صفحات من اليسار المصري في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945-1946

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
صفحات من اليسار المصري في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945- 1946


أحمد صادق سعد

مع مقدمة تحليلية

بقلم: الدكتور عبد العظيم رمضان

محتويات

مقدمة تحليلية

بقلم: الدكتور عبد العظيم رمضان

تاريخ التيار اليساري الوطني في مصر تاريخ جديد لم يكشف عنه النقاب حديثا رغم أنه تيار أصيل في الشعب المصري وقد كانت هناك شبه مؤامرة بين المرخين البورجوازيين على تجاهل هذا التيار لم يكن له وجود ولكن منذ أن ظهرت مدرسة تاريخية جديدة في مصر تستعين بالمنهج المادي الجدلي في تفسير التاريخ أخذت حجب الظلام التي تكشف هذا التيار تتكشف شيئا فشيئًا فيبرز كما لو كان قارة جديدة مجهولة في محيط الحركة الوطنية العظيم.

على أن الجهود العلمية التي بدلت لكشف الحجب عن هذا التيار لم تكن بالجهود السهلة وذلك لأن طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في مصر يفرض السرية على قادة التيار لأن نشاطهم طبقا للدستور والقانون يعد نشاطا غير مشروع وبالتالي فإن مصادر البث والتنقيب لم تكن مذللة بالنسبة للباحث في تاريخ مصر فضلا عن أنها تعتمد على الجزء الظاهر أو العلني من النشاط

أما الجزء السري فإنه مجهول مدفون في صدور أصحابه، حتى تتاح لهم الفرصة لإبرازه في صورة مذكرات أو محاضر نقاش أو غيرها وحتى هذا أيضا لا يمكن أن يتيسر إلا في نظام حكم اشتراكي أو يتجه نحو الإشتراكية ويسود مناخ ديمقراطي يوفر الضمانات لصاحبه فلا يزج به في الاعتقال.

من هنا كان تحمسي حيث طرح على المفاضل الماركسي القديم أحمد صادق سعد فكرة جمع ما يخصه عن تراث الحركة الشيوعية المصرية في الأربعينيات في كتاب يشتمل على جزئيين الجزء الأول ويضم ما هو مكنون في صدره من ذكريات النشاط اليساري السري في تلك الفترة والجزء الثاني ويتناول النشاط العلني الذي قام به شخصيا ويتمثل في المقالات التي يشارك فيها بالرأي في معالجة قضايا بلده والتي نشرت على صفحات مجلة الفجر الجديد في عام 1945 ، 1946 وبعضها نشر حينذاك بدون توقيع أو بتوقيع مستعار لأسباب صحفية.

وقد كان مبعث تحمسي أن الذكريات التي سوف يرويها سوف تكون هامة دون ريب لأنها ستسجل قطعة من تاريخ مصر لا يعرفها إلا القليل أما المقالات فإنها ستكون من مزدوجة الأهمية لأنها سوف تبرز مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بعد الحرب العالمية الثانية كما تظهر رأي فريق من اليسار في معالجتها فهي على هذا النحو صفحة ساخنة من تاريخ مصر المعاصر سوف تشوق القارئ المثقف أو الباحث المتخصص.

ولست أنوي أن أتحدث عن أحمد صادق سعد ككاتب وباحث فإن تاريخه الطويل في هذا المجال يجعله في غنى عن التعريف كما أنوي أن أتحدث عن وطنيته الدافقة فسوف يجد القارئ شاهدا عليها في مقالاته المنشورة في هذا الكتاب وإنما أنوي أن أتناوله في إطار الكتاب.

ففي تلك الفترة كان أحمد صادق سعد هو المسئول السياسي لتلك الحلقة الماركسية التي لم يكن لها اسم يعد، ولكنها هيمنت على إصدار مجلتي الفجر الجديد والضمير وفي سبتمبر 1946 تحولت هذه الحلقة إلى تنظيم شيوعي باسم الطليعة الشعبية للتحرر ثم تغير اسمها إلى طليعة العمال ثم إلى حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري، عام 1957 أي بعد قيام الثورة بخمس سنوات.

وقد أتت الفجر الجديد بعد فترة استزاد فيها المثقفون الماركسيون بالمطالعات النظرية الكثيرة عن طريق حلقات الدرس العديدة والنوادي العلمية والخلايا التي انتشرت أثناء الحرب العالمية الثانية انتشارا كبيرا وساعد على انتشارها تحالف انجلترا ودول الاحتلال مع الاتحاد السوفيتي، ودخول كثير من الكتب والمجلات الماركسية إلى مصر.

وقد سبق إصدار بعض نقاط لها في لجنة نشر الثقافة الحديثة وإصدار بعض الكتب مثل مشكلة الفلاح لصادق سعد وترجمة كتاب اليانوربيرنز من الاستعمار البريطاني في مصر لأحمد رشيد صالح ولذلك فالفجر الجديد يمثل خطوة ثانية خروجا من التفكير النظري البحث إلى الدخول في الحركة الوطنية السياسية العامة.

وتعتبر الفجر الجديد ثالث تنظيم ماركسي رئيس يظهر في مصر من قيام الحرب العالمية الثانية فقد سبقها ظهور تنظيمين في عام 1952 هما: الحركة المصرية للتحرر الوطني و (إيسكرا) وكانت الصبغة البرجوانية الصغيرة، كما اتصلت بالكثير من العمال وميكانيكية الطيران والسودانيين والنوريين أما الصيغة الغالبية في تنظيم إيسكرا أي الشرارة فكانت هي الصيغة الارستقراطية والأجنبية.

فقد كان فيها من أمثال محمد سيد أحمد، وإلهام حمدي سيف للنصر ونبيل الهلالي والدكتور شريف حتاته وشهدي عطية الشافعي وكان التنظيم الأول تحت قيادة هنري كوربيل كما كان التنظيم الثاني تحت قيادة هليل شوراتز ولا يغض هذا من شأن تلك التنظيمات وغيرها في تلك الفترة وذلك بسبب الصفة العالمية أو الأمية للحركة الشيوعية فضلا عن أن الكتب الماركسية كانت نادرة وكانت الحالة الثقافية للأجانب تسمح لهم بقيادة حلقات الدرس والتحول بها إلى تنظيمات وقد كان الأجانب في ذلك الحين يعايشون المصريين ويتحدثون العربية كأهلها ولم يكن التطور القومي حادًا.

وقد استطاعت جماعة الفجر الجديد الاستقلال عن القيادة الأجنبية والتوجيه الأجنبي منذ وقت مبكر وقد ساعدها ذلك على ما يزيد من التفهم للأوضاع وعلى إدراك أن الدرب المصري نحو الإشتراكية له خصائصه وميزاته التي تجعله يختلف عن ظروف النضال في البلاد الأخرى وهو ما تمثل في الدراسات الماركسية التطبيقية على مصر في مجلتي الفجر الجديد والضمير وبعض الكتب التي أصدرتها مثل مأساة التموين لصادق سعد.

وربما كان ذلك هو السبب في موقف الفجر الجديد بموقفها التحالفي النقدي من الوفد ونشاطها بين الطلبة الوفديين ومع الطليعة الوفدية والمساهمة في تحرير جريدة الوفد صوت الأمة بينما وقفت موقف هجوميا من الإخوان المسلمين ومصر الفتاة وهذا الموقف يختلف عن موقف التنظيمات الشيوعية الأخرى مثل الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني والحزب الشيوعي المصري التي كانت سياستها تقوم على الهجوم على الوفد واستدراج الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة الاشتراكي إلى التحالف معها

وفي ذلك كانت الفجر الجديد أنضج سياسيا دون ريب من التنظيمات الماركسية الأخرى، لإدراكها الدخل الصحيح للنفاذ إلى الجماهير الشعبية العريضة التي تدين بالوفاء حزب الأغلبية والذي كان تجاهله سببا دائما في انعزال التعليمات الماركسية من هذه الجماهير لحد كبير.

إن نظرت فاضة على صفحات الفجر الجديد في تلك الفترة تستطيع أن تكتشف على الفور أنها كانت صفحة ناصعة مجيدة لنضال المثقفين المصريين الثوريين وتكذيبا مدويا للفرية المسموعة التي رددتها دوائر رجعية كثيرة في مصر من أن الماركسيين هم عملاء موسكو فتشيد سطور المجلة بالوطنية الرفيعة والإخلاص النقي للشعب المصري الكادح لقد كانت الأفكار التي تضمنتها المجلة في مجموعها بلورة حقيقية لأهداف الحركة الديمقراطية الوطنية التقدمية في ذلك الوقت وأصبحت شعارات لها وقد رأى بعضها تجسيدا لها في الجانب الأكبر من انجاز الثورة البورجوازية فيما بين 1952 و 1966.

لقد كان منيها على سبيل المثال أن هزيمة الاستعمار يأتي بالكفاح ضده لا بمهادنته وعلى الشعب المصري أن يعتمد في ذلك على المساندة الأساسية للحركات المكافحة في البلاد الأخرى لا على أجنحة استعمارية مختلفة وأن الاتحاد السوفيتي والكتلة الإشتراكية ليسا فقط حليفا ثابتا للنضال التحرري المصري

بل مثلا للمنجزات الإشتراكية وأبرزت تلك المقالات دور الجماهير الشعبية وعلى رأسها الطبقة العاملة في إنجاح الحركة الوطنية الديمقراطية كنقيض لفكرة الاعتماد على حركة الزعماء والتقليديين كما أظهرت الربط الوثيق بين الاستعمار والرجعية الممثلة لكبار الملاك والرأسماليين وبالتالي صلة التلازم بين المطالب الوطنية والمطالب الديمقراطية.

وتعتبر مقالات أحمد صادق سعد المنشور في هذا الكتاب صورة ونموذجا هاما للآراء التقدمية التي أشرنا إليها والتي نرى أن تقديم تحليل لها سوف يكون أمرا مشوقا للقارئ الآن ومدعاة له على التأمل في ضوء الكثير من مشاكلنا الحالية حتى أن بعضها يبدو كما لو كتب هذه الأيام.

ففي مقال له بعنوان: تعديل المعاهدة المصرية الإنجليزية يقول (إن الضمان الوحيد لتحقيقي غاياتنا الوطنية هو أن تتوفر الديمقراطية بشقيها السياسي والاجتماعي في بلادنا فيرفع مستوى المعيشة للطبقات الكادحة الفلاحون والعمال وسائر المنتجين وصغار الموظفين ويحارب الغلاء محاربة جدية هذا من جهة

ومن جهة أخرى يجf أن تكون الأداة التي توجه الكفاح الوطني الأحزاب السياسية والبرلمان والحكومة وثيقة الاتصال بالطبقات الشعبية أي تستجيب لمطالب هذه الطبقات بدلا من أن تحقق أغراض ذوي المال والنفوذ من الفئات الحاكمة ثم تطالب بوجوب استيلاء الدول على احتكارات المرافق العامة التي يسيطر عليها الاستعمار وتأسيس بنك مركزي مصري لتحرير الجنية المصري من الاسترليني ثم أنها من صناعاتنا على أسس سليمة وعدم إخضاعها لمصلحة الرأسمالية الأجنبية.

وفي مقال بعنوان: التحرر من الاستعمار البريطاني والمفاوضات الحالية نراه يربط ربطا ذكيا بين الاستعمار والاحتكارات فيقول: أن الاستعمار هو الذي أفقر الطبقات الشعبية المصرية فالاحتكارات الكبرى في بلادنا جميعا في أيدي الرأسمال الأجنبي وهي تمتص مجهودنا وتسلمه للمصارف الإنجليزية الضخمة مثل بركليز والبنك الأهلي وتلك الاحتكارات الكبرى

وهذا الرأسمال الأجنبي إنما جاءت إلى بلادنا باحثة عن الربح الربح الطائل فتعصر شعبنا وعرق جبينه وتحرمه من الخيرات التي أوجدها بيديه.. والاستعمار البريطاني هو المسئول الرئيسي عن تأخر حياتنا الاقتصادية كلها بتحكمه في مرافقها الأساسية الأرض التجارة الخارجية البنوك....إلخ. وفشله الدائم لنهضتنا الصناعية.

وفي هذا المقال يربط بصدق بين الاستعمار واستبداد القصر وتأخر حياة مصر السياسية فيقول وحتى لا تفلت الطبقات الكادحة المصرية من قبضته، جعل الاستعمار البريطاني يحطم نمو ديموقراطيتنا تحطيما دائما ولذلك فهو المسئول الرئيس أيضا عن تأخر حياتنا السياسية فقد صدر الدستور في ظل الاحتلال الإنجليزي الرسمي معطيا حقوقا واسعة للسلطة التنفيذية كحل البرلمان وتعيين نصف أعضاء مجلس الشيوخ.

وفي مقال بعنوان: لا مركز ممتاز للاستعمار يربط صادق سعد الكفاح ضد الاستعمار بالكفاح ضد الرجعية المصرية فيقول: أن كبار الرأسماليين المصريين هم أصحاب المصالح في انجلترا بحكم الترابط المالي الذي بين الرأسمالي المصري والإنجليزي الكبير وهذا يجب ألا ننساه أما مكان مصالح الشعب المصري الكادح من كل هذا فهو شيء آخر بل أن هذه المصالح تعارض مصالح كبار الرأسماليين المصريين وتناقضها على خط مستقيم فهذا يفهمنا أن الكفاح ضد الاستعمار البريطاني ليس بكاف، وأنه يجب أن يرتبط أشد الارتباط بالكفاح ضد شريكة الرهينة المصرية، أي في سبيل ديموقراطية حقيقية تسود بلادنا.

على هذا النحو تمثل مقالات صادق سعد فكرا مترابطا من قضايا التحرر الوطني وقضايا التحرر الاجتماعي وهو يقف في هذا الموقف من القضايا الأخرى الوثيقة الصلة بها ففي مقال له بعنوان: يجب أن نقبل الرأسمال الأجنبي بشروط يقول أن مصر في أشد الحاجة إلى تشييد اقتصادها القومي إلى تحسين زراعتها وبناء صناعتها وتوسيع شبكة مواصلاتها وهذا كله يتطلب رأسمالا ضخما تستطيع إيجاد بعضه في مصر ذاتها ولكننا سنضطر إلى استيراد البعض الآخر من الخارج هذا أمر لا جدال فيه بيد أن نقاشا كبيرا حول وسائل استيراد المال وشروط الاستيراد يثار عادة بين الوطنيين المصريين والتقدميين منهم خاصة.

فالبعض يفضل ألا نستورد رأسمالا على الإطلاق لأنه يربطنا بالبلاد الاستعمارية من جهة ولأننا نستطيع أن نوجد الرأسمال اللازم لنا عن طريق الضرائب التصاعدية الثقيلة من جهة أخرى ولكن هؤلاء ينسون أن مسألة توفير رءوس الأموال مسالة مباشرة، تواجهنا الآن، ولا يمكن أن نتهرب منها بإجابة نظرية بل علينا أن نحدد موقفنا منها في الوقت الحاضر ثم يقول:

وطبيعي لنا لن نقبل الرأسمالية الأجنبي بدون أن نقرض شروطا دقيقة على هذا الاستيراد إذ أن التجارب القاسية قد علمتنا أن استيراد الرأسمال الأجنبي معناه زيادة استغلال الرأسماليين للطبقات الشعبية وتأخر وضعها السياسي واستناد الرجعية المصرية على حراب الاستعمار، وتكاتف الاستعمار والرجعية المصرية على كسبت الحركة الشعبية في بلادنا وعليه فما هي الشروط التي يجب أن تفرضها على الرأسمال الأجنبي؟

وبعد أن يقدم دراسة لحالة الرأسمال الأجنبي في مصر ينتهي إلى ضرورة أن يتجه اتجاها غير طفيلي آي أن يستغل بنسبة عالية في إقامة اقتصاد قومي في الصناعة المصرية، وأن يقترن بتحديد أسعار البضائع المصنوعة التي ستأتي من البلاد التي يستورد منها الرأسمال حتى لا تكون عبثا على المستهل المصري، وأن توضع الاشتراطات المختلفة على الرأسمال الأجنبي

مثل المراقبة الحكومية على الإنتاج والأرباح حتى لا يفنى المنتجون الصغار والمتوسطون كما أن العلاقات بين أصحاب تلك المصانع والعمال الذين يشتغلون فيها يجب أن تحدد على أساس حساسية العمال من الجشع الرأسمالي وضرورة ضمان لا يؤثر هذا الرأسمال الأجنبي على حياة مصر السياسية فيتحول من رأسمال اقتصادي إلى رأسمال سياسي ثم يقول أن كل هذا لن يمكن تحقيقه إلا إذا كانت الحكومة القائمة ترمي حقا إلى دفع الخطر الاستعماري عن مصر وإلى حماية الطبقات الشعبية من الاستغلال وإلى تطوير الاقتصاد القومي في وجهته السليمة أي إذا كانت حكومة ديموقراطية صحيحة.

وفي خلال ذلك تمض مقالات صادق سعد لكشف مؤامرات الرجعية ففي مقال بعنوان: وأين قضية استقلالنا يكشف في ذكاء الأسباب الحقيقية وراء إثارة القصر حادث 4 فبراير فيرى أن الغرض منها أن تشغل الرأي العام عن قضيتنا الوطنية أن وقوعها بعد حوادث 2 نوفمبر ومن المظاهرات احتفالا بعيدنا الوطني في 13 نوفمبر ليوحي لنا بأن هناك مصالح خاصة تسوي وراء الستار وأن هذه المصالح تتعارض مع مصالح الشعب المصري يجب إذن إثارة الضجة حول حوادث قديمة تجعل الشعب المصري لا يفكر في حاضره أو مستقبله.

وفي مقال بعنوان هل تلغي الأحزاب؟ يتصدى للدعوة الرجعية التي كانت ترددها الدوائر الرجعية العملية بوجوب إلغاء الأحزاب فيقول أنها دعوة قديمة جديدة تجد بعض الاستجابة في الأوساط الشعبية فالعمال قد رأوا من تجاربهم المرة أن حالتهم لا تختلف كثيرا إذا تولى الحكم هذا الحزب أو ذاك والأفراد الذين ينتمون إلى الطبقات الوسطى والصغيرة ولا سيما المثقفون يلاحظون أن الحافظ الحزبي لم يختلف جوهريا في مصر منذ زمن بعيد.

وأنه كثيرا ما يكون مسيرا نحو الشكليات والقشور دون اللباب ولذلك فقد تميل بعض البيئات خصوصا غير الواعية منها إلى تطهير الجو السياسي في البلاد حتى تتوحد الجهود في سبيل التحرر الوطني من الاستعمار أما نحن وإن كنا نرى أيضا صورة رفع المستوى السياسي للمناقشات الحزبية ووجوب أخذها شكلا أكثر جديه وجوهريا

إلا أننا نرى الضرر كل الضرر في إلغاء نظامنا الحزبي من حياتنا السياسية مهما كادت الانتقادات الصحيحة أو الخاطئة التي قد توجه إليه.. جهاز الدولة الحالي يخضع للطبقات الحاكمة وتحاول الطبقات الشعبية أن يكون لها نصيب فيه عن طريق الكفاح السياسي الكفاح الحزبي وعليه فإن إلغاء الأحزاب يعني إبقاء الحالة الاجتماعية والسياسية كما هي وإخضاع الشعب بالقوة.

ثم يقول إننا نريد إصلاح نظامنا البرلماني والدستوري الحالي ولكن على شرط أو يوسع من حقوق الشعب المصري وفي المقام الأول على شرط أن يفسح أمام الطبقات الشعبية مجال التأثير القوي الفعال في حياتنا السياسية ومن الطريف أن هذه المناقشة تتجدد بعد ثلاثين عاما بمناسبة نقيضة وهي:

هل نعيد الأحزاب؟

وإلى جانب ذلك نرى صادق سعد يرفع شعارات الحركة الديمقراطية التقدمية في ذلك الوقت عاليا فهو يدعو إلى تقوية الجيش في مقال بعنوان: يجب أن نصلح الجيش على أساس وطني ديموقراطي وفيه يربط بين أمراض الجيش ووجود الإحلال ويقول: أن لدينا اليوم جيشا مستقلا رسميا عق رغبات البريطاني ومطامعه غير أن الاستعماري الذي تكون عليه ذلك الجيش القديم الذي كان قوامه 6000رجل لا يزال موجودا إلى اليوم

ثم يقول:

(إننا نرى وجوب إصلاح الجيش إصلاحا وطنيا ديموقراطيا يحوله إلى أداة قومية صحيحة تحافظ على كرامة مصر وتدفع عنها الاعتداء الاستعماري ويقدم برنامجا لإصلاح الجيش يقوم على إجبارية الخدمة العسكرية وإلغاء البدلية وشروط الإعفاء وتخفيض مدة الخدمة ورفع مستوى المعيشة للجنود وضباط الصف وتسهيل الترقية من الجندية إلى رتب الضباط مع تحسين أحوال صغار الضباط وإلغاء البعثة العسكرية البريطانية وتطهير هيئة أركان الحرب وكبار الضباط من العناصر الفاشية)

وفي مقال بعنوان البنوك في مصر والاقتصاد القومي وهو دراسة هامة، يدعو صادق سعد في وضوح تام إلى تأميم البنوك فهو يوجه النظر إلى التركيز الاحتكار فيها ويقول أن بنك مصر والبنك الأهلي يجمعان رأسمالا يساوي 4 ملايين من الجنيهات أي 70 في المائة من مجموع رؤوس الأموال المصرفية التجارية وللكريدي ليونيه يستغل رأسمالا يساوي 15 مليونا ونصف مليون من الجنيهات أي 70 في المائة أيضا من مجموع رؤوس الأموال المصرفية العقارية في البلاد.

ثم يتضح تركيز تلك السلطة المالية الهائلة وضوحا أكبر إذا لاحظنا اجتماع البنوك كلها ذي هيئة واحدة هي الاتحاد المصري للصناعات الذي من أعضائه نواب وشيوخ في البرلمان تشرف بهذا الشكل على حياة الاقتصادي المصري بأكمله وكذلك يزيد ذلك الوضوح إذا أضفنا إلى الصفة الاحتكارية التي وصفناها من قبل الاتحادات الشخصية التي تربط المنشآت المالية المختلفة ربطا يزيد من قوة احتكارها في تداول المنتجات أن التركيز القومي الذي بيناه يوسع أمام الدولة فرصة فرض إشرافها إشراف الشعب المصري على تلك المجموعة الصغيرة من الاحتكارات المالية ومن ثمة التجارية والصناعية الكبرى.

في ذلك الحين كانت قد ظهرت فكرة تحديد الملكية الزراعية بمناسبة عرض مشروع خطاب بك على مجلس الشيوخ وبمناسبة ظهور كتاب مريتي غالي الإصلاح الزراعي وقد أبرز صادق سعد في مقال بعنوان ملاحظات على تحديد الملكية الزراعية أن معظم هؤلاء الملاك لم يحصلوا على أراضيهم بعملهم وجهدهم بل أنها كانت لهم عن طريق الوراثة وهي في أصلها هبات وزعها محمد علي باشا وخلفاؤه أو أنها وصلتهم عن طريق إقرار الحالة الإقطاعية التي كانت تسود مصر في أوائل القرن الماضي.

ثم بني سعد صادق على ذلك نقده لمشروع محمد خطا الذي رأى أنه لا يمثل أكثر من خطوة متواضعة في سبيل تحديد الملكية الزراعية إذ أنه يهدف إلى أن يضع في المستقبل المالكين الذين في حيازتهم أكثر من 50 فدان أن يشتروا أرضا جديدة وأنه لن يغير شيئا جوهريا عظيما من الوضعية الحالية لتوزيع الملكية في مصر، مع أن بلادنا أحوج ما تكون إلى هذا التغيير في سبيل رفع مستوى الفلاحين الفقراء من جهة وفي سبيل إلغاء نفوذ كبار الملاك الإقطاعيين وبالدرجة الأولى نفوذهم السياسي من جهة أخرى.

كذلك عاب صادق سعد على كتاب مريت غالي الإصلاح الزراعي في مقال له بعنوان، الإصلاح الزراعي بقلم مريت غالي أنه في خوفه التعرض لأمور سياسية فاشلة وامتناعه دائما عن الوقوف موقفا واضحا من تطورنا الاجتماعي قد صرف نظره عن عناصر في غاية الأهمية تلعب في المشكلة الفلاحية دورا جوهريا فقد نظر إلى الحالة الحاضرة لتوزيع الأرض على أنها توزيع سيء الملكية وليس احتكارا لوسيلة من وسائل الإنتاج.

على أننا نلاحظ أنه في الوقت الذي يرحب صادق سعد بمشروع خطاب على أساس أنه رغم عدم جديته يمثل كما قلنا خطوة إلى الأمام لأنه يبرهن للطبقات الشعبية المصرية أن الوضع الاحتكاري الحالي ليس وضعا منزلا من السماء فإنه يستقبل كتاب مريت غالي استقبالا سيئا فيرى أنه جاء كتابا هزيلا نحيفا ينقصه حب الشعب العميق وقد دفع عدم التحيز لمذهب اجتماعي لذاته إلى عدم التحيز للديمقراطية نفسها فقد يبحث القارئ عن هذه الكلمة طوال الصفحات المائة للكتاب ولكن عبثا ودون جدوى ولربما يرجع هذه التفرقة إلى صلة محمد خطاب بدار الأبحاث العلمية لتهدي عطية الشافعي ومحمد عبد المعبود المعبود الجبيلي.

وفي ذلك الوقت كانت مشكلة التموين تطفو على سطح المجتمع المصري في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأخذت الحكومة تشكل اللجان الفنية لحل هذه المشكلة وقد عالج صادق سعد هذه المشكلة في مقال بعنوان في التموين نقد فيه هذه اللجان التي وصفها بأنها تمثل المنتجين والإداريين فقط ولا تمثل المستهلكين تمثيلا مباشرا

وقال أن الحلول الجاسمة الناجعة لن تأتي من هذه القرارات الفنية لتلك اللجان الفنية بل ستأتي بتوسيع الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلادنا ستأتي باستيلاء الدول على إنتاج كبار المنتجين استيلاء كامل وبتخفيف هذا الاستيلاء على متوسطي المنتجين ثم بإعفاء صغارهم من الاستيلاء إعفاء كاملا أيضا حتى يحموا هؤلاء من الشركات الاحتكارية الكبرى ...

وستأتي حلول المشكلة من اشتراك الجماهير الشعبية المستهلكة في لجان مراقبة التموين وبتوسيع الديمقراطية السياسية بإلغاء الأحكام العرفية والرقابة خصوصا حتى يتسنى لتلك الجماهير الشعبية المستهلكة أن تعبر عن مطالبنا تعبيرا واضحا صريحا.

وقد وقف صادق سعد من البورجوازية الصغيرة الصناعية موقفا مؤيدا ومساندا ففي مقال له بعنوان: يجب أن نحمي صغار المنتجين عاب على مشروع البنك الصناعي غموض أغلب فقراته فيما يختص بحماية الطبقات الكادحة والمتوسطة وقال أن هناك شركات صناعية متوسطة عديدة قد تحتاج إلى المال من وقت لآخر وهباك آلاف من المنشآت الصناعية الصغيرة جدا التي يقل رأسمالها عن 50 جنيه بأسعار ما قبل الحرب والتي تستخدم عاملا واحدا أو عاملين.

وهذا النوع الأخير من المؤسسات الصناعية هو الذي يكون أبدا في أشد الاحتياج إلى المال بفائدة منخفضة لأن تنافس المنشآت الصناعية الكبيرة يسحقه وهذا النوع الأخير أيضا هو الذي يتكون أغلبه من رأسمال مصري صرف وأخيرا فهذا النوع الأخير هو الذي ينتج صناعة بأسعار معقولة لأنه بعيد كل البعد عن احتار السوق وختم كلامه بالمطالبة بأن يوجه البنك إلى حماية الإنتاج الصناعي الصغير الحالي.

وقد عبر صادق سعد عن رأي فريق كبير من اليسار المصري بعد الحرب العالمية الثانية في مسألة السودان ففي الوقت الذي كانت تحدو كثير من الفرق السياسية المصرية خصوصا مصر الفتاة والحزب الوطني الفكرة الإمبراطورية كان اليسار المصري يتفهم المسألة بشكل أفضل.

وقد عبر صادق سعد عن أي هذا الفريق بمناسبة المذكرة التي رفعها أحمد حسين إلى القصر بخصوص مطالب مصر القومية، وقد طالب فيها بأن يقرر البرلمان المصري إدماج السودان في المملكة المصرية وقد هاجم صادق سعد هذا الاقتراح لأن معناه أن يقرر البرلمان المصري ذلك دون استشارة الشعب السوداني

بل رغم أنف الشعب السوداني الذي أكد عن طريق قرارات أحزابه أنه يريد التخلص من الاستعمار الإنجليزي وأنه ضمنيا لا يريد التخلص من الاستعمار الإنجليزي ليقع في مخالب الاستعمار المصري بل ليحافظ على مقوماته وليحقق رغباته الدستورية وبرلمانه الخاص في اتحاد مع مصر ومعنى هذا الكلام أن اليسار المصري كان ضد الإدماج ولكن مع الاتحاد.

وقد وقف صادق سعد من القضية الفلسطينيةوالصهيونية موقفا يتسم بالوعي الإيديولوجي السليم ففي مقال له بعنوان: احتضار الصهيونية ووصف الصهيونية بأنها حركة رأسمالية استعمارية يقوم بها كبار الرأسماليين الاحتكاريين كي يستغلوا موارد فلسطين وشعبها وموقعها الاستراتيجي وليستعملوا الطبقات اليهودية الشعبية ككبش الفداء في صراعهم ضد الطبقات الفلسطينيةوأوضح صلتها بالاستعمار بقوله:

ليس جميع الصهيونيين يهودا فترومان وآتلي والمارشال سمطس ولويد جورج ولورد بلفور، كلهم من المسيحيين الإنجليزي والأمريكان الذين يرون أ، فلسطين تنتج البوتاس والموالح وأن أرضها يمكن نزعها من العرب وأن أنابيب البترول تنتهي عند شواطئها وأن أموالا باهظة مستثمرة فيها والواجب ن تظل كذلك بل أن تزداد فليس من بد من اختلاق وطنية يهودية زائفة يتشبث بها صغار البرجوازيين اليهود صغار التجار والحرفيين حتى يقتنعوا بأن مهمتهم الأساسية في فلسطين أن يحولوا دون وصول العرب إلى الاستغلال من الاستعمار الإنجليزي والصهيوني.

وقد أبدى صادق سعد استبشارا كبيرا بتكوين اللجنة الوطنية للطلبة والعمال وقيادتها إضراب 21 فبراير 1946 الوطني بنجاح وطلب إلى الوطنيين المخلصين أن يحيوا هذه الخطوة شخصية صادقة صادرة من أعماق القلوب وعليهم أيضا أن يعملوا حتى تخطو الحركة الوطنية الخطوة التالية، فتنضم إليها الطبقات الكادحة من غير العمال –الفلاحين وصغار المنتجين والموظفين إلخ

وتصبح الحركة الوطنية تعبيرا كاملا عن الطبقات الشعبية تصدر عنها وتكافح من أجلها تكافح ضد الاستغلال سواء كان أجنبيا أم مصريا وضد الاستعباد سواء كان انجلترا أم (صدنيا) أم (نقراشيا) فكفاح في سبيل الفلاح والعامل المثقف وفي سبيل حرية الصحافة والتنظيم الشعبي وفي كلمة واحدة تكافح في سبيل الديمقراطية والاستقلال كفاحا حقيقيا لا لبس فيه ولا مساومة ولا مناورة على حاب مصالح الشعب.

بعد هذا العرض التحليلي لمقالات صادق سعد الهامة في هذا الكتاب لا نرى ضرورة للتوغل كثيرا في العرض الذي قدمه بكفاءة للمرحلة الجديدة للحركة الوطنية المصرية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وإنما لدينا بعض الملاحظات التي يهمنا توضيحها فيما يتصل ببعض الحقائق التاريخية وغيرها.

أولها: ما أورده من أن النظام السوفيتي كان يخيف قيادة الوفد في سنة 1919 إلى درجة أن رفضت عرض لينين بعد الثورة المصرية بالأسلحة عام 1919 فلا يوجد أي دليل على أن لينين عرض إمداد قيادة الوفد بالأسلحة فضلا عن أن ظروف الثورة السوفيتية ذاتها في ذلك الحين لم تكن تمكنها من ذلك بسبب الحرب الأهلية والهجوم الأميريالي الضاري عليها وقتذاك وقد أطلق هذه القصة كل من فخري لبيب ومحمود المستكاوي ومصطفى بهيج في كتابهم:

الاتحاد السوفيتي في مصر المستقلة الصادر عن دار الديمقراطية الجديدة دون إسناده إلى أي مصدر وكتبوا أن لينين أرسل برقية إلى سعد زغلول أعلن فيها تأييده التام للثورة المصري واستعداد المطلق لمساندة الشعب في كفاحه الوطني وتقديم العون والمساعدة المادية إذا طلبت مصر.وقد تعرضنا لذلك في دراستنا عن حزب الوفد بين اليمين واليسار.

ثانيا: ما أورده نم استشهاد علي ذبول القيادة الوفدية بأن من قادته ما ينادي بالزواج الكاثوليكي (الذي لا طلاق فيه) مع بريطانيا وفي حدود علمنا فإن أحد من قيادة الوفد في تلك الفترة لم يناد بمثل هذا الزواج الكاثوليكي وإذا عدنا إلى مقالات صادق سعد نجد أنه أورد في مقاله:

وأين قضية استقلالنا على لسان فرغلي باشا هذه القولة فقد جاء في المقال أما فرغلي باشا فقال كلمته التي أصبحت أمثولة بين الوطنين المصريين قال إننا نشعر بأن بروتستانت انجلترا ومسلمي مصر يجب أن يتزاوجوا زوجا كاثوليكيا لكيلا يقع طلاق فيما بينهم على أن فرغلي باشا لم يكن من قادة الوفد في يوم من الأيام وفي حدود علمنا أن مسألة الزواج بين مصر وبريطانيا قد وردت على لسان أمين عثمان باشا في أوائل الحرب العالمية الثانية ولكن أمين عثمان باشا لم يكن من قادة الوفد وإنما كان مشايعا للوفد ثم أصبح وسيطا بينهم وبين الإنجليز ولكنه لم يدخل إطلاقا في قيادة الوفد.

ثالثا: ما أورده عن دور مصر الفتاة في حريق القاهرة فقد ذكر أن مصر الفتاة نشطت لتوجيه العناصر الفوضوية للبورجوازية الصغيرة في الأعمال الغوغائية حريق القاهرة تحت الشعارات البراقة ولم يثبت تاريخيا الآني دور مصر الفتاة في توجيه العناصر الغوغائية في حريق القاهرة.

رابعا: ما أورده من أوصل الحلقة السرية التي تشرف على الفجر الجديد كانت ترجع إلى مجموعة من أعضاء الحزب الشيوعي المصري الأول الذين استطاعوا أن يحافظوا على ترابطهم الفكري والتنظيمي بعد حل هذا الحزب فضلا عن أن صادق سعد لم يؤيد هذا الزعيم بأي دليل فإني ما أورده عن جماعة أنصار السلام وهي الهيئة العلنية التي يذكر أن بعضهم أعضاء الحزب الأول قد أسسها في أواخر الثلاثينات ينقض ذلك تماما

فقد ذكر أن أغلبية أعضائها كانوا من الأجانب ولم يذكر اسما واحدا من أعضائها ينتمي للحزب الشيوع المصري الأول وفي الحقيقة أنه وإن بقي أفراد من الحزب الشيوعي القديم مثل الشيخ صفوان أبو الفتح وحسني العرابي إلا أن الروابط الفكرية والتنظيمية بينهم كادت قد تقطعت إلى غير رجعة بعد حل هذا الحزب وقامت الحركة الشيوعية بعد ذلك على عناصر مختلفة كل الاختلاف ومنقطعة الصلة بينها وبني الحزب القديم.

خامسا: لقد انتقد أحمد صادق سعد الحركة الماركسية المصرية في تلك الفترة ومنها الحلقة التي كان ينتمي إليها بأنها رغم كونها جزءا طليعيا للنضال الوطني غير أنها لم تستوعب تراثه الخاص وأساليبه التقليدية وأشكال هيئاته ولقد كانت كتابات ستالين عن القضية الوطنية تقسم تطورها إلى عدة مراحل من ظهور القيادة شبه الإقطاعية ثم البورجوازية

فقيادة الطبقة العاملة فلم نستطع أن نرى ليس فقط التأثير الضخم للبورجوازية الصغيرة في الحركة الوطنية المصرية بل لم نتوقع إطلاقا أن تتولى هذه الطبقة قيادة الحركة الثورية بأشكال خاصة مثل الثورة البادئة من الجيش وبالتالي عجزنا بعد ذلك إلى درجة كبيرة عن اتخاذ الموقف الصحيح منها على أنه بهذا النقد يظلم التنظيمات الماركسية الأخرى ويظلم نفسه

فهو يعترف بأن الكتاب الذي أصدره شهدي عطية الشافعي ومحمد عبد المعبود الجبيلي تحت عنوان أهدافنا الوطنية الصادرة عام 1945 يريد ن يتخذ العناصر المستنيرة للبورجوازية القومية طريقا لإشاعة الأفكار الرئيسية التي تتسم بها الحركة الوطنية الجديدة

وأنه يتضمن محاولة هادفة إلى دفع البورجوازية القومية لكي تدرك أن مصالحها الحقيقية تكمن في الاعتماد على الجماهير لتحقيق الاستقلال والديمقراطية وكان شهدي والجبيلي ينتميان إلى تنظيم عسكري وقتذاك.

كذلك يعترف بأن الحلقة التي كان ينتمي إليها كانت تهتم اهتماما كبيرا بمواقف الوفد ونشاط اللجان الوفدية والارتباط بالعديد من الشباب الوفدي ثم العمل بعد 946 خاصة في الجرائد والمجلات رابطة الشباب البلاغ والتنظيمات الوفدية بين الطلبة كما يقرر بصراحة مثيرة أن حلقتنا كانت ترى الجماهير حيثما كانت موجودة في ذلك الوقت أي داخل الشبكة الوفدية المانعة والواسعة

فكانت تبحث عن التعاون والتحالف مع التنظيمات الوفدية القاعدية واليسارية خاصة بغية دفعها إلى الأمام من جهة ومساعدتها على تمايزها عن القيادة الوفدية التقليدية من جهة أخرى ويعلق على ذلك قائلا وأعتقد أن موقعنا كان أقرب إلى الصواب وخاصة أن الجماهير الوفدية تلك كانت أساسا م البورجوازية الصغيرة

كذلك فإنه يتحدث عن المنظمات اليسارية الأخرى ويقول أنها بشكل أو بآخر كانت تدعو الجناح المستنير للبورجوازية القومية إلى أن يتولى هذا الدور الطليعي في قيادة الحركة الوطنية اعتقادا منها بأنه مازال يستطيع أن يستكمل مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.

ومعنى هذا كله أن التنظيمات الماركسية في ذلك الوقت ومنها التنظيم الذي ينتمي إليه كانت تدرك التأثير الضخم للبورجوازية الصغيرة لسبب بسيط هو أن الغالبية الساحقة من الماركسيين في هذه الفترة باعترافه هو شخصيا لم يكونوا قيادة سياسية بل طليعة فكرية وأنهم لم يكونوا طليعة فكرية للطبقة العاملة بل كما يقول طليعة للبورجوازية الصغيرة الثورية أساسا وللطبقة العاملة بصورة جزئية فقط.

لهذه الأسباب ولهذه الاعترافات أيضا من أحمد صادق سعد فلا نستطيع أن نقبل في سهولة ما يقوله من أن إحدى النقط الأساسية للتباين بين حلقاتنا ومعظم المنظمات الماركسية الأخرى هو أننا كنا ننادي بتولي الطبقة العاملة الدور الطليعي في قيادة الحركة الوطنية

فصحيح أن سعد قد كتب يقول في مقاله التحرر من الاستعمار البريطاني والمفاوضات الجارية لن يحرر وطننا إلا الطبقات الكادحة المصرية وفي طليعتها الطبقة العمالية ولكن صحيح أيضا أن كتب يصف القيادة الوطنية الصحيحة بأنها القيادة التي تكون متصلة بالجماهير أشد الاتصال وأن تعبر عن مطالب الطبقات الشعبية أي قيادة بورجوازية وكتب يقول في مقاله:

جلاء اقتصادي أم ديموقراطي نرى وجوب تمكين الطبقات الشعبية من التأثير القوي على دولاب الحكومة والدولة حتى تفسح المجال لتحقيق حكم الأغلبية الصحيح ووصف هذا بقوله وهذه هي الديمقراطية وواضح أن هذا الكلام يدور في إطار حكم بورجوازي وإذا كانت الحلقة التي ينتمي إليها صادق بعد والتي تحولت فيما بعد إلى منظمة باسم الطليعة الشعبية للتحرر ثم تحولت إلى طليعة العمال قد اتجهت بنشاطها إلى العمال بشكل مكثف فلم تكن وحدها في هذا المضمار بل نافستها فيه المنظمات الشيوعية الأخرى.

على كل حال فإذا نحينا جانبا هذه النقطة الخلافية والملاحظات السابقة عليها فمن المحقق أن العرض التحليلي الذي قدمه أحمد صادق سعد للمرحلة التاريخية التي تعرض لها يعتبر على أروع جانب من النضج الفكري وهو ليس غريبا على فكر ماركسي قديم له باع طويل في الكتابة والتحليل وقد استمتعت كثيرا بقراءته.

ويعتبر الجانب الذي روي فيه ذكرياته عن النشاط الشيوعي في تلك الفترة على جانب كبير من الأهمية التاريخية فقد تحدث عن بداية هذا النشاط في جماعة أنصار السلام التي تكونت قبل الحرب العالمية الثانية وتعرض لما تعرضت له من اتجاهات تروتسكيه وصهيونية وانسلاخ التروتسكين منها ليكونوا الاتحاد الديموقراطي

ثم تحدث عن لقائه مع بول جاكو ديكومت السويسري الأصل وأحد مؤسس الحركة الشيوعية في مصر وتكوين حلقة دراسية من بعض جماعة أنصار السلام ثم انتقل إلى قيام الحرب العالمية الثانية وحل جماعة أنصار السلام وتحويلها إلى جماعة جديدة باسم:

جماعة البحوث وروي كيف اجتمعت الحلقة الدراسية لبول جاكود بكرمب وقرارها بتكوين هيكل تنظيمي سري وانتخاب قيادة من ثلاثة واستمرار هذا التنظيم إلى سنة 1942 كما تحدث عن تأسيس التنظيم جمعية جديدة باسم الشباب للثقافة الشعبة للعمل من خلال فتح فصول محو أمية في المناطق الشعبية مثل رشة القطن و (ميت عقبة)

ثم قرار التنظيم أن تكون القيادة الثلاثية خلية منفصلة عن الأجانب باعتبار عملها قائما في الأوساط الشعبية المصرية وري كيف انفصل الأجانب تنظيميا عن التنظيم بعد هجوم هتلر على الاتحاد السوفيتي للعلم في التنظيمات الشيوعية الوطنية لبلادهم بينما بقيت التنظيمات الشيوعية المصرية الأخرى مثل ايسكرا والحركة المصرية للتحرر الوطني تضم في صفوفها أعضاء من جنسيات مختلفة

حتى كادت أقرب إلى نوع جديد من الأمية الأمر الذي أعتبر إحدى السمات الهامة التي ميزت هذا التنظيم عن التنظيمات الأخرى ثم كان دخول القوات الإيطالية والألمانية الحدود المصرية الغربية مما أدى إلى مغادرة الأغلبية الساحقة من جماعة البحوث القطر إلى فلسطين.

ثم روي أحمد صادق سعد كيف اتصل تنظيمهم الذي أصبح يتكون من القيادة الثلاثية الوطنية الممثلة في يوسف درويش وصادق سعد وريمون دويك بجماعة المجلة الجديدة حيث تعرف على مصطفى منيب ورمسيس يونان وأسعد حليم وسعيد خيال حتى توقف استمرار صدور المجلة الجديدة على أثر خلافات قامت بين محرريها التروتسكيين ومصطفى منيب واتفاق التنظيم على بعض جماعة المجلة الجديدة وفيهم سعيد خيال وراوءل مكاريوس على تأسيس جمعية ثقافية باسم: (لجنة نشر الثقافة الجديدة) التي أصدرت مجلة الأسبوع ونظمت محاضرات وكونت دار نشر سميت (بدار القرن العشرين)

وروي أحمد صادق كيف عاد الرفاق الذي فروا إلى فلسطين إلى مصر فاجتمع الثلاثة مع بول جاكود بكومب، وأبرزت أننا نحن الثلاثة ظللنا ننشط في فترة غيابه ثم مدة بعد رجوعه دون أن نشعر بالاحتجاج إلى توجيهاته وقيادته على هذا الأساس اقترحت أن نستقبل من المتبقي من تلك الحلقة الأم القديمة باعتبارنا مصريين وهم أجانب أو شبه أجانب وتمت الموافقة على هذا الاقتراح وقد اتجه التنظيم بعد ذلك إلى تكوين خليتين:

الأولى تعمل في أوساط المثقفين والثانية خاصة بالعمل العمالي وقد انضم رشدي صالح إلى الخلية الأولى بعد أن تأكد من استقلال التنظيم عن الأصدقاء الأجانب فأصبحت تضمه مع صادق سعد وريمون دويك وأما الخليلة العمالية فكانت تضم يوسف المدرك ومحمود العسكري وقد نشطت نشاطا عماليا واسعا خصوصا بين الجناح الاستقلالي للحركة النقابية الذي يستهدف تخليص النقابات من السيطرة البورجوازية.

ثم أوضح أحمد صادق سعد كيف ترك الثلاثة لجنة الثقافة الحديثة بعد إلحاح رفاقهم على ذلك انطلاقا من موقف عنصري لأنهم يهود وكان رشدي صالح قد بدأ استصدار رخصة لمجلة اسمها (الفجر الجديد) فانضم إلى التنظيم المستقل وبذلك تعتبر مجلة الفجر الجديد امتدادا جزئيا للجنة نشر الثقافة الحديثة

وما لبث أن أصبحت مركزا للجذب وقامت بدور طليعي بين المثقفين حتى تحولت بعد ضربه صدقي باشا في يوليو 1946 إلى منظمة سرية تحت اسم (الطليعة الشعبية للتحرر) ثم (طليعة العمال) ثم حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري.

وبهذه المذكرات الهامة لأحمد صادق سعد وبالعرض التاريخ التحليلي للفترة التي قدمها وبمقالاته التي أرفقها بالكتاب ويكون قدم إضافة هامة لتاريخ اليسار في مصر أرجو أن تلقى ما تستحق من تقدير من جمهورنا اليسار المثقف وأن تكون عونا للباحثين في تاريخ مصر المعاصر، فزا لكل من لعب دورا في الحركي اليسارية أن يقدم شهادة للتاريخ.

مصر الجديدة في 23 فبراير 1976 دكتور عبد العظيم رمضان

الجزء الأول الفجر الجديد والمرحلة الجديدة للحركة الوطنية

من المعتاد أن يقال أن التاريخ المصري متصل الحلقات وهذا صحيح ولكنه ناقص فليس هذه الحلقات شبيهة بعضها ببعض هذا أولا وثانيا لأنها في حقيقة الأمر تدل على حركة صاعدة وإن كانت بطيئة في بعض الأحيان وأكثر إسراعا في أحيان أخرى

ويصبح التاريخ علما عندما يعمل دارسه على اكتشاف اتجاه هذه الحركة وينقب عن جذورها الخفية في فترة البطء ثم يبين ترعرعها بعد ذلك وحينئذ يمكن للمرء أن يستخلص الدروس من التاريخ فلا يعود فقط مجموعة من الحوادث بل موجها لمن يريد تلخيص بلاده وشعبه من الأغلال.

وقد صدرت مجلة الفجر الجديد في مرحلة غنية من الأحداث تميزت بالتحرر الجماهيري الواسع الذي اشتركت فيه أغلب الفئات الشعبية من العمال والطلبة والمثقفين والحرفيين بل والفلاحين هنا وهناك في جبهة ثورية عريضة ورغم أن الرجعية المصرية والاستعمارية نجحا في طمسها بحريق القاهرة إلا أنه كان طمسا مؤقتا إذ تلته ثورة 1952 التي تفتح منجزاتها ونواقصها معا مرحلة أخرى للحركة الوطنية.

المرحلة الجديدة للحركة الوطنية المصرية

تناضل مصر ضد الاستعمار الأوربي منذ فترة طويلة، وخاصة بعد أن احتلتها القوات الإنجليزية عام 1882 غير أن هناك فوارق شديدة بين ظروف الحركة الوطنية وخصائصها وبرنامجها وقيادتها قبل الحرب العالمية الثانية وبينها بعد هذه الحرب حتى هزيمة 1967.

المرحلة السابقة للحركة الوطنية المصرية

وقعت بلادنا في التبعية عندما وصلت الرأسمالية العالمية إلى أعلى مراحلها المرحلة الإمبريالية وظلت فاقدة الاستقلال الحقيقي طوال الفترة التي كان الاستعمار العالمي خلالها سيدا على العالم بأسره حقا لقد كسر ظهور أول دول اشتراكيه الاتحاد السوفيتي عام 1917 الطوق الاستعماري العام

ولكن قيام النظام الاجتماعي الاشتراكي الجديد لم يكن له سوى تأثير محدود على الظروف العالمية المحيطة بالأوضاع المصرية في ذات الوقت ولذلك فحتى هذه المرحلة واجهت الحركة الوطنية المصرية عدوا قويا رغم أزماته الداخلية والاقتصادية والسياسية

ورغم انقسامه إلى أجنحة متنازعة أشد التنازع وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ندر أن أفلتت إحدى المستعمرات في العالم من القبضة الأجنبية وحصلت على الجلاء التام والاستقلال الحقيقي ولم تشذ مصر عن هذه الأوضاع العامة فكل ما استطاعت الحصول عليه هو نوع من الاستقلال الاسمي بمعاهدة 1936

ثم إلغاء الامتيازات الأجنبية وبمقتضاها خفت إلى حد اليد الإنجليزية من الناحية الشكلية ولكن جيش الاحتلال بقي وإن كان باسم التحالف كما ظل الاقتصاد بأسره زراعه وصناعه وتجاره يخدم المصالح الأساسية للاحتكارات الأجنبية المختلفة.

واعتمدت السيطرة الاستعمارية داخليا على الطبقة الحاكمة والمالكة الكبيرة وعلى رأسها عائلة محمد علي وهي طبقة ملاك الأرض الزراعية الكبار شبه الإقطاعيين وشركاء الرأسمال الأجنبية والاحتلال وتتبادل المساندة معهما.

وكانت هذه الأوضاع تعنى الفقر والبؤس والتخلف لملايين الفلاحين ومئات الآلاف من العمال والحرفين كما كانت تقف عقبة أمام الرأسمالية المصرية المحلية في الزراعة والصناعة والتجارة فالبرجوازية القومية كانت واقعة تحت ضغط السيطرة الآتية من تلك الاحتكارات الأجنبية ومن سلطة الطبقة الحاكمة الأمر الذي كان يحول دون استغلالها للسوق ودون ربحها منه كما تريد.

وشكلت البورجوازية القومية قيادة الحركة الوطنية في هذه المرحلة فمنذ ثورة 1919 كان الوفد ونشاطه يعبران إلى درجة كبيرة من أغراض الغالبية الساحقة من الأمة في المطالبة بالاستقلال والدستور وكانت الشبكة الواسعة من اللجان الوفدية في المدن والريف لها اليد الطولى على حركة النضال الشعبي.

فتعبئها حينا وتسرحها حينا آخر بحيث لا تخرج كثيرا من الأهداف السياسية البورجوازية القومية والأساليب التي تراها مناسبة لخدمتها بما فيها من المناورات الحزبية ومن الكر والفر مع السلطة المزدوجة القائمة السفير البريطاني والملك.

إذن فقد كان ثمة تعارض شديد بين مصالح البورجوازية القومية وأهدافها وبين السلطة القائمة ولكنه رغم ذلك لم يكن تعارضا جوهريا فالرأسمالية المحلية الضعيفة والساعية إلى النهوض في هذا الوقت هي في أساسها وجذورها وكنهها من نفس نوع الرأسمالية الأجنبية المسيطرة وإن كانت هذه الأخيرة ذات بأس ووصلت إلى الكيان الاحتكاري والاستعماري

وكذلك كان من الصعب على قيادة الوفد أن نقطع تماما كل علاقة بين مصر وبريطانيا وأن تناضل من أجل الاستقلال التام والتخلص النهائي من سيطرة لندني وعليه كان شعار الوفد هو المفاوضة من أجل التحالف طوال تلك المرحلة ودعا إلى النضال الوطني في هذه الحدود فقط.

وكذلك كانت الأجزاء الغالبة من تلك البورجوازية القومية مرتبطة بصورة أو بأخرى بمصالح أشباه الإقطاعيين والرأسمالية المصرية العملية الكومبرادورية.

ففي جميع الميادين كانت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الطرفين تكون نسيجا كثيفا من تبادل المنفعة التي تأخذ منها الطبعة السائدة نصيب الأسد.

ولذلك أيضا لم تدع القيادة الوفدية إلى إقامة نظام جمهورية ولا إلى الإصلاح الزراعي أو تأميم الرأسمال الكبير بل حرصت دائما على التحرك في إطار النظام الدستوري القائم الذي كانت مقاليد الأمور فيه بيد السراي واكتفت تلك القيادة بالمطالبة بالحماية الجمركية والقانونية لمصالح الرأسمالية المحلية في نطاق الاقتصاد الحر أي اقتصاد المنافسة الرأسمالي.

بل كانت مستحيلا على القيادة الوفدية في تلك المرحلة أن تتبع خطا ثوريا وشاملا لأنها كانت تخشى أن تفلت الأمور تماما في هذه الحالة وتنقلب الثورة ضد جذور الاستغلال العميقة أي ضد النظام الرأسمالي نفسه وكان أمامها ماثلا النظام السوفيتي يخيفها إلى الدرجة أن رفضت عرض لينين بمد الثورة المصرية بالأسلحة عام 1919

وقامت بحل أول حزب شيوعي مصري عام 1943 وقد زاد هذا الخوف إزاء الثورة الشعبية من تقيد القيادة الوفدية في حركتها بالمحافظة على الحدود القائمة للنظام الاجتماعي والسياسي الموجود حينذاك.

وعلى هذا الأساس المزدوج والمتناقض كان الوفد يدعي أنه يمثل الأمة المصرية بأسرها لا طبقة اجتماعية محدودة بل كان الوفد يمثل الأمة فعلا طوال الفترة من 1919 إلى 1996، لأن التخلف الذي أبقي الاستعمار مصر عليه كان قد جعل التمايز الطبقي ضعيفا فيها فالطبقة العاملة المصرية صغيرة عددا ووعيا بذاتها مائع وارتباطاتها بالريف شديدة

ثم الجانب الأكبر والأعظم من كتلة عمال المدن يعمل لدى نفس الشركات الاحتكارية الأجنبية التي تقف في سبيل النهضة البورجوازية القومية وجماهير الفلاحين الصغار والمعدمين وكذلك الحرفيون وصغار التجار سائرون فكريا وراء البورجوازية القومية ويرون في الوحدة معها طريق الخلاص.

غير أن ضعف التمايز الطبقي لا يعني عدم وجود الانقسام الطبقي وقيام القيادة الوفدية لم يكن يعني أيضا سيطرتها الكاملة والمطلقة على الحكة الجماهيرية الشعبية فالواقع أن نشاطات هذه الحركة هي التي فرضت على السلطة السياسية القائمة في مصر أن تتراجع في فترات وتبدي تنازلات إصلاحية هامة وهكذا أجبرت ثورة 1919 الإنجليزية والملك على الاعتراف بالاستقلال الاسمي وإعلان الدستور ثم استفادت القيادة الوفدية من الضغط الشعبي لتصل إلى مساومة مع الاستعمار سجلتها معاهدة 1936 وإلغاء الامتيازات الأجنبية

وكان من ضمن الإصلاحات الناتجة من هذا كله أن صدرت سلسلة من القوانين الخاصة بالعمل والحماية الجمركية على الصناعة المحلية الناشئة إلخ.

ومن الملفت للنظر حقا أن توازن القوى الداخلية كان من الاحتلال بحيث أن السلطة المزدوجة اضطرت لكي تستمر إلى أن تفرض فترات طويلة من الأحكام العرفية والحكومات الاستبدادية خلال تلك المرحلة وإذا كان الجانب الأعظم من الحركة الجماهيرية قد نشطي تحت مظله الوفد أو لصيفه به

فليس من شك في أن الوفد عمل المرة بعد الأخرى على ركوب الموجه ثم كسر مدها حتى يبقى النضال في حدود الإطار القائم ونرى في هذا الأمر الأسباب الأساسية التي ساعدت السلطة كل مرة على استرجاع قوتها وتفريغ تنازلاتها وإصلاحاتها من مضمونها إلى حد كبير.

المرحلة الجديدة للحركة الوطنية المصرية

انتهت الحرب العالمية الثانية بسحق الفاشية الاندحار التام لمحور برلين روما طوكيو وظهر للكافة أن الاتحاد السوفيتي لعب الدور الأساسي في هذا النصر المجيد وتكونت في أوربا الشرقية كتلة من الدول الإشتراكية ثم التغير الاجتماعي الأساسي إلى مناطق واسعة من آسيا وبهذا جرى تحول جوهري في الأوضاع الدولية ففقدت الاستعمارية مركزها المسيطر السابق ونما أمامها النظام الاشتراكي المعتمد على سلطة العمال والفلاحين.

واقترن هذا بتغير هام آخر وهو تفكك السيادة الاستعمارية على البلدان المختلفة بفضل الثورات والحركات الوطنية في المستعمرات السابقة وانهارت الإمبراطورية البريطانية التي لم تكن تغيب عنها الشمس وكذلك الإمبراطوريات الفرنسية والبلجيكية والهولاندية إلخ.

وهكذا أصاب الضعف والانهيار التمزق ذلك العدو الاستعمار البريطاني الذي واجهته الحركة الوطنية المصرية من قبل فأوضحت الظروف العالمية مواتية لكي تحقق هذه الحركة انتصارات لم تبلغها فيما سبق وزاد من مواتاة هذه الظروف أن وجود العسكر الاشتراكي واشتداد الحركة الوطنية في المستعمرات فيحا أمام النضال الوطني المصري لأول مرة الإمكانية أن تخرج من مجرد اللعب على التناقضات الاستعمارية إلى الاستناد على الجبهة العالمية المعادية للاستعمار والتعاظمة قوة وتأثيرا وحسما للأمور.

والحقيقة أن النجاحات التي أحرزتها مصر كانت من أولى الانتصارات لحركة التحرر الوطني في المستعمرات فلعبت القاهرة دورا قياديا في هذه الحركة مدة طويلة وإذا كانت الاستعمارية العالمية تضطر إلى التراجع فقد لجأت هي الأخرى إلى أسالبي جديدة للإبقاء على سيطرتها الفعلية وإن كانت تحت أشكال أخرى.

وظهر الاستعمار الأمريكي كقائد طليعي لها فعمل على إقامة شبكة من الأحلاف العدوانية وأنشئت دول إسرائيل ليستعملها كعصا غليظة ضد الحركة الوطنية في البلاد العربية وبهذا لم تواجه الشعوب العربية ومنها المصري عدوا جديدا فحسب بل أصبحت الفضية الفلسطينية والوقوف في وجه العدوان الإسرائيلي الدائم عاملا من العوامل الدافعة إلى الترابط والتضامن العربيين وهو أمر كان باهتا بالنسبة إلى مصر في المرحلة السابقة.

وفي الوقت نفسه جرت تحولات هامة أيضا على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي الداخلي فقد سكنت ظروف الحرب البورجوازية القومية من أن توسع نشاطها وتزيد من قوتها ونموها الأمر الذي أثار شهيتها وأطماعها في المزيد من الربح والغنى وفي الوصول إلى المراكز المسيطرة الأعلى وحينئذ أشتد هجوم البورجوازية القومية على الأوضاع القائمة ولعب الجانب المستنير منها دورا في فضح التعفن والفساد والهزال الاقتصادي والتخلف السياسي للطبقة المسيطرة

ومن جهة أخرى تدهورت أحوال الشعب وبين اندلاع الأوبئة مثلا اندلاعا واسعا مدى البؤس الذي تردت فيه ملايين الفلاحين العمال والبورجوازيين الصغار يسبب السياسة التي تتبناها السلطة شبة الإقطاعية والمتحالفة مع الاستعمار.

وكان النمو الرأسمالي الذي وقع في مختلف الميادين قد ضخم من صفوف الفلاحين المعدمين والعمال الزراعيين وكصناعيين بصورة مغايرة عن ذي قبل فبدأ التمايز الطبقي يحتد في المدينة والريف أيضا ولم تعط هذه الأوضاع الجديدة دفعة قوية فحسب الحركة الوطنية فجعلتها تتصاعد بسرعة وباتساع منقطع النظير بل جعلتها في جوهرها تكتسب مضمونا جديدا أيضا

فلم تعد القضية التي تكافح من أجلها فقط هي جلاء القوات البريطانية ووضع حدود لسلطات الملك الدستورية ولا بقيت الشعارات المرفوعة في المظاهرات والإضرابات والبيانات تدور فحسب في حدود الضغط على الإنجليز لكي يقبلوا التفاوض ولا على السراي حتى تأتي بوزارة تمثل الأغلبية الوفدية

بل أصبح المطلوب وإن كان بصورة غامضة في أحيان كثيرة هو التخلص من الارتباط بالاستعمار البريطاني وإحلال السيطرة المصرية محل الأجنبية على مفاتيح الاقتصاد ضرب مركز الملك والباشوات الرأسمالية

وفي كلمة أضحت حقوق الطبقة المالكة الكبرى المزدوجة في الملكية والحكم السياسي موضع منازعه وباتت أهداف اشتراكية ضبابيه وخيالية نعم ولكنها بهذه التسمية على أية حال تجسد أماني الحركة الوطنية المندفعة التي الأمام.

ومما يوضح مدى جدة الحركة في مضمونها أن هذه المرحلة شهدت اشتراك شتى الفئات الاجتماعية في النضال فمن هجوم الفلاحين على قصور الباشوات في بهوت وكفور نجم لا ضد الإنجليز فقد كما كان في 1919 إلى خاضها عمال الصناعة ثم تشكيل أنواع جديدة من التنظيمات القيادية المستقلة عن الوفد بدرجة أو بأخرى اللجنة الوطنية للعمال والطلبة تنظيم الضباط الأحرار المجموعات الفدائية والإرهابية.

ثم لا يفوتنا من بين السمات الجديدة تكوني عدد من التنظيمات الماركسية والشيوعية وكان لأغلبها وأهمها تعبيرات علنية على شكل النوادي الثقافية والمجلات الدورية ودور النشر والتنظيمات العمالية والنسائية والطلابية أو الفئوية وهي ظاهرة كادت أن تكون معدومة في المرحلة السابقة منذ القضاء على الحزب الشيوعي الأول.

وأخيرا فمن العلاقات الميزة لهذه المرحلة الجديدة ذبول القيادة الوفدية وفقدانها الكثير من تمايزها الاجتماعي والسياسي عن القيادات البورجوازية وشبه الإقطاعية القائمة ففي المرحلة السابقة كانت جميع الانقسامات عن الوفد انقسامات يمينية (السبعة ونصف، السعديون، ثم الكتلة)

أما الآن فقد دخلت صفوف الوفد ووصل إلى قيادته عدد متزايد من أبناء العائلات الكبرى ومن أصحاب الأموال الصناعية والتجارية الضخمة وبات من قادته من ينادي بالزواج الكاثوليكي (الذي لا طلاق فيه) مع بريطانيا وصارت القيادة الوفدية تتودد إلى الأعتاب الملكية

وأصبح عبود وحافظ عفيفي وأمثالها وسطاءها لدى السراي ووقعت اتفاقية النقطة الرابعة معه الاستعمار الأمريكي وتقدم بعض نواب الوفد باقتراح قانون المشبوهين السياسيين الرجعي إلخ وفي الوجه المقابل تشكل شيئا فشيئا جناح وفدي يساري كان يأتي أفراده من الشباب الوفدي وخاصة الطلبة.

