الثابت أن الوفد اللبناني لم يحمل معه تفاحًا فليق لنا السيد هيكل مصدر هذه التفاحة فهو لا شك يعرف مصدرها وإلى أن يصرح لنا بذلك فإننا نسأل عن هذا المصدر فربما عثرنا عليه..

قرر لي السيد المهندس جمال الحسيني والذي كان مشرفا على عملية شراء الخضروات والفواكه وتخزينها في بيت الرئيس أنه لم يتلق صندوقا من التفاح اللبناني خلال فترة عقد المؤتمر أي في الفترة من 23 سبتمبر إلى 27 سبتمبر سنة 1970

لا نريد أن نأخذ ما تردد بين خاصة من الناس أنه عن طريق عميل مزروع بصرف النظر عن جنسيته وعن الجهة التي يعمل لحسابها عميل مزروع في بيت عبد الناصر وصلت هذه التفاحة إلى مائدة الرئيس بعد حقنها بالسم طويل المفعول لا نريد أن نأخذ هذا الكلام على محمل الصدق..لكن أيضا لا ينبغي تجاهله كلية لوجود ارتباط بين تناول التفاحة وبين المتاعب التي بدأ يعانيها الرئيس ذلك الصباح من يوم 28/ 29/ 1970..

كان بالطبع من الضروري سؤال كل من يعمل في بيت الرئيس لكن الصعوبة في ذلك أن عددا غير قليل من الذين كانوا يعملون بالخدمة في بيت الرئيس كانوا يتبعون جهات معينة وبعضهم كان منتدبا من المخابرات وبعضهم كان منتدبا من وزارات والبعض الأخير كان يعمل بين رئاسة الجمهورية في قصر القبة حين كان حسن التهامي وزيرا لشئون الرئاسة ومكتبه ونفوذه وسلطاته هناك وبين بين الرئيس في منشية البكري..

كذلك كان بعض العاملين في بيت الرئيس مرؤوسا لرئاسات خارج منشية البكري وهؤلاء بالطبع لا يمكن السيطرة عليهم..

والواقع أن هناك شخصين كانا مسئولين مباشرة عن حماية بيت عبد الناصر وتأمينه هما: السيد سامي شرف وزير الدولة ومدير مكتب الرئيس للمعلومات وكان مكتبه لا يبعد عن بيت الرئيس أكثر من 15 خطوة وأما الشخص الثاني فهو السيد محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس هذان الشخصان هما المسئولان عن دخول أي شخص إلى بيت الرئيس عبد الناصر ولا يمكن لأحد غير أهل البيت أن يخطو خطوة إلى داخل منشية البكري غلا بتصريح وموافقة من سامي شرف أو محمد أحمد فيقل لنا أحدهما من الذي وضع التفاحة على مائدة الرئيس جمال عبد الناصر صباح يوم الاثنين 28 سبتمبر سنة 1970 وإلى أن يتكرم أحدهما بالإجابة على هذا السؤال فلنعد خطوة إلى الوراء مجرد دقائق قبل تناول الرئيس التفاحة أو نصفها.

ففي هذا الوقت كان الدكتور الصاوي حبيب يعطي حقنة الأنسولين للرئيس مع افتراض حسن النية الكامل فإن الطيب يعرف بالضبط المسافة التي يقطعها الأنسولين في الجسم ليصبح بعدها المريض في حاجة إلى كمية أخرى من الأنسولين ووجبة أخرى من الطعام وطبقا لأقوال د. الصاوي حبيب فإن الرئيس كان يتناول كمية قليلة من الأنسولين وأنه أعطاه الأنسولين فيما بين الساعة الثامنة والتاسعة صباحا بعدها تناول الرئيس نصف تفاحة أو تفاحة كاملة ..

التفاحة تحتوي على (60- 80) سعرا حراريًا بينما كان الرئيس في حاجة إلى حوالي 1000 سعر حراري في فترة الصباح فلنفرض جدلا أنه تناول فنجانا من القهوة به قطعة من السكر تزن 8 جرامات وعلى هذا فإنها تمنح صاحبها 32 سعرا حراريا..

كذلك فإن الأنسولين يستمر في الجسم من 6 إلى 8 ساعات هذا إذا لم يبذل الشخص مجهودا مميزا أو غير معتاد لكننا نلاحظ أن الرئيس قد بذل جهدا مميزا في الانتقال من البيت إلى المطار لتوديع الملك فيصل بما في ذلك القيام بمراسيم التوديع التي تستغرق أكثر من 30 دقيقة ومن هنا وبعد هذا المجهود العضلي تبخر السكر واحترق وأصبح في حاجة إلى سكر جديد وإلى أنسولين جديد وقد عاد إلى البيت منهكا وما كاد يصل حتى ذهب إلى فراشه ليمنح نفسه بعض الراحة استعداد لحضور الوداع الأخير الذي كان مقررا أن يتم حوالي الثانية عشرة ظهرا لكن أمير الكويت التقى بالجالية الكويتية وعلى هذا فقد تأخرت طائرته إلى الثانية بعد الظهر..

وكان تعب الرئيس وإرهاقه في هذه الفترة ما بعد الظهر ...

وكان تعب الرئيس وإرهاقه في هذه الفترة فترة ما بعد الظهر أقوى وأظهر من أن تخفى على أحد حتى إن اللواء فؤاد عبد الحي السكرتير الخاص المساعد للرئيس اتصل تليفونيا بكبير الياوران الفريق أول سعد الدين متولي الذي كان ينتظر حضور الرئيس بالمطار وطلب منه أن يطلب من السيد النائب أنور السادات بأن يستقبل أمير الكويت ويجلس معه ي استراحة المطار إلى أن يصل الرئيس لأنه متعب قليلا..

ويقدم هيكل صورة محزنة عن متاعبه وآلامه وكيف شكا إليه الرئيس وكيف طلب منه هيكل بأن يستريح وكيف قال له الرئيس إنه متعب جدا ومظاهر كثيرة وقوية وشديدة كانت تتطلب من ورفاق الرئيس أن يسألوا ويستفسروا ماذا ألم بالرئيس ؟؟ لماذا لا يذهب إلى المستشفى ؟

لماذا لا ينقله أطباؤه بالقوة إلى غرفة العناية المركزة ويسلطون الأضواء الكاشفة على جسمه ليعرفوا سر تعبه وانهياره؟ لماذا وقف السادات والشافعي وعلي صبري والفريق فوزي يتفرجون على الرئس عبد الناصر وهو يكاد يسقط بينهم ولا يتحرك واحد منهم ويصر على نقله إلى المستشفى أو يطلب له طبيبا مخلصا من غير هيئة الأطباء الذين احتكروا المتاجرة بعلاجه وأوصلوه إلى باب القبر بعبقريتهم ونبوغهم وإخلاصهم؟؟

وعلى كل حال فلنسترجع معا بعض ما قرره شهود العيان عن رؤيتهم لجمال عبد الناصر يوم 28 سبتمبر سنة 1970

• في الصفحة 263 من كتاب «البحث عن الذات» قرر السادات أن الرئيس عبد الناصر عانى من مظاهر كومة السكر منذ الصباح فعند توديع الملك فيصل في الصباح نبهني كبير الياوران الفريق أول سعد متولي إلى أن قدمي الرئيس جمال قد (لفت على بعضها) وهو يسير فطلبت من عبد الناصر أن يذهب ليستريح في بيته وأقوم أنا نيابة عنه بتوديع أمير الكويت ولكنه رفض»

ويسترد السادات:

«كان من الواضح أنه يتحامل على نفسه فعندما ركب أمير الكويت بعد الظهر طائرته لم يتحرك عبد الناصر من أمام الطائرة بل وقف مكانه والعرق يتصبب من وجهه وقد امتقع وجهه بصفرة رهيبة فطلب أن تأتي السيارة إلى حيث كان..»

• وذكر السيد أمين هويدي وكان وزيرا للدولة ومشرفا على المخابرات: في أثناء توديع أميرا الكويت شعر الرئيس بأنه غير قادر على الوقوف وطلب سيارته لتقله من حيث يقف لأنه أصبح عاجزا عن السير إليها وركب السيارة وهو يجر رجليه إلخ...

• وذكر الفريق أول سعد الدين متولي كبير الياوران أن الرئيس عبد الناصر كان متعبا منذ الصباح وأن مظاهر التعب بدت أشد بعد الظهر عند توديعه لأمير الكويت فقد اختصر مراسم التوديع وعندما استراح في الصالون وذهب إليه ليخبره بأن كل شيء جاهز وطاقم الطائرة مستعد ليهيئ نفسه لتوديع الضيف طلب منه الرئيس هامسا «خليني أريح شوية» كما قرر كبير الياوران أن الرئيس عندما حضر إلى المطار كان يتحامل على نفسه لينهض من صالون السيارة وقد تعلق بالمقبض الكائن بطرف الباب ليتمكن من الخروج..


• وقرر الفريق أول محمد فوزي أن مظاهر التعب والإرهاق كانت بادية تماما على الرئيس عبد الناصر.

• وقرر اللواء فؤاد عبد الحي أن الرئيس عبد الناصر كان في السيارة أثناء العودة من المطار بعد توديع أمير الكويت يسند رأسه بيد وباليد الأخرى يمسك بمقبض السيارة وكان التعب باديا عليه..

• وذكر د. رفاعي كامل أنه كان بالبيت يشاهد مراسم توديع أمير الكويت بالتليفزيون ولاحظ أن الرئيس كان يسير إلى جانب ضيفه وهو يتصبب عرقا ورجليه تلف على بعضهما ولم يستطيع التوجه إلى السيارة لأن صلاح الشاهد كان ينادي له على السيارة وهذه أعراض كومة نقص السكر

• اللواء عز الدين عثمان وكيل وزارة الداخلية والمسئول عن الأمن الخارجي للرئيس (أي الامن خارج بيت الرئيس) قال لي في لقاء معه بتاريخ 12/ 11/ 1966 أنه لاحظ أن وداع أميرا الكويت استغرق وقتا أكثر من اللازم وأثناء التوديع كان يبدو كمن يضع رأسه على كتف أمير الكويت وقال إنه حيا الرئيس ولكنه لم يرد التحية كما كان يفعل دائما واكتفى بإيمائة رأسه..

• اللواء فاضل عثمان رئيس مكتب أمن الدولة بالمطار قرر أنه رأى الرئيس عبد الناصر بعد زهر يوم 28 سبتمبر وأن التعب كان يبدو واضحا عليه..

