قصة عبد الناصر والشيوعيين (الجزء الأول)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قصة عبد الناصر والشيوعيين (الجزء الأول)
دراسة تاريخية

بقلم: دكتور عبد العظيم رمضان


محتويات

تقديــم

يضم هذا الكتاب الدراسة التي نشرت تباعاً في جريدة الوفد في الفترة من 19 أغسطس 1996 إلى 29 يونيه 1998، واشتملت على 95 مقالاً، تحت عنوان رئيسي هو: ثورة يوليو وحقوق الإنسان.

وقد آثرت أن يصدر الكتاب في الشكل الذي قرأه القراء، أي في شكل المقالات التي شدت القراء على مدى 95 أسبوعاً، أي قرابة عامين كاملين. وهي مدة قياسية لا أظن أنه تفوقها مدة أطول لأية دراسة تاريخية من هذا النوع في تاريخ الصحافة، كما أنها أطول من المدة التي نشرت فيها دراستي عن حرب يونيه 1967 والتي نشرت في مجلة أكتوبر تباعاً تحت عنوان: "تحطيم الآلهة" وتجاوزت حلقاتها سبعين حلقة، استغرقت أكثر من سبعين أسبوعاً.

وعندما بدأت في كتابة هذه الدراسة كان تصوري أنها سوف لا تتجاوز عدداً قليلاً من الحلقات، فقد كان هدفي الأول هو ضرب نماذج من امتهان الرئيس عبد الناصر لحرية الرأي واعتدائه على حقوق الإنسان، وكنت أهدف بذلك الرد على المحاولة الفجة التي قام بها الناصريون في ذلك الحين لإثبات اعتداء الرئيس السادات على حقوق الإنسان عن طريق الاحتفال بمن أسموهم سجناء الرأي الذين اعتقلهم السادات في 3 – 5 سبتمبر 1981.

فقد أثارتني هذه المحاولة التي أغفلت سجناء الرأي في عهد عبد الناصر ولم تذكر غير سجناء السادات! مع ما هو معروف من أن سجناء عبد الناصر ألقى بهم في معتقلات تعذيب لا تفترق كثيراً عن معتقلات هتلر في "بوخنفالد" و "داخاو" و "أوشفيتز" وغيرها، في حين لقي سجناء السادات من المعاملة الإنسانية ما لا يقارن، وما جعل الكثيرين منهم يعترفون به في كتاباتهم.

ومع إدانتي الشديدة لأي اعتقال لصاحب رأي سواء كان في عهد عبد الناصر أو في عهد السادات، وسواء لقي معاملة وحشية أو معاملة إنسانية، فإن تجاهل الناصريين لمعتقلات التعذيب في عهد عبد الناصر كان ظلماً للتاريخ وتزييفاً له، ونفاقاً لا يتحمله ضمير مؤرخ.

ومن هنا قررت أن أكتب تاريخ معتقلات التعذيب في عهد عبد الناصر، وأن ألقي الضوء على هذه الصفحة الخفية التي لا تعرفها أغلبية الشعب المصري والشعوب العربية، من واقع الوثائق اصلية ومن واقع اعترافات الشيوعيين الذين لا يفترض فيهم مبالغة أو تزييف، إذ تنتفي عنهم شبهة التلفيق والتزييف وتشويه عبد الناصر وعصره، وهم اليوم أكبر المدافعين عنه وعن عصره، بل أكبر حلفاء الناصريين، ولم يكفوا – حتى في أثناء وقوع التعذيب عليهم – عن تأييد نظام عبد الناصر تحت وهم أنه نظام تقدمي، مع أن أي تحليل علمي وأيديولوجي سليم لا يتردد في التأكيد على أنه نظاماً عسكرياً فاشياً خالصاً.

وقد كان غرضي في البداية - كما ذكرت - هو مجرد ضرب نماذج، ولكني سرعان ما رأيت أنه ما دام أنني قد فتحت ملف التعذيب في عهد عبد الناصر، فعلي أن أمضي فيه إلى النهاية، حتى تكتمل الصور، وحتى لا يتصور أحد أن النماذج التي أوردتها هي نماذج طارئة وليست سياسة مقررة اتبعها عبد الناصر واتسم بها عهده من البداية.

فوق ذلك فإن الاكتفاء بضرب نماذج، فيه إجهاض للملف كله، ولن يتيسر فتحه مرة أخرى، كما أنه ظلم لتاريخ مصر، وظلم لتلك الصفحة التي يجهلها شعبنا وجميع الشعوب العربية التي خدعتها اشتراكية عبد الناصر دون أن تعلم أنها اشتراكية نارية لا تفترق كثيراً عن اشتراكية النظام النازي، فهذه الشعوب لا تذكر من عهد عبد الناصر سوى شعاره: "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد"، ولا تذكر أبداً أن عبد الناصر كان يدوس بقدمه على كل رأس يرتفع بالمعارضة لسياسته ويزج به في المعتقلات والسجون.

وقد كان عليّ حين قررت أن أقدم دراسة متكاملة عن معتقلات التعذيب في عهد عبد الناصر أن أستكمل ما لدي من وثائق كتبها المفكرون الشيوعيون في شكل كتب أو أوراق مطبوعة أو غير مطبوعة. وقد استغرق ذلك مني وقتاً وجهداً، وعاونني فيه كثير من الأصداء اليساريين الذين أدركوا أهمية استكمال هذه الصفحة من تاريخ مصر التي لم يجرؤ على كتابتها أحد من المؤرخين إلى اليوم، وأدركوا أكثر من ذلك أنني لا أستهدف من وراء هذه الدراسة سوى تسجيل الحقيقة التاريخية عن عصر عصف بمصر عصفاً شديداً، وغير تربتها الاجتماعية وأفكارها واتجاهاتها السياسية، ومضى بخيره وشره.

وعلى هذا النحو أخذت هذه الدراسة تتضخم أسبوعاً بعد أسبوع، وتتخذ الشكل الذي اتخذته، وهو شكل كان متعذراً لو أنني قصدت من البداية تقديمها في شكل دراسة متكاملة! فقد اختلط في هذا الشكل التأمل والتحليل والمراجعة والتصحيح والحوار.

وعلى سبيل المثال فقد نشرت وثيقة بخط اليد تحت عنوان: "ماذا حدث في أوردي أبو زعبل بدءاً من 7 نوفمبر 1959 إلى أواخر يونيه 1960 بقلم محمود شندي". وقد زارني في أعقابها المفكر اليساري المعروف سعد زهران، وأخبرني بأنه كاتب هذه الوثيقة وليس محمود شندي، وأبدى دهشته من وصولها إلى يدي. وقد قمت بتصحيح ذلك أثناء نشر الدراسة، وهو ما كان متعذراً لو كانت الدراسة قد صدرت قبل ذلك.

كذلك فلم أكن أعلم بمذكرات الأستاذ محمود السعدني التي نشرها تحت عنوان: "الطريق إلى زمش"، حتى تقابلت معه صدفة في حفل منح الدكتور الدكتور حسين كامل بهاء الدين الدكتوراة الفخرية من جامعة اسكتلندية، وبعث بها إليَ لأكشف أهميتها التاريخية القصوى، لأن محمود السعدني إلى اليوم مازال ناصرياً على الرغم مما تعرض له من تعذيب في عهد عبد الناصر، دون أن يكون شيوعياً! وتنتفي - بذلك - عنه شبهة التزييف والتشويه.

لذلك أردت بنشري هذه الدراسة في شكل المقالات التي صدرت بها، أن يخوض القارئ معها نفس التجربة التي خاضها قارئ صحيفة الوفد كل يوم اثنين على مدى 95 أسبوعاً، متابعاً لأحداث هذه الدراسة.

ومن الطبيعية أنني عندما قمت بإعداد هذه الدراسة للنشر ككتاب، قمت بإدخال ما يلزم من التعديلات التي تناسب دراسة علمية من هذا النوع، من ناحية ضبط العبارات والمعاني، وإضافة ما تحتاج إليه من إضافات. كما غيرت عناوين بعض المقالات التي صدرت بها في الأصل. وعند تعرضي لأسماء معتقلات التعذيب في ألمانيا النازية قمت بضبط نطق هذه الأسماء، وأضفت إليه أسماءها باللغة الإنجليزية، نظراً لأن تعريب هذه الأسماء الأفرنجية دون إرفاقها بحروفها اللاتينية يكون دائماً على حساب النطق الصحيح.

كذلك فإن نشر هذه الدراسة في صورة المقالات الأسبوعية التي صدرت بها أصلاً كان لابد أن يحمل معه ما يصحب عادة المقالات الأسبوعية من تلخيص سريع لما سبق ذكره لمساعدة القارئ على المتابعة ولتذكيره بما يكون قد نسيه. وقد طرأ لي حذف هذا التلخيص من مقدمة كل مقال، ولكني بعد أن أعدت قراءته تبينت فائدته في التذكير والتأكيد، ذلك أن القارئ لا يقرأ الكتاب في يوم واحد، وإنما يقرؤه على أيام قد تكون متباعدة، وهو بالتالي في حاجة إلى التذكير بما سبق له قراءته.

وقد يرى البعض ممن يقرءون هذه الدراسة أنها اتخذت موقفاً معادياً لعبد الناصر ولحكمه، مما يتنافى مع الحياد التاريخي الواجب توافره في المؤرخ الأكاديمي، وهؤلاء يتصورون أن الحياد التاريخي في شكل حياد الحق والباطل، وينسون أن المؤرخ الحق إنما هو موقف، ومن هذا الموقف يسترد أهميته.

وموقف المؤرخ الصحيح - في رأيي - يجب أن ينطلق من فكر تقدمي ورؤية تقدمية في صف الجماهير الشعبية وضد ما تتعرض له من استبداد او استعمار. فالتاريخ يكوّن الذاكرة القومية للشعوب، وهو الذي يكوّن الوعي القومي والوطني، وهو ضمير الشعب، فإذا كتبه مؤرخ يفتقد إلى الرؤية التقدمية لتطور المجتمع البشري، فإن التاريخ الذي يكتبه يفقد رسالته الحقيقية التي تقوم بها الدراسات التاريخية الحقة.

كذلك فإن الذين يتحدثون عن الحياد التاريخي بمعناه الرياضي ينسون أنه لا يمكن الفصل بين التاريخ والمؤرخ.

فالمؤرخ هو الذي يفسر التاريخ، وهو الذي يبث فيه من روحه، وهو الذي يبعثه من رقاد، ويحوله من رفات إلى كائن حي يتحرك ويؤثر. وبدون المؤرخ تبقى الأحداث التاريخية في قبرها في حالة موات!

وفي هذا الضوء، ومن هذا المفهوم، كتبت هذه الدراسة.

د. عبد العظيم رمضان

الهرم في أول نوفمبر 1998


تجربة الوفد الديمقراطية في الدفاع عن حقوق الإنسان (الوفد في 19/8/1996)

ربما كان خير ما نحتفل به بذكرى ثورة يوليو 1952، هو أن نقوم بدراسة جوانبها المختلفة دراسة تاريخية معمقة، حتى يمكن تقييمها التقييم الصحيح، وتحديد موقعها بين الثورات الوطنية المتعاقبة في تاريخ مصر ضد الاستبداد والاستعمار.

ولما كانت قضية حقوق الإنسان هي القضية التي تحدد مكان كل دولة على ظهر الأرض اليوم، ويقاس بها مدى تحضرها وتمدنها، وهي المعيار الذي حدده المجتمع الدولي للتعامل مع هذه الدولة أو تلك، بل هي الشرط الأساسي الذي حددته الدول الليبرالية لتقديم معوناتها المادية والمعنوية للدول، فقد رأينا أن نتخذ هذا المحور الهام للدراسة، عله يفيد في تكوين صورة متكاملة عن هذه الثورة، وأيضاً لموازنة الزفة الرئيسية التي تسوقها وسائل الإعلام المصرية بمناسبة ذكرى الثورة، والتي من شأنها أن تغمط حق الشعب في معرفة تاريخه معرفة مجردة من الهوى والأهداف السياسية، وهو ما تعمد إليه الدول المتحضرة التي تحترم شعوبها وتعرف أن من حقها أن تعرف التجارب السياسية التاريخية التي مرت بها معرفة أمينة. وهذا هو واجب المؤرخين الأول، فإذا كان من حق السياسيين الدفاع عن نظمهم السياسية بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فإنه من حق المؤرخين الجفاع عن تاريخهم الوطني بالوسيلة المشروعة الوحيدة، وهي الحقيقة التاريخية!

وأعتقد أن الناصريين وحواريي ثورة يوليو سوف يرحبون باهتمامنا بموضوع حوق الإنسان، خصوصاً بعد أن أصبح هذا الموضوع شاغلهم الشاغل السياسي الأول، وأصبحت تتكون منهم معظم جمعيات حقوق الإنسان في العالم ظاهرة من ظواهر حياتنا السياسية والحزبية في مصر، الأمر الذي نخشى أن يفهمه شعبنا على غير حقيقته.

فمن المهم لشعبنا في حياته السياسية أن يعرف جيداً هوية الأصوات التي ترفع علم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وهل تنطلق من مبادئ أصيلة راسخة تسندها مواقف تاريخية ثابتة في الدفاع عن حقوق الإنسان، أو هي أصوات تتاجر بسلعة الحرية وحقوق الإنسان الرائجة في هذه الأيام؟ ذلك أن المعرفة الصحيحةلهوية هذه الأصوات هي التي تحدد موقف الصوت الانتخابي في أية اتخابات قادمة!

وعلى سبيل المثال، فإذا وضعنا تجربة الوفد التاريخية في الدفاع عن حوق الإنسان تحت الفحص التاريخي، فسوف نجد شواهد وأمثلة ونماذج تزدحم بها صفحات تاريخ مصر المعاصر، وسوف نعجز تماماً إذا حاولنا العثور على موف واحد للوفد اعتدى فيه على حقوق الإنسان المصري، بل إنه في كل الأوقات التي كان خصوم الوفد من أحزاب الأقلية والقصر الملكي يستخدمون في محاربة الوفد كل الأسلحة غير المشروعة من سباب في الصحف وافتراء وتشهير وتآمر على الحياة الدستورية في البلاد، كان الوفد يستفتي دائماً الدستور، قبل أن يتخذ أي خطوة في محاسبة هؤلاء الخصوم، ولم يمنع أبداً صوتاً عن مهاجمته حتى لو كانت هذه المهاجمة قائمة على تضليل وافتراءات وأكاذيب، ولم يصادر صحيفة مهما اشتطت في تجريحه وسبه!

ففي سنة 1928 عندما أحرز مصطفى النحاس الفوز في معركة قانون الاجتماعات مع الإنجليز انتهز القصر الفرصة لتدبير مؤامرة سيف الدين الشهيرة من أجل إقالة حكومة الوفد. وكان الأمير سيف الدين قد اعتدى على الملك فؤاد حينما كان لايزال أميراً في 7 مايو 1898 بأن أطلق عليه الرصاص في الكلوب الخديوي، وقد حكم على الأمير بالسجن سبع سنوات، ثم خففت إلى خمس، ثم وضع الأمير في مصحة في إنجلترا على أساس أنه مختل الشعور، وبقي في هذه المصحة سبعة وعشرين عاماً لم يتمتع فيها بشيء من أملاكه الواسعة وأطيانه الكثيرة، التي كان يعبث فيها الملك فؤاد. ثم هرب الأمير من المصحة في عام 1927 بعد مغامرات، وسعى في استرداد حقوقه في إدارة أملاكه ورفع الحجر عليه. ولما كانت خصومته الأساسية مع الملك فؤاد، فقد لجأ إلى مصطفى النحاس وويصا واصف وجعفر فخريبك، لاتخاذ الإجراءات القضائية لرفع الحجر عنه وإعادة جميع أملاكه إليه. وكان مصطفى النحاس في المعارضة في ذلك الحين.

وقد كان اختيار محامين من رجال الوفد مقصوداً في حد ذاته لمواجهة الملك فؤاد، الأمر الذي أكسب القضية بعداً سياسياً. وقد فهم الملك فؤاد هذا البعد وأدرك خطورته على مصالحه، وعول على الانتقام ولذلك فعلى الرغم من أن النحاس كان قد تنازل عن توكيله في القضية بعد أن تولى رياسة الوزارة في 17 مارس 1928 بعد استقالة ثروت باشا من رياسة وزارة الائتلاف، إلا أنه لم يمض في الحكم أكثر من ثلاثة أشهر حتى كان القصر يدبر مؤامرة سيف الدين، لتشويه الاتفاق الذي كان قد تم مع مصطفى النحاس على تولي الدفاع في قضية رفع الحجر عن الأمير سيف الدين.

ولذلك فعلى الرغم من أن تاريخ الاتفاق على الدفاع كان في فبراير 1927 ولك يكن النحاس قد تولى بعد رياسة الوفد، وعلى الرغم من أن النحاس كان قد تنازل عن توكيله في القضية عند توليه رياسة الوزارة، فإن صحف القصر صدرت، في أثناء تولي النحاس رياسة الوزارة، وعلى صدرها وثيقة محرفة للاتفاق على الأتعاب الذي عقده النحاس وزميليه، ووجهت إلى النحاس وهو رئيس الوزارة أقذر ما شهدته الصحافة المصرية من سباب حتى ذلك الحين، وقذفته بأقذع الإهانات، حتى إن جريدة الأخبار، وهي جريدة الحزب الوطني المتواطئ مع القصر، كتبت تقول: "ألا إنه لشرف النعال، وإنها لكرامة الأوحال، وإنها لأمانة المحتال، وإنها لصيانة دستور الدجال، ألا تخشى أن يتلطف معك صاحب الجلالة ويسألك أين استقالتك؟ فبماذا تجيب أيها النتن القذر ؟".

ومع ذلك لم يصادر مصطفى النحاس وهو رئيس الوزراء الجريدة التي ساقت هذه الاذورات، وإنما ترك للقانون أن يأخذ مجراه! وقد كان في يوم 7 فبراير 1959 حين أصدر مجلس تأديب المحامين ببراءة النحاس وويصا واصف وجعفر فخري مما حاول القصر إلصاقه بهم من تهم استغلال النفوذ السياسي وغيرها مما يمس شرف مهنتهم، وزاد فوصف عملهم بأنه "عمل محمود لا يُفهم كيف يكون محل مؤاخذة؟".

وقد كان إصرار مصطفى النحاس على تحكيم الدستور والقانون وهو في الحكم في معاملة المعارضة التي كانت تتآمر على الحياة الدستورية مع القصر، مما يثير ثائرة الكثيرين من رجال الوفد، الذين كان بعضهم يتوق إلى أن يحمي النحاس الدستور بوسائل أكثر فاعلية من اللجوء إلى المحاكم ورفع القضايا!

ففي عام 1937، عندما كان القصر يدبر المؤامرات لهذه الحياة الدستورية وإقالة حكومة الوفد، وكان رجال الوفد يعرفون ان الإقالة آتية لا ريب فيها، مع ما سوف يعقب هذه الإقالة من نضال طويل قد يستغرق سنوات طوال لإعادة الحياة الدستورية! كتب الصحفي الوفدي الشهير محمد التابعي مقالاً افتتحاياً شهيراً يقطر مرارة لتمسك النحاس بالدستور، يقول فيه:

"يحز في نفوسنا ـ نحن الوفديين ـ أن زعيمنا حاكم ضعيف! وأنه وضع الدستور عن يمينه، والقانون عن يساره، وعمامة ابن حنبل فوق رأسه، ثم أقسم على المصحف ليحترمن أحكام الدستور والقانون ولو شنقوه؟

"قيد مصطفى النحاس باشا نفسه، واختار أن يكون حاكماً ضعيفاً، في وقت ان يحل فيه شيء من الاستبداد، والعاجز من لا يستبد!

"مصطفى النحاس، الدكتاتور الطاغية ـ كما يصفه المعارضون ـ كل عيبه عندنا، نحن أنصاره، أنه لا طاغية ولا دكتاتور ولا يحزنون ـ كل عيبه انه، وهو يستند إلى أغلبية قل أن يفوز بها زعيم من قبله، قد اختار أن يترك أقلية قل أن يوجد مثلها في هزالها وضعفها، تتحكم فيه، وأن تشغله بصخبها وصياحها وضجيجها عن الاهتمام بشئون الدولة. وهو ـ لو شاء ـ ليستطيع أن يبطش بها ويمسحها من اللوح ويذرو ترابها الرياح!

"ولكنه ـ مصطفى النحاس الطاغية! ـ ليستغفر ويحوقل، ويهز عمامة ابن حنبل ويمد يده إلى الدستور والقانون ليرى حكم الدستور والقانون!

"وما أفلح حاكم، ولن يفلح حاكم يختار لنفسه هذه الطريق الضيقة!

"ليت مصطفى النحاس أدنى شيئاً من بطش صدقي، أو "عنطزة" محمد محمود! ليته كان طاغية بحق وحقيق، إذن لاسترحنا واستراح البلد، بل لاستراح الدستور والقانون، واستقرت الأمور وانتظم الحكم ومشت أسباب الإصلاح في هذا البلد.

"صحفي منا كان يحك قصبة أنفسه لحر دستوري لا في العير ولا في النفير، فكانت تقوم وزارة الداخلية، تقوم على قدم واحدة ولا تقعد. وكانت إدارة الأمن العام تقوم على قدم واحدة ولا تقعد، حتى تتعطل الصحيفة، وتصادر أعدادها، ويزج بالصحفي في السجن تحت إذن المحقق بضعة أيام!

"وصحفي يقول اليوم لمصطفى النحاس أنه يتاجر بالوطنية، وإنه يهدر كرامة البلد، وإنه يبيع الوطن للإنجليز، وإنه يشترك مع زملائه الوزراء في نهب أموال المصريين ـ فيستشير مصطفى النحاس الدستور والقانون، وتتحرك النيابة بعد بضعة أيام، ويصدر الحكم بعد عام، وتقدم عن الحكم معارضة أو استئناف، هذا والصحفي وزملاؤه جادين في اللطم واللطش وحملة التجريح!

"أو يستشير مصطفى النحاس نبي الرحمة والصفح عيسى بن مريم، ومن ثم يدير بعدها خده الأيسر بعد خده الأيمن!

"ما هكذا الحكم يا زعيم الأغلبية، يا دكتاتور!

"أحكم كما يحكم الحاكمون الأقوياء! أحكم، أو لتترك الحكم للأقوياء القادرين!

"ما ذنب هذا البلد الذي بايعك على الزعامة، وما ذنب هذا الشعب الذي التف حواليك؟ وما ذنب الدستور الذي أريقت في سبيله دماء زكية؟

"اغضب مرة لهذا الدستور الذي يبيَّت له، ويُدس له، وينادى علناً من فوق منابر الصحف بأنه لا خير فيه!

"اغضب مرة لهذه الزعامة التي تقذف كل يوم بالوحول، وانس حكم الدستور والقانون، وافرح قلوبنا ولو ساعة واحدة، وكن طاغية، واستبد، وأشهدهم كيف يكون حكم الطغاة، وإلا فالويل لهذه الأمة يوم تتم سلسلة الدسائس، وتختتم الحلقات، يوم يضيع الدستور، وتتحكم الأقلية في الأغلبية، وتعود أنت إلى البلد تطلب منه استئناف الجهاد، فيقول لك هذا البلد المتعب المنهوك: عني يا من أضعت بضعفك ثمرات الجهاد!

"ولكن مصطفى النحاس لن يرضى بديلاً عن الدستور والقانون وعمامة ابن حنبل!

"والسلام عليكم يوم نمسي ويوم نصبح، فإذا مصطفى النحاس قد أضاع الدستور، من فرط حرصه على الدستور!".

وقد تحققت نبوءة محمد التابعي، فقد سقط الدستور على يد ثورة يوليو، وتحكمت أقلية من ضباط الجيش في الأغلبية، وفرضت ديكتاتوريتها، وارتكبت أشد الهزائم العسكرية نكراً في تاريخ مصر العسكري. ومع ذلك فما زال أنصارها يروجون لها، ويرفعون أعلامها، ويضللون الجماهير المصرية بأمجاد، ويقومون بعملية غسيل مخ للشعب المصري حتى ينسى ما ذاقه وعاناه في عهد عبد الناصر، ويخرجون له الأفلام التي تقلب الهزائم إلى انتصارات، والأكثر من ذلك والأغرب، أنهم أصبحوا من دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأصبحوا أكثر المتشدقين بحقوق الإنسان!

ومن هنا حق في أن يعرف تاريخه بعيداً عن التضلي والتلفيق، ويعرف قصة ثورة يوليو مع حقوق الإنسان، حتى يكون لنفسه ما يراه من رأي، وأهم من ذلك بكثير حتى لا يدع لهذه التجربة الأليمة أن تتكرر في مصر مرة أخرى وهي تدخل القرن الواحد والعشرين.


مبدأ ثورة يوليو الأوحد هو الحكم والسلطة ! (الوفد في 26/8/1996)

قبل أن نتحدث عن موقف ثورة يوليو من حوق الإنسان، نود أن نذكّر أولاً بأن الثورة عندما أعلنت وجهها للشعب المصري، أعلنته من زاوية حقو الإنسان! وبمعنى آخر من زاوية احترام الدستور الذي يحمي حقو الإنسان، ولم تكشف عن وجهها إلا بعد أن استقرت قبضتها حول عنق الشعب المصري!

فقد قالت في أمرها اليومي الأول: إن حركة الجيش "ترمي إلى احترام الدستور، وإعادة الحياة الدستورية السليمة، وإطلاق الحريات العامة التي طال حبسها عن الشعب، حتى يستطيع التعبير عن رأيه والاشتراك بحكم نفسه بنفسه".

على أنه قبل مضي ثلاثة أيام فقط على هذا البيان، الذي من المفروض فيه أنه يعد التزاماً من الثورة بالدستور والديموقراطية لا تستطيع النزول عنه، ولم يكد الملك فاروق يدير ظهره لمصر في طريقه إلى المنفى،وتطمئن الثورة إلى تأييد الشعب الكاسح وجميع القوى السياسية في مصر، حتى كانت تنكص على عقبيها.

ففي يوم 27 يوليو 1952 طرح عبد الناصر على الهيئة التأسيسية للضباط قضية مستقبل الحكم في البلاد، وهل يكون عن طريق الدكتاتورية او عن الطريق الديموقراطية؟

وهو طرح غريب، لأن الثورة كانت قد حددت مسبقاً مستقبل الحكم في مصر في بيانه الأول، وأعلنت بعبارة صريحة ان حركة الجيش ترمي إلى احترام الدستور وإعادة الحياة الدستورية السليمة، فما هو ـ إذن ـ الذي أثار قضية الدكتاتورية؟

على كل حال، فإن الأمانة التاريخية تقتضي منا أن نقول إن رأي عبد الناصر الذي طرحه في هذا الاجتماع، كان إعادة البرلمان الوفدي المنحل، وتسليم مقاليد البلاد له. وهذا الرأي ثابت في مذكرات أنور السادات في كتابيه: "يا ولدي هذا عمك جمال"، و "البحث عن الذات". كما انه ثابت من رواية خالد محي الدين، وما قاله في الحوار الذي نظمته مجلة الطليعة في عددها الصادر في يناير 1975.

على ان هذا الرأي وجد معارضة إجماعية من الضباط! فعندما أخذت الأصوات، كانت النتيجة سبعة ضد واحد! أي سبعة مع حكم البلاد حكماً دكتاتورياً، وواحد فقط هو عبد الناصر، مع الديمقراطية! ويقول السادات إنه عند ذلك وقف عبد الناصر محتجاً، وقال إن الدكتاتورية طريق خطر على الثورة وعلى البلاد، وأنا مستقيل من جميع مناصبي!

وقد تأكد هذا الموقف من عبد الناصر عندما وافق على رأي الدكتور وحيد رأفت الذي أدلى به في مجلس الدولة، عند نظر مسألة دعوة البرلمان الوفدي المنحل للانعقاد لمناقشة مشكلة الأوصياء على العرش، وكان هذا الرأي يقضي بدعوة البرلمان الوفدي، على أساس أن حالة التنازل عن العرش التي لم ينص عليها الدستور تماثل حالة الوفاة التي النص عليها الدستور. وكان وحيد رأفت قد وقف وحيداً في هذا الرأي بسبب مؤامرات الدكتور عبد الرازق السنهوري وسليمان حافظ، فصوت ضده تسعة أصوات!

فما الذي حمل عبد الناصر على العدولعن رأيه واتباع طريق الدكتاتورية الذي وصفه بنفسه بأنه "طريق خطر على الثورة وعلى البلاد"؟

يقول خالد محي الدين، الذي لم يكن قد حضر الاجتماع السالف الذكر، وإنما كان في الإسكندرية، غن عبد الاصر روى له ما جرى فيه، وعندما سأله عن سبب عدوله عن الاستقالة، أجابه عبد الناصر بأنه وجد الموقف منقسماً على نفسه في الجيش، ووجد الموقف يفلت، فرضخ!

ولكن من الواضح أن السبب الحقيقي هو أن عبد الناصر أدرك أن استالته لن تقدم ولن تؤخر، وأن الثورة وقعت في يد زملائه، فعاد لكي يقف موقف المسيطر على الأمور، ولكي يستولي على السلطات التي كادت تسقط في يد هؤلاء الرفاق.

وهذا ما تؤكده الوقائع التاريخية، لأن عبد الناصر أخذ بعد ذلك يتخلص من زملائه بالتدريج، بعد أن وضع عبد الحكيم عامر في قيادة الجيش، وأصبح يعتمد على الجيش في حكم البلاد.

ومعنى ذلك أن البلاد وقعت بالفعل في يد "عصابة" من الضباط لا تحفظ وعداً ولا عهداً، وقد ابتلعت وعدها في بيانها الأول قبل أن يجف مداد الورق الذي كتب به! وبدلاً من إعادة الأمر إلى الأمة المصرية تدير أمورها بنفسها وفقاً لإرادتها الحرة الطليقة، فرضت نفسها على البلاد وعلى إرادة الشعب، وأخذت تقود السفينة دون أن يكون لديها أية خبرة مسبقة بقيادة السفينة.

والمهم هو أن هذه العصابة لم يكن يجمعها فكر أيديولوجي موحد، وإنما كان يجمعها شيء واحد هو البقاء في السلطة. فقد كان فيها من اليسار يوسف صديق وخالد محي الدين، وكان هناك من اليمين عبد المنعم أمين الذي كان يقف إلى جانب الفكر الرأسمالي الخالص، وكان عبد المنعم أمين هو رئيس المحكمة العسكرية التي عقدت في كفر الدوار لمحاكمة مصطفى خميس ومحمد البقري، وأصدرت قرارها بإعدامهما. كما كان من الضباط الإسلاميين حسين الشافعي وكمال الدين حسين اللذين كانا يريان الحكم بالقرآن، وبأن خلاص مصر في الدين .. وهكذا!

ولعل التاريخ لم يشهد ثورة منقسمة أيديولوجياً على هذا النحو، فقد كانت الثورة الروسية في أكتوبر 1917 ملتزمة بالفكر الاشتراكي، وكانت الثورة الفرنسية ملتزمة بالفكر البورجوازي، وكانت ثورة 1919 في مصر ملتزمة بالفكر الديموقراطي الليبرالي، وقد طبقت هذا الفكر كما تطبقه إنجلترا والدول الليبرالية في الغرب.

أما ثورة يوليو فقد كان مبدؤها الأوحد هو الحكم والسلطة! وفي سبيل ذلك اصطدمت باليمين واليسار على حد سواء وبدرجة متساوية، وإذا كانت قد اختلفت نتائج هذا الصدام فلأن اليمين الإسلامي كان يميناً انقلابياً، بمعنى أنه يملك ميليشياته وكوادره المدربة والمسلحة وتنظيماته العلنية والسرية، أما اليسار فكان تياراً فكرياً أكثر منه حركة ثورية تحرك الجماهير البروليتارية، كما أن البروليتاريا المصرية كانت على الدوام متأثرة بالدين وكانت ممتنعة في غالبيتها العظمى على الفكر الشيوعي.

ومن هنا، ففي حين اتخذ صدام الثورة مع اليمين الإسلامي شكلاً عنيفاً وصدامات واعتقالات ومحاولات اغتيال لضباط الثورة، اختتمت بمحاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر 1954 ـ فإن الصدام مع اليسار المصري كان صداماً صامتاً تمثل فقط في اعتقال القيادات اليسارية بسهولة والزج بهم في المعتقلات والسجون.

وهذا ينقلنا إلى قضية حقوق الإنسان التي أصبح يتشدق بها الناصريون – فلم يكن اليسار يمثل في أي وقت تهديداً للثورة كما هو الحال بالنسبة للإخوان المسلين، ولم يعمد أبداً إلى القيام بأية حركة انقلابية ضد الثورة كما فعل الإخوان المسلمون في عامي 1954 و 1965، وإنما كانت معارضة اليسار تتخذ شكل التعبير عن الرأي فقط لا غير – أي التعبير عن الرأي المجرد من السلاح والذي لا تسنده أية قوة شعبية أو عسكرية أو أي وسيلة من وسائل القوة التي تشكل خطراً على الثورة.

ومع ذلك فقد اعتبرت الثورة أن مجرد التعبير عن هذا الرأي يمثل خطراً عليها! وأخذت تتعامل بوحشية، ونكلت بقياداته تنكيلاً! وفيما يبدو أن اليسار أصيب بعدها بالسادية ـ أي حب التعذيب ـ لأنه اليوم هو الذي يقف دفاعاً عن الثورة بعد أن غفر لها ما تقدم من ذنبها وما تأخر، ونسي الكثيرون منهم السياط التي ما تزال محفورة علاماتها على ظهورهم، والتي حرمت الكثيرين منهم من الظهور بملابس الاستحمام على الشواطئ!

وقد كان من الممكن أن تظل هذه الصحيفة البشعة سرية في طي الكتمان، لولا شجاعة البعض الذي كتب ذكرياته عن سجون ومعتقلات عبد الناصر، وروى كيف كانت تمتهن حقوق الإنسان المصري بينما كانت أبوا الثورة تتحدث عن الديموقراطية الاجتماعية والديموقراطية السياسية!

ونظراً لأن هذه الكتب اليوم قد نفدت من المكتبات، ولم يعد لها وجود، فإننا سنقدم عرضاً لها نهديه إلى دعاة حقو الإنسان من الناصريين، ليعرفوا أي نفاق يمارسون، وأي خداع وتضليل للشعب يقومون به عندما يظهرون أنفسهم قس مظهر دعاة الحرية، وينسون أن أيديهم كانت مخضبة بدماء الضحايا في عهد عبد الناصر دون أن يجرءوا على إثارة قضية حقوق الإنسان!

وفي الوقت نفسه، فإن اختيارنا لكتب اليسار إنما هو لإقحام من ينتسبون إلى اليسار من الناصريين، ولنسمع آراءهم في مدى احترام ثورة يوليو لحقوق الإنسان، ولنقضي على الخرافة التي روج لها الناصريون طويلاً، وهي أن ثورة يوليو كانت ثورة تقدمية ! ولنثبت أنها كانت في حقيقتها مجرد ثورة ناصرية لا تنتمي لفكر، وإنما تنتقي من كل فكر ما يخدم بقاءها في الحكم.

بل إنه عندما أصدرت الثورة قرارات التأميم، لم يكن هدفها تطبيق أي فكر اشتراكي، وإنما كان هدفها الأوحد تصفية الرأسمالية المصرية تصفية اقتصادية وسياسثية، وإفساح الفرصة لزحف العسكريين على الإدارات المدنية لوسائل الإنتاج، لمساندة نظام الحكم على المستوى المدني.

وبالفعل، فقد حل العسكريون محل الرأسماليين في إدارة الشركات التجارية والصناعية والمالية، دون أن تسبقهم أية خبرة في هذا المجال، الأمر الذي عرض وسائل الإنتاج لاختلالات كبيرة في الإنتاج، وأدى إلى إضرابات عمالية عندما وجدت الطبقة العمالية نفسها تنتقل من يد الطبقة الرأسمالية إلى يد طبقة عسكرية، وتتحول المصانع من مراكز إنتاج مدني إلى ثكنات عسكرية!

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ففي مرفق مثل مرفق النقل العام، تعاقب على إدارته منذ التأميم كل من اللواء حسن شاكر ـ وكان المرفق وقتها يتبع محافظ القاهرة اليوزباشي صلاح دسوقي، ولكن عبد الناصر اكتشف فيما بعد أنه عميل أمريكي للمخابرات المركزية الأمريكية، ففصله، ولكن أمريكا عينته في منصب كبير في الأمم المتحدة رغم عدم موافقة مصر!

وقد أعقب اللواء حسن شاكر، بعد فترة قصيرة تولاها الدكتور البربري، العميد جمال صدقي، ثم الفريق عبد العزيز الجمل بعد استيلاء الجيش على مرفق النقل العام، وفي عهد العميد جمال صدقي والفريق عبد العزيز الجمل أصبحت الإدارة العليا والإدارة المتوسطة في يد الضباط – الأمر الذي يوضح أن التأميم كان أحد أسبابه الأساسية فتح الإدارة المدنية للضباط! وخدمة الجيش الذي يستند إليه نظام عبد الناصر!


احتقار عبد الناصر للشيوعيين ! (الوفد في 2/9/1996)

في مقالنا السابق ناقشنا الأسطورة الشائعة بأن ثورة يوليو ثورة تقدمية، وقلنا إنها كانت مجرد ثورة ناصرية لا تنتمي لأي فكر، وإنما معناه أنها في إنجازاتها جميعاً كانت تستهدف غرضاً وحيداً هو بقاؤها في الحكم، ولا شأن لها بما إذا كان هذا الإنجاز ينتمي إلى الفكر الاشتراكي أو ينتمي إلى الفكر الرأسمالي!

وقد قلنا إنه عندما أممت ثورة يوليو وسائل الإنتاج في يوليه 1961 لم يكن عشقاً في الفكر الاشتراكي، أو انتماء له، وإنما كان أحد أسبابه الرئيسية هو فتح مغانم الإدارة المدنية للعسكريين، يغترفون منا ما يدعم نظام عبد الناصر ويخدم ضباط الثورة وأقاربهم وأقارب أاربهم! وبمعنى آخر كان أحد هذه الأهداف الأساسية احتلال الإدارة المدنية، ووضع وسائل الإنتاج في يد الجيش. وقد ضربنا الأمثلة على ذلك في مقالنا السابق.

وربما كان أكبر دليل على أن قرارات التأميم لم تكن بسبب انتماء فجائي للفكر الاشتراكي، هو أنه لم يشترك في صياغتها أحد من الاشتراكيين، وإنما رتبها عبد الناصر مع كل من الدكتور عبد المنعم القيسوني وحسن عباس زكي، وكلاهما بعيد كل البعد عن الإشتراكية! بل إنه لم يستشر فيها اشتراكياً قديماً احتفظ بعلاقته مع عبد الناصر، وهو أحمد فؤاد الذي أصبح رئيساً لمجلس إدارة بنك مصر.

وأهم من ذلك بكثير، هو أن قرارات التأميم صدرت في وقت كان عبد الناصر يضع الاشتراكيين في السجون منذ أول فجر في عام 1959، وينزل بهم أشد ألوان التعذيب – كما سوف نرى! ولقد شعر عبد الناصر بالتناقض في هذا الموقف، فأفرج عن بعض الاشتراكين ذراً للرماد في العيون، مثل لطفي الخولي وسعيد خيال والدكتور لويس عوض، ولكنه لم يذهب إلى حد إطلاق سراح جميع الشيوعيين!

وقد توهم الشيوعيون في معتقلات عبد الناصر وقتذاك أنهم أمام ثورة اشتراكية كتلك التي قامت في روسيا في أكتوبر 1917، وسارعوا إلى إرسال برقيات التأييد لعبد الناصر على خطوته الثورية التدمية! ولم يدركوا أن ما فعلته الثورة ليس له صلة بالثورة الروسية أو فكرها، وإنما هو مجرد انتقال من رأسمالية الفرد إلى رأسمالية الدولة، ونقل وسائل الإنتاج من يد الرأسماليين إلى يد ضباط الجيش!

والطريف، والمؤسف معاً، أن الاشتراكيين ما زالوا يتوهمون إلى اليوم ـ سواء في حزب التجمع أو في الحزب الناصري ـ أن ما حدث في يوليه 1916 كان اشتراكية! وهم يصفون بالرجعية كل من يوجه نداً لثورة يوليو، على الرغم من أنهم يعرفون جيداً أن المستفيد الأكبر من تأميم وسائل الإنتاج كان ضباط الجيش ومن يلوذ بهم، وأن هؤلاء الضباط، وليس الطبقة العاملة، كانوا هم الورثة الحقيقيين لوسائل الإنتاج!

فقد فتح التأميم أمام ضباط الجيش باباً واسعاً للتعيين والترقية لم يكونوا يحملون به، ونظراً لافتقارهم إلى الخبرة أصلا بإدارة وسائل الإنتاج المدنية، فقد كان في وسعهم أن يخطئوا ويسيئوا إدارة ما بأيديهم من المصانع والشركات والبنوك دون أن يخشوا مساءلة أو نقداً في غياب صحافة حرة تراقب وتنقد، بل في وجود حماية مطلقة من جانب الثورة لتلك الأخطاء! فلقد كانت أقصى عقوبة توقع على الفاشل منهم هو نقله إلى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة أخرى! وقد تحول هؤلاء جميعاً إلى اشتراكيين بحكم النعة، دون أن يعرفوا معنى الكلمة!

والغريب أن هذا التأييد اليساري المطلق لثورة يوليو، والذي استمر إلى اليوم باعتبارها ثورة تقدمية، لم يخفف منه احتقار عبد الناصر للشيوعيين وتجاهله لهم، ودأبه المتواصل على تشويه نضالهم وماضيهم، حتى بعد التأميم الذي أسماه الشيوعيون ثورة اشتراكية!

ففي جلسة 29 نوفمبر 1961، وفي أثناء عقد اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني، اتهم عبد الناصر الشيوعيين في الحزب الشيوعي المصري بأنهم عملاء، وأنهم يأخذون تعليماتهم من رياستهم الموجودة في صوفيا، وأنهم من قبل كانوا يأخذون تعليماتهم من روما، وقبلها كانوا يأخذون تعليماتهم من فرنسا، وإبان الحرب كانوا يأخذون تعليماتهم من إنجلترا، "وأنا أعرف كثيراً منهم، وهذا كلام صريح وواضح ومعروف، وطالما أن شخصاً يأخذ تعليماته من الخارج، لا يمكن أن يعتبر وطنياً بأي حال من الأحوال!".

ولهذا السبب فإنه عندما أراد عبد الناصر تغيير لافتة الاتحاد القومي لتصبح الإتحاد الإشتراكي، بعد انفصال سوريا عن مصر، شكل لجنة تحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية من 260 عضواً، لم يعين فيها شيوعياً واحداً! وعندما فتح باب الدخول إلى الإتحاد الإشتراكي في أول يناير 1963، حرص على استبعاد الشيوعيين مع كل أفراد القوى السياسية القديمة!

والطريف أنه حين عين عبد الناصر أميناً عاماً للاتحاد الاشتراكي لم يعين اشتراكياً، وإنما عين حسين الشافعي الذي لم يعرف عنه في يوم ميلاً للاشتراكية، بل كان ـ كما وصفه لي خالد محي الدين ـ يرى الحكم بالقرآن وبأن خلاص مصر في الدين. كذلك لم يعرف عن أحد من أعضاء الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي اهتماماً بالمبادئ الإشتراكية، غير كمال الدين رفعت. وكان الاتحاد الاشتراي الذي هو تنظيم شعبي، أشبه بثكنة عسكرية، إذ كان يسيطر عليه الضباط، وكانت نسبة الضباط في تشكيل الأمانة العامة إلى الأعضاء المدنيين 19 إلى 3 ! ومعنى ذلك أن الأعضاء المدنيين كانوا بمثابة ديكور لتخفيف الصبغة العسكرية الفاقعة.

والمهم هو ما ترتب على التأميم من نتائج فادحة على العملية الإنتاجية، اضطرت نظامنا السياسي الحالي إلى خصخصة القطاع العام بعد 35 عاماً!

فلقد كان كل ما حققته اشتراكية عبد الناصر هو أنها قضت على طبقة منتجة، هي الطبقة الرأسمالية بأجنحتها الصناعية والتجارية والمالية والزراعية، وهي التي كانت تحمي وتصون وسائل الإنتاج التي تملكها، وأحلت محلها طبقة عسكرية طفيلية تثري على حساب العملية الإنتاجية، ولا تشعر بأي انتماء لوسائل الإنتاج، وإنما تدين بانتمائها لمراكز القوى التي عينتها في مناصبها، والتي كانت تحميها من المحسبة الشعبية.

ولم يكن غلا بعد انقضاء عصر عبد الناصر عندما أخذت العناصر المدنية تحل تدريجياً محل العناصر العسكرية.

فلم يكن السادات يخشى كما كان يخشاه عبد الناصر، وكان المشير عامر قد اغتيل، وبدأت وسائل الإنتاج تتخلص تدريجياً من سيطرة ضباط ثورة يوليو.

وفي كل هذه الرحلة الطويلة كانت ثورة يوليو تدوس حقوق الإنسان المصري بقدميها ـ وبمعنى آخر بأقدام الناصريين الحاليين الذين يتشدقون بحقوق الإنسان ويضللون باسم حقوق الإنسان!

فعندما أرادت القوى الوطنية والتقدمية التخلص من حكم الجيش في أزمة مارس 1954، وكانت تتكون من حزب الوفد الليبرالي، والشيوعيين بتنظيماتهم المختلفة، وحزب أحمد حسين الاشتراكي، فضلا عن الإخوان المسلمين، دبر الصف الثاني من الضباط حركة إضرابات للعمال تطالب ببقاء الثور، وفي ظل هذه الإضرابات انقضت الثورة على القوى الوطنية والتقدمية بالاعتقال، بينما كانت تسخر دار الإذاعة المصرية لإذاعة قرارات النقابات بالإضراب، من قبل أن تتخذ هذه النقابات القرارات بالفعل! بينما كان مجدي حسنين يحرك عمال مديرية التحرير، التي كان يديرها، إلى القاهرة، ويعد البكباشي أحمد أنور مدير البوليس الحربي ومساعده حسين عرفة مظاهرة إلى مجلس الدولة لتأديب الدكتور السنهوري رئيس مجلس الدولة! وعندما طلب السنهوري النجدة من أمن الجيزة، اقتحمت مظاهرة، مكنة من جنود البوليس الحربي المتخفين في الملابس المدنية، الأبواب، واندفعت إلى السنهوري وأعضاء الجمعية العمومية لمجلس الدولة، وأوسعوهم ضرباً، ونقل السنهوري إلى المستشفى!

ويعلق أحمد حمروش على هذه الواقعة بقوله: "كان الاعتداء على مجلس الدولة والدكتور عبد الرازق السنهوري نهاية لقدسية القضاء، وإطلاقاً لقوى العنف".

وسرعان ما وجهت الثورة ضربة قاصمة لحقوق الإنسان عندما حرمت من الحقوق السياسية جميع وزراء العهد القديم، واستدارت إلى الصحافة، فاعتقلت وشردت عشرات الكتاب والصحفيين الشرفاء وقادة الفكر، وأصدر مجلس قيادة الثورة في 5 إبريل 1954 قرار بما أسماه تطهير الصحافة!

وقام بحل نقابة الصحفيين بدعوى أن سبعة من أعضاء المجلس البالغ عددهم اثنى عشر قد تقاضوا مصروفات سرية! وكان هؤلاء الأعضاء هم الذين تصدوا لدكتاتورية الثورة وطالبوا بعودة الجيش إلى ثكناته.

كذلك استدارت الثورة إلى الجامعة "لضمان انتظام الدراسة فيها"! وقامت بفصل نحو خمسين أستاذاً جامعياً، وفرضت أحد الضباط أميناً عاماً للجامعة! فقضت بذلك على استقلال الجامعة وحرية الفكر والبحث العلمي، وتحولت الجامعة إلى إدارة من إدارات الدولة! ولكي تحكم رقابتها وسيطرتها على الجامعة عينت ضابطاً من ضباط الثورة وزيراً للمعارف، وهو السيد كمال الدين حسين لمدة أربع سنوات كاملة من أول سبتمبر 1954 إلى 6 أكتوبر 1958. وأصبحت جميع مدارس الجمهورية في مراحلها التعليمية المختلفة تحت سيطرة الثورة، وصار على مدرسي مصر أن يلهجوا بذكر الثورة ومناقبها كل صباح حتى لا يفقدوا وظائفهم!

ولضرب الوفد، أغلقت الثورة جريدة المصري، وحاكمت السيدة زينب الوكيل، وحُكم على حسين أبو الفتح بالسجن 15 سنة مع إيقاف التنفيذ، وعلى محمود أبو الفتح بالسجن عشر سنوات، وحكم على أبو الخير نجيب بالسجن 15 سنة "أشغال شاقة"! مع تجريده من شرف المواطن!

وهذا الحكم الأخير نهديه للناصريين الذين كانوا أشد المتحمسين ضد قانون الصحافة، وضد حبس الصحفيين حبساً احتياطياً، في حين كانوا يحكمون على الصحفيين "بالأشغال الشاقة"! وكان أولى بهم أن يدعوا النضال ضد قانون 92 للأحرار من السحفيين الذين كرسوا حياتهم للدفاع عن حرية الصحافة بدلا من انتحال شرف لم يرشحهم له تاريخهم في العدوان على الصحافة والصحفيين!

فعندما دافع المرحوم جلال السيد الصحفي بالجمهورية عن قضية المعلمين، فصل من وظيفته من الجريدة، وحرمه من مرتبه، وأمضى شهوراً طويلة في الشتات! مع أنه كان ـ وظل ـ من أشد أنصار ثورة يوليو حتى آخر رمق! وهو ما يوضح ما قلناه من أن الثورة لم تكن تنتمي لأي فكر إلا ما يحقق ويضمن بقاءها في الحكم.

وفي 31 مايو 1955 كانت الثورة تعتقل 252 شيوعياً، وصدرت الأحكام على كل من محمد شطا والدكتور شريف حتاتة، وحليم طوسون "بالأشغال الشاقة" عشر سنوات. وعلى زكي مراد المحامي، ومحمد خليل قاسم بثماني سنوات أشغال شاقة، وبالسجن خمس سنوات على أحمد طه، ومحسن محمد حسن، وسعد كامل وزوجته، وزوجة الشارع كمال عبد الحليم. وحكم بالسجن ثلاث سنوات على إبراهيم حسن، وسيد البكار (وهما وفديان) وبالسجن سنتين على بكر سيف النصر (وهو وفدي أيضاً). كما حكم على اليوزباشي مصطفى كمال صدقي بخمس سنوات.

وكان اعتقال خصوم الثورة يصحبه عادة الضرب والتعذيب! وهي العادة التي انتقلت من الجيش، حيث كان الضرب أسلوباً متداولاً فيه يهين به الضباط كرامة الجنود رغم أنه ممنوع قانوناً! وقد عامل ضباط الثورة الكتاب والمفكرين والصحفيين والسياسيين معاملة الجنود الصغار! وقد بدأ الأمر عندما اعتقلت الثورة أحمد حسين رئيس مصر الفتاة والصحفي أبو الخير نجيب. فقد ظل الضباط يضربونهما حتى الصباح! وقد كان كان هذا الضرب في المرحلة الأولى عملاً هيناً، قبل أن تطور الثورة أساليبها وتكون كوادر من زبانية التعذيب الذين ظلوا يؤدبون مفكري مصر وكتابها وسياسييها طوال عهد الثورة المجيد وحتى وفاة عبد الناصر رحمه الله!

قصة عبد الناصر ومحمد نجيب ! (الوفد في 9/9/1996)

أود أن أقول في بداية هذا المقال عن "ثورة يوليو وحقوق الإنسان" أن هدفي من هذه السلسلة من المقالات هو إعادة التوازن التاريخي في تقييم ثورة يوليو، الذي اختل بالحملة الإعلامية الغريبة التي برزت هذا العام، وأعادت ذكرى العهد الناصري، وأظهرت ثورة يوليو في صورة الإنجازات الضخمة، وأخفت السلبيات الضخمة، بما يؤثر سلبياً على الصورة الشاملة للثورة، والتي يجب أن تستند إلى الموضوعية وحدها، ولا تتأثر بأية دعاية مغرضة كان لها ما يبررها في نظر أصحابها في عصر عبد الناصر، ولم يعد لها أي مبرر في عهد الرئيس مبارك الذي يمثل وحدة تاريخية قائمة بذاتها، بعيدة كل البعد فكرياً وعملياً عن ثورة يوليو.

كذلك فإن المقصود بهذه المقالات الرد على التضليل الذي يمارسه الناصريون في الحياة السياسية المصرية وإظهار انفسهم في صورة أنصار الديموقراطية ودعاتها، وأكبر المدافعين عن حرية الصحافة والديموقراطية وحقوق الإنسان! حتى لا ينعكس تأثير هذه الصورة المضللة على ثورة يوليو، فيتصور شبابنا الجديد أن ما يقوم به الناصريون من دور هو استمرار لدورهم في عهد عبد الناصر! مع ما يعرفه الذين عاشوا ثورة يوليو ودارسو التاريخ من تناقض هذه الصورة تماماً مع صورة ثورة يوليو الحقيقية، التي خلت تماماً من حرية الصحافة والديموقراطية وحقوق الإنسان، وحفلت بألوان القهر وإهدار كرامة الإنسان المعارض، حتى لو كان هذا الإنسان المعارض من ضباط الثورة!

لقد كانت دولة عبد الناصر هي دولة المخابرات، وكان تعاملها مع معارضيها السياسيين تعاملاً فاشياً بحتاً لا يفترق كثيراً عن تعامل النازيين مع خصومهم. وهذا الكلام ليس كلامي وإنما هو كلام التقدميين الحقيقيين واليساريين الذين خاضوا تجربة ثورة يوليو، والتي نسوها للأسف الشديد وأصبحوا من حواريي ثورة يوليو، والتي نسوها للأسف الشديد وأصبحوا من حواريي ثورة يوليو، وبعضهم أصبح عضواً في الحزب الناصري ناسياً تجربة السجن والاعتقال والتعذيب، وكلهم أصبحوا على رأس جمعيات حقوق الإنسان في مصر تضليلاً!

وربما كانت تجربة اللواء محمد نجيب مع ثورة يوليو مؤشراً جيداً على مدى احترامها لحقو الإنسان. وسوف نتجاوز هنا عن الخلافات التي دارت حول دور محمد نجيب في ثورة يوليو، ولكن هناك حقيقة خالدة لا تقبل أي نقض، وهي أنه بدون محمد نجيب فإن ثورة يوليو كان مقدراً لها الفشل منذ اللحظات الأولى، فلم يكن لواءات الجيش المصري وقتذاك ليقبلوا بتزعم بكباشي وعدد من ضباط الجيش الصغار ثورة تخلعهم من مكانتهم، وإنما كانوا يقمعونها على الفور، ولكن وجود ضابط منهم برتبة لواء مثل محمد نجيب فاز برئاسة مجلس إدارة نادي الضباط قبل نصف عام، كان له تأثيره في تقبل الشعب والجيش للثورة ونجاحها.

كذلك سوف نتجاوز عن الخلافات التي ثارت بين محمد نجيب وضباط الثورة حول عودة الجيش إلى ثكناته وقضية الديموقراطية، ولكنا سوف نتعرض فقط لمعاملة الثورة لهذا الرجل الذين تدين له بنجاحها، والذي تقبل بشجاعة مسئولية تصدر قائمة الثوار، وتحمل المخاطرة بفشل الثورة ومحاكمته وإعدامه.

فلقد كان في وسع عبد الناصر أن يعامل محمد نجيب كما عامل الرئيس التونسي زين الدين بن علي الرئيس السابق الحبيب بورقيبة عندما قام بانقلاب عليه، ولكنه اهانه ونكل به تنكيلاً على الرغم من أن اللواء محمد نجيب لم يكن يمثل خطراً على نظام عبد الناصر في أية صورة من الصور!

فقد صادر أوراقه وكتبه وتحفه وتذكاراته ونياشينه وقلاداته وسيوفه ونقوده وكل شيء يخصه، وحذف اسمه من كتب التاريخ والمطالعة التي زورت التاريخ وعلمت التلاميذ أن جمال عبد الناصر كان أول رئيس لجمهورية مصر! وحدد إقامته في فيلا زينب الوكيل التي صادرتها الثورة، لمدة 29 عاماً، وأهين وضرب.

وفي ذلك يقول محمد نجيب في مذكراته: "لست أدري ماذا فعل ليفعلوا بي كل هذا؟ إنني يوم ودعت الملك، الذي انتهك الحرمات، وأحل الفساد محل النقاء، وجلب الخراب والهزيمة على البلاد، كنت حريصاً على وداعه وداعاً رسمياً، مشمولاً بكل مظاهر التكريم ورعاية والاحترام! وسمحت له بأن يأخذ أشياءه الخاصة والشخصية، وتركت السفراء والوزراء والحاشية يود عونه، وأمرت أن تطلق المدفعية 21 طلقة، وأن تعزف الموسيقى نوبة مساء والعلم ينزل من على السارية، ليحتفظ به الملك ـ حافظت على الأصول والتقاليد، ولكن لم يحافظ عبد الناصر لا على الأصول ولا على التقاليد ... تعاملوا معي كأنني لص مجرم أو شريز، لم يحترموا سني ولا رتبتي ولا مركزي ولا دوري، وألقوا بي في النهاية في أيد لا ترحم، وقلوب لا تحس، وبشر تتعفف الحيوانات عن الانتساب إليهم"!

ثم يقول اللواء محمد نجيب: "إنني لا أكتب عن قضية خاصة، وإنما أكتب عن أسلوب الثورة في التعامل مع رجالها، وفي التعامل مع الناس الآخرين، وأكتب عن قضية ضرب الحريات، وإهدار الحقوق، وتحطيم كرامة الإنسان المصري. لقد قلبت الثورة كل معايير التعامل مع البشر، فالذين قاموا بها طحنتهم، والذين نافقوها رفعتهم!".

"لقد شطبوا إسمي من التاريخ، وزوروا التاريخ. ولم أكن على كل حال أول من فعلوا به ذلك، فقد سبقني على الأقل سعد زغلول، الذي وصفوه بأنه قفز على ثورة 1919، وأنه نصب نفسه عليها دون وجه حق! وفعلوا نفس الشيء بمصطفى النحاس، الذي عندما مات قبضوا على من مشى في جنازته، وظل محرما على المصريين أن يذكروه أو يتحدثوا عنه.

ثم يروي أول رئيس لجمهورية مصر كيف نكلت ثورة يوليو بأولاده، فقد قبضت على ابنه فاروق، ودخل ليمان طره، وبقي هناك خمسة شهور ونص، خرج بعدها محطماً ومنهاراً ومريضاً بالقلب، وبعد فترة مات! وفي ألمانياً قتلت مخابرات الثورة ابنه الآخر بسبب نشاطه السياسي، فقد جرت وراءه سيارة جيب حشرته بينها وبين الحائط ونزل ثلاثة رجال أخذوا يضربونه حتى خارت قواه ونزف حتى الموت! وأما ابنه الثالث يوسف الذي تخرج من معهد العلوم السياسية، واشتغل في إحدى شركات الدولة، فقد فصل، ولم يجد من عمل أمامه إلا العمل كسائق تاكسي! ومع ذلك ظل عبد الناصر يخشى محمد نجيب، وبلغ الخوف منه ذروته عندما وقعت هزيمة يونيو 1967 وخشي أن ينقلب الشعب عليه بسبب تلك الهزيمة المخزية، وتطالب بعودة محمد نجيب. يقول محمد نجيب إنه نقل إلى نجع حمادي، وبعد 48 ساعة قضاها في الاستراحة فوجئ بحضور ضابطين من البوليس الحربي، هما جمال القاضي ومحمد عبد الرحمن نصير، جاءا لينقلاه إلى مكان آخر. وعندما سألهما عن هذا المكان، "كان الرد بشعاً، أعتذر عن ذكره، وأشعر بالقيء كلما تذكرته! كان الجواب سيلاً من الشتائم حاولت وقفه بصرخة احتجاج، فإذا بضابط منهما يدفع يده في صدري ويلكزني فيه، ودارت بي الدنيا، وهانت عليّ الحياة".

"وساعتها أردكت ماذا فعلت حركة يوليو في مصر: كيف أزالت الاحترام بدلا من إزالة الفوارق بين الطبقات! وكيف أطاحت بالكرامة في الوقت الذي كانت تقول فيه: "ارفع رأسك يا أخي!". أي تغيير وقع في مصر؟ أي انهيار حدث في تاليد الجيش؟ كيف تتجرأ رتبة صغيرة على سب رتبة أكبر منها وضربها؟ وقد بقيت هناك في إحدى الغرف 59 يوماً كاملاً، في حجرة رطبة، لا تدخلها الشمس. وعند النوم أنام ومعي حراسة مشددة داخل الحجرة! وعرفت أن إامتي كانت سرية حتى على رجال وزارة الداخلية!".

هذه سطور مما كتبه أول رئيس جمهورية لمصر، ولعلها نموذج واضح عن مدى احترام ثورة يوليو لحقوق الإنسان، نهديها للناصريين ولأصحاب الحملة الدعائية التي تصور ثورة يوليو في صورة الثورة التحررية الكبرى التي حررت الإنسان المصري وحررت الفكر المصري!

في ذلك الحين كانت ثورة يوليو تتحول إلى دولة مخابرات ومعتقلات! وكانت هذه المعتقلات لا تخلو على الدوام من نزلاء تتغير ألوانهم السياسية، وكان الاعتقال بلا تحقيق أمراً إدارياً بسيطاً كاد من تكراره لبعض الشخصيات أن يصبح روتين حياتهم! ـ كما يقول الأستاذ أحمد حمروش.

أما أجهزة الأمن فكانت تنمو وتزدهر، وكان أول من تولى مسئوليتها زكريا محي الدين، الذي أطلق عليه اسم "بيريا" رئيس جهاز المخابرات الروسي الشهير الذي كان اسمه يبعث الرعب في القلوب، ويقول أحمد حمروش إن الأمريكيين سارعوا منذ اللحظة الأولى إلى تقديم خبرتهم لتنظيم المخابرات، بعد ان كانت في عهد الملك فاروق محدودة الأثر ومحصورة في البوليس السياسي!

ففي عهد فاروق لم يكن هناك جهاز أمن يعرف باسم المخابرات العامة، وكان عدد ضباط المخابرات الحربية في الجيش 15 ضابطاً فقط، وعدد ضباط القسم المخصوص بالبوليس السياسي 24 ضابطاً. ولكن لم يكد زكريا محي الدين يتولى مسئولية المخابرات حتى استعان بعدد من الخبراء الألمان إلى جانب تقارير المخابرات الأمريكية التي تقترح توحيد أجهزة الأمن. وقد أعد زكريا محي الدين مشروعا لتوحيد كافة المخابرات في إدارة واحدة لسهولة الهيمنة عليها. وكان زكريا محي الدين هو المشرف على كافة أجهزة الأمن الائمة في ذلك الوقت، وهي: المخابرات العامة، ومخابرات الجيش، والمباحث العامة بالداخلية.

كان النموذج الأمريكي هو المثال الذي تهتدي به أجهزة المباحث والمخابرات في ذلك الوقت! وقد أنشئ لهذا الغرض المعهد الإستراتيجي بجوار برج القاهرة، وكانت تدرس فيه محاضرات المخابرات الأمريكية المركزية لضباط المخابرات والمباحث وضباط أمن الوزارات. وكان بعض ضباط المخابرات المصرية عملاء للمخابرات الأمريكية! والغريب أن جمال عبد الناصر، على الرغم من إحاطته نفسه بهذه الأجهزة من المخابرات، لم يكن يطمئن إليه وإلى إخلاصها للثورة، ويشك في وجود صلة بين بعض ضباطها وأجهزة المخابرات الأجنبية. وقد دفعته هذه الشكوك إلى الموفقة على تعدد الأجهزة والمخابرات بقيادات مختلفة، بحيث تصب كافة معلوماتها عنده وحده. بل إنه أنشأ في مكتبه جهازاً خاصاً للمخابرات والعمليات والاتصالات كان يشرف عليه سامي شرف سكرتيره الخاص، وهو منقطع الصلة بأي جهاز آخر من أجهزة الأمن، الأمر الذي خلق ازدواجية متكررة وكبد الدولة تكاليف باهظة.

وبمرور الوقت، كما يقول أحمد حمروش، "نمت هذه الأجهزة، واتسع نفوذها بفكرها الجامد المتخلف ووسائلها الوحشية وأطماعها الذاتية"!

قصة إسماعيل المهدوي (الوفد في 16/9/1996)

في رأيي أن فضح موقف ثورة يوليو من قضية حقوق الإنسان هو أمر مهم جداًن وذلك للتصدي للتضليل الذي يقوم به الناصريون ويحاولون به إيهام الرأي العام المصري بأنهم حماة حقوق الإنسان، وتصدرهم الصفوف الأولى فيها، وعقدهم المؤتمرات في مصر وفي الخارج، وإصدارهم النشرات والمطبوعات التي يفبركون فيها ما يشاءون من أخبار!

إن هذا التضليل إذا أضيف إلى ما يجري في هذه الأيام من حملة دعائية لصالح ثورة يوليو، يقف على قمتها فيلم "ناصر 56" الذي يقول نصف الحقيقة في قرار تأميم شركة قناة السويس، على طريقة إخفاء نصف الآية الكريمة من كتاب الله: "يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى"! ـ معناه تزوير تاريخ مصر في الماضي والحاضر، وتبرئة من ولغت أيديهم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم وأملاكهم، وإظهارهم في صورة دعاة الحرية وأبطالها!

ولقد عرضنا في مقالاتنا الماضية جانباً من قصة هذه الثورة مع حقوق الإنسان، وكيف تجاهلتها منذ اليوم التالي مباشرة لقيامها، ثم قامت بالاعتداء عليها طوال وجودها في الحكم، وأخفت ذلك كله تحت زفة هائلة من وسائل إعلام الثورة تفصل ما بين الحرية السياسية والاجتماعية، وتزعم أن الحرية الاجتماعية يمكن أن تكون بديلاً للحرية السياسية! وعن طريق هذا الزعم انقضت على الجميع ـ أي على اليسار واليمين ـ تقذف بهم في غياهب السجون، وتوسعهم ضرباً وتعذيباًن بحجة أنه يكفيهم الحرية الاجتماعية التي تحققت بتأميم وسائل الإنتاج في يوليو 1961.

ولم يكن هدف التأميم ـ كما ذكرنا ـ توفير الحرية الاجتماعية، وإنما كان الهدف ضرب الطبقة الرأسمالية التجارية والصناعية والمالية، وتصفية قوتها الاقتصادية التي تهدد حكم عبد الناصر، وفتح مجال التوظيف لجحافل ضباط الجيش من أقارب ضباط الثورة وأقارب أقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم، وتكوين بيروقراطية عسكرية موالية للثورة، تأتمر بأوامرها، وتضع موارد وسائل الإنتاج الهائلة تحت تصرف قيادتها.

وهو ما تم بالفعل! ففي الفترة من 1961 إلى 1967، كانت كل موارد القطاع العام في خدمة المغامرة العسكرية التي تمت في يونيه 1967، وتمخضت عن ترك ما تبلغ قيمته مليارات الجنيهات من الأسلحة على رمال سيناء دون استخدام! حتى لقد أثار هذا الفشل الزعيم السوفيتي كسيجن فقال مؤنباً: "لو أطلق كل مدفع من المدافع التي تركت في سيناء طلقة واحدة ضد إسرائيل لخفف ذلك من ثقل الهزيمة".

وفي الفترة من 1967 كانت كل موارد القطاع العام في خدمة المجهود الحربي الذي أريق في حرب الاستنزاف، التي قصد بها شغل الشعب المصري بالمعركة على الحدود، بعد أن هددت مظاهرات فبراير 1968 التي قامت على أثر أحكام الطيران، الثورة بأوخم العواقب، إذ كانت أول مظاهرات تقوم منذ أحدث أزمة مارس 1954.

حتى إذا ما وصلت البلاد إلى عشية حرب أكتوبر 1973 كان الاقتصاد المصري قد انهار تماماً، وتدمرت البنية التحتية والمرافق جميعها، وتراجعت مصر إلى الوراء أكثر من نصف قرن!

وهكذا كانت ذريعة الحرية الاجتماعية، التي بررت بها الثورة التأميم، كارثة على الحرية السياسية وعلى حقوق الإنسان وعلى مرافق البلاد واقتصادها، واتخذت أداة لضرب القوى التقدمية وإخضاعها بحجة أن الثورة قامت بالثورة الإشتراكية نيابة عن هذه القوى ولم يعد ثم مبرر لوجودها!

ففي ذروة إدعاءات ثورة يوليو بأنها ثورة اشتراكية، كان الاشتراكيون يلقون على يديها الذل والهوان والسجن إذا أبدوا الاستقلالية والتمرد وكشفوا زيف الشعار الاشتراكي للثورة!

وربما كانت قصة إسماعيل المهدوي أنموذجاً نهديه لجماعات حقوق الإنسان الناصرية وقياداتها الحالية، لأنه يكشف تورطها في انتهاكات حقوق الإنسان، ويفضح أسماء من تصدروا هذه الجماعات، ويكشف تاريخهم المخضب بدماء هذه الحقوق. كما نهديه لحزب التجمع اليساري الذي يزايد على الناصريين!