كانت هذه الظواهر وغيرها جميعا تدل على انقسام تلك الأمة الموحدة السابقة إلى جبهتين بينهما تعارض شديد وحيث أن السلطة التقليدية كانت ضعيفة ولا ننسى الأزمات الوزارية المتتالية قبل ثورة يوليو فقد وسعت المجال أمام التنظيمات الفاشية والمنابر الرجعية الصارخة (الإخوان ومصر الفتاة وأخبار اليوم) قاصدة بها أن تجمع الجماعات والشرائح الاجتماعية التي لم تعد ترى في السياسة القديمة خلاصا دون أن تعي مع ذلك ما هو الطريق الصحيح للتقدم والحل.

طبعا لم يكن هذا يعني أن قيادة الوفد للحركة الوطنية قد انتهت بدليل أن الانتخابات حينما كانت تجري حرة كانت تأتي بأغلبية وفدية ساحقة ولكن لابد للمتأمل في هذه الفترة التاريخية وخاصة وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاما عليها من أن يرى بوضوح أنها كانت فترة انتقال من التحرك الوطني تحت قيادة البورجوازية القومية إلى التحرك تحت قيادة أخرى

وكان الجمود العقائدي يدفعني ساعتئذ ورفاقي إلى الحزم بأن هذه لا يمكن ألا أن نكون قيادة الطبقة العاملة وهناك شيوعيون آخرون رأوا تجسيد القيادة المنتظرة في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة ولكنا كنا نعارض هذا الاعتقاد وقد حسم التاريخ المصري هذا التساؤل بظهور قيادة البرجوازية الصغيرة في صورة الثورة عام 1952 وهو أمر لم يكن الماركسيون المصريون يتوقعونه.

ومهما كان الأمر فقد لعبت التنظيمات الشيوعية دورا أساسيا في توضيح الأرضية الاجتماعية والسياسية الجديدة المرحلة الهامة من الحركة الوطنية وخاصة في إبراز الطبيعة الطبقية لأهدافها فبدلا من المفاوضة مع المحتلين قدمت تلك التنظيمات مطلب تداول القضية المصرية ورفض الأحلاف والاعتماد على مساندة المعسكر الاشتراكي وفي وجه خضوع الحكومات العربية لمشيئة الاستعمار في فلسطين

قدمت فكرة التضامن مع الحركة الوطنية العربية والكفاح ضد الصهيونية وبدلا من الأهداف الوطنية المجردة من المضمون الاجتماعي أبرزت ضرورة تأميم الممتلكات الأجنبية الاحتكارية في مصر والاستقلال الاقتصادي إلى جانب السياسي وربط مطالب الجماهير المعيشية بالكفاح ضد الاستعمار

وبدلا من المناداة بالوحدة التقليدية بين الزعماء قدمت فكرة الجبهة الوطنية الشعبية تحت قيادة ليست الوفدية ودافع الماركسيون عن الحركة النقابية المستقلة عن السيطرة الإدارية والبورجوازية وخاصة الوفدية

وكذلك لمحت بوضوح إلى المطالب بإقامة نظام جمهوري ديمقراطي ونادت بالنضال ضد الإقطاع وبإجراء إصلاح زراعي جذري وتكوين الجمعيات التعاونية الإنتاجية إلخ هذا إلى جانب اشتراك عناصرهم في الحركة الجماهيرية وفي النضالات اليومية للعمال والمهنيين والطلبة والنساء إلخ..

ومع هذا كله نشط الشيوعيون المصريون في مجال نشر الفكر الماركسي النظري والتطبيقي بصورة لم تحدث من قبل فالعديد من مؤلفات ماركسي وانجلترا ولينين وستالين ترجمت إلى العربية وأغلبها ثم طبعه وتوزيعه بطرق سرية وكذلك صدرت دراسات اقتصادية وتاريخية وسياسية للأوضاع المصرية وعند الاتحاد السوفيتي والحركة الإشتراكية العالمية إلخ

وما من شك في أن هذه الأعمال ألقت بذورا لتكوين تيار فكري يساري جديد في مصر تطور بعد ذلك بحث أصبح الآن حقيقة واقعة وجزءا من الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والفنية في بلادنا.

وتكبد الشيوعيون بسبب هذا النشاط الآلام والتضحيات والسجن والتشريد إذ كانوا الهدف الأول للحملات الإرهابية التي شنها الاستعمار والرجعية على الحركة الوطنية ولكني الواقع أنهم ساهموا مساهمة فعالة في توجيه النضال الشعبي الوجهة التي أثمرت بانجازات الناصرية فيما بعد بما لها وما عليها.

وقبل أن ننهي هذا الجزء يجدر بنا أن نعود إلى نقطه ضعف سبقت الإشارة إليها فيمن الملفت للنظر أن الرجعية المصرية استطاعت في نهاية هذه المرحلة أن توجه الضربات القاصمة للمنظمات الماركسية وتصفي أغلبها

وأن فترة طويلة من البلبلة الفكرية والانقسام والانهيار التنظيمي والانعزالي من الجماهير سادت بعد ذلك على تلك الحركة ويفسر البعض هذه الظاهرة بأن الحركة الماركسية كانت طليعة فكرية دون أن تكون قيادة سياسيه بالمعنى المتكامل طارق البشري مثلا. وهذا صحيح إلى حد كبير ولكني أود أن أنقب عن أسبابه في اقتضاب.

الواقع أن الحركة الماركسية نشأت في الأوساط المثقفة ثقافة غربية وظلت محصورة فيها وفي مراكز صغيرة من الفئات العمالية المتقدمة فكريا، هي إلى فئة الصناع المهرة أقرب أي محصورة في شريحة اجتماعية خاصة وضيقة نسبيا من البورجوازية الصغيرة المصرية

نعم لقد كانت للحركة في أوقات علاقات نضالية مع بعض الأوساط الفلاحية الصغيرة والعمال الزراعيين وطلبة الأزهر وسكان الأحياء الشعبية في مناطق معينة أو بعض المدن الريفية ولكن الحقيقة أن هذه العلاقات كانت واهية وانقطعت بسرعة

ومع إدراكنا أن قيام طليعة سياسية وجماهيرية جديدة ليس بالأمر الذي يمكن أن يتم في أيام قليلة إلا أننا لا نعتقد أن عامل الوقت كان العنصر الأساسي في ذلك الجانب السلبي الخطير وخاصة أن مصر كانت تجتاز وقتئذ فترة مد ثوري عظيم

وفي رأيي أن الجمهور العقائدي كان الجدر العميق للأغلبية الكبرى من النقص والقصور التي كمنت في الحركة الماركسية المصرية وأن هذا الجمود وجد أرضيه خصبه في طبعيه البورجوازية الصغيرة المصرية وخاصة القسم منها الذي استوعب الثقافة الغربية للعلمانية وظل الماركسيون يشعرون بشكل غامض مدة بأن هناك حائلا ضخما ما بينهم وبين الجماهير الشعبية الواسعة من الفقراء والمعدمين في المدينة والريف

وليس من الصدف بل هو أمر يرتبط منطقيا بهذا الشعور أن جميع المنظمات الماركسية في تلك الفترة ظهرت كمنظمات وحلقات ولم تشكل حزبا أو أحزابا بل صرحت مرارا أنها تقصد هذا الوضع باعتبار تأسيس الحزب مرحلة أخرى تأتي بعد توار شروط معينا غامضا لنمو المنظمة أو الحلقة.

وليسمح لي القارئ الكريم بأن استطرد بعض الشيء في هذه النقطة لأهميتها ففي تلك الفترة كنا ندرس الكتابات الكلاسيكية ويحفظ بعضنا فترات منها عن ظهر قلب ورغم أن هذا ساعدنا كثيرا على النظر إلى الأوضاع المصرية على ذلك الأساس الجديد الذي سبق الإشارة إليه

إلا أنه منعنا من الإدراك العميق للخصوصية المصرية فقد فهمنا بعض الشيء الدور الطليعي تاريخيا الذي يقع على الطبقة العاملة ولكننا لم ننتبه الكتلة الضخمة من الشعب الفلاحون التي كانت الطبقة العاملة ومازالت مرتبطة بها بحبل سري قوي

ونظرنا كذلك إلى البورجوازية الصغيرة في المدن ومنها الطلبة والمثقفون والمهنيون باعتبارها قنطرة لوصولنا إلى الطبقة العاملة ودون أن ندرك دورها الاجتماعي والسياسي والفكري الضخم في الحياة المصرية وفي جملة فرغم أن الحركة الماركسية المصرية كانت جزءا طليعيا للنضال الوطني

غير أنها لم تستوعب تراثه الخاص وأساليبه التقليدية وأشكال هيئاته ولقد كانت كتابات ستالين عن القضية الوطنية تقسم تطورها إلى عدة مراحل من ظهور القيادة شبه الإقطاعية ثم البورجوازية فقيادة الطبقة العاملة

فلم نستطع أن نرى ليس فقط التأثير الضخم للبورجوازية الصغيرة في الحركة الوطنية المصرية بل لم نتوقع أطلاقا أن تتولى هذه الطبقة قيادة الحركة الثورية بأشكال خاصة مثل الثورة البادئة من الجيش وبالتالي عجزنا بعد ذلك إلى درجة كبيرة عن اتخاذ الموقف الصحيح منها وأن نسير في خط يساعد على استمرار التقدم الثوري ومنه الردة.

وفي هذا الضوء فمن يراجع الكتابات والمواقف الماركسية في تلك المرحلة لا يتكشف فقط عمق الجمود العقائدي بل يري في الواقع أن الأغلبية الساحقة من الماركسية كانوا فعلا طليعة فكرية ولكنها طليعة فكرية ولكنها طليعة البورجوازية الصغيرة البورجوازية الصغيرة الثورية أساسا وللطبقة العاملة بصورة جزئية فقط

ورغم ما كتب وقيل حينذاك عن النظرية الماركسية اللينينية وعن الاتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية وكان بلا شك مفيد للغاية في مسيرة مصر غير أنه ظل إلى درجة كبيرة أمرا منفصلا عن الطريق الخاص الذي يمكن أن تسلكه مصر نحو الإشتراكية.

الفجر الجديد

رغم أن هيئة تحرير مجلة الفجر الجديد ظهرت كمجموعة مستقلة من المثقفين إلا الحقيقة أن وراءها كانت حلقة ماركسية صغيرة لا تشرف عليها فحسب، بل على نشاطات علنية وسرية أخرى أيضا وخاصة في بعض الأوساط العمالية ولذلك يجب علينا نلقي على تلك الحلقة نظرة شاملة وأن كانت سريعة.

تاريخ الحلقة

ترجم أصول الحلقة إلى مجموعة من أعضاء الحزب الشيوعي المصري الأول الذين استطاعوا أن يحافظوا على ترابطهم الفكري والتنظيمي بعد حل هذا الحزب ويذكر يوسف درويش أن بعض وثائق هذه المجموعة مرت به يوما...

وفي أواخر الثلاثينات أسس بعضهم في القاهرة والإسكندرية هيئة علنية هي جماعة أنصار السلام وأغلبية أعضائها من الأجانب وكان نشاط أنصار السلام موجها ضد الحروب العدوانية التي تثيرها الفاشية وخاصة الإيطالية والألمانية

وأذكر أني حضرت في الإسكندرية مؤتمرا عقد في نادي الموظفين ضد الغزو الإيطالي للحبشة واشتركت اشتركت اشتراكا متواضعا في نشاط الجماعة بالقاهرة تأييد لمقاومة الجمهورية الأسبانية الباسلة ضد الغزو الفاشي الإيطالي والألماني الذي نحو إلى الحزب الأهلية المعروفة وانتهى باستيلاء فرانسكو على الحكم في مدريد.

ولقد كان النضال ضد الخطر الفاشي في العالم نضالا تقدميا جمع مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية في أوربا الغربية وأن كانت جماعة أنصار السلام في مصر قد نجحت في القيام ببعض النشاطات في هذا السبيل بالاشتراك مع مصريين وإليها يرجع الفضل في الاتصال الأول بين نهرو والنحاس باشا مثلا

غير أنه من الطبيعي أن عملها ظل في دائرة محصورة من الأجانب في هذا الوقت فعدو مصر كان الاستعمار البريطاني وكان من الصعب على الوطنين العاديين أن يهتموا بعدو آخر بل كثيرا ما كان يميل بعضهم إلى النظر لدول المحور كحليف النضال الوطني تتمه للتراث السابق الذي حاول اللعب على التناقضات بين الدول الاستعمارية

كانت بعض الاتجاهات الثورية الوطنية المعارضة لأسلوب المفاوضات ترى في الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأسلوب الرئيسي وقد يكون الوحيد الناجح لطرد المستعمرين ولذلك لم يكن التيار الوطني يرتاح إلى المناداة بالسلام ويفهمها على أنها تحبذ الأساليب السلمية فقط وتعتبرها استسلاما للاستعمار.

ويرجع اتصالي الشخص بجماعة أنصار السلام في الإسكندرية إلى السيدة أنا كاينكو التي كانت تدرس التاريخ في مدرسة الليسيه التابعة للطائفة اليهودية وكنت طالبا فيها في المرحلة الثانوية فجذبني تفسيرها المادي للثورة الفرنسية التي كانت مقررة علينا وبدأت أطلع على بعض المؤلفات الماركسية الصادرة بالفرنسية وأذكر خاصة البيان الشيوعي لماركس وانجلز الذي ألهبني حماسا لترابط البنائي والمنطقي المحكم وباعتباره يقدم أدارة عليه رائعة لتحليل التاريخ وشتى الاتجاهات السياسية.

وعندما التحقت بكلية الهندسة في القاهرة 1937 أصبحت أتردد على مقر الجماعة فيها وتعرفت على هذه الفترة على بول كوديكومب الذي كان يعمل مهندسا وعلى الشاعر القبرص ثيودوس يبرينس وزوجته الكسنهرا وريمون دويك ويوسف درويش وجورج حنين وآخرين

وانضمت إلى حلقه دراسة كونها البعض منهم وتجتمع أسبوعيا لقراءة كتاب في الاقتصاد السياسي ومناقشته وقد أفادتني هذه الحلقة فائدة كبرى ويرجع إليها الفضل الأول في إرساء المبادئ الماركسية الأساسية للاقتصاد السياسي في ذهني وكذلك درسنا كتابا هاما معاديا للصهيونية وهو الذي ألفه الشيوعي الألماني أوتو هيللر واسمه نهاية اليهودية ألحق أن هذا الكتاب كان أساسيا في تربيتنا الفكرية المعارضة للصهيونية معارضة تامة.

وبعد قليل شهدنا نوعين من الخلافات تشتد بين الأغلبية الساحقة من مجلس إدارة الجماعة ومجموعتين من الأعضاء وكان الخلاف الأول مع عدد صغير من التروتسكيين وعلى رأسهم راءول كورييل الذي أرادوا تحويل هذه الهيئة من حركة لأنصار السلام ذات أرضية علنية واسعة

ولا شأن لها بالمعتقدات المذهبية والسياسية لأعضائها إلى مجرد لافتة تستر قنطرة للنشاط التروتسكي الضيق بما يتناقض تماما مع الأهداف المعلنة لحركة أنصار السلام ومبادئها وفائدتها والواقع أن المجموعة التروتسكية هذه كانت في الوقت نفسه دون نشاط وتهمل الجمعية

وعندما هزمت في الانتخابات السنوية لمجلس الإدارة أرسل أفرادها استقالتهم مشفوعة باتهامات باطلة فرد مجلس الإدارة عليهم يرفض الاستقالة وفصلهم على أساس خروجهم على اللائحة وعدم تسديد اشتراكاتهم مثلا مدة طويلة واشترك بعضهم بعد ذلك في تأسيس الاتحاد الديمقراطي كما أصدر جورج حنين وآخرون مجلة بالفرنسية اسمها دون كيشوت شنث هجوما ضاريا على الاتحاد السوفيتي

وقد علمتني تجربة الخلاف مع هذه المجموعة التروتسكية الأولى أن الأساس الأول لتقييم الأفراد والاتجاهات ليس كلامهم والقدرة على التعبيرات الجذابة بل النشاط العملي الفعلي كما علمتني ضرورة التقيد بأهداف الهيئات العلنية التي تؤسس محافظة على استمرار نشاطها وعدم الزج بها في متاهات النزاعات الشخصية والمذهبية لأعضائها حتى يكون العمل أوسع ما يمكن.

وقام الخلاف الثاني مع بعض المتعاونين مع الاتجاهات الصهيونية وأذكر أنني كنت في أحد مدرجات كلية الهندسة عندما دخل نفر من الطلبة يقودهم أحد أعضاء مصر الفتاة وأخذوا يهتفون ضد اليهود وكان مؤتمر لندن منعقدا في ذلك الوقت فاعتليت المنبر المخصص للأستاذ المحاضر طالبا الكلمة.

وشرحت الفرق بين اليهودية كدين والصهيونية كاتجاه سياسي استعماري وطلبت من الحاضرين أن يهتفوا بعدي لتسقط الصهيونية وتكونت بعد ذلك لجنة من طلبة الهندسة لمناصرة القضية الفلسطينية فكنت عضوا فيها ولكن لم يكن لها نشاط يذكر وعلى الأثر اتصل بي طالب يهودي بالكلية ورجاني مقابلة شخص اسمه يوسف سقال الذي طلب مني كتابة تقرير عن الاتجاهات المعادية للسامية في الجامعة

فلم أفعل بعد استشارة الأصدقاء في جماعة أنصار السلام وعلمت بعد ذلك أن محاولة مماثلة تمت مع يوسف درويش الذي رفض أيضا الاستجابة لطلبات سال رفضا مليئا بالإباء والإهانة للصهيونية ونما إلى أيضا أن أحد زعماء الطائفة اليهودية المصرية قطاوي باشا أقنع بعض قادة الطلبة بعدم إثارة العنصرية في الجامعة واستعمل مع بعضهم حججا مالية

والواقع أن كبار اليهود في مصر كانوا يخشون انتشار الحركة المعادية للسامية ورأوا مساندة بعض الماركسيين باعتبار الحركة الديمقراطية أحسن درع ضد العنصرية غير أن أغلب هؤلاء الكبار كانوا يعملون في الوقت نفسه على محاولة استغلال النشاط الماركسي بين اليهود كفرس يجري مع الفرق الصهيونية

وقد وقف زملائي في جماعة أنصار السلام ضد هذه المحاولات تماما لا لأنهم كانوا معادين للسامية بل لاعتبارهم عن حق الحركة الصهيونية استعمارية معادية للشعوب العربية ومنها الشعب المصري وأذكر أن هذا لم يكن موقف بعض الماركسين الآخرين ومنهم (إيلي ميزان) الذي كان شابا بارزا وقتذاك في جمعية طلابية اسمها الاتحاد الطلابي العالمي لمكافحة اللاسامية بالقاهرة فغمض غينه عن النشاط الصهيوني الذي كان يجري في هذه الجمعية الطلابية وحولها.

وعلى نقيض ذلك كان الموقف الرسمي لاتحاد أنصار السلام في العالم إدانة الصهيونية وقام يوسف درويش بتوزيع عددا من المنشورات الصادرة باللغة العربية من جماعة القاهرة ضد الصهيونية وتناصر الشعب العربي الفلسطيني والتقى بعض المسئولين في جماعة السلام بموسى الخالدي عند مروره بالقاهرة معلنين استنكارهم لمشروعات التقسيم في ذلك الوقت وعلى كل فقد كان هذا الخلاف أول صدام بيني وبني الصهيونية وأعطى لموقفنا ضدها جذورا أشد رسوخا.

وفي سبتمبر 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية بادئة بين ألمانيا الهتلرية من جهة وفرنسا وانجلترا من جهة أخرى وكانت في أول الأمر تشبه الحرب العالمية الأولى في كونها إلى درجة كبيرة خلافا بين الدول الاستعمارية

فبعد أن كانت الطبقات الاحتكارية الحاكمة في لندون وباريس قد تراجعت أمام أطماع هتلر آملة أن توجهه ضد الاتحاد السوفيتي بذلت جهدها في الفترة الأولى في الحرب لكي تتفق وتتحد معه للقيام بالهجوم المشترك على الدول الإشتراكية

ولذلك كان موقف الأمية الثالثة (الكمومنترن) هو الدعوة إلى قلب الحرب ضد الحكم الرأسمالي في أوربا وأذكر في هذه المناسبة أن الاتحاد الديمقراطي الذي سبقت الإشارة إليه اتخذ موقفا مخالفا ونشر في الصحف الإفرنجية بيانا يؤيد فيه انجلترا وفرنسا.

ومع قيام الحرب لم يكن ثمة معنى لاستمرار جماعة أنصا السلام وتقرر حلها وأن تؤول ممتلكاتها إلى جمعية جديدة أسسها نفس الأعضاء تقريب وسميت بجماعة البحوث وفي نفس الوقت دعيت إلى اجتماع شمل الحلقة الدراسية التي كنت أحضرها وزملاء آخرين أغلبهم من الأجانب

وفيه قرأنا مؤلف لينين موضوعات أبريل المكتوب في 94، والذي يشرح فيه الموقف الواجب اتخاذه من الحرب العالمية الأولى الاستعمارية وهو قلبها الثورة الإشتراكية وبعد مناقشة قررنا تكوين هيكل تنظيمي سري وانتخبنا قيادة من ثلاثة واستمر هذا التنظيم إلى 1942

ولكن كانت قليل النشاط فيه لانشغالي بالاستنكار في الكلية ولكني كنت أحضر بانتظام في الحلقة الدراسية التي ظلت تقرأ بعض المؤلفات الماركسية وتناقشها وكنت التقي فيها خاصة بريمون دويك ويوسف درويش وأذكر من بين الموضوعات الهامة التي درسناها واستقرت ي أذهاننا ما نسميها بقواعد السرية والأمان أي المبادئ الأساسية التي تحمي التنظيم من تسرب البوليس إليه والمواقف التي يجب اتخاذها أمام النيابة والقضاء إلخ..

وفي ذلك الوقت قامت جماعة البحوث بسلسلة من الدراسات التاريخية والسياسية والاقتصادية عن مصر باللغة الفرنسية أفدت فائدة كبرى في رسم سياسة الفجر الجديد والضمير فيما بعد.

وكنا نبحث عن الطرق الأساليب لإيجاد ارتباط كفاحي مع الفئات الشعبية وفي حوالي 1940 اتصلنا ببعض الشبان الذين فتحوا فصولا دراسية لمحو الأمية وتقوية طلبة المرحلة الثانوية في حي السبتية بالقاهرة وتعاونا معهم فترة

ولكما وجدنا عملهم قليل الجدية، غير أن الفكرة جذبتنا كوسيلة للاتصال بالشعب فأرسلنا بدورنا جمعية جديدة هي جماعة الشباب للثقافة الشعبية التي فتحت فصولا لمحو الأمية في عديد من الأماكن وخاصة بمنطقة ورشة القطن بحي بولاق، وهي منطقة عمالية عريقة سكن فيها يوسف درويش بعد زواجه وكانت الدروس تقدم في بعض غرف مسكنه والأخرى ي قرية ميت عقبة من نواحي إمبابة التي كان يقيم فيها أحد أصدقاء ريمون دويك.

وكانت هذه الجمعية على اتصال بجمعيات واتجاهات ديمقراطية مماثلة اذكر منها واحد في طنطا وفي هذه الأيام كتبت أول مقال لي وكان يدور حول أهمية محو الأمية ونشرتها مجله إقليميه صدرت في طنطا هي الحضارة المصرية.

ومنذ هذه الفترة قرر التنظيم أن نكون ثلاثتنا خلية منفصلة عن الأجانب باعتبارنا قائمين بنشاط في الأوساط الشعبية المصرية وأعطانا عملنا فرصة لمعرفة عدد من المثقفين والعمال والفلاحين وربطنا ببعضهم أواصر الصداقة.

وفي صيف 1941 شن هتلر هجومه على الاتحاد السوفيتي الذي غير دخوله الحرب من مجراها ومضمونها وأهدافها فأصبحت حرب الشعوب الديمقراطية ضد الفاشية العالمية وحينئذ تحول النشاط الذي يقوم به أغلب أعضاء التنظيم في خدمة المجهود الحربي أو التحريري الجاري بين أبناء وطنهم وانفصلوا تنظيميا بالتالي وبصورة طبيعية دون أن يكون هذا الانفصال على أساس خلافات مذهبية فعمل الإيطاليون منهم مثلا لمساعدة المقاومة ضد موسوليني وانضم اليونانيون إلى التنظيمات التابعة للحزب الشيوعي اليوناني إلخ..

ولم يعودوا يترددون على جماعة البحوث واعتبر هذا التحول المبدئي إحدى السمات الهامة التي ميزت مجموعتنا عن بعض التنظيمات الشيوعية المصرية الأخرى مثل ايسكرا والحركة المصرية للتحرر الوطني ثم الحركة الوطني ثم الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني التي ظلت تضم في صفوفها أعضاء من جنسيات مختلفة بمكونة من كل جنسيه خليه أو عددا من الخلايا تخرج عن الولايات الطبيعية لكل حزب شيوعي على أعضائه من مواطني دولته

وزاد من هذه المخالفة للمنطق السياسي الماركسي بعد أن تم حل الأممية الشيوعية في أواخر الحرب إذ أصبح كل حزب مستقلا في دولته رغم وجود روابط الأخوة النضالية مع الأحزاب الأخرى وعلى النقض فظلت بعض المنظمات الماركسية التي تأسست في مصر أقرب إلى نوع جديد من الأممة ولها علاقات خاصة حلقية بأبناء جنسيات مختلفة.

وفي منتصف 1942 وقعت سلسة من الأحداث الكبيرة والصغيرة كان لها تأثير حاسم على تطور الحلقة فقد دخلت القوات الألمانية والإيطالية الحدود الغربية المصرية وبدأ وكأن مصر قرب القوات الألمانية والإيطالية الحدود الغربية المصرية

وبدا وكأن مصر قرب السقوط في قبضة المحور فغادرت الأغلبية الساحقة من زملاء جماعة البحوث القطر إلى فلسطين واجتمعنا ثلاثتنا نناقش موقفنا ونحن أيضا وشيوعيون نتعرض للخطر الشديد لو استولت الفاشية على القاهرة ولكننا رأينا من الخطأ الجسيم أن نترك بلادنا وأن علينا على العكس واجب النشاط ضد الاحتلال الفاشي إذا وقع فقررنا البقاء واتفقنا على هروب كل منا في ناحية من النواحي والاختباء فيها مع إجراء وسائل سرية للاتصال بيننا

وأذكر أنني كنت سوف أذهب إلى إحدى قرى الصعيد وريمون إلى الإسكندرية أما يوسف فيختبئ بالقاهرة وأننا كنا سوف نتراسل عن طريق الكتابة في الإعلانات المبوبة بجريدة الأهرام طبقا لشفرة اتفقنا عليها غير أن معركة العلمين أنقذت مصر فلم ننفذ خطئنا.

كانت أرضيتنا الفكرية توجهنا إلى البحث عن العمل الجماهيري بين الفئات الشعبية وخاصة العمال والفلاحين مما جعلنا تتحين الفرص أو وجدها.

وفي هذه الفترة عرضت على يوسف فرصة الدفاع عن إحدى القضايا العمالية الصغيرة واستطاع عن طريقها الاتصال ببعض الزعماء العمال في نقابة النسيج الميكانيكي بشبرا الخيمة فأخذ نشاطه يتسع في هذا الاتجاه وتعرف على محمود العسكري وطه سعد عثمان ومحمد يوسف المدرك وأصبح شيئا فشيئا ينقطع عن جماعة الشباب للثقافة الشعبية.

وقد تعاون بعض الماركسين في هذا الوقت لإعادة صدور المجلة الجديدة التي كان يملك ترخيصها سلامه موسى وقد قررنا أن أتصل بهم فتعرفت على مصطفى منيب وومسيس يونان وأسعد حليم وسعيد خيال:

ونشرت لي المجلة مقالا إقتصاديا بتوقيع (ص.س.) وأذكر أن خلافات ما قامت بين بعض المحررين التروتسكيين ومصطفى منيب انتهت بالحيلولة دون استمرار المجلة الجديدة ثم تعرفت على عصام الدين حفني ناصف الذي كان في بادئ الأمر يريد أن يؤسس جمعية لمكافحة الفاشية ومعه بعض الأصدقاء

ولكن المناقشات معهم لم تؤد إلى نتائج عملية وحينئذ أنفق بعضنا وكان معنا سعيد خيال وريمون دويك وراءول مكاريوس على تأسيس جمعية ثقافية أسميناها لجنة نشر الثقافة الحديثة واتخذنا مقرا لها إحدى الغرف في الشقة المتواضعة التي يسكنها سعيد خيال في شارع قصر العيني

وقامت هذه الجمعية بتنظيم عدد من المحاضرات الوطنية التقدمية وأذكر منها محاضرة ألقاها زكي هاشم عن ضرورة الإصلاح الزراعي وأخرى لأحمد رشدي صالح عن الاستعمار البريطاني في مصر وعن طريق راءول مكاريوس استأجرنا مجلة نكرة اسمها الأسبوع التي كانت تنشر أخبار الأعيان في الأقاليم فاتفقنا مقابل جنيهات قليلة جمعناها من اشتراكاتنا أن نصدر عددا بمعرفتنا كل أسبوعين ويصدر صاحبها الثاني

وهكذا وكانت مجلتنا الأولى التي تحتوي على تحليل تقدمي عن الحوادث الخارجية والداخلية منها ما كتبت فيها عن الأفلام المصرية وما كتبه ريمون عن نشاط البرلمان إلخ: وكانت تباع بالاتصال بالأصدقاء والقليل منها عن طريق مكتبة الأنجلو المصرية.

وقررت الجمعية أيضا تكوين دار نشر سميت بدار القرن العشرين أدارها ريمون دويك وأصدرت ترجمته أحمد رشدي صالح لكتاب الينوربيرنز الاستعمار البريطاني في مصر ثم دراسته كرومر في مصر وكتابي مشكلة الفلاح وعندما صدرت لمجلة الفجر الجديد، اتخذت دار القرن العشرين مقرها في نفس الشقة الجديدة حي الفوالة

وأصبحت مركزا لتوزيع الكتب والمجلات الماركسية العربية (العراقية واللبناني ة، في مصر وتوزيع الكتب المصرية في البلاد العربية والقصد أن نشاطنا في أوساط المثقفين أتسع نسبيا بصورة خصبه فقررنا ثلاثتنا حل جمعية الشباب للثقافة الشعبية.

وخلال هذه الفترة كان رفاقنا قد عادوا من فلسطين إلى مصر وعقدنا نحن الثلاثة اجتماعات في بيت بيول جاكو وأذكر أنني أبرزت أننا نحن الثلاثة ظلنا ننشط في فترة غيابه ثم مدة بعد رجوعه دون أن نشعر بالاحتياج إلى توجيهاته وقيادته وعلى هذا الأساس اقترحت أن نستقل عن المتبقي من تلك الحلقة الأم القديمة باعتبارنا مصريين وهم أجانب أو شبه أجانب دون جنسية محددة وذوو ثقافة فرنسية

وتمت المواقف على هذا الاقتراح دون مناقشة تقريبا واستقلت خليتنا دون خلاف سياسي أو فكري بل ظللنا أصدقاء وعندما أسنا التنظيم عام 1946 تحولت المجموعة الباقية من هؤلاء الزملاء إلى مجموعة مساعدة بغير أن تكون عضوه وسميت هذه المجموعة بالممر بمعنى أن الفرد منهم الذي يتعلم ويندمج في الأوساط المصرية يمكن أن يكون عضوا بعد ذلك

ولكن الواقع أن هذا لم يحدث إلى أن هجروا البلاد جميعا وفي رأيي أن قرار الاستقلال ذلك كان هاما للغاية وفريدا بالنسبة للحركة الشيوعية المصرية لمدة طويلة إذ ظل بعض الأجانب يلعبون دورا قياديا في تنظيمي حمتو وايسكرا ثم حدتوا ما أثر في سياستها في تقديري.

وعلى أثر قرار الاستقلال عقدنا نحن الثلاثة أيضا اجتماعا أخر ناقشنا فيه سياستنا المقبلة وخطه نشاطنا وأذكر أننا اتخذنا نوعين من القرارات النوع الأول خاص بالسياسة التي ستتبعها الخلية، ورأينا أن يكون هدفها مزدوجا فمن جهة علينا أن نتفهم الأوضاع المصرية من شتى النواحي حتى نتمكن من رسم الأسس للفكر الماركسي المصري مما يستلزم القيام بدراسة الواقع في ضوء النظرية

كما يستلزم القيام بنشاط جماهيري بالارتباط بالتنظيمات الموجودة العلنية مع تأسيس تنظيمات أخرى عند الضرورة وهذا اتجاه يظهر كالخيط الواضح في كل تاريخنا اللاحق إذا كان مقتنعين تماما أن المعلومات المستقاة من الكتب والمراجع لا يمكن أن تشكل وحدها جذورا للمعرفة بل يجب أن يجري باستمرار الربط الحي بينها وبين نتائج العمل المباشر مع الناس وأن الدرب المصري نحو الإشتراكية له خصائصه ومميزاته تجعله يختلف عن ظروف النضال في البلاد الأخرى.

وكان هذا القرار هو الذي دفعنا إلى نشر سلسلة من الدراسات الماركسية التطبيقية على مصر وأغلبها ظهر في مجلتي الفجر الجديد والضمير وبعض الكتب مأساة التموين وعدو جديد الاستعمار الأمريكي وفلسطين في مخالب الاستعمار إلخ كما ظهر في نشاطنا بين الطلبة ومع الطليعة الوفدية وفي المساهمة في تحرير جريدة الأمة والاشتراك في لجنة العمال والطلبة وتأسيس لجنة العمال للتحرير القومي ومؤتمر نقابات عمال مصر إلخ.

وكان النوع الثاني من القرارات خاصا بالنواحي التنظيمية فرأينا عدم إنشاء تنظيم متكامل عدم تجنيد أعضاء جدد على أساس أن هذا سيلقى علينا أعباء تمنعنا عمليا من التركيز على الهدف الأول ولكننا في الوقت نفسه قررنا تأسيس خليتين الأولى تعمل في أوساط المثقفين وتضمني مع رشدي وريمون

والثانية خاصة بالعمل العمالي وتضم يوسف المدرك ومحمود العسكري ولا أعتقد أن طه سعد كان فيها عند البداية وفي الوقت نفسه قررنا تكوين لجنة تنسيق بين الخليتين يتكون منى يوسف وقلنا وقتذاك أن تطور النشاط نفسه سوف يثير فيما بعد تطوير الأشكال التنظيمية.

وفي هذه الخطة اختلاف بين عن التنظيمات الماركسية الأخرى في تلك الفترة وسوف أعود إليها في القسم الأخير للنظر إليها بعين عصرية نقدية ولكني أود أن أبرز اللون المصري الوطني والديمقراطي والعمل الذي أتخذه نشاطنا وخاصة الدعائي في الميدانين الثقافي والعمالي

والذي لعب دورا هاما في تشكيل الأفكار الأولى للتراث الماركسي المصري هذا في حين أن الجانب الغالب للنشاط الدعائي للمنظمات الأخرى كان أقرب إلى دراسة النظرية البحتة كما تظهر في المؤلفات الكلاسيكية لماركسي وانجلز ولينين وستالين وآخرين من القادة على المستوى العالمي على الأقل في تلك المرحلة التي نحن بصددها واعتقد أن هذا الذي أوقع تلك التنظيمات في أخطاء معينة منها موقف غير صائب من الوفد.

وكذلك اختلفنا من ناحية الخط التنظيمي عن الماركسيين الآخرين الذين قام أغلبهم بنشاط تجنيدي واسع نسبيا في مختلف الأوساط منذ البداية وخاصة في أوساط البورجوازية الصغيرة والطلبة وفي رأيي أن هطتنا كان لها جزئيا بعض النتائج الإيجابية بالنسبة لتلك المرحلة وأهمها تكوين نواة متماسكة فكريا وسياسيا مما وفر الوحدة الكبيرة التي اتصف بها تنظيمنا فيما بعد

وجعلته لا يعرف تقريبا الانقسامات التي تفشت في التنظيمات الأخرى كما أن وجود تلك النواة السلبة فكريا حي النشاط من التسرب الواسع للعناصر الاستفزازية والثرثارة والبوليسية وحصر الضربات التي تمكنت منا في حدود ضيقة نسبيا.

ولكن نعود إلى تسلسل الحوادث أذكر أن أحمد رشدي صالح انضم إلى خلية المثقفين بعد أن تأكد من استقلالنا عن الأصدقاء الأجانب وفي 1945 قام خلاف بيننا وبين بعض الأصدقاء البارزين في لجنة نشر الثقافة الحديثة يسبب اعتراضهم على وجودنا اليهود فيها وألحوا على انسحابنا من الجمعية وفي الوقت نفسه كان رشدي بدأ الإجراءات لاستصدار ترخيص مجلة اسماها (الفجر الجديد)

فتركنا لجنة الثقافة الحديثة آسفين على ذلك الموقف العنصري الصادر من شباب تقدمي وصدرت مجلة الفجر الجديد في 15 مايو 1945 كمجلة نصف شهرية ثم تحولت إلى أسبوعية بعد ذلك وتعاون في التحرير معنا على الراعي ونعمان عاشور وعبد الرحمن الشرقاوي ثم تفرغ لها أبو يوسف أبو سيف دون أن يكون بعد عضوا في تنظيمنا.

ومن مميزات الفجر الجديد أنها لم تكن مجلة فقط بل مركزا للجذب فقد اهتمت بنشر رسائل القراء والاتصال بهم، وخاصة في غير القاهرة ودعتهم كانت حلقتنا تعني بصورة خاصة بإبراز الدور الطليعي للطبقة العاملة في النضال الوطني الديمقراطي وبهذا يختلف اتجاهها اختلافا واضحا عن ذلك عبر عنه شهدي عطية الشافعي وعبد المعبود الجبيلي والمنتمون إلى منظمة أيسكرا وقتذاك في كتابهما أهدافنا الوطنية الصادر أيضا عام 1945

ففي هذا الكتاب محاولة هادفة إلى دفع البورجوازية القومية لكن تدرك أن مصالحها الحقيقية تكمن في الاعتماد على الجماهير لتحقيق الاستقلال والديمقراطية فكان الكتاب أراد أن يتخذ العناصر المستنيرة للبورجوازية القومية طريقا لإشاعة الأفكار الرئيسية التي تتسم بها الحركة الوطنية الجديدة.

وقد اشتركت عناصر من لجنة العمال للتحرير القومي باعتبارها مندوبه عن النقابات في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة التي نظمت يوم 21 فبراير 1946 والإضراب العام في 4 مارس من نفس السنة ولكنا نجد في مجلة الفجر الجديد عدد 12 أبريل

وفي المذكرة التي قدمتها اللجنة التحضيرية لمؤتمر نقابات عمال مصر إلى اللجنة الوطنية للعمال والطلبة نقدا للفكرة التي بدأت تنتشر في صفوف المنظمات الماركسية الأخرى والقائلة أن اللجنة الوطنية هي الشكل المصري للحركة الثورة الجماهرية التي ستقود الإشتراكية ويقدم هذا النقد الفكر المقابل الذي يتخلص في ضرورة إنشاء جبهة وطنية ديمقراطية تجمع المنظمات والأحزاب الجماهيرية وتقودها الطبقة العاملة.

وإذا كانت لجنة العمال للتحرير القومي قد اعتبرت نفسها الهيئة السياسية للطبقة العاملة غير أنها حافظت هي أيضا على نفس الخطة التنظيمية التي أقرتها الحلقة في اجتماعها التأسيسي عام 1942 أي عدم إقامة هيكل تنظيمي متكامل وبالفعل لم ينظم العمال المؤيدون لبرنامجها بشكل حزبي بل أبقى على علاقات كفاحية مع بعضهم سرعان ما ذبلت في أغلبها.

تقدمي صاغته الخلية، كما صاغت البرنامج الذي تم الترشيح على أساسه لعامل النقل محمود مصطفى بالإسكندرية.

ثم أعدت الخلية العمالية لتأسيس جماعة عمالية سياسيه وأثناء انعقاد المؤتمر للاتحاد العالمي للنقابات أعلن في مصر تأسيس لجنة العمال للتحرير القومي من ثمانية من الأفراد منهم محمد يوسف المدرك ومحمود العسكري وطه سعد عثمان ويوسف درويش ووزعت اللجنة بيانا بلغ عدد نسخة 25,000 كما تم توزيع 15,000 نسخة برنامجها

وكانت داخل البرنامج استمارة تأييد وقع عليها وأرسلها إلى اللجنة آلاف من العمال وفي الوقت نفسه أصدرت اللجنة مجلة عمالية هي الضمير استأجرتها من صاحبها محمد السكري وكانت المجلة مثل هاتين الوثيقتين توضح الدور الطليعي الذي يجب أن تقوم به الطبقة العاملة المصرية في النضال الوطني والديمقراطي بشرط أن تحافظ على استقلالها من الأحزاب البورجوازية المختلفة.

وأثار تأسيسي لجنة العمال للتحرير القومي رد فعل الأوساط الحاكمة أيضا إذا اتخذت منذ البداية خط نضاليا واضحا فعند تكوين وزارة النقراشي وإلقاء رئيسها الخطاب التقليدي أمام البرلمان خطاب العرش وزعت اللجنة تقدا له بعنوان رد على خطاب العرش واستدعى النقراشي أعضاءها

وحاول أن يثنيهم عن نشاطهم أو يطويه تحت جناح الطبقة الحاكمة فأبوا وفي أواخر السنة ألقى القبض على المدرك والعسكر كطه وصاحب المجلة بتهمة التحريض على قلب النظام الاجتماعي بالعنف وظلوا شهورا ثم أفرج عنهم ما عدا طه سعد الذي حكم عليه بالسجن للتحريض ضد الإقطاع وأذكر أن عبد الرحمن الرافعي المؤرخ الوطني المعروف كان من ضمن المحامين الذين تولوا الدفاع عن هؤلاء المناضلين.

إلى تكوين جماعات أصدقاء الفجر الجديد تقوم بتوزيع المجلة باليد وبإرسال الأخبار والمقالات إلخ وفي بعض الأحيان عملت هيئة تحرير المجلة كمجموعة سياسية من المثقفين فأوجدت صلات وثيقة بالشباب الوفدي اليساري واشتركت في الإعداد لندوة من أجل فلسطين مع دار الأبحاث العلمية وهي الندوة التي منع البوليس انعقادها.

ومن جهة أخرى نشطت الخلية العمالية نشاطا نقابيا واسعا ثم سياسيا أيضا بعد ذلك وكانت صلاتها الكفاحية تتركز بشكل خاص على الجناح الاستقلالي للحركة النقابية أي ذلك التيار الذي يستهدف تخليص النقابات من السيطرة البرجوازية الوفد أو السراي وكان يضم أساسا للحركة النقابية وتبرز فيها منطقتا شبرا الخيمة والإسكندرية ونجح هذا النشاط في تأسيس اتخاذ نقابي سمي لأسباب قانونية اللجنة التحضيرية لمؤتمر نقابات عمال مصر وضم مائة نقابة.

على أن ايسكرا وحمتو كانت لهم صلات بجناح نقابي آخر يتكون أساسا من عمال الخدمات البنوك والمواصلات وتأس على يد حدتو اتحاد منافس هو مؤتمر عمال الشركات الأهلية وقامت خلافات شديدة بين الاتحاد أدت إلى إرسال وفدين عن النقابات المصرية إلى المؤتمر التأسيسي للاتحاد العالمي للنقابات 1945.

ومن أبرز النشاطات التي قامت بها الخلية العمالية قيادة المعركة الانتخابية لترشيح فضالي عبد الجزيد عبد الجواد عن العمال في شبرا الخيمة عام 1944 وكانت من المعارك الشعبية الهامة إذا اعتمدت في تمويلها على القروش التي تبرع بها العمال

كما اعتمدت في تنظيمها على اللجان الانتخابية العمالية التي تكونت في المصانع والأحياء وكان فضالي يتقدم ببرنامج انتخابي وطني وديمقراطي وفي يوليو 1946 أوقف إسماعيل صدقي باشا عددا من المجلات التقدمية ومنها الفجر الجديد والضمير عن الصدور وأغلق النوادي والجمعيات التي كان ينشط فيها الماركسيون وحلها ومنها جماعة أصدقاء الفجر الجديد ولجنة العمال للتحرير القومي فرأت الحلقة أن مرحلة جديدة ابتدأت تستدعي إنشاء تنظيم سري وأعددنا بعض الوثائق الأساسية منها الخط السياسي والخط النقابي واللائحة

وكنا قد وثقنا علاقاتنا مع عدد من الذين تعاونوا معنا في النشاط العلني فقبلوا الانضمام إلى التنظيم وتكونت بهم خلايا انتخبت مسئوليتهم وعقد بهم مؤتمر تأسيسي في سبتمبر 1946 وانتخب مسئوليهم وعقد بهم مؤتمر تأسيسي في سبتمبر 1946 وانتخب هذا المؤتمر بدوره لجنة مركزية ثلاثية كنت فيها المسئول السياسي ويوسف المسئول التنظيمي ومحمود العسكري المسئول الجماهيري واتخذت المنظمة في أول الأمر اسم الطليعة الشعبية للتحرر

ثم تغيير هذا الاسم إلى طليعة العمال وفي أوائل 1957 عقد مؤتمر ثان قرر تحويل المنظمة إلى حزب العمال والفلاحين الشيوعي المصري (ع.ف.) وبمؤتمر سبتمبر 1946 تبدأ مرحلة أخرى ليس هنا مجال مناقشتها.

فكر الفجر الجديد

أن التسلسل التاريخي السابق يعطي لنا نظرة عامة عن سياسة الفجر الجديد والحلقة الماركسية التي كانت توجهها ولكن لابد من أن يبرز بعض نقطها الإيجابية والسلبية وينبغي أن ننبه القارئ ابتداء إلى أننا لا نقدم في السطور التالية دراسة متأنية تفصيلية لواقع كان شديد التركيب والتعقيد بل نقصد فقط أن نرسم خطوطا عامة كما نراها لذلك الواقع الذي مضت عليه ثلاثون سنة وجهت إلى هذه الحلقة أنواع من التهم بالانحراف عن الماركسية ولكن أغلبها باطل كما يتضح من الوقائع والأحداث.

وأولى هذه التهم أنها لم تكن ماركسية بل ودية وذلك لاهتمام الحلقة الكبيرة بمواقف الوفد ونشاط اللجان الوفدية والارتباط بالعديد من الشباب الوفدي ثم العمل بعد 1946 خاصة في الجرائد والمجلات (رابطة الشباب البلاغ) والتنظيمات الوفدية بين الطلبة

ولكن المقالات التي ظهرت في الفجر الجديد والضمير احتوت على نقد متكامل للوفد وفشله في قيادة الحركة الوطنية ومن جهة أخرى فالبيان والبرنامج اللذان أعلن بهما تأسيس لجنة العمال للتحرير القومي وتأكيدهما على ضرورة استقلال الطبقة العاملة وارتباط عناصر هذه اللجنة بالحركة الاستقلالية النقابية عن الوفد والأحزاب البورجوازية الأخرى أقول بأن هذا كله يدحض تهمة الوفدية الموجهة إلى حلقتنا القديمة.

وثاني التهم أنها حلقة نقابية لا ماركسية سياسية وذلك لاهتمامها الكبير بمطالب الطبقة العاملة والجماهير الكادحة عموما وتوجيه أعضائها والعاطفين عليها باستمرار إلى النشاط في التنظيمات النقابية المختلفة ولكن من يطلع ولو بصورة سريعة على المجلات والكتب التي أصدرناها

وإلى تكوين لجنة العمال للتحرر القومي باعتبارها الهيئة السياسية للطبقة العاملة يرى أيضا أن الحلقة لم تكن نقابية بل سياسية بمعنى أنها تضع نشاطها على أساس الإطار العام للأهداف لقومية وضرورة تغيير الهيكل الأساس للمجتمع المصري بواسطة الحركة الجماهيرية العامة والسياسية أولا وليس عن طريق الكفاح النقابي فقط.

والتهمة الثالثة هي أنها لم تقم بعمل جماهيري وأنها منعزلة وكان هذا الكلام مستوحى من السرية الكبيرة التي أحاطت أعمال الحلقة ونشاطها وارتباطها على خلاف التقاليد الموجودة في التنظيمات الماركسية الأخرى ويكفي أن نراجع الصفحات السابقة لكي تقتنع بأن هذه التهمة أيضا باطلة.

فالنشاط الذي استطاع أن يحرك عشرات الآلاف من العمال في المراكز الصناعية المتقدمة وأن يلعب دورا إيجابيا في لجنة العمال والطلبة وأن يؤثر تأثيرا عميقا على الجناح الوفدي اليساري لا يمكن أن يعتبر نشاطا جماهريا وسبق الإشارة إلى النتائج الإيجابية التي ترتبت على تمسك الحلقة بقواعد السرية والأمان المستنبطة من تجارب الحركة الثورية في العالم غير أن حركات المد والجزر في التأثير الجماهيري للحلقة ترجع إلى بعض الأسباب المتعلقة بتغير الظروف كما ترجع خاصة إلى أسباب فكرية سنعود إليها فيما بعد.

وكانت تلك الحلقة جزءا لا يتجزأ من الحركة الوطنية الجديدة ففي حين أن القيادة الوفدية كانت تنجذب أكث فأكثر إلى قطب السراي والاستعمار الأجنبي وأن الإخوان المسلمين عملوا على تأييد الحكومات الرجعية صدقي وتحطيم الحركة النقابية المستقلة شبرا الخيمة

وفي حين أن مصر الفتاة نشطت لتوجيه العناصر الفوضوية للبورجوازية الصغيرة في الأعمال الغوغائية في حريق القاهرة تحت الشعارات البراقة وانتهت إلى المطالبة بإقامة الأحكام العرفية كانت حلقتنا تبرز أن العمل من أجل الاستقلال لابد من أن يوجه في الوقت نفسه ضد الطبقة الحاكمة من أشباه الإقطاعيين والرأسماليين الكبار

وأن الاستقلال المطلوب هو ذلك الذي يحقق في الوقت نفسه معيشة أفضل وحريات أوسع للجماهير ويقيم التحالف مع الحركة التحريرية العالمية وعلى رأسها المعسكر الاشتراكي وفي جملة فخلقتنا كانت جزءا لا يتجزأ من الحركة الوطنية الجديدة لأنها ضغطت باستمرار على الطبيعة الطبقية لهذه الحركة أي أنها شكل من أشكال الصراع الشعبي ضد كتلة المستغلين.

وكانت الحلقة جزءا لا يتجزأ أيضا من الحركة الشيوعية في ذلك الوقت وليس هذا فقط لاستعمالها فقط لاستعمالها الألفاظ والجمل المعهودة الماركسية ولاستشهاد بالعديد من النصوص المستخرجة من مؤلفات ماركسي وانجز ولينين وستالين وليس فقط أيضا لتأييدها العام المعسكر الاشتراكي والحركة العمالية الثورية والعالمية

لكنها خاصة اشتركت مع الحركة الشيوعية المصرية في ذلك الوقت في بلورة ثلاثة أفكار هامة وضعت المنظمات الماركسية عموما في طليعة الحركة الوطنية الجديدة ودفعتها إلى الأمام وأنضجت الظروف التي مكنت ثورة يوليو 1952 من تحقيق ما حققته.

والفكرة الأولى هي عجز القيادة التقليدية الوفدية عن تحقيق أهداف الحركة الوطنية وكان الإدراك لهذا العجز يتعمق شيئا فشيئا في أذهان الجماهير الشعبية وتحاول الرجعية المرتبطة بالاستعمار أن توجهه نحو اليأس والسلبية برفع شعار إلغاء الأحزاب أخبار اليوم

كما رفع الإخوان المسلمون شعارات سلفيه تحت ستار الدين بغيه الحيلولة دون تقدم الصراع الاجتماعي خطوات جديدة أما المنظمات الماركسية ومنها حلقتنا تلك فقد تقدمت بشعار إقامة قيادة جديدة شعبية تعبر عن وجدة المصالح الأساسية للكادحين في التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي والديمقراطي ورفع مستوى المعيشة ولعبت المنظمات الماركسية دورا طليعيا بالوقوف في حزم في وجه التخريب الرجعي للحركة الوطنية الجديدة.

والفكرة الثانية هي أن التحرك الجماهيري والنضال الشعبي النابعين من مكامن قوى مصر عبارة عن السلام الأساسي للحركة الوطنية ففي حين أن النحاس كان يقول للشعب دعونا نعمل في هدوء وتتحدث القيادات الحزبية التقليدية عن وحدة الزعماء كانت المنظمات الماركسية ومنها حلقتنا تدعو الشعب مباشرة إلى التحرك والدفاع عن حقوقه الوطنية والديمقراطية.

والفكرة الثالثة هي وضع مصر عالميا بجانب المعسكر التحرري وضد المعسكر الاستعماري ولقد كانت مناورات القيادات التقليدية تساوم على تكوين وفد المفاوضات مع بريطانيا وعلى الامتيازات المعطاة للخليفة الإنجليزية بدخول مصر في حلف عدواني بشكل من الأشكال أما الحركة الماركسية ومنها حلقتنا فهي التي دفعت الحركة الوطنية إلى المطالبة بعرض القضية على مجلس الأمن ورفض الأحلاف والنقطة الرابعة إلخ.

وأخيرا فقد كانت حلقتنا أيضا جزءا لا يتجزأ من الحركة الماركسية المصرية في ذلك الوقت من حيث عيوبها وقصورها فإذا كانت الحركة قد أدركت عجز القيادة التقليدية السابقة للحركة الوطنية ودعت إلى قيادة جديدة إلا أنها كانت تشعر شعورا غامضا بأن ثمة أمورا تجعل القيادة الجديدة في مصر تختلف عن تلك التي وردت في الكتب الماركسية التي كنا نعرف بعض أجزاءها

خاصة وأن الجمود العقائدي كان يدفعنا إلى فهم الماركسية على أنها مجموعة من القوالب الجاهزة والأمر الذي أبعدنا عن إدراك بعض جوهرها العلمي الحقيقي ولقد كانت مصر تتسم وقتذاك بل ما زالت إلى درجة كبيرة بتمايز طبقي متزايد الحدة من جهة وتخلف اجتماعي من جهة أخرى

وهو الساحقة من الطبقة العاملة التي كانت لا تزال صغيرة عدديا وشابه فكريا ومع فقدان البورجوازية القومية المتزايدة لنفوذها على الجماهير كانت تصعد قيادة جديدة زمامها في أيدي البورجوازية الصغيرة

وهذا هو الذي لم نستطع الماركسيون جميعا تقريبا أن نراه وفي رأيي أن هذا أيضا هو الجذر العميق الذي دفع بالحركة الماركسية إلى تقسيم كفاحها التنظيمي إلى مراحل سابقه لتأسيس الحزب وإلى تخطيط رسم وهمي لمسار مصر نحو الإشتراكية

غير أن حلقتنا كانت في حقيقة الأمر جناحا يساريا للحركة الماركسية المصري في ذلك الوقت وظلت كذلك مدة طويلة إلى أن غلبها المناخ العام لهذه الحركة وليس هذا الوصف تقريظا بل أقصد به تقييما موضعيا وتحديد وضع الحلقة في مروحة الاتجاهات السياسية والفكرية المختلفة التي ضمتها الحركة الماركسية.

ولقد شاع وقتا طويلا الاعتقاد أن الخلافات المستمرة بين المنظمات الماركسية في تلك المرحلة تعود إلى أسباب حلقية أي إلى الشعور بالترابط الشللي بين أفرادها وإذ لا أنكر وجود هذه الحلقية النابعة من ضيق الأفق والانعزالية في طبيعة البرجوازية الصغيرة والغالبية الكبرى من ماركسي تلك الفترة من أبناء هذه الطبقة غير أنني لا أعتقد أن ذلك هو السبب الرئيسي لتلك الخلافات وإن كان هو شكلها الخارجي أو الثوب الذي ترتديه أما الجوهر فهو سياسي.

وقد سبق الإشارة إلى إحدى النقط الأساسية للتباين بين حلقتنا ومعظم المنظمات الماركسية الأخرى وهو أننا كنا ننادي بتولي الطبقة العاملة الدور الطليعي في قيادة الحركة الوطنية أما المنظمات الأخرى فهي بشكل أو بآخر كانت تدعو الجناح المستنير للبورجوازية القومية إلى أن يتولى هذا الدور اعتقادا منها بأنه مازال يستطيع أن يستكمل مهام الثورة الوطنية الديمقراطية وبهذا المعنى كانت حلقتنا يسار الحركة الماركسية.

وكذلك كانت أغلب المنظمات الماركسية الأخرى تعمل على خلق حركة جماهيرية خلقا مما جعلها في كثير من الأحيان تأخذ موقف معاديا للجماهير الوفدية وموقفا آخر متعاونا مع الإخوان ومصر الفتاة أما حلقتنا

فكانت ترى الجماهير حيثما كانت موجودة في ذلك الوقت أي داخل الشبكة الوفدية المائعة والواسعة فكانت تبحث عن التعاون والتحالف مع التنظيم الوفدية الساعدية واليسارية خاصة بغية دفعها إلى الأمام من جهة ومساعدتها على تمايزها عن القيادة الوفدية التقليدية من جهة أخرى واعتقد أن موقفنا كان أقرب إلى الصواب وخاصة أن الجماهير الوفدية تلك كانت أساسا من البورجوازية الصغيرة وبهذا المعنى أيضا كانت حلقتنا يسارا الحركة الماركسية.

وأخيرا فكانت حلقتنا تتصف بجمود تنظيمي وفكري أشد من أغلب المنظمات الأخرى وبهذا المعنى السيئ أيضا كنا يسارها وسبق الإشارة إلى بعض النواحي الإيجابية لفكر الحلقة التنظيمي غير أنه ليس صدفة أن تكون هذه الحلقة قد أسست تنظيما بعد المنظمات الأخرى بسنوات ولا أنها لم تحصد ثمار عملها الواسع حصادا تنظيميا

ومن الناحية السياسية أيضا يظهر المعنى السلبي ليساريتنا في موقفنا من ثورة يوليو عندما قامت فبدأنا باتخاذ موقف الترقب في حين أن إحدى المنظمات منظمة الحزب الشيوعي المصري رأت فيها الفاشية وأخرى حدتو أكدت أنها وصلت إلى السلطة ثم أخذنا نفسر ثورة يوليو بالتناقضات التي بين الدول الاستعمارية فقط الأمر الذي أصاب نشاط المنظمة بالانعزال الذي أدى إلى انهيارها في النهاية.

الجزء الثاني وثائق ومقالات من الفجر الجديد

في قضايا التحرر الوطني والديمقراطي تعديل المعاهدة المصرية الإنجليزية

يدهشني أن أرى الحديث حول المعاهدة إبقاؤها أي تعديلها أو إلغاؤها يدور دائما حول بنودها المسجلة حبرا على ورق.

يدهشني هذا الحديث لأن يتجاهل أساسيا أن المعاهدة التي أبرمت بين مصر وانجلترا لم تكن مبنية على قواعد عدل سامية عليا بل أنها كانت تعين في المقام الأول عن علاقات بين قوتين كانتا تتصارعان وقتئذ ولا تزال كذلك إلى الآن:

الأمة المصرية الهادفة إلى الحرية والاستقلال والاستعمار الهادف إلى الاستغلال والاستبداد ولاشك أن هذه العلاقة النسبية كانت تتشكل في صالح مصر لحرج الظروف الدولية المحيطة بانجلترا آنئذ؛

ولضغط المقاومة الوطنية المصرية التي انتظمت بشكل ضخم كان يمكن أن يأتي نتائج عظيمة أعظم بكثير مما حصلنا عليه في ذلك الوقت .. اضطرت انجلترا أن تتنازل عن بعض مكاسبها

ولكنها تمكنت من أن تحفظ بمركز ممتاز في وطننا مركز استراتيجي نقطة عسكرية وإبقاء قوات الاحتلال ومركز اقتصادي البنك الأهلي إبقاء الجنيه المصري في الدائرة الإسترلينية ومركز سياسي مثلا أن مصر تعلن الأحكام العرفية إذا طلبت الحليفة ذلك.

وكما قلنا فيما سبق لم يكن هذا المركز الممتاز نتيجة تطبيق مبادئ سامية إنه كان تسجيلا لحوادث ماضية لم تعرف من المبادئ السامية الجامدة كثيرا ولا قليلا إذ كان نتيجة التخريب التي قامت به الرأسمالية الأجنبية للمالية المصرية

ثم غزو مصر وإلغاء الدستور فيها والقضاء على الجيش المصري وإبقاء الشعب في مستوى من الفقر والمرض والجهل يفقده كثيرا من اليقظة وسرعة العمل.

وهذا ما يحدث دائما وأبدا في القانون الدولي: يحدث اتزان مؤقت في القوى التي تتصارع على المسرح الدولي فيسجل هذا الاتزان في معاهدة أو يشبه ذلك ثم تتطور هذه القوى بعضها يصعد وبعضها يهبط فيسجل اتزان جيد في معاهدة جديدة

وهكذا دوليك وما أكمل معرفتنا نحن الشرقيين بهذه الحقيقة المصريون يذكرون أنه في اليوم الذي وقعت فيه معاهدة عدم اعتداء بين سلطان تركيا وانجلترا سنة 1889 كانت الجيوش البريطانية تحتل القاهرة والعرب يذكرون أن بريطانيا قطعت على نفسها عهدا إبان الحرب العالمية الماضية للشريف حسين يناقض عهدا أخر قطعته لفرنسا وهذان يناقضان عهدا ثالثا: قطعته للصهيونيين في ذات الوقت.

وهذا كله يظهر أن الأمر ليس مجرد مناقشة لبنود القانون الدولي هي ذاتها رهن تتطور الأوضاع إذن لننظر إلى القوتين اللتين تتصارعان حول المعاهدة: أما الاستعمار فقد نالته ضربة عنيفة بعد أن قضي قضاء عسكريا على الفاشية في أوروبا

وأبلغ دليل على ذلك اتجاه أوربا إلى اليسار ونمو الحركات الوطنية في الشرق العربي والهند والصين وإحراز بعض انتصارات محققة سوريا تستقل وتشيانج كاي تشيك يترك رئاسة الوزارة والولايات المتحدة تعترف باستقلال الفيليبين.

وأما الحركة الوطنية المصرية وهي القوة التي عليها أن تجابه الاستعمار البريطاني وأن تقهره فلن يجدي كثيرا تحفيظها بنود المعاهدة ومبادئ القانون الدولي إنما الذي يقوم ساعد الحركة الوطنية أن تكون شعبية بمعنى الكلمة أن تحرك الجماهير المصرية ولا سبيل إلى ذلك

إلا إذا كافح المصريون الواعون لتوفير الجانب الآخر من مطالبنا القومية مطالبنا الديمقراطي أي أن الضمان الوحيد لتحقيق غايتنا الوطنية هو أن تتوفر الديمقراطية بشأنها السياسي والاجتماعي في بلادنا فيرتفع مستوى المعيشة للطبقات الكادحة الفلاحون والعمال وسائر المنتجين وصغارا لموظفين ويحارب الغلاء محاربة جدية هذا من جهة

ومن جهة أخرى يجب أن تكون الأداة التي توجه الكفاح الوطني الأحزاب السياسية والبرلمان والحكومة وثيقة الاتصال بالطبقات الشعبية أي أن تستجيب لمطالب هذه الطبقات بدلا من أن تحقق أغراض ذوي المال والنفوذ من الفئات الحاكمة.

