عبد الحليم محمود

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الشيخ عبد الحليم محمود .. المجاهد الزاهد

موقع إخوان ويكي (ويكيبيديا الإخوان المسلمين)

تمهيد

عبد الحليم محمود صورتين.jpg

قلائلٌ في التاريخ الإسلامي العريق من يجمع بين الفلسفة والفقه والتصوف ، ذلك أن الفلسفة هي قمة إعمال العقل ، والتصوف قمة خضوع القلب ، تارة بإعمال وتارة بغيره ، والفقه هو الفهم عن الله . والشيخ عبد الحليم محمود من هؤلاء الذين جمعوا بين الفقه والفلسفة وعلوم التزكية ، وسخر كل هذا لخدمة دينه ونصرة أمته .

كان الشيخ عبد الحليم محمود كالأسد الجسور ينطلق في كل ميدان ، بعزيمة لا تفتر وجهد لا يترنح ، حارب في عدة جهات ، حارب الوجودية حين هبت فئة تدعو لها كمذهب حر يجب أن يسود الناس ، فأخذ الشيخ يتساءل عن مكمن الحرية في المذهب الوجودي؟ أهي حرية مطلقة بحيث تصبح اعتداء علي حقوق الآخرين ، لينال امتداده في أي مكان وإن كان يحتله سواه؟

وإذن فهي حرية فرد تنال بظلم فرد آخر ، أم هي حرية مقيدة تراعي الوضع العام ليعيش الناس جميعا في سلام ؟ وإذن ما الفرق بينها وبين الحرية في منطق الإسلام ؟ ثم إذا كانت هذه الحرية في مرآة الوجوديين داعية إلي قضاء كل رغبة يتعشقها المرء ، فماذا يصنع هذا الوجودي إذا اصطدم بوجودي آخر يريد أن يقطف الثمرة من يده !.

وإذا كانت الاستجابة إلي الغرائز بعض مظاهر هذه الحرية فما نصنع إذا كان ضحية هذه الغريزة فتاة في أسرة تحافظ علي مكانتها ، وتري في تهور بعض أعضائها انحطاطا لمستواها الخلقي؟ أي عطاء تقدمه الوجودية يسعد الناس جميعا حتى يعتنقها الأفراد والجماعات ؟!

وإذا استحال هذا العطاء المجرد من الظلم فلم ندعو إليه ولدينا عطاؤنا العادل في منهج الإسلام ؟. والشيوعية التي صادفت موقعها من زمر تجمع لها الأعوان في مصر ، وتسلط أنواع الإرهاب الباطش علي من يناوئها ، وقد مكن لها في الحكم ، والصحافة والإذاعة بما جعل أنصارها نافذي الكلمة في وقت مظلم كان امتحانا لمصر جميعا عسفا وبطشا وانتقاما !.

لقد صمد عبد الحليم محمود أمامها صمود الفارس الصنديد ، فأخذ يزيل الغشاء الخادع عن الماركسية الخادعة ، ليراها الناس في وجهها الكالح البغيض ، وقد كشرت عن أنيابها لتلتهم لحوم الضحايا ، وليرقص دعاتها علي أنين المعذبين من الشهداء .

كم كان الشيخ رائعا حين شهر قلمه ولسانه كاتبا وحطيبا لينازئ الشرذمة المتغطرسة دون تقهقر ، فظرت كتبه ومقالاته وأحاديثه فاضحة عوار الشيوعيين ، وقام في وجهه من يزعمون كالعادة أنهم تقدميون ، وأن الشيخ رجعي متأخر !.

فتعادوا بالسباب ، وجأروا بالبهتان ، وادعوا أن الشيخ يعيد عهد الكهنوت الكنسي ، وقد نسوا أنه لا كهنوت في الإسلام .

كذلك طالب الشيخ رحمه الله بتطبيق الشريعة الإسلامية ، وما كل عن طلبه ذات يوم ، وكتب عشرات المقالات ليعلن فيها أن مصر لم تعرف الأحكام المدنية إلا بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر سنة 1982م ، وأن الشريعة بعد هذا التاريخ بقيت في مسائل الأسرة وما يعرف بالأحوال الشخصية ، كما بقيت في أكثر مواد القانون المدني ، وعلينا أن نطالب بتعميمها في كل المواد ، جنائية ومدنية ودستورية ودولية !!.

وقد سارع رحمه الله فألّف لجنة علمية لصياغة قوانين الشريعة ، في مواد محددة لتسهل مهمة التطبيق، وراجع ما كتب من المواد ، ونشره في الصحف ،ثم اتصل بأعضاء مجلس الشعب فردا وراء فرد، ليجمع تكتلا إسلاميا ينادي بتطبيق الشريعة ، وأخذ يتعجل التطبيق مُلحّا ، ولم ييأس ذات مرة ، وكان يطالع آراء المسئولين في وجوب تطبيق الشريعة فيتساءل متعجبا : إذا كانوا صادقين في إصدار هذه الآراء ، فما الذي يقعد بهم إلي الآن ؟ وجاءه اليقين وهو يحشد جاهدا الآراء خلفه ، ليظفر بموافقة مجلس الشعب .