وإسماعيل المهدوي صحفي مصري كان يعمل في صحيفة المساء منذ 1956، فلما قام عبد الناصر بحملته الهتلرية منذ يناير عام 1959 على الشيوعيين واعتقلهم جميعاً، كان إسماعيل المهدوي من بين المعتقلين، ونزل ضيفاً على معتقل الواحات مع المعتقلين الآخرين!

وعندما أفرج عنه في يونيه 1964 ـ أي بعد أن ظل لمدة خمس سنوات معتقلاً ـ أعيده مع غيره من محرري جريدة المساء إلى صحيفة الجمهورية، واستمر عمله فيها إلى عام 1967، حيث نقل إلى جريدة المساء مرة أخرى وظل بها إلى فبراير 1968.

على أن طول لسانه وانتقاده للنظام الناصري عرضه للفصل في أغسطس 1968! ولم تكتف إدارة عبد الناصر بذلك، بل لفقت له التهمة الشائعة في دوائر المخابرات في لك العصر، وهي تهمة التخابر مع الولايات المتحدة! ففي إبريل 1970 أبلغت إدارة المباحث العامة أنه التقى بصحفية أمريكية تدعى مارجريت بالاس، وسلمها بعض مخطوطاته بالعربية والإنجليزية التي طعن فيها على نظام حكم عبد الناصر، وفيها عبارات ماسة بعبد الناصر شخصياً، طالباً منها العمل على نشرها بالخارج، ولكن الصحيفة الأمريكية أبلغت عن ذلك وسلمت المخطوطات آنفة الذكر للمباحث العامة (هكذاّ).

كانت الخطة هي إدخال إسماعيل المهدوي مستشفى المجاذيب! فقد أوردت نيابة أمن الدولة أنه عندما دعي لإبداء أقواله، "أخذ في ترديد بعض العبارات غير المترابطة! مما دعا إلى فحص حالته العلية. فأحيل إلى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية لبيان مدى مسئوليته عما وقع منه. وجاء تقرير المستشفى الطبي بأنه مصاب بعاهة في العقل تجعله غير مسئول عما وقع منه! وبناء على ذلك قررت النيابة امتناع المسئولية الجنائية عنه، وحجزه في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية إلى أن تأمر بإخلاء سبيله!

على هذا النحو اتفق مصر إسماعيل المهدوي مع مصير غيره من المفكرين وةالكتاب والمثقفين المصريين الذي عارضوا نظام عبد الناصر، مع فارق كبير، هو أن الآخرين كانوا في معتقلات عقلاء أصحاء، أما إسماعيل المهدوي فكان في معتقلات مجانين!

وقد تصور إسماعيل المهدوي أن محنته الرهيبة سوف تنتهي عما قليل، ولكنه استمر معتقلاً في مستشفى المجانين على مدى سبعة عشر سنة كاملة وثلاثة أشهر! وقد قضاها منكباً على كتابة شكاوى وتظلمات كان ينسخ منها العشرات والمئات ليرسلها إلى الكتاب والمفكرين في العالم الخارجي، يشرح فيها محنته الرهيبة، ويطلب العون، ويبين ما يتعرض له في مستشفى المجاذيب من ضرب وإهانات وتهديدات، ويستصرخ الضمائر الحية.

وقد وصلني شخصياً من هذه الخطابات الكثير، ولكني لم أستطع أن أفعل شيئاً وهو بين تلك القوى الباطشة، وقد ذكر أنه نسخ من نص إيداعه في مستشفى المجانين 150 منسوخاً! أرسلها إلى مختلف الجهات، ومنها إلى الأستاذ أحمد شنن نقيب فرع القاهرة للمحامين و90 منسوخاً من خطابه إلى السيد فتحي رضوان، و 140 منسوخاً إلى الكاتب الكبير المرحوم صلاح حافظ .

وقد نجحت الجهود أخيراً في إطلاق سراحه بعد سبعة عشر عاماً. ففي مارس 1987 أصدر النائب العام السيد محمد عبد العزيز الجندي، بياناً بحفظ التحقيق مع إسماعيل المهدوي، وبعد ثلاثة أشهر، أي في أول يوليه 1987 أفرج عنه.

وقد سخر إسماعيل المهدوي من بيان حفظ التحقيق معه، حيث لم يحدث تحقيق معه أصلا حتى يحفظ! وكتب إلى النائب العام يتساءل قائلاً: "كيف يحفظ النائب العام تحقيقاً بدون أن يحدث أصلاً؟ بل بدون أن يفتح طوال سبعة عشر عاماً؟ واستشهد بمحضر إيداعه مستشفى المجانين الذي ادعت فيه نيابة أمن الدولة العليا أنها لم تستطع إجراء تحقيق معه بسبب عجزه عن التعبير!

والمهم في هذه الصة هو الدور الذي لعبه زعماء الدفاع عن حقوق الإنسان اليوم، ومن يتصدرون صفوف جمعيات حقوق الإنسان من الناصريين، وقد كشف إسماعيل المهدوي من أسماء هؤلاء اسمي فتحي رضوان ومحمد فائق.

ففي الخطاب الذي أرسله إلى فتحي رضوان يوم 15 يونيه 1985 بخصوص المؤتمر الذي عقدته في القاهرة ما أسميت بـ "جمعية أنصار حقوق الإنسان"! قال إسماعيل المهدوي: "لقد أضحكني ذلك كثيراً، خصوصاً عندما عرفت أنكم توليتم رئاسته"!

وكان فتحي رضوان، الذي رأس مؤتمرات حقوق الإنسان فيما بعد، هو لاذي لعب دوراً هاماً في بداية عهد الثورة في مساعدتها على ضرب الديموقراطية وإزهاق الحياة الدستورية بسبب عدائه اللدود للوفد قبل الثورة، وكان هو الذي أهدى عبد الناصر سليمان حافظ وكيل مجلس الدولة الذي عمل مع السنهوري على عدم عودة البرلمان الوفدي الأخير للانعقاد بفتوى مجلس الدولة، واشترك مع السنهوري في إدخال ضباط الجيش في الوزارة رغم اعتراض اللواء محمد نجيب الذي رأى أن ذلك يخالف المبادي الذي اتفق عليها الضباط قبل الثورة، والتي تقضي بابتعاد الجيش عن الحكم.. ثم كان سليمان حافظ هذا هو الذي وصف مصطفى النحاس بأنه "دمل في الوفد يجب أن يفقع"! واستمر فتحي رضوان وزيراً في الحكومة لمدة ست سنوات، يساعد الضباط على امتهان حقوق الإنسان، وإرساء دكتاتورية عبد الناصر. ولم يتذكر حقوق الإنسان والديموقراطية إلا بعد طرده من الحكم في أكتوبر 1958!

أما محمد فايق، رئيس جمعيات حقوق الإنسان حالياً، وأكبر زعيم فيها، فقد أبدى إسماعيل المهدوي دهشته الفائقة لهذا الدور الجديد! ففي كتابه الهام الذي أصدره بعد خروجه من مستشفى المجانين وهو بعنوان "معنى الديموقراطية" كتب يقول: "إنه لم يعرف إلا متأخراً أن الأمين العام لجمعية أنصار حقوق الإنسان هو الضابط محمد فايق، وزير الإعلام في السنوات الأخيرة من عهد عبد الناصر، الذي أشرف إذ ذلك على ما تعرضت له من فصل تعسفي من العمل الصحفي، وحرمان من النشر، ثم إيداعي في مستشفى المجانين"!

وهكذا نصل إلى نهاية هذا الفصل من فصول "ثورة يوليو وحقوق الإنسان"، نهديه لمن يشاهدون فيلم "ناصر 56" ولمن يقرءون حملات التضليل الجبارة التي تصور الناصريين في صورة حماة حوق الإنسان، وتبشر بدورهم القادم في الحكم!

زنازين عبد النصر في سجن الواحات ! (الوفد في 23 سبتمبر 1996)

وعدت إلى القارئ الكريم بأنه طالما أن الناصريين قد أصبحوا في أيامنا هذه يتصدرون جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، ويصورون انفسهم في صورة حملة لواء الحرية والديموقراطية، فإن الأمانة التاريخية تقتضي كشف زيف هذه الادعاءات من واقع الوثائق التاريخية، حتى لا تختلط الأدوار التاريخية، ويتحول المعتدون إلى ضحايا والمهاجمون إلى مدافعين، ومن ولغت أيديهم في دماء الحرية إلى حراس الحرية، وتتهيأ التربة المصرية لحكم ناصري جديد يطل برأسه حالياً وسط الضلالات والأباطيل التي يطلقها الناصريون.

ولما كان اليسار هو الذي يتصدى اليوم للدفاع عن العهد الناصري، فإننا ننتقي وثائقنا من وثائق اليسار نفسه، حتى لا يتهمنا بالافتراء على عهد عبد الناصر وبأننا ننسب إليه ما لم يفعله.

والوثيقة التي بين أيدينا اليوم هي بعنوان: "في معتقل أبو زعبل"، وهي كتاب من 251 صفحة نشرته دار الثقافة الجديدة اليسارية، وقد كتبه أحد الذين اعتقلهم عبد الناصر في عام 1959 وهو إلهام سيف النصر.

وقد كان غرض إلهام سيف النصر من كتابهة مذكراته هو نفس الغرض الذي استهدفناه من كتابة سلسلة هذه المقالات، فهو يقول في صفحة 20 "بما أن فضح الجريمة، وكشف خيوطها وأركانها، هو الأسلوب الوحيد لمنع تكرارها، فإني أكتب هذه الكلمات وأحكي القصة كما حدثت بالفعل"!

وقد اختار إلهام سيف النصر للفصل الأول من كتابه عنواناً ساخراً هو: "التشريفة"! ويقصد بذلك التجربة المخيفة التي مر بها هو وزملاؤه في أوردي أبو زعبل يوم 8 نوفمبر 1959. ولكن هذا اليوم لم يكن هو البداية، وإنما البداية ـ كما يقول ـ في فجر يوم أول يناير 1959.

ففي هذا اليوم، وعلى حد قوله، "كانت مصر من أقصاها إلى أدناها تشهد حملة بوليسية واسعة، بالقبض على العشرات، ثم مع مضي الوقت وصل العدد إلى عدة مئات، وتعدى الألف بكثير"!

"سبقت الحملة البوليسية المفاجئة حملة صحفية شرسة ضارية .. ومنذ اللحظة الأولى سقط شهيد هو فرج الله الحلو، وخلالها سقط عدة شهداء آخرين قتلى من التعذيب، سواء في دار المباحث العامة أو في أبو زعبل، وكانت لحظتها الأخيرة، بعد ستة سنوات في نهاية عام 1963، دامية أيضاً، بعد إعلان العفو الشامل وصدور قرار الإفراج، كالمأساة الإغريقية والستار يسدل على الفترة السوداء، فقد كان هناك شهيد ىخر يسقط بالرصاص في معتقل الواحات، وهو لويس إسحق".

ويرسم إلهام سيف النصر خطاً بيانياً لأيام الاعتقال والتعذيب، ويرى أن هذا الخط البياني قد بلغ ذروته "أيام الأوردي بليمان أبو زعبل. والأوردي هو ذلك الليمان الصغير الذي يعد ملحقاً لليمان أبو زعبل، والذي يتسع لعدة مئات. ويقول إنه كان من حظه أن عاش ذلك الخط البياني منذ لحظته الأولى.

أما لحظة البداية فكانت يوم أول يناير 1959، وهي لحظة بداية التجربة الجديدة، تجربة ليمان أبو زعبل، ولكن سبق هذه التجربة تجارب في عهد عبد الناصر. ففي عام 1956 قضى هو والدكتور إبراهيم سعد الدين ستة أيام كاملة على كرسيين من الخشب! "عليهما ننام. ونأكل، وننتظر تحقيق النيابة"!

ولكن في التجربة الجديدة ظل مع زملائه في المباحث نهاراً كاملاً وليلة متصلة، ليبدأ التحقيق في فجر اليوم التالي! ويقول إن هذا الأسلوب لم يكن أسلوباً غريباً على المباحث العامة، وخضوع نيابة أمن الدولة لهذا الأسلوب.

وقد جرى التحقيق معه بواسطة علي نور الدين رئيس نيابة أمن الدولة حينذاك، وكان في أول مجموعة تم التحقيق معها، وكان فيها الدكتور فؤاد مرسي الأستاذ بجامعة الإسكندرية، ومحمد سيد أحمد الكاتب والمحامي، ومحمود أمين العالم المثقف المعروف، وسعد زهران أستاذ الرياضيات، والدكتور عبد العظيم أنيس أستاذ الرياضيات البحتة.

وكان التحقيق ـ كما يقول ـ شكلياً، لأن الهدف في تلك الليلة كان الاعتقال أساساً قبل التفكير في أي محاكمة. كما كان استفزازياً، لأن هذا هو اختصاص علي نور الدين الذي برع فيه أيام فاروق.

"لذلك انتهى التحقيق سريعا، لتوضع القيود الحديدية في معاصمنا، ولتحملنا سيارة كبيرة تحت حراسة مشددة إلى حيث ذهب زملاؤنا من قبل، وكان الاعتقال في معتقل القلعة.

وكان اختيار معتقل القلعة لاستكمال قوائم المعتقلين. فقد أعطيت للمعتقلين حرية نسبية كان هدفها مراقبة وضبط الخطابات والرسائل بين المعتقلين في القلعة والخارج. وبالفعل تم ضبط العديد من الخطابات والعناوين وعشرات الأسماء التي طلب المعتقلون الاتصال بهم. ويعترف إلهام سيف النصر بأن ذلك كان تهاوناً وسوء تقدير من المعتقلين، استغلته المباحث العامة التي كان معتقل القلعة خاضعاً لها، في التوصل إلى ما لم تكن قد توصلت إليه من أسماء!

ولم يكد ينتهي الغرض من معتقل القلعة حتى جاءت لحظة الانتقال منه. وكانت لحظة رهيبة يصفها إلهام سيف النصر بقوله: "فوجئنا ذات ليلة بقطع التيار الكهربائي عن المعتقل، واقتحام حرس مسلح الزنازين، وإخراجنا تحت حراسة مشددة، حيث وضعت الحلقات الحديدية والجنازير في معاصمنا لأول مرة! وسحبنا داخل سيارات مغطاة بقماش سميك حملتنا حتى محطة الجيزة، والحقيقة القاسية تتسلل إلى عقولنا، حيث أودعنا في قطار فريد من نوعه، هو عبارة عن عنبر سجن بنوافذ حديدية، ليتجه نحو المكان الذي استنتجنا مكانه أنه معتقل الواحات الخارجة بالمحاريق!

ويقول إلهام سيف النصر إن عدداً من زوجات المعتقلين دفعتهن اللهفة على نظرة واحدة يلقينها على أزواجهن، إلى أن يركبن قطار الصعيد حتى الأقصر، على أمل اللحاق بقطار السجن في محطة "المواصلة" التي ينتقل فيها المعتقلون إلى قطار الواحات، ولكن هذا الأمل لم يتحقق، فقبل سوهاج كانت كل القطارات تقف بأمر المباحث العامة، ولم تتحرك إلا بعد أن أصبح قطار السجن في بطن الصحراء!

على هذا النحو كان سجناء الرأي يعاملون في عهد عبد الناصر! ولكن ذلك كان أهون الأمور، فكما يقول إلهام سيف النصر "ظلت القيود الحديدية الثقيلة في أيدينا، والجنزير الضخم الطويل يربطنا جميعاً، حتى وصلنا إلى الواحات"!

"وقد أمضينا أكثر من عشرين ساعة في القطار الأول، ثم في قطار الواحات الصغير الذي ركبناه من المواصلة بالقرب من سوهاج، وتلك القيود الثقيلة تدمي معاصمنا لتتورم، وتحتقن، وليغمى على البعض من الألم، دون استجابة من الحراس أو الضباط. وقد أمضينا هذه العشرين ساعة حتى وصلنا ساعة الغروب إلى المحاريق ومعتقل الواحات، وذلك دون ماء أو طعام!

وهناك كان الاستقبال الذي أعده اللواء إسماعيل همت ، وكيل مصلحة السجون! فقد سار المعتقلون العزل المقيدون بالأصفاد والجنازير، بين مدافع رشاشة مصوبة إلى صدورهم، وصيحات وأوامر حادة، ليتفحصهم اللواء إسماعيل همت ، ويعلق على كل واحد منهم بالتعليق المناسب: إما بالسخرية، أو التهديد والوعيد، وليجتمع الجميع في النهاية في زنازين واسعة.

وفي سجن الواحات ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ التقينا بعشرات من زملاء وأصدقاء سبقونا قبل ذلك بسنوات، تعدى بعضها العشر، بعد الحكم عليهم من محاكم عبد الناصر التي كانت أغلبها عسكرية، وكانت أشهرها محكمة الدجوي، الدجوى "الذي انهار وهاجم مصر عندما أسره اليهود في حملتهم وعدوانهم، وكان وقتها حاكماً لغزة"!

"وكانت تجربة سجن الواحات فيها مرارة الوحشة في الصحراء، والإحساس بأن الدنيا كلها قد تخلت عنك ونسيتك .. فيها حرارة الشمس التي تكوي الجسد فعلاً، وصقيع الليالي الطويلة المجهدة .. فيها خلاء حياة تشبه الصحراء القفر ذاتها"!

مع ذلك فلم يكن الخط البياني لأيام الاعتقال والتعذيب قد قطع إلا مسافة قصيرة، فذات ليلة ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ "استيقظنا على أبواب السجن تفتح، وأصوات أقدام كثيرة، وضجة سلاح. ثم سمعنا ضابطاً ينادى على الأسماء، وبعد ساعات، وكانا لفجر يلوح في الأفق، كنت ومعي ما يقرب من ستين زميلاً نستقبل قطار الواحات الصغير، والأغلال ذاتها في معاصمنا، نتجه صوب مصر، لقد كنا نبدأ المرحلة الثالثة من فترات اعتقالنا، وهي مرحلة المحاكمة.

وكانت المحاكمة، كجميع المحاكمات التي تمت في عهد عبد الناصر، مهزلة من المهازل، لقد وضع المعتقلون في سجن الحضرة بالإسكندرية، حيث استقبلوا "مقابلة استفزازية" من جانب مأمور السجن "الحلواني"، الذي مزق أمتعتنا بحجة التفتيش! وهو يصرخ وينهر، حتى وضعنا في عنبر معزول تماماً عن النزلاء الآخرين.

وقد بدأت المحاكمة أمام مجلس عسكري يرأسه الفريق هلال عبد الله هلال، قائد المدفعية، حيث وصف ممثل النيابة علي نور الدين المعتقلين بأنهم "طغمة"! وفيهم أساتذة جامعات ومفكرون وكتاب معروفون ومحامون وأطباء ومدرسون ومهندسون خفهم تاريخ طويل من النضال السياسي من أجل الإشتراكية وضد الاستعمار.

وفد دافع عن المتهمين الأستاذ أحمد البديني المحامي، ولكن دفاعه لم يعجب زبانية عبد الناصر، فاعتقل بتهمة الشيوعية، ونقل إلى معتقل القلعة حيث اعتدى عليه بالضرب، وفرض عليه يومياً مسح بلاط المعتقل من الصباح حتى المساء. وكانت جريمته الحقيقية أنه كشف في المحكمة وفاة محمد عثمان بسبب التعذيب، أمام وكالات الأنباء العالمية التي كانت تتابع المحكمة!

الرحلة إلى الأوردي ! (الوفد في 30 سبتمبر 1996)

عرضنا في مقالنا السابق تجربة سجناء الرأي في عهد عبد الناصر بعد الحملة البوليسية التي سنتها إدارته في أول يناير 1959، واعتقل فيها مفكرون وكتاب وأساتذة جامعات ومحامون ومهندسون وأطباء، كان منهم الدكتور عبد العظيم أنيس، ومحمود أمين العالم، والدكتور فؤاد مرسي، والكاتب محمد سيد أحمد، وإلهام سيف النصر، وآخرون. وروينا مراحل هذه التجربة الدموية، ابتداء من سجن القلعة إلى سجن الواحات، وهم مقيدون في الأصفاد، وجنزير ضخم طويل يربطهم جميعاً، ويدمي معاصمهم، لتتورم وتحتقن ويغمي على البعض من الألم! ثم جاءت المرحلة الثالثة بنقلهم إلى سجن الحضرة لمحاكمتهم. وعندما أحسن محاميهم أحمد البديني الدفاع عنهم، اعتقلته إدارة عبد الناصر، ونقل إلى معتقل القلعة ليقوم بمسح بلاط المعتقل!

ويستمر إلهام سيف النصر في رواية مأساة الاعتقال في ذلك العهد الناصري، فيقول إن عملية المحاكمة أمام المجلس العسكري لم تستمر طويلاً، فعندما اكتشفت إدارة عبد الناصر أن المحامين عن المتهمين أخذوا يفجرون قصص سقوط بعض المعتقلين قتلى تحت التعذيب، وأولهم محمد عثمان، عدلت عن فكرة علانية المحاكمة، وقررت أن تكون سرية. وبعد ذلك جرى الإعداد للانتقام من المعتقلين لما كشفوه أمام الرأي العالمي من قصص التعذيب واستشهاد المعتلين. وكانت وسيلة الانتقام هي نقل المعتقلين إلى أوردي أبو زعبل، واستقبالهم في حفل دموي أطلق عليه إلهام سيف النصر من باب التفكه الأسود اسم: "التشريفة"! والتي خطط لها ـ كما يقول ـ حسن المصيلحي رئيس قسم مكافحة الشيوعية.

وكان حسن المصيلحي قد خدم في عهد فاروق والملكية، وهو تلميذ إبراهيم إمام الذي خلق البوليس السياسي في مصر في عهد فاروق، ولذلك اختير في عهد عبد الناصر للإشراف بنفسه على تعذيب الدكتور إسماعيل صبري عبد الله بالسجن الحربي في عام 1955، وظل يحقق معه بنفسه يوماً بعد يوم، وإسماعيل صبري مشرف على الموت دامي الجسد ممزقه!

وقد جرى الإعداد لعملية "التشريفة" بعد انتهاء محاكمة الإسكندرية، فكما يقول إلهام سيف النصر:

"رحلنا بنفس السيارات التي جئنا بها، وبنفس القيود والجنازير، وفي منتصف الليل عبر الطريق الصحراوي إلى القاهرة، فحللنا في سجن مصر عدة أيام تمهيداً لنقلنا إلى "أبو زعبل". وقد وضعنا في أقذر عنبر، وهو عنبر "ج" المخصص لمرضى الأمراض الجلدية! ولم يسبق أن دخله من قبل سجين سياسي، وحرمنا من كل المزايا التي تنص عليها اللائحة التابعة لمصلحة السجون! وهو أمر يثير السخرية ان يكون للمتهم بتسريح الغلمان والدعارة والمخدرات حقوق، وان يحرم سجين بتهمة عقائدية من أي حقوق!

حتى ذلك الحين كان المعتقلون ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ واقعين تحت وهم أن الخلاف بينهم وبين عبد الناصر هو "خلاف بين حلفاء يمكن أن يختفي سريعاً، وأن خلاف الحليف مع حليفه، واختلاف الصديق مع صديقه، لا يجب ولا يجوز أن يتحول إلى تناقض رئيسي يفتح الباب لضرب الوحةد الوطنية ذاتها، ويعطي جواز مرور لعملاء الاستعمار وفلول الرجعية لكي تصول وتجول"!

وسرعان ما تبين لهم مدى الوهم الذي كانوا يعيشون فيه! فقد كان النظزام في ذلك الحين يدبر لهم أبشع انتقام يتصوره بشر، هو الذي أطلق عليه إلهام سيف النصر اسم "تشريفة"!

ولندع إلهام سيف النصر يروي لنا هذه القصة البشعة بأسلوبه الخاص، لنهديها بصفة خاصة لصناع فيلم "ناصر 56"!

فهو يقول: "في فجر يوم 8 نوفمبر 1959، وهو عيد الثورة السوفيتية الذي اختاره حسن المصيلحي ، بدأت "التشريفة"، وبدأ تعذيبنا.

"في ذلك الفجر الذي لن ننساه وننسى الساعات التي تلاحقت بعده، بدأت رحلة العذاب والموت والاستشهاد، وأيضاً رحلة الصمود".

"في ذلك اليوم بدأ "الأوردي" يستقبل ضحاياه!

"حوالي الساعة الثالثة صباحاً سمعنا صوت باب عنبر "ج" بسجن مصر يفتح فجأة، وضجة أقدام كثيرة تطرق أرضه، وأصوات تأمر وتصيح، وأبواب الزنازين التي حللنا بها في الدور الأرضي تفتح واحدة بعد الأخرى . كانت الأوامر تصر بحدة غير عادية، وكان تفتيش الأمتعة يتم بدقة واستفزاز وصلا إلى حد تحطيم زجاجات الدواء على أرض العنبر! وكانت وجوه الضباط وحراس السجن منجهمة على غير العادة.

"وخرجنا كما طلب منا، والوجوم يسودنا، نصطف كما طلبوا وأمروا، ونمد معاصمنا لتدخل في الحلقات الحديدية التي لاحقتنا طيلة فترة اعتقالنا، وتحركنا صوب فناء السجن الخارجي لتصطدم أبصارنا بسيارات كبيرة بأبواب مفتوحة تنتظر ضمنا في أحشائها.

"في تلك اللحظة حدث شيء غريب أدركت منه أن أمراً خطيراً سوف يقع، وأن كارثة ما تنتظرنا! فقد اقترب مني مأمور سجن مصر، واسمه يوسف القشطة، يتفحص القيد الحديدي في يدي، أو يتظاهر بفحصه وهمس في أذني بهذه الكلمات: "هناك عاصفة خطيرة في الأفق، ومن الأفضل أن تحنوا الرؤوس حتى تمر"!. قالها وذهب.

"ولمحنا ونحن نقترب من الباب الخارجي ونتجه للسيارات ضباط سجن مصر يتوقفون في أماكنهم، ويتولى بدلهم ضباط آخرون، كنا نراهم أول مرة، مهمة حراستنا، ورأينا واحداً منهمن وهو نحيل وطويل، يبتسم ويضحك ويقهقه ويصرخ في نفس الوقت، وفي صوت هستيري وكلمات نابية، وقد عرفنا اسمه فيما بعد وهو "يونس مرعي"!

"وكان هناك آخر طويل ضخم الجثة، بارد النظرات، تصدر الأوامر من يده أكثر من فمه! يده ترفع وتهز وتلوح وتشد وتجذب. وعرفنا اسمه في بعد، وهو عبد اللطيف رشدي!

"وثالث، صوته ناعم رفيع، وحركاته ملساء مؤنثة، وبيريه كاكي يهتز على رأس حافلة بشعر طويل مجعد، وفيما بعد عرفنا أن اسمه "مرجان".

"وتأكد لي الجو الإرهابي عندما حاولت أن أحدث يونس مرعي وأطلب منه استثناء الدكتور فؤاد مرسي، الأستاذ بجامعة الإسكندرية والسماح له بالجلوس بجانب سائق السيارة تحاشياً للاهتزاز، حث إنه كان وقتها يعاني من انفصال شبكي بعينيه. ولكن يونس مرعي رفض وصرخ في وجهي، ولعنة تنطلق من فمه يذكر فيها الأب والأم والجد!

"بعدها بدقائق كنا في العربات المقفلة تماماً: عشرون في كل سيارة، ستون معتقلاً على ذمة قضية لم يصدر فيها الحكم بعد، في طريقهم إلى المجهول! وتحركت السيارات تحيط بها موتوسيكلات مسلحة وسيارات نجدة تعوي، تخترق القاهرة النائمة الساكنة.

"وشيئاً فشيئاً، ومن خلال التكهن والاستنتاج وحركة المرور وضجة الشوارع، وحتى رائحة الهواء، أدركنا أننا قد خرجنا من القاهرة، وأننا نقترب من الريف.

"وعندما وقفت بنا السيارات أخيراً، لم يحدث أي شيء لفترة طويلة، ومرت دقائقالانتظار متوترة ثقيلة، ننتظر أن يفتح الحراس الباب وتخرج من ذلك القفص الحديدي المحكم الذي كدنا نختنق فيه. وتراكمت الدقائق وامتدت لحوالي الساعة، وبدأ عدم الفهم يتحول إلى انزعاج ونحن نحس بأن شيئاً يحدث في الخارج!

"وكان من المستحيل أن نرى شيئاً أو تمتد أبصارنا خارج السيارات. فكل واحدة من السيارات الثلاث كانت مقفلة تماماً، كعلبة سردين، أو كصندوق خشبي كبير مصفح برقائق من الحديد، ليس فيه من فجوة سوى الباب المصفح الذي دخلنا منه وأغلق وراءنا بمتراس حديدي.

"وكنا وقوفاً! الستون معتقلاً موزعين في السيارات الثلاث بالتساوب، معهم أمتعتهم التي زاحمت المكان بكثرتها وقد تجمعت خلال الشهور الطويلة السابقة، والتي عاشت الرحلة تحمل من كل مكان شكرى: بعض الرمال من صحراء الواحات، وكثير من البق والقمل من سجون عديدة حلت بها، وآخرها سجن الحضرة بالإسكندرية!

"كنا وقوفاً، نكاد نختنق من الحرارة رغم أن الشهر كان نوفمبر، نتزاحم، المنكب في المنكب، والمعصم مشدود إلى المعصم في حلقات حديدية ثقيلة، كل حلقة تضم معصمي رجلين، وتصم أيضاً جنزيراً حديدياً ضخماً سميكاً وطويلاً، يربط كل عشرين منا بطريقة تذكر بقوافل العبيد عندما كانت في الدنيا تجارة العبيد.

"يكفي أن يرفع واحد منا يده ليمسح عره حتى ترتفع الأيدي كلها معه! وتئن السلسلة وتزمجر! ويكفي أن يخطئ واحد وهو يحرك يده، ليلتوي المعصم ويتورم! ومعه يتورم معصم زميله ليسري الألم معربداً، ويعجزان عن الحركة! "ومع الانتظار بدا الإنهاك يحفر بصماته على تلك الوجوه الشاحبة الباهتة، التي لم تصافح الشمس شهوراً عديدة، ويتفصد العرق ليتجمع على الجباه ويتبخر وهو يحمل في ثناياه رائحة الأجساد المتربة المتعبة، والصابون الرخيص، والأحشاء التي عاشت على طعام يسمى "اليمك"! وهو مزيج من فول خاص، حباته كبيرة، ومليئة بالسوس! غارق في زيوت داكنة اللون، لائعة المذاق! ووجبة أخرى من سوائل لا طعم لها ولا مذاق، كانت في الأصل أليافاً وعروقاً ودهوناً وشحوماً لخليط من مواد نباتية وحيوانية، على سطحها تعوم قطعة من لحم خشن!

"ولكن الإنهاك تبدد فجأة، وأخذت تتنبه العقول، وتتوتر العضلات، ويندفع الدم في العروق ومعها دقات القلب تتصاعد، عندما طرقت أسماعنا من بعيد عدة أصوات لعدة أشياء: بعض الأوامر تصدر في حدة، صهيل لعدد من الخيل، همهمات ووقع أقدام لا يمكن إلا أن يأتي بها عدد كبير من الرجال. ثم دوت طلقة نارية اخترقت جدار الصمت تعوي ثواني ثم تندثر، وأطبق بعدها سكون محشود بالتوتر، وأخذت عيوننا كلها تتجه صوب الباب وسمعنا من خلفه الترباس الحديدي ينزلق ويتحرك ويتحشرج، وغمر ضوء النهار السيارة.

"ولمحت وجه مسعود السجان النوبي الطويل المكلف بحراسة سيارتنا، يراقبنا لحظة، ثم يتقدم ويفتح القفل الحديدي الكبير الذي يقبض بفكه على نهاية الجنزير الحديدي، ويفك، في ضجة من رنين الحديد، قيودنا واحد بعد الآخر. "كانت إدارة السجن قد اختارت مسعود لأن ملفه يحوي ثمانين جنحة اعتداء على المساجين!".

تشريفة أوردي أبو زعبل ! (الوفد في 7/10/1996)

عرضنا في مقالنا السابق رحلة العذاب إلى أوردي أبو زعبل التي خاضها إلهام سيف النصر في عهد عبد الناصر، ومعه ستون معتقلاً من أصحاب الرأي وكبار المفكرين الوكتاب المصريين الذين وهبوا حياتهم فداء للوطن وللشعب المصري، لمجرد أنهم اختلفوا في الرأي مع عبد الناصر حول الديمقراطية والتحول الاجتماعي، ولم يحملوا سلاحاً ضده أو يتآمروا عليه أو يهددوا عهده، بل كانوا واقعين تحت وهم أنهم حلفاء له! وها نحن اليوم نقدم الفصل الأول من "تشريفة أوردي أبو زعبل" بعد أن وصل هؤلاء الكتاب والمفكرون إلى الأوردي مربوطين ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ في حلقات حديدية ثقيلة، كل حلقة تضم مصعمي رجلين، وتضم أيضاً جنزيراً حديدياً ضخماً وطويلاً، يربط كل عشرين بطريقة تذكّر بقوافل العبيد! يكفي أن يرفع أي واحد يده لمسح عرقه حتى ترتفع الأيدي كلها معاً! ويكفي أن يخطئ واحد وهو يحرك يده، ليلتوي المعصم ويتورم، ومعه يتورم معصم زميله"!

ولم تكن تلك هي نهاية المعاناة، بل كانت البداية! ولم يكن الفصل الأخير بل الفصل الأول! فلم تكن "التشريفة" قد بدأت بعد، وإنما بدأت عندما انزلق الترباس الحديدي الذي يغلق به أبواب السيارات، ليفاجأ السجناء بضوء النهار يكاد يعمي أعينهم بعد عتمة السيارات وظلامها.

ولندع إلهام سيف النصر يروي التجربة الرهيبة بقلمه، ونطلب من القارئ الكريم ان يحبس أنفاسه حتى تنتهي القصة كما يفعل في أثناء مشاهدة الأفلام المرعبة. فيقول:

"فتح الباب مسعود السجان النوبي الطويل، الذي اختارته إدارة عبد الناصر لأن ملفه يحوي ثمانين جنحة اعتداء على مساجين!

"ومن بعيد سمعنا الضجة من جديد تعود، ليخرج إسماعيل صبري عبد الله وأمين شرف بأمر من مسعود، لتصل الضجة إلى قمتها، ثم تخفت!

"ويفتح الباب من جديد، يونزل أحمد نبيل الهلالي، ثم أتبعه في انلزول، وعلى درجات السيارة كنت واجف القلب! وأحسست بيد مسعود تربت على كتفي، وتمتمة تخرج من شفتيه لم اتبين منها سوى كلمة "الله".

"ونزلت لأعيش" "التشريفة"!

"لقد فاجأني ضوء النهار بعد عتمة السيارة وظلامها، ولذلك وقفت في مكاني لحظة حتى تتعود عيناي على نور الشمس المبهر، ولكنها كانت لحظة فقط!

"من خفلي هجم فارسان يمتطيان جوادين، لأحس، ولأول مرة في حياتي، بالسياط وهي تنزل على كتفي ورأسي!

"ودوت الصرخات تأمر: اجري يا ابن الكلب!

"وجريت" أو أظن أن هذا ما فعلته! فعند تلك اللحظة، وحتى انتهت التشريفة بعد ذلك بحوالي نصف ساعة، كنت أعيش كابوساً دامياً مريعاً، وساعة بربرية هوجاء! أفعل ما يأمرونني به، واتحرك كالآلة دون فهم أو إدراك، وقد توقف العقل تماماً عن أي محاولة لاستيعاب ما يحدث!

"كالطفل المذعور، انسحب عقلي من ركنه، يترك للغريزة أن تقوم هي بمجابهة الموقف الذي عجز عن مجابهته وعن فهمه! "أذكر فقط أني جريت، وأن فرساناً جروا خلفي، وبالسياط ألهبوا رأسي وكتفي!

"أذكر أيضاً أني اخترقت طريقاً طويلاً مترباً وأنا أعدو، في يدي حقيبتي لا أحس بثقلها، مهمتي كلها أتفادى رجالاً وقفوا طيلة الطريق في صفين طويلين، يحملون في أيديهم عصى طويلة غليظة، ترتفع، وتزمجر، وتهوي على جسدي! "وأذكر أني كدت أن أسقط، ولكن غريزة ما تملكتني دفعت سيقاني لتعدو، لتهرب بجسدي من ذلك الجحيم الذي أحاط بي!

"ثم لأجد نفسي فجأة وقد توقفت، لا أستطيع أن ألتقط أنفاسي، وصدري يتحشرج، وحولي جمهرة من ضباط وجنود، الكل يصرخ، والكل يضرب، وواحد يصفعني بانتظام وهو يأمر:

- اسمك يابن الـ ....

- بصوت أعلى!

- اسمك وقل يا أفندم يا (...).

- بصوت أعلى يا ابن الـ .....

- اسمك يا ابن الـ ......

- قل أفندم يا (...)

- بصوت أعلى يا ابن الـ ....

"لدقائق طويلة، وصوتي يخرج مبحوحاً، والصفعات تنزل، والعصي والكرابيج، والشتائم!

"أذكر أيضاً أن صدري كان يتحشرج، والكلمات مخنوقة لا تريد أن تخرج من الإنهاك والصدمة!

"ثم تنبهت لأجد نفسي عارياً، لا يستر جسدي شيء، وأن السياط والعصى أصبحت بعد ذلك أشد إيلاماً وعنفاً!

"أذكر أيضاً أن أمامي كان يربض بناء صغير به شرفة واسعة، كان يجلس عليها بعض رجال في ملابس مدنية، وآخرون في ملابس عسكرية، وأن واحداً منهم كان يجلس في منتصفهم قال ما معناه:

- صوته غير مسموع!!

وبعدها ازداد وقع السياط والصفعات والعصي!

ولحظتها تلاقى بصري ببصره، وعرفته. ولكن لم أتذكره إلا بعد ذلك بساعات طويلة عندما انتهى كل شيء، لقد تذكرت أنه يحمل وجه اللواء إسماعيل همت !

"ثم توقف الضرب لحظة، ليقترب مني رجل وفي يده ماكينة حلاقة بيرة، أكلت شعر رأسي، ثم تحولت تأكل شعر عورتي!

"ثم عاد الضرب ثانية وبعنف، ومعه يد تمتد إليّ تحمل لفة طرية وضعت في يدي، لفة تشبه الخيش.

وأذكر أيضاً ان صوتاً من الشرفة أمر:

- يكفي هذا!

"وهنا طاردتني الكرابيج والعصي، توجهني جارياً نحو باب مفتوح، دخلته وأنا أعدو عارياً، وحولي وأمامي وخلفي كانت هناك عصي تصطادني! وأذكر أن عصاة بالذات نزلت على وسطي، لأتوقف لحظة. وقد فقدت أنفاسي، والدوار يمتلكني، وألم كالسكين من نار يخترف ظهري!

"ثم عدوت، لن الضربات ازدادت وتجمعت عندما توقفت! لأتجه صوب الباب المفتوح الذي دخلته جارياً، ولأتعثر، وضربة عصا أخيرة تنزل على رأسي، فأقع متطوحاً داخل هذا البناء!

"أذكر أخيراً أن الضرب توقف فجأة، وأني عندما رفعت بصري عن الأرض، سمعت باباً يغلق خلفي، وأن شخصاً يلبس ملابس ملابس غريبة مضحكة مهلهلة صفراء، يقترب مني، ويمد يده. تأملته في تعجب لأكتشف أنه أمين شرف!

ونهضت أسير بخطوات متعثرة حتى الحائط، وجلست على الأرض استند إلى الحائط بظهري، أحس بالألم طاغياً معربداً، وأتنفس في عمق.

"لساعات طويلة استمرت "التشريفة"! واحداً واحداً من زملائي عاشها ومر بها! ولم يرحم أحداً: محمود العسكري، العامل النقابي والمصاب بربو حاد! وسعد زهران ذو القدم الخشبية! والدكتور فؤاد مرسي المصاب بانفصال شبكي! .. كل واحد مر بنفس الروتين الذي رسم بدقة حتى العنبر!

"وفي العنبر كنا نلبس تلك اللفة الطرية التي قدموها لنا: بدلة من قماش أصفر يشبه الخيش، مكونة من بنطلون وسترة و "كاسكتة" على الرأس بلون من نفس القماش.

"وحتى وراء هذه الملابس كانت هناك خطة!: الرفيع أعطوه بذلة واسعة، والسمين بذلة ضيقة، والطويل بذلة قصيرة، والطويل بذلة فصيرة، والقصير بذلة طويلة!

"خطة لأن يكون الشكل مضحكاً وهزلياً وإهانة أخرى تضاف إلى الصفعات والضرب والشتائم، رسمها حقد هائل وعقل شيطاني!

"لعدة ساعات استمرت "التشريفة"! فد كان هذا هو اسمها كما سماها حسن منير، مأمور المعتقل بسخريته المريضة.

"ويمتلئ العنبر شيئاً فشيئاً، ضجة وصرخات وأوامر، ثم يفتح الباب، ويندفع زميل!

"لعدة ساعات امتهن شرف وكرامة وأجساد رجال من خيرة رجال هذا البلد .. رجال لم تسرق، ولم تمالئ الاستعمار، ولم تعمل بالسوق السوداء، ولم تختلس، ولم ترتش. رجال فيهم خلاصة فكر علمي، ونضال طويل، وحب متصل لوطنهم. رجال يؤمنون بحق الإنسان في حياة كريمة، ومجتمع نظيف عادل، ودنيا حرة ديمقراطية.

"على مدى ساعات، تهشمت ضلوع، وتحطمت أطراف، وحدث أكثر من نزيف داخلي، وأوشك أكثر من واحد على الموت!

"وفي الخارج يجلس بعض أفراد في شرفة عالية، يتضاحكون، ويرقبون في تشف، يستزيدون، ويحضّرون لأيام أخرى مقبلة!

"صنف آخر من الرجال، ونوع معين من البشر، فكل واحد خلفه تاريخ طويل من ريب وشبهات وقاذورات!

"لساعات جلسنا وظهورنا للحائط، نلعق جروحنا، حتى كان المساء، ليظل العنبر مغلقاً. عنبر طويل واسع كصندوق مستطيل، في أوله باب مصفح، وفي آخره دورة مياه، وفي جنباته نوافذ كبيرة بقضبان حديدية دخل منها برد الشتاء، لنلتصق وننام على أسفلت العنبر!

"وفي تلك الليلة استيقظت عند الفجر، لأسمع أنات من حولي وتأوهات! كان الكل نياماً، ولكن في الصدور كان الألم يعوي ويزفر ويتأوه!

"أصوات كنت أسمعها للمرة الأولى في حياتي، وظللت أسمعها فيما بعد وطيلة أيام أبو زعبل! ورفعت بصري أبحث عن السما بين القضبان، وأتساءل: "هل انتهى الأمر، أو أنها البداية؟"

"شيء في قلبي حدثني بأنها البداية!".

ولأصحاب النظارات في الأوردي تنظيف البكابورتات ! (الوفد في 14/11/1996)

قلنا في مقدمة هذه المقالات إن تصدى الناصريين لقيادة حركة الدفاع عن حقوق الإنسان، هو أكبر تضليل يمارس في حياتنا السياسية المعاصرة، لسبب بسيط هو أن النظام الناصري منذ قيام ثورة يوليو 1952 حتى وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 كان يمارس أبشع الانتهاكات لحقوق الإنسان، وكان عدواً لدود لحرية الرأي ولأصحاب الرأي على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم. فقد نكل بهم تنكيلاً، وأنزل بهم عذاباً فظيعاً، حتى ولو لم يمثلوا بالنسبة له أي تهديد، ولم يرفعوا في وجهه أي سلاح. فقد اعتبر النظام الناصري الرأي الآخر بمثابة سلاح موجه ضده أفتك من أي سلاح، وعامل أصحاب الرأي الآخر بأبشع مما كان يعامل به عتاة المجرمين!. وسلط عليهم زبانية انتقاهم بعناية من نفايات البشرية وحثالات المجتمع المصري وممن امتلأت ملفاتهم بجنح وجنايات الاعتداء على المسجونين والذوذ الجنسي وإدمان الأفيون.

وهذه هي جريمة النظام الناصري الكبرى، التي تقف جنباً إلى جنب مع جريمة هزائمه العسكرية! فقد كان من حقه أن يدافع عن نفسه ضد من يحملون السلاح ضده أو ضد المجتمع، في حدود القانون، ولكن لم يكن من حقه أبداً ان يعتبر الرأي الآخر خطراً يهدد حكمه بأكثر مما تهدده الانقلابات الدموية! وينظر إلى أصحاب الرأي الآخر المسالمين كما لو كانوا أصحاب سلاح مصوب ضده!

وهذا الكلام ليس تجنياً مني على النظام الناصري، وإنما هو حكم تاريخي أُصدره كمؤرخ، وأستنذ فيه إلى أوثق المصادر وإلى شهادات شهود عيان واعترفات، وأكثر من ذلك يعرفه جيداً الأحياء قبل الأموات في حزبي التجمع والناصري ـ وهما بالمناسبة متحدين في حلف أسميه حزب الجلادين والمجلودين ـ والجلادون هم الناصريون أم المجلودون فهم التجمعيون!

لقد كره النظام الناصري المثقفين كراهية التحريم، وسلط على المفكرين أبشع أدوات التعذيب. وهو أمر طبيعي من نظام قام على أكتاف ضباط عسكريين لا تسبقهم نظريات سياسية وإنما كانت تحركهم عقلية انقلابية. وهذا الكلام أيضاً ليس من عندب، ففي مقال لعبد الناصر في مجلة التحرير يوم أول أكتوبر 1952 كان عنوانه: "كيف دبرنا هذا الانقلاب!" ففكرة الثورة لم تكن قد برزت بعد لتجميل ثورة يوليو!

ولذلك نلاحظ أنه قام بالتخلص من المثقفين من مجلس قيادة الثورة، فقد تخلص من خالد محي الدين ومن يوسف صديق، كما تخلص من أحمد حمروش وغيره.

وقد روى إلهام سيف النصر في وثيقته الهامة التي صدرت في كتاب تحت عنوان: "في معتقل أبو زعبل" وهو الذي نعرضه في هذه المقالات صة تسند هذا المعنى الذي ذكرته بالحرف الواحد:

"أذكر أننا لاحظنا، عند حضورنا لأبي زعبل، أن الضرب كان يتركز، بصورة ملفتة للنظر! على من يلبس منا نظارات طبية!

"ففؤاد مرسي، وإسماعيل صبري عبد الله ، وشهدي عية الشافعي، ونبيل الهلالي، ولويس عوض، وكل من أصابه القدر بقصر نظر أو طول نظر فحمل على أنفه نظارة، كانت الشوم لا تتوقف عن ملاحقته!

"وبعد فترة، ومن زلة لسان أحد السجانة، علمنا أن مأمور أوردي أبو زعبل حسن منير، درس لهم فيما يدرسون، أن الزعماء يلبسون نظارات طبية، لأنهم يقرأون كثيراً!"

وفي موضع آخر من الوثيقة التاريخية يتحدث إلهام سيف النصر عن أحد الزبانية في "أوردي" أبو زعبل واسمه يونس مرعي، وقد وصفه بأنه: "نفاية اللسان"! فقد كان ـ كما يقول بالحرف الواحد: "يحقد على كل واحد منا يحمل شهادة علمية! لذا انصب غضبه بالذات على الدكتور فؤاد مرسي، والدكتور إسماعيل صبري عبد الله ، والدكتور عبد الرازق حسن، والدكتور فوزي منصور، وعادل ثابت، ومحمود أمين العالم، والدكتور القويسني.

"وبالذات على الدكتور لويس عوض، الذي خصه بانتقام مضاعف، عندما علم أنه قبل القبض عليه، كان يحتل وظيفة هامة بوزارة الثقافة!

"ومن يومها، كانت إحدى هوايات يونس مرعي أن يطارد الدكتور لويس عوض بجواده طويلاً، وهو ينزل عليه بعصاه!

"وبمثل هذا الحقد قتل الضابط يونس مرعي الدكتور فريد حداد! وبمثله أيضاً حطم ذراع الدكتور فوزي منصور! وفرض على الدكتور عبد الرازق حسن أن يخلع بذلة السجن وينظف مجاري "الأوردي"! وأجبر الدكتور القويسني على القيام بـ "الزحف المقدس" (سيأتي ذكره) حتى تهاوى مغمياً عليه! كذلك حظى الدكتور فوزي منصور بعناية خاصة، فقد ظل بعد أن تحطم ساعده بضربة شومة في إحدى "التشريفات" يعمل بالجبل، بنفس الذراع المحطمة، حتى نهاية الأوردي وأيام المعتقل! وبالنسبة لرشدي خليل فعندما أصيب بالتيفويد، ترك بدون بدون علاج حتى مات!

ويقول إلهام سيف النصر إن دكاترة الجامعة والمقفين كانوا هم المرشحون دائما لتنظيف بالباكابورتات! فقد كان العقل المريض السادي للزبانية يلعب لعبته الخبيثة، ويختار وسيلة التعذيب المناسبة! فالمعتقل السمين تختار له الحركات الرياضية التي لا يمكن أن يأتي بها إلا رشيق القوام! والمتقدم في السن يختار له اإنهاك والجري! ـ ومن هنا اختير ليوسف المدرك، الزعيم النقابي الذي تعدى الستين من عمره، الجري عشرات الكيلومترات يومياً! وكان التعذيب والإيذاء البدني يتركز أساساً على الضعيف منا جسدياً أو معنوياً، حتى يثير بانهياره وصياحه الرعب والانهزامية والإحساس بأن الإيذاء لا يمكن تحمله! فمن كان منا يتأوه أو يصيح، كان هو الذي عليه عادة يتركز الضرب والتعذيب!

وكل ذلك بالإضافة إلى اختراعات التعذيب التي كانت تطرأ في العقلية لاساجية لزبانية التعذيب. وفي ذلك يقول إلهام سيف النصر: "أذكر أنه حتى تناول وجبات، لم تخل من اختراعات! كانت قروانات الأكل المملوءة بالفول توضع على الأرض، ثم نجبر على الجري، والضربات تنهال علينا! ليخطف كل واحد منا قروانته، ثم يجري وهو يضرب، حتى يدخل العنبر!

"وقد كان معنى انسكاب الطعام، أو سقوط القروانة، ثلاثين شومة على بطن القدم كعقاب! ولكن أذكر أن ذلك ما كان يحدث إلا في القليل النادر! فحبات الفول القليلة، الملوثة بالطين والذباب والسوس، كانت بالنسبة لنا قوت يوم بأكمله! وما كنا على استعداد أن نجوع ـ فوق ما نجوع ـ لأي سبب كان. كنا نفضل أن نتأني ـ رغم الضربات القاسية ـ حتى نحافظ على لقيمات هي بالنسبة لنا هي جسر الحياة"!

ولا يفتأ إلهام سيف النصر يغمز نظام عبد الناصر بهزائمه العسكرية، فيقول إنه "لم يكن غريباً أن يكون الجلادون جبناء أمام العدو المسلح، شجعان والضحية مصري أعزل وحيد أمام قطعان البربرية". ويقول في سخرية:

"ليس الرجل من عذب أهله ومواطنيه، الرجل من ذاد عن أرض الوطن، وكسر بالعرم والتضحية هجمات العدو الشرس، وبذل الدم في في سبيل تحرير الأرض"!


وطوال العصر الناصري كان الانون في أجازة، وكانت حقوق الإنسان في أجازة! ومن الطبيعي أن يكون "أوردي" أبو زعبل هو آخر مكان في مصر يعرف القانون أو حقوق ألإنسان! ولكن كان له قانونه الخاص ونظامه الخاص، وكانت مخالفة هذا القانون أو هذا النظام يترتب عليها نتائج فادحة وعقوبات فظيعة.

فقد وضعت العقلية السادية لتعذيب المعتلين من سجناء الرأي نظاماً للنوم يضمن لهم عدم تجمعهم أو انتقالهم في أثناء الليل للتداول في الرأي أو الحوار! وهذا النظام يقوم على النوم طبقاً لتسلسل أرقام المعتقلين! ولكن سجناء الرأي كانوا ينتهكونهذا النظام، فالمساء ـ على حد قول إلهام سيف النصر ـ كان الوقت الوحيد الذي فيه يتم تحت ستار الظلام تهامسنا ومناقشاتنا المعنوية والسياسية، وكان يعني ـ بالتالي تنقلنا!".

ونظراً لخشية النظام الناصري من ذلك، فقد كان من الضروري بالنسبة له ضمان مراعاة المعتقلين لنظام النوم طبقاً لتسلسل الأرقام، وإجراء التفتيش في جنح الليل على العنابر للتحقق من التزام المعتقلين بهذا النظام.

ويروي إلهام سيف النصر قصة بشعة عن إحدى كبسات التفتيش على العنبر "1" بأسلوبه الواقعي فيقول:

"ذات ليلة، فتح عنبرنا في منتصف الليل فجأة، ليدخل عبد اللطيف رشدي (وهو الضابط المسئول الذي قتل شهدي عطية الشافعي بيده، وشج رأس الدكتور إسماعيل صبري عبد الله ) وفي رفقته السجانة، ليصرخ فينا ونحن نيام: اثبت مكانك!

"وبعدها بدأ يتفحص نمرنا، ويتأكد من أن كل واحد منا ينام طبقاً لتسلسل نمرته. وبالطبع كان هذا كان أحد الأشياء التي نرفض الانصياع لها. ولذلك، ففي تلك الليلة لم يشهد عنبر "1" ضرباً وحشياً كما شهده! وبعد أن انتهت المجزرة بدأ عاب جديد ومن نوع جديد!

"ففي زنازين التأديب الضيقة المختنقة، حشر الجميع وقوفاً، حتى مساء اليوم التالي! وكان البرد قارساً، وفي تلك الليلة زج عبد اللطيف رشدي بحلمي ياسين، وعبد العظيم أنيس، وسعد رحمي، وعبد المنعم شتيلا، ومحمود أمين العالم في عنبر التأديب!

وبطبيعة الحال فإن كل ذلك لم يكن ليحدث لو كان النظام الناصري يطبق قانوناً من تلك القاونين التي عرفتها المدنية الحديثة، ولم تكن شريعة الغاب هي السائدة.

وفي ذلك يذكر إلهام سيف النصر تلك القصة ذات المغزى، فيقول إنه في عام 1957 ـ أي قبل محنة أوردي أبو زعبل بعامين، كان قد قرر هو ونبيل الهلالي المحامي، رفع دعوى للتحقيق والتعويض عن التعذيب الوحشي الذي ناله زميلهم النوبي في السجن الحربي عام 1955، واسمه مختار. وقد وجدا أن أحد الأدلة الدامغة على حدوث التعذيب، ليس فقط ظهره الذي لا يحمل لحماً يغطي منكبيه، وإنما كلد رقيق، بعد أن ذهب اللحم بالسياط ونهش الكلاب المتوحشة! ـ وإنما أيضاً لأن أوراق تحقيقه في السجن الحربي ملوثة بالدماء التي طفرت منه خلال استجوابه، فقد كان الاستجواب يتم تحت التعذيب.

"ولكن الدعوى التي رفعناها فشلت، عندما اكتشفنا أن ملف التحقيق والحكم اختفيا من المحكمة العسكرية!

"فسيادة القانون ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ تعني "الحساب في حدود القانون، وتعني توفير ضمانات هذا الحساب، ولكن المشكلة أن سيادة القانون لها أكثر من تفسير"!

وهذا هو السبب في أن قانون "الأوردي" نفسه كان له أكثر من تفسير!" وربما كان أكثر هذه التفاسير بشاعة هو الذي طبقه مأمور الأوردي حسن منير يوم أول يناير 1960، مما سيرد ذكره!

وفي يوم الأربعاء الدامي : رفض المعتقلون غناء أغنية : « يا جمال يا مثال الوطنية » (الوفد في 23/10/1996)

لم يكن الفصل الأول من "تشريفة" أوردي أبو زعبل هو نهاية المطاف بالنسبة لسجناء الرأي في العصر الناصري، بل كان ـ كما يفهم من عنوانه ـ الافتتاحية! وهذا ما شعر به إلهام سيف النصر عندما استيقظ عند فجر اليوم التالي للتشريفة على أنات رفاقه وحشرجات صدورهم وهم ينامون على أسفلت العنبر في برد الشتاء، وأخذ يسترجع ما حدث!

"لقد جرى كل شيء" ـ على حد قوله ـ "في دقة، ووحشية، ودموية، وغضب جامح"! وكان السؤال الساخر الذي طرأ في ذهنه: "لماذا لم يظهر النظام الناصري كل تلك الدقة وذلك الغضب الجامح وتلك الدموية في ظروف أخرى تستدعيها:

ظروف هدد فيها العدو و[[الصهيونية]] أرض الوطن، واستباحوها ووطئوها؟

(كان يقصد حرب 1956 التي العدو فيها سيناء)، "وعلى الرغم مني" ـ كما يقول ـ : ابتسمت في مرارة، وأنا أذكر ذلك البيت البليغ: "أسد عليّ، وفي الحروب نعامة"!

وعلى مدى الأيام التالية ـ وعلى حد قوله ـ استمرت "التشريفة" تستقبل كل وافد جديد قرر نظام عبد الناصر تأديبه: "على مدى الشهور استقبلت التشريفة عدة مئات من المعتقلين، من مختلف طبقات المجتمع، ومن كافة أرجاء مصر. أسماء هي في الواقع سمات لمصر الحديثة ولمصر المستقبل، تتمرغ في دمائها!:

"الدكتور لويس عوض الأستاذ والصحفي والأديب، حسن فؤاد الفنان والصحفي والكاتب، الدكتور عبد الرازق حسن الأستاذ في الاقتصاد سعيد خيال القاضي وعضو مجلس السلام العالمي، فوزي منصور الدكتور في الاقتصاد، فيليب جلاب الصحفي، الدكتور عبد العظيم أنيس أستاذ الرياضة البحتة والصحفي، زهدي رسام الكاريكاتير والفنان اللامع، منير موافي الضابط بالقوات المسلحة وأحد أبطال بور سعيد، فؤاد حداد الشاعر!

"أسماء، وأسماء، لعدة مئات .. أسماء لرؤساء وأعضاء مجالس نقابات عمالية تمتد من أسوان وكوم إمبو حتى شبرا الخيمة والمحلة وكفر الدوار وسباهي وعنابر السكك الحديد، وأسماء لفلاحين من قرى الصعيد ونجوع الدلتا وكفور ريف مصر كلها. أسماء لمصريين شرفاء كانت تتعرض لما حوته "التشريفة" من بشاعة!

"كانت عجلة البربرية تدور، وكل شيء ـ حتى شرف المهنة ـ كان يلوث من أجلها!

"وحتى أواخر يونيو عام 1960 استمرت التشريفة لا تتوقف، بل تزداد إتقاناً، وتزداد وحشية، وتزداد جنوناً! ومع التشريفة" شهد أوردي أبو زعبل أصدافاً جديدة وغريبة ومريضة من تعذيب بربري أطلق عليها عليها أسماء: "ليلة التفتيش" ، "الزحف المقدس" ، "طابور الصباح" ، "التأديب" ، "يوم العناء" ، "الأربعاء الدامي" ، "ليلة رأس السنة" ، "هجوم الهكسوس"!

"وعشرات من قصص مجنونة دامية لا يتصورها خيال، ولا يمكن لمصري أن يتصور أنها حدثت على أرض مصر! قصص يجب أن تحكى، لكيلا تحدث بعد ذلك قط"!

ويروي إلهام سيف النصر إحدى قصص التعذيب البربري التي أطلق عليها اسم "طابور الصباح"! فيقول إنه في صباح يوم في أواخر شهر نوفمبر 1959 فتح باب عنبر (1) ووقف المعتقلون من سجناء الرأي وقفة انتباه كما تعلّموا، وصدر الأمر بخروج خمسة عشر معتقلاً، من رقم "1" حتى رقم "15" ـ كما هو مطبوع على ستراتهم بطلاء أسود.

"وخرج الخمسة عشر معتقلاً وهم يجرون، من العنبر حتى باب الأوردي، خرجوا يجرون كما تعلموا! وكالعادة أيضاً نزلت على ظهورهم الشوم والهراوات حتى توقفوا في صفوف منتظمة، كل صف من خمسة: الكل في ملابس السجن الخشنة، والأقدام حافية!

"وأمام الخمسة عشر معتقلاً وقف اللواء إسماعيل همت وكيل مصلحة السجون، وحوله ضباط المعتقل، وخلفهم عشرون جندياً مسلحين بمدافع رشاشة! وبعد صمت استمر ثوان تكلم اللواء إسماعيل همت قائلاً باسماً:

"أنتم ضعاف الصحة، تحتاجون إلى رياضة!"،وبإشارة من يده تقدم صول ليصرخ:

"يمين در!

"بعضنا يستدير نحو اليمين، والبعض نحو اليسار! الخطأ يحدث لأن الأمر جديد علينا! العصي تنزل والصرخة تعلو من جديد: يمين در! الكل يستدير نحو اليمين.

"بالخطوة السريعة، مارش!

"الكل يجري في شبه حلقة، تقودهم العصي والشوم! وبعد خمس عشرة دقيقة يصدر الأمر بالتوقف. ويلتفت اللواء همت إلى مأمور السجن حسن منير قائلا: طابور الرياضة يا حسن اللي اتفقنا عليه! الأولاد أجسامهم طرية يجب أن تشتد"!

"الأمر يصدر بدخول العنبر . الكل يجري، والعصي تنزل على الظهور من جديد"!


وينتقل إلهام سيف النصر إلى صباح يوم 16 فبراير 1960 ـ أو يوم الأربعاء الدامي ـ ويروي القصة البشعة الآتية عندما أشرف الدكتور إسماعيل صبري عبد الله ومعه ثلاثون من سجناء الرأي على الموت وأغمي عليهم. فيقول إنه في صباح ذلك اليوم وقف عنبر "1" في ثلاثة صفوف، كل صف يحوي عشرين معتقلاً وقفة انتباه، وعلى الأرض أمام العنبر جلس بقية المعتقل جلسة المسجون العادية: "الجسد قد انخفض، والرأس مطرق في الأرض، والأيدي موضوعة على الركب، والأقدام تئن تحمل الجسد المنثني المحرم أن يلمس الأرض. عدة مئات جلسوا هذه الجلسة أمام عنبر "1" فالأوردي قد امتلأ بعدد كبير من المعتقلين حضروا من السجون والمعتقلات الأخرى.

"وأمام عنبر "1" وقف المأمور حسن منير وحوله ضباط المعتقل وعدد من الجنود والسجانة، يحملون بنادق وعصي غليظة يسميها المعتلون "شوم"، وهي تورد للمعتقل بمعدل مائة شومة شهرياً، لاستبدال ما يتحطم على أجساد المعتقلين!

لم يكن عنبر "1" يعرف سبب هذا التجمع إلا عندما خاطبهم مأمور المعتقل حسن منير قائلا:

"أنا مبسوط منكم يا أولاد .. ولذلك قررت أن أعلمكم الغناء! تعرفون أغنية: "يا جمال يا مثال الوطنية"؟ هيا يا أولاد، غنوا!

على أن المعتقلين من سجناء الرأي فهموا المقصود، فرفضوا الغناء. وهنا اتجه مأمور السجن إلى الدكتور إسماعيل صبري عبد الله ، الذي كان يقف في الصف الأول، وصاح فيه: غني يا ولد! ولكن الدكتور إسماعيل صبري رفض الغناء قائلاً: "أي أغنية وطنية مكانها الخارج، حيث الحرية، نحن كوطنيين نتشرف بغناء أغاني وطننا الوطنية، ولكنا نرفض أن نغنيها تحت ظل الرشاشات والأسلحة والعصي، نرفض أن نغنيها تحت ظل الإرهاب!".

وهنا ـ كما يروي إلهام سيف النصر ـ أخذت تصدر من فم المأمور حسن منير ألفاظ نابية قذرة عاهرة، وتنهال العصي والشوم على إسماعيل صبري عبد الله ، حتى سقط، ورأسه مشجوج تسيل منه الدماء، والضربات تنهال بجنون عليه.

وبعدها جرى ضرب العنبر كله! حتى أطلق علي المعتقلون "يوم الأربعاء الدامي" يوم أشرف الدكتور إسماعيل صبري عبد الله على الموت، وكذلك أشرف على الموت عدد آخرون، وأغمي على ثلاثين معتقلا كلهم من عنبر واحد هو عنبر "1"!


ويستمر طابور الصباح "لتحسين الصحة" حسب تعبير اللواء همت! وفي صباح يوم من أيام شهر مايو 1960، صدرت الأوامر لجميع نزلاء المعتل بعمل الحركة الرياضية المعروفة باسم "ضغط"، ولكن بأسلوب مخيف يؤدي إلى الموت! ويصف إلهام سيف النصر ما حدث فيقول:

"على استلقى عدة مئات! عنبر بعد عنبر، ستة عنابر! كان المطلوب أن يركعوا ووجوههم صوب الأرض، ثم يرفعو اجسادهم بسواعدهم، وهكذا دواليك. اسم هذه الحركة الرياضية "ضغ"، ولكن المشكلة أن كل معتقل كان عليه ان يؤديها بدون توقف! حتى يأمر الضابط بالتوقف!

وبطبيعة الحال فإن الجميع عجزوا عن المواصلة، وبعد عدة مرات أخذوا ينهارون، فجميعهم كما يقول إلهام سيف النصر، جوعى، ومنهكون، فالطعام عدة حبات فول، وثلاثة أرغفة من خبز، والعمل قاس في الجبل.

وهنا جاء دور السجانة! فعندما عجز المعتقلون عن أن يرفعوا أجسادهم، أمر ضابط السجن واسمه مرجان رجاله بان يسيروا فوق ظهور المعتقلين! ويقفزوا من فوق جسد إلى آخر! وعندما أصيب بعض المعتقلين بالإغماءن أمر مرجان رجاله بضربهم "حتى يفيقوا"!

ويروي إلهام سيف النصر أنه في يوم الغناء، "بعد أن ساقتنا العصي والهراوات للجبل لنقضي فيه يوم الأربعاء الدامي، بقي سعد زهران في الأوردي" لأنه كان بقدم واحدة ومن المتعذر عملياً أن يعمل في الجبل بهذه الساق الواحدة. وفي ذلك اليوم زاره الضابط يونس مرعين وهو من الشخصيات التي اختارها نظام عبد الناصر بعناية لأوردي أبو زعبل فهو ـ كما وصفه إلهام سيف النصر ـ: "القاتل البهلوان، يقتل في جنون وهو يضحك ويدمر! وهو يقفز في مرح! يضرب وهو يلقي بالنكات! وجهه ككل مدمني الحشيش، جامد كقناع من شمع، والعيون حمراء متسعة الحدقات، واليد ترتعش، والفم لا يفرز إلا أدنأ الكلمات وأقذرها"!

زار يونس مرعي هذا سعد زهران في الأوردي، "ليضربه على القدم الوحيدة بعد أن رفض الغناء، حتى أعجزه عن الحركة تماماً لمدة أيام! وكانت طريقة الضرب أنه كان يأمره بالوقوف على قدمه الواحدة، ثم يركله، فيتعثر ويقع! فيفرض عليه أن ينطرح على ظهره، ويرفع قدمه، ليتلقى ضربات الشوم على بطن قدمه، بحجة أنه لا يجيد السير!

"وفي يوم الغناء أيضاً، عندما عدنا من الجبل، استقبلنا يونس مرعي على باب المعتقل بضرب شديد وفردي، واحداً واحداً! وعندما تلقيت نصيبي، لاحظ يونس مرعي أني على وشك الإغماء بسبب ضربة شومة أصابت كليتي اليمنى، فسألني: لديك طلبات؟ وأجبت: أريد علاجاً طبياً، فقد أصبت في كليتي!. وكان العلاج الطبي أن أمر يونس مرعي الشاويش عبد السلام، القوي العضلات، بأن يضربني عل قفاي ثلاثين صفعة!" حتى يتعادل الألم في الرأس مع الألم في الجسد، فلا أصاب بإغماء! ـ على حد قوله!

"الزحف المقدس" في الأوردي .. وطرق تعذيب أخرى ! (الوفد في 28/10/1996)

لم يعرف التاريخ ثورة نكلت بمخالفها في الرأي من المثقفين والمفكرين وأصحاب الرأي كما فعلت ثورة يوليو، في سبيل احتفاظها بالسلطة والانفراد. لقد فعلت النازية ذلك لأسباب عنصرية واقتصادية معروفة، ولكنها لم تفعل ذلك لخلاف في الرأي بينها وبين اليهود! وفعل الأسبان ذلك في محاكم التفتيش لأسباب دينية، ولكن أيا من النازيين والأسبان لم يزعم أنه ثورة تقدمية ديموقراطية كما زعمت ثورة يوليو!

لقد انفردت ثورة يوليو بهذا التضليل، الذي أصبح سمة خاصة تميز الناصريين، لدرجة أنهم اليوم يتصدرون صفوف المدافعين عن حقوق الإنسان! بل ويترأسون هذه الحركات! متصورين أنهم بذلك يخدعون شعبنا! وينسون أن شعبنا لا ينخدع، وأنه يعرف أسماءهم وأشخاصهم وتاريخهم الأسود!