والشيء الثاني تفتقر إليه الأحاديث الجارية حول المعاهدة اتساع النظرة السياسية التي تنظر بها إليها فأغلب ساستنا الذين يطالبون بتعديل المعاهدة بل إلغائها في بضع الأحيان يطالبون بهذا التعديل أو الإلغاء دون إضافة قول جديد أي أنهم ينظرون إلى المعاهدة على أنها تحقق مركزا ممتازا حربيا قط فينسون أن انجلترا إذا كانت تطالب بهذا المركز الحربي الممتاز

فليس هذا فقط لضمان مواصلاتها الإمبراطورية مع المستعمرات الأخرى بل أيضا أن الطبقات الحاكمة الإنجليزية ذات مصالح اقتصادية عظيمة في مصر يجب المحافظة عليها عسكريا إذا اقتضى الأمر باستعمال طرق أقوى من النصح أو الاستناد إلى بنود المعاهدة

وقد يأتي هذا الاعتبار في المقام الأول فمصر تورد القطن الذي تحتاجه كبار نساجي القطن في لانكاشاير ومصر سوق مفتوحة لكبار الإنجليز الذين يبحثون عن استغلال أموالهم في البلاد المتأخرة ومصر سوق مفتوحة لمنتجات الصناعة الإنجليزية

ولا يسعنا في هذا الصدد إلا أن نذكر القراء بالصعاب التي نلاقيها الآن في محاولتنا استيراد البضائع من الولايات المتحدة تلك الصعاب التي تقام لا محافظة على أرباح حاضرة فبريطانيا لا تستطيع أن تمدنا بالسلع الآن بل محافظة على أرباح مستقبلة.

فتحقيق مطالبنا الوطنية يتطلب تحطيم ذلك المركز الاقتصادي الممتاز الذي يتمتع به الاستعمار في مصر ومعنى هذا وجوب استيلاء الدول على احتكارات المرافق العامة التي يسيطر الاستعمار عليها وتأسيس بنك مركزي مصري لتحرير الجنيه المصري من الإسترليني ثم إنهاض صناعتنا على أسس سليمة وعدم إخضاعها لمصلحة الرأسمالية الأجنبية.

وتحطيم هذا المركز الاقتصادي الممتاز ليس معناه فقط مساعدتنا على إجلاء القوات العسكرية الأجنبية بل معناه أيضا مساعدتنا على رفع مستوى الطبقات الكادحة المصرية التي يشترك الاستعمار في استغلالها اشتراكا فعالا بل أكثر من ذلك معناه مساعدة الطبقات الكادحة الإنجليزية نفسها على رفع مستواها لأن كبار الماليين والصناعيين والتجار الذين يعتصرون موارد مصر اعتصارا يعتصرون أيضا موارد انجلترا وشعبها ذات الاعتصار.

وخلاصة القول أننا نرى ضرورة ربط مطلبنا الوطني الأساسي تعديلا لا يترك أي مركز ممتاز لبريطانيا في مصر بمطلبين آخرين أولهما رفع مستوى الطبقات الشعبية وثانيهما تحطيم المركز الاقتصادي الممتاز الذي يتمتع به الاستعمار في بلادنا.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد السادس 1/ 8/ 1945)

وهذا صوت مصر الفتاة

يسود التردد الحكومي والأحزاب الرسمية إزاء حقوقنا الوطنية ولقد استفادت الرجعية المصرية المتطرفة من هذا التردد فعاد حزب مصر الفتاة يرفع رأسه من جديد ويستأنف نشاطه وهو الذي لم يتبرأ إلى الآن من تأييده السابق للفاشية الإيطالية والألمانية واليابانية.

نشرت جريدة الوفد المصري بتاريخ 21 أغسطس نص المذكرة التي رفعها أحمد حسين إلى السراي بخصوص مطالبنا القومية والمذكرة محشوة بالمغالطات والديماجوجيه الخلابة الرنانة التي اعتدناها من حزب مصر الفتاة

وهي بالمثل تحتوي على آراء رجعية متطرفة تكشف عن احتقار أحمد حسين للشعب المصري ومنظماته الديمقراطية وكفاحه الدستوري الطويل فضلا عن أنها تنتهي باقتراح عملية في منتهى الخطورة لو طبقت لألقت بمصر وشعبها في مهب الفوضى المخربة ولاذت إلى تقديم البلاد ضحية مستسلمة للاستعمار.

فأحمد حسين يحصر على ترديد ما يطالب به الشعب المصري من تخلص من الاستعمار ومن إصلاح اجتماعي عميق ويحرص على ترديد هذا قلقا للشعب ومجاراة لموقف الوفد فيطالب هو الأخر بإلغاء الأحكام العرفية وبإعادة الانتخابات النيابية في ظل حكومة محليه ولكنه إذ يطالب بإلغاء الأحكام العرفية يطيل الحديث عما تتحمله الصحافة من متاعب بسبب الحكم العسكري

ويتناسب أن الأحكام العرفية قد مكثت الحكومة أكثر من مضايقة الصحافة الوفدية مكنتها من تعطيل بعض النقابات واعتقال الزعماء النقابيين ووضع القوات المسلحة داخل المصانع وخارجها ثم كننتها أيضا من فض الاجتماعات الثقافية التقدمية بالقوة.

ولكن أحمد حسين حقيق بأن يتجاهل استبداد الأحكام العرفية بالشعب فهو لا يفكر إلا في إدارة الحكومية العليا فيقول.

فقد وجب إجراء انتخابات جديدة ليعلن الشعب رأيه فيما يختار لقيادته في هذه الفترة من حياته كأن صوت الشعب لا يرتفع إلا ليختار من يقوده وكأن الشعب المصري مازال في أوضاعه السابقة التي كان يقبل فيها أن يقاد كالغنم وكأن الأوضاع الدولية باقية كما كانت تسودها الفاشية التي تستبد بالشعوب وتسوقها ولكن هل غريب أن يأبى أحمد حسين أن يقود الشعب نفسه بنفسه؟

والمذكرة كما قلنا محشوة بالكلمات الديماجوجية الرنانة التي تخفي جهلا عميقا تارة وتهربا خطرا تارة أخرى فهي تؤكد أنه لابد أن تتحول الحكومة إلى أدارة حكيمة للعشب تسير به في معارج الرقي والكمال لا أداة تعويق واضطهاد

ولكنها لا تذكر شيئا عن كيفية هذا التحويل ولا تتحدث عن تمثيل الشعب نفسه في الإدارة الحكومية والمذكرة تطالب بإحداث ثورة ولكنها لا تشير إلى مشكلة الفكر والمرض والجهل إلا أشارة تبدو تافهة جدا إزاء بأقوى كلامها الممطوط وهي لا تذكر كيف يجب أن تعالج هذه المشكلة

وضد من يجب أن تقام تلك الثورة التي يريدها ولا يخفى عن أحد أن ثورة ليست موجهة ضد مستعبدي الشعب الأجانب والمصريين هي ثورة نخشاها كل الخشية لأنها كانت ثورة تقودها الطبقات الحاكمة ضد الطبقات الشعبية أي معناها انقلاب رجعي.

ويشتم قارئ المذكرة رائحة الأفكار الاستعمارية عند أحمد حسين حين يتحدث عن السودان وعن ضرورة ضمه لمصر فيقول بل لأن سكان مصر الذين يتضاعف عددهم في نمو مطرد أما أن يموتوا جوعا وأما أن يستثمروا بلادهم الواسعة في السودان فيتجاهل ما في فقر المصريين من أسباب طبقية هي المسئول الأول عن جوعهم ويتجاهل في المرتبة الأولى أن السبب الرئيسي الذي يجعلنا نطالب بتخلص السودان من الاستعمار الإنجليزي ليس سببا استعماريا استغلاليا بل إنه سبب دفاعي أي أنه بدون هذا لن يستطيع السودان ولا مصر أن ترد هجمات الاستعمار.

غير أن هناك ما هو أهم من هذا أو ذاك من المغالطات التفصيلية هناك مغلطات كبرى يجب أن تبرزها ونتهم أحمد حسين بها فالمذكرة تتحدث عن المطالب الوطنية وعن تحريرنا من الإنجليز ومع ذلك فهي خالية خلوا كاملا من الحديث عن ضرورة تقوية الجيش أو زيادته أو تحويل قانون التجنيد الطبقي الحالي إلى قانون عام يشمل جميع لطبقات ومع أن مجلة مصر الفتاة تضع كلمة الجيش على غلافها فهذه الكلمة لا ترد على الإطلاق في المذكرة التي يرفعها الحزب لأن الكتابة على الغلاف هو من قبيل الدعاية أما المذكرة فعمل جدي يحسب له حساب.

والمذكرة إلى هذا تخلو خلوا كاملا من تأييد الدستور وكفاح مصر الديمقراطي بل تخلو من كلمة الديمقراطية ذاتها وهي إذ تقول عن ثورة سنة 1919 هبت البلاد حكومة وشعبا تطالب بالاستقلال وإجلاء الإنجليز عن وادي النيل جملة فهي تشوه معنى هذه الثورة لأنها لا تذكر مطالبة الشعب بالدستور والاستقلال معا ولكن احتقار مصر الفتاة الدستورية والنظم الديمقراطية أمر قديم مشهور فهل نعجب له الآن؟

إنما العجب أن يدعي أحمد حسين أنه يقدم حلولا عملية للحالة فإذا بهذا الحلول تجئ فوضوية تعرضنا لأعظم الأخطار يقول أحمد حسين.

وعندنا أن الطريق العملي لتحقق مطالب مصر القومية هو أن تمارس مصر استقلالها بالفعل دون أن تلقى بالها لأي قيد من القيود على هذا الاستقلال فعلى البرلمان المصري أن يقرر أن ملك مصر هو ملك مصر والسودان

وأن السوداني مصر له كل ما للمصري من حقوق وبهذا تحل قضية السودان فإذا شاءت إنجلترا أن تعترض علينا فإنها سعدية متغصبة تحكم وإياها إلى المحاكم والهيئات الدولية وعلى مصر أن تنذر الإنجليز بوجوب الجلاء عن داخلية البلاد على الفور

فإذا احتجت انجلترا احتكمنا وإياها إلى هذه المجالس الدولية التي يقال أنها تحمي الأمن وإذا شاء الإنجليز أن يصبوا جام غضبهم علينا فليفعلوا ومهمتنا ألا نجيب أو نتراجع أو نتردد إذن فأحمد حسين يطالب بالثورة الوطنية دون تقويه الجيش ودون تنظيم التأييد الشعبي بل أنه يكتفي نرضى بأن نعلن أن انجلترا مغتصبة وأن نحتكم وإياها أمام محاكم دولية؟

حقا أنها مهزلة كبرى بل أنه خطر عظيم يستعديه علينا أحمد حسين لأن ما يطلب به معناه أحداث قلقلة فوضويه في البلاد والهجوم على الإنجليز في فوضى تامة وارتجال مطلق معناه تقديم المصريين لقمه سائغة لأفواه المدافع الإنجليزية ولنا أن نسأل هل يفيد تحقيق تلك الحلول العملية سوى الإنجليز أنفسهم.

وما من شك أن هذه الاقتراحات العملية الفوضوية تحمل أفكارا استعماريا واضحة المعالم والمقاصد فأحمد حسين يريد أن تحل مسألة السودان بأن يقرر البرلمان المصري إدماج السودان في المملكة المصرية وهذا دون استشارة الشعب السوداني بل رغم أنف الشعب السوداني الذي أكد عن طريق قرارات أحزابه أنه يريد التخلص من الاستعمار الإنجليزي

وأكد ضمنيا أنه لا يريد التخلص من الاستعمار الإنجليزي ليقع في مخالب الاستعمار مصري بل ليحاف على مقوماته وليحقق رغباته الدستورية وبرلمانه الخاص في اتحاد معه مصر ولكن أحمد حسين لا يهتم برغبات الشعب السوداني مثال ذرة وغاية ما يريده أن يحل مسألة السودان حلا عمليا وأن يقنع نزعاته الاستعمارية باقتراحات براقة خادعة...

غير أن أحمد حسين لا يتجاهل الشعب السوداني ورغباته الواضحة فقط ولا يتخطي الشعب المصري ومطالبه الديمقراطي وحسب بل ويشكك في الاتجاهات التحريرية التي تعبر عن نفسها في الموقف الدولي وتحتكم وإياها على المجالس الدولية التي يقال أنها تحمي الأمن ..

يقال أن الشعوب متيقظة وأنها تساند بعضها بعضا ولكن هذا ليس حقيقيا ويقال أنها عقدت النية على ألا تفسح المجال أمام المستبعدين والفاشيين لاستحداث حرب جديدة ولكن هذا ليس حقيقيا ويقال أن الشعوب ستؤيدنا تأييدا قويا في مطالبنا الوطنية الديمقراطية ولكن هل هذا حقيقي وبهذا الشكل يحاول أحمد حسين أن يوحي إلى الشعب المصري أنه منعزل في كفاحه لا يؤيده أحد حتى ييأس الشعب المصري ويقوم بتلك الحركات الفوضوية المخربة التي يريدها أحمد حسين.

وأخيرا فهذه المذكرة ذات مغزى كبير ليس فقط للأسباب التي ذكرناها آنفا، بل لأن جريدة الوفد المصري قد نشرتها وهذا النشر حلقة أخرى في سلسلة التحالف القائم الآن بين مصر الفتاة والوفد المصري ذلك التحالف الذي بدأ أيام الانتخابات الأخيرة بتأييد الوفد لمرشحي الفاشية المصرية

وقد جاء هذا التحالف مناقضا للعداء القديم بين الوفد ومصر الفتاة وهو العداء الذي عبر عن نفسه تعبيرا قويا يوم أن اعتدت مصر الفتاة على النحاس باشا سنة 1936 ويوم أن صراح النحاس بما مضمنه أن لا حرية لأعداء الحرية

ولا شك أن الوفد بتحالفه مع مصر الفتاة يقوم بمناورة سياسية في منتهى الخطورة تعرض الأمة وتعرضه هو نفسه إلى تغليب صوت الرجعية المصرية المتطرفة على ميول الوفد الشعبية الأصلية.

ونحن إذا قارنا بين ذلك التحالف وبين الوفد لفضالي مرشح العمال في شبرا الخيمة لاحظنا مرة أخرى ما في موقف البورجوازية الليبرالية المصرية التي يمثلها الوفد من تردد وتناقض وقد نقد الفجر الجديد في مقال سابق مذكرة الوفد الضعيفة التي قدمها للسفارة البريطانية

فجاء نشر مذكرة مصر الفتاة تأييدا جديدا لهذا الذي نلاحظه من تردد البرجوازية الليبرالية إزاء مسائلنا الكبرى بل جاء هذا النشر إثباتا بأن هذا التردد لم يفد إلا الرجعية المصرية المتطرفة حزب مصر الفتاة وغيره من الجمعيات والهيئات المناهضة للديمقراطية ذلك بأنه أفسح المجال لهذه الأحزاب الرجعية والهيئات المناهضة للديمقراطية ذلك بأنه أفسح المجال لهذه الأحزاب الرجعية بأن تعمل.

وهيأ لها منبرا بارزا تمثل له بصحف الوفد غير أن في مصر قوي سياسية ناهضة تنبعث من صميم الشعب من عماله وفلاحيه ومثقفيه الأحرار وهذه القوى الناهضة هي التي تفهم جيدا أن المطالبة بالاستقلال يجب أن نكوم طالبة صريحة وواضحة

وأن نقترن اقترانا وثيقا بالمطالب الديمقراطية والدستورية التي تضمن تنظيم القوى الشعبية في الكفاح ضد الاستعمار وقد رأينا أخيرا تبلور هذه القوى السياسية الناهضة في برنامج اللجنة التحضيرية العمالية الفذ وفي تطهير المجهودات التي يقوم بها الآن الشباب المثقفين بالقاهرة من المشاورات الرجعية التي حاولت تحطيمها فباءت بالفشل.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد التاسع- 16/9/ 1945)

وأين قضية استقلالنا

فاضت الصحافة المصرية في الأيام الأخيرة بالتعليقات على حوادث 4 فبراير 1942 وكان هذه التعليقات من الأهمية بمكان حتى تشغل الرأي العام في قضيتنا الوطنية إن وقوعها بعد حوادث 2 نوفمبر ومنع المظاهرات احتفالا بعيدنا الوطني 13 نوفمبر ليوحي لنا بأن هناك مصالح خاصة تسوي وراء الستار، وأن هذه المصالح تتعارض مع مصالح الشعب المصري، فيجب إذن إثارة الضجة حول حوادث قديمة تجعل الشعب المصري لا يفكر في حاضرة أو مستقبله.

لتتذكر قليلا ما كن يجري في مصر إلى أوائل الشهر الحالي كانت الاجتماعات تتوالى في النوادي والجمعيات والهيئات المختلفة والأحزاب بجميع أنواعها وميولها اجتماعات تناقش أهدافنا الوطنية ووسائل تحقيقها

وبالرغم من أنه قد ظهر شيء يسير من التميع والتهاون في البيانات المتعددة التي أصدرتها تلك الهيئات إلا أن هذه الاجتماعات كانت تعبر عن إرادة الأمة تلك الإرادة التي نجحت فعلا في الدفع بحكومتنا إلى المجاهرة بأن الجلاء عن وادي النيل شيء ضروري

وأن الوقت الحاضر وقت مناسب للمطالبة بالجلاء إذن قد وجدت الأمة المصرية طريقا من طرق الكفاح السليم فعلمت أن الضغط والضغط المستمر على الساسة يجبرهم على خدمة الشعب، هذا حتى ولو حاولوا أن بتهرب من مسئولياتهم.

بدأت الأمة تتحرك ولكن الاستعمار يخشى هذا أشد الخشية فلجأ على الاستفزاز وهو الطريقة التي يفضلها جعل خادميه وأجراؤه الفاشيين يظهرون احتجاج الشعب المصري على الصهيونية تعصبا عنصريا ضد اليهود وطبق الاستعمارية هذه الطريقة في ليبيا

فنجحت وطبقا في لبنان فقتل المناضل إدوار شارتوني مدير مجلة الطريق الوطنية، وأصيب نفر آخر من الأحرار اللبنانيين وأما في مصر فقد أعلنت حالة الطوارئ على إثر حوادث 2 نوفمبر ومنعت المظاهرات احتفالات بعيد الجهاد الوطني عيد جهادنا ضد الاستعمار البريطاني.

وفي هذه الثورة التي كان صوت الشعب مكبوتا فيها خطب مستر بيفن في مأدبة الغرفة التجارية فأكد أن عهد السلام الكامل لم يأت بعد وصرح بصدد علاقة مصر وبريطانيا أن علي أمتينا أن تضحيا بجزء من سيادتهما

وبأنه كان يرغب بأن ننسى الأمور التي لنا عند الخليفة فرد عليها سفيرنا بلندن عبد الفتاح عمرو باشا بأن مصر وانجلترا تستطيعان أن تجتازا هذا العهد الصعب لأن لدينا احتياطا كبيرا من الصداقة وعلى أثر هذا خطب أمين عثمان باشا في مأدبة العلمين بلندن أيضا

فاعترف بأننا مدينون بالشيء الكثير لانجلترا ثم صرح لوكالة الأنباء الغربية بقوله لتناسي الآن موضوع الأرصدة الإسترلينية ولنفكر في وسيلة تمكننا من الحصول على السلع التي تحتاج إليها فلا يصح أن ندع كيان التعاون الذي قام بين بريطانيا ومصر خلال الحرب يتداعى وينهار

بل ينبغي أن نشد بنيانه بشتى الوسائل من ثقافية وغير ثقافية أما فرغلي باشا فقال كلمته التي أصبحت أمثولة بين الوطنيين المصريين قال إننا نشعر بأن بروتستانت إنجلترا ومسلمي مصر يجب أن يتزاوجوا زواجا كاثوليكيا لكيلا يقع طلاق فيما بينهم.

فكانت هذه الكلمة الأخيرة وصفا دقيقا لنوع العلاقات التي يريدها قادة مصر مع حليفتها علينا أن نضحي بجزء من سيادتنا وأن ننسى الأرصدة الإسترلينية لأننا ندين بالشيء الكثير لانجلترا وأن نرتبط بحليفتنا ارتباطا لا ينفصل عراء أي دين لإنجلترا علينا نحن

لا شك لها بالفقر الذي أنهك قوى شعبنا وبالأمراض التي تفتك بأنباء وطننا وبالجوع الذي يهرأ بطونهم أمدينون لها بغلاء الأسعار وتحطيم نهضتنا الصناعية وبتصدع حياتنا الديمقراطية والدستورية وبضعف جيشنا علينا أن نستهلك ذلك الاحتياطي الكبير من الصداقة التي تحدث عنها سفرنا عمرو باشا

حتى تنسى الجيوش التي تحتل أراضي الوطن العزيز علينا أن ننسى هذا كله وأن نصادق بريطانيا في مصلحة من تكون هذه الصداقة لا شك أنها بوضعها السابقة في مصلحة الرأسمالية المصرية كتبت الجرائد تقول أشار فرغلي باشا إلى قول مستر بيفن بأنه يأمل أن المأدبة التالية تكون مأدبة اتحاد العمال فقال:

أي فرغلي باشا وأن قول مستر بيفن هذا هو مجرد إعراب عن أمنيه في بذهنه لأننا لن ندع العمال يحدثون اضطرابات في مصر .. والعمال المصريون لم يبلغوا بعد درجة العمال البريطانيين وفي كلمة أخرى يردي فرغلي باشا أن يظل تقرير مصيرنا في يد القيادة الرأسمالية المصرية والاستعمار البريطاني.

هكذا يتضح أن الطبقات التي تقول بمخزون الود والتزاوج بين مصر والاستعمار تزاوجا كاثوليكيا لا طلاق معه هي بعينها التي تعتبر اشتراك عمالنا في تقرير مصيرنا اضطرابا لن تسمح بوقوع هي بعينها التي تهادن الاستعمار وتدعونا إلى أن تتناسى ديننا عليه وهو الذي ناله اعتصارا لعمل الكادحين منا وتضييقا لقوت شعبنا هذه السنوات الطوال.

لقد تحدث هؤلاء وخطبوا عن مخزون احتياطي الصداقة والتزاوج الكاثوليكي بين الشعبين ولم يقولوا شيئا عن حرياتنا المراقبة وكرامتنا الوطنية المستحلة.

ولقد كادت الأمة أن تقول كلمتها لولا هذه الميوعة الضارية وهذه المجهودات التي تبذل لصرفها عن غاباتها فواجب علينا أن نعيد ضغطنا على ساستنا وحكومتنا أن نطالب بصوت أعلى فأعلى بجلاء الاستعمار جلاء اقتصاديا وسياسيا وثقافيا

أن نؤيد الطبقات الشعبية العمال والفلاحين البورجوازيين الصغار في نضالها الديمقراطي لأنها هي التي حققت انتصاراتنا الوطنية والديمقراطية المختلفة وهي التي تخلص لكفاحنا التحريري ضد الاستعمار وقد بدأت رأيت الكفاح تنتقل إلى يدها

صادق سعد (السنة الأولى العدد الرابع عشر 6/ 12/ 1945)

لنتحرر من الاستعمار البريطاني ارفضوا المفاوضات الثنائية

عرفت حركتنا الوطنية ازدهارا مجيدا يفتخر به المصريون جميعا وكان ذلك حينما تولى قيادة الحركة الوطنية زعماء مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ولا يدخل في حديثنا اليوم بحث الأسباب التي أدت إلى نهضاتنا الوطنية الكبرى

ولكننا نود أن نبرز هنا جانبا من أهم الجوانب التي امتازت بها تلك الفترات اللامعة من تاريخنا ألا وهي محاولات مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول الدائمة المستمرة في أن يحطموا قيود الكمان التي كان الاستعمار البريطاني يبذل كل جهده لفرضها عليهم

وأن يخرجوا بها أبدا إلى الرأي العام العالمي فمصطفى كامل ومحمد فريد كانا يسافران إلى أوربا يجولان بلادها وعواصمها ويحضران مؤتمراتها الشعبية وخاصة الاجتماعات التي كانت تنظمها الأحزاب الإشتراكية الأوربية؛

ويكتبان في الجرائد والمجلات اليسارية ليشرحا حقوق مصر وليفضحا مناورات الاستعمار البريطاني ومظالمه النازلة بالأمة المصرية وأعمال السلب والنهب العدوانية التي يقوم بها وكان مصطفى كامل ومحمد فريد يجدان استجابة واسعة النطاق لصرخاتها المدوية في البيئات الأوربية

وفي منظمات العمال وأحزابهم بشكل خاص بل كانا يجدان استجابة حتى في الأوساط الإنجليزية وإننا نعرف جميعا كيف هاجم الكاتب الإنجليزي بلنت سياسة كرومر البغيضة وكيف أدت الحركة الوطنية المصرية مؤيدة من الرأي العام اليساري الأوربي إلى إقالة كرومر من منصبه عقب حوادث دنشواي المشئومة.

وكذلك كانت الحركة الوطنية التي قادها سعد زغلول بعد الحرب العظمى الأولى لم تكد تبدأ في مصر حتى اختلط أثرها بالنهضة الشعبية التي اكتسحت أوربا وآسيا سنة 1919وبعدها وكما أن الدولة السوفيتية الفتية شجعت وعاونت الحركة الوطنية التركية يومئذ فكذلك سجل تاريخ البشرية المضطهدة المظلومة أن لينين أيد حركتنا الوطنية تأييدا عظيما وأن الاتحاد السوفيتي كان البلد الوحيد الذي تنازل عن نصيبه من الامتيازات الأجنبية في مصر من تلقاء نفسه.

كان ذلك في الربيع الأول من القرن الحالي حينما كانت الطبقة الرأسمالية المصرية طبقة متوسطة الملاك الرأسماليين والتجار وأصحاب المنشآت الصناعية الجديدة تقود حركتنا الوطنية حتى لا ينفرد الاستعمار دونها في اعتصار شعبنا واستغلاله حينذاك كانت تلك الطبقة تكافح بشكل جدي العناصر الإقطاعية الباقية في بلادنا واليت لم تتمكن من الحكم السياسي إلا بتأييد الاستعمار المسلح وتأييدها له اقتصاديا وسياسيا

وحينذاك أيضا كانت تلك الطبقة الرأسمالية الناهضة لا تدوس النهضة الشعبية بل كانت تجد فيها عونا عظيما في محاربتها للاستعمار ولذلك لم تتردد القيادة البورجوازية لحركتنا الوطنية أن تمد يدها للنهضات الشعبية التي كانت تغمر العالم فكان التأييد العالمي عاملا من العوامل المهمة التي ساعدت قضيتنا القومية.

أما الآن فقد انحصرت مطالبنا الوطنية الرسمية في علاقات ثنائية جامدة لا يرجى لها النجاح على الإطلاق فالحكومة الحاضرة التي ائتلفت فيها الأحزاب الإقطاعية القديمة مع ممثلي المصالح الرأسمالية والمالية الكبرى وبعض محترفي السياسة

هذه الحكومة لا تمثل طبقاتنا الشعبية رغم إدعاءاتها والأحزاب والبيئات السياسية للطبقات الحاكمة لا تتحدث إلا عن مفاوضة الحكومة البريطانية التي برهنت الحوادث على أنها حكومة استعمارية تبطش بالحركات الوطنية والتحريرية حيثما تستطيع

وقد اقترن التطور السياسي الذي أصاب مصر والذي أدى إلى انفصال طبقاتنا الحاكمة عن الطبقات الشعبية الواسعة نقو اقتران بالتطور الذي أصاب العالم أجمع وأوربا بشكل خاص ففي أوربا الآن حركات شعبية قوية في طليعتها الحركة العمالية وفي أوربا الآن حكومات تشترك فيها الأحزاب الإشتراكية والشيوعية فإلى من تمد يدها الحكومة المصرية الحاضرة؟

هل تستطيع أن تتعاون مع الرأي الشعبي والعمالي لتكافح معه المناورات والألاعيب التي تقوم بها بريطانيا قلعة الاستعمار العالمي في الوقت الحاضر؟

لا شك أن هذا التعاون في حكم المستحيل وهذا ما يهدف إليه الاستعمار البريطاني بالذات: أنه يهدف إلى فصلنا عن الرأي العام العالمي وعن العلاقات الدولية السليمة فقواته المسلحة لا يمكن أن تبقى في مصر إذا طالبت هذه الأخيرة بتطبيق ميثاق الأمم المتحدة الذي يتنافى مع العلاقات الثنائية الاستعمارية

ولا يمكن أن يتحكم الاستعماري البريطاني في تجارتنا الخارجية بما يتنافى مع العلاقات التجارية السليمة التي تنطبق مع روح منظمة الأمم المتحدة ومع اتفاق بريتون وورز ولكن هيهات أن تسعى طبقاتنا الحاكمة إلى التعاون

وأن تطالب أمام الرأي العام الدولي بالجلاء والتحرر الاقتصادي والسياسي فالقوت المسلحة البريطانية هي التي ستكلف بإرجاع الأمن إلى نصابه إذا تحركت الطبقات الشعبية المصرية واعتصار مصر الاقتصادي يدر الأرباح الجزيلة التي تنالها الاحتكارات الكبرى في بلادنا ومواد الدستور التي تسمح بالحكم السياسي المتعسف إنما تتنافى تماما مع مقومات الدستور والحياة البرلمانية الصحيحة ولذلك كله لا تخرج علاقتنا مع انجلترا عن الدائرة الثنائية ولن تخرج فيكون مصيرها الفشل وإرجاءها أن يناسبنا بحال من الأحوال.

إن الحركة الشعبية المصرية التي تنهض الآن تطالب برفض المفاوضات الثنائية الفاشية حتما وتلح ألا يكون تمثيل مصر في منظمة الأمم المتحدة ومن أولى عضويتها في مجلس الأمن تمثيلا صوريا لا يفيد إلا الاستعمار البريطاني والرجعية العالمية وأن الطبقات الشعبية الصاعدة تطالب بكشف المناورات الاستعمارية البريطانية ووقتها المناسب أمام الرأي العالمي الحر.

صادق سعد (السنة الأولى – العدد السابع عشر 19/ 1/ 1946)

يجب أن نصلح الجيش على وطني وديمقراطي

إن وقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني أكثر من 60 عاما لم يكن من الحوادث التي مست حياتنا القومية مسا سطحيا حتى نطالب اليوم بجلاء القوات البريطانية دون غيره من المطالب الوطنية المباشرة فحقيقة الأمران الاستعمار البريطاني قد توغل في وطننا من جميع النواحي وسير حياة مواطنينا من جميع الوجوه أن الاستعمار يتحكم في اقتصادنا عن طريق قانون المطبوعات الذي لا يزال نافذا منذ صدوره ويتلاعب بحياتنا النيابية عن طريق بعض مواد الدستور التي وسعت من حقوق السلطة التنفيذية بل إن في مقدور الاستعمار اليوم أن يحطم مقاومتنا وذلك لأنه يمثل نهضتنا العسكرية والوطنية.

وقد يحتاج بعض وجود النفوذ الاستعماري في مصر إلى أبحاث طويلة متشبعة لإثباته وإيضاحه وأما تأثيره في جيشنا فهو جلي كالشمس: كان لنا جيش وطني كبير دافع عن بلادنا وحمل رأيتها إلى المشرق وجنوب السودان قبل الاحتلال الإنجليزي

وكانت الثورة العرابية المجيدة قد اعتمدت على العناصر الوطنية المخلصة في صفوف الضباط ولذلك هدف الاحتلال البريطاني أول ما هدف إلى انتزاع سلاح الجيش من أيدي المصريين وتقليل عدد جنوده إلى 6000 وفرض ضباط بريطانيين عليه حتى يضمن خضوعه التام للسياسة الاستعمارية الإنجليزية

صحيح أن كل هذا قد تطور كثيرا وأن لدينا اليوم جيشا مستقلا رسميا عن رغبات الاستعمار البريطاني ومطامعه غير أن الأساس الاستعماري الذي تكون عليه ذلك الجيش القديم الذي كان قوامه 6000 رجل لا يزال موجودا إلى اليوم

فالقارئ الكريم يعرف جيدا أن هناك مبدءا خطير مفروضا على القواعد العسكرية وهو مبدأ البدل النقدي ويقضي هذا المبدأ بأن يدفع كل شخص 21 جنيها عندما يقدم على الخدمة العسكرية ويعفى من هذا البدل أشخاص وفئات كثيرة أولاد العمد والمشايخ وطلبة الجامعات والمدارس الفنية .. إلخ)

أي أنها تنصب على الطبقات الفقيرة في الأغلبية ولقد تقرر هذا المبدأ بأمر عال صدر في 9 يونيو 1886 أي بعد الاحتلال بقليل وكأن هذا لم يكني كافيا لتصبح الخدمة العسكري شيئا بغيضا في عيون المصريين جميعا شيئا يباع ويشترى ويعفي منه بعض المصريين ويفرض فرضا على آخرين

مما جعل الناس ينظرون إلى الخدمة العسكرية على أنها عبء ثقيل لا على أنها واجب وطني محتوم الأداء وكأن هذا لم يكن كافيا في نظر الاستعمار لتحويل الجيش إلى أداة مشوهة ناقصة حتى تقرر مدة الخدمة العسكرية بخمس سنوات وبهذا الشكل يذهب الفلاح الفقير والعامل المعدم إلى الخدمة العسكرية فيحزن الأهل وتقام في بعض الأحيان مأتم لأن قطعة الأرض الصغيرة التي يعمل عليها الفلاح ستحرم من كده خمس سنوات طوال ولأن عائلة العامل ستحرم من كده سنوات خمس طوال.

على هذا الأساس الطبقي الاستعماري يسير جيشنا إلى اليوم يهرب من الخدمة من يستطيع الهروب وهو كثير ويعفي من الخدمة من يثبت عدم صلاحيته الصحية للعسكرية وهو كثير أيضا يبلغ 75٪ من مجموع المقترعين أما الذي يخدم وطنه فيعامل أسوء معامله، يمرن بالسوط ويتقاضى شهريا 54 قرشاي والجندي متزوج لأن فلاحينا يتزوجون في سن مبكرة وله أطفال عليه أن يعولهم بذلك القدر التافه من النقود فكيف بعد ذلك لا تتكرر حوادث السطو والسرقة التي يقوم بها الجنود وتنشرها الصحف بين الحين والحين.

ولا يقف الأمر عند هذا احد فالضباط يتخرجون من كلية الحربية بعد حصولهم على الشهادات الثانوية أو الجامعية وهذا معناه أن ضباطنا من طبقة اجتماعية غير طبقة الجنود وصف الضباط.

أما القيادة العسكرية فتأخذ بالشدة الجناة دون أن تفكر لحظة واحدة أن الحل الدائم الصحيح للمنازعات بين الجنود والضباط هو تحسين حالة الجنود ورفع مستواهم وتسهيل الترقية من صفوف الجنود إلى صفوف الضباط.

ثم أن نظام القرعة العسكرية من جهة أخرى قد جعل من جيشنا أداة عقيمة تشبه المصلحة الحكومية أو الديوان الكتابي أكثر مما تشبه جهازا عسكريا حديث وللأسف قد حالت الحرب دون إذاعة عدد جنودنا وضباطنا غير أن الإحصاءات فيما قبل الحرب تدل على أن الضباط يزيدون بكثير عن حاجة الجيش الحالي إذ كان هنا ضابط واحد لكل 4 جنود تقريبا هذا عدا ضباط الصف.

وإن وجود تلك النسبة العالية من الضباط ليذكرنا بالجيوش الرجعية والإقطاعية مثل الجيش الأسباني الحالي وقد رأينا فعلا أن بعض كبار ضباطنا مثل عزيز المصري وصالح حرب يقومون بدعاية رجعية صريحة أو يحاولون الالتحاق بالحركات الموالية للمحور في العراق أو تركيا ورأينا ضباط آخرين يحاكمون لأنهم خدموا القوات العسكرية الفاشية عند هجومها على مصر

وقد زاد الطين بلة وجود البعثة العسكرية الإنجليزية ونصائح وإرشاداتها التي عملت على إبقاء الجيش المصري ضعيفا عدا وعتادا والتي عملت على تزويده ... بالعتاد البريطاني الحربي القديم.

وخلاصة القول أننا نرى وجوب إصلاح الجيش إصلاحا وطنيا ديموقراطيا يحوله إلى أداة قومية صحيحة تحافظ على كرامة مصر وتدفع عنها الاعتداء الاستعماري وقد وعدت الحكومة في خطاب العرش أن تتقدم بقانون خاص الخدمة العسكرية فهذه المناسبة ترى ضرورة التمسك بالمبادئ الآتية.

  1. جعل الخدمة العسكرية إجبارية وإلغاء البدلات وشروط الإعفاء
  2. تخفيض مدة الخدمة.
  3. رفع مستوى المعيشة للجنود وضباط الصف.
  4. تسهيل الترقية من الجندية إلى رتب الضباط مع تحسني أحوال صغار الضباط.
  5. إلغاء البعثة العسكرية البريطانية وإذا اقتضت الضرورة فيجب الاستعانة ببعثة عسكرية تنتمي إلى الأمم المتحدة.
  6. تطهير هيئة أركان الحرب وكبار الضباط من العناصر الفاشية.

ولا ريب أن إصلاح الجيش ليست منفصلة عن مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأخرى وأن إصلاح الجيش إصلاحا وطنيا ديمقراطيا يقتضي أن يرتبط بإصلاح حياتنا القومية بأكملها إصلاحا وطنيا ديمقراطيا أيضا للجنود من فلاحي مصر وعمالهم ومصيرهم مقرون بمصير فلاحي مصر وعمالها.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد التاسع عشر- 30/ 1/ 1946)

هل تلغى الأحزاب

تردد في بعض الأوساط الآن نغمة جديدة قديمة وهي وجوب إلغاء الأحزاب وتبرر تلك الأوساط موقفها باستيائها من الحملات الشخصية التي تملأ صحفنا الحزبية في الوقت الحاضر فالصحف الوفدية توجه نقدها إلى هذه الشخصية السياسية أو تلك والصحف الحكومية تتهم زعماء الوفد في الاستثناءات التي ينتفع بها الأقارب والمتقربون.

والحقيقة أن هذه الدعوة القديمة الجديدة تجد بعض الاستجابة في الأوساط الشعبية فالعمال قد رأوا من تجاربهم المرة أن حالتهم لا تختلف كثيرا إذا تولى الحكم هذا الحزب أو ذاك والأفراد الذين ينتمون إلى الطبقات الوسطى والصغيرة ولاسيما المثقفون يلاحظون أن الحافز الحزبي لم يختلف جوهريا في مصر منذ زمن بعيد وأنه كثيرا ما يكون مسيرا تحت الشكليات والقشور دون اللباب ولذلك فقد تميل بعض الهيئات وخصوصا غير الواعية منها إلى تطهير الجو السياسي في البلاد حتى تتوحد الجهود في سبيل التحرر الوطني من الاستعمار.

أما نحن وإن كنا نرى أيضا ضرورة رفع المستوى السياسي للمناقشات الحزبية ووجوب أخذها شكلا أكثر جدية وجوهريا إلا أننا نرى الضرر كل الضرر في إلغاء نظامنا الحزبي من حياتنا السياسية مهما كانت الانتقادات الصحيحة أو الخاطئة التي قد توجه إليه.

ونريد أن نلفت الأنظار إلى أن الحملة الحاضرة في سبيل إلغاء الأحزاب ليست فجائية ومنفصلة عن بقية التيارات الظاهرة والخفية في المسرح السياسي المصري فهذه الدعوة تتكرر دائما عندما تكون الحالة السياسية في البلاد متوترة أشد التوتر

كما هي الآن وتكتسب قوة خاصة إذا كانت مقاليد الحكم في أيدي حكومة رجعية لا تمثل الشعب في كثير أو قليل كما هي الحال الآن أيضا إننا لا نسمع نغمة إلغاء الأحزاب فحسب في الوقت الحاضر

بل نسمع نغمات أخرى أوضح في رجعيتها وأشد ضررا على ديموقراطيتنا ومن أمثال هذه النغمات تلك التي ترددها شخصيات من الأوساط المحايدة والتي تقول بإصلاح النظام الانتخابي إصلاحا لا يعطي حق الانتخاب للمتعلمين دون غيرهم من المواطنين أو إصلاحا آخر يحول الانتخابات العامة إلى انتخابات ذات دورين أو ثلاثة وواضح جدا أن هذا الإصلاح لا يرمي إلا إلى حرمان الطبقات الشعبية الواسعة من الممارسة السياسية التي تضايق تلك الأوساط البريئة المحايدة وتمنعها من فرض ديكتاتوريتها السافرة على لعمال والفلاحين والطبقات الوسطى.

وهناك انتقاد آخر يوجد دائما إلى نظامنا الحزبي ذلك بأنه يقال أن الأحزاب المصرية ليس لها برامج واضحة لا تشبه الأحزاب الموجودة في غالبية بلاد العالم وهذا صحيح في كثير إلا أن البرامج ليست كل شيء في نظر الطبقات الشعبية

وهي لا تقيد الأحزاب إذا أرادت أن تتخلى عنها فحزب العمال البريطاني بذل الوعود الكثيرة للشعب الإنجليزي وللشعوب الأخرى التابعة للإمبراطورية البريطانية ومع ذلك نراه وقد تولى الحكم لا ينفذ شيئا مما وعد به بل ينكل بالشعوب الهادفة إلى الحرية أشد التنكيل.

أنما الطبقات الشعبية تتبع الأحزاب وتؤيدها متى عملت في صالحها ولا تكتفي أبدا ولا تكتفي أبدا بالوعود والبرامج مثلا وعدت حكومة الائتلاف الحاضرة بالكساء والغذاء غير أنها لم تفعل شيئا واحدا في هذا السبيل ووعدت بإيجاد حل سليم لقضيتنا الوطنية

إلا أنها لم تتقدم خطوة واحدة في هذا الطريق أما بعد ذلك كله فلها أن تعد وأن تؤلف البرامج البراقة إذا شاءت فإن الشعب المصري بأجمعه واقف لها بالمرصاد يطالب بسقوطها سقوطا سريعا لأنها لم تفعل شيئا أنه ليس صحيحا أن الأحزاب المصرية جميعا لا تسير وفق برامج واضحة مكتوبة ألم يكتب الوفد على رأس جريدته المسائية (الوفد المصري) أنه يهدف إلى استقلال وادي النيل والديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية ألم تعلن لجنة العمال للتحرر القومي الهيئة السياسية للطبقة العاملة المصرية برنامجا حافلا دقيقا؟ هذا واقع سواء أرادت تلك الأوساط المحايدة أم لم ترد.

إن نظرة سريعة إلى النظام الحزبي في مصر تظهر بجلاء تام أن الأحزاب الحالية تمثل الطبقات الاجتماعية المصرية فحزب الأحرار الدستوريين يعبر عن وجود كبار الملاك نصف الإقطاعيين والوفد يمثل فئات واسعة من الطبقات الوسطى المصرية ولجنة العمال تنوب عن الطبقة العمالية نيابة سياسية.

وجهاز الدولة الحالي يخضع للطبقات الحاكمة وتحاول الطبقة الشعبية أن يكون لها نصيب فيه عن طريق الكفاح السياسي والكفاح الحزبي وعليه فإن إلغاء الأحزاب يعني إبقاء الحالة الاجتماعية والسياسية كما هي وإخضاع الشعب بالقوة.

إننا نريد إصلاح نظامنا البرلماني والدستوري الحالي ولكن على شرط أن يوسع من حقوق الشعب المصري وفي المقام الأول على شرط أن يفسح أمام الطبقات الشعبية المصرية مجال التأثير القوي الفعال في حياتنا السياسية.

أحمد سعيد. (السنة الأولى- العدد العشرين- 6/2/1946)

قيل لنا الآن أصبحتم تتمتعون بالحريات الدستورية

واليوم نعمتم بوزارة وطنية تغار على مصلحتكم فلماذا إذن تدبر التدابير لإبعاد الطلبة عن الحركة الوطنية ولماذا إذن تقام المحاولات لصرف نظر الكتل الشعبية عن الاشتراك الجدي في الحركة السياسية وذلك بصرفها إلى مطالبها الاقتصادية؟

قرأنا منذ أيام تحذير النيابة العمومية إلى الصحف بأن نشر الأخبار عن حركات الطلبة وإضرابات إلخ يقع تحت طائل القانون وهذا القانون هو الأمر العسكري الخاص بتحركات الطلبة الذي حولته الحكومة الحاضرة إلى مرسوم بقانون: حتى تظل أحكامه نافذة بعد إلغاء الأحكام العرفية كما يقول د مندور.

إذن فهذا الوضع المشين هو الذي يريده الحكومة الحاضرة: فليس بكاف أن تقبل تطبيق الأحكام العرفية تطبيقا رسمه الاستعمار البريطاني عندما كان تحت الحماية الأجنبية بل يراد لنا أن تبقى تلك الروح الاستعمارية حتى بعد أن زالت الأخطار الحربية وأعلن للناس أننا أصبحنا نستمتع بالاستقلال والسيادة.

ماذا يقصد المرسوم إن لم يقصد به عزل الطلبة ومنع تأثيرهم عن حركتنا الوطنية وهي أحوج ما تكون إليهم الآن بل أنها استنكار صارخ للأعمال المجيدة التي قام بها طلبة الجامعة والمعاهد المختلفة في ثورتنا الوطنية سنة 1919 وفي التيار الجارف الذي أجبر الاستعمار البريطاني على معاهدة 1936 لأن هذه الحكمة الرجعية إذ تمنع الصحف عن نشر أية أخبار عن حركة الطلبة إنما لا تقصد ألا تتكرر حوادث 1919، 1936 مرة أخرى

إنما تقصد ألا تتكرر تلك المقومات الكبرى التي يفتخر بها كل مصري ما عدا الحكومة النقراشية لأن قيام الحركة الوطنية عند الطلبة معناه انضمام المثقفين إلى التيار الشعبي الصاعد وهذا ما تخشاه الحكومة الحاضرة والفئات العليا التي تمثلها أشد الخشية

بل أنها تمنع الطلبة من الاشتراك في الحركة الوطنية بعدما حاولت أن تمنع الطبقات الشعبية من الاشتراك في الحركة الوطنية بعدما حاولت أن تمنع الطبقات الشعبية الأخرى وبعد ما راحت تنفرها بشتى الطرق وما تزال ذكرى الإضرابات العمالية راسخة في الأذهان

والتي كانت نتيجة أن أصحاب الأعمال راحوا يستفزون الطبقة العاملة بشتى الطرق ولاسيما بإقفال المصانع أو محاولة نقلها إلى جهة أخرى والزعماء النقابيون لا يزالون في السجن ينتظرون المحاكمة لأنهم تحدثوا عن الإضرابات

وعن غبن الرأسماليين للعمال والفلاحون يرون أن مستواهم يتدهور أكثر من ذي قبل ويبحثون عن المشاريع الإصلاحية فيجدونها قد قتلتها الحكمة تأخيرا وتعطيلا وإلغاءا والفئات الدنيا من الطبقات المتوسطة التجار والصناع وصغار الموظفين يشعرون بشكل متزايد أن الضرائب المختلفة إنما تثقل كواهلهم دون غيرهم

وأن تضييق الاستعمار الخناق على اقتصادنا إنما يشل اقتصادياتهم دون المساس بالفئات العليا لعل هذا نقيض ما أرادت الحكومة وما يراد للطبقات الشعبية إذ هانحن أولا نرى السخط العميق ينفجر هنا وهناك ونراهم يحاولون أن يحطموا الصلبة بين حركات الطلبة والمثقفين الوطنية وبين جمهرة الشعب يحاولون هذا باسم المحافظة على الأمن وحق تعمل الحكمة في هدوء على الإصلاح الداخلي كما تقول التايمس.

إننا لن ننسى أن الانتصارات الوطنية العديدة التي حصلت عليها مصر خلال تاريخها لم تأت بالمفاوضات المقرونة باضطهاد الحريات وتفتيت الأمة إننا نؤمن إيمانا راسخا بشعبنا بقواه الكامنة وبإمكانياته الخالقة الواسعة

ونرفض القول أن مطالبة العمال بتحسين مستواهم ومطالبة الفلاحين بحياة إنسانية لائقة بهم ومطالبة الفئات الصغيرة من الطبقات المتوسطة بفتح المجال أمامهم أي هذا كله يضر قضيتنا الوطنية بأي شكل من الأشكال ونرفض كذلك أن يسمى الطلبة والمثقفون مشاغبين

وأن يرصد البوليس لضربهم والقبض عليهم نرفض هذا ولا ننسى أن مشاغبات 2 نوفمبر لم تحدث إلا بتأثير الهيئات الرجعية والفاشية التي تغاضت الحكومة الحاضرة عن نشاطها ولا يخل بالأمن إلا الاستفزازات الحكومية المتكررة للعمال والطلبة بكونها ترسل الدبابات إلى شبرا الخيمة وقوات البوليس المسلحة بالعصي حول الجامعة

ونؤمن أن هذا المرسوم بقانون الذي يمنع نشر أخبار حركات الطلبة آخر بدعه أضافتها الحكومة إلى نظام الكبت العنيف لأصوات الأمة ففي مصر قانون يختنق الصحافة وتشريع خاص بالتجمهر والاجتماعات والغالبية العظمى من هذه التشريعات من وضع المستعمر بشكل مباشر أو غير مباشر

ولن يرضى الشعب المصري الأبي الكريم به أبدا وسيعمل المثقفون الأحرار كل ما في وسعهم لإفهام الرأي العام بضرورة إلغاء تلك التشريعات الرجعية إننا نطالب بحرية الصحافة من كل قيد إلا قيود الوطنية الشريفة وبحق الطبقات الشعبية بما فيها المثقفين والطلبة في أن يجتمعوا أينما شاءوا.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد21- 13/2/1946)

الشعب ضمان انتصار حركتنا الوطنية

بدأت الجماهير الشعبية أن تتحرك وعلينا أن نعمل على توحيد صفوفها على إفهامها أن مصالح العمال هي مصالح الفلاحين والمثقفين الأحرار وصغار المنتجين بعينها علينا أن نحقق ربط المطالب الوطنية السليمة بالمطالب الديمقراطية الصحيحة ربطا أصيلا يقوم على مادة الأمة وجوهرها الجماهير المكافحة وعندئذ ستنتصر الحركة الوطنية لا محالة.

آن الوقت لنلقى نظرة وطنية علمية إلى الحوادث الجارية ودلالتها فلمظاهرات الشباب في القاهرة والأقاليم وللهتافات المختلفة التي كانت تتجاوب خلال هذه المظاهرات ثم لبطش الحكومة النقراشية بأبناء الأمة البررة الشرفاء ولمجيء صدقي باشا إلى الحكم لذلك كله

ولا شك مغزى علينا أن ندركه بوعي تام لا سيما أن تولي إسماعيل صدقي الوزارة رئاسة الوزارة يمثل خطرا عظيما على قضيتنا الوطنية وعلى مصالح شعبنا الكادح الجائع فلدولة صدقي باشا تاريخ معروف يتمثل في إلغاء الدستور

وكبت الأفواه بيد من فولاذ ومواجهة حركات الطلبة والعمال بقسوة أشد وأعنف من قسوة النقراشي فإن قيام حكومة صدقية جديدة يعبر عن رغبة الرجعية المصرية في أن تستعد لسحق الحركة الشعبية الناهضة في مصر الآن سحقا مريعا وبين التوتر الذي لا يزال شديدا في الجو الشعبي إن شعبنا يدرك هذا الخطر تمام الإدراك فعلينا أن نسهل له طريق الوحدة الشعبية التي لا تقهر.

أننا إذا تأملنا الاضطربات الأخيرة والحالية نراها لم تحدث لأن الشباب المصري يطالب بالجلاء ووحدة وادي النيل إنما حدثت لأن الشباب تظاهر فقد قامت هيئات وطنية عديدة في الخريف الماضي تتقدم بهذه المطالب بشكل ونرسل بها المذكرات إلى السلطة التنفيذية

ولكن الحكومة النقراشية لم تستعمل القسوة الوحشية التي استعملتها صد سير الشباب في الأيام الأخيرة وقد لمح النقراشي باشا ذاته إلى هذا في بيان له بالبرلمان حين ذكر أن طلبة جامعة فاروق وجهوا مظاهراتهم إلى كرموز أحد أحياء العمال بالإسكندرية.

حدث هذا لأن اتحاد الطلبة مع العمال يمثل خطرا بالغا ليس بعده من خطر على الرجعية المصرية فقد روث الجرائد أنباء الاستياء الشديد الذي عم الطبقة العمالية بسبب انتشار البطالة في صفوفها وضغط مصلحة العمل المتعاونة مع الاتحاد المصري للصناعات على النقابات والنقابيين والاستفزازات المفضوحة المتكررة التي يقوم بها أصحاب الأعمال لشل الحركة العمالية المصرية

ولذلك فانضمام المثقفين المصريين إلى العمال معناه زيادة وعي العمال وتوسيع أفقه ولارتقاء به إلى مستوى قومي عام مستوى القضايا الوطنية الكبرى ومعناه أيضا ميل القوى العمالية الهائلة إلى كفة تحررنا من الاستعمار البريطاني ويجب ألا ننسى أن السبب الرئيسي للنهضة الوطنية المباركة سنة 1919 مثلا كان انضمام العمال والفلاحين والمثقفين الوطنيين وهذا ما دفع بالنقراشي وبأعوانه إلى إطلاق الرصاص في حي كرموز.

وعلينا أيضا ألا ننسى دروس ماضينا الوطني علينا أن نوجه حركتنا الوطنية توجيها يمكنها من الوصول إلى الوحدة الشعبية الصميمة ومن قهر الاستعمار والرجعية المصرية قهرا نهائيا غير أن المجتمع المصري قد تطور كثيرا منذ ثورتنا الوطنية الكبرى فلا يمكن أن ترجع ببساطه إلى الشعارات المصرية القديمة التي استطاعت أن توحد صفوف المصريين سنة 1919

وقد شرحت المجلة على صفحاتها مرات عديدة هذا التطور وفسرت الفشل الذي أصاب الرأسمالية الوطنية المصرية بسبب تطورها في قيادتها للحركة الوطنية وأن الخطوة القادمة يجب أن تكون خطوة شعبية خالصة ولذلك لا يمكن أن يطالب الشباب اليوم بجلاء القوات البريطانية المسلحة عن أرض وطننا إننا نعلم تمام العمل أن الاستعمار البريطاني يتمكن من استغلال أبناء شعبنا عن طريق الرأسمال الأجنبي والاحتكارات الرأسمالية الكبرى

وأنه يتمكن من حماية تلك المصالح المادية بتحالفه مع عناصر معينة تضرها الديمقراطية أشد الضرر فيجب أن يربط شعاراتنا الوطنية بتوسيع الديمقراطية يجب أن نربط تحررنا من الاستعمار بجميع مظاهره العسكرية والاقتصادية والسياسية وبين تحررنا من الرجعية وهذا معناه التمسك بوحدة الديمقراطية والاستقلال فالشعب المصري لا يريد أن يتحرر من الاستعمار الأجنبي حتى تشدد عليه القبضة ويعصف بحرياته.

فعلينا أن نطالب بالتحرر الكامل من الاستعمار وبالديمقراطية الصحيحة وبالديمقراطية التي لا تجوع الفلاحين ولا تفقر الموظفين الصغار بالديمقراطية التي لا ترسل المثقفين الأحرار إلى غياهب السجون ولا تواجه الحركة العمالية الشريفة بالدبابات والقوات المسلحة.

علينا أن نثق بشعبنا وبقواته الكامنة الواسعة وبإدراكه العميق لمصالحه ولمصالح الأمة وتوجد الآن إمكانيات واسعة للنضال في سبيل الانتفاض من قبضة الاستعمار وفي سبيل إيجاد حياة لائقة كريمة لشعبنا العزيز لنمد إليه يدنا في كفاحه.

صادق سعد السنة الأولى- العدد الثاني والعشرين 20/ 2/1946)

سياسة شعبية

إننا لا نهاجم هذا السياسي أو ذاك وإنما نهاجم هذا الحكم أو الآخر ونهاجم الحكم الحاضر لأنه لا يمثل الطبقات الكادحة المصرية ويجب أن نستبدل السياسة الحاضرة بسياسة تخدم الطبقات الشعبية سياسة يشترك فيها الشعب سياسة شعبية.

قال صدقي باشا: انسوا صدقي القديم ولا تحكموا إلا على أفعالي ولعبت سياسة الكواليس دورها في مجلس النواب فحصلت الوزارة الصدقية على ثقة البرلمان وانبث المأجورون في صفوف الشعب يقولون أن الوزارة الحالية لها برنامج عظيم وستأخذ على عاتقها أن يرفع من مستوى الشعب بمختلف الأساليب على أننا ننكر في أن يكون في هذه الدعاية المغرضة ذرة من الصحة أو ذرة من إمكانية التحقق

وليس هذا لأننا نكره صدقي باشا شخصيا ونفضل غيره من الزعماء الرسميين عليه وإنما ننكر على الحكم الحالي الإخلاص لشعبنا ونحكم عليه بالفشل في تحرير بلادنا من نير الاستعمار الأجنبي ومن الاستغلال الداخلي ذلك لأن تاريخ مصر الطويل ونضالها الوطني سواء كان ضد الأتراك أو الفرنسيين أو الإنجليز يظهر بكل وضوح أن الفئات العليا من الطبقات الحاكمة انحازت إلى المستعمر وعاونته في استغلال شعبنا حتى ازدادت إجباحها من عرقه وكده ولذلك قد وصل كفاحنا الوطني إلى درجة من النضوج لا نعود نتوقع معها حلا للمأزق الحاضر على أيدي الحكم الحاضر أو مشابهه.

إنما على الطبقات الشعبية المصرية أن تعتمد على نفسها وكفاحها في الحصول على حرياتها وليس هذا أيضا بجديد على تاريخنا فالطبقات الشعبية الفلاحون وصغار التجار والصناع وصغار رجال الدين هي التي قاومت الاحتلال الفرنسي والطبقات الشعبية هي التي ولت محمد علي الحكم وناصرته ضد المماليك.

وهي التي طردت الإنجليز سنة 1804 وهي الطبقة العمالية على رأسها هذه المرة التي كانت جوهر ثورتنا الكبرى سنة ... فقدمت من أبنائها الضحايا على قرابين التحرر وقد كان نصيب الطبقات الشعبية الفلاحون والعمال والمثقفون الأحرار نصيبا متزايدا دائما وذا أثر أثقل أبدا في حركتنا الوطنية منذ عرابي إلى مصطفى كامل وسعد زغلول واليوم يجب أن تلعب الدور الرئيسي في التحرر الوطني.

يجب على الحركات الشعبية أن تقوم اليوم بالدور الرئيسي في حركتنا والوطنية لأن الطبقات الحاكمة الحالية تتعاون مع الاستعمار مع مرور الأيام لأن الرأسمالية المصرية التي قادت الحركة الوطنية المصرية إلى سنة 1936 متخاذلة الآن ينضم ممثلوها واحدا واحدا إلى صفوف المستغلين والمستبدين بالشعب إلى صفوف حلفاء الاستعمار

ألم نر أغلب أصدقاء سعد يقلبون القضية الوطنية ظهر المجن ويوجدون بأيديهم الأسباب والظروف والوسائل متى تجيع الطبقات الشعبية ولكن نغنيهم وترفه عن طبقاتهم؟ ألا نرى عناصر الحركة الوطنية يعاب عليها اشتراك العمال الدهماء والغوغاء فيها ولا تعني أية حركة وطنية شيئا إذا كانت موجهة ضد الطبقات الشعبية فالوطن وطن الجماهير قبل أن يكون وطن الخاصة والأغنياء.

ولا تقولوا: إذن فلا فائدة من الكفاح الوطني ما دام قادتنا أصدقاء سعد وذوو النفوذ والجاه والسلطان ما دام كل هؤلاء قد تركوا الكفاح بل انقلبوا إلى أعداء له لأن الشعب هو الذي يخلق الزعماء والقادة من جانبيه ونراه الآن يقوم قومه قوية مباركة جديرة بأرفع تقاليدنا الوطنية وخليقة بتراثنا الكفاحي الطاهر

فكلما زاد وعي الطبقات الكادحة وقوى استعدادها للنضال واشتد التصاقها بالقضية الوطنية الكبرى لكما انفصلت الطبقات العليا عن المصالح الوطنية ولذلك أصبحت الآن القضية الوطنية ولذلك أصبحت الآن القضية الوطنية قضية الملايين العديدة من الكادحين ومن المثقفين الذين انضموا تحت لوائها فتلك الملايين الكادحة أضحت اليوم محرر نضالنا ورأس رمحه.

وهنا يتضح ما تعنيه بالسياسة الشعبية فالطبقات الشعبية الكادحة إذ تتحرك لتحرير الوطن ن الاستعمار البريطاني إنما تستهدف أولا وقبل كل شيء آخ تحرير بني الوطن السبعة عشر مليونا تستهدف تحرير نفسها والانتفاض من قيود الاستبداد والاستغلال التي تثقل كواهل وتعوق رقينا وتقدمنا وسعادتنا فالسياسة الشعبية هي السياسة التي تطالب بها الطبقات الكادحة في مصر سياسة ترفع من مستواها المادي والثقافي وتدفع بها في طريق الازدهار.

وهي سياسة لا تتحقق بعد الآن إلا إذا كان نصيب الطبقات الكادحة في الحكم نصيبا فعلا متزايد القوة حتى يضمن سحق الرجعية والاستعمار معا ولذلك على الوطنية للطلبة والعمال وقيادتها للإضراب الوطني الأخير تحية صادقة صادرة من أعماق القلوب

وعليهم أيضا أن يعملوا حتى تخطوا الحركة الوطنية الخطوة التالية فتنضم إليها الطبقات الكادحة من غير العمال الفلاحون وصغار المنتجين والموظفين إلخ وتصبح الحركة الوطنية تعبيرا كاملا عن الطبقات الشعبية تصدر عنها وتكافح من أجلها وتكافح ضد الاستغلال سواء كان أجنبيا أم مصريا وضد الاستعباد سواء كان انجليزيا أم صدقيا أم نقراشيا وتكافح في سبيل الفلاح والعمال والمثقفين وفي سبيل حرية الصحافة والتنظيم الشعبي وفي كلمة واحدة تكافح في سبيل الديمقراطية والاستقلال كفاحا حقيقيا لا لبس فيه ولا مساومة ولا مناورة على حساب مصالح الشعب.

صادق سعد (السنة الأولى – العدد الثالث والعشرين- 27/3/1946)

حق التظاهر للطبقات الشعبية من الحقوق الديمقراطية الأولى

أعلن رئيس الوزراء أن الأمة قد عبرت عن شعورها الوطني بما فيه الكفاية فقرر منع المظاهرات حتى تعمل الوزارة القائمة على استكمال الاستقلال في جو هادئ ونحن نرى في منع المظاهرات الوطنية اعتداء صارخا على الديمقراطية في بلادنا وتهديدا بالغ الخطورة على القضية المصرية

فقد أصدر صدقي باشا قراره باعتبار أنه يقدر أين يجب أن تقف الطبقات الشعبية في تعبيرها عن شعورها تقديرا أصح وأسلم من تقدير الشعب ونحن نستنكر هذه العقلية الرجعية استنكارا كاملا أن الحكم الديمقراطي يعني حكما شعبيا يحقق رغبات الشعب ويحققها بشكل مستمر لا بشكل منقطع متذبذب متردد

وقد رأى الشباب المثقف والعمال أن الحكم الحاضر حكم متخاذل أما الاستعمار البريطاني فقام يطالب بأن تقف الوزارة موقفا صلبا حازما من الاعتداءات الاستعمارية المتكررة على استقلالنا ومستقبلنا أما الوزارة فقد تألفت على أساس نظام الحكم النقراشي وقبلت مبدأ المفاوضات على أساس المذكرتين الشهريين فإن الخطأ وأين الصواب.