كذلك كان للشيخ مواقف حازمة من قضية التكفير الديني والجماعات المسلحة التي راجت في عهده ، فهل ينسي أحدٌ موقف الشيخ من قضية التكفير حين شاء رئيس المحكمة أن يندد بالأزهر ، لأنه لم يوافق علي أحكامه ؟ وقد ظن أنه طعن الأزهر في مقتل صائب لأن الشعور العام كان معبأ ضد من اغتالوا الشهيد الدكتور "محمد حسين الذهبي" ، والأزهر لا مراء أول مفجوع هزته اللوعة في مصرع الشهيد ، ولكن فجيعة الأزهر رئيسا ومرؤوسا لم تمنع أن يهتف الشيخ الأكبر بالحق فيقول في بيان حاسم :

وموقف علماء الأزهر من هذه القضية يتلخص في أمور:

  • أولا: أنه إذا كان مطلوب منهم إبداء الحكم الإسلامي في آراء غير معروضة عليهم عرضا محددا دقيقا كاملا ، فإنه يكفي في ذلك الرجوع إلي مؤلفاتهم العديدة التي تملأ الأسواق وإلي مصنفات العلماء السابقين عليهم التي يزخر بها التراث .
  • ثانيا: أما إذا كان المطلوب من علماء الأزهر إبداء الحكم الإسلامي في آراء هذه الجماعة بالذات ، فقد كان الأمر يقتضي باسم العلم وباسم العدالة وباسم الإسلام:
  1. أن تعرض عليهم آراؤها في مصادرها الأصلية ، وأن يمكنوا من الاستماع إلي شرح أصحابها لهم ، وتوضيح غامضها وتفصيل مجملها .
  2. أن يطلعوا علي كافة الظروف التي أدت بهم إليها . وهذا للأسف الشديد هو الأمر الذي لم تشأ المحكمة أن تمكن منه علماء الأزهر ، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة ، من أقوال ومناقشة المسئولين في هذه الجماعة ، ومع شدة احترامنا لجهود النيابة في تسجيل هذا المحضر ، فإنه لا يخفي علي أحد أنه لا يمكن أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء ، أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكامهم .
  3. إن علماء الأزهر وجدوا في قضية الفكر تباعدا بينهم وبين موقف المحكمة ، فبينما تتصدي المحكمة للحكم بتجريم هذا الفكر أو عدم تجريمه ، يري علماء الأزهر من وجهة نظرهم: أنها قضية رأي لا تحتمل غير الحكم بالصواب او الخطأ ، وبخاصة إذا لا حظنا أن ذلك يجري في مجتمع يتمتع بحرية الرأي والاعتقاد ، وأن هذه الحرية خلافا لما يراه علماء الأزهر إلي حد السماح للفكر الإلحادي من أن يكون له فلاسفته ودولته وناشروه ، ومن هنا فقد رأي علماء الأزهر أن ما يطلب منهم بتجريم هذا الرأي أو عدم تجريمه أو مساعدة علي ذلك ، ليس مما يدخل في دائرة اختصاصهم بحال من الأحوال ، وإنما الذي يدخل بيان الرأي .

رحلة حياة

  • ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.
  • بعد أن أكمل الصبي حفظ القرآن الكريم التحق بالأزهر، وحصل على الشهادة العالمية سنة (1351هـ 1932م) ثم سافر على نفقته الخاصة لاستكمال تعليمه العالي في باريس، ونجح في الحصول على درجة الدكتوراة في التصوف الإسلامي، عن الحارث المحاسبي في سنة (1359هـ 1940م).
  • وبعد عودته إلى مصر عمل مدرسا لعلم النفس بكلية اللغة العربية، وتدرج في مناصبها العلمية حتى عين عميدا للكلية سنة (1384هـ 1964م) ثم اختير عضوا في مجمع البحوث الإسلامية، ثم أمينا عاما له، ثم اختير وكيلا للأزهر سنة (1390هـ 1970م) ثم وزيرا للأوقاف وشئون الأزهر.
  • وللشيخ أكثر من 60 مؤلفا في التصوف والفلسفة، بعضها بالفرنسية، ومن أشهر كتبه: أوربا والإسلام، والتوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، وأسرار العبادات في الإسلام، والتفكير الفلسفي في الإسلام، والقرآن والنبي، والمدرسة الشاذلية الحديثة وإمامها أبو الحسن الشاذلي.

إرهاصات الإصلاح

بدت بوادر الإصلاح واضحة في سلوك الشيخ عبد الحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية الذي حل محل جماعة كبار العلماء، فبدأ بتكوين الجهاز الفني والإداري للمجمع من خيار رجال الأزهر، وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة استغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءات.

وعمل الشيخ على توفير الكفايات العلمية التي تتلاءم ورسالة المجمع العالمية، وفي عهده تم عقد مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية، وتوالى انعقاده بانتظام، كما أقنع المسئولين بتخصيص قطعة أرض فسيحة بمدينة نصر لتضم المجمع وأجهزته العلمية والإدارية، ثم عني بمكتبة الأزهر الكبرى، ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها.