وبعد ألم يكن هناك سبب لنقل جمال عبد الناصر إلى غرفة العناية بمستشفى المعادي العسكري؟؟

كانت الساعة الثالثة و 20 دقيقة من بعد ظهر يوم 28 سبتمبر سنة 1970 عندما انفتحت بوابة بيت الرئيس في منشية البكري وهبط منها حارسه الخاص من جانب السائق وفتح له باب السيارة وهبط الرئيس جمال عبد الناصر بصعوبة شديدة ومن الجانب الآخر هبط اللواء فؤاد عبد الحي وأسرع سبقه إلى داخل البيت وفتح له باب المصعد وكانت تحية هانم في أعلى السلم الصغير الموصل بين الدور الأول وبين الصالة التي كان يسير فيها الرئيس متجها نحو المصعد ولاحظت حرمه أن «رجليه تلف على بعضها» ولذا فقد استقبلته عندما وصل المصعد وبادرها بقوله: إنه لا يستطيع أن يضع في فمه شيئا الآن..

واتجه إلى حجرته وخلع ثيابه وارتدى بيجامته ثم ارتمى على فراشه في انتظار طبيبة الدكتور الصاوي حبيب الذي وصل الساعة الرابعة إلا ثلثا وربما كانت الساعة قد وصلت إلى الرابعة..

وطلب د. الصاوي على الفور: «أي عصير » حسب تعبيره لمحمد حسنين هيكل وجاءته السيد قرينته بكوب من عصير البرتقال وخرجت بعد أن غلقت الباب وراءها وقد ذكر محمود الجيار أنه رأى كوب العصير لم يمس..(!)

وبعد 15 دقيقة طلب د. الصاوي من اللواء فؤاد عبد الحي من خلا توصيلة التليفون أن يستدعي الدكتور منصور فايز ثم بعد دقيقتين طلب استدعاء د. زكي الرملي..

في الساعة الرابعة و 40 دقيقة كان الرئيس قد فشل تماما في مقاومة التدهور الذي يعتر به منذ الصباح في غيبوبة كانت متوقعة تماما..

بعد خمس دقائق أي في الساعة الرابعة و 45 دقيقة كان الرئيس عبد الناصر في غيبوبة كاملة وبعد 5 دقائق أخرى وصل د. منصور فايز وعلى أثره وصل د. زكي الرملي ولم يعد هناك ما يمكن عمله إلا الاتفاق على سيناريو مقبول لمواجهة هذا الموقف.

ويبدو أن د. الصاوي عندما اتصل بالدكتور منصور فايز ليسرع بالمجيء لخص له الحالة فنصحه بإعطائه حقنة إنتستين وهي حقنة مثبطة ولما لم يجد هذه الحقنة نفعا فإنه كما يذكر د. رفاعي كامل قد أعطى له حقنتين من عقار الpantopon (بانتوبون) وهو من مشتقات المورفين ويعطي لإيقاف الألم وتهدئة الحالة الصعبة لكنه في حالة عبد الناصر فقد كانت هذه الحقن الثلاث هي التي عجلت بوفاته كما يؤكد ذلك د. رفاعي كامل..

مات عبد الناصر إذن في الساعة الرابعة و 50 دقيقة تقريبا يؤكد ذلك أنه في الساعة السادسة و 15 دقيقة أعلن د. منصور فايز لرفاق عبد الناصر وأصدقائه الذين كانوا قد تجمعوا في حجرته أنه مات فلما سألوا بدهشة مشوبة بالعجب: ومتى حدث هذا ونحن هنا منذ أكثر من نصف ساعة.

قال د. منصور فايز: لقد مات منذ ساعة ونصف هل سبقنا الأحداث؟؟

نعم وعلى كل حال فقد كان السيناريو يحتم على الأطباء أن يثبتوا أنهم بذلوا كل المحاولات الممكنة للإبقاء على حياة الزعيم لكن الموت كان أسبق إليه منهم...

كان السيناريو الذي أعد على الفور هو:

طلب أنبوبة أكسجين..

- استدعاء د. طه عبد العزيز للقيام بعمل صدمات كهربية لتنبيه القلب وتنظيم ضرباته وإلى أن يصل يعمل تدليك للقلب..

- يعطي حقن من الأدرينالين فورا في عضلة القلب لتكون شاهدا على صحة المحاولات التي بذلت

- وبدأ التنفيذي على الفور فاستدعي على عجل «سفرجي» كان يقف بالباب يدعى فؤاد زكي وطلب إليه أن يسرع بإحضار أنبوبة أكسجين من صيدلية البيت الواقعة بالدور الثاني بمنى السكرتارية الخاصة..

- وهرع فؤاد زكي إل الصيدلية فوجدها مغلقة وكان المشرف عليها د. صلاح جبر يحمل المفتاح معه كالعادة في مثل هذه المواقف فذهب فؤاد زكي والفزع يسيطر عليه إلى اللواء فؤاد عبد الحي وقال له: «عايزين أوكسجين الريس تبعان والصيدلية مقفولة..»

- تحرك فؤاد عبد الحي سريعا مع اثنين من أفراد الحرس وحطموا باب الصيدلية وحملوا الأنبوبة إلى غرفة الريس ولم تقف هذه الواقعة على فؤاد عبد الحي الذي أدرك على الفور أن هناك شيئا غير عادي في حجرة الرئيس عبد الناصر فقد لاحظ منذ وصول د. الصاوي حبيب أنه لم يخرج من حجرة الرئيس بل وعلى العكس استدعى عددا من زملائه الأطباء عن طريقه وبنفسه وقد مضى عليه داخل الحجرة أكثر من ساعة والدكتور منصور فايز والدكتور زكي الرملي وصل أيضا ولكن أحدا منهم لم يخرج لابد أن الأمر خطير وأن ما يحدث في الداخل أخطر..

- وتوصل فؤاد عبد الحي إلى قرار بدأ تنفيذه على الفور وهو أن يخطر رؤساءه ومن هم أكبر منه فرفع سماعة التليفون وأخطر رئيسه المباشر السيد محمد أحمد فقال له: هل طلبت د. منصور قال له: نعم...

وفيما بعد ذكر د. منصور فايز أنه «بعد ظهر يوم 28 سبتمبر سنة 1970 اتصل بي السيد فؤاد عبد الحي من السكرتارية الخاصة للرئيس وقال لي إن الدكتور الصاوي موجود عند الرئيس ويطلب حضورك فورا لأن الرئيس متعب وتوجهت في الحال إلى منزل الرئيس ووصلت في الرابعة وخمسين دقيقة وبعدي بدقائق وصل الدكتور زكي الرملي الذي كان الدكتور الصاوي قد استدعاه أيضا.»

وبعد قليل تلقى فؤاد عبد الحي أمرا من د. الصاوي أو من د. منصور باستدعاء د. طه عبد العزيز أستاذ القلب والأخصائي في استخدام أجهزة الصدمة وتنظيم ضربات القلب ولا يذكر فؤاد عبد الحي متى تلقى هذا الأمر بالضبط لكنه على أيه حال فقد طلب د. طه عبد العزيز بيته بالعجوزة وقال بالتحديد:

سيادة الرئيس تعبان قوي تعالى بعربيتك فورا...

بعد عشر دقائق كان د. طه عبد العزيز يدخل من بوابة بيت الرئيس ويتجه فورا إلى فؤاد عبد الحي الذي طلبه ليسأله عن الخبر وأين يتوجه..


قال له فؤاد عبد الحي: «أطلع فوق للدكتور صلاح جبر»

كان قد تم استدعاء د. صلاح جبر المشرف على الصيدلية وكان يعمل نائبا لرئيس القسم الطبي..

وعصفت الدهشة بالدكتور طه عبد العزيز كيف يستدعونه من بيته على عجل ثم يلون به في الصيدلية؟؟ ولهذا فقد ظن د. طه أن الاستدعاء كان من قيل الأعمال الروتينية إلا أنه عاد واسترجع ما قاله له فؤاد عبد الحي في التليفون:

«سيادة الرئيس تعبان قوي تعالى بعربيتك فورا...»

تلفت د. طه عبد العزيز ورأى د. صلاح جبر وهو ينظر إلى نقطة ما في سقف الصيدلية وكأنما يحدث نفسه قال: تصور يا طه طلبوا اسطوانات أوكسجين ح يعملوا بيها إيه..

في الجانب الأخر من الصيدلية كان الدكتور محمود فراج يرقد على كنبة كان نصف نائم فتح عينه ثم نهض قائلا: أنا ح أتوضأ علشان المغرب.

كان الدكتور طه عبد العزيز جاهزا للصلاة ولذا فقد أديا الصلاة سويا وكان التوقيت الصيفي هو المتبع فكانت صلاة المغرب تحين في السادسة تقريبا لقد ظل الأطباء في الحجرة المغلقة حتى هذا الوقت دون أن يخرج منهم أحد ليقول شيئا وفي الوقت نفسه كان اللواء فؤاد عبد الحي يجري اتصالا بالمسئولين واحدا بعد الآخر وكان هذا يبلغ بدوره ذاك وهكذا..

بعد الانتهاء من الصلاة بدأ القلق يساور طه عبد العزيز لم يسأل ولم يستفسر إن ما يحدث في الداخل سر لا يبوح به إلا أصحاب الشأن لأصحاب الشأن...

ولم يكن د. طه عبد العزيز من أصحاب الشأن كان يؤدي واجبه في صمت وإخلاص وهو الوحيد من بين الذين دخلوا بيت الرئيس للاشتراك في علاجه يطلب منه شخصيا كل الذين دخلوا بين الرئيس لعلاج الرئيس دخلوا عن طريق محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس أو عن طريق الدكتور أحمد روت الطبيب الخاص للرئيس والمسئول عنه منذ قيام الثورة حتى 1967 .

لكن د. طه عبد العزيز دخل منشية البكري دون تصريح أو إذن من محمد أحمد ولا من د. ثروت فكيف استطع الدكتور طه أن يتعدى هذين الحاجزين ويقفز عليهما ويدق باب الرئيس؟؟

إن د. طه عبد العزيز يتولى الآن منصب كبير أطباء رئاسة الجمهورية وهو أحد سبعة أطباء كبار يديرون أكبر مركز للقلب في ضاحية مصر الجديدة والمركز يضم د. حمدي السيد أستاذ القلب الشهير والذي كان نقيبا للأطباء لعدة دورات ود فايز فايق رئيس معهد القلب بإمبابة ود. إسماعيل سلام أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس وقد كان د. طه عبد العزيز الطبيب المصري الوحيد الذي اختير للإشراف على علاج شاه إيران وقد طلبت منه أخيار إحدى دور النشر الأمريكية كتابة صفحتين عن الحالة المرضية التي كان يعاني منها الشاة وعلاقتها بالقلب ورغم الإغراء المادي فقد اعتذر الرجل لحساسية المنصب الحالي الذي يتولاه في رئاسة الجمهورية..

