قالوا عن الشيخ محفوظ نحــناح

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قالوا عن الشيخ محفوظ نحناح


محتويات

المقدمة

بقلم الشيخ أبو جرة سلطاني

رئيس حركة مجتمع السلمالجزائر

الحمد لله القائل: ﴿ من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً﴾. الأحزاب: 23

والصلاة والسلام على المصطفى – صلى الله عليه وسلم – القائل: "الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة" وبعد:

المؤمنون راضون بقضاء الله وقدره، ولكن وفاة الكبار تترك فراغاً كبيراً، ووفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله كانت خسارة رباعية الأبعاد:

- خسارة لحركة مجتمع السلم التي لم تستكمل بناء أسسها وترجّـل "الفارس" قبل أن ينهي شوطه الأخير، وضاعت "خريطة" الطريق بوفاته حيث آثر ألا "يوصي" بشيء لمن سوف يأتي بعده.

- خسارة للجزائر التي عرفت فيه المنافح عن ثوابتها ومبادئها وانتمائها العربي الأمازيغي الإسلامي ضمن استراتيجية المشاركة الهادئة التي لا تهتم كثيراً بالتهديدات الداخلية ولا بالضغط الخارجي طالما الأهداف واضحة وهي :

الإسلام ديننا بالمفهوم الحضاري الواسع.

• العربية لغتنا دون تنكر للأصول وبقية اللغات.

الجزائر وطننا في أطر الأبعاد الإقليمية والدولية.

- خسارة للأمة الإسلامية التي عرفت فيه صورة التوازن والتكامل، وأدركت، من خلال فكره وتعامله مع الجميع معنى الوسطية والاعتدال، وفهمت التيارات الإسلامية ( للأسف بعد وفاته )

إن الرجل كان سابقاً لزمانه ومتشرفاً لمستقبل لا تنفع معه "فتاوى" الاستحلال ولا تصمد أمام عواصف فكره المعولم مناهج اللائذين بكهوف التكفير والتفجير.

- وخسارة للإنسانية التي لو التفتت لما كان يقول ويكتب ويتواصل – عبر نشاطه العالمي الواسع – لأمكنها أن تتلافى كثيراً من التوترات، وتتجاوز العديد من الاحتقانات التس صارت حديث العام والخاص بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 حيث كان فضيلة الشيخ ضد أوشك على إنهاء "دورته" الحياتية

ولم ينهي بعد دورته الحضارية في التعريف بحركة إسلامية أرادها " حماس ا" أي حركة المجتمع الإسلامي " حماس " أرادوها "حمساً" أي حركة مجتمع السلم، وكلتاهما دعوة إلى الدخول في السلم كافة.

لقد أحسست بهذه الخسارة الرباعية الفادحة وأنا أعيد قراءة رسائل التعازي وبرقيات التأبين و "شهادات" الذين عرفوه عن قرب ..

حيث تكدست آلاف الرسائل حتى ليخيل إليك أن الذي فقدته الجزائر يوم الخميس 19 جوان 2003 لم يكن مجرد داعية قال للناس "ناقشوا القضايا الساخنة بأعصاب باردة"، ولم يكن كذلك مجد رئيس حزب إسلامي يقول للناس: "لو خيرت بين الجزائر وحركة مجتمع السلم لاخترت الجزائر

ولم يكن أيضاً مجرد شخصية مرموقة تحاور الجميع وتدعو إلى فتح أبواب الحوار "حتى مع الشيطان !؟" لأنها تدرك أن الشيطان لا حجة له، وأن "وسوساته" غثاء وزبد، إذا ضُرب الباطل بالحق ذهب جفاء، ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ﴾. الرعــد الآية 17.

لقد كان الرجل يحمل مشروع "تجديد" كامل يمهد لبناء مدرسة فكرية جديدة مفتاحها: "نتعاون فيما اتفقنا عليه نتحاور فيما اختلفنا فيه" وليس الذهاب إلى التماس الأعذار حول المختلف فيه، فالتماس الأعذار صار "تكتيكياً" يلعب البعض عليه لتحقيق هدفين في آن واحد:

- تضييع الوقت لكسب المزيد من الهوامش المختلف فيها.

- التملص من واجبات التعاون بحجة الاختلاف.

عندما عرفت الجزائر هذا الرجل ـ كداعية وإمام وواعظ متجول وأستاذ جامعي ـ سنوات 1969، 1989 أوجست منه خيفة ككل رجل يطرح "فكراً غريباً" على حياة الناس وما ألفوه من ممارسات،

ولذلك حكم عليه بالسجن 12 سنة عام 1976 عندما عارض التوجهات الاشتراكية وقال إنها دخيلة على طبيعة المجتمعات الإسلامية، وتبين للناس ـ بعد تجربة دامت ربع قرن ـ أن الطريق إلى الاشتراكية لم تكن طريقاً سالكة.

وجاءت أحداث 5 أكتوبر 1988 لتطيح بالمنظومة السياسية كلها، وتذهب رياح الحزب الواحد وبأتي دستور 23 فبراير 1989 بالتعددية وينخرط هذا الرجل الرمز في مسار "تجديد متدرج" كان بحاجة إلى 20 عاماً ليعطي ثماره ولكن الموت عاجله بعد أن قطع من العشرين سنة نصفها فقط، فانتقل إلى جوار ربه تاركاً "جماعته" في منتصف الطريق:

- التأسيس لم يكتمل بالمفهوم الثقافي.

- والمؤسسات لم تبدأ بالمفهوم الحضاري.

وهكذا اضطربت في أيدي أنصاره ـ بعد موته ـ خارطة الطريق التي كشفت مجموعة من الرسائل (التي أبرق إلينا أصحاب الشيخ بمناسبة انتقاله إلى رحمة الله) عن معالم طريق جديد يمكن أن يتلمسها القارئ النبيه في العناوين الكبرى والمعاني المشتركة الواردة في سياقات التأبين لرجل كانت له أفكار "مغناطيسية" تلتصق وتجذب و "تمغنط" كل من عرفه وجالسه وتحدث إليه في هموم الأمة وقضاياها الاستراتيجية.

بقيت كلمة لابد منها،

وهي أن الرجل كان معتدلاً في أقواله وأفعاله وعلاقاته ومحيطه العاطفي، وفي كل فضاءاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتنظيمية ..إلخ ولكنه كان متطرفاً في مسألتين هما:

- حبه للجزائر بوطنية صادة.

- ومناصراته لفلسطين بصك على بياض.

هذه النماذج هي "مفرزة" من سيل عارم من الرسائل اخترناها على قاعدة: من كل عين دمعة، ومن كل قطرة زفرة، ومن كل آهة إحساس بأمل جديد، وهي في كل الأحوال "شهادات" صادقة من رجال كبار عرفوا الشيخ وأحبوه وكانوا يعقدون عليه الأمل في المساهمة بإخراج الأمة الإسلامية من نفق ليل طويل، لكن مشيئة الله سابقة وقدرته غالبة وإرادته ماضية ﴿لله الأمر من قبل ومن بعدُ

رحم الله الشيخ محفوظ نحناح وأسكنه فسيح الجنان، فقد كان أمة في رجل، ولكنه ترك رجالاً برهنوا للناس أن البناء الذي تركه كان قد أسسه على تقوى من الله ورضوان، فجزاه الله خيراً عنا وعن الإسلام والمسلمين.

والحمد لله رب العالمين

الجزائر في جوان 2008 الموافق جمادى الثانية 1429 هـ


الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعزي الحركة في وفاة محفوظ نحناح

أسرة الفقيد العزيز والأخ المناضل رفيق الدرب الشيخ محفوظ نحناح حفظه الله ورعاه والإخوة أعضاء القيادة وإلى مناضلي حركة مجتمع السلم.

اليوم نفض الشيخ محفوظ نحناح يديه من دنيانا وأغمض عينيه عن سمائنا وتر ما للتراب للتراب وأسلم الروح لبارئها.

اليوم وقف به الأجل دون الأمل وهو في أوج الرجولة وقمة النشاط والأداء وذروة الإفادة والعطاء وحال بينه وبين غاية لا تدركها إلا نفسه الكبيرة بما له من نشاط لا يحده جهد ولا ينال منه تعب وبما له من صبر على المحن واقتدار على مواجهة الخطوب والتغلب على الشدائد.

مات الشيخ محفوظ نحناح وماتت معه البسمة التي لم تكن تفارق شفتيه، والبداهة التي سنت طرف لسانه الذرب، وذاكرة تنبؤ على الزمان وقدرة على ابتكار تعابير سهلة ممتنعة اعتصرت أحداث الزمن واستخلصت منها الحكمة والعبرة.

مات من كان عدة رجال في رجل ولكن ذكره لم يمت لأنه جزء من تاريخ هذا الوطن فما من مناسبة وطنية إلا وكان له فيها حضور وما من مشكل ألم بالجزائر إلا كان في حله مساهماً ومن قضية إلا ان له فيها رأي أو اتخذ منها موقفاً نابعاً من حبه لوطنه ومراعياً فيه مقومات مجتمعه وطموحات أبنائه النزاعين إلى العيش الكريم في مستقبل مأمون.

مات الشيخ محفوظ نحناح فمن يعزى في فقدانه؟ أيعزى أبناؤه وأسرته وأسرته هي أبناء الجزائر كلهم أم تعزى الجزائر؟

وطنيته لم تقف عندها بل حلق بجناحيه في آفاق العالم العربي والإسلامي والذي طاف به كخير سفير لبلاده وأحسن معبر ومحافظ عن مثله وقيمه وتسامحه أم يعزى العالم العربي والإسلامي؟

وبما يعزى فيه؟ وكيف؟ والعزاء في كبار الوطنيين العصاميين ليس في عبارات المواساة وتهوين المصاب ولكن في التأسي بسيرتهم والاقتداء بهم في عملهم والاحتفاظ بهم في الذهن نبراساً للسائرين في دروب الوطنية والعاملين على تنمية بلادهم وتطويرها الساعين إلى إسماع كلمة شعبهم وإعلانها.

سيقف المشيعون على رأسه وهو مسجى في قبره مطرقين برؤوسهم خاشعين بعضهم يمسح الدمع وبعضهم يمسك الغصة في حلقه وبعضهم يكتم آهة في صدره وكلهم في حسرة وأسى يستمعون إلى المؤبن وهو يتلو شيئاً من سيرته ونضاله وأعماله من لدن أن ولد في البليدة سنة 1942 إلى أن وافاه الأجل المحتوم ثم يهال على جثمانه التراب ويعودون من حيث أتوا ولكن هل حقاً تركوه وراءهم ولم بعد معهم؟

غن الشيخ محفوظ نحناح لم يعش لحياته ساعات وأيام وشهوراً وأعواماً حتى ينتهي بانتهاء الـ 62 من السنين ولكنه عاشها وطناً في وجدانه وضميراً حياً لمجتمعه وتفاعلاً مع آمال وطموحات شعبه ووعياً صادقاً لقضايا عصره

ومثل هذه الحياة لا تحتوي بلفظ ولا تقاس بزمن ولا تمتد في حياة بنيه كما تمتد في حياة الناس العاديين في أنسالهم اسما ودماً فحسب، بل تمتد في القلب عاطفة وفي العقل رأياً وفي السياسة موقفاً وفي المجتمع سلوكاً ومثالاً خاصة لدى المقربين منه المؤمنين بفكره السائرين على نهجه المتابعين لنضاله.

وإن أنسى لفقيد الجزائر محفوظ نحناح من شيء فلن أنسى الشباشة التي تنطق بها قسمات وجهه والأنس واللطف اللذين تتحدث بهما عيناه وحلاوة اللفظ وطلاوته مع محاوريه حتى في أشد القضايا خلافاً، وعفة اللسان في أحاديثه وخطبه وذلك التسامح السمح في معاملاته لأصدقائه كما خصومه،

ومواقفه الموفقة بين معتقده ومقتضيات عصره ونبذه المتطرف أياً كان مصدره، وفوق هذا كله وطنيته الصادقة العالية التي كانت تظهر أكثر ما تظهر حين تشتد بوطنه أزمة فيحمل الجزائر ويطير بها في الآفاق شارحاً بالقول الحق أسباب الأزمة ومدى وقعها وتأثيراً مبدداً من حولها الإشاعات والأغراض السيئة مبدياً الصورة الحقيقية لشعبه في عزيمته وكفاحه وطموحه وفي سمو مثله وقيمه وقدرته على الموجهة والصمود والتغلب على التحديات

فكان بحق ممثل الجزائر الذي لا يجارى ولا يبارى في بيانه وكان رجلها الأمين، يعز على في هذا الوقت الذي تفتقر فيه الجزائر لجهد ينفعها مهما كان ضئيلاً من أبنائها أن يغيب عنها ابنها البار عن محافلها ومنتدياتها وأن يترجل عن فرس الحياة الذي كان به سباقاً إلى خيرها ورخائها وأن لا يكون كما كان دائماً في الجموع العاملة على تنميتها وتطويرها.

ولكنها إرادة الله وإنا لإرادتك اللهم لخاضعون وللطفك مفتقرون ولرحمتك سائلون ومنتظرون فأمطر اللهم شآبيبها على فقيدنا الغالي عبدك الشيخ محفوظ نحناح بما أطاعك وجاهد في سبيلك وسبيل وطنه وبما أدى من جلائل الأعمال لم يخرج بهما عن الإيمان بك وبوطنه،

وحب الوطن من الإيمان، وأنزله اللهم في جنات النعيم منزلاً مباركاً بين الصديقين المقربين من عبادك وأكرمه اللهم بحبك في الباقية كما أكرمته في الفانية بحب معاصريه، ونسألك اللهم أن تهب الصبر والسلوان لأبنائه وأسرته وكل مواطنيه وأن تعوضهم فيه خيراً وتعظم لهم أجراً إنك أنت السميع المجيب.

بيان نعي الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله

حركة مجتمع السلم
المكتب التنفيذي الوطني
الجزائر في 19 / 06 / 2003
بيان

﴿ كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ﴾ العنكبوت 57

انتقل إلى رحمة الله الواسعة المغفور له الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم بعد مرض عضال لأزمة تزيد عن سنة.

ووافاه الأجل يوم الخميس 19 جوان 2003 في بيته بين أهله وأثاربه ومحبيه عن عمر يناهز 62 عاماً قضاها في خدمة الإسلام والدعوة إلى الله والدفاع عن وطنه الجزائر قبل الاستقلال وبعده وقد شهد له الجميع بالدور الريادي في إنقاذ الجزائر دولة وشعباً ووطناً،

وكان همه الكبير الحفاظ على المصلحة العامة فد أحب الجزائر فقدمها عن المصالح الشخصية والحزبية والجهوية. وقد شرفه الله مبكراً برفع لواء الدعوة الإسلامية والحرية والديمقراطية صابراً على الظلم والأذى ثابتاً على الطريق مستمسكاً بالعروة الوثقى متسامحاً مع الجميع محتسباً أجره عند الله.

وقد عرفته قضايا الأمة العربية والإسلامية مناصراً لها مدافعاً عنها متحدثاً بلسانها، وكانت قضية فلسطين الحاضر الدائم في كل تحركاته ومواقفه إلى آخر يوم من حياته كما كان دوره بارزاً في قضايا الإنسانية المشتركة مثل حقوق الإنسان والسلم وتحرير الشعوب والعدل....

وباسم كل مناضلي ومحبي الحركة التي أنشأها ورعاها تتقدم حركة مجتمع السلم بأخلص التعازي وأصدقها إلى عائلته الكريمة وإخوانه والشعب الجزائري عامة سائلين المولى عز وجل أن يتغمده برحمته الواسعة ويشمله جميل عفوه وأن يتقبله في صف الأنبياء والشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً.

ونسأل الله تعالى أن يلهم أهله وإخوانه ومحبيه الصبر الجميل على هذا المصاب والوفاء الكريم له ولنهجه المستقيم.

﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ البقرة: 156.

ونعلم الجميع أن صلاة الجنازة ستقام بمسجد الفرقان حى رابية الطاهر ـ باب الزوار ـ يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وسيوارى التراب بمقبرة العالية.

نائب الرئيس فريد هباز

رسالة مفتوحة إلى المناضلين

رسالة مفتوحة إلى المناضلين:
بمناسبة مرور 100 يوم على وفاة الشيخ محفوظ نحناح
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بمناسبة مرور 100 يوم على وفاة الشيخ الرئيس

رسالة مفتوحة إلى المناضلين

ملاحظـة:

نعرف أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – خاطب أهل القليب، وهم شهداء، ليمرر من خلالهم "رسالة" لمن كانوا حوله من الصحابة عليهم الرضوان، وهذا المشهد الإيماني العاطفي يتكرر كلما أراد الإخوان ربط شهدائهم بالشهادة على الناس في ديناميكية الطور الجديد.

بقلم الشيخ أبو جرة سلطاني

فضيلة الشيخ الرئيس:

سلام الله عليكم في الأولين والآخرين، وبعد:

اليوم يمر 100 يوم على التحاقكم بالرفيق الأعلى، لقد كان كل الإخوان والأصدقاء إلى جواركم وأنتم تودعون الفانية إلى الباقية ذات يوم الخميس 19 جوان 2003،

وفي اليوم الموالي ـ بعد أن ألقى الجميع عليكم نظرة الوداع ـ سار موكب مهيب إلى مقبرة العالية، كانت جموع غفيرة صنعت ملحمة تليق بمقامكم، وأنتم أهل لذلك، فقد جاءوا يبكونك من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

لقد وحدتم الجزائر حياً وميتاً، وجاءت كلمات المؤبنين شاكرة، باكية، معتذرة، وناصحة بالتمسك بخط الوسطية والاعتدال، وقد عاهدنا الله على الإخلاص لخدمة ما عشتم له وما متم عليه، والركب ماض، فنم هنيئاً ... فقد بدأ الطور الجديد.

الشيخ الرئيس:

صبيحة عيد الأضحى المبارك، وافيتم أبناكم برسالة صوتية ارتفعنا بها فوق مشاعر اللحظة، وتجاوزنا بمعانيها عتبات الحزن والأسى وتمسكنا بحرفية لوائحنا وقدمنا الشيخ "محمد مغارية" ليقود سفينتنا 45 يوماً انعقد من بعدها مؤتمرنا الثالث في الأسبوع الأول من شهر أوت 2003 تحت شعار "نحو طور جديد"

وبفضل الله تعالى ثم بثمار وبركات التربية والانضباط التنظيمي تحول المؤتمر إلى عرس ديمقراطي فريد من نوعه وبإجماع جامع: تم إثراء وإقرار الوثائق المقدمة للنقاش والتصديق.

تم انتخاب القيادة المؤمنة بخطكم المعاهدة على السير في نهجكم.

تم صفع الباب في وجه المراهنين على انقسام الحركة أو تصدع بنيانها.

ثم بدأنا نضع لبن جديدة في الصرح الذي شيدتموه. وبعد شهر واحد انعقد مجلس الشورى الوطني الذي تمت فيه مباركة مساعي الخير، وأعطى الإشارة الخضراء للإنطلاق في الطور الجديد بعد أن زكى المكتب الوطني وسائر الوثائق الناظمة لحركية حركة مجتمع السلم. ومرة أخرى خابت أماني المناوئين وسقطت رهاناتهم في ماء بارد.

الشيخ الرئيس:

ونحن نقتفي آثاركم، كانت أولى خطواتنا وقفة دعاء وذكرى على قبركم (طيب الله ثراكم) وقد عاهدناكم على ثلاث:

- تحرير الولاء للمنهج والاستماتة في الدفاع عن خط الوسطية والاعتدال.

- الإخلاص المطلق لخدمة الدين واللغة والوطن والمصلحة العليا.

- مد الأيدي المتوضئة لكل من كان صديقاً أو رفيقاً أو محباً أو أخاً ...

ثم مضينا في زيارة رمزية إلى مسقط رأسكم للتأسي بمن أسس وزيارة قبر رفيق دربكم الشيخ "محمد بوسليماني" (عطر الله ذكره)، وفي عين المكان جددنا العهد، ووصلنا أرحامنا الأخوية وأخذنا الإذن بالتحرك في ربوع وطننا الغالي من تاء "تبسة" إلى تاء "تلمسان"، ومن تاء "تمنراست" إلى تاء "تيزي وزو"، وشعارنا في ذلك "المؤتمر يجبُّ ما بله" وبرنامجنا التحرك الفعال من التأسيس إلى المؤسسة.

الشيخ الرئيس:

في برنامجنا ـ قبل عيد الفطر المبارك ـ زيارة 12 ولاية (تمنراست، تيزي وزو، الشلف، تيبازة، الوادي، غرداية، الجلفة، الأغواط، معسكر، غليزان، سيدي بلعباس)، بعد أن زرنا 7 ولايات (البليدة، تبسة، تلمسان، قالمة، سوق أهراس، سكيكدة، مسيلة)

وكانت لنا وقفات في أربع ولايات (قسطنطينة، أم البواقي، سطيف، عنابة) والملاحظة الأولى التي يجب أن تطمئنوا إليها هي أنكم تركتم رجالاً، وأن الصف من بعدكم قد ازداد تماسكاً وتضامناً حينما أدرك الإخوان أنكم قد ربيتم رجالاً للمواقف لا للعواطف،

وأن هناك مؤشرات خير ـ هي من ثمار جهودكم ـ بدأت تلوح في واقع الطور الجديد، مثلتها بداية عودة الطيور المهاجرة إلى أعشاش "معاً نحو الهدف" بعد أن أدرك الجميع أنكم كنتم أرفع سقفاً وأبعد نظرة من شرفات كل من كان حبيس اللحظة ورهينة الظرف الضاغط دونما تقدير للعواقب البعيدة والمآلات التي تقتضي الصبر الجميل على "أخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب".

إن وفاتكم بعثت الهمة في نفوس ذوي المعادن الذهبية، وذوي الهمم العالية، فجاؤوا يوازون الحركة في لحظة هي أحوج ما تكون إلى جهود كل أبنائها، لقد عادوا مع بداية انطلاق برنامج إعادة هيكلة مؤسسات الحركة، وتجديد هياكلها على قاعدتين متينتين.

- الانفتاح المنضبط بأدبيات الحركة ولوائحها.

- الانتشار المشدود إلى المحاضن التربوية.

الشيخ الرئيس:

هذا على المستوى الداخلي، أما محيطنا الجواري القريب، فقد أنهكته الصراعات، وصار السباق إلى كرسي الرئاسة يهدد الوحدة الوطنية ويتوعد مؤسسات الدولة بالتصدُّع والانقسام،

لقد ذكرنا الفرقاء بأن "الجزائر فوق الرؤوس والرؤساء" وأن الوحدة الوطنية هي أولويتنا الأساسية، ثم تأتي ـ بعد ذلك ـ الجهود المشتركة في استكمال مساعي المصالحة الوطنية، والإنعاش الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي وتحسين صورة الجزائر في المحافل الدولية ..إلخ

وبعلمنا أنكم كنتم تحبون الخير للجزائر، وأنكم ما بخلتم بأي جهد يصلح ذات بينها، فقد بادرنا بما نعتقد أنه مفتاح خير لتحقيق الاستقرار، وتثبيت أركان الدولة الجزائرية، بيد أن هناك أطرافاً يبدو أنها لا تستطيع العيش إلا في أجواء التعفين والتأزيم، وتحميل ذلك لأعداء وهميين.

ونسوا أنه لا يوجد في الجزائر أعداء وإنما هناك شركاء سياسيون واقتصاديون واجتماعيون كان يجب أن يحتكموا إلى الحوار، وأن يضعوا لأنفسهم "ميثاق شرف" لا يخرج عن أربع كلمات:

- وضع الوحدة الوطنية بكل مكوناتها فوق الصراعات والأهواء.

- اعتبار النظام الجمهوري خياراً محسوماً، وأن التنافس إنما يكون بين الشركاء على إقراره وتجسيده مشروعاً وطنياً بضوابطه في إطار بيان أول نوفمبر 1954.

- الإقرار بأن التداول على السلطة رسمياً أسلوب حضاري يتعاون عليه الجميع.

- التسليم بأن العنف الإداري كالعنف الإرهابي، والعنف اللفظي كالعنف المعنوي، وكل ذلك مرفوض.

- وبعدها يدخل الشركاء جميعاً في مفهوم "الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع" بالتعاون مع المحيط الجواري والحركة الجمعوية في إطار المصالح المتبادلة بكل سيادة ومسؤولية وبشفافية تامة وتلك دعوتنا الواضحة وطريقنا المستقيم.

الشيخ الرئيس:

أختم هذا الترير المقتضب بإشارات "فلاشية" إلى محيطنا الإقليمي الدولي، فهناك توترات في منطقة الشرق الأوسط سببها التبجحات الإسرائيلية على العُزَّل في الأرض المحتلة ومواقفنا تجاه فلسطين لن تتغير، كما أن هناك توترات متزايدة في منطقة الخليج سببها اختلاط الأوراق في العراق واتساع قائمة من تسميهم أمريكا "محور الشر"

أما مؤسساتنا الرسمية مثل "الجامعة العربية" و "المؤتمر الإسلامي"، وسائر المؤسسات الومية فقد أصابها فتور ناجم عن سياسة الكيل بمكيالين داخل هيئة الأمم المتحدة في رواقات مجلس الأمن مع ما تعانيه هذه المؤسسات الدولية من تصدعات حول قضايا حساسة،

والحركة تدخل في طور جديد تتوقع مزيداً من التوتر في المنطقة كلها إلى نهاية هذا العام، لاسيما أن الدورة الحالية للأمم المتحدة وسعت الخلاف بين أوروبا وأمريكا حول المصالح التي كانت خافية فكشفتها تداعيات حرب الخليج الثالثة.

وختامــاً:

مشكلة منكوبي زلزال مايو 2003 مازالت في بداية التسوية، وقد بدأت الأمطار تتساقط، والدخول الاجتماعي ما زال مضطرباً، دوائر الفقر لم يتم التحكم فيها وأزمة منطقة القبائل، مازالت محل أخذ ورد، والسيد رئيس الجمهورية فضل مغازلة الشعب بتوزيع أموال الأمة بكرم حاتمي متخطياً بذلك الشركاء

السياسيين جميعاً، والحزب العتيد يصارع نفسه،أو تصارعه أطراف منه في سياسة تنازع الإرادات، وفرض موازين القوى، ويعمل البعض على نقل "عدواه" إلى كل مؤسسات الجمهورية، وكل الاحتمالات باتت واردة، وقد بادرنا بالإصلاح، وننتظر تجاوب من يهمه الأمر شأن الجزائر.

باختصار: الجزائر تعيش لحظات مخاض جديد، ونخشى أن يكون ميلادها قيصرياً، كما حدث ذات يوم قبل 15 سنة وأبناء حركة مجتمع السلم ـ كما تربوا على أيديكم ـ مازالوا واقفين ضد التأزيم وضد التعفين،

وهم، كما تركتهم، طرف في الحل وليسوا أبداً أطرافاً في الأزمة، أما الرئاسيات فقد اعترف الفرقاء بأنكم كنتم من مجاهدي 1954 وقد علقوا على صدوركم نياشين الاعتراف في لحظات متأخرة، وأبناء الحركة يبحثون عن كيفيات راقية لوضع حركة مجتمع السلم في أفضل رواق يشرِّف الديمقراطية، وتقرُّبه أعين المناضلين، وتستقر به أوضاع الجزائر نهائياً.

كلمة الشيخ أبو جرة سلطانيرئيس حركة مجتمع السلم

رئيس الحركة أبو جرة سلطاني
كلمة الشيخ أبو جرة سلطانيرئيس حركة مجتمع السلم
بمناسبة الاحتفالية الثانية للشيخ محفوظ نحناح رحمه الله
السبت 11 جمادى الأولى 1426 هـ، الموافق 18 جوان 2005 م الساعة 14:40
ستراسبورغ – فرنسا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وعلى آله وصحبه ومن والاه.
سعادة السيد القنصل العام.
حضرات السادة الأكارم والسيدات الكريمات
الإخوة والأخوات الضيوف.


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعتذر لكم، باسم حركة مجتمع السلم، عن الخلل الذي حدث اليوم وحال دون وصول الدكتور الأخمقري إليكم لمشاركتكم احتفائية فقيدنا الغالي الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله نسأل الله القبول منا ومنكم.

وبعد أيها السادة الأفاضل، السيدات الفضليات: أبلغكم سلام وتحيات إخوانكم وأخواتكن في حركة مجتمع السلم من الجزائر، وسلام المناضلين والمناضلات في التجمع الوطني الديمقراطي وفي جبهة التحرير الوطني، وفي كل أحزاب (التحالف) في الجزائر ..

وقبل ذلك أبلغكم سلام وطنكم الجزائر .. وأطمئنكم جميعاً على أن الأحوال تحسنت كثيراً هنا ونحن بحمد الله نقطع آخر الأشواط للوصول، إن شاء الله ، إلى مصالحة وطنية شاملة والدخول في مسار ديمقراطي حقيقي بفضل الله تعالى ثم بعمل المخلصين في هذا الوطن الغالي وسوف نعمل على أن تُكلل هذه الجهود بعفو شامل نتفرغ بعده لبناء الجزائر.

ولا يفوتني هنا أن أشكر الله تعالى الذي يسّر لنا طريقاً للمشاركة في خدمة الجزائر مع رجال مخلصين أمثال فضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، ومن يقومون بواجباتهم كاملة من أمثال السيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وكل المخلصين في الجزائر،

ولا سيما المتحالفين في حركة مجتمع السلم، والأفالان، والأرندي وكل امتداداتهم في الداخل والخارج. وأشكركم على هذه اللفتة الكريمة من جاليتنا في الخارج ممن فكروا في تنظيم هذه الاحتفائية بذكرى الشيخ الشيخ نحناح (رحمه الله) تقديراً لقيمة الرجال وذكراً لمآثرهم وأفضالهم على الناس ..

- وأقدر هذا الوفاء الكبير منكم للرجال والمناهج.

- وأقدر هذا التواصل منكم، مع ما تعيشونه من تحولات متسارعة فيها كثير من الضغط عليكم وعلى الوقت والمال والجهد والبرامج المسطرة في نضالاتكم اليومية..

- ومع ذلك أبيتم إلا إحياء هذه الذكرى وجمعتم لها كل المحبين والغيورين على وحدة وطنهم وكل الذين أحبوا الشيخ محفوظ نحناح في مسار حياته.

أيها الإخوة الأفاضل.

أيها الأخوات الفضليات.

لقد أدى الشيخ رحمه الله، دوراً بارزاً فيما سمي بالدبلوماسية الحزبية (بين سنوات 91-99) للتعريف بالقضية الجزائرية، وإعادة زرع الأمل في أبناء جاليتنا في كل البلدان والقارات، إلى درجة أن الجميع سجل غيابه المتكرر عن أرض الوطن بسبب كثرة أسفاره وإلحاحه على التواصل مع المحيط الخارجي بكل أطيافه، ومع الجالية للتعريف بما كان يحدث في الجزائر، ولتقديم الصورة الناصعة للإسلام المعتدل.

- تتذكرون أنه بعد خروجه من السجن (سنة 1982) بدأ أسفاره مباشرة بالزيارات إليكم.

- تتذكرون أنه بعد اندلاع الأحداث في الجزائر 1992، شدّ الرحال إليكم للشرح والبيان، وفتح آفاق الحوار مع الجميع، وقد تعرض إلى ما تعلمون؟ ! في ذكراه الثانية، اسمحوا لي أن أذكركم بخمسة خطوط عريضة في الفكر السياسي الذي أرسى قواعده الفقيد (رحمه الله) في مسمّى مدرسة الوسطية والاعتدال ..

وفي مسار المشاركة السياسية (وأذكّركم – قبل هذا – بأننا عقدنا العام الماضي ملتقى دولياً تناول موضوع المصالحة الوطنية التي تعني طي صفحات الصراع بين أبناء الوطن الواحد والتفرغ لإعادة بناء ما هدمته سنوات المأساة الوطنية.

وعقدنا هذا العام – في نفس المناسبة – الملتقى الدولي الثاني للشيخ نحناح – رحمه الله – حول موضوع المشاركة السياسية التي تعني الانتقال المتدرج من رواق المطالبة إلى رواق المشاركة في كل شؤون الحياة السياسية والاقتصادية وسواها.

أما المحاور الخمسة المرصدة في الفكر السياسي للشيخ، فأعتقد أنها تدور حول:

1- نبذ العنف والدعوة إلى معالجة الإرهاب من جذوره.

2- الوقوف مع الدولة، وفي نفس الوقت الوقوف ضد أساليب التسيير الحكومي.

3- القبول بالشرعيات المنقوصة والعمل على استكمالها محافظة على سلامة الدولة.

4- الدفاع عن الثوابت والهوية والدعوة إلى الانتفاع الواعي.

5- تشجيع المبادرات الداعية إلى الإصلاح والمصالحة.

بالإضافة إلى الاهتمام بقضايانا الخارجية ومناطق التوتر في العالم العربي والإسلامي، ولا سيما فلسطين. أيتها الأخوات أيها الإخوة، وفاء للرجال والمناهج والبرامج فنحن على نفس الخط مع السعي لإحداث إصلاحات داخلية وتحسينات لابد منها على المشهد العام سعياً للخروج من حالة الممارسات الهاوية إلى الاحترافية والمهنية في التعامل مع المحيط،

وكذلك لابد من بعض الديكورات الخارجية لتكريس الأبعاد العالمية والتعامل معها بإيجابية وتبصر .. ومنها (على سبيل المثال) التحالف الرئاسي:

- لترسيخ الاستقرار نهائياً.

- لتكريس الديمقراطية والحريات.

- لإنهاء حالة الصراع على المستوى الداخلي، وإعطاء الانطباع العملي بأننا حركة حية تسعى إلى تقديم "قيمة مضافة" للعمل السياسي بإدخال المزيد من الأخلاق في كل أنواع الممارسات.

الكلمة التأبينية لوفاة الشيخ محفوظ نحناح

الكلمة التأبينية لوفاة الشيخ محفوظ نحناح - ألقاها الأستاذ مغارية محمد ـ نائب رئيس الحركة

الحمد لله رب العالمين، مالك الملك وإليه ترجعون، والصلاة والسلام على الحبيب الأمين محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه قوله تعالى:

وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإيْن مت فهم الخالدونكل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون

الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون

وإنا إذ نقف اليوم ننعي فقيد الإسلام والجزائر بل شهيد الأمة الإسلامية لا ندري من يعزي من، ولكن نعلم أن الجزائر ثكلى في ابنها البار ... تبكيك الجزائر بسيول من الدموع الخالصة لأنها فقدت فيك المتحدث عن وحدتها المدافع عن شخصيتها وثوابتها وذاكرتها، المضمد لجراحها الململم الجامع لشملها ..

نعزيك أيها الشعب الجزائري المسلم ونعزيك أيتها الأمة الإسلامية بل نعزي الإنسانية كلها بفقد رجل الفضائل والتسامح الشيخ العملاق "محفوظ نحناح" رحمات الله عليه ونسأل الله أن يتقبله في الصالحين ويبدله داراً خيراً من داره ويحسن مثواه مع النبيين والصديقين و الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وعزاؤنا أن نتذكر معاً ذلك المعنى السامي في فهم الشيخ "محفوظ نحناح" رحمه الله للحياة ... "إننا نعيش بأفكارنا ولأفكارنا، ولذلك لا تنتهي حياة الدعاة والزعماء بشهادة الوفاة وإقامة العزاء بل تبدأ مرحلة جديدة لم يكتشفها الكثير قبل الوفاة وتعلنها طبيعة الحضور معنا، وأطياف محبي الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله الذي لم يعش لفئة ولا لزمن ولا لجهة بل عاش لله مع الجميع ومن أجل الجزائر بعيداً عن كل حساب. يحمل الفهم الصحيح للإسلام والحياة يشحذ به الهمم. الله أكبر ...

لقد عاش الشيخ محفوظ نحناح ليصنع مدرسة جديدة في الوطنية الصادقة ويضحي من أجلها بكل ما يملك إلى آخر لحظة من لحظات حياته، هذه الوطنية التي نأى بها عن المتاجرة، والمزايدة والابتزاز حيث رضع لبنها من ثدي الحركة الوطنية ومن أفواه الراسخين في العلم، وفي كل مراحل النضال من أجل الجزائر المنشودة بعد الاستقلال.

الجزائر التي جسدها في شخصه وسلوكه وموقفه وعلاقاته.

فرحمك الله يا من لقبت بالشيخ الرئيس فجمعت في عملك وممارستك بين التربية والدعوة والسياسة فربيت أجيالاً صاعدة ودعوت إلى الله على بصيرة وحكمة وأسست مدرسة الاعتدال والوسطية ورفعت راية السلم خفاقة وخضت بها غمار المعارك الكبرى مع إخوانك وأحبابك الصادقين والمخلصين في هذا الوطن لتطفئ نار الفتنة التي اشتعلت في أرض الشهداء والإسلام.

رحمك الله يا من عشت لأمتك ولوطنك فكنت القدوة في الوطنية الصادقة وفي الدفاع عن حقوق المسلمين والمستضعفين في العالم العربي والإسلامي والمضطهدين في العالم فكان صوتك مدوياً بالحق في المحافل والمؤتمرات الدولية

وكانت نداءاتك وتصريحاتك تقرع آذان السامعين في كل وقت وحين وكنت دوماً رجل الحوار الذي لا يمل وصاحب الصفح الذي لا يكل فضحيت بالكثير من أجل ذلك خدمة لأمتك ووطنك فرسمت نهجاً به يقتدى.

فرحمك الله يا من علمتنا كيف نقول للناس حسناً وندفع بالتي هي أحسن.

ورحمك الله يا قارئ القرآن وفارس المنبر وأمير الكلمة ومقيم الصلاة مهما كانت الظروف.

رحمك الله يا رحيماً بأبناء شعبه وكم قدت الوفود لمواساة المتألمين والمتضررين في النكبات والفاجعات.

ورحمك الله أيها الحاني على المساكين والفقراء والضعفاء كم من ثكلى ستبكيك الآن وكم من يتيم سيفقد فيك الأب الذي لا يعوض.

رحمك الله أيها المجاهد الصادق الذاكر في كل الأحوال وكم ظُلمت لكن كان ردك حسبنا الله ونعم الوكيل.

رحمك الله أيها الوالد المربي الداعي للذود عن المجتمع وكل ما يتهدده في نسيجه وانسجامه ووحدته وقيمه الله أكبر ...

رحمك الله أيها المحب لوطنه وشعبه فلقد تصدقت بعرضك دفاعاً عن الوطن العزيز وتنازلت من أجله فخلدت اسمك في ذروة التضحية.

رحمك الله أيها الأخ الحبيب والصديق العزيز والعالم الرباني، يا من أثريت ساحة السياسة بالمفردات المتميزة والمواقف المتوازنة وملأت ساحة الدعوة بنبضات الإيمان الحية فحولتها إلى ربيع مزهر، يا من وقفت حصناً غائر الأصول عميق الجذور عالي الأسوار ضد السماسرة باسم الدين أو الوطن أو الجهة أو مسميات أخرى.

فالله الله أيها الشيخ الجليل أنت إن شاء الله مع الصديقين والشهداء والأنبياء والعلماء والأئمة المهديين وحسن أولئك رفيقاً لأنك عملت واجتهدت بإخلاص ووفاء لبلوغ مقامهم ونحن على ذلك من الشاهدين.

إننا أيها الوالد الفقيد بل أيها الوالد الشهيد

نشهد أمام الله وأمام الأمة بأنك أديت الأمانة وغرست فينا روائع الإسلام وعلمتنا الحفاظ على الوحدة الوطنية وحب التماسك عرباً وأمازيغ شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً ورددت دائماً الجزائر واحدة من التاء إلى التاء فالله أكبر ...... الله أكبر وما جمعته يد الرحمن لا تفرقه يد الشيطان.

أيها الشيخ بماذا نرثيك وسيرتك كلها فضل وجهاد ومواقف وماذا نردد من أقوالك وحكمك وماذا نتذكر من مواقف الشهامة الخالدة الله أكبر ... الله أكبر....

أثَرُكَ باق ونهجك مستمر فهو كما قلت دائما شجرة ممتدة الجذور لا يمكن اقتلاعها كما لا يمكن أن يمنع العالم من الاستظلال بظلها. الله أكبر والله أكبر.

لقد عرفك العالم بأسره مدافعاً عن دينك ووطنك ودولتك، حاورت الجميع فأقنعت واقتنعت ولم تَمَلَّ من توضيح الرؤى ولم تأبه أبداً بالخصوم ولا الحاقدين ولا المستخفين الذين حُجبت عنهم الرؤى والحقائق.

إننا أيها الشيخ إذ نواري جثمانك الكريم، فإننا نعاهد الله على أن لا نبدل بعدك بل الوفاء لديننا ووطننا ومنهجك الذي رسمت معالمه وسنظل أوفياء للقضايا التي دافعت عنها ورافعت عنها في حلك وترحالك سنبقى ندافع عن فلسطين وننصرها حتى يتم الله وعده

كما سنظل أوفياء للجزائر الواحدة الموحِّدة والموحَّدة على نهجك الذي رسمت (الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع).

وسنظل أوفياء للدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية والعربية.

سنظل دعاة الأمل زراع الرحمة موزعي الابتسامات واقفين ضد الفرقة بين الجزائريين.

سنظل أوفياء لنهجك الجامع والمعتدل والقيم الكبرى التي عشت من أجلها.

سنظل أوفياء للإسلام عقيدة وشرعة ولرموز الجزائر الأطهار والشهداء الأبرار والعلماء والدعاة ممن ساروا على درب البناء والاعتدال.

فاللهم إنا نسألك أن تتغمد فقيدنا وشهينا بواسع رحمتك وأن تغفر له وترحمه وترمه بمقام صدق عند مليك مقتدر وتسقيه من حوض نبيك عليه الصلاة والسلام وترزقنا من بعده الصبر والاحتساب والثبات والاستمرار ولا نقول لك اليوم وداعاً أيها الشيخ الرئيس ولكن نقول لك إلى لقاء كريم عند رب كريم.

قال الله تعالى:  إنا لله وإنا إليه راجعون

قال تعــالى:  من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ محفوظ نحناح في المدرسة، والمسجد، والميدان

بقلم عبد الرحمن شيبان

في المدرسة

بصفتي مفتشاً عاماً للغة والأدب العربي والتربية الإسلامية بوزارة التربية الوطنية، مكلَّفاً بالتفتيش التربوي للأساتذة، ورئاسة لجان امتحان ترسيمهم، والإشراف على عمليات التوجيه والتكوين – كان أول اتصالٍ لي بالقائد الراحل، والرفيق الموقر المرحوم الشيخ محفوظ نحناح في اليوم السادس من شهر ديسمبر 1972، بثانوية "الفتح" للبنات بمدينة البليدة على رأس لجنة امتحان "شهادة الكفاءة للأستاذية في التعليم الثانوي – CAPES ".

وكانت الإجراءات المعمول بها في هذا الامتحان أن يقدِّم الأستاذُ المتدرِّب المترشِّح للترسيم درسين: أحدهما إجباري في مادة شرح النصوص الأدبية، وفي أحد الأقسام الثانوية الثلاثة،

والدرس الثاني يكون في أي مادة من المواد العربية والإسلامية التي يختارها الأستاذ، على أن يكون في إحدى السنوات الأربع للمرحلة الأولى من التعليم الثانوي بالاصطلاح المستعمل في ذلك العهد.

وأكتفي هنا بأن أحدث القارئ الكريم عن الدرس الأول، (من هذا الامتحان) فقط، وذلك لأهميته من ناحية، وليرسم لنا جانباً من الصورة العامة لشخصية الشيخ محفوظ نحناح من ناحية ثانية، وليُعطي لنا لمحة عامة عن برنامج وزارة التربية الوطنية في تلك الحقبة من تاريخنا التعليمي التربوي الوطني من ناحية ثالثة، على أن يكون كلُّ ذلك في إيجاز يقتضيه المقام، فأقول:

كان الدرس الأول المشار إليه آنفاً في السنة الخامسة الثانوية من " الشعبة العلمية المعرَّبة "، وكان موضوع النص الأدبي المقرر: " من اعتذاريات شاعر لأمير " أيْ القصيد البليغ الذي قدَّمه الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني، أحد أمراء العرب بسوق عكاظ، من أصحاب المعلقات، لأمير الحيرة النعمان بن المنذر الذي كان صديقاً ودوداً له، فقرَّبه واتَّخذه نديماً له، وحَظِي عنده بمكانة لم يبلغها شاعر في عصره، ثم غضب عليه،

لما قيل إن جماعة من أعداء النابغة سوا عليه شعراً فيه تعريضٌ بالنعمان وشرفه، فتوعده وأهدر دمه ، وخاف النابغة على نفسه، فهرب إلى الشام لدى الغساسنة، الأعداء الألداء للنعمان، فأكرموه وقربوه، ولكن عاطفته كانت تميل إلى النعمان، فأخذ يكتب قصائد الاعتذار إليه حتى عفا عنه، فعاد إليه، ورجعت الصلة القديمة إلى ما كانت عليه، وقد سميت هذه القصائد، في تاريخ الأدب العربي بـ "اعتذاريات النابغة".

ونقتصر، في هذه العجالة، على إيراد ثلاثة أبيات ثلاثة نعتقد أن لها تأثيراً غامراً على قلب النعمان، فجعلته يصفح ويغتبط بعودة نديمه المفضل إلى ناديه العامر وهي هذه:

لئن كنتَ قد بُـلِّغتَ عنِّي وشايةً

لَمُبْلِغُكَ الواشي أغَـشُّ وأَكْـذِبُ

فإنك شمسٌ، والملوكُ كـواكبٌ

إذا طَلَعَتْ لم يَبْـدُ منْهُنَّ كـوْكَبُ

ولستَ بمُسْتَبْـقٍ أَخـاً لا تَلُـمُّه

على شعثِ، أَيُّ الرجالِ المُـهذَّبُ

وقد استخرج الأستاذ نحناح مع تلميذاته، ما في النص الأدبي من حكم وقيم إيجابية، مثل الوفاء والأمانة والتجاوز عن العثرات، داعياً إلى التحلي بها ومناصرة أهلها، وأبرز الصفات السلبية، مثل الخيانة والوشاية، محذراً من مغبَّتها، وحاثَّـاً على التخلي عنها والابتعاد عن معاشرة المتلوثين بأدرانها؛

كما نبه إلى أن "ظاهرة الاعتذار" قليلة في الشعر العربي، لأنه لا يتفق مع ما عُرف عن العرب من عزَّة، وأَنَفَةٍ، كل ذلك بأسلوب ينم عن امتلاك المقدرة الثقافية، والمهارة التربوية، والفصاحة البيانية، التي جعلت تلميذات القسم مشدودات إلى الأستاذ شداً، يتابعن خطوات الدرس في كل نظرة، وكل إشارة، فتجاوبن معه تجاوباً جعل الدرس " روضة " مثمرة، زاهرة، عاطرة، تنادي بأن الأستاذ الممتحن يستحق الفوز بالترسيم في وظيفة الأستاذ في التعليم الثانوي، بكل جدارة !

في المسجد

وتمضي سنوات، وبالتدقيق بغد أربع سنوات من هذا اللقاء الثقافي السلمي الآمن (ديسمبر 1967) يُزج بالشيخ محفوظ نحناح في السجن، عقابا له على انتفاضة تمردية انتابته سخطةً لدينه، وغَيْرة على وطنه،

إلى أن جاء أول نوفمبر 1980 فيصدر عفو عام، فيخرج السيد محفوظ ورفيق دربه الشيخ بوسليماني، في الدفعة التي شملت الرئيس الجزائري الأول السيد أحمد بن بلة، حفظه الله، فيسعى الشيخ نحناح في العودة إلى المدرسة الثانوية التي كان يعمل فيها قبل السجن، فلم يجد إلا إعراضاً ونكراً.

ويشاء القدر أن أكون قد عُّينت، في التاريخ نفسه، وزيراً للشئون الدينية، فأدعو الشيخ محفوظ نحناح ورفيقه بوسليماني إلى الالتحاق بالوزارة للتعاون معي على الاضطلاع بأعباء التوجيه الديني الواعي الرشيد المرشِّد، في الصفوف العليا لتلاميذ الثانويات، وطلاب الجامعات والمعاهد، والأساتذة والمربين، والوعاظ والمرشدين، وفي صفوف الجماهير المؤمنة في المساجد، والمراكز الثقافية الإسلامية، والمنتديات الثقافية، وملتقيات الفكر الإسلامي، والمناسبات الدينية والوطنية:

( رمضان، بدر، فتح مكة، الإسراء والمعراج، محرم، والمولد النبوي الشريف، وبعثات الحج إلى البلاد المقدسة، ويوم العلم، وفاتح نوفمبر، وعيد الاستقلال...إلخ)

وقد تعززت جهود الراحلين، نحناح وبوسليماني، باتصالهما الوثيق بالداعية الإسلامي الكبير المرحوم الشيخ محمد الغزالي الرئيس الأسبق للمجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، الذي أحب الجزائر وقدم لشبابها خاصة، ولأبناء الشعب الجزائري عامة، من الخدمات، في مجال التنوير والترشيد الإسلامَييْن ما جعل القلوب تتعلق به تعلقاً وثيقاً، مقتدية شاكرة، وجعل المسؤولين، في أعلى المستويات، يكبرونه ويجلونه سراً وعلانية؛ حيث قام الجميع بأداء المهمة العظمى على أكمل ما يُرجى من الدعاة الذين أوتوا كفاءة وتقديراً للمسؤولية، وإخلاصاً، وتفتُّحا صلباً في المبادئ، يسيراً في الطرق والوسائل.

وقد أتيح للشيخ محفوظ نحناح، في وسط العقد الثامن من القرن العشرين، أن يدرس مادة تفسير القرآن الكريم بالمعهد الوطني للشريعة وأصول الدين، حيث تخرجت على يديه كتائب من الشباب الجامعي الذي يُرضي الدعوة الإسلامية علماً، وعزماً، وقيادة.