وأثناء توليه لوزارة الأوقاف عني بالمساجد عناية كبيرة، فأنشأ عددا منها، وضم عددا كبيرا من المساجد الأهلية، وجدد المساجد التاريخية الكبرى مثل جامع عمرو بن العاص أقدم المساجد في إفريقيا، وأوكل الخطبة فيه إلى الشيخ محمد الغزالي فدبت فيه الروح، وعادت إليه الحياة بعد أن اغتالته يد الإهمال، وتدفقت إليه الجماهير من كل صوب وحدب، وأنشأ بمساجد الوزارة فصولا للتقوية ينتفع بها طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية جذبت آلافا من الطلاب إلى المساجد وربطتهم بشعائر دينهم الحنيف.

ورأى أن للوزارة أوقافا ضخمة تدر ملايين الجنيهات أخذها الإصلاح الزراعي لإدارتها لحساب الوزارة، فلم تعد تدر إلا القليل، فاستردها من وزارة الإصلاح الزراعي، وأنشأ هيئة كبرى لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد، وعلم أن هناك أوقافا عدت عليها يد الغصب أو النسيان، فعمل على استرداد المغتصب، وإصلاح الخرب.

استعادة هيبة الأزهر وشيخه

صدر قرار تعيين الشيخ عبد الحليم محمود شيخا للأزهر في (22 من صفر 1393هـ 27 من مارس 1973م)، وكان هذا هو المكان الطبيعي الذي أعدته المقادير له، وما كاد الشيخ يمارس أعباء منصبه وينهض بدوره على خير وجه حتى بوغت بصدور قرار جديدمن رئيس الجمهورية في (17 من جمادى الآخرة 1394هـ 7 من يوليو 1974م) يكاد يجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف والأزهر، وما كان من الشيخ إلا أن قدم استقالته لرئيس الجمهورية على الفور، معتبرا أن هذا القرار يغض من قدر المنصب الجليل ويعوقه عن أداء رسالته الروحية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

روجع الإمام في أمر استقالته، وتدخل الحكماء لإثنائه عن قراره، لكن الشيخ أصر على استقالته، وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه، ورفض تناول راتبه، وطلب تسوية معاشه، وأحدثت هذه الاستقالة دويا هائلا في مصر وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتقدم أحد المحامين الغيورين برفع دعوى حسبة أمام محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف، طالبا وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.

وإزاء هذا الموقف الملتهب اضطر أنور السادات إلى معاودة النظر في قراره ودراسة المشكلة من جديد، وأصدر قرارا أعاد فيه الأمر إلى نصابه، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر.

وتضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة، وانتهت الأزمة وعاد الشيخ إلى منصبه ليواصل جهاده. وجدير بالذكر أن قرارا جمهوريا صدر بعد وفاة الشيخ بمساواة منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء.

كان الشيخ عبد الحليم يدرك خطورة منصبه، وأنه مسئول عن القضايا التي تتعلق بالمسلمين، وأنه لا ينتظر من أحد توجيها إلى النظر في بعض القضايا وغض النظر عن بعضها، فكان للأزهر في عهده رأي ومقال في كل قضية وموضوع يتعلق بأمر المسلمين، فتصدى لقانون الأحوال الشخصية الذي حاولت الدكتورة عائشة راتب إصداره دون الرجوع إلى الأزهر، وحرصت على إقراره من مجلس الشعب على وجه السرعة، وكان هذا القانون قد تضمن قيودا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية.

ولما علم الإمام الأكبر بهذا القانون أصدر بيانا قويا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام، وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب وإلى الصحف، ولم ينتظر صدور القانون بل وقف في وجهه قبل أن يرى النور، لكن بيان الشيخ تآمرت عليه قوى الظلام فصدرت التعليمات إلى الصحف بالامتناع عن نشره، واجتمعت الحكومة للنظر في بيان الشيخ عبد الحليم محمود، ولم تجد مفرا من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق في تعديل قانون الأحوال الشخصية، وبذلك نجح الإمام في قتل القانون في مهده.

الكتب الدينية المشتركة

اقترح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر تأليف كتب دينية مشتركة ليدرسها الطلبة المسلمون والمسيحيون جميعا في المدارس، مبررا ذلك بتعميق الوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وتقوية الروابط بينهما.

لقي هذا الاقتراح قبولا بين كبار المسئولين، وزار الدكتور مصطفى حلمي وزير التربية والتعليم آنذاك الإمام الأكبر ليستطلع رأيه في هذا الاقتراح، لكن الشيخ الغيور واجه الوزير بغضبة شديدة قائلا له: من آذنك بهذا، ومن الذي طلبه منك، إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة، ويوم يطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة.

وما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ الغاضب وقدم اعتذارا له قائلا له: إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين، ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة.

المحاكم العسكرية غير مؤهلة

عبد الحليم محمود.jpg

ومن مواقف الشيخ الشجاعة ما أبداه تجاه المحكمة العسكرية التي تصدت للحكم في قضية جماعة التكفير والهجرة المصرية، وكانت المحكمة قد استعانت بعدد من علماء الأزهر لإبداء الرأي في فكر هذه الجماعة، غير أن المحكمة لم تسترح لرأيهم، وكررت ذلك أكثر من مرة، وكانت في عجلة من أمرها؛ الأمر الذي جعلها تصدر أحكاما دون استئناس برأي الأزهر.

