إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

في قافلة الإخوان المسلمين الجزء الثاني

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
في قافلة الإخوان المسلمون
الجزء الثاني

عباس السيسي

محتويات

إهداء

إلى والدىّ الذين فارقتهما في الاخامسة عشر من عمري في تنقلات وسفريات طويلة والذين عايشا دعوة الإخوان المسلمون محنا متلاحقة من اعتقالات وسجون مريرة باعدت بيني وبينهما وحرمتني من حنان الأبوة وحرمتهما من بر البنوة .

أسأل الله أن يغفر بلهما ويرحمهما كما ربياني صغيرا

مقدمة

هذا هو الجزء الثاني من كتاب (في قافلة الإخوان المسلمون ) والكتاب بكل أجزائه قد تأخر عن الصدور عدد سنين وكان يمكن أن تطول أكثر من ذلك فالظروف التي تتحرك فيها الدعوة الإسلامية غير مستقرة – فحينا تشرق الشمس وحينا تغيب وحينا ينشط الإنسان وحينا يفتر وحينا يسافر وحينا يقيم وفي كل هذه الأحوال تلازمه رغبة في سرعة إصدار هذه الرسائل تحسبا لنفس الظروف .

والكتابة في قافلة الإخوان لا تتوقف لأن الحركة الإسلامية تزحف وتنتشر في كل مكان وفي كل ميدان وتحتاج لأقلام تسجل وقائعها بدقة وصدق لأن هذه الوقائع ستكون مستقبلا معالم على الطريق للاستفادة بها قياسا على ما قبلها وما بعدها .

فلا ريب أن تجميع الأحداث واستخلاص العبر منها يفيد التخطيط للمستقبل ولا يستفيد بذلك قوم دون قوم فالإسلاميربط المسلمين أينما كانوا فكل مسلم يقوم على ثغرة من ثغور الإسلام فالحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بتا .

فالاعتبار بأحداث الماضي يجنب الدعوة والدعاة الكثير من المتاعب والمزالق ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) .

والانتفاع بالماضي فما يقع من أحداث جديدة هو من دلائل المشغولية النفسية بأمور المسلمين في الماضي والحاضر بأمور في الماضي والحاضر ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) .

ولما كان المفهوم في كتابة التاريخ أن مهمة المؤرخ أن يتقصى أحداث الماضي ويسجلها كما وقعت في الزمان والمكان والإنسان بمعني ( إثبات حالة ) وليس من مهمته التعليق عليها أو تحليل الظروف والأسباب التي أدت إليها أو ما يترتب عليها ويترك ذلك لقوم آخرون .

وإذا كان هذا هو ما تعارف ودرج عليه في كتابة المؤرخون التاريخ فإن من واجب الذين شاركوا أو ساهموا في صناعة هذه الأحداث أن يضيقوا إليها على هامش الأحداث ما يكون قد غاب عن تصور القارئ من الواقع التاريخي أو الاخلفية الحزبية أو السياسية في الداخل والاخارج حتي يوضحوا للقارئ ملابسات الحادث وأسبابه فلا تقرأ هذه الأحداث معزولة عن واقعها التاريخي وعصرها السياسي والاجتماعي والثقافي مع توضيح أثر العقيدة الإسلامية في التوجه والتحرك – وإبراز العوامل التربوية في تشكيل هذا الواقع النابض الحي .

وإظهار أثر الروح في توهج الحركة واشتعالها وانتشارها وإقبال الجماهير عليها في أنحاء الوطن الإسلامي .

فكتابة تاريخ حركة الإخوان المسلمون دون توضيح هذه العوامل الأصلية يفقد الكتابة روحها وأهم أهدافها وكأننا بذلك نبرر الشكل دون المضمون وإن كان هذا يقتضي منا مزيدا من الجهد والوقت فإن الاستفادة سوف تكون أنفع وأعمق .

ولعل الإحجام عن كتابة المذكرات وخاصة عند الإخوة الذين سبقوا يعود إلى نصيحة وجهها فضيلة الأستاذ حسن البنا في مقدمة كتابه ( الدعوة والداعية ) حيث يقول :

" أوصي الذين يتعرضون للعمل ويرون أنفسهم عرضة للاحتكاك بالحكومات ألا يحرصوا على الكتابة فذلك أروح لأنفسهم وللناس وأبعد عن فساد التعليل وسوء التأويل " (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل)

ولعل انقطاع صلة الحركة الإسلامية بالأجيال الجديدة ولمدة عشرين عاما متصلة انقطاعه يكاد ينسيهم اسم الحركة نفسه ثم تشوق هذا الجيل الذي صنعه الله علي عينه للتعرف على حقيقة جماعة الإخوان وما يدور حولهم كان هذا هو العامل الأساسي في إسعاف بهذا النوع من الكتابة التاريخية .

يبدأ الجزء الثاني من كتاب ( قافلة الإخوان المسلمين ) بمرحلة جديدة وخطيرة في تاريخ الإخوان المسلمين – حيث ينتهي الجزء الأول بمحنة الإخوان عام 1948 واستشهاد الإمام حسن البنا ويبدأ الجزء الثاني باختيار المستشار حسن الهضيبي خلفا له ويمثل ذلك فاصلا بين عهدين أو محنتين في تاريخ هذه الجماعة ولكل مرحلة ظروفها وأحداثها وخصائصها .

فحسن البنا هو مؤسس الجماعة رواها بروحه ودمه وحسن الهضيبي أعاد للجماعة اعتبارها وصحح ما زيف من أفكارها وتزامن في عهده إلغاء معاهدة عام 1936 واشترك الإخوان في حرب القنال ضد الإنجليز وحسن بلائهم فيها .

وما كان من حريق القاهرة في يناير 1952 .. وما حدث من توالي الحكومات وضعفها مما كان إرهاصا لقيام حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 52 بتأييد كل الأحزاب والجماعات وعلي رأسها جماعة الإخوان المسلمون التي ساهمت بأكبر جهد في تدعيمها .

ولم تلبث الحركة بعد أن أرسخت أقدامها فقامت بحل جميع الأحزاب وألغت دستور 1923 وقامت بتشكيل هيئة التحرير التي رفض الإخوان الانضمام إليها وتوالت الأحداث التي باعدت بين جماعة الإخوان وحركة الضباط الأحرار .. فصدرت التعليمات بتشتيت العسكريين من الإخوان من رجال الجيش والبوليس إلى أنحاء متطرفة كالعريش ومرسى مطروح وأسيوط .

وفي يناير 1954 صدر قرار من مجلس قيادة الثورة " بحل جماعة الإخوان المسلمون) واتهمهم البيان بالاتصال بالإنجليز وفي نفس الوقت نحي الرئيس محمد نجيب عن منصبه . ولأول مرة في التاريخ يعتقل الإخوان في السجن الحربي بالعباسية بالقاهرة . مع أنهم مدنيون وليسوا عسكريين . وامتلأت المعتقلات بالإخوان .. ولم تمض أيام حتى اندلعت مظاهرة عابدين الكبرى التي تزعمها الإخوان وعلى رأسهم الشهيد عبد القادر عودة ز مما دعا عبد الناصر وزمرته إلى التراجع التكتيكي فأعادوا الرئيس محمد نجيب غل رئاسة الجمهورية وصدر قرار بالإفراج عن الأستاذ حسن الهضيبي وجميع الإخوان ورد اعتبارهم وقام جمال مع صلاح سالم بزيارة فضيلة المرشد في منزله بالروضة . وأسرها عبد الناصر في نفسه إلى حين!!

ولم يلبث عبد الناصر أن نكث وعده فقام مسرحية إلغاء قرارات 25 مارس . وتم التحفظ على الرئيس محمد نجيب في قصر المرج وحوله حراسة مشددة .

وجئ بالصاغ حمزة البسيوني قائدا للسجن الحربي وكان لهذا التعيين دلالة على مؤامرة تدبر وبدأ جمال عبد الناصر يمهد لتوقيع اتفاقية مع الانجليز ... وقد أعطي الأستاذ المرشد لبعض الصحفيين تصريحات انتقد فيها بعض بنود الاتفاقية حال وجوده في زيارة لسوريا والأردن . مما آثار حفيظة عبد الناصر وتناول خطباء الجمعة من الإخوان في المساجد نقد الاتفاقية مما ترتب عليه القبض على مجموعة من الإخوان واحتجازهم .

وفي هذه الثناء عقدت الهيئة التأسيسية للإخوان اجتماعا هاما بدار المركز العام أ‘لنوا فيه انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين مدي الحياة .

وبدأت الأمور تجري بسرعة نحو المجهول ... حتى كان حادث المنشية أو تمثيلية المنشية بمعني أصح مساء يوم 26 أكتوبر 1954 بإسكندرية وهو أكبر وأخطر مؤامرة ضد الإخوان في تاريخ الدعوة الإسلامية في القرن العشرين .

ولهذا فقد أفردت لهذا الحادث الاخطير كتابا بعنوان " عبد الناصر وحادث المنشية " صدرت في أكتوبر 1987 .

ختاما أسأل الله تعالي أن يجعل هذه المذكرات خالصة لوجهه بقصد إحقاق الحق وإيضاح سبيل المؤمنين وأن يوفقنا للوفاء بحق الدعوة حتى نلقاه مخلصين له الدين .

أكتوبر 1987 عباس السيسي

الفصل الأول

• انتخاب المستشار حسن الهصيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين

• حكومة الوفد ضد الإخوان

النحاس باشا يلغي معاهدة 1936

الإخوان يجاهدون لطرد الانجليز


انتخاب المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين

جاءنا في أسيوط وفد من الإخوان بالقاهرة على رأسه فضيلة الشيخ البهي الاخولي وقابلوا فضيلة الشيخ أحمد شريت مفتش الوعظ والأستاذ فهمي أبو غدير وتحدث معهما بشأن ترشيح الأستاذ المستشار حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين ثم تم لقاء موسع بينهم وبين مجموعة من الإخوان وعرضوا عليهم الأمر الذى طالت فيها المناقشة حيث أن الأغلبية من الإخوان لم يعرفوا عن الأستاذ حسن الهضيبي شيئا من قبل .

وأجاب على كل الأسئلة التي تناولت حياة الرجل وماضيه وصلته بدعوة الإخوان المسلمون وعاد الوفد إلى القاهرة ومعه موافقة الإخوان في أسيوط على انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما للإخوان المسلمين . وبعد حوالي شهر أبلغونا نبأ انتخاب الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما وقد تمت له البيعة على ذلك .

موجز عن حياة حسن الهضيبي

وأنا هنا أنقل موجزا عن تاريخ الأستاذ حسن الهضيبي لمرشد العام الجديد ولد حسن الهضيبي في قرية عرب الصوالحة مركز شبين القناطر وكان أخا لثلاثة ذكور .. وأربع بنات تعلم في كتاب القرية والتحق بالأزهر ثم انتقل إلى المدارس الابتدائية ثم الثانوية ثم التحق بمدرسة الحقوق وتخرج فيها عام 1915 – والتحق بالقضاء في أوائل العشرينات – وتدرج في وظائف القضاء فعمل قاضيا في سوهاج فرئيسا للنيابة ثم مدير لإدارة النيابات فرئيسا للتفتيش القضائي فمستشارا بمحكمة استئناف القاهرة وكان آخر منصب له هو مستشار في محكمة النقض وبقي حتى استقال في أوائل الاخمسينات .

وكان له موقف معروف في لجنة الأعمال التحضيرية للقانون المدني الحالي عند بحث هذا القانون في البرلمان وكان ممن استدعوهم ليقولوا ملاحظاتهم على القانون فقال :" أري إلغاء هذا المشروع والاكتفاء بمادة واحدة تنص على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية". وعندما رشح الأستاذ الهضيبي ليخلف الإمام حسن البنا بعد استشهاده لم يكن الرجل معروفا إلا لخاصة الاخاصة من الإخوان لأن علاقته بالإمام حسن البنا كانت تحكمها طبيعة الوظيفة القضائية للأستاذ الهضيبي – وإن كانت هناك علاقات وزيارات تتم بينهما فقد كان الإمام البنا يتردد عليه في منزله حتي آخر أيام حياته وزادت أثناء حل الجماعة وقد حضر إليه قبل استشهاده بفترة قصيرة وقال له : ( إنهم سقتلونني) .

ومن القصص المشهورة عن الأستاذ حسن الهضيبي – أنه كان قاضيا في سوهاج في عهد حكومة الوفد – ودخل عليه في مكتبه محام كبير قدم من القاهرة للدفاع في قضية أمامه ورحب بت الأستاذ وطلب له قهوة وقبل أن تصل القهوة سأله المحامي أليس لك رغبة ف النقل إلى القاهرة ؟ فأدرك الأستاذ أنه يريد بذلك أن يقدم له يدا قبل أن يدخل الجلسة !! فغضب الأستاذ الهضيبي ورد الاخادم بالقهوة وانصرف معتذرا عن النظر في هذه القضية .

فكرة .. للأستاذ مصطفى أمين – حول الأستاذ حسن الهضيبي

عرفت الأستاذ حسن الهضيبي أول ما عرفته في عام 1939 وكنت رئيسا لتحرير مجلة آخر ساعة وأرسلت المفوضية الألمانية بالقاهرة خطابا إلى وزير الاخارجية تحتج على لأنني كتبت مقالا قلت فيه أن هتلر ديكتاتورا وأن هذه إهانة للفوهرر وقانون العقوبات المصري يمنع مهاجمة رؤساء الدول الأجنبية .

وطلب الوزير الألماني تقديمي إلى محكمة الجنايات واتصل وزير الاخارجية بوزير العدل واتصل وزير العدل بالنائب العام وقرر النائب العام تكليف رئيس النيابة الأستاذ الهضيبي لمقابلتي واستقبلني رئيس النيابة مقابلة ودية لم أتعود أن ألقاها من رؤساء النيابة الذين يحققون معي في قضايا الصحف .

وبدا حديثه وسألني عن أى نوع من القهوة أود أن أشرب وطبلت قهوة مضبوط فطلب لى رئيس النيابة القهوة ثم طلب واحد ليمون ..وبعد ذلك قال لي أنت متهم بأنك أهنت الهر أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا . قالها بهدوء بنفس النبرة التي طلب بها لى واحد قهوة وواحد ليمون . وكأنه يقول أهلا وسهلا وحشتنا وآنستنا : قلت له أنا لم أهن هتلر أنا قلت عنه الحقيقة . قال الهضيبي . أنت قلت إنه ديكتاتورا وطاغية وأنه قضي على حقوق الإنسان في ألمانيا ؟ وسألت رئيس النيابة وهل هو ديكتاتور أم لا !؟ قال ضاحكا المفروض أنني الذي أسألك لا أنت تسألني ! قلت المفروض أن يقول وزير المفوض أنني نسبت إلى هتلر أنه قضي على حرية الصحافة بينما أن الصحافة حرة في ألمانيا , وأنه ملأ بلاده بالمعتقلات وأنشأ المحاكم الاستثنائية بينما الحقيقة أنه لا معتقلات هناك ولا محاكم استثنائية .

قال الأستاذ الهضيبي اطمئن إنني لن أقدمك لمحكمة الجنايات لأنني أعتقد معك أنه ديكتاتور وذمتي ولا تقبل أن أقدم بريئا إلى المحاكمة وكل المطلوب منك أن تقول في التحقيق أنك لا تقصد إهانة هتلر .

وأمر الأستاذ حسن الهضيبي بفتح المحضر وسألني هذا السؤال وأملي على كاتب التحقيق الإجابة وأمرني بالانصراف ولم يطلب مني أن أدفع كفالة كما طلب النائب العام .

ولاحظت وأنا أتحدث إلى الهضيبي أنه رجل قليل الكلام , تتوهم أنه صارم بينما هو رجل رقيق هادئ فيه طيبة ممتزجة بالذكاء الحاد . قوي الملاحظة ثم عرفته بعد ذلك في سجن ليمان طره – كانت زنزانته بجوار زنزانتي جذبني بصموده وقوة احتماله , يقابل البطش بابتسامة سخرية, ويرد على الظلم بالإيمان . يناقشك بهدوء لا يغضب ولا يحتد ولا يشكو وحرموه عدة شهور من أن يتلقي أى خطاب من زوجته وبناته وكان أولاده مسجونين في سجن آخر وكلفت احدي تلميذاتي أن تتصل بابنته المدرسة بكلية طب قصر العيني لتقول لها أن والدها بخير هذه هي الرسالة الوحيدة التي رضي أن أحملها لأسرته لقد منعوا عنه الزيارات ومنعوا عنه الأدوية لعدة أسابيع ومع ذلك كان يبتسم ويضحك ويقول صحتي الآن أحسن مما كانت خارج السجن كان يحمد الله على أنه يعيش في زنزانة !

لا نعرف قيمة المعادن إلا عندما ندخلها النار

مع الوفد

انتخابات مجلس النواب 1950

فتحت حكومة حسين سري باشا باب الترشيح لانتخابات مجلس النواب وقد رشح بعض الإخوة أنفسهم ومن الذين رشحوا أنفسهم في أسيوط الأخ الأستاذ فهمي أبو غدير في دائرتين وكان منافسة في أسيوط الأستاذ محمد توفيق خشبة ( سعدي ) ومنافسه في دائرته ( درنكة) الأستاذ حامد جوده ( سعدي ) وقام الإخوان في أسيوط بمجهود كبير للدعاية لمرشحهم بكل الوسائل المتاحة كطبع الإعلانات وكتابة اليفط بصور مختلفة ومثيرة كذلك استخدموا الدعاية في ( الفانوس السحري ) و( الطائرات الهوائية المضاءة ببطارية صغيرة تحمل اسم الأستاذ فهمي أبو غدير ) , كما أقمنا المؤتمرات وألقينا الاخطب في المساجد.

وحين أراد الأستاذ فهمي أن يخرج في مسيرة انتخابية منعته وزارة الداخلية حفاظا على الأمن ولما ألح في مطالبته وافقت الداخلية مشترطة ألا تزيد المظاهرة عن عشرين فردا فوافق على ذلك وخرجت المظاهرة من مكتبه ملتزمة بالعدد وعندما مر على احدي المقاهي ليحي الناس كانت هناك مجموعة من الإخوان في انتظاره فخرجت معه فتجاوز العدد الاخمسين وفي الطريق كانت احدي الفرق في موكب خاص فانضمت إلى المسيرة فصار العدد أكثر من مائة كما انضم عدد آخر إلى المسيرة كل هذا والبوليس في حيرة من أمره وعندما وصلت المسيرة حي القيسرية كانت هناك جماعة تقف بالمشاعل وفور دخولنا هذه المنطقة انضمت جماعة المشاعل فكان لها وقع جميل أعطتنا دفعة حماس وما كدنا نصل إلى النهاية المحددة للمسيرة حتي كان عدد المتظاهرين يزيد عن 500 , وقبل أن نصل إلى حي شركة قلته إذا بمدير أمن أسيوط يحضر ويطلب من الأستاذ فهمي أبو غدير أن يطلب من الإخوان الانصراف فقام الأستاذ فهمي وألقي خطبه حماسية طلب في نهايتها من الإخوان الانصراف في هدوء فانصرفوا مشكورين ليعودوا إلى نشاكهم في تبصير الجماهير كما حضر من القاهرة الأخوين الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ أحمد العسال للمشاركة في الدعاية الانتخابية . وكانت نتيجة الانتخابات الإعادة في ( درنكة ) بين الأستاذ فهمي أبو غدير وبين الأستاذ حامد جودة رئيس مجلس النواب السابق وفي الإعادة لم ينجح أحد من مرشحي الإخوان في جميع الدوائر السبب معروف .

حزب الوفد يكتسح الانتخابات

وفي الثاني عشر من يناير 1950 اكتسح حزب الوفد الانتخابات بأغلبية ساحقة وكان الإخوان هم أكبر عون لحزب الوفد في هذه المعركة ضد الحزب السعدي الذي قتل مرشدهم وعذب إخوانهم واعتقل الآلاف منهم وشرد أبناءهم فكان لكل هذا أعظم الأثر في فشل السعديين في الانتخابات وكان من المأمول أن يحفظ حزب الوفد هذا الجميل لجماعة الإخوان المسلمون إلا أن حزب الوفد تنكر لوعوده وحال بينهم بين العودة إلى ممارسة دعوتهم المشروعة .

موقف الوزارة من الإخوان المسلمون

تحت هذا العنوان كتبت جريدة ( منبر الشرق ) الصادرة يوم السبت 11 مارس 1950 بالصفحة الثانية ما يأتي:" قال معالي فؤاد سراج الدين باشا لرؤساء تحرير المسلمون لأنها جماعة خطرة تهدد الأمن العام وقد أقرها البرلمان على ذلك , وإن كان مجلس الشيوخ قد حدد أمد الأمر العسكري لعام واحد وقد لاحظت الوزارة أن صحيفة وفدية قد نشرت أخبار عن نشاط هذه الجماعة وعمن سيخلف حسن البنا وهذا النشر محظور بل إن الأمر العسكري قد له أشد العقوبات ولذلك فإني سأؤاخذ الصحف التي تنشر أخبارا عن نشاط هذه الجماعة بأعنف الإجراءات . أما النشاط في حد ذاته فتراقبه الوزارة وقد استدعيت بعض زعماء هذه الجماعة وتحدثت إليهم بالحسنى في وجوب الكف عن أى نشاط ولن تقف الحكومة بعد هذا النصح مكتوفة الأيدي أما أى نشاط والقانون الجديد للجمعيات سيمكن الحكومة في المستقبل من مراقبة نشاط مثل هذه الجمعية ) وقد علمنا من حضرات الزملاء الذين حضروا الاجتماع الذي دعاهم إليه معالي وزير الداخلية أنه قال لهم حقيقة هذا الكلام وهي سياسية شديدة أشير بتا أخيرا على الوزارة وقد أشرنا إلى ذلك اليوم في مكان آخر من هذه الصفحة ".

تآمر حكومة الوفد ضد الإخوان

في أوائل 1950 تقدمت الحكومة المصرية إلى البرلمان بمشروع قانون بإلغاء الأحكام العرفية مع استبقاء الأوامر العسكرية الاخاصة بحل جماعة الإخوان المسلمون لمدة سنة مع مصادرة أموالهم وتوزيعها على الجهات الاخيرية وفي السادس من جمادي الأولي سنة 1369هـ اجتمعت لجنة العدل بمجلس الشيوخ بحضور وزير الداخلية ووزير الدولة للنظر في المشروع وقد رأي بعض أعضاء اللجنة استبعاد النص الاخاص بإبقاء الأمر العسكري بحل الجماعة من مشروع القانون إلا أن أغلبية أعضاء اللجنة – وهم من حزب الحكومة – رأت الإبقاء عليه ولكن اللجنة رفضت الموافقة على النص على مصادرة أموال الجماعة حتى لا تكون قد أقرت سابقة خطيرة ورأت وضعها تحت الحراسة .

ومع ذلك فلم تمض فترة طويلة حتى عادت الجماعة إلى نشاطها وسقطت كل القيود التي وضعت لتكبل العمل الإسلامي ومن بينها قانون الجمعيات الذي حاولت الحكومة حينئذ إصداره خصيصا لتقييد حركة الإخوان المسلمون والحيلولة بينهم وبين عودة جماعتهم .

وقد كتبت جريدة الزمان المسائية في عددها الصادر في يوم الجمعة السابع من جمادي الأولي سنة 1369 تحت عنوان " لجنة العدل بمجلس الشيوخ تقرر عدم مصادرة أموال الإخوان المسلمون " ما يلي :" اجتمعت صباح أمس لجنة العدل بمجلس الشيوخ بحضور وزير الداخلية ووزير الدولة للنظر في مشروع قانون بإلغاء الأحكام العرفية كما ذكرنا أمس .. وقد أستغرق بحث إلغاء الأمر العسكري الاخاص بحل جماعة الإخوان المسلمون أغلب وقت اللجنة ".

حل الجماعة

ناقش أعضاء اللجنة الأوامر العسكرية التي استبقيت في المشروع بقانون إلغاء الحكام العرفية وهي الاخاصة بحل جماعة الإخوان المسلمون , ومصادرة أموالهم وتوزيعها على الجهات الاخيرية وعرضت اللجنة الأمر العسكري الاخاص بحل الجماعة وصدوره في ظروف استثنائية,كما عرضت الطلب الذي تقدم بت أعضاء الجماعة المنحلة إلى الحكومة وأعضاء البرلمان بإعادة الجماعة نظرا لزوال الظروف الاستثنائية التي أدت إلى إصدار الأمر العسكري بحل جماعتهم ورأي بعض أعضاء اللجنة استبعاد النص الاخاص بإبقاء الأمر العسكري بحل الجماعة من مشروع قانون إلغاء الأحكام العرفية على أن أغلبية أعضاء اللجنة بعد أن استمعت إلى الحج رأت استبقاء هذا النص حتي صدور قانون الجمعيات الذي سينظم تأليف وحل الجمعيات المختلفة واستقر رأي اللجنة على استبقاء النص على الأمر العسكري بحل الجماعة في مشروع القانون السالف الذكر لمدة أقصاها سنة واحدة من يوم صدور القانون .

أموال الجماعة المصادرة

وانتقلت اللجنة بعد ذلك إلى بحث النص الاخاص بمصادرة أموال الجماعة والذي تضمن منح هذه الأموال للجهات الاخيرية.

ولذلك فقد وافقت اللجنة على النص على بقاء هذه الأموال تحت الحراسة إلى أن تعاد الجماعة بمقتضي قانون الجمعيات المزمع إصداره وفي حدوده وعندئذ تعاد هذه الأموال إليها .

ومن ثم استقر رأي اللجنة على عدم النصر على توزيع أموال الجماعة على الجهات الحزبية في مشروع القانون بإلغاء الأحكام العرفية .

اجتماع خمسة فأكثر من أعضاء الجماعة

وأثار بعض أعضاء اللجنة النص الذي ورد في الأمر العسكري الاخاص بحل الجماعة والذي يخطر اجتماع خمسة أشخاص فأكثر من أعضائها قائلين أن الإبقاء على هذا النص ينطوي على اعتداء لا شك فيه على حرية الأفراد وأن اجتماع هذا العدد من أعضاء الجماعة لا يعني دائما أنهم يزالون نشاطا سياسيا معينا .

وقد استقر رأي اللجنة على أثر تصريحات رسمية أدلي بتا ممثلا الحكومة على إبقاء هذا النص حتي يصدر قانونه الجمعيات كما أكد الحكومة لن تعمل على تنفيذ هذا النص إلا في حالة الضرورة القصوي .مظاهرة الإخوان أمام مجلس النواب

حين تنبه الإخوان المسلمون للمؤامرة التي يدبرها حزب الوفد للإبقاء على الأمر العسكري الذي أصدرته حكومة السعديين بحل جماعة الإخوان المسلمون اعتقادا من الحزب أنه أمام الواقع الذي لا يحمل جريرته ولم يتسبب فيه . ثم هي بالنسبة لحزب الوفد فرصة لا يجب أن تفلت من يده فطالما عمل جاهدا على إزاحة هذه الجماعة من طريقه وماضي الوفد مع الإخوان شاهد على ذلك .

ولكن بينما كان المجلس منعقدا بمجلسيه الشيوخ والنواب وبعد إصدار قرار إلغاء الأحكام العرفية تمهيدا للإبقاء على حل جماعة الإخوان المسلمون وبينما هم في البحث والتفكير إذا بمظاهرة ضخمة وخرج النواب والوزراء وفي مقدمتهم وزير الداخلية فؤاد سراج الدين ليواجهوا الكتل البشرية على هذا النحو من التنظيم والقوة والجلال .؟

تطالب بعودة الإخوان المسلمون وأمام هذه المشاعر الملتهبة وهذه النفوس المؤمنة وهذا التجمع المفاجئ في سرعة مذهلة أسقط في أيديهم .

ووعد وزير الداخلية هذه الجماهير بالنظر في مطلبهم بعودة الجماعة.

الإخوان يحتلون دورهم – ويعلقون لافتاتهم

ولم ينتظر الإخوان قرار الحكومة بعودة الإخوان – فإن سقوط الأحكام العرفية ينهي قرار حل الجماعة – فقاموا بوضع لافتات ( الإخوان المسلمون ) على مقر الشعب القديمة واستأجروا مساكن جديدة – وبعض الإخوان وضعوا هذه اللافتات على منازلهم الاخاصة حتي يفوتوا على حكومة الوفد مكرها وفوجئ الشعب بعودة الإخوان المسلمون بخروج مظاهرات كبري تهتف ( الله أكبر ولهه الحمد ) وتعلن عودة جماعة الإخوان المسلمون , ولقد استقبل الشعب بجميع طوائفه تلك المظاهرات بالفرح والسرور والتأييد .

وعلى أثر ذلك أقام الإخوان في أسيوط حفلا كبيرا في سرادق أقيم في حي شركة ( قلته) حضره الأستاذ الشيخ عبد المعز عبد الستار , وبدأت الشعب في جميع البلاد تزاول نشاطها بعزم وقوة .

( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) صدق الله العظيم

شاهد في قضية محمد مالك

حين صدر قرار حل جماعة الإخوان المسلمون صدرت معه عدة قرارات مترتبة عليه منها :" قانون يحتم على كل مالك عقار أن يبلغ أقرب نقطة بليس عن كل منظمة من الإخوان اتخذت من الشقق مواقع سميت فيما بعد ( بالأوكار ) .

وكان الأخ محمد مالك قد هرب من القاهرة بعد أن أتهم في قضية اغتيال محمود فهمي النقراشي واختفي في جزيرة الفوال أمام مدينة فوة ضيفا على المرحوم المهندس أحمد نجيب الفوال ثم سافر إلى الأسكندرية واختفي في مسكني بشارع إسماعيل صبري بالجمرك ليلة واحدة ثم قبض عليه في منزل المهندس سيد شامة بمحرم بك بعد معركة تبادل فيها مع رجال البوليس الطلقات النارية وكان للقبض عليه ضجة كبري في كل الأوساط .

وبصفتي شاهدا في هذه القضية كنت أسافر لحضور جلسات محاكمة الاخ محمد مالك بمحكمة محرم بك بإسكندرية حيث يكون هناك لقاء طيبا بينه وبين الإخوان على الرغم من إحضاره تحت الحراسة المشددة كما اعتاد الأخ المهندس محمد سليم مصطفى أن يقوم بإعداد الطعام وكل ما يلزم الإخوان الذين يحضرون هذه الجلسات .

واستمرت المحكمة تعقد عدة جلسات لنظر هذه القضية حتى إذا ألغيت الأحكام العرفية , ألغيت المحاكمة وأنهت القضية وإن كان الاخ محمد مالك بقي سجينا ليقضي مدة عقوبته في حادث اغتيال النقراشي باشا حتى تم الإفراج عنه في يوليو 1952 .

الشهيد أحمد خليل شرف الدين

كان الشهيد أحمد خليل شرف الدين طالبا في كلية الهندسة جامعة الأسكندرية عندما شرح الله صدره لدعوة الإخوان المسلمون فآمن بتا وتحمس لتحقيق أهدافها وساهم في حرب فلسطين بالقيام بنقل الأسلحة من الصحراء الغربية إلى القاهرة والأسكندرية كذا القيام برحلات شاقة لتدريب الإخوان رياضيا وعسكريا وقد أكرمه الله تعالي ببسطة في الجسم تعينه على تحمل المشاق وكانت شخصيته محبوبة من إخوانه ومؤثرة في كل من يراه .

وحين صدر قرار حل الجماعة عام 1948 أدلهمت الأمور فقتل النقراشي واغتيل الإمام الشهيد حسن البنا وملئت المعتقلات والسجون بشباب الإخوان وأدرك الإخوان أن الحكومة قد تحولت إلى عصابة تقتل الإخوان فكان لزاما عليهم أن يغادروا منازلهم ويلجئوا إلى منازل أخري , ومن ثم ذهب الأخ أحمد شرف الدين إلى القاهرة وانضم إلى مجموعة الإخوة :

الدكتور جمال عطية والأستاذ محمود حطيبة والأستاذ حسن عبد الغني والدكتور وائل شاهين والأخ مختار حسن الطالب بالآداب الاخ إسماعيل السيد صاحب ورشة ميكانيكا .

وحين اكتشف رجال البوليس المنزل الذي يقطنونه أحكموا حصاره ثم هاجموه فتصدي لهم الإخوة ودارت بينهم معركة شرسة بالسلاح وخرج أحمد شرف الدين ليواجه البوليس فعاجلوه بطلقات أردته " شهيدا " وهو أسم ما يتمناه المسلم وذهب أحمد خليل شرف الدين إلى ربه راضيا مرضيا تحفه الملائكة وقد سبقه إلى دار الاخلود الإمام الشهيد في فبراير والضابط أحمد فؤاد في مارس وهو في إبريل عام 1949.

خواطر

1- البعد يقتل الحب التافه .. ويحي الحب العظيم

شاء الله تعالي أن أكون بعيدا عن إخواني في الأسكندرية عددا من السنين عندما فرقت بيني وبينهم الأحداث وباعدت بيننا الأميال . وليس أشق على النفس من الحرمان من رؤية الأحباب ومعايشتهم والاطمئنان عليهم ورغم أني أعيش مع الإخوة في أسيوط بنفس الروح وبنفس المشاعر ولكن كثيرا ما تلتفت عواطفي ومشاعري إلى هناك حيث تفتحت أزاهير الحب في الله تعالي وفيها تذوقت رحيق العواطف المؤمنة وأريجها وهناك سبحت في محيطات من حب القلوب وصفاء النفوس لهذا كان من الصعب أن أعيش بلا اتصال وأن يطول هذا الرحمان .

لهذا بدأت أكتب لمن أحبهم رسائل تروح وتغدوا أبثهم فيها أشواقي وأكشف فيها عن أعماقي وأذواقي أناجيهم فيها بكل أحاسيسي ومشاعري وأكشف لهم عن مكنوني ومضموني , أعبر لهم عن آمالي وآلامي أبثهم أنيني وحنيني, وأترقب خطاباتهم فأستقبلها بشعور الفرح والسعادة وأعيش معها بكل كياني وبنياني كأني اـحدث إليهم ويتحدثون إلىّ واستمرت الرسائل تفيض بالمعاني العظيمة والمشاعر الكريمة تربط القلوب وتوثق الروابط وتؤجج الحب .

2- من وسائل الدعوة

وفي مشغلتي بالدعوة واهتمامي بإبلاغها للناس والتعريف بتا صادفتني مواقف متنوعة ومشاكل متعددة تعوق طريق الدعوة إلى قلوب الناس , وترجع هذه المعوقات إلى ضعف وعي بعض الإخوان وقصور فهمهم للوسائل النفسية والعملية للوصول بالدعوة إلى القلوب والعقول ووجدت أن عواطف الإخوة مع الدعوة ولكن تصرفاتهم تفرق ولا تجمع فهم يؤمنون بالدعوة بصدق وإخلاص ولكنهم يفتقدون الإلهامات الموحية بالجذب والإيثار فهم يفتقرون إلى دوافع من الصحوة والاهتمام بدعوة غيرهم إلى طريقهم ومنهجهم حتى إذا استيقظت همتهم لهذا الاتجاه عجزت وسائلهم وتعطلت عن الإنتاج.

لهذا دعت الحاجة في حقل الواقع إلى كتابة رسالة من واقع سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته ومن اتبعهم من المجاهدين والعاملين والحاملين لمشاعل الإسلام قصدت بهذه الرسالة أن أقدم بين يدي الأخ المسلم نماذج حية ورسائل عملية واقعية سهلة ميسرة يستعين بتا الداعية المسلم لبلوغ غايته من الاتصال بالقلوب والعقول في رفق وصبر وأنآه . مؤمنا بأن الدعوة إلى الله تعالي لا تتم بأساليب جافة جامدة ولو كانت أساليب علمية منتقاه فلا بد مع كل هذا من روح تلبس هذه الدعوة وقلب ينبض بها وصدق في التوجه بتا إلى الله تعالي . وبدون هذا القلب الرطب وهذا الاتجاه المخلص تموت الكلمات وتنقطع الصلات ويوم تعطي الداعية هذا المفتاح يفتح الله عليه. فكتبت بعد ذلك رسالة ( من وسائل الدعاة ) .

3- زيارة أبو تيج

أتاحت لى فرصة تواجدي في أسيوط القيام بالتجول في كثير من قري ومدن المحافظة في رحلات للدعوة إلى الله تعالي في المساجد والأندية وزيارات للأفراد وقمنا بزيارة أبو تيج وسعدنا بالتعرف على الرجل الصالح الحاج هاشم خليل من كبار الإخوان والأستاذ محمد شديد الموظف في النيابة العامة منقولا من القاهرة .

كنت زارنا في أسيوط الأخ الدكتور سعيد رمضان قادما من باكستان وقمنا معه برحلة إلى مدينة سوهاج لحضور احتفال كبير في أكبر المساجد في ذكري مولد الرسول صلي الله عليه وسلم واستقبلنا الإخوان وعلى رأسهم الإخوة الكرام الحاج عبد الحي الاخولي والحاج سعد الشاذلي ثم توجهنا لزيارة الإخوان في مدينة بني سويف لحضور لقاء الاحتفال بذكري مولد الرسول صلي الله عليه وسلم وقد استقبلنا الإخوان هناك أحسن استقبال .

4- ابني محمد فداء الدين . في ذمة الله

كان ابني الوحيد محمد فداء الدين الذي توفي في يناير 1950 لم يتجاوز الثانية من عمره يملأ على أمه وقت فراغها في وحدتها وغربتها , فهي دائما تغذيه بألبانها وتلاغيه بأعذب ألحانها يعوضها عن سفرياتي ورحلاتي فتسمع به صوتا مع صوتها وحركة مع حركتها فتأنس بت ويأنس بتا شغلها عني وشغلتها بت لأجد وقتا للوفاة للدعوة ومرض فداء ولم يمهله سوي أيام , وذات مساء كانت أتهيأ للسفر إلى الأسكندرية لحضور جلسة ( محمد مالك) ولكن قضاء الله نفذ وفاضت روحه بين يدينا – وإنا لله وإنا إليه راجعون – فكان يوما حزينا أليما حيث واريناه التراب في مقبرة الأخ الوفي الحاج محمد النشار رحمه الله تعالي .

وبعد عامين أو يزيد قضيناها في أسيوط في رحاب الإخوة الكرام وبعد وفاة ( فداء الدين ) فكرنا أن نعود إلى الأسكندرية التي حيل بيني وبينها طويلا وتقدمت بطلب لإدارة سلاح الصيانة برغبتي هذه – وبعد أيام جاءت الموافقة – وجاء معها شعور يسعي بالحزن وينذر بالفراق .. فراق الإخوة الذين أحببناهم وعشنا معهم وعاشوا في قلوبنا عشنا معا فترة قاسية شديدة وفترة تفتحت فيها القلوب للدعوة وبدأت تؤتي ثمارها ليس من السهولة أن تفترق بعد أن تجاوبت المشاعر ولكن لابد من الفراق رغم كل اشتياق والأخ المسلم في هذه المواقف مشدود بين عاطفتين عاطفة يفارق بها إخوة وعاطفة يستقبل بها إخوة – فهو في الأمرين سعيد بدعوته التي جمعت له هذه القلوب على إيمان عميق وحب وثيق .

حب العقيدة

وبهذه المناسبة والحديث عن عواطف الحب – يهمني أن أبرز صورة من صورة الحياة التي عشناها بين زملاء في الاخدمة العسكرية زهاء خمسة عشر عاما – لأقرر أن هذه المدة الطويلة من حياتي التي قضيتها بينهم لم تترك لأحد منهم في نفسي من الحب مثلما تركت الميادين والمجالات العامة خارج حدود حياتي في القوات المسلحة .. اللهم إلا قلة قليلة من الذين استجابوا لنداء الله تعالي فهؤلاء لا زالوا على العهد .

ولعل هذا التفاوت في المشاعر والتجاوب بالحب – يعود إلى طبيعة الوظيفة الجافة الاخالية من الروح – المحاصرة بالأوامر والنواهي المتربصة للخطأ والعقاب المتناقضة والمتباغضة باختلاف الرتب التي يسخر بعضها بعضا في غير حب ولا مرحمة وبهذا تنتفي وتتباعد القلوب .

ولقد كانت حرب اليمن أصدق شاهد على ذلك فقد روي أن الجندي حين يسقط إلى جوار أخيه وقبل أن يلفظ أنفاسه وهو لا يزال حيا يسمع ويري – فإن زميله في السلاح الذي كان منذ لحظات يبتسم له ويأكل معه – هذا الزميل يسرع إلى أخيه الذي هو في الرمق الأخير فيسلبه ساعته ويسلبه متاعه .

ذلك كله لغياب العقيدة فلا أخوة ولا حب ولا إيثار .. بل ضعف وسفه وخيانة ومرارة وهزيمة .

في أسيوط

مواقف في أسيوط

دعي الإخوان ذات يوم لحضور حفل قران أخ لنا في أسيوط واتفقنا على أن نلتقي في صلاة العصر في المسجد الكبير وذلك لقربه من مكان الحفل وتوافد الإخوان على المسجد فوجدناه مغلقا على غير ما تعودناه وتجمهر الناس والإخوان أما المسجد . وقد تأكد لنا أن إمام المسجد حين بلغه أن الإخوان سيحضرون في صلاة العصر أمر الفراشين بإغلاق المسجد .

وذهبنا إلى مسجد آخر وأدينا صلاة العصر , ثم توجهنا إلى الحفل وتحدث بعضنا مهنئن العروسين الكريمين, واتفقنا على أن نلتقي في مسجد المجذوب في صلاة المغرب وهناك بعد أداء الصلاة وقف احد الإخوة وشرح للمصلين الموقف الذي حدث من إمام المسجد الكبير ورفع الناس أصواتهم بالاحتجاج وشارك إمام مسجد المجذوب الناس غضبهم وبعد ذلك خرجنا لنصلي العشاء في مسجد جلال الدين السيوطي وبعد صلاة العشاء وقف الأخ وشرح للناس ما حدث من إمام المسجد الكبير وهاج الناس ولكن غمام مسجد السيوطي طيب خاطرهم ووعدهم بأنه سيقوم بمعالجة الموقف الذي حدث .

وذاع أمر إمام المسجد الكبير بين الناس حتى بلغ مسامع رجال وزارة الأوقاف وفضيلة المرحوم الشيخ أحمد شريت مفتش الوعظ في أسيوط .

واستدعي الشيخ للتحقيق معه واستدعينا الفراشين الذين ذكروا الحق كل الحق وأسقط في يدي الشيخ الذي اتهم الإخوان بأنهم كانوا يعتزمون الاخروج بمظاهرة كبري وخشي على مركزه من أن يتهم بمشاركتهم وأخيرا تقرر نقله من هذا المسجد إلى مسجد آخر .

إسطبل عنتر


دعا الإخوان في أسيوط إخوانهم لرحلة إلى إسطبل عنتر الذي يقع في أعلي الجبل شرقي أسيوط بينما تقع مقبرة أهالي أسيوط في سفح هذا الجبل كما توجد في هذا الإسطبل بعض آثار قدماء المصريين وكذا بعض المومياء الجافة المحنطة وهذا الإسطبل عبارة عن طريق محفور داخل الجبل يقال أنه يوصل إلى مكان خارج المدينة وبعد أن شاهدنا هذا المكان التاريخي جعلنا المقابر في طريق عودتنا وعندما وقفنا أمام المقابر لنستلهم العبرة ونتذكر الموت في تبتل وخشوع راعنا أن نجد جثث بعض الأموات ملقا خارج المقابر نزعت عنها أكفانها في صورة بشعة للغاية وإلى جانب أنها مؤثر ة فهي مخزية ومحزنة أفقدتنا الصواب ولقد كانت بعض الجثث لأطفال قد نهشتهم الكلاب الضالة التي تجمعت بأعداد كبيرة .

وعدنا إلى أسيوط وانتشرنا في المساجد ننبه الناس إلى هذه المأساة ونستحثهم لإنقاذ الموقف وبعد الصلاة توجهت وفود المصلين إلى دار المحافظة التي أزعجت رجال المن فقاموا على الفور بمعاينة المكان وقبضوا على مجموعة من ( الحانوتية) وخفراء المقابر حتى تمكنوا من القبض على المجرمين الذين كانت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة ثم وضعوا داوريه من رجال البوليس لتنتشر في المقابر للمحافظة عليها وبهذا استطاع الإخوة في أسيوط أن يشاركوا في الاخدمة الاجتماعية وأن يعيشوا مع الشعب في مشاكله .

إلي الأسكندرية

يوم الفراق

وجاء يوم الفراق وتحدد موعد السفر إلى الأسكندرية وعلى محطة السكة الحديد التي نزلت فيها منذ ثلاث سنوات ولا أحد في انتظاري أري اليوم جمعا كبيرا من الإخوة الأحباب على رأسهم الأساتذة " فهمي أبو غدير وأحمد بالغ ومحمد سالم والحاج محمد النشار " فضلا عن هذا الشباب الذي آمن بالدعوة وربط الله بين قلوبنا برباط الإخوة في الله والحب فيه وغيرهم من الذين تآلفت أرواحنا وقلوبنا معهم فعز علينا الفراق كما حضر بعض الإخوة الفضلاء من زملاء العمل وبينما كانت الأبدان تتعانق كانت القلوب تهتف بالحب في الله والأرواح تتنادي بالثبات على طريق الله . وتحرك القطار وبعد عن الأنظار وجلست أستعيد هذا المشهد الكريم الذي صنعته دعوة الإسلام .

هكذا يكره الأخ المسلم على النفي خارج الحدود التي يحيها اضطهادا وتشريدا فيذهب إليها وحيدا فريدا تترقبه وتحاصره العيون فلا يلبث أن تنهض بت عقيدته وتستصرخه دعوته فيشق إلى الله سبيلا يبلغ بت الدعوة ويجمع بت القلوب ويتخطي القيود والسدود .

والاضطهاد والتشريد في سبيل الدعوة هو في الواقع حركة وامتداد وحياة بل لو لم يكن لعاشت الدعوة محدودة المكان والزمان محدودة الوسائل والبدائل معزولة عن التطورات الحركية والفكرية والسياسية باعتبارها دعوة عالمية .

وفي محنة عام 1948 هرب إلى المملكة الليبية ثلاث من الإخوان هم " الأستاذة عز الدين إبراهيم ومحمود الشربيني وإبراهيم سعده " واستقبلهم الملك إدريس السنوسي واستضافهم في قصره واعتذر عن تسلميهم إلي حكومة مصر .

فكانت هجرتهم فاتحة خير على الدعوة , ذكرتهم الصحف والمجلات والإذاعات, وسار أمرهم حديث جميع الناس , وبهذا تعرفوا على دعوتهم من خلال محنتهم وبدأت لدعوة الإخوان المسلمون في ليبيا مدرة وحركة ثم غادرها الإخوة إلى بريطانيا فكان لهم أثر كبير في التعريف بالدعوة والعمل على نشرها هناك بين المسلمين من شتي أنحاء العالم .

وجاءت محنة 1954 التي ذاع أمرها في جميع أنحاء العالم حيث سخر لها عبد الناصر كل وسائل الإعلام المحلية والعالمية وكانت قد رشحوا لبعثات خارجية وبينما كانوا يدرسون في الاخارج حلت بالإخوان محنة 1954 فصدرت ضدهم أحكام بالسجن لمدد أقلها عشر سنوات حيث كانوا جميعا أعضاء عاملين في جماعة الإخوان .


وحين بلغتهم الأحكام الصادرة ضدهم رفضوا العودة إلى مصر وظلوا إلى يومنا هذا يعيشون في الاخارج وفتح الله تعالي عليهم أبواب رحمته فكان الدكتور عبد الناصر رئيس قسم بجامعة الكويت والدكتور علي المحجري يحتل مركزا كبيرا في ألمانيا والدكتور مصطفى فهمي أستاذا بجامعات إنجلترا والدكتور محمد منصور مدر جامعة سويسرا والمهندس محمد شرف الدين وغيرهم وقد وفق الله الإخوة الفضلاء فأقاموا المراكز الإسلامية المختلفة حتى تركوا آثارا طيبة وعظيمة في كل المجالات ولا يزال جهدهم وجهادهم متواصل .

ومن ثم فإننا معاشر الإخوان من أشد المسلمين إيمانا بأن الله لا يصنع لدعاته إلا ما فيه الاخير والرشاد .

( وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)


الأسكندرية

عدت إلى الأسكندرية ذلك الثغر الجميل الذي ما يلبث أن يعيش فيه أى إنسان حتي يستريح إليه فقد جمعت الأسكندرية بين القديم والحديث في تناسق وألفة فلا يشعر الإنسان بالفوارق الصارخة ولا سيما بعد أن نزح عنها الأجانب فالأهالي هناك متعارفون متقاربون ففي أية منطقة أو حي من ألأحياء تجد لك من المعارف والأصدقاء الأمر الذي تشعر معه بأنك لست غريبا أو وحديا , وطبيعة الشعب السكندر طبيعة ساحلية تفرض عليه النشاط أو الحركة وطرافة النكتة والحاة هناك متجددة حيث يدخل عليهم السياح بمختلف المظاهر والفنون والتجارة وكانت الأسكندرية مؤئل الأدباء والشعراء ونوادي الأدب في الأسكندرية لها تاريخ حافل.

عدت إلى الأسكندرية للمرة الثانية في منتصف عام 1951 وكانت المرة الأولي عام 1944 حين عدت من أداء فريضة الحج 1943 واستقبلت في المكتب الإداري للإخوان المسلمين في شارع الإسكندراني في محرم بك وهي أول دار تفتح بعد أن أسقط الإخوان الأمر العسكري بحل الجماعة وهي دار فسيحة ومنظمة وقد دعيت لزيارة معسكر جوالة الإخوان في المندرة وقد أعاد إلى ذاكرتي معسكرات الإخوان في هذا المكان أو هذه الصحراء من الرمال منذ كانت الفرق الأجنبية تجاوزنا وتتعاون معنا في استحضار المياه العذبة ثم قاموا هم بعد ذلك ببناء دورة مياه للمعسكرات .

انتخاب الدكتور مصطفى عبد الله رئيسا للإخوان بالأسكندرية

وكان الإخوان بالأسكندرية قد استعادوا نشاطهم نظموا أنفسهم ثم دعوا إلى إجراء انتخاب لاختيار رئيس للمكتب الإداري ورشح الأستاذ مختار عبد العليم الدكتور مصطفى عبد الله نفسيهما وتكونت لجنة لإجراء الانتخابات طلبوا مني رئاستها على أن يقوم نقباء الأسر في الشعب المختلفة بالاختيار مفوضين من قبل إخوانهم وبعد فرز الأصوات نال الدكتور مصطفى عبد الله أكثر الأصوات. وكان نجاح الدكتور مصطفي مفاجأة للجميع وقام الأستاذ مختار بروح إسلامية كريمة وقدم الدكتور بكلمة رقيقة متمنيا له كل التوفيق والسداد والرشاد .

وأرسلنا نتيجة الانتخاب إلى المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة وجاء رد مكتب الإرشاد بالاعتراض على الإجراء الذي يتم حيث أن اختيار رئيس المكتب الإداري من اختصاص مكتب الإرشاد ويكون ذلك بالتعيين وليس بالانتخاب ومع هذا فقد صدق فضيلة المرشد على هذه النتيجة تحقيقا لرغبة الإخوان بالأسكندرية وأثارت هذه الواقعة ( فكرة اختيار رئيس المكتب الإداري بالانتخاب ) فعدلت اللائحة فيما بعد في المشروع الذي تقدم بها الشهيد عبد القادر عودة ولم يتم التصديق عليه بسبب حل الجماعة فيما بعد .

الإخوان وجماعة أنصار السنة

حين صدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمون 1948 ومنعوا من مزاولة نشاطهم وضيق عليهم اتجه شباب الإخوان إلى مساجد جماعة أنصار السنة يمارسون فيها نشاطهم في الدعوة إلى الله تعالي حيث لم يصدر قرار بحل جماعتهم التي تلتزم قانونا بعدم التدخل في الشئون السياسية كما أن لها أسلوب خاص في الدعوة إلى الله يختلف عن أسلوب الإخوان المسلمون وشمول دعوتهم .

وحين ألغي قرار حل الجماعة وعادت إلى نشاطها عاد إليها بعض الإخوة الذين تأثروا بأسلوب جماعة أنصار السنة في الدعوة فكانوا دائما مشغولين بحماس شديد بتحريم الصور والحديث عن حكم لبس الذهب للرجال وزيارة القبور ومثل هذه القضايا التي تستولي على كل خطبهم ومناقشاتهم وفتحوا بذلك باب للمناقشة والجدال استغرقت جهود الإخوان داخل الدار وخارجها ثم حاولوا بعد ذلك أن يفرضوا واحد منهم ليكون عضوا في المكتب الإداري للإخوان وظهر من كل ذلك رغبتهم في السيطرة على الشعبة !.

وعاش الإخوة مع هؤلاء فترة من الصراع الفكري تجلي فيها اختلافنا معهم في التصور والسلوك حتي أن الإخوان لم يجدوا بدا من مواجهتهم بصراحة ووضوح بأننا هنا في دار الإخوان المسلمون المحددة أغراضهم ووسائلهم وتعاليمهم وشمول دعوتهم فمن كان يؤمن بما يؤمن بت الإخوان فهو منهم ومن كان يؤمن بأفكار غير أفكارهم فعليه أن ينصرف إلى المحيط الذي يتلائم مع أفكاره وأوضحنا لهم أننا لن نسمح في دارنا لمن يخالف اتجاهنا بإحداث مثل هذه البلبلة الفكرية اللهم إلا إذا كان يريد أن يفهم دعوتنا فما علينا حينئذ إلا أن نفتح له قلوبنا حتي يفتح الله بيننا وبينه بالحق وبهذا التحديد فدارنا مفتوحة لجميع المسلمين .

وأوصد بعد ذلك هذا الباب وانطلق الإخوة يؤدون رسالتهم دون مراء أو إضاعة للوقت فيما لا يجدي ولا يفيد ورغم أن الإخوان لا يتعرضون لغيرهم من الهيئات أو الجماعات بتجريح أو تعويق تاركين لكل مسلم أن يوازن بين المبادئ والمناهج وأسلوب العمل وعلى كل مسلم أن يضع نفسه في المكان الذي يهتدي إليه دون إكراه ورغم أن هذا هو منهج الإخوان في الدعوة والتربية , فإن بعض الجماعات الإسلامية لا تستريح لوجود الإخوان المسلمون في ميدان الدعوة مع أن الإسلام يدعو للحب والتآلف والوحدة ( وتعاونوا على البر والتقوي ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) ولا تزال الأيام والأحداث تعمل عملها للتقريب بين الجماعات الإسلامية حتي تتوحد الجهود لخدمة الإسلام والمسلمين .

الشيخ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية

ولد رحمه الله بقرية جزيرة نكلا العنب التابعة لمركز شبراخيت في 1310هـ الموافق 1892م وكان والده الشيخ سيد أحمد عبده الفقي زميلا في الدراسة في الأزهر للإمام محمد عبده ولم يتم والده الدراسة بالأزهر . أما والدته فقد كانت السيدة الوحيدة في القرية التي تحفظ القرآن الكريم وتجيد القراءة والكتابة فكان بيته بيت علم وانقطع منذ تخرجه لخدمة القرآن وقد أنشأ جماعة أنصار السنة المحمدية عام 1924 واتخذ لها دارا في حي عابدين بالقاهرة . وقد توفي – رحمه الله – في عام 1959 عقب عملية جراحية .

شعبة الجهاد

كان للإخوان المسلمين بالأسكندرية شعبة تسمي ( شعبة الجهاد) إشقاقا من معني الجهادية حيث أنها تكونت من الإخوة في سلاح الصيانة المسمي الآن بسلاح المركبات وحين عادت الجماعة كان لزاما أن تعود شعبة الجهاد إلى نشاطها , وبدأت الانتظام في لقاء مساء الاخميس من كل أسبوع بدار شعبة محرم بك لسماع محاضرة إسلامية من أحد الإخوة وكثير منهم يحضر بملابسه العسكرية ويتضمن نشاط هذه الشعبة إلقاء خطب الجمعة في مساجد وحدات الجيش كذا إلقاء محاضرات في المناسبات الإسلامية ودعوة الزملاء لحضور محاضرات الشعبة وانضم كثير من الإخوة في الوحدات بصورة دعت إلى تصنيف كل وحدة على حدة واختيار مندوب عنها ليكون حلقة اتصال فيما سمي بعد ذلك بقسم الوحدات .

اللواء أحمد المواوي – قائد حرب فلسطين – ينضم لجماعة الإخوان

قبل أن نتحدث عن موقف اللواء أحمد المواوي قائد حرب فلسطين من جماعة الإخوان المسلمون ورأيه في جهادهم في فلسطين يجدر بنا أن نعود إلى الوراء قليلا لنذكر بعض مواقف الإخوان تجاه قضية فلسطين حيث لم يكن اهتمام الإخوان المسلمون بالقضية الفلسطينية في حرب 1948 هو أول مظاهر اهتمامهم بالجهاد فقد سبق الإخوان إلى هذا الميدان منذ عام 1936 كل الجماعات حين ساهمت فى الجهاد بالنفس والمال والإضراب والمظاهرات وتوزيع المنشورات وكتاب (النار والدمار في فلسطين) خير شاهد على ذلك كما ساهمت في المؤتمرات التي حضرها قائد العرب حتي تكونت الهيئة العليا لتحرير فلسطين برئاسة محمد على علوبة باشا .

فالإخوان يصدرون عن موقفهم هذا من وحي عقيدتهم الإسلامية فهم يعلنون – من أول يوم – أن غايتهم هي ( تحرير الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية) ولهذا فهم يعنون بالقضايا الإسلامية لكل أوطان المسلمين على السواء دون تفرقة أو تفريط لهذا كان جهادهم على أرض فلسطين هو جهاد في سبيل الله والإسلام فكل شبر يعيش عليه مسلم يقول لا إله إلا الله فهو من لب أوطان المسلمين مهما اختلفت اللغات والألوان. لهذا فطريق الإخوان المسلمون واضح من أول يوم هتفوا فيه ( الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمي أمانينا ) ودخل الإخوان بمجاهديهم حرب فلسطين عام 1948 عقب قرار التقسيم على هذه العقيدة وبهذا الفهم الواضح الجلي وحين دخلوا هذه الحرب دخلوها تحت راية واضحة محددة هي راية لا إله إلا الله محمد رسول الله فهم لم يحاربوا في سبيل دنيا ولا لإرضاء أحد مهما كانت مكانته ولا في سبيل مغنم أو غرض دنيوي ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ولهذا أبلوا بلاءا حسنا تشهد لهم بت الدنيا كلها وكانوا مخلصين لله في كل خطوة وفي كل نبضة يعترف لهم بذلك اليهود أنفسهم ومن تركهم الإخوان على أرض فلسطين من شهداء كرام بررة .

وأنا حين أتحدث عن شهداء الإخوان المسلمون لا أنسي أن أسجل بعض الأسماء العزيزة علينا من الذين استشهدوا على أرض فلسطين من إخوان الأسكندرية أمثال الإخوة عبد الرحيم عبد الحي علي صبري محمود مجاهد , عثمان بلال .

فقد خرجوا يطلبون النصر أو الشهادة فاختار الله لهم احدي الحسنيين فكانت الشهادة جمعنا الله وإياهم في الجنة .

ولقد شهدا للإخوان العديد من الرجال بالكثير من مواقف الشرف والبطولة والإيمان نذكر منهم اللواء محمود فهمي نعمة الله قائد منطقة في فلسطين والعميد محمود رأفت والعقيد عبد الجواد طبالة الذي تولي القيادة بعد استشهاد البطل أحمد عبد العزيز .

ثم جاء دور اللواء ( فؤاد صادق ) الذي تولي قيادة القوات المحاربة في فلسطين بعد اللواء أحمد المواوي والذي شهد أمام محكمة الجنايات ببطولة الإخوان في فلسطين والذي طلب من قيادة الجيش المصري الإنعام على جنود الإخوان المسلمون فصدرت نشرة مايو 1948 وتبعتها عدة نشرات بالإنعام علهم وهم رهن الاعتقال بعد حل الجماعة في ديسمبر 1948 .

