قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قال الناس .. ولم أقل في حكم عبد الناصر
آراء المعاصرين في جمال عبد الناصر وحكمه

التاريخ حق الأمم .. وواجب المؤرخين

بقلم: الأستاذ عمر التلمساني


محتويات

مقدمة الطبعة الأولى

اليوم نقدم "الكلمة الأخيرة" "عريضة الدعوى" من خلال "ألسنة الخلق وأقلام الحق" تقدم هذا الكتاب، وهو القول الفصل في جمال عبد الناصر "هولاكو" القرن العشرين، وهي بتقديمها لهذا الكتاب الذي هو جماع ما كتبه مناصرو وناقدو جمال عبد الناصر، تقفل الباب أمام التكرار الذي يذهب بهول الجريمة الشنعاء، التي صنعها جمال عبد الناصر.

لقد هدم الإنسان المصري، بعد أن هدم كيان مصر.

لقد تحول الإنسان المصري إلى "مهرج" في كل المواقع إلا من رحم ربي، والمهرج هو الذي يقدم فاصلا هزليا مضحكا بين فقرات استعراض الحيوانات في السيرك، إن كنتم لا تعلمون.

أما مصر وكيانها، واقتصادها، وقوانينها، وحضارتها، وأرضها، ومرافقها، ومجتمعها، وسمعتها، وعلاقاتها الدولية المتشعبة فستقرأ بين دفتي الكتاب، المآسي المبكيات.

ودار الأنصار: إذ تقدم هذه الدراسات، هذه الدعوى، هذا العمل الممتاز الجليل، فهي تقدم، كاتبا وكتابا، أما الكاتب فهو أستاذنا المحامي الكبير عمر عبد الفتاح التلمساني رئيس تحرير مجلة الدعوة القاهرية.

والذي يعرف الأستاذ عمر التلمساني لا بد أن تمر بمخيلته الصفات الآتية: الرءوس، القمم، الشوامخ، ذوو الحياة العالية، الجهابذة، التفوق والنبوغ، المثل العليا للقيادة والريادة، التجرد، الورع، التقوى، الزهد، الصبر، والمصابرة، والمرابطة، العطاء إلى ما لا نهاية حتى آخر نفس.

كتب بحوثا قيمة منذ أن كان طالبا في مجلتي النذير والإخوان في الثلاثينات عندما كان المركز العام للإخوان المسلمين بحي الناصرية بالقاهرة، كتب يحلل ويبرمج مناهج الإخوان المسلمين وكيف يكون العمل الإسلامي من خلال مناهج الإخوان للوصول لأهدافها، كتب مرة سلسلة من عشر حلقات يحدد فيها مفاهيم ثلاثة "وإن شاء الله ستشرف قريبا دار الأنصار بنشر هذه الأبحاث" وهذا وعد للعاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

كان طبيعيا بعد أن عرفنا عن الأستاذ التلمساني زهده وتجرده ونكرانه لذاته ألا يذكر ما لاقاه الإخوان المسلمون من أهوال يشيب لهولها الولدان، كيف وفي سجلات مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية ما يعد وصمة عار للإنسان، أي إنسان، أيا كان، وفي أي مكان، لو عدنا إلى سجلات هذه المستشفى لوجدنا أسماء العشرات ممن لم يحتملوا "مجرد مشاهدة" التعذيب المبرمج الذي تعرض له الإخوان المسلمون.

وفي تلال العباسية وفي الجبل الأحمر، وفي الجبل الأصفر، شرقي العباسية، أي شرقي السجن الحربي، ترقد عظام الشهداء، شهداء التعذيب الذين قضوا نحبهم من التعذيب المبرمج تستمطر اللعنات على السفاحين البغاة. ومما لا شك فيه ولا جدال، أن الإخوان المسلمين هم القطاع الوحيد من الشعب المصري الذي وقف بصورة مباشرة في وجه الطاغية جمال عبد الناصر وضد حكمه الإجرامي.

ومن أجل ذلك تحمل ما لم يتحمله بشر، من قتل وتعذيب وتشريد وسجن واعتقال وفتن ودسائس، وذلك بغية إبادتهم واقتلاع جذورهم، ومحو آثارهم من المجتمع المصري.

وهم بذلك يواجهون الإجماع الرهيب من الشيوعية والصهيونية والصليبية العالمية بغية القضاء عليهم مستغلين جنون السلطة والسيطرة في نفسية عبد الناصر واستعداده المقيت للإقدام على كافة جرائم الخيانة لدينه وشعبه ووطنه في سبيل توطيد حكمه لمصر.

لذلك فلا عجب أن يطالب الأستاذ المؤلف بمحاكمة عهد عبد الناصر وكتابة التاريخ الحقيقي لهذه الحقبة من تاريخ مصر، وإعادة تقييم دور الإخوان المسلمين الذين قاوموا هذا الفساد والإفساد من موقع ما يمليه الإسلام على المسلم من مسئولية "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس"، وكان من أثر قيام الإخوان المسلمين بـ "وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك" إن كان الإخوان المسلمون هم الفئة الوحيدة التي تحملت أقصى وأقسى عسف وجرائم جمال عبد الناصر، ومن ثم كانت محاربة جماعة الإخوان المسلمين واجهة لمحاربة الإسلام عموما وما "لجنة التحول الاشتراكي السداسية" ببعيد، والمكونة كلها من الشيوعيين ابتداء من عام 1961 عام انفصال الوحدة بين مصر وسوريا – عام قرارات يوليو الإشتراكية، هذه اللجنة التي حولت كل نصر ينشر أو يذاع أو يرسم أو يمثل إلى مادة ساخرة للدين والعرف والعادات والقيم الإسلامية.

أخي القارئ، ستجد في سياق الحديث في باب التعذيب نموذجا واحدا من جرائم عبد الناصر وزبانيته، سنقرأ حادث قتل الشهيد حسين شعبان حرقا بالنار، حين صب عليه القتلة أعوان عبد الناصر كحولا وهو حي معلق على صليب وأشعلوا فيه النيران، رحم الله الأخ البطل الشجاع فقد كان مثل الصبر والاحتساب.

ولكن احتساب الأستاذ المؤلف ما لاقاه رغم أن ما لاقاه بشع ومخيف وشنيع فإنه لم يذكر ما لاقاه النساء من تعذيب، حتى النساء، وليرجع من يشاء إلى ما كتبته زينب الغزالي، وتعذيب الأطفال والأولاد أمام آبائهم وأمهاتهم لكي يجبروهم على الاعتراف بما فعلوه أو لم يفعلوه، وتعذيب الشباب والاستمرار في التعذيب حتى تفيض روحه ومن ثم يلف في بطانية ويدفن في الجبل المجاور ثم الإعلان عن هربه ثم مهاجمة منزله للبحث عنه كما ذكر الأستاذ مصطفى أمين، لقد كان السفاح مصاص الدماء يحضر بعض فترات التعذيب هو وعبد الحكيم عامر وبعض أذنابه وكلابه، هل يعقل أن يعذب إنسان حتى بعد صدور الحكم بإعدامه، هل يعقل أن تدبر وتنفذ مجازر جماعية لمن صاروا مسجونين مثل مذبحة ليمان طرة التي صدر بشأنها حتى الآن أربعة كتب.

إن خبراء التعذيب الشيوعيين والغربيين الذين استقدمهم السفاح الأكبر لم يذهبوا إلى هذا الحد من النذالة والسفالة في معاملة الخصوم، إن تعليق المعتقلين عرايا وبأساليب بشعة، إن الزنزانة رقم 24 والتي عمقها متر مليء بالماء والتي يترك بها المعتقل أياما فيصاب بالانهيار العصبي لعدم النوم، .. النفخ، كما جاء في كتاب "أقسمت أن أروي، لقد عشت هول المعركة" للكاتب اللبناني، هتك أعراض النساء والرجال، تعذيب الرجال عن طريق امتهان آدميتهم ورجولتهم وكرامتهم وتسميتهم بأسماء النساء، تطبيق أساليب الحرب النفسية ونظرية بافلوف الشيوعي لغسيل المخ في السجون والمعتقلات، كما ذكرها المجرم صلاح نصر رئيس مخابرات عبد الناصر، اعتقال 120 فردا في كل حجرة صغيرة بصورة لا إنسانية بل ولا حيوانية لشهور طويلة، هذا قليل من كثير، استعمال الكلاب، والصعق بالكهرباء والبقاء في الماء، والتعليق بصورة مؤلمة، والضرب بالعصي والكرابيج، وإرغام المعتقلين أن يضرب بعضهم بعضا، وأن يسب بعضهم بعضا، لقد ترتب على ذلك أن انتشرت الأوبئة والأمراض وأصيب البعض بالجنون بعضهم بالصرع والأمراض النفسية وبعضهم بالشلل والقرح والأمراض المعدية.

كما ترتب على خسة ونذالة عبد الناصر وأعوانه في حربه ضد الإسلام والمسلمين، أن أدار هو وأذنابه في خسة ونذالة حربه ضد أسر المعتقلين، فانهارت أسر، وتشرد أطفال، وضاع مستقبلهم، وكثرت حالات الطلاق، كما ترملت الكثير من السيدات لاستشهاد أزواجهم، حتى أقارب المعتقلين لم يفتهم إرهاب عبد النصر وأعوانه، من اعتقال وفصل من وظائفهم ونقل إلى جهات نائية، وتهديدهم إن هم عاونوا أسر قريبهم المعتقل.

ولقد صدر في هذا الموضوع الكثير من الكتب نذكر لك بعضها للرجوع إليها:

1- يوميات سجين في السجن الحربي، الأستاذ كمال الفرماوي المحامي.

2- الموتى يتكلمون، الأستاذ سامي جوهر.

3- المؤامرة على الإسلام مستمرة ، الأستاذ جابر رزق.

4- الإخوان والثورة الأستاذ حسن العشماوي.

5- الأسرار الحقيقية لاغتيال الشهيد حسن البنا، الأستاذ جابر رزق.

6- في الزنزانة، الأستاذ علي جريشة.

7- المذبحة ، الأستاذ مصطفى المصيلحي.

8- مذكرات الشهيد يوسف هواش، الأستاذ محمد يوسف هواش.

9- أقسمت أن أروي، عشت هول المعركة، الأستاذ روكس معكرون.

10- مذبحة الإخوان في ليمان طرة، الأستاذ جابر رزق.

11- مذابح الإخوان في سجون ناصر، الأستاذ جابر رزق.

12- عندما يحكم الطغاة، الأستاذ علي جريشة.

13- شهداء وقتلة، الأستاذ عادل سليمان.

14- محكمة الدجوي، الأستاذ شوكت التوني.

15- سنة أولى سجن، الأستاذ مصطفى أمين.

16- سنة ثانية سجن، الأستاذ مصطفى أمين.

17- سنة ثالثة سجن، الأستاذ مصطفى أمين.

18- لماذا اغتيل الشهيد حسن البنا، الأستاذ عبد المتعال الجبري.

19- الحكم وقضية تكفير المسلم، الأستاذ سالم البهنساوي.

20- البوابة السوداء، الأستاذ أحمد رائف.

21- الإسلام والداعية، الأستاذ أسعد سيد أحمد.

يترتب على ما فات، ويترتب على فحوى هذا الكتاب، ويترتب على فحوى هذه الكتب العشرين وغيرها وعشرات ملفات القضايا بل ومئاتها، ويترتب على كل ما ذكر على صفحات الجرائد اليومية والأسبوعية، أن يحاكم عبد الناصر وعهده، إنصافا للحق، وحفظا للعدالة التي هي أساس لكل مجتمع فاضل ... والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الناشر

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وأشرف المرسلين، وعلى آله وصحابته وتابعيه أجمعين، اللهم منك العون وبك الحول، وعليك التكلان.

اتجهت كل الأقلام وأجهزة الإعلام إلى تمجيد جمال عبد الناصر أيام حكمه، إلى درجة وصلت إلى حد تغير الحقائق، وكانت الهزائم تصور انتصارات، والخسائر أرباحا، والظلم عدلا، والإفساد إصلاحا، بل مضى ذلك العهد إلى أن يغير التاريخ نفسه، فمحا تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وجعله يبدأ من بدء حكمه، وكأن مصر لم يكن لها تاريخ مشرق ولا عراقة في التاريخ، ووصل هذا الخطر الرهيب إل الكتب التي تدرس لأبنائها في الابتدائية والإعدادية والثانوية والعالية من معاهد التعليم، وجهل كل الطلاب معامل تاريخهم الطويل النبيل، وفي ذلك الضرر البالغ على العلم والتثقيف ما فيه، ولم يقف الشر عند هذا الحد، بل إن البعض ما يزال بعد موت عبد الناصر، يضفي عليه من الأمجاد، ما الله أعلم بحقيقته.

إزاء هذا الشر الذي طم وعم، حرصت على أن أعرض على الناس حقيقة هذا العهد، لا بما أعلم عنه، وعشت فيه، فجنبت نفسي في هذا الكتاب أن أذكر رأيي في عبد الناصر وحكمه، وقدمت إلى الناس رأي زملاء عبد الناصر من الضباط الأحرار، والوزراء الذين شاركوه بعض فترات حكمه، وأساتذة الجامعات، والكتاب والصحفيين، ولم أستق هذه المعلومات منهم مشافهة، ولكنني نقلت ما كتبوه في الصحف السيارة، نقلته نقلا، واكتفيت بالتعليق عليه، كل في مكانه.

وشجعني على هذا، أن كل ما نسب إلى عبد الناصر وحكمه من جرائم وآثام بوقائعها وتواريخها، وأماكنها وشهودها، لم يتقدم واحد من ورثة عبد الناصر لنفيه أو تكذيبه، بل ولا حتى من أصدقائه وأعوانه الذين آثروا من حكمه ثراء طائلا، أو مكانة في المجتمع، فقدرت عند ذاك، أنها حقائق ثابتة يجب أن تجمع وترصد في كتاب واحد، يرجع إليه من يعجزه الرجوع إلى الصحف المتفرقة، مخافة النسيان.

والتاريخ علم أجمع دارسو الاجتماع على أنه علم واجب التدريس، ولذلك تحرص الأمم على مختلف مستوياتها في الحضارة، أن يكون مادة من مواد التحصيل في كل مراحل الطلب من الحضانة إلى الكليات الجامعية، ولن يجدي في محاربة التاريخ القول بأنه أحقاد، وإلا فما كان من الممكن أن يعلم الناس شيئا عن تاريخ أوطانهم، وتاريخ العالم الذي يعيشون فيه، ولقد كان القرآن الكريم شديد العناية في الكثير من آياته بالقصص، ومنه عرفنا الكثير من لدن آدم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.

بهذا نرى أن التاريخ حق الأمم، وواجب المؤرخين، حق الأمم تتزود من موائده زاد العبر والعظات، فتقيم حاضرها على الاقتداء بالطيب، ومجافاة الخبيث، حتى تعد لمستقبلها ما يحميه من الضلال والفساد، ومن أصدق حقائق التاريخ ما يتداوله الناس فيما بينهم مما وقعت عليهم أبصارهم في السنوات التي عاشوها فهو أدق في تقصي الحقائق من أن يقتصر المؤرخ على ما قرأه أو سمعه أو عاشه من الأحداث، وهو أبعد من الريبة والتشكيك، وأقرب إلى التقبل والتصديق، حتى لو كانت حقائق التاريخ المروي أغرب من الخيال، حتى لو كان ما حدث مما يظنه الناس ألا يحدث أو يقع، من أجل هذا أهمني أن أعرض جانبا من جوانب حكم جمال عبد الناصر، بعد ما رأيت من المحاولات المستميتة، في طمس معالم ذلك التاريخ، وإعطائها صورا بعيدة كل البعد عما حدث، فالبعض يدأب على تضخيم التوافه في حكمه ليصل بها إلى مستوى الأعمال المجيدة، وفي نفس الوقت يحرص على التهوين من شأن الفظائع لتبدو كأخطاء يقع فيها كل إنسان، وشتان ما بين خطأ الحاكم وتعمده، خطأ الحاكم قد يقع مرة أو مرات، على فترات متفاوتة، أما أن يكون الخطأ سلسلة متصلة الأواصر، مندمجة الوقوع، لا يكاد يخلو منها يوم واحد فمن المحال أن توصف بأنها أخطاء، بل ولا حتى إهمال، هذا إن كان الإهمال من الحاكم أمرا يمكن الدفاع عنه.

ثم هذه الأفعال الشنيعة إذ تستعرض على حقيقتها، ما الذي يستفيده المؤرخ وقد أفضى الحاكم إلى ما قدم، وهل في هذه الدنيا من يحقد على الأموات، الحقد يترسخ في النفس، تذكية للكراهية أو الانتقام، فإذا مات صانع الشر، فممن ينتقم المصاب والمجروح وصاحب العاهات، فدعونا – يرحمكم الله – من شعار الحقد، فليس في حياة المسلم متسع، لأن يحقد فيه على أحد، ويضيع من وقته الثمين ما يعيش فيه مع حقد دفين، إنما الذين لا ترضيهم الحقائق، عليهم أن يعدلوا عن هذا المعنى، لأن الحق مقطوع بظهوره في يوم من الأيام قريبا أو بعيدا، هذا إلى أن الحق أحق أن يتبع وأن يقال وأن يدافع عنه المحبون للحق، فالله هو الحق "والله يقول الحق وهو يهدي السبيل".

وإني موقن بأن واجبي، وواجب كل من يحرص على تدوين التاريخ الصادق، رعاية لمعلومات الجيل الحاضر، والأجيال المقبلة، وهذه أمانة استودعها الله كل من يقدر عليها ممن استخلفهم الله في هذه الأرض، وكلنا خلفاء الله في أرضه "وجعلناكم خلائف".

أما من ناحيتي فقد احتسبت كل ما فعله عبد الناصر بي وبإخواني عند الله، وطلبت من الله الرحمة للجميع، فليس الشأن أن نجتر أحزاننا وآلامنا، وما هو إلا مضيعة للوقت واستنفاد الجهد، لكن الشأن أن نتعظ بالماضي، ليكون عدة للحاضر، وإعدادا للمستقبل، "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء".

أما إذا أفلت أحد ممن شارك في تلك المظالم من العقاب في هذه الدنيا، فإنا نذكره بقوله تبارك وتعالى: "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء".

ولا يحزن الذين مسهم الضر على أيدي أولئك البغاة، فالخير والسعد فيما أعده الله لهم عنده من نعيم: "يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب، وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون، وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون".

مقدمة

لما انتهى حكم جمال عبد الناصر، انطلقت الأقلام التي كانت تمجده، وتثني على بطولته، وإنقاذه لمصر من كل شر، انطلقت هذه الأقلام تكشف عن مخاز وشرور وفظائع تشيب لهولها الولدان، ويتمزق من بشاعتها كل وجدان حي سليم، وقامت إلى جانب ذلك قلة ذات هوى معروف ومصالح شخصية ما تزال تضفي عليه ألوان البطولة والزعامة، وهذه القلة تعرف في دخيلة نفسها أنها كاذبة، لأنها شاركته في فظائعه، وعادت عليها هذه المشاركة بالملايين من المال الحرام الذي يسلبونه استلابا من أصحابه الحقيقيين.

ولما كانت كلمة الحق واجب كل مسلم، ولما خشينا أن تضع فظائع العهد الأسود في دوامة التهريج والتضليل آثرت أن أضع هذه الحقائق، التي يعترف بها، حتى أولئك الذين ما يزالون يحتفلون بذكرى وفاته، ولكي أكون منصفا لم أذكر شيئا من عندياتي، حتى لا أتهم بالتحامل، إذ كنت في يوم من الأيام أحد ضحايا ذلك العهد الحالك، إذ ألقى بي في السجن والمعتقل سبعة عشر عاما، وأنا أمر بمرحلة الشيخوخة، ولكني جئت بكل هذه الحقائق من المصادر المشار إليها في كل حقيقة من الحقائق.

ولئن كان عهد جمال عبد الناصر، قد انتهى بما سيحاسبه الله عليه حسابا عسيرا، فإن عهد السادات ما يزال يضرب على اسم الإخوان بستار من التجاهل، فلا يأتي بذكرهم في خطبة رغم اعترافه في كتابه البحث عن الذات، بأياديهم البيضاء معه، ولكن مهما حاول الناس إخفاء أمجاد الإخوان، فإن ضوء الشمس لا تحجبه كف مخضبة البنان، كذلك لو تحالفت الدنيا كلها على إخفاء دور الإخوان المسلمين في تاريخ العالم، فليست ببالغة بعض ما تريد.

فالإخوان المسلمون أيقظوا الوعي الإسلامي في العالم كله بعد طول خمود، وأصبحت القارات الخمس تعرف الإخوان المسلمين بما فيها من شعب المركز العام للإخوان المسلمين، أو بما فيها من شباب يدعو بدعوة الإخوان المسلمين، وقد أقاموا في مصر المدارس والمستشفيات والمستوصفات والشركات والصحف والمجلات والمساجد وأمكنة الضيافة للغرباء، كل هذا ما فعلته جماعة الإخوان المسلمين الذين كان مركزهم العام محط رحال كل المجاهدين في العالم الإسلامي، فقد نزل ضيفا على المركز العام للإخوان المسلمين السيد أمين الحسيني والحبيب بورقيبة وعلال الفاسي واليعقوبي والندوي وغيرهم مما لا يحصيه العد، وكللوا هام المجد في هذه المنارات بجهادهم لا في فلسطين فقط كما يظن البعض أو على ضفاف القناة، ولكن في ربوع لبنان وتونس والجزائر وأرتيريا والصومال وأفغانستان، وهذا الأسلوب العملي الإسلامي هو الذي كتل الصليبية والصهيونية والشيوعية ضد الإخوان، ورغم هذه القوى العارمة التي تحاول جاهدة فاشلة في القضاء على الإخوان المسلمين فما يزالون يواصلون بيد الله، ولكن لأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه فصدقهم، وليعلم العالم كله أن هذه الدعوة لن تموت، لأنها كلمة الله التي تعهد بحفظها، ووضعها على أكتاف رجال، حملوها كابرا عن كابر بفضل من الله ونعمة.

وكان عهد جمال عبد الناصر حريصا بكل وسائل إعلامه على تشويه صفحة الإخوان المضيئة، فلا بد إذا لأصحاب الحق، أن يستعرضوا تاريخ ذلك العهد الذي أفحش في الإساءة إلى الإخوان المسلمين، حتى إذا ثبتت الحقائق التي عرفت عن ذلك العهد، ثبت إلى جانبها كذب كل ما ألصقه رجال ذلك العهد، حكاما وكتابا وصحفيين وإعلاميين، وتكون النتيجة أن يعرف الناس، على وجه التأكيد، من هم الإخوان المسلمون.

ومن المؤسف أنه ما يزال في بعض الأمم الإسلامية، من لا تزال دعايات عبد الناصر، التي بذل فيها الملايين، تاركة بعض الأثر الذي يخفي عليه سوء ما جنته أيدي ذلك العهد ورجاله كلهم من القمة إلى السفح.

ومن أغراض هذا الكتاب دحض المفتريات التي ما يزال بعض المسئولين في العهد الحالي ينسبونها إلى جمال، وهم من أول من ذاق سوء معاملة جمال، ومدى التخريب الذي نكب به مصر مالا وخلقا وعقيدة.

ولكن لعل مصلحتهم الخاصة هي التي تدفعهم إلى التعلق بأذيال ذلك الماضي البغيض، لأغراض لا تخفى حتى ولا على الأغبياء المفلوكين.

وليعلم شباب الجيل لا في مصر فقط، بل في العالم عامة، وفي البلاد الإسلامية خاصة، من هو جمال عبد الناصر وما لون حكمه، وما الذي أصاب مصر في سواد ذلك الحكم الطاغي من ذلة ومهانة وانحطاط.

ولقد كان الحق الذي يجب أن ينتصر له كل ذي خلق طيب، وأن ينشر ما يعرف عن دخائل ذلك العهد المقيت، ولكن الضباط الذين يسمون أنفسهم أحرارا، ما يزالون حتى اليوم يخفون الحقائق عن شعبهم وعن العالم الإسلامي كله، ولكن رغم تكتمهم المريب، فقد كانت تند من بعضهم عبارات في خطب أو أحاديث أو مقالات تشي بكل الشرور التي شاركوا فيها بسكوتهم على ما كان يحصل من انحطاط ووضاعة، وما من شك أن صمتهم هذا، جريمة لن تنساها لهم الأجيال المقبلة، بل يذهب بعض المطلعين إلى أن صمت كبار الضباط الأحرار إلى اليوم، عن نشر الحقائق كلها، هو خوف هؤلاء الضباط من أن يعرف الناس أنهم كانوا مشاركين بالفعل في كل ما لا يحب أن يعرف عنه أي إنسان أي شيء، ويا ليتهم صمتوا عن كل شيء، ولكن وجدوا من أنفسهم الجرأة على الحق، ما جعلهم ينسبون إلى أنفسهم أنهم هم أصحاب الانقلاب أو الثورة كما يحبون أن يسموها، ونسوا أن الإخوان المسلمين ظلوا عشرات السنين يتنقلون بين قرى هذا الشعب ومدنه وكفوره ودساكره، يهاجمون الاستعمار والقصر والإقطاع والأحزاب، وأنهم ذاقوا العلقم المر من كل هذه الجهات إلى حد المصادرة والاغتيال، في الوقت الذي كان فيه هؤلاء الضباط الأحرار يتخفون ولا يتصلون بأحد، ولا يعرف أحد عنهم شيئا، حتى إذا تهيأت أسباب نجاح الانقلاب قاموا به وهم مطمئنون، بل لقد كان المركز العام للإخوان المسلمين فضل طمأنة هؤلاء الضباط وتشجيعهم على الحركة، التي استقبلهم فيها الشعب هانئا مسرورا بفضل الله ثم بفضل جهود الإخوان المسلمين طوال تلك السنين، ومن المقطوع به أن فضل الإخوان في تهيئة أذهان الأمة لتقبل ما حدث، هو الذي حملهم على محاربة الإخوان المسلمين هذه الحرب الضارية، واستماتتهم في عدم ذكر الإخوان المسلمين، حتى أنهم إذا تحدثوا عن بعض الحركات الخافتة قبل الانقلاب صمتوا صمت القبور عن دور الإخوان، هذا في الوقت الذي يعرف فيه العالم كله من هم الإخوان وما فعلوه، ولا يعرف شيئا عمن ينسب إليهم فضل في إيقاظ مشاعر المسلمين وبث الحياة في هممهم بعد أن طال النوم، وامتد الرقاد.

وأحب أن يعلم القارئ أنني إذا آخذت أو لمت فإنما أؤاخذ الضباط الأحرار، أما التغيير الذي حدث فهو أمر كان الإخوان المسلمون هم الداعين إليه، الساعين في تحقيقه، وكانت دعوتهم قائمة أصلا على وجوب التغيير، أقول هذا حتى لا يتسرب إلى ذهن القارئ، أننا نريد عودة القصر أو الاستعمار أو الأحزاب، لقد كان لنا مع كل هيئة من هذه الهيئات مواقف أريقت فيها دماء الإخوان، وأزهقت أرواحهم.

ثم بعد هذا كله، ألا يداخلك الريب والشك في الحرص على نسبة كل ما يتوهمونه من مجد وحصره في جمال عبد الناصر مع أنه لم يكن هو وحده القائم بهذه الحركة، ومع أنه لم يظهر ليلة الانقلاب إلا بعد أن تأكد من نجاحها، ولعل المتصلين بجمال لا ينكرون أنه أرسل ليلة الانقلاب إلى الأخ صلاح شادي يوصيه خيرا بأبنائه إذا فشلت المحاولة، ثم كان هذا الأخ محل التنكيل والتعذيب والتكسير والإهانة، من جمال عبد الناصر، أجل إنه شيء مريب أن ينتقص شأن الضباط الذين شاركوا في ذلك الانقلاب، مع أن مصيرهم هو المصير الذي يترقب الجميع إذا فشل الانقلاب، ولكن إذا كان كل الناس لا يعلمون، فإن بعض الناس يعلمون، ويعلمون علم اليقين لا علم الشك والتخمين، ويكفيك أن تعلم مسبقا أن الهزائم المنكرة التي لحقت بجمال عبد الناصر في كل مواقفه، كان يصب جام غضبه في أعقابها على الإخوان المسلمين.

وإذا قرأت ما كتب عن فساد العهد الماضي في كل ناحية من نواحي الحياة في مصر، فقل أن تجد كاتبا واحدا تعرض في وضوح لما أنزل جمال عبد الناصر من ضربات برجال الدعوة إلى الله، مع أن أسوأ ما فعله ذلك الإنسان هو محاربة الدعوة إلى الله في قسوة وشراسة، لم تعرف حتى في الفراعين ولا النماريد، ولعل هذه الناحية ما تزال امتدا لمحاربة الدعوة الإسلامية، رغم التحدث عنها كلاما، وترك الحرب الضارية لها عملا، بما تقوم به أجهزة الإعلام في دولة العلم والإيمان، وإني أنذر من اليوم أنهم ما ظلوا على الخوف من اشتداد ساعد الدعوة الإسلامية ومحاربتها بالطرق الخفية والملتوية، فلن يهتدوا أبدا إلى حل هذه الأزمات وستظل المشكلات تتراكم وتتعقد إلى ما لا نهاية، لقد تكفل الإسلام بحل كل مشكلات الحياة، وأثبت التاريخ والتطبيق والواقع فاعلية التعاليم الإسلامية في نقل المعتنقين لها، العاملين بها من أسفل سافلين إلى أعلى عليين.

فأين المسلمون اليوم من دينهم؟ أهملوه فأهملتهم العزة، وضعف التجاؤهم إليه، فتهاوت فيهم القوة، وأخذوا من غيره في كثير من نظم حياتهم العامة فغدوا غثاء كغثاء السيل، لا يؤبه له، ولا يهتم له، ولا قدر له بين العالمين، فإذا أردنا صلاحنا فلا بد أن يطبق كل فرد تعاليم دينه على نفسه وبينه قبل أن يطالب بها الآخرين، فإن استقام فردا سويا، كان من حقه أن يعد نفسه في عداد الدعاة المسلمين، أما قبل هذا فلا، إنك إن أردت أن تسير، فلا بد أن تقف على قدميك أولا، أما أن تسير وأنت ملازم للجلوس على الأرض، فأحلام الغفاة، وتفكير الغافلين، ولو أن كتاب الله ترك شيئا في هذه الحياة لم يحدثنا عنه ويرشدنا إليه، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لو أن شيئا من هذا كله، لصح التخبط، أما وكل شيء في هذا الدين كفلق الصبح الزاهر، فليس لدينا ما نتعلل به، أو نجعله تكأة للتخلف والقصور.

ولئن أراد ورثة أن يقللوا من شأن ما حدث أو يهونوه فيقولون إنها أخطاء وسلبيات، فقد خالفهم الصواب في هذا القول، لأن ما حدث في العهد الماضي، ولا يزال بعض رجاله الأوفياء في كثير من مراكز الحكم الحساسة، إن ما حدث في الماضي جرائم متعمدة ومخططة ومدروسة للقضاء على الإسلام، ومن الخير أن يباعد كل ذي نية طيبة، ورغبة صادقة، في العمل للإسلام، لا بد أن يباعد ما بينه وبين العهد المنهزم بكل ما يستطيع وليس في عهد جمال عبد الناصر إلا إهدار الكرامة، وإذلال الأحرار، وتحطيم الأخلاق، والتطاول على العقيدة، بقصد القضاء عليها في نفوس المؤمنين، ليس هذا بقولي وحدي ولكنه قول جميع المسلمين في مختلف بقاع الأرض، إلا القلة المتوارية المتربصة من المنتفعين، أعداء الدين، ولئن لم يبادر المسئولون بإقصاء هذه القلة عن مواقع المسئولية والتوجيه فسيبيضون ويفرخون، وتتم بتدبيراتهم، الفجيعة التي نحذرها، وعندها لا ينفع النادمين الندم، وسيكونون أول ضحاياه، وعناصر وقوده.

إن حل مشكلاتنا، وإقالة عثراتنا لا يحتاج إلى معجزات، فوقتها قد مضى، وكل ما في الأمر التزام بتعاليم الإسلام، ولو أن المسلمين حكاما ومحكومين التزموا قواعد دينهم، لما سكتوا عن فقد فلسطين، ولا عن تقلص السيادة المصرية المسلمة على مضيق العقبة أحد عشر عاما، ولا على تحويل مجرى نهر الأردن، ولا من الانصراف عن مواجهة إسرائيل ليقتل بعضنا بعضا، ويلعن بعضنا بعضا، وليس وراء ذلك إلا سوء المنقلب.

لقد استطردت في المقدمة، وما كنت لأريد، ولكن المآسي التي حلت بالمسلمين نتيجة عدم تمسك حكومتهم بتطبيق القانون السماوي بدلا من القانون الوضعي، هذه المآسي الدامية المفجعة، تدفع القلم دفعا، رغم أنف الكاتب، إذا ما تحدث عن الإسلام والمسلمين.

سأعرض عليك في القسم الأول من هذا الكتاب، وقائع دامغة صحيحة رآها ولمسها العالم كله، معلقا عليها وموضحا لها، أما القسم الثاني فسأطلعك فيه على رأي الكتاب والصحفيين والضباط وحكمهم على ذلك العهد الخبيث.

ولا تعجب إذا لم أعرض في هذا الكتاب لما أصاب الإخوان المسلمين على يد جمال عبد الناصر وبطانته في الحكم، لأني حرصت على الحيدة الكاملة، وسأدع ما جرى المركز العام للإخوان المسلمين إلى كتاب آخر أشمل وأعم وأوسع لأن الفجيعة هناك كانت أجل وأشنع.

ولقد داعب أمل الاطلاع على الحقائق نفوسنا، يوم أن أقيمت لجنة للتاريخ، ولكنها بدأت وانتهت ولم يعلم الناس، عما وصلت إليه شيئا.

وأحب أن أسجل أن الذين ما يزالون يدافعون عن عهد عبد الناصر هم أقل – في ميزان الأخلاق – شرا ممن يهاجمون عبد الناصر، وقد كانوا بالأمس شركاءه في جرائمه، وأقل ما أصفهم به أنهم سكتوا خوفا وعلى مضض، ولست أدري كيف يخاف الجندي؟ ولكن هذا الذي حدث، كلا الموقعين شر، ولكن بعض الشر أهون من بعض، وفي بعض الشر خيار، ولن ننخدع فإنهم لو تمكنوا من هذا الشعب لعادوا لما نهوا عنه.   وقائع

هيا نصحب التاريخ في فترة من فتراته إبان حكم جمال عبد الناصر لمصر، وليس لي فيما تقرؤه من نصيب، إلا التعليق والشرح لأجنب الحقائق مظنة الميل أو التجني، وسترى فيما تقرأ شهادات لأناس كانوا آخر من يظن أنهم يقولون هذا الذين نقرؤه عن زعيمهم وحاكمهم وفتاهم الملهم المظفر، الذي رفعه محافظ أسيوط، (سعد زايد) حينذاك فوق محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فكافأه جمال عبد الناصر الحاكم المسلم على هذا الهراء بأن عينه محافظا للقاهرة ثم وزيرا للإسكان.  

اقتصاد

الأهرام الخميس 16 مايو سنة 1977

(أعلن المدعي العام الاشتراكي أن خسائر قطاع السينما في ثماني سنوات بلغت ستة ملايين جنيه)

إن الحكام المخلصين، يبحثون لشعوبهم عن مجالات تنمي اقتصادهم ولو فرضنا أنهم جربوا مجالا فوجدوه ضارا باقتصاد الشعب وماله، فأقلعوا عنه إلى غيره لكان خيرا ولكن حاكم ذلك العهد يترك الخسائر في مجال واحد تستنفد مال الأمة، كما يستنفد سرطان الدم كل حيوية فيه، ثماني سنوات، ليست سنة أو اثنتين أو ثلاثا إنها ثماني سنوات تباعا، كلفت الأمة ستة ملايين من الجنيهات وهي في أمس الحاجة إلى كل جنيه من هذه الملايين الستة.

قد يرفع قارئ حاجبيه دهشة، فيستنكر هذا الاعتراض قائلا: السينما وسيلة من وسائل تربية الشعب، وجهاز من أجهزة تثقيفه ومكان للتسرية والترويح من عناء التفكير والأعمال، ولا شك أن هذا حق لا ريب فيه، ولكن على أن تكون السينما من مقومات الاعوجاج في الأمم الضعيفة وحافزا من حوافز استنهاض هممها وعزائمها، وإرشادها وإنارة الطريق أمامها، فهنا يجب البذل والإنفاق، مهما كلف هذا الجهاز الشعب، لأنها لا تعتبر خسارة، لأنها تثرى الشعب من ناحية أخرى ثراء يعوض عليه كل ما ينفق في هذا السبيل، أما والسينما في ذلك العهد وإلى اليوم، ما تزال مرضا عضالا ينهك قوة الأمم المسلمة، ويفت في عضدها، ويزين لها الفحش، ويقبح لها الطهر، ويهزأ بالدين ورجاله، ويعلي من شأن الإلحاد ويتحدث عن أمجاده، أما والسينما هذا حالها في ذلك العهد وقبله وبعده فقد كان التخطيط معدا لتحطيم الأمة الإسلامية ماليا وخلقيا، وكان حاكم ذلك العهد من أكبر الدعاة إلى هذا السوء في تحد وعلانية.

لقد كان يكفيني في هذا المجال أن أعيدك إلى خطب السيد أنور السادات رئيس الجمهورية، فقد قال: إني استلمت ميزانية مصر وهي تحت الصفر، وهذه شهادة صديق، فمن يكذب هذا فليناقش السيد أنور السادات فيما قال، وهو لم يقل هذا إلا وتحت بصره أرقام الميزانية قبل هذا الانقلاب، وأرقامها يوم تسلم الحكم من جمال عبد الناصر.

بين الانغلاق والانفتاح

ولعله من الخير أن أذكر بأن جريدة الأخبار الصادرة في يوم الأربعاء 9 نوفمبر سنة 1977 نشرت خطبة للسيد أنور السادات رئيس الجمهورية، جاء فيها شيء عن الحالة الاقتصادية، أعرضه ليطلع عليه من نسيه أو من لم يقرأه، قال رئيس الجمهورية:

(لماذا كان الانفتاح؟ إحنا كنا منغلقين على أنفسنا طوال الفترة السابقة على سنة 1974 نتيجة قوانين وضعناها نحن لأنفسنا، وستار حديدي نصبناه من حولنا، وانقطعنا عن العالم وتقدمه وعن حضارته والتكنولوجيا الحديثة، كل هذا انقطعنا عنه، لأننا جعلنا صلتنا بطرف واحد، وهو الاتحاد السوفيتي، والاتحاد السوفيتي زينا تماما، يبحث عن التكنولوجيا هو الآخر، وزي ما قلت لكم أراد البعض لنا أن نعبد صنما اسمه الإشتراكية.

قصة النصف مليون فدان

أنا حكيت لكم قصة نصف مليون فدان استصلحناهم وصرف عليهم عشرات الملايين للاستصلاح ... وظلت متروكة ... ليه؟؟ لما قيل إن الاستثمار الحقيقي لا يكون إلا بشركات ... وظلت هنا أصحاب صنم الإشتراكية قالوا: لا ده معناه شركات .. تبقى رأسمالية .. تبقى إقطاعية .. تبقى ... تبقى، وتركت).

(الآن بعد أكثر من عشرين سنة في عملية كانت عملية خراب كامل لاقتصادنا بواسطة ناس لم يكونوا على مستوى المسئولية مرة، ومرة أخرى حاولوا إنهم يخترعوا ويجسموا في صنم الإشتراكية علشان يزيدوا من قبضتهم وسلطتهم على أساس خراب البلد).

هذا كلام رئيس جمهورية مسئول، وكثيرا ما قرر أنه شريك جمال عبد الناصر ومسئول عن كل تصرفاته، إنه لم يكتف بذكر الخراب الاقتصادي الكامل الذي لحق بمصر في عهد جمال عبد الناصر ولكنه ذكر بعض الأسباب التي أدت إلى ذلك الخراب الاقتصادي الكامل لمصر .. منها:

1 – أن جمال عبد الناصر ضرب على الاقتصاد المصري ستارا حديديا مغلقا، لا يفتحه إلا على الاتحاد السوفيتي.

2 – ويقر السادات كمسئول أن الاتحاد السوفيتي، كان مثلنا تماما من ناحية التكنولوجيا، أي أن جمال عبد الناصر استعان بمفلس مثله، واجتمع المتعوس على خائب الرجاء ويا له من تفكير، أن جاء اعتباطا فهو دلالة قاطعة بجهل صاحبه جهلا لم يتحمله هو ولا ورثته، لأنهم ما يزالون يرفلون في الملايين التي هيأ لهم مورثهم سبل الحصول عليها ميسرة، وإن كان هذا التفكير قد جاء متعمدا، بدراسة أو بغير دراسة فهو الدليل القاطع على أن جمال عبد الناصر على حقد منه لمصر وأهلها تعمد أن يودي بمصر وأهلها إلى هاوية الإفلاس والدمار، لأن الإسلام الراسخ في نفوس المصريين حال بينه وبين أمنيته الكبرى في الزعامة العالمية، ذلك لأن الإسلام لا يعترف إلا بزعامة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم.

3 – جهل ذلك العهد والقائمين على أمره بكل الأصول الاقتصادية وتصورهم أن كل ما ينتج نتيجة جهود متضافرة، هو رأسمالية.

4 – أن القائمين على الأمر حينذاك لم يكونوا على مستوى المسئولية، ومن البديهي أن يكون رئيسهم ومن جاء بهم على نفس القدر من مستوى المسئولية، لأن العصا من العصية، والحية لا تلد إلا الحية.

5 – لأنهم اخترعوا وجسموا في صنم الإشتراكية!! من هو يا ترى هذا الصنم؟؟ وهل يمكن أن يكون صنما أو طاغوتا، إلا بشرا أو ما يرمز إلى بشر؟

ولقد كان الأستاذ موسى صبري كاتبا من كتاب ذلك العهد، وكانت له صلة بوزير الأوقاف المتغني بأمجاد ذلك العهد معروفة، هذا الصحفي كتب في جريدة الأخبار الصادرة في يوم الجمعة 11 أبريل سنة 1977 مقالا كان مما جاء فيه أنه في يوم من الأيام أصبحت مصر في جيب الاتحاد السوفيتي ورهنت له كل محصولاتها، وصدرت الأوامر ألا تشتري مصر شيئا من المصانع إلا من الاتحاد السوفيتي، حتى ولو لم تتحرك المصانع، وألا تشتري الطائرات إلا من الاتحاد السوفيتي حتى ولو لم تتحرك الطيارات.

ماذا يمكن أن يقول أي منصف عن حاكم يرهن كل محصولاتها بلده المسلم لأشد أعداء الإسلام ضراوة وحقدا، وهو يعلم هذا حق العلم ثم يقدم بعد ذلك إلى إلقاء البلد المسلم تحت أقدام الملحدين أعداء الإسلام؟ ماذا نقول عنه؟ أو بماذا نصفه؟! أما أنا فلم أجد في اللغة العربية كلمة يمكن أن يوصف بها هذا الإصرار، إلا أنه مفاصلة كاملة لدين الإسلام.

إن الاتحاد السوفيتي ما يزال متخلفا تخلفا تكنولوجيا بعيدا، ذلك لأنه حصر كل همه في علوم الفضاء، وحتى هذا العلم فليس وليد العقل الشيوعي، ولكن يقوم عليه علماء الماء الثقيل الألمان الشرقيون والغربيون، أما ما عدا ذلك فلم يعرف عن روسيا أنها بلد صناعي، لا قديما ولا حديثا، ورغم هذا التأخر والانحطاط الصناعي، لم يجد جمال عبد الناصر من يستورد منه مصانع لبلد تريد أن تثبت وجودها في المجال الصناعي إلا من روسيا المتخلفة صناعيا، ولا يشترى طيارات إلا من روسيا التي ما يزال الفرق بين طياراتها وطيارات الدول الصناعية المتقدمة بعيدا جدا، وكانت النتيجة المقطوع بها أن هذه المصانع لم تدر عجلاتها لسوء صنعها، وأن هذه الطائرات لم تتحرك من مكانها، لأنها كانت مما استغنت عنه روسيا، أو كانت من متخلفات الحرب العالمية الثانية، وهذا المعنى واضح من كلام الكاتب نفسه، إذ يقول عن المصانع والطائرات أنها أشتريت من الاتحاد السوفيتي حتى ولو لم تتحرك!! بربك هل رأيت حاكما في التاريخ نكب أمته، بمثل ما نكب به جمال عبد الناصر بلده مصر.

وقفة تحليلية للتطبيق الاشتراكي

ويعلل الكاتب الصحفي جلال الحمامصي سبب نكباتنا الاقتصادية في عهد جمال عبد الناصر، فيقول في جريدة الأخبار الصادرة في 4 يوليو سنة 1977 (عندما يقال رسميا وعلى أعلى المستويات أن التطبيق الاشتراكي في مصر فشل ... [هذا ما قاله السادات في إحدى خطبه] فقد كان لا بد من إعلان أسباب هذا الفشل ... وفي تصوري أن من أسباب فشل التطبيق في مصر هو: أن الدعوة إلى الإشتراكية قد انطلقت من قاعدة امتلأت بالحقد الممزوج بالتطلع إلى الانفراد بالثراء الشخصي السريع، كانت الأجهزة المسئولة عن التطبيق الاشتراكي، قدوة سيئة للقاعدة الشعبية، حيث أصبحت الكثرة تسعى إلى استغلال كل اتجاه اشتراكي لصالحها الخاص اقتداء بالذين نصبوا أنفسهم حراسا على التطبيق الاشتراكي).

أولا: يجب أن يفرق القارئ بين الانقلاب، وبين الذين قاموا به، أن يفرق بين النظرية وبين تطبيقاتها، فقد كان التغيير هدف الإخوان المسلمين منذ قيام دعوتهم سنة 1928 في الإسماعيلية على يد الإمام الشهيد حسن البنا، كانوا يسعون جاهدين لإنقاذ البلاد من الاستعمار، وكانوا يجاهدون في سبيل القضاء على الاكتناز والثراء الفاحش الذي لا يؤدي فيه حق الله، وكم حملوا على القصر في نشراتهم ورسائلهم، وكم كتبوا إلى كل حكام المسلمين يناشدونهم العودة إلى كتاب الله، حتى ضاق كل حكام العالم الإسلامي بالإخوان المسلمين، وإلحاحهم على وجوب تطبيق كتاب الله، وأوجس حكام المسلمين خيفة من الإخوان المسلمين، عندما رأوا شعوبهم تسارع إلى الانضواء تحت الدعوة السلفية النقية الطاهرة البريئة النزيهة، دعوة الإخوان المسلمين، وقد علم العالم كله أن المرحوم الملك عبد العزيز بن سعود عندما لمس قوة الإخوان المسلمين وسريان دعوتهم في قلوب المسلمين قاطبة عندما أحس بهذا الخطر الزاحف على الملكية المتسلطة المستغلة، حذر الملك فاروق من خطورة دعوة حسن البنا، وانتهى هذا التحذير بعد ذلك باغتيال الإمام الشهيد حسن البنا، وإقامة الملك فاروق للأفراح في قصوره عندما انتهى إليه نبأ الاغتيال.

بين التخطيط والارتجال

حتى التفكير الاقتصادي كان ضحلا إلى حد مزر، لأن كل خطط ذلك العهد كانت ارتجالية تمليها الأهواء والمنافع الشخصية، فكل اتجاه يجر نفعا على مسئول بادر إلى تنفيذه سواء أفاد هذا المشروع وطننا أم ضره، والعبرة فيه بقدر ما يجره من آلاف أو ملايين الجنيهات على القائم على رأس ذلك المشروع، وما كان عبد الناصر يتعقب المفسدين من المرتشين والمختلسين لأنه باتجاههم السيئ هذا، يجعلهم في قبضته يصرفهم كيف يشاء، والويل كل الويل لمن ينتقد السيد الرئيس جمال عبد الناصر، أو يتعرض لحكمه أو لأقاربه أو لأحد محاسيبه بكلمة حق ناقدة.

واستمع إلى هذه الضحالة في التخطيط الاقتصادي إلى السيد أنور السادات رئيس الجمهورية، يعرض لهذه الناحية في خطبة ألقاها ونشرتها جريدة الأهرام يوم الخميس 16 مايو سنة 1977.

(لقد ارتكبنا خطأ تاريخيا عندما أهملنا الزراعة في الوقت الذي كنا نعنى فيه بالصناعة). هل رأيت كيف كان يفكر الرئيس الملهم المظفر؟ إنه ملهم بالقضاء على كل شيء حسن في هذا الوطن، وإنه المظفر في نشر كل ما يقضي على جميع أوجه الفلاح لهذا البلد، بلد زراعي، من الممكن إذا عني فيه بالري والصرف وزيادة الرقعة المزروعة كان من الممكن أن تغطي حاجات الوطن إلى حد بعيد، ولكن حكم جمال عبد الناصر، لم يقتصر على عجزه عن المحافظة على الأرض المرزوعة وصلاحيتها، بل عمل حتى على إضعاف القدر المرزوع وتقلص قدرته الإنتاجية، أترانا نتجنى على حكم عبد الناصر، أم أن زملاءه وأصدقاءه هم الذين يقدمون الأدلة على فساد العهد الذي لم يتصد له إلا الإخوان المسلمون؟!

صنم الإشتراكية

إن الحكم السابق، حكم عبد الناصر، لم يكن يقتصر على عدم التخطيط السليم، إنه كان ينتقد كل تفكير أو تخطيط، تافها كان هذا التخطيط،ـ أو كان ذا قدر، استمع إلى رئيس الجمهورية السيد أنور السادات يعرض لهذه الناحية في خطاب نشرته الأخبار في 11 سبتمبر سنة 1977.

(إننا كنا نقترض من أجل الطعام، وهذه مصيبة سببتها اشتراكية الصنم ... لقد تحولت البنوك المصرية إلى دواوين حكومية نتيجة الفترة الماضية).

هكذا يصف خليفة عبد الناصر، العهد الاقتصادي لسلفه بأنه كان مصيبة بسبب عبادة اشتراكية الصنم، من هذا الصنم صاحب هذه الإشتراكية؟ هل أنت بحاجة إلى جواب؟ لئن لم يكن حاكم ذلك العهد هو المقصود بكلمة الصنم، لقيل مثلا سببها صنم الإشتراكية، ففي مثل هذا التعبير يمكن صرف كلمة صنم إلى شيء غير آدمي، أما اشتراكية الصنم، فمعناها أنه كان هناك صنم له اشتراكية.

أي سوء أفظع من أن يكون الحاكم صنما؟ ولئن كان من بين أهداف الإسلام القضاء على الأصنام، فقد كان من أهداف الإخوان باعتبارهم مسلمين، تحطيم الأصنام أيا كانت مواقعها، عن طريق الكلمة الحرة، وإظهار الحق، وتربية الشعب ليحس بالأصنام الحاكمة، كيف كانوا يتلاعبون به، ويخدعونه، عساه أن يفيق فينجو من حكم المستبدين.

هيكل المليونير من دعاة الإشتراكية

وإذا أردت أن تعرف كيف كانت السياسة الاقتصادية في عهد عبد الناصر، مخربة للوطن، مسعدة لحاشيته وأنصاره، فاقرأ في جريدة أخبار اليوم السبت 10 ديسمبر سنة 1977: (إن محمد حسنين هيكل أغنى اشتراكي في مصر، له عزبة يمتلكها في الهرم وله شقة مطلة على النيل بها ستة عشر غرفة، وله شقة في الإسكندرية وله يخت يملكه على شاطئ المعمورة).

ولم يكذب هيكل حرفا واحدا من هذه الاتهامات التي تمس الأمانة والذمة الطاهرة في صميمها، هيكل الذي كان قبل اتصاله بعبد الناصر، لا يملك إلا مرتبه التافه، وثمن الإعلانات التي كان يكتبها للمرحوم أحمد عبود باشا، هذا هو المستشار الصحفي للزعيم المفدى بالدم والروح والمال، من كل ممخرق مأجور.

وفي أهرام الجمعة 3 فبراير سنة 1978 كتب الآتي تحت عنوان الأزمة الاقتصادية في مصر:

(إن كل ما حققته مصر من تقدم نتيجة خطتها 60 – 65 وهي الخطة الوحيدة الكاملة حتى الآن ضاع في الفترة التي تلتها، وخاصة إذا أضفنا الإنفاق العسكري الذي يتعدى ألف مليون جنيه سنويا خلال تلك الفترة، وقال مكنمارا (رئيس البنك الدولي) أن زيارتي لمصر هذه المرة (وقد كان زار مصر سنة 1968) توضح مدى الجدية والحرص من الحكومة المصرية على تنفيذ مشروعات التنمية وكذلك الروح الجديدة لمحاولة استخدام الطاقات والقروض المتاحة لها)

أرأيت أن الخطة الوحيدة الكاملة ... ولا تغفل كلمة الوحيدة فإنها تعطيك فكرة واضحة سليمة على أنه لم تكن في ذلك العهد خطة واحدة كاملة، بل كانت خطط ناقصة فاشلة، وهي السمة الظاهرة لكل أعمال ذلك العهد في جميع نواحي النشاط ... ورغم هذا التخطيط، فإن ذلك العهد بلغ من سفهه أن وصل الإنفاق العسكري فيه إلى ألف مليون جنيه سنويا، أنفقت كلها في مؤامرات وحروب لم تجن منها مصر سوى الهزائم المروعة التي مرغت رءوسنا في الوحل والطين.

وليس هذا رأي المصريين وحدهم، بل إن رئيس البنك الدولي، وهو رجل محايد، وصف أعمال العهد الذي تلا ذلك العهد الماضي بأنها واضحة الجدية والحرص على تنفيذ مشروعات التنمية واستخدام الطاقات والقروض المتاحة لها.

ومفهوم المخالفة الذي يؤدي إليه هذا الرأي المحايد، أن تصرفات عهد جمال عبد الناصر الاقتصادية كانت لا جدية فيها، بل مظهرية، ولا حرص فيها، بل استهانة واستهتار بمالية الدولة، ولا محاولة لاستخدام الطاقات والقروض المتاحة لها، ولكن عبث وتهاون ومطاردة للطاقات، وتبديد للقروض التي كانت تعقد ولا تنفذ، ليثري الانتهازيون والوصوليون والمنافقون من أنصار جمال عبد الناصر، على حساب جوع الشعب وقوته ومصالحه التي ما كانت تهم حاكم ذلك العهد، قدر ما تهمه المحافظة على زعامته الجوفاء عن طريق أولئك الذين امتصوا دماء الشعب، واستنفدوا حيويته لأغراضهم الخاصة ونزواتهم الآثمة الرخيصة.

حقيقة الميزانية

لقد كانت كل شركاتنا تصاب بخسائر جسيمة كل عام، ثم تنشر عنها ميزانية كاذبة تخدع الشعب المسكين بأرباح لا وجود لها إلا في أباطيل ذلك العهد، وإليك دليل ما أقول:

لقد نشرت أخبار اليوم السبت 4 فبراير سنة 1978 (أن شركة الغزل الأهلية حققت لأول مرة أرباحا قدرها مليون جنيه عن ميزانية سنة 1977 بعد خسائر دامت عشر سنوات) هل غيرت شيئا من التاريخ الصحيح، لذلك العهد الدامس الظلام، ذلك التاريخ الذي يجد بعض ذوي الهوى المعاصرين، الجرأة على أن ينسبوا إليه ما لم يكن فيه مغيرين الكثير من الحقائق.

ولتعلم كيف كانت المصانع والشركات تقام على أسس أبعد ما تكون عن الأساليب السليمة التي يتبعها العقلاء في إقامة مصانعهم وشركاتهم ومشروعاتهم، اقرأ ما كتبه مصطفى أمين في أخبار الجمعة 3 مارس سنة 1978 يقول: (ما من مصنع توقف ولا شركة أفلست، وما من مشروع انهار، إلا كان السبب في ذلك أن الحكام جاءوا بالأنصار والمحاسيب والأصدقاء، ووضعوهم مكان الخبراء الأكفاء ... ومن أخطائنا أيضا أن استعنا في فترة حكم الفرد ببعض الوزراء الأقزام).

هكذا كان العهد الماضي يسوس اقتصاد مصر بالمهازيل والذيول وأهل الثقة في ذلك الفساد الفظيع، ولهذا وحده تدهور الاقتصاد إلى ما تحت الصفر، قد يبدو لبعض المنتفعين من العهد الماضي بأن يشكك في كلام الأستاذ مصطفى أمين، ويكيل له من التهم التي تزعزع من الثقة فيما يكتب، وأنا لا أدخل في هذا الجدل لأنه ليس من خلقي، ولكن الذي يثبت صحة ما قاله الأستاذ مصطفى أمين، أن أحدا ممن استفادوا من ذلك العهد ثراء وغنى أو قرابة أو مصاهرة لم يجرؤ على أن يكذب حرفا مما ذكر، وما دام ورثة جمال عبد الناصر، أيا كان نوع هذه الوراثة، لم يكذبوا شيئا من السيئات التي نسبت إلى ذلك العهد وحاكمه، فالتهمة قائمة ما لم تنف، والاتهام صحيح ما لم يكذب المتهم، أو من يشينه هذا الاتهام من قريب أو بعيد.

إن الأشخاص الذين نستدل بأقوالهم في الفساد الاقتصادي الذي نكبنا به العهد الماضي، هم في مواقع المسئولية في الأجهزة التي يرأسونها، وإليك ما قاله السيد رئيس الجمهورية أنور السادات في كتابه (البحث عن الذات) في أهرام الجمعة 10 مارس 1978 يقول سيادته:

(وهكذا بدأنا في سنة 1957 ونحن نملك اقتصادنا بالكامل، بالإضافة إلى أرصدتنا من الاسترليني أي الـ 400 مليون جنيه التي أفرجت عنها بنوك انجلترا، كان يجب أن تكون هذه مرحلة انطلاق فالأرصدة متوفرة ... وكذلك الاحتياطي، كان كل شيء في الواقع معدا لكي نخطط ونبدأ بناء أنفسنا من الداخل بناء ضخما يعوض على مصر ما فاتها في سنوات التحلل والاحتلال، ولكن للأسف لم يتم شيء من هذا فقد كان عبد الناصر مشغولا بالخرافة التي أصبح اسمه مقترنا بها، فهو البطل الذي حقق النصر على إمبراطوريتين كبيرتين: بريطانيا وفرنسا.

من هزيمة عسكرية إلى نصر سياسي

فبعد أن أغفل عبد الناصر الدور الحقيقي الذي لعبه أيزنهاور في هذا المجال، مما حول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسي، أصبح كما يبدو أول المصدقين بأنه انتصر، لا للحقيقة، وهي الهزيمة العسكرية، ولكن الذي يعرف جمال عبد الناصر، يعرف أنه كان من الممكن أن يغير رأيه في آخر لحظة، ولذلك كان بعضنا يحرص على ألا يذيع رأيا أو قرارا لعبد الناصر إلا بعد أن يعلنه عبد الناصر بنفسه على الناس أجمعين).

وهل يتجنى السيد أنور السادات على زميله؟ وهل ينسب إليه ما ليس من عمله؟ وهل يصفه بما ليس فيه؟ إن رأيت هذا فما ذنب القارئ؟ بل وما ذنب التاريخ؟ أما إن رأيت الحق فيما قاله زميل عبد الناصر، الذي لاقى منه ما لاقاه أي إنسان آخر كانت له صلة بعبد الناصر، أيا كان لون هذه الصلة فهذه هي حقيقة عبد الناصر وحقيقة حكمه.

يحكم بلدا قد استقر اقتصاده استقرارا كاملا، بل كنا نداين إنجلترا بمبلغ أربعمائة مليون جنيه استرليني، وكان الظن في من أتى لينقذ مصر من السوء الذي وصلت إليه، أن تكون هذه الحالة الاقتصادية على هذه الصورة من القوة والاستواء، في العهد الذي كان عبد الناصر يشوه كل ما فيه بالحق وبالباطل، فماذا يكون حكم التاريخ والناس على حكم عبد الناصر الذي استلم اقتصادا هذه حالته القوية، ثم سلمه لخليفته على أسوأ حال، كما قال السيد أنور السادات .. إنه تسلم الحكم ومالية البلد تحت الصفر؟ وإذا كان المال والميزانية القوية، هو ما يفخر به كل حاكم، وهو الذي يحفظ لنقد الدولة مكانته في الأسواق العالمية فماذا يكون وصف الحاكم الذي هوى قدر الجنيه المصري في عهده إلى مستوى لا تقبل أية دولة من الدول المتعاملة معنا أن يكون هو أساس الحساب فيما بيننا؟ ألا يكف الذين يتحدثون عن ذلك العهد بالمديح، ألا يكفون عن تذكير الناس بعهد تكاثف سوء ظلامه إلى الحد الذي ما كان يستطيع إنسان أن يرى فيه بصيصا من خير؟

ولو أن الإفلاس الذي وصلنا إليه كان نتيجة خطأ، لقلنا إن كل ابن آدم خطاء، والإصلاح يمحو الخطأ، ولو قلنا إن هذا الفقر المدقع الذي وصلنا إليه كان نتيجة جهل العهد، حاكمه وأذنابه، بالأصول الاقتصادية، لقلنا إن الجاهل يمكن أن يتعلم، فيتبين طريقه، ولو قلنا إن هذا الإفلاس كان نتيجة تصرفات الحكم السابق على سنة 1953 لقلنا إن هؤلاء الذين صدعوا رءوسنا بالمشاريع الإصلاحية والمصانع والشركات الإنتاجية، حتى قال قائل إن عبد الناصر أقام بين كل مصنع ومصنع مصنعا، لقلنا إن الله قد يهديهم سواء السبيل فيصلحون بعض ما أفسدوا من قبل، ولقلنا عن ضعف الثروة الزراعية والحيوانية والمعدنية، أن طبيعة هذا الوطن القاحل هي التي أسلمتنا إلى هذا المصير، أما والسبب غير هذا كله وأما والسبب هو مرض عضال لا برء منه على الإطلاق ... ألا هو غرور الغطاة الذين تبتلى بهم الأمم في بعض فترات تاريخها، أما وهو الغرور الأجوف الأحمق الأعمى، فما يليق بأي منصف في الوجود، أن يذكر ذلك الحاكم بأية صفة من الصفات التي يعتز بها الناس، وإلا كان غير محق.

الحاكم الفرد والوهم والخرافة

ولست أنا الذي أصف ذلك الحكم ورئيسه بالغرور، ولكنه السيد أنور السادات الذي يقول فيما قدمنا لك، أن جمال عبد الناصر أصبح مشغولا بالخرافة ... خرافة ولست حقيقة، وما بالك بحاكم صار مشغولا بالخرافات، ويا له من طالع منحوس كان من نصيب هذا البلد أن يحكمه حاكم مشغول بالخرافات ... هذه الخرافة التي زينها حواريوه وأقنعوه بها، أنه أصبح بطلا بانتصاره على إنجلترا وفرنسا والناس جميعا يعرفون أنه لولا أيزنهاور رئيس جمهورية الولايات المتحدة لرغبته في القضاء على كل وجود لإنجلترا وفرنسا في هذه المنطقة، لولا ذلك لأصبنا بكارثة كتلك التي حلت بمصر في عهد الخديوي توفيق سنة 1885 هذا هو تصرف جمال عبد الناصر وعهده الزاهي الجميل، فليقل المغرضون عنه ما يقولون، فالأحداث والوقائع أصدق من الأباطيل الخداعة، وإن التاريخ قاض صارم لا يداجي ولا يجامل، وهو الذي تقرؤه الأجيال المقبلة، فتحكم حكمها الصادق الصحيح مهما حاول ذوو الأغراض والأهواء, استمع إلى ضابط من الضباط الأحرار، السيد ثروت أباظة يقول هذا القول في الأهرام الأربعاء 15 مارس سنة 1978:

(لقد استطاع العهد الماضي أن يدمر كل القيم، ثم هو جلب الفقر والخراب على الشعب، فازدادت القيم مواتا وخذلانا وذبولا، هؤلاء الرءوس أذناب العهد الماضي صنعتهم الأيدي النتنة التي كانت تحكم مصر قبل 15 مايو سنة 1971).

يقول ثروت أباظة إن حكم جمال عبد الناصر جلب الفقر والخراب على الشعب، أي وضع يمكن أن يوضع فيه حاكم جلب على أمته الفقر والخراب، والفقر يمكن أن يكون فيه وجه التسامح، أما الخراب فالشيء الذي لا يمكن أن يكون معه إصلاح إلا أن يشاء الله على أيد غير التي جرت الخراب، لأن المخربين لا يمكن أن يكونوا زعماء أو مصلحين، هذا هو جمال عبد الناصر الذي استعطف خروشوف في موسكو بإعلانه الحرب على الإخوان المسلمين، قدم دعاة الإسلام ضحية لدعاة الإلحاد، أنا لا أستطيع أن أكفر مسلما نطق بالشهادتين، ولكني أترك الحكم فيه للذي جعل قاع جهنم مثوى للطغاة الظالمين.

العالم كله أولا ومصر أخيرا!!

ولتعرف كيف أثر التدخل في شئون الدول الإسلامية على اقتصادنا، اقرأ ما كتبه في صحيفة الأخبار الإثنين 27 مارس سنة 1978 الأستاذ عماد عبد الحميد النجار بعنوان (الحياد ومسارنا السياسي).

(أما طابع السياسة في الجمهورية الأولى فكان قائما على أن الغرب أولا، والناس جميعا في بقاع الأرض أولا، ثم مصر أخيرا، والمصريون باقون دائما في مؤخرة الاهتمام).

(وحسبنا أن نذكر ما أنفقناه في حروب كثيرة لا ناقة لنا فيها ولا جمل في خوض غمارها .. من ذلك الحرب ضد تشومبي في الكونغو لصالح لومومبا، والحرب ضد إمام اليمن لصالح السلال والحرب ضد عبد الكريم قاسم لصالح عبد السلام عارف، وغير ذلك مما أنهك مصر وبدد مالها، وحرم منه المصري دون ذنب وبغير فائدة، ناهيك عن حرب الصحف والمقالات وشرائها، والمخابرات العامة ونشاطها المواكب لهذه السياسة).

هذه الحروب الكثيرة لمصلحة من؟

ويا ليت هذه الحروب كنا نخوضها لنصرة الدين أو جهاد في سبيل الله، أو لرفع مستوى المعيشة والعقيدة والأخلاق في تلك البلاد، ولكنا نخوضها انتصارا لكل شيوعي يحارب السلطة القائمة، وكأننا كنا شيوعيين أكثر من شيوعيي روسيا أنفسهم، دمرنا اقتصادنا، وأفلسنا ميزانيتنا، وتحملنا من الديون ما لا يعلم إلا الله متى وكيف يسدد، لا لشيء إلا لنشر الشيوعية في البلاد الإسلامية على حساب الإسلام، إني لأبحث عن حسنة اقتصادية واحدة لذلك الحاكم، فلا أجد أمامي في مصر إلا الإفلاس والجوع والحياة يوما بعد يوم على ما يمن به علينا الصليبيون من قمح نقتات به، وندفع ثمنه امتيازات ومصالح ترهقنا لحساب تلك الدول التي تمن علينا برغيف العيش ... أيها الحاكم ... ماذا فعلت بالدين؟ وماذا فعلت بمصر؟ وماذا فعلت بالمصريين والمسلمين؟ إن حسابك إلا على الله، فقد أفلت من حساب البشر، وإن التاريخ لمدينك، وأي حساب لك في انتظار، يوم لا ينفعك أي واحد من بطانة السوء التي زينت لك كل ما اقترفت يداك، وصادف هوى في نفسك الأمارة بالسوء.