كيف أصبح د. طه عبد العزيز ضمن أطباء عبد الناصر؟ إن الدكتور طه عبد العزيز من مواليد 9 نوفمبر سنة 1955 نوفمبر سنة 1930 وحصل على بكالوريوس الطب من جامعة الإسكندرية سنة 955 وكان د. محمود صلاح الدين ضمن أساتذته وهو الذي كلف فيما بعد بالإشراف على علاج الرئيس عبد الناصر إثر إصابته بالجلطة القلية في سبتمبر سنة 1969 وحصل د. طه على دبلومة طب الأطفال ودبلوم الأمراض الباطنية ودبلوم أمراض القلب ثم الدكتوراه في الأمراض الباطنية وأمراض القلب ثم الدكتوراه في الأمراض الباطنية ويتمتع بزمالة كلية الأطباء بلندن وقد عمل فترة بمستشفى hammer smith hospital التابع لجامعة لندن وعند عودته اختير لعمل بمستشفى القوات المسلحة بالمعادي في يوليو سنة 1965 وعندما افتتحت رسميا في 23 أكتوبر سنة 1965 كان برتبة رائد طبيب وكان ضمن فريق الأطباء العاملين بأقسام العناية المركزة intensive care وهي الأقسام التي أنكر وجودها الدكتور الصاوي حبيب الطبيب الخاص بالرئيس عبد الناصر والذي رفض أن ينقله إليها وتذرع بأن هذه الأقسام لا وجود لها)..

لقد استطردت في الكلام عن د. طه عبد العزيز لأنه الطبيب الخامس الذي جاء توقيعه على شهادة وفاة عبد الناصر ولأنه الطبيب الذي أوكل إليه القيام بإعطاء الرئيس صمه لإيقاظ قلبه والعمل على انتظام ضرباته في اللحظات الأخيرة ولأنه الطيب الوحيد من الأطباء الخمسة الموقعين على شهادة الوفاة الذي ظل صامتا منذ ليلة 28 سبتمبر سنة 1970 حتى الآن (سبتمبر سنة 1988) أي ثمانية عشر عاما كاملة..

كيف وصل د. طه عبد العزيز إلى بيت عبد الناصر إذن؟

وصل إلى هناك وأصبح من طاقم أطباءه بطريق الصدفة البحتة...

ففي الثاني من شهر يناير سنة 1969 أصيب الليثي شقيق عبد الناصر بحادث في طرق الإسكندرية ونقل على الفور إلى مستشفى المواساة حيث تلقفه على الفور الدكتور محمود صلاح الدين أستاذ القلب بجامعة الإسكندرية وتولى حكم مركزه وخبرته وتخصصه رئاسة الفريق المعالج وكان الليثي بالإضافة إلى الإصابة مريضا بجلطة في القلب وبسكر في الدم..

وفي هذا اليوم كان د. طه عبد العزيز بالصدفة نوبتجي بمستشفى المعادي العسكري بأقسام العناية المركزة intensive care

وفوجئ باللواء طبيب حسن توفيق قائد المستشفى يناديه ويطلب منه الإقلاع فورا إلى الإسكندرية ومعه جهاز الصدمات القلبية والإفاقة..

وهكذا ألقى بنفسه في سيارة عسكرية حملته مع أجهزته إلى مطار ألماظة الحربي حيث طارت به طائرة عسكرية إلى الإسكندرية ووصل إلى مستشفى المواساة وطلبوا منه أن يقدم نفسه على الفور إلى الدكتور محمود صلاح الدين الذي طلب منه أن يقوم بعمله على الفور..

وهكذا استقر د. طه مع الليثي في حجرة واحدة بالمستشفى وكان الليثي قد تعرض لعدة أزمات متتالية وأجريت له عدة عمليات ووقع له نزيف بالبطن واستؤصل الطحال واستدعى طبيب أمريكي متخصص وصل في نفس الليلة ومن هنا كان عبد الناصر يراه دائما إلى جانب الليثي وكنا أحيانا يتبادلان حديثا قصيرا موضوعه حالة المريض وعندما شفي الليثي وعاد د طه إلى مستشفى المعادي تلقى أمرا بأن يذهب إلى منشية البكري ويصبح طبيبا من أطباء عبد الناصر..

وكان د. طه عبد العزيز من القلائل في مصر الذين يجيدون استخدام أجهزة تنظيم ضربات القلب أو ما يسمى cardimertor defirilat

كان من الطبيعي إذن أن يستدعي د. طه عبد العزيز منذ اللحظة الأولى بل وقبل الدكتور الصاوي حبيب والدكتور منصور فايز لكنه لم يستدع إلا بعد كتابة السيناريو الذي أشرنا إليه في الصفحات السابقة..

وعلى كل حال وبعد أن أوشك د. طه أن يصاب بالملل فقد دق جرس التليفون بشدة وكان المتكلم هو فؤاد عبد الحي وهو الممثل في هذه اللحظات لكل قوى السلطة والأمن والضبط والربط في منشية البكري..

قال فؤاد عبد الحي بحسم:

الدكتور طه عبد العزيز يدخل حجرة الرئيس ومعه الجهاز..

قفز د. طه من مقعده لقد ظن أن الجهاز ف حجرة الرئيس وإذن فعليه أن يحضره من عربة الإسعاف القابعة في جراج البيت وعلى الفور أسرع اللواء مصطفى عزيز مسئول أمن بيت الرئيس إلى الجراج بينما كان د. طه قد سقه عند باب غرفة الرئيس...

بعد دقائق جاء اللواء عزيز حاملا الجهاز وهو يلهث وهو جهاز تنتجه شركة tranevol بتصريح من شركة zenith ويحمل رقم موديل monopulse 8678 ويعمل الجهاز بقوة 200 حول (الجول وحدة كهربية)

قال من بالداخل: ادخل..

كان المنظر داخل الغرفة مثيرا للدهشة والفزع فقد كان الدكتور الصاوي حبيب يقوم بتدليك القلب وهو عمل لا يمكن أن يقدم عليه طالب بكلية الطب.. لأن تدليك القلب لابد أن يتم على أرض صلبة ليكون مؤثرا بينما كان السرير الراقد عليه عبد الناصر ب «سوسته» وإذا ما كان هناك أمل فإنه لن يتحقق ما دام الضغط والتدليك على سرير ب «سوسته» لأن «السوستة» سوف تمتص الصدمة

توقف د طه عبد العزيز لحظة ليستوعب الموقف بينما أنزل اللواء مصطفى عزيز الجهاز إلى جانب سرير الرئيس ..

كان الرئيس عبد الناصر ممدا على الفراش يرتدي بيجامة بيضاء ذات خطوط زرقاء عريضة والبيجامة مفتوحة من الصدر بينما يمتد خرطوم من أنبوبة أوكسجين إلى الفتحة اليمنى من أنفس الرئيس كان الجزء المكشوف من جسم الرئيس أزرق اللون والوجه أزرق والعينان مفتوحتان كان المنظر يعلن عن صمن أو الوفاة حدثت منذ فترة لا تقل عن ساعة كاملة..

تراجع د. الصاوي إلى الخلف وترك الدكتور طه يقم بتركيب التوصيلات الكهربائية للجهاز بالجسم وأعطى للرئيس حقنة أدرينالين ولاحظ وهو يعطي الحقنة ثقبين آخرين في الصدر ويشي ظهور الثقبين بأن الحقنتين أعطيتا للرئيس بعد الوفاة لأن الثقبين في الجسد الميت لا يلتئم بلا يظل فاغرا فاه ليكشف ما حدث به بعد الوفاة

وفي هذه اللحظات كان يتسلل إلى الحجرة على أطراف أصابعهم رفاق الرئيس ومساعدوه ورجال الدولة وكان السيدان سامي شرف وشعراوي جمعة هما أول من وصل من رجال الدولة ثم جاء علي صبري وحسين الشافعي والفريق فوزي.. وهيكل إلخ...

الكل صامت لا يعرف شيئا إلا أن الدكتور طه عبد العزيز يستعد لإعطاء صدمة والأطباء الآخرين حوله ينتظرون أيضا..

وقد ذكر الجميع وخاصة السادة سامي شرف وشعراوي جمعة والفريق فوزي أنهم عندما حضروا كان الدكتور طه عبد العزيز يقوم بالتوصيلات اللازمة لعمل صدمة ولاحظ بالطبع د. طه عبد العزيز أنه لم يظهر على شاشة الجهاز أي أثر لرسم القلب لقد كان مظهر الرئيس أنه ميت فترة لا تقل عن ساعة ولكن أحيانا يبزغ خاطر كالشهب أن أحاسيس الإنسان تخدعه وأن الآلة قد تكون أصدق وتطبع قبلة الحياة على الجسد الميت وهذا ما دعاه كما سبق القول إلى إعطائه حقنة إدرينالين لتحريك عضلة القلب وعندئذ بدأ الصدمة الأولى وانتفض الجسم وظن الذين حبسوا أنفاسهم أن المعجزة قد وقعت وأن الحياة قد دبت في الجسد الميت، لكن لم تكن هناك ثمة معجزة فمن المألوف أن ينتفض الجسم الميت إذا ما انعقدت الدائرة الكهربائية حول القلب ومست الأعصاب..

في صوت واحد هب الجميع مطالبي بأعادة الصدمة لكن كان من الواضح عبث المحاولة..

وهز د. طه رأسه وهو يركز بصره في عيني الطبيبين منصور فايز والصاوي حبيب فهمس له د. منصور هل نقول لهم الريس مات. ومين يقول؟؟

أشار د طه بأنه سيفك أسلاك الجهاز ويسحب خرطوم الأوكسجين من أنف الرئيس ويغلق الأنبوبة ويتراجع الجميع مبتعدين قليلا عن الفراش وفي هذا الكفاية أو هذا إعلان صامت بأنه لم يعد عناك ما يمكن عمله..

وبالفعل سحب الخرطوم من الأنف وأغلق الأنبوبة ثم فك أسلاك جهاز الصدمة من على صدر الرئيس ثم أغمض عينيه وجذب ملاءة السري وغطى بها الجسد المسجى ثم تباعد عن الفراش وتبعه الآخرين وعندئذ اقترب الفريق فوزي صائحا في وجه د. منصور: قوولا لنا . إيه اللي حصل؟؟

أخرج د. منصور فايز صوتا كأنه صادر من وراء الزمن وقال: الريس مات أمسك به الفريق فوزي وهو يجأر: مات من أمتى..

رد الدكتور طه عبد العزيز مات من ساعة..