وإذا كانت الوزارة الحاضرة تسلك سبيلا خاطئا في القضية الوطنية وإذا كان مجلس النواب الحاضر يقف موقفا مؤيدا لها ثم إذا كانت الوزارة الحاضرة تصادر الجرائد لأنها تنشر الأخبار الصحيحة عن النضال الوطني فكيف يمكن أن تفهم الطبقات الشعبية الواعية للطلبة والعمال الرأي العام المصري أن موقف الوزارة الصدقية غير الذي يريده إلا بالتظاهر؟

أن الطبقات الحاكمة والأحزاب الحاكمة والشخصيات الحاكمة لها جميع الإمكانيات متوفرة إذا أرادت أن تعبر عن آراءها واتجاهاتها وتفكيرها لها الجرائد ذات ورق التموين الغزير ولها الأموال التي تمكنها من استجار قاعات الاجتماع ولها النواب والشيوخ في البرلمان الذي يستطيعون أن يضغطوا على الوزارة

ولها كبار الوظائف في الدولة الذي يحيطون بالوزارة فيتفاهمون معهم أما الطبقات الشعبية فمحرومة من هذا كله علاوة على افتقارها إلى أبسط من هذا كله إلى القوت اليومي والصحة السليمة والعلم المضيء وإذا كانت لها صحف ومجلات فقليلة العدد فقيرة الورق معرضة باستمرار إلى الهجوم الذي لا رد عليه

ولم يبق للطبقات الشعبية وطليعتها الواعية الطلبة والعمال غير طريق واحد للتعبير عن رأيها وهو التظاهر والسير في الشوارع وهما وسيلتان لا تكلفان شيئا من المال ولا تحتاجان إلى ورق أو طباعة أما الآن فسلبت الحكومة الحاضرة الطبقات الشعبية هذه الوسيلة وفرضت عليها أن تصمت مهما أضرت بها السياسة الصدقية

وينطوي أمر المنع على معنى مهين لكرامتنا الوطنية فقد أحاط هذا الأمر استنكار الوزارة لبعض الأعمال التخريبية التي قام بها المتظاهرون بعد أن استفزهم الاستعمار أشد الاستفزاز وسيق قرار المنع وذيل بإشارات واضحة عن الغوغاء والأيدي الخفية والعناصر الغير متعلمة التي رجع إلى وجودها رد فعل المتظاهرين

فكأن الوزارة الحاضرة إذ تمنع المظاهرات إنما تلمح إلا أنها مظاهرات لصوص الشغب والسرقة والإتلاف وكأن هذا التلميح لا يصدر عن مصريين يحبون مصر وأبناءها بل يصدر عن مستعمرين بريطانيين يكرهون مصر ويرصدون لأبنائها الظلم والاستعباد ولا يسع الوطنين المخلصين إلا أن يتبرءوا من هذا التلميح فحب مصر

لا يمكن أن يعني إلا حب الشعب المصري والثقة بمصر لا يمكن أن يعني إلا حب الشعب المصري والثقة بمصر لا يمكن أن تعني إلا الثقة بمصر لا يمكن أن تعني إلا الثقة بالشعب المصري الذي يعين الطلبة والعمال من أشرف أبناءه ومن أخلصهم لقضية تحرره.

ليس قرار منع المظاهرات باعتداء على حرياتنا الديمقراطية الأولية فحسب بل أنه تهديد خطر لقضيتنا الوطنية ومستقبلها فدولة رئيس الوزراء يقول أنه يريد جوا هادئا ليستكمل استقلالنا ونحن نقول أنه لا يعكر صوف الجو ويخل بالأمن والنظام إلا استقرار الاستعمار البريطاني

فالمظاهرات التي دعت إليها اللجنة الوطنية للطلبة والعمال كانت من أحسن المظاهرات تنظيما وسلاما وصحة منذ ثورتنا الوطنية الكبرى سنة 1919 وأننا لم نر مرة واحدة في تاريخ نضالنا الوطني الطويل سواء كان ضد الأتراك أم ضد الفرنسيين أم ضد الإنجليز أننا قد نلنا استقلالنا صحيحا أم سيادة كامل عن طريق المفاوضات المقرونة يكبت أفواه الشعب وقتل أبناءه بأيد مصرية فالوزارة المصرية لا ثقل لها في ميزان الكفاح ضد الاستعمار إلا بقوة الشعب قوة جماهير العمال والطلبة والفلاحين:

ولا تقولوا لنا اليوم أن الاستعمار البريطاني يخلص النية الحسنة لمصر وأنه يريد استقلالها فلا تزعجوه بالمظاهرات والحركات الشعبية إذ أننا نرى الاستعمار البريطاني يقوم في جميع أنحاء العالم بمهمة الجلاد الذي لا تهدءة المجاملة بل نقهر قوة الشعوب

ولذلك فمنع الجماهير الشعبية من الاشتراك في الكفاح الوطني بشكل مباشر وقوي يعني أضعاف جانب القضية الوطنية أمام الاستعمار الغاشم ويعني تشويه استقلالنا وشل سيادتنا وأن إلغاء الرقابة الشعبية المباشرة القوية المنظمة يعني إفساح المجال أمام المناورات الخائفة والمساومات الخفية على حساب شعبنا وتحرره.

وأخيرا فقرار منع التظاهر يصيب قضيتنا الوطنية في الصميم بالنسبة إلى موقفنا الدولي فلا توجد الآن في أي قطر من الأقطار الديمقراطية قوة حاكمة تستطيع أن تمنع المظاهرات الشعبية وهذا يعني أن الرأي العام العالمي رأي الشعوب الحرة الديمقراطية ستنتج من هذا القرار أن مصر قطر غير ديمقراطي تحكمه ديكتاتورية مقنعة

وهذا يعني أيضا أن هذه الشعوب الحرة وذلك الرأي العام العالمي ستقتنع بأن مص راضية عن علاقاتها مع الاستعمار البريطاني كل الرضا ما دام لا يحتج أحد عليها وأن الشعب المصري شعب لصوص ومجرمين ما دام رئيس الوزارة المصرية الوطني الكبير يرى ضرورة منع الغوغاء من التعبير عن شعورها الوطني والأخرى، فهذا يعني أننا سنفقد تأييد الشعوب عندما سنقنع باستحالة التفاهم مع الاستعمار البريطاني وهذا حادث لا محالة.

وأنا سنفقد من ضمن التأييد الشوب العربية المفاضلة التي لا ترى أنها غوغاء لا تستحق أن تتظاهر وتطالب بالجلاء وسقوط الاستعمار.

أننا نطالب بحق التظاهر للطبقات الشعبية باسم الديمقراطية التي كافحنا وكافح العالم أجمع في سبيلها وباسم قضيتنا الوطنية واستقلالنا الذي يهددهما الاستعمار البريطاني

صادق سعد السنة الأولى- العدد الرابع والعشرون – 6/ 11460

لماذا نطالب بإجراء انتخابات

يطالب الحزب الوفدي بحل مجلس النواب الحالي وبإجراء انتخابات جديدة ثم قبل الوفد في بيانه أن يرجأ هذا الحل وأن يشترك في وفد المفاوضات على شرط أن تكون له الرياسة والأغلبية فيه ولم يقبل صدقي باشا شروط الوفد قرأنا في صحف الأيام الأخيرة أشياء من هذا القبيل

ولم يجد الساسة الرسميون في هذا الكلام شيئا شاذا أو أمرا غير مقبول ذلك أنهم اعتادوا أن يحل مجلس النواب أو أن يبقى حسب مشيئة رئيس الحكومة أو أن تتكون الهيئات الرسمية وشبه الرسمية التي تمسك بمصير الوطن في أيديها تكوينا يتناسب مع مشيئة رئيس الحكومة أيضا

أو مع الظروف والمقتضيات وأما الطبقات الشعبية الواعية وأما الوطنيون المخلصون لبلادهم فقد استاءوا أشد الاستياء أهكذا تكون الحياة النيابية والدستورية أهكذا يكون تمثيل الشعب انتخب مجلس النواب منذ سنة وشهور قليلة

وكان مفروضا أن يمثل الأمة ويعبر عن مطالبها بل أن تحكم الأمة خلاله ومع ذلك فمجلس النواب وتمثيل الأمة وأهدافه القومية هذه جميعا لعبة في أيدي رئيس الوزراء أو الساسة الرسميين والشخصيات الحاكمة يعرض حلها أو يرفض ثمنا للمساومات الحزبية والمناورات السياسية القذرة: تباع إرادة الأمة لمن سيدفع مقابلا لها سعرا مناسبا في هذا المزاد العلني الفاضح.

عندئذ يئس بعض الوطنيين المخلصين من تلك الحياة النيابية ومن قيمة الدستور وراحوا يقولون أن الانتخابات الأخيرة لم تسفر عن التعبير عن إرادة الأمة غير أنه ليس من المتوقع أن تختلف النتائج كثيرا إذا كانت ستجري انتخابات جديدة على يد وزارة محايدة أو وزارة وفدية فحينذاك سوف تشهد المأساة الأليمة التي نراها الآن

وستساوم الحكومة الجديدة أيضا مع أحزاب أخرى أو مع الاستعمار نفسه وسيكون ثمن هذه المساومة مرة أخرى إرادة الشعب ومطالبه إذن فلنترك الانتخابات جانبا ولنتهم بقضيتنا الوطنية الكبرى التي سيتقرر حلها الآن وإذا كان صدقي باشا سيتمكن من استكمال استقلالنا بدون انتخابات فلنعطه الثقة مؤقتا أما بعد جلاء الإنجليز عن مصر فعندئذ سنتجه إلى مشاكلنا الداخلية وسنطالب بالإصلاح.

هذا نوع من التفكير الذي بدأ ينتشر الآن ونحن نرى فيه خطأ أصيلا وضيقا في الأفق سببه عدم تقدير الشعب تقديرا صحيحا وعدم الثقة به ثقة كاملة مطلقة فهؤلاء الوطنيون المخلصون لا يزالون يقيمون الأحوال السياسية على الأساس القديم

باعتبار أن المناورات الحزبية والمساومات الشخصية تقرر الحوادث السياسية كما كان في الماضي القريب هم لا يعون أن القوى السياسية قد بدأت تتغير كما ومضمونا في بلادنا وأن تفكيرنا إذا أخلصنا لمصر ولبنها يجب أن يتغير أيضا مضمونا واتجاها.

في الماضي القريب كانت الأحزاب الرسمية وقادتها يوجهون الأمة ويشتركون في معركتها أما الآن فقد انفصلوا عن الطبقات الشعبية وبدأت هذه الأخيرة تضغط عليهم ضغطا متزايدا في الماضي القريب كانت على المسرح السياسي هيئات وأحزاب تمثل طبقات كبار الملاك والرأسماليين دون غيرها.

أما الآن فقد ظهرت المنظمات والهيئات السياسية التي تمثل الطبقات الكادحة وتصدر عنها وبدأت تتدخل في النضال السياسي تدخلا أعمق لم توجد في الماضي القريب النقابات العمالية القومية ولا لجنة العمال للتحرير القومي ولا لجنة الطلبة والعمال الوطنية أما الآن فهذه اللجان موجودة تقود في كثير من الأحيان كفاحنا الوطني والديمقراطي.

علينا أن نطالب بإفساح المجال أمام هذه القوى الجديدة النامية من جميع النواحي وبشتى الطرق لأنها قوى الطبقات الكادحة والطبقات الكادحة لا تساوم في قضية الوطن لأنه وطنها ولا تتنازل عن مطالب الوطن لأنها مطالبها ولا تخاف الضغط والإرهاب لأنها لا تملك شيئا

فإنها لن تسخر شيئا في الضغط والإرهاب هذا هو السبب الذي يجعلنا نطالب بإجراء انتخابات جديدة اليوم وهذا ليس متعلقا بالوفد وإن كان شبيها بما طالب الوفد به قبل أن يصدر بيانه الأخير.

فالانتخابات تمثل في نظرنا شيئين رئيسيين نحن متمسكون بهما أشد التمسك الآن أنها تمثل إمكانية كبرى للطبقات الكادحة أن تشترك في الحياة السياسية اشتراكا واسعا أولا فقد رأينا أثناء الانتخابات الأخيرة أن مرشحين جدد قد تقدموا على أساس جديد للانتخاب

وكان من أهم هؤلاء المرشحين الجدد عاملان من عمال مصر محمود مصطفى وفضالي عبد الحميد عبد الجواد اللذان تقدما ببرنامج واضح إلى ناخبهم العمال برنامج يطالب بتحريرهم وبتحرير باقي الطبقات الشعبية من الاستعمار والاستغلال ورأينا إلى أية درجة قد حرك هذا الترشيح فئات واسعة من الطبقة العمالية

وإلى أية درجة زاد وعيهم السياسي إننا لطالب بالانتخابات الجديدة حتى يتكرر هذا الحادث الوطني المجيد ويدل التحرك الموجود الآن في الطبقات الشعبية المصرية على أن التفافها حول برنامج سياسي واضح سيكون هذه المرة أوسع وأعمق وأقوى مما كان عليه في الماضي القريب.

ونطالب بانتخابات جديدة حرة لأنها قد تؤدي إلى فوز بعض المرشحين الشعبيين بالنيابة وهذه إمكانية لا يمكن أن نهملها كما لا يمكن أن نهمل أية إمكانية أخرى في رفع صوت الأحرار الوطنيين المخلصين في أي وقت وفي جميع الظروف وأن وجود نواب يمثلون الطبقات الكادحة تمثيلا صحيحا ويصدرون عنها ويطالبون بإنصافها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا أمام ذلك المنبر العام الفسيح الذي يمكن أن يكونه البرلمان

هذا كله يمثل مكسبا كبيرا للطبقات الشعبية من حيث أنها تستطيع أن تسمع صوتها إلى الرأي العام أكثر مما نفعله الآن ومن حيث تثبيت أركان الديمقراطية في بلادنا وتقويتها إننا نطالب بالانتخابات الجديدة حتى يتحقق هذا الفوز للطبقات الشعبية المصرية.

غير أننا نطالب بانتخابات جديدة محاطة بظروف جديدة أيضا سيؤدي تحقيقها إلى إفساح المجال مرة أخرى أمام الطبقات الكادحة ومنظماتها السلمية إننا نطالب بأن تكون هذه الانتخابات الجديدة على أساس برنامج شعبي واضح الملامح نظيف الإحساس

وأن يكون المرشحون صادرين عن الطبقات الشعبية وعن العمال بدرجة خاصة وأن تكون مراقبة تلك الطبقات الشعبية وعن العمال بدرجة خاصة وأن تكوم مراقبة تلك الطبقات على مرشحها وعملية الانتخابات مراقبة مباشرة فعالة.

وقد علمتنا التجارب التي مرت بها البلاد الديمقراطية الأخرى بأن ه ذا كله ليس مستحيلا ففي فرنسا وانجلترا ويوغسلافيا وبولاندا أيضا كانت الانتخابات مزورة في الماضي وكانت لا تسفر عن نتائج تعبر عن إرادة الشعب تعبيرا صحيحا.

ولكن الطبقات الشعبية والطبقة العمالية بدرجة خاصة كافحت في هذه البلاد كفاحا طويلا حتى تشتد قبضتها على الحكم ونجحت في هذا السبيل نجاحا كيرا وعلينا الآن أن نكافح أيضا إلى أن نصل ديمقراطيتنا إلى مستوى شعبي سليم.

هنا يتضح الفرق بين ما نطالب به نحن وما يطالب به الوفد فالوفد يتنازل عن التمثيل الشعبي في البرلمان إذا وجد في هذا كسبا له في جهة أخرى ونحن نقول بضرورة تمثيل الشعب وطبقاته الكادحة في جميع الظروف وفي جميع الأحوال.

ونرفض رفضا باتا أن يكون في هذا التمثيل أي تناقض مع القضية الوطنية أو أي تأخير لحلها بل على نقيض ذلك نرى أنه كلما زادت قوة الطبقات الشعبية في الكفاح السياسي والانتخابات جزء منه كلما أسرعت مصر نحو الاستقلال الصحيح والتحرر الكامل من الاستعمار.

والوفد حينما كان يطالب بالانتخابات الجديدة في الماضي القريب إنما كان يطالب بالانتخابات الجديدة له لأنه لا يذكر شيئا عن المراقبة الشعبية الضرورية على المرشحين برامجهم أما نحن فنطالب بالانتخابات الجديدة للطبقات الشعبية المصرية ولهيئاتها ومنظماتها السياسية التي ظهرت الآن في العراك السياسي الحاضر

وواضح أن صدقي باشا إذ يرفض إجراء هذه الانتخابات اليوم أنما يرفضه لأنه يخاف دخول هذه المنظمات والهيئات في الحياة السياسية الرسمية دخولا نهائيا أما الوطنيون المخلصون فهم يرحبون به ويكافحون في هذا السبيل.

أما التملص من الانتخابات الجديدة مع الاعتراف بعد تمثيل البرلمان الحاضر للشعب المصري ومطالبه بعذر المفاوضات الوطنية فإنه ليس إلا مناورة أخرى في سلسلة المناورات التي تقوم بها الأحزاب الرسمية الحالية في سبيل تخفيف الضغط الشعبي على الحكومة حتى تجري المفاوضات على أساس المذكرتين المشهورتين

أي حتى لا تتحرر مصر أبدا من الاستعمار البريطاني أليس هذا تفسيرا واضحا هل نستطيع أن نتصور لحظة واحدة أن الحكومة التي تمثل أشد العناصر الرجعية والإقطاعية والرأسمالية والتي تطلق النار على الشعب وتكبت صوته تستطيع أن تحصل بطريق المفاوضات على حقوق شعبنا التي طمسها الاستعمار أم ترانا نكسب من مفاوضات تقوم بها هذه الحكومة التي لا تمثل الشعب مكاسب أهم من المكاسب الديمقراطية أن نضالنا ضد الاستعمار وكفاحنا من أجل الحياة الديمقراطية وحدة واحدة لا تقبل التجزئة.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 25- 13/ 3/ 1946)

التحرر من الاستعمار البريطاني والمفاوضات الحالية

في شعبنا طاقة هائلة فعلينا أن لا نترك الرجعية تصرفها سدى وبغير طائل.لنلق مرة أخرى نظرة سريعة إلى قضيتنا الوطنية، فنتساءل ما الذي يدفعنا إلى المطالبة بالتحرر من الاستعمار البريطاني؟

وكثيرا ما يجاب على هذا السؤال أننا نريد الجلاء لأن رؤية الجنود الأجانب تؤذي شعورنا أو بأن أفراد الجيوش البريطانية الحليفة تعتدون علينا ويستفزوننا ونعترف أن هذين السببين صحة كبيرة ألا أننا نعتقد أن هناك أسبابا أعمق منهما بكثير أسبابا تتصل بكياننا القومي أشد الاتصال هي التي تجعل الطبقات الشعبية المصرية تقوم عن بكرة أبيها في وجه الاستعمار البريطاني وتطالب بالتحرر منه

فواضح أن الاستعمار يستطيع أن يبقي الاحتلال ويحترم مع ذلك شعورنا وأحاسيسنا بعض الشيء بأن يرحل قواته المسلحة إلى أماكن بعيدة عن المدن الكبرى غير أننا لم نكف عندئذ عن المطالبة بالجلاء وواضح أيضا أن الشباب والعمال قد قاموا بمظاهراتهم في أول الأمر قبل أن يطلق البريطانيون النار عليهم وأن شعارهم الجلاء عن وادي النيل لم يكن متعلقا باعتداء مسلح سابق استفزهم.

إذن فعلينا أن نبحث فيما هو أعلق من هذا كله وأبعده أثرا على الطبقات الشعبية المصرية التي تكون الآن الغالبية الكبرى من العناصر التي تشترك في جهادنا الوطني أو تريده وأننا نجد تلك الأسباب العميقة المتصلة بشعبنا ألصق الاتصال في أن الاستعمار هو المسئول الرئيسي عن أوضاعنا الداخلية والخارجية السيئة المختلفة المريضة.

إن الاستعمار الذي أفقر الطبقات الشعبية العصرية فالاحتكارات الكبرى في بلادنا جميعا في أيدي الرأسمالي الأجنبي وهي تمتص مجهودها وتسلمه للمصاريف الإنجليزية الضخمة مثل بركليز والبنك الأهلي وتلك الاحتكارات الكبرى وهذا الرأسمال الأجنبي إنما جاءت إلى بلادنا باحثة عن الربح، الربح الطائل فتعتصر شعبنا وعرق جبينه وتحرمه من الخيرات التي لا تأبه بمحاربة الأمية إلى تضييق الأفاق أمام الطلبة

بل وإلى طريق تدريس اللغة الإنجليزية في مصر تلك الطريقة التي تفرض كتبا إنجليزية مكتوبة خصيصا للمستعمرات والبلاد التابعة في هذا كله سلسلة مترابطة الحلقات تحرم أبناء شعبنا الكادح من ضوء العلم والثقافة هذا كله حتى لا يحس الكادحون أن لهم حقوقا مسلوبة وحريات مضاعة وكرامات أذلها الاستعمار.

والاستعمار البريطاني هو المسئول الرئيسي عن تأخير حياتنا الاقتصادية كلها بتحكمه في مرافقها الأساسية (الأرض، التجارة الخارجية، والبنوك ..إلخ) وبشلة الدائم لنهضتنا الصناعية (كهربة خزان أسوان)

وحتى لا تفلت الطبقات الكادحة المصرية من قبضته جعل الاستعمار البريطاني يحطم نمو ديمقراطيتنا تحطيما دائما ولذلك فهو المسئول الرئيسي أيضا عن تأخر حياتنا السياسي فقد صدر الدستور في ظل الاحتلال الإنجليزي الرسمي معطيا حقوقا واسعة للسلطة التنفيذية (كحل البرلمان وتعيين نصف أعضاء مجلس الشيوخ) وما يزال الموظفون البريطانيون منبثين في البوليس (رسل فيتزباتريك – جايس) في الجيش (البعثة البريطانية) وفي الإدارة (المستشارون الفنيون في الوزارات المختلفة).

والاستعمار البريطاني هو أيضا الذي يحمي المنظمات الفاشية المختلفة حتى يبقي الطبقة الوسطى تحت سيطرته ويستعملها ضد الطبقات الكادحة وهو بالمثل الذي يحاول أن يحطم المنظمات الشعبية المكافحة فيدعو نقاباتنا إلى تلقي الدروس النقابية في إنجلترا.

والاستعمار البريطاني هو المسئول أيضا عن عزل بلادنا وحرمانها من أن تتعاون مع الشعوب الحرة أو المتحررة أنه الذي أيد الجامعة العربية بشكلها الحالي وناور وما يزال حتى تتحالف مع تركيا الفاشية ولئن كان الاستعمار البريطاني قاوم أعداء الديمقراطية في مصر مرة واحدة أيام العلمين

فإننا نجده الآن يؤيدهم تأييدا كبيرا ولا يعارض أن يكونوا من البارزين في المفاوضات هذا ما فعله ويفعله الاستعمار البريطاني وأما الحركة الوطنية في مصر فهي تستهدف في الأساس اقتلاع تلك الحال التي أوجدها في بلادنا تستهدف أن تقهر العدو الرئيسي بيننا وبين الشعوب الحرة والمكافحة الأخرى.

هل تستطيع المفاوضات الحالية والوزارة القائمة هي وزارة صدقي باشا ووفد المفاوضات هو الوفد الذي عمل عمل إيجاده صدقي باشا هل تستطيع أن تحقق تلك الأهداف الرئيسية للشعب المصري في كفاحه الوطني إننا نجيب على هذا السؤال بالنفي ونحكم مقدما على المفاوضات التي يجريها صدقي باشا بالفشل المحتوم.

لماذا لأن الوزارة الصدقية الحاضرة تمثل أشد العناصر رجعية في حياتنا السياسية ففيها حزب الأحرار الدستوريين الذي اشتهر رئيسه السابقة باليد الحديدية وفيه أعضاء اشتركوا في الحكم في وزارات عادت الطبقات الشعبية أشد العداء مثل وزارات علي ماهر وحسين سري ومحمد محمود

فكان لهؤلاء جميعا نصيب وافر من السياسة الرجعية المختلفة التي أفادت كبار الملاك نصف الإقطاعيين وأفادت كبار الرأسماليين المصريين وأفادت الرأسمال الأجنبي ولكنها لم تفد في شيء الفلاحين ولا العمال ولا صغار الموظفين والتجار والصناع وأننا لا نؤمن بالمعجزات في الشئون السياسية

فلا يمكن أن نتصور لحظة واحدة أن تلك السياسة الرجعية وغير الديمقراطية التي تمثل الوزارة الحاضرة والتي استغلت الطبقات الكادحة واستبدتها في الماضي تستطيع اليوم أن تنقذها وتنصرها بتحريرها من الاستعمار البريطاني.

وأما وفد المفاوضات ذاته فهو أيضا لا يبشر بأية إمكانية صادقة في عمله على تحرير وطننا من الاستعمار الأجنبي ففيه ثلاثة ممثلين للبنك الأهلي شريف صبري باشا حسين سري باشا علي الشمسي باشا وفيه ممثلان على الأقل للرأسمال الأجنبي (صدقي باشا وحافظ عفيفي باشا) وفيه وزراء سابقون من وزارة سري باشا التي مدت امتياز البنك الأهلي إلى سنة 1980 وفيه أخيرا شخصيات بارزة دلت مواقفها على رجعيتها وعدائها للديمقراطية.

أما بعد فهل غريب إذن أن نقول أن المفاوضات الحالية فاشلة لا محالة؟ إننا نقول ذلك لأن الحكم الحالي وأعوانه وظروفه وأسبابه وعناصره هذا جميعا فاشل لا محالة في تحرير مصر من الاستعمار الأجنبي والبريطاني على وجه خاص

ولن يحرر وطننا منه غلا الطبقات الكادحة المصرية وفي طليعتها الطبقة العمالية التي تنطبق مصالحها مع مصالح الوطن ولا تعارضها ولن تعارضها في شيء فالسبيل الوحيد إلى حل قضيتنا الوطنية حلا لا مساومة فيه ولا مماطلة ولا تسويف ولا تشويه هي أن تحكم الطبقات الشعبية نفسها بنفسها وذلك بأن يكون حكمنا حاكما ديمقراطيا صحيحا.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد السادس والعشرين- 20/ 3/ 1946)

معاهدة 1936 لماذا تنادي بإلغائها

أكدت المذكرة البريطانية الأخيرة إلى الحكومة المصرية أن المبادئ الأساسية التي قامت عليها معاهدة 1936 مبادئ سليمة أثبتت التجارب صحتها وأظهرت الحوادث متانتها وقبلت الحكومة النقراشية ومن بعدها الصدقية أن تتفاوض على أساس هذه المعاهدة وفي نفس الوقت قالت أنهما ستدخلان المفاوضة حرتين فهل يعني هذا الكلام شيئا؟ وهل تصلح معاهدة 1936 أساسا لهذه المفاوضات بحيث تحقق رغبات شعبنا؟

لقد أجبنا على هذه الأسئلة مرارا في الفجر الجديد وقلنا أن أية مفاوضات تجري على أساس الأوضاع القائمة ستنتهي إلى الفشل الذريع وأن إعلان الحكومة أنها تدخل المفاوضات حرة من كل قيد هراء يخفي وراءه أنها تدخل المفاوضات مقيدة بالحدود الصارمة التي نصت عليها معاهدة 1936 وستواجه الحقيقة المرة التالية أن معظم نصوص المعاهدة طبقت بما يفيد الاستعمار وحده بحيث اكتسبت الاستعمار وحده حقوقا قانونية لم تكن معترفين له بها قبل ذلك وها نحن نزيح النقاب عن بعض النصوص التي تفيد الاستعمار.

حسن التفاهم

تقول مقدمة المعاهدة بما أن الجانبان يرغبنا في توطيد الصداقة وعلاقات حسن التفاهم بينهما والتعاون على القيام بالتزاماتهما الدولية لحفظ سلام العالم وبما أن هذه الأغراض تتحقق على الوجه الأكمل بعقد معاهدة صداقة وتحالف لمصلحتهما المشتركة على التعاون الفعال .. إلخ..

ومعنى هذا أنه في 1936 كانت أحسن طريقة لحفظ سلام العالم أن تعقد بريطانيا معاهدات صداقة للبلاد التي تحتلها ولنا أن نتساءل هل ينسجم هذا الوضع الآن مع وجود منظمة الأمم المتحدة التي ينص ميثاقها على إلغاء جميع المعاهدات التي تعارض مبادئها ومنها المعاهدة المصرية الإنجليزية لأن هذه المعاهدة تضع مصر في مرتبة الدولة المستبعدة بينما هي كعضو في منظمة الأمم المتحدة دولة ذات سيادة حرة بل المفروض أنها متساوية مع غيرها تماما بل مع إنجلترا ذاتها؟

سخرية

نصت المادة الأولى على أنه قد انتهى احتلال مصر عسكريا بواسطة قوات صاحبة الجلالة والإمبراطور ولا نظن أننا بحاجة إلى إطالة الشرح في أن هذا النص لم يطبق فالجيوش البريطانية لم تستمر فقط على ما كانت عليه قبل عقد المعاهدة إنما تضخم عددها ثم هي اليوم تعلن عن وجودها فتستعرض في شوارع العاصمة وتطلق الرصاص على المتظاهرين المسالمين ...

الواقع أن هذا أقرب إلى السخرية منها إلى الجد بيد أن هناك طرفة أخرى هي أن ملحق المادة الثانية يقول أن الحكومة تأذن للقوات الجوية البريطانية في الطيران حيثما ترى ضرورة لذلك من أجل التدريب ويكون لقوات الطيران المصرية مثل هذه المعاملة في الأراضي البريطانية ولسنا نعلم فيما وقع لنا من معرفة أن سلاح الطيران المصري قد تدرب في أرض انجلترا أو سافر على استراليا أو كندا مثلا.

السودان

وتنص المادة 11 على أن الطرفين المتعاقدين متفقان على أن الغاية الأولى لإدارتها في السودان يجب أن تكون رفاهية السودانيين والواضح أن هذه المادة لاغية هي الأخرى لأن الاستعمار البريطاني انفرد باستغلال الشعب السوداني يؤيده شركاؤه من المصريين فأنشئت الشركات الاستغلالية كشركة u.k.c.c واستنزفت دماء الشعب السوداني وأبقيت الأحكام العرفية المفروض على السودانيين منذ 50 عاما تقريبا وما تزال الحالة العامة هناك تسوء يوما بعد يوم.

تطبيق معكوس

وأما ما تقوله المذكرة المصرية الملحقة بالمعاهدة من أن الحكومة المصرية تنوي إلغاء إدارة الأمن العام الأوربية فورا ولكنها ستبقي لمدة خمس سنوات تنتهي في سنة 1946 عنصرا أوربيا معينا في بوليس المدن هذا الكلام قد طبق بالمعكوس فإدارة الأمن والقلم السياسي وقعا تحت توجيه الاستعمار وأما الضباط الإنجليز في البوليس مثل رسل باشا وجايلز وفيتزياتريك فما يزالون يسيرون دفة البوليس المصري.

قيود

وتنص المادة الخامسة على أنه يتعهد كل من الطرفين المتعاقدين بأن لا يتخذ في علاقاته مع البلاد الأجنبية موقفا يتعارض مع المحالفة وأن لا يبرم معاهدات سياسية تتعارض مع أحكام المعاهدة الحالية ومعنى هذا عمليا إخضاع علاقاتنا السياسية الخارجية لمصلحة الاستعمار أضف إلى هذا القيد قيدا آخر هو ما نصت عليه المذكرة المصرية على العموم من أنه بالنظر لمعاهدة الصداقة والتحالف ستفضل الحكومة المصرية على العموم البريطاني عندما تستخدم خبرا من الأجانب

ثم قالت وستختار الحكومة المصرية المدربين الأجانب في الجيش من الرعايا البريطانيين وحدهم وقالت كذلك ولا يختلف طراز أسلحة القوات المصرية من برية وجوية ومعداتها عن الطراز أسلحة القوات المصرية من برية وجوية ومعداتها عن الطراز الذي تستعمله القوات البريطانية ومعنى هذه القيود جميعا إخضاع الجيش المصري والإدارة للاستعمار إخضاعا مباشرا.

هذه بعض النصوص التي تظهر لنا مدى صلاحية معاهدة 1936 لأن تكون أساسا لنوالنا الاستقلال والحرية ... وتظهر لنا أن الوزارة إذ تتخذها قاعدة للتفاوض إنما تلغي كل أمل في الظفر بشيء من الاستعمار في الإدارة والجيش وأكسبت الاستعمار حقوقا قانونية لم تكن له فهي قد ضيقت المجال أمامنا وحددت كفاحنا الوطني بهذه القيود الثقيلة التي يكون التحرر منها لا بمجرد إعلان الوزارة أنها حرة من كل قيد ولكن يكون بحشد شعبنا ضد الاستعمار وبتنظيم كفاحه وربطه بكفاح الشعوب المناضلة الأخرى.

أحمد سعيد. (العدد الأولى- العدد27- 27/ 3/ 1946)

سياسة إيجابية إزاء الكادحين

كونت الحكومة الصدقية الحاضرة لجنة لدراسة مشكلة الفقر والمرض والجهل حتى تستنير الحكومة باقتراحاتها وتحقق منا ما استطاعت إليه سبيلا ولم يسبب هذا التكوين الجديد القديم والحق يقال حماسا كبيرا عند الوطنيين المخلصين وإذا كان صدقي باشا ناجحا بعض النجاح في دعايته الوطنية وفي تضليل السذج حول مسألة المفاوضات ووفدها

إلا أن مسألة الفقر والجهل والمرض ليست بمسألة جديدة في الأدب الاجتماعي المصري المعاصر ولا بموضوع عجيب على صفحات جرائدنا وبالمثل ليست الوعود المعسولة معسولة القشور ولكن مسمومة اللباب باختراع غريب لم يسبق حدوثه في خطب العرش الماضية هذا أن أغلب الصحف والمجلات المصرية أصبحت تنظر إلى هذه المسألة كأنها موضوع طريق يتسلى القراء فنراهم يبتسمون ويضحكون إذ هم ينظرون إلى ابن البلد يشكو مصائبه إلى رئيس الوزراء.

حقا أن مسألة الفقر والمرض والجهل قد درست فيما مضى في مؤلفات اختلفت في الحجم وفي الاقتراحات العملية التي تقدمها لإزالة هذه العواقب الثلاثة التي تحول دوننا ودون طريق المجد كما يقال وإننا إذا ما خطونا في مناقشة هذه الاقتراحات لن تنتهي في سرعة ولذلك يجدر بنا أن نسلك في هذا سبيلا جديدا وبدلا أن نغرق في الإحصاءات والأرقام والتقارير العلمية أن نتوجه إلى من ذا الذي يشكو ويتألم ونسأله لم تشكو؟ وهل تستطيع أن تدلنا على سبب شكواك.

يجدر بنا أن نتوجه إلى الطبقات الكادحة والشعبية ونسألها عمن يسبب فقرها ومرضها وجهلها وأن يكون هذا التوجيه في سيل مبدئي وإن سلمنا بضرورة الإحصاءات والأرقام والتقارير العلمية لإيجاد الخطة فيما بعد ذلك

وإننا لم نعلم جيدا أن دولة رئيس الوزراء لن يوافقنا على ذلك لقد عبر فيما مضى بقليل عن مبلغ ثقته بالدهماء والغوغاء ومع ذلك فإننا نثق بالشعب المصري ونحبه حبا خالصا فنتوقع منه الذكاء والنباهة في هذا الموضوع كما كنا نتوقع منه الوطنية الحقة والاستعداد للتضحية في سبيل الحرية ولم نخطئ للتقدير...

أسألوا الفلاح عن سبب فقره وأسالوا العامل عن سبب فاقته لن يتردد في الإجابة سيقول الفلاح أن سبب فقره هو ذلك المالك الكبير الذي يملك من زمام القرية ثلاثة أرباعها أو يزيد والذي يترك له غير قطعة أرض صغيرة ضئيلة تافهة لا تكفيه ولا تفي قوت عائلته ذلك المالك الكبير الذي يضطر الفلاح أن يعمل في أرضه مقابل قروشي قليلة أو مقابل قليل من الذرة والبرسيم والذي غليه بطريقة أو بأخرى عمدة القرية ومشايخها فيقطعون عليه كل سبيل إلى مقاومة الاستغلال المهلك ذلك المالك الكبير الذي ينتسب إليه

بطريقة أو بأخرى هذا النائب في البرلمان أو ذلك الشيخ في مجلس الشيوخ أو وزير من الوزراء السابقين أو اللاحقين فيؤثرون على المديرية أو موظفي البندر فتحاك حول الفلاحين شبكة منيعة قوية توجههم حسب ما أراده المالك الكبير.

وسيقول العامل أن أجره ضئيل تافه ولا يكفي قوت عائلته وأن صاحب المصنع هذا عضو في الاتحاد المصري للصناعات ومن بين أعضائه نواب وشيوخ ووزراء سابقون ولاحقون ومن الأعضاء في مجلس إدارة الشركة التي تملك المصنع نواب وشيوخ ووزراء بل وكبار الموظفين في الإدارة الحكومية وسوف نسمع من العامل أن شبكة منيعة قوية تحال حوله وحول زملائه فتغلق نقاباتهم وتحلها وتشرد زعماءهم وتسجنهم.

وإننا إن استمرارنا في سؤال الشعب عن سبب جهله ومرضه لن نحصل على إجابات تختلف عن هذه شيئا كثيرا فهذه الدولة بأجمعها وعلى رأسها الحكومة تلغي مشروع محو الأمية فهل بعد ذلك يجوز أن نبحث في سبب جهل الشعب المصري؟

وهذه الدولة والحكومة رأس رمحها ترصد الملايين العشرة لشراء محصول القطن فتنقذ خفنه صغيرة من كبار الملاك وكبار التجار وكبار المصرفيين وكبار الماليين من خطر تقليل أرباحهم حين أنها تضن وتبخل بقروشي قليلة ولا تنقذ آلاف الآلاف من أبناء وطننا من الموت والهلاك التام بسبب الحمى الراجعة والملاريا والبلهاريسيا والانكلستوما إلخ

أظهروا بعد ذلك أنكم كونتم لجانا ولجانا لمعرفة كيف يحارب الفقر الجديد القديم إلا وقد هز الشعب كتفيه وتحسر على تلك الرواتب الضخمة التي يتقاضها أعضاء هذه اللجان رواتب يدفعها الشعب المصري من دمه وعرقه جبينه وهلاك جسده فتذهب سدى دون فائدة على الإطلاق.

إن الفلاح لن يكون رغد العيش إلا إذ امتلك أرضا كافية سبيل إلى ذلك إن لم تحدد الملكية الزراعية نصيب الفلاحين الفقراء من الملكيات الواسعة الشاسعة الخصبة ولن يعيش العامل عيشة لائقة بإنسانية ومصريته إلا إذا كانت أجوره مرتفعة وساعات عمله محدودة معقولة.

وإن الفلاحين والعمال وصغار الموظفين وصغار التجار والصناع لن يكونوا أصحاء أقويا مثقفين إلا إذا كانت عيشتهم لائقة بهم وإلا إذا رصدت الدولة المبالغ الكبيرة الضخمة لبناء المدارس والمستشفيات والعيادات المجانية الكثيرة العديدة

ولن يكون ذلك كله إلا إذا كانت تختفي تلك الروابط القوية الشديدة بين الدول وكبار الملاك وكبار أصحا المصانع أي إلا إذا كان الحكم في مصر حكما شعبيا ديموقراطيا صحيحا نراقبه مراقبة مستمرة دائرة فعالة من المنظمات والهيئات والأحزاب الشعبية ولن يكون ذلك كله أيضا إلا إذا تصدع وانهار ذلك السند القوي الصلب الذي ترتكز عليه المؤسسات والهيئات والمنظمات والشخصيات التي تعادي شعبنا وتستعبده ذلك السند القوي الصلب ما هو إلا الاستعمار البريطاني

صادق سعد (السنة الأولى- العدد الثامن والعشرين 3/ 4/ 1946)

دور الجماهير في الحركة الوطنية والمفاوضات الحالية

تكون وفد المفاوضات البريطانية وعبرت الأوساط الرسمية عن ارتياحها لسير المفاوضات ولكن المقصود من المفاوضات أن نتحرر من الاستعمار البريطاني لا أن تعبر هذه الأوساط أو تلك عن ارتياحها وسرورها.

يجب ألا ننسى شيئا رئيسيا وجوهريا في علاقاتنا مع بريطانيا العظمى وهو أن الاستعمار البريطاني عدو الشعب المصري وأن الأعمال التي يقوم بها إزاء وطننا أعمال تضمر الشر له وقد تكون هذه الحقيقة من البديهيات الأولية ولكننا نرى ضرورة تكرارها الآن لأ، الحوادث الجارية الخاصة بالمفاوضات تحاط بسياج من التطبيل والتزمير العالي الشديد لدرجة أنه قد تخيل للوطني المخلص أنه لا تناقض في الحالة الحاضرة وأن صدق باشا قد ينجح في قهر الاستعمار بإصبعه الصغير

كما أن الاستعمار البريطاني راض عن هذا التقهقر كل الرضى وعليه فنحن أحوج ما نكون في الوقت الحالي إلى المنطق الوطني السليم البسيط الذي يرى أن الاستعمار البريطاني لم يقدم طيلة احتلاله لبلادنا أي شيء إيجابي للشعب المصري بل على نقيض ذلك حاول أن يركز جهده كله في سبيل تحطيم كل ما لشعبنا ولوطننا من إمكانيات واسعة في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة.

فالحركة الوطنية والاستعمار البريطاني قوتان متناقضتان تماما وتاريخ حركتنا الوطنية كلها يبرهن على أنها هدفت إلى مناضلته في جميع الميادين الدولية والداخلية وأنها إذا كانت قد حصلت في كل مرة على شيء من الانتصار فقد حصلت عليه بكفاح عنيد لا هوادة فيه ولا رحمة ضاربة عرض الحائط بوعود بريطانيا المعسولة فانجلترا كانت قد حاربت الحركة الوطنية العرابية بحجة المحافظة على النظام في مصر وحماية مصالح الماليين الأجانب

ولكن أخمدت الحركة العرابية وبقيت القوات البريطانية وقالت بريطانيا العظمى أنها لم تسيطر على مصر إلا في سبيل ترقية شعبها ومع أننا نتمتع بحكم دستوري ديموقراطي فإن ذلك الحكم توصنلا إليه بجهاد ثورة ومع ذلك لا تزال انجلترا تقبض على حياتنا القومية بيد من فولاذ فلا يمكن لأي وطني مخلص إذن مهما كانت معلوماته النظرية بسيطة ومهما كانت ثقافته قليلة أن يشق لحظة واحدة بنيات انجلترا إزاء مصر لأن الاستعمار البريطاني ذات لا يستطيع أن يستهدف خيرنا وازدهارنا وإلا لم يكن استعمارا.

غير أن علاقتنا مع بريطانيا قد تغيرت في الواقع خلال الستين سنة التي استغلنا فيها الاحتلال الأجنبي وأهم هذا التغيير أن الاستعمار البريطاني لم يعد يحكمنا حكما مباشرا ولم يعد يفرض أحكامه علينا فرضا استبداديا لا استئناف فيه ولا مقاومة فلنا الآن برلمان بمجلسيه نستطيع عهن طريقه أن نفضح مقاصد الرجعية والاستعمار البريطاني بل نستطيع به في بعض الأحيان القليلة تحسير حالتنا الداخلية إلى حد ما ولا شك أن حصول مصر على دستور ديموقراطي بعد انتصارا على الاستعمار الأجنبي بشكل رئيسي لأنه كان العقبة الأساسية التي تقاوم هذا الاستعمار وتعارضه.

وإذا اعتبرنا حصولنا على هذا الدستور مثلا من أمثلة النجاح الجزئي لحركتنا الوطنية المجيدة فيجوز لنا أن نتساءل هل كان تحقيق هذا الانتصار بأن زعمائنا تحدثوا إلى الحكومة البريطانية حديثا لطيفا رقيقا وأن هذه الحكومة البريطانية استجابت لهذا الحديث استجابة سريعة كلا إن حصولنا على الدستور لم يحدث إلا بعد أن تحركت الجماهير الشعبية في قومية وطنية واسعة قوية دامت منذ 1919 إلى 1923

وكان زعماؤها في طليعة هذه الحركة يضحون بأنفسهم وبذاتهم كما كنت تضحي تلك الجماهير الشعبية بنفسها وذاتها وقد وصلت الحركة الوطنية حدا من القوة والاتحاد أقنع الاستعمار البريطاني بأنه لن يستطيع أن يقاوم الشعب المصري رغم القوة العسكرية التي تحت قيادة الإنجليز

وكان نتيجة اعتراف الاستعمار بعجزه إزاء الحركة الوطنية أن ألغيت الحماية وأعلن الدستور وحدث هذا بالضبط ودائما في جميع مراحل الحركة الوطنية المصرية وفي كل صغيرة وكبيرة من انتصاراتها المجيدة أو من هزائمها المشئومة.

الذي حدث أن العلاقة بين الحركة الوطنية ونقيضها الاستعمار البريطاني وصلت إلى حالة واضحة من الاتزان وقد سجل هذا في ميثاق أو دستور أو معاهدة تسجيلا يطابق الوقع في كثير فقد هزمت الحركة الوطنية العرابية أمام العسكرية الإنجليزية وسجل هذا بالاحتلال العسكري ثم الحماية ثم نهضت ثانية

فكان إلغاء الحامية وإعلان الدستور تسجيلا وإثباتا لتغيير الوضع بينها الاستعمار البريطاني ثم كانت النهضة الثالثة التي اقترنت بتهديد الفاشية الإيطالية للمواصلات الإمبراطورية فأصبحت المعاهدة معاهدة الصداقة والتحالف تعبر عن العلاقات الجديدة بيننا وبين الاستعمار تعبيرا لا بأس به.

أين الجماهير الشعبية وأين القيادة الوطنية من هذا كله؟ لا يختلف الكفاح الوطني للاستقلال والديمقراطية عن الحزب العسكري بين دولتين اختلافا كبيرا في الشكل بل الواقع أن كثيرا ما يتحول الكفاح الوطني إلى حرب تحريرية مسلحة

كالذي يحدث في أندونسيا الآن فالجنود هم الذين يلعبون الدور الرئيسي في الحرب أما القيادة فهي ترشد وتوجه حسب قدرتها ومعلوماتها العلمية وكذلك في الكفاح الوطني تلعب الجماهير الشعبية الدور الرئيسي فيه فهي التي تتظاهر وهي التي تضرب وهي التي تكافح الاستعمار كفاحا مسلحا خاصا وإذا وصل النضال إلى هذا الحد من النضوج ونحن إذ نتحدث عن القيادة فلا نعني أركان الحرب ومجلسها دون غيره

وإنما نقصد الشبكة بإجماعها بما فيها من كبار الضباط وصغارهم وصف الضباط الذين يربطون بين الجنود والقيادة العليا تلك الشبكة التي تتلقى الأوامر لتنفيذها والتي تنقل تطورات المعركة إلى تلك القيادة العليا وإذا جاز أن نستمر في التشبيه وطبقناه مرة أخرى على الكفاح الوطني فنستنتج أن القيادة الوطنية التي تمثل الحركة ذاتها في إمضاء المواثيق وإبرامها يجب أن تكون مرتبطة بالجماهير الشعبية أشد الارتباط

وأنه ينبغي أن يكون الارتباط هذا الارتباط عن طريق سلسلة كاملة متلاصقة الحلقات من المجاهدين الكبار والصغار الذين لا يمتازون عن باقي الجماهير المكافحة إلا بوعي أكبر وأوسع وبيقظة انضج وواضح كل الوضوح أن فصل القيادة العليا عن الجنود بظلمهم والاستبداد بهم لا يمكن أن يؤدي إلى كسب الحرب وكذلك وقوف القيادة الوطنية من الحركة الجماهيرية مواقف الظالم المستبد لا يمكن أن يغني إلا أن نيات هذه القيادة غير نيات الجماهير والأحرى أن القيادة ستقضي بالحركة إلى الفشل المحتوم وخلاصة القول:

  1. أن الاستعمار البريطاني عدو الحركة الوطنية لا صديقها
  2. إن المعاهدات القديمة أو الجديدة بين مصر وبريطانيا يجب أن يكون تعبيرا لكفاحنا لا أن تكون سببا للضغط علينا والاستبداد بنا.
  3. أن القياد الوطنية الصحية يجب تكون متصلة بالجماهير أشد الاتصال وأن تعبر عن مطالب الطبقات الشعبية لا أن تفقدها وتشل منظماتها وهيئاتها

ولذلك نقول أن المفاوضات الحالية ليست في صالح الحركة الوطنية في شيء مهما علا التطبيل والتزمير حولها ومهما كان بروز الشخصيات المصرية أو الإنجليزية التي تشترك فيها.

ولذلك نقول أيضا أنه من الضروريات الأولى للحركة الوطنية أن تغير الحكومة الحالية بحكومة شعبية تفتح أمام الطبقات المكافحة وسائل للكفاح وإمكانياته حتى تستطيع مواجهة الاستعمار البريطاني وحتى تؤازرها في سعيها تلك الطبقات الكادحة متحدة ومرتبطة في اتحاد شعبي صحيح

صادق سعد (السنة الأولى- العدد التاسع والعشرين- 10/ 4/ 1946)

حل سير المفاوضات

حضر الوفد البريطاني إلى القاهرة وكان الوطنيون المخلصون يتوقعون أن يتيح حضوره الفرصة للوزارة الصدقية الحاضرة كي تجلو للأسس التي تبني عليها المفاوضات لقد أعلن صدقي مرارا وتكرارا أنه يدخل المفاوضات حر من كل قيد

غير أن هذه الحرية كانت غامضة ثم أننا رأيناه يدخل حرا من كل قيد بما في ذلك قيد الشعب المصري فزادت حيرتنا واشتد الريب في أذهاننا ولذلك قلنا أننا كنا نتوقع من الوزارة الحاضرة أن تبدد الشكوك بشيء من الإيضاح في مراميها وأغراضها من المفاوضات

ولكن أملنا ذهب مع رياح الشتاء فالتصريحات التي فاه بها ممثلو الوزارة الحاضرة عبارة عن ألفاظ رنانة لا أكثر ولا أقل وألفاظ تتمتع بشيء من المرونة فهذا وزير الخارجية يؤكد في مجلس النواب بمناسبة حضور الوفد البريطاني أحقية مطالبنا على قاعدة التمسك بالكرامة القومية والحرية التامة ونبذ كل سيطرة خارجية

وقد يعني هذا التصريح الجلاء التام عن وادي النيل كما قد لا يعني شيئا لا سيما إذا وضعنا أنفسنا في عقلية رجال الحكم الحاضر الذين يعتبرون سيطرة أجنبية كل صداقة مع الاتحاد السوفيتي مثلا في حين أنهم يعتبرون في نفس الوقت قبضة الاستعمار البريطاني علينا وصداقة وود خالصين وكذلك تفضل وزيرنا هذا (بتاريخ 19/ 4/ 1946)

فبعد أن قال بفصل مسألة السودان عن المسألة المصرية في المفاوضات القادمة أجاب على سؤال أحد الصحفيين عما إذا كان المفاوض المصري سيطلب الجلاء التام فيما يختص بالسودان فقال: المفاوض المصري سيضع نصيب عينية ما ورد في ميثاق الأطلنطي وسان فرانسيسكو ويطالب بتطبيق موادهما على مسألة وادي النيل

فهذا التصريح أيضا قد يعني كثيرا كما أنه قد لا يعني شيئا إذ تحارب الحركة الوطنية في اندونسيا واليونان باسم ميثاق الأطلنطي وسان فرانسيسكو وكان الأجدر بوزير الخارجية المبجل أن يشر إلى كيفية تطبقها إشارة واضحة ولكنه لم يفعل وقس على هذه القاعدة من الغموض والإبهام جميع التصريحات الرسمية التي تصدرها الهيئات الحاكمة في الوقت الحالي.

وليت الأمر عند حد الغموض والإبهام لقد كنا نعذر حينئذ وزرائنا بشكل أو بآخر ولكن الأيام الأخيرة رأت مناورات استعمارية ورجعية واضحة الملامح تتشكل على المسرح السياسي في مصر وتتشكل في وقت تفاوض الوزارة الصدقية الاستعمار البريطاني أي في وقت قد يكون مصير الوطن لمدة طويلة وصدقي باشا قابض على هذا المصير ماذا حدث؟

حدث أولا أن شكل الوفد البريطاني وفيه ثلاثة رؤساء للقوات البريطانية المسلحة الجوية والبرية والبحرية وطلبت الصحافة الاستعمارية البريطانية والصحف المصرية المأجورة على أن مستر بيفن سيرأس هذا الوفد

وقالت وكالة الأنباء العربية ستناول الناحية الاقتصادية من المفاوضات مسال أبدى المستر بيفن نفسه اهتماما بالغا بها ومن المرجح أنها ستتخذ أهمية خاصة حين يتولى المستر بيفن رياسة الوفد البريطاني وعلمنا بعد ذلك بقليل أن الصحفي المعروف فرنون بارتلت كتب في جريدة (نيوزكرونيكل) يكذب قرب زيارة المستر بيفن يقول:

إنه سيأتي إلى مصر عند انتهاء المفاوضات وللتوقيع على المعاهدة الجيدة إذن فلم يكن هذا التطبيل والتزمير حول زيارة بيفن ورياسته لوفد المفاوضات البريطانية إلا تضليلا وتغرير وقد رمي في حقيقته إلى ن يضرب عصفورين بحجر واحد رمي أولا إلى إشعار الشعب المصري بأن المفاوضات ناجحة لا محالة

وناجحة على يد صدقي باشا بما أن مستر بيفن بذاته يرأس الوفد البريطاني ورمي أيضا إلى إبعاد المسال الاقتصادية عن المناقشة في المفاوضات إلى ما بعد إمضاء المعاهدة الجديدة وهذا يعني أن تجارتنا الخارجية ستظل مشلولة كما هي الآن وتمويننا سيظل مثلا تعوزه البضائع الأجنبية

ومن جهة أخرى تعني هذه المناورة الفاضحة أن المفاوضات لن تمس سيطرة الرأسمالية الإنجليزي على اقتصادنا وأن مركز البنك الأهلي مثلا لن يتزعزع في بلادنا التعسة وهل في هذا عجب؟فشريف صبري بشا وحسين سري باشا وعلي الشمسي باشا وهم أعضاء وفد المفاوضات المصري أعضاء في مجلس إدارة البنك الأهلي.

وحدث ثانيا أن الحملة اللاحزبية اشتدت وقويت في الأيام الأخيرة لدرجة أن إعلانات تحمل جملة لا حزبية بعد اليوم ظهر في مدت مختلفة منها الإسكندرية ودمنهور مثلا ويقال أن المرشحين الكتلتين لمجلس الشيوخ هم الذين أمروا بوضعها أما هدف هذه الحملة فمنه الواضح ومنه اخلفي إذ يقول أصحابها أن مصر أحوج ما تكون الآن إلى اتحاد الزعماء ويكتب أحسان عبد القدوس في روز اليوسف يؤكد أن المرة الوحيدة التي خافت فيها انجلترا مصر كانت يوم اتحد زعماءها

ولكن تحت هذا الغموض البين والظاهر كأنه غرض وطني صميم غرضا آخر فالقول بأن اتحاد الزعماء هو كل شيء يخفى الحقيقة الواقعة وهي أن اتحاد الطبقات المكافحة هو كل شيء وأخشى ما يخشاه رجال الحكم الحاضر ورجاله أن تتحد تلك الطبقات الكادحة المصرية في وجه مستغليها وبالأحرى أن يتبلور التحالف الذي ربط مرة بين الطلبة والعمال وأن يمتد هذا التحالف إلى أن يحتضن العناصر والطبقات الحية الأخرى وخاصة الفلاحين وصغار المنتجين فهذا التحالف الشعبي المتين هو الذي سيجبر الاستعمار البريطاني إلى الوراء

وهو سيجبر الرجعيين المصريين إلى المصريين أيضا إلى الوراء وسيلصقهم الحائط ولذلك تشتد حملة اللاحزبية وتغالط روز اليوسف الشعب المصري فتقول أن انجتلرا قد تعتذر في مجلس الأمن لأنها لا تجلو عن مصر بسبب عدم اتفاق زعماءها تغالط روز اليوسف

لأن اتفاق زعماءها مسالة داخلية خاصة بنا لا يحق لبريطانيا العظمى أن تشترطها بأي حال من الأحوال أما جلاؤها عن وطننا فها أمر يهم العالم بأسره لأن بقاء الاستعمار البريطاني في بلادنا مصدر قلاقل واضطرابات وحروب في الشرق الأوسط ومصدر مؤامرات استعمارية ضد الاتحاد السوفيتي

ولكن الرجعية المصرية من أمثال روز اليوسف وحزب الكتلة إلخ تفهم الوطنية فهما خاصا تحدده بشكل ضيق المصالح الشخصية الطبقية التي تمثلها وتعبر عنها ولذلك أصبح من الضروري لها أن تحاول تضليل الشعب وتعمل جهدها حتى تقنعه بأن أمره في أيدي زعمائه الرسميين لا في يده هو.

وحدث ثالثا أن حكومتنا الحاضرة وأن الاستعمار البريطاني بذلك كل ما يمكن بذله من المساعي لتحطيم الحركة الوطنية السودانية ولإثارة القلق بين الأحزاب المؤتلفة التي شخصت الوفد السوداني إلى مصر فالإنجليز يجمعون التوكيلات لـتأيد المجلس الاستشاري للسوداني وتذاع الأخبار والإشاعات عن تصدع كيان الوفد السوداني وتعترف الأوساط الرسمية (البلاغ 11/ 4/ 1946) بأن المعروف أن هناك تفاهما بين الجانب المصري والجانب البريطاني على عدم الاعتراف بالوفد السوداني وتأييدا لهذا التفاهم البغيض بين الاستعمار البريطاني.

وحكامنا المصريين تأييدا لهذا التفاهم الاستعماري تقول رز اليوسف مرة أخرى أن مطالبة السودان بحكومة مستقلة حرة معناها الانفصال التام عن مصر واقتراح عليهم الوفد السوداني أن يعدلوا مطالبهم إلى المطالبة بإدارة سودانية حرة أما غرض هذه الحملة على الوفد السوداني فهو إبقاء السودان تحت سيطرة الاستعمار ولا بأس في نظر الرجعية المصرية من تعديل الاستعمار البريطاني باستعمار مصري.

ومن جهة أخرى ترمي هذه الحملة إلى التقليل من قيمة الوفد السوداني الوطنية في نظر المصريين هذا لأن ذلك الوفد أعلن أنه لا يتنازل عن مطالبه الوطنية في شيء فيضرب المثل بجانب وفد المفاوضات المصري المتهاون المساوم إن الوفد السوداني يطالب الجلاء

أولا ثم يقبل المفاوضة غير أن الحكم المصري الحاضر يقبل المفاوضة منذ الآن والاحتلال العسكري والاقتصادي والإداري والسياسي والثقافي قائم إن الوفد السوداني يمثل قوى الشعب السوداني الحية في حين أن وفد المفاوضات المصري لم يأت لا تمثيلا للبرلمان ولا تعبيرا لنتائج انتخابات عامة حرة ولا نيابة عن الحكومة الحاضرة بشكل مباشر

وكذلك بات محتوما على الرجعية المصرية ورأس رمحها الحكومة الصدقية في الوقت الحاضر أن تحبط مساعي الوفد السوداني وأن تذهب في هذا السبيل إلى درجة التفاهم مع الاستعمار البريطاني للوقوف في وجه الشعب السوداني الشقيق

غير أن هذه المناورات الرجعية والمؤامرات الاستعمارية أغفلت شيئا واحدا وإن كان رئيسيا أغفلت وعي شعبنا الحساس رغام فقره وجهله ومرضه ولا يسع الوطني المخلص إلا أن يثق بشعبه الذي يكافح حتى يحبط تلك المناورات والمؤامرات وإن مواقف بعض مثقفينا مثل طه حسين ومحمود مندور لتزيد ثقتنا بهذا الشعب وبانتصاراته الأكيدة على أعدائنا فهذا الدكتور طه يقول عن المفاوضات الحرة:

إذ قيل له المصري أن المفاوضات ستجري بين شعبين ندين وستقوم على أساس من الإنصاف والمساومة لم يستطع أن يرفع كتفيه ويهز رأسه..

وعندما يأتينا من بينهم وفد يرفع صوت السودان ويكون حاضرا أثناء المفاوضات التي ستناول بلاده المحتلة يجب أن ننصت في خشوع لأنه وفد الحرية ونحن طلاب الحرية لا يمكن إلا أن يستمعوا إلى نشيدها المقدس.

وهذا شبابنا الجامعي يفضح الرجعية المصرية والحكومة الصدقية في حفلة يوم السودان لا بل كل يوم يمر على الجامعة وهذه النقابات العمالية تتحرك في سبيل الاتحاد السليم والوطنية الصحيحة والوطنية لا تظلم أبناء الوطن.. وأن قواتنا الشعبية لمنتصرة حتما على أعدائها...

صادق سعد (السنة الأولى- العدد الحادي والثلاثين- 24/ 4/1946)

وسموا الديمقراطية في بلادنا

هل تجولتم قليلا في مدينتكم أو قريتكم يوم 28 مارس؟ إذا كنتم فعلتم ذلك فلا شك أنكم لاحظتم شيئا غاية في الأهمية وهو قلة اهتمام الأهالي العادين أفراد الشعب بالنسبة إلى انتخابات مجلس الشيوخ التي كانت جارية في هذا اليوم حقا

إن الصحف الحزبية ولا سيما الوفدية منها قد روت كثيرا من الحوادث ووصفت في بلاغة استقبال الشعب لهذا المرشح أو ذاك ولكن الذي طاف شوارع القاهرة أحس إحساسا قويا بأن الانتخابات اعتبرت مسألة ثانوية جدا في حياة المواطنين العاديين لا شك أنه قد ظهر هنا أو هناك اهتمام أكبر من طرف الشعب ولكن ها هي ذي الأرقام تتكلم بلغتها القاطعة فمجموع الأصوات التي جمعها المرشحون جميعا الفائزون والساقطين على السواء يزيد على 675,000 صوتا بقليل

في حين أن عدد المصريين الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 25 سنة يقرب من 4 ملايين وأن عدد الذين كان في إمكانهم أن يعطوا صوتهم في انتخابات مجلس الشيوخ الماضية هو مليونان لأن مجلس الشيوخ يجدد بالنصف كل 5 سنوات إذن فلم يشترك في الانتخابات إلا ما يقرب من 34٪ من المواطنين الذين كان لهم هذا الحق هذا إذا سلمنا بصحة الأرقام التي تقدمت بها الإدارة

في حين أننا نعلم علم اليقين أن الانتخابات جرت يحيطها جو من الإكراه الإداري فضلا عن الإكراه والضغط الاجتماعيين اللذين لم تذكرهما الصحف العادية واللذين يمثلان في قبضة كبار الملاك على الفلاحين ولذلك كنا نميل كثيرا إلى استبعاد 188,000صوت من مجموع الأصوات لأن الدستورين أحرزوا هذا العدد من الأصوات ولكنا لم نفعل حرصا على الحياد التام.

وإذا فلم ينتخب إلا 34٪ من الذين لهم حق الانتخاب إن هذا شيء يأسف له كل وطني مخلص أشد الأسف لأن هذا الرقم الصغير يبين إلى أية درجة تسير حياتنا السياسية في بلادنا محصورة في دائرة ضيقة تكاد تكون مقفلة على عامة الشعب تلك العامة التي من المفروض أن تحكم الدولة باسمها ولنتذكر بالتقريب النسبة التي أذيعت عن الانتخابات في الاتحاد السوفيتي ما يزيد عن 95٪ ويوغسلافيا وفرنسا بل وانجلترا

ولنتذكر أن الانتخابات في يوغوسلافيا مثلا أجريت في غمار سرور الشعب الذي كان يرقص في شوارع المدن وميادين القرى احتفالا بتكوين هيئاته التمثيلية لنتذكر هذا جميعا حتى نعي جيدا خطورة تلك النسبة التافهة 24٪ بل وخطرها على حياتنا الديمقراطية وعلى مستقبلها السياسي

فإنها تدل على أن التيارات والأفكار السياسية بل والاهتمام بالسياسة عموما لا تمس ثلثي الرجال البالغين على الأقل وهذا يعني بدوره أن أعداء الديمقراطية المصرية من الأجانب والمصريين يجدون المجال فسيحا أمامهم للقيام بمناورتهم ومؤامراتهم ضد الشعب المصري ورفاهيته ومستقبله.