الاستبداد من وراء الفشل

وإذا أردت أن تعرف فيما كانت تبدد أموال الشعب في سرف وامتهان، فاقرأ ما كتبه الأستاذ مصطفى أمين في جريدة أخبار السبت 1 أبريل (الموقف السياسي).

(فهذا البلاء الذي يطحن الشعب الآن، ليس من الحرية بل هو من آثار سنوات القهر والاستبداد، أيام أن كانت أموال الشعب تصرف على المغامرات والأمجاد المسرحية وعلى التجارب الفاشلة، وعلى المشروعات التي يديرها الممالك من أهل الثقة، فتهزم الجيوش .. وتعلن الانتصارات، وتفلس المصانع ... وتوزع الأرباح).

كانت اعتمادات تجديد التليفونات تحذف من الميزانية، وتضاف إلى المصاريف السرية، وإلى المال الذي ينفق على الدعاية في الخارج وحده، لا لمصر، ولا يستطيع صحفي أن يكتب مقالا يشير فيه إلى نتائج عدم تجديد التليفونات، وإلا أحيل إلى المحاكمة العسكرية برئاسة الدجوي، ووضع في المعتقل إلى أن يموت أو يقتل في السجن الحربي وتعلن وزارة الداخلية أنه فر من السجن والبحث جار عنه).

هذه أيها المصري المخدوع في جمال عبد الناصر، هذه هي الأوجه التي كانت تسيل في أنهارها كل أموال مصر لا لشيء إلا للإشادة بعبقرية جمال عبد الناصر المزعومة، وبطولته الموهومة، وما دام يعيش هو وأهله في قصر القبة منعما مرفها، وما دام اليخت المحروسة تمخر به عباب البحر الأبيض المتوسط هو وزوجه وأولاده وبناته وأقاربه ميمما شطر بيروني لمقابلة العزيز الغالي جوزيف بروز تيتو، فليهنأ الشعب بترف حاكمه واعتدال مزاجه، ويكفيه أن يأكل القديد والحشف البالي فإنه أصلح للمعدة، يا لمهزلة التاريخ الذي يتحدث بالخير عن هذا الحاكم الرهيب.

يحتفل السيد أنور السادات رئيس الجمهورية بيوم وفاة جمال عبد الناصر من كل عام، ويسبغ عليه من صفات الزعامة والبطولة ما يشاء، فهو إذن وفي له، فإن تحدث عن عهد جمال عبد الناصر بما يستحقه ذلك العهد حقيقة، فلا يمكن أن يتهم بالعداء له: فاسمعوا كلامه عن ذلك العهد في خطاب ألقاه بالوادي الجديد ونشرته جريدة الأخبار الصادرة يوم الإثنين 3 أبريل سنة 1978 قال فيه:

(تعلمون أن إخوانكم ومواطنيكم في الوادي القديم يعانون، وأساس المعاناة في المقام الأول هو الأمن الغذائي، أهملنا في الماضي زيادة عدد السكان، ولم نعمل حسابا لهذا اليوم الذي وصلنا فيه قبل معركة أكتوبر، وسمعتوني أقول هذا، وصلنا فيه إلى حالة اقتصادية غاية في الخطورة، ... ليس عبور قناة السويس فقط، وإنما عبور الهزيمة، عبور التمزق، عبور المهانة، ... جيل رمضان يتحرر من كل شيء، يتحرر من الخوف، يتحرر من عدم الأمن، يتحرر من الاضطهاد، يتحرر من الاعتقالات).

فالسياسة الاقتصادية لجمال عبد الناصر، أوصلت مصر إلى حالة غاية في الخطورة، ذلك لأنها أهملت حساب زياة عدد السكان المطرد فلم تعن بالزراعة من حيث زيادة الأرض المزروعة، وما كان هذا الإهمال خافيا، ولكنه كان معلوما، ونذر خطورته بادية، فلم يكن إهمالا إذا، ولكنه كان استهتارا متعمدا، والحاكم المستهتر المتعمد لا يصح على الإطلاق أن يوصف بالزعامة والبطولة، اللهم إلا إذا كانت زعامة الإفلاس، وبطولة الهزائم، ويضيف السادات إلى هذا أن عبور القناة، كان عبورا للهزيمة ... فقد كنا مهزومين مجللين بعار الهزيمة النكراء حقا، وكان عبورا للتمزق، وقد كان الشعب المصري في عهد جمال عبد الناصر ممزقا حقا، ممزقا في قوته في عزيمته في رجولته، في خلقه، في عقيدته، في روابطه في تفكيره في كل شيء، ويا له من حكم وحاكم يقف أمام التاريخ عاريا بادي السوءات ... ثم نحتفل بذكرى وفاته!! عبور المهانة؟ أي وربي لقد كان شعب مصر الوديع مهانا في الداخل ذليلا في الخارج بفضل حكم جمال عبد الناصر.

شهادة موثقة

هل أنا الذي وصفت عبد الناصر وحكمه بما قرأت أم زملاؤه الأوفياء هم الذين حملهم الواقع الدامي المرير على الاعتراف، وما خفي كان أعظم، ويا له من يوم رهيب، يوم تفتح الصفحات وتنشر الوثائق، فيعلم المسلمون من هو جمال عبد الناصر.

تعال أدلك على كيف تبدد أموال الشعب، حتى أفلس ماليا وانهار اقتصاديا، لتثق أن ما حدث لم يكن عن جهل، ولكنه كان أمرا مخططا متعمدا، أعده الشيوعيون سادة جمال عبد الناصر، ونفذه هو لهم طائعا مختارا، لتظل مصر مباءة للشيوعية فيقضي على الإسلام فيها، ولتظل مصر ضعيفة يتحكم فيها الشيوعيون وأحبابهم الصهيونيون، يقول مصطفى أمين في فكرة نشرتها جريدة الأخبار يوم الثلاثاء 4 أبريل سنة 1978: ولا نتهم أحدا بالتجني أو العداوة فهذه الحقائق نشرت ولم يكذبها أحد، فهي في موقف الصدق إلى أن يكذبها ورثة وأحباب وأصدقاء وبطانة عبد الناصر، إن كان تاريخه يهمهم بعد أن أفضى إلى ما قدم.

أين ذهبت أموال الشعب

يقول الأستاذ مصطفى أمين في فكرة:

(ولكن تخريبا حدث على مدى سنوات طويلة، من إهمال واستهتار وفوضى وعبث في المرافق العامة، من أموال تنفق على إنشاء الدرجات ومنح العلاوات لكبار الموظفين، بدلا من إنفاقها على الإصلاح، من تمويل نفقات الخدمة العامة إلى الخاصة، من إنفاق ملايين الجنيهات لشراء السيارات الفاخرة ليركب فيها كبار صغار الموظفين وصغار كبار الموظفين، من رحلات إلى الخارج تنفق فيها الأموال الطائلة على البذخ وشراء الهدايا، بدلا من إنفاق الأموال على الصيانة والتجديد، من وضع الذيول مكان الرءوس، ووضع الرءوس مكان الذيول، من إبعاد الكفايات الحقيقية عن كل عمل دقيق، لفتح الطريق أمام المحاسيب والأصهار والأنصار، من ترك العمال لمصانعهم للاحتشاد في مظاهرات الإتحاد الإشتراكي، من إنفاق أموال الشعب في تشييد المجد الشخصي، بدلا من إنفاق هذه الأموال لتغيير ماسورة بعد استهلاكها في 33 سنة، وهذا ليس ذنب هذا الجيل، بل هو ذنب أجيال سبقته، كانت أيديها مشغولة بالتصفيق ولا وقت عندها للعمل والإنتاج).

وفي هذه التوافه المظهرية كان ينفق عرق الفلاحين، وكد العمال دعايات تكلف ميزانيتنا الملايين، ويا ليتها كانت دعايات لصالح مصر أو الإسلام أو الربط بين الشعوب الإسلامية بالروابط القوية التي تدعم وحدتها، وتزيد من قوتها، ولكنها دعايات من أجل حاكم جر على المسلمين جميعا الخلاف والفرقة والقطيعة والسباب بالألفاظ التي لا يجيدها إلا السوقة ومن لا خلاق لهم، دعايات مأجورة مسمومة لإضفاء الزعامة على حاكم، وما هو، علم الله، بالزعيم ولا شبه الزعيم، ولكنه الغرور والسفه المردي، وحب الذات، ولو ذهب العالم كله إلى قرار الهاوية وسوء المصير، ولم يقتصر الشر على التبذير والإسراف ولكن بلغت ضحالة الأفهام، إلى حد تعطيل المصانع والشركات بإرغام العمال والموظفين على ترك المصانع والشركات، ليخرجوا في مظاهرات تهتف لعبد الناصر مرددة افتداءهم إياه بالروح بالدم، وعلم الله أنهم لا يفتدونه بقلامة ظفر، ولكنهم بين مأجور يؤدي مقابل ما دفع له، وبين مرغم على التظاهر خشية الفصل والاضطهاد، بمثل هذه الأساليب أصبح الاقتصاد المصري أتعس اقتصاد في العالم، وخزائنه أفلس خزائن الوجود.

إنها سلسلة لا تنتهي من الأخطاء المتعمدة المدروسة لإفلاس هذا البلد، حتى مديرية التحرير التي طنطن بها حكم جمال عبد الناصر وأسرف في الدعاية لها، وبشر المصريين بالخير الذي سينهال على مصر من هذا المشروع، حتى هذا لن أعرض له بأكثر من كلمة قالها عنه السيد أنور السادات رئيس الجمهورية في خطاب لهي ألقاه في أبي سمبل ونشرته جريدة الأخبار في يوم 13 أبريل سنة 1978 جاء فيه:

(لا أريد بناء المكاتب، ولا تجربة مديرية التحرير التي دفعت فيها الدولة أكثر من ستمائة مليون جنيه).

ثم ماذا استفدنا من هذه المديرية؟ لا شيء إلا الهزال الذي يراه المسافر على الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية بل لقد ذهب القدر الأكبر من هذه الملايين إلى جيوب الذين كانوا قائمين على هذه التجربة، وفشلت التجربة، واستقرت الملايين المختلسة في جيوبهم لم يحاسبهم أحد عليها حتى اليوم وقد أصبحوا من كبار رجال الأعمال والتجارة اليوم في مصر، ولكنهم يظنون أنهم قد فازوا بها، وسيرون عاقبتها يوم ينفقونها ثم تكون حسرة عليهم ثم يفضحون.

وإليك صورة من هذه السياسة الاقتصادية صورها قلم الأستاذ مصطفى أمين في [[جريدة أخبار اليوم|أخبار اليوم]] السبت 28 أبريل

(لقد ورثنا تركة مثقلة بالديون، وكانت أكبر مهمة لنا أن نزيل الخرائب والأنقاض، ولكن الخرائب كانت أثقل من جهودنا وأكبر، فهي مجموعة من الهزائم الداخلية، غطيت بانتصارات وهمية كنا في القاع وشعاراتنا فوق قمة الجبل، كنا غارقين إلى ذقوننا في الديون وننفق كأننا أغنى دول العالم، كانت ثلث أرض مصر محتلة وكنا نحتفل بأعياد النصر).

بهذه النفوس المريضة التي خلت من كل ذرة من ذرات الخير، كان عبد الناصر يحكم مصر، وهو على علم كامل بما تقترفه هذه الأيدي من الآثام، إنه كان يسكت عليها بعد أن يسجل جرائمها في دفاتره ليستذلها ويوجهها كيف يشاء لتسبح بحمده وتنسج الحرير حول عهده الأسود البغيض، وكانت هذه الأيدي موقنة أنه يعلم خباياها فكانت تتفانى في الولاء له، حتى تظل آمنة عقبى فضائحها وآثامها، ولكن قدروا فسخرت الأقدار، وكشفهم للعالم، وما استتر كان أخزى وأقبح.

ولأقدم لك صورة عن واقع حالنا الاقتصادي في عهد عبد الناصر، أرجعك إلى جريدة الأخبار 19 يوليو سنة 1978 حيث تقرأ لمصطفى أمين، وإني حريص على أن أؤكد لك أن كل الذي قدمته لك على لسان من قرأت لهم كلهم حقائق، إذ لم يجرؤ واحد ممن يمتون إلى عبد الناصر بصلة بنوة أو عمومة أو خئولة أو مصاهرة أو رحم أو قرابة أو صداقة أو انتفاع، لم يجرؤ واحد من هؤلاء جميعا أن يكذب كلمة واحدة من هذا، أو أنه يقدمه للقضاء ليثبت افتراءه على عبد الناصر، والسبب الوحيد الذي ألزمهم الصمت هو معرفتهم اليقينية أن عبد الناصر كان غارقا في كل ما كتب عنه وأكثر.

الانفصال الشبكي بين الأقوال والأفعال

قال الأستاذ مصطفى أمين:

(فهذا الشعب كان دائما ضحية الكذب والخداع والتضليل، فلولا أننا كذبنا عن حقيقة قوة جيشنا في 5 يونيو لما هزمنا، ولولا أننا كذبنا عن حالة اقتصادنا لما أفلسنا، ولولا أننا كذبنا عن حالة الزراعة في بلدنا لما كدنا نموت جوعا، ولولا أننا كذبنا وقلنا إن التعليم أصبح مجانا في بلدنا لما أصبحت الدروس الخصوصية أغلى عدة مرات من مصاريف المدارس، ولولا أننا كذبنا في مشروعاتنا لما توقف الكثير منها، ولما صدأت الآلات في الصناديق، ولما توقفت الأبنية الجديدة وتحولت إلى شبه خرائب ولما حصل هذا الانفصال الشبكي بين الأقوال والأعمال).

وهكذا دمر حكم عبد الناصر اقتصادنا القومي، لا عن جهل أو خطأ فحسب، ولكنه كاني دمر هذا الاقتصاد عن عمد وإصرار، فقد كان يكذب في كل شيء إذا تعرض للكلام عن اقتصادنا المنهار، انهار الاقتصاد لأنه كان يكذب في الحديث عن حركته، ويكذب إذا تحدث عن الزراعة في إنتاجها حتى كدنا لا نجد لقمة العيش، وكان يكذب في الحديث عن مجانية التعليم الوهمية، حتى كان يصيب الآباء والأمهات بالإفلاس الكامل نتيجة الدروس الخصوصية وثمن الكتب وما إليها، وكان يكذب في المشروعات وأكثرها في الغالب يتوقف لا يعمل، وصدئت الآلات التي دفع ثمنها بالعملة الصعبة، صدئت وهي في صناديقها على الأرض وهكذا كأنه كان يجد لذة ومتعة في إفقار هذا البلد المسكين.

لم ينج شيء في هذا البلد، يدر عليها عملة صعبة إلا عملت يد عبد الناصر التخريبية في جوانبه، كتبت جريدة الأخبار في 15 أغسطس سنة 1978 تقول: (خبراء الآثار وعلماء الجيولوجيا يحذرون من خطر غريب يهدد بالضياع كنوز الآثار المصرية في الأقصر حتى لا نفقد معبد الكرنك إلى الأبد).

حتى هذه الآثار التي يقصدها الأجانب من أقصى الأرض ليعرفوا كيف يعيش الأقدمون، وقد كانت هذه الوفود الأجنبية تأتي معها بالمال الكثير يستفيد منه التراجمة وغيرهم، حتى هذا عز على عبد الناصر أن يبقيه على حاله، تعمدا منه في إفساد أي شيء يمكن أن يستفيد منه هذا البلد المسلم، إنه لما رأى حرص المصريين على دينهم وتمسكهم به، رغم ما أوقعه من بطش وتنكيل بالمسلمين صمم على أن يلحق بهم الدمار في كل شيء جزاء تنكرهم لناصريته، وتعلقهم بالإسلام.

ولتدرك مدى التخبط والاستهانة بمصالح الشعب، والتزام الأسلوب الذي يدمر الاقتصاد، اقرأ ما قاله السيد أنور السادات رئيس الجمهورية في جريدة الأهرام الصادرة في يوم الخميس 16 مايو سنة 1977:

(لقد ارتكبنا خطأ تاريخيا عندما أهملنا الزراعة في الوقت الذي كنا نعنى فيه بالصناعة).

هذا كلام رجل مسئول، ما يزال يحتفل بذكرى وفاة عبد الناصر كل عام، ويقول إنه مسئول عن كل أعمال جمال عبد الناصر، إنه يصف الخطأ الاقتصادي هنا بأنه خطأ تاريخي!! أي أنه ليس بالخطأ المؤقت الأثر، ولكنه الخطأ الذي أثر على الحاضر والمستقبل.

لقد كان عبد الناصر يعرف كل صغيرة وكبيرة عن جميع وزرائه ومعاونيه، وكانت عنده مكتبة خاصة تحوي دوسيهات عن كل واحد من هؤلاء، مليئة بالتقارير السرية التي يحلمها إليه جواسيسه المبثوثون في كل مكان، لقد كان له قلم مخابرات يتجسس على المخابرات والمباحث، وكذا كانت تنفق كل أموال مصر في سبيل حماية عبد الناصر وتأليهه، حتى أصبح يصدق كل ما يقوله عنه الدجالون والمهرجون من مأجورين، ولما كان مدير مكتبه سامي شرف العميل رقم واحد للسوفيت في مصر، اقتصرت كل مشترياتنا على الاتحاد السوفيتي فكانت الكارثة المالية والخراب الاقتصادي، ذلك إلى أن الصناعة السوفيتية، صناعة متأخرة، لا تشتريها الدول التي يحكمها حكام أمناء، فلم تجد روسيا بلدا مصنوعاتها فيه، إلا بلدا يحكمها حكام مرتشون.

أصحاب الملايين الاشتراكيون

وكان من بين هذه البلاد مصر في عهد جمال عبد الناصر، وإليك الدليل الذي لا يكذب حتى الآن، جاء في جريدة الأهرام الصادرة في يوم الأحد 4 سبتمبر سنة 1977 ما يأتي:

(ولو أننا نوعنا في شراء السلاح، ما تراكمت علينا كل هذه الديون، وما أصبح هناك مليونيرات اشتراكيون الآن بسبب ما قبضوه في جنيف وموسكو).

البلد الذي أقام فيه عبد الناصر الحكم الاشتراكي كما كان يزعم، أو الشيوعي كما هو الواقع، لتذوب الفوارق بين الطبقات، وللقضاء على الإقطاع والثراء المكتسب من دم الشعب، هذا البلد الذي ابتلي بحكم عبد الناصر، شر حكم قام في الوجود، أصبح فيه مليونيرات ويا ليتهم اكتسبوا ملايينهم من طريق اجتهادهم، ولكنهم كدسوا الأموال في خزائنهم من الرشاوي والسرقات التي نهبوها باسم الشعب المسكين، وكل هذا يعلمه عبد الناصر علم اليقين عن طريق عيونه وجواسيسه، ولكنه كان يسكت على كل ذلك ما داموا يهرجون له، ويرقصون بين يديه، هذا هو عبد الناصر الذي ما زلنا نحتفل بذكرى وفاته حتى اليوم!!

واخترعوا القطاع العام ليكون مصدرا لارتزاق الأنصار والمحاسيب والطبالين والزمارين، وتغنوا بمزياه وعائده الجزيل، ولقد لمس كل مصري مدى النقص في المواد، والتقصير في الخدمة، وكيف تصور البائعون في محلات القطاع العام أنهم موظفون، وأن الشعب يجب عليه أن ينظر إليهم نظرة التوقير والإجلال، وكان من نتائج ذلك أن انصرف الشعب عن محلات القطاع العام، لما يجده فيها من غلظة البائعين، وسوء معاملتهم للمشترين، هذا إلى ما سببه القطاع العام من اتساع مجالات السوق السوداء في كافة المناحي، وتلا سوء الإدارة في القطاع العام وجهل أغلبية القائمين بما يجب أن يداروا به الخسائر الفادحة التي تقدر بمئات الملايين وبدلا من أن يدر القطاع العام المكاسب الوفيرة، أصبح عبئا على خزائن الدولة يكبدها الكثير، مما لا قبل لبلد مثل مصر في حالتها الاقتصادية أن تتحمله، ويؤيد الذي كتب ما صرح به السيد عبد الرازق عبد المجيد وزير التخطيط في صحيفة أخبار اليوم 10 سبتمبر سنة 1977 قال:

(إن القطاع العام تحول إلى ضمان اجتماعي يأخذ من الدولة).

أما أنها شهادة وزير عامل، فهذا ما لا شك فيه، وأما أن التصريح صحيح، فهذا ما يقطع به سكوت المسئولين عن تكذيبه، اقرأ وتعجب على حكم البطل الظافر، جمال عبد الناصر ... يا سلام!!!

ويتأكد لك هذا الفساد الذي عم كل شيء في حكم عبد الناصر وأن كل معاونيه وأنصاره وشركائه كانوا على غراره فسادا وسوء طوية، هذا الثراء الفاحش الذي طب عليهم فجأة، وسود صفحة انقلاب كنا نريده خيرا أبيض، فإذا بالذين ركبوا موجته، جعلوه شرا أسود، زد في معلوماتك بما جاء في جريدة أخبار اليوم 10 سبتمبر سنة 1977 تحت عنوان (آخر عامود):

(إن مطاردة أثرياء الثورة، وتعقب حرامية الإشتراكية ومحاسبة أغنياء الماركسية، هي الحل العملي لنجاح الثورة الأم في التخلص من كل السلبيات التي لطختها وأساءت إليها).

نعم لقد لطخ عبد الناصر وجه كل خير، بطين كل شر، وسود بياض الانقلاب الذي كان يرتقبه الجميع، سوده وشوهه وألقى عليه كل القاذورات التي في العالم، بجهله هو ومن كانوا على شاكلته من تابعيه والمنتفعين من ورائه.

أثرياء العهد الماركسي لماذا نحاسبهم؟

ولو أن ما أصاب المصريين جميعا اقتصر على عهد عبد الناصر لخف وزنه شيئا ما ولو تافها، ولكن آثام العهد إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم بأزمان لا يعلم إلا الله منتهاها.

وما كان لنا أن ننفرد بهذا الحكم، وإن كنا على حق فيه، ولكن الكاتب مصطفى أمين كتب في فكرة الأخبار، الجمعة 27 يناير سنة 1978 يقول: (الشعب تبين وتأكد بأن الخراب الذي نعانيه، والغلاء الذي نكابده، والهزيمة التي ندفع ثمنها، أو العذاب اليومي الذي يتحمله، هو نتيجة طبيعية لحرمانه من حقه في النقد وحقه في الرفض وحقه في المناقشة، وحقه في الحوار، وحقه في أن يعرف كل شيء، هو نتيجة طبيعية لحياة الظلام عندنا تنطفئ كل أنوار الحرية، وتوضع عصابة على عين الشعب، ويمشي كالأعمى متوكئا على الحاكم، ثم يفيق الشعب بعد، إنه يهوي من شاهق، إن الحاكم الذي يقوده، قد أعمته السلطة، وأصمه الصمت، بعد أن كمم كل الشفاه، وفقد القدرة على اختيار الطريق، بعد أن جعل الذين حوله خائفين واجمين، أخرسهم الإرهاب عن النطق وأعجزهم البطش عن التفكير).

وكيف يمكن لاقتصاد أن يستقيم إذا كان أرباب الاقتصاد لا يستطيعون أن يقترحوا أو يبدوا آراءهم أو يشيروا بما يرونه حقا نافعا، بل حتى لا يستطيعون أن يفكروا مخافة أن تفضح ملامحهم ما يجول في خواطرهم، لهذا أفلسنا وتحطمنا ماليا، وعشنا في لقمة العيش عالة على من يستطيع أن يميتنا جوعا إذا عصينا له أمرا، ورغم هذا كله فنحن لا نزال نحتفل بذكراه حكوميا ولا شعبيا، والعجب أن المسئولين يبيحون لأنفسهم الإشادة بعبد الناصر، ومهاجمة من سبقه، فإذا أراد أحد أن يعرض لسيئات عبد الناصر، نصحوه بألا يثير الأحقاد، ولا يتكلم عن الماضي، وغفر الله للجميع.

لا تضق بكثرة ما أقدمه لك من أدلة على فساد الاقتصاد المصري ودماره في عهد عبد الناصر، فإنما أنا مؤرخ ناقل، ولكن أحزن معي على وجود من يتغنى بعبد الناصر بعد كل هذا الهول المريع.

في أخبار الجمعة 10 مارس سنة 1978 كتب الأستاذ جلال الحمامصي يقول:

(وليس هذا هو كل شيء، إن تحت أيدينا وقائع بالغة الأهمية، توضح أن هذا الخلل في بعض جوانبه إنما يرجع إلى تنافس داخلي بين أشخاص لا يعنيهم رفع المعاناة عن الناس، وإنما الذي يهمهم بالدرجة الأولى هو أن يظلوا في موقع النفوذ الاحتكاري، وهذا هو ما يفرض علينا الكشف عنه قريبا بأدلة لا تقبل النقاش).

ولكنه للأسف الشديد لم يكشف لأمته عن هذه الأدلة التي هي ملك الأمة والتاريخ، وإذا أحسنا الظن قلنا لعله حيل بينه وبين ذلك لمانع من الموانع وهي كثيرة.

وهكذا يعاني الشعب في حكم عبد الناصر، لا لسبب من الأسباب العادية التي يتعرض لها بعض الشعوب في فترات الأزمات، ولكن لأن بطانة عبد الناصر تتنافس على مراكز النفوذ، حتى ولو أدى ذلك إلى تعطيل المشاريع النافعة، نتيجة تآمر بعض أفراد الحاشية الناصرية ضد بعضهم البعض، وهو يعلم كل ذلك، ولكنه يغض عنه استدامة لمكانته في هذا الوطن، ما داموا يشيدون بذكراه وينسبون إليه ما الله والناس يعلمون أنه أبعد الخلق عما يصفونه به، ثم بعد ذلك لا نزال نحتفل بذكرى وفاته!

خسائرنا الاقتصادية بسبب عدوان 67

اقرأ ثم قدر فداحة النكبة الاقتصادية والدمار المالي الذي ألحقه بنا عبد الناصر بسبب تصرفاته الخرقاء، وحماقاته المخربة، فقد نشرت جريدة الأخبار في يوم الثلاثاء 26 سبتمبر سنة 1978 بحثا اقتصاديا جاء فيه:

(إن خسائرنا الاقتصادية بسبب عدوان سنة 1967 بلغت (54) أربعة وخمسين ألف مليون جنيه مصري، ثبت هذا في دراسة أعدها الدكتور إبراهيم حسن العيسوي والدكتور محمد علي نصار الخبيران بالمعهد القومي للتخطيط، عن خسائرنا في إغلاق قناة السويس، وفقد آبار البترول ومشروعات الفحم والمنجنيز وخسائر المشروعات الإنتاجية والتنمية، ودون أن يدخل في ذلك بالطبع الخسائر العسكرية ولا الأرواح ولا ما لحق بالآثار المدنية والتاريخية من دمار أو فقدان ولا حساب ما تعرضت له الممتلكات المصرية في الأراضي المحتلة من أضرار).

هذان خبيران اقتصاديان، موظفان بالمعهد القومي للتخطيط، لم يحبسهما عبد الناصر ولم يعذبهما، وهما بحكم عملهما مطلعان إلى حد بعيد على أسرار المالية المصرية، فهما إذ يقرران ما قررا لم يتكلما عن جهل ولا استنتاج، ولم يدفعهما إلى تقرير ما قررا هوى عن رضى أو بغض، ولكنهما كعالمين يذكران حقيقة وضعنا المالي، وما جره عليه حكم عبد الناصر من تخريف وإفناء، وما من شك أن هذه النتيجة المفزعة التي أردانا عبد الناصر في هاويتها ستترك آثارها الرهيبة على الاقتصاد المصري عشرات السنين، وها نحن اليوم نتجرع غصص تلك السياسة الاقتصادية في كافة نواحي الحياة، ومع ذلك فما تزال الحكومة المصرية تحتفل بذكرى وفاته، ولعلنا إذا أحسنا الظن بنية الحكومة وحسن بصرها بالأمور، نقول إنها تقيم هذا الحفل السنوي، لكي لا ينسى الناس بطل الأبطال الظافر، والقائد الموفق القاهر، والزعيم الأسطوري الساحر، السيد السند جمال عبد الناصر!

ولتعرف سببا من الأسباب التي كانت تتخذ في عصب اقتصادنا، وأن الأغراض والأهواء والمنافع الشخصية، كانت تتدخل في الإنشاءات الاقتصادية، فكانت تطيل أمد العمل فيها، وتقصره أخرى، تبعا لمنفعة بطانة عبد الناصر، الذي كان يغضي عنها عمدا، لأنه لا يجد من يتعاون معه إلا هذا الصنف من الوصوليين المفسدين، لتتبين ذلك اقرأ ما كتبه رئيس هيئة قناة السويس في صحيفة الأخبار الصادرة في يوم الإثنين 9 يناير سنة 1978 يقول:

(إن خبراء تطوير القناة أعلنوا عن إتمام حفر ما يقرب من مائتي مليون متر مكعب من الرمال في عمليات توسيع وتعميق القناة التي تمت في عام سنة 1977 على الضفة الغربية للقناة وقاع المجرى الملاحي، وهو إنجاز ضخم يزيد مرتين ونصف مرة عما تم تنفيذه خلال سنوات في السد العالي).

هل رأيت؟ عمل له وثيق الصلة بالاقتصاد المصري من ناحية التكاليف، والزمن، والعمل والعمالة، والتعويق والبطء في الإنشاء الذي له أسوأ الآثار الاقتصادية على الوطن، هل رأيت أن عملا تم في سنة 1977 يزيد على ما تم في مثيل له سنة 1975 ما بعدها إلى عشر سنوات يزيد مرتين ونصف مرة، أي أن ما يتم عمله في خمس وعشرين عاما أيام حكم عبد الناصر، يتم بعده في سنة واحدة، إذا لم يكن هذا معقولا ولا مقبولا، إلا أنه الواقع الذي تم في عهد عبد الناصر الذي ما نزال نحتفل بذكرى وفاته إلى اليوم!!

هل لك من مزيد في كشف السيئات الاقتصادية في عهد البطل الذي عقمت النساء أن يأتين بمثله في التخريب الاقتصادي، وإليك إذن حقيقة أخرى.

اللصوص الشرفاء

كتب الأستاذ مصطفى أمين في صحيفة الأخبار الصادرة في يوم الثلاثاء 18 فبراير سنة 1978 تحت عنوان الموقف السياسي:

(وسوف يمنع ظهور غير المسئولين، الذين كانوا في عهد مراكز القوى لهم دول داخل الدولة، وكانوا برامكة بغير رشيد وفصحاء في أمة مكتومة الأنفاس .. وكثرة الاختلاسات التي تراها اليوم في المؤسسات، وكثرة الحرائق التي تحدث نتيجة الإهمال أو رغبة في الهروب من الجرد هي نتيجة طبيعية لسنوات طوال، كان اللص فيها مواطنا شريفا لأنه يهتف للحاكم، والشريف مجرما سارقا لأنه ينتقد الحاكم، هذه نتيجة طبيعية لظهور طبقة الآلهة الذين لا يجرؤ قلم على انتقادهم، ولا يستطيع أصبح أن يشير إليهم، وإلا قطعت اليد كلها، هي نتيجة طبيعية لتوهم الكثيرين منا أن المقربين من الحكام، هم حماته لا يجوز اتهامهم ولا يمكن التحقيق معهم، والويل للقاضي الذي يحكم عليهم، وهي نتيجة لأننا جعلنا الجهلاء رؤساء العلماء وبعض اللصوص حراسا، وبتعيين العميان قادة للمبصرين، وبعض المجانين عقلاء للشعب، هي نتيجة لوضع كل السلطات في يد واحدة).

وكيف لا يتسرب الخراب إلى المال الذي يتولى إدارته اللصوص وكيف لا ينهار الاقتصاد الذي يديره الجهلاء المفلكون؟ متى يستقيم الأمر إذا قاد الأعمى مبصرا، والجاهل عالما، والمجنون عاقلا، والخسيس نبيلا، والوضيع شريفا، تلك هي حالة دولة جمال عبد الناصر، وكانت النتيجة التي لا مفر منها أبدا، هي تحطيم كل شيء على أيدي السفهاء المأجورين النفعيين الذين لا يظهرون إلا إذا ساد الظلام كخفافيش الخرائب والبقايا والنفايات، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وإذا كان المال عصب الحياة في عالم اليوم الذي تسيره المادة فقد أفقدنا عبد الناصر كل أعصاب الحياة، بسياسته الاقتصادية التي ما كان يهمه وحاشيته منها، إلا ما يحفظ عليه مجده الأجوف، ومنافعهم الشخصية.

هذه صورة جد مقتضبة عن الحالة المالية التي أوصلنا إليها عبد الناصر في استعلاء تافه، ومظهر فارغ، وادعاء كاذب، كان يقرر غير الحقيقة المالية لمصر، وهو يعلم أنه لا يقول الحق، ويرضى لنفسه وهو حاكم أمة إسلامية، أن يخدع شعبه ولا يطلعه على الحقائق ليواجه الواقع في تضحية وصبر، ولكن متى كان لأصحاب النفوس المريضة والقلوب المتحجرة أن يراقبوا ربهم، وهم ينحدرون إلى هاوية الانحراف والتضليل.

هذا استعراض موجز غاية الإيجاز، عن حالنا الاقتصادي في حكم عبد الناصر، الذي ما نزال نحتفل بذكرى وفاته.

إن كل ما نعانيه اليوم من الناحية الغذائية والسكنية والأخلاقية والعقيدية، وما سنظل نعانيه طوال السنوات القادمة، في كل هذه النواحي إنما سببه الوحيد هو سياسة عبد الناصر الاقتصادية، ولا شيء سواها، وإذا كانت هذه المصائب والويلات التي حلت بمصر بسبب ناحية واحدة من نواحي النشاط في مصر؟ أما آن أن تفتح الوثائق الرسمية المخفاة عمدا، حتى يقدم عبد الناصر لمحاكمة عادلة إما تبرئه، وإما أن تدينه، أمام الناس والتاريخ.  

السد العالي

ولعلنا لم نبعد عن الناحية الاقتصادية، إذا عقبنا عليها بالكلام عن السد العالي، هذا السد الذي أصبح اليوم خطرا داهما يهدد بكارثة ماحقة، ستأتي على مصر كلها، إن لم يتداركنا الله برحمته، "إن الله بالناس لرءوف رحيم".

لقد كان عبد الناصر، سيأتي في الأبواب التالية، عبدا للمجد الأجوف، فكلما توهم في شيء مجدا له، سارع إلى تنفيذه ولو بنى هذا المجد التافه على الأشلاء الممزقة، والأعراض المنتهكة، والأموال المغتصبة، والجماجم المبعثرة.

قرأ في التاريخ أن مينا حول مجرى نهر النيل، ولا يزال التاريخ يذكر له هذا العمل على أنه مأثرة، فلماذا لا يغير جمال عبد الناصر فرعون آخر الزمان، مجرى النيل هو الآخر، وليس أحد بأحسن من أحد.

فتش في أدراج وزارة الأشغال، فعثر على مشروع السد العالي، وهو مشروع ثار حوله جدل وبحث بين المهندسين المصريين والعالميين، فلما تبينت أخطاره صرف عنه النظر، وأهمل شأنه، ولكن المشروع فيه تحول مجرى النيل، فلماذا لا يكون عبد الناصر هو المحول لمجرى نهر النيل، إذا ذكر مينا ذكر إلى جانبه عبد الناصر في كتب التاريخ، أليس ذاك فرعونا، وهذا فرعونا؟ فليتحد الفرعونان ذكرا وتاريخا ومصيرا.

آراء الخبراء ومصائر الذين تكلموا

ولن تقرأ في هذا الموضوع كلمة من عندي ولكنك ستقرأ أقوال المهندسين والعلماء والنواب الذين تحدثوا عن هذا المشروع.

ومن الخير أن نذكر أن المرحوم المهندس العالمي عبد العزيز أحمد عندما عارض المشروع عزل عن وظيفته، ونفي من مصر، فألقى محاضراته القيمة عن هذا المشروع في لندن، وتلقفتنها كل كليات العالم الهندسية وأودعتها مكتباتها، ولم تجرؤ جامعة ولا صحيفة في مصر أن تشير حتى ولو من طرف خفي إلى هذه المحاضرات.

وكذلك اعترض المهندس علي فتحي عميد كلية الهندسة بجامعة القاهرة فكان جزاؤه السخيف أن أبعد عن المجال الهندسي بأسره وعين رئيسا لفرع من فروع باتا، الشركة المختصة بصناعة الأحذية، ولا يدري أحد ما العلاقة بين علم الهندسة وبين علم صناعة الأحذية اللهم إلا إذا استطاع حب عبد الناصر للمجد الزائف أن يربط بينهما.

أول ما أدلك إليه في هذا الباب أن ترجع إلى مضبطة مجلس الشعب في جلسة 26 نوفمبر سنة 1975 فستجد فيها كيف حمل نواب الشعب الذين هم من أعماق الريف على هذا السد العالي، وهم لم يتحدثوا في جلستهم هذه عن السد من الناحية العلمية أو الفنية أو النظرية، ولكنهم تحدثوا عن آثاره الواقعة الضارة التي لمسوها في أرضهم الزراعية ولما يمض على تنفيذ السد العالي بضع سنوات ولسنا ندري ماذا يكون الحال بعد عشر أو عشرين من السنوات؟

إن كل ما استطاع أن يذكره المدافعون عن هذا السد، أنه حمى مصر من فيضان سنة كذا، وكأنما الخسائر التي يتفاداها الوطن في سنة من سنين الفيضانات، تقوم عضوا كاملا، عن التدمير الكلي الذي سيلحق بالزراعة في مصر والأمر يومئذ لله.

نشرت صحيفة الأخبار يوم الإثنين 4 يوليو سنة 1977 مقالا بقلم المهندس علي فتحي تحدث فيه عن مضار السد العالي، التي لم تتخذ حتى الآن الاحتياطات الوقائية لتفاديها قبل مشروع السد العالي.

وكان مما أشار إليه، أن السد سيحجب عن مجرى النيل الطمي الذي يعد خصبا طبيعيا للأرض الزراعية، وإن انعدام هذا الطمي سيسبب نحرا في شواطئ النيل وأحجار الكباري والقناطر المقامة عليه، مما يعرضها لأخطار الانهيار.

ولكن ماذا يهم عبد الناصر أن تذهب الكباري والقناطر والشواطئ ومصر بأسرها، إذا كان هذا المشروع سيخلد اسمه في التاريخ، إنه الغرور الذي أخرج إبليس من الجنة يوم أن قال (أنا خير منه).

عواقب لم يحسب حسابها

وفي يوم 25 يونيو سنة 1977 نشرت أخبار اليوم تحقيقا صحفيا جاء فيه:

(20 سنة وبعدها تغرق القناطر في النيل، وأن النهر أكبر مشكلة تواجه المسئولين عن الري في مصر بعد بناء السد العالي).

إن أتفه العقول إذا أقدمت على أمر، فكرت في عواقبه قبل تنفيذه، واتخذت كل الاحتياطات لتفادي ما قد يترتب عليه من آثار، ولكن عقل عبد الناصر ليس من أتفه العقول، لأنه كما وصفه أذنابه والمأجورون، ملهم فاق محمدا وعيسى عليهما السلام في كل شيء.

وفي يوم السبت 20 أغسطس سنة 1978 نشرت أخبار اليوم الخبر الآتي:

(كانت وزارة الري قد تعاقدت مع هيئة الهيدروجيات السوفيتية على إعداد تقرير عن وسائل حماية نهر النيل والقناطر المقامة عليه من النحر، ووصل التقرير واتضح من دراسته ضرورة اجتماع لجنة من المصريين والروس لمناقشة بعض النواحي الفنية، أرسلت الوزارة خطابا إلى روسيا، فلم ترد ثم أرسلت برقية استعجال فلم ترد، ثم اتصل وزير الري بالقنصل الروسي لسرعة الاتصال، ولكن موسكو إلى الآن لم ترد).

أما كان الأولى بجمال عبد الناصر، أن يدرس هذه النواحي قبل البدء في إقامة السد العالي المشئوم، حتى تكون كل نتائجه قد اتخذت لها كافة الاحتياطات التي تقي البلاد من شرور مشروع كان يجب أن لا يقام إذ لا داعي له، لولا المجد الأجوف الذي كان يملأ جوانب عبد الناصر تيها وخيلاء ولو ذهبت مصر كلها، ولكن الله شاء أن يذهب عبد الناصر وأن تبقى مصر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهذه هي روسيا الشيوعية التي ألقى بنا عبد الناصر بين براثنها المتوثبة للقضاء على مصر المسلمة، بل وأنكى من ذلك، فإنه لكي يترك الشيوعية تسري في مصر فتح لها الباب على مصراعيه لتتسلل إلى كافة أرجاء العالم الإسلامي، وها نحن نرى اليوم بداية هذا الخطر الداهم، الذي يهدد العالم الإسلامي الذي يقف سدا منيعا دون دكتاتوريته وبطشه وطغيانه، وحسابه على الله.

وفي أهرام الثلاثاء 4 أكتوبر سنة 1977 نشرت [[جريدة الأهرام]] حديثا مع المهندس علي فتحي عن السد العالي، ولا أريد أن أشغلك بقراءة المقال اكتفاء بأن تعلم أن المهندس علي فتحي كان عميدا لكلية الهندسة، وهو من المهندسين الأفذاذ، فلما اعترض على إنشاء السد العالي، كان نصيبه أن نقل من عمادة كلية الهندسة إلى قسم المشتريات بشركة باتا للأحذية، وكم كان مضحكا مبكيا أن تدخل على المهندس القدير في عمله الجديد فترى منضدة عليها العديد من الأحذية المختلفة الأشكال والأحجام، فهل تستطيع أن تسأل نفسك ما العلاقة بين كلية الهندسة وبيع الأحذية، وإن سمحت أن تسأل هذا السؤال فهل تتوقع أن تسمع إجابة إلا أن الكفء بائعا للأحذية، ويضع أي تافه من ذوي ثقته في عمادة أية كلية يشاء، هذا هو جمال عبد الناصر حتى في الأعمال الهندسية الضخمة التي تحتاج إلى كفاءة ممتازة لأثرها في مستقبل البلاد، ولكن من مصر، ومن ما في مصر، إذا حالت دون رغبة طائشة للزعيم الموهوب عبد الناصر، لتذهب الدنيا كلها إلى أي مكان يمكن أن تذهب إليه، لأن رغبة الزعيم العظيم يجب أن تنفذ كائنة ما كانت النتائج.

مستقبل البحيرة كما يتوقعه الخبراء

نشرت جريدة الأهرام في يوم السبت 21 أكتوبر سنة 1978 بحثا بالعنوان الآتي:

(مفاجأة في انتظار علماء مصر وأمريكا عن بئر طرفاوي في الصحراء الغربية). (التلال المتحركة الموازية لبحر الرمال الأعظم وصلت إلى حدود بحيرة السد لتهددها بالردم بعد مائتي سنة).

وهذه بلوى أخرى من بلاوي السد العالي الذي صمم عبد الناصر على إقامته رغم تحذيرات الفنيين لا لشيء إلا إرضاء لغروره الأجوف.

ها هي التلال المتحركة تقترب من بحيرة السد العالي تهددها بالردم، وليس في العلم حتى اليوم ما يمكن معه منع تحرك هذه التلال جنوب بحيرة السد، قد يحدث من الأحداث الكونية ما يوقفها وقد يستطيع العلم في المستقبل أن يوقفها، ولكن شيئا من هذا لا يعرف له حدوث حتى اليوم، وهكذا شاء حب عبد الناصر لوطنه وشاءت له أهواء نفسه التي تذكيها فيه حاشيته، أن يفعل ما يشاء ولو كان في ذلك القضاء على مصر اليوم أو الغد أو بعد عشرات السنين، ما قيمة هذا عند عبد الناصر الزعيم الأوحد، ما دام في إقامة السد العالي ما يكتب اسمه في صفحات التاريخ بالخير أو الشر على السواء.

والله وحده يعلم أننا لا نحرص على تقصي هذه المصائب نكاية في عبد الناصر، ولكننا نسجل للتاريخ، حتى يعتبر الحكام من بعده، وحتى يفيق الشعب المصري فلا يسمح لحاكم أيا كان شأنه أن يعبث بمقدراته في استهانة واستهتار.

ترى أية كارثة تنتظر هذا البلد المسكين الذي ابتلي بحكم عبد الناصر في غفلة الزمان، ترى أية كارثة تنتظره إذا ما طمست الرمال هذه البحيرة التي تختزن فيها مياه النيل اليوم، إرضاء لنزوة من نزوات الزعيم الفريد؟

الأخبار الإثنين 2 يناير سنة 1978 – قال النائب علوي حافظ من الضباط الأحرار في مجلس الشعب عن السد العالي:

1 – لا بد من تقييم السد العالي.

2 – هل هو مشروع لرخاء مصر أم لا ؟

3 – تكلف بناء السد العالي 367 مليون دولار.

4 – دخلت مصر [[حرب 1956]] من أجل السد.

5 – فتحت مصر أبوابها للتسلل الشيوعي في بناء السد.

6 – تنازلت مصر عن بعض الآثار القديمة التي لا تقدر بثمن، مثل معبد جادور وجانجو وهي معابد خالدة.

7 – ولكن ماذا جاء عن السد العالي؟ أين إكسير حياة الأرض ... الطمي؟ انكمش.

8 – الإسكندرية مهددة بالانكماش والانفصال عن مصر.

9 – جدران النيل بدأت تتآكل.

10 – كل الخزانات والقناطر الموجودة على النيل معرضة للخطر.

هذا ضابط من الضباط الأحرار وهو في نفس الوقت عضو في مجلس الشعب فهو إذا ليس بالغريب عن عبد الناصر، وكل ما ذكره حقائق يلمسها الفلاحون بأنفسهم ولم يستطع أحد من المسئولين أو الفنيين أن يكذب شيئا منها.

إن كل ما يقوله المدافعون المغرضون عن هذا السد، أنه وقى مصر من غوائل الفيضان سنة كذا وسنة كذا، وحتى لو صح هذا الذي يقولون، فقد فاض النيل قبل السد العالي فماذا كانت النتيجة؟ خسائر طفيفة إلى جانب الأهوال المريعة والخسائر الفادحة التي سببها وسيسببها هذا السد الأنكد، نسأل الله أن يهيئ لمصر من يكون له من الحزم والحسم ما يقضي به على هذا السد المشئوم قبل أن تحل بنا أخطاره المحققة الماحقة.

السد العالي وحرب 56

لقد جرنا هذا السد إلى حرب 1956 وخسائرها، هذه الحرب التي صورها عبد الناصر انتصارا يحتفل به كل عام، وصح المثل القائل: (يا فرعون ... ماذا فرعنك؟ قال لم أجد أحدا يعارضني)، لقد خنع الشعب كله تحت وطأة التعذيب الناصري المتوحش، اللهم إلا الإخوان المسلمين، الذين أنكروا عليه جبروته، فنكل بهم تنكيلا لم يعرفه التاريخ على طول امتداده.

لقد كان هذا السد سببا في فقد الكثير من آثارنا القديمة التي يأتي الناس من أطراف الأرض لمشاهدتها وما فيها من فن وإبداع وإعجاز.

لقد فقدنا الطمي أجزل المواد خصوبة للأرض، وتعرضت شواطئ النهر وشواطئ البحر الأبيض للتأكل وما سيجره هذا التأكل من أخطار كفيلة بالقضاء على كنانة الله في أرضه، الله إلا أن يتداركنا الله برحمته.

وهكذا أصبحت الجسور والقناطر المقامة على النيل عرضة للانهيار، وما يسببه الانهيار من خسائر في الأموال والأرواح.

لم يبق شر من الشرور لم يجلبه علينا هذا السد البغيض الذي لم يقم لمصلحة مصر، ولكن إرضاء لغرور أجوف ملأ جوانب حاكم لم يؤت من العلم والرحمة والوفاء للوطن والتقدير للعقيدة، لا قليلا ولا كثيرا.

ومرة أخرى تنشر أهرام الإثنين 4 يوليو سنة 1978 مقالا بقلم المهندس علي فتحي عن مضار السد العالي، التي لم تتخذ احتياطات لتفاديها قبل إقامته.

وقد كان من الممكن أن تتخذ كل الاحتياطات اللازمة لتفادي أخطار السد قبل إقامته، ولكن الزعيم الملهم النابه، وكان على عجل في إقامته ليستمتع بافتتاحه وخلود اسمه في التاريخ باعتباره حول مجرى النيل الذي حوله الفرعون مينا من قبل. أجل لقد سجل هذا السد اسم عبد الناصر في التاريخ، ولكن على غير ما كان يشتهي الزعيم الأوحد، وتقدرون فتضحك الأقدار.

الملف السحري للسد العالي

نشرت الأخبار يوم الإثنين 2 يناير سنة 1978 (قال النائب علوي حافظ في مجلس الشعب):

(والآن بعد مبادرة السلام، وبعد أن عرفت مصر الأعداء والأصدقاء، فإن الشعب يريد إجابة حقيقية عن السد العالي، إن المشروع بدأ التفكير فيه سنة 1952 ورفضته جميع الأحزاب، وفي نوفمبر سنة 1954 وضع علماء السدود نظرة جديدة لسد مصر ومعي الملف السري لهذا الاجتماع [لماذا لا تظهره يا سي علوي حافظ ووضع الخبراء الألمان نظرة للسد، ولكن دخل السوفيت مع صفقة الأسلحة التشيكوسلافية، وبدأوا يغيرون في المشروع ودخل السوفيت في المشروع، وسحب البنك الدولي تمويله، وبدأ السوفيت العمل في تنفيذ السد العالي في سنة 1958 وتم تشكيل لجنة مصرية للسد العالي، وفيها أفراد موجودون في الحكم وهناك ملفات سرية سأقدمها للمجلس [متى يا سي علوي]؟

وهذا نائب في مجلس الشعب، بل ولعله من الضباط الأحرار فلا يمكن القول بأنه يتجنى على حكم عبد الناصر، وأكثر من هذا فقد أرسله عبد الناصر مندوبا شخصيا عنه إلى أمريكا لمهمة سياسية، فهو أبعد ما يكون عن الاتهام بأنه يسيء إلى حكم عبد الناصر أو أنه من أعدائه، هذا النائب يقرر وقائع خطيرة، ويعيبه أنه أخفى مستندات ووثائق خطيرة تحدث عن تقديمها ولكنه لم يقدمها، هذا النائب يقول إنه في سنة 1954 وضع علماء السدود نظرة جديدة لسد مصر، وأن الملف السري لهذا الاجتماع وضع فيه الخبراء الألمان نظرة للسد، وكان جديرا بالسيد النائب أن يقدم صورة من هذا الملف السري حتى يثبت صحة اتهاماته، ولكنه لأمر لم نتبينه لم يقدمه، وهكذا هم كلهم، ثم يقول إن الشيوعيين تدخلوا في المشروع وغيروا وبدلوا فيه، ومن المسلم به قطعا أن الشيوعيين لم يغيروا لمصلحة مصر، وأن هناك ملفات سرية سيقدمها للمجلس، ولسنا ندري مرة أخرى هل قدمها أم لا؟ لأن أمر السد عند هذه الأقوال.

الأسباب الحقيقية وراء السد

هل تبينت أيها القارئ لماذا أنفق عبد الناصر هذه المئات من ملايين الجنيهات لإقامة هذا السد؟ ولماذا امتنع البنك الدولي عن تمويله؟ ولماذا تدخلت الشيوعية فيه، وأقامته، رغم الأخطار المريعة التي ظهرت بوادرها منذ إنشائه، هذه الأخطار الماحقة التي لا نستطيع تقدير مدى أضرارها على هذا الوطن المسكين في المستقبل القريب والبعيد، إن الخبراء العالميين والمصريين، رفضوا إنشاء هذا السد وأظهروا أخطاره على البلاد، وهم لا يمكن اتهامهم بأن رفضهم بعثته الأهواء المغرضة، ولكن الخبراء السوفيت الحريصين على تدمير كل بلد إسلامي، انتهزوا فرصة غرور عبد الناصر، وزينوا الأمر له، فأقدم تحت وطأة حرصه على الزعامة الزائفة، ولن يهمه بعد ذلك ما يكون، ما دام التاريخ سيكتب أن عبد الناصر حول مجرى النيل، كما حوله الفرعون مينا منذ آلاف السنين.

وفي جريدة الأخبار 9 يناير 1978 نشر حديث لوزير المواصلات في التليفزيون قال فيه الوزير متحدثا عن السد العالي:

(إن النقل النهري تعثر نتيجة قلة سرعة التيار وانعدام الطمي فتكونت جزر في المجرى وسنعمل على التطهير).

حتى هذه الأضرار المتوقعة لم يدرسها الخبراء الشيوعيون، أو لقد درسوها فتبينوها، ورغم ذلك مضوا في تأسيس الشر الذي سيلحق بمصر، رغبة في تدميرها، حتى هذه الأضرار التي يتوقعها أقل المهندسين علما، لم يؤبه لها، ومضى عبد الناصر في إقامة السد العالي، لقد تعثر النقل البحري لقلة سرعة التيار، وهذا أمر طبيعي، فالنهر قبل السد كان تياره أسرع منه بعده، ولعله لا يفوتنا أن هذا له من الأضرار الاقتصادية ما كان يجب أن يحسب حسابه قبل إنشاء السد، ولكن أنى لعبد الناصر أن يمتنع عن شيء مهما كان ضرره محققا، إذا كان هذا الشيء يقف مانعا دون تحقيق رغبة من رغباته الهوجاء، ونزواته الخرقاء، لم تتأثر سرعة التيار فقط ولكن قامت جزر في النهر، وهذه الجزر من معوقات الملاحة وقد تسبب أخطارا كثيرة للسفن الشراعية وغيرها في النهر، ولئن كان وزير المواصلات قد تحدث عن تطهير النهر، فهذه سيئة أخرى من سيئات السد العالي، لأنها ستكلف الخزانة الأموال الطائلة، لأن هذا التطهير لن ينتهي، بل لا بد أن يباشر عاما بعد عام حتى لا تعود هذه الجزر للتكون مرة أخرى، يا له من زعيم موهوب في كل شيء إلا في الخير والعمل الصالح؟

وقالت جريدة الأهرام في يوم الثلاثاء 23 فبراير سنة 1978 ما يأتي:

(كشفت لجنة الثقافة والسياحة والإعلام بمجلس الشعب، في زيارتها الميدانية للأقصر عن وجود إهمال وتسيب وقصور في المحافظة على الآثار بالأقصر ، وتبين للجنة أن ارتفاع المياه الجوفية سببه أن الآثار الجانبية للسد العالي تهدد الآثار).

تحدث المؤرخون عن المظالم والضحايا التي ذهبت في حفر قناة السويس وبناء الأهرام، وكان من حسن الحظ أن هذه المظالم والضحايا، لم تذهب عبثا، فقد عادت القناة على مصر بالخير والبركات، كما أصبح الأهرام مصدر دخل وفير من أموال السائحين الذين يحضرون لمشاهدة الأهرام في مصر.

ولكنه كان من سوء الحظ، ونكد الطالع، أن المظالم والضحايا التي أزهقت أرواحها في إقامة السد العالي، عادت على مصر بأخطار، تكاد تودي بخصب هذا البلد المترع بالخير، بعد إقامته.

وهكذا أراد الله أن يترك حكم عبد الناصر بصماته المدمرة على كل شيء في مصر، مما ينذر بالشر المستطير، الذي نسأل الله سبحانه، أن يقينا شره برحمة من رحماته الواسعة، وإنه لدليل من أدلة الطغيان التي حلت بهذا البلد نتيجة حكم عبد الناصر لها.

السد العالي يحتاج لصمام أمن

وكتبت [[جريدة الأهرام]] في يوم الثلاثاء 28 فبراير سنة 1978 ما يلي خاصا بالسد العالي:

(مشروع مفيض توسكى صمام الأمن للسد العالي ولوقاية مجرى النيل، نظرا لأن تسرب مياه البحيرة [بحيرة ناصر] قد وصل خلال العام الماضي إلى 137.000 تقريبا، فإنه كان ضروريا البدء في تنفيذ مستودع كامل لاستيعاب مياه الفيضانات العالية منعا من ارتفاع المياه في البحيرة، وحتى لا نضطر إلى إطلاق تصرفات عالية خلف السد العالي ... وينتج من مثل هذا الإجراء زيادة معدلات النهر في مجرى النيل وتهايل جوانبه، وتهديد المنشآت القائمة عليه بين القاهرة وأسوان).

ألهذا الخراب الداهم بنى السد العالي؟ أين كانت هذه التوقعات عند البناء، أكان حكم عبد الناصر يجهلها؟ وتلك مصيبة سوداء، أن يقام مثل هذا السد الضخم ولا تتخذ كل الاحتياطات التي تقي البلاد من أخطاره، أم كانت كل هذه النتائج متوقعة، ورغم ذلك ركب عبد الناصر رأسه ومضى في البناء، لأن مجده الشخصي أهم وأكبر عنده من الوطن والمواطنين؟ وهذه أدهى وأمر من التي قبلها – إنه تاريخ يسجل بمداد من قطران لذلك العهد ولا شأن لي في اختراعه، ولكنه الشر ينبئ بالشر عن نفسه وعن نتائجه، ولا يبلغ الناس من الظالم ما يبلغ الظالم من نفسه.

وكتبت جريدة الأخبار في يوم الإثنين 27 مارس تحت عنوان (تراث الإنسان) بقلم محمد صفاء عامر رئيس النيابة لمحكمة النقض: (تغيير البيئة في المنطقة كأثر من آثار السد العالي وخطره على الآثار القديمة).


وهذا رجل من رجال القضاء، لا يرى في السد العالي ضررا ماديا فحسب بل يرى الخطر الجاثم على تراث الإنسانية في هذا البلد الذي تضرب حضارته آلاف السنين في بطن التاريخ، وكأن هذا السد المشئوم، لا يقضي على الماديات فقط ولكنه يضيف إلى سيئاته القضاء على المعنويات والبيئة والآثار، وإني لأرجعك كذلك إلى مقال نشرته جريدة الأهرام يوم السبت 6 أغسطس عن أضرار هذا السد المريع، فارجع إليه إن شئت، تضف إلى معلوماتك شيئا جديدا، وإن كان الشر ليس فيه من جديد.

وليس هذا الجيل وحده الذي سيقيم هذا التقييم الأتم الأخير، ولكنها الأجيال المسكينة القادمة، هي التي ستعاني من ويلات هذا السد الشرير.

وستبدي الأيام في المستقبل، ما لا يزال خافيا على أبناء هذا الجيل من الوثائق التي ما يزالون يحاولون إخفاءها عن الشعب الذي ابتلي بحكم هؤلاء الناس في غفلة من الزمان.

أيها الشباب الذي لم يساهم في هذا الإيذاء البليغ بالوطن: هذا تصرف من تصرفات عبد الناصر وحكمه، فاحذرهم أن يفتنوك عن الحقائق المرة والأهوال المريعة التي نكب جمال عبد الناصر بها هذا البلد، واعلم أنه لم يمر بمصر في كل تاريخها ما ألم بها على عهد جمال عبد الناصر، فاعتصم بدينك وتمسك بعقيدتك، ورب نفسك وأولادك على أن يكونوا رجالا مؤمنين، حتى لا تتعرض مصر والإسلام لمثل ما تعرضنا له من جمال عبد الناصر وحكمه.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

التعليم والأدب

تعالى معي أعرض عليك ما قاله العلماء والأدباء عن ذلك العهد المشئوم، عهد جمال عبد الناصر، وهنا لا أعرض عليك كلمة واحدة عن أخ مسلم، ولكنها أقوال الذين عاصروا ذلك العهد من غير الإخوان المسلمين، وممن كانوا من شركاء جمال عبد الناصر من الضباط الأحرار وغيرهم، حتى يتبين لك أنه الحق، وحتى لا يطعن أحد في هذه الحقائق بأنها جاءت من أناس ارتكب معهم جمال عبد الناصر أبشع فظائع التاريخ التي لم يرد مثلها في الكتب والأشعار، وبذلك تعلم أن جمال عبد الناصر، لم يترك في حكمه، شاردة ولا واردة من الشرور والآثام والجرائم والمظالم والفظائع لم يجترحها مع المسلمين عامة، والإخوان المسلمين خاصة.

فإذا أقنعتك هذه الحقائق، ظهر أمامك وبوضوح جلي لماذا صب جمال عبد الناصر جام غضبه، ومغارم نقمته على الإخوان المسلمين، إنهم كانوا الفتية الذين آمنوا بربهم، فلم يحنوا الهام خنوعا أمام ذلك الجبار، وويل للأحرار العزل من الباغي المغرور، الذي توافرت في يديه كل معاول السلطة الظالمة، والسلطان الباطش، ولكن ما كان ربك ولن يكون إلا بالمرصاد.

ولئن كان المستعمرون قد وضعوا برامج التعليم على قواعد لا تخرج إلا آلات وظيفية، فإن جمال عبد الناصر، قد وضع في برامج التعليم محطمات تحطم كل معنى إسلامي في نفوس الطلبة، حتى يخرجوا وهم لا يعلمون عن دينهم شيئا، هذا إذا لم تجعلهم ينظرون إلى دينهم نظرة المستهين به، الكاره للتمسك بمبادئه.

تزييف للحقائق التاريخية

ليس هذا فحسب بل إنه زيف التاريخ المصري بصورة لا تخطر على بال، فقد أزال تاريخ الإسلام من مصر، وشطب تاريخ مصر في القرون الأخيرة، إن هذا التزييف الذي ألحقه عبد الناصر بالتاريخ المصري، في مسيس الحاجة إلى آلاف المؤلفات والبحوث كي يصحح التزييف الذي ألحقه به جمال عبد الناصر. لقد زعزع قواعد الإيمان في نفوس المسلمين، إذ كان يحرص على تعاليم المبادئ الشيوعية، وتقريرها في كل مناهج الدراسة، فأفسد بذلك كل أساليب التربية والتعليم، وإن كانت أجهزة الإعلام، من وسائل التربية والتعليم، فقد هوى بها إلى أحد دركات التهافت الكامل والانحراف الوضيع، وبهذا فتح أبواب الردة عن الإسلام على مصاريعها لكل ناقم على الإسلام والمسلمين، وانتهى الأمر به إلى إضعاف المركز الروحي والقيادي للعالم الإسلامي حتى غدونا في حالة تستدعي إعادة بناء نظام التربية والتعليم من جديد.

لقد أصبح التربويون الموجودون في عهده غالبيتهم من الماركسيين، أما الصحف وأجهزة الإعلام، فلم يتولها في عهده إلا من رضيت عنهم موسكو.

ولقد ظلت أجهزة الإعلام طوال حكم عبد الناصر، لا تعمل إلا في الدعاية لبعض الشخصيات التافهة، واقتصرت على السطحي من الأمور الفارغة كي لا يفكر الناس في الحقائق النافعة، ولكن يشتغلون بما يدمر تفكيرهم وتقديرهم لمسئولياتهم أمام دينهم ووطنهم.

ولقد أجمع المتخصصون في مجالات البحث العلمي والتربوي أن نظام التعليم في عهد عبد الناصر، نظام فاشل كل مهمته تخريج فئة لا تفهم ولا تفكر، فئة لا تهتم بدينها، لأن نظام التعليم الناصري أضعف مركز العقيدة الإسلامية في نفوس الطلبة المسلمين، فانتهى التعليم في عهده إلى هذه النتيجة التي نحياها اليوم، إذ قتلت روح الطموح في عزائم الطلاب، وضاعت كل القيم الاجتماعية السامية، وسيطرت على نفوس الطلاب روح النفاق والوصولية، أيا كان طريق الوصول إلى القرش.  

الأزهر

إن أكبر إساءة، وجهها جمال عبد الناصر إلى الدين الإسلامي، هي الجريمة الكبرى التي صرف بها الأزهر عن مهمته الكبرى في تدريس العلوم الدينية وإتقانها، والمحزن فعلا أن بعض علماء الأزهر ساروا في الركب، ولا داعي لذكر أسمائهم – لأننا لا نشهر بأحد، ولكننا نذكر الحقائق – لكن سجلها التاريخ في صحائفه، فلا يعفى عليها النسيان بمرور الأشهر والأعوام، إنها الجريمة التي سماها عبد الناصر تطوير الأزهر، وما هي في الحقيقة إلا الرغبة الجامحة في القضاء لا على الأزهر أصلا، بل القضاء على الدين الإسلامي، بدءا بالأزهر، باعتباره الحصن الذي حمى شرع الله مئات السنين من العبث والتغيير.

لقد كان التدريس في الأزهر، يتم عن طريق حلق التدريس، يجلس كل شيخ إلى عامود، ويحضر أمامه من الطلبة من يحضر، وقد يكون إلى عامود آخر شيخ يدرس نفس المادة، ولم تكن هناك مذكرات تطبع وتباع للطلبة ولكن شيخ المادة ينبه الطلبة إلى الكتب التي تتحدث في نفس المادة التي يدرسها، وهذا النظام هو أبدع نظام جامعي، تتبعه اليوم أكبر الجامعات العالمية كالسربون وغيرها، وكان هذا النظام يخرج أفذاذا من الذين تعتز بهم العلوم الإسلامية، وهذا النظام هو الذي حفظ على الأزهر مكانته واستمراره في العطاء العلمي والديني والخلقي، وكان للأزهر ورجاله المواقف الفاصلة في الأحداث السياسية بمصر، كما كان حكام مصر يقيمون أكبر الوزن للأزهر ومشايخه فيما يريدون أن يصدروه من قوانين وإصلاحات.

وقدر أعداء الإسلام ما لهذه القلعة – الأزهر – من أثر في المحافظة على المقومات الإسلامية ونموها وامتدادها واستمرارها فأخذوا يكيدون له بمختلف الوسائل، حتى واتتهم الفرصة عن طريق جمال عبد الناصر فسخروه لتنفيذ مؤامراتهم، فآذى الأزهر والمسلمين، بهذا التطوير الذي أجراه وأعانه عليه بعض المشايخ، الذين أترك حسابهم في هذا الموقف على الله.