ثم يأتي بعد ذلك دور اللواء أحمد المواوي الذي اعتزل الاخدمة وعاد إلى الأسكندرية والتقي بالأخ الأستاذ مختار عبد العليم الذي تربطه بت صلة الموطن بالصعيد ويبدي رغبته في الانضمام لجماعة الإخوان المسلمون وفعلا حدد الإخوان بالأسكندرية يوما جامعا أقاموا فيه حفلا إسلاميا رائعا ألقي فيه اللواء أحمد المواوي خطابا بين فيه أسباب تأثره بدعوة الإخوان بصفة عامة وسبب انضمامه إلى جماعتهم بصفة خاصة وكان مما قاله أنه عاصر جنود الإخوان في الميدان عن قرب ولمس فيهم الاستعداد العظيم للتضحية والفداء وسرعة تلبية النداء كما راعه إقبالهم على التدريب وتحمل المشاق والصعاب بسعة صدر وانشراح نفس وعدم تقديم الأعذار .. بل التلبية السريعة لتنفيذ الأوامر بل إنهم كانوا كثيرا ما يستعجلون القتال وما دخلوا معركة من المعارك إلا ويسدد الله خطاهم ويمدهم بنصر من عنده ولم يكن اليهود يخشون أحد كما كانوا يخشون لقاء كتائب الإخوان وعلى الرغم من كثرة المعارك التي خاضها الإخوان إلا أنه لم يؤثر عنهم التراجع أو الاخوف فضلا على أن اليهود لم يأسروا في كل هذه المعارك واحدا من الإخوان رغم أن هؤلاء الإخوان لم يسبق لهم التدريب في المدارس العسكرية لم يدرسوا التكتيك العسكري ولم يتخرجوا في الكليات العسكرية ومع هذا كله فقد تفوقوا في جميع المعارك التي خاضوها وسجلوا أسماءهم في سجل الأبطال , كما ذكر اللواء المواوي بعض المواقف العظيمة التي سجلت للإخوان وذلك عندما استعان بهم الجيش لاستكشاف مواقع اليهود وفتح ثغرات في مستعمراتهم فأدوا مهمتهم القتالية على أفضل ما يكون وكانت الأنباء تأتيه مصورة بطولاتهم مما أثار انتباهه وجعله حريصا على لقائهم وأشار في كلمته إلى عظمة التربية الإخوانية التي يعود الفضل فيها إلى تعاليم الإسلام الذي جعل هذه الجماعة تعيد إلينا تاريخ السلف الصالح وفي نهاية الحفل شكر الإخوان على حسن استقبالهم وتمني لهم التوفيق في أداء رسالتهم الإسلامية .

الأستاذ سيد قطب

حضر إلى دار المكتب الإداري للإخوان المسلمين بالأسكندرية الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ سيد قطب والتقي بالإخوة في الدار للحظات قصيرة وقد وجهنا إليه دعوة لإلقاء محاضرة بالدار فقال إنه لا يمانع في ذلك وليس عنده في الأسكندرية إلا يوم واحد ثم غادرها إلى القاهرة فقلنا لا مانع من أن تكون المحاضرة غدا إن شاء الله تعالي . فنظر إلينا في دهشة وقال وكيف توجهون الدعوة إلى الإخوة في هذا الوقت الضيق فقلنا له إن هذا أمر بسيط جدا فوافق على الفور .

وفي الموعد المحدد لإلقاء محاضرة بالدار فقال إنه لا يمانع في ذلك وليس عنده في الأسكندرية إلا يوم واحد ثم يغادرها إلى القاهرة فقلنا لا مانع من أن تكون المحاضرة غدا إن شاء الله تعالي . فنظر إلينا في دهشة وقال وكيف توجهون الدعوة إلى الإخوة في هذا الوقت الضيق فقلنا له إن هذا أمر بسيط جدا فوافق على الفور.

وفي الموعد المحدد للإلقاء المحاضرة حضر الأستاذ سيد وتعذر عليه الدخول لكثرة الإخوان وازدحام الدار بهم مما لفت نظره وأبدي سروره لهذا النظام وبعد أن قدمناه إلى الإخوة تقديما متواضعا وقف يتحدث وصوته لا يبلغ الأسماع ولم نكن قد أعددنا مكبر صوت لذلك جعلنا المنصة في منتصف المكان وتحدث الأستاذ سيد قطب ما شاء له أن يتحدث والعيون شاخصة والأسماع مرهفة فقد كان حديثه يتصل بالمعاني القرآنية التي تكاد تسمع لأول مرة بهذا النور المشرق وهذه الروح النوارنية وسبح بالإخوة في مجالات شتي من علم الاجتماع والسياسة والاقتصاد مستلهما كل ذلك من كتاب الله تعالي دون أن يحمل المعاني أكثر مما تحتمل وفي ختام اللقاء جلس يرد على بعض الأسئلة والاستفسارات ثم غادر دار الإخوان محفوفا بكل عواطف الحب والتقدير والاحترام .

منطقة الجمرك

تعتبر شعبة رأس التين بمنطقة الجمرك أقدم شعبة في مدينة الأسكندرية حيث بدأت الدعوة من منزل الحاج محمد الشربيني برأس التين 1935, وشعبة رأس التين هي التي أطلق عليها فيما بعد شعبة الجمرك وهذه الشعبة كانت من أنشط الشعب في الأسكندرية وخاصة بعد اجتياز الجماعة محنة 1948 حيث قام الإخوان باستئجار شقة جديدة بشارع إسماعيل صبري وأتموا تجيزها على مستوي لائق ونظيف وكان على رأس هذه الشعبة مجموعة من الإخوة الكرام عبد المنعم أمين وأحمد محمود حيدر ومحمد حمام وخيري السيد وغيرهم وبدأت الشعبة نشاطها بافتتاح قسم للطلاب وقسم للجوالة وقسم للأخوات المسلمات كما كانت الشعبة تحظي بزيارة العالم الجليل المرحوم الشيخ عبد العزيز بلال .

وتتميز شعبة الجمرك بروح الإخوة الصادقة المتعاونة التي تجعلهم لا يطيب لهم عيش في منازلهم فكانوا دوما في الشعبة وفي لقاءات عمل لا تهدأ مع إخوانهم في الأسر أو من خلال الزيارات والرحلات والشعبة دائما كانت تعيش على الجديد من المعاني والأفكار .

وقد اختارني الإخوان رئيسا لمنطقة الجمرك الأمر الذي أسعدني لأنني نشأت أول ما نشأت في رحاب الإخوان بشعبة رأس التين عام 1936 في منزل الأخ الأستاذ عبد المنعم محمد الشربيني ولما كانت صلتي بالإخوة في منطقة الجمرك صلة حب عميق فقد أتاحت لى هذه العاطفة التي تربط بيني وبين إخواني في هذه المنطقة التي تمتد لتشمل شعبة الحجازي والنفوشي والسكة الجديدة واللبان فرصة عظيمة للتعاون الوثيق والعمل الجاد . وسرعان ما عملنا على وضع تخطيط مرحلي مدروس أسميناه مشروع السنوات الاخمس وكان ممن الضروري أن تكون لنا دار تتسع لنشاطنا الذي أخذ يتزايد باستمرار بسبب إقبال الناس وخاصة الشباب على الدعوة ومن هذه الدار سيكون مركز الانطلاق وكان لابد من أن نحدد منطقة الجمرك على النحو التالي : امتداد شارع السبع بنات شرقا إلى كورنيش البحر وكل المنطقة التي تقع من ساحل الأنفوشي من الجهة البحرية إلى شارع السبع بنات تعتبر منطقة الجمرك التي تقوم عليها الدراسة .

وفعلا تم شراء قطعة أرض على ماسحة كبيرة تقدر بخمسمائة متر مربع في شارع متفرع من شارع التتويج من أملاك عائلة الميلادي وسرعان ما تبرع الإخوة لسداد ثمن الأرض وبالفعل بدأ وضع أساس هذه الدار على أن يكون بتا في الدور الأرض صالة محاضرات وفي الدور الثاني مستوصف خيري وفي الدور الثالث دار شعبة الجمرك .

مشروع الأخ الواحد

وكان مما جاء في الاخطة سالفة الذكر ما يسمي بمشروع الأخ الواحد ويتلخص هذا المشروع في أن يتعهد كل أخ بأن يعمل على ضم أخ جديد على الأقل في العام الواحد ولا يعتبر الأخ الجديد من الإخوان إلا بعد أن يفهم الدعوة ويمارسها ممارسة فعالة بصورة فردية أو جماعية وذلك باختلاطه بالإخوان في نشاط الشعبة واطلاعه على رسائلهم ومعرفة غايتهم فضلا عن تمسكه بالقيم والأخلاق الإسلامية وحينئذ يمكن اعتباره عضوا في جماعة الإخوان المسلمون .

ومن ثم كان على قسم الطلاب في الشعبة أن يقوم بالتعرف على جميع زملائهم القاطنين بهذا الشارع ثم يقومون بعد ذلك بتصنيفهم ودعوتهم إلى المحاضرات العامة في الشعبة ثم يقومون بزيارات فردية لهم في حالة نجاحهم أو مرضهم أو غيابهم يحملون لهم الهدايا ثم يتوسعون بعد ذلك فينظمون رحلات ترفيهية ويساعدون من يتخلف من هؤلاء في دراسته وهذه خلاصة مهمة قسم الطلاب .

أما الإخوة العمال والتجار فإن مهمتهم أيضا تسير على نفس المنوال بالأسلوب الذي تفق مع كل فئة وكل مجتمع بيئة بحيث يوضع للعمال والتجار منهج معين للاتصال بزملائهم بالأسلوب المناسب ويكون ذلك عن طريق إهداء رسائل الإخوان أو وضعها في طريقهم كصالونات الحلاقة أو المقاهي والحرص على أن يقوم الإخوان بالشعبة بشراء كل مستلزماتهم الأسرية من البقالين في هذا الشارع حيث يشعرونهم بالتجاوب معهم كذا الاتصال بهم في كل المناسبات كالأفراح وغيرها من المناسبات كالأعياد الإسلامية أو نجاح أولادهم أو زيارة مرضاهم أو مواساتهم .

أما الأخوات المسلمات فواجبهن أيضا يحتم عليهم الاتصال بالطالبات والنساء في المنازل وتحدي موعد أسبوعي لمحاضرة تلقي عليهم في الشعبة ومعرفة أحوالهن ومساعدتهم ما أمكن في كل الأحوال التي تتطلب المساعدة شرعا وإهدائهن الكتب والرسائل التي تساعدهن على فهم الإسلام ورسالته في الأسرة.

وعلى فرق الجوالة والكشافة بالشعبة عمل رحلات سياحية في المدينة وخارجها ودعوة الشباب لمصاحبتهم وعلى الشعبة أن تتحمل بعض مصاريف هذه الرحلات التي تخدم الدعوة حيث تمكن الشباب من الحياة في جو إسلامي وممارسة السلوك الإسلامي الذي يعمق المفاهيم والقيم الإسلامية في نفوسهم وأرواحهم .

المكتبات المتنقلة

كما كانت هناك فكرة في تكوين مكتبات متنقلة تتلخص فكرتها في أن يكلف أحد الإخوة بالذهاب إلى المتنزهات بعد انتهاء عمله اليومي ومعه عدة كتب إسلامية إخوانية يضعها في شكل ( فاتريتة ) ويسح لكل جالس في المتنزه أن يستعير منها ما يشاء وبعد قراءتها يردها للمكتبة وإن شاء استبقاها معه . وهذه الفكرة لم يتحقق حيث قامت الدولة بحل الجماعة قبل أن تكتمل هذه المشروعات كما قامت بالاستيلاء على أرض دار الشعبة التي لم تستكمل بعد والتي كانت قد سجلت باسم فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين .

حديث للمستشار أحمد بك كامل في أخبار اليوم

نشرت جريدة أخبار اليوم في أحد أعدادها تحت عنوان :( كنت أحاكمهم فأصبحت منهم ) حديثا للمستشار أحمد بك كال بعد أن أنهي مدة خدمته في سلك القضاء وكان ذلك بعد أن أنهي حيثيات الحكم في قضية سيارة الجيب – وهي إحدي القضايا الكبرى في تاريخ الإخوان المسلمون .

وكان المستشار أحمد بك كامل رئيسا لمحكمة جنايات القاهرة التي نظرت قضية سيارة الجيب, وكان أعضاء المحكمة المستشار محمود عبد اللطيف والمستشار محمد زكي شرف وممثل النيابة الأستاذ محمد عبد السلام رئيس نيابة استئناف القاهرة , وكانت القضية رقم 3394 الوايلي عام 1950 والمتهم فيها 32 من الإخوان , وانضم للإخوان بالأسكندرية وأصبح رئيسا للشعبة القانونية .

النحاس باشا يلغي معاهدة 1936

بعد أن حمي وطيس الحركة الوطنية في مصر بعودة جماعة الإخوان المسلمون إلى الميدان بعد غيبة طويلة فقد سبق أن حملوا أعباء الدعوة إلى جلاء القوات البريطانية في صور مظاهرات وإضرابات ومنشورات وشارات الجلاء وحرائق في الميادين للصحف والمجلات الإنجليزية وتحطيم اللافتات المكتوبة بغير اللغة العربية وساهم طلاب الجامعات بالقسط الكبير في التصدي لمعاهدة صدقي بيفن التي سقطت وسقط معها صدقي باشا .

وحين عاد حزب الوفد إلى الحكم كان الشعور العام مشحونا بالمطالب الوطنية بجلاء الانجليز وكان لابد من إجراء وطني حاسم يلبي هواتف الشعب نحو التحرر من الاستعمار والاخروج من مأزق الكلام إلى ساحة العمل .

وفي الثامن من أكتوبر 1951- أعلن مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة وزعيم حزب الوفد إلغاء معاهدة 1936 التي وقعتها مصر مع بريطانيا عام 1936 وكان إلغاء المعاهدة من جانب مصر وحدها وقال النحاس باشا أمام مجلس النواب ( من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها) .

الإخوان يجاهدون لطرد الانجليز

وهب الإخوان المسلمون ولم يضيعوا وقتا , وقبل أن تفتر الهمم انتفضوا يؤيدون هذه الاخطوة ويطالبون بالكفاح المسلح ضد الإنجليز أينما كانوا والتهبت مشاعر الأمة جميعا للجهاد ضد العدو المستعمر .

ولم تمض أيام حتي حدث صدام مسلح بين الإخوان والإنجليز في منطقة القنال تناولته الإذاعات الأجنبية في شتي أنحاء العالم ثم بدأت حركة التحرير بواسطة شبابا الجامعات من الإخوان وغير الإخوان – وبدون إذن الحكومة – واشتد الصراع الذي انفجر من خلال تنظيمات شعبية فقد أقدمت الحكومة على إلغاء المعاهدة دون أن تخطط لما سيكون بعد ذلك من تبعات أو يترتب على ذلك من خطوات , ولهذا فقد قامت مظاهرات صاخبة في كل مكان تطالب الحكومة بالسلاح والذي أنقذ الموقف ومسح عليه صورة من الجدية أن ساحات الجامعات في القاهرة والأسكندرية قد امتلأت بالمتطوعين الذين أقبلوا على التدريب بروح إسلامية عالية أدهشت الحكومة نفسها وفي معظم الجامعات كان الإخوان المسلمون هم أداة التنظيم والتدريب التي تدفع بالأمة إلى الجهاد .

في الأسكندرية

موقف الإخوان

من المسلّم بت أن الأسكندرية دائما في طليعة العمل الوطني والإسلامي , وحين أعلن النحاس باشا إلغاء معاهدة الشرف والكرامة كما كانوا من قبل يسمونها , أعلن الإخوان بالأسكندرية عن مؤتمر عام في مسجد " أبو العباس" بعد صلاة المغرب وهناك تناول الاخطباء تأييدهم الكامل لموقف الحكومة واستعداد الإخوان للتضحية والفداء في سبيل تحرير مصر الإسلامية من كل سلطان أجنبي وقام الإخوان بعد ذلك بمظاهرة ضخمة من المسجد إلى ميدان المنشية في نظام رائع ولقد كان من هتافاتهم التي هزت القلوب وأثارت الهمم ( الله معنا فالسلاح معنا ) ( تسقط بريطانيا السلفي) ( تحيا الثورة المسلحة) ( أخرجوا من بلادنا ) وقبل أن يصلي الإخوان إلى المنشية صدر الأمر بالانصراف بعد أن أعلنوا استعدادهم للجهاد ضد الاحتلال .

ولم يشأ الإخوان أن يكتفوا بالهتافات والمظاهرات , بل تقدم الشباب للتطوع في كتائب الإخوان لتحرير البلاد من الانجليز ولا زلت أذكر هؤلاء الشباب الذين خرجوا إلى القتال دون استئذان من أهليهم وتسببوا في مشاكل عائلية , حتي اطمأن أهلوهم أنهم يدافعون عن وطنهم في منطقة القنال , وفي معسكر جامعة الأسكندرية قام الشباب بالتدريب العملي على استعمال كافة الأسلحة الاخفيفة وتفجير القنابل والتدريب العملي على الحركات الرياضية الشاقة ن تسلق وجري ووضع المتفجرات الاخاصة بالأفراد والسيارات واستمر هذا المعسكر نشيطا لا يهدأ يستقبل أفواج المتطوعين من الطلاب ويعدهم ليكونوا دعامة للجهاد .

مظاهرة شعبية في الأسكندرية

وعلى أثر استشهاد مجموعة من الفدائيين بمنطقة القنال وكان منهم الأخوة أحمد المنيسي وعمر شاهين الطلاب بجامعة القاهرة وغيرهم تكونت بالأسكندرية لجنة من حزب الوفد وجبهة مصر وحزب مصر الفتاة والإخوان المسلمون للإنفاق على عمل مسيرة احتجاجا على البريطانيين واتفق في اللقاء على أن يقوم الإخوان بتنظيم هذه المسيرة حيث أنهم الهيئة الوحيدة التي لديها فرق جوالة تستطيع أن تحافظ على النظام وبدأت المسيرة من محطة الأسكندرية وجوالة الإخوان تحيط بها على هيئة ( كردون) وباقي الهيئات تستعرض وكأن جوالة الإخوان حرس شرف لها أو كأنها تقوم مقام رجل البوليس .

وتنبه الإخوان لهذه اللعبة التي حيكت لهم فأصدر قائد الجوالة أوامره إلى الإخوان , فانقسموا إلى قسمين وعددهم يقرب من الألف , قسم تقدم المسيرة في صفوف عسكرية نشطة في مقدمتها أحد الإخوان يحمل مصحفا شريفا يحيط به حرس شرف , وقسم آخر يسير في آخر المسيرة. وما أن فعل الإخوان ذلك حتي استحوذوا على مشاعر الشعب وإعجابه وتقديره وتعالت الهتافات من الجماهير بقوة ( الله أكبر ولله الحمد ) وخرج الإخوان بدرس لن ينسوه أبدا وأدركوا من خلال هذا الدرس أخلاق ونوايا الأحزاب التي تجيد المكر والاخداع في الوقت الذي لم تشترك فيه بصورة فعالة في حرب القنال ومع ذلك فهي تحاول دائما أن تتخطي العاملين المخلصين وتركب موجة الجهاد بما تصنعه من ضجة مفتعلة أو نفخة كاذبة كما يقولون لكن الحق لابد وأن يفرض نفسه فهذه الصحافة التي تذيع بطولات الإخوان وهذه بريطانيا تعلن عن مكافأة قدرها ( عشرة آلاف جنيه لمن يأتي برأس الشيخ محمد فرغلي قائد الإخوان بالقنال ) وهذا هو الأخ الشجاع خطاب السيد خطاب الذي قام بنسف مستودعات الذخيرة بمعسكرات الجيش الإنجليزي بالقنال وغير ذلك من الأسماء الكثيرة التي سوف يزاح عنها الستار يوم يكتب التاريخ بأمانة وصدق ووضوح وعسي أن يكون قريبا .

الاحتفال بتخريج فوج من المتطوعين بجامعة الأسكندرية

وفي السادس والعشرين من يناير 1952 أعلن معسكر الفدائيين بجامعة الأسكندرية عن حفل تخريج فوج من المتطوعين , وازدحمت ساحة التدريب بالقادمين من كل مكان وقام الإخوة المتطوعين بعمل استعراض عسكري رائع ثم ابتعدوا عن مكان المحتفلين وقاموا بمناورة بالذخيرة الحية ألهبت حماس الحاضرين, ثم ختموا الاستعراض بنشيد وطني , ثم قام الأخ الأستاذ حسن دوح زعيم طلاب جامعة القاهرة فألقي كلمة إسلامية حماسية رائعة .

وبينما كان الأستاذ حسن دوح يلقي كلمته سري بين هذا الجمع الحاشد تهامس يقول أن في القاهرة حريقا هائلا يأكل الأخضر واليابس بما سمي فيما بعد بحريق القاهرة في يناير 1952 ولم تمض لحظات حتي ذاع هذا التهامس وعلم بت جميع المحتفلين الذين خرجوا في نهاية الحفل في صمت وذهول .

فضيلة المرشد مولد الرسول صلي أقام الإخوان المسلمون بالأسكندرية سرادقا ضخما أمام محطة السكة الحديد على شمال الاخارج منها حيث كان الفضاء هناك واسعا وقد دعي لهذا الحفل فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي وعلى محطة السكة الحديد استقبل فضيلة المرشد استقبالا دون هتافات حيث رغب في ذلك ثم خرج من الصالون وصافح الإخوان فردا فردا وكان يلازمه الأستاذ المرشد يرتدي معطفا ثقيلا ويبدو عليه التعب وتعلو وجهه ابتسامة خفيفة , ثم توجه وبصحبته الإخوان إلى دار الإخوان بشارع الأسكندرية, وجلسنا معه نتحدث ولكنه كان قليلا ما يعلق على الحديث . وقبل أن يدخل وصحبه لتناول طعام الغذاء أعدت المائدة على نحو متواضع على غير ما كان بعض الإخوان يريدون وحيث لا توجد بالدار مناضد كافية فقد فرشت أكبر حجرة بالمشمعات ووضع الطعام على أرضها ثم دعي الأستاذ المرشد وجميع الحاضرين الذين كان منهم الأساتذة عبد القادر عودة وعبد الحكيم عابدين وسعيد رمضان كما حضر اللقاء اللواء أحمد المواوي والمستشار أحمد كامل وباقي أعضاء المكتب الإداري بالأسكندرية ولقد أسعدنا المرشد بهذا اللقاء وكان تعليق الجميع على تواضع الجلسة تعليقا طيبا . وبعد هذه الجلسة سقطت الكلفة بين الجميع وبدأت الأحاديث وفرضت النكتة اللطيفة نفسها واتسمت الجلسة بالانشراح والألفة وتحدث الأستاذ المرشد حتي أروي الجميع .

في حفل ذكري مولد الرسول

لقد كان يوما من الأيام الاخالدة في تاريخ الأسكندرية حيث توافد آلاف المدعوين على السرادق الكبير الذي أقيم أمام محطة السكة الحديد بالمدينة , وتعهد النظام في هذا الحفل جوالة الإخوان المسلمون بصورة رائعة بحيث لا تري واقفا وسط السرادق الذي أعد الإخوان فيه ثلاثة آلاف كرسي عدا المساحة الكبيرة التي أعدت للواقفين . ولقد كان من دقة النظام وروعته أن لكل مائة كرسي أخا يشرف على نظامها, حتي إذا بدأ الحفل بالقرآن الكريم انسحب الإخوة المنظمون من وسط السرداق بحيث لا يكون هناك أحد واقفا وكانت روعة هذا النظام من العوامل الكبيرة في راحة الناس نفسيا وبدأ الحفل بالقرآن الكريم ثم كلمة للأستاذ مختار عبد العليم فكلمة للأستاذ سعيد رمضان. وشاء الله تعالي أن تمطر السماء ولم يكن السرادق كله مغطي وخشي الإخوان أن ينصرف الناس قبل انتهاء الحفل ولكن الأستاذ سعيد رمضان طاف بالناس في ( روعة القرآن ) وسبح بهم في معانيه حتي عاش الناس في جو من السعادة الغامرة فلم يتحركوا من أماكنهم حتي توقف المطر ثم قام الأستاذ عبد القادر عودة وتحدث قليلا ليقدم فضيلة المرشد العام رحمه الله.

ووقف الأستاذ المرشد ليتحدث إلى أهالي الأسكندرية لأول مرة وتطلعت الجماهير بعواطف حية تستمع للرجل في صمت ورهبة , وكانت كلمات الأستاذ المرشد قليلة ولكنها هادفة ولقد كان مما قال إن جماعة الإخوان المسلمون يتطلعون إلى مستقبل أفضل لهذه الأمة في ظل إصرار الإخوان على مواصلة الجهاد في سبيل تحقيق أهداف الدعوة, وقال إن دعوة الإخوان لا ترمي إلى تطهير النفوس وإصلاح الأخلاق وتربية الأمة على منهج الإسلام فحسب ولكنهم يهدفون إلى إصلاح الحالة الاجتماعية لكل فرد في هذا الشعب فالإسلام يفرض لكل مسلم حق الحياة الكريمة في مسكن نظيف وملابس تقيه الحر صيفا والبرد شتاء والدولة مسئولة أن تقدم له العلاج مجانا وتفسح له طريقه غلى العلم والتعلم كما هي مسئولة عن أمنه والحفاظ على كرامته وتهيئة الجو الذي يساعده على الاستقرار . والمسلم الذي لا يجد قوته وقوت أولاده ويجد أن الدولة الذي تساعده على الاستقرار والمسلم الذي لا يجد قوته وقوت أولاده ويجد أن الدولة منصرفة عن الوفاء بحقه عليه أن الدولة منصرفة عن الوفاء بحقه عليه أن يجاهدها حتي يحصل إلى حقه الذي شرعه الله له.

واستقبل الجمهور كلمات الأستاذ المرشد بهتافات الإخوان المسلمون , وبعد أن أنهي فضيلة المرشد حديثه الدقيق وقف الأستاذ عبد القادر عودة وطلب من الحاضرين ( البيعة ) للأستاذ المرشد العام وبايع كل الحاضرين .

وبعد انتهاء الحفل عاد فضيلة المرشد إلى دار المكتب الإداري وجلس أعضاء المكتب الإداري في جلسة عمل استعرضوا فيها موقف الإخوان بالنسبة للظروف القائمة , وبعد ذلك تركنا الأستاذ المرشد وصحبه وفي اليوم التالي توجهنا إلى المحطة حيث ودعناهم جميعا إلى القاهرة وبدأت تعليقات الإخوان بعد ذلك حول شخصية الأستاذ المرشد والحديث معه وكانت وجهات النظر بالطبع لم تأخذ شكلها المستقر حيث كان الإخوة قريبو عهد بشخصية الإمام حسن البنا .

التجمع السريع

التجمع السريع حركة إخوانية جاءت رد فعل لما كان يحدث من مصادمات في مظاهرات الإخوان المسلمون مع رجال البوليس في المواقف الوطنية بخصوص المناداة بجلاء القوات البريطانية وغير ذلك .

فكانت المظاهرات حين تبدأ في التجمع بصورة طبيعية حسب العادة فإنها تستغرق وقتا يكفي لحضور قوات من البوليس وقوات الأمن المسماة الآن ( قوات الأمن المركزي) وفي هذه الحالة عادة ما تحدث مصادمات تصل إلى حد إراقة الدماء .. لهذا اهتدي الإخوان إلى فكرة ( التجمع السريع) وتتم هذه الحركة بأن تصدر تعليمات إلى نواب الشعب بخطاب أو أوامر شفوية يحدد فيها موعد التجمع بالدقيقة, ومكان التجمع بالتحديد , أو إشارة التجمع بالصفارة أو الهتاف أو غيرها مما يتفق عليه . وعلى أثر وصول الاخطاب إلى نائب الشعبة يقوم بدوره بالاتصال بالإخوة ويقوم كل أخ بسرعة الاتصال بإخوانه ويبلغهم التعليمات بدقة , وقبل موعد التجمع يكون كل أخ قد تواجد في مكان التجمع ويتجاهل كل من يعرفهم من إخوانه حتي لا يلفت الأنظار وخاصة أنظار البوليس السري المنتشرين في مثل هذه الأماكن الهامة .

وعند إطلاق الإشارة المتفق عليها يزحف هؤلاء الإخوة إلى مكان التجمع وفي لحظات يتم التجمع بسرعة ونظام وهدوء ويقوم الاخ المسئول عن التجمع بتوجيه تعليماته بشأن هذا التجمع فإذا كان مجرد مؤتمر خطابي لتوضيح رأي معين فإنه بعد الانتهاء من الاخطبة التي يتوافد عليها الناس من كل مكان حين تستهويهم حركة هذا التجمع وبعد أن تؤدي الاخطبة الغرض المطلوب فإن الأوامر تصدر إلى الإخوان بالانصراف, ويتم ذلك كله قبل تصدر إلى الإخوان بالانصراف , ويتم ذلك كله قبل أن تتهيأ قوات البوليس للحضور .

وسأذكر نموذجين من هذا اللون المسمي ( التجمع السريع ) للإخوان بالأسكندرية. أما النموذج الأول ففي الأيام التي هاجت فيها المشاعر الوطنية ضد الانجليز لإنهاء الاحتلال بالجلاء التام وعلى أثر انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء أعلنت بريطانيا الاحتفال " بيوم النصر " بعمل استعراض عسكري في لندن تشترك فيه كل حكومات البلاد التي تنضوي تحت الانتداب البريطاني ومنها مصر بقوات عسكرية رمزية وعلى أثر إعلان صدقي باشا رئيس الحكومة موافقته على اشتراك قوات رمزية من الجيش المصري في هذا الاستعراض أعلن الأستاذ المرشد العام الشهيد حسن البنا معارضته في أن تشترك مصر في هذا الاستعراض وقال كلمته المشهورة ( إن يوم النصر هو يوم خروج الإنجليز من مصر ) وأعلن استنكاره بالدعوة إلى الإضراب العام احتجاجا على بقاء هذا الاحتلال على أرض مصر بعد انتهاء الحرب .

وتأييدا لدعوة الأستاذ المرشد قام الإخوان بالأسكندرية بدعوة جميع الناس على اختلاف طبقاتهم إلى الإضراب في هذا اليوم وكانت روح الشعب متجاوبة مع نداء الإخوان ولكن صدقي باشا بعث برجال البوليس يحذرون الناس من الاستجابة إلى الإضراب ويهددونهم ويتوعدونهم إن هم استجابوا إلى هذا الإضراب .

وفي منطقة الجمرك على سبيل المثال صدرت التعليمات للإخوان أن يؤدوا صلاة الفجر في " زاوية جراد " على أن يكونوا بملابسهم كاملة ومعهم طعام الإفطار واستجاب عدد كبير فوق المائتين, وبعد أداء الصلاة انصرف الذين ليسوا من الإخوان وبقي الإخوان فقط ثم أغلق المسجد وبقي الإخوان في صمت تام ثم أذن لهم في تناول طعام الإفطار , وبدأ الأخ المسول يلقي عليهم التعليمات اللازمة لإنجاح المهمة التي سيكلفون بتا وتتلخص في أنه بعد استطلاع الأحوال خارج المسجد ستصدر لهم التعليمات بالاخروج من المسجد خماسي خماسي إلى شارع الميدان وهو أكبر شارع تجاري معروف بالأسكندرية وقريب من المسجد , وإمعانا في دقة التنظيم كان لزاما على كل خمسة يخرجون من المسجد الدخول في أحد الشوارع الفرعية المتفرعة من شارع الميدان حتي إذا امتلأت هذه الأزقة بالإخوان صاح أحد الإخوان يهتافهم الاخاص ( الله أكبر ولله الحمد) وحينئذ يخرج الإخوة جميعا من هذه الأزقة بصورة سريعة مرددين هذا الهتاف بقوة وحماس ويسيرون نحوه بخطوات نصف سريعة وبصورة ترهب وتخيف رجال البوليس وتدفع الناس إلى الإسراع في إغلاق محلاتهم .

وخرج احد الإخوة للاستطلاع حوالي الساعة التاسعة صباحا فوجد أن أغلب الناس لم يستجيبوا لنداء الإضراب وأن رجال البوليس قد ركنوا إلى الراحة التامة المطمئنة حتي أن السادة جلسوا يشربون الشاي ويتسامرون, فلم تكن هناك أى إشارة عن أى مظاهرات أو إضرابات .

وعاد الاخ ليعطي إشارة الاخروج , وخرج الإخوة فرادي حتي انتشروا في كل الأزقة وبينما الحالة هادئة جدا زأر أحد الإخوة بأعلى صوته ( الله أكبر ولله الحمد) فخرجت جموع الإخوان بسرعة وشجاعة تردد الهتاف الذي أفزع النماس فأسرعوا إلى إغلاق متاجرهم وأفزع رجال الأمن الذين اختل نظامهم وانفرط عقدهم وحيل بين جنودهم وبين ضباطهم فلم يستطيعوا أن يصنعوا شيئا بل لم تمكنهم من القبض على فرد واحد من الإخوان وشاع خبر المظاهرة بسرعة فأغلقت جميع المحلات قبل أن تصل إليها المظاهرة رغم أنها تكاد تكون مظاهرة بالاخطوة السريعة ولكن صدي هذه المفاجأة كان عاملا مخيفا حتي أن بعض التجار أغلق عليه بابه واتصل تليفونيا بحي المنشية التي أغلقت جميع محلاتها في الحال مما اضطر شركة الترام أن تصدر أوامرها بتخزين جميع التراموايات ويكفي بعد ذلك أن تقف كل المصالح وبهذا نجح الإضراب في منطقة غرب الأسكندرية وبمثل هذا كانت باقي المناطق حتي شمل الإضراب كل مدينة الأسكندرية .

مطاردة دولة صدقي باشا

وقد وصل إلى علم الإخوان أن دولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الحكومة الذي حضر إلى الأسكندرية بالذات ليتحدي قرار الإضراب, وتوجه إلى زيارة الملك فاروق بمستشفي المواساة , فقامت مجموعة من الإخوان بانتظاره حتي يخرج من المستشفي ولاحقوه بمظاهرة غاضبة أفزعته حتي عاد إلى القاهرة وتم القبض في هذا الحادث على بعض الإخوة وأوعدوا سجن الحضرة وبعد التحقيق أفرج عنهم لعدم ثبوت التهمة عليهم .

التجمع الثاني

وكان ذلك في عهد إسماعيل صدقي 1945 حيث كانت مصر غاضبة ما أسموه معاهدة صدقي بيفن , وعارض الإخوان هذه المعاهدة في صورة مظاهرات صاخبة واصطدامات دامية بين الشعب وبين قوات الإنجليز وخاصة في ميدان محطة الرمل , حتي أجبروا الإنجليز على الجلاء ليلا من وسط الأسكندرية وبينما كان الإخوان في اجتماع هام بدار المكتب الإداري بالأسكندرية لمناقشة الأوضاع بعد وصول رسالة هامة من القاهرة جملها الأخ الطالب محمود الساعي وكان هذا اللقاء بدار المكتب الإداري بشارع كنيسة دبانة , وبينما الإخوة مجتمعون إذا بقوات من البوليس تحت قيادة القائمقام ( زهران رشدي ) مدير القسم المخصوص " البوليس السياسي " يقتحمون مكان الاجتماع ويقبضون على أكثر من خمسين أخا ويسوقونهم إلى سجن الأجانب وكانت التهمة الموجهة إليهم هي (العمل على قلب نظام الحكم بالقوة) .

وبينما كانت قيادات الإخوان كلها فى سجن الأجانب , وجمع رجال البوليس بمناسبة يوم عاشوراء قد أخذوا إجازة من الطوارئ المستمرة إذا بمشهد رهيب ومهيب داخل ميدان محطة السكة الحديد بالأسكندرية .. فحين أشارت عقارب الساعة بميدان المحطة إلى السادسة تماما إذا بجموع من الشباب يرتدون ملابس مدنية يزحفون إلى الميدان تصاحبهم سيارتان من سيارات جريدة الإخوان المسلمون , ويهرع الشباب فيخلع الملابس المدنية ليكشف عن ملابس الجوالة تحتها وسرعان ما يأخذ كل واحد من الإخوة مشعلا من احدي السيارات ويشع فيها ملابسه المدنية ولا تمض لحظات حتي يصطف الإخوان الذين يزيد عددهم عن الألف صفوفا منظمة, ثم يطلب منهم أن يوقدوا المشاعل ويبدأ الطابور المهيب سيره من طريق شارع النبي دانيال أثناء خروج الجموع الغفيرة من المسارح والسينمات فيستهويها منظر التجمع السريع فتصاحب المظاهرة في طريقها إلى محطة الرمل لتجد قوات من البوليس هناك في حالة من الذهول , ثم قام الأستاذ أحمد السكري فألقي خطبة حماسية من شرفة مكتب الأستاذ أمين مرعي بشارع الغرفة التجارية وصار البوليس يحافظ على القاهرة ولا يعترض طريقها حتي وصلت إلى قصر سراي الملك برأس التين .

وعند قصر رأس التين, لم تطل الوقفة حيث تصادف أن الملك فاروق كان قد توجه إلى القاهرة لحضور جنازة أحد الأمراء الذي توفي في هذا اليوم وانصرف الإخوان بعد ذلك فرادي دون أن يمسهم سوء ولكن الأستاذ أحمد السكري قدم للمحاكمة بعد ذلك . وكانت هذه المظاهرة المفاجئة سببا قويا استغله المحامون أثناء دفاعهم عن الإخوة المحتجزين في سجن الأجانب حيث أثبتوا جهل رجال الأمن بموعد ومكان خروج المسيرة السابقة فكيف نصدقهم في اتهامهم للإخوان بعمل مؤامرة لقلب نظام الحكم بالقوة فما كان من المحكمة إلا أنها برأت جميع الإخوة ما عدا الاخ عادل بهجت والأخ عباس السيسي حيث سلمنا لإدارة الجيش لمحاكمتنا بتهمة الانتماء إلى أحزاب سياسية ولهذا الموقف قصة سوف نذكرها في حينها.

سيارات بوليس النجدة

لقد ضجت إدارة الأمن العام من حركة التجمع السريع التي حكمت على إدارة الأمن العام بالعجز الشديد عن معرفة تحركات الإخوان كما ترتب على ذلك وضعهم دائما في حالة طوارئ الأمر الذي أصبح لا يطاق ومن ثم طورت إدارة الأمن نفسها بما يلائم الأحداث واستحدثت في أجهزتها ما يسمي " بوليس النجدة" المجهز بالسيارات اللاسلكية كي تواجه التجمعات السريعة ولكن أني لهم ذلك فلكل فعل رد فعل ومهما حاولت أجهزة الدولة أن تعطل التعبير عن الروح الوطنية فإنهم لن يستطيعوا لأن الروح دائما أقوي من المادة .

درس له أهمية

مخلفات محنة 1948

من خلال الأحداث التي تمر بجماعة الإخوان المسلمون تبرز بعض الأفكار التي تساعد على تطوير حركة الجماعة وتضيف إليها دوافع ومقومات جديدة كما تبرز أيضا أفكار لبعض الشباب الذين يعطون لأنفسهم حق الاعتراض والإفتاء والإتهام بلا دليل أو برهان أو فقه اللهم إلا نزعة عميقة الجذور في النفس والتصور ويصاحب كل هذا محاولة الاستحواذ على بعض الشباب الذين لا توجد لديهم خلفية عن التصور والفهم الصحيح للحركة الإسلامية ومقوماتها وما يحيط بتا وما يحاك ضدها ومدي الجهد المضني الذي يحاوله الدعاة للوصول إلى الهدف وبلوغ الغاية . وأريد أن أسجل هنا حركة هذا التصور الشاذ في قصة حدثت في ميدان الدعوة ومجالاتها بالأسكندرية.... وتبدأ القصة حين أبلغت احدي العائلات عن غياب ابنها الطالب في الثانوي وانضم لقسم الطلاب بشعبة محرم بك عن منزل الأسرة منذ ثلاثة أيام دون أن يترك لهم ما يطمئنهم عليه , ونفي قسم الطلاب بالشعبة علمه بأية معلومات عنه وبعد ثلاثة أيام عاد الطالب إلى أهله وحين استدعي للتفاهم بشأن غيابه , وذكر أنه كان في معسكر في رشيد وذكر اسم الأمير الذي أقام هذا المعسكر الذي تجمع فيه أكثر من عشرين شابا لا تزيد أ‘مارهم عن خمسة عشر عاما وتبين من المناقشة أنهم يشكلون جماعة جديدة تسمي ( الشباب المسلم) ويدرسون كتبا معينة وأنهم يلقنون الأفكار المعادية والاتهامات الموجهة إلى قيادة جماعة الإخوان المسلمون ويحاولون إقناعهم بأن القيادة لم تعد على مستوي العصر لهذا فإنهم يعملون على تغيير هذه القيادة بحيث تكون من الشباب الجديد وهم يقيمون معسكرات يتدارسون فيها منهجا جديدا وضعه الشباب المسلم .

وحين اتضحت هذه المعلومات وتفشت وعرضت على المكتب الإداري – للإخوان بالأسكندرية قام بتشكيل لجنة للتحقيق مع هذا ( الأمير ) الذي مع كل هذا الذي فعله لا يزال يتصل بالجماعة والأفراد وخاصة هذا الشباب واستدعي هذا الأمر ووجه بكل ما ثبت من التحقيق ودافع عن نفسه بأسلوب اختاره لنفسه بعيدا كل البعد عن روح الدعوة .

وصدر قرار اللجنة وتم التصديق عليه من المكتب الإداري بوقف ( الأمير) عن العمل في صفوف الجماعة . والعجيب أن ( الأمير) كان طالبا في كلية الهندسة في جامعة الأسكندرية, وحين صدر قرار وقفه لم نعثر له على أثر في مدينة الأسكندرية فقد ترك الكلية نهائيا حتي نهائيا حتي ظننا أنه ربما يكون قد حوله أوراقه إلى جامعة القاهرة والذي يعنينا من سرد تلك القصة هو وجود فاصل زمني حال دون متابعة التربية والاتصال بالإخوة ومداومة تغذيتهم بالأفكار والمعاني الصالحة, فضلا عن الترابط, ولقد كانت المحنة سببا في هذا التباعد الذي فتح أبوابا من الأفكار التي تتنافي مع منهج الإخوان.

ولهذا سارع مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمون بتكليف قسم الأسر بعمل رسالة توضح منهج الإخوان في التنظيم والتربية لتكون بين يدي الإخوان كنبراس للعمل مع جماهير الإخوان , فصدرت رسالة بعنوان ( نظام الأسر: نشأته وأهدافه ) الرسالة الأولي في 1372 هـ قدم لها فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي بكلمة جاء فيها : لقد طلب إلىّ بعض الإخوان أن يضع المركز العام رسالة في نظام الأسر , لأنه إذ كان الإخوان القدامي على علم بهذا النظام فإن هذا السيل الجارف الذي لبي نداء الدعوة والحق بتا ليس له بتا من عهد فرغبت إلى ( قسم الأسر) في أن يجمع شتات المسألة في رسالة صغيرة يسهل تداولها وفهمها والعمل بتا فوضع الرسالة التي أقدمها ".

الفصل الثاني من الرسالة الأولي لنظام الأسر

الأوضاع الداخلية في بناء الإخوان المسلمون

دعائم العمل :

كان نظام الأسر تعديلا جوهريا لبناء الجماعة الداخلي ويحسن بنا أن نوضح أهم معالم هذا البناء ثم نبين التغييرات التي أدخلها نظام السر :

فقد رأينا في العرض السريع جانبا من قسوة الأحداث التي مرت على الإخوان قبيل الحرب العالمية الثانية وفي أوائلها , وكيف تحالفت القوات الداخلية – بدرجات متفاوتة – مع الاستعمار وخضعت له وكانت أدوات طيعة في يده يحارب بتا العاملين ويسد منافذ النور أمامهم والجماعة العاملة لكي تستطيع مقابلة هذا الشر والسير في طريق الحق لابد لها من توفر ثلاثة أمور :

1- أن تكون فاهمة لدينها فهما جيدا, مؤمنة بت إيمانا عميقا .

2- أن يكون صف العاملين منتظما والتعرف بينهم كاملا , يشيع الثقة فيما بينهم .


أن يكون التعاون والتناصح والطاعة في المعروف على أساس إسلامي عملي يحمل فيه الفرد أعباء الجماعة وتحمل الجماعة أعباء الفرد , يحملون جميعا أعباء الإسلام فلا تكون قضية الإيمان دعوي لسان وخطابة , وإيمانا يأخذ الإيمان الصورة العملية في حياة الفرد والجماعة فهي إذن قضايا ثلاث عبر عنها الأستاذ – رحمه الله – بثلاث كلمات :

الفهم .. والمؤاخذة ... والتكافل

وهي الأركان التي اتخذها نظام الأسر .

ومع أن هذه الأركان لا يمكن أن يقوم العمل بدونها , ورغم قسوة الأحداث التي مر بتا الإخوان , فقد كانت هناك أمور حالت دون القيام بما تتطلبه هذه الأركان, فالأستاذ – رحمه الله – وضع نظام كتائب ( أنصار الله) وأشرف على تطبيقه في العام الدراسي ( 19371938) وكان يبيت ثلاث ليال في الأسبوع : الأحد والثلاثاء والاخميس كل ليلة مع كتيبة من الكتائب الثلاث وحاول في هذه الكتائب أن يوحد الصف الذي يحمل أمانة العمل للإسلام .

ووضع رسالة " التعالم " إلى الدراسة ليوح

بتا فهم الإخوان , رسالة " المنهج العلمي " ليوجه الإخوان إلى الدراسة وليخرج صفا من الدعاة وحدد في هذا المنهج كتبا وامتحانات ولجانا .

ووضع رسالة " المنهج " حدد فيها مراحل العمل وتكوين الكتائب التي بدأ نواتها عام 1937 – وأراد أن يصل عدد أفرادها إلى اثني عشر ألفا " لا يهزمون من قلة ".

ولكن هذه المشروعات لم تطبق تطبيقا دقيقا في كل أنحاء القطر وكانت خطوات الإخوان فيها أقصر من آمال المرشد وبقيت هذه المشروعات آمالا في الصدور ووثائق تبين مراحل السير .

ولابد لنا من وقفة طويلة عند هذه الظاهرة ومن تفكير عميق في العوامل التي عاقت تنفيذ هذه البرامج تنفيذا كاملا وسنحاول في السطور الآتية أن نلخص هذه العوائق :

(1) المظاهر الإدارية:

فأحيانا كانت الشعبة تفتح أول ما تفتح بعد رحلة من مندوب أو داعية وفي سرعة تملأ مناصبها دون أن تكون هناك دقة في اختيار العناصر التي يمكن أن تقوم بأمانة العمل للإسلام في فهم وعمق والنتيجة الطبيعية أن تسيطر النواحي الشكلية على تفكير القائمين بالأمر فيها فيوجهون همهم إلى تأثيث الدار وعقد الحفلات الكبيرة وحشد أكبر عدد ممكن من فرق الجوالة دون اهتمام كبير بتوجيههم ويترتب على ذلك أن تستنزف مظاهر العمل حيوية الأفراد وبالتالي حيوية الجماعة .

(2) ضعف العناية بالتكوين الفردي :

والنتيجة الطبيعية أن يحدث اضطراب في ميزان العمل , وأن تصبح العناصر الواعية القادرة على الإنتاج قليلة بالنسبة إلى هذا العدد الكبير المنتسب إلى الإخوان ويتحول جهد هذه العناصر من العمل التكويني الهادئ المنتظم مع المجموعات الصغيرة إلى العمل الضخم الواسع في السرادقات والحفلات وكلما تضاعفت الحفلات تضاعف إقبال الناس وازداد الضغط على العناصر الواعية فيحول ذلك دون متابعتها ودراستها وازداد الضغط على العناصر الواعية فيحول ذلك دون متابعتها ودراستها وبذلك لا يرتفع مستواها إلا قليلا ويندفع تحت هذا الضغط أفراد كثيرون إلى ميدان الاخطابة والمحاضرات دون أن يتوفر لهم النضج الكافي ودون أن يجدوا من يشرف على توجيهم والعناية بأمرهم .

وهكذا طغت الكثرة العددية بالصف المنتظم مع أن هدف الإخوان " تكوين جيل من المسلمين يفهم الإسلام فهما صحيحا ويوجه النهضة إليه " . هذا الفهم لا يمكن بحال من ألأحوال أن يكون عن طريق السرادقات فجمهورها غير ثابت, ولا يستطيع الاخطيب فيها أن يحدث المستمعين حديثا منهجيا يرتبط بما قاله بالحفل السابق ويراعي هذا في الحفل الذي يليه, ولهذا كان الحديث دائما في الأحفال حديثا عاما . وكان لهذا آثار : منها جمع الإخوان حول معان كلية يتحدث فيها أغلب الاخطباء ومنها أيضا " قناعة " المتكلمين والسامعين بهذه المعاني على حساب الظمأ الدافع إلى العلم والتطبيق الذي لا يمكن أن يوجد إلا في جو صالح .

وحين أقول " في جو صالح " لا أقصد بعيدا عن العمل ومجالاته ولكن أقصد الجو الذي يساعد الأفراد على الرقي عقليا وأخلاقيا وعلميا وجسيما , دون أن يطرأ عائق يحول دون ذلك ولو كان هذا العائق هو شدة إقبال الناس على الإخوان المسلمون .

وترتب على هذا كله أن وجدنا عندنا صنفين من الإخوان :

أ‌- صنف بهرته الأحفال والمؤتمرات والحديث عن الإخاء والحب في الله والاجتماع عليه , فأحس – أو ظن أنه أحس – حفيف أجنحة الملائكة في كل حفل , ورحمة الله في كل اجتماع ومغفرته حين ينظر إلى أخيه واعتبر بقاءه مع إخوانه غاية ما بعدها غاية فأصبح يمضي وقته في فراغ يظنه امتلاء , ولغو حديث يظنه اهتماما بأمر المسلمين ومستقبل الإسلام وعاش مع الإخوان مستمعا لما يقولون متحمسا عندما يخطبون مستغرقا في جو من العواطف والهدوء حين يعيش في المعسكر أو الكتيبة دون أن تمس أقدامه أرض الإسلام الملتهبة أو تكتوي أيديه بجمر العمل أو تسهد عيونه في مطالعة كتب هذا الدين , أو تذوي أبدانه من الإرهاق المتواصل في سبيل عقيدة قل ناصروها واستعد أعداؤها ونام أبناؤها إلا من رحم ربك وقليل ما هم .

عاش هذا الصنف محسوبا في عداد يلتقط معلوماته من الأحفال ودينه من الاخطباء ويجمع هذه ( الأشتات) ليكون " دينا " أنزله الله لخير الدنيا والآخرة .

ب‌- وصنف آخر عاش يحمل أمانة الإسلام ويبذل من ذات نفسه وقوت أولاده , وعصارة حياته يعمل جاهدا في تكوين نفسه وصياغة بيته على أساس دينه ويتحري وجه الله والحق ما استطاع إلى ذلك سبيلا نوره من كتاب الله وسنة ورسوله صلي الله عليه وسلم وعمله موجه إلى خالقه لا يبتغي بت عند الناس جاها ولا في الأرض مقاما ولا بين الإخوان منصبا يعيش بين العاملين تقيا خفيا يطلع الله من عمله على أكثر مما يطلع عليه الناس . ويضحي ويجاهد في طمأنينة الذاكرين وسكينة المؤمنين .

وأشهد أني صاحبت منهم أخا كان يقتسم راتبه مع أخ من إخوانه تعطل عن عمله وسألته ذات يوم : كيف استطعت أن تنظم أمرك بنصف مرتبك ؟ فابتسم قائلا : وكيف يعيش أخي دون مرتب ؟

وعلى أكتاف هؤلاء المخلصين , كان ولا يزال البناء يقوم ,لكن رغم إيمانهم وحين بلائهم لم يستطيعوا أن يقوموا بأعباء تكوين الجموع الضخمة المقبلة ولا رعاية المتحدثين عن الإسلام ولا الذين دفعتهم الظروف إلى منابر المساجد ومنصات الاخطابة دون روية ولا استعداد وقنعت الجموع – وما أكثرها – بما تسمع في الأحفال وعاشت تري " منظر " الإسلام دون أن يكون لها دما يجري في شرايينه , وأعصابا تتأثر بما يؤلمه ويفرحه ووقودا يعينه على السير في طريقه الشاق المرهق .

(3) القيادات :

أمكر آخر كان نتيجة للأوضاع السابقة , هو عدم الانتظام الدقيق لسلسلة القيادة من القاهرة إلى أطراف القطر فهناك رؤساء شعب لم يكونوا على المستوي الطيب العميق من الفهم وأعضاء مجالس إدارات دخلوها على أنها جماعة خيرية عامة ليس وراء هذا تغيير شامل في عقليات الأفراد والأمة وانقلاب جوهري في القيم والمعايير التي يعيش في ظلها الناس وحضارة قوية لها خصائصها وأسلوبها , وعمل من ورائه السجون والمعتقلات والتشريد ولعل شيئا من هذا كان حديث الاخطباء أما أن يؤمن الناس أنه واقع قريب فهذا ما لم يكن واضحا عند كثيرين وعلى هذا كانت هناك ثغرات في سلسلة القيادة وأن القائد إذا لم يكن على ثقة أكيدة بكل خطوط عمله لا يستطيع أن يخوض معركة ناجحة وتصبح المسألة مقامرة لا قيادة .

(4) الوضع المالي :

وانعكس ذلك على الكيان المال للجماعة , فالمال متوفر ولكن جانبا كبيرا منه مستنزف في الأحفال والمؤتمرات والنشاط المحلي , والمركز العام ليس شعبة مثل الشعب , وأعباؤه ضخمة ولا يستطيع بحال من الأحوال أن يعيش إلا على موارد تأتيه من المناطق. وعلى قدر ميزانيته يستطيع أن يقوم بمشروعات تعود بالنفع على المجموعة, فالمركز العام عليه من الواجبات في نشر الدعوة ما ليس على غيره فهو الذي ينظم الجماعة وعنه تصدر الرسائل والنشرات وهو الذي يرسل البعثات إلى البلاد الإسلامية في العالم هذا إلى ما تحتاجه أقسام العمل بالمركز العام من تكاليف لدعم نشاط الدعوة الإداري والتوجيهي في النواحي المختلفة .

تعليق على نظام الأسر

على أثر ما حدث في قصة ( الشباب المسلم) السابق ذكرها , كان لزاما على الإخوان بالأسكندرية أن يسارعوا في تطبيق لائحة نظام الأسر على ضوء ما جاء في الرسالة الأولي ,ولقد كان نظام الأسر في شكله التقليدي قائما غير أنه في حاجة إلى منهج جديد وروح جديدة تجدد فيه الحياة, فإن تطبيق نظام الأسر من الناحية المنهجية يختلف تبعا لاختلاف العناصر التي تتشكل منها الأسرة , فاختلاف الثقافات في الأسرة الواحدة يؤثر على مرحلية المنهج وتطبيقه ولقد ظهر هذا حين تطبيق نظام الأسر في نوعيات مختلفة , أما حين يطبق على نوعية كالطلاب مثلا فإنه يؤتي ثماره في التناسق ووحده الفكر والفهم .

ونظام الأسر وتشكيله من نوعيات مختلفة ضروري أيضا حيث أن هذا التشكيل يقضي على الفوارق الاجتماعية ويؤلف بين القلوب ويرتفع بالثقافات , ولا زلت أذكر جيدا عام 1936 حين أرسل نادي طلبة رشيد الرياضي إلى جمعية الإخوان المسلمون برشيد دعوة لإرسال مندوبين من الطلبة لحضور حفلة السنوي . فأرسل نائب الشعبة أن نظام الإخوان لا يفرق بين الطلاب وغيرهم من الفئات الأخري . ففهم النادي هذه الملاحظة وبعثت شعبة الإخوان ثلاثة مندوبين : طالب وعامل وموظف وكان لهذا الموقف الإخواني صداه الطيب في نفوس الجميع , وبهذا التطبيق لمبدأ الإخوة استطاع الإخوان أن يغيروا العرف الذي كان سائدا بين الناس في هذه الأيام .

ولقد ترتب على ما حدث من ( الشباب المسلم) أنه كان لزاما على المكتب الإداري أن يضع حدودا في تطبيق نظام الأسر , فأصدر تعليماته بأنه لا يسمح لحضور أى شاب دون الاخامسة عشرة أى كتيبة ليلية إلا بإذن من والده , أو يسمح لمثل هذا السن بحضور الكتيبة إلى الحادية عشر مساء فقط ثم يعود إلى منزله , كذا لا يصرح بعمل أية كتيبة إلا بإذن سابق من المكتب الإداري , كذا يقوم مندوب من المكتب الإداري بالإشراف على الكتيبة لمراعاة تطبيق المنهج بدقة مع المحافظة على الشروط الشرعية والتربوية في التعامل , والعمل على إيجاد روح الحب والإيثار والتكافل بين أعضاء الكتيبة والواقع أن هذا النظام رغم أنه لم يحقق كل الأهداف المرجوة إلا أنه ترك من خلفه مثلا عليا في قصص ومواقف لا تتسع لها عشرات الصفحات وسبق أن سجلت نموذجا منها في رسالة ( صفحات من المثل العليا) أهديتها للأخ الشهيد ( عبد الرحيم عبد الحي) وقد حرقت أيضا فيما حرق مع باقي المذكرات ولو يتاح لو يوما استعادة هذه المجاد لسجلت لهذه الدعوة صفحات رائعة صنعها الإسلام العظيم ... وأؤكد أنه رغم ما حدث للإخوان من محن تشيب لها الولدان, فإن هناك مواقف إسلامية رائعة يتميز بتا حتي هؤلاء - الذين قيل أنهم تخلفوا عن الصف – إن نظام الأسرة ترك بصماته الرائعة على أجيال كثيرة سواء في الذين ثبتوا أو الذين لم تشملهم المحنة أو الذين خرجوا من الصف كل هؤلاء تأثروا بنظام الأسر في أخلاقهم وسلوكهم بدرجات متفاوتة ولكن نادرا ما يهبط أحدهم إلى مستوي غير كريم .

وإنني لعلي يقين بأننا لو استخلصنا مجموعة من المؤمنين بهذا النظام لنقوم على تنفيذه بوعي وإدراك لحقيقة ما يهدف إليه , مع إعطائه الوقت والجهد اللازم والمتابعة الدقيقة والدراسات المناسبة التي تتفق مع كل فئة وكل مرحلة مع بذل الإمكانيات الضرورية لنجاح هذا النظام وعدم التفريعات التي تدخل على النظام فتشل حركته وتمتص وقته فتلتوي بت السبل قبل أن تنضج ثماره لو فعلنا ذلك لاعتدل الصف وبلغنا الهدف .

المخيم الصيفي للإخوان بالدخيلة

اقترح الإخوان في دمنهور أن يتعاون معهم الإخوان بالأسكندرية في إقامة مخيم صيفي بنشاطئ الدخيلة, ووافق الإخوان على هذا الاقتراح وكلفت بالإشراف على إقامة المخيم وأذكر أنني حين عرضت المشروع على المرحوم أحمد بك المواوي للتصديق عليه تبسم وقال : يا ابني اعتبرني جنديا من جنود الإخوان . وبعد أن اطلع على مشروع المخيم أبدي ملاحظات هامة ثم تابعنا إقامته وأدخلنا توصيلات المياه والكهرباء وقمنا ببناء دورة مياه صحية , وجهزنا المخيم بخيام ومكان للمحاضرات ومكان للطعام كما أقمنا ساحة رياضية مجهزة بأدوات الرياضة , وخصصنا مع برنامج الرياضة مواعيد رسمية محددة للاستحمام في البحر , مع التحذير الجاد بعدم تعدي هذه المواعيد , وعدم الاخروج واعتبرنا المسجد الموجود بالمخيم هو صالة المحاضرات, كما خصصنا مكانا للمطبخ وبنينا بوابة للمخيم يقوم على حراستها الإخوان بالتناوب , وأذكر أن مجلة مسامرات الجيب قد صورت المخيم وعملت عنه ريبورتاجا موضحا البرنامج التربوي والثقافي الذي يقوم عليه المخيم.

وبعد أن تمت إقامة المخيم على المستوي اللائق دعا كل من مكتب إداري دمنهور ومكتب إداري الأسكندرية إلى حفل الافتتاح وحضور أول فوج للمخيم وأقيمت أمام ملعب المخيم مظلة للضيوف الذين توافدوا لحضور هذا الحفل الذي حضره فضيلة المرشد العام واللواء أحمد بك المواوي والأستاذ عبد العزيز عطية الذي عين رئيسا للمكتب الإداري – للإخوان بالأسكندرية حيث أن الدكتور مصطفى عبد الله قد نقل إلى الفيوم وحضر حفل الافتتاح مجموعة كبيرة من الإخوان وقبل أن يبدأ يوم الافتتاح كنت نزلت ضيفا على المستشفي العسكري بمصطفي باشا حيث شعرت بمغص كلوي حاد .

الفصل الثاني

• إرهاصات حركة يوليو 1952.

• خلع الملك فاروق

• رجال الجيش يحملون المصاحف .

• أول تصريح لفضيلة المرشد.

• فصل الشيخ الباقوري من جماعة الإخوان.

• اختلاف الأصول بين عبد الناصر وحسن الهضيبي.

• لعبة حل الأحزاب .

• لماذا استثني الإخوان المسلمون من قرار الحل ؟

عبد الناصر يأمر بتشريد العسكريين من جماعة الإخوان .

• الحكم في قضية مقتل الإمام الشهيد.

• الإعلان عن هيئة التحرير.

• قرار من مكتب الإرشاد بفصل أربعة من الإخوان الأعضاء في قيادة الجهاز الاخاص .


إرهاصات حركة يوليو 1952

لقد نشطت حركة الفدائيين في القنال ضد الجيش الإنجليزي , واشتركت قوات البوليس في معركة الجهاد التي استشهد فيها عدد كبير من الضباط والجنود وكان ذلك من أهم أسباب حريق القاهرة في السادس والعشرين من يناير 1952, وكانت هذه الأحداث وغيرها تشير إلى أن شيئا ما لابد وأن يحدث . نعم لقد كانت الأحداث عبارة عن إرهاصات لأمر جلل. و لكن تري أهو شر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا . فأمور الدولة جميعها وفي شتي المجالات قد تميعت وتسيبت والوزارة تتسلم مقاليد الحكم اليوم لتقال في اليوم التالي أو تستقيل حتي يمكن أن يقال بأن الدولة تعيش بلا حكومة .