وإننا نعلم جيدا أن الرجعيين من جميع الأصناف والأنواع والألوان سوف يصيحون فرحا وابتهاجا لتلك النسبة المحزنة 34٪ وسوف يجدون فيها برهانا إضافيا على براهينهم العرجاء التي يحاولون بها أن يثبتوا أن الشعب لا حق له في الحياة السياسية ما دام غير مهتم بها.

وأنه من الأفضل كثيرا الاعتراف بالحقائق وإصدرا قانون انتخابات جديد لا يعطي حق الانتخابات إلا للمتعلمين من المصريين إننا نعلم أن الرجعيين سيقولون لك وأكثر منه أيضا ولكنا نعتقد أن قلة اهتمام الشعب بالحياة السياسية ليست راجعة إلى مميزات أصلية كامنة مثل الخطيئة الأصلية لا يستطيع التخلص منها بل على نقيض ذلك تدل الحقائق التاريخية على أن شعبنا يستطيع أن يستيقظ ويتحرك.

كما فعل في سنة 1919 مثلا وأن ذات الحقائق التاريخية تثبت أيضا مسئولية الاستعمار الأجنبي والرجعية المصرية في المحاولات الدائمة لإحباط روح الشعب لإبعاده عن ميدان السياسة ولكن لماذا نذهب إلى الحقائق التاريخية البعيدة؟ يكفي جدا أن تلقي نظرة سريعة إلى الظروف التي أحاطت هذه الانتخابات الأخيرة:

هذه الانتخابات كانت لتجديد نصف أعضاء مجلس الشيوخ وتنص المادة 74 من الدستور أن خمسي الشيوخ معينون أي أن الشعب لا سلطة له بشكل مباشر على هذين الخمسين ثم تنص المادة 78 على الشروط المختلفة التي يجب أن تتوافر للمرشحين لمجلس الشيوخ وهذه الشروط كلها تضيق مجال الترشيح أمام الأفراد المنتمين إلى الطبقات الكادحة والفقيرة وليس أدل على النقص الموجود في هذا الصدد أن هذه المادة وضعت في مستوى واحد النواب الذين قضوا مدتين في النيابة والملاك الذين يؤدون ضريبة لا تقل عن مائة وخمسون خنيها مصرية في العام أي أنها سوت بين أمسك الشعب بشخص من الأشخاص وبين غنى شخص آخر.

وزد على ذلك أن الدوائر الانتخابية لمجلس الشيوخ أكبر بكثير من دوائر مجلس النواب ففي الأول يجب أن يكون عدد أهاليها 180,000 في حين أن هذا العدد في الثانية ليس إلا 60,000 ولا يخفي أن توسيع الدوائر الانتخاية أمام الإدارة أولا وأما تغلب المرشحين ذوي المال والنفوذ على المرشحين الآخرين ثانيا إذ أن مراقبة الشعب على أية عملية من العمليات العامة التي تزداد سهولة كلما حضرت هذه العملية في مساحة أضيق وبين عدد أصغر من الأشخاص

وعلاوة على ذلك فقد نص الدستور في المادة 79 أن مدة العضوية في مجلس الشيوخ عشر سنين ولا شك أن هذا يعني تخفيف مسئولية الشيوخ أمام ناخبهم إذ لا سبيل أمام هؤلاء إذا تصرف شيخهم تصرفا لا يرضيهم إلا أن ينتظروا عشر سنوات كاملات حتى يعاقبوا هذا الشيخ بعدم انتخابهم إياه مرة أخرى ولا شك أيضا أن هذه الحالة تفسح المجال أمام المناورات السياسية في مجلس الشيوخ بشكل يضر الشعب ومصالحه وليس أدل هذا من أن عشرة من النواب ترشحوا وفازوا لعضوية مجلس الشيوخ حتى يضمنوا بهذا مركزا يدوم مدة طويلة.

ولذلك كله كان طبيعيا ألا يظهر الشعب اكتراثه لانتخابات مجلس الشيوخ ولكن هذا لا يعني وجوب غلق ميدان السياسة دونه وإنما يعني إزالة هذه العراقيل غير الديمقراطية جميعا ولا يسعنا في هذا الصدد إلا أن نقتبس الفقرة التالية من برنامج لجنة العمال للتحرير القومي الذي ينص تحت عنوان: الأمة مصدر للسلطات على الآتي:

  1. تعديل نظام الانتخاب وجعله ديموقراطيا بأن يصبح لكل ناخب الحق في أن ينتخب سواء ناحية السن أو الأهلية وإشراك المنظمات الشعبية بممثليها في كل عمليات الانتخاب.
  2. توسيع سلطات مجلس النواب وتحويل اختصاصات مجلس الشيوخ إليه وجعل هذا المجلس الأخير هيئة نيابية استشارية.

ولكن المسألة ليست مجرد نصوص مواد الدستور أو حرفية القوانين التي القوانين التي تطبق وإنما المسألة بشكل رئيسي تنصب على علاقة الشعب بالحكم الحاضر وبالنظم الاجتماعي السائد فهذا صدقي باشا يحكم مصر حكما رجيعا وتجري الانتخابات في ظل ها الحكم فلا عجب بعد ذلك أن تنفر عامة الشعب من هذه الانتخابات بل قل أكثر م ذلك قل أن هذا الشعب فقير جائع جاهل يعتصره الاستعمار والرجعية اعتصارا محكما فليس عجيبا بعد ذلك ألا تمسه الحياة السياسية إلا قليلا وبشكل متقطع.

ولكن هذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على ثقل المسئولية الواقعة على أكتافنا نحو الوطنين المخلصين الذين يحبون الشعب ويريدون أن يدافعوا عن مصالحه علينا أن نزيد من جهودنا وعملنا ومن إنتاجنا حتى تجعل الحياة السياسية تتعمق أكثر فأكثر في عامة الشعب الكادح فيستيقظ ويتحرك وبيني لنفسه ديموقرايطة واسعة الأركان عميقة الأساس.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 33- 7/5/1946)

حول مقالات الدكتور مندور إذن.. فلنعمل لمصلحة الشعب

لا يسع أي وطني مخلص إلا أن يلاحظ أن تطورات هامة قد حدثت على المسرح السياسي المصري وليس أدل على عمق هذه التطورات من سلسلة المقالات الوطنية القيمة التي تنشرها جريدة الوفد المصري الغراء بقلم الدكتور محمد مندور يؤكد فيها صراحة اتجاهه الاشتراكي وكانت الفجر الجديدة قد نشرت منذ مدة خطابا من الدكتور طه حسين بك إلى رئيس تحريرها يتبرأ فيه من الإشتراكية الفاترة

ويقول فيه إنه يباشر إلى أقصى ما يستطيع وقد نظر بعض التقدمين إلى هذه التصريحات والتأكيدات بعين الشك فكتب أحد قراء الفجر الجديد كلمة صغيرة بإمضاء باحث يحاول أن يفند فيها إدعاءات الوفديين الإشتراكية

وإننا نرى لزاما علينا أن نلقى اليوم نظرة شاملة إلى التطور السياسي للوفد حتى نقدر تلك التأكيدات والتصريحات تقديرا صحيا وذلك لأن الوفد قد قاد كفاحنا الوطني الطويل من 1919 إلى 1936؟

نفوذه لا يزال قويا خاصة في الريف فلا نستطيع بأي شكل من الأشكال أن نغمض العين عن هذا النفوذ ونهمل القوة الشعبية الكبيرة التي يمثلها الوفد في العراك السياسي المصري الحاضر.

تكون الوفد المصري سنة 1919 وتبلور فيه حينئذ المد الوطني الثوري الذي اجتاح بلادنا وقد ضمت القيادة تحت لوائها الغالبية الكبرى من العناصر الناثرة والطبقات الكادحة من فلاحين وعمال فوجهتها في الصراع لأجل الدستور والاستقلال.

ثم عرف الوفد سلسلة من الانقسامات الداخلية خرجت بها أحزاب الطبقات المالكية الكبيرة من ملاك كبار ونص إقطاعيين ومن كبار الرأسماليين والمصرفيين المصريين هذا في حين أن الطبقات العاملة المصرية كانت تزداد قوة وعددا ووعيا مما أسرع بتوسيع الهيكل الطبقي للمجتمع المصري.

وقد نجم عن ذلك كفاح الطبقة العاملة المصرية منذ 1939 في سبيل استقلاليتها السياسية عن الأحزاب الرسمية المصرية فشهدنا تخلص الحركة العمالية شيئا فشيا من نفوذ الوفد عليها كخطوة أولى ضرورية في طريق إنشاء سياستها الخاصة.

وقد أتضح تطور الوفد السياسي في هذه الفترة وخاصة أثناء الحكومة الوفدية الأخيرة (1942- 1944) فمن جهة تابع الوفد سياسته الحرة التقليدية فيما يخص المشروعات الاجتماعية التعليم المجاني نشر الوحدات الصحية الاعتراف بالنقابات إلخ

والمشروعات الاقتصادية مثل الضرائب التصاعدية ومن جهة أخرى شهدنا تصلب الوفد لفرض قيادته على الحركة العمالية مثل تنصيب فؤاد سراج الدين باشا رئيسا مدى الحياة لمختلف الروابط والجبهات العمالية التي أسست في القاهرة والإسكندرية والأقاليم.

وأن هذا الاتجاه الأخير من جانب الوفد لمرتبط دون شك بإدخال أمين عثمان باشا في الوزارة الوفدية وبتمويل الجزء الأكبر من الديون الأجنبية إلى قرض وطني وباستغلال وبتحويل الجزء الأكبر من الديون الأجنبية إلى قرض وطني وباستغلال الأحكام العرفية ضد حركات الطلاب والعمال

والإفراج عن زعماء الفاشية المصرية من أمثال أحمد حسين ومحمد صبيح إلخ أي أن الاتجاه مرتبط بسياسة كاملة وجهتها الحكومة الوفدية في صالح الرأسمالية المصريين فكن رد فعل الطبقة العمالية وكثير من العناصر المثقفة المخلصة أن ابتعد عن نفوذ الوفد أكثر وأكثر.

إلا أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد امتازت بنهضة وطنية لم يعرفها التاريخ المصري منذ ثورة 1919 نهضة وطنية تحركت فيها الطبقة العمالية والغالبية الكبرى من المثقفين ممثلون في الطلاب وفئات واسعة من الطبقات المتوسطة في المدن والأقاليم

وجدير بالذكر في هذا الصدد أن هذه العناصر والفئات قد اشتملت على ألوان سياسية واضحة ثلاثة وإن كان لتدرج بينهما موجود فعلا هي اليسارية والوفدية والاستقلالية إن جاز لنا أن نستعمل هذا التعبير فقد كان هناك كثير من المثقفين والقادة العماليين الذين اهتدوا بنظرية الكفاح السياسي العمالي وهؤلاء لعبوا دورا في الحركة الوطنية لأول مرة في تاريخ مصر كما أن الشباب الوفدي أظهر يقظة وطنية عميقة أدت به إلى الاشتراك الفعال في المظاهرات والاضطرابات الوطنية وعلاوة على هؤلاء وهؤلاء

فقد كانت الغالبية الكبرى من المثقفين والعمال والعنصر المتوسطة لا تدين بمبدأ سياسي واضح وإنما تدرك أهداف الكفاح المباشر وتلقي بنفسها في المعمعة الوطنية وقد تبلور هذا بوضوح في المنظمات الجديدة التي نشأت خلال الكفاح الوطني وخاصة في اللجنة التنفيذية للطلبة وفي اللجنة الوطنية للطلبة والعمال وهما لجنتان كانت العناصر اليسارية والوفدية فيها أقليه بالنسبة إلى الغالبية الكبرى من المستقلين

كما أن البدء بتأسيس الاتحاد العام للنقابات أظهر استعداد النقابات المستقلة للتعاون مع النقابات الوفدية وبعض القادة العماليين ذوي التفكير السياسي الناضج وحينئذ انعكست اليقظة الشعبية الجديدة على فريق من الوفديين الذين تشكل منهم جناح يساري للوفد

وظهر اتجاه اشتراكي ليس في الدكتور مندور والدكتور طه وزملائهما فحسب وإنما في الشباب الوفدي ذي الوطنية السليمة أيضا وليس أدل على هذا من موقف هذا الجناح من المنظمات الفاشية المصرية ومن قادتها فهؤلاء الوفديين اليساريين قد أدركوا خطورتها وحاربوها ولا يزالون بالتعاون مع جميع الديمقراطيين الواعين.

وعليه فتلك السلسلة من المقالات للدكتور منذور التي بدأنا بذكرها إن هي إلا تبلور لذلك الانعكاس وتوضيح للخطوط السياسية العامة التي بدأت تظهر في جناح الوفد اليساري وهي تظهر محاولة قيمة من جنب هؤلاء في أن يركزوا مواقف الوفد في نظرية سياسية شعبية عامة

وفي ألا يقصروها الكفاح ضد المستعمر وإنما يمدوها إلى الحقل الدستوري والاجتماعي أيضا ومن أمثلة ذلك شعار جريدة الوفد المصري استقلال وادي النيل والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمبادئ الثلاثة التي فرق بها الدكتور مندور بين الوفد وبين الأحزاب الأخرى وهي المبدأ الوطني والمبدأ الدستوري والمبدأ الاشتراكي ولا شك أن الجماهير الوفدية والملتفة حول الوفد سوف تعتبر تلك النظرية عهدا يقطعه الوفد على نفسه.

وإن دل هذا التطور على شيء فإنما يدل على أن إمكانيات واسعة جديدة تفتحت أمام الحركة الوطنية الشعبية في مصر فإن اتجاه الوفد الاشتراكي حسب قول الدكتور منذور لا يعني أن الطبقة العمالية والعناصر المخلصة الملتفة حولها سوف تفقد استقلاليتها الطبقية من جديد وإنما يعني أن توثيق الروابط الكفاحية بينهما أمر واجب في الوقت الحاضر وقد تحقق فعلا كما ذكرنا في كثير من الميادين في الماضي القريب فعلينا أن نوسع مداه في سبيل رفاهية شعبنا وعزة وطننا.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 83- 12/ 6/ 1946 ص 5، 17)

حول اجتماع بلودان الأمن إلي مجلس بقضيتنا وقضية فلسطين

لا شك أن الذين تتبعوا التصريحات العديدة التي أحيطت بها اجتماعات الجامعة العربية في بلودان لم يدهشوا كثيرا عن إطلاعهم على قرارات الجامعة فقد بينت تلك التصريحات بوضوح أن تيارات مختلفة تتجاذب دول الجامعة بل قل أن الجامعة تتأرجح بين السياسة العربية التقليدية البالية وبين السياسة العربية الصحيحة التي تراعي حقا مصالح الشعوب الشقيقة؟

تتأرجح بين السياسة العربية التقليدية البالية وبين السياسة العربية الصحيحة التي تراعي حقا مصالح الشعوب الشقيقة تتأرجح الجامعة ين التيار الذي قول بصداقة بريطانيا وضرورة مفاوضتها في هدوء بتهديدها وبوطنية الشعوب العربية وبين التيار الذي تلقى من احتكاكه بالاستعمار ما يكفيه درسا وعبرة ففهم أن الطريق الوحيد لإنجاح القضايا العربية قضايا الاستقلال الصحيح هو أن تناضل الاستعمار نضالا واضحا مباشرا وأن تعتمد على تأييد الشعوب المكافحة والمحبة للحرية في العالم أجمع.

حقا قد جاءت القرارات الرسمية تافهة وأشبه بأعمال جمعية خيرية مثل طبع طوابع بريد إعانة لفلسطين إلخ لا تليق بكفاح الشعوب العربية السياسية الأبي ولكن الصحافة قد أعلمتنا بوجود قرارات أخرى سرية والتصريحات حول هذه القرارات تدل على أن الجامعة لم تتهرب بشكل كامل هذه المرة عن المسئوليات الجسيمة الملقاة على عاتقها وأنها اتخذت بعض الخطوات العملية فيها قليل من الإيجابية.

فعرضت أخيرا القضية المصرية على الجامعة العربية ونالت مطالبنا الوطنية الكبرى تأييدا رسميا حارا كما كان يتوقعه جميع المواطنين العرب المخلصين فقد صرح مثلا دول سعد الله الجابري رئيس الوفد السوري:

نحن جميعا نعتقد أن قضية مصر بالنسبة للبلاد العربية لها من الأهمية ما لقضية فلسطين وإننا جميعا نؤيد مطالبها بجلاء الجيوش الأجنبية عنها واستقلال هذا البلد الراقي.

أما عن قضية فلسطين فإن الجامعة العربية قررت بتحفظات سنعالجها فيما يأتي عرضها على الجمعية العمومية للأمم المتحدة وعلى رأس الأمن وقد صرح أمين الجامعة بأن تتخذ الآن الإجراءات اللازمة للدعاية ولإنقاذ الأراضي وأن قضيتها قضية فلسطين ستقدم إلى مجلس الأمن إن للبلاد العربية أنصارا عديدين في الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة كما أنهم يستطيعون أن يعتمدوا في مجلس الأمن على مصر وروسيا السوفيتية.

ما هي أهمية هذه التصريحات أهميتها في اتجاه الجامعة العربية على عرض القضية الفلسطينيةعلى هيئة دولية أي إلخ إخراجها من الدائرة الضيقة بين الشعب الفلسطيني ومستعمريه الإنجليز على النطاق الدولي إلى حيث يستطيع أن تتلقى تأييد جميع الشعوب المحبة للحرية والسلام الحقيقي وفي طليعتها الاتحاد السوفيتي وإن تحققت هذه الخطوة فإنها سوف تكون الضربة الأولى على النطاق الفولاذي الذي يحاول الاستعمار البريطاني أن يضربه حول الشعوب العربية حتى يعزلا عن حليفاتها الطبيعية التي تتمثل في النهضات الشعبية التحريرية التي تجتاح العالم الآن.

وأن هذه التصريحات تدل أيضا على مدى تأييد الشعوب العربية لقضية مصر الوطنية ولكفاحها المجيد في سبيل الاستقلال والانعتاق علينا أن نسجل هذا التأييد الرسمي وأن تعرف تماما أنه يمثل قوة شعبية جبارة تظاهرنا في نضالنا فعلينا أن يستفيد منها حتى تكون أشد صلابة في مواجهتنا للاستعمار البريطاني وخاصة على نطاق دولي في مجلس الأمن.

ولكن للميدالية وجه آخر كما يقول المثل ذلك بأن تلك الخطوات العملية الإيجابية التي قررتها الجامعة العربية في بلودان قد أحيطت بتحفظات مختلفة وبمناورات مريبة تدل على أن العقلية الرجعية لا تزال تسيطر على بعض الساسة العرب الرسمين ومن أهم هذه التحفظات قرار الجامعة بمفاتحة الحكومة البريطانية بشأن مفاوضاتها في مسالة فلسطين قبل عرضها على مجلس الأمن

وقد تذرعت الجامعة في هذا القرار بأن المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة تنصح بالسعي إلا الاتفاق قبل عرض أي خلاف على مجلس الأمن أي أن هذا القرار يغمض على لجان التحقيق السبعة عشر التي زارت فلسطين منذ 1919 وعلى الوفود العربية المختلفة التي فاوضت الحكومة البريطانية في شأن قضية هذا البلد الشقيق وهو يغمض العين بالمثل

على أن العرب قد شرحوا قضية فلسطين بما يكفي في شهاداتهم أمام لجنة التحقيق المشتركة الأخيرة إذن فقد سعي العربي مرارا وتكرارا إلى أن يتفاهموا مع الحكومة البريطانية بشأن القضية الفلسطينية

ومع ذلك استمرت هذه الحكومة في سياستها الاستعمارية التقليدية وتمسكت بتأيدها للغزو الصهيوني وتشبثت بحرمان عرب فلسطين من الحكم المستقل الديموقراطي الذي يطالبون به ففيم مفاوضة أخرى والقضية الفلسطينيةواضحة وضوح الشمس في النهار وموقف الحكومة البريطانية لا يقل عنها وضوحا؟

أن هذا القرار مماطلة جديدة وتسويف إضافي في القضية العربية الوطنية وهل لا يمكن أن يفيد العرب إنما يفيد الاستعماريين الإنجليزي والأمريكي كل الإفادة إذ يمكنهما من أن يستكملا تدابيرهما العسكرية وأن يحيكا المكائد الاستعمارية للبلاد العربية بأن يحولا فلسطين إلى مركز وثوب ضد الشعوب العربية

زد على ذلك أن الجامعة العربية قد تدخلت في شئون فلسطين الداخلية تدخلا سافرا لا يحق لها فيه بأن أرادت أن تفرض على عرب القطر الشقيق لجنة عربية تعين الجامعة أعضاءها والجامعة بتدخلها هذا إنما تهدد الحركة الشعبية العربية في فلسطين بالتحطيم والتصدع

إذ أن الخلاف بين جمال الحسيني ولجنته وبين الأحزاب العربية الأخرى وجبهتها ليس خلافا شكليا وإنما هو خلاف جوهري إن جمال الحسيني لا يريد عرض القضية الفلسطينيةعلى أساس شعبي وديموقراطي وأن سياسته تسير على الأسس التقليدية البالية التي سارت عليها اللجان العربية العليا إلى الآن والتي أخفقت إخفاقا مجلجلا وفشلت فشلا ذريعا ولذلك فإن الجامعة العربية إذ تفرض نفسها فرضا على الحركة الوطنية في فلسطين تبدو وكأنها تحاول تحطيمها ولا يفيد من هذا أحد إلا الاستعمار وأذنابه.

وعلينا أن نستخلص من اجتماع بلودان درسا نستفيد به في كفاحنا الوطني وفي تأييدنا لنضال العرب جميعا ذلك بأن أخطاء هذا الاجتماع ونقائص قرارته لم تكن صدفة عجيبة فقد سبقتها أخطاء ونقائص أخرى لابد أن تربطها بها أعلنت لجنت التحقيق المشتركة توصياتها منذ 31 أبريل وطلب بعض البلاد العربية اجتماعا استثنائيا للجامعة العربية

ومع ذلك أصاب هذا الاجتماع التأجيل تلو التأجيل إلى أن وقع منتصف يونيه أي بعد مرور شهر وكذلك أثير موقف الحكومة المصرية من قضية فلسطين في برلماننا ومع ذلك أجلت المناقشة أسبوعا وبالمثل منعت الحكومة الصدقية المظاهرات احتجاجا على قرار لجنة التحقيق وفض البوليس اجتماعا وطنيا دعت إليه بعض الهيئات الديمقراطية الثقافية في القاهرة وهذه قرارات الجامعة العربية تأتي رغم الجزء الإيجابي فيها تسويفا جديدا في القضية الفلسطينية.

ومع ذلك يتقرر عرض هذه القضية على منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن إذن فلا يمكن أن نعزي هذه الخطوة الإيجابية إلا على الإضرابات والمظاهرات الشعبية التي وقعت في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان ومصر إلى اليقظة التي أخذت تنتشر في الشعوب العربية والتي أجبرت بعض العناصر الرجعية في الجامع العربية أن تتقهقر وتتنازل قليلا عن صداقتها التقليدية لبريطانيا الحليفة وأن تعلن على الملأ سلامة التجربة التي قامت بها سوريا ولبنان بعرض قضيتهما على مجلس الأمن.

وأن الممثلين المصريين من أمثال عزام وهيكل ليعتبرون رأس الرمح للمناورات الرجعية والسياسية العربية التقليدية الناشئة في الجامعة العربية ويلقى هذا على الحركة الوطنية المصرية مسئولية خاصة مسئولية أجسم مما تتحمله الشعوب العربية الأخرى.

فحق تنقلب سياسة الجامعة التربية إلى سياسة عملية سليمة في صالح العرب علينا ألا نكف لحظة واحدة عن تأييد كفاح فلسطيني وأن نجند شعبنا أكثر فأكثر ضد الاستعمار البريطاني والمناورات التي يقوم بها فعزل قضايا العرب الوطني عن النطاق الدولي.

علينا أن نكافح وأن نجند قوانا الشعبية حتى تقوم مصر بمسئوليتها إزاء الشعوب العربية الشقيقة لا أن تكون مركزا للمناورات الاستعمارية ضدها ومحورا للتسويق والمماطلة من جان الرجعية العربية علينا أن نختار ممثلينا في الجامعة حتى يتمشوا مع رغبات الشعوب العربية:

إنهم يتحدثون عن زعامة مصر وقيادة مصر للشعوب العربية فلتكن مصر هي التي تعرض قضية فلسطين على مجلس الأمن وليكن ممثلوها في الجامعة عوامل تقدم وتحرر ولكن في كفاح سوريا ولبنان في الاتجاه الجديد في الجامعة العربية إلى عرض قضايا الشعوب العربية على مجلس الأمن وليكن في هذا جميعا مثل لنا نحتذيه فلنعرض قضيتنا على مجلس الأمن.

صادق سعد (السنة الثانية- العدد 39- 19/ 6/ 1946ص 44/22)

حول تعطيل المفاوضات

يذكر القراء دون ريب أن الفجر الجديد قد هاجمت فكرة المفاوضات الثنائية بيننا وبين المستعمر وأنها وجهت نقدها بعد ذلك إلى المفاوضات الجارية نقدت الأشخاص الذين يكونون وفد المفاوضات المصري وطريق تكوين هذا الوفد وطريقة سير المفاوضات كما نقدت أسلوب إجرائها وإعطائها المراكز الممتازة الاقتصادية للاستعمار البريطاني وقد تعطلت المفاوضات منذ حين فتعطل حل قضيتنا الكبرى بهذا القدر وعلى بذلك تبرهن الأيام أكثر فأكثر صحة موقفنا القائل بقطع المفاوضات وعرض قضيتنا على مجلس الأمن.

لماذا تأجلت المفاوضات يعزو بعض الناس هذا التأجيل إلى تصلب موقف الإنجليز الذي جعلهم يقفلون الباب في وجوه مفاوضينا بعد أن فتحوه على مصراعيه ويعزو البعض الآخر ذلك التأجيل إلى لين حكومتنا الصدقية وحسن ظنها (بالحليفة) و (تفاؤلها الخاطئ)

ولكن هذه التفسيرات لا يمن أن ترضينا فلا ينقلب الإنجليز من أصدقاء إلى أعداء بين ساعة وأخرى وإنما كانت مناوراتهم ضد الوطنية وضد شعبنا ومصالحة الصفة البارزة الدائمة للاستعمار بين ساعة وأخرى وإنما كان حسن العلاقة بينها وبينه شيئا لم ينقطع منذ 1882 إلى اليوم

وكذلك لم تكن العلاقة بين الرجعية المصرية وبين الاستعمار لم تكن يوما ما من التوتر والشدة بحيث تجبر الاستعمار البريطاني على القيام بما لا يرضاه وبمعنى آخر لا نستطيع أن نجد الأسباب الجوهرية لقيام المفاوضات أو لتعطيلها وتأجيلها في الدائرة الضيقة التي تمثلها المفاوضون المصريون والإنجليز

وإنما يجب أن نبحث عنها خارج هذه الدائرة وفي قوة الحركة الوطنية لأن اليقظة الوطنية المباركة التي انتشرت في صفوف الطبقات الشعبة منذ منتصف السنة الماضية والتي بلغت ذروتها في إضرابات ومظاهرات فبراير ومارس الأخيرة هذه اليقظة الوطنية هي التي أجبرت الحكومة المصرية على أن تخطو خطوة تطهر كأنها الخطوة التي يطلبها الشعب أعني أن تبدأ المفاوضات مع الاستعمار البريطاني حقا أن بدء المفاوضات لم تكن استجابة لمطلب الشعب الوطني بل كان تهربا وتغطية للمساومات بين الاستعمار والرجعية ومع ذلك فهي تعبر عن تقهقر الاثنين أمام القوى الشعبية عن إحساسهما بهذه القوة.

والآن بعد أن دامت المفاوضات بعض الوقت وصفيت المسائل الرئيسية الصغيرة ين الحكومتين المصرية والبريطانية بقي أن تحل المسائل الرئيسية وهذا يعني في نظر وفدي المفاوضات ضرورة المجاهرة بأن تعطي مصر مراكز إستراتيجية لبريطانيا العظمى وبأن تسمح الكومة المصرية للاستعمار البريطاني أن تستعمل أرض مصر قاعدة حربية للهجوم على الشعوب العربية الشقيقة وهذا لا يمكن أن تفعله الحكومة المصرية الآن لا لأنها حازمة إزاء المستعمر بل لأنها لا تستطيع أن تواجه الرأي العام الوطني المتوثب الذي لا تزال جمع الدلائل تبين يقظته الشديدة ولذلك كله لا تستطيع الرجعية أن تصل إلى اتفاق مع الاستعمار البريطاني.

ولكن الرجعية والاستعمار يستطيعان أن يؤجلا المفاوضات وأن يعطلا حل قضيتنا الوطنية ذلك لأن المد الوطني قد خف بعض الشيء ثم إن الحركة الوطنية لم تصل بعد إلى القوة الكافية التي تستطيع أن تدفع الرجعية والاستعمار إلى الوراء بشكل مستمر ولا ضير كبير على الاستعمار في ذلك فإنه يعني بالمحافظة على الحالة القائمة لمدة أطول أي بقاء القوات الإنجليزية مبعثرة في طول وطننا وعرضه وهل يتمنى الاستعمار البريطاني أكثر من هذا ولكن الابتسامة المتفائلة لا تفارق شفتي دولة صدقي باشا.

وقد كتب الدكتور منذور في جريدة الوفد المصري الغراء (يوم 16 الجاري) مقالة بعنوان (أشباح مقابل حقائق يقول فيها) لماذا ينال الإنجليز ما يريدون ونحن ننتظر؟

الطيران قناة السويسي أنابيب البترول الشركات الضرائب وبين فيها بوضوح أن الاستعمار البريطاني لا يزال يصل إلى أعراضه الاستغلالية في حين أن المفاوضات منقطعة والحكومة لا تحرك ساكنا في قضيتنا وأدى هذا التفكير بالدكتور مندور إلى توجيه الانتقاد المر إلى صدقي باشا وتفاؤله الخاطئ

ونحن نرى أن تصوير الحالة الراهنة بهذا الوضع يتغاضى عن ناحية مهمة علينا أن نبرزها باستمرار فليس الاستعمار البريطاني هو الوحيد الذي يستفيد من اتفاقية الطيران أو من قانون الشركات الجديدة لأن هناك أيضا شركة مصر للطيران التي لها مصلحة كبرى في الاتفاقية ولأن هناك الشركة المصرية الكبرى التي تحاول هي الأخرى أن تحافظ على أرباحها الطائلة

إذن فليس الإنجليز وحدهم الذين ينالون ما يريدون وإنما هناك حفنة صغيرة من الرجعيين المصريين وعلى رأسهم الحكومة الحاضرة تنال ما تريده أيضا وفي نفس الوقت وإن التغاضي عن المصالح المشتركة بين الاستعمار والرجعية المصرية يجعل المفكر المصري لا يجد تفسيرا لتوقف المفاوضات إلا في الاعتبارات الأخلاقية والسيكولوجية لين الحكومة وتفاؤل صدقي باشا إلى آخر هذه الاعتبارات التي لا تسلم بها التحليلات الواعية التي يجيب أن يقوم بها كل مفكر وطني مخلص.

ذكرنا أن السبب في تأجيل المفاوضات هو تخفيف الضغط الشعبي على الحكومة المصرية والاستعمار البريطاني ونحن نعني هنا الضغط الشعبي الذي يأخذ المطالب الوطنية هدفا له فإن كانت المظاهرات والإضرابات والاحتجاجات والبيانات الوطنية قد تلاشت تقريبا

إلا أننا نشهد في الوقت الحاضر تحركا شعبيا ممثلا في إضرابات العمال والموظفين والمهندسين وهذا كله مصحوب باحتجاجات وبيانات ومطالب أيضا وتستهدف هذه الحركة الحاضرة ففي المقام الأول تحسين الأحوال المادية للطبقات الشعبية وتتجه في بعض الأحيان نحو المطالبة بتغير الحكومة الحاضرة مثل ما حدث أثناء الانتخابات.

وقد أثر هذا في بعض المفكرين فبعد أن كانوا يوجهون كفاحهم كله ضد الاستعمار البريطاني وكانوا يتغاضون عن المطالبة بالحكم الديمقراطي أصبحوا اليوم يهاجمون الرجعية المصرية بشكل رئيس ويضعون الكفاح الوطني في المرتبة الثانية أي أنهم يتذبذبون بين الكفاح الوطني والكفاح الديمقراطية

وهم في ذلك يعكسون تذبذب الحركة الوطنية نفسها ويسيرون في ذيلها وفي هذا الخطر كل الخطر على مستقبل شعبنا إذ أنه يمكن الرجعية والاستعمار من توجيه الضربات المتتالية إلى جهة ثم إلى جهة أخرى فالمد بالمطالب أفسح السبيل لقيام الحكومة الصدقية

وكذلك الإضرابات المهنية المختلفة تقهر الحكومة الحاضرة في بعض الأحيان ولكنها تتركها حرة في المماطلة والتسويف في قضيتنا الوطنية وفي قبول تعطيل المفاوضات ولذلك فمن الأهمية بمكان أن يحافظ الوطنيون المخلصون على نبات موقفهم حتى تصل الحركة الشعبية إلى اعتبار الهدفين وحدة لا تتجزأ ولذلك لا يسعنا إلا أن نوافق الدكتور مندور إذ يكتب في جريدة الوفد المصري بتاريخ 98 الجاري يقول

لقد استحكمت الحلقات ولابد أن تنتحل حتى تتجه غضب الشعب في غير الوجهة التي يجب أن تتركز فيها فنحن لا نرى في غضب الشعب قوة عمياء غاشمة يجب إسكات ثائرتها بإرضاءها قبل أن تفجر مثلما تسكت ثائرتها بإرضاءها قبل أن تنفجر مثلما تفجر مثلما تسكت ثائرة الحيوان المفترس

ولا شك أن الدكتور يقصد بهذه الجملة أن غضب الشعب سوف يتجه ضد الرجعية في حين أن يتجه ضد الاستعمار فقط ولكننا نرى أن الشعب محق كل الحق في هذا فإن الرجعية المصرية مسئولة مسئولية الاستعمار تماما سواء في تأجيل الحل الصحيح لقضيتنا الوطنية أو في إبقاء شعبنا في حالته المتأخرة الحالية.

ولن ينجح كفاح شعبنا إلا إذا تخلص من الرجعية والاستعمار معا.
صادق سعد (السنة الثانية – العدد40- 26/6/1946- ص5/6)

في قضايا التحرر الاقتصادي والاجتماعي في التموين

عندي أسباب مشكلة التموين تتلخص في أربعة عناصر هي المضاربة بالأسعار والاحتكار وتأخر اقتصادنا الزراعي والصناعي وبيروقراطية الأداة الحكومية أي انفصال هذه الأداة عن الجماهير الشعبية.

إن نظرة سريعة على أسعار البورصة ولاسيما بورصة القراطيس المالية لكافية لترينا أثر المضاربة في خلق حالة الغلاء الحاضر.

فتلك الأسعار ليست مستقرة أو منتظمة التصاعد بل أن رقمها القياسي ينقلب منذ سنة 1940 بين 90,2 الحد الأدنى و 210,3 الحد الأقصى أي أنها ترتفع مرة واحدة أو تنخفض مرة واحدة حسب الظروف الخارجية ولا سيما الظروف العسكرية للحرب الحاضرة

فمثلا كان سعر السهم لشركة البحيرة يساوي 1120 قرشيا في أكتوبر 1940 قفز إلى 2090 قرشا في أكتوبر 1941 إلى 3300 قرشا في أكتوبر 42 على 3450 في أكتوبر43 حتى وصل 4700 في الأسبوع الأول لمارس 44 ثم سقط مرة واحدة إلى 1924 قرشا في الأسبوع الثالث ليونيو 44 أي في أسبوع هجوم الحلفاء على نورمانديا وهذا التقلب في الأسعار يظهر لنا بجلاء تام أن الغلاء الفاحش الحاضر

ليس سببه نقص السلع المعروضة في السوق بل سببه طمح المضاربين الذين يعتمدون على مدة الحرب ليتلاعبوا بأقوات الشعب أما إذا اتضح أن الحرب قريبة الانتهاء فيسرع هؤلاء المضاربون إلى البيع خوفا من أن المنافسة العالمية التي ستوجه مرة أخرى بعد الحرب تجبرهم على البيع بخسارة كبيرة ويكتب المعلق على شئون البورصة في المجلة المصرية للاقتصاد والمال.

ولا يعرف المعلق ماذا يستطيع قوله الإنتاجية الأرباح الاحتياطيات القيمة الذاتية هذه كلها قد اختفت إن الذعر من انتهاء الحرب هذا المرض النفساني قد اختطف الجميع أمامه مثل رياح الشتاء.

والذي يجعل أيضا من المضاربة بالأسعار سببا من الأسباب الرئيسية في أزمة التموين هو تسلط المضاربين الأجانب على البورصات المصرية فإننا لو عددنا أعضاء اللجان التي تشرف على البورصات المصرية الأربع لوجدنا أن ثلاثة من أعضاء هذه اللجان مصريون وأن ال37 الباقين أجانب...

وهذه النقطة الأخيرة تسلط الأجانب على البورصات المصرية تظهر لنا مرة أخرى إلى أية درجة ليست قضيتنا الوطنية قضية ضيقة محدودة بعلاقاتنا الرسمية مع الحليفة بل أنها قضية مرتبطة بحياتنا الاقتصادية ومن ثمة الاجتماعية والسياسية أشد الارتباط.

ومن المعروف مثلا أن انفراد الزراعة المصرية بإنتاج القطن نتيجة من نتائج السياسة الاستعمارية القديمة إزاء زراعتنا أما الآن فهذا القطن يكلف ميزانيتنا مبالغ باهظة ويحد من زراعة المحاصيل الأخرى التي نحن في أشد الاحتياج إليها ويستهلك جزءا كبيرا من السماد الذي تفتقر إليها أرضينا الزراعية بل ويحد من استقلال مندوبينا في المؤتمرات الدولية لأنه يربط تجارتنا الخارجية بانجلترا ربطا أمتين بما قد نرغب فيه

وإذا كانت المضاربة والاقتصاد الخاص بالمستعمرات سبين من أسباب الحالة الحاضرة في التموين فمما لا شك فيه أن الاحتكار في الزراعة السبب الهام الثالث فهو ناتج من ذلك الحادث المعروف في مصر وهو أن 5 في الألف من مجموع الملاك يمكلون ما يقرب من نصف الأراضي الزراعية المصرية

وأما الاحتكار في الصناعة فلا يمكننا أن نستدل عليه بإحصاء سنة 1937 الذي يبين أن 99,5 من مجموع المؤسسات الصناعية تملك 18٪ من مجموع الرأسمال الصناعي في حين أن باقي المؤسسات الصناعية وهي تمثل 5ألاف من تلك المؤسسات تملك 82٪ من ذلك الرأسمال .. والذي يوضح لنا تأثير الاحتكار على الغلاء الفاحش الحاضر فهو الإحصاء التالي المبين للأرقام القياسية لأسعار الجملة والقطاعي وتكاليف المعيشة.

السنة الجملة القطاعي تكاليف المعيشة
1942 188 202 243
1943 228 268 305
1944 280 318 309

والذي نفهمه من هذا الإحصاء هو أن هناك سببا يحول بين تماشي هذه الأسعار الثلاثة تماشيا متوازيا وأن هناك إرادة خارجية عن قوانين السوق الطبيعية إرادة تفرض أسعارها على جماهير المستهلكين وهي إرادة المحتكرين

وواضح جدا أن هذا الاحتكار في المنتجات الزراعية والصناعية المصرية ليس وليد اليوم ولا الأمس بل أنه ثمرة تطور قد استغرق قرنا أو نيف ليصل إلى الحالة الحاضرة وأن ظروف الحرب الحاضرة لم تخلق شيئا جديدا بل إنها رفعت الستار الذي كنت المنافسة العالمية تخفي به احتكار إنتاجنا من جانب فئة صغيرة من الطبقات الحاكمة.

وأخيرا فالذي نراه سببا رابعا مهما في إيجاد هذه الحالة الحاضرة الخاصة بالتموين هو بيروقراطية الإدارة الحكومية أي عدم اعتمادها على الجماهير الشعبية المستهلكة في تنفيذ قرارات وزارة التموين المتخلفة وقد بلغت ما يزيد عن 400 قرار إلى اليوم

وفي مساعدة السلطات على الضرب على الضاربين والمحتكرين مجموعي الشعب فالحكومة تعتد على العمد والمشايخ في القرى لتوزيع السلع المختلفة وهؤلاء كلهم لا يمثلون الطبقات الشعبية تمثيلا مرضيا في شيء بل كثيرا ما تتعارض مصالحهم مع مصلح الشعب معارضه مباشرة

أما في المدن ولا سيما الكبرى منها فاللجان الفنية التي تشكل لحل مشكلة التموين تفشل كلها في القيام بمهمتها لأن هذه اللجان تمثل المنتجين والإداريين فقط ولا تمثل المستهلكين تمثيلا مباشرا مهما تكن هذه اللجان مشكلة على أسس فنية دقيقة.

ومما لا شك فيه أن الحلو الحاسمة الناجحة لمشكلة التموين لن تأتي في القرارات الفنية لتلك اللجان الفنية بل ستأتي بتوسيع الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلادنا ستأتي باستيلاء الدول على إنتاج كبار المنتجين استيلاء كاملا وبتخفيف هذا الاستيلاء على متوسطي المنتجين ثم بإعفاء صغارهم من الاستيلاء إعفاءا كاملا أيضا حتى يجمعوا هؤلاء من الشركات الاحتكارية الكبرى تلك الشركات التي يقول عنها حافظ إبراهيم.

وما الشركات السود في كل بلدة
سوى شرك يلقي به من تصيدا.

وستأتي حلول المشكلة من اشتراك الجماهير الشعبية المستهلكة في لجان مراقبة التوين وبتوسيع الديمقراطية السياسية بإلغاء الأحكام العرفية والرقابة خصوصا حتى يتسنى لتلك الجماهير الشعبية المستهلكة أن تعبر عن مطالبها تعبيرا واضحا صريحا.

بدون توقيع (السنة الأولى- العدد الأول- 16/5/1945)

البنوك في مصر والاقتصاد القومي

بدأ عهد مصر بالبنوك مع تصدير الرأسمال الأجنبي إلى بلادنا مصاحبا استدانة الخديوي إسماعيل وكان بعض القروض يأتي عن طريق المصارف اللندنية والباريسية الكبرى وكان بعض آخر يأتي عن طريق بنوك تنشأ بنوك للإقراض ثم تختفي

وكان البعض الثالث يأتي عن طريق أسست في مصر ثم ترعرعت ومنها البنك الإنجليزي المصري الذي أقرض الخديوي ثلاثة ملايين من الجنيهات والذي ضمه بنك بركليز فيما بعد ثم ما لبث أن انتظم ترحيل الرأسمال الأجنبي إلى مصر وذلك نتيجة سببن مهمين الأول:

تطور الاقتصاد الأوربي الرأسمالي الحر إلى اقتصاد احتكاري يتسلط عليه عدد صغير من المنشآت الصناعية وأما السبب الثاني: فهو احتلال مصر والحقيقة أن السببين مرتبطان ارتباطا وثيقا إذ أن الاحتلال قد جاء لحماية مصالح الرأسمال المصدر لضمان أن تبقى مصر سوقا مفتوحة لرأسمال جديد

وأنا نرى من إحصاء الشركات المساهمة في مصر أن مجموع رأسمال البنوك العقارية كان 4 مليون جنيه تقريبا سنة 1812 فأصبح 52 مليونا سنة 1911 وأن مجموع رأسمال بنوك الودائع كان مليونين تقريبا سنة 1883 فارتفع إلى ما يزيد عن 5 ملايين سنة 1911

وقد نظم تصدير الرأسمالية الاحتكار المالي في أوربا بلندن ودفع نصف رأس المال وأما النصف الآخر فكان لشركة سلفاجو وشركة إخوان سوارس بمصر وكذلك البنك الإيطالي المصري جاء تأسيسه نتيجة اتفاق مصرفين إيطاليين كبيرين هما الكريديتوايتاليانو والبنكا ناتسونالي دي كريديتو

وكان (الدويتش أورينت بنك) قد جمع رأسماله بواسطة ثلاثة بنوك ألمانية كبرى هي ناتسيونال ينك فور دويتشلاند و(دروزدنربنك) و (شافن هاوزنشر بانكفيرين) وما لبثت هذه البنوك الكبيرة ذات الرأسمال الضخم والاحتياطي الذي لا يقل ضخامة عنه لأنه مستمد من القوة المالية التي اشتركت في تأسيسه ما لبث هذه البنوك الكبيرة أن اجتاحت البنوك الصغيرة الموجودة في مصر أو فروع البنوك الأجنبية

فقد ضم إلى البنك الأهلي مثلا فروع بنك غرب أفريقيا وبنك كوكس واللويدز ضم إلى بنك بركليز الإنجليزي المصري كما ذكرنا واشترك البنك الأهلي في تأسيس البنك الزراعي فكان من شروط التأسيس أن يكون مدير البنك الأهلي مديرا للبنك الزراعي أيضا..

كان الرأسمال الأجنبي يتدفق إلى مصر تحت حماية الاحتلال وزراعة القطن تنتشر بسرعة فائقة والبضائع المصنوعة تأتي على البواخر التي تنقل القطن إلى انجلترا فيزداد نشاط البنوك ويتقدم عدد فروعها تقدما هائلا فيصبح 58 فرعا سنة 1920 بعد أن كانت ست أفرع فقط سنة 1880

أما الآن فللبنك الأهي 37 فرعا ولبركليز بنك 28 فرعا ولبنك 29 مثر فرعا ولبنك مصر قصة تختلف عن تاريخ البنوك الأخرى إذ أنه قد جاء نتيجة للنشاط الاقتصادي الذي عفته مصر إبان وبعد الحرب العالمية الأولى

فكان تعبيرا لقوة الطبقة المتوسطة المصرية الصاعدة الممتلئة نشاطا وقد كان هذا البنك ينافس فعلا البنوك الأخرى منافسة قوية في أول الأمر إلى أن قبلت تلك البنوك الوضع الجديد فهادنته وأصبح فردا من أسرتها.

ولم تحفظ البنوك بالصفة الاحتكارية التي كونت إنشاءها فحسب بل أن هذه الصفة زادت مع مرور السنين وامتدت إلى نشاطها المتزايد الذي لم يترك فرعا من فروع حياتنا الاقتصادية كلها إلا وانساب فيه ومن هذه الفروع ما كانت طبيعيا أن يتعلق بأعمال البنوك مثل الاستيداع

فودائع البنك الأهلي باهظة سنة 1924 ما يقرب من 3 مليونا من الجنيات بما فيها ودائع البنوك الآخرين فيه أي البنك الأهلي كما بلغت الودائع في بنك مصر ما يقرب من مليون جنيه نفس السنة ولا يخفى أن هذه الأرقام تدل على الأموال الهائلة التي تشرف البنوك عليها وعلى توزيعها وتوظيفها فهي تستطيع أن تشجع حركة صناعية أو تجارية تشجيعا فعالا وتستطيع قتلها أيضا إذا أرادت ذلك.

ومن الأعمال الخاص بالبنوك التسليف العقاري فالبنوك العقارية تقوم دور هام في تسلط الرأسمال الأجنبي على الأراضي المصرية و الكريدي فونسيه المصري كان دائنا مثلا ب27 مليونا من الجنيهات المصرية سنة 1913 وكان يضمن هذه المبالغ 780,000فدانا أي ما يقرب من 22٪ من مساحة الأرض المصرية التي يمكن رهنها.

أما ميزانية البنك لسنة 1942 فهي لا تزال تسجل ديونا عقارية تبلغ 11 مليونا من الجنيهات وثمة عمل آخر للبنوك في مصر هو تقديم السلفيات على البضائع وخاصة القطن وبذرته والحقيقة أن تقديم السلفيات على البضائع ليس من الأعمال المتعلقة بالبنوك نظريا..

ومع ذلك فمن المعروف أن 90٪ من القطن الوارد إلى الإسكندرية سنويا يكون باسم البنوك وكذلك تسجيل ميزانية بنك مصر لسنة 1942 أن كمية الغلاء التي دخلت شونه بلغت مليونين ونصف مليون من القناطير أي أن البنوك تشرف إشرافا يكاد يكون كاملا على تجارة المحاصيل الزراعية المصرية الرئيسية.

وأخيرا فلا ينحصر إشراف البنوك على الرأسمال السائل الودائع والأراضي وتجارة المحاصيل الزراعية بل يتعداها ليبلغ الإشراف على الصناعات المصرية الضخمة: فبنك مصر يشرف على مجموعته الصناعية ورأسمالها يزيد على ثلاثة ملايين من الجنيهات وبنك مصر نفسه يخصص أموالا متزايدة ما يقرب من 25٪ من رأسمال للاشتراك في الأعمال الصناعية والمالية وبهذا الشكل تتضح سيطرة البنوك على الصناعة أيضا.

وهذه النظرة الإجمالية على البنوك لن تكون كافية إذ لم نلاحظ تركيز الجزء الأكبر من سلطتها في عدد قليل من المصارف فبنك مصر والبنك الأهلي يجمعان رأسمالا يساوي 4 ملايين من الجنيهات أي 70٪ من مجموع رؤوس الأموال المصرفية التجارية والكريدي ليونية يستغل رأسمالا يساوي 15 مليونا ونصف مليون من الجنيهات أي 70٪من مجموع رؤوس الأموال المصرفية العقارية في البلاد.

ثم يتضح تركز تلك السلطة المالية الهائلة وضوحا أكبر إذا لاحظنا اجتماع البنوك كلها في هيئة واحدة هي الاتحاد المصري للصناعات الذي من أعضائه نواب وشيوخ في البرلمان تشرف بهذا الشكل على حياة الاقتصاد المصري بأكمله وكذلك يزداد ذلك الوضوح إذا أضفنا إلى الصفة الاحتكارية التي وصفناها من قبل الاتحادات الشخصية التي تربط المنشآت المالية المختلفة ربطا يزيد من قوة احتكارها في تداول المنتجات وأعني بالاتحاد الشخصي وجود شخصيات قليلة تدير مؤسسات صناعية وتجارية ومالية مختلفة في آن واحد

فتفرض عليها جميعا خطة واحدة واتجاها واحدا فهناك مثلا حافظ عفيفي باشا وهو عضو مجلس إدارة 33 شركة ومنها بنك مصر وهناك أيضا عبد المقصود أحمد بك وهو عضو مجلس إدارة 24 شركة منها شركات بنك مصر والبنك الأهلي وهكذا يرتبط بنك مصر بالبنك الأهلي ارتباطا يمكننا أن نسميه شخصيا لأنه ينشط خلال الشخصيات الكبرى المتقاربة.

وأخيرا فلن تكون هذه النظرة على حال البنوك في مصر كاملة إن لم نلح إلى الأضرار الناتجة من ذلك التركيز الاحتكاري في البنوك وإن لم نختتم نظرتنا الإجمالية هذه بأن التركيز القوي الذي بيناه يوسع أمام الدولة فرصة إشرافها إشراف الشعب المصري على تلك المجموعة الصغيرة من الاحتكارات المالية ومن ثمة التجارية والصناعية الكبرى.

أحمد سعيد. (السنة الأولى – العدد الثالث 16/6/ 1945)

ملاحقات على تحديد الملكية الزراعية بمناسبة عرض مشروع خطاب بك على مجلس الشيوخ

ليس من السهل أن يحدد الباحث موقف الطبقات الاجتماعية المصرية من مسألة تحديد الملكية وذلك لتضارب المصالح الطبقية إزاء تلك المسألة وهذا التضارب لا يشمل فقط التضارب المصالح المباشرة والبعيدة لكل طبقه وتشمل بدرجة أكبر تأثير الموقف السياسي الحالي على هذا وذاك ونحن حين نتحدث عن الموقف السياسي فلا ننسى أن للاستعمار اليد الطولي فيه.

لذلك نرد أن نحلل مسألة تحديد الملكية الزراعية تحليلا نظريا قبل أن نتعرض لمشروع محمد خطاب بك وإلى رد الفعل الذي أحدثه تبادر فكرة تحديد الملكية الزراعية إلى ذهن المصلح الاجتماعي من أول نظرة يلقها على إحصاءات توزيع الملكية في مصر لأنه يرى مباشرة التفاوت الواضح في هذا التوزيع التفاوت الناتج من أن 12,000 مالكا 5 الألف من الملاك يملك ما يقرب من نصف الأراضي الزراعية المصرية في حين أن ما يقرب من 2 مليون ونصف من المليون من الملاك الباقين يملك النصف الآخر.

من هنا جاءت فكرة وجوب تحديد الملكية الزراعية وتوزيع ما يزيد عن الحد المقرر إلى الفلاحين الفقراء ولاسيما أن معظم هؤلاء الملاك الكبار لم يحصلوا على أرضيهم بعملهم وجهدهم بل أتت عن طريق الوراثة وهي أصلها هبات وزعها محمد علي باشا وخلفاؤه

أو أنها وصلتهم عن طريق إقرار الحالة الإقطاعية التي كانت تسود مصر في أوائل القرن الماضي والفلاحون الذين يرون باستمرار أن هذا التفاوت في توزيع الملكية الزراعية بهذا الشكل البسيط أعني تحديد حد أقصى للملكية وتزرع الباقي لتوزيعه على الفلاحين الفقراء.

أما الطبقة البورجوازية طبقة التجار وأصحاب المصانع فهي ترى في ذلك التفاوت في الملكية ضررا مزدوجا لمصالحها المباشرة لأن تركز الأرض الزراعية تركزا احتكاريا يسبب غلاءها وارتفاع الإيجار ومن ثمة يسبب غلاء المنتجات الزراعية

ونتيجة هذا الغلاء أن الرأسماليين يضطرون أن يدفعوا أجورا أعلى لعمالهم وما لا شك فيه أن هذا ليس في صالحهم ومن جهة أخرى فتفاوت توزيع الملكية يسبب فقر الفلاحين أي عجز غالية الأمة عن استهلاك البضائع المصنوعة ولذلك يفهم الرأسماليون أن التفاوت يضيق السوق المصرية بشكل ملحوظ

ولذلك تؤيد البورجوازية فكرة تحديد الملكية الزراعية ولكنها تؤيدها تأييدا مترددا متذبذبا لأن التركيز الاحتكاري في الإنتاج موجود أيضا في الصناعة والتجارة وإن لم يكن بالشكل الواضح الذي وجد في الزراعة ولأن العمال والصناعيين في حالة من الفقر تشبه حالة زملائهم الفلاحين فأي مساس بالملكية الزراعية الكبرى قد يوحي للرأي العام ضرورة المساس بالملكية الصناعية والتجارية والمصرفية الكبرى وهذا ما تعارضه البورجوازية أشد المعارضة وتخافه أشد الخوف.

وأما الاستعمار فمن الطبيعي أنه يعارض تحديد الملكية الزراعية معارضة أساسيه ولطالما عضد كبار الملاك ونفوذهم الاجتماعي والسياسي في سبيل إبقاء قبضته الاقتصادية والسياسية على البلاد وذلك بإبقاء مصر دولة زراعية متأخرة تنتج القطن لمصانع لانكشاير وغيرها وبإبقاء حياتنا البرلمانية في أطوارها الطفلة باستمرار

ويمكننا على ضوء هذا التحليل السريع أن نعوض لمشروع محمد خطاب بك الذي لا يمثل أكثر من خطوة متواضعة في سبيل تحديد الملكية الزراعية إذ أنه لا يهدف إلا أن يمنع في المستقبل المالكين الذين في حيازتهم أكثر من خمسون فدانا من أن يشتروا أرضا جديدة ...

يصرح خطاب بك أن هذا المشروع سيخفف من التفاوت في توزيع الملكية في المستقبل لأن التشتت الناتج من توزيع الملكية على الورثة لن يجد إذا سن القانون التأثير المعارض الممثل الآن في إمكانية ابتياع الأراضي الجديدة كما أن خطاب بك يشرح وجهة نظره بقوله:

إن القانون سيحول كثيرا من رءوس الأموال من الزراعة إلى الصناعة وهذا في مصلحة الأمة بإجماعها دون تفرقه إذن فالمشروع المعروض الآن على مجلس الشيوخ لن يغير شيئا جوهريا عظيما من الوضعية الحالية لتوزيع الملكية في مصر مع أن بلادنا أحوج ما تكون إلى هذا التغيير في سبيل رفع مستوى الفلاحين الفقراء من جهة وفي سبيل إلغاء نفوذ كبار الملاك الإقطاعيين وبالدرجة الأولى نفوذ السياسي من جهة أخرى

وليكن هذا المشروع رغم عدم جديته يمثل كما قلنا خطوة إلى الأمام لأنه يبرهن للطبقات الشعبية المصرية أن الوضع الاحتكاري الحالي ليس وضعا منزلا من السماء فلا يمكن ولا يجب تغيره بأي حال من الأحوال بل على نقيض من ذلك فإن في استطاعة ممثلي الشعب أن يحدوا من حقوق الملكية المقدسة تحديدا يتفق واحتياجات الشعب نفسه ولعل مشروعا آخر يقدم في المستقبل يرمي إلى تحقيق التفاوت الحاضر في الملكية الزراعية تحطيما حاسما...

ولقد لقي مشروع محمد خطاب بك معارضة عنيفة في مجلس الشيوخ والأرجح أن يرفضه المجلس رفضا نهائيا ويمكننا تقسيم هذه المعارضة قسمين قسم يعبر عن مصلحته المباشرة وهو يمثل كبار الملاك وقسم آخر يرفض المشروع في سبيل تحقيق أغراض حزبية ضيقه لأن صاحب المشروع ليس منتسبا إلى لونه السياسي من جهة ولأنه يعارض في سبيل المعارضة من جهة أخرى

ولأن مصالحه الطبقية ليست مفصولة عن مصالح كبار الملاك فضلا واضحا من جهة ثالثة ولو أن القسم الثاني أيد مشروع خطاب بك إذن لزاد التفاف الشعب حوله ولزاد تأييده له وهنا يظهر العنصر السياسي الذي ذكرنا وجوده في أول حديثنا فتغاضى غالبية الشيوخ عن مصالح الأمة الحقيقة العميقة

وهذا يدل مرة أخرى على حاجتنا الشديدة العميقة إلى إيجاد ديموقرايطه سياسية سليمة في بلادنا ديموقراطيه ورقية فقط بل ديمقراطية تمثل حاجات الشعب ويلعب فيها الوعي الشعبي نفسه دورا أساسيا وليس دورا ثانويا كما هو الحال في الوقت الحاضر.

(أحمد سعيد) (السنة الأولى – العدد الخامس 16/ 7/ 1945)

الإصلاح الزراعي

بقلم: مريت غالي

كتيب يعبر تعبيرا صادقا عن قلق بعض المثقفين من الطبقة المتوسطة بيننا إزاء المأزق الظاهر الذي وصلنا إليه في شئوننا العامة فقد أصدرت هذا الكتيب جماعة النهضة القومية وصدرته بيان قالت فيه إننا لم نحظ بعد بفكرة واضحة عن كثير من أهدافنا الداخلية التي تتصل بالنهوض الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وكثيرا ما شغلنا بأزمات مصطنعة ومجادلات عقيمة في هذا الموضوع

ويختتم المؤلف بحثه بأنه لم يحاول أن يقدم صورة منسقة للأفكار والآراء التي تجول بخاطر كل محب لبلده وأن يصوغها في قالب برنامج عملي قابل للتنفيذ في الحال وقد وضح أثناء البحث حذر المؤلف من التدخل في أمور سياسية لمح إليها مرارا بنقده لأفكار الأمس وعقلية الماضي السائدة في أعمال الحكمة

وزاد هذا الحذر وضوحا تصريح الجماعة في بيانها بأنها لا تتحيز لأي مذهب اجتماعي لذاته أن نظرية اقتصادية من تلك النظريات التي تتقاسم العالم اليوم فكانت بوقا ليأس جمهرة المثقفين المنتمين إلى الطبقة المتوسطة بعد فشل السياسة التي عرفتها مصر أثناء القرن المنصرم ولذلك كله تخرج أهمية هذا البحث من دائرة الإصلاح الاقتصادي إلى دائرة أوسع وأشمل دائرة التعبير عن تحرك طبقاتنا الاجتماعية وازدياد يقظتها في الوقت الحاضر

يحتوي البحث على إيضاح طيب لكثير من الأفكار والآراء الإصلاحية المتقدمة التي تجد استجابة واسعة في مصر الآن فالمثقفون الأحرار والحالة هذه عليهم أن يؤيدوا هذه الإصلاحات لتطوير هذه الآراء إلى مستو أعلى وأكمل.

وقد أوضح المؤلف أن سوء توزيع الملكية الزراعية يزداد مع مرور الأيام بسبب تضاءل الملكيات الصغيرة وثبات الملكيات الكبيرة وكثرة المزارعين وقلة الأرض وأن هذه العوامل قد تعاونت على استيلاء المالك الكبير على أكثرية الأرباح في حين أن المستأجر والعامل الزراعي والفلاح الصغير يتخبطون في الحرمان

فيهبطون إلى مستوي لا يستقيم معه نظام اقتصادي أو اجتماعي ثم أشار إلى انتشار الوعي واليقظة الاجتماعية في مصر أثناء الحرب فاستنتج من هذا كله ضرورة الإصلاح على أساس النظر إلى الأرض كوسيلة النهوض بصغار المزارعين وليس فقط كأداة إنتاج تعود بالأرباح على المالك.

ثم يستعرض المؤلف الأسس الأربعة الضرورية للإصلاح الزراعي ألا وهي نشر الملكية الصغيرة والمحافظة عليها وتقييد الملكية الكبيرة وإصلاح الإيجار والعمل وعنده أن نشر الملكية الصغيرة يجب أن تأتي في المقام الأول بتوزيع الأراضي الحكومية على صغار الفلاحين

وكذلك بمراقبة الشركات العقارية حتى تبقي شركات استصلاح الأراضي وتمنع من استغلال الأرض ثم إلغاء الوقف الأهلي وهذا كله سيمكن الحكومة من توزيع ما يزيد عن مليون فدان على ثلاثمائة ألف أسرة فلاحية صغيرة لتكوين طبقة ثابتة من صغار الملاك ويظهر المؤلف باستمرار أنه يريد تكوين طبقة ثابتة من صغار الملاك الصغار

ويؤيد للبحث تأييدا قويا مبدأ مشروع خطاب بك في تحديد الملكية الزراعية عن طريق منع الملاك الذين تزيد ملكيتهم حد معين وقد رفع المؤلف هذا الحد إلى 100 فدان من شراء أراضي جديدة ولم ينس المؤلف أن الضرائب التصاعدية على الأرض طريقة من طرق التقيد للملكية الكبيرة فشرح ضرورتها شرحا لا بأس به.

وفي الباب الرابع آخذ المؤلف يشرح ضرورة تنظيم الإيجار الزراعي وحماية العمال الزراعيين وهذا يوضح حد أعلى للمساحة المؤجرة للشخص الواحد ثم يرفع مدة الإيجار إلى ثلاثة سنوات على الأقل وبتحديد حد أعلى لفئة الإيجار أما حماية العمال الزراعيين فيكون طبعا بتحديد حد أدنى للأجر الزراعي على شرط أن يختلف هذا الحد الأدنى مع اختلاف المناطق خصوبة وغنى.

وقد سبق أن قلنا في مقال بصدد مشروع خطاب بك إن الطبقة الوسطى تظهر كثيرا من التردد في مسألة تحديد الملكية الزراعية وقد جاء الكتيب الذي نحن بصدده مثالا جديدا لقولنا هذا وقد تعرضنا يما انصرم من المقال للاقتراحات المتقدمة التي احتواها وأعطيناها حقها من الثناء

والآن نعرض نواحي النقص في التفاصيل فنلاحظ افتقارا كبيرا في نظرة الكاتب العامة إلى المشكلة المعروضة وهي تحتاج إلى جرأة واتساع في الأفق من الوجهين النظرية والعملية وهنا تظهر مرة أخرى ضرورة قيام المثقفين الأحرار الذين يفكرون تفكيرا شعبيا أولا وأخيرا بمثل هذه الأبحاث لتأتي كاملة لا نقص فيها.