الشيخ نحناح والعالمية الإسلامية:

ويحاول بعض التحرجين من الدعوة الإسلامية ورجالها ونسائها، بأن ينالوا من قيمة الشيخ نحناح باتهامه بأنه لم ينذر عمله محرراً لبلده الجزائر وحدها، وإنما كان ذا توجه إسلامي عالمي، حيث يحظى من قادة البلاد الإسلامية بالمودة والتقدير، حيثما حل وارتحل.

والجواب عن هذه المحاولة أن ما يظنه هؤلاء الطاعنون نقيصة في الشيخ نحناح، إنما هو عين الكمال فيه، فالمسلم يجب أن يحب وطنه الأقرب، والقريب، والبعيد، والأبعد، عملاً بقول الله تعالى في الآية 92 من سورة الأنبياء:

إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدونِ

وهو النهج القويم الذي سار علي أئمة الإصلاح بقيادة رائد النهضة الجزائرية المرحوم الشيخ عبد الحميد بن بايس الذي اتخذه الشيخ نحناح قدوة وإماماً.

في الميدان

وفي الميدان العام، واصل الشيخ محفوظ نحناح نشاطه الدعوي الإصلاحي بكل عزم حتى وقعت حوادث أكتوبر 1988، التي كان من نتيجتها تغير النظام السياسي في الجزائر من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية، في العمل السياسي وسائر المجالات.

إذَّاك رأى الشيخ أن هذا التحويل يفرض تكييف حركته الإصلاحية وفقاً للمستجدات، فاستشارني؛ فأعربت له عن تأييد لما يعتزم الإقدام عليه، باعتبار أن الحركة التي لا تحظى بتمثيل، في المؤسسات الدستورية. كالمجلس الشعبي الوطني، لن يكون لها الأثر المرجو في المجتمع.

وقد قام في إطار هذا التحول ، وفي شكل حزب يدعو إلى التغيير في جو ديمقراطي، يرفض العنف ويعتمد الحوار، فكان لهذا المبدأ صدى كبير في الفئات المختلفة في المجتمع من شيوخ وشبان، ولا سيما في أوساط الطلبة في المعاهد والجامعات.

وكان اتصاله بالجماهير بمحاضرات، وبخطاب واضح ولغة صريحة، فأحرز إقبالاً واسعاً من فئات المجتمع، ظهرت نتائجه الباهرة في الانتخابات الرئاسية سنة 1995.

بالإضافة إلى هذه السياسة الوطنية وفلسفتها المستوحاة من الإسلام: الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، كان الشيخ مقتنعاً بالمفاهيم الحديثة التي يعبر عنها في اللغات الأجنبية بالديمقراطية والحريات الأساسية،

وتظافرت مبادئ الوطنية الإسلامية ومبادئ الديمقراطية في فكره كوسيلة وطريق لحل الأزمة التي عانت منها الجزائر طيلة عدة سنوات. وهو حل يفرض التمسك بالأصالة والجذور التاريخية مع الاستشراف والتفتح على اتجاهات التفكير العالمي، الذي لا يتعارض مع الإسلام.

تجربة رائدة فحواها مسايرة العصر والعصرنة، مع الحفاظ على سمات الشخصية المميزة من عقيدة راسخة، ولغة خالدة، وحضارة سديدة.

وهكذا، قضى فقيدنا حياته يعمل على تجسيد أهداف الحركة، ومن أجل متقبل زاهر ينعم فيه الجميع بالأمن والطمئنان.

فرحمة الله عليه داعياً، وسياسياً ومصلحاً، ورفيقاً باراً مخلصاً.

ووفق خلفه إلى مواصلة المسيرة بوفاء، وعلى هدى وبصيرة، لخير البلاد والعباد.

عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي وزير سابق

جماعة الإخوان المسلمين تنعي فضيلة الشيخ محفوظ نحناح

جماعة الإخوان المسلمين
تنعي فضيلة الشيخ محفوظ نحناح


إن جماعة الإخوان المسلمين ليؤسفها أن تنعي لجميع أبناء حركتها الإسلامية وجميع مسلمي العالم رجلاً ممن تحتسبهم – ولا تزكي على الله أحداً – من أصدق رجال الدعوة إلى الله تعالى بالحسنى والموعظة الحسنة،

بسم الله الرحمن الرحيم

جماعة الإخوان المسلمين تنعي فضيلة الشيخ محفوظ نحناح

الحمد لله تعالى المحمود دائماً وعلى كل حال، القائل في كتابه الكريم  كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين الذي خاطبه ربه فقال  إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون

وبعــد

فإن جماعة الإخوان المسلمين ليؤسفها أن تنعي لجميع أبناء حركتها الإسلامية وجميع مسلمي العالم رجلاً ممن تحسبهم – ولا تزكي على الله أحداً – من أصدق رجال الدعوة إلى الله تعالى بالحسنى والموعظة الحسنة، ومن الذين تميزوا بالشجاعة والإقدام وبالجهاد بالنفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، وإقامة شريعته على هدى وبصيرة، هو العالم الجليل فضيلة الشيخ "محفوظ نحناح" رئيس حزب حركة مجتمع السلم بالجزائر.

وافاه الأجل المحتوم بعد أحقاب وأحقاب من الكفاح تخللتها أحداث جسام وخطوب عظام تقبلها بصبر وثبات، وتعامل معها بحنكة وبصيرة، فكان نعم الأخ والقائد في السراء والضراء.

نسأل الله تعالى أن يسبغ عليه واسع رحمته وعظيم غفرانه وأن ينزله منازل الأبرار الأطهار مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

وإن جماعة الإخوان المسلمين إذ تنعي قائداً من قادتها الأبرار فإنها تتقدم للجزائر شعباً وقيادة وحكومة وإلى حزب حركة مجتمع السلم بالجزائر، وإلى آل الفقيد بخالص عزائها، وتدعو أن يخلفها ربها في مصيبتها بخير.

وسبحان الحي الذي لا يموت، وإنا لله وإنه إليه راجعون، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المستشار محمد المأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين.

[[القاهرة]] في: 19 من جمادى الآخر 1424 هـ 19 من يونيو 2003 م

مناقب محفوظ وكتلته الجمالية

بقلم / الشيخ محمد أحمد الراشد

مناقب محفوظ وكتلته الجمالية

مضى واثقاً، بعد أن ضرب مثلاً للقيادة الناجحة التي تستوعب جيداً موازين الفقه الدعوي التي تحكم المواقف المشتبهة.

هذا هو موجز وصف شخصية أخي في الله، الفقيد الغالي، الهُمام الثابت على الدرب المستقيم، الأستاذ محفوظ نحناح رحمه الله.

رسخ .... يوم هبّت العواصف.

وفـصُح .... حين تلعثم المترددون.

وجَسَر وأقدم .... لما هاب الواجفون.

وصرخ بالحق .... حين تخافَتَ به الهامسون.

وفاصَلَ على بينة من الأمر يوم جنح الغَبشُ بأهله نحو الحلول الضبابية.

وقد راقبت صدورَ الدعوة على مدى نصف قرن، وصعدت عواطفي ونزلت سِيَر أجيال من القادة والزعماء ورجال الفكر الإسلامي، فأقنعتني مراقبتي الدقيقة أن وتيرة من الفقه الشرعي الموزون الممتزج بدروس تجريبية مقتَـبسة:

كانت تحرك النحناح حتى استوى في النهاية منتصباً شامخاً ضِمن الرموز الكبرى التي نُباهي بها ونفخر ونجعلها عناوين للدعوة الإسلامية الحديثة والمعاصرة، التي بها نقتدي، وإلى أفعالها نحتكم، وبحبها نرجو أن نلقى الله.

إنه مؤسس دعوة، وسابق، وصاحب إبداع، وليقل فيه القائل ما يشاء من عمق التجرد، وكثرة البذل، مع التواضع، والسكينة، إلاّ أن جميع ذلك يجعله مجرد شريك في هذه المناقب، وفي غيره من أهل الجزائر بركة،

وقد نالوا من هذه الخيرات مثل ما نال، ولكن ميزة محفوظ الكبرى تكمن في إيمانه الشديد الذي أبداه بوجوب الحفاظ على الشروط الدعوية المتكاملة وعلى الطبيعة التدريجية التربوية للعمل الإسلامي حين أهدرها عن عمد أو نسيان من استحوذ على إعجابهم الصعود المفاجئ للصوت الإسلامي في الشارع الجزائري خلال مرسم واحد، لمَـا حدث الفراغ السياسي فملأته الخدمات الإسلامية.

كان المفترض في الدعاة أن يلوذوا بحقائق فقه الدعوة، وأن يميزوا أن كل توسع يتجاوز إتمام عملية تربية وتطوير الجيل الدعوي التأسيسي الأول: سيكون توسعاً خطراً يحمل في ثناياه احتمالات الاستعجال، بل والانحراف والإرهاق وإعنات الناس لو أرادوا الريث، وإحراج الحكومة إذا نوت توبة،

وقد كان هذا المعنى واضحاً لدى محفوظ، فاستمسك به، وأفتى إخوانه باللبث مع مفاد الوعي وأنْ لا تستفزهم المكاسب الأولية السريعة، فإنها ربما تأتي سهلة، ولكن يكون من بعدها دفع ضريبة كبيرة، ولات حين استئناف تربية واستدراك على قفص المراحل، وقد أبديتُ له تأييداً في ذلك، وصوّبت منحاه، وثنّيتُ على اختياره، وعضدتُه، في قلائل آخرين،

ولكن الكثير من الدعاة غرّتهم الصورة الظاهرة، فذهلوا عن " الشروط المتكاملة " الضامنة لاعتدال السياسة الدعوية، فطفقوا مع الحلم الوردي باختصار الزمن، ولم يدركوا المجازفة الكامنة في دخول مرحلة العمل المتقدمة من دون تربية كافية وبناء تنظيم مكافئ لهان وحاولوا تحريك قدم محفوظ عن موضعها الثابت، فكان كالطود الثقيل، وأبدى عناداً واعياً،

واستمسك بالذي انتهت إليه الموازنات العقلية والمذاهب التجريبية، غير آبه بهتاف العواطف، ثم انتظر حتى صدّقته الأيام والحوادث، وأخذت قصته مكانها المميز في التاريخ الإسلامي، وشهد له الفقه، وأذعن له الناشز، ويوم زرته في المستشفى بالعاصمة الفرنسية قبل موته بأسبوعين، بعد غيبة عنه طالت سنوات : قال لمن حوله مِن أعوانه وأركان جماعته : هذا الأخ الراشد أول من فهم موقفنا وأيدنا وشد أزرنا ولمح الخفي الذي غاب عن غيره.

وما كانت غير سنة واحدة بعد ذلك الموقف واللبث مع الثوابت الدعوية: حتى أظهرت الأقدار الميزة الكبرى الثانية لمحفوظ، يوم حصل الاختلاط، وصاحت صيحات الثأر والهدم والدم، وأصاب الناسَ الرعبُ، فأبى محفوظ التورط، ولاذ بالعفاف والبراءة من الدم، والتمس أسباب السكينة والطمأنينة ليشيعها بين جماعته وعموم الناس، وآمن بالحوار، والسلام،

وثبت عند الرؤية الحضارية، ونَبَذ العنف، وأدرك أن تراكم مفردات العمل الحضاري المنطلق من المعايير الإيمانية هو الكفيل بإنقاذ الجزائر من وهدتها، في خطة طويلة الأم، لكنها مأمونة العواقب، وجازفت عناصر الغوغاء بذبح بو سليماني رحمه الله، مستفزة له محاصرة له في الزاوية الضيقة، لينفجر ويكون شريكاً في الخطأ، فكان رحيماً بالدعوة وبالجزائر وبمنافسيه الذين أبقوا الخنجر محمولاً في كفوفهم يقطر منه الدم،

وأنزل الله تعالى السكينة على قلبه، وتحالم، وكبت، ولعن الشيطان، واعتصم بالرحمن، وعارض بكفه العاصفة، فتكسرت ريحها العاتية، وبقيت تتناقص حدتها، وحافظ على جماعته أن يبددها جهل وردود فعل انتقامية، وكَتَب التاريخ الإسلامي قصة ثانية من قصص محفوظ يلقى به ربه واثقاً معتداً.

ثم يأتي متبطر ظالم لنفسه وللناس ليقول: أخطأ محفوظ في خطبته يوم كذا، وصرح بما لا نرضاه في الصحيفة الفلانية، وصدق المعترض، وأنا على ذلك من الشاهدين، ورصدتُ لمحفوظ زلات لسنا وتعابير مفضولة وكلمات مرجوحة، ولكن أين هذه الصغائر من تلك " الكبائر الخيرية الإيمانية الواعية " التي وُفق لها وألهمه الله إياها إلهاماً ؟.

لقد كان محفوظاً بحفظ الرحمن، وبشريته التي وقف عندها الناقدون تجاوزتها ملائكيته التي حلّق بها في الأسماء.

هذا، مع روح بدوية أصيلة فطرية يلتذ بها المتعامل معه حين يقترب منه فينفتح، وكرم وعزة نفس وشمم، وفهم عربي أصيل رصين لمعاني الشرع المبين، مكّنه منه تخصصه في اللغة العربية، أضاف جمالاً إلى مناقبه الحسنى، رحمه الله رحمة واسعة، والأمل أن يلحظ أعوانه وخلفاؤه تلك الكتلة الجمالية لرجلٍ من المؤمنين سُـمي في الناس بمحفوظ النحناح، فيراعوها ولا يخدشوها، بأن يلتزموا وحدة الكلمة من بعده، وتقديم حق الجماعة على حقوقهم الفردية، فإن الجمال قد ندر.

تعزية الشيخ أحمد كفتارو مفتي الجمهورية العربية السورية

تعزية الشيخ أحمد كفتارو
مفتي الجمهورية العربية السورية
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد فقد الشعب الجزائري أحد كبار أعلام التجديد والترشيد الديني والإصلاح السياسي والاجتماعي، وعزاؤنا أنه ترك خلفه منهجاً فكرياً وثقافياً وبرنامجاً سياسياً وإرثاً نضالياً يحمله من بعده نخبة واعية متنورة قادرة على متابعة مسيرة العمل لتحقيق أماني وأهداف الأمة والمجتمع الجزائري في مستقبل آمن وزاهر مشرق رغيد.

بسم الله الرحمن الرحيم
الجمهورية العربية السورية
إدارة الإفتاء العام والتدريس الديني

مكتب المفتي العام

لقد فقد الشعب الجزائري أحد كبار أعلام التجديد والترشيد الديني والإصلاح السياسي والاجتماعي، وعزاؤنا أنه ترك خلفه منهجاً فكرياً وثقافياً وبرنامجاً سياسياً وإرثاً نضالياً يحمله من بعده نخبة واعية متنورة قادرة على متابعة مسيرة العمل لتحقيق أماني وأهداف الأمة والمجتمع الجزائري في مستقبل آمن وزاهر مشرق رغيد.

ونحن ننتظر من الحركة أن تتابع دورها المهم في مسيرة البناء والتنمية للشعب الجزائري الشيق، وأن تكون كما هو مأمول منها دائماً في موقع الريادة والتضحية والبذل حتى تتحقق أماني أمتنا الإسلامية بالتقدم والازدهار والعزة والكرامة.

رحم الله فقيدنا وأسكن روحه أعلى درجات جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وألهم الأمة والمجتمع الجزائري وأهله وذويه الصبر والسلوان وعوض الأمة الخلف الصالح. وإنا لله وإنا إليه راجعون ودمتم في رعاية الله وتأييده دمشق 20/4/1424 هـ الموافق لـ 20/6/ 2003 م


بسم الله الرحمن الرحيم
الجمهورية العربية السورية
إدارة الإفتاء العام والتدريس الديني
مكتب المفتي العام
السادة أعضاء حركة مجتمع السلم وآل الفقيد
الجزائر

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

بمزيد من الرضى والتسليم لقضاء الله وقدره أبعث إليكم باسمي ومجلس الإفتاء الأعلى والعاملين في حقل الدعوة الإسلامية في الجمهورية العربية السورية خالص عزائي ومواساتي بوفاة المجاهد الكبير فقيد الشعب الجزائري والأمة الإسلامية فضيلة الشيخ محفوظ نحناح الذي أمضى حياته في خدمة وطنه وشعبه وأمته في مختلف مجالات العمل الإسلامي والوطني والإصلاحي والاجتماعي والتجديد في الفكر والخطاب الديني والسياسي، المنطلق من منهجية التوسط والاعتدال والواقعية والموضوعية، والمرتكز على العلم والحكمة والقيم النبيلة ومكارم الأخلاق والهادف إلى ترسيخ وتعزيز القيم الإسلامية والإنسانية التي هي قيم المحبة والتسامح والحوار الحضاري والتعايش والتآلف والتضامن خدمة للمصالح العليا للأمة العربية والإسلامية والمجتمع الجزائري الشقيق وقضايا السلم الاجتماعي والعالمي.

لقد كان لفقيدنا الغالي في الجزائر دور رئيسي وهام وفاعل في إطفاء نيران الفتنة والحرب الأهلية وحقن الدماء ورأب الصدع وإحباط المؤامرات الاستعمارية والصهيونية الهادفة إلى تشويه صورة الإسلام السمحة المشرقة وإضعاف وتقسيم الجزائر وتكريس الضعف والتخلف بهدف احتواء أمتنا والهيمنة على مقدراتها وثرواتها.

لقد كان فقيدنا الكبير معلماً بارزاً ورائداً في منهجه وبرنامجه الإصلاحي وفكره التجديدي وجهاده الكبير في خدمة قضايا شعبه وأمته والحفاظ على وحدة الجزائر وجمع الشمل والحفاظ على الهوية والتراث والانتماء وتحقيق المصالح العليا للمجتمع الجزائري الشقيق وأمتنا العربية والإسلامية.

لقد شارك الفقيد بالثورة الجزائرية والحركة الإصلاحية الوطنية وقام ببناء المؤسسات والنوادي والجمعيات الفكرية والأدبية والثقافية والاجتماعية وأدى دوراً بارزاً في الحفاظ على الوحدة الجزائر واستقلالها وهويته العربية والإسلامية وناضل لتعزيز مكانة مجتمعه وأمته وقيمها النبيلة وتحقيق نهوضها وتقدمها وازدهارها.

تعزية الشيخ صلاح الدين أحمد كفتارو رئيس مجمع أبي النور

تعزية الشيخ صلاح الدين أحمد كفتارو

رئيس مجمع أبي النور


ببالغ الحزن والرضا والتسليم بقضاء الله وقدره أبعث إليكم باسمي واسم العلماء والهيئة الإدارية والتدريسية والطلبة في مجمع الشيخ أحمد كفتارو.

السادة أعضاء حركة مجتمع السلم وآل الفقيد الغالي بالجزائر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

ببالغ الحزن والرضا والتسليم بقضاء الله وقدره أبعث إليكم باسمي واسم العلماء والهيئة الإدارية والتدريسية والطلبة في مجمع الشيخ أحمد كفتارو بخالص عزائي ومواساتي بوفاة المجاهد الكبير فضيلة الشيخ محفوظ نحناح الذي بات بحق أحد أكبر أعلام رواد الحركة الإصلاحية والتجديدية والنهضوية.

وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن يتغمده بواسع رحماته وأن يسسكن روحه فسيح جنانه مع النبيين والصديقين والشهداء وأن يلهم الأمة والمجتمع الجزائري الشقيق الصبر والسلوان وأن يعوض الأمة الخلف الصالح. وإنا لله وإنا إليه راجعون

ودمتم في رعاية الله وحفظه


دمشق في 20/04/1424 هـ الموافق لـ 20/6/2003 م صلاح الدين أحمد كفتارو

محفوظ نحناح الرجل .. والرجال قليل

بقلم : د. توفيق الواعي

رحل عنا الأستاذ محفوظ نحناح، رجل الفكر والعقيدة ورجل المواقف الصعبة والأزمات الجسام، صاحب العقل الناضج والفكر النابه، والحجة البالغة والذاكرة الوهاجة، والبصيرة النفاذة، والرؤية الصادقة،

والعزيمة الخارقة، والشخصية الفذة، إذا جلست معه أحسست من أول وهلة أنك أمام قائد واسع المدارك عالي الأفق عميق المعرفة بحاله وزمانه ودعوته، وإذا حادثته تبين لك صدق لهجته وسعة حجته وعم نظرته وحجم فراسته وعظم إخلاصه، وزخم حماسته، يكلمك عن حال الأمة، فتشعر باللوعة في صدره والمرارة في حلقه، ولكنك تلمح الأمل في تحليله ونبره، ويحدثك عن المشكلات التي يشيب من هولها الولدان في بلده ..

ولكنه يستبعد اليأس في خطته والوهن في كفاحه وعزيمته، ويعرض عليك الواقع المؤلم في حكومته والداء العضال في مجتمعه .. ولكنك تلحظ قارورة الدواء في جعبته وأضواء الهداية في دعوته.

وإذا حاورته أحسست أنك أمام رجل صلب العريكة، قوي الشكيمة، رابط الجأش، ثابت الجنان، غير هياب أمام الباطل ، ولا جازع في مواجهة النكبات، عارض قانون الثورة الزراعية الفاسد عام 1971م في الجزائر واعتبره قتلاً لروح الإبداع والمبادرة الحرة، وعارض ميثاق ودستور عام 1976م

لأنه جاء دون استشارة الشعب، فضلاً عن أنه جاء ليكرس الحرب على قيم المجتمع وأصالته وتراثه الثقافي والفكري، فاتهمه النظام الدكتاتوري الشمولي بمحاولة تحريض الشعب على العصيان، ومحاولة قلب نظام الحكم، فأُلقي القبض عليه، وحُكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً وأُطلق سراحه عام 1980م

كان حريصاً على دينه، ناصراً لإسلامه داعياً إلى ربه، لا يكل ولا يمل، فكان من بين المساهمين في تنظيم التجمع الإسلامي الكبير بالجامعة المركزية عام 1982م وصاغ بيان التجمع المذكور، ودعا عام 1989م إلى تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية وكان أحد أعضائها، وبعد الانفتاح السياسي ترأس جمعية الإرشاد والإصلاح الوطني التي تأسست في عام 1989،

وبعد أقل من سنتين أسس حركة سياسي هي حركة المجتمع الإسلامي "حماس" التي تغير اسمها فيما بعد إلى حركة مجتمع السلم، كان الرجل واسع المدارك كبير العقل ينتفع بالتجارب ويعتبر بالتاريخ ويفهم الأساليب والمتغيرات، ويدرك قواعد العمل في الدعوات، وكان يعي دائماً ويتمثل قول الفيلسوف مالك بن نبي: "لا يكفي أن تملك فكرة، ولو كانت أصيلة وصحيحة، بل عليك أن تملكها وتملك وسائل تنفيذها وكذا الحفاظ عليها".

فكان الرجل يضبط حركته بالوعي، ودعوته بالموضوعية، وأساليبه بالواقعية، فلا استعجال حتى تنبت البذرة وتعظم الشجرة تنضج الثمرة، ولا تقاعس عن العمل والإخلاص للحركة، وهو بهذا كان تلميذاً نجيباً لدعوة الإخوان المسلمين وللشيخ البنا رحمه الله إذ يقول: "لقد خابت المتحمسين منكم أن يتريثوا وينتظروا دورة الزمان، وإني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا، فليس مع الجهاد راحة،  والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُـبُلَنا وإن الله لمع المحسنين  (العنكبوت:69).

ولهذا يقول الشيخ نحناح رحمه الله: "الحركة الواعية تنظر إلى الواقع بموضوعية، وتستعمل أدوات التغيير بوعي، وتدرك أنها أمام ألوان من النفسيات والأمزجة والمخلفات الجاهلية والتطلعات المستقبلية والتحولات التاريخية والتشكيلات السياسية، فلا تتبرم ببطء سقيم الفكر، ولا تنزعج من مستعجل عديم الفقه كثير الشبهات، لأنه:

إمـا مستعجل يريد اللحاق بموكب التاريخ المشع قبل الأوان.

أو مستعجل يريد قطف الثمار قبل اكتمال النضج.

أو مستعجل يريد مزاحمة الأواهين والحزانى.

أو مستعجل يريد تحقيق مآرب شخصية آنية.

أو مستعجل يريد دفع الموكب نحو الهاوية.

أو مستعجل يريد انطلاقاً مجنحاً بدعوى الخروج من الفتور واليأس.

أو مستعجل لأمانته التي استؤمن عليها ويعمل على إفساد ذات البين ويريد السير فو أنقاض وجماجم من قبله.

وبعض المستعجلين يضعون صيغاً تبريرية لاستعجالهم بدافع الخوف على الحركة من التميع والتصدع ولكنك إذا أسندت إليهم أمراً كانوا أعجز من حمله، وإذا ولوا مسؤولية كانوا لها أضيع، وإذا ما استؤمنوا كانوا لها أخون، ولا ينفي هذا أن ثمة مستعجلين يريدون الخير، كما لا ينفي أن يكون هناك من يخشى أن تفوت الفرصة، وهذا لا يغير من الضرر شيئاً.

ثم يبين الشيخ رحمه الله معالم الحركة الدعوية الواعية فيقول:

"الحركة الواعية هي التي تكون مفتحة العيون والآذان والعقول لكل ما حصل من أحداث أو ما يكن أن يحدث، وتربط النتائج بالأسباب، غير مغفلة موازين القدر الإلهي، تقع عينها على الحياة من غير تجسس، وتتابع أذنها من غير تحسس، وتعمل عقلها من غير رجم بالغيب أو سوء ظن لأن بعض الظن إثم، وكم أدى ذلك إلى مزال شرعية، أو مهالك حركية، أو سقطات حضارية، إلخ".

كل ذلك جعل عقلية الرجل عقلية عملاق في الدعوة والإصلاح، كتب في كل ما يعالج أمراض أمته، فكتب في الكثير من الموضوعات الشائكة من أمثال: "المنهج الدعوي والمنهج الدموي" "الحركة الواعية بين الفجر الصادق والفجر الكاذب" "الحركة الواعية وإرادة التغيير" كل ذك جعل الرجل الفارس المعلم في حل الأزمة في بلاده على المستويين الداخلي والخارجي فكانت مناقشاته على المستوى الشعبي، ولما ترشح لرئاسة الجزائر،

نال ثلثي الأصوات فيما نال الرئيس اليمين زروال ثلث الأصوات، وتغيرت النتيجة ونجح زروال، فتبسم الرجل، وعرف من وراء ذلك في الداخل والخارج ورضي بكفاحه في سبيل أمته ودعوته، ورحل الرجل وودعته الأمة بالدموع، وودعه إخوانه في الدعوة بالصبر والدعاء والاحتساب بقلوب حزينة وعيون دامعة يقولون فيه ما يرضي الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا على فراقك يا محفوظ لمحزونون، وسلام عليك في الأولين والآخرين.

والحمد لله رب العالمين

كلمة الشيخ فيصل مولوي الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان

حفل تأبيني للمرحوم الشيخ محفوظ نحناح وكلمة الشيخ فيصل مولوي الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان

أقام تجمع العلماء المسلمين احتفالاً تأبينياً لرئيس "حركة مجتمع السلم" في الجزائر، عضو مؤتمر علماء الإسلام الشيخ محفوظ نحناح ـ الثلاثاء 24/6/2003 ـ في مقر التجمع ببيروت، حضره السفير الجزائري " أحمد بودهري

والمستشار في السفارة الإيرانية "عبد الرضا قاسميان" ، وشخصيات حزبية لبنانية وفلسطينية. ألقى رئيس مجلس الأمناء في التجمع القاضي الشيخ أحمد الزين كلمة نوه فيها بإسهامات الراحل في نشر الوعي الإسلامي ومحاربة الجهل.

وكانت الكلمة الثانية لعضو مجلس شورى حزب الله الشيخ محمد يزبك فأشاد بالراحل وبحمله رسالة الإسلام، رسالة السلم والرحمة.

وكانت كلمة الختام لأمين عام الجماعة الإسلامية المستشار الشيخ فيصل مولوي، فاعتبر أن الراحل كان شهيد صراع مرير بين ثوابت الأمة وتآمر أعدائها.

ثم جرى تقبل التعازي والدعاء للراحل بالرحمة.

كلمة عزاء من الشيخ فيصل مولوي

الأمين العام للجماعة الإسلامية بلبنان

ـــــــــــــــــــــــ

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

فُجعت الحركة الإسلامية في الجزائر فبوفاة أحد كبار رموزها الشيخ محفوظ نحناح، رئيس حركة مجتمع السلم والذي كان من أبرز القيادات الشعبية بعد قيام التعددية السياسية.

بدأ الفقيد الكبير عمله الإسلامي عام 1970، في ظلّ نظام الحزب الواحد في عهد الرئيس بومدين، الذي كان يحاول (فرض النظام الاشتراكي) فانضمّ إلى الحركة الإسلامية، وراح يوزع مع إخوانه "المنشورات التحريضية الداعية للجهاد" حتى تم اعتقاله عام 1967، وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، لكن أُطلق سراحه عام 1980 بعد وفاة بومدين.

ومع انفتاح أجواء الحريات في عهد الشاذلي من جديد، راح الأستاذ محفوظ نحناح يراجع نفسه، وبدأت صلاته مع جماعة الإخوان المسلمين، وتبلورت أفكاره الإصلاحية، فكان يجوب الجزائر يخطب في المساجد ويحاضر في المنتديات داعية إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، رافعاً لواء الخير، محرضاً الشباب على أن يكونوا كالشجرة (يرميها الناس بالحجارة، وترميهم بالثمر)

وفي أواخر الثمانينات أسس (جمعية الإرشاد والإصلاح) مع رفيق دربه الشيح محمد أبو سليماني رحمه الله. وفي عام 1989 ساهم في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية التي يرأسها الشيخ محمد سحنون لتكون مرجعية للعمل الإسلامي في الجزائر، وفي عام 1991 أعلن تأسيس (حركة المجتمع الإسلامي).

ثم اضطر إلى تغيير هذا الاسم إلى (حركة مجتمع السلم) بسبب صدور قانون الأحزاب عام 1997 الذي منع تسمية أي حزب سياسي باسم إسلامي.

وفي هذه الفترة المليئة بالنشاط والحيوية والعمل، أصبح الأستاذ النحناح رجل (الوسطية والاعتدال والتسامح). وشهدت الجزائر أسوأ مراحل تاريخها المعاصر، عندما ألغى الجيش النتائج الأولية للانتخابات النيابية عام 1991،

والتي أشارت إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحل هذه الجبهة، واعتقل قياداتها في السجون، وهرب الكثير من الشباب إلى الجبال وأعلنوا الثورة المسلحة، فبدأت حرب أهلية لم تنته فصولها حتى الآن، رغم انحسار العمل المسلح، خاصة بعد أن رفعت الجبهة عنه الغطاء، وأعلنت إيقاف أعمالها القتالية في ضوء الجرائم البشعة التي طالت النساء والأطفال الأبرياء، وبعد الاقتناع بخطورة هذه الممارسات على الجزائر، واستحالة تحقيق أهدافها، وقد تركزت القضايا المثارة في هذه المرحلة على مسألتين كان للأستاذ النحناح موقف واضح في كل منها:

الأولى: ضرورة التواصل بين مختلف شرائح الشعب الجزائري، واعتماد الحوار والانفتاح والتعاون، ورفض فكرة الاستئصال لأي جماعة مهما كان فكرها. وكان الأستاذ النحناح رائداً في هذا المجال، وهو كان يعتبر الإسلام جامعاً أساسياً للشعب الجزائري،

ثم كان ممن طرحوا اعتبار (الإسلام – العروبة – الأمازيغية – ثوابت وطنية). وأضاف إلى ذلك التواصل والحوار حتى مع غير الإسلاميين (من اليساريين أو المتفرنسين) في مسعى واضح لإشاعة أجواء السلم الأهلى، وإعادة بناء الجزائر وطناً لجميع أبنائها.

الثانية: ضرورة بناء الدولة، ورفض الخروج عليها. والدعوة إلى إصلاح المجتمع لا إلى تخريبه وتمزيقه. ومن أجل ذلك فقد خاض الأستاذ النحناح حرباً شعواء ضد الفكر المتطرف الذي يرفع الإسلام شعاراً له، ويستبيح القتل والتدمير. وتعرض على الاتهام بأنه يعمل مع (النظام الجاهلي) ضد (الحركة الإسلامية).

بل وأقدمت (الجماعة المسلحة) على قتل عدد كبير من أنصاره على رأسهم الشيخ محمد بوسليماني رحمه الله، لأنه رفض أن يفتي لهم بصحة ما ارتكبوه من أعمال. ولم يغير ذلك من قناعته، لأنه كان ينطلق من الإسلام، دين الهداية والرحمة، ويجيد قراءة الواقع المحلي والإقليمي الدولي، ويؤمن بالعمل الإيجابي البناء وبالتدرج الطبيعي في الإصلاح والتغيير.

أيها لفقيد الحبيب. يا فارساً ترجل وهو في ذروة العطاء. يا قائداً أخلى الساحة اليوم لكنه ترك وراءه نخباً من القيادات، قادرة على ملء الفراغ ومتابعة المسيرة. يا رجلاً صدق ما عاهد الله عليه، وظل يجاهد بأعز ما عنده حتى توفاه الله. لقد خالفناك في بعض اجتهاداتك السياسية، لكننا نشهد اليوم أمام الله وأمام الناس، أنك كنت مثالاً في الصدق والالتزام والعمل، تضع الإسلام في ميزانك قبل الحركة،

وتعتبر مصالح الأمة قبل مصلحة الجماعة، بل وترفض التعارض في هذا المجال، وتصرّ على التكامل وتجعل نفسك وجماعتك في خدمة الأمة وقضاياها.

طبت حياً وميتاً، تغمدك الله بواسع رحمتك، ولأهلك ومحبيك أحر العزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الشيخ فيصل مولوي

الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان

كلمة تأبين الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله للشيخ راشد الغنوشي

كلمة في تأبين الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله
للشيخ راشد الغنوشي
رئيس حركة النهضة الـتونسية
ـــــــــــــــــــــــ

بسم الله الرحمن الرحيم

إخوان الراحل الحبيب وأبناءه في حركة مجتمع السلم وأصدقاءه وعامة أهلنا في الجزائر الشقيقة السلام عليكم وعظّم الله أجركم في أخينا الحبيب الشيخ محفوظ نحناح أبرز قيادات ومؤسسي مسيرة الدعوة الإسلامية داعية السلم والرفق والتدرج والوحدة الوطنية والديمقراطية والحوار والمشاركة والرفق والذود الدائم عن الفئات المستضعفة وعن الشباب والنساء.

بكل ذلك ضمن اعتصامه وتذكيره الدائمين بثوابت الوطنية الجزائرية من عروبة وإسلام وتضامن وحفظ لكيان الدولة في كل الأحوال، والتصدي لكل محاولة للنيل من هذه الثوابت. ومن ذلك رفعه بلا هوادة الغطاء الديني عن كل تسويغ تحت أي ظرف لتصديع تلك الثوابت.

فقد ساح داعية السلم شرقاً وغرباً عبر ارتياد المؤتمرات يحاور أرباب السياسة والفكر ذاباً عن دعوته ووطنه مشفقاً على شباب الأمة أن تزج به حماقات الطيبين ومكايد الحاقدين في مراحل مبرمجة وتصرفه عن قضايا أمته الحقيقية في الحرية والعدل والوحدة والتضامن والتحرير

ولا سيما القضية الكبرى قضية فلسطين التي كانت هم الراحل الأعظم، حتى كانت مسك ختام مجاهداته، إذ أبى وهو يغالب الموت في آخر جولاته معه إلا أن كون مس ختام مجاهداته تنظيم وقيادة مسيرة لنصرة فلسطين والعراق.

لقد كان الحبيب الراحل جمعاً من فطاحل الرجال متعددي الاهتمامات قد جمعتها قدرة الخلاق في رجل بل وطناً وأمة اختزلتنا في شخص.

وفي مثل هذه المناخات من الحزن والأسى التي تصاحب مصيبة الموت وليس أي موت وإنما موت العلماء والدعاة وهم ملح الأرض وزكاؤها كثيراً ما يرد على ألسنة المتحدثين ذكر آثار نبوية تعظّم من فاجعة فقدان الأمة لعلمائها حتى لكأن ذلك علامة على اتجاه الحياة إلى الذبول وشمسها إلى المغيب وبساط هنائها إلى انقباض من مثل قوله عليه السلام فيما رواه البخاري "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" أو كما ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود من إنقاص الأرض من أطرافها في الآية الكريمة  أفلا يون أن نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون  (الأنبياء 44) هو موت العلماء.


وفي هذا الصدد يمكن تفهم بعض المقالات التي رددت بصدد هول الصدمة بفقدان الأخ الحبيب الراحل والفراغ الذي سيتركه على كل الساحات التي صال فيها وجال المحلية والدولية يطفئ الحرائق ويوقد شموع الأمل ويذكي روح المحبة والحوار والتضامن والتعاون وسعة الصدر،

ولا سيما على صعيد الحركة التي أسسها وصاغها على صورته، فقيل إن حركة مجتمع السلم هي محفوظ ومحفوظ هو حركة مجتمع السلم وهي كلمة حق نرجو أن يكون أريد بها الحق ولي التلويح بأمارات الساعة كلما حلت بالأمة مصيبة. مع أن المصائب في حياة الأمم والجماعات وحتى الأشخاص عندما تكون قوى الحياة راسخة متمكنة فيها تغدو باعث حيوية وتجدد، وليس نذير شؤم وانهيار.

تقديرنا أن البناء الذي شاده الشيخ الراحل هو من التمكن والرسوخ بحيث لن ينال - بحول الله - غيابه الجسدي من استمرار نهجه في الفهم الوسطي المعتدل والحوار والمشاركة والقبول بأي هامس للحرية مع العمل الدؤوب على توسيعه والحرص على الوحدة الوطنية ورهانه على الخيار الديمقراطي والسير به نحو التحرر من كل وصاية –

كما شهدت بذلك نصوصه – كاهتمامه بقضايا المرأة والشباب والعنوسة والعزوبية وقضايا الأمة ولا سيما في فلسطين والحرص على وحدة صف الإسلاميين، ما أحسب أن الأيام ستأخذ من أطراف جماعة تأسست على مثل هذه الوسطية والمنهج الديناميكي المتفاعل بالإسلام والوطنية مع متغيرات الساحة الوطنية والدولية.

ولو أن نهج الوسطية الذي شقه الرسول الأعظم لهذه الأمة وعمل رواد الإصلاح في العصر أمثال الشيخين عبده والأفغاني والشيخين ابن باديس والإبراهيمي والمجددين الكبيرين البنا والمودودي، وما الشيخ الراحل غير امتداد لهذه السلسلة المباركة، قلت لو أن مسيرة الجماعة يمكن أن تتوقف أو تنتقص بموت أحد لتوقفت أو انتقصت بموت النبي عليه السلام وهو ما أفزع الخطاب وهز كيانه هزاً، حتى تداركه الصديق بكلمة رشد إذ قال أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت

وقرأ:  وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأيْن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم  فاستعاد ابن الخطاب توازنه ومر عن ساعد الجد ليرتفع بمستوى مسئوليته في حمل أمانة ميراث النبوة، واستنفر الصحب الكرام طاقات البذل الفداء والتصدي صفاً واحداً لدعوات الإرجاف والنكوص والتشقق فذهبت أدراج الرياح كل محاولات المرتدين في الإنقاص من أطراف الإسلام حتى قال صديق والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه."

أيها الأحباب إن مصابكم ومصاب الجزائر مصابنا جميعاً في الراحل الكبير وبقدر عظم المصاب بقدر عظم التبعة لا فقط في الاحتفاظ بإرثه العظيم أن ينتقص من أطرافه وإنما أيضاً بالزيادة عليه فيكون لكل جيل من أجيال الدعوة كسبه المضاعف حفظاً لإرث من سلف وزيادة تليق باستعداداته.

رجائي في الله عظيم وثقتي فيكم ممتدة أن حركة مجتمع السلم هي الشيخ محفوظ نعم، وزيادة. فتثبوا جيداً في عناصر القوة في هذه الحركة المباركة لتحفظوها ومنها وحدة صفكم واجتماعكم ولو على أدناكم ارتضيتموه قائداً لمسيرتكم على نهج الشورى والوفاق،

وانظروا فيما بعد إلى مساركم الاجتهادي هل من إضافة تحسينية تزكيه أو من خلل معيق يتخلص منه أو استيعاب مجدد لبعض من ندّ عن الصف في ظروف خاصة حافظ على استقامته وما زال متوفراً على حظ من العطاء والجهد، ممن يمكن كسبهم إلى الصف مجدداً ..

والله يحفظكم ويرعاكم من قبيل  وكان أبوهما صالحاً

أيها الإخوة الأحباب أيها الأبناء الأشاوس لقد ترككم الراحل العزيز في قلب البوتقة الفاعلة في الجزائر فاستوعبوا الكسب وسيروا به نحو مجد جديد حتى ينام الراحل الحبيب قرير العين مطمئن النفس أنه قد أودع عصارة جهده وجهاده في أيد أمينة.

واسمحوا لي أيها الأحباب أن نتوجه إلى الرحمن الرحيم أن يلقّي أخانا البشرى ويهبه الزلفى وينزله الدرجات العلى جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً "فاللهم أخلف أخانا الحبيب في أهله وإخوانه وأبنائه رجالاً ونساءً ووطنه الحبيب ومكانه في الأمة والإنسانية خيراً. اللهم ولا تفتنا بعده ولا تحرمنا أجره وأفض عليه من شآبيب فضلك ما يليق بمقام أوليائك عندك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الـتونسية

قال الإمام الشافعي – رضي الله عنه:-

الحر من راعى وداد لحظـة

وانتمى لمن أفاده لفظه

وقال الإمام أو محمد التميمي – رحمه الله -: "يقبح بم أن تستفيدوا منا ثم لا تترحموا علينا". ولست من دعاة الشخصانية ولم أكن في يوم من الأيام، ولا أحب تقديس الأشخاص والزعماء تحقيقاً للمنهج القرآني الذي يعلمنا الجمع بين الفكرة والزعيم، وذلك من خلال قولـه تعالى:  وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأيْن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ... .

وإنما هي شهادة للإنصاف، ولرد الأمور إلى نصابها في حق الشيخ المظلوم أو الذي أسيء فهمه من كثير من الناس، والله تعالى يقول:  ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم  (سورة البقرة الآية 283) وأحب أن أذكر المسلمين بقوله تعالى:  ومن يكسب خظيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً  (النساء 112).

إنا لله وغنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا شيخنا لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا "رحمك الله، وجزاك الله عنا وعن الإسلام، وعن الجزائر خير الجزاء، وألحقك الله مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" آمين.

وبعد

فببالغ من التأثر والحزن والألم تلقينا نبأ وفاة أستاذنا وشيخنا الرئيس محفوظ نحناح – رحمه الله – الذي عرفته وتتلمذت عليه، فوجدته داعية فريداً صادقاً وقد بدأ التحرك لخدمة الدعوة الإسلامية واللغة العربية مبكراً.

وتجلى في محاضراته ودروسه وندواته وخطبه الفهم النقي للإسلام والنظر البعيد الذكي والجمع بين الصدق والفصاحة والتوازن بين السلفية والمعاصرة. فاستطاع - رحمه الله – أن يفتح كثيراً من القلوب الغلف، والآذان الصم والأعين العمي ووفق لذلك أيما توفيق.

عرفته محافظاً على تلاوة القرآن والأذكار اليومية. حتى عندما بلغ الصراع السياسي قمته، كان لا يفتح باب مكتبه للاستقبال حتى يكمل ورده وتلاوته.

أشهد بأنه ضحى بكل أوقاته للإسلام وللجزائر حتى إن الزوار والطلبة كانوا يقصدونه وهو يستقبلهم إلى ما يتجاوز منتصف الليل منذ الصباح.

عرفته متنقلاً كثير التنقل محلياً وعالمياً لنشر الدعوة ولخدمة الجزائر، وقد نذر حياته لهما، وقلما يجلس مع أولاده وأسرته - رحمه الله – حتى ليشعر المتأمل في حياته أنه من النوع الغريب الفريد الذي لا تجود الأمهات بهم إلا نادراً.

عرفته الجامعات والمساجد والمؤسسات ووسائل الإعلام ناصحاً محافظاً على الاجتماع والوحدة ومعادياً لكل دواعي الفرقة والفتنة.

وأشهد أنه كان كثير البكاء وسريع الدمعة خاصة في موضعين: عند قراءة القرآن وعندما تُعرض عليه قضايا المسلمين، في فلسطين والبوسنة والهرسك وما تفعله الحركات التنصيرية في بلاد المسلمين.

وقد حدثته مرات عن النشاط التنصيري عندنا في إفريقيا فأجهش بالبكاء كالأم التي يذبح ولدها أمامها وهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً إلا الدعاء.

رحمك الله كم كان بكاؤك مؤلماً ودعاؤك مؤثراً وخطبك نافعة للدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية وعلى رأسها فلسطين.

إذ كان يحب أن يردد كلمة الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي – رحمه الله -: "إيه فلسطين، أمانة عمر في أعناقنا".

إن للشيخ محفوظ نحناح فضل كبير علينا في التعرف على مناطق الأمة الإسلامية لم نكن نسمع بقضاياها مثل:

البورما وكشمير والفلبين وسيريلانكا، خاصة وهو الداعية الذي كانت له علاقات واسعة المجال مع إخوانه من الدعاة والمصلحين والسياسيين والقادة والزعماء والرؤساء.

أشهد أنه كان يسعى لجمع كلمة المسلمين عملاً كما كان يدعو إليها على المنابر والمنصات، فهو الرائد في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية، والدعوة إلى التضامن الإسلامي، وتجمع العلماء والدعاة بالجزائر، إذ كنت مدعواً للمشاركة.

لم أسمعه يغتاب أحداً حتى من مخالفيه، إذ كان شديد الانضباط بالشرع، لم أسمعه يرفع صوته إلا في الدعوة، وكان حيياً بشوشاً باراً رحيماً بالناس قبل أولاده.

وعندما بدأ العمل التعددي كان التزامه بالشرع وضوابطه أشد إذ لم يستعمل الإشاعات عن مخالفيه، ولم يطعن، ولم يلعن، ولم يكن بالفاحش ولا البذيء.

إنه بكلمة أخرى رجل أوذي كثيراً ولكنه اتخذ الصبر والعفو مذهباً حتى آخر لحظة من حياته – رحمه الله – وأجزل له الثواب. وكان شعار الغاية تبرر الوسيلة أبغض شيء لديه.

وكان أول من دعا إلى الحوار وآثر المصلحة العليا للجزائر ولم ينتقم لنفسه حتى حين امتدت إليه أسنة وأيدي شقية بالأذى والبهتان، رحمة الله عليه.

ورفض أن يرد أحد من أتباعه عليهم وفضل مذهب الصبر والعفو متمثلاً قول الله تعالى:  ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار  واعتمد في نصحه منهج:  فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى .

وبذلك يمكن القول إنصافاً للرجل بأنه أقام الحجة وأبرأ ذمته أمام الله تعالى وأمام التاريخ إذ بلغ كلمة الإسلام إلى مواقع ما كانت الدعوة تحلم بها، ولو لم يكن للرجل من الفضل والعطاء إلا ذاك لكفاه.

أتمثله أمامي في خطاب شامل أمام الملأ يتعرض لأزمة الجزائر وأسبابها والحلول المقترحة لإيقافها فيتأثر الحاضرون إذ مهم الكثير من يصغي لأول مرة لهذا النوع من الخطاب العلمي المقنع، والطرح الشامل الدال على اطلاع صاحبه، ومعرفته بآلام المسلمين وآمالهم.

وأتمثله وقد سأله أحد الصحفيين عن الرقص فأجابه، وكان متصفاً بحضور البديهة: "إذا كان الرقص على جماجم اليهود في فلسطين فنعم الرقص، أما الذي يستورد حليبه وغذاءه فأنى له أن يرقص".

وكان من مواقفه مواجهة الفتنة من داخل البلاد لا من خارجها فتعرض المخاطر وأذى واستمر متحدياً بالآراء والتصريحات الجريئة مما يدل على شجاعة الرجل وثباته، كل ذلك من أجل إيقاف النزيف، وحقن دماء المسلمين.

رحمك الله وأنت تتجرع الآلام وتمسح الدموع

رحمك الله وأنت تلتزم الصمت والعفو عن الأذى

رحمك الله وأنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في ظروف أصبح فيها المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

رحمك الله وأنت تتابع الأحداث والأخبار فتذرف الحارة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم المجروحة.

رحمك الله وأنت تقدم المساعدات خفية لكثير من الأرامل والمغيبات وتشفع للذين آذوك واغتابوك واتخذوا المنابر للطعن فيك.

وأنت من كل ذلك بريء ويداك نظيفتان ولسانك طاهر حتى مع مخالفيك وجاحدي فضلك.

إن الشيخ محفوظ نحناح يعتبر بحق رمزاً من رموز الأمة الإسلامية القلائل الذين لم تجرفهم التيارات، ولم يميلوا مع الرياح حيث تميل. كرس حياته من أجل قضيتين: السلام والجزائر.

عاش لهما، وقام لهما، ونصح لهما، فكان له الفضل الكبير – بعد الله تعالى – مع جملة من المخلصين:

أولاً في تجنيب الجزائر حرباً أهلية تدمر كل شيء وترد المشروع الحضاري الإسلامي إلى الخلف أكثر من خمسين سنة.

ذلك لأنه أدرك بثاقب نظره أبعاد المؤامرة على الجزائر لتمزيقها ففضل مرة ومرات تغليب المصلحة العليا لوطنه وأمته وعلى رأسها وحدة الجزائر واستمرارها واستقرارها.

وثانياً: تجنيب المشروع الإسلامي كارثة تكون نتيجتها الردة الجماعية. فجزاه الله عنا وعن الإسلام كل خير. أقول فضل ذلك عن الانتقام لنفسه، وآثر التقرب إلى الله بالعفو عن الظالمين والمعتدين.

دعوته يوماً ليستريح وعلامات التعب والمعاناة بادية عليه فقال لي بكل صراحة، يا محمد يوم يستريح أعداء الإسلام والجزائر يستريح النحناح. هكذا يقف كالجبل الشامخ ثابتاً لا تزعزعه العواصف.