وما بين يوم وليلة، اهتزت أعمدة هذا الصرح العتيد، وخاصة بعد ما قبل بعض المشايخ أن يتولوا رئاسته تحت اسم الإمام الأكبر، وبدأ الانهيار يأخذ طريقه إلى كل المعاني السامية التي كان الناس، يعرفونها ويقدرونها للأزهر الشريف، وعاد الأزهر فصولا ومذكرات وعاد طلبته يدخنون في ردهاته، ويلعبون النرد وغيره في كافيتيرياهاته علنا وفي اجتراء محطمين بذلك كل معاني الاحترام والإكبار التي كان الناس ينظرون بها إلى أزهرهم الحبيب.

أساتذة شيوعيون يدرسون بالأزهر

وزاد الطين بلة، والطنبور نغمة، أنه لما أنشئت الكليات الجامعية في الأزهر، شغل منصب الأستاذية في بعض هذه الكليات، أساتذة يتمذهبون بالشيوعية الماركسية ... أي والله!! أساتذة شيوعيون يكفرون بالله، يدرسون للطلبة في المعهد الذي أقيم لإعزاز دين الله، ترى كيف تكون الصورة؟ وكيف يستقيم الفهم، وماذا تكون النتيجة؟ إنها كارثة لن ينجينا من عقابيلها إلا القوي القادر رب العالمين.

ترى أكان جمال عبد الناصر يقدر خطورة ما يفعل؟ ورغم ذلك أقدم عامدا متعمدا!! لما كان بينه وبين دعاة الإسلام من عداء، ما كان يخفيه، بل كان يعالن به ويفخر به، ويجليه، وكأنما تجري في عروقه بعض الدماء التي تكره الإسلام والمسلمين.

أيها القارئ ... هب أنك من أتباع عبد الناصر، لأي سبب من أسباب التشيع، وأنك تنسب إليه، من الأفضال ما ليس فيه متجنيا ومتشيعا، هب ذلك، فإن كنت مسلما حقا، هل يرضيك كمسلم ما فعله جمال عبد الناصر بالأزهر؟؟ وهل تكفي فضائل الدنيا كلها في تنقية صحيفة عبد الناصر، بعد هذه الفعلة الشنعاء، واللطمة السوداء، التي وجهها لا إلى الأزهر وحده، ولا إلى المسلمين في كافة بقاع الأرض، بل إلى الإسلام ذاته، ولكن ليتق العواقب كل من ينحو نحو عبد الناصر، سافرا أو مستخفيا، إن للدين ربا يحميه ولو استطاع ظلمة العالم متكاتفين، أن يقضوا على كل دعاة الإسلام، فهناك صاحب الإسلام، ورب الإسلام، يحميه بقدرته، ويصونه بعزته، والعاقبة للمتقين.

الأدب ... الصحافة ... الإذاعة ... السينما ... المسرح

وأصبح مؤلفو القصص والكتب الأدبية والمسرحيون السينمائيون والمذيوعون، لا هم لهم إلا إخراج كل ما يضفي على جمال عبد الناصر صورة الزعامة وشعارات الإلهام والتأييد.

واقرأ إن شئت للسيد ثروت أباظة وهو من الضباط الأحرار ما كتب في أهرام 9 مارس سنة 1978 يقول: (وعاش الكتاب الشرفاء في مصر، حين كانت السجون تتربص بهم، فاغرة فاها الشائه المقيت الملطخ بدماء الأبرياء، وقد بدت نواجذه وضروسه من وحوش آدميين، هم شر من وحوش في صورة أناس).

ويا له من وصف لم يصل مع وضوحه وصدقه إلى وصف ذلك العهد البغيض، فلم يكن يكتب في ذلك إلا غير الشرفاء في مصر، كانت السجون كبركان فاغر فاه الرهيب الرعيب ليبتلع كل من يجرؤ على كلمة حق، وما أبدع الأدب، وأغزر إنتاجه في مثل الجو المليء بالتراب الخانق، والعواصف المزمجرة، ولعله لم يفتك في هذا الوصف أنه كان عهدا ملطخا بدماء الأبرياء، ولعلك لم تنس أنها كانت دماء الإخوان المسلمين الدعاة إلى الله لا غيرهم، مما يثبت أن الضباط الأحرار أنفسهم هم الذين يعترفون بطهارة الإخوان المسلمين وبراءتهم من كل ما حاول ذلك العهد إلصاقه بهم، هذا إلى وصفهم له بالوحشية التي وصلت إلى أقصى ضرواوة من وحوش الغاب، وهكذا يشهد على جمال عبد الناصر، ضابط من ضباطه الأحرار.

واتباعا لما أخذته على نفسي في هذا المكتوب، ألا أقول رأيي في شيء من أحداث ذلك العهد، خشية الظن بالتحامل لأنني من الإخوان المسلمين، فإني أقدم لك رأيا في الأدب الناصري من أديب عاصر ذلك العهد.

في أهرام الجمعة 29 سبتمبر سنة 1978 كتب الأستاذ فتحي سلامة تحت عنوان [الأديب ضمير السلام].

(وعندما أرادت مراكز القوى، أن تحول الأديب إلى عميل، فإنها حاصرته ومهدت بكل السبل، وبكل الطرق، إلى إطلاق الفساد الأخلاقي، ينخر في الكلمة، وانقسمت أجيال الأدباء، وتنوعت المدارس والمناهج التي تعمل في سبيل احتواء الإبداع الأدبي لمراكز القوى، وبطبيعة الحال أثمر هذا الإفساد الأدبي، وظهرت نتائجه في الإفساد الأدبي المتبلور في الذوق الأدبي الرديء، مما كان له أثره في ندرة الإبداع وأزمة النشر ونشر دعوى الهروب إلى عالم اللاوعي).

وإذا فليس هم الإخوان المسلمين الذين تصدوا لمقاومة فساد ذلك العهد، في كل ناحية من نواحي الحياة الفردية والجماعية، ولكنهم الأدباء والكتاب، هم الذين كتبوا للناس عن ذلك السوء المستشري في جسد الشعب المصري المسكين، طوال ذلك العهد، وقد عاصروه فلم يتمكنوا من إظهار الحقائق الرهيبة في ذلك العهد، فلما أتيح لهم أن يفتحوا أفواههم، ويشرعوا أقلامهم، شهدوا بما كانوا يعلمون.

وأنت ترى في كتاباتهم صورا من ذلك العهد، عندما تجري أقلامهم بعبارات مراكز القوى والإفساد والعمالة والأقلام المأجورة وضياع الذوق الأدبي، والإبداع الأدبي وأزمة النشر، والفرار من عالم الفهم الواعي، إلى دنيا الصمت الرهيب في مجالات اللا وعي المميت.

دكتاتورية الفكر تقيد الفكر

وفي أهرام الأربعاء 4 أكتوبر سنة 1978 تقرأ لأديب آخر اسمه د. حسين فوزي بعنوان [مطالب الفكر الحر]:

(واضح لنا جميعا أن الحرية بمعناها السياسي والاجتماعي هي المطلب الأول في حياة مصر، عقب سقوطها في هذه الديكتاتورية مدى ربع قرن، ويبدو أن بين ظهرانيها فريقا عجيبا من الناس، اندمج في عصر الحكم الفردي، تسوقه قوى الشر، فيما وصف بمراكز القوى ... ما أفدح خطب الأكاذيب التي حاصرتنا زمنا طويلا، فلم نتبين حقيقة واحدة في حياتنا إبان الفترة البغيضة، وآثارها ما زالت تتخفى يمنة ويسرة).

أي أنه لم تكن هناك حياة سياسية ولا اجتماعية في ذلك العهد، وأنه عهد قامت كل أصوله وفروعه على الكذب الذي حاصر الناس من كل الجوانب، فلم يتبينوا حقيقة واحدة طوال خمسة وعشرين عاما ... ومن المقطوع به أن كل ما نسب إلى الإخوان المسلمين كان من بين الأكاذيب التي حاصرت الناس في قوقعة الظلم، والكبت والتنكيل، إن الحقائق في ذلك العهد لم تكن خافية ولكن رعب الكرباج والكي بالنار وخلع الأظافر ونتف اللحى والأهداب والرموش وانتزاع الأسنان بالكماشات الحديدية، أقعد الناس لا عن معرفة الحقائق، بل وأعجزهم حتى عن البحث عنها، فقد كانت كل الطرق إليها موصدة مغلقة، والويل كل الويل لمن يشاع عنه أنه يبحث عن حقيقة، أو حتى يفكر في حقيقة.

وإليك رجلا لم يعرف أنه ذو صلة بالإخوان المسلمين أو أنهم محل الرضاء عنده، كتب الدكتور رشاد رشدي المستشار الفني لرئيس الجمهورية السادات مقالا في أهرام الأربعاء 18 أكتوبر سنة 1978 بعنوان [ هل يغيب الحب بغياب الحرية]:

(ولا أظن أننا في مصر نسينا ما فعلت مراكز القوى بالإنسان المصري ... فهي لم تقنع بأنها حجبت عنه العطاء في جميع مناحي الحياة الروحية والمادية، بل عمدت إلى شل حركته وتجريده من الداخل ومن الخارج، حتى يسهل لهم الاستيلاء عليه، والاستيلاء هو عكس الحب، الذي هو العطاء .. وهذا أيضا ما أدركه وجدان الشعوب، فصوره في القصص والأساطير).

إلى هذا الحد وصل الظلم، حتى أصاب الشلل العاطفي والمادي الإنسان المصري من داخله، عاطفة وشعورا وإحساسا وإنسانية، ومن خارجة، كعامل فعال من عوامل الإنتاج فأصاب الشلل الإنساني الوطن كله بدوره في كل ناحية من نواحيه، حتى عاطفة الحب التي قامت عليها السموات والأرض، وقامت عليها الدعوة الإسلامية، قضى حكم جمال عبد الناصر.

الكرامة الذبيحة والشلل الفكري

وفي أهرام 2 أكتوبر سنة 1978، الدكتور إبراهيم بيومي مدكور رئيس مجمع اللغة العربية، كتب يقول:

(إنه لا قلم ولا لسان ولا رأي ولا فكرة يعتد بها حيث لا حرية، والشواهد على ذلك كثيرة في التاريخ، ولا حاجة بنا إلى سرد أمثلة منها، فقد عشنا فيها جزء من تاريخنا المعاصر، وبلينا بشرورها ودفعنا في سبيلها أثمانا غالية، وفقدنا خاصة كرامة الإنسان).

بهذا يرى الدكتور بيومي مدكور، أن الأقلام والألسنة والآراء والفكر، ضاعت كلها يوم ضاعت حرية المصريين في ذلك العهد، وإذا كان الأدب يصور فترة من حياة الأمم، رفعة واتضاعا، فقد هوت مصر كلها إلى أسفل أعماق العبودية، ودليل ذلك تكميم الأفواه، وقصف الأقلام، ووأد الآراء، ومصادرة الفكر، ترى ماذا بقي لمصر من مقومات في عهد القائد الملهم المظفر الزعيم جمال عبد الناصر!!

وفي نفس التاريخ والجريدة كتب الدكتور سيد عويس يقول:

(ولا شك أن الفترة القصيرة الماضية من حياتنا السياسية، بما فيها من غياب الديمقراطية، وكبت الحريات قد أسهمت بدور كبير في غياب الكتاب الكبار أيضا، وعدم ظهور المواهب الشابة، وأثرت على حياتنا الفكرية).

ولكني لا أوافق الدكتور سيد عويس على أنها كانت فترة قصيرة، لقد طال ليلها إلى حد الظن بأن لا شروق، وأن يوما من أيام الاستبداد، ليعدل حقبا من الزمان في نور الحرية والأمن والاستقرار، إن ما نراه اليوم من تفاهة الأدب الرخيص في شتى صوره، إنما هو نتيجة محتومة لإحجام كبار الكتاب عن الإنتاج الأدبي الرفيع، ففي ذلك العهد، ما كان كاتب يستطيع أن يكتب إلا ما يرضى عنه عبد الناصر، وكل كاتب حر أبي، لا يرضى لنفسه أن يكون قلمه موحى إليه من غير بنيات فؤاده، ولكن أين هي الحرية الملهمة في ذلك العهد العجيب؟!!

واسمع ما يقوله أحد رجال التعليم، ولعل هذا القول يوضح لك الشيء الكثير، وكيف كان يتعمد حكم جمال عبد الناصر القضاء على العلم النافع، لأنه يزلزل حكمه، وكيف يتعمد القضاء على الفكر الحر المنقذ من الجهالة، لينعدم أصحاب الفكر والعقول، فلا يلفتون الناس إلى ما فيه من تعاسة وشقاء، فتنهار قوائم الحكم المتداعي الذي يجلس على كرسيه المهتز.

في أهرام السبت 28 أكتوبر سنة 1978 كتب الدكتور عبد الرحمن عيسوي، أستاذ علم النفس في جامعة الإسكندرية يقول:

(إن النظام الحالي لتعيين الموظفين، ابتكر أغلب الظن لإرضاء الخريجين وإسكاتهم في وقت كانت فيه الدولة تعتمد على إسكات طوائف الشعب بأي ثمن، نظام التعيين الأوتوماتيكي، قتل روح المنافسة، وعجز عن تحقيق الاستثمار الأمثل للقوى البشرية، لقد اقتضت مبادئ الفكر الاشتراكي في مجتمعنا في الستينات الأخذ بنظام تعيين خريجي الجامعات والمدارس المتوسطة طبقا لنظام القوى العاملة الحالي، وإن كان قد أدخل عليه قليل أو كثير من التعديلات إلا أنه ما يزال نظاما يعجز عن تحقيق الاستثمار الأمثل لقوى الأمة البشرية المتزايدة، ومن شأن تعيين جميع الخريجين، على قدم المساواة، مهما اختلفت قدراتهم ومواهبهم، ومهما تباين مقدار ما يبذله كل منهم من جهد واهتمام بدراسته، فلن يقتل في جهود الطلاب روح الجد والمنافسة والاهتمام بالتحصيل، والحرص على التفوق، ويضاف إلى ذلك أن هذا النظام لا يحقق وضع الرجل المناسب في المكان المناسب .. فالخريجون يوضعون حسبما اتفق، وحسبما اتسعت ميزانية الإدارات والمصالح الحكومية المختلفة لاستيعابهم، فالطالب الذي يحصل على تقدير جيد جدا يتعين مع زميله الذي حصل على تقدير مقبول، وغالبا ما يعين الاثنان في مجالات بعيدة عما درساه في سنين الدراسة الجامعية، وفي الغالب أيضا ما تعين الأغلبية الساحقة من خريجي الجامعات الحاليين في وظائف لا تتصل بتخصصاتهم، ولا تتطلب فيمن يؤديها مستوى جامعيا، وفي ذلك إسراف وإهمال وتبديد للمال العام، الذي ينفق على التعليم وضياع لطاقات بشرية يمكن أن توجه نحو خدمة المشروعات القومية التي تتطلب فعلا الأيدي العاملة ذات التعليم العالي، وتبدو أيضا عدم فاعلية النظام الحالي من انتظار أعداد غفيرة من الخريجين لثلاث سنوات تقريبا بلا أي عمل، اللهم إلا العمل بالخدمة العامة بالنسبة للفتيات، وقد يتبين أيضا عدم جدية هذا النظام الأخير، وهذه الفجوة الطويلة بين تخرج الشباب وتعيينه من شأنها أنها تنسيه كل ما تعلمه في الجامعات أو في الدراسة الفنية، وفي الماضي غير السحيق كانت مهمة التعيين تترك للوزارات والمصالح فكان كل منها يختار أصلح العناصر لسد حاجاته).

هل يحتاج هذا الشرح الدقيق الواضح، إلى بيان ما جناه عبد الناصر وحكمه على العلم والمتعلمين في مصر، ترى كم من عشرات السنين يحتاجها هذا الوطن المغبون، حتى يستعيد خريجو الجامعات مكانتهم من ناحية التحصيل العلمي؟!! وترى كم هي الخسائر الفادحة التي أصابت مصر، بسبب هذا الإفساد في التعليم، الذي كان جمال عبد الناصر يرشو به طلبة الجامعات وأولياء أمورهم، ليقبعوا متخاذلين ويصمتوا منتظرين القروش التي يمن بها عليهم هذا الحاكم الفاشل ليتبلغوا بها لقمة العيش!!! جمال عبد الناصر ... كم جنيت على مصر وأبناء مصر، بل والمسلمين جميعا، ويا لهول ما ستلقاه من حساب، لقد آذيت جيلك في ماضيه الإسلامي المشرق، فحجبت عنه ذلك المجد التليد بما أفسدت في التاريخ لتقطع صلته بماضيه العظيم، وآذيت جيلك في حاضره، فأذللت الكريم، وعاقبت البريء، وأدنيت الوصولي، وأقصيت الشريف، وآذيت جيلك في مستقبله، فنشأته تنشئة واهية هابطة لا تقيم رجالا شرفاء، ولا تعد لمستقبل زاه بعيد، كل ذلك فعلت .. لا بقولي، ولكن بهذا الذي أوريه على ألسنة من لا صلة لهم بالإخوان المسلمين.

التعيين وجنايته على التحصيل العلمي

ونشرت الأخبار في 31 أكتوبر سنة 1978 بحثا عن التعليم جاء فيه:

(المفاجأة الأولى في نتائج الدراسة أن 66% من القيادات الإدارية قالت إن نظام تعيين القوى العاملة للخريجين – بوضعه الحالي – غير مناسب.

وما دام الجامعي قد ضمن أنه سيلحق بوظيفة، مهما كان تحصيله العلمي، فقد انحصر همه فعلا في أن ينجح بأي تقدير، لما لذلك من أثر على توظيفه وتناول مرتب الوظيفة، أما العلم في ذاته، العلم النافع الذي من أجله أنشئت الجامعات، فلا يعنيه في شيء، فهل بعد ذلك من نكبة العلم والمتعلمين.

وفي أهرام 1 نوفمبر كتب الدكتور رشاد رشدي مقالا تحت عنوان [بناء الإنسان المصري] يقول فيه:

(إن من أهم مصادر الاعتداء على الإنسان المصري، الفكر الماركسي، الذي استوطن مصر مدة طويلة، والذي تركز في أيدي مراكز القوى، وقد حكمت مصر فترة غير قصيرة، استطاعت خلالها أن تخلق أنماطا من الفكر والسلوك، الواعي وغير الواعي، أساءت إلى الإنسان المصري، كما لم يسئ إليه أحد من قبل، إن مظاهر هذا العدوان كثيرة ومتعددة، ولعل أخطرها تأليه من بيدهم السلطة، فهم وحدهم أصحاب الإرادة، وأعمالهم لا تقبل المناقشة أو حتى الكلام عنها ... علاقة مثل هذه بين الشعب وحكامه تقوم بالطبع على الخوف والشك الدائم المتبادل بين الطرفين، وكأن الحاكم قد تحول إلى مستعمر لا يمت إلى أهل البلاد بصلة، ولا هم له إلا السيطرة وفرض إرادته على الشعب، وهذا النوع من الحكم الذي هو في الواقع استعمار مقنع، أسوأ بكثير من الاستعمار السافر، ولعل أخطر ما يصيب أي مجتمع هو تقسيم الناس إلى مسئولين وغير مسئولين .. وهذا ما حدث لنا لفترة غير قصيرة.

وكانت النتيجة أن فقد الناس الإحساس بالانتماء والشعور بالمسئولية، وأكثر من هذا فقدوا الاهتمام ... وأصبح كل ما يشغلهم، إرضاء المسئولين، الواحد بعد الآخر مهما اختلفوا وتغيروا).

هذا أديب يتحدث عن بناء الإنسان المصري، وما أصاب هذا البناء الآدمي من خراب وتحطيم وتدمير، نتيجة حكم عبد الناصر وما فرضه على المصريين المسلمين من تعاليم ماركس وغيره من كتاب الشيوعيين، إنه كان يتعمد تخريب المصري من داخله، من قيمه، من تقاليده، من مقوماته الروحية، ليغدو إنسانا تافها نفعيا لا يفكر إلا في المال ومن أين يأتي به، حلالا أو حراما شيء لا يهم، لأن حكم عبد الناصر وصل به إلى هذا الحضيض المادي المحض، الذي حطم كل العلاقات الفردية والأسرية والاجتماعية والوطنية والدينية.

وفي أهرام الجمعة 24 نوفمبر سنة 1978 كتب السيد ثروت أباظة، وهو أحد الضباط الأحرار مقالا بعنوان [لا وئام بين الإيمان والإلحاد] خاصا بالأدب والفكر.

(والإرهاب الفكري الذي عرفناه في مصر، كان قد ابتدع ألوانا أبشع من الاعتداء على أعراض الرجال والنساء كما جاء في حكم المحاكم، فالأمر لم يصبح إذا مجرد إشاعة أو أقوال تتناقلها الألسنة، وما دام عرض الرجل والمرأة، أصبح مباحا، فالسجن هين والقتل نعمة، ونذكر بيت المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا

لقد جنى حكم عبد الناصر على الأدب والفكر، حتى اعتبر الكاتب هذه الجناية، من أبشع ما جناه عبد الناصر على مصر والعالم الإسلامي بأجمعه ولا أتعرض هنا لهتك أعراض الرجال والنساء فهذا له مكان آخر.

هستريا الشعارات الجوفاء وجنايتها على الفكر المصري

وفي أهرام 11 ديسمبر سنة 1978 مقال للدكتور يوسف عز الدين بعنوان [إعادة بناء الفكر المصري] جاء فيه:

(وقد عشنا فترة من الزمن غير قصيرة، نعاني من الإرهاب الفكري والقهر والاضطراب السياسي والمادي، وفي حروب متوالية حيث كنا لا نسمع صباح مساء سوى الشعار القائل، لا صوت يعلو على صوت المعركة، وكانت المعارك لا تهدأ، كنا إما في حالة حرب أو الاستعداد للحرب، في مناخ قاتم قاتل للفكر والإبداع، يشعرنا باليأس والضياع، وعندما يعلو صوت المعركة، فإن صوت الفكر يخفت أو يتلاشى، وتنطلق بدلا منه هستيريا الشعارات الجوفاء التي تصرخ وتلطم الآذان، منبعثة من جميع أجهزة الإعلام).

لم يخف عليك أن الكاتب عنون كلمته بإعادة بناء الفكر المصري، ومعنى هذا أن الفكر والأدب والفن، قد انهار من أساسه وتحطم، الأمر الذي استلزم إعادة بنائه من جديد، فقد زال من الوجود، ولو كان للأدب أو الفن أو الفكر بقية من أركان، لقال الكاتب: ترميم أو إصلاح أو تدعيم أو تقوية الفكر المصري، ولكنه – وهي الحقيقة – لم يبق شيء يمكن أن يصلح أو يرمم أو يدعم أو يقوى ... لم يبق شيء على الإطلاق، فاستدعى الأمر إعادة البناء، هكذا نرى في كل واد من وديان الحياة، أثرا من ثعلبة.

وفي بحث أجراه أحد المشتغلين بالعلم في مصر، أثبت إحصاء يدل على أن نسبة محو الأمية في عهد جمال عبد الناصر لم تزد في مصر عن 2% ، هذا هو عهد جمال عبد الناصر الذي جاءنا لنرفع رءوسنا علما، فغرقنا في الجهل، وطالبنا بالعزة والكرامة، فمرغمهما في الطين والقطران، والذل والهوان، هذا هو الفاتح، الذي لم يفتح الله عليه مرة واحدة بالنصر، وفي كل المعارك التي خاضها، وفي كل معركة يخرج منها مذموما مدحورا، تدق أجهزة الإعلام كلها طبول النصر والفتح، والناس ينظرون ويتحسرون، ولا يستطيعون البكاء ... بكاء الحسرة والألم، خيفة أن يقال لهم لماذا تبكون ثم يعاقبون على هذا البكاء، حتى بسمة السخرية لا يستطيعون طبعها على شفاههم، خشية أن يقال لهم مم تهزأون، ثم يسجنون ويعذبون، يا له من عهد لم يمر بالإنسانية في العالم كله، مثله سوء وسوادا وبغيا وعدوانا.

في أهرام الجمعة 18 مايو كتب الأستاذ عصام دراز:

(لقد سيطرت مراكز القوى على أجهزة الإعلام، واستشرت كالسرطان في بنيان المجتمع المصري تدمره من الداخلي، وتعطب روحه، وكان حملة الأقلام أول من تعرضوا للإرهاب والتدمير المعنوي، ولا يوجد شيء يدمر كيان أمة مثل تقييد حرية الفكر، فالفكر هو النعمة الكبرى التي ميزنا بها الله سبحانه وتعالى عن باقي مخلوقاته، ويخطئ من يعتقد أن القهر لا بد أن يكون ماديا، أي بالتعذيب والاعتقال، الحقيقة هي أن أقسى أنواع التعذيب هي التهديد بالخطر، وليس وقوع الخطر ذاته، إن القضية ليست قضية مفكر أو أديب، ولكنها قضية مجتمع بأسره.

ذلك المجتمع الذي سقط في براثن مراكز القوى التي تتسلح بالجهل والبطش معا. دون أي اعتبارات أخلاقية أو وطنية).

هذا هو ما أوصلنا إليه حكم عبد الناصر، في مجال الفكر والأدب، أجهزة الإعلام كلها وضعت تحت إمرة أشخاص جهلاء باطشين!! لماذا لا يضع عبد الناصر في المراكز الإعلامية الرئيسية إلا جهلة وطغاة؟!! عمدا أم غفلة؟؟ كلاهما مؤداه خطير فظيع!! ويا ليتهم كانوا جهلة طغاة، فقد يجد الوضع من يدافع عنه بحجة الثقة فوق الكفاءة، ولكن ماذا نقول، وبماذا ندافع، إذا كان الأستاذ عصام دراز يقرر هادئا مطمئنا متثبتا من صحة ما يقول، أن هذه الأيدي الجاهلة الباغية قد خلت، في جهلها وبغيها، من كل اعتبار للخلق والوطنية.

فماذا يبقى للحاكم إذا استعان بجهلة ظلمة لا أخلاق لهم، ولا وفاء فيهم لوطنهم؟ ماذا يقال في مثل هذا الحاكم؟ وأي خير يرجى منه بعد ذلك لأمته ووطنه ودينه؟ أمثل هذا الحاكم يحتفل بذكرى وفاته، اقرأ وقدر ثم احكم مراقبا رب العالمين، فإذا قرأت وقدرت فلن تجد غير ضميرك يهيب بك أن قدموا هذا الرجل وعهده وأدواته للمحاكمة العلنية.  

التعذيب

إن ما أصاب الإخوان المسلمين من التعذيب البشع والتنكيل المريع، والتقتيل الذريع، لم يصب بمثله أحد في مصر بل وعلى طول حقب التاريخ، إن ما فعله جمال عبد الناصر بالإخوان المسلمين في بيوتهم وفي سجونه، لا يمكن أن يصدقه عقل، بالغة ما بلغت قسوته ووحشيته، ولقد كانت تنقل إليه أجهزة الإعلام الصوتية والمرئية، كل ألوان التعذيب، لتعرض عليه في سهراته مع بطانته داخل قصوره، يتسلى برؤية تعذيب البشر، ويرتاح صدره لرؤية الضحايا تقطع السياط أوصالها تقطيعا، تماما كما يفعل الرومان في أعيادهم، إذ يقيمون صراعا بين الأسود الجائعة وبين الرقيق فيتلذذون برؤية الدماء المتدفقة على أرض المصارعة، وبسماع حشرجة الضحايا، وهم يسلمون الروح بين براثن الوحوش.

إن أحد المصارعين أيام الرومان كان وحشا من وحوش الغاب، أما في عهد جمال عبد الناصر، فقد كان الضحية والمفترس ممن تجمعهم صلة الانتساب إلى آدم وحواء، إلى هذا الحد وصل حكم جمال عبد الناصر بالناس.

ورغم هذا كله، فلن أعرض عليك شيئا مما أصاب الإخوان المسلمين، إلا ما يقتضيه السياق، وكل ما ستقرؤه في هذا الباب أصاب غير الإخوان المسلمين، وكأنما كان عبد الناصر سوط عذاب أرسله الله على أهل مصر، بلا تفرقة ولا تمييز، وكأنما كان بينه وبين المصريين عداء دفين.

الإذلال النفسي ... نزعة شاذة عند عبد الناصر:

والظاهرة العجيبة في نفسية عبد الناصر، أن تعذيبه للناس كان يتميز بظاهرة خسيسة، ظاهرة الإذلال النفسي للمعذبين أكثر من الرغبة في الإيلام البالغ، والإيجاع الرهيب.

إنني لا أريد أن أوذي مشاعر القارئ بهذه الصورة المريرة ولكن التاريخ الذي يريدون طمس معالمه، بالإشادة بتاريخ عبد الناصر، والتماس المعاذير له فيما أصاب به مصر والمسلمين، وشماعة مراكز القوى التي يريدون تعليق كل أخطائه عليها، والواقع أنه لم يكن في مصر سواه، ولا يتم شيء إلا بإرادته، ولا يحصل تصرف إلا بمشيئته، ولكن إثبات ما لحق بأعراض وكرامة وإنسانية المصريين، شيء لا يغطيه ولا يجبره ولا يمحوه ولا يزيله أي شيء فعله عبد الناصر، مما ينسبونه إليه، وهو في الحقيقة وواقع الأمر، لم يفعل إلا الخراب والدمار، في كل ناحية من نواحي الحياة في مصر والمصريين والمسلمين على السواء.

ولا شك أن الوقائع التي ستقرؤها نقلا عن الصحف والمجلات والمؤلفات، والتي أيدتها أحكام محاكم الجنايات في أحكامها وحيثياتها هي التي ستعطيك الصورة الصحيحة الصادقة عن حكم جمال عبد الناصر، وليس في شيء منها دخل لواحد من الإخوان المسلمين، التزاما للحيدة الكاملة في سرد أحداث التاريخ الإسلامي في عهد جمال عبد الناصر.

ولو أن الأمر كان قاصرا على الجيل الذي عاصر هذه الأحداث لما شغلت نفسي بالكتابة في هذه الناحية من تاريخ مصر، ولكن الأجيال القادمة التي قد يضللها طوفان الدعاية الكاذبة المغرضة عن عبد الناصر، هي التي حملتني على التصدي لهذا التاريخ، ويومها ستقرأ الأجيال القادمة، وستعلم من هم الإخوان المسلمون الذين كانوا موضع نقمة عبد الناصر، وبقدر ما يلطخ السواد تاريخ تلك الحقبة، بقدر ما يتجلى تاريخ الإخوان المسلمين مشرقا مضيئا، يقص على الأجيال القادمة مواقف الإخوان المسلمين وما قدموا من تضحيات، وما بذلوه من عطاء، وما تحملوه من ويلات ونكبات، لا يمنون بها على أحد، ولكن ليثبت في صحائف التاريخ، لعل الله يتقبلها منهم ويدخلهم في عداد عباده المتقين.

في أخبار الإثنين 23 يناير سنة 1978 في قضية كمشيش، عائلة الفقي، في محكمة الجنايات:

(كامل حجاج (فلاح) ضربوه على قدميه حتى انحلت أظافر قدميه من كثرة الضرب عليها، وشهد محمد السيد حلاوة بدير، مدير الإصلاح الزراعي السابق بالمنوفية، أنهم أطلقوا عليه الكلاب المتوحشة تنهش لحمه، وسمع من الجنود، أنهم يأخذون اثني عشر جنيها شهريا بدل تعذيب، وشهد فاروق الفقي أن شمس بدران – وزير حربية عبد الناصر وحسين عبد الناصر – شقيق جمال عبد الناصر – حضرا للسجن أكثر من مرة، وشهد المزارع توفيق عبد الستار أن المتهمين الضباط والجنود الذي كانوا يقومون بالتعذيب – أمروه أن يلحس الحيطان بلسانه حتى سالت منه الدماء، وأن المتهم سعيد بدوي – أحد الجنود الذين كانوا يعذبون – يبصق في كوب ماء، ويجبر صلاح الفقي على شربه، وشهد رفعت رمضان المدرس أنهم أمروه أن يبصق على وجه والده، فلما رفض ضربوه حتى سقطت أسنانه – وشهد المزارع سعد نصار أنهم ضربوه حتى فقد سمعه).

كل هؤلاء شهدوا في جلسة واحدة من جلسات محكمة الجنايات التي يحاكم أمامها ضباط وجنود عبد الناصر الذين عذبوا أفراد عائلة الفقي وأصدقاءهم.

هل مر بك أبشع من هذا الذي قرأت، فتألمت وبكيت، أظافر القدمين التي لا تخرج إلا بصعوبة بالغة مؤلمة تتحلل من تلقاء نفسها من ضرب مستمر على القدمين، ترى بأي شيء كان يضرب هذا الإنسان على قدميه؟! ما هي المدة التي طال خلالها هذا الضرب؟! ما هي الضراوة التي سكنت قلوب الضاربين وهي ترى أظافر أقدام أخيهم المصري تتساقط من ضربهم المتوالي العنيف.

والمخجل المخزي أن هؤلاء الضاربين، كانوا يتناولون أجرا، على تعذيب إخوانهم، من الذي كان يعطيهم أجرا مقابل التعذيب؟! ألا يعلم بها عبد الناصر؟ وأية صفات رخيصة يغرسها هذا الحاكم في نفوس الشعب، بمثل هذه التصرفات؟ وقيعة يحققها هذا الحاكم بين الضاربين والمضروبين من أبناء الشعب الواحد.

وغيره يفقد سمعه من الضرب، وآخر يصاب بفتق من شدة الضرب، عاهات مستديمة لا برء منها لا يعوضها مال، ولا حتى معاقبة المجرمين، ولكن هكذا أراد عبد الناصر لشعب مصر، الذي يفتديه بالروح وبالدم كما يزعمون!! يا ترى دم من؟

وأسوأ من هذا كله، وأكثر إدماء للنفس البشرية، وأمعن في إهدار الكرامة وتقطيع الأواصر الأسرية، أن يؤمر رجل بالبصق في وجه أبيه، فإن رفض يضرب حتى يصاب بعاهة، ترى أية عائدة تعود على الضاربين من أن يبصق رجل في وجه أبيه؟ إن هذا ليس بتعذيب، ولكنه تضييع للإنسانية، وتحقير لتعاليم الله الذي قضى بإحسان الولد إلى والديه، لا للبصق في وجهيهما! حتى إرادة الله وتعاليمه يتحداها هذا الحاكم العجيب!

وفي أخبار الثلاثاء 24 يناير سنة 1978 استمر نظر قضية كمشيش هذه أمام محكمة الجنايات، لمحاكمة ضباط وجنود عبد الناصر الذين عذبوا أفراد عائلة الفقي.

(شهد كمال الشاذلي الوكيل البرلماني وعضو مجلس الشعب، أنه ذهب إلى قرية كمشيش وقابل المتهم الأول بالتعذيب رياض إبراهيم في منزل صلاح الفقي، وقرر له أنه يتولى التحقيق في هذه القضية، وكان نائب الأحكام جلال الديب، وكان يسأل في التحقيق محاميا اسمه عبد الله الفقي، ورأسه مربوط بضمادات، ورياض عرفه بالمحامي وشتمه أمامه، كما شاهد مجموعة من المواطنين جالسين في ثلاثة صفوف وحولهم حراس يحملون عصيا وكرابيج في انتظار دورهم في التحقيق، وقال إنه فهم من كلام رياض إبراهيم، أنه مكلف بهذا من المشير عبد الحكيم عامر – النائب الأول لرئيس الجمهورية – وشمس بدران، وقال إن شاهنده أرملة صلاح حسين دخلت عليهم وهو مع رياض إبراهيم، وقال إنه سمع بحضور حسين حسين عبد الناصر إلى كمشيش بعد الحادث لصلته بصلاح حسين وزوجته شاهنده مقلد).

لعلك تسأل عن صلاح حسين وزوجته شاهنده، صلاح حسين هذا كان من مروجي الشيوعية في المنوفية، وكانت زوجته شاهنده هذه تساعده في دعايته هذه بمختلف وسائل الترويج والدعاية، وقتل صلاح هذا، وكان صديقا وزوجته لحسين عبد الناصر، واتهموا في قتله عائلة الفقي، فانصب العذاب انصبابا على كل أفراد عائلة الفقي، رغم أن التحقيق في مقتل صلاح حسين أثبت أن لا صلة لعائلة الفقي بحادث القتل، ومن يدري أن أصدقاء شاهنده هم قتلة صلاح ليخلو لهم الجو!! شقيق ناصر ودوره في كمشيش:

ولا تعجب إذا رأيت شاهنده بصحبة حسين عبد الناصر في جلسات التحقيق العسكري، وتدخل على المحقق بلا استئذان، فهي في حماية شقيق رئيس الجمهورية، لا تعجب فقد تجاوز الشذوذ كل شيء، حتى أصبح هو القاعدة، ونقيضه هو الاستثناء – لماذا تحضر شاهندة التحقيقات؟!

بأية صفة؟! وعن طريق أي سلطة؟! ولماذا تستقبل في غرف التحقيق؟! ولماذا تجلس مع المحققين أثناء التحقيق، وأثناء تعذيب أفراد عائلة الفقي؟ كل هذه أسئلة، لا أظن أن أجوبتها تخفى على أحد، وخاصة إذا كان مرافقها في الدخول والخروج، هو شقيق من حقر كرامة المصري وأذلها إلى الحضيض!

(وفي نفس الجلسة شهد سالم حسين، ناظر زراعة عائلة الفقي، أنه اعتقل وأدخل السجن الحربي، وتراهن عليه المتهمون محمد رجب ومحمد موافي ورشاد عبد اللطيف، أن يضربه محمد رجب أحد عشر كرباجا وأي ضربة لا تخرج دماء يخسر الرهان، وفقد الرجل رشده وكسب محمد رجب الرهان، ومرة أخرى ضربوه بأيديهم حتى بال على نفسه من قسوة الضرب، هؤلاء هم رجال عبد الناصر)!

هل مر بك في كل ما سمعت أو قرأت، أن آدميا كان يجد المتعة في تعذيب أخيه الآدمي، بل ويعقد رهانا على إمعانه في القسوة إلى حد رهيب، كان هؤلاء القساة يجدون المتعة الكاملة في تعذيب المصريين، ويزيد الأمر بشاعة أن يأمر بهذا التعذيب النائب الأول لرئيس الجمهورية ووزير حربيته وشقيقه وصديقة شقيقه، والأدهى والأمر أن عبد الناصر كان يعلم بهذا كله أولا بأول، فهل مر بك في كل ما مر بك، رئيس دولة يكره الشعب الذي يحكمه، كراهية عبد الناصر لشعب مصر؟ وكل ذنب الشعب المصري أنه لم يعتنق الشيوعية التي كان يحرص جمال عبد الناصر، على أن يعتنقها الشعب المصري فلما استعصى عليه، كان نصيب الشعب منه الإذلال والامتهان.

وفي نفس القضية شهد مصطفى كامل عزب عضو مجلس أمة سابق:

(أنه ذهب إلى كمشيش، فوجد بعض الأهالي وهم مربطون بالحبال انتظارا للتحقيق، وأنه شاهد صلاح الفقي يلبس الطرحة الحريمي).

هل رأيت أو سمعت أو قرأت عن تحقيق، يربط المحقق معهم بالحبال انتظارا للتحقيق؟ ولكن هذا حدث في حكم جمال عبد الناصر وكان يشهد هذه المآسي الرهيبة، شقيقه حسين عبد الناصر وصديقة شقيقه شاهندة مقلد!! وهل أبقى على القيم السامية، حكم عبد الناصر، حتى نتحدث عن الحياء؟

وانظر كيف يعامل الحاكم المصري عبد الناصر، المواطن المصري صلاح الفقي؟ يلبسه طرحة النساء؟ إمعانا في الإذلال، وإيذاء النفس الحية الأبية؟ بربك أتعذيب هذا؟ أم إماتة لكل معاني الرجولة وإهدار للكرامة التي جاء جمال عبد الناصر ليخلقها في المصريين، كما يفتري ويقول؟

تعال معي أسمعك دفاع أبطال الأمس الذين كانوا يصولون ويجولون في أفنية السجون الحربية، فإذا لقوا العدو في ميدان القتال ولوه أدبارهم، وقابلوه بأقفيتهم الناعمة المصقولة!

قال الدفاع عن رياض إبراهيم، أحد الضباط الأحرار!! الذين اشتهروا بالقسوة في التعذيب قال الدفاع عنه:

(إن الحراسات فرضت على المصريين، بسبب الإثراء غير المشروع، وقال: إن الحراسة لم تفرض على سامي شرف حينما أخذ الف جنيه استرليني، وستين ألف ليرة لبناني من خزانة الدولة، لأنه استأذن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في أخذ هذه المبالغ بمناسبة زواجه).

لا علاقة بين تعذيب المتهم لأفراد الشعب، وبين استيلاء سامي شرف [التابع الأمين لجمال عبد الناصر] ولكن الله سبحانه، أراد أن يفضح كل واحد منهم على لسان زميله في الضباطية الأحرارية؟!

(كما قال الدفاع عن رياض إبراهيم، بأن القبض على المجني عليهم كان يتم بأمر جمال عبد الناصر).

ها هو أحد الضباط الأحرار، الذي عرف فيهم جمال عبد الناصر غلظة القلب، وموت المشاعر، فوكل إليه تعذيب المواطنين، ها هو هذا الضابط المنتخب للتعذيب، يعترف بأن القبض على الناس يتم بأمر جمال عبد الناصر، وهكذا يثبت للعالم كله، أن كل قسوة وكل امتهان لكرامة المواطنين كان يتم بعلم وأمر جمال عبد الناصر، وأن أكذوبة مراكز القوى، ما هي إلا أسطورة، لمن يحاولون أن يتعلقوا بأذيال جمال عبد الناصر، لما يرونه من مصلحة شخصية في هذا التعلق.

لقد استنفزت هذه المعاني النظيفة أحد رجال العلم الدكتور عماد عبد الحميد النجار، فكتب في جريدة الأخبار الصادرة يوم الثلاثاء 31 يناير سنة 1978 تحت عنوان [المعتقل الآخر]:

(المؤلفات التي صدرت في الفترة الأخيرة، تحكي عن مرارة الاعتقال وذل الاستبداد، ومرارة العسف والاضطهاد داخل هذه المعتقلات، مثلما حدث به مصطفى أمين والمستشار علي جريشة، وكيف كانوا يعاملون، وكيف عاشوا سنوات طويلة من الهوان والذلة، وكيف سامتهم الزبانية ألوانا من التعذيب المادي والمعنوي الذي خضعوا له كارهين طوال إقامتهم في هذه السجون والمعتقلات، وفصل هؤلاء كيف كانت حروب الجوع والبطش معلنة عليهم بلا رحمة ولا هوادة، إلى جانب الإيذاء الشديد، والعسف الذي يفوق كل حد، مما اضطر بعضهم لشدة عطشه إلى الارتواء مما يبول به، وأن تنتهك كرامته، فيعلق مكبلا، حتى لا يدفع الاعتداء، عاريا لينتزع منه الشعر الذي يكتسي به، دون نظر إلى حياء أو مراعاة لكرامته أو إنسانيته، وكيف كان الاعتداء مبرحا، حتى ذهب بمعالم البعض، فبدا شخصا آخر، غير ما عهده الناس، وكائنا مخالفا لذلك الشخص الذي عرفوه بهذا الاسم).

ليس الإخوان هم الذين يصفون تعذيب عبد الناصر للمصريين بهذه البشاعة، ولكنه رجل محايد، لم يصبه عبد الناصر بشيء، ولكنه علم من الحقائق ما حرك ضميره الحي، على أن يقدم صورة سيئة لذلك العهد .. عهد الذي خلق في المصريين العزة والكرامة ... وارفع راسك يا أخي!! أجل سنرفع رءوسنا نجأر إلى الله الرحمن الرحيم أن ينتقم من هؤلاء القساة البغاة، الذين تجردوا من كل ما يمكن أن يضفي على الإنسان صفة الإنسانية.

وهل يكفي القصاص الدنيوي؟

ترى لو حكم على الموجودين من هؤلاء الذين عذبوا الناس بهذه الصورة الشيطانية، ترى لو حكم عليهم بالإعدام عشرات المرات، أو بالسجن آلاف السنين مع أشق أعمال وعورة؟ ترى لو حكم على كل واحد منهم بمثل ما فعل بضحاياه؟ هل يكون في ذلك كله تعويض للأبرياء المعذبين عما أصابهم من عذاب جسماني ونفساني؟ وهذا الذي أصابته العاهات المستديمة من جراء التعذيب، هل يعيد له تعذيب الجناة، ما فقده من أعضاء، وحل به من عاهات؟ أما أنا فلا أعتقد، حقا إن القصاص عقوبة شرعها الله، وهو أعلم بما يصلح وما ينفع، ولكنه جل جلاله يوم أن شرع القصاص للانتصاف والمحافظة على الخلق، كان يعلم – عظم من عليم – أن هذا القصاص، قد لا يكون فيه الراحة الكاملة للمجني عليه، ولذلك قدر سبحانه درجة في هذا المجال لا أشك لحظة أنها العلاج الإنساني الكافي، لمثل هذه الجنايات، فشرع هذا العلاج البديع الرفيع (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) وأقولها عن تجربة وواقع مر بي مرات ومرات ومرات تثور النفس طلبا للانتصاف، وهذا حقها، ولكنها تعود إلى رحاب ربها، فترى أن ما حل بها في سبيل الله، هو من نعمه البالغة، إذا ما رضيه الإنسان عفوا واحتسابا ورضاء بكل ما أصابه في سبيل الله، وإنها لراحة في الصدر، وسلام في القلب، وسعادة بالخلق العالي الكريم، فليعاقب الجناة أو لا يعاقبوا، وليشقوا أو ليسعدوا، فما كان للناس، عند العاملين في سبيل الله، وزن أو حسبان في يوم من الأيام.

وفي جريدة الأخبار الصادرة يوم الثلاثاء 21 فبراير 1978 قال الدفاع في قضية كمشيش .. قضية عائلة الفقي:

(إن مسئولية رئيس الجمهورية تنبع من اليمين التي يقسم بها عندما يتولى رئاسة الجمهورية، وأن الرئيس الراحل، خرج عن حدود وظيفته بإصدار الأوامر باعتقال المجني عليهم، ويعتبر مسئولا مسئولية شخصية عن هذا العمل).

وقال الدفاع كما نشرته الأخبار في يوم الأربعاء 22 فبراير سنة 1978"

(إن الحكومة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، انحرفت عن أهداف الثورة الأصلية ... وأن الرئيس الراحل تحدث في إحدى خطبه عن القضاء على الإقطاع من أجل حرية الفلاح، والقضاء على الاستعباد، فأين هذا مما حدث؟! ... فالرئيس الراحل لم يحترم حرية الفرد، بل استبد وتحكم في الشعب وفي زملائه وأصدقائه، فالرئيس الراحل كان يتشبث بالسلطة والبقاء في الحكم، وكان يخترع الكثير من الزوابع ليعصف بمن يشاء، ولذلك فقد أقام حكومة بوليسية).

قال الدفاع في كلامه المنشور بجريدة الأخبار الخميس 23 فبراير سنة 1978 (إن الإرهاب في عهد الرئيس الراحل وصل إلى الجميع حتى الهيئة القضائية وأن المتهم رياض إبراهيم كان يطلب أفخر أنواع الأطعمة من أكبر المطاعم بالتليفون، ونحن نقف أمامه بلا ملابس في الشتاء وبطوننا خاوية من الطعام، وقام المحامي طاهر المصري بإسماع المحكمة شريط تسجيل لخطبة الرئيس الراحل في عيد العمال سنة 1967 وفيها تحدث الرئيس الراحل عن مقتل صلاح حسين بين الإقطاعيين، للتدليل على أن جرائم التعذيب تمت بإذن الرئيس الراحل ... ويوم أن جاء إلى كمشيش رياض إبراهيم، كان يقيم مع شاهنده في فيلا صلاح الفقي، وأمر رياض إبراهيم بوضع صلاح الفقي صاحب الفيلا في عشة الفراخ، ... وقال إن الشعب كله كان يعرف أنه لا حرية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأن من يجرؤ على النقد يعتقل ويعذب، وقال أحد المحامين عن المدعين بالحق المدني، إن المجني عليه عبد الرازق عمارة اعتقل بعد عودته من ألمانيا بشهادة عليا وأصيب بالجنون من قسوة التعذيب).

وقال محام آخر:

(إنه كان ضابطا برتبة لواء في القوات البحرية، وكان عضوا في محكمة الدجوي التي نظرت قضية كمشيش، وأنه بكى خلف نظارته السوداء عندما سمع تفاصيل التعذيب الذي وقع على المجني عليهم، وأن الفريق الدجوي عندما قرأ أوراق القضية، قال: إن البراءة فيها ظاهرة لأنها مطبوخة بسبب عمليات التعذيب).

وقال كمال الفقي المحامي عن أحد المعذبين في قضية كمشيش:

(إن المتهمين نزعوا أظافره، بتحريض من شاهنده، وإن هذه القضية وصمة عار على جبين مصر، وأنه كان القصد منها مقاومة الحرية والكرامة في مصر كلها، وليست كمشيش فحسب).

وقال دفاع المدعين بالحق المدني:

(إن المتهمين سرقوا من محل أحد المجني عليهم سبعمائة جنيه، واستهلكوا سيارته وأعادوها خردة .. وأن المتهم الأول رياض إبراهيم أطلق الرصاص على فخذ أحد المجني عليهم ليجبره على الاعتراف).

هذا ما كان يحل بالمصريين تحت سمع عبد الناصر وبصره، وتصل الخسة والضعة، بأن تقيم سيدة، لا أدري بماذا أصفها، مع المحقق الذي لا صلة مشروعة لها به في منزل المجني عليه، الذي يوضع في عشة الفراخ في بيته، بينما يجري في غرفة نومه ما الله أعلم به، ويرغم أحد الرجال على ارتداء طرحة النساء، إمعانا في الامتهان والازدراء وبعد ذلك قل في حكم عبد الناصر ما تشاء ولا تثريب عليك. ألم يضحكك إلى حد البكاء أن تقرأ فيما مر بك أن أحد أعضاء المحكمة، المحكمة التي كانت تحاكم عائلة الفقي، كان يبكي من وراء نظارته السوداء وهو يجلس على كرسي القضاء مما ألم بعائلة الفقي من تعذيب ثم لا يجد من نفسه الجرأة على التخلي عن نظر القضية! إلى هذا الحد وصل الهوان بالمصريين في عهد جمال عبد الناصر.

ولكي تتأكد كل التأكد من صدق هذا الذي تقرأ أحيلك إلى شهادة السيد محمد أنور السادات رئيس الجمهورية في جمال عبد الناصر الذي يحتفل بذكرى وفاته كل عام كزعيم من زعماء الوطن، وما هو إلا أدهى وأخس حاكم، فليحاكم عبد الناصر وبطانته فهذا هو الأليق به.

مكافحة الإقطاع أم مكافحة الإنسان:

نشرت الأهرام الصادرة في يوم الخميس 16 مارس سنة 1978 جانبا من كتاب البحث عن الذات لمؤلفه أنور السادات رئيس الجمهورية جاء فيه:

(وكانت قرية كمشيش مسرحا فعلا لإقطاع لم تشهد له البلاد مثيلا، ولكن أولئك الذين كان يستشهد بهم جمال عبد الناصر كانوا في الواقع أسوأ من الإقطاعيين الذين لم ننكر وجودهم هناك، إذ كانوا شيوعيين ماركسيين يريدون أن يتوصلوا عن طريق مكافحة الإقطاع إلى تطبيق الماركسية، وفي سبيل هذا لم يتورعوا عن امتهان كرامة المواطنين، بأسوأ مما كانت تفعله لجنة تصفية الإقطاع).

هل تجنينا على عبد الناصر وحكمه؟!! هذا هو صديقه وزميله وخليفته يدمغه بأفظع تهمة تنسب إلى آدمي ... امتهان الحاكم لإنسانية المحكوم!!

وفي يوم الثلاثاء 21 مارس سنة 1978 نشرت جريدة الأخبار أن محامي المتهم الأول بالتعذيب في قضية كمشيش قال:

(إن السلطة كانت مركزة في يد الرئيس الراحل، وكان الدستور والقوانين تعطيه الحق في القبض على أي شخص حتى بالأوامر الشفهية، وأنه لم يكن في مصر غير آمر واحد ومأمور منفذ).

هذا هو دستور عبد الناصر، وهذه هي قوانينه، وهذه هي ديمقراطيته لا أجد سواه في مصر ... هو الآمر الناهي، والكل عبيد يأمر فيأتمرون وينهى فينتهون، والويل كل الويل، والنكال كل النكال، لمن تحدثه نفسه في عصيان هذه الإرادة الناصرية، ورغم كل ذلك فما يزال يصرف لورثة عبد الناصر مرتبه كرئيس جمهورية بالكامل مع كل الامتيازات التي يستمتعون بها من مال الشعب الذي أذله عبد الناصر إلى أحط دركات الإذلال، فهل يستطيع مكابر أن يقول إن عبد الناصر لم يكن يعلم بشيء مما تفعله مراكز القوى المزعومة).

(انهار المتهم محمد موافي خليل [قضية كمشيش] وقال للمحكمة نحن ضحايا شمس بدران [وزير حربية جمال عبد الناصر وصفيه وخليله] وأذنابه، هم الذين أمرونا بالتعذيب ثم هربوا وتركونا نحاكم وحدنا).

وهكذا تظهر الحقيقة إذا اختلف الظالمون المعذبون، هم الذين يقررون الحقائق، ولسنا نحن الذين نتهمهم بما علمته الدنيا كلها عنهم.

وأيد هذا بشكل قاطع ما جاء في أخبار الجمعة 24 مارس سنة 1978 في قضية كمشيش:

(قال الدفاع عن المتهمين بالتعذيب، إن التعليمات الصادرة للمتهمين كانت آتية من السلطات العليا، ولم يكن المتهمون يتصرفون من تلقاء أنفسهم، وكان الاعتقال يتم بأن يرفع مدير أمن المنوفية مذكرة لرئيس الوزراء، ووزير الداخلية يطلب اعتقال أهالي كمشيش، ويبرر طلبه بالمحافظة على الأمن، ويرفع رئيس الوزراء بدوره مذكرة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي يصدر القرار بالاعتقال).

بهذه البساطة الكاملة، كان يعبث بأقدار المواطنين وكراماتهم وأعراضهم وحاميها حراميها، المفروض أن الحاكم هو الحفيظ على الأموال والأنفس والأعراض فإذا به هو الذي ينهبها ويقتلها ويهتكها، وافرحي يا مصر بزعامة عبد الناصر.

وفي يوم الثلاثاء 28 مارس سنة 1978 قالت جريدة الأخبار عن قضية كمشيش:

(أعلن الدفاع عن المتهم الرابع في قضية كمشيش أمس، أن مصر عاشت أقسى أيامها وقت الحراسات والاعتقالات، وقال: إن شرذمة من المفسدين قد تولوا أمورها وبعضهم الآن في السجون، والبعض الآخر هرب إلى خارج الحدود والباقون في ذمة الله).

إنهم شركاء عبد الناصر، هم الذين يصفون حكمه بما تقرأ، هؤلاء الشركاء الذين كانوا في عهد عبد الناصر يغترفون، بعلمه، من أموال الشعب ما يشاءون بلا حسيب ولا رقيب، هؤلاء الأذناب الذين كانوا فوق مرتبة البشر أيام حكمه، لا يستطيع مصري أن يرفع نظره فوق مستوى أقدامهم.

وقالت الأخبار في يوم الأربعاء 29 مارس سنة 1978 عن قضية كمشيش:

(قال الدفاع إن النيابة لم تقدم المتهمين الحقيقيين للمحاكمة في هذه القضية، وأنهم عاشوا عهدا لم يستطع فيه الوزراء ولا غيرهم أن يقولوا: لا).

إذن فقد كان في التعذيب محركون وآلات تتحرك، فقدمت النيابة الآلات المتحركة ولم تقدم الذين كانوا يحركون هذه الآلات.

وإن كان قد آذى مشاعرك الإنسانية ما قرأت عن تعذيب أفراد عائلة الفقي في كمشيش، فإني أعرض عليك على سبيل المقارنة، أن هؤلاء الزبانية صبوا على حسين شعبان أحد الإخوان المسلمين، صبوا عليه كحولا وأشعلوا فيه النار حتى أتت عليه، ثم أعلنوا أنه هرب، فليستمتع الناصريون بهذه الحمم البركانية التي تتدفق على المصريين حينا من الدهر، كان حينا ملعونا، وينتظرون من الله أفظع الآلام، وأبشع الأمراض، "وما الله بغافل عما يعملون".

وكانت خاتمة المطاف في هذه القضية، ما أثبتته محكمة الجنايات في حيثياتها التي نشرت بجريدة الأخبار يوم الجمعة 23 يونيو سنة 1978:

(إن محكمة الجنايات تسجل للتاريخ أن الفترة التي جرت فيها أحداث هذه القضية المثيرة، هي أسوأ فترة مرت بها مصر طيلة تاريخها القديم والحديث، ففيها ذبحت الحريات، وديست كرامة الإنسان المصري، وإن المحكمة وهي تسجل هذه الفظائع، ينتابها الأسى العميق، والألم الشديد، من كثرة ما أصاب الإنسان المصري في هذه الحقبة من الزمان، من إهدار لحريته، وذبح لإنسانيته، وقتل لكافة مقوماته وحريته ورجولته وأمنه وأمانه وماله وعرضه، وإن المحكمة تسجل للتاريخ أيضا، وقلبها يتفطر أن ما حدث في هذه القضية لم يحدث مثله حتى في شريعة الغاب ولا البربرية الأولى، وإن المباحث العسكرية الجنائية أمرت الرجال بالتسمي بأسماء النساء، ووضعت ألجمة الخيل في فم رب العائلة وكبير الأسرة، ولطمت الرءوس والوجوه فيها بالأيدي كما ركلت بالأقدام، وهتكت أعراض الرجال أمام بعضهم البعض، وجيء بنسائهم وهددوا بهتك أعراضهن على مرأى ومسمع منهم، ودربت الكلاب على مواطأة الرجال، وتم ذلك فعلا بأمر المتهم الأول، وهدد رب العائلة وإخوته بإخراج جثة والدتهم، وكانت حديثة الدفن للتمثيل بها أمام الناس، والتشهير بهم وإذلالهم أمام أهلهم، وتسجل المحكمة أن المخلوق الذي ينسى ربه ونبيه ويأمر الابن بصفع أبيه، هو مخلوق وضيع وتافه ومهين).

هذه حيثيات لمحكمة الجنايات، لا يرقى إليها اتهام بتحامل أو ممالأة أو تحيز أو انحراف، بربك أيها القارئ إذا درب جمال عبد الناصر، وبعلمه إذا دربوا الكلاب على مواطأة الرجال، فماذا تسمى هؤلاء الناس؟ وبماذا تصف عبد الناصر الذي كان يحميهم ويكافئهم بالمال الغزير، على هذه القبائح والفواحش والآثام؟ أيمكن لإنسان به ذرة من آدمية أن يرضى عن هذا الحاكم؟ ولو أطعمه المن والسلوى وأعد له فراشا من ريش النعام؟ أليس من التنكر لكل ما هو إنساني، أن يحتفل بذكرى وفاة هذا المخلوق الفظيع؟ ألا رحمة بمشاعر الناس وعقولهم وكرامتهم، وأهيلوا جبال التراب على ذكراه لعل الناس ينسونه ... وهيهات.

ليس ما مر بك في قضية كمشيش هو الأمر الوحيد في حكم جمال عبد الناصر، ولكن الوقائع أكثر من أن تحصى، ففي كل سنة كانت تخلق قضية انقلاب حكم، وفي كل قضية يدور التعذيب.

الرغبة في التعذيب مرض مزمن!!

وكأنما أصبح التعذيب مرضا متأصلا عند جمال عبد الناصر ورجاله وحكمه فأصبحوا أشد استمتاعا بالتعذيب، من مدمن الأفيون الذي حرم منه زمنا ثم جاءه على غير انتظار.

أقدم لك قضية أخرى أمام محكمة الجنايات حوكم فيها شمس بدران ومن معه، عندما عذبوا رحال المشير عبد الحكيم عامر بعد وفاته، وأظنك لم تنس أن المشير عبد الحكيم عامر كان ضالعا في تعذيب عائلة الفقي بكمشيش هو ورجاله فأرسل الله من يعذب من استعان بهم، وهكذا يسلط الله الظالمين على الظالمين يفنون بعضهم بعضا، وكل الذين اشتركوا في تعذيب الإخوان أو غيرهم دخل معظمهم السجون، وقتل الكثيرون منهم، والباقون من قسوة المرض ومرارة الدواء، ما يتمنون معه أن يعجل الله بهم لإنقاذهم مما هم فيه من بلاء، ومن العجيب أن هؤلاء الناس لا يعتبرون ولا يتعظون ولا يزالون يعيشون في أحقادهم وسواد قلوبهم (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه).

في أخبار 10 يناير سنة 1979 جاء في محاكمة شمس بدران ومن معه في قضية التعذيب الخاصة برجال المشير عبد الحكيم عامر:

(قال أحد الشهود [في محكمة الجنايات] إن شمس بدران حضر واقعة التعذيب وهو سكران تماما، وأمر المتهم حسن خليل الضابط بالسجن الحربي بضرب أحد المتهمين ثمانمائة كرباج ليعترف، ويشهد حمدي محمود الحداد صف ضابط بالشرطة العسكرية سابقا ومن حراس المشير أنه قبض عليه في مارس سنة 1966 وأودع بالسجن الحربي وضرب عدة مرات بالأيدي والكرابيج، ووضع في زنزانة انفرادية لمدة أسبوع، وأحضروا والده ووالدته وشقيقه وضربوه أمامهم، وضربوهم أمامه، وشهد إبراهيم محمود الغنيمي أنهم أحضروا شقيقه محمد وطلبوا منه أن يبصق في وجهه فرفض فعذبوه حتى اضطر للبصق في وجه أخيه.

إن الاستهانة بكل شيء في الوجود بلغت أسفل دركاتها في عهد عبد الناصر، فالناس يسكرون إدمانا أو حبا في الخمر، أو لينسوا متاعبهم كما يزعمون، أو للمرح والتهريج المحرم، أما أن يسكر إنسان تماما ليستمتع برؤية الناس يجلدون ويعذبون، فهذا ما لم يره أو يسمع به أو يقره أحد إلا في عهد عبد الناصر، الذي استعان بمن هم على شاكلته قسوة طبع، وغلظة قلب، وفقدانا لكل ما تواضع عليه الجنس البشري من قيم وعادات وتقاليد وعقائد، أفهم – وعلى مضض – أن يعذب إنسان حتى يعترف، ولكن الذي لا ولن أتصوره لماذا يعذب ابنه وابنته الصغيرة أمامه أو يعذب أمامهم، ما دام قد اعترف لجلاديه بما يريدونه، أهي شهوة تعذيب؟ أم شذوذ في النفس؟ أم انعدام إنسانية على وجه الإطلاق؟ أم كما يقول القرآن الكريم .

أولئك كالأنعام بل هم أضل

ويعرض لنا الأستاذ حسن عبد المنعم صورة عن أحد قساة التعذيب الصول صفوت الروبي، الذي منحه جمال عبد الناصر رتبة شرف ملازم ثاني، مكافأة له على قسوته البشعة في تعذيب المسلمين، في مقال تحت عنوان [لقاء مع الصول صفوت] نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 9 يناير سنة 1978 قال فيه:

(قلت وأنا أحس الخوف يزحف على صدري، ويكاد يزهق أنفاسي ويشتد حنيني للزوجة العانية والابنة المهيضة: لقد بدأت الثورة بيضاء، وها هي تنتهي حمراء، ليس بالدماء فحسب، وإنما بحمرة الأذناب، وشعارات الإشتراكية العلمية والتقدمية والالتحام بالشعب القاني ... والشعب المعلم، قال: وهو يبتسم ساخرا: وبالشعب المعذب في كل مكان).

حتى بعد أن هدأت العاصفة .. عاصفة التعذيب والإرهاب، يتقدم الكاتب إلى صفوت الروبي، أفظع من عذب ونكل، والخوف يزحف على صدره، وتكاد أنفاسه تزهق، لما قرأ وسمع، كيف أهينت الزوجة، وامتهنت أنوثتها، وكيف هيض جناح الابنة، وشربت كؤوس الإذلال مترعة متدفقة، يتقدم إليه، وكان ينتظر أن يرى أمامه إنسانا باكيا تائبا نادما على ما جنته يداه، مستغفرا من كل الجرائم والفظائع التي صبها على مواطنيه، ولكن رأى أمامه مخلوقا ساخرا بكل ما قيل عنه، مستهينا بكل الجرأة على الله في غير ما حزن ولا ألم، هذا هو الصنف الذي كان يستعين به عبد الناصر على تعذيب المواطنين، ويغدق عليه المال الوفير، ويمنحه الرتبة التي لم يحلم بها مجند .. لماذا؟ لأنه أبلى بدلاء طيبا في الدفاع عن وطنه ومواطنيه؟!! أبدا ... ولكنه كان يمعن في الإيذاء إلى الحد الذي تهتز له مشاعر عبد الناصر رضاء وارتياحا، عبد الناصر الذي خلق فينا العزة المهزأة، والكرامة المبتذلة وطالبنا برفع رءوسنا، لتستنزل عليه من السماء كل ما ينزله الله على عبد الناصر وأمثاله الذي لم يرعوا في عباد الله إلا ولا ذمة.

شاهد إثبات في قضية كمشيش:

وقد فاتني في قضية كمشيش أن أعرض لما حدث في محكمة أمن الدولة العليا بالقاهرة، ونشر في جريدة الأخبار يوم الجمعة 20 يناير سنة 1978: (استمعت محكمة أمن الدولة العليا بالقاهرة إلى شاهد إثبات في قضية كمشيش، كشف المجني عليه عن أساليب جديدة في التعذيب ... هدد أحدهم بالاعتداء على ابنته البكر، إذا لم يدل بالأقوال الملطوبة، وسقوا آخر كيلو ملح مذابا في كوب ماء، ومنعوه من الشرب في يوم صائف، واضطر لشرب البول، خلعوا أظافر أحد المقبوض عليهم بكماشة، أصيب أحد المجني عليهم بشلل نصفي من التعذيب، أجبروا أحد المجني عليهم، على وضع وجهه في المبولة ومنعوه من الوضوء والصلاة).

زيجلر ... خبير ألماني في التعذيب

لا تعجب فقد استحضر جمال عبد الناصر، أحد خبراء التعذيب الألمان من الجستابو، ليعلموا رجاله، ما لم يكونوا يعلمون عن أفانين العذاب، وكان اسمه زيجلر، وبعد هذا يزيفون الحقائق ويقولون: إنه ما كان يعلم بشيء من هذا ويريدون تعليق كل جرائمه وأوزاره على من سموهم بمراكز القوى!!