ولكن المؤسف حقاً أن من ذاقوا النكال على يد ثورة يوليو، ومن جردتهم هذه الثورة من آدميتهم وإنسانيتهم، يتصدون للدفاع عنها بكل حماس، وقد نسوا ما لقوا على يدها من هوان وإذلال! الأمر الذي دعانا إلى القول بأنهم أصيبوا، مثل سجانيهم، بالسادية، وهي الاستمتاع بالتعذيب، والشعور بالعرفان للجلادين لدرجة الدفاع عنهم!

ولكن واحداً منهم، وهو إلهام سيف النصر، لم يغفر لجلاديه، وقام بفضحهم في كتابه: "في معتل أبو زعبل"، الذي سجل فيه التجربة البشعة التي عاشه سجناء الرأي في "أوردي" أبو زعبل، وكان غرضه الذي أوضحه بجلاء في كتابه، هو منع تكرار هذه الجريمة. أو على حد قوله "إن فضح الجريمة، وكشف خيوطها وأركانها، هو الأسلوب الوحيد لمنع تكرارها، من أجل ألا يحدث ما قد حدث بعد ذلك قط".

وهذا هو الغرض الذي نبتغيه من هذه المقالات، وهو ألا يتكرر ما حدث أبدا، وتعبئة رأي عام قوي يعرف ما يمكن أن يجره عليه الحكم الدكتاتوري الذي يغيب منه القانون ـ فيتصدى لمنع تكراره في مصر مهما كانت التضحيات! فما رويناه في معتقل أوردي أبو زعبل من انتهاك فظيع لحقوق الإنسان ولآميته، لم يرد في أي قانون، حتى ولا قانون الغاب، ولم يعرفه مجتمع متحضر، ولم يكن له أي مبرر، فلم يرفع هؤلاء المعتقلون سلاحاً ضد ثورة يوليو، بل إنهم كانوا يتوهمون أنهم قريبين من أفكارها، وأنه لا يوجد تناقض بينهم وبينها! وأكثر من ذلك إنهم كانوا يعتبرون أنفسهم "حلفاء" و "قوة وطنية تسند الحكم الوطني الموجود"! ولكن مجرد الخلاف في الرأي بينهم وبين الثورة حول الديمقراطية والمزيد من التحول الاجتماعي، كان كافياً في نظر زعيم هذه الثورة لاعتقالهم ووضعهم في أوردي أبو زعبل بدون أن يصدر حكم واحد ضدهم!

وكان في وسع عبد الناصر الاكتفاء بحرمان أصحاب الرأي المخالف من حريتهم واعتقالهم في سجون آدمية، ولكنه نكل بهم تنكيلاً، كما لو كان الخلاف في الرأي أشنع جريمة يمكن أن ترتكب في حقه، وسلط عليهم نفايات البشرية للانتقام منهم وتشويههم جسدياً وروحياً!

وكل ذلك في الوقت الذي كان عبد الناصر يخدع العالم الثالث كله ويوهمه بأنه بطل وطني تقدمي، ويتبادل الزيارات مع زعماء العالم التقدميين! بل إنه عندما فاضت روح شهدي عطية الشافعي في يونيو 1960، كان في بريوني في زيارة لتيتو، ولم يحركه إلا عندما علم العالم بالفضيحة بعد أن نشرت جريدة الأهرام نعياً له في صفحة الوفيات مع أبيات من الشعر تشير إلى ان وفاته كانت استشهاداً.

ولا يعرف إلى الآن كيف نشرت الأهرام الخبر، رغم الرقابة المفروضة على الصحف وقتذاك! ولكن نشر الخبر بهذا الشكل والدوي الذي أحدثه في العالم التقدمي، كان هو الذي ضغط على يد عبد الناصر لإيقاف مذبحة أوردي أبو زعبل، في محاولة لغسل يده من الجريمة. وفي ذلك يقول إلهام سيف النصر: "فجأة، وبعد ركود طويل، وأذن لا تسمع، وعين تتجاهل، تحركت السلطة السياسية تتدخل!".

ومن هنا أليس غريباً أن يتصدر رجال هذه الثورة اليوم الدفاع عن حقوق الإنسان، كأنهم وهبوا حياتهم منذ الميلاد لهذه القضية النبيلة السامية، ولم تتخضب أيديهم بدماء التعذيب والشهداء؟

إن ما أورده إلهام سيف النصر من طرق التعذيب التي اخترعتها العقلية الجهنمية لزبانية عبد الناصر، يستحق أن يعرفه شعبنان ويعرفه الشباب المخدوع بالشعارات المضللة الحالية للحزب الناصري، لكي يعرف جانباً مهماً من جوانب تاريخ ثورة يوليو بدون تزويق، من واقع الوثائق التاريخية الصادة، وهو الجانب الخاص بامتهانها لبسط حقوق الإنسان.

لقد أورد إلهام سيف النصر من طرق التعذيب التي اخترعها زبانية ثورة يوليو ما أطلق عليه الزبانية اسم طريقة "البيانو"! وبمقتضاه كان يطلب إلى سجناء الرأي من المعتقلين أن يناموا على الأرض، ليمر حارس يضربهم واحداً بعد الآخر على طريقة البيانو! وتكون صرخات الألم المتنوعة التي تنبعث منهم بديلاً عن صوت البيانو! وربما كان أشنع من طريقة البيانو، ما أطلق عليه الزبانية اسم "لف للتفتيش"! وهي تطوير لعمليات الضرب الجماعية واليومية، وبمقتضى هذه الطريقة كان على سجناء الرأي عند سماع كلمة "انتباه" ان يستديروا صوب الحائط، وينحنوا بصدورهم ورؤوسهم، لكي يتيحوا للحراس فرصة التحكم في توجيه الضربات. ثم كان عليهم أن يدوروا في أماكنهم كالساعة، وبسرعة، وظهورهم منحنية، وأقدامهم وحدها هي التي تتحرك تدفع أجسامهم للدوران في تلك الحركة المجنونة الغريبة، بينما يمر السجانة جيئة وذهاباً ينزلون بالشوم والعصى على الظهور والرءوس التي تدور!

ويقول إلهام سيف النصر غن الغرض من هذه الطريقة المجنونة، إلى جانب المهانة والتحقير، إجبار سجناء الرأي على الإتيان بحركة البهلوانات، وإتاحة الفرصة للحراس لكي يضربوا كما يحلو لهم وفي أي مكان يتصادف وجوده أمامهم! والفرصة لأن يتضاعف تأثير الضربات بالإنهاك، "والفرصة لأن يسقط أحدنا دائخاً أو مصاباً، فيفتح الفرصة عندئذ لضرب جماعي أو فردي جديد عنيف لمن تحدى الأوامر وسقط منهكاً أو مصاباً!".

وبعد أن أتقن سجناء الرأي حركة "لف للتفتيش" وأصحبت روتيناً يوميا يعاد عدة مرات في كل عنبر، شهدت جدران الأوردي اختراعاً آخر لزبانية التعذيب هو الذي أطلق عليه اسم "الطابور الرياضي"!

وبمقتضى هذا الاختراع، كان العنبر يخرج بأكمله يومياً بحجة الرياضة، ولكن الهدف الأساسي هو التعذيب. فكان يطلب إلى سجناء الرأي القيام بحركة "الضغط" الرياضية، وذلك بالانطراح أرضاً، ثم رفع أجسادهم فوق سواعدهم وخفضها عدة مرات.

وفي حركة الضغط الرياضية العادية يكون رفع الجسم وخفضه في حدود القدرة البدنية، ولكن حركة الضغط الرياضية في أوردي أبو زعبل، تقوم على الإتيان بالحركة حتى تعجز السواعد، وتتخدر الأجساد، وعندئذ يعدو الحراس على ظهور سجناء الرأي بالضرب، بحجة "عدم تنفيذ الأوامر"!

ولا تنتهي حركة الضغط عند هذا الحد، وإنما يقوم سجناء الرأي، بعد أن تخور قواهم، بعدة حركات أخرى تكميلية، يصفها إلهام سيف النصر فيقول: "ننطرح على ظهورنا، ونرفع سيقاننا عشرات المرات! أو نعدو في حلقة ضيقة حتى نفقد الأنفاس! او نهبط وننهض حتى نقع خائرين! وببساطة، تحويل أية حركة رياضية في "طابور الصباح" إلى تعذيب وإنهاك متصل!".

وقد كان بعد نجاح "طابور الصباح" أن تقدم زبانية التعذيب في عصر عبد الناصر باختراعات تعذيبية أخرى، أطلقوا على أحدها اسم "الزحف المقدس"! وهو ـ كما وصفه إلهام سيف النصر ـ أن نهبط بأجسادنا بشرط ألا نلمس الأرض، مرتكزين على أقدامنا فقط، ثم نرفع سواعدنا لأعلى، ونبدأ بالتحرك من هذا الوضع الغريب بأقدامنا، خطوة بعد الأخرى، لمئات الأمتار! نسير وأيدينا مرفوعة، شبه جالسين، وأقدامنا تئن من الألم"! أما لماذا أطلق زبانية التعذيب على هذه الطريقة التعذيبية اسم "الزحف المقدس"، فلأنه منبثق من المسيرة الصينية الشهيرة خلال الحرب الأهلية، تهكماً وسخرية سوداء!

على أن جعبة زبانية التعذيب كانت ما تزال حافلة بالمزيد، ضاربين عرض الحائط بكل اللوائح التي تحكم الليمانات، بل متعمدين إنتهاك هذه اللوائج لمفاجأة المعتقلين بما لا يتوقعونه! وربما كانت القصة الأليمة التي أوردها إلهام سيف النصر في كتابه شاهداً على ذلك، وقد استدل بها أن الهدف الأساسي الذي كان يستهدفه زبانية التعذيب لم يكن مجرد التعذيب، وإنما هو الإبادة! فيقول:

"كنا قد تعلمنا بعض القواعد الأساسية التي تحكم الليمانات كقانون قدسي لا يمكن المساس به، ومن هذه القواعد ان الأمطار تمنع نزول النزلاء إلى الجبل، على أساس أنها قد تمكن مسجوناً من الفرار مستغلاً ضعف الرؤية.

"لذلك لم يكن غريباً حين نزلت الأمطار والغيوم والبرد مع بداية السنة في الأوردي، أن سرت في نفوسنا بهجة، وفي لوبنا فرحة، فقد كانت الأمطار والغيوم تعني عدم نزولنا إلى الجبل. وهكذا جلسنا على أرض العنبر وظهورنا للحائط، وأمامنا طويت البطانية ولف البرش .. بطانية رقيقة، وبرش من ألياف خشنة هما الوسادة والغطاء.

وعليها استقرت القروانة الألومنيوم.

"ولكن البهجة والراحة النفسية لم يستمرا طويلاً. ففجأة فتح باب العنبر، ودخل حسن منير مأمور السجن ورجاله، لنقف للتفتيش، ونتلقى ضربات الشوم فترة! ثم نستقبل أمراً بأن يخرج منا خمسة عشر معتقلاً (من نمرة 1 إلى 15) إلى فناء السجن!

"ولما كنت أحمل رقم "6" فقد خرجت فيمن خرجوا، نقف جامدين "انتباه" تحت الأمطار، ننتظر الفصل الثاني الذي لابد أن يكتمل في مسرحيات المأمور.

"وفهمنا أن حسن منير قرر ألا نقضي اليوم كما تصورناه، بل قرر أن يعطينا جرعة جديدة من العذاب والإنهاك.

"وتوالت الأوامر غريبة مريرة! بعضنا عليه أن يكنس مياه الأمطار، ويسوي الأرض بفروع من جريد النخيل!

وبعضنا عليه خلع ملابسه لينزل داخل "بكابورتات" الأوردي وينظفها. وبعضنا عليه تنقية رمال أرض المعتقل وفنائه من الحصى والحجارة!

"وكان تعليق حسن منير على هذه الأوامر: يا أولاد .. كل واحدة من هذه المهام "صنعة" سوف تنفعكم عندما تخرجون من السجن!!

"وسرعان ما اختار لي صنعة فريدة من نوعها. فبإشارة من يده تبعته إلى الخارج ـ خارج الأوردي ـ ومعي أمين شرف، لنجد أنفسنا في الطريق المترب الضيق، الذي كانت تدور عليه أحداث "التشريفة"! ويمتد أمام مكتب المأمور.

ثم تقدم سجان يعطينا، أمين شرف وأنا، "كوزين" صغيرين من النحاس أو الصفيح. وسمعنا الأمر: - يا أولاد، عليكما بنزح المياه المتجمعة على الأرض، وإفراغه في ذلك المجرى!

"ووقفنا ذاهلين لا نكاد نصدق أعيننا: الطريق الملئ بالحفر قد امتلأ بمياه الأمطار، والأمر يعني أن نملأ الكوزين لنفرغهما في مجرى مائي صغير مواز للطريق، ليستعمل في ري الحديقة المحيطة بمكتب المأمور والضابط!

"وبعد شومتين نزلتا على ظهرينا، أفقنا لنبدأ في تنفيذ "الصنعة" الجديدة! وهكذا مر اليوم كاملاً، من حوالي الثامنة صباحاً إلى الخامسة مساء، نملأ الكوز ونفرغه، ننحني، وننهض، ونفرغ الكوز، ثم نبدأ من جديد!

"مرت ساعات النهار كلها، ونحن ننفذ عملاً مجنوناً، وأمراً مستحيلاً والأمطار تسقط علينا، والجوه والإعياء يجتاحنا!..".

الطاحونة الدموية في جبل أبو زعبل ! (الوفد في 4/11/1996)

تحت ستار التقدمية والإشتراكية استطاعت النظم الفاشية التي ظهرت في العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى، تقديم نفسها للعالم الثالث في صورة نظم وطنية تقدمية، وكانت الانقلابات العسكرية على رأس هذه النظم، ومنها انقلاب يوليو العسكري الذي خدع الجميع، وإن كان لم يخدع الحزب الشيوعي المصري برياسة الدكتور فؤاد مرسي، الذي أصدر منشوراً يوم 26 يوليو 1952 تحت اسم "الخدعة الكبرى"، حلل فيه الانقلاب بأنه "انقلاب عسكري له طبيعة فاشية"! وقد تدعم تحليله بتصرفات الجيش طوال شهري أغسطس وسبتمبر عندما قام بإعدام خميس والبقري لأول مرة في تاريخ الحركة العمالية المصرية، واصطدم اصطداماً خطيراً مع الحزب الليبرالي الوحيد في مصر وهو حزب الوفد، وفام بإلغاء الأحزاب في يناير 1953 ! وبذلك انفصلت الحركة عن الشعب، وأصبحت قيادتها تمثل "عصابة عسكرية". وعندما تكتلت القوى الديمقراطية والتقدمية ضد حركة الجيش في مارس 1954 استطاعت هذه الحركة بالخديعة العودة إلى السلطة، واعتقال جميع المفكرين والمثقفين والتقدميين والديمقراطيين وألقت بهم في السجون!

وقد ظلت الصفة الفاشية لاصقة بالثورة طوال حكمها، ممثلة في اضطهادها لأصحاب الرأي المخالف، والتنكيل بهم، وتعذيبهم بأبشع مما تفعل النظم النازية والفاشية، على الرغم من أنهم لم يحملوا سلاحاً ضدها، ولم يشكلوا أي خطر عليها، وإنما كانت جريمتهم الوحيدة هي الرأي المخالف!

ومن هنا كان من الضروري إلقاء الضوء على هذا الجانب الفاشي لثورة يوليو، حتى تكمل صورتها التاريخية بعيداً عن الزفة الدعائية التي يسوقها الناصريون، والتي ذهبوا فيها إلى حد التصدي لحماية حقوق الإنسان المصري لم تمتهن في أي عصر من عصور التاريخ المصري كما امتهنت في عصر ثورة يوليو!

فقد كان إلهام سيف النصر في صفحات كتابه، وهو يتحدث عن تجربته البشعة مع رفاقه، على عقد المقارنات بين زبانية أوردي أبو زعبل وزبانية المعتلات النازية! ففي حديثه مثلاً عن الصول مطاوع في أوردي أبو زعبل يقارنه بالصول "كوخ" صول معتقل "بوخنفالد"! والصول "ايرماجرس" صولة معتل بلسن التي أسموها "ذئبة بلسن" خلال محاكمة مجرمي الحرب في براندنبرج! وفي حديثه عن الضابط حسن منير يسترعي نظره "الكاب" الذي استقر على رأسه، ويقول إن هذا الكاب "ذكره بالكاب النازي الحاد الذي كان يضعه رجال العاصفة والجستابو على رؤوسهم"!

وهذه المقارنة بين زبانية أبو زعبل وزبانية المعتلات النازية نراها أيضاً في كتاب "رسائل الحب والحزن والثورة" للدكتور عبد العظيم أنيس، الذي سيأتي دوره في هذه السلسلة من المقالات، فيقول بالحرف الواحد: "إن تجربة الأوردي، بما تعنيه من تعذيب يومي، وإهدار لآدمية المعتقلين، وعمل كالسخرة في جبل أبو زعبل، ثم قتل لعدد من زملائنا، إنها باختصار ـ تكرار لما صنعته النازية في خصومها السياسيين في معتقلات أوروبا المشهورة، "ولم يكن لينقصها لتصبح الصورة مطابقة تماماً غير غرف الغاز".

هذا الاتفاق على تشبيه تجربة الأوردي في العصر الناصري بتجربة المعتقلات النازية في عصر هتلر، هي دليل لا ينقض على الصورة الحقيقية للنظام الناصري، مهما تحقق فيه من إنجازات لا تنكر! فقد كان للنظام النازي في ألمانياً إنجازات! وكان للنظام الفاشي في إيطاليا إنجازات أيضاً! ولكن الفيصل في تحديد صفة أي نظام هو الحرية: حرية الرأي والقول والخطابة والاجتماع وغيرها، وهو احترام حقوق الإنسان وآدميته.

ويكفي أن يقرأ القارئ عن "تجربة الجبل" في أوردي أبو زعبل ليكون الصورة الصحيحة عن النظام الناصري دون تزويق! ففي الجبل ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ "كانت الحلبة التي اختارها حسن منير لنفقد آدميتنا، وفي الجبل سالت دماؤنا، ووطئت كرامتنا، وامتهنت أجسادناـ وأشرف على الموت العديد منا. وفي الجبل كان العذاب الأكبر!".

ويروي تجربة الجبل على النحو الآتي:

قبل الفجر استيقظنا كما كنا نستيقظ كل يوم: دورة المياه، ثم تطبيق البطانية والبرش، ثم انتظار أن يفتح العنبر ونتلقى تعذيب الصباح!

"ولكن اليوم بدأ مختلفاً عن غيره! فعندما فتح العنبر كانا لضرب أكثر عنفاً، وكانت طريقة "لف للتفتيش" تعاد مرة بعد الأخرى! حتى بدأنا ندوخ وتخور أجسامنا!

"وعندما انتهت العلقة، لم يقفل علينا الباب، وإنما صدرت الأوامر لنخرج إلى فناء المعتقل، لنرى بقية العنابر قد خرجت كلها واصطفت في ثلاثة صفوف، لنصطف مثلها. ثم يصدر الأمر، فنتحرك، يحيط بنا عدد كبير من الحراس المسلحين ونخرج من باب المعتقل.

"سرنا ورؤوسنا مطرقة كما علمتنا الأوامر! نشهد ـ خلسة ـ بين الجفون شبه المسدلة، اللواء إسماعيل همت وكيل مصلحة السجون في سيارة، وحسن منير مأمور الأوردي وضباطه فوق خيولهم، ومن حولنا صفين من حرس مسلح بالبنادق والمدافع الرشاشة، وخلفنا عد آخر من الحراس بمدفعي "برن"!

"سرنا والقلوب واجفة، والأعصاب مشدودة، حوالي نصف الساعة، لنجد أنفسنا نقترب من حافة هوة كبيرة تمتد عدة كيلو مترات، تحوطها التلال من كل جانب. ودخلنا من فتحة فيها لنجد أنفسنا في بطن الجبل، ومن حولنا تشمخ جدرانه عدة أمتار، فلا نرى سوى السماء تتوسطها الشمس الحامية، وأشباح سوداء، بعضها ترقبنا والبعض تصوب أسلحتنا نحونا!

"بعدها بدقائق بدأت "العملية"! صفارة طويلة أطلقها "الصول"، وما أن انتهت حتى كانت عشرات الشوم والهراوات تهوي علينا فجأة! وتفرقت صفوفنا مبعثرة! كان الجبل قد امتلأ برجال يلبسون ملابس كاكية هم الحرس الخارجي لليمان، وبدأ هؤلاء ـ مع السجانة ـ الإطاحة بعصيهم في صفوفنا!

"ثم أطلق الصول صفارة طويلة أخرى، وأخذت العصي تقودنا هذه المرة لنتجمع من جديد! وتكررت العملية مرة بعد الأخرى: الأمر يصدر من صفارة والشوم يهوي علينا!

"بعد ذلك نزل حسن منير بطن الجبل على جواده، يتبعه ضباطه الثلاثة على خيلهم، وبدأ عملية جديدة!

"هذه المرة تجمعنا في نهاية الجبل، بعد أن طاردتنا العصي، لنملأ "غلقان" جلدية سميكة بالتراب والحجارة، ويضع كل واحد منا "غلقه" على كتفه، ثم يجري مئات الأمتار ـ هي طول الجبل ـ بين صفين طويلين من الحراس بطول الطريق، تهوي هراواتهم وشومهم عليه، ليفرغ الغق في طرفه الآخر! ثم يعود ليبدأ من جديد!

"ذلك يحدث، والضباط يتابعوننا بجيادهم الراكضة، وأقدامنا الحافية تدمي من شظايا البازلت الحاد المسمومة، وصدورنا تتحشرج من العدو المتصل!

"وكان سيء الحظ من وقف لحظة يلتقط نفساً، أو تعثر ووقع، أو سقط منهكاً، أو يئس فتوقف ـ عندها يتعرض لعقاب فردي شديد حتى يعود ليبدأ من جديد!

"لساعة كاملة، استمرت العملية، لتدوي الصفارة لنتجمع، وننتظم في صفوفنا الثلاثة، ونعود للأوردي.

"وعند باب "الأوردي" تم تفتيشنا واحداً واحداً، وضربنا واحداً واحداً!

"وكانت هذه هي البروفة!

"وفي المساء، قاد حسن منير بنفسه عملية الضرب وعملية "لف للتفتيش" المعتادة كل ليلة. وفي صباح اليوم التالي، قاد نفس العملية الصباحية!

"ثم نزلنا للجبل من جديد، ولكن وقت "العمل" في هذه المرة كان عدة ساعات! بدأت بالصباح وانتهت بالغروب.

"ولم تنته بانتهاء اليوم، وإنما توالت الأيام! وكل يوم يحمل الجديد من ألوان العمل"!

"بدأنا نقطع الأحجار بالعتلات والشواكيش والمطارق الحديدية، وبدأنا نتعلم كيف نورد "المقطوعية"، وهي ثمانية غلقان مملوءة عن آخرها بالبازلت!

"وبدأنا ندرك أن أي تحرك لا يكون إلا عدواً، وأن للحارس الحق المطلق في مضاعفة المقطوعية إذا أراد، وأن يضرب إذا أراد!

"وبدأنا نفهم أن الهدف هو الإنهاك، والضرب حتى التعجيز، وقد يكون الموت!

"ومع الحقيقة التي فهمناها، عشنا العذاب الأكبر .. أيام لا تريد أن تنتهي، تهشمت فيها ضلوع وأطراف الكثيرين، وتحولت الأجساد إلى كدمات زرقاء، وجروح متقيحة، وأورام والتهابات!".

كانت تجربة الجبل عملية مجنونة بكل المعايير ـ كما يرى القارئ! ـ ففيها ـ كما كتب إلهام سيف النصر ـ كان سجناء الرأي العزل من السلاح، ينقلون أطناناً من طرف الجبل إلى الطرف المقابل، ليعودوا وينقلونها من جديد إلى الطرف الذي بدءوا منه! وقد نقلوها على أكتافهم وهم حفاة الأقدام عدواً على شظايا البازلت الحادة المسمومة، تلاحقهم ضربات الشوم والهراوات بين صفين طويلين من الحراس، ووراءهم الضباط يتبعونهم بجيادهم الراكضة، فإذا وصلوا إلى طرف الجبل المقابل، عادوا يحملون أطنان البازلت من جديد إلى الطف الذي بدأوا منه! تلاحقهم الهراوات والشوم والخيل الراكبة!

هذه "الطاحونة الدموية" ـ كما أسماها إلهام سيف النصر ـ بحق، لم يكن هدفها التعذيب فقط، بل كان هدفها ـ كما وصف تماماً ـ "سحق الجسد والنفس معاً، وتحويل سجناء الرأي إلى مسوخ بشرية لا تفكر إلا في البقاء"!

لقد كانت خطورة "الطاحونة الدموية" تتمثل في "العبثية" التي انطوت عليها! والتي رأيناها في نقل سجناء الرأي مئات الأطنان من طرف الجبل إلى الطرف الآخر، وإعادتها مرة أخرى، وتكرار هذه العملية القاتلة كل يوم بلا هدف ولا نتيجة!

وهي مستقاة من النظم النازية في التعذيب عندما كان يستهدف قتل الروح قبل قتل الجسد! ففي النظام النازي كان يطلب إلى المعتقلين بناء حائط ضخم، فإذا أتموا بناءه، طلب إليهم هدمه! وتعود عملية البناء والهدم ـ أو "الطاحونة" كما أطلق عليها إلهام سيف النصر ـ ولكن الفرق بين الطريقة الناصرية والطريقة النازية هي أن الطريقة النازية كانت أكثر تحضراً، إذ كانت تكتفي بعملية البناء والهدم، تيقنً من أنها كافية بكل ما فيها من عبثية لقتل روح المعتقل وإصابته بالجنون! وهو ما كان يحدث بالفعل، حيث أصيب معظم من قامواً بهذه العبثية بالجنون! ولكن العملية الناصرية لم تكن تكتفي بعملية البناء والهدم، وإنما كانت العملية تتم تحت ضربات الشوم والهراوات التي تلاحق من كانوا يقومون بنقل الجبل من طرفه إلى طرفه الآخر، وإعادة نقله من جديد ولم ينقذ سجناء الرأي في "أوردي" أبو زعبل من الجنون إلا إدراكهم الهدف من الطاحونة الدموية، وفهمهم الواعي لحركة التاريخ. وفي ذلك يقول إلهام سيف النصر: "كل هؤلاء الذين ظنوا أنهم بتلك الطاحونة الدموية قد توصلوا إلى أسلوب لتحطيمنا، نسوا شيئاً آخر امتلكناه ولم نفقده، هو الفهم العلمي والثوري للحياة، ذلك الفهم الذي يقول إن الإنسان هو الذي يصنع قدره، وإن الشعوب تصنع التاريخ، وإن التاريخ لا يمكن وقف مسيرته، ولا يمكن أن يوقفه كائناً من كان.

"وكان أن بدأنا معركة الصمود".

وعلى أيدي هكسوس عبد الناصر تبدلت أجساد المعتقلين ! (الوفد في 11/12/1996)

ماذا فعلت معتقلات عبد الناصر في سجناء الرأي بعد شهرين فقط من الاعتقال والتعذيب البدني اليومي المستمر؟ لقد وصف إلهام سيف النصر هذه المتغيرات وصفاً بليغاً ـ كما لاحظها في نفسه ـ قائلاً: "حاسة الشم قد تغيرت، فالرائحة الكريهة لا نشمها! حاسة اللمس تغيرت، الأصابع جافة سوداء مليئة بالبثور! حاسة السمع أرهقت وشوهت: لا تسمع تغريد العصفور، ولكن فقط منتبهة لدبيب أقدام السجانة وهم يتسللون قبل اقتحام العنبر!

حاسة التذوق انعدمت: لا تعرف القذارة، ولا تأبه ـ بسبب الجوع ـ للحشرات والذباب! حاسة البصر تهالكت من طول استمرار اللون الواحد الرمادي في العنبر، والأصفر الملتهب في الجبل! الجلد مشدود أسمر، وأعصاب مرهقة كأوتار شدت حتى درجة الانفجار! والعقل لا يفكر والغريزة تسيطر، تريد البقاء، وتتجنب التهلكة، وتقود الجسد، الذي أصبح كالحيوان المطارد، يحاور الموت ويناوره. وصف "الإنسان" يختفي، ويحل مكانه وصف آخر!

ولكن مع طول التعذيب على مدى شهور حدث تغير غريب لم ترسمه وتخططه عقول سجناء الرأي، وفيهم أكبر مفكري البلد، وإنما خططت له الغريزة ـ كما يقول إلهام سيف النصرـ لقد لاحظ أن الجسد من أجل البقاء، تبلغ قوة تحمله أحياناً حداً يفوق الخيال! كما أنه يتأقلم مع كل الظروف!

فعلى أثر إيقف التعذيب بعد مقتل شهدي عطية الشافعي، اكتشف سجناء الرأي فجأة مدى التغيرات الجسمانية التي اكتسبتها أجسادهم. فعندما سمح لهم بالزيارات، وحاولوا مقابلة أهاليهم وفي أقدامهم أحذية، اكتشفوا أن قدماً واحدة لم تستطع أن تحتذي حذاء! لقد تغيرت أقدامهم حتى لم يعرفوها! وعلى حد قوله:

"القدم كبرت وزاد حجمها،، تفلطحت، واكتسى باطنها بجلد سميك يمكن أن خترقه دبوس حاد عدة ملليمترات قبل أن يشعر صاحبها بوخز الدبوس!

"لقد فرضت الطبيعة على الجسد قدماً أخرى! قدماً تستطيع أن تمشي على الأسفلت المتوهج بالحرارة دون أن تحس! وأن تطأ شظايا البازلت المسمومة دون أن تدمي! وأن تتلقى على باطنها العاب الفردي الذي لا يقل ـ عادة ـ عن ثلاثين شومة، دون أن تتهشم!

"ولم تكن القدم وحدها هي التي تبدلت، وإنما تبدلت أعضاء وأجهزة عديدة في الجسم لتلائم الظروف التي فرضت عليها!

"فالأذن أصبحت مرهفة، ولكن لنوع معين من الأصوات! ففي كل عنبر من عنابر الأوردي ظهر معتل سماه زملاؤه:

الرادار! ذلك أنه يستطيع أن يسمع دبيب أقدام الحراس وهم يتسللون من بعيد، ويحد أين يتجهون، وأي عنبر يقصدون، ويعطي الإنذار!

"والعضلات أيضاً تغيرت! فالجري المستمر، وطوابير التعذيب التي أطلق عليها اسم: "طوابير الرياضة"! والعمل في الجبل ـ قد أكسبها قدرة على التحمل وصلابة ونمواً، لدرجة أن الغريزة قادت هذه العضلات لتتركز وتنمو في الأماكن التي تنزل عليها عادة ضربات الشوم والهراوات: أي الظهر والقدم والأكتاف!

"كما أصبحت الأجساد مرنة لماحة! فهي تتفادى الضربات في ذكاء، وتحمي موطن الخطر الذي هو أساساً الرأس، في نبوغ ومرونة!

"بل إنه شيئاً فشيئاً انتقلت مشكلة التعذيب من المعذّب إلى الجلاد! فكل منهما أصبح خفيف الحركة كالغزال، مرناً، تزداد طاقة تحمله يوماً بعد يوم، وأصبح ضرب الأجساد واصطيادها ومطاردتها مشكلة للجلاد تحتاج إلى مجهود وتعب! حتى لقد انتشرت نكتة بين صفوف المسجونين تقول: "إننا لن نمت قبل أن يموت السجانة من مجهود الضرب"! "وحنموتهم من الضرب"!

"وشيئاً فشيئاً تحملنا ليالي الشتاء ونحن عرايا على الأرض، لا نرتجف! وجحيم الصيف ونحن نعدو في الجبل ولا نسقط!

"بل إن مشاكل المدينة: السعال، والزكام، والحرارة، والضغط، والصداع. كلها اختفت! الذي بقي فقط هو: كيف يستمر الجسد في البقاء! لقد تحول الجهاز العصبي كله إلى مرجل يغلي، هدفه التحمل والاستمرار ـ استمرار الحياة، وتحمل الألم"!

ويذكر إلهام سيف النصر أن طبيب السجن اكتشف خراجاً في ضرسه، وأمر بنقله إلى مستشفى سجن مصر لخلعه، وقبلت المباحث على مضض وبعد مقاومة عنيفة، ولكنها قررت عودته في نفس اليوم لأبو زعبل، وفرضت ستاراً عنيفاً وشديداً لعزله خلال فترة تواجده في سجن مصر. ولكن عندما بدأ طبيب الأسنان في خلع ضرسه، اكتشف أن مستشفى السجن لا تحوي أي مخدر موضعي! "واكتشفت أنا أنه علي! الاختيار بين خلع الضرس بدون بنج، او العودة إلى أبو زعبل، والانتظار مدة غير محددة حتى أعود. وكان أن خلعت في ذلك اليوم ضرسينبدون أي بنج وأذكر أن الألم كان مزعجاً، ولكنه كان محتلامً!

"وأذكر أن مأمور السجن قرر معاقبة معاقبة محمود المستكاوي (مهندس) عقاباً خاصاً، لأنه رفض الغناء يوم الأربعاء الدامي، بعد أن أبلغ الحراس أنه سوف يغني بعد قفل العنبر في المساء أغاني أم كلثوم وسيد درويش! وشاهدنا محمود ضرب أمامنا، وعندما نهض من الضرب لاحظنا أنه لا يرى طريقه بوضوح، وأنه يتخبط في سيره. لقد فقد محمود في ذلك اليوم إبصار إحدى عينيه نتيجة لانفصال شبكي أحدثته ضربة وجهت إلى رأسه! بعدها نزل محود إلى الجبل ليعمل، ويتحمل، ويغني كل ليلة لنا أغانيه الحلوة!

"أذكر أن ممدوح الجندي كان ـ رغم مرضه وهزاله ـ مارداً في جبل، يعمل للآخرين ويساعدهم، ويقدم المقطوعية مضاعفة لتعويض أي فرد يعجز عن تقديمها!

"أذكر أن عوض الباز، العامل بشبرا الخيمة، كان يصر على أن يطل ضحكة هادئة طويلة بعد كل تعذيب طويل يناله عنبرنا، ومه ضحكته كانت النفوس تبتسم لتقاوم!

"أذكر أن نبيل الهلالي، وأمين شرف، وشبل إسماعيل، رفضوا في يوم الأربعاء الدامي، أنا ينالوا حقهم في الراحة، ليتحملوا الضرب بدل آخرين أوشكوا على السقوط إنهاكاً أو إجهاداً.

"أذكر عبد المنعم شتيلا واحتماله للتعيب الذي يفوق الحدود! أذكر .. وأذكر .. لقد كانوا بعد الغريزة الفكر الصامد الذي دحر البربرية والإرهاب!

ويذكر إلهام سيف النصر، من أمثلة قوة التحمل، يوم رفض الجميع الغناء في الصباح، وفرزت إدارة السجن عقابهم "لقد قادونا إلى الجبل ونحن نعلم أن هولاً ينتظرنا، وانتقاماً دامياً يكمن لينشب أنيابه فينا.

"وتأكدت ظنوننا عندما اقتربنا من الجبل، لترى صفوفاً طويلة من الحرس الخارجي لليمان، تحمل الشوم والكرابيج! قد دخلت الجبل ولا تنتظر سوى الإشارة! في ذلك اليوم في ذلك اليوم اختفت المقطوعية والروتين العادي، وتركز إرهاب الحرس الخارجي ـ الذي سميناه بعدها "الهكسوس" لضراوته وبدائيته ـ على عنبر "1" الذي بدأ التمرد ورفض الغناء، حتى يكون أمثولة لباقي المعتقل.

"وما إن مرت دقائق معدودة في الجبل، حتى كان أكثر من واحد منا قد سقط مهشماً! فقد رسمت الخطة في ذلك اليوم على أساس أن تعمل بقية العنابر في تقطيع الأحجار، وفرض على عنبرنا أن ينقل جبلاً من الرمال والأحجار، من بداية الجبل حتى نهايته! ونفذت الخطة!

"كنا نملأ الغلقان تحت فرقة من السجانة تتولى ضربنا! ثم نعدو بالغلقان المليئة بين صفوف "الهكسوس"، التي تتولى ضربنا، لنفرغها في نهاية الجبل، ونعود جرياً من جديد، لتبدأ العملية من أولها!

"وكان أخطر ما في هذه الخطة، تلك المسافة التي كان علينا أن نعدوها بين شوم "الهكسوس" غير المدرب على الضرب، والذي يهوي بعصيه أياً كان، مما يزيد الاحتمالات في أن يسقط واحد منا قتيلاً في أي لحظة. فضربة واحدة على الرأس، من شومة يبلغ سمكها عدة سنتيمترات، تكفي لأن تحدث الكارثة.

"كما ان العدو المستمر بتلك الغلان المليئة، ولساعات النهار كلها، كان يعني أن أكثر من شخص لابد أن ينهار، خصوصاً أولئك الذين يفتقدون المقاومة الصحية اللازمة.

في ذلك اليوم قسم سجناء الرأي العمل بينهم: مجموعة تحفر، وتملأ الغلقان، وتتحمل شوم السجانة الذين فضلوا التواجد في نهاية الجبل، ومجموعة تتولى حمل الغلقان والعدو بها في وسط الجبل تحت ضرب الهكسوس ومواجهة العذاب الأكبر. فقد أسمى سجناء الرأي ضرب السجانة بالعذاب الأصغر، وضرب الهكسوس بالعذاب الأكبر! وكانت فكرتهم النبيلة أن من حق كل واحد منهم أن يتحمل العذاب الأصغر فترة زمنية، حتى يتمالك أنفاسه، ثم يعاود تحمل العذاب الأكبر على يد الهكسوس في وسط الجبل!

في ذلك اليوم ضرب إسماعيل صبري عبد الله المثل في قوة التحمل، بعد تحديه أمر مأمور السجن بالغناء أغنية "يا جمال يا مثال الوطنية"، فقد ظل يضرب في ذلك اليوم من الصباح إلى المساء حتى شج رأسه!

ويقول إلهام سيف النصر إن محمد سيد أحمد "نهض من حيث انطرحنا نتلى التعذيب والضرب ليتوجه إلى إسماعيل صبري عبد الله ويسأله عن حاله؟ متحملاً كل الهراوات التي تحولت كلها حوله تصب جنونها لتحديه.

والغريب أن التعذيب استمر في شهر رمضان دون انقطاع، ولم يمنعه دين وإسلام! ويقول إلهام سيف النصر إن معتقل أبو زعبل جميعه صام رمضان كاملاً ذلك العام رغم الظروف البشعة، "كل العنابر كانت تذهب للجبل وقد تركت في الأوردي جرادل المياه، لتعمل في جهنم البازلتـ وتحت سياط التعذيب، من الصباح حتى الغروب، دون قطرة ماء"! ولكن الضرب خف بشكل ملحوظ، "كان السجانة والحراس ينفذون اوامر الضرب بشكلية وعلى مضض"!

وعندما توقف التعذيب بعد مقتل شهدي عطية، كان على سجناء الرأي مواجهة مرحلة ما بعد التعذيب، ولم تن تقل بشاعة! فالجهاز العصبي الذي تحمل الكثير من أجل البقاء، انتهت مهمته، واسترخى، لتظهر الأمراض! وعلى حد قول إلهام سيف النصر:

"عديدون منا ظهرت عليهم أمراض السل، والأنيميا الحادة، والقلب، والحميات، والأمراض الجلدية, وكان نصيبي التهاب كبدي حاد نقلت بسببه إلى مستشفى سجن مصر، ثم القصر العيني، لأبقى فيه معتقلا حتى الإفراج عني بعد ذلك بسنتين.

ويختتم إلهام سيف النصر كتابه قائلاً: "من عاش تجربة "الأوردي" .. من مات هناك، أو تهشم، أو عذب .. هو في النهاية مصري، وابن للشعب المصري. والشعوب كما تصنع تاريخها، لا تنسى من أساء إليها. ومن أجل هذا كتبت هذه القصة كما حدثت".

ولكن الناصريين يريدون لشعبنا أن ينسى ما حدث! ومن أجل ذلك يضللون ويتظاهرون بالدفاع عن حقوق الإنسان! بل أصبحوا يتصدرون اليوم صفوف المدافعين عن حقوق الإنسان! ومن أجل ذلك أكتب هذه السلسلة من المقالات، فكثيرون من سجناء الرأي الذين تعرضوا لتجربة الأوردي كتبوا، ومن حق شعبنا أن يعرف ما كتبوا، حتى لا ينسى من أساء إليه!

حتى النظام النازي كان يعتبر نفسه نظاماً اشتراكياً ! (الوفد في 18/11/1996)

كثير من الشباب الذين ضللتهم الدعاية الناصرية التي تطل برأسها في هذه الأيام، كتبوا إليّ يبدون انزعاجهم لما عرفوه، من خلال هذه السلسلة من المقالات التي أكتبها عن ثورة يوليو وحقوق الإنسان، من إهدار هذه الثورة لحقوق الإنسان، رغم شعار: "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستبداد"، ويتعجبون كيف أنهى ضباط يوليو استبداد فاروق ليبدأوا استبداد ثورة يوليو على شكل أكثر وحشية وهمجية؟ وكيف عومل أصحاب الرأي في عهد هذه الثورة معاملة المجرمين وقطاع الطرق وأعداء الوطن؟ وقد كتب لي شاب منهم، وهو طبيب، يقول إنه يفهم أن يتصدى الوفد للدفاع عن حقوق الإنسان وحرية الرأي، اتساقاً مع تاريخه، ولكنه عاجز عن فهم كيف يتصدى الناصريون، الذين امتهنوا حقوق الإنسان وحرية الرأين لهذا الدفاع، مع مخالفة ذلك لتاريخهم!".

وقد رددت عليهم بأنه يجب ألا يفهم من هذه السلسلة من المقالات أن ثورة يوليو لم تحقق إنجازات عظيمة، ولكن المقصود أن يفهم هو وغيره من الشباب أن هذه الإنجازات لم تتحقق على يد نظام ديموقراطي يحترم حرية الرأي وحقوق الإنسان، وإنما تحققت على يد نظام نازي لا اشتراكي ـ كما يحاول اليسار أن يوهم في تحالفه مع الناصريين!

فالكثيرون لا يعرفون أن النظام النازي كان أيضاً يرفع علم الإشتراكية كما فعل النظام الناصري! بل لقد كان اسم الحزب النازي الذي ألفه هتلر هو اسم "حزب العمال الاشتراكي الوطني الألماني"! وقد حقق هذا النظام النازي لألمانيا من الإنجازات في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ما تتضاءل إلى جواره بكثير إنجازات النظام الناصري! فقد انتشل ألمانيا من براثن الهزيمة التي منيت بها ألمانيا القيصرية في الحرب العالمية الأولى، وأعادها إلى صفوف الدول العظمى المهابة، ونهض بها نهضة اقتصادية جبارة، كما نهض بها نهضة علمية في جميع المجالات، وارتفع بالجيش الألماني من ناحية المعدات والكفاءة العسكرية ما مكنه في الحرب العالمية الثانية من غزو جميع دول أوروبا وغزو الاتحاد السوفيتي! ولولا تكالب العالم أجمع على ألمانيا الهتلرية لسادت العالم!

وبمعنى آخر أن تحقيق إنجازات عظيمة لا تعني صلاحية النظام السياسي إذ كان يمتهن حقوق الإنسان وحرية الرأي، وإلا اعتبر النظام النازي أعظم النظم قاطبة، لأنه في حلال سنوات قليلة أعاد ألمانيا إلى صفوف الدول العظمى بعد أن سحقتها الدول الديمقراطية في مؤتمر فرساي!

فما بال الأمر إذا كان هذا النظام في مصر قد انتكس بمصر، وعرضها لأكبر هزيمة عسكرية في تاريخها على يد دولة صغيرة كانت الدول العربية تطلق عليها قبل هزيمة يونيو اسم "إسرائيل المزعومة"! في الوقت الذي كان يمتهن حقوق الإنسان المصري ويضطهد حرية الرأي!

وهذا كان شعور إلهام سيف النصر في أوردي ليمان أبو زعبل وهو يتلقى وجبة التعذيب اليومية! فقد تعجب كيف يتخاذل النظام أمام إسرائيل، ويستأسد على معارضيه في الداخل ويذيقهم سوء العذاب! واستغرب كثيراً أن يكون الجلادون "جبناء أمام العدو المسلح، شجان والضحية مصري أعزل وحيد أمام قطعان البربرية"! ويقول "ليس الرجل من عب أهله ومواطنيه، الرجل من ذاد عن أرض الوطن، وكسر بالعزم والتضحية هجمات العدو الشرس، وبذل الدم في سبيل تحرير الأرض"!

على أن اليساريين نسوا تماماً المحنة الرهيبة التي مروا بها وفقدوا فيها آدميتهم، والأسوأ من ذلك أنهم، وهم الأكثر فهماً للفروق بين النازية والإشتراكية، خدعوا أنفسهم وتعاملوا مع النظام الناصري بعد ذلك على أنه نظام اشتراكي! بل وعقدوا تحالفاً مع جلاديهم الناصريين، متقبلين زعمهم بأنهم اشتراكيون أيضاً، ومسلمين بهذا الزعم!

وقد برهنوا بذلك على أنهم لا يتعلمون من التاريخ، بل لا يتعلمون من تاريخهم أنفسهم! فمن الغريب أن كل هذا التعذيب الذي وقع على أجساد وأرواح اليساريين في عهد عبد الناصر، وقع وقت أن كانوا يؤيدون هذا النظام، بل كانوا أكثر القوى السياسية تأييداً له!

بمعنى أنه حين اعتقل النظام الناصري اليساريين لم يكونوا يعدّون لثورة ضده، أو يؤلبون القوى السياسية المصرية لمعارضته، أو يدبرون جرائم اغتيال لقادته كما فعل الإخوان المسلمون، بل اعتقلهم وهم يعلنون على كل منبر أنهم أنصاره ومؤيدوه!

فعندما اتهمت النيابة العامة المعتقلين بأنهم يهدفون إلى قلب نظام الحكم، كان دفاعهم القانوني ـ كما يقول إلهام سيف النصر ـ ينصب على أنهم كقوة وطنية يسندون الحكم الوطني الموجود، وأنهم حلفاء للنظام، وإن كانوا يختلفون معه في نقاط أخرى لمزيد من الديموقراطية ولمزيد من ضرب القوة الرجعية الاستعمارية ولمزيد من التحول الاجتماعي!

بل الغريب حقاً أن موقف اليساريين من حكم عبد الناصر لم يتغير بعد ان فقدوا آدميتهم على يديه، وعذبوا بما لم يعذب به النظام النازي اليهود! فعندما كانت النيابة تحصل على أقوال المعذبين بعد مقتل شهدي عطية الشافعي ، وهو دكتور كيماوي اسمه جمال الدين محمد غالي ، لم ينس ـ بعد أن روى وقائع التعذيب التي تعرض لها ـ أن يختم أقواله بهذه العبارة الغريبة:

""عايز أثبت أني ما زلت، رغم ما حل بي، أؤيد الرئيس جمال عبد الناصر، وأؤيد سياسته، وأعتقد تماماً أنه لا يرضى بما حدث لنا، وأنه بغير علمه! ودائماً أنا أؤيد الرئيس!!"

على أن إلهام سيف النصر كان أكثر وعياً. ففي حديثه عن مسئولية حسن المصيلحي عن التعذيب قال:

"لست أدعي أن حسن المصيلحي هو المحرك الوحيد لعملية أبو زعبل، فلا شك أن الأمر بالعقاب، وأيضاً بالانتقام والتأديب، قد صدر من أعلى .. من السلطة السياسية ذاتها!".

ويقول إن وراء عجلة الانتقام كانت الظروف السياسية التي عكست الأزمة العميقة بين عبد الناصر والشيوعيين على المستوى العربي والداخلي، فقد رفعت السلطة السياسية شعارات "تصفية الشيوعية"، وكان يكتبها معلقوها الرسميون وغير الرسميين في الجرائد ووسائل الإعلام.

ويتهم إلهام سيف النصر زكريا محي الدين بأنه كان الأداة التنفيذية للسلطة السياسية العليا. فقد كان ـ كما يقول ـ "معادياً دائماً للديموقراطية والإشتراكية، وممالئاً أبداً للغرب وأسلوب الحياة الأمريكية"! وقد كان في ذلك الوقت وزيراً للداخلية، ولكن "لا شك أن الأمر قد صدر من أعلى بمعاقبة الشيوعيين المشاغبين وتلقينهم درساً، ولكن تركت تفاصيل التعذيب وجزئيات الانتقام ـ بما فيها اختيار المكان وأسلوب التعذيب البدني والعقلي، وتحديد الجلادين الذين يباشرون العملية ـ لحسن المصيلحي ، الذي يصفه بأنه من النوع الذي يقتل بقفاز من حرير!

وقد كان قفازه ـ كما هو واضح ـ اللواء إسماعيل همت ، بقدر ما كان الأخير قفازاً في يد عبد الناصر! الذي كان صدامه مع الاتحاد السوفيتي في ذلك الحين وراء انقلابه على الشيوعيين.


وربما كان الخطاب التالي الذي وصلني من اللواء مصطفى كامل عطية يفسر كثيراً من ظروف عملية أبو زعبل. فقد كتب يقول:

"قرأت ما كتبته سيادتكم عن سجناء الرأي وتشريفة اللواء إسماعيل همت في جريدة الوفد. والواقع أن هذه المقالات أصابت كبد الحقيقة لما كان يجري في سجون مصر من قهر وإذلال على يد حفنة قليلة من الضباط بلا شعور أو ضمير أو خلق.

"وحاشا لله أن أكتب عن نفسي، ولكني أذكر واقعة حدثت بيني وبين سيادة اللواء قائد هذه التشريفة ـ غفر الله له ـ وذلك في خلال عام 1959 على ما أذكر.

"اللواء إسماعيل همت نقل من القوات المسلحة وكيلاً لمصلحة السجون. وعندما فتحت أبواب السجون لاستقبال أفواج المعتقلين على اختلاف مذاهبهم في هذه الآونة الأخيرة اختار السيد اللواء أفراد التشريفة من مجندي الدرجة الثانية، الذين لا حول لهم ولا قوة، وسلحهم بالكرابيج والعصي، ليخوض بهم حملات التعذيب والتأديب، من سجن الواحات إلى ]]قنا[[ مروراً بأبو زعبل! مرة لتأديب الإخوان، وأخرى للشيوعيين، وهكذا!

"كنت أعمل ضابطاً برتبة رائد في مزرعة طرة، واستدعيت على عجل لحضور اجتماع بمصلحة السجون، وذهبت إلى هذا الاجتماع، وكان قائد هذه التشريفة في صدارة قاعة الاجتماع، وحوله نحو عشرة ضباط. واستهل الاجتماع قائلاً إن السيد وزير الداخلية زكريا محي الدين اختارنا تحديداً لهذه المهمة، وهي مهمة استقبال المعتقلين الشيوعيين المرحلين من سجن الإسكندرية إلى ليمان أبو زعبل والمطلوب تأديبهم، وعمل "اللازم" معهم ـ وطبعاً "اللازم" معروف سياقاً!

"وهنا أنطقني الله سبحانه وتعالى، وأخبرته بأن هذا الاختيار بالنسبة لشخصي ليس في محله! لأني لن أعذب أحداً، وإنني لو أجبرت على ذلك فإنني سوف أذكر ما شاهدته من تعذيب في أي تحقيق يجري في هذا الشأن"!

"وهنا ثار سيادته ثورة عارمة، واستدعى مدير تحقيقات المصلحة، وقرر إيقافي عن العمل، مع التحقيق معي لعصياني الأوامر.

"وفي أثناء التحقيق اتصل سيادته بمدير المصلحة، الذي كان في أجازة بمنزله، عارضاً عليه أمري. وفوجئت بإعفائي من هذه المأمورية، وعودتي إلى عملي!

"وفجأة تغير سلوكه نحوي، وعدنا للاجتماع، وطلب من الزملا ترشيح ضابط آخر بدلاً مني، فاقترح زميلي ودفعتي (ع.ر) رحمه الله وغفر له.

"وعلمت من زملائي أنه في اليوم التالي لهذا الاجتماع، استقبل المعتقلون الشيوعيون في ليمان أبو زعبل بصفين تشريفة، من المجندين حاملين العصي والكرابيج، وذلك ابتداء من بوابة الليمان حتى باب العنبر!

"وهنا تبدأ سيمفونية التعذيب، فيمر المعتقلون بين صفي الجنود، والكرابيج والعصي تؤدي مهامها بلا شفقة ولا رحمة!

"وكان من ضمن المعتقلين المرحوم شهدي عطية، رحمه الله. فقد أخذته العزة، فلم يسرع الخطى، فلحقه نصيب وافر من الضرب والأذى، ولذلك عند وصول العنبر كانت روحه قد فاضت لخالقها وتم وضع الجثمان في الثلج تمهيداً لدفنه في اليوم التالي.

"قام لواء التشريفة بإخطار السيد وزير الداخلية بالإسكندرية بأنه قد تم تنفيذ المطلوب، "وكله تمام"!

ولكن لسوء حظ اللواء أن كان بينه وبين ضباط أمن الدولة ود مفقود، فأخطر أمن الدولة الوزير بأن التعذيب أودى بحياة المعتقل شهدي عطية، وقام والد المرحوم شهدي عطية وزملاء الفقيد بإرسال برقيات للرئيس الذي كان ببريوني، والصحف العالمية.

"وانتهت أسطورة اللواء إسماعيل همت بإحالته للاستيداع قبل وصول الرئيس لأرض الوطن.

"أما عن زميلي الذي حل مكاني في هذه المهمة (عبد اللطيف رشدي) فقد انتابته حالة نفسية أودت بحياته، خشية تقديمه وزملاءه للقضاء.

"أما التحقيق فقد حفظ! كيف؟ الله أعلم!

"رأيت أن أكتب لسيادتكم بعضاً مما كان يحدث لأصحاب الرأي، نسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته".

"أم دومة ـ طما ـ لواء بالمعاش: مصطفى كامل عطية".

انتهى خطاب اللواء مصطفى كامل عطية، وهو يضئ بعض جوانب عملية ليمان أبو زعبل، وكذلك العلاقة بين ثورة يوليو وحقوق الإنسان وأصحاب الرأي. ولكن الجعبة ما زال فيها الكثير لتصحيح تاريخ ثورة يوليو، ووضعها في مكانها الصحيح بين الثورات المصرية. فقد كانت قبلها ثورتان في التاريخ المعاصر هما:

الثورة العرابية، وثورة 1919، ولم ينسب أحد لهاتين الثورتين ما نسب لثورة يوليو من انتهاك لحقوق الإنسان!

رحلة في القرون الوسطى ! (الوفد في 25/11/1997)

"إجري .. إجري .. إجري"!

"الكرابيج والعصي الغليظة لا تترك فرصة لتفكير"!

"إركع .. إركع .. إركع"!

"وضربات الشوم "ودبشك" البندقية لا تكف عن العمل في جسدك! ونار هائلة مشتعلة تكاد تشم منها رائحة أجسام بشرية تشوى. وبعض رؤساء القبائل أكلة لحوم البشر "تجلس في انتشاء وهي تتفرج على الفريسة!"

هكذا يبدأ الدكتور فتحي عبد الفتاح ذكرياته عن يوم 8 نوفمبر 1959 في معتقل الواحات، في كتابه المعروف: شيوعيون وناصريون" الذي يروي التجربة البشعة، ويصف زبانية عبد الناصر بأبلغ وصف، وهو أنهم القبائل البدائية أكل لحوم البشر!

ويمضي في وصف أحداث يوم 8 نوفمبر 1959، ويروي رحلته البشعة مع استجواب القبائل البدائية له على النحو الآتي:

- "اسمك ايه يا ولد" ؟

وسواء أجبت أو لم تجب، لابد أن تنهمر عليك الضربات من كل مكان، وبكل وسيلة، بما فيها ركلات الأحذية الميري"! - بتشتغل ايه يا بن الـ ..

و"الشوم" والدبشك والأحذية لا تكف عن العمل!

- عاملي سياسي يابن الـ ..؟

- قول: "أنا مرة!" .. قول: "أنا كلب!" قول: "أنا حمار!".

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح: "لم يكن أكثرنا تشاؤماً يتصور أن ذلك يمكن أن يحدث! فحين طلب منا في الصباح الباكر من ذلك اليوم أن يحزم كل أمتعته في انتظار الأوامر، دارت كل التصورات الوتوقعات حول ترحيلة جديدة، ولكن إغلاق الزنازين، والأوامر المشددة بعدم الكلام، ثم ذلك الشحوب القلق الذي يعلو وجه ضباط السجن وعساكره، وحتى قائده ـ كان يوحي بأشياء مبهمة صعبة التفسير.

"كان كل ما استطعنا معرفته هو أن اللواء إسماعيل همت ، وكيل مصلحة السجون، ومعه فرقته الشهيرة بـ" فرقة همت " قد وصلت مساء أمس إلى الواحات! وكان ذوي الخبرة في السجون المصرية يعرفون همت بانه: "ناعم الصوت، رقيق الجسد، أحمر الوجنات، تركي الملامح والجذور، شديد السوة في معاملته للرجال وكأن بينه وبينهم ثأر! ولديه ولع مجنون بتعذيب من يتوسم فيهم رجولة مكتملة! ثم إصراره على أن يقول كل واحد منهم بأنه "امرأة"!

"وبدأت أغرب تمثيلية شهدتها في حياتي!".

"ينادي أحد العساكر ستة أسماء، ويخرج الزملاء حاملين معهم كل أمتعتهم، وتمر بعض الدقائق، ثم فجأة نسمع هرولة، وصرخات مكتومة، وصهيل خيل، وفرقعات سياط! ـ وكأننا نسمع موسيقى تصويرية لأحد أفلام المعارك"!

"ثم ينادى على ستة أسماء أخرى! وهكذا!".

"كان كل ما استطعت أن أصل إليه بانفعالاتي المحتدمة مع الصرخات المكتومة، وصرخات حوافر الخيل، وفرقعات السياط، أن شيئاً ما رهيباص يجري في الخارج! ولكن ما هو؟".

"وجاء دوري! ونودي على اسمي مع خمسة آخرين، كان من بينهم الصاغ الدكتور محمود القويسني، والمهندس الجيولوجي فخري لبيب، والشاعر محسن الخياط، والطالب الجامعي سمعان، وعامل النسيج محمد عبد الواحد".

"خرجنا من الزنزانة، ثم من العنبر، في صف واحد، وأمامنا عسكري وخلفنا عسكري، وكل منهما شاهر سلاحه وقبل أن نصل إلى بوابة السجن، التي كانت مفتوحة على مصراعيها، وأمامها صف من الخيالة، ممسكين بسياطهم، وآخرون ممسكين بالعصى الغليظة ـ انسحب الجنديان بسرعة، وأحدهما يقول في ألم واعتصار" :

- شدوا حيلكم، ربنا معاكوا!" .

"وبخروجنا من البوابة، انتقلنا فوراً إلى القرون الوسطى!" .

"إجري .. إضرب .. كرابيج .. شوم .. الرأس .. العينين .. الجسد يلتهب .. إجري .. فرسان القرون الوسطى يركبون الخيل، وفي يدهم السياط، يضربون الفريسة، وينهكونها، وعلى الصفين طابور من كلاب الحراسة! يمسكون بالعصى تنهش .. وصرخات الغابة الوحشية تمتزج فيها ضحكة الضبع الجائع المجنون، مع ضوضاء القردة، وعواء الذئاب، وولولات الصقور!

"وعند نهاية سور السجن قرب البوابة الخلفية، جلست محكمة التفتيش!" .

"ورغم كل شيء، رغم العصي والسياط التي تنهمر كالمطر، ورغم أوامر إركع، أقعد، أخفض رأسك ـ كنت متشوقاً أن أراه .. إمبراطور الجنس الثالث الإمبراطور التركي إسماعيل همت ".

"كان يجلس كجنرال يقود حرباً خطيرة، تحت مظلة أقيمت له، وإلى يساره قائد السجن، وإلى يمينه عدد آخر من ضباطه".

"كان الدم يكاد ينفجر من خدوده الحمراء المكتنزة، وهو يضحك، بينما كان جسده كله يهتز، ونحن نخلع كل ملابسنا لنقف أمامه عرايا أمامه عرايا، بينما يقول الحلاق باجتثاث كل شعر في أجسادنا بموس! ابتداء من شعر الرأس حتى الحاجبين، وشعر الصدر والعانة!".

"وبدأ الجنرال النازي يمارس هوايته مع الرجال العرايا! وأشار بعصاه إلى الصاغ الدكتور محمود القويسني، وكان في أول الصف" :

- اسمك ايه يا ولد؟

- الصاغ دكتور محمود القويسني.

- صاغ إيه ودكتور إيه يابن القحبة ؟ اسمك ايه يا واد؟

- صاغ دكتور محمود القويسني!

- بتتحدى يا بن الـ ... والله لحط العصاية دي في ....!!!!

- عيب يا إسماعيل يا همت!

"قالها الدكتور محمود القويسني في ثقة ومرارة، بينما العصي والسياط تنهمر على جسده العاري، وهمت يصرخ، ويشاركهم في الضرب!" .

كان الدكتور محمود القويسني ضابطاً في سلاح الفرسان حتى 1954، وكان إسماعيل همت أيامها قد فصل من الجيش "لمسائل أخلاقية" في بداية ثورة 1952، ثم أعيد ضابطاً في مصلحة السجون. وطالما وقف إسماعيل همت بين يدي محمود القويسني ذليلاً مستضعفاً مبتهلاً للتوسط في إعادته إلى الخدمة.

وجاء الدور على الطالب وجيه سمعان:

- اسمك ايه يا بن الـ.. ؟

- وجيه سمعان، طالب بآداب القاهرة.

- منين يا وله؟

- من جزيرة شندويل بسوهاج.

- وصرخ همت في نباح كالكلبة: - يابن الـ... نصراني وصعيدي وكمان شيوعي!

"وجاء دوري، وصمت تماماً، فلم أجب على صراخه وأسئلته، نسيت العصي المنهمرة والكرابيج، بل نسيت جسدي ونفسي تماماً، سوى شيء واحد أن الموت أفضل من أن أفقد إنسانيتي" .

"- انت مش سامعني يابن الـ...؟ اكلم يا وله؟ هاموتك! ووقفت صامتاً، وكففت حتى عن أن أرفع يداي لأتلقى الضربات أو أتحرك هنا وهناك هرباً من الشوم المنهمر!" .

"وتقدم المهندس الجيولوجي فخري لبيب حيث يقبع همت، ليصيح فيه:

"أنت فاشي صغير .. أنت قاتل .. ستدفع الثمن يوماً!"

وتراجع همت من هول المفاجأة، وسرعان ما عادت آلة التعذيب والموت كلها تطبق على فخري – كل العساكر، بما في أيديهم من الكرابيج والشوم، تعمل على جسده العاري، حتى سقط فخري على الأرض، فتقدم منه همت، وأخذ يضربه بحذائه!" .

"وأيقنت أن فخري قد قتل! ولكن ذلك لم يكن كافياً من وجهة نظر الفاشي، فأمر بأن يصلب فخري على العروسة، ووقف ثلاثة من الزبانية يتبادلون ضربه بالكرباج، وهمت يصرخ فيه: "قل أنا مره!".

"كنت أتابع ضربات الكرباج على جسد فخري، الذي تفجر كله بالدم والكدمات، ويجتاحني إحساس بالعجز الشديد، وبالاحتقار الشديد لكل شيء، حتى نفسي".

"أكثر من سبعين جلدة صمت بعدها صوت فخري تماماً، وارتمى رأسه على كتفه. كان هناك فيما يبدو إصرار على قتله، فقد أنزلوه من على "الصليب"، وأخذ همت يقلب رأسه بحذائه، ثم يقول بصوته الأنثوي" :

- لسه عايش ابن الثور!

وصرخ فينا قائد المعتقل: ياللا، على العنبر، خذوه معاكم!

"خمسة من العراة، يحملون زميلاً لهم يطرق الموت جسده، وخلفهم جوقة من الكورس العسكري الذي لا يكف عن الضرب! حتى دخلنا العنبر ونحن نحمل رفيقنا، وظللت صامتاً، لم أكن مصدوماً كما تصور رفاقي، بل كنت في تمام الوعي والإدراك، كنت أرى فخري ممدداً وسط الغرفة والزملاء حوله، ووجيه سمعان وهو يمسك ظهره ويتألم في صمت، ومحمد عبد الواحد وقد وضع رأسه بين يديه وهو ينتحب، ومحسن الخياط وهو يردد" :

- دا مش معقول! إحنا فين. إحنا في غابة!

"وجاءت دفعة أخرى، دخلوا الزنزانة: أجساد عارية منهكة، يختلط عليها الدم بآثار ضربات الشوم والكرابيج، يرتمون على الأرض وهم يلعنون ويتأوهون".

"وجاءت دفعة ثالثة: اثنا عشر زميلاً في زنزانة، عارون تماماً، وقد تغيرت ملامح وجوههم، بلا شعر، وبلا حواجب!".

"وتقدم مني محسن الخياط يتفرس في وجهي وهو يقول: "إنت مين"؟".


عجلة التعذيب في وادي العقارب (الوفد في 2/12/1996)

مازلنا مع سجناء الرأي في عهد عبد الناصر، ولكن مع شاهد آخر هو الدكتور فتحي عبد الفتاح، الذي روى لنا في المقال السابق "حفلة الاستقبال"، التي أقيمت له ولزملائه يوم 8 نوفمبر 1959، واستخدم فيها زبانية عبد الناصر الشوم ودبشك البندقية والكرابيج والأحذية الميري، وفوق ذلك ألفاظ السباب القذرة من عينة "ابن القحبة" وغيرها! وتحدث عن انتزاع ملابس سجناء الرأي من الكتاب والمفكرين، وإبقائهم عرايا كما ولدتهم أمهاتهم! واجتثاث شعر أجسادهم ابتداء من شعر الحاجبين حتى شعر العانة!

وبذلك أثبت نظام عبد الناصر مدى احترامه لحقوق الإنسان وتقديره لحرية الرأي! فلم يكن واحد من سجناء الرأي قد رفع سلاحاً ضدعبد الناصر أو ضد نظامه، ولم يقذف واحد منهم بقنبلة أو يفجر عبوة ناسفة في شوارع القاهرة، أو يمثل خطراً ما حقاً على النظام الناصري يتطلب الانتقام منهم على هذا النحو البشع، وإنما كانت كل جريرتهم هو انهم عبروا عن آراء تخالف رأي عبد الناصر في التفاصيل، مع اتفاقهم معه في الاتجاه العام! بل إنهم كانوا واقعين تحت وهم غريب هو أنهم حلفاء لعبد الناصر ونظامه.

ومعنى ذلك أن القضية لم تكن قضية صدام بين عبد الناصر والخارجين على القانون، وإنما كانت قضية صدام بين عبد الناصر وأصحاب الرأي الآخر الذين يعبرون عنه بالكلمة .. والكلمة فقط ولا يستخدمون اي سلاح آخر غير الكلمة!

وحين يكون أصحاب الرأي الآخر الذين نكل بهم عبد الناصر هم الشيوعيون، فإن هذا يوضح جلياً الصفة النازية لنظام عبد الناصر، لن العداء ضد الشيوعيين كان هو العداء الرئيسي في ألمانيا النازية، باعتبار النازية هي النقيض للشيوعية، وهو ما جعل هتلر يدبر حريق الرايشستاج في يناير 1933 للتخلص من الشيوعيين وتصفيتهم متهماً إياه بصنعه!

وقد أدرك سجناء الرأي في عهد عبد الناصر هذه الحقيقة، ولم يملكوا إلا أن بعقدوا المقارنة بين ما فعله النازيون مع خصومهم السياسيين وما كان يفعله النظام الناصري بهم! ففي مذكرات الدكتور فتحي عبد الفتاح، حين يتحدث عن اللواء إسماعيل همت يقول: "وبدأ الجنرال النازي يمارس هوايته مع السجناء العرايا!". وحين يتحدث عن تجربتهم يقول: "لقد جربها ضحايا النازية والفاشية". بل إنه يصف ضباط التعذيب في نظام عبد الناصر بأنهم تفوقوا في بعض الأمور على أساتذة النازية في معتقلات داخاو DACHAU وبوخنفالد BUCHENWALD وأشفيتز AUCHWITZ وحين يتحدث عن فرقة اللواء هعمت للتعذيب يقول إنها "لا تختلف عن فرقة العاصفة الهتلرية"!

وهذه الأوصاف تجدها في ذكريات ومذكرات كل من خاض هذه التجربة مع النظام الناصري، لسبب بسيط هي أنها الأوصاف الدقيقة! ولأنه لا يوجد نظام سياسي معاصر حتى ذلك الحين امتهن حقوق الإنسان ونكل بخصوم الرأي غير النظام النازي – الفاشي والنظام الناصري!

ويمضي الدكتور فتحي عبد الفتاح في رواية تجربته فيقول:

"كان اليوم التالي للحفلة الكبيرة الي أقامها الإمبراطور إسماعيل همت ، وانطلق صوت البروجي والشمس ما زالت تتجمع في فناء سجن الواحات، ونحن نجلس القرفصاء في صفوف متراصة".

"وكانت الرياح الخفيفة المثلجة تعصف بأجسادنا المنهكة شبه العارية، التي لا يسترها سوى بعض الخرق الصفراء التي وزعوها علينا لتصبح زينا الرسمي الجديد!".