ولم تكتف هذه المحكمة بذلك بل تضمن حكمها هجوما على الأزهر وعلمائه، وقالت: إنه كان على المسئولين عن الدعوة الدينية أن يتعهدوا الأفكار بالبحث والتدبر بدلا من إهمالها وعدم الاعتناء بمجرد بحثها.

ولمزت المحكمة علماء الأزهر بقولها:

"وواأسفا على إسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الإفصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض عليهم من أمور، فلا هم أدوا رسالتهم وأعلنوا كلمة الحق، ولا هم تركوا أماكنهم لمن يقدر على أداء الرسالة".

وكانت كلمات المحكمة قاسية وغير مسئولة وتفتقد إلى الموضوعية والأمانة، وهو ما أغضب الإمام الأكبر لهذا الهجوم العنيف، فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره، ولم تنشره سوى صحيفة الأحرار.

وفي هذا البيان اتهم عبد الحليم محمود المحكمة بالتعجل وعدم التثبت، وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكر، وأنها تجهل الموضوع الذي تصدرت لمعالجته، وكان يجب عليها أن تضم قضاة شرعيين يقفون موقفها ويشاركونها المسئولية ويتمكنون من الاطلاع على جميع ظروف القضية ونواحيها فيتمكنون من إصدار الحكم الصحيح.

واتهم الإمام المحكمة بأنها لم تمكن علماء الأزهر من الاطلاع على آراء هذا التنظيم أو الاستماع إلى شرح من أصحابه، والاطلاع على كافة الظروف التي أدت بهم إلى هذا الفكر، واكتفت بأن عرضت عليهم المحضر الذي سجلته النيابة من أقوال ومناقشات، وهذا لا يرقى أن يكون مصدرا كافيا يقوم عليه بحث العلماء، أو أساسا متكاملا تصدر عليه أحكام.

التوسع في إنشاء المعاهد الأزهرية

تولى الشيخ عبد الحليم محمود مشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التي تقلص عددها وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها العشرين بأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذي جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادا كبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس، وهم لا يتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.

وأدرك الشيخ خطورة هذا الموقف فجاب القرى والمدن يدعو الناس للتبرع لإنشاء المعاهد الدينية، فلبى الناس دعوته وأقبلوا عليه متبرعين، ولم تكن ميزانية الأزهر تسمح بتحقيق آمال الشيخ في التوسع في التعليم الأزهري، فكفاه الناس مئونة ذلك، وكان لصلاته العميقة بالحكام وذوي النفوذ والتأثير وثقة الناس فيه أثر في تحقيق ما يصبو إليه، فزادت المعاهد في عهده على نحو لم يعرفه الأزهر من قبل.

تطبيق الشريعة الإسلامية

ومن أهم دعوات الشيخ دعوته إلى تطبيق الشريعة الإسلامية من ميادين الجهاد التي خاضها في صبر وجلد داعيا وخطيبا ومحاضرا ومخاطبا المسئولين في البلاد، فكتب إلى كل من سيد مرعي رئيس مجلس الشعب، وممدوح سالم رئيس مجلس الوزراء يطالبهما بالإسراع في تطبيق الشريعة الإسلامية، ويقول لهما:

"لقد آن الأوان لإرواء الأشواق الظامئة في القلوب إلى وضع شريعة الله بيننا في موضعها الصحيح ليبدلنا الله بعسرنا يسرا وبخوفنا أمنا...".

ولم يكتف الإمام الأكبر بإلقاء الخطب والمحاضرات وإذاعة الأحاديث، بل سلك سبيل الجهاد العلمي، فكون لجنة بمجمع البحوث الإسلامية لتقنين الشريعة الإسلامية في صيغة مواد قانونية تسهل استخراج الأحكام الفقهية على غرار القوانين الوضعية، فأتمت اللجنة تقنين القانون المدني كله في كل مذهب من المذاهب الأربعة.

الاهتمام بأمور المسلمين

كان الشيخ عبد الحليم محمود يستشعر أنه إمام المسلمين في كل أنحاء العالم، وأنه مسئول عن قضاياهم، وكان هؤلاء ينظرون إليه نظرة تقدير وإعجاب، فهم يعتبرونه رمز الإسلام وزعيم المسلمين الروحي، ولهذا كان يخفق قلب الإمام لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامي، ويتجاوب مع كل أزمة تلمّ ببلد إسلامي.

فقد أصدر بيانا بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان، دعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين إلى التوقف عن إراقة الدماء وتخريب معالم الحياة، وأهاب بزعماء العرب والمسلمين إلى المسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته، وفاء بحق الإسلام وحق الأخوة الوطنية والإنسانية، وقياما ببعض تبعات الزعامة والقيادة التي هي أمانة الله في أعناقهم.

ولم يكتف الشيخ بذلك بل أرسل برقية إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسم وعزم على وقف النزيف الدموي الذي أسالته المؤامرات المعادية على أرض لبنان.

الأزمة المغربية الجزائرية

قامت أزمة عنيفة بين المغرب والجزائر بشأن مشكلة الصحراء الغريبة التي كانت أسبانيا تحتلها، وأدى الخلاف بينهما إلى مناوشات حربية كادت تتحول إلى حرب عنيفة.