إن شخصية الشيخ محفوظ نحناح وتجربته ومدرسته جديرة بأن يستفيد منها حاملو المشروع الحضاري الإسلامي إذ البناء الإسلامي تراكمي يبني اللاحق على عمل السابق حتى لا نبدأ من الصفر كل مرة.

إن مدرسة الشيخ نحناح أضافت لبنة للبناء الإسلامي العظيم يجدر بنا أن نقف عندها مراجعة وتثميناً للمحاسن والإيجابيات.

إن الشيخ محفوظ نحناح له تجربة جديدة في العمل السياسي من الحكمة ألا نتجاهلها حيث وصل بالدعوة إلى منابر كان من الصعب إتاحة الفرصة للمسلمين الوصول إليها.

وأخيراً أشير إلى أن أمنية الشيخ كانت أن يستشهد في المسجد الأقصى، نرجو الله أن يبلغه منازل الشهداء. آمين هذه شهادتي وقد تركت الكثير خشية الإطالة ومثله من الممكن أن تقام له دراسات وأبحاث لعل المستقبل يظهر الكثير من الحقائق المجهولة عن الشيخ الذي ظُلم كثيراً.

ولقد صحبته عشرين سنة أو أكثر فما رأيت منه إلا خيراً وإصلاحاً. هذه كلمتي عنه لعلها تفي بشيء من حقه عليّ.

شيخي الكريم الحبيب

ومعذرة اليراعة والقوافي جلال الرزء عن وصف يدق

إن الأمة الإسلامية قد ودعت زعيماً من طراز خاص، لن ندرك الفراغ الذي تركه إلا بعد زمن، وداعية واقعياً لم يعد الجماهير بالخيال ومن الأبراج العاجية وكان أمله أن تستقر الجزائر على شاطئ النجاة وأن يعود المسجد الأقصى إلى المسلمين فتعم الفرحة الأمة وتشرق الحضارة الإسلامية من جديد ولكن شاءت حكمة الله أن يلتحق بالآخرة وترجو أن تكون الآخرة خير له من الأولى.

فما أشبه الشيخ بالرواد كالإمام ابن باديس والغمام البنا والعلامة البشير الإبراهيمي ألحقنا الله بهم في الفردوس الأعلى في مقعد صدق عند بليغ مقتدر.

ذلك أن الشيخ لم يعمل ليمكن لنفسه وإنما عاش للآخرين فبقي أثره عميقاً في النفوس وثمرة جهاده تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فالشيخ قبل أن يموت بلحظات – كما بلغني بإسناد موثوق

– كان يذكر أسماء الصحابة رضي الله عنهم واسم رسول الله  فأنعم بها من وفاة – ليلة الجمعة – رحمه وألحقه بالصالحين، آمين.


الشيخ محفوظ نحناح .. فارس آخر يترجل

بقلم: راشد الغنوشي

المصدر: الشرق الأوسط

بوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فقدت الساحة الإسلامية عامة والمغاربية خاصة رجلاً من خيرة رجالاتها لم تكد الساحة الإسلامية في العالم ولا الساحة السياسية في الجزائر تعرف خلال العشر سنوات الماضية في الحد الأدنى مثل الأخ والصديق الفقيد محفوظ نحناح شخصية اصطرع حول تقويم سياساتها ومواقفها كل المتابعين للشأن الجزائري الذي هو بدوره ظل على نحو أو آخر في صدارة العشرية المنصرمة، غير أنه مهما اختلف المرء مع فقيدنا فيما اجتهد واتخذ من مواقف كثيراً ما صادمت الرأي العام الإسلامي والسياسي فلن يملك إلا أن:

1- يعترف لهذا الرجل بسابقته في خدمة دعوة الإسلام على كل الجبهات منذ كان طالباً في الآداب فأستاذاً جامعياً لمادة التفسير، ودأبه على نشر مبادئ وقيم التجديد الإسلامي في الجزائر التي كانت يوم بدأ عمله قد استقلت حديثاً وكان من شباب ثورتها الكبرى،

وكانت الآمال وقتها معلقة على استقلالها أن يحقق لها نقلة عظيمة إلى حياة إسلامية واعية باعتبار ثوراتها المتلاحقة منذ الأمير عبد القادر الجزائري إلى ثورتها التحريرية الأخيرة كان الإسلام مادة وقودها ولا سيما بعد العمل التأسيسي لجمعية العلماء، غير أن صعود موجة العلمنة والاشتراكية والشيوعية في العالم خلال الستينات والسبعينات وما حظيت به ثورة الجزائر في مرحلتها الأخيرة من تأييد المعسكر الاشتراكي مقابل انحياز الحلف الأطلسي للمستعمر جعل من الاستقلال نوعاً من النصر الاشتراكي والعلماني ومنطلقاً لتطبيقات اشتراكية في المستوى الاقتصادي والسياسي وفرصة للنشاط اليساري الشيوعي،

وذلك رغم انطلاقة موجة التعريب التي سيكون المد الإسلامي واحداً من ثمارها ويشكل أكبر تحدٍ لتوجهها العلماني الذي عاد في النهاية يصب في حوض التغريب تواصلاً مع إرث الإدارة الفرنسية المنهزمة ولكن في حالة كمون. وكان الشيخ محفوظ والشيخ عباسي والشيخ عبد الله جاب الله والشيخ محمد بوجلخة والشيخ محمد السعيد، ثم علي بالحاج ومصطفى براهمي ..

في مرحلة تالية، من أبرز رموز الشباب المغاربي الذين قاموا منذ نهاية الستينات وفي أعقاب حل أول جمعية إسلامية بعد الاستقلال "جمعية القيم" نهضوا تحت رعاية عدد ممن تبقى من شيوخ جمعية العلماء مثل الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ سحنون والأستاذ مالك ابن نبي يتصدون لانحراف الثورة عن إرثها الإسلامي وإيغالها في نهج العلمنة والاشتراكية والحكم الفردي وما تطورت إليه من تغرب ولائكية لا سيما في عهد الشاذلي،

لقد مثل الشيخ محفوظ جسراً مهماً جداً لنقل الأفكار الإصلاحية المشرقية والمناهج التربوية التي مثلها فكر الإخوان المسلمين عامة إلى الجزائر والمغرب العربي على نحو ما سواء عبر التدريس وسط طلاب الجامعة أم كان في عمق البلاد عبر شبكة الماجد ولا سيما في منطقة الوسط التي ينتسب الشيخ إلى واحدة من أهم مناطق البليدة التي عرف أهلها بالنجاح في مجال الأعمال، فكان من أهم أركان بسط فكر الدعوة الإسلامية في هذا القطر الإسلامي المهم.

2- ليس الشيخ محفوظ مجرد داعية نشط وواعظ حديث أمكن لخطابه المتميز بالعمق الديني والهدوء والواقعية والمستوي الأدبي الرفيع وروح الدعابة وإنما كان إلى ذلك مربياً ومنظماً مؤسساً لجماعة إسلامية "حركة المجتمع الإسلامي" "حماس" التي تحولت لاحقاً إلي حركة مجتمع السلم انسجاماً مع قانون الأحزاب، انغرزت هذه الحركة بقوة في المجتمع الجزائري

ولا سيما في الفئات الوسطي من الإداريين و الإطار التعليمي والتجار والنساء والشباب ومرت بمرحلة السرية والتتلمذ علي الفكر الإصلاحي المشرقي الذي يكون النقل الحرفي له في المرحلة الأولي قاد إلي تصادم الحركة في طور نشوئها في النصف الثاني من السبعينات مع حكم بومدين فاعتقل الشيخ وثلة من إخوانه وتعرض لصنوف من التعذيب وأمضى بضع سنوات في غياهب السجون، حيث أمكن لي التخفي مع أسرته لزيارته بالمستشفى خلال تلك الفترة بمدينة "الأصنام" التي تعرضت خلال وجوده بسجنها إلى زلزال شديد ترك الشيخ فجأة في العراء

وقد تساقط كل ما حول وفر من بقي على قيد الحياة بينما ظل هو ساكناً هادئاً في انتظار عودة السجن والسجانين، لقد مرت حركته من مرحلة النسخ عن المشرق إلى مرحلة التفاعل الجريء مع البيئة الجزائرية، لا سيما وقد تعرضت الجزائر لزلزال سياسي ربما لا يزال يحكم مسيرتها حتى اليوم هو حدث 5 أكتوبر 1988 الذي دكت فيه انتفاضة شعبية عارمة الدولة دكاً فعمت البلاد فوضى عارمة،

ومن هناك انطلقت مسيرتان كبيرتان، مسيرة الشيخين عباس مدني وعلى بالحاج اللذين امتطيا الموج العارم ومضيا به يكسوانه شعارات الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، المسيرة التي حاول الشاذلي مجاراتها بإجراءات ديمقراطية على أمل احتوائها نهاية، وحتى بعد فوز الجبهة الإسلامية في الانتخابات البلدية ثم وشوك فوزها في الانتخابات التشريعية ظل الشاذلي يواكب المسيرة ثقة في قدرته على احتوائها،

بينما الجيش رفض إسلام مصيره ومصالحه إلى الشاذلي وعباس فتحركت الدبابات أولاً لسحق جمهور عباس المتحرك في الشوارع ثم تحركت لسحق صناديق الاقتراع وإلغاء الانتخابات وطرد الشاذلي والرهان على الجيش بدل حيل الشاذلي الديمقراطية لسحق الجبهة بأفق العودة بالجزائر إلى ما قبل زلزال 5 أكتوبر بالقوة،

أما الشيخ محفوظ رحمه الله فكان متوجساً من الإبحار مع الموج الهادر ربما بحكم مزاجه الهادئ وعقله المنظم وتجربته في الصدام، فمال إلى التهدئة، وحتى لما اضطر الشاذلي لفتح أبواب التعددية على مصراعيها وانطلقت الجبهة كالصاروخ لتنزع من جبهة التحرير حزب السلطة قيادة أهم البلديات فقد ظل الشيخ محفوظ ملازماً موقف الحذر على تمام اليقين أن هذا الانفتاح مجرد خدعة لاحتواء الموقف وكشف حقيقة قوة ومواقع نفوذ الإسلاميين لتصفيتهم، غير أنه لم يملك - وقد أخذ المسار يفرض نفسه - نفسه من مسايرة الموجة ولكن بحذر،

إذ عمل على القيام بنوع من التأمين على الدعوة فاستحدث لها كياناً مستقلاً عن التنظيم السياسي هو جمعية الإصلاح والإرشاد كما مد خيوط تواصله مع أصحاب السلطة الحقيقيين قادة الجيش لطمأنتهم على أن حركة مجتمع السلم تراهن على الإقناع بجل الإخضاع وطرائق السلم وليس المغالبة وأنه شددي الحرص على بقاء الدولة في وجه التهديد المسلح من الجماعات الذي تتعرض له وأن الجيش هو أهم ضمان لاستمرار الدولة والاجتماع الجزائري،

ولم يتزحزح الشيخ عن هذه القناعات خلال أشد عنفوان الجماعات المسلحة وتغلغلها في الدمن والأرياف وحتى في العاصمة فضلاً عن الجبال، كان خطابه داخل الجزائر وخارجها يقارع تلك الجماعات وما تقوم عليه من تصورات فكرية وسياسية مبيناً تباينها مع ما يؤمن به من إسلام ومصلحة دعوته والوطن الجزائري، لم يرهبه ما تعرض له من حملات نقدية شديدة لنهجه ومن تهديدات لحياته لا سيما وقد أمكن لهم أن يجهزوا على أقرب أعضاده وخليفته المنتظر الشيخ "بو سليماني" رحمه الله،

ولا أزال أذكر صلاتي يوم الجمعة في المسد المركزي بلندن خلال عام 1995 مع الشيخ وما راعني ـ وقد تخلفت قليلاً عن الشيخ لأسلم على بعض الأصدقاء ـ ونحن ندلف وسط جموع غفيرة من صحن المسجد إلى خارجه، إلا وجمع من الشباب يلتف حول الشيخ صارخاً في وجهه ثم ما لبث أن وجه إليه أحدهم لكمة كادت تفضي إلى كارثة – لولا تدخل بعض العقلاء للحد من غلواء أولئك المتطرفين، ولقد عجبت لمدى تماسك الشيخ وهدوئه وسط الخطر الذي أحاط به، ولعله بعد ذلك فرض على نفسه وضع ترتيبات لتنقله.


3- الثابت أن الجماعة التي أسسها الشيخ على عينه وصورته قد ثبتت بعد ثلث قرن من التقلب مع الموج الجزائري العاتي رقماً مهماً ومعطى ثقافياً وسياسياً واجتماعياً يمكن لك أن تتفق معه أو تختلف لكن لا مناص من أن تقر له حساباً، فقد وسع قاعدته في مستوى الشباب الطلابي وفي مستوى العمل النسائي ووسط فئات وساعة من الفئة الوسطى ومختلف قطاعات الدولة بما قدم من تصور هادئ متسامح يعطي مكاناً واسعاً في الإسلام لكل ما هو إنساني وجميل وحديث من ديمقراطية وحقوق إنسان وذوق جميل ومال وتجارة وترفيه حلال وروح دعابة إلى حس عميق تجاه المساكين والأرامل والعوانس ـ

وأحسب أن أكثر زعيم إسلامي تكلم عن ظاهرة العنوسة وأحس بمعاناة أعداد هائلة من هؤلاء الفتيات هو الشيخ محفوظ ـ كما حفل خطابه بخصوصية نادرة في تحركات التغيير عن الدفاع عن الدولة وضرورة المحافظة عليها من والخشية من الانفلات والفوضى، والحقيقة أن هذا الخط مثل خطاباً تليداً في تراث علماء أهل السنة زهدت فيه الحركة الإسلامية المعاصرة التي سادها خطاب التثوير والتغيير بسبب ما نالها من بأس الدولة الحديثة حتى كرهتها لدرجة تمني زوالها ولربما هذا الخطاب الوسطي الجامع لئن أغضب من الشيخ فئات واسعة من الإسلاميين ولا سيما في وسط الشباب والسياسيين الجزائريين فقد أمده بقاعدة مستقرة مضمونة ربما حتى في وسط الجيش وقياداته بما أفسح أمام الشيخ فرص الترشح إلى قمة الهرم السياسي إذ ترشح في انتخابات 1995 لمنافسة الرئيس زروال،

ورغم أنه لم يفز إلا أن كل المتابعين لحملته الانتخابية يشهدون بتفوق مستوى خطابه وشعبيته بما جعل النتائج المعلنة موضع استفهام، وحاول مرة أخرى الترشح في مواجهة بوتفليقة إلا أنه أقصي بطرق ملتوية، تشهد مرة أخرى على أن اللعبة ممسوكة من فوق مسكاً محكماً، وأن هناك خطاً أحمر لا ينبغي للإسلاميين تجاوزه،

ومع ذلك صبر الشيخ وواصل الصمود في مواجهة التيار الاستئصالي المتصاعد لا سيما بعد فشل الرهانات العنيفة وترجيح كفة نهج المصابرة والتعقل الذي انتهجه الشيخ ـ مع ما يمكن أن يؤاخذ به من شطط في هذا الصدد ـ وأمكن لصموده أن يفسح المجال أمام ما هو متاح دون الرئاسة من مواقع في المجلس التشريعي ظلت محجوزة لحركة مجتمع السلم، مواقع مهمة في المستوى النيابي والتنفيذي دربت كوادر مهمة لهذه الحركة نقلتها من مستوى الشعارات والعموميات إلى قلب العملية السياسية بما هي تفاعل بين المبادئ والواقع

وهي أقوم الطرق لتطوير فكرنا الإسلامي في مجالات الاقتصاد والثقافة والتنمية والعلاقات الدولية وهو ما يعاني فيه فكرنا الإسلامي فقراً شديداً نتيجة نأيه منذ زمان عن ميادين التطبيق.

وإذا كان الموت قدر كل كائن حي فإنما تقاس حياة الرجال بما قدموه لأمتهم وللإنسانية وبما قدموا إلى ربهم ورغم أني طالما اختلفت خلال العشرية المنصرمة مع الشيخ رحمه الله فقد ل إعجابي كبيراً بثباته على ما يعتقد أنه حق ومصلحة وبشجاعته في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور، وقد خبرته عن قرب خلال إقامتي بالجزائر مدة سنتين ولمست عن قرب مدى امتدادات وتشعب علاقاته التي لم يضن بها عنا، ولكن ومهما اختلف عنك ومهما أربدت الأجواء من حوله فقد كانت الابتسامة العريضة لا تكاد تغادر محياه الجميل ودعابته الحاضرة واستحضاره الدائم للعواقب وموازين القوة ومعية الرحمن الرحيم تماماً بنفس الحرص على أناقة المظهر من مثل تهذيب ذقنه وإحكام رباط عنقه وبذلته الحديثة العهد بالمكواة.

كل ذلك جعل من الشيخ طرازاً متميزاً في التنظيم الإسلامي تتفق معه أو تختلف لكن لا يمكن لك إلا أن تقدر فيه الشجاعة والثبات والسماحة والاعتدال والمرونة السياسية لدرجة البراغماتية والحس العميق بهموم الناس ومكانة الدولة في الجماعة لا سيما الدولة الحديثة والتعويل على الحوار والتفاوض والقبول نهاية بالممكن والمشاركة والامتناع مطلقاً عن ترك فرصة للخصوم للانفراد بالأمر العام. مثل هذه الشخصية ما أحسب أن ما أثارته في حياتها من جدل سينتهي بموت الجسد ولكن سيتواصل ما تواصلت المشكلات التي طرحتها والحلول التي اقترحتها.

رحم الله الأخ الصديق الحبيب الشيخ محفوظ بقدر ما جدد وأشاع من قيم الإسلام العملية والتربوية والسياسية وحسن المعاملة، مما تحتاجه أمة وشعب ممزقان بالأحقاد ونزوعات التنافي ورحمه بما حرك من سواكن العقول وفجر من قضايا عملية للتفكير والتأمل، رحمه الله في الأولين وعوض الله شعب الجزائر وإخوانه مجتمع السلم وأمة الإسلام خيراً وأفرغ على ذويه وأحبابه جميل الصبر وجمعنا الله به في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

الأخ المجاهد محفوظ نحناح للمستشار عبد الله العقيل

الأخ المجاهد محفوظ نحناح

بقلم: المستشار عبد الله العقيل

ــــــــــــــــــــــــــ

ولد الشيخ محفوظ نحناح يوم 12-1-1942م، وكان مولده في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت التحولات السياسية والفكرية في الجزائر تتحدث عن مرحلة ما بعد الاستعمار ببداية اندحار فرنسا المستعمرة أمام دول المحور وانكشاف عورة الاستعمار الفرنسي وبداية العد التنازلي لفكرة الاستعمار الاستيطاني.

وكان مولده بمدينة "البليدة" في الجزائر، وسط عائلة محافظة، ونشأ في أحضان القرآن الكريم، واللغة العربية، ودرس في المدرسة الإصلاحية، التي أنشأتها الحركة الوطنية، وأكمل مراحل التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي في الجزائر،

حيث حصل على ليسانس لغة عربية، ثم سجَّـل في جامعة القاهرة "قسم الدراسات العليا"، وفي فترة دراسته الجامعية بالجزائر ساهم مع إخوانه في فتح مجد الطلبة، حيث كان أول من خطب الجمعة بالمجد المذكور. وساهم مع إخوانه محمد بوسليماني ومحمد بومهدي سنة 1962م في ثورة التحرير الجزائرية وهو في ريعان الشباب، حيث كان عمره 20 عاماً.

نشاطه العملي والدعوي: اشتغل الأخ نحناح في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من ثلاثين عاماً بدءاً من سنة 1964م بالتعاون مع رفيقه الشيخ محمد بوسليماني، حيث وضعا اللبنة الأولى للجماعة الإسلامية في الجزائر.

وقاوم المد الثوري الاشتراكي والثقافة الاستعمارية الفرنسية. وكان من أشد معارضي التوجه الماركسي والفرنكفوني والعقائد الضالة والأخلاق المنحرفة، مما أدى إلى اعتقاله سنة 1975م، وحكم عليه بالسجن خمسة عشرة سنة، كانت فرصة للتزود بالعلم والتفرغ للعبادة، كما كانت سبباً في هداية الكثيرين من نزلاء السجن إلى طريق الحق والاستقامة على منهج الإسلام.

وبعد وفاة الرئيس "هواري بومدين" يوم 27-12-1979م وبعد زلزال الأصنام في 10-10-1980، حيث كان سجيناً حيث كان سجيناً هناك أطلق سراحه بعد أن قضى خمس سنوات فقط.

وقد ساهم في تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية مع صفو من علماء الجزائر ودعاتها منهم الشيخ أحمد سحنون رئيس الرابطة، والشيخ عبد الله جاب الله، والشيخ علي بلحاج والشيخ محمد بوسليماني، والدكتور عباس مدني، وغيرهم، كما ساهم في تأسيس جمعية الإرشاد والإصلاح سنة 1988م مع زميله الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته جماعة مسلحة سنة 1994م.

ويمتاز الشيخ نحناح بقدرة هائلة على الاتصال والتنقل، فقد زار القارات الخمس داعياً وحاملاً رسالة الوسطية والاعتدال، كما طاف كل محافظات الجزائر وأسس فيها أنشطة دعوية وتربوية وخيرية متنوعة.

كما أنشأ الشيخ النحناح "حركة المجتمع الإسلامي" سنة 1991م وانتخب رئيساً، وقد تغير اسمها إلى "حركة مجتمع السلم" بعد صدور قانون جزائري يحظر استعمال وصف "إسلامي" على الأحزاب. ولقد كانت مواقف الشيخ نحناح تتسم بالاعتدال والتوازن، فقد عارض موقف الحكومة من الانتخابات، كما اعترض على دعاة العنف وحمل السلاح.

وهو الذي صاغ بيان التجمع الإسلامي الكبير سنة 1980م، كما نظم أول مهرجان إسلامي سنة 1988م، ونادى بإنشاء رابطة تجمع كل الدعاة من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية سنة 1989م، كما أنه انضم إلى علماء العالم الإسلامي في توقيع وثيقة ترفض التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين واعتبرها وقفاً إسلامياً.

ويعتبر محفوظ نحناح أول زعيم حركة إسلامي في العالم العربي يتقدم للترشح لرئاسة الجمهورية. والحق يقال: إن الشيخ محفوظ نحناح فيه من مواصفات الزعامة والقيادة ورباطة الجأش وقوة التحمل والصبر على المكاره ما يرشحه للأمور العظيمة والأحداث الجسام.فهو كفء لذلك، وأهل تحمل التبعات التكاليف لأنه من فرسان هذا الميدان.

أفكـاره وطروحاتـه

من أهم الطروحات التي يدافع عنها الشيخ محفوظ نحناح هي: الشورى، والديمقراطية، والتطور، والتسامح، والتعايش، والاحترام المتبادل، واحترام حقوق الإنسان، ومشاركة المرأة في مجالات الحياة، وحوار الحضارات، واحترام حقوق الأقليات، وتوسيع قاعدة الحكم، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الحريات الشخصية والأساسية، والوسطية والاعتدال، وتجسير العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

وكان يرى ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية، ويدعو إلى التمييز بين ضرورة وجود الدولة وتقويتها ومنافستها ومعارضتها والمطالبة بخلعها وذهابها عند إساءتها، ويرى أن المشاركة في قاعدة الحكم أولى من الروح الانسحابية أو المعارضة الراديكالية.

وكان موقفه واضحاً من وقف المسار الانتخابي بالجزائر ويعتبره خطأ كبيراً من الحكومة بحمل السلاح وجز الرقاب والحقد والتدمير. وفيما يتعلق بالغزو الأمريكي للعراق، فقد كان واضحاً غاية الوضوح، حيث دعا إلى بلورة موقف متقدم لقوى الأمة العربية لضمان حركة المعارضة للاحتلال الأمريكي للعراق ومواجهة استراتيجيات الهيمنة على الأمة العربية والإسلامية.

وقد طالبت حركته "مجتمع السلم" بفتح قنوات الحوار أمام الجميع وإيقاف حملات العنف والعنف المضاد، والتكفل بالعائلات المتضررة من جراء المأساة الوطنية ورفع العقوبات التعسفية التي طالت بعض المواطنين من جراء انتماءاتهم السياسية، وتعويض المتضررين منهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وسجناء الرأي، بالتوازي مع إقامة محاكمات عادلة للمتورطين في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وكرامة المواطنين.

والعمل الجاد والعودة بالبلاد إلى الوضع المستقر الآمن الذي يعيش فيه المواطن وهو آمن على نفسه وأهله من تغوّل السلطة أو استهداف المخرِّبين. وضرورة انصراف الحكومة إلى تأمين احتياجات المواطنين الجزائريين ورفع العنت والظلم عنهم وتيسير سبل الحياة الكريمة لهم، ولكل طبقات الشعب دون استئثار أو تفضيل لطبقة على طبقة أخرى، أو الاهتمام بشريحة من المواطنين دون أخرى، فالحكومة مسئولة عن جميع المواطنين دون استثناء أو تمييز.

شيوخـه

لقد تأثر الشيخ محفوظ نحناح بـ "مدرسة الإرشاد" التي هي مدرسة الحركة الوطنية، وشعارها: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا" كما تأثر النحناح بـ "جمعية العلماء المسلمين" التي هي جزء من الحركة الوطنية، إلا أنها تتميز بالإسلامية التي جعلتها نموذجاً آخر غير النموذج العادي في الحركة الوطني،

ومن زعماء هذه المدرسة الشيخ عبد الحميد بن باديس الزعيم الروحي للجزائر، والمفسر للقرآن والمصلح والداعية الذي كان سلفي المنهج، صوفي السلوك، مجاهداً ضد الاستعمار، ومن زعماء هذه المدرسة أيضاً الشيخ البشير الإبراهيمي العالم الفذ في الأدب واللغة والإصلاح والفكر، وصاحب الصولات والجولات الذي نقل حقيقة الثورة الجزائرية، وهموم الجزائر إلى كل أنحاء العالم الإسلامي،

ومن زعماء هذه المدرسة أيضاً الشيخ الفضيل الورتلاني الذي تجاوز حدود الوطن ليصبح مصلحاً عالمياً وهو قرين الشيخ الإبراهيمي وأحـد السياسيين المحنكين والعلماء الفطاحل والمصلحين المجددين، ترك آثاراً وبصمات في مصر واليمن وسورية وتركيا والجزائر.

وهؤلاء العلماء الثلاثة من جمعية العلماء المسلمين كان لهم التأثير الكبير في شخصية الشيخ محفوظ نحناح، بالإضافة إلى الأستاذ مالك بن نبي والإمام الشهيد حسن البنا، والشيخ محفوظي الجزائري والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي، فضلاً عن المؤلفات القيمة للإمام ابن تيمية التي نهل منها الأستاذ النحناح ودأب على دراستها.

هذه الشخصيات والمدارس الفكرية كان لها أبرز الأثر في تكوين شخصية الشيخ محفوظ نحناح وتحديد مسارها وانطلاقها في حقل الدعوة الإسلامية المعاصرة.

فالإمام الشهيد حسن البنا مجدد القرن الرابع عشر الهجري، الذي نقل فكر الإسلام من النظرية إلى التطبيق، وعمل على وحدة الأمة الإسلامية وتخليصها من الاستعمار بكل أشكاله، كان له تأثير كبير جداً على الشيخ محفوظ نحناح حيث سلك طريقه ومنهجه وأسلوبه في الدعوة إلى الله، لأن الإمام حسن البنا ليس رجلاً محدود العمل في دولة أو قطر، بل كان يملك نظرة عالمية، تجمع بين المعاصرة والأصالة وهذا ما سار عليه الشيخ محفوظ نحناح وبخاصة بعد ارتباطه العضوي بحركة الإخوان المسلمين العالمية.

وكان يفقه مقولة الإمام الشهيد حسن البنا في توجيه الشباب حق الفقه ويضعها نصب عينيه إذ يقول الإمام البنا: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا آشعة العقول بلهب العواطف والزموا صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ولا تصادموا نواميس الكون، فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد".

مواقفــه

لقد كان للشيخ محفوظ نحناح مواقف كثيرة تدل على أصالته وصدق لهجته وعمق فهمه للأحداث وطرح المفاهيم المستقاة من الإسلام كتاباً وسنة، والمأخوذة من مواقف السلف في معالجة ما يستجد من أحداث وقضايا ومشكلات في حياة الناس والمجتمعات وطرح الحلول الناجعة لعلاجها والتصدي للآراء المنحرفة والأفكار البعيدة عن المنهج الإسلامي الصحيح.

ومن هنا نجد أنه بعد التشاور مع إخوانه وعرض وجهات النظر للقضايا والاستهداء بالكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، يكون اتخاذ القرار الحاسم في المواقف دون تردد لأنه يرى وإخوانه أن في ذلك مصلحة للأمن والوطن، ومن ذلك دخول الانتخابات التشريعية، بل إنه رشح نفسه لانتخابات الرئاسة سنة 1995م وحصل على المرتبة الثانية بأكثر من ثلاثة ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة. كما شارك الأستاذ النحناح في العديد من المؤتمرات والملتقيات الدولية في الدول العربية والإسلامية والآسيوية والإفريقية والأوروبية والأمريكية.

وكان مسار حركته "حركة مجتمع السلم" نبذ العنف والحفاظ على قيم المجتمع الجزائري وتبني الإسلام وثوابت الأمة الجزائرية والسعي لإقامة السلم والوئام الوطني في الجزائر وحماية حقوق الإنسان وكرامة المواطن. والحركة تعتمد على الحوار على الحل السياسي وضرورة فتح قنوات الحوار أمام الجميع.

وقد أدان الشيخ محفوظ العنف بكل صوره وأشكاله سواء من الدولة أو من الجماهير، واعتبر أن هذا غريب عن منهج الإسلام والمسلمين، وكرس جهوده للدفاع عن العقيدة الصحيحة وقيم الوسطية والاعتدال. وقد دفعت حركته ضريبة غالية من دماء أبنائها حيث ذهب أكثر من خمسمائة شهيد من إخوانه ومحبيه ومناصريه وعلى رأسهم رفيق دربه الشهيد الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتيل عام 1994م على يد مسلحين تكفيريين.

وأذكر أن الشيخ بوسليماني زارني في مكة المكرمة وشرفني في بيتي في نفس العام، حيث وجدت فيه الخلق الإسلامي والتواضع الجم، وإنكار الذات، والفهم العميق لدينه، والوعي الرشيد لمرحلة الدعوة، وأكبرت فيه فقهه لطبيعة المرحلة ومتطلباتها، ولا غرو في ذلك فهو من إخوان النحناح وأعوانه الخلص.

ولقد دخلت "حركة مجتمع السلم" الانتخابات النيابية وحصلت على 70 نائباً، كما شاركت في الحكومة بسبعة من الوزراء. ورغم التدخلات وخلط الأوراق فيما بعد، بقيت "حركة مجتمع السلم" لها ممثلوها في البرلمان الجزائري وفي الحكومة، وإن كانوا بعدد أقل من السابق.

رحلاته ومحاضراتـه

قد كانت للأخ محفوظ على مدار العام رحلات طويلة وقصيرة طاف فيها أرجاء العالم العربي والإسلامي والعالم الغربي وإفريقيا وآسيـا، فقد زار الولايات المتحدة الأمريكية وسعدت بحضور محاضراته في دار الهجرة بواشنطن كما زار إسبانيا وفرنسا والسويد وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وألقى فيها جميعاً محاضرات وعقد ندوات. كما تعددت وتكررت زياراته ومحاضراته وندواته في المملكة العربية السعودية والكويت وقطر وسورية والأردن والسودان والمغرب وليبيا وغيرها.

وكان في معظم محاضراته يركز على ضرورة الالتزام بالمنهج الوسط والتدرج في الخطوات وعدم الانسياق وراء الدهماء والعوام لأن أهواء العوام لا تهادن كما يول شيخه محمد الغزالي. ورأى أن التطرف والغلو يعطي المسوغات للأنظمة الجائرة وأزلامها من العلمانية فرصة الانقضاض على الحصون الإسلامية.

ومن محاضراته التي ألقاها أثناء رحلاته محاضرة "الصحوة الإسلامية .. واقع وآفاق" ألقاها في المغرب سنة 1990م وكانت تتصف بالاتزان وتبشر بخيار المصالحة بين الأنظمة والحركات الإسلامية المعتدلة، فضلاً عن موقفه المؤيد لتسوية إيجابية لقضية الصحراء. وكان طيلة فترة توتر العلاقات المغربية الجزائرية صوتاً للحكمة والتعقل داخل الجزائر، داعياً إلى تسويتها بمنطق الحوار والتفاهم المتبادل للمصالح المشتركة. وكان حريصاً على التواصل مع القوى السياسية والوطنية بالمغرب.

وقد سعدت بحضور محاضرة له في عمان بالأردن كان فيها واضحاً غاية الوضوح، وصرحاً غاية الصراحة، حيث لم يهادن أحد وهو يعرض الحقائق على الأرض بتفاصيلها ويشخص الوضع الجزائري بكل أبعاده ويصف الحرب المستعرة بين الحكومة وحملة السلاح في الجبال، وكيف أن الأفعال وردود الأفعال هي المسيطرة على دوام الاقتتال وذهاب الأرواح وتخريب البلاد.

وهذا الأسلوب يأباه الإسلام وترفضه تشريعاته وأحكامه، فإن الدم المسلم غال ومحترم، والنفس البشرية مصانة ومعصومة. وتلك ولا شك فتنة وبلاء، ومحنة ومصيبة، أحرقت الحرث والنسل، وولدت الشحناء والبغضاء، والخاسر فيها هو الشعب الجزائري والدولة الجزائرية على حد سواء، وحين سئل عقب المحاضرة عن الذي يجري في الجزائر أجاب: هناك تيار يريد ربط الجزائر بباريس وتيار آخر يريد ربط الجزائر بابن باديس.

فأدرك السامعون القصد وفهموا سر الصراع بين الإسلاميين والفرانكفونيين بالجزائر.

معرفتي بـه

أول من حدثني عنه وذكر لي صفاته وأخلاقه، هو الأخ مصطفى محمد الطحان الذي التقاه بالرياض سنة 1972م، ثم التقيت به في الكويت والمملكة العربية السعودية، والجزائر، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، وتركيا، مرات عديدة وعلى سنوات متتابعة، حيث اللقاءات مع قادة الحركات الإسلامية في العالم كل عام تقريباً.

من أجمل تلك اللقاءات كان في ألمانيا وفرنسا، حيث اجتماعات مجلس الشورى العالمي للإخوان المسلمين. وكان في فترات الراحة نتجاذب أطراف الحديث ونتبادل المداعبات والطرف التي كان يتحفنا بها أستانا الحاج عباس السيسي الذي يعطر المجالس بطرفه ولطائفه ويدخل السرور على إخوانه، ويشاركه الأخ الدكتور الحبر نور الدايم من السودان والأخ محفوظ نحناح.

ولقد تكررت اللقاءات في مكة المكرمة في مواسم الحج والعمرة في رمضان، حيث يزورني في البيت والرابطة وفي بيوت الإخوان ومساكن الطلبة الجزائريين.

وكذا الحال أثناء زياراته للكويت لجمعية الإصلاح الاجتماعي والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية ومنزل الأخ عبد الله المطوع وبقية إخواننا الكويتيين.

وكنت معجباً غاية الإعجاب بعصاميته وقوة شخصيته وفقهه الدعوي والسياسي وفصاحة منطقه وبلاغة عباراته ونبرات صوته وصد تحليلاته وجرأته وشجاعته وصبره ومصابرته وقدرته على الحوار، وإقناع الآخر بوجهة نظره، وعمق إيمانه بدينه.


قالوا عنـه

يقول عنه رفيق دربه الأخ المهندس مصطفى محمد الطحان الأمين العام للاتحاد العالمي للمنظمات الطلابية: "التقيته أول مرة سنة 1972م في إطار لقاء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض ..

وفي عام 1973م كنت في زيارة للمغرب، ثم الجزائر .. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت، وجدت الأخ محفوظ نحناح يستقبلني فاتحـاً ذراعيه ولا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته، ذهبنا في سيارته الصغيرة "الفولكس واجن" إلى بلدته "البليدة" وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير ..

وفي أحد مساجد العاصمة جلست أستمع لدرس الشيخ محفوظ الذي كان كالنهر المتدفق .. كلمات واعية .. وإيماءات واضحة .. وتوجيه سليم .. وإخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه .. وعما بعد الدرس..

واستغربت أن يكون مثل هذا الطرح الجريء .. والأيام الحاكم فيها "هواري بومدين" والتوجه للدولة اشتراكي علماني ..

ويظهر أن شيخنا قرر أن يقول كلمة الحق واضحة ويعتصم بالصبر مهما تكن النتائج. وهبنا إلى مسجد الطلبة بالجامعة المركزية الذي ساهم في فتحه الأخ محفوظ وخطب فيه خطبة الجمعة، وكانت الأوضاع وقتها في الجامعة بعيدة كل البعد عن المظهر الإسلامي. وحين سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا.. أجابني: "ولتعلمن نبأه بعد حين". وبعد هذا كنت أزور الجزائر مرة في السنة.

وفي مرة زرنا معاً القاهرة، وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب سجون عبد الناصر التي قضوا فيها ما يزيد على العشرين عاماً. وكان لقاءً موفقاً سعد به الجميع اعقبه عهد وموثق. وفي سنة 1975م تم اعتقال الشيخ محفوظ نحناح والحكم عليه خمسة عشر عاماً بعد نشره بياناً بعنوان "إلى أين يـا بومدين؟"

وفي عام 1990 لقيت الشيخ محفوظ في طرابلس الغرب حيث كان الاجتماع لمناقشة قضية الاحتلال العراقي لدولة الكويت كان البعض يؤيد العراق والآخر مع حق الكويت وحرية أبنائه .. ورأيت الشيخ محفوظ يزأر كالأسد ويقول: كلكم مهتم بحفظ ماء وجه صدام حسين .. ولا أرى أحداً يهتم بدماء أهل الكويت ..

وكان آخر لقاء في إسطنبول بشهر يوليو تموز سنة 2002م، حيث جاء مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مبرحة ومعالجات طالت لم أعرف يومها ذلك، فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه.

هذا، وقد أُلفـت عنه الكثير من الكتب من أهمها: "رجل الحوار محفوظ نحناح"، و"خطوة نحو الرئاسة". كما أن له الكثير من المحاضرات المطبوعة وأهم كتبه هو: "الجزائر المنشودة المعادلة المفقودة: الإسلام.. الوطنية.. الديمقراطية". وله أكثر من ألف شريط مسجل يضم المحاضرات والدروس وخطب الجمعة.

وفاتــه

جاء نعيه على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة الأستاذ سليمان شنين الذي قال: "ننعي إلى العالمين الإسلامي والعربي وفاة الشيخ محفوظ نحناح رجل الوسطية والاعتدال والتسامح الذي سيترك رحيله فراغاً كبيراً على المستويين الوطني والدولي".

والشيخ محفوظ رئيس حركة "مجتمع السلم" يتولى منصب المراقب العام للإخوان المسلمين في الجزائر منذ سنة 1981م.

وكان رحمه الله د قاسى المرض الخطير أكثر من سنة، حيث استقر في دمه وعظامه، ولكنه كان صابراً لا يشكو، وقد ذهب إلى فرنسا للعلاج، وبعد ثلاثة أشهر عاد إلى وطنه لتقرير الأطباء استحالة العلاج، فكانت وفاته بين أهله وإخوانه الذين يحبهم ويحبونه يوم 19-6-2003م، وبعد وفاته خلفه الأخ أبو جرة سلطاني.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقـاً. والحمد لله رب العالمين.


برقية فتحي يكن لوفاة الشيخ محفوظ نحناح

برقية عزاء ورثاء بوفاة الشيخ محفوظ نحناح

عائلة الفقيد الراحل الشيخ محفوظ نحناح، حفظكم الله جميعاً وأعظم أجوركم. كنت أود أن أكون مهنئاً للفقيد بالانتصار، وبلوغ موقع القرار، وليس معزياً به ومودعاً الوداع الأبدي، في وقت الجزائر وأمته أحوج ما تكون إليه .. ولكنها مشيئة الله النافذة، وأقداره الجارية، ونداؤه العلوي الذي لا يرد.

أخي الكريم الأستاذ محمد مغارية وجميع قادة وأفراد "حركة مجتمع السلم" الجزائريـة.

عائلة الفقيد الراحل الشيخ محفوظ نحناح، حفظكم الله جميعاً وأعظم أجوركم. كنت أود أن أكون مهنئاً للفقيد بالانتصار، وبلوغ موقع القرار، وليس معزياً به ومودعاً الوداع الأبدي، في وقت الجزائر وأمته أحوج ما تكون إليه .. ولكنها مشيئة الله النافذة، وأقداره الجارية، ونداؤه العلوي الذي لا يرد:

يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي  وليس لنا حيال المصاب إلا أن نقول ـ مع العين الدامعة والنفس الحزينة الخاشعة ـ ما علمنا ربنا تبارك وتعالى:  الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون  البقرة: 156

نودعك .. والعالم الإسلامي يواجه أعتى التحديات وأشرس المؤامرات من قوى الشر والطغيان، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ! نودعك .. وبلدك الجزائر تعتصره مسيرة أحزان وآلام، ويتعرض لفتن عمياء ومآس صماء بكماء، تجعل الحليم حيراناً .. حيث المذابح وشلالات الدماء لا تتوقف .. وشر ما فيها أنها محسوبة على الإسلام!

يراد للجزائر أن تلغى من الخارطة، وتجتث من رحم العروبة والإسلام، وتعود القهقرى على زمن التخلف القبلي والعصبيات الجاهلية، بعد أن أشرق عليها نور الإسلام ردحاً طويلاً من الزمن، وأكرمها الله بثورة المليون شهيد وختم لها بالنصر على الاحتلال الفرنسي الغاشم!

نودعك، وأملنا كبير في الأجيال التي ربيت، أن تتابع المسير، وتحقق الكثير الكثير مما تمنيت أن تحققه بنفسك لبلدك ولأمتك ..

وثم لا يفوتنا أن نقول لمن تسلم الراية من بعدك: جعلكم الله خير خلف لخير سلف، وجمعنا وإياكم مع الراحل الحبيب ومن سبقه بإحسان تحت لواء المصطفى العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام..

لكم ولعائلة الفقيد أحر التعازي، وخالص التحيات، مع صادق الدعاء، وحسبنا الله ونعم الوكيل. طرابلس ـ لبنان: في 23 ربيع الثاني 1424 هـ / الموافق 24 حزيران 2003م.

أخوكم فتحي يكن


رحيل الأستاذ محفوظ نحناح

رحيل الأستاذ محفوظ نحناح

بقلممصطفى الطحان

منذ سنة تقريباً .. والأستاذ الفاضل محفوظ نحناح يصارع المرض الخطير الذي استقر في دمه وفي عظامه .. المرض الذي وصفه الشاعر المتنبي بقوله:

وزائرتـي كأن بها حـياء

فليس تـزور إلا في الظـلام

فرشت لها المطارف والحشايا

فعافتهـا وباتت في عظامي

كان يصارع المرض بالنشاط والحركة .. وفي بعض الأحيان تتغلب عليه آلامه فتهدأ حركته ولا يشكو .. وكيف يشكوا من أصبح مسئولاً عن حركة؟!

كنت معه في أنقرة .. وكان معنا ثلة من رجالات الفكر والسياسة، كان يخرج من الندوة .. ويغيب أحياناً ثم يعود .. كنت أستغرب الأمر .. وبعد أكثر من سنة أخبرني بأن الآلام كانت تضطره إلى مثل هذا الخروج .. حتى لا يلاحظ ذلك أحد.

وأخيراً جاءناً نعيه على لسان الناطق الرسمي باسم الحركة الأستاذ سليمان شنين، فقد نعى إلى العالم الإسلامي والعربي وفاة الشيخ محفوظ نحناح رجل الوسطية والاعتدال والتسامح ..

مشيراً إلى أن رحيل رئيس حركة مجتمع السلم سيترك فراغاً كبيراً على المستويين الوطني والدولي، فهو يتولى منذ العالم 1981 منصب مسئول تنظيم الإخوان المسلمين في الجزائر.

وكان عاد إلى الجزائر الأسبوع الماضي بعد ثلاث شهور من العلاج في فرنسا فقد تأكد الأطباء استحالة شفائه من مرض سرطان الدم الذي تمكن منه .. فأراد هو وأراد إخوانه أن يموت في بلده .. بين أهله وأسرته .. وبين إخوانه الذين أحبهم وأحبوه.

وأجدني – وأنا أقف أمام هذا الحدث الجلـل – أقلب أوراق الذكريات الغالية مع الأخ محفوظ نحناح. التقيته أول مرة عام 1972 في إطار لقاء الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض .. شاباً في الثلاثين .. كل ما فيه ينطق: لسانه ورأسه ويداه .. ومنذ كنت وحتى اليوم عندما أحضر لقاءً مثل هذا، أتفرس في وجوه القوم، وأختار واحداً أو أكثر ممن تظهر عليهم علامات الوعي والحركية والتفاؤل .. فأصل أسبابي بأسبابه ..

في عام 1973 كنت في زيارة إلى الشمال الإفريقي بدأتها بالمغرب .. ثم الجزائر .. وعندما أنهيت معاملة الوصول وخرجت. وجدت الأخ محفوظ يستقبلني فاتحـاً ذراعيه .. لا أنسى حرارة ذلك اللقاء وأهميته وفائدته .. ذهبنا في سيارته الصغيرة الفولك فاجن إلى بلدته (البليدة) وهي على مسافة 50 كيلو متراً إلى الجنوب من العاصمة الجزائر، وأقمت عنده في بيت العائلة الواسع الكبير .. كل من يصادفك في هذا البيت يؤكد في ذهنك التدين والتواضع والخلق الحسن.

في طريقنا إلى أحد مساجد العاصمة الكبيرة، لنستمع إلى أحد الدروس التي يلقيها الأستاذ محفوظ في العديد من مساجد العاصمة ومساجد البليدة .. هناك جلست أمام النهر المتدفق .. كلمات واعية .. وإيماءات واضحة .. وتوجيه سليم .. وأخوة شباب يلتفون حولنا يسألون الشيخ عن درسه .. وعما بعد الدرس ..

واستغربت أن يكون مثل هذا الطرح الجريء .. والأيام أيام (أبو مدين) .. والتوجه اشتراكي علماني.. ويظهر أن شيخنا قرر أن يقول كلمة الحق واضحة، ويعتصم بالصبر مهما تكون النتائج.

وذهبنا معـاً إلى مسجد الطلبة في الجامعة المركزية .. وكانت بداية التحول في البلد كله .. فهي النواة التي تفرعت عنها جميع الاتحادات الطلابية .. وانتقلت من العاصمة إلى المدن الأخرى .. ومن سكن الطلاب إلى التجمعات المعنية، فأصبح الطلاب أطباء ومهندسين ومحامين .. شغلوا معظم فراغ المجتمع المدني ..

الأخ محفوظ (رحمه الله) هو من ساهم في فتح مسجد الجامعة، وهو أول من أدى صلاة الجمعة فيه.. في المسجد التقيت بالأخ الدكتور مصطفى براهمي.. ربطتني الرسائل معه منذ سنوات.. حتى كان لقائي به في مسجد الجامعة.. زرنـا سكن الجامعة.. وتحدث الأخ محفوظ وتحدثت بعده.. اللغة نفسها والروح والتوجه كذلك.. في زيارتنا للجامعة.. كانت الأوضاع والمظاهر بعيدة كل البعد عن الشكل الإسلامي.. لباس الطالبات.. حركاتهن مع زملائهن، وهن رائحات غاديات أو جالسات على المقاعد أو مستلقيات في الحدائق..

سألته: الأوضاع صعبة يا شيخنا.. أجابني: ولتعلمن نبأه بعد حين.

اصطحبني الأخ محفوظ إلى لقاء حميم.. جميع قادة العمل الإسلامي من مختلف الاتجاهات: الإخوانية والسلفية والإنقاذية والجزأرة والصوفية وغيـرها كانوا في هذا اللقاء..

لقاء هؤلاء أمرٌ طبيعي.. وخلافاتهم مفتعلة.. كلفـت الدعوة والدعاة كثيراً من العناء والإرهاق والخسائر التي لا تقدر بثمن.

لو اقتصر أعداء الإسلام على إيغار صدور الإسلاميين على بعضهم على بعض لكفاهم.. فهو الأمر الذي ينهك العمل الإسلامي ويدمر الدعوة والدعاة..

لا أنسى أبداً الزفرات الحرى التي كان يطلقها أخونا محفوظ حزنـاً على رفيق دربه رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشيخ محمد بوسليماني، عندما سقط برصاصات على بد بعض الإسلاميين عام 1994. واستغربت الأمر.. فلم يكن يدور في فكري أن الأخ يمكن أن يقتل أخاه.. وسألت الأخ محفوظ: وهل أنت متأكد أنهم هم الذين قتلوه؟

وقال والألم يعتصره: نعم نعرفهم بأسمائهم.. وليس الأمر أمر شهيد واحد بل عشرات.. ونحن نصبر ونحتسب فلا نريد أن نشمت بنا الأعداء.

في هذه السنوات كنت أزور الجزائر مرة في السنة على الأقل وأستمتع بصحبة وأفكار وأنشطة أخينا محفوظ.. وفي مرة زرنا معاً القاهرة وكنا على موعد مع رجالات الدعوة الذين خرجوا لتوهم من غياهب السجون التي قضوا فيها ما يزيد على عشرين سنة على يد طاغية آخر من طغاة بلادنا.. كانت سعادة الجميع بادية على وجوههم..

الشيوخ سعداء بأن الدعوة التي رعوها ودفعوا أثماناً باهظة من حياة إخوانهم.. ومن سنوات نفسهم إلى الصحاري في معتقلات الأنظمة.. قد أثمرت وأينعت في العديد من البلدان.. والشباب كانوا أسعد فما أعظم أن يلتقي شاب مثلنا مع قيادات شامخة كنا ندرس فكرهم ونتتلمذ على كتبهم.. ونتأسى بصبرهم وثباتهم..