وعاد الفريق فوزي يجأر مذعورا مات من ساعة وسايبنا واقفين نتفرج عليكم؟؟

وانفجر الجميع في بكاء حار وعندئذ وصل د. رفاعي كامل الذي اتجه مباشرة إلى الرئيس وأمسك بيده وقال ونادهين لي ليه دلوقتي ثم أعاد الغطاء إلى وجهه وسار نحو مكتبه الصغير وجلس عليه يبكي هو الآخر..

وانتهى بذلك السيناريو الذي وضعه الدكتور الصاوي حبيب والدكتور منصور فايز وجرى التنفيذ طبقا للقواعد المعمول بها وبقي بعد ذلك أن تكتب بعض الأوراق ويوقع عليها عدد من الناس بأن هذا السيناريو قد جرى طبقا للواقع وأن كل كلم فيه صحيحة وصادقة ودقيقة وكان هذا أصعب ما في الموضوع كله..

بقرار سريع من السادات انتقل جثمان الرئيس جمال عبد الناصر إلى قصر القبة وكان ذلك في الساعة التاسعة والنصف من نفس الليلة وبالطبع اجتمع رفاق عبد الناصر والمسئولين في الدول الين تمكنوا من الحضور إثر الوفاة مباشرة وهم بالترتيب التالي لوصولهم شعراوي جمعة سامي شرف الفريق فوزي علي صبري حسين الشافعي محمد أحمد محمود الجيار هيكل حسن التهامي، الفريق الليثي ناصف... ثم أنور السادات الذي حضر حوالي السابعة والنصف وكشف الغطاء عن وجه عبد الناصر والتفت إلى الحاضرين وألقى بجملة غريبة: «هم الدكاترة شافوا شغلهم..؟ » ثم أعاد الغطاء كما كان..

وهبط الجميع إلى الصالون في الدور الأول حيث جرى اجتماع تقرر فيه ما يلي:

1- نقل الجثمان فورا من منشية البكري إلى قصر القبة.

2- تشييع الجنازة يوم الخميس الأول من أكتوبر 1970

3- إذاعة بيان على الشعب

4- تكوين لجنة برئاسة محمد أحمد لتنظيم مراسيم وإجراءات الدفن.

5- يتم اجتماع عاجل اللجنة التنفيذية العليا ومجلس الوزراء بقصر القبة في الساعة العاشرة من مساء نفس اليوم.

لم تتسع الثلاجة العادية لجثمان الراحل العظيم وكان من الضروري أن يحفظ في درجة برودة 16 تحت الصفر إلى أن يحين موعد الدفن وكانت ثلاجة الحفظ الكبيرة الموجودة أسفل المطبخ بالبدروم هي الوحيدة التي يتوافر فهيا أهم شروط الحفظ: أي البرودة الشديدة والاتساع الذي يمكن أن يستوعب الجثمان الذي يصل طوله إلى حوالي 193 سنتيمترا وهكذا وضع الجثمان على نقالة وأدخلت في أرضية الثلاجة..

وبدأ الاجتماع الذي حضره أعضاء اللجنة التنفيذية العليا والوزراء وتولى الرئاسة أنور السادات الذي شرح للحاضرين ما حدث وعندئذ أثار حسن التهامي وزير الدولة لشئون رياسة الجمهورية ضرورة معرفة السبب الرئيسي لوفاة عبد الناصر وانتقل إلى اتهام الأطباء المشرفين على علاج الرئيس بالتقصير والإهمال وهنا لم يجد أنور السادات بدا من دعوة د. منصور فايز باعتباره أكبر الأطباء سنا ليدلي ببيان تفصيلي بما حدث وجاء د. منصور وألقى بيانا استغرق 15 دقيقة أنهاه بقوله: «لقد نفذت إرادة الله ولم تكن هناك قوة تحول دون ذلك لقد عمل المستحيل من أجل الرئيس ولكن علنيا أن نؤمن بأنه لا راد لقضائه.»

ولا نعرف بالطبع إذا ما كان هذا الجزء كان ضمن سيناريو الوفاة أم ملحقا جديدا له وعلى أية حال فإن تقرير الأطباء الموقع عليه منهم وهم خمسة (د رفاعي كامل، د. منصور فايز، د. زكي الرملي، د. الصاوي حبيب، د. طه عبد العزيز) أودع بمضابط مجلس الوزراء بعد الموافقة عليه وانتقل الحاضرون إلى الموضوعات الأخرى في جدول الأعمال وكان على رأسها اختيار رئيس الجمهورية المؤقت إلى حين ترشيحه بواسطة مجلس الأمة ثم الاستفتاء عليه...

لكن تقرير الأطباء حول وفاة عبد الناصر لم يكن آخر شيء في قصة الوفاة لأنه على غير توقع حضر الدكتور كمال مصطفى كبير الأطباء الشرعيين ووكيل وزارة العدل للطب الشرعي وكانت قد أثيرت بعض الأقوال حول أسباب الوفاة بما يناقض ما جاء في تقرير الأطباء وطلب التقرير واطلع عليه إلا أنه رأى أن ما جاء فيه غير كاف لإصدار شهادة وفاة أو ما يسمى بتصريح الدفن وعلى هذا فإن القانون يقضي بتشريح الجثة لإصدار هذه الشهادة ورفض أنور السادات تشريح الجثة وقال ساخرا: «هو الحانوتي ح يقول لنا لأ إلا بالشهادة..؟»

والواقع أن غموضا شديدا يحيط بوصول كبير الأطباء الشرعيين إلى قصر القبة إذ أن وجوده في حد ذاته يثير الشك في أن الوفاة جنائية لأن الطبيب الشرعي لا ينتقل إلا بتكليف من النيابة العامة التي قد تصدر التكليف بناء على قناعات لديها أو أسباب تراها على شكوى من أهل القتيل..

إن التعليمات الصادرة من النيابة العامة ف المسائل الجنائية والصادر بها كتاب وزارة العدل المصرية والمطابقة لتعليمات وزارة العدل للنيابات الصادرة عام 1958 والذي استمر العمل بها من عام 1958 إلى عام 1980 ومن عام 1980 حتى الآن دون تغيير جوهري هذه التعليمات تنص في المادة 429 على ندب الأطباء الشرعيين في الأعمال الآتية:

1- توقيع الكشف الطبي على المصابين في القضايا الجنائية وبيان وصف الإصابة وسببها وتاريخ حدوثها إلخ...

2- تشريح جثث المتوفين في القضايا الجنائية وفي حالات الاشتباه في الوفاة لمعرفة سبب الوفاة وكيفية حدوثها ومدى علاقة الوفاة بالإصابة التي توجد بالجثة.

3- استخراج جثث المتوفين المشتبه في وفاتهم وتشريحها..

4- إبداء الآراء فيما تيعلق بتكييف الحوادث الجنائية أو تقدير مسئولية الأطباء المعالجين..

• وتنص الفقرة الثانية من المادة 433 على ما يلي:

ويجوز للنيابة العامة عند الاقتضاء استدعاء الأطباء الشرعيين والكيمائيين والخبراء في مختلف أقسام الطب الشرعي لمناقشتهم فيما يقدمونه من تقارير عن الأعمال التي ندبوا لها على أن يكون ذلك الاستدعاء في حالة الضرورة القصوى وبعد استطلاع رأي المحامي العام أو رئيس النيابة الكلية...»

كما نتص الفقرة الثانية من المادة 435

وعلى الطبيب الشرعي فحص الحالة بحضور الطبيب أو الأطباء الذين سبق وأبدوا الرأي الأول إن تيسر ذلك وموافاة النيابة العامة بذلك..

وتنص المادة 441

إذا ندب الطبيب الشرعي لتوقيع الكشف الطبي على شخص توفي في ظروف غامضة أو لتشريح جثته فيجب على النيابة العامة أن تطلب إلى الطبي الشرعي إخطارها فورا بنتيجة الكشف أو التشريح لتبادر بالتحقيق إذا تبين أن في الأمر جريمة..

ومقتضى هذا أن الطبيب الشرعي لا يتحرك إلا بناء على تكليف من النيابة العامة والنيابة العامة لا تكلف إلا بناء على شبهة جنائية وقد أعطى القانون للطبيب الشرعي أو كبير الأطباء الشرعيين سلطات واسعة لممارسة واجبات وظيفته فللطبيب الشرعي تشريح الجثة لمعرفة سبب الوفاة وكيفية حدوثها وله استخراج جثث المتوفين وتشريحها وله إبداء الآراء الفنية فيما يتعلق بتكييف الحوادث الجنائية أو تقدير مسئولية الأطباء المعالجين..

وعلى كبير الأطباء الشرعيين أو الطبيب الشرعي المنتدب لتوقيع الكشف الطبي على شخص توفي في ظروف غامضة أن يخطر النيابة العامة فورا بنتيجة الكشف أو التشريح لتبادر بالتحقيق إذا تبين أن في الأمر جريمة..

فكبير الأطباء الشرعيين أو الطبي الشرعي المنتدب لتوقيع الكشف الطبي على شخص توفي في ظروف غامضة أن يخطر النيابة العامة فورا بنتيجة الكشف أو التشريح لتبادر بالتحقيق إذا تبين أن في الأمر جريمة..

فكبير الأطباء الشرعيين لم يكن يقوم نزهة في قصر القبة إنما جاء بناء على تكليف من النائب العام فمن الذي طلب من النائب العام أن يتحرك..

في رأينا أن أحدا من بيت الرئيس عبد الناصر هو الذي أبلغ الناب العام بشكه في أسباب الوفاة فكان على النائب العام أن يكلف كبير الأطباء الشرعيين بإعادة فحص الجثة ولن يتأتي هذا الفحص إلا بتشريح الجثة...

واصطدم تشريح الجثة كما أسلفنا بالرفض القاطع من أنو السادات...