"وتحت القدم العاري لسعات الرمال التي تحولت كلها إلى ذرات من البرد الموجع ينفذ من القدم إلى النخاع، فترتعش الدماء في العروق! ولقد سمعت كثيراً عن الجو القاري في الصحاري، حيث البرودة برودة حقيقية، وحيث الحرارة حرارة مستبدة، ولكني في ذلك الصباح أحسست كما لو كنت قد ألقيت عارياً وسط أكوام من الثلج"!

"وجلسنا أكثر من نصف ساعة في وضع القرفصاء، وأوامر مشددة بأن ننكس رؤوسنا، أي ننظر إلى ما بين أقدامنا. ثم نفخ البروجي، وجاء الجنرال، واخذ ينظر إلينا في تشف غريب باحثاً عن آثار "حفلته الكبرى"، التي أقامها بالأمس!

لقد كان هناك من كسرت ساقه أو ذراعه أو بعض من ضلوعه في "مهرجان الضرب والتعذيب"!

"وصدرت لنا الأوامر بالنهوض، والتقدم نحو بوابة السجن ومضينا في أربع مجموعات متراصة، تحرسنا المدافع الرشاشة من الجانبين، وتنهال علينا الشتائم والأوامر، مع ضربات الخيزران اللاسع!"

"وأخيراً وصلنا الموقع، على بعد أربعة كيلومترات من السجن! كان المكان أشبه بوادي صغير يقع بين تلَّين من الكثبان الرملية، تنتشر فيه بعض النباتات الشوكية. كان المسرح معداً بعناية، وصعد همت ومعه فرقته على الكثبان الرملية، وأحاطونا بسرعة من كل جانب بالمدافع الرشاشة!"

"ووقف المأمور يصرخ فينا قائلاً: إسمع انت وهو! أنا ممكن أقتلكم كلكم حياتكم عندي لا تساوي شيئاً! عندي أوامر بضرب الرصاص عند أي تمرد! فاهمين؟ دلوقتي الفئوس والغلقان والديورة هتتوزع عليكم، ومطلوب إنكم تنقلوا التلال الرملية دي! أي تقصير في العمل ها أضرب بالنار فوراً! مفهوم؟"

"وبدأ الضباط والشاويشية يقسموننا إلى "مصالب" – أي فرق عمل – ويوزعون علينا الفئوس والغلقان وأدوات العمل الأخرى، وهم لا يكفون عن استخدام ألسنتهم وعصيتهم"!

"وصعد المأمور إلى همت فوق التل، وتحت التل أذنا نروح ونجيء محملين بالمقاطف المليئة بالرمل، تحت وابل من ضربات الخيزران والشوم الذي لم ينقطع! ويبدو أن نغمات الضرب المتواصل، الذي ينهال علينا، مع صورتنا ونحن في خرقنا البالية نحمل الرمال والصخور مهرولين، قد أمتعت عين وسمع النمر، وبدأت تشبع أحاسيسه الحيوانية، فأخذ يلق بأوامره للضباط والعساكر الذين يقومون بدور الإيقاع الصوتي بعصيهم وكرابيجهم، ويرسمون في نفس الوقت ظلال القسوة والهمجية المطلوبة":

- العساكر تشد حيلها شوية في الضرب! المقاطف تتملي كويس! الأولاد اللي هناك دول ماشيين على مهلهم، بيتفسحوا ولاد الـ... ؟ ضرب الكرابيج أحسن! عاوز أسمع صراخهم مفيش رحمة بيهم، اضرب زي ما تضرب كلب!

"وبالطبع كانت أوامر اللواء تنفذ على الفور، فيزيد صفير الكرابيج وهي تقع على الأجساد، وترتفع ذبذبات العصي وهي لا تتوقف لحظة في أيدي العساكر"!

"واستمر الضرب، بنفس الوتيرة، طيلة اليوم، وكانت الساعة قد قاربت على الرابعة حينما أمرنا بالعودة إلى السجن، وشمس الأصيل تفرد ظلالنا طويلة ممدودة على الرمال، وكل منا يحمل فأساً أو مقطفاً يلقه بكتفه"!

"وتمضي طوابير "التشغيلة" مقتربة من أسوار السجن، بعد يوم طويل من العمل الشاق، والجهد النفسي .. يوم لن ينساه، ولا يجب أن ينساه كل أبناء وبنات مصر الطيبين"!

على أنه لم يكن اليوم الوحيد. لقد كان يوماً له ما بعده تسير على هذا النمط، مع كثير من الإضافات والتحسينات في التعذيب! فعلى حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح، "لم يكن الأمر يخلو في تلك الأيام بأن نفاجأ في الصباح، وقبل أن نصطف في طابور الجبل، بالعنابر تفتح علينا، وبالعساكر ينالون علينا ضرباً بالقايش والخيزران! فقد كان قائد المعتقل يحرص على هذه الغارات الصباحياة الدامية كل اسبوع أو عشرة أيام، لكي يظل الجو ملتهباً، وليبعث في عملية التعذيب "تنشيطاً وحيوية"!

"كذلك كان يحرص على أن يأتي كل أسبوع إلى الجبل، فيتحول الجبل يومها إلى حركة سريعة تقطع الأنفاس، وتصفر الكرابيج والعصي على أجسادنا، ونعود في مثل هذا اليوم وكل منا يحمل آثار احمرار على جده، او دماء متفجرة على جبهته ورأسه"!

"وفي بعض غزوات القائد، كان بعضنا يعود برجل دامية من ضرب "الفلقة"، أو ضلع مفقود، أو جسد ممزق نتيجة الجلد على "العروسة"!

على أن الفزع الأكبر تمثل في ذلك الحين في البيئة الطبييعة التي كانت تدور فيها عجلة التعذيب الجهنمية. فوفقاً لكلام الدكتور فتحي عبد الفتاح، "كانت المناطق التي نعمل فيها مليئة بالثعابين والحيات الخطرة والعقارب، في الوقت الذي كان أحد عناصر التعذيب الهامة هو خروج سجناء الرأي من الكتاب والمفكرين والمثقفين "حفاة الأقدام! يمشون فوق الرمال والصخور على غير ما تعودوا عليه طيلة حياتهم".

ولذلك – وكما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح – كادت تحدث مآسي كثيرة، فكثيراً ما كان ينفض الإنسان قدمه فجأة بعد ان يحس بأن هناك شيء يزحف عليها، ويكتشف أنها عقرب من النوع الخطر!

"كذلك فإن حية "الطريشة" وهي الحية ذات الأجراس، كانت تمثل لنا انزعاجاً شديداً، خاصة بعد أن أكد لنا الزملاء الأطباء: مختار السيد، وعبد المنعم عبيد، وشكري عازر، وغيرهم، أن "لدغتها والقبر"! "لذلك حين كان يصيح أحدنا: "طريشة"! كان الجميع يسارعون بالفؤوس ليقضوا على تلك الحية الخطرة".

"لقد كانت حصيلتنا في اليوم الواحد حوالي أربع حيات، وعشرين عقرباً، وأكثر من خمسين ثعباناً مختلفة الأشكال والأحجام"!

"وبدأنا ندرك ما كان خافياً عنا، أو على الأقل لم نكن نعتبره مقصوداً في البداية، لقد كان إلقاؤنا في هذا المكان بالذات، الذي عرفنا فيما بعد أن السكان كانوا يسمونه وادي العقارب، حفاة الأقدام، شبه عراة، في عمل لا جدوى منه ولا منفعة ـ مقصوداً به أن تقوم الحشرات السامة بما لا يستطيع أن يقوم به همت وزبانية التعذيب".

لذلك تبلور مطلب سجناء الرأي الأكبر في ذلك الحين في مطلب واحد، هو ارتداء أحذية أثنا العمل!

وفي ذلك يذكر الدكتور فتحي عبد الفتاح ساخراً قصة "الملك لير" لشكسبير، حين هام على وجهه وحيداً شريداً ومعه مهرجه المعروف، فقد كانت كل أحلام الملك لير تدور وقتذاك حول انتصار قيم الحياة الشريفة، وليس مجرد العرش، أما المهرج فحين سأله لير عن أمانيه ال: "أمنيتي أن أجد حذاء!

لقد أصبح ارتداء "الحذاء" هو أمنية سجناء الرأي في ليمان عبد الناصر! ولكن هذه الأمنية كانت بعيدة المنال! لأنها تخالف قواعد وأسس عملية التعذيب التي رسمها زبانية النظام! فحين نطق المهندس سيد عبد الله بهذا المطلب أمام قائد المعتل في طابور الصباح وهو يستعد للخروج، "انهال عليه القائد ضرباً بعصا أخذها من أحد العساكر، وهو يصرخ كالثور الهائج:

"أنا ما عنديش مسجون يطلب حاجة! إزاي تتجرأ يا كلب؟ كويس إنكم لسه عايشين!".

وسجينات الرأي أيضاً ! (الوفد في 9/12/1996)

قصة ثورة يوليو مع سجناء الرأي ليست قصة واحدة بل قصص عديدة، ولا تجري فوق مسرح واحد، بل في مسارح عديدة! فمعتقلات عبد الناصر التي نصبها لأصحاب الرأي من معارضيه تمتد على مساحة مصر كلها ولا تقتصر على مكان واحد، فهناك سجن مصر، وليمان طرة، ومعتقل القلعة، وسجن "جناح" وليمان أبو زعبل، وسجن المحاريق بالواحات الخارجة، وسجن القناطر الخيرية، وكل منها عالم بأسره، ويمكن لسجين الرأي أن يمر بها جميعاً، ويزورها كلها أو بعضها، ويلقى في كل منها نفس التكريم!

ففي "أوردي" أبو زعبل تلقى إلهام سيف النصر وزملاؤه في اليوم الأول: "التشريفة" وقد تحدثنا عنها فيما سبق، وفي معتقل الواحات تلقى الدكتور فتحي عبد الفتاح ما أسماه بـ "مهرجان الضرب والتعذيب". وفي كل معتقل كان هناك استقبال مخصوص لسجناء الرأي يليق بمركزهم الفكري والثقافي والعلمي! من ضرب الكرابيج والأحذية الميري والشوم، وانتزاع شعر أجسادهم جميعه، وتجريدهم من ملابسهم واستعراضهم عرايا!

ويقدم لنا الدكتور فتحي عبد الفتاح عرضاً شيقاً ـ وإن كان مرعباً ـ لرحلته مع غيره من أصحاب الرأي في سجون عبد الناصر، ويبدأها بفصله من جريدة المساء مع عدد آخر من زملائه يوم 12 مارس 1959 بخطاب ممهور يقول: "قررنا الاستغناء عن خدماتكم ابتداء من 13 مارس 1959" وهو رفت يبين احترام نظام عبد الناصر لحقوق الإنسان وحقوق الصحفيين المخالفين له في الرأي، نقدمه للقارئ الكريم ليتبين تضليل الناصريين اليوم وهم يتزعمون جماعات حقوق الإنسان وحقوق الصحفيين!

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح إنه وزملاءه تلقوا تأكيداً بأن عقاب النظام لهم سوف يقتصر على الفصل، "وإن هذا هو أقصى إجراء سيتخذ معكم، وليس هناك اعتقال"! ولكن أحدهم، وهو أمير اسكندر، أكد أن الجميع مرشحون للاعتقال! وحكى جميل عبد الشفيع من واقع تجاربه السابقة مع نظام عبد الناصر: "إنهم يطبون في الفجر، كالقضاء المستعجل"!

وهو ما حدث بالفعل بعد خمسة عشر يوماً من الفصل من الجريدة، فقد أوقظ الدكتور فتحي عبد الفتاح من نومه فجراً، ليرى الغرفة قد امتلأت بعدد من الملابس الصفراء! "وبقيت وسط السرير، وأخذت أجول بنظري بينهم وكأنني أشهد فيلماً صامتاً، ونحيب أختي يقوم بدور الموسيقى التصويرية! نفس الوجوه التي سمعت عنها كثيراً: جمود، وبلادة، وتحفز! عيون بعضهم كعيون الصقر، تلتقي بها فلا تجفل! وسمعت صرخة عالية لأختي تأتي من الحجرة المجاورة، كان كل شيء مقلوباً في الغرفة: محتويات الدولاب والملابس ملقاة على الأرض، وفي أي مكان، وهناك مرتبة مقلوبة، وأخرى مشقوقة بالطول والمخبر يعبث بالقطن ويرميه في كل مكان، وأختي تصرخ وتسب وتلعن: "إنتو ظلمة، عاوزين أخويا ليه؟ أخويا مع الحق، بكرة حتشوفوا وحيجيلكم يوم"!

وفي الطريق إلى المعتقل، وأمام مبنى المباحث العامة في لاظوغلي، رأى الدكتور فتحي عبد الفتاح عربات كثيرة تقف، وأخرى تنطلق، ومجموعات تخرج بحراسة. وحينما كان يرتقي السلالم العريضة للمبنى، لمح سجيناً آخر يهبط وفي يده قيد حديدي، وتعثرت قدمه فسقط على الأرض، وقام ليفتش عن نظارته، لقد كان الدكتور لويس عوض!

واقتيد الدكتور فتحي عبد الفتاح، وفي معصميه القيد الحديدي، إلى قسم الموسكي ليلقى به في حجز النساء! وليلتقي بثريا حبشي زوجة المهندس فوزي حبشي، التي اعتقلها زبانية عبد الناصر من زوجها! فلم يكن نظام عبد الناصر يعفي صاحبات الرأي المعارض من الاعتقال! وتصور الدكتور فتحي عبد الفتاح أنها اعتقلت! بدلاً من زوجها لعدم العثور عليه، وردت بأنها اعتقلت مع زوجها! وسأل الدكتور فتحي دهشاً: والأولاد؟

وجاءته الإجابة: ما هو دا اللي مجنني .. سبتهم عند الجيران! ويقول الدكتور فتحي: "ودارت رأسي بسرعة، وأنا أتصور المهندس فوزي وزوجته يأخذونهما عند الفجر، ويتركان الطفلين يبكيان ويصرخان بين يدي الجيران، وشددت على يدها وهي تخرج في أثر الجاويش الذي جاء ليأخذها، وقالت: لما تشوف فوزي سلم لي عليه، لقد قالوا لي في المباحث إنه رايح القلعة. ورد عليها قائلا: شدي حيلك إنتي، وسلامي لأميمة أو النصر يمكن تلاقيها في سجن القناطر!

وفي الطريق إلى معتقل القلعة كان الدكتور فتحي عبد الفتاح قد نسي ذلك العطر التاريخي الذي يملأ حواس المرء وهو يمضي على الطريق الصغير المعرج الموصل إلى القلعة، ولم يذكر إلا أنه ذاهب إلى المعتقل الذي بناه الإنجليز كأحد مظاهر سطوتهم وتسلطهم على شعبنا!

ومع ذلك فإن معتقل القلعة كان قد تطور على يد النظام الناصري! فقد بدأت تكتظ زنازينه وعنابره بمئات المعتقلين، فالزنازين على الجانبين التي كان من المقرر أن تتسع لفرد واحد، وضع فيها أربعة أو خمسة! كما حشر في العنبر الذي يشبه البدروم والعنبر العلوي أكثر من مائة في كل عنبر. وقد حاولت قيادة المعتقل أن تفرض نظاماً صارماً لإغلاق الزنازين والعنابر، ولكن هذا النظام كان مستحيلاً، إذ كانت هذه الزنازين والعنابر تفتح كل بضع ساعات وربما كل ساعة تستقبل الوافدين الجدد من سجناء الرأي!

وكما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح: " مئات المعتقلين جاءوا من كل شبر تقريباً من أرض مصر الطيبة: من أسوان، وقرى النوبة إلى الإسكندرية ومطروح والعريش: عمال وطلبة، موظفون وكتاب وصحفيون ومحامون وأطباء .. فلاحون ومدرسون وأساتذة جامعات ومهندسون وعمال زراعيون، فنانيون وضباط سابقون وحرفيون!

كانت الغالبية العظمى منهم قد اعتقلت ليلة 17 مارس 1959 الشهيرة، وبعضهم التقط من عمله، أو من الشارع ثم يردون على القلعة، بعد أن شرف بعضهم الأقسام ليوم أو يومين حسب الظروف والتساهيل.

وكان وراء كل واحد منهم قصة، وقد شهد الدكتور فتحي عبد الفتاح منهم الدكتور محمد الخفيف، وسعيد خيال (القاضي)، والدكتور سعد بهجت (الصيدلي) ومحمود السعدني (الصحفي)، والدكتور عبد الرازق حسن (مدير البنك الصناعي)، والدكتور فوزي منصور (الأستاذ بكلية الحقوق)، والدكتور لويس عوض، ولطفي الخولي.

ومع تكدس المعتقلين من أصحاب الرأي في معتقل القلعة، شعر الجميع بأن هذا المعتقل إنما هو محطة تجمع فقط! ففي الأسبوع السابق لوصول دفعة مارس (كما كانت تسمى) كانت دفعة يناير قد رحلت غلى سجن الواحات الخارجة، ثم جاء دور دفعة مارس، وأخذت إدارة السجن في الستعداد لهذا الرحيل بما يليق بسجناء الرأي على النحو الذي يرويه الدكتور فتحي عبد الفتاح في الآتي.

"جاء قائد المعتقل ذات مساء، ومعه "الحجلات"، وهي سلاسل طويلة يربط فيها ما بين عشرين إلى ثلاثين معتقلا، وبدأ ينادي حوالي مائتي اسم، وكنت واحداً منهم، وتجمعنا في الممر الطويل بين الزنازين، والزملاء يتطلعون إلينا من فتحات العنابر، وفي عيونهم كما في عيوننا نفس التساؤل: إلى أين؟".

وبدأ الطابور يخرج من باب معتقل القلعة لتتلقفنا مجموعة أخرى من الضباط والعساكر، يحشرون كل مجموعة منا يربطها جنزير واحد في عربة من عربات السجون المغلقة، وسط جو من الأوامر والصرخات، ووقف قائد الترحيلة يلقي بأوامره الأخيرة بصوت عال:

- كله يسمع .. إحنا رايحين معتقل الفيوم .. مش عاوزين صوت ولا ضجة .. أي محاولة للخروج على النظام حتقمع فوراً .. عندي أوامر مشددة بضرب النار في المليان .. خليكو عاقلين والترحيلة تمر على خير!

"وزمجرت موتورات لوريات الترحيلة، واستدرت أودع الاهرة من فتحة كبوت العربة، كانت القاهرة نائمة ساكنة والشوارع خالية تغمرها الأضواء في صمت، وخرجت بعض الأصوات من داخل إحدى العربات تغلي بصوت خافت:

"بلادي، بلادي، بلادي، لك حبي وفؤادي، مصر يا أم البلاد، أنت غايتي والمراد". وانتقلت الأغنية إلى كل عربات الترحيلة، وانطلقت أصواتنا قوية عالية تهزم برد الشتاء، وتبدد صمت الليل وسواده، وزادت العربات من سرعتها على طريق الفيوم الصحراوي هرباً بالترحيلة السرية!".

على هذا النحو كان نظام عبد الناصر يمارس احترامه لحقوق الإنسان التي يتصدى الناصريون اليوم في أكبر عملية تضليل، للدفاع عنها، وكان يتعامل مع الصحفيين والكتاب والمفكرين وأصحاب الرأي كما يتعامل مع أخطر المجرمين! وكان يتحاور معهم بالزنازين والعنابر والجنازير والحجلات والسلاسل وحشرهم في عربات السجون وسط الحراسة المسلحة والتهديد بضرب النار في المليان"! كما لم يحدث في أشد عهود الظلام والاستبداد التي مرت بمصر! وفي الوقت الذي كان عبد الناصر يطلق صيحته الزائفة: "ارفع رأسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد"، كان يمارس أشد الوان الاستبداد ضد أصحاب الرأي الذين لا حول لهم ولا قوة غير أقلامهم!

لذلك لا عجب أن كانت الورقة والقلم من أكبر الممنوعات في معتقلات عبد الناصر بل كانت تعد "جرماً كبيراً"! حسب وصف الدكتور فتحي عبد الفتاح! فعداء عبد الناصر أساساً كان مع الورقة والقلم، وتلك هي أزمة المثقفين في عهد عبد الناصر، وهي أزمة لم يسبق أن مروا بها في أي عصر من العور. ففي كل العصور كان المثقفون المصريون هم عصب الثورات، وهم عمودها الفقري، وهم قادتها ومحركوها. وطوال عهد الاحتلال البريطاني كان صدام الاحتلال أساساً مع المثقفين، فقد اعتمدت حركة مصطفى كامل على المثقفين، ولم يكن للعسكريين فيها أي دور. لذلك لا غرابة أن شهد الفكر المصري أوج ازدهاره في تلك العهود، وظهر كتاب عظام من أمثال طه حسين والعقاد ومحمد عبده وعلي عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق وسلامة موسى، ومفكرو اليسار الرواد من أمثال الدكتور لويس عوض ونبيل الهلالي وشهدي عطية الشافعي ومحمد سيد أحمد وغيرهم.

ثم جاء العسكر في يوليو 1952، وظهر التناقض بينهم وبين المثقفين منذ الشهور الأولى للثورة، فاصطدموا مع الليبراليين ممثلين في الوفد، ومع الإسلاميين ممثلين في الإخوان المسلمين، ومع الاشتراكيين ممثلين في التنظيمات اليسارية المختلفة.

وكان الصدام حول الديمقراطية. فقد بسط العسكريون سلطتهم على البلاد، وكره المثقفون أن يستبدلوا باستبداد القصر استبداد العسكر، ووصل الصدام ذروته في أزمة مارس 1954، التي كانت أساساً صداماً بين العسكر والمثقفين من كافة التيارات الفكرية، وعندما انتصر العسكر بالقوة المسلحة على المثقفين، كان في ذلك نهاية لدورهم التاريخي المؤثر، وانتقلوا منذ ذلك الحين من صفوف العمل الوطني الثوري إلى سجون ومعتقلات عبد الناصر في طول مصر وعرضها.

وقد كان أحد هذه المعتقلات هو معتقل العزب بالفيوم الذي نزل إليه الدكتور فتحي عبد الفتاح في ترحيلة مارس 1954. وكان قد بني أصلا ليكون معتقلا لأسرى الحرب في الحرب العالمية الثانية، ثم تحول إلى معتقل لتجار المخدرات، وانتهى به المطاف ليضم أكثر من أربعمائة معتقل سياسي من الديموقراطيين والاشتراكيين. وفي هذا المعتقل كانت التجربة الأولى.

من معتقل العزب إلى معتقل المحاريق ! (الوفد في 16/12/1996)

منذ اللحظة الأولى في معتقل العزب بالفيوم، شعر سجناء الرأي بأنهم مقبلون على محنة جديدة! فقد كان الجو مختلفاً عما ألفوه في معتقل القلعة طوال الأيام العشرة السابقة، لقد وضع في كل عنبر أربعون معتقل في البداية، ثم أخذ هذا العدد يتضخم مع تزايد الدفعات الجديدة التي تصل من معتقل اللعة، حتى أصبح في كل عنبر ما بين ستين وسبعين معتقلاً!

وفي الوقت نفسه زادت قوائم الممنوعات والمحظورات بدرجة مثيرة ومجنونة أيضا! وعلى سبيل المثال فقد حرم المعتقلون من حرية التنقل. وحرية التنقل المقصودة هنا ليست حرية التنقل داخل المعتقل، وإنما حرية التنقل داخل العنبر نفسه! بمعنى أنه كان على المعتقل أن يلزم سريره ولا يغادره، فإذا تحرك يكون تحركه على السرير فقط وفي مساحته وحدها! فعلى السرير يستطيع المعتقل أن يجلس وينام ويتحرك، ولكن ليس من حقه أن يغادر السرير! وفي الوقت نفسه كان محظوراً على المعتقل السياسي أن يتحدث مع زميله ولو همساً فقد كان الهمس بين الزميلين اللذين ينامان في سريرين متجاورين يعد جريمة عقوبتها الجلد.

وكان موقع سرير المعتقل يحدده موقع في "الحجلة" التي ربطت فيها الترحيلة. فقد ربط جميع سجناء الرأي بعضهم ببعض "بحجلات" هي عبارة عن سلسلة طويلة يربط فيها ما بين عشرين إلى ثلاثين معتقلاً، وبالتالي فقد كانت هذه الحجلة هي التي تحدد موقع كل سجين من الآخر في كل مكان، سواء كان هذا المكان ثابتاً أو متنقلاً، أي سواء كان في غرفة أو عنبر أو عربة سجن في قطار، كما تحدد موقع كل سرير من الآخر.

ولا يدري أحد لماذا كان زبانية عبد الناصر مصرين على ربط سجناء الرأي بالسلاسل، مع أنه لا يوجد فيهم من يستطيع الهرب، أو حتى يصلح للهرب، ولكن من الواضح أن الغرض هو الإهانة وإشعارهم بالمذلة!

كما لا يدري أحد لم كان زبانية عبد الناصر يصرون على حرمان سجناء الرأي من الحقوق التي كان يتمتع بها اللصوص والقتلة وتجار المخدرات؟ اللهم إلا إذا كان الخلاف في الرأي، في رأي النظام الناصري، يفو جرائة السرقة والقتل وتجارة المخدرات!

ويصف الدكتور فتحي عبد الفتاح العنبر الذي كان نصيبه فيه، وهو عنبر (2) بانه كان في تكوينه يعبر عن الوطن الكبير! ويقصد بذلك التكوين الاجتماعي للوطن المصري. فقد كان به العمال من شبرا الخيمة وحلوان وكفر الدوار والإسكندرية، ومن بينهم محمود عطا الله رئيس نقابة عمال كفر الدوار، وعبد الغفار سلام، وعبد الجواد القطان رئيس نقابة عمال النسيج. كما كان فيه الفلاحون من الشرقية والدقهلية والبحيرة والفيوم. وكان فيه أيضاً المثقفون، فقد كان فيهم الدكتور فايق فريد عضو مجلس الأمة عن شبرا وجزيرة بدران، وعلي الشلقاني الكاتب الصحفي، وجمال كامل الفنان التشكيلي، وعادل ثابت العالم المعروف، وعبد السلام مبارك الصحفي بجريدة المساء، والدكتور جميل حقي الصيدلي، هذا فضلاً عن عدد آخر من طلبة الجامعات.

وإلى جانب اعتقال سجين الرأي داخل سريره لا يغادره حتى ولو للتنقل داخل العنبر، فقد كان عليه أن يبقى فيه طول اليوم، فيما عدا ثلث ساعة فقط في اليوم، وهي مدة "الفسحة" المسموح بها. وفي هذه الدقائق العشرين كان على السجين أن يقوم يعمل كل شيء ابتداء من قضاء الحاجة، إلى الاغتسال، والمشي في الحوش الضيق خلف العنابر, ومع ذلك فهذه الدقائق العشرين لم تكن تمر بسلام، إذ كانت تمر وسط جو هستيري يشيعه قائد المعتل وضباطه، ومعهم على وجه خاص الشاويش محمد غطاس، أو حضرة الصول كما كان يناديه المعسكر، مصحوباً بالشتائم المقذعة والاعتداء بالأيدي على البعض.

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح إن عيون العساكر كان مسلطة على المعتقلين من أصحاب الرأي، تحصي عليهم كل حركة تخالف التعليمات، وتنزل العقاب القوري بالمخالف. ولذلك عندما ضبط الضابط حمدي أحد سجناء الرأي يتحرك من سريره، أخرجه من العنبر وانهال عليه باللكمات!

هكذا سارت الأحوال في معتقل العزب في الفيوم قرابة ستة أشهر! لم تكن الإدارة في أثنائها تغفل عن المعتقلين أكثر من يوم أو يومين ثم تنزل بكل ثقلها في اليوم الثالث، فتجمع مندوبي العنابر مثلاً، لتقوم بجلدهم أمام مبنى الإدارة، لا لذنب ارتكبوه وإنما لمجرد إشاعة جو من الإرهاب وتخويف المعتقلين!

وفي يوم من الأيام ضبط أحد الضباط مع أحد المعتقلين، وهو المهندس فوزي حبشي، بعض الأوراق، وكانت الورقة والقلم بالنسبة للمعتقلين هي كبيرة الكبائر، فاستدعى المهندس فوزي حبشي إلى الإدارة، حيث قامت مجموعة من العساكر ومعهم الضباط بضربه بالشوم، ثم جلده على "العروسة"! ويبدي الدكتور فتحي عبد الفتاح دهشته لإطلاق اسم "العروسة" على تلك الآلة الجهنمية، ويرى أن السبب قد يرجه إلى أن المضروب يربط على الصليب في حالة احتضان!

ولم يسلم المرضى من سجناء الرأي من التعذيب، فبعد يومين من جلد المهندس فوزي حبشي، كانت جماعة من المرضى تستعد للذهاب إلى مستشفى الفيوم القريب للكشف عليهم، ولكن إدارة المعتقل رأت أن الضرب ربما يكون فيه الشفاء الناجح، ولذلك بدلاً من الذهاب بهم إلى المستشفى، اقتيدوا إلى الإدارة حيث ضربوا بالكرباج وجريد النخل!

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح إنه إزاء هذا التعذيب فكر المعتقلون في الإضراب عن الطعام، وعندما عجزت إدارة المعتقل عن إثناء الخمسمائة معتقل عن الإضراب، شعر نظام عبد الناصر أن تجربة معتقل الفيوم لم تنجح، وأن سجناء الرأي فيه في حاجة إلى تأديب خاص يقتلع من أذهانهم فكرة المقاومة كلية، فتقرر في الأسبوع الأول من شهر يونيو 1959 ترحيلهم إلى سجن الواحات الخارجة، وكانت الدفعة الأولى تتكون من أربعين معتقلاً، كان نصيب الدكتور فتحي عبد الفتاح في الدفعة الثانية التي تم ترحيلها في سبتمبر 1959.

كانت هذه الدفعة أيضاً تتكون من أربعين من سجناء الرأي، وتضم: مندوبي العنابر، ومجموعة من الشخصيات والكتاب والنقابيين المعروفين، من بينهم الدكتور فايق فريد، والدكتور حسين كمال الدين، وعلي الشلقاني، والدكتور فوزي منصور، وأديب ديمتري، وفيليب جلاب، وشوقي عبد الحكم، وإبراهيم عامر، ومحمود عطا الله، ومحمد صدقي، وفخري لبيب، وفتحي خليل، ولطفي الله سليمان، وفاروق ثابت، ومحسن خياط، وعبد الله كامل، ومحمود السعدني، وأسعد حليم.

وقد سيقت هذه الدفعة من الفيوم إلى محطة بني سويف بالعربات، ثم من بني سويف إلى محطة "المواصلة" في عربة مغلقة في آخر القطار، مخصصة لنقل الحيوانات! مروراً بالمنيا وأسيوط وقنا وسوهاج، في رحلة دامت خمس عشرة ساعة حتى وصلت إلى "المواصلة".

والمواصلة بلدة صغيرة في أعماق الصعيد دخلت التاريخ من أوسع الأبواب، إذ كان ينقل إليها المسجونون المعارضون للسلطة، لينقلوا إلى قطار آخر من نوع قطار الدلتا الصغير يتجه بهم إلى الواحات الخارجة والداخلة على بعد أكثر من مائتي كيلو متراً في أعماق الصحراء.

وكانت محطة المواصلة قد شهدت مع دفعة يونيو السابقة مأساة رهيبة كادت تفقد فيها الدفعة حياة أفرادها جميعاً تحت القطار. فحين وصلت هذه الدفعة إلى محطة المواصلة، وبدأت إجراءات إنزالهم من العربة! ولما كان الجميع مربوطين بسلسلة واحدة، فقد أخذ المعتقلون الذين نزلوا من القطار يجرون بجواره لعجزهم عن التخلص من السلسلة التي تربطهم بزملائهم داخل القطار، بينما أخذت صيحاتهم تتعالى بفزع لإيقاف القطار، على أن السائق لم يسمع هذه الصيحات، وزاد من سرعة القطار وأخذ الذين في داخل العربة يتشبثون بمواقعهم حتى لا يلحقوا بزملائهم خارج القطار، الذين ما لبثو أن سطوا على الأرض، وأخذ القطار يجرجرهم على الرصيف، ثم على الفلنكات. وكان هؤلاء يتكونون من الكاتب الصحفي عبد الستار الطويلة، والدكتور رزق عبد المسيح وعزب شطا، وغيره.م. واحذ هؤلاء يصطدمون بالظلط وخشب الفلنكات، وهم يتوقعون في كل لحظة أن تشدهم عجلات القطار لتطحنهم جميعاً ومعهم الزملاء الذين كانوا داخل العربة!

ويقول عبد الستار الطويلة: كانت رأسي تدور بنفس السرعة التي تدور بها عجلة القطار، وكان مصيري ومصير الأربعين الآخرين الذين يرتبطون بالسلسلة الواحدة، يتوقف على مدى قدرتي على الابتعاد عن عجلة الموت. كنت قد سمعت ورأيت في الأفلام أنواع التعذيب في القرون الوسطى حين كانوا يربطون الفلاح إلى ذيل حصان جامح أو عربة تجرها مجموعة من الخيول، ولكن الأمر في هذه المرة كان مختلفاً، فلم يكن حصاناً جامحاً وإنما قطاراً حديدياً جامحاً.

صورة كلما تخيلتها حتى هذه اللحظة أغمضت عيناي ورعدة شاملة تجتاح كل جسدي".

ثم تدخلت الصدفة، بفضل إرادة الله، لكيلا تمضي المأساة إلى نهايتها، فقد تنبه خفير أحد المزارع المجاورة لما يحدث، فسارع بإطلاق عدة أعيرة نارية مرت بجوار السائق، الذي تنبه ونظر إلى الخلف ليرى المأساة وليوقف القطار. وأخيرا جاء القطار الصغير، وتكدس سجناء الرأ في عربتين، بينما ربض الحراس في العربة الخلفية، وتحرك القطار نحو الغرب،، وبعد نصف ساعة كان قد غرق في بحر الرمال والهضاب. وعلى بعد مائتين وخمسين كيلو متراً بدا على مرمى البصر سور أبيض غريب ولامع وسط الاصفرار الداكن المحيط، وأشار إليه أحمد طه، وهو شقيق عبد القادر طه، قائلاً: هذا هو سجن المحاريق!

كان أحمد طه هو الوحيد في ترحيلة سبتمبر 1959 الذي يعرف المكان إذ كان قد غادره قبل ثلاثة أشهر فقط بعد أن أمضى فيه فترة العقوبة التي أصدرتها ضده محاكم عبد الناصر العسكرية في سنة 1954، بسبب دفاعه عن العمال المصريين وعن حقهم في تنظيم أنفسهم. فقد اعتقله نظام عبد الناصر وقدمه للمحاكمة العسكرية التي عاقبته بخمس سنوات.

ومع أن أحمد طه كان قد أتم السنوات التي حكم عليه بها، وأفرج عنه في يناير 1959، وبالتالي لم يشارك في أي نشاط في أي نشاط فكري مما مارسه سجناء الرأي الآخرين، إلا ان نظام عبد الناصر أعاد اعتقاله من جديد في 28 مارس 1959، أي بعد ثلاثة أشهر، وأضافوا إليه زوجته التي اعتقلت هي الأخرى، وقدر له أن يشاهد أسوار سجن المحاريق مرة أخرى، وأن يخوض التجربة الرهيبة التي خاضها الزملاء الجدد بغير جريمة ارتكبها ضد نظام عبد الناصر، غير الخلاف في الرأي!

لقاء الموتى في معتقل المحاريق (الوفد في 23/12/1996)

اعتبر النظام الناصري الرأي المعارض جريمة شنعاء يستحق مرتكبوها من المفكرين والمثقفين والصحفيين والكتاب أشد ألوان التنكيل والتعذيب! وقد تمثلت عبقرية زبانيته في اختيار المعتقلات التي يقذف بهم فيهان والتي حرص على أن تبتعد كل البعد عن المران حتى لا يسمع لهم فيها صراخ!

ومن هنا كان انتقال مسجوني الرأي من معتقل العزب بالفيوم إلى معتقل المحاريق في الواحات! وقد أطلق على هذا المعتقل اسم "المحاريق" تعبيراً عن تلك البقعة الجرداء الموحشة التي يقع فيها، ولأن المكان كان بالفعل "محرقة" بحق، بسبب قسوة الشمس التي حولت أشعتها كل شيء في تلك البقعة إلى لون داكن أو فاحم، حتى الإنسان في تلك البقعة كان من النوع القزمي النحيف الذي يخالط شحوب وجهه سمرة داكنة تظهره في صورة النماذج المتحفية والتاريخية!

وكان من الطبيعي ان ينعكس ذلك على مسجوني الرأي الذين قذف بهم عبد الناصر إلى هذا المكان الموحش.

فعندما وصلت الترحيلة التي كان فيها الدكتور فتحي عبد الفتاح، كان قد سبقهم إليها زملاء من أصحاب كانوا يقضون قدرة سجنهم، بعضهم مضى عليه أكثر من خمس سنوات ! ومعظمهم كان يسمع عنهم كثيراً عندما كان طالباً في الجامعة، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تتراوح بين ثلاث وعشر سنوات، ليس بسبب أنهم استخدموا العنف والمتفجرات ضد نظام عبد الناصر، وإنما لأنهم فقط خالفوه في الرأي!

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح إنه شعر، عندما رأى هؤلاء السجناء القدامى لأول مرة، أنه أمام أشباح هاملتية تعيش في تلك الصحراء لتعذب ضمير مصر كلها! كانت البدل الزرقاء التي يلبسونها، ووجوههم الشاحبة، وعيونهم الغائرة، قد أوحت له بذلك من اللحظة الأولى لرؤياهم.

كان منهم صلاح حافظ الكاتب بروز اليوسف، ومصطفى طيبة ومجدي فهمي، العاملان اللذان ألقى القبض عليهما قبل سنة 1952، ومحمد شطا أحد قادة العمال في شبرا الخيمة، وحمدي عبد الجواد، وفؤاد عبد الحليم، وزكي مراد، ومحمد خليل، وهما المثقفان النوبيان اللذان حاولا إيقاظ أبناء جلداتهم من سبات الجهل والتخلف. وداوود عزيز، ووليام الملك، وهما من أشهر وأصدق الفنانين التشكيليين اللذين كان يمثلان مدرسة جديدة في الفن، وأكثر من مائة سجين عاشوا في تلك البقعة الموحشة الجرداء سنوات طويلة لمجرد الخلاف في الرأي مع عبد الناصر، فعاقبهم بحرمانهم من كافة حقوق الإنسان التي يزعم الناصريون اليوم أنهم أنصارها وحماتها، تضليلاً وتزييفاً وخداعاً لأبناء شعبنا وللجيل الجديد الذي لا يعرف أن يديهم كانت طوال العهد الناصري عارقة في دماء حقوق الإنسان!

كان اللقاء بين الترحيلة الجديدة والمعتقلين القدامى أشبه باللقاء بين الموتى الجدد والموتى القدامى! وكان كل من الفريقين مشتاقاً لمعرفة عالم الآخر. ويصور الدكتور فتحي عبد الفتاح ذلك بقوله: في الأيام الأولى لم يكن غريباً أن ترى أحد المعتقلين الجدد مصطحباً أحد المسجونين القدامى: الأول يحكي عن العالم الذي تركه حديثاً منذ شهور قليلة، والحياة التي تركها تنبض وتقفز في الشوارع والمنازل، زالثاني يحدثه عن العالم المقفر الذي يعيش فيه، ويعطيه بعض الخبرات عن عالم السجن الذي أمضى فيه ثلاث أو خمس أو سبع سنوات!

وبالإضافةإلى هذا اللقاء بين الموتى الجدد والموتى القدامى، كان هناك لقاء بين المعتقلين الشيوعيين والمعتقلين من الإخوان المسلمين الذين كانوا يقيمون في عنبر رقم (3) ولكنه كان لقاء مجدباً، فقد كانت تفرقهم الأهداف والوسائل.

وعلى حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح: كان هجومهم على حزب الوفد، وتعاونهم مع الملك أحياناً، والغموض الشديد الذي يكتنف شعاراتهم الوطنية والاجتماعية، يبعدني عنهم فكرياً. كما أن تجربتي معهم في الجامعة، وعدم قدرتهم على إجراء حوار أو نقاش، ولجوئهم إلى العنف دائماً، قد ضاعف من اعتراضي على منهجهم. واليوم يجمعنا سور واحد، وتحيط بنا صحراء واحدة، وتحكمنا وتتحكم فينا إدارة واحدة. وعرفت من الزملاء القدامى أن الإخوان وقيادتهم كانوا يرفضون إجراء حوار مشترك، بل إنهم كانوا يعتبرون وجود الشيوعيين في السجن أمراً طارئاً لأن عبد الناصر ـ من وجهة نظرهم ـ كان أخطر شيوعي في المنطقة!

في ذلك الحين، كان عبد الناصر ـ الذي هو كان أخطر شيوعي في المنطقة من وجهة نظر الإخوان المسلمين! ـ يعد للشيوعيين تشريفة تليق بهم. فبعد شهر واحد كانت تصل إلى معتقل المحاريق فرقة التشريفة وعلى رأسها اللواء إسماعيل همت شخصياً، وهو وكيل مصلحة السجون، للترحيب بالمعتقلين الشيوعيين ولتبدأ أفظع عملية تعذيب يقوم بها نظام سياسي لمخالفيه في الرأي!

فمنذ اللحظة الأولى دخل هؤلاء المعتقلون ما أسماه الدكتور فتحي عبد الفتاح: مهرجان الضرب والتعذيب في قلب الصحراء، بعد أن أعد المسرح تماماً لهذا المهرجان بكل عناية، في واد صغير يقع بين تلَّين من الكثبان الرملية تختلط رمالهما الصفراء مع تربة رمادية وتنتشر فيه النباتات الشوكية، الأمر الي أوحى لسجناء الرأي أنهم مساقون إلى مقبرة أعدت لهم كما يحدث لضحايا النازية والفاشية ـ على حد قوله.

وفي هذا المسرح الكئيب ووجه سجناء الرأي بنمطين أنتجتهما مدارس التعذيب والعداء للإنسان ـ على حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح ـ نمط مسعور متعطش للدم بأي شكل وعلى أية صورة، مثله مثل النمر المتوحش.

والنمط الثاني أشبه بالثعلب الذي يجري دائماً حساباته بين رغبته في الفريسة وخوفه من المفترس. وعلى أيدي هذين النمطين تلقى سجناء الرأي الضرب المتواصل بعصي الخيزران والشوم في رواحهم ومجيئهم وهم محملون بمقاطف الرمل بين الكثبان الرملية وهم في خرقهم البالية، وصيحات الجنرال النازي إسماعيل همت تستنهض همم العساكر والضباط لمزيد من الضرب، وهم يقومون بدور الإيقاع الصوتي بعصيهم وكرابيجهم ويرسمون ظلال القسوة والهمجية المطلوبة، وينصحهم باستخدام الكرابيج: ضرب الكرابيج أحسن! عاوز أسمع صراخهم! مفيش رحمة بهم! إضرب زي ما تضرب كلب! فيزيد صفير الكرابيج ووقعها على الأجساد، كما ترتفع ذبذبات العصي وهي لا تكاد تتوف لحظة في أيدي العساكر، ويستمر ذلك طول اليوم.

وفي الصباح يفاجأ المعتلقون بفتح أبواب العنابر، وانهيال العساكر عليهم بالضرب بالقايش والخيزران، بدون أي ذنب ارتكبوه، وإنما لمجرد بقاء الجو ملتهباً، ولبعث التنشيط والحيوية في عملية التعذيب! وتتكرر هذه الغارات كل أسبوع وعشرة أيام، في الوقت الذي ينتقل التنشيط إلى الجبل! فنعود في مثل هذا اليوم وكل منا يحمل آثار احمرار على جسده، أو دماء متفجرة من جبهته ورأسه، أو رجل دامية من ضرب الفلقة، أو ضلع مفقود، او جسد ممزق نتيجة الجلد على العروسة، ناهيك عن لدغ الثعابين والعقارب في وادي العقارب وسجناء الرأي حفاة الأقدام، فإذا تجرأ أحدهم على طلب العمل في الجبل بالأحذية ضرب ضرباً مبرحاً بحجة أنه تجرأ على الطلب: "إزاي تتجرأ يا كلب؟ أنا معنديش مسجون يطلب حاجة"! وتصدر الأوامر بمضاعفة التعذيب والضرب ـ أو على حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح: "زيادة جرعات العمل، وأيضاً جرعات الضرب"!. ويختار قائد المعتقل أحد ضباطه المقربين المغرمين بالتعذيب، لكي يصحبنا كل يوم إلى الجبل ليتعرف بنفسه على الشغل!".

وهكذا دفع سجناء الرأي الثمن غالباً لمجرد طلبهم العمل بالأحذية بدلاً من العمل حفاة الأقدام! على أنه مع مرور الأيام ظهر خطر كبير هدد بإحباط مخطط التعذيب، فقد تكونت بين سجناء الرأي والجلادين من العساكر والضباط علاقة ما أثرت على أدائهم في الضرب والإهانات، خصوصاً بعد ما تبين للجلادين أن الصورة التي رسمها النظام الناصري لسجناء الرأي بأنهم كفرة ملحدون وخونة للوطن وعملاء، لا تتفق مع سلوكهم.

وفي الوقت نفسه، اكتشف الجلادون أن الكثيرين من سجناء الرأي يتمتعون بالقدرة على الإضحاك، على الرغم مما يلحقهم من تعذيب، فأدمنوا الجلوس إلى بعضهم يستمتعون بأحاديثهم، وإن كانت بعض هذه الجلسات تنتهي بمأساة! وهو ما حدث مع الصحفي المعروف محمود السعدني، الذي لعب دور "مضحك الملك" مع الشاويش متى، قائد العمل في غياب القائد، توقياً لشره، حتى أدمن الشاويش متى الجلوس إلى محمود السعدني يستمتع بنكاته وحواديته الساخرة اللاذعة المعروفة، فيجلس الشاويش متى فوق صخرة كالملك، ويقبع الصعدني بجانبه في دور مضحك الملك، وتنطلق ضحكات متى الضخمة، ويعزم على السعدني بسيجارة "وينجز" كاملة.

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح إنه في يوم من الأيام فوجئ سجناء الرأي بالشاويش متى وهو يجري وراء السعدني يريد أن يبطش به، ويقسم "بأم المخلص" ليحطمن رأسه بالشومة! ودهش الجميع ان تنتهي العلاقة بين مضحك الشاويش متى والشاويش متى إلى هذا المصير الفجائي، وتدخلوا في محاولة لتهدئة الشاويش ومعرفة السبب في هذا الانقلاب والقطيعة التي لم تكن متوقعة بين الشاويش الهائج والصحفي المذعور.

وقد تبينوا أن محمود السعدني لاحظ أن الشاويش متى كان مهموماً حزيناً، فأراد معرفة السبب لكي يسري عنه، وأجاب الشاويش متى:

- أصل الواد إبني أخذ الإعدادية!

ورد السعدني بأسلوبه الساخر: طيب ودي حاجة تزعل يا حضرة الصول؟ ده ابنك يبقى عبقري!

وقال الشاويش متى: أصل اللي مضايقني يا سعدني إن الواد عاوز يكمل تعليمه، والحال زي ما إنت عارف، يدوبك على القد!

وقال السعدني مهوناً: يا راجل واحد عبقري زي ابنك لازم يكمل تعليمه، وأهو التعليم بالمجان، وربنا يساعدك لحد ما ياخد التوجيهية!

ورد الشاويش متى: طيب وبعد التوجيهية، يروح فين؟

وأجاب السعدني: يروح الجامعة يا حضرة الصول!

وقال الشاويش متى مستنكراً: جامعة إيه انت راخر، هو أنا معايا صلدي واحد؟ دا أنا بستلف على ماهيتي قدها مرتين علشان أمشي حالي، تقوم تقوللي يروح الجامعة؟

ورد السعدني في حماس مصطنع: طبعاً لازم يروح الجامعة ولد عبقري زي كده ما تحرموش من إنه يكمل تعليمه، ويروح كلية الطب أو الهندسة أو الحقوق أو الآداب، ويبقى مثقف!

وسأل الشاويش متى مستفهماً: مثقف! يا فرحتي .. طيب وبعد كده؟

ورد السعدني بسخريته القاتلة: ييجي هنا معانا يا شاويش!

وأشار بيده إلى زملائه من سجناء الرأي وهو يقول: أهو كل اللي إنت شايفهم دول جم هنا علشان أصبحوا مثقفين!

ولم يحتمل الشاويش متى هذه السخرية القاتلة، وقام يجري وراء السعدني يريد أن يبطش به!

وقول الدكتور فتحي عبد الفتاح معلقاً: لم يتحمل الشاويش متى سخرية محمود السعدني، فلم يكن الرجل يتصور أن ابنه العزيز العبقري، يأتي إلى هذا المكان ليعامل "كالكلاب" مثلما نعامل! وقام يجري وراء السعدني مقسماً ليحطمن رأسه!

هدية عبد الناصر للمعتقلين في عيد رأس السنة ! (الوفد في 30/12/1996)

في كل بلاد الدنيا حين يرتكب نظام سياسي ما جرائم في حق أبنائه فإنه يعاقب على ما ارتكبه من جرائم فور انتهاء سلطانه، إلا في مصر! فإنه يكافأ ويمجد ويعلى من شأنه، ويجد من أنصاره من يضللون الشعب ويروجون له بالكتابات الصحفية والأحاديث الإذاعية والأفلام السينمائية والكتب وكافة وسائل الإعلام! والأعجب من ذلك، ومما ليس له نظير في طول التاريخ وعرضه، أن يشترك في ذلك الضحايا أنفسهم! الذين ينقلبون فور انتهاء عمليات الجلد والتعذيب إلى مدافعين عن النظام الذي قام بجلدهم وتعذيبهم وامتهان كرامتهم، تحت تحليلات خاطئة ومريضة، كما يحدث في مصر بالنسبة لليسار!

وهذا الكلام ليس افتراء على اليسار، وإنما هو حقيقة واقعة تتمثل في تحالفه مع الناصريين الذين جلدوهم، وقد سجله بعبارات فاضحة الأستاذ محمد سيد أحمد، المفكر والكاتب اليساري المعروف، وأحد الذين جلدهم زبانية عبد الناصر، ففي مقال نشرته له جريدة الأهرام يوم 28 سبتمبر 1995، كتب بالحرف الواحد يقول:

"ظللت مع غيري من قوى اليسار، أكثر من خمس سنوات، سجيناً في عهد عبد الناصر، وتعرضنا في السجون لمعاملة بالغة السوء، وهناك من ماتوا تحت التعذيب، ومع ذلك فيوم خروجنا أيدناه! وأذكر في وقت كان التعذيب فيه قد بلغ مداه، وكنا حفاة، وشبه عراة، ومطالبين بنقل جبل على أكتافنا من موقع إلى موقع، ثم إعادته إلى موقعه الأصلي ـ أذكر في يوم ما، وكان قد تلقى زميلنا الدكتور إسماعيل صبري عبد الله قدراً مكثفاً من التعذيب، أذكر في هذا اليوم أنني قلت له، وكلي انفعال: أليس من واجبنا، يوم أن نخرج من هنا، أن نسوي حساباتنا؟ ورد هو: "سنخرج في يوم ما، وسنؤيده"!

هذا هو ما دعاني إلى أن أتهم اليسار "بالسادية"! فجميع المعطيات المتاحة للحكم على النظام الناصري تنتهي إلى نتيجة واحدة هي أنه كان حكماً فاشياً ونازياً. وهو ما تبين لسجناء اليسار بعد إعلان عبد الناصر قرارات التأميم في خطاب 23 يوليو 1961. فقد كان الشعور العام بينهم أن الإفراج عنهم أصبح أمراً مفروغاً منه ـ وعلى حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح: ليس من المعقول ان نبقى في السجون في حين أن الأهداف والشعارات التي دخلنا من أجلها السجن، تتحقق وتتبناها الدولة تعلنها بشكل رسمي!

ولكن سرعان ما تبين لهم أنهم كانوا واهمين! فلم يفرج عنهم إلا بعد سنتين ونصف! وأكثر من ذلك اتضح أن أجهزة المصيلحي قد والت معركتها القذرة ـ على حد وصف الدكتور فتحي عبد الفتاح ـ في محاولة التصفية النفسية والمعنوية للمعتقلين.

وكانت أول رسالة واضحة وصلت إلى المسجونين بهذا المعنى ـ كما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح ، حينما أعيد إلى المعتقل عدد من الزملاء المسجونين الذين كان قد حكم عليهم في أوائل الخمسينات (من سنة 1952 إلى 54) بأحكام تتفاوت بين ثمانية وعشرة سنوات، وكان هؤلاء قد أتموا سنوات الحكم كاملة، رغم أن بعضهم كانت جريمته أنه حاول إسقاط الحكم في أيام النظام الملكي! وعندما رحلوا إلى القاهرة للإفراج عنهم لم يكن يخالجنا شك في أنهم خارجون بعد كل تلك الظروف.

ولكنهم عادوا إلينا بعد أيام، وقد تحولوا من مسجونين إلى معتقلين! ـ أي أنهم يرتدون الزي الأبيض بدلاً من الأزرق، ويقيمون في عنبر (2) بدلاً من عنبر (1)!

فقد عاد حمدي عبد الجواد، وداود عزيز، وزكي مراد/ ومصطفى طيبة، ووديع وهيب، ومحمد شطا، وكانت عودتهم تأكيداً لنا بأن ما تصورناه في البداية أمراً طبيعياً، وهو الإفراج عنا، ليس بتلك البساطة، وإنما كان تأكيداً في نفس الوقتلمغزى ظل ملازماً للمرحلة كلها، وهي أن الهوة بين الأقوال والأفعال ستظل موجودة ومتسعة، مهما تغيرت أفكار القيادات التي ترسم السياسة، فالأجهزة المنفذة هي نفسها لم تتغير. هذه القصة وحدها تبين الصفة الفاشية للنظام الناصري، وهي التي كان اليسار المصري يكتشفها في كل يوم على يد زبانية عبد الناصر، الذين وصفهم بأنهم "تفوقوا على أساتذة النازية في معتقلات داخاو وبوخنقالد وأوشفيتز، ولكنهم نسوها فور الإفراج عنهم بحجة أن النظام كان نظاماً اشتراكياً! ولم يسألوا أنفسهم: كيف يقوم نظام اشتراكي على يد غير اشتراكيين؟ وكيف يوصف نظام بأنه نظام اشتراكي وهو يزج بالاشتراكيين في السجون ويسلمهم لأيدي زبانية التعذيب؟

يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح: لقد أخذت أتصور الدكتور لويس عوض، المثقف المصري والعالمي، و[[يونس مرعي]] (الضابط بمعتقل الأوردي) يلقيه على الأرض ويضربه بحذائه كما يضرب حشرة! والدكتور فؤاد مرسي، أستاذ القانون بكلية الحقوق، وملابسه تخلع عنه ليضرب على المناطق الحساسة في جسده! والدكتور إسماعيل صبري عبد الله وقائد الأوردي وزبانيته يتسلون عليه، ويأمرونه بأن يدور في حلقة كالثور لتنهال عليهالكرابيج والشوم! والمئات من خيرة أبناء مصر الطيبين من عمال ومثقفين وفلاحين وطلبة وضباط، وهم يعاملون تلك المعاملة ثمانية أشهر! ويقول إن الدكتور لويس عوض كان يفزع من النوم ليلاً ليصيح: أين نحن؟ لا يمكن أن نكون قد رجعنا ألف عام إلى الوراء!

كل هذه الاعترافات الدامغة، نسيها اليسار، ولبس رداء دون كيشوت، وامتشق حسامه، وخرج يدافع عن الأوهام التي رسمها في خياله عن النظام الناصري، ناسياً الحقائق التي ألهبت كل شبر في جسده مع سياط وعصي وشوم زبانية النظام الناصري على طول حكم عبد الناصر، حتى لنجد مفكراً مثل الدكتور رفعت السعيد يكتب قائلاً: إذا كان عبد الناصر قد حكم مصر ثمانية عشر عاماً، فقد قضيت قرابة الثلاثة عشر عاماً الأولى من حكمه سجيناً في سجون لست أريد أن أصفها، ولو بأقل ما كانت تحتوي عليه من بشاعة، وإلا اتهمت بالتحيز التام ضده!

والغريب هو استناد اليسار في هذا التقييم الخاطئ على قرارات التأميم في يوليو 1961، على الرغم من أنه يعرف جيداً التأميم في حد ذاته ليس إجراء اشتراكياً، وإنما العبرة بعلاقات الإنتاج القائمة. فالتأميم تلجأ إليه الدول الرأسمالية والدول الإشتراكية، ويظل الفرق بين الاثنين هو: من المستفيد في الواقع من التأميم؟ فإذا ظلت القيادات البيروقراطية والقديمة هي التي تقود هذه المؤسسات المؤممة، فإن الأمر لا يعدو أن يكون رأسمالية دولة!

وقد سبق أن أقدمت حكومة "كيرنسكي" في روسيا بعد ثورة فبراير 1917، وقبل ثورة أكتوبر التاريخية، على أميم عدد من المؤسسات الاقتصادية، وكان تعليق لينين على ذلك: إنها رأسمالية دولة، وإن العامل الروسي لم يستفد "كوبك" واحداً.

وهذه الحقائق كان يناقشها المعتقلون في المعتقل بعد قرارات التأميم في يوليو. فكما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح، فإن مجموعة من المعتقلين كانت وجهة نظرها أن الديموقراطية هي حجر الأساس في الحكم على كل ما حدث! فوجود ديموقراطية واسعة، وإعطاء الحق للطبقات الوطنية في تشكيل تنظيماتها الجماهيرية والسياسية، مع إلغاء القوانين الاستثنائية والمحددة للحريات، هي فقط الضمانة لدفع التطور الاجتماعي.

وفي الحقيقة أن المنتفع الحقيقي من قرارات التأميم كان هو الجيش الذي استولى ضباطه على المؤسسات المؤممة، وفرضوا عليها حكماً عسكرياً،وأقصوا جميع القيادات العمالية والجماهيرية. فكانت المؤسسات المؤممة هي الامتداد المدني للحكم العسكري الممثل في الجيش تحت قيادة عبد الحكيم عامر الفاشلة.

هذا كله يوضح الوهم الذي أقام عليه اليسار افتراضه بأن النظام الناصري كان نظاماً اشتراكياً وتقدمياً، في حين انه كان في الحقيقة نظاماً فاشياً يتبع كل وسيلة فاشية في الحكم، ويكذب على الشعب! فيذكر الدكتور فتح عبد الفتاح أنه حين اعترف عبد الناصر في حديث مع الصحفي الفرنسي الشهير "إريك رولو" بأنه بصدد تصفية المعتقلات في الريب، فسر المعتقلون هذا التصريح بأنه دليل على قرب الإفراج! فعلى حد قوله:

كان ذلك هو أول اعتراف رسمي منذ سنوات بوجود معتقلين. فقبل ذلك بعدة شهور، وفي مؤتمر صحفي عالمي، قال الرئيس عبد الناصر إنه ليس هناك في مصر معتقلات! وتجاهل وجود أكثر من 600 معتقل في ذلك الوقت، غير حوالي 200 مسجون سياسي!

وهذا العدد الضخم من سجناء الرأي الذين عذبوا، يؤكد الصفة الفاشية لنظام عبد الناصر، مهما كانت الإنجازات التي حققها على طريق تحدي قوى الاستعمار! فقد سبقه في تحدي القوى الاستعمارية حزب الوفد، كما تحدى الوفد الأحلاف، ورفض الدخول في معاهدة الدفاع المشترك، ولكنه لم يزج بأحد من أبناء الشعب المصري في السجون، سواء منهم من أيدوه أو عارضوه، ولم ينسب لحكومة الوفد أن كانت لها زبانية تعذيب، ولم يسجن يساري واحد في عهد حكومات الوفد، وكانت صحف اليسار تكتب ما تشاء في الهجوم على النظام الملكي والتنديد بالنظام الاجتماعي، دون ان يتعرض كتابها ومفكروها للجسن أو الاعتقال.

فتحدي الاستعمار في الخارج لا يعني اعتقال أصحاب الرأي المعارضين في الداخل! ناهيك عن تعذيبهم والتنكيل بهم وإهدار كرامتهم وآدميتهم، بل إنكار حقوق المسجونين من القتلة واللصوص وهاتكي الأعراض، عليهم، وإنما الحكم الفاشي وحده هو الذي ينكل بالمعارضين، ويعاملهم بمنتهى القسوة، لأنه يعتبر الخلاف في الرأي جريمة شنعاء تفوق بكثير الجرائم التي يرتكبها البشر.

وفي كتاب الدكتور فتحي عبد الفتاح نماذج من التنكيل الذي لا يفسره إلا الصفة الفاشية للنظام الناصري.

فقد ذكر في كتابه كيف كان النظام يعالج المرضى من سجناء الرأي بضرب العلق الساخنة، وكيف أن جماعة المرضى من السجناء كانت تستعد للذهاب إلى مستشفى الفيوم للكشف عليهم فاقتيدوا بدلاً من ذلك إلى الإدارة حيث ضربوا بالكرباج وجريد النخل!

وفي هذا المقالنرى كيف احتفلت إدارة السجن مع سجناء الرأي بعي الميلاد! فيقول الدكتور فتحي عبد الفتاح إن سجناء الرأي، على الرغم مما كانوا يتعرضون له من تنكيل، أرادوا الاحتفال برأس السنة الميلادية يوم 31 ديسمبر 1959. ومن ثم، ولدى عودتي من المعتقل بعد يوم عمل شاق، كان كل ما يشغلنا هو كيف نحتفل بهذه المناسبة؟ وعندما أغلقت بوابة العنبرالرئيسية بدأت الاحتفالات على الفور .. وصاح أحد الزملاء: عنبر! كله يسمع! بعد عشر دقائق يبدأ أول يوم في السنة الجديدة، فتحية حب منا لكل أبناء وبنات مصر، لأولادنا وأمهاتنا وزوجاتنا ولأصدقائنا وصديقاتنا، لكل طفل ولكل شيخ، ولمصر أمنا وأختنا وحبيبتنا، وانطلق يغني بصوت أجش:

بلدي يا بلدي، وأنا نفسي أروح بلدي

يا عزيز عيني، السلطة أخدت ولدي

وانطلقنا كلنا نغني الأغنية التي كان يشدو بها أجدادنا، وأخذت أغني بانفعال، وتجسدت صورة أبي وقد اكتسى وجهه الأسمر الحزن، وأخذ صوته يرن في أذني: يا عزيز عيني، السلطة أخدت ولدي.

وفجأة سمعنا صوت انتباه! وظننا الصوت تقليداً متقناً لصوت حارس مأمور السجن، ولكن لم يكن في الأمر تقليد، إذ فتح باب العنبر فجأة، ودخل العساكر في خطوات سريعة، وخلفهم المأمور وعدد من الضباط، وأخذوا يوزعون شتائمهم علينا، وعلى آبائنا وأمهاتنا، بل والبلد التي قدمنا منها. وفتحت الغرف غرفة غرفة، وهجم التتار علينا بالعصي والقايش، وأوامر مشددة بأن: كله يبص للحيط! وبتشديد الضرب، ولم يعد يسمع سوى صوت التأوهات المكتومة، وارتطام الأجساد بالحائط أو بالقايش العصى!

من التعذيب البدني ! إلى التعذيب النفسي (الوفد في 6/1/1997)

هل كان عبد الناصر يعرف باعتقالات سجناء الرأي، أو أن ذلك تم من وراء ظهره؟ سؤال ساذج يسأله الذين لا يعرفون طبيعة النظم الديكتاتورية، التي يهيمن عليها فرد واحد ترفعه وسائل الإعلام إلى مرتبة البطولة والقداسة، ويقبض بيديه الاثنين على ناصية الأمور، ويملك صفة المعز المذل وقدرته بكلمة ينطق بها لسانه فلا يملك أحد رداً.

وربما كانت الإجابة بسيطة عليه هي: هل كان أحد في نظام عبد الناصر يملك حق الزج بذلك العدد الهائل من سجناء الرأي في المعتقلات والتنكيل بهم، من وراء ظهر عبد الناصر؟

وبصورة أخرى: هل يملك أي مسئول في نظام عبد الناصر تشويه صورته وتلطيخها بتلك الجرائم البشعة التي ارتكبت في حق أصحاب الرأي من المعارضين لعبد الناصر، دون أن يدري رأس هذا النظام وهو عبد الناصر؟

ولقد أورد الدكتور فتحي عبد الفتاح في كتابه: "شيوعيون وناصريون" رواية ذات مغزى في هذا الصدد، فقد ذكر أنه بعد اعتقاله بفترة، توجه والده إلى الأستاذ محمد نصر، وهو والد صلاح نصر مدير المخابرات، وكانا زميلين في الدراسة، بالإضافة إلى أنه "ابن قريتنا"، وحاول الأب أن يدفع ابنه صلاح نصر إلى التدخل للإفراج عن الدكتور فتحي عبد الفتاح، أو لنقله إلى القاهرة بعيداً عن التعذيب الذي كانوا يسمعون عنه، ولكن صلاح نصر قال: "مستحيل"! إن أمرهم في يد الرئيس شخصياً، ولا يمكن لأحد منا أن يتدخل!".

ويتفق الجميع على أن مقتل شهدي عطية بيد التعذيب، ونجاح أسرته في نشر خبر نعيه في جريدة الأهرام يوم 20 يونية 1960، في الوقت الذي كان عبد الناصر يزور فيه الرئيس تيتو في بريوني، كان هو الذي أحرج عبد الناصر أمام العالم الاشتراكي، ودفعه إلى قطع مخطط التعذيب البدني، واللجوء إلى خطة جهنمية أخرى للتعذيب النفسي والروحي كما سوف نرى.

فلم يكن نجاح أسرة شهدي عطية في نشر خبر نعيه في الأهرام مقصوراً على مجرد النعي، بل إنه اصطحب ـ بذكاء شديد ـ ببعض ابيات الشعر التي تشير إلى أن وفاته كانت قتلاً، إذ يقول مطلعها:

فتى مات بعد الطعن والضرب ميتة
تقوم مقام النصر إن فاته النصر!

لقد كان نشر خبر مصرع شهدي عطية على هذا النحو فضيحة للنظام الناصري ولعبد الناصر شخصياً، الذي كان في ذلك الوقت يعقد اتصالات وصداقات مع زعماء العالم الشيوعي، فلم يملك إلا أن يرسل من بريوني أمراً بالتحقيق.

على أنه أظهر في الوقت نفسه إصراره على اعتقال سجناء الرأي، ولم يفرج عن أحد منهم، بل ظلوا في المعتقلات المختلفة، بعد أن استبدل التعذيب النفسي والروحي بالتعذيب البدني الذي سبب مشاكل للنظام.وكشف عن هذا اللون من التعذيب ببراعة الدكتور فتحي عبد الفتاح في كتابه، ويصفه بأنه كان "أكثر قسوة وأشد خطراً من التعذيب البدني، وأنه تعذيب لا يستخدم العصا والبندقية والكرباج والعمل الإجباري، ولكنه تعذيب يحاول أن يحطم الشخص من الداخل!

ويقول: إن هذا اللون من التعذيب النفسي والروحي لم يكن يجري عشوائياً، ولكنه جرى على أيدي متخصصة تلقت التدريب عليه في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد جاء لذلك الغرض عدد من الضباط المتخصصين ليقيموا معنا ليل نهار يمارسون عملية "تحويل المتمر والثائر إلى خرقة بالية فاقدة الثقة في النفس وفي كل شيء"!

وقد كان هذا هو آخر شيء يتوقعه سجناء الرأي وقتذاك! لقد تصوروا أن إيقاف التعذيب هو انتصار لهم على النظام الناصري، ووقف محسن الخياط الشاعر ذو الصوت المبحوح يرتجل قصيدة تعبر عن شعور الانتصار يقول فيها:

"مستقتلين .. ولا عمرنا نرمي السلاح من يدنا، مستموتين!

"لا جلادين ولا سفاحين حيغيروا طعم الكفاح من بقنا، طعمه جميل، زيك يا نيل"!

"والشمس رامية شعرها وراء ظهرها، زي الغدير اللي انسكب منه الدهب وأنت تسيل.

وأنت يا نيل، تاخد وتدي أرضنا"

على أن شهور التعذيب البدني المبرح على هذا النحو الوحشي، كان لابد أن تترك آثارها على أبدان سجناء الرأي.

فكما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح: عندما أصبح هناك وقت لالتقاط الأنفاس، اكتشفنا أن الكثيرين قد بدأوا يفيقون على أمراض غريبة، ربما كانت كامنة طوال الفترة الماضية، وربما كان الجسد يستوعبها بإحساسه بالخطر الذي كان يهدده كل لحظة، ولكنها بدأت تظهر وتطفو على السطح حين توقفت المخاطر الخارجية التي تعرض لها الجسد.

ويستشهد الدكتور فتحي عبد الفتاح على ذلك بأنه كان قبل المعتقل معتاداً على مغص ينتابه أحياناً، ولكن هذا المغص اختفى تماماً في المعتقل مع المخاطر الخارجية التي كان يتعرض لها جسده على يد زبانية التعذيب، فلما توقف التعذيب، عاوده المغص بشكل عنيف!

"ولم تكن حالتي هي الوحيدة، فلقد كان هناك الكثير من الزملاء الذين بدأوا يسقطون تحت هجمات أمراض غريبة، كالإغماء المفاجئ، وآلام الأسنان، والهزال الشديد الناجم عن إنيميا حادة!"