وكتب الأستاذ إبراهيم سعدة في أخبار اليوم السبت 21 يناير سنة 1978 معلقا على ما كان يدور في محكمة الجنايات أثناء نظر قضية كمشيش فقال:

(يتابع الشعب وقائع قضية تعذيب كمشيش التي تنظرها محكمة جنايات القاهرة هذه الأيام، ولفت نظري ما جاء على لسان أحد المواطنين من أن زبانية المباحث الجنائية العسكرية قاموا بتعذيبه وكسر أسنانه، ونزع قطع من لحمه تحت سمع وبصر حسين عبد الناصر الأخ غير الشقيق للرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

ومن حق الرأي العام المصري أن يعرف حقيقة الدور الذي لعبه هذا الرجل في هذه القضية التي لطخت وجه صورة ثورة 23 يوليو، كما لم تلطخها سلبيات أخرى، وليست هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها ذكر اسم حسين عبد الناصر في قضية تعذيب كمشيش، بل ما زلنا نذكر كيف كان مهتما بهذه القضية لدرجة أن هناك من يؤكد، أنه هو المسئول الأول عن تحريك وافتعال هذه المذبحة الحيوانية، بسبب الصلة القوية التي كانت تربطه بالقتيل، صلاح حسين، وزوجته السيدة شاهنده مقلد وأفراد أسرتها ... والسؤال الآن الذي لا بد أن تسمع إجابة عنه في أسرع وقت: هو لماذا لم يسأل حسين عبد الناصر ولماذا لم يحقق معه؟ ولماذا لم يكشف عن دوره في هذه القضية؟ وأعود إلى قضية كمشيش، وأقول إن محاكمة رياض إبراهيم وصفوت الروبي وغيرهم من الصغار، بالانتقال إلى قرية كمشيش وطلبوا منهم امتهان كرامة وعرض وشرف عشرات الأسر الآمنة البريئة، حدث هذا بأمر عسكري من المشير عبد الحكيم عامر، كما قام رجال المباحث الجنائية العسكرية تنفيذ قرار أصدره القائد العام للقوات المسلحة والنائب الأول لرئيس الجمهورية والمسئول عن الجيش المصري، نريد أن نعرف حقيقة الدور الذي لعبه حسين عبد الناصر، إن هذا الرجل، يشغل الآن منصب مدير شركة مصر للطيران في بيروت).

رغم أن ما أصاب الإخوان المسلمين كان أبشع من هذا بمراحل فإن هذا الكاتب، لم يكتب شيئا عنهم مثل ما كتب عن قضية كمشيش، والعجيب أن أسئلته عن دور حسين عبد الناصر في قضية كمشيش ما تزال حتى اليوم بلا جواب، الأمر الذي يلقي مسئولية غير طيبة على المسئولين اليوم، إن عدم سؤال حسين عبد الناصر في عهد سيادة القانون، عن دوره في قضية كمشيش، رغم ورود اسمه مرارا على ألسنة الضحايا، يلقي ظلالا كلها ريبة وشكوك على المحققين، وما أظن أن هذا الإغفال جاء عفو الخاطر، ولكن مهما تبطن تظهره الأيام، وسينكشف المستور قريبا أو بعيدا ولكنه سينكشف على كل حال.

ولا أخالك إلا وقفت طويلا عند ذكر الصلة التي كانت بين حسين عبد الناصر، وبين القتيل، لا زوجته فحسب، بل وبين أفراد عائلتها ... هل تفهم؟ إلى أي مدى استشرى الفساد في الكيان المصري، ومن هم الذين كانوا يتصرفون في مصر والمصريين كيفما يشاءون سلبا ونهبا وهتكا وقتلا!! ما أجمل هذه الهالات التي تكلل جبين حكم عبد الناصر، الذي ما يزالون يرغمون الشعب على الاحتفال بذكرى وفاته، ومن أموال الشعب المرغم على الاحتفال، إن دولة العلم والإيمان، يجب أن تنفض عن تاريخها وزر هذا الاحتفال، وتحل محله ذكرى محاكمة البغي والعدوان، وجريمة جمال عبد الناصر.

حماة الماركسية وقضية كمشيش

وفي جريدة الأخبار الصادرة في يوم الأحد 29 يناير سنة 1978 بدأت النيابة مرافعتها في قضية تعذيب كمشيش وقالت عن حكم عبد الناصر وأذنابه:

(إنها قضية الشيوعية ... والظلم والعدوان والبطش والإرهاب، قضية فئة ضالة، شاء قدرها أن تجلس منذ سنوات على مقاعد السلطة ... وكيف انتزعوا التحقيق من بين يدي النيابة، محتجين بصدور تعليمات من وزير العدل، ولم يتأكد ذلك في التحقيقات ... وكيف استباح المتهمون لأنفسهم ارتكاب أبشع الجرائم والتهديد والاعتداء على الأعراض ... ولم يرحموا واحدا من المجني عليهم وهو بين يدي الله يؤدي فريضة الصلاة وكيف تمكنوا بالتعذيب من انتزاع الاعتراف بالقتل ممن كان معتقلا وقت مصرع القتيل).

وصف حكم عبد الناصر أيام حكمه، وصف الإخوان المسلمين بأنهم من أهل الإرهاب، فسخر الله النيابة الممثلة للهيئة الاجتماعية كلها، أن تدمغه هو وحكمه بالإرهاب، فثبت للملأ من هو الإرهابي!! ومن هو المسلم، إن الإخوان المسلمين لم يخرجوا إنسانا من صلاته، ولكن عبد الناصر بأذنابه، عذبوا رجلا كان يؤدي فريضة الصلاة، حتى الله جل جلاله، لم يرهبوا سلطانه فعذبوا الواقفين بين يديه يصلون!!! أمثل هذا الحاكم يحتفل بذكرى وفاته، وتصب أموال الشعب على ورثته انصبابا؟؟ ترى ما هو السر؟؟ وما هي الدوافع؟ سيأتي، إن شاء الله، اليوم الذي ينكشف فيه المستور، وتظهر فيه الحقائق واضحة، تتحدث عن كل ما يحاول أصحاب الأغراض ستره عن المواطنين، وأمام المحكمة ستظهر الحقائق المفجعة أكثر وأكثر.

وفي نفس الجريدة، وفي نفس التاريخ، كتب الأستاذ مصطفى أمين تحت عنوان [فكرة].

(وفي نفس اليوم زرت مدرسة شبرا الثانوية للبنات ... ورأيت هناك السيدة نبيلة زكي المدرسة بهذه المدرسة، وأعرف أنه قبض عليها في سنة 1965 واختطفت من زوجها وأولادها، ورفض الذين خطفوها أن يقولوا ما هي جريمتها ... وعجز زوجها أن يعرف أين زوجته واستمر حبسها ثلاثة أشهر، كانت تصرخ خلالها: ماذا فعلت؟ فلا أحد يجيب عن سؤالها، وفي آخر الأمر قال لها وكيل النيابة إنها متهمة بأنها من الإخوان المسلمين. وذهلوا، وحققوا واكتشفوا أنها قبطية وزوجها قبطي وأولادها أقباط، وذات يوم صدر قرار بفصل حامد محمود وزير الحكم المحلي الحالي من الإتحاد الإشتراكي بتهمة أنه اشترك في جريمة قتل فلاح في البحيرة، ثم ثبت بعد ذلك أن الجريمة وقعت عندما كان حامد محمود ثلاث سنوات، وتدخل أنور السادات لإلغاء القرار، وروى لي النائب علي سلامة، أنه قبض عليه هو واثنين وعشرين شخصا بينهم نواب وصحفيون ومحامون وموظفون بأغرب تهمة في العالم، وهي أنهم شيعوا جنازة النحاس باشا، ووضعوا في سجن القلعة، ورموهم في الزنازين على البلاط بلا غطاء وبلا مقاعد ولا سرير!!

هكذا كانت كل حرمات المصريين مهدرة ومضيعة، يعذب أي إنسان، أيا كان دينه، لأتفه شائعة، أو لأكذب قول، بلا اهتمام لأي وضع من الأوضاع، أعضاء الإتحاد الإشتراكي، لم يسلموا من هذه المهانات فيقبض على الرجل، ويتهم آخر بأي قتل، فيثبت من الأوراق، أنه في الوقت الذي ارتكبت فيه جريمة القتل، كان عمر هذا المتهم المفصول، المقبوض عليه، المتهم بالقتل، كان عمره ثلاث سنوات، أي حكم هذا؟ وأي عهد؟ وأي فزع ورعب كان يعيش فيه المصريون جميعا، في عهد عبد الناصر؟!! اقرأ أيها القارئ، وتعجب واشمئز وتقزز من ذكريات حكم مشئوم بغيض!! فهلا رجمنا الذي يحتفلون بذكرى وفاته، ومن هذه الذكريات الرهيبة الرعيبة، هلا رحمناهم بمحاكمة هذا السفاح المجرم.

ولتعلم عن دوافع كمشيش شيئا، فاعلم أن النيابة قالت في مرافعتها إن مبادئ شاهنده، وهي العنصر الفعال، المحرك لتلك القضية، تتفق مع مبادئ أعوانها الذين ارتكبوا أحداث 18، 19 يناير سنة 1977 المخربة المدمرة، إنها شيوعية عبد الناصر وأذنابه هي التي كانت تريد أن تصل بالمصريين المسلمين إلى اعتناق مبادئ الشيوعية رغم أنوفهم وهم كارهون، لذلك لم يكن عجبا أن ينكل عبد الناصر بالإخوان المسلمين لأنهم كانوا، ولا يزالون، وسيظلون بفضل الله الصخرة الصامدة، والسد المنيع دون انتشار الشيوعية والإلحاد والانحراف والظلم والاستبداد، سيبقون بفضل الله مشاعل الحرية لهذا الوطن والعقيدة، ودعاة الإسلام بل وضحاياه وحماته ولو اقتضاهم الأمر أموالا وأهلا وحياة.

أحداث التعذيب بعلم عبد الناصر

وفي جريدة الأخبار الصادرة في يوم الأحد 26 مارس سنة 1978 قال المحرر عن قضية كمشيش (قال الدفاع عن المتهم الأول رياض إبراهيم إن القبض على المجني عليهم – من عائلة الفقي – تم بأمر جمال عبد الناصر).

فهل بقي بعد هذا من شك عند أحد، أن كل ما ارتكب من جرائم التعذيب البشعة المتوحشة، كان بعلم وأمر جمال عبد الناصر، كيف كان هذا الرجل زوجا؟ وكيف كان أبا؟ أين العواطف النبيلة، عواطف الحنان والرحمة، من قلب هذا الحاكم العجيب؟

وفي جريدة الأهرام الصادرة يوم الخميس 22 فبراير سنة 1979 جاء ما يأتي:

(حكمت المحكمة بألف جنيه تعويضا لضابط متقاعد، عبد المنعم عبد الحميد، عن تعذيبه، وجاء في حيثيات الحكم: وكان هذا التعذيب في السجن الحربي في أثناء اعتقاله بتهمة محاولة انقلاب الحكم سنة 1967، وقد أثير في هذه القضية حقائق يندى لها جبين الإنسانية، وكيف كانت تحكم مصر؟ ووصل بها الأمر ما لم يصل على أيدي حكام المماليك من تكالب على السلطة، وتكبيل الشعب بالحديد والنار والزج بالأبرياء في المعتقلات، وثبت لدى المحكمة أن المدعي بالحق المدني استعمل معه القسوة والتعذيب من جنود مكلفين بالعمل في السجن الحربي).

وهكذا تدين محاكم مصر عهد عبد الناصر، بأسوأ ما يمكن أن يدان به عهد، من فداحة المصائب والنكبات التي حلت بأفراد هذا الشعب المسالم الوديع، في عهد عبد الناصر، لقد كانت حيثية واحدة من هذه الحيثيات من محاكم متعددة لا يمكن أبدا أن تتهم بالتجني على عبد الناصر، وعهده: لقد كانت حيثية واحدة كافية لمحو اسم عبد الناصر من تاريخ الحكام الذين تحتفل بهم الشعوب، ورغم ذلك فما زلنا نحتفل بذكرى وفاته... لماذا؟ لا أدري!! ولعل الأيام تكشف لنا الأسرار، من الوثائق الرسمية، التي تصر الحكومات المتتالية منذ وفاته، على عدم الكشف عنها، ولكن سوف يأتيك بالأخبار من لم تزود، قريبا إن شاء الله أمام محكمة الحق والعدل والتاريخ.

هذا جانب بسيط من صور حكم عبد الناصر، في إذلال هذا الشعب والتنكيل بأبنائه، وما من شك أن الأيام ستأتي لنا من هذا التاريخ، بما يتضاءل معه كل ما كتب من الحقائق عن سوء ذلك الحكم.

الأخبار يوم الإثنين 11 يونيو سنة 1979:

من حيثيات محكمة الجنايات في قضية أعضاء مكتب المشير عامر

(إن وقائع القضية جرت في فترة حالكة السواد من تاريخ مصر، إذ كانت أعلى سلطة في القوات المصرية المسلحة لاهية عن مصالح البلاد العليا منغمسة في مجونها تاركة لأذنابها التصرف في أمر البلاد والعباد، فعاثوا في الأرض مفسدين وامتهنوا كرامة الإنسان المصري وأهدروا آدميته، تصفية لحسابات شخصية بينهم، وابتكروا ونفذوا من وسائل التعذيب والطغيان ما يعجز عنه الشيطان، وأدى تفريطهم في حقوق البلاد وإفراطهم في إذلال المواطنين أن تجرع الشعب المصري على أيديهم كأس هزيمة 67 المريرة).

وهكذا تدمغ محكمة الجنايات أعلى سلطة في القوات المصرية المسلحة بأنها كانت لاهية عن مصالح البلاد، مسرفة في مجونها، من هو أعلى سلطة في القوات المصرية المسلحة؟ هل نجهل الجواب؟ هو جمال عبد الناصر رئيس جمهورية مصر، ولقد بلغ من بغى وطغيان هذا الحاكم أن أذنابه انحدروا في تحجر القلوب إلى هاوية عجز الشيطان نفسه عن الوصول إليها، هذا هو عبد الناصر الذي تحتفل الدولة كل سنة بذكرى وفاته، ماذا نقول؟ لو بغير الماء حلقي شرق!! ومع كل فإن التاريخ لن يغفل ولن يرحم.

وسيأتي اليوم الذي يعرف فيه الشعب والعالم كل شيء، ثم يتهم الذين يكشفون الحقائق للشعب حتى لا يضل ولا ينسى، يتهمون بالحقد والإضرار بالوطن "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".

لم نقصد من هذا تشويها لصورة ذلك الحكم، فهو قد بلغ من نفسه في تشويه سمعته، بما لم يستطع غيره أن يفعله، ولكن لنذكر ذلك العهد ولا ننسه أبدا، حتى نحصن أنفسنا من مثل ذلك العهد البغيض، ذلك لأن الظالم ليس هو المسئول وحده، عما يوقعه بشعبه من مظالم، إن رجلا واحدا مهما أوتي من القوة والبراعة والذكاء لا يستطيع أن يظلم الملايين من أفراد شعبه، ولكن هذه الملايين هي التي تظلم نفسها، بقبولها للظلم، وعدم العمل على رفعه عنها، وإذا خشي الناس أن يقولوا للظالم يا ظالم، وأن يدفعوا عن أنفسهم الظلم بإنكاره ومقاومته، فقد تودع منهم .. وباطن الأرض خير لهم من ظاهرها "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".

سياسة الحكم

إذا انتقل أحد الذين يعملون في الميادين السياسة العامة، إلى الدار الآخرة، صارت حياته العامة، والأحداث السياسية التي شارك فيها ملكا للأمة، بل ملكا للعالم، ينظر فيها الجميع ويتناولونها بالرأي الصادق الواضح، دون تحيز ولا محاباة.

وذلك حال تواضعت عليه الأمم جميعا في شتى بقاع الأرض، وعلى مختلف الأزمنة والأيام، ولكن لأمر لا يعلمه المصريون، أو يعلمونه وليس لديهم أدلة إثباته، ما الداعي لحبس الوثائق الرسمية عنهم، ما تزال الوثائق الرسمية التي دونت في عصر جمال عبد الناصر طي الكتمان وكأنها ملك للحكومات المتعاقبة منذ وفاته إلى اليوم، وليست ملكا للمصريين جميعا أصحاب الشأن الأول فيه والأخير.

وإن كان الغرض من حبس الوثائق الرسمية التي تدين عبد الناصر وحكمه، هو استمرار رفع هالة المجد التي يريدون أن يظللوا بها رأس عبد الناصر، فإنه غرض مستحيل التحقيق وهدف لا يمكن أن يكتب له النجاح، ذلك لأن الأيام تمر تباعا، وسيأتي اليوم، إن قريبا أو بعيدا الذي يرى فيه المسئولون أن حق الشعب أن يعرف أحداث ذلك العهد على وجهها الصحيح.

لقد بدأ عبد الناصر حكمه بالمثل القائل، أو القصيدة كفر، فاستهل عهده بفصل السودان عن مصر، إن كل عاقل لا ينكر أن الصلات الجغرافية والطبيعية واللغة والعقيدة، تجعل من المحتوم أن يكون الحكم في مصر والسودان حكما موحدا، أي أنه لا مانع من أن يكون رئيس الجمهورية مصريا مرة وسودانيا أخرى، وكذلك رئيس الحكومة سودانيا مرة ومصريا مرة، وأن يكون النواب ممثلين للقطرين باعتبارهما قطرا واحدا، ولكن ذكاء الرئيس الراحل أولى إليه، أن هذا الفصل صورة من صور البطولة والحرية، مع أن هذا الفصل قد يكون يوما ما، بالغ الضرر والخطورة على مصر والسودان على السواء.

وكان لا بد أن أعرض صورا عجيبة، من حكم عبد الناصر وطريقه السياسي في حكم مصر، وكما عودتك من أول هذا الكتاب لن أجعل لمعلوماتي الشخصية دخلا في هذا العرض، ولكنها آراء الكتاب والمؤرخين لذلك العهد، على مختلف مستوياتهم ومعتقداتهم، حتى ترى أن العالم الخارجي، كان يحيط بكل الحقائق التي تمس مصر في كل شأن من شئونها، كان المصريون وحدهم دون غيرهم، أو المقيمون منهم في وطنهم لا يعلمون شيئا مما يخصهم هم دون غيرهم، ذلك لأن عبد الناصر بطريقة أسلوبه لحكم المصريين، يكاد يقول لهم: أنتم أعدائي الذي يجب أن يكبتوا وأن يجهلوا، وأن يعيشوا في عماية تامة عما يحدث في وطنهم، لأني أحس أنكم أول أعدائي في هذا الوجود.

في أخبار 4 يوليو سنة 1977 كتب الأستاذ جلال الحمامصي تحت عنوان (دخان في الهواء).

(عندما يقال رسميا وعلى أعلى المستويات، أن التطبيق الاشتراكي فشل في مصر 100% فقد كان لا بد من إعلان أسباب هذا الفشل ... وفي تصوري أن أحد أسباب فشل التطبيق في مصر هو أن الدعوة الإشتراكية انطلقت من قاعدة امتلأت بالحقد الممزوج بالتطلع إلى الانفراد بالإثراء الشخصي السريع، وكانت الأجهزة المسئولة عن التطبيق الاشتراكي قدوة سيئة للقاعدة الشعبية، حيث أصبحت الكثرة تسعى إلى استغلال كل اتجاه اشتراكي لصالحها الخاص اقتداء بالذين نصبوا أنفسهم حراسا على التطبيق الاشتراكي).

لقد اعترف القائمون بالأمر بعد وفاة عبد الناصر، أن التطبيق الاشتراكي في مصر فشل 100% ولم تكن هذه النتيجة غير متوقعة، لأن القائمين على تطبيق الإشتراكية، كان همهم الإثراء السريع العاجل مهما كانت وسيلته، ولكن اليقين الذي لن يختلف، أن كل تطبيق اشتراكي في بلد مسلم لا بد أن يفشل، وأنه لن ينجح في حكم المسلمين، حكم يؤتي ثماره الطيبة، إلا حكم الشريعة الإسلامية التي يجب أن تكون الأساس الوحيد، حتى عند تطبيق الديمقراطية الإشتراكية.

وفي أخبار اليوم 9 يونيو سنة 1977 كتب الأستاذ إبراهيم سعدة (عندما يسمح بنشر كتب الإلحاد، ويسمح لإخوان ماركس ببث سمومهم وتتولى أجهزة الدولة – في الستينات – تفسير الشيوعية والدعوة لها علنا، بالكلمة والصورة فإن من المؤكد أن يحدث هذا المزيد من الحيرة في قلوب وعقول السذج من الشباب الباحث عن نفسه وحقيقته.

وعندما يفتح الشاب الصغير مجلة يتصفحها، فيجدها تدعو إلى الإلحاد وينظر إلى شاشة التليفزيون، فيرى لقطة من فيلم تسخر من رجل الدين، ويذهب إلى السينما، فيشاهد ما يهدم كل ما آمن به من مبادئ وما تمسك به من معتقدات، فإن النتيجة الطبيعية لهذا كله، هي دفع الشباب إلى التمرد، ورفض ما يقرؤه ويراه ويسمعه.

عندما يساق الناس إلى السجون والمعتقلات، وتدبر ضدهم أبشع الاتهامات، ويتعرضون لأبشع ما عرف من وسائل التعذيب، على أيدي زبانية جهنم، من أمثال شمس بدران وحمزة البسيوني والروبي، فإن الشباب الحائر، سرعان ما يرهق ذهنه ثمنا لتفسير ما يجري أمامه.

إلى هذا المصير الرهيب، كان حكم عبد الناصر يقود المسلمين، إلى مصير الكفر والإلحاد والتنكر للإسلام، لقد أفسد الشباب في كل شيء: الأخلاق، المعتقدات، السلوك، التصور، المعاملة، الذمة، الأمانة.

وها نحن اليوم نرى نتيجة كل هذا، إلى الحد الذي صرح فيه السادات، أنه تسلم تركة مبهظة، وعملية في غاية الصعوبة.

وقتل المرحوم الشيخ الذهبي، فكتب الأستاذ مصطفى أمين معلقا على هذا الحادث البشع، في أخبار اليوم 9 يوليو سنة 1977:

(والذي حدث في 18، 19 يناير سنة 1977، والذي حدث في مصرع الشيخ الذهبي ليس نتيجة الحرية، وإنما هو نتيجة للاستبداد، فهؤلاء الصغار ولدوا في عهد القهر الطغيان والكذب والخداع، ولدوا يرددون أناشيد تدعو إلى العنف والبطش، وعاشوا في عصر يعتبر الكلام فيه جهادا والصراخ حربا ومنشيتات الصحف انتصارات في ميادين القتال، فتحوا أعينهم في عهد كان الاحتفال بمولد لينين أكبر من الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، سنوات كان الإلحاد فيها هو الوطنية والإيمان بالله هو الرجعية والخيانة، في زمن كانت كتب الدين تصادر من المكتبات وكتب الشيوعية توزع في الشوارع، في زمن كانت عضوية المؤتمر الشيوعي في موسكو هي الولاء للأصدقاء.

هذا هو التصوير الصادق للسياسة التي كان يحكم بها عبد الناصر مصر، وهذا هو الاتجاه الذي كان يدفعها إليه، ورغم قسوة هذا الوصف لحكم عبد الناصر واتهامه فيه بالإلحاد فلم يجرؤ أحد ممن يهمهم أمر عبد الناصر، ورثة أو أصدقاء أو خلفاء أو حلفاء أن يكذب كلمة واحدة من هذا الذي قيل وكتب.

سمات مميزة للعصر الجاهلي

وهكذا نشأ الشباب الذي عاصر حكم عبد الناصر، على الإباحية في كل شيء، المال نهب ميسور لمن أراد أن ينهب في ظل المديح لعبد الناصر، والعرض يهتك في منتهى البساطة والاستهانة، تمكينا لحكم عبد الناصر، والدم يسفح رخيصا مضيعا لتدعم حكم عبد الناصر، لم يكن لأي معنى كريم وجود في ذلك العهد ... الحراسات للنهب، والتأميم للسلب، والمصادرة للسرقة، الظلم خافق الأعلام، والعنف سياسة كل صغار كبار الموظفين وكبار صغار الموظفين، الحكم يستأصل حياة المئات والآلاف، والسلطان نسي أن في قاموس الأخلاق شيئا اسمه كرامة الإنسان، وطهارة العرض وحرمة الدم، وصون البيوت والمساكن، كل هذا كان كلأ مباحا يسهله عبد الناصر لأذنابه، كي يشاركوه آثامه، فيربطهم به ويوقنوا أن ما هم فيه لا يبقى بأيديهم إلا ما بقي سيدهم عبد الناصر، فتكاتف الكل، فرعون وهامان وجنودهما، يحرصون على التمسك بحكم عبد الناصر والتفاني في الدفاع عنه لا حبا لعبد الناصر، ولكن محافظة على ما سلبوه وإبقاء على حياتهم، لأن مصيرهم قد ارتبط بمصريره، بكل حبال الغدر والخيانة والقتل واستباحة الأعراض والحرمات، لا رده الله .. عهد كريه مقيت.

وانظر كيف يسوس الشعب .. بالقهر مرة، وبالتهم الملفقة ضد الأبرياء مرة، باختلاق فضائح يدربها أنصاره ثم يهدد بها الذين يريد أن يخضعهم لسلطانه مرة ثالثة، وهكذا وهكذا، وقد أشار الأستاذ مصطفى أمين إلى هذا المعنى في أخبار اليوم الصادرة يوم السبت 20 يناير سنة 1979، فقال: (وأمام المحكمة ظهر أن كل هذه التهم ملفقة، تهم دبرت ضد موظف كبير استعصى على عبد الناصر إلحاقه بحاشيته وبطانته، ولا أساس لها من الصحة فقد كنا في زمن كان التحقيق فيه هو التلفيق، وكانت المستندات هي الإشاعات، وحكمت محكمة الجنايات ببراءة الموظف الكبير، بعد أن ثبت أنه ضرب وعذب وديست كرامته، وأرغم على أن يأكل التراب، ومن عيوب عصور القهر والظلام، أنها تجعل البعض منا يصدق الاتهام، ويشك في البراءة .. كأن المفروض أننا جميعا مجرمون وأن البرئ هو الاستثناء، فإذا سمعنا اتهاما، لم نحاول أن نتحقق منه بل نسرع إلى تصديقه، وإذا سمعنا تبرئة مظلوم، بدأنا نشك في الحكم، وفي الذين أصدروا هذا الحكم).

إلى هذا الحد، مسخت سياسة حكم عبد الناصر، كل معاني الطهارة والنظافة، وقلب هذا الحكم بسياسته الهوجاء، كل أوجه الخير والحياء ... فبعد أن كان المتهم بريئا حتى تثبت إدانته، أصبحت القاعدة في حكم عبد الناصر أن كل إنسان متهم حتى تثبت براءته، هذا إذا أمكن أن تثبت البراءة، في عهد قام كله على التزوير والتلفيق والتزييف في كل مناحي الحياة.

نشرت الأخبار يوم الإثنين 22 يناير سنة 1979 تحت (كلمة اليوم):

(وكنا نتمنى أن يفتح الاتحاد السوفيتي فمه طوال السنوات التي كان مسيطرا فيها على مصر بحجة الصداقة، ولم يكن إنسان يجرؤ على التساؤل عن الميزانية، ولا إنسان يعرف مقدار الديون التي استدانتها مصر من الخارج.

وأكثر من ذلك لم يكن لمصر سمعة مالية، بل كانت تقترض ولا تدفع، حتى امتنعت كل البنوك في العالم عن إقراض مصر، ولو مبالغ زهيدة، وحتى اضطرت وهي دولة أن تلتجئ إلى أشخاص يضمنونها في بضعة آلاف من الدولارات تريد اقتراضها من الخارج، وفي وقتها كان الاتحاد السوفيتي يهلل للوضع الاقتصادي في مصر لأنه يدفعها إلى الإفلاس، والركوع على قدميها أمام موسكو.

وهذا هو الهدف الأول للاتحاد السوفيتي، ولم يقل الاتحاد السوفيتي من الذي دفع الاقتصاد المصري إلى الخراب لأنه يعرف أنه هو الذي قام بذلك بتخطيط مدروس، وخطة معدة هم الخبراء السوفيت الاقتصاديون، الذين نهبوا ثروة مصر، مقابل عدد من المصانع القديمة الخردة التي انتهى عمرها الافتراضي.

ولقد عانى من ذلك الاقتصاد المصري معاناة كثيرة، وما يزال يعاني منها وهو يسابق الزمن في تجديد مصانعه، وإدخال أحدث وسائل التكنولوجيا إلى الصناعة المصرية.

ولم يقل الاتحاد السوفيتي إن أحد أسباب الأزمة الاقتصادية التي تعانيها مصر هي الأسلحة السوفيتية التي كانت تباع لمصر بأضعاف ثمنها، ثم يطالب بعد ذلك بثمنها كاملا، بل إنه رفض جدولة أو إعطاء أية مهلة لمصر، وهي تعيد بناء اقتصادها).

بهذا الأسلوب السياسي السقيم، ساس عبد الناصر اقتصاد مصر فوضعها في قبضة موسكو التي راحت تنهب الثروة المصرية نهبا في مقابل مصانع تالفة لا تنفع، تبيعها لنا بأغلى الأثمان، وتستولي في مقابل ذلك على قطننا وأرزنا وبصلنا وفاكهتنا بثمن بخس، ثم تبيع هي هذه المحاصيل الزراعية المطلوبة في الأسواق الخارجية بأبهظ الأثمان.

إننا حتى اليوم نرزح تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي سببها لنا جمال عبد الناصر بسبب سياسته الخرقاء من وضع مصر في قبضة الخبراء الاقتصاديين السوفييت، خبراء في الجيش وفي المصانع وفي المال، وفي الاجتماع والأخلاق وكل شيء، ولولا رحمة الله تداركت مصر في أخطر المواقف، لأصبحت مصر حمراء قانية ينعق فيها البوم والغربان.

الأرباح الوهمية في شركات القطاع العام

هل رأيت أو سمعتن عن دولة في العالم تسير بلا ميزانية؟

نعم سمعنا فقد كانت مصائر مصر بلا ميزانية، ولا يستطيع أحد أن يسأل عن الميزانية، وإلا فقد كان جزاؤه الحبس والعذاب، وكانت الميزانيات الوحيدة التي تعرض على الشعب، هي ميزانيات شركات القطاع العام، ويا ليتها كانت ميزانيات صحيحة، ولكنها جميعها ميزانيات كاذبة مفتعلة، فالشركات التي كانت تخسر الملايين، كانت ميزانيتها تعرض على الشعب في صورة الشركة التي كسبت الملايين وكل ذلك بسبب ارتماء عبد الناصر تحت سيطرة الشيوعيين يوجهونه كيف يشاءون.

فهو ضعيف متخاذل أمامهم، جبار متكبر سوط عذاب على الداعين إلى الله والعاملين للإسلام.

تعال انظر إلى أحد كتاب عبد الناصر، الذي تنكر له بعد وفاته، انظر إليه، كيف يصف خداع عبد الناصر لشعبه في سياسة الحكم بالاستهلاك المحلي، الذي يزيف فيه الحقائق على الأمة، لتنظر إليه كسياسي كبير، وهي لا تعلم من حقيقة أمره، إلا ما قصه علينا الأستاذ موسى صبري رئيس تحرير جريدة الأخبار في عددها الصادر في يوليو سنة 1977 قال الأستاذ موسى صبري:

1 – أسف جمال عبد الناصر على موقفه في تقسيمه الدول العربية إلى رجعية وتقدمية.

2 – وأسف لهجومه على الملك فيصل، واعتذر له على مائدة عشاء رسمية أمام أشخاص آخرين.

3 – اكتشف جمال عبد الناصر أن انتخابات اللجنة المركزية كانت مزورة وقال إن مصر تحكمها عصابة.

4 – إن الإشتراكية إياها، هي التي سمحت لرسول الإشتراكية علي صبري أن يسكن في قصر منيف في مصر الجديدة، وأن يأتي بطائرة محملة بالبضائع من الصين، ثم بطائرة أخرى محملة بما ثقل ثمنه ووزنه من الاتحاد السوفيتي.

5 – إن من المنتفعين بحكم عبد الناصر من يملكون العزبة وحمام السباحة ومئات الألوف ثمنا للعلاقة بجمال عبد الناصر.

6 – وإن من يزيد دخله على المائتي جنيه شهريا يدعي أن ابنته لا تجد ثمن بيضة تشتريها).

إنه ليس واحدا من الإخوان المسلمين، أو من الذين حل بهم أذى عبد الناصر هو الذي يقول هذا القول، ولكنه أحد كتاب عهده، يخطب جمال عبد الناصر أمام الجماهير، فيقسم الدول العربية إلى تقدمية ورجعية، ويصدقه الناس، فيخدعهم ويتسلل بالليل إلى سفارات الدول التي وصفها بالرجعية آسفا ونادما.

ويهاجم المرحوم الملك فيصل هجوما، لا يليق بمن عنده ذرة من أخلاق أو طيب أصل، وهذا الهجوم هنا أمام المصريين الذين لا يملكون لأنفسهم مع ذلك الطاغوت شيئا، فإذا ما التقى بالمرحوم الملك فيصل اعتذر له على مائدة عشاء وأمام كثير بلا خجل، وكأنه لم يفعل شيئا، من أي طينة نبت هذا الألعبان العجيب؟

ثم يقيم على وزرائه رئيسا يستبيح لنفسه أمام عبد الناصر، أن يستولي على قصر منيف من قصور الناس يقيم فيه بلا خوف من الله، ولا رهبة من تقلبات الأيام، ثم يسافر رئيس الوزراء إلى الصين وإلى الاتحاد السوفيتي، فلا تكفيه إلا الطائرات تحمل ما أتى به من هناك، من أين اقتنوا هذه الأموال الطائلة؟ ولماذا لم يحاسبه عبد الناصر؟ وغيره وغيره ممن اقتنوا كل شيء من لا شيء، أرأيت كيف كان عبد الناصر يسوس مصر طوال حكمه!! يا له من عملاق!! ولكن في أية ناحية من نواحي العملقة!! الجواب تتولاه أفعاله وتصرفاته وسياسة حكمه.

لقد أفسدت سياسة عبد الناصر في الحكم، أفسدت الشباب إلى مستوى تعاني منه مصر الآن معاناة رهيبة .. انحلال ... انحراف .. تميع .. ليونة ... إلحاد، لم يسلم من الشباب أحد إلا من رحم ربك، والذين يعيشون عصرنا الذي نحياه يعرفون كل المعرفة من هو جيل عبد الناصر من الشباب.

كتب في هذا المعنى الدكتور عادل صادق، الأستاذ بجامعة عين شمس في جريدة الأخبار الصادرة في يوم الأربعاء 17 أغسطس سنة 1977 تحت عنوان [لماذا يضل الشباب] كتب يقول الآتي:

وللأسف أن مجتمعنا ساهم في خلق وتدعيم مثل هذه النوعيات من الشخصيات من خلال ما يلي:

أولا: إعلام ظل موجها لسنوات طويلة، واقتصر على الدعاية لقلة معينة، وتشجيع كل ما هو سطحي وتافه، ليصرف أنظار الناس عن الحقيقة، وقتل تفكيرهم وإحساسهم بالمسئولية.

ثانيا: نظام تعليم أجمع كل المتخصصين على أنه تعليم فاشل، كل وظيفته تخريج موظفين لا يفكرون.

ثالثا: قتل الإحساس بالانتماء إلى الوطن، وذلك بقصر النشاط السياسي على المنتفعين المتعاونين.

رابعا: قتل العقيدة من خلال إضعاف مراكز الدين.

خامسا: قتل روح الطموح في نفوس أبناء هذا الوطن، وتحطيم كل القيم الإنسانية، وإعلاء راية الانتهازية).

أجهزة مسخرة وخطة مرسومة!!

بربك ماذا أبقى حكم عبد الناصر وسياسته على خير أو نبل في هذا الوطن، فقد سخر كل أجهزة الإعلام تطبل له وتزمر، على الفارغ والمليان، إن كان في سياسته شيء من المليان سخرها تتحدث عن السفاسف، وتبرز القشور والمغريات الجنسية، ليشتغل الناس والشباب بهذه السيئات يشبعون بها نهمهم الجنسي، فلا يأبهون لما يجري في بلدهم من فساد تديره سياسة تعمل ليل نهار على إغراقهم في التافه الحقير.

حرصه على أن يكون التعليم مصنعا يخرج آلات لا تعي ولا تفكر كل همها أن تؤدي ما يوكل إليها من أعمال الوظيفة، هذا إذا أدته على وجه سليم، كل ذلك ليخلو له الجو، فيمتطي ظهور التافهين يلهيهم بلقمة العيش ولجام الوظيفة، وبردعة المرتب.

نسي المصريون شرف حب الانتماء إلى وطنهم، عندما رأوا أنه لا يحظى بخيرات الوطن إلا من يجيد الزلفى، ويتقن النفاق، الذين يقبلون الأحذية، ويضربون على أقفيتهم فيبتسمون قائلين ضربك شرف يا سيادة الزعيم.

زعزع العقيدة في نفوس الشباب بالسخرية بالدين، ورجال الدين الذين استحقوا هذه السخرية فعلا بسكوتهم عليها والرضاء بها وامتداح الهازئ بهم، يصور المشايخ المهزأة التي تظهر في الأفلام مثيرة للسخرية والاستهزاء، وبإغراق الأسواق بكتب الإلحاد والجنس تباع بأرخص الأثمان، وماذا يفعل الشباب الذين حيل بينهم وبين تعاليم دينهم، إلا الاندفاع الكامل لكل مطالب الجسد.

بالقبض على كل متمسك بدينه وحبسه وتعذيبه، هو وأهله وأقاربه مما حمل الكثير من الشباب على الارتماء في أحضان الرذيلة حتى لا يقال عنهم إنهم متمسكون بدينهم فيحبسون ويعذبون ويحرمون من كل شيء.

قتل الطموح، وفيم يطمح المرء إذا كان يرى أن الخير والدرجات والمكافآت والمراتب العالية، لا ينالها إلا ذوو الثقة المتزلفون المداحون الحاكم على ضلاله وإضلاله، وفساده وإفساده، أما طموحهم فلا مكان له في سوق النفاق المستشري في كل مكان وفي كل شيء.

من أجل ذلك ضل الشباب، والسبب سياسة الحكم التي اتخذها عبد الناصر لإذلال هذا الشعب وصرفه عن كل معنى كريم حتى مدة بقائه حاكما بأمره على عباد الله.

كان جمال عبد الناصر، قد اصطفى من الصحفيين المصريين، الأستاذ محمد حسنين هيكل، فكان صفيه ونجيه، وصاحب فكره وتوجيهه، فاقرأ ما كتبه عنه الأستاذ موسى صبري في جريدة الأخبار الصادرة يوم الأحد 21 أغسطس سنة 1977، وحتى كتابة هذه السطور لم ينف الأستاذ هيكل ما نسبه إليه الأستاذ موسى صبري حيث يقول:

1 - إن هيكل يكتب في بعض صحف لبنان والأردن والكويت التي يمولها القذافي والسوفيت، ويقبض ثمن ما يكتب مهاجما السادات.

2 – عرض عليه إحسان عبد القدوس أن يكتب في الأهرام ما يشاء فرفض.

3 – كان هيكل في عهد عبد الناصر، الشريك الأول في الحكم فوق كل مراكز القوى الأخرى ولهذا نشأ صراع بين هيكل وبين هذه المراكز، ومقابل ذلك كان هيكل هو المحلل والمبرر لكل خطايا حكم الفرد وشروره، فكان هو الصحفي الأوحد، وكانت كل مذكرة في الدولة تقدم لرئيس الجمهورية، تقدم صورة منها إلى هيكل.

4 – بدأ هيكل يكتب ضد سياسة التقرب من أمريكا، وكان هو الداعي إلى ذلك من قبل، وبدأ يكتب لصالح الاتحاد السوفيتي الذي كان يعتبر هيكل بوثائق رسمية عميل الامبريالية الرجعية في مصر والشرق الأوسط. 5 – وليس سرا في مؤسسة أخبار اليوم، أن هيكل هو كاتب كل إعلانات الدعاية عن المليونير أحمد عبود ... وكان هيكل يقبض عشرة جنيهات عن كل مقال إعلاني يمجد فيه عبود بإيصالات موجودة حتى الآن.

6 – علينا أن نحتمل مساوئ الديمقراطية التي داسها محمد حسنين هيكل بأقدامه ... وجلس متربعا فوق جماجم ضحايا الحكم المطلق أعواما طويلة).

بطانة السوء ... وحكم الفرد

هذه هي البطانة التي كانت عماد عبد الناصر، هذه الحقائق التي نشرتها صحيفة يومية، فلم يكذبها هيكل، تدل تماما على نفسية البطانة، لا بد أن تكون صورة واضحة لنفسية الحاكم الذي تحيط به، فالحاكم المتقلب في آرائه لا يصلح له رجل له مبادئ يحترمها، ويتمسك بها، والحاكم الذي لا يقيم وزنا لشعبه، لا ينفعه رجل يحترم إرادة مواطنيه، والحاكم المستغل لا تحيط به إلا بطانة أشد منه استغلالا.

هكذا كانت سياسة عبد الناصر في الحكم، يستبعد الأشراف ويدني أضدادهم، يستبعد ذوي الرأي السليم، ويدني كل من يزين آراءه ويحبذها ويبررها، متقلبا كل يوم ما بين مدح الأبيض وذم الأسود صباحا، وذم الأبيض ومدح الأسود مساء أو قبل الظهيرة أو ضحى، بلا تردد ولا تحرج ولا تأثم ولا حياء، إن عبد الناصر كان يريد من يؤلهه، ووجد هذه في أمثال هؤلاء الصحفيين.

ثم كان من جراء ذلك أن تولدت في المستويات العالية في الدولة صراعات بين المحاسبين والأنصار، تعددت صورها، وانصب أثرها سوءا ودمارا على كل ناحية من نواحي القول والعمل في البلد، حتى وقع الناس في حيرة شلت كل خير وكل إنتاج وكل عمل وكل فكر في مصر، وانتهى الأمر بمصر نتيجة سياسة عبد الناصر في الحكم إلى الخراب والإفلاس والدمار، المادي والمعنوي على السواء.

والغريب أن هذا صحفي، وقد كان من أكبر مراكز القوى التي يقولون عنها، والذي ظل يكتب ضد الحكم القائم في غير الصحف المصرية، لم يحاسبه أحد على شيء بالمرة، رغم ما قيل عنه وما كتب مما لم يفعله أحد من المقيمين في مصر؟ أم يستحق العجب فعلا!! ولكن ما يدرينا نحن الجاهلين بمواطن الأمور، حقيقة الواقع من الأمور!!

وإليك صورة عجيبة من صور سياسة الحكم في مصر إبان حكم عبد الناصر، فقد كتب الأستاذ أحمد زين في جريدة الأخبار الصادرة في يوم الخميس 8 ديسمبر سنة 1977 تحت عنوان [هذا الافتراء .. ضد من].

(وماذا كان يريد الاتحاد السوفيتي؟ .. وهل كان يريد الحرب؟ أبدا).

1- لقد طلب الاتحاد السوفيتي منا عدة مرات التفاوض مع إسرائيل؟

2- وعدة مرات قال لنا، إنكم لتعبروا القناة وتحطموا خ بارليف يلزمكم قنبلة ذرية؟

3- إن الطريق الوحيد أمامكم هو التفاوض مع إسرائيل؟

4- كان هناك حرص من موسكو ودمشق، على أن الحل الوحيد لمشكلة الشرق الأوسط، هو مؤتمر جنيف؟

5- موسكو منعت السلاح عن مصر، وهي تحارب، لتجبرها على التسليم لإسرائيل؟

6- أوقفت السلاح بعد الحرب؟

7- رفضت إعادة موفورات السلاح الجوي؟!

8- طلبت منا في سنة 1967 أن نتلقى الضربة الأولى فكانت القاضية؟!

9- رفضت إعطاءنا أسلحة هجومية نواجه بها إسرائيل؟!

10- أرادت تجويع شعب مصر، فرفضت إعطاءنا القمح؟!

11- في أوج أزمتنا الاقتصادية طالبتنا بتسديد الديون العسكرية؟!

12- كانت تذكي الخلافات بين العرب؟!

13- قسمت الدول العربية إلى رجعية وتقدمية؟!

14- تؤيد الانقلابات العسكرية في كل بلد عربي؟!

15- طلبت وقف حرب أكتوبر، ومصر في أوج انتصارها)!

قد يقال إن أكثر من هذا حدث بعد عبد الناصر، وهذا صحيح، ولكن الغرض من إيراد هذه المعلومات، هو إيقاف المصريين على حقيقة نوايا الدول التي كان يحالفها عبد الناصر، ومكن لها في الشرق الأوسط، ولا يمكن لأي ذي فهم ضئيل، أن يدعي أن عبد الناصر لم يكن يعلم ما يريد السوفيت، ورغم معرفته بنواياهم فقد كان دائم التمكن لهم، والترويج لمبادئهم، ولو أن كل هذا لم يكن يتبينه عبد الناصر من السوفيت لكان كافيا لإيقاظه ولفت نظره.

إنهم طلبوا منه أن يتلقى الضربة الأولى فلا يبدأ، وبهذه المشورة المخططة، بدأت حرب سنة 1967 لتنتهي في ساعات.

ومن بعد هذه النكبة الرهيبة في سنة 1967 إلى حين وفاته بعد ذلك بما يزيد على ثلاث سنوات، ظلت علاقته معهم كما هي، بل ازدادت خضوعا لهم، والتصاقا بهم، الأمر الذي يؤكد تماما، أن سياسة حكم عبد الناصر، كان هدفها الأول والأخير أن تصبح مصر شيوعية، وأن يزول عنها الإسلام، ليستقر كرسي الحكم من تحته، كما هو الشأن مع كل الحكام الشيوعيين.

وفي أهرام الثلاثاء 13 ديسمبر سنة 1977 كتب محمد عبد المنعم تحت عنوان: حكاية الروس معنا:

(التاريخ مهما امتدت به الأيام، سوف يبقى ملكا لضمير البشرية، ولقد يأتي وقت تشوه فيه بعض المشاهد، ويختلط فهمها على العقول فيصبح الخطأ صوابا، والصواب خطأ، ولكن التاريخ أبدا لن يطويها في صفحاته .. كما تبدو أمام المشاهدين، وإنما تدخل الحقيقة دوما بطن التاريخ، خالية من كل زيف، حتى يأتي يوما من يضع يده عليها ويخرجها من داخل الماضي المشوب بعتمة النسيان ليضعها تحت الضوء الباهر، حقيقة عارية أمام كل الناس.

من هذا المنطلق تأتي تلك النظرة إلى الأوراق المصرية السوفيتية ومن باطن هذه الأوراق يجيء الحديث صريحا عن الاتحاد السوفيتي، وهزيمة سنة 1967، كانت أول أسباب الهزيمة فينبغي أن نسلم بأن الأسلحة والمعدات والعقيدة السوفيتية التي اعتنقناها منذ أوائل الخمسينيات، كانت من أهم العوامل المساعدة لنجاح هذه الضربة.

الخط الشيوعي ... وفضيحة 67

وهذه نظرية عملية تحليلية، توقفك على حقيقة اتجاه عبد الناصر في سياسة الحكم، وكيف ربط مصالح المسلم، بعجلة دولة إلحادية، تتجه بها حيثما تريد في إبعادها عن إسلامها، فكانت الخاتمة فضيحة سنة 1967 التي جللت رأس كل مصري بعار شنيع لأنها كانت هزيمة من غير حرب، أو كما قال السيد حسين الشافعي في خطبة ألقاها بجمعية الشبان المسلمين بمناسبة المولد النبوي الشريف قال إن في الأمر [هزيمة سنة 1967 خيانة، ولكنه بدوره لم يكشف لنا عناصر الخيانة، ولم يقل لنا من هم الخونة، وهكذا شأن الضباط الأحرار، يعرفون الكثير عن بعضهم بعضا، ولكنهم يتكلمون عن عموميات، يعرفها الناس جميعا، دون الكلام عن التفصيلات والدوافع والأسرار التي لا يعلمها بعد الله سواهم.

وفي أهرام السبت 15 ديسمبر سنة 1977 جاء تحت عنوان تحقيق الأهرام:

(الخبراء السوفيت ونصر أكتوبر، شككوا في قدرتنا، ثم جاءوا يساوموننا على خبرتنا، وعندما تولى الرئيس السادات الحكم بدأ يزور وحدات وتشكيلات القوات المسلحة سرا وعلنا، وبدأ يستمع من القادة والضباط والجنود، وقد استمع الرجل جيدا، وأنصت لكل الآراء وكانت كلها تروي تفاصيل مذهلة عن المستشارين السوفيت وبدأ رئيس الدولة يتحقق بنفسه من هذه القصص والروايات العديدة وعندما أيقن أنها صحيحة، وأن هناك ما هو أبعد منها خطورة، وعندما وضع هذه المعلومات جنبا إلى جنب مع تجاربه الشخصية المريرة، مع المسئولين السوفيت، من أجل الحصول على أسلحة جديدة، وبصفة خاصة أسلحة هجومية جوية، وأسلحة ردع تساعدنا على تحرير ثلثي أرضنا التي طال عليها الاحتلال، عندئذ وصل الرجل إلى قراره التاريخي بطرد الخبراء، ومن الأنسب هنا أن نقول: القوات السوفيتية).

هذه الحقائق التي وصل إليها السادات، ولم تمض على حكمه سنة، هل كان يجهلها عبد الناصر؟ هذه القصص والروايات المذهلة، أكان يجهلها عبد الناصر؟

معلومات القادة والضباط والجنود التي قالوها للسادات، أما كان يعلمها عبد الناصر؟

إن كان يعلمها فلماذا سكت عليها وهي مذهلة وخطيرة؟ أكان متآمرا مع الشيوعيين على مصر المسلمة؟

وإن كان لا يعلمها، فأي نوع من الحكام الفاشلين كان هو وكان حكمه؟ وبأي حق يشيدون به، ويحتفلون بذكرى وفاته؟ عجبا أي عجب، من حق الشعب والدولة أن يحاكم جمال عبد الناصر وبطانته.

وأقدم لك صورة من بطانة عبد الناصر، وليست المعلومات من عندي، ولكن كتب الأستاذ أمين مصطفى شاكر، وزير السياحة السابق في أهرام الجمعة 16 ديسمبر سنة 1977:

(ولكن هذا الصحفي بالذات – هيكل - تناسى أنه كان له رأي آخر عكس ذلك تماما، عندما قرر عبد الناصر الاتصال بابن جوريون وجماعة الصقور في إسرائيل اتصالا متكتما، وله دوره الخطير في مسار التاريخ، وكان هذا بتوجيه وتأييد من حكومة واشنطن يومئذ .. ويمكن في هذه العجالة، أن أؤكد، إن كان قد نسي، أن هذه الاتصالات كانت تتم عن طريق المكتب الصحفي المصري بسفارة مصر بباريس، الذي كان تابعا لمكتبي في مجلس الثورة، رغم أن هذه الاتصالات لم تحقق سوى نتائج محدودة إذ لم يترتب عليها كسب حرب ضد إسرائيل، ولا إعادة السلام إلى المنطقة فإن الصحفي المذكور وصف هذه الاتصالات بأنها إنجاز سياسي من الطراز الأول).

لا تفتح فاك مندهشا أو ساخطا أو صارخا من الألم النفسي المرير، فتلك سمة حكم عبد الناصر، وسمة بطانته، والناس على دين ملوكهم، هذه هو عبد الناصر يفاخر أنه سيلقي بإسرائيل إلى البحر، أمام المصريين والمسلمين وينسحب في ظلام الليل، لإحساسه بخزي ما يفعل، وفي خارج الوطن، ليلتقي برئيس إسرائيل ورسله، يلتمس شيئا يستر به عاره وهزيمته، لست أنا صاحب الرواية، ولكن وزير من وزراء عبد الناصر، هو الذي يهتك كبيرهم هذا، ليعلم الناس أي حاكم كان هذا العملاق المزعوم، ورغم فشل هذه المحاولات اليائسة فقد كتب كاتب عبد الناصر الأوحد أنها كانت إنجازات سياسية من الطراز الأول، وما لبث السيد كاتب المقال يتفضل على أمته، بشيء من هذه المخازي، وفاء منه لأمته، فهل يتحقق الرجاء، أهذا هو حكم العمالقة؟!

تصريحات خطيرة ... تحتاج إلى تأمل

وفي حديث للسيد رئيس الجمهورية محمد أنور السادات، نشرته الأخبار يوم الأحد 8 يناير سنة 1978 جاء فيه:

1- إن شرم الشيخ هذه نموذج من الأخطاء المتراكمة في السياسة المصرية والسياسة العربية أيضا، وهي نموذج لما يجب أن نفعله اليوم أو غدا.

2- بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 وافق جمال عبد الناصر على وجود قوة دولية في مدينة شرم الشيخ، لأنها تقع عند مدخل خليج العقبة وعن طريقها يمكن التحكم في الملاحة ومنع السفن الإسرائيلية المتجهة من البحر الأحمر إلى سيناء وإيلات، أما لماذا فعل جمال عبد الناصر ذلك، فلا أعرف ولم أسأله في ذلك الوقت.

3- وكانت شرم الشيخ هذه هي النقطة السوداء في الثوب الأبيض الذي ارتداه جمال عبد الناصر.

4- ومن المؤكد أن جمال عبد الناصر كان يلعب بورقة القضية الفلسطينية وقد نجح في ذلك تماما، وهناك اجتهادات للمؤرخين تقول إنه استخدم هذه الورقة ليضرب الأنظمة في المنطقة ... مستعينا ببعض الكلمات، مثل تقدمي ورجعي وملكي وجمهوري ... وهي نفس الكلمات التي ما يزال يستخدمها حزب البعث مع الامتنان العظيم لجمال عبد الناصر والسوفيت أيضا.

5- وأعود إلى أخطاء عبد الحكيم عامر، وتردد جمال عبد الناصر، فنحن قد طالبنا بتنحية قائد الطيران في ذلك الوقت، وكان يشغل هذا المنصب منذ إحدى عشرة سنة، ولكن جمال عبد الناصر لم يفلح في زحزحة عبد الحكيم عامر عن موقفه فكانت كارثة طيران سنة 1967 وهي قمة من تراكمات الخطأ وسوء التقدير والجهل والاستخفاف).

ويا له من حديث فيه الكفاية للدلالة على سوء السياسة الناصرية في الحكم، وخاصة أنه حديث صادر عن رئيس الجمهورية، السيد أنور السادات الذي قرر أنه كان شريكا فعليا في الحكم مع عبد الناصر، وأنه مسئول عن كل ما حدث في ذلك العهد.

إن سماح عبد الناصر بوجود قوة دولية في شرم الشيخ المتحكم في الملاحة المصرية، لا يعتبر خطأ لأنه الأمر فيه أوضح من أن يكون خطأ ولكنها سياسة عمياء إن لم تكن خيانة مصر، يتحملها عبد الناصر، وكل من لم يضرب على يديه ممن كان يستطيع أن يمنعه من ذلك.

ثم كيف يجمع الضباط المسئولين على عزل قائد الطيران، وظاهر أن عبد الناصر كان معهم في هذا الرأي، لأن السادات يقرر أن عبد الناصر لم يفلح في زحزحة عبد الحكيم عامر عن التمسك بقائد الطيران حتى حدثت مصيبة المصائب في سنة 1967، إنه حديث في غنى كامل عن حكم عبد الناصر يشهد به زملاؤه في السلاح.

لم تكن سياسة عبد الناصر، مدمرة في ناحية أو عدة نواح من الحكم، ولكنها كانت طامة كبرى على كل شيء في مصر، وهذه صورة من تصرفات وزرائه الذين كان يعينهم ويعزلهم وفق هواه، لا وفق المصلحة العامة.

لقد نشرت الأهرام في يوم الثلاثاء 10 يناير سنة 1978 ما يأتي:

(ملف النوبة ... أكاذيب حكمت أبو زيد وزيرة الشئون الاجتماعية في عهد عبد الناصر:

طلب الرئيس السادات فتح ملف النوبة من جديد بعد أربع عشرة سنة من تهجير النوبيين من قراهم القديمة التي أغرقتها مياه السد العالي، إلى القرى الجديدة التي أنشئت لهم على عجل في كوم امبو، وفتح النوبيون أفواههم لأول مرة ليكشفوا حقائق غريبة.

قال النوبيون أن تهجيرهم سنة 1964 تم تحت ضغط القوة، وبصورة غير إنسانية وقالوا: إن التعويضات التي صرفت لهم كانت تمثل ظلما يفوق الوصف، وقالوا: إن ما رددته تقارير الأجهزة في ذلك الوقت عن سعادتهم بمجتمعهم الجديد، لم تكن إلا أكاذيب، وقالوا إن ما صورته أجهزة الزراعة في ذلك الحين عن الخير الوفير في أرضهم الجديدة، كان يخفي تعاستهم، وهم يلقون بعيدا في أرض بور، لم يتم استصلاحها.

ويضيف الحاج عوض صالح عوض كرباش: إن حكمت أبو زيد وزيرة الشئون الاجتماعية في ذلك العهد، كانت أكبر كذابة، لأنها قادت حملة تضليل صورت لنا أن القرى الجديدة التي سننتقل إليها هي الجنة، وأن في كل بيت المياه والنور وأن كل أسرة ستحصل على خمسة أفدنة وبقرة، وعندما صدقنا وجئنا لم نجد شيئا من ذلك، ثم أكملت وظلت تعطي تصريحات كاذبة حتى صدقها كل المسئولين.

ليس هذا بعجيب على وزيرة من وزراء عبد الناصر، فكلهم صورة طبق الأصل، لأن الطباع إذا اختلفت تنافرت، فلا يمكن لصالح أن يتعاون مع طالح، أما إذا اتحدت المشارب سارت الأمور في اتجاه واحد.

وإن عبد الناصر الذي قام حكمه على الدعاية المغرضة، والشعارات الكاذبة، والمظالم الفادحة، لا يمكن أن يتعاون معه، أو يقبل التعاون معه، إلا من كان في دخيلة أخلاقه على هذا المنوال، ووافق.

وفي باب (محرر الأخبار)، نشرت جريدة الأخبار، الأربعاء 11/1/1978 ما يأتي:

(ظلت هذه المراكز النقابية الشيوعية، تبث بذور الفساد والإلحاد والشر في ربوع بلادنا الطاهرة ... كما جندت من العملاء والخونة، وحاولت تهيئة المناخ لنشر الماركسية بين الطلبة في الجامعات وبين العمال في مصانعهم وكان على رأس هؤلاء العملاء، مراكز القوى من الذين باعوا أوطانهم، وفرطوا في كرامة شعبهم.

وعلم الله أنه لم يكن على رأسهم إلا جمال عبد الناصر، فقيام النقابات الشيوعية لم يكن إلا بأمره، وإفسادهم الطلبة والعمال لم يكن إلا بعلمه، ذلك أنه لم يكن في مصر، من يجرؤ على اتخاذ أية خطوة أيا كان وضعها إلا إذا أقرها عبد الناصر. هذه هي سياسة حكمه، القضاء على الإسلام، وصبغ مصر بالصبغة الشيوعية.

وكتب الأستاذ علي منصور المحامي في أخبار الإثنين 16 يناير سنة 1978 ما يأتي:

(وفي الحرب الثالثة سنة 1967 استدرجتنا روسيا، بواسطة المزاعم السورية عن التجييش الإسرائيلي على حدودها، واستغلت صلفا كان يحكم شئوننا، وعلما منها بنقص بعض ما كانت تمدنا به من سلاح وعدم جدوى البعض الآخر، لما طرأ على أمثاله من تطوير بعيد المدى).

فلم يكن في سياسة عبد الناصر إلا الصلف والغرور الأجوف الذي سيطر على تفكيره، وغذاه وزينه بطانة السوء التي كانت تحيط به، فكان يستدرجه بالمديح الكاذب من يستدرجه، ويجره بالثناء الخادع ن يجره إلى الهاوية التي وصلت إليها مصر.

الملك فيصل ... الخصم الشريف

ونشرت جريدة الأخبار الأحد 29 يناير سنة 1978 مقالا بعنوان المصيدة للأستاذ أحمد أبو الفتح، جاء فيه:

(الملك فيصل على طول حياته محب لمصر، ولم يهتز هذا الحب رغم كل ما لاقاه جلالته والمملكة من تآمر من حاكم مصر السابق، عندما تولى فيصل ملك السعودية، ازدادت مؤامرات حاكم مصر السابق عليه، ومع ذلك ظل فيصل يفرق بين مصر وحاكم مصر، ورغم حرب اليمن، وإغارات الطائرات المصرية على مدن المملكة الجنوبية، وقتل مئات السعوديين، أرسل عندما كان في زيارة رسمية لبلجيكا في أواخر مايو سنة 1967 رسولا ينقل إلى حاكم مصر السابق ما وصله من معلومات عن خطة إسرائيل في شن حرب هجومية على مصر في 5 يونيو.

اضطرار الحكومة السعودية، خلال الحكم السابق إلى إرسال شبانها لتلقي العلم خارج مصر، وعلى الخصوص في الولايات المتحدة.

العداء الذي كن قوام سياسة حاكم مصر السابق لمصر ضد السعودية وما تعرض له السعوديين من مصادرات وحملات بالجملة.

وما سماه الحكم السابق لمصر من الإشتراكية، لقد لمسنا الآثار الخطيرة للتطرف خلال الحكم السابق، وكيف تغلغل النفوذ السوفيتي إلى المنطقة وإلى البحر الأبيض وإلى البحر الأحمر والمحيط الهندي عن طريق الحاكم السابق لمصر.

ورغم أنه كان في إمكان ورثة عبد الناصر، وأذنابه الذين أثروا حراما تحت ذقنه ورضاه، ورغم أن الصحافة كانت مهيأة لتلقي ردودهم ودفاعهم عن مورثهم وسيدهم، إلا أن كلا منهم انشغل بالملايين التي مكنهم عبد الناصر من نهبها من دماء الشعب، وتركوا سمعته وتاريخه يمرغان في الوحل، دون أن يهتموا بتطهير تاريخه مما اتهم به، وما ذلك إلا لأنهم وفي أيديهم الأموال المسروقة، كانوا يعلمون تمام العلم، أن كل ما كتب عن مورثهم وطاغوتهم كان صحيحا من ألفه إلى يائه، ألم يثبت لديك بعد ذلك أن عبد الناصر كان يريد أن يجعل مصر المسلمة، بدلا شيوعيا، لا لأنه كان يؤمن بالشيوعية أبدا، فعبد الناصر لم يؤمن بشيء في الوجود إلا نفسه، ولكنه وجد أن الشيوعية أفضل المبادئ في انفراده بالحكم، وسيطرته على كل مقدرات مصر، ومن قبله قال طاغوت أقل منه جبروتا (أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي).

جانب صغير جدا من بعض التصرفات تعطيك صورة صادقة عن سياسة حكم عبد الناصر، وترى فيها أية نهاية أصابت المصريين على يد حكم عبد الناصر، أي استهانة بكل مشاعر الإنسان المصري في حكم عبد الناصر؟ أي عسف جارف، كان يمتهن كل شيء في مصر والمصريين.

نشرت الأخبار يوم الأربعاء 1 فبراير سنة 1978 تحت عنوان فكرة للأستاذ مصطفى أمين:

(كان أحد المواطنين يملك قصرا فخما في شارع العروبة، وفي سنة 1962 استأذن من وزير الداخلية، أن يسافر ليعمل في الخارج لمدة ثلاث سنوات، فأذن له ووضع تحت الحراسة، وصدر قرار جمهوري بإسقاط الجنسية المصرية عنه، ثم سقطت مراكز القوى، وأصدر السادات قراره، بإعادة الجنسية له ولزوجه وأولاده، وعاد المواطن وطلب إعادة قصره إليه، فصدر الحكم لصالحه، وجاء في حيثيات الحكم: أن الإجراءات التي اتخذت ضده وضد زوجته وبناته كانت إلى الظلم أقرب، وإلى الإثم أدنى وأشبه، وأنه تبين للمحكمة أن كل الإجراءات التي اتخذت بشأن إسقاط الجنسية عن المدعية وزوجها وبناتها، وكل الإجراءات التي اتخذت بشأن تحرير شركة مصر للتأمين عقد إيجار الفيلا، إجراءات باطلة، صدرت في غيبة القانون، وفي غفلة من سياج هيبته).

صورة عادية من صور الحكم في عهد عبد الناصر، تصفها المحكمة ولا أحد غيرها، بأنها إجراءات ظالمة وآثمة، وأن عقد الإيجار باطل بدوره لأنه تم في غيبة القانون، وإهدار فاعليته وهيبته، ترى إذا كانت أموال الناس وجنسيتهم، رجالا ونساء وأطفالا قد انحدرت إلى هذا الحضيض، فأي شيء بقي للمصريين، إذا كان حاميها حراميها؟! هل خصوم عبد الناصر هم الذين وصفوا حكمه بالظلم والإثم؟! اللهم إنها محكمة عادلة، لا يرقى الاتهام أو التجني إلى حكمها.

شقق الحراسة بلا حراسة

وإليك بعض التصرفات، التي لا وصف لها في قواميس اللغة العربية، من ناحية السوء والإجرام.

نشرت أخبار اليوم، السبت 4 فبراير سنة 1978 تحت عنوان [أين ذهبت شقق الحراسة] بقلم عبد العاطي حامد:

(لو كتبنا عن شقق الحراسة، وما كان يحدث فيها، لكتبنا مجلدات عن المآسي التي كانت تحدث لمعظم أو لكل الذين حاكمتهم ثورة يوليو، لديهم من شقق وفيلات الحراسة الكثير، فقد كان يكفي أن يشاهد أي شخص من مراكز القوى السابقين، شقة أو فيلا تعجبه، فيسعى لدى لجنة تصفية الإقطاع أو لجنة الحراسة، لوضع الشخص صاحب الفيلا أو الشقة تحت الحراسة، حتى يأخذها بدوره، وأمامي أكثر من واقعة:

1- قصر المحامي الصغير الذي ركب موجة الإتحاد الإشتراكي وتقرب إلى المسئولين، وأصبح من الأشخاص المهمين، واستطاع أن يأخذ شقتين من شقق الحراسة، الأولى في عماد الدين، والثانية في شارع الجيش وأخذ الثالثة في جاردن سيتي لشقيقه، وعندما قامت ثورة مايو قدم هذا الشخص للمحكمة، وحكم عليه هو وقريبه بالسجن، ولكن الشقق ما زالت موجودة باسمه إلى الآن وتؤجر مفروشة بمئات الجنيهات، لأن هذا الشخص لم يكن بحاجة إليها.

2- قصة أحد مراكز القوى السابقين الذي كان يعمل سكرتيرا لسامي شرف، عندما ذهب لأحد أصحاب العمارات، لكي يستأجر شقة ورفض صاحب الملك، وكانت النتيجة أن وضعت العمارة تحت الحراسة كلها بأمر استيلاء، وأخذ السكرتير وأصدقاؤه وزملاؤه شققا في هذه العمارة، ولم يستطع صاحب الملك أن يسكن فيها، حتى الشقة التي حجزها لابنته أخذوها منه.