ما أجمل أن تضام السواقي مع النهر المتدفق لتشكل جميعاً تياراً عريضاً.. يزداد اتساعاً وعمقاً مع الأيام. عام 1975 وبعد مناقشة الميثاق الوطني.. تم اعتقال الشيخ محفوظ نحناح والحكم عليه 15 سنة بعد نشره بياناً بعنوان: إلى أين يا بومدين؟

ليس محفوظ نحناح وحده الذي حوكم وحكم ظلماً وعدواناً.. بل الأمة كلها باستثناء الطغاة (أو السوبر باشوات) كما سماهم الكاتب حسين مؤنس.. دخلوا السجن الصغير.. أو السجن الكبير.. وليس أضر بالشعوب من إخافة الناس، وتهديد أمنهم، وإهانتهم، وإهدار كرامتهم،

وخاصة إذا جاء ذلك كله على يد أولياء الأمر، لأن الشعب يتربى بالقدوة، ويتعلم بالمثل الصالح، فإذا كانت القدوة سيئة.. كانت البلية بلا حدود. كان لابد من زيارة الحبيب في سجنه.. وسافرت إلى الجزائر.. ولظروف خاصة لم أستطع الوصول إلى أخينا.. المهم أني قمت بما أستطيع.. ولا يكلف الله نفسـاً إلا وسعها.

ما أظلم هذه الأنظمة عندما تمنع الغرباء أن يتبادلوا التحية والمحبة!

ومات بومدين. وقام استفتاء شعبي على الدستور الجديد في شباط (فبراير) 1989.. وبإقرار الدستور أُلغيت حقبة كاملة من تاريخ الجزائر بكل مكوناتها الاشتراكية والعلمانية والديكتاتورية..

وكان هذا التاريخ يمثل ميلاد الجمهورية الثانية ونهاية احتكار حزب جبهة التحرير الوطني للسلطة لمدة 27 سنة.

في هذه الأجواء.. استعاد المسجد دوره.. وظهرت الحركات الإسلامية قوية تهيمن على الشارع.. وأفرج عن الشيخ محفوظ بعد قضائه 5 سنوات في السجن..

في مارس 1989 أنشأ عباس مني الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وظهرت جمعية الإرشاد والإصلاح بقيادة الشيخ محمد بوسليماني، وحركة المجتمع الإسلامي (حماس) بقيادة الأستاذ محفوظ النحناح.. وهي الفرع[الجزائري للإخوان المسلمين.

واختلطت الأمور.. جبهة الإنقاذ تفوز في الانتخابات البلدية.. وفي المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية.. وكثرت التصريحات التي تعتبر الديمقراطية كفراً.. والتي تهاجم رئيس الدولة الذي فتح صفحة الحريات.. فاغتنمها الجيش فرصة فبطش بالجبهة وزعمائها..

قالوا أن المحنة تكون في الضراء وهي أسهل.. وتكون في السراء وهي أصعب، وكذلك كانت محنة الإسلاميين في الجزائر..

واستطاع الأستاذ محفوظ نحناح أن يتخذ له طريقاً وسطاً.. كان كمن يمشي على سلك مشدود.. الجيش يخشاه والإسلاميون يتهمونه.. ومع ذلك فقد سار في الطريق الصعب.. لينقذ إخوانه وينقذ الحركة التي كانت الرقم الأهم في كل الظروف.

لقيته في طرابلس الغرب عـام 1990م.. وكان الاجتماع الذي حضرته وفود من أنحاء العالم العربي لمناقشة الاحتلال العراقي لدولة الكويت.. كانت معظم الأصوات تؤيد العراق.. وقليل منها مع حق الكويت وحرية أبنائه. ورأيته يزأر كالأسد ويقول: كلكم مهتم بحفظ ماء وجه صدام.. ولا أرى أحداً يهتم بدماء أهل الكويت!

هكذا كانت مواقفه عفة نظيفة شريفة.. مثل أخلاقه العالية الرفيعة.

وترشح الأخ محفوظ نحناح للانتخابات الرئاسية التي أجريت بالجزائر في نوفمبر 1995 م، وفاز بالمركز الثاني بعد حصوله على 3 ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة.

كتبت للأخ محفوظ يوم حصل على المركز الثاني وقلت له: أن هذا الذي حصل يدل على أن الإسلاميين على اختلافهم بدءوا يتجمعون.. وكان هذا بفضل سياسة النفس الطويل والصبر الجميل الذي قمتم به.. وهذه الـ25% من الأصوات التي حصلت عليها تساوي النصر، فـ25% من الأصوات المعارضة أقوى وأهم من 90% مما يحصل عليه قادة بلادنا زوراً وبهتاناً.

وتمكن الحركة التي يرأسها الأخ محفوظ نحناح من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، حيث شاركت بسبع حقائب وزارية في الحكومة السياسية.

وكان للأخ محفوظ نحناح دور كبير في نبذ العنف والإرهاب وإدانته وكرّس مشواره الدعوي منذ أكثر من ثلاث عقود في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وقيم الوسطية والاعتدال.

كان اللقاء الأخير في اسطنبول في تموز (يوليو) 2002م، كان جاء إلى استانبول مع أسرته لقضاء فترة نقاهة بعد آلام مبرحة ومعالجات طالت.. لم أعرف يومها ذلك.. فقد كانت صلابة المجاهد تغلب عليه.. خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصه..

وإني يا شيخنا محفوظ محزون لفراقك.. ولا نقول إلا ما يرضي الله..

وأنت يا إخوان محفوظ في الجزائر وخارجها.. اذكروا أخاكم بدعوة صالحة وليس عندي ما أضيف الآن غير قولة المتنبي:

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر

فزعت فيه بآمالي إلى الكذب

والحمد لله رب العالمين

بقلم: مصطفى محمد الطحان

تعزية الدكتور فاروق مراد

تعزية الدكتور فاروق مراد الطبيب الذي كان يعالج الشيخ رحمه الله في الأردن

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الإخوة الكرام الأعزاء الصابرون المحتسبون في حركة مجتمع السلم باسم "آل مراد" في فلسطين والأردن والمهجر.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ونحن ننقل لكم عميق حزننا وبالغ تعازينا وخبر مصابنا الجلـل علينا جميعاً أن نقول:

ها هو التاريخ الإسلامي المعاصر يسجل لهذه الأمة المحمدية المجيدة في صفحة من نور يوماً حزينـاً من أيامهـا وساعة أليمة من ساعاتها ولحظة كونية إلهية من لحظاتها، لحظة فقدان الأخ الكبير، والعالم الجليل، والمفكر المجدد، والداعية العامل، والحكيم المتوازن، الحبيب المحب، والجليس الأنيس، والعزيز المتواضع، والصابر المصابر، والصادق المصدوق، مصباح دعاة العصر، وفقيد الأمتين العربية والإسلامية بعامة، وفقيدنا وفقيدكم بخاصة الأستاذ المعلم محفوظ نحناح،

رحمك الله يا أبا أنس، والله لقد افتقدناك، فأنت رجل الملمات في الأيام الحالكات، ولد عز أمثالك في هذا الزمان وندر أترابك من أصحاب الفكر والجنان، رحمك الله ونحن نقر ونؤمن بقدر الله، فلله مـا أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بمدار ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، اللهم اجعل مسكنه عليين، واجعل مقامه بصحبة الأنبياء والصديقين والشهداء الصالحين وحسن أولئك رفيقاً، واجعل لقاءنـا وجمعنا به يوم الدين على حوض الحبيب المصطفى  فنشرب منه جميعاً شربة لا نظمأ بعدها أبداً آمين آمين.


وألهمنا وإياكم الصبر والسلوان والثبات من بعده على الحق ومنهج الحق إلى أن نلقاه.

اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا ولـه ولأمواتنا وأموات المسلمين.

منك الرجاء والوفاء والرحمة والعطاء ومنا الدعاء، استجب لنا برحمتك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين ويا ذا القوة المتين بك آمنا وعليـك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.

وصلى الله على الحبيب المصون وآله وصحبه ومن اهتدى بهديـه ودعا بدعوته وعمل بسنته بخير وفضل وإحسان إلى يوم الدين (اللهم اجعلنا منهم) والحمد لله رب العالمين

آل مراد

في فلسطين والأردن والمهجر

الدكتور فاروق – الطبيب الذي كان يعالج الشيخ رحمه الله في الأردن

الدكتور حمدي مـراد

ذكريات مع الفقيد وتأملات في رحلته الدعوية للدكتور عصام العريان

ذكريات مع الفقيد وتأملات في رحلته الدعوية

بقلم: د. عصام العريان

ـــــــــــــــــــــــــــــ

لن تعدم "حركة مجتمع السلم" رجـالات يقودون المسيرة، ويرفعون اللواء، ويواصلون العمل، فخالص العزاء لهم مرة أخـرى، وخالص الأسف أن حيل بيننا وبين المشاركة في الجنازة والعـزاء.

"محفوظ نحناح" إلى رحاب الله

ذكريات مع الفقيد وتأملات في رحلته الدعوية

بقلم: د. عصام العريان

سمعتُ مؤخراً خبراً بوفاة الأخ المجاهد الأستاذ "محفوظ نحناح" زعيم حركة مجتمع السلم في الجزائر الحبيبة عن عمر يناهز 62 عاماً.

رحم الله الأخ الكريم، وأجزل مثوبته، وعوّض عنـه خيراً، وخالص العزاء إلى أسرته الصغيرة كما إلى حركة "مجتمع السلم"، بل إلى الحركة الإسلامية الجزائرية، التي عرفَتْهُ مجاهدا منذ شبابه وحتى اللحظات الأخيرة في حياته، كما إلى الجزائر جميعها التي كانت عروبتها وإسلاميتها هي همة الرئيس وشغله الشاغل.

عرفت الفقيد الراحل منذ منتصف السبعينيات في القاهرة، أثناء زيارتـه لها مع الشيخ "راشد الغنوشي"، حيث جاءا للتعرف وتوثيق الصلات بقيادة الإخوان، وكان واسطة التعرف الأخ الكريم "أبـو أيمـن مصطفى الطحان" – أمين عام الاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية-،

وكنت وقتها في نهاية دراستي الجامعية بكلية طب قصر العيني بالقاهرة، وحسمنا أمرنا في اختيار منهج العمل الإخواني، ومن وقتها التقت الأرواح وتآلفت، وتقاربت الأفكار وامتزجت، وإن حدث خلاف في وجهات النظر فهو في إطار الحب والود والتقدير والاحترام.

لقيته مراراً خارج الجزائر في ندوات ومؤتمرات ولقاءات، إلا أنني لم أسعد بلقائه في زيارتي الوحيدة واليتيمة للجزائر؛ نظراً لضيق الوقت ولوجوده خارج البلاد.

آخر لقاء بيننا في القاهرة العام الماضي في زيارته الثانية لها، بعد انقطاع لمدة تزيد على 25 عاماً، وكان هذا اللقاء في سيارته بالطريق لدقائق سريعة أثناء توجهه إلى لقاء في حزب التجمع اليساري للقاء قياداته، وكان لقاءً حميماً؛ لأنه أول لقاء بيننـا بعد أن غيبتني الأسوار والمنع من الأسفار لمدة تزيد على 8 سنوات.

تعرض "محفوظ نحناح" خلال العقد الأخير أو الـ15 سنة الماضية إلى حملة شديدة لتشويه موقفه، من إسلاميين اختلف معهم في المواقف السياسية؛ بسب أحداث الجزائر الدامية.

اجتهد خلال مسيرته فنجح أحياناً وأخفق أحياناً، ولم يكن –رحمه الله- يدَّعي العصمة لاجتهاداته، واختلفتُ معه وناقشته بودٍّ في بعض المواقف، أقرَّ بصواب ما ذهبتُ إليه مع كثيرين قليلاً، وتمسَّك باختياراته – رغم الخطر الشديد على حياته- كثيراً.

كان قرار تأخر المشاركة السياسية من القرارات التي تسببت في كثير من المشكلات التي عانى منها الإخوان في الجزائر، وما زالوا، واعترف بخطأ هذا الاجتهاد بعد فوات الأوان.

تمسك باختياراته التي ثبت بعد ذلك صوابها كثيراً في أهمية الحوار مع المنفذين والممسكين بالقرار وعدم الدخول في مواجهات دامية، وأدان العنف مبكراً، وكان بصيراً بأن هذا النهج سيؤدي إلى دمار وهلاك، وتمسك بموقفه الحاسم رغم لوم الكثيرين وهجوم الأصدقاء وتردُّد البعض من الأحباء.

سعى إلى وحدة الحركة الإسلامية في الجزائر، وكان ذلك من همومه وتحمل الكثير في سبيل تحقيق هذا الأمل، لكنه فشل في تحقيق الحلم، وكانت الظروف والملابسات والخلافات أكبر من تُحتَوى.

ترشح لمنصب رئاسة الجمهورية رغم اعتراض الكثيرين، وحصل على قرابة الربع من الأصوات، فرسخ صورته كرجل دولة في الساحة العربية والدولية.

سعى للحوار دائماً ووُصف بأنه رجل الحوار، وكان محبباً في حديثه وخطابه، لبقاً في حواراته، لا يصل إلى صدام أو قطيعة، بل يحافظ على "شعرة معاوية" حتى مع ألد الخصوم.

تعرض للعنف المادي والمعنوي من خصومه الإسلاميين في الجزائر خلال مسيرته قبل النزوع إلى العنف وبعده، أثناء الحملات الانتخابية الأولى لانتخابات 1991م الشهيرة، ثم بعد الصدام الدامي، بل تعرض لمحاولات اغتيالٍ هو ورفا دربه أودت بحياة البعض، من أشهرهم نائبه الشهيد "محمد بوسليماني"، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة الدرب والإصرار على الموقف الذي اختاره ضد العنف الأعمى عن يقين ومعرفة.

كانت مشاركة" حركة مجتمع السلم" في الحكومات الجزائرية التي شكلها العسكر من أكبر نقاط الضعف في المسيرة السياسية التي قادها "نحناح" –لم يشارك بنفسه في الوزارات-، ودفع بالشباب من أبناء الحركة لتولي المناصب الوزارية، وتحتاج التجربة الآن إلى وقفة لمراجعة شاملة لجرد حساب المكاسب والخسائر، خاصةً أن السلطة تصيب كل من يحتك بها برذاذها المتطاير.

كان الحلم الأكبر هو التوحيد والتنسيق بين جناحي الحركة الإسلامية التي تنهج نهج الإخوان بقيادة نحناح –رحمه الله- والشيخ "عبد الله جاب الله"، ومازال الحلم قابلاً للتحقيق إذا خلصت النوايـا وصدق العزم؛ ذلك لأن الجزائر في أمسِّ الحاجة إلى وحدة الصف الإسلامي، وإزالة ما علق بالإسلاميين من اتهامات تسبب فيها بعض الغلاة الذين تشددوا،

وأفرطوا على أنفسهم، وكفَّروا المسلمين، واستباحوا الدم الحرام بغير علم ولا بينة ولا برهان، في الوقت الذي يغيب فيه "نحناح" عن الساحة بعد مرض عضال لم يستمر طويلاً، يخرج منذ قليل الشيخان "مدني" و"بلحاج" إلى ساحة العمل من جديد، فلعل جرح الجزائر الدامي يجد من يداويه من أطباء الحركة الإسلامية، سواء الذين سيخلفون "نحناح" في مسيرة حركة مجتمع السلم، أو الشيوخ الذين استفادوا خبرة بعد مسيرة هائلة بالدروس،

ولم يفرطوا في تمسكهم بحقهم في الدعوة السلمية إلى الإسلام، وتسبب البعض في تشويه صورة حركتهم، ولعلهم بعد خروجهم إلى الحرية يسارعون إلى تصحيح الصورة، والنأي بحركتهم عن نزعات التكفير والعنف الأعمى، وإذا كانوا –بسبب السجن- ترفَّعوا عن إدانة صريحة لهذه النزعات التكفيرية، فهم اليوم أمام استحقاقات ضخمة لعلهم أهل "لا"؛ حتى تعود الجزائر إلى السلم والأمن والهدوء، ويهتف جميع الشعب الجزائري من جديد مع ابن باديس الأب الروحي للحركة الإسلامية.

شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب

كانت جنازة "نحناح" مهيبة بحق حضرها أكثر من 80 ألفـاً، يتقدمهم كبار رجال الدولة، وبمراسم رئاسية استثنائية، وشهـد له الجميع – المنافسون والخصوم قبل رفاق دربه – بالحنكة والخبرة والاعتدال والتسامح، وكما قيل قديماً "بيننا وبينكم الجنائز"، ففي بلد لا يزيد تعداده عن 25 مليوناً،

ويشهد أوضاعاً أمنية استثنائية، وعقب كارثة ضخمة كالزلزال مازالت تخيم على النفوس، يخرج عشرات الآلاف لتشييع رجل تجرد لدعوته، وجاهد في سبيل رفعة الجزائر المسلمة وهُويتها الإسلامية ضد محاولات الفرنسة والتغريب، وضد العنف الأعمى الذي شوه صورة الإسلام، فاحتفظ بـ "البوصلة" في أدق وأحلك الظروف، هذه شهادة له من هذه الجموع، وشفاعة له عند الله تعالى.

لن تعدم "حركة مجتمع السلم" رجـالات يقودون المسيرة، ويرفعون اللواء، ويواصلون العمل، فخالص العزاء لهم مرة أخـرى، وخالص الأسف أن حيل بيننا وبين المشاركة في الجنازة والعـزاء.

"رحم الله محفوظ نحناح رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته وعوضنا عنه خيراً".

الشيخ محفوظ نحناح حكيم الإسلاميين للشيخ عبدالله الطنطاوى

بقلم الشيخ عبد الله الطنطاوي

التقيته أول مرة عـام 1988 في مطار فرانكفورت بألمانيا، وكـان في استقبالي أن القادم من بغداد، وهو القادم من الجزائر، صهري المهندس صلاح الدين الجعفراوي.

كنت سمعت عنه من إخواننا الذين التقوه في الحج، وجلسوا معه، واستمعوا إليه وتباينت تقويماتهم لطروحاته التي صـادمت بعض ما كانوا يقتنعون به، ويدعون إليه، ولكنه كان موضع احترامهم جميعاً.

حـياتـه

ولد الشيخ محفوظ نحناح في مدينة البليدة (الورود) التي تقع على بعد 50 كم جنوب العاصمة في بيئة إسلامية محافظة وفقيرة، وتعلم اللغة العربية في المدرسة الإصلاحية العربية (مدرسة الإرشاد) التي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن الشخصية الجزائر العربية الإسلامية، أمام سياسة الفرنسة، وعاش إرهاصات الثورة الجزائرية وهو فتى، وعندما نشبت الثورة التحريرية الكبرى عام 1954 انضم إليها، وشارك فيها.

أكمل تعليمه الثانوي في الجزائر، والتحق بكلية الآداب – قسم اللغة العربية في الجامعة الجزائرية عـام 1966.

شغل منصب مدير مركز التعريب في الجامعة المركزية في الجزائر العاصمة، وكان عضواً رابطة الدعوة الإسلامية، ورئيس جمعية الإرشاد والإصلاح، ثم أسس حركة المجتمع الإسلامي (حماس) عـام 1911 التي حولهـا إلى حركة مجتمع السلم تماشياً مع قانون الأحزاب الجزائري الذي يحظر الأحزاب الدينية.

كان رمزاً من رموز الحركة الإسلامية في الجزائر، ممثلاً لنهج الإخوان المسلمين فيها، وكان عضواً في مكتب الإرشاد، وهو القيادة الجماعية للتنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، كما كان عضـواً في مجلس الشورى العام للتنظيم العالمي.

عارض الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين في توجهاته العلمانية الاشتراكية، فاعتقله بومدين وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً سنة 1975 وتعرض ومن معه لألوان التعذيب الوحشي، لعله يتراجع عن موقفه ضد الاشتراكية العلمانية، ولكنه أبى وازداد تشبثاً واقتناعاً بموقفه.

وبعد موت بومدين، أطلقوا سراحه عام 1980 بعد خمس سنين أمضاها في سجون الظالمين.

شارك في انتخابات الرئاسة الجزائرية عام 1995 مقابل الأمين زروال، وحصل على ثلاثة ملايين صوت حسب الإعلان الرسمي عنها، وكنه في الواقع تجاوز هذا الرقم بكثير، ولكن الجنرالات الحاكمين في الجزائر زوروا الانتخابات، وزعموا فوز منافسه الأمين زروال.

ومما يتناقله الجزائريون، أن الرئيس زروال وقف مرة في وجه الجنرالات، وزعم لهم أنه رئيس منتخب، فقالوا له: أنت تعرف جيداً من هو الرئيس المنتخب، فسكت، ثم أطاحوا به.

توفي بعد ظهر يوم الخميس 19/6/2003 بعد مرض عضال عانى منه قرابة سنة.

شيع أكثر من مئة ألف جزائري جنازته بعد صلاة الجمعة 20/6/2003 إلى مثواه الأخير بمقبرة العالية.

أقيمت له التشريفات الرئاسية بصفة استثنائية، في حضور كبار المسئولين في الدولة، ووصفت الجنازة بأنها ثاني أهم جنازة في البلاد بعد جنازة الرئيس الأسبق هواري بومدين في نهاية عام 1978.

قال بوتفليقة في رسالة أرسلها لقراءتها بالنيابة عنه في مراسم التشييع: (ما مشكلة ألمت بالجزائر إلا وكنت للشيخ محفوظ في حلها مساهمة، وما من قضية إلا وكان له فيها رأي، أو اتخذ منها موقفاً نابعاً من حبه لوطنه).

عوامل تكوينـه

عاش الشيخ محفوظ حياة العصامي الذي يبني نفسه بنفسه، ولا يعتمد على سواه من الأهل، والنسب، والمال، وما إلى ذلك من العوامل المساعدة على بروز القادة والزعماء.

درس حياة العديد من زعماء العالم الإسلامي ومجاهديه في القديم كالإمام ابن تيمية وسواه، وفي الحديث كرجالات الوطنية الجزائرية الذين كافحوا من أجل عروبة الجزائر وإسلامها ضد محاولات الفرنسة والتغريب، وقد عاصر بعضهم، وسمع وقرأ حياة السابقين الذين كانوا يعبئون الجماهير بهذا الشعار الجميل: ( الإسلام ديننا – العربية لغتنا – الجزائر وطننا ).

ومن أولئك الرجال الرواد في الحركة الجهادية ضد الاستعمار الفرنسي ومحاولاته اليائسة في إلحاق الجزائر بفرنسا عبد الحميد باديس، والبشير الإبراهيمي، والفضيل الورتلاني، ومالك بني، ومحمد محفوظي.

وكان للقادة المشارقة تأثيراتهم الواضحة في الشيخ محفوظ، مثل المفكر جمال الدين الأفغاني، والإمام حسن البنا، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد الغزالي، والإمام المودودي وسواهم.

إلى جانب مطالعاته الغزيرة التي أكسبته ثقافة وفصاحة، وأثرت تجاربه في حقول الدعوة والتربية والسياسة.

صفاتــه

من صفاته الخلقية التي تلفت الانتباه إليه، مظهره الأنيق، فلا تكاد تراه إلا في هندام كامل، بذلة حديثة مكوية، وربطة عنق محكمة جميلة ومتلائمة الألوان مع البذلة، ولحية لطيفة، وشعر مر عليه المشط من قريب، فبدا مرتباً، وقد زانه الشيب وقاراً، وحذاء ملمع.

يستقبلك بابتسامته العريضة التي لا تكاد تفارقه حتى في أقسى الظروف الملمة به، كالمرض الشديد، والهموم العاتية.

إذا حدثته عما تعانيه الدعوة والدعاة في بلدك أو ما يصيب المسلمين في العالم من مصائب، سالت دمعته حزناً وألماً.

منذ اللحظات الأولى معه، تعرف أنك أمام محاور متمرس، ولطيف، يعطيك من الوقت ما تريد حتى تنتهي من شرح فكرتك، ثم يستأذنك في الكلام، ويدلي بدلوه في بوضوح، وبلا لف ولا دوران، تحس باحترامه لمحاوره، كائناً من كان، فهو محاور ذكي، وذو عقل منظم يفرض احترامه على من أمامه.

مثقف ثقافة عالية، وأدبية، وسياسية، واجتماعية، يظهر هذا في أحاديثه وكتاباته.

يتميز بمرونة عجيبة إلا في الثوابت التي يبدو مقاتلاً شرسـاً في الدفاع عنها، ومن أهمها، انتهاك حرمات الله، وإراقـة الدماء، وفيما يعتقد أنه حق ومصلحة.

شجاع مدام في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور.

همومه في هموم شعبه وأمته، وكان من العُبَّـاد، مُحافَظَةً على الفروض والنوافل والأوراد، ودعوة إخوانه ومن يحبهم إلى التمسك بها.

وكان فصيح اللسان، واضح البيان، بعيداً عن الرطانة والعجمة اللتين تسمعهما من الذين ربوا أيام الاستعمار الفرنسي.

يعرض فكرته بعقلانية وتجرد عَرْضَ الفيلسوف الحكيم، بحيث يجعل خصمه يذعن له.

ويزن كلامه كأسد جريح.. قال العارفون عنه: إنه سر الإخلاص.

مـدرستـه

تتميز مدرسة الشيخ محفوظ بالحوار، وروح التسامح والاعتدال، والمسالمة، والتناصح، والدعوة إلى المشاركة السياسية بدل الصراع بين الحاكم والمحكوم الذين تميزت به علائق الإسلاميين بالأنظمة العلمانية الثورية في الوطن العربي الكبير، في مصر، وسورية، والعراق، وليبيا، وتونس، والجزائر،

دعا الشيخ محفوظ إلى التعاون، والتواؤم، وتجميع الطاقات المختلفة، والاتفاق ولو على الحدود الدنيا، والعمل على إيجاد قواسم أو جوامع مشتركة مبنية على التشاور، والتنظيم، والتنسيق والائتلاف،، ضمن أطر المصلحة العامة التي يغلبها على المصلحة الخاصة أو الحزبية، وهذا كان يتطلب منه البحث بعمق عن نقاط التلاقي مع محاوريه، واجتناب نقاط التنافر والتنابذ، إلا ما كان متعلقاً بالثوابت، والدماء.

إنه لا يؤمن بحدية الأشياء، وإنما يؤمن بنسبيتها.

وهو لا يرى الحق في جهة من الجهات والخطأ المطلق في جهة أخرى، ويعتبر الحوار مجالاً مفتوحاً حتى للشيطان، والشيطان هو أكبر ممثل للشر، وإذا كان الحوار موجوداً بين أكبر ممثل للشر، وهو الشيطان، وبين الله سبحانه وتعالى،

فمن باب أولى أن تكون هناك مساحات لهذا التعاطي النسبي مع جميع الأشياء، ولهذا قدم عدة مبادرات لتجسير العلاقات بين السلطة والإسلاميين،حسبما يمليه عليه منطق الاعتدال والتفاهم، الذي يؤمن به، ويسعى إلى أن يحله محل استخدام القوة.

كان الشيخ محفوظ أحد الدعاة إلى المشروع الإسلامي البارزين، ولهذا دخل المعارضة السياسية ضد الميثاق الوطني الذي رآه بعيداً عن الروح الحضارية الإسلامية التي يقوم عليها تاريخ المجتمع الجزائري، فاعتقل وذلك قبل تأسيس التجمع الكبير للتيارات الإسلامية بمسجد جامعة الجزائر المركزية،

وبذلك كان أحد وجوه المعارضة الإسلامية للنظام الحاكم، وكان يعتبر الحزب الذي شكله (حركة المجتمع [[الإسلامي) وجاهة سياسية تتصدى للواجهات السياسية الأخرى، ولا تسعى إلى الهيمنة عليها، فليس هناك ما يمنع وجود أقليات معارضة أخرى، غير إسلامية.

(وإذا كان الأمر يعود إلى الديمقراطية بمفهومها الغربي، فإن الأقلية يجب أن تنقاد للأكثرية، ومن هنا، فلا خشية على شعبنا من الديمقراطية، ضمن المنظر السياسي والأخلاقي والحضاري للإسلام).

أمـا إذا كانت الديمقراطية قائمة على الطعن والتجريح والسباب والشتائم، فهذه تعني الانتقال إلى ديمقراطية تقوم على الجدل والتضليل والمناورات وتزوير الحقائق وشراء الذمم.

المنظر الحضاري والفكري لدى الشيخ محفوظ أرفع من أن يكون مجرد تسميات سياسية وحزبية إسلامية ضيقة، فحزب الله، بالمفهوم الإسلامي، مفهوم استراتيجي أولاً وقبل كل شيء، بمعنى أن الأمة الإسلامية حزب واحد أمام طغيان الفرد على الجماعة وطغيان الجماعة على الفرد، والأمة الإسلامية في مواجهة التيارين الطاغيين،

ليست مواجهتهما مواجهة قتال وعنف واغتيال وإبادة، وإنما هي مواجهة بين حضارتين، تبني الأولى قواعدها على الحق والثانية على الباطل والروح العدوانية، والاستغلال، والآلـة العسكرية، لأنه يعتبر الخلاف ظاهرة صحية.

الداعيــة

الشيخ محفوظ عمل في حقل الدعوة أكثر من ثلاثين عاماً في مقابل الثوري الاشتراكي ونشر الثقافة الفرنسية، وهو من أشد معارضي التوجهات المـاركسية والفرانكفونية، وقد مرت حياته الدعوية بعدة مراحل:

1- مرحلة النشأة الفـكرية، وقد تأثر فيها بعدد من المفكرين الإسلاميين الثائرين على التخلف والجمود والاستبداد والاستعمار، كالأفغاني، ومحمد عبده، وابن باديس، ومالك بن نبي، وحسن البنا، وسيد قطب، والمودودي وسواهم من المفكرين.

2- مرحلة المشاركة في الثورة الجزائرية، وهي التي فتحت عينيه على ضرورة التغيير، وملكته إرادة التغيير.

3- مرحلة الاستقلال: وكانت الجامعة محل صياغة شخصيته القيادية، المستفيدة من تجارب الحركة الإسلامية العالمية.

4- مرحلة الثورات الثلاث التي قام بها النظام، واتجه وجهة شيوعية، فوقف الشيخ في وجهها ضد تأميم أملاك الناس ومصادرتها بغير حق، وضد التوجه الأيديولوجي للدولة الجزائرية، وضد الضغط الشيوعي على الدولة، وكـان الاعتقال والتعذيب له ولمؤسسي حركته.

5- مرحلة التعددية السياسية، وفيها صـار الشيخ رمزاً للحركة التي تحملت مسؤوليات جديدة، مثل حماية الإسلام من التطرف والغلو والتشويه وكل ما يمكن أن يتخذ منه النظام مسوغاً للانقضاض عليه وعلى الدعاة إليه،

مما اقتضاه نوعا من فقه الأولويات، فقه درء المفاسد المقدم على جلب المصالح، وبرز لديه ما يسمى بالمشاركة والتعاون مع كـل الأطراف في السلطة والمعارضة، على أساس المبادئ الوطنية المشتركة.

وهذه المرحلة أخصب مراحل حياته الدعوية والسياسية، خرج فيها من إطار القطر، إلى إطار الأوسع، فكانت الزيارات للعديد من الدول العربية والإفريقية والإسلامية والأجنبية، وكانت لقاءات، ومؤتمرات وحوارات أغنت تجربته، وصار ينظر إليه كزعيم مرتقب للجزائر، جعلت دولة كفرنسا التي رفضت إعطاءه تأشيرة دخول إلى بلادهـا، جعلتها تستقبله استقبالاً رسمياً بعد الانتخابات الرئاسية التي خاضها.

وبهذا تتبين لنا: (سابقية الشيخ محفوظ في خدمة الدعوة على كل الجبهات منذ كان طالباً في كلية الآداب فأستاذاً جامعياً لمادة التفسير)

وكان من أبرز رموز الشباب المغربي الذين ظهروا منذ نهاية الستينات وفي أعقاب حل أول جمعية إسلامية بعد الاستقلال (جمعية القيم) وهم الشيخ محفوظ، والشيخ عباس مدني، والشيخ عبد الله، والشيخ محمد بوجلخة، والشيخ محمد السعيد، ثم علي بلحاج، ومصطفى براهمي في مرحلة تالية،

نهض هؤلاء الفضلاء تحت رعاية من تبقى من شيوخ جمعية العلماء المسلمين، مثل الشيخ محمد سحنون، والمفكر مالك بن نبي، والشيخ عبد اللطيف سلطاني، وتصدوا لانحراف بعض قادة جبهة التحرير عن إرثها الإسلامي، وإيغالها في نهج العلمنة والاشتراكية والاستبداد في أيام بومدين ومن تلاه.

(وقد مثل الشيخ محفوظ جسراً مهماً جداً لنقل الأفكار الإصلاحية المشرقية والمناهج التربوية لجماعة الإخوان المسلمين إلى الجزائر، من خلال تدريسه في الجامعة، وخطبه في المساجد).

ضد العنـف

كان العقل المفكر والمدبر لحركة إسلامية لا تؤمن بالعنف سبيلاً إلى السلطة، وتقوم على الاعتدال والانفتاح والحوار، فكان صمام أمان في الحياة السياسية الجزائرية، ولم يأبه بما كان يوجهه الآخرون إليه وإلى حركته السلمية من انتقادات بهذا الخصوص، لأنه مقتنع بموقفه.

أدان التطرف والعنف المسلح، ورفض فكرة التكفير للحكومات والمجتمعات والهيئات السياسية والدينية، ورفض الاقتتال بين أبناء البلد الواحد تحت أي ذريعة، وهذا لا يعني أي تنازل عن الثوابت التي آمن بها، ودعا إلى الوقوف عندها، ومناجزة التيارات العلمانية الاشتراكية الخارجة عليها.

كان يتعاون مع الخصوم على ضرورات مشتركة، مثل ضرورة تمدين النظام السياسي، أو ضرورة التنسيق من أجل المحافظة على الحريات العامة والخاصة، أو ضرورة الإبقاء على الدولة وتقوية مؤسساتها، أو ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية ..

كان يعي اللعبة الدولية الماكرة في الكيد للإسلاميين في كل مكان، من طنجة حتى جاكرتا، ومن الإنقاذ حتى أنور إبراهيم، مروراً بأربكان وسواه، فما كان منه إلا أن يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بين براثن من لا يتقي الله في أرض ولا شعب ولا دين ولا عرض، ولا أي قيمة قد تقف في وجه أهوائه وشهواته،

وقد فهم الرسائل من هنا وهناك وهنالك، والعاقل من اتعظ بغيره، وهو قد اتعظ بما جرى لإخوانه في بلاد العروبة والإسلام، خاصة وهو الخبير بالعنف وأسبابه التي تغذيه وتقويه، كفرض الشخصيات الملوثة قادة وحكاماً على الناس، يسيرون بالبلاد والعباد إلى الدمار والانهيار.

كان خطابه داخل الجزائر وخارجها يقارع الجماعات العنفية، وتصوراتها الفكرية والسياسية المباينة للتصورات الإسلامية الصحيحة، المغايرة لمصلحة الدعوة والمصلحة الوطنية، ووقف بصلابة في وجه الحملات التي شنتها عليه تلك الجماعات التي هددته في حياته، واغتالت أقرب إخوانه إليه ونائبه وخليفته الشيخ بوسليماني.

قال عنه الأستاذ إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام: (إن الشيخ محفوظ نحناح، بصفته الحزبية، يمثل حالة خاصة بين أطراف الساحة السياسية التي تفوز بالحركة والغليان في الجزائر. فهو شخصية متميزة، يرفض منهج الإقصاء والاستبداد، ويدينه بكل وضوح).

والحقيقة، أنه رجل سياسي متمرس، عرف بوسطيته، واعتدالـه بين الدعاة في الجزائر، حتى لقب بحكيم الإسلاميين، وعده الشيوعيون بمواقفه هذه، أخطر رجل في المعارضة الإسلامية في ثباته على مواقفه، وصراحته في خطابه، وتعامله مع سائر الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية.

العمل السياسـي

قام بعمل أذكى أمن به نوعاً من التأمين على الدعوة عندما أسس جمعية الإصلاح والإرشاد، وجعلها في منأى عن العمل السياسي، حتى لا تضرب إذا مـا أقدم العسكر على ضربه، وبنى علاقة مع قادة الجيش أصحاب السلطة والنفوذ الحقيقيين، لطمأنتهم على أن حركة مجتمع السلم تسلك سبيل الإقناع والحوار، وتنبذ العنف بكل أشكاله،

وأنه مع الدولة والنظام ضد الفوضى والعمل الملح وأن الجيش هو الضمان لبقاء الدولة، والمدافع عن الوطن ووحدة البلاد، ثم شهدت الجزائر أسوأ مراحل تاريخها المعاصر، عندما أوقف الجيش المسار الانتخابي في كانون الثاني (يناير) 1992 عندما أشارت النتائج الأولية إلى فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

لقد كان على معرفة دقيقة بما يجري في وطنه، وإقليمه، ووطنه العربي الكبير، وفي الواقع الدولي المحكوم بسياسة وحيد القرن، كما يطيب له أن يسمي أمريكا التي تعمل للهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً وقيمياً، فانطلق يساهم بقسط وافر في تنشيط الحياة السياسية والفكرية،

ولكن أجهزة الإعلام الوطني كانت تحاول أن تعتم على مختلف نشاطاته، في حين تقوم بالترويج للأفكار المتطرفة التي تعج بها الساحة الجزائرية. غـاص في الأزمة، وعارض سياسة التعنت والإقصاء وانتقد مـن سماهم (سماسرة الـدم) الذين يحاولون تسلق جدار الأزمة المشيد بجثث الأبرياء، كان يندد بالجماعات المسلحة، ويغمز من قناة المجلس الأعلى للدولة، معتبراً إياه صيغة تجاوزتها الأحداث، ويعتبر الجيش صمام أمان من الحرب الأهلية.

كان ديمقراطياً في أطروحاته، ويحاول تسخير الديمقراطية للتمكين للإسلام ضمن ثلاثيته: المرحلية، والموضوعية، والواقعية، وكانت أطروحاته ذات بعد مستقبلي مستفيداً من الآنية، وواقعياً.

كان يـرى المشاركة في الحكم، وعدم الابتعاد عنه حتى لا ينفرد الآخرون بالسلطة والنفوذ، ومن هذا القبيل كانت مشاركته بسبعة وزراء، وبعدد من البرلمانيين من حركته، وبهذا كان يتعاطى مع الحدث، بحكمة وهدوء وتوازن يعبر عن معرفته بالواقع المعايش، وحنكته في التعامل معـه،

واستطاع بذلك أن يقدم الإسلام السياسي – كما يدعونه – بالشكل الذي يحميه ويحمي ذويه، وفعلاً تمكن من إنقاذ إخوانه وحركته مما ألم بالإسلاميين الآخرين على أيدي العسكر.

القضيـة الفلسطينيـة

تبنى القضية الفلسطينية، وعدها قضيته وقضية العرب والمسلمين، ويظهر هذا منذ بدايات حياته الدعوية والسياسية، وامتدت معه وصاحبته طوال حياته، ويشهد على ذلك، صوته القوي في المؤتمرات والندوات التي كان يقيمها أو يحضرها، تضامناً مع الشعب الفلسطيني المظلوم، وقضيته العادلـة،

يقول الشيخ محفوظ: (إن الغرب ينتقل من ثنائية إلى قطبية، إلى وحيد القرن، لفرض السلام الأمريكي، وبناء إسرائيل الكبرى)

الشيخ محفوظ في مرايا الآخرين:

قال الأستاذ حسين أحمد أمين، سفير مصر في الجزائر سابقاً في حوار صحفي مع قناة أمريكية: (الشيخ محفوظ عام، وسياسي إسلامي من الطراز الأول، ولا أحد يشك في صدق إسلامه، وصدق توجهاته الدينية، ومفكر أسلامي مستنير، ولا أظن أن الكثيرين من العلمانيين يشكون في استنارته، ومراعاته لظروف العصر، وقدرته على مجابهة تحديات المستقبل مجابهة دينية ودنيوية ممكنة).

ونعاه فيصل مولوي، أحد إخوانـه الأقربين إلى قلبه وعقله، والعارفين له معرفة دقيقة .. لقد كنت مثالاً في الصدق والالتزام والعمل، تضع الإسلام في ميزانك قبل الحركة، وتعتبر مصالح الأمة قبل مصلحة الجماعة بل وترفض التعارض في هذا المجال، وتصر على التكامل، وتجعل نفسك وجماعتك في خدمة الأمة وقضاياها.

ونعاه الشيخ الغنوشي وقال في ختام مقاله عنه: (رحم الله الأخ الصديق الحبيب الشيخ محفوظ، بما جدد، وأشاع من قيم الإسلام العلمية والتربوية والسياسية، وحسن معاملة مما نحتاجه أمة وشعباً مزقان بالأحقاد ونزوعات التنافي، وبما حرك من سواكن العقول، وفجر من قضايا عملية للتفكير والتأمل).

ونعته حركة النهضة التونسية باسم الشيخ راشد الغنوشي بقولها: (وحركة النهضة إذا تنعي لشعب تونس وأمة العروبة والإسلام هذا المناضل الكبير، تذكر بالأيادي البيضاء للفقيد في إيواء وإعانة وحماية مناضليها الذين هاجروا إلى الجزائر، مع بداية الحملة الاستئصالية التي شنت على حركتهم بداية التسعينات)،

ووصفه الدكتور حسن هويدي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين بقوله: (قد كان الفقيد خير رفيق في الدرب الطويل، محباً لدينه مخلصاً لدعوته، غيرواً على بلده، باراً بإخوانه، طاف العالم الإسلامي كله يبشر بكلمة الحق والصدق، حتى ترجل ونحن في أشد الحاجة إليه).

ونعته جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة، ووصفته بأنـه (من أصدق رجال الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن الذين تميزوا بالشجاعة والإقدام، وبالجهاد بالنفس والمال في سبيل إعلاء كلمة الله، وإقامة شريعته على هدى وبصيرة). وقالت الجماعة: غنه قائد من قادتها الأبرار.

مجلة المنار، العدد 72، رجب 1424 هـ

عبد الله الطنطاوي

والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث هداية ورحمة للعالم]ن، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

نحناح .. الشيخ الرئيس

بقلم: شعبان عبد الرحمن

مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية

ـــــــــــــــــــــــــ

لم تزل تعبيراته الأنيقة ترنُّ في أذني .. ولم تزل مواقفه الوطنية الكبرى تزيدني كغيري احتراماً له وإعجاباً به .. ولم تزل ابتسامته العريضة وهشاشته وبشاشته مرسومة في مخيِّلتي، صانعةً جواً من الأخوة الصافية دون تكلُّف.

التقيته للمرة الأولى في صيف عام 1990م في طرابلس، وبعد أقل من عشر دقائق من الجلوس معه شعرت أني أعرف الرجل منذ سنوات، وتعلقت به قلباً وقالباً؛ لأنني وجدت نفسي أمام عملاق اسمه الشيخ "محفوظ نحناح" –زعيم ومؤسس حركة مجتمع السلم الجزائرية، رحمه الله.

وفي اليوم التاسع عشر من يونيو الجاري مرَّ عام على وفاة الشيخ الرئيس كما يحب تلامذته وإخوانه في الجزائر أن يسموه، ومـا زال الرجل .. الموقف .. الخلق .. الإبداع .. ما زال حياً في القلوب، وهكذا مضى الشيخ "نحناح" في ركب الصالحين بإذن الله، ونسأل الله أن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء.

كان الرجل صاحب منهج متميز في العمل الإسلامي، وصاحب موقف متميز – بل ومتفرد – في التعامل مع العاصفة الدموية التي هبت على الجزائر عام 1989م، وما زالت بقايا ريحها السموم تهب على البلاد، وهو إن كان صاحب تعبيرات مشهورة في الخطاب الجماهيري والإعلامي فهو صاحب مواف سياسية متفردة – كما قلت – في التعامل مع الأزمة الجزائرية ..

وهنا أتوقف قليلاً، فمنذ أن تفجرت موجات العنف العاتية على البلاد – عقب انقلاب المؤسسة العسكرية على نتائج الانتخابات البرلمانية التي فاز فيها الإسلاميون – انجرفت معظم الساحة يومها نحو تيار العنف، واستقرت المعركة بين النظام (المؤسسة العسكرية) المتشبث بالسلطة والسلطان، وقطاع كبير من الإسلاميين، وظلت المعركة حامية الوطيس، وما زالـت شظاياها تتطاير ملحقةً الأذى بالمجتمع الجزائري.

يومها قرر الشيخ "محفوظ نحناح" عدم الاقتراب بحركته من ساحة الاقتتال، ونأى بإخوانه عن الولوغ في الدماء تحت أي مبرر أو شعار، وتمكَّن من النجاة بحركته من الحريق الكبير الذي لا منتصر فيه ولا مهزوم، بل وف بكل قوة وحزم معارضاً ومفنداً لفتاوى إباحة دماء أبناء الجزائر،

وجهر بآرائه المعارضة والمخطِّـئة للاقتتال، وجـرَّم مسلسل المذابح المتواصل، ولم يتزحزح الرجل قيد أنملة عن موقفه رغم فتاوى بتكفيره صدرت من خصومه، ومحاولات لقتله وقتل مساعديه تكررت أكثر من مرة، أسفرت إحداها عن مقتل نائبه الشيخ أبو سليماني، بل والتمثيل به.

كما ظل الرجل على موقفه ثابتاً كالجبل، رغم اتهام الكثيرين لـه بأنه تحالف مع الحكومة أو مع النظام أو بالأحرى مع الجيش، وكنت واحداً من الذين وجـَّهوا له اتهامات بهذا الخصوص في حوارات صحفية عاصفة، لكنَّ صبرَ الرجل وقوةَ حجته وفهمَه الجيد لما يسلك من مواقف، ثم اتساع صدره ورحابته في تقبُّـل النقد .. كانت كلها أدوات ناجحة في إقناع الآخرين.

لخَّـص الرجل موقفه في كلمات قليلة: "إنني أتحالف مع الدولة الجزائرية؛ لأنني أسعى للحفاظ عليها، والدولة غير الحكومة، فالحكومات تجيء وتروح .. تزول وتقوم، لكن الدولة إن زالت فلا عودة، وإن تمزقت فمن الصعب جمعها مرةً أخرى.

وظل الشيخ الرئيس ثابتـاً على مبدئه، يمد يده للتعاون والتحالف مع كـل من يعمل للحفاظ على الدولة، حتى ولو كانت الحكومة أو الرئيس، ورفع شعار "المشاركة لا المغالبة"، وبالفعل قبل المشاركة مع النظام والحكومة، وأدار معها حواراً أسفر عن تبني النظام الجزائري لمبدأ الوئام، ثم تمكن من تطوير مدرسة "الوئام المدني" إلى "المصالحة الشاملة"، ونجح في جعل ذلك بنداً رئيسياً في برنامج الرئيس.

وهكذا ظل الشيخ يمد يده بالحوار والمشـاركة والتفاهم مع مؤسسة الحكم الجزائري، لا لدنيا أرادها، ولا لكرسي سعى إليه، وإنما من أجل الجزائر.. الدولة والوطن، ورغم ما لحق به من مؤسسة الحكم .. من إيذاء .. ومحاولات الإقصاء من الساحة؛ بتزوير الانتخابات ضده وضد حركته،

إلا انه ظل باسطاً يده بالحوار والدعوة للمشاركة، ود فارق الرجل الدنيا بعد أن نجح في ضبط بوصلة مؤسسة الحكم نحو المصالحة والوئام ولملمة الشتات الجزائري، وهكـذا تسير سفينة الحياة السياسية اليوم، وستصل بإذن الله إلى بـرِّ الوئام والأمان.

أسأل نفسي: تُـرى لو أن الشيخ "محفوظ نحناح" انجرف بحركته نحو محرقة العنف الدموي كما انجرف آخرون..!! كيف سيكون حال الجزائر ساعتها؟! وهل ستكون هناك جزائر أصلاً؟!

وأسأل الذين خاضوا غمار العنف على امتداد أربعة عشر عاماً: ما الذي حققوه بالضبط غير إهلاك الحرث والنسل؟! أنـا لا أجد أمامي سوى نتيجة واحدة هي سقوط أكثر من مليوني جزائري بين قتيل، وجريح، ومصدوم نفسياً، ومنتحرٍ مهاجرٍ، وواقع تحت نير البطالة ومطرقة الفقر .. هذا إلى جانب عشرين مليار دولار من الخسائر الاقتصادية وِفق الإحصائيات الرسمية .. رحم الله الشيخ الحبيب.


السباحة ضد التيار تصل بك للمنابع

محفوظ نحناح

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

بوفاة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فقدت الساحة الإسلامية عامـة والمغاربية خاصة رجلاً من خيرة رجالاتها، لم تكد الساحة الإسلامية في العالم ولا الساحة السياسية في الجزائر تعرف خلال السنوات العشر الماضية في الحد الأدنى مثل الأخ والصديق الفقيد محفوظ نحناح، شخصية اصطرع حول تقويم سياساتها ومواقفها كل المتابعين للشأن الجزائري، الذي هو بدوره ظل على نحو أو آخر في صدارة أحداث العشرية المنصرمة.

غير أن المرء مهمـا اختلف مع فقيدنا فيما اجتهد واتخذ من مواقف كثيراً ما صادمت الرأي العام الإسلامي والسياسي فلن يملك إلا أن:

1- يعترف لهذا الرجل بسابقته في خدمة دعوة الإسلام على كل الجبهات منذ كان طالباً في الآداب فأستاذاً جامعياً لمادة التفسير، ودأبه على نشر مبادئ وقيم التجديد الإسلامي في الجزائر التي كانت يوم بدأ عمله قد استقلت حديثاً وكان من شباب ثورتها الكبرى،

وكانت الآمال وقتها معلقة على استقلالها أن يحقق لها نقلة عظيمة إلى حياة إسلامية واعية باعتبار ثوراتها المتلاحقة منذ الأمير عبد القادر الجزائري إلى ثورتها التحريرية الأخيرة كان الإسلام مادة وقودها ولا سيما بعد العمل التأسيسي لجمعية العلماء.