ولم تلبث خطة التعذيب الروحي والنفسي أن بدأ تنفيذها! وقد بدأت بحقن سجناء الرأي بالأمل في الإفراج، حتى راهن البعض على أننا سنخرج في فترة صغيرة لا تتعدى شهراً واحداً، في حين أن البعض الأكثر تشاؤماً تصوروا أن المسألة تحتاج إلى عدة شهور.

وسرعان ما جاءت اللحظة المناسبة في يناير 1961 حين استدعت إدارة المعتقل 75 من سجناء الرأي وأبلغتهم بأن عليهم أن يرتبوا أنفسهم للرحيل في الغد إلى الفيوم تمهيداً للإفراج عنهم. وكانت تلك الخديعة الكبرى، فعلى حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح كانت المجموعة التي اختيرت محيرة وغريبة، فقد كان بينهم البعض الذين لم يتحملوا قسوة الظروف الماضية لسبب أو لآخر، وأرسلوا إلى السلطات عدة بيانات وتقارير يستعطفونها فيها، ويعلنون استعدادهم للكف عن أي عمل سياسي.

وبدلاً من أن يتلقى المعتقلون في الواحات الأنباء بأنه تم الإفراج عن هؤلاء الزملاء الـ 75 معتقلاً، إذا بهم يفاجئون في يوم من أيام يناير الباردة بعودة هؤلاء الزملاء من الفيوم، بعد أن خلفوا وراءهم حوالي 33 نزيلاً ممن استسلموا تماماً لكل ما طلب منهم نظام عبد الناصر!

وقد حكى العائدون ما جرى، فذكروا أنهم عندما ذهبوا إلى الفيوم فوجئوا بظروف مختلفة كل الاختلاف: سرائر نظيفة معدة، وأبواب مفتوحة طول النهار، والتغذية جيدة. ولكن بعد أسبوع وصل حسن المصيلحي ومعه زبانيته إلى المعتقل، ولكن في ثوب جديد، وبدور جديد، لا يستهدف في هذه المرة الجسد، وإنما يستهدف الروح! فقد أخذ المصيلحي وزبانيته يستدعون سجناء الرأي، كل واحد على انفراد، ويسألونه: لماذا تبقى في المعتقل؟ لماذا لا تخرج؟ يمكنك أن تخرج إلى أهلك فوراً، فقط مطلوب منك ورقة صغيرة تعترف فيها بأنك كنت مخطئاً في أفكارك، وتتعهد بأنك لن تعمل بالسياسة بعد ذلك!

وقد خضع البعض لهذا الضغط النفسي، فبعد سنوات الصحراء والعذاب والتعذيب، ها هو الباب مفتوح، وثمنه مجرد اعتراف وتعهد! وقد سقط هنا البض، ولكن الآخرين شعروا بأن الحرية التي سوف يحصلون عليها بهذا الثمن فيها تحطيم لإنسانيتهم وإهدار لآدميتهم كأصحاب رأي وفكر، وقد عبر نبيل زكي عن هذا الشعور بقوله: الموت في الواحات أفضل ألف مرة من الحرية الملوثة التي تعرضها!

وسرعان ما عزل هؤلاء في عنبر خاص، وسحبت منهم كل الامتيازات، وأخذوا يتعرضون لضغوط أخرى مختلفة! وعلى حد قول الدكتور فتحي عبد الفتاح: جاءوا للبعض بخطابات من زوجة أو خطيبة تهدد بطلب الطلاق أو فسخ الخطبة، وجاءوا بأولاد صغار ليبكوا أمام أبيهم ويشكون مر العيش، واحتياجهم إليه.

على أن الأربعين معتقلاً من سجناء الرأي صمدوا في مواجهة تلك الهجمات الخبيثة، التي قام بها من أسماهم الدكتور فتحي عبد الفتاح: "سماسرة حرية الخوف والانهيار الإنساني"، وأثروا العودة إلى المعتقل، وهو ما جعل معين بسيسو الشاعر الفلسطيني ينفعل ويلقي قصيدة يقول في مطلعها:

أكتب! واركع للورقة! واغرس قلمك في عيني طفلك! واكتب ما شاء لك السجن بأن تكتب!

وفي الفترة التي أعقبت عودة سجناء الرأي من رجلة "التعذيب النفسي"، تفتحت شهية أجهزة عبد الناصر للاستمرار فيما فشل فيه أسلوب التعذيب البدني. ويشرح ذلك الدكتور فتحي عبد الفتاح فيقول:

"حينما يكون الجسد هو الذي يتهدده الخطر، تنحصر المعاناة في القدرة على تحمل بعض الآثار والآلام الجسدية، ولكن إذا كان المستهدف روحك وعقلك كإنسان، هنا يكون الخطر فادحاً، وتكون المعاناة قاسية ومريرة".

"لقد مررنا بفترة المعاناة والآلام الجسدية، وسقط ضحايا نتيجة الضرب والتعذيب، ولكنهم سقطوا كآدميين وكمفكرين ومناضلين، ولكن التعذيب الذي بدأ مع ترحيلة الفيوم، كان تعذيباً أشد خطراً وأسى للنفس والعقل .. تعذيباً يطلق عليك وحشاً داخلياً، يعربد ويجول مع كل اندفاعة في جسدك".

لم يشأ عبد الناصر أن يفرج عن سجناء الرأي ليعودوا إلى ما بدأوا، وإنما أراد ان يخرجهم بعد أن يكونوا قد تحولوا غلى أمساخ آدمية، وكفوا عن التفكير في استقلالية، وأصبحوا عبيدا للنظام، وترساً في عجلته،وتآكلت إرادتهم.

وأخذت الخطابات ترد إلى سجناء الرأي من الأهل، أملاها زبانية النظام الناصري، كلها تطلب من الابن أو الأب، سماع الكلام والخروج. وقد أورد الدكتور فتحي عبد الفتاح نماذج من هذه الخطابات، فبعضها من زوجات يطلبن الطلاق. وأخريات يكتبن يشرحن لأزواجهن "كيف ضاقت في وجوههن الحياة حتى أصبحن على أبواب الانحراف! .. وطفلة تكت لأبيها: "أخرج من أجلي ومن أجل ماما، قالوا لي أنك لا تريد أن تخرج لأنك تكرهنا! أنا أكرهك"!. ووالد مسن يكتب لابنه: "إنني على مشارف الموت، وكم كنت أود أن أراك قبل أن أموت. أخرج من أجلي، وكفاك عناداً".

ويستطرد الدكتور فتحي عبد الفتاح قائلاً: أذكر هنا هنداوي الصادق، العامل بشبرا الخيمة، كان مناضلاً صلباً ومصرياً تعتز به الطبقة العاملة، تعرض مرات عديدة للضرب والجلد، ولكنه كان يخرج من كل "علقة" ساخراً يقول: أنا زي القطط، بسبع أرواح!

هذا المناضل الصلب وصله خطاب من زوجته من زوجه، كتبه ـ كما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح ـ خبير في التعذيب النفسي يقول: "ابنتك هدى أصيبت بالتهاب رئوي، أذهب بها كل يوم إلى القصر العيني، بعت كل شيء، ولم يبق عندي إلا أن أبيع نفسي لأنقذ هدى، أما أنت فالله يسامحك"!.

وعندما رآه الدكتور فتحي عبد الفتاح يبكي منهاراً قال له: أكتب ما يريدون! ولكن الآخر رد عليه في انفعال: أريد أن أخرج مواطناً شريفاً، وليس خرقة بالية!

ولكن نظام عبد الناصر كان يريد من المواطنين أن يتحولوا إلى خرق بالية. ومع ذلك فإن الكثيرين من هذه الخرق البالية ما زالوا يروجون للنظام الناصري ويدعون له، للدخول بمصر إلى القرن الواحد والعشرين.

وعقاب الرفض : استئصال العين ! (الوفد في 20 / 1 / 1997)

لم يقتصر تنكيل نظام عبد الناصر بالمعارضين من المفكرين والعلماء والكتاب والصحفيين والعمال على الرجال، بل تعداه إلى المعارضات السيدات والفتيات، فلم يرحم ضعفهن، وعجزهن عن تهديد النظام بغير الكلمة المجردة، بل خصص لهن سجن القناطر الذي استضاف عدداً ضخماً بلغ أربعين معتقلة، انتزعن من بيوتهن وأبنائهن وبناتهن وأمهاتهن وآبائهن وأزواجهن، وقذف بهن إلى سجن القناطر ليدفعن ثمن الرأي المعارض، ويحرمن من كافة حقوق الإنسان التي كفلتها المواثيق سماوية والإنسانية!

وهذا يفضح تضليل الناصريين الذي يتزعمون اليوم جمعيات حقوق الإنسان في مصر والبلاد العربية، وتذكيراً لهم بأن التاريخ شاهد عدل على جرائمهم، وعلى انتهاكهم لحقوق الإنسان المصري، وإجهاضهم لحرية الرأي، وتنكيلهم بأصحاب الرأي المعارض أيضاً، مما لم يسبق له مثيل في تاريخ مصر على مر العصور.

ويذكر الدكتور فتحي عبد الفتاح أنه كان يوجد من بين أربعين معتقلة في سجن القناطر حوالي العشرين منهن، ممن كن زوجات أو شقيقات أو قريبات للزملاء المعتقلين!

ومعنى ذلك أن النظام عبد الناصر لم يكن يتردد في اعتقال الأسرة بأكملها إذا كانت تعارضه في الرأي؟ فقد كانت هناك من المعتقلات: أسماء حليم زوجة أسعد حليم، وثريا حبشي زوجة فوزي حبشي، وثريا أدهم زوجة حلمي ياسين، وثريا إبراهيم زوجة الدكتور مختار السيد، وفاطمة زكي زوجة نبيل الهلالي، وسعد بطرس زوجة شكري عازر وشقيقة سعد بطرس، وسميرة الصاوي زوجة أحمد طه، وإنتصار خطاب زوجة صلاح خطاب، وزينات أفلاطون خطيبة الدكتور فوزي منصور، ونوال المحلاوي زوجة عبد السلام مبارك، وليلى عبد الحكيم شقيقة طاهر عبد الحكيم، وعايدة بدر شقيقة أحمد بدر.

والمذهل حقاً، ومما يؤكد فاشية النظام الناصري، أنه لم يكن يبالي بمصير الأطفال الذين ينتزع منهم آباؤهم وأمهاتهم، ويتركهم بدون أي عائل! هكذا حدث مع أحمد طه الذي اعتقل وزوجته وتركا ابناً صغيراً عمره بضع سنوات، ولولاً إنسانية الجيران الذين احتضنوا الطفل الصغير طوال سنوات اعتقال والديه، لما عرف أحد مصير هذا الطفل!ّ

وكذلك فوزي حبشي وثريا حبشي اللذين انتزعا من حضن ولديهما وعمرهما بين عام وأربعة أعوام، وترك زبانية عبد الناصر الطفلين يصرخان عند الفجر وهم يتوجهون بهما إلى المعتقل، ليتولى أمرهما الجيران! كذلك أسعد حليم الذي انتزعت زوجته زوجته أسماء حليم إلى المتقل وهي حامل، فوضعت ابنها في السجن، وقضى الطفل طفولته مع أمه في زنازين سجن القناطر!

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح غنه عندما أفرج عن سميرة الصاوي زوجة أحمد طه قبله، بعد اربعة أعوام قضتها في السجن، سعد سعادة بالغة، وكان يحكي عن عبد القادر الصغير الذي حرم من الوالد والأم في ليلة سوداء، ثم يسرح بفكره إلى شبرا، ويتصور لقاء عبد القادر مع أمه بعد غيبة طويل، بعد أن أصبح شاباً في الثالثة عشرة من عمره"!

ومع ذلك فإن النظام الناصري لم يتردد في استخدام الأساليب القذرة التي كان يستخدمها زبانية صلاح نصر! سقط سجناء الرأي وسجينات الرأي مرضى بعد انتهاء عملية التعذيب البدني، وأخذ النظام يخضعهم للتعذيب الروحي والنفسي، انتقل الكثيرون منهم إلى القصر العيني للعلاج، حيث أخضعوا لتعذيب من نوع آخر واختبار لا يقل فظاعة!

فقد كان المفروض أن يوضع المعتقلون من الرجال في عنبر، وتوضع المعتقلات من السيدات في عنبر آخر، ولكن إدارة المعتقل شاءت إلا أن تضع المعتقلين والمعتقلات في عنبر واحد!

ويقول الدكتور فتحي عبد الفتاح، الذي كان قد عزل لإجراء عملية "كلوكوما": إن السؤال الذي كان يثور في ذهنه باستمرار "لماذا يوضع الجميع في مكان واحد؟ وماذا يجري داخل الغرف الثلاث المغلقة على 14 زميلاً وزميلة"؟

"ولم يكن من الصعب أن أعرف السبب، بعد أن نزلت إليهم مرتين، وجلست إلى بعضهم عدة ساعات، كان عنبر المعتقلين في القصر العيني أحد الخطط الذكية لأساتذة "القتل المعنوي". فلم يكن يسمح بالبقاء في هذا العنبر سوى لبعض من الزملاء الذين أبدوا استعداداً للتفاهم! بعضهم كان يعاني مرضاً خفيفاً، ولكن غالبيتهم كانوا من أصحاب الحظوة لدى الأجهزة!

"كذلك فإن إبقاء بعض الزميلات معهم يمكن أن يؤدي إلى قصص تصلح لأن تكون سلاحاً ضد الإشتراكية والاشتراكيين. "حقيقة انه حدث بعض التجاوزات، ولكن الحقيقة الأكثر والمشرقة، أنه بالرغم من كل تلك الظروف الصعبة التي صنعت بإحكام لانزلاق الزميلات، إلا أن الغالبية استطاعت أن تتماسك، بل وتقدم القدوة والمثل العظيمة لكيف تكون أخلاقيات الفتاة الإشتراكية".

وقد كان على الدكتور فتحي عبد الفتاح أن يخوض تجربة أخرى من تجارب القتل المعنوي، عندما عهد إلى إحدى الممرضات بإغرائه، وكانت التجربة أقسى من التعذيب البدني، فعلى حد قوله: "لقد واجهت الشومة الغليظة وهي ترتفع ثم تهوي على الجسد تلهبه وتمزقه، وقاومت .. وواجهت الكرباج ينفرد ويطير ويلسع، وقاومت، وواجهت قلماًوولاقة يمكن أن يكتبا شيئاً يخرج بي من السجن، وقاومت. ونظرت إليها مثلما كنت أنظر إلى أدوات التعذيب الأخرى، وصرخت في وجهها: قولي لهم: أنا مش مراهق ساذج، أنا صاحب عقيدة ورأي؟. وحين أتذكر تلك الليلة، أتذكر على الفور أقسى معركة دخلتها".

على هذا النحو كان النظام الناصري يجرد كل أسلحته لتحويل سجناء الرأي إلى خرق بالية لا رأي لها! ومن هنا كان على الدكتور فتحي عبد الفتاح أن يدفع ثمن الرفض، وكان الثمن هو استئصال عينه! ويروي القصة فيقول إنه فوجئ بأوراق علاجه تحال إلى طبيب من أطباء النظام الناصري يدعى أمين زايد بدلا من الطبيب الذي كان يتبعه وهو الدكتور عصام توفيق، وقد قرر هذا الطبيب أن تشخيص الأخير خاطئ، على الرغم من أنه يفوقه في الدرجة العلمية، إذ هو بدرجة أستاذ مساعد بينما الطبيب الناصري بدرجة مدرس، وأمر بخروجه من المستشفى وعودته إلى معتقل الواحات! بما يعني أن يفقد بصره تدريجياً، إذ كان يعاني من "جلوكوما" حادة.

وعندما أعيد إلى القصر العيني بسبب سوء حالته، أحيل إلى نفس الدكتور أمين زايد، إصراراً على عقابه، وجاء تشخيص الدكتور الناصري هذه المرة على النقيض! فقد قرر أن حالة عينه اليسرى ميئوس منها، ولابد من استئصالها"! وصرخ الدكتور فتحي عبد الفتاح قائلا: سيادتك بتقول إن حالة عيني ميئوس منها، ومن ثلاث أسابيع قلت إن عيني سليمة! أنا مش فاهم!. ورد الدكتور الجزار في برود غريب: "ولا عمرك حتفهم"! والتفت إلى الممضرية قائلا: "لازم يمضي على إقرار بموافقته على الاستئصال اليوم ويرفق بأوراقه"!.

وكان من الطبيعي أن يقاتل الدكتور فتحي عبد الفتاح حتى لا تستأصل عينه، وان يدخل في صراع طويل أعيد فيه إلى الواحات، ولكن بعد ان أفلح في تسريب خبر ما يراد بعينه إلى الخارج، وكتبت بعض الصحف والمجلات العربية عن موضوعه تحت عنوان:"أنقذوا عين الصحفي الشاب"! وقامت حملة لإنقاذ عينيه. وفي الواحات أضرب أربعة من زملائه عن الطعام حتى يتم نقله وعلاجه في القاهرة، وكان الأربعة من ذوي الأسماء المعروفة على المستوى العربي والعالمي، وهم الدكتور إسماعيل صبري عبد الله ، ونبيل الهلالي، وعبد المنعم شتلة، وحلمي يس.

وهنا اضطر النظام الناصري إلى نقله إلى القاهرة، ولكن مع الإصرار على أن ينال عقوبته على عدم الخضوع، وهي استئصال عينه! فقد فوجئ الدكتور فتحي عبد الفتاح بعرضه مرة أخرى على الدكتور أمين زايد نفسه الذي أراد استئصال عينه! وجرت مساومته مرة أخرى بينما كان يوضع في زنزانة مظلمة معتمة! ومضت به ستون يوماً بعيداً عن العلاج وبصرهيتدهور يوماً بعد يوم وهو قابع في الزنزانة رقم 30 في الدور رقم 6 في سجن مصر!

وهنا آثر الانتحار على الاستسلام، بعد أن ترك إلى حسن المصيلحي كتاباً يقول فيه: لقد انتصرت عليك حتى بالموت"! وتناول عشر حبات نوفالجين وعشر حبات لوميدال، ورقد في انتظار الموت.

على أنه أنقذ نفسه في آخر لحظة، واهتز النظام الناصري الذي خشي الفضيحة، ووصلت النيابة لإجراء التحقيق، ولتكتشف الصورة البشعة الحقيقية للنظام الناصري كما يصورها الدكتور فتحي عبد الفتاح في روايته الآتية:

"فقد سأله وكيل نيابة الخليفة عن التهمة التي دخل من أجلها السجن؟ وأجاب الدكتور فتحي عبد الفتاح دهشاً: أي تهمة؟ ورد وكيل النيابة: الجريمة التي دخلت من أجلها السجن ومدة الحكم؟ ورد الدكتور فتحي: لا أعرف!

وتصور وكيل النيابة أنه يهزل، ونبهه إلى أنه يدلي بإجابته "في محضر رسمي"! وأجاب الدكتور فتحي: حقيقة لا أعرف! لست مسجونا، ولم توجه لي أي تهمة، ولم يصدر ضدي أي حكم"! وغضب وكيل النيابة لما اعتبره سخرية وأعاد سؤاله: يا أستاذ .. لا تضيع وقت النيابة .. ما هي مدة الحكم عليك؟ ورد الدكتور فتحي عبد الفتاح:

"قلت إنه لم توجه لي أي تهمة حتى الآن، وأنا معتقل منذ أربع سنوات، ولم يجر معي أي تحقيق، وسيادتك أول مسئول قانوني ألتقي به طوال تلك الفترة"! وصاح وكيل النيابة مأخوذاً: مش ممكن، أربع سنوات بدون تحقيق"!

وتقدم مأمور السجن يشرح لوكيل النيابة، الذي كانت ملامحه تشي بأنه متخرج حديثاً، الموقف، فأكد له أن الدكتور فتحي عبد الفتاح بالفعل معتقل وليس مسجوناً! كيف يا حضرة المأمور يوجد في سجنك إنسان لم يحقق معه، ولم يصدر ضده أي حكم، وليس على ذمة قضية؟ كيف؟ افتح محضر حالاً مع السيد مأمور سجن مصر!

وتقدم ضابط المباحث لإنقاذ مأمور السجن، وشرح الأمر لوكيل النيابة قائلاً: الأستاذ معتقل بقرار جمهوري وفقاً لقوانين الطوارئ! أما مهمة سيادتك فهي التحقيق في حادث الانتحار فقط!

على أن وكيل النيابة لم يستطع ان يستوعب الموقف، وأصر على إجراء تحقيق مع مأمور السجن! وأشفق الدكتور فتحي على وكيل النيابة، ورفع صوته "محاولاً وقف المهزلة اللامعقولة التي تجري" ـ حسب قوله ـ وقال:

"يا حضرة وكيل النيابة، بدلاً من إضاعة الوقت في قضايا لا تملك أن تحسمه، ولا السيد المأمور، فإني أرجوك إذا كنت متحمساً لقضيتي أن تأمر: إما بعلاجي في أحد المستشفيات الخاصة، وإما بنقلي إلى سجن الواحات"!

على أن وكيل النيابة المتحمس رد قائلاً: لا، بل سأصدر أمري بالإفراج عنك فوراً! واجتاحته موجة من الانفعال وهو يتكلم عن القانون وضرورة سيادة القانون، ومش ممكن أسكت على هذا الانتهاك! معقول؟ مسجون بدون تحقيق، او إقرار اتهام، أو حكم محكمة؟ مش ممكن!

وخرج الفرسان الثلاثة من الغرفة ليواصلوا المعرفة في غرفة المأمور، وسط دهشة الدكتور فتحي عبد الفتاح لهذه المعركة الغريبة التي كانت تشترك فيها ـ على حد قوله ـ أجهزة السلطة، ولكن أي أجهزة؟ وأخذ يحلل الموقف على النحو الآتي:

"إذا قلنا إن وكيل النيابة الشاب يمثل السلطة القضائية، ومأمور السجن يمثل السلطة التنفيذية، فأي سلطة يمثلها ضابط المباحث؟ إنه كل شيء! إنه الخصم والحكم! والقانون والتنفيذ! إنه فرعون مصر! وإمبراطور روما! وقائد التتار! وهتلر ألمانيا! وسالازار البرتغال! وكنت أعرف بالطبع من سينتصر في تلك المعركة!".

هكذا لخص الدكتور فتحي عبد التفاح نظام عبد الناصر: إنه فرعون مصر وإمبراطور روما وقائد التتار وهتلر ألمانيا وسالازار البرتغال! ولكن اليسار المصري يزعم اليوم أنه كان نظاماً اشتراكياً!.

تناقضات د . عبد العظيم أنيس (الوفد في 27 / 1 / 1997)

أود أن اقول في بداية هذا المقال إنه لا يجب على الناصريين في جريدة "العربي" أن يدافعوا عن معتقلات عبد الناصر بأن هذه الاعتقالات تلجأ إليها أكثر الدول الديموقراطية دفاعاً عن نفسها، وأن أمريكا اعتقلت في الحرب العالمية الثانية 90 ألفاً ومائتي أمريكي من أصل ياباني، ثم الاستدلال بعد المعتقلين في عهود عبد الناصر والسادات ومبارك وعقد المقارنة بينهما!

هذا كلام حق يراد به باطل! فما حدث في عهد عبد الناصر هو أمر مختلف تماماً عما حدث في الحالات السالفة الذكر، فلم يكن ثمة خطر يهدد النظام الناصري من جانب الشيوعيين بأي حال من الأحوال، فلم يضبط الشيوعيون يدبرون قلب النظام بالقوة، ولم يضبط لديهم أسلحة أو متفجرات، وإنما كان كل ما ضبط في بيوتهم هو مجرد كتب وأوراق عن نشاط حزبي، ومعنى ذلك ان الأمر يدخل في شكل خلاف الرأي ولا يدخل في شكل تآمر مسلح على النظام السياسي.

ثانيا، أن الأمر في اعتقالات عبد الانصر لم يكن أمر اعتقال، وإنما كان أمر انتقام! لقد كان تعذيباً لم تعرفه سوى المعتقلات النازية والفاشية، وكما وصفه الدكتور عبد العظيم أنيس فلم يكن ينقصه سوى غرف الغاز ليصبح مطابقاً لما يجري في معتقلات النازي. وهذا التعذيب بالذات هو الذي يميز أي نظام، فالنظم الديموقراطية تعتقل وفقاً للقانون، وتعطي المعتقل كافة الحقوق الإنسانية، ولكن نظام عبد الناصر حرم مخالفيه في الرأي من أية حقوق، وأكثر من ذلك سلمهم لزبانية تعذيب لم يعرفهم المجتمع المصري طوال تاريخه.

وهذا الكلام ليس كلامي وإنما هو كلام إلهام سيف النصر. ففي كتابه "في معتقل أبو زعبل" يقول: "سخرية أن يكون للمتهم بتسريح الغلمان والدعارة والمخدرات حقوق، وأن يحرم سجين بتهمة عقائدية من أي حقوق"!

ثالثاً، أنه عندما استولى عبد الناصر على الحكم في مصر في يوليو 1952، خدع الشعب خديعة كبرى عندما رفع لواء الدكستور في أول بيان للثورة، ولم يكد يتمكن من الحكم حتى داس الدستور بقدميه، وظل يحكم البلاد حكما ديكتاتورياً حتى وفاته! وفي هذا الحكم لم يسمح لرأي مخالف بأن يرتفع، ولم يسمح له حتى بمحاكمة عادلة، وإنما زج بهم في المعتقلات بدون أدنى محاكمة. فقد كان جميع من اعتقلوا في أوردي أبو زعبل والواحات وسجن القناطر وغيرها ممن لم يعرضوا على أي محاكمة شرعية، ولم توجه لهم أي تهمة جادة، وإنما حرموا من أبسط حقوق الإنسان بإرادة فرد هو عبد الناصر.

ومن هنا حين يتصدى الناصريون اليوم للدفاع عن حقوق الإنسان ويؤلفون الجمعيات هنا وهناك، فإنهم يضللون شعبنا، لأنهم لا يؤمنون في قرارة أنفسهم بحقوق الإنسان، ولو كانوا يؤمنون بحقوق الإنسان لما ساندوا النظام الذي ولغت يده في حقوق الإنسان، ولما أصبحوا اليوم المدافعين عن هذا النظام!

على كل حال، ففي هذا المقال نستعين بوثيقة تاريخية أخرى هي كتاب كاتب يساري مرموق ومفكر معروف هو الدكتور عبد العظيم أنيس، الذي أصدرته مؤسسة روز اليوسف تحت عنوان: "رسائل الحب والحزن والثورة".

ونلاحظ أن الدكتور عبد العظيم أنيس لم يكتب هذا الكتاب للتشهير بعبد الناصر، فقد كان رغم ما تعرض له من تعذيب مروع لمجرد خلافه في الرأي مع نظام عبد الناصر، يعتقد أن عبد الناصر هو استمرار حقيقي لعراب ومصطفى كامل وسعد زغلول! بل إنه كان "استمرار أرقى"! – حسب قوله – استناداً إلى أنه "لا يوجد شخص واحد على قدر من الموضوعية يستطيع أن ينكر قيمة التحولات الاجتماعية الهامة التي قادها عبد الناصر في المجتمع المصري"!

واعتقادي أنه في هذا الكلام كان مدفوعا بحملة التشهير التي تعرض لها عبد الناصر بعد وفاته، والتي دفعت فرق اليسار إلى مقاومتها من قبيل الدفاع عن النفس باعتبارها القوى المضادة للقوى الرجعية، وقد كنت أحد الأقلام التي تصدت لهذا التيار الرجعي في مجلة روز اليوسف وجريدة الجمهورية في مقالات مطولة تضمنها كتابي: "مصر في عصر السادات"، حتى جاءت مبادرة السلام للسادات لتعيد بعض فرق اليسار النظر في التجربة الناصرية، بعد أن تبين أنها هي التي قادت بإهمالها وأخطائها إلى كارثة هزيمة يونيو 1967، التي قادت إلى حرب أكتوبر وإلى مبادرة السلام، وكنت أحد هؤلاء الذين أعادوا النظر في التجربة الناصرية بعد أن تبين حجم أخطائها من خلال دراستي لحرب يونيه 1967 التي صدرت تحت عنوان: "تحطيم الآلهة".

على أن الدكتور عبد العظيم أنيس بقي على رأيه في عبد الناصر وثورة يوليو، على الرغم مما أدان به الثورة في مقدمته لكتابه: "رسائل الحب والحزن والثورة"، وما نسبه إليها من فشل الوحدة المصرية السورية التي هي أول وحدة عربية في العصر الحديث، وقوله: "إن المسئولية الأولى فيما حدث تقع – في رأيي – على أكتاف القيادة السياسية في مصر، بما تورطت فيه من أخطاء سياسية، وما تورطت فيه أجهزة أمنها من جرائم"!

ثم يؤكد هذه الإدانة مرة أخرى فيقول: "كيف تم الانقلاب على الوحدة بهذه السهولة؟ بل كيف انهار صرح الوحدة في دقائق؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا تكتسب أهمية تاريخية فحسب، وإنما ترتبط بمستقبل النضال من اجل الوحدة في المستقبل، وفي رأيي ان المفتاح الرئيسي في هذه الإجابة يتمثل في عداء نظام عبد الناصر للديموقراطية السياسية والجبهة الوطنية، الذي أعطى أعداء الوحدة فرصتهم الذهبية".

هذا هو تقييم الدكتور عبد العظيم أنيس لموقف التجربة الناصري من قضية الوحدة، وهي إحدة القضيتين الرئيسيتين في تقييم التجربة الناصرية. أما القضية الثانية فهي قضية الديموقراطية، وقد جاءت فرصة اعتقاله وتعذيبه في معتقل الأوردي لتتيح له فرصة أوسع للحكم في هذه القضية الثانية – كما سوف نوضح في هذه المقالات. ولمعلومية القارئ فإن هاتين الضيتين – باعتراف الدكتور عبد العظيم أنيس – هما القضيتان اللتان كانتا تقسمان صفوف الشوعيين المصريين، ففي حين كانتا لأغلبية، ومنها الدكتور عبد العظيم أنيس، "ترقب سياسة عبد الناصر في حذر وتحفظ، وبنظرة نافذة لقضيتي الوحدة والديموقراطية"، كانت مجموعة شهدي عطية تتخذ مواقف التأييد شبه المطلق لسياسة عبد الناصر!

وقد دفع شهدي عطية حياته ثمناً لهذا التأييد المطلق لسياسة عبد الناصر في أوردي أبو زعبل! ودفع الدكتور عبد العظيم أنيس الثمن أيضاً عندما وقع الانقسام في صفوف الأغلبية بعد أن وجدوا أنفسهم في معتقلات عبد الناصر، ففي حين نزع قسم من هذه الأغلبية من نظام عبد الناصر الصفة الإشتراكية واعتبره رأسمالية دولة احتكارية، رأى قسم آخر في النظام ملامح فئات البرجوازية الصغيرة بكل ما فيها من مميزات ثورية كبيرة وتناقضات ومواقف معادية للديموقراطية!

وقد هاجم الدكتور عبد العظيم أنيس الفريق الذي اعتبر نظام عبد الناصر رأسمالية دولة احتكارية.

وهو ما يفسر إشادته "بالتحولات الاجتماعية الهامة التي قادها عبد الناصر في المجتمع المصري" في كلامه السالف الذكر.

وكان أجدر به ان يتبين أن هذه التحولات الاجتماعية ذاتها هي التي اتخذها عبد الناصر ذريعة لفرض دكتاتورية الدولة، وأنها لم تكن انطلاقاً من فكر اشتراكي تقدمي، بدليل لا يقبل الجدل، هو أنه في الوقت الذي كان عبد الناصر يحدث من هذه التحولات الاجتماعية التي تحدث عنها الدكتور عبد العظيم أنيس كان يعتقل الاشتراكيين الحقيقيين، ومنهم الدكتور عبد العظيم أنيس نفسه، ويذيقهم ألوان العذاب التي لم تعرفها سوى النظم النازية والفاشية!

فقد أعلن عبد الناصر قراراته التي سميت بالقرارات الإشتراكية في يولية 1961، وكان الاشتراكيون الحقيقيون في معتقلاته قبل عام ونصف! أي من يناير 1959! ولو كانت هذه القرارات قد نبعت من فكر اشتراكي لأعقبها على الفور الإفراج عن المعتقلين الاشتراكيين ليكونوا سنداً لنظام عبد الناصر، ولكنه أبقى هؤلاء الاشتراكيين في المعتقلات ثلاث سنوات أخرى – أي إلى إبريل 1964 – باعتراف الدكتور عبد العظيم أنيس!

بل إنه فيما عدا عدة شهور في أواخر سنة 1964، فإن معتقل القلعة وسجن طرة – كما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح – عادا من جديد يستقبلان نماذج من المعتقلين الشيوعيين! وذلك تحت دعاوي كثيرة بلغت حد اعتقال أحد هؤلاء، وهو فرانسيس لبيب بتهمة أنه "يلسّن" على النظام! كما اعتقل أيضاً الذين سجلوا رأيهم في المؤتمر الموسع للتنظيم الشيوعي وكانوا ضد قرار حل التنظيمات الشيوعية! بل إن عددا آخر من قيادات منظمة الشباب الاشتراكي وأساتذة المعهد العالي للدراسات الإشتراكية قد اعتقلوا سنة 1966 – كما يقول الدكتور فتحي عبد الفتاح – تحت دعوى الترويج للمذهب الماركسي!

ومن هنا فلست أدري كيف اعتبر الدكتور عبد العظيم أنيس نظام عبد الناصرنظاماً اشتراكياً ونفى عنه صفة رأسمالية الدولة، اللهم إلا إذا ان ينفي عن نفسه صفة الإشتراكية ويخلعها على عبد الناصر! أو كان يعترف بإمكان قيام الإشتراكية على أيدي غير اشتراكيين! وفي هذه الحالة ما فائدة وجود الاشتراكيين أصلاً، وما فائدة دورهم، وما فائدة بقاءهم؟!

ثم إن الدكتور عبد العظيم أنيس يعتبر عبد الناصر "استمرارا أرقى" لعرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول! ويرى أنه كان أحد القادة المرموقين للنضال العربي، مع أنه يعترف بأنه يتحمل "المسئولية الأولى" عن انهيار أول وحدة عربية في العصر الحديث! فكيف يتفق هذا مع ذلك؟ إن قادة النضال العربي هم الذين يحققون الوحدة، وليسوا هم الذين يستهينون بالوحدة ويتورطون في أخطاء سياسية وجرائم تؤدي إلى انهيارها – انهيارها إلى الأبد!

ثم إن الدكتور عبد العظيم أنيس يعترف في كتابه بان الذين أشرفوا على تعذيبه في أوردي أبو زعبل "لابد أن يكونوا قد دربوا على يد بعض النازيين من الألمان"! ويقول أنه عندما زار معتقل "بوخنفالد" في ألمانيا عام 1969، واستمع إلى شرح الدليل، وجد تشابهاً غريباً بين ما كان يجري فيه من أساليب تعذيب وبين ما جرى في معتقل أوردي أبو زعبل"! بل يعترف بأن المسئولين عن قتل شهدي عطية، ومن قبله الدكتور فريد حداد "لا يزالون حتى الآن دون جزاء"!

والسؤال الآن: إذا كان هؤلاء النازيون هم أدوات نظام عبد الناصر في محاربة الشيوعيين المصريين، وإذا كان عبد الناصر قد فشل في أهم قضيتين وهما قضية الوحدة وقضية الديموقراطية، فما هو الخطأ في وصفنا نظام عبد الناصر بأنه رأسمالية دولة احتكارية وليس اشتراكية؟ وما هو الخطأ في وصف نظام عبد الناصر بأنه كان نظاماً نازياً وفاشياً؟

اعترافات : د . عبد العظيم أنيس! (الوفد في 3 / 2 / 1997)

في مقالنا السابق عرضنا رأي الدكتور عبد العظيم أنيس في جمال عبد الناصر، وكيف اعتبره استمراراً "أرقى" لعرابي ومصطفى كامل وسعد زغلول! وناقشنا هذا الرأي في ضوء فشل التجربة الناصرية في قضيتي الوحدة العربية والديموقراطية، وهما القضيتان اللتان اعتبرهما الدكتور عبد العظيم أنيس أساساً لتقييم التجربة الديموقراطية. وفي هذا المقال نسوق اعترافات الدكتور عبد العظيم أنيس الخاصة بتجربته الشخصية مع نظام عبد الناصر، وهي تجربة غنية.

فقد اعتقل في فجر أول يناير سنة 1959، وظل معتقل حتى إبريل 1964، أي أن اعتقاله طال خمس سنوات وثلاثة شهور، وفي ذلك يقول: "وقد قضيت هذه الفترة الطويلة في عدة معتقلات مختلفة، بدأت بمعتقل القلعة، ثم معتقل الواحات، ثم عدت غلى سجن مصر استعداداً لتقديمي، مع ستين آخرين، إلى المحاكمة أمام مجلس عسكري يرأسه مدير سلاح المدفعية اللواء هلال عبد الله هلال، في أكتوبر سنة 1959، بالإسكندرية، وبعد الحماكمة عدنا من الإسكندرية إلى سجن مصر مرة أخرى، حيث نقلنا في 7 نوفمبر 1959 إلى معتقل أوردي ابو زعبل.

وفي أوردي أبو زعبل – كما يقول – "جرت اول تجربة تعذيب جماعية، على يد جهاز المباحث العامة وضباط مصلحة السجون. وليس لدي شك في أن هؤلاء الذين أشرفوا على هذه التجربة البربرية لابد ان يكونوا قد دربوا على يد بعض النازيين الألمان، لأنني عندما زرت بقايا معتقل "بوخنفالد" في ألمانيا عام 1969، واستمعت إلى شرح الدليل، وجدت تشابهاً غريباً بين ما كان يحدث فيه من أساليب تعذيب وما جرى في معتقل أوردي أبو زعبل!

"وقد تولى قيادة هذا العمل الوحشي – الذي سوف يرد وصفه في صفحات الكتاب – العميد حسن مصيلحي من جهاز المباحث العامة، واللواء إسماعيل همت، وكيل مصلحة السجون، وانتهت هذه التجربة بفاجعة قتل الصديق العزيز شهدي عطية في يونيو سنة 1960. وعندئذ تحركت الدولة لوقف التعذيب، وإبعاد المسئولين عن هذا العمل الإجرامي.

"ومع ذلك فلا يزال المسئولون عن قتل شهدي عطية، ومن قبله الدكتور فريد حداد، حتى الآن دون جزاء!

"وبعد توقف سياسة التعذيب في الأوردي، نقلنا في يوليو 1961 إلى معتقل الواحات الخارجة، وبقينا هناك في ظروف معقولة نسبياً حتى أفرج عنا في إبريل سنة 1964 على أثر الأحكام العرفية، وإقرار سياسة تصفية المعتقلات".

على هذا النحو اقتطع عبد الناصر من حياة الدكتور عبد العظيم أنيس خمس سنوات وثلاثة أشهر، قضاها بعيداً عن زوجته التي كان قد تزوجها قبل عام واحد بعد قصة حب، وهي السيدة عايدة ثابت التي كانت تعمل صحفية في جريدة المساء، وقد فصلها عبد الناصر من عملها، كما فصل الدكتور عبد العظيم أنيس، "وأصبحنا نحن الاثنين نواجه الحياة بلا مورد: أنا في المعتقل، وهي في الخارج!".

على هذا النحو كانت إنسانية عبد الناصر: اعتقال خصومه في الرأي، وحرمانهم من أية موارد يواجهون بها الحياة! ومع ذلك فإن السيدة عايدة ثابت كانت محظوظة، لأن عبد الناصر لم يعتقلها كما اعتقل زوجات المعتقلين الشيوعيين الآخرين! ربما لأن زواجها بالدكتور عبد العظيم أنيس لم يكن قد مضى عليه اكثر من عام، إذ اكتفى بفصلها من عملها بجريدة المساء وتشريدها لمدة خمس سنوات!

وقد كانت صلة السيدة عايدة ثابت بالمناضلة الوفدية الشهيرة فهيمة ثابت، التي تطوعت لمرافقة أم المصريين عند نفيها مع سعد زغلول إلى جبل طارق، صلة قرابة وثيقة، إذ كانت فهيمة ثابت عمتها ومربيتها.

ومن المحقق أن خسارة تلك السنوات الخمس والأشهر الثلاثة، التي اقتطعت من حياة الدكتور عبد العظيم أنيس الزوجية، كانت أفدح من غيرها، لأن السيدة عايدة ثابت ماتت بعد عشر سنوات فقط في أنضج سنوات حياتها إثر فاجعة مروعة! فكأن الدكتور عبد العظيم أنيس خسر خسارة مضاعفة بتلك السنوات التي اقتطعت من عمر حياته الزوجية.

ولم تكن تلك الخسارة الفادحة التي مُني بها الدكتور عبد العظيم أنيس بسبب اعتقال عبد الناصر له، ناتجة عن مؤامرة دبرها للإطاحة بهذا النظام، أو بسبب متفجرات زرعها في الأحياء الشعبية، وإنما كانت فقط بسبب خلاف بسيط في الرأي حول شكل الوحدة المصرية السورية، وهل تكون اندماجية كما أراد حزب البعث السوري وجمال عبد الناصر، أو تكون فيدرالية يكون لكل قطر فيها حق تنظيم شئونه الداخلية وفق ظروفه الخاصة، كما أراد الحزب الشيوعي السوري الذي ساندته الأحزاب الشيوعية الأخرى في العالم العربي!

هذا الخلاف في الرأي، الذي يقع عادة في البلاد الديموقراطية فلا يحرك ساكناً للنظام السياسي السائد، كان هو الذي فجر بركان غضب عبد الناصر ودفع به إلى شن حملته الهتلرية ضد الشيوعيين المصريين أول يناير سنة 1959، ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى التنكيل بهم، فقذف بهم في 7 نوفمبر 1959 إلى معتقل أوردي أبو زعبل، وعهد بتعذيبهم إلى فرقة مختارة تلقت تدريبها على يد أساتذة التعذيب النازيين، حيث جرت أول تجربة تعذيب جماعية لم يشهد لها تاريخ مصر مثيلاً، مات فيها مفكرون من التعذيب مما لم يسبق له مثيل!

وكل ذلك بسبب خلاف في الرأي لا غير! لم يترتب عليه أي تهديد لنظام عبد الناصر العسكري القائم، الذي كان يرفع وقتذاك شعارات الحرية! ويطلق صيحة: "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد"! ويندس في صفوف حركة التحرر الوطني العالمية وهو يعرّض سيناء للاحتلال الإسرائيلي! ويفتح أمامها خليج العقبة لتنفذ منه إلى البحر الأحمر وأسواق أفريقيا وآسيا حتى اليابان! ويتبجح فيسمي ذلك انتصاراً! ثم يكمل "جميله" فيرتكب هزيمة 1967، ويسلم سيناء مرة أخرى للاحتلال الإسرائيلي ومعها الجولان والضفة الغربية وغزة!

لقد روى الدكتور عبد العظيم أنيس تجربته مع نظام عبد الناصر من خلال خطاباته إلى زوجته. وهي خطابات تاريخية ووثائق مهمة من الدرجة الأولى لأنها تروي الحقيقة دون مبالغة أو تزويق أو تبرير. ففي خطابه الأول من معتقل اللعة يوم 23 يناير 1959، كتب يقول:

"أكتب لك من داخل أسوار معتقل القلعة، الذي مضى علينا فيه ثلاثة وعشرون يوماً. غن هذا هو نفس المكان الذي كان المستعمرون الإنجليز يعتقلون فيه الوطنيين من المصريين عام 1919! فما أغربها من مفارقة؟ أن نكون نحن هنا، وبأمر حكومة وطنية!

"أما عن التحقيق معي، فالحقيقة أن النيابة لم تظهر غير مرة واحدة، والأسئلة كانت عادية تماماً:

- ما رأيك في الحكومة؟

- حكومة وطنية!

- ما رأيك في الوحدة بين مصر وسوريا؟

- إني أؤيد الوحدة، غير أني أخشى على مستقبلها، لأنها ولدت غير ديموقراطية، وأعتقد أن فكرة إلغاء الأحزاب الوطنية في سوريا خاطئة، لقد كانت أفضل أن تكون الوحدة فيدرالية وليست اندماجية – على الأقل لفترة من الزمن.

"هذه كل الأسئلة تقريباً، ثم اختفت النيابة بعد ذلك!".

وفي خطاب يوم 30 يناير 1959 كتب قائلاً: "إن موقفنا القانوني هو أننا معتقلون بأمر الحاكم العسكري ولسنا محبوسين على ذمة قضية"!

وفي يوم 2 إبريل كتب الدكتور عبد العظيم أنيس من سجن الواحات يقول:

"هاأنذا أكتب إليك من سجن الواحات الخارجة، بعد أن نقلنا من معتقل القلعة يوم 21 مارس، فوصلنا الواحات بعد رحلة مجهدة دامت أكثر من 24 ساعة بالقطار".

"لقد كانت الرحلة كلها مهانة لإنسانية جميع المعتقلين. تصوري! إنا ربطنا من أذرعنا في جنزير حديدي واحد، بحجة أنه ضمان ضد الهرب خلال الرحلة! ولكن الأسوأ والأبشع كان في انتظارنا عند وصولنا إلى السجن!

"هناك فوجئنا بوجود فرقة اللواء إسماعيل همت المتخصصة في إرهاب المسجونين والبطش بهم، ولم نكد نصل إلى باب السجن حتى وجدنا المدافع الرشاشة مصوبة إلى صدورنا، دون أن يصدر منا ما يدعو إلى ذلك!

وقد اختار همت عدداً قليلاً من المعتقلين لجلدهم على "العروسة" التي كانت معدة في فناء السجن، ويبدو أن الهدف الحقيقي هو إشاعة جو الفزع والرعب بيننا!

"ما زال وضعي القانوني كما كان في القلعة، وهو انني معتقل سياسي في سجن الواحات الخارجة. الجديد أن وجودنا هنا أعطانا الفرصة لتجديد علاقات قديمة مع عدد من الكتاب والفنانين والتقدميين، المحكوم عليهم بأحكام منذ أعوام 19531954! ومنهم الصحفي صلاح حافظ، والرسام داود عزيز، وغيرهما كثير!

"أرجو أن تقدمي، باسمي واسمك، طلباً إلى نقابة الصحفيين، تطلبين إعانة شهرية لنا نحن الاثنين! أرجو ألا تخجلي من ذلك، فهذا حقنا. لقد كان جديراً بالنقابة أن تقف موقفاً حازماً من فصلي وفصلك من صحيفة المساء، وهو فصل تعسفي أصبحنا نحن الاثنان بعده بلا مورد نعيش عليه!

"ما أروع هذا الفصل من مكافأة على مواقفنا الوطنية! وعلى استقالتي من وظيفتي كمدرس بجامعة لندن عام 1956 احتجاجاً على العدوان البريطاني الغاشم على بلادنا!".

انتهت رسالة الدكتور عبد العظيم أنيس المؤثرة. ولكن لم يكن من حقه أن يعجب أن كافأه عبد الناصر على موقفه الوطني المساند له وقت العدوان الثلاثي بالاعتقال والتعذيب، فقد أدت مساندته وغيره من أبناء الشعب لعبد الناصر إلى ارتفاع نجم مجده، والظهور أمام العالم بمظهر البطل الوطني الذي تحدى الاستعمار وإسرائيل، وكان ذلك في الوقت الذي كان يسلم لإسرائيل مفاتيح البحر الأحمر في خليج العقبة وهي مضايق تيران!

وكان هذا كافياً لعبد الناصر للانقلاب على من ساندوه أو مكافأتهم بما يستحقون، فقد كافأ عبد الناصر الدكتور عبد العظيم أنيس بالاعتقال والتعذيب، وهي نفس المكافأة التي كافأ بها كل من أيدوه وساندوه وساعدوه على الاستقرار في الحكم، وكافأ الشعب المصري، الذيسانده في حرب 1956، بالهزيمة الساحقة أمام الجيوش الإسرائيلية في يونية 1967!

والمهم هو أنه في سجن الواحات كان على الدكتور عبد العظيم أنيس أن يخوض تجربة جديدة وصفها لزوجته في خطاب مايو 1959 بقوله:

"الحياة في الواحات سيئة، والطعام المكون من العسل الأسود صباحاً، والفول النابت ظهراً، ثم العسل الأسود مساءً – سيء للغاية.

"ولقد عشنا هناك في زنازين طوال اليوم إلا نصف ساعة! نخرج فيها لقضاء الحاجة. وليس لدينا كتب أو أية وسيلة تسلية.

"وكنا ننام على "الأبراش" على الأرض، بالرغم من أننا معتقلون سياسيون ولسنا مجرمين أو قتلة"!

هكذا كانت معاملة النظام الناصري لمفكري مصر وعلمائها .. والغريب أن هؤلاء المفكرين والعلماء بالذات هم الذين يسبحون اليوم بحمد النظام الناصري، وهم الذين يساندون الناصريين في فريتهم وأكذوبتهم التي يتظاهرون فيها بالدفاع عن حقوق الإنسان، ليخفوا جرائمهم التي ارتكبوها في حق الإنسان!

ضرب سجناء الرأي عرايا كما ولدتهم أمهاتهم (الوفد في 10 / 2 / 1997)

رأينا في مقالنا السابق كيف أن مجرد الاخلاف في الرأي بين عبد الناصر والشيوعيين حول شكل الوحدة المصرية السورية قد دفع عبد الناصر إلى التنكيل بهم! فقد كان الشيوعيون يفضلونها فيدرالية، بينما فضلها عبد الناصر اندماجية! وكان هذا كافياً في نظر عبد الناصر لإذاقة الشيوعيين سوء العذاب! بل من الطريف أنه بعد أن ثبتت صحة وجهة نظر الشيوعيين، وسقطت الوحدة المصرية السورية، أصر عبد الناصر على اعتقال الشيوعيين واستمرار التنكيل بهم، ولم يفرج عنهم إلا بعد سنتنين ونصف! وهو ما يوضح نوعية النظام الذي أسسه عبد الناصر، وبعده عن المبادئ التي كان يرفع شعاراتها ويخدع بها الجماهير المصرية للبقاء في الحكم!

لقد رأينا كيف انتقل الدكتور عبد العظيم أنيس من سجن القلعة يوم 31 مارس 1959 إلى سجن الواحات، حيث عاش مع زملائه في الزنازين طول اليوم، فيما عدا نصف ساعة فقط لقضاء الحاجة، وكيف كانوا ينامون على "الأبراش" على الأرض على الرغم من أنهم معتقلين سياسيين وليسوا مجرمين أو قتلة! وكيف كان طعامهم الوحيد هو العسل الأسود صباحاً ومساءً وكانت وجبة الغداء عي الفول النابت! ورأينا كيف كتب إلى زوجته الصحفية عايدة ثابت يطلب منها أن تقدم لباً لنقابة الصحفيين باسمها واسمه، لطلب إعانة شهرية! بعد أن فصلا من عملهما في جريدة المساء، وتركهما عبد الناصر بلا معين بعد اعتقال الدكتور عبد العظيم أنيس! وسرعان ما أعيد الدكتور عبد العظيم أنيس إلى سجن القلعة لاستجوابه بواسطة النيابة، ومن معتقل القلعة كتب إلى زوجته في مايو 1959 يقول:

"لست أدري كم سأظل هنا، ربما أسبوعاً أو أسبوعين أو أكثر! ولكن يبدو أننا سنعود إلى الواحات مرة أخرى، فهنا لا يوجد غير أربعة عشر معتقلاً، منهم الصديق محمود العالم، وفي الفيوم 400 معتقل، وفي الواحات 200، وفي سجن القناطر حوالي 150 كمال يقال!

"ولقد وقعت في الفيوم حوادث اعتداءات مؤسفة، بالضرب على عدد من المعتقلين، منهم الدكتور فايق فريد والدكتور عبد الرازق حسن"!.

على أن الدكتور أنيس لم يلبث ان نقل من معتقل القلعة إلى سجن مصر في يونيه 1959 بعد أن تقرر تقديمه – مع آخرين – إلى المحاكمة، بتهمة دبرها النظام الناصري، وهي تهمة العمل على قلب نظام الحكم! حيث بقي على ذمة القضية عدة أشهر.

ولم تلبث رحلة السجون والمعتقلات أن قادت الدكتور عبد العظيم أنيس إلى سجن الحضرة بالإسكندرية، وكان معه ستون معتقلاً. وقد فوجئ بأنهم سوف يقدمون للمجلس العسكري وليس إلى محاكمة مدنية! وكتب إلى زوجته من سجن الإسكندرية في أكتوبر 1959 يقول: إنني لا أخفيك تشاؤمي من هيئة المحكمة! فما معنى أن يقدم سياسيون غلى مجلس عسكري يرأسه مدير سلاح المدفعية، إلا إذا كان البطش بهؤلاء السياسيين مقصوداً؟

"وما هي الجريمة التي ارتكبناها والتي تتصل بالناحية العسكرية؟ وأين هو القضاء المدني يا ترى؟ هل هو في إجازة أم ماذا؟".

وهذه القصة التي يرويها الدكتور عبد العظيم أنيس نهديها إلى الناصريين الذين تظاهروا بأنهم قوى المناضلين ضد القانون رقم 93 في العام الماضي – وغن فضحهم تسللهم خفية إلى صدام حسين للحصول على مباركته في عز النضال ضد نظام مبارك! بل إنهم زايدوا على الليبراليين الحقيقيين الممثلين في الوفديين!

على كل حال فقد كان بعد هذه المحاكمة الصورية الهزلية، التي فضحها سجناء الرأي وفضحوا افتعالها، ان قرر عبد الناصر تلقين الشيوعيين درساً لا ينسى!

فقد نقلهم على الفور إلى أوردي أبو زعبل ليكونوا شهوداً على وحشية النظام الناصري وفاشيته، وليسجلوا للتاريخ هذه الفضيحة التي لم يشهدها عصر من عصور مصر على مر التاريخ، فضيحة التعذيب الجماعي لسجناء رأي كانت كل جريمتهم إبداء رأي يخالف رأي النظام الناصري في قضية تتصل بالوحدة والديموقراطية!

ولندع الدكتور عبد العظيم أنيس يسجل هذه الإدانة بنفسه في خطابه إلى زوجته المرجومة السيدة عايدة ثابت من معتقل أوردي أبو زعبل في سبتمبر 1960، وهو وثيقة من أخطر وثائق خكم عبد الناصر، وأكثرها مصداقية، لأنها لم تكتب للنشر حتى يفترض فيها الصد أو الكذب، وإنما كتبت في رسالة خاصة في أعقاب المحنة، ومن نفس مكان الجريمة، وهو معتقل أوردي أبو زعبل، ولم أتدخل فيها بأي شرح أو تفسير أو تلخيص. وتمضي على النحو الآتي:

"زوجتي الحبيبة: هأنذا أرسل لك هذه الرسالة بعد غيبة طويلة منذ أرسلت لك خطابي خلال المحاكمة أيام المجلس العسكري بالإسكندرية في أكتوبر الماضي.

لقد مضى على خطابي هذا نحو عشرة أشهر، اجتزنا فيها تجربة طالت كأنها عشر سنوات! أعني تجربة الأوردي، بما تعنيه من عذاي يومي، وإهدار لآدمية المعتقلين، وعمل كالسخرة في جبل أبو زعبل، ثم قتل أحد من زملائنا!

"إنها – بختصار – تكرار لما صنعته النازية في خصومها السياسيين في معتقلات أوروبا المشهورة، ولم يكن ينقصها لتصبح الصورة مطابقة تماماً، غير غرف الغاز!

"لقد انتهت هذه التجربة الآن، وعدنا إلى آدميتنا! من جديد. ولعلك أدركت من خلال زيارتك لي في الشهور الأخيرة مبلغ السوء الذي وصلت إليه حالتي الصحية، غير اني اليوم أسترد صحتي بالتدريج، فلا تقلقي.

ولكن ما يقض مضجعي حتى اليوم، هو أن شهدي عطية، بمصرعه الفاجع في الأوردي تحت سياط التعذيب، هو وحده الذي فدانا جميعاً! ولولا مصرعه، وما أثار من ضجة خارجية، لاستمر التعذيب حتى اليوم، ولاستطاب كثير من المسئولين هذا الحال!

"ومن قبل قتلوا الدكتور فريد حداد ببساطة، وكأنهم يؤدون عملاً عادياً! وهؤلاء القتلة معروفون، ويعيشون بينكم، لا يعذب أحد منهم ضمير، ولا تمتد إليه يد قانون!

"إن قتلة شهدي عطية وفريد حداد هم: اللواء إسماعيل همت وكيل مصلحة الصجون، والعميد إسماعيل طلعت مدير سجن أبو زعبل، ثم أولاً وأخيراً الضباط: حسن منير، وعبد اللطيف رشدي، ويونس مرعي. هؤلاء الثلاثة هم الجلادون المباشرون، ولكني لا أشك أن وراء هؤلاء يقف رجال المباحث العامة بقيادة حسن المصيلحي ، وبعض رجال الداخلية.

"ولست أستطيع أن أصدق أن المسئولين في مصر، لم يكونوا يعرفون ما يجري في أبو زعبل، خلال الفترة من نوفمبر سنة 1959 إلى يونيو 1960!!

"لا أدري كيف أبدأ في رواية القصة الإجرامية التي وقعت هنا!

"خلال هذه الفترة أرسلت لك عددا من الخطابات بمعرفة إدارة السجن، ولعلك لاحظت أن كل خطاب لم يزد على ثلاثة سطور، أسأل فيها عن أحوالك وأحوال منى ووفاء وإخوتي، وأطلب إرسال بعض النقود. لقد تعمدت هذا لأن الخطابات كتبت خلال أسوأ ظروفن وإبان فترة التعذيب، ولم يكن لدي ما أقوله، أو بمعنى أصيح: لم يكن ممكناً كتابة ما أريد أن أقوله!

"لقد رحلنا من سجن مصر يوم 7 نوفمبر، ولا أدري هل كان لاختيار هذا التاريخ معنى خاص عند رجال المباحث؟ (يوم 7 نوفمبر هو عيد الثورة السوفيتية التي يطلق عليها اسم ثورة أكتوبر 1917، وكان هذا اليوم يوافق يوم 25 أكتوبر في روسيا في ذلك الحين قبل أن تأخذ بالتقويم السائد في العالم الغربي)

"ولكني أعلم أن الإعداد لما كان ينتظرنا في أوردي أبو زعبل، قد بدأ ونحن واقفون في فناء سجن مصر ننتظر الترحيل!

"فقد أخذ مأمور سجن مصر، شوقي القشطة، في استفزازنا بدون مبرر! وكسر بنفسه أشياء كثيرة من لوازمنا المتواضعة التي نحملها من سجن إلى سجن!

"وعندما وصلت العربة التي حشر فيها الواحد والستون، غلى أوردي أبو زعبل، فوجئنا بفرقة من الخيالة على جيادهم، ثم صفين من الجنود يحملون العصى الغليظة، على باب الأوردي وداخله!

"وكانت التعليمات أن ينزل كل واحد منا بسرعة، وأن يخلع ملابسه على باب الأوردي – كل ملابسه حتى يصبح عارياً كما ولدته امه! – وأن يأخذ بسرعة "برشا" وبدلة سجن بيضاء ويهرع إلى العنبر!

"وكان أساس العملية هو المفاجأة الكاملة، وشل الذهن عن التفكير حتى لا يجد إنسان فرصة ليحتج أو يناقض! وبطبيعة الحال لم يستطع معظم المعتقلين أن ينجزوا هذه المهمة في سرعة، وكانت النتيجة أن قام الجنود بضربهم – وهم عرايا! – بالعصى الغليظة، فضلا عن الإهانات اللفظية!

"وكانت مهزلة، وما أبشعها من مهزلة!

"ومع ذلك فإن حفلة الاستقبال كما واجهناها، لم تكن شيئاً بالمقارنة بـ "حفلة الاستقبال" التي أعدت لدفعة شهدي عطية في يوين الماضي، والتي مات فيها هذا الصديق العزيز، فضلا عن الزملاء الآخرين الذين ظلوا في حالة خطرة لعدة أيام بعد ذلك!

"وفي اليوم التاي لوصولنا، بدأ روتين الحياة المعدة لنا: نقوم في الصباح، ونذهب في طابور غلى جبل أبو زعبل لتكسير الأحجار – ويستمر العمل حتى الظهر، حيث نعود إلى الأوردي، ويقفل العنبر. والطعام الذي يقدم لنا هو أسوأ ما يتصوره إنسان في حياته! عسل أسود في الصباح، فول نابت في الظهر، ثم خضار لا طعم له، وقطعة لحم تثير القرف في المساء!

"وخلال كل يوم تقريبا، ينتقى عدد من المعتقلين لاستفزازهم وضربهم ضرباً مبرحاً، ووضععهم في زنزانة انفرادية، مغطاة بالماء البارد! وبلا أغطية لمدة يومين أو ثلاثة!

"وكثيراً ما يفتح العنبر في الصباح، أو بعد الظهر، وفجأة تدخل فرقة من الجنود، بحجة تفتيش العنبر، وكان علينا ان ندير وجوهنا إلى الحائط أثناء التفتيش، ثم في ختامه كان علينا أن نحني ظهورنا كأننا راكعون في صلاة، ثم يدور كل واحد منا حل نفسه مرات ومرات، حتى أمر الضابط بالتوقف! وبالطبع خلال هذه العملية الهزلية، يضرب الجنود عددا من المعتقلين كيفما اتفق! إنها عملية تثير الضحك، وحتى الآن لم أفهم المقصود من هذه التعليمات!

"كان الجو الظاهري أننا نعيش في أبو زعبل حياة عسكرية، والجو الحقيقي المقصود هو التنكيل"!

إنسانية عبد الناصر : قتل المعتقلين وتشريد الزوجات ! (الوفد في 17 / 2 / 1997)

في مقالنا السابق كنا نتابع التجربة البشعة التي عاشها أستاذ جامعي مرموق ومفكر كبير هو الدكتور عبد العظيم أنيس في معتقلات عبد الناصر، واقتياده من بيته بليل إلى معتقل القلعة، ليقوم بسياحة طويلة بين معتقل القلعة وسجن الواحات وسجن مصر وسجن الحضرة ثم إلى معتقل أوردي أبو زعبل، وهو يتعرض بينها للضرب والإهانات والتعذيب، لمجرد أنه اختلف وزملائه من سجناء الرأي مع عبد الناصر حول شكل الوحدة المصرية السورية وحول الديموقراطية! وليس لأنهم لم يكونوا يعترفون بنظام عبد الناصر أو أنهم كانوا يتآمرون لإسقاطه! فلم يكفوا في كل مراحل اعتقالهم وتعذيبهم عن إعلان تمسكهم بنظام عبد الناصر! بل إن فريقاً منهم، وعلى رأسه شهدي عطية، لم يكونوا يخفون تأييدهم شبه المطلق لسياسة عبد الناصر آنذاك، ولم ينقذه ذلك من التعذيب والضرب حتى فاضت أنفاسه!

وكان الدكتور عبد العظيم أنيس قد روى في خطابه لحرمه المرحومة عايدة ثابت تجربة الأوردي، وحفل الاستقبال الذي أعد له ولزملائه الواحد والستين، ويف طُلب غليهم خلع ملابسهم كما ولدتهم أمهاتهم، وضربهم عرايا! ثم أخذوا ينخرطون في روتين الحياة التي أعدت لهم: وهو القيام صباحاً، والذهاب في طابور إلى جبل أبو زعبل لتكسير الأحجار، حتى العودة إلى العنبر الذي يقفل عليهم إلى صباح اليوم التالي، ليفاجئوا في االصباح بفرقة من الجنود تقتحم عليهم العنبر بحجة التفتيش، وتطلب إليهم إحناء ظهورهم في وضع الركوع، والدوران حول أنفسهم على هذا الوضع بينما الهراوات تهوي على ظهورهم كيفما اتفق!

ويمضي الدكتور عبد العظيم أنيس في روايته لزوجته على النحو الآتي:

"ما زلت أذكر أننا خرجنا مرة لطابور "رياضة"! وخلال هذا الطابور طلب منا حسن منير (مأمور الأوردي) أن نهتف باسم عبد الناصر، وأن نغني أناشيد وطنية! فلما اعترض الدكتور إسماعيل صبري عبد الله قائلاً: إننا لا نفعل هذا بناء على أوامر! انهالوا عليه بالعصي، حتى فتحت رأسه!

"وبطبيعة الحال كان لابد أن يأتي دوري ودور محمود أمين العالم!

" وفي المرة الأولى، عندما رفعت صوتي مبدياً ملاحظات متواضعة على بعض ما يحدث، أخذت أنا وزميل آخر إلى الغرفة الانفرادية! وبقينا هناك حتى جاء حسن منير مأمور الأوردي، فإذا به يعيدنا دون عقاب! وكان لهذا الموقف فرحة وأية فرحة في كل العنبر، فقد بدا وكأنه نصر لنا!

"وفي المرة الثانية لاحتجاجي، أخذنا إلى جبل أبو زعبل! وبدأ العدوان عليّ بشكل مكثف، على يد فرقة من الجنود، يقودها الصول مطاوع. واستمر الحال على ذلك حتى أغمي عليّ من شدة الضرب!

"وحملني زملائي على أكتافهم وأنا في شبه غيبوبة، إلى العنبر. ثم نقلت إلى غرفة "الملاحظة الفردية" المخصصة للمرضى. وبقيت بها عشرة أيام بين الحياة والموت في الأيام الأولى!

"ولقد كان من حسن حظي أن الطبيب الذي جاء لعيادتي كان زميلاً لي في المدرسة الثانوية. وهالته حالتي في اليوم الأول، حتى اغرورقت عيناه بالدموع تأثراً. وظل يواظب يومياً على التردد علي مرتين، ويحضر لي أدوية خاصة من عنده، حتى اطمئن على حالتي.

"وبطبيعة الحال، لم تكن الإدارة تدري أن الطبيب زميل سابق لي في الدراسة، وأن هذا هو مصدر اهتمامه الكبير بي. وأحيانا كثيرة أحس أنني مدين بحياتي لهذا الرجل النبيل.

"لن أطيل عليك أكثر من هذا، يكفي أن اقول لك إن مبررات هذه المعاملة الوحشية – التي قيلت آنذاك على لسان بعض الضباط – هو موقف الزملاء الجريء أثناء المحاكمة بالإسكندرية! فنحن – كمجموعة – لم نخف انتقادنا السياسي للحكومة ولسياسة عبد الناصر في قضيتي الوحدة والديموقراطية.

"ولكنني لا أستطيع قبول هذ التبرير بسهولة! لأن قضية شهدي عطية (وكان المعروف أن زملاء هذه القضية – على عكسنا – لا يخفون تأييدهم شبه المطلق لسياسة عبد الناصر آنذاك) قد لقوا على باب الأوردي استقبالاً أتعس بكثير من استقبالنا! وأن شهدي نفسه قد ضرب حتى الموت!

"ولقد كنا داخل عنابرنا عندما وصلت دفعة شهدي، وبطبيعة الحال لم نر شيئاً يذكر بأعيننا، ولكننا سمعنا كل شيء!

"فقد كان المطلوب من كل واحد منهم أن يهتف بسقوط الشيوعية، وأن يذكر اسمه بصوت عال، وأن يقول: "أنا مرة!" .. إلى آخره، وعندما رفض شهدي وآخرون كثيرون، تنفيذ هذه التعليمات المخزية، انهالوا على رأسه بالضرب حتى الموت!

"ويبدو أن موت شهدي كان مفاجأة لإسماعيل همت وحسن منير والآخرين، وإذا بهمت يستقل سيارته ويمضي هارباً إلى القاهرة! وإذا بحسن منير يضع الجبس على ذراعه مدعياً – أمام النيابة – أن المعتقلين هجموا عليه وضربوه وكسروا ذراعه، وأنه وجنوده كانوا يدافعون عن أنفسهم"!

"وبعد وفاة شهدي، وما أحدثته من ضجة، جاءت النيابة بأعداد كبيرة، وتولت التحقيق صباحاً ومساءً. وفجأة تغير جو المعتقل تماماً! وقد طلبت أنا والدكتور إسماعيل صبري عبد الله سماع أقوالنا في مقتل شهدي عطية، وأجابت النيابة طلبنا. وكان منظراً مخزياً للضابط حسن منير عندما أتوا به لتقوم النيابة بتجربة التعرف على صوته وأنا داخل العنبر، كما ذكرت في التحقيق.

"لقد رأيته كالفار المتهالك، ولم يجرؤ على أن ينظر إلي، بل كان مطرقاً برأسه إلى الأرض طول الوقت. وقد وضعتني النيابة فيغرفة مقفلة، وطلبت منه ومن ضباط آخرين ان يرفعوا أصواتهم بجمل من التي كانوا يقولونها للمعتقلين في "حفلة الاستقبال"! وفي كل مرة تعرفت على صوته في يسر دون أن أراه. وبطبيعة الحال نقل حسن منير في اليوم التالي لوفاة شهدي عطية حتى لا يفتك به المعتقلون.

"إن الضجة التي حدثت عند وفاة شهدي كانت أمراً طبيعياً، ولكن الغريب أن الدكتور فريد حداد قد قتل داخل الأوردي قبل شهدي عطية بشهور، ولم تحدث وفاته ضجة ما!