وفي هذه الظروف المشحونة بالاستنتاج والترقب , دعي فضيلة المرشد العام لمقابلة ( الملك فاروق ) وأحدثت هذه المقابلة ضجة كبري ودارت من حولها تكهنات كثيرة وأخذ المراقبون السياسيون يحللون هذه الزيارة ويعلقون عليها كيفما تملي عليهم نزعاتهم وغيرت هذه الزيارة مقاييس الأوضاع السياسية المخططات الحزبية في مصر فقد انزعجت التنظيمات العلنية والسرية التي تخطط على مدي بعيد مطمئنة إلى بعد المسافة بين الإخوان المسلمون وكراسي الحكم وعلى ضوء ما يمكن أن يترتب على هذه الزيارة من شتي الاحتمالات فقد أسرعت التنظيمات في تعديل خطتها كي يحولوا بين جماعة الإخوان وبين ما توهمونه من احتمال سيطرة الإخوان المسلمون على زمام الحكم .

ويلزم هنا أن نشير إلى المقابلة التي دعي إليها الأستاذ المرشد لمقابلة الملك فاروق وعلى الرغم من أن ما حدث بالتفصيل في هذه المقابلة لم يسجل في أية وثيقة يمكن اعتبارها أو الاعتماد عليها وكل ما ذكرته الصحافة عن هذه المقابلة أن الأستاذ المرشد أجاب على أسئلة الصحفيين بقوله :" كانت مقابلة كريمة لملك كريم ".

ولا أدري ما الذي ينتظره رجال الصحافة من الأستاذ المرشد أكثر من هذا حول الزيارة .

ونحن على يقين وثقة كاملة بأن ما كان من حديث بين الملك فاروق والمرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي يعيد إلى أذهاننا ما كان يحدث بين السلف وبين الحكام الظالمين . والرواية التي انتشرت بين الناس ذاكرة أن حسن الهضيبي قد خرج على قواعد ( البروتوكول ) حين خرج موليا ظهره للملك ومخالفا بذلك الأصول الفرعية . ولكن لا غرابة فالمسلم الذي يمد رجله لا يمد يده , والذي كان من الأستاذ حسن الهضيبي بعد ذلك أمام الطغاة والجبارين من صلابة وثبات وقوة إيمان برهان ساطع على سلامة موقف الإخوان ومرشدهم العام لكل من كانت له صلة بروح الإسلام .

ولقد كنا نتمني لو أن فضيلة المرشد – رحمه الله – قد ترك لنا بعض المذكرات التي تكشف مثل هذه الأمور , غير أن واحدا من الإخوان طلب منه ذات يوم وهو في مستشفي ليمان طره أن يكتب مذكراته فصمت الأستاذ المرشد ثم قال :" إن كتابة المذكرات سوف تتعرض لأخلاقيات الناس ومواقفهم وهي لا تعدو أحد أمرين إما حسنة وإما قبيحة . فأما الذين أحسنوا فلا أعتقد أنهم يريدون أن يحبطوا أعمالهم بالثناء عليهم , وأما الذين أساءوا فواجبنا أن نتغاضي عن زلاتهم ولا نكشف عوراتهم فإن هذا لمما يساعد على توبتهم .

وتوالت الأحداث بعد إقالة حكومة مصطفى النحاس باشا على اثر حريق القاهرة وتعيين علي ماهر رئيسا للحكومة التي استقالت أول مارس 1952 – وعين أحمد نجيب الهلالي باشا رئيسا للحكومة ثم استقال وعين حسين سري , ثم استقال وفي الثاني والعشرين من يوليو 1952 استدعي أحمد نجيب الهلالي مرة ثانية لتشكيل الوزارة التي أسند فيها منصب وزير الحربية إلى إسماعيل شيرين زوج الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق .

وفي صبيحة الثالث والعشرين من يوليو 1952 , وبعد كل هذه الأحداث قامت حركة يوليو 1952 .

23 يوليو في الأسكندرية .

استقبلت الأسكندرية نبأ حركة 23 يوليو في أول الأمر بترو اللهم إلا ما كان من أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأسكندرية حيث عقدوا مؤتمرا أعلنوا فيه تأييدهم لهذه الحركة أما باقي الشعب السكندرية فكان مشفقا على الأمة وفي الوقت الذي كانت تتزاحم فيه الجماهير حول الراديو في كل مكان حيث تذاع استقبالات الشعب بالقاهرة لقادة حركة 23 يوليو كانت بعض قوات الجيش تجوب شوارع الأسكندرية للمحافظة على الأمن .

وكنت صبيحة الثالث والعشرين من يوليو مريضا بالمستشفي العسكري , ولكنني فوجئت باليوزباشي مصطفي شاهين يحضر إلىّ ويطلب مني الاخروج من المستشفي للمساعدة في أمن الحركة وسمح لى بالاخروج من المستشفي وتوجهت إلى المكتب الإداري الذي أبلغني انه من الضروري تجنيد الإخوان لسرعة الانتشار للمحافظة على دور العبادة لغير المسلمين وأيضا السفارات الأجنبية وتوعية الشعب حتي لا تلهب مشاعرهم الأحداث فيعتدوا على الأجانب وقد تم بالفعل استدعاء نواب الشعب لتنظيم هذه العملية .

وبدأت وفود من الضباط على اختلاف رتبهم تحضر إلى المكتب الإداري وتجلس مع الإخوان ويتبادلون المشورة بكل ثقة واحترام وكان لشعور السائد لدي الإخوان لهذا المظهر وللهتافات الإسلامية التي كانت تدوي لاستقبال قادة الحركة وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب في كل مكان يؤكد أن هذه الحركة إن لم تكن إخوانية فهي على الأقل متحالفة مع الإخوان وإذا كان هذا هو شعور الإخوان فإن الشعب كان على اعتقاد بأن الإخوان هم أصحاب هذه الحركة وسواء كان ذلك هو شعور الإخوان والشعب أو هو ظنهم فمن المؤكد أن القائمين على الحركة كان يهمهم تأكيد هذا الشعور لدي الجميع لتأمين حركتهم .

خلع الملك فاروق

وفي صباح السادس والعشرين من يوليو حمل علي ماهر باشا الذي عينته الحركة رئيسا للحكومة إنذارا للملك فاروق بمغادرة البلاد في السادسة من مساء ذلك اليوم وحين أذيع نبأ قبول الملك للإنذار , كان هناك حصار من القوات المسلحة حول قصر رأس التين الذي ينزل فيه الملك , وكانت هذه القوات قد خرجت من القاهرة عن طريق مصرالأسكندرية الصحراوي مساء يوم الثاني والعشرين من يوليو تحت قيادة اللواء الطيار عبد المنعم عبد الرؤوف , في نفس الوقت كانت هناك قوات أخري بقيادة البكباشي أبو المكارم عبد الحي تحاصر قصر عابدين بالقاهرة , ومعلوم جيدا أن عبد المنعم عبد الرؤوف وأبو المكارم عبد الحي من الضباط المنتمين لجماعة الإخوان المسلمون!!

وحين قبل الملك فاروق الإنذار وتحددت السادسة مساء موعدا لمغادرته البلاد, كان ذلك عاملا حاسما في نجاح الحركة وبالتالي لم يعد هناك تردد من الشعب في إعلان الولاء لقائد هذه الحركة اللواء محمد نجيب وخرجت الأسكندرية بلا شعور تاركة كل مصالحها لاستقبال اللواء نجيب وهو في طريقه إلى قصر رأس التين فعاقت طريقه من الزحام الشديد وتعالت الهتافات الإسلامية تشق عنان السماء , فضلا عن زغاريد النساء اللاتي تجمعن من كل فج يشاركن الرجال فرحتهم , واستمرت الإذاعة تذيع نص الإنذار ونص التوقيع بقبول الملك بمغادرة البلاد. وامتلأ شارع الكورنيش بالكتل البشرية وكلما اقتربت عقارب الساعة من السادسة مساء كلما اقترب موكب محمد نجيب من الميناء ... حتي ركب اللنش الذي يحمله إلي الباخرة المحروسة وهناك كان ينتظره على ظهرها الملك والقصة بعد ذلك معروفة .

رجال الجيش يحملون المصاحف .

وبدأت الجماهير تتابع هذه الحركة وتسعي للتعرف على أسماء قادتها وأهدافها وغايتها ولم تترك قيادة الحركى الناس يظنون بتا الظنون . فقد انتهزوا أول فرصة في احدي الحفلات الكبرى وبرزوا جميعا أما الجماهير في صف واحد يرفعون أيديهم وهي تحمل المصاحف الشريفة .. وضج الناس بالهتافات التي تشق عنان السماء ( الله أكبر ولله الحمد) بل إن كثيرا من الناس أصيبوا بحالة من حالات الغيبوبة وانفجروا بالبكاء حتي فاضت دموعهم لفرط ما تأثروا بهذا المشهد الذي كانوا يحلمون به , وبهذه الصورة أعلن رجال الحركة أمام الدنيا عن هويتهم . وبذلك استقطبوا الشعب وقصروا الطريق أمام أهدافهم وتمكنوا من تأمين حركتهم .

ولقد سمعت عقب صلاة الفجر بمسجد الإمام الحسين ضابطا كبيرا يخطب في الناس بإيمان وحماس وهو ينادي بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وكان يقابل بهدير من الهتافات الإسلامية وكانت الإذاعة تتأخر حتي تنقل إلينا هذه المظاهر العظيمة ولقد تكررت الاخطب التي تنادي بتطبيق الشريعة في مسجد الحسين مرات ومرات .

بل لقد أخذ الأمر صورة أعمق من ذلك وأوضح حين اعتلي بعض رجال الحركة من أمثال البكباشي حسين الشافعي والبكباشي أنور السادات منابر المساجد الكبرى كمسجد السيدة زينب ومسجد الإمام الحسين لإلقاء خطبة الجمعة وكان كل منهما ينادي بضرورة تحكيم القرآن الكريم .

كذلك تحرك الرائد وحيد رمضان ليخطب في كل الاجتماعات والمؤتمرات على أوسع نطاق , ويتحدث باسم الإسلام ويستشهد بالقرآن الكريم وبأحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم . ويقتبس من كلمات الإمام الشهيد حسن البنا المنقولة من رسائله ومقالاته فيقابل في كل مكان بشعارات وهتافات الإخوان المسلمين.

حركة يوليو تستأنف عملها

تصفية معسكر الفدائيين بجامعة الأسكندرية

على أثر حركة 23 يوليو اشتدت الحركة الوطنية ولبست روحا جديدة من الإخلاص والحماس , وضاعفت معسكرات التدريب للفدائيين من نشاطها وزاد إقبال الشباب عليها إعتقادا بأن هذه الحركة إنما قامت تؤيد الجهاد المسلح ضد الوجود البريطاني ولا سيما أنها حركة الجيش وهو موئل التحرير وطليعة الأمة إلى الاخلاص .

ولكن الذي حدث أن إدارة الجيش بها منطقة الشمالية بالأسكندرية بعثت بمندوب إلى قائد معسكر الفدائيين بجامعة الأسكندرية يقول له بأن مهمة معسكر الفدائيين قد انتهت بقيام حركة الجيش الذي سوف يتولي هذه المهمة بوصفه الجيش الوطني للبلاد وفي جو من المناقشات التي جرت لم يحاول مندوب المنطقة الشمالية أن يستعمل الأسلوب العسكري بل تحايل بكل الألفاظ الرقيقة والمحببة ليحصل على موافقة قيادة المعسكر بعد أيام من الاتصال .

وبعد دراسة ووعود اتفق الطرفان على عمل حفل رسمي في ساحة معسكر الجامعة يتم فيه تسليم الأسلحة والذخائر لرجال الجيش وسرعان ما أقيم هذا الحفل الذي استعرضت فيه فرق الفدائيين أمام الجمهور , ثم قامت سرية من الجيش بعمل استعراض بقيادة اليوزباشي مصطفي شاهين وحضور الصاغ قنصوة ثم قدم اليوزباشي مصطفي شاهين مصحفا شريفا إلى قائد معسكر الفدائيين وانتهي هذا الحفل بتسليم الأسلحة وبالتالي تسليم المعسكر وأمن بذلك رجال الجيش جانب هذا السلاح الذي صار في حوزتهم ثم أحكموا قبضتهم على كل حركة في البلد . وغطت حركة الجيش على ضجيج حركة الفدائيين في القنال على الرغم من أنها لم تفعل شيئا في هذا المجال اللهم إلا القبض على رائد مصري كان يعمل لحساب الجيش البريطاني وكان يبلغ عن الفدائيين المصريين حتي منحته القوات البريطانية رتبة تقديرا لخدمته , وكان قد بلغ من الوقاحة مبلغا أزعج الحكومة المصرية , فقامت قوات الجيش والمخابرات المصرية بعمل كمين له حتى سقط في أيديهم وتمت محاكمته وحكم عليه بالإعدام شنقا ونفذ فيه حكم الإعدام .

وظل رجال الجيش ينددون في خطيهم بوجود الجيش البريطاني في البلاد لامتصاص غضب الشعب غير أن القضايا التي أثيرت على اثر الحركة قد حولت أنظام واهتمام الشعب إلى حين .

مصطفي شاهين وصحبه من الضباط

حين عدت من أسيوط إلى الأسكندرية تقرر تعييني بصيانة مدفعية السواحل وكان مقر عملي هو مدفعية سواحل بجزيرة العجمي وهناك تعرفت ببعض الضباط وعرفوا أنني من الإخوان المسلمون وكان ذلك بالطبع قبل قيام حركة الجيش وذات يوم استدعيت إلى قيادة المدفعية بالمكس وصدرت إلى أوامر بأن أقوم بعملية تدريب الجنود على قيادة السيارات , ووجدت إصرارا على ذلك رغم أن هذا الأمر ليس من اختصاصي وكان قائد هذه المأمورية هو اليوزباشي مصطفي شاهين وتعرفت بت وكأنه كان يعرفني جيدا , وتبادلنا الحديث حول جماعة الإخوان المسلمون , وكان يحضر إلى شعبة محرم بك بملابسه المدنية ويوجه إلينا بعض التوجيهات ثم بدأ يتحدث معي فيما فهمت منه أن هناك تنظيما في الجيش .

أول تصريح لفضيلة المرشد

حين قامت حركة 23 يوليو أسرع الزعماء والقادة إلى تأييد قادة الحركة ونشطت الصحف في نشر التصريحات والصور لمقابلاتهم والكل يسعي للتقرب والبحث عن مكان الصدارة ولكن المرشد العام للإخوان المسلمين تأخر بعض الوقت في زيارته لقادة الحركة .

وبعد فترة من القوت نشرت الصحف صورة لفضيلة المرشد مع اللواء محمد نجيب ومعهما الأستاذ سعيد رمضان وتحتها تصريح يقول فيه :" أتمني أن تكون هذه الحركة خالصة لوجه الله تعالي ".

وكان هذا هو أول تصريح لفضيلة المرشد العام رحمه الله .

اللواء محمد نجيب

وردت إشارة ( تليفونية ) إلى الوحدة بضرورة الاستعداد لاستقبال اللواء محمد نجيب حيث تقرر زيارته لوحدة بطارية العجمي , فقام قائد الوحدة بالإعداد للزيارة وفي صباح اليوم التالي حضر اللواء محمد نجيب وقام بالمرور والتفتيش على السلاح وأقيم له في ميس الضباط حفل ثم اختير من ضباط الصف والجنود مندوبون للتسليم على اللواء وقام بعرضهم والتسليم عليهم وسؤالهم عن طلباتهم ثم غادر الوحدة حيث يزور غيرها من الوحدات وكانت هذه أول مرة أري فيها قائد حركة 23 يوليو .

جريدة الأهرام ومجلة المصور .

على أثر رحيل الملك فاروق إلي إيطاليا ومغادرته البلاد أدلي ببعض التصريحات التي قال فيها :" إن الذين قاموا بحركة الانقلاب في مصر هم ضباط الإخوان المسلمون الذين كانوا يخططون لها منذ زمن بعيد ". وركز الملك فاروق على حركة الإخوان المسلمون في مصر , وكان لحديث الملك صداه في تأكيد أن الإخوان المسلمون هم أصحاب الحركة .

إحالة بعض الضباط للاستيداع

على أثر عزل الملك فاروق ومغادرته للبلاد نشط رجال الحركة في تأمين أنفسهم وحركتهم فصدرت القرارات في شتي المجالات والتي كان من أهمها وأخطرها ا كان في مجال الجيش , حيث أحالوا إلى الاستيداع عددا كبيرا من ضباط الجيش . ولما كان الشعور السائد بين الناس أن هذه الحركة موالية لجماعة الإخوان المسلمين , كان كثير من الضباط الذين أحيلوا إلى الاستيداع أو المعاش يقصدون فضيلة المرشد لإعادتهم إلى عملهم , وأذكر أن أحد الضباط وكانت له صلة قرابة بالمرحوم الصاغ محمود لبيب الأب الروحي لرجال حركة 23 يوليو ووكيل الإخوان المسلمون قد أحيل إلى الاستيداع وجاء إلى فضيلة المرشد في هذا الشأن وسعت فضيلة المرشد يقول له : ولماذا لا تعتبر هذا الذي حدث لك من الاخير لدينك ودنياك .. إن الرجاء في مثل هذا لا يليق برجل مجاهد , فابحث عن عمل خارج هذه الحدود يكون ذلك أكرم .

الكلية الحربية

أرسل لنا المركز العام بالقاهرة أن نرسل له كشفا بأسماء الإخوان الطلاب الذين نرغب في دخولهم الكلية الحربية مع توجيه الإخوة بذلك. وقد علمت أن ذلك قد تم برغبة من قيادة الحركة 23 يوليو .. وفعلا تقدم كثير من الإخوة من جميع الأقاليم إلى الكلية الحربية وبعد الكشف والاختيار قبل بعضهم , وبعد أن قطعوا شوطا كبيرا في الدراسة بالكلية ساءت العلاقات بين الإخوان والحكومة فقامت الكلية بفصلهم جميعا بلا مبرر وخرجوا ليعودوا للدراسة من جديد في بعض الكليات وتكررت هذه السياسة بعد ذلك على مدي السنين لكل من يشك في قرابته لأي من الإخوان .

التحقيق مع ضباط البوليس السياسي

وسعيا من رجال الجيش في التقرب من جماعة الإخوان وجلبا لعواطفهم قررت الحكومة فتح ملفات التعذيب في محنة 1948, وقامت النيابة في القاهرة والأسكندرية باستدعاء بعض الضباط الذين اتهموا بالاشتراك في التعذيب وجاء إلى الأسكندرية الأستاذ صالح أبو رقيق كشاهد في احدي هذه القضايا, وتقدم بعض الإخوة ببلاغات لرجال النيابة يتهمون فيها بعض الضباط الذين قاموا بتعذيبهم وأخذت الصحافة تهلل للعدل والكرامة واستمرت هذه التحقيقات تجري دون التوصل إلى نتائج إذ تبين أن الغرض الحقيقي من فتح ملفات التعذيب هو التقرب من الإخوان وسرعان ما عاد المتهمون بعد ذلك إلى سلوك سبل أشنع وأدهي وأمر بعد أن استقر الحال للضباط ( الأحرار ) .

وفي هذا اليوم دار بيني وبين الأستاذ صالح أبو رقيق حديث عن هوية رجال الجيش فقال لى : إن بعضهم له صلة وثيقة بالإخوان ولأول مرة أعرف منه أن قائد الحركة الحقيقي هو البكباشي جمال عبد الناصر.

إعدام مصطفى خميس ومحمد البقري

كان نبأ المظاهرات التي وقعت في كفر الدوار مثيرا للرأي العام حيث خرجت الصحافة تهول من خطر المظاهرات وحقيقة ما حدث في كفر الدوار لا أستطيع أن أذكره بالتفصيل حيث أن الحقيقة تبدأ منذ انعقاد المجلس العسكري الذي أمر بتشكيله اللواء محمد نجيب وأسند رئاسته المجلس إلى البكباشي عبد المنعم أمين وعضوية البكباشي أحمد وحيد الدين حلمي والذي أصدر حكمه على العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري بالإعدام .

ويقول الرئيس محمد نجيب في كتابه ( كلمتي للتاريخ) : لم أصدق على الحكم وحركتنا لم تمض عليها عشرات الأيام وطلبت مقابلة المتهمين بعد أن أفصحت عن رأيي بصراحة وأحاطتني تقارير مخيفة بأن أى تهاون في مواجهة العمال سوف يؤدي إلى انتشار الاضطرابات والمظاهرات في مناطق التجمع العمالية في شبرا الاخيمة والمحلة الكبرى وغيرها وكنت أعرف أن هذه التقارير قد كتبت بأقلام ( البوليس السياسي ) الذي أصبح ( المباحث العامة) بعد الثورة . كما أن عزل بعض كبار ضباطه لم يكن كافيا أيضا لتغيير اتجاه نشاطهم في لحظة واحدة بلمسة واحدة .

وحضر مصطفى خميس إلى مكتبي بالقيادة .. دخل ثابتا وعندما رجوته أن يذكر لى عما إذا كان أحد قد حرضه لأجد مبررا لتخفيف الحكم عليه أجاب في شجاعة بأنه لا هيئة ولا أحد من ورائه , وأنه لم يرتكب ما يبرر الإعدام . وامتد الحوار بيننا نصف ساعة طلبت له فيها فنجانا من الشاي وكنت ألح عليه كما أو كان قريبا أو أخا عزيزا , ولكن دون فائدة فقد كان صاحب مبدأ لم يخنع حتي في الفرصة الأخيرة لنجاته .

وخرج مصطفى خميس من مكتبي وقد أثقل الحزن قلبي , بعد أن صدقت علي الحكم وفي ذهني عدة اعتبارات أهمها أرواح العساكر الأبرياء الذين قتلوا واحتمالات انتشار الاضطرابات , ورفض مصطفي أن يصرح بشئ مبررا لتخفيف الحكم عليه .

وشارك الإخوان المسلمون في الأسكندرية في الدفاع عن المتهمين إذ أرسلوا الأخوين الأستاذ مختار عبد العليم والأستاذ محمد الفولي المحاميين للدفاع وحين صدر قرار الإعدام سادت موجة من الغضب والتشاؤم صفوف الشعب وأحس الإخوان بخطورة الاتجاه وعلق أحدهم فقال كأني برجال الجيش لو لم تكن حوادث كفر الدوار لصنعوا حوادث كفر الدوار .

البكباشي أحمد وحيد الدين حلمي

البكباشي أحمد وحيد حلمي الذي كان عضوا بالمجلس الذي حكم بالإعدام على مصطفى خميس ومحمد البقري , أعرفه معرفة شخصية حيث كان قائد السرية التي كنت طالبا فيها بمدرسة الصناعات الميكانيكية الحربية عام 1940, وكان آنذاك برتبة ملازم أول وكان معروفا أنه لا يستطيع الانضباط أمام الأنظمة العسكرية .

ولقد عجبت غاية العجب عندما قدمت للمحكمة أمام محكمة الدجوي في القضية رقم ( 12) أمن دولة لعام 1965 حيث وجدت أن اللواء أحمد وحيد الدين حلمي هو العضو الأيسر في هذه المحكمة . وبالطبع لم يحاول أحدنا أن يلتفت إلى الآخر , ولقد أدركت أنذاك أن حركة الجيش نصبت اللواء أحمد وحيد الدين على ثغرة الأحكام في القضايا الهامة التي لا يقل الحكم فيها عن الإعدام , ومن ثم كان اختيار هذا الرجل اختيارا هادفا ومناسبا لكن العجيب أن التاريخ لم يسجل لمثل هؤلاء صفحاتهم السوداء حيث يكونون كالثعابين أو العقارب التي تلدغ فتنفث سمومها ثم تعود إلى جحورها فتختبئ حتي تظهر لها ضحية أخري . ولقد خرج من جحره فعلا لينطق بالحكام في قضية الشهيد الأستاذ سيد قطب ولكنه بعد أن أدي رسالته عاد ينتظر ويتربص كما ينتظر الذئب فريسته , ولا عجب في ذلك فقلوب هؤلاء الناس قدت من حجارة بل هي أشد قسوة ومثل هؤلاء على كل حال أدوات لا وزن لها ولا قيمة يستغلها الحاكم الظالم في تحقيق مآربه ثم يرمي بها بعد ذلك في سلة المهملات , وفي الآخرة عذاب شديد.

دعوة الإخوان .. وضباط الجيش

كان لزاما على وأنا أتحدث عن حركة 23 يوليو أن أسجل في هذه المذكرات حقيقة تاريخية عن صلة الإخوان بضباط الجيش من الجانب الذي كنت فيه .

فالواقع أن الهيئة أن الهيئة الوحيدة التي استحوذت على اهتمام بعض ضباط الجيش ونشاطهم وفتحت أمامهم مجالات العمل الملائم لطبيعتهم والمتجاوبة مع آمالهم والدعوة المحققة لأهدافهم كانت جماعة الإخوان المسلمون ورغم أنه محظور على رجال الجيش الانضمام إلى الأحزاب السياسية غير أن روح الدعوة كانت أكبر من أى قانون.

ولا زلت أذكر أول حديث أدلي بت البكباشي جمال عبد الناصر لمجلة المصور حيث قال إن أول خيوط تنظيم الأحرار وأول خاطره للعمل بين ضباط الجيش نبتت في لقاء مع الصاغ ( م.ل) يقصد الصاغ محمود لبيب – الوكيل العام للإخوان المسلمين – ثم ذكر بعد ذلك التطورات التي أدت إلى حركة الجيش في 23 يوليو .

ولقد كان في المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة قسم يسمي قسم الوحدات ويجمع بين مختلف الرتب من رجال الجيش والبوليس وكان يشرف على وحدات الجيش البكباشي أركان حرب أبو المكارم عبد الحي , وعلى البوليس الصاغ صلاح شادي وكان ضابط الاتصال هو الضابط الطيار محمد الشناوي .

وكانت شعبة الجهاد بالأسكندرية تقوم بنفس النشاط وكان الضباط يحضرون المحاضرات والحفلات بملابسهم العسكرية حتي بلغ بالضباط أنهم يشاركون الإخوان صلاة الفجر في المساجد , وكان أبرزهم اليوزباشي محمد حافظ حماد واليوزباشي عبد الوهاب الريس وكلاهما ضابط مهندس بسلاح الصيانة بالأسكندرية وكانت لهم مواقف شجاعة مع الفريق إبراهيم باشا عطا الله أثناء استدعائهما للتحقيق معهما بشأن الاتصال بجماعة الإخوان وظلا على صلة وثيقة مؤمنة حتي أتهم العميد مهندس محمد حافظ حماد في قضية مدرسة المشاة عام 1966 خرج على الاستيداع .

وحوالي 1945 أقيم في ( إستاد الأسكندرية) الكبير ) حفل استعراض لجوالة الإخوان المسلمون بالأسكندرية بما يزيد عن ألف جوال , وحضر هذا الحفل فضيلة المرشد العام حسن البنا وجلس في مقصورة الزوار بالملعب وكان معه ضيف كبير من الإخوان المسلمون بالعراق الشقيق وكان يجلس عن شماله العقيد على بك البنا قائد قوات حرس السواحل وجلس عن شماله الصاغ عبد الفتاح محمد الشربيني , وكان لطيفا جدا أن يفتتح الصاغ عبد الفتاح الشربيني الحفل بالقرآن الكريم قارئا مجديا وهو يرتدي الملابس العسكرية ثم يليه الملازم أول طبيب عبده محمد سلام الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للصحة في حكومة جمال عبد الناصر , هذا فضلا عن بعض الضباط الذين حضروا بملابسهم المدنية منهم اليوزباشي شعبان مصطفي واليوزباشي حامد مهابة وغيرهم.

وفي هذا الحفل بالذات كان زهران بك رشدي رئيس قلم القسم المخصوص المسمي الآن بالمباحث العامة على رأس قوات المن وقد حضر الحفل حتي نهايته .

الصاغ محمد لبيب في سطور

انتخب في عام 1947 وكيلا ثانيا لجماعة الإخوان المسلمون كما كان رئيسا لفرق المتطوعين في حرب فلسطين التي أعد عنها مذكرات هامة لم تطبع إلى الآن , كما لم يطبع سوي حلقة واحدة من كتابه ( حماة السلوم) كان رحمه الله مواظبا على أداء العبادات في وقتها كما كان مواظبا على التمرينات الرياضية رغم كبر سنه , تراه على الدوام نشطا متحركا وثابا يقظا لم يدخن ولم يتناول القهوة والشاى إلا مجاملة جده لوالده هو العرف بالله الشيخ البقلي بزاوية البقلي بالمنوفية وحفيد الدكتور محمد على باشا البقلي ووالده المرحوم على بك أمين قومندان طوابي أبو قير في ثورة عرابي , ولد عام 1882 وفاضت روحه في الثلاثاء 19 ربيع الأول سنة 1371 الموافق 18 ديسمبر سنة 1951 , شيعت جنازته بمشهد رهيب سار فيه سماحة مفتي فلسطين والأستاذ حسن الهضيبي وصالح حرب ومندوبوا الجاليات العربية والإسلامية .

الإفراج عن الإخوان المسجونين

في احدي أمسيات أيام الثلاثاء كنت أتصل من الأسكندرية بالمركز العام بالقاهرة فحملت إلي سماعة التليفون صدي هتافات كالرعد من مقر الجماعة فسألت محدثي فأخبرني أن الرئيس حمد نجيب يلقي هنا حديث الثلاثاء وقد أعلن على الإخوان قرار الحكومة بالإفراج عن جميع المسجونين السياسيين من الإخوان المسلمون الذين اتهموا في جميع القضايا السياسية السابقة فاستقبل الإخوان هذا القرار بالهتافات الإسلامية تحية وتقديرا للضيف الكبير .

ودعا المكتب الإداري الإخوان المفرج عنهم لحفل تكريم في الأسكندرية وأقيم سرادق كبير في حي باكوس حضرة جميع الإخوة المفرج عنهم وحضر الحفل فضيلة المرشد العام وفضيلة الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي .

وخطب الأستاذ عبد العزيز عطيه رئيس المكتب الإداري فرحب بالإخوة وأشار إلى ضرورة التركيز على بناء عقيدة المسلم وسلوكه حتي يكون على مستوي الجهاد والتضحية والفداء .

ثم اعتلي المنبر الشيخ الشعشاعي فأهاج الحاضرين بكلماته اللاذعة وتعليقاته المثيرة الساخرة وحين جاء في كلمته ( أن الأسكندرية قد تقيأت الملك فاروق في البحر) ضج الحاضرين بالضحك.

ثم تعالت الهتافات حين قام قام الأستاذ المرشد حسن الهضيبي ليقول كلمته فتحدث إلى الحاضرين عن دعوة الإخوان وأشار إلى أنها هي لا غيرها الملاذ والإنقاذ والاخلاص وعلى الإخوان أن لا يشركوا بتا شيئا وأن لا تلفتهم الأحداث مهما لمعت عن شمول دعوتهم فهي فضلا عن أنها دعوة إصلاحية فهي أيضا دعوة عالمية فوق المكان والزمان لهذا فهي أكبر من حدود هذا البلد وأعظم من أن تقارن بمناهج البشر على الإطلاق .

ثم علق على كلمة الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي فقال : من الواجب أن لا تبهركم المواقف ولا تستفزكم الأحداث عن الالتزام بآداب الدعوة وأخلاقها ولا ننساق مع العواطف فيجب أن نقدر الأمور بمستقبلها وبمطالعها , وأحب أن لا أتغاضي عما جاء في كلمة فضيلة الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي, فقد تجاوز الحدود بما لا يتفق مع منهج الإخوان في التربية والسلوك وخاصة حين أشار إلى الملك السابق . فالملك السابق قد مضي وانطوت صحائفه والذي يعنينا الآن ما هو أت.. وأنصح نفسي وإخواني أن نشغل أنفسنا بمعالي الأمور فالأمر هكذا يجب أن يكون .

واستقبلت كلمة الأستاذ المرشد في صمت ورهبة وشئ من الذهول . فقد أشار الأستاذ المرشد إلى المستقبل قبل أن تتم لنا الفرحة بمواكب حركة 23 يوليو وأحسسنا من الأعماق بمشاعر خفية لا نستطيع أن نلم بأطرافها بعد ولكن كلمات الأستاذ المرشد كانت ولا تزال كلمات رجل دعوة ولا سيما بعد أن تطورت الأحداث .

وعاد الإخوان إلى دار شعبة محرم بك ليأنسوا بلقاء طويل مع إخوانهم الذين حجبتهم عنهم السجون فتعانقوا في أشواق حلوة , ثم انتقلوا إلى منزل الأخ الحاج مسعد فتح الله حيث كانت سهرة طيبة مع الإخوة في شعبة الجمرك وتناولوا فيها معا طعام العشاء ... وقضوا ليلة في كتيبة إسلامية أعادت إلى القلوب راحتها وسعادتها واستشعر الجميع نعمة الإخوة في الله تعالي . وبعد أيام قضاها الإخوة في رحاب إخوانهم بالأسكندرية عادوا إلى القاهرة محفوفين برعاية الله تعالي .

محاضرة للأستاذ سعيد رمضان

ظل رجال حركة 23 يوليو على اتصال مستمر بنشاط الإخوان المسلمون بالقاهرة والأسكندرية والأقاليم, يحضرون ويخطبون في مؤتمراتهم وحفلاتهم ويستقبلهم الإخوان في كل مكان بشعارات إخوان ويهتفون بمبادئهم تحية وترحيبا ودأبت القيادة على إيفاد مندوبين عنها في كل حفلات الإخوان .

وحدث ذلك لأول مرة في احتفال الإخوان المسلمون بالأسكندرية في السرادق الذي أقيم بميدان المنشية وحضره ثلاثة من كبار ضباط القيادة بالأسكندرية , كما حضروا في الاحتفال الإسلامي الكبير الذي أقيم في مسجد نبي الله دانيال وحضر فيه فضيلة المرشد العام والأستاذ سعيد رمضان ومن القيادة بعض الضباط على رأسهم القائمقام عاطف نصار . وقد خطب في هذا الحفل بكلمات أشاد فيها بموقف الإخوان من تأييد حركة الجيش , كما أثني على دعوة الإخوان على دعوة الإخوان المسلمين وشباب الإخوان وجهادهم في كل الميادين الحق والاخير في هذه البلاد وتحدث فضيلة المرشد حديثا موجز وكان أهم ما جاء فيه أنه قال أن حركة الجيش جاءت بعد إرهاصات وجهاد عنيف من الشعب ضد الاستعمار البريطاني والاستغلال والفوضي والفقر والفرقة. وحركة الجيش تعلم سابقا وبيقين مطلب هذا الشعب في الحرية والعدالة وتحكيم الشريعة الإسلامية كفيل بتحقيق كل ما تصبوا إليه الأمة ونحن نؤمن أنه لا إصلاح لكل المشاكل المختلفة إلا من خلال الحلول الإسلامية لهذا فنحن في انتظار الاخطوات المطمئنة , وحتى نري هذه الحقيقة في واقع حياتنا فنحن سائرون في طريقنا الذي آمنا بت لا يشغلنا عنه شاغل ولا تلهينا عنه الأحداث وختم فضيلة المرشد كلمته دون أن يعلق على تصريحات وخطب رجال الحركة التي تتكرر كل يوم .

وفي اليوم التالي دعي الأستاذ سعيد رمضان لإلقاء محاضرة في كلية الطب بجامعة الأسكندرية وتناول الأستاذ سعيد في محاضرته علاقة الإسلام بالعلوم وخاصة الطب وأشار إلى علماء المسلمين الذين تركوا من خلفهم دراسات وكتبا تبحث في الشئون الطيبة وأيد ذلك ببعض الأحاديث النبوية التي وردت في هذا الشأن واعتبر كون الإسلام يحث على النظافة والطهارة وهي أهم مقومات الوقاية من الأمراض , وكيف أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) فقال إنه لا يمكن أن يكون المؤمن قويا دون أن يمارس العلم والرياضة وذكر قول الله تعالي ( وزاده بسطة في العلم والجسم ) وقد استحوذ الأستاذ سعيد رمضان على انتباه الحاضرين من أساتذة وطلاب حين استشعروا أن الإسلام العظيم دين شامل كامل يتناول كل قضايا الإنسان في كل زمان ومكان وفي نهاية المحاضرة عقب أحد الأساتذة على المحاضرة بكلمة قيمة دلت على إعجاب الحاضرين برح المحاضر وفهمه الجديد للإسلام .

وبعد انتهاء الأستاذ سعيد من إلقاء المحاضرة صحبة بعض الضباط إلى حفل إسلامي أقيم في معسكر مصطفي باشا بسيدي جابر وكان هناك جمع كبير من الضباط وصف وجنود الوحدات وخاصة ورش سلاح الصيانة . وتحدث الأستاذ سعيد حديثا ممتعا استمر طويلا سبح بالحاضرين في أجواء من العواطف وطاف بهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة المنورة ثم كيف ألف بين المهاجرين والأنصار ثم كيف أقام بهم دولة الإسلام وفي نهاية الحفل دعي إلى ميس الضباط حيث تابع معهم أحاديث متفرقة وأجاب على كثير من الأسئلة حول الفكرة الإسلامية وتطوراتها .

( والله يكتب ما يبيتون) وهكذا كانت العلاقة بين رجال الجيش والإخوان ودية وبدأ رجال 23 يوليو يطلبون من الإخوان بالقاهرة أن يمدوهم ببرامج ودراسات ليستفيدوا بها في تحقيق تنفيذ المنهج الإسلامي في وزارتي المعارف والعدل , وشغل الإخوان أو شغلت قيادة الإخوان في إعداد هذه المشروعات بجد وتركيز وعمق واستنفذت منهم وقتا طويلا وجهدا كبيرا , وظل الإخوان يترقبون نتيجة هذا المجهود الكبير من الأبحاث والدراسات في واقع الحياة التطبيقية وطالت الأيام دون ظهور أى اثر يذكر لهذه الدراسات, حتي انكشفت الأمور على حقيقتها حين وضعت هذه الأبحاث والدراسات في سلة المهملات وكان هذا التدبير من رجال الجيش لمجرد أن ينشغل الإخوان بالأمل والأماني الحلوة حتي يتمكن رجال حركة 23 يوليو من الاستقرار والقبض على مقاليد الحكم بقوة وبدأ الإخوان يلاحظون أن بعض رجال حركة 23 يوليو تتابع عليهم أوقات الصلاة المفروضة دون أن يتحركوا لأدائها , وبدأ تتلاشي من تصرفاتهم القيم والشيم الإسلامية التي كانوا يظهرون بتا أول الحركة وبدأت تصرفات جديدة من الكبر والاستعلاء وصارت كلمة ( أنا) تتصدي كل حديث لهم بعدما يظهرون في المجتمعات وهم يشربون من ( القلة ) التي أطلقوا عليها ( فريجيدير الشعب ) ويأكلون سندوتشات الفول والطعمية حين يطول بهم السهر في الاجتماعات , ويركبون الترموايات لتؤخذ لهم الصور التي تتصدر الصحف والمجلات وبدأت لقاءات رجال الحكومة لرجال الإخوان عند زيارتهم الدواوين تفتر وتبرد وتتثاقل .

وبدأ فضيلة المرشد في حديثه مع قادة الإخوان يلفت نظرهم إلى خطورة سلوك رجال 23 يوليو تجاه جماعة الإخوان من التغالي في قيمة هذه الحركة ونصحهم بأن لا يتورطوا في مطلق التأييد لهم واستند فضيلة المرشد في هذا إلى عدم وفاء رجال الجيش بعهدهم مع الإخوان ثم التغيير الواضح في سلوك بعضهم ثم الكذب على الإخوان والتغرير بهم .

فصل الشيخ الباقوري من جماعة الإخوان

من هنا كانت المفاصلة بين الإخوان والجيش وفي هذه الفترة طلبت الحكومة من جماعة الإخوان أن يشاركوا بثلاث وزراء واشترطوا أن يكون الشيخ الباقوري واحدا منهم . ويقال إن الإخوان رشحوا المستشار منير دلة والمستشار [[حسن العشماوي|حسن محمد العشماوي]] , ولكنهم لم يرشحوا الشيخ أحمد حسن الباقوري , ورأى آخر يقول إنهم رشحوه , وإن الذي اقترح هذه الأسماء هو الأستاذ المرشد نفسه , ثم بعد أن استشار أعضاء مكتب الإرشاد عدل عن رأيه ورفض أن يشارك الإخوان المسلمون في الحكم .

وأهم المبررات التي بني عليها هذا القرار هو عدم توافر الثقة بين الإخوان ورجال الجيش والحذر من المستقبل على الجماعة كذا فإن الإخوان يرفضون أن يكونوا قلة لا أثر لها في إصدار القرارات وأيضا فإن دعوة الإخوان ورسالة الإخوان لا تتواءم مع الأفكار والاتجاهات التي تخالف الاتجاه الإسلامي . فرجال لدعوة الإسلامية يعتبرون أن الإصلاح وحدة لا تتجزأ , فلا يمكن أن تصدر قرارات تميع الفكرة الإسلامية , ويخشي الإخوان أن تفشل الحكومة في تحقيق أهدافها الاجتماعية والسياسية فيسند ذلك إلى الجماعة هو فشل لدعوة الإخوان وحين يرسخ هذا المعني في ذهن هذا الجيل فإنه من الاخطورة الكبيرة على مستقبل الدعوة وقد يتأخر بزوغها من جديد بعد ذلك أجيال وأجيال .. وإذا كان ولابد من أن يحكم الإخوان فليكن بحكومة إسلامية عقيدة ومنهاجا وأمة , فلا شريك للإسلام في الحكم ( أفحكم الجاهلية يبغون , ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )

ولكن الشيخ أحمد حسن الباقوري أسرع موافقا على الاشتراك في حكومة يوليو وعلى أثر قبول الشيخ الباقوري وزارة الأوقاف أعتبره الإخوان مخالفا أمر قيادة الإخوان . فاجتمع مكتب الإرشاد وأصدر قرارا بفصله من الجماعة ولم يكن قرار فصل الشيخ الباقوري ذا قيمة بالنسبة لجماعة الإخوان التي لا تؤمن بالأشخاص إذ الولاء في الدعوة لله ورسول, إلا أن قرار الفصل قد وضع حدا فاصلا وكشف عن مفاصلة صريحة وواضحة بين رجال الجيش وجماعة الإخوان المسلمون , وكانت هذه أول خيوط الاخلاف ومن هنا بدأ الشيخ الباقوري يغمز الإخوان وقادتهم في تصريحاته وفي خطبه ومقالاته, ولعل أول موقف ظهرت فيه هذه المشاعر السيئة كان في خطبته في حفل افتتاح مسجد الجمعية الشرعية بجوار نفق شبرا حيث هاجم الإخوان بطريقة فيها خبث والتواء وقد رد عليه الإخوان في المسجد بهتافات الإخوان المسلمون وشعاراتهم مما كتبه وأحرجه .

القصة من فم الشيخ الباقوري

... دخلت على الأستاذ الهضيبي وقلت له : سيدي لقد جئت الليلة لأبلغك أنني قبلت الوزارة .

قال : لماذا ؟

قلت : قبلت الوزارة لأنني قرأت عن الإمام حسن البنا كلمة لا أنساها . كان يقول الحكمة ويضرب بالمثل .

قال : وما هي الحكمة ؟

قلت : إن الله يصلح بالسلطان مالا يصلح بالقرآن .. فإذا اجتمعت القوة التنفيذية للآية الكريمة من كتاب الله أو لحديث من أحاديث رسول الله كان ذلك أمضي بما نريد أن نصلح بت .. هذا واحد .. الأمر الثاني أنه كان يضرب المثل دائما بواحد كان في رمضان يولع السيجارة ويفطر .. فلما جاء وزيرا يأمر بالصيام صام .. فالقوة لابد منها ليس الضرب على الأيدي والإرهاب والتخويف .. هذا والإمام حسن البنا وضع فيما وضع " وطريقة أخري معروفة " وإنما فهمت من الطريقة الأخرى أنها ثورة يوليو وبما أن الذين قاموا بها ضباط أحرار مقدرون أنا رأيتهم ولعلك أن تكون قد رأيتهم فيكون في هذه الحالة من الخيانة للوطن أن أتخلي عنهم ولا أستجيب لدعوتهم .. وقد سألت صديقا عزيزا علىّ فنصحني أن اقبل الوزارة فقبلتها..

وأردت أن أستوضح بعد هذا الشرح الوافي نقطة هامة للتاريخ .

هل كان هناك صراع بينكم وبين الهضيبي؟

قال ينفي بشدة:

لا.... الرجل كان راضيا غاية الرضا لأنني بعد أن أسمعته هذا الحديث قال لى : اسمع يا شيخ باقوري.. أنت تعرف أني أقدرك وأحبك وهذا واقع لا ريب فيه ..

وأردت زيادة في الإيضاح أن أسأل : وباقي أعضاء مكتب الإرشاد ..ماذا كان موقفهم ؟

قال الذي يرسم حياته باللوحات :

- كانت صورتهم هكذا.. بعضهم نائم وواضع رجلا على رجل وبعضهم مبوز وبعضهم يكاد يشتمني وبعضهم يكاد ينهال علىّ ضربا ..

  • من تذكر منهم ؟

- حسن العشماوي رحمه الله ومنير الدلة وغيرهما .. ثم قال حسن الهضيبي:

يا أخ أحمد... أكتب لنا ورقة تستقيل فيها من الإخوان المسلمون حتي لا تحمل أوزارنا ولا نحمل أوزارك.

  • ولكن هذا تعسف منهم ..

قال صاحب السماح الدائم :

لا .. هو له وجهة نظر مع الإخوان وأنا لا أتهمه بالتعسف أبدا ..

  • أنت تقدس الحرية :

قال موافقا:

- نعم.. أنا أعطي له حريته .. سألته بعد ذلك : ماذا أكتب ؟

قال الإمام الهضيبي : لا أكتب الذي تكتبه !

قلت : لا .. أكتب ما تمليه علىّ وأرجو ألا نكون مثل تلميذ الجاحظ. فظن أنها سخرية .. وقال : ماذا تريد بتلميذ الجاحظ؟

قلت : الجاحظ أديب العربية الأكبر كان يقول : لى تلميذ أملي عليه فيسمع غير ما أملي ويكتب غير ما يسمع ويقرأ غير ما يكتب ..

فضحك رحمه الله عليه وقال .. أكتب أنت وأرحنا حتي لا يكون هناك جاحظ ولا تلميذ جاحظ ..

فكتبت هكذا :

السيد / المستشار حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فإنني أرجو أن تقبل استقالتي من مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين قاطعني الهضيبي وقال قبل أن أوقع : لا مش بس كده؟

قلت: وماذا تريد إذن ؟

قال : أضف إلى الاستقالة هذه الجملة :

" ومن جميع تشكيلات الإخوان المسلمون في الشعب والأقاليم ".

قلت : حاضر وأضفت هذه الجملة :

" من جميع مؤسسات الإخوان المسلمون في مختلف الشعب وسائر المؤسسات التي فيها مراكز للإخوان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".

أحمد حسن الباقوري

عضو مكتب الإرشاد سابقا

محاكمة رشاد مهنا وفي الرابع عشر من نوفمبر 1952 أقيل رشاد مهنا من مجلس الوصاية على العرش , ولقد كان مفهوما لدي المحيطين بالأمور , بأن اختيار رشاد مهنا واحدا من الأوصياء على العرش, كان لتنحيته عن الاتصال الفعلي بالقوات المسلحة حيث أنه يقوم على قيادة مجموعة من الضباط يؤمنون بأهداف إسلامية . ومعروف أن رشاد مهنا من المتحمسين لإقامة حكم إسلامي .

وقبل أن يتفرع رشاد مهنا لتنظيم حركة يقود بها انقلابا إسلاميا مناوئا لحكم عبد الناصر كانت الحكومة أسرع منه في اتهامه بمحاولة عمل انقلاب عسكري وإعلان حكم إسلامي , وتمت محاكمته وفي العاشر من ديسمبر 1952 حكم عليه بالإعدام , ولكن الرئيس محمد نجيب لم يصدق على حكم الإعدام واستبدله بالسجن المؤبد, وانتهز عبد الناصر الفرصة فأخرج من الجيش من حامت حوله شبهة الاتصال برشاد مهنا أو جماعة الإخوان المسلمون أو من كانت له اتجاهات إسلامية ونشاط إسلامي .

ولست في مجال تحقيق هذا الانقلاب المزعوم الذي كثرت أمثاله في الأيام والشهور الأولي لحركة 23 يوليو بقصد الإرهاب لإبعاد كل من تسول له نفسه التفكير في معارضته الحركة ولكنني بصدد قضية تشير ( بصراحة ووضوح وفي وقت مبكر وحركة الجيش لا تزال في مهب الرياح ) إلى اتجاه رجال 23 يوليو ضد التشريع والنظام الإسلامي فضلا عن الحركة الإسلامية ورغم أن الانقلاب كاذب والمؤامرة مفتعلة , فإن تصريح الحكومة بأنها تحاكم رشاد مهنا بتهمة العمل على إقامة حكم إسلامي مقرر وصادق باعترافها وفيه الدليل على مناوئة حكومة عبد الناصر للدعوة إلى الإسلام منهج حياة .

لهذا كان يتعين على قيادة جماعة الإخوان المسلمون فقها ووعيا وسياسة أن يتنبهوا إلى هذا .

وكان من واجبهم أن يحتجوا على الحكم الذي صدر ضد رشاد مهنا , بغض النظر عن صدق المؤامرة من عدمه باعتباره متهم من أجل العمل للإسلام .. وإن لم يكن رشاد مهنا من الأعضاء العاملين في صوف الإخوان المسلمين . فإنه ولا شك كان يعمل لنفس المبادئ والأهداف التي ينادي بها الإخوان المسلمون.

فكان من واجب الإخوان أن ينصروا موقف رشاد مهنا كما فعل ذلك زميل له من الضباط هو القائمقام حسني الدمنهوري حين قام بمظاهرة احتجاج مسلح على حكم جمال عبد الناصر . وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة .

طرد صول فني من خدمة القوات المسلحة لإطلاقه لحيته

وأصدر إدارة الجيش أوامر إلى جميع الوحدات بالتنبيه على إقامة الصلاة في وقتها مثلما تقام الطوابير , وكان ذلك باعثا لاستيقاظ الروح الإسلامية في صورة احتفالات إسلامية وخطب ومحاضرات . وتحمس بعض ضباط الصف والجنود تمشيا مع روح أوامر إدارة الجيش فأطلق بعضهم لحيته , وتكررت الأوامر بالتنبيه على منع إطلاق اللحي, ولكن أحد الصولات الفنيين قد أصر على إطلاق لحيته وعبثا حاولوا معه ليحلقها , وعارض في أن يقابل أى شيخ من الأزهر لمناقشة إذا كان يحلق لحيته وأما المجلس العسكري الذي شكل لمحاكمة الأخ ( محمد وهبه) الذي لم يتزعزع عن موقفه قال له رئيس المجلس إن أوامر الجيش صريحة في أن يحلق الجندي ( ذقنه) يوميا وهذا يتعارض مع إطلاق اللحية؟ فقال محمد وهبه:" وأيضا أوامر الجيش تمنع مل ضابط وجندي أن يحلق شاربه فهل تفعلون ذلك " فبهت المجلس وصدر قرار بفصله من خدمة الجيش.

تشكيل لجنة لوضع دستور جديد

وفي الثاني عشر من يناير 1953 صدر قرار بتشكيل لجنة دستورية كي تقوم بدراسة مشروع دستور جديد يتناسب مع التطورات التي حدثت بعد حركة 23 يوليو واختير عبد الرزاق السنهوري باشا رئيسا لهذه اللجنة التي تكونت من أكبر مجموعة من الفقهاء القانونيين والدستوريين وبعض الزعماء السياسيين واختير من الإخوان كأعضاء في هذه اللجنة الإخوة الأستاذ عبد القادر عودة والأستاذ حسن العشماوي والأستاذ صالح عشماوي والأستاذ محمد كمال خليفة , واستمرت اللجنة في اجتماعات تواصلة فترة من الزمن شغلت الرأي العام واستولت على اهتمامه وعاشت اللجنة مشغولة بصدق وعزم لإنجاز هذه المهمة الوطنية الاخطيرة وبينما اللجنة في هذه المشغلة العميقة . إذا بقرار من الحكومة يصدر بإلغاء دستور 1023 وكان هذا القرار صدمة عنيفة للشعب وفي مقدمته اللجنة التي كرست وقتها لإنجاز وضع دستور جديد وكان من المفهوم أن الحكومة لن تقدم على إلغاء الدستور القديم قبل أن يتم الاستفتاء على الدستور الجديد الذي كلفت اللجنة بوضعه وبالاستفتاء على الدستور الجديد يصبح دستور 1923 غير ذي دستور ولكن هكذا خدعت الحكومة الشعب واللجنة وأسقط في أيديهم فضاع دستور 1923 في زحمة المفاجأة وعاشت مصر تحكم عسكريا بلا دستور حتى صدر دستور مؤقت في يناير عام 1956 .

إختلاف الأصول بين عبد الناصر وحسن الهضيبي

بدأ أول خلاف في وجهات النظر بين الإخوان والحكومة حين أعلنت الحكومة عن أولي خطواتها في مشروع تحديد الملكية الزراعية وحيث أنها أعلنت عن أنه لا يزال مشروع فقد أعلن فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن الهضيبي عن رأيه بأن يكون الحد الأقصي لتحديد الملكية الزراعية خمسمائة فدان وعلل رأيه هذا بشواهد اقتصادية ونفسية وفنية وبهذا يكون حسن الهضيبي قد عارض الحكومة التي قررت أن يكون الحد الأقصى للملكية الزراعية مائتي فدان فقط ولهذا رفض الرئيس علي ماهر إصدار قانون الإصلاح الزراعي واستقال .

ولقد اعتبر رجال الجيش إعلان حسن الهضيبي لرأيه يكون بذلك مخالفا لرأيهم وهذا غير لائق في العرف العسكري الذي تعودوا على معايشة غير مدركين أنهم بدأوا يتعاملون مع قوم مدنيين وإنما رجال الجيش حديث عهد بالنظام الديمقراطي ومجالس الشيوخ والنواب . هذا بالإضافة إلى موقف المرشد العام تجاه تعيين الشيخ الباقوري وزيرا. والذي أصدر على اثر تعيينه قرارا بفصله من الجماعة متحديا قرار الشيخ الباقوري في قبوله الوزارة بدون موافقة جماعة الإخوان .

ولقد كان القليل من قيادة الإخوان هم الذين يدركون حقيقة جمال عبد الناصر , كذلك فإن الكثير من الإخوان آنذاك لم يكونوا من الفراسة بحيث يستنبطوا أهداف ذلك الرجل وغاياته, اللهم إلا فضيلة المرشد فإنه قد أدرك حقيقة جمال عبد الناصر وأخلاقه وأهدافه مبكرا وصارح أقرب الإخوان إليه بما يخشاه على دعوة الإخوان من مستقبل جمال عبد الناصر .

وكذلك قد أحسن جمال عبد الناصر أن حسن الهضيبي قد كشف حقيقته وسبر أغواره وأنه لم يعد هناك من أمل في تغيير نظرته وموقفه , وأيقن جمال عبد الناصر أن شخصية حسن الهضيبي سوف تعوق مخططه من المكر والدهاء لاحتواء جماعة الإخوان المسلمون وإيهامهم بأنه يعمل بخطوات وئيدة منظمة لخدمة الدعوة الإسلامية دون حاجة إلى لافتة إسلامية تلفت نظر الشرق والغرب الذي قد يعترض ويعطل مصالحنا , كما كان يتحدث بذلك إلى بعض كبار الإخوان الذين اقتنعوا بذلك بل وروجوا له بين عامة الإخوان . ولم يكن من السهولة في هذا الوقت أن نتهم هؤلاء بالبلاهة حيث كانت الأمور لم تتبلور بعد إلى حقيقة واضحة .

أتواصوا بت بل هم قوم طاغون؟!!

ولم يعد سرا ولا من باب التنبؤ أن جمال عبد الناصر كان يخطط من أول يوم لقيام حركة 23 للقضاء على جماعة الإخوان, سواء استدللنا استشهدنا على ذلك بما جاء في كتاب ( لعبة الأمم) أو بما جاء في الوثيقة السرية وهي عبارة عن تقرير اللجنة المؤلفة برئاسة السيد زكريا محي الدين رئيس الوزارة بشأن القضاء على تفكير الإخوان المسلمون بناء على أمر من السيد الرئيس جمال عبد الناصر وأيضا بالوقائع التاريخية لمعارك الحكومة مع الإخوان منذ عام 1954 بل للسف الشديد منذ عام 1936 كما تكشف عنه الوثيقة في البند رقم 8 حيث تقول ( رغم كل المحاولات التي بذلت منذ عام 1936 لإفهام العامة والاخاصة بأنهم يتسترون خلف الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردي بالشعب يؤدي إلى محو هذه الفكرة عنهم رغم أنها بقيت بالنسبة لبعض زعمائهم ) .

والعجيب أن هذا البند السابق يشير إلى معني خطير للغاية فرجال حركة 23 يوليو يتهمون العهد السابق بالاخيانة لأنه كان يضطهد الوطنيين وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمون وأنهم أى رجال الجيش لا صلة لهم بالماضي الذي تنكروا له وجاءوا على أنقاضه للإصلاح فما بالهم في هذا البند يصلون أنفسهم بالماضي حين يقولون بصريح العبارة ( رغم كل المحاولات التي بذلت منذ عام 1936 ..) فكأنهم اعترفوا بأنهم جاءوا كي يتمموا خطة مرسومة للقضاء على جماعة الإخوان المسلمون وصدق الله العظيم حين يقول ( أتواصوا بت بل هم قوم طاغون ) .

ومع كل هذه الأدلة الدامغة بالإضافة إلى الحوادث الدامية والمشانق الرهيبة والتعذيب البشع القاتل من أجل القضاء على الجماعة , فإن جمال عبد الناصر كان حريصا على أن يقضي على الجماعة بالطرق السلمية من وراء حجاب , ما دام ذلك في الإمكان ولا سيما أنه لا يزال في حاجة إلى تأييدهم .

فكانت البادرة الأولي هي العمل على تنحية الأستاذ حسن الهضيبي عن مركز المرشد العام حتي يتسني له اختيار مرشد جديد يكون أكثر لينا وطواعية من الأستاذ حسن الهضيبي وتنفيذا لهذه الاخطة بدأت الإشاعات والإشارات في الصحف والمجلات تمدح الإمام الشهيد حسن البنا دون الإشارة إلى الأستاذ حسن الهضيبي حتي يعزلوا الأستاذ حسن الهضيبي نفسيا وشعوريا عن قلوب الإخوان ثم يغمزونه بأنه عميل للملك فاروق, وأن أحد أصهاره كان موظفا كبيرا في قصر الملك فاروق وفي نفس الوقت كانوا يتغاضون عن الحفاوة بت في أى لقاء كل هذا يتم في الوقت الذي يفسحون صدورهم ووقتهم لمجموعة من الإخوان يوهمونهم ويخدعونهم بأن الأستاذ حسن الهضيبي معوق لحركة الجماعة وأنه متعصب وليست عنده مرونة وبهذا لا يمكن التفاهم معه والأوفق أن يختار الإخوان مرشد جديد تتوفر فيه هذه الشروط حتي يمكن الالتقاء معه على خدمة الإسلام .

وهذا الأسلوب الاخبيث الذي انتهجه جمال عبد الناصر لابد من أن يحقق له هدفين من خلال هدف واحد ذلك بأن هذا المكر السئ يصنع له فتنة تدمر الجماعة كلها بما فيها الأستاذ حسن الهضيبي وكادت هذه الفتنة تأتي بنفس التخطيط الذي رسمه لها الشيطان المريد .. إذ ذهبت مجموعة من الشباب إلى الأستاذ حسن الهضيبي في منزله وطالبته بالاستقالة في إلحاح شديد فلما رفض بقوة وإصرار عادوا فاعتصموا في دار المركز العام للإخوان المسلمين ولولا أن تدخل بعض الإخوة وفاء الشباب إلى رشدهم لتحقق لجمال عبد الناصر ما يريد ولكن الله تعالي خيب أمله ورد كيده في نحره وجدد الإخوان بيعتهم لفضيلة المرشد واستمسكوا بحبل الله المتين .. ولكن لم يبق أمام جمال عبد الناصر إلا أن يكشف عن خبيئة نفسه ويعلن عن سوء نيته بعد أن خاب تخطيطه وتكتيكة, فأضمر في نفسه أمر خطيرا حتي إذا جاء الوقت المناسب فيضرب ضربته القاضية فيما يزعم بل ضربته الاخائنة كما نعلم .. ولكن صدق الله العظيم ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظلمون...)( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ..) .

لعبة حل الأحزاب

سوف يتضح لكل ذي عينين وكل ذي فكر ثاقب وعقل مدرك أن أمر حل الأحزاب في أكتوبر 1953 لم تكن خاطرة جالت برأس جمال عبد الناصر وغنما هي في الحقيقة أمر وارد في مخططه الذي رسمه في ضميره منذ أن استقر له الأمر بعد عزل الملك فاروق وخروجه من البلاد منذ ذلك الوقت والاخطط والآمال والمطامع التي في رأس عبد الناصر وأقول عبد الناصر وحده تتبلور وتتضح ودليلي على ذلك ما تم من إقصائه زملاءه في الحركة واحدا تلو الآخر وإبعادهم تماما عن الميدان السياسي .