ولدينا احتمال ضعيف بأن حسن التهامي وزير الدولة لرئاسة الجمهورية بصفته تلك طلب من النائب العام أن يأمر بتشريح الجثة فما كان منه إلا أن أرسل كبير الأطباء الشرعيين لهذا الغرض واصطدم هذا برفض السادات لعملية التشريح..لماذا؟؟

هل كان السادات يرى في جسد عبد الناصر ما يسمى بقدسية الجسد في الديانة المسيحية فجسد الميت لا يمس لأن له حرمة وقدسية؟ أم أنه كان يرفض التشريح على اعتبار أن جمال عبد الناصر قد مات وانتهى أمره ولا داعي ل«بهدلة» الجثة لأن هذا يسبب ألما للأسرة؟ أو كان يرى أن الأسباب التي قدمها الأطباء لوفاة عبد الناصر لا تثير شكا ولا ريبة وبالتالي فما الداعي لتشريح الجثة؟؟

كان السادات يصر فعلا وباستماته على رفض تشريح الجثة لكننا سنرى فيما بعد أن السادات قد صرح للعبث بالجثة وأخذ عينات منها فكيف يتفق هذا مع رغبته في رفض التشريح؟؟

يذكر محمود الجبار مدير مكتب الرئيس أنه كان في قصر القبة أثناء وجود الجثة في الثلاجة الكبيرة ببدروم القصر ويحدد ذلك باليوم التالي للوفاة وهو يوم الثلاثاء 29 سبتمبر حيث حضر إليه في مكتبه الفريق أول سعد الدين متولي كبير الياوران ونائبه اللواء صلاح العيد روسي وقالا ل[[محمود الجيار[[ إنهما مرسلان م قبل السادات وحسن التهامي لأخذ مفتاح الثلاجة الموضوع فيها جثة الرئيس لأن لدى السادات والتهامي اثنين من الأجانب ويرادان أخذ الصفة التشريحية ويستطرد محمود الجيار: «أعطيتهما المفاتح وأنا أسألهما عن السبب لأخذ الصفة التشريحية (أي عمل قناع للوجه والذراع والكف والأصابع) فقالا إنما يريدان عمل تمثال ولابد لعمل التمثال من قناع للوجه ليصب عليه التمثال فيكون طبق الأصل ولا أعلم إن كان هذا هو السبب أم حجة لأخذ المفتاح وتصوير ما يريدون وأنا أرى الآن أن المكلف بالعملية كان حسن التهامي وزير الدولة لشئون الرئاسة وقتها وأنه كان مكلفا بها من قبل المخابرات الأمريكية الCIA هذا أن هذا كان مطلبهما وكنت وقتها أثق تماما بحسن التهامي ولو كان عندي شك فيه لكنت أثرت هذا الموضوع..»

ويستطرد محمود الجيار مدير مكتب الرئيس والذي رافقه طوال رحلة الثورة من 23 يوليو 1952حتى وفاته وكان أحد ثلاثة يرافقون عبد الناصر كظله (محمد أحمد الجيار محمود فهيم) يستطرد:

أعطيت المفتاح للفريق سعد الدين متولي وصلاح العيد روسي وبعد أن انتهيا أعاد لي المفتاح ووقتها قال لي سعد الدين متولي إن كبير الأطباء الشرعيين كان معهما أي كان مع الأجنبيين ولا أعلم لماذا استدعوه رغم أنه لم يقم بالكشف الطبي على الجثمان وأنه يقول أي الفريق سعد متولي يقول بأنه يوطد آثار سم بالجثة وقد قال كلامه هذا أمام الحاضرين بعد أن وجد زرقة في منطقة الكتف وهذه الزرقة لا تحدث إلا من تسمم معين وحدد نوعه قتل لهما أي للفريق سعد متولي إننا لا نستطيع لأنني سأتله مرة ثانية فخاف أن يعيد لي ما سبق ذكره بعد أن هب فيه الحاضرين فخاف..

ولم أهتم بهذا الأمر لأنني كنت وقتها ولمدة سنوات أخرى بعدها أثق في حسن التهامي ولم أعلم أن أنور السادات كان معهم أيضا»

وبصرف النظر عن مدى صدق هذه الرواية من عدمه فإن وجود كبير الأطباء الشرعيين كان له ما يبرره، وكان عليه على الأقل أن يقطع الشك باليقين..

ويؤخذ من أقوال السيد محمد أحمد أن كبير الأطباء الشرعيين الدكتور كمال مصطفى لم يمكث في قصر القبة طويلا فما أن حصل على التقرير المودع بضبطه الاجتماع المشترك لاعتماده حتى ذهب إلى بيت الرئيس في منشية البكري وفتحت له حجرة الرئيس ورأى العقاقير والأجهزة التي استعملت كما يقال لإسعافه ولما لم يجد أحدا من الأطباء فإنه عاد إلى قصر القبة حيث التقى بالدكتور رفاعي كامل ثم عاد مرة أخرى إلى منشية البكري ولا يتذكر السيد محمد أحمد السبب الذي دعاه للعودة إلى منشية البكري للمرة الثانية كما لا يكر بمن التقى وهل التقى بأحد من عائلة الرئيس..

هل كان يعتوره الشك أيضا ولم يشأ أن يصر على طلبه تشريح الجثة إلا بعد أن يضع يده على أدلة تخول له التمسك بهذا المطلب فلما لم يجد اضطر إلى الاستسلام واعتماد تقرير الأطباء؟؟

في لقاء مع الدكتور كمال مصطفى كبير الأطباء الشرعيين في أبريل من هذا العام (1988) وكان قد ترك خدمة الحكومة وأحيل إلى التقاعد بعد وفاة عبد الناصر بعام واحد في عام 1971 ذكر لي أن على الطبيب الشرعي أن يصل إلى مكان الحادث قبل الجميع لأن الطبيب الشرعي قاض وعمله من صميم القضاء ومن حقه مثلا أن يقرر ما إذا كان يجب إعدام هذا الشخص المحكوم عليه بالإعدام أم لا وبالتالي فهو يبرئ قاتلا وأيضا يستطيع أن يدفع شخصا إلى السجن وإلى حبل المشنقة بناء على تقرير طبي منه فالطب الشرعي يجب أن يسمى طب العدل..

بالطبع لم يكن تعنيني هذه الفلسفة فليكن الطبيب الشرعي قاضيا أو طبيبا ما نريده من منه أن يقرر الحقيقة بناء على معرفته ومن هنا سألته: كيف استطعت أن توافق أطباء عبد الناصر على موته للأسباب التي حددوها في تقريرهم دون أن تفحص الجثة أو تقوم بتشريحها.؟؟

قال إن فحص الجثة فحصا ظاهريا وفي الفحص الظاهري يوجد ما يمكن الطبيب الشرعي من التعرف على ما بداخل جسم المريض أو جسم الميت الطيب المدقق يضع يده على بطن الشخص فيعف العديد من الأشياء إن جلد الإنسان مثلا يكشف عما هو داخل الجسم وفي القرآن: «شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم» وينتقد د. كمال مصطفى التشريع الجنائي الحالي ويقول إنه مناقض للشريعة لأنه يستبيح جسم الإنسان بحجة معرفة سر مرضه أو سر موته إن الوسائل العلمية الحديثة أصبحت تفي بغرض الطبيب الشرعي فتجعله يستطيع أن يرى ما بداخل جسم الإنسان دون تشريحه إلا أن كثيرا من الأطباء الشرعيين كما يقول د. كمال مصطفى يمثلون حفنة من الذين يرتزقون بالكذب وتنطبق عليهم الآية الكريمة: «وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون»

وقال إنه غير نادم على ما كتبه وذيل به تقرير وفاة عبد الناصر: «لقد طبقت الشيء الواجب وفي الوقت المناسب»

وبالطبع كان وراء هذا الكلام الذي لا يقدم ولا يؤخر شيء هام عمد كبير الأطباء الشرعيين إلى كتمانه وعدم الخوض فيه وهو ما إذا كان عبد الناصر قد مات موته طبيعية سببها جلطة في الشريان التاجي للقلب أم مات بفعل فاعل وبالتالي تكون هناك على الجثة بصمات وأسماء الجناة؟؟

ويبدو أن ما أراد كبير الأطباء الشرعيين أن يخفيه يتعلق أساسا بشبهة الجناية الموجودة دلائلها في الجثة وفي التشخيص والعلاج الخطأ الذي كان عبد الناصر ضحية له ويبدو أن هذا الموضوع وليس إصدار شهادة وفاة قد أثار حفيظة عدد من رفاق عبد الناصر وهددوا باستدعاء أطباء من الاتحاد السوفيتي لفحص جثة عبد الناصر..

وقال لي د. كمال مصطفى لقد اعترضت على استدعاء أطباء من موسكو وقلت لهم: «وأنا هنا.. لا..»

وهذا يعني أنه قد جرت مناقشة حول سبب الوفاة والشك في هل الوفاة جنائية من عدمه وكان لدى الفريق الآخر حل وحيد لحسم القضية وهو استدعاء طبيب شرعي من موسكو ليقرر إذا ما كانت الوفاة جنائية من عدمه لكن كبير الأطباء الشرعيين استنكر دعوة أخصائي أجنبي وسوفيتي على وجه التحدي وهو موجود ..

إذن فسبب الوفاة كانت مثار مناقشة وحوار بل ومشادة أيضا وربما هذا ما أدى إلى أن تتأخر مهمة كبير الأطباء الشرعيين حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي (الثلاثاء 29/ 9/ 1970) ..

والواقع أن الدكتور كمال مصطفى كبير الأطباء الشرعيين لم يكن متعاطفا مع جثمان عبد الناصر لأنه كان يكره عبد الناصر وكان يرى أن الاشتراكية التي ينادي بها عبد الناصر ليست سوى طعن في إرادة الله الذي قسم الأرزاق بين الناس بدلا من ماركس الذي يريد تقسيم الثروة بين الناس كل على قدر عمله وحاجته وقد استاء هذا الطبيب السلفي من اهتمامي المتزايد بعبد الناصر حيا وميتا واعتبر بعدالة الأقدار لأنها خلصت البشرية منه .. و..

إذن فقد مات عبد الناصر وهو الآن وابتداء من الساعة التاسعة والنصف من مساء الاثنين 8 سبتمبر سنة 1970 سيظل ممدودا على نقالة في ثلاجة الحفظ ببدروم قصر القبة إلى أن يحين موعد دفنه في الحادية عشرة من يوم الخميس الموافق أول أكتوبر سنة 1970..

هبطت الطائرة القادمة من فينا أرض المطار ومجرد أن توقفت محركاتها وانفتحت أبوابها حتى صعد على سلمها قفزا ضابط صغير من مكتب المطار وأرع الضابط الشاب إلى مقاعد الدرجة الأولى حيث كان الوزير صالح هدايت المستشار العلمي للرئيس جمال عبد الناصر يتهيأ للنزول تقدم منه الضابط الشاب وقال له:

- سيدي الوزير لدي رسالة من السيد حسن التهامي وزير شئون رياسة الجمهورية بأن تتفضل بالمرور عليه في مكتبه بقصر القبة وأنت في الطريق إلى بيتك..

- كان اليوم هو الثلاثاء 29 سبتمبر سنة 1970 وكانت الساعة تقارب السادسة مساء وهبط صلاح هدايت مسرعا وكان يحمل حقيبة صغيرة في يده ووجد سيارة من الرياسة تنظره على الباب فألقى نفسه فيها وانطلقت السيارة إلى قصر القبة..

- وفي الطريق كان يسمع الأغنية الحزينة من شباب يسير في جماعات رجال نساء أطفال..

الوداع يا جمال يا حبيب الملايين .. الوداع

ثورتك ثورة كفاح عشتها طوال السنين.. الوداع.