فمن النقائص الجزئية أن المؤلف يقترح توزيع مليون فدان على ثلاثمائة ألف أسرة وهذا في بحر 25 سنة في حين أن الملاك الصغار جدا الذين تقل ملكيتهم عن الفدان الواحد يبلغون 1,75,000 مالك تقريبا هذا عدا العمال الزراعيين الذين لا أرض لهم على الإطلاق

وتكون نتيجة اقتراح مريت غالي أن نسبه صغيرة من الفلاحين الفقراء ستحصل على 3 فدادين بعد 25 سنة وواضح أن ها لا يمكن أن يحل المشكلة ستحصل على 3 فدادين بعد 25 سنة وواضح أن هذا لا يمكن أن يحل المشكلة حلا مرضيا لا سيما أن عدد الفلاحين سيزداد حتما بعد 25 سنة وتصل أزمة الأرض الحاضرة إلى قمة أعلى.

ونحن نرى أن العيب الأساسي للبحث أنه في خوفه التعرض لأمور سياسية فاشلة وامتناعه دائما عن الوقوف موقفا واضحا من تطورنا الاجتماعي قد صرف نظره من عناصر في غاية تلعب في المشكلة الفلاحية دورا جوهريا فقد نظر إلى الحالة الحاضرة لتوزيع الأرض على أنها توزيع شيء للملكية

وليس احتكارا لوسيلة من وسائل الإنتاج فكانت النتيجة أنه أراد تحسين التوزيع بالتصدق على الفلاحين الفقراء ببعض الفئات بدلا من أن يتبين دور هذا الاحتكار في منح كبار الملاك نفوذا اجتماعيا وسياسيا يعلب الدور الأول في إبقاء الطبقة الفلاحية في مستواها المنحط وقد تعرض المؤلف لتحديد الملكية الكبرى عن طريق نوع الزيادة عن حد معين للملكية الكبرى فاستبعد المبدأ ببعض الجمل لا تخلو من الغموض والتهرب مثل القصد في النفقات بقدر الإمكان

وما أجدرنا أن نوجه المجهود الضخم والأموال الطائلة التي يتطلبها نزع الملكيات الكبيرة نحو زيادة طاقتنا الإنتاجية دون أن يثنيه إلى احتكار نصف الأرض الزراعية المصرية في يد فئة صغيرة لا تتجاوز على الأغلب 300أو 400 عائلة هذا الاحتكار هو الذي يحد من طاقتنا الإنتاجية ويبقى زراعتنا في مستوى منحط كما أن المؤلف في ابتعاده عن المسائل السياسية لم يتعرض إلا بالتلميح الغامض للدور الذي يلعبه الاستعمار الأجنبي في إبقاء الفلاحين دون مستوى الحرمان وفي المحافظة على الملكيات الكبيرة.

لهذا كله جاء الكتيب هزيلا نحيفا ينقصه حب الشعب العميق وقد دفعه عدم التحيز لمذهب اجتماعي لذاته إلى عدم التحيز للديمقراطية نفسها فقد يبحث القارئ عن هذا الكلمة طوال الصفحات المئة للكتاب ولكن عبثا ودون جدوى ...

أحمد سعيد (السنة الأولى- العدد السابع- 16/ 8/ 1945)

ماساة التموين نظرة قومية علمية لأسباب مشكلة التموين

أصدرت دار القرن العشرين للنشر بالقاهرة كتابا جديدا بقلم الزميل صادق سعد عنوانه (مأساة التموين) تناول فيه مشكلة التموين في مصر بالتحليل العميق والدراسة العلمية فارجع أسبابها إلى طبيعة النظام الاقتصادي السائد في البلاد ورد سوءها إلى الخلل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فيها ويسر الفجر الجديد أن تقطف لقرائها من الكتاب ما تسعه هذه العجالة....

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب....

إن دل هذا أي الشكوى من سوء حالة التموين على شيء فإنما يدل على أن كارثة التموين والغلاء ليست متعلقة باللون السياسي للحكومة القائمة تعلقا كبيرا بل أنها أصبحت من المشاكل المستعصية التي تواجه كل حكومة مواجهة دائمة ..

والحقيقة أن كل حكومة تحاول أن تتناول هذه المسألة بطرق متشابهة كتشديد المراقبة وإعادة النظر في نظام التوزيع وتزيدها تشابها كثرة الوعود الحلوة التي تبذل في كرم ولكن الحقيقة أيضا كل حكومة بوعود عديدة في أول الأمر ثم يتضح شيء كثير من عجزها عن معالجتها فيما بعد...

ثم يخرج المؤلف بمأساة التموين من الدائرة الضيقة التي أبقيت فيها إلى الآن دائرة أخطاء المراقبين وسوء نيتهم أو جشع التجار ورشوة بعض الموظفين.. إلى مجال أوسع وأعمق يتصل بفقر الشعب وجهله ومرضه اتصالا عميقا ويتبين أن كارثة التموين الحاضرة جزء لا يتجزأ من كارثة مصر كلها تلك التي لازمت الشعب المصري منذ قرون لا تحصى ثم ازدادت التصاقا به منذ عرف الاستعمار

وهناك مسألة أخرى تخرج مشكلة التموين من تلك الحدود الضيقة وهي انتهاء الحرب في أوربا باندحار الفاشية وانتعاش الحركات الشعبية انتعاشا كبيرا فهذا يدفع بمصر قدما إلى مرحلة حاسمة من مراحل تاريخها مرحلة يجب أن تحل فيها نهائيا علاقاتها السياسية والحربية والاقتصادية مع الاستعمار الأجنبي.

وفي خلال عرض لأسباب المأساة يقول: إن سلسلة من الوسطاء منتشرة في طول البلاد وعرضها يخفون البضائع ويتلاعبون بها وبين هؤلاء المضاربين والفاشيين صلات متينة ولطالما كانوا يصيحون ألما كلما كانت ضربة تنزل بالفاشية جديدة.

وهؤلاء الوسطاء معظمهم من الأجانب فإنك لو عددت أعضاء اللجان التي تشرف على البورصات المصرية الأربعة لوجدت أن ثلاثة من أعضاء هذه اللجان وأن ال 37 الباقين أجانب.

ويقول الكاتب شارحا العلاقة بين أزمة التموين وقضيتنا الوطنية أننا إذا كنا نتحدث عن علاقة أزمة التموين بقضيتنا الوطنية فلا يمكن أن نتجاهل ال300 مليون جنيه التي أصبحت الآن 350 مليونا ويستطيع الإنسان أن يقدر أهميتها إذا لاحظ أن قيمة الصادرات الإنجليزية إلى مصر كانت 10 ملايين من الجنيهات سنويا في المتوسط وعلى ذلك فسوف يستغرق تسديد الدين إلى ما يقرب من 35 سنة.

وأما دور الحكومة في مأساة التموين فيبدؤه المؤلف قائلا دول أربع أسباب التموين الحاضر بير وقراطية الآلة الحكومية أي اعتمادها على النظام المكتبي الآلي وانفصالها عن الطبقات الشعبية بل ارتباطها المتين بالطبقات الحاكمة والتعاون معها على الاستبداد بالشعب في بعض الأحيان ؟

ويصف المجتمع المصري حق وصف فيقول إن مجتمعنا كله مبنى على أسس خاطئة مريضة عنصرها الجوهري أن أعضاءه لا يعلمون مدفوعين برغبة سامية رغبة مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان يل يعملون للربح، وللربح فقط وللربح فقط أولا وأخيرا.

ويقترح حلولا لأزمة التموين:

  1. أن تراقب الحكومة الإنتاج الكبير ولا سيما إنتاج الحاجيات الشعبية
  2. أن تستولي الدول على الشركات الاحتكارية الكبرى لتحقيق مصلحة الجمهورية.
  3. أن تراقب الدول الإنتاج الزراعي الكبير مراقبة دقيقة.
  4. أن يعفي المنتج المتوسط من الاستيلاء على جزء من إنتاجه وأن يعفي المنتج الصغير إعفاءا تاما.
  5. إشراك الطبقات الشعبية في مراقبة أمور التموين وذلك بتكوين لجان من المستهلكين.
  6. تعديل المعاهدة المصرية الإنجليزية التي تربطنا بالرأسمالية الإنجليز وإبدالها بمعاهدة لا يعترف فيها لإنجلترا بمركز ممتاز.
بدون توقيعي (السنة الأولى- العدد الثامن 1/9/ 1945)

مستقبل العلاقات الاقتصادية في الجامعة العربية

ظهرت قرارات اللجنة الصناعية والتجارية للجامعة العربية ولقارئ هذه القرارات في أ، يتساءل ما إذا كان القائمون بالأمر يعتبرون أن للدول العربية مصالح مشتركة على الإطلاق فقد جاءت هذه جاءت هذه القرارات وكأنها تخص دولا عادية تريد أن توجد علاقات تجارية انقطعت بسبب الحرب أو تريد تقوية علاقات قائمة وتيسيرها شيئا ما وإلى القراء رؤوس الموضوعات التي طرقت بعد أبحاث طويلة:

تصدير الفائض تيسير وسائل النقل، تبادل المعلومات المعارض الصناعية تنشيط السياحة النشاط الصهيوني والحماية الجمركية، تبادل البعثات المؤسسات الصناعية، البحوث العلمية الفنية الغرف التجارية والصناعية البحوث العلمية الفنية، الغرف التجارية والصناعية التعليم الصناعي والتجاري توحيد الموازين والمكايل التداول النقدي.

ومما لا شك فيه أن موضوعات مثل تبادل المعلومات وتنشيط السياحة وتوحيد الموازين والمكابيل لمن الأهمية البالغة في الوقت الحاضر على الأخص ومما لا شك فيه أيضا أن القيام بأبحاث طويلة بصددها لبرهان على ضرورة وجود تلك الجنة التجارية والصناعية بل لبرهان على ضرورة وجود الجامعة العربية ذاتها.

ولكننا نلاحظ أن هذه القرارات الضعيفة الهزيلة التي لا تمس لب الموضوع قد جاءت يغلفها سياج من الغموض والتسويق والتهرب: فتصدير الفائق يقتضي جمع بيانات إحصائية وتيسير وسائل النقل يكون حسب ما يتفق عليه بين دول الجامعة والتمثيل التجاري يوجب الاتصال مع الدول العربية لمعرفة وسائله وما النشاط الصهيوني فقد قررت اللجنة مراقبته ودراسة اتجاهاته وكفى والقرار المهم الواضح الوحيد هو الخاص بإنشاء غرفة تجارية وصناعية مشتركة وعقد صفقات تجارية متبادلة ووضوح هذا القرار يرجع إلى وضوح مصالح الرأسماليين وعدم تعارضها مع مصالح الاستعمار في كثير..

الأنكى من الغموض والتسويق في هذه القرارات أنها لم تمس لب الموضوع من قريب أو بعيد فالذي تفهمه من معنى وجود الجامعة العربية أنها ربطت الشعوب العربية المستعمرة التي تهدف إلى التحرر والاستقلال ومن كفاحها التحريري كفاحها الخاص بتحرير اقتصادياتها من قبضة الاستعمار

وأما الجوانب الاقتصادية البارزة المهمة التي يتسلط خلالها الاستعمار على حياة الشعوب العربية فهل لا تحتاج إلى التواءات ديبلوماسية ماهرة: هي أولا انفراد كل من الأمم العربية بإنتاج المواد الخام الرخيصة للدول الاستعمارية فمصر تنتج قطنا لمصانع لانكشاير والعراق ينتج بترولا لأرباب مصانع الأسلحة وفلسطين تنتج فواكه وموالح وأملاح البوتاس للتجارة الإنجليزية.

وهي ثانيا تسرب الرأسمال الأجنبي في اقتصاديات الأمم العربية عن طريق ديونها الخارجية الباهظة واحتكارات المرافق العامة وتمويل الرهونات العقارية ونزع الأراضي من العرب في فلسطين لصالح الاستعمار الصهيوني.

وهي ثالثا تؤخر البلاد العربية والاقتصادي وبقاؤها في نظام إقطاعي وإفقارها إلى استغلال مواردها الكامنة وانتقادها أيضا إلى نهضة صناعية لا يعرفها الاستعمار بمناوراته المختلفة.

وهي رابعا وقوع معظم البلاد العربية في الدائرة الإسترلينية وتسلط الاستعمار المالي الأجنبي على بنوكها المركزية وعلى عملتها وتحكم الإنجليز الاستبدادي في معاملتها التجارية مع الخارجية في الوقت الحاضر.

هذه ولا شك مسائل كلها حيوية مشتركة لأمم الجامعة العربية وأهميتها تفوق بكثير أهمية تبادل المعلومات أو توحيد الموازين والمكاييل لأنها مسائل متصلة أو أوثق الاتصال بقضيتها الوطنية المشتركة ولأنها مرتبطة أشد الارتباط بقضية رفع مستوى الشعوب العربية الفقيرة المستغلة وهي من الوضوح بحيث لا يمكن أن يغفلها أي وطني مخلص إذا فكر في مطالب الشعوب العربية تفكيرا قليلا.

وكان منظورا أن تقوم الجامعة العربية بهذا التفكير البسيط الأول ولكن منظورا أن يستغل ممثلو الشعب العربي منبر الجامعة للمجاهرة بمطالب شعوبهم.

ولكن الجامعة العربية جامعة الدول العربية كما سميت بحق تغاضت عن مطالب الشعوب العربية الاقتصادية وأغفلت تغلغل الرأسمالي الأجنبي في حياتها الاقتصادية ولم تبال بأن الاستعمار يخنق الآن الطبقات الشعبية العربية لماذا لأن هذه الجامعة جامعة دول وليست جامعة شعوب فهي تمثل الطبقات الحاكمة دون غيرها ولأن الحياة السياسية للشعوب العربية لا تزال متأخرة تشكو ضغط الاستعمار الثقيل وبهذا يتضح أن حل المسائل الاقتصادية للشعوب العربية معقود بتحرير هذه الشعوب من الاستعمار تحررا لا يأتي عن طريق الزعماء والساسة الرسميين بل عن طريق الكفاح الشعبي نفسه.

أحمد سعيد (السنة الأولى العدد 9- 16/ 9/1945)

يجب أن نقبل الرأسمال الأجنبي بشروط

انتهت الحرب العالمية وبانتهائها ستخرج مصر لا محالة من العزلة الاقتصادية التي بقيت فيها بسبب انقطاع المواصلات البحرية بالخارج ستوجد العلاقات الاقتصادية التي كانت تربط مصر بالبلاد الأجنبية مرة ثانية والذي يخشاه الوطنيون المصريون أن يكون مركز مصر في هذه العلاقات الاقتصادية الخارجية هو مركزها قبل الحرب مركز مستعمرة يستغلها ويستضعفها الاستعمار

ولذلك علينا أن ندقق النظر في مسألة موقفنا من المنافسة القائمة بين انجلترا وأمريكا وألا نكتفي فقط بالقول بأن انجلترا تريد أن تبقي الحصار الاقتصادي المضروب حول الكتلة الإسترلينية في حين أن الأحوال الاقتصادية الداخلية في الولايات المتحدة تدفع هذه البلاد إلى التوسع في التجارة العالمية أي تدفعها إلى تأييد التعاون الدولي إذ أن قولا كهذا يتناسى أن الولايات المتحدة بلاد رأسمالية وصلت صناعتها إلى درجة كبيرة من التركيز في أيدي حفنة صغيرة من المحتكرين وأن هذا التركيز سيؤدي حتما إلى اتجاه استعماري يجب أن لا تتغاضى عنه.

غير أن مصر في أشد الحاجة إلى تشييد اقتصادنا القومي إلى تحسين زراعتها وبنا صناعتها وتوسيع شبكة مواصلاتها وهذا كله يتطلب رأسمالا ضخما يستطيع إيجاد بعضه في مصر بذاتها ولكننا سنضطر إلى استيراد البعض الآخر من الخارج هذا أمر لا جدال فيه بيد أن نقاشا كبيرا حول وسائل استيراد المال وشروط الاستيراد بثار عادة بين الوطنيين المصريين والتقدميين منهم خاصة.

فالبعض يفضل ألا نستورد رأسمالا على الإطلاق لأنه يربطنا بالبلاد الاستعمارية من جهة ولأننا نستطيع أن نوجد الرأسمال اللازم لنا عن طريق الضرائب التصاعدية الثقيلة من جهة أخرى ولكن هؤلاء ينسون أن مسألة توفير رؤوس الأموال مسألة مباشرة تواجهنا الآن ولا يمكن أن نتهرب منها بإجابة نظرية بل علينا أن نحدد موقفنا منها في الوقت الحاضر.

وطبيعي أننا لن نقبل أن نستورد الرأسمال الأجنبي بدون أن نفرض شروطا دقيقة على هذا الاستيراد إذ أن التجارب القاسية قد علمتنا أن استيراد الرأسمال الأجنبي معناه زيادة استغلال الرأسماليين للطبقات الشعبية وتأخير وضعنا السياسي واستناد الرجعية المصرية على حراب الاستعمار وتكانف الاستعمار والرجعية المصرية على كبت الحركات الشعبية في بلادنا وعليه فما هي الشروط التي يجب أن تفرضها على الرأسمال الأجنبي؟ للإجابة على هذا السؤال لابد أن ندرس حالة الرأسمال الأجنبي المستغل في مصر لنرى ما هي اتجاهاته الطبيعية وكيف تعارض نمو الاقتصاد المصري.

تبين الإحصائية التالية المأخوذة من كتاب كراوتشلي استثمار الرأسمال الأجنبي في مصر (ص92) والتي تعتبر أحدث الإحصائيات المنشورة رغم تقادم عهدنا نسبيا تبين توزيع الرأسمال الأجنبي على الفروع المختلفة من النشاط الاقتصادي المصري:

رهون عقارية بنوك زراعة نقل وترع صناعة ومناجم وتجارة المجموع
44,310 5,085 6,845 4,445 20,700 101,365
الأرقام بآلاف الجنيهات

يتضح إذن أن الرأسمال الأجنبي المستغل في الصناعة والتجارة والمناجم عبارة عن 20٪ الرأس مال الأجنبي في مصر وإذا قارنا توزيع الرأسمال الأجنبي بتوزيع الرأسمال الكلي في الحياة الاقتصادية المصرية استطعنا أن نقول أن الصناعة تمثل 56٪ من النسبة السابقة.

أي أن 10,8٪ فقط من الرأسمال الأجنبي في مصر يستغل في الصناعة المصرية أما الباقي 9,2٪ فهو يستغل في الرهون العقارية والزراعية والمناجم والنقل أي يستغل في سبيل استخراج المواد الخام في وطننا ونقلها إلى الخارج لتستعملها الصناعة الأجنبية في البلاد الاستعمارية وبهذا الشكل يتضح أن الرأسمال الأجنبي عندنا وقع في الجزء العظيم منه تحت ما سماه لينين الطفيلي أي أنه رأسمال يأتي إلى البلاد المستعمرة

ومثل المستعمرة لا ليكون فيها اقتصادا متقدما بل ليمتص ما فيها من مواد خام من قوة وحيوي ليبقى اقتصاد متقدما بل ليمتص ما فيها من مواد خام من قوة وحيوية ليبقى اقتصاد البلاد الاستعمارية على قيد الحياة وليملأ جيوب الرأسماليين بالأرباح الباهظة التي يعيشون عليها متطفلين دون أن يؤدوا عملا ما

وعليه فيجب ألا تغرينا التصريحات الرسمية وغير الرسمية عن مبادئ الحرية الأمريكية في التجارة الدولية إذ أن الرأسمال الأمريكي نفسه الذي يستثمر في الخارج موزع على شكل نسبه توزيع الرأسمال الأجنبي عندنا فقد ذكر جيمس آلن في مجلة نيوماسز الأمريكية أن 62٪ من الرأسمال الأمريكي الذي كان مستثمرا في الخارج كان في الصناعات الاستخراجية الزراعة والمناجم والبترول وأن 25٪ كان مستثمرا في المرافق العمومية والنقل وأن 7٪ فقط

كان مستثمرا في الصناعات الإنتاجية ويقول آلن إن الرأسمال الأمريكي يتخصص في تنمية المواد الخام التي تحتاج إليها الصناعة في الولايات المتحدة وأن يتجه نحو تأسيس احتكار دولي في متابع المواد الخام ولذلك فتجميع الجهود التي تبذل لمقاومة الاستعمار في الميدان الاقتصادي يجب أن تشمل قيودا معنية على الرأسمال الأجنبي وأن تراقبه في استثماره في الاقتصاد الوطني.

فأول شرط يجب أن تفرضه إذن على الرأسمال الأجنبي الذي يدخل مصر أن يتجه اتجاها غير طفيلي أي أن يستغل بنسبة عالية في إقامة اقتصادا قوميا لدينا في الصداقة المصرية وأن الرأسمالية المصرية ذاتها لتشعر بهذه الضرورة فيكتب باحث اقتصادي في جريدة الوفد المصري بتاريخ 25/ 5/ 1945) يقول فيه: أنه يرضى بالرأسمال الأجنبي إذا حقق شرطين أولهما أن يجيء بشكل آلات وصناعات وما إليه وثانيهما أن يقبل مشاركة الرأسمالية المصرية له.

ثم ينبغي أن ننظر إلى هذه المسألة فطرة أوسع من هذا أيضا فاستيراد الرأسمال الأجنبي معناه دفع فراد معينة لهذا الرأسمال وطبيعي أنها ستكون في شكل مواد خام تصدرها إلى الخارج والذي يحدث غالبا أن هذه المواد الخام تستعمل لإنتاج سلع مصنوعة في البلاد الأجنبية ثم ترد إلينا ثانيا وتباع بأسعار تحددها السوق العالمية بكثير من الفوضى والاحتكارات المختلفة وكثيرا ما تكون هذه الأسعار مرتفعة على حساب المستهلك المصري وعليه فيجب أن يقترن استيراد الرأسمال بتحديد أسعار البضائع المصنوعة التي ستأتي لنا من البلاد التي نستورد منها الرأسمال.

ومن ناحية أخرى إذا استوردنا الرأسمال الأجنبي وأخبرناه على أن يستثمر في الصناعة ثم تركناه وشأنه لعبت القوانين الرأسمالية دورها العادي وتمركز الإنتاج الصناعي في أيدي فئة صغيرة من المحتكرين ينافسون الإنتاج الصغير والمتوسط ويقضون عليه آخر الأمر ولذلك يجب أن توضع الاشتراطات المخالفة على الرأسمال الأجنبي مثل المراقبة الحكومية على الإنتاج والأرباح حتى لا يفنى المنتجون الصغار والمتوسطون

كما أن العلاقات بين أصحاب تلك المصانع والعمال الذين يشتغلون فيها يجب أن تحدد على أساس حماية العمال من الجشع الرأسمالي ويجب أخيرا أن نضمن أن ذلك الرأسمال لن يؤثر على حياتنا السياسية أي أنه لن يتحول من رأسمال اقتصادي إلى رأسمال سياسي يربطنا بمصير الطبقة الحاكمة في دول معينة أو في مجموعة من الدول الرأسمالية يبقينا في حالة من التأخر السياسي ويعرقل تقدمنا الديموقراطي

والحق أن تلك الاشتراطات المختلفة التي ذكرناها سابقا من توجيه استثمار الرأسمال الأجنبي وتحطيم أسعار السلع المستوردة وحماية المنتجين الصغار والعمال لن تتحقق إلا إذا كانت الحكومة القائمة ترمي حقا إلى دفع الخطر الاستعماري عن مصر وحماية الطبقات الشعبية من الاستغلال وإلى تطوير الاقتصاد القومي في وجهته السليمة أي إذا كانت حكومة ديموقراطية صحيحة.

(صادق سعد) (السنة الأولى-العدد الثاني عشر- 1/11/1945)

تطوير مصر الرأسمالي 1919- 1945

نقول اليوم بضرورة ربط مطالبنا الوطنية بمطالبنا الديمقراطية لأن الطبقات الشعبية في طليعة الحركة الوطنية في الوقت الحاضر، لا لنكتل الجماهير حولنا فحسب.

ثارت مصر ثورتها الكبرى سنة 1919 لأن ظروف الحرب العالمية الأولى كانت قد ركزت تطور مصر الطويل أثناء الاحتلال الإنجليزي وجعلت الطبقات الشعبية تصل في تبرمها إلى أقصاه وكانت ثورتها على استعمار أضعفته الحرب وهزت أركانه هزا عنيفا إذ كانت الحرب العالمية الأولى حربا تطاحنت فيها القوى الاستعمارية وانتهت بتحطيم حلقة من السلسلة الاستعمارية في روسيا القيصرية

وذلك بنجاح الثورة الروسية الإشتراكية أما مصر فقد ساعدت ظروف الحرب على تقدمها بل على تقدم طبقاتها المالكة وعلى فتح الإمكانيات الاقتصادية الواسعة أمامها فوعيت هذه الطبقات بأن نهضتها مرهونة بتقهقر الاستعمار واستيلائها على الحكم السياسي في مصر وهكذا قادت الثروة المصرية.

أتت الحرب بخير عميم للطبقات المالكة المصرية وهي وقتئذ لم تزد على طبقتي الملاك الكبار والرأسماليين الزراعيين وطبقة صغيرة من التجار فقد ارتفعت أسعار القطن ارتفاعا هائلا وصلت إلى 200 ريال سنة 1920 وأنفقت الجيوش البريطانية مبالغ كبيرة بلغت 17 مليونا ونصف المليون سنة 1961

وكدس هذا كله الأرباح الطائلة في أيدي الملاك الكبار والرأسماليين الزراعيين والتجار ومساعد الكثيرين من الملاك على دفع المتأخرات من الرهون العقارية أي على تحررهم من قبضة البنوك الأجنبية وخلال الحرب أصدرت القوانين التي تحد من زراعة القطن فدفعت بالزراعة المصرية في طريقها الطبيعي في زراعة المحاصيل التي تباع في السوق المصرية وفتحت هذه السوق أمام المنتجين المصريين وقد كانت تباع وقفا على المحاصيل الزراعية الأجنبية.

ولم تكن مصر قد انتشر فيها التعامل المالي بعد فالبنوك مركزة في المدن والتعامل في الريف تعامل نوعي أو نقدي على أساس الذهب والفضة ولكن الحرب منعت البنوك في مصر والبنك الأهلي خاصة من استيراد الذهب الضروري للتعامل

وكان هذا التعامل إزداد بسبب مشتريات الجيوش وأجور عمالها ولذلك أخذت الأوراق المصرفية البنكنوت صفة رسمية وهذه باقترانها بوفرة الأموال والودائع في البنوك علمت المصريين فوائد التعامل المصرفي وسرعته فساعدت أكثر فأكثر على إدخال الطبقات المصرية المالكة في دائرة الحياة الاقتصادية اليقظة الحياة الرأسمالية للسريعة النبض.

وكانت التعبيرات الأولى لتلك الرأسمالية المصرية الناهضة ازدياد زراعة المحاصيل المخصصة للسوق المصرية ثم الالتفاف إلى استغلال بعض رؤوس الأموال في الصناعة وإلى استغلال الباقي في القراطيس المالية وقد رأت مصر فعلا في هذه الفترة انتشار زراعة الخضروات والفواكه وظهور صناعات جديدة أو ازدهار الصناعات القديمة (النسيج، الزيوت والصابون، السكر والأرز، السجاير)

وشهدت انتقال القراطيس المالية من الخارج إلى أيدي القاطنين مصر وقد ذكر كراوتشلي أنه في سنة 1923كان نصف الدين المصري العام في أيدي المصريين وهذا كله قوى الطبقة الرأسمالية المصرية ودعم مركزها.

ولكن الحرب العالمية انتهت سنة 1918 وإذا بالطبقات المالكة المصرية مهددة في أرباحها وازدهارها ونهضتها فالمشكلة الرئيسية للبورجوازية الفتية هي مشكلة السوق ومن هنا أتت رغبتها في أن تضمن سوقها الداخلية أن السوق هي المدرسة الأولى التي تتعلم البورجوازية فهيا وطنيتا فالطبقة الرأسمالية المصرية وتهيجها بانفصال أوضح بين الطبقات المالكة المستغلة فشهدت نهاية الحرب سلسلة من الاضطرابات العمالية وانتشارا واسعا لهياج الفلاحين في الريف وأن قوة الحركة الوطنية تحددها الدرجة التي تشترك فيها الفئات الواسعة من الأمة الطبقة الفلاحية والبروليتاريا في تلك الحركة.

فكان يوم 11 نوفمبر 1919 الذي عبر فيه ذهاب سعد زغلول إلى السفارة عن نضوج الحركة الوطنية ووحدة عناصرها الثورية وأن الحركة السياسية التي تبعث هذا العمل ولا سيما تكوين حزب الوفد لتمثيل قيادة الرأسمالية المصرية لتستغل وتسيطر.

غير أنه ليس من شأنه هنا أن نفحص مقدار ما استفادته الطبقات الشعبية المصرية من القيادة البورجوازية للحركة الوطنية بل علينا الآن أن نعرف تطور الطبقات الرأسمالية في مصر بشكل عام وأن نستنتج منه تطور موقفها من القضية الوطنية الراهنة.

أما تطور الطبقات الرأسمالية فقد كان سريعا يتجه نحو ازدياد الإنتاج وتركيزه في أيد قليلة وتصلط الرأسمالي المالي المصرفي عليه وارتباطه بالرأسمال الأجنبي.

وقد كان التطور الرأسمالي العادي الذي حدث في أوربا وأمريكا مثلا يقضي في انتشار الإنتاج الصناعي ثم تركيزه ثم خضوعه للرأسمالي المالي أما في مصر فقد بدأ هذا التطور من طرفه إذ دعا تكدس الأموال المصرية في البنوك إلى تأسيس بنك مصر سنة 1920 وكان هذا البنك هو الذي قدم مباشرة القسم الأكبر من النهضة الصناعية المصرية فوجدت هذه الأخيرة وهي تحت نفوذ الرأسمال المالي منذ ولادتها.

وكان من أثر الكفاح الذي قامت به الرأسمالية المصرية ضد الأجنبية أن ازداد عدد المصريين في مجالس إدارة الشركات في مصر وارتفعت نسبتهم فيها وقد قام بنك مصر فعلا بشراء بعض الشركات الصناعية أو بالاشتراك في رأسمالها وأمثال تلك الشركات شركة ليندمان التي سميت بعد الشراء شركة مصر لتصدير القطن وشركة لافلو فيال فان يدرزي التي أصبحت الآن شركة مصر للملاحة النهرية

وقد عبر طلعت حرب نفسه عن اتجاه بنك مصر في تقريره عن سنة 1922 إذ قال في ثناياه: إن البنك لا يتراجع أمام التعاون مع الأجانب بشرط أن يكون أساس هذا التعاون المساواة والاحترام المتبادل بين الفريقين وأن يعترف بحق المصريين في الاشتراك في الأعمال.

ثم ازداد ارتباط الرأسمالية المصرية بالرأسمال الأجنبي عن طريق تعيين الرأسماليين المصرين في الشركات الأجنبية ففي سنة 1923 مثلا كان أحمد عبود باشا رئيس شركة السيارات والأمنيبوس بالقاهرة ورئيسا لشركة تيلبوري للمقاولات ورئيسا لشركة البترول الوطنية.

وكان علي بك أمين يحي رئيس الشركة التجارية المصرية بما نتشستر وكان أمين يحيى باشا رئيس البنك البلجيكي والدولي بمصر وكان طلعت باشا حرب في مجلس إدارة الكريدي ليونيه وشركة كوم أمبو ولا غرو بعد ذلك أن تبقى المعاهدة التي تمضيها القيادة الرأسمالية المصرية مع بريطانيا سنة 1936 قوات الاحتلال في مصر وتربط بلادنا رسميا بحليفتها في السياسة الدولية.

وقد ازدادت سرعة التطور الرأسمالي في مصر إلى أن أصبح قريبا من المرحلة الاحتكارية والمالية فتقرير بنك مصر يوضح لنا مثلا تسلط هذا البنك على تجارة المحاصيل الزراعية فيذكر أن الغلال التي دخلت شونة كانت 450,000 أردب سنة 1940 فبلغت 2,50,000 أردبا سنة 1945 وأن تعداد سنة 1937 وهو أحدثها يظهر لنا أن المنشئات الصناعية ذات الرأسمال الزائد عن 10,000 جنيه عبارة عن خمسة في الألف من مجموع المنشئات الصناعية.

ومع ذلك فهي تملك 82٪ من الرأسمال المستثمر في الصناعة وهناك اتفاقات احتكارية تعقد بين الشركات الصناعية أو الزراعية الكبرى قبل الاتفاق المبرم بين شركة مصر للنسيج بالمحلة الكبرى وشركة الغزل الأهلية لتحديد الأسعار التي يباع بها الغزل المصري في الأسواق المصرية.

وكان من الطبيعي أن يقترن هذا التطور نحو التركيز والاحتكار بتداخل متزايد العمق بين الرأسمال المصري والأجنبي فنجد الآن أن حافظ عفيفي وهو عضو مجلس إدارة 32 شركة يجلس في مجلس إدارة شركة ماركوني وشركة السكر والكريدي ليونية وأن فرغلي باشا يكون عضوا في شركة لافلوفيال فان ديرزي وفي مجلس إدارة البنك الأهلي.

وهذا هو الفرق الأساسي الأول بين ظروف 1919 وظروف اليوم أعني تعمق التطور الرأسمالي في حالة مصر الاقتصادية واقترابه من المرحلة الاحتكارية المالية ثم ارتباطه ارتباطا وثيقا بالرأسمال الأجنبي وبالاستعمار وهذا هو الذي دعا إلى فشل القيادة الرأسمالية في توجيه الحركة الوطنية في الوقت الحاضر.

أما السبب الثاني فهو اختلاف أساس آخر بين ظروف 1919 وظروف اليوم ولسنا نقصد الظروف الدولية فحسب تلك الظروف التي تبين اتجاه العالم إلى اليسار إلى الإشتراكية بل نقصد في المرتبة الأولى تطور الطبقات الشعبية المصرية، وتبلور كيانها وفصلها أكثر فأكثر عن الطبقات الوسطى

ثم تحديد موقفها تحديدا أوضح فأوضح من الطبقات المالكة فقد ظهر في الجزء الأخير من الفترة بين الحربين طبقتان جديدتان هما طبقة العمال الصناعيين التي تبلغ نفس المجموع حسب تعداد 1937 وقد تركت الظروف القاسية التي فرضتها الحرب وتسلط الاستعمار على مصر تأثيرا عظيما على يقظة الطبقة ووعيها الطبقي بشكل خاص

فأنشأت منظماتها الطبقية الأولى وهي النقابات والتفت حولها التفافا قويا دعا الرأسمالية في مصر إلى التردد فالبورجوازية لا تعود ثورية كلما عملت البروليتاريا مستقلة عنها والبورجوازية المصرية تجد أمامها قوة كبيرة تناهض مصالحها الخاصة وتكافح في سبيل التحرر من الجوع والحرمان

ولذلك تهادن رأسماليتنا الاستعمار الأجنبي لأنها تأمل أن تجد فيه سندا قويا ضد الطبقات الشعبية ولذلك أيضا وعيت تلك الطبقات وفي طليعتها الطبقات العاملة إن تحررها الداخلي مربوط بتحررها الخارجي ومربوط بتحرر الطبقات الشعبية كلها من الاستغلال والاستعمار ولذلك انتقلت إلى أيدي الطبقة العاملة راية الكفاح الوطني منذ الآن..

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 13- 1/11/1945)

حول مقال يجب أن نقبل الرأسمال الأجنبي بشروط

(إيضاح وشكر)

بلغتنا انتقادات على المقال الذي نشر في العدد الثاني عشر تحت عنوان بجب أن نقيد الأسمال الأجنبي بشروط وقد اتضح من المناقشة التي جرت مع بعض الزملاء أن العنوان لم يكن يحمل المعنى المقصود وقد اتفق على أن العنوان الذي يؤدي الفكرة المقصودة هو يجب أن نفرض شروطا على الرأسمال الأجنبي

ولا شك أنه كان ضروريا أن نقدم للمقال بمقدمة نشرح فيها أن فرض الشروط على الرأسمال الأجنبي يجب أن يقترن بالإصلاحات الاقتصادية والسياسية تلك التي تهدف إلى أن يتمتع الشعب المصري برفاهية اقتصادية واجتماعية لائقة به ونحن إذ نعترف بخطأ العنوان والتقصير في تقديم المقال المذكور نشكر زملائنا وأصدقائنا الذين توجهوا إلينا بالنقد.

غير أنه قد جاءتنا رسالة بإمضاء (باحث) من الإسكندرية وهي تثير نظرية هامة ألا وهي قيمة اهتمامنا بالإصلاح الجزئي ومنه قبول الرأسمال الأجنبي ولو كان خاضعا لشروط ثم أن صديقنا الباحث قد انتهى في رسالته إلى أن الإنتاج الجمعي وهو لا يقصد الإنتاج الاشتراكي أو الجماعي بدليل أنه يضرب له المثل بالاتحاد السوفيتي هو الوحيد الذي يجب علينا أن ندرسه ونهتم به.

إننا نعلم علم اليقين أن النظام الاشتراكي هو الوحيد الذي يخلو من التناقضات والأزمان إلا أننا نرى ضرورة الانتباه إلى الإصلاحات الجزئية التي يمكن القيام بها في الوقت الحاضر وفي ظل نظامنا الرأسمالي الحالي ذلك بأن الإصلات الجزئية تضعف جهة المستغلين وتزيد قوة الكادحين ماهيا ومعنويا

ومن جهة أخرى فلا يكفي على الإطلاق أننا نعرف أن النظام الحالي نظام الرأسمالي ملئ بالتناقضات وسيء إلى أقصى حدود السوء بل علينا أن نعرف ما هي خصائص النظام الرأسمالي مصر بالذات وما هي التناقضات في مصر التي ستمكننا من الكفاح من سبيل النظام العادي السليم.

ولا شك أن المطالبة برفع الأجور مثلا أو إصلاح دستورنا إصلاحا ديمقراطيا إلخ جزء لا يتجزأ من كفاحنا في سبيل حرياتنا الاجتماعية والسياسية خاصة وأننا نستطيع خلال الكفاح الجزئي أن نبين للناس عمليا عاطب النظام الحالي وأضراره.

ولنا ملاحظة أخيرة، وهي عدم وجود أي تضارب بين قبول الرأسمال الأجنبي بشروط ويبين ترقية الاقتصاد القومي وتطويره فهناك بلاد امتازت بسير اقتصادها لمصلحة الشعب ومنها الاتحاد السوفيتي وطن الإشتراكية وبعض بلاد البلقان فهي تقبل الرأسمال الأجنبي إذا خضع للشروط التي تخدم مصلحة الشعب.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 14- 6/12/1945- ص21)

حول البعثة التجارية البريطانية

تبدو البعثة التجارية البريطانية الموجودة في مصر الآن كأنها بعثة غير رسمية أتت هنا للتحري عن الاقتصاد المصري في مصلحة مصر والحليفة ولكن علينا نحن الوطنيين المخلصين أن ندرك أن هذه البعث قد تؤدي إلى ربطنا بالاستعمار البريطاني ربطا أقوى ما هو عليه الآن إن لم نكن يقظين منتهين.

ونحن لا نعارض مبدئيا الاتفاق مع البعثات التجارية بريطانيا أو غيرها ولكننا نطالب بأن يكون الاتفاق معها في مصلحة الشعب المصري قبل أي شيء آخر.

لم تخض الطبقات الحاكمة الإنجليزية غمار الحرب العالمية الثانية دون أن يتغير وضعها السياسي ودون أني تتأثر قبضتها على شعبها وعلى شعوب مستعمراتها صحيح أن بريطانيا خرجت من هذه الحرب منتصرة انتصارا عسكريا ساحقا ولكن على أي عدو انتصرت؟ انتصرت انجلترا وحليفاتها الدول الديمقراطية الأخرى على ألمانيا وإيطاليا واليابان وحلفائها وهي الدول التي كانت قد تركز فيها أبشع نوع من أنواع الاستبداد السياسي الرأسمالي على الطبقات الكادحة

ولذلك لم تكد تنتهي هذه الحرب إلا وعبرت جميع الشعوب عن إرادتها الأكيدة في أن تتحرر من الاستعمار الخارجي والاستغلال الداخلي فرأينا الحركات الوطنية الرائعة في الشام والصين والهند وأندونيسيا ورأينا اتجاه أوربا إلى تأييد الأحزاب الإشتراكية والصين والهند أندونسيا ورأينا اتجاه أوربا إلى تأييد الأحزاب الإشتراكية والشيوعية في انجلترا وفرنسا وإيطاليا ويوغوسلافيا وألبانيا ورومانيا وبلغاريا وبولاندا وشعرنا جميعا بتحفز الشعوب الأخرى فلسطين، العراق، مصر إلا الانعتاق والتخلص من أغلال الظلم والطغيان ولذلك كله تحرج مركز بريطانيا الاستعماري في العالم كله

لأن هذه الحالة الجديدة قد تخرج من يدها الشعوب التي تتطفل عليها وتعتصرها اعتصارا يملأ جيوب الرأسماليين الإنجليز بالأرباح الطائلة وقد زاد الطين بلة أن الولايات المتحدة قد ظهرت خلال هذه الحرب منافسة قوية لبريطانيا تنتهز فرصة توجيه الصناعات الإنجليزية نحو المجهود الحربي كي تغزو المستعمرات البريطانية والبلاد التابعة للاقتصاد البريطاني بالمنتجات الأمريكية وتعلم الشعوب الأخرى على حد قول صحافي أمريكي أن تمضغ اللبان وتأكل الأطعمة المحفوظة.

وإزاء هذه الحالة الخطيرة لم يكن يد الرأسماليين الإنجليز من أن يقوموا بهجوم مضاد هجوم لن يكون على أية حال في مصلحة الشعوب المستعمرة التابعة فأرسلت الوزارة الإشتراكية كما تسمى نفسها الطائرات والدبابات والفرق الهندسية لتقمع الحركة في أندونيسيا والهند والصينية وأطلق على المتظاهرين الهنود في كالكوتا أما فيما يختص الشرق الأوسط فقد اجتمع الممثلون البريطانيون في البلاد العربية في لندن بالذات ثم ظهر الهجوم على حرية العرب واستقلالهم شيئا فشيئا.

أما فيها يخص مصر فقد صرح بيفن بأن جلاء الجيوش البريطانية غير مناسب الآن وكذلك الحال بالنسبة إلى تعديل المعاهدة التي تربطنا بالحليفة ثم جاءتنا تصريحات الشخصيات المصرية المختلفة التي زادت لندن أخيرا فهناك من قال بوجوب إهمال ديننا على بريطانيا وهناك من قال باستعداده لقمع اضطرابات العمال المصريين وهذا عبود باشا يصرح أخيرا بأنه لا أمل لمصر؟ في أن تصبح صناعية فغاية ما يجب أن ترمي إليه هي أن تتمتع بصناعة النسيج

غير أن بعض كبار الرأسماليين المصريين بصداقة بريطانيا لم يكف الاستعمار فاهتمت الحكومة الإنجليزية بإرسال بعثة تجارية وأبد الاتحاد الإنجليزي للصناعات هذا الاهتمام تأييدا كبيرا ذلك لأن بريطانيا تحاول أن تضمن قبضتها على الأسواق المصرية قبل أن تضطر أن تتنازل بأي شيء من قبضتها السياسية والعسكرية على مصر فجريدة المانشستر جارديان تلاحظ أن مصر لانعوزها القدرة على الشراء وإن كانت هذه القدرة لا تعدو في الغالب فئة محدودة من السكان ثم تعكس ضغط الاستعمار البريطاني على مصر لتخفيض أسعار القطن بقولها:

ومما لا شك فيه أن السلطات المصرية تدرك تمام الإدراك مدى الفوائد التي تجنيها مصر من عرض مقادير وافرة من القطن ذي التيلة القصيرة مقابل أسعار مناسبة أما من الوجهة الرسمية فالبعثة التجارية والتي أتت بناء على اتفاق مع الحكومة المصرية ليست إلا بعثة صغيرة متواضعة بريئة لا سلطة لها ولا تقصد غير استشارة رجال الأعمال المصريين العمل على تنمية التجارة مع البلدين

ولكن الحقيقة غير هذه الرسميات فرئيس البعثة ذاته قد صرح بأنه في وسعها بحث جميع نواحي الروابط الاقتصادية القائمة بين البلدين وتكوين البعثة نفسها يدل على أهميتها إذ أن هذا الرئيس ليس إلا أحد مديري بنك انجلترا وأن أعضائها من كبار الخبراء في الصناعة والمواصلات والكهرباء

وأننا لو تذكرنا بأن المواصفات لمشروع خزان أسوان تتولى الآن وضعها شركة (كندي ودونكن) ولو أدركنا أهمية هذا المشروع وقدرته على نشر صناعة مصرية ناهضة تنافس البضائع الإنجليزية لو تذكرنا هذا كله ومركز انجلترا الحرج الحاضر بالنسبة للتجارة العالمية لقلنا أن في استطاعة هذه البعثة المتواضعة أن تلقي باقتصادنا في أحضان الاستعمار إلقاء يزيد من تحكمه على حياتنا السياسية

ويدفع بشعبنا في فقر أعمق وحرمان أكبر في استطاعة هذه البعثة التجارية أن تعمل هذا إلا إذا كانت حكومتنا تتقدم إليها بمطالب مصر الاقتصادية العاجلة تلك المطالب التي رمي إلى تحريرنا من الاستعمار الاقتصادي وهي تتلخص فيما يلي:

  1. حل مسألة الأرصدة الاسترلينية حلا سريعا واسترداد مبلغ ال400 مليون جنيه التي على حليفتنا
  2. نقض اتفاقية العملة وتمتع مصر بالحرية الكاملة في الاتجار مع البلاد الخارجية على نفوذ الإنجليز.
  3. استقلال عملتنا وتأهيل البنك الأهلي تأهيلا كاملا.
صادق سعد (السنة الأولى- العدد الخامس عشر- 16/2/1945)

يجب أن نحمي صغار المنتجين

وأخيرا بعد تلكؤ وأناة ومرور السنوات الطوال وصل مشروع البنك الصناعي إلى مجلس النواب والمتوقع أن يقره البرلمان تتوفر لمصر أداة مهمة في جهازها الاقتصادي وقد قابلت الطبقات المالكة الكبيرة هذا المشروع بكثير من الارتياح والتأييد يجعلانها والحق يقال نفكر طويلا

ذلك لأننا لصنع مصلحة الطبقات الشعبية في المرتبة الأولى إذا أردنا أن نجدد موقفنا إزاء مسألة من المسائل إننا لا يمكن أن نعتقد لحظه واحدة ومصر وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من النضج الاجتماعي إن المصلحة المباشرة للطبقات الشعبية قد تنفصل عن مصالح الأمة بأسرها وعن المصالح البعيدة لتلك الطبقات ذاتها.

فإننا نرغب في النهضة الصناعية في بلادنا رغبة صادقة لا يعتريها الضعف ونؤيد تصنيع بلادنا حتى يستطيع اقتصادنا أن يستقل عن قبضة الاستعمار وحتى تتوفر الحاجيات لشعبنا العزيز وأخيرا وليس آخرا حتى تبقى طبقتنا العمالية عددا ووعيا فيسرع مجتمعنا في تطوره إلا أن هذا كله لا يعني أنه يتحتم على الوطنيين المخلصين أن يؤيدوا المشروعات التي يقل أنها ترمي إلى تقوية النهضة الصناعية تأييدا أعمى دون قيد ولا شرط.

هناك نهضة تحرر اقتصاد الوطن من قبضة الاستعمار وهناك نهضة صناعية أخرى ترتبط به أكثر من ذي قبل فالصناعات الوطنية التي قامت في مصر خلال الحرب العالمية الأولى مثلا كانت معتمدة على رأسمال مصري يأخذ مكانه في منافسة الاستعمار ومحاولة تحطيمه غير أن كثيرا من الصناعات التي قامت بعد 1936 مثلا كانت معتمدة على خليط من الرأسماليين المصري والأجنبي فأدى إلى انحياز كبار رأسمالينا إلى مصالح الاستعمار في بلادنا.

وهناك نهضة صناعية توفر للشعب حاجياته النهضة الصناعية العربية في فلسطين لأنها لا تزال في دور المنافسة الحرة وهناك نهضة صناعية جوهرها المنشآت الاحتكارية تحرم الشعب من مطالبه المادية الأولى وهذا ما وقع في اليابان مثلا.

وهناك نهضة صناعية لا تعوق الحركة العمالية مثل ما يحدث في فرنسا الآن ونهضة أخرى تبطش بها وتنزل بالعمال أبشع أنواع الاستغلال ونستطيع أن نضرب لذلك مثل النهضة الصناعية في ألمانيا النازية وعليه فمسألة نهضتنا الصناعية وبالتالي مسألة البنك الصناعي المرتبط بها مرهون تقديرها بالظروف التاريخي الذي تقع فيه وبالعلاقات الاجتماعية السائدة حينئذ وهي ذلك لا تختلف عن أية مسألة أخرى من المسائل الاجتماعية.

نلاحظ أول ما نلاحظه على مشروع البنك الصناعي غموض أغلب فقراته فيما يخص حماية الطبقات الكادحة والمتوسطة وهذا ما يهم تلك الطبقات بشكل جوهري ولم يدقق المشروع في هذا الأمر إلا في الفقر الخاص بمعاونة خريجي المدارس الفنية وهذه خطوة إن حققتها الحكومة تحقيقا فعليا لا تشوبه الوسطات والمجاملات المعتادة بين كبرائنا فالمشروع يتحدث عن اشتراك الدولة في تدعيم المؤسسات الصناعية القائمة

وعن تقديم السلف لها واستثمار الفائض من أموال البنك الصناعي في شراء أسهم وسندات الشركات الصناعية الناجحة ولا ندري ماذا يعني هذا اللفظ في نظر الحكومة الحاضرة هي معنى النجاح وفرة الأرباح أم وفرة الحاجات الرخيصة للشعب فالاثنان قد يختلفان.

إننا نأخذ على هذا المشروع أنه لم يعتمد أساسيا على أن هناك ثلاثة أنواع من المنشآت الصناعية ولم يذكر بالتفصيل أيها من الثلاثة سيؤيد ويدعم ويمد بالفروض هناك المنشآت الصناعية الضخمة مثل شركات بنك مصر الصناعية وشركة السكر وشركة البوسته الخديوية وشركة الغزل الأهلية بالإسكندرية الغزل الأهلية بالإسكندرية

والمنتظر أن تطالب هذه الشركات الصناعية الضخمة بالاستفادة من وجود البنك الصناعي لأن أمثال تلك المؤسسات الشبيهة بالاحتكارية لا تقنع أبدا بوضعها المالي بل تسعى دائما إلى التوسع وهناك شركات صناعية متوسطة عديدة قد تحتاج إلى المال من وقت الآخر

وهناك آلاف من المنشآت الصناعية الصغيرة التي يقل رأسمالها عن 50 جنيها (بأسعار ما قبل الحرب) والتي تستخدم عاملا واحدا أو عاملين وهذا النوع من الأخير من المؤسسات الصناعية هو الذي يكون أبدا في أشد الاجتياح إلى المال بفائدة منخفضة لأن تنافس المنشآت الصناعية الكبير يسحقه وهذا النوع الأخير أيضا هو الذي يتكون أغلبه من رأسمال مصري صرف وأخيرا فهذا النوع الأخير هو الذي ينتج بضائعه بأسعار معقولة

لأنه بعيد كل البعد عن احتكار السوق وقد أوضح الإحصاء الرسمي لسنة 1927 وهو آخر وإحصاء قامت به الحكومة أن المؤسسات الصناعية ذات رأسمال يقل عن 10,000ج تكون 99,5٪ من مجموع المؤسسات الصناعية

ومع ذلك فإنها لا تملك إلا 18٪ من مجموعة الرأسمال المشتغل في الصناعة أما المؤسسات الصناعية ذات الرأسمال الزائد على 10,00ج فإن نسبتها إلى المجموع 5٪ خمسة في الألف ومع ذلك فإنها تملك 82٪ من الرأسمال المستثمر في الصناعة ولا شك أن وطأة ظروف الحرب الأخيرة كانت شديدة جدا على المؤسسات الصغيرة في حين أن المؤسسات الصناعية الكبرى قد انتعشت أيما انتعاش وربحت مالا يحصى من آلاف الجنيهات فأيهما أولى بالتأييد المالي والدعم؟

وثاني ملاحظة لنا على مشروع البنك الصناعي أنه لم يوضح ماذا يقصد من رسم برنامج صناعي وفي هذا الشأن أيضا أخذ ورد هناك برنامج صناعي يسير على أرض معبدة من قبل فيرمي إلى نشر صناعه النسيج والسجائر والصناعات الخفيفة الأخرى التي تنتج السلع الاستهلاكية المباشر والاستعمار الأجنبي قد لا يخشى هذه النهضة كثيرا لأنها تعمد على آلات تنتجها الصناعة البريطانية وتصدرها إلى مصر

وهناك برنامج صناعي آخر نحن أحوج ما نكون إليه وهو ذلك البرنامج الذي يهدف إلى استغلال موارد الحديد والوارد الكيماوية والقوى المحركة التي ستمكننا من تأسيس الصناعات الثقيلة الكبرى التي يمكن أن تحررنا حقا من الاستعمار ومن ارتباط اقتصادنا به فأي البرنامجين ستنفذ الحكومة وأيهما سيفيد من إنشاء البنك الصناعي؟

هذه ملاحظاتنا على مشروع البنك الصناعي في الحدود التي رسمت له من جانب الوزارة الحاضرة إلا أننا لا نملك أن نتغاضى عن ضيق تلك الحدود وعن القصور الواضح فيها فالواقع أن مصر لا تريد نهضة صناعية ضيقة كي تتمتع برؤية المباني الصناعية الضخمة والمداخن الشامخة بل أنها تريد هذه النهضة الصناعية حتى تتوفر الإنتاج الرخيص ويسعد المواطنون الذين ينتجونه بأيديهم

ثم إن مشروع البنك الصناعي لم يذكر شيئا عن تحديد أسعار المنتجات التي ستشغلها المؤسسات الصناعية التي تحصل على قروض البنك ورغم أن في إمكان البنك أن يشترط مستوى معين للأسعار أو أن يفرض نسبة معمولة من الأرباح على المنشآت التي تطلب منه المعونة المالية إما بغير هذه الشروط فقد يؤدي فقد تأييد البنك المالي للشركات الصناعية ولاسيما الضخمة منها إلى مجرد تأييد سياستها المعهودة وهي استغلال المستهلكين عن طريق رفع الأسعار بأقصى ما تستطيع تحقيقه دون المساس بأرباحها.

كما أن المشروع الذي نحن بصدده لم يفرق إطلاقا بين المؤسسات الصناعية التي تستبد بعمالها وتهمل تطبيق القوانين العمالية وإرشادات مكتب العمل حينما تكون في صالح العمال وبين المؤسسات الصناعية الأخرى التي تنفذ بأمانة روح التشريع العمالي والاتفاقات بين الإدارة والنقابات فهل تنوي الحكومة أن يعاون البنك الذي يتكون 51٪ من رأسماله من أموال الضرائب المفروضة على الشعب المصري أن يعاون هذا البنك أصحا الأعمال الذين يستبدون بأفراد الشعب؟

وخلاصة القول أننا نطالب بأن يكون مشروع البنك الصناعي خاضعا للاشتراطات الآتية:

  1. أن يوجه البنك إلى حماية الصناعي الصغير الحالي.
  2. أن يوجه البنك إلى إنشاء الصناعات الثقيلة.
  3. أن يشترط البنك تحديد نسبة معقولة من الأرباح على المنشآت الصناعية التي يعاونها.
  4. أن يشترط البنك أن تنفذ هذه المنشآت القوانين العمالية.

وقد أثار موضوع البنك الصناعي كثيرا من الجدل في البرلمان وخارج البرلمان فهناك بعض الرأسماليين الذين يعارضون في تدخل الدولة في المشروعات الصناعية تمسكا بشعار المنافسة الحرة كأن المنافسة بين شركة الغزل الأهلية الضخمة الجبارة والأنوال اليدوية الضعيفة

في مديرية جرجا مثلا يمن أن تسمى حرة وهناك بعض المفكرين الذين رأوا في تدخل الدولة خطوة متقدمة جديرة المذهب لأن الأحزاب العمالية تدعو جميعا إلى تأهيل المؤسسات الإنتاجية والمصرفية الكبرى غير أننا نرى ضرورة التدقيق في هذا الموقف فليس كل تدخل للدولة في المشروعات الرأسمالية مما يجب أن نرتاح إليه إذ أن تأييدنا له يتوقف على مدى ديموقراطية الدولة ومدى تمثيل الحكومة للشعب وطبقاته الكادحة:

أن الدولة تشرف الآن على بنك التسليف الزراعي اليوم تتدخل الدولة في الإنتاج الكبير تدخلا رسميا ومع ذلك فهل يمكن أن نعتقد لحظة واحدة أن هذا التدخل يأتي بالخير على الطبقات الشعبية التركية؟ إننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الوزارة الحاضرة تعتمد في تصرفاتها على استشارات اللجنة السياسية العليا غير الدستورية لا نستطيع أن نتوقع خيرا عميما من تأييد الوزارة النقراشية لمشروع البنك الصناعي.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد الثامن- 22/1/1946)

مواقف الوزارة الأخيرة

إن سياسية الحكومة الداخلية تكملة منطقية لسياستها الخارجية هي سياسة تقوي سلطة الاستعمار على بلادنا وتشدد قبضة الاحتكار على حياتنا القومية هي سياسة تظلم العمال والفلاحين والطبقات المتوسطة الصغيرة نريد حكومة شعبية تحقق مطالب الطبقات الكادحة.

كانت الفترة الأخيرة امتحانا قاسيا للسياسة الداخلية للحكومة الصدقية الحالية فقد تولت هذه الحكومة مقاليد الدولة وهي تقسم يمينا مقدسة بأنها سترفع مستوى معيشة الشعب المصري والآن وقد نشطت الوزارة وعملت وحضرت مشروعات القوانين المختلفة ظهر بوضوح أن تلك اليمين لم تكن إلا وعدا معسولا ما لبث أن اختفى سريعا وأني القرارات المختلفة التي اتخذتها الوزارة بصدد ذوي الدخل الثابت مثل قرار إلغاء إنصاف الموظفين ما هي إلا جانب صغير من الأعمال الاستبدادية التي تقوم بها وهي التي كشفت عن بضعها بعض مناقشات البرلمان الأخيرة.

ويهمنا هنا أن نبرز بعض الموضوعات الرئيسية في السياسة الاقتصادية للحكومة الحاضرة وهي اتفاقية العملة الصعبة وسياستها في تسعير الحبوب وموقفها من قانون الشركات الذي تقدم به النائب المحترم عطا عفيفي بك وتحويلها لتصدير القطن فهذه الموضوعات جميعا تمس حياتنا الاقتصادية في الصميم

اتفاقية العملة الصعبة

مدت الحكومة الصدقية أجل اتفاقية العملة الصعبة إلى مارس 1947 وهذا يعني أننا لن نحصل على عملات البلاد الأجنبية التي على استعداد لأن تورد لها كميات كبيرة من منتجاتها مثل السويد وسويسرا والولايات المتحدة إلا بالقدر الذي ترضاه بريطانيا العظمى وهي 12 مليون جنيه في السنة أما إذا استطعنا أن نصدر إلى هذه البلاد بضائعنا وخاصة القطن مثلا فإن كميات العملة التي تزيد عن 12 مليون جنيه سنويا تذهب لا إلى مصر

وإنما إلى انجلترا مقابل تضخيم ذلك الرصيد الاسترليني الذي زاد عن 450 مليون جنيه الآن وهذا معناه أن بريطانيا العظمى تتحكم في تجارتنا الخارجية كما تشاء وتجبرنا ألا نتاجر إلا بها وإن لم يكن لديها إنتاج كاف لتسد احتياجاتنا فلا بأن ولتبقى مصر دون ما تحتاج إليه

وبالأحرى فإن مد اتفاقية العملة الصعبة إلى مارس 1974 بخدمة جليلة تقدمت بها هذه الوزارة إلى الاستعمار البريطاني وهي في نفس الوقت تبقى تمويننا في أ؛واله الصعبة العسيرة لأننا لا نستطيع أن نستورد البضائع التي تحتاج إليها إلا بصورة تافهة وهذا يحافظ على ارتفاع الأسعار الموجودة في أسواقنا أليست هذه طريقة فذة في محاربة الفقر؟

غير أن تقيد تجارتنا الخارجية ذو أثر مزدوج فهو من جهة يبقى الطبقات الشعبية في هاوية الفاقة وهذا الأمر قد لا يهم الحكومة ولكنه يصيب أرباح كبار الملاك وكبار تجار القطن وكبار مصدرية في الصميم ولذا نشطت هذه الوزارة وعملت وأصدرت مرسوما بمشروع قانون يضع تحت تصرف بنك مصر ملايين من الجنيهات والغرض من هذا المشروع كما تقول المذكرة الإيضاحية ذاتها هو: توفير الأموال في أيدي مصدري القطن وتشجيعهم على التوسع في عملياتهم وضمان ديونهم وهذه الجملة من الوضوح بحث لا تحتاج إلى تعليق.

سياسة الحكومة إزاء الحبوب

وقد أثيرت في مجلس النواب سياسة الحكومة في شراء محصول الحبوب المصري وتحديد أسعارها ورفضت الوزارة الحالية أن تحدد هذه الأسعار مقدما بل وعدت بأن تحدد أسعارها ورفضت الوزارة الحالية أن تحدد هذه الأسعار مقدما بل وعدت بأن تحدد الأسعار بعد ما تحاط علما بكمية المحصول وقد يتساءل القارئ عن أهمية هذا كله

ومعناها أما أهميته فناتجة عن الظروف التي تحيط بعلاقة الفلاحين منتجي الحبوب بالتجار الذين يشترون المحصول فالمعروف أن هؤلاء وخاصة البنوك الكبرى مثل بنك مصر وبنك التسليف يقدمون سلفيات على المحصول للفلاحين وأن ثمن المحصول الباقي يدفع لهم بعد الحصاد ولكن مجموع المحصول لا يمكن معرفته إلا بعد أن يجمع كله في شئون البنوك أو كبار الملاك والحكمة

إذ ترفض أن تحدد سعر الحبوب قبل إحاطتها علما بكمياتها إنما تترك المعاملات بين صغار الفلاحين والبيوت التجارية والبنوك حرة أي تترك هذه البيوت التجارية والبنوك تنزل بهؤلاء الفلاحين أشد الظلم وأقساه وقد وعدت الحكومة الصدقية أن يكون سعر الحبوب مجزيا وهذا معناه بطبيعة الحال أنه سيكون مجزيا للبيوت التجارية الكبيرة والبنوك الرئيسية في البلاد

وقد فضحت الحكومة نفسها بنفسها وعندما ذكر وزير التجارة في بيانه في البرلمان أن الشعير هبط سعره في العام الماضي إلى 150 قرشا ولما رفعت الحكومة الماضية سعره بعد ذلك إلى 250 قرشا كان الجزء الأكبر منه قد أصبح في أيدي التجار وواضح أن الحكومة باتباعها نفس الطريقة النقراشية إنما ترمي إلى نفس الهدف وهو زيادة أرباح كبار التجار الماليين وتضييق الخناق على صغار الفلاحين والمزارعين وبهذا تحارب الحكومة الصدقية الفقر ولكن يظهر أنها تحارب فقر الأغنياء لا فقر الفقراء.

عضوية الشركات

وقد تقدم النائب المحترم عطا عفيفي بمشروع قديم إلى البرلمان ونقول قديم لأن عطا بك يتقدم به منذ سنة 1938 ويرمي هذا المشروع الوطني فيما يرمي إليه إلى الآتي:

  1. عدم الجمع بين الوظائف العامة وعضوية مجلس الشركات.
  2. عدم السماح للوزير السابق أن يعمل كمدير أو عضو مجلس إدارة إلخ في شركة مساهمة تكفل لها الحكومة مزايا خاصة شركة السكر أو قناة السويس مثلا إلا بعد انقضاء 3 سنوات لترك الوزارة.
  3. عدم جواز الجمع بين عضوية مجلس الإدارة لأكثر من 5 شركات ولا لرياسة أو مركز العضو المنتدب لأكثر من شركتين.

لماذا نعتبر هذا المشروع وطنيا قيما؟ لأن الجمع بين الوظائف العامة وعضوية مجلش الشركات المساهمة معناه تأكيد خضوع الدولة لمصالح طبقية خاصة مصالح أصحاب الأعمال ووصول نفوذ هذه الطبقة بشكل مباشر إلى الأداة الحكومية وهذا يتعارض مع مصالح الطبقات الشعبية الكادحة مصالح الفلاحين والعمال وصغار الأفراد المنتمين إلى الطبقات الوسطى.

ثم أن السماح لعدد من الشخصيات البارزة أن تجمع بين عضوية 32 شركة مثل حافظ عفيفي باشا يزيد من الصفات الاحتكارية لبعض الشركات المساهمة ويفسح الطريق أمامها للتفاهم على حساب المستهلكين والكادحين بتحديد الأسعار في مستوى مرتفع وتحديد الأجور في مستوى منخفض وإذن فمحاولة إصلاح الحالة القائمة الآن يعني محاولة تطهير الأداة الحكومية وعرقلة نشاط الاحتكارات وهذا في صالح الطبقات الشعبية التي يتكون منها جمهور شعبنا.

غير أن الحكومة الحاضرة لم تر مشروع عطا عفيفي بك بهذا العين بل حاولت ونجحت في إرجاء النظر فيه حتى تتقدم هي بمشروعها وأما الاعتبارات التي تقدمت بها في هذا السبيل فعلامة واضحة تدلنا على العناصر الرئيسية في هذا المشروع الحكومي فقد اعترضت على إقرار مجلس النواب لمشروع عطا بقولها:

إن منع كبا الموظفين والوزراء من قبول المناصب في مجالس الإدارة من أخص شئون التوظيف وأنه تقييد الحرية الشخصية فإذا أقرها البرلمان وجب تغيير الدستور إذن فمشروع الحكومة لن يخل بشئون التوظف ولن يقيد الحرية الشخصية إنه سيترك الحالة

كما هي الآن وسيعطي الصفة القانونية للتداخل الظالم بين الدولة وكبار الرأسماليين وبهذا الشكل استغلت الوزارة الحاضرة مرة أخرى الشعارات الديمقراطية مثل الحرية الشخصية في سبيل قتل الديمقراطية ذاتها في سبيل تقوية الاحتكاريين وكبار الماليين الذين تبقى حريتهم الشخصية وشعبنا في حالته الراهنة من الفقر والمرض والجهل.

إن السياسة الجائزة التي تتبعها الحكومة إزاء الطبقات الشعبية إزاء الفلاحين والعمال إزاء صغار الموظفين وصغار التجار والصناع وإزاء المثقفين الأحرار تجعل محاربة الجهل والمرض والفقر التي أعلنتها الحكومة خداعا وكذبا وتضليلا

إننا نؤيد هؤلاء النواب والكتاب الوطنيين الذين عارضوا سياسة الحكومة في البرلمان وخارج البرلمان والذين نجحوا في فضحها وكشف الستار عنها ولكن اعتقادنا الراسخ أن هذا لا يكفي وإنما يجب أن تتغير السياسة الحكومية بأكملها وأن تتغير الحكومة بأكملها فلن نسعد الفلاحين والعمال وصغار المتوسطين إلا حكم شعبي صحيح يمثل مصالح الشعب ويستجيب لها.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد الثلاثون- 17/4/1946)

حول اتفاقية الطيران (لا مركز ممتاز للاستعمار)

جاءت حكومة العمال إلى الحكم على أساس برنامج يتمسح بالإشتراكية وكان من أهم ما تضمنه هذا البرنامج تأهيل الاحتكارات البريطانية الكبرى بما فيها خطوط المواصلات البرية والجوية والبرية وبصرف النظر عما حققته الحكومة البريطانية الحالية من هذا المشروع

فإنه يهدد احتكارا من الاحتكارات البريطانية للطيران وهو شركة الخطوط الجوية الإمبراطورية لما وراء البحار التي بذلت أقصى جهودها لتوجد منفذا لها من هذا التهديد ولتتهرب من التأهيل بشكل أو بآخر وها هي الآن وجدت ذلك المنفذ حققت هذا التهرب

وذلك بأن تحول جزءا من شبكتها الجوية وهو الجزء الذي يتخذ مصر محورا له إلى شركة مصرية للطيران فلا يطولها التأهيل الحكومي البريطاني واتفاقية الطيران التي وقعتها الحكومتان المصرية والإنجليزية أخيرا تضع الصبغة النهائية لذلك كله فتحبط مساعي الشعب البريطاني الكادح في كفاحه لنقل مصادر الثروة الرئيسية من أيدي الاحتكاريين البريطانيين إلى سيطرة الدولة الإنجليزية

وليس أدل على ضعف حزب العمال البرلماني أمام نفوذ هذه الحفنة الصغيرة من الاحتكاريين بل قل ليس أدل على تهاون هذا الحزب معهم أن تعمل الحكومة البريطانية ذاتها على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من شركة الخطوط الجوية الإمبراطورية فتوقع اتفاقية الطيران الأخيرة نفسها

ولا شك أن هذا العمل يكشف مرة أخرى عن الحقيقة الواضحة التي أظهرتها الفجر الجديد أكثر من مرة وهي أن حزب العمال البريطاني لا يمثل المصالح الجوهرية للطبقة العمالية البريطانية وأنه لا يسمح بمسحة الإشتراكية إلا لتضليل الجماهير الكادحة الإنجليزية ولحماية مصالح الاحتكاريين الكبار من ضغط هذه الجماهير الكادحة.

غير أن هذه الاتفاقية وجها آخر وهو خاص بمصر فهي تربط شركة مصر الطيران بشركة الخطوط الجوية الإمراطورية في تأسيس شركة مصرية جديدة تشترك الشركتان الإنجليزية والمصرية فيها وقد تشبه واضعوا الاتفاقية إلى أن نقادها سوف يجدون هذا في إخضاعا الاقتصاد المصري إلى الرأسمالي البريطاني فنصت الفقرة الأخيرة للاتفاقية على أنه.

يدير الشركة مجلس إدارة من الجمعية العمومية لشركة مصر للطيران وشركة الخطوط الجوية الإمبراطورية لما وراء البحار ويتألف من 7 مديرين أربعة مديرين مصريين تقترح شركة مصر للطيران انتخابهم والثلاثة الباقون تقترح شركة الخطوط الإمبراطورية انتخابهم ويعين أحد المديرين المصريين الأربعة رئيسا لمجلس الإدارة.

وبهذا الشكل أعطيت الأولوية للمصريين أو أعطيت رسميا على الأقل فإن الاتفاقية لم تنص صراحة على نسبة الرأسمال التي تساهم بها كل من الشركتين وأغلب الظن أن الرأسمال الإنجليزي سوف يكون الغالب كما أن لهذا الرأسمال الإنجليزي وسائل إكراه وضغط على الاقتصاد المصري أهمها القوات المسلحة التي تحتل بلادنا وهذه كلها ليست في يد الرأسماليين المصريين الكبار ولكن هل يعني هذا الاتفاقية وقعت من الجانب المصري تحت الضغط الشديد والإرهاب المستمر؟

هذا ما لا نعتقد إذ أنها ليست بالتعاقد الاقتصادي الوحيد بين الرأسمال المصري وبين الأجنبي فقبل هذا رأينا اتفاقا غير حكومي قد تم بين شركة مصر للغزل والنسيج في المحلة وشركة الغزل الأهلية ذات الرأسمال الأجنبي بالإسكندرية حول تحديد سعر الخيوط القطنية في السوق المصري

كما أني الحكومة المصرية النقراشية والصدقية قد وقعت اتفاقية العملة الصعبة قبل ذلك مع الحكومة البريطانية إذن فليس اتفاقية الطيران شيئا جديدا في حياة الاقتصادية المصرية وأنها وإن دلت على شيء فإنما تدل على ترابط المصالح بين الرأسمال المالي المصري التابع لبنك مصر والرأسمال المالي الإنجليزي وهذا يعطي المعنى الصحيح للفظ المشاركة الذي كثر استعماله من الجانب البريطاني في هذه الشهور الأخيرة والذي يعني في حقيقته مشاركة المصالح والأرباح بين كبار الرأسماليين ومن ثمة الساسة الحاليين المصريين والإنجليز.

ولذلك يجب علينا أن نأخذ كلمة المشاركة بشكل كامل دون أن تراعي أن المجتمع المصري والإنجليزي منقسم إلى طبقات وقد كتب الدكتور محمد مندور في جريدة الوفد المصري بتاريخ 8/5/ 1946) يقول

أن مصر ليست لها مصالح في انجلترا وأن الإنجليز هم أصحاب المصالح في مصر فأي مشاركة يريدون أن يتخذوها مررا لاستعمارهم لمصر وسيطرتهم على مصادر الثروة فيها؟

أننا نرى أن هذا التعبير غير دقيق فصحيح أن الطبقات الكادحة المصرية لا مصالح لها في انجلترا والطبقات الكادحة البريطانية بالمثل لا مصالح لها في مصر ولكن كبار الرأسماليين الإنجليزي بحكم الترابط المالي الذي بين الرأسمال المصري والإنجليزي الكبير وهذا ما يجب ألا ننساه.

أما مكان مصالح الشعب المصري الكادح من كل هذا فهو شيء آخر بل أن هذه المصالح تعارض مصالح كبار الرأسماليين المصريين وتناقضها على خط مستقيم فاتفاقية مثل هذه تقوي الاحتكار في بلادنا وتمكن الرأسمال الأجنبي من السيطرة على مرافقنا الأساسية أكثر من ذي قبل ومن ثمة فإنها سوف توجد مسلكها

ولكنه خفي للنفوذ البريطاني على الدولة المصرية وسياستها ونقول سهلا لأن هذا النفوذ سيتحقق خلال قبضة الرأسمالية المصرية الكبيرة على تلك الدولة وأن توقيع تلك الاتفاقية في ذات الوقت تقريبا الذي تعلن فيه بريطانيا استعدادها للجلاء عن مصر لذو دلالة

على أن الاستعمار البريطاني يفهم تمام الفهم قيمة هذه المناورة وأنه ينقل شكل سيطرته على مصر من الوجهة العسكرية إلى الوجهة الاقتصادية البحتة وهذا ما لاحظته جريدة الديلي ووركر الإنجليزية الشيوعية التي كتبت تقول.

أنه بينما ينتهي الاحتلال العسكري تحقيقا لرغبات البلاد فإن السيطرة الاقتصادية ستبقى كما هي.

أما الوطنيون المصريون المخلصون فقد تنبهوا إلى هذا كله ورعوا أن سيطرة الاستعمار على مصر سوف تحاول أن تجد منفذا لها في الاتفاقات الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية التي قد تبرم بين الحكومة المصرية وبين الاستعمار البريطاني

ولذلك فهم ينادون لا مركز ممتاز للاستعمار الممتاز وسيعطي غيره فهذا يفهمنا أو الكفاح ضد الاستعمار البريطاني ليس بكاف وأنه يجب أن يرتبط أشد الارتباط بالكفاح ضد شريكته الرجعية المصرية أي في سبيل ديمقراطية حقيقية تسود بلادنا.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 34- 15/5/1946- ص12،22)

نريد حلا وطنيا ديموقراطيا لمكافحة البطالة

تفشت البطالة في صفوف العمال المصريين فهناك ربع مليون أو أكثر من العمال الذين كانت تستخدمهم السلطات العسكرية فطردوا بسبب إقفال معظم المصانع والورش الحربية وهناك عدد ليس بمعلوم من العمال الآخرين الذين كانت تستخدمهم الشركات والمصانع الأهلية التي ازدهرت أثناء الحرب ولكنها الآن لا تستطيع منافسة البضائع الأجنبية التي أصبحت تتدفق على الأسواق المصرية

وبدأت الصيحات تتعالى من جميع النواحي تنذر بالخطر الذي يهدد مصر ومن الغريب بل ليس بغريب في الحقيقة أن الغالبية الكبرى من الصيحات هذه تبرز نقطة واحدة وهي أن هؤلاء العمال العاطلين ومن سيلتحق بجيوشهم فيما بعد حتما يمثلون منبعا فاترا من السخط والضجر وأن مشكلتهم إن بقيت بدون معالجة إنما قد تسبب ثورة أو ثورات في بلادنا فباسم الأمن العام وباسم تقاليدنا العريقة التي يتهددها خطر الأفكار الجديدة تطالب الجهات الرسمية وغير الرسمية أن يهتم أولو الأمر بهذه المشكلة

إذن فليس العنصر الإنساني الحي هو الذي تتوجه إليه الأقطار الرسمية أو الشبهة بالرسمية ليس كون هؤلاء العمال من المصريين العاطلين جائعون سوف يموتون من الحرمان هم وعائلاتهم وإنما المهم في نظر الجهات الرسمية والشبيهة بالرسمية حقا أننا إذا كنا لا نزال نحتاج إلى دليل احتقار حكومتنا وصحافتنا الكبرى والأحزاب الفاشية لشعبنا وكادحيه فهاك هذا الدليل.

وبما أن هذا الاحتقار للشعب وهذا التخوف منه هما مصدر التفكير لدى هؤلاء فينتج بالضرورة أن اقتراحاتهم وأعمالهم جميعا تستهدف مرمى واحدا لا ثاني له، وهو ست الحقائق والإسراف في الوعود الخلابة التي لا تشفي غليلا كل هذا في سبيل إسكات السخط وكبت الضجر وتنحية المشكلة جانبا إذ أن رجوع العاطلين وحرمانهم أمر ثانوي وعادي جدا بالنسبة لساستنا الرجعيين.

هذه لجنة مكافحة البطالة التي كونتها الوزارة الصدقية الحاضرة تجتمع في يوم 13 الجاري وتصدر قرارات وإذا بها تكاد تنحصر في تشجيع الصناعة والإنتاج لا الاستهلاك وفي إلغاء غلاء المعيشة وفي توزيع مئة ألف جنيه على المتعطلين مئة ألف جنيه ولكن هذا يعني ثلاثين قرشا تقريبا للمتعطلين الحاليين في السنة فهل يمكن اعتبار هذا القرار شيئا يخرج عن نطاق الخداع والتضليل؟

وهذه مجلة المصور أليس رئيس تحريرها من الوطنيين ؟ تنادي برجوع ثلثي المتعطلين وهم غير الفنيين أو الفعلة إلى الريف ففيه متسع للجميع إن الفلاح المصري لا يعمل في المتوسط غلا خلال ثلث السنة إنه فقير يتضور جوعا مريض بالحمى الراجعة ومع ذلك تؤكد المصور أن في الريف متسعا للجميع ما في ذلك شك.

وكنا نعتقد أن التضليل حدودا وللخداع الكاذب مجالا يتعداه المصري إذ يخاطب مواطنيه ولكننا كنا مخطئين فمجلة مصر الفتاة تنشر في غلافها كلمة بعنوان العمال –العمال- أفسحوا الطريق لمصر الفتاة تقول فيها.

توشك البلاد أن تتعرض لعاصفة جامحة تشنها العمال المتعطلون وتشنها الطبقات الكادحة التي بلغ الوعي الاجتماعي عندها الآن حدا يصل إلى مرحلة الخطر مصر الفتاة هي وحدها القادرة على القيام بالثورة في غير حاجة إلى إراقة الدم وهي وحدها القادرة على أحداث الانقلاب المنشود لمصلحة العمال والطبقات الكادحة.

الوعي الاجتماعي خطر عند مصر الفتاة فما علينا إلا أن نسلم لها مقاليد الحكم وطبعا نسلمها في الوقت ذاته إلى أصدقائها من بقايا الاستعماريين الفاشيين الذين كانوا ألمانا وإيطاليين بالأمس وأصبحوا إنجليز اليوم وبصرف النظر عن استطاعة مصر الفتاة القيام بما يتفق ومصلحة العمال والكادحين

وقد رأينا مثالا لذلك في أوربا الفاشية فواضح وضوح الشمس في النهار أن مصر الفتاة لا تطالب بحلول واضحة لمصلحة العمال وإنها تطالب بحل واحد غامض وهو وجودها في رأس الحكم على وطننا إن الأجسام الجائعة العارية من عمالنا المتعطلين ومن كادحينا المظلومين ليست إلا جسر في العقلية الفاشية جسرا تريد مصر الفتاة أن تعبر عليه بقدمها لتصل إلى ديكتاتوريتها على العمال وسائل الكادحين المصريين.

هناك للبطالة المتعاظمة الآن سببان رئيسيان نستطيع التفريق بينهما ولو أنهما غير منفصلين.

أما السبب الأول فهو إقفال بعض المصانع ونقل بعضها أيضا إلى الإسكندرية ويترتب على ذلك العمل الواعي من جهة أصحاب تلك المصانع تشريد العمال في شبرا الخيمة وما من شك أن هذا العمل تحت قيادة الاتحاد المصري للصناعات أما له من تنسيق وانسجام وغرضه تفكيك الكتلة العمالة التي تجمعت في الأحياء الصناعية في القاهرة

هذا التفكيك الذي ترمي إليه الحكومة عندما حلت نقابة عمال النسيج الميكانيكي سنة 1945 بأمر إداري ولا يوجد حل عملي لهذه الحالة إلا كفاح العمال وتأييد جميع الوطنيين المخلصين لهم في سبيل فتح النقابة من جديد وفي سبيل إيجاد حكم ديموقراطي سليم في مصر حكم لا يظلم العمال والكادحين الآخرين.

وأما السبب الثاني فهو الأزمة التي بدت بوادرها في مصر الآن فقد ازدهرت الصناعة المصرية أثناء الحرب بسبب الاستهلال الضخم الذي كنت تمثله الجيوش الحليفة في وطننا وبسبب اختفاء المنافسة الخارجية للإنتاج المصري أما الآن وقد زالت هذه الظروف الاصطناعية فلا يوجد أمام الإنتاج المحلي إلا استهلاك ضعيف هو استهلاك الجماهير الفقيرة من العمال والفلاحين أعني هذا أن تلك الجماهير ليست محتاجة إلى بضائع تستهلكها؟ كلا؟

وإنما يعني أنها لا قدرة لها على استهلاكها أيعني هذا أيضا أنه لا يمكن استغلال ثرواتها الطبيعية بدرجة أكبر من الحد الذي وصلنا إليه الآن فنوجد عملا للمتعطلين؟ كل وإنما يعني أن استغلال هذه الثروات قد لا يؤتي بأرباح كافية لأصحاب الأموال في مصر أو أنه لا يمكن تحقيقه لأنه يمثل تنافسا للاستعمار يخشاه لأنه يخشى على أرباح المحتكرين.

إذن فالحل العملي لهذا السبب الثاني للبطالة مزدوج:

  1. رفع مستوى المعيشة عند الجماهير الشعبية برفع الأجور وإنقاص ساعات العمل وسن التشريع الاجتماعي وفتح الإمكانيات المادية والثقافية على العموم للجميع.
  2. قيام الدولة بالمشاريع العمرانية الكبرى كهربة خزان أسوان شق الترع وتعبد الطرق وبناء المدارس والمستشفيات..إلخ)

وأما الحكومة الحاضرة حكومة رجعية فهي لن تحقق أبدا الشطر الأول ولن تحقق حتى اقل منه مثل إعانة البطالة أما والاستعمار جاثم على صدورنا فلن يتحقق الشطر الثاني فلا حل لمشكلة البطالة إلا بالاستقلال والديمقراطية.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 35- 22/5/1945- ص12، 13، 23)

جلاء اقتصادي أم ديموقراطي

كنا قد فتحنا باب المناقشة عن الجلاء الاقتصادي ثم توقفنا عن النشر في هذا الموضوع بسبب المناقشات التي حدثت بين بعض الزملاء لتصفية الآراء وقد تقدمت هيئة تحرير الفجر الجديد بتقرير عن هذا الموضوع ننشره فيما يلي بعد إضافة بعض النقط التي أثارها زملاء آخرون.

تعريف

ينبغي أن نعرف كلمة الجلاء قبل أن نبدأ في مناقشة الجلاء الاقتصادي أو العسكري إلخ وطبيعي أنه يجب ألا نأخذ تعريفا لكلمة الجلاء ما قد يفهمه بعض الناس وخاصة التقدميين منها بسبب التفسيرات الخاصة التي أعطيت لهذا اللفظ وإنما يجب أن نأخذه كما هو وكما يفهم منه في اللغة العربية الشائعة.

وما هو الجلاء؟ الجلاء معناه الترك والمغادرة إذن فالجلاء العسكري معناه أن يغادر الجنود الأجانب بلادنا بصرف النظر عما يتركه هؤلاء الجنود في وطننا من بقايا الاستعمار ومآثره وكذلك الجلاء الاقتصادي معناه أن يغادر مصر الاقتصاد الأجنبي الذي تطفل على الاقتصاد الوطني وقل ذات الشيء عن الجلاء السياسي أو الإداري أو الثقافي إلخ..

الجلاء الاقتصادي شعار خاطئ

ونسلم أولا وقبل كل شيء بأن أساس الاستعمار أساس اقتصادي بمعنى أن توظيف رؤوس الأموال والاستيلاء على الثروات الطبيعية في البلاد المستعمرة والتحكم في التصدير والاستيراد واعتصار الطبقات الكادحة في البلاد المستعمرة والتابعة هذا كله أساس الإمبريالية

كما أنه أيضا السبب الجوهري في التحليل الأخير لتصرفات الاستعمار في الخطوط العامة لسياسته وطبيعي أن هذا ليس بغريب على تفكيرنا المادي فإننا نعتقد أن عموم الحوادث الاجتماعية لها أساس اقتصادي في التحليل الأخير أيضا وأن الاستعمار والإمبريالية لهما من الحوادث الاجتماعية العامة، فيخضعان لذات القانون المادي الذي نؤمن بصحته.

وعليه فالذي يهدف إليه الاستعمار البريطاني في قبضته على مصر هو أيضا ذو أساس اقتصادي في المحل الأول إن الاستعمار البريطاني قد وظف أموالا هائلة في البنوك والبيوتات التجارية وهو يريد شراء المواد الخام التي تنتجها بلادنا بثمن بخس وهو يريد أن يبيع لنا منتجاته المصنوعة بثمن عال وأن يستفيد من التوسط في تجارتنا الخارجية والداخلية

ولكن القضية الاقتصادي لم تكن كافية للاستعمار البريطاني قد وظف أموالا هائلة في البنوك والبيوتات التجراية وهو يريد شراء المواد الخام التي تنتجها بلادنا بثمن بخس وهو يريد أن يبيع لنا منتجاته المصنوعة بثمن عال وأن يستفيد من التوسط في تجارتنا الخارجية والداخلية

ولكن القبضة الاقتصادية لم تكن كافية للاستعمار البريطاني كي يضمن أرباح كبار الاحتكاريين الإنجليز ولذلك لجأ إلى الاحتلال العسكري وهنا يظهر قانون آخر للنظرة الماركسية للحوادث الاجتماعية ألا وهو الجدلية فإن الاحتلال العسكري تخلف عن القبضة الاقتصادية ولكنه ظهر بالضرورة بعد ظهور تلك القبضة الاقتصادية.

ويجب الإضافة إلى ذلك أن القوات المسلحة الإنجليزية لا تحمي فقط الاحتكارات الأجنبية في بلادنا وإنما تحمي أيضا مصالح بعض الفئات التي تداخلت مع مصالح الاستعمار إن القوات المسلحة البريطانية تحمي أيضا الرجعية المصرية من ضغط الطبقات الكادحة الاقتصادي والسياسي بالدرجة الأولى.

ونحن نريد أساسا أن نرفع مستوى معيشة الجماهير الشعبية المصرية أي أن هدفنا بمعنى التحليل الأخير هو هدف اقتصادي وفي سبيل هذا نرى وجوب تمكين تلك الطبقات الشعبية من التأثير القوي على دولاب الحكومة والدولة وهذه هي الديمقراطية حتى تفسح المجال لتحقيق حكم الأغلبية الصحيحة.

ولكن هناك خطوات مباشرة يجب أن نخطوها وأن ندعو إليها في سبيل رفع مستوى الجماهير الشعبية فالذي يقف عقبة كأداء في هذا السبيل هو الاستعمار بقبضته على بلادنا وبوسائل الإكراه الضخمة التي في يده والتي يستعملها ضد الحركة الشعبية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ولذلك يجب علينا أن نكافح الاستعمار وأن ندعو إلى الكفاح ضده حتى تزول تلك العقبة الرئيسية في سبيل الديمقراطية المصرية.

إذن فشعارنا هو التحرر من الاستعمار بشتى نواحيه وواضح أن التحرر من الاستعمار من الناحية العسكرية هو جلاء القوات المسلحة الأجنبية عن بلادنا وأن هذه القوات العسكرية في يد الحكومة البريطانية وتحت سلطتها ولذلك يمكننا أن نطالب هذه الحكومة بإجلاء قواتها عن مصر وأن نوجه كفاحنا هذا التوجيه ولذلك فمن الممكن أن نطالب الحكومة المصرية بأن تعرض هذه المسألة على منظمة الأمم المتحدة وعلى مجلس الأمن وأن نوجه كفاحنا هذا التوجيه أيضا.

ولكن الاستعمار في بلادنا ناحية أخرى مهمة بل هي كما قلنا الناحية الجوهرية والسبب الرئيسي لتبعية مصر لبريطانيا العظمى الا وهي الناحية الاقتصادية وقد عبر التقدميون عن ضرورة التحرر من القبضة الاقتصادية الاستعمار باتخاذهم شعارا خاصا هو موضع المناقشة الآن وهو الجلاء الاقتصادي.

حقا إننا نريد أن نتحرر من قبضة الاستعمار البريطاني على بلادنا من الناحية الاقتصادية ولكن هناك طريقتين يمكن السير فيهما للوصول إلى هذا الهدف أما الطريقة الأولى فهي أن تطرد رؤوس الأموال الأجنبية بمعنى أن تعوض الاحتكارات الكبرى بأي طريقة من الطرق أو حتى أن تطرد بشكل غامض

كما يدعو إليه الفاشيون ونحن التقدميين المصريين لا تقبل هذه الطريقة بل نريد الطريقة الأخرى وهي الاستيلاء على الاحتكارات الأجنبية وغير الأجنبية الكبرى إذن فنحن لا نريد الجلاء الاقتصادي وإنما نريد تحكم الدولة في الاحتكارات الكبرى.

وهذا عنصر من عناصر برنامج كامل يقع تحت عنوان كبير وهو بناء الديمقراطية في بلادنا وواضح أن المطالبة باستيلاء الدول على الاحتكارات الكبرى يجب أن تكون مرتبطة أشد الارتباط بالعناصر الأخرى التي يقتضي تحقيقها بناء الديمقراطية المصرية منها رفع مستوى المعيشة وتوسيع التمثيل الشعبي وإطلاق حرية التنظيم السياسي إلخ...

وهنا يتساءل البعض هل المطالبة بالديمقراطية مفصولة عن المطالبة بالجلاء العسكري طبعا لا وهذا لسببين:

  1. إن الرجعية المصرية متحالفة بشكل طبيعي مع الاستعمار البريطاني فالاثنان عدوان لنهضتنا الديمقراطية.
  2. إن الكفاح في سبيل الاستقلال والتحرر من الاستعمار ليس هدفا أخيرا وإنما هو وسيلة أو كما قلنا فيما يبق هو خطوة أولى في سبيل رفع مستوى الطبقات الشعبية.

ولذلك فنحن التقدميين المصريين نؤكد أن الاستقلال دون الديمقراطية استقلال ناقص لا يمكن أن يثبت وأن الديمقراطية دون الاستقلال زائفة عرضة أشد التعرض لضربات الرجعية المصرية ولمناورات الاستعمار البريطاني وهذا ما نراه اليوم وما رأيناه منذ سنة 1922 إلى اليوم.

الجلاء الاقتصادي شعار مضر

غير أن شعار الجلاء الاقتصادي ليس خاطئا فقط بل أنه مضر أيضا بمعنى أنه يحدث تحريرا في كفاحنا الوطني ويضع أمام الجماهير الشعبية والمناضلين أهدافا وهمية ضالة.


  1. قد رأينا أن هذا الشعار خاطئ وأن الفاشيين يستعملونه بغية تمييع مطالبنا الوطنية فإذا تمسكنا بمطلب الجلاء الاقتصادي وهو مطلب خاطئ خدمنا الفاشية خدمة مباشرة بدلا من أن نكشفهم.
  2. أن ضم الجلاء الاقتصادي والمقصود هو التحرر من القبضة الاقتصادية مع الجلاء العسكري معناه مواجهة الاستعمار البريطاني بهذا المطلب أي توجيه كفاحنا في سبيل الديموقراطية الاقتصادية نحو الاستعمار فهل هذا صحيح لا لأن الكفاح في سبيل الديمقراطية الاقتصادية يبج أن يوجه نحو الحكم المصري لا نحو الاستعمار.ويظهر خطأ هذا الشعار وضروه من أننا نستطيع غرض قضيتنا الوطنية على مجلس الأمن بمعنى أننا نستطيع مطالبته بالضغط على بريطانيا حتى تسحب قواتها المسلحة من بلادنا ولكن لا نستطيع أبدا أن نطالب مجلس الأمن بأن يضغط على الاستعمار البريطاني فيجلي رؤوس أمواله عن مصر.
  3. أننا قد رأينا أيضا أن الجلاء الاقتصادي يعني في مفهوم التقدميين التحرر من قبضة الاحتكار الأجنبي أي الديمقراطية من الناحية الاقتصادية ولكن المطالبة بهذه الديمقراطية يجب أن توجه إلى الحكومة المصرية وأن توجه إلى الحكومة المصرية وأن تجنيد الجماهير الشعبية الذي نستهدفه في دعوتنا وشعارنا لهو موجه ضد الرجعية المصرية في هذه النقطة بالذات ولكن ربط التحرر الاقتصادي بإعطاء لفظ الجلاء شعارا له مع التحرر من الاستعمار هذا الربط يهمل الرجعية كمسئولة عن ضعف الديمقراطية في مصر.

إذن فهذا الربط يضع أهدافا خاطئة فهو خطر على الحركة الوطنية.

(أ‌) إن شعار الجلاء الاقتصادي إذ يقصد به التحرر من الاحتكار الأجنبي إنما يوجد ضد الاحتكار الأجنبي فقط ويهمل الاحتكار المصري.

هذا في حين أننا لا نعرف عنصرية في دعوتنا الديمقراطية ولا نفضل الاحتكار المصري على الاحتكار الأجنبي لا لسبب إلا أنه مصري.إذن فالشعار الصحيح هو الاستقلال والديمقراطية.

بدون توقيع (السنة الأولى- العدد 38- 12/6/1946-ص11-12)

حول مشروع الميزانية (التغيرات الاقتصادية للسياسة الصدقية)

السياسية الصدقية سياسة تهاون مع الاستعمار وسياسة تقوية للفئات العليا من الطبقات الرأسمالية وسياسة تهر ومماطلة من مطالب الطبقات الشعبية وقد أودعت الوزارة مكتب مجلس النواب بيانا عن مشروع ميزانيتها فكان تعبيرا صادقا لنشاط الحكومة الحاضرة.

يحتار قارئ البيان أول وهلة، إذ يخيل له أن هذا البيان لم يصدر عن خطة اقتصادية أو مالية موحدة فالموضوعات المتقاربة مشتتة متناثرة غارقة في بحر من الألفاظ المائعة عن جد الوزارة في إصلاح هذا أو ذاك ولذلك يضطر باحث البيان الوزاري أن يرتب المسائل الممتازة ترتيبا من جديد وحينئذ تظهر حقيقة مشروع الميزانية دون ما جهد أو عناء.

فالسياسة الاقتصادية المصرية فيما يخص علاقاتنا الخارجية وخاصة علاقاتنا مع الاستعمار البريطاني تمس نقطا جوهرية ثلاث إلا وهي الأرصدة الإسترلينية والعملة الصعبة والقط وقد قتل الناس هذه النقط بحثا فاتضح بجلاء أن السياسة الوحيدة التي يجب السير فيها بالنسبة إليها تتخلص فيما يأتي.

  1. تصفية الأرصدة الإسترلينية
  2. التحرر من اتفاقية العملة الصعبة.
  3. تحديد مساحة الأرض المزروعة قطنا اعتمادا بشكل أساسي على احتياجات صناعة النسيج المصرية.

فإذا كان موقف الوزارة الخارجية من هذه الحلول فما البيان أنها تعني بالنقطة الأولى وإنها جادة في التحلل من قيود الثانية أما عن القطن وقد اعترفت الوزارة أن المتبقي منه يساوي محصولا سنويا كاملا فلم يذكر البيان إلا كلمات الأمل والثقة بالمستقبل يستقبل من يجيب على هذا السؤال النشاط الوزاري العملي

وهو القيام بقرض لتمويل شراء القطن أي أثقال ميزانية الحكومة بدين جديد يدفع أرباح المواطنون يذهب في جيوب البنوك الكبرى والبيوت التجاري الضخمة وخاصة الأجنبية وفي جيوب كبار الملاك الذين يزرعون قطنا

وأخيرا فعدم تحديد المساحة المزروعة قطنا مع وجود الاحتياطي الضخم في الشون معنا البقاء على الحالة الحاضرة في تجارتنا الخارجية وعدم التحرر من قبضة الاستعمار البريطاني عليها أن الطبقات الشعبية جائعة تطالب بالخبز

ومع ذلك نزرع قطنا زائدا عن حاجتنا وأن الاستعمار البريطاني يخنق تجارتنا ومع ذلك فحكومة صدقي باشا لا تعالج الموقف إلا بألفاظ الجد والاعتناء وما أشبه هذا كله بموقفنا من قضينا الوطنية الذي يتلخص في الإبقاء على الحالة القائمة وتغطية المماطلة والتسوق بالتصريح بأن الوزارة تدخل المفاوضات الحرة من كل قيد..

ولا تمس السياسية الاقتصادية العامة في نظر الوزارة الحاضرة غير النهضة الصناعية وسوق الأوراق المالية أوراق البنكنوت المتداول أما إصلاح الأرض البور وأما توزيع الأراضي الحكومية على الفلاحين وأما كهربة أسوان فلا أثر على الإطلاق من هذا كله.

ومع ذلك فترى الحكومة أن إنهاض الصناعة يقوم على أساس تشديد السياج الجمركي لا على أساس إنشاء البنك الصناعي مثلا لحماية متوسط أرباب الأعمال وصغارهم وهم في ذلك تستجيب لمطالب اتحاد الصناعات كما وضحها في تقريره السنوي الأخير وقد أوضح البيان أن الحماية الجمركية ستخصص للصناعات التي تقوم على أسس اقتصادية سليمة أي للصناعة الكبرى والاحتكارية.

وقد اهتم البيان بسوق الأوراق المالية اهتماما خاصا فقد أصيب بهذا السوق في الأيام الأخيرة بهبوط مستمر فوعد بأن يدبر علاجا لكل حالة طارئة للاحتفاظ بأولئك الذين استثمروا ما أخروا من أموال في القراطيس المالية بثمرات كدهم وتدبيرهم أن هذه العبارة العاطفية لتدعوا إلى السخرية فهؤلاء هم كبار الرأسماليين والمضاربين في البورصة وهم لم يحصلوا على غناهم بالكسب والتدبير وإنما بالتلاعب والتخزين ولا تعمل تدبيرات الوزارة محافظة على الأسعار العالية للقراطيس المالية إلا على إبقاء أسعار البضائع ومن ثمة تكاليف المعيشة مرتفعة أيضا.

ونحن أن ربطنا هذا بإهمال الوزارة الواضح نحو التضخم الكبير الحالي إذ وصلت النقود المتداولة حسب البيان ذاته إلى 48 مليون جنيه وما ينجم عن هذا من تخفيض في قيمة العملة ومن غلاء في مستوى المعيشة لو ربطنا هذه النقطة بالعنصرين السابقين لوجدنا أن الوزارة الصدقية تعمل بجد ونشاط على حماية الفئات العليا من الرأسمالية وعلى تشجيع جشعهم على حساب الشعب.

أما السياسة الاجتماعية لميزانية الدولة فقد مسها البيان الوزاري في سرعة البرق فتحدث عن خفض تكاليف المعيشة ومحاربة الفقر والمرض والجهل في فقرتين صغيرتين مهملتين وقد أدعت الوزارة في الأولى أن خفض تكاليف المعيشة يأتي بتشجيع الاستيراد ونحن أن سلنا جدلا بهذا نجد أن الاستيراد مقيد أشد التقيد الآن بسبب اتفاقية العملة الصعبة وعلى هذا الأساس فلا نرى كيف تشجع الحكومة الاستيراد.

وعلى كل فتشجيع الاستيراد سوف يخفض أسعار البضائع على شرط ألا يكون الاستيراد كله في أيدي الشركات الرأسمالية الكبرى ولكن تكاليف المعيشة لن تخفض إلا إذا ربطنا هذا الاستيراد بعنصرين رئيسيين هما مراقبة الإنتاج المحلي وخاصة الزراعة ومنع التلاعب في أسعاره وتخزينه من جهة ورفع مستوى الطبقات الشعبية من جهة أخرى أما والإيجارات الزراعية لا تزال مرتفعة وأجور العمال الزراعيين لا تزال تافهة والحكومة لا تزال عاجزة عن معالجة البطالة فإن أدراج تشجيع الاستيراد تحت عنوان خفض تكاليف المعيشة لا يمثل إلا تضليلا وخداعا.

أما في محاربة الفقر والمرض والجهل فلم تجد البيان طريقا إلا بإقامة الحمامات والمغاسل وهكذا انتهى دولة صدقي باشا بجملته المعروفة في مستنقعات الصدقة والإحسان في حين أن شعبنا يطالب بحقه في الحياة الإنسانية اللائقة به وأن شعبنا يدرك يوما بعد يوم أنه لن يحصل عليه إلا إذا ذهب صدقي باشا وحكمه.

صادق سعد (السنة الثانية – العدد 4-3/7/ 1946- ص18، 9)

في قضايا التحرر العربي والعالمي كفاح فلسطين الوطني الديمقراطي

يتجه كفاح فلسطين الوطني الديموقراطي إلى الحصول على الاستقلال والتخلص من الطغيان الصهيوني وإقامة الديمقراطية السليمة فيها وتهب على فلسطين الآن ريح وطنية قوية لا نظن أنها تعرف مثلها من قبل فمن أهم خصائص الحركة الوطنية الفلسطينية في الوقت الحاضر أنها قد نجحت في إيقاظ جميع طبقات الشعب العربي واستطاعت أن تستعين بقواه في الكفاح في سبيل تحرير فلسطين ولا شك أن أنشط طبقة من هذه الطبقات وأكثرها أهمية في الكفاح في سبيل تحرير فلسطين

ولا شك أن أنشط طبقة من هذه الطبقات وأكثرها أهمية في الكفاح الوطني في فلسطين هي طبقة العمال العرب فهي تعرف تمام المعرفة أن مستوى معيشتها لا يمكن أن يتحسن إلا إذا حكمت البلاد حكما وطنيا غير خاضع للرأسمال الأجنبي أو الصهيوني

وهي تعرف تمام المعرفة أيضا أن لها كما لجميع الطبقات الشعبية الفلسطينيةحقوقا سياسية ديموقراطية لن تحصل عليها إلا إذا حكمت البلاد حكما وطنيا ديموقراطيا غير خاضع للرأسمال الأجنبي أو الصهيوني فتصدر جمعية العمال العربية بيانا حول أزمة البلدية تطالب فيه بانتخابات ديمقراطية للبلدية وتستقبل الطبقة العمالية وفدها الذي اشترك في مؤتمر النقابات الدولي بلندن استقبالا وطنيا رائعا جعل جريدة الدفاع تقول بهذه المناسبة:

وقد تبين الحركة العمالية العربية لم تعد حركة محلية لا قيمة لها ولا وزن وإنما غدت جزءا لا يتجزأ من نضال البلاد في سبيل استقلالها وكيانها

وتطالب الحركة الوطنية في فلسطين بحق تنظيم النقابات العمالية وبفتح مدارس جديدة كثيرة لا سيما في القرى وبناء المستشفيات والملاجئ وبفرض الضرائب التصاعدية بحيث لا يرهق العمال والفلاحون وصغار الموظفين والحركة الوطنية الفلسطينيةلا تطالب فقط بهذه المطالب المادية لتحسين حالة الشعب بل تطالب بالدرجة الأولى بحكم ديمقراطي تمثيلي فالهيئات التمثيلية الوحيدة الموجودة الآن في فلسطين هي البلديات ومع ذلك فقد مر على بلدية حيفا مثلا 11 عاما دون أن يعاد انتخاب أعضائها

وكذلك بلدية الناصرة فقد بقيت 8 سنوات لم سع في خلالهما الحكومة لإعادة تأليف المجلس البلدي بواسطة الانتخابات الشعبية وأما مسألة بلدية القدس التي حاولت السلطات أن تعين أعضاءها تعينا فلا تزال حية في الأذهان هذا كله قد جعل الفلسطينيين المخلصين يطالبون بإيجاد مجلس نيابي وهذه عصبة التحرر الوطني في فلسطين تقول أنها تضع أمام الشعب العربي الآن هدف السعي لإيجاد مجلس نيابي في البلاد يمثل الشعب تمثيلا ديمقراطيا ويمكن جميع السكان من الاشتراك في إدارة شئونه كخطوة تقربه أكثر فأكثر من هدفه النهائي والاستقلال والسيادة الوطنية.

وأما الذي يشجع هذه الحركة الوطنية المباركة فهو الاتجاه الأممي العام اتجاه الشعوب إلى الاستزادة من الحريات الديمقراطية وتعلق جريدة فلسطين على اندحار النازية الألمانية بقولها.

ومن الدكتاتوريا المستترة حكم الدول القوية بالدول الصغيرة وتقييد التفكير والتعبير ونظم توزيع الثورة في أشكالها الحاضرة.

بينما تكتب جريدة الدفاع

نريد تجارة حرة واجتماعات حرة ورأيا عاما حرا نريد أن نستأنف الحكومة عملها جريا على سياسة الكتاب الأبيض نريد أن تحول ميزانية الحكومة الضخمة إلى تنفيذ مشروعها الإنشائي ليعم الرخاء ويستتب الأمن وتتوفر للجميع أولى ضروريات الحياة الشريفة.

ومن أول ما تصطدم به الحركة الوطنية العربية الصهيونية فالصهيونية حركة استعمارية ليست في الواقع سوى شكل قديم جديد لتصدير الرأسمال والاستيلاء على الأسواق واحتكار أكثر ما يمكن من مصادرة المواد الأولية لحساب الشركات الاستعمارية الضخمة والصهيونية بطبيعتها التي أشرنا إليها معارضة حركة العرب الديمقراطية

وهذا مؤسسها هرتزل يقول في كتابه الدولة اليهودية أن الأمم الآن لا تستأهل أن نحكم حكما ديمقراطيا غير محدود وأن استعدادها هذا سيقل أكثر فأكثر في المستقبل والصهيونية تستثمر 105 ملايين من الجنيهات في فلسطين لحساب أمثال شركة البوتاس وشركة الكهرباء وروتشلد وغيرها من المؤسسات الرأسمالية التي تعتصر الشعب الفلسطيني كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا والصهيونية تجد سندا قانونيا في تصريح بلفور وغيره من الرسميين البريطانيين ويربطها هذا الانتداب ويكون سببا من الأسباب التي تحميها عن الحركة الوطنية في فلسطين.

ولذا يقاومها العرب غير أن كفاحهم المجيد ضد الصهيونية لا يعني كفاح اليهود إطلاقا فكتب مجلة الاتحاد النقابية.

أن الصهيونية لم تكن في يوم من الأيام لتدافع عن اليهود أو لتحارب أعدائهم وإنما كانت في الواقع الصحيح الصريح تستغل آلامهم وتستفيد من مآسيهم ومصائبهم لتستعمر فلسطين ولتستغل مواردها:

والحقيقة أن هذا الموقف قد بدأ يؤثر في يهود فلسطين أنفسهم فبدأ يفهم بعضهم أن مصيرهم مرتبط بدرجة اشتراكهم في الحركة الوطنية التحريرية مع العرب وضد الصهيونية.

وقد نشرت الصحافة الفلسطينيةمنذ مدة قصيرة احتجاجا اليهود الشرقيين في فلسطين يرفضون فيه الحركة الصهيونية ويطالبون بإيقاف الهجرة اليهود إلى فلسطين كما نشرت تلك الصحافة أيضا احتجاج العمال اليهود الذين يعملون في شركة يورشليم كوهين للحبال على طرد عمال عرب من تلك المؤسسة لا بسبب إلا كونهم عربا...

فالصهيونية تتصدع ويتمسك الشعب الفلسطيني بمطالبه التحريرية الديمقراطية وهل يمكن أن يقف حائل دون تحقيق مطلب ذلك الشعب الباسل؟

(وطني) (العدد الثالث- السنة الأولى- 16/6/ 1945)

جامعة الدول العربية على ضوء موقفها من مسألة سوريا ولبنان

استقبلت الشعوب العربية بيان مجلس جامعة الدول العربية الأخير بدهشة بالغة هذه الطنطنة الكبرى كلها وهذه الاجتماعات المتكررة وتلك الموائد وحفلات الشاي هذا كله لم يسفر إلا عن نتيجة بسيطة أحبطت بسياج غامض من السرية وتضمنت الاعتراف بالاعتداء الفرنسي وتسجيله.

لن تفيد الجامعة العربية شيئا إذا استمرت على هذه الأسس الغامضة بل أنها ستضر بالقضية العربية ضررا بليغا فهذه القضية واضحة بسيطة لا تحتاج إلى لف دوران ولن تجدي الدبلوماسية الرقيقة التي تسير على قشر البيض في حين أن الشعوب العربية تستطيع أن تسير إلى الأمام في قوة عظيمة فتستجيب لها الشعوب الأخرى وتؤيدها أن القضية العربية تتلخص في كلمتين: الاستقلال والديمقراطية ونحن لم نعد في عصور الظلام حتى نقول مطالبنا بصوت خافت من أذن لأذن بل أن الظروف العالمية تمكننا من أن نجاهر بها.

أما الاستقلال فهو ما يطالب به جميع الشعوب العربية لأنها جميعا واقعة في قبضة الاستعمار: سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي وفلسطين وشرق الأردن تحت رحمة الانتداب الإنجليزي ومصر والعراق قيدتهما معاهدتان بإنجلترا بأغلال ثقيلة

وهل يجرؤ أحد أن ينفي أن الحليفة تضغط على حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أو يستطيع أن ينكر كيف أثرت في حياتنا الاقتصاد والاجتماعية والسياسية أو يستطيع أن ينكر كيف أثرت في حياتنا الاقتصادية وها هي ذي قد استدانت منا 350 مليون جنيه ما طلت وما تزال فيردها أو تحويلها فتشل بهذا تمويننا ويقفز الغلاء فقرة عالية وتشارك بنشاطها السياسي والاقتصادي في إبقاء شعبنا فقيرا.

تجاهلت الجامعة العربية الأوضاع الرئيسية للشعوب العربية فتناست أن فلسطين تشكو م الانتداب والصهيونية معا وقررت استقلال البلاد العربية ثم سجلت ضمنيا في موقفها من مسألة سوريا في حدودها الضيقة حتى لا تصبح مسألة الشرق العربي كله وحتى تضغط على فرنسا ضغطا شديدا وفي نفس الوقت حرصت أن لا تثير مسألة سوريا الروح الوطنية فتدفع البلاد العربية مطالبة بما أحرزته سوريا من الاستقلال والسيادة والحكم الديمقراطي:

حرصت حرصها الشديد لأن هذا كله يهدد مصالح الاستعمار ويهدد الشركات الاحتكارية الكبرى والهيئات الثقافية والاستعمارية ويهدد كذلك المراكز الاستراتيجيه التي تتمتع بها الاستعمار باحتلاله البلاد العربية احتلالا عسكريا.

والمطلب العربي الآخر هو الحكم الديمقراطي وكلا المطلبين الاستقلال والديمقراطية يربطان ارتباطا وثيقا ويتبادلان التأثير المباشر إذ أن الاستعمار قد ركز جهده دائما وأبدا في مطاردة كل حركة ديمقراطية دستورية والمصريون يعرفون تاريخهم ويعرفون سياسة الوفاق بين غورست وحزب الأمة التي أريد بها مناهضة الحركة الوطنية وقد كان شعارها دائما الاستقلال والبرلمان والمصريون يعرفون أن بريطانيا أقدمت مذكرة لحكومتنا الحاضرة مطالب فيها بإبقاء بعض قيود الأحكام العرفية.

ثم أن البلاد العربية جميعا لا تزال متأخرة تأخرا اقتصاديا واجتماعيا كبيرا الاستعمار يستغل هذا التأخر ويؤيد تأييدا عظيما الطبقات الإقطاعية الكبرى وكبار الرأسماليين الذين يعضدون الرأسمال الأجنبي لذلك تكون الحياة العراق نظام الحزب الواحد وتعرف مصر الأحكام العرفية أكثر مما تعرف الحياة الدستورية ولا تجد فلسطين طريقا غير الإضراب لتبين احتجاجها على ديكتاتورية الاستعمار.

أما جامعة الدول العربية فلم تفكر على الإطلاق في مطلب العرب الديموقراطي فكانت اتحاد دول أي اتحاد طبقات حاكمة ولم تكن اتحاد شعوب وهل يمكن لهيئة أن تكون شعبية إن لم تصرح بتأييدها للديمقراطية تصريحا واضحا عاليا؟

لا فائدة من أن تتجنب جامعة الدول العربية مطالب العرب الوطنية والديمقراطية بل الخطر من هذا التجنب خطر داخلي أولا، لأن البلاد العربية في درجات متفاوتة من الاستقلال والديمقراطية والجامعة بإهمال هذا التفاوت تصبح بمثابة ثقل كبير يعرق نهضة البلاد العربية المتقدمة ولنا أن نسأل أليس هذا ما نريده الاستعمار؟

وهناك خطر دولي عالمي ثانيا فالجامعة بإظهار رضاها عن الحالة الراهنة وبما قرارها له تشعر الشعوب الحرة بأن الشعوب العربية أيضا ترضى بالحالة الراهنة وتقرها فتفقد الشعوب العربية بهذا الشكل تأييد تلك الشعوب الحرة لمطالبها التحريرية ولنا أن نسأل أليس هذا ما يريده الاستعمار؟

صادق سعد (السنة الأولى- العدد الرابع-1/7/1945)

كفاح الهند الوطني الديموقراطي

إن تطورات الموقف الحربي ذات خطورة كبرى بالنسبة للهند ولكن الجماهير الهندية لن تتحقق إلا هذا إذا انقلب أساس العلاقات الهندية البريطانية إلا الاعتراف باستقلال الهند وإلى التعاون بين الأمم الحرة.(جواهر لال نهرو)

مر الاستعمار البريطاني في الهند بثلاثة عهود متغير ولكنها متداخلة وتدل على اشتداد قبضة الاستعمار على الشعب الهندي اشتداد نجم عنه نهضة الحركة الوطنية الهندية وتقوية ساعدها وكانت الفترة الأولى إل منتصف القرن الثامن عشر فترة نهب موارد الهند ولاميا ذهبها يقوم بها وكلاء شركة الهند الشرقية

وكانت الفترة الثانية إلى أواخر القرن التاسع عشر فترة تجارية حقيقية بين الهند وبريطانيا تستخدم الهند فيها كسوق للمنتجات الصناعة الإنجليزية وتستغل كمورد للمواد الخام ومنها للقطن وقد أدت هذه العلاقات التجارية بين الهند وبريطانيا إلى تدهور صناعات النسيج الهندية وموتها لأن رسوما تبلغ 57، 80٪ من القيمة كانت تفرض على المنسوجات الهندية

في حين أن المنسوجات الإنجليزية المصدرة إلى الهند تضاعف 50 مرة خلال عشرين سنة وأحسن دليل عل نشاط تلك العلاقات التجارية ونوعها هو أن قيمة الأرز والقمح المصدرين من الهند إلى بريطانيا ارتفعت من 8 ملايين سنة 1877 إلى 20 مليونا سنة 1914 ولعل خير دليل على نتائج ذلك النشاط التجاري قد ماتوا جوعا فيما بين 1875و 1900

أما الفترة الثالثة التي مر بها الاستعمار البريطاني في الهند في الفترة التي عرفناها نحن في مصر أعنى تصدير الرأسمال البريطاني إلى المستعمرات ويقدر هذا الرأسمال في الهند بــ 1000 مليون من الجنيهات الاسترلينية تشتغل في مزارع الشاي ومصانع الجوت وتعتصر بريطانيا بواسطة الضرائب والرسوم المختلفة ما يقرب من 150 مليونا من الجنيهات سنويا من الشعب الهندي ولو كانت هذه الأرباح الطائلة توزع على أصحابها الشرعيين بالتساوي لارتفع إيراد كل هندي بخمسين قرشا سنويا وهذا المبلغ لا يستهان به فهو يمثل 50٪ من متوسط إيراد المواطن الهندي في بعض الأحيان.

كان من نتائج الاستعمار البريطاني في الهند أن حياة الفلاحين الهنود قد تحولت تحولا تاريخيا فقد كانت أرض الهند تستغل استغلالا جماعيا وكان الضريبة على الأرض ضريبة نوعية تمثل نسبة ثابتة من المحصول يتقاضاها الأمير ولكن الاستعمارية البريطاني غير هذه الضريبة من نوعية إلى نقدية مهما انحط المحصول السنوي وجعل من جابي الضرائب مالكا كبيرا فتنتج عن ذلك انحطاطا الزراعة الهندية وتجريد 30 مليونا من الفلاحين من الأرض تجريدا كالما يجبرهم على الاشتغال كأجراء في مزارع الشاي الإنجليزية

فإذا رفضوا العمل فإن هناك قانونا يعتبرهم مشردين ويحكم عليهم بالسجن لمدة سنة إذا ارتكبوا هذه الجريمة للمرة الأولى وكان من نتائج هذه السياسة الاستعمارية إيجاد طبقة من كبار الملاك وتثبيت سلطنهم كتب لورد ويليام بينتيك حاكم الهند العام سنة 1888 يقول إن أكبر مزية لهذه السياسة خلق فئة كبيرة من الملاك الأغنياء مصلحتهم العميقة أن تستمر السلطة الإنجليزية وتتحكم هذه الفئة تحكما كاملا في عامة الشعب.

وكان من نتائج الاستعمار في الهند الاستبداد بالشعب الهندي واستعباده وكان من نتائج تلك السياسة الاستعمارية أن طفلا هنديا يموت بين كل 6 أطفال وأن 15,6٪ من الرجال الهنود يلبون بالقراءة والكتابة وكان أخيرا من نتائج تلك السياسة الاستعمارية في الهند التفرقة الدينية بين الهنود وقد اعترف إمري EMERY وزير الدولة للهند في حكومة تشرشل بمسئولية الحكم البريطاني في هذا الصدد في أكثر من تصريح له.

ولكن كان من نتائج تلك السياسية الاستعمارية توحيد صفوف الشعب الهندي في مطالبته بالاستقلال والحرية وأكبر الهيئات المنظمة التي تقود كفاح الشعب الهندي في مطالبته بالاستقلال اتحاد الأحزاب والهيئات السياسية الهندية المختلفة يطلق عليها اسم المؤتمر الوطني الهندي

وقد تأسس في أواخر القرن السابق وتقدم بسرعة فائقة في القيام بمهمة توجيه الجماهير الهندية الشعبية فالمؤتمر وضع برنامج وطنيا يطالب فيه بجلاء الإنجليز عن الهند ولم يهمل النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة التي ترتبط بذلك المطلب الوطني الرئيسي ولذلك انضمت الطبقات الشعبية الهندية إليه كما انضمت إليه طبقة كبيرة من أصحاب المصانع والمناجم الهنود الذين يرون في بقاء الاستعمار خطرا داهما الاقتصاد الهندي ويميته.

وقد بدأ كفاح الهند الوطني مقاطعة البضائع الإنجليزية سنة 1905 واستمرت هذه المقاطعة إلى سنة 1911 ثم عادة إلى كل مرة يصل النضال فيها إلى قمته ولكن هذه المقاطعة للبضائع الإنجليزية أخذت تتمشى شيئا فشيئا مع ازدياد وعي الشعب الهندي ومظاهرات واضطرابات العمال ونهوض الصحافة الوطنية القوية وكان الاستعمار يجب على هذا كله بإطلاق النار على المتظاهرين ويزج عشرات الآلاف منهم في السجون ويحكم على زعماء المؤتمر أحكاما إرهابية متناهية في العنف فقد بلغ عدد المسجونين 90,000 سنة 1390,000,120 سنة 1933

وحكم على الزعيم الاشتراكي جواهر لال نهرو بالسجن 8 مرات وكان الحكم الأخير بأربع سنوات 1940 ومع ذلك فقد استطاع الشعب الهندي أن يستولي على مدينة بيشاور لمدة عشرة أيام وعلى مدينة شولابور لمدة أسبوع سنة 1930 أثر ضغط الشعب الهندي في الحكم البريطاني فقرر أن يمنح الهند دستورا زائفا ذلك أن الأمراء الهنود الذين يحكمون مقاطعاتهم حكما مطلقا لهم سلطة إعدام رعاياهم ولا يزال في إمارة راجيوتانا 160000 عبدا هؤلاء الأمراء قد مثلوا في الجمعية التشريعية تمثيلا مباشرا

وأنه رغم وجود 80 مليون من المسلمين و 240 مليونا من الهندوسيين فقد نص ذلك الدستور على أن شروط تمتع المسلم بحق الانتخاب هي أن يكون له دخل يساوي 3000 روبي في السنة أما دخل الهندوسي 300,000 روبي سنويا ثم أجريت انتخابات على تلك الأسس الزائفة

ومع ذلك فقد انتصر المؤتمر انتصارا باهرا وتبين الخريطة المقاطعات التي حصل المؤتمر فيها على أغلبية ساحقة فتكونت الوزارات من أعضائه والمقاطعتين اللتين تكونت فيهما وزارتان ائتلافيتان على أسس برنامج المؤتمر الاقتصادي والاجتماعي

وقد بلغ عدد أعضاء المؤتمر رابطة المسلمين الشيعة التي تمثل 20٪ من المسلمين في الهند أما الرابطة الإسلامية الهندية التي يرأسها السيد جناح والتي تطالب بإيجاد دولة هندية إسلامية منفصلة في الهند الباكستان فيطنطن حولها الاستعمار البريطاني ليظهر مدى التفرقة في صفوف الهنود أما هذه الرابطة فلم تحصل إلا على 5٪ من مجموع الأصوات المسلمين الهنود (32,000صوتا من 19,000 7,0 صوتا)

ومن هذا نرى أن كيف أظهر الشعب الهندي قوة اتحاده وإصراره على المطالبة بالاستقلال والتمسك بالحكم الديمقراطي.

(وطني) (السنة الأولى- العدد الرابع- 1/7/1945)

كفاح الصين الوطني الديموقراطي

عرفت الصين الاستعمار الأجنبي منذ القرن السابع عشر فقد بدأ البرتغاليون والهولانديون في هذا القرن يوجدون صلات التجارة والنهب مع الشواطئ الصينية كما بدأت شركة الهند الشرقية الإنجليزية في إرسال تجارها إلى كانتون حوالي عام 1937 وكان يغري هؤلاء التجار منتجات الصين الزراعية القمح والفواكه والشاي والصناعية الراقية- الحرير والصيني والذهب.

وكان المجتمع الصيني وقتئذ مجتمعا إقطاعيا تسوده الإمبراطور المانشو وتنقسم بلاده إلى إقطاعيات كبيرة نعيش أغلبية سكانها من الإنتاج الزراعي ولذلك لم يكن في وسع التجار الأجانب أن يجدوا شيئا غير الأفيون يبادلون به البضائع التي يملكونها ولكن استيراد الأفيون قوبل باعتراض ومقاومة من السلطات الصينية فشنت إنجلترا الحرب على الصين لتجبرها على قبول المخدرات التي تنتجها مستعمراتها الآسيوية الرئيسية الهندية.

وترتب على انتصار الاستعمار في الصين فتح الأسواق الصينية للأفيون والمنتجات الأوربية وسراعا ما تهدمت أسس المجتمع الصيني وانتشر الفقر والبؤس والمجاعات المتتالية التي أدت إلى ثورات وطنية قامت بدورها المهم في إيقاظ الصين من سباتها المشهور.

وكان الاستعمار يهدم أسس المجتمع الصيني قاصدا تحويل الصين من بلاد تعيش على الاكتفاء الذاتي ويفككها نظام الدويلات الإقطاعية العديدة إلى بلاد تعرف التجارة الواسعة ويمكن استثمار رؤوس الأموال فيها يسودها حكم موحد يستطيع الرأسمال الأجنبي التسلط عليه

وتوجه في سبيل الخضوع للاحتلال العسكري وفتح أسواق الصين لمنتجات الاستعمار ورأسماله ينشط حياة الصين الاقتصادية لينشأ أول خط للسكة الحديد عام 1870 ويؤسس أول مصنع لنسج القطن في عام 1890 ثم يزداد تصنيع الصين ابتداء من عام 1900 زيادة سريعة

ولكن هذا كله لا يحدث دون أن يزيد الاقتصاد الصيني ضغطا على ضغط ودون أن يزيد الطبقات الشعبية الصينية فقرا على فقر ثم لا يحدث ذلك التنشيط للحياة الاقتصادية الصينية دون أن يوجد طبقات جديدة في المجتمع الصيني فقد ولدت طبقة التجار والصناع الصينيين البورجوازية والطبقة العمالية الصناعية البوليتاريا وطبقة واسعة من الفلاحين الصينيين لا أرض لهم على الإطلاق

وكان الاستعمار يحول باستمرار دون تنظيم الطبقة العمالية الصينية في منظماتها الخاصة ويعمل على قمع احتجاجاتها وإضراباتها بالحديد والنار وكان الاستعمار عون الإقطاعيين الرئيسي ليحصل على القمح والشاي والأرز بأسعار منخفضة فيتضح للفلاحين الصينيين وضوحا أكبر فأكبر أن الذين يستغلونهم هم الاستعماريون الأجانب لاسيما أن اليابان باحتلاله أراضي صينية واسعة كان يثبت وجوده إثباتا يصحبه الإرهاب والنهب الدائمان.

إذن فقد واجهت الاستعمار طبقات اجتماعية مختلفة في الصين وكانت مواجهتها هذه تختلف كل الاختلاف تبعا للمصالح الطبقية العميقة الخاصة بكل منها فطبقة التجار والصناع كانت تكافح الاستعمار ويتخلل كفاحها الخوف الدائم من الاضطرابات الشعبية التي تهدد كيانها

كما تهدد أركان الاستعمار وأما الطبقات الشعبية فهي التي أظهرت استعدادا نبيلا الكفاح ضد المستغلين سواء كانوا أجانب أم صينيين والحرب الحاضرة ضد الفاشية جعلت من كفاح الصين حدثا دوليا وجزءا لا يتجزأ من كفاح الشعوب جميعا فساعدت على تطور الحرب الصينية اليابانية إلى حرب تحريرية كاملة تمتد لجميع المواطنين المخلصين.

ومأساة الصين أنها ولدت قوادها الشعبيين طبقة وأفرادا مولدا دمويا مريرا ففي سنة 1905 أسس الدكتور سون يات سين الرابطة الثورية المتحدة للصين والتي لخصت برنامجها في مبادئ الشعب الثلاثة الشهيرة الوطنية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي وانفجرت الثورة يوم 10 أكتوبر 1911 في ووشانج ثم امتدت إلى هانكيو وهاينانج ودوييه وهونان وكاتجشي إلخ..

فاستنجد الإمبراطور بالدول الأجنبية ولكنها كانت مشغولة بتحضير الحرب العالمية الاستعمارية فلم يكن في وسعه إلا التخلي عن العرش لابنة الذي خلع دوره سنة 1912 فأعلنت الجمهورية في الصين ولكن هذه الجمهورية لم تقدم على الكفاح الوطني الواضح قبل 1921- 1924 حين نهضت الحركة النقابية الصينية نهضة كبرى

وقد ظهرت هذه النهضة بسلسلة من الإضرابات منها إضراب بحارة هونج كونج في يناير 1922 لأن أغلب شركات الملاحة في هونج كونج في أيدي الأجانب وقد أيد الكوميين تانج تحت قيادة الدكتور سون يات سين الإضرابات وجمع التبرعات وفي مايو 1922 يعقد أول مؤتمر للنقابات في كانتون فيجمع 160 مندوبا يمثلون 200 نقابة و 300,000 عضو.

وعلى أثر الحركة الشعبية التي امتدت في الصين يجتمع المؤتمر الأول للكومين تانج في عام 1954 في كانتون ويكون من أهم قراراته علاوة على إقراره وعزمه على المضي في تحقيق مبادئ الشعب القلاثة التعاون مع الاتحاد السوفيتي وقبول الشيوعيين في الكومين تانج وعلى ذلك يشرع الدكتور سين في توحيد الصين فيؤسس كلية حبية في وانهوا لإخراج ضباط الجيش الوطني الجديد ويكلف شانج كاي شيك بإدارتها ويرسل الاتحاد السوفيتي لها مستشارين حربيين.

ولكن هذا كله لا يحدث دون أن يوقع الهياج بين صفوف كبار التجار والصناع الصينيين ومؤيديهم الاستعماريين الأجانب ولاسيما الإنجليز الذين يمدون الثائرين ضد حكومة الجمهورية بالأسلحة فيصرح الدكتور سون كان شعارنا إلى الآن قلب الإمبراطورية المانشو أما الآن فصاعد فيجب علينا أن نقلب حكم الاستعمار الأجنبي العائق الرئيسي للثورة.

وتمتد الفترة الرجعية بين الجنراليين ويموت سون وهو يدعو تلاميذه إلى الاتحاد في سبيل انعقاد الجمعية الوطنية (12 مارس 1925) وفي ذات السنة تقوم النقابات العمالية بإضرابات سياسية عظيمة ضد الشركات الاستعمارية وتؤيد هذه الإضرابات طبقة الصناع الصينيين الذين تهددهم المنافسة الأجنبية وخاصة اليابان

كما تؤديها جماهير واسعة من المثقفين والطلبة فيضرب عمال شانجهاي ولكن الغرفة التجارية تقرر سحب تأييدها للإضراب بعد أن دام ثلاثة أشهر فتنقل الحركة إلى كانتون وهونج كونج حيث تبقى قائمة 15 شهرا.

ولكن البورجوازية الكبرى بتأييد من الاستعمار تنجح في قمع الإضراب بالإرهاب الدموي ولاسيما أن حركة العمال الوطنية لم تنجح بعد في جر الملايين من الفلاحين إلى الكفاح ومع ذلك فإضرابات عام 1925 برهنت على قوة الطبقة العاملة الصينية وانضمامها النهائي إلى الكفاح الوطني.

وقد وقعت بعد ذلك فترة من الهدوء النسبي استغلها شاينج كاي شيك في متابعة الكفاح ضد الإقطاعيين وتوحيد الصين وتزجع انتصاراته في هذا الصدد إلى تحالفه مع الشيوعيين ففي نوفمبر سنة 1926 تؤسس حكومة ائتلافية مركزية في ووهان تجمع عناصر الكوميين تانج والشيوعيين.

ولكن لم تحل سنة 1927 حتى كان الجناح اليميني في الكومين ناتج قد غلب على شعور شانج كاي شيك الوطني فيدفعه إلى القبض على الزعماء النقابيين في شانجهاي الذين ساعدوا جيوشه على تحرير المدينة وعليه تتكون حكومتان في الصين حكومة تشيانج في تانكين وهي تمتع بتأييد الاستعمار الأجنبي وأغنياء الصين من التجار والصناع وحكومة وطنية في ووهان تجمع ممثلي صغار لبورجوازيين والمثقفين والعمال والفلاحين

ثم تتحول هذه الحكومة الأخيرة إلى حكومة سوفيتية بعد انفصال العناصر الأخيرة من الكوميين تانج عنها فينشأ الجيش الأحمر الصيني الذي يصبح هدف ست حملا حربية يوجهها تشانج كاي شيك تجمع أخيرتها ما يقرب من مليون جندي ما بين 1927، 1964 فيضطر الجيش الأحمر الصيني إلى الانتقال من جنوب الصين إلى شمالها ليتحصن في منطقة شيفان التي تقرب من جهة اليابانيين قاطعة بذلك 1500 ميلا على قدميه مقاتلا جيوش تشيانج مقاتلة مستمرة.

وقد تميزت فترة 1935- 1945 بمحاولات الشيوعيين الصينيين الدائمة أن يحملوا تشيانج على الاتحاد الوطني ضد الاستعمار الياباني وكان تشانج يلبي هذه النداءات تلبية شكلية ولكنه لم يتورع مرة إثر أخرى أن يضعف جهته ضد اليابانيين في سبيل إرسال الحملات ضد الصين السوفيتية

وكانت الولايات المتحدة وانجلترا تؤيدانه بدعوة أن حكومته هي الحكومة الديمقراطية الوحيدة في الصين ولكن الحرب التي بدأتها اليابان ضد الحلفاء أجبرتهم على استقصاء موقف تشيانج بشكل أدق فكانت تصريحات الجنرال ستيلوبل المندوب الحربي الأمريكي في الصين الذي استقال لأنه رأى أن تشيانج يستحيل عليه توحيد صفوف الوطنين بسبب سوء الإدارة والفوضى الضاربة أطفا بها الجيش وخيانة ضباطه الذين يتاجرون مع العدو

ثم كانت إقالة تشيانج من رئاسة الوزراة وإعطاء هذا المنصب إلى الدكتور سونج وكان سفر هذا الأخير إلى موسكو دليلا على اتجاه الكوميين تانج الجديد وهو الكف عن محاربة الشيوعيين الصينيين في سبيل الوحدة الوطنية ضد الاستعمار الياباني.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد السابع- 16/8/1945)

إحضار الصهيونية

يتخبط الاستعمار الآن وتتخبط الصهيونية معه في أزمة عنيفة حادة، ولكنهما يساندان بعضهما بعضا فنرى هذا التذبذب العجيب في موقف الدول الاستعمارية الكبرى ونرى في الجانب الآخر نهضة القوات الشعبية تهدد كل استعمار وكل استغلال.

الصهيونية حركة رأسمالية استعمارية يقوم بها كبار الرأسماليين الاحتكاريين كي يستغلوا موارد فلسطين وشعبها وموقعها الاستراتيجي وليستعملوا الطبقات اليهودية الشعبية ككش فداء في صراعهم ضد الطبقات الفلسطينية فالوطن القومي الذي تسعى الصهيونية إلى تأسيسه لم يبين إلا عن طريق رؤوس أموال ضخمة تبلغ 105 ملايين دخلت البلاد

لم تكن رؤوس الأموال التي جمعت بواسطة التبرعات إلا جزءا ضئيلا منها إذ لغت 20 مليون فقط أما الباقي وهو الجزء الأكبر فجاء عن طريق المؤسسات المالية الإنجليزية التي أتت بعشرين مليونا من الجنيهات والأمريكية التي ساهمت بعشرة ملايين والألمانية إلخ ولم تكن هذه المنشآت يهودية جميعا

كما لم تكن أيضا أموالها يهودية صرفة فلورد هيرست رئيس الشركة الكهربائية الإنجليزية جنرال اليكتريك عضو مجلس إدارة شركة الكهرباء الفلسطينيةولو رد ملتشت رئيس شركة الصناعات الكيماوية الإمبراطورية عضو مجلس إدارة شركة البوتاس الفلسطينية ويجلس بجانب مسترها ساش...

وهو مدير شركات ماكس وسينسر ليمتد الإنجليزية وبنك باركليز الإنجليزي هو الذي يقدم قروض إلى شركات الأراضي الصهيونية في حين أن شركة برود ينشيال للتأمين الأمريكية استثمرت مليون و 750 ألف جنيه في قروض البناء سنة 1935.

ولذلك ليس جميع الصهيونيين يهودا فترومان وآتلي والمارشال سمطس ولويد جورج ولورد بلفور هم من المسيحيين الإنجليز والأمريكان الذين يرون أن فلسطين تنتج البوتاس والموالح وأن أرضها يمكن نزعها من العرب وأن أنابيب البترول تنتهي عند شواطئها وأن أموالا باهظة متمرة فيها والواجب أن تظل كذلك

بل أن تزداد فليس من بد من اختلاق وطنية يهودية زائفة يتشبت بها صغار البورجوازيين اليهود صغار التجار والحرفيين حتى يقتنعوا بأن مهمتهم الأساسية في فلسطين أن يحولوا دون وصول العرب إلى الاستقلال من الاستعمار الإنجليزي والصهيوني.

إن الفاشية قد سقطت وتصدعت مع سقوطها جبهة الاضطهاد العنصري وقرب زوالها وقد أشار روبين أحد الصهيونيين المعروفين إلى خطر اندحار النازية على الصهيونية بقول: إن تلاشي اضطهاد اليهود يسبب تلاشي الصهيونية فاضطهاد اليهود أحسن مثير لمصلحة الصهيونية يهود العصر الحاضر ص246.

فلن يوجد بعد اليوم يهود يريدون مغادرة بلادهم ليذهبوا إلى فلسطين يعرضون فيها للبطالة ليخدموا مصالح المستغلين بل إن الخطر أكبر وأجل من انقطاع اليهودية فهناك يهود كثيرون في فلسطين يرغبون رغبة شديدة في الرجوع إلى وطنهم الأصلي

بل يستعدون فعلا للرحيل منذ إعلان النصر في أوربا وبهذا يهدد استغلال كبار الرأسماليين للجماهير اليهودية الكادحة ويتصدع تعاون الطبقات اليهودية في وجهة الحركة الوطنية العربية ومعها مركز الاستعمار كله في الشرق العربي ولكن الواضح أن الاستعمار الإنجليزي لن يترك فلسطين في بساطة وسهولة

فقد صرح إيدن في سان فرانسيسكو بمواصلة بريطانيا (بأعباء) الانتداب في فلسطين وسرعان ما شعر باقي الاستعماريين بضرورة مساندة الاستعمار الإنجليزي لأن ذلك يقوي مركزهم أيضا فصرح ديجول لمراسل التايمس بأنه إذا تحققت سياسية مشتركة بين انجلترا وفرنسا في الشرق الأدنى حلت عدة مسائل منها الهجرة اليهودية ولحق الرئيس ترومان بهؤلاء فقال بضررة إدخال 100,000 يهدي فورا إلى فلسطين فبدأت القوات الإنجليزية تحشد في فلسطين وتقرر تحويل بعض القوانين الاستثنائية التي صدرت تحت الأحكام العرفية إلى قوانين دائمة يكبت بها صوت المجاهدين العرب وتشل عن طريقها حركتهم.

ثم خرجت المسألة الفلسطينية من هذه الدائرة إلى أخرى أوسع وأعمق فرددت بعض الصحف الإشاعات حول نية الحكومة الإشتراكية البريطانية في أن تسحب قواتها المسلحة من مصر والشام والعراق لتركزها في فلسطين وتجعل من هذا البلد الشقيق قاعدة حربية واستراتيجية تضمن سلامة المواصلات الإمبراطورية وبالأحرى تمكن الاستعمار البريطاني من الإغارة على البلاد العربية مرة أخرى إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

وإزاء الضجة التي أثارتها هذه المناورة المكشوفة في الأوساط الوطنية ولاسيما الفلسطينيةاختفت الإشاعات ثم طار الأمين العام للجامعة العربية إلى العواصم المختلفة للمشاورة في القضية الفلسطينيةفكانت النتيجة أن عبد الرحمن عزام بك صرح في لندن بأن الجامعة العربية ترغب في وضع مسالة فلسطين على الرف لسنة واحدة.

هذه المناورات الاستعمارية المختلفة وتلك الصيحات الصهيونية المتألمة والاستعدادات الإرهابية والحربية في فلسطين إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الصهيونية تعاني الآن جروحا قاتلة وأنها تحاول أنتدافع عن البقية الباقية من حياتها باستنهاض قواها جميعا وباستنجاد حلفائها الاستعماريين جميعا.

ولكن الضربات الشديدة تنالها الواحدة إثر الأخرى فصفوف اليهود تتفكك بمقاومة اليهود الشرقي السفرديم للصهيونية والطبقة العاملة العربية تلقى بقواها اليقظة في الحركة الوطنية وتزداد الإضرابات العمالية اليهودية والعربية من 80 إضرابا يشمل 3,800 عامل سنة 1941 إلى 4 إضرابا تشمل 17,846 عاملا سنة 1943 فيظهر بهذا الشكل أن الطبقات اليهودية الكادحة قد بدأت تيأس من سياسة تعاون الطبقات.

تم تتسع الموجة المناهضة للصهيونية وتكتسب قوة جديدة بانضمام هيئات يهودية إليها فهذا المر برجو مدير جمعية يهودية أمريكية يقول أن حل المسألة اليهودية لا يكون بإنشاء أرض يهودية في فلسطين ولكن بواسطة الاعتراف لليهود بحقوق ومسئوليات في أي بلد يهبطون إليه أو عاشوا فيه

وهؤلاء يهود الاتحاد السوفيتي يستنكرون الصهيونية ويقطعون علاقاتهم مع جمعية النصر التابعة لها بل ونرى الشعب الهندي يؤيد قضية العرب في مؤتم العمال الدولي الذي انعقد في لندن منذ شهور قليلة وبهذا الشكل تمد الطبقات الشعبية في العالم أجمع يدها للشعب الفلسطيني في كفاحه للقضاء النهائي على الصهيونية المحتضرة.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد 11- 15/ 10/ 1945- ص12، 15)

الاتفاق الفرنسي الإنجليزي

ليست لبلادنا طريقا إمبراطوريا بل وطنا لشعوب تريد أن تعيش بكرامة وحرية واستقلال. صوت الشعب.

أعلن في منتصف الشهر الماضي أن اتفاقا قد وقع بين فرنسا وانجلترا للمحافظة على مصالح البلدين في المشرق والشرق الأدنى وعلى جلاء القوات الأجنبية عن سوريا ولبنان وقد دارت المفاوضات بين البلدين دون أن تدعي سوريا ولبنان إلى أبداء رأيهما أو سماع صوتهما

والأغرب من ذلك أن نص الاتفاق لم يعلن بل قد أبلغت الحكومتان الشقيقتان به بيان مقتضب جاء فيه أن المحادثات ين مسيو بيدو ومستر بيفن قد انتهت إلى اتفاق تناول القضايا المبحوثة بمختلف نواحيها وأن هذا الاتفاق حرص أن يتجنب كل تباين في السياسة بين البلدين فرنسا وانجلترا

حتى يسهل ازدهار شعوب الشرق الأوسط وأن فرسنا وانجلترا قد قررتا أن تدرسا معا شروط تجميع قواتهما تجميعا منظما في هذه المنطقة وجلاء تلك القوات عنها.

وبهذا الاتفاق وضع حد مؤقتا لاشك في التنافس بين الاستعمارين الإنجليزي والفرنسي ولعل قراءنا يتذكرون كفاح الشام الشقيق المجيد ضد الاستعمار الفرنسي وأن القوات الإنجليزية تدخلت لإرجاع الأمن إلى نصابه في ربوعه

ولكن هذا الاتفاق يحاول أن يفرض استعمارين متفقين على بلاد ناضلت وتناضل للتحرر من الاستعمار وهذا الاتفاق يعترف بأن هناك مصالح لفرنسا وانجلترا يجيب أن تصان بعد أن ناضل الشعبان السوري واللبناني ضد مصالح الاستعمار المنفرد ويحاول الاستعمار الفرنسي والإنجليز أن يبررا هذا الفرض التعسفي بأن يضعا نفسهما موضع الذي يريد أن يحقق رفاهية الشعبية

وبأن يربطا بين مصالحها وبين تحقق تلك الرفاهية كذب مفضوح إن مصالح الاستعمارين الفرنسي والإنجليزي هي مصالح الاحتكارات الرأسمالية الكبرى الإنجليزية والفرنسية هي مصالح كبار أصحاب البنوك والمصانع والمناجم والتجار الكبار هي مصالح تقضي بأن يعتصر الشعبان السوري واللبناني اعتصارا حتى تتحول دماؤهما وعرقهما إلى أرباح طائلة يقبضها الرأسماليون الأجانب الكبار هي مصالح تقضي بأن يبقى الشعبان السوري واللبناني متأخرين في دياجير الجهل التام وأن يحكما حكما استبداديا ليسهل استغلالهما فإن المصالح الفرنسية والإنجليزية من رفاهية الشعبين السوري واللبناني

الواقع أن هذه المصالح تتحقق بأن يضمن لهما بترول العراق ومراقبة تجارة الشام الداخلية والخارجية وأن تحتل القوات الأجنبية القطرين الشقيقين العزيزين حتى تحافظ على الطرق الإمبراطورية أي أن يستمر استغلال الاستعمار للشعوب العربية في فلسطين والعراق ومصر وطرابلس وبالمثل يستمر استغلال الشعوب الآسيوية في إيران والهند وأندونيسيا والملايو.

وفي هذا الاتفاق الاستعماري مناورة مكشوفة صارخة لإرجاع سوريا ولبنان داخليا ودوليا إلى ما كانتا عليه قبل الحرب وفرض الحدود على سيادتها بحيث يتشكل استقلالهما بما يمنحه الاستعماران الفرنسي والإنجليزي يقول البيان المشترك إن الحكومتين رغبة منهما بأن تؤمنا لسوريا ولبنان ممارستهما التامة للاستقلال الذي أعلنته فرنسا في عام 1941

ورغبة منها في استنباط النتائج الطبيعية الناشئة عن انتهاء القتال فيما يتعلق بأوضاع الحلفاء العسكرية في الشرق قد قررنا أن يجتمع خبراء عسكريون لأجل تعيين موعد قريب جدا للتدابير الأولية للجلاء فالاستعمار ينكر على سوريا ولبنان أنهما حصلا على استقلالهما بكفاحهما الذاتي وينكر أن دولتين كبيرتين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة قد اعترفتا بهذا الاستقلال اعترافا لم تشبه شروط أو حدود والاستعمار يماطل ويتباطأ في الاستجابة لمطالبة الشرق له أن يجلو سريعا.

غير أن الشعبين السوري واللبناني الذين لم يخضعا للاستعمار الفرنسي ليس مستعدين للخضوع للاستعمار المزدوج الفرنسي والإنجليزي إنهما لا يريدان توطيد الحالة الراهنة بل يريدان أن تغييرها يريدان الاستقلال التام والسيادة المطلقة والاستعمار الأجنبي لم يستطيع أن يربط مصالح فئات كبيرة من الطبقات الحاكمة في هذين البلدين بمصالحة الاستبدادية الظالمة

كما أن الحركات الوطنية الشعبية التي وقعت في القطرين الشقيقين خلال السنوات الأخيرة قد زادت من وعي الطبقات الشعبية زيادة كبيرة ونهضت بيقظتها واستعدادها للنضال نهضة مباركة ظلمت ترفض التدخل الاستعماري بمختلف أنواعه وشتى مناوراته.

ويقف الشعبان السوري واللبناني متحدين أمام الاستعمار الأجنبي ونجد الشخصيات السورية واللبناني ة الرسمية في الصفوف الأولى تكاد لا تتخلف عن الأحزاب الوطنية والديمقراطية الصحيحة كما أن نجد أن الصحافة بأكلها بما فيها الصحف المعروفة باعتدالها ومناصرتها للأوضاع الحاضرة مثل جريدة الإنشاء تجاهر بأعلى صوتها أن لبنان وسوريا لن يتقيدا باتفاق لم يمضياه

وأنهما يصران على الاستقلال التام والجلاء السريع الكامل وحكومة لبنان مثلا ليست من الحكومات الضعيفة التي تستبد بالشعب والتي تمثل طبقات رجعية تجبره مصالحها على التهادن مع الاستعمار بل أنها حكومة لا تخشى أن تعتمد على قوة الشعب وإرادة الشعب الفولاذية فتعلن الإضراب العام احتجاجا على الاتفاق الاستعماري المشئوم.

والحالة في المشرق تضرب لنا نحن المصريين الوطنيين المخلصين مثلا وضحا لما يجب أن موقف الحكومة عليه وكيف يتحتم أن تعتمد اعتمادا صحيحا على الحركات الشعبية وتعمل بإخلاص كي تساعد على تحرير البلاد من وطأة الاستعمار الذي بأن اليوم أنه يقوم بالمناورات القديمة الجديدة فيرجع إلى نصوص المعاهدة تارة وإلى الوقت المناسب تارة أخرى يتذرع بالأحوال العسكرية طورا وبالمواصلات الإمبراطورية طورا آخر ...

والحكومة الحاضرة تتجاهل تلك الحقيقة الساطعة الضخمة التي تقوم أن الاستعمار لا يجامل بل يقهر بقوة الجماهير الواعية الحازمة، لا بالألفاظ المعسولة والمفاوضات الغامضة وراء الستار تلك المفاوضات الخطرة على استقلالنا الضعيف الهزيل لأنها خارجة عن مراقبة الشعب وعن توجهه والحالة في المشرق تظهر لنا أن الشعب الذي يكون مستعدا للنضال وحرا في التعبير عن رغباته.

هو الشعب الذي يستطيع أن يصمد في وجه الاستعمار الغاشم أما الاعتماد على برلمان لا يمل الأمة وأما القبض على المفكرين الوطنيين الأحرار وإفساح المجال أمام المحتكرين والمستغلين فهذا كله يؤدي إلى فصل الحكومة عن الشعب والغدر بكرامتنا القومية وباستقلالنا وديموقراطيتنا.

صادق سعد (السنة الأولى- العدد السادس عشر- 11/1/1947)

التحرر من الاستعمار والاستقلال هدف جميع البلاد العربية

في البلاد العربية حركة وطنية ناهضة تضغط على الحكومات وتجبر الشخصيات البارزة أرادوا أم لم يريدوا على التحدث عن الحرية غير أن محك إخلاص تلك الشخصيات أعمالها لا أقوالها...

ألقى سعادة عبد الرحمن عزام باشا أمين الجامعة العربية أخيرا محاضرة عن الجامعة العربية والوحدة العالمية والكلمات الرنانة التي استعملها عزام باشا في محاضرته هذه دليل أيما دليل على وعيه بالمطالب الوطنية للشعوب العربية وعلى أن الهيئات الحاكمة الرسمية لا تستطيع أن تتغاضى عنها فلا يبقى لها إلا إرادة مقاومة تلك المطالب

إلا أن تلف وتدور وأن تجرد الوقائع من حقائقها وأن تحول الألفاظ والمثل العليا إلى أواني جوفاء تملؤها بما تشاء من المعاني المائعة والأمين العام للجامعة العربية يعترف بذلك فيقول أن الديمقراطية أصبحت في هذا العصر مثل كلمة الاستقلال تحمل كثيرا من المعاني

أما عند العرب فمعناها الحرية المطلقة غريب حقا أن يقول هذا سعادة عزام باشا وهو يعلم بلا شك أن الديمقراطية لا تحتمل غير معنى واحد لا ثاني له وهو حكم الشعب ومن الشعب والشعب وغريب أن يقول أيضا أن الاستقلال يحمل معاني كثيرة والمشاع بين الناس أن الاستقلال لا يحتمل إلا تفسيرا واحدا أوحد وهو انفصال الشئون الداخلية والخارجية للأمة عن تحكم ونفوذ دولة أخرى سواء أكان عسكريا أم اقتصاديا أم سياسيا.

وقد استطرد عزام باشا في محاضرته فعذر للجامعة العربية الحالية ضيق حدودها وصغر نطاقها بأن الميثاق على كل حال يسمح بتعاون والحمد لله، فقد يتوقع البعض أن تجتمع الأمم العربية في جامعة سياسية في سبيل التطاحن والحرب بين أفراد معروفة أليس كذلك فعلينا أن نبارك الجامعة العربية لأنها تفادت ذلك مهارتها السياسية المعهودة.

ومن النقط التي تستلفت أنظار القارئ أن عبد الرحمن عزام باشا قال لا نريد حربا بين الأفراد والطبقات والقياصر ولا نريد قوميات جديدة وقد تحدث سعادته قبل ذلك عن الحرية التي تطالب بها الجامعة لبلادنا العربية والأتراك والإيرانيين

ففهمنا أن الحرية التي تريدها الجامعة العربية ذات معنى خاص غير المعنى الذي اعتاده الناس وغير المعنى الذي كافحت من أجله الشعوب العربية وتكافح فهمنا أن الجامعة العربية تؤيد استعمار الأتراك للأرمن في قارص وأردهان واستعمار الأتراك للعرب في الإسكندرونة وتقف بجانب الحكومة الرجعية الحالية في إيران وإزاء معاداتها للحركة الديموقراية في أذربيجان

وبجانب الحكومة العراقية إذ تطارد زعماء الحركة الوطنية الكردية وقد تفهم شيئا كثرا غير هذا كله فسعادته يطالب بالجلاء عن مصر وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا ولكنه لم يذكر شيئا عن فلسطين ولم يذكر شيئا عن السودان.

وفي محاضرة عزام باشا ألفاظ معروفة قد لجأ إلى استعمالها كمحسنات لفظية ولا يسع القارئ الكريم إلا أن يعتبرها كذلك فما معنى أن الجامعة العربية تضرب المثل للأمم الكبيرة في التعاون على السلم وعلى إسعادنا بعضنا بعضا

وعلى ضمان العدالة الاجتماعية ما معنى الجملة إذا كان معروفا شائعا أن الجامعة العربية لم تقم بشيء جدي واحد في سبيل قضية البلاد العربية الحقيقة كفاحها في سبيل التحرر من الاستثمار وفي سبيل الديمقراطية ما معناه إذا كان معروفا بين المصريين أن الحكومة الحاضرة التي جاءت بسعادة عزام باشا لم تقم بشيء جدي واحد في سبيل رفع مستوى الطبقات الشعبية بل على العكس راحت تزج بمن يطالب به في أعماق السجون.

غير أن هناك في محاضرة سعادة الأمين العام ما يمكن أن يعتبر أهم وأخطر من ذلك كله فعنوان المحاضرة وكدنا ننساه هو الجامعة العربية والوحدة العربية ومع ذلك فقد خلت تماما من ذكر التعاون العالمي والحركات التحريرية الواسعة التي تغمر أوربا والعالم أجمع في الوقت الحاضر بل جاءت تأكيدات سعادته عن تفسيره الخاص للحرية والديمقراطية وصارخا للتعاون الدولي الذي تبنيه الشعوب الحرة رغم المناورات الاستعمارية التي تقوم بها بريطانيا مثلا حليفة مصر وصديقة البلاد العربية ومؤيدة الجامعة العربية.

أحمد سعيد. (السنة الأولى- العدد السابع عشر- 19/1/1946)

في قضايا نظرية الثورة الفرنسية والحركات الوطنية

الحرية المساواة الإخاء كلمات ثلاث طنانة ختم بها على أعمال الجمهورية الفرنسية منذ الثورة الكبرى كلمات تذكر تارة بالحماس البالغ وتارة أخرى بالسخرية المرة وكثيرا ما تتخذ كمثل عليا دائمة في حين أنها لم تعبر إلا عن عليا خاصة لفترة تاريخية معينة أيضا كانت كلمة الحرية ذات معنى خاص لتلك الطبقة كانت تعني بالدرجة الأولى حرية تبادل السلع دون التعثر المستمر في امتيازات الوراثة والدم وكانت أخيرا كلمة الإخاء تعني للطبقة الرأسمالية الناشئة إخاء أفرادها وتعاونهم على جمع الأرباح.

ولكن هذه المثل العليا الطبقية كانت تعبر عن إرادة الطبقة الرأسمالية الناشئة في تحطيم القيود الإقطاعية البالية التي كانت تعوق سير التقدم الإنساني وفي ذلك كانت تلك المثل العليا مثلا تحريرية آنئذ ولذلك رفع شعب سترابورج سنة 1790 على كوبري كيل العمل الثلاثي اللون وعليه العبارة التالية لم تكن بعد قد عرفت مبادئ تقرير المصير فكانت النمسا تحتل النصف الشمالي من إيطاليا وجزءا من الصر والمجر وجزءا من بولندة ومن ألمانيا وبلجيكا

وكان البابا يملك وسط إيطاليا ومنطقة أفيون وكانت تركيا تحتل البلقان والبلاد العربية وفي هذه البلاد المستعبدة المحتلة تستغل الشعوب استغلالا إقطاعيا منذ قرون طويلة فلما قامت الثورة الفرنسية غلا وعرفت تلك الشعوب أن حدثا خطيرا قد وقع وفهمت بورجوازية تلك الشعوب أن الوقت قد أن لتطالب بحريتها ومساواتها وإخائها ولتحقق لها سوقا داخلية تستغلها فترح منها دون أن يتدخل في شئونها أمراء الأرض الإقطاعيون الذين لم يعرفوا للأمة معنى..

نقل ليوهيوبيرمان في كتابة سلع الإنسان للعالمية حديث جرى في العصور الوسطى بين نبيل وقس وصف فيه القس شعوب أوروبا بالفرنسيين والألمان والإيطاليين إلخ فرد عليه النبيل بأنه إذا كانت تلك الشعوب ستسمي نفسها بهذا الشكل فلن يطول حكم النبلاء لها كثيرا...

قامت الثورة في فرنسا وسقطت الباستيل وبدأت تستيقظ شعوب أوربا من سباتها الطويل وكتب النرويجي ستيفنس لم تكن قد بدأت الثورة في فرنسا فقط بل في أوربا كلها كانت تتعمق جذورها في ملايين الأرواح وتملك قلبي أمل هائل وأعلنت الجمعية التشريعية الفرنسية للعالم أجمع:

أن الأمة الفرنسية لا ترغب في حرب في سبيل الفتح وهي لمن تستغل قواتها للاعتداء على حرية أي شعب من الشعوب فثارت بلجيكا ضد الاحتلال النمساوي وثارت مدينة أفينون ضد البابا وامتد الهياج الثوري الوطني في البلاد المجاورة لفرنسا دويلات الراين، سافوي، بيمونت)

وقامت حركة ديموقراطية في بولندة فأرسل الملك البولندي رسالة للجمعية الوطنية الفرنسية يحيها ويحي مبادئها التحريرية ودخلت الجيوش الفرنسية في بلجيكا فاستقبلها الشعب استقبالا حماسيا واحتل نابليون إيطاليا فأسس فيها أول جمهورية إيطالية الجمهورية السيزالييه.

ولكن سرعان ما جاءت النكسة الرجعية مع تولى نابليون عرشي الإمبراطورية لفرنسية وهل من طبقة بورجوازية تستطع أن تقاوم رغبتها في فتح الأسواق؟ امتدت الإمبراطورية النابوليونية إلى أسبانيا وإيطاليا وسويسرا وجزء من النمسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وخضعت لها بولندة فاضطر الأمراء الأوربيون أن يستندوا إلى الشعوب الوطني الهائج في البلاد المحتلة لتقاوم نابليون وتحطم سيادة فرنسا على أوروبا كان الألمان يقاومون الاحتلال الفرنسي وهم يصحبون يصيحون في مظاهراتهم تحيا تيتونيا واشتركت العصابات الأسبانية في هزيمة الجيوش الفرنسية اشتراكا فعالا.

ولكن الإمبراطورية النابوليونية انهارت ولم يتبع انهيارها تحرر الشعوب الأوربية المستعبدة لأن الأمراء الإقطاعيين تمكنوا من إعادة سيادتهم ظاهريا على الأقل فكانت النكسة الرجعية الثانية.

ولكن سيادة الأمراء استعيدت على أسس كانت مختلفة تمام الاختلاف عن ذي قبل فالمبادئ الثورية كانت قد تعمقت في أذهان المفكرين الوطنين في أوربا الذين وجدوا فيها محور مطالبهم وشعاراتهم وكانت الجيوش الفرنسية أثناء احتلالها لأوروبا قد زعزعت العناصر الإقطاعية الجوهرية الرسوم الجمركية الداخلية وربط الفلاحين بالأرض والسيادة الزمنية للكنسية

فكانت بهذا الشكل قد مهدت بعض الطريق أمام الطبقة الرأسمالية الناهضة في البلاد المستعبدة وفي الإمبراطوريات الإقطاعية الواسعة وكان الاحتلال الفرنسي قد أشعر الشعوب بتجانس أفرادها ووحدتها الوطنية في وجه الأجانب وبعبارة أخرى فقد أوجدت الثورة الثورة الفرنسية العناصر الثلاثة الضرورية للحركات الوطنية في أوروبا تقوية مركز الطبقة الموجهة ونشر المبادئ الثورية التي تبلور مطالبها واستعدادا شعبينا واسعا للتحرك

ولكن النكسة الرجعية الإقطاعية التي سادت أوروبا في عشرينيات القرن الماضي والتي قادها التحالف المقدس الرابطة بين ملوك أوربا قد استطاعت أن تقمع الحركة الوطنية بعض الوقت إلى أن تقوت البورجوازية الأوربية وبدأت تحقق استقلالها في منتصف القرن الماضي وكانت الحركة الشعبية في فرنسا نفسها قد تحولت شيئا فشيئا وكانت قيادتها قد انتقلت من أيدي الرأسمالية إلى الطبقة العمالية الناهضة التي لم تكن تحمل في مصالحها الطبقية مضمونا يناقض مصالح الطبقات الشعبية الأخرى

ولذلك كانت الثورات الفرنسية المتتالية في 1830، 1848، 1870، تبعث روحا جديدة صاعدة للحركات الوطنية في أوروبا ونجحت فيما لم تنجح فيه الثورة الفرنسية من قبل في قيادة الحركات الوطنية الأوروبية قيادة سليمة تحقق انضمام الجماهير الشعبية إليها انضماما متينا مستمرا

صادق سعد. (السنة الأولى- العدد الخامس- 16/7/1945)

ثورة أكتوبر مرحلة حول في تاريخ البشرية

ثورة أكتوبر الإشتراكية حدث لم يقع مثليه من قبل في التاريخ الإنسانية وقد حاول الرجعيون ذوو الألوان السياسية المختلفة أن يخفوا المميزات الفريدة لثورة أكتوبر بتشويه الحقائق وبالقيام بحملات الافتراء المستور ضد الاتحاد السوفيتي واليوم بعد أن وضح لهم أن هذه الخطة فاشلة لا محالة يحاولون أن يظهروا أن الانتصارات السوفيتية لا علاقة لها البتة بالثورة الإشتراكية

أي أنها انتصارات الجيش الروسي دون غيره من الأجناس بل أنها معجزا روسية ولكن التحقيق العميق بين وبين لشعوب العالم جميعا أن انتصارات الإشتراكية هي النتيجة التي لا مفر منها للثورة الإشتراكية نقطة التحول في تاريخ البشرية.

فبماذا تتميز الثورة الإشتراكية عن غيرها وما هي أهمية ثورة أكتوبر؟ بثورة أكتوبر استولت البلوريتاليا طبقة العمال وطليعة الكادحين على الحكم السياسي في روسيا وكانت هذه هي المرة الأولى التي تئولي فيها الغالبية الشعبية الحكم السياسي وبالأحرى أنت المرة الأولى التي فيها تأخذ الحكم طبقة من الطبقات الكادحة فقد استبدلت جميع الثورات السابقة مثل الثورة الفرنسية طبقة من الأقلية بطبقة أخرى من الأقلية في الحكم

أما ثورة أكتوبر فقد أفسحت لأول مرة في التاريخ المجال أمام الحكم البروليتاري ليحقق مجتمعا جديدا من الرأس إلى التعقب مجتمعا يتميز أساسيا عن جميع المجتمعات الأخرى في التاريخ أعني مجتمعا ديموقراطيا بالمعنى الصحيح يلغي بشكل جوهري استغلال الإنسان للإنسان في المجتمع الاشتراكي الذي أسسته ثورة أكتوبر لا تستولي طبقة طفيلية على نتيجة جهود الكادحين بل ينتج الشعب لنفسه ويراقب الإنتاج الاجتماعي ويشرف عليه، حيث أن وسائل الإنتاج ملكا له وليست ملكا لغيرة.

وكان محتما أن يختفي في المجتمع الاشتراكي تقسيم المجتمع إلى طبقات مستغلة وطبقات مستغلة ومع اختفاء هذا التقسيم زالت من الوجود الأداة التي تستعملها الطبقات المستغلة المتطفلة أعني أداة الدولة وقد استطاع الحكم البروليتاري بتحطيمه الاستغلال والطغيان وإزالة التقسيم إلى طبقات أن ينتظم الإنتاج المادي والأدبي وأن يوفر التعليم والراحة والطمأنينة للشعب بأسره.

وقد استطاع أيضا بتحقيقه الإشتراكية أن يحطم لأول مرة في التاريخ الفصل بين العمل اليدوي والعمل الذهني فهذا الشكل رفع طاقة الإنسان في الخلق والتصرف الذاتي إلى عشرات ومئات أضعاف ما كان عليه من قبل.

وتمكنت الثورة الإشتراكية من أن تحقق لأول مرة في التاريخ ما كان يحلم به الإنسان في جميع العصور: الحرية، جعلتها حقيقة موضعية ومادية وليس هذا غريبا فالطبقة العمالية أصبحت قوة سياسية في الكفاح التحريري وقد أصبحت كذلك خلال التحرير ذاته

وكلمة الحرية كانت مكتوبة منذ نشأتها على رايتها الحمراء التي تعبر عن الدم الذي أراقته في سبيل تحرير البشرية فمنذ اليوم الأول الذي جاءت فيه السوفياتية إلى الحكم في روسيا أعيدت إلى الشعب الأرض والصناعات الكبرى التي كانت كبار الملاك والرأسماليين قد استولوا عليها وجعلوا منها أساس استغلالهم لعلم الكادحين وكذلك أعيدت القوميات التي استعبدتها القيصرية حريتها الكاملة بما فيها حريتها في الانفصال عن روسيا وفي تكوين دولة مستقلة.

إن النظام السوفيتي بتحريره الإنسان من أغلال الاستغلال الاقتصادي والمادي وقد حرره من الأغلال العنصرية والدينية والجنسية التي كانت مفروضة عليه في النظام القيصري ولأول مرة في التاريخ أصبحت المرأة الشريكة المساوية للرجال وأصبح اليهودي والمسلم مساويين للمسيحي وسار الآسي رفيق الأوربي وزميله.

وفي الوقت ذاته حرر النظام السوفيتي الإنسان الكادح من الجهل المظلم الذي كان يتخبط فيه فأوجد ثقافة جديدة خالقة غير منفصلة عن العمل اليدوي بل تتحد معه ألصق الاتحاد وتوجد حوله هالة من المجد الصحيح.

وأخيرا بتحرير المجتمع من قادته المتطفلين تخلص النظام السوفيتي من الرشوة والكذب والخبث وأوجد أخلاقيات جديدة أخلاقيات إنسانية نظيفة حقا.هذه الأسس الحقيقية والمادية للحرية التي حققتها الثورة الإشتراكية.

لم يأتي خلق ذلك المجتمع الجديد في شكل دولته، وفي نظامه الاقتصادي وفي العلاقات السائدة فيه بين الناس وبين الشعوب لم يأتي هذا كله صدفة أو نتيجة لمعجزة تاريخية بل كانت نتيجة التفكير المنظم العلمي المقترن بالعمل السياسي والعلمي المنظم أيضا.

وهذا هو عنصر آخر لم يسبق وجوده في تاريخ البشرية أعني أن تنجح حركة سياسية تعتمد على نظرية سياسية علمية بل هناك أكثر من هذا وهو أن ثورة أكتوبر لم تكن لم تكن معتمدة على نظرية سياسية دون غيرها بل أنها كانت معتمدة أيضا على نظرة جديدة عليمة للتاريخ والاجتماع والفلسفة العلم نظرة تحتضن جميع المعارف والتجارب البشرية وتصهرها في وحدة كاملة يربطها كلها بالحركة السياسية

وتجعل منها سلاح الانتصار والحرية والتقدم لم تكن ثورة أكتوبر ثورة حركة الآلاف الكادحين في روسيا فحسب بل كانت أيضا ثمرة عمل ماركسي وانجلس ولينين بل كانت ثمرة العمل المنتج لأجيال متتالية من المفكرين والمكافحين في جميع البلاد وجميع العصور الذي اشتركوا بأحلامهم وحكمتهم وتجاربهم المجيدة في بناء الفلسفة الماركسية والنظرية الماركسية عامة.

ولم تكن ثورة أكتوبر فريدة في نوعها بسبب الانتصارات الهائلة التي حققتها فحسب بل كانت هذه الثورة فريدة في شكلها ذاته فعلى رأس الثورة والت تناهض جوهريا الطبقة الحاكمة طبقة الرأسماليين وهذه القيادة الطبقية الخاصة تختلف أساسيا عما حدث في الثورات السابقة ففي الثورة الفرنسية كانت البورجوازية طبقة الرأسماليين هي القائدة للثورة وقد كانت البورجوازية طبقة الرأسماليين هي القائدة للثورة

وقد كانت البورجوازية وليدة المجتمع الإقطاعي بل أنها تعاونت معه في كثير من الأحيان ولا سيما بعد ثورتها ولذلك لم تستطع البورجوازية أن تحرر البشرية من الطغيان الإقطاعي تحريرا نهائيا بل استبدلت به طغيانها هي واستغلالها الأكثر تنسيقا واعتصارا للجماهير الكادحة.

وهذا الاختلاف الجوهري يفسر لنا لماذا كانت الثورة البروليتارية ثورة أعمق وأوسع من الثورات الأخرى فقد كان دورها التاريخي أن تبنى المجتمع بناءا جديدا من أساسه وليس فقط أن تغير وجهه.

ولذلك اشتملت الثورة الإشتراكية بالضرورة على فترة سميت ديكتارتورية البروليتارية وهي ديكتاتورية الأغلبية المنتصرة على الأقلية المتطفلة ففي حين أن البورجوازية استطاعت أن تقنع بأن تأخذ زمام الحكم من الإقطاعيين المهزومين اضطرت البروليتاريا أن تكافح كفاحا مستميتا ضد مقاومة الطبقات المستغلة العتيقة وأن تحارب التدخل الاستعماري المسلح سنة 1919- 1922 والهجوم الهتلري سنة 1941- 1942

وقد كانت ديكتاتورية البروليتايا وتحقيق الديمقراطية الواسعة عن طريق سوفيتات نواب العمال الفلاحين والجنود هما المميزتان لثورة أكتوبر الإشتراكية.ولم يكن الممكن أن تحقق ثورة هذا اتساعها وعمقها بأن تستمد تفكيرها من مثاليات إنسانية غامضة مهما يكن علوها.

إن ثورة أكتوبر كانت ثمرة إنتاج الحزب البلشفي الذي تكون خلال 15 سنة من الكفاح ضد الانتهازية والانحرافات والذي قاده لينين ذلك الحزب البلشفي الذي قد أوجد نظريته السياسية وخطته وتكتيكه المستقيم والذي شكله نظام حديدي في كفاح العملي الدائم ضد الطغيان والاستغلال.

على أن هناك رجعيين مشبوهين يريدون أن يقنعوا الناس بأن هناك خطرا بلشفيا وهم يقصدون بذلك أن الاتحاد السوفيتي يدير الثورة في جميع البلاد عما يتحدثون عن الاستعمار الروسي وعن مناطق النفوذ الروسي ولكن هذا شكل جديد من أشكال الدعاية ضد الاتحاد السوفيتي يحاولن من ورائه تشويه ثورة أكتوبر وإخفاء حقيقتها وحقيقة المجتمع السوفيتي الذي صدر عنها.

إن ثورة أكتوبر لم تقصد أبدا أن تسلب البلاد الأخرى أرضها بل على نقيض ذلك فتروتسكي الذي أراد أن يدخل الحزب البلشفي نظريات توسعية قد طرد من الاتحاد السوفيتي وكشف القناع عن عمله كخائن وعميل للفاشية.

وإن كانت الشعوب توجه أنظارها نحو الاتحاد السوفيتي فليس ذلك لأنها تنتظر أن تدعو لها الثورة بل أن هذه الشعوب جميعا تعلم علم اليقين أن الحرية لن تأتي لها من الخارج بل عليها أن تبنها بأيديها وبكفاحها هي:

غير أن ثورة أكتوبر ذات مغزى أخر للشعوب مغزى أوسع وأعمق مما يحاول أن يلصقه بها الرجعيون: فهي تؤكد للشعوب أن الحصول على الحرية ممكن وأن الحرية ليست بعيدة عن البشرية إن ثورة أكتوبر تضرب للشعوب المثل التاريخي في المنهج العلمي الذي يجب أن يتبع للحصول على الحرية الإشتراكية أي الحرية الكاملة.

وقد أظهر النظام السوفيتي منذ نشأته وهو يظهر كل يوم وكل ساعة أن الطبقة العاملة هي دون غيرها من الطبقات التي تستطيع أن تحل المشكلة بكفاحها وانتصارها لأنها الطبقة الخالقة الطبقة الإنسانية التي لا يمكن أن ترتشى.

أحمد سعيد. (السنة الأولى- العدد الثالث عشر- 16/11/1945)

قاموس الاقتصاد السياسي

الاقتصاد السياسي

علم مزدوج النواحي فهو من جهة يبحث القوانين التي تحكم الإنتاج والتوزيع والتبادل في المجتمع ومن الجهة الأخرى يدرس الاقتصاد السياسي علاقات الإنتاج في المجتمع أي يدرس العلاقات الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية.

العمل: على كل مجتمع من المجتمعات أن ينتج الأشياء اللازمة لوجوده وتوجد هذه الأشياء بشكل خام في الطبيعة فيحصل عليها الإنسان بعمله ويغير مادتها ويشكلها حسب احتياجاته.

غير أن المرء لا يحيا منفردا فهو كائن اجتماعي لذلك يندمج عمله مع أعمال الآخرين في الإنتاج الاجتماعي ومن هنا يأتي تقسيم العمل ويبادل الإنسان نتاج عمله بنتاج الآخرين إما بشكل بدائي بالتبادل النوعي وإما عن طريق مقياس يتفق عليه بالعملة

علاقات الإنتاج

يستعمل المريء في عمله إما أيديه وعضلاته وإما أدوات إنتاج وهي قد تكون أبسطها مثل الأحجار والعصي أو اعتقدها مثل الآلات الضخمة الحديثة كما أن الإنسان يستغل القوي الطبيعة التي تحت تصرفه قوة الحيوان أو الدواء أو المياه الساقطة أو الكهرباء وأما الشكل الرئيسي لقوي الإنتاج الذي يستغلها الإنسان فهي قوة أخيه الإنسان قوة العمل.

ويتمشى استغلال الإنسان لكل من هذه القرى الإنتاجية مع تقسيم العمل في المجتمع ولذلك فإن نمو هذا التقسيم يدل على مراحل تاريخية معينة في تطور المجتمع أي أن إنتاجا معينا والعكس بالعكس فالعهد الإقطاعي تناسبه المطحنة البدائية والعهد الرأسمالي تناسبه المطحنة البخارية.

وعليه توجد علاقات معينة في عملية الإنتاج بين المجتمع الحالي والطبيعة الخام وعلاقات أخرى بين أفراد المجتمع ذاته، وهذه الأخيرة تسمى بعلاقات الإنتاج.

الإنتاج التجاري

يحكم هذا الإنتاج مجتمعنا المجتمع الرأسمال وهذا معناه أن وسائل المعيشة تنتج للتبادل في السوق ولا ينتح للاستهلاك المباشر إلا بشكل نادر جدا وذلك تظهر علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي كعلاقات ين الأشياء التي تتبادل كعلاقات بين السلع فتظهر قوة العمل أيضا كسلعة في مجتمعنا إذ أن الرأسمالي وهو المالك لأدوات الإنتاج يشتري قوة عماله كما يشتري أية سلعة أخرى ويبيع العاملة قوة عمله بسعر معين هو أجره الذي به يبتاع سلعا أخرى هي وسائل عيشه وكذلك الرأسماليين فهم يشترون ويبيعون سلعا إذن فكل شيء في المجتمع الرأسمالي عبارة عن سلعة أو ما يرتبط بها.

السعة والقيمة الاستهلاكية

يطلق اسم السعلة على كل شيء يسد من حاجات الإنسان ويمكن تبديله بشيء آخر أما خاصة السلعة في سد هذه الحاجة الإنسانية أو تلك فهي قيمتها الاستهلاكية ولا يمكن أن يصبح سلعة أي شيء ليست له قيمة استهلاكية.

أما نوع الحاجة التي تسدها السلعة فهو ليس مهما إذ أنه قد يكون لحاجة ضرورية مثل الملبس والغذاء أو غير ضرورية مثل القراءة وتكييف الهواء في السيارات.

ويتشرط أن نحوي كل سلعة من السلع قيمة استهلاكية ولكن ليست كل قيمة استهلاكية سلعة فالهواء تستنشقه ذو قيمة استهلاكية ولكنه ليس سلعة وكذلك والخبز الذي يعجنه الفلاح لغذائه الخاص ليس سلعة أيضا فكلي يصبح شيء ما ذا قيمة استهلاكية أي لكي يصبح سلعه يجب أن يكون غرض إنتاجه أن يبادل في السوق بسلع أخرى أو بنقود.

التبادل والتبادل النوعي

من النادر في أيامنا هذه أن تبادل سلعة بسلعة أخرى فهي تباع أو تشتري عن طريق النقود ولكن نظام التبادل النوعي قد وجد في الطور الأول للإنتاج التجاري وفي هذا النظام كنت تستبدل السلع بسلع أخرى مختلفة لم يكن التبادل بين القمح والقمح أو بين الجلبات والجلباب.

مثلا أي سلع ذات للقيم الاستهلاكية المختلفة فكان الفلاح يستبدل الجلباب بالقمح أو الذرة غير أن كمية الذرة أو القمح كانت محدودة ومعينة فمثلا كان يتفق على استبدال الجلباب الواحد بعشر أوقات من الذرة إذن فكانت توجد علاقة كمية بين السلع المتبادلة فهذه العلاقة تسمى القيمة التبادلية ونستطيع أن نقول مثلا أن القيمة التبادلية للجلباب من عشر أوقات من الذرة.

أحمد سعيد. (السنة الأولى- العدد السادس عشر- 11/1/1949)

هوس الاقتصاد السياسي

القيمة: كمية من العمل الإنساني المطلق المستحيل إلى مادة ف شكل سلعة وخلال عملية الإنتاج يجب التفريق بين العمال والسلعة التي أنتجها هذا العمل فالعمل نشاط أو قل طاقة إنسانية مبذولة وطالما وجدت السلعة بشكلها الكامل توقف ذلك النشاط والذي يوجد حينئذ ليس العمل بل السلعة أي تبلور العمل المبذول في عملية الإنتاج.

وقد راوغ الاقتصاديون المدرسيون في ماهية القيمة فتمسك بعضهم بأمثلة الصور الفنية وما إلى ذلك و ليبرهنوا أن القيمة الاستهلاكية هي أساس القيمة غير أنه واضح جدا أن النظام التجاري مبنى على تبادل السلع أي مبنى علي وجود صفة مشتركة بين السلع جميعا وهذا لا يمكن أن يكون الاستهلاك أو الرغبة الشخصية بل هو العمل الإنساني المطلق.

تحديد القيمة:تحدد قيمة السلعة بكمية العمل الإنساني المطلق المبذول في إنتاجها وكلما زاد هذا العمل كلما كرت قيمة السلعة.

فمثلا إذا صرفت 20 ساعة عمل لإنتاج جلباب ما وإذا كان ضروريا أن تبذل 4 ساعات لإنتاج قبقابين ستكون قيمة الجلباب خمسة أضعاف قيمة القبقابين وسوف يمكن استبدال الجلباب بخمسة أزواج من القباقيب.

وقد يخيل إلينا تبعا ذلك أنه كلما كان المنتج كسولا وذا عمل أبطأ كلما زادت قيمة السلعة التي ينتجها لأنه يبذل طاقة أكبر من المنتجين الآخرين، فمثلا إذا كان جميع منتجي القباقيب يستهلكون 4 ساعات من عملهم لإنتاج زوج منها في حين أن عاملا آخر يستهلك 5 ساعات لذلك هل معنى هذا أن قباقيب هذا العمل الأخير ستكون ذات قيمة أكبر؟

كلا لأن الذي يحدد قيمة السعلة ليس الزمن المستغرق عند كل من المنتجين على انفراد بل هو الزمن الضروري اجتماعيا لإنتاج سلعة من السلع.

الزمن الضروري اجتماعيا هو الزمن اللازم لإنتاج قيمة الاستهلاكية معينة في ظروف اجتماعية متوسطة وعادية يمكن أن تحيط بالإنتاج وبشرط أن يحدث الإنتاج بالمتوسط الاجتماعي للمهارة والسرعة المتوفرتين عادة عند المنتجين.

إن الاقتصادي يعلم جيدا أن هناك تفاوتا بين المنتجين ولذلك فغن لا يلتفت إلى كل منهم على انفراد بل يدفعه وجود قيمة متوسطة لكل سلعة من السلعة هي قيمة السوق الحرة يدفعه ذلك على الإدراك بأن المجتمع بأسره يشترك في الإنتاج بمهارة معينة هي متوسط المهارات المتوفرة عند المنتجين المختلفين وبسرعة معينة وهي أيضا متوسط السرعات التي يتمكن بها التقدم الفني والآلي الذي وصل إليه كلم من المنتجين المتعددين.

حجم القيمة: يتحدد حجم القيمة بالدرجة التي وصل إليها المجتمع في إنتاجه العمل تحديدا عكسيا وهذا يعني أنه كلما ارتفعت إنتاجية العمل فزادت كمية السلع المنتوجة في زمن معين كلما هبطت قيمة والوحدة التي تقاس بها السلع بالواحدة باللتر أو بالكيلو ..إلخ)

وترتفع إنتاجية العمل باستعمال آلات جديدة أو فن متقدم في الإنتاج أو طرق جديدة في ترتيب العمليات الإنتاجية المختلفة وربطها بعضها ببعض.

مثلا كان ضروريا أن يستغرق إنتاج قبقابين بأدوات بسيطة 4 ساعات من العمل ولكن إذا استعمل المنشار الميكانيكي في هذا الإنتاج أصبح من المستطاع إنتاج 40 زوجا من القباقيب في 4 ساعات ولا شك حينئذ أن قيمة الزوج الواحد م القباقيب ستهبط كثيرا.

وبالعكس إذا كانت إنتاجية العمل منخفضة كما يحدث مثلا في البلاد المتأخرة سيزداد الزمن الضروري اجتماعيا لإنتاج سلعة من السلع وستكون قيمتها مرتفعة علينا أن نلاحظ هنا أننا إذا استعملنا المنشار الميكانيكي الذي هو إلا عمل إنساني متبلور كانت لقيمة هذا المنشار أثر على كل زوج من القباقيب المنتوجة وسوف نفسر هذا الأثر في تعريف قادم.

أحمد سعيد (السنة الأولى- العدد الثاني والعشرين- 20/2/1946)

هوامش وملاحظات

  1. يناقش هذا المقال الفكرة الخاصة بالبورجوازية
  2. الليبرالية المصرية في ذلك الوقت والوفدية بشكل خاص والتي كانت تضعي الكفاح الوطني في صيغة قانونية ضيقة أن تأخذ بنود معاهدة 1936 محورا لها وتنطلق منها وعليه فلا تفكر في إمكان إيجاد أوضاع مختلفة عن إلقائه ولا تتصور مصر المستقلة تمام الاستقلال وغير المرتبطة بانجلترا بأي رباط خاص.

وكذلك يناقش المقال اتجاه البورجوازية القومية بأسرها ومعها قسم من مثقفي البورجوازية الصغيرة إلى فصل القضية الوطنية عن القضية الاجتماعية وكانت فكرة الربط بين القضيتين فكرة جديدة في ذلك الوقت بالنسبة للحركة الوطنية وتميز بها الشيوعيون عن التيارات السياسية البورجوازية.

  1. اعتمد الأستاذ طارق البشري في كتابه تطور الحركة الوطنية في مصر 1945- 1952 أعتمد على هذا المقال وغيره لينقذ موقف الفجر الجديد من حزب مصر الفتاة الذي تحول إلى حزب اشتراكي بعد ذلك.ولابد من أن اعترف أن هجوم هذا المقال على أحمد حسين فيه فجاجه و شد الأمور إلى أكثر مما يبدو الآن أن تحتمله الألفاظ بيد أني مازلت بعد تفكير على نفس رأينا السابقة وهو أن الوقوف حزم ضد أحمد حسين وحزبه كان ضرورة وطنية فلم يكن هذا الحزب يمثل اتجاها وطنيا متماسكا إيجابيا بل كان يعبر عن تلك العناصر من البورجوازية الصغيرة المصرية العائمة على سطح الحركة الوطنية وذات الميل العميق إلى الديكتاتورية وهي عناصر تتميز في الوقت نفسه بعد التناسق الفكري وعدم الاتزان السياسي وتستطيع أن تقف في وقت واحد أشد المواقف السياسية تناقضا أو تنتقل بينها في سرعة البرق وقد بيني الأستاذ طارق نفسه في كتابه كيف انتهى حزب أحمد حسين إلى مساندة الرجعية المصرية عند حرق القاهرة عام 1952 وقد عانت الحركة الوطنية المصرية في مثل هذه التيارات البورجوازية الصغيرة التي تتقدم بوجه براق من الشعارات الصارخة ولا تثمر حركتها إلا في توجيه المناصرين لها إلى الارتقاء في أحضان الرجعية.
  2. اليوم الذي أحاطت فيه دبابات الجيش البريطاني بقصر الملك فاروق وفرض السفير الإنجليزي تعيين مصطفى النحاس رئيسا للوزراء وقد اتخذت الرجعية المصرية بشتى أجنحتها وألوانها هذا اليوم مناسبة للتباكي على استقلال مصر المهدر ورأس الإخوان أمين صاحبا أخبار اليوم واللذان افتضحت فيما بعد خيانتهما للوطن وعمالتهما لأجهزة المخابرات الاستعمارية الأمريكية رأسا الحملة حول هذا اليوم لإدانة الوفد ورميه بالخيانة ولإبراز الملك فاروق والشلة المنحطة به كقادة وأبطال وطنيين ضحايا الاعتداء الاستعماري.والحقيقة التاريخية أن العملية التي قام بها جيش الاحتلال لإحباط مؤامرة السراي الهادفة إلى تسليم مصر الجيش النازي كانت عملية مفيدة لحركة البشرية بأسرها إذ كانت تساند الحرب الديمقراطية التي شنها الحلفاء ضد المحور وفي هذه اللحظة بالذات فإن قبول النحاس للوزارة كان خطوة وطنية أيضا وذات نتيجة إيجابية للتقدم العام في مصر والعالم أيضا.
  3. الاحتياجات بمناسبة ذكرى وعد بلفور في 2 نوفمبر.
  4. خلال الحرب العالمية الثانية اشترت انجلترا في السوق المصري السلع والخدمات بمبالغ وصلت إلى عدة مئات من ملايين الجنيهات واعتبرتها قرصا من الخزانة المصرية على حكومة لندن وسميت هذه المبالغ بالأرصدة الإسترلينية فظلت دينا لمصر مدة طويلة إلى أن سددتها انجلترا على فترة طويلة.
  5. أرى هذا التعبير زلة لسان إذ لم أكن موافقا على شعار الجلاء الاقتصادي ونشرت في المجلة تقريرا كاملا سيجده القارئ بعد ذلك.
  6. مبالغة وتقدير سياسي خاطئ عندما ننظر إليه الآن فكفاح البورجوازية القومية المصرية ضد الإقطاع كان يفتقر دائما إلى الجذرية كما افتقر كفاحها ضد الاستعمار إليها.
  7. يمكن أن تقال نفس الملحوظة السابقة بالنسبة لموقف البورجوازية القومية المصرية من الحركة الشعبية فحطها العالم إزاءها كان عدم إثارتها وتسريحها بأسرع ما يمكن وإن لم تنجح فلا أقل من أن تركب موجتها.
  8. كانت صحيفة أخبار اليوم تقود الحملة الرجعية التي تنادي بحل الأحزاب وفي حقيقة الأمر كانت هذه الحملة تهدف إلى القضاء على الوفد باعتباره الحركة الجماهيرية الواسعة الوحيدة في مصر وقد تحقق هذا بحل الأحزاب في 1953.
  9. هذه فكرة خاطئة فكأن الحكومة تصطنع المشاكل المعيشية اصطناعا لصرف الشعب عن الحركة الوطنية... والحقيقة طبعا أن تلك المشاكل هي الوجه الآخر لنفس القضية.
  10. مبدأ جوهري من المبادئ التي مازالت صحيحة للاتجاه التقدمي عليه في الحركة الوطنية المصرية وهو القائل بازدواجية مطالبها وكفاحها ضد الاستعمار الأجنبي وضد الرجعية الداخلية هذا في وجه القومية المطلقة التي تدين بها الأجنحة الرجعية للبورجوازية الصغيرة بمعنى حركة مقاومة الاستعمار المجردة من الاتجاه الطبقي وكذلك يقف ذلك المبدأ التقدمي في وجه بعض الأجنحة من البورجوازية الإصلاحية الواعية إلا الإصلاح الداخلي بواسطة تقديم المهارات والتنازلات للاستعمال.
  11. في يونيو 1946 وقف إسماعيل صدقي باشا يعلن في مجلس النواب قراره بمنع صدور عدد من المجلات ومن بينها الفجر الجديد والضمير وكذلك حل عددا من الجمعيات وكان عنوان هذا المقال من بين الحجج التي قدمها على خطورة هذه المجلة.
  12. نرى هنا نقدا أساسيا لسياسة الوفد التي تساوم الرجعية على حساب التمثيل الشعبي في البرلمان وبالتالي على حساب القضية الوطنية.
  13. ألا يذكرنا هذا القول القديم نسمعه اليوم على لسان الرجعية من ضرورة عدم إطلاق حرية تكوين الأحزاب محافظة على الوحدة الوطنية وتمكينا للحكومة من خوض المعركة ضد إسرائيل؟
  14. تطور هذا المطلب فيما بعد إلى إلغاء مجلس الشيوخ والاكتفاء بمجلس نيابي واحد.
  15. وفي ظل النظام الناصري اتخذ عدم اهتمام الشعب بالانتخابات ذريعة لإدخال مبدأ إجبارية التصويت في نفس الوقت الذي كانت الهيئات الرسمية فيه تضع مختلف القيود الهادفة إلى تجريد الانتخابات من طبيعتها السياسة وهكذا حصلت الحكومة على 99,9٪ نعم من جميع الاستفتاءات تقريبا..
  16. هذا المقال شرح جزئي لموقف الحلقة الثورة من الوفد فهي تؤيد استقلال التنظيمات النقابية من الوفد ولكنها في الوقت نفسه ترحب بالتطورات اليسارية التي كانت تجري داخل أجنحة معينة من هذا الحزب وتدعو إلى التحالف الوطني الديمقراطي معها.
  17. في رأينا أن هذه الشعارات العامة مازالت سليمة اليوم فجوهر الحلول المطلوبة الآن لأزمة التموين الحالية عبارة عن إطلاق الحريات الديمقراطية وفرض الرقابة الشعبية من جهة واتخاذ خطوات جزئية في عملية جديدة من التأمينات والإصلاح الزراعي من جهة أخرى.
  18. يبدو أني ترددت هنا في المطالب بتأميم البنوك.
  19. مناقشة علنية بين اتجاهين في الحركة الشيوعية المصرية وقتذاك وقد دعت الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو) إلى الجلاء الاقتصادي في حين أن حلقة الفجر الجديد عارضت هذا الشعار وقد حسم التاريخ الموقف بعد ذلك إذ لم يحدث جلاء اقتصادي بل تأميم المصالح الأجنبية في مصر.
  20. تبدو اليوم نهاية هذا المقال بعيدة عن الواقع وإن كان المقال يثير مسألة مبدئية عن ضرورة النقاء الكادحين العرب واليهود في الكفاح ضد الاستعمار والصهيونية.
  21. نفس الملحوظة السابقة.