وبتفكير وأسلوب عبد الناصر الذي جربناه عمليا بدأ مخططه بأن طلب من الأحزاب القائمة أن تتلائم مع الأحداث الجديدة فتبدأ أولا في تطهير صفوفها من الأشخاص الذين تلوثوا في الماضي بصلتهم بالإنجليز والقصر , ثم يقومون باختيار عناصر جديدة ذات ماض مجيد وحاضر نزيه.

وبدأ رجال الأحزاب يلتقون في شكل جمعية عمومية يتناقشون ويتحاورون يقبلون ويرفضون , يتشاجرون وينقسمون , وطالت هذه المعارك وفشلوا في الوصول إلى تطهير أنفسهم بل ازدادوا خصومة وبغضاء وانقساما وكان هذا هو عين المقصود والمرصود فجاءت الاخطوة الثانية أو الضربة القاضية بعد هذا التمهيد المرسوم فصدر قرار حل الأحزاب السياسية والاستيلاء على أموالها وممتلكاتها .. مع حيثيات ومبررات لا تعجز رجال حركة 23 يوليو عن تدبيجها ولم يشمل قرار حل الأحزاب جماعة الإخوان المسلمون واستثناها من القرار.

لماذا استثني الإخوان المسلمون من قرار الحل ؟

الواقع أن قرار حل الإخوان المسلمون كان قد صدر بالفعل وتصدق عليه مع تأجيل موعد التنفيذ بالضبط كما يفعل بالمحكوم عليهم بالإعدام ولكن عقلية جمال عبد الناصر العسكرية التكتيكية مطبوعة دائما بهذا الأسلوب فإن استثناء جماعة الإخوان من قرار الحل والذي سعي له عبد الناصر شخصيا وباهتمام لدي لسليمان حافظ ليجد مدخلا قانونيا للإبقاء على جماعة الإخوان المسلمون مخالفا ومعارضا في ذلك رأي محمد نجيب الذي رفض مبدأ الاستثناء على الإطلاق . فاستثني الإخوان المسلمون من قرار الحل وهذا له في مخطط عبد الناصر أكثر من هدف , فهو يقرب منه شخصيا قاعدة الإخوان الشعبية ويباعد بينها وبين المرشد العام , حين لا يستطيع أحد أن يتهم عبد الناصر بأنه يعمل ضد الجماعة فتصرفه يشهد بذلك , وأيضا فهو يريد أن يباعد بين تضامن الإخوان مع الأحزاب المنحلة في جبهة واحدة ضد قرار الحل أى حل الأحزاب فلا يعطيهم الفرصة ليقوم بينهم حلف مضاد له , بل حدث بالفعل أن صدرت مقالات في مجلة الأستاذ صالح عشماوي تؤيد ضرب هذه الأحزاب وحلها متأثرة في ذلك بتاريخ الأحزاب وموقفها من جماعة الإخوان المسلمون وخاصة الحزب السعدي .

واجتمعت الهيئة التأسيسية للجماعة في جلسات عدة وصاخبة وأصدرت بيانا يفيد أنها ليست حزبا سياسيا بالمعني المفهوم ولكنها جماعة تصدر عن مفهوم الإسلام الشامل الذي يعني بكل شئون المسلمين ... ونجح جمال عبد الناصر في عزل الإخوان المسلمون وتحذيرهم بنشوة البقاء بينما هو يقضي على أعدائهم التقليديين .

وعبثا حاول الأستاذ حسن الهضيبي أن يلقي الضوء على مفهومه بالنسبة لمخطط عبد الناصر ويبين ما يهدف إليه وخاصة بعد حركة إلغاء دستور 1923. ولكن كيف يمكن لعاقل أن يرفض استثناء الإخوان من قرار الحل ويعارضه ويقبل فكرة أنه يريد أن يقتل الجماعة ؟

لكن تخطيط عبد الناصر خبيث ولئيم لقد وضع الإخوان فى موقعين كلاهما مر . ولم تكن قصة الإخوان مع عبد الناصر إلا عود إلى قصة ( لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض ) .. فقد قيل إن أسدا دخل حظيرة فوجد بتا ثلاث ثيران أحدها أبيض والثاني لونه أحمد والثالث لونه أسود وتنبه الأسد إلى حيلة يفرق بها بين الثيران الثلاثة حتى إذا أقنع الثورين الأحمر والأسود بضرورة التخلص من الثور الأبيض , تمكن الأسد من افتراسه , ثم أقنع الثور الأحمر بضرورة التخلص من الثور الأسود حتى تمكن من افتراسه , ثم أخيرا هجم على الثور الأحمر وأنشب فيه أنيابه , فقال الأحمر وهو يلفظ أنفاسه( لقد أكلت يوم أكل الثور الأبيض ) .. فلو لم يستجيب أحدهم لمؤامرة الأسد لما استطاع أن يفترس الثيران الثلاثة .

في ذكري استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا

ومضي عبد لناصر في تنفيذ لعبته التي خطط لها يضرب ويداهن يبتعد عن قوم ويقترب من آخرين, يضحك تمهيدا لمؤامرة , ويسكت ليمرر موقفا وينحني للعاصفة, فهو في ذكري إستشهاد الإمام حسن البنا في الثالث عشر من نوفمبر 1953 يأمر بالاستعداد لزيارة قبر الشهيد , وتشارك الإذاعة في الذكري بتلاوة القرآن الكريم .. وبعض الكلمات والاخطب في رثاء الشهيد, وتصدر الصحف والمجلات وهي تتحدث عن حسن البنا وجهاده في كل الميادين وتنعي شهيد العروبة والإسلام .

ومما يلفت الأنظار أن الصحف والمجلات تشير إلى كل الأسماء البارزة التي حضرت لزيارة قبر الشهيد حسن البنا , ورغم أن الأستاذ حسن الهضيبي كان على رأس الموجودين وصورته واضحة فإنها لم تذكر اسمه على الإطلاق , وهذا ولا شك من الأسلوب الذي صدرت بت التعليمات إلى كافة الصحف والمجلات فلا يذكر له اسم ولا يسمع له صوت .

المحاكم الاستثنائية ورأى المرشد العام

حين انتهت الحكومة من إلغاء دستور 1923 ثم أصدرت قرار حل الأحزاب كانت الاخطوة الطبيعية تشكيل محاكم استثنائية من رجال الحركة أنفسهم ومهمتها محاكمة رجال الأحزاب المنحلة أسموها محاكم الغدر تارة ومحاكم الثورة مرة أخري, قدم لهذه المحاكم بعض رجال الأحزاب من رؤساء الوزارات والوزراء وغيرهم.

وصدر حكم بالإعدام ضد إبراهيم عبد الهادي بصفته رئيسا للحزب السعدي بتهم مختلفة , ولكن الرئيس محمد نجيب خفف الحكم إلى المؤبد . كذا صدرت أحكام متنوعة بالسجن على كثير من الوزراء السابقين ولعل من الأسباب التي دعت الحكومة لاختلاق تهم لمحاكمة هؤلاء هو أن تباعد بين رجال الأحزاب والمنتمين إليها وبين التفكير في العمل على إعادتها أو التجمع تحت لوائها ثم تخويف عامة المشتغلين بالأمور السياسية من معارضة الحكم القائم .

ولقد نبه الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان إلى خطورة تأييد الحكومة في خطوتها بتشكيل محاكم استثنائية وقال إننا نتمسك بالمحاكم العادية فتكون للجميع على السواء وفي القوانين الحالية ضمان الحقوق الوطن والمواطنين , فاللجوء إلى المحاكم الإستثانية ليس فيه اطمئنان , وإن نحن سلمنا بتا ووافقنا عليها فلا نستطيع مستقبلا أن نعترض عليها إذا قدر لنا أن نصطدم بالحكومة في أى موقف لصالح الإسلام وهذا الوطن , وقال الأستاذ حسن الهضيبي إن المحاكم الإستثنائية ( سلاح ذو حدين ) .

ولكن بطبيعة الحال فإن الحكم العسكري يرسي قواعده بتعليل يرضي الجماهير ويضرب بذلك أعداء الحركة ثم ينقض عليهم بعد أن يتمكن وتثبت أقدامه , والذي تنبأ بت الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله هو الذي وقع !!.

إشاعة استقالة الأستاذ حسن الهضيبي

بدأت اتصالات عبد الناصر بالمجموعة التي قربها إليه والتي خوفها من أنه لن يصبر على موقف حسن الهضيبي وهدد بأنه سوف يستعمل حقوقه في مواجهة الإخوان . وحذر من بقاء حسن الهضيبي على رأس الجماعة, وبعد فترة من الصمت خرجت الجرائد اليومية تحمل للناس نبأ استقالة حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين من الجماعة .. وعلى أثر ذيوع هذا النبأ امتلأت دار الإخوان بالأسكندرية بوفود الإخوان من جميع المناطق يتساءلون ويستنكرون هذا الاخبر الذي كان مفاجأة لعامة الإخوان .

وجاء إلى دار المكتب الإداري بعض مندوبي الصحف والمجلات يستطلعون هذا النبأ ليضيفوا إلى معلوماتهم معلومات جديدة يبعثون بتا إلى صحفهم وقمنا بالاتصال بالأستاذ المرشد في منزله في حي المندرة حيث كان يقيم في فترة الصيف, ولما أخبرناه بالأمر وكان قد علم بت من قبل ابتسم وقال ( إنني سوف أحضر بعد صلاة العصر إلى دار المكتب الإداري وفي هذا سيكون الكفاية ) .

وأنبأنا وفود الإخوان ومندوبي الصحافة بذلك فقوبل إعلان النبأ بالتهليل والتكبير . وفي الموعد المحدد كانت الدار قد امتلأت بالإخوان وغيرهم , وفؤجئ رجال الصحافة الذين كانوا في شك من قدوم الأستاذ المرشد العام الذي استقبل بالهتافات الإسلامية والإخوانية والعناق والدموع مما أذهل المغرضين .

وقام الأستاذ المرشد محدثا عن دعوتهم وموضحا أهدافها ومحذرا من العقبات التي توضع أمامهم... وطالب الإخوان بأن يتعمقوا في فهم الأمور التي تحيط بهم ومن واجبهم أن يتعلموا من الأحداث الماضية , وقال إن دعوتنا دعوة واضحة شاملة لا تقبل التجزئة وأى خلاف فيما بيننا مرده إلى كتاب الله تعالي وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم وهذا وحده هو الحكم ولا يقبل أن نحتكم لأحد لا يؤمن بدعوتنا ولا يعمل لها , الذي لا يدرك ولا يفهم هذا فليراجع إيمانه . ثم استطرد فقال : وعلى كل حال فنحن نشكرهم إذ أعطونا فرصة لم تكن تخطر على بالنا حتي نسعد بهذا اللقاء الطيب المؤمن الذي أثبت حقا أن الإخوان المسلمون جماعة يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع وقال : منذ أيام كنت أجلس أمام منزلي حين جاءني مراسل لإحدي الصحف فأجلسته بجواري وتحدثنا فيما جاء من أجله , وكلما مر علينا أحد من الناس وألقي علينا السلام سألني : هل هذا من الإخوان ؟ فأقول : لا. فقال فكيف تعرف إذن الإخوان من غيرهم ؟ فقلت إني أعرف الأخ بعاطفته وسمته التي ينشرح لها صدري ومن ابتسامته ونظرات عينيه فهتف الإخوان انشراح وسرور, حيث كان هذا المعني من الأستاذ الهضيبي جديدا منه على الإخوان فقد عودهم الإمام حسن البنا رحمه الله على هذه العاطفة المشرفة في لقأته ومحاضراته وجلساته مع الإخوان , حتي أنه رحمه الله كان يعرف الكثير من طبائع وخصائص كل أخ ويعطيه من نفسه بحيث كان يحس أنه قريب جدا من قلب حسن البنا .

وانتهي الحفل بجلسة مفتوحة مع الأستاذ المرشد تجاوب فيها مع عواطف الإخوان ومشاعرهم ورد على كل الإشاعات, ثم ودعه الإخوان وداعا حارا بعواطف جياشة بالحب والولاء , ورغم وجود بعض رجال الصحافة وسماعهم لما قال , ورغم أن وجوده فحسب ينفي إشاعة الاستقالة, فإن الصحافة في اليوم التالي وما بعده لم تذكر شيئا عن هذا اللقاء من قريب أو من بعيد حسدا من عند أنفسهم , وهكذا تتضح حقيقة المؤامرة التي تحاك وتدبر لهذه الجماعة ومرشدها العام .

مؤتمر طلاب الإخوان بالأسكندرية

وكانت إشاعة استقالة المرشد العام بمثابة استفزاز للإخوان أيقظت فيهم الحركة والنشاط , فلم يمض أسبوع على الاجتماع بالمكتب الإداري حتي دعا قسم الطلاب إلى مؤتمر عقد في دار سينما لوتس الصيفية بشارع محرم بك حضرته وفود الطلاب من الجامعة والمدارس الثانوية وكذا الإخوان , ومندبو الجيش والصحافة .

وتحدث بعض الإخوة من الطلاب فأعربوا عن إيمانهم العميق بالدعوة وقيادة الجماعة مستمسكين بكتاب الله تعالي وسنة نبيه .

ثم تقدم الأستاذ المرشد إلى المنصة بين التكبير والتهليل وتحدث إلى الإخوة بصورة نصيحة وجهها إلى الشباب,أن يتمثلوا الدعوة الإسلامية في سلوكهم الشخصي واجتهادهم في تحصيل العلوم والحرص على الاستفادة من الوقت وحسن التعامل مع الناس فإن هذا هو أبلغ دعوة للدعوة ذاتها , ولا زلت أذكر تلميحه اللطيف حين ذكر قصة العاص ابن وائل . ذلك الكافر الذي كان الرسول صلي الله عليه وسلم قد أهدر دمه حين دخل مكة منتصرا , وبعد أن ضاقت به الأرض بما رحبت دخل على الرسول وهو يجلس في حرم الكعبة وألقي عليه السلام عساه يعفو عنه , ولكن الرسول لم يرد عليه السلام إلا في الثالثة, فلما سأل الصحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم لماذا صمت في الأول والثانية قال عليه الصلاة والسلام: لقد انتظرت حتي يقوم أحدكم فيضرب عنقه, قالوا أو ما أومأت إلينا يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين !. ومضي فضيلة المرشد يشير إلى أن الإخوان يجب أن يتميزوا بسلوكهم وأخلاقهم حتي يستطيعوا أن يؤثروا فى المجتمع من حولهم , وأن لا يشغلوا أنفسهم بكل ما يثار حول دعوتهم ورجالها من إشاعات فقد يكون المقصود من ذلك هو أن يشغلوا الإخوان بما ينفعهم فضلا عن إيقاع الفتنة فيما بينهم ولكن لا نجاة إلا بالرجوع إلى كتاب الله الذي يفصل في كل القضايا والمشاكل وختم كلمته ووقف يصافح شباب الإخوان وؤدع أكرم وداع .

من نشاط الإخوان بالأسكندرية

اتسع نشاط الإخوان في جميع أنحاء الأسكندرية وفتحت الشعب من جديد وزاد الإقبال عليها , وحددت كل شعبة يوما خاص لدروس الأخوات المسلمات التي كان ينظمها فضيلة الأستاذ الشيخ حسين المصري, وكانت أبرز الشعب في نشاط الأخوات المسلمات هي شعبة الجمرك وشعبة محرم بك , وكانت الأخت محاسن العزازي المسيري هي همزة الوصل بين الإخوان والأخوات . وكان للإخوان نشاط طيب في جمع المعلومات عن الأسر الفقيرة التي يعتمد لها المكتب الإداري إعانات مالية .

وحين اتسع نشاط الدعوة بالأسكندرية طلب المكتب الإداري من كل شعبة أن تكون لها سيارة خاصة تساعد على تحركات الدعاة , ومكبر صوت كوسيلة من وسائل الدعوة , واشتري المكتب الإداري سيارة لهذا الغرض كان يقودها الأخ ( حسني كاوتش). وانتهز الإخوان تواجد فضيلة المرشد بالأسكندرية فقاموا بإعداد برنامج لزيارة الشعب ووافق عليه . وكانت أول زيارة لشعبة الجمرك .. حيث استقبله الإخوان استقبال كريما , وكان على رأس المستقبلين فضيلة العالم الجليل الشيخ عبد العزيز بلال . ولما شاهد الأستاذ ازدحام دار الشعبة بالإخوان اقترح أن يكون الجلوس على الأرض ولقد كان هذا أروح عند الإخوان وأحب إلى نفوسهم لأنها في هذه الحالة عادة ما تكون مؤنسة ومفيدة تعطي للإخوان مدعاة للتبسط في الحديث والتجاوب والحب , وقامت شعبة الجمرك بإعداد كتاب ( ابن حزم) في أجزاء وقدمته هدية إلى فضيلة المرشد الذي سره كثيرا هذه اللفتة الطيبة من الإخوان.

وكان من الضروري أن يحاط الأستاذ المرشد قبل زيارته الشعب بشئ من تاريخها وظروفها ومراحل نضجها والاخلافات التي قد تكون موجودة في أحيائها .. وهذا مما يساعد فضيلة المرشد على تحديد المعاني والأهداف المقصودة من الزيارة.. وحتى يمكنه أن يتحدث في الأمور اللازمة والمطلوبة .

وقام الأستاذ بزيارة شعبة محرم بك , وكان الإخوان قد أعدوا فرق الجوالة بالمنطقة لاستقباله . وحين طلب منه أن يستعرض هذه الفرق اعتذر مكتفيا بإلقاء السلام عليهم , وفي محاضرته نوه غلى أن يكون اهتمام الإخوان أولا بلب كل أمر , المطلوب من فرق الجوالة هو التعود على النظام والطاعة ولا يفوتنا البعد عن مظاهر تقديس الأشخاص .

وقام الأستاذ المرشد بزيارة شعبة حي المتراس , وكانوا قد أعدوا لذلك سرادقا أمام دار الشعبة وترقبوا حضور الأستاذ المرشد ولكن فضيلته قد دخل السرادق مع أحد الإخوة دون أن يلفت الأنظار وحين جاء دوره في الحديث فوجئ الناس به يقوم ليتحدث إليهم وقد ظنوه شيخا كبيرا ذا لحية بيضاء وعمامة كبيرة . لهذا لم يلفت نظرهم هذا الذي يرتدي قميصا بكم قصير وبنطلونا , وتحدث حديثا بسيطا موجزا ثم جلس مع الإخوة في الشعبة يرد على أسئلتهم .

محاضرة لفضيلة المرشد في كلية الطب

دعا اتحاد طلاب كلية الطب فضيلة المرشد العام لإلقاء محاضرة بمدرج الكلية وقد استجاب الأستاذ للدعوة ... وامتلأ المدرج بالأساتذة والطلاب وتحدث فضيلة المرشد حول مفهوم الإسلام عند الجيل المعاصر وحقيقة مفهوم الإسلام لدي الجيل الذي رباه رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخرج الناس من الظلمات إلى النور .. وكيف استطاع هذا الجيل العظيم أن يقتحم كل العقبات والصعاب ليجوب العالم كله شرقه وغربه حتي بلغ الأمانة للناس على اختلاف أجناسهم وتباعد بلادهم وكيف وصل الإسلام إلى بلاد الهند والسند وأدغال أفريقيا وأعماق آسيا .. وكيف استطاع هذا الدين أن تبقي فيه هذه الروح مع القهر الروسي في روسيا ويوجسلافيا وغيرها إلى الآن . وعرج فضيلة المرشد فربط بين العلم كفريضة على كل مسلم ومسلمة , وقال ليس مفهوم الإسلام عن العلم هو علم التوحيد والفقه فحسب , ولكن الإسلام يدعو إلى العلم المحيط بكل أنواعه ومبتكراته واختراعاته ودعا إلى النظر في الكون واستخراج ما في باطن الأرض .. والطب لا يقوم أساسا إلا على العلم وقد سبق علماء المسلمين في فن الطب علماء العالم أجمع .

ثم تحدث عن واجب علماء المسلمين وعامة المثقفين وأنهم أجدر الناس في أن ينهضوا بالإسلام والدعوة إليه والعمل في سبيل تحقيق أهدافه الكبري , فهم وحدهم بما وهبهم الله تعالي من مميزات وطاقات أقدر على الوفاء بحق العمل للإسلام.. فكل مسلم مطالب بالدعوة إلى الإسلام في مكان عمله بإمكانياته وطاقاته ما دام سلوكه وخلقه إسلاميا .. وقبل أن يختم كلمته نوه بفضل أبناء الطب في الوصول إلى قلوب الناس لو أخلصوا النية في مهنتهم الإنسانية التي تجمع عليهم القلوب .

مسئولية الكلمة

لقد كان قسم نشر الدعوة بالمكتب الإداري يقوم بتوزيع الإخوة الدعاة على المساجد لخطبة الجمعة لأحد الإخوان ... وفي خطبته المسموعة على ملأ من الناس ومن رجال الأمن ... تنبأ بأن حركة 23 يوليو ما هي إلا حركة تماثل حركة كمال أتاتورك في تركيا , وتلازم الشبه بين الحركتين يتجلي رويدا رويدا .. وأخذ يندد بالحركة ..

ودهشت لهذا الكلام الاخطير وتألمت حيث أن الاخطبة كانت مفاجأة صادرة من أحد الإخوان, وقد يفسر كلامه على أنه توجيه من هيئة الإخوان , وهو مفهوم الإخوان عن حركة 23 يوليو . وإذا رفع هذا الأمر إلى قادة حركة 23 يوليو فإنه يعكر الجو الذي لا يزال ساكنا وهادئا وما قاله الأخ الاخطيب ليس له مبرر في هذا الوقت الذي ما زالت فيه الحركة تدعي بأنها إسلامية قرآنية .

ولو أن الذي قال هذا الكلام هو الأستاذ حسن الهضيبي ... فإنه بلا شك سوف يتحمل مسئولية ما يقول وما يحدث , وهو حين يتكلم توزن كلماته بقيمته كمرشد عام للإخوان المسلمين , ولابد وأنه سيكون قد مهد لكلمته السبل وهيأ الأذهان أما أن ينطلق أحد الإخوة فيتجاوز كل الحدود , فيورط الجماعة في مشاكل أكبر من أن يعمل لها حسابا أو يقدر لها مآبا , فهو أمر يحتاج إلى توعية يجعل من الداعية إنسانا يخدم الدعوة ولا يهدمها ويلتزم بما هو مكلف به فلا يتعداه فكل له قدره , والعجيب بعد ذلك أن هذا الأخ غفر الله له قد تنكر للدعوة وتنكر لماضيه وحماسه ونأى بجانبه !!

[قد بدت البغضاء من أفواههم .. وما تخفي صدورهم أكبر ]

مهما حاول جمال عبد الناصر أن يؤخر الإعلان عن عدواته لجماعة الإخوان المسلمون ودعوتهم ومهما حاول أن يداهن بعض الإخوان ويعمي عليهم أغراضه الحقيقية ونواياه الاخبيثة نحو هذه الجماعة التي يعلم مدي خطورتها على مخططه وأهدافه .

فإنه ذات يوم وفي حفل شعبي كبير أقيم في مدينة الحوامدية , أستقبل جمال عبد الناصر بشعارات الإخوان المسلمون ( الله أكبر ولله الحمد ) ( الله غايتنا ) ( الرسول زعمينا) كانوا يهتفون بصدق وحماس ظانين أن هذا الهتاف يلائم طبيعة الموقف والهدف الذي قامت حركة 23 يوليو من أجله , وما علم الناس حقيقة الأمر الذي غاب عنهم .. أن هذا الهتاف معناه في مفهوم عبد الناصر أن هؤلاء جميعا من أنصار الإخوان المسلمون, إذ أنه ليس في الميدان سواهم وهم القوة التي تستطيع أن تصنع التاريخ , فأين شعبيته في هذا الجمع الحاشد ... لم تكن الهتافات لشخص بعينه وإنما الهتافات كانت للدعوة الإسلامية دعوة الحق والقوة والحرية وكانت هتافات الإخوان وشعاراتهم هي السائدة والمهيمنة على جميع استقبالات رجال حركة 23 يوليو منذ الثالث والعشرين من يوليو 1952 حيث تصور الشعب أن هذه الحركة نابعة من روح دعوة الإخوان المسلمون .

وحين وقف جمال عبد الناصر ليخطب في حفل الحوامدية هب الجمهور لتحيته بنفس الشعارات بحماس شديد غير أن عبد الناصر الحقيقي , عبد الناصر المخادع , قد انفجرت البغضاء من باطنه فنطق بتا لسانه .. وهو يصيح في غضب شديد نقلته محطة الإذاعة وقتذاك, قائلا للناس الطيبين الذين جاءوا لتحيته " ما هذه الشعارات التي ترددونها كالبغبغاوات دون أن تفهموها ؟".

وهكذا رماهم الزعيم بالجهل مصادما عاطفتهم النقية ومحدثا لهم خيبة أمل , ومن هذا الوقت لم يستطع عبد الناصر أن يخفي أحقاده وأضغانه التي انفلتت من عقالها , ولا أدري أكان ذلك بتوقيت أم بدون توقيت .. المهم أن تتابع الأحداث بعد ذلك أعطي تأكيدا على أنها كانت إشارة البدء في المواجهة الصريحة بين عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمون .

والذين سمعوا خطاب عبد الناصر في الحوامدية , أسفوا كل السف لبودار المعركة التي لا يعلم إلا الله مداها ونهايتها, فأعداء الثورة كما يسمونها هللوا لهذا الاخلاف الذي سيكون في زعمهم فرصة إما للقضاء على حركة 23 يوليو أو القضاء على جماعة الإخوان وكلا الأمرين في نظرهم يفتح الطريق أمامهم , وأما الذين يشفقون على دعوة الإخوان فقد انقسموا قسمين :

- قسم تحمس لعدم التراجع أمام هذه التهديدات ووجوب الوقوف صفا واحدا ضد النظام دون التسليم له بأية تنازلات .

- وقسم ينصح الجماعة بالمهادنة والتريث والمصالحة محذرا من نية عبد الناصر وتهديداته ووعيده .

وهؤلاء وإن كان مخلصين إلا أن الإخوان اعتبروهم قد جنحوا إلى السلم أو أخلدوا إلى الأرض.

ومن هنا بدأ الانقسام في الرأي , وهذا هو أهم هدف كان يرمي إليه عبد الناصر منذ اليوم الأولي . وحتي يكون عبد الناصر واقعيا مع تهديده فقد بدأ خطوة من الاخطوات التي توحي وتنبئ بما يضمره للجماعة .

عبد الناصر يأمر بتشريد العسكريين من جماعة الإخوان

ولم تمض أيام على الاخطاب الذي ألقاه جمال عبد الناصر في مدينة الحوامدية حتي صدرت أوامر عبد الناصر بنقل وتشريد العسكريين الذين ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمون فجميع الضباط الإخوان في البوليس نقلوا إلى الصعيد في بلاد مختلفة وجميع الضباط والصولات وصف الضباط من الإخوان في القوات المسلحة نقلوا جميعا إلى العريش ورفح وغزة في الصحراء الشرقية.

وصدرت الأوامر بنقلي من الأسكندرية إلى رفح , ولم يمض على وجودي بالأسكندرية عام واحد ... وهكذا عدت إلى ترحيل أسرتي مرة أخري إلى رشيد وأخليت السكن , وناهيك عن المتاعب والمشاكل التي تترتب على مثل هذه الظروف التي تتجدد من حين لآخر وبه الصورة من العنف.

ودعت إخواني في الأسكندرية بنفس الشعور الذي يتجدد دائما في مثل هذه الحالات الطارئة .. تلك الحالات التي تضاعف من الأشواق وتزيد من الروابط وتؤكد الإصرار على الاعتصام بحبل الله المتين , إن الفراق على مثل هذه الصورة من الاضطهاد يزيد من روابط القلوب , ويشد من وحدة الجماعة ويجعل من هذا التشريد قوة للدعوة فلو أن هذا النقل يأتي بصورة عادية فلن يكون له نفس الأثر الذي يصنعه التشريد ودعت إخواني بعواطف جمة وحارة, ودموع ساخنة معبرة واختلست من النظرات الاخاطفة ما يمكن أن يكون تعبيرا رقيقا أو زادا بعين الإنسان على الصبر حتي يعود إلى اللقاء .

إلى رفح

وبلغ القطار رفح وتوجهت إلى معسكر الورشة الرابعة المشاة حيث استقلبني إخواني أحسن استقبال وعلى رأسهم قائد الورشة العقيد المهندس أحمد عوف .. ونزلت مع زملائي الصولات الفنيين وبدأت التعرف على جميع العاملين بالوحدة , وتسلمت العمل بمكتب ( التثمين وكان معي في المكتب مجموعة من الإخوان الفلسطينيين منهم الأخ محمد جمعه صيام وهو شاب مهذب من المهاجرين .

وفي اليوم التالي دعاني الأخ زكي النجار – وهو من الإخوة الذين سبقوني إلى الميدان وسوف يغادر رفح عائدا إلى الأسكندرية بعد وصولي , غير أن ظروف الحوادث بين الإخوان والحكومة قد أخرت عودته أيضا – وقد دعاني لزيارة شعبة الإخوان المسلمين في رفح , وهناك فوجئت بأن للإخوان شعبة ممتازة ومنظمة وقد أشرف الإخوان على شراء الأرض وأقاموا عليها شعبة لنشاطهم , فيها أقسام للطلاب والجوالة والدراسات الإسلامية .وبدأت مباشرة نشاطي مع الإخوة في هذه الشعبة بعد خروجنا من العمل بالوحدة .

وأصبح المسجد في الورشة ملتقانا نهرع إليه في كل صلاة فيه على ذكر ومدارسة وأخوة في الله , وقد استطعنا في فترة وجيزة جدا أن نجمع حولنا في المسجد عددا كبيرا كان قائد الوحدة يسبقنا إلى الصلاة ويجلس معنا في تواضع كأنه أحدنا سواء بسواء .

التوجه إلى إخوان غزة

استجابة لدعوة الإخوان المسلمون في غزة ... فقد خرجنا من رفح صباح احدي الجمع في مجموعة من الإخوة بسلاح الصيانة في سيارتين وكان معنا من الإخوة المدنيين الأخ محمد الأمين رجب فقط والجميع بعد ذلك من العسكريين الفنيين .... وعند وصولنا إلى مدينة غزة وعلى مقربة من شارع الشهيد عمر المختار وجدنا في استقبالنا وفدا من إخوان غزة على رأسهم فضيلة الأستاذ الشيخ عمر صوان- رحمه الله وأفسح له في قبره – وتوجهنا بالحفاوة البالغة التأثير إلى أن وصلنا إلى دار الشعبة لنجد جميع الإخوان هناك في استقبالنا , وبعد أن تحدث فضيلة الشيخ عمر صوان حديثا شيقا تناول فيه جهاد جماعة الإخوان في حرب فلسطين وكيف أن شعب غزة عرف حقيقة دعوة الإخوان من خلال بلائهم وجهادهم الشريف , كما تحدث الشيخ عمر صوان عن أول لقاء له مع الإمام الشهيد حسن البنا حين جاء على رأس المجاهدين من الإخوان المسلمين إلى غزة وكانت قوات الإخوان المسلمون هي أول قوات المتطوعين الذين لبوا نداء العقيدة للدفاع عن الأرض المقدسة ثم بعد أن أنهي حديث الشيق وقفت لأشكر الإخوة الكرام على حفاوتهم الأخوية الصادقة بإخوانهم الوافدين إليهم من مصر وقد دعوت إخواني القادمين معي إلى إلقاء بعض الأناشيد الإسلامية الإخوانية فوقفوا في صفوف بملابسهم العسكرية الجميلة وألقوا نشيد ( الكتائب) مما أثار حماس الإخوان فتعالت الهتافات الإخوانية الله أكبر ولله الحمد وفي ختام هذا اللقاء قدمت هدية إخوان مصر إلى إخوان غزة والتي كانت عبارة عن لوحات من الوصايا العشر في إطارات جميلة.

وقبل موعد صلاة الجمعة توجهنا إلى مسجد كبير في حي القصيرية بغزة حيث أدينا صلاة الجمعة وقد طلب مني التعقيب بعد الصلاة فقمت وألقيت كلمة في الحث على الجهاد والتضحية في سبيل الله وقد رحب بنا جمهور هذا الحي ترحيبا جميلا .

ثم عدنا إلى دار الشعبة حيث تناولنا الغداء على مائدة الإخوة , وبعد صلاة العصر توجهنا إلى منزل الشيخ عمر صوان حيث جلسنا جلسة إخوانية لطيفة على مائدة الشاي وقبل صلاة المغرب كنا على موعد في شعبة الإخوان في حي ( الرمال ) لحضور محاضرة تحت عنوان ( من أعماق الدعوة ) دعي إليها أبناء غزة من مختلف الطبقات وبعد صلاة المغرب حيث امتلأت الساحة الاخارجية لمسجد الإخوان في شعبة الرمال ذلك المسجد الذي أنشأه الأخ الكبير الصالح الحاج صادق لمزين نائب شعبة الإخوان والذي كان على رأس المستقبلين لنا في غزة وشعبة الرمال .

وانتظم الحفل الذي حضره الأخ المستشار مأمون حسن الهضيبي وفضيلة الأستاذ الشيخ محمد الأباصيري واعظ غزة ونخبة من أعيان مدينة غزة وشبابها المثقف وقام الأخ الشيخ محمد الأباصيري حيث قدمني للإخوان في محاضرة عنوانها من أعماق الدعوة .. وقبل أن يبدأ الحفل كان قد جلس إلى جواري شخص لا أعرفه تحدث معي وطلب مني أن أعرج في حديثي عن الشباب المتكبر والمنتفخ والمتعالي , وأن أنصحه بالتواضع وعدم الاستعلاء وكان ذلك قبل أن أقوم إلى المنصة, وقد جنبني الله تعالي الإنزلاق والوقوع في هذا لخطأ الذي لو كنت قد فعلته حسب نصيحة هذا الناصح لقطعت ما بيني وبين المستمعين من صلة القلوب وتآلف الأرواح .. ولصار حديثي معهم حديث الناصح والموجه والمؤدب , لكن الله أكرمني فلم أنوه عن شئ . وإنما التزمت التزاما كاملا بموضوع المحاضرة التي كنت قد أعددتها إعدادا طيبا لأنها تمثل الواقع العملي الذي مارسته في حياتي مع الدعوة بل وعايشته معايشة فعلية في مسيرتي مع قافلة الإخوان المسلمون لهذا كان الموضوع سهلا وميسرا والحمد لله رب العالمين .

وبعد أن انتهيت من إلقاء المحاضرة قام الإخوة الضيوف الذين حضروا معي وهم يرتدون ملابسهم العسكرية وأنشدوا نشيد الكتائب فان له أعظم الأثر في نفوس الحاضرين الذين اقبلوا علينا مصافحين ومحيين بشوق المؤمنين وحرارة المجاهدين .

وأبي الإخوان في غزة إلا أن نبيت معهم هذه الليلة وأمام إصرارهم استجبنا لدعوتهم ولكننا اشترطنا أن يكون المبيت في مسجد الرمال وسرعان ما أحضر الإخوة من منازلهم الفرش والأغطية والأطعمة المختلفة وبدأنا بعد المحاضرة نعد العدة لندوة واسعة في صحن المسجد استمرت إلى ما بعد منتصف الليل والجميع يشعرون بسعادة غامرة وفرحة ولم تعد لهم فرصة ليذوقوا طعم النوم ودعانا الوالد الفاضل الحاج صادق المزين لزيارته في منزله العامر لتناول الشاي عنده , فاستجبنا لذلك لفرط شعورنا بإخوته الصادقة وروحه الكبيرة وكرمه الذي صار مضرب الأمثال وبعد صلاة الفجر وتناول طعام الإفطار قام الإخوة الأحباب بتوديعنا بأشواق وعواطف حارة جزاهم الله عنا خير الجزاء .

شعبة للإخوان بالورشة الرابعة المشاة

وفي الورشة الرابعة المشاة بدأنا نشاطا مكثفا بين الإخوة من المدنيين والعسكريين على السواء وخاصة الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في صفوف الجيش كعمال وموظفين فكنا نخرج من الوحدة بعد انتهاء العمل ونذهب إلى شعبة الإخوان في رفح تلك الشعبة التي بناها الإخوان على نفقتهم الاخاصة وأقاموا فيها أنواع النشاط المختلفة من رياضية واجتماعية وثقافية والمحاضرات والندوات الإسلامية وبدأ الإخوان في الورشة الرابعة يتوجهون في كل أسبوع لزيارة شعب الإخوان في النصيرات وخانه يونس فيستقبلون أحسن استقبال ويحسون بالتبعة الكبيرة الملقاة على عاتقهم.... مما جعلهم يفكرون في واجب مساعدة إخوانهم المهاجرين , فأرسلوا إلى القاهرة يطلبون لهم الملابس والأغطية والكتب المدرسية الإسلامية لكل مراحل التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي وكان هذا التفكير قبل تفكير حكومة مصر في مشروع ما أسموه ( قطار الرحمة) لقد كنا نزور شعب الإخوان ليلا في ضوء القمر وكان أعظم ما يؤثر في نفوسنا .. تلك المجموعات المؤمنة من شباب فلسطين وهم يأتوننا سيرا على الأقدام من مسافات بعيدة ليستمعوا إلى إخوانهم في حب وعاطفة وأخوة صادقة وكان اشد ما يؤلمنا أن نراهم في ملابس ممزقة وحالة يرثي لها وهم يعانون من شدة البرد .. الأمر الذي آلمنا ودفعنا إلى طلب الغوث لهم وهكذا قام الإخوان في الورشة الرابعة بالمشاركة في هذا المجهود الطيب تأكيد لروابط الأخوة الإسلامية التي جمعنا الله عليه .

عود على بدء 

قضية مقتل الإمام الشهيد حسن البنا

لقد كنا نستمع في غزة إلى أخبار محاكمة الذين قاموا باغتيال الإمام الشهيد حسن البنا بعد ما أعادت الحكومة تحريك هذه القضية من جديد , كانت الإذاعة المصرية تأتي كل يوم بموجز عن جلسات المحاكمة , ويهمني أن أنقل هنا مقتطفات من مجلة الدعوة عن هذا الحادث الاخطير والتعليق عليه حتي أستكمل الصورة التاريخية لمقتل الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله .

القضية بالأرقام

وقع الاعتداء على الإمام الشهيد بإطلاق الرصاص عليه فى الساعة 8,20 من مساء يوم 12 فبراير 1949 وكانت أولي إشارات التبليغ عن الحادث من جمعية الإسعاف الساعة 8,50 حيث تم الحادث أمام باب دار جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة نازلي بالقاهرة, وفتح أول تحقيق في الحادث الساعة 9,50 في مستشفي القصر العيني وانتهي آخر التحقيقات الساعة 8 من مساء يوم 18/12/1952 وبذلك تكون القضية قد استمر تحقيقها 3 سنوات و10 شهور و5 أيام و 23 ساعة و50 دقيقة .

بلغ عدد التحقيقات 6 تولاها 8 محققون من النيابات الجنائية والعسكرية وبلغ عدد صفحات التحقيقات 5000 صفحة من حجم الفولسكاب, كان عدد المتهمين الذين قدموا للمحاكمة عن إتهام الحكومة 9 وعدد شهود الإثبات 23 وشهود النفي 9 وقضي بإدانة 4 متهمين وبراءة 5 كما أدانت المحكمة في حكمها حكومة السعديين وبلغ عدد المحامين في هذه القضية 21 محاميا حضر منهم 6 عن المدعين بالحق المدني و14 عن المتهمين ومحام واحد عن الحكومة .

إستغرق الفصل في طلب رد دائرة المستشار الأستاذ أحمد كامل ثابت وما ترتب عليه من رد دائرة الأستاذ مرسي فرحات شهرا كاملا و16 يوما .

بدأت دائرة الأستاذ محمود عبد الرازق نظر القضية في 16 / 5 / 1954 – وانتهت منها بإصدار الحكم فيها في 3/8/ 1954 وبذلك قد استنفذت في نظرها شهرين و17 يوما عقدت خلالها 24 جلسة وقضت منها 26 يوما للمداولة لوضع الحكم وكتابة حيثياته وأسبابه.

أصدرت المحكمة حكمها في أغسطس سنة 1954 وبذلك يكون الفصل فيها قد جاء بعد 5 سنوات و5 شهور و21 يوما و14 ساعة و15 دقيقة بالضبط من وقت وقوع الحادث .

الحكم في قضية مقتل الإمام الشهيد

وأخيرا أصدرت المحكمة حكمها مطبقة فيه المادة السابعة عشرة من القانون فقضت بالسجن المؤبد على المتهم أحمد حسين والسجن خمسة عشر عاما للمتهمين محمود عبد المجيد ومحمد محفوظوسجن محمد الجزار سنة وبراءة باقي المتهمين , كما قضت المحكمة بمبلغ عشرة آلاف جنيه للمدعين بالحق المدني عن مقتل الشهيد حسن البنا وتعويض الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي بمبلغ 2000 ألفي جنيه مصري . عاشت هذه القضية في صراع كالصراع الذي عاش فيه الإمام الشهيد الأستاذ حسن البنا وتجاذبت الأحداث هذه القضية التاريخية التي اهتزت لها الأمة الإسلامية في أرجاء العالم.

ولقد اعتدي الآثمون الجناة على الإمام الشهيد بعد أن استقل احدي سيارات الأجرة على أثر انصرافه من المركز العام للشبان المسلمين بالقاهرة في الساعة الثامنة والثلث مساء يوم 12 فبراير 1949 بعد أن أعدت للجريمة عدتها واستدرجت الحكومة غريمها إلى الجمعية متسترة وراء مفاوضات ابتدعتها ليوقعوه في فخ نصبوا شباكه وأحكموا تدبير مؤامراتهم الدنيئة بعد أن أطمأنوا إلى نفر من الجبناء الذين حملوا وزر تنفيذها فاشتروا الضلالة وقد خلت قلوبهم من مراقبة الله وخشية المنتقم الجبار .

وكان الإمام الشهيد قد أصيب بخمس رصاصات ونقله رجال الإسعاف إلى مستشفي قصر العيني حيث استكملت حلقات الجريمة إذ أجهزوا على المرشد الشهيد بإهمال إنقاذه وتعمدوا ألا يبذلوا جهدا لإسعافه وإيقاف ما أصيب به من النزيف الحاد الذي اقترن بإصاباته , وقد أكد الطبيب الشرعي أن إهمال الإسعاف كان من أهم الأسباب التي أودت بحياة الإمام الشهيد .

وأكدت الأدلة والقرائن التي نطقت بها التحقيقات أن الحكومة التي وقع في عهدها الحادث . حكومة إبراهيم عبد الهادي , قد بذلت جهدها لإخفاء معالم الحادث ومادياته وأدلته لتنفي بهذا عن السعديين الجريمة التي دبرها ونفوها بعد أن تناسي كبار حزبهم دليلا قدمه شباب السعديين قبل ارتكاب زعمائهم للحادث حين ردد هؤلاء الشبان هتافاتهم في جنازة النقراشي مطالبين برأس حسن البنا ثأرا لدم زعيمهم النقراشي .

وشهدت هذه القضية أكبر عدد يمكن أن يتوفر لقضية من الشهود , وكان شهود الحق يرعون الله الذي أقسموا بجلال اسمه أن يقولوا كل الحق , وقد أصيب الإمام الشهيد بخمس رصاصات أصابته إحداها بالوجه الاخلفي للرسغ الأيمن والثانية تحت الإبط الأيمن والثالثة بالجبهة اليمني بجهة الصدر والرابعة في مقدم الصدر بالجهة اليمني أعلي حلمة الثدي والخامسة في منتصف الجهة الوحشية للفخذ الأيسر .. وكانت الرصاصة السادسة من نصيب الملابس التي شهدت مصرع شهيد الإسلام وبللها دمه الغالي الكريم .

جناية عسكرية

وقد بدأ التحقيق في هذا الحادث بعد وقوعه بساعات وانتهي في 18 ديسمبر عام 1952 وقيد برقم 1701 جنايات عسكرية قصر النيل سنة 1952 .

وكان المرحوم الأستاذ عبد العزيز حلمي رئيس نيابة جنوب القاهرة أول من تولي تحقيقات هذه القضية وقد بدأها ليلة الحادث 12 فبراير 1948 وانتهي دوره في 2 مارس 1949, وقد سئل في هذه التحقيقات محمود عبد المجيد ومحمد محفوظبعد أن قامت حولهما الشبهة بأقوال الشاهد الأولي محمد يوسف الليثي ولم يوجه إليهما الاتهام . وفي 17 مارس 1949 أعيد فتح التحقيق بعد أن أخطر الملازم أول عزت النقيب الضابط بسجن شبين الكوم بأن المسجون الفلسطيني صلاح أحمد بركات قد ادعي أنه هو قاتل المرشد الشهيد ولكن هذا المسجون عاد فأنكر ما اعترف به للضابط أمام نيابة شبين الكوم .

وفي عهد حكومة الرئيس السابق سري استأنفت التحقيقات بعد أن تلقت النيابة بعض الشكاوي وقد بدئ التحقيق في 8 نوفمبر 1949 وانتهي في 24 فبراير 1950 وسئل في هذه التحقيقات المتهمون محمود عبد المجيد ومحمد محفوظوحسين كامل وعبده أرمنيوس وأحمد حسين ومحمد سعيد وحسين محمدين ومحمد الجزار , وكشفت التحقيقات عن أهم وقائع الدعوي وهي استقدام المخبرين المتهمين من سوهاج بإشارة تليفونية قبل الحادث لارتكابه ولكن الأدلة لم تكن قد اكتملت لدي النيابة فقررت إخلاء سبيلهم .

وقررت النيابة العسكرية ضم القضية بعد ذلك إلى قضية الأوكار دون أن يصدر قرار النيابة فيها وأعيدت التحقيقات من جديد في 26 يوليو سنة 1952 وفي هذه التحقيقات بدأت سلسلة اعترافات المتهم محمد محفوظوالبكباشي محمد الجزار وأحيل التحقيق بعد ذلك إلى النيابة العسكرية وتولاه الأستاذ فؤاد سري في 19 أغسطس 1952.

واختارت الجمعية العمومية لمحكمة استئناف القاهرة المستشار الأستاذ حسن داوود إعادة التحقيق في القضية وبدأ تحقيقاته في أول أكتوبر سنة 1952 وانتهي منها في 18 ديسمبر سنة 1952 وكان المستشار حسن داوود آخر من تولي التحقيق في هذه القضية بعد أن استمرت التحقيقات ثلاث سنوات وعشرة شهور وستة أيام .

وكان جميع المتهمين قد قبض عليهم ثم تقرر إحالتهم إلى غرفة الاتهام التي قدمتهم إلى محكمة الجنايات أمام الدائرة المشكلة برئاسة المستشار كامل ثابت وتحدد لنظرها دور يونيو سنة 1953 وتأجلت إلى دور سبتمبر .

وقدم المتهمون محمود عبد المجيد وحسين كامل وعبده أرمنيوس ومحمد الجزار ومحمد محفوظوأحمد حسين سعيد وحسن محمدين للمحاكمة بتهمتي قتل الإمام الشهيد حسن البنا عمدا ومع سبق الإصرار والشروع في قتل الأستاذ عبد الكريم منصور الذي أصيب بعيارين ناريين من رصاص الجناة .

ورد المحامي عن المدعين بالحق المدني دائرة الأستاذ كامل ثابت .

ونظر الرد أمام الدائرة المدنية برئاسة المستشار الأستاذ مرسي فرحات وردت هذه الدائرة فأحيل الرد إلى الدائرة السابعة المدنية التي قررت عدم قبول الرد شكلا وبرفض الرد المقدم من الأستاذ عبد الكريم منصور .

الدائرة التي حكمت

وتنحت دائرة كامل ثابت ووكل أمر الفصل في الدعوي للدائرة التي شكلت برئاسة المستشار محمود عبد الرزاق وانتهت المحكمة من نظر القضية يوم 2 أغسطس للنطق بالحكم .

مرافعة الأستاذ علي نور الدين ممثل النيابة في قضية مقتل الإمام الشهيد

حضرات المستشارين المحترمين

الجريمة المقدمة إليكم اليوم تعد من أخطر الجرائم التي نكبت بها البلاد , وتتمثل الخطورة في أنها أدت إلى مقتل رجل من رجال الدين الأجلاء هو الأستاذ الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين فضلا عن أنها جريمة قتل دبرتها الدولة في سبيل القضاء على دعوة معينة كانت تلقي تأييدا من عدد كبير من المواطنين وكانت تري فيها الدولة ما يهدد كيانها فرأت أن تقضي عليها بالتخلص من المرشد العام لها .

عصور البربرية

وهكذا كرست الدولة جهودها في سبيل القضاء على رجل أعزل من السلاح فدبرت الجريمة الشنعاء بواسطة رجال الحكومة ونفذت بواسطة رجال الأمن المفروض فيهم المحافظة على أرواح المواطنين , وهكذا عادت بنا هذه الحكومة إلى عصور البربرية الأولي حيث كانت شريعة الغاب وحيث كان السيف هو اللغة الوحيدة لمناقشة أى رأى أو أى فكر يروق الحاكم وبذلك نسيت وظفتها الولي في حماية الناس وتمكينهم من التعبير عن آرائهم وأفكارهم ولم تجد وسيلة لمناقشة فكرة معينة لم ترقها إلا بقتل صاحب هذه الدعوة .

هذه هي جريمة القتل المعروضة عليكم اليوم وهي جريمة اغتيال بشعة كان لها أسوأ وقع في نفوس جميع المواطنين سواء من كان يؤيد دعوة المجني عليه أو لم يكن يؤيدها لما تحمله هذه الجريمة من البغض الشديد إذ نري الدولة وقد تردت إلى الدرك الأسفل من الإجرام وأصبح رجال الأمن يكونون عصابة من السفاحين تعمل على تنفيذ الجرائم بدلا من تنفيذ القانون والمحافظة على أرواح المواطنين.

عوامل تهدد الحكم

أما عن القسم الأول فقد ذكرت لحضراتكم أن دعوة الشيخ حسن البنا كانت في نظر أصحاب الحكم في الدولة في هذا العهد جريمة وكان هو شخصيا من أكبر العوامل التي تهدد الحكم وكانت هذه الحقيقة معروفة للعامة قبل الاخاصة وهي التي أدت إلى محاربة جماعة الإخوان المسلمون مما أدي إلى حلها وتشتيت أعضائها وإهدار دم المجني عليه .

الملك السابق والجريمة

وقد ثبت في التحقيق من أقوال رجال الملك السابق أنه كان يعتبر جماعة الإخوان المسلمون خطرا على عرشه , وكان يري أن مبادئهم تؤدي إلى خلعه عن العرش لأنها كانت تنادي بالخلافة عن طريق المبايعة لا عن طريق الوراثة, ,أنه هو الذي أصدر الأمر بحل جماعة الإخوان المسلمون , وأخيرا فقد أوغل هذا الملك في الجريمة فسر بوقوعها وأظهر هذا السرور لأنصاره المقربين إليه فور وقوع الحادث مباشرة وهكذا كان أمر الحل ثم كان التدبير والقتل .

بهذه الكلمات بدأ الأستاذ على نور الدين ممثل النيابة بقية مرافعته في قضية مقتل الشهيد المنتصر حسن البنا ... تري كان فاروق يظن أن حسن البنا سينتصر هكذا سريعا ؟ أغلب الظن أنه لو كان يظن لتروي في الأمر طويلا !

تعليق الأستاذ سيد قطب

فبراير 1949 يوليو 1952

ألا ما أسرع الزمن ! وما أقصر ما تنقضي الأيام ! وما أشد ما تتبدل الأحوال . لو كان الطغاة يدركون ويعتبرون ! أنها لم تكن إلا سنوات أربع تنقض ولا تزيد .. أربع سنوات بين مقتل الشهيد الذي ضجت له الأرض والسماء ومصرع الطاغية الذي لم يأس عليه أحد لأنه أغضب الأرض والسماء , لم تكن إلا سنوات أربع تنقص ولا تزيد منذ أن ظن الديكتاتور أنه تخلص من خصمه الأعزل الذي يطارده ويقض مضجعه وحسب أنه سيعيش آمنا على طاغوته , آمنا على لذائذه ولكنه لم يعش ليلة واحدة آمنا منذ ليلة الجريمة فمنذ عام 1948 ومصر كلها قد انقلبت تطارد فاروق .. الجامعة تمزق صورة وتحرقها وتدوسها بالنعال , والأقلام الحرة تناوشه وتفري جلده بالسياط وألسنة العامة تتندر عليه وتمزق سمعته في السواق وقلوب الجماهير ترسل شواظا ودخانا من نار .. لم يبت فاروق ليلة واحدة في أمان حتي لياليه الحمر لقد كان يقضيها منذ ذلك الحين تحت الحراسة الشديدة وفي فزع ورعب قاتلين .

لقد انتصر حسن البنا الشهيد الأعزل , فلا نملك الحديث عنه , ولكننا نسجل انتصار الحق وخذلان الباطل , نملك أن نسجل مصير الطغيان .. نملك أن نسجل أن الدعوات لا يمكن قتلها بقتل الرجل .. نملك أن نسجل مصداق قوله تعالي :

(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ... صدق الله العظيم

سيد قطب

علامات استفهام

- من الذي أمر بسحب التليفون من منزل الإمام الشهيد حسن البنا عقب حل الإخوان ؟

- من الذي أعطي أمرا بسحب المسدس الذي كان يحمله الإمام الشهيد حسن البنا ؟

- من الذي أعطي أمرا بإطفاء نور شارع الملكة نازلي وقت الحادث ؟

- من الذي قام بإغلاق الدكاكين والقهاوي المواجهة لجمعية الشبان؟

- أين كانت قوة البوليس والمخبرين التي كانت تتبع الإمام الشهيد أينما ذهب ؟

- لماذا رفضت المحافظة تعيين حارس مسلح للإمام الشهيد كما طلب ذلك تليفونيا من محافظ العاصمة فؤاد شيرين وأيد ذلك بخطاب موص ؟

- من الذي كتب البيان الذي وزع على الصحف في اليوم التالي لارتكاب الحادث والذي رفضت جريدة المصري نشره وقامت الجرائد كلها بنشره ؟

- دمعة وفاء

- كنت منقولا إلى أسيوط – حسبما رويت سابقا – ودوي نبأ اغتيال فضيلة المرشد كالصاعقة أو الزلزال, واهتزت الأمة الإسلامية من هول الصدمة واستمرت إذاعات العالم تروي تفاصيل هذه الفاجعة الأليمة.

فإنه في شارع الملكة نازلي ( سابقا) وأمام جمعية الشبان المسلمين أعدت الدولة ( حامية الأمن) مسرحا لعملية اغتيال الشهيد حسن البنا , فأطفئوا الأنوار وأغلقوا الحوانيت ولغموا المنطقة برجال البوليس السري والعلني حتي إذا خرج حسن البنا من دار الشبان بعد مناورة مدبرة كانت أيدي المجرمين الجناة على زناد الأسلحة.

طلقات الرصاص تنهمر على الشهيد حسن البنا ومن معه الدماء الذكي تنفجر , الموقف مهيب رهيب , تذهل من هوله العقول وتنخلع له القلوب , حسن البنا يخرج من سيارة التاكسي التي ما فتئ يركبها والدماء تسيل , يسير على قدميه ثابت الجنان قوي الإيمان , لا أثر عليه من فزع أو جزع , يدير قرص التليفون ليطلب عربة الإسعاف بنفسه لنفسه عربة الإسعاف التي كانت جاهزة التنفيذ لتحمل أعظم أمل للأمة الإسلامية حيث يتربص به الأنذال والطغاة في مستشفي القصر العيني , تركوه ينزف دم الإسلام في مؤامرة دنيئة خسيسة أدمت قلوب الملايين من المسلمين في شتي أنحاء العالم .. إنني لا أبكي حسن البنا فقد نال أسمي الأماني وإنما أنا ابكي حال هذه الأمة التعسة , واشكوا بثي وحزني إلى الله .

الوثائق السرية الأمريكية

من قتل حسن البنا؟

السفارتان الأمريكية والبريطانية تعرفان القاتل بعد 9 أيام والحكومة المصرية تقبض عليه بعد 3 سنوات.

هذه هي قصة اغتيال حسن البنا المرشد العام الجماعة الإخوان المسلمون أقدمها من خلال الوثائق السرية الأمريكية المحفوظة بمركز الأرشيف القومي في واشنطن وهو مبني يقع على بعد خطوات من البيت الأبيض .. ومعظم أدوار هذا المبني يقع تحت الأرض , خوفا على الوثائق, وهناك فرق بين مركز الأرشيف الأمريكي ودار الوثائق في شارع البرتغال في لندن .. حجرة المطالعة في واشنطن يجلس على بابها رجل شرطة يفتش حقائب كل من يخرج خوفا من أن يغادر القاعة ومعه وثيقة لا تغير مجري التاريخ ولكنها قد تغير تفسيره , ولكن ليس هذا هو الفرق الضخم في أمريكا يذيعون الوثائق بعد 25 سنة , بينما في لندن يذيعونها بعد 30 سنة .. وفي السنوات الأخيرة لمصر ... قبل الثورة .. كانت اهتمامات أمريكا قد زادت بالنسبة للشرق الأوسط , وعارضت الولايات المتحدة في أن يكون لأية دولة من دول الحلفاء مركز خاص – في أية دولة – في الشرق الأوسط ... وكان المقصود بذلك – بطبيعة الحال – بريطانيا !.. وكان السفير البريطاني في مصر في تلك الأيام يبلغ السفير الأمريكي بل السكرتير الأول للسفارة الأمريكية بكل ما يعرفه من معلومات عما يجري في مصر .. بل إن نشرة المخابرات البريطانية كانت ترسل أولا بأول إلى الحكومة الأمريكية . وكان السفير الأمريكي يبلغ حكومته بالمعلومات والأنباء نقلا عن السفارة البريطانية وللسفارة البريطانية – كما هو معروف – النفوذ الأول في مصر ومن هنا فإن أنباءها التي تبلغ للسفارة الأمريكية موثوق بها .

وإذا كانت الحكومة البريطانية لم تفرج بعد عن الوثائق السرية الخاصة باغتيال حسن البنا فإن الحكومة الأمريكية قد أفرجت عن هذه الوثائق .

مصر قبيل استشهاد الإمام حسن البنا

كانت شهورا عاصفة في مصر تلك التي صاحبت أو تلت دخول الجيش المصري حرب فلسطين ... إلقاء القنابل في كل مكان .... اغتيال المستشار أحمد الخازندار وسليم زكي حكمدار القاهرة .. محاولة نسف بيت مصطفى النحاس ووكالة حكومة السودان ومحكمة الاستئناف .. استعمال ( طوربيد) من الديناميت لتفجير محلي شكوريل وأوريكو.. و....و.....و....

واتهم الإخوان المسلمون بتدبير معظم هذه العمليات فأصدر رئيس وزراء مصر والحاكم العسكري العام أمرا بحل جماعة الإخوان يوم 8 ديسمبر 1948.

وبعد عشرين يوما من تاريخ الحل اغتيل النقراشي داخل وزارة الداخلية , قتله طالب في " مدرسة الطب البيطري" اسمه عبد المجيد أحمد حسن واعترف بأنه كان واقعا تحت تأثير الإخوان , وأنهم دربوه في " النظام الاخاص " أو " التنظيم السري للإخوان "!

وتولي الوزارة إبراهيم عبد الهادي باشا .. وبعد 46 يوما بالضبط قتل حسن البنا المرشد العام للإخوان والذي كان يوافق اليوم التالي لعيد جلوس ملك مصر فاروق .وفي كل الجرائم السابقة ضبط القتلة والمجرمون ... أما في جريمة حسن البنا فإن التحقيق بدأ فورا تم توقف دون أن يحفظ في عهد إبراهيم عبد الهادي وحسين سري ومصطفى النحاس, حتي جاءت ثورة 23 يوليو فقبض على كل الذين كانت تشير إليهم أصابع الاتهام دون أن يجرؤ القانون على أن يمسك بهم وقتئذ.

وفي السجن الحربي بدأت الاعترافات , وكان أول المعترفين الباشجاويش الذي نقل قتلة حسن البنا إلى مكان الجريمة . وتولي التحقيق مستشار جديد هو حسن داوود حتى يكون التحقيق بعيدا عن شبهة التعذيب أو الإكراه وهو ما عرف بعد ذلك عن التحقيقات التي تمت في السجن الحربي وقدم المتهمون إلى محكمة جنايات عادية برئاسة المستشار محمد كامل ثابت الذي أدان 4 متهمين بالقتل .

وقصة القتل والمحاكمة معروفة .. ولكن المجهول هو دور الحزب السياسي الذي كان يحكم مصر وقت حدوث هذه الجريمة ودور الأحزاب الأخرى في تأييد الجرائم السياسية بصفة عامة وهو الدور الذي يكشف عنه الستار بهذه الوثائق ....