غير أن صعود موجة العلمنة والاشتراكية والشيوعية في العالم خلال الستينات والسبعينات وما حظيت به ثورة الجزائر في مرحلتها الأخيرة من تأييد المعسكر الاشتراكي مقابل انحياز الحلف الأطلسي للمستعمر جعل من الاستقلال نوعاً من النصر الاشتراكي والعلماني ومنطلقاً لتطبيقات اشتراكية في المستوى الاقتصادي والسياسي وفرصة للنشاط اليساري الشيوعي،

وذلك رغم انطلاقة موجة التعريب التي سيكون المد الإسلامي واحداً من ثمارها ويشكل أكبر تحدٍ لتوجهها العلماني الذي عاد في النهاية يصب في حوض التغريب تواصلاً مع إرث الإدارة الفرنسية المنهزمة ولكن في حالة كمون.

وكان الشيخ محفوظ والشيخ عباسي والشيخ عبد الله جاب الله والشيخ محمد بوجلخة والشيخ محمد السعيد، ثم علي بالحاج ومصطفى براهمي .. في مرحلة تالية، من أبرز رموز الشباب المغاربي الذين قاموا منذ نهاية الستينات وفي أعقاب حل أول جمعية إسلامية بعد الاستقلال "جمعية القيم"، نهضوا تحت رعاية عدد ممن تبقى من شيوخ جمعية العلماء مثل الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ سحنون والأستاذ مالك ابن نبي يتصدون لانحراف الثورة عن إرثها الإسلامي وإيغالها في نهج العلمنة والاشتراكية والحكم الفردي وما تطورت إليه من تغرب ولائكية لا سيما في عهد الشاذلي.

لقد مثل الشيخ محفوظ جسراً مهماً جداً لنقل الأفكار الإصلاحية المشرقية والمناهج التربوية التي مثلها فكر الإخوان المسلمين عامة إلى الجزائر والمغرب العربي على نحو ما سواء عبر التدريس وسط طلاب الجامعة أم كان في عمق البلاد عبر شبكة الماجد ولا سيما في منطقة الوسط التي ينتسب الشيخ إلى واحدة من أهم مناطق البليدة التي عرف أهلها بالنجاح في مجال الأعمال، فكان من أهم أركان بسط فكر الدعوة الإسلامية في هذا القطر الإسلامي المهم.

2- ليس الشيخ محفوظ مجرد داعية نشط وواعظ حديث أمكن لخطابه المتميز بالعمق الديني والهدوء والواقعية والمستوي الأدبي الرفيع وروح الدعابة وإنما كان إلى ذلك مربياً ومنظماً مؤسساً لجماعة إسلامية "حركة المجتمع الإسلامي" "حماس" التي تحولت لاحقاً إلي حركة مجتمع السلم انسجاماً مع قانون الأحزاب، انغرزت هذه الحركة بقوة في المجتمع الجزائري ولا سيما في الفئات الوسطي من الإداريين و الإطار التعليمي والتجار والنساء والشباب.

ومرت بمرحلة السرية والتتلمذ علي الفكر الإصلاحي المشرقي الذي يكون النقل الحرفي له في المرحلة الأولي قاد إلي تصادم الحركة في طور نشوئها في النصف الثاني من السبعينات مع حكم بومدين فاعتقل الشيخ وثلة من إخوانه وتعرض لصنوف من التعذيب وأمضى بضع سنوات في غياهب السجون،

حيث أمكن لي التخفي مع أسرته لزيارته بالمستشفى خلال تلك الفترة بمدينة "الأصنام" التي تعرضت خلال وجوده بسجنها إلى زلزال شديد ترك الشيخ فجأة في العراء وقد تساقط كل ما حول وفر من بقي على قيد الحياة بينما ظل هو ساكناً هادئاً في انتظار عودة السجن والسجانين.

لقد مرت حركته من مرحلة النسخ عن المشرق إلى مرحلة التفاعل الجريء مع البيئة الجزائرية، لا سيما وقد تعرضت الجزائر لزلزال سياسي ربما لا يزال يحكم مسيرتها حتى اليوم هو حدث 5 أكتوبر 1988 الذي دكت فيه انتفاضة شعبية عارمة الدولة دكاً فعمت البلاد فوضى عارمة،

ومن هناك انطلقت مسيرتان كبيرتان، مسيرة الشيخين عباس مدني وعلى بالحاج اللذين امتطيا الموج العارم ومضيا به يكسوانه شعارات الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، المسيرة التي حاول الشاذلي مجاراتها بإجراءات ديمقراطية على أمل احتوائها نهاية.

وحتى بعد فوز الجبهة الإسلامية في الانتخابات البلدية ثم وشوك فوزها في الانتخابات التشريعية ظل الشاذلي يواكب المسيرة ثقة في قدرته على احتوائها، بينما الجيش رفض إسلام مصيره ومصالحه إلى الشاذلي وعباس فتحركت الدبابات أولاً لسحق جمهور عباس المتحرك في الشوارع ثم تحركت لسحق صناديق الاقتراع وإلغاء الانتخابات وطرد الشاذلي والرهان على الجيش بدل حيل الشاذلي الديمقراطية لسحق الجبهة بأفق العودة بالجزائر إلى ما قبل زلزال 5 أكتوبر بالقوة،

أما الشيخ محفوظ رحمه الله فكان متوجساً من الإبحار مع الموج الهادر ربما بحكم مزاجه الهادئ وعقله المنظم وتجربته في الصدام، فمال إلى التهدئة، وحتى لما اضطر الشاذلي لفتح أبواب التعددية على مصراعيها وانطلقت الجبهة كالصاروخ لتنزع من جبهة التحرير (حزب السلطة) قيادة أهم البلديات، فقد ظل الشيخ محفوظ ملازماً موقف الحذر على تمام اليقين أن هذا الانفتاح مجرد خدعة لاحتواء الموقف وكشف حقيقة قوة ومواقع نفوذ الإسلاميين لتصفيتهم.


غير أنه لم يملك - وقد أخذ المسار يفرض نفسه - نفسه من مسايرة الموجة ولكن بحذر، إذ عمل على القيام بنوع من التأمين على الدعوة فاستحدث لها كياناً مستقلاً عن التنظيم السياسي هو جمعية الإصلاح والإرشاد كما مد خيوط تواصله مع أصحاب السلطة الحقيقيين قادة الجيش لطمأنتهم على أن حركة مجتمع السلم تراهن على الإقناع بجل الإخضاع وطرائق السلم وليس المغالبة وأنه شددي الحرص على بقاء الدولة في وجه التهديد المسلح من الجماعات الذي تتعرض له وأن الجيش هو أهم ضمان لاستمرار الدولة والاجتماع الجزائري، ولم يتزحزح الشيخ عن هذه القناعات خلال أشد عنفوان الجماعات المسلحة وتغلغلها في الدمن والأرياف وحتى في العاصمة فضلاً عن الجبال،

كان خطابه داخل الجزائر وخارجها يقارع تلك الجماعات وما تقوم عليه من تصورات فكرية وسياسية مبيناً تباينها مع ما يؤمن به من إسلام ومصلحة دعوته والوطن الجزائري، لم يرهبه ما تعرض له من حملات نقدية شديدة لنهجه ومن تهديدات لحياته لا سيما وقد أمكن لهم أن يجهزوا على أقرب أعضاده وخليفته المنتظر الشيخ "بو سليماني" رحمه الله.

ومـا أزال أذكر صلاتي يوم الجمعة في المسد المركزي بلندن خلال عام 1995 مع الشيخ وما راعني ـ وقد تخلفت قليلاً عن الشيخ لأسلم على بعض الأصدقاء ـ ونحن ندلف وسط جموع غفيرة من صحن المسجد إلى خارجه،

إلا وجمع من الشباب يلتف حول الشيخ صارخاً في وجهه ثم ما لبث أن وجه إليه أحدهم لكمة كادت تفضي إلى كارثة – لولا تدخل بعض العقلاء للحد من غلواء أولئك المتطرفين، ولقد عجبت لمدى تماسك الشيخ وهدوئه وسط الخطر الذي أحاط به، ولعله بعد ذلك فرض على نفسه وضع ترتيبات لتنقله.

إنسانية الدعوة والحركة

3- الثابت أن الجماعة التي أسسها الشيخ على عينه وصورته قد ثبتت بعد ثلث قرن من التقلب مع الموج الجزائري العاتي رقماً مهماً ومعطى ثقافياً وسياسياً واجتماعياً يمكن لك أن تتفق معه أو تختلف لكن لا مناص من أن تقر له حساباً، فقد وسع قاعدته في مستوى الشباب الطلابي وفي مستوى العمل النسائي ووسط فئات وساعة من الفئة الوسطى ومختلف قطاعات الدولة

بما قدم من تصور هادئ متسامح يعطي مكاناً واسعاً في الإسلام لكل ما هو إنساني وجميل وحديث من ديمقراطية وحقوق إنسان وذوق جميل ومال وتجارة وترفيه حلال وروح دعابة إلى حس عميق تجاه المساكين والأرامل والعوانس ـ

وأحسب أن أكثر زعيم إسلامي تكلم عن ظاهرة العنوسة وأحس بمعاناة أعداد هائلة من هؤلاء الفتيات هو الشيخ محفوظ ـ كما حفل خطابه بخصوصية نادرة في تحركات التغيير عن الدفاع عن الدولة وضرورة المحافظة عليها من والخشية من الانفلات والفوضى، والحقيقة أن هذا الخط مثل خطاباً تليداً في تراث علماء أهل السنة زهدت فيه الحركة الإسلامية المعاصرة التي سادها خطاب التثوير والتغيير بسبب ما نالها من بأس الدولة الحديثة حتى كرهتها لدرجة تمني زوالها

ولربما هذا الخطاب الوسطي الجامع لئن أغضب من الشيخ فئات واسعة من الإسلاميين ولا سيما في وسط الشباب والسياسيين الجزائريين فقد أمده بقاعدة مستقرة مضمونة ربما حتى في وسط الجيش وقياداته بما أفسح أمام الشيخ فرص الترشح إلى قمة الهرم السياسي إذ ترشح في انتخابات 1995 لمنافسة الرئيس زروال، ورغم أنه لم يفز إلا أن كل المتابعين لحملته الانتخابية يشهدون بتفوق مستوى خطابه وشعبيته بما جعل النتائج المعلنة موضع استفهام.

وحاول مرة أخرى الترشح في مواجهة بوتفليقة إلا أنه أقصي بطرق ملتوية، تشهد مرة أخرى على أن اللعبة ممسوكة من فوق مسكاً محكماً، وأن هناك خطاً أحمر لا ينبغي للإسلاميين تجاوزه، ومع ذلك صبر الشيخ وواصل الصمود في مواجهة التيار الاستئصالي المتصاعد لا سيما بعد فشل الرهانات العنيفة وترجيح كفة نهج المصابرة والتعقل الذي انتهجه الشيخ ـ مع ما يمكن أن يؤاخذ به من شطط في هذا الصدد ـ

وأمكن لصموده أن يفسح المجال أمام ما هو متاح دون الرئاسة من مواقع في المجلس التشريعي ظلت محجوزة لحركة مجتمع السلم، مواقع مهمة في المستوى النيابي والتنفيذي دربت كوادر مهمة لهذه الحركة نقلتها من مستوى الشعارات والعموميات إلى قلب العملية السياسية بما هي تفاعل بين المبادئ والواقع وهي أقوم الطرق لتطوير فكرنا الإسلامي في مجالات الاقتصاد والثقافة والتنمية والعلاقات الدولية وهو ما يعاني فيه فكرنا الإسلامي فقراً شديداً نتيجة نأيه منذ زمان عن ميادين التطبيق.

جدل لما بعد الرحيل

وإذا كان الموت قدر كل كائن حي فإنما تقاس حياة الرجال بما قدموه لأمتهم وللإنسانية وبما قدموا إلى ربهم ورغم أني طالما اختلفت خلال العشرية المنصرمة مع الشيخ رحمه الله فقد ل إعجابي كبيراً بثباته على ما يعتقد أنه حق ومصلحة وبشجاعته في الصدع برأيه مهما بلغ تباينه مع الجمهور، وقد خبرته عن قرب خلال إقامتي بالجزائر مدة سنتين ولمست عن قرب مدى امتدادات وتشعب علاقاته التي لم يضن بها عنا.

كل ذلك جعل من الشيخ طرازاً متميزاً في التنظيم الإسلامي تتفق معه أو تختلف، لكن لا يمكن لك إلا أن تقدر فيه الشجاعة والثبات والسماحة والاعتدال والمرونة السياسية لدرجة البراغماتية والحس العميق بهموم الناس.

رحم الله الأخ الصديق الحبيب الشيخ محفوظ بقدر ما جدد وأشاع من قيم الإسلام العملية والتربوية والسياسية وحسن المعاملة، مما تحتاجه أمة وشعب ممزقان بالأحقاد ونزوعات التنافي ورحمه بما حرك من سواكن العقول وفجر من قضايا عملية للتفكير والتأمل، رحمه الله في الأولين وعوض الله شعب الجزائر وإخوانه مجتمع السلم وأمة الإسلام خيراً وأفرغ على ذويه وأحبابه جميل الصبر وجمعنا الله به في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.


نعي القرضاوي للشيخ محفوظ نحناح في قناة الجزيرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين سيدنا وإمامنا وأسوتنا ومعلمنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته إلى يوم الدين.

قبل أن أجيب عن هذا السؤال أود أن أقول كلمة على ما جرت به عادتنا في هذا البرنامج في وداع الراحلين من كبار العلماء والدعاة الذين خدموا هذه الأمة وعملوا لها، أقول ها بمناسبة وداع أخينا وصديقنا العزيز علينا الحبيب إلينا الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله رحمة واسعة،

هذا الرجل الذي عرفتـه في الجزائر وعرفته خارج الجزائر، وعرفته منذ زمن طويل داعياً إلى الله على بصيرة، جنَّد نفسه منذ أدرك لخدمة الإسلام والدفاع عن حياض الإسلام والذود عن حرمات الإسلام،

عـاش حياته كلها داعيـاً إلى الله داعيـاً إلى هذا الدين بالحكمة والموعظة الحسنة والجـدال بالتي هي أحسن متبنياً تيار الوسطية والاعتدال والرفق والرحمة والحكمة والتدرج، هذا الرجل الذي شاء له ربه أن يعيش أواخر حياته مريضاً، وهذا ليكفر الله من سيئاته ويزيد من حسناته ويرفع من درجاته حتى توفاه الله منذ أيام،

الشيخ محفوظ نحناح (رئيس حركة مجتمع السلم في الجزائر، وأحـد الدعـاة الجزائريين) مهما اختلف مع الناس هناك، ومهما اختلف مع إخوان له هناك فسيظل الشيخ محفوظ نحناح علامة من العلامات ورمزاً من الرموز وشيخاً من الشيوخ الذين نذروا شبابهم وشيخوختهم للدعوة إلى هذا الدين وترك وراءه آثاراً طيبة وصالحة، فلا نملك إلا أن ندعو الله – تبارك وتعالى – له أن يتغمده برحمته وبمغفرته وأن يسكنه الفردوس الأعلى وأن يخلفه في ذريته وإخوانه بخير ما يخلف به عباده الصالحين،

وأن يتقبله في عباده المؤمنين ويجزيه عن الدين والوطن والأمـة خير ما يجزي به الأئمة والعلماء العاملين والدعاة والصادقين، ونقدم عزاءنا لإخوتنا في الجزائر، لآل نحناح ولإخوتنا في حركة مجتمع السلم، وللإخوة العاملين للإسلام هنـاك وللجزائر كلها وللداعين إلى الله في أنحاء الأرض نعزيهم ونعزي أنفسنا، فقد فقدت الأمة رجلاً من رجالاتها، نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يغفر له ويرحمه، وأن يعوضنا فيه خيراً".


الشيخ نحناح فقيد الجزائر والإسلام

انتقل الزعيم الإسلامي الجزائري المعروف الشيخ محفوظ نحناح ظهـر الخميس 19 يونيو (حزيران) الحالي إلى رحمة الله الواسعـة. الموت حق، وكل نفس ذائقة الموت،

ولكن مصاب الجزائريين وكثير من المسلمين في فقد الشيخ محفوظ مصاب جلل. ففي بلد عانى من الاقتتال والتناحر، وهان فيه دم المخالف في الرأي على كثير من محترفي العنف والقتل والفوضى، وتفنن المجرمون في أساليب ذبح الضحايا الأبرياء، واختلط الحابل بالنابل سياسياً وفكرياً، وأصبح الإسلام ذاته موضع نزاع واستطاب بين أبناء الجزائر الذين وحدتهم الراية الإسلامية من قبل لمواجهة الاستعمار ..

في خضم هذه الفتنة الهوجاء، ألزم الشيخ محفوظ نفسه بألا يتورط من قريب أو من بعيد في كـل ما من شأنه أن يؤدي لإراقة الدم الجزائري، ورفض العنف منهجاً لخدمة الدين أو السياسة، ودافع عن خيار الوحدة الوطنية الجزائرية في كل آن وحين. كـان هذا هو الاختبار الأهـم لأي سياسي جزائري في حقبة التسعينات،

إذ برز في الساحة كثيرون ممن نظروا للعنف ودافعوا عنه أو تستروا عليه لحساب السلطة أو لحساب الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجماعات المتفرعة. وقد نجح الشيخ محفوظ في الاختبار نجاحـاً باهراً حينما حرم الاقتتال جملة، وحرم الدم الجزائري على جميع المختصمين، وألزم أنصاره في حركة مجتمع السلم بـأن يصبروا ويلتزموا نهج السلم مهمـا واجهوا من ضغوط واستفزازات.

ونجح الشيخ مرة أخرى عندما صبر على هذا النهج في مواجهة منتقديه داخل الجزائر وخارجها، علمـاً بأن صفوف منتقديه ضمت وجوهـاً بارزة من الإسلاميين العرب. سمع الشيخ نحناح تلك الانتقادات، وواجه الذين اتهموه بالجبن والخيانة، وتمسك بمقتضيات الأدب والأخلاق في الرد عليهم، ولم يساوم أبداً على موقفه المعارض للعنف والاقتتال بين بني وطنه.

على الصعيد الحركي الإسلامي، برز الشيخ محفوظ نحناح رمـزاً للاعتدال، ومد يده على الدوام للحوار مع الحكـام وقادة التيارات الفكرية والأحزاب السياسية العربية والإسلامية.

وحاضر في المنابر الدولية المختلفة مدافعاً عن نهج الإصلاح المتدرج الذي يستوعب حقيقة الاختلافات الكبيرة التي تشق مجتمعاتنا المعاصرة، لكنه لم يحد عن التزامه بالمرجعية الإسلامية ولم يفتر في الدعوة إليها أساسـاً لتطوير أوضاع بلاده وبلدان العرب والمسلمين. في السياق التونسي، كان الشيخ محفوظ نحناح منزعجاً أشد الانزعاج من حـالة المواجهة والقطيعة التامة التي حكمت العلاقة بين حكومة الرئيس زيـن العابدين بن علي وحركة النهضة.

وأذكر أنني عندما سعيت عامي 1998 و 1999 لتحريك ملف المعتقلين الإسلاميين وملف حركة النهضة، ضمن ملفات أخـرى متعلقة بتوسيع المجال الديمقراطي في تونس، والتقيت بالرئيس زين العابدين بن علي ودافعـت عن فكرة العفو الخاص والتطبيع المتدرج لهذا الملف، واجهت معارضة قوية مـن طرف شخصيات كثيرة في السلطة وفي النهضة، ولكنني وجدت التشجيع الكامل من الشيخ محفوظ نحناح،

وكان يرى دائماً أن جمع كلمة أبناء الوطن الواحد من أفضل أعمال البر والخير ومن أجل وجوه خدمة الدين والوطن. ود حرص الشيخ نحناح على زيارة تونس، وحـاول أن يقدم بالقدوة العملية وبالنصيحة الأدلة القاطعة على أن التعايش بين الحكام والإسلاميين ممكـن إذا توفرت النية الصالحة والإرادة الفاعلة.

وقد أحسن الرئيس عبد العزيز بوتفليقـة وأجاد وتفوق على كل كاتب وأديب فيما تضمنته برقية العزاء التي بعث بها إلى آل الفقيد.

وهو عدد مناقب الشيخ محفوظ نحناح وسوابقه في خدمة الجزائر وشعبها ووحدتها الوطنية، فقدم بهذه التعزية ذاتها مثالاً نادراً على سمو السياسة في لحظات الصدق. رحم الله فقيد الجزائر والإسلام، وأدخله بفضله وكرمـه فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيـقاً.

وأحسن الله عزاء أهله ومحبيه ومواطنيه، و "إنا لله وإنا إليه راجعون".

الشيخ محفوظ نحناح الظاهرة الجزائرية التي فقدتها الأمة

بقلم وصفي عاشور أبو زيد

باحث في العلوم الشرعية .مصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

منذ أكثر من ستين سنة في العام 1940م فقدت الجزائر مصلحها الثائر عبد الحميد بن باديس أحد رواد النهضة العربية والإسلامية، وفي 1959م رحل عنها المصلح الجزائري الفضيل الورتلاني، ومنذ ثلاثين سنة في عام 1973م فقدت مفكرها الأكبر ومصلحها الأعظم مالك بن نبي،

وها هي اليوم تودع أبرز قادتها المعاصرين، وأحد رجالات العمـل الإسلامي فيها وفي العالم الإسلامي كلـه الشيخ محفوظ نحناح عن عمر يناهز واحداً وستين عـاماً، عليه رحمة الله. لقد ودعت الجزائر هذا القائد المحنك وهي في أشد الحاجة إلى حنكته السياسية، وفكره السامق، وأُفُـقَه الرحيب.

المولـد والتعليـم

ولد الشيخ محفوظ نحناح في يناير 1942 بمدينة البليدة ـ مدينة الورود ـ التي تبعد 50 كم جنوب الجزائر العاصمة حيث ترعرع ونشأ في عائلة متدينة محافظة. تعلم دروسه في المدرسة الإصلاحية التي أنشأتها الحركة الوطنية، والتي كانت تمثل رمز المقاومة والدفاع عن الذات العربية والإسلامية للجزائر من الانسلاخ والتغريب. وقد أكمل مراحل التعليم الابتدائية والثانوية والجامعية في الجزائر،

حتى حصل على الليسانس (الإجازة) في الآداب وعلـم النفس الصناعي بالجزائر، ثم اشتغل في حقل الدعوة الإسلامية لأكثر من 40 عامـاً، في مابل المد الثوري الاشتراكي وفي مواجهة نشر الثقافة الفرنسية، حيث بدأ نشاطه الدعوي سنة 1960م بمساجد العاصمة، وكان يُدَرِّس في الحلقات كتاب (ظلام من الغرب) للشيخ محمد الغزالي.

جهاده الإصـلاحي

يعتبر نحناح – رحمه الله – من أشد معارضي التوجه الماركسي في وقته، كما كان يعمل على المحافظة على موروثات الشعب العقدية التي تخلى عنها من تبقى من رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بما يجعله معارضاً لأصحاب العقائد الضالة المنتسبة إلى الإسلام من جهة، والعقائد الاشتراكية الوافدة من جهة أخرى.

وفي سنة 1975 سجن بتهمة تدبير انقلاب ضد نظام الحكم آنذاك (هواري بومدين) حيث عارض فرض النظام الاشتراكي بالقوة على المجتمع الجزائري باعتباره خياراً لا يتماشى ومقومات الشعب الجزائري العربي المسلم، ودعا إلى توسيع الحريات السياسية والاقتصادية وحكم عليه بـ 15 سنة سجناً، وقضى منها أربع سنوات، كما حكم على مجموعة من أقرانـه بأعوام متفاوتة،

وكان بسبب رفض حركته الإسلامية لمنحى الميثاق المكرس للاشتراكية، وكان السجن فرصة ثمينة للاستزادة من العلم من جهة والمراجعة للأمور الفكريـة والسياسية من جهة ثانية، وقد تحول على يديه خلق كثير من السجناء من الانحرافات السلوكية، وأصبحوا نماذج حسنة. عمل الشيخ محفوظ نحناح على تأسيس رابطة الدعوة الإسلامية رغبة منه في إيجاد مرعية دينية للجزائريين تحفظ الشعب والبلد من كل انحراف، ثم أسس جمعية الإرشاد والإصلاح 1988م هو ورفيقه الشيخ محمد بوسليماني الذي اغتالته الجماعة المسلحة سنة 1994.

ثم بعد ذلك أنشأ حزباً سياسياً سمي "حركة المجتمع الإسلامي"، وانتخب أول رئيس له في 30 مايو/أيار 1991م، وانتمى إليها كثير من أعضاء جمعية الإرشاد والإصلاح، وبعد صدور القانون الجزائري الذي يحظر على الأحزاب استعمال وصف "الإسلامي" في أسمائها غيرت حركة المجتمع الإسلامي اسمها إلى حركة مجتمع السلم، كـما شارك في إنشاء رابطة الدعوة الإسلامية برئاسة الشيخ أحمد سحنون، وكان من بين أعضائها عباس مدني وغيره من الوجوه الإسلامية المشهورة. وقد شارك نحناح في عدة مؤتمرات وملت قيات دولية في أوروبا وأمريكـا وآسيا وإفريقيا تتعلق بقضايا الإسلام والغرب وحقوق الإنسان والديمقراطية ـ لا سيما عن فلسطين وأفغانستان ـ والتقى أثناء زيارته لهذه الدول زعماء وكبار مسئوليها في كل من: فرنسا، وإسبانيا، والسويد، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا، وسوريـا، والأردن، والمملكة العربيـة السعوديـة، والسودان، وقطر، والكويت، والمغرب، وليبيـا، وغيرها من الدول، كـما شارك بقوة في صيانة الدول الجزائرية من الانهيار ودافع عنها في المحافل الدولية وقدم في سبيل حمايتها واستعادة مؤسساتها والحفاظ عليها تنازلات كبيرة يعرفها الجميع.

حركة مجتمعة السلم

ومن الجدير بالذكر أن حركة مجتمع السلم تتبنى توجهاً إسلامياً معتدلاً، كما تتبنى ثوابت الهوية الجزائرية (الإسلام والعروبة والتراث الأمـازيغي)، وتسعى لإقامة السلم والوئام الوطني في الجزائر بشكل غير مشروط ، وتحافظ على الظهور كحركة إسلامية ديمقراطية وطنية مسالمة، كما تركز في خطابها على إعادة الأمن والاستقرار إلى الجزائر وعلى حماية حقوق الإنسان وكرامة المواطن.

وفي تقييمهم للحركة يعتقد الملاحظون أن خطابها يميل إلى النخبة باستنارة هذه الحركة عن غيرها من الحركات الإسلامية الجزائرية الأخرى، وأنها منذ البدء كانت ترفض المصطلحات التي تعتبر السلطة عسكرية قمعية تفتقر إلى الشرعية الدستورية، أو إسقاط السلطة بالحسم العسكري أو تعديلها بالقوة الثورية، ومنـذ نشأتـها استطاعت الإفلات من أسر التداول العضوي لهذه المصطلحات التي كانت شائعة في جو المعارضة المتشددة والتي خسرت الكثير من أعضائـها ومن شعبيتها، إلا أن الحركة لها تباين في الرأي داخل إطارهـا ـ وهذا دليل صحة وحياة

ـ فهناك تيار محافظ يعتمد على الحذر الشديد من مبادرات السلطة ويتعامل معها على هذا الأساس، وآخر يحاول الاستفادة من كـل المبادرات الإيجابية لا سيما التي أتاحتها السلطة للحركة، فالمنهج السياسي للحركة منذ نشأتها يتجه نحو المرونة في تصحيح الأوضاع وفق ثلاث قواعد: المشاركة، والمرحلية، والواقعية.

ولقد تمكنت الحركة التي يرأسها الشيخ محفوظ نحناح بقيادته من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، فاحتل المرتبة الثانية في الانتخابات الرئاسية حيث كان أحد المرشحين الأربعة (زروال، وسعيد سعدي، ونور الدين بوكروح

وتحصل على أكثر من ثلاثة ملايين صوت حسب النتائج الرسمية المعلنة في العـام 1995م، وتعتبر هذه الانتخابات أول انتخاب شـارك فيه الإسلاميون في العالم العربي الإسلامي بمرشح يحمل هذا التوجه، لكنه منع من الترشيح مرة ثانية للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1999م بحجة أنه لم يكن أحد مجاهدي حرب التحرير، حيث إن امتلاك "الشرعية الثورية" شرط قانوني للترشيح لانتخابات الرئاسة في الجزائر، ولم يمنعه ذلك من مساندة ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في تلك الانتخابات.

كما حصلت الحركة على المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية بمجموع 70 نائباً، والمرتبة الثالثة في الانتخابات المحلية وشاركت بحقائب وزارية عديدة في حكومات مختلفة.

توجهاتـه وآرائـه

كان الشيخ محفوظ نحناح ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومن أهم توجهاته السياسية ومعتقداته الفكرية التي يُعلن، ويدافع عنها بقوة: الشورى، والديمقراطية، والتطور، والتسامح، والتعددية، والتداول السلمي للسلطة، وتوسيع قاعدة الحكم، والتعايش مع الآخر، وأهمية حوار الحضارات، واحترام حقوق الإنسان، ومشاركة المرأة في مجالات الحياة المختلفة التي تتناسب مع طبيعتـها، واحترام حقوق الأقليات، واحترام الحريات الشخصية والأساسية، وتقوية أواصر العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

ويؤكد الشيخ نحناح دائما على أهمي التداول السلمي للسلطة، وعلى الوسطية والاعتدال ونبذ العنف والتطرف والغلو في الدين.

وهو يدعو دائماً إلى ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية، ويرى أن المشاركة في قاعدة الحكم أولى من الروح الانسحابية أو المعارضة الراديكاليـة، ود بينت الأحداث صدقية هذا الاختيار. وكان ـ رحمه الله ـ يطالب حكام العرب والمسلمين بأمـور إصلاحية عديدة أهمها:

• تجسيد المتفق عليه في المواثيق التي تفرض حماية الأمن القومي من خلال معاهدات الدفاع المشترك، الذي لا يقبل العدوان على أيـة دولـة عربية وإسلامية من أي مكان، والإعلان عن حالـة الاستنفار العـام فيما إذا مسّ أي بلد عربي أو إسلامي في المنطقة.

• إعادة تشكيل قوة عربية رادعة قادرة على التحرك السريع لا تهديد فيها لدوت الجوار، أو تحضيـراً لتفتيت الوحـدة لأي بلد كـان، والمسارعة إلى حل المشاكل العالقة المعرقلة لذلك.

• وقف النهب المبرمج لثروات شعوبنا، والمعاقبة العلنية للمتورطين في الفساد المالي والسلطوي والاستبعاد الفوري لهذه العناصر أفـراداً أو أحزابـاً أو جماعـات.

• الكف الفوري عن سياسة مصادمة ثوابت وقيم مجتمعنا العربي الإسلامي، وتقليم أظافر العابثين والمنهزمين حضارياً، المتموقعين في مفاصل السلطة والثروة والإعلام.

• الشروع في تقديم إعلام هـادف وطنياً قومياً بطريقة عقلانيـة ومشرفة لديننا وقيمنا وخصائصنا.

• وقف الحملات الإعلامية التي جعلت الإرهـاب تكأة لضرب الإسلام نفسه وتشويه التدين والمتدينين.

• التعهد ببداية تشبيب أنظمة الحكم ديمقراطياً في بلادنا العربية، وتوفير الأجواء للمثقفين والعلـماء وذوي السمعة الحسنة، ليكونـوا في مركـز التوجيه وصناعة القرار.

• وهي كلها مطالب تفتقر إليها الأمة العربية والإسلامية مما يُبرز الهوة السحيقة التي ترسخ في أغلالها هذه الأمة، والتي كان المرحوم نحناح يخلع عليها قول الشاعر العربي:

كم تُظْلَمُـونَ ولستم تشتكون وكم تُـسْتَغْضَـبُون فلا يبدو لكم غضبُ

أَلِفْـتُمُ الهَـوْنَ حتى صـار عندكــم طبعـاً وبعض طبـاع المـرء مكتسب

وفَـارَقَتْـكُمْ لطول الذل نخوتُـكم وليس يؤلمكم خَسْـفٌ ولا عَطَـبُ

وقد أُلِّـفت عن الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ عدة كتابات تعبر عن أفكـاره منهـا: رجل الحوار، خطوة نحو الرئاسة، بالإضافة إلى مساهماته الثقافية في مختلف المجلات والجرائد العربية، والملتقيات الوطنية والدولية، والحوارات الإسلامية المسيحية في إيطاليا والسويد".


الأزمـة والرجل الرشـيد محاولـة للإنصـاف للدكتورأحمد يوسف

"لقد قلت منذ بداية أحداث الجزائر بأن موقف الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ أيام الانتخابات كان هو الموقف الصحيح، والمؤيد بدلائل فقه الدعوة الموروث، وإن جبهة الإنقاذ وكل قيادات الجماعات الإسلامية الأخرى التي وقفت معها ـ آنذاك ـ كانوا مخطئين..."

الشيخ محمد أحمد الراشد ملتقى الجامعة الصيفية / الجزائر، يوليو 2004

قد تكون هذه المحاولة لإنصاف الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ متأخرة في زمانها لكنها من موقف الاعتراف كانت في مكانه ... فاليوم تتنفس الجزائر الصعداء، فقد عاد إليها السلم الاجتماعي شيئاً فشيئاً، وبدأ النـاس يعودون إلى ممارسة حياتهم الطبيعية بسبب انتعاش الحالة الأمنية،

والتي هيـأت لها مناخات الحوار وأجواء المصالحة التي صنعتها الدولة والأحزاب الإسلامية والوطنية المعتدلة وتجاوبت معها الجماعات الإسلامية المسلحة، وذلك بانتهاج سياسة المعالجة الهادئة بعدما باتت سياسة إرهاب الدولة "والكـل أمني"

مرفوضة حيث انفراج في الساحة السياسية والإعلامية الجزائرية بالعودة إلى ممارسة العمل السياسي بهدف تحقيق الوئام المدني والمصالحة الوطنية، وتخفيـف حالات الاحتقان والانسداد التي سادت العشرية الأخيرة من القرن العشرين، بل وشهدت ميلاد ائتلافات وتحالفات سياسة بين الدولة والمعارضة الإسلامية، وكان آخرها التحالف الرئاسي الذي شاركت فيه حركة مجتمع السلم مع جبهة التحرير الوطني (الأفلان) والتجمع الوطني الديمقراطي (الأرندي) تحت قيادة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

بالطبع لم تكن هذه الإنجازات لتتم هذه الإنجازات لتتم لولا الجهـود الممهـدة التي بذلها الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ وخطابه في الوسطية والاعتـدال، والذي تعرض بسببه للكثير من الانتقادات والتشهير والاتهام داخـل الأوساط الإسلامية الحركية، وحتى من بين أقرب الناس إليه .. لقد احتمل الشيخ ـ رحمه الله ـ كل ذلك "الظلم" والتجني الذي لحق به، وكانت ابتسامته ترد ـ دائماً ـ على منتقديه "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".

لقد عرفت الشيخ على مساحة عقدين من الزمـان، كنت أقف فيهـا ـ أحياناً ـ معه، وأجد نفسي مختلفاً وناقداً له في أكثر الأحايين.

وأجدني في هذه التوطئة مـدفوعاً للاستشهاد لكلام لأحد الصحفيين الجزائريين حين وصف الشيخ الرئيس محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ قائـلاً: "منذ اللحظات الأولى معه تعرف أنك أمـام محـاور متمرس، ولطيف، يعطيـك من الوقت ما تريد حتى تنتهي من شرح فكرتك، ثم يستأذنك في الكـلام، ويدلي بدلوه فيه بوضوح، بلا لف ولا دوران، تحس باحترامه لمحـاوره، كائناً من كان، فهو محاور ذكي، وذو عقل منظم يفرض احترامه على مـن أمامه .. فصيح اللسان .. مثقف ثقافة عالية، دينية، وأدبية وسياسية واجتماعية، ويظهر هذا في أحاديثه وكتاباته ... كما أنه يتميز بمرونة عجيبة إلا في الثوابـت التي يبدو مقاتلاً شرسـاً في الدفاع عنها ومن أهمها إراقـة الدمـاء، وفيما يعتقد أنـه حـق ومصلحة"

لاشك أن سنوات الأزمة التي عاشتها الجزائر كان يكتنفها الكثير من التشويش والغموض، ولم يكن من السهل على الناس الحكم على حقيقة مـا يجري، فالمحجة البيضاء لم يكن أحد يعلم ـ آنذاك ـ ليلها من نهارها، وليس من السهل حينذاك تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فالـضبابية والغبش كانت طاغية حتـى على أهل الرأي والمشورة من العـلماء والدعـاة الإسلاميين داخل الوطن وخارجه.

وسط هذه الأجواء التي كانت تذر الحليم حيراناً، كان الشيخ يتحرك في كل مكان داخل الوطن وخارجه محـاولاً إنقاذ سفينة الجزائر من الغـرق، والنجاة بالمشروع الإسلامي من اتهامات التطرف والغلو والإرهـاب، ويـدعو إخوانه بألا يركبوا الشطط وينساقوا خلف العواطف والحناجر الغاضبة، وأن عليهم أن يلحقوا به لإنقاذ السفينة والنجاة من الغرق.

عشر سنوات عاشتها الجزائر كانت فيه مسرحاً للقتل والذبح والجنون واللعنات، سنوات غـاب فيها صوت العقل والمنطق وصدى الغيث والرحمات .. كان الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ يبدو كمن يغرد وحـده خارج السرب ... لم ينصت لتحذيراته وتحليلاه أحد إلا رجاله، وطالته الألسنة بالنقـد والاتهامات ... واليوم،

وبعد أن استعادت الجزائر شيئاً من حيويتها ورشدها، وبعد أن صارت المصالحة الوطنية رؤية إسلامية إستراتيجية، أصبح الشيخ عنواناً ورائداً لفكر الوسطية والاعتدال، وسارعت القيادات الإسلامية تعترف لـه بالعقل والفضل والحكمة، وأنها أخطأت عندما تعجلت في أحكامها وتحاملها عليه إبـان العشرية الدموية ... كما شرع الكثير من المخلصين (الوطنيين) بمطالبة أصحاب المشروع الإسلامي باعتماد منهجية الشيخ ـ رحمه الله ـ في الوسطية والاعتدال أسلوباً في التعامل مع الآخـر " السياسي والديني"،

لتجنيب القوى الإسلامية أطماع الذين يتربصون بها، ويستهدفون مشروعاً في الإصلاح والتغيير والتجديد ... كمـا اعترفت السلطة ممثلة بزعمائها وقادتـها وأحزابها ومنظماتـها بقدرات الشيخ نحناح ـ طيب الله ثراه ـ وبكفاءته السياسية ووطنيته الصادقة وهمتـه العاليـة، وباعتداله وروح التسامح التي يتمتع بها ... وهي شهادات جاءت على لسان إطـارات سامية في الدولة ابتداء مـن الرئيس بوتفليقة إلى أحمد أويحـي رئيس الحكومة، إضافة إلى العديد مـن الشخصيات الرسمية والوطنية التي سبق لهـا معرفة الشيخ ـ رحمه الله ـ والتعامل معه قبل الأزمة وبعدها، السيد عبد الحميد مهري، والسيد عبد العزيز بلخادم، والأستاذ جلول ملايكة، والأستاذ عبد القادر بن صالح، والأستاذ كريم يونس...إلخ من صناع القرار في الجزائر.

في إطار محاولتي لإنصاف الشيخ وردّ الاعتبار لسيرته وتاريخه، سأحاول التعريج على حبتين هامتين ـ الثمانينات والتسعينات ـ جمعني الله به فيهمـا، كنت ـ خلالـهما ـ كلمـا جـاء زائراً للعاصمة واشنطن إمـا متحركاً برفقته أو مستضيفاً له .. وقد منحتني هذه الصحبة الفرصة للتعرف عليه كداعية إسلامي خلال فترة الثمانينات، ثم كمصلح اجتماعي ورجل سياسة طـاف الكرة الأرضية للتعريـف ببلاده وشرح أزمتها ـ التي استعصى فهمها على الجميع، وكانت لغزاً محيـراً للعاملين ـ طـوال سنوات التسعينات ـ، وقد عمل بدون كلل لحشد المواقف المؤيدة والجهود المؤثرة للمساهمة في إيجاد حل عـادل لها.

شهادات للشيخ محفوظ نحناح

شهادة الدكتور موسى أبو مرزوق

نائب رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) / فلسطين

في الفترة المعاصرة من تاريخنا الحديث تقدم التيار الإسلامي في العديد من الأماكن الجغرافية القريبة والبعيدة عن الجزائر؛ مثل أفغانستان وفلسطين والمغرب ...

وكان هناك كلام كثير عن الحركة الإسلامية المتعاظمة بصحوتها في الجزائر، هذه الصحوة التي غذتها وعبأتها وارتفعت بها الانتصارات التي تحققت للإسلاميين في إيران والسودان وأفغانستان ... من هنا، كـان البعث لهذا التيار في المغرب العربي، ولذلك، عندما تحرك هذا التيار الإسلامي في الجزائر كان الإسلاميون في كل مكان ـ في كل أنحاء العالمين العربي والإسلامي وفي دول الغرب ـ يتطلعون إلى هذه الصحوة الإسلامية المتوثبة فى الجزائر، ويتوقعون لها أن تكون هي الموقع الـرابع ـ بعد إيران والسودان وأفغانستان ـ الذي سوف يتحقق فيـه مشروع الدولة الإسلامية.. ولعـل هذا التوجه العـام والحماس المفرط عند الإسلاميين في الخـارج كـان يقابله رجـل واحد ،

وهذا الرجل هو من أبناء الصحوة الإسلامية بل هو من روادها وصانعيها الأوائل في الجزائر، وكـان يبذل الجهد الكبير والواضح عكس هذا التيار الذي كان يعمل في هذه الصحوة التي كانت متبلورة حول الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكـان الإعلام والمفكرون والعلماء والجميع ينظر إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أنها "مشروع الصحوة" في شمال إفريقيا، وفي الجزائر تحديداً ....

كان الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ يتصدى لهذا الموقف، لـكونه أعلم بطبيعة هذا التيار وطبيعة أهل الجزائر وأدرى بظروف نشأة جبهة الإنقاذ (الفيس) ... إن موقفه ـ بلا شك ـ كان شجاعاً؛ رجل واحد يقف وحده يتحدى مشكلاً داخليـاً (هذا التيار) في الجزائر، ومشكـلاً خارجياً (النظرة والتعاطف الإسلامي الهائل لهـذا التيار)..!!

لقد كنا نعجب من قدرة الشيخ ـ رحمه الله ـ عـلى مواجهة كـل هذا التحدي ... ولكن المتصفح لتاريخ الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ يجد أنه وقف بطريقة مشابهة إبان الثورة الزراعية والاشتراكية التي فرضت على الجزائر من قبل الرئيس هواري بومدين ....

فبالرغم من صعوبة الوقوف ـ آنذاك ـ ضد سياسات كونها بومدين كونها تتماس مع مشاعر الجماهير؛ الجماهير التي تعيش حالة من الفرح والنشوة كونهم قد تحرروا من براثن استعمار طويل؛ مظلم وبغيض، عاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وعانـوا في عهوده من الدونيّـة والقهر، فكانت سياسـات وشعارات بومدين في المساواة والعدالـة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والشراكة في الملكيـة هـي حاجـة الـشعب ومطلبه، ولهذا التف الناس حـول بومدين ـ رحمه الله ـ الـذي سحرهم وملـك عليهم شغاف قلوبهم ..

لقد استطاع الشيخ محفوظ نحناح نحناح ـ رحمه اللـه ـ النفاذ مـن هذا السحر وتلك الكاريزما، وأعلن رفضه للثورة الزراعية..!! بعد سنوات من حكم بومدين استيقظ الشعب الجزائري ليكشف أن اقتصاده وأسسـه الاجتماعية ومسيرة عطـائه قد تقهقرت كثيراً ... لقد دفـع الشيخ نحناح سنوات من عمره داخل السجن بسبب وقفتـه وتحديه لتلك السياسات ...

وأدرك الناس بعد حين أنـه كان على حق أما هم فقد غابت عنهم الحقائق ... لذلك فليس بمستغرب عـلى من وقف هذا الموقف من بومدين أن يعلـن موقفـه المضـاد للتيـار المساند للجبهـة الإسلامية للإنقاذ في الداخل والخـارج، فهـو أعلم بالشـأن الداخلي للجزائر، وبالتداعيـات التي يمكن أن تؤول لها الأمور في حـال تعرض الدولة للانهيار ... ولذا أصر على أن يقول: لا .. بشكل واضح وصريح ولـو كلفه ذلك حياته، وأن يحمل جماعته على نفس الكلمة (لا لتطرف هذا التيار) ...

لقـد دفع الشيخ رحمه الله ثمناً باهظاً لموقفه واجتهاده، حيث اغتيل أكـثر مـن 500 من أحبـائه ونشطاء حـركته، بالإضافة إلى تدهور شعبيته وتقـدم أحـزاب إسلامية أخرى عليه ... لقد استرد الشيخ نحناح جماهيرية بعد ذلك بعدما أدركت الغالبيـة داخل الجزائر وخارجها بأن الشيخ كان محقاً في اجتهاداتـه، ولـو أخذ الناس برأيه وارتضوا حـكمته لما سفكت دماء عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، وهجرت عشرات أخـرى من قراهـا ومداشرها في عملية منظمة لإهلاك الحرث والنسل. في الحقيقة. كان الشيخ محفوظ نحناح نحناح ـ رحمه الله ـ يتمتع بشجاعة وبعد نظر في الفكر والسياسة، كمـا أنه يمتلك فراسـة وحسـاً راقياً لاستشراف المستقبل والتحوط لمخاطره.

إن للـشيخ محفوظ نحناح دَين خـاص في عنقي، فحينما سجنت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1995 كوني كنت المسئول السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كان الشيخ رحمه الله هو أول من طرق أبواب وزارة الخارجية الأمريكية ليتحدث في قضيتي، مستنكراً عليهم أمـر اعتقالي كوني رجل سياسة، من حقي أن أدافع عن قضية بلادي بالطرق السلمية..!!

لقد دافع الشيخ رحمه الله عن القضية الفلسطينية بقـوة أمام الإدارة الأمريكية ... صحيح أن هناك الكثيرين الذين تكلموا في شأن اعتقالي ولكنـه كان أول من فتح هذا الباب، وأول من طرق باب الخارجية الأمريكية ليتكلم في قضية اعتقالي.

إن الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ كـان أيضاً من الـدعاة والسياسيين المميزين الذين يتحدثون عن قضية فلسطين كأهلها، ويعتبرها قـضية الجزائر .. لقد عاش حياته وهو يتحدث في المؤتمرات والمحافل الدولية عن فلسطين، ومات وهو يوصي بفلسطين .. إن هناك ديناً لهذا الشيخ الجليل في أعنـاق الفلسطينيين، وسنظل نذكره وندعو له ... إن الحركة الإسلامية عمومـاً والجزائر على وجه الخصوص قد فقدت بوفاته المبكرة واحـداً من بين أعظم أبنائه ... فالشيخ محفوظ نحناح نحناح ـ رحمه الله ـ كان بمقاييس زمانه أمة في رجل.

لقد أتاحت لي زياراتي المتكررة للجزائر لكي أسمع عنه الكثير، وقد اطلعت ـ عن كثب ـ على تحركاته وجهوده إبان العشرية السوداء، فالشيخ كـان سياسياً حكيماً في تصرفاته تجاه الدولة، وكـان يعرف ـ بفراسته ـ كيف يقدم وكيف يؤخر .. خاص الانتخابات الرئاسية عام 1995، وبالرغم من علمـه ـ علم اليقين ـ بأنه كان المتقدم وكان هو الفائز،

إلا أن خوفه من أن يتعطـل المسار الديمقراطي في الجزائر، وأن يحدث ـ له ولحركته ـ ما حدث للجبهة الإسلامية للإنقاذ من قبل؛ فلتان أمني وهيجان شعبي جعلته يقبل بالتراجع لحساب الرئيس زروال، ويفضل أن يسود السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي بـدل مناطحة الدولة والتعارك معها ... وهذا موقف قلما نجده عند رجـال السياسة.

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه


شهـادة الدكتور أحمد الراوي

رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبـا (بريطانيا)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

أستطيع أن أقول أني كنت من الأوائل الذين وقفوا مـع الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ والذين آزروه في موقفه قنـاعة، لأن موقفه كـان الأصوب في تلك المرحلة، وهو الأسلم للجزائرشعباً وللإسلام كحركة،

وكنت بحمد الله غالباً ما أنفح عنه لدى المخالفين، لأنني كنت أعتقد بأنه ظلم من قبل أحبابه وإخوانه وأسيء فهم مواقفه عند الكثير من العاملين في الحقل الإسلامي ... لـكن الرجل كان صبوراً، وكان يشعر بالألم الشديد من موقف إخوانه وكـان يستغفر لهم، ويدعو الله لهم، ويرجو ـ يوماً من الأيام ـ أن يكتشفوا أن موقفه كـان هو الأصوب والأسلم للإسلام كدين وللحركة الإسلامية وللجزائر، وكـان يـرى أن العمل المسلح واستهداف المدنيين، واستهداف مؤسسات الدولة سيؤدي في النهاية إلى تفتيت الدولة التي بناها الأجداد بدمائهم وأشلائهم، وضحوا من أجل قيامها بالغالي والنفيٍ.

إنني أعتقد بأن الشاذلي بن جديد كان من أحد الزعماء الحقيقيين الذين فتحوا المجال للحركات الإسلامية، وكـان يتوجب التعاون معه لاستقرار الأمور والسلم الاجتماعي وتأدية رسالة حقيقية على الساحة. كنت دائماً أقول لإخواني في أوروبا، أنه ما دام العمل في الجزائر عمـل مؤسساتي، وأن المؤسسات القيادية لحركة مجتمع السلم هي التي تتخذ الـقرار ـ رغم تأثير الشيخ رحمه الله ـ فإن علينا احترام إرادتهم واحتـرام قيـادتهم، فهـم أعرف بظروفهم منا.