3- عمارة أخرى استولت عليها رئاسة الجمهورية، لأنها تقع في شارع قريب من مسكن رئيس الجمهورية، استولت عليها الحراسة لصالح الأمن ووزعت الشقق على موظفي الرئاسة، بعضهم كان لا يحتاج إليها، وبعد أن حاول صاحبها أن يتظلم، سجنوه ووضعوا أملاكه – وهو تاجر سيارات كبير – تحت الحراسة.

4- قصة أحد أمناء الإتحاد الإشتراكي بالعاصمة، الذي استولى على ثلاث شقق في وسط البلد، لكي يتزوج فيها شقيقه وشقيقتاه، وجاء أمر استيلاء لصالح الأمين، على أن هذه الشقق يستعملها الإتحاد الإشتراكي.


5- أحد محافظي القاهرة السابقين، الذي حكمت عليه محكمة الشعب في 15 مايو، استولى على عمارة بأكملها في مصر الجديدة، وعديد من الشقق في وسط البلد، لشقيقه الذي كان يعمل في إحدى شركات الغزل والنسيج، لكي يباشر فيها أعماله، كمكتب للاستيراد والتصدير، وهذه الشقق تقدر أثمانها بآلاف الجنيهات.

6- محام آخر تسلق مناصب الإتحاد الإشتراكي حتى توصل إلى مكانة كبيرة في الاتحاد، وحوكم أيضا في 15 مايو، أخذ شقتين من شقق الحراسة، الأولى كمكتب والثانية كمسكن.

والسؤال الآن: هل كانت الحراسة تقف صامتة بعد أن تغير أمر الاستيلاء؟! إن الحراسة كان دورها المحافظة على العقارات والأملاك التي توضع تحت الحراسة، ولكن ماذا يفعل الحارس العام إذا وصلته رسالة من رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، وهما اللذان لهما الحق في توزيع الحراسة على بعض الأشخاص؟ ويقول المسئول عن الحراسة: أين القانون؟! كان في أجازة ولا يستطيع أي إنسان أن يتكلم، وإلا ذهب وراء الشمس).

هذه قصص ست من آلاف شبيهاتها، هل تحتاج إلى تعليق أو تحقيق؟! إذا كانت هذه هي صورة من صور حكم عبد الناصر فهل يستحق هذا الحاكم أن يذكر بخير، حتى ولو أكل المصريون المن والسلوى وشربوا ماء الورد، ولبسوا الحرير، ورقدوا على ريش النعام.

يبني الرجل عمارته، من عرق جبينه، فيحلو لأحد أذناب عبد الناصر أن يأخذ هذه العمارة لنفسه وأقاربه، فما عليه إلا أن يذهب إلى لجنة تصفية الإقطاع أو لجنة الحراسة، سواء كان هو أحد موظفيها أو كان واحد من أقاربه موظفا فيها.

وهناك يصدر الأمر بالاستيلاء على العمارة بأكملها، يحرم منها صاحبها، حتى ولا شقة لابنته تتزوج فيها، أية غصة تسد حلق هذا المالك؟ وأي ألم يعتصر كل جسده حتى يأتي عليه!! وأعجب العجب من ضمائر هؤلاء الذين يستولون على هذه العمارات ثم يسكنون مرتاحة قلوبهم، هادئة نفوسهم، وإذا تركنا هؤلاء، فما بال أقاربهم الذين يسكنون هذه الشقق المنهوبة؟ كيف يبيتون فيها، ويتنقلون بين حجراتهم؟ هل فقدوا بدورهم الضمير الحي، والإحساس الإنساني؟!! يا الله!! لقد أفقد حكم عبد الناصر الناس كل شيء، يمكن أن يكون من صفة الإنسان الآدمي.

وأغرب من هذا كله أن عبد الناصر يتركهم ينهبون هذا النهب ويختلسون الملايين، ليربطهم بعجلة حكمه، الذي وضع في يده بلايين البلايين من أموال هذا البلد، وتصرف في أقدارهم كيف يشاء، وكيف لا يفسد الناس، وتنعدم كل أواصر الآدمية، ما دام كبيرهم هذا، جعل مصر كلها، أرضها وناسها مسخرة وخاضعة لمجده الأجوف وكبريائه الأهوج!!

صديقان ضد العروبة والإسلام

قال بريجنيف حاكم السوفيت إن مبادرة السلام، تمثل خطرا على المصالح العربية، ورد عليه علي حمدي الجمال رئيس تحرير الأهرام تحت عنوان (كان السكوت أفضل) قال:

أولا: من الذي وقع بيانا سوفيتيا – أمريكيا مشتركا سنة 1972 يطالب فيه بالاسترخاء العسكري في المنطقة؟

ثانيا: من الذي رفض إمداد مصر بصفقات الأسلحة المتفق عليها والتي وعدت بها القاهرة أكثر من مرة؟

ثالثا: من الذي رفض تعويض مصر عن السلاح الذي فقدته في حرب أكتوبر، ورفض أيضا إمدادها بقطع الغيار التي تحتاجها وطلب من حكومة الهند ألا تستجيب لطلب مصر عندما عرضت مصر على الهند إمدادها بقطع الغيار؟

رابعا: من الذي يؤكد في كل البيانات المشتركة، التي توقع عليها بضرورة المحافظة على أمن المنطقة وسيادتها على أراضيها بما فيها إسرائيل؟

خامسا: من الذي وقع على البيان الأمريكي، السوفيتي المشترك الذي صدر في أول أكتوبر من العام الماضي، وتجاهل تجاهلا كاملا منظمة تحرير فلسطين، وأصر على تنفيذ قرار 242 الذي ترفضه فلسطين.

سادسا: ماذا تفعل القوات السوفيتية الآن في أثيوبيا، وهي تساهم في أشرس معركة ضد القوات المسلحة لدولة عربية هي الصومال، إذا أضفنا إلى ذلك أن إسرائيل أعلنت على لسان رئيس وزرائها ووزير خارجيتها أنها تمد أثيوبيا بالأسلحة، ألا يعني ذلك أن الاتحاد السوفيتي يساهم مع إسرائيل في معركة ضد دولة عربية عضوا في الجامعة العربية).

هاهم الشيوعيون، وها هي نواياهم ومواقفهم من الدول الإسلامية، الشيوعيون الذي ثبت عبد الناصر أقدامهم في مصر، فاتخذوا منها مركز وثوب على كل ما هو إسلامي في هذه المنطقة، ولولا أن سياسة عبد الناصر الرامية إلى صبغ المنطقة كلها بالشيوعية قضاء على الإسلام، لولا هذه السياسة الخرقاء المنكودة، لما كان للشيوعيين في هذه المنطقة من وجود ولما كانت هذه هي تحركاتهم الرهيبة ضد إسلام هذه المنطقة، أية ويلات صبها عبد الناصر على المسلمين، وما تزال آثارها تنذر بأفدح النكبات:

بمن آتيك شهيدا على سوء شرور وفساد حكم عبد الناصر؟!! إليك جانبا مما كتبه السيد رئيس الجمهورية، السادات، في كتابه البحث عن الذات عن عبد الناصر، وبعض الصور عن حكمه وأخلاقه، وما أظنه إلا صادقا فيما كتبه في هذا الصدد، لأنه أكد أكثر من مرة أنه شريك عبد الناصر في المسئولية، وأنه كان يطلعه على الكثير من آرائه وقراراته.

في أهرام الخميس 9 مارس سنة 1978 نشر جانب من هذا الكتاب جاء فيه: (قلت لجمال عبد الناصر بعد قرار تأميم القنال: لو أخبرتني بالقرار لحذرتك من احتمالات الحرب).

وهكذا كان عبد الناصر يخفي قراراته حتى على أقرب المقربين منه، لأنه كما قال مؤة في مقدمة أحد دساتيره أنه تسلح بالشك، فهو لا يعرف الثقة في أحد، لأنه فقد الثقة في الله جل وعلا، فما عاد له بعد ذلك أن يثق في أحد على الإطلاق.

وجاء في نفس الكتاب وبنفس الجريدة والتاريخ:

(شكري القوتلي أرسل إلينا من موسكو في أوج العدوان الثلاثي علينا يقول: اعتمدوا على أنفسكم، فلا أمل على الإطلاق في السوفيت).

ومعنى هذا، أن عبد الناصر كان يعرف نوايا السوفيت نحو مصر، ومع ذلك بقي على علاقته معهم، وتمكينهم من كل مقدرات مصر، وليس لهذا إلا تفسير واحد، وهو أن عزم عبد الناصر كان قد انعقد مع عزم السوفيت مع على إزالة الإسلام من هذه المنطقة، فهو لا يعنيه تصرفات السوفيت ولكنه يعنيه أن يتعاونا معا، على الإسلام في هذه المنطقة، ترى أي دم كان يجري في عروق عبد الناصر حتى يجعله يكره الإسلام هذه الكراهية الشنعاء؟!!

وجاء في نفس الجريدة وبنفس التاريخ:

(الذي جعل هزيمتنا تنقلب إلى نصر سنة 1956 كان القرار الأمريكي، ولكن عبد الناصر بتأثير المحيطين به، نسب كل شيء إلى السوفيت).

أمدح هذا في عبد الناصر أم ذم له؟! رئيس الجمهورية الذي يكذب فيحور الحقائق وينسب الفضل إلى غير أهله، ماذا تكون صفته في دنيا الأخلاق؟! ورئيس الجمهورية الذي يؤثر عليه المحيطون به إلى هذا الحد، يمكن أن يقال عنه إنه حاكم يصلح للحكم؟!

وجاء في نفس الجريدة وبنفس التاريخ ومن نفس المصدر:

(في أول انتخابات لمجلس الأمة، أغلقنا ستين دائرة على الضباط الأحرار وطلب مني عبد الناصر أن أستعد لأكون أو رئيس مجلس أمة، ولكن قبل ليلة واحدة من افتتاح المجلس اختار البغدادي).

هذا هو التمثيل الذي كان يفخر به عبد الناصر في حكم مصر، وهذه معاملاته مع أقرب المقربين إليه، تلاعب بأعصاب الناس وعدم احترامه لأية كلمة يقولها، ونكثه لأي وعد يعده، لا اعتبار عنده لشيء، ولا احترام عنده لأحد، هذا هو العملاق عبد الناصر!!!

الثورة العراقية وبيانات زائفة

وفي أهرام الأحد 12 مارس سنة 1978 نشر جانب آخر من كتاب البحث عن الذات للسيد رئيس الجمهورية جاء فيه:

(إن عبد الناصر عندما أعلنت الثورة العراقية، حاول الحصول على مساعدتها من موسكو، ولكن خروشوف رفض تقديم أي عون ... وعاد عبد الناصر مهموما ليعلن أن الاتحاد السوفيتي مع الثورة العراقية، ماذا تسمي ذلك!! أترك لك التسمية، فقد عجزت عن الوصف.

وفي نفس الجريدة والتاريخ، ومن نفس المصدر:

(إنه بعد فشل عبد الحكيم عامر في إنقاذ الوحدة مع سوريا، وعاد مشحونا في طائرة من دمشق، أن عبد الناصر كان مصمما على إقالته، ولكن حدث أن عبد الناصر بعد أن اجتمع بعبد الحكيم عامر، أصدر قرارا بترقيته إلى نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة).

رباه ... أي عبث بمصالح هذه الأمة، قارفه عبد الناصر!! يعود عبد الحكيم عامر مشحونا في طائرة!! هكذا !! منتهى الهوان والامتهان!! ويعلم شركاء عبد الناصر في الحكم أنه مصمم على إقالة عبد الحكيم عامر، وهذا هو الإجراء الطبيعي!! من أي شخص طبيعي!! ولكن متى كانت تصرفات عبد الناصر طبيعية!! ولكن خلا له الجو يفعل ما يشاء، دون أن يجرؤ أحد على أن يقول له: عيب. أليس كذلك؟!

وفي يوم 14 يوليو سنة 1978 نقرأ: كان عبد الناصر عائدا مع عائلته على اليخت المحروسة، فحذره تيتو من أن الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط قد يعتدي عليه، فعاد بمفرده وترك عائلته على اليخت مواصلا رحلته إلى مصر ومرة أخرى ترى عبد الناصر لا يهمه أحد ولا أولاده ولا عائلته، ويتركهم للأقدار المجهولة على صفحة اليم عرضة للأسطول الأمريكي، وينجو بنفسه، وماذا يهم عبد الناصر أن تحترق الدنيا كلها بما فيها عائلته، ما دام قد نجا هو بشخصه من الأسطول الأمريكي، أي شيء يسمي الناس هذا التصرف!!!

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يكشف لنا المؤلف ناحية من نفسية عبد الناصر، يقول:

(كانت لدى عبد الناصر عادة الاستماع إلى الوشايات، وعندما تمس شخصه أو بنته أو ابنه، يصبح من السهل التأثير عليه).

ما أتفه الحاكم الذي يفتح أذنيه للوشايات، وما أتفه الحاكم الذي لا يستثيره إلا ما يمس شخصه أو بنته أو ابنه، أما ما يمس المصالح العليا للوطن، فشيء لا يغضب ولا يستثير، كم عانت مصر من حكم عبد الناصر.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يقول:

(كان لعبد الحكيم أخطاؤه بطبيعة الحال، ولكن الأهم من ذلك أنه كان يسيء اختيار معاونيه بشكل فاضح، وكان من أبرز ملامح شخصيته روح القبيلة، فهو يساند من يعاونه، على حق كان أو على باطل، بينما كان جمال على عادته يناصر عبد الحكيم عامر ظالما كان أو مظلوما).

هل رأيت للضيعة التي ورثها عبد الناصر عن آبائه وأجداده ... مصر، إنه لا تهمه أحوال عبد الحكيم عامر، والناس في مصر وخارج مصر يعرفون عن عبد الحكيم عامر الكثير، ورغم هذا كله فقد كان عبد الناصر يعين عبد الحكيم عامر ظالما كان أو مظلوما، وقطعا لم يكن منتظرا من عبد الناصر غير هذا وإلا لم يكن هو جمال عبد الناصر، الذي أذل المصريين، وخرب الاقتصاد، وانهزمت مصر على يديه العديد من المرات، هذا هو جمال عبد الناصر الذي هدد الإخوان المسلمون من موسكو، وحضر ليكون حكمه أبشع حكم عرفه التاريخ.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يقدم لنا السادات، صورة أخرى من أخلاق جمال عبد الناصر، يقول:

(على مستوى رجال الثورة كان الانفصال الثوري، شماتة كبيرة في جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، ولكن مجموع الشعب كان ما يزال يفقد شيئا هاما في حياته، هو الحرية.

هذه حقيقة لم يدركها جمال عبد الناصر إلى يوم أن مات، وكان يتصور أن الشعب مرتاح وسعيد وراض عن أسلوب الحكم، لأن الناس عندما تراه كانت تهتف له وتهلل وتصفق، ولكنه نسي أن في ضمير كل مواطن حتى في الطبقات التي كان يعتقد أنه يخدمها، حقيقة أساسية تطغى على كل حقيقة أخرى وهي الإحساس بالحاجة إلى الحرية).

أما أنا فتتملكني الدهشة حقا، من هذا التصور، أكان عبد الناصر مع كل ما فعله بمصر والمصريين، كان يعتقد أن الشعب يحبه!! أما إن كان كذلك حقا، فيا للدهشة الدهماء في تفكيره!! ما كانت تخفى على عبد الناصر خافية من مشاعر الشعب ضده، لأنه كان يقيم على المخابرات مخابرات، وعلى الإثنين مخابرات ثالثة، فهو كان على علم كامل بكراهية الشعب له ولحكمه، فبادل الشعب كرها بكره، وأذاقه الأمرين.

الحرية المفقودة وأسئلة ملحة

إن السيد رئيس الجمهورية، يشهد كتابة، أن الحرية كانت معدومة على عهد عبد الناصر، والحرية أثمن شيء في حياة الأمم، وقد قضى عليها عبد الناصر، فكيف نحتفل بذكرى وفاته، ولماذا تجري الأرزاق على ورثته سخية فياضة، أليس من حقي كمواطن أن أسأل متعجبا؟؟ وأن أطالب بالعدول عنه وأنا محق؟! بل وأطالب بالتحقيق والمحاكمة العاجلة، إحقاقا للحق ووضعا للأمور في نصابها. في نفس الجريدة التاريخ والمصدر، يقول:

(بعد عودة عامر من سوريا، بعد أن عومل معاملة مهينة، التقى بعبد الناصر، وقال إنه لا يستطيع أن يستمر كقائد عام للقوات المسلحة بعد الإهانات التي وجهت إليه من جيش سوريا، فكرامته كقائد عام لا تسمح له بالاستمرار في عمله، ورحب عبد الناصر بهذا أشد الترحيب، فقد كان ينتظره أو يتمناه منذ معركة سنة 1956 وبعد الموقف المتخاذل الذي وقفه عامر آنذاك، والحالة التي كانت فيه القوات المسلحة في ذلك الوقت وعند الانفصال، ولكنه لم يشأ أن يظهر لعامر ترحيبه باستقالته حتى لا يتراجع فيها، فقد كان كل منهما يعرف الآخر حق المعرفة ويتربص بالآخر في غيابه وحضوره).

أي حاكم هذا الذي يخادع نائبه الأول، ويتربص به الفرص حتى يزيحه عن منصبه، إذا كان عبد الناصر يعرف أن عبد الحكيم عامر لا يجب أن يبقى في منصبه، فما الذي يمنعه من إقالته؟! هل هي مصلحة الوطن أو مصلحته الشخصية؟!! وهكذا إذا تعارضت مصلحة الوطن العامة مع مصلحة عبد الناصر الشخصية الخاصة، فلن يتوانى عبد الناصر في التضحية بمصلحة الوطن إذا تعارضت مع مصلحته الخاصة.

ثم كيف يمكن أن تتحقق للوطن مصلحة، إذا كان رئيس الدولة ونائبه الأول، يعرف كل منهما الآخر، وما ينطوي عليه نحوه!! نفسية عجيبة في الالتواء، يتقدم عامر بالاستقالة إلى عبد الناصر، هذه الاستقالة التي كان يتمناها من كل قلبه، ولكنه في دهاء ومكر لم يرحب بالاستقالة مباشرة، حتى لا يكشفه عامر!! هذه هي محاورة الثعالب التي تتبوأ أكبر مراكز الدولة حساسية ومسئولية، وما أصدق من قال إن البغاث بأرضنا يستنسر، وهكذا يظهر عبد الناصر بمظهر النسر، وهو في حقيقته ليس نسرا ولكنه من بغاث الطير، الذي يستنسر إذا ما خلا له الجو، واستكان الشعب إلى الذلة والمهانة، فلم يدفعها عن نفسه، وبذلك كان يشدد مظالمه على الأبرياء، كي تخيف الباقين فيركنوا إلى الرضاء بالمذلة خانعين.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر جاء:

(ولم يمض يوم أو يومان حتى يفاجأ عبد الناصر بعبد الحكيم عامر، يطلب منه سد حاجات النقض في القوات المسلحة وغير ذلك مما يشير إلى أنه مستمر في عمله كقائد عام، حينئذ أسقط في يد عبد الناصر، ولم يدر ماذا يفعل، طبعا كان وراء تراجع عبد الحكيم مستشاروه من أمثال شمس بدران وبعض خاصته وأهله، وكان لهم تأثير سيء عليه، وإحساسه أنه شريك عبد الناصر، فما دام عبد الناصر يحكم، فيجب أن يظل عبد الحكيم قائدا عاما للقوات المسلحة)

تصوير فيه كثير من الدقة لحكم عبد الناصر، يفرح إذا تقدم عبد الحكيم عامر يطلب الاستقالة!! أين الصداقة!! أين زمالة السلاح!! ثم يفاجأ بعدول عبد الحكيم عامر عن الاستقالة فيسقط في يده، ويبلس ويحتار، ولا يدري ماذا يفعل!! أين ذكاء الملهم؟! هي عبقرية العملاق؟! لا ذكاء فلا عبقرية، ولكن الميدان خلا من الرجال، فباضت البقرة وصفرت، واسعدي يا مصر المسكينة!!!

ثم هذا هو شمس بدران الذي منحت له حكومة ممدوح سالم جواز سفر دبلوماسي يمكنه من الفرار من الوقوف أمام القضاء في جرائم التعذيب التي أدين فيها مرارا، أي أسرار في يد شمس بدران تخشى الحكومة كشفها، إذا لم تساعده على الفرار بملايينه الطائلة، التي نهبها من دم الشعب المسكين، أهذه هي المحافظة على حقوق الأمة التي رضيته رئيسا لحكومتها.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر:

(حينما سمع عبد الناصر هذا من عبد الحكيم، جن جنونه واستشارنا، فأجمعنا على وجوب ترك عامر للقيادة، بعد خروجنا قام عبد الناصر باستدعاء عامر، وجعلا يناقشان الأمور فيما بينهما وبعد عدة اجتماعات بينهما، اختفى عامر، فاستدعانا عبد الناصر مرة أخرى وقال إنه أخبر عبد الحكيم بالقرار الذي اتخذناه، ولكنه رفض الاستجابة له ثم اختفى حيث لا يعلم أحد، ولو أنه عرف بعد ذلك أنه كان في مرسى مطروح، كان ردنا على عبد الناصر أنه لو تراجع في القرار الذي اتخذناه بالإجماع، فهو يتنكر بصراحة لمصلحة مصر، ثم لماذا يسألنا الرأي، إنها مسئوليته وحده كرئيس للجمهورية).

لقد انعقد إجماع السادة القادة على وجوب استقالة عبد الحكيم عامر، فكيف لا يأخذ إجماعهم حقه من التقدير والاحترام عند السيد عبد الناصر؟ أليسوا أعضاء مجلس قيادة الثورة صاحب السلطة الشرعية كما يقولون؟ لماذا لم يحترم عبد الناصر إجماعهم ويقيل عبد الحكيم عامر؟ هل عبد الحكيم أقوى منهم جميعا؟ أم أن رغبة عبد الحكيم والحرص عليه أغلى من إجماع مجلس قيادة الثورة مجتمعا؟ ولماذا لم يغضب أعضاء مجلس قيادة الثورة لإجماعهم الذي لم يقم عبد الناصر له وزنا؟ ولماذا بقوا في مناصبهم بعد أن ثبت أن إجماعهم لا يعتد به؟ وأن الرأي ما يرى عبد الناصر؟ أسئلة تجيب عن نفسها بنفسها، ففي الموقف حاجات وفي الرأي العام المغلوب على أمره فطانة، منع عن إظهاره القاعدة اللغوية تقول: وحذف ما يعلم جائز.

واختفى القائد العام

ثم هل من المقبول كرامة أن يختفي القائد العام للقوات المسلحة في مكان لا يعلمه رئيس الجمهورية، ثم يقال إنه علم بعد ذلك أنه في مرسى مطروح، ما هذه التصرفات البلهائية على المستويات القيادية، أخي هذه سياسة الحكم عند عبد الناصر، فصفها بما تشاء، ولا تثريب عليك.

وفي نفس الجريدة في نفس التاريخ والمصدر، جاء الآتي:

(في هذه الأثناء – وإغاظة لعبد الناصر- قدم له عامر الاستقالة المشهورة التي طبعها بعد ذلك في سنة 1967 وقال فيها إنه استقال سنة 1962 وغير ذلك من أمور يعلم جيدا أنها تثير حنق عبد الناصر، فمثلا قال إنه لا يقبل أن يحكم البلد حكم بدون أحزاب، وديكتاتورية ملطقة.

كان عامر يعرف جيدا أن عبد الناصر لن يقبل أن تخرج هذه المسائل إلى البلد، لأن الشعب كله كان يعرف الديمقراطية، فإذا قبلت هذه الاستقالة ستجعل من عامر بطلا قوميا).

إلى هذا الحد بلغ العبث بمصالح الأمة في مجلس قيادة الثورة، تقدم الاستقالات، وتقبل أو ترفض، لا تحقيقا لمصلحة الوطن، ولكن لأن النائب الأول لرئيس الجمهورية، يريد من هذه الألاعيب السخيفة أن يغيظ رئيس الجمهورية!! وحاوريني يا طيطة؟ عسكر وحرامية؟ ما هذا السخف المقرف؟ لماذا لم يضع أعضاء مجلس الثورة حدا لهذه المناورات الشخصية؟! إن كان عبد الناصر لا يقيم وزنا لرأيهم، فلماذا لا يستقيلون استقالة جماعية حتى يكشفوه أمام الشعب؟ لماذا سكتوا على تحدي عبد الناصر لإجماعهم هل كانوا قاصرين أم مقصرين؟! هل كانت ضمائرهم مرتاحة هانئة للوضع الذي وضعوا أنفسهم فيه؟! ولماذا انطلقت أقلامهم ومؤلفاتهم تهاجم عبد الناصر بعد وفاته؟! أكانوا يخافونه على حياتهم؟! أليس من أول واجبات الجندي الحر الشجاع أن يضحي بحياته في سبيل إنقاذ وطنه؟ إي وربي، إني لأقدر الذين لم يهاجموا عبد الناصر بعد وفاته من المحيطين به، أكثر وأكثر من تقديري للذين صمتوا في حياته، ثم هاجموه بعد وفاته، لقد كان الإخوان المسلمون يعارضون عبد الناصر، فعذبهم عذابا شنيعا، فلم يجبنوا أمام طغيانه واعترف العالم برجولة الإخوان المسلمين، التي سلحهم بها تمسكهم بعقيدتهم في إصرار ووفاء، هل فضل أعضاء مجلس قيادة الثورة هذا الصمت الذي لا يجمل بهم، على اتخاذ موقف العزة بمصارحة الأمة بما كان يفعله عبد الناصر، وليكن بعد ذلك ما يكون، أما أنا فإني كنت أفضل لهم هذا الموقف الأخير، حتى يثق الناس في صدق ما قالوه وكتبوه بعد وفاة الزعيم الملهم المظفر الأوحد، ولله في خلقه شئون.

وفي أهرام الثلاثاء 14 مارس سنة 1978 جاء في كتاب (البحث عن الذات). (كان عبد الناصر قد أبلغ عبد الحكيم عامر، بأن الذي اتخذ قرار تنحيته عن القوات المسلحة، هم إخوانه أعضاء مجلس الثورة، وعلم عبد الحكيم الحقيقة بعد ذلك ... فبدأت الحياة تتعكر بينهما، وبدأ كل منهما يأخذ احتياطه من الآخر من أول سنة 1962).

كما ذكرت في أول هذا الكتاب، إنني لا آتي بشيء من سياسة عبد الناصر في الحكم، فما أعلمه، ولكنني أنقل آراء زملائه والكتاب والصحفيين وغيرهم وهكذا تتجلى أخلاق عبد الناصر في سياسة حكمه، فماذا تسمي حاكما يرى رأيا في أحد زملائه، ثم ينسب هذا الرأي إلى الآخرين من زملائهما؟ أيكون حاكما صادقا في النقل؟! شجاعا في إبداء رأيه؟! ذاكرا لحقيقة الواقع فيما بينه وبين زملائه؟! وإذا كان هذا هو حاله مع زملائه فكيف يكون حاله مع الشعب الذي لا يعلم عن حقائق الأحداث شيئا؟!

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، جاء:

(وفي هذه الأثناء كان التنظيم السياسي موجودا، ولكنه كان بالتعيين لا بالانتخاب، فهو أعرج لا يملك من أمر نفسه الكثير).

هذا هو التنظيم الذي كان عبد الناصر، يخدع الشعب، بأنهم ممثلوه، وهم في الحقيقة أذنابه، الذين عينهم في التنظيم الذي كان مفروضا فيه أنه جاء بالانتخاب، لم يكن في سياسة الحكم عند عبد الناصر، شيء من الحق ولكنها كلها كانت صورا مزيفة، لحياة نيابية خادعة.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، جاء:

(وكنت أنا المسئول السياسي عن الثورة اليمنية، وعامر عن الجانب العسكري ... فانقلبت الحرب إلى تجارة ومنفعة).

ترى من كان المتاجر بهذه الحرب، ومن المنتفع منها، قطعا لم يكن الشعب ولا مصالحه، ولكنها الفئة التي وضعها عبد الناصر، ليستغل عن طريقها هذا الشعب الذي ابتلي بحكمه، ويستعين بها على ظلم الناس، ولن ينجو هو ولا معاونوه من عذاب الله، لأن الله سبحانه وتعالى يضع المسئولية كاملة على عاتق الظالم، ومن أعانه على ظلمه، فقال جل من قائل: "إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين" وليس لنا بعد قول الله من قول، فكل من شارك عبد الناصر، طوال حكمه، ولم ينتقض عليه ولم يتركه ومظالمه، كان شريكا في كل شروره سواء بسواء.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر جاء:

(وفي سنة 1956 كانت البلاد قد وصلت إلى حالة يرثى لها، فعلي صبري لا يتخذ قرارا في أي شيء، لأنه بطبيعته يخشى المسئولية، وربما لهذا السبب وقع اختيار عبد الناصر عليه، فعبد الناصر بطبيعته الديكتاتورية، كان يتطلب في رئيس وزارته أن يكون مجرد مدير مكتب، ينفذ أوامره فحسب، وهكذا كان علي صبري).

بمثل هذه الشخصيات التي تخشى المسئولية، كان عبد الناصر يستعين، وما عليه إلا أن يضع أمام الناس أشباحا يحركها في الخفاء، إن السيد أنور السادات هو الذي يصف سلفه بهذه الأوصاف، فلا شأن لنا فيما يعرفه عن زميله في الكفاح، ولكنه الحق لا بد أن يظهر ويأتيك بالأخبار من لم تزود.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، جاء:

(وفي سنة 1965 عندما قيل إن هناك مؤامرة دبرها الإخوان المسلمون، تولى أمرهم البوليس الحربي وشمس بدران أهم معاوني عامر، وكما اتضح بعد ذلك كان هناك تعذيب وإهانة وامتهان لكرامة الإنسان).

ولقد كنا نود أن يتوسع المؤلف في هذا الموضوع، الذي يعتبر أسود صورة لحكم عبد الناصر، وأبشعها فظاعة، ولكنه لم يفعل، رغم أنه وصم حكم عبد الناصر بأنه كان فيه تعذيب وإهانة وامتهان لكرامة الإنسان، ماذا يمسي الشعب الحاكم الذي يعذب المواطنين أو فريقا منهم ويهينهم ويمتهن كرامتهم كمواطنين؟! ماذا يسمونه؟! وأي العواطف يحملونها له؟! وبماذا يذكرونه في حياته وبعد وفاته؟!

لجنة تصفية الإقطاع أم تصفية الإنسان

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، جاء:

(كانت لجنة تصفية الإقطاع تمثل قمة الإرهاب والكبت والإذلال وسمعت بعد ذلك قصصا رهيبة، تدل كلها على مدى امتهان السلطة للإنسان المصري، والقيم التي نشأ عليها، فمثلا كانوا يقتحمون البيوت بالليل، ويطردون النساء، فيخرجن مع أطفالهن للطرقات يبحثن عن مأوى يسترهن).

لجنة تصفية الإقطاع، التي كونها عبد الناصر، لترفع عن المواطنين مظالم الإقطاع، وتعيد الطمأنينة إلى نفوس المواطنين، هذا الدواء الذي أعده عبد الناصر لعلاج المواطنين وشفائهم، كان هذا هو أسلوب علاجه للمواطنين .. تعذيبات رهيبة تدل على مدى امتهان السلطة للإنسان المصري، وهل كانت السلطة إلا جمال عبد الناصر، ماذا ترى في حاكم يقتحم عساكره وضباطه بيوت المواطنين ... يروعونهم ويحقرونهم ويبغون عليهم، ويا ليت الأمر وقف عند هذا التصرف الكريه، ولكن عبد الناصر لا يكفيه هذا في امتهان كرامة الإنسان المصري، ولكنه يرضى بطرد النساء والأطفال من بيوتهم إلى الطريق يبحثون عن مأوى يسترهم فلا يجدون لأن الناس يخافون أن يأووهم فيصيبهم ما أصاب هؤلاء، إلى هذا الحد تنكر المواطنون لأبسط مبادئ الإنسانية بسبب الرعب والفزع الذي أشاعه حكم عبد الناصر في قلوبهم.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر يقص علينا السيد/ أنور السادات ما لحقه هو من تصرفات عبد الناصر، فيقول:

(رحب عبد الناصر بالفكرة – دعوة أمريكا لزيارتي لها – فقد بدأ يشعر أنه أخطأ في حق الأمريكان، في إحدى خطبه قائلا، فلتشرب من البحر الأبيض وإذا كان هذا لا يكفيها فهناك البحر الأحمر، فقبلت الدعوة وسافرت مع زوجتي إلى أمريكا حيث استقبلونا أحسن استقبال .. وعندما زرت الكونجرس أجلسوني على كرسي الرئيس، وهو نفس الكرسي الذي جلست عليه عند زيارتي أمريكا سنة 1975 ... ولكن في عشاء رسمي، فاجأتني صحفية أمريكانية بتصريح عبد الناصر فقلت لها وقد وجمت: ليس لدي تعليق، وتساءلت في نفسي: لماذا يفعل عبد الناصر ما فعله، بعد أن اتفقنا على أن نبذل مجهودا لتحسين العلاقات، وبعد تشجيعه لي على إتمام الزيارة؟ وإذا كان هذا هو قصده فلماذا وافق على الزيارة أصلا؟

ولعل اللباقة هي التي منعت السيد/ أنور السادات من الإجابة على الأسئلة التي دارت بينه وبين نفسه، عن وقوف عبد الناصر معه هذا الموقف المحرج، وفي بلد أجنبي، وبين أجانب، وهل جرؤ عبد الناصر على المضي في تصرفاته، إلا أنه لم يجد أحدا يقول له: إن هذا الذي تفعله عيب لا يجب أن يأتيه الحاكمون.

وفي الأخبار 23 مايو سنة 1978 نشر الآتي:

(محمد حسنين هيكل كان يقدم المعلومات لسفير أمريكا في مصر، أي أن الصحفي الذي أصبح لسانا لجمال عبد الناصر بعد الثورة، وشريكا في الحكم، كان يتعامل مع السفارة الأمريكية بتقديم المعلومات المطولة عن أسرار السياسة المصرية، ولذلك كان غريبا فعلا أن يختاره جمال عبد الناصر، ليكون المعبر عنه، حتى توثقت الصلة بينهما، وأصبح هيكل من مراكز القوى التي كانت تحكم مصر فأفسدت حياتها السياسية بعد ثورة 23 يوليو سنة 1952).

هذا الاتهام الخطير، الذي يبلغ درجة الخيانة العظمى للوطن، مر على أعين وآذان المسئولين، وكأنه لا شيء فيه، ما هي الحصانة المنيعة التي يتمتع بها هيكل فتحميه من سلطان القانون، ورغم أنه كان من مراكز القوى، فلم ينله ما ناله في 15 مايو، وكأنه فوق مستوى المؤاخذة والملام.

وفي أهرام الخميس 21 يوليو سنة 1977 قال السيد/ حسن التهامي أحد الضباط الأحرار إن قال لجمال عبد الناصر:

(إنك داهية لست بسياسي وأنت فرعون مصر الجديد).

هل نحن الذين وصفنا عبد الناصر بما وصفه به زميله في تشكيل الضباط الأحرار، ولقد قال الله سبحانه في فرعون: "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا". صدق الله العظيم، لقد طغى عبد الناصر وتجبر وفرق بين قلوب المصريين جميعا، فجعل الفلاح يكره مالك الأرض وجعل مالك الأرض يمقت الفلاح، وجعل صاحب المنزل يبغض المستأجر وجعل المستأجر يتنكر لصاحب المنزل، وجعل صاحب المصنع يضيق بالعامل وجعل العامل يتطاول على صاحب المصنع، بل بلغ الحال بالناس طوال حكم عبد الناصر أن الأسر نفسها تمزقت أواصرها، وأصبحت بعضها حربا على البعض الآخر، هذا إذا لم يكن الابن جاسوسا على والديه وإخوته.

الانسحاب المهين من الذي أمر به؟

وفي أهرام الجمعة 5 أغسطس سنة 1977، ذكر السيد/ حسن التهامي، أحد أعضاء خلية عبد الناصر، ما يأتي:

(إن عبد الناصر اعترف له شخصيا بأنه هو (جمال) الذي أعطى أمر الانسحاب إلى غرب القناة، وأن عبد الحكيم عامر تناول السم في بيته (بيت جمال)، وطمع في جمال أكثر من حوله، ولبسوا له جلد النمر، واستخدموا نفس مادة فكره في الإحاطة بمصائر الناس والتحكم فيها، فوضع له أقرب أعوانه ميكرفونات في مكتبه الخاص وأماكن لقاءاته بالناس، وصار يسجل له وعليه كل شيء فانتهت به تلك المرحلة إلى اختلال موازين علاقته بالناس، وارتدت عليه أساليب معاملته لهم، فسيطر عليه الخوف والشك، والخوف ممن كان يفعله خفية، والشك في كل شخص تقريبا).

هذه هي الحقيقة في أمر الانسحاب إلى غرب القناة، أهو القائد العام للقوات المسلحة، وهو المختص .. أم هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو كما عهدنا كان يتصرف بما يوجهه إليه مستشاروه الروس، وكلنا يعلم مدى حرص الشيوعيين على مصلحة مصر المسلمة، وهذا جانب من جوانب كارثة سنة 1967 والسبب فيه عبد الناصر، ولعلك لا يفوتك المعنى الواضح من قول السيد/ حسن التهامي، إن عبد الناصر اعترف له أن عبد الحكيم تناول السم الذي مات به في بيت عبد الناصر .. من الذي أعطى السم لعبد الحكيم؟؟ كيف تناوله عبد الحكيم في بيت عبد الناصر؟ كيف لم يمنعه عبد الناصر ومن معه، من تناول السم؟؟ وإذا كان هذا هو موقف عبد الناصر من أعز أصدقائه، فكيف يكون موقفه مع الناس كافة وخاصة من كان يظن أنهم خصومه؟ لقد انقلب أسلوب جمال عبد الناصر عليه، فطبقه عليه هو ذاته أقرب أعوانه، لقد وضع له أعوانه أدوات التنصت في مكتبه الخاص وغيره من الأماكن، وإذا كانت الموازين قد اختلت في يد عبد الناصر فماذا تكون صلاحية في حاكم سيطر عليه الشك في كل الناس، وتملكه الخوف، الخوف أن يفعل به ما كان يفعله بالناس، لا شك أن مثل هذه الحالة لن ينتج منها أي خير لا للحاكم ولا الشعب ولا الوطن، هذه هي حالة مصر في حكم عبد الناصر!!

في نفس التاريخ والمصدر، جاء:

(وتمزقت نفسه بين هذين الإحساسين، واستحال عليه أن يدفن سره في قرارة عقله الباطن الذي أجهده مقتل عبد الحكيم عامر زميله ومعينه على مدى تاريخ حكمه، وأحس جمال بافتضاح أمره، وانكشاف ستره، وتجسدت أمام ضميره نتائج أعماله).

كل كلمة في هذه الفقرة تصور لك عبد الناصر تصويرا صادقا، وخاصة أنها صادرة من زميل عبد الناصر في خليته قبل الانقلاب، ها أنت ترى أن:

1 – نفسية عبد الناصر قد تمزقت.

2 – افتضاح أمره.

3 – انكشاف ستره.

4 – تجسيد أعماله أمام ضميره (هذا إذا كان له ضمير).

لماذا تتمزق نفسية عبد الناصر؟ من الأفعال الطيبة التي كان يعامل بها الشعب؟!! وأي أمر من أمور عبد الناصر افتضح؟! هل توصف أعمال الخير بأنها افتضحت؟؟ وأي ستر من أستاره التي يعلمها الله قد انكشف؟ هل ستر الخير والبركة؟! الله أعلم!! وما الذي تجسد أمام ضميره نتيجة أعماله؟؟ أهو الخير الذي صبه على الشعب! أهي الرحمة التي كانت عماد حكمه! قل لنفسك ما شئت، فلن تجد في حكم عبد الناصر ذرة من خير تذكر له، وحسابه على الله.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر:

(وهذا "الانسحاب" يا ريس نقطة تهمني أن أعرفها، حيث أن كارثة سنة 1956 تسببت أساسا من أمر الانسحاب غير المنظم الذي تحول إلى فوضى).

يأمر عبد الناصر بالانسحاب في سنة 1956 ويأمر به في سنة 1967، وينتهي الانسحاب إلى فوضى تذهب بأرواح الآلاف من أبناء هذا الوطن المسكين، من المسئول! وما مدى هذه المسئولية؟! وما هو موقف عبد الناصر بعد في تاريخ مصر.

عبد الناصر يحتفظ بأشرطة مسجلة لعامر

وفي نفس الجريدة والمصدر والتاريخ، جاء:

(وسألته: كيف مات عبد الحكيم، ومن الذي قتله؟ فأجاب: أنت عارف عبد الحكيم وكيف كان قد انحرف في تصرفاته الشخصية، وتصرفات من حوله والمجموعة التي حوكمت ومجموعة المخابرات والقيادات الذين كانوا يريدون قلب الحكم والاستيلاء على السلطة بعد الهزيمة، وأنت تعرف أنني أحتفظ عندي إلى الآن في الدور العلوي بأشرطة مسجلة ومصورة وأفلام سينما تثبت الانحراف الخلقي الذي لا يصدقه أحد، وبدأ يشرح نوعية الانحرافات، وإني أحتفظ لعبد الحكيم ومجموعته بتلك الإثباتات منذ أكثر من سنتين فما رأيك إذا عرضتها عليك بنفسي؟!).

يا رب ... أي أناس هؤلاء الذين يحكمون مصر المسلمة؟! قائد القوات المسلحة .. له انحرافات شخصية ... لا يصدقها عقل .. هل تستطيع أن تتصور انحرافات لا يصدقها عقل ... ثم إن رئيس الجمهورية يعرف هذه الانحرافات التي لا يصدقها العقل منذ سنتين .. وعنده تسجيلات مسموعة ومرئية ... يحتفظ بها في الدور العلوي بمسكنه، ثم هو لا يفعل شيئا، ويترك هذا القائد العام للقوات المسلحة يتولى قيادة أبناء الشعب وهو على هذه الدرجة من الانحرافات الشخصية!! أي شيء هذا؟!! أي نوع من الحكم؟ ثم ماذا ينتظر من حكم هؤلاء هم رجاله حكاما ومحكومين، ألا تبكي على هذا الشعب الذي ما يزال يحتفل بذكرى وفاة عبد الناصر الغالية!! أين مراقبة الله؟ هل من مؤمن باع الدنيا بالآخرة يحاكم هذا الخائن وأتباعه.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، جاء:

(فقلت له إن ما قلته عنهم يكفيني لأصدقك، ولكن أنا الذي يلومك الآن ... إذا كانت هذه التسجيلات والأدلة في حوزتك منذ عامين أو أكثر، فلم سكت على هذا الفساد المستشري في أعلى رئاسة الدولة؟ إن أمانة الحكم التي وضعها الناس في يديك وفي رقبتك كانت أوجبت عليك التصرف بمجرد علمك.

وقال مقولة من مقولاته التي لا أنساها: كرسي الحكم في مصر نفسه مش ثابت، والحل المطلوب الآن هو الحل الداخلي أساسا وتثبيت الكرسي الذي أجلس عليه، ولذلك فقد طلبتك، أما المخطط العربي فاتركه الآن .. ليس لي أي التزام أو مصلحة في الخارج أو أي شيء أبكي عليه).

هذا هو عبد الناصر!! وهذه هي سياسة حكمه لمصر، إن الكرسي يهتز من تحته لأنه غير ثابت وهذه هي حقيقة، كيف يكون كرسي الحكم ثابتا، والحاكم يناجز الشعب، أو جزء من الشعب العداء؟ إن عبد الناصر باعترافه لا يهمه شيء في السياسة الخارجية وليس له فيها ما يهمه أو يبكي عليه، إن الذي يهمه هو تثبيت حكمه، أيا كانت الوسيلة مشروعة أو غير مشروعة، عادلة أو ظالمة، ضارة أو نافعة.

والذي يلفت النظر في هذه النقطة بالذات، ما هو السبب الذي من أجله يدعو عبد الناصر السيد حسن التهامي عندما أحس بكرسي الحكم يهتز من تحته؟! أهي كفاءة خاصة في السيد حسن التهامي لتثبيت الحكم؟! أم شيء آخر يعرفه عبد الناصر في السيد التهامي؟ علم ذلك عند الاثنين وعند ربي.

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يقول السيد حسن التهامي:

(وعدت فواجهت حقائق لا مفر من ذكر بعضها، فعلى قدر السرعة التي استدعاني بها عبد الناصر، وتجاوبي مع قراره لمصلحة مصر والعمل الوطني تركني عبد الناصر، تحت الرقابة لمدة زادت على الثلاثة أشهر، آمنت فيها أن عبد الناصر، كما أعرفه لم يتغير، بل ازداد مكرا ودهاء وحرصا، إنني للأسف وجدت أن الرجل أحاطت به مجموعة تستغل إلى أبعد الحدود هواجسه ومخاوفه التي كان مبعثها ضميره وعقله الباطن، وعلمه بما فعله بالناس، وما فعله معاونوه بأهل مصر، وهم تحت مظلته، وهم يستخدمون سيفه وسلطانه وشعاراته.

حاكم يعيش في هواجس ومخاوف!! ولا بد أن تكون حياته كذلك وأن تمضي به الأيام وهو على هذه الحالة من الخوف والرعب من جراء ما فعله بالشعب، لا خوف من الله، فقد حارب الله جهارا باتخاذه الشيوعية قاعدة لحكمه، ولا تأنيب من ضمير، لأنه وأد هذا الضمير في قبر التشبث بالحكم تحت جرائمه الشنيعة، وكلما مر به يوم ازداد مكرا في معاملة الناس، ودهاء في منافقتهم، وحرصا على الحكم وملايينه ومظهره وأبهته، وما يجره على أهله وبنيه من مكانة وسلطة، ورغم هذا كله فما يزال ورثته يرتعون في أموال الشعب بلا حسيب ولا رقيب.

في نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يقول السيد حسن التهامي (قال لي حسين الشافعي: ما هو عارفك يا حسن، فقلت له: وأنا عارفه. فما آمن وما اطمأن إلى أن هناك على وجه الأرض ما يمكن أن يتسم بالوفاء والإخلاص المجردين).

ترى ماذا يعرف الرجلان كل عن الآخر؟ أهو ما ذكره السيد حسن التهامي من أن عبد الناصر يعتقد أنه ليس على وجه الأرض شيء يمكن أن يكون بداخله وفاء وإخلاص لوجه الصداقة ... لوجه الإنسانية .. لوجه الله!! بربك أي حاكم هذا الذي لا يعرف الوفاء وطهره، ولا الإخلاص ونبله؟! بهذه النفسية وهذا الخلق كان عبد الناصر يحكم مصر.

لوحة الثأر

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يقول السيد/ حسن التهامي:

(وجاء عبد الناصر مساء يوم إلى قصر القبة، ونحن مجتمعون حيث كان يعقد مجلس الوزراء برئاسته، وقال لنا إنه عاد توا من الجبهة بعد أن زار الضباط في قيادتهم الميدانية، ووجد في إحدى هذه القيادات لوحة معلقة على الحائط مكتوبا عليها بدماء الضباط: قسم الثأر لمصر من إسرائيل، وقال هو بنفسه إنه انفعل عندما رأى هذا القسم وأمر بإنزاله من الحائط، ووضعه على الأرض، وقال للضباط: الثأر من إيه؟! نحن نريد أن نستعيد الأرض، ولكن ليس هناك شيء نثأر من أجله ... وصمت الضباط بلا تعليق، وخرج جمال عبد الناصر ... وساد المجتمعين أيضا صمت أعمق.

ونخرج من هذا كله بحقيقة بارزة، هي أن الانتصارات والهزائم التي جرت لمصر وعليها، كانت رهينة بحضور أو غيبة المفاهيم الإيمانية والقيادة المؤمنة، ونحن ما زلنا على عتبة ما كل ما يعرف يقال).

ضباط يريدون أن يثأروا لكرامتهم التي أهدرت في غير ما حرب ويكتبون قسما بهذا، ويراه رئيس الجمهورية، وكان المفروض أن ينشرح صدره لهذه الروح لوثابة في نفوس ضباطه ... ولكن ... ولكن عبد الناصر يثور غاضبا من كلمة الثأر، ويلقى بلوحة القسم على الأرض قائلا: الثأر من إيه؟!! الثأر من إسرائيل التي طغت وبغت يا سيد جمال، الثأر من الذين عاملوا الجنود والضباط أحقر معاملة وأنذلها احتقارا لجيش مصر، الثأر من يهود استباحوا الحرمات، وهتكوا الأعراض، وقتلوا الأطفال يا سيد جمال!!

ولكن ما لعبد الناصر وهو لا يعرف الوفاء لوطن، ولا الإخلاص لزملاء في السلاح، أما يزالون يفكرون في الثأر من إسرائيل ... يا للجهالة ... ويا للعقلية الآسنة !!! لتبق إسرائيل، لا يجب أن يثأر منها أحد، لتطمئن إسرائيل ولتهدأ بالا ما دام عبد الناصر حاكما.

إنما الذي يثير الغيظ حقا، أن هؤلاء الضباط صمتوا صمت الخرس أمام عبد الناصر، وهو يمتهن كرامتهم، ويحتقر تفكيرهم فيلقي بما كتبوه بدمائهم على الأرض أمامهم، فلا تتحرك فيهم غيرة على ما فعل بهم، والأكثر إثارة للغيظ والعجب، أن الضباط أعضاء مجلس الوزراء، كانوا بدورهم أعمق صمتا من ضباط القيادات الميدانية، ثم لا تصعقك الدهشة، إذا علمت بعد هذا كله أن السيد/ حسن التهامي يقرر أنه مع كل ما ذكر، ما يزال شعب مصر على أعتاب ما كل ما يعرف يقال، ترى أية مخاز في حكم عبد الناصر، وأية مآس وارتطامات ما تزال مخبأة طي الكتمان عن الشعب الذي كان مفروضا أن يعلم كل شيء في عهد الحرية وسيادة القانون.

وكم ذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا

وفي أهرام الجمعة 12 أغسطس سنة 1977 كتب السيد/ حسن التهامي يقول:

(كنا قد وضعنا خطة بالتفاهم مع جمال وعبد الحكيم لاستعادة جزء من فلسطين، وهو ميناء إيلات والمنطقة التي كانت منفذا لإسرائيل على البحر الأحمر وذلك بقيادة مجموعة مختارة من أقدر وحداتنا المقاتلة، ولكن الرئيس عبد الناصر أوقف ذلك المشروع، بعد أن قطعنا فيه شوطا في الإعداد، وذلك بعد أن أعاد حساباته، وكان من أهمها رد الفعل الأمريكي المتوقع والوجود البريطاني في قادة قناة السويس.

فقد تحول جمال عبد الناصر بفكره وتصرفاته في تلك المرحلة إلى علي صبري وسامي شرف ... وكان جمال قد طلب مني أن أدير مكتبه بدلا من أمين شاكر ولكني اعتذرت بشيء من الإصرار، فلم أكن لأقبل ذلك الوضع، رغم علاقتي الشخصية به، وشعوره الشخصي بنجاحي.

مع ما بينا من مفارقات، فقد كنت وما زلت أحرض على مصلحة مصر وخدماتها، وأضع تلك المصلحة فوق المستوى الشخصي دائما).

حتى بعد أن يتفق جمال عبد الناصر على استعادة من أرض مصر، يعدل بعد ضرب أخماسه في أسداسه، وخشي أن تتدخل أمريكا، وفي ذلك ما يزعزع كرسي الحكم من تحته، وتلك عاشرة الأثافي عند عبد الناصر، أما مصر ... مصلحتها ... مكانتها ... كرامتها، فكلها لا تساوي قلامة ظفر، إذا اهتز كرسي الحكم من تحته، وللإنصاف أقول إنها ليست غلطة جمال وحده، فكيف يقبل هؤلاء الضباط لعبد الناصر أن يعبث بمصلحة مصر، وهم موجودون؟! أليسوا شركاءه في المسئولية؟؟ كيف يرضون لكرامتهم العسكرية أن يستهين بها عبد الناصر إلى هذا الحد؟! هل كانوا يعتبرون أنفسهم أتباعا لعبد الناصر، أم كانوا ضباطا أحرارا أوفياء لوطنهم؟!!

ثم لا يفوتك رفض السيد/ حسن التهامي، للعمل كمدير لمكتب جمال فقد علله/ حسن التهامي بأنه كان وما يزال حريصا على مصلحة مصر وخدمتها. ما الذي يؤدي إليه مفهوم المخالفة لهذا الكلام؟ ألا يؤدي ذلك إلى معنى واحد هو أن جمال لم يكن حريصا على خدمة مصر ومصلحتها؟! ألا يؤكد هذا المعنى كذلك، قول السيد/ حسن التهامي، أن بينه وبين عبد الناصر مفارقات؟! إن تحت الألفاظ هولا رهيبا، واتهاما خطيرا.

قرار جمهوري لحماية المخدرات

وفي أخبار اليوم السبت 17 أغسطس سنة 1977، سأل أحد القراء: لماذا نفى جمال عبد الناصر نائب رئيس الوزراء حسن التهامي، فأجاب سيادته (الخلاف الواقعي كان حول السياسة الخارجية).

فهل لنا أن نفهم من هذا الجواب أن سيادته كان موافقا على سياسة عبد الناصر الداخلية؟! وإذا كان هذا الفهم صحيحا، ولا أخاله إلا كذلك لأن سياق الكلام يدل على صحته، فلماذا يهاجم السيد/ حسن التهامي سياسة عبد الناصر الداخلية الآن وبعد وفاة عبد الناصر؟!!

تعال ... تعال ... تعال، وتدبر وافهم واستنتج، ثم أحكم على سياسة حكم عبد الناصر، ما شئت من حكم أيا كان سوء هذا الحكم، فالأمر جد خطير.

في أخبار الإثنين 22 أغسطس سنة 1977 كتب الأستاذ مصطفى أمين تحت عنوان (فكرة) ما يأتي:

(سوف يذهل الناس فعلا، إذا تقدم نائب بسؤال، عن أسماء تجار المخدرات غير المصريين الذين صدرت قرارات جمهورية بالعفو عنهم بعد أن أدانتهم محكمة الجنايات ومحكمة النقض والإبرام).

أي والله .... حتى المخدرات من حشيش وأفيون وكوكايين وهيروين كان لها شأن أي شأن، لم يكن الفساد في السياسات داخلية أو خارجية، ولكنه امتد وامتد حتى شمل المزاج والكيف، وأفسح لهما في أرجاء البلاد متسعا يخدرون فيه الشعب ويفقدونه الوعي، ليظل على ما هو عليه من ذهول وتوهان، نعم يقبض البوليس، وتحقق النيابة، وتحكم محكمة الجنايات، وتؤيد محكمة النقض والإبرام، وبعد هذا المجهود الهائل كله، بجرة قلم وفي ثوان، يصدر القرار الجمهوري المحترم الرحيم بالعفو عن تجار المخدرات!!! والعجيب في الموضوع أنه لا يتحرك القلم الجمهوري المحترم!! بالعفو الرحيم، إلا عن تجار المخدرات الأجانب!! ما هي الدوافع لهذا العفو الكريم؟! مصلحة مصر؟؟ حب مصر؟؟ مزاج شعب مصر؟؟ ماذا أيها الناس ... عاطفة ... مزاج .. استرحام ممن لا يقدر الرجل النبيل على رفض استرحامه أو استرحامهن؟!

وفي النفس حاجات وفيك فطانة
سكوتي لديها منطق ودليل

وللترويح والعبرة أقحم هذه النبذة لترى كيف يتخاطب بعض الضباط الأحرار مع بعضهم، وكيف يصف بعضهم بعضا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

في أهرام الثلاثاء 23 أغسطس سنة 1977 رد من الضابط السيد/ محمود عبد اللطيف حجازي من الضباط الأحرار، على السيد/ حسن التهامي من الضباط الأحرار كذلك يقول فيه:

(ولكن الأمر الذي أزعجني هو أن يتعدى السيد/ التهامي حقه وأن يتجاوز حده، في أن يدعي أن سلاح الفرسان تحرك سنة 1954 بقيادة السيد خالد محي الدين، وأنه كان مسيطرا عليها ماركسي ... وفي الحقيقة لا أجد وصفا مناسبا لهذا الادعاء غير الحقيقي بالمرة ومن غير المعقول أن تترك هذه الفترة لادعاء المدعين وتزيد المتزيدين رغم أهميتها).

والذي دعاني لاقتحام هذه الفقرة، هو أن يرى القارئ كيف يتحدث هؤلاء السادة عن بعضهم البعض، ويضعون الشعب في حيرة من حقائق التاريخ التي يرونها!! من نصدق ومن لا نصدق، مع أن هذه الفترة المظلمة من تاريخ مصر لها أهيمتها في سرد الأحداث حتى يعرف الشعب، نوعية الحكم في تلك الفترة الرهيبة من الزمان.

وأقدم لك صورة أخرى من صورة البطانة التي كانت تحيط بعبد الناصر أقدمها لك على لسان بعض الضباط الأحرار، دون أن يكون لي فيها دور إلا النقل، وناقل الوصف ليس بواصف.

في أهرام الثلاثاء 23 أغسطس سنة 1977 كتب السيد/ رائد العطار أحد الضباط الأحرار تحت عنوان (الموقف الراهن) يقول:

(والذي يقرأ التحريضات اللفافة الدوارة للسيد بصراحة الناصري محمد حسنين هيكل، ضد أمته، ويتذكر ما كان يكتبه ضد واشنطن لحساب جمال عبد الناصر، مما صعد الخلاف بين مصر وأمريكا يومئذ، سوف يدهش حقيقة عن هذه العلاقة المقلقة في شخص السيد بصراحة أو في أمثاله، وذلك عندما يقرأ على سبيل المثال لا الحصر، ما كتبه رجل المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند من علاقة السيد بصراحة الناصري بالمخابرات المركزية الأمريكية في الوقت الذي كان يهاجم فيه أمريكا، هذه هي العلاقة التي كشف عنها الرئيس السوفيتي نيكيتا خروشوف في مواجهة تاريخية أمام جمال عبد الناصر، وقد اتهم هيكل بأنه قبض من المخابرات الأمريكية مبلغا حدده له بشيك ذكر رقمه وبتاريخ محدد).

نشر هذا الخبر في منتصف سنة 1977 وأنا أكتب هذا في منتصف سنة 1979 أي أنه مضى على نشر هذا الاتهام قرابة عامين، ولم يكذب السيد/ محمد حسنين هيكل هذا الاتهام، ومعنى ذلك أن هذه التهمة ما تزال قائمة لم تكذب، وأنا لا أهاجم السيد/ هيكل بها، ولكنني أسوقها لأقدم صورة لأصدق أصدقاء عبد الناصر، الذي يتهم بتهم تلوث حياة كل شريف، ومع هذا لا يحفل حتى بتكذيبها، وكأنما لا يهمه أبدا ما ينسب إليه، مهما كان سيئا، وهكذا كان عبد الناصر لا يقيم وزنا لما يقال عنه ما دام متربعا على حكم مصر، وإنها لحالة نفسية لا ترضي ولا تشرف، وخاصة إذا كان صاحبها حاكما. في أهرام الأحد 4 سبتمبر سنة 1977 نشر الآتي:

(ألم تعلموا ما نشرته الفيننشيال تايمز يوما، ومنع نشره في مصر ها هو:

(نشر خروشوف شزرا إلى جمال عبد الناصر، عندما احتدمت المناقشة بينهما سنة 1961، حول استمرار اعتقال الأخير لفصيلة شيوعية كانت تتهم عبد الناصر بأنه عميل أمريكي .. وقال له: فكر في قطع الغيار يا جمال).

وتمضي أيام حكم عبد الناصر، ليحدثنا كل يوم منها، كيف كان عبد الناصر أسدا على المصريين، وغير أسد على من سواهم، لا يصرف شئون مصر وفق مصلحتها، ولكن يصرفها تبعا لأوامر من يملكون زمامه، ويوجهونه لا لمصلحة مصر ولكن لمصلحة بلادهم ومبادئهم، ولو خالفت شرع الله على خط مستقيم.

ولو أن عبد الناصر أقام سياسة تسليح الجيش، على قاعدة التنويع في مصادره، لما استعبدته روسيا، التي حصر تسليح جيشه من مصانعها ويا ليتها كانت أسلحة متطورة، ولكنها كانت قديمة وخردة، وبهذا الأسلوب السيئ في سياسة الحكم تضخمت الديون علينا، وقامت في مصر طبقة من أصحاب الملايين الاشتراكيين نتيجة لما قبضوه في بعض العواصم الأوروبية.

هذه هي الحسابات السرية من أين ... ولماذا؟

وفي أهرام السبت 10 سبتمبر سنة 1977 نشر السيد/ رائد العطار تحت عنوان (الموقف الراهن) ما يأتي:

(حسابات سرية لبعض الضباط الأحرار).

لماذا يجعلها هؤلاء الضباط الأحرار حسابات سرية؟ ألم يحصلوا عليها من طريق حلال؟ ومن أين أتوا بهذه الأموال؟ التي يحرصون على إيداعها في حسابات سرية؟ مم يخافون؟ وكيف سكت عنها عبد الناصر وهو الذي كان يتعقب الناس، وخاصة الضباط الأحرار، بمخابراته وجواسيسه؟ ولماذا سكت عليهم؟ جواب واحد لكل هذه الأسئلة وغيرها مهما اختلفت أشكالها وألوانها. هذا الجواب هو أن لك أن تفعل في مصر ما تريد، وأن تعيث فيها فسادا كما تشاء، ما دمت تطبل وتزمر، وتحرق البخور في محاريب عبد الناصر ومن والاه، والويل كل الويل لك إن أفلتت منك كلمة واحدة، ضد عبد الناصر، أو ضد حكمه وأذنابه، ولو كنت أشرف الشرفاء، وأصدق الصادقين.

وفي أهرام الإثنين 12 سبتمبر سنة 1977 كتب السيد/ رائد العطار تحت عنوان (الموقف الراهن).

(كتب معلق يه. إس. نيوز آند وورلد ريبورت يومها يقول: لم يحدث من قبل في التاريخ أن جلب كل هذا العار على أمة واستطاع حكامها إخفاء حقيقة ما حدث على أمتهم مثل هذه الفترة التي ظل طوالها الشعب المصري يعيش في ظلام دامس، لا يدري عما حدث شيئا – هزيمة 5 يونيو – ويتفاخر شمس بدران بأنه أعتق أحد عبيده، ويقصد الأستاذ الفاضل الدكتور عبد العزيز كامل، يتفاخر شمس بدران أنه أخرجه من سجن التعذيب إلى مجلس الوزراء، وإلى أمانة الدعوة والفكر في الإتحاد الإشتراكي لأنه أجب بآرائه.

ليس المصريون وحدهم هم الذين يتحدثون عن سواد أيام حكم عبد الناصر، ولكنه العالم كله، وأرجو ألا يغضب الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل!! من هذا الوصف، وصف العبيد، لأنني لا دخل لي فيه، فمن دعا الناس إلى ذمه، ذموه بالحق وبالباطل، والمرء حيث يضع نفسه كما أنه مخبوء تحت طي لسانه، وهكذا أراد عبد العزيز كامل لنفسه، لم نقل نحن إن شمس بدران أخرج عبد العزيز كامل من غرفة التعذيب إلى مجلس الوزراء، ويا له من ثمن رخيص، كانت رغبة السيد المشتري شمس بدران، أنه أعجب بآراء عبد العزيز كامل، الذي رضي لدينه وكرامته أن يصف مجتمع المدينة المحمدي، بأنه شبيه بمجتمع عبد الناصر، والذي شبه عائشة الصديقة بنت الصديق بالسيدة حرم عبد الناصر لا العكس، نرى كيف يكون الانتكاس في أقدار الرجال!!

وفي أخبار اليوم السبت 17 سبتمبر سنة 1977 كتب الأستاذ إبراهيم سعدة تحت عنوان آخر عامود/ ما يأتي:

وفي سنة 1967 دفعنا الاتحاد السوفيتي دفعا إلى تحطيم قواتنا، وتكليل جباهنا بأكاليل العار، وملء أفواهنا بتراب الهزيمة فوق أرض سيناء، لقد كسبت إسرائيل الجولة الأولى، كما لم تكسبها أي دولة أخرى في التاريخ كانت الهزيمة كاسحة وكان العار فاضحا، وكان اليأس شاملا.

الجهل القيادي لعب دورا مؤلما في هزائمنا المتتالية، والزعامة والأنانية دفعت البلاد إلى الخراب والإذلال والفساد.

صورة مصغرة من صور حكم عبد الناصر، قائد جاهل، وصفه كتابه في زمانه أنه ملهم مظفر، هزيمة بعد هزيمة، كانت هزيمة سنة 1967 فريدة في نوعها لم يعرف لها التاريخ مثيلا، في دقائق بدأت الحرب وانتهت، مرغت جباهنا في الوحل والطين، ووصمتنا بوصمة العار الفاضح، واليأس المريع، زعامة جوفاء مضللة، أنانية لا ضريب لها في الوجود، حل الخراب، وأخزانا الإذلال، وشاع الفساد، ما أبدع حكمك يا جمال!! وما أروع ما فعله بمصر والمصريين، أما آن لنا أن نحترم مشاعر الأمة، فلا نذكر صاحب هذا الحكم إلا بما يستحقه، لعل الناس ينسون عهده، إن كان في الإمكان، أن يجر النسيان ذيول الغفلة على عقول المصريين.

ولندع مكانا للسيد/ محمد أنور السادات، رئيس الجمهورية يصف جانبا من ذلك الحكم البديع!!

في أهرام الجمعة 7 أكتوبر سنة 1977 جاء في حديث تليفزيوني له: (لم يكن لدينا قصور في العسكرية أو التدريب أو السلاح، ولكن المشكلة انهيار القيادة).

كان هناك إهمال جسيم، وإلا فلماذا تركنا في مطارات سيناء المتقدمة كل هذه الطائرات، في سنة 1956 لم يستطع اليهود احتلال السويس إلا بعد انسحابنا، وفي سنة 1967 احتلوها في أول الحرب.

لقد كان جيشنا قويا في سنة 1967، وكان التدريب كاملا، وكانت الأسلحة متوافرة، فكيف جاءت هذه الهزيمة القاضية الماحقة؟ سماها السيد رئيس الجمهورية انهيارا في القيادة، وسماها السيد/ حسين الشافعي أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة خيانة، فهل هناك من يسميها جهلا وتآمرا على مصلحة مصر، تضع قيادة الجيش الخطة على أنها حرب هجومية، وضعت الخطط كذلك، وفي لحظة ودون سابق علم أو إعداد، يأمر القائد الأعلى للقوات المسلحة عبد الناصر، تغييرها إلى خطة دفاعية، والخطة الهجومية غير الخطة الدفاعية، مما لا يؤمن معه العواقب، وخاصة إذا كان التغيير مفاجئا، له نتائجه المدمرة، لماذا فعل عبد الناصر ذلك؟ لماذا يستجيب لنصيحة السفير الشيوعي قبل الفجر؟ وهو يعلم موقف الشيوعيين، وعداءهم السافر للمسلمين؟ هل فعل ذلك عن جهل، عن غفلة، عن استهتار؟ لا أظن ... ولم يبق إلا الاستنتاج الوحيد، الذي من حق كل مسلم أن يستنتجه، أيا كان قاسيا أو فاضحا أو مخزيا "يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار".