فهذا هو باترسون القائم بأعمال السفارة الأمريكية في القاهرة يبعث إلى وزير خارجيته في واشنطن ببرقية يوم 14 فبراير 1949 يصف فيها كيف دفن حسن البنا ومن هو المتهم, أو المتهمون باغتياله.. قال باترسون:" تم في هدوء دفن الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين في التاسعة من صباح الأحد 13 فبراير بعد أن أصيب بجراح نتيجة رصاصات أطلقت عليه في منتصف ليلة السبت 12 فبراير على يد جناة غير معروفين عند مدخل جمعية الشبان المسلمين وقد تم الدفن السريع الذي له مثيل حتى في مصر التي يقضي القانون فيها بدفن الجثة بعد الوفاة بأربع وعشرين ساعة تحت ضغط الحكومة التي خشيت من أن تكون الجنازة العامة للرجل مناسبة لأتباعه والمتعاطفين معه للتجمع وتعكير الأمن . وقد أحاطت حراسة الشرطة المشددة بالنعش من المشرحة إلى المسجد وأعلنت حالة الطوارئ بين قوات الشرطة في أنحاء البلاد حيث وضعت قوات الأمن في حالة تأهب في نفس الوقت الذي أعلنت فيه أنباء اغتيال البنا مساء السبت ولم يتم حتي الآن تحديد شخصية القاتل الذي وصفه من يسمون بـ(شهود العيان ) بأنه إما طويل ونحيل وإما قصير وسمين وأنه هرب بسيارة ولم يتم بالطبع القبض عليه وتم الإفراج عن أحد المشتبه فيهم عقر على بطاقته الشخصية قريبا من مسرح الحادث واعترف بأنه عضو في الإخوان المسلمون مما كان مثار خيبة أمل البوليس ".

" وقد طرحت عدة تصورات بالنسبة لطبيعة الاغتيال , والنظرية السائدة بين الجماهير هي أن الجريمة تم ارتكابها على يد أحد عملاء الحكومة انتقاما لاغتيال النقراشي باشا . وهناك نظرية أخري يحبذها تماما رجال الأمن وتقول إن الاغتيال قام به أحد أعضاء الإخوان المسلمون إما لأن الشيخ حسن البنا خذل الإخوان المسلمون المعتقلين , وإما لأنه كان على وشك أن يعطي السلطات معلومات متعلقة بإمدادات الإخوان من الأسلحة . والنظرية الثالثة التي تنتشر على حذر تقول بأن القصر دبر مقتل الشيخ حسن البنا خشية أن يكشف البنا ن طبيعة علاقاته بالقصر ".

" ويوجد ترحيب في أوساط الرأي العام بزوا الشيخ حسن البنا من على المسرح وإن كان هناك خشية من أن يؤدي مقتله إلى عودة الأنشطة الإرهابية من جديد لأن اختفاء حسن البنا بكل ما كان يتمتع به من سلطة مطلقة على الإخوان المسلمون ومن طموح غير محدود يعني زوال شخصية اختلف الناس عليها حيث يسهم ذلك في استتاب الأمن من جديد بعد أن تبدد آثار صدمة اغتيال البنا من نفوس أتباعه".

وفي 21 فبراير يبعث " باترسون" ببرقية أخري إلى حكومته عن رد فعل الإخوان إزاء مصرع حسن البنا ...قال :

" أتشرف بأن أرفق طيه منشورا وزعه ا لإخوان وهاجموا فيه الحكومة الحالية بسبب ما تردد من دورها في اغتيال الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين .. وفي هذا المنشور يقسم الإخوان على الثأر ويعلنون أنهم سيكسرون عنق الطغيان مهما تواري الطغاة في بطن الأرض أو ارتقوا إلى أجواز السماء فلن تحميهم قلاع ولا قصور , وأعلن المنشور أيضا أن الشيخ حسن البنا قد خلف وراءه جيشا قويا وكتائب لا يشق لها غبار ".

" ويقال إنه يوجد بين بعض صفوف الإخوان المسلمون اتجاه لتحميل رئيس الوزراء مباشرة تهمة اغتيال البنا على أساس ما يتصف به إبراهيم عبد الهادي باشا من صرامة وأيضا في ضوء الكفاءة التي أظهرها في مقتبل عمره في النضال ضد البريطانيين بين صفوف الحركة الوطنية في إعداد وتنظيم وتدبير المظاهرات والجرائم السياسية وهنا نعيد إلى الأذهان أن عبد الهادي باشا كان قد سجنه االبريطانيون لمشاركته في الأنشطة السياسية".

وفي نفس اليوم – 21 فبراير 1949 – يبعث باترسون ببرقية خطيرة إلى حكومته وواضح من هذه البرقية أن مصدر معلوماته هي السفارة البريطانية باعتبار أنها السفارة الوحيدة التي تستطيع معرفة كل ما يدور في مصر .

وفي بعض الأحيان كان باترسون يؤكد لحكومته أن معلوماته من السفارة البريطانية وذلك عندما كانت المعلومات تمس السياسة الأمريكية مباشرة وفي غير هذه الحالة كان باترسون يقول – كما فعل في هذه البرقية – أن معلوماته من مصادره الاخاصة ومن السفارة البريطانية وسواء كانت المعلومات من السفارة البريطانية أو من المصادر الاخاصة للقائم بالأعمال الأمريكي فإن المعلومات خطيرة .

تقول البرقية بالحرف الواحد :" تدل المعلومات التي تلقيناها من المصادر الاخاصة والثقة بما في ذلك مصادر السفارة البريطانية وبما يؤكد الاعتقاد السائد بين الجماهير على أن الشيخ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين قد تم اغتياله نتيجة مخطط دبره الشباب السعدي وبدعم ومساندة من أكبر المسئولين في الحكومة ".

" ويبدو من هذه المعلومات أنه بعد اغتيال النقراشي باشا عقد اجتماع في النادي السعدي تأبينا لرئيس الوزراء الراحل وحضره كبار السعديين وعدد من غلاة الشباب السعدي على رأسهم كامل الدماطي مدير مكتب رئيس الوزراء في وزارة الداخلية حيث هتف هؤلاء الشباب " الثأر الثأر.. والعين بالعين ".. وقيل إن خطة الانتقام للنقراشي باشا اتخذت بعد ذلك شكل مؤامرة لاغتيال الشيخ حسن البنا وأن الذي أشرف على المخطط – كما تقول المعلومات الواردة – عبد الرحمن عمار بك وكيل وزارة الداخلية والمسئول عن الأمن العام وأحد أصدقاء النقراشي المخلصين كما شارك فيها محمود عبد المجيد بك مدير المباحث الجنائية بوزارة الداخلية وكامل الدماطي وقد تلقي عمار بك أيضا عددا كبيرا من التهديدات باغتياله من متطرفي الإخوان قبل وبعد اغتيال النقراشي الأمر الذي تطلب اتخاذ احتياطات غير عادية بما في ذلك تزويده بحرس خاص ".

" أما عبد المجيد بك فكان يعمل حكمدارا لجرجا حين كان عمار بك مديرا لها ويقال أن عبد المجيد بك رتب عمليات اغتيال عدد كبير من أفراد عصابات جرجا ( الاخطرين) حين كان يتعذر توفير الأدلة القانونية لتقديمهم إلى المحاكمة وحين رقي عمار بك إلى منصب وكيل وزارة الداخلية قام بتسهيل نقل عبد المجيد إلى القاهرة ليكون أقرب مساعديه .

أما كامل الدماطي فكان أحد الزعماء البارزين للطلبة السعديين حين كان بالجامعة حيث تخرج في كلية التجارة وقد عينه النقراشي باشا في منصبه الحالي ويدين له الدماطي بالكثير . ويقال إن الإنفاق تم بين الثلاثة على أن يتولي الدماطي تفاصيل التخلص من الشيخ حسن البنا ".

" ومن هنا رتب الدماطي أن يتولي هو واثنان من مساعديه الموثوق بهم القيام بعملية تمويه على الشيخ حسن البنا وبدأت العملية منذ ثلاث أسابيع : هذان المساعدان الموثوق بهما هما : كونستابل بوليس في ملابس ملكية وأومباشي سابق في البوليس نقله الدماطي من البوليس إلى وظيفة كتابية في رئاسة مجلس الوزراء وعمل مؤخرا كسائق لسيارته . وهو اسود البشرة وماهر في استخدام المسدس والبندقية .

وفي مساء السبت 12 فبراير تبع المساعدان الشيخ حسن البنا إلى جمعية الشبان المسلمين في سيارة سوداء وحين كان البنا في المبني ظلت السيارة تنتظر على مقربة أمتار .. وحين خرج الإمام خرج الأومباشي من السيارة وغطي جزءا من وجهه بمنديل وأطلق الرصاص على البنا وصهره ثم قفز إلى السيارة التي كانت أبوابها مفتوحة ومحركها دائرا وفر من مسرح الحادث بعد ثوان من إطلاق رصاصته الأخيرة ".

" والجدير بالملاحظة أن رجل البوليس المعين في المنطقة لم يكن وقتها في دركه ويقال إن غيابه عن واجبه قد جري ترتيبه سابقا , أما سيارة البوليس التي كانت ترافق الشيخ البنا لحراسته من قبل فقد تم سحبها منذ 18 يوما قبل يوم الحادث ومن هنا فإن الأمر يبدو وكأنه مخطط جيد الإعداد والتنفيذ .. ويمكن إيراد المعلومات التالية في مجال تأييد فكرة أنه مخطط تم إعداده وتنفيذه على النحو التالي :

1- عبد الفتاح بك حسن , وهو محام معروف وكان مدير المستخدمين بوزارة الداخلية سابقا ويعمل مستشارا قانونيا للشيخ حسن البنا أخبر صديقا له أن البنا أبلغه منذ أيام أنه يخشي على نفسه من الاغتيال .

ولا حظ الشيخ أن كامل الدماطي يتابعه بصحبة رجل أسود ورجل آخر وأن الشيخ البنا أخبر عبد الفتاح بك حسن أيضا أن شابا سعديا أبلغه بما كان يخطط له الدماطي لاغتيال البنا قرب جامع قيسون في شارع محمد على بالقاهرة حيث كان الشيخ يذهب عادة للصلاة وتبع هذا التحذير أن البنا – كما أخبر الفتاح بك – لم يعد يذهب إلى الجامع .

2- شاب مصري كان يجلس في مقهى مقابل جمعية الشبان المسلمين وقت الاغتيال وذهب إلى نقطة بوليس كوستيكا بشارع معروف – أبلغ كونستابلا إسمه حسن وشرطيا اسمه عطيه أنه يعرف رقم السيارة التي هربت فور الحادث وأنه يتصور إمكانية تعرفه على القاتل إذا عرض عليه بين آخرين .

وقد تسربت هذه الأنباء إلى الصحافة التي لم تنشر أى شئ عن ذلك رغم أن نقطة كوستيكا أبلغت هذه المعلومات تليفونيا إلى المحافظة وأن الصاغ توفيق السعيد من القلم السياسي قد انتقل على الفور إلى نقطة كوستيكا.

ويقول أحد المصادر أن هذا الضابط رتب مسدسا في جيب معطف الشاب المصري الذي أوسعوه ضربا وهددوه بأنه سيحاكم بتهم إحراز سلاح غير مرخص , ثم نقلوه تحت حراسة البوليس إلى منزله حيث لم يفتح فمه بكلمة بعد ذلك حول الحادث .

3- يعلن الشباب السعديون صراحة أن الشيخ البنا اغتيل انتقاما لمقتل النقراشي باشا . وقد أظهروا أيضا أن حدادهم على النقراشي قد انتهي بعد الثأر له فخلعوا بذلك أربطة العنق السوداء التي ارتدوها بعد مصرع النقراشي وارتدوا أربطة عنق حمراء بدلا منها .

" ويقال أيضا – على سبيل التعليق – إن مشاركة موظفين حكوميين كما وردت أسماؤهم في المخطط لا تتفق كثيرا مع الخط الذي ينجو إليه المناخ السياسي في البلاد وبرغم ما عرف عن عمار بك بوصفه رجلا ,حسن الإسلام, أحيانا لدرجة التعصب إلا أنه عبر أكثر من مرة لسكرتير السفارة عن كراهيته للشيخ البنا" .

" ولابد أيضا من الإشارة إلى أنه برغم أن قليلا من المواطنين ذوي الإحساس بالمسئولية قد شعروا بالحزن على غياب حسن البنا إلا أن الشعور العام في دوائر الحكومة يقول بأن الاغتيال أعاد من جديد الاخوف من عودة ثأر دموي ينطوي على مزيد من الاغتيالات وحوادث الانتقام المتبادلة بين الأطراف . وينبئ بذلك المنشور الشديد اللهجة الذي وزعه الإخوان المسلمون في مساجد القاهرة يتهمون فيه الحكومة السعدية بتدبير مقتل الشيخ حسن البنا . وهذه هي أول مرة يزاح فيها الستار عن الصلة أو الصداقة التي تجمع بين عبد الفتاح حسن ومرشد الإخوان الراحل ولم يسأل عبد الفتاح حين في أية مرحلة من مراحل التحقيق ولم يتقدم كذلك للإدلاء بشهادته لا في تحقيقات النيابة قبل الثورة ولا أمام القضاء !!!".

ولنترك برقية السفارة الأمريكية في القاهرة وننتقل إلى تحقيقات النيابة ولا أنقل هنا عن التحقيقات التي جرت قبل الثورة ولكني أنقل من التحقيقات التي جرت بعد أن سقط النظام الماضي كله .

إن حسن البنا استدعي لمقابلة محمد الناغي عضو جمعية الشبان المسلمين بدار الجمعية مساء الجمعة 12 فبراير .

والناغي قريب لرئيس وزراء مصر في ذلك الوقت إبراهيم عبد الهادي وسبب الاستدعاء أن يسمع المرشد العام خبرا سارا يهمه.

وجاء المرشد العام مع صهره عبد الكريم منصور المحامي .. وشهد إبراهيم عبد الهادي أن حسن البنا طلب وساطة ثلاثة هم : الناغي ومصطفي مرعي ومحمد زكي علي الوزيران ..وأنه - أى رئيس الوزراء – أصر على أن يسلم المرشد العام محطة الإذاعة السرية التي كانت تذيع في السابعة صباحا . وطلب زكي على من رئيس الوزراء السماح لحسن البنا بزيارة المعتقلين حتي يعرف منهم أين المحطة والأسلحة المراد تسليمها ورأى زكي على الاستعانة بالناغي ليكلم قريبه رئيس الوزراء ليتساهل ..ووافق رئيس الوزراء وقال .. لا مانع من أن يقابل البنا المعتقلين يوم الاثنين .. وكان هذا هو النبأ .

أما مصطفي مرعي فطلب من الأستاذ حسن البنا أن يصدر بيانا يعلن فيه أنه برئ من الإخوان وأنهم انحرفوا فأصدر البنا بيانا بعنوان " بيان للناس " وتوقفت المباحثات فترة ثم أصدر البنا بيانا آخر عنوانه " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين "

نشر صباح يوم الجريمة .

وكان الهدف من البيان أن ينقلب الإرهابيون من أعضاء الإخوان على شيخهم وخرج البنا من دار الجمعية واستدعي سيارة تاكسي كانت مارة بالصدفة وقيل إن هذه السيارة بالذات ليست صدفة وبدأ السائق إدارة محركها فهاجمه أحمد حسين جاد – أومباشي – وآخر بإطلاق الرصاص عليه .. ثم فرا هاربين وسمع الناس في الشارع طلقات الرصاص فأسرعوا يطاردون القاتلين .وكانت سيارة الأميرالاي محمود عبد المجيد مدير إدارة المباحث الجنائية بوزارة الداخلية تنتظر القاتلين عند مبني نقابة الصحافيين القريب من جمعية الشبان المسلمين ويقودها السائق الباشجاويش محمد محفوظ فأسرع إلى لوكاندة إيدن حيث كان الأميرالاي في الانتظار ! ليعرف أن المهمة تمت بنجاح.

والتقط حسن البنا رقم سيارة محمود عبد المجيد التي استقلها الجناة عقب ارتكاب الجريمة, كما التقط الرقم أيضا أحد المارة ليبلغها لسكرتير جمعية الشبان المسلمين .

وتدخل الصاغ محمد محمد الجزار ليقنع سكرتير الجمعية بأن يغير الرقم ويفرج من أجله عن بعض أعضاء الجمعية المعتقلين.. ويلوح له بـ500 جنيه وليهدده بأن يذكر أنه كان مرشدا يعمل لديه . وتردد سكرتير الجمعية مرة فغير الرقم .. ولكن محمد زكي علي .. وفتحي رضوان أقنعاه بألا يخاف فذكر فعلا الرقم الصحيح !

ورغم هذا كله أخفيت الحقائق تحت سمع وبصر رئيس الوزراء. والوزراء والدولة كلها .

رقي محمود عبد المجيد مديرا لجرجا .. ونقل أحمد حسين جاد معه وكذلك سائقه الخاص .. كما بقي الجزار في البوليس السياسي ورقي أحمد حسين جاد والسائق الباش جاويش محمد محفوظ.

وبعد الثورة تكلم السائق ليروي كيف قتل محمود عبد المجيد وهو حكمدار جرجا 15 مجرما وكوفئ بـ600 جنيه ! وقال إن محمود عبد المجيد رجل لا يتناول الغذاء في بيته أبدا فهو مدعو من أصدقاء في محلات الشيمي أو الجمل أو على جسن الفيشاوي .

وروي عدة محاولات لقتل حسن البنا مرة في شارع الهرم ومرة ثانية في شارع فؤاد وهو – أى البنا – يسير مع مصطفي مرعي ..... الاخ .

وأنكر الجميع ..

وخاف اللواء أحمد طلعت مدير البوليس السياسي من اتهام الإخوان له بالتعذيب فتخلي عن الجزار .

وقال الجزار إن حسن البنا هو المسئول عن اغتيال النقراشي والخازندار وسليم زكي .

وتبين من أقوال الشهود أن الذين قتلوا حسن البنا هم الذين قتلوا عبد القادر طه . وقال الدكتور يوسف رشاد – طبيب القصر الملكي- وزوجته ناهد رشاد إن الملك فاروق اتصل بهما تليفونيا عقب إطلاق الرصاص على حسن البنا وأبلغهما النبأ وصوته ينطق بالفرح , بعكس حاله عقب مقتل النقراشي وأحمد ماهر .

واصدر محمد كامل ثابت رئيس محكمة الجنايات يوم 2 أغسطس 1954 حكمه بمعاقبة أحمد حسين جاد بالأشغال الشاقة المؤبدة .

والسائق الباش جاويش محمد محفوظوالأميرالاي محمود عبد المجيد بالأشغال الشاقة 15 سنة .

والبكباشي محمد محمد الجزار بالحبس سنة.

ولكن القاتل الآخر لم يعرف أبد ومحمد كامل الدماطي مدير مكتب رئيس الوزراء لم يسأل أبدأ .

ومن الوثائق الأمريكية فإن الحزب السعدي كان هو المحرض ... والمدبر والفاعل الأصلي .

ولكن .. ماذا عن الأحزاب الأخرى ..

جريدة المصري الناطقة باسم الوفد قالت في اليوم التالي لاغتيالي النقراشي عن الجريمة :" إنها خيانة تتسم بكل سمات الغدر والفظاعة ".

وقالت المصري :" إن جريمة القتل السياسي من أخطر الجنايات ..

ومن أكثرها إيلاما للنفس ودفعا إلى الغضب والأسف .. فإن الاغتيال لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام سبيلا إلى المعارضة أو إلى الإقناع بل هو سبيل إجرامي لا شك فيه .

وقالت المصري :" عن السف كل الهيئات وحزن له الجميع ".

وكتبت المصري يوم 10 ديسمبر 49 عقب صدور حكم الإعدام على قاتلي النقراشي عبد المجيد أحمد حسن " نرجو أن يضع قرار محكمة الجنايات حدا فاصلا بين الماضي والمستقبل ".

ولكن برقية السفارة الأمريكية إلى وزارة الاخارجية يوم 15 أكتوبر 1949 تصف موقف حزب الوفد من صدور حكم الإعدام على قاتل النقراشي .قالت البرقية " يبدو أن رد الفعل الشعبي للأحكام جاء متباينا حسب المشاعر السياسية للأفراد ولا سبيل إلى القول أن عبد المجيد حسن ينظر إليه بازدراء على أنه قاتل .. بل يقال إن كثيرا من أعضاء الوفد يشعرون بتعاطف نحو القاتل بسبب احتقارهم وكراهيتهم للنقراشي باشا .. كما أنهم ارتدوا كرافتات سوداء يوم إعلان الحكم بإعدام عبد المجيد حسن ".

ولا تحتاج هذه البرقية إلى تعليق .. حزب يقتل . حزب يحزن عندما يصدر الحكم بإعدام القتل .

في العريش

مع اللواء طيار عبد المنعم عبد الرؤوف

لم تكن لى صلة سابقة بالأخ اللواء طيار عبد المنعم عبد الرؤوف قبل حضوري إلى رفح ولكنني تعرفت عليه حال وصولي إليها فقد دعاني لزيارته في منزله واستقبلني استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم دون اعتبار للفارق الكبير في الرتب العسكرية فضلا عن أخلاقه الإسلامية في التجرد والبساطة .. وسرعان ما اندمجنا وتناولنا شتي الأمور بالبحث والمناقشة, ثم عرفني بعد ذلك ببعض زملائه من كبار الضباط الذين آمنوا بدعوتنا وكنا نعقد بعض الجلسات نتناول فيها الدراسات الإسلامية ولم نكن نتطرق كثيرا إلى الأمور السياسية إلا حين تكون الأحداث لا تحتمل الصمت وذات يوم أعلنت حالة الطوارئ في المنطقة وتأهبت القوات وأخذت قوات الجيش حالة الاستعداد وتصورنا أن هناك حالة حرب لا محالة ولكن هذا المساء انتهي في هدوء, وبعد أيام صدرت أوامر من إدارة الجيش بالانسحاب إلى الخطوط الخلفية عدة كيلو مترات كما صدرت أوامر أيضا إلى القوات الإسرائيلية بالانسحاب عدة كيلو مترات... ولهذا الأمر أعلنت حالة الطوارئ, وقد تم هذا الانسحاب من كلا الطرفين ليلا .

وكان اللواء عبد المنعم يتحدث في هذا الأمر وهو غاضب وناقم على هذا التصرف الذي يوحي بفترة طويلة من المهادنة والملاينة .. ولم تمض أيام حتي صدر قرار بالتحرك إلى منطقة العريش .

تعريف باللواء طيار عبد المنعم عبد الرؤوف

ولد عبد المنعم عبد الرؤوف في حي العباسية بالقاهرة في 16 مايو سنة 1914

وتخرج في الكلية الحربية سنة 1938. ليعمل طيارا في سلاح الطيران الملكي المصري وإن كان قد تحول إلى وحدات أخري في الجيش بعد الإفراج عنه في مارس 1942.

وعبد المنعم عبد الرؤوف كان موضع تقدير المرحوم " الشيخ حسن البنا" المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمون وقد نشأ عبد المنعم عبد الرؤوف في بيئة إسلامية واقتربت أسرته من " الشيخ حسن البنا" وقد كان " عبد المنعم " منذ فترة باكرة عضوا بجماعة الإخوان المسلمون وظل على ولائه لها إلى أن فارق الحياة في 31 يوليو 1985.

وعبد المنعم عبد الرؤوف الضابط الطيار كان اقرب الضباط على الإطلاق إلى قلب الفريق عزيز المصري وقد رتب " عبد المنعم " مع زميله " حسين ذو الفقار صبري " طائرة حربية ليهربا بها مع عزيز المصري وأقلعت الطائرة في ليلة 15 مايو 1941 ولخطأ فني سقطت بهم في مزرعة يوسفي قرب ( قليوب) في الساعة الثانية بعد منتصف الليل . وكان ذلك في عهد وزارة حسين سري باشا الذي اهتم بالبحث عن عزيز وزميليه.

عبد المنعم عبد الرؤوف بعد فشل هذه المغامرة التي كانت بقصد الهرب إلى بغداد للانضمام إلى الثورة " رشيد عالى الكيلاني " اختفي وعزيز المصري وحسين ذو الفقار في منزل مدرس بالفنون الجميلة في إمبابة , هو " المرحوم عبد القادر رزق ".

تصاعد نشاط " عبد المنعم عبد الرؤوف " باعتباره الشخص الأول في الظروف التي أشرنا إليها وكثف جهوده في ضم ضباط الجيش إلى الإخوان المسلمون. وكان الصاغ " محمود لبيب " وكيل الإخوان هو المشرف على تثقيف وتدريب وإرشاد الضباط إخوانيا .

وبين الحين والأخر يلتقي هؤلاء الضباط " بالشيخ حسن البنا " في وجود " محمود لبيب وعبد المنعم عبد الرؤوف " وكانت نواة هذا التنظيم السري المرتبط بجماعة الإخوان المسلمون في مطلع عام 1944 حسب الأقدمية في كشف الجيش المصري ( حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمون ص 33 ) 1- اليوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف 2- اليوزباشي جمال عبد الناصر 3- الملازم أول كمال الدين حسين 4- الملازم أول سعد حسن توفيق ( الذي أبلغ جمال عبد الناصر أن الملك قد كشف حركة الضباط الأحرار ) 5- الملازم أول خالد محيي الدين ( تحول إلى الماركسية عام 1947) 6- الملازم أول حسين حمودة ( مؤلف كتاب [[أسرار الضباط الأحرار والإخوان المسلمون]] ) 7- الملازم أول صلاح الدين خليفة ( ضابط متقاعد الآن) .

وتفجرت المناقشات بعدها داخل ( اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار ) حول العضوية المزدوجة لعبد المنعم عبد الرؤوف في اللجنة التأسيسية وفي جماعة الإخوان المسلمون معا وحول نشاطه الذي تزايد لضم عدد من الضباط الأحرار لجماعة الإخوان المسلمون وكانت اللجنة تري أن تقتصر العلاقة على التعاون دون الاندماج ... وتقرر إسقاط عضوية عبد المنعم عبد الرؤوف من اللجنة التأسيسية ولكن بقي في الجيش ليقوم بدور هام في حصار قصر التين عندما كان فيه الملك السابق فاروق .

وفي يناير 1954 كانت السيارات تقطع شوارع القاهرة تجمع الإخوان من بيوتهم وكانت القطارات تحمل المعتقلين من الإخوان من الأقاليم . وأصدر مجلس القيادة الثورة قرارا في 12 يناير سنة 1954 بأن يجري على جماعة الإخوان المسلمون قانون حل الأحزاب . وحزب حركة اعتقالات واسعة لفعاليات جماعة الإخوان المسلمون وفي مقدمتهم " عبد المنعم عبد الرؤوف " الذي قدم للمحاكمة العسكرية وفي يوليو 1954 كان " عبد المنعم عبد الرؤوف " في طريقه من السجن إلى المحاكمة تحرسه سيارتان حربيتان بهما ستة جنود بالمدافع الرشاشة ولكن عبد المنعم عبد الرؤوف" يهرب من حارسه العميد محمد نبيه خطاب ويختفي في القاهرة إلى أن غادر مصر إلى لبنان في أواخر سنة 1954 ويتزوج هناك من زوجته اللبنانية سنة 1955 من أسرة " الخالدي " .

هرب خارج مصر , وفي عنقه حكم الإعدام , عاش في لبنان والأردن وتركيا وعاد إلى لبنان مرة أخري لاجئا سياسيا وفي ظروف صعبة إلى أن أصدر عنه " الرئيس السابق محمد أنور السادات " عفوا في سبتمبر 1972... ورقي إلى رتبة فريق أول وبدأ المرض يناوشه بداية من عام 1973 إلى أن رحل في 31 يوليو 1985 ..

ونعته الدولة وجميع الصحف على اختلاف نزعاتها – رحم الله الفقيد وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ما جاهد وصبر وصابر وصدق ما عاهد الله عليه .

التحرك إلى العريش

صدرت الأوامر بأن تتحرك الورشة الرابعة المشاة إلى العريش وتوجهنا إلى لعريش وأقمنا معسكرنا بالقرب من محطة السكة الحديد , وكان من أهم الأمور عندنا هو إقامة مسجد ... وقد تم ذلك بكل حماس ونشاط .. وبعد أن أستقر بنا المقام سافرت إلى رشيد حيث اصطحبت أولادي واستأجرت شقة في بلدة العريش .. وكان يسكن أمامي فضيلة الشيخ عبد المنعم تعليب واعظ العريش وهو من أفاضل الإخوان المسلمون وحين علم الإخوان في العريش بانتقالي إليها حضروا لزيارتي ودعوني لزيارة الشعبة وتوجهت معهم فاستقبلني الإخوة الفضلاء أحسن استقبال , وبدأت نشاطي معهم من أول يوم .

رئيسا لمنطقة العريش

وفي الفترة التي تواجدت فيها .. جاءت دورة انتخاب رئيس المنطقة وقد اتفق الإخوان على ترشيحي رئيسا للمنطقة حيث صادف ذلك ظروفا داخلية جعلت من ترشيحي حلا لهذه الظروف و وفعلا تم انتخابي رئيسا لمنطقة الإخوان بالعريش والمنطقة تمتد من العريش إلى رفح .

المستوصف الخيري

ومن أبرز نشاط الإخوان في تلك المنطقة هو المستوصف الاخيري للإخوان حيث جهزوا مستوصفا مناسبا فيه استعداد كامل حجرة عمليات وقسم داخلي فضلا عن وجود صيدلية كاملة تصرف الدواء بالثمن المخفض حسب إرشادات الأطباء , وصيدلية أخري تصرف الدواء بالمجان للفقراء , والصيدلية الاخيرة قد استحضرت الأدوية من تبرعات قطار الرحمة ذلك المشروع الذي قام به رجال الجيش وقد وزعوا الدواء بواسطة مستوصف الإخوان ويقوم بالكشف على المرضي في هذا المستوصف مجموعة من ضباط الأطباء والصيادلة بالمستشفي العسكري بمنطقة العريش بالإنفاق مع إدارة المستوصف وكانوا مثلا طيبا في الرحمة وحسن الاخلق وكان يقوم على إدارة هذا المستوصف بكل جد وإخلاص وجدارة الأخ الفاضل الحاج عبد السلام عبد الرازق وهو من خيرة الإخوان والموظف المدني بالورشة الرابعة المشاة وهو أصلا من الإخوان بالأسكندرية وتربي في شعبة الجهاد التابعة لسلاح الصيانة .

نشاط شعبة العريش

واعتمدت شعبة الإخوان في العريش على قسم الطلاب والإخوة الذين يحضرون كموظفين في وزارة التربية والتعليم كذا جميع الموظفين الذين يعملون مع القوات المسلحة وبعض العسكريين.. وكان النشاط يشمل المحاضرات وخطب الجمع في المساجد.. وكان أ÷مها الرحلات السياحية التي كنا نخرج فيها لزيارة مقابر الشهداء أو زيارة الشعب في خان يونس ورفح ودير البلح وتتميز هذه الرحلات بمعايشة الشباب الفلسطيني المهاجر من قلب فلسطين .. وأبرز ما يتحلون به هو الأدب والذكاء ... وكنا نقضي معهم وقتا ممتعا وخاصة في الليالي القمرية .

جماعة التبليغ الإسلامي

ومن الذكريات التي لا أنساها تلك الرحلة التي قام بها شابان باكستانيان من جماعة التبليغ الإسلامي حيث حضرا إلى العريش وتقابلا مع الإخوان في الشعبة فأكرما أحسن إكراما ومنهما عرفت رسالة هذه الجماعة ومنهاجها وعلمت أن هذه الرحلات تسمي الاخروج في سبيل الله .

شعبة الورشة الرابعة المشاة

ويعود الفضل في نجاح هذه الشعبة إلى المهندس المقدم أحمد عوف وذلك لعقيدته الإسلامية الصافية وأخلاقه الراقية .. فقد قرر بعد تمام بناء المسجد أن يؤذن لصلاة الظهر يوميا ... فيخرج جميع الموظفين والعمال المسلمين لأداء الصلاة في المسجد , ثم يعودون إلى أعمالهم وبعد العصر تلقي محاضرة إما منه شخصيا أو من الأخ الأستاذ عبد المنعم تعليب , وبعد ذلك ينصرف الجميع إلى مناولهم حيث تحملهم السيارات إل العريش .. وكان قائد الورشة الرابعة المشاة أحمد عوف هو الذي يؤمنا في الصلاة وكان الضباط الذين يوفدون من وحدات الجيش ليسلموا السيارات والأسلحة للإصلاح أو يتسلموها بعد الإصلاح يشاركوننا في إقامة الصلاة وكان لهذا أثره البعيد في تكوين رأى عام إسلامي في الوحدات الأخرى .

من وسائل الدعوة

ولما كنت أقوم بالعمل فى قسم الإجراءات .. وهو القسم المسئول عن استلام وتسليم المعدات... فكانت صلتي بمندوبي الوحدات صلة مباشرة فكنت أستقبلهم وأسهل لهم مأمورياتهم بكل طاقتي وأرحب بهم في مكتبي وكنت أضع على المكتب بعض رسائل الإخوان المسلمون مثل دعوتنا – نحو النور – إلى أى شئ ندعو الناس فكان الضابط يستأذن ليقرأ في إحدي الرسائل ... وقبل أن ينصرف أقدمها له هدية ويكون لها أثر طيب في نفسه وقد أمكنني تكوين صداقات كثيرة من خلال هذا القسم وتعاملي مع كافة المستويات , مما كان له أثر كبير في المستقبل , وكان بعضهم يحاول أن يتواجد في موعد الصلاة وخاصة صلاة الجمعة .

رأى الأستاذ حسن الهضيبي

وفي هذه الظروف قابل أ؛د الصحفيين الأستاذ المرشد العام حسن الهضيبي وأخذ منه حديث حول تحديد النسل وأذكر من إجابة فضيلة المرشد الحوار الآتي :

" سأل مراسل الصحيفة الأستاذ : عن رأيه في مشكلة زيادة النسل في مصر وخاصة أن الرقعة ضيقة ولا تستوعب منتجاتها حاجة البلاد والعباد وما رأى الإسلام في هذه المشكلة التي تهدد بانفجار سكاني .

فأجاب الأستاذ المرشد " إن الإسلام يحل هذه المشكلة بيسر وسهولة لو أن هناك إسلام ومسلمون ... فالمسلمون في أنحاء الدنيا إخوة ... وأرضهم جميعا أرض المسلمين بل وأموالهم كذلك فلو أن هناك كثرة سكانية في مصر فمن الواجب أن يستفاد بهم في السودان أو العراق أو باكستان تلك البلاد التي تحتاج إلى يد عاملة و زراعيين حيث أن وطن المسلم وأرض المسلم هي كل أرض فهيا مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله... وبهذا يوم أن يكون هناك مسلمون يعتصمون بالإسلام ويعملون بشريعة الإسلام فإن هذه التي تسمي مشكلة سوف لا يكون لها اثر في المجتمع .

الإعلان عن هيئة التحرير

في الوقت الذي كنت فيه في العريش حضر إلينا ذات مساء في دار الشعبة مجموعة من ضباط الجيش وطلبوا مقابلة أحد الإخوة المسئولين ,والتقيت بهم مع بعض أعضاء مجلس إدارة الشعبة ... وإذا بهم يتحدثون معنا فيما استقر رأي مجلس قيادة الثورة على تكوين ما يسمي ( بهيئة التحرير) وشرحوا لنا الغرض من تكوين هذه الهيئة التي ستعمل على إعداد الأمة للجهاد ضد الاحتلال , ثم طلبوا منا كأعضاء في جماعة الإخوان الانضمام لهذه الهيئة , ولم يكن قد وصلنا إلى المركز العام أى توضيح لموقف الإخوان من هذه الهيئة الجديد , وقد قلنا لهم إننا قد سمعنا منكم وعليكم أن تعطونا فرصة للتفكير في الأمر ..وانصرفوا على أن يعودوا لنا مرة أخري .

واتصلنا بالقاهرة .. التي أفادتنا بكل صراحة ووضوح أن الإخوان جماعة قائمة بذاتها على أساس لا يقبل المشاركة ولا يقبل الازدواجية .. ولا بأس أن يساهم الإخوان في معركة التحرير حين يجد الجد باسمهم وتحت راية إسلامهم.. وقد وضح الأمر تماما ولم يعد إلينا رجال الجيش مرة أخري فلعل الأمر قد بلغهم من ناحية أخري .

الحرس الوطني أكتوبر 1953

وعلى أثر الإعلان عن هيئة التحرير .. بدأت الهيئة في الدعوة إلى معسكرات التدريب للشباب أطلقوا عليها اسم ( الحرس الوطني ) وقد دعي إليها الإخوان تمهيدا لمعركة التحرير.. فلم يمانع الإخوان في الاستجابة بعد الإذن والتصريح من قيادة جماعة الإخوان المسلمون .

زيارة مجلس قيادة الثورة

وفي العريش أعلن عن زيارة بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة للمنطقة وقد قامت الهيئات والمصالح في العريش بعمل الزينات وأقواس النصر , كما استعدت شعبة الإخوان لاستقبالهم , ولكن جاء وفد مجلس القيادة ولم يقم بزيارة شعبة الإخوان كما كان منتظرا .

تعليقات على فكرة هيئة التحرير

وفي خطاب عام ألقاه فضيلة المرشد العام في المنصورة تعرض إلى موضوع موقف الإخوان من هيئة التحرير وأوضح أن الإخوان لا يضيرهم أن تقوم هيئة التحرير بل هيئات أخري .. فالإخوان جماعة تقوم على عقيدة ودعوة ... قبل قيام حركة الجيش بعشرات السنين , جماعة لا تقبل الانسياب والتميع في أية جماعة أخري وهذا لا يمنع بأية حال من التعاون مع الجميع لمصلحة البلاد والعباد وأن ما يشاع من أن الإخوان يحاربون فكرة هيئة التحرير أمر تكذبه طبيعة دعوة الإخوان التي تعمل على وحدة الصفوف والذين يشيعون هذا الافتراء ليسوا منا .

وانتهي حديث فضيلة المرشد وتبعه الأستاذ سيد قطب الذي أشار في كلمته إلى التجرد الكامل للفكرة والدعوة .. ولقد سمعت من مناقشات الإخوة حول هيئة التحرير تعليقات مفيدة أري من واجبي أن أسجلها هنا : يقول بعض الإخوة إن جمال عبد الناصر يائس كل اليأس من أن يتوافق الإخوان معه فكرا ومنهجا .. حيث أن هناك تعارض بين جماعة تقوم على أساس عقيدي يسنده الأخذ بالشوري والنزول عند رأى الجماعة . وشخص يريد أن يصل إلى أهدافه هو بما لا يتفق مع منهج جماعة الإخوان .. ويقول آخرون .. إن عبد الناصر قد خير الإخوان من صلته بهم في الجهاز الاخاص وفي حرب فلسطين وحرب القنال وأدرك حقيقة ثابتة أن الأخ من الإخوان لا يدين لشخص بعينه وإنما يدين بعمق الفكرة والمبدأ , وأن لا غاية له سوي الموت في سبيل الله إذ لا مطمع له ولا غرض .. وعبد الناصر لا يستطيع أن يمني أحد من الإخوان بالجنة حيث أن فاقد الشئ لا يعطيه بل لا يستطيع أن يرتفع إلى مستواه .. لهذا فإن عبد الناصر يطمع في إيجاد صنف من الناس يرغب فيه هو , فكان لزاما عليه أن يبحث عن جيل آخر حين عجز عن أن يستدرج شباب الإخوان إلى ما يريد .

ويقول آخرون ... إن عبد الناصر كان يخطط منذ أول يوم .. لما قد يكون من شأن جماعة الإخوان معه .. إذا هو كشف عن منهجه فلابد من الاصطدام بهم ففكر من الآن في تكوين جماعة نقف معه في مواجهة جماعة الإخوان , ظنا منه أن الأموال والسلطان تحقق له ما يريد ... غير أنه قد فاته أن الأموال والسلطان لا تكون الرجال .

الشهيد السيد فايز

أعرف الشهيد السيد فايز عن قرب .. فقد جمعتني به أيام أكثرها أهمية تلك الأيام التي قضيناها معا في منزل الأخ المهندس محمد سليم مصطفى في مرسى مطروح حين كان القتال على أشده في فلسطين وفي العشرين من نفومبر نشرت الصحافة نعي الأخ المهندس سيد فايز .. وذكرت الصحافة أنه في مناسبة ذكري مولد الرسول صلي الله عليه وسلم ... توجه شخص مجهول إلى منزل الشهيد في حي العباسية وطرق باب الشقة فخرج له شقيق السيد فايز فأعطاه صندوقا من الحلوي على أنه رسالة مرسلة إلى السيد فايز بمناسبة ذكري مولد الرسول صلي الله عليه وسلم , ولما عاد السيد فايز إلى المنزل.. استحضر الصندوق ليفتحه وما كاد يفعل حتي انفجر الصندوق فقتله وهشم جزءا من الشقة ولم يستدل على القاتل .. ولم تنشر الصحافة أثر من ذلك .

وفي اليوم التالي شعيت جنازة الشهيد وكان على رأس المشيعيين فضيلة المرشد العام الذي بدا عليه التأثر والحزن الشديدين , وكانت الجنازة مشحونة بعواطف الإخوان الثائرة في حزن وغم وغموض وقد وصف لى أحد الإخوة أن الجنازة كانت تعبيرا حارا للولاء للأستاذ المرشد العام وأن التعليقات المتبادلة بين الإخوان تقوم بأن أصابع الاتهام تشير إلى عبد الناصر في هذا الحادث .. وعللوا ذلك بأنه من المستحيل أن تقوم بهذا العمل الإجرامي واحد من الإخوان في قلبه ذرة من الإيمان ... مهما حدث بين الإخوان من خلاف وأن ما حدث لا يمكن أن يصل إلى حد إراقة الدماء .. وكان حادث اغتيال السيد فايز نذير خطر داهم على الجماعة .

قرار بفصل أربعة من الإخوان

وبدأنا نترقب التطورات ونتأمل المواقف وإذا بقرار يصدر من مكتب الإرشاد بطرد أربعة من الإخوان الأعضاء في قيادة الجهاز الاخاص وهم عبد الرحمن السندي وأحمد عادل كمال وأحمد الصباغ وأحمد زكي حسن .

وكان لهذا النبأ المرادف لمقتل الأخ السيد فايز أسوأ الأثر في نفوسنا .. حيث اختلط الأمر علينا فظننا أن للإخوة المفصولين صلة وثيقة بحادث مقتل الشهيد وإلى الآن وقد مضت سنين طويلة ولا يزال أمر اغتيال الشهيد السيد فايز غامضا ومجهولا ولا ندري متي نعرف الحقيقة.

وبهذا القرار الاخطير .. انحاز هؤلاء الإخوة الأربعة إلى المجموعة لتي انحازت إلى سياسة جمال عبد الناصر وبدأت تكيد الأستاذ المرشد العام في شكل مؤامرة ومناهضة وفي السابع والعشرين من فبراير توجهت مجموعة من واحد وعشرين عضوا إلى منزل الأستاذ المرشد العام في منيل الروضة وطالبوه بالتوقيع على استقالته من منصب المرشد العام وبعد جدال طويل قال لهم أنتم الذين بايعتموني وحدكم.. أن أن الإخوان جميعا هم الذين بايعوني .. لا يمكن أن أقدم على الاستقالة حتي يخلع الإخوان جميعا مني بيعتهم, ورفض الأستاذ المرشد التوقيع وأعطاهم درسا قاسيا , فلما لم يجدوا وسيلة لإرغامه على الاستقالة خرجوا وتوجهوا إلى دار المركز العام حيث وجدوا زملاء لهم قد اعتصموا وقرروا عدم الاخروج حتى يصدر قرار آخر من مكتب الإرشاد بإعادة المفصولين وتطورت الأمور ودخلت في متاهات حتى رضي المتمردون بالاخروج من المركز العام.

احتلال المركز العام للإخوان المسلمين

ص 197 كتاب " جمال عبد الناصر " لأحمد أبو الفتح... يقول : إن عبد الناصر دعاه إلى منزله في هذه الليلة حوالي التاسعة مساء فوجد أنور السادات عنده وأثار عبد الناصر فجأة الكلام عن الإخوان المسلمون ... ثم دق جرس التليفون فلاحظ أحمد أبو الفتح أن المحادثة نقلت إليه أخبارا سارة أشاعت البهجة والفرح في نفسه وأنهي عبد الناصر المحادثة قائلا " إن الفريق المعارض للهضيبي قد احتل المركز العام للإخوان وطرد من الدار أنصار الهضيبي وأعلنوا أنهم وحدهم الذين يمثلون الإخوان المسلمون وأعلنوا أنهم أجبروا الهضيبي على الاستقالة من منصبه كمرشد عام.." وسمح عبد الناصر لأحمد أبو الفتح بنشر هذه التفاصيل !! ويضيف أحمد أبو الفتح أنه سرعان ما تبددت سعادة عبد الناصر حين علم في اليوم التالي بأن أنصار الهضيبي قد استطاعوا طرد المتمردين من دار المركز العام وإعلان الثقة الجماعية برئاسة الهضيبي !... فكان هذا الحادث له أسوأ الأثر في ننفس عبد الناصر لأنه لم يكن يحب أن يصطدم اصطداما سافر بالإخوان لعلمه بوجود جهاز سري للجماعة يملك أسلحة وعتادا وفدائيين وينخرط في عضويته عدد غير قليل من ضباط الجيش والبوليس ..

وكان عبد الناصر يتمني لو أن المتمردين قد استطاعوا الغلبة على الجماعة أو على الأقل أن تظل المعركة منحصرة بين الفريقين دون أن يظهر فيها سافرا ولكن حركة التمرد لم تستطع أن تعيش أكثر من يوم واحد وأدرك عبد الناصر أنه لا مفر من خوض المعركة بنفسه ضد الإخوان المسلمون فراح يعد لها .. واتخذ عشرات من الأساليب والاحتياطات لخوض هذه المعركة ففصل عشرات من ضباط البوليس المشتبه بعلاقاتهم بالإخوان ونقل عشرات الضباط من الجيش إلى أماكن نائية لنفس السبب وأرسل يطالب جميع نظار المدارس الثانوية بإعداد كشوف بأسماء الطلاب المنتمين إلى الإخوان ليحول دون التحاقهم بالمدارس وطلب من رجال البوليس موافاته بأسماء كل من ينتمي للجماعة !!

مقال مجلة الدعوة ... المبادئ لا الأشخاص

بعد قرار فصل الإخوة عبد الرحمن السندي وأحمد زكي حسن وأحمد الصباغ وأحمد عادل كمال .. ذلك القرار الذي أصدره مكتب الإرشاد العام بعد حادث اغتيال الأخ المهندس الشهيد سيد فايز.

خرجت مجلة الدعوة بتاريخ 24 ربيع الأول سنة 1373- الموافق أول ديسمبر 1953 – بمقال بعنوان ( المبادئ لا الأشخاص ) اجتزئ منه بعض السطور كي أضع الضوء أمام الأحداث القادمة – قالت المجلة :

" جرت في الأيام الثلاثة الأخيرة في صفوف الإخوان المسلمون حوادث مؤلمة هزت ضمائر المؤمنين وأثارت جزعهم .. ولا عجب في ذلك فالإخوان المسلمون هم اليوم أمل العالم العربي والإسلامي وموضع رجاء المخلصين الذين يبغون للعرب والمسلمين النهوض من كبوتهم واليقظة من غفلتهم والسير قدما في طريق العزة والكرامة حتي يستردوا مجدهم الغابر ويستعيدوا عزتهم المهدرة .

ويمكن تلخيص ما حدث في أن مكتب الإرشاد أصدر قرارا بوقف أربعة من صفوة الإخوان العاملين الذين لهم سبقهم وبلاؤهم في الدعوة من غير أن يجري معهم أى تحقيق أو يوجه إليهم أية تهمة ومهما كانت ثقتنا في إخواننا أعضاء المكتب وفي تقديرهم للظروف ووزنهم للأمور إلا أن الحيثيات كلها لا يمكن أن تهدر حقا أصيلا لكل إنسان أجمعت عليه القوانين والشرائع أعني به حق كل منهم ولو كان متلبسا بجريمة في أن يعرف ما يوجه إليه من اتهام وحقه في أن يدافع عن نفسه بما يشاء وواجب الذي يضع نفسه موضع الحكم أن يتحري وأن يستمع إلى أطراف النزاع جميعا ثم واجبه بعد ذلك أن يصدر حكمه مبينا به الأسباب .

ولئن قضت بعض الاعتبارات والظروف بعدم إذاعة هذه الأسباب على الملأ فليس هناك مبرر أو اعتبار يمكن أن يحول بين المحكوم عليه وبين معرفة أسباب إدانته هذه بديهيات يعرفها كل إنسان بالفطرة ولا أدري كيف غابت عن أعضاء مكتب الإرشاد وفيهم عدد كبير من رجال القانون ولكن هذا ما وقع وضاعف من آثاره أن المرشد العام صرح بأن للمكتب أن يصدر ما يشاء من قرارات ولا يسأله أحد عن الأسباب ؟ والإسلام لا يعرف القداسة ولم يطلب الإيمان بالغيب إلا لله الواحد القهار .

وقد كان هذا القرار بشعا معيبا في إجراءاته على الأقل كما كان مثيرا لكثير من الإخوان الذين حاولوا الاستفهام من أعضاء المكتب أو الهيئة وأخيرا المرشد العام عن الأسباب فلم يفلحوا , وكانت النتيجة أن ضاقت السبل ببعض المفكرين فاتجهوا إلى المركز العام واعتصموا وأعلنوا أنهم لن يخرجوا حتي تصحح الأوضاع وتسير الأمور في مجراها الطبيعي .

وإلى هنا وقد بدأت نار الفتنة تندلع وكان حتما مفروضا على كل مخلص لهذه الدعوة أن يتصدي لمعالجة الموقف , ويأخذ على عاتقه إطفاء الفتنة وتسوية الأمور بغير هذا الطريق الوعر , وهذا ما حدا ببعض أعضاء الهيئة التأسيسية إلى المسارعة إلى دار المركز العام والاجتماع بهؤلاء المعتصمين ثم إرسال وفد منهم إلى المرشد العام للاستئناس برأيه , ومحاولة فريق آخر لنصح هؤلاء الإخوان بمغادرة المركز العام إظهارا لحسن النية حتى تعالج الدعوي في جو هادئ ومن المؤسف أن المرشد العام لم يكن موجودا في منزله , ولقد أفلح الذين قصدوا مواجهة الموقف في إقناع الإخوان بالانسحاب وتركوا لأعضاء المكتب فرصة لتصحيح الأخطاء ومعالجة الفتنة بحكمة ولكن مع الأسف الشديد لم ينظر المكتب إلى المسألة النظرة العلمية ولم يراع الظروف والملابسات فأصر على قراره رغم ما فيه من الاخطأ .. ونظر إلى الإخوان كثائرين متمردين فأوقف عددا منهم وألف لجان التحقيق وصور الأمور للإخوان والناس على أن هذه مسألة " خاصة" أشخاص بفصل بعضهم ويجازي الآخر ويوقف الثالث لا على أساس أنها مسألة معالجة أوضاع خاطئة حسب مبادئ وتقاليد الدعوة التي نمت مع الأيام .

ولو أن أعضاء المكتب نظروا إلى الأمور على حقيقتها لرأوا في الإخوان المعتصمين رجالا يدافعون عن مبدأ من أسمي المبادئ ألا وهو حق المتهم في الدفاع عن نفسه وواجب القاضي في التحري وإقامة حكمه على أساس متين ولاستطاع أمام نبل الغاية وشرف المقصد أن يتغاضي عن الشطط الذي وقع بحكم اندفاع الشباب وثورة النفوس ثم يحاسبهم بعد ذلك محاسبة الأب لإبنه .

ولو أن أعضاء المكتب حين ينظرون هذه النظرة إنما يضعون مصلحة الدعوة ووحدة الصفوف وسلامة الجموع فوق كل اعتبار لكانوا أثبتوا بذلك أنهم أهل الثقة وما كان أشجعهم لو اعترفوا بالاخطأ وسارعوا مشكورين إلى تأليف لجنة للتحقيق وقضوا بذلك على الفتنة في مهدها .

ولكن للأسف الشديد نظر أعضاء المكتب إلى الأمور نظرة شخصية وليست دعوة الإخوان المسلمون أشخاصا أو لجانا أو إدارات أو لوائح ميتة وإنما هي مبادئ حية في نفوس القائمين بها وخلق يميزهم عن سائر الناي ويجعلهم عنوانا لهذا الإسلام جديرين بأن يكونوا حقا خير أمة أخرجت للناس وسنظل نعمل على تجنيب الدعوة أى ضرر أو بأس كما بدأ رغم هذه التصرفات وسنثبت على إيماننا بالمثل العليا التي غرست في قلوبنا ولو ضحينا في سبيل ذلك بالمج والأرواح .

بيان عاجل إلى الإخوان الأحبة

كتب الأستاذ صالح عشماوي مقالا بعنوان المبادئ لا الأشخاص وفي نفس عدد مجلة الدعوة وبنفس التاريخ – نشرت هذا البيان بعنوان بيان عاجل إلى الإخوان الأحبة :

بسم الله الرحمن الرحيم

نعتقد أن من حق الإخوان المسلمون جميعا معرفة الحقيقة المجردة عن الأحداث المؤسفة الأخيرة فقد برأنا ذمتنا وقمنا بالحق المفروض علينا عندما تدخلنا مسرعين لتهدئة النفوس وإنقاذ الدعوة من الاخطر بعد تطور الأمور هذا التطور الاخطير الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الدعوة نتيجة لتصرفات مكتب الإرشاد التي ثبت من الأحداث أنها لم تبن على أساس من التحري الدقيق وتبين الأمور , ولكن المسعي الذي بذلناه لم يلق التقدير الذي يستحقه من بعض أعضاء المكتب الذين ظلوا بعيدين عن مواجهة الموقف حتي بعد أن استدعيناهم لحسم الأمور بحجة أن قراراتهم لا تناقش وأن حكمهم لا معقب عليه .

وعلم الله أنه لولا مواجهتنا للإخوان الذين لجأوا للمركز العام بعد أن تخلي عن هذه المواجهة أعضاء مكتب الإرشاد وهي مسئولية الأولي , ولولا ما بذلناه من جهود لتهدئة الحالة لحدثت مآسي تضيق بها ضمائر المؤمنين.

ثم انصرف الإخوان بعد أن تركوا الأمانة في أعناق إخوانهم أعضاء الهيئة التأسيسية الذين واجهوا الموقف وتحملوا تبعاته كاملة .. وفي الوقت الذي كان يعالج فيه الموقف في المركز العام , توجه الإخوان طاهر الخشاب وعبد القادر عودة, ومحمد الغزالي , وأحمد عبد العزيز جلال لمنزل المرشد العام لإطلاعه على الحقائق وبحث الموقف ولكنه لم يكن للأسف موجودا في ذلك الوقت وفي اليوم التالي – السبت – تطورت الأمور كالتالي :

1- دعانا البكباشي جمالي عبد الناصر إلى منزله فتوجه عن اللجنة الأستاذ صالح عشماوي ومعه الشيخ سيد سابق حيث وجدا البكباشي زكريا محيي الدين وزير الداخلية والصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومي والشيخ محمد فرغلي عن مكتب الإرشاد .

ثم بحث الموقف برمته في هذا الاجتماع واتفق على تكوين لجنة للتحقيق مع الإخوان المفصولين وتحديد موقفهم وعلى تهدئة الاخواطر في الاجتماع الذي يعقد بعد العصر .

وفي نفس الوقت اتصل بنا الأستاذ عبد العزيز كامل وأبلغنا أنه أفلح في إقناع أعضاء المكتب بالموافقة على تكوين لجنة تحقيق .

2- وعلى هذا حضرنا الحفل المذكور للمساعدة على تهدئة النفوس في الوقت الذي كان فيه بعض خطباء الحفل يحاولون زيادة الفتنة اشتعالا .

3- لقد اجتمع بنا الإخوان محمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال مع أعضاء مكتب الإرشاد وشرحا لهم خطورة التهاون في معالجة الموقف وضرورة سرعة البت في الأمور .

4- وفي ساعة متأخرة من الليل اتصل بنا خمسة من أعضاء مكتب الإرشاد وهم الدكتور خميس والأستاذ عمر التلمساني وعبد الرحمن البنا وعبد القادر عودة ومحمد حامد أبو النصر وأبلغونا أنهم وافقا على تأليف لجنة تحقيق .

وعلى هذا الأساس نشرنا بيان أمس وفيه ذكرنا تكوين لجنة التحقيق ولكننا فوجئنا في الصباح بقرار إيقاف واحد وعشرين عضوا وتأليف لجنة للتحقيق لا مع الإخوان المفصولين حسب الاتفاق ولكن مع الإخوان الذين احتجوا على قرار الفصل وأعجب من ذلك أن ينشر تصريح للأستاذ عبد الحكيم عابدين بن التحقيق لا يزال جاريا معنا بواسطة مكتب الإرشاد مع أن هذا لم يحدث إطلاقا ولا يجوز بنص قانون الجماعة الذي يجعل المكتب مسئولا أمام الهيئة التأسيسية لا العكس ونحن ماضون في خدمة الدعوة وفق تعاليم الإسلام وآدابه ولن تصرفنا عن هذه الوجهة الكريمة أى تصرفات ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

صالح عشماويمحمد الغزاليأحمد عبد العزيز جلال

24 ربيع الأول سنة 1373 – أول ديسمبر سنة 1953


القول الفصل : حيت يعلم الإخوان

الإخوان المسلمون – قسم نشر الدعوة

تحت هذا العنوان أصدر الإخوان المسلمون قسم نشر الدعوة رسالة ( القول الفصل ) والموضوع يتصل بأمر فتنة الجماعة الذين فصلوا والجماعة الذين شاركوا في الأحداث الأخيرة التي وقعت في المركز العام للإخوان المسلمين – وسوف أجتزئ هنا بعض الفقرات الهامة من تلك الرسالة حتى أضع كل الأمور في إطار واحد .

من مكتب الإرشاد إلى لجنة العضوية

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الأخ الكريم رئيس لجنة تحقيق العضوية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

تنفيذا لقرار مكتب الإرشاد العام بتاريخ 22 ربيع الأول سنة 1373 – الموافق 29 ديسمبر 1953 نحيل إليكم الأساتذة " صالح عشماوي , ومحمد الغزالي, وأحمد عبد العزيز جلال " للفصل في أمرهم مع العلم بأن المكتب أوقف الأول والثاني.. أما التهم التى من أجلها أحيلوا للجنة , من أوقف منهم ومن لم يوقف فهي :

أولا : أنهم ظاهرة فكرة التمرد على النظم والأوضاع بوقوفهم إلى جانب الشبان المتمردين على المرشد العام ومكتب الإرشاد واعتصامهم معهم في دار المركز العام مساء يوم الجمعة بتاريخ 20 من ربيع الأول سنة 1373 الموافق 27 ديسمبر سنة 1953.

ثانيا : أنهم أكدوا وقوفهم أنصارا لهذا التمرد بل زادوه اندفاعا وأغروهم بالاسترسال إلى أسوأ الحدود ببيانهم الذي نشرته الصحف صباح السبت وما فيه من الإرجاف بالدعوة والافتراء على قيادتها بما زعموا من أن المرشد العام أعلن استقالته على الملأ وبما اصطنعوا لأنفسهم من حقوق ليست لهم في :

(أ‌) إلغاء قرار مكتب الإرشاد العام مع أن هذا الحق لا تملكه أية سلطة في الدعوة فضلا عن أفرد من أعضاء الهيئة التأسيسية ليست لهم أية صفة في وقف عضو واحد في أية شعبة من شعب الإخوان.

(ب‌) إلغاء قرار كتب الإرشاد السابق صدروه بفصل أربعة من أعضاء الجماعة .

ثالثا : أنهم أسفروا عما في نفوسهم من أهواء ومآرب شخصية بما اجترؤوا عليه من إعلان أنفسهم أوصياء على الجماعة وقواما على شئون الدعوة حيث لا إشارة من صفة تخولهم ما يدعون .

رابعا : أنهم عمدوا إلى إذاعة السوء وإشاعة أنباء الفرقة بين الصفوف بما أقدموا عليه من نشر قراراتهم الواهمة في الصحف بل إن إصدار البيان بتوقيعهم هو الذي خلق كيانا لهذه الهفوة التي وقع فيها شبان أبرياء و إذا لولا وقوف نفر من كبار الإخوان بجانبهم لما تشجع المتمردون ولا عنيت الصحف بإصدار بيان لنفر أكثرهم من النشئ المخدوعين .

خامسا : أنهم أعطوا الفرصة لتبين ما في نفوسهم لتوضيح موقفهم باستجواب بعضهم أمام مكتب الإرشاد فظهر إصرارهم على ما صنعوا رغم إبراز المكتب لهم ما في تصرفاتهم من خطأ جسيم وخروج على الدعوة .

سادسا: أن الأستاذ صالح عشماوي لم يمثل أمام المكتب رغم تبليغه رغبة المكتب في سماع أقواله مساء يوم السبت وتبليغ كل مظان وجوده يوم الأحد لضرورة حضوره وأنه قد استبان موقفه من المعلومات التي أدلي بها الأستاذ محمد فرغلي عضو المكتب والأستاذ عبد العزيز كامل عضو الهيئة التأسيسية ويمكن سؤالهما عن تفاصيل ما يعلمان.

سابعا : أن الأستاذ أحمد عبد العزيز جلال أبدي أمام المكتب استعداده للعودة إلى الحق ووعد بإصدار بيان يقرر فيه التزامه بأوضاع الجماعة وثقته بالمرشد والمكتب ثم فوجئنا في صباح الأحد ببيان جديد اشترك في توقيعه يدل على تمسكه وزملائه بموقفهم السابق إزاء الجماعة .