شهادة الدكتور عبد المجيد النجار

كاتب ومفكر معـروف (فرنسا)

أرى أن كثيراً من الحركات الإسلامية في ذلك الظرف ـ الظرف الذي نجحت فيه جبهة الإنقاذ نجاحاً كاسحاً، ثم افتك منها هذا النجاح، ومساندة الشيخ محفوظ نحناح للسلطة والمشاركة السياسية ـ كانت قد وضعت المسألة في موضع المد النظري ولم تدرس الواقع في أسبابه وخلفياته،

ولكـن تبين بعد حين من الزمن أنه وإن كانـت جبهة الإنقاذ قد ظلمـت وافتك منها النصر افتكاكاً ظالماً، إلا أن الشيخ محفوظ نحناح وحركته استطاعت أن تقرأ الواقع قراءة هي الأقرب إلى الصحة، وأن تتفاعل مع هذا الواقع في حقيقته وليس فيما تنظر إليه على ضوء مبادئ النظرية العامـة، واستطاع الشيخ محفوظ نحناح بذلك أن يحمي حركته من كثير من المخاطر وأن يقتحم بها المشاركة السياسية، واكتسبت مكاسب من خلال هذه المشاركة.


شهادة الدكتور سعد الدين العثماني

الأمين العام لحزب العدالة والتنمية (المغرب)

إن محاولة فهم مواقف واجتهادات الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ تتطلب الإشارة إلى بعض المقدمات، وهي:

أولاً: في الأزمنة والمجتمعات التي تتعرض للفتن تختلط فيها المصالح بالمفاسد والحسنات بالسيئات، ويصبح الاختيار ـ أي اختيار ـ إذا كـان يجلب مصالح فهو في نفس الوقت يقع في مفاسد، وإذا كان يقع في كثير من الأحيان تحـار العقول في الموقف الذي تتخذه حتى وإن اتخذت موقفاً فقد تجد نفسك تتراجع عنه بعد فترة قصيرة أو طويلة ...

لذلك، فإن المواقف في هذه الأزمنة يصبح من الصعـب اتهامها أو انتقادها بالكلية، وغنما هو اجتهاد بشري في مرحلة يصعب فيها التمييز ويصعب فيها الاجتهاد.

ثانياً: الصراع أو النقاش الحاد بين اتجاهات مختلفة داخل الصف الإسلامي منـذ عقود من الزمان في كثير من المجتمعات، حول خط المشاركة وخـط المعارضة معروف، وهو نقاش طبيعي لأن زمن الفتنة لا يرتبط بظرف مجتمع فقط ولكن بالظرف العالمي الذي يجعل المسلمين الذين يشعرون بأنهم يعيشون للأمة كلها كأمة، وأحياناً بنفسية المضطهد فهم في وضع استثنائي وليس عاديـاً، مرجعه الهجمة العامة على الأمة والضعف والتخلف الذي تعانيه ...

ولهذا كـان هناك ـ أيضاً ـ كثير من ضبابية الرؤية عند كثير من الذين استقبلوا العمـل الإسلامي ولدى رواده في كثير من الأحيان، وضبابية الرؤية تؤدي إلى أن الإنسان لا يـرى ما أمامه، فأحياناً يسلك طريقاً غير سالك ويكون أمامه جدار فيراه وكأنه بـاب مفتوح فيصطدم به ويتكسر رأسه، إذن هناك نوع من الحيرة الناتجة عن الحالة العامة للأمة وهي مؤثرة كثيراً في بروز توجهات تتبنى العنف وأخرى تتبنى المعارضة الشاملة، والمقاطعة المطلقة، وتوجهات أخـرى تتبنى طروحـات معاكسة تماماً في الاتجاه الآخر، وهذا متفهم في مثل هذه الظروف.

انطلاقاً من ذلك، فإن الجزائر فعلاً عاشت مرحلة صعبة يكون فيها الحليم حيراناً ولا شك أن الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ كانت له جرأة كي يصرح بأفكاره ويدافع عنها ... فقد كافح بقوة كـان الكثيرون يخافون من التصريح بأفكارهم، خوفاً من الاضطهاد أو القتل في كثير من الأحيان، وقد تمّ قتل وذبح الكثير ممن سلكوا سبيل الشيخ وكانوا معه، مثل الشيخ الشهيد محمد بوسليماني ـ رحمة الله عليه ـ وآخرون .....

فالشيخ سـدٌّ كبير في كون أنه جريء، ومهما قيم الإنسان اجتهاداته أهي صواب أم خطأ .. فقد كان جريئاً في الدفاع عن رأيه وعن موقفه والمضي فيه بعيداً محاوراً ومنافحاً، محاولاً أن يضع وأن يقدم الحجة وهذا مهم جداً في شخصية الشيخ، وفي زمن مثـل هذه الفتن تحتاج الأمة فعلاً إلى قيادة جريئة تستطيع ـ إن اقتضى الحال ـ أن تواجه التيار السائد فتواجهه، وإن اقتضى الحال أن تخالف الأغلبية فلتخالفها، ولكن المهم أن تجهر برأيها، وهذه من الإيجابيات الكبرى للشيخ رحمه الله.

وهناك نقطة ثابتة وهـو أن الأيام والتطورات التي وقعت فيما بعد أبرزت صواب الاتجاه العام الفكري للشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ وهذا لا يمنع من أنه قد تكون بعض المواقف مرجوحة، أو تكون هناك ملاحظات على بعض الآراء، أما في الخط العام فقد كان هو الصواب، أولاً لأنه ابتعد عن تيار العنف وهذا شيء مهم جداً، وحاول أن يخفف من الفتنة ما أمكن، والفتنة كما يقول ابن تيمية: "الفتنة إذا أقبلت متزينة لا يعرف ما ورائها من شرّ أحد، تكون مغرية فيغرى الناس بالدخول فيها، حتى إذا أدبرت تبين الشر الذي فيها " ... لذلك لا يتبين ما للفتن من شرور في بدايتها إلى العقول المتبصرة النافذة ولا شك أنه كان للشيخ نحناح حظ من ذلك.

إن موقفه في الأزمة الجزائرية ـ خاصة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ ـ كان رافضاً قاطعاً لخيار المغالبة بذلك الشكل، وقد كان موقفاً جيداً وفي وقته، وموقفاً حاسماً، وكما يقـال: "إن الفتنة إذا جـاءت يعلمها العلماء وإذا أدبرت تعرفها العامة.."

كان موقفه في الوقت المناسب، فالرجل يعرف تركيبة الجبهة الإسلامية للإنقاذ لأن الجبهة كانت مزيجاً مختلطاً فالتجانس فيها كان أمراً مستحيلاً، وإرهاصات الآفاق معلومة، فأظن أن موقف الشيخ كان في وقته قبل أن تقع الكارثة.

نتيجة الموقف الذي كان في ذلك الوقت، يظهر للناس بأنه وقف ضد الطبيعة التي يريدها الشعب الجزائري، وبالتالي نستطيع أن نقول بأن الشارع (الدهماء ـ الغاشي) قد ظلم الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ بدون شك، ولكن بعدما أحس الناس وشاهدوا ما وقع بالجزائر من مجازر وقتل ودم ودمار، وإهلاك للحرث والغرس وانتهاك للحرمات، وتطرق وتشويه للإسلام بدأت الناس ترجع إلى رشدها.

في الفترة الأولى، وبسبب جهل الناس خارج الساحة الجزائرية بطبيعة الوضع الجزائري، والسياسة الجزائرية والتركيبة التاريخية للمجتمع الجزائري، تفهموا وتعاطفوا مع خطب الجبهة الإسلامية للإنقاذ ... لـذلك، كانت مواقف الشيخ واجتهاداته أشبه بحـالة الخروج عن النص المجمع عليه في الشارع الإسلامي؛ وهو قضية الانتصار للمظلوم، والجبهة كانت هي الوجه الإسلامي الذي يعبر عن مظلوميته، فلما خرج الشيخ بمواقفه الناقدة للجبهة، ظهر وكأنـه يصطف في خندق النظام.

إن الذي أريد قوله: أن مشروعية توجيه النقد ـ في السنوات الأولى ـ للشيخ وفي ذلك الوقت كانت مبررة ويمكن تفهمها، وذلك لغياب الرؤية الواضحة عن وضعية الحالة الإسلامية وطبيعة النظام الجزائري .... ولكن بعد 1994 لم تعد مبررة أي مواقف ناقدة للشيخ.

الأمر فيه مسألة حساسة، هناك الموقف من الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهناك أيضاً الموقف من توقيف المسار الانتخابي، هنا صعب على الناس التفريق بين الأمرين ففي اعتقادي من الأجدر أن يكون الموقف من الجبهة الإسلامية للإنقاذ موقفـاً صريحـاً وواضحـاً ..

إن هؤلاء الناس لا يمثلون المشروع الذين يحملونه بحق، ولا يستطيعون تمثيله في المستقبل ... والمسألة الثانية، هو الموقف من توقيف المسار الانتخابي، فالناس الذين قالوا بتوقيف المسار الانتخابي لديهم تبرير لذلك.


شهادة الأخ المهندس خالد مشعل

رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) / فلسطين

في قضية شائكة كالأزمة السياسية الداخلية التي حصلت منذ سنوات في الجزائر العزيزة، وبالنظر إلى سياستنا في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعدم التدخل في شؤون الآخرين، فإن الحديث في موضوع الأزمة والجدل الذي دار حول اجتهادات البعض يكون بالغ الصعوبة والدقـة ..

لكن نظل قلوبنا ومشاعرنا على الدوام مع الجزائر، جزائر الوئـام والوحدة الوطنية وحقن الدماء، جزائر البناء والعمل المشترك من كل أبنائه لصالح الشعب والوطن.

وقد كنا نقرأ في اجتهاد الشيخ محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ أنه يطلق من الحرص على وحدة الوطن ومصلحته ومصلحة أبنائه، والعمل على إنقاذه من مسلسل القتل والقتل المضاد، أياً كانت الدوافع والذرائع .. ولا شك أن هذا المنهج في التعامل مع الخلافات أو الصراعات الداخلية ـ بصرف النظر عن جذورها وخلفياتها ومبرراتها ـ هو المنهج الأصوب والأسلم، رغم أنه صعب وقد لا يحظى بتأييد كل الأطراف، خاصة في ضوء اختلاف الرؤى والقراءة للأحداث وجذورها.

ونحن على الدوام، وفي ضوء تجربتنا الخاصة في فلسطين والتجربة الإنسانية بصورة عامة، نرى حل الخلافات وحتى الصراعات داخل الوطن الواحد والأمة الواحدة لابد أن يكون عبر الحوار لا السلاح، ومن خلال الاحتكام للوسائل السلمية وليس لأدوات القوة، فالقوة والسلاح فقط يوجهان نحو العدو الخارجي الذي هو العدو الحقيقي حين يحتل الأرض وينتهك الأعراض والحقوق والمقدسات.

قد يختلف بعض الناس أو بعض الأطراف مع الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ وموقفه الذي اختاره في تلك الأزمة، ومن الطبيعي أن يختلف الناس وتتعدد اجتهاداتهم، خاصة إزاء القضايا الصعبة والحساسة، لكن اجتهاد الشيخ رحمه الله لم ينطلق ـ فيما نعلمه من خلال معرفتنا به والتعامل معه عن كثب ـ إلا من أجل مصلحة الجزائر وشعبه، وهو البلد العريق الأصيل، بلد المليون ونصف المليون شهيد، ويظل اجتهاده ذاك هو الأقـرب إلى منهج التعامل والتنازل لقضايا الوطن الداخلية، ونهج المعالجة للخلافـات والصراعـات بين الوطن الواحد وقواه وأحزابه المختلفة.

لقد عرفت الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ في أواخر الثمانينات، ومنذ أن عرفته لا تكاد فلسطين تفارق قلبه ولسانه، يتجلى ذلك في خطبه وأحاديثه وحواراته، وفي مواقفه وتصريحاته ... ومن ثم كنا نرى تعلقه وتأثره بالأحداث التي تجري في فلسطين، وتفاعله مع الانتفاضة والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني، ودعمه الواضح والصريح لحركة حماس الفلسطينية ولكل المجاهدين على أرض فلسطين.

لم يكن ذلك مجرد حديث أو خطاب، بل تحول إلى فعل وممارسة انعكست على جهود الشيخ رحمه الله، وجهود إخوانه جميعاً في حركة مجتمع السلم، ودعمهم المتواصل ـ ضمن ما هو متاح وممكن ـ لصالح الشعب الفلسطيني ومجاهديه.

وحين سعينا في حركة حماس لعقد مؤتمر إسلامي كبير لصالح قضية فلسطين والقدس في أواسط التسعينات، حتى نجسد بذلك دور الأمة تجاه هذه القضية المركزية، كان الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ في مقدمة المبادرين والمتجاوبين.

وكم كان فرحاً رحمه الله حين أبلغني ذات يوم أنه أطلق اسم (حماس) على حركته الجزائرية، تيمناً بحماس الفلسطينية، وتيمناً ببركة فلسطين والجهاد المبارك على أرضها. حين رحل الشيخ نحناح عنا، خسرته فلسطين كما خسرته الجزائر، وافتقدته قضية الأمة جميعاً. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه وجزاه عنا وعن أمتنا خير الجزاء، وعوضنا عنه خير العوض.


شهادة الدكتور أحمد بن نعمان

كاتب ومفكر قومي . عروبي (الجزائر)

إن علاقتي بالشيخ الرئيس محفوظ نحناح ـ رحمه الله ـ تعود إلى أكثر من ثلث قرن، تعرفت فيها عليه شاباً تقياً وطموحاً ذكياً متفتحاً مرحاً، متفجراً ونشاطاً، لا تعرف أسارير وجهه أي عبوس أو اكفهرار إلا عندما يغضب لله أو لأمة الإسلام والحق والوطن!

وقد عرفته بصحبة اثنين من أخلص أصدقائه المقربين، هما الشيخ الشهيد محمد بوسليماني ـ رحمه الله ـ والأستاذ مصطفى بلمهيدي حفظه الله ....

ولقد تآلفنا وتحاببنا في الله والوطن، وثوابت الهوية الواحدة والوحدة الوطنية، مثل تقابل وتفاعل وتآلف وتكاتف جبال الشريعة الوديعة مع جرجرة المنيعة!! وصيرتنا حكمة الله ودرته على قلب رجل واحد، بحيث كان يجمع بيننا كل شيء ولم يفرق بيننا أي شيء في السراء والضراء حتى جاء قضاء الله الذي حال دون الأجساد الفانية لتجديد اللقاء بإذنه في الدار الباقية.

ومن خـلال تلك الصداقة العميقة التي تعود إلى أيـام الجامعة في الستينيات وجلسات التعلم والتفكر والتدبر، التي كنا نحرص على حضورها بانتظام للأستاذ مالـك بن نبي، وحجة الإيمان والقرآن الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمهم الله الجميع في عليين، وألحق بهم جميع الأحبة الصالحين!

وهكذا سايرت معظم سنوات عمره وأطـوار تدرجه في الحياة، معلماً، متواضعـاً، وإمامـاً، وطالباً مواظباً، ودارساً مستوعباً، ومربيـاً منتقداً، ومصلحاً مسترشداً، مقتدياً ومقتـفياً أثر الأولين في اعتماد منهج الوسطية والاعتدال في كـل الأمور الواقعة في دائرة الاستنباط وإعمال العقل والاجتهاد.

وأخيراً، خبرته سياسياً مقتدراً وزعيماً مؤثراً، ملتزماً في كـل أقواله وأفعاله قواعد اللعبة السياسية بكل أريحية، ساعـياً للخير وفي الخير، جامعـاً مائعاً، ومدافعاً عن الحق، صامداً في ميدانه مهما تكن قوة أعدائه!! وقد ظل طوال حياته، وخاصة نصفه الأخير الذي عرفته يحمل بين يديه وفي عقله وقلبه، وعلى لسانـه هموم الأمة والإنسان المسلم في الداخلي والخارج وفي كل أقطار الأمـة، (من فلسطين إلى البوسنة، وأفغانستان والشيشان، وكوسوفو، والسودان، والصومـال، والعراق، وإيران، وسوريا ولبنان)، مركـزاً على أهم قواعد بنيانها وأقدس ثوابت وجودها وأضمن شروط بقائها وازدهارها واستمرار إشعاعها في الوجود عبر الحدود، ورغم السدود، بما خصها الله من دين قويم، وتشريع عظيم، وقـرآن كريم، متجدد العطاء والإعجاز، وكأنـه يتنزل به الروح الأمين في كل حين على النبي الأمي الأمين.

انطلاقاً مما سبق ذكره في هذه العجالة التمهيدية والتعريفية مجملاً بغير تفصيل وهو القليل في حق هذه الشخصية غير العادية المتعددة الأبعاد والجوانب والمواهب التي تستحق كل واحدة منها العديد من الصفحات والمحـاضرات والتحليلات والشواهد والتعليقات وهو ما يتنافى منهجياً وموضوعياً مع مـا هو مخول لنا تناوله في هذه الدقائق المعدودة والمحدودة ولذلك نترك بقية المناقب إلى مناسبات أخرى مماثلة إن شاء الله وكان في العمر نصيب، وهو السميع المجيب.

وللحديث في هذه الجزئية الهـامة والحيوية من حياته السياسية والدعوية يمكن التمهيد لها ببعض الوقائع ذات الدلالات لإبراز معالم الصورة بكل ظلالها وأطيافها لاستيعاب كل أو جـل أجزائها المتداخلة حتى يوم الحكم لها أو عليها، عن بينة ويقين. وليس عن رجم بالغيب أو تخمين.

علماً أن بعض الظن إثم والحكم بغير تثبت ظلم، وقد علمنا القرآن الكريم في قصة سيدنا موسى عليه السلام، حكمه على تصرفات وأفعال صاحبه الرجل الصالح الذي كان يظن انه مصيب في حكمه على تصرفاته وأفعاله، وهو معذور في ظنه وجهله بحقيقة الأمر في أصله قبل أن يسمع من صاحب الفعل شخصياً حيثيات الحكم وأسباب الفعل الواقع الذي كان يبدو في الظاهر شيئاً غير مقبول، وقد أراده الله كذلك لحكمة تعليمية وتربوية وعقدية، تنبهنا إلى خطأ وخطر التسرع، وعواقب الحكم على الأشياء بغير علـم وتحقق .... ويلقننا الدرس المفيد ويثبت لنا بالدليل القاطع أن فوق كل ذي علم عليم وأن عبده الصالح بريء من جرمه ومصيب في حكمه ومحق في فعله بإلهام وأمر من ربه.

مع الفارق الشاسع هنا في وجه الشبه بطبيعة الحال بين أفعال الأنبياء الملهمين والمعصومين من السماء وأفعال البشر الضعفاء المعرضين للأخطاء!!

وإن معرفتي الدقيقة بسيرة الشيخ واطلاعي على الكثير من أفكاره ومعايشتي لأفعاله عن قرب في مختلف محطات وابتلاءات وقرارات ومنعطفات حياته العلمية والدعوية والسياسية، كما سبق الـذكر ... فإني أعتقد أن ذلك يؤهلني بكل تواضع ومسئولية أن أدلي بشهادتي هنا للتاريخ فيما أعلم ولا أشهد إلا على ما سمعت ورأيت وعايشت من أحداث، بأن هذا الفقيد الفريـد في إخلاصه لمبادئه والمحب لوطنه ودينه المطيع لربه في خلقه يتبوّأ مكانة معتبرة بين العلماء العاملين والزعماء السياسيين الملتزمين بمنهج السماء دون أي تحفظ أو تردد أو استثناء، وقد انطبقت عليه في ظاهر ما نعلم بعض ما وصف بـه الله عباده الصالحين ورجاله الصادقين فيما عاهدوا الله عليه دون تبديل أو تغيير أو تخاذل أو تقصير!

فقد كان يعتقد أن المجتمعات البشرية (بما فيها من شعوب الأمة الإسلامية) بأقطارها المختلفة هي مثل الأجسام الآدمية تصاب بالعدوى والأمراض القاتلة مثلما يصاب الجسم البشري بفيروس فقدان المناعة المكتسب الناتج أصلا عن التفريط في استعمال وسائل الوقاية المحصنة للثقافة والهوية والوحدة الوطنية للجماعات والمجتمعات والأمـم والقوميات ضد الفيروسات الناجمة عن العلاقات غير الشرعية أو غير الصحية بحاملي الجراثيم المعدية القاتلة للفيروس قبل الأبدان والمذهبة للوعي والمفقدة للغيرة على الأعراض والأوطان...

تلك هي القضية وتلك هي الفكرة المحورية التي استأثرت باهتمام الشيخ الرئيس وحسب لها كل حساب، وخاض من أجلها العديد من المعارك وجابه الصعاب، وتقبل في سبيلها الكثير من العقاب والعتاب، وتشفي الأعداء وهجرة بعض الأصحاب الذين حكموا عليه من خلال الظاهر بمقياس الجدوى المادية، وحساب الربح والخسارة في عرف هواة السياسة والتجارة.

فمن هذا المنظور كان اجتهاد الشيخ نحناح في مسألـة المشاركة السياسية لتدارك ما يمكن تداركه، واسترجاع ما ضـاع أو ضيع من حقوق الوطن في أغلى ما يملك، أملاً في مسايرة الكذَّاب إلى عتبة الباب، لكشفه وجعله يحكم على أخطائـه بنفسه، ويخط اعترافاته بيده لأن حبل الكذب والتزوير قصير، ولا يصح إلا الصحيح في النهاية، مهما أتقن المريب فن تبديل الصحون وتمويه الطعام على الموائد، وتغيير الأسماء وتدوير الكراسـي والمقاعد وتنكير العروش والمقاصد.

    • كثيرون هم الذين عرفوا الشيخ نحناح ـ رحمه الله ـ وعايشوه من أصحاب المكانة والقلم، وقد أشادوا بخصاله ومناقبه وهم يسجلون ذكرياتهم معه وقد اخترت واحداً من بينهم تشرفت بلقائه في مكتبه بالجمعية والحديث معه مطولاً عن الشيخ رحمه الله. لقد أحببته لأخلاقه العالية وصدقية كلماته، وللحميمية التي يتحدث بها عن الرجل الذي وصفه بأنه كان "زعيماً محبوباً وقائداً حكيماً ومجاهداً بطلاً" ... ومن حسن حظي، أن الكلام الذي دار بيننا أثناء لقاءنا به في جمعية العلماء بـ "حسين داي" سبق للشيخ شيبان أن نشره في مقالة مطولة بصحيفة البلاد (29 جوان 2004) ،

وقد آثرت الاعتماد على النص المكتوب بالصحيفة بدلاً عن التسجيل الصوتي؛ تحرياً للدقـة وتقليلاً لأخطاء تفريغ الشريط والطباعة ... وهذه هي الشهادة كمـا جاءت بنصها المكتوب وتحت عنوان: مع الشيخ محفوظ في المدرسة والمسجد والميدان.


في درب المراثي الحارة وقفة حائرة بين شموخ الدعوة .ورثاء فقيدها الشيخ محفوظ نحناح

بالأمس القريب نعيناً جبالاً رواسي في مسيرة الدعوة والفكـر والفقه الإسلامي .. فهذا الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله وقبله سماحة العلامة عبد العزيز بن باز .. وعلى دربهما الشيخ الألبـاني وقبلهم إمام الفكر والدعوة سماحة الشيخ الغزالي والشيخ مناع القطان والشيخ سيد سابق والشيخ أبو غده. فابك يا عين واحزن يا قلب!!! ..

سبحان الله .. والحمد لله .. ولا إلـه إلا الله .. وكأنما قدرنا أن تحضرنا الألفية الثالثة دون أقطاب الدعوة .. وجهابذة الفكر ..

وها نحن نودع علمين بارزين خافقين في مسيرة الدعوة.


أولهما : الأستاذ الداعـية الشيخ محفوظ نحناح الإسلامي النشط في الجزائر الإسلامية ورئيس حركة مجتمع السلم.

وثانيهما: سماحة الشيخ الداعية مساعد العبد الجـادر ركن من أركان الدعوة الإسلامية وعلم بارز في مسيرتها في دولة الكويت.

- وما يسعني إلا أن أصدح وأفوه بما أمر الله "إنـا لله وإنـا إليـه راجعون". فالقلب يحزن .. والعين تدمع .. واللسان يكف فلا نقول إلا ما يرضي ربنا فإنا لله وإنا إليه راجعون مثنى وثلاث ورباع وعشار .. ومئين .. وألوف. – ويـا الله .. ثم بالله!!..

أيام تمر .. ودهر يكر .. وزمـان يقضي .. وساعات تمضي ولله ما قال أبو العتاهية:

النـاس في غفلاتهم

ورحـى المنية تطحن

والله ما قاله الآخر: إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكـل يـوم مضـى يـدني مـن الأجـل - يسعني المقام أن أجهش بالبكاء . وأن أزفر شاهقاً نافثاً. مصدوراً .. على فقد هذين العلمين البارزين رحمهما الله.

لمحة عن الفقيدين الكريمين

ليست هذه لمحة نظرية تصديتها عن مكتوبات الفقيدين أو أدبياتهما وإنما هي لمحة حية عشتها .. وتفاعلت معها في معرفتي بالفقيدين الجليلين .. لقد عرفتهما معاً منذ فترة طويلة، ووجدت عندهما الأمن والسكينة كما كانا رحمهما الله عنواني للجد والعطاء والإخلاص والصدق إبـان الشدائد .. وأحيان الرخاء..

كانا رحمهما الله على شرج واحد .. من الديانة والفضل وكأنما شاءت الأقدار أن تساوي بينهما في عطاء الحياة وفي ساعة الممات .. ومن ثم توجب أن أكتب عنهما معاً يجمعهما ضمير الاثنين .. كما جمعهما في الدنيا العمل الصالح .. والبذل المتواصل .. والفناء في ذات الله . لا على مذهب مبتدعي المتصوفة .. وأهل الوجد والحدس والفيض!!..حاشاهما.

وإنما فناء في البذل والعطاء لدعوة الله سبحانه رحمهما الله حيث سارا خير سيرة في الناس .. إن تحدثا فبمعاني القرآن وروح الإيمان بدقائق فقه النفوس وبرائق حكم الرقائق.

وإن استشهدا في مقال أو مقام أو حال فإنما هو بالقرآن وكتب التفاسير المعتمدة المأثورة .. وبكتب العلماء الإثبات ..

جمعاً رحمهما الله بين الأصالة والمعاصرة . فجمعا بذلك بين الشرع والواقع .. فما كانا منعزلين عن واقعيهما .. وما كانا مستغرقين فيه دون النصوص وإنما توسطا .. وكان وسطـاً بين طرفين. ولله هما .. ثم لله هما

"دؤوب هو في عمل الخير – أبو سالم عبد الجادر .. ونحلة هو في العمل والتنظيم سماحة الشيخ محفوظ نحناح. "ما عرفا استقراراً لا قراراً إلا في الدعوة إلى الله فكأنما هما يرددان في قول الإمام أحمد "نستريح عندما نضع رحالنا في الجنة".

- والله لقد جمع بيني وبينهما خطوط كثيرة .. حيث أقول والله حسيبي أني مـا رأيت رأياً إلا ووجدت عندهما موافقة .. وما من فكرة سمعتها منهما إلا وجدت فيها صدى من يقين !! فسبحان الله .. سبحان من جمع بين القلوب. وسبحان من زاوج بين العقول وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف"

قيـادتهما الآسرة الناجحـة

يرحم الله هذين العلمين .. القائدين للعمل الإسلامي كلاهما يمثل قيـادة آسرة .. وزعامة ناجحة، وكلاهما كان بحق قائداً متصل القيادة إن في بيته أو مسجده أو ديوانه، أو في حركته التي ينتمي إليها وما أقل القيادات الآسرة .. والناجحة..!! وقد عرفتهما – رحمهما الله – جامعين لصفات الأوائل بما لا يتحقق لكثيرين فالشيخ مساعد هو أول من عرفت ممن يمثل بحـال الإمام البنا في السمت الصالح والعيش مع هموم الدنيا ..

وكـان رحمه الله حـذراً وهو يسمع للإمام البنا قوله: "وأما من يقضي وقته عابثاً ماجناً فأنى له أن يكون في صفوف المجاهدين".

وكلاهما رحمهما الله ممن يصدق فيهما قول سلفهما الأغر الإمام سيد قطب رحمه الله: "من عاش لغيره عاش متعباً ..

ولكن عاش كبيراً ومات كبيراً".

وكأنما تمثلا بقول الشاعر:

سبيـل العـز أن تبني وتـعلي

فـلا تقنـع بـأن سواك يبنـي

فمــن يعـرس لكي يجني سواه

يعـش ويموت من يغرس ليـجني

تعبا .. وما كلا في سبيل الله .. لقد تعبا بحق رحمهما الله .. وسارا على الصعاب في سبيل دعوة الله وهكذا شأن الرجال بحق: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه". نعم والله لقد تعبا وسارا حيث يتعسر المسير. وهما في ذلك واعيين لقـول النبي  "كل الناس يغدو .. فبائع نفسه فمغنفها أو موبقها" أو كما قال . وقـال ســبحانه:  يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فمُلاقيه  (الانشقاق:6) وهذان كدحا كدحاً .. وراحا وغدوا حتى وافيا ربهما ..

وصدق القائل:

نـروح ونغدو لحاجاتنــا

وحاجة من عاش لا تنقضي

ولله عما .. في تعبهما وكدحهما في سبيل الله حيث عرفتهما حتى ألم بهما المرض فأقعدهما .. يعالجان مرارته .. وما كانا يتحدثان إلا بهموم الدعوة وهما على فراش الموت..

يأنسان في حالهما هذا بزيارة إخوانهم لهمـا وإن كانا لا يملكان من التعبير عن المشاعر إلا الدموع الهاملة على خديهما الناصعين الوضيئين من خشية الله .. وحسبك الدموع دليل الحب والود!.

إذا اشتبكت دموع في خدود

تبين من بكى ممن تباكى.

كانا الأولين في بلديهما!!..

كانا رحمهما الله من السابقين الأولين بالدعوة إلى الله في بلديهما. فهذا الشيخ مساعد رحمه الله عـلم من أعلام الدعوة في الكويت ومؤسس أكبر من مؤسسيها وقطب من أقطابها.

وهذا كما سماحة الشيخ محفوظ نحناح من أقطـاب الدعوة وفحـول الحركة الإسلامية في الجزائر يزأر زئير الأسد ويهدر هدير الأمواج!!..

وكلاهما رحمهما الله لا يعرف في الحق مجاملة فالح رائدهما في نطقهما .. وقد تحملا في ذلك ما تحملا.

معالم في حياة الرجلين

كانا رحمهما الله في بلديهما كفرسي رهان .. سابقـين في كل حلبات الدعوة إلى الله.

وإني لا أنكر كل واحد منهما بخصيصة طيبة بعد من جملة مناقبهما.

1- الشيخ مساعد:

لم يكن هو الأغنى من أبناء الدعوة الإسلامية ولكنه فيـما أعرف كان أول من أوقف عقاراً يـدر من الريـع الكثيـر والكثيـر على تربيـة الشباب المسلم على نور الكتاب وهدي السنة وعليه فإننا نصدح ونقول: "مساعد عبد الجادر رحمه الله من أوائل من أوقف الوقف وحبس ودر الريع على تربية شباب الـدعوة والحركة الإسلامية .. فنسأل الله العظيـم لـه القبول والفضل.

2- الشيخ محفوظ نحناح:

أما سماحة الشيخ محفوظ نحناح فهو ذلكم القائد الذي تخلى عنه بعـض إخوانه في الخارج "خارج الجزائر" بل عدا بعضهم من إخوانه في داخل الجزائر من منتسبي الدعوة ..

وذلك عندما رشح نفسه لرئاسة الجزائر وما كان ترشيحه لنفسه عن نفسه إنما كان برغبة ملحة من إخوانه فاستجاب استجابة لضغوط إخوانه في الداخل .. ومع أنه وقع بين مطرقة تهجم بعض إخوانه من بالخارج .. وسندان همز ولمز بعض إخوانه في داخل الجزائر وما كان إلا صبوراً بساماً محتملاً للجفاء يبتسم ويقول: "إخـواني إخـواني .. غفر الله لهم" وبهذا جمع قلوب إخوانه عليه ..

وكان بحق شخصية آسرة بمعنى الكلمة حتى إني لأستشعر صعوبة أن تجد الجزائر طباً دعوياً مثله .. غير أن الأمل بالله شديد في تحمل تلك المؤسسة التي أنشأها في الجزائر تبعة توليد قيادات فذة مثله، تتحمل تهجم المتشددين من أصحاب الفكر التكفيري خوارج العصر الذين راموا النيل منه مراراً وتكراراً وقد تعرض لمحاولة اغتيال منهم .. سلمـه الله منها فلم تنله بسوء وإن نالت مباشرة نائبه "بوسليماني" عندما ذبحوه وهو يقرأ القرآن بعد صلاة الفجر. ذبح الشاه بالسكين !!.

وكان هذا بالنسبة للشيخ هو المصاب الجلل. والفجيعة الفاجعة ولقد رأيته كلما ذكر الصورة لأخيه بوسليماني جهش بالبكاء وماد متصدعاً من هول المشهد. غير أنه رحمه الله غـدا وظل وأمسى وصـار ولا زال حتى قبيل وفاته صامداً وفياً يسير بخطى وسطى ..

فاختط طريقاً للوسطية ثابت الخطو فأثر بهذا وبفضل من الله في عشرات الأعضاء من مجلس النواب الذين خرجوا من حركته وعشرات الوزراء الذين خرجوا من حركته كذلك..

ولله دره يوم صمد ولم يجامل .. ويوم أن وحد الجهود في حركه مجتمع السلم "تلك الحركة العلمية التربوية والعملية السياسية حيث غدت حزبـاً سياسياً مشهوراً يشار إليـه بالبنان". يعمل في الجهر عياناً بياتاً .. بلا سر ولا ريبة .. وهو ما لم أجد له مـثلا في تاريخ الجزائر.

فإنني أختم مرثاتي هذه لهما بالدعاء .. إذ لا يسعني المقام أن أسترسل لسرد فضائلهما ومناقبهما رحمهما الله تعالى .. وحسبنا قول النبي : "أنتم شهداء الله في أرضـه".

فالله سبحانه وتعالى أسأل أن يرحمهما بـوافر رحمته .. وأن يتقبلهما عنـده في مستقر فضله .. وأن يقبل سبحانه شهادتنا فيهما بالصلاح والاستقامة والفضل وأن يعفـو عنهما وأن يطهرهما من خطاياهما بالماء والبرد والثلج .. وأن يبدلهما داراً خيراً من دارهما وأهلاً خيراً من أهلهما .. إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه وأن يلحقنا بهما برفقة الرسول الأعلى وصحبه الكرام.

الشيخ نحناح ودعـوة الشباب

ما زلت أذكر وأنا طالب في جامعة هواري بومدين بباب الزوار – إحدى ضواحي العاصمة الجزائر – يوم أقام الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله أول محاضرة عامة في بهو الجامعة عام 1989. كان الحضور غفيراً .. كلـهم من الشباب ومـن طلاب الجامعة وغيرهم ممن قدموا لسماع المحاضرة.

الفضيل بن السعيد 28/06/2003

المصدر إسلام أونلاين

لا أذكر الآن الموضوع الرئيسي للمحاضرة، غير أني أذكر موقفـاً جـرى بينه وبين أحد الشباب أثناء الإجابة على الأسئلة بطريقته "الفلاشية" المعروف بها (أي إجابات سريعة ومختصرة) حتى كناه بعضهم "أبـو فـلاش"، ووصفه آخرون بـ "صاحب الإجابات الفلاشية".

أذكر أنه قال للشباب الحاضرين: أنتم أبنائي، فـرد عليه أحدهم وكان بعيداً عن المنصة: أنت أبونا .. غير أن الشيخ رحمه الله لم يسمع كلام الشـاب جيداً، فظن أنه يفض أبوته، فقال فيما معناه: إذا لم تكونوا تريدون ذلك فلا بأس، فرفع الشاب صوته عالياً وشاركه عدد من الحاضرين: "أنت أبوناااا.."

وحينها رد عليهم مازحاً: عندي عشرة من الأولاد ولا أظن أن "المدام" (أي زوجته) ستقبل بأكثر من ذلك.

أبوة .. وبنوة

أنت أبنائي .. وأنت أبونا .. هذه خلاصة العلاقة الحميمية الصادقة التي كانت تجمع بين الشيخ محفوظ رحمه الله والشـباب، ليس في الجزائر فحسب، وإنما أيضاً في بلدان كثيرة زارها الشيخ والتقى بشبابها، وهذا ما لمسته من خـلال عدة لقاءات جمعتني ببعض الشباب من غير الجزائريين.

هذه العلاقة جعلت الشباب يقبلون على محاضرات الشيخ ودروسه وخطبه أينما كانت، بل إن فصول محاضراته في المعهد الوطني العالي لأصول الدين التابع لجامعة الجزائر كانت تغص بالشباب من غير طلاب الفصل، بـل ومن غير طلاب الجامعة، ولا أذكر – وأنا حينها طالب في السنة الأولى بالمعهد بعدما انتقلت إليه من جامعة باب الزوار – أن محاضرة من محاضرات السيرة أو التفسير التي كان يلقيها على طلاب السنتين الأولى والثالثة على التوالي لم يحضرها هؤلاء الشباب.

وفي مقابل هذا الإقبال الشبابي المليء بالحب والتقدير – وربما أكثر – وبقدر كبير من العطف والحنان والرعاية ممزوج بالأمـل الكبير أن ينجح في غرس بذور الخير في نفوس الشباب، ويتمكن من ترشيد عقولهم وتوجيه طاقاتهم لما يخدم البلاد والعباد.

لم يألُ الشيخ المرحوم جهداً في تعليم الشباب وتربيتهم ورعايتهم وحتى حل مشكلاتهم، وما اشتغل رأسه شيباً إلا من هذه المشكلات، وما أكثرها، غير أنه لا يرد من يأتيه راجياً حل مشكلة أو مستفتياً في مسألة استعصى عليه جوابها، حتى إنه رحمه الله لم يكن يَـسْلَم بعدما يلقي محاضراته ويجيب على أسئلة الحاضرين من أن يحيط به الكثيرون، كل يطرح عليه مسألته، وهو يجيب هذا ويرد على ذاك، ويقول لثالث: راجعني يوم كذا بعد محاضرة كذا في مكان كذا.

ولم يكن – رحمه الله – يرد دعوة لإلقاء محاضرة أو خطبة جمعة أو كلمة في افتتاح معرض أو تأسيس جمعية، وما زلت أذكر وأنا طالب في المعهد العالي لأصول الدين يوم أسسنا نادياً علمياً سميناه "النادي العلمي للشيـخ الفضـيل الورتلاني" وهو أحد كبار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي أسسها الشيخ الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله.

في حفل الافتتاح دعونا نخبة من الأساتذة والدعاة، وكان من بينهم الشيخ محفوظ والشهيد الذبيح محمد بوسليماني رحمهما الله، غير أن الشيخ |محفوظ تأخر بعض الشيء وعلمنا أنه في المستشفى للعلاج، فقلنـا: إذن لن يأتي، لكنه حضر، وعند استقبالنا له عند بوابة الجامعة سلم علينا، ثم اعتذر عن عـدم المشاركة في الحفل بسبب تعبه الشديد، وأطلعنا على ما كان يحمله في يده، إنه كيس "السيروم" (سائل الجلوكوز الذي يحقن في الوريد)، وكـان المفروض أن يبقى في المستشفى إلا أنه أصر على الحضور والاعتذار شخصياً.

وللمرأة نصيبها

هذه العلاقة المتبادلة لم تكن محصورة بين الشيخ والذكور من الشباب، وإنما كانت تشمل الإناث أيضاً؛ فلم يكن يدع فرصة لمشاركتهن في محاضرة أو معرض عن المرأة المسلمة إلا اغتنمها ليعلمهن ويصحح مفاهيمهن عن الإسلام.

ومن ذلك أنه مـرة ألفى محاضرة خاصـة بالنساء، وفي نهايتها قدمت المشرفة على اللقاء طفلاً صغيراً ليلقي نشيداً، وعندما انتهى ناداه الشيخ رحمه الله وسأله عن اسمه فأجابه، ثم عن اسم والده فأجابه، ثم عن اسم أمه فاندهش الطفل من السؤال كما اندهشت الحاضرات! كيف يسأل الشيخ عن اسم أمـه وهذا من "الحُـرمة" كما يسمى في الجزائر؟! أي أن هذا يدخل في إطار المحرمات الاجتماعية؛ إذ يعتبر من العيب أن يذكر الرجل اسـم أمـه أو أخـته أو زوجتـه أو حتى ابنته.

فاغتنم الشيخ هذه الفرصة، وقال لهن: ألا نعرف اسم أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألا نعرف أسماء زوجاته وبناته؟ بما يعني أن هذه عادة اجتماعية لا غير، ومخالفتها ليست حراماً كما يظن البعض، وإن كان الاستمساك بها لا يضير في غالب الأحيان، بل وينبع من صميم الخلق الإسلامي، لكـن في نفس الوقت يجب أن نضع كل شيء في مكانه، فلا نخلط الشرع بغيره.

حب فلسطين

ومما تعلمه الشباب من الشيخ محفوظ حب فلسطين، والاهتمام بقضـية القدس التي اعتبرها عمق الجرح العربي والإسلامي واشتهر على لسانـه وصفه إياها بفلسطين الشاهدة على الناس، حتى لا تكاد تخلو منه خطبة من خطبه.

وأذكر أن أحد الشباب الفلسطينيين قال لي يوماً بأنه لم يسمع أحداً مـن الدعاة غير الفلسطينيين أو دعاة بلاد الشـام يتكلم عن فلسطين كما يتكلم عنـها الشيخ محفوظ، وأيضاً بتلك الحرقة والاهتمام الكبيرين.

ولعل هذا الغرس قـد آتى أكله حين أعلن القسم النسائي في حركة المجتمع الإسلامي "حماس" (قبل تغيير اسمها إلى حركة مجتمع السلم) عند تأسيس الحركة – فيما أذكر – أن الأخوات تبرعن بالكثير من حليهن لإخوانهن في فلسطين.

ورغم ما مرت به الجزائر من عشرية "سوداء" كما وصفها البعض؛ فإن فلسطين وقضيتها بقيت في أعماق الشيخ رحمه الله، حتـى إنه في آخر وصية له قبل وفاته أوصى بالوقوف إلى جانب "إخواننا في فلسطين". الدعـاء .. ولزوم الجماعة

ومع هذا الإقبال الشديد من الشباب عليه في ظل ضعف القـدرة الاستيعابية بسبب قلة الكوادر التربوية المؤهلة .. ضاعـف الشيخ |محفوظ من جهده وعطائـه.

ودروس السيرة للشيخ رحمه الله تجعلك تعيش أحداثها؛ فهو يجعل مـن وقائع السيرة منارات يضيء بها الواقع الذي نعيشه ويستنبط من أحداثها معـالم السير بالدعوة والتغلب على المشكلات والعـراقيل.

وما زلت أذكر عندما التقى الشيخ رحمه الله بالرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وخاطبه بلفظة "فخامة الرئيس"، فثار المرجفون وأدعياء العلم الشرعي هنا وهنـاك: لا يجوز .. هـذه مداهنـة .. كيف يعظم الرئيس وهو لا يحكم بالشريعـة ؟

لكن الشيخ لم يعبأ بهم، وعندما سئل عن ذلك أجاب بلسان العالم الواثق: إن النبي  خاطب كسرى وقيصر والمقوقس في رسائله إليهم فقـال: إلى كسرى عظيم الفرس، وإلى قيصر عظيم الروم، وإلى المقـوقس عظيم القبط، فانتبه الناس إلى ذلك وهـدأت عاصفة المرجفين.

وقد صـارحنا مرة ونحن نستمع إلى محاضرته في السيرة النبوية بمعهد أصول الدين حين سـئل: كيف العمل والمربون قلـة والمقبلون على الصحوة الإسلامية يزداد عددهم يوماً بعد يوم؟ فقال: ماذا تريدون أن أقول لكم؟ هذا حالنا .. "الله غالب" (وهذه عبارة تقال لإبداء العجز بعد بذل جميع الأسباب)، ثم أضاف: لكني أوصيكم باثنتين: ادعوا الله عز وجل، والزموا الجماعة.

ولعل هاتين الوصيتين بعد وفاة الشيخ محفوظ رحمه الله هما أهم ما يحتاج إليه اليوم شباب حركة مجتمع السلم وجمعية الإرشاد والإصلاح، بل وكل محبيه في الجزائر الحبيبة – كما يحب كثيراً أن يصفها – وفي خـارج الجزائر .. فهل نحن فاعلون؟

كلمـات في وداع محفوظ نحناح وفـاة الابتسامة الجزائرية

الأستاذ ناصر يحي

في عـام 1980م خرب زلزال مدمر مدينة الأصنام الجزائرية – هكذا اسمها – ودفن المدينة والناس تحت الأنقاض .. وفي سجن المدينة كان هناك سجين في زنزانة انفرادية يدعى (محفوظ نحناح) محكوم عليه بالسجن 15 عامـاً منذ 1976 لأنه شارك في إصدار بيان ضد بعض سياسات الرئيس الجزائري السابق (هواري بومدين) ! وفيما بعد تذكر (نحناح) تلك اللحظات – وهو في زنزانته الانفرادية – وكيف كانت الأرض تهتز تحت أقدام السجناء والجدران تتهاوى، والأرض تتمايل تحتهم .. بينما كان هناك رجل راح يستقبل القبلة ويصلي . والأصوات تتعالى في المكـان بالتكبير ولتهليل!

أربع سنوات قضاها (محفوظ نحناح) في السـجن 19761980م بعد محاكمة شكلية لـكنه في أول حوار صحفي معه مع مجلة المجتمع الكويتية في يناير 1982م لم يتردد أن يعلن رؤية متسامحة مع الذين اعتقلوه،

وفي رؤية استشرافية للمخاطر التي قد تتعرض لها الحركة الإسلامية في الجزائر، أكـد الرجل الخارج من ظلمات السجون اهتمامه وحرصه على ألا تتورط الدعوة الإسلامية في الجزائر في أخطـاء تنعكس عليها بالضرر! مؤكـداً على ضرورة مراعاة سنن التغيير واستيعاب صيغة المرحلة الجديدة التي شهدتها الجزائر مع بداية الثمانينات في مستهل عهد الرئيس (الشاذلي بن جديد).

لقد تعمدت أن أبدأ كلمات الرثاء هذه في حق الأستاذ/ محفوظ نحناح بهذا الشكل لكي نعرف أن الخط الدعوي له الذي ظل ملتزماً بـه حتى وفاته لـم يكن طارئاً ولا مكايدة ولا مجرد انتهاز فرصة لوراثة الآخرين، بـل هو خط أصيل وفهم شرعي لدور الحركة الإسلامية الراشدة في إصلاح المجتمع وتقويم ما فيه من اختلالات بالحسنى، ومراعاة الأولويات، وتقديم الأهم على المهم، والتفاعل مع سنة التغيير لا معارضتها.

قرأت عن (النحناح) منذ حادثة الزلزال، وسمعت عنـه من الأستاذ/ محمد ناصر بابريك الذي زاره في الجائر في ذروة زمن الصحوة الإسلامية قبيل مرحلة الفتنة التي بدأت بأحداث 5 أكتوبر 1988م وما زالت فصولها الأخيرة – ربما – مستمرة حتى الآن! آنذاك كان (|نحناح) هـو أحد أبرز رجال الحركة الإسلامية، يحاضر فيتجمع لسماعه عشرات الآلاف ..

ويزور المدن فيستقبله أحبابه وأنصاره خارج المدن كما يستقبل رؤساء الدول. وشاء الله تعالى أن ألتقي به في أكتوبر 1996م في العاصمة التركية (أنقـرة)، وقرأت له عداً من الحوارات الفكرية والسياسية ثم كانت خاتمة المطاف مشاهدة الحوار الهام الذي أجرته معه قناة المنار اللبنانية في نهاية العام الماضي.

وأعادت بثه الثلاثاء الفائت بمناسبة وفاتـه. ولست أبالغ عن قلت إن شخصية (محفوظ نحناح) نادرة بكل معاني الكلمة، فرغم دوره الدعوي الهام في الجزائر لم تفارقه أبدا صفة التواضع فالذي يراه لا يصدق أن هذا الرجل؛ الذي يحرص على الجلوس في الصفوف الخلفية أو يجلس إلى مائدة منزوية بعيداً عن المنصة أو حتى الموائد الأمامية، لا يصدق أن هذا الرجل كان منافساً حقيقياً في انتخابات الرئاسة الجزائرية .. وأنه لولا التزوير لكـان الفائز –ربما- بمنصب الرئاسة.

اقتربت منه في مناسبات رسمية وفي حـالات إنسانية اعتيادية فلم اشعر إلا أنه هو هو! ينصت باهتمام للمتحدثين وكأنه تلميذ يستمع لمعلـم، ويتحدث لمن هم في سن تلاميذه بجدية واهتمام ويبسط أمامهم آراءه ومواقفـه في أخطر القضايا الجزائرية وكأنه يتحدث في مجمع الخالدين أو أمـام نخبة من عظماء السياسة والعلم.

بعد حوار صحفي أجريته معه سألني بتواضع عن رأيي في قيامه بزيارة لليمن وما مدى مناسبة ذلـك! وأعترف أنني جبنت لحظتها وخشيت أن يواجه مواقف لم تكن قادرة على تفهم حقيقة الرجل ومواقفه ولاسيما أن تلك الفترة كانت تشهد أحداث مأساوية في الجزائر في مسلسل الفتنة الدموية! وفي مقابل مخاوفي كان الرجل مليئاً بالثقة بسلامة اجتهاده في التعامل مع الأزمة التي خربت بلاده وتقبل ترددي بابتسامة.