إنت عايش في قلوبنا يا جمال الملايين.. الوداع.

إنت ثورة إنت جمرة نذكرك طول السنين .. الوداع.

إنت نوارة بلدنا واحنا عذبنا الحنين... الوداع

إنت ريحانه وزكية لأجل كل الشقيانين .. الوداع

الوداع يا جمال يا حبيب الملايين .. الوداع.

كان صلاح هدايت قد ألصق وجهه بنافذة السيارة يرى وجوه الناس الذين ينشدون هذه الأغنية الحزينة لم يرد دموعا: «ربما كانت جفت»

وبعد قليل وصلت السيارة إلى قصر القبة وصعد على الفور إلى مكتب حسن التهامي في الدور الثاني لم ينس أن يلق نظرة على البدروم حيث يرقد عبد الناصر في ثلاجة قال في نفسه: «كنت مستشارا لهذا الرجل الذي أصبح جثة لم يكن كمثلة أحد..»

نهض حسن التهامي وصافحه واحتضنه وجلسا وبكيا سويا وما كادت القهوة تصل ويرشف كل منهما نصيبه منها حتى انفرجت أسارير حسن التهامي وقال له:

تعرف أنا جبتك ليه هنا؟؟

أجاب صلاح هدايت..

لا ...

رد التهامي:

عايز أستغل مواهبك..

في إيه إن شاء الله..

عايزك تشوف حد من الفنانين بتوعك يجي هنا ويعمل قناع للرئيس بصراحة عايزين الصفة التشريحية للريس..

- وإذا كان كده يبقى ده حاجة كويسه أنا في الواقع فكرت نعمل متحف نلم فيه حاجاته اللي كان بيستعملها في حياته أوراقه أقلامه ثيابه أدواته الخاصة مسدسه الخاص الذي خرج به يوم 23 يوليو لباسه العسكري نياشينه، وصوره، رسائله طبعا بالإضافة إلى أخذ الصفة التشريحية كاملة أي صورة الوجه والجمجمة والذراع والبصمة إن المشاهير وكبار رجال الدولة والرؤساء في الدول الأخرى لهم متاحف تضم كل شيء عنهم ومن هذه المحتويات والأشياء يمكن التعرف عليهم أكثر ها ما أريده..

- قال له حسن التهامي:

- مضبوط ده اللي احنا عايزينه ولا تنسى أن تجيء لي بخصلة من شعره..؟

- ليه؟؟

- أنا عايز أحللها..

- إذن ح نبدأ الليلة أنا أعرف واحد مثال كويس ح أجيبه على طول يعمل له القناع والذراع وبصمة الأصابع..

- حالا ولا تضيع وقتا لأنه ليس أمامنا إلى الغد الأربعاء لأنه سيدفن يوم الخميس كما تعرف..

- في نفس الليلة فوجئ الفنان المثال مصطفى متولي بطرق عنيف على باب مسكنه بشارع البرازيل بالزمالك كان المثال وقتها أستاذ النحت بكلية الفنون وفتح أحد أولاده الباب واندفع إلى الداخل عدد من الرجال يسألون عن مصطفى متولي كان هؤلاء الرجال هم: الوزير صلاح هدايت والدكتور أحمد الحسيني عميد كلية الفنون وصديقي الفنان حسن الشجيع وكان يعمل صباب أي يصب البرونز في قوالب للفنانين..

- ورحب الفنان مصطفى متولي بالجميع خاصة وأنه كان يعرفهم عدا صلاح هدايت الذي قدم نفسه على الفور ويذكر لي مصطفى متولي: الوزير هدايت دخل في الموضوع على طول وقال لي إحنا عايزينك نعمل قناع للريس جمال قبل ما يندفن وتاخد له البصمة..

- والقناع والذراع والبصمة تمثل الصفة التشريحية للإنسان إذ عن طريق دراسة الرأس والوجه والذراع وبصمة اليد والأصابع يمكن عن طريق هذه الصفة التشريحية معرفة الأصول والأنساب فإذا كان الشعر خشنا مثلا فهذا يعني أن صاحب الشخصية له أصول زنجية وهكذا

- قال العميد الدكتور أحمد الحسيني: «أنا قلت لصلاح بيه إن مفيش حد يقدر يعمل الصفة الشخصية للريس إلا مصطفى متولي..»

- يستطرد الفنان مصطفى متولي قائلا:

نهضت على الفور وارتديت ثيابي وسحبت معي انبي محمد عبد النبي وكان بارعا في أعمال النحت ويحبها وهبطنا السلم ومعنا والوزير صلاح هدايت والدكتور الحسيني وحسن الشجيع وركبنا السيارة التي قادها الوزير هدايت وفي الطريق توقفنا لشراء مصيص بعد أن وجدت دكانا لبيع الأسمنت والجبس يعلق أبوابه فأوقفته واشتريت شوال مصيص وضعناه في حقيبة السيارة ثم توقفنا للمرة الثانية ليهبط الدكتور الحسيني بعد أن أدى مهمته في تعريف الوزير بي..

كان الشوارع قاتمة مجلله بالسواد وكان والناس يسيرون في صمت وأسى كأن على رؤوسهم الطير والبيوت قد مال لونها فأصبحت بلا لون ولا هوية وما كدنا نقترب من بوابة قصر القبة حتى هبت مجموعة من الجنود الشاكي السلاح في وجه السيارة وعرفهم الوزير هدايت بنفسه فأفسحوا له الطريق ومن ثم أصبحنا في ثلاجة قصر القبة والرئيس على نقالة بأربع أرجل حديدية..

بدأنا العمل على الفور بعد أن أشار الوزير هدايت إلى اثنين من الحراس خارج باب الثلاجة وفي الحجرة التي بها الثلاجة بأن يمكننا أن نطلب منهما أي شيء وأخرج الوزير مقصا من جيبه وقص به خصلة من شعر الرئيس وضعها ي مظروف أبيض م أغلقه بكل عناية وكنت قد طلبت برميلا إذابة المصيص فيه كما طلبت «فزلين» فجاءوا به من الصيدلية..

ونظرت إلى الوزير هدايت وفهم ما تعين نظرتي فقال لي: «أنا عايز أحتفظ بخصلة الشعر للذكرى» لم أحفل بما قاله يبدو أنه كان يحبه وتوار عنا قليلا ثم أخذ يجهش بالبكاء وبعد قليل لم أجده وقيل لي أن صعد إلى حسن التهامي في مكتبه وضعت الفزلين على وجه الرئس حتى لا تلتصق مادة المصيص بالوجه ثم بدأنا نصب المصيص على وجه الزعيم..

قال الفنان مصطفى متولي:

ما طلبه مني الوزير هدايت كان محددا وهو:

1- صورة للوجه وجزء من العنق أي الوجه والجمجمة..

2- الذراع اليمنى ..

3- بصمة اليد اليمنى..

وبدأت العمل بالترتيب السابق يساعدني ابني محمد عبد النبي وحسن الشجيع وعندما وصلت على كف اليد اليمنى فوجئت بأن أظافره مقصوصة بالطبع لا يمكن القول بأن عبد الناصر كان عصبيا وأنه كان يقضم أظافره لم أر كفا ضائعة من أصابعه الأظافر مثل كف عبد الناصر أين ذهبت أظافره

نظر إلى الفنان مصطفى متولي الذي كان يحكي لي وهو راقد على فراش المرض لا يتحرك وحوله أولاده وقد ذكر لي في معرض كلامه أنه مريض بالسكر وأشار إلى تمثال صغير للرئيس جمال على دولاب ثيابه بالحجرة وقال: «هو برضه كان عنده سكر بس السكر بتاعه كان برونزي يخلي وش الواحد زي البرونز»

وكان الفنان مصطفى يضع قدمه اليمنى على ترابيزة أمامنا والقدم مربوطة بالشاش وكنت بالطبع أعرف أن التهاب القدم من مضاعفات مرض السكر وخاصة عند كبار السن منهم عندما يقومون بقص أظافرهم بأنفسهم ويبدأ الالتهاب بسرعة وقد لا يشعر به المريض لفقدان إحساسه بالقدم حيث يكون هناك انسداد بالشريان الذي يغذي القدم ويصحب ذلك غرغرينا وفي هذه الحالة لابد من بتر قدم المريض أما من تحت الركبة أو فوقها حسب مكان انسداد الشريان ويبدو أن الغرغرينا قد وصلت إلى القدم ولكن أمكن تداركها وهذا ما قاله لي الفنان مصطفى حيث أضاف «كانوا يقطعوا لي رجلي .. يا للا يشيلوها معدش لها لازمة..»

كنت أسمع كلام الفنان مصطفى متولي أفكر في خصلة الشعر التي حصل عليها الوزير صلاح هدايت ثم في الأظافر المقصوصة من اليد اليمنى للرئيس ومن قراءاتي القليل كنت أعرف أن أكثر أعضاء الإنسان التي يتركز فيها السم هي: العظام والأظافر والشعر وها هم قد حصلوا على الشعر والأظافر فهل حصلوا أيضا على قطعة من عظامه وأجبت على نفسي طبعا من الممكن نشر أصبع أو جزء من القدم أو من الكتف لكن لماذا من الذي كان يريد أن يحلل هذه الأعضاء وماذا كان يريد أن يثبت هل مات عبد الناصر مسموما وأراد القائمون بأمر هذه الجريمة إثبات أنهم فعلا نفذوا العملية 100٪ والإثبات لمن ؟؟ بالطبع لأصحاب المصلحة في إزاحة عبد الناصر للمستفيدين من اختفاء عبد الناصر..

لم أقتنع أبدا بأن الصفة التشريحية تتطلب أخذ خصلة من شعر عبد الناصر ولا الحصول على أظافره وما قاله الوزير صلاح هدايت يفتقر إلى المصداقية خصلة الشعر والأظافر عملية أخرى غير الصفة التشريحية تماما..

على كل فلنعد إلى الفنان مصطفى متولي الذي كان يستطرد قائلا:

ظللنا نعمل طوال الليل وبالطبع لم أكتف بعمل قناع واحد للرئيس جمال عبد الناصر بل عملت قناعا آخر لي لأستفيد منه إذا ما أردت أن أصنع تمثالا له..

وفي الصباح جاء الوزير صلاح هدايت ورأى القناع والذراع والكتف وأعجب بالعمل وقلت له: لم أعد في حاجة إلى الجثة أريد الآن حجرة واسعة لأقوم فيها بعمل التشطيبات النهائية للقناع والذراع والكف . وإذا احتجت إلى رؤية وجه عبد الناصر ثانية فهذا لن يستغرق سوى لحظات أيعد فيها النظر للأصل والقناع..