"إنك تذكرين – بالطبع – الدكتور فريد حداد، هذا الطبيب الشهم، الذي تولى علاجي وعلاجك وعلاج عمتك قبل اعتقالي أكثر من مرة. كم كان وديعاً، طيب القلب، عظيم الإنسانية! تستطيعين أن تتصوري صدمتي عندما أخرجنا من العنبر ذات يوم عند الغروب، لاستلام طعامنا – ونحن نجري – كالعادة.

ولمحت أمام الزنزانة الانفرادية رجلاً في ملابس السجن ملقى على الأرض، وهو يبدو في حالة إغماء! لم أتيقن في أول الأمر من هو هذا الإنسان، وإن كنت واثقاً انني أعرفه. ثم بدأت أعي أن هذا هو فريد حداد!

"ومع ذلك لم أتيقن آنذاك إن كان مات عندما رأيته أو أنه مغمي عليه فحسب. فلما سمعنا في اليوم التالي أن أحد المعتقلين قد مات، كانت الصدمة بالنسبة لي فظيعة! وبقيت حالتي النفسية سيئة عدة أيام.

"ولست أشك لحظة أن يونس مرعي هو المسئول عن قتل فريد حداد، فقد كان الضابط الوحيد الموجود بالأوردي عصر ذلك اليوم! وقد سمعنا – ونحن في العنبر – صوته وهو يعتدي بالضرب على قادم جديد لم نكن نعرف من هو!

"إلى جانب هذا القتل والتعذيب، ساءت أحوال المعتقلين الصحية، بسبب سوء التغذية. وكثيرون مرضوا وأوشكوا على الموت بسبب انتشار الأمراض! ولم يتحرك أحد رغم كل هذا!

"لقد عشان في حالة مجاعة كاملة لمدة ثمانية شهور، لا يعطونا إلا ما يكفي للإبقاء علينا على قيد الحياة فحسب! "أما مهانات العمل في جبل أبو زعبل، فهي عديدة: صفوة من مثقفي مصر، مثل الدكتور لويس عوض، والدكتور عبد الرازق حسن، والكاتب المسرحي ألفريد فرج، والرسام حسن فؤاد، والناقد محمود أمين العالم، والدكتور فؤاد مرسي، والدكتور فوزي منصور، والدكتور إسماعيل صبري عبد الله ، إلى آخره، وغيرهم كثيرون، يساقون كل يوم إلى الجبل، حفاة شبه عراة، في أقسى أيام الشتاء، لكسر حجارة أبو زعبل! بالإضافة إلى عشرات من القادة النقابيين وقيادات الطلاب!

"ومع ذلك، يجب أن أقول إننا تعلمنا حرفة مفيدة! وإنني في نهاية الأمر أجدت قطع الأحجار إلى قطع صغيرة – كما كان مطلوباً – لرصف الشوارع. وكنت أحيانا أقول ضاحكاً "صنعة في اليد أمان من الفقر"!

"لقد انتهت هذه المرحلة بكل ما فيها من مهانات وتعذيب، وإذا كنت قد صممت على كتابتها لك، فلكِ أن تعرفي كيف وصل الحال في مصر في معاملة المعتقلين السياسيين!! وكيف كان عليّ – أنا وزملائي – أن نتحمل هذه التجربة البشعة، في صبر وتماسك! وأحمد الله على أن كل هذا قد انتهى، وأرجو أن يكون إلى غير رجعة!

"ولكني أظل أفكر في شهدي وفريد كثيراً، وأفكر في زوجتيهما وأولادهما!

"ما أعظمها من خسارة، وما أروعه من مثل!".


على كل حال فلم تلبث وجهة نظر الشيوعيين الذين سجنوا وعذبوا وقتلوا من أجلها، أن بانت صحتها عندما وقع الانفصال في سوريا، وقضت ثورة يوليو على الوحدة الثانية بعد وحدة مصر والسودان، بسوء سياستها ودكتاتوريتها وحكمها العسكري!

وبدلا من أن يعترف عبد الناصر بخطئه، ويفرج عن سجناء الرأي، خرج محمد حسنين هيكل بمقال في ملحق الأهرام يوم 2/3/1962 تحت عنوان: "تيار التاريخ لم يتوقف"، ينسب فيه أسباب الانفصال إلى عدم اتصال الإقليمين جغرافياً، وعدم نضج الوطنية المحلية، وقوة مركز الإقطاعيين والرأسماليين في سوريا!

وقد وصف الدكتور عبد العظيم أنيس هذا المقال بـ "التخلف والانعزالية على أقل تقدير" لأنه تجاهل السبب الرئيسي للانفصال، وهو تصدع الجبهة الوطنية في سوريا إثر الوحدة بسبب الدكتاتورية، وتحول هذه القوة – التي حمت استقلال سوريا – بعضها ضد بعض"، و "أخطاء وجرائم الأجهزة البوليسية وتضييق الخناق، وكبت آراء الناس، ومأساة الديموقراطية في سوريا"!

ونسي الدكتور عبد العظيم أنيس أن يقول إن اعتراف عبد الناصر بصحة وجهة نظر الشيوعيين في الوحدة السورية والديموقراطية يتطلب بالضرورة إطلاق سراحهم. ولم يكن هذا في نية عبد الناصر، فقد حدث الانفصال السوري في سبتمبر 1961، وأبقى عبد الناصر سجناء الرأي في المعتقلات إلى إبريل 1964!

وفي أثناء مدة الاعتقال التي استمرت خمس سنوات تقريباً (يناير 1959إبريل 1964) ظهرت إنسانية نظام عبد الناصر في أنه ترك أُسر سجناء الرأي بدون أي مورد رزق يعتمدون عليه! لقد ترك هذه الأسر لأهل الصدقة، بعد أن كانوا يعيشون أعزة، الأمر الذي ندرك أثره في هذا الخطاب المؤثر للدكتور عبد العظيم أنيس لزوجته يوم 17/7/1963، بعد أول زيارة سمح بها هذا النظام الفاشي للمرحومة عايدة ثابت لزيارته، وكانت هذه أول مرة يراها منذ أربع سنوات ونص. فقد كتب يقول:

ينبغي أن أعترف لك أنني فزعت من حالتك الصحية! ولقد دهش الكثيرون أيضاً عند رؤيتك، وإن تجنبوا قول ذلك لك خوفاً من إفزاعك! ولقد ساءني أنك أخفيت عليّ ظروف مرضك وترددك على الأطباء! لا أخفي عليك قلقي الشديد من حالتك الصحية، ومازلت ألح على أخي محمد (الدكتور محمد أنيس) أن يتدخل في هذا الموضوع فوراً، ويبحث إمكانية تعيينك في أية صحيفة أو مجلة بشكل دائم، وأنا أعرف أنه ليس بالرجل ذي النفوذ الكبير. إن بقاء وضعك في هذه الحالة بلا عمل ثابت، هو جرح عميق ينزف في قلبي!".

وفي يوم 19 يونيه 1963 كتب الدكتور عبد العظيم أنيس إلي زوجته من معتقل الواحات يقول: "علمت أن هيئة عالمية تختص بالدفاع عن حقوق الإنسان، قد أرسلت خطاباً إلى المسئولين في مصر بخصوصي، وهي تسأل: لماذا لم يفرج عني ما دامت المحاكمة العسكرية قد حكمت ببراءتي؟ وقال الخطاب: إن الشعب البريطاني يعرفني كوطني مصري دافع عن مصر وتأميم القناة، وهاجم حكومة أيدن بشدة أيام العدوان. وإنه لمما يأسف له الرأي البريطاني أن يعرف أن هذا هو مصير الذين يدافعون عن بلادهم"!


والغريب أن كل هذا كان يحدث في مصر، في الوقت الذي كان النظام الناصري يضلل العالم الاشتراكي، ويوهمه بأنه نظام اشتراكي تقدمي! والأغرب من ذلك أن هؤلاء الذين اكتووا بنظام عبد الناصر أكثر مما اكتوى أحد آخر، وتلقوا الإهانات والتنكيل والتعذيب، وضربوا عرايا كما ولدتهم أمهاتهم، هم اليوم أقوى المدافعين عن هذا النظام!

ولو تخلى اليسار المصري عن مجموعة النصابين الذين يتاجرون بقميص عبد الناصر لحساب الأنظمة الفاشية العربية في المنطقة، لسقط هؤلاء النصابون التجار في الهوة التي خرجوا منها والتي تليق بهم، ولكن اليسار المصري يأبى إلا الإصرار على خطأ رؤيته للنظام الناصري.

فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا غفر الله للمركيز دي ساد!

وقتلوا شهدي عطية ! (الوفد في 24 / 2 / 1997)

في كتاب الدكتور رفعت السيد الصادر عام 1984 بعنوان: "الجريمة، وقائع التحقيق في اغتيال شهدي عطية"، قدم دراسة عن أنواع التعذيب التي شهدها المجتمع البشري منذ نشأته حتى اليوم، فأورد سببا لكل نوع من أنواع التعذيب، إلى أن وصل إلى التعذيب الذي حدث لسجناء الرأي في ليمان أوردي أبو زعبل، فاعترف بأن سببه يعد أغرب الأسباب في التاريخ، لأنه – ببساطة شديدة – بدون سبب!

فقد كتب يقول: "شهدت مصر عبر عصورها الممتدة في ظلال الأزمنة الرديئة أنواعاً غريبة من تجبر الحكام، ومن تسلطهم على الرعايا، وأنواعا أغرب من انتهاك حرمة الإنسان وحريته وجسده، أنواعاً اختفت من ذاكرة الناس بمضي الزمن، مثل" التوسيط – أي الضرب بالسيف في الوسط – بلغة عصر المماليك، والتعصير (أن عصر جسد الإنسان داخل معصرة!)، وتعصير الأكعاب، وتقطيع الأعضاء، والتعطيش (بأن يعطي الإنسان ماء الجير المملح، ثم يترك بلا ماء حتى يجف جلده، ويتشقق، ثم يبدءون في تقطيع جلده الجاف بمنشار!) كما وصفت لنا كتب التاريخ رءوساً محشوة بالتبن، وأجساداً مسمرة بالمسامير على الجدران!

ولكن كان هناك دائماً سبب لكل جريمة من جرائم التعذيب، صحيح أنه سبب غير مقبول وغير مبرر ولكنه سبب على أية حال! ومن هذه الأسباب: "التقرير"، أي تعذيب السجين كي "يقر" بما هو مطلوب منه – أي يعترف بلغة عصرنا.

وهناك "الانتقام" من الخصوم، وهناك "إقامة الحد"، وهناك العقاب على جريمة ارتكبت، او إبعاداً لخصم من ساحة المنافسة.

لكن الذي يتفوق في بشاعته على ذلك كله – كما يقول الدكتور رفعت السعيد – هو ذلك النوع من التعذيب الذي لم تعرف له مصر مثيلاً، لا من قبل ولا من بعد، وهو المتجسد في "مأساة أوردي أبو زعبل"!

"وإذا كان غريباً أن يتواجد هذا النوع من التعذيب المكثف، والمستمر لفترة طويلة، فإن الأغرب هو أن يقع كل ذلك الإثم بلا مبرر حقيقي!

"هل سمع أحدكم بهواية "التعذيب من أجل التعذيب"؟

"إنه التعذيب بغير منطق إلا منطق التسلط! وبغير هدف إلا التشفي من الخصم!

"ولقد تعرض شهدي عطية ورفاقه لتعذيب من هذا النوع .. لا يمتلك أي منطق غير التشفي! "فشهدي ورفاقه لم يكن مطلوباً "تقريرهم" – بلغة عصر المماليك – أي لم يكن مطلوباً إجبارهم على الإدلاء بأية اعترافات، فقد تم التحقيق معهم، وتمت محاكمتهم أمام محكمة عسكرية يرأسها قائد سلاح المدفعية. "كما أنه هو ورفاقه كانوا يؤيدون الحاكم في كثير من خطواته ومواقفه، ولكنهم فقط أصروا على حقهم في الاحتفاظ بحزب مستقل، وامتلكوا انتقادات أساسها افتقاد الحرية للمواطنين"!

ثم يصف الدكتور رفعت السعيد ما حدث في أوردي أبو زعبل بأنه "إجرام منظم"!

وأنه "يثير من التقزز أكثر مما يثير الدهشة! وأنه بشع إلى درجة لا تحتمل"! ويدعو القارئ أن يتحمل معه ألم متابعة أحداث الجريمة التي تمت، من أجل أن يعرف كم هي عزيزة تلك الحرية التي ندافع عنها، وكم من الثمن ندفع عندما نفقدها، ولكي يتحصن ضد الخوف، ويتعلم أن الحرية لا يمكن تجزئتها، ومن أجل ألا تتكرر المأساة لأي سبب، وتحت أية حجة، وخلف أي ستار"!

ويورد الدكتور رفعت السعيد النعي الشجاع الذي نشرته الأهرام يوم 20 يونيو 1960، والذي أنقذ حياة سجناء الرأي بعد تعذيب جماعي لم يشهده عصر من عصور الهمجية في المشرق أو المغرب، "تعذيب جماعي" استمر من نوفمبر 1959 إلى يونيو 1960، ليكون شاهداً على فاشية النظام الناصري.

ويمضي النعي على النحو الآتي:

"عطية الشافعي وأسرته ينعون، بعد أن واروا عزيزهم فخر الشباب الأستاذ شهدي عطية، مقره الأخير. ويقولون لمن واساهم فيه:

"لن نشكركم، فالشكر لكم في هذا الموقف نكران لوفائكم، وشهدي وذكراه ملك لكم وأمانة في ضمائركم.

"أما أنت يا عزيزنا الغائب، فإننا نرثيك بهذا:

فتى مات بعد الطعن والضرب ميتة
تقوم مقام النصر إن فاته الناصر
تردى ثياب الموت حمرا، فما دجى
لها الليل إلا وهي من سندس خضر
وقد كان موت الموت سهلاً، فرده
إليه الحفاظ المر والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنما
هو الكفر يوم الروع أودونه الكفر"!

كان هذا النعي البارع الذي نشرته السيدة راوية شهدي بتريد يس بشجاعة في جريدة الأهرام، هو الذي أنقذ حياة سجناء الرأي وأعفاهم من التعذيب أربع سنوات أخرى. فقد سبق مصرع شهدي عطية ببضعة شهور مصرع الدكتور فريد حداد في تشريفة إبريل في نفس أوردي أبو زعبل، ولم تحدث وفاته ضجة ما، لأن خبر وفاته لم يظهر خارج الليمان، ولم تتمكن زوجته من نشر هذا الخبر في جريدة من الجرائد، فبقي في طي الكتمان، ولكن نجاح زوجة شهدي عطية في نشر خبر مصرعه، مع شهرة شهدي في العالم الاشتراكي، أحدث فضيحة كبيرة للنظام الناصري، ومما زاد في حجم الفضيحة أن عبد الناصر وقتذاك كان في زيارة لليونان ويوغوسلافيا، فتعرى أمام النظام الاشتراكي.

ولذلك يقول حسن المصيلحي ، مهندس التعذيب الذي أفلت من العقاب، في كتابه الذي أصدره عام 1979 تحت عنوان: "قصتي مع الشيوعية"، أنه عند عودة الرئيس عبد الناصر ومعه وزير الداخلية في اليوم الرابع لمصرع شهدي عطية، صدر الأمر بإحالة اللواءين مدير مصلحة السجون ووكيل المصلحة إلى التقاعد. وتولت النيابة والداخلية التحقيق. وكان نصيب المصيلحي فيما بعد النقل إلى مصلحة الجوازات، وهرب بعد ذلك إلى جنيف!

ويسجل الدكتور رفعت السعيد بعد ذلك شهادات سجناء الرأي من واقع محاضر تحقيق النيابة الرسمية، على النحو الآتي:

شهادة الشاعر إبراهيم عبد الحليم، مدير دار الفكر وعضو جمعية الأدباء:

"اللي حصل أننا قضينا أربع شهور في المحاكمة، وكلنا أعلنا أننا نؤيد الرئيس جمال عبد الناصر تأييداً كاملاً، وبالذات شهدي عطية الشافعي ، الذي كان المتهم الأول في هذه القضية. وقد ألقى أربع كلمات أمام المحكمة في هذا المعنى.

"وبعد انتهاء المحاكمة، صدر أمر بترحيلنا إلى أبو زعبل يوم الأربعاء الصبح بدري، وكنت مع شهدي في نفس العربة، وكان في أحسن صحة.

"ونزلونا، ورصونا على الأرض، ووشنا في الأرض واحنا قاعدين!

"واشتغلت عملية الضرب والشتيمة! وبعدها بدأوا يجرونا – ثلاثة ثلاثة – نحو الأوردي، وخلفنا الضابط مرجان، وضابط بشنب يركب حصان، وعساكر كانوا يقومون بالضرب!

"وعندما وصلنا، كان هناك شخص يكتب الأسماء، وأثناء الكتابة كان الضرب شغال! وكان خلع الملابس بالضرب! والحلاقة بالضرب! وكان في الحتة دي الضابط يونس مرعي!

"وبعدين جروني على ظهري على الأرض، وأنا عريان! لغاية الباب، وتولى الضابط عبد اللطيف رشدي عملية الإجهاز الأخيرة: كل واحد يضرب على وشي، والعساكر تضرب بالعصي، وضربني على صدري بالحذاء! وبعدها رحت العنبر، وقام الصول بضربي!

"وأنا كنت في الترتيب بعد شهدي بحوالي صفين، ونادوا على شهدي وضربوه، ومقدرتش أشوف لأني وشي كان في الأرض، وماشفتش مين اللي ضربه، إنما لازم مر بمراحل الضرب اللي أنا مريت بيها، لكن هم كانوا متوصين بيه! لأه المتهم الأول في القضية ومشهور!".

وجاء دور سعد الدين عبد المتعال، وهو مدير نشر، ليدلي بشهادته على النحو الآتي:

"وصلنا الصبح بدري يوم الأربعاء، ونزلنا من العربة، وقعدونا، ورصونا واحنا قاعدين، وخلونا باصين في الأرض!

ووقفوا يضربونا بالعصى الغليظة على ظهورنا! واستمر الضرب فغترة طويل. وصفونا ثلاثات، ووراء كل ثلاثة منا حصان عليه ضابط، وعساكر تضرب بالعصي!

"وعندما يصل الثلاثة للأوردي، يتم ضربهم أمام الباب وداخل الباب!

"وكان معي شهدي، ونور سليمان. وقال ضابط لا أعرفه: فين شهدي؟ فرد قائلاًك أنا يافندم! فضربه هو واللي راكب الحصان، "وبعد كده ماشفتوش!

"واستمريت أجري، تحت الضرب! حتى وصلت قرب الباب، وهناك كان الضابط يونس مرعي، فضربني بالشومة أنا والاثنين اللذين معي!

"وبعد أن حلقت، جروني على الأرض، وأدخلوني عند ضابط اسمه عبد اللطيف رشدي، فضربني علقة بمعرفته! وأدخلوني العنبر.

س – من الذي اعتدى على شهدي وهو بالصف؟

جـ - معرفش

س- من الذي ضربه بعد ذلك؟

جـ- هو كان ورايا، ولازم اللي ضربوني ضربوه".


واستدعى عثمان للشهادة، وسئل عما حدث، وأجاب كالآتي:

"نزلنا من العربات، بعيداً عن الأوردي، وقعدونا على الأرض مدة ساعتين، وأثناء ذلك كان فيه ضرب! وماكناش نقدر نرفع وشنا!

"واحنا قاعدين، واحد ضرب شهدي عطية عدة مرات على رأسه، وهو يقول له: وطي! وسمعت واحد يقول له: كفاية كده يا مرجان بك!

"وبعدين جريت مع الثلاثة بتوعي، والضرب شغال! حتى وصلت إلى كتابة الأسماء!

"وكانت كتابة الأسماء بالضرب! والحلاقة بالضرب! وقلع الهدوم بالضرب! حتى إذا ما وصلت مابقتش عارف أمشي!

"وواحد ضابط وقعني في قناية قدام السجن، وحط رأسي في الماية عدة مرات! وكان قاعد قصادي اللواء همت، ومعه جماعة لا أعرفهم.

"وبعدين سحبونا على الأرض حتى داخل الباب، فاستلمني ضابط اسمه عبد اللطيف رشدي، وطلب مني أن أقول: أنا امرأة!

"وضربني بقسوة على ظهري، وأنا بزعق! وضربني بالجزمة!

"ورحت العنبر، وكان فيه صول ضربني ودخلت!".

س- من شاهدته يعتدي على شهدي؟

جـ- قدامي واحنا قاعدين ضربه مرجان! وواحد اسمه صلاح طه نادى على شهدي وقال: تعال! وأول ما وقف استلموه بالشوم! وأنا كنت من الناس اللي بعده.

س- هل وقع عليكم الكشف الطبي؟

ج- واحد دكتور أسمر جاء يكشف علينا، وماكشفش علينا! وماشفش الإصابات! ولكن حول أربعة كانوا فاقدين الوعي إلى المستشفى! وكان العساكر يضربوننا أمامه في العنبر!".

والضرب بالشوم " لفتح الشهية " ! (الوفد في 3 مارس 1997)

عرضنا في المقال السابق أقوال بعض سجناء الرأي الذين خاضوا تجربة أوردي أبو زعبل الوحشية، ورأينا مدى احترام النظام الناصري للمثقفين والمفكرين والأدبار والكتاب والعلماء، وكيف استخدم زبانيته في ضربهم بالأحذية لتأديبهم، لمجرد خلافهم في الرأي مع عبد الناصر حول الديموقراطية والوحدة المصرية السورية، وليس لأنهم نآمروا لإسقاط النظام!

ونواصل في هذا المقال تسجيل اعترافات هؤلاء السجناء، من واقع تحقيقات النيابة الرسمية، التي اضطر عبد الناصر إلى الأمر بإجرائها بعد الفضيحة التي تعرض لها عقب نشر نعي شهدي عطية الشافعي في الصحف، وقد أوردها الدكتور رفعت السعيد في كتابه "الجريمة، وقائع التحقيق في اغتيال شهدي عطية".

وفيما يلي أقوال جمال الدين محمد غالي ، وهو دكتور كيماوي، وكان مصاباً:

"احنا ركبنا اللوريان من إسكندرية بالليل، لكي ترحلنا إلى ليمان أبو زعبل. وقد وصلنا في الساعة الخامسة صباحاً، ونزلنا من اللوريات، فقعدونا أربع طوابير، على أطراف الأرجل، ورءوسنا في الأرض، ! وبقينا على الحالة دي حوالي ساعة ونصف.

"ثم جاء واحد من حضرات الضباط أعرف شكله، وقال لي: انت عارف الحتة دي؟ قلت: دا الأوردي! قال: أما حربيك هنا! وانهال عليّ بالضرب بعصا على ظهري، وسبني.

"ثم أمسك من بجواري في الطابور، وهو أحمد خضر، وضربه أيضاً!

"وبعد ما انضربنا، ومضت مدة حوالي نصف ساعة، خلونا طوابير: ثلاثة ثلاثة، وجاء الدور على الثلاثة اللي أنا فيهم، فأوقفوا وراءنا عساكر معهم عصي، والوا لنا: اجروا! فجرينا والعساكر اللي وراءنا يضربونا! وكان هناك ثلاثة مجاميع عساكير نمر عليهم، فأول ما نوصل يضربونا! واللي يقع يضربوه على رأسه! لغاية ما وصلنا الأوردي.

"وهناك عند الباب كان فيه واحد بيكتب الأسمار، فكنا نملي أسمائنا والضرب شغال بالشلاليت!

"وبعدين قدمونا للحلاقة، وأثناء الحلاقة ضرب بالأقلام"!

"وبينما كنت أدور وشي، شفت السيد وكيل السجون اللواء إسماعيل همت ، والقائمقام الحلواني مأمور سجن الحضرة بالإسكندرية، وكان حصر معنا من الإسكندرية.

"وبعد بدأ قلع الهدوم! وأخذ الضرب ينهال علينا ونحن قالعين ملط"!

"وهنا دخت، وجالي اضطراب، فقالوا لي: اقف وامشي! وقابلني صول ضربني، وقال لي: اجري!

"فدخلت عنبر، وجت واقع جوه العنبر. وجاء عسكري صغير معاه عصاية، وقال لي: البس الهدوم دي. وبعد شوية جه واحد عسكري تمرجي، وحط صبغة يود على الجرح. وبعد شوية مر واحد دكتور، شاف الناس التعبانين خالص وأمر بنقلهم إلى المستشفى، فوجدت الثلاثة: مبارك ونور ومحمد عباس، وكانوا مضروبين أكثر مني! وبعدين ادونا علاج"

س- بأي شيء وقع عليكم الاعتداء!

جـ- شوم، وكرابيج، وعصي، وأفراع شجر، وجريد!

س- ما سبب الاعتداء عليكم؟

جـ- معرفش ليه! سمعنا في الإسكندرية بعد المحاكمة أنه عندما نصل إلى الأوردي حنضرب علقة! فطلبنا من المحكمة في آخر الجلسة أنها تحافظ علينا لغاية صدور الأحكام. واحنا كلنا قررنا في المحكمة وأثناء الجلسة أننا مؤيدين للرئيس جمال عبد الناصر!

س- هل كان شهدي عطية بسيارتك؟ وما الحالة الت كان عليها؟ وهل وقع عليه اعتداء؟

جـ- أيوه وكان كويس جدا، وهو كان عليه الدور بعدي، وأنا كنت دايخ في العنبر، والناس اللي وصلوا بعدي سمعتهم يقولون إن شهدي اتبهدل من الضرب، وهو رجل كبير في السن مش زينا، ما يتحملش!


ثم جاء دور محمد عباس فهمي، بدار الفكر للترجمة والنشر، وأدلى بأقواله على النحو الآتي:

"ركبنا العربات من الإسكندرية ووصلنا الصبح بدري يوم الأربعاء، والقوة اللي كانت جايبانا انصرفت.

"وبعدين قعدونا على الأرض فترة طويلة، وكان فيه عساكر ماسكين شوم، وواحد ضابط راكب حصان، وأخذوا يضربونا واحنا قاعدين، وهم يقولون: دي لفتح الشهية! ومقدرتش أشوف الضباط دول لأن وشنا كان في الأرض!

"وقفنا ثلاثة ووشنا في الأرض. وطلبوا منا أن نجري، وطول السكة كانت عساكر تجري ورانا، ويضربونا، وفي السكة أيضاً كان هناك عساكر يضربونا كل ما نفوت عليهم! لغاية ما وصلنا الأوردي.

"وبعدين أخذونا إلى ترابيزة عليها واحد بيكتب الأسماء، وهنا ضربني واحد عسكري بالقلم، وواحد تاني ضربني بشومة.

"وبعدين رحت عند حلاق، وكان فيه ضرب أيضاً!

"وبجوار الباب كان الضابط يونس مرعي واقفاً، فخلاني نمت على الأرض، ووشي على الأرض واثنين عساكر جروني لغاية جوة!

"واستقبلني الضابط عبد اللطيف رشدي، وضربني بالبوكس في وجهي وظهري وقلبي ورقبتي. وغالبا الإصابة اللي في رقبتي من هذا الضابط.

"وبعدين قالوا لي: قوم على العنبر. وهناك قابلني واحد صول، ونزل فيا ضرب!

"وبعد شويه جه الدكتور للكشف علينا، فأنا وقعت وأغمي عليّ، ونقلني للمستشفى!

س- هل شاهدت اعتداء وقع على شهدي؟

جـ- هو كان في الدفعة اللي قدامي، وواحد ضابط جاء وقال: فين شهدي عطية؟ ونزلوا عليه ضرب! وماقدرتش أرفع وشي من على الأرض علشان أبص! وبعدين قام في الدور بتاعه، وماعرفتش ايه اللي حصل له!". ثم جاء دور المناضل مبارك عبده فضلأ، من مكتش الثقافة والنشر العمالية، وأدلى بمعلوماته كالآتي:

"اللي حصل هو أنني جئت مع زملائي ووصلنا لغاية أوردي أبو زعبل، ونزلنا بعيد عن السجن، ثم مشيت القوة اللي جابتنا، وقعدونا مع الشتيمة!

"وكان في تقريبا ثلاثة ضباط: واحد راكب حصان، واثنين ماشيين، عرفت منهم مرجان، لأني أعرفه من أيام سجن الاستئناف. وضربني عدة مرات في مواضع مختلفة من جسمي. وشفته بيضرب كثير من زملائي بعصا وشوم!

"وبعد مدة طويلة استمرت حوالي ساعتين، خلوا كل ثلاثة يجروا مع بعض، وعلى طول الفناء كنا نجري ونقع، فيضربونا! وأنا كنت في آخر ثلاثة.

"وكانوا حاطين ترابيزة، وفيه واحد بيكتب الأسماء، وساعتها كان الضرب مستمراً، حتى أغمي علي!

"وبعدين ودوني عند الحلاق، وكان في ضرب برضه! حتى وصلنا قرب الباب، وكان فيه ضابط اسمه عبد اللطيف رشدي، فأمر بأن نقلع عريانين خالص!

"وكان مع الضابط عبد اللطيف رشدي فرقة، كفوني على بطني ووشي، واشتغل الضرب على ظهري لغاية ما أغمي علي مرة ثانية!

"وبعدين أعطونى برش ملفوف، والصاغ حسن منير وقف على ظهري لغاية ما أغمي علي! لكن ما ضربنيش شخصيا. وأنا حصلت لي صدمة عصبية، وشالوني إلى المستشفى، وادوني علاج". ثم استدعى محمد نور الدين سليمان جاسر، سكرتير مكتب النشر والثقافة العمالية، وقال:

"وصلنا هنا يوم الأربعاء الصبح بدري، وقعدونا على الأرض لمدة أكثر من ساعة، وفي طول هذا الوقت كانوا بيضربونا أيضاً في الوقت ده!

"وبعدين طلبوا منا أن نجري، ثلاثة ثلاثة. وكنت مع شهدي الذي توفى والثالث مش متذكره.

"وجرينا مسافة حوالي ألف متر، وأنا كانت شيلتي ثقيلة: كيس وبطانية. ومكنتش قادر أجري، وكان الضرب شغال أثناء الجري! وأثناء الجري وقعت مني البطانية، ووقعت ست مرات!

"ووصلنا البوابة، وقلعوني ملابسي، وحلقوا شعري، وكتب اسمي – وكل ده بالضرب!

"وشفت شهدي، كان دامي، وحطينه في حفرة ماء، وعسكري يملأ مية ويدلق عليه!

"وبعدين جروني من رجلي! وأدخلوني من الباب، فاستلمتني فرقة ثانية بقياة اليوزباشي عبد اللطيف رشدي، وكان الضابط يضرب مع العساكر، فدخت ووقعت، وقلت: "أنا عيان بالقلب والصدر! ولكنه كان يضرب ويقول:

"قل:أنا مرة! وشالوني ورموني في العنبر. وجت لي الصدمة العصبية، والدكتور كمال شافني، وحولني على المستشفى.

س- بماذا كانوا يضربون؟

جـ- بشوم وعصى، والرجلين واليدين!

س- من الذي شاهدته بخصوص الاعتداء على شهدي عطية؟

جـ- بره واحنا بنجري، مخدتش بالي مين اللي ضربه، لأن أنا كنت عيان، ولكن شفته لما داخ، وحطينه في الماء!

"وجوّه شفت الضابط عبد اللطيف رشدي هو اللي بيضربه! وعريان ملط ونايم على وشه، والضرب على الظهر من الضابط والعساكر اللي معه!

س- هل وقع اعتداء على شهدي أثناء جلوسكم قبل الجري؟

جـ- أيوه، كان فيه راكب حصان جه وقال: تعال هنا يا شهدي! ونزل فيه ضرب! ولكن ماعرفش اسمه، وأعرف شكله.

ولو عرض عليّ ضباط قوة السجن أقدر أقدّر اللي كانوا بيضربوا فيه. لقد كانت هناك فرقتان: واحدة بالداخل وواحدة بالخارج!

وأعتقد أنهما اشتركتا في ضربنا معاً.

س- هل لديك أقوال أخرى؟

جـ- حاسس أن فيه كسر في كتفي الشمال، وعايزعلاج كويس!"


وواضح من هذا الأقوال أن شهدي عطية كان مقصوداً منذ البداية. فتتفق الأقوال على أنه استدعي بالذات من بين إخوانه بعد استقباله في أثناء وضع الجلو، حيث انهال الضابط ضرباً على رأسه بالشوم وهو يقول له: وطي – أي أخفض رأسك!

وكان شهدي عطية بذلك يدفع ثمن حماسه لعبد الناصر، الذي كان يعرضه لخلافات مع زملائه الذين كانت ليدهم تحفظات على النظام. ولكن هذا الثمن بالذات كان هو الذي يدخره عبد الناصر لمؤيديه! فقد أيده الشعب المصري، فعرض الجيش المصري للضرب مرتين: مرة عام 1956، والأخرى في يونيه 1967. وقد كانت مشكلة شهدي عطية الشافعي أنه كان يؤيد عبد الناصر وهو يرفع رأسه! إذ كان يصدق نداء عبد الناصر الشهير الذي أطلقه: ارفع رأسك يا أخي!

ومن هنا جاءت التوصية به خصيصاً فور وصوله إلى أوردي أبو زعبل، بعد أن أعدت له "تشريف" خاصة تناسب زعامته .. تشريفة تخفض رأسه المرفوع! ومن هنا أيضاً كان رأسه هو الهجف، وكانت صيحة الضابط الذي ينهال عليه ضرباً: وطي!


لم تكن أبداً ثورة تقدمية وإنما كانت انقلاباً عسكرياً فاشياً (الوفد في 3/10/1997)

أريد أن أصارح القراء الأعزاء بأنني قبل أن أبدأ كتابتي هذه السلسلة من المقالات عن "ثورة يوليو وحقوق الإنسان" كنت أرى أن ثورة يوليو ثورة تقدمية خطيئتها الكبرى هي اعتمادها على الجيش وتسليم مقاليدها إليه بدلا من الشعب، الأمر الذي وضع الجيش فوق كل رقابة شعبية، وحوله من أداة في خدمة نظام الحكم إلى جهاز للحكم يركتب من الأخطاء ما يشاء وهو بعيد عن المحاسبة.

على أني بعد أن مضيت في هذه الدراسة عن موقف عبد الناصر من حقوق الإنسان، تسرب إلى الاعتقاد تدريجياً بأن هذه الثورة لم تكن بحال تقدمية وإنما هي منذ البداية ثورة فاشية، أو هي فاشية عسكرية مني بها الشعب المصري منذ البداية، واستخدمت كل أدوات الفاشية التي عرفها التاريخ في إحكام سيطرتها وهيمنتها على الشعب.

يب تحقق لي أن المجموعة التي حكمت مصر وسميت باسم ثورة يوليو، لم تكن إلا عصابة فاشية عسكرية تخفت تحت شعارات حركة التحرر الوطني، واستطاعت أن تخدع الشعب المصري وشعوب العالم العربي والعالم الثالث، في ظروف تاريخية معينة أتاحت النجاح لهذا الادعاء وهي ظروف الحرب الباردة!

وهذا فسر لي حقيقة كنت أمر عليها مر الكرام، ولكني في هذا الضوء الجديد، تبينت كم كانت قاطعة وحاسمة في تحديد هوية هذه الثورة، وتحديد هوية العصابة التي حكمت مصر.

هذه الحقيقة هي أن الثورة تخلصت منذ أيامها الأولى وقبل اكتمال سنتين على عمرها من جميع العناصر الليبرالية – وهي حقيقة كافية في حد ذاتها لتحديد هوية الثورة الفاشية لكل من يعرفون ألف باء الفكر السياسي، ولا يمكن أن يختلف عليها أحد إلا إذا كان جاهلاً أو مضلاً!

والغريب أن هذا التقييم كان هو تقييم الحزب الشيوعي المصري للثورة بعد ثلاثة أيام فقط من قيامها! وكان هذا الحزب قد تألف قبل ثلاث سنوات من قيام الثورة ـ أي في ديسمبر 1949 ـ من كل من الدكتور فؤاد مرسي والدكتور إسماعيل صبري عبد الله وسعد زهران ومصطفى طيبة وداود عزيز.

فعندما قامت الثورة ـ أو حركة الجيش كما كانت تطلق على نفسها ـ أخذ الحزب يخاطبها مخاطبة ودية لمدة ثلاثة أيام: 23، 24، 25، ويدعوها إلى التآخي مع الشعب عن طريق: إطلاق الحريات الكاملة، والإفراج عن المسجونين السياسيين في البلاد، ودعوة الجماهير إلى الحركة، فلما فعلت الثورة العكس فمنعت المظاهرات الوتجمهر، أعطى ذلك للحزب الشيوعي تحليلاً بأنها انلاب عسكري ذو طبيعة فاشية، وأصدر منشوراً يوم 26 يوليو يحذر من هذا الانقلاب، وكان تحت عنوان: "الخدعة الكبرى"!

وسرعان ما أكدت تصرفات الثورة بعد ذلك صحة تحليل الحزب الشيوعي المصري، عندما أبدت الثورة عداءها للأحزاب، دون تمييز بين أحزاب رجعية وأحزاب تقدمية وأحزاب ديموقراطية، كما أبدت عداءها للطبقة العاملة إلى حد دفعها إلى إعدام قادة إضراب مصنع كفر الدوار، ظلماً وعدواناً لمجرد الردع وطمأنة الاستثمارات!

وقد استمر الحزب الشيوعي المصري على هذا الرأي في ثورة يوليو حتى مؤتمر باندونج وعقد صفة الأسلحة الروسية، فتغير موقفه من الثورة. والغريب أنه ثبت على هذا الرأي على الرغم منا لقبض على إسماعيل صبري عبد الله في منتصف 1955 وتعذيبه في السجن عذاباً شديداً!

ولعل الدكتور فؤاد مرسي عاد إلى رأيه الأول في فاشية ثورة يوليو وهو يخوض تجربة "تشريفة" أبو زعبل بينما هو مصاب بانفصال شبكي، وكرابيج وعصي زبانية عبد الناصر تنهال عليه وهو عار كما ولدته أمه تطارده وهو يجري إلى العنبر! على أنه بعد أن التأمت جروح أوردي أبو زعبل التي ملأت جسده، عاد إلى الاعتقاد بتقدمية هذه الثورة!

وهذا يوضح تخبط اليسار المصري في تحديد هوية ثورة يوليو، مع ان جميع الدلائل منذ البداية كانت حاسمة في تحديد الهوية، عندما أخذت الثورة في التخلص من العناصر الإشتراكية الحقيقية والليبرالية داخل الضباط أنفسهم، في الوقت الذي كانت تتخلص منهم بإلقائهم في السجون بين أفراد الشعب!

فق تخلصت الثورة أول ما تخلصت من القائمقام يوسق صديق، صاحب الفضل الأول في استيلاء حركة الجيش على قيادة الجيش، وبدونه كانت تسحق حركة الجيش سحقاً، ومن أجل هذا الدور ضم إلى الضباط التسعة الذين يكونون قيادة التنظيم.

وكان القائمقام يوسف صديق اشتراكياً عظيماً استمر أميناً وفياً لمبادئه بعد ضمه لمجلس قيادة الثورة، وكان في الوقت نفسه نصيراً للحرية. فكما يقول اللواء محمد نجيب في مذكراته: "كان يوسف صديق شديد الوضوح في معارضته لقانون تنظيم الأحزاب "الذي أرادت به الثورة ضرب الحياة الدستورية" كما كان معارضاً لضرب الوفد على غير أساس ديمقراطي، وكان يدعو للتمسك بالدستور، ودعوة البرلمان للانعقاد لتعيين مجلس الوصاية.

كما أنه كان شديد الثورة والرفض لاعتقال الزعماء السياسيين دون اتهام، وطالب كثيراً بإلغاء الرقابة على الصحف وتكوين اتحاد عام للعمال.

ولم يكن يوسف صديق يكتفي بالكلام داخل مجلس قيادة الثورة، بل كان يبدي آراءه وينشرها خارج المجلس بين الضباط الأحرار، الأمر الذي أدى إلى انتشار التذمر بين ضباط المشاة. وعندما ضرب مجلس قيادة الثورة تنظيم ضباط المدفعية في يناير 1952، واعتقل الضباط وأدخلهم السجن بملابسهم العسكرية، لم يتردد يوسف صديق في تقديم استقالته، فقد وصل الأمر بينه وبين زملائه إلى نقطة اللاعودة. وعندما حاول محمد نجيب إثنائه عن هذه الاستقالة أصر عليها قائلاً: إنه لا يمكن أن يرتبط مع مجموعة لا يوافق على سياستها.

وقد حاول عبد الناصر تعيينه بعد ذلك سفيراً لمصر في الهند على سبيل الرشوة، ولكنه رفض وصارح عبد الناصر برأيه فيه، وهو أنه: دكتاتور! وقد نفت الثورة يوسف صديق في إبريل 1953 ، ثم حددت إقامته.

كان الضابط اليساري الآخر الذي تخلصت منه الثورة هو خالد محي الدين، وكان بدوره نصيراً للحرية داخل قيادة الثورة، ومن هنا وقف موقف المعارضة من مشروع التوفيق والتحكيم في منازعات العمال الرجعي الذي أرادت الثورة إصداره بدلا من القانون رقم 105 لسنة 1948، عندما رآه يحرم العمال من حق الإضراب والامتناع عن العمل بأية صورة من الصور، ويمنح صاحب العمل في الوقت نفسه حق الفصل التعسفي.

فقد أدرك أن إصدار هذا القانون مع وجود وسائل الإنتاج في يد الطبقة الرأسمالية وابتعاد الثورة عن الفكر الاشتراكي، سوف يلقي الطبقة العاملة تحت أقدام الرأسمالية دون أي حق أو حماية.

ثم أخذت المواقف بينه وبين مجلس قيادة الثورة تتباعد عندما أخذ يصوغ نظريته في الشكل الذي تتحول إليه الثورة، في سلسلة من المقالات ظهرت في عام 1953 ، في الوقت الذي كانت جميع القوى التقدمية والديمقراطية وعلى رأسها الوفد قد أدانت الثورة بالانحراف عن أهدافها الديمقراطية، وكانت نظريته تقوم على تقوية نقابات العمال وضمان حرية المواطن في الرأي والعقيدة، وعمل الجمعيات والأحزاب، وحق التظاهر السلمي لجميع المواطنين وحق الإضراب السلمي.

وكما أدت آراء القائمقام إلى القطيعة بينه وبين مجلس قيادة الثورة، فكذلك أدت مواقف خالد محي الدين إلى نفس النتيجة. فقد ظهر موقف خالد محي الدين إلى جانب الديمقراطية بصورة صارخة في أكبر أزمة هددت الثورة، وهي أزمة مارس 1954، التي سحقتها الثورة سحقاً، وكان خالد محي الدين أحد ضحاياها، فلم يكن له، وهو الذي كان يدعو إلى استمرار الثورة في شكل ديمقراطي، أن يبقى فيها بعد أن وصلت إلى نقطة اللاعودة في طريقها الدكتاتوري، فأصر على تقديم استقالته في إبريل 1954، وأبعده عبد الناصر إلى الخارج، ولم يسمح له بالبقاء في مصر.

- كان الضابط اليساري الثالث الذي تخلصت منه الثورة هو أحمد حمروش. وكانت الثورة قد أسندت إليه في سبتمبر 1953 رئاسة مجلة تتحدث باسم حركة الجيش باسم "التحرير" فلما أخذت المجلة تتجه بصفحاتها بوضوح نحو تأكيد مبادئ الديموقراطية، ونشر فكر تنظيم "حدتو" الشيوعي الذي كان يؤيد الثورة، أقالت الثورة حمروش من رئاسة تحرير مجلة التحرير، ثم أمرت باعتقاله في حركة اعتقال الضباط يوم 15 يناير 1953 ضمن مجموعة المدفعية ورشاد مهنا، رغم عدم صلته بهم! وأخذت في اعتقال الشيوعيين يوم 16 يناير، فاعتقلت 48 شيوعياً، وصادرت الجرائد والمجلات اليسارية التي كانت موجودة في عهد الوفد، مثل الكاتب والملايين والميدان والواجب وصوت الطالب والمعارضة، وبقي أحمد حمروش في الاعتقال خمسين يوماً دون تحقيق أو أسئلة!

وقد مضت الثورة الفاشية في اعتقال الشيوعيين بسبب انضمامهم إلى القوى الديموقراطية التي تضم الوفديين والاشتراكيين وأنصار السلام التي كونت "الجبهة الوطنية الديموقراطية" وقدمت الجبهة الوطنية الديموقراطية إلى المحاكمة بعد أن اعتقلت المكتب السياسي لحدتو والنائب الوفدي حنفي الشريف واليوزباشي مصطفى كمال صدقي وسعد كامل وزوجته، ووصل الصدام ذورته في نهاية عام 1953 ، الأمر الذي مهد لأزمة مارس 1954.

هذا العرض الموجز لصدام ثورة يوليو مع القوى الإشتراكية والليبرالية، كاف لتحديد الهوية الفاشية للثورة، خصوصاً ولم يكن هذا الصدام صداماً مؤقتاً، بل كان صداماً دائماً مستمراً، بلغ ذروته في حملة اعتقالات يناير 1959، عندما اعترض الشيوعيون على شكل الوحدة المصرية السورية وموقف ثورة يوليو الدكتاتوري من قضية الديمقراطية السياسية التي كانت سوريا تتمتع بها قبل الوحدة.

لقد انفجر حقد الفاشية الناصرية على الشيوعيين على نحو لم يحدث حتى في أعتى النظم النازية. فعلى الرغم من أن الشيوعيين في ذلك الحين كانوا يعلنون تأييدهم الصريح لنظام عبد الناصر، تحت الوهم بأنه نظام تقدمي، فإن هذا النظام لم يتردد في اعتقالهم والزج بهم في المعتقلات في طول مصر وعرضها، ولم يكتف بذلك مما يمكن أن يغتفر له، وغنما نكل بهم تنكيلاً، وألحق بهم عذاباً جماعياً لم يسبق له مثيل، وذلك بغير هدف إلا هدف التعذيب والتنكيل!

فعلى حد قول الدكتور رفعت السعيد في كتابه: "الجريمة، وثائق عملية اغتيال شهدي عطية"، فإن تاريخ التعذيب الذي شهدته المجتمعات البشرية منذ نشاتها لم يشهد تعذيباً من أجل التعذيب إلا في عصر ثورة يوليو! لقد شهد المجتمع البشري تعذيباً لانتزاع الاعترافات من المعتقلين، فإذا تم الاعتراف انتهى التعذيب، كما شهد التعذيب عقابا على جريمة ارتكبت، ولكن لم يشهد تعذيباً من أجل التعذيب وبغير منطق ولا عقل ولا سبب ولا هدف غير التعذيب نفسه!

د . لويس عوض .. وفوازير عبد الناصر ! (الوفد في 17 / 3 / 1997)

تصحيح تاريخ الشعوب عملية مستمرة كلما سمحت بها الوثائق التاريخية التي تظهر تباعاً، أو تكشفت حقائق جدد. والشعوب الحية لا تتردد في تصحيح تاريخها أولاً بأول حرصاً على تكوين ضميرها القومي تكويناً صحيحاً، وعلى سلامة ذاكرتها القومية، وبناء مستقبلها على أساس سليم يستفيد من تجارب الماضي.

وهذا ما نراه حالياً في روسيا ودول شرق أوروبا التي لم تتجه اتجاهها الحالي الاقتصادي والسياسي إلا بعد أن قامت أولاً بتصحح تاريخها وفقاً لما تكشفت عنه الأحداث، وأعادت تقييم تجربتها السابقة في إطار المتغيرات الدولية والمحلية.

وهذا التصحيح، وما يترتب عليه من تغيير، يؤدي بالضرورة إلى تغيير المصطلحات والمفاهيم وفقاً لحركة التاريخ، فما يطلق عليه اتجاه تقدمي قد يتحول مع التصحيح إلى اتجاه رجعي، وما يطلق عليه اسم يساري، يتحول مع التصحيح إلى اتجاه يميني!

وهذا ما يحدث حالياً في روسيا، فبعد أن كان الاتجاه الشيوعي يطلق عليه اسم اتجاه يساري، يعني أنه اتجاه تقدمي، صار اليوم يطلق عليه اسم اتجاه يميني، بمعنى أنه اتجاه رجعي يعود بروسيا ودول أوروبا الشرقية إلى الوراء ولا يمضي بها إلى الأمام!

وما نقوم به اليوم على صفحات جريدة "الوفد" الغراء من دراسة حول موقف ثورة يوليو من حقوق الإنسان، هو محاولة لتصحيح تاريخ مصر في فترة حكم ما عرفت باسم "ثورة 23 يوليو".

على أنه يجب أن أعترف بأن ما أقوم به ليس جديداً، بل له سوابق من مفكرين مصريين حاولوا إعادة تقييم تجربة ثورة يوليو توصلاً إلى حقيقة هويتها.

وقد كان من هؤلاء المفكرين الدكتور لويس عوض في كتابه "أقنعة الناصرية السبعة" الذي كتبه بذكاء وحذر شديدين بقدر ما سمحت له الظروف التي كتب فيها بعد عودته من جامعة كاليفورنيا عام 1975، واستطاع أن يقول فيه كل ما أراد قوله عبر جسور ذكية أقامها بمهارة لموازنة الأفكار الخطيرة التي طرحها ولم يكن لها سابقة في نقد هذه الثورة من مفكر يساري.

فقد طالب المصريين "بالنظر إلى فترة 19521970 نظرة موضوعية تعطي لعبد الناصر ونظامه ما له وما عليه، وقال إن أكثر الذين يحاسبون عبد الناصر في ذلك الوقت، لا يحق لهم أن يحاسبوه" لأنهم كانوا أدوات له في كثير مما ارتكب من أخطاء! وهم الذين وطدوا له فيما أخطأ وعوقوا سبيله كلما أصاب!

وفي الوقت نفسه هاجم الذين "ينتفضون غضباً إن سمعوا رجلاً يتوجع من مكروه أصابه في عهد عبد الناصر، ويزمجرون غيظاً إن خدش له أحد طرفاً! كأن شخص عبد الناصرغدا مقدساً له رهبوت الأنبياء! دون أن يدركوا أنهم ينتهون في النهاية – دون أن يعلموا – بالدفاع عن صلاح نصر وليس عن عبد الناصر!".

وقال إنه من الضروري أن نحاكم الماضي في موضوعية ودون تشنج، فقد كان من أخطاء ثورة يوليو أنها اشتغلت بتحطيم مقومات ثورة 1952 نفسها! حتى إنها طمست في عقول أجيالها الفرق بين سعد زغلول ومصطفى النحاس من جهة، وبين محمد محمود وإسماعيل صدقي من جهة أخرى!وبين العرش من جهة، والشارع المصري من جهة أخرى! وأذابت الفوارق بين الرجعية والتقدمية حتى بدت ثلاثون عاماً من كفاح الشعب العظيم من أجل الاستقلال الوطني والديمقراطية السياسية والاجتماعية، وكأنها ثلاثون عاماً من حكم الإرهاب!

ثم بدأ الدكتور لويس عوض في هدم ثورة يوليو وإعلان إفلاسها من الناحية الأيديولوجية (النظرية) فقال: إن الثورة بدأت في عام 1952 برفع ثلاثة شعارات – على غرار "الثالوث الفرنسي" في الثورة الفرنسية وهو ثالوث: "الحرية والمساواة والإخاء" الذي أعلنته الثورة الفرنسية أصلا ليحل في الوجدان الفرنسي محل "الثالوث المسيحي" (الأب والابن والروح القدس)، ويصبح عقيدة للقيادة الجديدة، أو محل "ثالوث الكنيسة الكاثوليكية": الإيمان والأمل والإحسان. وقد شاعت عادة "التثليث الإنساني" بدلا من "التثليث الإلهي" في أكثر الثورات والنظم الانقلابية منذ ذلك الحين، فأعلن هتلر أن رسالة المرأة هي "الأطفال والكنيسة والمطبخ" وأعلن زعماء مصر الفتاة في مصر في الثلاثينيات (أحمد حسين وفتحي رضوان) أن شعارهم هو: "الله والوطن والملك"، وسك الماريشال بيتان على العملة الفرنسية شعار فرنسا الجديد تحت الحكم النازي وهو "العمل والأسرة والوطن"، بدلا من "الحرية والمساواة والإخاء".

وهذا ما فعلته ثورة يوليو، فأعلنت في عام 1952 أن شعارها هو: "الاتحاد والنظام والعمل"! وفي سنة 1962 ومع الميثاق أعلنت شعاراً آخر هو "حرية واشتراكية ووحدة"!

وقال الدكتور لويس عوض إنه في أزمة مارس "حين سألنا الثورة قائلين: "الاتحاد والنظام والعمل" كلام جميل، ولكن هذه "واجبات الإنسان" فأين هي "حقوق الإنسان" التي تعد الثورة بها المواطنين إذا قاموا بواجباتهم؟ جاء الرد في عام 1956 في دستور 1956، ثم في المبادئ الثلاثة المعلنة في الميثاق في عام 1962. فهذه المبادئ الستة والمبادئ الثلاثة هي "العقد الاجتماعي" الذي عاهدت الثورة عليه المصريين وأرادت المصريين أن يتعاهدوا عليه.

ولكن إذا نظرنا إلى المبادئ الستة، وهي القضاء على الاستعمار، والقضاء على الإقطاع، والقضاء على الاحتكار الرأسمالي، وإقامة جيش وطني، وغقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة. نرى انها تدل – بترتيب بندها – على سلم الأولويات في ذهن عبد الناصر وصحبه، وعلى أن الثورة ظلت لعشر سنوات على الأقل حتى عام 1962 "ترى أعداءها قبل أن ترى غايتها"!

فالمبادئ الثلاثة الأولى هي مبادئ تحطيم. وليست مبادئ نظام، أما المبادئ الثلاثة الأخيرة، وهي إقامة جيش وطني وقوي، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، فهي لا تعني شيئاً محدداً، باستثناء مبدأ الجيش الوطني القوي!

"إن هذه المبادئ إنما هو عموميات في عموميات! فماذا تكون هذه "العدالة الاجتماعية"؟ وما تعريفها؟ وما أسسها وحدودها؟

"أهي عدالة اجتماعية كما يراها من يملكون، أم عدالة اجتماعية كما يراها من لا يملكون؟ أهي عدالة أصحاب المائة فدان، أم عدالة الفلاحين الحفاة الذين فلحوا لهم الأرض؟ أهي عدالة صاحب المصنع أو المتجر، أو عدالة الأجراء العاملين في مصنعه أو متجره؟ أهي عدالة صاحب العمارة أم عدالة سكان العمارة؟ أهي عدالة الإحسان والوازع الخلقي أم عدالة الحقوق الطبيعية؟ أهي عدالة المنتج أم عدالة المستهلك؟

"وبالمثل، فماذا تكون هذه الديمقراطية السليمة؟ ومن الذي يحدد إن كانت هذه الديمقراطية أو تلك سليمة أو غير سليمة؟

"نحن نعرف أن معنى الديمقراطية الحرفي هو "حكم الشعب"، وأن سبيلها التقليدي هو اختيار الشعب من يراه من الوكلاء السياسيين، ليمثلوه ويعبروا عن مصالحه، وليحكموا ويحققوا مصالحه. فهل تكون الديمقراطية سليمة إذا حمينا الشعب من خطأ الاختيار، وبالعزل السياسي لمن نقدر أنهم أعداء الشعب؟

"ومن الذي يقدر إن كان هذا الرجل أو ذاك عدو الشعب أم صديق الشعب؟ نحن أم الشعب نفسه؟

"هل نحن متفقون على أن الشعب يحاج إلى وصاية أجهزة الاتحاد القومي والإتحاد الإشتراكي والمخابرات والمباحث الذين يستطلعون دخائل الناس ودخائل الأمور ولا يقفون عند ظاهر الحال؟".

ثم ينتقل الدكتور لويس عوض إلى الإشتراكية التي وعدت بها الثورة المواطنين، فيسخر منها قائلاً: إنها شيء غامض!، لأنه بحسب – تعريفه في الميثاق – مطاط يتسع لكل شيء: ففيه مكان للقطاع العام، وفيه مكان للقطاع الخاص! وفيه وعد بتذويب الفوارق ولكن كيف يكون: هل يكون بنسبة واحد للعامل إلى مائة لرئيس مجلس إدارة المؤسسة؟ أو واحد للعامل إلى مائة ألف لبعض المقاولين؟

ثم إن الثورة تقول إن هذه الإشتراكية "منبثقة من واقعنا"! دون أن تحدد هذا الواقع كما تؤكد أن اشتراكيتنا ليست اشتراكية مستوردة، أي أنها ليست كاشتراكية الخواجات في الاتحاد السوفيتي (الشيوعية) أو فيألمانيا الهتلرية (النازية) أو كاشتراكية حزب العمال البريطاني (الفاشبية)!

لهذا السبب – كما يقول الدكتور لويس عوض – حارت عقول المفكرين في "الميثاق"! فمن قائل إنه يرسي أسس الإشتراكية العلمية (الماركسية)! ومن قائل إنه يحترم الرسالات السماوية وإنه يرسي أسس الإشتراكية الدينية! ومن قائل: بل هو يرسي أسس الإشتراكية العربية! ولولا الحياء لقالوا: إنه يرسي أسس "الإشتراكية الوطنية، أي النازية! وهكذا دخلنا في عالم "الفوازير"! وأصبحت اشتراكيتنا كذلك اللغز الذي جاء في الأمثال:

"يعدي البحر ما يتبلش"!

لذلك يرى الكتور لويس عوض أنه من الظلم لعبد الناصر ونظامه أن نقول إنه وعد الناس ببناء اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي ثم عجز عن تحقيقه! لأنه ـ باختصار ـ لم يع بشيء إلا في أعم عمومه، وهو: "مجتمع الكفاية والعدل"! ولكن هذا الشعار ليس فيه جديد! فقد كانت ترفعه أحزاب ما قبل الثورة، من الوفد إلى الأحرار الدستوريين إلى أحزاب السراي! بل إن الملك فاروق نفسه كان يؤنب النحاش باشا بحجة أنه لم يوفر للشعب "الغذاء والكساء" لكي يبرر طرده من الحكم!

ثم يسخر الدكتور لويس عوض من الشيوعيين المصريين والعرب الذين دافعوا عن عبد الناصر كرائد من رواد الإشتراكية، لمجرد أنهم رأوا في نظام القطاع العام وفي بعض التشريعات العمالية والتأمينات الاجتماعية وفي التعاون أو التقارب من الاتحاد السوفيتي "ملامح اشتراكية"! ويقول: إن هذا أمر جد خطير! وغنه "لابد من بحثه بحثاً علمياً واقتصادياً لمعرفة جوهر هذه "الإشتراكية الناصرية، وهل كانت اشتراكية حقيقية أو كانت "اشتراكية وطنية – أي فاشية؟".

ويبرر الدكتور لويس عوض أهمية فحص اشتراكية عبد الناصر، تبريراً يقطر سخرية، إذ ينفي عن هذه الإشتراكية صفتها كاشتراكية مما عرفته النظم الإشتراكية، فيبنيه على أن عبد الناصر ـ في نظره ـ سيدخل التاريخ باثنتين من اهم منجزاته، وهما: تصفية الشيوعية، وتصفية الديمقراطية، ليس فقط في مصر بل وفي العالم العربي لحد ما! فأي نوع من الاشتراكيات تدخل اشتراكية عبد الناصر بهذين الإنجازين؟

على هذا النحو حصر الدكتور لويس عوض اشتراكية عبد الناصر في سلك الإشتراكية الوطنية ـ أي النازية! فهي النوع الوحيد من الاشتراكيات الذي يعادي كلا من الشيوعية والديمقراطية بنفس الدرجة، وهي النوع الوحيد من الإشتراكية الذي ظهر في ألمانيا الهتلرية وإيطاليا موسوليني وأسبانيا فرانكو وجميع الفاشيات التي ظهرت في التاريخ!

عندما وقعت مصر في قبضة الحكومة الخفية والمخابرات والاتحاد السوفيتي ! الوفد في 24 / 3 / 1997

تحديد هوية ثورة يوليو هي عملية حيوية، وتعد من صميم العمل التاريخي، فمن الضروري لكل شعب أن يعرف تاريخه في صورته الصحيحة بعيداً عن التزييف والتضليل. وبالنسبة للشعب المصري خاصة فقد كان تاريخه عرضة للتشويه على يد ثورة يوليو، كما عرضه للطمس في كثير من أجزائه، حتى إن جيل ثورة يوليو شب وهو لا يعرف شيئاً عن الحركة الوطنية التي قادها الوفد منذ عام 1919 إلى عام 1952، بعد أن أسقطت الثورة من هذا التاريخ اسم أكبر زعيم شعبي عرفته مصر بعد سعد زغلول وهو مصطفى النحاس، وذلك في الوقت الذي رفعت اسم عبد الناصر إلى مقام البطولة والزعامة المتفردة التي لم يسبق لها مثيل، وأسبغت على حكمه من صفات التقدمية والإشتراكية والديمقراطية ما جعل منه أفضل حكم على العصور! وخدعت بذلك الشعب المصري وخدعت التاريخ فشبت الأجيال المصرية منذ ذلك الحين مغيبة الوعي تنظر إلى تاريخها بنفس المنظار الذي صنعته لها ثورة يوليو لتفهم تاريخها بالمقلوب!

ومن هنا فإن ما نقوم به على صفحات هذه الجريدة الغراء "الوفد" هو عمل تصحيحي مهم لتاريخ مصر، لا نستخدم فيه شيئاً سوى سلاح الحقائق التاريخية غير القابلة للشك أو النقض، ولا نبتغي منه غير وجه الحقيقة التاريخية المجردة.

وكنا في مقالنا السابق قد تعرضنا لمراجعة الدكتور لويس عوض لثورة يوليو، وكيف بيّن إفلاسها من الناحية الأيديولوجية (النظرية) عندما نقد شعاراتها الأولى عن "الاتحاد والنظام والعمل" قائلا إنها تحدثت عن واجبات الإنسان لا حقوق الإنسان! ونقد المبادئ الستة للثورة قائلاً إن المبادئ الثلاثة الأولى منها هي "مبادئ تحطيم" "لا مبادئ نظام" وأما المبادئ الثلاثة الباقية فهي – باستثناء مبدأ بناء الجيش الوطني القوي – عبارة عن عموميات في عموميات! وسخر من مبدأ الديمقراطية السليمة الذي نادت به الثورة، وال إنها وضعت الشعب تحت حماية أجهزة الاتحاد القومي والإتحاد الإشتراكي والمخابرات والمباحث! كما سخر من الإشتراكية التي وعدت بها الثورة المواطنين، وقال إنها شيء غامض ومطاط يتسع لكل شيء، وقد حارت فيها عقول المفكرين، ودخلت في عالم "الفوازير" وإن أحداً لا يعلم هل كانت اشتراكية حقيقية أو كانت "اشتراكية وطنية" (نازية) ! ثم حصر الدكتور لويس عوض اشتراكية عبد الناصر في سلك النازية بناء على أن عبد الناصر سوف يدخل التاريخ باثنين من أهم منجزاته، وهما: تصفية الشيوعية، وتصفية الديمقراطية!

وقد انتقل الدكتور لويس عوض إلى الحديث عن قرارات التأميم التي أعلنها عبد الناصر في يوليو 1961، والتي كانت العمود الفقري للقطاع العام، فقال إن هذه التأميمات وصفت خطأ "بالنظام الاشتراكي"، وما هي في حقيقتها إلى رأسمالية دولة! وحتى يوضح هذه النقطة قال: إن الفرق الوحيد بين الإشتراكية ورأسمالية الدولة فيما يتصل بالملكية العامة لوسائل الإنتاج والخدمات وأدواتهما، هو ما يتعلق بموضوع أيلولة فائض القيمة من هذا الاستثمار العام.

ففي الإشتراكية، "حيث الشعب مؤلَّه" – على حد قوله – يتحتم أن يئول فائض القيمة – أي ربح رأس المال العام وثمرته – إلى الشعب في صورة خدمات عامة، كالتعليم العام، والصحة العامة، والمواصلات العامة، والترفيه العام ـ وباختصار الإشتراكية تحتم أن تئول ثمار عمل الشعب وموارده الطبيعية إلى كل بحسب عمله أولا، وإلى كل بحسب حاجته (ثانيا).

أما في رأسمالية الدولة، حيث الدولة مؤلهة من دون الشعب، فثمار عمل الشعب وموارده الطبيعية تصب في خزائن الدولة لتنفقها بحسب تقدير ولاة الأمور القائمين بحكم الدولة، لما فيه خير الدولة! إن رأوا إنفاقها على مجد الدولة، أنفقوا على مجد الدولة! حتى ولو ضاعت في حروب وفتوحات! وإن رأوا إنفاقها على بناء صفوة المجتمع ومجتمع الصفوة، أنفقوها على ذلك! ولو ضاعت على الطبقات الحاكمة ولم يصل للشعب منها إلا الفتات!

كذلك تتميز الإشتراكية عن رأسمالية الدولة بالرقابة الشعبية ومسئولية الحاكم وطبقته الحاكمة أمام الشعب، وهو ما لا نراه في رأسمالية الدولة حيث نرى الحاكم غير المسئول أمام الشعب! بل نراه هو الذي يسائل كل من دونه ولا يسائله أحد! وهو ما يميز نظام عبد الناصر!

وتناول الدكتور لويس عوض التنمية الاقتصادية في نظام عبد الناصر، فقال إنها قامت على نظرية الاكتفاء الذاتي، أي أن تنتج الصناعة المصرية من الإبرة إلى الصاروخ! وهي قاعدة الاقتصاد الفاشي والنازي والشيوعي وكل نظام شمولي، ولا يمكن تطبيقها إلا في ظل الحماية الجمركية العنيفة الشاملة، وخفض استيراد السلع المصنوعة أو منعه، وفي ظل تجميد الصراع الطبقي (أو ما سمي بتحالف قوى الشعب العاملة!)

وهو ما قامت به الدول الاستعمارية الطامحة مثل ألمانيا النازية واليابان للسيطرة الصناعية، ولكن نجاح هذا النظام يرتبط بقدرة الصناعة الوطنية على الوقوف على قدميها، لأن كل حماية مصطنعة لا تقوم على بلوغ الإنتاج نفسه حد الكفاية إنما تكون على حساب المواطن المستهلك والعامل المنتج، وهما جسم المجتمع الأكبر الذي ما أنشئت الحماية إلا من أجله.

وقال إن دراسة حالة الاقتصاد المصري في عهد عبد الناصر تقف دونها توافر البيانات الصحيحة! وعندما أصدر الدكتور علي الجريتلي كتاب "التاريخ الاقتصادي من 1952 إلى 1966"، صادره عبد الناصر أو رجاله! ولم ير النور إلا بعد أن سقطت مراكز القوى! ولا يمكن معرفة هل تدر منشئات القطاع العام ربحا على مستوى الاستثمار الرأسمالي أو تخسر؟، وإذا كانت تربح فكيف ينفق ربحها: على القيادة أم على القاعدة؟

أكد أن منشئات القطاع العام المؤممة من المصالح الأجنبية قبل الثورة كانت ـ قطعا ـ استثمارات رابحة، وإلا أفلس أصحابها من الخواجات! فهل لا تزال تربح بعد التأميم بنفس النسبة؟ أو بنسبة أقل؟ أو ترى بعضها ينتج بالخسارة؟ هذه أسئلة يتعذر الإجابة عنها.

فعلى حد قوله "لقد كان تلفيق البيانات الخاصة بالإنتاج والخدمات والأرباح، سمة من سمات إدارة القطاع العام طوال عهد الثورة! كذلك إخفاء الحقائق والتستر على الأخطاء والخسائر والكوارث! وكان المنطق السائد هو رسم صورة وردية لحالة الإنتاج والتوزيع في كل فرع من فروع القطاع العام، لإثبات نجاح البيروقراطية والتكنو قراطية المصرية، ولو بإشاعة الأكاذيب! وكانت الدولة من جهة، والإتحاد الإشتراكي من جهة أخرى يشجعان هذا المنطق، لقمع التشكيك في القطاع العام ـ أي رأسمالية الدولة أو الإشتراكية سمها كما شئت!

وقال الدكتور لويس عوض إن مشكلة القطاع العام هي أن اكتشاف اللصوص فيه أصعب من اكتشافهم في القطاع الخاص حيث لكل رأس مال حارس يسهر عليه شخصياً ويصونه من الضيع، أما القطاع العام فمالكه الحقيقي، الذي هو الشعب، لا يملك حق التفتيش في دفاتره! لأن إدارته متحصنة داخل قلعة منيعة، هي قلعة الحكم ذاتها من إداريين وبيروقراطيين وفنيين!

وتساءل الدكتور عوض عن أسباب عجز مصر عن سداد ديونها الخارجية للدول الإشتراكية والرأسمالية؟ وقال إنه غما إنتاج القطاع العام لم يكن كافياً لتكوين الاحتياطي المطلوب تحويله إلى الدول الدائنة، ـ وفي هذه الحالة تكون الصورة العامة للقطاع العام صورة فاشلة بنسبة النقص في سداد أقساط الديون ـ وإما أن إنتاج القطاع العام كان كافياً لسداد الديون ولكن هذا الإنتاج أكله الإنفاق على حروبنا الخاسرة وعلى أحلامنا السياسية الضائعة! وفي هذه الحالة فإن اللوم يقع على قيادتنا السياسية والاقتصادية التي خلطت ميزانية الحرب بميزانية الحرب بميزانية التنمية!