عندمـا التقاه أ.إبـراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية واستمع إليه كتب يقول إن (محفوظ نحناح) هو أكثر شخص يعرف حقيقة ما جرى ويجري في الجزائر ورغـم هذه الشهادة فإن الرجل ظلم كثيراً خارج وطنه، ولم يسلم من العنت في الداخل، فالفتنة التي ضربت الجزائر كانت بحاجة إلى روح شفافة وعقل راجح وقلب جسور لمعرفة علامات مقدمها

وقديماً قالوا (الفتنة إذا أقبلت عرفـها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل)! و(نحناح) كان من القلة التي رأت الفتنة ودمارها قبل حلولها، ولم يتردد أن يصرح بطريقته المحببة اللطيفة في التعبير المركّـز – أن مشكلة الجزائر سببها: التعجل والترهل، أي (تعجـل) جبهة الإنقاذ في قطف الثمرة (وترهل) جبهة التحرير الحاكمة التي ترفض أن ترحل بهدوء!

وثمة مفارقات تتصـل بنهج الفقيد، فالجزائريـون مشهور عنهم أنهم شعب عنيف وطالما سمعت قصصاً عنهم، ويبدو أن (سنوات الجمر) أيام الاستعمار الفرنسي الغشوم ثم تلتها مراحل كانت ثمرة مرة لسنوات الجمر قـد طبعت النفسية الجزائرية بالحدة والقسوة! وأذكر أنني اشتبكت في جدال عنيف مع السفير الجزائري السابق في صنعاء (الشاذلي بن حديد) -رحمه الله- ونحن نتناقش في يوم ما داخل السفارة الجزائرية حول الأزمة الجزائرية!

وكان الرجل، رغم سنه الكبيرة وطبيعة عمله الدبلوماسي، حاداً وعنيفاً في نقاشه وهجومه على الإسلاميين كلهم دون تمييز فالرجل كان من أنصـار عهد (بومدين)، وحتـى (نحناح) لم يكن يعرفه! فعندما أدت تخفيف غلوائه ضد الإسلاميين حكيت له عن (نحناح) الزعيم الإسلامي الذي سألـه صحفي فرنسي عـن (الجنرال زروال) فعاجله الإجابة أن صفته (الرئيس زروال) ولم أنه يعرفه أو حتـى يبدي اهتماماً جاداً للسؤال عن هذا الإسلامي الذي ظل حتى الموت يردد أن بقاء (الدولة) في الجزائر مهمة مقدسة وأن المسلم لا يجوز لـه أن يرى بلاده تتمزق ودولته تنهار وهو لا يصنع شيئاً تجاه ذلك!

والمفارقة هنا أن (نحناح) كان لطيفـاً، ليناً، يتحدث في أخطر القضايا والابتسامة تعلو وجهه، لا يستفزه سؤال ولا يخرجه عن طوره اتهام مغرض، وابتسامته ليست صناعة سياسية بل انعكاس لروحه المرحة التي كانت تجعله قادراً على التعبير عن أفكـاره بكلمات قليلة أو بمصطلحات (نحناحية) ظريفة إن صح القول، فمشلكة الجزائر عنده ليست في (النصوص) ولكـن في (اللـصوص)،

والفرانكفونيون يريدون للجزائريين أن يكونوا (باريسيين) نسبة على (بـاريس)، والإسلاميون والوطنيون والقوميون يريدونهم أن يكونوا (باديسيين) نسبة إلى ابن باديس باعث النهضة الجزائرية! وعندما خاض الانتخابات الرئاسية جعل من ضمن دعايته الانتخابية صـورة له وهو يحمل وردة جميلة يقدمها للناخب رمزاً للسلام والوداعة التي يحتاجها الجزائريون!

وليس سراً أن الرجل تحمل الكثير من عنت الاتهامات والتجريحات ضد شخصه وموقفه من الأزمـة الجزائريـة، فلم يكن صاحب أوهام، وامتلك شجاعة اتخاذ مواقف صعبة ربما لم تكن مقبولة شعبياً بمقياس الآمال ولكنها كانت صحيحة بحقائق الواقع الجزائري الذي كان خبيراً به.

وأثبتت الأيـام صحة اجتهادات (نحناح) فكـل فرقـاء السياسة الجزائرية الذين شطت بهم المواقف والآراء عادوا في الأخير – على معظمهم – إلى المربع نفسه الذي وقف عليه (نحناح) منذ البداية سواء في التعامل مع السلطة الجديدة ورموزهـا بعد إلغاء الانتخابات التشريعية أو في المشاركة في العملية السياسية كالانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية أو المشـاركة في الحكومة كوسائل لتخفيف الاحتقان في المجتمع الجزائري، والمحافظة على كيان الدولة مـن الانهيار..

وهو في كل مرحلة لم يتردد في انتقاد الأخطاء بأسلوبه المهذب سـواء أكانت من السلطة أو المعارضة المسلحة أو المعارضة التي تمثلها الأحـزاب السياسية الأخرى! بحسب (نحناح) أنه كان رجل بناء حـركة دعويـة ونهج فكري وتوجه سياسي سلمي، فهو من نوعية الرجال الذين يؤسسون فيعمقون، ويبنون فيرفعون عالياً، ويعيشون بين الناس فيحيون أرواحهم وقلوبهم، ويواريهم الثرى فتظل ذكـراهم مشاعل نـور تهدي في الظلمات ونسائم عطر وأنداء تستروحها النفس كلما اشتد القيظ وجفت الأرواح وأجدبت القلوب.

بحسب (محفوظ نحناح) أن له من اسمه نصيباً فقد حفظ للـه به وبإخوانه في (حماس ثم حمس) ثمار الصحوة الإسلامية التي كادت تفنيها الفتنة العمياء في الجزائر، ومهما يكن إيقاع الصحوة قد تراجع أو خفت صوته قليلاً إلا أن القائم الآن يستند إل أساس قويم راشد يبقى بإذن الله لأنه ينفع الناس في دنياهم وأخراهم. رحمـه الله، وأجـزل مثوبته، وتقبله في الصالحـين وعـوض الجزائر والأمة عنه خيراً.

المصدر: مؤسسة الناس للصحافة / الجمهورية اليمنية


نحناح ... داعية ظلمه الجميع

بقلم رجب الباسل

الداعية والمفكر الإسلامي الراحل الشيخ محفوظ نحناح ظلمه الجميع معارضين ومحبين وذلك لأسباب تتعلق في مجملها لاختلاف في الرؤية وفي الوقت الذي كان فيه صوت معارضيه عالياً كان محبوه أو أنصاره يخافون إبداء التأييد له سواء لنقص منهم في فهم خلفيات قراراته وحركته السياسية والدعوية أو خشية من هجوم أصحاب الصوت العالي عليهم.

بعض معارضي ومؤيدي نحناح رحمه الله انطلق موقفهم ابتداء من انتمائه الدعوي – بوصفه أحد دعاة فكـر الإخوان المسلمين ليس في الجزائر فحسب بل في المغرب العربي والعالم أجمع.

أما الباقون فقد انطلق موقفهم سواء التأييد - وهـم قلة في وقته – أو المعـارضة – وهـم كثرة حينها – من قراءتهم لمواقفه وقرارته الدعويـة المصيرية.

نحناح قد يكون هو الداعية والمفكر الإسلامي الأكثر جدلا في تاريخ الإخوان الحديث بعد الشهيد سيد قطب رحمه الله فإن كان قطب قـد اختلف حول فكره الجميع – خاصة بعد وفاته – من مؤيد شديـد إلى حد التقديس إلى معارض أشد إلى حد التكفير فإن نحناح لاقـى نفس الموقف خاصة المعارضة وهو حي بينما جاء التأييد له بعد موته وانكشاف صحة مواقفه التي مـال إليها والتي تدور كلها حول نبذ العنف من قاموس الدعوة داخل مجتمعاتنا الإسلامية أيا كانت المبررات.

داعية تسامـح

يقول المفكر والداعية الإسلامي الشهير محمد أحمد الراشد أن "ميزة محفوظ الكبرى تكمن في إيمانه الشديد الذي أبداه بوجوب الحفاظ على الشروط الدعوية المتكاملة وعلى الطبيعة التدريجية التربوية للعمل الإسلامي حين أهدرها عن عمدٍ أو نسيان مَـن استحوذ على إعجابهم الصعود المفاجئ للصوت الإسلامي في الشارع الجزائري خلال مرسم واحد، لمّـا حدث الفراغ السياسي فملأته الخدمات الإسلامية " ويضيف الراشد "الميزة الكبرى الثانية لمحفوظ،

يوم حصل الاختلاط، وصيحت صيحات الثأر والهدم والدم، وأصاب الناسَ الرعب، فأبى محفوظ التورط، ولاذ بالعفاف والبراءة من الدم، والتمس أسباب السكينة والطمأنينة ليشيعها بين جماعته وعموم الناس، وآمن بالحوار، والسـلام، وثبت عند الرؤية الحضارية، ونَبـَذَ العنف ، وأدرك أن تراكم مفردات العمل الحضاري المنطلق من المعايير الإيمانية هو الكفيل بإنقاذ الجزائر من وهدتـها، في خطة طويلة الأمد، لكنها مـأمونة العواقب".

أما المفكر الإسلامي التونسي راشد الغنوشي فيقول عنه "يعترف لهذا الرجل –نحناح- بسابقته في خدمة دعوة الإسلام على كل الجبهات منذ كان طالباً في الآداب فأستاذاً جامعياً لمادة التفسير، ودأبه على نشر مبادئ وقيـم التجديد الإسلامي في الجزائر التي كانت يوم بدأ عمله قد استقلت حديثاً

وكان من شباب ثورتها الكبرى" ويرى الغنوشي أن نحناح هو "قدم من تصور هادئ متسامح يعطي مكاناً واسعا في الإسلام لكل ما هو إنساني وجميل وحديث من ديمقراطية وحقوق إنسان وذوق جميل ومال وتجارة وترفيه حلال وروح دعابة إلى حس عميق تجاه المساكين والأرامل والعوانس كما حفل خطابه بخصوصية نادرة في حركات التغيير عن الدفاع عن الدولة وضرورة المحافظة عليها والخشية من الانفلات والفوضى"

ويقول الكاتب الصحفي الجزائري المقيم بالغرب يحيى أبو زكريا عن نحناح "لقد كان –نحناح- يؤمن إلى النخاع بمشروع الدولة الإسلامية، لكن ليس عن طريق العنف والمواجهة بل عن طريق النضال السياسي وخصوصاً في المجتمع الجزائري الشديد التعقيد والإرباكات"

أما المفكر الإسلامي الدكتور توفيق الواعي فيقول "كان الرجل يضبط حركته بالوعي، ودعوته بالموضوعية، وأساليبه بالواقعية فلا استعجال حتى تنبت البذرة وتعظم الشجرة وتنضج الثمرة، ولا تقاعس عن العمل والإخلاص والحركة، وهو بهذا كان تلميذا نجيباً لدعوة الإخوان المسلمين وللشيخ البنا رحمه اللـه"

وتقول عنه صحيفة أخبار الخليج في تقرير لها بعيد وفاته في شهر يونيو 2003م "كـان مِن أنشط مَـنْ عَمِـلَ على توثيق العلائق، على المستويات الإسلامية والقومية، مع المشرق العربي، وتضييق الغربة بين مغرب الوطن العربي ومشرقه، منذ كان في جامعة الجزائر، حتى إن خصوماً له كانوا آنفاً يتهمونه، زوراً وبهتاناً، بـ "الهوى المَـشرقي"،

وأن انشغالاته بقضايا المشرق العربي كانت أغلب عليه من الاهتمام الحميم بالشأن الوطني الجزائري"، وتضيف الصحيفة "لقد اعتاد النحناح ـ رحمه الله ـ في كل محاضرة أو ندوة، في الجزائر أو في الخارج، أن يملأ جيوبه بفصوص الحلويات الصغيرة المغلفة، حتـى إذا عـلا الصياح وهتافات الاحتجاج ضدّه أخذ يُمنة ويسرة يرمي الجمهور بهذه الحلويات، وهو يبتسم ابتسامته العريضة المعتادة، المتهللة بالتفاؤل".

صحة موقفـه

نحناح الذي لم يجد مدافعين أقويـاء عنه حينما كان على قيد الحياة بسبب مواقفه الرافضة للعنف اعترف الكثيرون حالياً داخل الجزائر وخارجها – سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – بصحة مواقفه، وقراءته الصحيحة للمستقبل.

فالانتقادات الرئيسية التي وجهها له الآخرون كانت بسبب رفضه لانتهاج العنف المسلح داخل المجتمع المسلم أيا كانت المبررات للحـصول على الحق وأياً كانت ممارسات السلطة ورأى نحناح أن السلطة ذاتها في مجتمعاتنا الإسلامية مع فسادها إلا أن هناك أشخاصاً عقلاء بل ومخلصون يمكن التحاور معهم مقابل تيار الاستئصال الموجود داخلها.

فتيارات العنف في مصر والجزائر وبعض الدول الأخرى انقسمت إلى فريقين مثل الجماعة الإسلامية في مصر وبعض تيارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر.

أما الفريق الآخر فقد أوقف العنف دون أن يعترف بخطأ التجربة مثل تيار الجهاد في مصر وبعض تيارات السلفية الجهادية في الجزائر فيما عرف بعد ذلك بـ "الجبهة الإسلامية العالمية ضد الصهيونية والصليبية".

إذن المحصلة النهائية لتيارات العنف التي رفضت رؤية نحناح كانت التوقف عن العنف سواء الاعتراف بخطأ التجربة أم لا ولكن في النهاية توقف العنف لفشله في تحقيق النتائج المرجوة بل انكشف الكثير من الأخطاء التي ارتكبها أنصـار العنف – مع وجود أخطـاء بل وجرائم أكبر من الأنظمة الحاكمة – سواء في الجزائر أو غيرها من البلدان العربية والإسلامية.

والآن وبعد مرور عامين على وفاة الشيخ نحناح يجب أن يعيد البعض قراءتهم لمواقف الشيخ وقراراته وآثارها الإيجابية على المدى القريب أو المتوسط على مستقبل الإسلام والجزائر في آن واحد. نحناح لم يكن معصوماً من الخطأ ولكن منتقديه أيضاً لم يكونوا على صواب عندما كالوا الاتهامات للشيخ سواء بسبب موف مبدئي من الفكر الذي يمثله الشيخ أو لقراءتهم الخطأ لمواقفه ورؤاه واستئثارهم فقط – من وجهة نظرهم – بالصواب دون غيرهم.

والآن وبعد أكثر من 13 عاماً على العنف في الجزائر وإزهاق أرواح أكثر من 150 ألف جزائري بيد السلطة وأنصار العنف معـاً واستنزاف موارد الدولة يثور التساؤل الأكثر طرحاً هل كانت رؤية نحناح وتفضيله لبقاء الدولة والإسلام معاً أمام مخططات دولية ومحلية بل وإقليمية استغلت العنف لتفتيت إحدى بلدان العالم الإسلامي وأكبرها مساحة أم أنصار العنف الذي كان هناك الكثير من الوسائل الأخرى للضغط بها تعبيراً عن رفضهم لسياسة ما أو استرداد حق يعلم الجميع أن نحناح نفسه وحركته كانوا أحد صانعيه.


تعزية الإخوان السوريين المقيمين في المدينة المنورة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وكل مصيبة بعد رسول الله جلل، إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا شيخنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الإخوة الأحباب في حركة مجتمع السلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. عظم الله أجركم في فقيدنا الغالي محفوظ نحناح يرحمه اللـه ونسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. وأن يلهمنا الصبر والسلوان وأن يعيننا على فقده، ويرص صفنا ويوحد كلمتنا وأن يعوضنا عنه.

وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إخوانكم السوريون في المدينة المنورة عنهم أخوكم: أبو ثائر أحد إخوان الشيخ ومحبيه ومن بين من ساهم معه في نشر الدعوة في المراحل الصعبة في مرحلة السبعينيات.


حركة التوحيد والإصلاح تعزي في وفاة الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم

على إثر وفاة الشيخ محفوظ نحناح، رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية، أرسل رئيس حركة التوحيد والإصلاح الأستاذ محمد الحمداوي برقية التعزية التالية إلى قيادة مجتمع السلم جاء فيها:

إلى الإخوة في قيادة حركة مجتمع السلم الجزائرية السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته بقلوب مؤمنة بقدر الله وقضائه تلقينا نبأ وفاة أخينا الشيخ محفوظ نحناح، وهي الوفاة التي اعتبرناها خسارة لنـا جميعاً ولتيار الاعتدال داخل الحركة الإسلامية المغاربية خاصة، ونحن نستحضر الدور الذي اضطلع به الراحل في دعم السلم في الجزائر والسعي الحثيث إلى تجاوز المحنة التي حلت بالقطر الشقيق في العقد الأخير.

وبهذه المناسبة الأليمة أطلب منكم أصالـة عن نفسي ونيابة عن كافة أعضاء حركة التوحيد والإصلاح إبلاغ تعازينا إلى أسرة الفقيد وذويه وإخوانه في حركة مجتمع السلم الجزائرية، سائلين المولى تعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ومغرفته. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عن المكتب التنفيذي

رئيس حركة التوحيد والإصلاح

الأستاذ محمد الحمداوي


جماعة العدل والإحسان تعزي في وفـاة الشيخ محفوظ نحناح أمين عام حركة مجتمع السلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

تلقينا وإخوتكم وأخواتـكم في المغرب بحزن عميق نبأ وفـاة الأخ المجاهد الكبير الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، الذي نسأل الله تعالى أن يرفع مقامه إليه مع الصديقين والشهداء والصالحين.

وبهذه المناسبة الأليمة نتقدم إليكم بتعازينا الحارة، لكم جميعاً في الحركة المباركة ولأسرة الشيخ الكريم رحمه الله، ومن خلالكم وإلى عموم شعب الجزائر المسلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نسأل الله تعالى أن يلهمكم جميعـاً الصبر والسلوان، وأن يـوفقكم إلى الاضطلاع بمهام الأمانة العظمى التي تركها الشيخ محفوظ رحمه الله في أعناقكم جميعاً، أمانة الدعوة إلى الله عز وجل بكل حكمة وتؤدة وإخلاص وبعد نظر وهمة وفعالية، وأمانة المساهمة إلى جانب إخوانكم في الحركة الإسلامية الراشدة مع أبناء الجزائر البررة من أجل إخراج الجزائر من الفتن التي ألمت بها. حفظكم الله جميعاً وسدد خطاكم وجعلكم مفاتيح فرج ورحمة على الجزائر وعلى الأمة جمعاء.


والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان


محفوظ نحناح ل حافظ الشيخ صالح

بغياب الدكتور الشيخ محفوظ نحناح، الذي نعاهُ التليفزيون الجزائريّ مساء أمس الأول. وورىَ الثرى بعد صلاة الجمعة أمس، من بعد معاناة شديدة مدّة سنتين مع "اللوكيميا" (سرطان الدم)، تكون الجزائر قد فقدت واحـداً من ألمع وجوه الاعتدال والوسطية الإسلامية، الذي كان قد جاءته من الأذيـّة، من نهايات الثمانينيات، من صوب أجنحة في الحركة الإسلامية الواسعة مثلما جاءته من المجموعة العسكرية القابضة على مقدرات البلاد.

كذلك بغياب النحناح تخسر حركة "الإخوان المسلمين" أحد أحسن مفكريها، فهو المراقب العام لـ"الإخوان" في الجزائر، وكـان مِن أنشط مَـنْ عَمِـلَ على توثيق العلائق، على المستويات الإسلامية والقومية، مع المشرق العربي، وتضييق الغربة بين مغرب الوطن العربي ومشرقه، منذ كان في جامعة الجزائر، حتى إن خصوماً له كانوا آنفاً يتهمونه، زوراً وبهتاناً، بـ "الهوى المَـشرقي"، وأن انشغالاته بقضايا المشرق العربي كانت أغلب عليه من الاهتمام الحميم بالشأن الوطني الجزائري.

طبعا ثبت من بعد ذلك تهافُت هذا الاتهام، وإنما كان الرجل وجماعته في انتظار الساعة المناسبة، وهكذا نزل النحناح وجماعة الإخوان المسلمين في الساحة الجزائرية السياسية، ووصل من جماعته إلى الهيئة التشريعية نـوّاب، وصـار منهم وزراء، وبرهن على قدرة كبيرة في المناورات والمقايضات والتسويات، وعلى الرغم من أنه لم يقطع الصّلات مع جبهة الإنقاذ إلا إنـه بقي حريصاً في أمانة وطنية وإسلامية، على النصيحة الصريحة لهم، في وجه صيحات كثير من الشباب المُتحم.

ولقد اعتاد النحناح ـ رحمه الله ـ في كل محاضرة أو ندوة، في الجزائر أو في الخارج، أن يملأ جيوبه بفصوص الحلويات الصغيرة المغلفة، حتـى إذا عـلا الصياح وهتافات الاحتجاج ضدّه أخذ يُمنة ويسرة يرمي الجمهور بهذه الحلويات، وهو يبتسم ابتسامته العريضة المعتادة، المتهللة بالتفاؤل، التي لم تفارق وجهه حتى في أشدّ الساعات.

في وقتٍ باكرٍ، في النصف الأول من التسعينيات، اكتشف النحناح حقيقة المُسلحين المعتصمين في الجبال، الذين يذبحون الناس والنساء والأطفال ويخطفون الفتيات، فاعتبرهم مجرد لصوص ومُجرمين وقتلة، تكسوهم كسوة الكفر الخوارجي والتكفيريّ السقيم، ولم يجاملْ في ذلك أحداً، وفي الوقت نفسه لم يبرّئْ المافيا السلطوية من جرائمها تجاه الجزائر والجزائريين.

رحمَ الله محفوظ النحناح، لله ما أعطى وله ما أخذّ.

(المصدر: صحيفة أخبار الخليج الصادرة يوم 21 جوان 2003)


سويس أنفو:الشيخ محفوظ نحناح الرقم الصعب في المعادلة السياسية الجزائرية

وبوفاته الأسبوع الماضي، تغيرت معطيات كثيرة داخل التيار الإسلام، وأخرى تتعلق بكيفية تعامل الحكومة الجزائرية مع الإسلاميين بشكل عـام.

من المسلم به أن الإسلاميين الجزائريين يشكلون تقريباً ثلث القوة الانتخابية، وهي قوة أصبحت تدخل في حسابات الحكومة والرئاسة وخصوم الإسلاميين أنفسهم.

غير أن سبب هذه القوة غالباً ما يُـتناسى أو أن العلم بـه قليل، وهو أن الشيخ محفوظ نحناح كان أول من أدخل مفهوم الإسلام السياسي للجزائر نهاية ستينات القرن الماضي، كما كان أحد أهـم الدعاة لمنهج الإخوان المسلمـين في الجزائر.

فبعد استقلال الجزائر عـام 1962، كان هناك إسلاميون ينتمون إلى الجيل الذي تربى في مدارس جمعية العلماء المسلمين التي أنشأها الشيخ عبد الحميد ابن باديس. وكـان نحناح تلميذاً لشيوخ هذه المدارس أمثال الشيخ المصباح والشيخ العرباوي، غير أنه زاد عليهما باتـصاله بالإخوان المسلمين في مصر وسوريا.

وبسبب طبيعة النظام السياسي والأمني، سرعـان ما وُضع نحناح في سجلات مصالح الأمن على أنه معارض للنظام الاشتراكي وللرئيس الراحل هواري بومدين.

وكان نحناح أول من أنشأ خلايا ما يعرف الآن بالحركة الإسلامية الجزائرية، والسبب ليس قصور فهم شيوخ جمعية العلماء لكيفية إنشاء الخلايا، بل لأن الجيل تغير ولم يعد قُـدوة الإسلاميين الشيخ محمد عبده والمصلح جمال الدين الأفغاني، بل أضيفت إليهما قائمة طويلة تضم الشيخ حسن البنا، وسيد قطب، ومحمد فرغلي، وعبد القادر عودة وغيرهم.

وكان الرئيس الجزائري السابق هواري بومدين متسامحاً مع التيارات السياسية، حتى فترة إقرار الدستور الاشتراكي عـام 1976. وقد ندد بالدستور الجديد الليبراليون الذين أممت أراضيهم وأمـلاكهم، ونددت به أيضاً الحركة الإسلامية الناشئة التي لم يكن زعيمها الروحي - رغم صغر سنه - سوى الشيخ محفوظ نحناح.

بداية مسيرة طويلة

غضب بومدين من نحناح وأتباعه وأدخلهم السجن، وحكم على نحناح بخمسة عشر عاما نافذة. غير أن فترة السجن هذه، ولدت واقع التيار الإسلامي اليوم بعد حوالي 30 عاما.

ظهرت داخل السجن خلافـات بين الإخوان المسلمين، أنصار التيار العالمي، وزعيمهم الشيخ نحناح، وتيار إخواني وليد يعرف باسم "الجزأرة"، تلاميذه من شيوخ جمعية العلماء المسلمين تماماً كما الشيخ نحناح، غير أنهم لا يرغبون في ارتباطهم تنظيمياً بمصر ولا بسوريا، لأنهم رأوا أنهم يملكون القدرة على تسيير أنفسهم بأنفهم.

وكان عباس مدني الذي أصبح فيما بعد زعيماً للجبهة الإسلامية للإنقاذ مؤيداً لهذا التيار الجديد، وكانت فترة السجن أول مرة يتمرد فيها بعض التلاميذ على شيخهم.

وبعد وفاة بومدين نهاية عام 1978، تولى الشاذلي بن جديد الرئاسة وأطلق سراح الإسلاميين بمن فيهم الشيخ محفوظ نحناح.

وبعد خروجه من السجن وجد نحناح نفسه مع ظـاهرة أخرى وهي أن بعض خلاياه التي لم تتفطن لوجودها قوات الأمن، تشيعت أثناء فترة سجنه وتأثرت قلباً وقالباً بالثورة الإسلامية في إيران.

ثم ما لبث أن ارتفع نجم الشيخ عبد الله جاب الله، زعيم حركة الإصلاح الإسلامية حالياً، وهو أحد أبناء دعوة الشيخ نحناح لتيار الإخوان المسلمين.

وقبل به الجميع كرأس للتيار الإسلامي الجزائري، غير أن رغبة النحناح في النظام المطلق لم تسمح له بقبول فكرة ظهور قيادات جديدة مثل جاب الله أو محمد السعيد، زعيم تيار "الجزأرة".

وكانت القيادات الجديدة، تتعامل مع نحناح على أنه الأستاذ وهم التلاميذ، غير أنهم كانوا يناقشونه ويطرحون أفكاراً جديدة تتعلق بالعمل المسلح أو التحضير للثورة على النظام.

لم يكن الشيخ محفوظ مقتنعاً بجميع الأفكار الجديدة، لأنه كان يراها غير مناسبة وأنها ستجلب الدمار للجزائر. وزاد الشقاق بين الإسلاميين بعد تجمع الجامعة المركزية وسط العامة عام 1982، عندما طالب الإسلاميون الشيعة وتنظيم "الجزأرة" وبعض الإخوانيين، دون تعاون كبير مع الشيخ نحناح، الحكومة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأدى التجمع إلى سجن بعضهم، من بينهم عبد الله جاب الله.

وفي أواسط الثمانينيات، كانت المساجد تنشط بحرية، وكان الرئيس بن جديد يغض الطرف عنها، غير أن مصالح الأمن كانت تراقب صراع الأفكار بين الإسلاميين وأثر ذلك على النظام بشكل عام.

ومن ناحية السلطات السياسية، تعاملت أجهزة الدولة بتسامح كبير مع الشيخ نحناح، وفي المقابل أبدت تشدداً كبيراً تجاه تيار "الجزأرة" أو الشيعة والمجموعات الأولى للسلفيين السياسيين وزعيمهم الجديد الشيخ علي بن حاج.

الشورقراطية

وقد كان نحناح أكثرهم هدوءً وقبولاً للحوار مع السلطات بسبب اقتناعه بفكرة العمل خطوة خطوة، وبفكرة المشاركة السياسية. كانت هذه الأفكار، وخاصة تطبيقها، بمثابة الردة عند بعض الإسلاميين الذين لم يترددوا في وصف النحناح بأنه عميل للمخابرات الجزائرية.

يضاف إلى هذا التأصيل الشرعي للعمل السياسي من قبل تنظيم "الجزأرة" والسلفيين". فأصبح التحرك السياسي عند الكثير من الإسلاميين ، ليس مجهوداً فكريـاً وضعه الإخوان المسلمون وأدخلـه باسمهم إلى الجزائر الشيخ محفوظ نحناح، بل واجباً شرعيـاً منصوصاً عليه في الكتـاب والسنة، وأن عمل الإخوان المسلمين لم يكن سوى تحصيل حاصل.

شهدت نهاية الثمانينات صراعاً فكرياًهادئاً بين التلاميذ وأستاذهم، أظهر فيه الجميع قدرة فكرية كبيرة أصبح من الصعب بعدها التمييز بين زعامة هذا وذاك.

ولم تتفجر العلاقات بين الطرفين إلا بعد قرار التعددية السياسية عام 1989 من قبل الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، حيث رفض السلفيون و "الجزأرة"، التعامل مع نحناح بسبب مواقفه اللينة ودكتاتوريته التي لا تطاق حسب تعبيرهم.

كما فضل عبد الله جاب الله التغريد خارج السرب أيضاً، وأنشأ تنظيمه الخاص به. ودفعت هذه الأوضاع بالشيخ نحناح إلى تأسيس حركة سياسية منفرذة عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهي حركة المجتمع الإسلامي. ومنذ إلغاء انتخابات عام 91 البرلمانية، والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ،

كان نحناح مؤيداً للحوار مع قادة الجيش وربط صداقات وثيقة معهم، وكانت حجته أمام خصومه من الإسلاميين الذين فضلا حمل السلاح هي، "إنكم لن تسقطوا النظام بسبب الفوضى الداخلية التي في صفوفكم وعملي هذا أريد به إبقاء الحركة الإسلامية على قيد الحياة".

لم يقبل نحناح عروض التمرد أو تهديدات بعض الإسلاميين المسلحين الذين قتلوا أكثر من أربع مائة مناضل في تنظيم محفوظ نحناح خـلال سنوات الأزمة الجزائرية. ففي الواقع، لم يقتنع أصحاب القرار في الجزائر بسياسة تجفيف منابع الإسلاميين، لأنهم عرفوا أن عددهم ضخم ومـن الصعب القضاء عليهم أو تحجيم دورهم بالعنف فقط.

لذلك، قبلوا عروض نحناح بالتعاون معهم، وهم في نفس الوقت، يخوضون حرباً شرسة شعواء مع الإسلاميين المسلحين الذين كان من بينهم قياديون في تنظيم "الجزأرة" وسلفيون، بالإضافـة إلى تنظيم التكفير والهجرة الذي لم يكن أحد وراء نشأته سوى الجهل والأمية.

وبقبول نحنح وأصحاب القرار بالحوار والتعاون، أصبح الإسلاميون، أو جزء منهم، رقماً مهماً في المعادلات السياسية الحكومية، التي فرقت بين محفوظ نحناح المعتدل، وعي بن حاج المتشدد.

يكمن في الخلاف المعادلـة الإسلامية الجزائرية الداخلية في كيفية تصور العمل داخل نظام لا يحكم بالشريعة الإسلامية.

فبينما يرى نحناح أن الموضوع ليس صعباً وأن الإسلاميين يجب عليهم ممارسة الحكم قبل التفكير في إقامة دولة، يرى بقية الإسلامية أن المشاركة في حكومـة لا تطبق الشريعة الإسلامية كفر صريح لا شك فيه.

فكـان أن شارك نحناح في كل الانتخابات البرلمانية في التسعينات، بل وشارك في الانتخابات الرئاسية. ثم ما لبث أن اقتنع الشيخ عبد الله جاب الله بجزء من أفكـاره ونسج على منواله.

وكان الشيخ محفوظ نحناح رقماً أساسياً تحتاج إليه الحكومة والرئاسة وغيرهما في بناء توازن سياسي وانتخابي يصبح الإسلاميون بموجبه في المركز الثاني مهما كان الحدث السياسي، انتخابات أو غيرها، وهو ما حدث في انتخابات عام 1995 الرئاسية،

حيث حل النحناح في المركز الثاني خلفـاً للرئيس السابق اليمين زروال، وتنظيمه ثانياً في الانتخابات البرلمانية عـام 1997، وحـل الإسلاميون في المـركز الثاني خلال الانتخابات البرلمانية والبلدية لعـامي 2001 و2002.

وضع أفـرحَ نحناح الذي ربـح رهان إقحام الإسلاميين في المشاركة السياسية عبر البرلمان والحكومة من دون عنف وأصبح لديه وزراء يزعجون بعض المرتشين داخل الإدارة، وبات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يعتمد عليهم في المشاريع الكبرى التي لا تتحمل الرشاوي لأنها قد تصبح فضيحة عالمية، مثل مشروع إنشاء الطريق السريع "شرق غـرب"، الذي سيربط الحـدود الشرقية للجزائر مع تونس بحدودها الغربية مع المغرب ومسافته 1200 كلم، والذي أوكل بوتفليقة بمهمة الإشراف عليه لوزير من وزراء تنظيم نحناح وهـو عمـر غول. غير أن هذا الوضع الذي أفرحَ نحناح، أغضب بقية الإسلاميين الذين رأوا أنهم أقوى وأكبر من المركز الثاني الذي أصبح حِـكراً عليهم.

وهنـاك من يرى أن وفـاة الشيخ نحناح تمثل فاجعة للمعتدلين الجزائريين، ليس لأن فكرة موت الزعيم غير مقبولة، بل لأنهم لا يملكون زعيماً كاريزمياً بحجم الشيخ نحناح.

لذلك، رأى المراقبون أن حركة مجتمع السلم تعيش الآن مرحلة تاريخية صعبة قد تعني استمرارها أو ضياعها، لأنها ملزمة بالبقاء على نهج نحناح. غير أن الخلافات الداخلية قد تؤثر عليها بسبب وجـود تيـاري المحافظين والمجددين. كما أن حسابات أصحاب القرار في الجزائر، ستتغير تجـاه الإسلاميين الذين لم يبق من قيـاداتهم سـوى من يريد زوال النظام في المـدى القريب أو المتوسط.

مواقف قد تغير من مركز الإسلاميين الجزائريين من المركز الثاني إلى مركز آخر لن يحدده أصحاب القرار لوحدهم، بل كيفية تتابع الأحداث أيضاً. كما أن الأشهر المقبلة ستحدد صحة أو خطأ وجهة نظر الشيخ محفوظ نحناح تجاه الحياة السياسية الجزائرية.

هيثم رباني – الجزائر


الصحوة اليمنية تنعي الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله

كتب : سعيد ثابت من صحيفة الصحوة اليمنية

فضيلة الشيخ محفوظ نحناح شخصية جزائرية معروفة في الأوساط العربية والإسلامية والدولية.

من مواليد 1942 بمدينة البليدة في الجزائر، ومن عائلة محافظة عاشت للمحافظة على اللغة العربية والإسلام وخدمة المجتمع. درس على أساتذة وعلماء فضلاء في المدرسة التي كانت رمز الصمود أمام محاولات التذويب الغربي، التـي أسستها الحركة الوطنية الجزائري – حركة انتصار الحريات الديمقراطية – المدرسة المسماة "مدرسة الإرشاد" بالبليدة،

وهي المدرسة التي قدمت ثلة مـن شبابها فداء للحرية والاستشهاد وثلة أخرى من أبنائها مكافحين عن اللغة العربية، لغة القرآن والإسلام، وعاش المأساة والمعانـاة التي مرت بالمجتمع الجزائري خلال الأربعينات والخمسينات إلى أن قامت الثورة الجزائرية، إذ التحق بسلك التدريس والتعليم للمرحلة الابتدائية على جبهة صناعة عقلية الإنسان الجزائري المسلم.

التحق بمعهد الآداب واللغة العربية بجامعة الجزائر في الموسم الدراسي لعـامي 19661967 وخـاض معارك شرسة في الجامعة مع أنصار الفرنسة، والتغريب. تعرض لمحن وابتلاءات في مسألة الثورة الزراعية، وقانون الأسرة، ثم مع إخوانه أثناء مناقشة الميثاق الوطني والدستور عام 1976 فاعتقل وحكم عليه بالسجن مدة خمس عشر سنة، بتهمة المعارضة، ومحاولة قلب نظام الحكم، قضى في السجن حوالي خمس سنوات، إذ أطلق سراحه مع بقية إخوانه بعد تغيير النظام الحاكم.

عمل أستاذاً في جامعة الجزائر التي تخرج منها، حيث درس فيها مادتي التفسير والسيرة النبوية، بمعهد العلوم الإسلامية. عاش الشيخ محفوظ نحناح التجربة الدعوية منذ نعومة أظافره، ووفقه الله في صناعة جيل إسلامي معتدل، وخاض مع إخوانه تجارب عدة تجاوزوا فيها عقابيل البومدينية ومـا بعدها.

مع إعلان التعددية السياسية والحزبية في الجزائر عقب أحـداث أكتوبر 1988 عمل على مستويين، الأول أسهم بفاعلية كبيرة في تأسي رابطة الدعوة الإسلامية لتكون بمثابة رابطة توحيد وتجميع لجهود وقوى العلماء الجزائريين، والمستوى الثاني أسس جمعية الإرشاد والإصلاح لتكون إطاراً للحركة الإسلامية الجزائرية المعتدلة والراشدة رغم هويتها جمعية خيرية وحملت أهدافاً ثقافية وتربوية واجتماعية وعمالية،

وقدمت نفسها كإطار حركي يعبر عن مدرسة الإخوانالمسلمين ، وشاركت في أول انتخابات على أسا حزبي في الجزائر عام 1991 وأعلن عن تأسيس إطار سياسي باسم حركة المجتمع الإسلامي ثم تم تغيير اسم هذا الإطار إلى حركة مجتمع السلم الجزائري

إثر تصاعد موجات العنف التي اجتاحت الجزائر عقب إلـغاء نتائج الانتخابات وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وسلوك بعض فصائلها طريق العنف للرد على انقلاب جنرالات الجيش على الديمقراطية، لكـن نحناح وقف موقفاً معارضاً للعنف، ودعا إلى اعتماد العمل السلمي، وتبنى الخيار التربوي والهادئ المتدرج، واستطاع أن يقود حركة مجتمع السلم الجزائري، ومعها التيار الإسلامي إلى بر الأمان.

ونجح في الخروج من دوامة العنف والإرهاب التي عانت منها الجزائر، رغم أنه دفع وبقية أخوانه في حركته ثمناً باهظاً، وتعرض عدد منهم لحوادث اغتيالات من قبل عناصر إرهابية ومتطرفة، كان أبرز شهداء الحركة إبان تلك الفتنة فضيلة الشيخ الشهيد محمد بوسليماني، كما تعرض نحناح لأكثر من محاولة اغتيال من أطراف كثيرة، إذ عبرت تلك الأطراف التي تتوزع بين اليمين واليسار عن تذمرها وقلقها من طريقة وأداء نحناح السياسي، وعدم انزلاقه إلى حمام الدم الجزائري، واعتماده العمل السلمي والهادئ والمتدرج.

خاض نحناح الانتخابات الرئاسية، واستطاع أن يحصد مئات الآلاف من أصوات الجزائريين، ووصل إلى المرحلة الثانية بعد خروج بقية المنافسين، وتنافس في المرحلة الأخيرة مع منافسه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي استطاع أن يفوز لمنصب الرئاسة.

الشيخ المرحوم بإذن الله محفوظ نحناح متزوج وأب لعشرة أولاد، وظل مقيماً في مدينة البليدة الواقعة على بعد 50 كلم تقريباً غرب الجاعصمة. ويحظى نحناح رحمه الله باحترام كبير في الأوساط السياسية الزائرية، في السلطة والمعارضة، كما يتمتع بحضور كبير في المحافل العربية والدولية.

ويعد الشيخ نحناح رحمه الله صاحب مدرسة فكرية وحركية متميزة في الجزائر لهـا أنصار ومريدون وعاملون وأصبح كثير ممن حاربه وهاجمه من أتباع بعض الجماعات الإسمية يعترفون أنه كان أبعد نظراً، وأصوب رأياً في تقييمه وموقفه تجاه فتنة ما بعد انتخابات نهاية عام 1991.

الجزائر المنشودة

تقديم شفيق شقير

صدر الكتاب عام 1999 إبان اشتداد العنف الأهلى في الجزائر، ومـا زال يصلح نموذجاً ودليلاً على تعطش النخب الجزائرية إلى الخروج من دوامة الحرب الأهلية وبناء جزائر جديدة وفق معادلـة جديدة.

فالكتاب يرسم باختصار صورة الجزائر المنشودة، الجزائر التي ينشدها أحد أبرز الرجالات الإسلاميين الجزائريين الشيخ محفوظ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية الذي توفي الأسبوع المنصرم.

يرى نحناح أن الأزمة التي حلت بالجزائر ليست "لعنـة أبدية" ولا "نقمة سرمدية" بل هي "سنة ربانية" تجري على جميع الخلق، وأن التغيير عمليـة فكرية نفسية بالأساس ولن تتم إلا باستعادة "الوعـي الجماعـي" الجزائري عـلى أساس الاعدة الإلهية "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

وأول مراتب "الوعي" هو الوعي بالذات وبالمكونات الأساسيـة للهوية وبالأزمة نفسها، ولا وعي حيث لا حوار، وعلى هذا التوصيف قام الكتاب.

الأزمـة

يشبّه الكاتب الأزمة بالتنين الأسطوري البشع ذي الرؤوس المتعددة، ووجه الشيه هنا ليس في البشاعة فقط بل في طابع التعدد أيضاً، وهو ما يميز الأزمة الجزائرية لأن أسبابها بشعة ومتعددة.

ولكن يعيد الكاتب جذور الأزمة إلى فقدان الحكم لشرعيته القانونية التي من المفترض أن يستمدها من رضا الناس، وأنها هي فقط الشرعية الطبيعية السليمة.

والحال أن النظام الجديد لجأ بعد الاستقلال إلى الشرعية التاريخية أو الشرعية الثورية وباسمها اتخذ قرارات تسلطية وتصفية حسابات. ومنذ ذلك اليوم والجزائر تنتقل من شرعية إلى أخرى والجامع بينها أنها شرعية غير حقيقية وغير سليمة.

فالمنظومة القانونية والدستورية التي تحمل المبادئ والقواعد الأساسية للنظام والممارسات الديمقراطية متوفرة في الجزائر، ولكن يُعتدى عليها بوضعها في قوالب على مقاس أشخاص محددين أو بالدوس عليها وتجاوزهـا، وفي كلا الحالين الوعاء موجود والمحتوى غائب.

وفي الاتجاه نفسه يصف الكتاب الانتخابات بـ "المظاهر الخارجية البراة"، ويتهم السلطة بمصادرة الإرادة الشعبية وتزوير الانتخابات بدءاً من انتخابات الرئاسة سنة 1995 التي كان الكاتب نفسه أحد مرشحيها، وانتهاء بالانتخابات التشريعية (1997) والمحلية ( 1998) ويرى أن التجارب أثبتت أن وجود الإطار الدستوري والديمقراطي ليس كافياً إذا لم تكن الإرادة الشعبية المعبر عنها بحرية هي السبيل الوحيد إلى السلطة، وإذا لم تكن الحريـات عموماً متوفرة والمجتمع المدني قائماً.

الهويــة

العربية لغة الإسلام المقدسة التي يجتهد المسلمون لتعلمها ويتقربون إلى الله بنشرها وتعليمها ولهذا كان معظم خدم اللغة العربية من غير العرب الهوية الوطنية قد تكون إحدى المسلمات التي يجتمع عليها الجزائريون، ولكن هناك كثير من الخلاف على فهم كل مكون من مكوناتها (الإسلام، العربية، الأمازيغية) وعن دوره وعلاقته بباقي المكونات.

وقد يضيف البعض أو يجادل لإضافة عناصر أخرى، وهو ما يحاول أن ينفيه الكاتب بتأكيده أن العلاقة بين هذه العناصر الثلاث جاءت نتيجة تفاعل وانصهار طويل وعميق سمح لها بأن تكون علامات فارقة لهوية الجزائر، وصح أن تكون مرجعاً تأتي بعدها التجارب والقيم الإنسانية الخالدة والخيرة كالحرية والعدل والشورى والعلم والعمل. ومن هنا يأتي الحذر من الخلط بين مزيج لا متناه من العناصر العارضة بدعوى أنها تملك أثراً في الهوية الوطنية، بما يؤدي بالهوية إلى فقدان تميزها وأصالتها.

فالإسلام هو المكون الأساس للهوية، إذ يحدد فلسفة الفرد عن سر الحياة ويجيب عن الأسئلة الخالدة: من أنا؟ من أين جئت؟ وإلى أين أمضى؟ .. إلخ. وهو يمتاز بالشمول برسمه الحدود لكل مناحي الحياة وتوضيحه للغايات وتبيينه للمنطلقات. والشمولية هنا نقيض للشمولية بالمعنى التسلطة، لأن الإسلام يتدخل بالطريقة التي تعطي للممارسـة والتطبيق مجالاً للإبداع والتفرد.

ويتحدث نحناح بإسهاب عن الإسلام الوسطي المثمر المنتج للحضارة، ويستنكر بعض المواقف من الإسلام في الساحة الجزائرية. فهناك من يدعو لوضع الإسلام في قفص ذهبي تنزيهاً له، وآخر يريده عبادات فقط، وهناك من يفصل فتاوى على المقاس، وآخر يجعل منه نصوصاً غير قابلة للفهم، فضلاً عمن يحاول استغلال الإسلام لتبرير وتمرير ساساته باسم إسلام اشتراكي أو أمريكي .. وهكذا دواليك.

ومن جهة أخرى يرى أن العربية لغة دين وليست لغـة قوم فحسب، فهي لغة الإسلام المقدسة التي يجتهد المسلمون في تعلمها ويتقربون إلى الله بنشرها وتعليمها، ولهذا كان معظم خدم اللغة العربية من غير العرب، والفصـل بين العربية والإسلام ضرب من المستحيل، فلا عربية بلا إسلام ولا إسلام بدون العربية. والعربية هي المكون الثاني لهوية الشعب الجزائري هذا الاعتبار.

أما الأمازيغية البربرية فقد طبعت الشعب الجزائري بحب الحرية الشديد حتى دعي الأسلاف الأوائل بـ "الرجال الأحرار"، لذا ارتسم تاريخ الشعب بآلاف الثورات على مر العصور والأزمنة ضد كل أصناف الغزاة، باستثناء الفتح الإسلامي الذي قدم برسالة ربانية احتضنها الناس وتكيفوا معها.

ويرى الشيخ نحناح أن الاستعمار استطاع إحياء النعرات العرقية لدى البربر – السكان الأصليين للجزائر – بإيهامهم بأن البحر المتوسط يصل بينهم وبين أوروبا وأن الصحراء تفصل بينهم وبين العالم العربي والإسلامي. ويتخوف من الارتباط المشبوه بين دوائر استعمارية وبعض التوجهات العلمانية، في إشارة إلى المحاولات الفرنسية لكتابة البربرية بالحرف اللاتيني، وإثارة البربر للتحزب على أسـاس عرقي، وقطع صلة الأمازيغية بالعروبة والإسلام واستحداث مواجهة بينهما.

الفكرة الوطنيـة

لم تكن الفكرة الوطنية متوفرة ساعة الهجمة على الجزائر، إذ كانت جهاداً ضد العدو الغازي الكافر دفاعاً عن الأرض والعرض غي غالـب الأحيان.

من أهم النقاط المشتركة بين كل الثورات والانتفاضات الشعبية التي عرفتها الجزائر في القرن العشرين أنها حركات محدودة من حيث انتشارهـا الجغرافي، إذ كانت كل واحدة منها تنحصر في منطقة معينة دون سواها، ويرجع ذلك – برأي المؤلف – إلى أن البعد الوطني لم يكن قد تشكل بوضوح في الوعي العام أو الحس المشترك للشعب الجزائري.

فقد كانت الجزائر قبـل الاستعمار الفرنسي تنهل من معين الفكرة الإسلامية التي لا تقوم على أساس الجنس أو العـرق أو اللغة أو الإقليم، بل كانت تقوم على رابطة العقيدة والفكرة ولم تشعر يومها الشعوب أو النخب بالحاجة إلى البحث عن رابطة جديدة بديلة للرابطة الإسلامية سواء أكانت قومية أو وطنية أو غيرها.

حتى إن استقلالها النسبي عن الدولة العثمانية كـان يرجع إلى أسباب عملية بحتة تتعلق ببعد المسافة وصعوبة الاتصال وبدائية وسـائل النقل، ولم يكن نابعاً من دعاوى عرقية أو إقليمية أو رفض شعبي للحكـم التركي، فكانت طبيعة الاستقلال هذه مكملـة للدولة العثمانية ومصلحة لها أحياناً ولم تكن أبداً بديلة عنها.

وبهذا لم تكن الفكرة الوطنية متوفرة ولا مستكملة سـاعة الهجمة الاستعمارية على الجزائر، ولم يكن متوقعاً أن تنطلق الحركة الدفاعية أو المقاومة من منظور وطني أو من أجل مشروع وطني إنما كانت جهاداً ضـد العدو الغازي الكافر دفاعا عن الأرض والعرض، ولم يزد الأمـر عن ذلك في غالب الأحيان.

ويعتبر المؤلف أن الفشل العسكري مع بدايات القرن العشرين لكل الثورات الجزائرية كان سبباً في ظهور التيارين اللذين عرفتهما الجزائر إبـان الاستعمار: التيار الثوري الاستقلالي الوطني، والتيـار الإصلاحي الاندماجي الاستعماري. وكان التيار الأخير يرى في الجزائر كياناً غير موجود "ولا أثر لـه حتى في المقابر أو في بطون الصحائف والدفاتر"، وفي أحسن الأحـوال "كيان شعب في طور التكوين تنصهر فيه عناصر عشرين عرقاً مختلفاً أو أكثر".

أما التيار الوطني فكان يرى في هذا الكيان شعباً مكتمل الشخصية واضح الهوية وأن له الحق في تقرير مصيره وتسيير شئونه دون وصاية من أحد. واتسم هذا التيار على المستوى الأيديولوجي بالطابع الوطني، واستعمل في مقاومته مفردات إسلامية عندما كان ينعت كل من تجنس بالجنسية الفرنسية بـ "الكفر" مثلا، وعندما كان يعتبر كل من التحق بركب الثورة "مجاهداً".