لعلك من الذين خدعتهم مواقف عبد الناصر العنترية أمام الجماهير المصرية يجول ويصول في ميدان خلا من المقاتلين، فاسمع شيئا من تصرفاته السرية مع إسرائيل، لتعلم أي حاكم كان هذا الحاكم الفريد.

بين المفاوضات السرية والخطب العنترية

في أخبار اليوم السبت 26 نوفمبر سنة 1977 بعنوان (المفاوضات السرية التي أجراها الوسيط الأمريكي).

(إن عبد الناصر كان على استعداد لعقد سلام مع إسرائيل، وسئل عبد الناصر عن شروط السلام فأجاب: حل مشكلة اللاجئين وفقا لقرارات الأمم المتحدة، وتأمين اتصال إقليمي بين أفريقيا وآسيا العربيتين، أما بالنسبة لموضوع القدس فقال عبد الناصر أنه يرى فيها مشكلة بين الأردن وإسرائيل، وأنه شخصيا يفضل التقسيم على التدويل).

هذا هو عبد الناصر يعلن أنه على استعداد للصلح مع إسرائيل، هذا رأيه السري في لقاء مع مبعوث أمريكي، أما في خطبه بين الجماهير المصرية وفي تصريحاته على صفحات جرائد مصر فإنه سيلقي بإسرائيل إلى البحر، لأن لديه أكبر قوة ضاربة في الشرق.

وعندما يسأل عن القدس التي تهفو إليه أفئدة المسلمين في العالم كله، فإنه ينفض يده منها، ولا شأن له بها، لأنها في تقديره أمر يخص الأردن وإسرائيل، أي أن مصر، قلب العالم الإسلامي أجمعه لا شأن لها بالقدس، يا لك من زعيم يا سيد الزعماء!!

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يقول:

(ورد عبد الناصر على سؤال المبعوث الأمريكي، فيما إذا كانت مصر مستعدة لإنهاء المقاطعة وتأمين حرية الملاحة، وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، فأجاب عبد الناصر: إن مصر مستعدة لذلك، وشدد عبد الناصر على أن تبقى هذه المفاوضات سرية، وإلا فسيضطر إلى إنهاء الموضوع تكذيب النبأ. وتعهدت إسرائيل بالسرية، حتى الرسائل المتبادلة بين مصر وإسرائيل، لتخفيف التوتر بينهما، سنة 1954 بواسطة ممثلين إسرائيليين ومبعوث مصري في باريس).

منذ سنة 1954 وعبد الناصر يتبادل الرسائل مع إسرائيل، ويديم اللقاءات معها، ولكنه شأن كل من يعمل في الخفاء عملا يخجل منه في العلانية، يحرص كل الحرص على أن يبقى ذلك مخفيا على المسلمين أصحاب الشأن فيه، ويبلغ به التمسك بالسرية إلى الحد الذي يهدد بإنهاء التفاوض مع إسرائيل، ويا ليت التهديد بالقطع هو الذي يتمسك به عبد الناصر، ولكنه يهدد كذلك بتكذيب نبأ التفاوض، ذلك لأنه يجيد هذا النوع من التعامل مع الناس، فما أيسر أن يكذب عبد الناصر أي خبر صحيح، فليس في مصر صحيفة تجرؤ، أو يسمح لها، بتكذيب ما يكذبه عبد الناصر ومع كل هذا الذي يعلمه المشيدون بعبد الناصر، فإنهم ما يزالون إلى اليوم، يكللون هامته بالمجد والفخار، وليس هذا في مصلحة الحق أو مصلحتهم في شيء.

وإليك نبذة قصيرة موجزة، عن مصر في حكم عبد الناصر، كتبها الأستاذ أحمد أبو الفتح في الأخبار الأحد 4 ديسمبر سنة 77: (دفع الحكم السابق مصر إلى فقد زعامتها على العالم العربي تدريجيا رغبة في أن تتحقق له الزعامة على الدول العربية، وانحدرت مصر إلى هوة عميقة من التخلف وسوء الإنتاج ومن عدم المبالاة ومن هزائم ومن خراب اقتصادي، ودمار عمراني).

لكي يكون عبد الناصر زعيم حكام العرب، فلا ضير من أن تفقد مصر زعامتها الإسلامية؟ إنه هو وبعده الطوفان، وإذا تحققت لعبد الناصر زعامة جوفاء تافهة، فلتذهب كل الزعامات الجادة النافعة، إلى حيث لا تعود، لتحل بمصر كل الشرور والأضرار، ما دام عبد الناصر يحكمها مستمتعا بكل خيراتها، النفايات وما يفيض من سيادته يكفي مصر، إن لم يكن في نظره، أكبر من كفايتها.

ولئن أكثرت من عرض آراء المسئولين والأدباء والكتاب والمفكرين في هذا الباب، فلا تظن أن في ذلك تكرارا مملا، ولكني أريد أن أستوعب في هذا الكتاب، بعض ما قيل عن عبد الناصر وحكمه، لا تشفيا، ولكن ليعلم جيلنا والأجيال القادمة حقيقة حكم عبد الناصر، فقد يأتي من يحاول طمس الحقائق المبعثرة، فأحببت أن أجمعها لك في كتاب، للعبرة وللذكرى وللتاريخ.

الشعب الحبيس في القفص الناصري

في الأخبار الأحد 11 ديسمبر سنة 1977 كتب الأستاذ أحمد أبو الفتح: (طال الزمان الذي نسينا فيه مصر، فحل الخراب بمصر، والدمار والفقر، واحتل العدو أراضيها ... وأصبح شعبها خلال حكم عبد الناصر، مطية لكل راكب ووقودا لكل شهوة، ومطمعا لكل نفس خسيسة، تعدو على الوطن، تقدم ملقا رخيصا، أو تضع نفسها في خدمة الأطماع الشخصية وتغترف من رمال مصر ... شعب مصر يلاقي الذل والهوان، وأرض مصر حل بها الخراب والدمار، وثلث مصر يحتله الأعداء، قناة السويس يشرف عليها العدو الفاجر، وكرامة الشعب تداس بالأقدام .. أرواح المصريين لا قيمة لها، فهي إذا لم تزهقها المشانق وأدوات التعذيب، ألقى بها إلى العدو يقتنصها، ومن بقي من أبناء مصر، عاش في رعب وخوف يلاحقه ليل نهار، شعب في قفص من حديد ونار).

إن كل كلمة مما قرأت صادقة كل الصدق، إذ لم يجرؤ أحد ممن يهمه أمر عبد الناصر، رغم سوء ما نسب إليه، لم يجرؤ أحد من ورثته أو أقاربه أو أصدقائه، أو الذين امتصوا دم الشعب، وأثروا ثراء فاحشا حراما برضاه، لم يجرؤ واحد من هؤلاء جميعا أن يكذب كلمة واحة مما قيل!!

ولو أن حاكما واحدا في أية بقعة من بقاع الأرض، معلومة أو مجهولة اقترف من الجرائم واحدا في المليون، مما اقترفه عبد الناصر في حق الإسلام والمسلمين، لعوقب كل من يذكره بخير بأشد العقوبات قسوة، ولكننا في مصر ننسى أو نتناسى، ولن تقوم لشعب قائمة إذا لم يعط المحسن حقه، والمسيء جزاءه، أما أن تظل الحقوق مهدرة، والكرامات مضيعة، والأموال منهوبة لا ترد لأصحابها، فقد حق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما قدمت أمة لا يؤخذ لضعيفها حقه من قويها غير مضيع".

حتى ما تعارف عليه الناس من الأخلاق الطيبة، ذهب به حكم عبد الناصر، وما تزال تتجرع من ضياعه، كل ما تقاسيه من تحلل وضياع وإلحاد حتى اليوم.

في الأخبار الخميس 22 ديسمبر كتب الأستاذ جلال الحمامصي يقول: (ولا ننكر أننا عشنا فترى من تاريخنا الحديث، نستعمل كل أنواع السباب والشتائم في صحفنا وإذاعاتنا وفي خطبنا الرسمية، بحيث أصبح لنا القاموس الرسمي للسباب والشتائم، ومع هذا فهل كسبنا المعركة).

لقد مرت بمصر فترة، انحدرت فيها ألفاظ الحاكم، عبد الناصر، إلى مستوى لا يليق بأي حاكم يحترم نفسه، والأمة التي يمثلها، فإذا خاصم الملك فيصل قال: سأنتف له ذقنه، وإذا خاصم الملك حسين قال: ابن زين، يعني أمه، وإذا تحدث عن أمريكا قال: فلتشرب من البحر الأبيض فإن لم يكفيها فلتشرب من البحر الأحمر، وإذا تحدث عن ألمانيا الغربية، قال: أنا مدين لها ولن أدفع لها دينها، وغير ذلك كثير، ولكن لا عجب، فحليفه وصديقه نيكيتا خروشوف خلع يوما حذاءه على سلم مبنى هيئة الأمم المتحدة ليضرب به شخصا كان يتناقش معه، مما لا يفعله إلا ناس ... ، يغضب الإنسان ويثور إذا نسب إليه أنه من تلك البيئة، ويا لها من فترة مرت بمصر، جعلتها في حاجة إلى من يرثيها ويندب حظها فيها.

فإذا جاء ذكر الإتحاد الإشتراكي، الذي صنعه عبد الناصر ليوهم نفسه، لا الناس، أنه يحكم من خلال حكم شورى، كان هذا الصنم – كما وصفه السيد/ أنور السادات رئيس الجمهورية – مهزلة المهازل، وبلغ بتفاهة هذا الإتحاد الإشتراكي، أن أحد أعضائه، قال يوما كلاما أعجب الأعضاء المجتمعين فصفقوا له تصفيقا طويلا، فلما هاجم عبد الناصر في نفس الجلسة، كلام هذا العضو، وسخر منه، صفقوا له تصفيقا كادت أكفهم تدمى من كثرة التصفيق وحدته وطوله، دون أن يخجل عبد الناصر أو يخجل أعضاء اتحاده الاشتراكي ... يا للصغار!!! في هذا المعنى كتب الأستاذ مصطفى أمين في أخبار اليوم 24 ديسمبر سنة 1977 تحت عنوان فكرة.

(ثم رأينا ساسة آخر الزمان يحترفون السياسة، سمعنا لأول مرة عن احتراف السياسة، تدخل الإتحاد القومي أو الإتحاد الإشتراكي، وتقبض مرتب وزير، أو نائب وزير، وتركب سيارة مرسيدس بسائق خاص، ولهذا خاب الإتحاد الإشتراكي خيبة تضرب بها الأمثال.

وبهذا وجد كل متسلق انتهازي فرصته الماسية، فما عليه إلا أن يدخل الإتحاد القومي أو الإتحاد الإشتراكي، ثم يصفق ويطبل ويرقص ... أي والله يرقص له في مقابل ذلك مرتب وزير أو نائب وزير، وسيارة مرسيدس وسائق خاص، وما وراء كل هذا ما يعادله أو أكثر منه، ما أهون النفوس على من لا يسمو بها فوق مرتبة الهوان.

في غمرة هذا الحكم لم ينخدع الشعب بالأباطيل والأكاذيب التي تذيعها أجهزة إعلام عبد الناصر، كانت الحقائق أمامه واضحة، والنكبات على رأسه متتالية، ولكنه خنع واستكان، فصب الله على رأسه المصائب والنكبات لأنه رضي ولم يدفع عن نفسه الذل والهوان.

ومحزن حقا قبول الشعب لظلم الحاكم المستبد، إنه ليس عيب الظالم، ولكنه عيب ملايين الشعب، التي تحس بالظلم يفزعها ويفلسها ويمتهنها فلا تحرك ساكنا، لتحيا حياة الكرام، إن جنود الظالم وأعوانه وسجونه لا تتسع للملايين، ولكنه التقبل العجيب للمذلة هو الذي يمكن الظالم من أن يحكم ويسود ويستبد السنين الطوال.

كتب الأستاذ أحمد أبو الفتح في أخبار الأحد 25 ديسمبر 1977 (انخدع الشعب المصري مرتين، ودفع ثمن الخديعتين غاليا، الخديعة الأولى يوم أسلم قياده لحاكم ديكتاتوري، اعتقد الشعب أن القول بالمستبد العادل هو قول ممكن التحقيق، تم تدمير مصر خلال الحكم الديكتاتوري تم تدمير مصر، واقتصاد مصر، واستقلال مصر، وعزة مصر).

إني لا أوافق على أن شعب مصر انخدع، ولكنني أومن بأنه خنع للاستبداد، ورضي الذل، وخاف التحرر، ورفع النير عن كاهله، فكان ما كان، والذنب ذنبه، فضاعت مصر واقتصادها واستقلالها وعزتها ومنزلتها بين العالمين، فغزتها امرأة عجوز، جودا مائير، وأضحكت علينا الناس أجمعين.

حرب 67 والثمرات المرة

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر:

(لو لم تقم حرب سنة 1967 تلك الحرب التي دفع الحاكم السابق مصر إليها في خفة واستهتار مذهل، لما احتاجت مصر إلى أن تحارب سنة 1973، ولقد كانت مصر وفرت على نفسها ذل الهزيمة في الأولى، والنفقات والتضحيات الضخمة في الثانية، كل هذه الأموال ضاعت على مصر، نتيجة تفرد الحاكم بالحكم، ونتيجة غيبة إرادة الشعب.

إن أبشع ما يمكن أن يلحق شعبا من الشعوب هو الدمار النفسي الذي هو نتيجة حتمية للحكم الديكتاتوري.

ماذا يبقى للوطن بعد الخراب الاقتصادي، وبعد فساد الحكم، وبعد تدهور المرافق، وبعد بيع استقلال مصر، وبعد تمكين الخصم من احتلال الأرض، وبعد تدمير مقومات الشعب؟؟

جنت مصر كل هذا الخراب والدمار والهزيمة والاحتلال، عندما اغتصب الحاكم حقوق شعب مصر، وإرادة شعب مصر).

كل ما أهمني في هذه الكلمات، العبارات الآتية:

1- الدمار النفسي.

2 – بيع استقلال مصر.

3 – تمكين الخصم من احتلال الأرض.

إنها تهم غاية في الخطورة التي ما بعدها خطورة وخاصة أن الكاتب معروف بالدقة فيما يكتب، واختيار الألفاظ التي يعبر بها عما يريد، فإذا قال إن حكم عبد الناصر دمر النفوس فتعبيره لم يتخط الدقة أبدا ... وإذا قال بيع استقلال مصر فإنه يعني ما يقول، ولكن كان عليه وقد بين الشيء المبيع وهو استقلال مصر، كان عليه أن يقول من الذي باع ومن الذي اشترى، وأظنه ترك الترجمة لفطنة القراء. وإذا قال: تمكين الخصم من احتلال الأرض، فهو قطعا يعني ما يقول، إذ أن العدو لو احتل الأرض عنوة، لكان تعبير الكاتب غير هذا التعبير بالمرة، أما وقد استعمل كلمة تمكين فلا شك مطلقا أن هناك من مكن إسرائيل من احتلال الأرض، من هو الذي مكن؟ كيف؟ ولماذا؟ أسئلة سيكشف التاريخ قطعا عن الإجابة الصحيحة عليها، ولعلنا لا ننتظر طويلا حتى نتلقى الجواب، عندما يمكن الشعب من الاطلاع على الوثائق الرسمية.

لعلك تجد شيئا من الجواب على الأسئلة السابقة، إذا قرأت ما كتبه السيد سعيد عبد الكريم الخطابي في أخبار الأربعاء 28 ديسمبر سنة 1977 تحت عنوان: مناقشة هادئة. قال:

(ثم بعد ما قامت الحرب المشئومة سنة 1967، ماذا قال الدور الروسي، لقد أصدرت إنذارا بعدم عبور قناة السويس، وهذا معناه ضمنيا إعطاؤها النور الأخضر لاحتلال كل سيناء وبقية الأراضي الأخرى: الجولان والضفة الغربية).

فهل عرفت كيف بيع استقلال مصر ، لأن عبد الناصر رضي أن تنذر روسيا إسرائيل، بالاكتفاء باحتلال سيناء كلها وغيرها وألا تعبر إسرائيل قناة السويس، وكان في إمكانها أن تفعل ذلك، هو الهوان بأسوأ معانيه ومظاهره الذي أوصلنا إليه حكم عبد الناصر.

وهل عرفت كيف مكن لإسرائيل من احتلال الأرض؟ مكنتهم من ذلك روسيا حليفة عبد الناصر، روسيا الشيوعية التي كان عبد الناصر يريد لمصر أن تصبح شيوعية مثلها، إلى آخر لحظة من حياته.

ويواصل الكاتب وصفهم لحكم عبد الناصر، وآثاره المدمرة، فيكتب الأستاذ جلال الحمامصي في أخبار الخميس 29 ديسمبر سنة 1977 ما يأتي:

(ولقد تعبت في الحصول على الجواب الذي لا ثاني له، وهو أنه بسبب غياب الحرية ترعرع الجهل، وعاش الانحراف، وهربت العقول المفكرة الشريفة من المساهمة الفعلية بالرأي السليم، أو نقد ما يجري من أخطاء، ونتيجة لهذا كله، انحدرت أوضاعنا إلى الحضيض، وتراكمت المشكلات، بحيث أصبح حلها يحتاج إلى المفجرات فعلا).

أجل إن ما أوصلنا إليه سياسة حكم عبد الناصر، لأثقل من أن ترفعه جهود البشر، إن ما نعانيه اليوم من آثار السياسة الناصرية لن يرفعه ويخفف من نكساته إلا نظرة عطف من رب المستضعفين ورب كل شيء.

ويلقي الدكتور إبراهيم أباظة الأستاذ بجامعة الرباط، يلقي نظرة يستعرض فيها بعض نكبات الحكم الناصري، فيكتب في أخبار الأربعاء 4 يناير سنة 1978 ما يلي:

(في عدوان سنة 1956 فقدوا سيادتهم على مضايق العقبة، وتمكنت إسرائيل من إطلالة البحر الأحمر، مكنت لها من تهديد شواطئنا ومد نفوذها إلى أفريقيا الشرقية وباب المندب).

من كان يظن أن السكوت عن ضياع السيادة المصرية على مضيق العقبة، طيلة أحد عشر عاما، من غير أن يبذل أي مجهود لاستعادتها يدخل في إطار الرغبة في تحرير فلسطين.

من كان يظن أن السكوت على تحويل مجرى نهر الأردن طيلة سنوات الوحدة المصرية السورية الثلاث، دون أن يبذل أي مجهود لوقف أعمال التحويل، يدخل ضمن استراتيجية تحرير فلسطين.

من كان يظن أن السكوت عن مواجهة إسرائيل في جبهة سيناء والتحول إلى مواجهة العرب في جبهة اليمن يعتبر ضرورة من ضرورات تحرير فلسطين. أبعد أن نفتح إسرائيل البحر الأحمر، وتنشيء إيلات، وتشيد عبر الأراضي العربية، أكبر خطوط نقل بترول، إيلات – حيفا، وتحول مجرى نهر الأردن، وتقيم المشروعات الزراعية المتطورة على ضفافه.

إبعد كل ذلك يسحب الجيش المصري من خطوط المواجهة مع إسرائيل، ويصدر إلى اليمن بدعوى أن طريق فلسطين يبدأ من اليمن.

الاتحاد السوفيتي والمهاجرون اليهود

والوثائق الرسمية تشهد بأنه في أوج العلاقات العربية السوفيتية، كان الاتحاد السوفيتي يغذي إسرائيل بسيل متدفق من المهاجرين اليهود، ويدعم روابطه العميقة بأحزابها الشيوعية، وبينما كانت الأسلحة الأمريكية المتطورة تنهال على إسرائيل بغير حساب، كان الاتحاد السوفيتي يبيع للعرب أسلحة بالقدر الذي تستوجبه ضرورات التحرير، فلم تكن هذه الأسلحة ومعظمها من مخزون الحرب الثانية موجهة في يوم من الأيام إلى تحرير فلسطين، ولكنها كانت موجهة لإيهام العرب، بأن الاتحاد السوفيتي يساندهم لتحرير فلسطين.

مصر أقوى قوة ضاربة في شرق البحر الأبيض المتوسط، لم تكن تملك طائرة مقاتلة ثقيلة واحدة تستطيع الضرب في العمق الإسرائيلي، بل كانت جميع الطائرات التي يملكها السلاح الجوي المصري حتى هزيمة سنة 1967 طائرات مقاتلة لا يتعدى مداها الجوي نصف ساعة من الطيران.

ثم بعد الهزيمة لم يطرأ تغيير على سياسة التسليح السوفيتي للعرب، نستطيع أن نؤكد أنه لم يطرأ عليها حتى تغيير نوعي ملموس، فقد بقيت لا على أساس مساعدة العرب لاستعادة ما فقدوه من الأرض العربية، ولكن على مجرد الدفاع عما بقي تحت أيديهم من أرض.

كان واضحا إذن أن التأييد السوفيتي للعرب لم تتغير طبيعته، ولم يتغير محتواه، منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي وحتى اليوم فهو تأييد تعسفي مشروط، يدور في نطاق مصالحه.

مشروط أولا بعدم المساس بالكيان الصهيوني.

مشروط ثانيا بقبول هجرة اليهود إلى إسرائيل.

مشروط ثالثا بفرض الوصاية السوفيتية على الدول العربية حتى تقبل التعامل معه من أجل تحرير فلسطين.

ورحم الله يوما كانت المفاوضات من أجل إطلاق سراح الرفاق، أو دعم وسائل الإعلام الشيوعي في مصر وسوريا، تسبق المفاوضات من أجل التسليح أو المعونة الاقتصادية.

ورحم الله يوما كان توريد الأسلحة وقطع الغيار إلى دول المواجهة معلقا على سلوك الحكومات تجاه المد الشيوعي في المنطقة).

ترى هل يحتاج هذا الكلام إلى تعليق أو توضيح، إنها الآلام تقض مضجع المسلم الأمين، إنها تصرفات تجلب الخزي والعار على من شارك فيها، وتسبب الحسرة والندامة للشعب الذي اصطلى بجحيمها طوال هاتيك السنين، هذا الجحيم الذي ما تزال جروحه تنزف دما وقيحا لا يدري أحد إلا الله متى نعالجه، أو متى نبرأ منه. إنه التاريخ الذي أريد أن تعرفه الأجيال، رغم محاولة طمس الحقائق التي ما يزال أكثرها إلى اليوم في طي الكتمان.

وانظر إلى الأستاذ إبراهيم سعدة، يقارن بين المصري اليوم وبينه بعد هزيمة سنة 1967 في أخبار اليوم السبت 7 يناير سنة 1978:

(شتان ما بين هذا الموقف الذي يقفه المصري اليوم، وموقفه بعد حرب 5 يونيو سنة 1967، وقتها كان المصري يتوارى عن الأنظار، العار يمزقه والمهانة تدمر قلبه، كان الأوربيون يحتقرونه، وينفرون منه ويشبعونه تريقة وتقريعا، ولا أنسى المنظر الذي رأيته في أعقاب حرب 5 يونيو مباشرة، وكنت وقتها في زيارة لمدينة جنيف السويسرية وكانت الأنباء تشير وقتذاك إلى المذابح التي تعرض لها ضباطنا وجنودنا فوق رمال سيناء الملتهبة، كانت عدسات المجلات العالمية ومحطات التليفزيون تحلق بالهليكوبتر، وتسجل انسحاب القوات المصرية ورصاص الطائرات الإسرائيلية، تصطادهم الواحد بعد الآخر، وبعد أن تجعله يجري لعدة أميال، بحثا عن ملجأ يقيه القذائف دون جدوى، وأفردت الصحف وحرصت محطات التليفزيون في أوربا على تقديم قصص حية وبالألوان لبحيرات الدم القاني الذي يروي رمال سيناء يتدفق من جروح قتلانا وجرحانا، صور ومناظر تهز أشد القلوب قسوة وضراوة).

وفي هذه الأيام الحزينة، والليالي الطويلة، كان الحاكم السيد جمال عبد الناصر ينعم وعائلته، بالمكيفات الملطفة للجو، والمثلجات المبردة للجوف في قصر القبة المنيف هادئ النفس، نائم الضمير، لا يهمه ما يقاسيه الجيش، ولا ما يتعرض له من إفناء، وخزي ومذلة، أخف منهما الموت الزؤام، وينشط كتابه في تصوير هذه المجزرة الرهيبة المفنية المدمرة، بأنها نكسة، ثم يلزم الصمت شهرا أو بعض الشهر، بعد تمثيلية التنازل عن الحكم، التي لم تدم إلا الدقائق، ليعاود سيرته الأولى من الظلم والبطش والعنجهية، وكأنه لم يحدث شيء على الإطلاق، يا لقلبك من قلب يا جمال!! (كالحجارة أو أشد قسوة).

وفي الأخبار، الإثنين 9 يناير سنة 1978 كتب الأستاذ أحمد أبو الفتح (السلام كسب عظيم لمصر، وبه ينتهي صفحات سود من تاريخ الهزائم المنكرة، والتفريط في استقلال مصر، واستجداء قوة عظمى لتخلصنا من عار الهزيمة حتى لو كان ثمن ذلك، تمكين هذه القوة من السيطرة على جيش مصر واحتلال القواعد، والسيادة على كل مقدرات مصر.

صفحات سود من الاحتلال المذل، أصلنا إليها حكم تهالك على تحقيق شهوات النفس المتعطشة إلى الزعامة، وفي سبيل هذه الزعامة، دمر شعب مصر، ودمر اقتصاد مصر، ودمر سيادة مصر على أرضها، ودمر استقلال مصر.

لقد أصبحنا وكأننا نعيش في غابة، فلا روابط تربط الناس، وكأن كل إنسان ليس له شاغل إلا نفسه، يكرس جهوده لتحقيق مصالحه المادية والذاتية مهما كان الثمن.

لا شك أن ديكتاتورية العهد الماضي، هي التي دمرت الإنسان المصري الديكتاتورية بكل ما اتبعت من كل وسائل القمع، هي التي أوصلت المصري إلى أن يصرف كل جهده إلى البحث عن سبل النجاة من الوقوع في قبضة الديكتاتور، وهي التي جعلت المصري يسعى بكل السبل المشروعة وغير المشروعة إلى الحصول على المال.

الديكتاتورية هي التي حطمت في نفس الإنسان المصري الالتزام بقواعد الدين حتى وصل الحال إلى إخفاء الناس لأداء الفروض، خشية الاتهام بأنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين.

الديكتاتورية حاربت الكفاءات، وولت كل من كانت جهودهم مركزة لتحقيق الثراء، فانتشرت المصادرات طمعا في المناصب الرئيسية للاستيلاء على المساكن، ونهب المنازل والقصور.

الديكتاتورية هي التي سحقت الإنسان المصري وأضعفت قدرته على الخلق والابتكار وأثرت على عزيمته للعمل المنتج.

الديكتاتورية هي التي مكنت المشروعات الفاشلة أن تقوم فتلحق الخراب الاقتصادي بالبلاد.

وماذا يهم كل هذا يا أستاذ أحمد أبو الفتح، ما دامت رأس عبد الناص بقيت، واستقر كرسي الحكم من تحته؟! ألم تقرأ للصحفي صفي عبد الناصر في أعقاب هزيمة 5 يونيو سنة 1967 أن مصر قد انتصرت في تلك الحرب، ولم تكفه هذه الاستهانة بعقول الشعب، ولكنه علل ادعاءه، بأن إسرائيل ما كانت تقصد تدمير الجيش، ولا تدمير مصر، ولكنها كانت تريد أن تقتلع عبد الناصر من فوق كرسي الحكم، ما دام هذا الأمل لم يتحقق لها، فقد ذهبت كل جهود إسرائيل أدراج الرياح، لأن عبد الناصر ظل حاكما لمصر بعد هذه الهزيمة الساحقة الماحقة المخزية، ألا فليعلم شعب مصر، وهو ولا شك يعلم، أن إسرائيل لا تتمنى شيئا في الوجود، ما كانت تتمنى أن يبقى عبد الناصر حاكما لمصر، لأنه حقق لها كل ما كانت ترجوه من إقامة إسرائيل الكبرى، ولو لم يكن عبد الناصر هو حاكم مصر في ذلك العهد، لما استطاعت إسرائيل أن تصل مع مصر والمسلمين إلى ما وصلت إليه، رحم الله الحياء، وتبجح البلطجية.

انحراف فذ ومظهران فريدان

وكتب الأستاذ أحمد حسين في أخبار الثلاثاء 24 يناير سنة 1978 يتحدث عن الانحراف في عهد عبد الناصر.

(ثم كان الانحراف، انحراف ثورة يوليو سنة 1952 الذي هو من طبيعة الأشياء، وقد تمثل هذا الانحراف في مظهرين رئيسين.

أما أولهما تصور الحاكم أن إرادته المطلقة هي مصدر السلطات ولما كان الحاكم، أي حاكم، لا يعدو أن يكون إنسانا فردا، فقد تحول الحاكم إلى إرضاء هذا الفرد بأي ثمن، وإشعاره بالدرجة الأولى أنهم ساهرون على حمايته، فكان هذا الذي كان، مما تكفي الإشارة إليه.

أما الانحراف الثاني الذي وقعت فيه ثورة 23 يوليو سنة 1952 فهو تصورها أن فتح أبواب مصر للاتحاد السوفيتي، والنشاط الماركسي، والأخذ ببعض نظرياته وتطبيقاته فيه فائدة للنهوض بمصر.

ولما كانت الأفكار الماركسية هي وليدة الأفكار الصهيونية، التي تهدف لخراب العالم، ليكون من السهل سيادته والسيطرة عليه، فقد كادت مصر تخرب فعلا فهاجر منها في التاريخ الأول مرة الألوف من خيرة العناصر، وتحولت مصر إلى سجن كبير، ولم يعد يوجد فيها إنسان واحد آمن على نفسه، وانتهى ذلك كله إلى الكارثة التي ما زلنا نعيش في ظلها حتى هذه اللحظة).

ألم أقل لك إنه لم تكن كلمة في مصر، إلا لعبد الناصر؟! فماذا تنتظر من حكم فرد، يخطئ ويصيب، شأن كل آدمي، إذ القاعدة التي قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الشريف "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، فما بالك إذا لم يتب عبد الناصر والمتشيعون له؟! ألا تكون الكوارث محققة الوقوع، وقد وقعت فعلا، وستظل آثارها عشرات السنين إلا أن يتداركنا الله برحمته.

واستمع إلى الأستاذ مصطفى أمين يعطيك صورة صادقة دقيقة عن جانب من جوانب حكم عبد الناصر، في الأخبار يوم الجمعة 5 يونيو سنة 1978. (الشعب تبين وتأكد، بأن:

1- الخراب الذي يعانيه. و 2- الغلاء الذي يكابده و 3 – الهزيمة التي يدفع ثمنها. و 4- العذاب اليومي الذي يتحمله، هو نتيجة طبيعية لحرمانه من حقه في النقد، وحقه في الرفض، وحقه في المناقشة، وحقه في الحوار، وحقه في أن يعرف كل شيء، هو نتيجة طبيعية لحياة الظلام، عندما تطفأ كل أنوار الحرية، وتوضع عصابة على عين الشعب ويمشي كالأعمى متوكئا على الحاكم، ثم تبين الشعب بعد أن يهوي من حالق أن الحاكم الذي يقوده، قد أعمته السلطة، وأصمه الصمت، بعد أن كمم كل الشفاه، وفقد القدرة على اختيار الطريق، بعد أن جعل الذين حوله خائفين واهمين، أخرسهم الإرهاب وأعجزهم البطش عن التفكير).

2- ضاع الإنسان المصري حقا، لم يكن فيها إلا مخلوقات تتحرك في وجل، تسعى إلى لقمة العيش في حذر، تماما كآكلات العشب في الغابة، تلتهمه وهي تلتفت يمينا ويسارا، وترفع آذانها لتسمع الخطوات على حشيش الغاب، وتفتح منخريها تشم ريح الأسد والنمر على بعد، فتولي هاربة قبل أن تكتمل أكلتها، أجل إذا رأى المخبر، وكل الشوارع ملأى برجال المباحث والمخابرات، إذا رآك تحدث الجزار في شيء من الجد، حشر أنفه بينكما ليلتقط كلمة، يكتب بها تقريرا، هكذا كانت حياة الناس في عهد عبد الناصر، إذا المصري رأى غير شيء ظنه رجلا، يكاد من هول ما يرى ويسمع، يكاد اشك يقتله من ابنه وأبيه، وصاحبته وأخيه، وعشيرته التي تأويه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، نسي المواطنون وطنهم، لأنهم أيقنوا أن الكلام عن الوطن والوطنية، أمور يعاقب عليها عبد الناصر وجنوده أشد العقاب، وأنكى العذاب.

ويصور لنا الأستاذ أحمد أبو الفتح، شجاعة الزعيم الراحل، في مقال يكتبه في جريدة الأخبار الأحد 5 فبراير سنة 1978:

(يتصور البعض أن الديكتاتور رجل شجاع، فهو كثيرا ما يستأسد في خطبه ينذر ويهدد ويتطاول، ويتعمد اتخاذ المواقف الدرامية.

والواقع أن هذا وهم كاذب، فالحاكم إذ يكتم أنفاس شعبه، أو يسلط على أبناء شعبه كل أجهزة البطش والإرهاب والجاسوسية، وإذ يقيم المحاكم الاستثنائية، إنما يفعل ذلك من واقع الخوف من ملاقاة شعب يتمتع بالحرية.

لم أسمع في حياتي بجبن فاق من يحتمي وراء الحراب ليبطش بسيدات لا حول لهن ولا قوة، كيف يمكن أن يكون الإنسان شجاعا وهو يطلق زبانية الجحيم على النساء.

إذا كانت الشجاعة هي الخطب ضد دول أجنبية أو ضد إسرائيل فهل كانت الحروب التي خاضها أو أجبره العدو على خوضها، عناوين الشجاعة؟ كفانا عبثا واستخفافا بعقليات الشعب، فالحكم الديكتاتوري، هو أسوأ حكم مر على مصر وشعب مصر، قد ما فعل حاكم من أبناء الشعب، استعمر وطنه بقوة البطش والإرهاب وأذل هذا الوطن بهزائم منكرة، وحطم ما فعل حاكم مصر السابق).

يشتم أمريكا فتصفعه، فيتقبل الصفعة ساكنا، ويشتم إسرائيل، فتصفعه إسرائيل فيتلقى الصفعة متواريا، ويشتم فيصلا، فيصفعه، فيرضى الصفعة مستخذيا، إن شعب مصر هو وحده الذي لم يصفعه، لأنه كان مكبلا بالقيود والأغلال، حتى الحرائر الفضليات من النساء م ينجين من انحطاط وسائله، وسفالة أعوانه، ليت لي من قلة الحياء، ما يمكنني من وصف ما فعل معهن وبهن.

وإني لأطلعك على صورة الصحافة في ذلك العهد النكد.

كتب الأستاذ مصطفى أمين في أخبار الأحد 12 فبراير سنة 1978 (عندما كان الصحفي كحجر الطاولة، ينقل ويضرب ويحبس، عندما كان الكاتب يعلق في المشنقة، والصحفي يزج به في السجن، فيرسل الصحفيون إلى الطاغية برقيات شكر وتهاني).

عندما كان الرقيب هو رئيس التحرير، يشطب ويضيف ويضع المانشيت في بعض الأحيان.

عندما يموت صحفي من أكبر الصحفيين في مصر، فيصدر الأمر العالي، بألا تنشر الصحف نبأ نعيه، وأن ينشر النعي في وفيات جريدة الأهرام وحدها بشرط ألا يزيد النبأ عن سطر واحد، وفعلا كان أصغر نعي كتب في الصحف في العالم نعي محمود أبو الفتح صاحب جريدة المصري.

عندما غضب الحاكم على بعض الصحفيين في أخبار اليوم، فنقل واحدا منهم إلى محل باتا، والثاني إلى مصنع أحذية، والثالث إلى مصنع سردين والرابع إلى محل أخشاب، وسكرتير تحرير جريدة الجمهورية إلى بائع في محلات عمر أفندي.

عندما كانت جرائم السرقات والاختلاس، تمنع من النشر في الصحف لأن المجرمين واللصوص كانوا من كبار الموظفين أو كبار المحظوظين أو من الأصدقاء والمحاسيب.

عندما كانت شركات تفلس، وترغم الصحف على أن تقول أنها وزعت الأرباح، وشبان يموتون من التعذيب في السجن الحربي ويفرض على الصحف أن تقول أنهم هربوا، بينما هم دفنوا في صحراء مدينة نصر.

عندما فقد الشعب ثقته في صحافته البكماء، وفي جرائده الخرساء، فراح يبحث عن الأنباء الصحيحة في إذاعات العدو، وعندما أصبح مسيلمة الكذاب وزيرا للدعاية، وناطقا باسم الدولة، عندما كانت الحرية هي حرية الحاكم.

إياك أن تشك في كلمة واحدة مما قرأت، فإنها بعض الحقيقة في حكم عبد الناصر.

هل نقل الصحفي المغضوب عليه إلى متجر أحذية، أو مصنع سردين، يراد به عقاب الصحفي المغضوب عليه؟! إنه يقبض نفس مرتبه، فهو لم ينقص منه شيء، بل لعل العمل الجديد أكثر راحة من ناحية المجهود البدني والذهني، ولكنها نفس الحاكم المدخولة بالكثير من معاني البيئة التي نشأ فيها، وهوانه على الناس في أول أمره، هي التي جعلته لا يكتفي بالعقاب المجرد كعقاب، ولكنه يلطخه بالإمعان في إذلال المغضوب عليه، والمضي في إشعاره بالإهانة والطرد إلى أقصى الحدود، مستوى رفيع ولا شك من حاكم عملاق!! ولكن إذا كانت النفوس صغارا، استمتعت بإذلال الناس، وتلذذت بتكليفهم بعمل حقير، ليس الذنب ذنب عبد الناصر ولكنه ذنب شعب بأسره رضي بتجرع المذلة حتى الثمالة، وما زلنا نقرأ ونسمع أناسا يرفعون من ذكر من لا توجد قوة على الأرض يمكن أن تمسح عن اسمه أوزاره، وما دنسه به جرائمه وآثامه في حق نفسه وأهله وشعبه ودينه وربه.

حتى في خزي وكارثة 5 يونيو سنة 1967 لم يتورع عبد الناصر عن أن يقوم فيها بهزلية من هزلياته، ومسرحية من نزهاته، ففي أخبار الثلاثاء 18 فبراير سنة 1978 جاء:

(قال عبد اللطيف البغدادي، وهو أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، ونائب رئيس جمهورية سابق في الجزء الثاني من مذكراته، إن مظاهرات 9، 10 يونيو سنة 1967 كانت مدبرة ومرتبة، قبل أن يعلن الرئيس عبد الناصر تنحيه، وقال أيضا إن عبد الناصر فكر في مسرحية التنازل قبل ذلك بخمس سنوات، عندما أراد أن يتخلص في عام 1962 من عبد الحكيم عامر).

في الوقت الذي لطخ العار فيه كل مصري، وجد عبد الناصر من نفسه القدرة العجيبة، في إخراج مسرحية التنازل، استهزاء منه بهذا الشعب الطيب الذي انخدع فيه، ظنا أنه أول مصري يحكم مصر، فإذا به شر من سلطه الله على مصر من الأجانب أو من أبنائها.

وفي أخبار اليوم السبت 25 فبراير سنة 1978 كتب مصطفى أمين: (كانت مهمة الوزير أن يتستر على أخطاء كبار الموظفين، لا أن يفضحها وأن يدافع عنها، لا أن يهاجمها، عشنا سنوات كان النواب فيها كالخشب المسندة، صم بكم لا يتكلمون، وإنما يصفقون وأحيانا ما يرقصون.

عشنا سنوات ولم نر مجلسا يسقط وزارة، وإنما رأينا وزارة تسقط نوابا لأنهم غير مطيبين، وغير مؤدبين في خدمة ولاة الأمور، حيث لا يجوز للنائب أن يسأل أو يستجوب أو يتهم، ومن أجل هذا كان البرلمان صورة، وكان النواب أقل قيمة من الكراسي التي يجلسون عليها، وكانت الجرائم ترتكب فلا يفتح البرلمان فمه، وكانت الأخطاء تحدث، فيصفق النواب إعجابا بها).

لم يجرؤ وزير من الذين كشفهم مصطفى أمين، أن يقاضيه أو أن يكذبه، رغم أنهم لا يزالون أحياء، ولم تتحرك نخوة الرجولة في واحد من نواب ذلك العهد، فينكر على مصطفى أمين قوله، إنهم لا يزالون أحياء، بل بعضهم ما يزال عضوا في مجلس الشعب القائم، لقد تقبلوا هذا الاتهام المر المخزي ساكتين، يظنون أنها مقالات في الصحف تنسى بعد حين، ولكن الله أراد أن تجمع في هذا الكتاب ليكون مرجعا لمن أراد أن يعرف اسود حكم في تاريخ مصر، منذ أن كان لمصر تاريخ، وليعلم المصريون وغيرهم أن شعار مراكز القوى، لم يرد به إلا ستر عبد الناصر ولكن ثوب الباطل يشف دائما عما تحته أو وراءه.

الناصحون الشرفاء أين كانوا

وفي أهرام الجمعة 10 مارس سنة 1978 نشر جانب من كتاب البحث عن الذات للسيد/ محمد أنور السادات رئيس الجمهورية، جاء فيه (ولكن هكذا كان جمال عبد الناصر، تختلط عليه الأمور، ويفقد البصيرة، وخاصة أنه كان يتأثر بتحليلات المحيطين به، والذين لم يكونوا شرفاء في تقديم النصح له، وكان كل همهم أن يضخموا لجمال عبد الناصر في ذاته لكي تبقى لهم مناصبهم ونفوذهم).

إن صاحب هذا الكلام لا يمكن أن يتهم بتغيير الحقيقة ضد جمال عبد الناصر، لأنه إلى اليوم ما يزال يحتفل بذكرى وفاة عبد الناصر بدلا من محاكمته.

وفي أهرام الخميس 16 مارس سنة 1978 نشر جانب آخر من كتاب البحث عن الذات للسيد رئيس الجمهورية، جاء فيه:

(جلست وسألته مرة أخرى: مالك شايل الدنيا على دماغك يا جمال ليه، قال أيوة أنا شايل الدنيا على دماغي يا أنور، البلد بتحكمها عصابة، وأنا مستحيل أكمل بهذا الشكل، إني أبقى الرئيس المسئول، واللي بيحكم هو عبد الحكيم، وينفذ اللي هو عاوزه، طب أخرج أنا وأروح أقعد في الإتحاد الإشتراكي، ويتولى رئاسة الجمهورية، وأنا مستعد أتسأل عن الفترة اللي قعدتها لغاية ما أخرج أجاوب عن كل شيء).

من الذي أتى بهذه العصابة؟ ولماذا جاء بها؟ وكيف كانت تحكم مصر وهو رئيس جمهورية؟ ولماذا سكت عليها؟ وكيف يرضى وهو العبقري الملهم العملاق، أن ترتكب الجرائم باسمه وبتوقيعه؟ أكان يمضي القرارات وهو شارد، لا يعرف على أي شيء يضع توقيعه؟ أم أنه كان يكره على التوقيع رغم أنفه؟ أم أنه ما دام يجلس على كرسي الرئاسة، فلينصب على رأس مصر ما ينصب؟ لمن يقول عبد الناصر هذا الكلام؟ إن الشعب ليس من البلاهة إلى حد أنه يظن، أن الشعب كان يعي ويفهم، ولكنه خاف التصدي للظالم، خشية أن يصيبه ما أصاب الإخوان المسلمين، الذين وقفوا وحدهم ينكرون على عبد الناصر استبداده فأحاط الاستبداد كله من جميع الجهات، وهكذا .. الناس من خوف الذل في ذل.

من أخطر التهم، تهمة الخيانة العظمى، وخاصة إذا كانت من كبير مسئول وأخص من الخاص إذا كان هذا المسئول الكبير درس في مدرسة أركان الحرب، دقق النظر فيما جاء في كتاب البحث عن الذات في الجزء الذي نشر في الأهرام الجمعة 16 مارس سنة 1978:

(وفي 5 يونيو وبناء على تغييره – عبد الحكيم عامر – للخطة أخذ عامر جميع القادة معه في طائرة، وراح يفتش على سيناء ومن الطبيعي أنه عندما يكون القائد العام في الجو، تصدر الأوامر للصواريخ بالتوقف عن العمل وفي هذه الأثناء ضربت إسرائيل جميع طائراتنا على الأرض ومطاراتنا، وهكذا يمكن أن نقول إن الحرب بدأت وانتهت وعامر في الجو).

إن هذا الذي يقوله السيد رئيس الجمهورية، وهو عليم بمواطن الأمور، لأنه قرر أكثر من مرة، أنه شريك عبد الناصر في المسئولية وأن الوفاء لزميله في السلاح والكفاح، يجعله يعتبر نفسه مسئولا عن كل تصرفات عبد الناصر، إنني لا أستطيع أن أفسر ما بين طيات هذا الكلام، ولكني فقط أتساءل:

1 – لماذا لمي يصحب عبد الحكيم عامر قادة الجيش في طائرة غير هذه المرة؟ ولماذا تخير هذا الوقت بالذات؟ ومن أدرى إسرائيل أن القائد في الجو؟ ولماذا لم تضرب إسرائيل طائرة القائد العام وهي دون حراسة؟ ولماذا تركه عبد الناصر يفعل هذا، وقد ذكر أكثر من مرة، أن إسرائيل ستبدأ العدوان في الساعة التاسعة؟ وأين نزل عبد الحكيم بطائرته؟ وهل ظل معلقا في السماء طوال الغارة الجوية؟ إن كل سؤال من الأسئلة يحمل معاني محزنة بالنسبة لجيشنا وقواده، فهل من جواب يضع النقط على الحروف، حتى يتعرى وجه الحكم الذي عاد على مصر بالفخار والجلال!! وحتى يعلم الشعب، ما تستحقه مثل هذه التصرفات ويتسحقه من قام بها أو وقعت بين سمعه وبصره، وكان يستطيع أن يفعل شيئا ولكن لم يفعل، لماذا وأخواتها؟ أسئلة تحتاج بدورها إلى ردود ضخمة هائلة، وأخيرا حرب 5 يونيو 1967 هي حرب الستة ساعات أو دقائق، ولكنها الحرب التي قامت لتنتهي، فتذهب كرامات الملايين من البشر، وتبقى بعد ذلك طلعة عبد الناصر البهية، متربعة على حكم الدولة المصرية، والله وانخلي يا أم عامر!!!

وفي أهرام الجمعة نشر جزء من كتاب البحث عن الذات، جاء فيه (كانت فرحة الشعب بالنصر المزعوم تثير الإشفاق على حالته عندما يعلم الحقيقة ... الهزيمة). لم ير التاريخ على كثرة أحداثه التي لا تعد، جرأة على الحقيقة أفظع مما رآه من جرأة حكم عبد الناصر على خداع الشعب المصري.

قامت حرب 5 يونيو سنة 1967 بين مصر وإسرائيل، وانتهت في دقائق بهزيمة ساحقة ماحقة، وظل عبد الناصر يأمر أجهزة إعلامه ثلاثة أيام تنشر على شعب مصر، عدد الطائرات الإسرائيلية التي أسقطها جيشه حتى بلغت ما يقرب من أربعمائة طائرة إسرائيلية، والشعب يجتمع حول الإعلام المسموعة يهلل ويكبر ويرقص فرحا عند تساقط الطائرات الإسرائيلية.

جرأة تفوق الحد، واستهانة بأحلام الشعب بلغت حد الاستهتار الذي لا يمكن وصفه.

لماذا لم يصارح عبد الناصر شعبه بالحقيقة؟ ولكن متى كان شعب مصر يدري شيئا من أموره، طوال عهد ذلك الحاكم البشع الشنيع!! لماذا لم يؤاخذ عبد الحكيم، عامر، إذا كان هو الذي تسبب في تلك الهزيمة؟ وقد كانت كل الظروف المواتية معه في تقديم عبد الحكيم عامر للمحاكمة!! ولكن متى حاكم عبد الناصر مصريا مها بلغت إساءته إلى وطنه، ما دامت الإساءة بعيدة عن شخصه الكريم المصون!! هل في استطاعة مخلوق أن يصف حالة مصر عندما علمت بالحقيقة، ويا ليته ترك الأمور تمضي في سيرها العادي ولكنه إمعانا منه في الاستخفاف بعقلية هذا الشعب، قام بمهزلة التنازل عن الحكم، تم العدول عن التنازل عقب التصريح به، ومرة أخرى يا ليته ترك الشعب يفهم من مسرحية التنازل ما يفهم ولكنه، أوعز إلى أذنابه، أن يقوموا بدورهم، بمسرحية هزلية أخرى، فاستأجر من أموال الدولة، استأجر بعض الغوغاء ليخرجوا إلى الشوارع والطرقات، يجرون رجل الشارع خلفهم، مطالبين عبد الناصر بالعدول عن التنازل، متمسكين في 9، 10 يونيو سنة 1967، حتى أصبحنا أضحوكة العالم كله وسخريته.

اتصال تليفوني ودلالات خطيرة

وفي نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، جاء:

(في يوم 7 يونيو اتصلت تليفونيا بعبد الناصر فوجدته ببيته يتابع سير المعركة عن طريق القيادة، الحقيقة أنني ذهلت لماذا لم يتولى عبد الناصر القيادة بنفسه يوم 5 يونيو؟ صحيح أننا كنا قد فقدنا الطيران، ولكن كان في إمكاننا أن نقف في خط المضايق؟ ثم لماذا وقف مكتوف الأيدي، أمام القرار الذي أصدره عامر للقوات المسلحة بالانسحاب غرب القناة؟ وليس هكذا يكون الانسحاب، أي عسكري يعرف أن الذي يبلغ بقرار الانسحاب هو مدير العمليات، الذي عليه بدوره أن يضع الخطة اللازمة والجدول الزمني المناسب لتنفيذ الانسحاب، وتغطية الوحدات، لتنسق كل وحدة انسحابها حسب الجدول والخطة، ولكن هذا لم يحدث، ولذلك كان الانسحاب الذي أصدره عامر هو في الحقيقة أمر بالانتحار).

إن السيد صاحب الكتاب ذهل .. هذا هو تعبيره، لأن عبد الناصر لم يتول القيادة يوم 5 يونيو، ولقد كان لذهوله ما يبرره حقا، لأن عبد الناصر يعرف عن عبد الحكيم عامر وأخلاقه وتصرفاته ومزاجه، ما يجعله غير صالح لتولي القيادة في مثل هذه المعركة؟ هل يعرف أحد لماذا ترك عبد الناصر القيادة لعبد الحكيم وهو يعلم مقدما نتيجة المعركة إذا ما تولاها عبد الحكيم؟ أما كان يقدر أن في هذه القيادة إفناء عشرات الألوف من الجند؟ وإذا قال قائل إن هذا كان في تقدير عبد الناصر، ولكنه تركه يحدث ليحطم القوة التي يستند إليها عبد الحكيم في منافسته في الحكم، إذا قال قائل مثل هذا القول المفترض، فماذا يكون الرد عليه وكيف يمكن إقناعه بغير ذلك؟ لست أدري ... لعل الأيام تتكفل بالإجابة يوما ما، وعسى أن يكون قريبا.

وإذا قلنا إن عبد الناصر ترك عبد الحكيم يتولى القيادة عفوا أو سهوا أو غفلة أو خطأ أو عمدا، ثم حدثت كارثة الطيران المريعة، فلماذا لم ينحه عن القيادة ويتولاها بنفسه أو يوليها غيره من القواد، وخاصة أن السيد/ أنور السادات يقرر أنه كان في الإمكان الوقوف عند خط المضايق، لماذا؟ ولماذا لم يحمله شركاؤه في المسئولية، أعضاء مجلس قيادة الثورة وهم أمام أخطر حدث في حاضر البلاد ومستقبلها؟

وإذا تركنا هذا ومخازيه، فلماذا لم يتدخل عبد الناصر في قرار الانسحاب وقد صوره السيد/ أنور بأنه أمر للجيش بالانتحار، وليس قرارا بالانسحاب لماذا؟ لماذا؟ وأين كان أعضاء مجلس قيادة الثورة وقد كان عبد الناصر يترنح تحت وطأة الضربة للجيش؟ حتى في تلك اللحظات الحاسمة، تركوه يعبث بمصائر الشعب، وكأنهم ليسوا مسئولين؟! ترى من يصدق ما جاء في مذكراتهم التي وجدوا من أنفسهم الشجاعة على ذكرها، بعد أن مات الحاكم الرهيب؟ إن كانوا يظنون أنهم بهذه المذكرات يتملصون من مسئوليتهم، أو يخففون من وقعها عند الشعب فهم واهمون، لقد طغى عبد الناصر وبغى واستهان بهم جميعا، وقد سكتوا وقبلوا تحديات عبد الناصر لهم جميعا، فلما ذهب تشجعوا "آلآن وقد عصيت قبل".

حتى تبليغ قرار الانسحاب، لم تتبع فيه الأصول العسكرية التي يعرفها أي عسكري في أي بلد؟! لماذا؟! لماذا حرصوا على إيقاع البلبلة والاضطراب في صفوف الجيش المهزوم المنسحب؟! ماذا جنى هؤلاء الجنود الأبرياء، حتى يستهان بأرواحهم إلى الحد الذي لا يبعد عن وصف الخيانة برمية حجر؟ حسبنا الله ونعم الوكيل، وفي ذمة الله تلك العشرات الألوف من الضحايا التي لم يكن لها ذنب إلا أنها جند في جيش عبد الناصر الحاكم العظيم!!

الخطوط الدفاعية مسئولية من؟

في نفس الجريدة والتاريخ والمصدر، يواصل السيد/ أنور السادات كلامه:

(هذه الصورة كانت واضحة أمام عبد الناصر، فلماذا لم يتصرف؟ ولماذا لم يتدخل؟ وأقول مرة أخرى، لماذا يعزل عبد الحكيم عامر يوم 5 يونيو؟ ويتولى هو القيادة؟! أو يعهد بها إلى قائد آخر؟ لا إجابة، فقط علامة استفهام، تظهر في الأفق كبيرة واضحة، كلما كان الأمر عند عبد الناصر يختص بعبد الحكيم عامر، لم أكتم تساؤلاتي هذه عن عبد الناصر فقلت له على التليفون يا جمال ما تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، المسألة في وشك على أي حال، فلماذا لا تطلب من عامر أن يبقى في بيته وتقعد أنت في القيادة وتشتغل، قال: والله يا أنور أنا عرفت أنه أعطى أمرا بالانسحاب، وقلت له إزاي تعمل كده يا عبد الحكيم ليه ما تقفش في خط المضايق، قال لي الخط مش جاهز.

وكان اليهود قبل هجومهم، أنشأوا ثلاث خطوط دفاعية أما نحن، فلم يكن حتى خط المضايق، خط وسط سيناء وهو المفروض أن يكون مستعدا في حالة السلم وفي حالة الحرب، لم يكن في الحسبان أن يعمل).

وها هو السيد/ أنور السادات يتساءل، كما تساءلنا فيما مر بك، كما تساءلنا فيما مر بك، هذا الإهمال، هذه الفواجع كانت واضحة أمام عبد الناصر، فلماذا لم يتصرف؟ من يدري لماذا لم يتصرف عبد الناصر ... كان يعلم لماذا سكت؟ رضاء بما يفعل عبد الحكيم عامر؟ خوفا منه؟ عجزا عن التصرف؟ جهلا بما يصلح فيما كانت الصورة فيه واضحة؟ هل كان يريد أن يحصل ما حصل؟ أي جواب على أي سؤال من هذه الأسئلة بالنفي أو الإيجاب، فيه حكم دامغ لا يليق بأي حاكم، كان يبدو مطلق التصرف، كما كان حال عبد الناصر.

ولما أراد السيد/ أنور أن يجعل أجوبة أسئلته، يقولها التاريخ والمطلعون على بواطن الأمور، لم ير إلا أنها علامات استفهام كبيرة تظهر واضحة في الأفق، لماذا لا يبدي عبد الناصر أي استعداد للإصلاح، كلما كان الخطأ آتيا من ناحية عبد الحكيم؟ هل كان ما بينهما والمحافظة عليه أقوى وأعز من مصلحة مصر والمصريين، حتى ولو وصل الأمر إلى مثل تلك الهزيمة الشائنة؟ أم هل كان تحت يد عبد الحكيم ما يرهب عبد الناصر ويخشاه، ويخاف أن يعرفه عامة الناس؟ والأدهى من ذلك كله أن يعلن عبد الناصر بأمر الانسحاب الفاحش الخطأ الذي أصدره عبد الحكيم عامر، ثم يكون كل ما يفعله هو أن يسأله مساءلة العاتب ... إزاي تعمل كده يا عبد الحكيم؟ هذا هو كل ما استطاع أن يفعله القائد البطل المظفر الملهم جمال عبد الناصر ... يا لتعاسة الحكم والحاكمين.

لو أن هذه المهازل الشنيعة المنكرة، وقعت في غير مصر، لكان لشركاء الحاكم في الحكم، أو لوزارته، أو لمجلس نوابه أو لشعبه، لكان لكل هؤلاء جميعا موقف غير الذي وقفوه مع عبد الناصر، ولكنهم لم يحركوا ساكنا، إما فزعا من عبد الناصر، أو رضاء بما يفعل، وسيحكم عليهم التاريخ جميعا نفس الحكم الذي سيحكم به على عبد الناصر، ولن ينجو من هذا الحكم إلا الإخوان المسلمون، لأنهم كانوا جميعا في سجون عبد الناصر وكأنما أراد الله بهم، في تلك المحنة منحة، إذ نجاهم من جريمة عبد الناصر في حق الإسلام والمسلمين، فقد عذبوا وقتلوا وشردوا وأدخلوا السجون بعد ما أعذروا إلى الله بالإنكار على عبد الناصر في كل ما جنته يداه.

مجلس قيادة ثورة، فيه ما يقرب من خمسة عشر ضابطا على مختلف الرتب ولا يفكر واحد منهم في إنشاء خطوط دفاعية، تحمي وطنهم من غدر عدو يعرفون جميعا مدى كراهيته لمصر المسلمة، ورغم علمهم باستعداده الكامل لغزو مصر؟! ماذا يسمي الناس مثل هذا التصرف؟ إن ما يحمله التاريخ من أثقال، ليكاد يقصم ظهره، ويهبط كاهله، ولا بد أن يعرف الناس يوما، ما خفي عليهم في هذه السنن التي لا يراد فيها أن تنشر الوثائق الرسمية حتى تعرف الأمة ما يجب أن تعرفه، وإنه لحقها الكامل في وجوب المعرفة.

ويشاء الله أن يعرف الناس صورة من صور تفكير عبد الناصر في سياسة الحكم، وكيف تساس الشعوب؟ وما هو أمثل أسلوب في معاملة الشعوب، الأسلوب الذي لا يستقيم أمر الشعب إلا به في رأي عبد الناصر.

عبد الناصر يتخذ خروشوف مثالا في الحكم

في أخبار اليوم السبت 25 مارس سنة 1978 كتب الأستاذ عبد الهادي مرزوق يقول:

(جاء في مذكرات صلاح نصر، مدير المخابرات السابق ص 215 أن عبد الناصر لام عبد الحميد السراج على موقفه الضعيف مع الذين يناقشون تصرفات الحكومة في الاجتماعات الشعبية في سوريا، فقد اجتمعنا في بيته بمنشية البكري وحضر هذا الاجتماع الوزراء، وضرب عبد الناصر مثلا مستشهدا بإدارة خروشوف المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، كان يستمع لكل عضو فيها يقول ما يشاء، ولكنه لا يسمح لأحد أن يتجاوز الحدود التي ينبغي أن يراعيها، والغريب أنه قال عبارة تحوي معنى أسلوب، تعامل خروشوف في الحزب الشيوعي، إذ استطرد قائلا بالنص: كان بيضربهم بالجزمة، وشدد عبد الناصر على عملية الانضباط، وأنه لن يسمح بالتمرد مرة أخرى)

هذا هو أسلوب عبد الناصر في سياسة حكمه لشعب مصر، يشهد عليه أقرب المقربين إليه، وهو جهاز مخابراته الرهيب، صلاح نصر، لا يرى جمال عبد الناصر، بهذه الشهادة، أسلوبا في معاملة الأمة المسلمة المصرية إلا الضرب بالجزمة، أسلوب الإذلال والاحتقار لشعب رضي أن يجعله حاكما، الذي يصفق لكل كلمة ينطق بها، ويفتديه بالدم وبالروح، مكافأة له على ضربه بالجزمة، ومن يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام، استنام شعب مصر لمظالم عبد الناصر، وسكت عليها، بل وحياه من أجلها فاستنسر البغاث بأرض مصر.

ولا أجد شرحا لهذا الذي كان يفعله، إلا ما كتبه الأستاذ مصطفى أمين في الأخبار "الأحد 26 مارس سنة 1978)":

(بل إن هذه السياسة ما كانت لتقوم حتى على احترام أبسط مشاعر المصري، ذلك الإنسان المؤمن برسالة السموات، المحب للعدل والإنصاف، فعلى حين ينقسم العالم إلى قسمين؟! أحدهما يؤمن بالله، وقسم آخر لا يؤمن بالدين ولا يؤمن بوجود إله، نجد السياسة المصرية، لا ترتبط ولا تتوثق صلاتها إلا بالقسم الثاني المنكر للأديان، والمحارب لها، ولا تأتمر إلا بأمر هؤلاء الملاحدة المنكرين، ولا تتخذ إلا منهم العون والتوجيه والتأييد، وتحارب لذلك أعداءهم المؤمنين).

هذه هي آراء كبار الكتاب والصحفيين في سياسة حكم عبد الناصر، أما الإخوان المسلمون وموقفهم من عبد الناصر، وموقفه منهم، فلم ينشر حتى اليوم، وستعرف تفاصيله إن قريبا أو بعيدا بإذن الله، ويومئذ تتم حلقات ذلك الحكم البغيض.

ورأي من واجبي أن أقدم لك نظرة من نظرات أحد الضباط الأحرار في حكم عبد الناصر، فتكون شهادة من زميل من زملائه الذين شاركوه في وزر ما جناه، في أهرام الثلاثاء 28 مارس سنة 1978 كتب السيد/ ثروت أباظة، أحد الضباط الأحرار، من مفكرته تقول: (جاء في خطاب من الشاب عادل دياب، يقول: إننا نسرف في مهاجمة العهد الماضي وأن كثيرا من الشباب حائرا، فقد عاش يسمع المديح! ثم فجأة طالعه هذا الهجوم، وهو يدعو الشباب إلى الحب وترك الحقد).

أولا، يا بني إننا حين نهاجم العهد الماضي إنما نهاجم الحقد وندعو إلى الحب، لقد كان قوام ذلك العهد وأسسه وقوائمه ودعائمه وبواعثه وأهدافه ومعانيه الخفية والظاهرة، جميع هذا كان حقدا، وإنا يا بني لم يمسسني من ذلك العهد شيء .. فأنا لم أفقد فدانا ولا قيراطا، وأنا كونت اسمي في مصر والعالم العربي في ظل ذلك العهد، وأنا حاصل من ذلك العهد على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، حين نلت جائزة الدولة سنة 1958، فالأمر ليس شخصيا بالنسبة لي، صحيح أني لم أعمل في وظيفة عامة، فترة العهد جميعا، ولكن هذا ليس شيئا يدعوني إلى مهاجمة العهد، فقد كان من الطبيعي أن أبتعد عن الوظائف العامة وأنا لم أكتب كلمة مديح ... كلمة مدح واحدة في العهد جميعه، وهذا ما أحمد الله عليه، فأنا لم أتغير ولم أتلون، ولقد حاول بعض أعوان العهد الماضي من ذوي السلطة والنفوذ، أن يقربوا بيني وبين أمراء العهد فرفضت، ما تصورت يوما أن أهادن من يقتل شعبي وبلادي، ولا أحب يا بني أن أكتب رموز رواياتي وقصصي، ولكن لعلك إذا وجدت ناقدا لعرفت أيضا أنني لم أكن شيطانا أخرس، وإنما كنت أتلمس السبيل لكلمتي أن تصل إلى حيث أريدها أن تصل وتعمل وقد كانت تعمل.

وبعد يا بني ... لا عليك أن تختار، فتاريخ العهد لم يكتب بعد، وعندما يكتب التاريخ كتابة سليمة، لا غش فيها ولا خداع، ستعرف ما قدمه ذلك العهد ولماذا نشقى به حتى اليوم.

والتاريخ يا بني لا يعرف الحقد، والذين يصنعون التاريخ، والذين يحكمون البلاد ليسوا موتى بالمعنى الذي يقصده الحديث (اذكروا محاسن موتاكم) فإنما يصدق هذا على عامة الناس، الذين لم يؤثروا في حياة الناس تأثيرا فعالا، ولذلك نجد القرآن يهاجم فرعون مصر هجوما شديدا، وكان ميتا يوم نزول القرآن وإنما يضرب الله الأمثال للناس من واقع التاريخ، فنحن حين نهاجم العهد، إنما ننبه الناس حتى لا تقع هذه الأخطاء مرة أخرى، والله يا بني يقول "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" وإني أسألك كم مرة قتل الناس جميعا في ذلك العهد.

يا بني حين تستباح أعراض النساء وكرامة الرجال، وحياء الناس تسقط الحياة جميعا، وإني أرجوك وألح في الرجاء، أن تجلس وحدك، وتغمض عينيك، وتذكر ماذا يعني أن يستباح عرض سيدة شريفة لإذلال زوجها، ولن أكثر عليك يا بني وأقول لك لتتصور هذا يحدث لسيدة تعرفها وتكن لها الاحترام.

هذا يا بني بعض من كل عريض ضخم بلينا به فترة حقيرة من الزمان، فلا تعجب يا بني وترانا هاجمنا عن حقد، وإنما هاجمنا الحقد فيه، ولقد كان كله حقدا).

ما أدق هذه الصورة، وما أفظع ما طلبت منا أن نتصوره، إن انتهاك عرض سيدة حرة أمام زوجها، لا يقدم عليه أحط أنواع البهائم فصيلة، إنه عمل مخلوق دنيء سافل وضيع بشع كريه، لا يمكن أن يمت إلى فصيلة الآدمي بأية صلة من الصلات، كل هذه أمور وقعت ويعلمها عبد الناصر، بل كانت تعرض عليه في شرائط مرئية ومسموعة، فماذا يرى التاريخ في عبد الناصر وحكمه خاصة وهو رأي مصري لم يمسسه من عبد الناصر وحكمه شيء، ولكنه رجل رأى أحداثا تاريخية، فأثبتها على حقيقتها.