وهكذا حملنا أشياءنا وصعدنا إلى الدور الثاني وقابلنا حسن التهامي الذي رأى القناع والذراع والكف وأعجب بالعمل وأمر بإخلاء حجرة أمام مكتبه لنقوم فيها بإتمام العمل..

سألت الفنان مصطفى:

هل قمت بعمل القناع والذراع والكف بتصريح من كبير الأطباء الشرعيين ...

- أو هل حضر ليرى ما تقوم به من عمل في الجثة؟

- أجاب الفنان مصطفى:


- لا لم أر كبير الأطباء الشرعيين هذا الذي كنت أراه ويتردد دائما أثناء العمل هو حسن التهامي هذا بالطبع غير الوزير صلاح هدايت الذي كان يعتبر نفسه مسئولا عنا..

- يستطرد الفنان مصطفى:

- تم العمل مساء يوم الأربعاء (30 سبتمبر سنة 1970) وسلمت القناع والذراع والكف للوزير حسن التهامي في مكتبه وشكرني بشدة وشكر ابني وحسن الشجيع وخرجت من قصر القبة على أمل العودة لآخذ «العدة» ومعطف العمل لكنني خرجت ولم أستطيع العودة بعد ذلك على الإطلاق أما القناع الذي عملته لنفسي فقد كان يحمل شعيرات من رأس عبد الناصر أيضا وقد التصقت بالمصيص وخرجت مع القناع وأنا أجذبه من على وجهه بعد أن جف..

- قلت في نفسي: «هذه فرصة العمر لأحصل على هذه الشعيرات وأقوم بتحليلها لأقطع الشك باليقين في سبب وفاة عبد الناصر ولهذا سألت الفنان مصطفى عن القناع الآخر فأجاب:

- سلمت القناع للفنان جمال السجيني قبل وفاته بثلاثة سنوات ليصنع منه تمثالا لعبد الناصر ومات السجيني ولم يعد لي القناع بعد ذلك..

- حاولت بالطبع الحصول على القناع من السيدة هدى حرم السجيني إلا أن محاولاتي ضاعت سدى فقد أصيبت حرم الفنن بعد وفاته بحالة نفسية عزلتها عن الناس تماما وفرضت عليها الوحدة وقال لي بواب العمار التي تسكن في شقة منها بالزمالك أنها لا تكلم أحد وال ترد على التليفون ولا تفتح الباب لأحد...

- لم أترك الأمر وكان من الضروري أن أعرف مصير القناع والذراع والكف وخصلة الشعر والأظافر الخاصة بالرئيس جمال عبد الناصر وكانت نقطة البداية عندي هو العثور على الوزير صلاح هدايت وكان آخر منصب تولاه هو منصب وزير دولة في حكومة الدكتور محمد فوزي التي تشكلت بعد انقلاب السادات في 19/ 9/ 1970 وكان صلاح هدايت من قبل وزيرا في عهد عبد الناصر وخاصة في مرحلة التحول الاشتراكي وكان يتولى دائما وزارات البحث العلمي فقد كان ضمن الضباط خريجي كليات العلوم الذين عملوا في سلاح المهندسين وقد عهد إليه عبد الناصر في عام 1962 بزراعة منطقة شاسعة في وادي النطرون تطبيقا لنظرية قال بها لعبد الناصر وهي إمكانية زراعة أشجار للزيتون ذات مناعة خاصة تقاوم البكتيريا والفطريات وقد نجحت هذه النظرية في التطبيق وما زالت هذه المنطقة ترتفع فيها أشجار الزيتون قوية تكتسب على مر الأيام والسنين مناعة ضد أمراض النبات...

- لكن طبيعة صلاح هدايت اصطدمت بطبيعة علي صبري مدير مكتب الرئيس ثم رئيس الوزراء فيما بعد وتقلب بعد ذلك صلاح هدايت في مناصب علمية عدة فكان يمثل مصر في لجنة الطاقة الذرية الدولية واختير في الجامعة العربية ليرأس شعبية الطاقة النووية واختاره عبد الناصر عدة مرات مستشارا علميا له وظل في هذا المنصب إلى أن توفي عبد الناصر في 28/ 9/ 1970 وكان صلاح هدايت يتمتع بحب وتقدير واحترام كل من عرفه أو عمل معه ولصلاح هدايت عدة أبحاث هامة ودولية في مجال الاستثمار الزراعي والتربة وربما كان صلاح هدايت من الوزراء والرفاق القلائل الذين عملوا مع عبد الناصر ولم يستثمروا هذه العلاقة في الحصول على مكاسب أو منافع خاصة أو الإثراء السريع فما زال صلاح هدايت في الفيلا التي كانت تسكنها عائلته في مصر الجديدة ومظهر الفيلا وأثاث البيت المتواضع فيها لا يوحي على الإطلاق بـأن الذي يعيش فيها كان وزيرا لعدة مرات في يوم من الأيام..

- والشيء الوحيد الذي لم أستطيع الاقتراب منه أو تفسيره هو قبوله لمنصب الوزارة في عهد السادات بعد انقلابه في 15مايو سنة 1971 كذلك لم أستطع الربط بين الحصول على هذا المنصب الوزاري وبين المهمة التي قام بها صلاح هدايت بالاشتراك مع حسن التهامي ليلتي 29و 30 سبتمبر سنة 1970 بقصر القبة مع جثمان الزعيم جمال عبد الناصر...

- وعلي أية حال فإن أعاد ترتيب المعلومات على النحو التالي:

أنه علم بوفاة عبد الناصر وكان بمهمة في فينا خاصة باللجنة الدولية للطاقة الذرية بفينا ممثلا للجامعة العربية ولمصر وبالطبع كان على أن أعود على الفور لألقى النظرة الأخيرة على جثمان الراحل العظيم الذي كنت أحمل له في نفسي معزة خاصة ومحبة كبيرة واستطعت الحصول على مقعد بالطائرة التي أقلعة إلى القاهرة في اليوم التالي للوفاة أي يوم الثلاثاء 29/ 9/ 1970 وراودتني فكرة تخليد جمال عبد الناصر وأنا جالس بالطائرة تخليد الزعيم بشكل علمي ومتحضر وذلك بأخذ الصفة التشريحية له قبل أن يواري التراب وتضم هذه الصفة التشريحية أي عمل صبات وأقنعة للوجه والجمجمة والذراع واليد وبصمة اليد وربما القدم كما تضم متعلقات الرئيس في حياته بما في ذلك ثيابه المدنية والعسكرية ونياشينه وصفحات بخطة وأشكال توقيعه على الأوراق والقرارات المصيرية التي أصدرها إلخ.. وتوضح هذه الوثائق كلها تحت نظر لجنة من أساتذة الجامعات والخبراء في شئون الوراثة والأجناس والأحياء..

والذي يقصده الوزير صلاح هدايت هو ما يصطلح على تسميته بالأنثروبولوجيا anthropology أي أن الوزير صلاح هدايت كان يستهدف وضع الصفة التشريحية أمام علماء الأنثروبولوجيا ومهمة هؤلاء العلماء والباحثين هي وصف الخصائص الإنسانية البيولوجية والثقافية المحلية كأنساق مترابطة ومتغيرة عن طريق نماذج ومقاييس ومناهج متطورة وكذلك وصف وتحليل النظم الاجتماعية والتكنولوجيا وبحث الإدراك العقلي للإنسان وابتكاراته ومعتقداته ووسائل اتصالاته وبصفة عامة فإن الأنثرولوجين يهتمون عامة بالفروق القائمة بين شعوب الجنس البشري ومعرفة الطبيعة الإنسانية وتفسير الاختلافات في الملامح الجسمية ولون البشرة والعادات والتقاليد والديانات والفنون وغير ذلك من مظاهر الحياة..

فالصفة التشريحية ودراستها ونتائج هذه الدراسات جزء من متحف يسمى: «متحف عبد الناصر» كالمتحف العالمية في بلدان العالم المختلفة مثل متحف لينين ومتحف روز فلت ومتحف تشرشل ومتحف بتهوفن وشوبرت إلخ فالذي يزور المتحف يمكنه أن يعرف كل شيء عن هذه الشخصية...

تبلورت هذه الفكرة لدى الوزير صلاح هدايت وهو في الطائرة وما أن هبطت الطائرة مطار القاهرة حتى سارع إلى قصر القبة وقابل حسن التهامي باعتباره وزيرا لرياسة الجمهورية وبالتالي فهو المختص الوحيد في هذه الظروف بالموافقة على هذا المشروع المتكامل من عدمه أي مشروع متحف عبد لناصر وبينما كنت أشرح له فكرة المشروع وأتحدث في التفاصيل جاء السادات ولم يكن قد أصبح رئيسا بعد وعلى هذا فقد تمت الموافقة على المشروع واقتضى البدء في المشروع كما يذكر الوزير صلاح هدايت أن يجري أخذ الصفة التشريحة للوجه (الجمجمة) والذراع والكف والأصابع للرئيس جمال عبد الناصر فوافق لكن استوقف صلاح هدايت الذي كان قد نهض ليبدأ التنفيذي وقال له:

لا تنسى تجيب لي شوية شعر من رأسه علشان عايز أحللهم..

ويعلق صلاح هدايت على طلب حسن التهامي الذي كان بموافقة السادات الذي كان حاضرا ولم يعترض يعلق عليه قائلا أصل التهامي بيحب الحاجات دي فهو قد يرى في بعض التصرفات إشارات عن جرائم فهو يتمتع بالحاسة البوليسية.

وهكذا خرج صلاح هدايت من مكتب التهامي وذهب للبحث عن مثال يقوم بعمل الصفة التشريحية لعبد الناصر ولما لم يكن يعرف أحدا فقد لجأ وهذا أمر طبيعي إلى الدكتور أحمد الحسيني عميد كلية الفنون الذي قاده إلى المثال مصطفى متولي رئيس قسم النحت بالكلية الذي قبل المهمة وذهب معه إلى قصر القبة إلخ...

ولا خلاف بعد هذا على ما حدث ولا على ما ذكره المثال مصطفى متولي إلا على نقطة واحدة وهي أظافر عبد الناصر فالسيد صلاح هدايت ينفي أنه تعرض لقض أظافر عبد الناصر لأخذها وتسليمها للسيد حسن التهامي لتحليلها بل أنه لا يعرف شيئا عن هذا الموضوع لكنه اعترف با،ه أخذ خصلة من شعر عبد الناصر ووضعها في مظروف صغير أبيض وسلمها مع الصفة التشريحية القناع والذراع والكف إلى السيد حسن التهامي باعتباره الوزير المسئول..