وقال الدكتور لويس عوض "إنه مما لا شك فيه أن النظام المغلق الي أسسه عبد الناصر جعل من المستحيل معرفة ما كان يجري داخل مؤسسات القطاع العام وشركاته، وداخل إدارة النقد الأجنبي إلخ، وجعل العقاب على الانحرافات أو سوء التصرفات غير ممكن، لنهما كثيراً ما كانا يتمان بأمر من "الحكومة الخفية"! التي لم تكن مسئولة أمام أحد إلا عبد الناصر وحده!

وضرب المثل بفضيحة محصول القطن الذي أكلت الدودة منه ما قيمته 70 مليون جنيه عام 1961، ومع ذلك تاهت المسئولية بين وزارة الزراعة التي قالت إنها طلبت استيراد المبيدات اللازمة، وإدارة النقد الأجنبي التي قالت إن "جهة ما"! تصرفت في رصيد العملة الأجنبية!

وقال إنه وسط هذا الانغلاق سقط على القطاع العام ظلان رهيبان، هما: ظل المخابرات العامة، وظل الإتحاد الإشتراكي، كسلطات تحقيق وإدانة وإرهاب باسم نزاهة الحكم!، وكثرت الشكاوى الكيدية، ولم تعد تسمع لأحد كلمة إلا إذا كان موضع ثقة هاتين السلطتين غير المسئولتين!

وقال الدكتور لويس عوض غنه في ظل غلق باب الاستيراد إلا بإذن الدولة، راجت السوق السوداء في السلع الاستهلاكية المستوردة والمحلية، وفي قطع الغيار، وشاع الاكتناز للمضاربة فيها، "وتصاهر الأوغاد في القطاع العام والقطاع الخاص لسلخ جلد المستهلك"! وراجت سوق تهريب السلع الأجنبية في مجتمع الندرة، أي من الشام أيام الوحدة، ثم من غزة بعد الانفصال، ثم من ليبيا بعد هزيمة 1967 وثورة الفاتح من سبتمبر، ثم من السعودية والكويت ومن كل مكان بعد الانفتاح!

وتحدث الدكتور لويس عوض عن إدارة القطاع العام في عهد عبد الناصر، فوصفها بأنها إدارة مختلة نشأت في تاريخ مبكر من عهد عبد الناصر، واشتهرت باسم "أهل الثقة وأهل الخبرة"، عندما ما لم تجد الثورة سبيلاً لحماية نفسها إلا بالاعتماد على "الضباط الأحرار" ومن لاذ بهم من ضباط الصف الثاني، أو المدنيين المتقربين على أساس الولاء الشخصي، ودون قيد فني أو شرط فكري!

ومن هنا سلمت الثورة كل قطاعات الإنتاج والخدمات إلى مجموعة من القيادات العسكرية أو شبه العسكرية، وجعلت كل تعيين أو ترقية بقوة القانون من الدرجة الخامسة فصاعداً لا يتم إلا بموافقة المخابرات العامة ومكاتب الأمن! وكذلك الوضع في بعض القطاعات الحساسة كأجهزة الإعلام وبعض المستويات العليا كمجالس الإدارات، وعضوية الاتحاد القومي أو عضوية الإتحاد الإشتراكي.

وبذلك ـ كما يقول الدكتور لويس عوض ـ جعلت الثورة "الجنسية المصرية" في المرتبة الثانية بعد "الجنسية الثورية"! واعتبرت كل مواطن مصري عدواً للثورة مالم يحصل على شهادة أو تأشيرة من مسئول بأنه عكس ذلك!

وقال إنه من بين من تخيرتهم الثورة من الإداريين والفنيين نسبة عظيمة من الجهال، خربي الذمة، والمستهترين، وعباد النفس، والمعارف، والأقارب بدرجة ساعدت على تخريب الإنتاج والخدمات في أكثر قطاعات الحياة في بلادنا"!

واستشهد الدكتور لويس عوض بحدث لعبد الناصر للصحفي الإنجليزي بيتر مانسفيلد، اعتبره "من أخطر وثائق الثورة التي تمكن من فهم منهج عبد الناصر في إدارة البلاد، وفيه اعترف عبد الناصر بأنه عندما عجز عن إبعاد زملائه من الضباط الأحرار عن الجيش عن طريق فصلهم من القوات المسلحة أو إحالتهم إلى المعاش أو الاستيداع، وهم لا يزالون في سن الخدمة العامة، وزعهم على الإدارات الحكومية وعلى المؤسسات والشركات العامة، لتسييرها من ناحية ولمراقبة أمن الدولة فيها من ناحية أخرى، وبهذا "كافأتهم على تضحيتهم، وخدمت جيش مصر بتنقيته من المشتغلين بالسياسة"!

وعلق الدكتور لويس عوض على هذه الوثيقة قائلاً: إذا كان عبد الناصر قد طهر جيش مصر منا لضباط السياسيين، ووقاها شر الانقلابات العسكرية، فإنه في الوقت نفسه أساء إلى الحياة المدنية وإلى إدارة الإنتاج المصري والخدمات المصري، بفرض العديد من الضباط ناقصي الخبرة، ومحدودي الثقافة، على حياتنا المدنية، وقد كان منهم فئة فاسدة الخلق، طغت وبغت، وأرهبت الأهلين لنهب المصادرات والحراسات والمال العام، أو لإشباع عقدها السادية في بعض الأحيان"!

د . لويس عوض وفاتورة حساب التجربة الناصرية ! (الوفد في 31 / 3 / 1997)

كنا وصلنا في عرض تقييم الدكتور لويس عوض التجربة الناصرية إلى نتيجة هامة من نتائج الحكم العسكري الفاشي الذي أرساه عبد الناصر، وهي انتقال السيطرة العسكرية من السيطرة على الجيش إلى السيطرة على وسائل الإنتاج، عندما سلمت الثورة كل قطاع من قطاعات الإنتاج والخدمات إلى مجموعة من ضباط الثورة الذين رأى عبد الناصر تطهير الجيش منهم لتامينه من الانقلابات العسكرية، وبذلك ـ كما يقول الدكتور لويس عوض ـ يكون عبد الناصر قد طهر جيش مصر من الضباط السياسيين ووقاها شر الانقلابات العسكرية، وأساء إلى الحياة المدنية وإلى إدارة الإنتاج المصري والخدمات المصرية، بفرض العديد من الضباط ناقصي الخبرة محدودي الثقافة على حياتنا المدنية!

وفي الوقت نفسه، وإلى جانب هذه الإدارة العاجزة، تفشى الإرهاب من القاعدة تحت اسم "الرقابة الشعبية"! فقد كان باسم هذه الرقابة أن كثرت الشكاوى الكيدية في الرؤساء من فنيين وإداريين، واتهامهم بالانحرافالإداري أو المالي والسياسي، فتتحرك المخابرات العامة وتجري التحقيقات وفي بعض الأحيان تلفق القضايا للكوادر العليا في الإنتاج والخدمات!

وكان أبطال هذه المهازل ـ أو المآسي ـ وأدواتهما، هم أعضاء لجان الإتحاد الإشتراكي في مؤسسات القطاع العام وشركاته، ممن اشتغلوا بالإشتراكية اجتباء للمنافع الخاصة وللسيطرة الشخصية في مواقع عملهم.

وقد نجم عن ذلك ضياع هيبة الرؤساء وسلطتهم في محاسبة المرءوسين على الإهمال أو الفساد واستغلال النفوذ، وأصبح الطريق ممهداً امام فاسدي الخلق من الموظفين، فما عليهم إلا الاشتغال بالسياسة الثورية، وإقامة الجسور بينهم وبين مراكز القوى، عن طريق كتابة التقارير! ليصبحوا الحكام الحقيقيين لبعض المؤسسات والشركات، واكتسبوا ما أسماه الدكتور لويس عوض بـ "قوة الجستابو"! فأصيبت بعض القطاعات باشلل أو بالفوضى، وانعدام معايير الحساب!

وقال الدكتور لويس عوض إن عبد الناصر، "هذا الضابط المتعجرف الذي وقف يوم الاعتداء عليه في ميدان المنشية، يهين الشعب المصري ذا الجهاد المتصل، قائلاً: "أنا علمتكم العزة والكرامة"! عاد فوصف الشعب المصري في الميثاق بأنه "المعلم العظيم"! ولكنه وثورته "دمرا بعض أسس المجتمع المصري الراقية، التي بناها المصريون خلال المئتي سنة الأخيرة، نتيجة احتكاكهم المباشر بالحضارة الأوربية".

وقد عدد الدكتور لويس عوض من هذه الأسس الراقية التي دمرها عبد الناصر ونظامه: مبدأ القومية المصرية، ومبدأ الحق الطبيعي، والحقوق والحريات الديمقراطية مثل: فصل الدين عن الدولة، وفصل السلطات، وسيادة القانون، وسيادة الأمة على الحكومة، وحرية الاجتماع، والتفكير، والتعبير، والعمل، والاختيار، وحرية التنظيم، والتمثيل، والتوكيل السياسي .. الخ.

وهكذا ـ وكما يقول الدكتور لويس عوض ـ زعزعت الناصرية إيمان المصرين بهويتهم المصرية، وبشخصيتهم المصرية، ومحت اسم مصر، ودعت المصريين إلى فقدان أنفسهم في كيان سياسي أكبر هو كيان الأمة العربية الممتدة من الخليج إلى المحيط! وبعد أن كانت العروبة في سنتي 1953 و 1954 ـ أيام فلسفة الثورة ـ مجرد دائرة من الدوائر الثلاث التي تقع مصر في تقاطعها، وتستخدمها رصيداً لقوتها ولقوة المنطقة العربية، أصبحت مصر مركز دائرة واحدة هي دولة الوحدة العربية. كذلك نسفت الناصرية أكثر الحقوق والحريات الديمقراطية، وقبلت من حزب البعث فلسفة القومية العربية، ولم تجعلها دين الدولة الرسمي فحسب، بل جعلتها المصدر الرئيسي للسياسة والتشريع والقيم الفكرية والاجتماعية، وأعطت الدولة حق إلزام الناس بها، وحق تلقين الأجيال الجديدة بها، وتنشئتهم عليها كما لو كانت من مقولات الوحي التي لا تناقش!

وبالمثل اضطلعت الثورة الناصرية بحل كافة التنظيمات السياسية، وتحريم كافة التجمعات المنظمة، وتجريم كافة التجمعات غير المنظمة، وإقامة حياتنا السياسية على مبدأ تحالف قوى الشعب العاملة داخل وعاء واحد تسيطر عليه الدولة، وهو: هيئة التحرير، فالاتحاد القومي، ثم الإتحاد الإشتراكي.

وفي الوقت نفسه، وكما يقول الدكتور لويس عوض. اقتلعت الثورة الناصرية حق الأفراد والجماعات والطبقات في التفكير السياسي، وحريتها في العمل السياسي، وبذلك جردت هذه الثورة المصريين من حقوقهم السياسية، وعزلت الشعب المصري برمته عزلاً سياسياً! اللهم إلا من سار في مسيرتها بالولاء الشخصي.

كذلك ـ كما يقول الدكتور لويس عوض ـ ألغت الثورة الفرق بين الدولة والحكومة، فغدت الحكومة هي الدولة، والحكومة هي الدولة! كما ألغت الفرق بين الشعب ووكلائه المعبرين عن إرادته، لأنها جردت الشعب المصري من حق توكيله للمثليه السياسيين المختارين له من قبل الثورة، وأنكرت التعارض بين مصالح الطبقات!

وفي عهد عبد الناصر، انهارت نظرية القانون نفسها! فتحول القانون من معيار موضوعي واضح يستمد من العرف العام ومن الضمير العام ومن المصلحة العامة، إلى قرارات وإجراءات فردية تقديرية تتخذ، مستمدة من الظروف الموقوتة والاحتياجات الطارئة! وابتكر سوفسطائيو الثورة نظرية "الفقه الثوري" و "الشرعية الثورية"، ليبرروا هذه الإجراءات والقرارات الاستثنائية، بدلا من أن يبصروا الحاكم بأن الفقه الثوري والشرعية الثورية، معناهما وضع فلسفة تشريعية جديدة، موضوعية المعايير، مستمدة، لا من سلطات الحاكم التقديرية، ولكن من العرف العام والضمير العام والمصلحة العامة للطبقات التي قامت الثورة لترد لها أهليتها القانونية، وللغايات التي قامت الثورة لتحقيقها.

"أما حرية التعبير" ـ كما يقول الدكتور لويس عوض ـ اندمجت فيها السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، ومعها السلطة الرابعة (الصحافة) وغدت كلها الأذرع الأربع للزعيم الذي تجسدت فيه إرادة الولة"!

"بل إن وظائف الجيش والبوليس، اختلط بعضها ببعضها الآخر بعد ‘لان عضوية الجيش في تحالف قوى الشعب، لأنه غدا ـ بهذا ـ مسئولاً مسئولية رسمية عن حماية النظام الداخلي، لأنه طرف من أطرافه"!

وسخر الدكتور لويس عوض من التوسع المصري في البلاد العربية في عهد عبد الناصر ومن مقارنة عبد الناصر بمحدم علي قائلا: "إنك إذا أردت أن تجرب تجربة محمد علي، فلابد ان يكون لديك إبراهيم باشا والكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي)! أما أن تجرب تجربة محدم علي باشا ومعك الصاغ عبد الحكيم عامر، الذي كلما خسر حرباً انتقل إلى رتبة أعلى!، فهذا أقصر الطرق إلى الكوارث القومية"!

وتساءل: كيف ائتمن عبد الناصر المشير عامر على قيادة الجيوش، وهو لا يستطيع أن يقود كتيبة؟ وقال إنه بعد أن خسر عبد الحكيم عامر معركة الوحدة مع سوريا، كان ينبغي على عبد الناصر أن يقيله، ويجرده من رتبته العسكرية، لا حرصا على الوحدة، ولكن حرصاً على هيبة مصر التي أضاعها بغفلته! وبعد أن خسر عبد الحكيم عامر حرب اليمن كان ينبغي أن يفعل فيه عبد الناصر أشياء كثيرة، ولكنه لم يفعل شيئاً من هذه الأشياء، حتى خسر عبد الحكيم عامر حرب 1967! وعندئذ تحرك عبد الناصر وطلب إليه أن يستقيل، بدلاً من انيحيله إلى المحاكمة العسكرية، لأن مسئولية الهزيمة اقتربت من عبد الناصر شخصياً! وكان لابد من تقديم قربان للشعب المصري الغاضب، ولكن عبد الحكيم عامر رفض الاستقالة وأصر أن يجر معه عبد الناصر إلى الهاوية، ومنطقه: إن كانت هناك مسئولية فكلانا مسئول، وكلانا ينبغي أن ينصرف.

وسخر الدكتور لويس عوض من تبرير محمد حسنين هيكل تمسك عبد الناصر بعبد الحكيم عامر قائداً عاماً لجيوشه بأن "عبد الناصر، كان يحب عبد الحكيم عامر، من كل زملاء عبد الناصر كان أحبهم على قلبه!" وتساءل: وما يهم الشعب المصري والشعوب العربية إن كان عبد الناصر يحب عبد الحكيم عامر أو لا يحبه؟ المهم هو: هل كان عبد الحكيم عامر يصلح لعمله أو لا يصلح؟ ولكن نتائج الحروب الكثيرة التي خاضتها مصر والتي خسرتها بطريقة مشينة، بسبب الغفلة والارتباك، وربما بسبب الجهل أيضاً، تدل على أن عبد الحكيم عامر لم يكن يصلح.

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تمسك عبد الناصر بعبد الحكيم عامر؟ لقد تمسك به لأن المشير لم يكن من أطماعه أن ينازع عبد الناصر مكان الزعامة، لأن الزعامة رهبانية وهو محب للحياة! وكان نظام عبد الناصر بحاجة إلى حراسة الجيش سياسياً وعسكرياً، وقد أدى عبد الحكيم عامر لعبد الناصر هذه المهمة ووقاه شر الانقلابات العسكرية! ولذا لم يتخل عبد الناصر عنه، متغاضياً عن أخطائه الكثيرة، وكان عليه أن يدرك أن من يحاول اقتحامات محمد علي، ويلوح دائماً "بأكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط"، ينبغي عليه أن يحسن اختيار جنرالاته!

وقال الدكتور لويس عوض إن الأمر لم يتوقف على سوء اختيار عبد الناصر لجنرالاته، بل إن مخابراته العسكرية أيضاً كانت ـ في مجموعها العام ـ دون المستوى الذي يمكنها من جمع المعلومات الصحيحة عن العدو وتحليلها ـ أو لعلها مشغولة بأمور أخرى! ـ ولذلك قدمت لعبد الناصر صورة مضللة عن الموقف في القناة سنة 1956، وفي سوريا سنة 1961، وفي اليمن بين 1962 و 1967، وفي سيناء 1967! ـ على غرار ما كان يفعله رؤساء المؤسسات والقطاع العام!

وقد سخر الدكتور لويس عوض من مقارنة عبد الناصر بمحمد علي، وحذوه حذو محمد علي في صنع السلاح المصري، وقال "إن من أراد تجييش الجيوش على نهج محمد علي؛ وحذوه حذو محمد علي في صنع السلاح المصري على أرض مصرية وبأيد مصرية، كان يجب عليه أن يحسن اختيار خبراء السلاح"، ولكنا سمعنا عن صواريخ الظافر والقاهر، ولم نلمس لها نتيجة! وكان من العجائب أن سمعنا أن المصانع الحربية تنتج أفران البوتاجاز وما شابهها من الدوات المنزلية!

أما خبراء تصنيع السلاح الأجانب، فلعلة ما، كما يقول الدكتور لويس عوض ـ لم تستعن مصر بدولة من الدول الصديقة العريقة في تصنيع السلاح، كالسويد وتشيكوسلوفاكيا وإيطاليا، وإنما اجتذبت حثالة النازيين، الذين تبين فيما بعد أنهم كانوا جواسيس إسرائيل! وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي المورد الأول لهؤلاء النازيين! بعد أن حصلت أمريكا وروسيا على خيرة العلماء الألمان ولم يبق لمصر وللعالم الثالث إلا شذاذ الآفاق!

وهاجم الدكتور لويس عوض تبريرات الناصريين لهزيمة يونيه 1967، قائلاً: صوروا "مصرع مصر والناصرية في 1967، كأنه مجرد جريمة من جرائم الاستعمار العالمي بلا زيادة ولا نقصان! وكأننا كنا فيه مجرد ذبيحة بريئة من ذبائح الدول العظمى، لا مسئولية علينا في شيء مما حدث!".

وشبه الدكتور لويس عوض نظرية التحالف الطبقي بالإكراه التي اتبعها عبد الناصر في "الاتحاد القومي"، بمنهج الفاشية والنازية، يعرف أن أساس الفاشية والنازية هو نظرية الاتحاد القومي بين طبقات المجتمع الواحد لتصفيبة الصراع الطبقي الداخلي، وإسقاط التنقاضات الطبقية في الخارج، وهي من أصل كلمة "الفاسكيس" اللاتينية، بمعنى عصبة العصى التي يصعب تحطيمها ـ وقال إن هذا ما عمله موسوليني للشعب الإيطالي، وهتلر للشعب الألماني، كرد على نظرية الطبقات، وهو ما فعله عبد الناصر للشعب المصري!

رسالة مصطفى أمين إلى عبد الناصر (الوفد في 7 / 4 / 1997)

في مقالاتي السابقة عن انتهاك عبد الناصر لحقوق الإنسان، تعمدت ان أروي تجربة اليسار مع عبد الناصر، لأنها الوحيدة التي لا يستطيع حملة قميص عبد الناصر إنكارها، بحكم التحالف بينهم وبين اليساريين، الذي نسي فيه اليساريون ما لاقوه على يد عبد الناصر مما لم يشهده تاريخ التعذيب على مر العصور، لأنه كان تعذيباً بدون أي هدف أو غاية يراد تحقيقها، وإنما كان ـ كما كتب الدكتور رفعت السعيد ـ تعذيباً للتعذيب!

على أنه منذ أيام، وبمناسبة مرض الأستاذ مصطفى أمين، رأت جريدة الناصريين إهداءه باقة ورد ممثلة في محاكمته أيام عبد الناصر بتهمة الجاسوسية! وظنت الجريدة الساذجة أن شعبنا في أيام مبارك مازال يعيش في أيام الحكم الدكتاتوري لعبد الناصر! وأنه سوف يصدق تلك "الفبركة" الدموية التي لفقها نظام عبد الناصر لمصطفى أمين! ولكن شعبنا ضحك لما فعلته الجريدة، فما زال مصطفى أمين يكتب كقلم من الأقلام الشريفة التي تدافع عن الحرية والديمقراطية في بلدنا، مرتفعا فوق التهمة التي لفقها نظام عبد الناصر. على أنه كان من واجب الصحيفة، مادام أنها أثارت هذه القضية، أن تستكملها برواية ما ارتكبه النظام الناصري من جرائم في حقوق الإنسان في هذه القضية، وما وفره لمصطفى أمين من حقوق الدفاع عن النفس على أساس أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته أمام محاكمة عادلة، ولكن الجريدة لسوء حظها أهملت هذا الجانب، الأمر الذي يمنحني الفرصة كاملة، لتعريف القارئ الكريم بهذا الجانب، نقلاً عن رسالة أرسلها مصطفى أمين لعبد الناصر من سجن الاستئناف يوم 7 ديسمبر 1965، ترسم صورة كاملة لطريقة ثورة يوليو في احترام حقوق الإنسان! وأرجو من القاري أن يحبس أنفاسه وهو يقرأ رسالة مصطفى أمين لعبد الناصر، مع قبول اعتذاري لما فيها من اختصار غير مخل. تقول الرسالة:

"قبض عليّ يوم 21 يوليو (1965)، ووضعوا في يدي الحديد! وحملوني في سيارة من الإسكندرية إلى القاهرة، ووضعوا على عيني عصابة سوداء! وأدخلوني على صلاح نصر، فقال لي: إن الرئيس هو الذي أمر بالقبض عليك لاتصالك بالأمريكي أوديل!

"قلت له: إن اتصالي بأوديل لم يكن سراً عليك! وأنت تسألني من شهور عن أسماء الأمريكيين الذي أجتمع بهم من موظفي السفارة، فذكرت لك أسمائهم جميعاً، وفي مقدمتهم أوديل؟. وطلبت مني أن أسأله عن بعض معلومات عن موقف أمريكا من مصر، وجئت في مكتبك هنا، وأبلغتك بما قاله.

"ثم أخذوني إلى زنزانة في سجن المخابرات، ونزعوا ثيابي، وأصبحت عارياً تماماً! ووجهوا إلي مصابيح كشافة كادت تعمي عيني! وراحوا يضربونني، وصلبوني على الحائط، وثبتوا كل يد في قيد من الحديد بأعلى الجدار، ثم راحوا يرفسونني!

"وتدموا، ونزعوا بأيديهم شعر العانة!، واستأنفوا الضرب، والصفع، والرفس بالأيدي وبالأقدام وبالعصي!

"ثم فكوا القيد من يدي، وربطوا جهازي التناسلي بسلك، وجذبوني منه! وداروا بي حول الغرفة عدة مرات! ففقد بصري الرؤية، وتحولت وجوه الزبانية إلى أشباح ثم سقطت مغشياً عليّ.

"وأيقظوني، وبدءوا يضربونني من جديد، ويشدون شعر بطني وعانتي! وكان العذاب مريعاً، قاسياً، ومع ذلك تحملته. ولكنني لم أحتمل عندما شتموا أمي وقالوا إنها "شرموطة"! عندئذ بكيت.

"ولم يشفقوا على حالتي المرضية، ولم يشفقوا على سني، ولم يشفقوا على دموعي، واستمروا في إهاناتهم، وفي ضربهم وركلهم!

"ولم يكن التعذيب يوماً واحداً، لقد استمر أيام يوليو العشرة، وإلى أواخر أغسطس. كل يوم أعرى، وأضرب وأصلب، وأتلقى الإهانات والعذاب!

"وقال لي الزبانية أثناء التعذيب: أنني كنت ابلغك (عبد الناصر) بأخبار المخابرات، ورجال المشير الخاصة، وبعض مسائل خاصة عن حياة المشير الخاصة. فأقسمت لهم أنني لم أفعل ذلك. ولكنهم لم يصدقوا، وأصروا على أن معلوماتهم تؤكد ذلك، وهددوني بأن صلاح نصر سيقتلني بسم لا يمكن أن يكتشفه أي طبيب شرعي في العالم!

"وأخذني حمزة البسيوني إلى السجن الحربي، وأدخلوني غرفة تعذيب سوداء، بلا نوافذ، وأطلقوا علي عددا من الكلاب البوليسية الهائجة، كانت تهجم وتمزق ملابسي، وتركوني تحت رحمة الكلاب.

"ودخل حمزة البسيوني، وقال إنه سيدفنني بالحياة هناك، وإنه دفن بنفسه عشرات من الأحياء! وقال إنه سيقتلني في السجن الحربي ويقول إنني هربت!

"ويخرج حمزة البسيوني، وتدخل الكلاب! وتتكرر عملية التعذيب!

ثم يدخل عملاق يرتدي ملابس الجلاد، يدور حولي وكأنه يعاينني قبل تنفيذ حكم الإعدام!

"ونقلوني من الجسن الحربي بسيارة، معصوب العينين، إلى بناء المخابرات، حيث بدأ الجحيم من جديد: جردوني من ملابسي، وصلبوني، وضربوني. كانوا يتفننون في وسائل التعذيب!

"وأحضروا ثلاثة حراس يلازمونني بالنهار، وثلاثة حراس يلازمونني بالليل، مهمتهم أن يمنعوني أن أنام أو أغمض عيني، فإذا أغمضت عيني دفعوني بقبضات مسدساتهم حتى لا أنام!

"عدة ليال لم اذق فيها طعم النوم، عدة أيام حرمت فيها من الطعام، وعدة أيام في شهر يوليو وشهر أغسطس لم أذق فيها طعم الماء! واضطررت ان أشرب من ماء التواليت من شدة العطش! وكانوا يجيئون بكوب ماء مثلجة، ويضعونه على المائدة أمامي، فإذا قدمت يدي لأتناول الكوب، ألقاه الضابط على الأرض!

"فإذا انكفأت على الأرض اشرب الماء، ضربوني ومنعوني من الشرب، أو رفسوني حتى أسقط مغمى عليّ!

"ولم يكن اهتمامهم بالقضية أو التحقيق! كل ما كان يهمهم المسائل النسائية: سؤال عن نساء معينات! سؤال عن سيدة معينة! وهل كان بيني وبينها علاقة؟ وهل قالت إن بينها وبين شخصية كبيرة في الدولة علاقة؟ وهل أخبرت الرئيس بما سمعته عن ههذ العلاقة، أو علاقات غرامية أخرى للشخصية الكبيرة؟ ساعات طويلة؟ وأحاديثهم عن الجنس! وعن أنواع النساء! وعن مسائل لا يجوز ان يتحدث فيها رجل محترم.

"ولكنني كنت أذهل من اهتمام هذه الأجهزة بمثل هذه المسائل القذرة، وبكل تفاصيلها! وعندما أرفض أن أتحدث في مثل هذه المسائل القذرة يتهموني بأنني غير متعاون! ويهددوني بالتعذيب لأنني لا أريد أن أقول لهم ام أدوية يتوهمون أنني أستعملها في العلاقات الجنسية!

"وقد قال لي أحد الزبانية مرة: إنني سأحضر إلى هنا سكرتيرتك، وبناتك وسأترك العساكر يعتدون عليهن أمام عينيك.

"وفعلا أحضروا سكرتيرتي في الليل، إلى غرفة بجوار الغرفة التي كنت بها، وجعلوني أسمع بأذني صراخها، وسمعتهم يهددونها بإحضار بناتها والاعتداء عليهن أمامها!

"وكنت أسمع طوال الليل أصوات أطفال يضربون بالسياط، ويبكون ويتأوهون ويصرخون! ثم أسمع أصوات استغاثة من الزنزانات، وبكاء، وسياط تضرب، وعصي تحطم الظهور!

فإذا توسلت إليهم أن ينقذوني من هذه الأصوات، قالوا لي إنك فقدت عقلك! وغنه لا توجد أصوات! وغنك تتخيل أشياء لا وجود لها! ثم جاءوا بمن يشهدون على أنه لا يوجد أي أصوات!

"ثم بعد ذلك يستأنفون إخراج هذه الأصوات المرعبة التي تحطم الأعصاب!

"لم أتحمل كل هذا التعذيب، وتوسلت إلى أحد الزبانية أن يعطيني مسدساً أقتل به نفسي!، ولكنهم لم يرحموني، واستمر التعذيب كل يوم، ولم أعد أعرف متى يبدأ ومتى ينتهي، وكنت أفزع كلما سمعت صوت أقدام تقترب من زنزانتي، كان معنى اقتراب الأقدام أن الزبانية جاءوا ليأخذوني ويصلبوني من جديد!

"واصطبوني إلى غرفة التعذيب، وشاهدت بنفسي عملية تعذيب مفجعة لأشخاص لا أعرفهم. وجاء أحد الزبانية، وقال لي: إن هناك سبع عمليات للتعذيب! وإن كل ما تعرضت له هو العملية الأولى! وهددني بأنني إذا لم أكتب ما يريدون، فإنني سأمر على العمليات السبع كلها!

"وجاءت النيابة، واستمر التعذيب! كانوا يضربونني قبل التحقيق وبعد التحقيق! بل ويحدث أحياناً أن يأخذوني أثناء التحقيق إلى غرفة مجاورة ويضربوني، ثم يعيدوني لاستئناف التحديد!

والغريب أنني لم أستطع أن أنفرد بوكيل النيابة لحظة واحدة! كان ثلاثة من ضباط المخبرات يحضرون كل تحقيق، وكانوا يجلسون أمامي وورائي، فإذا لم يعجبهم كلامي زغدوني! وأشاروا لي! أو سحبوني إلى خارج الغرفة وضربوني، وأعادوا التحقيق!

"ونهاية التحقيق، أحضروا أشرطة قالوا أنها بصوتي! وعرفت على الفور أنها ملفقة، فقد قاموا بعملية مونتاج، فغيروا وبدول وعكسوا ونقلوا وحذفوا! وعلى الفور اكتشفت عملية التزييف، وشاء الله أن تظهر حقائق واضحة تثبت التزييف، وأردت أن تظهر هذه الأدلة، فأخذوني وضربوني وعلقوني من جديد، ومنعوا علي الطعام ومنعوني من النوم، ومن شرب الماء والتدخين!

"وكان الزبانية يهددوني ويقولون لي: لو فتحت فمك عن التعذيب في المحكمة أو أمام أي أحد، فسنقتلك، وسنصدر قانون يمنع المحامي أن يذكر أن هناك تعذيباً يسمح بالطعن في الأدلة التي نقدمها.

"وكنت أنتقل ذهاباً وإياباً بين غرفة مريحة فيها سرير وطعام وماء، وغرفة تعذيب أعلق فيها على الحائط! فإذا كتبت ما يريدون فإنني أستطيه أن أنام على سرير، وأن آكل، وأن أشرب الماء، وإذا رفضت أن أكتب ما يريدون، بدأت عملية التعذيب من جديد!

"إنني أعرف أن أعضاء هذه العصابة أقوياء، وأعرف أنهم استطاعوا أن يحطموني، وأن يلوثوني، وأن يلفقوا لي هذه القضية، وأن يدوسوني بأقدامهم، وأن يمنعوني من أن أرفع صوتي للدفاع عن نفسي، ولكني أعرف أن الله أكبر منهم جميعاً.

"المهم أن تعلم يا سيادة الرئيس أن هذا الجهاز هو جهاز فاسد، وأنه مليء بالجرام، وأنه يلفق التهم، وأنه يعمل لتضليلك وخاعك والكذب عليك، وأنه يخفي عنك الحقائق، وأن مهمته أن يلوث كل من يتصور أنه سيقول لك في يوم من الأيام حقيقة الفساد.

"إنني اخترت من تثق به ليسلمك هذا الخطاب، راجياً أن تحقق بنفسك، لا لتنقذني، فقد يكون القوت قد فات، ولكن لكي تنقذ مصر والمصريين من هذه العصابة"!

"انتهت رسالة مصطفى أمين إلى عبد الناصر، والمفارقة فيها أنه يشكو العصابة لرئيس العصابة! وأنه يتصور أن عبد الناصر كان غافلاً عما يفعل الظالمون! مع أنه كان رأس النظام الفاشي الذي أرسى هذه القواعد، وجند لها الزبانية المؤهلين لتطبيقها، وقام بتعيينهم، وحمايتهم من تدخل القانون!

ولكن المزعج أن هؤلاء الزبانية مازالوا يعيشون بيننا إلى اليوم! ولهم صحفهم، ودعاتهم وأقلامهم، وهم يضللون شبابنا، ويخرجون الأفلام التي تمجد عبد الناصر وتظهره في صورة المناضل العظيم، ويخفون الجانب المظلم من نظامه الفاشي الذي امتهن كرامة مفكري مصر وصحفييها وسياسييها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فلم يترك واحداً منهم إلا بعد أن ترك بصمته على ظهره بسياط زبانيته، وبعث الرعب المزمن في قلوبهم، حتى إنهم حتى اليوم يسبحون بحمد النظام الذي أذلهم وبث في قلوبهم الرعب!

ولكن التاريخ لا ينسى، وهو ما نحاول أن نثبته في هذه الدراسة التاريخية!

وفي عهد عبد الناصر تحسر الشيوعيون على أيام إسماعيل صدقي ! (الوفد في 14 / 4 / 1997)

"من سجن مصر، إلى ليمان طره، إلى تخشيبة الوايلي. إلى معتقل القلعة، إلى سجن الواحات الخارجة، إلى ليمان أبو زعبل، إلى تخشيبة مصر الجديدة، إلى سجن الاستئناف، إلى تخشيبة السيدة زينب، إلى سجن المحاريق إلى سجن القناطر الخيرية"!

هذه هي رحلة يساري مصري في العصر الرشيد .. عصر الكرامة لعبد الناصر! على مدى اثني عشر عاماً كاملة، نهديها إلى اليسار المصري المتحالف اليوم مع الناصريين، فيما أسميته تحالف المجلودين مع الجلادين! أما هذا اليساري المصري فهو مصطفى طيبة، الذي سجل عن ذكرياته عن سنوات السجن والاعتقال والعذاب وفقدان الآدمية في كتاب من جزئين تحت عنوان: "رسائل سياسي إلى حبيبته" صدر عام 1980، ونهديها إلى الناصريين الذين كرسوا جريدتهم "العربي" للدفاع عن حقوق الإنسان في عهد مبارك، وهم أبعد بتاريخهم الأسود عن التصدي لهذه القضية التي تذركوا لها طوال عصر عبد الناصر، فامتهنت حقوق الإنسان في هذا العصر كما لم تمتهن في أي عصر من عصور مصر، وقضى المناضلون حياتهم في سجون ومعتقلات عبد الناصر بدون محاكمات وبدون أحكام، وإنما فقط بأوامر من الزعيم الفاشي الكبير!

لقد عاش اليساريون في عهود الوفد الليبرالية يحكمهم القانون الذي يطبق عليهم كما يطبق على جميع القوى السياسية. وحتى عندما كانت مؤامرات القصر تفلح في إبعاد الوفد عن الحكم، ويفرض القصر دكتاتوريته وسيطرته على الحياة السياسية في مصر، كانت هناك حدود لهذه الدكتاتورية وتلك السيطرة! فقد كان هناك نظام له ملامح مميزة، ولكنه قانون يعرف فيه كل منهم حقوقه وواجباته!

ولدينا في توضيح هذه الحقائق رواية مصطفى أمين عن عهود الوفد، ورواية مصطفى طيبة الذي شاء حظه أن يدخل السجن في عهد الملكية المستبدة في الأيام السابقة على ثورة يوليو، ويستمر في السجن بعد الثورة، ويعقد المقارنة بين عهد الملكية المستبدة التي كان يحكم بقانون إسماعيل صدقي وعهد عبد الناصر الذي غاب فيه القانون!

إن هذه المقارنة التاريخية مهمة في تأكيد الصورة الفاشية لنظام عبد الناصر، وهي جديرة بأن يعرفها القراء والجيل الجديد الذي يضلله الناصريون بشعارات هم أبعد ما يكونون عن تطبيقها، وهم آخر من يتجرأ من البشر على المناداة بها!

ورواية مصطفى عن عهود الوفد كتبها أثناء تجربته الدامية في سجون عبد الناصر، وتمضي على النحو الآتي:

"عرفت وأنا في سجن المخابرات أن مصطفى النحاس توفي إلى رحمة الله، وحزنت كثيراً عليه، وأسفت أنني لا أستطيع أن اكتب رثاء له. لقد أحببت هذا الرجل وحاربته، وسجنت من اجله، وفصلت من المدارس، من اجله، واختلفت معه في الرأي وهاجمته وهو رئيس حكومة، فلم يفكر في أن يضعني في السجن!

"ولو كنت كتبت اليوم عن سكرتير احد الوزراء ما كتبت عن رئيس الحكومة مصطفى النحاس، لشنقوني، أو أعدموني رمياً بالرصاص!

"ولقد قبض علي في عهد النحاس سنة 1951 ستاً وعشرين مرة، ولكني كنت أدفع بكفالة، وأخرج من السجن! ولم يفكر النحاس في أن يدبر لي تهمة، او يحاكمني على جريمة أن برئ منها!

" من حق النحاس علي أن أشيد به وأنا مسجون، وأن أذكره كرجل قاد كفاح هذه الأمة، وضحى في سبيلها، ونفي من اجلها، وحمل الزعامة بعد سعد زغلول. وحزنت أن الصحف لم تخصص الصفحات للحديث عن تاريخ هذا الرجل وأمجاده التي هي تاريخ شعب مصر وأمجاد شعب مصر.

"وشعرت أن الزبانية هنا فزعوا من خروج الشعب كله لتحية الزعيم الكبير الراحل، واعتبروا هذه الجنازة الشعبية الهائلة ثورة على النظام، وانقضاضاً على الحكم! وقال لي أحدهم. غن الأمر صدر بالقبض على كل من سار في المظاهرة! قلت له ساخراً: هل ستقبضون على ثلاثة ملايين؟ إن السجون والمعتقلات مزدحمة ولا يوجد فيها أماكن خالية! قال لي ساخراً: هل كنت ستشترك في تشييع الجنازة؟ قلت: لولا أنني مسجون لسرت في الجنازة! قال ضاحكاً: وكنا قبضنا عليك!

"ثم ذكر لي الزبانية أشياء أذهلتني! قالوا إن الأوامر صدرت بالقبض على مئات الوفديين المعروفين، بتهمة أنهم مشوا في الجنازة! ولم أكن أعلم أن الوفاء أصبح جريمة في هذا البلد!".

كانت هذه هي رواية مصطفى أمين عن عهود الوفد. اما رواية مصطفى طيبة، التي يتحسر فيها على انون إسماعيل صدقي الذي صدر أثناء حكم القصر! فقد رواها من واقع اعتقاله في عهد فاروق يوم 18 يوليو 1952،قبل فيام ثورة يوليو بخمسة أيام فقط، وفي أثناء فرض الأحكام العرفية بعد حريق القاهرة، بتهمة تأسيس وإدارة الحزب الشيوعي المصري"، واستمر اعتقاله بعد قيام الثورة لمدة اثنى عشر عاماً! بتهمة قلب نظام الحكم!

فيسجل أنه عندما كان التحقيق يجري معه في ظل الأحكام العرفية قبل الثورة، حين بدأ رئيس النيابة التحقيق معه، وكان القيد الحديدي في معصمه، طلب منه فك قيده الحديدي "احتراماً للسلطة القضائية"! فإذا بالرجل يختلط في وجهه الغضب بحمرة الخجل ليكسو وجهه بلون غريب جسد كل ما يعانيه الرجل من مذلة ومهانة"! وكانت هذه الملحوظة كافية لفك القيد الحديدي!

وعندما قامت الثورة ظن مصطفى طيبة انه سوف يفرج عنه، حيث أكد المحامون له ان النيابة لا تملك دليلاً واحداً ضده. كما جاءت تصريحات الثورة، في شهر أغسطس بأن كل المسجونين السياسيين الذين اعتقلوا قبل 23 يوليو، سوف يفرج عنهم فوراً ـ لتؤكد هذا الشعور.

على أنه ظل في السجن! ثم صدر قانون يعطي الحق للذين يرون أن سياسيون ولم يفرج عنهم، بتقديم تظلمات أمام محكمة خاصة شكلت لهذا الغرض. "فتقدمنا بتظلمات، وبعد عدد من الجلسات أصدرت المحكمة حكماً برفض تظلماتنا! وقال في حيثيات الحكم إن الشيوعيين ليسوا سياسيين! وغنما هم اقتصاديون! وأنهم يصبحون سياسيين في حالة واحدة فقط، هي حالة استيلائهم على السلطة"!

ويقول مصطفى طيبة إنه، قبل نظر قضية التظلمات السياسية كان قرار الاتهام قد وصله، فوجد نفسه هو وزميله مصطفى كمال خليل، اللذين اعتقلا قبل 23 يوليو في قرار واحد، مع 21 آخرين قبضت عليهم ثورة يوليو، في قرار واحد، وكان الاتهام الموجه للجميع هو محاولة قلب نظام الحكم!

أي اثنان متهمان بقلب نظام الحكم الملكي، والباقون متهمون بقلب نظام ثورة يولي! فلقد تولت ثورة يوليو مهاك نظام الحكم الملكي في البطش بالشعب، ولكن بطريقة أكثر كفاءة! فأخذت توجه ضرباتها إلى الوفد، وفي الوقت نفسه أخذت توجه ضرباتها إلى الطبقة العاملة، فأعدمت خميس والبقري وأدخلت الحركة النقابية الشقوق! ونظراً لعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، فإنها أولت الشيوعيين عناية خاصة تضاءلت إلى جوارها عناية إسماعيل صدقي والنظام الملكي! فعلى حد قول مصطفى طيبة:

"بعد أيام من رفض تظلماتنا، سحبت قضيتنا من أمام محكمة الجنايات العسكرية (وأعضاؤها مستشارون) كي ينظرها "مجلس عسكري" (أعضاؤه عسكريون)! وبرئاسة القائمقام أحمد شوقي عبد الرحمن، نائب أحكام عسكري، وبإجراءات مجلس عسكري!

كانت هذه أول قضية شيوعية شكل لها مجلس عسكري خاص، الأمر الذي يوضح الفرق بين الحكم الملكي في أسوأ عهوده تحت الأحكام العرفية، وثورة يوليو الفاشية! ويقول مصطفى طيبة إنه في ذلك الحين نشرت روز اليوسف خبراً يقول بأن الدوائر الأمريكية ارتاحت لتشكيل مجلس عسكري لمحاكمة الشيوعيين!

وقد كان على أثر ذلك أن ثار السؤال: بأي قانون سوف يحاكم الشيوعيون؟ وعلى قول مصطفى طيبة:

"ظللنا أياماً قبل بدء المحاكمة نسأل: بأي قانون سوف نحاكم؟ هل بقانون صدقي، الذي أقصى عقوبة فيه هي 10 سنوات أشغال شاقة؟ او بقانون محاكم الثورة، والذي تصل أحكامه إلى الإعدام؟

"وأصبح قانون صدقي الذي صدر عام 1946 ـ وهو قانون غير دستوري لأنه صدر في غيبة البرلمان ـ حلما نتمناه!"

ويصور مصطفى طيبة الفوضى التي سادت في ذلك الحين بعد غياب القانون، فيقول: "مضت أيام لم تصلنا أي إجابة على هذا السؤال! حتى المحامين الذين وكلوا للدفاع عنا لم يعرفوا إجابة على هذا السؤال! أكثر من ذلك، لم نكن نعرف، ولا المحامون يعرفون: أين سنحاكم؟

هل في إحدى قاعات المحاكم الجنائية، او أحد معسكرات الجيش؟ ووصلتنا إشاعات تقول بأن النية متجهة إلى محاكمات سريعة في أحد معسكرات الجيش، وإصدار عدد من الأحكام بالإعدام، وتنفيذها فوراً رمياً بالرصاص! على هذا النحو أصبح الحكم الملكي ـ في أسوأ عهوده تحت الأحكام العرفية ـ أملاً بعيد المنال للشيوعيين بعد وقوع البلاد في الفوضى التي أحدثتها ثورة يوليو الفاشية، ويقول مصطفى طيبة: "هكذا عشنا أكثر من عشرة أيام نهباً للإشاعات والأخبار المتضاربة، ولم نعرف وفق أي قانون سنحاكم إلا من نائب الأحكام البكباشي حسن سري قبل أن تبدا أول جلسة للمحاكمة!

كان شبح محاكمة خميس والبقري وما قضت به من إعدامهما مخيماً على مصطفى طيبة وزملائه، ولذلك حين حملتهم سيارات السجن وسط المدافع وفي أيديهم القيود الحديدية إلى مكان المحاكمة، كانوا يظنون أنهم متجهين إلى إحدى معسكرات الجيش، "نحاكم هناك زي خميس والبقري"! فلما علموا من مأمور الحرس أنهم متجهون إلى محكمة الاستئناف بباب الخلق، صاح الجميع فرحاً! فقد كان ذلك يعني الإفلات من مصير خميس والبقري!

ولكن اليأس كان مخيماً على المحامين التقدميين، لدرجة أنهم تنحوا عن الدفاع تحت الاعتقاد بأن "الأحكام صادرة بالفعل من قبل المحاكمة". ولا أمل في أي دفاع.

وفي ذلك يقول مصطفى طيبة: "جاء عدد كبير من المحامين التقدمييم والوطنيين. كان من التقدميين أسماء لامعة، ولمعت أكثر في الستينيات، وكنت أعرفهم جميعاً، وللأسف كان موقفهم مخزيا: واحد منهم تنحى عن الدفاع عني. وآخرون تنحوا أيضاً. ولما سالت عن السبب قالوا:

"أصل مافيش فايدة. الأحكام صادرة .. صادرة"!

"الذين دافعوا عنا كانوا متطوعين من بين الوفديين: سليمان غنام، وأحمد الحضري، ومن بين رجال المحاماة البارزين، موريس أرقش، وعادل أمين وغيرهم. وجاءني الدكتور مدحت في قفص الاتهام يطلب مني ـ في شبه رجاء ـ ان أقبل انتدابه للدفاع عني مع الأستاذ سليمان غنام"!

عندما انتهت المحاكمة بالقبض على القاضي والمحامي !! (الوفد في 21 / 4 / 1996)

لعل كلام المناضل اليساري مصطفى طيبة الذي نشرناه في المقال السابق، الذي أبدى فيه تحسره على أيام إسماعيل صدقي، يمثل قمة المأساة التي عاشها اليساريون في عصر عبد الناصر! وهو العصر الذي يدافعون عنه اليوم بغير عذر مقبول، مما أعطى البعض من كبار الكتاب الإيحاء بأن عصر عبد الناصر كان عصراً شيوعياً، مستندين في ذلك إلى تأميمه وسائل الإنتاج في يولية 1961! على أن الدكتور لويس عوض نبه إلى أن تأميم وسائل الإنتاج لا يعني الشيوعية، وبرر ذلك بأن عبد الناصر سوف يدخل التاريخ بإنجازين هما:


تصفية الشيوعية، وتصفية الديموقراطية، وهذان الإنجازان يضعانه تاريخياً في سلك الإشتراكية الوطنية، أي النازية!

وقد وصف مصطفى طيبة الفوضى واليأس الذي انتاب المحامين اليساريين حتى إنهم تنحوا عن الدفاع على أساس اقتناعهم بأن "الأحكام صادرة .. صادرة من قبل المحاكمة، ومافيش فايدة"، ولكن المحامين الوفديين تصدوا للدفاع عن الشيوعيين، وكانت ثقتهم في البراءة كبيرة، فقد كانوا واقعين في وهم أن هناك قانوناً سوف تحترمه ثورة يوليو! ولسبب آخر سربه أحد المحامين لمصطفى طيبة، فقد قال له: أنت براءتك مائة في المئة! وعندما استفسر منه مصطفى طيبة عن السبب، قال له: إن التهمة الموجهة إليك هي قلب نظام الحكم الملكي، وها هم الضباط قد قلبوا نظام الحكم الملكي الذي أن متهم بمحاولة قلبه، ومن ثم فإما أن تطلع أنت براءة، وإنما أن يدخل ضباط يوليو السجن مع!

على أن الأمور لم تكن بهذه البساطة، لأنها كانت تتطلب وجود حد أدنى من النظام والقانون، ولم يكن شيء من ذلك متوافراً، لأن مصطفى طيبة لم يلبث أن عرف أن القاضي الذي أخذ في محاكمته قد قبض عليه، بل قبض أيضاً على المحامي الذي كان يدافع عنه! وبذلك أصبح القاشي والمحامي والمتهم في السجن في ذلك العهد "المجيد"!

وتمضي رواية مصطفى طيبة المثيرة على النحو الآتي:

"قال لي الأستاذ سليمان غنام رحمه الله: "موقفك في القضية سليم جداً. لو طبق الانون فالحكم بالنسبة لك سيكن براءة! قلت ضاحكاً: هل السبب هو المنطق؟ قال ضاحكاً: أنا باقول: القانون، مش المنطق! قلت: يا أستاذ غنام، أنت موكل للدفاع عن الديموقراطية والحريات السياسية، وكل ما نريده هو أن يسمع الرأي العام دفاعك عن الحرية"

"وصاح الحاجب: محكمة! ودخل القائمقام أحمد شوقي عبد الرحمن رئيس المحكمة، وضابطان برتبة صاغ، وبعدها دخل حسن سري نائب الأحكام ثم علي نور الدين المدعي.

"وتقدم المحامون: سليمان غنام، وأحمد الحضري، وموريس أرقش، وعادل أمين يطلبون تأجيل المحاكمة حتى ينظر مجلس الدولة في المذكرة التي تقدموا بها يطعنون في دستورية تشكيل المجلس العسكري. ورفعت الجلسة للمداولة.

"وانعقدت المحكمة بعد نصف ساعة، وأعلن الرئيس قرار المحكمة الاستمرار في نظر القضية المعروضة حتى يصدر مجلس الدولة قراره بشأن اعتراض الدفاع على تشكيلها".

وعلى هذا النحو اتؤنفت المحاكمة، جلسات صباحية ومسائية، واستمرت شهرين كاملين".

"على أنه قبل أن تصل إجراءات المحاكمة إلى نهايتها بأيام، قبض على القائمقام أحمد شوقي عبد الرحمن رئيس المحكمة، وعلى المرحوم الأستاذ سليمان غنام! وهكذا انتهت المحاكمة بالقبض على رئيس المحكمة وعلى المحامي الذي يدافع عني"!

ويفسر مصطفى طيبة القبض على القاضي بالآتي: "الحقيقة كلنا غير قادرين على تفسير موقف أحمد شوقي عبد الرحمن! كان يهتم اهتماماً ملحوظاً بكل الجوانب القانونية، وكان يصر على علنية الجلسات رغم طلب المدعي مراراً بعقد الجلسات سرية، كما كان يطالب بنشر ما يدور بالمحاكمة في الصحف. وبالطبع لم تكن الصحف تنشر شيئاً فيما عدا جريدة "المصري" التي كانت تتحايل على نشر بعض ما يدور في جلسات المحاكمة. وكان القائمقام أحمد شوقي عبد الرحمن يثبت في محضر الجلسات أن الصحف عليها أن تنشر، ليكون الرأي العام رقيباً على ما يدور، وكان يطلب يومياً من نائب الأحكام الاتصال بالصحف ويطلب منها النشر، وكثيراً ما لام مندوبي الصحافة الذين يحضرون الجلسات"!

ومعنى هذا الكلام أن القائمقام أحمد شوقي كان مهتماً بإقامة العدل وتطبيق حكم الانون! وفي الحقيقة أنه لا يحتسب على ثوار يوليو، فعلى الرغم من أنه كان أكبر المشتركين رتبة بعد اللواء محمد نجيب، وكان قائد الكتيبة 13 مشاة التي قامت بحماية مدخل العباسية من ناحية كلية البوليس، واحتلت رئاسة الحدود، فإنه كان ديموقراطي النزعة، وكان من مؤيدي اللواء محمد نجيب، وبعد انتهاء أزمة مارس بانتصار عبد الناصر، حوكم أمام محكمة الثورة وصدر عليه الحكم بالسجن لعشر سنوات!

والمهم هو أنه بعد القبض على القاضي والمحامي أعيد مصطفى طيبة إلى سجن مصر في انتظار محاكمة جديدة أمام مجلس عسكري جديد برئاسة اللواء فؤاد الدجوي في أكتوبر 1954. وكان اعتقاد الجميع أن المحاكمة الجديدة سوف تبدأ من حيث انتهت المحاكمة الأولى، على نحو ما يحدث في المحاكم الجنائية، ولكنها بدأت بإجراءات جديدة بعد أن ألغى المجلس الجديد إجراءات المجلس السابق!

وفي ذلك يقول مصطفى طيبة: هذا النوع من المحاكمات، لا يقدم ضمانات: لا للقاضي، ولا للمحامي، ولا للمتهم!

وتسائل المتهمون: أين القاضي السابق القائمقام أحمد شوقي عبد الرحمن؟ وتساءل ] مصطفى طيبة: أين الأستاذ سليمان غنام؟ ويتقدم محام من مكتب الأستاذ غنام، ويقول: الأستاذ سليمان غنام قبض عليه، وهو يطلب السماح بحضوره للدفاع عن المتهم! وتقرر المحكمة انتداب محام آخر، ويصرخ مصطفى طيبة: أنا أرفض أي محام تنتدبه المحكمة، ومصر على الأستاذ غنام!

ويعترض المتهمون الثلاث والعشرون على تشكيل المجلس العسكري من حيث الشكل والموضوع، وتواجه الثورة ذلك بإطلاق إشاعات مرعبة بأن القضية ستحول إلى محكمة الثورة، الأمر الذي يعني الإعدام! ويقول مصطفى طيبة: "أزعجتنا هذه الشائعات، فبقانون إسماعيل صدقي غير الدستوري فإن أقصى عقوبة علينا هي عشرة أعوام شاقة، بينما قانون محكمة الثورة يصل إلى الإعدام!

وتستمر المحكمات عدة جلسات، ويعلن الدجوي انتهاء المحاكمة في النصف الثاني من نوفمبر 1953 ، وفي يوم 12 يناير تعلن الأحكام بشكل درامي على النحو الذي يرويه مصطفى طيبة على النحو الآتي:

"في يوم 12 يناير 1954 أعلنت حالة الطوارئ في السجن كله، وفي كل المنطقة المحيطة به، لسبب لم نعرفه ولم يعرفه أحد أيضاً إلا بعد أن وقف 23 زميلاً في طابور ليتلو ضابط كبير في الجيش الحكم الصادر عليهم. وكان يوماً مثيراً.

وقد كتبت جريدة المصري في يوم 13 يناير 1954 وصف الطريقة التي أعلنت بها الأحكام، تعبيرا عن موقف الوفد من الحريات السياسية والديموقراطية. ووفقاً لكلام مصطفى طيبة:

"لقد ظلت زنازين السجنكلها مغلقة حتى الساعة التاسعة صباحاً، على الرغم من أنها تفتح عادة في السابعة، واختفى صوت المنادي الذي ينادي يومياً على أسماء المساجين الذين يستحقون الزياة، وأغلقت الدكاكين والقهاوي المحيطة بالسجن، وبدا الأمر كما لو كان انقلاباً عسكرياً جديداً قد وقع. ولكن في التاسعة صباحاً فتح باب العنبر، ونودي على أسماء المساجين من أصحاب الرأي، واتفق الجميع بسرعة على الموقف أثناء تلاوة الأحكام.

كان الضابط الكبير ينادي على اسم السجني، ويتلو عليه الحكم الصادر ضده، فيهتف فور سماع الحكم عليه: "عاش كفاح الشعب المصري"! ويهتف السجين الآخر: "عاشت الحرية ويسقط الإرهاب"!

كان الجمع يشعرون أنهم انتقلوا إلى حكم عسكري فاشي اختفى منه القانون والعدل والنظام. وقول مصطفى طيبة: لم يصدر حكم واحد بالبراءة! وارتفعت أصوات زملائنا في الزنازين المغلقة، وهم يرددون نشيد بلادي .. بلادي!

وحكم على مصطفى طيبة بالأشغال الشاقة عشر سنوات، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم الملكي! وهي التهمة التي قبض عليه من أجلها في عهد فاروق، وبطبيعة الحال فلم يكن في وسعه القيام بمحاولة قلب نظام الحكم في عهد الثورة، لأنه كان في السجن لا حول له ولا قوة.

وهذا يؤكد تلك الحقيقة التي أشرنا إليها، وهي أن ثورة يوليو بعد أن أسقطت نظام الحكم الملكي، تبنت كل شعاراته وسياساته، وقامت بتنفيذها بوسائل أكثر فاعلية ووحشية! فقد وقفت وحشية إسماعيل صدقي عند حد الحكم بالأشغال الشاقة لمدة عشرة أعوام، ولكن وحشية الثورة وصلت بهذا الحكم إلى الإعدام!

ويقول مصطفى طيبة إنه لم يكن وحده في الحكم عليه بالأشغال الشاقة عشرة أعوام، بل كان معه عشر آخرون، وتراوحت أحكام السجن على الباقين بين عشر وخمس سنوات.

وجاءت إجراءات تحويل المتهمين إلى محكوم عليهم بالأشغال الشاقة، لتصور هوية الثورة الفاشية. فقد كان هؤلاء سجناء سياسيين، أي أصحاب رأي، ولكن الثورة عاملتهم كمجرمين! فيقول مصطفى طيبة إنهم خلعوا الملابس العادية، ولبسوا ملابس الأشغال الشاقة: بدلة زرقاء ممزقة بالية، بها أعداد كبيرة من حشرات القمل والبق!

ويدق في كل قدم حلقة بها سلسلة من الحديد تتصل بالحلقة الأخرى، ووزنها 4 كيلو جرام! وتعلق في الوسط بواسطة حلقة أخرى تعلق في حزام جلدي!

وكان الحكم معناه أن يظل السجين السياسي المحكوم عليه بالأشغال الشاقة، مقيداً بهذه القيوم، لا يخلعها أبداً: سواء في نومه أو في يقظته، أو حتى عند الاستحمام!

"وعلى باب سجن مصر الخارجي كانت تنتظر عربتان، ركبت أنا وخمسة زملاء إحداها، وركب الخمسة الآخرون العربة الأخرى، وسارت العربة الأولى إلى ليمان أبي زعبل، واتحهت العربة الأخرى إلى ليمان طرة، وخلال الرحلة من سجن مصر إلى ليمان أبي زعبل كنا ننشد نشيد: بلادي .. بلادي، وننشد أيضاً: "أخي ما الحديد إذا ألبسونا الحديد، لقد جهلونا إذ حسبونا عبيد"!

سجناء الرأي في موكب العبيد ! (الوفد في 28 إبريل 1997)

رأينا في مقالنا السابق كيف انتقلت مصر مع ثورة يوليو "المجيدة"! من بلد يسوده القانون ـ حتى لو كان هذا القانون قانون إسماعيل صدقي! ـ إلى بلد تسوده الفوضى والانقسامات بين ضباط الثورة. وكيف انتهت المرحلة الأولى في محاكمة مصطفى طيبة بالقبض على القاشي وعلى المحامي! وهو ما يمثل قمة الفوضى وسيادة شريعة الغاب! ثم جاءت المرحلة الثانية من محاكمته على يد جزار شهير هو اللواء فؤاد الدجوي، الذي ألغى كل إجراءات المحكمة السابقة أمام القائمقام أحمد شوقي بعد القبض عليه، وبدأ إجراءات جديدة انتهت بالحكم على مصطفى طيبة بالأشغال الشاقة عشرة أعوام بتهمة محاولة قلب نظام الحكم الملكي!، وهي التهمة التي قبض عليه من أجلها في عهد فاروق قبل الثورة!

وعلى الرغم من أن مصطفى طيبة وزملائه كانوا سجناء رأي، فإن الثورة عاملتهم كمجرمين، فألبستهم ملابس الشغل الشاقة، ودقت في أقدامهم حلقت من الحديد تتصل ببعضها البعض بسلسلة من الحديد وزنها 4 كيلو جرامات، وتعلق في الوسط بواسطة حلق أخرى تعلق في حزام حديدي.

ويواصل مصطفى طيبة مذكراته فيقول: "كنا أمام ليمان أبو زعبل، وعلى باب الليمان كان يقف المأمور ومعه ثلاث ضباط، وأكثر من عشرة سجانة. ومن بعيد سمعنا أصوات قيود مئات المساجين العائدين من الجبل!

"كان موكب العبيد يقترب منا تدريجياً، وفي الأفق كان شعاع الشمس الأخير يختفي، والظلام يزحف مع زحف موكب المساجين العائدين بعد نهار كامل من الشغل في تقطيع أحجار البازلت في الجبل، ويحيط بهم عشرات الجنود، وهم يحملون المدافع الرشاشة، وعدد من الضباط يمتطون خيولهم.

"إذن سنكون من الغد في موكب العبيد هذا! وهل يطول بنا العمل عشر سنوات على هذه الحال؟ وهل نحتمل هذا العذاب اليومي؟".

وفي الزنزانة يوم 12 يناير 1954 أمضى مصطفى طيبة الليلة الأولى كأي مجرم قاتل من معتادي الإجرام وليس كمسجون سياسي من أصحاب الرأي! كان الجو شتاء في عز البرد، و "لسعات أسفلت أرض الزنزانة تخترق "البرش" الذي أجلس عليه، فأشهب واقفاً، وتحتك السلاسل الحديدية بقدمي العاريتين، أمسكها بيدي، أزيحها عن قدمي، أفرض بطانية مهترئة ممزقة على البرش، وأجلس.

"ولكن أنَّى لبرش منسوج من الليف وعليه هذه البطانية أن يحمي جسمي الذي أحاول تمديده من البرد القارص؟ أنفخ في يدي، وتبعث أنفاسي فيهما الدفء، ولكن جسمي كله يكاد يتجمد، كتفاي، وظهري، وصدري وقدماي، من أين يأتيهما الدفء؟ جسم شبه عار، قيد بسلاسل حديدية، وتحاصره جدران الزنزانة الأسمنتية، وأرضها الأسفلتية، والهواء البارد يصب على رأسي لسعاته الثلجية من نافذة الزنزانة العلوية، هكذا طوال الليل، محاولات يائسة للبحث عن أقل دفء، أقف تارة وأجلس تارة أخرى، وأمدد جسمي المنهك مرة ثالثة، والبرد لا يرحم! لا أذكر كم دقيقة نمت، ولا كيف نمت! وهل كان نوماً أو كان نوماً أو كان سقوطاً في غيبوبة!"

وهنا يصبح الالتحاق بموكب العبيد، والعمل في الجبل، أمنية كل سجين سياسي! لأنه يعني الخروج للشمس والهواء! كما يصبح الانتقال من ليمان أبو زعبل إلى ليمان طرة أمنية عزيزة غالية أيضاً!

فالعمل في ليمان أبو زعبل هو تكسير حجر البازلت، ولكن العمل في ليمان طره هو تكسير الحجر الجيري، وهو أقل صلابة من الحجر البازلت.

وكما يرى القارئ فإن المسائل نسبية، حتى في الأشغال الشاقة! وحتى في الاختيار بين الحبس في الزنزانة والعمل في موكب العبيد، أو في الاختيار بين تكسير حجر البازلت وتكسير الحجر الجيري! وفي الاختيار بين قضاء مدة الأشغال الشاقة في ليمان أبو زعبل أو قضائها في ليمان طرة!

مصطفى طيبة يتحدث عن ليمان أبو زعبل باحتقار، فهو مخصص لأصحاب السوابق، وسجناء الرأي ليسوا من أرباب السوابق.

وفي وسط الظلام الحالك الذي فرضه حكم ثورة يوليو، وفي الوقت الذي كان الصراع دائماً خارج الليمان بين القوى الوطنية والتقدمية وبين ضباط يوليو في أزمة مارس 1954 الشهيرة، انطلقت دعابة داخل ليمان أبو زعبل من أحد السجانة، نقلب سجناء الرأي من ظلام اليأس إلى نور الأمل. وكان الذي أطلق هذه الدعابة هو أحد السجانة، عندما سأله أحد سجناء الرأي عن الأخبار خارج الليمان؟ فإذا به يرد بأن النحاس باشا قد رأس الوزارة وأنه في حالة طيبة! ويصاب سجناء الرأي بالذهول ويسألون الحارس المداعب: هل النحاس باشا رئيس الحكومة؟ ويرد الرجل متصنعاً الجد: أيوه طبعا، أمال مين؟

ويروي مصطفى طيبة كيف هزتهم من الفرح هذه الدعابة التي أتقنها صاحبها، ونقلتهم من اليأس إلى الأمل، فيقول: "رحنا طول الليل نحلل الموقف السياسي. معقول جداً أن يعود الوفد إلى الحكم؟ ربما رضخت سلطة 23 يوليو لضغط الشعب، وتولى النحاس رئاسة الحكومة.

"مكثنا طوال الليل نحلل الموقف السياسي بعد أن تولى الوفد الحكم، وكأنه أصبح حقيقة! وخرجنا بطبيعة الحال بنتيجة منطقية، هي أن الوفد سيعتمد في حكمه على إطلاق الحريات السياسية والديمقراطية! وبدا أمل الإفراج عنا في الأفق، ثم رحنا في نوم عميف نحلم بالإفراج عنا .. بالحرية.

"وفي الصباح الباكر سمعنا صوتاً عالياً يطلب أن نستعد للخروج، وصاح أحدنا في سعادة بالغة:

- مش قلت لكم: إفراج؟ يحيا الوفد.

"فتحت الزنزانتان وخرجنا منهما، ولكن للعمل في الجبل، ومع ذلك لم نفقد الأمل في أن يكون النحاس باشا قد تولى الحكم بالفعل، وسوف يفرج هنا. ولكن أحدا لم يصرح بما في نفسه لزميله.

"سرنا في نهاية طابور العبيد في طريقنا إلى الجبل، ومن حسن حظنا أن ضابط العمل في ذلك اليوم كان صديقنا، وعندما اقترب منا سألنا: إزي الحال؟ ورددنا عليه: "الحمدلله، إيه حكاية النحاش باشا؟ ولم يملك الرجل نفسه من الضحك، وقال: "نحاس باشا مين ؟ انت بتحلم ؟ وتبددت كل أحلامنا، وكل التحليلات السياسية راحت هباء"

ولم يدر مصطفى طيبة وزملائه ان ضباط يوليو في ذلك الحين كانوا قد ضربوا القوى الوطنية والتقدمية، التي طالبت بعودة الجيش إلى ثكناته، وبالحرية والديموقراطية والحياة الدستورية. وأن هؤلاء الضباط انقضوا على من مدوا أيديهم إليهم وساعدوهم بالفتاوى الدستورية، فاعتدوا بالضرب على الدكتور عبد الرازق السنهوري في قلب دار مجلس الدولة، وفرضوا الرقابة الكثيفة على الصحف، وزجوا بالأحرار في السجون، وارتكبوا مذبحة الجامعة، وقضوا قضاءاً مبرماً على العصر الليبرالي في مصر.

ومع ذلك فقد كان من حسن حظ مصطفى طيبة ورفاقه أنهم كانوا مسجونين، وليسوا معتقلين!. كما كان من حسن حظهم أنهم كانوا محكوما عليهم بالأشغال الشاقة عشر سنوات، وليسوا معتقلين بإرادة عبد الناصر. وقد يدهش القارئ لهذا القول! فهل يكون من حسن حظ أي صاحب رأي أن يكون محكوماً عليه بالأشغال الشاقة وليس معتقلاً؟

إن هذه الحقيقة هي إحدى هزليات نظام حكم عبد الناصر التي نكشف عليها الستار في هذه الحلقات، وهي أن المحكوم عليه بالأشغال الشاقة من عتاة المجرمين كان أسعد حظاً بكثير من المعتقل بأمر عبد الناصر! فالسجين الأول يخضع للائحة السجون ويخضع للقانون، ولكن المعتقل بأمر عبد الناصر يخضع فقط للائحة زبانية التعذيب!

لقد كان سجين الرأي في نظر النظام الناصري أخطر على الدولة من القاتل وتاجر المخدرات وتاجر الرقيق الأبيض.

ومن هنا كان مصطفى طيبة ورفاقه من سعداء الحظ الذين حكم عليهم النظام الناصري بعشر سنوات أشغال شاقة بتهمة محاولة قلب نظام الحكم الملكي، (أي النظام الذي قلبته الثورة بالفعل!) فقد كان من حقهم أن يطالبوا بمطالب، ويضربوا عن الطعام، ويفرضوا أوضاعاً أقل سوءاً، ولكن المعتقلين بأمر عبد الناصر لم يكن من حقهم أي شيء.

ولذلك، عندما طلب معتقل، هو المهندس سيد عبد الله، من قائد معتقل الأوردي طلباً بسيطاً هو عبارة عن لبس أحذية أثناء تكسير حجارة البازلت في وادي العقارب، بدلا من العمل حفاة الأقدام وسط حيات "الطريشة" ذات الأجراس التي كانت تهاجم المعتقلين ـ "انهال عليه قائد المعتقل ضرباً بعصا أخذها من أحد العساكر وهو يصرخ كالثور الهائج: "أنا ماعنديش مسجون يطلب حاجة. إزاى تتجرأ يا كلب؟ كويس انكم لسه عايشين (فتحي عبد الفتاح: شيوعيون وناصريون ص 106 – 107).

