غدا غرسك عظيمًا يا شيخ أحمد ياسين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
غدا غرسك عظيمًا يا شيخ أحمد ياسين

بقلم: د. حسن أبو حشيش

خمسة أعوام مضت على رحيل جسد الشيخ أحمد ياسين، وما زال هذا الجسد المشلول ماثلاً أمامنا.

من عرفه وعاش معه يتحسَّر على الفراق، ويبكي شوقًا للقاء، ومن لم يُعايشه وسمع عنه فقط يبكي لخسارته اللقاء، ويتمنَّى لو كان قد تشرَّف بالعيش والجلوس والتعلم من الشيخ مباشرةً.

بعد خمس سنوات على الفراق إذ بي أسترجع ما علمتُ منه ومن رفاقه في العمل الإسلامي وما قرأتُ في كتب التاريخ الفلسطيني الحديث، وخاصةً بعد نكسة حزيران، كيف بدأ الشيخ أحمد ياسين بإعادة ترتيب أوضاع الحركة الإسلامية بفريقٍ لا يتجاوز أصابع اليدين على مستوى قطاع غزة.

وأنظر إلى حركته وتنظيمه اليوم أجدها قد ملأت الدنيا عددًا وسمعةً وجماهيرَ وفعلاً ومبدأً، فحُق لنا أن نقول: غدًا غرسك يا شيخنا عظيمًا وكبيرًا ومُتجذرًا بعد ستة عقود من الحرث والبذر والري والرعاية والجهد والعرق والتنقل بين السنوات والمدن والتضحيات.

والتشبه والاستشهاد بسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء شرفٌ وجزءٌ من عقيدتنا وديننا، فتصفَّحتُ في هذا الواقع وفي حقب التاريخ فإذا بي أجد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يخرج وحيدًا من مكة، طريدًا، فارًّا بدينه وعقيدته، وبعد ثمانية أعوام من الهجرة من العمل والعطاء والبناء والتضحية والتخطيط يفتح مكة بجيشٍ كبيرٍ عظيمٍ، فيقول أبو سفيان زعيم مكة في وقتها لعم الرسول العباس: "يا عباس.. غدا ملك ابن أخيك عظيمًا"، فما أشبه اليوم بالأمس!؛ فحين تتشابه الأفكار والمبادئ والاجتهاد عليها تتكرَّر المواقف وتتطابق النتائج حتى لو اختلفت العصور والأزمنة والشخصيات.

لقد ترك الشيخ أحمد ياسين للأمة جمعاء -ونحن منها- معانيَ ساميةً، وملامحَ سامقةً ومنهجًا للحياة مستمدًّا من الإسلام العظيم.. رسَّخ مبادئ العمل والفَهم، والجهاد والتضحية، والإيمان والبذل، والأخوة والوحدة والمحبة.. ضرب مثلاً للإصرار والتحدِّي وتذليل الصعاب.. وضع أسسًا للتعامل مع المحبِّين ومع المعارضين ومع الأعداء..

كان رحمه الله مدرسةً وجامعةً وأكاديميةً في العمل العسكري، والعمل الدعوي، والعمل المؤسساتي، والعمل الخيري، والعمل السياسي، والعمل الأمني، وفي البناء التنظيمي، وفي التربية وبناء الإنسان..

كان زوجًا وأبًا وجدًّا وجارًا قبل أن يكون قائدًا وزعيمًا؛ خُلقه من القرآن والسنة، وأثره الأنبياء والصالحين والصحابة والحق والحكمة أينما كانت؛ فاليوم هذه المؤسسات الضخمة والكبيرة والمتنوعة من غراسه، وفكر وثقافة المقاومة والجهاد والمجاهدين من غراسه، والعمل السياسي وتكتيكات التهدئة والتحالفات والانتخابات النقابية والبلدية والتشريعية من غراسه، وهذا العدد المنتشر من المساجد كحاضناتٍ تربويةٍ للأجيال من غراسه.. القادة والوزراء وأعضاء التشريعي والخطباء والمربُّون اليوم حين يتكلمون أو يُخطِّطون أو يتخذون قرارًا عامًّا أو خاصًّا يستحضرون بقوةٍ فكر ومنهج شيخهم الإمام، وينهلون منه ما يُعينهم على اتخاذ القرار المُناسب الذي يخدم الإسلام وفلسطين والأمة والشعب الفلسطيني.

لاقى الشيخ ربَّه وما فرَّط في ثوابت شعبه.. استشهد وهو يطالب بحق الأسرى وحق العودة وحقنا في القدس وحقنا في الاستقلال وقيام دولتنا كاملة السيادة.. لفظ أنفاسه الأخيرة وهو صائمٌ ومُصلٍّ وقارئٌ للقرآن ومُعتكفٌ في المسجد.

هذا هو الطريق والمنهج وفلسفة الحياة التي تركها لنا الشيخ الإمام؛ فمن أحبه فالأمر واضحٌ وضوح الشمس، وإن المُحب لمن يُحب مطيعُ.

إن شيخًا ترك وراءه إرثًا أخلاقيًّا وقيمًا كهذه، ونتج منه غرسٌ شاملٌ كالذي نعيش، لن يموت فينا ولا في الأجيال وإن غاب الجسد، وإن حركته بإذن الله لن تموت ما بقيت على تمسكها بالإسلام والمنهج.

سلامًا ورحمةً لك من الله يا شيخنا في الأولين إن شاء الله وفي الآخرين ما صلينا وذكرنا وعبدنا وجاهدنا وصمدنا وصبرنا وعملنا للإسلام ولفلسطين؛ فنحن غراسك.. نسأل الله القبول لك ولنا، ولا نزكِّي على الله أحدًا.