ولما علم الإمام بأخبار هذه التحركات سارع إلى إرسال برقية إلى كل من ملك المغرب ورئيس الجزائر، دعاهما إلى التغلب على نوازع الخلاف وعوامل الشقاق والفرقة، وأن يبادرا بتسوية مشكلاتهما وموضوعات الخلاف بينهما بالتفاهم الأخوي والأسلوب الحكيم، وناشدهما باسم الإسلام أن يلقيا السلاح وأن يحتكما إلى كتاب الله.

وأرسل في الوقت نفسه برقية إلى الرئيس السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين، جاء فيها:

"تتعلق بزعامتكم قلوب المسلمين من العرب والمسلمين الذين ينتظرون مساعيكم الحميدة في إصلاح ذات البين بمناسبة الصدام المسلح المؤسف بين البلدين الشقيقين الجزائر والمغرب".

وقد رد السادات على برقية شيخ الأزهر ببرقية يخبره فيه بمساعيه للصلح بين الطرفين جاء فيها:

"تلقيت بالتقدير برقيتكم بشأن المساعي لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب، وأود أن أؤكد لكم أن مصر تقوم بواجبها القومي من أجل مصالح العرب والمسلمين، وما زال السيد محمد حسني مبارك نائب الرئيس يقوم بمهمته المكلف بها، أرجو الله عز وجل أن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق...".

وفي الوقت نفسه أرسل برقية إلى خالد بن عبد العزيز عاهل المملكة السعودية آنذاك يدعوه للتدخل إلى حقن الماء بين الشقيقين وفض النزاع بينهما، وقد أحدثت هذه البرقيات أصداء قوية، وكانت عاملا في هدوء الحالة بين الدولتين الشقيقتين.

عبد الحليم محمود والأزهر

سافر على نفقته الخاصة إلى فرنسا لاستكمال تعليمه العالي، حيث حصل على درجة الدكتوراة في التصوف الإسلامي، وكان موضوع رسالته عن "الحارث المحاسبي" وذلك في عام 1359هـ الموافق 1940م.

وبعد عودته عمل مدرساً بكليات الأزهر، ثم عميداً لكلية أصول الدين سنة 1964م، وعضواً ثم أميناً عاماً لمجمع البحوث الإسلامية، ثم عُين وكيلا للأزهر سنة 1970م فوزير للأوقاف وشئون الأزهر حتى مارس 1973م.

ثم صدر القرار بتعيينه في منصب شيخ الأزهر في 22 من صفر 1393هـ الموافق 27 من مارس 1973م.. إلا أنه فوجئ بعد قرابة العام من ممارسة مهام منصبه بصدور قرار من رئيس الجمهورية في 7 يوليو 1974م قرار رقم 1098/1974 بتنظيم شئون الأزهر وتحديد مسئولياته على أن يكون الأزهر تابعًا لمسئولية وزير شئون الأزهر؛ مما أفقد الأزهر استقلالَه، وجرد شيخ الأزهر من اختصاصاته، فما كان منه إلا أن قام بتقديم استقالته في 1 أغسطس 1974م لرئيس الجمهورية احتجاجاً على هذا القرار الذي اعتبره عائقاً أمام أداء رسالته.

تدخل العديد من الشخصيات السياسية وكبار علماء الأزهر لإثناء الشيخ عن الاستقالة، لكنه أصر عليها، وامتنع عن الذهاب إلى المكتب، كما رفض استلام راتبه، وطلب تسوية معاشه .

أثارت تلك الاستقالة رد فعل في مصر ومختلف البلدان الإسلامية، وتقدم على إثرها أحد المحامين برفع دعوى حسبة أمام القضاء الإداري ضد رئيس الجمهورية ووزير الأوقاف يطلب وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية.

وفي مواجهة كل ذلك، لم تجد السلطة سوى معاودة النظر في القرار الذي أصدرته ودراسته من جديد، ومن ثم أصدرت قراراً يضع الأمور في نصابها الصحيح، جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر.. وكذلك تضمن القرار أن يُعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشرة .

وهكذا انتهت الأزمة، ليعود الشيخ لممارسة مهام منصبه ، عقب وفاته صدر قرار يساوي منصب شيخ الأزهر بمنصب رئيس الوزراء .

وهكذا كان الشيخ رحمه الله جسورا في الحق ، وفي المرابطة علي ما يراه صوابا ، وعاش حياته كلها من أجل فكرته التي لم يتزحزح عنها قيد أنملة ، واصطدم بالسلطة والمسئولين بسبب آراءه ومواقفه وأحرجهم تارة اخري حين أعلن أنه من المعجبين بفكر الشهيد سيد قطب رحمه الله . ولم يخف زوال منصب أو ذهاب جاه ، واستحضر قول ربه "أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين" .

فحياة الشيخ عبد الحليم محمود أنموذجا لأولئك العلماء الذين يمارسون البلطجة باسم الدين ، ويزينون للطواغيت قمعهم وفسادهم واستبدادهم واستعبادهم لرعاياهم .

وفاة الشيخ

لقد كانت حياة الشيخ عبد الحليم محمود جهادا متصلا وإحساسا بالمسئولية التي يحملها على عاتقه، فلم يركن إلى اللقب الكبير الذي يحمله، أو إلى جلال المنصب الذي يتقلده، فتحرك في كل مكان يرجو فيه خدمة الإسلام والمسلمين، وأحس الناس فيه بقوة الإيمان وصدق النفس، فكان يقابل مقابلة الملوك والرؤساء، بل أكثر من ذلك؛ حيث كانت الجموع المحتشدة التي هرعت لاستقباله في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وغيرها تخرج عن حب وطواعية لا عن سوق وحشد وإرهاب.

وفي ظل هذا النشاط الجم والرحلات المتتابعة لتفقد المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق (15 من ذي القعدة 1397هـ 17 من أكتوبر 1978م) تاركا ذكرى طيبة ونموذجاً لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر .

رثاؤه

غلاف كتاب عن الشيخ عبد الحليم محمود

يقول عنه ابنه الشيخ منيع:

الإمام الأكبر كان كالأنفاس الطاهرة الهادئة و النسمات الوادعة في صمته و صوته و جميع سمته , كان عظيم الصدق مع ربه و مع نفسه و كان شجاعا في اختيار طريقه و في السير على هذا الطريق .
لم تكن له شخصيتان بل شخصية واحدة اتسقت اتساقا باهرا مع نور الشريعة و الحقيقة معا و كان يذكر كلما ذكر الإخلاص و الطهر و التقى .
ذلكم هو الإمام الأكبر عبد الحليم محمود شيخ الإسلام رضي الله عنها عاش حياته مخبتا أوابا و كان يحمل كل خصائص العلماء الذين كتب لهم أن يكونوا للناس قدوة دائمة وروادا و كان إماما للمتقين.
الإمام الأكبر عبد الحليم محمود اسم عظيم لرجل عظيم رجل شرف الإسلام كواحد من أبنائه و عالم من علمائه .
لقد قام شيخ الأزهر الإمام عبد الحليم محمود رضي الهر عنه بجلائل الأعمال و أجل من كل شيء فيما أرى هو صموده في وجه أي ظلم و طغيان و رفضه بيع الضمير.
إنه ثبت على عقيدته و إيمانه كالجبل الراسي و ألح على الحفاظ على مكانته عند الله و عند الناس, و لقد قام بإعادة اعتبار الأزهر و مكانته إلى النفوس و أزال جميع العوائق و العراقيل التي و ضعت في طريقه و فتح باب الأزهر على مصراعيه للوافدين من طلاب العلم و الدين فعاد الأزهر من جديد إلى مكانة القيادة العلمية و التربوية في العالم الإسلامي .
كان عالما حكيما يدرس الوضع بدقة و إمعان و يفكر في القضايا و المشكلات تفكيرا جديا و سليما و يبحث لها عن حلول في صمت و يبدي رأيه في أوانه, لذلك استطاع أن يحفظ مكانة الأزهر و يبقى كرامته.
لقد كان أمة في ذاته فإذا جلس في مكان تحول ذلك المكان إلى مسجد و مدرسة و كان الناس يؤمونه من الجهات البعيدة ليستفيدوا منه العلم و الدين و الربانية .
ويعد الإمام الأكبر عبد الحليم محمود صاحب و رائد مدرسة الفكر الإسلامي و التصوف في العصر الحديث و لقب بأبي التصوف في العصر الراهن.
والإمام الأكبر عبد الحليم محمود رضي الله عنه له عمق و غزارة الآراء الفقهية و دقة الاجتهادات مما جعله يكسب صفوف المعارضين قبل المؤيدين الى جانب اللباقة و الدراية الكاملة في عرض أي موضوع و مسألة تتعلق بأمور الدين.
فلهذا اكتسب هذا العالم الجليل احترام كل الفرق و المذاهب الإسلامية في شتى بقاع العالم و سيبقى هذا العالم و تراثه في قلوبنا على مر العصور.
ثم كان من أمر الشيخ عبد الحليم رضي الله أن أصبح هو الفضيل بن عياض و هو الإمام الغزالي و هو الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي حتى وصل به الأمر أن امتزج امتزاجا كاملا بالمدرسة الشاذلية فكان قطبها و لقب بأبي الحسن الشاذلي القرن العشرين.
ولقب أيضا بأبي العارفين فلقد كان إليه رضي الله عنه المرجع و الفتيا و ريادة الفكر الإسلامي و التصوف في العصر الحديث و السفر الذي بين أيدينا الآن للأخ الفاضل محمد بيومي هو نبراس و ضوء يقتدى به و يهتدي منه في طريق التصوف في عصرنا الراهن نفع الله به و جزاه عن الإسلام و المسلمين خير الجزاء .

ويقول العلامة الأديب محمد رجب البيومي:

لا يفارقك و أنت في مجلس الإمام عبد الحليم محمود إحساسك انك مع إنسان يعرف ربه و أنه بهذه المعرفة الحقيقية قد ارتفع إلى مستوى وضئ فأنت معه في مكان واحد و لكن شعورك يدعوك إلى أن ترى أنه في السماء و انك فبي الأرض هيبته تملأ مشاعرك و تواضعه يزيده لآلاء و يزيدك إجلالا للعارفين بالله فتحاول أن تسمع منه ليعطيك مفضلا مأثرة السكوت الناطق أمام وجه مضيء الملامح طاهر القسمات تنطق أساريره المؤمنة بمعان لا تعرفها الأرض لأن بوارقها الفاتنة تلوح في الأفق الأعلى كما تلوح أشعة الشمس و ضياء القمر ومن الإنسان ما يتألق و يشع و يضئ مثل محمد عبده و عبد الحليم محمود .

ويقول الأديب السعودي الكبير إبراهيم هاشم فلالي في رسالة خاصة بعث بها إلى الإمام الأكبر:

سيدي الجليل فضيلة الدكتور عبد الحليم محمود الموقر تحية طيبة مباركة أنني يا سيدي من تلامذتكم المجهولين لأنني متتبع ما تكتبونه من بحوث دينيه و أحاديث في المذياع و التلفاز و أنني من الذين يحبونكم في الله و الله ولي عظيم الثقة فيكم لأنكم أحد قيادات الإصلاح الديني و لفضيلتكم قدم راسخة في علوم الشريعة الإسلامية و دراية واسعة بالتصوف و المتصوفين و بحوثهم .

ويقول محمد رجب بيومي:

" حين انتقل الى رحمة الله عبد الحليم محمود تحدثت عنه بعض الصحف الأوربية بما يخالف الواقع فقد عدته متعصبا شديد التعصب ضد المسيحية لأنه أبى أن يشترك في ندوات تدعو إلى تعاون المسيحية مع الإسلام وقد كان يظنونه درويشا ساذجا ينخدع بالثناء الكاذب والمؤتمرات الظاهرية التي تبدى السطح الساكن وتحجب الغور الثائر الممتلئ بثعابين البحر ووحوش الأمواج
أيكون الرجل متعصبا لأنه جهر بالحق و كشف خداع من يظنون إمام المسلمين درويشا متصوفا لا يبصر ما حوله و جاءوا ينافقونه بتقديم صورة زيتيه مكبره له في إطار مذهب جميل ليوافق على حضور المؤتمرات لقد كان الإمام حاسما حازما حين واجه الحقائق بلسان الصراحة و حين رد على هذه الدعوات المسمومة ردا صريحا لا تعوزه شجاعة الحق و جهارة الإيمان فكمم أفواها تعودت القول المعسول و الفعل الرذول .
لقد اهتدى الإمام بعد عناد طويل في رحلته الفكرية إلى أن القلب موضوع اقتناع المؤمن فالمؤمن لا يتطلب تغلل العقل كي يقتنع و لكنه يتلمس ملء الهداية كي يرتوي .
وقد يأخذ عليه بعض المتسرعين و لوعة بسير المتصوفة من الأولياء و ترداده لما تركوه من خوارق و لست مع هؤلاء المؤاخذين أليس الرجل متصوفا حقيقيا يرى في التصوف راحة الضمير و أمان العاقبة و حسن الخاتمة فلماذا لا يجعل من المتصوفة الصادقين مثالا يحتذي و كانت مكانة الرجل في البلاد الإسلامية ذات حسد آكل في نفوس الأعداء إذا كان يقابل في مكان مقابلة الملوك و الرؤساء بل أكثر من مقابلة الملوك و الرؤساء لأن الجموع المحتشدة التي هرعت لاستقباله في الهند و باكستان و ماليزيا و إندونيسيا والمغرب و إيران و مكة و كانت تتدافع للقائه عن طوع راغب لم يدع إليه نظام حكومي و ذلك هو الحب الصريح .
حارب الإمام الوجودية وحارب الشيوعية ووقف وقفه صامدة حيال الحوار الإسلامي المسيحي وطالب بتطبيق شرع الله و عدم تحويل قضايا الفكر للمحاكم العسكرية ووقف ضد قانون الأحوال الشخصية الذي يخالف الشريعة رحمه الله كان أمة وحده .

ويضيف محمد رجب بيومي :