آليـة الديمقراطية

ينظر نحناح إلى الديمقراطية على أنها أفضل نظام لتحقيق الشورى وأنها منهج غير شامل لكافة مناحي الحياة، فهي فقط آلية ومنهج عملي لاتخاذ القرارات ذات الصبغة العامة من طرف ذوي الشأن ولا تحمل أبعاداً أيديولوجية أو معاني عقائدية. ونجحت الديمقراطية بهذا الاعتبار في هذا العصر نجاحاً كبيراً، حتى إن الأحزاب الاشتراكية والمسيحية الأوروبية انخرطت في التجربة الديمقراطية لإدراكها أن هناك فارقاً وفاصلاً مميزاً بين الممارسة الديمقراطية من جهة والعقيدة أو الأيديولوجية الليبرالية والنظام الرأسمالي من جهـة أخرى.

ويقول الشيخ محفوظ نحناح إن تبنيه لهذا الموقف الوسطي من الديمقراطية عرضه وجماعته لتهمة الكفر من طرف بعض الإسلاميين والمحسوبين عليهم، ولتهمة الخداع والتضليل من طرف كثير من اللائكيين (اللادينيين) وبعض الأوساط الرسمية.


والكتاب ثري بالأفكار وأحياناً بالنظريات، ويناقش بعمق ويقيس أحوال الجزائر على أحوال الأمـم ويستخرج العبر ويوظفها كلها لصالح فكـرة رئيسية واحدة هي السلم ونبذ العنف، ويترسم سبيل الإسلام المسالم والتنمية المبنية على أساس السلم والتربية التي تستهي به.

ويحاول أن يلاحق كل أسئلة العصر وقضاياه فـلا يفوته أن يقـف عند المرأة وموقعها بالنسبة للرجل والحياة، كما يتحدث عن السبيل إلى نظام عربي جديد. ولا ينسى قبل الختام أن يعرج على ذكر فلسطين. وهكذا يقفز من صورة إلى أخرى وكأنه يريد للجزائر المنشودة أن تكون مشدودة للإسلام والعصر، عبر محاولة الإجابة بالمنطق الإسلامي على أبرز تساؤلات العصر.

ويظهر من الكتاب بوضوح أنه ألف بتقطع أو على مراحـل، أو أنه مجموعة من الأفكار غلبت على صياغتها أحياناً لغة الخواطر، وبالفعل وصف نحناح – في الإهداء – ما جاء في كتابه هذا بأنه "باقة أفكار"، فكان أحياناً يذكر فكرته في جزء من الكتاب ثم يستكمل شرحها أو يعاود معالجتها من زاوية أخرى في وضع آخر، وأحياناً أخرى يذكر طرفاً من بعض الأمثلة ولا يستوفي شرحها وكأن خطابه موجه للجزائريين فقط، أو أنـه يعتقد أن القارئ العربي مدرك لتاريخ الجزائر ملم به.

فالكتاب رغم أنه يبحث عن المعادلة المفقودة للجزائـر المنشودة، فإنـه بالفعل وتد مهم وجزء أساسي من أي معادلـة مستقبلية للبحث عن الأمة العربية والإسلامية المنشودة. المصدر: الجزيرة

الإخوان المسلمون فـي العراق ينعون الشيخ النحناح

تلقّينا ببالغ الحزن وعظيم الأسى نبـأ وفاة الأخ العزيز والقائد الفذّ المجاهد الأستاذ محفوظ نحناح، ولم نجد ما نواسي به أنفسنا وإخواننا إلا قـول المولى جلّ وعلا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه واه، والصلاة والسلام على محمد النبي الأمّـي ومن والاه.

﴿ يا أيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين ﴾ البقرة: 153

الإخوة الأفاضل قادة حركة مجتمع السلم حفظهم الله ورعاهم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تلقّينا ببالغ الحزن وعظيم الأسى نبـأ وفاة الأخ العزيز والقائد الفذّ المجاهد الأستاذ محفوظ نحناح، ولم نجد ما نواسي به أنفسنا وإخواننا إلا قـول المولى جلّ وعلا: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً"، وإنا لنحسب أخانا من أولئك ولا نزكي على الله أحدا.

لقد غادر دنيانا قاد فذّ وجل أحوج ما نكون إليه ولكن الله يجتبي ويختار وليس في وسعنا إلا التسليم لقضاء الله والرضـا بقدره ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عزاؤنا لكم بفقيد الحركة الإسلامية وعزاؤنا لشعـب الجزائر الصابر المحتسب بفقد هذا الرجل الذي بذل نفسه من أجل نصرة الحق وإعلاء رايـة الإسلام ولكي يكون شعب الجزائر رائد النهصة وقائد المسيرة وسط هذا البحر الهائج في ظلمات فوقها فو بعض، ويحمل مشعل الهداية ومعه نور الحق الساطع المبين.

عزاؤنا لقادة الحركات الإسلامية بفقد قائد متميز كمحفوظ النحناح رحمه الله.

وأجدر بالعزار أهل الفقيد وذويـه، سائلين المولى القدير أن يلهمهم الصبر وأ يعوضهم بفقد عزيزهم عـزّاً ومنعة وأمناً. نسأل الله تعالى أن يتقبّـل محفوظ في الصالحين وأن ينزله أعلى المنازل مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين.

اللهم اغفر لمحفوظ وارفع درجته وأحسن وفادته وألحقنا به في الصالحين. اللهم آمين وصلّى الله وسلم على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّـم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم/ د.أسامة التكريتي المراقب العام للإخوان المسلمين في العراق 19 يونيو 2003م / 19 ربيع الثاني 1424 هـ


بحليطو الثاني و رثاء الشيخ محفوظ نحناح

احميدة عياشي

غادر فراشك وانهض يا نحناح

ــــــــــــــــــــــــــــ

وقال بحليطو2 .. "الشيخ الفاضل، والسياسي المخلص محفوظ سلام، وبعد .. لقد حزنت كثيراً لمضيك .. لم أعد أسمع صوتك، لم أعد أستلذ مشاهدتك على الركح السياسي وأنت تلعب لعبة الكرّ والفرّ بفن .. أنت على فراش المرض في وت غير مناسب .. هل تعبت وكرهت من هذا الجو الياسي الفاسد .. لستُ أدري أيها الشيخ النكّـات إن كنت قد قرأت رواية الكاتب المصري "فساد الأمكنة". الجزائر اليوم هي الأخرى غـارقة حتى النخاع في مستنقع "فساد الأمكنة" ..

ربما لذلك مرضت وآثرت الانسحاب من هذه الأجواء الموبوءة .. لكن لا أخفي عليك أنني وجدتي وصديقي الحمار وشخصية جخليطو التي اقترحتها علي ذات يوم جمعنا لقاء في مناسبة ما، بالدكتور سعيد سعدي، ورضـا مالك وشخصيات أخرى اشتاقوا لأسلوبك الخاص في ممارسة السياسة ..

أعرف أن الكثير من الإسلاميين غضبوا عليك، وبعضهم جافاك وبعضهم الآخر أباح دمك ومع ذلك كنت متسامحاً، ومتفهماً لأن تحصد وحدك الثمار .. كنت دائما شديد الحساب، خطوة إلى الأمام وخطوات إلى الخلف .. كنت أسميك في عمودي الشيخ الباندي، لم تغضب مرة، بل كنت تقهقه وتعلّـق وتثمن حرية النقد والـرأي .. لم يضق مرة صدرك بسهامي الموجهة لسياستك .. وكان ذلك يكبر من مكانتك في قلبي .. تصور ماذا قال لي صديقي الحمار ذات مرة؟ قال لي، إنك كنت أنت الرئيس الحقيقي في رئاسيات 95 ومع ذلك قبلت أن يختطفوا منك الرئاسة حفاظاً على استقرار الجزائر.

ومرة مازحتني جدتي، وقالت، آه لو يتزوجني نحناح لجعلت منه رئيسـاً بدل بوتفليقة، أو في أسوأ الأحوال، أجعل منه نائباً لبوتفليقة، لكن لم تتزوجها، بل طلبت منها أن تتنازل لك عن الحمار لتمتطيه وتتوجه بـه رأساً إلى قصر المرادية، وعندئذ قلت لك، هل تريد أن تكون صاحب الحمار ؟!

أيها الشيخ الذي تعرف كيف تصبح صديقاً حتى عند خصومك أتمنى لك من الأعماق الشفاء والعودة إلى ما كنت عليه من حيوية وتدفق وحماس .. آمين".

بحليطو الثاني

احميدة عياشي

عملاق الوسطية، رحل

وقال بحليطو2: " ...والآن، ها أنت هناك .. تنظر إلينا من سماء الخلد .. دائما محتفظاً بروحك المرحة، بنظراتك الثاقبة، وبنبراتك الفصيحة المتدفقة .. وبحنكتك السياسية التي تجعل خصمك من مجرداً من سلاحه من دون إهانة أو تشفّ .. وقد يقترب منك عزرائيل، يسألك فتجيب، ثم ينفجر ضاحكاً، ثم يشيـر طريقك يا نحناح، من هنا؛ طريق الرجال الشرفاء، وأولياء الله الصالحين..

شعرت بالرهبة وأنا ألقي عليك مساء الخميس آخر نظرة .. كنت ممتداً، غارقاً في البياض كالملاك .. وكـان وجهك صافياً، مشعّـاً، راضيـاً، مجللاص بفيض المحبة والتسامح .. رفعت يدي، قرأت الفاتحة، وترحّـمت على روحك .. خلتك أنك ستنهض وتقول لي: "أين هي جدتك يا جخليطو..؟"

وخلتك أنك ستخاطبني وتقول، تعال يا بحليطو، اقترب مني، فأنا لست ميتاً .. أن حيّ في قلب كل الذين تعلّموا من محنة الجزائر، ومن الدم الذي أساحته حماقات الأنانيين، والمتعطشين إلى الحكم، والمجانين بداء اسمه السلطة .. خلتك أنك نهضت .. وتدفق من فمـك سيل هادر من الكلمات .. أفقدتني توازني، فجّـرت في نفسي صوراً كانت منقوشة في أعماقي منذ أن عرفتك، وحادثتك واستفززتك ..

أعترف أنك كنت مدرسة حقيقية في ممارسة السياسة، وفي إدارة الصراع بسمـوّ ورفعـة .. وكنت منفرداً في كفاحـك من أجل السلام، ومن أجل الجزائر .. كنت ابن عصرك وابن إيمانك .. كنت فوق لعبة الصغار، وفوق مناورات كل الدجالين، نهش لحمك إسلاميون، ونهس لحمك وطنيون، ونهش لحمك لائكيون، ولم تنهش لحم أحد ..

كانت الكلمة الصادقة هي سلاحك .. وكان أسلـوبك هو الجدار السميك والسور العظيم الذي تلاشت أمامه كل تلك الموجات الصاخبة .. كنت رجلاً كارزماتياً، ولم تترك خلفك رجالاً كارزماتيين، لكن تركت وراءك جيلاً جديداً متمرساً، وجهازاً حزبياً عتيداً، أعتقد صادقاً أنه أقوى مؤسسة حزبية وطنية .. وأصحاب الحل والعقد يعرفون ذلك جيداً .. من هنا كانت المخاوف، وتصاعدت المناورات ضد حزبك، ومبناك الذي بنيته ..


صديقي نحناح كـم كنت وحدك في إخلاصك، وتفانيـك وصـبرك وشجاعتـك .. لكن غداً، لن تكون وحدك .. وحتى نلتقي .. سلام".

قصيدة لله " الفارس النحناح" د.محمود صيـام خطيب المسجد الأقصى

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ألقى الدكتور محمد الشيخ محمود صيام قصيدة "الفارس النحناح" في جلسة افتتاح الملتقى الدولي الثاني محفوظ نحناح قصيدة أعـدّا إحيـاءً لذكرى وفاة الشيخ محفوظ نحناح الأولى – رحمه الله - ..

الفــارس النحنــاح

قصدية أُعـدَّت إحياء لذكرى وفـاة الشيخ محفوظ نحناح الأولى –رحمه الله- فقد توفي في غرة جُمادى الأول 1425 هـ المواف 19 يونيو 2003م

شعر الدكتور محمد الشيخ محمود صيام

فُتِحَـت – بِـذِكْرِكَ – في الفُــؤَادِ جِـراحُ

ومــع الأسَى يُغْــدَى بِــه ويُــرَاحُ

كالفُلْـكِ تَمْخُــرُ في العُبَـابِ ومَـا بِــها

طَــوْقُ النَّجَـاةِ ومَــا لَهَــا مَــلاَّح

طَــوْقُ النَّجَــاةِ تَنَـاثَــرَتْ أشْــلاَؤُهُ

وبِفَقْــــدِكُمْ يَتَنـــاقَـصُ المُــلاَّحُ

وأصَــابَنا السـَّهْم الــذِي أدْمـى الحَـشا

وكأنـَّـه الخَطْـــبُ الــذِي يَجْتَــاحُ

سَــهْمٌ ولا كُــلُّ الــــسِّهَامِ مُــسدَّدٌ

عَــجِــزَ المُعَـالِـجُ عَنْـهُ والجَـرَّاحُ


وانْتَــابَ أُمَّتَنــا ذُهــولٌ عــــارمٌ

مُــذْ قِــيلَ غَــابَ الفَـارِسُ النَّحْنَـاحُ

حَــطَّ الِّرحَــالَ فَتــىً جَـرِئٌ صَـابِرٌ

رَجُــلُ الجِهَــادِ مُثَــابِرٌ مِلْحَـــاحُ

ولَــهُ صَــوَابٌ في الأُمُـور مُوَفَّـــقٌ

فَطِــنٌ ذَكِيٌ مَاجِــــدٌ لَمَّـــــاحُ


كُنَّــا مَعــاً ونَعُــبُّ مِـنْ يُنْبُوعِـــه

والمَــاءُ مَوْفــورُ الــصَّفاءِ قَــرَاحُ

وتَرَكْتَنـــا تَتَلَعَّـــبُ الــدُّنيا بِنـــا

والأمْــرُ جِــدٌ لــيسَ فيـهِ مِــزَاحُ

وتَـــردَّدَتْ في العَـــالَمِينَ مَقُولَـــةٌ

يَـــشْدُو بِهــا الغَــادُونَ والــرُّوَّاحُ

فَقَــدَ ( الحماســيُّونَ ) بَــدْراً سَـاطِعَاً

مُــذْ لاَحَ في أُفُــقِ الحَيَـــاةِ ولاَحُـوا

وبَكَــتْ ( بُلَيْــدَةُ ) والجزائر كُلُّهَـــا

وشُــعُوبُ أُمَّتِنــا بَكَــوْهُ ونَـــاحُوا


كانُوا يُكِنُّونَ المَوَدَّةَ ثُـمَّ حِينَ هَوَى الحَبِيبُ فبالمَوَدَّة بَاحُوا وعـلَى الخُـدُودِ جَــرَتْ دُمُـوع حِيــنَما

غــابَ الــشِّهَابُ وأُطْفِــئَ المِـصْبَاحُ

غُــصّصٌ تَجَرَّعْنــا مَــرَارَةَ وَقْعِهــا

ويَحِـــلُّ فــيهِنَّ البَكَــا ويَبَــــاحُ

لَكِنَّهَــا غُــصَصٌ أصَــابَتْنَا فَهَــــل

يُجْدِي العَوِيــلُ وهَــلْ يُفِيـدُ نُــوَاحُ ؟!

يـــا رائِــداً للـسِّلْمِ أَلْــفُ تَحِيَّـــةٍ

فالـــسِّلْمُ في هَــذِي الــدِّيَارِ فَــلاَحُ

فبِــهِ الــبِلادُ تُقــالُ مِــنْ عَثَرَاتِهــا

وبِــهِ النُّفـــوسُ لِوَقْعِــه تَرْتـَــاحُ

وجَزَائِــرٌ مِــنْ غَــيْرِ سِــلْمٍ كاسِــدٌ

لاَ عَائِــــدٌ مِنْـــهُ ولاَ أرْبَــــاحُ

وعــلَى الطَّرِيــقِ تَـسِيرُ كُـلُّ جُمُوعِنـا

يَهْــدِي الجَمِيــعَ مَحَبَّــةٌ وسَـــمَاحُ

ويَقُــولُ فيــهِ اليــوْمَ مِــنْ أقْوَامِنــا

خُطَبـــاءُ أهْــلٌ لِلكَــلاَمِ فِـــصَاح


للــهِ أنْــتَ فهَــلْ يُحَقَّــقُ حُلْمُكُــمْ

ولِقَوْمِنــا طَــوْقُ النَّجَـــاةِ يُتَــاحُ؟!

فهُنــا الــسَّلاَمُ وكُنْــتَ تَطْمَـعُ أنْ تَرَى

في أرْضِنَــا فُــرَصَ الــسَّلاَمِ تُتَــاحُ

وهُنَــاكَ في المَـيْدَانِ حَيْـثُ الغَاشِمُــونَ

لأرْضِــنَا الوَطَـنَ الــسَّلِيـبَ اجْتَاحُـوا

كُنْــتَ الـذِي اتَّخّــذَ الكِفَـاحَ سَــبِيلَهُ

وسَـــبِيلُ كُــلِّ الـمُؤْمِنيـنَ كِفَـــاحُ

فـــالحَقُّ في الأرْضِ الـسَّلِيبَةِ حَقُّنَـــا

ولنَيْلِـــهِ بَــذْلُ الـــدِّمَا مِفْتَـــاحُ


والقُــدْسُ والــدُّخَلاَءُ كُنْـتَ تُـصِرُّ أنْ

يَتَرَحَّلُــــوا عَنْهَــا وأن يَنْزَاحُــــوا

وقّضِيَّــةُ الأَقْــصَى طَفِقْـتَ تُثِيرُهــا

فــــالحَقُّ فِيهــــا أبْلَــجٌ وصـُرَاحُ

وبِلاَدُنــا هِـيَ كالجُــسُومِ حَقِيقَـــةً

والقُـــدْسُ والأقْـــصَى لهــا الأَرْوَاحُ


وقَــضِيَّةُ الــوَطَنِ الـسَّلِيبِ وأهْلِــهِ

والظُّلْـــمُ فيــهِ مُكَــرَّسٌ ومُبَـــاحُ

صَــيَّرْتَهَا هَــمَّ الجزائر كُلَّـــمَا

أهْــلُ الجزائر قَـدْ غَــدَوْا أو رَاحُـوا

وهُــمُ الأُوْلَى عَرَفـوا مِـنَ المُحْتَـلِّ مَا

إبْلِـــيسُ مِــنْ جَرَّائِـــهِ يَرْتَـــاحُ

وعَــشِقْتَ إِصْــلاَحَ الحَيَــاةِ لأَمَّـةٍ

كــادَتْ يُغَيَّــبُ بَيْنَهَـــا الإصْــلاَحُ

فَــبَرَزْتَ في كُــلِّ المَوَاقِــعِ فارِسـاً

والــدِّيْنُ والــرَّأْيُ الــسَّدِيدُ سِـــلاَحُ

في الــبَرِّ رَائِــدُ نَهْــضَةٍ عَمَلِيَّــةٍ

وهُنــاكَ في لُجَــجِ الهُــدَى سَـــبَّاحُ

عَلَــمٌ يَغُــذُّ إلى تَقَــدُّمِنا الخُطَــى

والأكْــــثَرُونَ بِقَوْمِنَـــا أشْــــبَاحُ

بُخَــلاَءُ في الأمْــوَالِ إنْ نُـدِبُوا لَهَـا

والكُــلُّ في بَــذْلِ الــدِّمَاءِ شِـــحَاحُ


للــهِ أنْــتَ وكَـمْ سَـعَيْتَ لِيَــسْعَدُوا

وتَـــسُودَ فــيهِمْ نَهْــضَةٌ وصَــلاَحُ

ويَهُبَّ – مِثْلَ المُقْعَدِينَ – مِنَ الشُّعُوبِ اليَعْرُبِيَّةِ فِتْيَةٌ وصِحَاحُ

فالــشَّيْخُ ( ياسِيـنُ ) القَعِيــدُ لِمِــثْلِهِمِ

بِجِـهَــادِهِ بــينَ الــوَرَى فَـــضَّاحُ

فهُــوَ القَعيــدُ وعَزْمُـهُ هَـزَّ الـوَرَى

والكُــلُّ مِـــنْهُمْ نـــائِمٌ مُرْتَـــاحُ


كُنْــتَ القَــرِينَ لَــهُ تُؤَيِّـدُ دَرْبَــهُ

وتَــوَدُّ لَــوْ دَرْبُ الجِهَــادِ مُتَـــاحُ

وتَقَــرُّ عَيْنـــاً كُلَّــما أوْطَانُنـــا

يَبْـــدُو لَهُــنَّ تَقَـــدُّمٌ ونَجَـــاحُ

وعَمِلْــتَ للتَّوْحِيــدِ بــيْنَ شُــعُوبِنا

مــا كَــانَ فيــهِمْ غُـــدْوَةٌ ورَوَاحُ

لاَ أنْ تَظَـــلَّ بِلاَدُنـــا مَـــشْطُورَةً

فهُنـــا طَوَائِــفُ بَيْــنَهُنَّ نِطَـــاحُ

وهُنـــاكَ أرْضُ قَبَائِــلٍ مُقْـــسُومَةٌ

فقُــرىً مُوَزَّعَــةُ الهَــوَى وبِطَــاحُ

فــإذا دَعَــوْتَ لِجَمْعِهِـمْ جَمَحُـوا كَـمَا

يَبْــدُو مِــنَ الفَـرَسِ الـشَّمُوصِ جِمَاحُ

ووَدِدْتَ لَــوْ سُـبُلُ الكِفــاحِ تَفَتَّحَــتْ

وجَـــرَى لَهُــنَّ الــدَّعْمُ والإِنْجَـاحُ

ولِـكُـلِّ مَـنْ عَـشِقُوا الكِفَـاحَ تُقَـامُ

في أوْطانِنـــا الأعْــراسُ والأَفْـــرَاحُ

لَكِــنَّما خَيْــلُ الكِفَـــاحَ تَعَثَّــرَتْ

وعَــلاَ عـلَى خَيْــل الكِفَـاحِ نُبَــاحُ

والــسَّاحُ عَكَّــرَ جَـوَّهُ مـا انْتَابَــهُ

مِـنَ الاضـطرَابِ وضَـجَّ مِنْـهُ الـسَّاحُ

ويَهُـــودُ أرْضُ بِلاَدِنــا لِكِلاَبِهِـــمْ

وثَــرَى الجُــدُودِ مَلاَعِــبٌ ومَـرَاحُ

والـشَّعْبُ في الـوَطَنِ الـسَّلِيبِ مِنَ الأذى

غَلَبَــتْ عــلَى أيَّامِـــهِ الأتْــرَاحُ

والمَــسْجِدُ الأقــصَى نَوَايـا هَدْمِــهِ

شُرِبَــتْ لَهـا الأنْخــابُ والأقْــدَاحُ

وكَتَائِـــبُ المُتَــدافِعِينَ إلى الــوَغَى

عَــصَفتْ بِهِـنَّ عَوَاصــفٌ ورِيَـاحُ

وتَــسَاقَطَ الـشُّهَدَاءُ – بَعْـدَكَ – مِنْهُمُـو

وتَـصَوَّبَتْ نَحْــوَ القَلُــوبِ رِمَــاحُ

فَلَكَ التَّحِيَّةُ كُلَّمَا أمْسَى المَسَاءُ علَى الجزائر أوْ أَهَلَّ صَبَاحُ

وعَلَيْــكَ في جَنَّــاتِ عَــدْنٍ كُلَّــمَا

فِــيهِنَّ رَفَّ عــلَى الغُـصُونْ جَنَـاحُ

رَحَمَاتُ رَبِّ العَالَمِينَ ولَفَّ جِسْمَكَ مِنْ رِضَا البارِي العَزِيزِ وِشَاحُ

وعَزَاؤُنـا أنْ قَـدْ مُنِحْتَ مِـنَ الرِّضَــا

مـا قَــدْ يَــشَاءُ الوَاهِــبُ المَنَّـاحُ

ولكُــمْ بــإذْنِ اللــهِ في جَنَّاتِـــهِ

حُــورٌ صَـبِيحَاتُ الوُجُــوهِ مِــلاَحُ

وشُــعُوبُ أُمَّتِنــا عـلَى مِنْهَــاجِكُمْ

سَيُوَاصِــلُونَ الــسَّيْرَ لَـنْ يَرْتَـاحُوا

إلاَّ إذا طُــرِدَ الغُـزَاةُ عَــنِ الحِمَـى

والمُجْــرِمُ المُحْتَــلُّ مِنْــهُ يُــزَاحُ


قصيدة رثـاء لشاعر الحركة أحمد براح

جادت قريحة الشاعر أحمد براح شاعر الحركة بهذه الأبيات الشعرية الرائعة والتي مطلعها:

هـذب الدنيـا ومـات:

صـبرت الــصبرين بــصبر جميــل

وشــددت الجميـل بحبــل إيمـان

وصـغت إيمــاني مـن خطـاب وحـي

هـو مـا أســماه اللـه بالفرقــان

وغـــذيت إيمـــــاني بمقومــات

يظهرهـا خطـو العلــم والعرفـان

فلــم أكـن لأكفــر جــذر جـــذع

ولم أنكـر جـذعاً ظــاهراً للعيـان

تريــدون اجتثــاثي فلــست قريبــا

فجـذري ضـارب في شـعب الزمـان

تريــدون إطفــائي فلــست وقــودا

فمـصباحي قـوي، من طاقـة القـرآن

تريــدون تظلــيلي فلــست وحــيدا

فيــدي في يــد حبيـب الرحمـان

تريــدون تخـضيعي فلــست جـسمـا

فكــلام اللــه لروحــي بــان

تريــدون قـــتلي ، فأنــا شـــهيد

أبقــى هنــا ، وفي بيتــي الثـان

أنــا الأعــلى، بـــشهادة المتعــال

فأنـا بعيـــد عـن كـل أحــزان

أنــا الأعــلى "بـــدبلوم" إيمــاني

فــلا يعــرفني طريــق الهـوان

أنــا وصـــية ربي كلهــا عنــدي

فأنــا الحــامي لبــني الإنــسان

أنــــــا الخليفـــة في أرض ربي

أسوســها بــشرط وعهـد وأمـان

أنــا لا أرى فروقــا بــين أجنــاس

ولا يـصدني وطـني عـن الأوطـان

أنـــا لا أقــيم وزنــا للهجـــات

واخــتلاف الوجــوه والألـــوان

فكــــل ذاك مـــن آيـــات ربي

لا لإشـــعال فتائــل النـــيران

ألا مــن يريــد أن يكــون مــثلي

فليـــصعد إلى مرتبتــي ومكـان

فلــيس المقــــام لــولي عهـــد

بــل لكــل المــؤمنين إخــوان

تعــالى اطلـع عـلى لبنـات صرحـي

تعــالى تــرى مـصداق لــسان

مـــسلمة يقــف عليهــا فـــؤادي

هــي ؛ أن أصــل منهجـي ربـان

محفـوظ مـن كـل تحريـف وتخريــف

فهــوالـذي صـاغ عقـلي وربـان

قـال لعقــلي انظــر ولقلبـي اعتــبر

فــاهتز الفــؤاد بخرقــة الأكفـان

هـــذا منهـــاج ثابـــت بـــاق

لا تجــري عليــه قــدم الزمـان

فكــل مــن رآه بـــال هزيــــل

فقــد رمى اللــه بجهـل ونقـصان

فـرش الجنــاح فظلـل كـل أرضــه

ومـا رمــاه أبـدا منـصف بنـسيان

ومـا طغـت حقيقـة فيـه عـلى أختهـا

فالكــل مقـدر مــوزون بميـزان

فلـم تلــده عقـــول متفلــسفـــة

ولم تنــسجه رياضــة الأذهــان

ولم تحبكـــه ثقافــــات أقـــوام

بــل هــو هبــة مـن الــديان

هــذه حقيقتــي أرفعهـــا عاليـــا

فــلا أداري ولا أدهــن بـــدهان

محمد براح / الجزائر

قصيدة شيخ المصالحة الوطنية

ــــــــــــــــــــ

حـق علينـا والحـق أوفـي الخــصال

في ذكـر أولـي العزم مـن الرجـال

إذا بــدت أفــضال قــوم كـــرام

تبــث فينــا تــذكار الخــلال

شــيخ المــصالحة لــو تعلمــون

وهـل تخفـى النجـوم علـى الجبـال

قــد بكتـه الأمــة حزنــا لوفاتــه

مــن فــرط المهابــة والإجـلال

لــست في هـذا المقــام راثيــا لـه

أو ناعيـا إنمـا أنزلـه حـق إنــزال

شـهاب سـاطع قـل في الزمـان نــده

وحامـل هـم القــدس زيـن النـوال

وفلسطين جـرح مـا زال يـدمي مـن

جــسمه مذ نجـستها أقـدام احـتلال

أحبـه الله فارتــسمت محبتـه علــى

كـل ثغر وحتـى في القلـوب أطفـال

كيــف لا ولـه في ود هـذي الــبلاد

مـآثر هـي للنـاس أحسن الأمثــال

دكــان بينهمــا حكايــة قـــصت

فـصارت مع الـزمن ملحمـة أبطـال

كــم كــان حـني القلــب مــشفقا

على الأرض الـتي عانت مـر السّمال

وكـم سمـت نفسه عـن كـل نقيــصة

مـن بـني قومـه فكـان حلـو المقال

وكــم كابــد في الله كــل مــضرة

وتحمـل الأســر وطــول الليـالي

فغــدا للجزائــر رمـزاً ومــشعلا

وللأجيـال نبراسـا ثابتــا كـالهلال

ولـه الفـضل والإحــسان بعـد الله

في حلـف الإخـاء والجمع بعـد انفصـال

يـا شـيخ طبـت اليـوم حيـا وميتــاً

فأنت العزيـز فينـا وذو المقـام العـال

علمتنـا أن الحيـاة جهــاد وطاعــة

وثبـات علـى الحـث بـلا كــلال

ورثنــا مـن بعـد إرثــا عظيمــا

مـثقلا ومـضيت مطمئنـا في جـلال

وهـذا جمعنـا اليـوم ثمـرة من حـقل

دعوتـه إلى الخيـر والـسلم العجـال

ونحـن اليـوم علـى خطـاه صـامدون

وبنهجــه وآثـاره علـى اتــصال

فـنم قريـر العـين طيبـا إنـا بـدعوة

الإخوان ماضــون إلى الكمــال


تأليف ونظم : كمال دحو

قالوا في الشيخ محفوظ نحناح

الأستاذ كمال الهلباوي

عاد الجميع إلى ما كان ينادي به

"الأستاذ نحناح رجل أمين وعاقل نادى بالحوار منذ بداية الأزمة لكن الجميع رفض هذا الطرح ثم عاد الجميع إلى ما كان ينادي به الأستاذ محفوظ نحناح"

عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني

كان ذا خصـال عاليـة

يشرفني أن أقول بلمئ وجداني أن الشيخ نحناح كان ذا خصال عالية وكان فياض بالإخلاص للشعب والوطن والغيرة على قيم الأمة ديناً ولغةً ورقعةً وإرثاً وتاريخاً وحضارةً، حمل هموم الآخرين وكان يسعى لإسعادهم، عرفته طيب المعشر والمؤانسة، معدناً للمحبة والوفاء غير باخس للناس حقهم، كان فهمه للإسلام والوطن والعروبة ليس كارثاً منحطاً بل مجددا ومستوفياً لعنصر القيادة والتوجيه".

رئيس مجلس الأمة

سيظل اسمه وذكره قدوة ونموذجاً في البذل والتضحية الجزائر فقدت في الراحل نحناح واحداً من أبرز الأبناء الذي سيظل اسمه وذكره قدوة ونموذجاً في البذل والتضحية من أجل جزائر آمنة ومستقرة متوثبة إلى مستقبل في كنف أصالة متجدرة وتطلع إلى الحداثة الواعية في تجاربها مع العصر الجديد"

الدكتور عبد الحميد القضاة

عظيمة فكر ورحابة نفس

إن الرجال بأعمالهم العظيمة تسير وراءهم الأجيال وهذه الجموع دليل على عظمة فكره ورحابة نفسه وسمو روحه، وإنه منذ وفاته رحمه الله لم نفقد ذكره لأن العظماء الموت لا يمطس ذكراهم بل يكشف عظمتهم لكبر الأفكار والأهداف التي عاشوا لها، فقد كان الشيخ محفوظ تهزه مصاحب الأمة وتحركه قضاياه"

الأستاذ سيف الإسلام البنا نجل الإمام الشهيد حسن البنا

فقدناه ونحن في أمس الحاجة إليه

"كان الشيخ نحناح رحمه الله مجدداً للفكر الإسلامي وللحركة .. مزج العقيدة بالوطنية وقد ترك حركة يقدرها أعداؤها لقد فقدناه ونحن في أمس الحاجة إليه لكنني واثق أنه ترك رجالاً .. الله سيرعاهم من فوق سبع سموات والرسـول  سيكون قائدهم...."

معن بشور

اسم كبير في حياة الجزائر والأمة

محفوظ نحناح اسم كبير في حياة الجزائر والأمة، بل هو مدرسة نتعلم منها فن المواءمة بين العقيدة والسياسة، بين المثالية والواقعية، بين الطموحات غير المحدودة والخطوات المتدرجة لتحقيقها، بين الوحدة المجتمعية والتباينات الفكرية، بين بناء مجتمع السلم وبين مواجهة مشاريع الاستبداد والإقصاء والفوضى.

إبراهيم نافع رئيس تحرير جريدة الأهرام

الشخصية المتميزة

"لا أغالي إن قلت أن الشيخ محفوظ نحناح بصفته الحزبية يمثل حالة خاصة بين أطراف الساحة السياسية التي تفوز بالحركة والغليان في الجزائر، فالرجل قطب مهم من أقطاب الحركة الإسلامية في الجزائر لكنه بحكم أفكاره وتاريخه وتحليله لواقع بلاده وأزمتها يدعو إلى الحوار ويمارسه مع جميع القوى السياسية المعارضة أيا كانت اتجاهاتها حتى تلك التي ترفض أيديولوجية الحوار مع القوى الإسلامية، وهو بذلك شخصية متميزة يرفض منهج الإقصاء والاستبداد ويدينه بكل وضوح". وقال فيـه أيـضاً: "الأول أتحدث إلى سياسي جزائري وأرى منه هذا العمق والقدرة على الاستشراف".


رمز الإسلام المعتدل في الجزائر

عن دار التوزيع والنشر الإسلامية في القاهرة، صدر كتاب "وداعـا محفوظ نحناح، رمز الإسلام المعتدل في الجزائر" للكاتب المصري: وصفي أبو عاشور زيد.

والكتاب عبارة عن جمع لما كتب عن الشيخ "محفوظ نحناح" بعد وفاته، حيث شملت الكتابات كتاباً ومفكرين من مختلف أقطار العالم الإسلامي، واحتوت هذه الكتابات على مواقف ووقائع في الفكر الإسلامي وفقه الدعوة مما لا يوجد في كتب الشيخ نحناح وبين من كتب عنه من كتاب ومفكرين مما يزيد من أهمية جمعها كشيء وثائقي عن الفقيد الراحل.

وكان على رأس الكتاب والمفكرين الشيخ "يوسف القرضاوي" والأستاذ "محمد أحمد الراشد" ، والأستاذ "راشد الغنوشي" ، والدكتور "توفيق الواعي" ، والدكتور "عبد الحميد الغزالي" ، والمستشار "علي جريشة" ، والأستاذ "عبد الحميد البلالي" ، و "الفضيل بن سعد" وغيرهم... وجاء في بدء الكتاب بعد التقديم، كلمة وافية، ألقت الضوء على شخصية الشيخ "محفوظ نحناح"، ونشأته، وتعليمه، وتكوينه، ونشاطاته، وآرائه، وأفكاره وطروحاته، كما احتوى على إضاءات على الحركة الإسلامية.


قالوا في الرجل

"عرفت الأستاذ محفوظ نحناح وأدركت فيه حسن التقدير للأمور والهدوء والدعوة إلى التغيير المنشود وفق خطوات ثابت هادئة".

الأستاذ محمد أحمد الراشد

"يتمتع الشيخ محفوظ نحناح باحترام وقبول كبير بين صفوف المثقفين والسياسيين في الجزائر كما يحظى باحترام وترحيب كثير من المحافل الدولية حيث يتميز بطرحه الفكري والسياسي المتوازن، وينهج النحناح في أسلوبه وحواره منهج الوسطية والاعتدال والعمل المتأني المدروس بعيداً عن التشنج والحزبية الضيقة"

الصحافي أحمد منصور

"الأستاذ نحناح رجل أمين وعاقل نادى بالحوار منذ بداية الأزمة لكن الجميع رفض هذا الطرح ثم عاد الجميع إلى ما كان ينادي به الأستاذ محفوظ نحناح".

الأستاذ كمال الهلباوي بريطانيا

"الشيخ محفوظ نحناح عالم وسياسي إسلامي من الطراز الأول، لا أحد يشك في صدق إسلامه وصدق توصياته الدينية".

حسين أحمد أمين

سفير مصري سابق في الجزائر

"لا أغالي إن قلت أن الشيخ محفوظ نحناح بصفته الحزبية يمثل حالة خاصة بين أطراف الساحة السياسية التي تفوز بالحركة والغليان في الجزائر، فالرجل قطب مهم من أقطاب الحركة الإسلامية في الجزائر لكنه بحكم أفكاره وتاريخه وتحليله لواقع بلاده وأزمتها يدعو إلى الحوار ويمارسه مع جميع القوى السياسية المعارضة أيا كانت اتجاهاتها حتى تلك التي ترفض أيديولوجية الحوار مع القوى الإسلامية، وهو بذلك شخصية متميزة يرفض منهج الإقصاء والاستبداد ويدينه بكل وضوح".

إبراهيم نافع

عميد الصحفيين العرب

"سيدي أن لا يمكن أن أنسى أدبك الجم في التعامل مع أسئلتي رغم إصراري على إثارة قضايا هي من عمق الداخل دخل أشيائكم التي تسمى في العرف العام الخاصة مع ذلك ظللتم عند أدبكم عند هدوءكم عند عمقكم .... كم أما شاكر لكم......

أنا لا يمكن أن أنسى كرم ضيافتكم ذلك التواضع الذي ملأ مجالسكم عندما تفضلون إقصاء البروتوكول في يومياتكم وفي تعاملكم مع الآخر.

رابح فيلالي

صحافي جزائري

وبصراحة تمنيت أن يكون الشيخ نحناح عضواً في المكتب السياسي لحزب يقود الجزائر في المستقبل ويحكمها لأنه ظهر في التلفزة بتلك الصورة التي يتمناها كل جزائري أصيل أن تكون في زعيم حزب أو رائد حركة، التواضع .... والحرص على صون وحدة الشعب ولم شمل الأمة ودعم الحرية والعدل والتمسك بالثوابت وكل القيم العظيمة لشعبنا كل هذا تجلى في حديثه الواضح الذي أوجب علينا الشكر والثناء له.

سعيد بوعقبة كاتب وصحافي جزائري

جريدة الشعب 1989


"فقدت الجزائر في الراحل نحناح واحد من أبر الأبناء الذي سيظل اسمه وكره قدوة ونموذجاً في البذل والتضحية من أجل جزائر آمنة ومستقرة متوثبة إلى المستقبل في كنف أصالة متجذرة وتطلع إلى الحداثة الواعية في تجاوبها مع العصر الجديد.

لقد كان حريصاً على مواقف الاعتال والوسطية في عصر كثر فيه الشطط والغلو، حتى في أكثر الأوقات إيلاماً وألماً عندما امتدت يد الإرهاب الآثمة لاغتيال قياديين ومناضلين في حركة مجتمع السلم، فلم تثنه على مواقفه نوائب ولا ملمات ولم تغيره مطامع في الحياة.

عبد القادر بن صالح

رئيس مجلس الأمة

"سيشهد له الجميع على جعله الجزائر فوق كل اعتبار، خاصـة في مرحلة المقاومة من أجل الحفاظ على الدولة الوطنية، وذلك سواء من خلال مواقفه الشخصية أو عبر مساهمة حزبه، حركة مجتمع السلم، كشريك مخلص وفعال في مؤسسات الجمهورية".

أحمد أويحي

رئيس الحكومة

"الشيخ نحناح من طينة الشرفاء المخلصين الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن مصالح الوطن والمواطنين...... اختار الطريق الصعب، طريق النضال من أجل مبادئ يقدسها، فاختار السلم رمزاً للحركة التي أنشأها وترأسها باقتدار، واختار سبيل الحرية والديمقراطية".

كريم يونس

رئيس المجلس الشعبي الوطني

"رحيله خسارة .... كان مدافعاً عن الأمة جامعاً للكلمة موحداً للصفوف مبعداً لشيح التشتت والفتنة .... التاريخ سيحفظ ما قدمه محفوظ نحناح من أجل نبذ بذور الفتنة والحفاظ على وحدة الشعب الجزائري وتماسكه .... هو صورة حية ولامعة لإسلام التسامح إسلام متفتح على الغير".

علي بن فليس

الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني

اتسم نحناح بالموقف الشجاعة من أجل إنقاذ الجزائر من وحشية الإرهاب ..... سيبقى في ذاكرة الجميع من الرواد المخلصين لترقية التعددية السياسية والديمقراطية بطرق مشرفة، محترماً مراجع الجمهورية ومتمسكاً بالمنافسة السياسية السلمية".

حزب التجمع الوطني الديمقراطي

"الشيخ محفوظ نحناح رجل حوار يدعو إليه ويمارسه ويعمل من أجل ديمقراطية حقيقية في بلده أساسها احترام حقوق الإنسان وصناعة تقاليد في التداول على السلطة بالطرق السلمية واحترام الحريات في ظل النظام الجمهوري يرفض العنف بكل أشكاله ومهما كان مصدره. الشيخ محفوظ نحناح رجل حوار متفتح على العالم شارك في الحوار الإسلامي الديمقراطي كما ساهم في حوار الأديان.

يومية الخبر

04/09/1995

"السيد محفوظ نحناح رئيس حركة المجتمع الإسلامي – حماس – شخصية سياسية من طراز خاص يحاول دائماً ومنذ إقرار التعددية الحزبية توسيع مساحة حماس. وعلى امتداد الربط السياسي وتكريس الانطباع بأن حركته تشكل البديل الحقيقي الذي يكفل للبلاد السلامة وللشعب الجزائري الاستقرار، ديمقراطي في غير تنكر للإسلام مع الحرص على التمكين له وفق ثلاثيته: المرحلية، الموضوعية، والواقعية".

يومية النصر

23/07/1995 "الرجل شخصية بارزة في الحركة الإسلامية وأب روحي لكثير من شبابها وشيوخها وهو قبل هذا وذاك تجربة ثرية من العمل الحركي في السر والعلنية وربما هذه التجربة والثقافة النضالية هي التي تجعل المستمع إليه يحس بالراحة التي تعززها فكاهة وتتفح الرجل". جريدة الجمهورية 1991

رئيس مجلس الأمة

الشيخ نحناح أسس بقوة للمسعى الديمقراطي في البلاد اعتبر رئيس مجلس الأمة السيد عبد القادر بن صالح في رسالة تعزية أن الجزائر تفقد اليوم واحداً من أب الأبناء الذي سيظل اسمه وذكره قدوة ونموذجاً في البذل والتضحية من أجل جزائر آمنة ومستقرة متوثبة إلى المستقبل في كنف أصالة متجذرة وتطلع إلى الحداثة الواعية في تجاوبها مع العصر الجديد.

وذكر السيد بن صالح بمواقف ومناقب الفقيد مؤكداً بأن الشيخ محفوظ نحناح كان متقدم الموقع في الحياة الوطنية صادحاً برأيه مشاركاً فكراً وعملاً في الشأن الوطني مستجيباً بقناعة لا تتزعزع لنداء الوطن.

وأضاف أن المرحوم كان أيضاً حريصاً على موقف الاعتدال والوسطية في عصر كثر فيه الشيطط والغلو حتى في أكثر الأوقات إيلاماً وألما عندما امتدت يد الإرهاب الآثمة لاغتيال قياديين ومناضلين في حركة مجتمع السلم فلم تثنه على مواقف نوائب ولا ملمات ولم تغيره مطامع في الحياة.

كما كان الشيخ رجل موقف نصوحاً عاملاً على جمع الكلمة متفانياً في خمة بلده على المنابر الفكرية والسياسية وطنياً ودولياً.

لم يدخر وسعاً مع رفاقه في حركة مجتمع السلم فشاركوا تحت قيادته الحكيمة في التأسيس للمسعى الديمقراطي الناشيء كطرف فاعل في التعددية السياسية في الجهاز التنفيذي وتحت قبة البرلمان وفي الساحة الإعلامية.

التجمع الوطني الديمقراطي

الشيخ نحناح سيبقى في ذاكرة الجميع أشاد التجمع الوطني الديمقراطي بالمواقف الشجاعة التي تميز بها الشيخ محفوظ نحناح.

وأوضح التجمع في بيان له أن مواقف الراحل كانت سبباً في تنويع المشارب السياسية خيارات جعلت الجزائر أولولية بل أي اعتبار.

وذكر التجمع بمشاركة (حركة مجتمع السلم) في مؤسسات الدولة وكذا مشاركة الشيخ في أول رجوع إلى الشعب لاسترجاع شرعية المؤسسات الدستورية الجمهورية. وأكد البيان أن المغفور له سيبقى في ذاكرة الجميع من الرواد المخلصين لترقية التعددية السياسية الديمقراطية بطرق مشرفة وأضاف البيان أن بـ "رحيله تكون الجزائر قد فقدت حقاً أحد أبنائها البررة".

رئيس المجلس الشعبي الوطني الشيخ نحناح من طينة الشرفاء المخلصين

في برقية تعيز عبر رئيس المجلس الشعبي الوطني السيد كريم يونس "لقد غادرنا الشيخ نحناح بعد نضال طويل وحياة مليئة بالنشاط والحيوية والعطاء لقد كان الفقيد من طينة الشرفاء المخلصين الذين أفنوا حياتهم في الدفاع عن مصالح الوطن والمواطن. لقد اختار الرجل الطريق الصعب طريق النضال من أجل مبادئ يقدسها فاختار السلم رمزاً للحركة التي أنشأها وترأسها باقتدار واختار سبيل الحرية والديمقراطية وكان الشيخ نحناح ذلك الرجل الحكيم الهادئ الذي فضل مراراً مصلحة الوطن على المصلحة الحزبية فنال حب المناضلين واحترام كافة المواطنين والطبقة السياسية برمتها.

جبهة القوى الاشتراكية

بمزيد من الحزن والأسى تلقينا خبر وفاة المرحوم الشيخ نحناح رئيس حركة مجتمع السلم. وعلى إثر هذا المصاب الجلل يتقدم رئيس الحزب السيد حسين آيت أحمد وأعضاء الأمانة الوطنية لحزب جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) نيابة عن كل المناضلين بأخلص التعازي وأصدق عبارات المواساة إلى عائلة الفقيد ومناضلي ومحبي حركة مجتمع السلم سائلين الله – عز وجل – أن يتغمد روحه برحمته الواسعة وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان.

إنا لله وإنا إليه راجعون

حركة النهضة

الشيخ نحناح مثال في الوسطية والاعتدال تلقينا ببالغ الحزن والأسى ممزوجاً بالرضا بقضاء الله وقدره نبأ وفاة المغفور له الشيخ الداعية محفوظ نحناح، شأننا في ذلك شأن كافة أبناء التيار الإسلامي الذين يعرفون قر الرجل ومكانته في الساحة الدعوية والسياسية.

لقد مثل الشيخ رحمة الله عليه بحق الوسطية والاعتدال في الفهم والفكر والسلوك جسدته مواقفه وتضحياته في كافة المناسبات والاستحقاقات فكانت وفاته فقدانا لأحد أعدمة التيار الإسلامي في الجزائر خاصة، وفي العالم الإسلامي عامة.....

إن أبناء حركة النهضة يقفون إلى جانب إخوانهم في حركة مجتمع السلم في هذا المصاب الجلل، ويدعونهم إلى التحلي بالصبر ورص الصفوف لمواصلة الدرب الذي نهجه الشيخ رحمه الله.

نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة وأن يعوضنا في هذا المصاب الجلل إنا لله وإنا إليه راجعون


حزب جبهة التحرير الوطني

سيحفظ تاريخ الجزائر ما قدمه الشيخ من إنجازات

إن فقدان الشيخ محفوظ نحناح يعتبر خسارة جمة تكبدتها العائلة الوطنية والمخلصين في هذا الوطن المفدى، عرفته وسأذكره على الدوام، مدافعاً عن حمى الأمة، جامعاً للكلمة موحداً للصفوف مبعدا لشبح التشتت والفتنة.

إن فقيدنا كان من الأوائل الذين تفطنوا إلى ضرورة رسم معالم الجزائر تزاوج بين الأصالة المتجذرة في أوساط هذا الشعب البار، وبين الحداثة ومستلزمات العصر التي بدون مسايرتها تبقى الجزائر على حافة الطريق، ولم يرض الشيخ أن تكون كذلك.

كان صوت الشيخ محفوظ نحناح صوتاً مسموعاً على الساحة الوطنية والدولية برفع عالياً راية الإسلام والوطنية واضعاً دائماً الجزائر مصلحتها ومصلحة شعبها فوق كل اعتبار،

سيحفظ تاريخ هذا الوطن الحافل بالأمجاد والإنجازات ما قدمه الشيخ نحناح من أجل نبذ بذور الفتنة والحفاظ على وحدة الشعب الجزائري وتماسكه فقال كلمته بشجاعة يوم غاب الكثير ووقف وقفته يوم امتنع المترددين من ضعفاء النفوس.

كيف لي وأنا تحت صدمة هذا المصاب الجلل أن لا أذكر ما قدمه الشيخ نحناح على رأس حركة مجتمع السلم من عطاءات خدمة للبناء الديمقراطي في الجزائر فكان صورة حية ولامعة لإسلام التسامح، إسلام متفتح على الغير، إسلام يتماشى مع القيم الإنسانية فلم ينسى أبداً بأن الشريعة السمحة كانت وما زالت مصدراً ومعقلاً لهذه القيم النبيلة.