ثامنا : أنهم مجتمعين قد اشتركوا في إصدار بيان نشر صباح الأحد بالصحف ادعوا فيه تكوين لجنة تحكيم بين الإخوان بفريقيهم كما يزعمون وأنهم في هذا البيان نفسه أكدوا تمسكهم بمضمون البيان الأول بقولهم : وما زلنا عند موقفنا في تحري الحق وإقرار العدل وإصلاح ذات البين ., فضلا عما في ذلك من إشعار الرأي العام بوجود خصومة ضخمة في موقف لا يعدو أن يكون قياما من الجماعة بواجبها في مؤاخذة بعض المخطئين من أعضائها .

تاسعا : أنهم أصدروا بيانا نشرته الصحف صباح يوم الاثنين 23 ربيع الأول سنة 1373 الموافق 30 ديسمبر 1953 ضمنوه كثيرا من الانحراف عن الحق والمغالطات التي تزيد في توضيح اعتدائهم على مكتب الإرشاد وهو السلطة الشرعية في الدعوة من مثل قولهم" وعلم الله لولا مواجهتنا الإخوان الذين لجأوا للمركز العام بعد أن تخلي عن هذه المواجهة أعضاء مكتب الإرشاد " في حين أنهم يعلمون أن الأمر دبر خلسة ( ودون أن يعلم أى عضو من أعضاء مكتب الإرشاد) وفي ليل عطلة الدار وأنهم وحدهم الذين علموا من قبل أو من بعد بأمر هذا التجمع وكانوا وحدهم موضع الرضا من هؤلاء الشبان كما يعلمون أنه ما من عضو من أعضاء المكتب وصله النبا إلا وحضر على الفور وحاول علاج الموقف ولكنه لم يستطع لأسباب يعلمها الشبان المتجمعون وهؤلاء المتظاهرون أو المدبرون بل بلغ بهؤلاء الشبان أن منعوا السكرتير العام من البقاء معهم ورفضوا الاستماع إلى الأستاذ عبد القادر عودة رغم الجهد الذي بذله لإبلاغهم كلمة الحق , بينما كانت كلمات أصحاب هذا البيان تقابل بالارتياح كأنهم لها في انتظار أو كأنهم معهم على اتفاق .

عاشرا: أنهم بهذا البيان الأخير أكدوا بكل مظاهر التأكيد أنهم مصرون على موقف الاخروج الذي اختاروه لأنفسهم رغم بذل النصح لهم وضرب المثل الذي ضربه لهم زميلهم الدكتور محمد سليمان برجوعه إلى الحق وعدوله عن موقفه .

حادي عشر : أن الموقعين على البيان كانوا المستشارين الحقيقيين للشباب المعتصم وان الأستاذين صالح عشماوي وسيد سابق كانا في خلو معهم طوال الوقت وكانوا يستمدونهما الرأي في كل خطوة كما يشهد بذلك الأخ محمد هارون المجددي فإذا أضيف إلى ذلك أن الشبان رفضوا إدخال العقلاء من الإخوان إلى الدار بعد وقت قضاه الحراس في الاستئذان من الداخل أمكن القول بأن رفض دخول العقلاء كالأستاذ سيد قطب كان ثمرة الاستشارة التي كان يتلقاها الشباب من الأستاذ صالح وزملائه .

ثاني عشر : أن الأستاذ صالح عشماوي كان عقبة في سبيل المسعي الرشيد الذي قام به الأخ الأستاذ عبد العزيز كامل لإخلاء الدار من هؤلاء الشبان وذلك بإصرار الحاج صالح شخصيا على ضرورة البقاء بالدار والمبيت فيها حتى رغم خروج الثائرين أنفسهم وأن تمسكه علنا بالبقاء وطول مجادلته في ذلك للأستاذ عبد العزيز كامل أمام بعض الشبان كان دليلا قاطعا على أن فكرة الاعتصام بالدار وليدة رسمه أو على الأقل موضع ارتياحه وتأييده .

ويكفي أن تعلموا أن الأستاذ صالح بقي بالدار بعد خلوها من الجميع متشبثا ألا يغادرها إلا بعد الأخ عبد العزيز كامل بنحو ساعة ريثما تعود سيارته من توصيل الأخ عبد العزيز كامل لمنزل المرشد العام .

ومن البداهة بمكان أن مبيت الأستاذ صالح بالدار لا يثير شيئا من الاهتمام ولكن له دلالته على مظاهرته لفكرة الاعتصام بالدار .

ثالث عشر : أن الأستاذ عبد القادر عودة طلب من الأستاذ صالح عشماوي الحضور إلى منزل المرشد العام فأبي الاستجابة له وكذلك رغب إليه الأستاذ عمر التلمساني في هذا فلم يسمع لرجائه .

رابع عشر : أن الأستاذ صالح عشماوي وزملاءه لا يزالون مع المفصولين على صلة خاصة لا يمكن تفسيرها مع هذه الملابسات إلا بأنها مشاركة لهم في التآمر الذي ظهرت ثمرته مساء الجمعة وقد ثبتت هذه الصلة من رؤية الأخ عبد العزيز كامل للأستاذين صالح عشماوي وسيد سابق في خلو مع الأستاذ عبد الرحمن السندي بدار الكتاب العربي يوم السبت ومن اعتراف الأستاذ أحمد جلال أمام المكتب .

خامس عشر : أن مجلة الأستاذ صالح عشماوي " مجلة الدعوة " نشرت بجوار مقالة رئيس التحرير خبرا مكذوبا زعم فيه استقالة الأخوين عبد العزيز كامل ومحمد سليمان بقصد بلبلة الاخواطر والإيهام بأن الإخوان لا زالوا على خلاف م القيادة ومكتب الإرشاد .

سادس عشر : أن مقالة الافتتاحي في نفس المجلة وتصوير المجلة للحادث ينطوي على أكذب المغالطات والمهاجمة لقيادة الإخوان ومكتب الإرشاد ويعتبر إصرار على التمادي في موقف النكث والاخروج .

يا حضرات أعضاء اللجنة :

ومن جملة هذه الاتهامات يري مكتب الإرشاد العام أن أصحاب البيان الثلاثة قد عرضوا أنفسهم لزوال صفة عضوية الهيئة التأسيسية عنهم وفقا للمادة " 39" من قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمون لفقدانهم أحد الشروط التي تؤهلهم للعضوية والمنصوص عليه في البند " د" من المادة " 36" من هذا القانون إذ أن ما صنعوه لا يتفق بحال من الأحوال مع الصفات الاخلقية والعملية التي تؤهل الرجل لعضوية الهيئة التأسيسية .

(ت‌) أنهم فقدوا بهذه التصرفات أهلية العضوية العادية في جماعة الإخوان المسلمون والمنصوص عليه في المادة " 4" من القانون وفيها اشتراط أن يتعهد العضو باحترام نظام الدعوة , ولا ريب أن ما اجترحوا ليس من احترام الدعوة ولا النهوض بواجبات عضويتها وتحقيق أغراضها في قليل أو كثير.

(ج) أنهم حنثوا باليمين التي يعطيها العضو العادي في أى شعبة والموضحة بالفقرة الثانية من المادة " 4" من هذا القانون وفيها القيام بشرائط عضويتها والثقة التامة والسمع والطاعة في المنشط والمكره ومن البداهة بمكان أنما اقترفه الموقعون على البيان من تصرفات .. بمنأي عن رعاية هذا القسم الغليظ .

يا حضرات أعضاء اللجنة :

هذه هي الوقائع التي تدين أصحاب البيانات الطائشة والتي تستوجب بأدلتها المعروضة تطبيق المادة " 39 " بزوال صفة الهيئة التأسيسية والمادة "4" بزوال صفة العضوية العادية كما حددتها النصوص القانونية .

أما الأضرار البليغة التي ترتبت على تصرفات هؤلاء الإخوان والبلبلة التي شاركوا في إيجادها في الصفوف والفجيعة التي كانوا من أكبر عوامل سوقها إلى النفوس نفوس المسلمين في أنحاء العالم بما أوهموا من انشقاق الجماعة فذلك أمر من الاخطورة وجسامة الاخطأ والتبعة بحيث يلمسها كل أخ مسلم أكثر مما تحدده النصوص القانونية .

والمكتب يرجو أن تسرع اللجنة في اتخاذ إجراءات المحاكمة في أقرب وقت ممكن حسما للموقف وإنقاذا للدعوة من كثرة التخرصات والأقاويل .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,

السكرتير العام للمرشد العام

تحريرا في 24 / 3/ 1373هـ 1/ 12 / 1953م


قرارات لجنة تحقيق العضوية في قضية الأساتذة صالح عشماوي والشيخ محمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال

عمدتنا في القانون في هذا التطبيق المواد الثلاثة الآتية :

المادة 4 – عضو الهيئة " هيئة الإخوان المسلمون ":

هو كل مسلم عرف مقاصد الدعوة ووسائلها وتعهد بأن يناصرها ويحترم نظامها وينهض بواجبات عضويتها ويعمل على تحقيق أغراضها ثم وافقت إدارة الشعبة التي ينتمي إليها على قبوله وبايع على ذلك وأقسم عله .

ونص البيعة : أعاهد الله العلي العظيم على التمسك بدعوة الإخوان المسلمون والجهاد في سبيلها والقيام بشرائط عضويتها والثقة التامة بقيادتها والسمع والطاعة في المنشط والمكره وأقسم بالله العظيم على ذلك وأبايع عليه والله على ما أقول وكيل .

المادة 36

لهذه الهيئة – الهيئة التأسيسية – أن تقرر في أى اجتماع منح بعض الإخوان حق العضوية لهيئة التأسيسية بشرط أن تتوفر فيمن يراد منحه إياها هذه الشروط :

أ‌- أن يكون من الأعضاء المثبتين.

ب‌- أن لا يقل سنه عن 25 سنة هلالية .

ت‌- أن يكون قد مضي على اتصاله بالدعوة 5 سنوات على الأقل .

ث‌- أن يكون بالصفات الاخلقية والثقافية والعلمية التي تؤهله لذلك .


المادة 39

تزول صفة العضوية عن عضو الهيئة التأسيسية بالاستعفاء أو بفقدانه أحد الشروط التي تؤهله للعضوية أو بقرار من اللجنة المنصوص عليها في المادة 37 بالشروط الواردة فيها أو بقرار من الهيئة نفسها وفي كل الأحوال يجوز للمرشد العام أن يأمر بوقف العضو على أن يعرض أمره فورا على الهيئة المختصة بالنظر في أمره .

واللجنة بعد أن ناقشت قرار الاتهام على ضوء ما اقتنعت به من أدلة مادية وقرائن مضيئة تستخلص أن المدعي عليهم قد ارتكبوا الأخطاء الآتية :

أولا : أنهم اعتصموا في دار المركز العام وظاهروا الشباب المعتصمين وجرأوهم على ذلك , وبذلك حرضوا على الاخروج على القانون .

ثانيا : أنهم ادعوا كذبا أن المرشد العام أعلن استقالته على الملأ .

ثالثا: أنهم أصدروا قرارات لا يخولهم إياها قانون الإخوان المسلمون حيث أوقفوا مكتب الإرشاد وألغوا قرار المكتب بفصل الأربعة وبذلك يكونون قد خرجوا على القانون ونقضوا العهد ونكثوا البيعة .

رابعا: أنهم متصلون في شئون الدعوة بأحد الأربعة الذين فصلوا خصوصا ليلة الاعتصام وفي الأيام التالية وفي هذا خروج منهم على قرار الفصل الذي أصدرته هيئة شرعية .

خامسا أساءوا إلى سمعة الدعوة وحطوا من كرامتها أمام الرأى العام الداخلي والاخارجي باتخاذهم الصحف السيارة لنشر هذه القرارات .

وبالرجوع إلى المادة ( 39) نراها تقرر أن عضو الهيئة التأسيسية تزول عنه صفة العضوية بفقدانه أحد الشروط التي تؤهله للعضوية أو بقرار من لجنة تحقيق العضوية .

والشروط التي تؤهل الأخ المسلم ليكون عضوا في الهيئة التأسيسية نجدها محددة في المادة ( 36) ولكن هذه المادة جعلت أول شروط هذه العضوية أن يكون من الأعضاء المثبتين والعضو المثبت وضحت شروط عضويته المادة الرابعة حيث قررت انه كل مسلم .. الاخ

وبتطبيق هذه الشروط على المدعي عليهم نجد أنهم :

( أ) أخلوا بتعهدهم باحترام نظام الدعوة .

(ب) حنثوا في قسمهم ونقضوا بيعتهم وذلك :

1- بعدم قيامهم بشرائط العضوية المنصوص عليها في المادة الرابعة .

2- بعدم ثقتهم التامة بقيادة الدعوة .

3-بعدم السمع والطاعة في المنشط والمكره .

وبذلك يكون هؤلاء الأعضاء الثلاثة الأساتذة صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال قد فقدوا شرطين من شروط العضوية العامة في الدعوة والجماعة .

وبناء على ذلك :

قررت اللجنة بالإجماع إزالة صفة العضوية العامة في الدعوة عن الأساتذة صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال .

كما قررت اللجنة إحالة هذا القرار إلى فضيلة المرشد العام لاعتماده .

والله ولي التوفيق ,,,

تحرر في 3 شهر ربيع الآخر 1373 هـ , 9 من شهر

ديسمبر1953م

رئيس اللجنة:::::::السكرتير

محمد عبد الحليم::::::::سعد الدين الوليلي

( إمضاء ):::::::( إمضاء)

اعتماد المرشد العام

نحن حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين

بعد الإطلاع على قرار لجنة تحقيق العضوية, وبعد الاستئناس برأي مكتب الإرشاد وموافقته الإجماعية, قررنا اعتماد قرار اللجنة القاضي بإزالة صفة العضوية العامة في الدعوة عن الأساتذة صالح عشماوي ومحمد الغزالي وأحمد عبد العزيز جلال .

تحرر في 3 من شهر ربيع الآخر 1373 هـ , الموافق 9 من شهر ديسمبر 1953م.

حسن الهضيبي

( توقيع)

الاستئناف للهيئة التأسيسية

وفي اجتماع الهيئة التأسيسية الذي تقرر عقده لاستكمال بعض ما ورد في جدول أعمالها مما لم يتسع له الوقت في الجلسة السابقة رأي هؤلاء الثلاثة المفصولون أن يتقدموا للهيئة التأسيسية يطلبون عرض الأمر عليها وهنا نسجل للإخوان الحقائق التالية :

1- أن مكتب الإرشاد قرر تفويض المرشد العام في تلقي الطلب الكتابي من هؤلاء المفصولين وعرضه على الهيئة في اجتماعها على وجه السرعة دون الحاجة إلى نظر هذا الطلب أمام المكتب مجتمعا في جلسة قانونية طبقا للمادة 37 من القانون تمكينا لهؤلاء من تيسير إجراءات التقاضي والانتفاع بل الفرص التي أعطاهم إياها قانون الإخوان .

2- ورغم أنهم لم يذكروا كلمة الاستئناف في طلبهم وإصرار بعض أعضاء الهيئة التأسيسية على رفض الاستئناف شكلا لتقديمه على وجه خاطئ يتضمن المضي في الاخروج على أوضاع الجماعة... فقد رأي المرشد العام أن تعتبر الهيئة هذا الطلب الكتابي استئنافا قانونيا وتنظر فيه .


3- وهكذا أذن لهم بالحضور ومكنتهم الهيئة من أن يسردوا موقفهم في ثلاث ساعات كاملة لم يجدوا أدني مقاطعة أو تقويض في إباحة حجتهم والدفاع عن أنفسهم .

4- وبعد استيضاحات ومناقشات هادئة ظهر من روح الهيئة التأسيسية الإجماع على إدانتهم وإن بدت رغبات محدودة في تمييز بعضهم عن بعض وفي الرأفة ببغضهم مع وجوب العقوبة . وأخيرا أصدرت الهيئة التأسيسية قرارها بتأييد قرار لجنة العضوية بأغلبية 92 صوتا ضد 23 كانت مخالفتهم منصبة على نوع العقوبة .

أيها الإخوة الفضلاء

هذه هي صحائف تلك الأحداث جلية واضحة لتتبينوا مدي الدقة والأمانة اللتين تحراهما فضيلة المرشد العام ومكتب الإرشاد في تطبيق قانوننا الأساسي , بل ما فوق الدقة من سماحة في بعض الحيان , رغم ما أبداه هؤلاء من جنوح عن النظام أولا وأخيرا .

ونحن نختم هذا البيان بما صرح به فضيلة أستاذنا المرشد العام غداة نشر القرار وتعقيبا على رد هؤلاء عليه .

تصريح فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي

" إن الإخوان المسلمون كانوا – ولا زالوا – صفا واحدا ولا يستطيعون أن يعملوا إلا وهذا شأنهم وبنبغي أن يأخذ كل أخ مسلم نفسه بهذا المعني ويروضها على احترام أنظمة الجماعة ومقرراتها – فإذا خرج أى إنسان على ذلك علمنا أنه لا يستطيع أن يلائم بين نفسه وبين هذه الأنظمة واضطررنا إلى إقصائه عنا داعين له بحسن التوفيق في خدمة الإسلام والمسلمين وهذا هو شأن بعض إخواننا الذين أزيلت عنهم عضوية الجماعة, وفيما عدا هذا المعني الذي أسلفنا فليس لنا بهم شأن ولا نطعن على إيمانهم ولا على سلوكهم والله يتولانا جميعا بالمعونة والسداد ".

من كلمات الإمام الشهيد حسن البنا

" إني لا أخاف عليكم الأمة مجتمعة ولكني أخاف عليكم من أنفسكم ".

الفصل الثالث

• إذاعة إسرائيل وحل جماعة الإخوان

الإخوان والإنجليز وعبد الناصر

• إرهاصات المؤامرة

• إذاعة قرار بحل جماعة الإخوان

• بيان المرشد العام في جريدة المصري

• استقالة اللواء محمد نجيب

• وانتصرت إرادة الشعب

• قرارات 25 مارس

• الإفراج عن الإخوان المسلمون !!

الإخوان يطالبون بالحريات


إذاعة إسرائيل وحل جماعة الإخوان

وانتشر بين الناس نبأ أذاعته الإذاعة الإسرائيلية, مفادة أن – الحكومة المصرية تفكر في إصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمون . وتوافد الإخوان من أماكن كثيرة على الكتب الإداري مفزوعين لهذا النبأ , ولكن أعضاء المكتب قاموا بتهدئتهم وتكذيب هذا الاخبر .

ولقد قمت على الفور بالاتصال بالأخوين الأستاذ محمود عبد الحليم عضو الهيئة التأسيسية والأخ الأستاذ كامل الشريف الذي كان موجودا في هذا اليوم وتناقشنا في هذا الاخبر على أساس احتمال أن يكون له نصيب من الصحة.. لذلك فلا ينبغي أن نتغاضي عنه كما تغاضينا الاخبر الذي شاع آنذاك بعزم الحكومة على حل جماعة الإخوان المسلمون , واطمأن الإخوان لهذا النبأ ولم يأخذوه مأخذ الجد فيحذروا من عدوهم ويحتاطوا منه حتي فوجئوا في نشرة الحادية عشرة مساء من نفس اليوم بصدور قرار حل الجماعة وكان ما كان .

فقلت للإخوة : إنه من الواجب علينا أن نتعلم من الماضي فنأخذ حذرنا ونتصل بالإخوة المسئولين ليقوموا بحرق جميع الأوراق الإدارية الهامة وإخلاء جميع الشعب والمكتبات وكل ماله قيمة والتصرف في الأوراق الشخصية التي ربما يترتب على مصادرتها إضرار بالدعوة والدعاة فضلا عن التوجيهات اللازم صدورها في مثل هذه الحالات الشديدة المفاجئة حتي لا نؤخذ على غرة .. ونكون بذلك قد أدينا واجبنا نحو دعوتنا وإخواننا .

الإخوان والإنجليز وعبد الناصر

وشاء الله تعالي أن أتوجه إلى القاهرة في زيارة للمركز العام للإخوان المسلمين وكان حديث الثلاثاء واستمعت إلى الإخوة الاخطباء وفي ختام اللقاء تقدم إلى المنصة الأخ الدكتور المرحوم [[محمد خميس حميدة]] وكيل الإخوان المسلمون .. وبعد أن حمد الله وأثني عليه , بدأ حديثه للإخوان أمام الميكروفون فقال : أيها الإخوان , منذ أيام أتصل بنا مندوب من السفارة البريطانية ويدعي المستر إيفانز المستشار الشرقي للسفارة البريطانية وطلب إعداد مقابلة له مع فضيلة المرشد العام , وعلى الفور وجدنا أن من الحكمة الاتصال بالرئيس محمد نجيب وزملائه ,وفعلا تم الاتصال بجمال عبد الناصر الذي أكد على ضرورة قبول لزيارة وطلب الضغط على الإنجليز والتشدد في المطالبة بالجلاء العاجل .. وعلى هذا الأساس قبل الإخوان مقابلة المستر إيفانز , وتم اللقاء بينه وبين بعض الإخوة الذين كان منهم الأستاذ المستشار منير دلة والأستاذ صالح أبو رقيق ولقد أعد الإخوان فور اللقاء تقريرا بكل ما حدث وكتبوه من عدة صور أودعوها لدي مكتب رئاسة الوزراء وبالذات لدي الرئيس محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأودعوا صورة منها في مكتب الإرشاد العام .

إبراء للذمة

ولقد كان لهذا التوضيح الذي تحدث به الدكتور [[محمد خميس حميدة]] أثره في نفوس القاعدة العريضة لجماعة الإخوان المسلمون قبل أن يصدر قرار حل الإخوان في يناير 1954 وبدأ جمال عبد الناصر ينفث سمومه وتهم الإخوان باتصالهم بالإنجليز دون تصريح من الحكومة .. ولولا أن الدكتور خميس كان قد أوضح ذلك سابقا لوقعت فتنة كبيرة بين قاعدة الإخوان وقيادتهم ولكن الله سلم وألهم القيادة الرشد فقامت بتوضيح هذا الأمر في حينه .

وبهذه المصارحة من القيادة للقاعدة تتكون الثقة ويستقر الاطمئنان في قلوب الإخوان ويخيب ظن أعداء الدعوة الإسلامية وتطيش سهامهم وتبطل أكاذيبهم , وتتوحد آراء الإخوان وتتضح اتجاهاتهم .

إرهاصات المؤامرة

رسالة اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف

بعث لى اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف برسالة.. أنه قد صدر أمر نقل من قيادة الكتيبة الفلسطينية – إلى القاهرة – وعليه فليزم مقابلتي له على محطة القطار الذي يصل إلى العريش في طريقه للقاهرة وفعلا قمت بالانتظار حتى وصل القطار وتلقفته بالعناق الحار , وقد أفهمني أن معه ضابطا من المخابرات لتوصيله للقاهرة وأوصاني خيرا وابتعد القطار عن الأنظار .

وقد فهمت من حديثه العاجل أن الأمور تنذر بمحنة بين الإخوان والحكومة – وان الحكومة تعتزم ضرب الإخوان فى أقرب فرصة وأن دعوته للنزول للقاهرة – خوفا من تواجده في هذا الوقت بين القوات المسلحة .

لقاء نواب صفوي

وصل إلى القاهرة في زيارة الجماعة الإخوان المسلمون الزعيم الإسلامي نواب صفوي زعيم فدائيان إسلام بإيران – وقد احتفل بمقدمة الإخوان أعظم احتفال – وقام بإلقاء حديث الثلاثاء فحلق بالإخوان في سماء الدعوة الإسلامية وطاف بهم مع الملأ الأعلى وكان يردد معهم شعار الإخوان ( الله أكبر ولله الحمد) وقد أجرت معه بعض الصحف أحاديث ومناقشات إسلامية وسياسية واستضافته بعض الجمعيات الإسلامية .. وكان يلازمه ف رحلاته الأخ الأستاذ سعيد رمضان وكان نواب صفوي شديدا في تصريحاته وخطبه ضد الاستعمار الأمريكي خاصة , وسئل ذات مرة لماذا لا يكون بينك وبين الأحزاب في غيران تعاون ؟ فقال ( وما كنت متخذ المضلين عضدا) وهناك بين فكر نواب صفوي وفكر الإخوان مودة غير أن حركة نواب صفوي تتسم بالعنف الشديد وذلك مفهوم من عنوانها ( فدائيان إسلام) .

الاحتفال بذكري شهداء الإخوان بالقنال

بجامعة القاهرة

وفي ذكري استشهاد الإخوة المنيسي وشاهين الطلاب الجامعيين الذين استشهدوا في معارك القنال عام 1951 – وفي الاحتفال بذكراهم داخل حرم جامعة القاهرة , وبعد أن ألقيت كلمات من مدير الجامعة والأخ حسن دوح وبعض الإخوة – حضرت مجموعة من الإخوان في صحبة زعيم فدائيان إسلام نواب صفوي – وقدم لإلقاء كلمته .

وبينما هو يتحدث إذا بمجموعة من " منظمات الشباب " بقيادة أحد الضباط الأحرار يقتحمون الاحتفال ويهاجمون الإخوان وتقوم بينهم معركة حامية – استطاع بعدها الإخوان حرق السيارة الجيب التي أتوا بها وفرقوهم عن آخرهم .

واستقر الحفل واستمر حتي نهايته ولكن حدث توتر شديد مما أضاف على الحفل صورة من الكآبة والحزن لهذه الفتن المقصودة وانصرف الإخوان بعد ذلك وهم يحسون أن هناك مؤامرة حبكت بليل . وأبلغ الإخوان أنباء هذه الأحداث للأستاذ المرشد .

رائحة مؤامرة ضد الجماعة

هذا وبالإضافة إلى الأنباء التي أذاعتها إذاعة إسرائيل – وإن كان الإخوان لا يؤمنون بصدقها حيث إنها العدو اللدود غير أنه لم يعد هناك شك في أن الحكومة تخطط وتصنع الأسباب التي تعطيها المبررات أمام الجماهير لضرب الجماعة ولم تعد أفكار وعقلية جمال عبد الناصر خافية على الجماعة, ولكن يبقي سؤال ظل يطارد الإخوان على الدوام – ماذا يمكن أن يفعلوه أمام قوة الدولة بيوليسها وجيشها ومؤامراتها !؟..

إذاعة قرار بحل جماعة الإخوان

وبعد انتهاء الاحتفال بذكري شهداء القنال بجامعة القاهرة وفي مساء ذلك اليوم.

صدر قرار من وزارة الداخلية بحل جماعة الإخوان المسلمون وتم القبض على مئات من الإخوان على رأسهم فضيلة المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد وقد أودعوا السجن الحربي لأول مرة في التاريخ ومعتقل العامرية بإسكندرية وباقي سجون مصر .

ويقول البيان

إن كانت الثورة قد قامت في 23 يوليو 1952 فقد ظل تنظيم الضباط الأحرار ينتظر من يتقدم الصف مخلصا ليغير الفكر الذي كنا نعيش فيه ويثبت بعمله جدية صدقة وإخلاصه لدينه ووطنه وكنا على استعداد أن نتبعه في صف واحد كالبينان المرصوص, حتى نحقق لوطننا العزيز عزة وكرامة وتحررا من الاستعمار والعبودية ولما طال انتظارنا عقدنا العزم على القيام بالثورة وكنا جادين ولا هدف لنا ولا حرية الأمة وكرامتها وإن الله تعالي لا يكتفي بإيمان الناس إذا لم يتبعوا هذا الإيمان بالعمل الصالح فيقول عزوجل ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون )

ومن يوم قيام الثورة ونحن في معركة لم تنته بعد , معركة ضد الاستعمار لا ضد المواطنين وهذه المعركة لا تحتمل المطامع والهواء التي طالما نفذ الاستعمار من خلالها ليحطم وحدة الأمة وتماسكها فلا تقوي على تحقيق أهدافها .

وقد بدأت الثورة فعلا بتوحيد الصفوف إلى أن حلت الأحزاب ولم يحل الإخوان إبقاء عليهم وأملا فيهم وانتظارا لجهودهم وجهادهم في معركة التحرير ولنهم لم يتلوثوا بمطامع الحكم كما تلوثت الأحزاب السياسية الأخري ولأن رسالتهم دينية تعين على إصلاح الاخلق وتهذيب النفوس ولكن نفرا من الصفوف الأولي في هيئة الإخوان أرادوا أن يسخروا هذه الهيئة لمنافع شخصية وأطماع ذاتية مستغلين سلطان الدين على النفوس وبراءة وحماسة الشبان المسلمين ولم يكونوا في هذا مخلصين لوطن أو دين .

ولقد أثبت تسلسل الحوادث أن هؤلاء النفر الطامعين استغلوا هيئة الإخوان والنظم التي تقوم عليه هذه الهيئة لإحداث انقلاب في نظام الحكم القائم تحت ستار الدين وقد سارت الحوادث بين الثورة والإخوان بالتسلسل الآتي :

1- في صباح يوم الثورة إستدعي الأستاذ حسن العشماوي لسان حال المرشد العام إلى مفر القيادة العامة في كوبري القبة وأبلغ إليه أن يطلب من المرشد العام إصدار بيان لتأييد الثورة ولكن المرشد بقي في مصيفه بالأسكندرية لائذا بالصمت فلم يحضر إلى القاهرة إلا بعد عزل الملك – ثم أصدر بيانا مقتضيا طلب بعده أن يقابل أحد رجال الثورة . فقابله البكباشي جمال عبد الناصر في منزل الأستاذ صالح أبو رقيق الموظف بالجامعة العربية وقد بدأ المرشد حديثه مطالبا بتطبيق أحكام القرآن في الحال – فرد عليه البكباشي جمال إن هذه الثورة قامت حربا على الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والاستعمار البريطاني وهي بذلك ليست إلا تطبيقا لتعاليم القرآن الكريم - فانتقل المرشد بالحديث إلى تحديد الملكية وقال إن رأيه أن يكون الحد الأقصي 500 فدان , فرد عليه البكباشي جمال قائلا إن الثورة رأت التحديد بمائتي فدان فقط وهي مصممة على ذلك . فانتقل المرشد بالحديث قائلا أنه يري لكي تؤيد هيئة الإخوان الثورة أن يعرض عليه أى تصرف للثورة قبل إقراره فرد عليه البكباشي جمال عبد الناصر إن هذه الثورة قامت بدون وصاية أحد عليها وهي لن تقبل بحال أن توضع تحت وصاية أحد وإن كان هذا لا يمنع القائمين على الثورة من التشاور في السياسة العامة مع كل المخلصين من أهل الرأي دون التقيد بهيئة من الهيئات – ولم يلق هذا الحديث قبولا من نفس المرشد .

العفو عن الإخوان

2- سارعت الثورة بعد نجاحها في إعادة الحق إلى نصابه وكان من أول أعمالها أن أعادت التحقيق في مقتل الشهيد حسن البنا فقضبت على المتهمين في الوقت الذي كان فيه المرشد لا يزال في مصيفة بالأسكندرية .

3- طالبت الثورة الرئيس السابق علي ماهر بمجرد توليه الوزارة ان يصدر عفوا شاملا عن المعتقلين والمسجونين السياسيين وفي مقدمتهم الإخوان , وقد نفذ هذا فعلا بمجرد تولي الرئيس نجيب رئاسة الوزارة .

4- حينما تقرر إسناد الوزارة إلى الرئيس نجيب تقرر أن يشترك فيها الإخوان المسلمون بثلاثة أعضاء على أن كون أحدهم الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري وقد تم اتصال تليفوني بين اللواء عبد الحكيم عامر والمرشد ظهر يوم 7 سبتمبر سنة 1952 فوافق على هذا الرأى قائلا أنه سيبلغ القيادة بالإسمين الآخرين , ثم حضر الأستاذ حسن العشماوي إلى القيادة في كوبري القبة وأبلغ البكباشي جمال عبد الناصر أن المرشد يرشح للوزارة الأستاذ منير دلة الموظف بمجلس الدولة والأستاذ حسن العشماوي المحامي – وقد عرض هذا الترشيح على مجلس الثورة فلم يوافق عليهما , وطلب البكباشي جمال عبد الناصر من الأستاذ حسن العشماوي أن يبلغ ذلك إلى المرشد ليرشح غيرهما وفي نفس الوقت اتصل البكباشي جمال عبد الناصر بالمرشد فقال - إنه سيجمع كتب الإرشاد في الساعة السادسة ويرد عليه بعد الاجتماع , وقد أعاد البكباشي جمال عبد الناصر الاتصال مرة أخري بالمرشد فرد عليه إن مكتب الإرشاد قرر عدم الاشتراك في الوزارة ولا يوافق على ترشيح أحد من الإخوان وفي اليوم التالي صدر قرار من مكتب الإرشاد بفصل الشيخ الباقوري من هيئة الإخوان فاستدعي البكباشي جمال عبد الناصر الأستاذ حسن العشماوي وعاتبه على هذا التصرف الذي يظهر الإخوان بمظهر الممتنع عن تأييد وزارة نجيب وهدد بنشر جميع التفاصيل التي لازمت تشكيل الوزارة فكان رد الأستاذ حسن العشماوي أن هذا النشر يحدث فرقة في صفوف الإخوان ويسئ لموقف المرشد ورجا عدم النشر.نصيحة الثورة للإخوان

5- عندما طلب من الأحزاب أن تقدم إخطارات عن تكوينها قدم الإخوان إخطارا باعتبارهم حزبا سياسيا وقد نصحت الثورة رجال الإخوان بألا يتردوا في الحزبية ويكفي أن يمارسوا دعوتهم الإسلامية بعيدا عن غبار المعركة السياسية والشهوات الحزبية , وقد ترددوا بادئ الأمر ثم استجابوا وطلبوا اعتبارهم هيئة وطلبوا من البكباشي جمال عبد الناصر أن يساعدهم في تصحيح الإخطار فذهب إلى وزارة الداخلية حيث تقابل مع المرشد في مكتب الأستاذ سليمان حافظ وزير الداخلية يومئذ وتم الاتفاق على أن تطلب وزارة الداخلية من الإخوان تفسيرا عما إذا كانت أهدافهم سيعمل على تحقيقا عن طريق أسباب الحكم كالإنتخابات وأن يكون رد الإخوان بالنفي حتي لا ينطبق عليهم القانون .

6- في صبيحة يوم صدور قرار حل الأحزاب في يناير 1953 حضر إلى مكتب البكباشي جمال عبد الناصر , صلاح شادي والأستاذ منير دلة وقالا له الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيدي الثورة إلا جماعة الإخوان ولهذا فإنهم يجب أن يكونا في وضع يمكنهم من الرد على كل التساؤلات, فلما سألهم ما هو الوضع المطلوب ؟ أجابا بأنهم يريدون الاشتراك في الوزارة , فقال لهما أننا لسنا في محنة وإذا كنتم تعتقدون أن هذا الظرف هو ظرف المطالب وفرض الشروط فأنتم مخطئون فقالا له إذا لم توافق على هذا فإننا نطالب بتكوين هيئة من الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها للموافق عليها وهذا هو سبيلنا لتأييدكم إن أردتم التأييد , فقال لهما جمال : لقد قلت للمرشد سابقا إننا لن نقبل الوصاية وإنني أكررها اليوم مرة أخري في عزم وإصرار , وكانت هذه الحادثة هي نقطة التحول في موقف الإخوان من الثورة وحكومة الثورة إذ دأب المرشد بعد هذا على إعطاء تصريحات صحفية مهاجما فيها الثورة .. وحكومتها في الصحافة الاخارجية والداخلية كما كانت تصدر الأوامر شفهيا إلى هيئات الإخوان بأن يظهروا دائما في المناسبات التي يعقدها رجال الثورة بمظهر الاخصم المتحدي.

اتصال الإخوان بالإنجليز

7- لما علم المرشد بتكوين هيئة التحرير تقابل مع البكباشي جمال عبد الناصر في مبني القيادة بكوبري القبة وقال له إنه لا داعي لإنشاء هيئة التحرير مادام الإخوان قائمين وأنه لن يؤيد هذه الهيئة وبدأ منذ ذلك اليوم محاربة هيئة التحرير وإصدار أوامره بإثارة الشغب واختلاق المناسبات لإيجاد جو من الاخصومة بين أبناء الوطن الواحد

8- وفي شهر مايو سنة 1953 ثبت لرجال الثورة أن هناك اتصالا بين بعض الإخوان المحيطين بالمرشد وبين الإنجليز عن طريق الدكتور محمد سالم الموظف في شركة النقل والهندسة وقد عرف البكباشي جمال عبد الناصر من حديثه مع الأستاذ جمال عبد الناصر من حديثه مع الأستاذ حسن العشماوي في هذا الاخصوص أنه حدث اتصال فعلا بين الأستاذ منير دلة والأستاذ صالح أبو رقيق ممثلين عن الإخوان وبين المستر إيفانز المستشار الشرقي للسفارة البريطانية وأن هذا الحديث سيعرض حينما يتقابل البكباشي جمال عبد الناصر والمرشد وعندما التقي البكباشي جمال مع المرشد أظهر له استياءه من اتصال الإخوان مع الانجليز والتحدث معهم في القضية الوطنية الأمر الذي يدعو إلى التضارب في القول وإظهار البلاد بمظهر الانقسام .

وحينما استجوب اليوم الدكتور محمد سالم عن موضوع اتصال الانجليز بالمرشد ومن حوله قال إن القضية تبتدئ وقت أن كان وفد المباحثات العربي جالسا يتباحث رسميا مع الجانب البريطاني – وفي إبريل سنة 1953 اتصل به القاضي جراهام بالسفارة البريطانية وطلب منه أن يمهد لمقابلة بين مستر إيفانز المستشار الشرقي للسفارة البريطانية وبعض قادة الإخوان وأنه – أى محمد سالم – أمكنه ترتيب هذه المقابلة في منزله بالمعادي بين منير دلة وصالح أبو رقيق عن الإخوان ومستر إيفانز عن الجانب البريطاني وتناول الحديث موقف الإخوان من الحكومة وتباحثوا في تفاصيل القضية المصرية ورأى الإخوان وموقفهم من هذه القضية – ثم قال الدكتور محمد سالم أنه جاء في رأي قادة الإخوان أن عودة الإنجليز إلى القاعدة تكون بناء على رأى لجنة مشكلة من المصريين والانجليز والذي يقرر خطر الحرب هو هيئة الأمم المتحدة ولعل هذا هو السبب في تمسك الإنجليز بهذا الرأي الذي لم يوافق عليه الجانب المصري للمفاوضات حتي اليوم .

ثم قال الدكتور محمد سالم إنه تلا ذلك اجتماع آخر مماثل في منزله أيضا حين طلب مستر إيفانز المرشد فوعد منير دلة بترتيب هذا الاجتماع وفعلا تم في منزل المرشد ودار في هذا الاجتماع الحديث عن القضية المصرية وموقف الإخوان منها – وذكر الدكتور محمد سالم أيضا أن المستر إيفانز دعا منير دلة وصالح أبو رقيق لتناول الشاي في منزله وقد أجابا دعوته مرتين .

تسلل الإخوان إلى الجيش

9- وفي أوائل شهر يونيو 1953 ثبت لإدارة المخابرات أن خطة الإخوان قد تحولت لبث نشاطها داخل قوات الجيش قوات الجيش والبوليس وكانت خطتهم في الجيش تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول ينحصر في عمل تنظيم سري تابع للإخوان بين ضباط الجيش ودعوا فيمن دعوا عددا من الضباط وهم لا يعلمون أنهم من الضباط الأحرار فسايروهم وساروا معهم في خططهم وكانوا يجتمعون بهم اجتماعات أسبوعية وكانوا يتحدثون في هذه الاجتماعات عن الإعداد لحكم الإخوان المسلمين والدعوة إلى ضم أكبر عدد من الضباط ليعملوا تحت أمرة الإخوان وكانوا يأخذون عليهم عهدا وقسما أن يطيعوا ما يصدر إليهم من أوامر المرشد .

أما القسم الثاني فكان ينحصر نشاطه في عمل تشكيلات بين ضباط البوليس وكان الغرض منها هو إخضاع نسبة كبيرة من ضباط البوليس لأوامر المرشد أيضا . وكانوا يجتمعون في اجتماعات دورية وينحصر حديثهم في الحقد والكراهية لرجال الثورة ورجال الجيش وبث الدعوة بين ضباط البوليس بأنهم أحق من رجال الجيش بالحكم نظرا لاتصالهم بالشعب وكانوا يمنونهم بالترقيات والمناصب بعد أن يتم لهم هدفهم وكان يتزعمهم الصاغ صلاح شادي الذي طالما ردد في اجتماعاته بهم أنه وزير الداخلية المقبل .

وقسم ثالث أطلق عليه قسم الوحدات وكان الغرض منه هو جمع أكبر عدد ممكن من ضباط الصف في الجيش تحت إمرة المرشد أيضا وكانوا يجتمعون بهم في اجتماعات شبه أسبوعية وكان الحديث يشتمل على بث الكراهية للضباط في نفس ضباط الصف وإشعارهم أنهم القوة الحقيقية في وحدات الجيش وأنهم إذا نجح الإخوان في الوصول إلى الحكم فسيعاملون معاملة كريمة – كما كان هذا القسم يبث الدعوة لجمع أكبر عدد من صف الضباط وجنود البوليس ليكون تحت أإمرة المرشد العام للإخوان .

ولما تجمعت المعلومات لإدارة المخابرات اتصل البكباشي جمال عبد الناصر بالأستاذ حسن العشماوي باعتباره ممثلا للمرشد وصارحه بموقف الإخوان العام ثم بموقف الإخوان داخل الجيش وما يدبرونه في الاخفاء بين قوات الجيش والبوليس وقال له لقد أمنا لكم ولكن هذه الحوادث تظهر أنكم تدبرون أمرا سيجني على مصير البلاد ولن يستفيد منه إلا المستعمر , وإنني أنذر أننا لن نقف مكتوفي الأيدي أما هذه التصرفات التي يجب أن توقف إيقافا كاملا, ويجب أن يعلم الإخوان أن الثورة قد أبقت عليهم بعد أن حلت جميع الأحزاب لاعتقادها أن في بقائهم مصلحة وطنية فإذا ما ظهر أن في بقائهم ما يعرض البلاد للخطر فإننا لن نتردد في اتخاذ ما تمليه مصلحة البلاد مهما كانت النتائج فوعد أن يتصل بالمرشد في هذا الأمر وخرج ولم يعد حتي الآن .

الجهاز السري للإخوان

وفي اليوم التالي استدعي البكباشي جمال عبد الناصر الأستاذ خميس حميدة نائب المرشد والشيخ سيد سابق وأبلغهما ما قاله لحسن العشماوي في اليوم السابق فأظهرا الاستياء الشديد وقالا أنهما لا يعلمان شيئا عن هذا وإنهما سيبحثان الأمر ويعملان على إيقاف هذا النشاط الضار .

ورغم هذا التحذير وهذا الإنذار استمر العمل حثيثا بين صفوف الجيش والبوليس وأصبح الكلام في الاجتماعات الدورية يأخذ طابع الصراحة وطابع الحقد فكانوا يناقشون الاخطط في هذه الاجتماعات باحثين عن اسلم الطرق لقلب نظام الحكم , وكان الأحرار المنبثون في هذه التشكيلات يبلغون أولا بأول ما يدور في كل اجتماع .

10- بعد أن تعين الأستاذ الهضيبي مرشدا للإخوان لم يأمن إلى أفراد الجهاز السري الذي كان موجودا في وقت الشهيد حسن البنا برئاسة السيد عبد الرحمن السندي فعمل على إبعاده معلنا أنه لا يوافق على التنظيمات السرية لأنه لا سرية في الدين ولكنه في نفس الوقت بدأ إعداد تنظيمات سرية جديدة تدين له بالولاء والطاعة بل عمد إلى التفرقة بين أفراد النظام السري القديم ليأخذ منهم إلى صفة أكبر عدد ليضمهم إلى جهازه السري الجديد وفي هذه الظروف المريبة قتل المرحوم المهندس سيد فايز عبد المطلب بواسطة صندوق من الديناميت وصل إلى منزله على أنه هدية من الحلوي بمناسبة عيد المولد النبوي وقد قتل معه بسبب الحادث شقيقه الصغير البالغ من العمر تسع سنوات وطفلة صغيرة كانت تسير تحت الشرفة التي انهارت نتيجة الانفجار وكانت المعلومات ترد إلى المخابرات بأن المقربين إلى المرشد يسيرون سيرا سريعا في تكوين جهاز سري قوي يسعون في نفس الوقت إلى التخلص من المناؤئين لهم من أفراد الجهاز السري القديم .

11- وكانت نتيجة ذلك أن حدث الانقسام الأخير بين الإخوان واحتل فريق منهم دار المركز العام وقد حضر إلى منزل البكباشي جمال عبد الناصر بعد منتصف ليل ذلك اليوم الشيخ محمد فرغلي والأستاذ سعيد رمضان مطالبين بالتدخل ضد الفريق الآخر ومنع نشر الحادث - فقال لهم جمال عبد الناصر أنه لا يستطيع منع النشر حتي لا يؤول الحادث تأويلات ضارة بمصلحة البلاد أما من جهة التدخل , فهو لا يستطيع أن يتدخل بالقوة حتى لا تتضاعف النتائج وحتى لا يشعر الإخوان أن الثورة تنصر فريقا على فريق وأنه يري أن يتصالح الفريقان وأن يعملا على تصفية ما بينهما فطلب منه الشيخ فرغلي أن يكون واسطة بين الفريقين وأن يجمعه مع الأستاذ صالح عشماوي فطلب منه جمال أن يعود في اليوم التالي المحدد حضر الشيخ فرغلي ولم يستطع الاتصال بالأستاذ صالح عشماوي وكان الشيخ فرغلي متلهفا على وجود الأستاذ صالح عشماوي مما دعا البكباشي جمال أن يطلب من البوليس الحربي البحث عن الأستاذ عشماوي وإحضاره إلى المنزل , وتمكن البوليس الحربي في الساعة عشرة من العثور على الأستاذ صالح فحضر هو والشيخ سيد سابق إلى منزل البكباشي جمال وبدأ الطرفان يتعاتبان وأخيرا اتفقا على أن تشكل لجنة يوافق على أعضائها الأستاذ صالح للبحث فيما نسب إلى الإخوان الأربعة المفصولين على ألا يعتبروا مفصولين وأن يعتبروا تحت التحقيق والعمل على أن يسود السلام المؤتمر الذي كان مزمعا عقده في دار المركز العام في عصر ذلك اليوم ولكن لم ينفذ هذا الاتفاق .

12- في يوم الأحد 10 يناير 1954 ذهب الأستاذ حسن العشماوي العضو العامل بجماعة الإخوان المسلمون وأخو حرم منير دلة إلى منزل المستر كروزويل الوزير المفوض بالسفارة البريطانية ببولاق الدكرور الساعة السابعة صباحا ثم عاد لزيارته أيضا في نفس اليوم في مقابلة دامت من الساعة الرابعة بعد الظهر إلى الساعة الحادية عشر من مساء نفس اليوم وهذه الحلقة من الاتصالات بالانجليز تكمل الحلقة الأولي التي روي تفاصيلها الدكتور محمد سالم .

الإخوان يتفقون مع الشيوعيين

13- وكان آخر مظهر من مظاهر النشاط العادي الذي قامت به جماعة الإخوان هو الاتفاق على إقامة احتفال بذكري المنيسي وشاهين يوم 12 الجاري في جامعتي القاهرة والأسكندرية وفي وقت واحد وأن يبذلوا جهدهم لكي يظهروا لكل قوتهم في هذا اليوم وأن يستغلوا هذه المناسبة إستغلالا سياسيا في صالحهم ويثبتوا للمسئولين أنهم قوة وأن زمام الجامعة في أيديهم وحدهم وفعلا تم اجتماع لهذا الغرض برئاسة عبد الحكيم عابدين حضره الأستاذ حسن دوح المحامي ومحمود أبو شلوع ومصطفي البساطي من الطلبة واتفقوا على أن يطلبوا من الطلبة الإخوان الاستعداد لمواجهة أى احتمال يطرأ على الموقف خلال المؤتمر حتى يظهروا بمظهر القوة وحتى لا يظهر في الجامعة أى صوت آخر غير صوتهم وفي سبيل تحقيق هذا الغرض اتصلوا بالطلبة الشيوعيين رغم قلتهم وتباين وجهات النظر وعقدوا معهم اتفاقا وديا يعمل به خلال المؤتمر .

14- وفي صباح 12 الجاري عقد المؤتمر وتكتل الإخوان في حرم الجامعة وسيطروا على الميكرفون , ووصل إلى الجامعة أفراد منظمات الشباب من طلبة المدارس الثانوية ومعهم ميكرفون مثبت في عربة للاحتفال بذكري الشهداء فتحرش بعض طلبة الإخوان بهم وطلبوا إخراج ميكرفون منظمات الشباب وانتظم الحفل وألقيت كلمات من مدير الدامعة والطلبة وفجأة حضر بعض طلبة الإخوان ومعهم نواب صفوي زعيم فدائيان إسلام في إيران يحملونه على الأكتاف وصعد إلى المنصة القي كلمة وإذا بطلبة الإخوان يقابلونه بهتافهم التقليدي " الله أكبر ولله الحمد" وهنا هتف طلبة منظمات الشباب "" الله أكبر والعزة لمصر " فساء طلبة الإخوان أن يظهر صوت في الجامعة مع صوتهم فهاجموا الهاتفين بالكرابيج والعصي وقلبوا عربة الميكرفون وأحرقوها وأصيب البعض بإصابات مختلفة ثم تفرق الجميع إلى منازلهم .

حدث كل هذا في الظلام وظن المرشد وأعوانه أن المسئولين غافلون عن أمرهم , لذلك فنحن نعلن باسم هذه الثورة التي تحمل أمانة أهداف هذا الشعب أن مرشد الإخوان ومن معه قد وجهوا نشاط هذه الهيئة توجيها يضر بكيان الوطن ويعتدي على حرية الدين . ولن تسمح الثورة أن تتكرر في مصر مأساة رجعية باسم الدين ولن تسمح لأحد أن يتلاعب بمستقبل هذا البلد لشهوات خاصة مهما كانت دعواه ولا أن يستغل الدين في خدمة الأغراض والشهوات وستكون إجراءات الثورة حاسمة وفي ضوء النهار وأمام المصريين جميعا والله ولي التوفيق .

مجلس قيادة الثورة


تعليق على البيان

لا شك أنه إذا لم يكن هذا البيان مبيتا ومعدا من قبل حسبما نراه جاء في حينه حيث أنه صدر عقب حفل ذكي الشهداء وفي نفس اليوم كما أن وقائع هذا البيان تحتاج إلى رد من الإخوة الذين شاركوا في هذه الأحداث حتي يكون ردا واضحا وعلى بينة ولكن مجمل ما جاء في البيان ينطبق عليه ما نهي الله عنه في قوله ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) وقد أشرت فيما سبق توضيحا عن اتصال الإخوان بالإنجليز حسبما جاء في حديث الثلاثاء للدكتور خميس حميدة – حيث تحدث الدكتور خميس حميدة وكيل جماعة الإخوان – أن اتصال الإخوان بالإنجليز كان يجري بعلم الحكومة وتحت سمعها وبصرها وكان ينقل إليها يوميا كل التفاصيل وقد سمع هذا الحديث آلاف من الإخوان ونقلوه إلى إخوانهم كل ذلك تم قبل صدور بيان لحكومة بمدة طويلة فحين صدر البيان لم يكن جديدا على الإخوان وقابلوه بمزيد من الثقة في القيادة ومن هذه الزاوية يمكن قياس مثل هذه الأحداث وغلى الله المشتكي .

ما بعد قرار الحل

1- صدي قرار حل الإخوان بغزة والعريش

وفي مساء يوم صدور قرار حل جماعة الإخوان , جاءني بعض الإخوان في المنزل في العريش ونقلوا إليّ خبر حل جماعة الإخوان وذلك باعتباري رئيسا لمنطقة الإخوان بالعريش وكانت صدمة شديدة ولكنها لم تدعني في سكرة بل أسرعت أبلغ جميع الإخوان في منازلهم بهذا الأمر حتي لا يؤاخذوا على غرة – وأرسلت بعض الإخوة في الصباح المبكر إلى جميع شعب الإخوان في خان يونس ودير البلح ورفح ليكونوا على حذر – كذا أوفدت إلى الإخوان في غزة بنفس هذه الإرشادات .

ومع أن قرار الحل قد صدر في مساء يوم 12 يناير ونشر في الجرائد فضلا عن الإذاعة المصرية .. غير أن تنفيذ قرار الحل لم يصل إلى إدارة المنطقة الشرقية إلا بعد أيام من صدور القرار . حيث أن المنطقة عسكرية ولها إجراءات غير المناطق المدنية .

واهتم الإخوان في العريش بأمر مستقبل المستوصف الاخيري وهو أكبر مؤسسة لهم في العريش .. وخافوا أن تستولي عليه السلطة بكل إمكانياته وأجهزته وصيدلياته .. فحاولوا أن ينقلوا أهم ما فيه خارج حدود بناء المستوصف حتي يمكن الاستفادة به تحت أى اسم آخر وفيما هم يحاولون ذلك .. كانت الفرصة قد ضاعت بوصول قرار حل الإخوان رسميا .ز فجاءت الشرطة ووضعت يدها عليه

2- القبض على الشيخ عبد المنعم تعليب

وقد صدر قرار بالقبض على بعض الإخوة وق مقدمتهم فضيلة الأستاذ الشيخ عبد المنعم تعيلب واعظ منطقة العريش .

3- الهروب إلى الأردن

وبعد القبض على بعض الإخوة ومعهم الشيخ عبد المنعم تعيلب جاءني الإخوة الأستاذ كامل الشريف قائد فصائل الإخوان في حرب فلسطين ومعه الأخ جمعه بن جهامة وهما من أهالي العريش... وعرضنا على أن أشاركهما في الهروب من العريش إلى دولة الأردن , وأكدوا لى أن الأمر ميسر جدا ومأمون ,وإنهما قد اعتزما السفر غدا بعون الله تعالي .

ولكنني قلت لهما.. إنني رجل عسكري ولي شآن آخر غير شأنكما ويعتبر خروجي بهذه الصورة هو ( هروب من الاخدمة في وقت الحرب) وهذه كبيرة وخطيرة .. فضلا عن أنني لم آت أمرا يستوجب الهروب أو بمعني آخر يستوجب الاخروج , وانتهت المناقشة .

وفي الصباح الباكر كانت القافلة تسير في دروب الصحراء تحمل الأخوين الكريمين إلى دولة الأردن .. ولا يزالان هناك إلى الآن , وأصبح الأستاذ كامل الشريف وزيرا للأوقاف في دولة الأردن والأستاذ جمعه ابن جهامة صاحب جيدة يومية وله بعض المؤلفات الإسلامية .

القبض علىّ وترحيلي إلى القاهرة

وبدأت وأسرتي نعيش في حالة من التوتر والقلق ونترقب المفاجآت التي مارسناها قبل ذلك في أسيوط عام 1949.. وقد عرضت على زوجتي أن تسافر مع مجموعة من سيدات الإخوان قد اعتزمن السفر خوفا من هذه المفاجآت لكنها رفضت السفر طالما أنا في العريش ولابد أن تلازمني في هذه الظروف الشديدة وحتى تكون على صلة بالأحداث وقريبة منها فهي إذا سافرت إلى رشيد فسوف تكون في قلق مستمر طالما هي لا تدري عن مصيري شيئا .

وذهبت إلى وحدة الورشة الرابعة المشاة التي أعمل بها وهي قريبة من محطة سكة حديد العريش .. وفي طابور الصباح كالمعتاد شعرت بأن هناك مظاهر مغايرة لأسلوب العمل اليومي , فقد طلب مني قائد الوحدة البكباشي المهندس أحمد عون أن لا أتحرك خارج الوحدة إلا بإذن منه شخصيا .. وتذكرت نفس هذه الكلمات حين قالها لى من قبل الصاغ المهندس حسن سرور حين القبض على! في أسيوط عام 1949 – وطمأنت القائد الكريم بأنني لا حاجة لى اليوم خارج الوحدة .

وفي حدود الساعة التاسعة صباحا – اقتحم بوابة الوحدة عدد من سيارات الجيش تحمل بعض الضباط ومعهم مساعد وعدد من الجنود المسلحين .. ولما كان مكتبي يقع على البوابة رأسا فقد رأيت المنظر وفهمت الغاية التي جاءوا من اجلها وفي الحال أخرجت ما معي من نقود كذا الأوراق وسلمتها لأحد الإخوة في المكتب ليقوم بتوصيلها إلى منزلي .

وبعد لحظات طلب قائد الوحدة من أركان حرب أن يجمع له جميع زملائي من الصولات الفنيين وأنا واحد منهم .. وقد كانت هذه لفتة مهذبة من القائد حتي لا يفزعني في تصوره فهو رجل ذو أخلاق فاضلة وعالية , وتم ذلك في مكتبه وبعد وقوفنا أما القائد ومعه ضابط عظيم أخذ هذا الأخير يوجه إلينا عبارات كلها تهديد ووعيد فكان من قوله – أنه لم يعد هناك في مصر إخوان ولا غير إخوان فقد قضت الثورة على كل هذه الجماعات, ونحن في الجيش لن نقبل مثل هذه الأحزاب ز ثم قال وأنا اليوم جئت هنا كي أقبص على الصول (.....) وكان هذا الصول لا صلة له بالإخوان على الإطلاق ورغم أنه ضخم الجسم فقد انهار في الحال ... ولكني أسرعت وقلت للضابط العظيم – لعلك تقصد وتريد الصول ( السيسي ) فاستدرك سريعا قال نعم هذا هو الذي اقصده – وقال قائد الوحدة – للضابط العظيم مبتسما – ألم أقل لك من قبل !؟ ويقصد قائد الوحدة – أن حديثا جري بينهما بالأمس حين جاء أمر القبض من القاهرة بالشفرة مساء .. وأصر الضابط أن يقوم بالقبض على في المساء , فرجاه قائد الوحدة أن يرجئ الأمر للصباح خوفا من إزعاج أسرتي في جوف الليل – فقال له الضابط ربما عباس السيسي يعلم بالأمر فيهرب !! فقال له قائد الوحدة أنا ضامن له وأعرفه جيدا !؟

وطلب مني قائد الوحدة أن أكتب توكيلا لأحد الزملاء فكتب توكيلا باسم الأخ الحاج عبد السلام عبد الرزاق مدير مستوصف الإخوان بالعريش والموظف المدني بالورشة الرابعة المشاة وخرجت من الوحدة بين عواطف ومشاعر العمال الذين خرجوا من الورش لتوديعي .

4- حديث في القطار

وانطلق القطار بنا إلى القاهرة – وفي الصالون كان الضابط رئيس المأمورية وكان الصول الذي يحرسني مسلحا ومعه اثنان من الجنود . وكان الضابط رقيقا ولكن كان الصول فظا غليظ القلب .. وكان في الصالون معنا عائدا إلى القاهرة مهندس زراعي تبين أنه شقيق ( الصاغ كمال الدين حسين ) عضو مجلس قيادة الثورة ..وأخذ هذا المهندس يتحدث كيف أن الثورة سوف تنتقم من جماعة الإخوان وتحدث عن الاخصومة الشخصية بين الثورة وبين حسن الهضيبي المرشد العام بالذات .. كل هذا الحديث وهو لا يعلم أنني من الإخوان ومساق إلى المحاكمة .. ولم أحاول أن أكشف له أمر حتى أتبين كل ما عنده – وأيضا لم يعرف ذلك حتى وصل القطار إلى القاهرة وفي محطة السكة الحديد كانت هناك سيارة جيب في انتظارنا .

5- في سجن البوليس الحربي

واتجهت بنا السيارة إلى مقر البوليس الحربي الذي يواجه محطة السكة الحديد والذي كان من قبل مقر قيادة البوليس الحربي الانجليزي أيام الاحتلال والذي تقام عليه الآن العمارة الشاهقة المسماة عمارة رمسيس , دخلنا مقر البوليس الحربي وبعد أن تم تسليمي عادت القوة على العريش , وأدخلت مبني داخلي يهبط عن الأرض بعض الشئ وفوجئت بمجموعة زنازين مغلقة وعليها يقف حراس من البوليس الحربي وفتحت لى زنزانة فدخلتها وأغلقوها من خلفي ووجدت سريرا مثبتا في الأرض وعليه ألواح من الاخشب وبعض البطاطين السوداء .. ووجدت في الحائط بجوار السرير حلقتان من الحديد ... عرفت بعد ذلك أن هذا السجن كان معدا للجنود الأفارقة التابعين للمستعمرات البريطانية.. حين يقبض عليهم بجنايات أو مخمورين فإنهم يقيدون أيديهم وأرجلهم في هذه الحلقات وهم نائمون على الأسرة, وكان في الزنزانة شباك كبي ليس له زجاج فكان البرد شديدا قارصا مما يتعذر معه النوم إطلاقا .

ولم أتمكن في الأيام الأولي من معرفة الإخوة نزلاء الزنازين المجاورة ولكن ذات يوم جاءني طعام خاص وقال لى الجندي الحارس إنه من اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف – ثم خرجت إلى دورة المياه فوجدت ورقة مكتوب فيها أسماء باقي النزلاء كان قد تركها لى اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف .. وعرفت أن معي الإخوة ...

اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف

البكباشي أركان حرب أبو المكارم عبد الحي

البكباشي أركان حرب معروف الحضري

الصاغ أركان حرب حسين حموده

اليوزباشي عبد الكريم عطيه

وبعض الملازمين والإخوة الصولات محمد الجبالي وصلاح محمد حسن من مدرسة التدريب على الأسلحة الصغيرة , وبعد أيام انضم إلينا الأخ الصول المرحوم ( محمد عيسي) من النجيلة مركز كوم حماده من سلاح المهندسين .

وكان لابد من الاتصال بعضنا ببعض ولابد من ابتكار وسيلة حتي نعرف بها أخبارنا الداخلية والاخارجية ولا سيما أننا في عزلة تامة عن الدنيا فلا يسمح لنا بالصحف والاخطابات .. واستطاع اللواء عبد المنعم أن يعطيني قلما بوضعه في سيفون دورة المياه ولكن العثور على الورق أمر صعب , فوجدت في غلاف صابون الوجه ما يغني عن الورق فكنت أكتب لهم الأخبار على هذا الغلاف وأضعه في السيفون وبهذه الطريقة تبادلنا الأخبار والمعلومات التي يعرفها كل منا , واستمر المر على ذلك فترة حتي أبيحت لنا الصحف .

6- إنسانية قائد الوحدة

7- وبعد أن تم القبض علىّ وغادرت العريش إنتدب قائد الوحدة أحد الجنود من رشيد واسمه خميس شلتوت) مع الأخ الحاج عيسي وأوفدهم مع زوجتي إلى رشيد في أمان الله .. ولم يكتف بذلك بل قام بشراء ملابس شنوية جديد كاملة وكلف الأخ الحاج عبد السلام عبد الرازق بإرسالها إلى عنواني في مبني البوليس الحربي بالقاهرة وكتب خطابا إلى إدارة المباحث يطلب إرسال توكيل مني لمن اختاره ليقوم باستلام مرتبي الشهري – فكان الأخ عبد السلام يتسلم المبلغ ويرسله باسم والدي في رشيد .

7- وزير الداخلية زكريا محيي الدين يباشر التحقيق معنا

8- وكان أول من استدعي للتحقيق في مكتب وزير الداخلية زكريا محيي الدين بالدور العلوي من مبني رئاسة البوليس الحربي .. هو الأخ اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف فحين دع للاستجواب أمام الوزير – امتنع عن الإدلاء بأقواله بل أنه عارض في لذلك بشدة حيث قال للوزير ما هي مؤهلاتك التي تعطيك سلطة القضاء إنك تجلس في مكان ليس من اختصاصك وأنا أرفض استجوابي وأصر على ذلك , وكان اللواء عبد المنعم وكيلا للوزير وكلاهما يعرف الآخر معرفة شخصية لهذا كان من الصعب أن ينضبط كلاهما مع الآخر . فصرف الوزير اللواء إلى حيث جاء من لسجن . وتأجيل استجواب الضابط بدأ في استجواب الصولات الأربعة .

التحقيق مع الأخ عباس السيسي

واستدعيت للتحقيق أما السيد / زكريا محيي الدين وزير الداخلية في نفس المبني – ودخلت حجرة التحقيق , فأمرني بالجلوس أمام المكتب على يمينه – وخلفي يجلس ضابط ملازم ممسكا بمدفع , وأمامي جلس الصاغ حسين عرفة بالمباحث الجنائية العسكرية .

وسألني الوزير .. عن اسمي ... وسني ... ومؤهلاتي .. ثم سألني ... عن خط المسير أى البلاد التي نقلت إليها في فترة خدمتي بالقوات المسلحة .. ولم أدرك الغاية من هذا السؤال , ولكنني تذكرت أن دوسيه الاخدمة لابد وأن يكون قد دونت فيه هذه التحركات . فكرت للوزير أسماء البلاد التي نقلت إليها حتي آخر بلد وهي العريش التي أتيته منها .

ثم سألني قائلا – أرجو أن تعرفني عن نشاط الإخواني في كل بلد من هذه البلاد التي نقلت إليها ؟؟؟ فأدركت في الحال ماذا يريد .

جـ - قلت له إنني كلما نقلت إلى أى بلد سميت نفسي للإخوان بها .

س- هو أنت لما تنزل بلد تسلم نفسك للوحدة ولا تسلم نفسك للإخوان ؟

جـ- في الصباح اسلم نفسي للوحدة وبعد انتهاء عملي أسلم نفسي للشعبة .

س- هو أنت مش عارف إنه ممنوع الانضمام للأحزاب السياسية ؟

جـ- أعتقد أن جماعة الإخوان إلى ما قبل صدور قرار الحل لم يكن ينطبق عليها قانون الأحزاب السياسية – فضلا عن أن جماعة الإخوان المسلمون جماعة إسلامية بمفهوم أوسع وأشمل ن مناهج وأغراض الأحزاب السياسية – وأنا حين أعمل مع جماعة الإخوان فأنا أستجيب لنداء الإسلام .

س- ولماذا أختارك الإخوان في الأسكندرية بالذات سكرتيرا لهم ؟

جـ- اختارني الإخوان سكرتيرا للمكتب الإداري بالأسكندرية لأنني من الإخوان القدامي والجميع يعرفونني ولو نشاط سابق هناك.

س-هناك أمر آخر لهذا الاختيار ألا تعرفه ؟

جـ- قلت لا أعرف غير السبب الذي ذكرته .

س- أليس لكونك رجلا عسكريا على الصفة العسكرية في هذا الاختيار ؟

جـ- قلت الإخوان لا يعلقون على الصفة العسكرية أى تمييز.

ملحوظة – " يقصد الوزير كما فهمت بعد التحقيق أنني عضو في الجهاز الاخاص وعضو في قسم الوحدات مما رشحني ذلك سكرتيرا للمكتب الإداري ".

س- ولماذا اختارك الإخوان في منطقة العريش رئيسا للمنطقة ؟

جـ_ إن الإخوان لم يختاروني رئيسا للمنطقة – لأنني لم أوافق على اختيارهم حيث إن رتبتي العسكرية لا تتناسب مع وجودي في منطقة عسكرية يحكمها ضابط عظيم برتبة لواء فلو أن الإخوان أرادوا أن يقابلوا سيادة المحافظ فلابد من أن يكون رئيس الإخوان شخصية مناسبة في نظر رجال الإدارة – لا في نظر الإخوان .

س- هل عندك ورق وقلم في الزنزانة ؟

جـ- قلت إن ذلك محرم علينا – فقال الوزير للصاغ حسين عرفة إعطه ورق فلسكاب وقلم وطلب مني الوزير أن أكتب له نشاكي في كل الشعب التي نقلت إليهم بالتفصيل مع أسماء الإخوان من العسكرين والمدنيين الذين أعرفهم وصرفني إلى الزنزانة .

وبهذه الطريقة تم التحقيق مع زملائي الصولات المحجوزين في سجن البوليس الحربي وكان آخر من حقق مع الأخ محمد عيسي حيث قبض عليه في منزل فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي حيث كان موكلا ضمن الحراسة الاخاصة لفضيلة المرشد , بعد حادث اعتصام الشباب بالمركز العام والهجوم على منزله لإجباره على الاستقالة.

9- زيارة أديب الشيشكلي حاكم سوريا

10- وفي هذه الظروف وفد الرئيس أديب الشيشكلي رئيس سوريا زائر للقاهرة – فاستقبلته الحكومة استقبالا كبيرا بوصفه زعيما عسكريا وصاحب انقلاب عسكري .. وبعد أن عاد إلى بلده – حدثنا جنود البوليس الحربي الذين كانوا يقومون بحراسته أن أديب الشيشكلي قد أرسل لكل جندي من جنود الحرس مبلغ خمسة جنيهات مصرية مكافأة له على إخلاصه في الحراسة !؟ وهؤلاء أيضا نزلاء ..!!

طبيب الرئيس نجيب معنا في السجن

وفوجئنا صباح ذات يوم بوجود شخصية عسكرية كبيرة في زنزانة بجوارنا وقد ثبت لنا أنه الطبيب الاخاص للسيد رئيس الجمهورية محمد نجيب وقد فهمنا منه أن هناك خلافا بين الضباط على مستوي الجيش ففريق يؤيد الرئيس محمد نجيب والفريق الآخر يؤيد البكباشي جمال عبد الناصر .

وفي نفس اليوم وفي جريدة أخبار اليوم كانت هناك صورة للسيد حسين الشافعي وهو يزور سلاح الفرسان – وفي الصورة أكثر من معني فوجه حسين الشافعي متجهم يبدو عليه يبدو عليه الغضب الشديد كذا وجوه الضباط تري عليها نفس الملامح , وكانت هذه الصورة تنبئ عن أمور قادمة في الطريق .

الترحيل إلى سجن الأجانب

وفي يوم شهر إبريل صدرت الأوامر بترحيلنا جميعا من سجن البوليس الحربي إلى سجن الأجانب الذي يقع خلف سجن البوليس الحربي ويبعد عنه بما لا يزيد عن مائة متر تقريبا وسرعان ما أخرجونا سيرا على الأقدام بالحراسة المشددة حتي سلمونا إلى مأمور سجن الأجانب .... وأدخل كل واحد منا زنزانة فى الحال وأحضروا لنا الحلاق , وأعطونا فرصة للاستحمام حيث يوجد بالسجن دورات مياه نظيفة وبها حماما ماء بارد وساخن.. ويتميز هذا السجن بأن بها سرير ومائدة ومرآة ومشاية وكرسي وتفتح الحجرة صباحا ولا تغلق إلا بعد العشاء .. وفي السجن حديقة يمكن لكل نزيل أن يتريض بها وبها حجرة كبيرة لاستقبال الضيوف ومسموح بالزيارات يوميا .

حركة اليوزباشي المصري

ولقد كان لترحيلنا المفاجئ إلى سجن الأجانب سببا خطيرا للغاية إذ أن حركة في صفوف سلاح الفرسان قد قامت بقيادة اليوزباشي المصري ,وهذه الحركة قد أحدثت ضجة في صفوف الجيش بحيث انقسم إلى مجموعة تؤيد عبد الناصر وأخري تؤيد محمد نجيب .

وما هي إلا ساعات حتى ملئ سجن البوليس الحربي بالضباط الذين ثاروا على الوضع وما لبثنا في سجن الجانب إلا يسيرا حتى فوجئنا بعشرات من ضباط سلاح الفرسان من الرتب الصغيرة وكلهم من الشبان وقد ملئت بهم الزنازين – حتي أن مأمور السجن قد تكرم علينا فرفعنا إلى الدور العلوي مع السادة الضباط والمعتقلين الكبار – وأفرد الدور الأرضي للمعتقلين الجد..

حسين عرفة

وبعد هذه الحركة فوجئنا نحن المعتقلين من الإخوان بالصاغ حسين عرفة يأتي لزيارتنا لأول مرة وهو يبتسم ويسألنا عن طلباتنا وأى شئ نحتاج إليه – فشكرناه ولكننا لم نطلب منه شيئا – فقد سبق أن تقدمنا بعدة طلبات وحاجات فلم ينظر في أى طلب منها .. كما أننا تقدمنا بطلب للعلاج في المستشفي أو إحضار طبيب فلم ينظر فيه .

ومع أننا لم نتقدم بأى طلب . فقد أحضر إلينا في اليوم التالي طبيبا خاصا جاء لطيفا يعرض خدماته ليقوم بتنفيذها بسرعة وسمح لبعض الإخوة بالذهاب إلى المستشفي العسكري بالعباسية للعلاج, وفي رحلة الأخ محمد عيسى والأخ صلاح حسن من سجن الأجانب إلى المستشفي استطاعا أن يذهبا إلى منزليهما في العباسية ومنشية الصدر ويزورا أولادهما وأسرهما وكان ذلك من حسن أخلاق الحراس من البوليس الحربي .

الدكتور المهندس الدبه

وكان يسمح لنا أثناء الطابور في حديقة السجن بالاختلاط مع باقي النزلاء .. وتقابلت مع نزيل هو دكتور مهندس ( الدبه) ولا أعرف باقي اسمه ومن طبيعة التعارف في السجن أن يكون السؤال الأول والمعتاد – هو عن سبب وجوده في هذا المكان , فقال لي الدكتور : أنه كلف من قبل وزارة الصناعة بالسفر إلى الاخارج , كي يشاهد مصانع الكاوتشوك الاخاص بالسيارات في كل الدول الشرقية والغربية , وفعلا قام بزيارة المصانع التي تصنع إطارات الكاوتشوك وسمع من الاخبراء عن الفرق بين إنتاج المصانع بعضها عن بعض كما بحث عن قرب نوعية الإنتاج وخصائصه ومتانته وأسعاره وبعد رحلة في دول الكتلة الشرقية ورحلة في الكتلة الغربية وضع تقريره الذي يقول فيه أنه يفضل المصانع التي تنتجها الشركات في الدول الغربية وأكد هذا التقرير ببيانات وافية ودقيقة وبعد أن قدم هذا التقرير استدعي لمقابلة وزير الصناعة وشرح له كل التفاصيل بدقة .

وبعد انتهاء المقابلة – ذهبت إلى منزلي وفي المساء قبض علىّ وجئت إلى السجن كما تري وللآن لن يستجوبني أحد !!

فؤاد سراج الدين باشا

وكان من النزلاء الكبار في سجن الأجانب سكرتير حزب الوفد المصري فؤاد سراج الدين باشا – والقائمقام يوسف صديق أحد الضباط الأحرار الكبار والقائمقام أحمد شوقي وغيرهم, ومن الإخوان جميع الذين كانوا بسجن البوليس الحربي ... ولقد كان فؤاد سراج الدين معتقلا قبل قرار حل الإخوان المسلمون , لما سمع بقرار الحل كان تعليقه على ذلك أن حل الجماعة الإخوان " لقمة كبيرة سوف تقف في حلق الثورة " فلما قبل له ولماذا لم يكن موقف حزب الوفد كموقف جماعة الإخوان , قال إن الثورة وابور زلط تهرس كل من أمامها !!

وكان نزلاء السجن جميعا يؤكدون أنه إن لم يقم الإخوان المسلمون بعمل حاسم في هذه الفترة فإن مستقبلهم سيكون مهددا .

سجن الأجانب يتحول إلى ثكنة عسكرية

ومنذ حركة اليوزباشي المصري ... فقد أصبح سجن الجانب ثكنة عسكرية – فلم يعد لوزارة الداخلية عليه أى سلطان إلا من الناحية الإدارية ولكن الإشراف الفعلي أصبح للقوات المسلحة وأصبحت الحراسة مزدوجة من رجال البوليس ومعهم رجال البوليس الحربي , وهم في الواقع جهة السلطة الحقيقية فهم الذين يقومون على الحراسات الاخارجية وتفتيش النزلاء ومراقبة الاخطابات .

وكان يسمح لكل منا أن يشتري طعامه من الاخارج بواسطة نوبتجي فضلا عن أن طعام سجن الأجانب كان مناسبا حيث يأتي به متعهد خاص .

أمر عجيب!

المباحث الجنائية العسكرية

ولأول مرة في التاريخ العسكري المصري .. تشكل مباحث جنائية من شرطة البوليس الحربي ومن حقهم أن يفتشوا أى رجل مدني يشتبه فيه وكان أغلبهم يرتدي الملابس المدنية... ,كانوا مع هذا الزي من حقهم أن يستوثقوا من الجنود بزيهم الرسمي إذا وجدوا مبررا لذلك , ولقد أثار تشكيل هذا النوع من المباحث العسكرية قلق وخوف بين المدنيين والعسكريين على السواء ... وقد تطورت المباحث الجنائية العسكرية حتي تضخمت وتمكنت بعد ذلك من ( حكم مصر) كما سيأتي بعد ذلك .

أزمة مارس 1954

بداية الأحداث يوم قدم اللواء محمد نجيب استقالته يوم 23 فبراير سنة 1954 وأعلن مجلس قيادة الثورة قراره بالإجماع بقبول هذه الاستقالة وأصدر بيانا شديد اللهجة ضد محمد نجيب بعد يومين من قبول الاستقالة .. أى في 25 فبراير سنة 1954 .. قال البيان :_

" أيها المواطنون" .....

لم يكن هدف الثورة التي حمل لواءها الجيش يوم23 يوليه 1952 أن يصل فرد أو أفراد إلى حكم أو سلطان أو أن يحصل كائن من كان على مغنم أو جاه بل يشهد الله أن هذه الثورة ما قامت إلا لتمكين المثل العليا في البلاد بعد أن افتقدتها طويلا نتيجة لعهود الفساد والانحلال .

لقد قامت في وجه الثورة منذ اللحظة الأولي عقبات قاسية عولجت بحزم دون نظر إلى مصلحة خاصة لفرد أو جماعة وبهذا توطدت أركانها واطرد تقدمها في سبيل بلوغ غاياتها .

ولا شك أنكم تقدرون خطورة ما أقيم في وجه الثورة من صعاب , خاصة والبلاد ترزح تحت احتلال المستعمر الغاصب لجزء من أراضيها وكانت مهمة مجلس قيادة الثورة في خلال هذه الفترة غاية في القسوة والاخطورة حمل أفراد المجلس تلك التبعة المقلاه على عاتقهم ورائدهم الوصول بأمتنا العزيزة إلى بر الأمان مهما كلفهم هذا من جهد وبذل.

ومما زاد منذ اللحظة الأولي في قسوة وخطورة هذه التبعة الملقاة على أعضاء مجلس قيادة الثورة أنهم كانوا قد قرروا وقت تدبيرهم وتحضير هم للثورة في الاخفاء قبل قيامها أن يقدموا للشعب قائدا للثورة من غير أعضاء مجلس قيادتهم وكلهم من الشبان واختاروا فعلا فيما بينهم اللواء أركان ورتبهم وسنه وسنهم وكان رائدهم في هذا الاختيار سمعته الحسنة الطيبة وعدم تلوثه بفساد قادة ذلك العهد .

وقد أخطر سيادته بأمر ذلك الاختيار قبل قيام الثورة بشهرين اثنين ووافق على ذلك .

وما أن علم سيادته بقيام الثورة عن طريق مكالمة تليفونية بين وزير الداخلية في ذلك القوت السيد مرتضي المراغي وبينهم في منزله حتي قام إلى مبني قيادة الثورة واجتمع برجالها فور تسلمهم لزمام الأمور .

ومنذ تلك اللحظة أصبح الموقف دقيقا إذ أن أعمال ومناقشات مجلس قيادة الثورة استمرت أكثر من شهر بعيدة ع أن يشترك فيها اللواء محمد نجيب إذ أنه حتي ذلك الوقت وعلى وجه التحديد يوم 25 أغسطس سنة 1952 لم يكن سيادته قد ضم إلى أعضاء مجلس الثورة .

وقد صدر قرار المجلس في ذلك اليوم بضمه لعضويته كما صدر قرار بأن تسند إليه رئاسة المجلس بعد أن تنازل له عنها البكباشي أركان حرب " جمال عبد الناصر " الذي جدد انتخابه بواسطة المجلس قبل قيام الثورة كرئيس للمجلس لمدة عام ينتهي في آخر أكتوبر سنة 1952 .

ورغم تعيين سيادته للجمهورية ثم احتفاظه برئاسة مجلس الوزراء ورئاسته للمؤتمر المشترك إلا أنه لم ينفك يصر ويطلب بين وقت آخر أن تكون له اختصاصات تفوق اختصاصات المجلس وكان إصراره على الرفض لكي نكفل أقصي الضمانات لتوزيع سلطة السيادة في الدولة على أعضاء المجلس مجتمعين .

وأخيرا تقدم سيادته بطلبات محددة وهي :

أن تكون له سلطة حق الاعتراض على أى قرار يجمع عليه أعضاء المجلس علما بأن لائحة المجلس توجب إصدار أى قرار يوافق عليه أغلبية الأعضاء .

كما طلب أن يباشر سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وكذا سلطة الموافقة على ترقية وعزل الضباط وحتي تنقلاتهم أى أنه طالب إجمالا بسلطة فردية مطلقة .

ولقد حاولنا لكافة الطرق الممكنة طوال الشهور العشرة الماضية أن نقنعه بالرجوع عن طلباته هذه التي تعود بالبلاد إلى حكم الفرد المطلق وهو مالا يمكن أن نرضاه لثورتنا ولكننا عجزنا عن إقناعه عجزا تاما وتوالت اعتكافاته بين وقت وآخر حتي يجبرنا على الموفقة علي طلباته هذه إلى أن وضعنا منذ أيام ثلاثة أمام أمر واقع مقدما استقالته وهو يعلم أن أى شقاق يحدث في المجلس في مثل هذه الظروف لا تؤمن عواقبه .

أيها المواطنون ...

لقد احتمل أعضاء المجلس هذا الضغط المستمر في وقت يجابهون فيه المشاكل القاسية التي تواجه البلاد والتي ورثتها عن العهود البائدة .

يحدث كل ذلك والبلاد تكافح كفاح المستميت ضد مغتصب في مصر والسودان وضد عدو غادر يرابط علي حدودها مع خوضها معركة اقتصادية مريرة وإصلاحا لأداة الحكم وزيادة الإنتاج إلى آخر تلك المعارك التي خاضتها الثورة ووطدت أقدامها بقوة في أكثر من ميدان من ميادينها .

واليوم قرر مجلس قيادة الثورة بالإجماع ما يلي :

أولا : قبول الاستقالة المقدمة من اللواء أركان حرب محمد نجيب من جميع الوظائف التي يشغلها .

ثانيا : يستمر مجلس قيادة الثورة بقيادة البكباشي أركان حرب جمال عبد الناصر في تولي كافة سلطاته الحالية إلى أن تحقق الثورة أهم أهدافها وهو إجلاء المستعمر عن أرض الوطن .

ثالثا: تعيين البكباشي أركان حرب جمال عبد الناصر رئيسا لمجلس الوزراء " وتعود فنكرر أن تلك الثورة ستستمر حريصة على مثلها العليا مهما أحاطت بها من عقبات وصعاب والله كفيل برعايتها إنه نعم المولي ونعم النصير والله ولي التوفيق ".

اعترافات محمد نجيب

أزمة مارس هي أزمة النفوس والأخلاق الذين يبتسمون في الوجوه ثم يطعنون في الظهور .. وقد ظهرت الأزمة بخلاف حول عودة الحياة النيابية ذلك أنهم أى جمال عبد الناصر وزملائه من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يستنكرون عودة الحياة النيابية مع وجود الاحتلال وكانوا يطالبون أولا بلاء القوات الإنجليزية ثم يأتي الديمقراطية والحياة النيابية بعد ذلك ... وكان من رأيي .. أنه لا يمكن الوقوف أمام الإنجليز الذين عندهم 80 ألف جندي وترسانة من الأسلحة والذخيرة بينما لا يوجد لدينا سوي 100 ألف جندي بلا أسلحة ولا ذخيرة ...

وكان الأمريكان منذ اللحظة الأول للحركة يحاولون الاقتراب منها واكتساب ثقة رجالها وكنت قد أبلغتهم في صباح 23 يوليو أن الحركة لا تستهدف التعرض للأجانب وذلك بواسطة علي صبريضابط مخابرات الطيران في ذلك الوقت والذي كانت له صلة صداقة بالملحق الجوي الأمريكي إيفنز .

ابلغني محمد رياضي قائد احرسي وموضع ثقتي بأنه يحمل رسالة من المليونير أحمد عبود الذي كان في زيارة للولايات المتحدة وحصل على قرض كبير لتنفيذ مشروع للسماد في مصر وكنت أعرف أن محمد رياضي يمت بصلة قرابة لأحمد عبود , وكانت الرسالة تقول بأن عبود باشا مفوض من المسئولين الأمريكيين لإبلاغي بأن جمال عبد الناصر يتآمر ضدي هو وبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة ... وأن الأمريكيين مستعدون للوقوف بجانبي للتخلص من جمال عبد الناصر ومجلس الثورة .

وقد رفضت هذا العرض الذي وصلني في أواخر عام 1953 ... على أن هذه الرسالة لم تكن تحمل لى جديدا , فإن الأمور بيني وبين مجلس القيادة كانت تتردي يوما بعد يوما ولم أستبعد حدوث مؤامرة ضدي مطلقا ...

كذلك فإن هذه الرسالة لم تكن هي الرسالة الوحيدة فقد وصلتني رسالة من سعيد الكردي قائد قوات السعودية في ذلك الوقت ينهي إلى بأن الأمريكيين على استعداد لمساعدتي بالمال للخلاص من جلس الثورة.

أما الرسالة فكانت من هانكي السفير البريطاني وكنت أعرف والده حيث كان يعمل تاجر في الاخرطوم... قابلني وقال لي : أنا عايز مراتي تزور مراتك وفي هذه الزيارة تكرر العرض بطريقة أخري .

كان جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر يبذلان كثيرا من الوقت والجهد لعمل تنظيم خاص بهما داخل القوات المسلحة ليس هو تنظيم الضباط الأحرار السابق ولكنه تنظيم جديد من الموالين لهما شخصيا والذين يعينونهم في مراكز قيادية .

إتفاق النوبة بين نجيب وخالد

.... ورفضت أن أفعل مثلهما .. لأن هذا العمل كفيل بأن يفتت وحدة الجيش على أن أعضاء مجلس القيادة لم يكونوا على درجة واحدة من التعاون والمعاداة لي كان هناك خالد محيي الدين اعتبرته دائما مثالا للخلق والفكر السليم كان دائما من انصار الحرية والديمقراطية وقد سافر معي في رحلة إلى النوبة وأفضيت إليه بكل ما في صدري من آراء وأفكار كنت أختزنتها ضد مجلس الثورة وتصرفات بعض أعضائه المشينة كما فتح خالد صدره لى وتبادلنا الآراء واتفقنا على أنه لا مفر من عودة الجيش إلى الثكنات لتستقيم الأمور في البلاد بعد أن وصلت إلى حافة الهاوية .

بيان المرشد العام .. في جريدة المصري

وفي صباح يوم 16 مارس 1954 تصفحنا جريدة المصري كعادتنا فقرأنا فيها البيان التالي :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

السيد الرئيس اللواء أركان حرب – محمد نجيب – رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء.

أما بعد . فإن مجلس قيادة الثورة قد أصدر قرارا في 12 يناير 1954 بأن يجري على جماعة الإخوان المسلمون قانون حل الأحزاب السياسية ومع ما في هذا القرار من مخالفة لمنطوق القانون ومفهومه فقد صدر بيان نسب إلينا فيه أفحش الوقائع وأكثرها اجتراء على الحق وقد حيل بيننا وبين مناقشته والرد عليه واعتقلنا ولم نخبر بأمر الاعتقال ولا أسبابه وقيل يومئذ إن التحقيق في الوقائع التي ذكرت سيجري علنا واستبشرنا بهذا القول لأننا انتظرنا أن تتاح لنا فرصة الرد عليه لنبين أن ما اشتمل عليه كله على الصورة التي جاءت به لا حقيقة له فيعرف كل إنسان قدره ويقف عند حده ولكن ذلك لم يحصل .

وإلي أن تتاح لنا الفرصة فإننا ندعوكم وندعو كل من اتهمنا وندعو أنفسنا إلى ما أمر الله تعالي به ورسوله صلي الله عليه وسلم حين قال ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ).

وقد استمرت حركة الاعتقالات شهرين كاملين حتي امتلأت المعتقلات والسجون بطائفة من أطهر رجالات البلد وشبابها بلغوا عدة ألوف لكثير منهم مواقف في الدفاع عن البلاد وعن حرياتها شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولم يكتفوا بالكلام كما يفعل كثير من الناس , أما كيفية الاعتقالات ومعاملة المعتقلين فلن نعرض لها هنا .

وقد بدت في مصر بوادر حركة إن صحت فسوف تغير من شئونها وأنظمتها وقرار حل الإخوان وإن أنزل اللافتات عن دورهم فإنه لم يغير الحقيقة الواقعة وهي أن الإخوان المسلمون لا يمكن حلهم لأن الرابطة التي تربط بينهم هي الاعتصام بحبل الله المتين وهي أقوي من كل قوة .

ومازالت هذه الرابطة ولن تزال كذلك بإذن الله , ومصر ليست ملكا لفئة معينة ولا حق لأحد في أن يفرض وصايته عليها ولا أن يتصرف في شئونها دون الرجوع إليها والنزول على إرادتها لذلك كان من أوجب الواجبات على الإخوان المسلمون أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم وكل ما يحصل من هذا القبيل لن يكون له أثر في استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشئ .

وأن ما دعوتم إليه من الاتحاد وجمع الصفوف لا يتفق وهذه الأحوال فإن البلاد لا يمكن أن تتحد وتجتمع صفوفها وهذه المظالم وأمثالها قائمة – نسأل الله تعالي أن يقي البلاد كل سوء وأن يسلك بنا الصدق في القول والعمل وأن يهدينا إلى الحق وإلى الصراط المستقيم .

والسلام عليكم ورحمة الله .

السجن الحربي مارس 1953 .

حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين


استقالة اللواء محمد نجيب

جاء في كتاب ( كلمتي للتاريخ) للواء محمد نجيب رئيس الجمهورية في الصفحة رقم 184 وما بعدها ما يلي . مقتطفات

... كانت المعارضة الشعبية تتزايد , وقادة الأحزاب السياسية في المعتقلات بعضهم يحاكم أمام محكمة الثورة ولم تكن هناك قوة منظمة في الساحة سوي الإخوان المسلمون الذين ظهرت معارضتهم سافرة – ورفضت الموافقة على حل جماعة الإخوان المسلمون عندما عرض على مجلس القيادة ... لم أرفض الحل لأني كنت مشايعا للإخوان فقد سبق أن رفضت اعتبارهم حزبا حيث لا ينطبق عليهم قانون الأحزاب يوم أن صدر إلى أن توسط لهم جمال عبد الناصر وذهب هو وحسن الهضيبي إلى وزير الداخلية سليمان حافظ في ذلك الوقت ليقدما مذكرة تعفيهم من تطبيق القانون .

كان رفضي لحل الإخوان المسلمون مبنيا على أساس مبدئي وليس على أساس موقف ذاتي – وصدر قرار حل الإخوان المسلمون يوم 15 يناير 1954 بأغلبية أصوات المجلس في نفس اليوم الذي تم فيه اعتقال ضباط المدفعية ورشاد مهنا منذ عام واعتقل 450 عضوا من الإخوان – وأصبح مجلس قيادة الثورة يواجه معارضة شعبية وهو ممزق داخليا وليس كما كان يوم أعلن قرار حل الأحزاب السياسية عندما كان في أوج وحدته ..

.. لم أكن موافقا على حل الإخوان – وبالتالي لم أكن موافقا على البيان .. ووصل الاخلاف إلى ذروته بعد هاذ الموقف وانتقل من حدود المجلس إلى الجماهير وأصبحت مطالبا بتحديد موقفي أمام الناس الذين تعلق أملهم بي .. ولم أجد غير سبيل واحد طالما رفضت اللجوء إليه .. وهو الاستقالة .. والاستقالة كلمة بغيضة إلى نفسي .. إنها تعني الاحتجاج ولكنها في نفس الوقت تقترن بالهروب ..ولكن ما حيلتي والأمور قد وصلت إلى حالة يصعب علاجها ولا أملك وحدي القدرة على الفصل فيها ؟...

.... الاستقالة الآن ليست من أجلي فقط ... ولكنها من أجل شعب مصر الذي استمد منه سلطتي ومركزي ...والذي انتقلت الاخلافات إلى ساحته وكتبت الاستقالة في كلمات محددة .. بأنني غير قادر على التعاون مع لمجلس وغير موافق على كثير من قرارته .

... وعندما كتبت الاستقالة شعرت براحة نفسية هائلة وأصبح الأمر في يد الشعب وفكرت في أن أذيع الاستقالة بنفسي للجماهير .

وأرسلت لهم الاستقالة وكنت في منزلي عندما وصلتني النسخ الأولي من صحف صباح يوم 25 فبراير وفيها بيان يقول بأن المجلس قد قبل استقالتي وعين البكباشي جمال عبد الناصر رئيسا للوزارة

وفي الساعة الثالثة بعد منتصف ليلة 26 فبراير, فوجئت بطارق على الباب .. كان خالد محيي الدين ومعه ثمانية ضباط من سلاح الفرسان حضروا ليبلغوني أن مجلس الثورة قد قرر إعادتي لرئاسة الجمهورية وتعيين خالد محيي الدين رئيسا للوزراء ووافقت على ذلك فقد كانت العلاقة التي توطدت بيني وبين خالد هي خير ضمان للسير بالبلاد نحو الديمقراطية وعودة الجيش إلى الثكنات .

وقبل أن يجرفني تيار الحديث أوضح الأسباب التي أدت إلى هذا التغيير المفاجئ والانقلاب الجديد.

كان في مبني القيادة عندما اتخذ قرارة تحت ضغط ضباط الفرسان عدد من الضباط الذين حدب عليهم جمال عبد الناصر علي صبري وجيه أباظة أوامرهما لسلاح الطيران بتحليق بعض الطائرات, تحركت بعض وحدات المدفعية المضادة للدبابات لمحاصرة سلاح الفرسان , واعتقل بعض ضباطه في الشوارع وهم يتوافدون عليه في الصباح .

كانت خدعة وقع فيها ضباط الفرسان الذين تعاملوا بشرف مع ضباط القيادة الذين مثلهم جمال عبد الناصر وأعلن عليهم اقتراحه الاخاص بعودتي وتعيين خالد محيي الدين رئيسا للوزراء .

ورغم محاصرة سلاح الفرسان واعتقال بعض ضباطه إلا أن الأمر لم يتحول أوتوماتيكيا إلى يد مجلس الثورة أو يد جمال عبد الناصر – كان هناك رأي ضباط الأسكندرية وعدد كبير من الضباط في مختلف الأسلحة ..

... مظاهرات الشوارع في مدن مصر والسودان

وخرجت جموع الشعب وطلبة الجامعة وساروا في مظاهرات كبيرة تطالب بعودتي وسقوط الدكتاتورية .. وعند نهاية كوبري قصر النيل هاجمت قوة من البوليس وقوات من البوليس الحربي المتظاهرين بوحشية وقسوة وأطلقت النيران ورد بعض المتظاهرين بالمثل .

وأصدرت وزارة الداخلية بيانا بالحادث وقدرت عدد المصابين بثلاثة عشر شخصا غر رجال البوليس .. وأصيب ضابط البوليس صدقي العريان بطلق ناري في عنقه كما أصيب عدد من رجال الشرطة .

وكان الإنقاذ الوحيد لهم هو عودتي ..

وفي صباح اليوم التالي مباشرة وبعد صدور بيان في السادسة من مساء 27 فبراير 1954 يقول " حفاظا على وحدة الأمة يعلن مجلس قيادة الثورة عودة الرئيس اللواء محمد نجيب رئيسا للجمهورية , وقد وافق سيادته على ذلك ".

وانتصرت إرادة الشعب

وتحولت المظاهرات من الاحتجاج إلى الابتهاج .. ومع ذلك أصدر زكريا محيي الدين وزير الداخلية بيانا يعلن فيه أن الإخلال بالأمن سيقابل بكل شدة وعنف ولكن هذا لم يوقف طوفان الجماهير في الشوارع .

وذهبت إلى قصر الجمهورية بعابدين في أول مارس حيث كان الشعب عموما والإخوان المسلمون خصوصا قد حشدوا جموعهم في الميدان ورفعوا قمصانا ملوثة بالدماء هي ملابس جرحي مظاهرات الابتهاج الذين سقطوا برصاص قوات البوليس الحربي والشرطة التي أطلقت النيران عليهم دون مبرر.

وخرجت في شرفة القصر وأعلنت لهم أنني لم أقبل العدول عن الاستقالة إلا من أجل الحرية والديمقراطية وإجراء انتخابات برلمانية , وقلت للجماهير إنه ستؤلف جمعية تأسيسية تمثل مختلف هيئات الشعب وستجري الانتخابات وتعود الحياة النيابية للبلاد , وكانت هتافات الاحتجاج على الأعداء تتصاعد فطلبت من عبد القادر عودة أحد أقطاب الإخوان والذي كان محمولا على الأكتاف أن يصعد إلى الشرفة .. وقد ساعد ذلك على تهدئة الجو وانصرف المتظاهرون بعد أن أخبرتهم أني أمرت النيابة بالتحقيق في الحوادث التي وقعت وأمرت النائب العام بموافاتي بنتيجة التحقيق .

" والمؤسف أن عبد القادر عودة الذي كان رجلا فاضلا ومفكرا حرا , قد حوكم بمحكمة الشعب التي رأسها جمال سالم وحكم عليه بالإعدام ونفذ فيه الحكم "

ودفعني هذا إلى إصدار بيان بأنني ومجلس الثورة كيان واحد تطمئنا لأعضائه ولضباط الجيش وحرصا على عدم تفجير مواجهة مسلحة جديدة .

وقفة مع المظاهرة التاريخية في عابدين

رغم أن الآلاف من الإخوان المسلمون قد غيبتهم المعتقلات في أحضان السجن الحربي ومعتقل العامرية بالأسكندرية وأقسام البوليس , فقد حيل بين الإخوان وقادتهم .. فقد قاد الإخوان المسلمون بالقاهرة أكبر تجمع بشري عرفته مصر يومذاك في مظاهرة مؤتلفة موحدة الأهداف والشعارات يقودها القاضي المؤمن الشهيد عبد القادر عودة ومعه نخبة من الإخوان الذين تقدموا الصفوف واتجهت هذه الجموع الحاشدة هاتفة بالحرية والإفراج عن المعتقلين والانتقام من الطغاة الظالمين والثأر لهؤلاء الشهداء الأبرار الذين صرعهم رصاص المعتدين .

وجاء محمد نجيب ووقف مع مجموعة القيادة بالشرفة في قصر عابدين ورفعوا معا أيديهم متصافحين أمام الجماهير الثائرة وضع جمال عبد الناصر يده في يد محمد نجيب - إيهاما للشعب بعودة الأمور إلى طبيعتها وعودة نجيب إلى رئاسة الجمهورية ولكن الجماهير قد أدركت بحواسها حقيقة الاخدعة التي فاتت على الرئيس نجيب فطلب من عبد القادر عودة أن يطلب من الجماهير الانصراف فلم يلتفت عبد القادر عودة إلى الأمر من كل جوانبه وما سيكون بعد هذا الموقف ولكنه خشي من مغبة هذا الجمع الاخطير على الأمن ومن فوق الشرفة – شرفة قصر عابدين – وعبد القادر عوده يقف إلى جوار رئيس الجمهورية ... عبد القادر عودة يطلب من آلاف المظاهرين أن ينصرفوا وما هي إلا لحظات حتي انصرفت هذه الآلاف في هدوء.

إن هذا الموقف قد لفت نظر عبد الناصر وأدرك ما وراء الرجل في المستقبل وأمثال هؤلاء أخطر الاخطر على مخطط جمال عبد الناصر الذي يحلم به ..

واستطيع أن أقول أن الرئيس محمد نجيب قد خدع في هذا الموقف الحاسم الذي لن يتكرر بل ولعله لن يعود .. لقد خدع وهو الذي قد درس أخلاق جمال عبد الناصر وأدرك أهدافه ومراميه .. لقد أضاع الرئيس محمد نجيب الفرصة الوحيدة التي أجمع فيها الشعب بكل طوائفه على عودته بإرادة الأمة كلها وفي قوة وإصرار... ولم يطل بالرئيس محمد نجيب الاستقرار والاستمرار حتي قلبوا له ظهر المجن ولات حين مندم ولات حين مناص .

وكما خدع اللواء محمد نجيب .... فقد خدع الشهيد عبد القادر عودة بخداع الرئيس محمد نجيب .. وكانت العبرة الاستفادة باللحظات الحاسمة التي لا تعود .

حديث مع القائمقام أحمد شوقي

كان القائمقام أحمد شوقي قائد قسم القاهرة عند قيام حركة 23 يوليو – معتقلا في معتقل سجن الأجانب وأفرج عنه قبل حوادث مارس .. وفجأة بعد عودة نجيب إلى رئاسة الجمهورية جئ به مرة أخري إلى السجن خوفا من تعاطفه مع محمد نجيب.

قرارات 25 مارس

واجتمع مجلس الثورة وصدرت قرارات 5 مارس التي قضت بإلغاء الرقابة على الصحف واتخاذ الإجراءات فورا لعقد جمعية تأسيسية منتخبة بطريق الاقتراع العام المباشر على أن تجتمع خلال يوليو 1954 وتكون لها مهمتان ..

الأولي : مناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره .

الثانية : القيام بمهمة البرلمان إلى أن يقوم البرلمان الجديد وفقا لأحكام الدستور .

وكان قد تحدد لفتح جداول قيد الناخبين يوم 15 مارس على أن يتم تحرير شهادات الانتخابات وتسليمها يوم 21 مايو لنلتزم انعقاد الجمعية التأسيسية خلال يوليو كما ورد في قرارات 5 مارس .

وفي يوم 19 مارس وقع حادث مريب فقد انفجرت أربع قنابل في أنحاء متفرقة من القاهرة ولم يقبض على الفاعل ..

وما كنت أتوقع حدوثه قد وقع .. وكان ذلك في جلسة مجلس قيادة الثورة يوم 25 مارس كانت جلسة حاسمة فالأقنعة سقطت والوجوه بدت على حقيقتها التعابير واضحة وصريحة .

وبدأ عبد اللطيف البغدادي الحديث باقتراح إلغاء قرارات 5 مارس إلا أن جمال عبد الناصر أجاب في هدوء , إن مجلس الثورة ينتهي عمله يوم 23 يوليو والأحزاب تعود إلى وضعها السابق واقترح خالد محيي الدين التمسك بقرارات 5 مارس كما اقترح شكلا جديدا للديمقراطية وذلك بحرمان النواب الذين وقفوا مع القوانين المقيدة للحريات والذين رفضوا رفع ضريبة الأطيان ورؤساء الأحزاب السابقين والذين طبقت عليهم قوانين الإصلاح التأسيسية عارض صلاح سالم قائلا بأن كل شئ يجب أن يعود إلى صورته القديمة .

وأحسست أن المناقشة تستدرجنا إلى أمور لم تكن على بالنا .. فقد قال أحدهم : إذا أعدنا الأحزاب فسوف نعيد الحزب الشيوعي وأجاب خالد:

الدستور الجديد هو الذي يحدد الموقف من الحزب الشيوعي

وقال جمال : سنفرج عن كل المعتقلين ورحبت بهذا وتبعه عضو آخر فقال : سنفرج عن النحاس باشا وعلقت بأن مصطفى النحاس اعتقل ظلما وتزويرا لأنكم أدخلتم اسمه في كشوف المعتقلين بعد توقيعي عليه .

وقال عبد الناصر : سنفرج أيضا عن الهضيبي وأحمد حسين . ووافقت على ذلك .

كان من الواضح أن هناك تدبيرا ما بين جمال عبد الناصر وبين أعضاء المجلس إذ لا يعقل أن يوافقوا موافقة غير مشروطة على عودة الأحزاب والإفراج عن كل المعتقلين واستمر الاجتماع 5 ساعات متصلة .. وأعلن صلاح سالم على الشعب قرارات 25 مارس التي تقضي بالسماح بقيام الأحزاب وبعدم الحرمان من الحقوق السياسية والانتخاب الحر المباشر للجمعية التأسيسية وحل مجلس الثورة في 24 يوليو المقبل باعتبار أن الثورة قد انتهت وتسلم البلاد لممثلي الأمة وتنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها .

وكان إعلان هذه القرارات بمثابة انتصار لى غلا أنه كان يثير شكا في نفوس الجماهير ممن ناحية عودة الأحزاب بصورتها التقليدية المتخلفة وانتهاء الثورة بما يفهم أنه عودة للقديم لكل مفاسده .

تعليق ..

كانت هذه القرارات مسكنات وقتية لا تخرج عن دائرة الإعلان على الناس لتهدئة نفوسهم الثائرة .. حتي يجد عبد الناصر فرصة هدوء يفكر في الانقضاض بعدها وتضييق الاخناق على الشعب وخاصة تلك القوة المحركة التي تقود الجماهير إلى الحق .. فليس من المعقول أن تصفي الثورة نفسها وتخرج من الميدان بلا أنواط ونياشين وخاصة أنهم عسكريون لا يقبلون هذا الأسلوب في التعامل – ولكنهم يعرفون كيف ينسحبون مؤقتا حتي تحين الفرصة .

الإفراج عن الإخوان المسلمون !!

وفي صباح يوم 21 رجب 1373 الموافق 26 مارس 1954 خرجت علينا جريدة المصري في العدد 5866 بالعنوان الرئيسي الأول :" الإفراج عن الهضيبي وعودة جميع المعتقلين" والعنوان التالي " حل مجلس الثورة يوم 24 يوليو" وفي نفس الصفحة الأولي وتحت عنوان " تصفية المعتقلات والإفراج عن الهضيبي وزملائه" قالت صحيفة المصير : وتم الإفراج عن الأستاذ حسن الهضيبي من السجن الحربي كما أفرج عن باقي أعضاء جماعة الإخوان المسلمون وقد تم أمس اتصال بين المسئولين وبين السيد / حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين قبل الإفراج عنه بشأن عودة جماعة الإخوان المسلمون إلى نشاطها السابق وقد تم الاتفاق معهم على ثلاث نقط.

أولا : أن تعود الجماعة إلى سابق نشاطها وكيانها بدون أى حد من حرياتها وتعود أموالها المصادرة وشعبها ومركزها العام.

ثانيا : الإفراج فورا عن جميع المعتقلين من الإخوان المسلمون مدنيين وعسكريين مع إعادة من فصل منهم إلى الاخدمة العسكرية .

ثالثا: أن يصدر مجلس قيادة الثورة بيانا يوضح فيه حقيقة الأسباب التي اعتبرها داعية إلى حل الإخوان ويكون هذا البيان بمثابة فصل الاخطاب في هذه المسألة المؤسفة .

وقد صرح السيد / حسن الهضيبي للمسئولين بأن الإخوان سيكونون عونا للحكومة على طرد الانجليز من منطقة القناة ورد اعتداءاتهم الوحشية .. وفي منتصف ليلة أمس توجه البكباشي جمال عبد النصر والصاغ صلاح سالم إلى منزل السيد / حسن الهضيبي لزيارته .

الإخوان يطالبون بالحريات

وفي عدد جريدة المصري 5869 الصادر في 24 رجب 1373 الموافق 29 مارس 1954 أعلن مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين البيان التالي :

بسم الله الرحمن الرحيم

لا ريب أن مصر تمر بفترة بالغة الدقة والاخطورة في تاريخها بعيدة الأثر في كيانها ومستقبلها وهي فترة تقتضي من كل مواطن أن يهب البلاد نفسه ويبذل لها وجوده ويؤثرها بالاخالص من راية ومشورته حتي يأذن الله بانجلاء هذه الغمة ويخرج الوطن منها بحياة أمن واستقرار ووحدة .

ولقد فوجئ الإخوان غداة خروجهم من السجون والمعتقلات بتوالي الأحداث الاخطيرة التي تعترض لها البلاد في حدة وسرعة لم يتيسر معهما معرفة أسبابها والعوامل التي تؤثر فيها ثم تحديد وسائل العلاج الذي يلائمها .

من أجل ذلك بادر الإخوان المسلمون إلى العمل على أداء واجبهم في التماس المخرج من هذه الأزمة فبدأ لهم أنمن العسير أن ترسم الاخطط الصالحة ويوضح العلاج لهذه المشاكل ويسمع للمشورة الصادقة في جو الغضب والانفعال وقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يسأل الله ألا يستجيب له وهو غضبان .

لهذا لم يكن بد من الإسراع بلقاء المسئولين والاتصال بطرفي الاخلاف للدعوة إلى اتخاذ مهلة تتجنب فيها المضاعفات وتنتهي فيها حالة التوتر القائمة حتى يتيسر لأولي الرأى والإخلاص أن يتقدموا للمسئولين وللأمة بخطة كاملة مدروسة تزود عن البلاد هذه الشدة وتضع القواعد الكفيلة بوقاية البلاد من أن تتعرض لمثلها في أية مناسبة ..

وعلى هذا الأساس قام وفد الإخوان المسلمون برئاسة المرشد العام بلقاء السيد البكباشي جمال عبد الناصر في الليلة الماضية ثم بزيارة اللواء محمد نجيب لانشغاله ف ينفس الليلة بالاجتماع بجلالة الملك سعود ضيف مصر الكبير الذي آثرها مشكورا بكريم وساطته في علاج هذا الموقف العصيب.

وما زال الإخوان يواصلون خطواتهم في إقناع المسئولين باتخاذ مهلة مع قيامهم في الوقت نفسه بدراسة خطة العلاج الشاملة أملين أن يستجب المسئولون إلى ندائهم فتتغلب الحكمة الوطنية على بواعث الاخلاف والفرقة ويلتقي الجميع بإذن الله على كلمة سواء .

وإذا كانت الجهود تتوالي في العمل على جمع الكلمة وحل الأزمة فإننا نناشد الشعب الكريم أن يعتصم بالهدوء والسكينة ورباطة الجأش وأن ينصرف أبناؤه جميعا إلى أعمالهم في انتظام وطمأنينة مع التوجه إلى الله العلي الكبير أن يحفظ البلاد من كل سوء وأن يعين الساعين ويجمع المسئولين على الحل الكامل السليم الذي يخرج البلاد من المأزق الحاضر ويحفظ وحدة الأمة ويصون حقوق الشعب وحرياته ويحقق الاستقرار المنشود في ظل حياة نيابية نظيفة محوطة بالضمانات التي تجنها مساوئ الماضي وتوفر القوي والجهود لتخليص الوطن من الغاصب المستعمر ومتابعة حركة الإصلاحات الإيجابية التي تستكمل بها البلاد نهضتها.

والله ولي التوفيق ,,,

حسن الهضيبي

أنباء وأخبار

• صرح الصاغ كمال الدين حسين لمراسلنا الاخاص في قيادة الثورة أنه لولا سيطرة الإخوان المسلمون على مظاهرة 28 فبراير الماضي لتكررت مأساة 26 يناير 1952 .

• سأل أحد ضباط سلاح الفرسان الصاغ صلاح سالم أثناء زيارته الأخيرة للسلاح عن حقيقة الاتهامات الموجهة إلى الإخوان المسلمون فبهت ولم ينبس ببنت شفة ووعد بزيارة أخري حتي يستعد لطبخ الأكاذيب.

• ناشد الشهيد محمود السحرتي الذي أصيب برصاصتين وثلاث طعنات سونكي – الإخوان بالدعاء له والصلاة عليه .

• علق راديو لندن على كثرة الحوادث الأخيرة في منطقة القنال بأن الإخوان المسلمون هم المدبرون لها وطالب الحكومة أن تضرب على أيديهم بشدة حرصا على الاستقرار .

• طالب النائب مستر سترلني – أثناء مناقشة المسألة المصرية في مجلس العموم البريطاني بسرعة التفاهم مع الحكومة المصرية الحالية قبل أن تخلفها جماعة الإخوان المسلمون وذلك أسوأ ما يحدث لبريطانيا وهكذا يعبر الانجليز عن صداقتهم .

• في مظاهرة القاهرة الماضية لم تسقط ضحية واحدة من الجيش أو البوليس وقد ثبت أن الضابط الذي جرح أصيب برصاصة طائشة من السيل الذي صبه جنود عبد الناص على حشود الطلبة الذين لم يكونوا يريدون شرا ولو أرادوا لقضوا على عبد الطيف بغدادي حين مر بعربته وسط المظاهرة .

• دعا الأخ مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين بسوريا إلى عقد مؤتمر في دمشق يشهده مندوبو الإخوان في البلاد الإسلامية لبحث مستقبل الدعوة وما ينبغي أن يواجه به قرار حل الإخوان المسلمون في مصر ودراسة الدعوة وما ينبغي أن يواجه به قرار حل الإخوان المسلمون في مصر ودراسة القضايا التالية :

1) السياسة العربية والإسلامية.

2) مناصرة الإخوان المسلمون في مصر بعد حل الجمعية من قبل السلطات المصرية مؤخرا.

3) دراسة قضايا هيئات الإخوان في البلاد العربية والإسلامية .

4) موقف الإخوان من الأحلاف الأجنبية والاخطر الصهيوني ومقاومة الاستعمار .

وفي نهاية المؤتمر أعلنت القرارات التالية بخصوص قضية الإخوان المسلمون في مصر :

1) إرسال برقية إلى كل من جلالة الملك سعود والرئيس نجيب .

2) بيان إلى الرأي العام العربي والإسلامي .

3) مذكرة إلى الحكومة المصرية

4) مذكرة إلى الحكومات العربية للتوسط في قضية الإخوان

5) مذكرة للجامعة العربية .

6) إرسال وفد إلى مصر لمقابلة اللواء محمد نجيب فقط .

7) القيام بإجراءات معينة فيما إذا فشلت كل الوسائل السابقة .

8) تأليف وفد من محامي الإخوان العرب للمرافعة أمام مجلس الدولة المصري في الدعوي بعدم شرعية حل الإخوان .

9) الاستمرار في تقديم المعونة المالية لإخوان مصر.

• دار حديث حول قيام ضباط الثورة بمطالبة فضيلة المرشد بالاستقالة وحاروا في البحث عن ضباط شجاع لمواجهته, وأخيرا وجدوا هذا الضابط الشجاع وعندما ذهب إلى فضيلة المرشد وأخبره ذلك الاخبر .. قال له : طيب يا ابني روح ... روح بلاش لعب عيال .

• أعلنت الدكتور درية شفيق الإضراب عن الطعام فقامت من أجلها الدولة وقعدت ويوم أضرب المعتقلون بالعامرية لم يهتم أحد بأمرهم ..

• طالبت نقابة المحامين بالتحقيق في الاعتداءات التي وقعت على الأساتذة عبد القادر عودة وعمر التلمساني وأحمد حسين عقب اعتقالهم بعد المظاهرة .

بعد الإفراج عن فضيلة المرشد

• بمجرد وصول فضيلة المرشد إلى داره ليلة خروجه من السجن الحربي – حضر البكباشي جمال عبد الناصر والصاغ صلاح سالم مسلمين مهنئين – ولك أن تتصور العلامات التي كانت على وجهيهما ؟؟

كما زاره الصاغ صلاح سالم بداره مرة أخري بناء على طلب صلاح سالم نفسه وقد مكث ثلاث ساعات وخرج يقول إن المرشد لا يزال مصرا على موقفه .

• قابل المرشد العام الملك سعود ومكث في زيارته فترة طويلة .

• زار فضيلة المرشد الجرحي من الإخوان في مظاهرة قصر النيل وقدم لهم بعض الهدايا ودعا لهم بالشفاء وخير الجزاء كما زار منزل الأخ الشهيد " السحرتي " الذي استشهد في نفس المظاهرة لأداء العزاء – كما زار أسرة الشهيد " توفيق عجينة " لتقديم واجب العزاء لهم.

• توافد على دار فضيلة المرشد العام كثير من المسلمين نذكر منهم : الرئيس محمد نجيب – الرئيس علي ماهر – الأستاذ عبد الرحمن عزام – وشيخ الأزهر والسكرتير العام للأزهر – الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين – السيد البشير الإبراهيمي – الأمير عبد الكريم الخطابي – والشيخ صبري عابدين – الأستاذ سليمان حافظ – الأستاذ سليمان مازن – الأستاذ حسين أبو زيد – الأستاذ مكرم عبيد – الأستاذ عبد العزيز علي الأستاذ مصطفى الشوربجي – الأستاذ مرسي فرحاتالسيد سليم – الأستاذ محمد الشافعي اللبان – الأستاذ محمد زكي علي – الأستاذ مصطفى مرعي والأستاذ أحمد عبد السلام .

• وصلت المركز العام البرقيات من جميع أنحاء العالم نذكر منها برقيات الأساتذة مصطفي السباعي ومحي الدين القليبي ( دمشق) الفضيل الورتلاني ( بيروت ) السيد المهدي وعلى طلب الله ومحمد بخيت ( الاخرطوم) أمين حسن إصلاحي ( أمير الجماعة الإسلامية بباكستان) السيد صالح بواصير ( نائب رئيس مجلس النواب ببنغازي) الدكتور معروف الدواليي وزير الداخلية بسوريا وآلاف البرقيات من جميع بقاع العالم الإسلامي .

• زارنا في سجن الأجانب عقب الإفراج عن فضيلة المرشد والإخوان المدنيين الأستاذ حسن العشماوي وقد جلس معنا فترة طويلة وعرفنا منه بعض الأخبار .

• زارنا في سجن الأجانب الأستاذ عبد الرحمن السندي المفصول من جماعة الإخوان والذي كأنه رئيسا للنظام الاخاص , والمعروف تعاونه مع رجال عبد الناصر ولكن الإخوان بالسجن قابلوه مقابلة فاترة وعاد كما جاء .

فضيلة المرشد يشرح حقيقة صلة جماعة الإخوان بالإنجليز

صورة الخطاب الذي أرسل إلى السيد رئيس مجلس الوزراء

السيد رئيس مجلس الوزراء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فقد اطلعت على ماذكرتم خاصا بشأن الإخوان المسلمون وموقفهم منكم ومن المعارضة والمعاهدة ولذلك حرصت على أن أذكر الوقائع التي ربما غابت عن ذاكراتهم .

إن اتفاقا بيني وبين إيفانز على شئ من شئون مصر لم يحصل وأنتم تعلمون أنه طلب مقابلتي وقد كنت يوم الاثنين 20 فبراير سنة 1953 بمنزلي مساء فأخبرتكم بأني حددت يوم الأربعاء 22/2 / 1953 لهذه المقابلة وسألتكم عما إذا كان هناك شئ يمكن أن نقوله له وأخبرتكم بأن الإخوان المسلمون عند قولهم إنهم ليسوا على استعداد لمفاوضة الإنجليز مادامت أقدامهم في مصر وذكرت لكم ما ذكرته للرئيس علي ماهر بشأن موقفنا في كل مفاوضة – فقلتم إننا نريد أن ندخل المفاوضات متفقين على التفاصيل .

وقد التقيت بالمستر إيفانز وطائفة من الإخوان واستمعنا إلى ما أراد أن يقول دون أن نناقشه إلا مستفسرين وكان خلاصة ما قال – إنهم يريدون أن يجلو عن القنال ولكن لهم قاعدة فيها يبغون تركها تحت حراسة الجيش المصري وفيها بعض خبراء من الإنجليز يلبسون الملابس المدنية ويقدر عددهم الجيش المصري وتكون هذه القاعدة معدة لاستعمالهم ولاستعمال أصدقائهم وقت الحرب – وقال إنهم يكون لهم الحق في العودة إذا هوجمت سوريا أو إحدي البلاد العربية وأن مدة المعاهدة يتفق عليها.

ولما فرغ من كلامه قلت له ما رأيكم في الحياد ينسحب الإنجليز من جميع البلاد الإسلامية وتكون هذه البلاد كتلة وواحدة تقف على الحياد لأنه لا مصلحة لنا في الحرب التي لا تقوم إلا من أجل التسلط علينا وعلى الأمم الضعيفة فقال :

إن فكرة الحياد مستحيلة لأن روسيا تهاجمكم . فقلت له إن هذا فرض يجوز أن يتحقق ويجوز ألا يتحقق ويجوز ألا يتحقق وأما وجود الإنجليز في بلادنا فحقيقة واقعة وقد أتي احتلالهم لنا بحربين لم يكن لمصر مصلحة فيهما وحيدة قناة السويس لا تتأتي مع وجودكم بها.

ولما استمر في قول إن روسيا لها مطامع قلت له لن نسلم أنفسنا لأحد ويمكن بعد خروجكم أن نعقد معكم اتفاقا سريا على مساعدتنا إذا هاجمتنا روسيا , ويكون دخولكم أراضينا بناء على طلبنا وتخرجون حالما تنتهي مهمتكم وانتهت المناقشة على ذلك .

وفي يوم السبت 25/ 2/ 1953- اجتمعنا في منزل منير دلة مع من ذكرتهم في خطابك ما عدا حسن العشماوي الذي عاد متأخرا من لبنان حيث كان في مهمة كلفتموه بها , وأنهيت لكم ما دار في هذه المقابلة فقام عبد الحكيم عامر وقال : إن هذا أحسن ما قيل,وقال صلاح سالم يجب أن نطلع بعضنا على جميع التفاصيل فقلت يكفينا أن نطلع على الاخطوط العريضة – وقد كلفتم صالح أبو رقيق وحسن العشماوي يبحث مسألة القاعدة فقال صالح هذه مسألة لا تبحث إلا إذا قررتم أن تترك قاعدة للإنجليز في القنال – أما إذا كنتم ترفضون ذلك فلا محل لبحثها من ذلك يتضح أننا لم نتفق على شئ وأننا على ما اتفقنا معكم عليه من الآراء وقد أنهيت هذا الحديث لم أستطع لقاءه وأنهيته كذلك إلى السيد محمود فوزي وزير الاخارجية لاختصاصهما في ذلك الوقت – وهذه هي المقابلة الوحيدة التي تحدثت فيها في السياسة مع المستر إيفانز .

على أنكم ذكرتم أنني اتفقت مع المستر إيفانز على ما هو أسوأ من المعاهدة ولم تذكروا هذا الأسوأ وبقي أن تدلون على الموضوع الذي أنكر فيه لقاء المستر إيفانز في هذه المسألة فقد حاولت أن أذكر الحقيقة لكل الناس فلم تذكر الجرائد شيئا.