جمال سالم العصبي الحاد المزاج ينوب عن الرئيس

وفي الصفحة 180 من كتاب البحث عن الذات جاء ما يأتي: (أذكر مثلا أنه في غياب عبد الناصر، أناب عنه جمال سالم، وكان رحمه الله حاد المزاج، عصبيا إلى حد غير طبيعي، عصبيا إلى حد غير طبيعي، غير متزن في جميع نواحي شخصيته، فلما وجد الناس منصرفة عنه لسوء معاملته، بدأ يثير المعارك هنا وهناك وفي كل مجال إلى أن عاد عبد الناصر، فازدادت المعارك حدة، وخاصة أن جمال سالم في غياب عبد الناصر، قد اتخذ إجراء ضد عم عبد الناصر، وكانت لدى عبد الناصر حساسية شديدة من ناحية أهله، فكان يكفيه أن يبلغه أحد من الناس قال شيئا عن أحد من أقاربه، حتى يضعه على الفور في المعتقل، ويتخذ ضده من الإجراءات ما يحلو له، وهذه إحدى نقاط الضعف التي كان يستغلها فيه أصحاب مراكز القوى وأشياعهم لينالوا حظوة عنده، وفي نفس الوقت ينالون من أعدائهم، وفي رأيي أن عبد الناصر كحاكم كان يجب أن يدرك هذه هي طبيعة الحكم وطبيعة البشر).

هؤلاء هم الذين كانت في أيديهم مصائر مصر، وأقدار المصريين حينا من الزمان ... عبد الناصر وهذا حكمه، وعبد الحكيم عامر وقد قرأتم رأي عبد الناصر فيه، وجمال سالم وهذا رأي السادات فيه، حقا إن الكلمة الوحيدة التي صدق فيها عبد الناصر، وقد يصدق الكذوب، قال إن مصر تحكمها عصابة، وأظنك قد لفت نظرك تلك الناحية الظالمة في خلق عبد الناصر، يا ويل من يلفظ بكلمة في حق أحد أقاربه، لن يعرف له أحد مكانا بعد ذلك، يا له من حاكم، وحسبنا أن يقول السادات إن هذه إحدى نقط الضعف في عبد الناصر، أي نقط الضعف فيه متعددة، وهذه واحدة منها، وكم كنا نود لو أن السادات شرح لنا لماذا وضع جمال سالم، عم عبد الناصر في المعتقل؟

وهل كان عم عبد الناصر يستحق هذا الإجراء؟ فلا يجوز لعبد الناصر أن يتسامح مع من يسيء إلى أحد أفراد شعبه ولاه أمره، ليحفظ كرامته، وليرعى مصالحه، ولكن هذا هو حكم عبد الناصر، أصبحت مصر ضيعة يتصرف فيها عبد الناصر وأهله وأقاربه كما يشاءون، وما على الشعب إلا أن يرضى ويخضع وما لعبد الناصر وأهله إلا أن يسودوا ويحكموا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وصورة أخرى يصورها لنا الأستاذ عبد الكريم عبد اللطيف في أخبار الخميس 6 أبريل سنة 1978:

(وفي غيبة حقائق كثيرة، فازت البيروقراطية، وكان أمرا خافيا، أن يكون المنادون بالتطهير هم أولى الناس بالتطهير، وكان مرا علقما أن تنشأ لجان لفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي، ولجان لتطهير القضاة، فتنقلب إلى أعداء شخصيين وأعداء وهميين). لا الموظفين ولا القضاة ولا أحد أبدا نجا من سيئات ذلك العهد الأسود، وصال عبد الناصر وجال في ميدان خلا من الرجال، والناس حيث يضعون أنفسهم.

وفي أخبار الإثنين 10 أبريل سنة 1978 كتب مصطفى أمين:

(فعندما اختفت الحرية، اختفت معها الفضائل، وكان الواشي على إخوانه شخصا منبوذا، يتنكر له جميع الناس ثم أصبحت الوشاية بالأصدقاء، سببا للوصول إلى كرسي الوزارة، كان الذي يطعن صديقه بخنجر في ظهره، يوصم بالغدر، ويقاطعه الناس، فأصبح يوصف بالإخلاص للنظام، كان الرجل العفيف النظيف مثلا يحتذى، فأصبح أضحوكة يهزأ بها الناس).

وكان من تمام قدر حكم عبد الناصر، أن ولت الفضائل كلها هاربة من حكم يسود فيه النمام والوصولي والغدار، ويحارب فيه الأكفاء الشرفاء الأمناء.

ويطلع بنا الأستاذ على مشارف الحياة النيابية في عبد الناصر، فقد كتب الأستاذ عبد العزيز عبد الهادي في أخبار 17 أبريل سنة 1978 يقول: (وجاءت ثورة 23 يوليو سنة 1952 وأعلنت أن من أهدافها وجود ديمقراطية سليمة ولكن للأسف لبثت مصر تسعة عشر عاما دون دستور قائم، وتألفت فيها برلمانات خلت من المعارضة، وكانت عضويتها أقرب إلى التعيين، فقد كانت بعض الدوائر تقفل على المقربين، والمتمتعين بالرضا، بل كانت العضوية تسقط عن العضو بجرة قلم، تسقط عنه عضوية الإتحاد الإشتراكي، وهكذا كانت الديمقراطية صورية وخالية من المعارضة، لتأييد الحكم الانفرادي الذي ساد لسنوات).

هذا جانب من جوانب الحياة النيابية في عهد حكم عبد الناصر، حتى النواب الذين ترى فيهم كل الأمم الحرة، ممثلين لناخبيهم عن حقوقهم، ويثبتون وجودهم، هؤلاء النواب أصبحوا في حكم عبد الناصر، ممثلين له هو، لا الشعب، يدافعون عن مظالمه، ويدعمون كرسيه الذي كانت تنخر فيه كل حشرات السوس والنمل.

فلما ذهب ... ذهبوا جميعا ... ولكن بعضهم ما يزال حتى اليوم يزعم أنه ممثل للشعب ... ولله عاقبة الأمور.

ولقد كانت الكارثة التي حطمت مباهج المصريين في 1967 أمرا أقل من عادي في نظر المحيطين بصاحب الكارثة والمسئول الأول والأخير عنها، يحدثنا في هذا الصدد والمعنى أحد الضباط الأحرار، الأستاذ ثروت أباظة فيكتب في أهرام الثلاثاء 25 أبريل سنة 1978: (وتذكرت النعيم الذي عاش فيه بعض الكبار في جحيم سنة 1967 فقد كانت البلد تحترق وهم يهيمون في وديان النعيم المصطنعة.

إن العهد السفاح استطاع أن يدمر القيم المثلى في نفس الشباب المصري، لا المرافق المصرية وحدها، إذا كانت المرافق يمكن إصلاحها، فكم يحتاج هؤلاء من الوقت حتى يمحي الحقد من نفوسهم، ويفهموا أن العدوان على الإنسان عدوان على الإنسانية جمعاء.

وأعتقد الآن أنه ينبغي للكتاب أن يشرحوا البديهيات، بدلا من أن يتكلموا عنها وكأنها مفهومة معروفة ومستقرة، لا بد للكتاب أن يشرحوا ما هي العدالة، وما هي كرامة الإنسان، وما هي الحرية، وما هو القانون).

حقا لقد ضاعت كل هذه الأولويات وضاع مظهرها والعمل بها في عهد عبد الناصر، وكأنها أشياء لم يعرفها الناس من قبل، ولم يتقيدوا بها وينزلوها منزلة الإكبار والإجلال.

إن الوطن ليس أرضا محددة المعالم، ولكنه الناس الذين يعيشون على أرضه، آمنين، مطمئنين على عقيدتهم وأنفسهم وتفكيرهم وأموالهم وأعراضهم، وهذه هي الكمالات التي جاءت الأديان لتوفيرها والمحافظة عليها وحمايتها، فإن استبيحت كل هذه الكمالات في الناس فلا وطن ولا مواطنين، إن الذين يستهينون بكل هذه الضروريات، إنما يستهينون بالوطن نفسه.

ومن هنا كان كل من لا يحترم وطنه ويفتديه بروحه قبل مصالحه، غير أهل لأن يعتبر مواطنا أمينا شريفا.

تمثيلية المنشية وخبير الدعاية الأمريكي

لقد أفحش حكم عبد الناصر في معاملة المواطنين، وأحس من حوله بخطر ما يفعل، فأرادوا أن يخلقوا له شعبية بين المواطنين، ولكن تفكيرهم أعجز من أن يصل إلى حل، فاستعانوا بخبير أمريكي يدبر لهم أمر إيجاد هذه الشعبية، واستمع إلى السيد/ حسن التهامي أحد الضباط الأحرار يكتب في روز اليوسف عدد أول مايو سنة 1978 عن حادث المنشية : (وقد شد انتباهنا وقتها أن خبيرا أمريكي الجنسية في الدعاية والإعلام ومن أشهر خبراء العالم وقتها في الدعاية كان قد حضر إلى مصر، وكان من مقترحاته غير العادية، والتي لم تتمش مع مفهومنا، وقت اقتراحها هو اختلاق محاولة لإطلاق الرصاص على عبد الناصر ونجاته منها، فإن هذا الحادث، بمنطق العاطفة والشعور الشعبي، لا بد أن يزيد شعبية عبد الناصر، لتأهيله للحكم الجماهيري العاطفي، أكثر من أي حملة دعائية منظمة توصله إلى القيادة الشعبية من أقرب الطرق العاطفية).

هذا هو حادث المنشية الذي اخترعه خبير أمريكي في الدعاية يستدعي إلى مصر، لا للخبرة الصناعية أو العسكرية أو الزراعية أو الاقتصادية أو غيرها، أبدا ولكن لعبد الناصر في الحكم، أيا كانت هذه الوسيلة خسيسة أو غير شريفة، ليس ذلك بالأمر المهم، إنما المهم في إسعاد مصر هو أن يظل عبد الناصر حاكما، أيا كانت الوسيلة التي تبقيه على كرسي الحكم في مصر.

هذا هو الحادث الدنيء، الذي ابتدعه حكم عبد الناصر، والذي على أساسه المصطنع استباح كل شيء في مصر، بلا روية ولا هوادة ولا أخلاق ولا دين، ثم بعد ذلك ما يزالون يحدثوننا عن عبد الناصر وأياديه على هذا الوطن المسكين، دون رعاية لمشاعر المنكوبين على يديه، ولا تقدير لجراحهم الغائرة، التي لن يذهب بها إلا الموت، حيث تمسح رحمة الله ومثوبته على أصحاب تلك المآسي فيدخلهم رضوانه ويدخلهم جنته، في ملك لا يبلى، ونعيم لن يبيد.

إن مصائب ذلك العهد لن تزول آثارها، وسيظل الناس يكتبون عنها إلى ما يشاء الله، وهذا هو السيد/ ثروت أباظة يكتب في أهرام الثلاثاء 9 مايو سنة 1978 ويقول:

(وقد جاء بنا عهد ذري كانت الكلمات فيه تموت وهي همس متهافت النبض في نفس صاحبها وأخرى تموت على سن القلم، وثالثة تموت موءودة قبل ولادتها).

أيها الشباب تعلموا ما شئتم، واشكروا من أتاح لكم هذا التعليم، ولكن إذا لم تستطيعوا بتعليمكم أن تعرفوا معنى العرض والشرف، ومعنى الكرامة ومعنى العدل، ومعنى الإنسان، ومعنى الحرية، ومعنى الرعب، ومعنى الذعر، ومعنى الحريات المنتهكة، ومعنى الظلم والقهر والجبروت، فما تعلمتم شيئا، وكل ما أنفق عليكم ذهب هباء، ولا فائدة).

يا له من درس جاء من الماضي القريب في الحاضر والمستقبل، لماذا يتعلم الناس؟ ولماذا ينفقون المال والجهد والعمر في التعليم؟ لماذا إلا ليكونوا آدميين، يخدمون وينفعون إخوانهم في الآدمية؟ لماذا التعليم إن لم يكن لرفع مستوى الناس، حتى يصلوا إلى مستوى الفضيلة والحب والإسعاد؟ حتى العلم، والمقصود منه، قضى عليه عبد الناصر للمصريين حتى نتركه هكذا بدون محاكمة؟ اللهم علما ينفعنا، لقد انقلب كل ما عرفه الناس وتواضعوا عليه، لم ينقلب رأسا على عقب، ولكنه انقلب لتطمس معالمه فلا يعرف له رأس ولا عقب، لقد عدنا أمثولة محقرة في نظر العالم، يشرح لك المعنى مصطفى أمين في جريدة أخبار اليوم السبت 13 مايو سنة 1978.

(كان القانون في أجازة، أنت مجرم حتى ولو ثبتت براءتك، أنت إقطاعي حتى لو كنت تملك ثلاثة أفدنة، أنت خائن حتى لو ضحيت بكل ما تملك إيمانا من أجل وطنك، أنت عدو للشعب حتى لو أحببت بلدك، كان أغلب قضاة بلدك محالين إلى المعاش، لأنهم آمنوا بأن الحق فوق القوة، وأن القانون فوق السلطة، وإرضاء الضمير قبل إرضاء السلطان، كانت المحاكم تصدر أحكام البراءة، فيأمر الطاغوت بعدم تنفيذ الحكم، ويوضع المتهم الذي حكم ببراءته في السجن، ويرفت المستشارين الثلاثة الذين أصدروا حكم البراءة).

أي وربي كل هذا كان يحدث في حكم عبد الناصر، لا مرة واحدة ولكنه يتكرر مرارا ومرارا، ليعلم كل مصري أن الدستور لا قيمة له إزاء إرادة المحاكم، وأن القانون مهدر الوجود، إذا لم يوصل الحاكم إلى ما يريد، وأن القضاء شبح ما أيسر أن يختفي، إذا لم يحكم وفق هوى الحاكم، ودعك يا أخي من كل الهالات التي يحاولون، فاشلين أني يحيطوا بها اسم عبد الناصر فالحق والواقع أقوى البراهين، والتاريخ قمين بالكشف عن كل ما يحاول الناس إخفاءه، إن الإشتراكية الناصرية وقد أضرت، إن السد العالي وقد علمت أخطاره فيما مر بك، وإن تأميم قناة السويس، وقد كانت عائدة إلينا بلا مقابل بعد سنوات معدودة من تأميمها، إن كل ذلك لا يساوي قلامة ظفر، أمام فقد الحرية، وامتهان الكرامة، وقتل الأنفس، ونهب الأموال، وانتهاك الأعراض، إن زراعة الملايين من الأفدنة، وإنتاج ملايين الأطنان من المصنوعات، هباء ... هباء .. هباء ..، إذا رأينا الحرائر يغشاها العساكر المعدون والمأجورون لهذا الفحش البشع، على مرأى من أبيها وأخيها وزوجها!! يا للفظاعة!! يا للبشاعة!! يا للحسرة والهوان.

صور من التعذيب في العهد الناصري

هذه حقائق سطرها الكتاب، ولم يكذبها أحد حتى اليوم، وإليك ما كتبه الأستاذ مصطفى أمين في جريدة الأخبار – الإثنين 15 مايو سنة 1978.

(كان الواحد منهم إذا أعجبته زوجة شريفة، وفشلت وسائل الإغراء في استمالتها، زيف أشرطة التسجيل ضد زوجها، ووضع على لسانه أقوالا لم ينطق بها، وغير وبدل في الكلمات، ثم جاء بالتسجيل المزيف إلى الزوجة محاولا به أن يثير الشكوك في نفسها، وأن يهدم حياتها، وأن يجعلها فريسة سهلة يسهل اقتناصها، فإذا صمدت الزوجة أمام تزييف الأشرطة والتسجيلات قامت معامل خاصة بتزييف الصور الفوتوغرافية والأفلام السينمائية وتضع رأس الزوجة فوق جسم امرأة أخرى، لمحاولة تشويه وتلويث شيمتها، وخراب بيتها، ويرسلون إلى الزوج إحدى غولات الظلام تصطاد وتغويه، وتلتقط له التسجيلات، فإن فشلت كل هذه المحاولات الحقيرة، عمدوا إلى تزيف التهم ضد الزوج المسكين، ولفقوا له قضية أو لفقوا عليه مسرحية، وبلا جريمة وبلا حكم، وهكذا يستطيعون الانفراد بالزوجة التي تجد نفسها بلا نصير، لا يحميها قانون، ولا تغيثها عدالة).

بربك هل مر بك على ما قرأت في التاريخ مثل هذه الفظاعة، مثل هذه الشهوانية الوحشية، إن الشيطان لا يرضى لإغوائه الناس مثل هذه الخسة والدناءة والسفالة، والتجرد من كل ما يربط الناس بالناس.

ويمضي في وصف حكم ذلك العهد الكتاب الذين كانوا يكتبون له وفيه، فيقول موسى صبري في جريدة الأخبار – الإثنين 5 يونيو سنة 1978:

(اليوم الحزين .. الخامس من يونيو، لن ننساه، دموعه في كل بيت، أوجاعه في كل قلب، شهداؤه في صدور المتقين، ذكراه صرخات عالية، تذكر بمرحلة السواد، صراع السلطة، فساد الحاشية، استهتار القمم، خيبة القيادة، شعارات الدجل والتهويش، كلمات الزور، خداع الإنسان المصري الطيب المفترى عليه، خيلاء زعامات من ورق، وأبناؤنا يحصدهم الهلاك، وأبناؤنا دفعهم الغاوون والمنافقون إلى المذبحة، دماؤنا لن تجف في الرمال، فضيحتنا كانت تسلية العالم كله، رأسنا في الرغام، جباهنا غرقى في الخزي والعار).

إلى اليوم لم يكتب الإخوان المسلمون، الذين لم يصب أحد في مصر قبل ما أصيبوا به على يد جمال عبد الناصر، لم يكتبوا رأيهم، ولم يشرحوا ما أصابهم، وسيأتي اليوم الذي توضع فيه النقط على الحروف، حتى تحيط بالعهد من جميع أطرافه، ليعرف الناس أن عبد الناصر، وإن كان هو رأس الويلات التي نكبت مصر، فكل زملائه والمحيطين به، شركاؤه في المسئولية والمؤاخذة، إما الصمت سلبا، أو المدح تزلفا، أو أيجابيا فعليا في كل ما حدث، إن الشعب يعرف وإن ظنوا أنه لا يعرف، أو حاولوا خداعه بالحملة على عبد الناصر، إن ظنوا أنهم يخادعون الشعب، فإن الله ليس بغافل.

(يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم).

وأقدم لك صورة عن حالة كل إنسان، أي والله كل إنسان على التحديد، حالته النفسية في عهد حكم عبد الناصر، ولا أقدم الصورة من عندياتي ولكن أقدمها على لسان كاتب، كان يوما رسول عبد الناصر إلى أمريكا، ثم غدر به، شأنه في كل من أحاط به طوال عهده، كتب مصطفى أمين في جريدة الأخبار – يوم الأربعاء 7 يونيو سنة 1978:

(في دولة الخوف، كان الحلم يتحول إلى كابوس، وعندما ترقد في فراشك تفزع من كل طرقة على الباب، أو حركة على النافذة، أو دقة تليفون، لأنك لا تنتظر خيرا أبدا، كأنما الخير حددت إقامته، أو وضع في زنزانة، والشر وحده هو المطلق السراح، وفي كل لحظة تتوقع أن تنقض عليك يد تنتزعك من زوجك وأولادك، لا تعرف إلى أين تذهب، ومتى تعود، لا يكفي أن تعرف أنك بريء، فدولة الخوف لا تتهم إلا الأبرياء، ولا تطمئن إلا إلى المجرمين).

سمة لم يتسم بها حكم من قبل، وما أظن أبدا أن أحدا سيشقى بمثل هذا الحكم، ما السر؟ أليس حاكم ذلك العهد من أصل مسلم؟! إن فرعون الكافر الطاغي، كان يناقش ويتبين ويستوضح، أما عبد الناصر، وأقل الناس شأنا وهوانا، له صلة بعبد الناصر، أيا كان نوعها، فما كان يقبل أن يناقشه أحد، أو ينكر عليه قوله.

هذا هو حكم "ارفع رأسك يا أخي" وحكم أول مصري من أبناء مصر، حكم مصر، وكأن الذين أقاموا في مصر عشرات ومئات السنين، ليسوا من أبنائها، ولكن هكذا يقال لنا، لنصدق راضين أو كارهين.

تجربة كل الأنظمة إلا الإسلام

لقد جعل عبد الناصر مصر، حقلا لتجاربه في صور الحكم، إلا الإسلام، وفي هذا يكتب الأستاذ موسى صبري في أخبار الأحد 18 يوليو سنة 1978:

ومارست الثورة تجارب عديدة من هيئة التحرير إلى الإتحاد القومي إلى الإتحاد الإشتراكي، ثم كان الميثاق تجسيدا لفلسفة الثورة على أساس أن الإشتراكية هي الحل الحتمي، وصيغت عبارات الميثاق مزدوج المعنى وظهر فيه تعبير الإشتراكية العلمية، وهي لا تعني إلا الماركسية، وتحالف عبد الناصر مع الأحزاب الشيوعية، وحمل الشيوعيون أحزابهم، وانتشروا في كافة الأجهزة ثم كان التنظيم الطليعي، وتحولت السلطات السياسية المركزية بالتدريج إلى وجود قوة حاكمة بلا رقيب، تخول مراكز قوى عديدة، سلطات أيضا بلا حدود، وبدأنا نعاني من حكم الفرد الذي لجأ مع خصومه إلى الاعتقال والتشريد والتعذيب حتى الموت في بعض الأحيان وكدنا نتحول إلى نظام ماركسي يمسك بكل خيوطه فرد واحد، هو رئيس الدولة).

ومرة أخرى أو كذلك إن الاصطلاح المنتشر على ألسنة الكتاب والصحفيين، اصطلاح غير صحيح، لأن الحكم بكل أجهزته كان يحركه فرد واحد، وهو رئيس الدولة ... جمال عبد الناصر، فعلى رأسه وحده تقع كل أوزار ذلك العهد.

لقد كان القلق والاهتزاز وعدم الاستقرار، سمة حكم عبد الناصر كلما حلا له شكل من أشكال الحكم، أو كلما زين له أحد أفراد بطانته، صورة من صور الحكم، أسرع إليه دون تفكير أو روية، وهذا يقطع بأن عبد الناصر لم تكن له سياسة، ولا هدف محدد ولا برنامج مدروس، وكل ما يهمه هو أن ينفرد بالحكم في ظل المبادئ الماركسية، ولك أن تستخرج من كلمات الكاتب ما تشاء.

إن حكم عبد الناصر لم يجلب الخراب والاضطراب على مصر وحدها، ولكن جلبه على البلاد الإسلامية كلها، وهذا السيد/ موسى صبري يشرح لنا هذا المعنى في صورة موجزة في جريدة الأخبار الخميس 29 يونيو سنة 1978:

(إن المخطط السوفيتي يعمل الآن كالأخطبوط، وقد كانت سنوات العمل مع جمال عبد الناصر فرصة كبرى كي يثبت الروس أقدامهم في مصر، وكانت أزمتنا مع إسرائيل هي سبيلهم إلى الوجود وانتهى بنا الأمر إلى وجود عسكري سوفيتي، تجاوز العشرين ألف ضابط وجندي وخبير وكانت في مصر مناطق عسكرية سوفيتية محرمة على السلطات المصرية، وكانت في مصر أسلحة سوفيتية، لا تستخدم إلا بأوامر من موسكو، وكانت في مصر شخصيات في مواقع رسمية بدأت تعمل على أساس أنها تستمد وجودها من السلطات السوفيتية، لا من السلطات الشرعية، وبدأت موسكو تستقبل هذه الشخصيات التي كانت تتسابق في تأكيد ولائها إلى أباطرة الكرملين.

ومن هذا الوجود السوفيتي في مصر امتد الوجود السوفيتي إلى العراق وإلى سوريا وبعض دول أفريقيا).

هؤلاء الضباط الأحرار الذين قالوا إن أسباب الانقلاب الذي قاموا به، إخراج الإنجليز نهائيا من مصر، وقد خرج الإنجليز من مصر، ما بالهم سكتوا عن الاحتلال السوفيتي الجديد؟ ما بالهم سكتوا والأمر بأيديهم وهم الحكام؟

إن الاحتلال الإنجليزي، كان جيشا ظاهرا في مصر، أما الاحتلال السوفيتي الذي جاء وهم يحكمون فإنه كان احتلالا شيوعيا في داخل الجيش المصري، بل إن بعض المواقع العسكرية، كان غير مسموح للجيش المصري بضباطه وقادته أن يدخلوا هذه المواقع، هل هناك ما هو أسوأ من هذا الهوان، بل إن الأسلحة الروسية التي اشتريناها بأموالنا، ما كان يسمح باستعمالها إلا بأوامر من موسكو، أي إذلال هذا؟ لماذا رضيه الضباط الأحرار، وهم في الحكم؟! إن الأيام القادمة والوثائق الرسمية يوم أن تنشر، سينكشف المخبأ من هذه الأسرار، ويومها يعرف المصريون، أي حكم كان حكم عبد الناصر؟!! إن مصائب حكم عبد الناصر لم تصب مصر وحدها ولكنها كما قرأت، أصابت العراق وسوريا واليمن وبعضا من الدول الأفريقية، عبد الناصر ماذا فعلت بمصر المسلمة، والعالم الإسلامي!!!

أربعة عشرة ألفا في سجون عبد الناصر

ومرة أخرى أقدم لك نظرة من نظرات أحد الضباط الأحرار، السيد ثروت أباظة، في الحكم الناصري، كتب في أهرام الثلاثاء 25 يوليو سنة 1978:

(فإذا كان نابليون المنتصر قد سجن ستمائة وترك المؤرخين من ورائه يستهولون هذا، فماذا نحن قائلون لعهد لم نر فيه إلا الهزائم الحربية المتوالية، ومع ذلك يدافع عنه مؤرخه بضآله العدد الذي كان معتقلا في لحظة انتهاء العهد، ونذكر العدد فإذا هو أربعة عشر ألفا، أتراك أيها القارئ تجد تعليقا تقوله؟ أما أنا فالكلمة اللائقة تحتبس على لساني، وتتجمد على قلمي وحسبنا الله ونعم الوكيل، والديكتاتور بقد ما يحسب طغيانه على البشر، يلقي بسخطه وطغيانه على الأديان وأنصار الأديان، ولذلك لم أعجب كثيرا حين قرأت الظلم الذي ألقى به نابليون على البابا بيوس السابع والديكتاتور يرفض رحمة السماء ويرفض أن يراها متمثلة في ناس من البشر، فطبيعي أن ينحسر سلطان الدين في ظل الطاغية، فالدين عل، والطاغية ظلم، والدين رحمة، والطاغية قسوة، والدين صلة السماء بالأرض، والطاغية لا يريد لشعبه أن يتصل بالسماء.

وتحت هذا الشعار، انفجرت براكين الشيوعية الحمراء في العهد الماضي، فكان الإلحاد هو الدين، والكفر هو الطريق الذي يتسرب منه المنافقون إلى السلطان، وإن كان هذا هو ما أذهب إليه اليوم، فهذه الضجة التي تتناقلها الدول الديمقراطية عن المحاكمات الهازلة في ورسيا لقوم يريدون أن تتصل أسبابهم بأسباب حقوق الإنسان، ومن أين للإنسان حقوق في بلاد الكفر والإلحاد والطغيان).

كلام طيب ولا شك، ولكن الظاهرة العجيبة في كلام الضباط الأحرار، ولها دلالتها، أنهم إذا تحدثوا عن مظالم عبد الناصر، تحدثوا عن كل شيء إلا عن الإخوان المسلمين، مع أن الإخوان المسلمين، كانوا أكثر الناس تعرضا لإيذاء عبد الناصر وتشريده وتعذيبه وتقتيله.

ولكن لا عجب، فهذه الظاهرة ليست بقاصرة على الضباط الأحرار، ولكنها سمة الدول الغربية والشرقية على السواء بالنسبة المركز العام للإخوان المسلمين.

فإذا ظلمت دولة، أي دولة، أحد رعاياها واشتطت في معاملته تعالت الصيحات من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، تطالب بالرحمة والعدل، وتندد بالقسوة والظلم، وتكثر الأنباء والخطب والمقالات عن حقوق الإنسان، حتى ليكاد الإنسان يصدق أن للإنسان في هذه الحياة حقوقا عند تلك الدول.

أما إذا انصبت المظالم على الإخوان المسلمين، وذهب الحاكم إلى ما لا يتصور إنسان في تعذيبهم، صمت الشرق والغرب، صمت القبور، وكأنه لا يعلم عن هذا الإفحاش في التنكيل بالإخوان شيئا! لماذا؟ لأن الشرق والغرب عرف من هم الإخوان المسلمون، ومدى معرفتهم لدينهم، ومدى تمسكهم به، ومدى تضحيتهم من أجله، الأمر الذي يكرهه الشرق والغرب على السواء من أعماق القلوب، ولن تجد أمرا تحالف عليه دعاة الرأسمالية ودعاة الشيوعية، إلا الرغبة الجامحة في القضاء على الإخوان المسلمين، ترى هل تكون مشاعر الضباط عن الإخوان المسلمين، هي نفس مشاعر الشرق والغرب نحو الإخوان المسلمين؟ أم أن المسألة توارد خواطر أو من المصادفات العجيبة الخفية الأسرار في هذه الحياة؟ لست أدري، والله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أعلم وأدرى، وطالما دلت الكلمات على ما وراءها من أغراض.

وفي أهرام 31 يوليو سنة 1978 جاء ما يأتي خاصا بالإتحاد الإشتراكي الذي صنعه عبد الناصر، ثم سماه أنور السادات فيما بعد صنما:

(فمن عاينوا على الطبيعة ذلك الإتحاد الإشتراكي المنحل بكل ما كان يمثله من تنظيم طليعي يتآمر على شرعية السلطة، وتشكيل سري يتجسس لحساب الكرملين، ثم أجهزة مخابرات تتعقب الوطنيين الشرفاء، لتقذف بهم إلى جحيم السجون، وعذاب الاعتقال إلى غير ذلك من خراب الذمم، وضياع القيم، وانهيار الأخلاق، وضياع الضمير).

بهذه الأساليب كان جمال عبد الناصر، يحكم مصر، أجهزة تتجسس على بعضها البعض، وبلغ الوفاء ببعض الأجهزة لموسكو، أنها كانت تتجسس على المصريين لحساب الكرملين، ولأن هذا الخلق الذي يسيطر على حكم عبد الناصر، كانت أول تهمة توجه لخصومهم أنهم عملاء، لأنهم لا يرون في الناس، إلا ما يعرفونه عن أنفسهم، من خيانة لأوطانهم، كان من قدر مصر في ذلك العهد أنها خلت من كل ما يشرف الوطن والمواطنين، أما آن للمادحين عبد الناصر، أن يكذبوا هذا السيل المنهمر من الفضائح، فإن لم يستطيعوا، فليسكتوا رحمة بالناس وبالقيم.

وزير الحربية الهمام ممنوع من الدخول

حتى القضاء كان له دور في وصف سياسة حكم عبد الناصر، فقد جاء في حكم لمحكمة نشر في الأخبار 4 أغسطس سنة 1978 ما يأتي:

(إن الرئيس السادات تسلم تركة مثقلة بالديون والآثام، التي لم تشهد لها مصر مثيلا ... حيث الاحتلال الإسرائيلي البغيض، الذي اقتطع الأرض واستلبها يريد ضمها لنفسه، وحيث يوجد في الداخل استعمار من نوع جديد يكمن في العدد الهائل من الخبراء السوفيت، الذين احتلوا بمطاراتهم الحربية الخاصة وموانيهم البحرية أهم المواقع الخاصة بالبلاد، وفي أسوان ومرسى مطروح والإسكندرية والقاهرة ويفرضون على مستعمراتهم هذه ستارا حديديا، ويمنعون من دخولها حتى وزير الحربية المصري).

أي إنسان؟ وأية هيئة في مصر؟ لم تدمغ حكم عبد الناصر، ثم هل تدري من هو وزير الحربية المصري، الذي ما كان يستطيع أن يدخل موقعا عسكريا يمنعه عن دخوله الشيوعيون؟ إنه شمس بدران الذي كان سوط عذاب عبد الناصر على الإخوان المسلمين، هذا الوزير الذي حكم عليه بعشرات السنين أشغال شاقة من محاكم الجنايات، هو الوزير الذي خرج في وزارة السيد ممدوح سالم بجواز سفر سياسي بعد أن أدانته محاكم الجنايات ... ما السر؟ ولماذا تسهل له حكومة السيد ممدوح سالم الخروج من مصر بعد أن حكم عليه بالأشغال الشاقة؟ ما الذي يحمل رئيس وزارة على اتخاذ مثل هذا الإجراء الغريب مع محكوم عليه؟ في الجو تساؤلات جمة، يعرفها الناس جميعا، ولكن لم يحن الحين للتحدث عنها على الصحف وفي المجتمعات، ولكن كل آت قريب.

ولكي تثق كل الوثوق أن اصطلاح مراكز القوى، هو اصطلاح وجد لكي يخفي وراءه كثيرا مما يراد إخفاؤه عن الشعب، الأغراض لا تخفى على الشعب، وكذلك ولكي تتأكد من هذا تماما، أقدم لك ما كتبه المهندس سيد مرعي رئيس مجلس الشعب في مذكراته التي نشر منها جزء في أهرام الخميس 17 أغسطس سنة 1978:

(قال لي عبد الحكيم عامر: وهل يجرؤ إنسان في مصر أن يعترض على قرار يصدره جمال عبد الناصر).

ها هم وزراؤه وخاصته، كلهم يشهدون أنه لم تكن هناك كلمة ولا رأي ولا قرار مع جمال عبد الناصر، ومعنى هذا بالخط الواضح العريض، أن قرارات عبد الناصر، ولا أحد غيره، هي التي كانت تسلب الأموال، وتقيم الحراسات، وتقتل الأنفس، وتهتك الأعراض، وتنشر الفساد في مصر ويزيد هذا الأمر تأكيدا ما جاء في مذكرات المهندس سيد مراعي، المنشورة في جريدة الأهرام الجمعة 18 أغسطس سنة 1978: (فإذا كان جمال قد بدأ مناقشة موضوع، بإعلان رأيه فيه مسبقا، ففي هذه الحالة، فإن من يعارضون هذا الرأي – إن وجدوا – يختارون ألفاظهم بحذر شديد، ويصوغون معارضتهم بحذر وروية).

هذا هو الصنف الذي كان يختاره عبد الناصر ليعمل تحت إشرافه في الحكم!!! أي نوع من الرجال هذا النوع؟! ما الذي يحملهم على هذا الخضوع الذليل؟! كيف لا تتحرك في واحد منهم نخوة الرجولة، وهو مسئول عن فساد وظلم يراه ويشارك فيه؟ هل كان كل رجال ذلك العهد ظلمة أو عبيدا لظالم؟ فما بالهم اليوم لا يتوارون خزيا، بدلا من التظاهر بالبكاء على الحرية، وخدمة الوطن، الذي كان يحطم فيه كل شيء فيرضون ويؤمنون؟! ألا ليتهم يتوارون حتى ينسى المصريون موقف هذه الأشباح بين يدي طاغية الطغاة جمال عبد الناصر.

وهاهم أعضاء المجالس النيابية في دولة عبد الناصر الديمقراطية يحدثكم عنهم الأستاذ عبد الحميد عبد الغني في أخبار السبت التاسع عشر من أغسطس سنة 1978.

الوحدة مع سوريا بدون موافقة مجلس الشعب

كلنا يذكر أمثلة على القرارات الخطيرة التي اتخذت وأعلنت ولم يعلم بها مجلس الشعب إلا عندما قرأها أعضاؤه في الجرائد صباحا، أو في الإذاعة مساء، وكلنا يذكر أن مصر قررت وأعلنت الوحدة مع سوريا، بكل ما يترتب على هذا من نتائج خطيرة في الميدان السياسي والعسكري والاقتصادي دون أن يعرض هذا القرار على مجلس الشعب، ولو من باب العلم، وكلنا يذكر أن مجلس الشعب وقف بعيدا، يشاهد دخول مصر حرب اليمن فضلا عما تكبدناه فيها من ضحايا كثيرة، وخسائر فادحة، دون أن تصدر كلمة واحدة، تحت قبة المجلس تناقش هذا الوضع الخطر، وكلنا يذكر أن الحكومة لم تطلع مجلس الشعب، ولو في جلسة مغلقة، تقصر على أعضاء لجنة الشئون الخارجية، على أية خطوة من الخطوات التي اتخذتها الحكومة جزافا تحت ضغط الصراعات الشخصية في الداخل، ومندفعة في تيار من المؤامرات المحكمة في الخارج ... حتى وصلت بنا إلى هاوية الحرب سنة 1967، ثم أردتنا ممزقين في هذه الهاوية.

ما أظن أن نوابا هانت عليهم نيابتهم عن شعبهم ولا رجالا فيهم رجولة رضوا لأنفسهم: رضية نواب مجلس شعب عبد الناصر، يا لها من ديمقراطية مثالية، ديمقراطيتك يا سيد جمال، حقا كان حاذقا في الاختيار، هائلا في انتقاء الرجال.

أية أمان في نواب لا يعرفون من أحداث وطنهم الخطيرة إلا ما يقرأونه في الصحف أو يسمعون في الإذاعة؟! وأي استعلاء بل احتقار من الحاكم لكل نواب الشعب، لا عجب ... ما النواب المحترمون الأمناء، هم الذين يأتي بهم الشعب، أما النواب الذين يعينهم الحاكم فلم يكونوا إلا على هذا الغرار، ومن أعجب العجب أن بعض هؤلاء النواب ما يزالون نوابا في مجلس الشعب حتى اليوم، بلا تحرج ولا رعاية الله المطلع على دخائل القلوب.

لذلك لما أنزل عبد الناصر، نواب الشعب هذه المنزلة الرفيعة، استطاع أن يتخذ أخطر القرارات على حاضر الوطن ومستقبله، دون أن يستشيرهم فيها، بل ودون أن يخطرهم بها، وماذا عليهم في هذا، وهم لم يدخلوا مجلس الشعب إلا ليقبضوا المكافأة، وما تدره هذه النيابة، ليتقوا، واهمين شرور هذا الطاغوت، وكل المطلوب منهم ألا يكلفوا أنفسهم عناء الجري وراء مصلحة الوطن، ويكفي أنهم يهتفون ويصفقون ويرقصون كلما طالعتهم السحنة الناصرية البهية الماركسية!! وما أسعدهم بهذا البهاء! قارن بين الشجاعة الهمشرية التي يطالع بها عبد الناصر المصريين العزل المستضعفين، وبين تخاذله وتفريطه الكامل في حقوق الوطن، عندما يخلو بهؤلاء الأعداء، بعيدا عن أعين المصريين.

كتب أمريكي اسمه وليام كوانت كتابا، نقلت منه أخبار اليوم الجزء الآتي:

(وقال الملك حسين أنه استطاع أن يحصل لأمريكا على تنازل ضخم من عبد الناصر، وهو أن مصر مستعدة، كجزء من تسوية شاملة – أن تضمن حرية الملاحة في قناة السويس أمام الدول ... إن هذا بالطبع معناه تعنت إسرائيل، بعدها بأيام قلائل، تأكد الرئيس نيكسون من هذا التنازل المصري، عندما اتصل بمسئول مصري كبير، وهو الدكتور محمود فوزي).

ما أتفه مصر في نظر عبد الناصر!! وما أرخص مصالحها في تقديره!! لا يساوي ذلك بصقة من مصدور، ما دام الأمر سينتهي إلى تثبيت كرسي الحكم في مصر تحته، ويرتع وأهله وذووه فيها كما تمليه عليه أهواؤه الشخصية، ومنافعه المادية.

ليس المصريون هم الذين تحدثوا عن حكم عبد الناصر، ولكن الكتاب الأجانب كذلك، فقد صدر في باريس كتاب جديد كشف فيه المؤلفان – جاك دوري وهيس كارمل – جانبا مثيرا وخفيا من أسرار حرب سنة 1967، وقد تضمن هذا الكتاب أخطر المستندات والوثائق التي لا بد أن تحدث دويا.

أمين السر لعبد الناصر عميل شرعي

ونشرت أخبار اليوم السبت 23 سبتمبر سنة 1978 جانبا من هذا الكتاب جاء فيه:

(أكد الكتاب الدور الخطير الذي قام به سامي شرف، رئيس مكتب عبد الناصر لشئون المعلومات، والعميل السوفيتي رقم واحد لعدة سنوات في القاهرة لتنفيذ المخطط الإجرامي لتدمير القوات المسلحة المصرية ... وأضاف بريجينيف قائلا في ثقة: إن لدى السوفيت رجلا يمكن إقناعه والتراهن مع تصرفاته، هذا الرجل هو جمال عبد الناصر ... ووضعت الخطة على أساس الاعتماد على تصديق عبد الناصر، لكل ما يقال له عن مخططات أو مؤامرات أو تهديدات ... وما توقعه بريجينيف حدث بالفعل، وصدق عبد الناصر كل كلمة جاءت في هذه الوثيقة، واعتمد السوفيت في هذا على عميلهم سامي شرف الذي بذل جهدا سهلا لإقناع عبد الناصر، كما قدم سامي شرف واسمه الحركي لدى السوفيت ولدى المخابرات السوفيتية (الأسد) ... قدم لعبد الناصر وثيقة ثانية مزورة ... والأغرب من هذا وذاك أن عبد الناصر نفسه صدق جميع هؤلاء).

إن عبد الناصر سريع التصديق، إذا قيل له إن هناك مخططا أو مؤامرة أو تهديدا، وما ذلك إلا لأنه، هو نفسه، يعيش إلى قمة رأسه في ذلك الجو، جو المخططات والمؤامرات والتهديد، ولن تنجح الكلمة عند السامع تماما، إلا إذا صادفت هوى في الفؤاد، ولذلك استطاع الشيوعيون وغيرهم أن يستدرجوه إلى كل شر حل بهذا البلد عن هذا الطريق.

قد يكون هذا الكلام صحيحا أو غير صحيح، ولكن واحدا من الذين يريبهم هذا الكلام لم يحاولوا أن يكذبوه، والناس معذورون إذا ما ألقي اتهام خطير على إنسان، فسكت ولم يكذبه، هذا إلى أن الوثائق الخطيرة، والمستندات الواصفة لم تصل إلى مصر صاحبة الشأن فيها إلى اليوم، وهل يكون عبد الناصر، أو ورثته الذين يرتعون في ملايينه إلى الآن، بعيدين عن الاتهام، والكتاب يقرر أن رئيس مكتب عبد الناصر، سامي شرف، عميل شيوعي؟!! أي هو الذي كان يجثم على صدر مصر يكاد يخمد أنفاسها، في حكم عبد الناصر.

أليس من الفجيعة الدامية أن أمين سر عبد الناصر، عميل شيوعي له اسم حركي في مخابراتهم؟!

وهذا رجل يريد أن يدافع عن عبد الناصر، ولكن الحقيقة التي ما يزال الناس الذين عاشوها يعرفونها، ألزمته الإقرار بالمصائب الناصرية، فكان لدماغه عن عبد الناصر، أعنف اتهام له، من الذين اتهموه مباشرة دون لف ولا دوران.

كتب الدكتور رفعت لقوشة، مدرس الاقتصاد المساعد بزراعة الإسكندرية في الأخبار – الأحد 1 أكتوبر سنة 1978 ما يأتي:

(ومن منظور الرؤية الاستكشافية، فقد جاءت قصة حياة عبد الناصر كواقعية مبرهنة على النضالية، أن يجسد أمام جيل، جمال، الابن البكر لرجل البريد البسيط، عبد الناصر حسين ، هو نفسه الزعيم جمال عبد الناصر الذي استطاع على طول سيرته النضالية أن يجسد أمام جيل بأسره مفهوم البطل ... ولكن قصة حياته ستظل دوما منبعا لإلهامات جيل، بحثا عن رموز البطولة ومنافذ الأمل ولكنه أثمر أيضا استهلالا تاريخيا لبدايات مصر سيادة البورجوازية الصغيرة وهي البورجوازية التي ينتمي إليها، طبقيا، جمال عبد الناصر والجمهرة الغالبة من الضباط الأحرار.

وفي مقدمات خصوصيات تلك الطبقة، دقة الوعي فيما ترفضه كواقع، وتشوش الوعي فيما تقترح كبديل، إنها طبقة تعرف جيدا ما لا تريد، ولكنها لا تعرف على نحو يقيني مماثل ما تريد، كان عبد الناصر محددا للغاية في مواقفه الضدية ... ضد الإقطاع ... ضد رأس المال، إلخ، ولكنه أقل وضوحا في مطروحاته البديلة.

وللشهادة التاريخية، فلقد سقط الجهاز السياسي للبورجوازية الصغيرة في أوحال أخطاء لا تغتفر والتفت الصفوف الأولى من تلك البورجوازية حول نفسها، لتضحى مجرد نواة طبقة جديدة، خانت كل أحلام الجماهير، واستخفت بأخلاقيات الطهارة الثورية وكرست أسوأ عهود القهر الفكري، وانتهى بها الأمر إلى أن تعرض من خلال الاستشراء السرطاني لخلايا تنظيمها الطليعي، حصارا محكما حول جمال عبد الناصر نفسه حتى بات الرجل وكأنه أمير قلعة زجاجية يرى عبر جدرانها الجماهير ولا يسمعها ... مراكز القوى القرار، كشأن الثلاثي سامي شرف، شعراوي جمعة، علي صبري، ... ومن ثم فقد كان واحدا من أهم المحددات السلوكية لعبد الناصر، ذلك الذي يمكن توصيفه اصطلاحا بمفهوم الذات المهددة، ألم يكن ملاحظا أن كثيرا من أفعال عبد الناصر إنما تصدر تحت وطأة إحساس بخطر ما يتهدده هو شخصيا، أو يهدد الثورة أو يهدد الوطن ... ولقد أشاع عبد الناصر في تجمعات الجماهير العربية عدوى القلق).

سأتركك وهذا الكلام، لتستنتج منه، هل الكاتب أراد أن يرفع عبد الناصر أم أراد أن يحط من قدره؟ هل أراد أن يدافع عنه أم أراد أن يهاجمه؟؟ كل الذي يعنيني، أيا كانت نيته، أنه قدم صورة غاية في القبح عن سياسة عبد الناصر في الحكم، وعن شخصيته أي شخصية عبد الناصر نفسه.

الذكرى التي لا تنسى

وعلى كل ما فقد جاء بالرد على كلام الدكتور رفعت لقوشة، في كلمة كتبها المهندس عبد السلام المشهدي، ونشرتها الأخبار يوم 11 أكتوبر سنة 1978 جاء فيها:

(قولوا لصاحب مقال، أبدا ... ذكراه لا تنسى، الذي نشر بصحيفة الأخبار أول أكتوبر سنة 1978 ... صحيح لن ننسى من لطخ وجوهنا في الوحل ثماني سنوات، ولم نرفعها إلا على يد السادات، من دمر في عهده السلاح الجوي مرتين في 56 ، 67، وننادي انتصرنا ... انتصرنا.

لن ننسى من ترك أسلحة جديدة ببليون جنيه في سيناء عمل لها أفلام في تليفزيونات العالم، لن ننسى ضحايانا في حرب اليمن، لا لشيء سوى تغيير نظام الحكم هناك، لن ننسى من كتم الصحافة ثمانية عشر عاما ونشر الرعب في كل مكان، قولوا لصاحب المقال، إنك أستاذ صحيح، ولكن في الكتاب الأخضر، والنظرية السادسة، التي تدرس في إذاعة الجماهيرية الليبية في الساعة الواحدة.

وكفى الله المؤمنين القتال، إن الحقائق لن تطمس، مهما طال الزمن، ولن تزول، ولو جندت لإزالتها كل أقلام الكتاب الدكاترة الجهابذة الأعلام.

ومما يعتبر ردا على مقال الدكتور رفعت لقوشة ما كتبه الدكتور عبد اللطيف عبد الكريم في أخبار الأحد 29 أكتوبر سنة 1978 جاء فيه:

(ولكي أكون منصفا أقول إن أشد الرفض، كان مصريا، بل وأكاد أجزم أن نظام الحكم في مصر في تلك الفترة، قام على الرفض الذي أرسته مراكز القوى والشللية، التي أرادت أن تخلق قضايا طويلة النفس، ترزق منها، وتعيش عليها، وترتدي باسمها مسموح الشجاعة والنضالية لتجذب حماس الناس نحوها، جاء الرفض الجزئي إلى الرفض الكلي ... رفض كل شيء، حتى التراث والقيم الروحية. رفضوها باسم التطور والعلمانية، فحملتنا على أكتافنا حجارة ثقيلة صماء تحت شعار الإشتراكية، واستغلوا أسلوب التأميم ليجعلوه مرتعا للسلب والنهب، وكان كل اشتراكي مزعوم من أولئك الزائفين يحمل في داخله حوتا رأسماليا كبيرا ... وازداد نعيق الرافضين، رفضوا النيابية الديمقراطية، لأنها تقليدية بورجوازية، ووضعوا تفسيرا للديمقراطية، يعني ذوبان الكل في فرد، وانصهار كل القدرات فيه، ليصبح هو الأول والآخر والملهم العبقري والعالم والفيلسوف).

ويا ليتهم اكتفوا بهذا الأوصاف يهيلونها على رأس عبد الناصر، ولكن أحد المحافظين واسمه سعد زايد محافظ أسيوط، خطب أمام عبد الناصر ووصفه بأنه أتى بما لم يأتي به عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وكافأه عبد الناصر على الكفر بأن عينه وزيرا بعد الخطبة بأسابيع.

إن عبث عبد الناصر بمصائر الشعب المسلم، لا يقف عند حد، وفي كل واد تجد أثرا لثعلبة، لم يترك ناحية من النواحي التي يحرص الناس على تدعيمها، إلا ودمرها تدميرا، في أسلوب بشع حقير.

كتب الأستاذ موسى صبري في أخبار الجمعة 3 نوفمبر سنة 1978: (كان بيننا ميثاق لقيادة عسكرية موحدة، ثم جاءت بوادر حرب سنة 1967، وبدأ وضع الخطط العسكرية الموحدة لمواجهة إسرائيل فماذا حدث؟ لقد أخفت سوريا خطتها العسكرية الحقيقية عن مصر وأخفت مصر خطتها الحقيقية عن سوريا! والتقت القيادة العسكرية الموحدة، على خطة عسكرية موحدة كانت هي الخطة التي لم تطبقها مصر، ولم تطبقها سوريا ... ومن أجل هذا خسرنا المعركتين في مصر وسوريا ... سنة 1967، وماذا كان سبب هذه الألاعيب؟ كان السبب هو افتقاد الثقة الكاملة، البعث السوري، يريد إسقاط حكم عبد الناصر والزعيم المصري يريد بدوره إسقاط الحكم البعثي السوري والطرفان يتناوران بالمواثيق الشكلية التي يعلمان وهما يوقعانها أنها لن تنفذ).

أرأيت كيف كان عبد الناصر يخادع الشعب المصري والشعب السوري على السواء؟ أرأيت حاكما ينظم خطة حربية مع دولة أخرى شقيقة وهو لا ينوي أن ينفذ خطوة واحدة من هذه الخطة التي وضع اسمه عليها، تطمينا للطرف الآخر على التنفيذ، ولقد سخر الله له، من يبادله نفس الضمير السيئ، والجزاء من جنس العمل، هذه هي سياسة عبد الناصر لا في حكم شعبه، ولكن حتى في معاهداته مع الآخرين، كذب .. خداع ... نفاق ... خيانة .. عدم احترام لأي ميثاق ... عدم وفاء وعد ... عدم صدق في أية كلمة، بهذا الأسلوب الرائع!! كان عبد الناصر العملاق يحكم مصر، أنى أضعك أمام حقائق، فاختر لنفسك ما يحلو منها، أو دعه وصدق المادحين لعبد الناصر.

وانظر ما جرته سياسة عبد الناصر على مصر، كتب الأستاذ موسى صبري في أخبار الخميس 30 نوفمبر سنة 1978 (التكاسل، تأجيل مصالح الجماهير، التفنن في الأجازات، الشطارة في اختلاق الأعذار لكي لا نعمل، محاولة الكسب بلا عمل، كل هذه أمراض اجتماعية هي نتاج عشرين عاما من التحدث عن الحقوق والواجبات، هي نتاج دعاوى التهريج الاشتراكي التي كانت تهدف إلى الفوضى).

هذه هي الحالة الاجتماعية في مصر طوال حكم عبد الناصر، ترى لو كان حاكم مصر في ذلك العهد حازما، حرصا على مصلحة وطنه، يضرب على أيدي العابثين بصدق وجدية ومراعاة لجانب الله، هل كان المستوى الاجتماعي يصل إلى ذلك الحضيض؟ وأنى لسياسة عبد الناصر، أن تتفرغ لمصلحة مصر، وهو لم يكن يعنيه إلا البقاء حاكما مستبدا فردا لمصر، مهما كان ثمن البقاء في الحكم؟ ما كان لمجتمعنا المصري المسلم أن ينحدر إلى الهاوية التي يشكو منها كل الناس، لو أن ذلك الحكم، صرف هم سياسته إلى المصلحة العامة، المفترضة في عناية كل حاكم بشعبة ووطنه، ثم هل كان مطبا صعبا لا يمكن تحقيقه؟ أبدا، إن تحقيق المصالح الوطنية يتطلب سياسة حكيمة حاسمة مخلصة، من حاكم وبطانة تعينه على ذلك الخير، ولكن كم هذا كان معدوما أو مكبوتا في ذلك العهد.

صورة متنوعة من الجرائم الاقتصادية

ولعل السبب في كل هذا الفساد أو السبب في الكثير منه، ما أشار إليه النائب العمومي وهو يقدم إحدى القضايا إلى محكمة الجنايات وقد نشر قوله هذا في أخبار الجمعة 1 ديسمبر سنة 1978.

(كان للتطور السريع الجذري الذي لحق المجتمع المصري نتيجة التطبيق الاشتراكي، وسيطرة القطاع العام على كثير من وسائل الإنتاج، أثره في ظهور صورة جديدة متنوعة من الجرائم الاقتصادية ذات الأثر الخطير على اقتصاديات البلاد، ولم يكن ذلك إلا انعكاسا للتسيب وسوء الإدارة، اللذين أصابا الكثير من أجهزة الدولة الإنتاجية، ما يعود أخيرا بالعدم على المواطن المصري، ولما كان قانون الإجراءات الجنائية قد عدل بقانون، استندت فيها إلى مبدأ: أن القانون في أجازة، ولهذا لم يكن لتلك الإجراءات ضوابط تحكمها، إنما هو الهوى، تعز به السلطة من تشاء، وتذل به من تشاء، لا بد أن تقوم من التحقيقات الدلائل الكافية على جدية الاتهام، وقد وضعت المادة 208 مكرر نظام التظلم من هذا القرار، ورغم وجود هذا النص، نص المادة 208 مكرر، منذ حوالي إحدى عشر سنة، إلا أنه لم يوضع موضع التنفيذ، رغم وقوع كثير من حوادث الاعتداء على المال العام بصورة تنطوي على الاستهتار البلغ الجسيم باقتصاديات البلاد).

حتى مواد القانون التي وضعت أصلا للمحافظة على المال عطل عملها بإرادة عبد الناصر وحده، دون قانون يستر هذا التحدي، لتشريع البلاد وما دام القانون قد استبيحت سيادته، وانعدم مفعوله فما على كل لص ومختلس وعربيد إلا أن يفعل ما يشاء في المواطنين وهو في حمى حامي القانون، ما دام متمتعا بقرابة أو حظوة أو محسوبية، وما على المواطنين إلا أن يقضوا لأنفسهم، ولكنهم لم يفعلوا فكان جزاؤهم على الرضا بالظلم خائفين، أنهم يعيشون حتى اليوم، وحتى بعد ذلك الحكم الفظيع في معاناة وأزمات.

ثم زيادة في التوضيح والموضوعية، أقدم لك حديثا أفضى به النائب العمومي، السيد أنور أبو سحلي لأحد الصحفيين ونشر في الأخبار 11 ديسمبر سنة 1978:

(إن تعدد الجرائم الاعتداء على المال العام، سواء بالسلب أو الاختلاس، لم يحدث في السنوات الأخيرة فقط، ولكنه بدأ منذ صدور قرارات التأميم والتحول الاشتراكي في مصر عام 1961 لأن التحول بدأ بطريقة غير منتظمة ... وزاد من تفاقم المشكلة، أن الدولة سارت على قاعدة إسناد وإدارة المال العام إلى أهل الثقة، دون أهل الخبرة ... صحيح أن جرائم الاعتداء على المال العام، لم تظهر في حينها بل ظهرت في السنوات الأخيرة فقط، هذا يرجع إلى أنه قبل 15 مايو سنة 1971 كانت جرائم الاختلاس التي تقع على المال كانت تختفي ولا يكشف عنها الستار بهدفين أساسين الهدف الأول مجاملة المختلس لأنه من أهل الثقة، والهدف الثاني عدم إعطاء الفرصة للقول بأن نظام التأميم قد فشل أو أن القطاع العام قد فشل).

وهذا هو المتحدث بلسان الهيئة الاجتماعية عند القضاء يجعل السبب فيما نعانيه من اختلاس ورشوة وفساد وفشل، يجعل السبب في ذلك كله راجعا إلى أسلوب سياسة عبد الناصر في الحكم، ولو أنه وجد حسنة واحدة في سياسة حكم ذلك العهد لذكرها، لأنه كرجل من رجال القضاء، لا بد أن يكون منصفا، ولا يقيم التهمة على أحد، إلا إذا استوفت عنده الأدلة بتمامها.

وإذا قلت إن الفساد تسرب إلى كل شيء في هذا البلد فليس ذلك تجنيا على سياسة عبد الناصر في الحكم ولكن الشعب كله، كان يؤمن بذلك، هذا هو أحد أفراد هذا الشعب يشهد بذلك كله، كتابة، فقد كتب الأستاذ ممدوح قناوي المحامي في الأخبار يوم 12 ديسمبر سنة 1978:

(وذلك بعد أن تضافرت كافة العوامل ذات التأثيرات السلبية، على النفسية العامة للشعب، خلال الحقبة الماضية لإحباط هذه القيمة الشريفة، وتفريغها من محتواها وزعزعة ما يتصل بها من قيم في نفوس الأفراد والجماعات، نتاجا طبيعيا لمراحل القهر المعنوي، والوصاية الفكرية وتجاهل مشاركة الإدارة الشعبية في الحكم مما هيأ لانتشار ظواهر اللامبالاة والتسيب، وما زاد عليها من الفساد والغنى الطارئ السريع، التي قلبت المثل الأعلى وضمير الشعب، وأهدرت في نهاية الأمر، فيه الإيمان بالواجب وبالعمل الجاد الشريف، سبيلا لتحقيق الذات، أو لتوفير مطالب الحياة الملحة).

كيف يجرؤ بعض الناس على ذكر ذلك العهد بخير؟ وكيف تواتيهم الشجاعة الأدبية على الدفاع عن كل هذه الموبقات؟ إنهم لا يجدون شيئا يسترون به ذلك السوء، إلا الإعادة والتكرار في مساوئ ما قبل انقلاب سنة 1952، وكل الناس يعلمون أن عهد الملك فاروق ووزارته وأحزابه، كانت شيئا ينكره كل من يحب الخير لهذا البلد، هذا شيء مفروغ منه، ولذلك ارتاح الناس لهذا الانقلاب، لكن الحقيقة التي لا امتراء فيها، هي أن عهد عبد الناصر لم يسبقه ولن يلحق به في الضرر والضرار، والشر والأشرار، أي عهد من العهود.

لم يكتف عبد الناصر بالمغالطات التي كان ينشرها على الشعب، من جعل الهزيمة انتصارا، والخسائر مكسبا والإفلاس ربحا، والظلم عدلا، والعبودية حرية، والإذلال كرامة، ولكنه أمعن في هذا التزييف حتى في الدفاع عن أصدقائه الشيوعيين، فراح ينسب إليهم كذبا وافتراء ما لم يفعلوه، نشرت الأخبار الأربعاء 27 ديسمبر سنة 1978 تحت عنوان كلمة اليوم:

قصة الإنذار الروسي

(بمناسبة الإنذار الروسي في سنة 1956العدوان الثلاثي، ذلك تاريخ عشناه لحظة لحظة، وكل وقائع ذلك العدوان وأسراره معروفة ولها شهودها وشواهدها، وسجلاتها ووقائعها، ولكن القيادة السياسية عندنا في ذلك الوقت، أخذت تروج تلك الأكذوبة السوفيتية، وتضع الأمجاد لأولئك السوفيت من باب العناد والمكابرة والإغاظة للجانب الآخر، وفي يوم لا بد أن يذكره راديو موسكو أو الذين يحركون راديو موسكو، يذكرون تماما عندما بدأ أولئك السوفيت مؤامرة الانقلاب الشيوعي مع عبد الكريم قاسم في العراق يوم ذلك وقف جمال عبد الناصر في شرفة قصر الرياسة بدمشق، وأعلن بصوت سمعه العالم كله، حقيقة موقف السوفيت مع مصر تجاه العدوان الثلاثي، وكشف أسطورة الإنذار السوفيتي).

هذه صورة واحدة، كفيلة بأن تكشف لنا عبد الناصر على حقيقته، إن كانت مصلحته الشخصية، تقضي أن الإنذار الروسي هو السبب في انسحاب قوات العدوان الثلاثي عن مصر، أعلن ذلك في صفاقة عجيبة يتحدى بها العالم كله الذي يعرف حقيقة الأمور، ثم إذا اقتضت مصلحته الشخصية، ومصلحته الشخصية وحدها، أن يكذب نفسه بنفسه، أقدم على ذلك بلا تحرج ولا تأثم، وأعلن بنفس الصفاقة الأولى، أن الإنذار الروسي لم يكن له دخل في الانسحاب، وإنا الفضل يرجع إلى الإنذار الذي أرسله الجنرال إيزنهاور رئيس جمهورية الولايات المتحدة).

بكل بساطة يقدم جمال عبد الناصر على هذا التلون معتمدا على دول العالم، لا يهمها أن يصدق أو أن يكذب، ومن الناحية الأخرى أن أحدا في مصر لن يجرؤ على أن يذكره بالتناقض بين الموقفين، على هذا الأسلوب مضت سياسة عبد الناصر طوال حكمه، أضيف غلى ما تقدم، شهادة رجل، كان وزيرا في وزارة من وزارات عبد الناصر، ذلك هو المهندس سيد مرعي، فقد نشرت الأخبار الثلاثاء 9 يناير سنة 1979 جانبا من مذكراته جاء فيه:

(عندما انتدب المرحوم كمال رفعت لإدارة مؤسسة أخبار اليوم بدلا من مصطفى أمين وعلى أمين، وفي أحد المرات سألت علي صبري، قلت له: كيف يستطيع كمال رفعت أن يدير مؤسسة صحفية كبرى، والصحافة بطبيعتها تحتاج إلى أعلى درجات التخصص، وضحك علي صبري كثيرا وهو يقول: أبدا دي المسألة طلعت كلها تهويش، الكلام بتاع مصطفى أمين وعلي أمين ده إن الصحافة علم وتخصص وخبرة، طلع كله تهويش في تهويش، ده كمال رفعت ناجح في أخبار اليوم بشكل لا يتصوره إنسان ... التحرير بقى أحسن، التوزيع بقى أكثر والمكسب أكبر، والعملية كلها مش عاوزة غير شوية فهلوة وحداقة.

ويختم المهندس سيد مرعي حديثه بقوله: تلك إذا كانت النظرية السائدة وقتها .. كل شخص يفهم في كل شيء، وعلى الأصح بعض الأشخاص يفهمون كل شيء، ما دام لديهم رصيد كاف من الفهلوة).

إن أحد الذين تولوا الوزارة في عهد عبد الناصر يقرر في مذكراته التي ستتداولها الأجيال، يشهد أن سياسة حكم عبد الناصر، كانت تقوم على الفهلوة والحداقة والهمبكة والذي منه، أما العلم، أما التخصص، أما الكفاءة والخبرة والرجل المناسب في المكان المناسب، في الجهة المناسبة في الوقت المناسب، فكلها أمور لا وزن لها ولا قيمة، في تولي أجهزة الدولة، هذا هو عهد عبد الناصر وأكرم به من عهد؟! فإذا أرخ الناس لهذا العهد، ليكون عبرة وعظة للناس، وليعرف المصريون في مستقبل الأيام من هو عبد الناصر العظيم!! وما هو حكم الحكيم، رمى المؤرخون بالحقد والكراهية، وسوء الخلق، وكأنما القرآن العظيم عندما حدثنا عن الفراعين والطواغيت في العصور الخوالي، كان يحقد على الناس، ولم يكن فيما قصه علينا عبرة لأولي الألباب.

"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون". يوسف 111

أتريد أن أضيف لك صورة من صور التلون والتقلب والاضطراب في سياسة حكم عبد الناصر؟ اقرأ ما قاله الفريق مدكور أبو العز بمجلس الشعب ونشرته الأخبار الثلاثاء 10 أبريل سنة 1979:

(في لقاء بعد نكسة 67 مباشرة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وكان حاضرا الفريق أول محمد فوزي وصلاح نصر والمرحوم عبد المنعم رياض، قال عبد الناصر: إن الروس قد خلو بنا ... وكما هو واضح لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا، إن الوقت في يد الأمريكان وعلينا أن نغير استراتيجيتنا، ونتجه إلى أمريكا، فهي القادرة على حل المشكلة، كان ذلك قرارا.

ولكنني لا أدري ماذا حدث، حينما حضر وفد سوفيتي برئاسة الماريشال زخاروف، حيث عاد عبد الناصر إلى سياسته واستمر في الاعتماد على الاتحاد السوفيتي).

إذا كان الفريق مدكور أبو العز لا يدري ما حدث، فكل ذي فهم يدرك تماما، أن عبد الناصر يصدر قرارات مرتجلة غير مدروسة، وأن من حوله لا يستطيعون أو لا يريدون مراجعته، ليستمر في أخطائه واعتماده عليهم، أو أن عبد الناصر، وهو يعلم عداوة الشيوعيين للدعاة الإسلاميين، يرى أنهم خير من يعينه على مخططه في القضاء على كل داعية إسلامي، وهو مجهود لن يفلح فيه أحد، قد باءت فيه كل المحاولات بالفشل، وخاصة أن الله هو القائل: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وليس المصريون وحدهم الذين شهدوا بتخبط سياسة حكم عبد الناصر، ولكن كثيرا من ساسة المسلمين شهدوا بهذا أيضا.

لماذا قصة الإنذار الروسي

وهذا هو الأستاذ محمود الدرة السياسي العراقي يكتب في أخبار اليوم الأحد 17 أكتوبر سنة 1977:

(ذلك أن عبد الناصر تحت وطأة هزيمة سنة 1967، ومن أجل الحصول على السلاح من الاتحاد السوفيتي، ليدافع عن وطنه الذي أذله اليهود ... أعطى السوفيت، موقعا ثابتا على الأرض العربية، وأدخل نفوذهم في الوطن العربي بما لم يكن يحلم قيصر روسيا بمثله).