وكان من الطبيع أن أيعد عليه السؤال للتأكيد:

- أين خصلة الشعر التي أخذتها من شعر عبد الناصر مساء الثلاثاء 29/ 9/ 1970 حالة تواجد جثمان الزعيم في قصر القبة وأين الصفة التشريحية للزعيم؟؟

- وأجاب صلاح هدايت:

- سلمت كل هذا للسيد حسن التهامي وزير شئون رياسة الجمهورية وانقطعت صلتي بالموضوع بعد أن علمت أنه لا توجد رغبة لدى حسن التهامي ولا لدى قيادة البلاد وقتئذ في إقامة متحف لعبد الناصر..

- هل سألت الوزير حسن التهامي عن هذه الأشياء؟

- نعم ذهبت إلى قصر القبة بعد أسبوعين من وفاة الرئيس عبد الناصر لأعرف عما إذا كانوا جادين في تنفيذ مشروع المتحف لكن وجدت تخاذلا وسألت عندئذ عن القناع والذراع والكف وخصلة الشعر الخاصة بالرئيس عبد الناصر إلا أنني فوجئت بالتهامي يقول لي بأنه لا يعرف أين ذهبت هذه الأشياء وعندئذ أدركت أنهم غير جادين في عمل شيء.

- وإذا فلماذا كان حسن التهامي وزير شئون رياسة الجمهورية حريصا على الحصول على خصلة الشعر وبالطبع حصل من قبل على الأظافر والصفة التشريحية للرئيس جمال عبد الناصر

- لا أعرف..

- ألا يمكن أن يكون حسن التهامي قد سلم هذه الأشياء لأسرة الرئيس جمال عبد الناصر؟

- لم يقل ذلك والأسرة لم تتسلم هذه الأشياء بل ربما لا تعلم أنه أخذ خصلة من شعر الرئيس..

- كيف؟

- في الذكرى الأولى لوفاة الرئيس جمال عبد الناصر ذهبت إلى منشية البكري لتقديم العزاء للأسرة وقابلني في البيت خالد عبد الناصر وسألني: «سمعت أنهم عملوا قناع وذراع وبصمة كف لوالدي فين هي الحاجات دي؟؟

- أجبته: فعلا وهي موجودة عند التهامي..

- وبالطبع عدت أسأل التهامي فعاد وأنكر ثم حدث والتقيت بخالد عبد الناصر مرة ثانية وسألني فعدت للمرة الثالثة وسألت التهامي فأنكر وقال إنه لا يعرف أين وضعها وقلت هذا لخالد عبد الناصر وعلى هذا فأسرة جمال عبد الناصر وعلى هذا فأسرة جمال عبد الناصر لم تتسلم هذه الأشياء والمسئول عنها حسن التهامي..

- كان هذا اللقاء بيني وبين الوزير صلاح هدايت في 28 أبريل سنة 1988...

وذهبت في نفس اليوم وقابلت حسن التهامي في بيته بمصر الجديدة وسألته عن الصفة التشريحية لجمال عبد الناصر والمكونة من القناع والجمجمة والذراع والكف والأصابع ثم خصلة الشعر والأظافر وقلت لهإن الوزير صلاح هدايت قرر لي أنه سلمك هذه الأشياء مساء الأربعاء 30/ 9/ 1970 باعتبارك كنت وزيرا لشئون رياسة الجمهورية ووافقت مع السادات على إقامة متحف باسم متحف جمال عبد الناصر ويضم هذه المقتنيات وهو الاقتراح الذي تقدم به إليك الوزير هدايت بقصر القبة وفي حضور السادات ولم يكن قد أصبح بعد رئيسا للجمهورية أين هذه المقتنيات العزيزة...؟

أجاب حسن التهامي الوزير السابق لرياسة الجمهورية واليد اليمنى للرئيس السادات فيما عبد في مشاريعه للقاء مع الإسرائيليين قائلا:

فعلا جاءني الأخ صلاح هدايت مساء الثلاثاء 29/ 9/ 1970 وجثمان عبد الناصر مازال في ثلاجة قصر القبة وقال لي ما يصحش يكون واحد زي جمال عبد الناصر يموت وما نعملش له متحف بضم آثاره ومقتنياته وصفته التشريحية وبالطبع أخذ تصريحا مني بتنفيذ ذلك وكذلك صرحت له بأخذ خصلة من شعره..

هل صرحت له بأخذ خصلة من الشعر بناء على طلبه أو بناء على طلبك؟؟

بناء على طلبه هو وأتذكر أنه جاء لي بمظروف صغير أبيض يحتوي على خصلة الشعر ووضعه على مكتبي..

ثم استطرد من تلقاء نفسه:

إلا أنني أدركت فيما بعد أن خصلة الشعر هذه لن تكون ذات فائدة لأن سم الأكونتين يتلاشى أثره من الجسم تماما بعد ساعتين قبل أن يصل إلى الشعر أو الأظافر ...

انتفضت وقلت لحسن التهامي:

لكني لم أسأل عن سم الأكونتين فهل تعتقد أنه السم المستعمل ثم ما الذي جعلك تذكر الأكونتين؟

أجاب حسن التهامي:

ذكر سم الأكونتين لأنه السم المستعمل في انتحار المشير عبد الحكيم عامر عقب هزيمته في يونيه سنة 1967 .

وأين خصلة الشعر..؟

تركت خصلة الشعر ف الخزينة بقصر القبة وأذكر أن خصلة الشعر لم تكن خصلة بالمعنى المفهوم لقد كانت بضعة شعيرات نصفها أبيض والنصف الآخر حائل اللون المظروف اللي كان فيه الشعر إما أن يكون بالمكتب أو في خزينة من خزائن الرئاسة والواقع أن المظروف كان مظروفا صغيرا ل ينتبه إليه شخص وكان على المكتب ولما عرفت معلومة أن سم الأكونتين لا يستمر في الجسم أكثر من ساعتين وبالتالي لا يمكن أن يصل إلى الشعر أو الأظافر لما عرفت ذلك لم أعبأ بالمظروف أو قل فقدت الاهتمام به.

• أي أن المظروف الذي يحتوي على خصلة من شعر الرئيس جمال عبد الناصر كان أمامي وعلى مكتبك إلى أن وصلتك المعلومة الخاصة بسم الأكونتين..

وعندئذ اختفى المظروف لأنك فقدت الاهتمام به؟

ده كان مظروف صغير ولا يسترعي انبتاه أحد..

والأظافر ..؟

لم أشاهد أظافر الرئيس عبد الناصر..

والقناع والذراع والكف التي صنعها المثال مصطفى متولي رئيس قسم النحت بكلية الفنون؟؟

الحاجات دي أخذها صلاح هدايت وعمل منها تمثالا لعبد الناصر وموجود في المتحف؟؟

• أي متحف تقصد؟ هل يوجد متحف باسم جمال عبد الناصر في مصر؟

• لا أدري وعلى كل حال ففيه تمثال لعبد الناصر استخدم في صنعه القناع ويمكن تجد هذه الحاجات محفوظة في بيت عبد الناصر بمنشية البكري.

• هذه الأشياء لا وجود لها في بيت عبد الناصر ولم تصل إليه والدليل على ذلك أن خالد عبد الناصر سأل عنها صلاح هدايت أكثر من مرة فلو كانت في البيت فما الداعي إلى أن يسأل عنها...

• لا أعرف....

كان من الواضح أن حسن التهامي يخفي سرا والدليل على هذا التغير السريع في أقوال الخاصة بخصلة الشعر فيقول في البداية مثلا أن خصلة الشعر بالخزينة ثم يذكر أنها اختفت من على مكتبه ثم يتراجع عن كل هذا ويدعي أن كل هذه الأشياء لدى صلاح هدايت وأخيرا يقول أنها ببيت الرئيس في منشية البكري.. وقد عدت إلى الوزير صلاح هدايت وعرضت عليه ما قاله حسن التهامي فأصر على أنه سلم هذه الأشياء لحسن التهام وأنه استلمها منه يدا بيد وبالتالي فقد عدت إلى سؤال التهامي بعد أن لخصت له ما قاله صلاح هدايت فرد عليه بأن لم يظل طويلا في منصفه كوزير لرياسة الجمهورية وقال إنه ترك الرياسة بعد وفاة جمال عبد الناصر وأن السيد سامي شرف وزير الدولة الشئون الرياسة تسلم مكتبه منه بكل ما فيه وما يحتوي عليه من خزائن وخلافه سامي شرف هو الذي استولى على كل ما كان في مكتبي..

قابلت السيد سامي شرف وزير الدولة في عهد جمال عبد الناصر وعرضت عليه أقوال السيد حسن التهامي فقال بأنه أرسل بعض موظفيه فعلا لاستلام مكتب السيد التهامي بقصر القبة ولم يكن م بين ما جرى استلامه لا خصلة الشعر ولا الأظافر ولا القناع أو الذراع أو بصمة الكف وأن هذه الأشياء قد خرجت من قصر القبة إلى أين؟ هذا ما يعرفه جيدا حسن التهامي؟؟

ومن الواضع أن خصلة شعر وأظافر عبد الناصر تمثل الفاتورة التي يجب أن تقدم الحساب فالشعر والأظافر يثبتان نجاح العملية وبالتالي فالفاتورة تستحق السداد وبالعملة الحرة بالدولار ولهذا لا يمكن أن يكون لخصلة الشعر والأظافر وجود لا في قصر القبة ولا بيت الرئيس في منشية البكري ولا لدى صلاح هدايت..!

إذا كنا في بداية صفحات الكتاب تحدثنا عن السم كسلاح لقتل الزعيم انتهينا إلى أنه من المستحيل أن يكون الزعيم قد مات عن طريق تسرب السم من ساقه إلى الدورة الدموية وأنكرنا أن يكون هؤلاء الذين أشارت إليهم أصابع الاتهام لم يدخلوا بين الرئيس عبد الناصر إلا أننا ودون قصد منا وجدنا أنفسنا مرة أخرى من خلال الصفحات القليلة الماضية أمام السم..

وأما أدلة دامغة عبث بها المتآمرون وجثمان الرئيس ما زال ساخنا في قصر القبة أدلة حصلوا عليها ليطمئنوا على عملهم السيئ الذي قاموا به ويقدموا فاتورة الحساب خصلة الشعر وأظافر اليد اليمنى وهي أدلة يؤدي تحليلها إلى حسم قضية السم.

ولا ينال من ذلك ما ادعاه السيد حسن التهامي وزير شئون رياسة الجمهورية صدر قارا بتعيينه وزيرا لشئون رياسة الجمهورية في 26/ 4/ 1970 واستمر في هذا المنصب أن أتخذه السادات مساعدا له وعين بدلا منه سامي شرف الذي أصبح يجمع بين منصبي وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية ومدير المعلوما