" الله حق و الموت حق " كانت هاتان الجملتان آخر ما نطق به الإمام الأكبر في حياته ثم ارتقى الى ملئه الأعلى تاركا وراءه سجل أعماله مشرق الصفحات و لعمري لكأن الله عز وجل ألهمه أن ينطق بهاتين الجملتين إلهاما صادقا لأنهما في نظر الدارس المتأمل مفتاح شخصيته الذي يكشف خباياها دون خفاء و الذي يفسر مواقفه المختلفة ما اتضح منها بارزا للعيان و ما احتاج في اتضاحه إلى علاج صبور .
الله حق هذا قول كان يجد تطبيقه العملي في كل ما قام به الرجل من أعمال إذ أنه كان يسهر اليل و يكد النهار و يصالح الخصوم و ينصف المتنازعين و يسعى في جنبات الأرض يقرأ صحائف العلم و يفعل ذلك كله وفي ذهنه معنى واضح يهتف به أن الله تعالى حق فيجب أذن أن يتقيد بالحق فيما يزاول من عمل و قول
لأنه يصدر عن أمر ربه و يجب إذن أن ينأى عن الباطل لأن ربه عن الباطل قد نهاه و الموت حق قول آخر كان يجد تطبيقه العملي في نفس الرجل فهو بصوفيته الشفيفة يدرك تمام الإدراك أن الحياة سفر قصير مهما تطاول و أن وراء الحياة رحلة حقيقية الى عالم الحق الخالد
و أن هذه الرحلة تتطلب زادا حقيقيا من العدل و الأمانة و الإخلاص و التقوى و قد عاش الشيخ مدركا حقيقة هذه الرحلة و منتظر لها في كل لحظة تحين حتى إذا لاحت لعينيه ساعتها المرتقبة ابتسم ابتسامته الراضية و قال في لقاء العارف الواصل الموت حق و قد ابتسم في هذا الموقف ابتسامة تؤثر عن أسلافه الكبار ممن قطعوا الطريق خطوة بخطوة حتى شافهوا مشارق الأنوار.
لقد كانت عينا عبد الحليم تشعان بوميض ساطع و كأنهما ترتدان آفاقا مجهولة و كان الرجل يحدق بهما إلى أبعد الأماد فتشعر أنه غائب عنك و ان كنت بجواره ثم تعلوا وجهه ابتسامة خفيفة هادئا و يلتفت اليك متحدثا و مسبحته تدور في كفة فتعلم ان الرحلة الروحية قد انقضت و أن عين العارف البصير قد قطعت المسافة بين المحجوب النائي و المشاهد المنظور .
أسعد السعداء من يصادق نفسه فيناجيها و تناجيه ذلك الذي حفر البئر في صدره حتى اهتدى الى الينبوع الغزير و لذلك كان الإمام الأكبر يبحث عن أماكن الخلوات الهادئة ليقابل فيها نفسه المطمئنة و ليسعد بمراجعتها في أنس .
أحب عبد الحليم الخلوة و جعل يبحث عن مظانها فإذا خرج من الخلوة و جعل يبحث عن مظانها فإذا خرج من الخلوة دعا الشاردين إلى مجالس تقواه فيفيض عليهم من روحه فمنهم من يدنو و منهم من يبتعد و منهم من يتردد بين البعد و القرب حتى إذا أدى الشيخ رسالته الروحية ترك الجموع إلى خلوته آتى لا تتسع لسواه و إذا ذاك يسبح في تأمله ليكشف ينابيع نفسه و ليفيض الله عليه من المعاني ما يؤدي دور الإمامة في الهداية و رسالة المشيخة في الفتوى .

ويقول عنه الأستاذ الكبير خالد محمد خالد:

بالأمس رحل عن الدنيا رجل من الأخيار رجل اتقى الله و آمن برسوله فآتاه الله كفلين من رحمته و جعل له نورا يمشي به . كالأنفاس الطاهرة الهادئة و النسمات الوادعة في صمته و صوته و جميع سمته . كان و في السير على هذا الطريق غير ملق باله لنقد الناقدين و لوم اللائمين .
لم تكن له شخصيتان بل شخصية واحدة اتسقت اتساقا باهرا مع نور الشريعة و الحقيقة معا و كان يذكر كلما ذكر الإخلاص و الطهر و التقى ذلكم هو الإمام الأكبر عبد الحليم محمود .
عاش حياته متبتلا مخبتا أوابا و كان يحمل كل خصائص العلماء الذين كتب لهم أن يكونوا للناس قدوة و أمة وروادا. كان للمتقين إماما (عبد الحليم محمود) اسم عظيم لرجل عظيم .. رجل شرف به الإسلام كواحد من أبنائه و علم من أعلامه .

ويقول عنه الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار شيخ الأزهر الأسبق:

كان سريع التحرك بوجدانه إلى ما ينبغي أن يكون عندما يطرأ أمر أو تزحف حادثة من أحداث الحياة و كانت حركته بوجدان صاف و فكر مدركو صفاء نفس عميق و ما ذكرت يوما أنه غضب عندما غضبت أو انفعل عندما خولف في الرأي كان يبدد الغضب و يصرف الانفعال بابتسامة رقيقة ترتسم على شفتيه معبرة عن معنى دقيق من الأخوة و الصفاء وراءاها فيض جارف من العواطف الأخوية و العبارات الشفافة الملطفة التي تبدد كل غيم و توضح كل لبس .

ألبوم الصور

ألبوم صور الشيخ المجاهد الزاهد عبد الحليم محمود
 

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.

عبد الحليم محمود

ولد عبد الحليم محمود في قرية أبو احمد من ضواحي مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في (2 من جمادى الأولى سنة 1328هـ 12من مايو 1910م)، ونشأ في أسرة كريمة مشهورة بالصلاح والتقوى، وكان أبوه ممن تعلم بالأزهر لكنه لم يكمل دراسته فيه.




المراجع

  1. من أعلام العصر ، محمد رجب البيومي ، المصرية اللبنانية .
  2. النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين ، محمد رجب البيومي ، القلم ، دمشق .
  3. وعرفت الشعراوي ، محمود جامع ، التوزيع والنشر الإسلامية .
  4. الإسلام والاستعمار عقيدة الجهاد في العصر الحديث ، رودلف بيترز ، المعهد الهولندي للآثار المصرية والبحوث العربية ، القاهرة .
  5. تاريخ الإصلاح في الأزهر ، عبد المتعال الصعيدي ، قصور الثقافة .
  6. موقع الشيخ عبد الحليم محمود .
  7. موقع إخوان أون لاين .
  8. موقع إسلاميون .


للمزيد عن علاقة الإخوان بالأزهر الشريف

وصلات داخلية

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أخبار متعلقة بالأزهر

أحداث في صور

وصلات فيديو