إن عبد الناصر لا يهمه أن يذل اليهود مصر أو لا يذلوها، ولكنه يرى في الدعوة الإسلامية أكبر خطر على كرسي الحكم، ذلك لأن الإسلام ينكر الظلم ويحرمه، وعبد الناصر لن يثبت حكمه إلا على الظلم والقهر والإعنات.

فهو رغم ما فعله به الشيوعيون، ما يزال يرى فيهم السند القوي في محاربة الإسلام ودعاته.

وفي أخبار الثلاثاء 18 فبراير 1978 يقدم لنا الأستاذ مصطفى أمين صورة واقعية من صور حكم عبد الناصر، (وسوف يحتج غير المسئولين الذين كانوا في عهد مراكز القوى لهم دول داخل الدولة، وكانوا برامكة بغير رشيد، وفصحاء في أمة مكتوفة الأنفاس.

وكثرة الاختلاسات التي نراها اليوم في المؤسسات، وكثرة الحرائق التي تحدث نتيجة الإهمال أو رغبة في الهروب من الجرد، هي نتيجة طبيعية، لسنوات طوال، كان اللص فيها مواطنا شريفا لأنه يهتف للحاكم، والشريف مجرما مارقا، لأنه ينتقد الحاكم، هذه نتيجة طبيعية لظهور طبقة الآلهة، الذين لا يجرؤ قلم على انتقادهم.

ولا يستطيع أصبع أن تشير إليهم، وإلا قطعت اليد كلها، هي نتيجة طبيعية لتوهم الكثيرين منا، أن المقربين إلى الحكام هم حماية لا يجوز اتهامهم، ولا يمكن التحقيق معهم: والويل للقاضي الذي يحكم عليهم.

هي نتيجة طبيعية لأننا جعلنا الجهلاء رؤساء العلماء أو بعض اللصوص حراسا، وبعض العميان قادة للمبصرين وبعض المجانين عقلا للشعب.

(هي نتيجة طبيعية لوضع كل السلطات في يد واحدة).

وأقطع ... أنه تصوير صادق لحكم تولي شئون مصر فترة دامت حوالي ثمانية عشر عاما، ويا لها من فترة رهيبة عاتية، جرت على مصر ما جرت، ثم أورثت مصائب لا تزال تلاحقنا ونتجرع صابها.

ويستبشع المواطنون تعسفات الظلم التي كان يسامها الشعب الوادع، فيسأل مواطن، اسمه صبحي الغزاوي من شبين الكوم، يسأل أخبار اليوم – السبت 25 فبراير سنة 1978:

(هل صحيح أن أحد كبار الموظفين في رياسة الجمهورية كتب للرئيس عبد الناصر تقريرا، في أثناء حوادث كمشيش، جاء فيه بالحروف الواحد أن الشعب يطالب بشنق جميع المتهمين، من عائلة الفقي في مقتل صلاح حسين زوج شاهندة مقلد، علنا في الشوارع بغير محاكمة.

فردت الجريدة: نعم صحيح).

بهذا الأسلوب في معاملة الشعب المسكين، كانت بطانة عبد الناصر، تصرف الأمور، وهو لا يعصي لهذه البطانة أمرا.

حتى الطلبة الأبرياء لم ينجوا من عبث الحاكم بمستقبلهم، كان يلهيهم بالأجازات الكثيرة، التي يحبها الطلبة كثيرا ويكتب لنا في هذا الأستاذ أحمد زكي عبد القادر في أخبار الجمعة 3 مارس سنة 1978.

(ثم تعود المدارس يومي الإثنين والثلاثاء، لكي تعود إلى الأجازة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من الشهر نفسه، ولأي مناسبة؟ مناسبة عيد الوحدة بين مصر وسوريا!! أين هذه الوحدة؟ تماما مثل ما يحدث يوم أول سبتمبر من كل عام، تحية لماذا؟ لا أحد يعرف!)

هذا هو الإسفاف بكل صغاره وحقارته، لا يتورع الحاكم عن صرف الطلبة عن العلم بالإجازات ليذكروا له صنيعه هذا، وهم لا يشعرون بما فيه من العبث والضياع لهم ولوطنهم، وكان هو كل ما يرجوه عبد الناصر، ليبقى له الحكم، ولكن لا الحكم بقي له، ولا مصر سلمت من شروره.

وهل نجحت المستشفيات، من السوء الذي استشرى في كل مؤسسات الدولة، طوال حكم عبد الناصر البديع؟

في أخبار الإثنين 6 مارس سنة 1978 يكتب الأستاذ جلال الحمامصي:

(ذهبت يوم الجمعة الماضي، لعيادة مريض في مستشفى مصر القديمة، سبق لي زيارته من سنين طويلة مضت، وكان إذ ذاك، ومنذ افتتاحه، يعد نموذجا للمستشفيات الحديثة، وكان أعضاء مجلس إدارته المشكل من سيدات متطوعات يباشرن عملهن في الإشراف على المستشفيات ليل نهار، وفي حرص كامل على أن تكون الرعاية الطبية والخدمات المقدمة للمرضى، نموذجا يحتذى به وامتدت يد الإشتراكية المصرية – وليس العيب في الأولى ولكنه في الثانية – إلى المستشفى، فإذا بقدرة قادر، يتحول إلى أي شيء إلا أن يكون مستشفى صالحا لاستقبال المرضى وعلاجهم أو رعايتهم بعد عمليات جراحية دقيقة أو غير دقيقة). ترى أي شيء لم تمتد إليه يد الفساد والإفساد منذ أن تولى أمره عبد الناصر بشيوعيته الشوهاء؟

ولا ينتهي الكتاب من استقصاء الآثام التي تمتد في ذلك العهد، لأنها أكثر من أن تستقصى ولا يمكن حصرها لأن شرها وأذاها امتد إلى كل مدينة ... إلى كل قرية .. إلى كل شارع .. إلى كل حارة أو زقاق .. إلى كل بيت .. إلى كل نفس منفوسة على أرض مصر.

وفي أخبار اليوم السبت 11 يناير سنة 1978 يكتب الأستاذ مصطفى أمين:

(قررت اللجنة العليا للثورة الإدارية، ألا يعين في الوظائف العليا، إلا الذين اجتاز دورة تدريبية في الإدارة.

وهذا القرار هام، ولكن أهم، منه أن ندرس لشاغلي الوظائف العليا، التغير الذي حدث في مصر، وهو بدء حكم الشورى، ونهاية حكم الفرد، هو احترام الرأي الآخر، هو تحمل النقد، هو حق الشعب في أن يعرف كل شيء، هو أنه يجب تبرير كل قرار أمام الشعب.

انتهى عهد القرارات الإلهية التي لا تنتقد ولا تناقش، انتهى زمن البطش بالمرءوس لأنه رفع صوته في ... الوزير، بينما كان الأدب يقتضيه أن يهمس ويتوسل، لا أن يعترض ويناقش، انتهى زمن القضاء على مشروع ضخم يتكلف مئات الملايين، لأن صاحبه لم يهنئ الوزير بتوليه الوزارة، انتهى عهد الانتقام من الموظفين والتنكيل بهم، وتشريدهم وقطع عيشهم لأنهم وقفوا موقفا لا يتفق مع رأي الوزير، أو لأن واحدا منهم جرؤ وانتقد مشروعا من مشروعاته الجهنمية).

لقد ظل الموظفون عشرات السنين، بعيدين كل البعد عن الصراعات السياسية، هم هم في كل عهود الأحزاب المختلفة وكان في ذلك الطمأنينة الكاملة بينهم، فانصرفوا إلى عملهم في ظل ذلك الاطمئنان، ولكن كيف تترك سياسة حكم عبد الناصر أي إنسان في مصر آمنا مطمئنا، إن هذا الاطمئنان لا يتمشى مع وجوب الشعوب بهيبة الحاكم، وارتعاش المفاصل أمامه، فلزاما إذن أن يشعر أي موظف بأنه خادم عند رئيسه، الخادم عند المحاسيب، الخدم عند جمال عبد الناصر، سيد السادات، ومفرق الجماعات، وباعث الظلم والظلمات، ومكدس الويلات والنكبات.

الثورة العملاقة في الإنجازات والأخطاء!!

وهذا هو السيد محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية يسجل على عبد الناصر وحكمه كل ما قرأته فيما مر بك من صفحات فقد نشرت أهرام الأحد 1 مارس سنة 1978 جزء من كتاب البحث عن الذات جاء فيه:

(وكما كانت ثورة 23 يوليو عملاقة في إنجازاتها في الخمسينات، فإنها كانت عملاقة في أخطائها في الستينات، كانت لدى عبد الناصر عادة الاستماع إلى الوشايات وعندما تمس شخصه أو ابنته أو ابنه، يصبح من السهل التأثير عليه، وكان صلاح سالم قد أشاع في تلك الأيام أن سبب إصابته بالقلب كان عبد الناصر.

وسافر عبد الحكيم إلى دمشق ليصلح الأمور هناك، رغم أن عبد الناصر، كان قد ترك عبد الحميد السراج هناك ما هو، وكان هذا خطأ فاحشا، لأن السراج كان يعتبر نفسه أحق من عبد الحكيم بحكم سوريا).

ويكفي أن تقرأ عبارة: الأخطاء العملاقة – لتعرف ما جرى لمصر والمصريين على يد عبد الناصر، وكيف كان المتعاونون مع عبد الناصر في الحكم، من الضباط الأحرار، كيف كانوا يشيعون الإشاعات المغرضة عن بعضهم البعض، ولولا أني حرصت على ألا أذكر أي واقعة علمتها بنفسي، لذكرت الكثير في هذا المجال، ولكني لا أريد أن يكون لما أعلم دخل في هذا الكتاب.

يروي لنا الأستاذ ثروت أباظة جانبا صغيرا، ولكنه خطير المؤدى، عن حرب سنة 1967 في الأهرام 25 مارس سنة 1978:

(ولم يدر في أذهاننا أننا هزمنا يومذاك، 5 يونيو سنة 1967 لأن القيادة عندنا كانت منفصلة عن الشعب، ففقد الشعب إيمانه بالموقعة والجيش ابن الشعب، أحس الشعب أنه في حرب طاحنة، يخوضها دفاعا عن شخص، لا عن أمة، ويساند بها مطامع فرد، لا يرد بها عدوانا عن وطنية مصرية، أو قومية عربية).

إنك لو تمهلت في قراءة هذا الكلام، الذي يخفي في طياته أخطر التهم ضد عبد الناصر، لاستطعت تماما، أن تدرك معنى كلام السيد حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية، عندما تحدث في مولد النبي صلى الله عليه وسلم بجمعية الشبان السملمين وقال إن حرب سنة 1967 كان فيها خيانة.

وكم كنا نود أن يوضح لنا ما هو نوع الخيانة؟ وكيف دبرت؟ وهل حيكت خيوط هذه الخيانة قبل المعركة، أو أثناءها؟ ومن هم الخونة أصحاب هذه الخيانة؟ ليته يفعل فيبرئ ذمته أمام الله الذي لا تخفى عليه خافية.

وأذكرك بحال مصر، وكرامتها في حكم عبد الناصر فأعرض طرفا مما كتبه الأستاذ مصطفى أمين في أخبار الأحد 26 مارس سنة 1978.

(كنا شبه مستعمرة روسية فتحررنا، ولم يحدث في تاريخ العالم، أن سيطر الاتحاد السوفيتي على بلد واستطاع أن يتحرر منه، كان لدينا سبعة عشر ألف خبير روسي في الجيش، كان السفير الروسي أشبه بالمندوب السامي، يتدخل في تعيين الوزراء، ويعترض على الإفراج عن المسجونين، وعلى إلغاء الحراسات أو انتهاء المعتقلات).

إن هذا الوضع الذي انتهت إليه الأمور طوال حكم عبد الناصر، لأكبر دلالة على تفهم ذلك الحاكم لكرامة الوطن وعزته وحريته واستقلاله؟ اللهم امنحنا فهما نحكم به على ذلك الحاكم حكما، يكون عبرة لمن يعتبر، حتى لا يتسرب الغش والتزييف إلى أذهان شبابنا والأجيال من بعده، فينخدعوا من كثرة ما كتب عن عبد الناصر أثناء حكمه، فيظنوه ولي الله سيدي المفتري، أما تقدير عبد الناصر لمصر والمصريين، فاتركه للدكتور عماد عبد الحميد النجار، أحد أساتذة الجامعة، حيث يقول في أخبار الإثنين 27 مارس سنة 1978:

أما طابع السياسة في الجمهورية الأولى فكان قائما على أن الغرب أولا والناس جميعا في بقاع الأرض ثانيا، ثم مصر أخيرا والمصريون باقون دائما في مؤخرة الاهتمام.

وحسبنا أن نذكر ما أنفقناه في حروب كثيرة، لا ناقة لنا فيها ولا جمل في خوض غمارها ... من ذلك الحرب ضد تشومبي في الكونغو لصالح لومومبا، والحرب ضد إمام اليمن الصالح السلال، والحرب ضد عبد الكريم قاسم لصالح عبد السلام عارف، وغير ذلك، مما أنهك مصر وبدد ما لها، وحرم منه المصري بغير ذنب وبغير فائدة، وناهيك عن حرب الصحف والمقالات وشرائها، والمخابرات العامة ونشاطها المواكب لهذه السياسة.

بل هذه السياسة ما كانت لتقوم حتى على احترام أبسط مشاعر المصري، ذلك الإنسان المؤمن برسالة السماوات المحب للعدل والإنصاف، فعلى حين أن العالم ينقسم إلى قسمين أحدهما يؤمن بالله وقسم آخر لا يؤمن بوجود إله، نجد السياسة المصرية، لا ترتبط ولا تتوثق صلاتها إلا بالقسم الثاني المنكر للأديان والمحارب لها، ولا تأتمر إلا بأمر هؤلاء الملاحدة المنكرين، ولا تتخذ العون إلا منهم والتوجيه والتأييد، فتحارب لذلك أعداءهم المؤمنين).

هل صدقت الآن أن عبد الناصر كان يحارب الإخوان المسلمين، ويفحش في معاملتهم، لأنهم عملاء أم لأنهم يحاولون انتزاعه من الحكم، أو إلى غير ذلك من التهم التي كالها لهم، ولكنه كان يحاربهم أعنف الحرب لأنهم مؤمنون.

أما كيف صال وجال مستشار عبد الناصر الصحفي، السيد محمد حسنين هيكل، وانفرد بكتابة الأسرار والمعلومات، فإليك ما كتبه الأستاذ إبراهيم سعدة في أخبار اليوم السبت 15 أبريل سنة 1978:

(وهناك أقلام لن تتركه (هيكل) كما اضطرت إلى ذلك في الماضي القريب، عندما كان يضلل القارئ، وينشر الأكاذيب ولا يستطيع صاحب قلم أن يعترض، أو حتى يصحح ما يقوله لأنه عاش في حماية الرقابة).

والمدهش أن السيد/ محمد حسنين هيكل، أقرب المقربين إلى عبد الناصر، والذي أثرى من هذه الصلة ثراء ضخما، لم يكلف نفسه عناء نفي تهمة واحدة من التهم التي وجهت إلى عبد الناصر، أو وجهت إليه، قد يكون السبب في عدم النفي أنها تهمة تؤكدها مستندات وشيكات، فهو يسكت عنها لتذهب مع رياح النسيان، ومصر بلد طيب، ينسى فيه كل شيء بعد حين، وأما أنه يعرف عن زملائه الذين اتهموه، أمورا تجعله يترفع عن الرد عليهم، أيهما أصح؟ الله أعلم.

شاهندة مقلد لماذا تركتها الدولة

أما أمر شاهندة مقلد، صاحبة الدور الأكبر في قضية كمشيش، فأمرها هي أيضا في غاية العجب كأنها من الشخصيات ذات الأهمية البالغة في جسيمات الأمور بمصر، فقد كتب الأخبار – الإثنين 15 مايو سنة 1978:

(تم ضبط شاهندة مقلد وثلاثة عشر من كبار الشيوعيين، بقرية كمشيش مركز تلا، يحررون منشورات ولافتات ضد نظام الحكم، واتضح أنها هربت إلى الإسكندرية).

أليس هذا النبأ مثيرا للدهشة؟!! كيف يمكن التوفيق بين ضبطها ومن معها، ثم يتضح أنها هربت إلى الإسكندرية؟ لماذا تكتب الجريدة هذا النبأ على هذه الصورة التي تثير الكثير من التساؤلات المحيرة؟ كيف تم ضبطها؟ ثم بعد ضبطها يتضح أنها هربت؟ وكيف عرفوا أنها هربت إلى الإسكندرية بالذات؟ ماذا فعل البوليس بعد ذلك؟ كيف تمكنت من الهرب؟ ولماذا لم يتعقبوها في الإسكندرية؟ وهل قبض عليها بعد ذلك أم لم يقبض عليها؟ ولماذا نشرت الأخبار هذا النبأ على هذه الصورة المريبة مرة واحدة ثم صمتت الصحف عن هذا الخبر عمدا، أو استخفافا به؟ وهل شاهندة مقلد ما زالت في مصر أم أنها غادرتها، وإذا كانت غادرت مصر، فعن طريق أي وسائل المواصلات؟ وهل حصلت على تسهيلات تشبه التسهيلات التي حصل عليها شمس بدران ومكنته من الهروب من تنفيذ أحكام محاكم الجنايات؟ لا بد أن التاريخ سيخبرنا بذلك قريبا أو بعيدا.

ولماذا يستمتع كل من يمت بصلة إلى عبد الناصر بحماية لا يستمتع بها غيره من المصريين؟ هل فرض على مصر أن يثقل كاهلها بآثار حكم عبد الناصر، وبتصرفات أقاربه وأصهاره إلى اليوم؟

في أخبار اليوم 17 يونيو سنة 1978 جاء الخبر الآتي: (سمير فهمي، ابنته متزوجة من أحد أبناء جمال عبد الناصر وله شقيق اسمه أحمد مدحت فهمي، أحمد هذا يعمل مدير المشتريات في فندق المريديان، بعد التحقيق معه في قضية تموين خاصة بالفندق، نقل إلى وظيفة مدير الأمن بنفس الفندق).

هل رأيت؟ هل ثبتت براءته؟ إذا كان بريئا مما نسب إليه، فلماذا ينقل من وظيفته، وفي ذلك مساس بسمعته الأدبية؟ وإذا كان قد ثبت إدانته، فهل تكون العقوبة، النقل إلى وظيفة لا تقل أهمية عن وظيفته الأولى، وفي نفس الفندق؟ اللهم لطفا بعقولنا، ورحمة بحالنا يا رب.

ودعنا نعد مرة أخرى إلى الأستاذ مصطفى أمين فنقرأ له أخبار الأربعاء 27 سبتمبر سنة 1978، يجول بنا في بعض جوانب الحكم الفريد:

(الديكتاتورية كانت تسحق كل الصفات النبيلة، وتعتبرها من أعداء الوطن، تقاومها وتطاردها وتنكل بها، وهي تشجع الحقد والبغضاء والأنانية والشكوك والخوف، والحب كالأزهار، لا يمكن أن يعيش في ظل الطغيان، ففي الظلام ينكمش كل إنسان وينزوي، يرفع يده ليضعها فوق رأسه، حتى يحميها من ضربات السياط ولا يفكر أن يمد ذراعه يحمي زميلا بجواره تتهاوى عليه الطعنات، كل فرد يفكر في نفسه، وفي نجاته من البطش، لا أحد يفكر في الآخرين، فالتضامن في عهد الإرهاب تمرد، والاتحاد في زمن الجبروت مؤامرة.

وفي عهد الحرية تشرق الشمس، فتتضاءل وتنكمش الدسائس، وتضعف أسلحة الظلام، فيصبح الخلق نعمة لا نقمة، والمروءة فضيلة لا رذيلة، والفروسية رجولة لا تحد للسلطات، لا يبيع الصديق صديقه، ولا يدوس الأخ على رقبة أخيه ليرتفع درجة.

إننا لا ننسى قصة العامل في المحلة الكبرى، الذي جاء له صديقه يقول له، أن جاره وزميله في مصنع النسيج قبض عليه، وليس في بيته لقمة عيش تطعم زوجته وأولاده الصغار، فأخرج العامل من جيبه خمسة عشر قرشا، وقدمها لصديقه وهو يقول له: هذه كل ما في جيبي، وفي اليوم التالي قبض على العامل، وقدم إلى المحكمة العسكرية العليا وحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما أشغال شاقة، بواقع سنة سجن عن كل قرش تبرع به، وكل جريمته أنه ساعد أسرة مسجون سياسي تكاد تموت من الجوع، ومنذ ذلك اليوم دخلت المروءة ليمان طرة مع المسجون عبد الغفار، الذي تبرع بمبلغ خمسة عشر قرشا، ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد يساعد جائعا.

ونحن لا ننسى قصة طالبة الجامعة، التي أقيم لها احتفال في الإتحاد الإشتراكي، حضره بعض الوزراء تكريما لها، لأنها قدمت تقريرا ضد شقيقها، لأنه ينتقد في البيت رئيس الدولة، واعتبرت وشايتها بأخيها، منتهى الوطنية والأخلاق الكريمة، ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد يتكلم في السياسة أمام أولاده).

إلى هذا الحد وصل المستوى الخلقي والعاطفي والأسري في مصر طوال حكم عبد الناصر، ويا لها من هاوية سحيقة، لن يجنبنا أخطارها إلا رحمة من الله تدركنا فتلطف بمصر وأبنائها.

والمدهش وهذا تاريخ عبد الناصر، أن ترى من أبنائه سيدة تجد من نفسها جرأة عجيبة على أن تتحدث في المسائل العامة، التي أفسد أبوها كل شيء فيها، في مصر، وكان المظنون، أن تكتفي بالملايين التي تركها لها أبوها من دماء هذا الشعب، هذه الملايين التي ما تزال تستمتع بها هذه السيدة وإخوتها بالتنقل في جميع أرجاء العالم.

يحدثنا بهذه العجيبة أخبار الإثنين 19 أكتوبر سنة 1978 بمقال كتبه الأستاذ محمد بركات مدير الشئون بالقوى العاملة بالإسكندرية، ردا على هدى جمال عبد الناصر التي هاجمت وثيقتي كامب ديفيد في دمشق: قال:

(فالسيدة هدى عبد الناصر، لا تستطيع أن تنفي عن المرحوم والدها أنه بتصديقه أكذوبة السوفيت، من أن إسرائيل تحشد قواتها على حدود سوريا، تمهيدا للهجوم عليها، ثم بافتعاله دائما القرارات المصيرية، قد ساقنا إلى حرب ضروس، لم نكن مستعدين لها، وكانت الهزيمة التي أضاعت سيناء والجولان والضفة، وألبست العرب لباس الذل والهوان، فضلا عن استشهاد الألوف من زهرة الشباب وهب آبار البترول، وملايين الجنيهات التي ضاعت على الشعب، وإغلاق القناة، وتدمير مدنها، وتهجير أهلها وغير ذلك من المآسي المتعددة الجوانب، التي لا يمكن أن تخفى عن ابنة الرئيس الراحل، ولكن ذلك لا يعد في نظرها هزيمة للعرب.

ولكن على أي حال، فليس ذلك بمستغرب، ولقد نشأت سيادتها في جو سياسي، كان يتاجر بالحروب الخاسرة ثم يملأ الدنيا بأننا انتصرنا والأناشيد والخطب والنثرية ثم لا شيء بعد ذلك.

والمعلوم أن المرحوم عبد الناصر في محادثاته مع الإنجليز سنة 1954 وافق أن يتم جلاؤهم عن القاعدة التي كانوا يحتلونها في منطقة القناة بعد مضي سنتين كاملتين على توقيع الاتفاقية على أن يكون من حقهم أن يعودوا إليها، إذا ساعدت الظروف الدولية إلى ذلك، وفي الخطبة التي ألقاها الرئيس الراحل بميدان عابدين في أكتوبر سنة 1954، صارح الشعب فيها بأن ذلك كان أقصى ما استطاع أن يحصل عليه، يومئذ وصفنا ما توصل إليه جمال عبد الناصر بأنه إعجاز).

هذا رأي رجل لا دخل له في السياسة، استثارته جرأة السيدة هدى عبد الناصر على الحقائق التي يعرفها العالم عن أبيها، وما جنته يداه على هذا الشعب، الذي كان من سوء طالعه، أن حكمه هذا الطاغوت ثمانية عشر عاما، نحتسبها عند الله الذي يحاسب على النقير والقطمير.

قلنا إن آثام عبد الناصر، لم تقتصر على الفترة التي عاشها حاكما لمصر، يسوم أبناءها الخسف والإعنات ولكنها آثام ما تزال تنتج أخطارها وأضرارها إلى اليوم.

وعاد أشرف ولم تنته الأسطورة

كان على سطح السياسة المصرية، شخص اسمه أشرف مروان، كل ما يعرفه الناس عنه، أنه زوج ابنة جمال عبد الناصر، هذه كل مميزاته!! ويا لها من كنز يخرج الماس والبلاتين، لمن شاءت ظروفه أن يكون زوجا لابنة عبد الناصر.

في أخبار الثلاثاء 10 أكتوبر سنة 1978 جاءت كلمته تحت عنوان: انتهت أسطورة أشرف مروان.

(صدر قرار جمهوري بإنهاء إعارة أشرف مروان إلى الهيئة العربية للتصنيع الحربي، ونقله إلى وزارة الخارجية.

كان أشرف مروان يشغل منصب رئيس إدارة هيئة التصنيع العربي، بعد أن أعير لها من وظيفته برئاسة الجمهورية في 22 مارس سنة 1956، كانت إعارته إلى هيئة التصنيع العربية، وقد كان يشغل منصب سكرتير الرئيس للمعلومات.

نسبت إليه في ذلك الوقت اتهامات بانحرافات، وأمر الرئيس السادات بأن يحقق فيها النائب العام الاشتراكي معه، كان موضوع الاتهامات، شراء السيدة قرينته لأرض زراعية في ناحية الهرم، وكانت إجاباته في التحقيق أنها لم ترث شيئا، وقد اشترت الأرض بثمن سيارات قدمت لها من شخصيات عربية، تكريما لها بوصفها كريمة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ثم باعت هذه الأرض بسعر أكبر، واشترت بالثمن الجديد قطعة أكبر ولم يثبت التحقيق ما يدين تصرفه الشخصي، فتقرر إعارته إلى هيئة التصنيع العربية، كما أن الرئيس السادات لا يجحد لأي أحد أية خدمة قدمها لبلده.

لذلك فقد منحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى تقديرا لما قام به من خدمات خلال حرب أكتوبر، ولجهده الشخصي لتوفير قطع الغيار اللازمة للقوات الجوية، وكانت جميع المصانع الأوربية مغلقة، وهذا ما يجب أن يذكر لأشرف مروان، وكان ترشيحه للعمل في هيئة التصنيع العربي متفقا مع رغبة بعض المسئولين العرب المساهمين في الهيئة، تحولت هيئة التصنيع إلى دولة داخل دولة، أنشأ بها مناصب عديدة وبمرتبات ضخمة، كثر عدد هذه الوظائف التي لا يقوم أصحابها بأعمال ذات قيمة تعادل المرتبات الكبيرة التي يتقاضونها.

قدم الهدايا باسم الهيئة إلى عدد من الشخصيات العامة، قدم تليفزيونات ملونة، حولها من تلقوها إلى الجهات الرسمية التي يعملون بها، ورفضها البعض.

تلقت الجهات المسئولة اعتراضات كثيرة على سلطات أشرف مروان، وتصرفاته من بعض الجهات العربية، أطلقت عليه أخبار اليوم من قبل: الطفل المعجزة.

وقد طلب أشرف مروان أمس، عندما أبلغ بالقرار، عدم إذاعة القرار، ورفض هذا الطلب.

تزوج بعد تخرجه من كلية العلوم من السيدة منى كريمة عبد الناصر، وعمل في مكتبه مساعدا لسامي شرف، وقدم ليلة 14 مايو عددا من التسجيلات التي كان سامي شرف ينوي تهريبها).

هذا هو أشرف مروان زوج كريمة عبد الناصر، ولا بد أن يكون في تصرفاته واهتماماته بمصالح وطنه، جانب من صورة عبد الناصر العامة في تصرفاته.

لو أنك قرأت ما نشرته الجريدة متمهلا، لوجدت التهمة الخطيرة في تصرفاته، تخطر بين تصرفات أخرى أخطر منها وأمر، وما كان لمثل هذا الإنسان أن يحصل على وسام من الدولة، بعد ثبوت كل ما نسب إليه مما أثبتته الجريدة، مهما كان عمله، لأن وظيفته كانت تحتم أن يقدم ما قدم، ولعل ما قيل عن ما ما قدمته للسلاح الجوي، كان يراد به تغطية التصرفات الأخرى، ولكنه زوج كريمة عبد الناصر وكفى بهذا ستارا وكفى به حماية.

لم أقل إن حكم عبد الناصر، كان حكم عصابة، ولكن الكتاب والصحف والمطلعين على بواطن الأمور هم الذين قرروا ذلك في كتاباتهم التي يقرؤها الناس كل صباح.

ولتتأكد اقرأ ما نشره الأستاذ إبراهيم سعدة في أخبار اليوم السبت 21 أكتوبر سنة 1978:

(فأفزع ما كان يهز القلوب حنقا وغضبا، هو أن تشرق الشمس ذات صباح، فيفاجأ الناس، بأن يد الدولة طالت وسلبت أرضا من عائلها، وعمارة من صاحبها، ومصنعا من مديره، وشقة من سكانها، وقصرا من ورثته، هكذا بكل بساطة، وكأن الدولة تحولت إلى عصابة، والحكام أصبحوا من أشباه الآلهة، الذين يذلون البعض لحساب البعض الآخر).

من يجد الجرأة بعد ذلك، على أن يذكر عبد الناصر وعهده بخير؟!! ومع كل هذا نجد قوما يسمون أنفسهم ناصريين نسبة إلى جمال عبد الناصر، وما من شك في أن في الدنيا، من يجب أن يعرف عنه، أنه شر من الشياطين، وأن أساليبه تخفى على إبليس اللعين.

لم يكن واحد من الذين يلتفون حول عبد الناصر، يغايره في طباعه وتصرفاته، وكأنما كانوا جميعا قد خلقوا من طين غير الذي خلق منه الناس، أو كما كان يتخيرهم في دقة وعناية.

جاء في أخبار الخميس 5 أبريل سنة 1978 أن محامي وزارة الدفاع قال: (إن خزانة المشير كانت مفتوحة للعاملين مع شمس بدران بغير رقيب أو حسيب، وأن بعضهم استعمل طائرة المشير في نقل البضائع من الخارج للاتجار فيها، والمليون جنيه التي ضبطت في بيت علي شفيق في لندن – بعد فصله – من أين هذه الأموال ... إن بعض المجني عليهم أثروا ثراء فاحشا).

من أين نأتي بمن يصف لنا هذا الحال.

خزانة المشير مفتوحة!! طبعا!! هو خسران حاجة!! إنها خزانة الوالد يتصرف فيها ابنه كيف يشاء؟ إن طائرة المشير ينفق على كل شيء فيها من خزانة الدولة، تستعمل لنقل بضائع من الخارج يتجر فيها أذناب عبد الحكيم عامر، النائب الأول لجمال عبد الناصر.

وإذا كان أحد هؤلاء الدلاديل قد وجد في حجرته مليون جنيه نقدا وعدا، فما قيمة المبالغ المودعة في البنوك باسمه، وهو فرد واحد.

كل هؤلاء وتصرفاتهم يعرفها السيد السند جمال عبد الناصر فيسكت عليها، لأنها وسيلة، شريفة أو غير شريفة لا يهم، من وسائل تثبيت حكمه، وهذا كل ما يحرص عليه عبد الناصر أول مصري حكم مصر!! ويا ليته لم يكن مصريا ففي بعض الشر خيار.

مشكلة فلسطين والورقة الرابحة

من أهم شعارات عبد الناصر التي كان يصدع بها رءوس الواقفين على دخيلته، شعار إلقاء إسرائيل في البحر، وهي الورقة التي كان يجيد اللعب بها، ويهدد بها غيره غيره من رؤساء الدول العربية.

إليك جانبا من جوانبه الحقيقية الخفية في هذه المشكلة ... مشكلة إسرائيل وفلسطين.

في أخبار الخميس 5 أبريل سنة 1979 كتب الأستاذ وجيه أبو ذكري، يقول:

(وكان رأي الرئيس جمال عبد الناصر، أن القاهرة ليس لديها مانع من مفاوضات مباشرة بين الأردن وإسرائيل وإنها ستدعم المفاوضات.

وفي عام 1967 التقى الملك حسين بالجنرال موشي ديان، وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الحين، وبدأت المفاوضات خارج روما، وعلمت وكالات الأنباء بالخبر، فأذاعته على العالم، وصدرت تعليمات بعدم نشر الخبر في الصحف المصرية.

وطلب الملك حسين من الرئيس الراحل عبد الناصر أن يشترك في المفاوضات المباشرة السرية، التي كانت بين إسرائيل والعرب، وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أسبق إلى المحاولة إلى الطلب الذي قدمه له الملك حسين، فقد اجتمع جمال عبد الناصر مع أحد الصحفيين المصريين، من حزب التجمع حاليا، وطلب منه أن يبدأ فورا بالمفاوضة المباشرة، وكانت إحدى الدول العربية – غير الأردن – قد توسطت لدى ناحوم جولدمان رئيس الوكالة اليهودية، والمقيم في باريس، ليبدأ الحوار مع الجانب المصري، وبعدها يتصاعد الحوار، ليبدأ سرا بين مصريين رسميين، وإسرائيليين رسميين، كما كلف جمال عبد الناصر أحد الوزراء المعروفين – من الضباط الأحرار – بالقيام باتصالات مع الإسرائيليين، ويحتفظ هذا الوزير بأسرار كل هذه الاتصالات ... واجتمع هذا الوزير عقب عودته فورا بالرئيس جمال عبد الناصر، الذي لم يتوقف عن محاولة الاتصال والحوار بالإسرائيليين).

هذه هي الشجاعة وإلا فلا؟! هذه هي الأمانة وإلا فلا؟! هذه هي الزعامة التي توجت بالخيبة والبلا. وأخيرا وليس آخرا، اقرأ هذا لتلم بكل ما قرأت في الباب، عن سياسة الحكم في عهد جمال عبد الناصر، كتب الأديب رشاد رشدي في أهرام الأربعاء 9 مايو سنة 1979:

(إلى أن جاءت ثورة سنة 1952، وهنا طرأت على الحياة المصرية ظاهرة جديدة، فقد حل الوهم محل الحقيقة، والجهل محل العلم ... أنا لا أتكلم عن إنجازات وسلبيات ثورة يوليو، وإنما أتكلم عن ما هو أهم وأخطر، وهو المسار الجديد الذي سارت هذه الثورة فيه بالذات المصرية ... ماذا أسميه؟ طريق التعمية؟ طريق الأقنعة؟ الطريق الذي يؤدي إلى لا طرق؟ ربما كانت أفضل التسميات هي طريق الأوهام، ولا أقول الأحلام .. فهناك فرق بين الحلم والوهم، الأول قد يؤدي إلى تحقيق الذات، أما الثاني فيؤدي بالضرورة إلى ضياع الذات ... وهذا ما فعلته ثورة يوليو بالذات المصرية، خلال عمرها الذي دام ثمانية عشر عاما ... فقد أوهمت الإنسان المصري بأنه يسمع ويعيش ويرى ما لا وجود له في الحقيقة، وكانت النتيجة أن تاهت الذات المصرية، كما يتوه المسافر في الصحراء، عندما يكون رائده الوحيد هو السراب، ومع ذلك يؤكد له من يقوده أن السراب ليس خداع نظر، بل حقيقة لا شك فيها.

الأمثلة كثيرة لا أعرف ماذا أختار منها وماذا أترك؟ كانت هناك في الأول هيئة التحرير، ثم الإتحاد القومي، ثم الإتحاد الإشتراكي، وكلها أجهزة صنعها النظام لتسانده وتحميه، أي أجهزة قمع ووصاية على الناس، ومع ذلك كانوا يقولون لنا، إن هذه الأجهزة، التي لم يتدخل الشعب في اختيار أفرادها، أو حتى في قبولها أو رفضها، إنما هي بدائل للأحزاب، بل إنها أفضل ما وصلت إليه عبقرية القرن العشرين في نظم الحكم الديمقراطي.

وكانت القوات المسلحة الباسلة تصاب بالهزائم الواحدة بعد الأخرى ومع ذلك كانوا يصورون للناس أن كل هزيمة من هذه الهزائم، إنما هي في الواقع انتصار رائع، وكنا نشك أحيانا ونصدق ما يقولون في أغلب الأحيان، فمن أين لنا أن نميز الحقيقة من الوهم، وكيف يتأتى لنا – وهذه هي الحال – أن نعرف من المسئول عن هذه الهزائم أو الانتصارات، وكانوا يقولون لنا إننا قد تخلصنا من الاستعمار البريطاني، وهذا صحيح، وبذلك لم تعد لأية جهة أجنبية، أية سيطرة على إرادتنا، ولكنهم لم يكشفوا لنا أبدا عن المدى التي كانت فيه هذه الإرادة مرهونة بما يقرره الكرملين في موسكو.

وكانت عندنا اشتراكية – هكذا كانوا يقولون – والإشتراكية في جوهرها هي تكافؤ الفرص، ولكن الفرص كانت فقط لعملاء النظام، من التنظيم الطليعي وغيره من التنظيمات التي تضم أهل الثقة وتفضلهم على أهل الخبرة، لا لسبب سوى أنهم يدينون بالولاء – لا لمصر – بل لمراكز القوى التي تسخرهم لبلوغ أغراضها، وكانت حرية الفرد مكفولة هكذا كانوا يقولون – ولكن ما لم يقله أحد، هو أن هذه الحرية، كانت مكفولة بشرط، وهو أن يصبح الإنسان كتمثال القرد الذي كانوا يضعونه على مكاتبهم الرسمية أعمى أصم أبكم، أو يصبح في السجن، لا لشيء سوى أن الجهاز البوليسي كان دائم الحرص على أن يوهم الحاكم أن هناك مؤامرة، وإلا فمن أين يستمد هذا الجهاز سلطاته أو بماذا يبرر وجوده؟ وكانت عندنا محاكم ومحاكمات – أي سيادة القانون، هكذا كانوا يقولون – ولكن كانت الأحكام تصدر مقدما – أي قبل المحاكمة – وعندما تنتهي مدة الحكم، ويخرج السجين إلى النور، كانت تتلقفه أيدي الأجهزة البوليسية المتشعبة، حيث ينقلونه إلى معتقل يظل فيه مدى حياته إلى أن يموت ... وكانت حرية الصحافة من المفاخر التي تتشدق بها مراكز القوى ولكن كان في كل دار صحيفة رقيب على الرأي بل وعلى الخبر، حتى ولو كان خبرا ينشر في صفحة الوفيات، ما دام المتوفى شخصا غير مرغوب فيه، وكانت هناك، أوهام حلت محل الحقائق، وأقنعة لوجوه جميلة، تخفي ما تحتها من قبح وبشاعة، ويافطات تعلن عكس ما تبطن، والنتيجة أن عاش الإنسان المصري تلك الفترة من حياته غريبا عن واقعه، فتاه عن ذاته أو فقدها، وهذا أسوأ ما يمكن أن يصيب الفرد أو الأمة.

إن كلمة في هذا المقال، إن لم تصور الحقيقة البشعة كاملة، فإنها كشفت عن بعض جوانبها الشنيعة، وإذا رأيت أن هذا الكاتب لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما أصاب الإخوان المسلمين من ظلم بالغ على يد عبد الناصر فما كان ذلك عن نسيان، ولكنه عن تعمد لأننا نعلم أنه من خصوم الإخوان المسلمين، ومع ذلك فنحن لم نغفل الاستشهاد برأيه، لأن أسلوبنا ذكر الحق، من أي مكان جاء – من خصم أو صديق.

فهل ترى حكم عبد الناصر ترك لمصر والمصريين من باقية إني لا أطالب أحدا أن يصدق أو لا يصدق، فهذا ليس لي، ولكني حرصت على التدوين تاريخيا حتى لا تضيع الحقيقة وتبعثر وقائعها في أمكنة شتى، ثم بعد ذلك من لم يشأ أن يستقرئ الأحداث تاريخ ذلك العهد، فليفعل، ومن يشأ أن، فما لأحد عليه من سبيل (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها).

الشعب يضرب في أعز مقوماته فماذا يبقى!

ثم لتكون على ذكر من كل ما مر بك في هذا الكتاب أقدم لك ما قاله رئيس جمهورية مصر العربية، ونشرته جريدة الأخبار الصادرة في يوم الأحد 13 مايو سنة 1979:

(مرت فترة كانت مظلمة يوم أن ظنوا أن التحرر من القيم الأخلاقية هو الانطلاق أو الحرية، وثبت أنها كانت حرية مراكز القوى، وثبت أن الشعب ضرب في أعز مقوماته، وهي القيم التي نشأ عليها من عقائده ومن أرضه).

وحسبنا هذه شهادة رئيس جمهورية في حكم رئيس جمهورية، فماذا يبقى لشعب مصر بعد أن يضرب في أعز قيمه؟ وماذا يفيد التحضر والرخاء والأمن المزعوم، بعد أن يضرب الشعب في أعز قيمه؟ ما قيمة الحضارة للمهان في كرامته؟ وما قيمة الرخاء للمهتوك عرضه؟ ما قيمة الأمن لمن يبيت على خوف، ويصحو على فزع؟ فليحاكم هذا السفاح وأدواته وكلابه بدلا من أن نحتفل بذكرى وفاته؟! وليس بعد شهادة السادات من شهادة، إنه يعرفه ويعرف سياسة حكمه حق المعرفة؟

في أهرام الجمعة 18 مايو 1979 نشر مركز الدراسة والاستراتيجية بحثا، كان مما جاء فيه، مقارنا بين ثورة 23 يوليو وبين ثورة التصحيح 15 مايو:

(وترى تلك الدراسة المشار إليها أحد الدوافع الرئيسية من انتهاج ذلك النوع من الإشتراكية، هو فشل ثورة 23 يوليو في المواءمة بين الحرية الاجتماعية – الإشتراكية – وبين الحرية السياسية الديمقراطية على أساس أن الثورة قد ضحت بالحرية السياسية، في سبيل الحرية الاجتماعية، أي بحرية الفرد لحساب حرية الجماعة).

وهذا تحليل علمي، ودراسة متجردة لحقائق الأحداث، لا شأن بها بالصراع الفكري، ولا الاختلاف الحزبي، ولا النزاع السياسي، إن ثورة 23 يوليو فشلت في أن تجعل الناس يعيشون أحرارا في ظل نظام اجتماعي معين، فإذا قضى أي نظام حكم على حرية أفراد المواطنين واحدا واحدا في أساليب رهيبة وحشية فماذا بقي للمواطنين؟ وليس انقلاب 23 يوليو هو الذي فشل، لأن المصريين جميعا ضاقوا بحكم فاروق، وكانوا يتمنون زواله، وكانت جماعة الإخوان المسلمين هي التي أحيت في نفوس شعب مصر بل والأمم الإسلامية جميعا، أحيت في نفوسهم بذور الأمل في التغيير، وأعدت الشعب كله لهذا التغيير، وقد تحجت في هذا إلى الحد الذي استقبلت به أحداث يوليو على الصورة الهادئة المرجوة، ليس انقلاب 23 يوليو هو الذي فشل، ولكن الأيدي التي تولت إدارة شئون البلاد في ذلك التاريخ، هي التي فشلت وأساءت وأجرمت، بما غرسته في النفوس من المآسي والأحزان.

ولا تتصور أن سيئات ذلك الحكم يمكن أن ينتهي، أو أن تتوه في دروب النسيان، فبعد مرور حوالي تسعة أعوام على اختفاء ظلمات ذلك العهد في أحلك مصير طالعتنا الأهرام الصادرة في يوم الأربعاء 16 مايو سنة 1979 بكلمة للسيد عبد الرحيم نافع المحامي العام نائب المدعي الاشتراكي وكان مما جاء فيها:

(وفي غمار التطورات الجذرية ومحاولات النهوض بالبلاد انسل إلى مقاليد الحكم نفر من المتعطشين للسلطة هيئوا لأنفسهم في رباط وثيق، مواقع التأثير، وما لبث أن اشتدت سواعدهم فأودعوا القانون خزينة الذكرى، ومنحوه أجازة، وألقوا كتاب الله جميعا وراء ظهورهم واستقبلوا قبلة دول قامت منا في نظمها فاختار هذا النفر سبيل البغي والقهر أسلوبا لحكم البلاد مصورين لقيادتهم أنهم درعه الواقية وسنده وظهيره، واستهدفوا صاحب كل رأي حر بالمطاردة في رزقه وولده وحريته بدعوى المحافظة على النظام، فخفتت الأصوات فلا تسمع إلا همس، فاسترق الأشرار السمع على الناس ضاربين الأخلاق والقانون عرض الأفق، واتسعت دائرة البغي فوسعت كل شيء في المال والبنين وفتحت السجون وضاقت المعتقلات بمن فيها وسيق الذين ظلموا إلى غياباتها بمحاكمات هزيلة لم تأخذ من القانون مظهره ولا جوهره، وبات القوم حيارى تعلو جباههم كآبة من الغم، بعد أن طغت على نفوسهم سلبية مفروضة لم يعرفوها ولم يألفوها، وضربت منابر الكلمات وصروح العلم والمعرفة وهي التي كانت منار متدفق الضور، حتى صرح القضاء الشامخ الذي كان يطاول عنان السماء، وتباهى به مصر كل الأمم المتحضرة، حاصروه وأعملوا فيه معاولهم).

رجل من رءوس القضاء، مكانة ومرتبة وذكاء، يقدم لك صورة واضحة رغم ما فيها من إيجاز بليغ، ترى في هذه الصورة الفنية، وجها شائها مفزعا لسياسة عبد الناصر.

إن القانون الذي كان في أجازة، الذي يباهي العهد الحاضر، أنه أعاد للقانون سيادته، هذا القانون يجب أن يعمل، أن يرى الناس آثار فاعليته، وإلا اختلطت في أذهانهم المفاهيم، كيف يكون للقانون سيادة، وبعض من أهدروا احترامه، ما يزال يتمتع في وظيفته بكل مظاهر القوة؟ كيف يستعيد القانون هيبته، وبعض من عذبوا الأبرياء وحققت معهم النيابة، ما يزالون يشغلون المراكز الحكومية، ويحظون بالترقي درجة بعد درجة؟

حقا إن في البلد نصيبا من الحرية، ولكننا نريد حرية أوسع وفي القانون حراسة تذود عنه من يتخطى حدوده.

ولا يغبن عن بال أحد، أننا كنا من أهم العناصر الفعالة، إن لم نكن أهمها في التغيير الذي حدث في 23 يوليو سنة 1952، فنحن إذن أبد ما نكزن عن انتقاده ذلك التغيير أو العودة إلى الوراء، ولكن كل معافى هذا الكتاب لا يتحدث إلا عن الأيدي التي تولت تسيير الأمور في مصر بعد ذلك التغيير، ولا يجب أن ينسى أي إنسان أن حاكم ما قبل يوليو سنة 1952، الملك فاروق ورئيس حكومته إبراهيم عبد الهادي هما اللذان خططا لمصرع الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين.

انتماء عبد الناصر للإخوان أم للشيوعيين أم لمن؟

الأخبار الأربعاء 20 يونيو سنة 1979 كتب لمعي لطفي يقول (التنظيم السياسي الواحد الذي حكمت به ثورة 23 يوليو سنة 1952 الشعب المصري زهاء عشرين عاما ... فترة طويلة وقعت فيها غالبية ما أسميناه بالسلبيات .. الانفصال بين الثورة والشعب الذي كان قد أعطى الثورة تأييده الجارف ... والصدام بين الثورة والأحزاب، الذي وصل مع بعض الجماعات إلى حد المأساة الدامية .. تكوين فئة طويلة عريضة من العناصر الانتهازية وحلابي المنافع والتي فرضتها التنظيمات الشمولية على الحياة السياسية ... مولد الشلل ومراكز القوى من هذا التنظيم الواحد، ثم سيطرتها عليه وتوجيهه إلى حماية مصالحهم وتدبير كافة الانحرافات ومظاهر الفساد ... ظهور طبقة جديدة أفرزت طبقة طفيلية شرسة .. انقسام الوحدة المصرية السورية .. هزيمة 67 ... الخراب الاقتصادي، الديكتاتورية، الاستبداد وتزييف تاريخ مصر .. و .. و ...

وهذه نقطة هامة، إذ كان فلاسفة العصر التنظيم الواحد وكتابه والمنتفعون به كانوا في كل مرة ينكشف فيها الفشل، يقولون إن الصيغة سليمة وأن الخطأ في التطبيق، يا سبحان الله، هل يمكن أن يكون الخطأ في التطبيق من نصيب هذا الشكل السياسي على طول الخط، المفصل في التطبيق هو الذي كشف الخطأ الكامن في الصيغة، ومفاسد أحزاب ما قبل الثورة، لم تعد الآن كافية لتحجب الاتجاه الكامن والدفين الذي كان لدى قائد ثورة المعادي للحزبية الديمقراطية والمؤيدة لتنظيم واحد.

جمال عبد الناصر اتصل اتصالا عضويا نشطا بالإخوان المسلمين ومصر الفتاة والوفد الشيوعيين.

هل تبينت هذه الأوصاف التي ذكرها الكاتب عن حكم عبد الناصر ... والخراب ... والاستبداد، كل هذا يقرره كاتب لا يستطيع أحد أن يقول إنه كان يوما من الإخوان المسلمين الموتورين بما فعله عبد الناصر، والعجيب أن الحكومة التي تترك مثل هذا الكلام يقال عن عبد الناصر علانية وفي الصفحات، دون أن تؤاخذه على شيء من ذلك، هي نفس الحكومة التي تحتفل بذكرى وفاة عبد الناصر، بماذا نصف هذا الموقف؟ إني أترك الوصف والتقدير للقارئ دون تدخل مني في توجيه الرأي.

والعجيب غاية العجب، أن الكاتب قرر حقيقة مذهلة، وهي أن جمال عبد الناصر، قد اتصل اتصالا عضويا نشطا في شبابه بالإخوان المسلمين، ومصر الفتاة والوفديين والشيوعيين، هل فهمت اتصالا عضويا نشطا بكل هذه التجمعات، أي اتصالا عمليا تنفيذيا؟ أي مخلوق كان جمال عبد الناصر؟ يتصل بالإخوان مؤمنا بمبادئهم وهم الدعاة إلى الله، وفي نفس الوقت يتصل اتصالا عمليا بالشيوعيين وهم المنكرون لوجود الله، ويتصل اتصالا عمليا بمصر الفتاة ومن مبادئهم الانتصار للفلاحين والعمال، وفي نفس الوقت يتصل بالوفد اتصالا عمليا وهم طبقة الرأسمالية؟ عجب عجب عجب، أية قدرة هذه التي تجمع كل المتناقضات في نفسية شخص واحد؟ الجواب المنطقي الوحيد أنه لم يكن له عقيدة في شيء، وأنه كان يتصل بها مرائيا غير مؤمن بمبدأ، هذا هو المخلوق الذي شاء قدر الله أن يستبد بالمسلمين فترة مملة في أعز شيء لهم وهو عقيدتهم.

جاء في أخبار السبت 30/ 7/ 1959 ما يأتي:

(في ليلة يناير سنة 1954 في ليلة القبض على النقيب شرطة أحمد رشاد المنسي وزميله النقيب محمد سعيد الفرماوي، وأودعا السجن الحربي، وفي اليوم التالي أصدر وزير الداخلية قرارا بفصل الضابطين الصغيرين، وجاء في قرار الوزير أن الفصل تم بناء على أمر مجلس قيادة الثورة الذي كان يحكم مصر حينذاك ... وحاول الضابطين التظلم من هذا القرار، فرفض وزير الداخلية الإنصات إليهما، فأرسلا عشرات الشكاوى وعرائض التظلم ... وجاء من ينصحهما بأن يكفا عن كتابة وإرسال الشكاوى، وإلا كان مصيرهما أكثر سوادا وظلاما ... وفي يوم 27 يونيو سنة 1979 أصدرت محكمة القضاء الإداري قرارا بإنصاف الضابطين .. واكتشف القضاء بعد مرور 25 سنة أن وزير الداخلية في سنة 1954 رغم أن مجلس الثورة أصدر قرار الفصل، تبين للمحكمة أن قرار مجلس قيادة الثورة غير موقع عليه من أعضائه، وإنما هو مختوم بخاتم وزارة الداخلية).

وهذه أيضا صورة مبسطة من صور سياسة الحكم في عهد عبد الناصر، لقد كانوا صورة منه في الاستهانة بجميع أفراد الشعب: مستقبلهم، كرامتهم، إنسانيتهم، حياتهم، كل هذا لم يكن له أي وزن عند مجلس يرأسه عبد الناصر، باعتباره مسئولا أمامهم، ولكن ما لنا وللبديهيات أو المشكلات، فقد كان الأمر كله محصورا في نقطة واحدة ... ماذا يريد مجلس قيادة ثورة يرأسه عبد الناصر، وأمام هذه الرغبة تتلاشى كل الأمور التي تعارف الناس على تسميتها بالبديهيات والمسلمات وحقوق الإنسان.

وبعد هذا فماذا تستطيع أن تسمي تصرف وزير الداخلية ذاك، الذي يغير الحقيقة فيصدر قرارا، ويخشى تحمل المسئولية فيه، ثم يزعم أن هذا القرار أصدره مجلس قيادة الثورة؟ خلقي يمنعني من وصف هذا الإجراء بأكثر من أنه تغيير للحقائق في أوراق رسمية، وأخيرا أين كان مجلس قيادة ثورة عبد الناصر، وكل هذه المنكرات ترتكب تحت ذقنه وبين سمع وبصره؟ هل كان عالما بكل هذه الموبقات فهم إذن شركاء فيما حدث، مسئولون عنه أمام الشعب، وبين يدي الله أولا وأخيرا، أم أنهم كانوا لا يعلمون عن هذا شيئا، وإذن فبماذا يصفهم الشعب؟ ثم بماذا يصفون أنفسهم، اللهم إنها كلها تصرفات لا ترضيك، ونحن على يقين كامل بأنك تمهل ولا تهمل، جل شأنك من عادل حكيم، ومنتقم جبار.

تلخيص

لو طال الأجل بنا أعواما وأعواما، لما تمكنا من الوصول إلى حقيقة ما فعله عبد الناصر بمصر المسلمة وبالمسلمين.

وحسبي أني آذيت مشاعرك بما قرأت، وما كان مقصدي، ولكني خشيت أن تضيع حقائق تاريخ تلك الحقبة فجمعتها من هنا ومن هناك، لتكون دليلا على مكنون دخيلة عبد الناصر الذي لم يفحش في شيء إفحاشه في التنكيل بالإخوان المسلمين، لأنهم كانوا أشد الناس بأسا على إسرائيل .. لماذا يفعل عبد الناصر كل هذا مع أشد الناس بأسا على إسرائيل؟ هل بينه وبينهم صلة أو نسب؟ هل يتصل نسبه من ناحية الأب أو الأم بإسرائيل، لست أدري، ولكن أشد الناس حبا لإسرائيل ما كان يرضى أن يفعل بالإخوان المسلمين أشد الناس ضراوة على إسرائيل، ما فعله جمال عبد الناصر المسلم المصري بالإخوان المسلمين أعداء إسرائيل.

وحتى لا يضيع هذا المجهود، وحتى لا تنقلب هذه المعلومات من رأس القارئ، آثرت أن ألخص لك جانبا من مساوئ سياسة حكم جمال عبد الناصر لمصر.

تعال نعد معا ما نستطيع أن نعدده من مصائب وويلات ونكبات وأهوال وفظائع جانب من حكم عبد الناصر:

1- قتل الإنسان المصري في داخل الإنسان المصري.

2- أفقر الشعب بحرب اليمن.

3- أذل الشعب بحرب اليمن.

4- التضحية بأموال مصر وأبنائها على أرض الكونغو، انتصارا للشيوعي لومومبا.

5- القضاء على اقتصاد الشعب بسوء التصرفات استغلالا واختلاسا.

6- إشاعة النفاق بين أفراد الشعب بسبب الإشادة بشعار أهل الثقة مقدمين على ذوي الكفاءة.

7- إهدار الثقة في القضاء بقانون إصلاح القضاء.

8- هتك الأعراض.

9- السجون والمعتقلات.

10- إفساد أساليب التربية والتعليم.

11- الفساد والإسفاف والجنس والإلحاد في كل وسائل الإعلام.

12- مصادرة الأموال بالحراسات والتأميم.

13- المزج الكامل بين الإشتراكية والشيوعية فسادت الشيوعية.

14- تلويث سمعة مصر بتسمية فريق من أبنائها أنهم أعداء الشعب.

15- قضت على الوحدة العربية، بتقسيم الدول العربية إلى رجعية وأخرى تقدمية.

16- تدمير الحريات والقضاء عليها.

17- أصبح الحكم في مصر حكم الفرد الواحد.

18- تكميم الصحف بإخضاعها لأشد أنواع الرقابة فصارت صحفا موجهة.

19- لم يعد في مصر إلا رأي واحد يعبر عنه صحفي واحد، هو محمد حسنين هيكل.

20- انتشار المحاكم العسكرية، التي كانت تصدر أحكاما مرسلة إليها من رياسة الجمهورية.

21- عشرات الألوف أدخلوا السجن والمعتقلات ظلما وعدوانا، بمحاكمات شكلية.

22- الإفحاش في التعذيب إلى أقصى الحدود، داخل السجون والمعتقلات.

23- حل السفير الروسي محل المندوب السامي البريطاني.

24- هروب الكفاءات من مصر، فانحط المستوى العلمي والثقافي والتربوي.

25- مسئولية عبد الناصر عن جميع أنواع التعذيب، باعتراف المحامين في الكثير من قضايا التعذيب.

26- طلب عبد الناصر من روسيا احتلال مصر، عندما طلب منها أن تحمي مصر بسلاحها الجوي، وهذا ثابت رسميا.

27- طغت موجات عارمة من الإلحاد والانحلال في مصر وتسربت منها إلى المنطقة كلها.

28- فصل السودان عن مصر.

29- إشغال الشباب بالسينما والمسرح والكورة، كي لا ينشغلوا بإفساده لكل ما في مصر.

30- في يوم من الأيام أصبحت مصر في جيب الاتحاد السوفيتي.

31- رهنت مصر كل محصولاتها للاتحاد السوفيتي مقابل أسلحة متخلفة.

32- صدرت أوامر عبد الناصر، بعدم شراء أي مصنع أو لوازم مصنع إلا من الاتحاد السوفيتي، حتى ولو كانت هذه المصانع بالية لا تعمل.

33- لا نشتري الأسلحة برية وجوية إلا من روسيا.

34- سمة الحكم هي الاغتيال وتدبير المؤامرات، في عنف يصل إلى حد إزهاق الأرواح تحت العذيب.

35- أسماء الوزراء تعرض على السفير الروسي قبل تأليف الوزارات فيشطب ويضيف كما يشاء، ولا ترد كلمته.

36- أجهزة الإعلام تولاها الشيوعيون الذين يرضى عنهم ويرشحهم السفير الروسي.

37- لأول مرة يدخل الوزارة المصرية التي دين دولتها الإسلام وزراء شيوعيون.

38- لم تعد لنا سياسة خارجية إلا عن طريق الاتحاد السوفيتي.

39- فوض عبد الناصر روسيا في التفاوض مع الولايات المتحدة باسم مصر.

40- طلبت مصر سرا من روسيا أن تسمح لها بالدخول في حلف وراسو، فرفضت روسيا.

41- جعل أهل مصر شيعا كما فعل فرعون، فمالك الأرض والفلاح خصمان، وصاحب البيت والساكن عدوان، وصاحب المصنع والعامل ضدان.

42- التمزق الأسري والاجتماعي والشعبي.

43- مهاجمة رؤساء الدول علانية في الحفلات، ثم الذهاب إلى سفارتهم ليلا للاعتذار.

44- قتل الإحساس بالانتماء إلى الوطن.

45- ماتت روح الطموح والإنتاج في نفوس الشباب.

46- التفاوض مع إسرائيل سرا، والتظاهر بالهجوم عليها علانية.

47- قبوله مشورة السفير الروسي بتقبل الضربة الأولى في حرب سنة 1967 فكانت الضربة القاضية.

48- إقامة السد العالي، مع أخطاره المتوقعة، ودخلنا حرب سنة 1956 بسببه.

49- تأميم القناة فجرت الخراب على مصر، مع أنها كانت ستعود إلى مصر بلا مقابل بعد سنوات طبقا لشروط الاتفاقية التي وضعت بشأنها عند حفرها.

50- تنازل عبد الناصر عن كثير من الآثار القيمة لروسيا دون مقابل.

51- تهديد المعذبين بالاعتداء على بناتهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم إذا لم يعترفوا بصحة الوقائع المنسوبة إليهم زيفا وزورا.

52- استلم اقتصاد مصر دائنا لانجلترا بمبلغ أربعمائة جنيه استرليني، ومات واقتصاد مصر تحت الصفر.

53- الانتخابات كانت تعيينا.

54- خسرنا كل سمعة أدبية أو اقتصادية أو عسكرية أو سياسية أو ديمقراطية أو اجتماعية في العالم.

55- شتم جميع رؤساء الدول العربية على وجه التقريب وأمريكا وألمانيا، بألفاظ لا تليق برئيس جلة تمثل أمة محترمة.

56- استعمل اليخت المحروسة في كل رحلاته إلى أوربا تقريبا وكان يهاجم فاروق من هذه الناحية.

57- سكن كل القصور الملكية في القاهرة والإسكندرية وغيرها.

58- تدخل في كل الانقلابات العسكرية التي حصلت في المنطقة وكبدنا ملايين الملايين من الجنيهات.

59- أفلس الخزانة حتى أصبح الجنيه المصري غير مقبول للتعامل به في الأسواق الخارجية.

60- نشر الرعب والفزع في قلوب المواطنين جميعا.

61- جعل رجال الدين يبدون في الأفلام بصورة مهزأة مزرية.

62- طارد كل متدين، حتى أصبح المتدينون يستخفون في تدينهم.

63- يستسهل سرد الوقائع محرفة في استهتار بالغ.

64- قضى على زعامة مصر للعالم الإسلامي.

65- أضاع كل أجزاء مصر شرق القناة.

66- أطلق سراح الشيوعيين المعتقلين، وأبقى المعتقلين من الإخوان المسلمين.

67- كانت أشرطة التسجيل المرئية والسمعية تعرض في صالونه في سهراته.

68- أباح لحاشيته أن تفعل ما تشاء بمن تشاء دون محاسبة ولا رقابة.

69- شائعات عن تهريب أموال إلى الخارج في حسابات سرية بالبنوك الأجنبية.

70- إهمال صيانة المرافق العامة كلها، وبعثرة الأموال في المؤامرات والانقلابات الخارجية.

71- إحضار خصومه الهاربين من الخارج، بوسائل بوليسية كلفت المالية، إنفاقا كبيرا من جراء إحضارهم في صناديق مغلقة بعد تخديرهم.

إن الحصر ليعييني إذا ما رحت أستقصي مساوئ هذا المخلوق وآثامه في حق هذا الوطن الذي قضى على كل شيء فيه قضاء مبرما.

لقد أراد أمرا بيته هو وأحبابه الشيوعيون، وأراد الله أمرا، فكان ما أراد الله طبعا، (والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ).

ولئن هالك ما علمت، فيوم تنشر الوثائق الرسمية لذلك العهد، فأسأل الله ألا تخر مغشيا عليك من هول وفداحة ما ستعلمه وتطلع عليه.

الخاتمة

وأخيرا كيف يستطيع الشعب أن يأمن العودة إلى ذلك العهد الرهيب؟ كيف يدبر أمره، حتى لا يقفز الظالمون إلى الاستيلاء على مقاليد الحكم، إذا ما واتتهم الفرصة، أو دبروا لها في غفلة من هذا الشعب المتسامح الكريم؟ وكيف نعمل نحن حتى نؤمن الطريق الذي نسلكه، وسيسلكه أبناؤنا وأحفادنا من بعدهم؟ كيف نوفر لهم أمنا وهدوءا وعدلا واستقرارا، هذا ما يجب أن نتبينه، ونعد له العدة من الآن.

هناك جرائم ارتكبت، جرائم لم يعرف لها التاريخ مثيلا في الشذوذ والقسوة، خرجت من معقول مألوف، هي حق الفرد، هي حق المجتمع، إذا تنازل عنها الفرد قبل أن ترفع إلى الحاكم، فهذا حقه الكامل، وقد يثاب عليه من الله، وبين الناس، إنما إذا وصل الأمر إلى الحاكم، إلى ممثل الهيئة الاجتماعية، فليس في الأمر خيار، حتى ولو تنازل الفرد عن حقه بعد ذلك، مثلا قد يعتدي فرد على فرد ... في ماله .. في نفسه ... في سمعته أو كرامته وقد يترك المعتدى عليه حقه في الانتصاف لنفسه، هنا لا دخل للمجتمع، أما إذا وصل الأمر إلى ممثل المجتمع فقد أصبح الحق حق المجتمع، ولا يملك الفرد أن يمنع المجتمع من ممارسة حقه في القصاص، كذلك فإن المجتمع لا يملك سلطة التنازل عن حق الفرد، ما دام قد رفع إليه.

وهنا تتجلى عدالة المجتمعات وقيمها، فإن هي ضربت بيد من العدل والزجر، توفر للمجتمع أمنه واستقراره، وإن هي تهاونت فأوقعت من العقوبات ما لا يتفق وبشاعة الجريمة، أو تسترت على بعض المجرمين، لأي سبب من الأسباب وبأية صورة من الصور، كمعاقبة المنفذين وترك الآمرين، فهي مجتمعات مهتزة الجوانب، واهية الأركان، سرعان ما تتهاوى وتزول.

وخاصة إذا وصلت الجريمة إلى حد التعذيب الرهيب، وامتهان الكرامة، وهتك العرض، وبصورة جزافية جماعية، لا على وجه الخطأ والفردية.

وخاصة بعض الجرائم لا تكفي أموال العالم كله في تخفيف واقعها، وإزالة آثارها كالعاهات المستديمة وهتك العرض، ولن يرطب جانبا من صدر المجني عليه فيها إلا أن يقوم المجتمع بالعدل الحازم والإنصاف الرادع، الذي يكون بمثابة الزجر الأليم، الواقي من العودة إلى مثل هذه الجرائم، عقابا يجعل كل من يفكر في مثل هذه الجرائم،ـ أن يراجع نفسه قبل الإقدام عليها، لما يراه من صرامة المجتمع في المؤاخذة والحساب، ولا يمكن القول بأن القصاص فرض للتشفي، أبدا، ولكنه فرض لتوفير الحياة الكريمة الآمنة الهادئة "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" فالقصاص هو حجر الزاوية في المحافظة على انتظام المجتمعات، بعث الاطمئنان الوافر في نفس كل فرد من أفرا