أما ما قلتم من أننا نرمي إلى الهدم ولا نسعي إلا إلى الحكم فأنت تعلم أنني أكدت لكم أنكم أمسكتم بأيدينا وأجلستمونا على كراسي الحكم لما قبلنا . يشهد بذلك الرئيس نجيب عندما عرض علينا الاشتراك في الوزارة في 8 / 12/ 1953 والله يعلم ما تخفي السرائر وتكن الصدور .

ومن الاخير لكم وللبلاد أن تسمحوا لمن يريد أن يتكلم وينقذ المعاهدة بشئ من الإنصاف فينشر ما يريد حتى يحكم الناس علينا بفعلنا لا بقولنا وحتى يستطيعوا وحتى يستطيعوا أن يعرفوا حقيقتها من جملة الحجج ولا يكتفوا بسماع طرف واحد

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المرشد العام للإخوان

حسن الهضيبي


حقيقة اتصال الإخوان بالإنجليز

اتصلت أنا والمستشار منير دلة بالمستر إيفانز والمستشار الشرقي للسفارة البريطانية, استجابة لطلب مباشر من السفير البريطاني في القاهرة عن طريق المرحوم محمد سالم السكرتير العام لوزارة المواصلات المصرية .

وعرضت الأمر على فضيلة المرشد العام الأستاذ الهضيبي ووافق على هذا الاتصال من حيث المبدأ على أن يعتبر من بريطانيا أول اعتراف سياسي بنا , وكانت موافقة المرشد العام مشروطة بموافقة جمال عبد الناصر وزملائه . واتصل الهضيبي هاتفيا بجمال عبد الناصر واتفقا على اللقاء في بيته بالروضة وفي ذلك الوقت كانت الاتصالات الهاتفية بينهما عادية .

وحضر المقابلة مع جمال عبد الناصر كل من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم وكمال الدين حسين وعرض عليهم الأستاذ حسن الهضيبي الأمر فوافقوا على هذا الاتصال وقال لهم : إننا سنوافيكم بما يدور من مباحثات أولا بأول .

وعند أول لقاء مع مستر إيفانز في منزل الدكتور محمد سالم في المعادي تمكنت من الوصول معه إلى شروط لم يصل إليها مفاوض مصري من قبل وقد كان سبب ذلك يرجع ببساطة إلى أنهم كانوا عازمين على الجلاء . وقد قمت بنقل كل ما دار إلى فضيلة المرشد العام تفصيليا .

واجتمع الأستاذ الهضيبي مرة أخري مع جمال عبد الناصر وحضر تلك المقابلة أيضا من حضر مقابلته الأولي وقرأ عليهم المرشد العام التقرير الذي أعددته بكل تفاصيله وسروا لذلك كثيرا أو أظهروا إهجابهم وسرورهم , وبقينا حريصين على إعلامهم بكل مقابلة وتفاصيل مادار فيها .

وعندما شعر جمال عبد الناصر وزملاؤه بأن الثمرة قد نضجت أرادوا أن يخرجوا الإخوان من الصورة ليجنوا وحدهم فخر الجلاء , فافتعل حادثة لنا في جامعة القاهرة وأرسل شرذمة من الجنود وبعض شباب هيئة التحرير في سيارة جيب ليفسدوا على الطلبة احتفالهم بذكري أحد الإخوان فنهال عليهم الطلاب ضربا حتى فروا هاربين وأحرق الطلاب السيارة .

وهاجم العساكر والضباط بيوتنا في تلك الليلة , كما فتشوا وأرهبوا النساء والأطفال بقسوة ذهبت بكل معاني الكرامة والإنسانية وسحبونا مكبلين بالحديد إلى السجن الحربي ومعتقل العامرية وبعد يومين أخرجونا من الزنازين المظلمة ووزعوا علينا الصحف التي قرأنا في عناوينها العريضة :

" مؤامرة من الإخوان المسلمون ورجال السفارة البريطانية لقلب نظام الحكم – الإخوان يتصلون بالحكومة الإنجليزية من خلف الحكومة ". وأذاعوا بيانا من مجلس الثورة الذي انعقد برئاسة جمال عبد الناصر ليلصق بنا الاتهام الاخطير بالاخيانة العظمي التي عقوبتها الإعدام .

زيارة الملك سعود

كانت زيارة الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية تتم في وقت غير مناسب مطلقا لحركة الأحداث المتتابعة – كما يقول اللواء محمد نجيب إذ كان مرافقا له في تحركاته مما لم يتح له وقت كافيا لمواجهة الموقف بعد هذه القرارات الحاسمة ( يقصد قرارات 25 مارس ).

ومما بلغنا ونحن في سجن الأجانب – أنه على أثر قيام اللواء محمد نجيب ومعه أعضاء مجلس قيادة الثورة بتوديع الملك سعود , وبعد قيام الطائرة وفي الحال – وجهت من بعض ضباط الثورة عبارات مهينة للغاية للرئيس اللواء محمد نجيب – مما يدل على أنهم كانوا طوال فترة وجود الملك في مصر يضبطون أعصابهم تجاه ما حدث من اللواء محمد نجيب , في نفس الوقت استفادوا بوجود الملك حيث تقتضي الأنظمة والبروتوكلات تواجد الرئيس نجيب بجوار الملك في كل رحلاته وبهذا شغلوا اللواء نجيب بعيدا عن الأحداث حتى تمكنوا من تنظيم أنفسهم وترتيب انقلاب على قرارات 25 مارس – واللواء محمد نجيب في عزله تامة عن ما يجري وراء الكواليس وما أن غادر الملك سعود البلاد حتى بدأوا المكائد .

أحداث أخري

1- القنابل تتفجر في أنحاء القاهرة

وفي حوالي 20 مارس سمعنا بجوار سجن الأجانب انفجارات , وقد علمنا أن إنفجارات كثيرة قد تجددت في أنحاء القاهرة – كما أن جنود البوليس الحربي الذين يقومون بالحراسة قد أخبرونا أن زملاؤهم قد ارتدوا الملابس المدنية وتوزعوا في أنحاء القاهرة للقيام بمظاهرات صاخبة ضد الرئيس محمد نجيب ويشاركهم في ذلك بعض العمال ورجال المباحث العسكرية .

2- ضرب الدكتور السنهوريى

ورغم وجودنا داخل السجن ... ومن المعلوم أن يتعذر علينا أن نحصل على أية معلومات أو أنباء. فالواقع أننا نكاد نكون أول من يعرف الأخبار ... ذلك لأننا أكثر الناس اهتماما بها فالتوتر في السجن يعطينا صورة معينة وكثرة الزوار من المسئولين يعطينا صورا أخري والتضييق علينا في نظام السجن اليومي وتغيير البرنامج من حسن إلى سئ يعطينا مؤشرا وحضور نزلاء جدد يمدنا بأخبار جديدة .

وعن هذا الطريق علمنا بأن مظاهرة عنيفة قد توجهت إلى مكتب الدكتور السنهوري واقتحموا عليه المكتب وأوسعوه ضربا وقد قيل أن صلاح سالم على صلة وثيقة بهذا الحادث .

3- خطاب إلى فضيلة المرشد العام

لما تم الإفراج عن جميع الإخوان المسلمون المدنيين دون أن يتم الإفراج عن الإخوة العسكريين .... أصبح واضحا أن النيات كما كانت وإنما كان الإفراج عن الإخوان حتى تتهادن القوتان إلى حين فإن عدد العسكريين المعتقلين من الإخوان لا يزيد ع الاخمسة عشر من الضباط وأربعة فقط من الصولات .

وعلى أثر ذلك كتبت إلى فضيلة المرشد رسالة – قلت له فيها أن عدم الإفراج عن العسكريين يعطيكم الحذر الشديد ويلفت أنظاركم إلى ما يبيته لكم جمال عبد الناصر واقترحت عليه :

1- عدم إغلاق المركز العام يوم الجمعة باعتباره إجازة رسمية

2- تدعيم حراسة المركز العام – حتى لا يتكرر أمر احتلاله كما سبق .

3- سرعة خروج بعض الإخوان الدعاة إلى خارج البلاد , حتى إذا حدث للإخوان محنة جديدة يستطيع هؤلاء الإخوة الدفاع عن الدعوة خارج الحدود .

وقد استجاب الأستاذ المرشد لهذه الاقتراحات بالإجماع فخرج الإخوة الأستاذ سعيد رمضان الأستاذ عبد الحكيم عابدين .

4- مؤامرة عبد الناصر مع نقابات العمال

ولأول مرة في تاريخ مصر يحدث إضراب في مواصلات السكة الحديد ويهتف العمال بسقوط الديمقراطية والمحامين الجهلة ويقود (صاوي أحمد صاوي ) رئيس اتحاد عمال النقل المظاهرات مع جنود البوليس الحربي بملابس مدنية وجنود الحرس الوطني أيضا وعمال مديرية التحرير وأشعلوا القاهرة بالانفجارات .. بعد أن قدم جمال عبد الناصر رشوة كبيرة إلى صاوي .

5- عبرة للأجيال . ويمكرون ويمكر الله

لا زلت أذكر زيارة الشيشكلي زعيم الانقلاب السوري الذي جاء للقاهرة زائرا في فبراير 1954 , ثم عاد إلى دمشق وقد علمنا أن الشيشكلي كان قد اتفق مع جمال عبد الناصر أنه في حالة قيام ثورة أو انقلاب ضد أحدهما – فإن المضطر له الحق أن يلجأ إلى الآخر ليكون في حمايته !!

وفي الوقت الذي استقال فيه اللواء محمد نجيب في مصر وكانت الاضطرابات والمظاهرات تسود البلاد في هذا الوقت وبعد أيام ثلاثة أى في 26 فبراير – اندلع انقلاب في سوريا أطاح بالزعيم الشيشكلي وأراد الشيشكلي أن يهرب إلى مصر حسبما كان اتفاقهما ولكن كانت نصر تعيش في محنة أيضا – فلم يجد الشيشكلي إلا أن يهرب إلى أمريكا – حيث لقي حتفه هناك.

وهكذا وتقدرون وتضحك الأقدار

( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) .

الفصل الرابع

• مؤامرة ضد محمد نجيب والشعب

• إلغاء قرارات 25 مارس

• من معتقل سجن الأجانب إلى السجن الحربي

حمزة البسيوني يجهز السجن الحربي لكارثة

• اتفاقية الجلاء – أو شرارة المحنة

الإخوان ينقذون المعاهدة

• التوقيع النهائي على الاتفاقية

• تكتيك وتخطيط عبد الناصر وأعوانه

• الاجتماع الأخير للهيئة التأسيسية.

• نص الاخطاب الذي أرسله المرشد العام إلى جمال عبد الناصر

• نبأ اختفاء الأستاذ المرشد.


مؤامرة ضد محمد نجيب والشعب

وفي الساعة الثانية بعد منتصف ليلة 26 مارس أيقظني محمد رياض في غرفة نومي وقال لى أنه علم من مصادر مؤكدة أن هناك مؤامرة وأن مظاهرات سوف تنطلق في الصباح تهتف بسقوط الأحزاب والديمقراطية وأن هناك خطة لإثارة الناس عن طريق إضراب عمال النقل وأنه قد تم توزيع مبالغ كبيرة على بعض نقابات العمال بواسطة الصاغ أحمد عبد الله طعيمة أحد المشرفين على هيئة التحرير كما أن قوات الحرس الوطني ستتجه للقاهرة لإثارة الاضطرابات بعد أن تم توزيع الملابس المدنية عليهم أن السيارات اللوري ستقوم بنقل الآلاف من عمال مديرية التحرير بقيادة الصاغ مجدي حسنين .

لقد تأكدت فيما بعد أن البنك الأهلي فتحت أبوابه في نفس هذه الليلة واغترف منه أنصار عبد الناصر الأموال لشراء الذمم وافتعال إضرابات لتأييد مجلس الثورة وجمال عبد الناصر .. واستمعت إلى كلمات محمد رياض واستيقظت حواسي وشعرت بخطر التدبير الذي يستهدف إحراق قرارات 25 مارس وإحراق البلد .. واتصلت بزكريا الدين وحذرته من قيام المظاهرات فنفي أن هناك تدبيرا لقيام مظاهرات مضادة ولم أقتنع بحديثه واستدعيت وكيل وزارة الداخلية وأمرته كتابة بضرورة فض المظاهرات بالقوة ومنعها منعا باتا فطلب مني أن أصدر له أمرا بإطلاق النار فرفضت .

ودرست أنا ومحمد رياض الموقف واقترح على أن أصدر أمرا بإقالة الوزارة وأن أعهد إلى وحيد رأفت بتشكيل وزارة مدنية على أن يقوم هو – أى محمد رياض – ومعه مجموعة من الحرس الجمهوري وبعض ضباط الجيش الموالين لى بالهجوم على مبني البرلمان الذي كان محمد رياض يشرف على حراسته أثناء انعقاد المؤتمر المشترك " مجلس الثورة ومجلس الوزراء " واعتقالهم وإطلاق النار لو استلزم الأمر.

وكدت أستجيب لهذا الاقتراح إلا أنني رأيت استدعاء خالد محي الدين لاستشارته وكانت الساعة قد وصلت إلى السادسة صباحا عندما جاء خالد الذي شك في وجود مؤامرة ضد قرارات 25 مارس .. وكان من رأيه أنه لا مبرر لهذا الإجراء العنيف – الذي اقترحه محمد رياض – وأن جمال عبد الناصر وأعضاء المجلس في حالة انهيار تام.

قطعت زيارتي للإسكندرية وعدت بالطائرة في المساء إلى القاهرة لأجد مجموعة من الضباط في انتظاري وينتظرون مني أمرا بالحركة كان عدد الضباط كبيرا وقد جاءوا من مختلف الوحدات يعلنون استعدادهم الكامل لتحريك قواتهم ضد مجلس الثورة واعتقال أعضائه في مقرهم وكان في مقدمة الضباط القائمقام أحمد شوقي قائد حامية القاهرة والذي قام بدور بارز ليلة 23 يوليو.

وكان صدور الأمر لهؤلاء الضباط المحتشدين يعني تناطح قوات الجيش وسقوط الضحايا واحتمالات الحرب الأهلية والاخراب والتدخل الأجنبي ... كنت أتمني أن ينهض الشعب ويتحرك دفاعا عن حريته ... ورفضت الانتصار بطلقات الرصاص وحضر إلىّ أثناء مناقشات الضباط معي واحتشادهم في المنزل الدكتور عبد الرزاق السنهوري وسليمان حافظ وعبد الرحمن عزام .. تبينت أن الأمر قد وصل إلى غايته ولم يعد من سبيل إلا أحد أمرين كلاهما شديد المرارة على النفس :

الأول : أن أصدر أمرا بتحريك قوات عسكرية فيشتعل الموقف .

الثاني : أن أنسحب من الميدان فتنتصر الدكتاتورية العسكرية .

واخترت الأمر الثاني .

إلغاء قرارات 25 مارس

وفي الساعة السادسة والنصف من مساء نفس اليوم " 29 مارس " أذاع صلاح سالم بيانا بالرجاء تنفيذ قرارات 5 , 25 مارس حتى نهاية فترة الانتقال وبعد إذاعة هذا البيان بنصف ساعة ذهب جمال عبد الناصر إلى اتحاد نقابات النقل المشترك .

إنهم يقولون الآن أنني كنت قد رتبت إضرابات عمال النقل ولكنهم حولوها لصالحهم .. هذه المظاهرات والإعتصامات التي قام بها عمال النقل لم أنظمها أنا وليس لى شأن بها .. وقد يقال إن القائمقام يوسف صديق نظمها نيابة عني وبإسمي الله أعلم وأنا أعتقد أن يوسف صديق لم يجتمع بهؤلاء العمال ... وحاشا لله أن يجتمع بهم , إن الذي اشترك في تنظيم هذه المظاهرات جمال عبد الناصر وصلاح سالم وشقيقه جمال ... وهذه الإضرابات وضعت خطتها في برج العرب بينهما وكانوا بالمايوهات ... وأحمد أنور قائد البوليس الحربي هو الذي أوقف الترام ورفع السنجة فلم يجرؤ سائق بعد على السير بأى ترام .

إن كثيرا من أصدقائي كانوا يريدون عمل أى شئ لمساعدتي ولإحياء الديمقراطية وقد يكون قد اجتمعوا بعمال النقل أو بغيرهم لهذا الغرض ولكني لا أعلم ... أنا أعمل شيئا في النور ..

ماذا فعل عبد الناصر لإلغاء قرارات 25 مارس

إن هذه القرارات عرضت على مجلس القيادة في 25 مارس 1954 فاقترح جمال عبد الناصر إعطاء محمد نجيب البنود الستة التي نشرت ومنها إعادة الأحزاب وإعادة دستور 1923 .. فوافق محمد نجيب على هذا .

وأنه عجب عندما رأى في اليوم التالي في جريدة الجمهورية نقدا شديدا واعتراضا وإثارة ضد هذه القرارات .

وأنهم دفعوا أحد المحامين ليقول يجب أن نفني هؤلاء العسكريين ومحاكمتهم .. الاخ.. وذهب على أثر ذلك جمال عبد الناصر وصلاح سالم إلى الضباط وأعلنوا أن محمد نجيب هو الذي أصدر هذه القرارات وأكرهنا على توقيعها وما أردناها – وشقوا قمصانهم وسلطوا المسدسات على جباههم كأنهم يريدون الانتحار بحركة تمثيلية فجاء بعض أنصارهم ومنعوهم ولكن بقية لضباط سمعوا من يطلب سماع أقوال محمد نجيب وطلبوه في بيته فهم أن يركب إليهم ولكن جاء حرسه المحيط بداره وهو من أنصارهم ومعهم آخرون يحذرونه من أنه سيحصل عليه اعتداء وسيضرب بالنار – ولكنه لم يأبه بهذا ,وأصر على أن يذهب وحده وليس معه أحد .. وفي عربة مكشوفة وقال إني أعلم قدر ما عند هؤلاء من شجاعة لأنهم حريصون على الحياة والشجاعة والحرص على الحياة نقيضان . وفي أثناء هذه الحالة جاء تليفون من الملك سعود بأنه طلب منه بأن يتدخل لحسم الاخلاف وأن القوات المسلحة يتربص بعضها ببعض وأنه يريد مقابلته الآن في بيته فاضطر إلى الانتظار – وأن هذا التدخل لم يكن وليد الصدفة .. بل كان مقصودا به تعويق محمد نجيب عن الذهاب لمواجهة الضباط الذين طلبوه – خشية أن تنكشف مؤامراتهم فيسقط في أيديهم – فجاء الملك سعود والتقوا جميعا في بيته وعرضوا عليه القضية فحكم لمحمد نجيب – فأظهروا الاخضوع التام وفي اليوم التالي ظهرت حركة العمال المصطنعة .

وهكذا سخر الملك سعود لهذا العمل ؟؟!!

الإخوان المسلمون .... والدكتاتورية العسكرية

بسم الله الرحمن الرحيم

( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير )

إن المعركة التي تدور رحاها بين القوي الشعبية في مصر ممثلة في الإخوان المسلمون وبين عصبة العسكريين ممثلة في جمال عبد الناصر وحاشيته معركة طبيعية لأنها امتداد لكفاح الشعوب الإسلامية ضد الاستعمار في كافة صوره وألوانه .. إنها امتداد للحركة العرابية في مصر وللثورة المهدية في السودان وللحركات التحريرية الإسلامية في تونس والجزائر ومراكش وفي سوريا وباكستان وفي كل قطر إسلامي دنسته أقدام الاستعمار .

خداع وتضليل

ولئن أحاطت الدكتاتورية العسكرية في مصر نفسها بسياج من المدافع الرشاشة والدبابات الكاذبة والصحافة المأجورة والجاسوسية القذرة لتوهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأنها تتمتع بتأييد الشعب المصري فإن الواقع قد كذبها لأن القوة الغاشمة والصحافة المأجورة لم تكن في يوم من الأيام سياجا يحجب الشعوب عن رؤية الحقائق ولأن الوثائق الدامغة قد كشفت ألاعيب العسكريين وأساليبهم المضللة فبالأمس القرب كانت أبواق الدعاية العسكرية وحناجر المذيعين تتملق عواطف الشعب المصري بهجماتها لمبدأ المفاوضات مع المستعمرين وكانت معسكرات التدريب تجتاح القطر المصري وكان مجرد الحديث عن المفاوضة يعتبر خيانة لأن أسلوب المفاوضات من مخلفات العهد البائد ..

واندفع الشباب المؤمن من أبناء مصر إلى معسكرات التدريب ليعد نفسه للمعركة الفاضلة وليردم قناة السويس بجثث المحتلين المستعمرين, ولكن الشعب المصري لم يكن يتصور أن كل المجهود الضخم كان ذرا للرماد في العيون .

لقد كان الشعب جادا في معركته التحريرية ضد الاستعمار كان شباب الجامعات يتهافت على معسكرات التدريب وكانت دماء شهداء القنال الأبرار تناديهم .. دماء – عمر شاهين وأحمد المنسي وعادل غانم .

خيانة وغدر

وفجاة انتفض العسكريون انتفاضة المذعور .. لقد وجدوا أن الشعب جاد وليس هازلا .. فكان لابد من إجراء حاسم .

وفجأة ودون مقدمات جلس أبطال الثورة على مائدة المفاوضات وفجأة تحولت أجهزة الجيش ضد الشعب .. لا ضد الاستعمار وفجأة أصبحت الجامعة قلاعا تحيط بها المدافع الرشاشة مصوبة إلى صدور الطلبة ... وإلى صدور الشعب .

وبقدرة قادر أصبحت المفاوضة وسيلة لتحقيق مطالب الشعب المصري ورحم الله صدقي – وانطلقت أجهزة الدعاية تمجد الثورة وأبطالها واختفت نغمة الكفاح المسلح من صفحات الجرائد وتحولت المفاوضات من شبه رسمية إلى رسمية .

القوي الشعبية تتحرك

وهنا لم يجد الشعب مناصا من التحرك ولكن ( مجلس الثورة ) كان يعرف مركز الثقل في القوي الشعبية – كان يعرف البعبع الذي أفزع الاستعمار في الشرق الأوسط .. كان يعرف الإخوان المسلمون , فلابد من القضاء على الحركة الشعبية قبل أن يقضي على الاستعمار لابد من القضاء على الإخوان المسلمون .. ولكن كيف ؟! وتفتقت عبقرية مجلس الثورة عن ابتكار قد عجز عن اكتشافه فاروق وعبد الهادي وفجأة انطلقت أبواق الدعاية وظهرت الصحف تحمل العناوين الضخمة الحمراء .. وأعلنت التعبئة العامة – وحسب الشعب أن المعركة الفاصلة ضد الإنجليز قد أوشكت واشرأبت الأعناق ووجهت الثورة ضربتها بعد أن استجمعت قواها واستكملت أهبتها ولكن يالاخيبة الأمل لم تكن الضربة مسددة إلى الإنجليز في القنال ولا إلى اليهود في إسرائيل ولكنها سددت ضد الإخوان المسلمون وبقدرة قادر أصبح الإخوان خونة مارقين يفاوضون الإنجليز ..؟!!

ودارت الأيام دورتها وعرف الشعب من هم أصدقاؤه ومن هم جلادوه وخرج الإخوان من السجون والمعتقلات .

وجاء يوم 27 يوليو وزفت أبواق الدعاية الاخبر المشئوم .. جمال عبد الناصر يوقع بالأحرف الأول على اتفاقية مع الإنجليز ..!!

ووجم الشعب من هول الكارثة وانطوت النفوس على ألم كظيم وعرف العالم أجمع وشهد التاريخ وعرف الشعب المصري من هم الاخونة الذين تفاوضوا مع الانجليز وعقدوا معهم صفقات الاخيانة ومن هم المخلصون الذين خضبوا الأرض بدماء شهدائهم وأدركت عصابة العسكريين مكانتها في نفوس الشعب وفي ذلك التاريخ تحولت المعركة من معركة ضد الاستعمار إلى معركة داخلية ضد الشعب المصري ممثلا في الإخوان ووقف الاستعمار البريطاني وبجانبه إسرائيل يشهد بطولة مجلس الثورة وشجاعته وإقدامه في محاربة الإخوان المسلمون .

ملحوظة له بقية لم اكتبها لعدم الحاجة إليها.

صورة الخطاب المرسل من فضيلة المرشد العام حسن الهضيبي إلى رئيس مجلس الوزراء جمال عبد الناصر في غرة شهر رمضان عام 1373 الموافق 4 مايو عام 1954

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى من دعا بدعوته إلى يوم الدين .

السيد رئيس مجلس الوزراء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإنكم دون شك تذكرون أنكم اتفقتم معنا على إنهاء الوضع الشاذ الذي أوجده حل جماعة الإخوان المسلمون يوم دعوتم الإخوان إلى تناسي الماضي والتعفية على آثاره , ورأيتم أن خير البلاد ومصلحتها في أن يبدأ الإخوان ورجال القيادة عهدا جديدا من التعاون .

وقد سلمتم يومئذ بوجوب إلغاء قرار الحل الاخاص بجماعة الإخوان المسلمون وبالإفراج عن جميع المعتقلين وبرفع الأثر الذي ترتب على بيان الحل رفعا صريحا يغنينا عن التعرض لمناقشة البيان .

وبصرف النظر عن أن المسائل الاخاصة بالجماعة لم ينته الرأى فيها إلى ما اتفق عليه فإن مصلحة الوطن تقتضينا أن نبذل لكم الرأي لحل مشاكله ما نري أنه يدعو إلى اطمئنان الناس كافة ويحقق الاستقرار الذي لا يمكن بدونه أن يتم شئ من إصلاح الأمور الاجتماعية والاقتصادية وغيرها من الشئون على وجهه الصحيح والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم – كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم ومن حقنا أن نؤدي لكم الواجب علينا , من ذلك أن مصر ليوم تجتاز مرحلة من أدق المراحل التي مرت بها فنحن جميعا نهدف إلى تحرير البلاد وإخراج الإنجليز منها ولن تخرجهم الاخطب والبيانات وإنما يخرجهم كفاح شاق طويل ليس هذا موضع بيانه ونحن لا نريد الدفاع عن أنفسنا فحسب ضد إسرائيل التي استأسدت علينا في الآونة الأخيرة بل نريد إخراجها من فلسطين ولا تزال الحرب بيننا وبينها قائمة وإن كنا في هدنة .

وأول ما يجب علينا أن نتخذ العدة لذلك وأن نعد جيشنا لمهمته الأصلية وواجبه الأول فإن مصر لتحتاج إلى الاستقرار وهو أمر لا ينال بالكلام ولا يدرك بالشدة ولكنه ينال حينما يشعر الناس شعورا حقيقا بأنهم حماة الثورة وحماة ما اتجهت إليه من ضروب الإصلاح والثورة لابد للمحافظة عليها من أن تحوطها القلوب وتذود عنها وأما القوة وحدها فإنها لا تحقق الغاية المقصودة ويدرك الاستقرار كذلك بالعدل والإصلاح والرفق وأنه لن يغني واحد من هذه عن آخر وإن للاستقرار وسائل أحب أن أضع تحت نظركم منها ما يأتي :

1- إعادة الحياة النيابية

لا ريب أن الحياة النيابية هي الأساس السليم لكل حكم في العصر الحاضر وإذا كانت تجارب الماضي قد أظهرتنا على بعض العيوب فمن واجبنا أن نخلي حياتنا النيابية من العيوب وأن نجعلها أقرب ما تكون إلى الكمال . والأمة لا تتعلم بإلغاء الحياة النيابية في فترة الانتقال وإنما تتعلم بممارسة الحياة النيابية بالفعل فلنشرع فورا فيما يؤدي بنا إليها في أقرب وقت .

2- إلغاء الإجراءات الاستثنائية ( الأحكام العرفية)

فإن الإجراءات إذا أفادت الهدوء المؤقت والاستقرار الظاهر فإنها تخلق حالة من الغليان وتذكي النار تحت الرماد ولن يؤمن على مستقبل الوطن إذا اشتعلت النيران .

3- إطلاق الحريات

وأود أن تطلقوا الحريات جميعا وعلى الأخص حرية الصحافة فإن في ذلك خير مصر وأمنها وسلامها ولقد رأيتكم تأخذون على الناس أنهم لم يقولوا لفاروق "لا" حيث يجب أن تقال وأنتم الآن بفرض الرقابة على الصحف تمنعون الناس أن يقولوا لكم "لا" حيث يجب أن تقال وما هكذا تربي الأمة على نصرة الحق وخذلان الباطل .

ونحن لا نسلم بأن تتجاوز الصحافة حدودها ولا أن يطلق لها العنان لتلبس الحق بالباطل وإنما نحب أن تترك لتقول الحق في حدود القانون فإذا تجاوزته حق عليها العقاب – وقد تجدون في معارضة الصحف لكن خيرا كثيرا .

وغني عن القول أن إطلاق حريات المعتقلين وبعض المحكوم عليهم من المحاكم الاستثنائية أمر توحي به ضرورة جمع الشمل وتوحيد الكلمة ويوجبه الحق والعدل .

أما الإصلاح فمجاله واسع وفي رأينا أن إصلاح النفوس أولي من كل إصلاح لأنه أساس لكل إصلاح .

والله نسأل أن يرزقنا الصدق في القول والعمل وأن يعصمنا من الزلل وأن يهدينا جميعا سواء السبيل إنه سميع مجيب .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,

حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

من معتقل سجن الجانب إلى السجن الحربي

لما تم الإفراج عن جميع الإخوان المسلمون من المدنيين – ولم يتم الإفراج عن الإخوان العسكريين – كان واضحا تمام الوضوح أن الاخصومة القائمة بين الحكومة العسكرية وبين جماعة الإخوان المسلمون لا تزال قائمة لم يتغير منها سوي مظاهر خداعة .

وعصر ذات يوم من أيام شهر إبريل 1954 نودي على جميع الإخوة العسكريين من ضباط وصولات , أن يستعدوا للرحيل وكان لهذا النبأ في محيط الزملاء المعتقلين فرحة كبيرة إذ أخذ كل منهم يهنئنا ويحملنا توصيات لأهله وإخوانه في الاخارج وكنا نبادلهم نفس العشور المشوب بالحذر ونحمد الله أننا قد رفضنا أن نأخذ منهم أية خطابات .. وبعد أن هيأنا أنفسنا – استدعينا لمقابلة مأمور السجن الذي قام بتسليمنا لأحد الضباط الذي جاء ومعه قوة كبيرة من الحرس والبوليس الحربي وكانت الصورة تنبئ عن المصير .

وتحركت السيارة بالإخوة الصولات وأخري الضباط ... وبعد مدة وقفت السيارتان أمام بوابة السجن الحربي بالعباسية .. ولم نكن قد عرفنا قبل هذه اللحظة ودخلت السيارتان وبعد الإجراءات القانونية تسلمنا قائد السجن الحربي .. وفتحت البوابة وتوزعنا نحن الأربعة كل في زنزانة بالدور الأرضي وفي المساء جاءوا لنا بالعشاء – فلم نجد عندنا شهية للطعام وفي الصباح كذلك وقام مدير السجن بالمرور علينا وسألنا لماذا لم تتناولوا هذا الطعام فأخبرناه بأننا نريد أن نشتري طعامنا من الكنتين فهز رأسه ولم يتكلم .

نزلاء في السجن الحربي

وكان معنا فينفس سجن رقم 3 نزلاء من الشخصيات المعروفة وكثير من طلاب الجامعة وأبرز الأسماء :

الأستاذ إحسان عبد القدوس.

الأستاذ إسماعيل الحبروك رحمه الله .

الأستاذ أحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة

الدكتور حلمي مراد وزير التربية والتعليم سابقا

الأستاذ محمد عيد وفدي ومحامي بإسكندرية

الأستاذ حنفي الشريف وفدي

الأستاذ عبد اللطيف المرادني وفدي

الأستاذ أحمد فهمي خطاب صحفي بجريدة المصري


وقد قبض على كل منهم على أثر موقف معين ضد الثورة – فالأستاذ إحسان عبد القدوس ومعه الأستاذ المرحوم إسماعيل الحبروك – قد قبض عليهما لأن مجلة روزاليوسف قد خرجت بعنوان ( عصابة تحكم مصر ) وهكذا .

وفي أول عهدنا بالسجن لم نتمكن من اللقاء معهم حيث أن نظام السجن لا يسمح إلا بخروج واحد فقط إلى دورة المياه. ولما هدأ الأمر بعض الشئ سمح لأكثر من واحد بالاخروج نصف ساعة صباحا وأخري قبل المغرب .

لقد طلبنا شراء قلل للماء فاستجيب لنا .. وكان كل واحد يشتري قلتين اثنين قلة يثقبه من الأسفل وأخري تبقي سليمة ولهذا سر هام .. فعندما نخرج في الفترة المحددة لنا نقف أمام حنفيات المياه كي نملأ القلل ويأتي العسكري وينادي علينا بالعودة إلى الزنازين ولكننا نقوله حتي تمتلئ القلل فيأتي وينظر إلى القلل فيجد أنها لا تزال في حاجة إلى الماء فيصبر علينا بعض الوقت .

كذلك كان بعضنا يقوم بغسل ملابسه فكانت فرصة غسيل الملابس من أطيب اللحظات التي تسمح لنا باللقاء للتعارف ومعرفة بعض الأخبار .

وكان بعض الزملاء تأتيهم ملابسهم من القاهرة نظيفة ومكوية هؤلاء كانوا يخرجون لغسيل هذه الملابس فيضعونها تحت حنفية المياه وذلك حتى يجدوا سببا للخروج من الزنزانة.. وكان بعض الزملاء يأتيهم الطعام يوميا من منازلهم.

وبعد أسبوع تقريبا استبدل طعام السجن بطعام يأتينا يوميا من مطبخ الكلية الحربية بالسيارة وفي المواعيد الرسمية للطعام وهو في جملته طعام جيد ... كما سمح لنا بكتابة خطابات مع معرفتنا بأنها تراجع .. كذا سمح لنا بدخول الجرائد ولم يسمح لنا بالمجلات .. كذا سمح لنا بدخول الكتب .

أما السادة الضباط – فقد حجزوهم في سجن قريبا من إدارة السجن وعلي مستوي أحسن في معاملة .. وكان الإخوة الضباط كثيرا ما يرسلوا إلينا بعض الأطعمة التي تأتيهم من الاخارج .. ولكن تعذر تماما اللقاء بهم بعد مغادرتنا سجن الأجانب .

أما الزيارات فقد استمرت موقوفة فترة تزيد عن شهرين حتى تقرر فتحها بعد ذلك .

أحمد فهمي خطاب

الأستاذ أحمد فهمي خطاب صحفي بجريدة المصري كان بجواري في الزنازين وكثيرا ما سمعته يشتكي من قذارة ماء الشرب وأخيرا قام بكتابة قصيدة في هذا المعني وبعث بها إلى السيد مدير السجن الحربي وأحفظ من قصيدته هذه الأبيات:

يا مدير السجن رحماك
نحن في السجن رعاك
إن ماء السجن سم
ولنا مثل معــاك
فيه سل وصديد
ولنا مثل رئــاك
نحن والله إنس
ولسنا جنا أو ملاكا
من بني النيل إنا
لا من التاميز ذاك
يامدير السجن رحماك
نحن في السجن رعاك

وقام العسكري الحارس بتوصيل هذه الشكوي إلى مدير السجن – وقرأ المدير هذه القصيدة وجاء بسرعة وفتح الزنزانة وقال للأستاذ أحمد خطاب ( إيه البيوت اللي إنت باعتهالي دي ) فرد عليه الأستاذ أحمد خطاب ضاحكا وقال دي أبيات يا سعادة البيه واضطر الرجل أن يضحك !؟

وكان للأستاذ أحمد فهمي خطاب قصائد ممتعة تصور الواقع تصويرا دقيقا في بساطة فذات مرة جاءنا مع الطعام (موز) فنظر إل ى أصابع الموز وقال – أظافر الموز سموها أصابعه – ولما سألته بعد أن تم التعارف بيننا عن سبب اعتقاله ,قال لى أنه كان على اتصال ببعض رجال حركة 23 يوليو .. وكانوا يستعيرون من مكتبته الاخاصة كتاب هامة .. وكان يعرف بعض أسرارهم فكان يحدث بها من يعرف من الأصدقاء الذين يقومون بإبلاغها إليهم وقد قال لنا – أن جمال عبد الناصر كان عضوا في خلية شيوعية وكان رئيس هذه الاخلية قاضي اسمه أحمد فؤاد وكان يتحدث معنا بكل ثقة بعد أن اطمأن إلينا .

حفل في السجن بمناسبة العيد

وجاء عيد الفطر وسمح لنا باللقاء معا.. واقترح الزملاء أن نساهم جميعا في عمل حفل سمر .. وكلفونا بعمل بعض ( النمر) وكانت ملاحظاتنا نحو السادة الزملاء أنهم يشعرون بأنهم في مستوي أعلى من مستوانا .. كنا نرتدي الجلاليب ولا نرتدي البيجامات ولم يكن عند أحدنا ( روب ديشمبر) ولم نكن ندخن السيجار ولم يكن يأتينا الطعام من الاخارج ومعه ترمس الشاي ولم يكن أحد من الضباط يهتم بنا كاهتمامه بهم تلك ملاحظاتنا على السادة الزملاء .

وجاء يوم حفل العيد .. وتقدمنا بمجموعة من الأفكار – فقد قام الأخ المرحوم محمد عيسي تقليد أصوات جميع الحيوانات والطيور بصورة مذهلة أدهشت الجميع .. وقام الأخ محمد الجبالي والأخ محمد صلاح الدين بتشكيل طابور عسكري وعمل حركات رياضية عنيفة واستعمال السلاح الأبيض .. بما أفزعهم وأجبرهم على احترام الإخوان , وأما دوري أنا فقد كان نصيبي في لعبة الكراسي الموسيقية .. وكان أحدهم يمسك بإشارة الجلوس والإشارة عبارة عن معلقة يضرب بها على قروانة وعند الطرقة يسرع الزميل بالجلوس على الكرسي .. وكانت التصفية بين اثنين أنا وأحدهم والآخر ليس من الإخوان وأخذت أدور حول الكرسي بحذر وكان الكرسي له ظهر – فتعمد ( الرف ) ماسك الإشارة أن يدق الإشارة في الوقت الذي كنت بجوار ظهر الكرسي حتى لا يمكن الجلوس عليه وأسقط في اللعبة ويضحكون !؟ ولكني حين دقت الإشارة أسرعت بخطف الكرسي فوقع صاحبنا على الأرض وضحكوا على أنفسهم .

وخرج الإخوة الصولات وقد أثبتوا أنهم ليسوا مشايخ كما يتوهم هؤلاء .

حكاية مع طالب شيوعي

وذات مرة كنت أسير أمام زنزانة طالب شيوعي معتقل ورأيت أمام الزنزانة بعض لقيمات من الاخبز بدون أى تفكير قلت له ( مش حرام ترمي العيش على الأرض هكذا ) وبسرعة قال لي – لا مش حرام – هو العيش مش زي الماء كله نعمة فكيف بنا نلقي الماء على الأرض ونمشي عليه . ما الفرق بين الاخبز وبين الماء ؟!

ولم أجد جوابا شافيا – إلا أنني تداركت ( عقيدة الشيوعي ) فأسرعت أقول له وهل من باب الذوق والنظافة يليق بك أن تلقي بلقيمات الاخبز هكذا ... ضحك وقال كده يبقي لك حق !؟

وتمضي الأيام ... ويتأخر علينا الطعام والاخبز وتقرقر البطون ويمر النزلاء بعضهم على بعض يسألون عن كسرة من الاخبز وشاء الله أن يأتي هذا الشيوعي يسألني عن كسرة من الاخبز قد نسي قصتي معه قصة الاخبز والماء .. وسرعان ما أنطقني الله تعالي فقلت له إبحث عن اللقيمات التي كنت تلقي بها على باب الزنزانة .. فضحك وقال إنت لا تزال فاكر !؟

معركة الأذان

لقد تعودنا منذ نزلنا السجن الحربي على أن نؤذن للفرائض وكان الأخ محمد الجبالي هو الذي يقوم بالأذان الشرعي فقد كان ندي الصوت له تأثير على القلوب .

وبعد أن تم نقل العسكريين فقط إلى الدور العلوي من مبني السجن .. كان الأخ محمد الجبالي مواظبا على الأذان – فبعث لنا الزملاء شاويش السجن يطلب منا التوقف عن الأذان .. ولكننا رفضنا هذا الطلب .

وذات يوم والأخ الجبالي يؤذن لصلاة العصر – إذا بالصاغ وكيل السجن يصعد على السلم في صورة غاضبة ومن خلفه بعض صف ضباط السجن .. ثم أمسك بالأخ الجبالي وهو يؤذن ليمنعه من الأذان !؟ وسرعان ما وجدت نفسي أمسك بذراع الصاغ وأقول له حرام عليك تمنع نداء الله – حرام عليك توقف الأذان !؟ وتراخت يدي الضابط ونظر إلينا في ذهول ثم عاد من حيث أتي دون أن يحرك ساكنا واستمر الأخ محمد الجبالي حتي أتم الأذان . ونظرت من أعلى إلى هؤلاء الذين كانوا يترقبون نتيجة هذه المعركة – فهم في الأصل الذين حرضوا الضابط على أن يمنع الأذان – لتستريح قلوبهم من تأنيب ضمائرهم حين نذكرهم بالصلاة وهم عنها غافلون إلا قليل منهم كانوا يؤدون الصلاة .

وظننت أن الصاغ وكيل السجن سوف يعود لنا بقوة من الجنود تؤدبنا على موقفنا معه بل كنت على يقين بأنني سوف أقدم للمحاكمة حيث تجرأت على المقام العسكري ولكن الرجل لم يعد ولعله أدرك خطأه .

زيارة اللواء محمد إبراهيم

وفتحت الزنازين فجأة وقيل لنا إن اللواء محمد إبراهيم من إدارة الجيش سوف يمر عليكم فكل واحد يقف أمام زنزانته .. وبعد لحظات جاء اللواء وسأل كل منا هل أنت من الإخوان ؟ فقلت نعم إنني من الإخوان .. فقال لى إن الإخوان قد انتهوا وليس هناك شئ اسمه الإخوان المسلمون وقال لى أنت لابس نظارة سوداء ويجب أنك تغير أفكارك وانصرف بعد مروره على الجميع متناولا مع كل شخص مسألة معينة حسب هويته وفي هذا اليوم صدرت الجرائد وبها حديث للبكباشي حسين الشافعي يقارن بين فكر رجال الثورة وفكر الإخوان المسلمون ويقول أن الثورة تريد الإصلاح من أعلي لكن الإخوان يطلبون الإصلاح من القاعدة وهو أمر يحتاج إلى سنين طويلة وهل الإصلاح ينتظرهم حتي يحققوا هذا الهدف !؟

أول زيارة لى في السجن

ودعيت عصر يوم من الأيام للذهاب إلى المكتب حيث جاءتني لأول مرة في السجن الحربي زايرة .. وخرجت مع الحرس إلى المكاتب فوجدت شقيقي وشقيق زوجتي .. وقد جلس إلى جوارنا ضابط من ضباط السجن يستمع إلى أحاديثنا ولكننا تكلمنا عن ظروفنا وشئوننا العائلية وأخبرني المرحوم جمعه السيسي شقيق زوجتي بأنه خطابا من زوجتي ويريد أن يعطيه لى فخشيت أن يكون في الاخطاب من الأمور ما يعكر الصفو إذا ضبط ( البيريه) لباس الرأس على الكرسي وقام هو بوضع الاخطاب في غطاء الرأس دون أن يلاحظ الضابط هذه الحركة ثم قمت بارتداء البيريه ..وفي الزنزانة قرأت الاخطاب ثم مزقته ولم تمض لحظات حتى جاء الضابط ليقوم بعملية تفتيش علي المأكولات والملابس التي جاءت في الزيارة .

تعيين الصاغ حمزة البسيوني مديرا للسجن الحربي

صدر قرار بتعيين الصاغ حمزة البسيوني مديرا للسجن الحربي وفوجئنا به يدخل علينا سجن 3 ومعه بعض الضباط ومن خلفهم يقف الحراس يفتحون له زنزانة زنزانة , وفوجئت بأنه لا يزال يعرفني منذ كنت في مرسى مطروح عام 1947 أخدم في وحدة سلاح الصيانة في قسم ميكانيكا السيارات .. وكان الصاغ حمزة البسيوني وقتذاك ضابط وحدة التموين في مرسى مطروح وكان يتردد على الورش لإصلاح سيارات وحدة التموين ومن هنا عرفني وعرفته ودار بيني وبينه الحديث التالي .

قال لى : هو أنت لسة من الإخوان ؟

قلت له : وكتير من ضباط الثورة كانوا معنا .

قال لى : ولكنهم الآن قد خرجوا من الإخوان .

فقلت له : ولكنني وزملائي المعتقلين في السجن الحربي فوجئنا بذلك فبالأمس كنتم واليوم أصبحتم علينا !!

فضحك وقال لى سوف أتحدث بشأنكم مع القايدة وانصرف واستمر في مروره على باقي لمعتقلين يتحدث معهم يضحك معهم ويسامرهم بأسلوب المباسطة والنكتة والمكر والدهاء .

ومعلوم عندنا أن الصاغ حمزة البسيوني – هو واحد من الضباط ( الأحرار) الذين اشتركوا صباح يوم 23 يوليو في القبض على كبار الضباط وإيداعهم في معتقل الكلية الحربية وهو من الضباط المشهور عنهم النفاق والغلظة والشراسة وبوصول حمزة البسيوني قائدا للسجن الحربي بدأنا نتوجس خيفة وشرا .

أخبار من داخل السجن الحربي

الإفراج عن الإخوان الضباط

وبعد أيام من هروب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف فوجئنا بقرار الإفراج عن جميع الضباط الإخوان المعتقلين بالسجن الحربي , ولم يصدر قرار بالإفراج عن الإخوة الصولات !! وكان هذا القرار محيرا للألباب .

وقد استنطبا أن القيادة ربما تكون فكرت في الإفراج عن جميع الضباط الإخوان المعتقلين بالسجن الحربي ولم يصدر قرار بالإفراج عن الإخوة الصولات !! وكان هذا القرار محيرا للألباب .

وقد استنبطنا أن القيادة ربما تكون فكرت في الإفراج عن الضباط حتى يمكن مراقبتهم حين يتصلون باللواء عبد المنعم عبد الرؤوف بعد الإفراج عن الإخوة الصولات !! وكان هذا القرار محيرا للألباب .

وقد استنبطنا أن القيادة ربما تكون فكرت في الإفراج عن الضباط حتى يمكن مراقبتهم حين يتصلون باللواء عبد المنعم عبد الرؤوف بعد الإفراج عنهم , وتكون هذه وسيلة للقبض على عبد المنعم عبد الرؤوف .. لأنهم لو كانوا يفكرون بحسن نية .. فما الذي يمنعهم من الإفراج عن الصولات أيضا .. وما هو وجه الخطورة في بقاء الإخوة الصولات بعد الإفراج عن الضباط !

عملية لافون.

كانت مخاوف إسرائيل من احتمالات تطور في العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية – بعد التوصل إلى إطار الجلاء – هي الهاجس المسيطر على تفكير القيادة الإسرائيلية .

وفي هذا الوقت أعدت المخابرات الإسرائيلية ( الموساد) خطة لإساءة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية وكان الهدف هو الوقيعة بين الإخوان المسلمون وجمال عبد الناصر باتهام الإخوان .

وفجأة انفجرت قنبلة حارقة أمام مكتب الاستعلامات الأمريكي في القاهرة ثم لحقتها قنبلة ثانية انفجرت أمام مكتب الاستعلامات الأمريكي في الأسكندرية واحتجت الولايات المتحدة على الحكومة المصرية بسبب هذه الأضرار التي لحقت بمنشآتها فيمصر بسبب مناخ التهييج والإثارة .

والغريب أن المصادفات وحدها هي التي سارعت بكشف المخطط الإسرائيلي ففي الساعة السادسة والنصف من مساء يوم 24 يوليو 1954 اشتعلت النار في ملابس يجري مستغيثا وأحاط به الجمهور ثم استدعي البوليس وإذا الأمر يتكشف عن هذا الشاب كان يحمل في جيبه عبوة حارقة سالت بعض محتوياتها في الجيب فاشتعلت فيه النار .

وبدأ التحقيق معه فإذا اسمه " فيليب ناتاثون" وإذا هو عضو في شبكة من اليهود, بعضهم من مصر وبعضهم من إسرائيل كلفوا بنسف عدد من المنشآت الأمريكية في مصر واعترف " فيليب ناتاثون " على شركة له بينهم " فيكتور لافي " و" روبير داسا" .

ووضعت الحكومة المصرية كافة التفاصيل أمام السفارة الأمريكية وتحول ما اشتهر باسم " عملية لافون" إلى فضيحة في العالم كله , ووجدت إسرائيل نفسها في وضع حرج ومع ذلك فإنها لم تلبث أن شنت حملة واسعة ضد الأحكام التي صدرت بالإعدام ضد جواسيسها في مصر رغم أنهم ضبطوا متلبسين بالجرم وفي أيديهم أدلته ووثائقه .

والغريب أن هذه الحملة وصلت إلى مداها في الولايات المتحدة ذاتها وإلى درجة أن الرئيس الأمريكي " دوايت ايزنهاور" كتب بنفسه خطابا إلى " جمال عبد الناصر يرجوه تخفيف الأحكام عن " هؤلاء الشبان " رغم جرمه – لأسباب إنسانية !

القبض على مجموعة من ضباط سلاح الفرسان

كنت أتمني أن لو احتفظت بأسماء هؤلاء الضباط الذين قبض عليهم ذات يوم بتهمة تدبير انقلاب عسكري ضد الثورة .. وكل ما أذكره من أسماء الضباط هو الضابط ( السحرتي ) فقد علمت بأمرهم حيث جاء الجندي الحلاق – وفيما هو يقوم بقص الشعر قال يتحدث – كنت في سجن رقم أربعة أحلق لواحد شعره وفي أثناء ذلك 1ربت أحدهم وقلت له رتبتك إيه يا ولد .. فقال لى ( صاغ يا ابني ) وضحك الحلاق ثم أتم حديثه فقال – دول ولاد كلب عايزين يموتوا عبد الناصر وعلشان كده بيموتوهم من الضرب .

الأستاذ المرشد في سوريا

في أواخر شهر يونيو 1954 توجه فضيلة الأستاذ المرشد العام للقيام برحلة إلى البلاد العربية .

فقد جاء في مجلة ( الإخوان المسلمون) السنة الأولي العدد العاشر 22 ذي القعدة 1373 الموافق 22 من يوليو 1954 – وصفا لرحلة الأستاذ المرشد تجنزئ منه هذه السطور .

خرج من دمشق وفد الجماعة الرسمي الذي ذهب لمرافقة فضيلة الأستاذ المرشد في لبنان مؤلفا من فضيلة المراقب العام الدكتور السباعي والأمين العام الأستاذ أديب صالح وأعضاء المكتب ورئيس مركز دمشق والإخوان – وعند الحدود السورية كان وفد رابطة العلماء والتمدن الإسلامي والجمعيات الإسلامية ورئيس مركز حلب ورئيس مركز درعا وفد مركز حماة .

وعندما بلغا دمشق نزل فضيلة المرشد ليستقبل المهنئين في قاعة الجمعية الغراء الكبرى وقد جاءت تسلم عليه من جميع المحافظات وفود الإخوان و في المساء أقيم حفل في الدار نفسها فلم ينفض حتى انتصف الليل .

• استقبل الأستاذ المرشد في بيروت أعظم استقبال حيث كان في استقباله الإخوان والسيد عمر الداعوق رئيس جماعة عبدا الرحمن .

• زار وفد ممن بيت تونس في دمشق فضيلة المرشد العام للتسليم عليه والترحيب بمقدمة والتحدث معه في الشئون الإسلامية .

• وقام الأستاذ المرشد بزيارة القصر الجمهورية وسجل اسمه في سجل التشريفات تم تشرف بمقابلة فخامة رئيس الجمهورية لمدة نصف ساعة وزار أرضا دولة الأستاذ سعيد الغزي رئيس مجلس الوزراء .

• اعتذرت حكومة العراق عن قبول زيارة الأستاذ المرشد وتعللت بتأجيل الزيارة لرحلة أخري .

• استعرض فضيلة المرشد فرق الفتوة للإخوان في سوريا وقد خرجت فرقها لاستقباله خارج دمشق.

• توجه الأستاذ المرشد إلى الأردن وقام بزيارة جلالة الملك حسين في القصر الملكي .

• وقام بزيارة صور باهر وبيت لحم وقري الاخطوط الأمامية في لواء الاخليل وتناول طعام الغذاء على مائدة الأنبا يا كوربوس مطران الأقباط – وأدي صلاة الجمعة بالمسجد الأقصي المبارك .

• وزار بعد بعد ذلك نابلس ومنطقتها يرافقه عدد من الضيوف كما زار خلال يومين جنين وطولكرم وقلقيلية وغيتا والاخطوط الأمامية .

• كما زار الزرقا وجرش والكرك ومعان ومؤتة – مكان الغزوة الإسلامية بقيادة الصحابة الأجلاء زيد بن حارثة وجعفر بن ابي طالب وعبد الله بن رواحه رضي الله عنهم .

• ومن كلمات الأستاذ المرشد في هذه الرحلة الهامة :

• لقد زرت فلسطين ووجدت أشياء تحزن النفس ووجدت أشياء تسر – وأما الذي يحزن فهو الاستكانة التي رانت على القلوب فلم نعمل شيئا من أجل فلسطين منذ عهد هدنة رودس حتى الآن . وقال : لقد أصبحت ( فلسطين ) ( إسرائيلي المزعومة ) حقيقة قائمة وأخشي أن أقول أننا نحن أصبحنا مزعومين . إن الدول العربية مشغولة بنفسها وإسرائيل ماضية في عملها .

• وقال إن هذا الواقع الأليم جرح عميق في قلوبنا وليس من دواء له إلا الحديد والنار – لا تنتظروا من الحكومات الأجنبية مثل انجلترا وأمريكا شيئا فاعتمدوا على الله ثم على أنفسكم .

مشروع اتفاقية الجلاء

يقول الرئيس محمد نجيب في كتابه ( كلمتي للتاريخ ) في الصفحة 157 وما يليها ما يأتي:

وصاحب هذه الفترة من أواخر عام 1953 موافقة موسكو على توريد ما نطلبه من سلاح وتأخر الرد من عبد الحكيم عامر . كنت أقارن دائما بين تصريحات الأمريكان والإنجليز الذين يصرون على بقاء قاعدة القنال تابعة لهم للدفاع عن العالم العربي الحر حسب تعبير دالاس – وتصريحات كبار المسئولين السوفيت التي كانت تؤيد حقنا في الحرية والاستقلال.

وكنت أجد نفسي منجذبا إلى صداقتهم رغم أني لا أحب الشيوعية ولا يمكن أن يقبلها الشعب المصري المتمسك بدينه .

وبعد انقطاع المحادثات بدت مشاكل لموقف الداخلي التي كانت تنفجر في مجلس القيادة, وفي صفوف الجيش وبين جماهير الشعب , تلح على الناس وتكاد تشغلهم عن هدفنا الوطني الكبير .

ومع ذلك ظلت الاشتباكات تزيد مع قوات الاحتلال في القناتة وصرح سلوين لويد في يناير 1954 بأن استمرار الحوادث في القناة واختطاف الجنود البريطانيين يجعلان الاتفاق مع مصر أمرا مستحيلا , وفي مارس قدم السفير البريطاني احتجاجا على مصرع ضابط بريطاني كبير.

ورغم ذلك فقد قرأت في مذكرات الجنرال – روبرتسون كبير المفاوضين العسكرين أن جمال عبد الناصر كان يتصل بهم سرا في هذه المرحلة .

ثم استؤنفت المباحثات للمرة الثالثة في يوليو 1954 , ولم أعد رئيسا لوفد مصر كانت أحداث فبراير ومارس قد أدت إلى هذه النتيجة وتولي جمال عبد الناصر الذي كان قد أصبح رئيسا الوفد المصري في المباحثات التي وقعت اتفاقيتها الأولي بسرعة بعد أيام فقط من بدايتها أى يوم 27 يوليو 1954, ثم عقد الاتفاق النهائي في 19 أكتوبر 1954 .

ولم أقابل جمال عبد الناصر بعد أحداث مارس غلا مرة واحدة وفي هذه المرة الوحيدة طلبت منه ألا يبرم إتفاقا مع الإنجليز قبل أن يستمع إلى ملاحظاتي – ولذا كانت مفاجأتي شديدة عندما وقع الاتفاق الأول دون أن يتيح لى فرصة إبداء الرأي .

وأعددت ملاحظاتي على الاتفاق في كتاب وبعثت به إليه مع رسول خاص وكانت ملاحظاتي على الاتفاق في إيجاز هي :-

1- وجود الفنيين الانجليز غير خاضعين لسلطة الحكومة المصرية يضعف من سيادتنا ويحد من سيطرتنا على أرضنا .

2- قبول عودة القوات البريطانية في حالة الهجوم على تركيا أمر يورطنا في مشاريع الدفاع الغربية . حيث كانت تركيا مرتبطة بحلف الأطلنطي وقد سبق ورفضت ذلك أثناء مفاوضاتي مع الانجليز .

3- طالبت بضرورة عرض الاتفاقية على الشعب في استفتاء عام على أن تلغي الأحكام العرفية. وكنت قد عقدت العزم على رفض التصديق على الاتفاقية باعتباري رئيسا للجمهورية ولكن الدستور المؤقت لم يرد فيه نص خاص بالتصديق , وطلبت سيلمان حافظ الذي كان قد استقبال من منصبه كمستشار لرئيس الجمهورية بعد أزمة مارس والاعتداء على مجلس الدولة إذ آثر الابتعاد عن الحياة السياسية . لأستشيره فيما يمكنني أن افعله لوقف فرض هذه الاتفاقية على شعب مصر .

وعلمت منه أن الوزراء الذين أعلنت موافقتهم على الاتفاقية بالإجماع لم تتح لهم فرصة إبداء الرأي .. وأن جمال عبد الناصر كان يقرأ بنود الاتفاقية عندما لمح ظواهر المعارضة على فتحي رضوان , فقال جمال عبد الناصر " لعل الأخ فتحي معارض " فرد عليه بأنه كذلك ينتظر الفراغ من التلاوة لتي استمر فيها جمال حتي انقطعت بدخول إسماعيل الأزهري وبعض زملائه من وزراء السودان إلى قاعة الاجتماع ثم انصراف جمال عبد الناصر معهم إلى مكتبه الاخاص – وعودته مرة أخري لينهي الجلسة قبل إتمام تلاوة الاتفاق .

وصدرت الصحف في اليوم التالي بأن مجلس الوزراء قد وافق على الاتفاق بإجماع الآراء وكانت نصيحة سليمان حافظ لى هي أن أرفض التصديق , فإن صدرت الاتفاقية فليس أمامي إلا أن أستقيل , وقصة هذه الاستقالة أو التفكير في الاستقالة لا تبدأ من هنا .. ولكنها تبدأ من شهر فبراير سنة 1954 وإليه نعود.

عودة الأستاذ المرشد من رحلته

وبعد أن أنهي الأستاذ رحلته في البلاد العربية التي استمرت أكثر من شهر ختمها بصلاة عيد الأضحى مع الإخوان في سوريا.

عاد الأستاذ المرشد إلى القاهرة فاستقبل في طار القاهرة بمظاهرة إسلامية حارة وسار موكب الدعوة من المطار في مظاهرة كبيرة من السيارات والدراجات البخارية حتى وصل إلى المركز العام للإخوان بالحلمية حيث كان ألوف الإخوان بانتظاره وقد كان لقاء فاق كل وصف , وتحدث الاخطباء مرحبين بالأستاذ المرشد ومن معه وتحدث إليهم فضيلته عن صدي رحلته وخطواته المباركة في سبيل الله.

الإخوان يعارضون الاتفاقية

ويبدو أنه قد نشرت لفضيلة المرشد وهو في رحلته مصر بعض الأحاديث الصحيفة يعترض فيها على بعض بنود الاتفاقية المزمع توقيعها مع بريطانيا .. وقد أثارت هذه التصريحات الرأي العام المصري والعربي , كما أثارت غضب حكومة مصر وخاصة جمال عبد الناصر وقيل إن الإخوان قد أصدروا منشورا بعنوان ( المعاهدة لن تمر ) وقد بلغنا ونحن في السجن من أخبار الزيارات الكثير عن تحرش الحكومة بالإخوان كانت هذه الأخبار ترد إلينا على ألسنة الزوار وهذا يعني أن الموقف في الداخل متأزم بين الإخوان والحكومة .

ثم بدأنا نقرأ في الصحف في شهر أغسطس 1954 عن اصطدام بين الإخوان والبوليس في مسجد شريف بالروضة.. حيث قيل أن خطباء الإخوان يحرضون الجماهير على العهد الحاضر .. وقد قبض على بعض الإخوة .

كما قرأنا أيضا نفس القصة في مسجد عزيز فهمي بطنطا وقد ذكر اسم الإخ الدكتور أحمد الزواوي وقد كان طالبا في هذا الوقت ضمن الإخوة الذين قبض عليهم – وذكرت الصحف اتهامات كثيرة للإخوان منها أنهم يحرضون الشعب ضد الحكومة وضد الاتفاقية .

وأصدر الشيخ أحمد حسن الباقوري بصفته وزيرا للأوقاف بأنه لا يسمح لأحد من