كذلك فإن المحكوم بالأشغال الشاقة هو أسعد حظاً بكثير من المعتقل بأمر عبد الناصر، فالسجين الأول تحكمه لائحة تنظم عمله في الجبل ت أياً كان الليمان الذي يمضي عقوبته فيه. ـ أي سواء كان ليمان أبو زعبل أو ليمان طرة.

فالمريض لا يعمل، وساعات العمل محدودة بينها فترة راحة، وأيام الجمع والأعياد أجازات، وكذلك أيام الأمطار والعواصف. كما ان الوضع الطبقي للسجين يحدد درجة عملهن فالنزيل الثري قد لا يعمل غطلاقاً، إذ يدفع رشوة للحراس فيتركونه وشأنه، ويدفع مرتبات للسجناء الفقرا ليعملوا بدله ويقدموا "المقطوعية" من الحجارة المقررة عليه والتي يسلمها للحارس ليسجل عددها.

هذه ـ إذن ـ هي المميزات التي يتمتع بها سجين ليمان أبو زعبل أو ليمان طرة، سواء كان من كبار تجار المخابرات أو صغارهم، أو النزلاء الذين اعتادوا الإجرام والقتل العادي وجنايات الاختلاس والسرقة ـ أما المعتقلون بأمر عبد الناصر فليس لهم شيء من هذه المميزات، كما أنهم لا يتمتعون بالعمل في ليمان أبو زعبل أو ليمان طرة، وإنما ينزلون في الأوردي، والأوردي ـ كما وصفه إلهام سيف النصر ـ "دنيا أخرى غير الليمان" على الرغم من أنه ملحق به".

وهذا وحده يكشف طبيعة النظام الناصري، ووجهه الفاشي القبيح. فقد اختص عبد الناصر سجناء الرأي بليمان خاص، يمارس فيه زبانيته عذاباً جماعياً لم يشهده تاريخ بشر، لنه كان تعذيباً للتعذيب وليس لأي شيء آخر، فلم يكن تعذيباً للحصول على اعترافات من الشيوعيين بانتمائهم للفكر الشيوعي، لأنهم لم يكونوا ينكرون هذا الانتماء، بل كانوا يفاخرون به في المحاكم، ولم يكن تعذيباً لحمل المعتقل على العدول عن اعتراف أو مبدأ أو مذهب مما سجل لنا التاريخ، ولم يكن تعذيباً عقاباً على جريمة ارتكبت، أو لإقامة الحد، أو لأي سبب معروف، وإنما كان تعذيباً للتعذيب، ولإرضاء شهوة التعذيب!

ومن أجل هذا لا نستطيع أن نسلك النظام الناصري في سلك النظم الاستبدادية التي مرت بمصر، فهذه النظم ـ حتى في أسوأ صورها ـ كانت تعذب لسبب من الأسباب، ولكنها لم تعذب بدون سبب اللهم إلا شهوة التعذيب. لقد كان النظام الناصري نظاماً فاشياً منذ البداية، وكانت رسالته الأولى هي القضاء على الشيوعية وإنهاء الحياة الديمقراطية، وتلك هي رسالة النظام الفاشية في عصرنا الحديث.

رحلة إلى ما وراء الشمس ! (الوفد في 5 مايو 1997)

كانت هزيمة القوى الديموقراطية والتقدمية في أزمة مارس 1954، واستقرار الحكم في يد عبد الناصر، بداية صفحة من الهزائم العسكرية، وصفحة أخرى أكثر قتامة في تاريخ علاقة ثورة يوليو بحقوق الإنسان، وقد بدأت كما ذكرنا بالانقلاب على القوى التي أحسنت الظن بالثورة في بدايتها وساعدتها متصورة أنها ثورة حقيقية، وكان على رأس هذه القوى مجلس الدولة برياسة الدكتور عبد الرازق السنهوري، الذي ارتكب جريمة ديموقراطية فظيعة عندما أصدرت الجمعية العمومية لقسم الرأي يوم 31 يوليو 1952 قرارها بعدم دستورية دعوة مجلس النواب الوفدي المنحل إلى يوم الانعقاد، فكان هذا القرار هو الخطوة الأولى في الطريق الذي طوله ألف ميل من دكتاتورية ثورة يوليو.

فلقد كان على مجلس الدولة وعلى الدكتور عبد الرازق السنهوري أن يدفع ثمن هذه الجريمة الديمقراطية يوم 29 مارس 1954 عندما أرسلت الثورة بلطجيتها من جنود البوليس الحربي المتخفين في ثياب مدنية تحت قيادة حسين عرفة مدير المباحث الجنائية العسكرية، إلى مجلس الدولة أثناء عقد اجتماع الجمعية العمومية لمجلس الدول، فاقتحموا الاجتماع، واندفعوا إلى الدكتور عبد الرازق السنهوري وأعضاء الجمعية العمومية من المستشارين، فانهالوا عليه وعليهم ضرباً، ونقل الدكتور السنهوري إلى المستشفى، بعد ان دفع ثمن قرار يوم 31 يوليو 1952 غالياً.

وبذلك أنهت ثورة يوليو أسطورة قدسية القضاء، وكانت تلك هي المقدمة الطبيعية لما عرف بعد ذلك باسم مذبحة القضاء بعد بضعة سنوات!

وقد تلى ذلك مباشرة متابعة ثورة يوليو لخصومها في الرأي من القوى الوطنية والتقدمية، بمزيد من الاعتداء على حقوق الإنسان. فأصدرت يوم 14 إبريل 1954 قرارات بحرمان هؤلاء من تولي الوظائف العامة، ومن كافة الحقوق السياسية، ومن تولي مجالس إدارة النقابات والهيئات، لمدة عشرة سنوات! وطبق هذا القرار على 22 وزيراً وفدياً، و8 وزراء سعديين، و8 وزراء دستوريين! والطريف أنه طبق أيضاً على ستة من أعضاء لجنة إعداد الدستور الذي خدعت به الثورة الشعب، وكان على رأس هؤلاء الدكتور عبد الرازق السنهوري نفسه، فسقط بهذا القرار من منصبه في رئاسة مجلس الدولة.

وتابعت ثورة يوليو بعد ذلك مهمتها الفاشية. فبعد أن قضت على الديموقراطية، أخذت في تصفية الشيوعية، فاعتقلت يوم 31 مايو 1954 252 شيوعيا، وصدرت الأحكام يوم 24 يوليو 1954 بعشر سنوات اشغال شاقة على الدكتور شريف حتاتة ومحمد شطا وحليم طوسون، وثماني سنوات أشغال شاقة على زكي مراد ومحمد خليل قاسم، والسجن خمس سنوات على أحمد طه ومحسن محمد حسن وعبد اللطيف جمال، وسعد كامل وزوجته، وزوجة الشاعر كمال عبد الحليم ومصطفى كمال صدقي، والسجن ثلاث سنوات على إبراهيم حسين وسي البكار وهما وفديان، وبالسجن سنتين على بكر سيف النصر وهو وفدي أيضاً.

في ذلك الوقت رأت الثورة نقل سجناء الرأي في ليمان طرة إلى الواحات الخارجة، وهو ما أزعج لحد كبير مصطفى طيبة ورفاقه، وقد وصف الساعات القليلة التي سبقت ترحيله إلى ما وراء الشمس ـ على حد قوله ـ بأنها "كانت أقسى اللحظات التي مرت بنا خلال السنوات السابقة التي قضيناها في سجن مصر وليمان أبو زعبل وليمان طره.

كدنا نصل إلى يقين بأننا ذاهبون إلى مكان لا تمتد إليه إلا يد البطش والإرهاب والتعذيب حتى الموت .. هكذا قضينا الساعات الأولى من صباح يوم ترحيلنا".

ثم يقول: الواحات الخارجة! من هو الفاشي التي تفتق ذهنه الشرير عن فكرة نفينا في قلب الصحراء؟ كان الفاشست يلقون بالمناضلين الوطنيين إلى أفران الموت، وهؤلاء الفاشست هل يسوقوننا إلى الموت جوعاً وعطشاً؟ هل دبروا لنا الموت بسم الثعابين في الصحراء؟ وانتبهنا فجأة على صوت سجان شرير يقول: "لدغة" الطريشة هنا هي والقبر على طول!".

وترتفع أصواتنا تنشد بكل التحدي: "شتتونا في المنافي، واملئوا منا السجون، سوف تأتيكم ليالي، برقها عصف المنون!، ثم تنضم أصواتنا إلى أصوات زملائنا في الزنزانة المجاورة: "بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي"! وتفتح الزنازين، وتستمر أصواتنا جميعاً تردد من الأعماق: "مصر أنت اليوم حرة، فوق جبين الدهر درة، يا بلادي عيشي حرة، واسلمي رغم الأعادي". وبين صفين من السجانة الذين يحملون البنادق والرشاشات، تعلو هتافاتنا بحياة مصر وشعب مصر، وبالديموقراطية، والحريات السياسية .. دماؤنا فداك يا مصر. "كانت هتافاتنا وأناشيدنا من أجل رفع روحنا المعنوية".

ويرسم مصطفى طيبة صورة بشعة لمعاملة ثورة يوليو لسجناء الرأي عند إعدادهم للترحيل إلى الواحات، توضح كيف كانت هذه الثورة الفاشية تعامل سجين الرأي، الذي لا يملك من سلاح غير فكره، معاملة من يملك ترسانة من الأسلحة تخشى ان يستعملها ضدها!

فيقول: "قسمونا إلى مجموعات، كل مجموعة منا من خمسة زملاء، ينادون عليهعم باسلام من كشف في يد المدير، وبعد ان يتجمع الخمسة، يحيط بهم 4 سجانة وضابط، ويذهبون إلى ورشة الحدادة في الليمان، حيث يجري دق السلاسل في أقدامهم، في سلسلة طويلة".

ثم يذهبون إلى "الزنزانة" في القطار، التي تكدست فيها خمس مجموعات ـ أي 25 زميلاً في زنزانة لا تزي مساحتها على 2 × 1,5 متراً،جدرانها من أسياخ الحديد الصلب وسقفها ألواح سميكة من الحديد، وكذا أرضيتها العارية تماماً إلا من الأوساخ والقاذورات.

"وبعد أن انتهوا من عملية تكبيل كل الزملاء وتكديسهم في زنازين القطار، وقبل ان يتحرك القطار نحو رحلة المجهول، شهدنا من خلال القضبان مشهداً بشعاً ترك في أعماقي جرحاً لن يندمل أبداً".

"كان أصحاب "الكابات الحمراء" على الرؤوس والنياشين الكثيرة على الصدور، ومعهم "الأفنديات" ومدير السجن، يقفون بعيداص في ركن من أركان حوش الليمان، وكان عدد من السجناء يحمل "العروسة" التي تستخدم لجلد المسجونين، وينصبونها في وسط حوش الليمان.

"وبعد قليل، شاهدنا اثنين من زملائنا المسجونين، وقد كبلت أقدامهم وأيديهم بالسلاسل، يجرهم السجانة، وعلى رأسهم المأمور. وعند العروسة أصدر المأمور أمراً بفك سلاسل أحد الزميلين، وإعادة تقييده بـ "العروسة"، ثم أصدر أمراً بالجلد!

"أكثر من ربع ساعة كان سجانان يتبادلان ضرب الزميل بالكرباج على الظهر العاري تماماً. ولم تصدر عن الرجل آهة واحدة أو صرخة. ثم أعادوا تكبيله من رجليه ويديه بالقيود الحديدية!

"وتكرر هذا المشهد مع الزميل المسجون الآخر. لو أن هذه السياط نزلت على ظهري ما تألمت مثلما تألمت، وكنت أرى الألم يعتصر زملائي الذين يشاركوني القيد الحديدي، كا نتبادل الألم ولا نستطيع عمل أي شيء.

"وتنتهي عملية جلد الزميلين، ونشاهدهما يساقان مرة أخرى إلى زنازين "التأديب"، أيديهم مكبلة بالقيود، وأرجلهم مقيدة بالسلاسل، ومن ورائهم نشهد موكب الضباط الكبار والأفندية يسير ناحية مكاتب الإدارة، وتزعق صفارة القاطرة إيذاناً ببدء الرحلة إلى "ما وراء الشمس!".

هذه الصورة الصادقة المروعة لمحنة سجناء الرأي في عهد عبد الناصر، كانت ىتحدث بينما كان يصيح صيحاته المعروفة: "ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد!" أي في الوقت الذي كان يمارس استعباداً لمعارضيه في الرأي لم يسبق له مثيل حتى في العصر الاستعماري.

ويرسم مصطفى طيبة صورة أخرى لمشاعر الجماهير المصرية إزاء السجن الذي فرضته ثورة يوليو على الشعب المصري، فيقول إنه عندما وصل قطار السجن الذي يقلهم إلى محطة مصر، وشعرت الجماهير بهم، صاحت امرأة صيحة مدوية بددت السكون الرهيب الذي فرضه البوليس على الناس والمكان في عز الظهيرة.

- الدستور ... الدستور.

"وكأنما أصابت هذه الكلمة الناس الواقفين في أنحاء المحطة بمس كهربائي، وإذا بأصوات عديدة تعلو في قوة أصوات اهتزت لها مباني محطة مصر: " الدستور .. الدستور!".

وترتفع أصواتنا في الزنزانات في صوت واحد: الحرية، الدستور، الأحزاب!

"وفي لحظة واحدة، تختل كل إجراءات الأمن المشددة، ولا يستطيع البوليس المدجج بالسلاح أن يوقف زحف الجماهير التي تعاطفت معنا، لقد تنوعت الهتافات: الدستور، الديمواقراطية، الحرية للشعب. وتوحدت أصواتنا بأصوات الأهالي والجماهير وهي تردد نشيدنا الخالد: بلادي، بلادي، لك حبي وفؤادي.

"ويواصل القطار رحلته ماراً بمحطات الجيزة والفيوم ثم بني سويف وباقي المحطات حتى أسيوط، وفي كل محطة نجد جنود البوليس والمخبرين منتشرين في أرجائها. وعندما دخل القطار محطة أسيوط كان الظلام يزحف ويبدد آشعة الشمس، وكانت حناجرنا قد أجهدت، لقد أدت مهمتها على طول الطريق من القاهرة إلى أسيوط، حيث يوجد بشر، وزرع، وخضرة، وحياة. فالطريق من أسيوط حتى محطة "المواصلة" ليس به سوى الرمال والكثبان والنباتات الشيطانية المنتشرة على سفوح الجبال والتلال.

"كاد الليل أن ينتصف عندما وصل القطار إلى محطة الواحات الخارجة، لكي تبدأ رحلة السيارات إلى "جناح" حيث يقع السجن الجديد.

وهناك في محطة السكة الحديدية كانت تنتظر مفاجأة لسجناء الرأي لم تكن تخطر ببال، هذه المفاجأة هي أنه كان من المستحيل نزولهم من القطار وهم مكبلون بالسلاسل الحديدية بتلك الطريقة التي كبلوا بها!.

فعندما بدأت محاولة نزول أول خمسة أشخاص، وكان بينهم مصطفى طيبة، تبين أن سلم زنزانة القطار التي ينزلون منها، يبعد عن الأرض بحوالي متر على الأقل، ولم يكن يزيد طول السلسلة بين كل سجين وآخر عن نصف متر، ومعنى هذا أن مجرد نزول السجين الأول من على ارتفاع متر سوف يجر زملاءه الأربعة، الأمر الذي يعرض الجميع على الأقل لكدمات وجروح، بسبب سقوطهم على شريط السكة الحديدية أو الأحجار التي بجانبه.

على هذا النحو بدا أن الطريقة الوحيدة لنزول سجناء الرأي من زنزانات القطار هي قطع السلاسل الحديدية! وعندما يترددضابط السجن يقول له مصطفى طيبة: "هو فيه حد مجنون يفكر في الهرب من هنا؟" ويجد ضابط السجن نفسه أمام الأمر الواقع، ولكن قطع السلاسل يلزم فيه استعدادات، أي شاكوش وأجنة وسندال وحداد، وكلها غير موجودة. وتصدر الأوامر إلى بعض الجنود بالذهاب إلى المعسكر، وهو على بعد ساعة، لإحضار حداد ومعه الآلات اللازمة لقطع السلاسل الحديدية.

وعندما يحضر الحداد تبرز مشكلة أخرى، فلا يكاد يدرس الموقف حتى يقول للضابط: يا بيه، في كل رجل "حجلة"، ودي تخينة قوي وتأخذ وقت على ما تنقطع، لكن السلاسل سهل تاخد وقت أقل، فهل نقطع السلاسل ولا نقطع الحجلة؟ ولا يجد الضابط مفراً من قطع السلاسل، بما يترتب على ذلك من أن كل "سجين رأي" سوف يحتفظ بقطعة سلسلة و"حجلة" في كل قدم من قدميه!.

وينتهي الحداد من عمله، ويسير سجناء الرأي إلى العربات، وكل منهم يجر في قدم من قدميه سلسلة معلقة في حجلة، وتنطلق السيارات وسط صحراء واسعة وسكون رهيب لا يمزقه إلا عواء الذئاب والثعالب. ومن بعيد وعلى ضوء مصابيح السيارات العالية تبدو أنوار السجن، ويعلق مصطفى طيبة على ذلك قائلا:

"في لحظة تجسد أمامي صور معسكرات النازية، وأغلب الظن أن هؤلاء "الفاشست" لن يستخدموا نفس الأساليب التقليدية للتعذيب، وربما كانت خطتهم تقوم على إلقائنا في الصحراء نهباً للذئاب والثعالب والثعابين.

"فأي فاشي حقير هذا الذي دبر لنا الموت بهذه الطريقة الدنسة؟ إن كل أفران النازي ومعسكراتهم، وكل أساليبهم الوحشية تتوارى خجلاً أمام هذه الفكرة الشيطانية!

الحياة بين ليمان طره وسجن "جناح" ! (الوفد في 12 / 5 / 1997)

""أي فاشي حقير هذا الذي دبر لنا الموت بهذه الطريقة الدنسة؟ إن كل أفران النازي ومعسكراتهم، وكل أساليبهم الوحشية تتوارى خجلاً أمام هذه الفكرة الشيطانية: الموت بلدغة "طريشة" قضاء وقدراً"!

هذا هو ما كتبه مصطفى طيبة في مذكراته التي صدرت في جزئين تحت عنوان: "رسائل سجين سياسي إلى حبيبته"، وهو ينتقل من ليمان طره إلى سجن "جناح" بالواحات الخارجة مع زملائه من سجناء الرأي.

كانت كل جريمة مصطفى طيبة وزملائه من أمثال الدكتور شريف حتاتة وحليم طوسون ووليم اسحق وزكي مراد وصلاح حافظ ومحمد شطا ولمعي يوسف وسعد ياسيلي والدكتور فؤاد مرسي، هي مجرد الخلاف في الرأي مع ضباط يوليو، ولم تكن الجريمة لتدبيرهم مؤامرة لقلب الثورة وإقامة ثورة البروليتاريا، أو لاغتيال عبد الناصر أو أحد من ضباط الثورة، كما فعل الإخوان المسلمون.

والأغرب من ذلك حقاً كما ذكرنا ـ هو أن الشيوعيين كانوا يؤيدون عبد الناصر ونظام حكمه، ويعلنون ذلك في كل مناسبة وفي كل محاكماتهم، ومع ذلك فإن مجرد الخلاف في الرأي كان كافياً في نظر عبد الناصر لمصادرة حرياتهم والتنكيل بهم ونفيهم في أنأى بقعة من مصر!

فلم يكن يماثل عداء عبد الناصر للشيوعيين سوى عداء هتلر للشيوعيين! ولم يكن إحساسه بخطر فكرهم على نظامه أقل من إحساس هتلر بخطر فكر الشيوعيين على نظامه، ولذلك كانت حربه عليهم حرباً لا هوادة فيها، في الوقت الذي كانت الشيوعيون يعيشون تحت تهويمات حكمه الوطني وإنجازاته، وتتعالى صيحاتهم من ظلام سجنهم الدامس بحياته! بل إنه في الوقت الذي كانت سياط جلاديه وزبانيته تنهال على ظهورهم، لم يكفوا عن الإيمان به على النحو الذي جعل الكثيرون من المحللين السياسيين يربطون بين موقف الشيوعيين من عبد الناصر وموقف "القط من خنَّاقُة"!

والأغرب من ذلك أنهم، حتى اليوم، واقعين تحت وهم أن حكم عبد الناصر كان حكماً تقدمياً، على الرغم من أنهم خير من يعرفون حقيقته كما شاهدوها في سجونه ومعتقلاته، وهم اليوم أيضاً يعقدون محالفة مع الناصريين الذين أذلوهم، تحت وهم تقدمية النظام الناصري، على الرغم مما يعرفون ـ بالتجربة ومن واقع النظريات السياسية ـ أن التأميم لا يعني الإشتراكية، وإن ما ألحقه هؤلاء الناصريون بمصر من هزائم عسكرية، ومن إهدار للحريات السياسية، ومن فشل في إدرة القطاع العام بعد تسليمه لأصحاب الثقة من أقاربهم وأصحابهم، ومن تحويل مصر إلى سجن كبير ـ يضعهم على رأي أسوأ القوى السياسية التي شهدها تاريخ مصر الطويل!

وتعتبر مذكرات مصطفى طيبة، وهو شيوعي، شاهد عدل على نظام عبد الناصر وعلى صفته الفاشية. فيصف كيف جاء إلى السجن في إبريل 1958، بعد إعلان الوحدة مع سوريا، سجين يدعى محمد مختار جمعة، كان ـ كما يقول ـ "مجنداً في الجيش حين ألقوا القبض عليه. عذبته المخابرات العامة، ونفخته و "جلدته"ـ وحرقت ظهره بالحديد المحمي، وخلعت أظافره، ووضعوه عارياً في الماء المغلي، لكي يعترف على زملائه، فلم يعترف وحين ضاقوا ببطولته ذرعاً، قرروا إرساله إلى سجن "جناح" بالواحات الخارجة.

ويذكر كيف كتب الدكتور شريف حتاتة مذكرة إلى المسئولين، بدءاً من رئيس الجمهورية حتى مدير مصلحة السجون، وإلى الصحف والنقابات المهنية والعمالية المختلفة، "تسنتنكر نفينا في الصحراء، ومحاولة اغتيالنا بواسطة الحيات والثعابين، وتطلب نقلنا من هذا المنفى" ـ ولكن دون سميع أو مجيب!

ويقول غنه طوال إقامته وزملائه في السجن، لم يتمنوا في حياتهم شيئاً أكثر من خلع القيود الحديدية عنهم، كباقي خلق الله من المسجونين العاديين! لقد كانت أمنية غالية أن نستحم، ولو مرة واحدة، دون أن نجر القيود الحديدية في أقدامنا، بعد الجهود المصنية التي نبذلها عند خلع الملابس، ثم عند ارتدائها بعد الاستحمام. كنا قد تعودنا على السلاسل الحديدية في أقدامنا، كما تعودنا على صوت رنينها أثناء قيامنا أو جلوسنا أو سيرنا، أو حتى خلال نومنا، لكنا كنا نعاني عند كل استحمام، سواء أثناء خلع الملابس أو أثناء ارتدائها!

ثم يعقد المقارنة الغريبة بين معاملة نظام عبد الناصر لسجناء الرأي ومعاملته للمسجونين العاديين من تجار المخدرات والقوادين واللصوص والقتلة، فيقول:

"كان عدد شهور السنة في الأحكام القضائية عند كل المسجونين 9 شهور فقط، أما عندنا فشهور السنة 12 شهراً بالتمام والكمال! وكان كل المسجونين يخرجون في مناسبات أعياد الثورة، والفطر والأضحى، عند قضائهم نصف المدة، ولكن لم يخرج أحد منا في أي مناسبة من هذه المناسبات! ولأنهم يعشقوننا ومغرمون "صبابة" بنا، فقد كانوا عند انقضاء مدة عقوبتنا يستضيفوننا سنوات أخرى فوق مدة العقوبة القانونية!

ويقول إنه خلال سنوات السجن الماضية كان الفول المدمس الذي يأكلونه، ليس مدمساً وإنما مسلوقاً، وكانت الفولة الواحدة بها عدد لا يحصى من ثقوب السوس، وفي كثير من الأحيان كنا نضبط السوس متلبساً بجريمة استمراره في الحياة رغم تعرضه لأقصى درجات حرارة غليان الماه! ومع الوقت أخذ الكثيرون يأكلون السوس "بلذة" على اعتبار أنه في نهاية الأمر "بروتين"! وخرجوا بمقولة أن الفرق بين لحم السوس وأي لحم آخر، هو نفس الفرق بين لحم الأرنب ولحم القطة!

وقد تحدث مصطفى طيبة عن معاناة أخرى لم يشهدها معتقل في التاريخ. لقد كان المعتقل الذي قذف بهم إليه عبد الناصر عبارة عن بقعة نائية في قلب الصحراء ليست معدة أصلا لاستقبال معتقلين، ولا تحتوي على أية مرافق من المرافق اللازمة للحياة، لذلك فسرعان ما اكتشف المعتقلون من سجناء الرأي أن هذا المعتقل ليس فيه مياه شرب من أي نوه غير جرادل مياه نفدت مياهها، وكان عليهم أن يجلبوا الماء اللازم، ولكنهم عرفوا أن "العين" التي يجلب منها الماء تبعد عن السجن خمسة كيلو مترات، ومعنى هذا الكلام أن جلب الماء من "العين" سير مسافة 10 كيلو مترات ذهاباً وإياباً! وبطبيعة الحال فإن الجردل المليئ لن يصل إلى السجن كاملاً، وغنما سيصل نصفه فقط في أحسن الظروف.

وبعلق مصطفى طيبة على ذلك قائلاً: "لقد اختاروا لنا هذه القطعة من الأرض في قلب الصحراء، بعيدة عن مصادر المياه وأحاطوها بالأسلاك الشائكة، ثم القوا بداخلها أجولة من الفول والعدس والأرز والدقيق والفاصوليا الناشفة، وعددا من الخيام، وكميات من الخشب والصاج والمواسير، وقالوا لنا: "ابنوا سجنكم بأنفسكم"!

وفي أثناء بناء سجناء الرأي سجنهم بأنفسهم في قلب الصحراء، أتت الأخبار بصدام عبد الناصر مع الاستعمار في النصف الثاني من يوليو 1956، وعندئذ اجتمع سجناء الرأي الوطنيون وقرروا كتابة بيان يسجلون فيه بوضوح موقفهم المؤيد لعبد الناصر بدون شروط. ويقول مصطفى إن مأمور السجن وضباطه فوجئوا بهذا الموقف! فلم يكن في تصوراتهم أن مسجونين يمكن أن يرسلوا لسجانيهم تأييداً ومساندة، بلا أي شروط! ويتحمس المأمور لهذا الموقف الوطني، ويعلن أنه سوف يسافر إلى القاهرة لتوصيل البيان إلى رئاسة الجمهورية وإلى مدير مصلحة السجون.

ويكتب مصطفى طيبة قائلاً: "ربما كانت هذه أول تجربة يواجهها مسجونون سياسيون .. يقفون إلى جانب السلطة، يؤيدونها ويساندونها، دون أن يفرج عنهم، وربما كانت هذه أول مرة تتلقى فيها سلطة وطنية تأييداً أو مساندة من أشد معارضيها حتى الأمس القريب".

ويأتي مأمور السجن يوم 26 يوليو 1956 وهو يحمل برقية من رئاسة الجمهورية موجهة إلى مأمور سجن "جناح" بالواحات، لتوجيه الشكر إلى كل من وقعوا على بيان التأييد. الأمر الذي يشيع موجة من التفاؤل بقرب الإفراج عنهم.

وفي الوقت نفسه يحمل المأمور معه جهاز راديو كبير لسماع خطاب تأميم قناة السويس، ولا يكاد عبد الناصر يعلن تأميم شركة قناة السويس حتى يمتزج هدير تصفيق الجماهير في ميدان المنشية بالإسكندرية بهدير تصفيق سجناء الرأي في صحراء الواحات الخارجة! ويقول مصطفى طيبة: "كانت هذه أول مرة تشهد فيها صحراء الواحات الخارجة هتافاً يشق عنان السماء بحياة ناصر وثورة 23 يوليو!

"وبعد الخطاب انتظمت جموعنا مع جموع الجن من الإخوان المسلمين في مظاهرة صاخبة ظلت تجوب المعسكر أكثر من نصف ساعة، وبلغ تأثر المأمور والضباط والجنود إلى درجة كبيرة جعلتهم ينضون إلينا ويهتفون معنا، ثم يعانقوننا في ود وإنسانيبة. وسارع سجناء الرأي إلى إرسال برقية إلى عبد الناصر في نفس الليلة يعلنون فيها تأييدهم ومساندتهم!

ولكن تمضي شهور أغسطس وسبتمبر وعشرون يومأص من أكتوبر 1956، وسجناء الرأي يتوقعون الإفراج عنهم، بعد أن اختفى كل مبرر سياسي لاستمرار وجودهم في السجن، وعلى حد قول مصطفى طيبة: "أن تسجن لأنك تعارض النظام شيء مفهوم ومقبول، ولكن أن تسجن وأنت تؤيد وتساند هذا النظام مسألة لا تقبلها!".

وقد نسي مصطفى طيبة وزملاؤه أن نظام عبد الناصر لا يضع في اعتباره هذه المفاهيم السياسية، فهو نظام فاشي يحكم البلاد بمهارة بوسيلتين: المعتقلات لمعارضيه في الرأي، والقرارات الحماسية البراقة المدوية، التي تخطف أبصار الجماهير المصرية وتدفعها إلى الهتاف بحياة عبد الناصر، مهما ترتب عليه من خسائر وطنية جسيمة تؤثر على مستقبل البلاد!

وهو ما حدث مع إعلان تأميم شركة قناة السويس، فقد بقي لعبد الناصر الهتاف والحماس الشعبي حتى وفاته، وبقي لمصر الخسائر الهائلة التي ترتبت على تأميم القناة، وهي مرور الملاحة الإسرائيلية من شرم الشيخ، وانفتاحها على أسواق أفريقيا وآسيا، وتحول ميناء إيلات إلى ميناء دولي!

كذلك عندما أعلن عبد الناصر إغلاق مضيقي تيران في مايو 1967، فقد بقي لاسمه مجد قرار الإغلاق، وبقي لمصر خزي الهزيمة العسكرية الثقيلة في حرب يونيه 1967، وعودة إسرائيل إلى احتلال سيناء مرة أخرى ثانية في مدة لا تزيد على عشر سنوات.

وهو نفس ما حدث لهتلر وموسوليني، فقد هزت انتصاراتهما السياسية على معسكر الحلفاء قبل الحرب العالمية الثانية قلوب الشعبين الألماني والإيطالي، وبقيت لألمانيا وإيطاليا الهزيمة العسكرية الثقيلة التي أصابتهما عند نهاية الحرب!

وعلى هذا النحو فإن بيانات التأييد لعبد الناصر من سجناء سجن "جناح" بالواحات الخارجة بسبب قرار تأميم شركة قناة السويس، ثم بيانات التأييد الأخرى عند وقوع العدوان الثلاثي ـ كل هذه البيانات لم يكن لها تأثير في نفس عبد الناصر يدفعه إلى الإفراج عنهم للمشاركة في شرف الدفاع عن أرض الوطن.

بل إن عبد الناصر كان يحمل المزيد لمن كانوا خارج السجن من زملائهم الذين اشتركوا بالفعل في المعركة أثناء العدوان الثلاثي وبعده بشهور، فسرعان ما قام باعتقالهم، وأرسل بهم إلى الواحات في أوائل عام 1957، بعد أن ألصق بهم عددا من الاتهامات في ديسمبر 1956!

والطريف أنه كان من بين من اعتقلوا في سنة 1957 المهندس الدكتور فايق فريد، وهو أحد المهندسين الذين تمكنوا من تجهيز عربة إذاعة بديلة عندما ضرب الأعداء محطة الإذاعة المصرية في أبو زعبل!

بل إنه في الوقت الذي كان سجناء الرأي في سجن جناح في صحراء الواحات الخارجة يتوقعون الإفراج عنهم لمجرد إرسال بيانات التأييد لعبد الناصر، كان عبد الناصر يعتقل الشيوعيين الذين شاركوا في الدفاع عن بور سعيد بعد أن تبعثرت القوات العسكرية المصرية نتيجة انهار القيادة المسئولة!

وكانت الحجة هي الخوف من أن يحاول الشيوعيون تقوية صفوفهم وتجنيد عناصر جديدة وخلف نفوذ لهم بين الجماهير بعد أن اشتركوا في المقاومة الشعبية!

وعلى هذا النحو فإن كل ما كان سجناء الرأي يعتقدون أنه يقربهم من باب الحرية، كان يقربهم أكثر من أبواب معتقلات عبد الناصر! لقد كانت حساباتهم تقوم على الدفاع عن الوطن، في حين كانت حسابات عبد الناصر تقوم على الدفاع عن نظام حكمه، واستبقاء زعامته دون شريك من أية قوة وطنية!

هل كان نظام عبد الناصر فاشياً أو دكتاتورياً يستخدم أدوات فاشية ؟ (الوفد في 19 / 5 / 1997)

أن تسجن لأنك تعارض النظام شيء مفهوم، أما أن تسجن وأنت تؤيد النظام فهو الأمر المحير في نظام عبد الناصر، هذا ما كتبه مطفى طيبة في ذكريات سجنه، فقد هتف الشيوعيون في سجن بالواحات الخارجة بحياة عبد الناصر عند سماعهم صوته وهو يعلن تأميم شركة قناة السويس، وسارعوا بإرسال برقية تأييد حارة له في نفس الليلة، كما أرسلوا بيانات تأييد أخرى عند وقوع العدوان الثلاثي على مصر، وأعربوا عن رغبتهم في الخروج للموت دفاعاً. ولكن عبد الناصر كانت له حسابات أخرى.

لقد كانت حسابات عبد الناصر تدعوه إلى زيادة التنكيل بالشيوعيين كلما وقفوا موقفاً وطنياً يمكن أن يجلب لهم تأييد الرأي العام، ولذلك عندما تمكن المهندس الدكتور فايق فريد وزمؤه فور ضرب قوات العدوان الثلاثي محطة القاهرة بأبي زعبل، من تجهيز عربة إذاعة بديلة تحل محل محطة الإذاعة المضروبة، وتعلو فيها من جديد صيحة "هنا القاهرة"، لم ينقذه هذا العمل الوطني من الاعتقال! وعندما تصدى الشيوعيون في بور سعيد للدفاع عن المدينة بعد انهيار القيادة المسئولة وتبعثر القوات العسكرية أمام قوات الغزو، كان هذا العمل الوطني الجليل في حد ذاته هو الذي فتح لهم أبواب السجن على مصراعيها! لقد كانت فلسفة عبد الناصر في ذلك فلسفة بسيطة ليس فيها غموض ولا تعقيد، وهي تقوم على أن كل من يملك القدرة على تأييده، فإنه يملك من الناحية الأخرى القدرة على معارضته، ويستوجب ذلك ـ بالتالي ـ التخلص منه! وهذه الفلسفة قالها عبد الناصر بنفسه لفتحي رضوان عندما توسط لديه للإفراج عن ابن أخته سعد كامل الكاتب والمناضل المعروف. فلقد ساق فتحي رضوان وقتذاج الحجج على أن سعد كامل له مواقف تأييد لعبد الناصر، أخذ يعددها، ولكن عبد الناصر قاطعه قائلاً إن من يستطيع تأييدي يستطع معارضتي! وهي فلسفة الطغاة في كل زمان ومكان! فعندما استعطف أبو مسلم الخرساني أبا جعفر المنصور للإبقاء على حياته بحجة أن سيفه كان على الدوام في خدمته، كان رد أبو جعفر المنصور أن السيف الذي يستطيع أن يكون في خدمته هو نفسه السيف الذي يستطيع أن ينقلب عليه!

وقد كانت تلك هي جريمة الشيوعيون الكبرى التي استحقوا عليها التنكيل والتعذيب، فلأنهم كانوا يستطيعون التأييد فإنهم كانوا يستطيعون المعارضة، وهي جريمة كافية في نظر عبد الناصر لاعتقالهم والتنكيل بهم. فلم يحدث أبداً أن تآمر الشيوعيون على نظام عبد الناصر، ولم يسبق أن حاولوا الانقضاض عليه كما فعل الإخوان المسلمون، وإنما كانت كل جريمتهم أنهم وهم يؤيدون عبد الناصر يستطيعون معارضته، وعبد الناصر يحسب حساب المعارضة أكثر مما يحسب حساب التأييد، ومن ثم فهو لا يقبل بالتعايش إلا مع كل من لا يقدر على التأييد أو المعارضة، أي الذين لا رأي لهم إلا رأي الزعيم!

ولذلك فقد تخلص من جميع القوى السياسية التي حملت عبء النضال الوطني قبل الثورة، لأنه كان لها رأي! فقد تخلص من الوفديين والشيوعيين والإخوان المسلمين، بل تخلص من زملائه من الضباط الأحرار الذين كان لهم رأي، تخلص من خالد محي الدين ومن يوسف صديق، ثم من زملائه في مجلس قيادة الثورة الذين كان لهم رأي مثل عبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين، فالرأي الآخر هو عدو عبد الناصر اللدود.

وهذا يثير القضية التي كتبها الكاتب الكبير عبد الستار الطويلة في عدد الوفد يوم 12 مايو 1997، ردا على هذه السلسلةمن المقالات عن ثورة يولوي وحقوق الإنسان. فقد اعترف في مقاله بأن ما ورد في هذه المقالات "صحيح مائة بالمائة، وبالحرف" ـ على حد قوله. وهو أمر طبيعي من الأستاذ عبد التاسر الطويلة، فقد كان هو نفسه أحد ضحايا معتقلات عبد الناصر، بل ربما كان أكثرهم إحساساً بجناية هذه المعتقلات على حياة صاحب الرأي المعارض وعلى روحه ونفسيته، إذ تعرض لتربة رهيبة أشرنا إليها في أحد هذه المقالات، على رصيف محطة "المواصلة"، وهو في طريقه وزملاؤه إلى الواحات وهم مربوطين بسلسلة واحدة، عندما تحرك القطار بعد نزوله وبعض زملائه من العربة، وأخذ يجرهم على الرصيف ثم على الفلنكات وهم يصطدمون بالزلط وخشب الفلنكات، يتوقعون أن تسحبهم عجلات القطار لتطحنهم جميعاً ومعهم زملاؤهم الذين كانوا ما يزالون في العربة، وصيحات الجميع لا يسمعها سائق القطار، ولم ينقذهم إلا تنبه خفير إحدى المزارع المجاورة فأطلق أعيرة نارية نبهت السائق إلى المأساة!

لقد كانت القضية التي أثارها الأستاذ عبد الستار الطويلة هي اعتراضه على ما توصلت إليه عن اقتناع، من واقع هذه السلسلة من المقالات من أن النظام الناصري لم يكن نظاماً تقدمياً وإنما كان نظاماً فاشياً.

وقد استند في اعتراضه على افتراض نظري سليم هو أن الفاشية ـ كما قال ـ "هي الحكم الدكتاتوري للقمم العليا من الاحتكارات الرأسمالية التي تفشل في استمرار حكمها عن طريق الوسائل الديموقراطية، فتجنح إلى الديكتاتورية، "ولم يكن عبد الناصر ـ كما قال ـ ممثلاً للاحتكارات المصرية، بل هو ضرب الرأسمالية في مقتل، والأصح أن يقال إن نظام عبد الناصر الدكتاتوري كان يستخدم الأساليب الفاشية، وكانت الكارثة على نظامه وعلى مصر سنوات طويلة بسبب ضربه للحريات حتى لم بعد له تأييد جماهيري، وأنصاره ليسوا إلا مجموعة من الدراويش التي تتصارع على ميراث موهوم، بل هم يضرونه ضرراً بالغاً برفضهم الاعتراف بخطأ موقفه من الديموقراطية، وبالتالي لا يستمع أحد لأي محاولة للدفاع عن منجزاته الجيدة".

هذا ما كتبه الكاتب الكبير عبد الستار الطويلة في خطأ وصفي نظام عبد الناصر بأنه نظام فاشي، وأن الصحيح القول بأنه نظام دكتاتوري يستخدم أساليب فاشية.

وقد كان هذا بالفعل رأيي قبل كتابة هذه السلسلة من المقالات، ولكني لم أملك إلا الانحياز إلى وجهة نظر الدكتور لويس عوض عندما سخر من الشيوعيين المصريين والعرب الذين اعتبروا عبد الناصر رائداً من رواد الإشتراكية! لمجرد أنهم رأوا في نظام القطاع العام، وفي بعض التشريعات العمالية والتأمينات الاجتماعية، وفي التعاون أو التقارب مع الاتحاد السوفيتي "ملامح اشتراكية" وطلب فحص الإشتراكية الناصري، هل كانت اشتراكية حقيقية أو كانت "اشتراكية وطنية"؟ أي فاشية.

ولتحديد الإجابة على هذا السؤال أعلن الدكتور لويس عوض أن عبد الناصر سوف يدخل التاريخ باثنين من أهم منجزاته، وهما: تصفية الشيوعية و تصفية الديموقراطية ـ ليس فقط في مصر بل وفي العالم العربي لحد ما. وبالتالي فقد حصر الدكتور لويس عوض اشتراكية عبد الناصر في سلك الإشتراكية الوطنية، أي النازية، إذ هي النوع الوحيد من الاشتراكيات الذي يعادي كلا من الشيوعية والديموقراطية بنفس الدرجة، وهي النوع الوحيد الذي ظهر في ألمانيا هتلر، وإيطاليا موسوليني، وأسبانيا فرنكو.

هذا الاستناد الذي قام به الدكتور لويس عوض لتحديد فاشية نظام عبد الناصر، أقوى في رأيي من الاستناد الذي لجأ إليه الأستاذ عبد الستار الطويلة لسبب بسيط هو أنه يمثل روح الفاشية الحقيقية التي تعادي الشيوعية والديموقراطية بشراسة على نحو يدفعها إلى استخدام أساليب القهر والتعذيب وإهدار حقوق الإنسان للقضاء على خصومها في الرأي.

أما الاستناد إلى اعتماد الفاشية على ما أسماه عبد الستار الطويلة بـ "القمم العليا من الاحتكارات الرأسمالية"، وفي الصفة الغائبة في النظام الناصري، فليست بذات بال في رأيي، غذ يتفق كل من النظام الفاشي في شكله الإيطالي أو في شكله النازي مع النظام الأمريكي والنظم الرأسمالية في الغرب في هذه الصفة، في الاعتماد على القمم العليا من الاحتكارات الرأسمالية، وغنما الذي يفرق بينها جميعاً هو الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان، فهي في النظم الفاشية مهدرة، ولكنها في النظم الرأسمالية الليبرالية قائمة ومستتبة.

وفي نظري أنه لا يمثل فارقاً كبيراً أن يستند نظام هتلر على القمم العليا على القمم العليا من الاحتكارات الرأسمالية، و يستولي عبد الناصر بنفسه على وسائل الإنتاج ويضمها إليه جميعاً ويطوعها لمصلحة نظامه ولمصلحة استمراره وبقائه.

وبمعنى آخر، أنه إذا اتفقنا على أن نظام عبد الناصر لم يكن نظاماً اشتراكياً مما عرفته النظم الإشتراكية، وإنما كان في أحسن صوره "رأسمالية دولة"، فإنه لا يمثل فارقاً كبيراً أن تكون الدولة هي التي تملك وسائل الإنتاج، ما دام أن جوهر نظام الحكم هو الاستبداد، ومصادرة حرية الرأي، وتجاوز ذلك إلى الانتقام من المخالفين في الرأي عن طريق اعتقالهم، والزج بهم في معسكرات تعذيب، والاستعانة بزبانية متخصصين في هذا النوع الذي عرفته معسكرات النازي.

وهذا الذي قام به النظام الناصري يعترف جميع الشيوعيين الذين تعرضوا للتعذيب أنه لم يحدث إلا في النظام النازي، بل إنه تفوق على ما كان يحدث في معسكرات التعذيب التي أقامها هتلر لسجناء الرأي.

ففي كتاب الدكتور فتحي عبد الفتاح يصف زبانية التعذيب في عصر عبد الناصر بأنهم ـ على حد قوله ـ "تفوقوا في بعض الأمور على أساتذة النازي في معتقلات" "داخاو" و "بوخنفالد" و "أوشفيتز". ويضرب المثل بأحد هذه الزبانية وهو يونس مرعي الذي كانت هوايته المفضلة أن يقف على تل عال ويقذف سجناء الرأي الذين يعملون تحت الجبل بالدبش متعمداً أن يصيب رؤوسهم!

ويقول: "ثمانية أشهر وهم يضربون المعتقلين طوال الأربع وعشرن ساعة: في طابور الرياضة في الصباح، والعنابر في منتصف الليل، وفي الفجر حين يتسلمون الجراية، أو حتى حينما يشكو أحدهم من مرض! صورة بشعة لا يمكن أن يتصورها إلا مخبول نزع عقله فراح يعربد حراً طليقاً من أي منطق ومن أية ذرة إنسانية!

ويتحدث الدكتور لويس عوض، ويونس مرعي يلقيه على الأرض ويضربه بحذاءه مثلما يضرب حشرة! والدكتور فؤاد مرسي أستاذ القانون بكلية الحقوق وملابسه تخلع عنه ليضرب على المناطق الحساسة في جسده! والدكتور إسماعيل صبري عبد الله والزبانية يأمرونه بأن يدور في حلقة كالثور لتنهال عليه ضربات الكرابيج والشوم! ويقول إنه طوال ثمانية أشهر كان الدكتور لويس عوض يفزع من النوم ليلاً ليصيح: أين نحن؟ لا يمكن أن نكون قد رجعنا ألف عام إلى الوراء؟

على هذا النحو كان عليّ أن أقتنع بأن النظام الناصري كان فاشياً لا يفترق من حيث الجوهر عن نظام هتلر أو موسوليني، وإن كان الخلاف الوحيد هو في نوع الرأسمالية التي يقوم عليها، هل هي رأسمالية احتكارات أو رأسمالية دولة؟

وقد كان النظام الفاشي لعبد الناصر يستند على رأسمالية الدولة، وهي أسوأ بكثير من رأسمالية الاحتكارات، لأنها تهيء للدولة وللحاكم الدكتاتور سلطة وقوة لا يتمتع بها الحاكم الفاشي في نظام رأسمالية الاحتكارات، ففي النظام النازي تشترك الاحتكارات في الحكم مع الحاكم الدكتاتور، ولكن في رأسمالية الدولة فإن الحاكم الدكتاتور يحكم وحده بلا شريك، وتكون يده محررة من كل قيد ليحمي حكمه من أية آراء مخالفة.

وهنا أود أن أنبه إلى أن هذا الكلام لا ينفي زعامة عبد الناصر، وإنما يضعها في إطارها النظري الصحيح! كما أن البعض فهم مما ذكرته عن فاشية نظام عبد الناصر ومعسكرات التعذيب التي نصبها لمعارضيه، أنني أنكر عليه كل إنجاز وطني، وهذا فهم خاطئ وغير معقول، فقد سبق لي أن قلب للنظام النازي في ألمانيا حقق لها من المكاسب الوطنية ما لم يتحقق لها من قبل، بل حقق لها التفوق على النظم الديموقراطية في كثير من الإنجازات، ولكن هذه الإنجازات كانت على حساب الإنسان الألماني، لقد جعل هتلر ألمانيا عظيمة وجعل الإنسان الألماني صغيراً بعد أن جعله يعيش تحت شعور الخوف والإرهاب.

وقد حقق نظام عبد الناصر الفاشي إنجازات كبيرة في حقل التصنيع، وحركة التحرر الوطني العالمية، وبناء السد العالي، ونقل الجيش المصري إلى عصر الصاروخ، وناضل ضد الاستعمار ومن أجل الوحدة العربية، ولكن الكثير من هذه الإنجازات سقط بسبب الدكتاتورية.

فقد سقطت الوحدة العربية، وأما القوات المسلحة الجديدة فلم تمنع احتلال إسرائيل سيناء مرتين، وإعادة الاستعمار إلى المنطقة العربية أقوى ما يكون تحت اسم التعاون وحماية الوطن من الأعداء العرب! كما حدث بعد احتلال العراق للكويت، وأما القطاع العام فهو في طريقه للزوال بعد مشروعات الخصخصة! وهكذا يثبت التاريخ أنه لا شيء يدوم إلا إذا قام على أساس احترام حقوق الإنسان وعلى أساس الديموقراطية وإرادة الشعوب.

الرحلة الجهنمية من سجن جناح إلى سجن المحـــاريق (الوفد في 26 / 5 / 1997)

عندما صدرت الأوامر إلى سجناء الرأي في سجن "جناح" بالواحات الخارجة بالانتقال إلى سجن "المحاريق"، اصيبوا بخيبة أمل عميقة! ذلك أن سجن جناح كان هو السجن الذي ارتفعت فيه هتافاتهم إلى عنان السماء بحياة عبد الناصر فور سماعهم بإعلانه تأميم شركة قناة السويس، ومنه انطلقت ببرقياتهم التي يعلنون فيها تأييدهم ومساندتهم، كما أنه السجن الذي وصلتهم إليه من عبد الناصر برقية يوجه إليهم فيها الشكر لموقفهم الوطني، ومن ثم فإن منطق الحوادث يقنعهم بأن الإفراج عنهم للمشاركة في النضال الوطني هو مسألة وقت ليس إلا، حتى تتم الإجراءات، وعدا ذلك يعد أمراً غير منطقي. وعلى حد قول مصطفى طيبة: "أن سجن تسجن لأنك تعارض النظام شيء مفهوم، ولكن أن تسجن وأنت تؤيد وتساند النظام النظام، فهو أمر غير مفهوم!

على أن عبد الناصر كان في ذلك الحين ـ كما قال ـ يفهم الأمور بطريقته الخاصة، وهي أن من يملك التأييد يملك المعارضة، ومن يملك المعارضة يلزم التنكيل به، وفي الوقت نفسه فإن الشيوعيين في أثناء العدوان الثلاثي كانوا قد ارتكبوا جريمة لا تغتفر، هي تصديهم للدفاع عن بور سعيد بعد أن تبعثرت القوى العسكرية نتيجة انهيار القيادة المسئولة، الأمر البذي فهمه عبد الناصر على أنه محاولة منهم لإيجاد قواعد لهم بين الجماهير وخلق نفوذ لهم ينافس نفوذه، ولذلك فقد سارع باعتقالهم. وقد علل زكريا محي الدين هذا الموقف بأنه "من الطبيعي إذا اشترك تنظيم سياسي سري في عملية جماهيرية فإنه لا شك سيحاول تقوية صفوفه بتجنيد عناصر جديدة، وخلق نفوذ له بين الجماهير، وأنه من الطبيعي أن تتحرك أجهزة الأمن للتعرف على هذه الاتجاهات.

وقد كان ذلك هو جزاء سنمار! لأن المقاومة الشعبية في بور سعيد كانت هي الوجه المشرف للشعب المصري، بينما لم تؤد القوات المسلحة ـ كما يقول أحمد حمروش ـ واجبها على الوجه الأكمل لظروف متعددة، الأمر الذي أدى إلى إخراج 30 ضابطاً بعد العدوان، وإلى شكوى جمال عبد الناصر من كثرة الخسائر بلا مبرر. والأخطر من ذلك ما حدث خلال معارك بور سعيد من تأثر بعض الضباط من دور الشيوعيين في المقاومة الشعبية، وذبول الحساسية المزروعة في نفوسهم من الدعاية المركزة ضد الشيوعية التي كان يقوم بها نظام عبد الناصر في ذلك الحين.

والمهم هو ما فوجئ به سجناء الرأي في سجن جناح من قرار نقلهم إلى سجن "المحاريق"، بدلا من الإفراج عنهم. وقد كانوا في ذلك الوقت قد توطدت بينهم وبين سجن جناح روابط غريبة من الود، تولدت من الظروف الغريبة التي دفعت بهم إلى ذلك السجن، فلم يكن سجناً في البداية، وإنما كان عبارة عن بقعة نائية في قلب الصحراء ليست معدة أصلاً لاستقبال معتقلين، وليست فيها اية مرافق للحياة، وقد قام سجناء الرأي بأنفسهم ببناء هذا المعتقل، وجهزوه بالمرافق في جو نسبي من الحرية.

لذلك عندما تقرر نقلهم إلى سجن المحاريق شعروا بثقل العقوبة، إذ ستنقلهم من سجن بنوه بأنفسهم وألفوه، إلى سجن مجهول لا يعرفون مصيرهم فيه. ويعبر مصطفى طيبة عن هذا الشعور في مذكراته فيقول:

"تحركت بنا العربات التي تحملنا وأمتعتنا، إلى سجن المحاريق، وظلت عيوننا معلقة بهذا المكان الذي أحببناه، حتى غاب عن أنظارنا، كيف نحب مكاناً سجنا فيه؟ علاقة خاصة جداً كانت تربطنا بهذا المكان الذي كلما بعدنا عنه كلما اشتد حنيننا إليه!

"لماذا لم يتركونا في حتى نخرج من السجن، أحياء أو أمواتاً؟ إلى هذا الحد يكرهون ابتسامة المسجون؟

وتتوالى الكوارث عليهم وهم في رحلتهم الجهنمية من سجن "جناح" إلى سجن "المحاريق". فحرارة الشمس حارقة رغم أن الساعة تجاوزت الساعة الثالثة بعد الظهر، وتحاول العربات أ، تجد طريقها عبر مسالك ملتوية وسط كثبان الصحراء، وتصطدم إحدى العربات بكثبان، وتدور عجلاتها على "الفاضي"، وتتوقف كل العربات لنجدة العربة الغارقة وسط الرمال الناعمة.

وينزل سجناء الرأي من العربات لنجدة العربة في ظروف جوية "مأساوية" : "الرمال ساخنة تلسع أيدينا ونحن نزيحها عن عجلانت العربة، وتلهب سيقاننا الغاطسة فيها حتى الركبتين، وتهب رياح قوية تحمل معها كميات هائلة من رمال الصحراء، وتقذف بها في وجوهنا تلسعها كالسياط، وتكاد تعمي عيوننا، وفجأة نجد أنفسنا وسط دوامة شديدة من رياح الصحراء المحملة برمالها الكثيفة، لتقيم أحد كثبانها. ويرتفع صوت نسمعه بصعوبة: اصعدوا حالاً إلى العربات. ونتلمس طريقنا إلى العربات بصعوبة بالغة.

وعندما تتوقف رياح الدوامة وتتحرك إلى مكان آخر، يكتشف سجناء الرأي أن كل عجلات السيارات التي تحملهم قد غرقت في الرمال الناعمة، فيما عدا سيارة واحدة في المقدمة، ويقول صوت: إن انتقال الدوامة من هذا المكان أنقذنا من موت محقق، كان يمكن أن نرقد تحت الرمال.

ويعود سجناء الرأي إلى إزاحة الرمال الناعمة عن عجلات العربات الغارقة، كي تجد طريقها إلى سجن المحاريق!

ويلتقط مصطفى طيبة المفارقة فيقول: "يا ذوي القلوب السوداء والأكباد الغليظة، بأيدينا نمهد طريقنا إلى السجن دفاعاً عن حياتنا، التي تريدونها أن تنتهي تحت رمال كثبان الصحراء، وبفكرنا ويقيننا وبقوة شعبنا العظيم، وتضامن كل الوطنيين، ستجد مصرنا الغالية طريقها إلى الحرية والديموقراطية والتقدم الاجتماعي. الظلام يزحف يغطي الصحراء الواسعة، وتستأنف السيارات سيرها نحو السجن".

يفاجأ سجناء الرأي عند وصولهم إلى سجن المحاريق بأن نظام عبد الناصر لم يكن قد استكمل بناءه بعد: عنبران تم بناؤهما، والعنبر الثالث لم يرتفع أكثر من أساساته، والعنابر الثلاثة ما زالت في العراء لا يحيط بها سور من الطوب وإنما أسوار شائكة مؤقتاً. ويتساءل سجناء الرأي: لماذا تعجلوا في نقلنا إلى هنا والسجن لم يتم بناؤه بعد؟

ويكتشف سجناء الرأي أن سجن المحاريق الجديد ليس فيه مطبخ ولا طعام! أين عشاؤنا ولم نتناول في سجن جناح وجبة الغداء من العدس أو الفول، ولنا الحق في ثلاثة أرغفة كاملة؟ ولكن سجناء الرأي كانوا قد اكتسبوا خبرة إعداد الطعام من بنائهم سجن "جناح"، وكانوا قد اصطحبوا معهم كميات من العدس والفول والفاصوليا والملوخيا الناشفة. ويتم الاتفاق مع مأمور سجن االمحاريق على قيامهم باستكمال بناء المطبخ وإدارته وكذلك المخبر!

ولكن الوضع في سجن المحاريق كان مختلفاً عنه في سجن جناح، ففي سجن جناح كانت خيام، وهنا في سجن المحاريق زنازين، ومعنى ذلك هو الانتقال من سيء إلى أسوأ! ويصف مصطفى طيبة زنازين سجن المحاريق قائلاً: "طوب جدران الزنزانة البيضاء، وسقفها الأسفلتي، يبخ حرارة الشمس التي امتصها طول النهار، فتلسع وجوهنا والجزء الأعلى من أجسامنا العارية، والعرق يتصبب دون توقف، حتى الهواء الذي يصل إلينا من النافذتين العاليتين، كأنه مر على جهنم قبل أن يأتينا!

وفي تلك الظروف تأتي الأخبار بهجوم عبد الناصر على ثورة العراق وعبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي، ويرى سجناء الرأي في تلك الأخبار نذير سوء، وإرهاصاً بحملة اعتقالات واسعة وتنكيل، ويبدأ سجناء الرأي في إعداد أنفسهم لأسوأ الاحتمالات، ويكتب مصطفى طيبة قائلا:

"منذ دخلنا السجن ونحن نعيش في "دوامة" الاحتمالات، عشنا فيها في سجن مصر، وانتقلت بنا إلى ليمان أبو زعبل، ثم إلى ليمان طره، ثم إلى سجن جناح، وها هي تنتقل بنا إلى سجن المحاريق، ولكنها كانت دوامة ختتلف عن كل الدوامات التي عشاناها في السجون الأخرى، لقد كانت لها سمات خاصة تشترك مع دوامة الصحراء الناعمة".

فبعد الأشهر الأولى من وجود سجناء الرأي في سجن المحاريق، استيقظوا يوم أول أكتوبر عام 1958 على صوت بروجي "اللواء" يدوي عالياً، فقد حضر اللواء إسماعيل همت على رأس حملة كبيرة من الضباط والجنود والكلاب، وطلب مدير السجن من سجناء الرأي لبس يونيفورم السجن، أي الطاقية الزرقاء على الرأس، وبدلة السجن الزرقاء، والأحذية بدون رباط ( كان لبس الأحذية امتياز يتميز به المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة عن المعتقلين بأمر عبد الناصر، فالآخرون كانوا يعملون حفاة الأقدام! )

ويقول مصطفى طيبة: "ظلت الزنازين مقفلة علينا حتى قبل الظهر بقليل. وفجأة سمعنا صراخاً عالياً بأنات موجعة، وطلقات رصاص! ثم رأينا دخاناً كثيفاً يهبط علينا من نافذتي الزنزانة العاليتين، لقد كان في فناء السجن حريق هائل! وجاء أحد السجانة ليقول لنا إنه شاهد من باب العنبر اللواء همت يقف وسط مجموعة من الضباط، والإخوان يأتون إليه بين طابورين من الجنود الذين يحملون الكرابيج في أيديهم، وبعد أن يقترب "الأخ" من اللواء همت، يتبادلان كلمات قليلة، وبعدها تنهال عليه الكرابيج من كل جانب حتى يقع مغشياً عليه، فيسحب، ويأتون بغيره، وهكذا.

"وبالقرب منه كان عدد آخر من السجانة يحضرون "المخالي"، التي تحتوي على حاجيات الإخوان التي أحضروها معهم من "جناح"، ويلقون بها في النار.

"هم يريدون تصفية كل القوى الوطنية تنظيمياً وسياسياً، لينفردوا بالحكم والسلطان، فهل يجيء الدور علينا بعد الإخوان؟

"كانت زيارة اللواء إسماعيل همت خاصة لإرهاب الإخوان المسلمين. ولقد سبق لنا أن أرسلنا من سجن "جناح" استنكاراً للمذبحة التي قتلوا فيها 13 أخاً في ليمان طرة، وقررنا أن نكتب للمسئولين مذكرة نستنكر فيها هذا الإرهاب الوحشي للإخوان، والذي يتعارض مع أبسط حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق الدولية.

وسرعان ما صدرت الأوامر بعد حملة همت الإرهابية بأن يطبق على الشيوعيين نفس النظام الي فرض على الإخوان المسلمين، لتأديبهم، وكان نظاماً رهيباً! فعلى حد قول مصطفى طيبة :

"مرت بنا ثلاثة أشهر كانت من أسوأ الأيام التي شهدناها في السجون! الزنازين مغلقة طول النهار، ولا تفتح إلا ربع ساعة فقط في الصباح، واحدة بعد الأخرى، وحرارة شمس أكتوبر ونوفمبر وديسمبر لا تصل إلى أجسامنا التي تصلبت من البرد القارص، كان التفتيش علينا يجري في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار، وكان المأمور، الذي أطلقنا عليه اسم "الشواف" لا يتوقف عن حملاته التفتيشية ليلاً ونهاراً.

وقد تدهورت صحتنا إلى حد خطير، حيث كان اعتمادنا الأساسي على غذاء السجن من "السوس المفول"! والعدس، و "الأعشاب" التي تطبخ ويطلقون عليها اسم "خضار"، وقطعة اللحم التي عجزت أسناننا عن مضغها. وذات نهار سقط منا زميلان: نبيل حلمي، ووليم إسحق، من الإعياء، الأول كان مريضاً بالكبد، والثاني مريض بصدره، والإثنان لا يصل إلى أمعائهما طعام يقومان به المرض، ولا يتناولان الأدوية الضرورية".

سجناء الرأي وظهورهم الدامية ! (الوفد في 2 / 6 / 1997)

بعد ثلاثة أشهر من الحبس في زنازين مغلقة طول النهار، لا تفتح إلا ربع ساعة فقط في اليوم، وبعد حرمان من آشعة الشمس طوال شهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر، وغذاء يعتمد أساساً على ما أسماه مصطفى طيبة "السوس المفول"، والعدس والأعشاب – لذا فكان من الطبيعي أن يتساقط سجناء الرأي واحداً وراء الآخر، وكان أول من سقط هو نبيل حلمي ووليم اسحق.

وكان على الباقين إنقاذهما عن طريق إخطار السجان بإبلاغ المأمور بحالة السجين، ولكن الأوامر كانت صريحة عنده بعدم الذهاب إليه مهما كانت الأسباب! ولم يجد سجناء الرأي بداً من الطرق على باب الزنزانة بأيديهم وبغطيان الجرادل، وهو ما اعتبره المأمور نوعاً من التمرد، فحضر على رأس عدد كبير من سجانة يحملون العصي والكرابيج، مهدداً بتوقيع عقوبة التمرد في السجن مضافاً إليها الجلد! وعندما أتى الطبيب أخيراً شخص حالة السجينين بأنها "حالة إعياء شديدة يلزمها إسعاف سريع، وأن صحتهما تعرضت للخطر بسبب عدم الحركة، وعدم تعرض أجسامهما للشمس.

ويقول مصطفى طيبة إنه عندما حضر اللواء عبد المنعم موسى وكيل مصلحة السجون، ومعه عدد من الضباط ومدير الإدارة الطبية بمصلحة السجون، وشاهد المعتقلين دلت تعبيرات وجهه على أنه لا يصدق ما يراه! فقد رأى آدميين أقرب إلى الهياكل العظمية، بعضنا يكاد يسقط من الضعف، والصفرة تكسو وجوهنا، ولكن إرادة التحدي كانت تكسب عيوننا بريق الإصرار، ولم يملك إلا الأمر بفتح الزنازين صباحاً وبعد الظهر للذهاب إلى دورة المياه، وتعيين مأمور جديد استدع خصيصاً من سجن أسيوط الذي يضم عتاة المجرمين.

ولكن لا تكاد تمضي أيام قليلة على وصول المأمور الجديد، حتى يكون قد أحال 21 سجيناً من 60 إلى التأديب! ويشرح مصطفى طيبة معنى التأديب، فيقول إنه يعني ألا يكون لدى المسجون سوى بطانية واحدة حتى ولو كان في عز البرد! ولا يأكل سوى ثلاثة أرغفة في اليوم، وغموسهم لا يتعدى الملح الرشيدي الخشن، ويحرم من الفسحة في طابوري الصباح والمساء، ولا تفتح عليه الزنزانة إلا مرة واحدة في الصباح، ولمدة لا تزيد على خمس دقائق للذهاب إلى دورة المياه.

ويقول مصطفى طيبة إنه نظراً لأن سجن المحاريق كان في طور البناء، فلم يكن به زنازين خاصة بالتأديب، ولما كان عدد المحكوم عليهم بالتأديب أكثر من ثلث السجناء موزعين على ست زنازين، فلقد تفتقت قريحة المأمور الجديد عن تخصيص زنزانتين للتأديب، ولكن بعد يومين آخرين قرر تحويل جميع الزنازين إلى زنازين تأديب!

ويقول مصطفى طيبة: "ويمر يومان لا يأكل كل زميل خلالهما سوى ستة أرغفة، وكمية من الملح الخشن (الرشيدي) ولا نخرج للطابور ولا للعمل في مرافق السجن"!

ولكن محنة السجناء لا تنتهي، ففي صباح اليوم الثالث يأتي المأمور ومعه عدد من السجانة والضباط، وينادي على كل من سعد باسيلي، ومحمد جبر، وصلاح هاشم، ويخطرهم بأنه جاءه أمر من مصلحة السجون بجلد كل واحد منهم 18 جلدة!

ويفاجأ الجميع، ويتساءلون عن السبب، وتأتي الإجابة بأنهم اعتدوا على ضابط العنبر! ولم يكن ذلك صحيحاً، بشهادة وكيل مصلحة السجون، ولكن المأمور يصمم على الجلد بحجة أن عدم التنفيذ يترتب عليه مجازاة الضابط لأنه أمر بضرب "بروجي كبسة" تحت وهم اعتداء سجناء الرأي عليه، فإذا تبين أنه لم يحدث اعتداء ولا يحزنون، يتوجب مجازاته لأنه ضرب "البروجي" بدون مبرر!

والغريب أن يقبل سجناء الرأي تنفيذ عقوبة الجلد فيهم، فداء للضابط، وحجتهم: نتحمل من أجل أولاده!

وفي صباح اليوم التالي يقتاد الثلاثة إلى فناء السجن نحو "عروسة الجلد"، ويقف الجلادون وفي أيديهم السياط، وإلى جوارهم منضدة عليها وعاء به زيت، ويقف معهم طبيب السجن الجديد، وضابط! وتبدأ طقوس الجلد بأن يقف الضابط القادم من القاهرة يقرأ الحكم:

"بأمر من اللواء مدير عام مصلحة السجون، يجلد كل من المساجين: سعد باسيلي ومحمد جبر وصلاح هاشم 18 جلدة لاعتدائهم على الملازم أول ( ....... ) ضابط العنبر أثناء تأدية وظيفته، وينفذ الجلد في حوش السجن وأمام كل المساجين".

وبعد إجراء الكشف الطبي يتقدم سعد باسيلي بخطوات ثابتة نحو العروسة، ويصلب نفسه عليها، ويرفض تقييد يديه بعناد، رغم تحذيره من احتمال سقوطه أثناء الجلد، وعندما يسأله المأمور عن سبب الإصرار، يقول له: اكي نثبت لك أننا قادرون على تحمل أي شيء بإرادتنا.

وتنهال السياط على جسد سعد باسيلي دون أن تصدر منه أنة واحدة، ويتبادل ضربه اثنان من الجلادين، وينزل سعد باسيلي من على العروسة، والابتسامة لا تفارق وجهه، وظهره ينزف دماً، ويقول لأحد الضباط: أرجو أن يكون المأمور قد وجد الفرق بيننا وبين مجرمي أسيوط!

ينزل سعد باسيلي ليصعد محمد جبر، وينزل محمد جبر ليصعد صلاح هاشم، ويكتب مصطفى طيبة معلقاً بهذه الكلمات المؤثرة : "أبداً لن تستطيع كل أجهزة إعلامهم النيل من صدق انتمائنا إلى أرض مصرنا الحبيبة، فحبك يا غالية هو هذا الهواء الذي نستنشقه، وهو هذا الهواء الذي نتنشقه، وهو هذا الهواء الذي نشربه، فأنت أنت الحياة، ولا حياة بدونك يا مصر"!

وفي المساء بعد أن أغلقت الزنزانة، وسجناء الرأي يشعون فوط الوجه المبللة على ظهور المجلودين، أخذوا يستمعون إلى خطاب عبد الناصر بمناسبة 23 ديسمبر 1958، الذي شن فيه هجوماً عنيفاً على السوفيت، ورمى فيه الشيوعيين بالعمالة! ويدور حوار داخل الزنزانة، فقد اكتشف سجناء الرأي أن كل ما مر بهم من عناء وعذاب على مدى ست سنوات، إنما كان بمثابة شهر عسل بينهم وبين عبد الناصر!

وقول صوت: انتهى شهر العسل ! ويعقب آخر: وبدأ شهر البصل ! ويرد ثالث: