إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

قضية مقتل النقراشي باشا

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
من سلسلة المحاكمات التاريخية الكبرى .. قضية مقتل النقراشي باشا
من سلسلة المحاكمات التاريخية الكبرى قضية مقتل النقراشي باشا

بقلم: لطفي عثمان


محتويات

توطئة

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ...﴾.(قرآن كريم)

هذا الكتاب كتب من وجه نظر القريبين من الحكومة، وقد نشرناه ليتعرف القارئ على ما كان يكتب دون أدلة لتبرئة نظام وحكم إبراهيم عبدالهادي والتبرير بما قام به فهمي النقراشي ضد الإخوان

(الكتاب الثاني)

... قلت في مقدمة كتابي الأول "قضية الاغتيالات السياسية" إنني أردت بإصداره أن أسجل حقبة من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي، فإن ذلك خير لنا من أن نستخرج حوادث الوطن السريعة النسيان من القبر لنكشف عن معمياتها.

والواقع أن هذا الهدف هو الذي حفزني لإصدار هذا الكتاب أيضًا، وإصدار سلسلة من الكتب عن "المحاكمات التاريخية الكبرى" تكون نبراسًا يهتدي به شباب الأجيال القادمة.

وقصارى أمنيتي أن يرضى الفقراء عن هذا المجهود المتواضع، وفقنا الله جميعًا إلى ما فيه خير الوطن العزيز، وسدد خطانا في ظل مليكنا المحبوب "فاروق الأول".

لطفي عثمان

يناير سنة 1950م


محمود فهمي النقراشي باشا

ولد بالإسكندرية عام 1888 م وبعد أن أتم تعليمه بمدرسة المعلمين بالقاهرة سافر إلى إنجلترا لتكملة دراسته في جامعة نوتنجهام ثم عاد إلى مصر واشتغل بمهنة التدريس.

وظل بضع سنوات يعمل مدرسًا في مدرسة رأس التين الثانوية ثم عين ناظرًا لمدرسة الجمالية بالقاهرة عام 1914 م وظل في هذه الوظيفة خمسة أعوام.

وقد أضاف إلى استعداده للتدريس استعدادًا آخر للإدارة. وقد انتفع من هذا الاستعداد بتعيينه في وظيفة مدير التعليم لمجلس مديرية أسيوط عام 1919 م. وإلتحق في العام التالي بوزارة الزراعة وكيلاً للإدارة.

وقد رقي بعد بضعة أسابيع إلى مساعد سكرتير عام وزارة المعارف.

وقد بدأ نشاطه السياسي عام 1919 م واشترك في الحركة الوطنية للاستقلال.

ثم أصبح عضوًا في الحركة الوفدية الناشئة ونظم لجانها الفرعية في القاهرة و الإسكندرية والمدن الأخرى. وفي عام 1924 م رقي وكيلاً لمحافظة القاهرة ثم وكيلاً لوزارة الداخلية.

وفي أواخر عام 1924 م، وبعد مقتل السردار السير لي ستاك باشا، قبض عليه وظل محبوسًا إلى فبراير التالي. ثم بعد ذلك بثلاثة أشهر قبض عليه ثانية واتهم هو وستة آخرون بالاشتراك في عدد من الجرائم السياسية وبرئ منها.

وقد كانت أول وزارة تولاها هي وزارة المواصلات في الوزارة الوفدية الأولى عام 1930 م، وهي نفس الوزارة التي تولاها بعد ذلك في 1936 - 1937 م.

وفي ذلك العام عندما عاد الوفد المصري من مؤتمر مونترو الذي ألغى الامتيازات فوجئ النقراشي بإخراجه من الوزارة الوفدية. وقد عرف فيما بعد بأنه اختلف مع زعيم الوفد بشأن نشاط هيئة القمصان الزرقاء الوفدية. وبعد ذلك بمدة قليلة استقال النقراشي هو والمغفور له أحمد ماهر باشا وأنصارهم من الوفد وكونوا الحزب السعدي.

وعندما دخل السعديون الوزارة الائتلافية عام 1938 م عين النقراشي باشا وزيرًا للداخلية. وفي العام التالي تقلد وزارة المعارف ثم وزارة الداخلية مرة ثانية ثم عين في سبتمبر 1940 م وزيرًا للمالية.

وقد حل في رئاسة الوزارة وزعامة الحزب السعدي بعد مقتل أحمد باشا ماهر عام 1945 م فيما خلا فترة قصيرة من عام 1946 م كان فيها إسماعيل صدقي باشا رئيسًا للوزارة وظل هو رئيسًا للحكومة منذ ذلك الحين بجانب تقلده وزارات الداخلية والمالية والخارجية.


أقوال الصحف الإنجليزية

ولعل من المفيد أن نتجزئ هنا بعض ما كتبته الصحف الإنجليزية عن مقتل النقراشي باشا وتعليقها على الحادث.

فقد "قالت المانشستر جارديان":

أن مقتل النقراشي باشا رئيس الوزارة المصرية السابق لهو عمل سوء. وقد حدث بعد سلسلة من الاعتداءات كانت أيدي جماعة الإخوان المسلمين واضحة فيها.

فمنذ ثلاثة أسابيع قتل حكمدار بوليس القاهرة في أحد الشوارع، وفي 21 نوفمبر دمرت الدار التي تحوي مكاتب أكبر جريدتين فرنسية وإنجليزية في مصر، وفي الشهر نفسه وقع حادث الاعتداء الرابع في مدى عامين على النحاس باشا، وفي أول العام قتل أحد القضاة ممن حكموا على أفراد تلك الجماعة.

وعندما نتذكر أن أحمد ماهر باشا رئيس الوزارة السابق للنقراشي باشا مباشرة قتل هو الآخر بيد واحد ممن كانوا يشايعون النازيين، فمن العسير أن لا نجزع للمستوى الذي سمح للحياة العامة في مصر أن تتدهور إليه.

وقد لقي النقراشي باشا منيته، عقب قراره الذي تأخر كثيرًا بحل جماعة الإخوان على أساس أن وجودها يهدد الأمن والنظام... وكان ذلك هو جواب الإخوان عليه.


وقالت "الديلي تلغراف":

"وهذه الجريمة لن تحقق غرضًا، وستقابل بالسخط والاستنكار في جميع أنحاء العالم، وقد محت من سجل الوجود رجلاً برهن خلال حياته السياسية الطويلة على أنه أقوى رجل سياسي في مصر،

ولكنها لم تغير بحال من نظام العهد الحاضر. ومن الجائز أنها قد تعطل من تركيز الجهود المبذولة في نواحي الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي، والتي مصر في مسيس الحاجة إليها،

بعد أن أهملت وطرحت ظهريًّا طويلاً بسبب الأهواء السياسية والاستعمارية، كما أن القضاء على نشاط العناصر الهدامة والعابثة بالقانون بين أفراد الشعب المصري – وهو ما لا بد منه- سيترتب عليه بطء في سير عجلة الإدارة المصرية سيرتها المنتظمة بنظام مطرد.

ولقد كان النقراشي باشا يتمتع بنوع من المزايا والسجايا تعينه على إحلال مصر مكان الزعامة والقيادة الفعلية بين الشعوب الإسلامية في الشرق الأوسط هذا لو كانت أتيحت له ظروف أفضل مما أتيح له".

وإنا لنشكر للصديق الأستاذ محمود النجوري مدير المحفوظات بوزارة الداخلية. فقد زودنا بترجمة حياة المغفور له النقراشي باشا ومقالات الصحف البريطانية.


رئيس المحكمة

... عين سعادة محمد مختار عبد الله بك عقب تخرجه عام 1920 م وكيلاً للنيابة، ثم نقل إلى السلك السياسي، وعين أمينًا للمحفوظات في مفوضية مصر في روما عام 1923، ثم نقل إلى مفوضية مصر في برلين، ورقي إلى وظيفة ملحق، ثم عاد إلى السلك القضائي عام 1927 م.

وظل يتدرج في وظائف النيابة والقضاء إلى أن عين رئيسًا للنيابة المختلطة عام 1940 م ثم مديرًا لإدارة المحاكم المختلطة، ثم قاضيًا بمحكمة مصر المختلطة.

وفي عام 1945 م عين مستشارًا بمحكمة استئناف أسيوط ثم محكمة استئناف مصر، وأخيرًا رأس دائرة العسكرية العليا.

واشتهر سعادته بدماثة الخلق وسماحة النفس، وسداد الرأي، وطهارة الذمة، وهو شغوف بالاطلاع ليس في القانون فحسب بل في الأدب والاجتماع وهو يجيد أربع لغات وهي الإنجليزية، والألمانية، والفرنسية، والإيطالية...


تقديم

... لا بد من كلمة نهيئ بها ذهن القارئ لما سيدور في جلسات المحاكمة في هذه القضية. ففي اليوم الثامن من شهر ديسمبر عام 1948 أصدر المغفور له محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحكومة آنئذ قرارًا موفقًا بمذكرة تفسيرية وضعها عبد الرحمن عمار بك وكيل وزارة الداخلية وقتئذ يقضي بحل جماعة الإخوان المسلمين وذلك للحوادث الإرهابية التي وقعت في مختلف أنحاء البلاد واتهم بارتكابها جماعة الإخوان على نحو ما سرده عمار بك في مذكرته التفسيرية.

وهكذا توقع الناس –بعد صدور هذا القرار – وقوع حدث ما ردًا على هذا القرار الذي أصر النقراشي باشا على الرغم من المحاولات الكثيرة التي بذلت على ألا يرجع فيه...

ولم تمضي ثلاثة أسابيع على صدور قرار الحل، حتى هوى النقراشي باشا وخر صريعًا وسط فناء وزارة الداخلية ووسط عدد كبير من رجال البوليس المحيطين به وقد هوت معه أفئدة الملايين من المصريين وأصبحت مدينة القاهرة وهي أكثر المدن صخبًا وضجيجًا، صامتة ساكتة كأن على رؤوس أهلها الطير، فلقد كان الفقيد –باعتراف خصومه- وطنيًّا صادق الإيمان نزيهًا مخلصًا ذا ماضٍ مجيد.


كيف وقع الحادث

ففي نحو الساعة العاشرة وخمس دقائق من صبيحة يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر ديسمبر عام 1948م، وبينما كان دولة النقراشي باشا يسير في فناء وزارة الداخلية ميممًا شطر المصعد في طريقه إلى مكتبه وحوله ضباطه، وجنوده من رجال الحرس، تقدم شاب في ميعة الصبا، شاحب الوجه، وكان مرتديًا ثياب ضابط برتبة ملازم أول،

وصوب مسدسه نحو ظهر الفقيد، وأطلق رصاصتين أصابتا ظهر الفقيد، وسقط على ظهره يتضرج في دمائه، ولم تمضي دقائق حتى فارق الحياة وتمكن رجال البوليس الذين كانوا في حراسة الفقيد من اعتقال القاتل.

وقد ارتكبت الجريمة بسرعة فائقة حتى أن ياور الفقيد الصاغ عبد المجيد خيرت قد أذهله وقوع الحادث على هذه الصورة المروعة، وعقدت الدهشة لسانه، وفجأت أفاق من ذهوله وارتمى ومن كان معه من الكونستبلات والجنود على القاتل،

وانتزعوا المسدس من يده، بينما نقل الآخرون الجثة إلى حجرة الأستاذ صلاح الدين مرتجي وكيل إدارة الأمن العام، وكان الدكتور محمود حمدي سيف النصر قد سارع إلى مكان الحادث حينما سمع به أثناء وجوده في وزارة الصحة ولكن القضاء كان قد حم، وفاضت روح النقراشي باشا إلى بارئها.

المسدس

أما المسدس الذي استعمله القاتل فهو ماركة "برثا" طراز 1934 وقد كتب عليه باللغة الإفرنجية العبارة الآتية:

P. Beretta Cal 9 Corto Md 1934 Brevette Gardonne 1941 X1X 872511

وبه مشط ذو الست طلقات وهو أوتوماتيكي سريع الطلقات، وقد وجد في نهاية المشط من الخارج رصاصة لم تنطلق وهي عيار 9 ملليمتر وبها الرصاصة المغلفة، وطلقة أخرى مطلوقة من نفس العيار ونفس الشكل الظاهري وبها فدغ.

وقد أبلغ صابر طنطاوي بك مدير الأمن العام آنئذ الحادث تليفونيًّا إلى النائب العام –وكان محمود منصور باشا

- فاستقل سعادته سيارته فورًا وقصد إلى مكان الحادث ولحق به الأستاذ محمود إبراهيم إسماعيل رئيس نيابة جنوب القاهرة وبعض حضرات وكلاء النيابة وحكمدار بوليس القاهرة وكبار ضباط القسم السياسي والحكمدارية والمباحث الجنائية، ومن ثم بدأ التحقيق مع القاتل.


من هو القاتل ؟

والقاتل شاب يناهز الواحد والعشرين عامًا ويدعى عبد المجيد أحمد حسن وهو طالب بكلية الطب البيطري بجامعة فؤاد الأول وتبين أنه من جماعة الإخوان المسلمين ورئيسًا لإحدى خلاياها بالجامعة.


أقوال القاتل الأولى

وقد تولى النائب العام نفسه التحقيق معه، ولما سئل القاتل عن جريمته اعترف بها قائلاً: "نعم أنا قتلته النهارده في الوزارة بالمسدس إللي ضبط معي وكنت بمفردي، وكنت لابس ملابس ضابط إللي هي علي الآن، وقتله لأنه خاين للوطن".

وقد نوقش في تفصيلات الجريمة فقال:

"أنا جيت الداخلية النهاردة الساعة 10.00 كده وكنت لابس ملابس ضابط ولما وصلت الوزارة دخلت من الباب العمومي وكان معي المسدس المضبوط ودخلت في وسط الصالة ووقفت شوية كده وقالوا إن النقراشي باشا جاي فلما شفته طالع متجه نحو مكان الأسانسير المجاور للسلم طلعت المسدس من جيبي اليمين للبنطلون ورحت ضاربه وكان وقتها تقدم لي شوية في طريقه إلى المصعد فأطلقت النار عليه من الجنب للخلف وأنا كنت ساعتها واقف على شماله وهو متجه إلى المصعد.

وسئل –متى ظهر النقراشي باشا في الصالة؟

-بعد أن انتظرت خمس دقائق، ظهر النقراشي باشا.

وأجاب عن سؤال آخر أنه كان يسير حول النقراشي باشا وخلفه أشخاص كثيرون يرتدون ملابس ملكية.

-عندما دخلت الوزارة بزيك العسكري وقبل أن يصل النقراشي باشا. ألم يعترضك أحد؟

-لا.

-وهل أنت تعرف شخص النقراشي باشا؟

-أعرف شكله من الصور.

-متى صممت على قتل النقراشي باشا.

-من حوالي جمعتين.

-ما هي الظروف التي كونت فيها فكرة القتل.

-نبتت هذه الفكرة عندي، وهي فكرة قتله، في جملة ظروف تجمعت عندي، وهي أولا موضوع السودان فإنه لم يقم بأي عمل إيجابي. وثانيا فلسطين فإنها ضاعت وأخذها اليهود وهذا يرجع إلى تهاون النقراشي باشا.

والعامل الثالث أنه اعتدى على الإسلام وهو أنه شرد الطلبة من الكليات وحل جماعة المسلمين وما يتصل بها من شركات كانت جماعة الإخوان المسلمين قد أقامتها فهو أمر بحلها وأنا لما رحت كلية الطب البيطري علشان الدراسة قالوا لي أنك مبعد لنشاطك مع أن الكلية بتاعتنا لم تشترك في حوادث كلية الطب أو الجامعة فكل هذه العوامل جعلتني أفكر في الإقدام على هذا العمل وهو قتل النقراشي باشا أي أنه من أسبوعين أنا صممت على قتله.

-كيف رتبت هذه الجريمة.

-أنا كنت ماشي في وكالة البلح من سبعة أيام فلقيت واحد معه بدلة الضابط إللي أنا لابسها الآن ويقول عنها أنها جديدة وعارضها للبيع فلما وجدت البدلة لاحظت أن قماشها كويس فاشتريتها بثلاثة جنيه ونصف وكذلك اشتريت المسدس من مدة خمسة أيام من واحد في عين شمس وهو واحد عربي لا أعرفه وكذلك الطلقات اشتريتها منه باثنين جنيه وبعدين لبست البدلة النهارده وجيت النهارده وجيت هنا ومعي المسدس علشان أقتل النقراشي.

-وهل ذهبت إلى سوق البلح كما تقول خصيصًا لمشتري بدلة الضابط.

-أنا قصدي أقول سوق الكانتو الموجود في الفحامين وأنا رحت مصادفة هناك فوجدت الرجل إللي باع لي البدلة هناك فاشتريتها.

-وما الذي جعلك أن تشتري هذه البدلة وهي بدلة ضابط إذا كنت لم تذهب خصيصًا لمشتراها.

-البدلة صوف وجديدة ولما وجدت أن ثمنها ثلاثة جنيهات ونصف وده ثمن بسيط اشتريتها.

-وهل كنت تنوي أن تلبسها وهي على هذه الصورة وبزيها الأصلي.

-ده ما يمنعش أن الواحد يلبس بدلة ضابط.

-ولكنها بدلة بزراير صفراء وعلى كتفها نجمتين ولا يلبسها إلى ضابط أو من يريد أن يتعمد التزيي بها لغرض خاص.

-ده ما فيهاش تعمد.

-وهل خرجت من منزلك في صباح اليوم ترتديها.

-لا.

-ما هي الملابس التي كانت عليك وقت خروجك من المنزل في هذا الصباح.

-بنطلون جبردين وجرس.

-وأين كانت بدلة الضابط.

-كنت عاينها تحت سلم بيتنا.

-وأين الجرس والبنطلون.

-لما لبست بدلة الضابط رميت الجرس والبنطلون الجبردين في النيل.

-ولم رميتها؟.

-علشان أتخلص منها.

-وكيف كنت تخفي بدلة الضابط من يوم أن اشتريتها.

-كنت عاينها في الشنطة تحت السرير وفي الليلة الماضية أي ليلة أمس أخذتها ووضعتها تحت السلم.

-ألم تطلع أحدًا من أهلك على أنك اشتريت بدلة ضابط؟

-لا.

-ولم أخفيت ذلك على أهلك؟

-ما حدش يسألني من أهل البيت على أي حاجة أعملها.

-من الذي يقيم معك في المنزل؟

-والدتي إقبال حسني وأخي محمد عيسى أحمد حسن وهو طالب في مدرسة فاروق الأول الثانوية ولي أختين إحداهما هدى والثانية فاطمة ولي أخ ضابط يقيم في الخارج في منزل بمفرده ويسمى حسن أحمد حسن وهو ضابط بسلاح المدفعية ومتزوج وله أولاد.

-متى دخلت كلية الطب البيطري؟

-هذه رابع سنة وأنا في السنة الثالثة.

-وهل تقبض الخمسين جنيه في يدك.

-أنا أقبض الخمسين جنيه على دفعات وقبضت من هذا المبلغ مرة عشرة، ومرة عشرين، ووالدتي هي التي تتولى الصرف علينا من هذا المبلغ، وأنا باخد من هذا المبلغ مصاريف شخصية إلى حوالي جنيه أو اثنين جنيه ومن هذا المبلغ اشتريت المسدس والبدلة.

-اذكر لنا أين ذهبت من وقت خروجك من المنزل في صباح هذا اليوم.

-رحت في الغيطان نواحي الوايلي وقلعت الجرس والبنطلون ولبست بدلة الضابط وبعدين رحت على قصر النيل رميت البنطلون والجرس وجيت على الداخلية.

-ألم يرك أحد وأنت تخلع ملابسك وتستبدلها بملابس الضابط.

-لا.

-ما الذي جعلك أن تغير ملابسك وترتكب الجريمة وأنت بزي ضابط.

-أنا لبست ضابط علشان أضمن أن العملية تتم.

-إذن أنت تدرك أنه كان من الصعب أن تتم الجريمة دون أن تكون باللباس العسكري الذي أنت عليه الآن.

-أنا قلت قبل الآن أني لبستها لكي أتمكن من دخول الوزارة أي وزارة الداخلية وهذا أهم شيء.

-في أي وقت فكرت أن ترتدي هذا الزي وترتكب هذه الجريمة.

-بعد ما اشتريت البدلة افتكرت أني أرتكب بها الجريمة.

-أين كنت تضع المسدس قبل اليوم.

-كنت شايله باستمرار.

-هل تعرف الأعمال الحكومية التي يقوم بها دولة النقراشي باشا.

-أنا أعرف أنه رئيس الحكومة ويقوم بأعمال الداخلية والخارجية.

-ومن أين عرفت أنه سيحضر اليوم لوزارة الداخلية حتى أنك اخترتها لارتكاب جريمتك.

-أنا جي ارتجالي كده.

-وإذا لم يكن قد حضر فما الذي كنت تفعله.

-أروح على البيت.

-ولكنك كما تقول اعتزمت قتله، وأنك أعددت كل الوسائل للجريمة.

-أنا كنت أروح البيت.

-ولكنك ألقيت بملابسك الأصلية في النيل.

-كنت أرجع وأنا ضابط البيت لأن ما فيش وسيلة غير كده.

-وما الذي جعلك أن تفهم أنه يصل في الميعاد الذي وصلت أنت فيه إلا إذا كنت تراقبه وتراقب ساعات وصوله والأمكنة الحكومية التي يتردد عليها حتى أنك انتظرته في وزارة الداخلية اليوم.

-أنا أعرف أنه بيروح مجلس الوزراء ويتردد على الداخلية والخارجية فقلت آجي النهارده الداخلية.

وهكذا وصل القاتل طول التحقيق، يحاور ويداور، ويرواغ المحقق إلى أن كان يوم 14 يناير سنة 1949 م أي بعد مقتل النقراشي باشا بستة عشر يومًا، حيث بدأ أول اعترافه الصحيح، وكان ذلك غداة حادث محاولة نسف دار حكمة الاستئناف، وعقب صدور بيان المرحوم الشيخ حسن البنا، الذي استنكر فيه جريمة قتل النقراشي باشا، وتبرأ من مرتكبيها، وندد بهم.

وانتهى هذا الاعتراف المفصل، بأن أشرك معه خمسة آخرين من جماعة الإخوان هم: محمد مالك يوسف محمد مالك موظف بمطار ألماظه، وعمره 25 سنة، وعاطف عطية حلمي طالب بكلية الطب وعمره 25 سنة، و كمال سيد سيد القزاز تاجر موبيليات وعمره 26 سنة وعبد العزيز أحمد البقلي ترزي أفرنكي وعمره 26 سنة والشيخ سيد سابق محمد التهامي وعمره 35 سنة وهو من العلماء،

وهؤلاء هم الذين وضعت أسمائهم؛ ومعهم عبد المجيد أحمد حسن، قائمة الاتهام الأولى وقد وجهت إلى الأول تهمة القتل العمد من سبق الإصرار والترصد، والباقون اشتركوا معه بطريق الاتفاق والتحريض والمساعدة في ارتكاب هذه الجريمة وجريمة إحراز سلاح بدون ترخيص.

اعتراف ثانٍ

ولم تمض أيام على رفع الدعوى العمومية على هؤلاء المتهمين الستة، وإرسال أوراق القضية إلى سكرتارية محكمة الاستئناف تمهيدًا لتحديد جلسة المحاكمة، حتى أرسل عبد المجيد أحمد حسن خطابًا لسعادة النائب العام، يبدي فيه رغبته في تكملة اعترافاته.

وكان من نتيجة هذه الاعترافات التكميلية -وسنوردها بالتفصيل مع الاعترافات الأولى في حينه- التي تولاها سعادة محمد مختار عبد الله بك رئيس المحكمة العسكرية العليا بنفسه، وبمعانة الأستاذ أحمد موافي، وذلك بناء على طلب سعادة محمود منصور باشا النائب العام في ذلك الحين، إذ رأت النيابة أن يقوم بسماع هذه الاعترافات قاض تحقيق ينتدبه رئيس محكمة مصر.

كان من نتيجة هذه الاعترافات التكميلية أن رفعت النيابة الدعوى العمومية على تسعة متهمين آخرين، وبذلك بلغ عدد المتهمين في هذه القضية خمسة عشر متهمًا.

وهؤلاء التسعة هم: السيد فايز عبد المطلب وهو مهندس ومقاول مباني وعمره 29 سنة، ومحمد صلاح الدين عبد المعطي موظف بوزارة الدفاع وعمره 30 سنة وشفيق إبراهيم أنس موظف بوزارة الزراعة وعمره 21 سنة

–وهو محكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة لمحاولته نسف محكمة الاستئناف ومحمود كامل السيد طالب بكلية الحقوق وعمره 23 سنة وعبد الحليم محمد أحمد طالب بكلية الآداب وعمره 24 سنة ومحمود حلمي فرج موظف بوزارة الداخلية وعمره 27 سنة، ومحمد أحمد علي موظف بقسم المباني بالأشغال وعمره 25 سنة، وجلال الدين يس طالب بكلية التجارة وعمره 24 سنة، ومحمد نايل محمود إبراهيم طالب بكلية الهندسة وعمره 20 سنة.

وقد وجهت إليهم تهمة الاشتراك مع عبد المجيد أحمد حسن بطريق الاتفاق والتحريض والمساعدة في ارتكاب جريمتي قتل محمود فهمي النقراشي باشا عمدًا مع سبق الإصرار والترصد وإحراز سلاح ناري بدون ترخيص، بأن انعقدت إرادتهم على قتل المجني عليه بوصف كونهم هم وعبد المجيد أحمد حسن أعضاء في جمعية إرهابية من وسائلها القتل ووقع اختيارهم عليه لتنفيذ الجريمة، فأمروه بارتكابها وجهزوا له السلاح، والملابس العسكرية، ورسموا له كيفية ارتكاب الجريمة ووضعوا خطة لمؤازرته أثناء تنفيذها.


بدء المحاكمة

حددت المحكمة العسكرية العليا يوم السبت 6 أغسطس سنة 1949 للبدء في المحاكمة، ولم يتوقع الناس أن تنظر القضية في مثل هذا الشهر الشديد الحرارة لاسيما وأن أكثر المحامين من أعضاء هيئة الدفاع كانوا يقضون عطلة الصيف خارج القاهرة.

ومع ذلك عقدت الجلسة في "هذا الموعد" وكانت المحكمة مؤلفة من صاحب العزة محمد مختار عبد الله بك رئيسًا، وأصحاب العزة محمد شكري طلحة بك ومحمد غالب عطية بك. والأميرالايين أحمد صالح أمين بك وإبراهيم زكي الأرناؤوطي بك أعضاء.

ومثل الاتهام الأستاذ محمد عبد السلام وجلس إلى جانبه الأستاذ محمد إسماعيل عروض، الأفوكاتو العمومي وقتئذ والمستشار الآن وقام بأعمال السكرتارية الأستاذان محمد حسن النجار وحسين عبد الرحمن.


كلمة رئيس المحكمة

وقد ألقى رئيس المحكمة في هذه الجلسة الكلمة التالية:

لعل الدفاع يذكر أن المتهم الأول عبد المجيد أحمد حسن أبدى في تحقيق قضية الاتفاق الجنائي، أقوالاً تناولت واقعة مقتل النقراشي باشا والاشتراك فيه،

ونظرًا إلى أن هذه الأقوال صدرت عن متهم مقدم للمحاكمة، وتناولت متهمين مقدمين معه بتهمة الاشتراك في القتل، فقد عرضت النيابة أمر هذه الأقوال على المحكمة لترى رأيها فيما تأمر به من اجراءات.

وبما أن المحكمة قد اتصلت بالدعوى، فقد قررت في جلسة سابقة ندب رئيسها لتحقيق الأقوال الجديدة التي أدلى بها المتهم الأول، وقد انتهت المحكمة من تحقيقها ورأت أن تحيل الأوراق الخاصة بهذا التحقيق للنيابة لاتخاذ ما تراه، وأظن أن هذه فرصة لحضرات المحامين ليطلعوا ويستعدوا في القضية.

وهنا استأذنت النيابة من المحكمة بأن تعلن متهمين جدد وبتقرير جديد، أن كان هناك محل لذلك، فأذن رئيس المحكمة بذلك قائلاً أن للنيابة حق في أن ترفع الدعوى على من تشاء وتحتفظ المحكمة لنفسها بالحق الذي خوله لها القانون.

ثم أجلت القضية إلى جلسة 20 أغسطس، وهذه هي الجلسة التي رفعت النيابة بعدها الدعوى العمومية على المتهمين التسعة الآخرين على نحو ما قدمنا.


جلسة 20 أغسطس: ضم قضية مقتل سائق السيارة الأرمني

وقد عدت هذه الجلسة برئاسة محمد مختار عبد الله بك وعضوية محمد غالب عطية بك ومحمد عبد العزيز كامل بك، ومثل النيابة الأستاذ محمد إسماعيل عوض المحامي العام.

وفي هذه الجلسة طلب الدفاع ضم قضية مقتل سائق السيارة الأرمني الذي قيل على لسان عبد المجيد أن بعض زملائه قتلوه بحقنة بمادة سامة، كما طلب الدفاع تأجيل القضية ليستعدوا، والتصريح لهم بإعلان شهود نفي، وإحالة بعض المتهمين إلى الطبيب الشرعي لفحص ما بهم من إصابات من جراء تعذيب البوليس لهم على حد قولهم.

وبعد مناقشة قصيرة، قررت المحكمة تأجيل القضية أسبوعًا واحدًا.


جلسة 27 أغسطس: محاولة ضم قضية السيارة الجيب وعدة دفوع

وكان الزحام شديدًا في هذه الجلسة، ولوحظ امتلاء القاعة بالسيدات من أقارب المتهمين.

وقد مثل الاتهام في هذه الجلسة الأستاذان محمد عبد السلام و محمد عبد الله المحامي العام الآن.

وحاول الدفاع عبثًا في هذه الجلسة أن يحمل المحكمة على تأجيل القضية، فقد أصرت على نظرها.

وطلب الأستاذ أحمد حسين ضم قضية السيارة الجيب ونظرها مع هذه القضية لارتباطها بها في الأدلة والمرافعة إذ ليست هناك أدلة ضد موكله في هذه القضية وإنما الأدلة المقامة عليها مستمدة من قضية سيارة الجيب.

ورد رئيس المحكمة قائلاً أن هذا المتهم وجهت إليه تهمة الاشتراك في الاتفاق الجنائي،

فالمحكمة لا يهمها إلا الأدلة والوقائع القائمة في هذه القضية وهي لا تتأثر من أي شيء آخر، فأمامها وقائع محددة فليس لها أن تتأثر بقضية أخرى لا يزال التحقيق فيها مستمرًا.

ووافقت المحكمة على إعلان عبد الرحمن عمار بك لسماع شهادته في قضية التدرب على استعمال الأسلحة في جبل المقطم التي حفظتها النيابة.

وبعد ذلك تلى قرار الاتهام، ثم نودي المتهمون وسئلوا عن التهم المنسوبة إليهم فأنكروها جميعًا ما عدا القاتل –عبد المجيد- فقد اعترف بها وقال أنه كان واقعًا تحت تأثير.

ونادت الحكمة محمد مالك وأمرته بالحضور أمام المنصة وطلبت إليه أن يكشف عن الإصابات التي في جسمه فكشف عن ساقه اليسرى، وشوهد أثر بها.

وأثار الأستاذ محمود الحناوي في هذه الجلسة مسألة رد رئيس المحكمة وبنى الرد على أسباب كثيرة.

وقد نظر الرد وتقرر رفضه، وحظرت المحكمة نشر ما دار حول هذا الطلب.

دفع فرعي

ثم وقف الأستاذ يوسف يعقوب المحامي عن كمال السيد القزاز و محمد صلاح الدين ودفع دفعًا فرعيًا ببطلان التحقيق الذي أجراه رئيس المحكمة وطلب استبعاده من أوراق الدعوى.

ومضى حضرته يشرح هذا الدفع فقال أن أساس الطعن ليس الجدل حول ما إذا كانت محاكم الجنايات تملك إرجاء مثل هذا التحقيق وبالكيفية التي تم بها ولكن أساسه هو هل هذه المحكمة في تأليفها القانوني والأغراض التي هدف المشرع إليها من إنشائها تستمتع بجميع السلطات التي يخولها القانون لمحاكم الجنايات، ومن ذلك حق التصدي للدعوى العامة بإدخال متهمين جدد، أو اجراء التحقيق المطعون فيه، وبالكيفية التي تم بها، مهما قيل من أن النيابة، هي التي طلبته أو فوضت الأمر فيه.

ومضى فقال:

فإذا رجعنا إلى قانون تحقيق الجنايات الصادر في سنة 1904 وجدنا المادة 62 تقصد حق التصدي في الدعوى العمومية على محكمة الاستئناف وبذلك خرجت المحاكم الابتدائية وقضاتها من النص.

فلما ألغى نظام الدرجتين في الجنايات وحل محله نظام محاكم الجنايات، تمسكت هذه المحاكم بهذا الحق معتبرة نفسها أنها حلت محل دائرة الجنايات بمحكمة الاستئناف وقد أقرتها محكمة النقض في هذا الرأي.

والسؤال بعد ذلك هو هل المحكمة التي نترافع أمامها من حيث تأليفها القضائي محكمة جنايات أو محكمة شبيهة بها بقطع النظر عن العنصر العسكري الداخل فيها.

وبعد أن تناول بالبحث المادة الخاصة بتأليف المحكمة العسكرية قال أنه إذا كان وزير العدل قد درج على سنة اختيار القضاء جميعهم من مستشاري محكمة الاستئناف فليس ذلك نزولاً على ما يتطلبه القانون ولكن زيادة في ضمانات المحاكم حتى لا يقال أن المحاكم التي تنظر الجنايات العسكرية تتكون من قضاة أقل مرتبة وخبرة من القضاة الذين ينظرون الجنايات المدنية،

وهذا الاجراء الصائب لا يغير من الأوضاع شيئًا، بمعنى أنه لا يسبغ على المحكمة التي تنظر الجرائم التي يعاقب عليها بعقوبة أشد من الحبس. سلطة أوسع لمجرد اختيار قضاتها من بين مستشاري محكمة الاستئناف لأن هذا يؤدي إلى اختلاف سلطة المحكمة واختصاصاتها تبعًا لاختيار الوزير لا لحكم القانون.

وانتهى الأستاذ يوسف إلى القول أنه إذا كان قد أثير في الفقه والقضاء بحوث حول ما إذا كان يجوز للمحكمة أن تنتدب النيابة لاجراء تحقيق في دعوى مطروحة أمامها أم يجب أن تجريه هي بنفسها، فإن العكس أي ندب النيابة للمحكمة مفروغ بعدم جوازه.

رد النيابة

ثم قام الأستاذ محمد عبد السلام ممثل الاتهام، ورد على هذا الدفع فقال أنه طبقًا للمواد الخاصة بحق الاستئثار المستمد من القانون العام والأحكام العرفية ترى النيابة أن للمحكمة الحق في أن تجري تحقيقًا تكميليًّا وتدخل متهمين جددًا وأن حقها في هذه القضية كحق محاكم الجنايات العادية، وأن محكمة النقض والإبرام قد أعطت هذا الحق للمحاكم المؤلفة من قضاة،

كما أعطته للمحاكم المؤلفة من مستشارين وعلى ذلك يكون استئثار هذه المحكمة باجراء التحقيق بوساطة أحد حضرات أعضائها، هو اجراء سليم يتفق مع القانون.

رفض الدفع

ثم رفعت الجلسة للمداولة ثم أصدر رئيس المحكمة قرارها في الدفع وهو يقضي برفضه.

دفعان آخران

وعقب ذلك وقف الأستاذ عبد الكريم محمود منصور المحامي عن سيد سابق، وقد دفعين فرعيين أولهما خاص بأن الأمر العسكري،

الذي أحال على المحكمة العسكرية هذه القضية لا يعد باطلاً فحسب، بل غير موجود أصلاً وذلك لعدم عرضه على البرلمان في ظرف أسبوع من تاريخ صدوره وفق القانون رقم 73 لسنة 1923 حيث إن إحالة جرائم القانون العام على المحكمة العسكرية ليس من ضمن المسائل المنصوص عليها في المادة الثالثة من القانون رقم 15 لسنة 1923 التي حددت اختصاصات المحاكم العسكرية.

أما الدفع الثاني فخاص بعدم اختصاص المحاكم العسكرية بالنظر في قضية عقوبتها الإعدام.

وتكلم عن الدفع الأول من الناحية القانونية، فقال إن هذا الأمر العسكري كان يجب عرضه على مجلس الوزراء فالبرلمان وينال موافقته. وأكد أن هذا الأمر لم يعرض على البرلمان، ولم يستطع أن يجزم إذا كان قد عرض على مجلس الوزراء أم لا.

ثم تكلم عن الدفع الثاني فاستشهد بأحكام محاكم إنجلترا التي استمد منها التشريع المصري، وضرب مثلاً بقضية شخص حكم عليه بالإعدام في قضية نظرت أمام محكمة عسكرية اتهم فيها بالتجسس على إنجلترا. فقدم التماسًا في الحكم، ودفع هذا الدفع عند نظر الالتماس وقضى بإلغاء الحكم.

وهنا كانت الساعة قد بلغت الثانية إلا عشرة دقائق، فرفعت الجلسة على أن تعقد صباح اليوم التالي، ليواصل الأستاذ عبد الكريم منصور بحثه القانوني في هذا الدفع.


جلسة 28 أغسطس: المرافعة في الدفوع

كانت الرغبة شديدة في شهود هذه الجلسة فازدحمت قاعة الجلسة بعدد كبير من النظارة.

وقد احتج الأستاذ أحمد حسين المحامي عن المتهم الثالث في هذه الجلسة على إحدى الصحف بوصفها المتهمين بأنهم إرهابيون، وطلبت المحكمة من النيابة اتخاذ ما تراه من اجراءات نحو هذه الصحيفة.

كما قال الأستاذ أحمد حسين أنه يتمسك بإحالة المتهم الأول إلى الطبيب الشرعي لفحص قواه العقلية على الرغم من تنازل محامي هذا المتهم عن هذا الطلب. إذ إنه يرى أن ذلك من مصلحة موكله المتهم الثالث. وطلب أيضًا أن يسمح له بتقرير استشاري عن هذه الحالة.

وقال القاتل إن جلال الدين يس، أحد المتهمين طلب إليه أن يتظاهر بالجنون، فكذبه جلال.

وحدث أثناء مرافعة الأستاذ عبد الكريم منصور في دفوعه الفرعية التي قدمها، أن وصف وزير العدل بأنه حر دستوري فهو إذن رجل حزبي.

فقاطعته المحكمة طالبة إليه ألا يقحم السياسة في القضية فهي قضية قتل، والمحكمة تنظرها على أساس أنها قضية قتل. وليس لها شأن بالسياسة.

وهنا وقف الأستاذ أحمد حسين وقال محتدًا:

"إن هذه القضية سياسية بكل ما في هذه الكلمة من معنى. فشخص يقتل رئيس الحكومة ليس كشخص يقتل زيدًا من الناس. وما دام الأمر كذلك فإني أطلب إذن استدعاء دولة إبراهيم عبد الهادي باشا، وسعادة الأستاذ محمد حامد جوده، وسعادة عبد الرحمن عزام باشا، لأنه يرى أن هؤلاء الرجال هم الذين أوصلونا إلى هذا المكان".

ورد رئيس المحكمة قائلاً إن المحكمة إذا رأت في أثناء المرافعة ما يدعو إلى سماع أقوالهم فستدعوهم لهذا الغرض.


المرافعة في الدفوع

ثم نهض الأستاذ عبد الكريم منصور، واستأنف مرافعته في الدفوع الفرعي الثاني، وهو خاص بعدم اختصاص المحاكم العسكرية بنظر قضية عقوبتها الإعدام. ثم قدم أربعة دفوع أخرى هي:

أولاً: إن قضاء المحاكم العسكرية هو بمثابة القضاء المستعجل، حتى إن سعادة رئيس المحكمة رفض التأجيل بحجة أنه قضاء مستعجل، وأن الثابت قانونًا أن الواقعة إذا مضى عليها عدة شهور، فقد انتفت الحكمة من تقديمها إلى قضاء مستعجل، وقد مضى حوالي سنة على هذا الحادث. فلا يصح نظرها أمام محكمة عسكرية.

ثانيًا: إن القانون رقم 73 لسنة 1948 قد حدد للمحاكم العسكرية اختصاصًا في مسائل معينة بالذات، وحرم عليه أن يتوسع فيها أو يزيد عنها وبشرط آخر هو ألا يستخدمها إلا بغرض حفظ أرواح الجنود في فلسطين بطريق مباشر وقد فسر القانون أن التحريض على كراهية الحكومة، وإن كان من شأنه أن يولد ثورة تؤثر على الجيش في فلسطين،

إلا أنه لا يجوز استخدام الأحكام العرفية في محاكمة من يتهمون به إلا إذا قامت الثورة فعلاً، فحادث قتل النقراشي قد وقع فعلاً، ولم تتأثر الجيوش المصرية به هناك، فهذا يدل على أنه لا صلة له بحفظ الأرواح في فلسطين، فهو إذن قتل عادي كغيره من الحوادث، وإذن لا تكون هناك ثمة ضرورة لتقديم القضية للمحاكم العسكرية.

ثالثًا: بطلان المحاكمة في هذه القضية أصلاً لعدم وجود قضاء مؤلف تأليفًا قانونيًا

"FAUTE DE JURIDICTION"

وذلك وفقًا للمادة الرابعة من المادة "49" من قانون الأحكام العسكرية التي تحيل عليها المادة السابعة من هذا القانون، وهي تقضي بعدم صلاحية القاضي العسكرية إذا كان قد أجرى تحقيقًا على انفراد وسمع شهودًا بعيدًا عن جلسة المحاكمة.

رابعًا: إن القانون، إن كان قد حرم المتهمين من طرق الطعن في الأحكام فإنه قد حتم مراجعة هذه الأحكام بوساطة وزير العدل، ثم الحاكم العسكري العام، الذي له أن يخفف الحكم أو يحفظ الدعوى بعد الحكم فيها، ومعنى ذلك البراءة، فإذا كانت هناك مصلحة سياسية لدى هذه الجهات المكملة مراجعة بحث هذه الأحكام حفظت القضية.

وبعد أن أفاض في شرح نصوص مختلفة من قوانين الأحكام العرفية، والأحكام العسكرية واستشهد بأحكام المحاكم في إنجلترا التي أخذ المشرع المصري منها هذه القوانين قال إنها جميعًا تقطع بعدم اختصاص المحاكم العسكرية المؤلمة بمقتضى قانون الأحكام العرفية بالحكم في قضية عقوبتها الإعدام.

ثم قال: إن لديه دفوعًا أخرى وطلب إعطاءه مهلة لإعدادها وتقديمها في مذكرة.


رد النيابة

وقد رد الأستاذ محمد عبد السلام ممثل الاتهام على الدفع الأول اخلاص ببطلان الأمر العسكري، الذي أحال هذه القضية على المحكمة العسكرية فقال إنه سبق أن دفع مثل هذا الدفع أمام المحاكم العسكرية في قضية الضابط المتهم بتسهيل هرب حسين توفيق أحمد. وأن النيابة تكتفي بما جاء في حيثيات قرار المحكمة القاضي برفض الدفع.

وفيما يختص بالدفع الثاني الخاص بعدم اختصاص المحكمة العسكرية بنظر قضية عقوبتها الإعدام، فقد شرح نص المادتين 5 و 6 من قانون الأحكام العرفية رقم 15 لسنة 1923، وقال إنه يستخلص منهما اختصاص هذه المحكمة بنظر القضية.


أقوال الشهود

وعقب ذلك نودي الشاهد الأول الصاغ عبد المجيد خيرت الضابط ببلوك السواري وياور المغفور له النقراشي باشا، فلبى وأقسم اليمين وروى كيف وقع الحادث فقال إنه في هذا اليوم خرج مع النقراشي باشا من منزله في الساعة العاشرة إلا ثلثًا ولما وصل الركب إلى دار وزارة الداخلية نزل دولته من السيارة وسار الشاهد إلى يساره حتى وصل إلى باب المصعد وعندئذ سمع طلقين ناريين ورأى المتهم وفي يده المسدس وتمكن من اعتقاله مع بعض زملائه.

ومما قاله هذا الشاهد ردًا على أسئلة المحكمة، أنه عندما دخل صالة الوزارة، لفت نظره وقوف ضابط على مقربة من باب المصعد،

وظن أن المكلفين حراستها قد قاموا بواجبهم وأن الضابط مسئول عن حراسة الصالة قد استقبلهم عند الباب وسار أمام الباشا وأنه لم ير المتهم وهو يطلق الرصاص ولكنه رآه بعد ذلك، وكان مرتديًا بذلة ضابط بوليس برتبة الملازم الأول سوداء اللون،

وأنه كان يقوم بحراسة النقراشي باشا منذ ستة أشهر سابقة على يوم الحادث، وأنهم كانوا يغيرون الطريق في كل مرة ابتداء من ميدان الأوبرا وأن مواعيد خروج الباشا من منزله كانت مختلفة، فحينًا يخرج في الساعة التاسعة وحينًا في الساعة التاسعة والنصف.

وردًا على سؤال آخر للمحكمة، بأن هناك تحقيقًا إداريًا خاصًا بطريقة الحراسة في الصالة. ثم سمعت المحكمة شهادة الملازم الثاني محمد حباطي وقد كان في حراسة الفقيد أيضًا، ولم تخرج شهادته عن شهادة الصاغ عبد المجيد خيرت.

وطلبت المحكمة من النيابة أن تعلن الضابط المكلف بحراس باب الوزارة الخارجي ومراقبة الداخلية. كما طلب الأستاذ أحمد حسين، إعلان القائمقام محمد وصفي رئيس حرس الوزارات لسماع شهادته؛ لأنه سبق أن أصدر أمرًا بعدم السماح لأي شخص كائنًا من كان الوقوف في الصالة وقت وصول رئيس الحكومة فوافقت المحكمة على هذا الطلب.

وبعد ذلك أخذت المحكمة في سماع شهادة كل من الكونستابل جمال الكاشف، والأمباشي عبد الرحمن نصار، والأول كان منوطًا به المراقبة حول بناء الوزارة قبيل مقدم رئيس الحكومة ولذلك لم ير شيئًا،

والثاني كانت مهمته إخلاء صالة الوزارة الداخلية من الجمهور عندما يتلقى إشارة بقرب وصول النقراشي باشا، ومما قاله إنه لاحظ وجود ضابط يقف داخل الصالة ويتحدث إلى الجاويش المكلف بالحراسة، ولما سأل الجاويش عمن يتحدث إليه، أجابه: "ده حضرة الضابط" فأدى له التحية وانصرف.

وسألته المحكمة: طيب ما لفتش نظرك وجود ضابط غريب عن الوزارة وليه ما سألتوش عن سبب وقوفه.

يا سعادة البك دي مسألة كانت بعيدة عن عقلي بعد الأرض عن السما وما كنتش أتصور إللي حدث أبدًا، وغير كده أنا تحرجت أن أسأل الضابط لأن احتكاكنا بالضباط قليل، وخشيت أسأله أحسن يغضب، فسألت زميلي الجاويش ولما قال لي "ده حضرة الضابط" أديت التحية وانصرفت. جلسة 29 أغسطس

وفي هذه الجلسة استمعت المحكمة إلى بقية شهود الإثبات، فنودي اليوزباشي مصطفى علوان الضابط بإدارة المباحث الجنائية بوزارة الداخلية ونلخص شهادته، في أنه كان موجودًا في بهو الوزارة وقت وقوع الحادث، وشاهد عبد المجيد وهو يطلق الرصاص، واشترك في اعتقاله، وقد سأله عن اسمه فذكر له أنه طالب، وأنه من جماعة الإخوان، وأنه قتل النقراشي باشا لأن سياسته لا تعجبه.

وأضاف هذا الشاهد قائلاً: إن هناك عيارًا آخر، غير الأعيرة الثلاثة التي أطلقت، أطلق بعد وقوع الحادث، ولا يعرف مصدره ومن المحتمل أن يكون أطلق من أحد الحراس، وأنه كانت هناك إشاعة تقول، إنه كان للمتهم شركاء موجودين في الوزارة وقت الحادث، ولعل أحدهم هو الذي أطلقه.

ولم يستطع هذا الشاهد أن يعلل لماذا لم يذكر هذه الواقعة للنائب العام في التحقيق.

وشهد الصول محمد البهي شرف بأنه سمع صوت عيارين ناريين، وأعقبهما صوت عيار آخر، ولما انكب مع زملائه على المتهم، إنهال الناس عليه ضربًا ظنًا منهم أنه القاتل.

وشهد الترزي محمد حسين أحمد، بأن عبد العزيز البقلي، أحد المتهمين، حضر إليه، ومعه قطعة قماش سوداء مقصوصة ببطلونًا، وطلب إليه خياطتها، وأخبره أنه لضابط يريد السفر، ورجاه أن يتم صناعتها في يوم الأحد وهو لا يذكر اليوم الذي تسلم فيه القماش من البقلي، ويرجح أنه كان يوم خميس أو جمعة، وقد قابل البقلي بعد حادث النقراشي باشا، ولم يدر بينهما حديث حول الحادث، وكان البقلي خائفًا لأنه من جماعة الإخوان.

وشهد مصطفى عبد المنعم الترزي بأنه ساهم مع عبد العزيز البقلي في حياكة "الجاكتة" التي كان يرتديها المتهم وقت الحادث، وأن كمال القزاز حضر مرة ومعه المتهم صاحب "الجاكتة" وعمل المقاس ثم انصرفا.

وفي اليوم التالي أخذ عبد العزيز البقلي الجاكتبة وذهب ليقيسها على المتهم ثم عاد بها وانتهى عملها في مساء ذلك اليوم.

ولما عرضت المحكمة على الشاهد المتهم عبد المجيد، عرفه.

وهنا قال الأستاذ يوسف يعقوب أن هذا الشاهد لم يتعرف على عبد المجيد في التحقيق.

وشهد محمد أحمد دياب بأنه أجر شقة بمنزله بوساطة سمسار إلى شخصين قيل له أنهما طالبان بالجامعة، وبعد بضعة أيام من كتابة عقد الإيجار تقابل مع أحدهما وهو محمد نايل وسأله عن سبب عدم رؤيته له ولزميله فأجابه بأن والدتهما مريضة ويرغبان في ترك المنزل.

ثم اختفيا ثم عادا وأبلغاه أنهما سيحضران عربة لنقل الأثاث، ولكنهما لم يعودا، وأراد ساكن استئجار الشقة، فاضطر الشاهد إلى دخولها من المنور، فلم يجد فيها إلا بعض أسرة وثلاثة مقاعد.

وقد عرف الشاهد من المتهمين الموجودين في القفص محمد نايل، ومحمود كامل، وعبد المجيد محمد أحمد.

وأجاب الشاهد ردًا على سؤال المحكمة؛ بأنه لم ير ضابطًا أو جنودًا يخرجون أو يترددون على المنزل، ولم يسمع ذلك من أحد من الجيران، وأن نايل وزميله كانا مستأجرين الشقة أثناء وقوع الحادث.


اعترافات القاتل

وبعد انتهاء شهادة الشهود، نادى رئيس المحكمة عبد المجيد حسن؛ فخرج من القفص في حراسة بعض الضباط ووقف في حرم المحكمة ثم سأل رئيس المحكمة الأستاذ أحمد السادة المحامي، والمتهم عما إذا كان يمانعان في أن يدلي عبد المجيد بأقواله فأجابا بالنفي.

وسمحت المحكمة للمتهم بالجلوس إذ كان بادي الأعياء من جراء صومه الطويل الذي بدأ منذ أكثر من شهر قبل المحكمة تكفيرًا عن جريمته كما يقول: ثم بدأ المتهم يسرد لقضاته قصته بلغة عربية سليمة فقال:

كيف بدأ التأثير عليَّ

لقد بدأ التأثير علي في سنة 1942، وكنت طالبًا في مدرسة فؤاد الأول الثانوية وأؤدي صلاة الظهر بمسجد المدرسة؛ لأنني نشأت نشأة دينية من صغري فعرفت في المسجد أشخاصًا ينتمون إلى جمعية الإخوان المسلمين فعرضوا علي بعض مجلات هذه الجمعية كما كانوا يحدثوني عنها،

وأذكر أن من بين هؤلاء الإخوان الطالب جمال عطية وفي سنة 1943 التحقت بأقرب شعبة للإخوان قريبة من منزلي، وهي شعبة الظاهر وتقع بشارع سكاكيني وانضممت إليها وقد دلني عليها حسين محمد عبد السميع وهو أيضًا من الإخوان وطالب بمدرسة فؤاد الأول.

وبانخراطي في جمعية الإخوان اشتركت في أنظمتها، فدخلت فرقة الجوالة والفرقة العسكرية، وتعلمنا النظام العسكري فالطاعة العمياء.

نظام الأسرة

كما التحقت بنظام يطلق عليه اسم "نظام الأسرة" وتتكون كل أسرة بين خمسة أشخاص وعشرة، وهي إما أن تكون من الطلبة أو الموظفين أو العمال وكان من أعضاء الأسرة التي انضممت إليها محمد الدمرداش عبد السميع وعبد زايد، وعيد محفوظ، ومصطفى سليم أبو الخير، وهم من الطلبة.

ومن تعاليم "نظام الأسرة" أن كل فرد من أسرة يعرف جميع شئون أعضاء أسرته، من النواحي الاجتماعية والثقافية، والأخلاقية، والعائلية، ويوجد كل هذا في برنامج الأسر وأنظمتها ولا أستطيع أن أتذكر الآن تفصيل هذا البرنامج،

وما أذكره أن الأسرة كانت تعقد اجتماعًا أسبوعيًّا في منزل أحد الأعضاء، وليس في مقر الشعبة، حتى تكون ملمة بأحوال كل عضو، وعلى معرفة تامة بحالته، وكنا نتدارس في هذه الاجتماعات ونتلو القرآن، ونحفظ أجزاء منه، ونقرأ في كتب أدبية، ودينية، وتاريخية.

وكان من برنامج نظام الأسر أيضًا أن نقوم برحلات، ونحضر اجتماعات روحية مع أشخاص يفهمون الدعوة أكثر من أفراد الأسرة، وكانت نتيجة هذا النظام أن صار كل فرد من أعضاء الأسرة يعرف أمور إخوانه، ظاهرة كانت أو خفية.

أسرة جديدة

وفي سنة 1944 افتتحت شعبة حدائق القبة، وانتقل هذا النظام إلى هذه الشعبة، وكونت أسرة من الطلبة كان أعضاؤها حسين محمد عبد السميع، وأحمد عادل كمال، وطاهر عماد الدين، وأحمد محمود كامل، وممدوح حافظ، ومحمد وجيه الباجوري، وصلاح الأفندي، وكنت أنا عضوًا بهذه الأسرة؛ لأن اتصالي بشعبة الحدائق قطع صلتي بشعبة الظاهر، وسارت هذه الأسرة على نفس النظام.

وقد عرض على سعادة النائب العام أوراقًا ضبطت بشبعة الحدائق ومن بينها ورقة اعترفت أنها كتبت بخطي، وهي تشمل أسماء رهط الجوالة بالشعبة.

وكنت طوال هذه المدة أحضر أنا والإخوان حديث الثلاثاء بالمركز العام لجمعية الإخوان المسلمين، كما كنت أحضر حديثًا آخر خاصًا بالطلبة فقط. يعطي في يوم الخميس باستمرار. وكان المحاضر هو الأستاذ حسن البنا.

وبسبب تأثير هذه الأنظمة، انخرطت تمامًا في جماعة الإخوان المسلمين حتى أنني كنت مندوبًا للجمعية في مدرسة فؤاد الأول، وأنا في السنة التوجيهية.

وأحب أن أذكر أيضًا أن من أنظمة الإخوان التفرقة بين الأفراد، فبعضهم إخوان عاملون، والبعض مشتركون، والآخرون مؤيدون، وفي الأوراق المضبوطة بشعبة الحدائق جدول يشتمل على بعض الأسماء ومعلومات خاصة بأصحابها، كنت أنا كاتب هذا الجدول، وقد كتبته من نسختين.

وكان الأستاذ حسن البنا يعقد اجتماعات خاصة للإخوان العاملين فقط، وقد علمت أنه جاء مرة إلى شعبة الحدائق واجتمع بالإخوان العاملين سرًّا ويمكن الاستشهاد على ذلك بسؤال الإخوان العاملين المكتوبة أسماؤهم في الجدول الذي حررته.

الدعوة المحمدية

وفي أواخر سنة 1945، أو أوائل سنة 1946، طلب مني حسين عبد السميع أن أذهب إلى منزله، وحدد لي موعدًا فتخلفت عنه، فأرسل لي جمال عطية في يوم آخر لمقابلته في منزله، فذهبت ولما قابلته أخذني في سيارة وكان بها شخص عرفت فيما بعد أن اسمه أحمد حجازي، وقال لي حسين عنه إنه من الإخوان الموثوق فيهم فثق في كل كلمة يقولها.

وقد بدأ حجازي يسرد علي دعوة الإخوان المسلمين، ولا ينقصها لتصير شبيهة بالدعوة المحمدية إلا استعمال السلاح، وأن الإخوان لم ينسوا هذا الباب. وسيقومون بتنفيذه وعرض علي القبول بالانضمام معهم في هذا النظام.

فسألته هل هذا أمر صادر من المركز العام، فقال نعم، وعلى هذا الأساس وافقت على الدخول في هذا النظام باعتبار أنه نظام كنظام الجوالة ونظام الأسر. وإنه يختلف عنهما بأنه مقصور على الإخوان الذين يثبت أنهم مخلصون لدعوة الإخوان تمامًا، والدليل على هذا أن هذا النظام لا يوجد اسم خاص وكان معروفًا بين الإخوان باسم "نظام خاص".

أما نشاط الإخوان فكان معروفًا باسم "المحيط العام" وكان من ضمن أعضاء هذا النظام حسين عبد السميع، وكان في الحقيقة يعرف كل شيء، وهو الذي رشح أحمد عادل كمال.

جمعية سرية

وأحب أن أذكر أنني دخلت هذه الجمعية السرية، على اعتبار أنها كنظام الأسرة، وإن كانت في الواقع جمعية سرية، ونظامها يشبه نظام الأسرة، ولا بد لكل شخص من أعضاء نظام الأسرة أن ينخرط في سلك هذه الجمعية السرية بعد أن يتدرج في جميع الأنظمة، ويثبت إخلاصه للدعوة، وذلك دون أن يشعر بأنه دخل هذا النظام الجديد، أي الجمعية السرية.

وأنا كنت أثق في حسين عبد السميع لأنه كان مندوبًا عن الإخوان في مدرسة فؤاد في السنة التي سبقت السنة التي عينت فيها مندوبًا عن الجمعية في المدرسة.

أعضاء النظام الخاص

وحدث أن أعطاني أحمد حجازي كمال موعدًا وتقابلنا، وكان معنا أحمد عادل كمال، وطاهر عماد الدين، وكنا نحن الثلاثة نكون مجموعة من "النظام الخاص" وعرفت أن أحمد حجازي هو الذي سيتولى إعدادنا للجهاد، وكان من شأن هذا النظام التدقيق في سير كل عضو اجتماعيًّا، وأخلاقيًّا، ويثبت في جدول أعمال الفرد اليومية من حيث تلاوة القرآن، والمأثورات الدينية، والقيام بالألعاب الرياضية، وإن كان ذلك النظام قائمًا في نظام الأسر.

وكان أحمد حجازي يعطينا، حين نجتمع في منزل طاهر عماد الدين دراسات في الوطنية وفي النواحي الدينية كما كان يعطينا دراسات خاصة باستعمال السلاح، وأخرى في القانون والإسعافات الأولية، وكنا نؤدي امتحانًا في هذه الدراسات.

ووقع علينا في هذه الفترة الكشف الطبي وهو خاص بسعة الصدر، وفي الحالة العصبية، والبول، وقد علمت أن الذي قام به هو الدكتور أحمد الملط.

وفي أوائل صيف سنة 1946 ضرب لنا أحمد حجازي موعدًا في مسجد قيسون قبل صلاة المغرب، فحضرت وباقي المجموعة وقصدنا ومعنا أحمد حجازي إلى منزل بالصليبة، أرشدت النيابة إليه، وهناك قابلنا عند الباب شخص اسمه عبد الرحمن السندي وصعدنا إلى الطابق الثاني، ودخلنا غرفة مظلمة ثم أدخلنا في غرفة أخرى فردًا فردًا، وكان في الغرفة شخص ملثم، وهو الشخص الذي تلقينا عنه "البيعة" وقد عرفت هذا الشخص من صوته ومن حجمه، ومن هيئته العامة، إذ كان ملتحيًا، إنه الأستاذ صالح عشماوي وكيل جماعة الإخوان ومدير جريدتها.

وأحب أن أقول إن هذه الجمعية السرية، أو هذا النظام الخاص، كان موجودًا فعلاً برغبة المركز العام. بدليل أن الشخص الذي تلقيت عنه "البيعة" هو وكيل الجمعية.

المصحف والمسدس

وذكر في هذه "البيعة" أن رمز الإنسان هو المصحف والمسدس؛ وقد وضعا أمام ذلك الشخص الذي قال له إن هذه هي الوسيلة الوحيدة لنصرة الإسلام، وأنه يجب عليه الطاعة، وأن يقسم العضو على ذلك.

وأن الذي يفشي سرًّا من أسرار هذا النظام الخاص فجزاؤه الموت في أي مكان مهما يحتمي بأي شيء.

وقد قال لي عبد الرحمن السندي أن هذا الشخص هو الصلة بيننا وبين الأستاذ حسن البنا، وقد أراد بذلك أن يثبت أن هذا النظام خاضع للنظام العام.

وكان لهذا أثر كبير في نفسي. وأن أعتقد أنه من المستحيل أن هؤلاء الأشخاص ذوي المنزلة الكبيرة. الذين يعملون للإسلام سيأمرونني في وقت من الأوقات بشيء يختلف عن الإسلام.

تأثير الأستاذحسن البنا

وكلنا يعلم مدى تأثير الأستاذ حسن البنا على الجماهير، وأني أحب أن أذكر حادثة، ففي أثناء عرض القضية المصرية على مجلس الأمن، قامت مظاهرة من الأزهر بقيادة الأستاذ حسن البنا، وقد وقع صدام بين المتظاهرين، ورجال البوليس وكلهم مصريون، وقتل ثلاثة من الإخوان في هذا الصدام، فبتأثير رجل واحد هو الشيخ حسن البنا، سارت الجماهير في مظاهرة، فمن السهل جدًا عليه أن يؤثر في فرد واحد مثلي.

وقد أخبرني عبد السميع الغنيمي الذي استقال من جماعة الإخوان، أن سبب خروجه من الجماعة هو أن الأستاذ حسن البنا كان يفرض إرادته على مكتب الإرشاد العام فالشيخ حسن البنا لا يؤثر فقط على المحيط العام، وإنما يؤثر أيضًا على مكتب الإرشاد العام، وهو المكتب الذي يدير جميع الشعب ليس في مصر فقط بل في مختلف أنحاء العالم.

فكيف يكون تأثيره على "النظام الخاص" وهو الذي يرأسه؟!

القاتل متعب

وبعد أن ذكر المتهم تعليمات هيئة "النظام الخاص" وتعريف كل عضويه برقيم خاص، وبالحروف الأولى من اسمه. بدت عليه مظاهر الأعياء فسألته المحكمة عما إذا كان يرغب في الأفطار. فرفض واستطرد فقال: التدريب العسكري

كنت في الإسكندرية وعدت منها، واجتمعت بالأعضاء فقال لنا أحمد حجازي إننا سنذهب للتدريب على استعمال السلاح، وضرب لنا موعدًا عند ساعة محطة مصر الداخلية، وهناك التقينا بثلاثة أشخاص آخرين أحدهم يدعى عزت وهو من أعضاء الجوالة، والآخر يدعى زيتون وهو بالجيش، وذهبنا إلى عزبة "عين حصين" وهي تقع بين الإسماعيلية والسويس، وهناك استقبلنا شخص يدعى الحاج حسن، وكان ذلك يوم جمعة، ثم ذهبنا بعد الظهر إلى المنطقة الصحراوية، ودربنا على استعمال السلاح وكان بندقية "انفيلد" وبندقية "تومي" ومسدسًا؛ وقد أرشدت النيابة إلى هذا المكان، ووجدت هناك آثار الرصاص، وكان الذي يقوم بتدريبنا أحمد حجازي.

ومنذ ذلك الوقت حل أحمد قدري الحارتي محل أحمد حجازي في تدريبنا فانقطع اتصالي بأحمد حجازي ونظرًا لأن كل مجموعة مكونة من خمسة أشخاص فقد ضم إلينا أحمد الحارتي وآخر يدعى عبد الحليم محمد، ومحمد حنفي الأبيض وقد انفصل هو وعبدالحليم عن المجموعة بعد وقت قصير من انضمامهما.

ضرب أقسام البوليس

وحدث في هذه الفترة عقب عودتنا من "عين حصين" أن وقعت حوادث ضرب أقسام البوليس بالقنابل من أفراد النظام الخاص.

حقيبة بها جلا جانيت

وفي مرة ذهبت لمنزل طاهر عماد الدين فوجدت هناك أحمد قدري ومحمد نايل، ومحسن عبد المعطي وشخصًا ثالثًا كان في ذلك الوقت في السنة النهائية بكلية الزراعة، وكان يتدرب على المصارعة، ولا أعرف اسمه، وإنما أعتقد أنه يدعى "الفوال" وإذا عرض علي الآن سأعرف إن كان هو أم لا.

وكان مع أحمد الحارتي حقيبة بها نحو 50 أو 60 أصبعًا من مادة الجلاجانيت، وقد أعطاني أحمد الحارتي أحد هذه اللفافات، وأمرني بإلقائها على قسم مصر الجديدة، فرددت له هذه اللفافة.

قنابل في دواليب الطلبة

وقبيل ليلة عيد الميلاد في سنة 1946 ذهبت أنا وحسين عبد السميع إلى الجامعة، وكانت محاصرة، وتمكنا من تسلق سور كلية الزراعة، وقصدنا إلى الدواليب الخاصة، وأعطاني عبد السميع مفتاحًا لأحتفظ به، وفتح هو بمفتاح آخر أحد هذه الدواليب ونظر فيهم كما نظرت أنا أيضًا فشاهدت تسع أو عشر قنابل، ثم أغلق الدولاب وانصرف ونسي عبد السميع المفتاح معي.

ضرب نادي الاتحاد المصري الإنجليزي

وكان شخص اسمه محمود زناتي انضم إلى مجموعتنا عقب خروج محمد حنفي الأبيض، وطلب منا أن ندرس أماكن الجيش البريطاني ثم اجتمعنا في مساء يوم، وذهبنا إلى مصر الجديدة أنا ومحمود زناتي وقابلنا حسين عبد السميع، واجتمعنا في منزل طاهر عماد الدين، وكان يحمل حقيبة بها بعض قنابل، وأعطاني قنبلة من نوع "ميلز" كما أعطاني محمود السندي قنبلة من نفس النوع، وطلب إلينا أن نلقيها على أماكن الجيش البريطاني، وكان الأمر بإلقاء القنابل في الساعة العاشرة مساءً فألقينا قنبلة في نادي الاتحاد المصري الإنجليزي ثم رجع كل منا إلى منزله وفي صباح اليوم التالي سمعت أن حسين عبد السميع قبض عليه ومعه قنبلة.

الرأي العام الدولي

وكان الغرض من إلقاء هذه القنابل أشعار الرأي العام الدولي في أثناء عرض القضية المصرية على مجلس الأمن، أننا غاضبون من احتلال الجيش البريطاني لبلادنا، وأن عدم جلائه عن مصر سيؤدي إلى وقوع مثل هذه الحوادث:

ومضى المتهم فسرد كيف ذهب مع أعضاء مجموعته إلى جبل المقطم للتدرب مرة أخرى على استعمال السلاح، وكان ذهابهم في سيارة خاصة، ثم نصبوا خيمتهم في قلب الجبل، وانطلقت السيارة، ثم عادت في اليوم التالي تحمل مجموعة أخرى، وفيما هي عائدة ببعض أعضاء المجموعة الأولى –ولم يكن المتهم عبد المجيد من بينهم – تعطلت السيارة. فتركها السائق، ثم عاد إليها في اليوم التالي ومعه شخص قام بإصلاحها، وظلت تنقل الأعضاء إلى المدينة، ثم تعود بغيرهم.


جلسة 30 أغسطس: إدعاء مدني ضد النيابة

وفي هذه الجلسة وقف الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي –وزوج كريمة الشيخ حسن البنا وقال: "إني أتدخل في القضية، لا بصفتي محاميًا، فحسب، بل بصفتي الشخصية مدعيا ضد النيابة، وعبد المجيد أحمد حسن المتهم الأول، لثلاثة أسباب لاحقاق الحق، ووضع الأمور في نصابها وهي:

أولاً: إن مذكرة سعادة عبد الرحمن عمار بك جاء فيها لفظ جمعية الإخوان بدلاً من هيئة الإخوان مغالطة القانون وقال فيها إن من أغراضها الإرهاب والقتل، وهذا قذف في أعضاء هذه الهيئة الذين لم يدنهم القانون.

ثم جاءت النيابة واستخدمت نفس اللفظ وقالت إن المتهمين ينتمون إلى جمعية من وسائلها القتل.

ولما كانت هذه الوقائع تكذبها المستندات الرسمية، ورفعت فعلاً دعوى أمام مجلس الدولة فواجهتني الحكومة بمثل ما قاله المتهم فدحضت هذا الادعاء الباطل بالمستندات الرسمية حيث طلبت ضم ملفات القضايا في الحوادث التي تستند إليها الحكومة بشكل باطل فعارضت الحكومة في الضم ولكن المحكمة إحقاقًا للحق قررت ضم هذا الملف.

ثانيًا: إن النيابة والمتهم الأول يطعنان في هيئة الإخوان المسلمين. وهذا يعد قذفًا في أعضاء هذه الهيئة.

ثالثًا: إن المتهم يتعرض إلى المرحوم الشيخ حسن البنا، الذي مات ولم يسبق اتهامه أو إدانته فالقذف في حقه وهو ميت، فيه مساس بشرف العائلة التي أنا من أعضائها، إذ إن شرفي من شرفه وكرامتي من كرامته، وقد فديته بالروح في حادث اغتياله الأثيم.

والقانون يجيز التدخل في القضية إذا كانت هناك مصلحة، ولا يعقل أن يقذف في حق إنسان وينشر هذا القذف دون أن يعطي للمقذوف في حقه حق التدخل للدفاع عن نفسه، وأن قانون الأحكام العسكرية ليس فيه نص يمنع من التدخل. وقواعد القانون العام تجيزه.

رد النيابة

وعندئذ وقف الأستاذ محمد عبد السلام ممثل الاتهام وعارض في هذا الطلب وقال إنه لا يجوز قبوله في قضية معروضة على المحكمة العسكرية.

رفض الطلب

وبعد ذلك قررت المحكمة رفض الطلب.


المتهم يواصل اعترافاته

ثم أخذ المتهم الأول يواصل اعترافاته. وقد لوحظ أن أعصابه كنت هادئة، ونفسه مطمئنة، ويتمتع بذاكرة قوية، وكان يتكلم بصوت ثابت واضح دون أي تلعثم أو تردد.


جزائي الموت

قال: إبان عرض القضية المصرية على مجلس الأمن في يوليو سنة 1947، دعيت للذهاب إلى المركز العام للإخوان مع أفراد مجموعتي، وألقيت علينا هناك محاضرات. ثم حدث في شهر رمضان في صيف سنة 1947 أن حضر أحمد الحارتي إلى منزل أحمد علي كمال وصحبنا إلى جبل المقطم، حيث منطقة التدريب.

ومنها عدنا إلى الأهرام، وقد فهمت في ذلك الوقت أن الجعية تترصد جميع حركاتنا، وأفعالنا، وتحاسبنا حسابًا عسيرًا فما كنت أجرؤ على التبليغ عن الحوادث التي ارتكبتها الجمعية، لأنني كنت مراقبًا وكنت أعرف أن جزائي سيكون الموت.

وكان الشيخ حسن البنا، هو الذي يوجه نظام الجماعة الخاص ويحضر إلى شعبتنا في بعض الأحيان، ويلقى علينا محاضرات.


أسلحة وذخائر

وفي يناير 1948 كلفنا الذهاب إلى أحد الأماكن. على أن تقلنا إليه سيارة ولكن السيارة لم تأت، وحضر أحمد الحارتي إلينا وأبلغنا أنه قابل محمود الزناتي وكلفه أن يجيء بها في اليوم التالي.

وقد ضرب لي الحارتي موعدًا بعد ذلك بنحو أربعة أو خمسة أيام، وكان قد طلب مني أن أنتظره في شارع القبيسي بعد الظهر، فذهبت في هذا الموعد ووجدت مجموعة مكونة من خمسة أفراد، منهم شفيق أنس و محمود الشافعي، و كمال عبد الرحمن وآخر.

وجاءت بعد ذلك سيارة وذهبنا إلى جبل المقطم، وهناك استقبلنا السيد فايز، وكان مرتديًا بنطلونًا طويلاً كاكي اللون وقميصًا كاكي اللون أيضًا بنصف كم وقبعة تشبه قبعات جنود الجيش البريطاني ووجدنا في الجبل أسلحة وذخائر في بعض الخيام.

وقد تدربنا في الجبل على استخدام الأسلحة، وهي بنادق ومسدسات وقنابل وعدنا في سيارة، وعلمت بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أنه قبض على السيد فايز، ومعه أفراد يتدربون في الجبل على استعمال السلاح، ثم أفرج عنهم.


تحت سمع المحكمة

وهنا أحب أن أقول إن هذا التدريب كان تحت سمع الحكومة وبصرها فقد أطلقت سراحهم بعد يومين بدعوى أن هذا لا يخالف القانون، وأن هذه الأعمال التي يقوم بها الإخوان تتفق وتعاليم الإسلام.

وكنا ندرس النظام الخاص بجمعية الإخوان، في دراسات مختلفة؛ منها القانون وكنا نتعلم أن مثل هذه الأعمال لا تخالف الدين لأن هذا هو الجهاد. وقد ذهبت أنا وبعض الأفراد إلى منزل السيد فايز لتهنئته بالأفراح.


مشكلة فلسطين

وبعد ذلك بدأت مشكلة فلسطين تأخذ دورًا جديًّا. واعتقدت كما اعتقد جميع أفراد "النظام الخاص" أن وقت الجهاد الذي من أجله نعد وندرب، قد جاء وإننا سنرسل جميعًا إلى فلسطين للقتال هناك. ودليلي على هذا أن القيادة الخاصة بالجماعة العامة كانت تلقي ذلك صراحة في الخطابة وعلى صفحات الجرائد، بأن الإخوان سيرسلون 10 آلاف متطوع لفلسطين.


حرب العصابات

وكانت القيادة تبلغنا أن الوقت سيأتي قريبًا للجهاد، وأن الغرض من إعداد الفرق هو أن تجاهد في فلسطين. بعد تدريب أفرادها على استعمال السلاح، وليس السلام بمعناه فقط إنما كانت هناك اجراءات خاصة تتضمن دروسًا وتعليمات عن الدبابات واقتناصها وحرب العصابات وحقول الألغام وهذا للتدليل على أن هذا النظام الخاص لم ينشأ للاعتداء على أي فرد مصري وإنما التعليمات الكثيرة تقول لنا أننا سوف نحارب قوات الصهيونيين بفلسطين.


صهيونيون في مصر

وكانت القيادة دائمًا تماطل في كثرة طلبنا بالذهاب إلى فلسطين، والظاهر أن أفراد المجموعة قد فكروا في الخروج على النظام. ورغبوا في القتال في فلسطين، ولما شعرت القيادة بشدة الضغط عليها، قالت لنا إن الجهاد ليس مقصورًا على فلسطين، وإن الصهيونيين ليسوا فقط في فلسطين، إنما هم موجودون أيضًا داخل البلاد المصرية.

وأن على "النظام الخاص" أن يوجه إليهم نشاطه وجهاده.


الاستيلاء على سيارات اليهود

وقد ذهبت إلى منزل بدائرة المحمدي، بعد دخول الجيش المصري فلسطين بثلاثة أو أربعة أيام. وتعرفت هناك بشخص يدعى أحمد زكي. فقال لي إن النظام سيبدأ العمل. وإنك ستكلف بعمل ما تحت قيادتي ومسئوليتي. ثم أخذ يروي لي خطة الاستيلاء على سيارة من سيارات الأجرة التاكسي ويشترط أن يكون قائدها يهوديًّا.


حقنة سامة

فنتخلص منه ونستعمل السيارة في أغراض "النظام الخاص"، وذلك بأن يجلس بجوار السائق واحد منا، ويشترط فيه أن يعرف قيادة السيارات جيدًا، ومع هذا الشخصك حقنة سامة من اختراع "النظام الخاص" وسيجلس في المقعد الخلفي شخصان أو ثلاثة ثم نذهب بالسيارة إلى مكان متفق عليه، حيث يقبض الأشخاص الجالسون في الخلف على السائق. ويعطيه الجالس بجواره حقنة سامة.

ثم طلب إلي أحمد زكي أن ألتقي به في اليوم التالي بجوار كوبري الملك الصالح في الساعة الخامسة مساءً. وفي هذا الموعد جاء أحمد زكي في سيارة كان فيها شخصان، فاتجه أحدهما إلي، وهو أحد محمد كامل. وركبنا السيارة وذهبنا إلى مصر الجديدة وتجولنا بها ولم نوفق للعثور على أحد. وفي طريق الرجوع وقف أحمد زكي أمام "فيلا" بشارع الخليفة المأمون، وقد أرشدت عن هذا المنزل.


الجيش يدخل فلسطين

وفي مساء اليوم التالي ذهبنا إلى العباسية عند نهاية خط الترام، وجاء أحمد كامل، ومعه أحمد زكي وصافحاني، أخبرني أحمد زكي أن القيادة لم تنفذ الخطة ما دام الجيش المصري قد دخل فلسطين.


حادث شيكوريل

وفي شهر رمضان سنة 1948، وكان فيه غارات جوية كثيرة من الطائرات الصهيونية، تقرر أن نقوم بمهاجمة محال اليهود في مصر، ردًا على الغارات الجوية، وقد بدأت الحوادث ومنها حادث نسف محل شيكوريل، ففي يوم هذا الحادث ذهبت مع الإخوان إلى منزل المحمدي. فالتقيت بأحمد كمال، وأعطاني صندوقًا من الورق، وكان معنا علي الخشاب، وطلب إلى أحمد كمال، أن أذهب إلى ميدان فاروق، وأن أضغط على المشعل الخاص بهذا الصندوق عقب سماعي صوت انفجار شديد وأن هذا سيكون في الساعة العاشرة والنصف إلى الحادية عشرة ليلاً ولما سألته عن محتويات هذا الصندوق قال إنها منشورات ضد الصهيونية تبرر الانفجار الذي سيحدث.


الجندي يشتبه فيه

وقد ذهبت فعلاً إلى ميدان فاروق ولم أسمع صوت أي انفجار وحدث أن كان هنا في هذا المكان جندي بوليس خاص بالحراسة أمام المدرسة اليهودية فاشتبه في، ولكني أفلت منه وعدت حوالي الساعة الحادية عشرة، كما قال لي أحمد كمال، ولكني لم أجده في المكان المتفق عليه، وانتظرت مدة طويلة حتى حضر وأخذ الصندوق مني ورجعنا إلى منزل السيد فايز.

وعند رجوعي من منزل السيد فايز أطلقت الصفارات، منذرة بغارة جوية وفي اليوم التالي علمت أن انفجارًا حدث بمحل شيكوريل.

ولم أكن أعلم شيئًا عن هذا الانفجار. وإنما فوجئنا به، ولثقتي بأن الجماعة لا يمكن أن تأمر بعمل يخالف الإسلام، فما كنت أتردد في تنفيذ الأوامر لو كانت قد صدرت إلي قد عرضت علي في هذا التحقيق جندي يشبه الجندي الذي اشتبه في عندما كنت أقف بميدان فاروق.


ينضم وعمره 15 سنة

وأحب أن أقول أنني حين انضممت إلى جمعية الإخوان في سنة 1942 كان عمري 15سنة، وكان لهذا أثر في حماستي لدعوة الإخوان سواء في النظام الخاص أو النظام العام، والتفاني في تنفيذ الأوامر، خصوصًا أن هذه الجمعية كانت تضم أطباء ومحامين ومنهم من هو موجود في هذه الجلسة (ضحك).

وكنت كذلك ما أزال طالبًا ولم أكن خبيرًا بالحياة وبنفسية الناس. وفي صيفة سنة 1948 كنت أنا وأفراد المجموعة تتدارس المرحلة الثالثة "للنظام الخاص" وذلك في منزل أحمد كمال وقد ضبطت الكراسات التي أدينا فيها الامتحان في سيارة الجيب وقد اعترفت بأن هذه الكراسات لي إذ كان رقمي السري وهو "17" مدونًا عليها كما كان رقمًا عادل وطاهر عماد الدين مكتوبين على كراسات أخرى.

رئيس جديد

وقد ذهبت إلى منزل عادل كمال فقدم لي السيد فايز على أنه رئيس "النظام الخاص" وأبدى فايز بعض ملاحظات عن أحمد أفندي الحاج، ثم ذهبنا إلى منزل السيد فايز وكان ذلك قبل عيد الأضحى، وكان في المنزل جمال فوزي ومحمود كامل ومحمد أحمد ومحمود فرغلي وقال لنا السيد فايز أن جمال فوزي أصبح رئيسًا لنا، ولا صلة له بالمجموعات الأخرى، وأن هذه المجموعة أصبحت تتكون من محمود كامل ومحمد أحمد علي ومحمود حلمي فرغلي وأنا تحت رياسة جمال فوزي.


استراحة

وهنا كانت الساعة قد بلغت العاشرة والنصف فرفعت الجلسة للاستراحة ثم أعيدت في الساعة الحادية عشرة والثلث.

وعلى أثر عقد الجلسة وقف الأستاذ أحمد السادة المحامي عن المتهم الأول، وطلب ضم القضية رقم 3155 العطارين سنة 1948 إذ جاء فيها أن الدفاع تمسك بتبرير الجهاد، استنادًا إلى المادة 67 عقوبات. اعتقاد الحكمة

وقال رئيس الجلسة أنه لا يرى ضرورة لضم هذه القضية، لأن المعروف أن المحكمة تكون اعتقادها مما يجري في الجلسة.

وبعد مناقشة قصيرة وافقت المحكمة على ضم ملف هذه القضية ووضعه تحت تصرف الأستاذ السادة. ثم أخذ المتهم عبد المجيد يواصل أقواله فقال:


عزبة الإخوان المسلمين

أن جمال فوزي طلب إلينا أن نعرف منزله لأن الاجتماع الأول سيعقد فيه في أول يوم من عيد الأضحى فذهبنا إلى منزل جمال بالروضة، فقال لنا أننا سنذهب إلى رحلة تدريبية في اليوم الثالث من عيد الأضحى.

والتقينا في هذا الموعد بمحطة مصر، وركبنا القطار وسافرنا إلى الإسماعيلية ثم ركبنا من هناك سيارة أومنيبوس إلى بورسعيد.

ونزلينا عند الكيلو 16 أو 17. وهناك وجدنا عزبة تعرف باسم عزبة الإخوان المسلمين ويمتلكها شخص يدعى الشيخ فرغلي وهناك استقبلنا شخص يدعى أحمد حسنين. وقد كانت هناك مجموعة أخرى وأمرنا أن ننتظر في منطقة ممتلئة بالأشجار بجوار ترعة. فانتظرنا هناك إلى وقت الغروب. حتى انصرفت المجموعة التي كانت موجودة كما انصرف أحمد حسنين.


يعبرون الترعة ببراميل

وفي صباح اليوم التالي أي رابع أيام عيد الأضحى. عدنا إلى الترعة، وعبرناها بوساطة برملين مشدودين ببعض الحبال. ثم سرنا في الصحراء حوالي ثلاثة كيلو مترات وهناك تدربنا على استعمال السلاح، وقام بتدريبنا جمال فوزي، ورجعنا بعد الظهر في نفس اليوم. وركبنا قطارًا وصل إلى القاهرة حوالي الساعة الخامسة والنصف مساءً.

وصرنا بعد ذلك نجتمع في منزل جمال فوزي. وأذكر أنه في إحدى هذه الاجتماعات تلا علينا جمال أوراقًا مطبوعة على الآلة الكاتبة على ما أذكر وكانت تتضمن قصصًا وروايات حدثت في صدر الإسلام.


جواز قتل المسلم الخائن

ومما ذكره أن قتل المسلمين الذين يثبت أنهم يعاونون الأعداء مقرر في الشريعة الإسلامية في عهد سيدنا محمد وهنا يتضح أن هذه أول مرة يشير فيها "النظام الخاص" إلى تبرير قتل أحد من المسلمين؛ لأنه لم يكن معروفًا لدى جميع الأفراد أن من تعاليم هذا النظام شيئًا من هذا وكانت هذه أول مرة أسمع فيها مثل هذا الحديث، وبأن الإسلام يجيز قتل المسلم الخائن إذا ثبت ذلك.


محمد مالك

وقد عقد بعد ذلك اجتماع آخر في منزل جمال فوزي، وحضره شخص يدعى محمد مالك؛ وقدمه لنا جمال، وعرفه بنا قائلاً أنه سيكون العضو الخامس لنا في هذه المجموعة، كما أنه سيقوم بتدريبنا على قيادة السيارات البخارية، وعرض في هذا الاجتماع أن لابد لهذه المجموعة أن تجتمع في مكان بعيد عن الشبهة. ينضمون لجمعية الشبان المسلمين

واتفق على أن ننضم، نحن أعضاء هذه المجموعة إلى جمعية الشبان المسلمين خصوصًا أن مالك عضو قديم فيها، ومحمود كامل من مشتركيها عن طريق المصارعة.

ولقد اتفقنا كذلك على أن يعرف كل منا منازل الآخرين، حتى يمكن الاتصال بهم.


طالب وسيدة

وفي يوم 15 نوفمبر سنة 1948، كنت متفقًا مع جمال فوزي، على أن يقابلني عند محطة الدمرداش الساعة السادسة مساءً. وفي الساعة الخامسة إلا ربعًا جاءت إلى منزلي سيدة يصحبها شخص اسمه أحمد فؤاد، وهو طالب بكلية الآداب وسألني فؤاد عما إذا كنت قد رأيت طاهر عماد الدين، فأجبت بالنفي فقال أنه سمع أنه قد قبض عليه.

رقم 18 اعتقل


وقد ذهبت إلى محطة الدمرداش، وقابلت جمال فوزي وقال لي يجب أن نذهب سريعًا إلى منزل السيد فايز فأسرعنا إلى هناك فوجدنا أحمد زكي وعبد الرحمن السندي متعجلين فقلت لزكي ما حدث وأن رقم 18 قد قبض عليه فسألني عن اسمه فذكرته له.


يؤمر بالسفر لفلسطين

وكان جمال قد أطلعني على خطاب ورد إليه من المصلحة التي يعمل بها تأمره فيه بالسفر إلى فلسطين وعرض هذا الخطاب على الحاضرين وقال أنه سيقابل في الصباح مدير المصلحة ليعرف حقيقة الأمر، وأنه سيقابل أحمد زكي في اليوم التالي ليخبره عما تم في أمر سفره كما اتفقنا على أن نلتقي بأحمد زكي ومحمد مالك وفرغلي ومحمود كامل ومحمد أحمد علي في منزل مالك في الساعة الرابعة ولما عدت إلى منزلي علمت أن عادل كمال وطاهر عماد قد اعتقلا وهما في سيارة بها قنابل.


اعتقال شخص آخر

وفي اليوم التالي ذهبت حسب الموعد إلى منزل مالك بالسبتية والتقيت هناك بباقي الأفراد، وانتظرنا حضور أحمد زكي، وطال الانتظار فاقترح مالك أن نذهب إلى منزل عبدالرحمن السندي لأنه يعرف بيت أحمد زكي. وذهبنا إلى منزل السندي وهناك طلب إلينا مالك أن ننتظره حتى يعود، وذهب لمقابلته منفردًا. ثم عاد وأخبرنا أن أحمد زكي قد اعتقل.


في غرفة كرة المائدة

وبعد ذلك صرنا نجتمع إما في منزل مالك أو في مركز الشبان المسلمين ثلاث مرات أسبوعيًّا، في القاعة الخاصة بكرة المائدة، وهي فوق السطح. وقد اشترك فرغل في جمعية الشبان المسلمين أولا ثم يليه أنا، ويليني محمود أحمد ثم محمود كامل. وكتب فرغل اسمه في قائمة ألعاب القوى. يسافر إلى فلسطين

وحدد لي مالك موعدًا في منزل فرغل بالجيزة، وقد عرفت عندئذ أن جمال فوزي قد سافر إلى فلسطين يوم 16 نوفمبر سنة 1948.


زيد وعبيد

وقد حل أحمد قدري الحاتي محل جمال فوزي، واجتمعنا برياسته فقال لنا أنه قد ضبطت أشياء تخصه في سيارة "الجيب" وكان اسمه المستعار زيد، وأن اسمه الآن "عبيد" وكان اسمي المستعار "حسني" واسم مالك "ضياء" ولا أذكر بقية أسماء الأفراد المستعارة.


اعتقال الحارتي

وعلمنا بعد ذلك باعتقال الحارتي بسبب التحقيق في سيارة الجيب، كما قبض على السندي لصلته بشخص اسمه الحاج حسني.

وضرب لنا مالك موعدًا في منزله عند الغروب وحضر هذا الاجتماع شخص يدعى صلاح عبد المعطي، وهو الذي حل محل أحمد الحارتي.


الانتقام ممن حل الجمعية

وكان هذا الموعد يقع بين تاريخ 8 و 18 ديسمبر، أي بعد حل جمعية الإخوان، وقال لنا مالك أن "النظام الخاص" سينتقم ممن حل جمعية الإخوان في شخص النقراشي باشا أو عبدالرحمن عمار بك؛ لأنهما هما المسئولان عن حل الجمعية، ولقد انفرد صلاح عبد المعطي بفرغل ومالك ومحمد أحمد، وأسر إليهم بحديث لم أعرفه. صيغة إسلامية

وأحب أن أقول أن جميع من تولوا رياسة مجموعتنا كانوا يبدأون حديثهم بطريقة وصيغة إسلامية ذاكرين الرابطة التامة التي يجب أن تقوم بين الأفراد من حب وإخلاص وغير ذلك من الأحاديث التي يبرعون في إلقائها بصفتهم من الإخوان.


بدء تدبير جريمة الاغتيال

وفي صبيحة 18 ديسمبر سنة 1948 وكان يوم السبت حوالي الساعة السابعة والنصف جاء إلى منزلي محمد مالك وطلب إلي أن أذهب لمقابلة الضابط أحمد فؤاد بالعباسية، فسألته عن السبب فقال إن أحمد فؤاد سيخبرني به فذهبت إليه بمنزله ووجدته ببذلته الرسمية فأدخلني إلى حجرة في فناء المنزل وأعطاني ستة جنيهات وطلب إلي أن أشتري ثلاثة أمتار من القماش الصوف الأسود، الذي يصلح أن يكون بذلة رسمية لضابط بوليس، وأن أذهب بهذا القماش في الساعة الثانية عشرة إلى قهوة "أسترا" بميدان الإسماعيلية حيث أجد عاطف.

يختار لقتل النقراشي باشا

فسألته عن السبب، فقال لي أن الاختيار قد وقع علي لأن أرتدي بذلة رسمية لضابط بوليس. وأن أقتل النقراشي باشا وأن الخطة الموضوعة هي أن أعرف مقهى قريبًا من الوزارة به تليفون فيتصل بي شخص تليفونيًّا ويخبرني قبل موعد وصول النقراشي باشا يربع ساعة وعقب هذه المحادثة اذهب فورًا إلى فناء الوزارة وانتظر حتى يصل النقراشي باشا.

ثم رسم مبنى الوزارة والطريق الموصل إليها، والعناء الداخلي وما فيه من طرقات، والطريق الذي يمر منه النقراشي باشا.

ثم أعطاني جنيهين لشراء حذاء أسود وأزرار ونجوم للسترة العسكرية. فذهبت إلى الحي الموجود فيه الوزارة وعرفت المقهى واسمه مقهى الأعلام، وبه تليفون رقم 49066.

ثم ذهبت إلى محل النجار واشتريت منه القماش، واشتريت الأزرار والنجوم من محل الصبان بالموسكي، ثم ذهبت إلى محل أسترا في الساعة الثانية عشرة فوجدت هناك عاطف.


إلى حانوت الترزي

وبعد أن رأى عاطف القماش، قال لي أنه يصلح. ثم غاب قليلاً وعاد وطلب إلي أن أتبعه عن بعد وسار حتى محطة باب اللوق وهناك التقى بشخص كان يرتدي قميصًا وبنطلونًا وسارا معًا وأن أتبعهما حتى دخلا في دكان بشارع خيرت وانتظرت ثم خرج من هذا الدكان عاطف وشخص آخر يرتدي بذلة كاملة وسارا في اتجاه السيدة زينب،

وهناك في الشارع الموصل لجبل طولون اتجها إلى شارع جهة اليسار عند سينما إيزيس ثم دخلا دكانًا. فانتظرت بعيدًا حتى جاء إلي عاطف وقادني إلى دكان آخر يقع في نفس البيت الذي فيه الدكان الأول وكان هذا الدكان لترزي، ثم جاء بعد ذلك عبد العزيز البقلي وأخذ مقاسي.

وكتب عاطف المقاس، وسلمت البقلي الأزرار والنجوم، واتفق معي على أن تكون البروفة الأولى في دكانه في مساء نفس اليوم، وكان الدكان الأول هو دكان أحمد البقلي، وأنا لم أعرف الشخص الذي كان مع عاطف لأني لم أر وجهه، ولا أستطيع أن أقول أنه كمال عبدالعزيز (وهو أحد المتهمين) أم غيره.


البروفة الأولى

وقد علمت البروفة الأولى للبذلة في هذا المساء، وقال لي البقلي أن البروفة الثانية ستكون في اليوم التالي وكان يوم الأحد 19 ديسمبر بمنزله وأن نلتقي في ظهر هذا اليوم أمام السينما.

وقد ذهبت إلى منزلي الضابط أحمد فؤاد وأخبرته بكل شيء فطلب إلي أن أذهب إلى قهوة الأعلام في صباح الأحد لأن شخصًا سيطلبني بالتليفون على سبيل التجربة على أن نلتقي في مساء ذلك اليوم أمام دار الحكمة بمحطة الترام بشارع قصر العيني وفعلاً ذهبت إلى قهوة الأعلام في صباح يوم الأحد وطلبني شخص بالتليفون ثم خرجت وسرت في تجاه وزارة الداخلية،

فقابلت محمود كامل ومحمد أحمد جالسين في المقهى الواقع أمام وزارة الداخلية فجلست معهما وعقب ذلك مر الركب الخاص بدولة النقراشي باشا، فسألتهما عن سبب مجيئهما إلى هذا المقهى فقالا أنهما جاءا يراقبان ركب النقراشي باشا.

وفي مساء ذلك اليوم اشتريت حذاء أسود، ثم ذهبت في الموعد المحدد أمام دار الحكمة ومعي الحذاء وجاء الضابط أحمد فؤاد.

المحكمة تلفت نظره

وهنا لفتت المحكمة نظر المتهم إلى أنه لم يذكر واقعة عمل البروفة الثانية.

والدفاع يسجل

وهنا وقف الأستاذ أحمد حسين، وطلب تسجيل أن المحكمة لفتت نظر المتهم إلى واقعة معينة كان قد نسيها.. وقال أنه باسمه واسم الدفاع لن يناقش المتهم، وإنما يطلب تسجيل ما حدث.

وقال رئيس المحكمة أن هذا قد سجل فعلاً في محضر الجلسة.


عودة إلى الاعترافات

واستأنف المتهم اعترافاته فقال:

في ظهر ذلك اليوم قبل مقابلتي لأحمد فؤاد التقيت أمام سينما إيزيس بالترزي أحمد البقلي وكان يحمل البدلة على يده مفصلة، وسرنا حوالي عشر دقائق، ودخلنا منزله وهذا المنزل مشيد على هضبة تقوم على التلال ولما سألته عما سيقوله للعمال عن هذه البدلة، قال إنه سيخبرهم أنها لأحد الضباط المتخرجين حديثًا وأنه مسافر ومحتاج إليها سريعًا.

وهناك تمت البروفة الثانية بحضور أحد الأشخاص وقال البقلي أنه سيعمل جهده في انهاء البذلة في مساء هذا اليوم.


مشروعية قتل النقراشي

وفي المساء التقيت بالضابط أحمد فؤاد أمام دار الحكمة وكان معي الحذاء.

وذهبنا إلى منزل عاطف بالمنيرة؛ فوجدنا السيد فايز وجلال عبد الحليم وفي أثناء اجتماعنا جاء الشيخ سيد سابق، وقدمه لنا عاطف، على أنه سيفتي لنا بمشروعية قتل النقراشي. وقيل لي إن جلال سيساعدني في هذه المهمة، بأن يرتدي الزي الخاص بالكونستبلات.


يحمل روح شهيد

وقد بدأ الشيخ سابق حديثه بأنه قد انضم إلى جمعيات وأحزاب كثيرة فلم يجد غير جمعية الإخوان هي التي تعمل للإسلام والوطنية وقص على قصة حدثت عندما كان مع متطوعي الإخوان في فلسطين وهي أنه كان مجتمعًا معهم في اليوم يسابق لهجومهم على مستعمرة دير البلح فروى له متطوع أنه حلم أنه يحمل سلة بها روح عبد الرحمن عبد الخالق على باب الجنة فأخذ منه السلة ولما هم الدخول الجنة منع لأن وقته لم يحن. وقد استشهد عبدالرحمن بعد ذلك الحلم بوقت قصير في معركة دير البلح.

واستمر عبد المجيد يروي ما كان يقوله الشيخ سابق من أحديث دينية وتعاليم الإسلام وقصص دينية تاريخية.

هل فتش منزله

وهنا سأل عبد المجيد، الرئيس عما إذا كان منزله قد فتش، فطلب إليه الرئيس أن يستمر في أقواله فقال لأنه طبعًا سيثبت وجود كل هذه الكتب والمؤلفات الدينية. وأنه شخصيًّا ضعيف المعلومات في المسائل الدينية؛ لأنه لم يلتحق بالأزهر.


واستطرد المتهم في حديثه فقال:

يعاونه على الهرب

أما بخصوص ماجد على الخطة فهو أن جلال يجلس في قهوة في الطريق بين قهوة الأعلام ووزارة الداخلية، حتى إذا تلقيت المكالمة التليفونية اتجهت إلى الوزارة فيراني فيتبعني، حتى إذا تم الحادث، ونجحت الخطة: أسرع ليعاونني على الهرب، وإذا وجد أنني لم أنجح عمل هو على إنجاح خطتنا.

وعقب انتهاء هذا الاجتماع عدت أنا وعبدالحليم في سيارة أجرة إلى شبرا وأرشدني إلى شقة في منزل هناك وطلب إلي في أثناء عودتنا أن أظل متيقظًا طول الليل أذكر الله وأصلي، ثم نزلت في السيارة وعدت إلى منزلي.

وفي صبيحة اليوم التالي وهو يوم 20 ديسمبر، ذهبت إلى منزل شبرا الذي أرشدني إليه عبد الحليم، وهناك وجدته ووجدت الضابط أحمد فؤاد وجلال.

ورأيت السترة الخاصة بجلال، وهي سترة كونستابل، والسترة العسكرية الخاصة بي، وارتدينا السترتين تحت إشراف الضابط أحمد فؤاد، وقد صلى بنا أحمد فؤاد إمامًا، وهي صلاة الاستشهاد. وأعطاني أحمد فؤاد مسدس (برتا) كما أعطى جلال مسدس (كورت) وأعاد علينا الخطة. ثم أمرنا بالذهاب لتنفيذها. وكان أن ذهبت إلى قهوة الأعلام، وذهب جلال إلى القهوة التي على الناصية أمام وزارة الداخلية وحدثت مكاملة تليفونية في ذلك اليوم ودخلت الوزارة وانتظرت هناك مدة طويلة، ولم يحضر دولة النقراشي باشا فخرجت ووجدت جلال لا يزال جالسًا في المقهى: ثم انصرفنا وركب هو الأتوبيس رقم 5 وركبت أن الترام إلى شبرا. وأحب أن أذكر أنه في أثناء دخولي الوزارة في ذلك اليوم رأيت محمود فرغل ورآني وعندما عدت إلى منزل شبرا وكان معي مفتاح للشقة كما كان مع جلال مفتاح آخر، فلم أجد بالشقة أحدا، ووجدت الملابس الخاصة بالكونستابل هناك، فقلت يمكن جلال سبقني بالحضور وخلع ملابسه وعندما ارتديت ملابسي العادية، لم أجد بعض الأوراق الخاصة بي ومنها التذكرة الشخصية والأبونية فذهبت إلى منزل عبد الحليم بشبرا أيضًا فعلمت أنه ترك المنزل.


على سبيل التجربة

وفي نفس هذا اليوم التقيت بالضابط أحمد فؤاد بمنزله وذكرت له ما حدث، وأعطيته مفتاح منزل شبرا ثم ذهبت إلى جمعية الشبان المسلمين فقابلت فيها فرغل وأخبرني بأن النقراشي باشا يذهب إلى الوزارة في أيام الأحد والثلاثاء والخميس. وقال لي أيضًا كيف أكلف بعمل،

وهناك آخر مكلف بنفس هذا العمل أي إن محمود فرغل كان مكلفًا من قبل النظام الخاص بقتل النقراشي باشا وعند ذلك فهمت أنهم كلفوني بالذهاب إلى الوزارة في ذلك اليوم على سبيل التجربة ولا أعلم لماذا لم يقم خلفي جلال، وهل كان مكلفًا فقط بمراقبتي أم ماذا.

وفي المساء قابلت أحمد فؤاد وأخبرته بما حدث بيني وبين فرغل فقال لي إنه سيلغي مأمورية فرغل، ثم ذهبنا معًا إلى مستشفى الدمرداش، وهناك تقابل مع شخصين عرفت أحدهما، وهو أحمد شكري من شعبة العباسية، وأعتقد أن جلوس هذين الشخصين وآخرين غيرهما كان لمراقبة ركب النقراشي باشا، وطلب إلى أحمد فؤاد أن أقابله في يوم الثلاثاء 21 ديسمبر وفي الموعد المحدد التقينا في منزل شبرا ومعنا جلال يس. وارتدى كل منا سترته العسكرية وأدينا الصلاة.

ثم انصرفت أنا إلى قهوة الأعلام وذهب جلال إلى القهوة الأخرى، وانتظرت مدة طويلة ولم تحدث المكاملة التليفونية في هذا اليوم فانصرفت من القهوة وذهبت إلى جلال فوجدته قد انصرف هو أيضًا وركب تاكسي عبر به الشارع أمامي فذهبت إلى شبرا وكان جلال هناك ومعه آخر لا أعرفه وهناك خلع كل منا ثيابه العسكرية، واتفقت مع جلال على المقابلة في ميدان فاروق. وكان جلال يشكو من مغص كلوي ينتابه بين وقت وآخر. ولما ركبنا الأتوبيس انتابه المغص.


الركب يغير طريقه

وبعد الظهر ذهبت إلى منزل أحمد فؤاد فوجدته هناك فأطلعته عما تم وأخبرته بأن جلال سيأتي في الموعد المحدد في ميدان فاروق، ثم ذهبت أنا وأحمد فؤاد إلى الميدان، وانتظرنا جلال، قد تأخر عن موعده قليلاً، واعتذر بأنه راحت عليه نومة، وطلب منا أحمد فؤاد أن نلتقي به أمام دار الحكمة في المساء، فذهبنا إلى ميدان الإسماعيلية.

وجلسنا في قهوة إيزافيتش، وعندما اقترب الموعد ركبنا الترام وقد كان الضابط أحمد فؤاد في نفس هذا الترام وذهبنا جميعًا إلى منزل عاطف

–وكان قد أخبرني جلال بأن والده مريض، وأنه يريد أن يسافر ليراه، وقال أنه يريد أن يأخذ إذنًا بذلك من القيادة- وكان هناك السيد فايز، ودار الحديث عما حدث في ذلك اليوم، كما علمت أن السبب في عدم المكالمة التليفونية هو أن الركب قد غير طريقه، واتفقنا على أن نلتقي في مساء الأربعاء 22 ديسمبر، لكي يبلغونا الأمر بالتنفيذ يوم الخميس أو عدم التنفيذ.

جلسة 31 أغسطس: القاتل يواصل اعترافه

واصل القاتل اعترافاته في هذه الجلسة فقال:

عقدنا يوم الأربعاء اجتماعًا في منزل عاطف حضره أحمد فؤاد، والسيد فايز، ولم يحضر جلال ليعلم إذا كان هناك تنفيذ يوم الخميس أو عدمه، حتى إذا لم يكن هناك تنفيذ فإنه يسافر فيرجع مساء السبت التالي ليكون التنفيذ في يوم الأحد.

مهدد بالقتل

ولما أخبرت في الاجتماع بأنه لا يوجد تنفيذ يوم الخميس، استفسرت عن السبب فقال أحمد فؤاد أن الأستاذ حسن البنا مهدد بالقتل، إذا قتل النقراشي باشا.

مهاجمة منزل النقراشي باشا

وبهذه المناسبة أذكر أنه في الفترة التي بين المقابلة التي حضرها صلاح عبد المعطي في منزل مالك، وبين يوم السبت 18 ديسمبر عقد اجتماع في جمعية الشبان المسلمين حضره جميع أفراد المجموعة، وتحدثنا خلاله عما ستتخذه الجمعية إزاء حلها.

فقال أحدهم يجب مهاجمة منزل النقراشي باشا، لكي نصل إليه.الشيخ البنا غير موافق

وقد أجاب محمد مالك بأن الأستاذ حسن البنا، غير موافق على هذه الخطة وأنه لا يريد أن يضحي بأكثر من فرد واحد في هذا الحادث، وذلك لأن باقي أفراد النظام الخاص سيكلفون بأعمال أخرى.

وأحب أن أقول إن الاجتماعات الخاصة في الحادث كانت تجرى يوميًّا وكنت على اتصال لا ينقطع بأفراد النظام الخاص، وكانوا جميعًا يحبذون الحادث، ويحرضونني عليه، مستندين في ذلك إلى أسباب،

وهي حل الجماعة، وما يلاقيه الإخوان من تعنت الحكومة، وضياع فلسطين بسبب الهدنة وما ترتب عليها، وكذلك مشكلة السودان لا تذكر فقط من أفراد النظام الخاص، بل كانت تنشر على صفحات الجرائد والمجلات، وهذا أيضًا مما زاد التأثير علينا.

القلب في منتصف الصدر

ولقد قال عاطف في اجتماع يوم الأحد 19 ديسمبر، عند انصرافه، أنني إذا قبض علي وسئلت عن مصدر السترة العسكرية والمسدس فأقول "أنا جبتهم من مطرح ما جبتهم".

كما قال إنني عند توجيه المسدس لإطلاق الرصاص أن يكون هذا التوجيه في منتصف الصدر، لأن القلب في الحقيقة موجود في المنتصف.

تغيير الخطة

وعقد اجتماع في يوم السبت مساء بمنزل عاطف لمعرفة هل التنفيذ سيكون في يوم الأحد أم لا، وحضر هذا الاجتماع شفيق أنس وصلاح عبد المعطي وأحمد فؤاد ولست متأكدًا إذا كان السيد فايز قد حضره أم لا. وعلمت أنه قد حدث تغيير في الخطة، وأنه سيعاونني شفيق أنس،

فيرتدي زكي كونستابل ويلبس محمود كامل زي سائق بوليس. ويجلسان في قهوة في الطريق بين قهوة الأعلام ووزارة الداخلية، حتى إذا مررت بهما تبعاني إلى الداخلية، وعند إطلاقي الرصاص يحضران مسرعين فإن وجدا أن الجريمة قد ارتكبت فعلاً، ساعداني على الهرب وإن وجدا أنها لم تتم قاما هما بإتمامها. قنابل فسفورية

وقد طلب أحمد فؤاد من صلاح عبد المعطي إحضار قنبلة دخان لاستخدامها عند الهرب فأخبره صلاح بأنه لا توجد هذه القنبلة، بل توجد قنابل فسفورية تنتج سحابة كثيفة من الدخان، فطلب منه إحضار عدد من هذه القنابل.

ضابط وكونستابل وسائق

وفي يوم الأحد السابق ليوم الحادث بيومين، أي يوم 26 ديسمبر، ذهبت في الصباح إلى منزل شبرا، وحضر محمود كامل.

وشفيق أنس وأحمد فؤاد وارتدى كل منا بدلته فارتديت أنا بدلة ضابط وارتدى شفيق بدلة كونستابل، ومحمود كامل بدلة سائق سيارة، وكان ذلك تحت إشراف الضابط أحمد فؤاد، وأعطاني مسدس "برتا"، وأعطى كامل مسدس "برتا" أيضًا، وسلم شفيق مسدس "كورت" كما أعطاه قنبلة، ولا أذكر إن كانت فسفورية أم "برتا" إيطالية.

يختبر الأسلحة

وقد كان موجودًا بالمنزل هذان النوعان، ولقد اختبر أحمد فؤاد صلاحية هذه الأسلحة جميعًا بنفسه. وعقب ذلك، انصرفنا نحن الثلاثة وركبنا سيارة تاكسي ونزلنا بالقرب من ميدان الأزهار وهناك افترقت أنا عن أنس وكامل وذهبت إلى قهوة الأعلام، على أن يجلس أنس وكامل في قهوة في طريق الوزارة وانتظرت مدة طويلة،

ولم أتلق إخطارًا فذهبت إلى الداخلية إلى القهوة حتى يستطيع أنس وكامل أن يرياني ثم رجعت بمفردي إلى منزل شبرا ولحق بي بعد ذلك أنس وكامل ارتدى كل منا ملابسه المدنية واتفقنا على أن يقيم محمود كامل في منزل خاله بشبراء ووصف لي هذا المنزل على أن أتصل به فيه إذا وجد في الأمر شيء.

وذهبت أنا وأنس إلى منزل أحمد فؤاد، وقد كان موجودًا فيه لأن موعد ورديته بالمطار في هذا الأسبوع يبدأ من بعد الظهر فيكون في المنزل الساعة 9 مساءً أما في الأسبوع السابق فكانت الوردية صباحًا. وقصصنا ما حدث في هذا اليوم على الضابط أحمد فؤاد فحدد لنا موعدًا في يوم الاثنين مساءً بمنزله عقب عودته من عمله على أن أقوم أنا بابلاغ كامل بهذا الاجتماع.

وفي يوم الاثنين عند الغروب تقريبًا ذهبت إلى منزل كامل بشبرا، وكان نازلاً على السلم، ولما لقيني عدنا ثانيًا إلى شقة خاله، حيث أخبرته عن موعد الاجتماع، ومكثت عنده مدة طويلة، ثم انصرفنا معًا في نحو الساعة 8 مساءً ونظرًا لسعة الوقت بين الثامنة والتاسعة، فقد ذهبنا إلى منزل أحمد فؤاد سيرا على الأقدام.

دم السائق على سترته

فروى لي كامل أنه لم يكن يعتقد أنه سيكلف بعمل، رغم إنه قد كلف بعملين في الأسبوع الماضي؛ فلما سألته عن هذين العملين، قال إنه قد حاول الاستيلاء على سيارتي أجرة، وأن إحدى هاتين الحادثتين قد تمت في الروضة، وأن السائق قد نزف دمًا من أنفه ولوث هذا الدم سترته، فذهب إلى منزله بدرب القرودي بالسيدة، وعبر الكوبري المجاور لقصر العيني.

ولما سألته عن مصير السيارتين قال إنهم لم ينجحوا في الحصول عليهما ذاكرًا بالتفصيل أن في الحادث الذي وقع بمنطقة الروضة حدث من سائق السيارة بعض المقاومة فنتج عنها تحطيم جزء هام بالسيارة، وحاول شفيق أنس إصلاحه.

غير أنه لم يتمكن فتركوها وانصرفوا.يراه ببدلة الكونستابل

كما قال أن أحد أقاربه شاهده في يوم الأحد، وهو يرتدي الزي العسكري وأن هذا القرب ذهب إلى منزل كامل –واستفسر عما إذا كان قد التحق بمدرسة الكونستبلات فنفوا له ذلك، قائلين أنه طالب بكلية الحقوق فرد قريبه قائلاً إنه رآه بعينه. وأن لحاقه بقسم الكونستبلات شيء لا يشينه، فلا داعي للإخفاء فأكدوا له أنه بكلية الحقوق.

التنفيذ غدًا

ثم وصلنا عقب هذا إلى منزل الضابط فؤاد، وهناك اجتمعنا في غرفة بالفناء الداخلي وحضر هذا الاجتماع أنس، وكامل، والسيد فايز، وأحمد فؤاد وأنا.

وقد أمرونا بالتنفيذ غدًا. وفي صبيحة اليوم التالي، أي في يوم الثلاثاء 28 ديسمبر، ذهبت إلى منزل شبرا وهناك جاء محمود كامل، وأنس، والضابط فؤاد وارتدى كل منا الملابس العسكرية الخاصة به، كما أعطانا أحمد فؤاد السلاح، وانصرف أنس وكامل معًا، وانصرفت –أنا- منفردًا، وذهبت إلى قهوة الأعلام. وحوالي الساعة العاشرة إلا عشر دقائق، كلمني فؤاد تليفونيًّا، وكان سبق أن قال أنه سيتحدث بنفسه في هذه المرة للتأكيد.

القتل جزاء من يفشي السر

فذهبت لوزارة الداخلية، وكنت بين أمرين، إما أن أمتنع عن التنفيذ، وهذا لا يمكن إذ إن في "البيعة" أن من يفشي سرًّا عن قصد أو عن غير قصد فجزاؤه القتل، كما يكون جزائي لو خرجت عن طاعة الجمعية وأعلنت العصيان عليها.

مكلفون بأعمال أخرى

وأكثر من ذلك أنني كنت لا أستطيع التردد، إذ كما علمت من الحديث الذي قاله مالك بمركز الشبان المسلمين من أن باقي أفراد "النظام الخاص" مكلفون بأعمال ستكون عقب هذا الحادث مباشرة بلا شك وأن "النظام الخاص" يترصد جميع حركاتي وسكناتي بأشخاص لا أعرفهم حتى إذا تم التنفيذ الجريمة انطلقوا هم لتنفيذ بقية أغراض "النظام الخاص".

القتل لعدم فشل الخطط

ومعنى هذا أن جميع أعمال "النظام الخاص" تتوقف على نجاح هذا العمل وأن أي تردد مني سيؤدي إلى فشل جميع خطط النظام الخاص، فلا يبعد أن يكون هناك أفراد يراقبوني حتى إذا بدر مني هذا التردد سارعوا إلى القضاء علي حتى لا تفشل هذه الخطط.

كان يجب تنفيذ الجريمة

وإزاء هذه الحالة التي لا يمكن معها العصيان أو التردد، كان علي أن أنفذ الأمر الثاني، وهو ارتكاب هذا الحادث، وبالأخص أنني فهمت أن ارتكابه مشروع، وأني إذا قتلت في هذا الحادث فسأكون شهيدًا.

وسرت إلى وزارة الداخلية وأنا مسلوب الإرادة تمامًا، في تنفيذ هذا العمل، وكان لابد أن يراني أنس وكامل في طريقي إلى وزارة الداخلية لكي يتبعاني إلى هناك.

فذهبت إلى الفناء الداخلي، ووقفت بجوار الممر الأول على يسار الداخل كل هذا وأنا أعتقد تمامًا أن هناك من يرصد حركاتي وسكناتي.

قدوم النقراشي باشا

وعقب وقوفي بحوالي أربع دقائق، حدث هرج في الصالة لإبعاد الموجودين بها، ففهمت من هذا أن النقراشي باشا قد قرب حضوره.

ثم حضر وكنت واضعًا يدي في الجيب، الذي فيه المسدس، وهو الجيب الأيمن في البنطلون، فمر من أمامي وكان خلفه مباشرة الضابط خيرت بك، ولما أخرجت المسدس؛ ولم يكن النقراشي باشا ظاهرًا،

تقدمت إلى الأمام خطوة أو خطوتين حتى لا يصيب الرصاص أحدًا من رجال الحرس وعندئذ وجدت دولة النقراشي باشا ظاهرًا أمامي على بعد خمس خطوات فأطلقت الرصاص ولم أدر هل أصيب أم لا، ولم أره يقع على الأرض، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي أطلق فيها الرصاص بتوجيه وليس بالنشان،

إذ يجب للنشان كما تعلمنا أن يمد الضارب يده بكامل امتدادها وأن يجعل "نمل الدبانة" في منتصف الهدف الذي يقصده.

لم أعتقد أن الرصاص أصابه

أما أنا فقد كانت يدي مثنية، ولذلك لم أكن أعتقد أن الرصاص قد جاء فعلا فيه حتى أني استفسرت عن ذلك من سعادة النائب العام، عندما بدأ يأخذ أقوالي، فقد أطلقت على المرحوم النقراشي باشا رصاصتين، وكنت في منتصف الحرس، وقبضوا علي فوقعنا على الأرض وانطلقت، وأنا على الأرض رصاصتان على ما أذكر، وقد أخذوا مني المسدس وذهبوا بي إلى حجرة في نهاية الفناء الداخلي.

كنت مقصودًا بالطلقة

وقبل أن نصل إليها، شعرت أن شيئًا قد مرق بجانب أذني اليمنى، ولم يذكر في التحقيق على ألسنة رجال الحرس شيء عن هذه الرصاصة، فاعتقدت أنني قد أخطأت، وأن شيئًا لم يطلق علي، ولكن لما قالوا ذلك أمام المحكمة تأكدت أنه لابد أن تكون طلقة، وأنا المقصود بها.

هذه الحوادث ضد الصهيونيين

إن جميع الحوادث التي ارتكبها النظام الخاص، هي في الحقيقة ضد الصهيونيين، وكنت أعتقد أن كل هذا مشروع، وخاصة أن الجرائد والمجلات كانت تنشر في ذلك الحين تفصيلات كثيرة عما يرتكبه الصهيونيون بفلسطين مع العرب من تقتيل وتخريب وجرائم ضج لها العالم الإسلامي بأجمع، إلا حادثين اثنين أحدهما خاص بالقاء أصابع الجلاجنايت على أقسام البوليس.

حادث كوبري عباس

وأحب أن أقول إنه ربما كان هذا الحادث نتيجة لما حدث للطبة في حادث كوبري عباس في شهر فبراير سنة 1946، فقد كان كثيرون من طلبة الإخوان مشتركين فيه ومن بينهم أحمد الحارتي، وقد أصيب في رأسه ومكث عدة أيام في المستشفى، كما أصيب آخرون.

صباع جلاجنايت لا يؤثر

كما أريد أن أذكر أن صباعًا من الجلاجانيت مغلفًا بقطعة من الورق لن يصيب أحدًا بأي ضرر، وإنما كل الذي يحدث منه هو صوت شديد، فكان هذا الحادث بمثابة احتجاج على رجال البوليس.

حادث مقتل النقراشي باشا

أما الحادث الثاني فهو الخاص بقتل المرحوم النقراشي باشا.

وهنا سكت القاتل فسألته المحكمة قائلة.

ما تحبش تقول لنا حاجة كمان يا عبد المجيد؟

القاتل: أيوه لسه فيه حاجات.

ومضى فقال: ومن هذا يتضح للمحكمة أنني كنت أعتقد بمشروعية جميع الحوادث التي ارتكبتها هذه الجمعية. وبدأ التحقيق معي، فأنكرت، حسب تعليمات النظام الخاص، إن لي شركاء أو محرضين.

بيان الشيخ البنا

وقد أطلعني النائب العام، في أحد أيام التحقيق على بيان نشره الأستاذ حسن البنا نفى فيه أنه يعلم شيئًا عن هذه الجريمة، وأنه يبرأ منها ومن مرتكبيها مستندًا في ذلك إلى أحاديث وآيات، فعجبت كل العجب.

كما أني علمت أن هيئة كبار العلماء قد أصدرت بيانًا عن هذا الحادث. فاطلعت عليه، وعقب ذلك، أردت أن أعلن جميع أفراد النظام الخاص، بأنه قد غرر بنا جميعًا ولست أنا وحدي. وأن نفس التأثير الذي كان واقعًا علي كان أيضًا واقعًا عليهم، ولا أعلم إن كان هذا التأثير لا يزال عليهم إلى الآن أم لا.

لابد من موافقة الشيخ البنا

كما كنت أعتقد، بحسب تعاليم هذا "النظام الخاص" أن كل أمر يكلف بارتكابه أفراد نظامنا لابد أن يوافق عليه حسن البنا شخصيًّا بصفته القائد لهذا النظام.

الشيخ البنا هو المسئول الأول

فاعتقدت أن المسئول الأول عن جميع هذه الحوادث هو حسن البنا بشخصه، ولكني لا أملك عليه سوى أدلة سماعية فقط. وكان أن ذهبت إلى النائب العام، وقلت له أنني أريد أن أعترف، وقصصت عليه القصة الخاصة "بضياء" وكنت أقصد من ذلك أن تذاع هذه القصة فيعلم بها "النظام الخاص" ويمتنعوا عن ارتكاب أي حادث آخر. وذلك دون أن يقبض على أحد من هؤلاء الأفراد.

حادث نسف المحكمة

وهنا علمت من النائب العام أن حادثًا قد وقع أمس، وهو محاولة نسف محكمة الاستئناف، وأن الشخص الذي ضبط في هذا الحادث هو شفيق أنس.

يطلب نشر بيان

وعندئذ طلبت من النائب العام أن ينشر بيانًا في الصحف يقال فيه أن هناك من يغرر بالشباب عن طريق الدين. وذلك حتى لا تقع حوادث أخرى، وبعد هذا عرضوا علي كثيرًا من الأشخاص، لكي أعرف "ضياء" فوجدت أن هذا الاعتراف قد نتج عنه أن كثيرين قد قبض عليهم على اعتقاد أن منهم "ضياء".

حقيقة ضياء

فبدأت أفكر في أن أدلي إلى البوليس بحقيقة "ضياء"، والدور الذي قام به فعلاً بلا زيادة ولا نقصان، حتى يرجع الأفراد المقبوض عليهم إلى ذويهم فأمنع شقاء العائلات.

الترزي يعترف

وفي الوقت نفسه كانوا قد عرضوا علي، أحمد البقلي، الترزي، وقالوا لي إنه قد اعترف أنه هو الشخص الذي قام بتفصيل البدلة العسكرية، وعندئذ عجبت للأمر،

إذ اعتقدت أنه كان من الأولى أن أعرض عليه أنا فيتعرف علي، ولما ووجه بي أدلى ببيانات كثيرة لا تطاق الحقيقة، وعندئذ اجتمع سببان قويان: الأول إظهار الحقيقة كاملة بشأن الترزي البقلي. والثاني بخصوص الشخص الذي يدعى "ضياء" حتى تعود الطمأنينة إلى النفوس.

ينكرون...

وكان أن أدليت بالأشياء التي تمسها كاملة مطابقة للحقيقة كما حدثت فعلاً، وكما كنت أعتقد أنه عند حضور هؤلاء الأفراد الذين قلت عنهم سيعترفون هم أيضًا لإظهار جزء من الحقيقة، فنستفيد جميعًا من ذلك فعرض على عاطف فتعرفت عليه، ولكنه أنكر، كما أنكر أحمد البقلي،

وانتظرت بعد ذلك حتى قبض على مالك فأنكر وكان في طول هذه المدة، لم يعرضوا على الضباط أحمد فؤاد، وكنت لا أعرف السبب، ولما أنكر مالك واجهته بالحقائق فاضطر أن يعترف ببعضها، ودخل في القضية بعد هذه المواجهة فرغل وكامل وجمال فوزي. وقد أنكروا جميعًا.

مازالوا مقتنعين

ولما علمت أن كل من أواجهه منهم ينكر هذه الحوادث، اعتقد أن أفراد الجمعية أي "النظام الخاص" مازالوا مقتنعين بصحة الجريمة التي اقترفتها، وعندئذ ذكرت في التحقيق السيد فايز، حتى أضمن أنه عند القبض عليه، ونظرًا لمركزه في النظام الخاص، أنه لن يرتكب حوادث أخرى، وخاصة أن عبد الرحمن السندي، وأحمد الحارتي، وهما من أركان القيادة، مقبوض عليهما قبل ارتكاب هذا الحادث.

السيارة الجيب

وكذلك أنكر السيد فايز كل ما نسب إليه، ولكني كنت أعلم أنه ستضبط أشياء خاصة به في سيارة الجيب وأنه هذا سيحاكم بمقتضاها.

وسبق أن ذكرت أني كنت أعتقد أن المسئول الأول هو حسن البنا بشخصه فكان هذا سببًا في أني لم أذكر كل ما أعرفه عن السيد فايز.

ولما لم يعترف أحد منهم، ذكرت اسم الشيخ سيد سابق، إذ يدل هذا الجو من الإنكار من جميع الأعضاء على أنهم على اعتقاد بصحة الجريمة، فخشيت أن يفتي لغيري بارتكاب حوادث أخرى، وكان أن ذكرته في التحقيق وانتظرت بعد ذلك عسى أن يعترف أحد منهم، ولكني فوجئت في يوم من أيام شهر رمضان بقرار إتهام يصل إلي بسجن الأجانب.

وعندئذ ذهب مني كل أمل في أن يعترف أحد هؤلاء الأفراد، كما خشيت أنه لو قدمت القضية بهذه الصورة إلى المحاكمة فإن كثيرين من الذين اشتركوا فيها فعلاً سيكونون بالخارج، وأنه عقب صدور الحكم سيكون هذا أمانًا لهم، ويأخذون في ارتكاب حوادث أخرى. وخاصة أن جميع من تعرفت عليهم أنكروا، وعندئذ ذكرت أنا الحقيقة كاملة كما حدثت تمامًا.

اعتقال شاب في الجلسة

هو شقيق أحد المتهمين

وحدث أن اعتقل الملازم جمال عزب شابًا كان يحاول أن يدس ورقة في يد المتهم جلال الدين يس، وتبين أن هذا الشاب هو شقيقه ويدعى عادل يس، وقدمت الورقة لسعادة رئيس الجلسة فأمر باعتقال الشاب وإحالته إلى النيابة لتتولى التحقيق معه، وكانت هذه الورقة تتضمن بعض توجيهات وأقوال يفضي بها جلال.

وقد تولت النيابة التحقيق، وطلب الأستاذ أحمد فهمي رفعت اعتبار المسألة منتهية، إذ إن هذه الورقة كانت في الواقع مرسلة إليه بوصفه محامي المتهم جلال وأنه ليس في الأمر شيء غريب. ولكن المحكمة رأت أن تقوم النيابة بالتحقيق في الموضوع.

حادث سيارة الجيب

ثم سألت المحكمة القاتل عما إذا كان لديه أقوال أخرى فقال أنه لديه كلامًا عن حادث سيارة الجيب ذلك أنه كان قد طلب من المجموعة التي أنا أحد أعضائها مع طاهر عماد الدين وعادل كمال أن نبحث عن شقة يعقد فيها النظام الخاص اجتماعاته ويحفظ ما يخصه،

فاستأجر شقة بحي المحمدي تتكون من ثلاث غرف بالدور الأرضي وهو نفس الشقة التي ذكرت أنني قد اجتمعت فيها بأحمد قدري الحارثي، حينما عرفني بأحمد زكي والتي اجتمعت فيها مع أحمد عادل كمال عندما أعطاني صندوق الورق، وقد كان موجودًا على الخشاب، وذلك في اليوم الذي حدث فيه انفجار محل شيكوريل.

حادث شيكوريل

المحكمة: لتبحث النيابة عن تاريخ هذا الحادث بالضبط.

فوعد ممثلها بالبحث عنه.

واستطرد المتهم فقال: وكان ذلك في شهر رمضان، وعقب هذا الاجتماع كان قد مضى على استعمال هذه الشقة عدة شهور وكان موجودًا في إحدى غرفها الأشياء التي ضبطت بسيارة الجيب. كما كان يقيم في غرفة أخرى محمود الزناتي وهو عضو في المجموعة فأخلاها عقب انتهاء العام الدراسي، وكان يقيم بالغرفة الثالثة شخص آخر لا أعرف اسمه.

وقد طلب مني البحث عن مسكن آخر؛ لأن هذه الشقة قد استعملت مدة طويلة، وأن من نظام الجمعية ألا تستعمل شقة أكثر من خمسة أو ستة أشهر، وعلى هذا الأساس أبلغ أحمد عادل كمال صاحب الشقة أنه سيخليها بعد 15 يومًا ولكنه لم يجد شقة خالية، وكان يجب العزال،

فنقلت من محتويات هذه الشقة عددًا من الكراسي، وطقم قش وسلمتها للسيد فايز بمنزله، ولا أعلم أين قد نقل أحمد عادل كمال محتويات الغرفة الخاصة التي كانت بها الأشياء التي ضبطت في سيارة "الجيب".

كيف ضبطت السيارة

وقد علمت بعد ضبط سيارة الجيب في 15 نوفمبر سنة 1948 أن السبب في ضبطها هو أن السيارة كانت تنقل هذه الأشياء من مكان غير مأمون إلى مكان مأمون، ولكنه اتضح أن الشخص الذي كان سيأخذ هذه الأشياء ويحفظها في مسكنه، كان في نزاع مع صاحب البيت وأن هذا الأخير كان مخبرًا أو أن أحد أقربائه مخبر بقسم الوايلي.

وعند وقوف السيارة أمام باب المنزل ضبطها المخبر وقبض على من فيها، وقد علمت أن الأشياء التي ضبطت بها هي بعينها التي كانت في منزل المحمدي كما أخبرني بذلك علي الخشاب نفسه.

لا يفهم في السياسة

وسبق أن ذكرت أني كنت أتلقى أثناء وجودي عضوًا بجمعية الإخوان دروسًا دينية ودروسًا روحية، أما عن الدروس الدينية فقد كنت أسمعها دائمًا في المركز العام من الأستاذ المرشد العام، كان انضمامي لجمعية الإخوان المسلمين على أنها جمعية دينية فقط.

وقد انضممت إليها وعمري 15 سنة أي أنني كنت لا أدرك شيئًا في السياسة بل أن السياسة لم تظهر في محيط الإخوان فعلاً إلا في المدة الأخيرة.


دراسات روحية

أما عن الدراسات الروحية، فقد كنا نعقد مع الأستاذ حسن البنا اجتماعات ليلية ونبيت في المركز العام أو في إحدى الشعب إلى الصباح ويطلق على هذا الاجتماع "كتيبة" وكان يحدثنا فيها بنفسه. وقد حضرت أنا فعلاً عددًا من هذه الاجتماعات وكانت هذه الكتائب خاصة بالطلاب، كانت هناك كتائب أخرى خاصة بالعمال والموظفين لا يحضرها الطلاب، كما أني حضت كتيبة لشعبة حدائق القبة، وكان المحاضر فيها هو حسن البنا بنفسه.

شدة التأثير

ومن هذا تتضح شدة التأثير الذي كان واقعًا علينا. هذا التأثير الذي دام أثره إلى أن بدأت بالاعتراف، وهذا التأثير هو الذي جعلنا نرتكب كل الحوادث الخاصة بالنظام الخاص. وهناك أيضًا تأثير ثانٍ هو "البيعة" وتأثير ثالث هو اعتقادنا بمشروعة الأعمال التي قمنا بها.

وهنا انتهت اعترافات القاتل.

يرفض استجوابه

وبعد انتهى القاتل من اعترافاته، سألت المحكمة الدفاع عن جلال الدين ليس عما إذا كان لديه مانع من سماع أقوال موكله، فرفض أن يستجوب أو تسمع أقواله، وأصر على رفضه، على الرغم من أن موكله قد أبدى رغبته في الكلام.

ولقد أصر هذا المتهم على الكلام، فأسكتته المحكمة وطلبت إليه الجلوس إذ إن القانون العسكري يعتبر أن المتهمين غير موجودين، وأن محاميهم هم الحاضرون وحدهم، وكذلك تنص المادة 137 من قانون تحقيق الجنايات على أنه لا يجوز استجواب منهم إلا إذا طلب محاميه.

وعندئذ طلب الدفاع عن محمد مالك، أن تسمع أقواله فيما يتعلق بتعذيبه، فأذنت له المحكمة بالكلام وسمحت له بالجلوس على مقعد في حرمها، ومضى يروي ما حدث له قائلاً أنه لما قبض عليه في الإسكندرية جيء به إلى المحافظة، وقابل عبدالرحمن عمار بك، وكان مكبلاً بالحديد، وقال له عمار بك "أنت مش عارف أنا مين أنا عمار عدو الإخوان وسأقضي عليهم" ثم أدخلوه في حجرة وظل البوليس يضربه ضربًا شديدًا.

وقال الرئيس لمحامي المتهم إن هذا الكلام يمكن قوله في المرافعة. وأن المحكمة كانت تفهم أن له أهمية الآن لو أن مالك اعترف. ولكنه لم يعترف بشيء.

فرد الدكتور عزيز قائلاً إن تعذيبه أدى إلى اعتراف غيره.

فقال الرئيس: إنه لا يوجد أحد غير عبد المجيد وجلال قد اعترفا، وهما لم يقولا بحدوث تعذيب. يربطونه في الفلكة

وبعد مناقشة قصيرة سمحت المحكمة لمالك بالكلام فقال إن الضباط محمد علي صالح والعشري ومصطفى تركي كانوا يربطونه في "الفلكة" ويضربونه بالسياط وبالأيدي والأرجل ضربًا مبرحًا إلى أن أغمي عليه من قسوة الضرب.

يقابل رئيس الوزراء

وقابل مرة دولة إبراهيم بعد الهادي باشا فقال له دولته "إنت عارف حايصل لك آيه.. إنت لازم تعترف ولازم تقول كل حاجة قالها عبد المجيد" فأجاب مالك "أعترف على آيه أنا ماعملتش حاجة أعترف بها".

وعاد البوليس إلى وضعه في حجرة وانهالوا عليه ضربًا بالسياط وركلاً بالأقدام.

وواجهوه مرة بعبدالمجيد، وأخذ عبدالمجيد يوجه إليه الاتهامات.

المحكمة تقاطعه

وهنا قاطعته المحكمة قائلة إن كل ما قاله عبد المجيد عنه لا يعدو قوله له "روح قابل أحمد فؤاد" ثم قال الرئيس وأنت يا مالك سئلت ثلاث مرات.

فكان من الطبيعي أن تذكر للنائب العام هذا التعذيب.

وظل مالك يروي للمحكمة وسائل التعذيب، وكيف كانوا يعطونه رغيفًا بغير آدام مرة واحدة في كل 24 ساعة.

وكانوا يسبونه بألفاظ بذيئة، وأراد أن يذكر هذه الألفاظ فمنعته المحكمة قائلة أنها لا تسمح أبدًا بأن يقال مثل هذا الكلام في الجلسة، حرصًا على كرامة المحكمة ويكفي القول "ألفاظ بذيئة".

ثم ذكر واقعة وضعه في قسم الخليفة وحرمانه من الطعام ووضع القيد في يديه وقدميه، واقتياده إلى المحافظة وضرب الجنود له.

واستشهد بوالدته إذ إن ملابسه الملوثة بالدماء و"القيح" كانت ترسل إليها مع اللفافات لأن جراحه قد تقرحت وكيف كان البوليس يوهمه بأن والدته باعت أثاث منزلها لتعيش. وأن إخوته وأبناء عمه قبض عليهم وكل هذا للتأثير عليه ليعترف.

ثم قال المتهم أنه بعد أن ذكر في التحقيق حكاية جمعية الشبان المسلمين وذهابه إلى هناك، رفع الحديد من قدميه، وقدمت له الحلاوة الطحينية لأول مرة،

وذكر إضرابه عن الطعام وإصراره عن الإضراب حتى تعطى له جميع حقوقه وقال إنه يعرف أنه متهمًا بجريمة قتل كان يخرج من سجن الأجانب ويسمح له بالتنزه، فلماذا يعامل هو بمثل هذه المعاملة الشاذة القاسية.

ونايل أيضًا...

وبعد أن انتهى مالك من سرد حوادث تعذيبه وقف محمد نايل وطلب أن يذكر وقائع تعذيبه فسمحت له المحكمة بذلك فقال في أثناء وجودي في حجرة النيابة في انتظار التحقيق معي جاء الضابط توفيق السعيد وآخر، وسألاني عن وقائع معينة فلما أجبتهما بأني لا أعرف شيئًا من هذه الوقائع صفعاني على قفاي فاحتججت لدى المحقق على ذلك.

ومضى المتهم نايل يقول إنه طلب للنيابة مرة، ولكنهم اقتادوه إلى قسم عابدين، ثم صحبه الضابط كمال رمزي إلى المحافظة، وأخذه إلى مكتب الصاغ محمود طلعت، فسأله عما إذا كان يعرف شخصًا اسمه عبد الرحيم فلما أجابه نايل بالنفي قال له:

"إن لم تقل كل شيء الآن فستقوله بطريقة أخرى" ثم اقتاده إلى حجرة اللواء أحمد طلعت بك وهناك سمع منه ألفاظًا نابية، وتهديدًا بالإيذاء إذ لم يقل كل شيء، وإنه إذا لم يقل إنه أجر مع عبدالرحيم منزل شبرا.

وقال نايل أيضًا إنه اقتيد مرة لمقابلة دولة رئيس الوزراء، وهو مكبل بالحديد ولم يقل له دولته شيئًا في هذه المرة.

ملك الأفغان

وحدث عندما كان محمد نايل يتكلم عن تعذيبه أن استشهد بشخص قال عنه إنه كان موجودًا في المحافظة ورآه عندما كان البوليس يضربه وهذا الشخص اسمه "أمان الله خان".

فسألته المحكمة: تقصد ملك الأفغان أظن ده مات من زمان (ضحك).

فرد المتهم قائلاً يمكن أخوه (ضحك) وكانت له قضية.

النيابة تلفق

وقال المتهم أنه أرسل للنيابة خطابات كثيرة لتحميه من البوليس ولكنه كان دائمًا يعتقد أن النيابة ومعها البوليس تلفق التهم، وأن عمليات العرض، التي كانت تجريها النيابة كانت باطلة فقد سمح لشخص أن يجلس معه ساعة وبعد ذلك عرض عليه فتعرف عليه.

جلسة 3 سبتمبر: الدكتور عزيز فهمي يطلب سماع أقوال موكله فيما يتعلق بتعذيبه

وفي هذه الجلسة أثار الدكتور عزيز فهمي طلب سماع أقوال موكله فيما يتعلق بتعذيبه، فهناك وقائع تمس أعراض أسر المتهمين عدا ما اتخذ معهم من وسائل عنيفة لحملهم على الاعتراف. ولكن المحكمة رفضت إثارة هذا الموضوع مرة أخرى وقالت إنه إذا كانت هناك جرائم معينة فلتبلغ للنيابة. كان تحت التأثير

وعرض الأستاذ السادة على المحكمة رغبة موكله عبد المجيد حسن في الكلام فسألته المحكمة هل هناك وقائع أخرى يريد ذكرها، فأجانب بالنفي وكل ما يبغي قوله هو تحديد موقفه القانوني، وهو أن التأثير والإغراء كانا واقفين عليه من يوم 18 ديسمبر إلى يوم ارتكاب الجريمة.

أبيض وأسمر

وكان قد قيل في التحقيق أن الشخص الذي كان يصحب عبد العزيز البقلي وظن أن ه المتهم عاطف عطية حلمي أشد بياضًا من الأستاذ عصام الدين حسونة ومن الأستاذ صلاح عبد الحافظ المحمي، فطلب الأستاذ أبو شقة استدعاءهما.

فنودي الأستاذ عصام حسونة فلبى وحلف اليمين، ثم جيء بعاطف حلمي من القفص، ووقف إلى جانبه وتبين أن عاطف أشد بياضًا من الأستاذ عصام.

وهنا قال الدفاع إن الأستاذ عصام كان في الإسكندرية وقد لفحته الشمس فأصبحت المقارنة عديمة الجدوى واستغنى عنها.

كما تبين أن الأستاذ صلاح عبد الحافظ كان معتقلاً في "هايكستب" وبقي فيه ستة أشهر فلفحته شمس الصحراء أيضًا.

يستنكر القتل

ثم نودي محمود نفيس حمدي، وهو طالب بكلية الآداب، وكان معتقلاً في هايكستب، مع الشيخ سيد سابق، أحد المتهمين في القضية.

وبعد أن حلف اليمين، سأله الأستاذ مختار عبدالعليم المحامي عن الشيخ سيد سابق عن الخطب الدينية التي كان الشيخ سابق يلقيها في المعتقل عقب صلاة الجمعة وموضوعها.

فأجاب بأنه خطب ثلاث مرات وكان موضوع الخطب الأول الرضاء بقضاء الله.

وتناول في الثان حادث مقتل المرحوم الشيخ حسن البنا، فاستنكر قتله، وقال إن الإسلام يبرأ من الجريمة، وإنها تأتي في المرتبة الثانية بعد الشرك بالله، وتناول في الخطاب الثالث تفسير سورة "ق".

ثم أجاب الشاهد على سؤال الدفاع بأن الشيخ سيد سابق كان دائمًا يستنكر في أحاديثه العادية مع المعتقلين الجريمة مهما يكن الباعث عليها، وأنه سئل مرة عن رأي الإسلام في الاغتيال السياسي. فأجاب بأن هذا الاغتيال لا يختلف عن القتل العادي.

وهنا قال الرئيس للدفاع إن الإسلام أيضًا يأخذ بنظرية ال "OBJECTIVE" في الجريمة.

ثم سمعت المحكمة شهادة ترزي اسمه عبده أمين، استشهد به عبد العزيز البقلي، ومؤدى شهادته أن البقلي اشتغل عنده نحوًا من ست سنوات، ولا يقطع بما إذا كان البقلي يستطيع بمفرده تفصيل بذلة عسكرية أم لا.

وسمعت شهادة شاهد آخر ويدعى إبراهيم الغزولي وهو سائق سيارة ويسكن في المنزل الذي يقطنع محمود كامل، وقد قطع هذا الشاهد بأنه لم ير محمود كامل مرتديًا ثيابًا عسكرية.

وشهد مزارع يدعى هارون يوسف التركي بأنه زار محمود كامل بمنزله في نحو الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم 28 ديسمبر، وهو يوم وقوع الجريمة إذ كان على موعد معه للذهاب معًا إلى السينما ثم عدلا.

الدفاع يعترض

وقد رأت المحكمة ضرورة سماع ثلاثة من المتهمين في قضية سيارة الجيب وهم سيد الجيار، وعبدالرحمن عثمان، وعبدالفتاح ثروت.

وقد اعترض الأستاذ أحمد حسين على سماع هؤلاء الأشخاص؛ لأنه سبق أن طلب من الحكمة أن تضم قضية سيارة الجيب إلى هذه القضية لشدة ارتباطهما ببعضهما، فلم يجب إلى هذا الطلب.

وأعلنت المحكمة أنها لن تنظر في هذه القضية إلا فيما يختص بمقتل النقراشي باشا وحده، ولكنها الآن قد خرجت على ما أعلنته، فاستدعت أشخاصًا متهمين في قضية السيارة لتعزيز الاتهام ضدنا، دون أن يكون في وسعنا الدفاع عن أنفسنا؛ لأن قضية سيارة الجيب ليست معروضة الآن.

وخلص من ذلك إلى أنه لا يوافق مطلقًا على سماع هؤلاء الأشخاص وخاصة أنه لا يعرف على أي اعتبار ستسمع أقوالهم.

فهل على سبيل الاستدلال أو باعتبارهم متهمين في قضية السيارة.

وقال الرئيس إن المحكمة ستسمعهم على اعتبار أنهم شهود.

فرد الأستاذ أحمد حسين قائلاً: إذن لابد من تحليفهم اليمين ومناقشتهم.

فأجابت المحكمة بأنها ستفعل ذلك.

طبيب يرفض حلف اليمين

ثم نودي الدكتور سيد الجيار وهو طبيب معتقل في سجن مصر، فلبى وسمح له بالجلوس في حرم المحكمة، وطلب رئيس المحكمة أن يحلف اليمين فرفض، فنبهته المحكمة إلى أنه في امتناعه عن حلف اليمين يرتكب عملاً يعاقب عليه القانون فرد الشاهد قائلاً إنه متهم في قضية ولا يود أن يحلف اليمين.

وبعد ذلك أخذت المحكمة في مناقشته على سبيل الاستدلال، دون أن يحلف اليمين وسألته عما إذا كان يعرف عاطف عطية حلمي، فرد بالإيجاب، وقال إنه لم يتحدث معه بشأن الإخوان المسلمين، أو التدريب العسكري ونظام الخلايا السرية.

وتلا رئيس المحكمة عليه أقواله التي وردت في تحقيق قضية اغتيال النقراشي باشا، فنفى صدورها منه.

وهنا ناقشته المحكمة فيما إذا كان قد قال هذه الأقوال أم لا فقال: لا أستطيع الإجابة".

يريد الانسحاب

ثم نودي عبدالرحمن عثمان عبدالرحمن وهو متهم معتقل، فجيء به في حراسة الضباط، وحلف اليمين وسئل عن علاقته بالقاتل عبد المجيد حسن.

فما كاد يسترسل في أقواله حتى اعترض الأستاذان أحمد حسين والشناوي على ذلك وقالا أنه جاء ليشهد عن واقعة معينة وليس للإسهاب، والاسترسال.

وقال الأستاذ أحمد حسين أنه يرى أن الجو غريب، وأنه يرى الانسحاب ولكن المحكمة طلبت إليه البقاء. قسم الاغتيال

ومضى عبدالرحمن عثمان فقال إن محمود فرغلي أخبره أنه اتصل بالسيد فايز الذي ضمه إلى قسم الاغتيال لأن محمد أحمد كان قد انفصل، لأنه كلف للقيام بعمل آخر.

ضابط لاسلكي

وبعد حادث مقتل النقراشي باشا، أخبره فرغل بأنه ومحمد أحمد كان كل منهما مكلفًا بالقيام بدور عبد المجيد، ولكن عدل عنهما، وأخبره فرغل أيضًا أن رئيس مجموعته ضابط لاسلكي. ولما نشرت صورة مالك في الصحف، قال له إنه هو الرئيس، وأن مالك كان قد استأجر شقة بشبرا لا يعرفها غيره وفرغل.

قنبلة بعد حادث الاغتيال

ومضى الشاهد فقال إن فرغل أخبره أيضًا وقت مقتل النقراشي باشا كان محمود كامل يرتدي ملابس عسكرية ويقف في فناء الوزارة، لكي يلقي قنبلة على رجال البوليس والنيابة والكبراء الذين يخفون إلى مكان الحادث. ولكنه لم يتمكن من إلقائها.

وذكر له فرغل أيضًا أن صلاح عبد المعطي كان متصلاً بمجموعته. وله صلة بحادث النقراشي باشا. وسألته النيابة عما إذا كان يعرف عاطف عطية حلمي، فأجاب بالإيجاب وقال إنه زاره في بيته وأنه أخذ يشرح له على الخرائط قواعد "الطبوغرافيا" وقال أيضًا ردًا على سؤال للنيابة أن اسم سيد حسين أو سعيد حسين كان الاسم المستعار لمحمد نايل.

وهنا سأل رئيس الجلسة فرغل عما ذكره الشاهد فصاح قائلاً: "ده شخص جبان وحقير فنهرته المحكمة وأسكتته قائلة إنها لا تسمح بالسباب مطلقًا".

ثم قال فرغل أن كل ما قاله عبدالرحمن غير صحيح.

ووقف مالك وسأل عبدالرحمن عثمان عما إذا كان قد رآه أو عرفه قبل ذلك.

فأجاب عبدالرحمن بالنفي.

تعذيب

ثم نودي عبد الفتاح ثروت ويشتغل راصد جوي، وهو معتقل أيضًا، فقال إنه كان عضوًا في جمعية الإخوان، وأن البوليس السياسي عذبه تعذيبًا شديدًا وأنه لا يزال به آثار هذا التعذيب.

كما هدده بعمل فاضح.

ومضى عبد الفتاح ثروت. فذكر أن رجال البوليس كانوا يضربونه ويعذبونه، لكي يحملوه على الاعترافات وأنه كلما امتنع عن الكلام، ازدادوا تعذيبًا له. وأنه اضطر أخيرًا، تحت تأثير التعذيب والتهديد والوعد والوعيد، إلى أن يعترف بما ورد في التحقيق، ثم قال ن هذه الاعترافات ليست صحيحة وأنه أدلى بها تحت تأثير تعذيبه.

وبعد ذلك كشف عن ساقه، فشوهدت بها آثار قال إنها من أثر الضرب.

رفض التحقيق في وقائع التعذيب

وهنا طلب الأستاذ علي منصور تحقيق وقائع التعذيب، ولو في جلسة سرية. وقد رفضت المحكمة ذلك، قائلة إنها كانت ترى مسوغًا لهذا الطلب لو أن المتهمين المقول تعذيبهم قد اعترفوا.

أما وليس في القضية غير عبدالمجيد وجلال يس هما المعترفان وحدهما، ولم يقل أحدهما أنه كان موضع تعذيب.

فلا داعي لاجراء هذا التحقيق. وأن المحكمة لا تريد ترك القضية الأصلية والسير في اجراء مثل هذا التحقيق.

يقابل رئيس الوزراء

واستأنف عبد الفتاح ثروت فقال أنه قابل دولة إبراهيم عبد الهادي باشا أربع مرات. مرة في دار الرياسة، والثلاث مرات الأخرى في دار المحافظة وهنا عرضت عليه النيابة ثلاثة تقارير خاصة بجمعية الإخوان، فاعترف بأنه كاتبها.

وأجاب ردًّا على سؤال الأستاذ غنام بأن دولة إبراهيم باشا طلب إليه الاعتراف وإلا "فسيشرحه" ولما رفض الانصياع لدولته، سيق إلى غرف الضباط، وانهالوا عليه بالضرب. وأجاب ردًا على سؤال آخر، بأن البوليس طلب إليه أن يذكر شيئًا عن نايل أو عن عاطف أو أي متهم في القضية.

وقال المتهم عبدالعزيز البقلي، وهو الترزي صانع البذلة العسكرية، أن البوليس كان قد وصفه لعاطف، قبل أن يعرض عليه.


جلسة 4 سبتمبر: أقوال عبد الرحمن عمار بك

عقدت المحكمة مبكرة على غير عادتها في ذلك اليوم. وكان الزحام شديد، فقد كان مقررًا أن يدلي عبد الرحمن عمار بك وكيل الداخلية السابق وصاحب فكرة حل جماعة الإخوان بأقواله في هذه الجلسة.

وقد بذل رجال البوليس مجهودًا كبيرًا للمحافظة على النظام واتخذت احتياطات خاصة للمحافظة على حياة عبدالرحمن بك. وقد أعدت لسعادته حجرة من حجرات القضاة فجلس فيها في حراسة بعض ضباط القلم السياسي حتى دعي لتأدية شهادته.

شهادة إمام بك

وكان أول شهود هذه الجلسة هو الأميرالاي محمد إبراهيم بك، وقد أجاب على أسئلة الدفاع بأنه سمع بحادث الصدام الذي وقع بين جوالة الإخوان ورجال البوليس بدائرة قسم الخليفة، وقال إن الأوامر كانت تقضى بمنع خروج الجوالة في مظاهرات فلما أراد مأمور القسم منعهم من التظاهر وقع اعتداء وتعذر التفاهم معهم، فذهب الشاهد إلى مكان الحادث،

وتفاهم مع الشيخ حسن البنا وانتهى الأمر بانصراف الجوالة، ثم قال إنه لم يكن على رأس القوة التي قامت بضبط فريق من الإخوان في جبل المقطم أثناء تدربهم على استعمال الأسلحة.

وشهد إمام بك أن التدرب وقتئذ لم يكن ممنوعًا ولكن البوليس كان غير مطمئن لذهاب أفراد قلائل في المساء إلى الجبل ليتدربوا على استخدام الأسلحة إذ إنه لو كان غرضهم خدمة فلسطين لذهبوا إلى المكان الذي أعدته وزارة الحربية للتدرب، أو على الأقل يطلبون إلى البوليس أن يرخص لهم بذلك.

ومضى يقول إنه لما كانت المسألة تتعلق بالسياسة العامة، فإن واجبي أن أبدي رأيي فقط وليس لي أن أعارض.

وقد نفى إمام بك وقوع تعذيب على أحد من المتهمين.

ثم سئل عن حادث الانفجار التي وقع في دار للإخوان بشارع محمد علي فقال إنه عملت قضية في هذا الحادث ثم تقرر حفظها. كما نفى علمه بصفة رسمية بوجود معسكرات حكومية للتدريب، وأن كل معلوماته في هذا الصدد هو ما يطلع عليه في الصحف وقطع بعدم وجود معسكرات للتدريب رسمية في دائرة مدينة القاهرة.


ضباط القسم السياسي

وجاءت شهادة الصاغ محمد علي صالح مطابقة لأقوال إمام بك، فقد شهد بواقعة التدريب في جبل المقطم، وقال إن من رأيه أن التدريب لم يكن مشروعًا وأن السيد فايز كان على رأس الفرقة التي تتدرب. أما الصاغ محمد توفيق السعيد فقد نفى حدوث تعذيب للمتهمين، وعلل الآثار التي وجدت بهم بأنها نتيجة للجزاءات التي كانوا يوقعونها على بعضهم ونفي أنه أطلع القاتل على بيان هيئة كبار العلماء بشأن الجريمة.

وقال إن البيان كان في يده وقت وجوده في سجن الأجانب، وأن القاتل ربما اطلع عليه في هذه الأثناء.

وهنا قال له رئيس المحكمة "مش كان من واجبك كضابط بوليس سياسي أن لا تطلع متهمًا بجريمة قتل على مثل هذا البيان".

فأجاب الشاهد بالإيجاب.

ثم رد على أسئلة للدفاع بأنه كان يزور سجن الأجانب للتفتيش على الحرس وأن بعض المتهمين من الإخوان كانوا يعترفون وأن بعضهم الآخر كان ينكر ونفى الصاغ محمد الجزار مسألة التعذيب أيضًا، وأضاف قائلاً: إن أحمد عادل كمال أحمد المتهمين، كان قد شكا للنائب العام لأنه حاول الحصول على اعتراف منه، وعمل تحقيق في هذه الشكوى ولم يقل المتهم أنه عذب.

رئيس حرس الوزارات ونودي القائمقام محمد وصفي بك رئيس حرس الوزارات؛ وتحدث عن الاجراءات التي كان معمولاً بها في حراسة وزارة الداخلية، وخاصة في اليوم الذي ذهب إليها فيه المرحوم النقراشي باشا، ومن بينها وقوف ضباط على الباب الخارجي، وعدم السماح لأحد بالدخول،

إلا المعروفين وزيادة عدد القوات في الصالة وفي الطابق الثاني حيث مكتب النقراشي باشا.

وأجاب على سؤال للمحكمة بأنه لم يكن موجودًا في الوزارة وقت الحادث وأنه قد وصل إليها بعد ذلك بنحو ربع الساعة فألقى الباب الخارجي مفتوحًا.

وسألته المحكمة عما إذا كان قد وقع إهمال من القوات المنوط بها الحراسة في ذلك اليوم. فأجاب وصفي بك أن هناك مجلس قام بتحقيق ذلك ولم يبد رأيه بعد، وأجاب على سؤال بأنه كانت هناك تعليمات خاصة بشأن مرتدي الملابس العسكرية إذ كان قد وصل إلى علم البوليس أن سبعة من الإرهابيين اليهود دخلوا مصر خلسة وتقضي هذه التعليمات بالتحقق من شخصية كل شخص سواء أكان عسكريًّا أم مدنيًّا.

وقد حدث مرة أن منع جندي ضابطًا بالجيش في وقف سيارته في مكان يقع تحت نافذة مكتب المرحوم النقراشي باشا واحتدمت المناقشة بينهما وشكاه الضابط وحبس الجندي في الحال ولما علم النقراشي باشا بذلك أمر بالإفراج عن الجندي وبعد ذلك وضع الشاهد لافتة من إدارة المرور بمنع وقوف السيارات في هذا المكان. وأجاب الشاهد على سؤال آخر بأنه لم يحدث تفتيش الأشخاص الذين كانوا في الوزارة يوم الحادث، نظرًا للهرج والمرج اللذين أعقباه.

وأجاب على سؤال آخر للأستاذ أحمد حسين بأنه سافر إلى لندن لدراسة وسائل حراسة الوزارات والوزراء فوجد أن الحراسة في مصر أشد منها في إنجلترا، وأن كل ما يتخيله العقل البشري من وسائل الحراسة قد اتخذ في مصر.

ورفض الشاهد الإجابة على بعض أسئلة خاصة بما يتبع من وسائل الآن لحراسة رئيس الحكومة. وأجاب على سؤال آخر للدفاع بأنه سمع أن للمتهم شركاء.

شهادة عمار بك

ثم نودي عبدالرحمن عمار بك فحضر ودخل القاعة بخطى قوية ثابتة وقد وضع نظارة سوداء فوق عينيه، وألقى نظرة عابرة على المتهمين ثم وقف أمام منصة المحكمة وأقسم اليمين وبدأ يدلي بشهادته بصوت متهدج وقد بدا التأثر على وجهه.

ومما قاله عمار بك أنه كان مديرًا للقليوبية، وكان يشهد بعض اجتماعات جمعية الإخوان المسلمين هناك بصفته مديرًا وأنه كان يحرص وقتئذ على تشجيع الهيئات التي تقوم بخدمات عامة كجمعية الشبان المسلمين وجمعية الإخوان المسلمين، وكان يحرص أيضًا على حضور هذه الاجتماعات للوقوف على مدى نشاط الإخوان الديني ومجريات الأمور في الجمعية.

لم يكن من الإخوان

ونفى عمار بك بشدة انضمامه إلى جماعة الإخوان أو أي هيئة دينية أو سياسية وأجاب على سؤال من أنه علم أن أحد الطلبة الإخوان خطب مرة في مركز الجمعية، فحض الناس على الانضمام للجمعية، وحرضهم على الاعتداء على من يقاوم نشاطها.

وأنه تناول هذا الحادث في مذكرته التي وضعها بشأن حل جماعة الإخوان بسبب النشاط الإجرامي. وقال إن كل الحوادث التي وردت في هذه المذكرة عمل عنها محاضر، وأنه اطلع عليها جميعًا. وأنها موجودة ويمكن أن تطلع المحكمة عليها. وأن هذه الحوادث قليل من كثير.

وأجاب على سؤال آخر بأن صدامًا وقع في بورسعيد في سنة 1946 بين جماعة الإخوان والوفديين، وأن البوليس قام بواجبه، واتخذت الاجراءات لمنع أي اجتماع للإخوان في منطقة القنال. وأشار أيضًا إلى أن بعض أفراد من جماعة الإخوان ضبطوا في الإسماعيلية يحرزون قنابل، وأنه لا يذكر ماذا تم في هذه الحادثة، ولكنه يذكر أنه اتخذ اجراءات لتشديد المراقبة على الإخوان حتى لا يتكرر مثل هذا الحادث.

وأشار إلى قضية أخرى ألقيت فيها قنابل في الإسماعيلية من جماعة الإخوان وقال إنه حكم في هذه القضية بالإدانة.

وأجاب عمار بك على سؤال آخر بأنه عقب هذه الحوادث اتخذت اجراءات شديدة، منها غلق جميع شعب الإخوان بالقاهرة، فصار الإخوان يجأرون بالشكوى، ويطالبون بفتح هذه الشعب، لمباشرة نشاطهم الديني فرؤي إعطاءهم فرصة للوقوف على مدى استقامتهم.

ورد على سؤال خاص بالتدريب في جبل المقطم بأن التحقيقات في هذا الحادث انتهت بالحفظ.

يتمسحون بقضية فلسطين

ومضى عمار بك فقال إن جماعة الإخوان، كانوا على أثر كل حادث؛ يتمسحون بقضية فلسطين، وكنت موقنًا أن هذا التمسح باطل ولا أساس له، لأنهم إذا كانوا يقصدون حقًّا خدمة فلسطين لتوجهوا إلى مكان التدريب الذي أعدته الحكومة في "هايكستب" ظاهرين لا متخفين، لا أن يذهبوا إلى جبل المقطم فلا تعرف شخصياتهم أو نياتهم.

وكانت مصيبة المصائب أنهم كلما ضبطوا ومعهم أسلحة أو ظهرت بادرة من بوادر نشاطهم الإجرامي، بكوا، وقالوا إننا نريد أن نخدم قضية فلسطين.

مهاجرو فلسطين

وسئل هل معسكر هايكستب أعد خصيصًا لتدريب الإخوان؟ فأجاب بأنه أعد لجميع الهيئات التي ترغب في التدرب، حتى إنه كان من بين مهاجري فلسطين

–وكنت رئيس اللجنة الخاصة بشئونهم- شبان أقوياء يصلحون للخدمة العسكرية، فرأيت أن شبابنا يجاهدون في سبيل خدمة القضية الفلسطينية فمن باب أولى أن يساهم هؤلاء الشبان معهم في ذلك فأشرت بتدريبهم، ورحبت الحكومة بهذه الفكرة، وأرسلتهم إلى معسكر التدريب، وهو معسكر واسع وكلما وصل إليه عدد من المتطوعين سارعت وزارة الحربية إلى إمداد المعسكر بالأدوات والمعدات اللازمة للتدريب.

ذو قلب كبير

ومضى عمار بك يقول بصوت يبدو التأثر في نبراته.

إن المرحوم النقراشي باشا وهو ذلك الرجل الكبير القلب الذي لم يتردد في التضحية بحياته في سبيل وطنه، وهو من السابقين في الجهاد، لم يتوان لحظة واحدة في سبيل خدمة الوطن، فقد فكر وتدبر ثم أقدم على تنفيذ فكرة حل جماعة الإخوان قائلاً:

إنه لا يخشى في الحق شيئًا، ولو كان هو أول ضحاياه، وقد كان وراح ضحية هذا الاجراء وكان أول ضحية.

وهنا وقف الأستاذ أحمد حسين وقال هل الشاهد جاء ليخطب؟ نحن نريد أن نسأله عن وقائع. ثم سأله.

-هل اتصلت بالشيخ حسن البنا عندما كنت مديرًا للأمن العام؟

فأجاب عمار بك قائلاً: بأنه اتصل به شأنه في ذلك شأن بقية رؤساء الجماعات والأحزاب، وأن الشيخ كان يظهر له رغبته في المعانة معه على منع الجرائم، ولكنه مع الأسف كان يبطن غير ما يظهر،

وكان الأستاذ أحمد حسين حاضرًا في أحد هذه الاجتماعات في غرفة وزير الداخلية وكان خشبة باشا وزيرها بالنيابة حيث كان قد عقد اجتماعًا برؤساء الأحزاب والجماعات ليقلعوا عن المظاهرات في أثناء عرض القضية المصرية على مجلس الأمن، وقد أراد الشيخ البنا أن تعطى كل الحرية للإخوان للتظاهر. فبين الشاهد الأخطار التي تستهدف لها البلاد إذا سمح بهذه المظاهرات فاقتنعوا جميعًا.

هل يذكر أنه اجتمع به وبالشيخ حسن البنا وتحدثوا بشأن البيان الذي اتفق على إلقائه في صدد منع المظاهرات.

-قد يكون هذا.

-هل تذكر أن الشيخ البنا قال لك أنت من الإخوان؟

وهنا صاح عمار بك، ثائرًا محتدًا وقال: "هذا غير صحيح، وأنا لم أكن من الإخوان في أي يوم من الأيام ولا يمكن أن أكون من الإخوان، وأنا أحب أن أكون متبوعًا لا تابعًا".

وأجاب على سؤال آخر بأنه كان في ذهنه حل الإخوان، وقد ثبت أن كل حرف أورده في مذكرته كان يعبر عن الحقيقة.

وكان عبدالرحمن بك لا يزال متهاجًا لاتهامه بأنه كان من الإخوان فرجت منه المحكمة أن يتمالك هدوءه، ولا ينزعج لأسئلة الدفاع.

ثم أجاب عمار بك على أسئلة أخرى بأنه كان يعلم، أن جماعة الإخوان يملكون أسلحة وذخائر، وقد أدت التفتيشات التي قام بها البوليس لدور الإخوان إلى العثور على أسلحة والمفرقعات أغلبها قنابل. وأنه شهد جانبًا من التحقيق في الحادث.

ثم جاء بعض رجاء الإخوان، وقالوا إن هذه الذخائر هي لبعض الأشخاص الفلسطينين الذين جاءوا مصر لجمع الأسلحة للعرب وأنهم وضعوها في هذا المنزل تمهيدًا لإرسالها لفلسطين وكان من رأيه ألا يقبل هذا الدفاع، ولكن كان شعور الأمة يتعارض مع أي اجراء يتخذ ضدهم، على هذا حفظت القضية، وتصرفت الحكومة في الأسلحة الباقية بما يتفق والصالح العام.

هل طلب السفراء حل الإخوان

وسئل عما إذا يعلم أن هناك اجتماعًا عقده سفراء دول فرنسا وإنجلترا وأمريكا في فايد وقرروا مطالبة الحكومة بحل الإخوان.

فأجاب عمار بك محتدًا: هذا غير صحيح، وهذه فرية افتراها الإخوان في مذكرة طبعوها ووزعوها سرًّا ليوهموا الناس بأن النقراشي باشا حين قرر حل الإخوان كان تحت تأثير أجنبي، وهذه واقعة لا ظل لها من الحقيقة.

وأجاب على سؤال آخر بأنه اشترك مرتين في القبض على بعض المتهمين من الإخوان أحدهما في دمنهور والآخر في القاهرة.

وأجاب على سؤال آخر بأنه كان يحضر التحقيق في هذه القضية ليقوم بتنفيذ ما تشير به النيابة، ويوجه رجاله إلى خدمتها.

ونفى عمار بك أنه شاهد تعذيب المتهمين.

وأجاب على سؤال للأستاذ غنام بأنه لم يتحدث مطلقًا بكلمة واحدة إلى عبد المجيد حتى اليوم. هم البادئون

وأجاب على سؤال للأستاذ السادة بأن الضحية في حادث مدرسة شبين الكوم كان حقيقة من الإخوان ولكنهم كانوا هم البادئون بالاعتداء على الوفديين.

وبذلك انتهت شهادة عمار بك، وكان هو آخر الشهود، وأجلت القضية لليوم التالي لسماع مرافعة النيابة.


جلسة 5 سبتمبر: مرافعة النيابة

في هذه الجلسة بدأت مرافعة النيابة، وقد استهلها سعادة محد عزمي بك النائب العام بكلمة حيا فيها ذكرى النقراشي باشا.

وقد ازدحمت القاعة بجمهرة كبيرة في النظارة ممن تابعوا سير المحكمة. وقد زاد تشوقعهم لسماع ما عساه تقوله النيابة في صدد هذه الجريمة الشنعاء.

ولما انتهى النائب العام من إلقاء مقدمة الاتهام ترك مقعده للأستاذ محمد عبد السلام ليترافع في الوقائع.

مقدمة الاتهام

قال النائب العام:

حضرات المستشارين الأجلاء والضباط العظام.

في هذا المحراب المقدس محراب العدل والقصاص الذي جعله الله حياة لعباده كما أنزل في محكم كتابه نقف خاشعين مطأطئين رؤوسنا إجلالاً لذكرى رجل عاش مجاهدًا ومات شهيدًا في سبيل بلاده وفي سبيل كل مثل من المثل العليا للشجاعة والتضحية ونكران الذات.

رجل عرفته بلاده فأولته ما يستحق من تقدير. وشاركها في تقديره وتوقيره سائر بلاد الشرق بل العالم أجمع لما له من مواقف خالدة في الذود عن مصالح وطنه وجيرانه الأكرمين. رجل هذا شأنه تراق دماؤه الزكية وتزهق روحه الطاهرة النقية بأيدي زمرة من الأشرار وعصبة من الفجار تنتمي لهذا الوطن الكريم والوطن منهم براء وتعتزي إلى الدين القيم وهم له من أكبر الأعداء فالوطن يأبى أن يكون بنوه حربًا على رجل من أعز بنيه عليه وأبرهم به.

كما يأبى الله ورسوله أن يتخذ دينه ذريعة لارتكاب الكبائر وسفك الدماء وبث الفساد في الأرض على أوسع نطاق ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)﴾.

هؤلاء قوم أغواهم الشيطان فزين لهم سوء أعمالهم واستهوتهم الشهوات فتفاقمت أطماعهم ولم يجدوا لبلوغ ما يشتهون أيسر سبيلاً وأقرب منالاً من التذرع بالمكر والرياء والافتراء على الله ورسوله خديعة للجهلاء واستلابًا لعقول الدهماء تأسيًّا بمن سلف من الغاوين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)...

سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)﴾. فلقد نكب المسلمون من قبل بأمثال هؤلاء ممن اتخذوا دين الله حجابًا لستر نواياهم وختل ضحاياهم فنكلوا بالدين وأهله شر نكال وبذروا في الأرض بذور الفتنة والضلال مما لا يفتأ المسلمون يعانون شره وبلواه حتى يومنا هذا.

وما من مسلم له بعض إلمام بالتاريخ يغيب عنه ما فعله ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل بالإسلام والمسلمين على عهد عثمان بن عفان –رضي الله عنه- ولا ما فعله الخوارج في عهد علي كرم الله وجه وما تلاه ولا ما فعله سوى هؤلاء من دعاة الفرق والشيع بديار الإسلام في مختلف الجهات والأزمان.

سترون من مرافعة زميلي الفاضل الذي نهض بعبأ التحقيق مع سلفي العظيم حضرة صاحب السعادة محمود منصور باشا كما ترون ولاشك من أوراق الدعوى وما بذل سعادة رئيس المحكمة الموقرة من جهد قيم مشكور فيما تولاه من تحقيق جديد أن هذه العصابة التي يمثل أمامكم بعض أفرادها لينالوا من رادع العقاب جزاء وفاقًا بما جنت أيديهم لم تكن عصابة خارجة عن القانون ثائرة على النظام فحسب ولكنها عصابة ضمت أخطر العناصر التي بليت بها مصر بل الشرق كله في العصر الحديث.

وأن قدرتها على تنظيم الإجرام وجمع أعوانه وأحكام شباكه ودعم أركانه وبث عيونه وأرصاده وإمداده بأفتك سلاحه وأوفر عتاده. لا يعد لها سوى قدرتها على تضليل العقول والأفهام في تيه من الأباطيل. ديدنهم أن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموا الحق وهم يعلمون. ودأبهم أن يحرفوا الكلم عن مواضعه ويفتروا على الله الكذب ليبرروا إجرامهم وكفى بهذا إثمًا مبينًا.

ها هي ذي رؤوس للفتنة قد أينعت بما اجترحت من إثم وضلال فاقطفوها مطمئين إلى أنكم تحقون الحق وتقرونه في نصابه وترضون المولى وتفوزون بثوابه وتصونون لبلادكم سمعتها وكرامتها وتحفظون لأمتكم أمنها وسلامتها وتنقذون مستقبل وطنكم من شر مستطير ووباء مستفحل خطير. لستم قضاة مصر فحسب بل أنتم أساتها. فابتروا بسيف عدلكم ما نقل من جسم هذه الأمة وفسد. ففي هذا صلاح وبقاء لسائر الجسد. أسأل الله أن يتولاكم بهدايته وتوفيقه والسلام.


مرافعة النيابة

وعندئذ نهض الأستاذ محمد عبد السلام واستهل مرافعته قائلاً:

حضرات المستشارين والضباط العظام. في مثل هذا الوقت من العام الماضي وقف سعادة النائب العام السابق ليطالب بدم القاضي الجليل الذي سقط شهيد الإخوان وأعلن أن الرصاصات التي أرادت الخازندار بك في تلك الضاحية الوادعة وفي ذلك الصباح المبكر وهو في طريقه إلى مجلس قضائه وعلى خطوات من داره ومرأى من صغاره أعلن أن تلك الرصاصات هي بداية لعهد إرهاب دموي شنيع.

بداية عهد الإرهاب وغايته

نعم إن اغتيال ذلك القاضي الجليل على هذه الصورة البشعة كان بداية لها ما بعدها وفي الحق أن هذا الاغتيال الفاجر لم يخف معناه على فطنة النقراشي باشا فلم يحمله قط على معنى الجريمة الفردية ولا على معنى التحدي العرضي لهيبة الحكومة المركزية أو حفظة النظام المحليين ولا على معنى الثأر الجنوني من حكم أصدره القضاء وإنما تلقاه وفهمه وانزعج له على أنه بداية عهد قصد به أن تكون مروعة مفزعة يطيش لها الصواب؛

بداية لعهد إرهاب يهدف إلى إخضاع المصريين وسلب شجاعتهم وإضاعة ثقتهم في نظمهم وحكامهم لينزلوا القوم عن حقوقهم وليشتروا بالأمن على أرواحهم تلك الحريات التي قررها لهم دستورهم. فهم النقراشي باشا هذه الجريمة على أنها بداية لإرهاب مروع يهدد كل ما اكتسبته مصر في السنة الأخيرة من تقدم داخلي أو استقلال خارجي وتزعزج ثقة العالم فيها في الوقت الذي بدأت تتبوأ موضعها في المجامع الدولية وأخذت تفرض بحق مكانتها في الوسط الدولي بصفة عامة. الإرهاب كامن في تكوين الجماعة

والواقع أن قتل الخازندار بك كان يحمل في تضاعيفه مقتل النقراشي باشا وأن جماعة الإخوان لتبوء بوزر الجريمتين كليتهما.

فإن هذه الجماعة قد احتضنت الإرهاب بل على الأصح قد كمن الإرهاب في تكوينها نفسه فإن شعار الإخوان ينطق بالعنف إذ هو سيفان بينهما مصحف تحتهما الآية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾،

ولقد كان هذا الشعار حريًا بأن يثير الظنون في هذه الجماعة غداة تكوينها من قرابة عشرين سنة لولا حرص القائمين عليها في مبدأ أمرهم على التظاهر بالتزام الدين وحض الناس على العباد والخير والبعد بهم عن السياسة وتجنب التهافت على مطالب الدنيا ولكن ذلك كله لم يكن إلا ستارًا كما صرح بذلك الشيخ حسن البنا في كتابه المطبوع بعنوان "رسالة التعاليم مني إلى إخوان الكتائب".

إذ جاء فيه أن حركة الإخوان تمر بثلاثة مراحل. المرحلة الأولى مرحلة التعريف بنشر الفكرة العامة بين الناس ونظام الدعوة في هذا الطور نظام الجمعيات الخيرية ومهمتها العمل للخير العام ووسيلتها الوعظ والإرشاد وإقامة المنشآت وفي هذا الطور الدعوة عامة ويتصل الجماعة فيه كل من أراد من الناس وليست الطاعة التامة لازمة فيه.

والمرحلة الثانية: مرحلة التكوين باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض ونظام الدعوة في هذا الطور صوفي بحت من الناحية الروحية وعسكري بحت من الناحية العملية وشعار هاتين الناحيتين دائمًا أمر وطاعة من غير بحث ولا مراجعة ولا شك ولا حرج وهذا الطور لا يتصل به إلا من استعد استعدادًا حقيقيًّا لتحمل أعباء الجهاد الطويل المدى كتبع التبعات وأول بوادر هذا الاستعداد كمال الطاعة.

والمرحلة الثالثة: مرحلة التنفيذ والدعوة في هذا الطور جهاد فلا هوادة فيه وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية وامتحان وابتلاء. كذلك قال المرشد في كتيب آخر له نشر سنة 1946 "أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزبًا سياسيًّا ولا هيئة موضوعة لأغراض محدودة المقاصد ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة وصوت يعلو مرددًا دعوة الرسول (ص) وإذا قيل لكم إلام تدعون فقولوا ندعوا إلى الإسلام الذي جاء به محمد (ص) والحكومة جزء منه فإن قيل لكم هذه سياسة فقولوا هذا هو الإسلام وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة قولوا نحن دعاة حق فإن ثرتم علينا فوقفتم في طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندافع عن أنفسنا وكنتم أنتم الثائرين الظالمين.

وقال الشيخ حسن البنا في نفس هذا الكتاب: "قد يطلب إلينا أن نخالف عادات ومألوفات وأن نخرج على نظم وأوضاع ألفها الناس وتعارفوا عليها وليست الدعوة في حقيقتها إلا خروجًا على المألوف وتغييرًا للعبادات والأوضاع فهل أنتم مستعدون أيها الإخوان".

لم يكن المرشد العام أكثر صراحة مما كان حين قال في هذا الكتيب "أحب أن أصارحكم بأن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام وستجدون من أهل الدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب عليكم فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم.

معنى الجهاد

ولم يترك المرشد العام شكا حول مراده بكلمة الجهاد فقد قال في رسالة التعاليم السابق ذكرها أريد بالجهاد الفريضة الماضية إلى يوم القيامة والمقصود بقول رسول الله (ص):

"من مات ولم ينفر لغزو مات ميتة جاهلية وأول مراتبه إنكار النفس وأعلاها القتل في سبيل الله".

ولقد طالب المرشد العام كتائبه بفروض فرضها تتضح بحقيقة الحركة وتشف عن لبتها فقد طالبهم بالثقة والتسليم التام للقيادة واحتج عليهم بالآية الشريفة التي احتج بها محمد صلوا الله عليه وعلى المؤمنين من المهاجرين والأنصار ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾.

وقال –أي المرشد العام- إن القائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قائد، وعلى قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وأحكام خططها

ونجاحها وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية والأستاذ بالإفادة العلمية والشيخ بالتربية الروحية والقائد بحكم السياسة العامة ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات لذلك يجب أن يسأل الأخ الصادق نفسه هذه الأسئلة.

-هل هو مستعد لاعتبار الأوامر التي تصدر إليه من القيادة، في غير معصية طبعًا، لا مجال للجدل فيها ولا للتردد ولا للانتقاص ولا للتحوير؟

-هل هو مستعد لأن يفرض في نفسه الخطأ وفي القيادة الصواب إذا تعارض ما أمر به مع ما يعلم في المسائل الاجتهادية؟

-هل هو مستعد لوضع ظروفه الحيوية تحت تصرف الدعوة وهل تملك القيادة في نظره حق الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الدعوة العامة؟

طالب المرشد كتائبه بالثقة ثم طالبهم بالتضحية وقال أريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية ومن قصر عن التضحية فهو آثم، واستشهد عليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾.

كذلك طالبهم بالثبات وقال إن معناه أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين فإما الغاية وإما الشهادة واستشهد عليهم ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. –وقال لهم إن الوقت جزء من العلاج وإن وسائل الجماعة تحتاج إلى حسن الاستعداد وتحين الفرص.

الطاعة والكتمان

وأخيرًا أوصى المرشد كتائبه بالكتمان وهي وصية لا تدع ريبة لمستريب في حقيقة هذه الجماعة وأوصاهم بالكتمان وأوجب عليهم أن يقسموا هذا القسم ونصه "عرفت فكرة الإخوان وأدركت غايتها ووسيلتها وأهدافها القريبة والبعيدة ووثقت كل الثقة بالمرشد العام وتعهدت بالقيام بما جاء برسالة التعاليم وأبايعه على ذلك وأقسم بالله على الطاعة والعمل والكتمان.

مقاطعة المحاكم

والعجيب أنه أوصاهم أيضًا فيما أوصاهم بمقاطعة المحاكم الأهلية.

هذا المعنى أن فكرة العنف والتحفز لانقلاب شامل وتربص الدوائر للوثوب وتبييت الغدر بالنظام الدستوري وأوضاع الحكم المقررة والتحضير والاستعداد والتأهب لذلك يمكن أن نلمسه أيضًا في كتابات الإخوان ورسائلهم إلى المرشد التي ضبطت بعضًا في المركز العام فإننا نقرأ مثلاً في كتاب تعليمات إدارية عن الإخوان العاملين ما يأتي:

يعتبر كل أخ عامل جوالاً ويجب أن يدرب تدريبات الجوالة وعلى كل جوال أن يكون أخًا عاملاً ولا يقبل في صفوف الجوالة إلا من كان على هذه الصفة وفي نشرة إدارية مطبوعة رقمها 4 قسم المراقبة ما يأتي:

إذا كان الإخوان في إدارة الشعب لا يزالون يعتقدون أن الجوالة نظام تكميلي فإن عليهم أن يغيروا هذا الاعتقاد تمامًا فإن نظام الجوالة نظام أساسي رئيسي في فكرة الإخوان يراد به تدريب الأعضاء وتحقيق نية الجهاد.

وفي كتب مطبوع سنة 1947 عنوانه "الطلائع" وعليه شارة جوالة الإخوان ذكر أن الكاتب زار المرشد العام فسأله ما الذي دعاه إلى تكوين فرق الجوالة بحيث أصبحت تضم هذا العدد الهائل فكان الجواب.

لقد جاء تكوين فرق جوالة الإخوان أمر طبيعيًّا حين فهم الإخوان الإسلام على معناه الحقيقي وأنه فرق كونه عبادة فهو تنظيم وتكوين –ليس إعداد فرق الجوالة غريبًا عن الإخوان فقد كان رسول الله يجهز الكتائب ويكون الفرق ويعد الأمة للجهاد وهنا أذكركم بما قاله عبدالمجيد في جلسة 29 أغسطس من أن أحمد حجازي أخبره أنه لا ينقص الدعوة لتكون كالدعوة المحمدية سوى الجهاد.

وكان الإخوان يعلمون بل يوقنون أن حركتهم ثورة إنقلابية تستند إلى القوة وتستهدف الاستيلاء على الحكم في البلاد من عهد طويل فقد كتب أخ إلى المرشد في 30 سبتمبر سنة 1940 يقول:

"ترامى إلي أنباء بسيطة عن تلك الحركة المباركة التي عزم الإخوان على القيام بها متى دقت الساعة ولقد راقني ما وجدته في إخواني من التكتم والتستر على تفاصيل ما عزموا عليه.

ثم أخذ الكاتب يشكو من مغالاة بعض الإخوان في الأمل وتسرعهم في الرغبة في العمل في غير الوقت المناسب.

ثم قال: وإذا قدر الله وحصل أي مكروه للدعوة فيكون السبب هم هؤلاء الذين يتكلمون أكثر من اللازم ولا يكتمون ما يسمعون وينبغي على فضيلتكم لفت نظرهم.

الكوماند والفدائيين

وخطاب آخر من أخ يشغل منصب رئيس مدرسة إلزامية بمركز نجع حمادي إلى المرشد ذكر فيه كاتبه أنه التحق بجماعة الإخوان كجندي من جنود الدعوة العاملين بل في كوماند الفدائيين وأنه بايعه على الدم،

وأنه ذهب إلى بلدته في أعمال مركز تلا بالإجازة وسط الجنود المخلصين وكان سببًا في إشعال نار الثورة للدعوة في قلب الكثير ممن ينتظرون أمر قائدهم لينفذوه بكل دقة وأنهم باعوا الله أنفسهم وأموالهم يقاتلون متى شاء أستاذهم فيقتلون ويقتلون

وأنه يخشى أن يحرم من الموقعة الأولى التي يرى أن الوقت قد حان لها وجاء دورها إذ قرأ وقرأ الجميع معه اهتزاز عرش الدولة الطاغية من جراء اجتمع قلوبهم والعمل لرفع ظلمهم وعلى هذا الخطاب العجيب إشارة نعتقد أنها من المرسل إليه أي من المرشد نصها "يوصي بالثبات والصبر للعمل للدعوة حيث هو حتى يفتح الله بيننا وبين النسا بالحق".

السور الذي يحجب المبنى

بل لعل شعور الإخوان المتصلين بالمرشد أنهم أصحاب انقلاب قريب عنيف مكتسح كان يملأ نفوسهم بالقلق والتعجل. فهذا خطبا من أحد الإخوان إلى المرشد يستعجله ويقول فيه:

"لا أقل من أن يكون الوقت وقتًا لمناوشات والمناورات وتهيئة الأذهان ربما يقال إننا في فترة استعداد وتنظيم قد تأخرا كثيرًا وسيترتب على هذا أن الدور الثاني وهو وقت تهيئة المناوشات سنقوم به متأخرين وربما يترتب عليه ضياع وقت العمل وأعتقد أن الدور الأول وهو الاستعداد والثاني وهو المناوشات يمكن القيام بهما معًا حتى لا تتأخر في وقت العمل...

كان يلزم الإخوان وأن يكون الآن في دور المناوشات وتهيئة الأذهان للمستقبل القريب جدًا أليس كذلك يا سيدي هناك نقطة أخيرة يجب أن يعرفها الإخوان والناس أن أصحاب الدعوات ينالون العسف والاضطهاد في مبدأ الدعوة ونحن كأصحاب دعوات يجب أن نخضع لهذه السنة وإلى الآن لم نشعر أننا أصحاب دعوة وإننا نشعر بأننا جمعية خيرية تجمعنا الإخوة والحب وهذا فقط لا يرضي الإخوان كأصحاب دعوة ومستقبل". وعلى هذا الخطاب تأشيرة نصها الآتي:

وكان للأستاذ المرشد رأي

– عمارة تبنى في الداخل وحولها سور كبير يحجبها ولا يعرف الناس ما في السور ثم يرفع السور فجأة فيرونه بناءً كبيرًا جميلاً وأظن أن ستكون الإجابة هذه" بل إن رسائل الإخوان إلى المركز العام تقطع بأن هذا المركز كان على صلة بالجرائم والحوادث الجنائية التي وقعت من المنتمين للجماعة فمثلاً هناك خطاب نصه

"وصل طرفنا الأخ فلان وجلس مع الإخوان وقال لهم تصريحات عن الحادث تضر الإخوان لو سمعها أحد من البوليس وهذا لا يتفق مع ما نرجوه من السمع والطاعة والكتمان فنرجو لفت نظر رئيس منطقة الإدارة ونرجو عمل تحقيق سريع" "

وثمة خطاب آخر من أحد الإخوان له دلالة في المعنى الذي نشير إليه هو خطاب مرسل إلى المرشد العام يتناول فيه كاتبه خصومًا لهم في الرأي بمناسبة صدام وقع بينهم وبين الإخوان فيقول: ألا ينطبق على هؤلاء حكم الردة أعتقد أنه ينطبق عليهم حكم الردة وما عقاب هؤلاء إلا القتال والحرب حتى يفيئوا إلى أمر الله ألم يأذن الله لنا أن نجهز عليهم وعلى زعيمهم...

إننا في انتظار أوامرك الجديدة لعلها تشفي صدورنا ولعلها تمكننا من إبادة هؤلاء ومع هذا الخطاب ورقة عليها هذه الإشارة يبدو إنها من المرشد العام "يشكر ولا داعي للقلق وإذا جد جديد فستكون هناك توجيهات بهذا الشأن".

تنظيم الإرهاب والجانب السري للإخوان

أعتقد أن ما قدمته من شواهد يدل على صدق ما قلته من أن الإرهاب والعنف وفكرة إحداث انقلاب سياسي شامل كامنة في جماعة الإخوان وقد أوضح عبدالمجيد لحضراتكم هذه الحقيقة عندما قرر أن نظام الجوالة إن هو إلا نظام عسكري بحت أساسه الطاعة العمياء وأن النظام الخاص أي النظام السري إن هو إلا جزء من بناء الجماعة وركن من أركانها

ولكن لا يلتحق به إلا من يثبت من أعضائها نشاطه وإخلاصه وبقي على أن أبسط للمحكمة الموقرة دون جنوح إلى المغالاة أو التطير فإن هذا المجلس يجب أن يصفو لجلال الحق وأن يتحلى بما ينبغي له من الأناة والاعتدال والنزاهة والنصفة، بقي علي الآن أن أبسط للمحكمة كيف تحول العنف والإرهاب الكامنين إلى إرهاب فعلي منظم أخطر تنظيم.

لقد وفقت العدالة في قضية سيارة الجيب إلى تضع يدها على قسم من محفوظات الجانب السري للإخوان أو كما يسميه قاتل النقراشي

"النظام الخاص" أي أولئك الإخوان الذين عليهم أن يخفوا حقيقتهم عن الناس وأن يبقوا أمرهم سرًّا لا يعلم به سوى قيادتهم وزعمائهم والذين تعتمد عليهم الحركة في البطش بأعدائها وفي القيام بضربتها الكبرى التي تبلغها غايتها النهائية.

وسترون حضراتكم أن هذا الجانب السري من الإخوان أوسع وأشمل وأخطر من أن يوصف بلفظ جمعية وإنه إنما يكون جيشًا إرهابيًّا أو أقرب الأشياء إلى الجيوش ومن ضمن هذه المحفوظات أوراق معنونة "قانون التكوين" وتتضمن بيانات عن كيفية تكوين وتنظيم الجماعة الإرهابية على نظام الخلايا من هيئة قيادة وأركان حرب وجنود تكون في مجموعها جيشًا وواجبات كل فريق وكيفية تنظيم القوات واختيار الجنود وما يتعين توافره فيهم من شرائط وأن من أنواع الجنود من يجب أن يكونوا بعيدين عن النشاط الظاهري وأن هذا النوع يجري تدريبه في حرص تام ولا يستخدم إلا وقت الحرب العلنية كما أن منهم نوعًا يجب أن ينقطع انقطاعًا تامًا ويمكن تكليفه بدراسات أكثر اتساعًا وأعمال أكثر خطورة.

وتناول قانون التكوين أيضًا بيان كيفية ترشيح أفراد الجيش وإرسال أوراق الترشيح إلى القيادة العليا مرفقًا بها تقرير شامل يحوي بيانًا عن الحالة الصحية والاجتماعية والثقافية للمرشح والطباع البارزة فيه والميول الحزبية وألا يقبل الترشيح إلا عن طريق شخص درس كل المراحل مع ملاحظة أنه يحصل على جميع البيانات دون أن يعرف المرشح داعي ذلك وأنه يكفي الميل إلى أي حزب آخر لرفض الترشيح رفضًا باتًا إذ يجب أن يكون المرشح مؤمنًا تامًا بصلاحية الدعوة كمبدأ.

ثم يقرر مجلس القيادة العليا على ضوء هذه البيانات قبول الترشيح أو رفضه –كما نص القانون على كيفية تكوين الفرد وإعداده بعد قبول ترشيحه فيعرف بأميره أي برئيس خليته ويقوم الأخير بدوره معه في جلسة روحية وصبغه بالكتمان التام وتعريفه بنوع العمل،

والحديث حول شرعيته وزيادة الأدلة التي عنده إن كان مقتنعًا بشرعيته وإقناعه إن لم يكن مقتنعًا وزيادة التوصيات بالكتمان والطاعة والصمت والتوجيهات عن تكييف الأمور وتغطية المواقف والدرب من التورط ودراسة معدات الاختبار وتهيئة الفكر إلى احتمال قيامه بعمل قريب وتوصيته بالثبات أثناء تأدية العمل وأن يكون طبيعيًّا عندما يحمل شيئًا أو يقوم بعمل شيء مع الحرص على تجهيز إجابات معقولة لكل الأسئلة المنتظرة وتكليفه بكتابة توصية ثم اختباره بتكليف صامت (حمل معدات في الطريق) مع مراقبته ثم عرض الخطة واقناعه بها وتسليمه العدة لاستعمالها ثم تنفيذ الاختبار، ومراقبته إلى قبيل الموعد ثم إلغاء التنفيذ.

ووجد مرافقًا لقانون التكوين أوراق عن تكاليف البيعة من طاعة وخضوع للقيادة ولأمراء الجماعات وكذا أوراق عن اللائحة العامة تضمنت واجبات أفراد الجماعة وحقوق رؤسائهم والتحقيق مع المقصرين وحق أمير الجماعة في توقيع العقوبات الأدبية والمادية أخفها الصيام وزيادة الطوابير والسير على الأقدام لمسافات بعيدة.

وجاء في قانون التكوين أيضًا أنه في حالة نجاح الاختبار يقدم الشخص للبيعة في القاهرة وفي حالة الرسوب يحلق بأسرة أو ما أشبه ذلك من الأعمال العامة وأن رقم (1) يقوم بتوصية الأفراد بحق الطاعة لأميرهم بعد البيعة وأن الأمر إذا كان له خطره تخطر به القيادة للتصرف وذلك عن طريق رقم (1) وأنه ليس لأحد مهما كانت منزلته في الجماعة الحق في رفع الأمر للقيادة إلا عن طريق رقم (1) كما جاء فيها أن التحقيق مع المقصرين يكون بواسطة مجالس تحقيق تشكل حسب الأحوال من أمير الجماعة ومندوب الأقاليم ومدير الأقاليم ومندوب القاهرة في الأقاليم ومدير القاهرة وأن أية خيانة أو إفشاء سر عن حسن قصد أو بسوء نية قد يعرض صاحبه للإعدام أو إخلاء سبيل الجماعة منه مهما كانت منزلته ومهما تحصن بالوسائل واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة له بالحياة.

كذا وجدت أوراق أخرى تتضمن تعليمات عن كيفية تعقب الأشخاص وما يتعين توافره في الشخص المتعقب من سرعة الملاحظة والاستنتاج والتفكير والظهور بمظهر لا يلفت النظر.

وأوراق تحوي بيانات مفصلة عن منشآت الجيش المصري وبعض المنشآت الأجنبية من سفارات وقنصليات وغيرها من المنشآت الحكومية من وزارات ومحافظات ومديريات وأقسام ومراكز ونقاط البوليس والسجون والمصالح ومكاتب التلغراف والتليفون والبريد وغيرها وعن المواصلات من سكك حديدية وترام وطرق زراعية وخطوط الأتوبيس.

وأوراق أخرى تتضمن الحض على أعمال الفدائيين وحرب العصابات وطريقة استعمال زجاجة مولوتوف وتخريب المواصلات والسكك الحديدية واستعمال المفرقعات والألغام والأسلحة النارية وأساليب الخنق وأحدث وسائله.

وصور توضح طريقة استخدام البندقية والمسدس وإلقاء القنابل اليدوية وأوراق ترشح كيفية القتل بواسطة الخنجر وكيفية تعطيل السيارات بخلط البنزين بالماء أو السكر أو وسائل أخرى ومذكرات عن كيفية الكتابة بالشفرة.

ومذكرات وأوراق خاصة بالبرامج والمخابرات وتنسيقها مع الأقسام الأخرى ورفع مستوى القيادة واطلاع القواد على نشاط الحركات السرية والبحث عن المعلومات الدقيقة وتحريها وأن الإعداد يتناول الشخصية من الإخوان العاملين وما يجب توافره فيهم من الصحة الجيدة والمهارة والتنظيم الذاتي والمكر

–وأن يحققوا الحكمة "التذؤب مع الذئاب" ثم بيان ما يتناوله الإعداد الرياضي والفني ومعلومات عن الكهرباء واللاسلكي والتصوير الفوتوغرافي والاختزال والتدريب على التمثيل وعمل الماكياج وتغيير الزي والهيئة وقيادة الدراجة والسيارة والموتوسيكل وكذلك قيادة الطيارة عند اتصال الحركة بالخارج وأنه عند الاتصال اللاسلكي بالخارج في الأوقات العصيبة يمكن توصيل الأشياء والأخبار بواسطة طيارين وأن تشتري طائرات خاصة حتى يتم إنشاء شركة للطيران.

وغير ذلك مما وصفها خطوط رئيسية يشملها بناء جماعة المخابرات التي تقدم تقارير عن القائمين بالأعمال في أقسام البوليس وقواتها والمحال الصناعية اليهودية والأجنبية والمصرية.

وأن من مهام المخابرات أيضًا وجود جماعة المخابرات للأحزاب المصرية "الوفد والسعديين والسعديين الأحرار والأحرار الدستوريين والكتلة الوفدية و الحزب الوطني و مصر الفتاةو حزب العمال و حزب الفلاح الاشتراكي" وغير ذلك من النقابات والجمعيات المختلفة والحركات الشيوعية وكذا أعمال المخابرات لكل وزارة من الوزارات والجامعة والأزهر والمدارس.

ومذكرة تحوي رموزًا وأرقامًا للأسلحة والمتفجرات ومن بينها كلمتا "مصحف وصابون" إشارة إلى تسمية الأشخاص بأرقام معينة ثم تقرير عن اجتماع أثبتت فيه أرقام الحاضرين وما تناولوه من دراسة لأنواع المتفجرات والمشاعل والفتيل والساعات.

وورقة معنونة (قواعد يجب مراعاتها) ونصها كالآتي

أولاً: قبل اجراء العمل:

1-عليك التأكد من أنك لا تحمل أي أوراق ذات صبغة خاصة أو فيها أسماء وعناوين وكذا منزلك يجب ألا تترك فيه أثرًا يدل على قيامك أو اشتراكك في العملية.

2-يجب التفكير في طريق الهرب كتفكيرك في طريقة الهجوم.

ثانيًا: في حالة العمل:

1-لاحظ اتزان الأعصاب والهدوء حتى تتيح لعقلك التفكير السليم من تصرف في الموقف أو لتنفيذ الخطة الموضوعة بدقة.

2-لا تلبس الملابس البيضاء والسوداء والزرقاء فإنها تنكشف بسهولة في الظلام.

3-لا تسمح لنفسك بالوقوع في قبضة أعدائك أبدًا بل استعمل كل الطرق للهرب.

4-المناقشة ممنوعة منعًا باتًا وإنما تكون قبل اجراء العمل حتى صدور أمر التنفيذ.

ثالثًا: مراعاتك للقواعد السابقة تجعل فرصة النجاح 100% فإذا فرض وقبض عليك فيكون هذا في حالتين:

أ-حالة التلبس بالعمل نفسه كحادثة العيسوي أي لا فائدة من الإنكار.

1-عليك أن تجيب على الأسئلة العامة كاسمك وعنوانك وعملك فقط وأصر على الإنكار في أن لك شركاء أو أنك تتلقى أوامر من أية جهة.

2-إذا سئلت عن انتمائك للإخوان عليك إنكار ذلك بشدة وإذا ووجهت بدليل انتمائك إليهم قل أنك قد تركتهم من زمن لأنهم غير عمليين وإنما أنت قمت بهذا العمل لأن الوطنية تقتضيه.

3-احذر كثرة الكلام ولتكن إجابتك مقتضبة ولا تحاول أن تدلل على ذكائك أمام المحقق بمحاولة الثرثرة.

ب-حالة القبض عليك للاشتباه:

1-مع مراعاة البنود الثلاثة السابقة عليك التمسك بإنكار العمل على طول الخط فإن الإنكار لن يضرك بل يفيدك.

2-لا تطمئن مطلقًا للأقوال المعسولة التي قد يبديها المحقق من أنك لن تعاقب وأنه سيطلق سراحك ليجرك بذلك للاعتراف.

3-كذلك لا تخشى التهديد بأي حال لأن البراءة ستكون النتيجة لعدم كفاية الأدلة.

4-لا تصدق المحقق إذا واجهك بأنه علم بشركائك وأنهم اعترفوا حتى ولو واجهك بهم فهي حيلة وعليك أن تؤكد أنك ليس لك شركاء وتنكر معرفتهم.

5-لا تتحدث مع أي شخص حتى ولو كان زميلك في العمل في حالة وجودكم في المعتقل فيما يتصل بشئون الجماعة فهناك من يدسون في المعتقل لهذا الغرض وقد تكون هناك ساعة أو ميكروفون يتصل بالخارج ينقل حديثك.

6-اعتقد تمامًا أن إخوانك في الخارج مهتمون بأمرك وإذا فرض وتركوك وقتًا ما فلا تيأس أبدًا فقد يكون من المصلحة عدم الاتصال بك.

7-وأخيرًا يا أخي فإنك إنما تعمل لله وبالله فلتكن صلتك به وثيقة والله معك.

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.


الأرقام الرمزية وجدول الخلايا

وقد دلت الأوراق المضبوطة على أن أفراد الجيش السري كان يرمز لهم بأرقام معينة بدأت برقم (1) وضبطت تقارير كثيرة عن مراقبة محال وكيفية نسفها والزمان والمكان المناسبين لذلك ووسيلة الهرب وهذه التقارير ممهورة بأرقام ترمز لمحرريها ويصل بعضها رقم إلى 2207

برامج الانقلاب

وضبطت في الجناية العسكرية رقم 227 سنة 1948 الوايلي أوراق بخط السيد فايز تتضمن برامج للتنظيم القضائي والدعاية الداخلية والخارجية وأشير فيها إلى أن الأمر قد يتطلب اغتيال شخصية كبيرة معادية خارج القطر للفت أنظار العالم إلى بلبلة الخواطر بإذاعة الأخبار الكاذبة المثيرة إما بالصحف وإما بمحطات الإذاعة وإلى إنشاء شبكة من الجواسيس يوزعون على الهيئات الآتية:

الوفد 

السعديين

الأحرار

مصر الفتاة

الكتلة

- جبهة مصر

- الشبان المسلمين

– الشبان المسيحين

حزب الفلاح

حزب العمال

نقابات العمال

البوليس السياسي

وضبطت أيضًا أوراق بها تقارير ورسوم وبيانات دقيقة عن السفارات البريطانية والأمريكية والفرنسية وكثير من المحال التجارية والبنوك والمنازل والأشخاص بمدينة القاهرة وضواحيها و الإسكندرية و بورسعيد و السويس وغيرها من بلاد المملكة المصرية وهي تدل على أن الجماعة كانت تراقب هذه الأمكنة وهؤلاء الأشخاص مراقبة دقيقة وأن المراقبين كانوا في كثير من الأحوال يبينون طريقة نسف المحل والزمان والموضع الملائمين لذلك.


العناية بجريمة القتل

وكانت جريمة القتل بصفة خاصة موضع عناية هذه الجماعة السرية فقد عمدت أوراقها إلى تبريره والحض عليه من طريق التغرير والإيهام والتضليل بأنه من سنة رسول الله (ص) وإن مرتكبه إنما يتبع النبي (ص) في أمر يرضى عنه النبي (ص) وقد جاء في احدى الأوراق المضبوطة ما يأتي:

"علينا أن لا نتردد في الاستعانة بسنة رسول الله (ص) في اغتيال أعدائه. ولم يقتصر الرسول (ص) على اغتيال الرجال فحسب بل امتد إلى كل امرأة عنيدة خطيرة على أمن الناس وسلامتهم...

إنه من التنطع أن تقدس دماء المرأة بلا قيد ولا شرط فالحضارة الحديثة نفسها تذهب في عقابها إلى حد الإعدام..." هذه الجماعة

–أي جماعة الإخوان المسلمين- يجب تأييدها على كل وطني

- وكل متخاذل عنها قاعد في نصرتها فهو مقصر في أمر الله ومن يناوئها أو يناهضها ويعمل على إخفات صوتها من المسلمين أو غير المسلمين فهو بلاشك مناهض لجماعة المجاهدين ولا فرق بين مواطأة العدو ومناهضة هؤلاء إلا إن المناهضة أشد إثمًا... ولا تردد أبدًا في الحكم بأن مثل هذا الخارج على المجاهدين مهدر الدم وأن قاتله مثاب على فعله بأعظم ما يثاب به المجاهدون عند الله.

وجاء في ورقة أخرى مضبوطة في قضية السيارة الجيب "إن القتل وإن كان يعتبر جريمة في الأحوال المدنية إلا إن له ما يسوغه كثيرًا من ناحية العقيدة أو الوطنية. وفي هذه الحالة يفقد القتل صفة الجريمة وينقلب واجبًا على الإنسان إن لم يقم به كان مجرمًا في حق عقيدته أو وطنه.

ومضى حضرته يقول:

أرسول الله قد اغتال؟

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فقد روى الإمام النووي في شرحه بصحيح مسلم إن إنسانًا قال في مجلس علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن النبي (ص) قتل كعبًا بن الأشرف غدرًا فأمر به علي فضرب عنقه

–وذكر المؤلف أن قتل كعب بن الأشرف إنما كان لأنه نقض عهد النبي (ص) وجاء مع أهل الحرب معينًا عليهم.

وقد جاء في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

وحسبنا ردًا على هؤلاء الغاوين قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)﴾. صدق الله العظيم.

وقد بلغت بهم العناية بأمر القتل أن جعلوا يختبرون أعوانهم في جرائم القتل السياسي السابقة ونواحي الضعف التي أدت إلى ضبط الفاعل فيها وكأن هذه الحوادث مواقع حربية تدرس وتمحص ليتجنب فيها القتلة الأخطاء والسقطات.

حضرات المستشارين و الضباط العظام

لقد اجتمع لهذا الجيش السري، فضلاً عن الرؤوس المفكرة والعقول المدبرة وكثرة الأيادي العاملة من ذوي الأطماع أو ذوي الشهوات أو قصارى النظر قليلي التجارب،

اجتمع له فضلاً عن ذلك المال الوفير الذي حشد به الأسلحة والمرفقعات والذخائر ووسائل النقل وأدوات التراسل والإذاعة، المال الذي أعانه على شراء الرجال وإعداد الأوكار في مختلف الجهات في الحضر والريف،

ولقد ضبط لدى الإخوان من القنابل الألوف ومن الأسلحة ما يجزئ الجيوش ومن المفرقعات ما يكفي لنسف مدن بأسرها.

لقد رأيتم حضراتكم من الشواهد التي قدمتها كيف تكون الجيش السري وكيف تجهز وكيف درب جنوده على استعمال الأسلحة الصغيرة والقنابل والمفرقعات، وكيف بث منهم جواسيس يراقبون حركات الأحزاب السياسية كلها،

والجمعيات التي لها نشاط اجتماعي ملحوظ وكيف قاموا بمراقبة الأشخاص توطئة للفتك بهم والدور والقصور والمتاجر والمصارف إما لنسفها أو لسلبها ورأيتم حضراتكم كيف عني هذا الجيش بأمر القتل والحض عليه وتهوين أمره على النفوس كما رأيتم إلى أي آفاق بعيدة كان ينظر هذا الجيش وإلى أي أهداف ضخمة كان يهدف وأنه كان يرضى بأقل من بسط سلطانه الكامل على مصر ليكون حكمها غنيمة لقادته وزعمائه.

قلت إن خطة قيادة الإخوان كانت ترمي أولاً إلى لفت الأنظار ولقد جدت هذه القيادة في ذلك الجد كله فأخذت أولاً تحاول أن تضع يدها على حركات الطلبة في المدارسس والجامعت والمعاهد ووفقت في ذلك إلى حد بعيد وكان المنتمون إلى الإخوان على رأس كل شغب في معاهد التعليم وهم أول من ابتدع بدعة استعمال السلاح والقنابل في دور التعليم.

ولما أن رفعت الأمة عقيرتها تطالب بمطالبها القومية اغتنم الإخوان هذه الفرصة للفت الأنظار من طريق العنف والجريمة فدسوا من ألقوا القنابل في جهات متفرقة بالقاهرة و الإسكندرية و بورسعيد.

وكأن قيادة الإخوان قد شعرت بعد ذلك أن الظروف قد تهيأت وأن الوقت قد نضح لأكثر من لفت الأنظار فأقدمت على افتتاح عهد من الإرهاب بفاتحة فاجعة كان ضحيتها علمًا من أعلام القضاء وهو المرحوم أحمد الخازندار بك وهيأ لها استمرار هذا الإرهاب اندلاع الصراع في فلسطين فاتخذت من دعوى إرهاب اليهود أو الرغبة في إرهابهم وسيلة لإرهاب المصريين ولإضاعة ثقتهم بنظام الحكم القائم.

لقد كان الرأي العام يعتقد بعد مقتل الخازندار بك وتكرار حوادث النسف البشعة أن هذه الجرائم من فعل الإخوان فلما وقعت فاجعة شركة الإعلانات في 12 نوفمبر سنة 1948 كانت مصر كلها علامات استفهام في وجه رئيس الحكومة إذ ذاك تسائله إلى متى

ولماذا ينتظر وما الذي سيفعله وصار الناس لا يأمنون على أنفسهم في غدوهم ورواحهم أن تعصف بالجالس أو الماشي أو الراكب منهم شظية من قنبلة أو رصاصة من مسدس أو سقف ينهار عليه في أية لحظة من نهار أو ليل وكأن الإخوان وقد أخذ ذلك القلق العام بهيبة الحكومة لهذه الحوادث والجيش المصري يعاني الصعاب خارج حدود بلاده كأنهم أرادوا أن يغتنموا الفرصة ليثبوا وثبة لا تكلفهم إلا القليل فأثاروا الشغب في الجامعة وفي أول يوم بدأت فيه الدراسة

"4 ديسمبر سنة 1948" وكان شغبًا مسلحًا ألقى فيه بعض أتباعهم قنبلة أودت بحكمدار العاصمة وهو بين جنوده فزاد جزع الناس لهذا الحادث وزلزلت مكانة الحكومة وسمعتها في الداخل والخارج زلزالاً شديدًا ولكنهم تابعوا خطتهم فإذا بشغب آخر يقع في المدرسة الخديوية بعد يومين من مقتل الحكمدار وإذا بالقنابل تلقى بهذه السرعة على كبار رجال الحفظ فيصاب ضابط وسبعة من الجنود وعندئذ لم يبق في قوس الصبر منزع ولم تجد الحكومة أمامها إلا حل جماعة الإخوان فصدر بذلك أمر عسكري في

8 ديسمبر سنة 1948. ولم تقابل جماعة الإخوان هذا الأمر بالانصياع والطاعة شأن كل المواطنين المسالمين بل اعتبرته تحديًا لقوتها وجرحًا لهيبتها وجرأة من جانب الدولة لا تجوز في حقها ولا تسوغ وبدأت جماعتها السرية تعقد الاجتماعات لتغسل بالدم هذه الجرأة وهنا أحب أن أورد ما قاله المتهم الأول نقلاً عن رئيس مجموعته السرية محمد مالك يوسف إذ قال:

أذكر أنه أثناء اجتماع من الاجتماعات عقب حل الإخوان قال أحد الموجودين

– الناس منتظرين عمل يقوم به الإخوان ضد من حل الجماعة وذكر أحدهم أنه يحسن مهاجمة منزل النقراشي باشا علشان قتله فرد محمد مالك وقال الشيخ حسن البنا لا يريد أن يضحي بأكثر من شخص واحد لارتكاب هذه الحادثة وإن باقي الأفراد سيكلفون بأعمال أخرى".

وكان الرأي انتهى إلى ما أشير به من تضييق الخساشر المحتملة للقيام بهذا الثأر في أضيق الحدود فوقع اختيار الجماعة على عبدالمجيد أحمد حسن لتنفيذ الجريمة و على شفيق أنس و محمد كامل لمعاونته فيها وتلقى عبدالمجيد أمر التكليف بهذه المهمة الشنيعة في يوم 18 ديسمبر سنة 1948 وبدأوا يرسمون له الخطة

ويجهزونه هو وزملاءه بالأسلحة وبالملابس اللازمة لتنفيذها واختاروا أن يكون التنفيذ في وزارة الداخلية ليكون وقع هذا الفعل شاهدًا بسلطانهم معلنًا عن قوتهم وليحمل من معنى التحدي للسلطات، والاستهانة بها وإسقاط هيبتها ما يعيد للجماعة منزلتها التي عسف بها أمر الحل.

وكانت مصر إذ ذاك تمر بفترة حرجة فجيشها كان يقاتل وحده جموع الصهيونيين الذين قطعوا الطريق على بعض وحداته وأخذوا يشددون عليه النكير بما حشدوا من عتاد هائل ورجال لا حصر لهم

– وكانت البلاد معلقة الأنفاس ترقب جهود الحكومة في تمكين الجيش من الثبات والنجاة من الخطر المحدق به وبالبلاد كلها ولكن الإخوان لم يأبهوا لذلك وقرروا أن يغتالوا رئيس الحكومة ويوقعوا بقتله الاضطراب في أعمالها في تلك الآونة العصيبة ففي صباح يوم الثلاثاء 28 ديسمبر سنة 1948 حضر دولة النقراشي باشا إلى وزارة الداخلية على عادته يحف به حرسه ولما قرب من المصعد فوجئ برصاصتين ترديانه أطلقهما عليه شاب يلبس ملابس ضباط البوليس تبين أنه هو عبدالمجيد أحمد حسن وكان مترصدًا له ليغتاله في عرينه

– هكذا استشهد النقراشي باشا سقط شهيدًا لأداء واجبه وهي نهاية فاجعة، لقد فقدت مصر بهذا العمل الآثم قائدًا من قادتها ورجلاً هامًا من رجالاتها وهي أحوج ما تكون إلى القادة والرجال.

لقد أذهلت هذه الجناية مصر جميعها وخاف الناس أن يكون الزمام قد أفلت نهائيًّا من يد القائمين على الأمر وأن يكون الإرهاب قد فاز بالغلبة على القانون ولكن أيد حازمة قد أمسكت بالزمام بقوة فتجلت شجاعة الشعب وأظهر الخطر معدن هذه الأمة فوقفت السلطات ومن ورائها الأمة ترد غرب الإرهاب وتزود عن مصر ويلاته وكان لهذه المحكمة الموقرة بأحكام لها عادلة سديدة فضل وأي فضل في إعادة الثقة إلى النفوس والطمأنينة إلى القلوب.

حضرات المستشارين والضباط العظام

لا تخدعنا في هؤلاء القوم صلاتهم ولا صيامهم فقد قال صلوات الله عليه وسلامه في مثلهم "تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم وصوم أحدكم في جنب صيامهم ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم"

ورد في كتب التاريخ أن عروة بن أذينة وهو من الخوارج نجا من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية ثم أتى إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له فسأله عن عثمان فشهد عليه عروة بالكفر فسأله عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه فتبرأ منه وشهد عليه بالكفر،

فسأله عن معاوية فسبه سبًا قبيحًا فأمر زياد بضرب عنقه ثم دعا مولاه أي خادمه وقال له صف لي أمره واصدق واختصر فقال ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشًا بليل قط.

فهذا الخارجي كان يصوم النهار ويقوم الليل ولكنه كان ضال القلب ولذلك فكر عليا وكفر عثمان.

وإذا كان الإخوان قد أحلوا القتل باسم الدين فقد سبقهم الخوارج إلى ذلك إذ صوب قطري بن الفجاءة فعلة عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله "قتله الإمام علي".

فالضلال قديم وقتل الناس بفعله قديم كذلك والاحتجاج على الجرم والجريمة والبدع والضلالات بكتاب الله وآياته العزاز قديم أيضًا فقد احتج بالقرآن متأولين أصحاب البدع جميعًا من المعتزلة والجبرية والصفاتية والمشبهة والمختلطة والقدرية

والخوارج على أصنافهم من الأزارقة والإباضية والصفرية والشيبية والثعالبة والبيهسية والشيعة على اختلافهم من كيسانية وغلاة إلى آخر ما تشير إليه كتب التاريخ التي عنيت بأمر الفرق والملل والنحل.

لقد حرص هؤلاء الناس على الإدعاء باحتكار الإسلام والانفراد بفهم حقيقته والاستئثار بتأويل كتاب الله فملأوا جنودهم غرورًا وافتئاتًا حال بينهم وبين الانصاف.

لم يكن بد من هذا العرض الذي أخشى أن أكون قد أطلبت فيه لأنه هو الإطار الذي ينبغي أن توضع فيه الواقعة المعروضة عليكم لتبدو على حقيقتها ولتأخذ قيمتها في الظروف التي تقدمتها وتلتها فإن كل تفصيل من تفاصيل القضية يجد أصلاً له في هذه الشواهد العامة التي ذكرتها بل إن هذه التفاصيل ليست إلا تطبيقًا

دقيقًا في معظم الأحوال لتلك الشواهد العامة سواء فيما يتعلق بتكوين الجماعة السرية أو بأساليبها في العمل وفي التخفي وفي الفرار من وجه القضاء وهنا أود أن أزيل شبهة كثيرًا ما تذرع بها المتهمون في هذه القضية والقضايا الأخرى المشابهة وهي التمسح في الحرب الفلسطينية فإن الشواهد التي سقتها تقطع بأن الحركة الإرهابية للإخوان قديمة ترجع إلى ما قبل سنة 1945

وأنها كانت في طريقها إلى النمو أو الاستكمال وأن هذا الاستكمال قد تحقق قبل الحرب الفلسطينية فأنشئت الخلايا وحصل التدريب وحشدت المعدات قبل الصراع الفلسطيني بسنوات بل لقد استغل الإخوان النزاع الفلسطيني لحشد الذخائر والأسلحة فظلوا حتى بعد أن تدخل الجيش المصري في 15 مايو سنة 1948 في الحرب الفلسطينية وبعد أن حظرت الحكومة على الهيئات شراء الأسلحة ظلوا يشترونها ويخفونها.

وقد ذكر عبدالمجيد أنه عرف نظام الجمعية السرية من أواخر سنة 1946 وقبل أن تنشأ مشكلة فلسطين بزمن طويل وأن رؤساء الجمعية السرية كانوا يزعمون له ولغيره من الأعضاء أنهم إنما يدربونهم ويعدونهم للجهاد فلما بدت مشكلة فلسطين ورأى المخدوعون منهم فيها فرصة للجهاد ألحوا في التطوع لمحاربة الصهيونية ولكن رؤساء الجمعية كانوا حريصين ألا يتطوع من جماعة الإخوان إلا الأعضاء المنتمون للنظام الظاهري ولا يبعثوا عن أعضاء النظام السري إلا قلة وأن يحتفظوا بالكثرة منهم لما أسموه بالجهاد الداخلي وهو في عرفهم كما ذكر عبدالمجيد الاغتيال والنسف والتدمير.

إن هذه الساحة ساحة قضا كلها جد واتزان ووقار لا محل فيها للمجادلات والمهاترات بشأن أصول الحكم و السياسة وهل ينبغي أو لا ينبغي إبدال الحكام المدنيين بحكام دينيين وهل من المصلحة أو غير المصلحة أن لا يكون في البلد إلا حزب واحد وهل من الخير أو من الشر ألا تقوم في البلد معارضة قوية.

هذه مسائل لم تعد الإجابة عليها في البلاد المتحضرة موضع شك ولكن الجدل والتهاتر فيها مع ذلك في هذه الساحة لا موضع له ولا يتفق مع جلال المأساة الدامية التي تعالجونها حضراتكم الآن.

ومضى الأستاذ عبد السلام في سرد وقائع الحادث مما سبق أن فصلناه ثم قال:

وبينما كان التحقيق في واقعة القتل يأخذ مجراه من ناحية كان التحقيق في حادث ضبط السيارة الجيب يأخذ هو الآخر مجراه من ناحية أخرى وقد ضبطت في هذه السيارة ثلاث كراسات تتضمن أسئلة وإجابات في القانون والفقه والدروس الروحية وحرب العصابات واستعمال الأسلحة والمتفجرات وكيفية الإجابة في حالة الضبط وتعليل الصلة بمن يضبط مع المقبوض عليه وما يوجد معه من أوراق

– وقد أجيب في الكراسة رقم 28 ردًا على سؤال خاص بسبب وجود محرر الكراسة مع آخرين بما يأتي:

"صلتي بمن معي هو أننا أشخاص نقطن حي واحد 14 سنة وبما أن عطلة عملي هو يوم الأحد وكذلك صاحب المنزل فلذلك اجتمعنا أما عبدالمجيد فبينما نحن جالسان رأيناه ذاهب ليتربص ناحية الخلاء لحبه للرياضة فناديناه للجلوس معنا

–وأجيب في الكراسة رقم 27 على نفس السؤال بعبارة يقرر فيها صاحبها أن عادل وطاهر جاران له وأن أولهما صديقه وأنه ناداه أثناء سيره في الطريق فصعد إلى منزله للعب الورق وأن هذا هو تعليل صلته بهم. وقد كانت هذه الكراسات هي المنفذ الذي تمكن المحققون بولوجه من كشف أسرار الحادث وهي الدليل المادي الذي ألجأ عبدالمجيد إلى الافصاح عن أسماء بعض أعضاء الجمعية الإرهابية

–وذلك أن شخصًا يدعى أحمد حجازي وهو أحد أصحاب شركة راديو الشرق الأوسط كان قد قرر في تحقيق هذه الجناية أن عادل وطاهر ومحمد ممدوح حافظ قد حضروا إلى محله لشراء راديو فسئل محمد ممدوح حافظ عن هذه الواقعة وتبين أنه يقيم مثل عادل وطاهر في حي حدائق القبة وقامت شبهة في أن يكون هو محرر الكراسة رقم 27 سابقة الذكر

ولكن تبين أن خطها يخالف خطه وقرر عند سؤاله أن كلا من عادل وطاهر و عبدالمجيد أحمد حسن يعرفون بعضهم معرفة وثيقة وأنهم كانوا ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين لحين صدور الأمر بحلها وأنه هو الآخر كان ينتمي إليها وأنه لما تبين منها انحرافًا إلى العنف انقطع عنها من نحو سنتين ونصف وإزاء هذه الأقوال ولما كان عبدالمجيد يقيم في حي حدائق القبة بالقرب من منزلي عادل وطاهر فقد اتجه الظن إلى أنه قد يكون هو محرر كراسة الاختبار رقم 27 وضوهي خطه على خط الكراسة فتبين أن الخطين متقاربان وأنه يشابه إلى حد ما خط تقرير مضبوط في حافظة مصطفى مشهور عن القنصلية الفرنسية ونوقش عبدالمجيد في ذلك فنفى كتابته للكراسة

والتقرير كما أنكر معرفته لعادل وطاهر وندب خبير الخطوط بمصلحة الطب الشرعي الدكتور محمد إبراهيم شكري لفحصها وقل أن يقدم تقريره تبين أن اسم عبدالمجيد قد أشير إليه في الكراسة رقم 28 على التفصيل السابق فنوقش في ذلك فلم يجد بدًا من الإقرار بأنه هو الشخص المقصود واعترف بأنه حرر الكراسة رقم 27 دون تقرير القنصلية الفرنسية

– وقد جاء تقرير الخبراء بعد ذلك مؤيدًا له فيما قرره من أن الكراسة مكتوبة بخطه وأن التقرير مكتوب بخط مغاير

–وعندئذ بدأ عبدالمجيد بقدر وبشيء كثير من الاحتياط والتهيب في الافصاح عن حقيقة الجمعية السرية الإرهابية التي كان ينتمي إليها ولكنه حتى ذلك الحين لم يكن يريد أن يفصح إلا عن أسماء من ضبط من أعضاء هذه الجمعية وهما أحمد عادل كمال و طاهر عماد الدين بل إنه لم يذكر اسميهما إلا مضطرًا إزاء مواجهته بالدليل المادي المستخلص من الكراستين المكتوبة إحداهما بخطه فقرر أن أحمد عادل عرضه عليه في شهر رمضان الماضي أن ينضم إلى جمعية سرية من جماعة الإخوان المسلمين تعمل لنصرة الوطن و الإسلام فقبل وتحمس للفكرة وأقسم على أن يضحي بنفسه وماله في سبيل تحقيق أغراض تلك الجمعية وأفهمه عادل أنه سيكون الصلة بينه وبينها وعرض عليه مذكرات دينية وأخرى في القانون الجنائي

– وقد تعرف على الكراسات المضبوطة في السيارة الجيب والموضوعة في القانون الجنائي وقرر أن نسخة منها هي التي عرضها عليه أحمد عادل كمال

– وحدد له يومًا لاختباره فيما تضمنته ثم ذهب بعد نحو أسبوعين إلى منزل عادل حيث وجد عنده طاهر عماد الدين واختبره عادل بحضور طاهر في المذكرات المسلمة إليه وأجاب عليها وأثبت الأسئلة والأجوبة في الكراسة المذكورة وإزاء هذه الظروف ضوهي خط كل من عادل وطاهر على الكراستين الآخريين الشبيهتين بكراسة عبدالمجيد وهما الكراستان رقم 28و29 فلوحظ أن خط كل منهما يقارب خط أحد الكراستين وندب خبراء الخطوط لفحصها فتحقق أن الأولى بخط عادل وأن الثانية بخط طاهر وهما من راكبي السيارة الجيب التي ضبطت الكراسات الثلاثة مع جانب كبير من أوراق الجمعية السرية كما سبق.

وقرر عبدالمجيد أن شخصًا يدعى ضياء كان قد أفهمه أن قرار الحل هو بداية الجهاد في سبيل الله وأن المرحوم النقراشي باشا قد أصبح بعد إصدار هذا القرار عقبة في سبيل الدعوة وأنه يجب إزاحته من طريقها وأنه كانت تتلى عليه آيات في الجهاد منها ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)﴾.

و ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ وغير ذلك ويقول عبدالمجيد أنه اطلع بعد ذلك على بيان هيئة كبار العلماء وصار يقرأ القرآن في سجنه ويتلو الآيات التي وردت في هذا البيان عن تحريم القتل فتأثر تأثرًا شديدًا وأدرك أنه قد تنكب الطريق السوي وصار يردد هذا المعنى في التحقيق وهو يجهش بالبكاء وأدرك أنه قد غرر به باسم الدين وبدأ يذكر بعض تفصيلات عن كيفية تدبير الحادث ولكنه كان يعزو حتى ذلك الوقت هذه التدبيرات إلى ذلك الشخص الذي أسماه ضياء (وتبين فيما بعد أنه اسم مستعار لمحمد مالك يوسف).

ووقف الأمر فترة أخرى عند هذا الحد واقتصر عبدالمجيد على القول بأن من حرصه على القتل هو ضياء هذا وأنه عرفه بترزي يسمى أحمد صنع له السترة العسكرية التي كان يرتديها وقت الحادث وظل يجهل شخصية هذين الاثنين إلى تقدم اليوزباشي رشدي لبيب معاون مباحث السيدة بتقرير جاء فيه أنه علم من التحريات أن صانع السترة العسكرية هو ترزي يدعى عبدالعزيز أحمد البقلي وأنه خط بنطلونها عند ترزي يدعى محمد سعيد.

وتبين من تحقيق مصدر التحريات أن ترزي البنطلونات محمد سعيد حسين كان قد أفضى لشخص يدعى مصطفى حسن يوسف

–وهو ترزي سابق ويعمل عاملاً في المطبعة الأميرية ويتردد على محمد سعيد

– أفضى محمد سعيد لمصطفى بشبهته في أن يكون عبدالعزيز هو الذي صنع البدلة لقاتل النقراشي باشا وبنى شبهته على أنه كان قد أحضر له قبل الحادث بأيام قليلة بنطلونًا من الصوف الأسود وطلب منه أن يسرع بإنجازه فأنجزه له في يوم أحد وسلمه له وقال محمد سعيد لمصطفى حسن أيضًا أن عبدالعزيز يتوقع القبض عليه في كل لحظة وذهب مصطفى حسن إلى قسم السيدة ليبلغ بهذه المعلومات ولم يجد أحدًا من رجال المباحث ويظهر أنه حدث أحد العساكر في موضوع بلاغه هذا فعلم به معاون المباحث واتصل بمصطفى حسن في منزله وأخذه هذا لمحمد سعيد وأفضى له الاثنان بالمعلومات السابقة فقدم تقريره.

وبناء على هذا التقرير عرض عبدالعزيز البقلي على عبدالمجيد فنفى أنه هو صانع البدلة ولكن التحقيق لم يكتف بظاهر الأمر بل حقق وقائع التقرير فعرض البنطلون على الترزي محمد سعيد حسين بين بنطلونات أخرى مشابهة فتعرف عليه من طريقة حياكته وقرر أنه كتب بالقلم الرصاص مقاساته على أحد جيوبه الداخلية وتبين صحة ذلك وجزم بأن عبدالعزيز البقلي هو الذي أرسل له البنطلون المضبوط لحياكته وقد عرف ذلك من مميزات خاصة ببنطلونات عبدالعزيز إذ إنه اعتاد أن يجعل جيوبها من القماش الأبيض وبطانة كمرها من فودرة أكمام الجاكتة

وقال إن اجتماع هاتين المميزتين جعله يجزم بأن البنطلون لعبدالعزيز ولم يسمع عبدالعزيز أحمد البقلي إزاء هذه الحقائق إلا التسليم بأنه هو صانع البدلة ووافقه على ذلك عامله مصطفى عبدالمنعم المنوفي عند مواجهته به وكان قد نفى ذلك بادئ الأمر وعرض عبدالمجيد على عبدالعزيز قرر هذا أنه هو صاحب البدلة كما قرر أن شخصًا يدعى كمال السيد القزاز كان قد حضر له وأخبره بأنه سيبعث له بشخصين ليصنع لأحدهما بدلة ضابط بوليس وبعد يومين حضر عبدالمجيد مع شخصين آخرين ودخل الدكان مع أحدهما وسلماه ثلاثة أمتار من قماش أسود فأخذ مقاسه في الدكان ثم أجرى له البروفة في اليوم التالي وسلم البدلة بعد ذلك كان قبل حادث القتل بنحو خمسة عشر يومًا

– ولم تكن نية عبدالمجيد قد صحت حتى ذلك الوقت على الافصاح عن الحقيقة كاملة وعلى الإرشاد عن شركائه كلهم وكان يدرك أن تسليمه بأقوال عبدالعزيز البقلي سيضطر إلى ذكر اسم ذلك الشخص الذي ذهب معه إلى دكانه فسئل فيما قرره عبدالعزيز فنفى أنه صانع البدلة رغم ما قرره عبدالعزيز من وجود علامة أكيدة في الجاكتة إذ قرر أنه عندما ضغط بالآلة المسماة بالزمبة على الجيب الأيسر للجاكتة ليحدث ثقبًا لموضوع الزرار ضغط بها خطأ على حافة الجيب فأحدثت ثقبًا في هذه الحافة وقد فحض هذا الجيب فوجد الثقب في أعلاه وقرر مصطفى عبدالمنعم المنوفي عامل عبدالعزيز أنه عرف الجاكتة من نفس هذا الثقب. كذا قرر عبدالعزيز أنه طلب منه صنع بدلة الملازم ثاني

فأحدث بالزمبة ثقبًا واحدًا لموضع نجمة واحدة في الجانب القريب من الكتف في كل من الناحيتين وتبين من معاينة الثقب الثاني في كل من الجانبين بمعرفة المحقق والطبيب الشرعي أنه أحدث بطريقة تقل في دقتها عن الطريقة التي أحدث بها الثقبان الخارجيان مما يدل على أن الثقبين الداخليين قد أحدثا فيما بعد بآلة غير الآلة التي أحدث بها الثقبان الخارجيان رغم ذلك بقي عبدالمجيد على وقفة ولكن نفسه كان يتفاعل فيها الندم والشك في سلامة تصرفه من الوجهة الدينية إلى أن اقتنع أخيرًا على حد قوله بأنه قد غرر باسم الدين وأن من غرروا به ظلوا أحرارًا وتركوه هو في محنته ليتحمل وحده مسئولية هذه الجريمة الخطيرة هذا إلى أنه قد أدرك أن وجود هؤلاء الشركاء في الخارج مطلقي السراح قد يعرض البلاد لأحداث أخرى ولنكبات أشد خطورة بدليل حصول حادث محاولة نسف مبنى المحكمة كما أدرك أن تجهيله شخصية ضياء جعل البوليس يعتقل كثيرًا من الأبرياء وفكر في سجنه في اعتراف عبدالعزيز بصنع البدلة فأدرك أن الحقيقة قد تكشفت وخاصة بعد

أو وجه بعبدالعزيز وتحقق أنه اعترف بذلك حقيقة. عند ذلك أدرك أن إنكار هذه الحقيقة لم يعد مجديًا فصح عزمه على الإفضاء بهذه الحقيقة وقدم من سجنه في 22 مارس سنة 1949 طلبًا يبدي فيه أنه يريد الإدلاء بمعلومات جديدة فاستدعى وبدأ اعترافه الأول وهو يتضمن واقعة تفصيل البدلة عند عبدالعزيز البقلي، وواقعة مالك حين طلب إليه أن يذهب إلى أحمد فؤاد الضابط. ثم مقابلته لأحمد فؤاد حيث كلفه بشراء البدلة والأزرار والحذاء على نحو ما قدمنا.

ومضى حضرته في تفنيد الأدلة وكيف أرشد عبدالمجيد عن منازل عاطف ومالك وأحمد فؤاد، والأمكنة التي جلس فيها في هذه المنازل وصفًا دقيقًا.

ثم اختفاء مالك وضبطه في الإسكندرية واعتقال أحمد فؤاد في بنها ثم هربه من رجال البوليس ومطاردتهم له في المزارع وإطلاقه الرصاص عليهم، وإصابته برصاصة من بنادق البوليس أردته قتيلاً،

وذكر حضرته إنكار عاطف معرفته لعبدالمجيد، ولما تعرف عليه عبدالمجيد عدل عن إنكاره. وقال إنه كان حاضرًا أثناء وقوع مشادة بينه وبين آخر وهو يستمع إلى محاضرة في دار المركز العام للإخوان. ثم تعرف البقلي عليه وزعمه أنه كان أيضًا من شهود هذه المشادة.

وأشار الأستاذ عبدالسلام بعد ذلك إلى اعتراف عبدالمجيد التالي في 4 مايو سنة 1949 حيث أفصح عن حلقة أخرى من سلسلة هذه الجمعية الإرهابية وذكر اسم الشيخ سيد سابق وأنه أفتاه مشروعية الجريمة. وأخذ يفند بعد ذلك الأدلة القائمة ضد جلال الدين يس، فذكر أن جلال بعد أن عهد إليه بالاشتراك مع عبدالمجيد وشفيق أنس في تنفيذ الجريمة، عاد وعدل واحتج بمرضه وسافر إلى المنصورة وعاد يوم السبت وفي يوم الثلاثاء علم بالحادث، وإن جلال قد تعرف على كل من عاطف عطية حلمي و السيد فايز عبدالمطلب، و عبدالحليم محمد أحمد عند عرضهم عليه. كما وصف منزل كل من هؤلاء الأشخاص وصفًا صحيحًا.


السيد فايز

وانتقل إلى تفنيد الأدلة القائمة ضد السيد فايز فقال: إن البوليس قبض عليه في مكتبه في يوم 16 مارس سنة 1949 وقد حاول الهرب، ولكن البوليس استطاع اعتقاله، وقد تبين أن خط الأوراق المضبوطة في قضية سيارة الجيب بخطه، وقد أنكر معرفته بعبدالمجيد ولما تعرف عليه قال إنه ربما رآه في المركز العام للإخوان.

كما تبين أن برامج الجمعية الإرهابية كتبت بخطه.

واستند الأستاذ عبدالسلام في إثبات اشتراك السيد فايز – عدا ما تقدم- إلى أقوال عبدالمجيد عنه. وهكذا استمر الأستاذ عبدالسلام يسرد الأدلة القائمة قبل كل متهم، وهي تنحصر في أقوال عبدالمجيد وأقوال جلال،

والأوراق المضبوطة التي كتبت بخطوط بعضهم، ومن أسلوب إجاباتهم في التحقيق بما يتفق وتعليمات النظام الخاص ومن اعتراف بعض المتهمين على بعض الوقائع التي ذكرها عبدالمجيد ووجود أسماء بعضهم في جدول خلايا النظام، فمثلاً وجد اسم عبدالعزيز البقلي و كمال القزاز في جدول خلايا السيد فايز، كما ضبطت أوراق في منزل كمال القزاز من بينها ورقة تشير إلى رسم خطة حربية للاستيلاء على ثكنات قصر النيل.

وقد تناول الأستاذ عبدالسلام الأدلة القائمة قبل الشيخ سيد سابق فقال:

بعد أن أشار إلى ما ذكره عنه عبدالمجيد خاصًا بمقابلته في منزل عاطف حيث أحضره له ليفتيه في مشروعية الجريمة المزمع ارتكابها – أن صلة الشيخ سيد بجماعة الإخوان وقيامه بوظيفة الافتاء لهم واضحة من أقواله هو نفسه فقد قرر أنه كان يتردد على المركز العام لهذه الجماعة واتصل بالشيخ حسن البنا وعرض عليه هذا أن يسافر مع متطوعي الإخوان إلى فلسطين ليفقهم في الدين فسافر معهم في منتصف شهر فبراير سنة 1948 إلى نقطة الريسة التابعة للعريش حيث مكث شهرين يصلي بالمتطوعين ويحدثهم في الشئون الدينية وعاد في شهر إبريل سنة 1948 وعرض عليه الشيخ حسن البنا أن يشترك في تحرير جريدة ومجلة الإخوان فأخذ يكتب في المجلة أحكامًا فقهية بعنوان "طاقة الزهر"

حتى أغلقت المجلة في شهر نوفمبر سنة 1948 وكان يشرف على مكتبة الجماعة وقال إن مقالات "طاقة الزهر" كانت تتضمن شرحًا لبعض الآيات والأحاديث والقصص والشعر وأحكام الفقه "والفتاوى" وكان يتلقى استفتاءات في هذه الموضوعات فيجيب عليها في المجلة. وقد ضبط في منزله خطاب مرسل له من طاهر عماد الدين وهو أحد ركاب السيارة الجيب وزميل عبدالمجيد في الجمعية السرية.

وقد استفتى طاهر عماد الدين في خطابه هذا الشيخ سيد سابق فيما يفعله وقد دل بأن احتضن فتاة وقال في خطابه "إنه قد فسق هذا الشاب الذي علمتموه كيف يتقي الله فيخشاه"

وهذه العبارة واضحة الدلالة على أن طاهر كان يعرف الشيخ سيد سابق ويتلقى عليه هو الآخر دروسًا ويظهر أنها هي الأخرى دروس تخلط ين الدين والإجرام أو بعبارة أخرى تمهد السبيل إلى الإجرام عن طريق الدين يدل على ذلك الكراسات الثلاثة رقم 27 و28 و29 المحررة بخط كل من عبدالمجيد طاهر وعادل والتي تتضمن اختبارات في القانون والفقه والصلاة والوضوء والطهارة والدروس الروحية وحرب العصابات واستعمال الأسلحة والمتفجرات وكيفية الإجابة في حالة الضبط وتعليل الصلة بمن يضبط مع المقبوض عليه وما يوجد معه من أوراق

– ويلاحظ أن بعض هذه المواد مما تناوله السيد سابق في كتابيه عن الصلاة والطهارة. حقًّا إنه لخلط عجيب بين الدين والإجرام قد قصد به التغرير بهم ورسم صورة في ذهنهم تجعل الدين والجريمة متلازمين ووسيلتين لغرض واحد.

وقد سئل السيد سابق عن طاهر عماد الدين فقال إنه تلقى منه خطابًا خاصًا بسؤال من الأسئلة التي كان يستفتي فيها.

ولكن الظاهر أن علاقته بطاهر لم تكن علاقة القارئ بالمحرر كما يريد أن يصورها بل هي علاقة أوثق من ذلك هي علاقة أحد أعضاء الجمعية الإرهابية بمفتي الدماء فيها.

وإلا فكيف تذكر اسمه هذا من مئات الأشخاص الذين ترد له منهم أسئلة ليجيب عنها في المجلة إلى أن عبارة طاهر في خطابه تقطع بأن السيد سابق هذا أستاذه ومعلمه.

يضاف إلى ذلك كله أن السيد سابق قرر في أقواله أنه كان يفقه متطوعي الإخوان في فلسطين في شئون الدين وأنه كان من بين هؤلاء المتطوعين عبدالرحمن عبدالخالق وأنه استشهد في معركة دير البلح وعبدالرحمن هذا هو صاحب الروح التي دخلت الجنة في سلة على ما سمع عبدالمجيد من مفتي الدماء، ولا يمكن أن يكون عبدالمجيد

–وهو الذي ثبت صدقه في كل كلمة قالها قد اختلق هذه الرواية اختلاقًا ونسب صدورها إلى السيد سابق- بل إن روايته في هذه الناحية طبيعية وقد صدق بسذاجة موضوعها عندما وعده الشيخ السيد سابق بالجنة أن قتل النقراشي باشا كما قاتل عبدالرحمن عبدالخالق يهود فلسطين.

وإن أردنا بعد ذلك أن ندرك قوة تأثير السيد سابق في سامعيه وفي أمثال عبدالمجيد بالذات فلنرجع إلى أقواله هو نفسه التي يقول فيها أنه يجيد الخطابة ويجيد التأثير في سامعيه ثم لنرجع بعد ذلك إلى أقوال طاهر عماد الدين في خطابه له وهو يقول "

أخي، لقد هلكت فأصبحت مع العصاة والجاحدين.. أفتني بربك ولا تخف في الله لومة لائم إن الكلمات تقف في حلقي والقلم يكتب بالرغم مني لتدنس طاهر عماد الدين هذا الشاب الذي علمتموه كيف يتقي الله ويخشاه...

يا أخي من قبل؛ وقاضي اليوم، إني أكتب إليك ولم تمض على جبيني إلا ساعتان وربع بعد هذا الأمل الذي كان يملؤني في الجنة ورضوان الله، ما السبب أضعفت إرادتي أم ماذا أنني أعلل ذلك بأنني لم أقرأ وردي القرآن منذ شهر فهل هذا حق أم أنني كقول القائل "يكون بينه وبين الجنة ذراع فتغلب عليه شقاوته فتهوي به إلى النار.. إن سني 22سنة قضية منها ما يقرب من ستة سنوات في مرضاة الله ورضوانه فهل تمحو هذه السيئة هذه الحسنات.

أخبرني بربك كيف أكفر عن هذا الذنب... وأخبرني بربك عن واقعة وقعت لجندي من جنود رسول الله  مثل واقعتي وعن حكمه فيها حتى يرتاح بالي، أرجو أن تكون قاسيًا في حكمك ولا تأخذك بي رحمة هل أصوم النهار وأقوم الليل حتى يقضي الله في أمره... إني منتظر ردك أسرع به فإنني لن أنام هذه الساعات والأيام ولم يدخل في فمي طعام ولن يفتر ثغري عن ابتسام حتى يأتيني ردك.. أفتني بربك فإني حائر...".

ألا يدل هذا الخطاب بعباراته الصريحة على أن الشيخ سيد سابق كان يمسك بيديه مفاتيح الجنة والنار لهؤلاء الشبان الأغرار وإلا يدل على أنه كان يتحكم في نفوسهم ويوجههم كيف شاء حتى أن طاهر هذا كان في أشد اللوعة لسماع حكمه في زلته ليعرف بعده إن كان مصيره إلى النعيم أو إلى صقر.

حقًّا إنه قادر على ذلك بل هو قادر على أن يفتي لعبدالمجيد بمشروعية قتل النقراشي ثم يفتي في التحقيق بعدم مشروعيته فهو يقول لعبدالمجيد في تبرير القتل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)﴾ ولكنه يقول في التحقيق ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)﴾.

بل يقول كيف تكون الجريمة والفوضى جهادًا في سبيل الله وإنما الجهاد معلوم في كتاب الله وسنة نبيه وأن الاغتيال ليس واحدًا في أنواع الجهاد، فهل هناك ما هو أمعن في المراءاة والتضليل الذي سبق أن أشرنا إليه عند استعراض الأوراق المضبوطة في السيارة الجيب والتي تفتي بمشروعية قتل من يعترض سبيل الدعوة والتي سبق ذكرها تفصيلاً.


محمد نايل

ولما وصل الأستاذ عبدالسلام إلى المتهم الأخير محمد نايل محمود إبراهيم قال في التدليل على اشتراكه في الجمعية الإرهابية!

هذا المتهم لم يرد اتهامه عن طريق عبدالمجيد بل إن التحقيق هو الذي كشف أمره لقد ذكر عبدالرحمن عثمان في اعترافاته المفصلة في قضية الاتفاق الجنائي كثيرًا من الأسماء التي كان يستعيرها أعضاء الجمعية السرية وسئل بهذه المناسبة عمن كان يستعير اسم سيد حسين، وهو الاسم الموقع به عقد إيجار المنزل رقم 25 شارع على يونس بشبراء،

فقال عبدالرحمن أنه يعرف شخصًا يدعى محمد نايل كان يستعير اسم سيد حسين أو سعد حسين، وعرض بناءً على ذلك على صاحب المنزل محمد أحمد دياب وعلي حسن عبدالمغيث السمسار الذي توسط في تأجيره فتعرفا عليه وقال أولهما أنه رآه من بين المترددين على هذا المنزل، وأكد ثانيهما أنه هو نفس المستأجر الذي تسمى باسم سيد حسين، وأنه حرر بيانات العقد بخطه ووقع عليه

–واستكتب المتهم بناءً على ذلك خط عقد الإيجار فتلاعب في استكتابه تلاعبًا ظاهرًا سجله خبراء الخطوط في تقريرهم وإزاء ذلك استحضرت أوراق رسمية له هي أوراق اختباره بكلية الهندسة فزعم أنه لا يعرف إن كانت بخطه أو لا مما يقطع بسوء نيته، وفاته أنها أوراق رسمية لا يجديه إنكار كتابتها، وتبين بعد ذلك من تقرير الخبراء أن خط عقد الإيجار مطابق لخط هذه الأوراق الرسمية.

وسبق القول أيضًا بأن محمد نايل محمود هذا قد وجه اسمه في جدول خلايا السيد فايز وأمامه رقم 128 مما يقطع بأنه عضو في الجمعية السرية.

وسبق القول أيضًا بأن الحديث في قتل النقراشي باشا قد بدأ على لسان محمد صلاح الدين عبدالمعطي بعد صدور أمر الحل في 8 ديسمبر وأن التدبير لكيفية ارتكاب الحادث قد بدأ في 18 ديسمبر فإذا كان الثابت من التحقيق أن هذا المنزل لم يستأجر إلا ليستبدل فيه عبدالمجيد وشركاؤه بملابسهم المدنية ملابس عسكرية، وإذا كان الثابت أن محمد نايل قد استأجر هذا المنزل في 15 ديسمبر وقبل تفصيل بدلة عبدالمجيد، بثلاثة أيام فقط،

فهل يكون هنالك شك في أن محمد نايل وهو عضو في الجمعية السرية، قد كلف بأن يستأجر المنزل لهذا الغرض بالذات، وهو يعلم أن من وسائل الجمعية السرية قتل من يعترض سبيل الدعوة ويعلم أن النقراشي باشا اعترض سبيلها أيما اعتراض بإصدار أمر الحل في 8 ديسمبر. واختتم حضرته مرافعته قائلاً:

قولوا لهؤلاء القوم إن الضلالة لا تلد الهوى، وأن طريق الشر لا يمكن أن يوصل إلى الخير، فالخير هو ذاته وسيلة وقاية؛ لأنه قبس من نور الله والله جل جلاله غاية لا يمكن أن يكون طريقه إلا نورًا وخيرًا، إن وجه الله أكرم من أن تكون هذه الكبيرة الشنيعة قد ارتكبت لمرضاته فالذي لا يسعها إنما هو وجه الشيطان وهي مرضاة الشيطان، لا لله نقدس وجهه وجل جلاله.

في أي زمان رأيتم جرائم بمثل هذه الخطورة اقترفها هيئة تتحدث باسم الدين لقد أراد القدر أن يضعنا بحيث نجد أنفسنا على حافة تطورات كبيرة، ولكن هناك أمرًا واحدًا يتحدى كل تطور.

أمرًا وجد قبل أن يوجد العالم وسيبقى بعد أن يزول العالم من الوجود، ذلك هو العدل

–العدل المنبعث من الخالق - العدل الذي له صدر كل فرد منا صدى، والذي حبانا به الله ليكون مرشدًا وهاديًا، والذي سيبقى بعد أن يصبح هذا العالم رمادًا، يدافع عنا أو يتهمنا أمام الواحد الديان، يوم يدعونا لتقديم الحساب.

وفقكم الله إلى أداء واجبكم وإنا لحكمكم العادل لمنتظرون.

جلسة يوم السبت 10 سبتمبر: بداية مرافعات الدفاع

كانت جلسة يوم السبت 10 سبتمبر جلسة حافلة بجمهرة كبيرة من النظارة لمناسبة بدء مرافعات الدفاع. وقد تضاعف عدد السيدات والأوانس من قريبات المتهمين جئن ليستمعن ما عساه يقول الدفاع عن أبنائهن وأشقائهن، بعد أن سمعنا مر القول من الاتهام.

وكان المتهمون أنفسهم قد بدت على أساريرهم علائم الارتياح والابتهاج وكانوا يتبادلون الأحاديث مع أقاربهم وأصدقائهم ومحاميهم، وأخذ البعض منهم يطالع الصحف.


مرافعة الأستاذ أحمد السادة

وقد بكرت المحكمة في عقد جلستها في هذا اليوم، فافتتحتها في منتصف الساعة العاشرة، ونهض الأستاذ أحمد السادة المحامي عن القاتل عبدالمجيد واستهل مرافعته قائلاً:

فرض القانون –فيما فرض- ضمانًا لحسن سياسة القضاء وإقامة العدل بين الناس –أن لا يتقدم متهم أمام هيكل قضائكم الجنائي دون أن يرافقه في هذه المرحلة الأليمة محام يتولى الدفاع عنه محام يشترك في شرف خدمة القانون ويرتفع عن أواسط المتهمين إلى الوسط الذي يفهم فيه معنى العدالة. كما يفهمونها ويتقدر أغراض الشارع التي وكل إليكم تحقيقها، كما تقدرونها.

فيعرض عليكم المتهم كما يجب أن يعرض. بريئًا كان أم مذنبًا. ويصور لكم العواطف التي اجتاحت نفسه وعصفت بوجدانه فأفقدته أسمى ما يتحلى به الإنسان إنسانيته وأرقى ما يطمح السمو إليه من فضيلة الرفق والتضحية والتسامح والتي لو سادت لما اجترم مجرم جرمًا ولما قامت الحاجة لنظام القضاء،

ومضى يقول أن نفس القاضي وهو يجلس للقضاء عرضة لتنازع العوامل المختلفة والأهواء المتباينة بحكم مركزه يتبين مصاب المجني عليه فيتصور حال من أصابهم الجاني بجنايته ليقدر مبلغ أثرها فيهم وعليه أن يتبين نفسية المتهم وما تفاعل في نفسه من الأغراض والشهوات ومبلغ أثرها في حسن تقديره لما أقدم عليه. على القاضي أن يحيط بهذا وذاك، وهو بغير شك عرضة للخطأ في التقدير بين مختلف هذه الأهواء والشهوات

–ومن هنا وجدت الحاجة إلى من يقيم الدعوى ومن يدافع عنها ليتفرغ القاضي إلى وزن ما يعرض عليه دون إجهاد في البحث عما يجب أن يعرض.

لهذا كان شرف المحاماة عظيمًا بهذا المكان الأسمى الذي حلت فيه تحت هذا النظام ولهذا جئنا لندافع أمامكم عن هؤلاء المتهمين تقديرًا منا لهذا الشرف.

يظن العامة، يا حضرات المستشارين. إن اعتراف المتهم باجترام الجرم يخفف عبء القضاء على القاضي. ويهون له سبيل الحكم في الدعوى، لقد ضل العامة في زعمهم.

إذا أنكر المتهم وأقيمت عليه البينة. كان عمل القاضي هينًا فهو لا يتقيد إلا بالعمل المادي وهذا قد أقيم عليه الدليل. فلا ينبغي إلا توقيع العقاب، فيوقعه القاضي وهو قرير العين، طيب النفس في الخدمة التي أداها للمجتمع.

أما المتهم المعترف بجريمته، فيتقدم لقاضيه وسريرته على كفيه، يبسطها أمامه، مطالبًا إياه بأن يحل نفسه محله ويتصورها محوطة بظروفه. وأن ينزل إلى دركه في الفهم، وفي مبلغ أثر الحوادث فيه.

يطالبه بكل هذا؛ لأن القضاء لا يقوم إلا بتفهم هذا جميعه ومن أجل ذلك ترك لكم المدى الواسع بين أقصى العقوبة وأدناها والمفروض في جميع الأحوال أن الفعل المادي واحد ولا يجيء الفرق في الحكم إلا لاختلاف ما يفهمه القاضي من جميع تلك العناصر المختلفة والأهواء المتباينة.

لهذا كانت مأموريتكم يا حضرات المستشارين والضباط العظام. في حالة المتهم المعترف أشق وأدق. منها في أي ظرف آخر. حتى في حالة الجريمة التي يتعذر المتهم عنها بإحدى شهوات النفس الأولية كالانتقام، والغيرة، والسرقة للفاقة، والغضب لعدم ضبط العواطف فإذا كان هذا هو حالكم في تبين الشهوات الأولية فكم يكون واجبكم أشق،

إذا كانت مقدمات الجريمة تشتبك فيها العواطف وتأخذ فيها الشهوات بعضها بأعناق بعض، وتتناقض فيها الحالة النفسية للمتهم تناقضًا لا يتفق مع النتيجة على ظاهر الحال، ولا يمكن فهمه إلا بالجهد والعنت.

وتطرق الأستاذ السادة إلى الكلام عن أساس العقاب في الاتجاه التشريعي الحديثة فقال إن النظريات الحديثة في علم العقاب تجعل أساس القانون الجنائي والضابط في كل ما يتصل به، من حيث المسئولية أو العقاب، قائمًا على حرية الاختيار لدى الشخص، فإذا انعدمت لديه الملكات الذهنية أو النفسية، التي تكفل له هذه الحرية بأن كان فاقد الإدراك أو الإرادة، امتنعت المسئولية وإذا لم يكن المتهم فاقد الإدراك أو الإرادة،

امتنعت المسئولية وإذا لم يكن المتهم فاقد الإدراك أو الإرادة تمامًا بل كان ناقصها فيجب أن تتدرج المسئولية الجنائية تبعًا لدرجة حالتها واستشهد على ذلك بما جاء في كتاب الدكتور علي راشد ذلك هو أساس القانون الجنائي المتفق عليه في النظرية التقليدية الحديثة،

وفي المدرسة الوضعية والذي على أساسه قامت جميع التشريعات الحديثة. بل لقد كانت المدرسة الوضعية أشد عناية بالجانب الشخصي للمتهم عند وضع سياسة العقاب فأوجبت مراعاة العوامل الداخلية التي تتصل بالمتهم من ناحية تركيبه الجسماني أو العقلي أو من ناحية نفسيته وما تنطوي عليه من الميول والعادات والوسط والبيئة التي نشأ يعيش فيها وما يكتنفها من ظروف اقتصادية أو تعليمية أو سياسية أو غير ذلك باعتبار أن هذه هي العوامل الأساسية في إحداث الجريمة.

وهذه النظريات تنادى بإهمال فكرة والتفكير عن الخطأ أو إرضاء الشعور العام بل أنها تستهجن اصطلاح كلمة عقوبة لما تنطوي عليه هذه الكلمة من معنى الأذى والانتقام وتستعيض عنه اصطلاحات أخرى تبرر بصفة خاصة معنى الاصطلاح والتقويم مثل وسائل العلاج واجراءات الوقاية لتكون الأساس في عدم عودة المجرم إلى الجريمة وإصلاحه وتقويمه.

والمتفق عليه أنه لا يعتد في تحديد العقوبة من حيث نوعها أو مقدارها ولا في تحديد وسائل العلاج أو الوقاية بمقدار جسامة الفعل المادي أو خطورة الجريمة التي ارتكبها المتهم، ولكن يجب أن تكون وسائل العلاج من حيث نوعها ومقدارها ملائمة لحالة كل منهم على حدة بحيث يكون حالة المتهم الخاصة والظروف الشخصية المحيطة به أثرًا في تشديد العقاب أو تخفيفه أو إيقاف تنفيذ أو حتى الاعفاء من العقاب إطلاقًا.

على هذا الأساس قامت التشريعات الحديثة كلها، وخصوصًا التشريعات في البلاد الديموقراطية كما اعتنق هذه النظريات أيضًا كبار رجال الفقه المعاصرين مثل جارسون وجرو وسألني وكبش وأخذ بها الاتحاد الدولي للقانون الجنائي.

وإن قيام المسئولية في حق الجاني لا يعني عدم التعرض إلى الباعث على الجريمة أو إغفالها عند النظر في سياسة العقاب أو تحديد المسئولية الجنائية.

فإن كثيرًا من النظم التشريعية تقوم على أساس الاهتمام بالباعث لدى المتهم في ارتكاب الجريمة وتدخله في تقدير الركن المعنوي وتفرق بذلك بين المتهمين وخطورتهم بحسب نزعاتهم

– وهذه النظرية لاشك في صوابها ومطابقتها لحقائق الأشياء.

والمشرع المصري نفسه عندنا لم يشذ مطلقًا عن هذه النظرية وهو لا يغفل الباعث عند وضع سياسة العقاب وتقدير المسئولية فهو يرتب العقوبة بين حدين أقصى وأدنى يتراوح بينهما تقدير القاضي بحسب ما يراه حالة كل منهم على حدة كما أنه يضع نظام تخفيف العقوبات وفقًّا للمادة 17 مراعيًا في ذلك ظروف كل منهم الشخصية

– كذلك الشأن في أحكام الأعذار القانونية المخففة أو المشددة، كما جعل المشرع المصري الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة من الاعتبارات التي يصح أن يستند إليها القاضي للحكم بإيقاف تنفيذ العقوبة.

وقد أوجد التشريع الإيطالي ما هو معروف بنظام العقوبات المتوازية ومقتضى ذلك تقرير عقوبتين مختلفتين للجريمة إحداها أخف وأرحم من الأخرى تطبق في حالة ما إذا كان الباعث على الجريمة شريفًا. ويقترن من ذلك نظام العقوبات المزدوجة في فرنسا وهو نظام وجد منذ سنة 1938 قصد به أن يعامل المجرمون السياسيون بعقوبات أكثر اعتدالاً من العقوبات المقررة للجرائم العادية.

وانتقل الأستاذ السادة إلى الكلام في موضوع التهم فأشار إلى حديث نشره المرحوم الشيخ حسن البنا في جريدة الإخوان في مايو سنة 1948 ومضى يتلو هذا الحديث، وفيه يتساءل الشيخ البنا عن سبب انحراف الإخوان عن خطتهم، كما يزعم بعضهم،

وأجاب على هذا السؤال بأن الإخوان لم ينحرفوا قط عن خطتهم التي ساروا عليها منذ بدأت دعوتهم إلى الآن وهي دعوة إسلامية، و الإسلام كما نعلم دين ودولة ومجتمع،

وقد واجه الإخوان بعد الحرب ظروفًا للعمل للقضية الوطنية فلم يجدوا بدًا من أدائها فإذ كان بعض الناس يرى في ذلك انحرافًا إلى السياسة فإنهم لا يرونه إلا أداء للواجب الوطني الذي يفرضه الدين.

وعلق الأستاذ السادة على هذا الحديث قائلاً أن يتبين منه أن السياسة كانت تلازم الدعوة إلى الدين منذ بداية الفكرة في تكوين الإخوان وأعتقد أن الفكرة قد بدأت سياسية قبل أن تبدأ دينية، وأن الدين كان وسيلة لتحقيق هذه الغاية.

وخرج من هذا إلى الكلام عن أثر التدين في المتهم عبدالمجيد فأشار إلى نشأته، وتكوينه قائلاً: بدأ المتهم حياته مضطربًا فقد فارق سن الرضاعة وحتى وصوله للسنة الرابعة من عرمه لم يكن يقوى على النطق أو الكلام على غير المألوف.

ثم انتابته حالات شاذة في المرحلة التالية من عمره إذ كان يقضي فترات وهو في حالة سرحان وعندما بلغ سن الثامنة بدأ يتدين ويقوم بالصلاة، وساعده على ذلك أن البيئة التي نشأ فيها كانت بيئة متدينة فأهل منزله جميعًا يؤدون الفرائض الدينية وقد جاء على لسان السيدة والدته أنها أيقظته يوم الحادث هو وشقيقه الساعة الخامسة صباحًا من يوم 28 ديسمبر

أي في منتصف الشتاء ليؤديا صلاة الفجر الحاضر (ص237) واستمر المتهم على هذا الحال حتى إذا أتم دراسته الابتدائية فلما انتقل إلى المرحلة الثانوية من الدراسة وكان ذلك في مدرسة فؤاد الأول في سنة 1940 تقريبًا اهتم بتأدية الصلاة فيها اهتمامصا لفت ناظر المدرسة إليه لما كان يوحيه إلى أقرانه وكان موضع إعجابه.

وفي سنة 1942 التحق بجماعة الإخوان المسلمين بوصفها جماعة دينية تعمل على تطبيق أحكام الدين الإسلامي وتعاليمه واستمر يؤدي واجباته الدينية في المدرسة.

أما في خارج المدرسة فكان يتمسك أيضًا بأهداب الدين وقد قويت عنده النزعة حتى أنه لفت نظر أهل الأسرة إلى تصرفاته الدينية وقد قرر شقيقه بصحيفة 366 تحقيقات بأن "الناحية الدينية كانت متسلطة عليه فكان يرفض أن يخرج مع إخوته البنات ويرفض أن يلبس قميص نص كم وغير ذلك"

وكان يزهد التأنق ولا يسعى للتزين إطلاقًا وما يشتري له يرتديه دون تردد أو اعتراض وقد تجسم الاعتقاد الديني عنده بعد ذلك وأصبح يؤذن في جامع حدائق القبة وحتى في صلاة الفجر المبكر ويؤم المصلين وفي يوم الجمعة يذهب إلى الجامع ويكنس الجامع ويفرش الحصير فيه بنفسه ويخطب في المصلين ثم يؤمهم.

وقد ترتب على انصرافه إلى المسائل الدينية أن أهمل دراسته فرسب في الامتحان مما أدى إلى تدخل أسرته وأرغموه إلى دراسته وكان ذلك وهو في السنة الخامسة من الدراسة الثانوية.


قتل العظماء

وأشار إلى ما جاء في تقرير الدكتور مصطفى الباجوري من أنه لاحظ أن المتهم، بعد وفاة والده كان ميالاً للعزلة. وكان قد بلغ الذروة في ذلك الوقت في تعلقه بجماعة الإخوان.

ثم تكلم عن أخلاقه وطباعه، فذكر أقوال والدته مع أنه كان دائمًا صامتًا.

وأشار إلى أقوال شقيقتيه، من أنه هادئ الطباع وعمره "ما زعق" وقال زوج خالته عنه أنه كان دائمًا متباعدًا.

وخلص الأستاذ السادة من ذلك إلى قوله أن المتهم كان في حالة "ماليخوليا" وهي حالة هدوء شديد، أو بعبارة أخرى حالة قابلية للطاعة، فهو متدين تدينًا شديدًا، وهذان العنصران، هما اللذان يتطلبهما الشيخ حسن البنا.

ومضى يشرح أقوال الأطباء النفسانيين في أصحاب هذه الحالة، والأعراض التي تظهر عليهم، وتصرفاتهم في الحياة. ثم قال أنه عني بدراسة هذه الحالة فخلص من دراسته إلى أن من بين هذه الفئة هؤلاء الذين يقدمون على قتل العظماء سواء كانوا من رجال الدولة أو من رؤساء الكنائس.

ومما قاله الدكتور شكري حسن كامل عن حالة عبدالمجيد، أنه كان ينام على الأرض، ويرفض النوم على السرير تغذيبًا لنفسه، وذلك بعد يقظة ضميره، وكان يبكي بكاءً مريرًا، وامتنع عن أكل الحلوى، وكان يتمنى توقيع أشد الجزاء عليه.

ثم تكلم عن التطبيق القانوني، فأشار إلى ما جاء في كتاب "المسئولية الجنائية" للدكتور مصطفى القللي عن تطور التشريع الجنائي بعد سنة 1937 وبعد أن كان يعاقب على الجنون أو العته أصبح ينص في الفقرة الأولى من المادة 62 على أن تأثير المسئولية تشمل أي عاهة في العقل، فدخل في ذلك جميع الأمراض العقلية التي كشفها الطب النفساني منه والعقلي.

ولا يهم أن يكون المرض مفقدًا للمسئولية أو منقصًا لها فقد تكون خالتنا مع ظروف المتهم كان لها تك أثير على إرادته في ناحية معينة منه هي ناحية تدينه ولعل ما ثبت يقظة ضميره واستنكاره للجريمة واعترافه على شركائه ما جاء إلا وليد التأثير عليه ببيان الشيخ حسن البنا وهيئة كبار العلماء لأقطع دليل على ذلك.

ولعل ما قضت به محكمة الجنايات في قضية مقتل الخازندار بك عن الصرع الكامن وإنه أثر في مسئولية المتهم بأن أنقصها بحسب معايير الذكاء التي استخدمت إلى 16سنة وقضت بالأشغال الشاقة المؤبدة بعد ذلك لمما يقطع بأن هناك من الأمراض ما ينقص من المسئولية الجنائية ولا يعدمها نهائيًّا، وأصدرت محكمة النقض أخيرًا حكمًا يجعل من الواجب على المحكمة أن تحيل المتهم إلى الفحص الفني.


يقظة المصريين

وتحدث بعد ذلك عن بيئة المتهم وظروفه الخارجية، فأشار إلى حالة مصر وظروفها السياسية، وإنها اليوم غيرها بالأمس، فتوجد الآن حركة فكرية انبعثت روحها في نفوس المصريين بعدما تقلبت في أطوار شتى فاستيقظوا وأصبحوا أرقى شعورًا وإحساسًا وأعرف بحقوقهم الاجتماعية وواجباتهم الوطنية، وقد نشأ المتهم في هذا الوسط، و مصر تعمل جاهدة لتنال حقوقها وحريتها، وما زالت تعمل في هذا المضمار.

ثم أشار إلى تدخل الطلبة في السياسة والحزبية، فقال: إننا أصبحنا نسمع بألوانهم الحزبية في الكليات والمدارس، وبمعنى آخر إباحة النقد السياسي للطلبة.

واستشهد بما قرره السيد فايز، أحد المتهمين، في التحقيقات حين سئل عن نوع انغماس جماعة الإخوان في تيار السياسة، حيث قال:

بدت لي أنها بدأت تتطاحن مع الأحزاب وكان يجب أن تكون فوق كل ذلك وكذلك كانت تتطاحن مع الحكومات القائمة مع أنها لم يكن لها موقف حزبي خاص وكان يجب أن يكون موقفها توجيهي فقط، كما أني لاحظت أنه من أثر هذا التغلغل السياسي أن الشباب في الجماعة التي أنتمي إليها أخيرًا كان مندفعًا أمام العاطفة الوطنية الممزوجة بعاطفة إسلامية وعلى هامش الروح الإسلامية ومعنى ذلك أن هذا الشباب كان مندفعًا اندفاعًا عاطفيًّا من غير تمكن من الفقه الإسلامي ولهذا كنت غير راضٍ عن هذا التطور. وخلص الأستاذ السادة إلى القول:

هذه هي البيئة التي ترعرع فيها المتهم ولاشك أن أثرها واضح في تهيئة النفوس وتكوينها تكوينًا يغاير ما هو عليه في الدول المتمتعة بحقوقها، ويقظة الشعب ورقابته لكل تصرف من تصرفات قادته وزعمائه في كل صغيرة وكبيرة.

وأشار إلى أثر الأحكام العرفية وكيف أنه حد من الحريات، وخاصة حرية الرأي أو النقد لرجال الحكومة وقال إنه لاشك في أن هذا الحد يولد كبتًا في الشعور، وهذا الكبت لا بد أن يكون له رد فعل تتفاعل فيه الغرائز، وتندفع اندفاعًا لا شعوريًّا نحو رد ذلك الحائل خصوصًا إذا ما وجد ما يستدعي نقدًا محرمًا بحكم تلك الأحكام.

كما أشار إلى أثر الحروب فقال:

إن الحرب عامل لاختلال التوازن الضروري لضبط النفس لدى الجماعات لتوجيهها نحو هدف واضح معين، وهو ما يعرض الشعوب في أعقاب الحروب إلى الاضطراب والتطورات، فينجم عنها تغيير كلي في أنظمة الأمم التي ألفتها كما حدث في إيطاليا وفي ألمانيا بعد الحرب الأولى،

وكما حدث في الإمبراطورية البريطانية نفسها التي تعد أرسخ الأمم في السياسة، فقد أصيبت بتغيير جوهري فيما أسموه "بالمستعمرات" والدول العربية، ومن بينها مصر، فكان لها جميعًا نصيبًا في الأوضاع التي حققتها جهودها،

وانتهت بوضع الدستور وإذن فللحروب أثر عميق في نفسية الشعوب.

وتكلم عن تأثير كل ذلك في عواطف المتهم، فتلا ما جاء في أقواله، ردًا على أسئلة النيابة في التحقيق عن الظروف التي كون فيها فكرة القتل، فقال: إن الفكرة نبتت عنده في جملة ظروف

أولا موضوع السودان:

فالنقراشي باشا لم يقم بأي عمل إيجابي؛

وثانيًا: فلسطين:

فإنها ضاعت وأخذها اليهود، وهذا يرجع إلى تهاون النقراشي باشا، والعامل الثالث: أنه اعتدى على الإسلام فشرد الطلبة في الكليات، وحل جماعة الإخوان، وما يتصل بها من شركات.

واستشهد الأستاذ السادة بما جاء أيضًا في أقواله شقيقة المتهم من أنه كان دائمًا يقول إن السودان من حقنا، ويجب أن نظهر قوة أكثر في التمسك به، وأنه كان يتكلم عن أخلاق الناس، وأن كل شخص يبحث عن مصلحته.

وخلص من هذا إلى قوله إن هذه العوامل كانت تجيش في صدر المتهم، ولاشك أنها كانت عوامل استفزاز لعواطفه على ارتكاب الجريمة مستدلاً في صدد الاستفزاز والانفعال والتهيج بما قاله "فوستان هيلي 3 ص 41" من أن استمرار الانفعال والتهيج لا يمكن حصره فكر ولا تحديده بحدود معينة لأنه في أغلب الأحيان يبقى ويستمر بعد حدوثه فيبقى الفاعل كآلة يحركها سلطان الغضب وما دام هذا حاله فإن فعله لا ينفذ حكمه على حالته الأولى وما دام الاندفاع الوجداني لم يسمح له بالتفكير فلا وجود عنده لتبصر ولا روية.

هذه نظرية علماء النفس وفلاسفة الأخلاق فيما يختص بالأشخاص ذوي الأمزجة المعتدلة والإرادة السليمة فإذا طبقناها على حالة المتهم وفي حالته كان الانفعال النفسي وتخدر الإرادة أو ضعفها في هذه الحالة أظهر وأوضح بكثير.

إن مسألة الاضطراب العصبي وتهيج الحواس وإن كانت من المسائل التي جعل القانون تقديرها موكولاً لرأي القضاء إلا إنها في الحقيقة من المسائل الفنية التي يقال بحق أن الفصل فيها من اختصاص علماء الطب والحكمة أولئك الذين دفعوا أنفسهم للبحث في قوى النفس

والعقل وحقيقة الإرادة والإدراك وارتباك القوى بما يصدر عن الإنسان من الأفعال والأقوال لذلك يجدر بنا أن نأتي بكلمة لأحد هؤلاء الحكماء فيما انتهى إليه بحثهم في هذا الموضوع وهو الدكتور دي بلوزول في مقالة نشرها بتاريخ 10 أبريل سنة 1910 في مجلة الأطباء بباريس تحت عنوان الحساسية الأدبية والجريمة.

إن الأشخاص الذين يرتكبون جريمة وهم في حالة انفعال الحساسية وتهيج الشعور يظهر لنا أنهم ليسوا بمسئولين تمامًا عن عملهم حتى ولو لم يكن عندهم اضطرابات في العقل لأن إرادتهم قد تغلب عليها التهيج والانفعال فضعفت عن المقاومة، وقد يساعد على ضعفها أنهم في أغلب الأحيان يعتقدون أنهم إنما يعملون عملاً مشروعًا.

هذه أقوال ثلاثة من فحول العلماء أحدهم من أعظم شراح القوانين الجنائية والثاني من كبار فلاسفة النفس والأخلاق والثالث من كبار مشاهير الحكماء وأساتذة العلوم الاجتماعية بمدرستها بباريس ترونهم متفقين على أن الانفعال والتأثر يمكن أن يستمر زمنًا غير قصير وخصوصًا عند ذوي الأمزجة العصبية كما هي حالنا.

وتطرق إلى الكلام عن مسئولية الحكومة في ارتكاب هذه الجريمة فقد تعهدت حركة الإخوان منذ بدايتها وعطفت عليها حتى ترعرعت ونمت ووصلت إلى الغاية التي كان ينشدها زعماؤها، واستدل على ذلك بأقوال الشيخ حسن البنا في قضية مقتل الخازندار بك عن أهداف الجماعة وتلا هذه الأقوال.

كما ذكر ما قاله عمار بك من أنه في سنة 1947 رؤي غلق شعب الجماعة فأغلقت ثم رؤي لها بعد ذلك أن تفتح ففتحت وأنه بصفته ممثلاً للأمن العام كان معارضًا في هذا الفتح أي أن السياسة العليا رأت ذلك فنفذ ذلك ولم تتخذ أي احتياطات لضمان عدم العودة لأسباب الغلق وأن وزارة الداخلية بصفتها المهيمنة على شئون الأمن العام كانت على علم تام بحركات الجماعة وثكناتها.

كما قرر أنه لم تكن هناك معسكرات للتدريب سوى معسكر هايكستب الحكومي ولكن بالرجوع إلى مقتل الخازندار بك يتضح أن هناك معسكرات كانت في حلوان وفي غيرها لتدريب الإخوان وقد كانت الحكومة هي المصرحة لهم بذلك.

ومضى فتكلم عن شخصية الشيخ البنا، فقال: إنه ما من شك في أن شخصيته كزعيم لجماعة الإخوان المسلمين كانت شخصية فذة لها أثرها في حماسة الجماهير والأخذ بلبهم، خصوصًا ذلك الأسلوب الديني الذي اتبعه، وتوجيه الفكر إليه،

وأن الغرض منه هو إقامة حدود الله وكيف كان قادرًا على الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث الدينية للتدليل على فكرته ومعلوم مبلغ تأثير القرآن أفصح من البيان وأن من البيان لسحرًا، ويكفي الرجوع إلى التصريح الذي استنكر فيه الجريمة لتتبينوا قوة وجزالة اللفظ وأخذ يدلل على قوة تأثير الشيخ البنا فقال:

ثبت أن المرحوم الشيخ حسن البنا عندما قتل كان يبلغ من العمر 42 سنة فإذا كانت دعوته قد بدأت منذ سنة 1925 كما هو ثابت من الأوراق فمعنى هذا أنه بدأ دعوته ولديه من العمر حوالي 17سنة، ولاشك في أن من يقوم بهذا العمل وفي هذا السن المبكرة لابد أن ينطوي على شخصية فذة. ونمو جماعة الإخوان إلى أن بلغت الألوف من التابعين لها ومنهم ذوي الشخصيات الاجتماعية من أطباء ومحامين ومهندسين وموظفين وسياسيين.

والمثل الذي ضربه عبدالمجيد أحمد حسن عن الخطبة التي خطبها في جامع الأزهر وكيف أن جمهور المصلين تحمسوا وخرجوا في شكل مظاهرة بزعامته واصطدموا بالبوليس اصطدامًا أدى إلى قتل ثلاثة منهم.

ولعل أبرز مثل يضرب على مدى تأثير الشيخ حسن البنا حتى بعد وفاته ذلك الذي حاول الانتحار بعد أن عجز عن تنفيذ ما كلف به من قبل الجماعة.


الطائفة الإسماعيلية

وخلص من هذا إلى قوله أنه تبين من دراسة النظم التي وضعها الشيخ البنا لجماعة الإخوان، والمراحل التي يمر بها الشخص تشبه تمامًا تلك النظم والمراحل التي كانت متبعة في نظام طائفة الإسماعيلية، تلك الطائفة التي تكلمت عنها دائرة المعارف الإسلامية فقالت إنها فرقة من غلاة الشيعية، وهم جمعية سرية سياسية أصلهم من بلاد فارس ظهروا في سنة 140للميلاد.

ثم انتشروا في بلاد العرب، و سوريا وأفريقيا، وهم ينسبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق لأنهم قالوا بإمامته، وكانوا يقصدون تشويه عقل الطالب، ويعلمونه معنى مكتوبًا عن القرآن الكريم، ولذلك سموا "الباطنية".

وفي المرتبة الثانية كانوا يعلمونه معرفة الأئمة المقامين من الله الذين هم مصدر كل معرفة وفي المرتبة الثالثة يعلمونه عدد الأئمة المذكورين الذي لا يمكن أن يتجاوز السبعة كما علمت، وفي المرتبة الرابعة يعلمونه أنه منذ ابتداء العالم وجد سبعة مشترعين إلهيين وهم الرسل السبعة المعروفين بالفطناء بالشريعة وكيفية إقامتهم للشرائع،

وفي المرتبة الخامسة يعلمون أن لكل واحد من السبعة المستورين وهم المساعدون في شريعة الرسول الكبير رسولاً لأجل الإيمان الحقيقي، وفي المرتبة السادسة كانوا يفحصون السنن الإسلامية، وفي المرتبة السابعة كان التلميذ ينتقل من الفلسفة إلى الأسرار وفي المرتبة الثامنة كانوا ينورون عقله تنويرًا تامًا يسمو جميع الأنبياء والرسل. ثم يدخل في المرتبة التاسعة التي بها ينقاد انقياد أعمى لأوامر رئيسه... وهنا رفعت الجلسة على أن تعقد في صباح اليوم التالي لسماع بقية مرافعة الأستاذ السادة.


قصة حسن بن الصباح

وفي اليوم التالي عقدت الجلسة واستأنف الأستاذ السادة مرافعته فقال:

وقويت شوكة حسن بن الصباح جدًا واستولى على هوى أتباعه كل الاستيلاء حتى أن السلطان لما أرسل إليه رسولاً يطلب منه الطاعة دعا ابن الصباح بعض تبعته وقال لأحدهم أقتل نفسك ففعل وقال لآخر ارم بنفسك من الحصن فرمى بنفسه ومات.

ثم التفت إلى الرسول وقال له قل لمولاك هكذا يطيعني سبعون ألفًا من الرعايا والأمناء.

وبقي ابن الصباح في القلعة المذكورة 35سنة لم يظهر فيها على سطح قصره إلا مرتين وهناك قسم طائفته إلى 3 رتب الدعاة والرفقاء والفداوية.

فالدعاة كان عملهم أن يدعو الناس إلى مذهبهم ويرشدهم إلى تعاليمهم والرفاق هم الذين دخلوا في المذهب وخضعوا للسلطة الدينية والزمنية التي للرئيس الأكبر أو شيخ الجبل والفداوية هم الذين يستعملهم الرئيس في قتل أعدائه غدرًا.

وبذلك يأخذون فدية أنفسهم على الاستماتة في مقاصد من يستعملهم إلى أن قالت الفداوية كانوا يرمون منذ نعومة أظفارهم منحصرين في منازل الرؤساء تحت نظارة الدعاة فيعلمونهم أن سلامهم دائمًا متوقف على فداء أنفسهم، وأن أقل مخالفة تكون سببًا لوقوعهم تحت العقوبة والمسئولية إلى الأبد، وإن لم يبدر منهم مخالفة يكون جزاءهم الجنة.

ويلاحظ أنه لم يلقب أحد منهم بسلطان أو أمير.

وهذا الحال ينطبق تمامًا على نظام الإخوان من ناحية الوصول إلى التأثير الروحي أو الإسلامي والتدرج في هذا التأثير حتى يفقد الشخص وعيه تمامًا.

وخرج الأستاذ السادة إلى الكلام عن الإكراه فقال: إن للنفس أسرارًا شتى يصعب جدًا حصرها في كيفية محدودة أو اندماجها تحت قاعدة عامة؛ لأنها تختلف باختلاف الأمزجة والطبائع؛ وباختلاف كل فرد عن الآخر. ولما كانت الإرادة هي مناط التكليف، وعلى قدر إطلاقها أو تقييدها تكون المسئولية، وجب النظر فيها وتقديرها في كل إنسان على حدة،

باعتبار مشخصاته الذاتية ودرجة قابليته للتأثر والانفعال.

ومضى فقال أن من أسس المسئولية الجنائية الاختيار، أي كون الشخص حرًّا في أن يأتي الفعل أو لا يأتيه، فإذا لم يكن حرًّا في إتيان الفعل المكون للجريمة فهو مكروه عليه.

فالإكراه هو إذن، ما يواجه الشخص من مؤثرات داخلية أو خارجية يكون من شأنها إما إعدام إرادته إعدامًا تامًا أو ضعفها ضعفًا قد لا يجسد معه مناصًا من ارتكاب الجريمة فيرتكبها رغمًا عنه.

والإكراه إما مادي أو معنوي، أما الإكراه المادي فهو كل فعل من شأنه إعدام الإرادة ودفع الشخص لإثبات الفعل المنهي عنه دخول اختيار منه.

وهنا تلا الأستاذ السادة ما جاء في هذا الصدد في كتاب "المسئولية الجنائية" للدكتور القللي من أن الإكراه المادي يختلف مصدره، فقد يكون ناشئًا عن فعل الطبيعة، أو عن فعل حيوان،

أو فعل إنسان، ومن أمثلة الإكراه الناشئ عن فعل إنسان حالة المنوم المغناطيسي إذا أمر النائم بارتكاب جريمة فنفذ أمره وهو نائم.

وخلص من ذلك إلى شرح الإكراه الواقع على المتهم ومصادره مبينًا المراحل التي مر بها حتى سلبت إرادته تمامًا.

ثم قال إن من بين هذه المراحل نشأة المتهم الدينية، فقد غرس الإيمان في قلبه وانضمامه إلى جماعة الإخوان، وعمره 15 سنة واستدل بما جاء في شهادة عبدالرحمن عمار بك وكيل الداخلية السابق من أنه كان يحضر اجتماعات الإخوان المسلمين، عندما كان مديرًا للقليوبية في سنة 1944 لتشجيعهم، ودلل بذلك على تشجيع الحكومة للجماعة واحتضانها لهم.

كما استشهد على ذلك بمقال للأستاذ العقاد في جريدة الأساس لسان حال الهيئة السعدية،

وكان كل هذا من بواعث التأثير في المتهم فاستجاب في يسر إلى الدعوة، وانضم إلى الجماعة وتلا ما قال المتهم في التحقيق من أنه ارتكب الحادث من شدة التأثير عليه.

وخلص من هذا إلى قوله أن الإغراء كان واقعًا على المتهم من قبل ارتكاب الجريمة بنحو عام، ومعنى ذلك أننا نخلص بنتيجتين الأولى أن عبدالمجيد وصل في سنة 1945-1946 إلى منتهى الطاعة العمياء لقادته في الجماعة، وانسجمت طباعه مع أوامرهم فوصل إلى رياسة فريق الجماعة بمدرسة فؤاد الأول، أما النتيجة الثانية فهي معرفة طباعه وأخلاقه وكيانه عن طريق الدراسة في نظام الأسرة.

ومضى فقال إنه إذا عجز المواطن عن قدرته على الحكم حكمًا صحيحًا على الرجال والآراء، سهل على "الديماجوج"

تسخيره لأغراضه وقد يكون هذا "الديماجوج" زعيمًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا، و"الديماجوج" هو الشخص الذي يتصدى لقيادة الجماهير وقد يكون "الديماجوج" محطة إذاعة، وقد يكون مسرحًا أو سينما، أيًّا كان "الديماجوج" فهو الذي يوجه الرأي العام على هواه ووفق مطامعه.

وتحدث بعد ذلك عن المرحلة الثانية التي مر بها المتهم من مراحل التأثير والإغراء، فتلا أقواله في التحقيق فيما يختص باجتماعه بأحمد حجازي في منزل حسين عبدالسميع –وهو أحد المحكوم عليهم في قضية قنابل عيد الميلاد

- وكيف أن حجازي أفهمه أن دعوة الإخوان قد نجحت تمامًا ولا ينقصها لكي تصير مشابهة للدعوة المحمدية إلا الجهاد، وأن الإخوان لم ينسوا هذا الباب أيضًا وأنهم سيبدأون في تنفيذه.

ومضى يناقش هذا الكلام ويبين مدى ما فيه من تأثير في المتهم ثم تلا ما جاء في أقوال الشيخ البنا في قضية مقتل الخازندار بك عن تنظيم فرق العاملين وما يستوجبه الانضمام إلى هذه الفرق وكيف كان الأعضاء يختارون اختيارًا معينًا ويقضون تحت الاختيار ستة أشهر يستمعون خلالها إلى بعض الدروس الدينية والوطنية عدا شروط العضوية وحق رئيس الشعبة في وقف العضو أو فصله وقول عبدالمجيد أنه لم يكن يعرف أن هذه الفرق إنما هي بمثابة جمعية سرية.


البيعة

وتطرق إلى الكلام عن البيعة.

وتلا ما قاله المتهم في هذا الصدد في التحقيق فقد ذكر أن هذه "البيعة" هي السبب في إنشاء فرق "النظام الخاص" وقد قيل له في أثنائها أن رمز الإسلام هو المصحف والسيف كان قديمًا أما الآن "فالمسدس" وكان أمام عبدالمجيد في أثناء "البيعة" مصحف ومسدس على حد قوله.

وخلص من ذلك إلى قوله أنه يتبين من ذلك أن أول حديث عن الجهاد بالسيف كان في هذه البيعة وأن الغرض الذي قصد إليه هو الجهاد بالسيف دون تفسير لمعنى الجهاد. يضاف إلى ذلك التهديد بالقتل لكل من أفشى سرًّا للجماعة بقصد أو غير قصد.

ثم تكلم عن دراسات هذه الفرق وعنايتهم بدراسة القانون في الشق الذي يهمهم.

وأشار إلى ما كان يفتي به الشيخ سيد سابق لأعضاء هذه الفرق من أن الجهاد في صورته التي رسمها الإخوان من الحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء، ومن ثم فلا عقاب عليه طبقًا للمادتين 60 و 70 من قانون العقوبات.

وهنا استشهد بما جاء في صدد هاتين المادتين في الدفع، الذي قدمه محامي المتهم الثالث في قضية القنابل التي وقعت في دائرة العطارين بالإسكندرية، ثم أشار إلى قول المتهم من أنه اعتقد، لمناسبة حرب فلسطين أن وقت الجهاد الذي أعد له ودرب عليه قد اقترب،

وأنه سيرسل مع زملائه إلى فلسطين، ولكن القيادة لم ترسلهم، ولما زاد الضغط على القيادة من الأعضاء قالت لهم إن الصهيونيين ليسوا في فلسطين فحسب بل في كل مكان وفي مصر أيضًا.

ومضى فقال إنه على أثر ذلك بدأ نشاط أفراد "النظام الخاص" يظهر في مصر ضد اليهود، ومن هنا بدأوا يفكرون في مشروعية اغتيال رجال الأمن الذين كانوا يصطدمون بهم إبان جهادهم ضد اليهود. وتطرق الأستاذ السادة إلى الكلام عن وسائل التخويف،

وهو العامل المادي في التأثير، فذكر مسألة "البيعة" والقسم والتنقل باستمرار بين المجموعات والرقابة الشديدة المستمرة والتجسس والعقاب الصارم، الذي كان يوقع على الأعضاء الذين يخالفون النظام أو يرتكبون خطأ ما، حتى لقد قال المتهم في التحقيق أنه كان في أيديهم "زي الخروف". ثم تلا خطابًا مرسلاً من طاهر عماد الدين،

وهو أحد المتهمين؛ إلى الشيخ سيد سابق يتوسل إليه فيه أن يفتيه فيما يجب عمله ليطهر نفسه من خطيئة ارتكبها في حق الله والدين وأنه إذا لم يأته رده متضمنًا الإفتاء فسوف يصوم عن الطعام والكلام حتى يموت ويلقى الله طاهرًا نقيًّا، ودلل الأستاذ السادة بهذا الخطاب على شدة التأثير،

الذي كان واقعًا على أعضاء الجماعة من أمثال الشيخ البنا والشيخ سيد سابق باسم الدين.

وتكلم عن المرحلة الثالثة وهي الأخيرة التي ارتكب فيها المتهم جريمته فقال إن المتهم حينما وصل إلى هذه المرحلة كان فاقد الإرادة تمامًا، مسيرًا بما يمليه عليه الإخوان.

ولعل سوء الحظ الذي لقيه هو ميله للدين وانخراطه في سلك الضباط الاحتياطيين وانضمامه لجماعة الإخوان ولقد كان في خلال المدة من 18 ديسمبر حتى يوم ارتكاب الجريمة آلة تمامًا في أيدي قادته ليس له اختيار أو رأي في شيء.

وتطرق إلى التطبيق القانوني فتكلم عن الاشتراك بالتحريض وأثره في القانون، ومما قاله أن المحرض هو الدافع الحقيقي إلى ارتكاب الجريمة، ولولا نشاطه وتأثيره لما وقعت الجريمة،

وهذا الاعتبار جعل بعض التشريعات تنظر إلى المحرض باعتباره أشد إجرامًا من الفاعل الأصلي، بل بعض التشريعات تجعل من المحرض فاعلاً أصليًّا.

وجاء في كتاب "المسئولية الجنائية" أن رأي الشريعة الإسلامية، وهي التي كانت مطبقة في مصر قبل الأخذ بالقوانين الحديثة فمن رأي أبي حنيفة أن القصاص واجب على الحامل دون الفاعل.

وانتقل إلى الكلام عن تطبيق المادة 101 عقوبات على حالة المتهم الخاصة باعفاء المتهم من العقاب؛ وقد نص فيها على إعفاء كل من دل الحكومة على الوسائل الموصلة للقبض عليهم بعد بدئها في البحث والتفتيش، وقال إن المتهم يتمسك بهذه الدعوة.

ومضى الأستاذ السادة في تحليل هذه المادة وبيان مدى انطباقها على حالة المتهم.

وتكلم عن الجرائم السياسية وأخذ في تعريفها ومعناها في القانون ومما قاله في هذا الصدد:

إن الجرائم السياسية بصفة عامة هي الجرائم التي تنطوي على الاعتداء على نظام الدولة السياسي سواء من جهة الخارج أي المساس باستقلال الدولة وسيادتها أو من جهة الداخل أي المساس بشكل الحكومة أو نظام السلطات العامة أو حقوق الأفراد السياسية

–لمساس ذلك بالدولة- أي بالنظر إلى موضوع الحقوق المعتدى عليها

- وكان من مظاهر هذا النظر اختصاص المجرم السياسي بأقصى أنواع العقوبات التي قد لا تقف في بعض الأحيان عند شخص المتهم أو أمواله بل تتعداه إلى أقاربه وأسرته، وهذه السياسة لا تقوم إلا في البلاد التي تعيش في نظم ديكتاتورية تلك النظم التي تقوم على تقديس الدولة وما يتصل بها ولو على حساب الأفراد.

ولكن نمو الروح الديموقراطية أدت إلى تقدير الجريمة السياسية بميزان يخالف الميزان السابق ويناقضه فيجب النظر إلى البواعث التي انساق المتهم تحت أثيرها إلى ارتكاب جريمته فقد تكون هذه البواعث تملك من نفس المتهم مبلغ الإيمان عقيدة فيصبح المتهم يعتقد في رسالة يرى نفسه ملزمًا بأدائها تحقيقًا لما يراه أنه خير عام في تقديره هو، وقد يكون هذا هو تقدير المجتمع نفسه لتلك البواعث في ظروف معينة لأن نظر المجتمع إلى الأعمال التي ترتكب بدافع سياسي لا يظل دومًا على حاله فمن الأعمال التي تعتبر اليوم جريمة تستوجب العقاب قد يكون في الغد عملاً من أعمال البطولة إذا ما تغيرت الظروف،

هذا إلى أن المسألة في هذا الشأن كثيرًا ما تكون متوقفة على ما يحصل عليه المجرم السياسي من نتائج، وقد يفلح في غايته وعند ذلك لاشك في أن عمله يسبغ عليه صفات البطولة والزعامة ويهدر عنه صفة الجريمة والإجرام، وكل ذلك يقتضي بحكم الضرورة مراعاة الرفق واللين في مؤاخذة المتهم السياسي.

على هذا الرأي تسير التشريعات الحديثة ومنها التشريع الفرنسي ففي فرنسا وضعت عقوبات ممتازة أكثر رحمة واعتدالاً للجرائم السياسية عن الجرائم العادية وانتهى الأمر عندهم إلى إلغاء عقوبة الإعدام وإخضاع المجرمين السياسيين لمبدأ عدم التسليم،

وهذا هو الرأي نفسه عندنا فلا يجوز تسليم المجرمين السياسيين لهذا السبب، وهذا المبدأ قد حرص عليه المشرع فنص عليه في الدستور المصري في المادة 151 وتأيد بالاتفاقات الدولية المتعددة مثل اتفاقية مصر و العراق و مصر و فلسطين قبل الانقلاب وغيرهما، كما أن المرسوم بقانون 136 جعل للمتهمين في الجرائم التي ترتكب بطريق العلانية امتيازات خاصة عند تنفيذ العقوبة عليهم لا يتمتع بها غيرهم من المتهمين العاديين.

واختتم الأستاذ السادة مرافعته منوهًا بمزايا الفقيد العظيم النقراشي باشا مشيرًا إلى جهاده الطويل في سبيل بلاده، وقد غلبه التأثر فبكى وهو يقول: إنه يترك المتهم وديعة بين أيدي قضاته فهو أمانة لديهم.


جلسة 12 سبتمبر: مرافعة الأستاذ أحمد فهمي رفعت

عقدت المحكمة جلستها في هذا اليوم لسماع مرافعة الأستاذ أحمد فهمي رفعت المحامي عن المتهم المعترف الثاني وهو جلال الدين يس وترتيبه في قائمة الاتهام الرابع عشر.

وقد استهل الأستاذ رفعت مرافعته قائلاً:

سمعت في هذه القاعة وصفًا متكررًا لما جاء عن لسان جلال في التحقيقات فقد وصفت أقواله بأنها اعترافات، قيل هذا في مناسبات متعددة على لسان النيابة تارة وعلى لسان بعض زملائي تارة أخرى ورددته الصحف، وهو وصف خاطئ، ولكنه مع ذلك تكرر وانتشر حتى أصبحت أخشى أن يترك أثرًا في تحديد مركزه من الدعوى، فجلال لم يعترف بجريمته، ولم يقل أنه قتل ولم يقل أنه اشترك في القتل ولم يقل أنه اشترك في حمل السلاح وتلك هي التهم الثلاث التي تدور عليها القضية الحالية.

إنما أدلى جلال لسعادة رئيس المحكمة بأقوال حين استجوب في 31 يوليو سنة 1949 وهي الأقوال الثابتة في الصحف من 55 إلى 70 من الملحق السادس، هذه الأقوال تناولت وقائع معينة وتناولت نشاطًا ضئيلاً قام به. وهذه الوقائع وهذا النشاط لا ينطويان على جريمة من هذه الجرائم التي تقوم عليها القضية – ولعل القول بأن جلال معترف إنما جاء بسبب أن باقي المتهمين معه فيما عدا عبدالمجيد قد فضلوا لسبب أو لآخر أن يلتزموا خطة الصمت فكان جلال وقد فتح فمه وتكلم بمثابة المعترف بجانب المنكرين.

كان عبدالمجيد – المتهم الأول- قد أدلى باعترافات كثيرة مطولة اشتملت على مئات الصحائف في أوراق التحقيق – غير فيها وبدل وجزأ وكتل، ولكنه لم يتناول اسم جلال إلا في اعترافاته الأخيرة وفي أقواله في الجلسة، ومن الحق أن أقول إن ما نسبه جلال إلى نفسه

- قد سبقه إليها عبدالمجيد فجاءت هذه الوقائع على لسان أحدهما متفقة –في جوهرها- مع ما جاءت على لسان الآخر.

ومن الحق أن أقول أيضًا إن النواحي المادية المتصلة بهذه الوقائع قد تناولها سعادة رئيس المحكمة وحضرة قاضي التحقيق المنتدب بالتحقيق الدقيق وبالانتقال والمعاينة فظهر من هذا كله صدق ما أدلى به جلال في مجموعه.

والدفاع يقرر مبدئيًّا. وفي غير تردد أن هذه الوقائع حسب تصوير جلال لها لا تنطوي بالنسبة إليه على أية جريمة من هذه الجرائم التي تجري عليها المحكمة.

وإذن فهذه الوقائع التي جاءت على لسان جلال –واعتبرت أدلة اتهام عليه- هي التي يجب علينا أن نلتمس من المحكمة أن تستمع إلينا ونحن نحللها ونتفهم مدلولها من ناحية الجريمة وأركانها.

ومضى يحلل شخصية موكله ويسرد تاريخ حياته ونشأته فقال:

من مجموع الأقوال التي أدلى بها جلال نستخلص ما يأتي:

أنه حصل على الشهادة الابتدائية ولأن والده كان قد انفصل عن والدته وأقام كل منهما في بلد فقد عجز عن الاستمرار في الدراسة الثانوية –فترك المدارس وأخذ يبحث عن عمل واستطاع بمعونة أهل الخير أن يلتحق بوظيفة كاتب باليومية في وزارة الأشغال- وكان ذلك في 4 سبتمبر سنة 1943

- وكانت سنه يومئذ لا تتجاوز السابعة عشرة- وكان يتقاضى في هذه الوظيفة 24 قرشًا فقط في اليوم

– ولما كان قد أمضى فترة عانى فيها ألوان الحرمان والحاجة فقد كانت هذه القروش تعني شيئًا كثيرًا في حياته لذلك ما أن وصلت يده إلى هذا المرتب الثابت حتى أخذ يعوض على نفسه الحرمان القديم واتخذ لنفسه في ذلك خطة غير قويمة عرف فيها أنواع البتذل ثم حصل أن نقل إلى المنصورة ولكنه لم يسلك سبيل الاستقامة هناك بل استمر في حياته الغواية والفساد فأصيب بحصوة في الكلى قاسى منها ولا يزال يقاسي الأهوال

– وقيل له أن هذا المرض نتيجة للخمر والعربدة- وعندئذ زالت عن عينيه الغشاوة وأخذ يفكر في نفسه،

أنه لم ينل من التعليم إلا المرحلة الابتدائية وأنه لم يتم المرحلة الثانوية لسبب واحد وهو حياة الفقر التي نشأت عن انفصال والديه وها هي الناحية المالية قد تيسرت بالمرتب الذي أصبح يحصل عليه في يسر وانتظام وإذن ففي استطاعته أن يرتفع بمستواه العلمي

ولكن هذا لا يكون إلا بأمرين

- الأول: أن يتقي الله ويعرف حدوده فينه عليه فينقطع عن مسايرة الشيطان. والأمر الثاني: أن يحزم أمره لمعاودة الدراسة والتقدم لامتحان الثقافة.

لم يكن جلال يريد أن يحيا حياة الاستقامة فقط –بل حياة التقى والورع

– فرأى أمامه جمعية دينية إسلامية تلقى فيها المحاضرات الدينية هي جمعية الإخوان المسلمين.

إذن فليذهب إلى هذه الجماعة- وكان معروفًا أن رئيس هذه الجماعة كان يلقي محاضرة مرة في يوم الثلاثاء من كل أسبوع. يقول جلال إنه كان يذهب لسماع هذه المحاضرات كلما سمح له الوقت بالذهاب. ويقول أيضًا أنه واظب على دراسته حتى تقدم لامتحان الثقافة ونجح فيه.

لقد ثبت يا حضرات المستشارين أن جلال من ذوي الضمائر الحية وذي الحس المرهف – نام ضميره فترة من الزمن حين ساير صاحبه الشيطان وسار في طريق الغواية.

ولكنه استيقظ سريعًا –فأفادته اليقظة- أفادته الاستقامة- وأفادته الدراسة وتقوت عزيمته فها هو قد ابتعد عن المفاسد فنجح في امتحان شهادة الثقافة ثم واظب على الدراسة فنجح في امتحان التوجيهية – وهو يستمع إلى المحاضرات الدينية ويؤدي فرض ربه عليه

– ولكن شيئًا واحدًا ظل يؤرق منامه. كان ضميره يؤنبه دائمًا على الذنوب التي ارتكبها في حق الله وشريعته لقد تاب وأناب ولكن ذلك لم يكن كافيًا في نظره كي ينال المغفرة من السماء وكي يسعى أبدًا أنه تطهر من رجس الماضي وخطاياه.

توثقت الصلة بين عبد الرحمن السندي وجلال

–وهي صلة يقول جلال عنها أنها كانت يشوبها التحفظ التام من قبل عبدالرحمن. وهذا طبيعي

– فعبدالرحمن هو الذي عرف فيما بعد أنه رقم واحد- فهو صاحب أعلا مرتبة بعد صاحب الدعوة أو المرشد العام

– وسأحدث حضراتكم فيما بعد عن هذه المرابت. أما جلال فهو تلميذ مبتدئ لم يصل حتى إلى درجة العضوية فهو من المستمعين أو المنتسبين

– وهو لا يصل إلى مرتبة العضوية إلا بعد اجراءات طويلة إذ كان يجب أن يوضع موضع الاختبار وتدرس شخصيته دراسة دقيقة وتتناول هذه الدراسة كل ما يحيط به وكل صفاته مزاياه وعيوبه وأسرته وبيته ثم يفحص طبيًّا ثم بعد هذا كله يؤدي امتحانًا خاصًا – وشيء من هذا كله لم يحصل لجلال.

ومضى الأستاذ رفعت يبين كيف استغل جلال بواسطة عبدالرحمن السندي ومالك وأحمد قدري، وانسياقه إلى الاجتماعات التي كانت تعقد لتدبير الجريمة، وكيف عهد إليه بالاشتراك فيها ويعاونه عبدالمجيد. ولما عرف ذلك تقززت نفسه، وأصابته رعشة، وحدث في اجتماع آخر أن قال لهم:

"أنا أعتقد أنه لا ضرورة لهذه العملية ويحسن أنكم اتفقتم مع الوزارة، وتشوفوا لكم حق وأن السلم أحسن، ثم ادعى لهم أن والده مريض وأنه مضطر للسفر إلى المنصورة لزيارته، وأرادب ذلك لتهرب من الاشتراك في الجريمة.

وخلص الأستاذ رفعت إلى القول:

حقيقة عاد جلال من المنصورة قبل أن ترتكب الجريمة ولكنه في الفترة التي مضت بين عودته وبين ويوم ارتكاب الحادث كان منزويًّا منطويًّا على نفسه مبتعدًا كل الابتعاد عن ميدان التآمر وجو الجريمة. ومضى يقول أن الفقيد كان بلا شك رجلاً عظيمًا، وأن وفاته خسارة كبيرة لمصر، ولكن شناعة الجريمة وعظمة الفقيد لن يجعل ميزان العدالة يهتز في أيديكم القوية الحازمة.

إن خطأ جلال محصور في أنه حضر اجتماعين من اجتماعات المتآمرين وليس بدلة الكونستابل مرتين على سبيل التجربة – ولكن هذا الخطأ مغفور له لسبب واحد

– هو أنه كان مهددًا في حياته لو أنه لم يساير المتآمرين – ولكنه انتظر حتى إذا وجد السبيل للعدول –بل للهرب من المدينة كلها ليكون بعيدًا عنهم أولا وليباعد بين نفسه وبين التورط في الجريمة ثانيًا: لم يتردد مطلقًا فكان أن ارتكب الجريمة دون أن يشارك فيها بقول أو فعل – فجلال لم يخطئ ولكنه كان مسلوب الإرادة وكان حق الاختيار عنده معدومًا

– فقد كان عليه أن يختار بين أمرين – فإما أن يساير هؤلاء الذين تسلطوا عليه حتى يجد المخرج والمهرب وقد فعل أو أن يعرض حياته لخطر الاعتداء عليها من هؤلاء المتآمرين وأنكم لتعلمون يا حضرات القضاءة المحترمين أن الغريزة البشرية وحب الحياة تدفعان الإنسان دائمًا لحماية نفسه من الخطر الحال بها

– وإذن فلم يكن أمام جلال إلا اختيار الطريق الأول طريق المسايرة حتى تسعفه الفرصة بالهرب قبل أن يتورط في الجريمة.

حكم القانون

ثم انتقل إلى الكلام في التكييف القانوني للوقائع المنسوبة لجلال وحكم القانون عليها، فقال إنها لا تخرج عن أعمال أولية، عدل عنها مختارًا حين لمس خطورة الجريمة وقبل وقوعها بعدة أيام. وهي أعمال تحضيرية لا يعاقب القانون عليها.

ودعم ذلك بحكم لمحكمة النقض صادر في 1922 كما قرأ بعض فقرات من كتاب محمود بك إسماعيل إبراهيم رئيس النيابة عن عدول الجاني عن ارتكاب الجريمة بإرادته.. وأنه لا عقاب عليه. وأن العدول الذي يعتبره القانون حصانة للمتهم لا تجيز عقابه هو العدول الحاصل قبل اتمام الجريمة. نظرية النيابة

ولكن نظرية النيابة تقوم على أن جلال كان شريكًا بالاتفاق، والشريك بالاتفاق لا يستفيد من العدول. والرد على ذلك:

1-إن النص القانوني 40/2ع عن الاشتراك بالاتفاق قد فقد معناه منذ سنة 1910 بعد أن نسخه التشريع الذي أوجد جريمة الاتفاق الجنائي، مادة 47 قديمة و 48 حالية.

2-يقول المتهم أنه حين اجتمع من المتآمرين مرتين وحين نفذ لهم رغبتهم وارتدى بدلة الكونستابل مرتين رأى أن يعدل عن الاستمرار معهم وقد عدل فعلاً.

3-بفرض أن المتهم جلال ينطبق عليه وصف النيابة من أنه كان شريكًا بالاتفاق فإنه مع ذلك يظل بمنأى من الإدانة. ذلك لأن الاشتراك بالاتفاق هو جريمة ككل الجرائم لها شروط ولها أركان يجب توافرها وإلا انعدمت الجريمة وامتنع العقاب..

والجريمة المنسوبة لجلال قد فقدت أخطر أركانها وهو القصد الجنائي.. إذ إن جلال كان واقعًا تحت تأثير الإكراه المادي والأدبي.. فقانون الجماعة ينص على "أن أية خيانة أو إفشاء سر عن حسن قصد أو سوء نية قد يعرض صاحبه للإعدام أو بإخلاء سبيل الجماعة منه مهما كانت منزلته ومهما تحصن بالوسائل واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة له بالحياة".


طائفة الإسماعيليةو حسن الصباح

وبعد أن أشار حضرته إلى الجو الرهيب الذي اكتنف جماعة الإخوان المسلمين قال:

الواقع أن هذه الهيئة الإرهابية في جماعة الإخوان لم تبتكر النظام الذي كانت تسير عليه

–إذ يبدو لي أنهم اطلعوا على نظم قديمة لجمعيات إرهابية خطيرة فأخذوا ينقلون هذه النظم على سبيل التقليد. يمصرونها ويعصرونها حينًا آخر ولكن التقليد كان ظاهرًا في كل ما نقلوه من هذه النظم كما كان التشويه واضحًا كذلك.

وإنه ليهم الدفاع أن يتحدث عن هذه النظم –وأن يبين للمحكمة المصادر التي نقلت عنها جماعة الإخوان وطريقة النقل

– والدفاع لا يرى في ذلك خروجًا عن مهمته – بل يرى ذلك أمرًا لازمًا ضروريًّا في هذه القضية كي يكشف للمحكمة عن بعض أسباب الفزع الخفية التي كانت تملأ نفس جلال ولا يستطيع أن يعبر عنها أو يعللها

–فإن هذه الأسباب خليقة بأن يتبين للمحكمة إلى أي مدى كان المتهم مسلوب الإرادة وحق الاختيار

. ولقد كانت هذه الأسباب نفسها تملأ قلوب الجماهير وتملأ نفس الهيئة الحاكمة بالرهبة والرعب عند ذكر اسم هذه الجماعة.

وإنكم لتذكرون يا حضرات المستشارين والضباط العظام ما قاله أمامكم عبدالمجيد وما ورد في التحقيقات من تكرار العبارات غريبة فقد ورد فيها ذكر الجنة والنار وورد ذكر الدعوى والداعي

–الدعوة المحمدية واليمين والبيعة

– و الجهاد في سبيل الله

– والخيانة والخونة

– ومراتب الجماعة والامتحانات التي تعقد لمن أريد رفعه من مرتبة إلى مرتبة من أعضاء الجماعة وشعار الجماعة المكون من المصحف والسيفين

– فهذه النظم كلها وهذه التعبيرات التي سمعتموها وسمعناها كلها منقولة عن جماعة إرهابية قديمة حرفًا بحرف اللهم إلا ما مسخه التقليد

– وهي جماعة نشأت منذ حوالي سبعمائة سنة أمضت منها نحو مائتي سنة تعبث في الأرض فسادًا وتنشر الإرهاب المنظم الدقيق في كافة أنحاء العالم الإسلامي كانت لها نظم علنية ظاهرة وأخرى سرية باطنة وكانت لها فتاوى دينية لا تتمشى مع فتاوى بقية المسلمين وكانت لها تفسيرات خاصة بهم للقرآن الكريم والأحاديث النبوية وقد نشروا رسائل اختص بها جماعة منهم.

وكانت بلاد الإسلام في بعض العهود مليئة بالفرق الإسلامية المضطهدة وقد اشتهر من هذه الفرق –طائفة الإسماعيلية التي خرج منها جماعة تزعمها حسن بن الصباح

– فنظم الإرهاب تنظيمًا دقيقًا – ووضه له أخطر ما عرف العالم إلى اليوم من وسائل.

ويهمني أن أذكر لحضراتكم أن حسن بن الصباح ونظمه ووسائله وأساليبه كانت ولازالت محل دراسة عميقة من طوائف الإسماعيلية وغيرهم

– وهي لم تتناول النواحي الإرهابية وحدها ولكنها تناولت الإسلام كله بقواعده وأركانه وكتبه ورسله بالتوضيح والشرح والتفسير بطريقة أن تكن أرضت الشيعة وهم أصحاب مذاهب متعددة فإنها لم ترض أهل السنة. وقد أخذت أكبر جامعات العالم حتى في وقتنا الحاضر تهتم بنظم حسن الصباح هذا وتناولها بالبحث والدراسة والمقارنة، ففي جامعة بومباي في الهند تخصص لها البرنس إيفانوس الروسي وهو أحد أساتذة هذه الجامعة – وله فيها مؤلفات

– وفي مصر تخصص لها الدكتور محمد كامل حسين الأستاذ بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول وله فيها عدة مجلدات، وفي فرنسا الأستاذ ماسيينو الأستاذ بالسكوليج دي فرانس وفي ألمانيا الأستاذ ستروتمان بجامعة همبرج وفي إنجلترا الأستاذ برنار لويس الأستاذ بجامعة لندن.

وبصرف النظر عن الناحية الدينية أو المذهبية لدى جماعة حسن الصباح

–فإن النظم الإرهابية التي وضعها وسار عليها وهو من تولى زعامة الطائفة بعده زهاء قرنين. هذه النظم أصبحت الينبوع الذي ترتشف منه الجماعات الإرهابية. والمصدر الذي تأخذ عنه وتقلده.

ونظرة إلى التاريخ القديم تبين لكم كيف نشأت الفرق الإسماعيلية وكيف ظهر حسن الصباح.

وقف رسول الله محمد بن عبدالله فألقى خطبته الأخيرة أو حجة الوداع في جهة يقال لها غدير خم – فكان ما قاله (ص) وهو يتوجه بالخطاب إلى الإمام علي كرم الله وجه

– هذه العبارة من كنت مولاه فعلي مولاه – اللهم وال والاه وعاد من عاداه وأدر الحق معه حيث دار. هذا الحديث من رسول الله غير مختلف عليه

– وقد ورد في البخاري- على أن أنصار علي وجدوا في هذا الحديث المعنى السافر للوصية فأطلقوا على الإمام علي وصي رسول الله.

فلما قبض الرسول

– رأي أنصاره أنه هو الخليفة المنتظر – ولكن المسلمين بايعوا أبا بكر الصديق – ثم بايعوا من بعده عمر بن الخطاب – ثم عثمان بن عفان – ولم تستغرق خلافة هؤلاء الثلاثة -رضي الله عنهم- إلا سنوات قليلة ثم جاء دور علي.

ولكن عثمان بن عفان –كان قد مات مقتولاً – تسور عليه القتلة داره – فقتلوه وهو مستغرق في الصلاة

– فثارت أسرة عثمان واتهموا أنصار علي بأنهم تعجلوا الخلافة

– لصاحبهم وأنهم قتلوا عثمان هذه القتلة الوحشية الظالمة تحقيقًا لرغبتهم في أن يلي الخلافة علي بن أبي طالب، واعتصموا بالشام بزعامة معاوية بن أبي سفيان وبايعوا معاوية بالخلافة وأسسوا الدولة الأموية ولكن أهل الحجاز بايعوا عليًّا

–واشتدت المنافسة بين الرجلين- حتى استطاع الأمويين أن يقتلوا الإمام عليًّا.

فلما ولى الإمامة من بعده ولده الإمام الحسن –رضي الله عنه- دسوا له السم فمات أيضًا

– وجاء بعده الإمام الحسين – رضي الله عنه- فقتلوه في كربلاء إذ ذبحوه ذبح الشاه. وهكذا كان مصير كل إمام يقوم لمناهضة الأمويين.

فجاء بعد الحسين – علي زين العابدين، ثم محمد الباقر ثم جعفر الصادق ثم جاء بعده الإمام السابع إسماعيل بن جعفر – وباسمه اتسمت طائفة الإسماعيلية – ذلك أنه لما توفي إسماعيل

– كان له أخ يدعى موسى بن جعفر وولد يدعى محمد بن إسماعيل، فانقسم المسلمين إلى طائفتين إحداهما تدعو لموسى باعتباره أرشد من ابن أخيه وأكفإ للإمامة

– والأخرى تدعو لمحمد باعتباره ولي العهد الطبيعي، وكانت لهذه الطائفة عبارة مشهورة فكانوا يقولون إن الإمامة لا ترجع أبدًا من أخ إلى أخيه بعد الحسن والحسين

– وقد انتصر هذا الفريق فولي الخلافة محمد بن إسماعيل وخشي هذا الفريق من النكسة ومن تألب أنصار الفريق الآخر عليهم

– فنظموا الدعاية أولاً للمذهب الشيعي الذي يدعو إلى حصر الإمامة في علي وذريته، وثانيًا للمذهب الإسماعيلي الذي نشأ عن هذا الخلاف بين موسى بن جعفر

– و محمد بن إسماعيل وكانت الدعوة هنا للإمام ظاهر هو محمد بن إسماعيل، ولكن خلفاءه من بعده فضلوا التستر فقد كانت الدولة الأموية قد توطدت أركانها وعظم سلطانها فبدأ عهد الدعوة للأئمة المستورين وكانوا ثلاثة

– عبدالله بن محمد

– وأحمد بن عبدالله- والحسين بن أحمد.

ثم ظهر الإمام التالي وهو عبدالله المهدي فجأة في بلاد المغرب فأسس الدولة العبيدية أو الفاطميين – ثم جاء بعده القائم ثم المنصور،

ثم المعز لدين الله. فهاجم مصر واستولى عليها ونقل عاصمة ملكه إليها

– كل هذا والدعوة للمذهب الشيعي سائرة منظمة، ولكنها وقد أصبحت في كنف الإمام الظاهر وفي دولة مترامية الأطراف تضم بلاد المغرب و مصر هدأت قليلاً

– ثم تولى العزيز بالله، والحاكم بأمر الله، ثم الظاهر لدين الله؛ ثم المستنصر بالله، وفي عهده ظهر حسن الصباح فأخذ يدعو للمستنصر حتى إذا توفي الخليفة كان له ولدان – نزار والمستعلي – فكان لكل منهما أنصار

– أما حسن الصباح فقد انضم إلى نزار ولكن المستعلي هو الذي تولى العرض، ولكن الصباح هاجر من مصر وأخذ يدعو لنزار كإمام مستور،

واعتصم في قلعة في بلدة تدعى الأموت على جنوب بحر قزوين، في مقاطعة أذربيجان الحالية في بلاد العجم وسميت طائفة الصباح يومئذ – الطائفة النزارية أو الباطنية – ثم أطلق عليها بعدئذ طائفة الحشيشة أو الحشاشين.


آقاخان

ويقول سمو آقاخان زعيم طائفة الإسماعيلية في الهند أن نزار هذا هو جده الأعلى.

أم المستعلي الذي ظفر بالعرض المصري دون أخيه نزار –فقد ظهر له دعاة أيضًا- وأنصاره يسمون البهرة ولهم سلطان هو السلطان ظاهر سيف الدين سلطان البهرة وهو يزور مصر بين وقت وآخر.

ومن الخير أن نذكر أن طائفة الحشاشين أو النزاريين ظلوا إرهابيين طوال قرنين من الزمان حتى تمكن المغول بزعامة هولاكو من القضاء على القاطنين منهم في الشرق، كما تمكن الظاهر بيبرس من القضاء على إخوانهم بالشام، أما هؤلاء الموجودين في الوقت الحاضر في الهند وهم طائفة الإسماعيلية. أو في العراق و إيران وهم الشيعة الاثنا عشرية الذين كان أجدادهم يناصرون موسى بن جعفر، أو في البهرة، أو المستعليون، فهؤلاء جميعًا قد لزموا خطة الهدوء والمسالمة، ولم يعد فيهم هيئة فوضوية.


ما هي نظم طائفة الحشاشين

لعل أظهر ما في نظم هذه الطائفة هي الطاعة العمياء للإمام أو للداعي له أو داعي الدعاة. طاعة تؤدي معنى التضحية الكاملة للنفس والفكر والإرادة –فيها الفداء

- وفيها قبول تعاليم الإمام حتى فيما يتصل بالدين اتصالاً وثيقًا ذلك لأن الإمام هو وحده الذي يحمل ذنوب أنصاره.

وهو في نفس الوقت معصوم. فإذا قال الإمام لأنصاره لا تعبدوا الله فعليهم الطاعة ولا عقاب عليهم في الدنيا ولا في الآخرة.

وإذا قالوا لهم اقتلوا فعليهم الطاعة ولا عقاب عليهم في الدنيا ولا في الآخرة. وطاعة الإمام تؤدي إلى الجنة. أما معصيته ففيها الخزي والعار وفيها نار جهنم.

ومعصية الإمام أو التردد في تنفيذ ما يأمر به أو إفشاء السر أو القيام بعمل يضر الدعوى عن قصد. أو عن غير قصد.

كل ذلك يحجم دم المذنب.وعند هذا الحد انتهى الأستاذ رفعت من مرافعته عن جلال يس ثم رفعت الجلسة.


جلسة 13 سبتمبر: مرافعة الأستاذ علي منصور

ترافع في هذه الجلسة الأستاذ علي منصور المحامي عن محمد مالك يوسف، و محمود حلمي فرغل، وقد استهل مرافعته قائلاً:

إن الجريمة نبتت في جو مليء بالطعن في جماعة الإخوان المسلمين التي ينتسب إليها القاتل، وبعض المتهمين وكان طعنًا لحمته الاتهام وسداه الفرق.

وقد جنى على رئيس وزارة له سياسته ومريدوه وأعقب الحادث تشريد وتشتيت، وتلت ذلك سلسلة من الوقائع والاجراءات التي تدور بين الترغيب والترهيب، فأخرج كل ذلك جوًّا بعث خلجات التردد لما اكتنف الدعوى من عصف في التمهيد والتصوير، وخاصة فيما يتعلق بمالك، ولما استقرأت الصفحات وخليت بين ما بها وبين ما أذيع وأثير، اطمأننت إذ وجدت الأمر،

وقد نفضت عنه حواشيه، لا يخرج عن مجرد اتهام إن وجد شبهة من سند أو طرفًا من دليل، فله قوة في الرد وبرهان على النقد ثم رجا المحكمة أن تنفصل فيما بين وقائع القضايا الحالية وبين ما عداها من مقدمات ومعقبات.

وخلص من ذلك إلى الكلام عن جمعية الإخوان المسلمين قائلاً ألا تتريب على هذه الحفنة من الشبان في انضوائها تحت لواء جمعية آزرتها يومًا الطبقات المختلفة في البلد وعضدتها الأحزاب المصرية مع تضارب نزعاتها، واحتضنها لفيف من كبرائنا وذوي الرأي فينا،

حتى إن مذكرة الحل التي بنى عليها بقرار الذي أنهى شكل الجمعية استندت إلى أمور كانت مبررة في نظر ولاة الأمور يومًا ما، ثم إن ما ثبت من جرائم، قام بها بعض الأفراد، لا يمكن أن يضار به المجموع إطلاقًا، وإلا لحكمنا على جل هيئاتنا السياسية بما لا نرضاه لأنفسنا فقد نبت في هذه الهيئات من ارتكب الجريمة كذلك، أو من عزى إليه ارتكابها، ومن هؤلاء ذات المجني عليه، ومع ذلك ما وصمت هذه الهيئات بوصمة الإجماع، ولا اتسمت بسمة الإيعاز.

وتطرق إلى الكلام عن قضية سيارة الجيب فقال: إنه يجب ألا يضار المنهمون بالتحقيقات الواردة في هذه القضية، حتى من تقاسم فيها عبء التهمة، ذلك أن القضية ليست مطروحة أمامنا بكلياتها لمناقشتها. وانتقل الأستاذ منصور بعد ذلك إلى الكلام عن الأدلة القائمة ضد مالك وهي تلخص في أقوال عبدالمجيد أحمد حسن، ومضى يناقش هذه الأقوال، ويحلل شخصية عبدالمجيد فقال:

إنه يؤلمه أن يتناول بالتجريح متهمًا، مهما تجسمت جريمته، فهو أهل الرثاء لمرضه، فعبدالمجيد قد سلب نفسه إرادتها، وتزين بمسوح عميق الإيمان، الذي استغل إيمانه في تحسين الجريمة فارتكبها مقتنعًا، ثم اهتدى بذات إيمانه إلى بشاعة ما ارتكب،

فأقر مقتنعًا كذلك، وخلع على نفسه في هذا وذاك، ثوب مسلوب الإرادة، وألقى العبء والمسئولية على من ضمتهم جنبات القبور؛ أو جانبتهم قوائم الاتهام، وخرج من بين هؤلاء وهؤلاء مسيرًا يستاهل الرثاء.

فنراه وهو في ذروة الإنكار، وعندما كان منفصلاً من الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين يلوح بدافع عقيدته الكامنة المطبوعة المصنوعة أنهم مهتم كل الاهتمام بتلك الجماعة وأنه يعتقد (أن حل الجماعة هو محاربة للدين الإسلامي لأنها الجماعة التي تقوم بخدمة الإسلام).

ونرى عميد الكلية التي ينتمي إليها المتهم يقرر صريح العبارة أن هذا الطالب يتزعم حركة الإخوان المسلمين في الكلية، وأنه على رأس قائمة الخطرين من الطلبة.

ومضى يحلل اعترافات عبدالمجيد وكيف بدأت باتهام نفسه فقط ثم تدرج في اتهام فريق من المتهمين وانتهت باتهام باقي المتهمين.

وسمى هذه الاعترافات أنها اعترافات بالتقسيط وفسر حضرته كل اعتراف من هذه الاعترافات فقال أن اعترافه الأول كان نتيجة اقتناعه بأن ما أتاه جريمة، وأن هذا الاقتناع قد جاء عقب اطلاعه على بيان هيئة كبار العلماء.

وأن اعترافه الأخير جاء خشية في أن يحكم عليه وعلى ما اتهمهم، ويبقى الآخرون أحرار فيرتكبون الجرائم.

وخلص من هذا القول إلى أن من الأدلة على خرق الأسباب التي يدعيها عبدالمجيد أن ترى لنفسه علتين لاحقتين هما ما ذكرهما بصدد اعترافه على الشيخ سيد سابق ثم السيد فايز وقوله أنه اعترف على أولهما حتى لا يفتي غيره بشرعية أية جريمة...

وأنه اعترف على ثانيهما حتى يمنع وقوع جرائم جديدة بوصف السيد فايز – على حد تعبيره – منظم الإرهاب أو زعيمه.

فإن صح أن المتهم كان يرمي باعترافه لمنع انسياق أفراد النظام الخاص في تيار الجريمة.

لكان من أولى واجبات المتهم وضع يد المتهم على رأس هذه الجرائم ومدبريها حتى يقطع الصلة بين هذه الرأس وتلك الأيدي المسيرة فلا تستطيع الأيدي حراكًا.

ونعود للقصة المؤلفة كما يقول المتهم – قصة "ضياء" فنراه يبرر العدول عنها- وأن هذا التبرير متأخرًا أيضًا..

بأنه عدل عن هذه القصة لما انتابه من جزع لما رأى النيابة تقبض على الأبرياء للبحث عن ضياء فأراد أن يرجع هؤلاء الأبرياء لذويهم فيمنع الشقاء عن عائلاتهم.

وأخيرًا يعلل اعترافه، بعد أن أعلن بقرار الايهام، بخشيته من أن يحاكم ومن عاصره إتهامًا فيطمئن أعضاء الجماعة بمجرد صدور الحكم ويقدمون على ارتكاب جرائم أخرى. إذ سيكون هذا أمانًا لهم يبدأون على أثره آثامهم. وفاته أن مجرد صدور الحكم تأديب وتهذيب.

تأديب لمن يصدر عليه وتهذيب لغيره.

ثم إن كان هذا صحيحًا أو على بعض الجانب من الصحة فلم لم يتقدم المتهم بمجرد إعلانه بقرار الاتهام ليعترف بما عترف به.

واستشهد على ذلك بما ذكره المتهم عبدالمجيد في بدء التحقيق، وعند أول اعترافه حين سئل عن "ضياء" ومن يكون وكيف يمكن الاهتداء إليه وهو يجهله فأجاب عبدالمجيد بأنه يتمنى أن تقبض النيابة عليه الآن فهو الذي دفعه إلى ارتكاب الجريمة، ويظهر أنه كان حريصًا جدًا من ناحية إخفاء اسمه حتى لا يجعلني أعرف مكانه وهو رجل شرير ويبلغ درجة غريبة من الشر.

وسئل في موضع آخر هل اسم "ضياء" هو الاسم الحقيقي لذلك الشخص أم اسم مستعار، فأجاب أنه اسمه الحقيقي وعمره 30سنة وغير متزوج.

وخرج الأستاذ منصور من هذا إلى القول:

فكل هذه الأقوال تدل دلالة قاطعة على أن المتهم كان يرغب في الافصاح عن ضياء هذا. بل كان يتمنى ذلك الافصاح، وأنه كان في ذات الوقت عاجزًا عن معرفة ضياء الذي صوره، فإن أتى بعد ذلك وقرر أن ضياء هذا هو محمد مالك فإن مقالته هذه لا يمكن أن تكون عمدة في الاتهام ولا يتأتى انسجامها إلا مع الافتعال والاصطياد اللذين ساعدت عليهما عوامل مختلفة كما سأوضح فيما بعد.

بل إن هذا الذي نستعرض والذي نطق به عبدالمجيد يتنافى مع نفس علته في هذا الصدد، وفي علة تأليف القصة لمجرد إشعال الجماعة ومنعها من ارتكاب جرائم أخرى.

لأنه وهو يقصد هذا المعنى الرمزي قد أفصح عن أناس معروفين كأحمد عادل كمال و طاهر عماد الدين إذ تم الافصاح عنهم في 20 يناير سنة 1949.

وما دام إذن قد أرشد عن أفراد معينين رغم أنهم في نظره – شركاء غير مباشرين... فلا يضيره بعدئذ الارشاد عن الشركاء المتصلين بالجريمة عن طريق مباشر.

وكان أولى – لو كان عالمًا – أن يرشد عن سبب بلائه كما يقول وهو "ضياء" هذا...

وإن كانت العلة هي ما يقول... فقد تحققت العلة إذ لم تحدث أي جريمة بعد هذه القصة. وما دامت الغاية التي يرنو إليها قد تحققت فما باله بعد هذا أتى بكل مبتدع أو مختبأ.

وما باله إن كانت في عطفيه نزعات وفي وعيه معرفة... يقطع على نفسه خط الرجعة في نهاية كل تحقيق أتاه طالبًا، فيقره في صدره ارغامه الإدلاء بالحقيقة. ومع ذلك يظل عاجزًا أحيانًا.. ثم متدفقًا حينًا حتى بقيت الحقيقة أو كل الحقيقة حائرة إلى يومنا هذا.

وبقيت هذه الحقيقة بالرغم مما قيل لها أو عليها منفصلة عن علتها. وإذا انهارت العلة فقد انهدر المعلول.

ومضى يبين كذب عبدالمجيد في هذه الاعترافات، ويقيم الأدلة على هذا الكذب، ومنها أن في نظام جماعة الإخوان التي كان ينتمي إليها المتهم، أن يعرف كل شخص جميع أفراد أسرته في النواحي الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، وأن يعرف شئون إخوانه الظاهرة والخفية،

ومؤدى هذا أن عبدالمجيد كان يعرف منازل من اتهمهم، ويعرف مواقعها وأحوال أصحابها وظروفهم، فإن أتى بعد ذلك ووصف منزل أحدهم لو تعرف على فرد فلا يمكن أن يقال أن هذا التعرف دليل على صدقه أو حتى مجرد قرينة ضدهم، ولم تثبت النيابة أن هذا العلم قد نشأ عن طريقة الجريمة الحالية أو بمناسبتها. ثم قال الأستاذ منصور إن الملاحظات الغريبة على الاعتراف الأول لعبدالمجيد،

أن الثابت في تقديم هذا الاعتراف أن أحد رجال البوليس قرر لسعادة النائب العام بأنه أثناء اصطحابه للمتهم إلى السجن رغب هذا الأخير في مقابلة النائب لأمر يجهله، ثم تسفر هذه المقابلة عن الاعتراف.

والملفت في هذا أن المتهم كان أمام النيابة منكرًا في يوم 11 يناير، وأعيد إلى سجنه في الساعة الثالثة من مساء ذلك اليوم، ولم يعد للنيابة بعد هذا إلا يوم 14 يناير، وبدأ المحضر بتسجيل رواية المتهم من رغبته في مقابلة سعادة النائب العام.

فإن كانت العودة الأخيرة كما هو واضح، في الثالثة من يوم 11 يناير إذن فالرغبة أبديت في هذا اليوم، ولم تنقل للنيابة إلا يوم 14، فلم تمطي الزمن هذه الأيام الثلاثة؟ وإن قيل إنها أبديت في غير هذا اليوم لكان هناك إذن اتصال بالمتهم عن غير طريق النيابة ولقبل هذا أن يدور في ذلك الاتصال ما يدور.

فهذه اللمحات التي شاءت الظروف رغم التحوط أن تظل بصمات أصحابها عالقة بأوراق التحقيق لمحات تؤدي –ولو إلى حد ما- إلى تلمس ما دفع المتهم ليقرر ما قرر ويصور ما يصور، خاصة وأنه جاء أخيرًا فذلف لسانه في الصفحة الثالثة والعشرين من الملحق الساسد ما فضح هذا أو كاد، عندما سئل.

لماذا لم تذكر هذه التفصيلات في 22 مارس عندما تكلمت عن مالك و سيد سابق وعاطف؟

فأجاب: "أنا كنت أنتظر أن أحد المتهمين يقرر الحقيقة حتى يستفيد أيضًا وأستفيد أنا.

فمن الذي أنبأ المتهم أنه سيستفيد إذا اعترف؟

وكيف جاءت هذه الفكرة إلى ذهنه؟

إن الوضع لا يقبل إلا أحد فرضين:

أما أنه أغرى بهذا وأفهمه، فقال بما قال...

وأما أنه وهم هذا وفهمه، فأدلى بما أدلى. وكلتا الحالتين تجعل منه إنسانًا مغرضًا ذا غاية يسعى إليها.. وكل ذي غاية لا يبالي بما يسلك الموصول لتحقيق غايته.

وتطرق إلى الكلام عن التعذيب الذي لحق بمالك، لحمله على الاعتراف ومما قاله:

إن مجرد وجود التعذيب في التحقيق، وبغض النظر عن وقوعه على الكل أو على البعض، وبتجريد ذلك عن نتيجة بالنسبة للاعتراف والإنكار، فإنه حدث، يجب تسجيله كما يجب تمحيصه لأنه عند ثبوته يلقي ظلاً على الروح التي كانت تسود التحقيق والجو الذي كان يدور فيه.

كما أن مجرد ثبوته يرفع الكثير مما سقناه على أنه فروض إلى درجة أقوى من مجرد الغرض العادي.

ثانيًا: لقد قيل بأن المعترف من المتهمين لم يقل بتعذيبه حتى يجرح اعترافه أو يكون هذا الاعتراف محل نظر..

ومن ثم فلا صالح لغيره في إثارة هذا الموضوع أو التمسك بتحقيقه.. وأقول ردًّا على هذا أن للأمر وجهين:

فقد يكون هذا المعترف قد افترق من مجرد رؤيته لتعذيب غيره فبادر إلى مقالته خوفًا من أن يحل به ما حل بهذا الغير قائلاً لنفسه كما قيل يومًا "انج سعد فقد هلك سعيد".

وقد يكون هذا المعترف قد نال ما ناله غيره. ولكنه لا صالح له بعد هذا في أن يعدل عن اعترافه أو يقول بتعذيبه؛ لأنه حيال الإثبات الخاص الذي يقوم حياله، فإنه لا يضار شخصيًّا من الاعتراف بل وقد يستفيد من إصراره على موقفه.

إن ثبوت التعذيب على موكلي وعدم إدلائه بشيء بالرغم من هذا قرينة على براءة هذا الموكل، إذ إنه وقد لاقى الأمرين لم يكن لديه ما يقوله ولو زورًا ليخلص مما يعاني.

قيل كذلك بأن هذه القضية ليست بمجال تحقيق التعذيب –وهو غير مطروح أمامها- كجريمة يعاقب القانون مقترفيها..

وإنما مجاله بلاغ مستقل يقدم للنيابة.. ولكن القول –مع ماله من الوجاهة- لا يستقيم على إطلاقه؛ لأن هذا التعذيب الذي نثيره إنما جاء في تحقيق ذات الدعوى ومن ثم فقد حق أن تحققه المحكمة لتستبين الجو الذي دار فيه التحقيق.

هذا إلى جانب أن فرصة أثار أمر التعذيب إنما أتيحت للمتهمين ووكلائهم عند طرح القضية على المحكمة فلم يفد تلك إلا أحد أمرين إما أن نلتمس في المحكمة تحقيقه أو نطلب إليها وقف السير في الدعوى إلى أن تحقق النيابة الأمر وتظهر نتيجة هذا التحقيق.

وانتقل بعد ذلك إلى تنفيذ الأدلة القائمة ضد موكله الثاني محمود فرغل، وهي تنحصر أيضًا في أقوال عبدالمجيد، وبعض المتهمين الآخرين، وقال إن قول عبدالمجيد أن محمود فرغل كان معه في خلية واحدة، قول يقبل أن ينصرف إليه النظام العلني كما يسري عليه النظام السري.

فلقد كانت جماعة الإخوان مقسمة إلى أسر كل منها يجمع منها وحدة خاصة يتصل أفرادها اتصالاً عن قرب ببعضهم، ويتصلون اتصالاً نهائيًّا بالجماعة فتخصيص التفسير بناحية معينة في الاحتمالين اجحافًا بحق المتهم يأباه الواقع ولا ترضاه العدالة.

وخلص في ذلك إلى التطبيق القانوني بالنسبة لمالك وفرغل، فقال عن الأول أن النيابة تعتبره شريكًا في الاتفاق الجنائي على قتل النقراشي باشا بطريق التحريض لأنه طلب إلى عبدالمجيد أن يقابل أحمد فؤاد الضابط الذي رسم له خطر الجريمة ولم تثبت النيابة أن مالك كان يعلم الغرض من هذه المقابلة ولم يقل عبدالمجيد أن مالك حين طلبت إليه النيابة أن يذهب لمقابلة أحمد فؤاد كان يعلم الغرض من هذه المقابلة، ومن ثم لا يكون مالك، ما دام لم يساهم ولم يساعد في ارتكاب الجريمة، شريكًا وبالتالي ليس مذنبًا.

أما فرغل حتى لو ثبت جدلاً أنه كان مكلفًا بقتل النقراشي باشا قبل أن يكلف بذلك عبدالمجيد فإن هذا التكليف لم ينته إلى شيء، وإنما اقتصر عمله على مجرد التفكير الذهني البحت، ومتى ثم فلا جريمة. ومع ذلك فعلى أسوأ الفروض، فإنه قد يكون علم بجريمة ولم يخبر عنها؛

ولا يعتبر اشتراكًا التقاعس عن الإبلاغ عن الجريمة لمنعها إذا كانت في الوقت الملائم، إلا في بعض الجرائم المعينة والواردة على سبيل الحصر في المواد (86، 87، 88، 90، 91، 92، 93، 94) وليس منها جريمتنا فكل ما يثبت إلى فرغل هو على تحضيري لا جريمة فيه.

وختم مرافعته يطلب البراءة.


جلسة 14 سبتمبر: مرافعة الأستاذ يوسف يعقوب

وقد ترافع في هذه الجلسة الأستاذ يوسف يعقوب المحامي عن المتهم الرابع السيد القزاز واستهلها باستنكار الجريمة ثم أخذ يسرد تاريخ جماعة الإخوان. وأن الجماعة بدأت بدعوة محببة إلى النفوس وهي الدين، واتباع أوامره.

وما لبثت أن تدخلت في الشئون العامة، وكانت حكومة النقراشي باشا تعلم هذا التطور ولكنها لم تقدر خطورته، وكان المعقول أن تحد الحكومة من نشاط الجماعة السياسي ولكن مرشدهم كان أذكى من أن يبدو بمظهر الخارج عليها المخالف لأوامرها.

وبعد ذلك تكلم عن الأدلة القائمة ضد موكله السيد القزاز ومن بينها أقوال عبدالمجيد، فقد ذكر أن القزاز هو الذي صحبه إلى دكان عبدالعزيز البقلي الترزي.

وقول هذا الأخير أن القزاز زعيم رهط الجوالة بقلعة الكبش حضر إليه في دكانه وسأله عما إذا كان يعرف يصنع بذلة عسكرية،

فلما أجابه بالإيجاب أخبره بأنه سيحضر له شخصين يريد أحدهما تفصيل بدلة عسكرية وفعلاً حضر في الموعد المحدد يصحبه هذان الشخصان.

واستدل مما قيل في هذا الشأن على أن اسم كمال القزاز لم يرد في أي عمل متصل بالجريمة، غير أنه لم يثبت أن عبدالمجيد وعاطف دخلا دكانه،

على ما جاء في اعتراف عبدالمجيد. كما أن صبي عبدالعزيز البقلي قال صراحة أن عبدالعزيز حضر للدكان ومعه قطعة القماش وصاحبها الذي أخذ له المقاس ولم يكن معه أحد، وهذا يكذب أقوال عبدالمجيد.

ومضى يقول:

ولقد يكون اختيار الجماعة للفظ الجهاد ما يثيره هذا اللفظ في مشاعر الجماهير؛ لأنه اقترن بتاريخ الإسلام وكان سرًّا من أسرار عظمته وانتشاره.

كان من المعقول أن ينبه هذا التطور الحكومة القائمة في ذلك الوقت إلى واجبها فتحد من نشاط الجماعة السياسي ولكن مرشدهم –رحمه الله- كان أذكى من أن يبدو بمظهر الخارج عليها، المخالف لأوامرها إذ طواها تحت جناحيه بالثناء عليها والتسبيح بحمدها حتى لا تجد سبيلاً إليه، وتبدو متجنية إذا اتخذت أي اجراء نحوه أو نحو جماعته.

ولست أقول هذا بناء على معلوماتي الشخصية، أو ما هو معروف أو متواتر على الألسنة بل أقوله نقلاً عن خطاب في القضية غفل من الإمضاء ولكنه لاشك صادر من أحد الجماعة، أرسل للمغفور له النقراشي قبيل استشهاده، هو ترديد لسياسة الجماعة كما أمليت عليهم حيث جاء به ما يأتي:

فيا دولة الباشا – هل نسيت الأحزاب في مصر، وهل فرغ الجو من وفدي وشيوعي لا يبقى سوى الإخوان الذين لا يمكن أن تسمع كلمة اعتراف بجهادكم إلا في مجتمعاتهم القروية والمدنية ولا أريد بذلك شفاعة، ولكن يعز علي أن أرى الحق مهضومًا – وأخيرًا لا تنسى كل شخص يلبس ثوب غيره والسلام.

جاءت حرب فلسطين، فظهرت الجماعة كهيئة مستقلة عن الحكومة وإن لم تكن خارجة عليها، تجمع المال وتكدس السلاح والذخيرة بغير حساب أو رقيب، بل تخترق قوانين البلد الأخرى دون أن يسائلها أحد، ودليل ذلك حادث جبل المقطم، الذي ضبط فيه عدد من أفرادها يحملون السلاح والقنابل على خلاف ما تقضي به هذه القوانين، ورغم ذلك حفظت قضيتهم وأخلي سبيلهم.

والآن نسائل أنفسنا ما الذي يمكن أن يستخلصه أفراد الجماعة، غير الواقفين على مواطن الأمور وما قد تقتضيه السياسات الحزبية أو غيرها من السياسات؟ أليس لهم الحق في أن يعتقدوا بأن الحكومة تشجع اتجاهاتهم،

وتبارك جماعاتهم، أو أنهم بلغوا من القوة والمناعة حدًّا يجعلهم غير خاضعين لقوانين البلاد حيث نغض الطرف عن مخالفاتهم لها مهما بلغت خطورتها في الوقت الذي نمسك فيه بتلابيب بائع متجول يقف على قارعة الطريق طالبًا للرزق وأني لعلى ثقة بأن الحكومة لو احترمت قوانين البلاد من بادئ الأمر وقدمت من ضبطوا متلبسين بحرقها في حادث جبل المقطم،

بدلاً من حفظ قضيتهم لأسباب لا يمكن أن تقنع أحدًا حتى الأمر بحفظها لجنبت نفسها بل جنبت هؤلاء المتهمين الوقوف،

وصانت دماء بريئة وعزيزة على مصر، كانت خاتمتها دماء ابن من أبر أبنائها، ذهب ضحية تهاونه مهما كان سبب هذا التهاون ومبعثه، وإذا كنت لا أخلي الحكومة من تبعات هذه الحوادث، فإني أتوجه بشيء من اللوم إلى سلطتنا الرابعة، صاحبة الجلالة الصحافة المصرية.

وأعتبرها مسئولة أدبيًّا عنها إلى حد ما.

فلقد حصل قبيل الحوادث المنسوبة إلى بعض أفراد من جماعة الإخوان المسلمين ومنها القضية المطروحة على عدالة المحكمة، حوادث اغتيالات أخرى اقترفها غيرهم وذهب ضحيتها ابن بار من أبناء مصر كما شرع في قتل زعيم من زعمائها أمد الله في عمره فنطق القضاء فيها بحكمه العادل متأثرًا بظروف المتهمين وحدهم والذين هرب أحدهم بل كبيرهم أثناء المحاكمة

فرأينا بعض جرائدنا في سبيل ما يسمونه السبق الصحفي تتبعه في رحلاته وتنقلاته وتنشر عنه الأحاديث وتصوره بصور مختلفة تارة بملابس عربية وأخرى بملابس إفرنجية واقفًا وجالسًا مضجعًا وراقدًا ضاحكًا ومكشرًا عن أنيابه بذقن وبغير ذقن رواية عنه أن صيته وشباب البلد الذي لجأ إليه كانوا يتهافتون في الحصول على إمضائه وأ،

ملك ذلك البلد لم يكتف ببسط حمايته له بل أكرم وفادته وعطف عليه وأنزله منزلة لا يحلم بها أي شاب حصل على أعلى الدرجات الجامعية،

لا على حكم من محكمة الجنايات بعشر سنين. وذهب صحفي معروف إلى حد التفاخر والمباهاة بأن إليه وحده يرجع الفضل في الأحكام المخففة التي نطق بها القضاء، غير ملاحظ بأن قضاءنا أبعد من أن يتأثر بالرأي العام أو يعبره أي وزن وأن لا يحكم لا يوحي من ضميره ولا يستلهم غير أوراق الدعوى وظروفها مجردة عن أي عوامل أخرى.

وتطرق إلى القول بأن ما ضبط عند كمال القزاز من صحف فيها مقالات أو أخبار عن مقتل النقراشي باشا، والشيخ حسن البنا، وغيرها من الأوراق لا تمت للجريمة بأية صلة.

وإن اسم موكله، فيما عدا ما هو منسوب إليه بخصوص البدلة الرسمية لم يرد على لسان أحد سواه من المتهمين أو الشهود بوصفه عضوًا في الخلية المنسوب إليها التآمر على قتل النقراشي باشا، أو حتى الجمعية السرية الكبرى ذات الأغراض الواسعة. ثم قال إن مجرد انتماء القزاز إلى جماعة الإخوان لا يعني اشتراكه في هذه الجريمة؛ فهنا غيره ملايين ينتمون إلى الجمعية وغير مشتركين في القتل.

ثم إن أقوال متهم ضد متهم آخر، وخاصة إذا كان مهددًا بتوقيع أقصى العقوبة، هي في الواقع من أضعف الأدلة لأنه ليس من السهل إدراك ما يجول في خاطره ولاسيما إذا كان يرى شبح الموت يقترب منه. وبعد أن أوضح كذب عبدالعزيز البقلي وتضارب أقواله مع أقوال صبيه عبدالمنعم مصطفى المنوفي. قال: أليس لنا أن نسأل النيابة بعدما سبق،

أي الروايتين تريد المحكمة أن تأخذ بها وتعتمد عليها في قضائها، رواية البقلي التي لا يؤيدها شيء إن لم تكن مكذوبة، أم رواية الشاهد مصطفى عبدالمنعم المنوفي المهلهلة المكذوبة. واستطرد قائلاً:

على أن لنا دفاعًا تختم به هذا الحديث، هو التسلميم بصحة هذه الأقوال جميعها واعتبارها غير متناقضة ومكملة لبعضها البعض، على أساس أن كمالاً كان قد سبق أن كلم المتهم الخامس من يومين عن حضور شخصين له ليفصل لأحدهما بدلة جهادية ولم يسمع حديثه أحد، حتى ولم ينظره أحد عند حضوره له في دكانه، وفي نفس اليوم الذي حضر فيه المتهم الأول لتفصيلها،

سواء أكان وحده حسب رواية مصطفى عبدالمنعم أم معه عاطف حسب روايته والمتهم الأول، أم عاطف وشخص ثالث مشلول حسب رواية المتهم الخامس وسواء أكان أخذ المقاس حصل بدكان المتهم الخامس أم بدكان ترزي آخر مجاور له وفي نفس هذا اليوم أرسل كمال المتهم الخامس صبيه ليذكره بالمسألة أو ليطلبه عنده ويحدثه بشأنها أو ليحدثه بشأن آخر أو أنه حضر مع المتهم الأول طبقًا لآخر رواية ذكرها الشاهد عبدالمعنم؛

وأن عاطف سبق أن مر على دكان كمال ودخلها ثم خرج منها سواء أكان قابل كمال أم لم يقابله، فما الذي تفيده هذه الأشياء كلها مجتمعة؟

إنها لا تفيد أكثر من أن كمالاً توسط لدى المتهم الخامس لعمل بدلة ضابط لشخص من اثنين سيحضران عنده، دون أن يوصيه بشيء خاص بهما أو يستحثه على عملها في خفاء أو على عجل، كيوم أو يومين على الأكثر، فهل يستخلص من هذه الواقعة، مستقلة عن غيرها، إنه يعلم بأن هذه البذلة معدة لعمل إجرامي، ولقتل النقراشي باشا بالذات.

لنفرض أن المتهم الرابع، لم يخش الموقف ولم يرهب الاتهام، فجاء أمام المحكمة أو أمام النيابة من قبل يقرر أن حقيقة المسألة أن المتهم الثالث عطف عطية أو غيره طلب إليه أن يرشده إلى ترزي لعمل بذلة جهادية لصديق له فدله على المتهم الخامس وزميله في جماعة الإخوان، كما أخبر المتهم الخامس المذكور بالموضوع بل أوصاه خيرًا به،

فهل يمكن أن تدينه المحكمة لمثل هذا القول؟ وإذا تدرجنا في الفرض وقلنا إن المتهم الرابع أدرك أو مفروض أن يدرك أن البذلة ستستعمل في أمر غير مشروع، فهل يمكن أن تدينه المحكمة من أجل هذا باشتراكه في جريمة قتل!

وليس يؤثر في تقدير هذا الفرض أن موكلي لم يقل به؛ لأنه إنكار متهم في تهمة خطيرة كالتي نحن بصددها لا يصح أن يفسر ضده، ولاسيما إذا لاحظنا أن معظم من سئولا في القضية أنكروا حتى مجرد انتمائهم لجماعة الإخوان.


جلسة 17 سبتمبر

أتم الأستاذ يوسف يعقوب مرافعته

وفي هذه الجلسة أتم الأستاذ يوسف يعقوب مرافعته عن موكله الثاني صلاح الدين عبدالمعطي فقال: إن الأدلة القائمة ضده تنحصر فيما جاء أخيرًا على لسان المتهم الأول دون أي تأييد من ناحية أخرى، فاسمه لم يرد على لسان أحد من المتهمين أو الشهود كشريك في الجمعية الخاصة التي تكونت لقتل النقراشي باشا، أو الجمعية السرية الكبرى، التي كان يتزعمها أخيرًا السيد فايز، كذلك لم تضبط لديه ورقة واحدة تدل على انتمائه لأية جماعة من الجماعات المنسوب إليها نزعة إجرامية.

ومضى يبين اضطراب عبدالمجيد وتناقضه في أقواله عن صلاح، ثم قال: لقد اقترف القاتل بجريمته، وهو تحت اعتقاد بأن هناك ترتيبات اتخذت لهربه عقب ارتكابها، ولكنه لم ير أثرًا لها فحز ذلك في نفسه، غير أنه وقف مكابرًا مزهوًّا في التحقيق الذي أعقب القبض عليه، يدعي أنه ارتكب الحادث وحده عن عقيدة راسخة وإيمان صادق وكان ينتظر من وراء جريمته أحداثًا أو أن جماعته القوية بنفوذها ورجالها ستسعى إلى هربه كما هرب أخل له من قبل،

ولكن طال انتظاره بدون جدوى، فرأى بثاقب نظره أن موقف الزهو والمباهاة لا يجديه، لهذا استبدل به موقف التوبة والندم، زاعمًا أنه يريد معاونة النيابة في الكشف عن سر الجريمة والشركاء فيها، واختلق رواية تبين فيما بعد أنها لا أساس لها، ولم يقصد منها إلى أكثر من شغل النيابة والبوليس في عمل تقارير ومعاينات وانتقالات وعرض أشخاص إلخ.

وبعد أن بدأ البوليس يضع يده على القضية أشرك معه عددًا من الشبان وقصر التهمة عليهم ثم رأى بثاقب نظره أيضًا أن هذا لا يخفف المسئولية عنه؛ لأنهم في مستوى سنه وإدراكه بحيث لا يمكن الجزم إذا كانوا هم الذين أثروا عليه أو هو الذي أثر عليهم أو ساهم معهم بمقدار ما ساهموا معه وهو في حاجة إلى القول أنه كان واقعًا تحت تأثير غيره لهذا أدخل السيد فايز والشيخ سيد سابق على مرحلتين.

ولما أوشكت القضية أن تنتهي إلى مصيرها انصرف همه إلى تأخير نظرها أو إطالة أجلها وهذا لا يتأتى إلا إذا أدلى بأقوال جديدة من شأنها التحقيق مع غيره، فانتظر مواجهته بمالك وأدخل عددًا كبيرًا معه لعل وعسى أن يؤدي اتساع دائرة الاتهام إلى أمر فيه مصلحته.

وبعد أن عقد مقارنة بين أقوال عبدالمجيد أمام قاضي التحقيق، وهي الأقوال التي أدخل فيها صلاح، وبين أقواله الأولى، التي جاء فيها أن صلاح لم يشترك في حديث القنبلة الفسفورية أو قنبلة الدخان أبان تضارب عبدالمجيد مرة أخرى. وخلص من ذلك إلى قوله:

وعلى فرض صحة أقوال المتهم عبدالمجيد فيما يختص بجملة، يجب الانتقام ممن حل الجمعية، فهو لم يبين كيف يكون هذا الانتقام هل بالقتل أم بالإهانة أم بالضرب والتشهير. ولذلك لا يمكن إدخال مثل هذا القول في باب من أبواب الاشتراك المنصوص عنها في المادة 40 عقوبات وهي التحريض أو الاتفاق أو المساعدة إذ هي لا تعدو ابداء رأي شخصي.

على أننا ذهبنا إلى أبعد من هذا واعتبرناها تحريضًا فإنه يشترط في الترحيض قانونًا أن يكون الفعل المكون للجريمة قد وقع بناءً على هذا التحريض وبعبارة أخرى يكون التحريض قد أنتج أثره، وهو شرط منصوص عليه صراحة في المادة 40.

ثم تكلم على ما قاله عبدالمجيد من أن صلاح الدين حضر اجتماع يوم 25 ديسمبر الذي تقرر فيه التنفيذ يوم الأحد، فقال إنه على فرض حضور صلاح هذا الاجتماع فلا يفيد اشتراكه في الجريمة إذ من الجائز أن يكون قد جاء مصادفة إلى منزل عاطف فوجدهم مجتمعين.

واختتم مرافعته قائلاً:

إنني أخشى بعد كل هذا أن تنقلب الشدة في عقابهم إلى عطف عليهم فيضيع على الحكومة ما تتوخاه من استتباب الأمن وعودة الحياة إلى مجاريها.

وكلمتي الأخيرة إليكم هي: رفقًّا ثم رفقًّا بهذه القوارير، وتذكروا تلك الحكمة البالغة التي هي شعار قضائكم (الرحمة فوق العدل).


مرافعة الأستاذ عبده أو شقة

وقد ترافع في هذه الجلسة أيضًا الأستاذ عبده أو شقة المحامي عن عاطف عطية حلمي، وقد بدأها قائلاً: طوى برصاصته قصة الثورة

في هذه القاعة، وفي هذا القفص وهذا المكان، الذي يقف فيه عبدالمجيد أحمد حسن الآن ومنذ ثلاثة عشرون عامًا، وقف محمود فهمي النقراشي متهمًا في قضية الاغتيالات السياسية وحبل المشنقة أقرب شيء إلى عنقه وعبدالمجيد يومئذ نطفة في الأرحام،

ولقد شاءت إرادة الله جلت قدرته أن يصون النقراشي من كيد الكائدين ليؤدي ضريبة العظمة التي يفرضها القدر على أمثاله من الشهداء والمجاهدين حتى إذا أطفأ النسيان كل شيء بقي نور دمائهم شهابًا رصدًا لا تطفئه الأيام، وفي هذه الحقبة من الزمن ولد عبدالمجيد ونما وترعرع وكتب على نفسه أن يكون أشقى أبناء هذا الجيل فطوى برصاصته الغادرة كتاب حياة كان وستطل إلى الأبد قصة الثورة العاقلة الكاسحة لمن أراد أن يتعلم. وقصة الوطنية الرصينة الملهمة تعمل كثيرًا وقليلاً ما تتكلم.

وقصة الفضيلة والأخلاق في رجل كلما ذكرته، ذكرت قول علي في عمر "إنه لم يأكل من طعام أعجبه حتى شبع – ولم يسلم من عدل ولده حتى أقام الحد عليه – ولقد بشره النبي بالجنة ولكنه كان أشدنا من الله خوفًا".

ثم تناول شخصية القاتل فقال: إن أوراق التحقيق حدثتنا أنه فوضوي عنيد رهيب من ذلك الطراز من الفدائيين المنتحرين، الذين امتلأت بهم ذمة التاريخ والذين ندبوا أنفسهم بما توفر لها من قوة خارقة وعقيدة ثائرة طاغية للقيام بأعمال رهيبة هائلة يلتمسون من ورائها ما قر في أوهامهم من مجد أبدي أو بطولة أو خلود في عالم أفضل من عالمهم. وفي سبيل أهدافهم تلك، لا يشعرون لهيبة القانون أو سلطان لزواجر الاجتماع.

ولذلك ترى الواحد منهم يقبل على ضحيته جهرة وعلى رءوس الملأ يذيقها الموت.

ثم يقف على رأسها ضاحكًا شامتًا تزداد النشورة المسكرة في أوصاله كلما أحس بدمها الجاري تدفئ يديه.

في هؤلاء الفدائيين يحدثنا العلامة "جوستاف لوبون" في كتابه الآراء والمعتقدات فيقول:

"وحين تشتد اندفاعات المرء الدينية لا تقدر على ردعها جميع الزواجر الاجتماعية وعقوبات القوانين". ثم مضى فقال إن هؤلاء أبناء فكرتهم وعقيدتهم. آمنوا بما عاشو لها، ويرون الموت تضحية رخيصة في سبيلها، فترى الرجل منهم يعيش في عالمه الخاص مستقلاً عن كل شيء إلا عن عقيدته التي تأصلت جذورها في أعماق نفسه يسبح لها،

ويهون عليه أن يموت من أجلها وهو إن فكر في الانتقام لها من إساءة تصور في حدود تعصيه الطاغي أنها وجهت إليها، أو خطر توهم بوحي نفسه أنه مدحق بها، أقبل على ضحيته أمام أعين الناس فصب عليها انتقامه الوحشي في غير رحمة بها ولا رحمة بنفسه فخورًا، مزهوًا برؤية الدم يقطر من يديه، بل ليرى الضعف والهوان أن تخير لجريمته احتياط القتل العادي الذي يدبر وسائل التخفي، ووسائل الهرب، ووسائل الدفاع عن نفسه.

إن هؤلاء المنتحرين تتسم حياتهم في الفترة السابقة على الجريمة بنفس الطابع الذي تتسم به طريقة ارتكابها نفس الجرأة، ونفس الشذوذ، ونفس التعصب.

وضرب الأستاذ أبو شقة مثلاً لهؤلاء الفدائيين بعبداللطيف عبدالخالق، الذي أطلق الرصاص على الزعيم الخالد سعد زغلول وقال إن هؤلاء الفدائيين ارتكبوا جرائمهم على صورة فذة،

على ملأ من الناس، ارتكبوها وهم يعلمون أن مصيرهم المحتوم هو أن يخروا إلى جوار ضحاياهم قتلى بأيدي الحراس المحيطين بهم أو بعد ردح من الزمن بحبل المشنقة؛

الذي أعد لأمثالهم، ارتكبوها وهم يعلمون أنهم كتبوا على أنفسهم الموت، وباعوا حياتهم وقبضوا الثمن الذي أرادوه أو توهموه، نصرة للعقيدة التي ملأت جوانبهم، وهونت عليهم كل شيء.

وخلص الأستاذ أبو شقة من ذلك إلى أن هذه النظرية تنطبق على عبدالمجيد وبين كيف أنه من هذا الطراز الفدائي وأخذ يتلو في هذا الصدد بعض ما جاء في أقواله الأولى عقبة الجريمة ثم في اعترافاته.

وكيف أن عبدالمجيد كان يعلن عن شعوره الأول ويصف النقراشي باشا بأنه خائن للوطن، وخائن للدين، ومشرد للطلبة فهو يستحق القتل وأنه علل القتل بأن النقراشي باشا أضاع السودان، وضيع فلسطين، وحل جماعة الإخوان.

على أن عبدالمجيد تطور بعد الحادث إلى إنسان آخر، فهاهي السحب المكثفة التي خيمت على قلبه في الماضي تستحيل إلى إعصار مرعب وتنفجر انفجارًا مروعًا؛

فهو اليوم يحس بكل شيء ويقدر كل شيء، ويزن مملكاته المعتدلة الرزينة كل شيء هو يشعر اليوم بأنه قتل عظيمًا، وأن الجلاد يفرك يديه في انتظار اللحظة، التي يهصر فيها عنقه، يشعر بأنه في زهرة العمر ومن حقه أن يعيش وأن ينعم بالدنيا والمستقبل،

أصبح يريد الحياة، وهذه الإرادة تنمو بالقدر، الذي ينمو فيه، تقديره للختام الفاجع الذي هو مسوق إليه، وهنا بعض النفوس تستطيع أن تجمع بين المتناقضات، فلقد قتل عبدالمجيد وهو دائم الصلاة فأي غرابة في أن يقتل اليوم بالكذب والاتهام الملفق وهو صائم.

وخلص من هذا إلى التدليل على كذب القاتل في إتهام عاطف، وذلك من مناقشة اعترافاته، وكيف أنه بدأ يتهم شخصًا اسمه "ضياء" ولم يشأ الإفصاح عن حقيقة شخصيته،

ثم عاد وأفصح فذكر أنه مالك يوسف.

ومضى الأستاذ أبو شقة يدلل على براءة موكله بأدلة منها عدم استعراف الترزي عليه، وعدم استعراف صاحب منزل شبرا عليه، إذ إنه قال أنه يشتبه في أن يكون هو الذي حضر إلى المنزل، وكان قد تعرف على شخص آخر لا يمت للقضية بصلة.

وبعد مناقشة اعترافات القاتل قال:

إذا كان هذا المتهم قد أراد أن يخدعكم بأكاذيبه فيستبدل بحبل المشنقة بضع سنوات يقضيها حيًّا، فليطمع ما شاء في هذه السنوات، ولكن الله قد أد لأمثاله المصير الرهيب أو العذاب في جحيم لا ينجيه منها كذب ولا بهتان وأن له الساعة في يوم الحساب، يدفع فيها الثمن عن هذا الدم الذكي الذي أراقه ظلمًا.. دم هذا العزيز الذي كان صاحب الفضل عليه فأمر بأن يتعلم بالمجان في كلية الطب، وألا يرسل إلى المعتقل، لقد كان رحمه الله يدافع عنه. فيا لسخرية القدر.

وإلى هنا رفعت الجلسة على أن تعقد صباح اليوم التالي لسماع بقية مرافعة الأستاذ أبو شقة.


جلسة 18 سبتمبر: الجزء الثاني من مرافعة الأستاذ أبو شقة

بدأ الأستاذ أبو شقة الجزء الثاني من مرافعته عن عاطف حلمي و عبد الحليم محمد أحمد بالكلام عن جلال الدين يس، وهو المتهم الثاني المعترف، فقال إن جلال الفتى السكير المتهالك على الملذات، الضعيف المتخاذل الخائر العزيمة، الذي يكره القتل، ويكره منظر الدماء،

ويبكي على عبدالمجيد لأنه صائر إلى موت لا يستحقه، وعلى نفسه لأنه لا يزال في زهرة العمر فكيف يموت، المريض بالمغص المكلوي يأتيه في الليل وفي النهار، وهو في السيارة وفي الترام سائرًا على قدميه، النؤوم الخامل الذي يعشق الراحة والدعة، جلال هذا هو القاتل الثاني الذي فرضت عليه الجماعة ما فرضته على عبدالمجيد من القيام بمراقبة المجني عليه والعمل على إتمام قتله وسط حراسة وفي بيت الحكومة.

ثم علق على ذلك قائلاً:

أنحن نهزل، أهذه قضية ترفع إليكم، أهذا اتهام تخاطب به عقولكم. إنها لمأساة، أمر فصولها وأحفلها بالعظة ذلك الفصل المضحك، أم تجد الجماعة المتآمرة على القتل شخصًا غير جلال ليؤدي أخطر مهمة حملها فدائي، هل تتصورون أن تظل الجماعة مصممة على أن يكون جلال هو الشريك الأوحد لعبدالمجيد في قتل النقراشي باشا يرافقه إلى مكان الجريمة ويرتدي بذلة كونستابل ويحمل المسدس، بعد الذي أقر جلال به من أنه كان في كل اجتماع يدعى إليه يستنكر قتل المجني عليه، ويبدي أعظم النفور، ويطلب إلى إخوانه ألا يخوضوا فيه كفكرة تحتمل التنفيذ،

ألا يكفي نفوره من الجريمة واعتراضه عليها لإثارة الشك فيه وإبعاده عن محيطها وتنحيته عن القيام بأي دور لإعدادها ألا يخشون هذا المتمرد الضعيف الجبان الرعديد.

ومضى يدلل على كذب رواية جلال في هذا الشأن بأدلة كثيرة منها ما عرف عن جبن جلال وخور عزيمته، وإنكاره كل شيء في بدء التحقيق إذ أنكر ذهابه إلى الوزارة بل أنكر حتى معرفته لعبدالمجيد، ولما ووجه به صمم على الإنكار.

هذا إلى أنه عند إحضاره من الطور للتحقيق معه في هذه القضية بات في كنف البوليس، وكان يقرأ الصحف وكانت بعض الصحف تنشر أبناء التحقيق فدخل التحقيق وهو ملم بكل شيء، وكان يفهم أنه في أيد عبدالمجيد فستدركه الرحمة فلا يعود إلى الطور.

كما أن عبدالمجيد لم يذكر اسم جلال يس في اعترافاته الأولى، وظل سبعة شهور لا يذكر اسمه مع أنه رفيقه في القتل ومساعده، فهل يعقل أن يعني عبدالمجيد بذكر مصاحبة عاطف له،

مئات من الأمتار من محل أسترا إلى دكان الترزي، وينسى الصديق والشريك الفعلي.

وخلص من ذلك إلى قوله:

إن رواية القاتل عن وجود شركاء له في واقعة القتل ذاتها رواية ليست معقولة لعدة أسباب منها أنه لم يذكر شيئًا عن ذلك في مراحل التحقيق الأولى،

وثانيًا أنه من غير المعقول أن يغفل القاتل ذكر شركائه في عملية القتل ذاتها ويهتم بأن يذكر توافه الأمور التي فاضت بها أقواله الأولى.

وثالثًا أن تعليل القاتل لوجود شركاء له أنهم أعدوا له طريق الهرب أو إتمام القتل قولاً لا يقبله العقل أن طريقة القتل لا تدع مجالاً للتفكير في الهرب.

وتطرق إلى الكلام عن دفاع موكله عاطف في التحقيق فقد قررا لا صلة له بالجريمة، وأن عبدالمجيد التقى به مصادفة قبل الحادث بخمسة عشر يومًا على مقربة من منزله فدعاه إليه وبقي معه فترة قصيرة كان القاتل يتحدث فيها عن أعمال النقراشي باشا وعن ضرورة الانتقام منه فنهاه عاطف عن الاسترسال في ذلك وبين له سوء مصير الجماعة كلها أن حول أحد ارتكاب مثل هذا العمل الطائش، وبصره بما جره قتل الخازندار بك على الجماعة من فقد هيبتها.

ثم إن عاطف استشهد على سلامة نفسه ويده بشهود محترمين لا يطعن في شهادتهم وقد أيدوه في روايته تأييدًا صادقًا.

ثم أخذ يدافع عن عبدالحليم محمد أحمد فدلل على براءته بأن عبدالمجيد لم يذكر اسمه مطلقًا في جميع مراحل التحقيق، وذكره لأول مرة يوم 20 يوليو بعد إعلانه بجلسة المحاكمة وإن كان ما نسبه إليه هو أنه الذي أرشده إلى منزل شبرا؛ وأنه حضر اجتماعًا في منزل عاطف ثم لم يره بعد ذلك.

ومضى فقال إنه يكفي لدحض حكاية منزل شبرا؛ أن عبدالمجيد قرر في أقواله الأولى أن أحمد فؤاد هو الذي أرشده إلى هذا المنزل ولم ينسب ذلك إلى عبدالحليم وأما عن حضوره الاجتماع في منزل عاطف فلا يفيد الاتهام لانقطاعه عن حضور الاجتماعات الأخرى المقول بها إلى حين القتل.

ثم قال إنه كان قد أعد دفاعه لمناقشة أدلة الجناية المطروحة في حدودها الطبيعية ولم يكن ينوي التعرض لجماعة الإخوان ولكنه اضطر لتغيير هذه الخطة وذلك لأن النيابة تناولت في إسهاب تاريخ هذه الجماعة، ونظرًا إلى أن عبدالمجيد الذي استمرأ حلمكم نشرقصصًا طويلة عما سماه تاريخ الإخوان.


المرشد العام

وأخذ يروي من تاريخ الإخوان فقال إنه ظهر في البلاد منذ سنوات رجل حاد الذكاء.

متين الوعي شديد العارضة بارع المقدرة في مخاطبة الجماهير يبشر في الناس بدعوة دينية مؤثرة تدعوهم إلى التحرر من مفاسد الدنيا وأن يلتمسوا في الدين وتعاليمه مهربًا كريمًا من غي هذه المدينة وباطلها ولقد لقيت دعوته صدى رحيبًا عميقًا في نفوس الآلاف بل الملايين. وتدفق القول أفواجًا إلى ساحة هذا الشيخ الخطيب. تدفقوا شيبًا وشبابًا

– متعلمين وجهالاً

– عمالاً وطلبة

- محامين وأطباء ومهندسين تدفقوا من كل فئة ومن كل مكان واتخذت هذه الجماعة طريقها إلى هدفها المرموق في ثقة وإيمان وأصبحت بعد سنين قوة كبرى تثير الإعجاب لما توفر لها من دقة التنظيم وسرعة النمو والارتقاء.

ثم شبت نيران في الحرب في فلسطين واضطرمت روح الجهاد في نفوس المصريين والعرب جميعًا وتدفقت على الأرض المقدسة أفواج المقاتلين الذين وهبوا أنفسهم للفداء دفاعًا عن قضية إخوانهم في الدين والدم والتاريخ،

فوجد الإخوان المسلمون في هذه الحرب فرصة مواتية لأشباع عواطفهم ونوعًا من الصراع يتلائم أشد الملائكة مع نوازعهم المتوثبة لخدمة كل ما يتصل بالدين والتضحية فأسرعوا إلى حومة الوغي وبهم إلى الشهادة شوق الجبان إلى الحياة والذي يسأل التاريخ عن فعالهم في هذه الحرب يجني الرأس إكبارًا لما سجله شهداؤهم على الأرض الشقيقة من ضروب البسالة والإقدام ومن اتهامهم في قتالهم نهج السلف الصالحين الذين نصرهم (علي بن أبي طالب) بشرعة القتال الحق فاستمعوا له وأطاعوا "لا تقتلوا شيخًا ولا امرأة ولا طفلاً ولاتجهزوا على جريح وأكرموا وفادة الأسر ذلكم قرب للتقوى وأولى بالمؤمنين".

ولقد كان من عناصر هذه الحرب أو من نتائجها أن تملك الحقد على العدو واشتد الكره للأعداء من كان منهم يحمل السيف في ميدان القتال ومن بقي في ربوع هذا الوادي يحمل العطف ويبذل صنوف العون لإخوانه المقاتلين فحدثت في الخطوط الخلفية لجبهة الحرب حوادث نسف وتدمير لممتلكات اليهود نسبت على ما تقول النيابة إلى الإخوان المسلمين،

وعلى الرغم من أن كلمة العدل في هذه الحوادث ووصفها الوصف الذي تستحقه لم يحن أوانها بعد فإن كثيرين من الإخوان المسلمين لم يتفق هذا العنف مع مزاجهم ورأوا فيه شذوذًا ونفروا منه نفورًا.

ولقد كان من مقتضيات هذه الحرب أيضًا أن يعبء الإخوان مواهب رجالهم وكل ما يملكون من صنوف القوة للخدمة من أجل فلسطين فأقبل أطباؤهم على تشكيل الوحدات الطبية لمعالجة الجرحى وإسعاف المصابين وأقبل ذوو اليسار منهم على بذل أموالهم لإعانة الضحايا وشراء الأسلحة وتغلبت روح الجهاد والتضحية على كل شيء سواها.

فانصرف الطالب عن معهده يهتف من أجل فلسطين، ويعمل لخدمتها في حدود طاقته وفرض كل فرد على نفسه وأعبائه الخاصة أعباء جديدة من أجل فلسطين ونصرتها.

وهنا تلا ما قاله الدكتور الجيار والدكتور الملط في التحقيق خاصًا بأعمال الجماعة في الحرب الفلسطينية.


لا تزر وازرة…

وخلص من ذلك إلى قوله: إن من الظلم الفادح أن نتجاهل أن هذه الجماعة انتظمت صفوفها آلافًا من صفوة المثقفين وذوي الغايات والشباب الكريم الوثاب المشتعل وطنية وغرامًا بمجد الوطن.

ولست أنكر بل يجب على أن أقول في لهجة الناقد الذي لا يرحم.

إنه وقعت من بعض أفراد جماعة الإخوان المسلمين حوادث بالغة الخطورة كقتل القاضي العظيم الخازندار بك ومحاولة نسف هذه الدار وقتل الشهيد النقراشي باشا. على أن الإنصاف يقتضينا وقد قرأنا هذه القضايا جميعًا ووعينا ظروفها أن نقولها كلمة حق صريحة قد تصدم رجل الشارع في معتقده. ولكنها تلتقي مع اقتناعكم الصحيح

– إن هذه الحوادث الفاجعة كانت مجرد أعمال فردية قام بها أشخاص بأعينهم أشخاص متهوسون مخبولون يوحي من أنفسهم وقصدوا بها إصابة أغراض محدودة تمسهم وحدهم دون أن يكون للجماعة كهيئة عامة صلة أو نصيب بتدبير هذه الحوادث أو بطريقة ارتكابها بل إنني لعلى على حق إذا قلت إن الجماعة نفسها قد أصابها الضرر الشديد أدبيًّا وماديًّا نتيجة لهذه الحوادث،

وأن الشيخ حسن البنا أو أي رجل يحمل في رأسه بعض العقل لو عرض عليه أمر هذه الحوادث قبل ارتكابها لنهى عنها في قوة وعنف وبكل ما يملك من قوة لأن الأثر المحتوم لهذه الحوادث لم يكن موضع شك، إن أثره أن تفقد الجماعة هيبتها وقيمتها الأدبية وأن تستهدف قوتها للشك الشديد والضغط الشديد بل والحرب العوان الشديدة.


ليس من الإخوان

ثم قال إنه قصد بهذه الكلمة ثلاثة أهداف رئيسية:

الأولى أنه يعبر عن دهشته لهذا الطابع الذي خلعته النيابة على الدعوى. وهي أنها قضية الإخوان المسلمين ضد معارضيهم في الرأي وضد النظام والقانون وبعض الشيء من النظر الحليم يردنا عن إصدار هذا الحكم الجائر على الجماعة.

والثاني أن يمزق عن عبدالمجيد تلك المسوح المزيفة التي تستر فيها وأخفى شخصيته الحقيقة وأن يعرضه أمام المحكمة كمجرم سفاح قتل في جرأة وجنون ثم أراد أن يدفع عن نفسه مصيره الرهيب فلجأ إلى الكذب والتلفين والخداع.

والثالث أنه إذا كان الإخوان قد بدأوا أمرهم لقلب نظام الحكم فلماذا أرسلوا صفوة رجالهم المدربين إلى ميدان القتال وحمل السلاح للاشتراك في حرب فلسطين. وهذه مسألة معترف بها من عمار بك ومن عبدالمجيد نفسه إذ قال إن التدريب كان يشمل السلاح وطريقة اقتناص الدبابات. النقراشي أمة

ثم ختم الأستاذ أبو شقة دفاعه فقال:

حضرات المستشارين:

لقد كان النقراشي أمة، وإن دمه ليساوي دماء الملايين فاغضبوا له ثم اغضبوا ولكن أشد ما يزعج ذكراه أن تصيبوا في غضبكم بريئًا وأنتم لا تقصدون فاتخذوا عصمة من قول النبي وأمنًا "ادرءوا الحدود بالشبهات" واذكروا أن هؤلاء المتهمين الذين تتشبث أبصارهم بكم لا يرون أشخاصكم ولا صوركم وإنما يرون الله في صوركم، الله الذي لا يغفل ولا يتحيز ولا يخطئ في حكمه أبدًا ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾.


جلسة 20 سبتمبر

مرافعة الأستاذ محمود سليمان غنام

وقد ترافع معالي الأستاذ محمود سليمان غنام، وزير التجارة الحالي، في هذه الجلسة عن موكله الشيخ سيد سابق.

وقد استهل معاليه مرافعته قائلاً: إنه قد تردد في قبول هذه القضية وحمل عبء الدفاع عن هذا المتهم رغم إلحاح أسرته لا لشيء إلا لأن المجني عليه عزيز عليه فقد كان رحمه الله في الرعيل الأول من قادة الحركة الوطنية.

ومضى يندد بالجريمة، التي ارتكبها عبدالمجيد ويصفها بأقبح الصفات، ثم أهاب بالشباب أن يتنكبوا مواطن الانزلاق.

وتطرق إلى الكلام عن جماعة الإخوان فقال إنهم كانوا يدعون إلى الجهاد لا إلى الثورة. وهناك فرق كبير بين الجهاد والثورة.

ثم تكلم عن أسباب القتل. كما ذكرها القاتل. ومنها مسألة حل الإخوان. وقال إن الواقع أن حل جماعة الإخوان ليس هو الأول من نوعه فقد سبق أن حدث في سنة 1925 أن صدر قانون في عهد وزارة زيور باشا بحل الجمعيات والأحزاب، التي لا تتبع نظامًا خاصًل فلم يؤد صدوره إلى القتل وإنما احتجت الأحزاب، وكانت النتيجة أن قضى على هذا القانون وهو جنين فلو أن عبدالمجيد تريث قليلاً فقد يحتمل إن كانت المياه تعود إلى مجاريها بعد وقف الحوادث الإرهابية.

وأشار إلى أن أحد المحامين في جريمة القتل سياسية وقف يترافع محبذَا الجريمة.

فرد رئيس المحكمة أي تحبيذ للريجمة يعاقب عليه القانون.

كذلك أشار إلى حفلة أقامتها أحد الأحزاب، وقال أحد خطبائها أنه سقتل بيده كل من تحدثه نفسه بالمفاوضات.

ومضى معاليه يقول إنه سيتكلم عن حكمين صدر في قضتين هامتين.

ولكن المحكمة طلبت إلى معاليه ألا يتعرض لأحكام صدرت في قضايا معينة.

فرد معاليه قائلاً إن من حقه أن ينتقد حكم محكمة النقض ومن حقه كمحام أن يسمع الرأي العام أنه كان لهذين الحكمين الذين لمح إليهما أثر كبير في وقوع هذه الجريمة،

وقال إنه يكفيه التلميح، ووافقته المحكمة على ذلك، ثم قال إنه حزن للحكم الذي صدر في قضية مقتل الخازندار بك أكثر من حزنه حين علم مصرعه.

وقال عبدالمجيد أنه ارتكب الجريمة وهو في كامل عقله وإدراكه ثم رأى أن يعدل عن موقفه.

ومضى فقال إن عبدالمجيد يقول إنه تأثر من أقوال الشيخ سيد سابق، والواقع أنه تأثر بما جاء في هذه الكتب وفي هذه الأوراق المضبوطة في سيارة الجيب فإذا وقفنا على الجو الذي كان يعيش فيه قبل الجريمة لوجدنا أنه لم يكن في حاجة إلى رجل ديني كالشيخ سيد يقنعه بمشروعية الجريمة.

واستطرد فقال إن القول بأن بيان هيئة كبار العلماء كان له أثره في اعتراف عبدالمجيد هو حجة واهية، وخاصة أن بعض المجلات المتصلة بالبوليس كانت قد نشرت أن القاتل قد اعترف وأرشد عن شركائه. ثم أشار معاليه إلى أنه تلقى بالبريد المستعجل اليوم كتابًا غفلا عن الامضاء قال فيه مرسله أن عبدالمجيد أرغم على الاعتراف، وأن لدى المرسل معلومات في هذا الشأن.

وتحدث بعد ذلك عن البوليس السياسي، وكيف كان يحمل المتهمين على الاعتراف بمختلف الوسائل. وقد ذكر بعض المتهمين في هذه القضية أن البوليس اعتدى عليهم لهذا الغرض. فكان يجب على المحقق أن يسترسل في تحقيق هذه الأقوال.

ثم أخذ يتساءل عن اعترافات عبدالمجيد، قائلاً إنها اعترافات تدعو إلى الدهشة، فإن كل اعتراف منها كان لا يتم إلا بخطاب منه للنائب العام، وفي كل اعتراف يقول إنه قال كل شيء، ثم يعترف بوقائع أخرى وأشخاص آخرين.

وخلص الأستاذ غنام من ذلك إلى قوله أنه يستنتج من طريقة الإدلاء بهذه الاعترافات أنها كانت تلقى عليه.

وأن ما ادعاه المتهم من أنه لم يعترف على الشيخ سيد في أول مرة لأنه خشي على سمعة الدين تعليل صبياني صغير.

ثم تكلم عن وصف التهمة فقال إن النيابة وصفة المتهمين بأنهم اشتركوا مع القاتل بطريق الاتفاق والمساعدة والتحريض باعتبار أنهم كانوا جمعية سرية ولكن الواقع أنه لم يقل أي أحد من المتهمين في جميع أدوار التحقيق أن الشيخ سيد سابق كان عضوًّا في أية جمعية سرية من الجمعيات التي عبر عنها القاتل "بالنظام الخاص" وأن كل ما نسب إليه أنه كان يفتيهم ويعظهم بالآيات القرآنية وليس هو وحده الذي كان يفتي بل كان مالك يفتي أيضًا وغير مالك وأنهم جميعًا كانوا يستشهدون بالقرآن.

فن الموت

وقدم مقالات نشرت في جريدة الإخوان إحداها بعنوان "فن الموت" وقد كتبها الشيخ حسن البنا، وقال إن مثل هذه المقالات هي التي أثرت في المتهم، وليست الآيات التي قالها الشيخ سيد سابق.

الدليل القاطع

وخلص من ذلك إلى قوله إن لديه الدليل القاطع على براءة موكله فإن عبدالمجيد يقول في بدء التحقيق معه إنه فكر في مقتل النقراشي باشا منذ أسبوعين قبل تنفيذ الجريمة، ومعنى ذلك أنه فكر في الجريمة قبل أن يعرف الشيخ سيد أو يراه بحسب قوله في تحديد التاريخ أول مقابلة له؛

حتى أن النائب العام سأله هل أنت ترددت حتى كنت في حاجة إلى مفتي يفتيك بمشروعية عملك فأجاب "لا أنا كنت مصممًا".

وهناك دليل آخر فقد ثبت أن أحمد فؤاد الضابط كان يعمل في الإسكندرية في التاريخ الذي ذكر القاتل أنه قابله فيه، وأنه نقل إلى القاهرة في يوم 14 ديسمبر.

وتساءل الأستاذ غنام قائلاً هو إللي عاوز يستفتي مش يستفتي قبل شراء القماش وإعداد البذلة والمسدس وأدوات الجريمة.

واختتم الأستاذ غنام مرافعته بطلب براءة موكله.


مرافعة الأستاذ مختار عبد العليم

وفي هذه الجلسة أيضًا ترافع الأستاذ مختار عبدالعليم المحامي عن الشيخ سيد سابق أيضًا.

وقد استنكر الجريمة قائلاً:

لا يسعني في مستهل هذه المرافعة إلا أن أشاطر حضرات الزملاء الذين سبقوني إلى هذه المنصة استنكارهم للجريمة في كافة صورها وأسأل الله العلي الكبير أن يقي البلاد مباءات الفتن وأن يجنب شبابنا الاضطراب والقلق وأن يمتع بلادنا العزيزة بالأمن والطمأنينة والسلام إنه خير مسئول.

ومضى يقول:

قدم حضرة ممثل الاتهام مرافعة بصفحات طويلة جاوزت الثلاثين عدا تحدث فيها عن المساوئ التي تضم الإخوان المسلمين بالإرهاب ثم قال:

"لم يكن بد من هاذ العرض الذي أخشى أن أكون قد أطلت فيه لأنه هو الإطار الذي ينبغي أن توضع فيه الوقعة المعروضة عليكم لتبدوا على حقيقتها، ولتأخذ قيمتها في الظروف التي تقدمتها وتلتها" ولا يستطيع المترافع التعرض إلى القضية إلا بعد التعرض لهذا الاطار.

ذلك أن الدفاع يعتقد أن القضية خلو بالنسبة لجميع المتهمين، عدا عبدالمجيد، من دليل سوى ما يقوم لدى المحكمة من شبهة ولدتها أقوال النيابة الأولى في مرافعتها.

ومضى يسرد تاريخ الإخوان المسلمون وأنهم جماعة تهدف إلى خير الإسلام ونصرته، والحض على اتباع تعاليم الكتاب، وإطاعة الله والرسول ولم يكن الإجرام والإرهاب من طبيعتها.

وتساءل عما تراه النيابة في شعار الإخوان، وهو مصحف وسيفان وآية قرآنية.

ثم قال: ها هو ذا الأستاذ حامد جودة قد وقف منذ شهر في نادي الحزب السعدي يقول "هل أنتم مستعدون للجهاد" ولم يقل أحد أنه يدعو للإرهاب.

ومضى يقول: إن النيابة تنكر على الإخوان عبارة "ندعو إلى الإسلام والحكومة جزء منه" ومنذ عشرين سنة أخرج السيد علي عبدالرازق (معالي علي عبدالرازق باشا) كتاب "الإسلام وأصول الحكم" فقرر فيه أن الإسلام لا شأن له بأمر الحكومة، فجرده العلماء من درجته العلمية، وها هي النيابة اليوم تحمل على الإخوان لأنهم يقولون "إن الحكومة جزء من الإسلام" فما أعجب الأمر.

وتكلم عن حرب فلسطين فقال إنها هي السبب في تكوين فرقة الجوالة وإنشاء التدريب العسكري، وقد كان للأحداث نصيب في هذه الحرب، وأن ما يقول عبدالمجيد عن النظام الخاص والخلايا السرية محض افتراء إذ لم تكن هذه الخلايا التي يزعمها إلا فرق المتطوعين للجهاد في سبيل الله والوطن.

وهنا طلب الأستاذ مختار سماع شهادة كل من عزام باشا والمواوي بك ومفتي فلسطين وبعض القواد المصريين ولكن المحكمة لم تر ضرورة لاستدعائهم.

واستطرد يقول:

أليس عجيبًا أن نسمع ممثل النيابة يحمل الإخوان المسلمين اليوم دم هذا الفقيد الكريم بعد أن برأها منه عميد النيابة وحامل لواء القضية بالأمس وبعد أن ورد حتى في أقوال قاتل النقراشي باشا – بعد أن انقلب على الإخوان

- أن المرشد العام كان ناقمًا كل النقمة على مقتل الخازندار

– بل أراني قريبًا من الجزم بأن روح النقمة وحملة الأرجاف والدعاية التي اصطنعتها الحكومة الحزبية لستر زلتها التاريخية في قرار حل الإخوان المسلمون قد صادف صديقًا كاملاً في دوائر النيابة فكتبت مذكرة الاتهام للإخوان عميقة مسيطرة في نفس النيابة قبل أن تتناول القضية بل على الأصح قبل أن يقع مقتل النقراشي فإذا النيابة تعمد إلى كل فضيلة من فضائل هذه الهيئة فتراها من منظار الاتهام رذيلة نكراء وترد كل مثل رفع من مثل الجماعة فتلفظه وصمة شنعاء بل تتعقب كل عظة كريمة في رسائل الإخوان فتخرجها جريمة حمراء! خلقت النيابة في كل هذه الروح كلمة العنف ثم أكرهت اللغة والحوادث إكراها على أن تصف بها أعمال الإخوان: واللغة والحوادث من هذا براء!

وتأخذ النيابة على الإخوان تقسيم مراحل عملهم إلى تعريف وتكوين ثم تنفيذ وهذه الوثيقة من وثائق الاتهام آية البراءة ماذا يعني المريب من نشر الفكرة العامة لو كانت له إهدام مستورة إن كان يعتمد على العنف فما أعناه عن إضاعة هذه الجهود الخارقة الطويلة في تبصير الرأي العام وإن كان يعتمد على الدعوة –وهذا الحق الذي لا مراء فيه- فلا يعقل أن يكون له نظام خاص!

مضى يحلل جماعة الإخوان ونظامهم وأهدافهم، وحقيقة الدعوة التي يناضلون في اجلاد وهي دعوة للدين. ثم قال:

أما ما دعا إليه المغفور له الأستاذ البنا من مخالفة المألوف فأنى ما وددت قط أن تغفل النيابة ي هذه العبارة -وإن ساقتها مساق التهمة فما هي إلا صفحة لامعة من صدق الدعوة وجدها واستقامتها. وحدثوني إن شئتم عن فكرة صالحة بلغت البلاد بها شيئًا من الخير دون أن تخالف مألوف الناس وعاداتهم! والله لو تحررنا من سلطان مألوفاتنا ونحكم عاداتنا فينا لكسدت سوق الاستعمار فينا ولوجد الأجنبي خسارة كبرى في أن يقيم بيننا ويأسا كاملاً في من أن يبتز أموالنا ويفسد أخلاقنا!

–أقسم عالم بشئون الاقتصاد مرة أنه لو أجمع المصريون على مقاطعة الشاي فقط لاضطربت أسواقه في إنجلترا اضطرابًا يثير تجاره على ساسة البلاد فيحملهم على الانحناء لمطالب المصريين.

لو خالفنا مألوفنا في التدخين لوفرت الملايين

– ولو خالفنا مألوفنا في الكساء فاكتفينا بإنتاج بلادنا مهما خشنا لألزمنا المحتل لبلادنا بالهجرة عنها دون أن نشهر سلاحًا أو نريق دمًا. فإذا قيل إن ذلك لا يتفق وكرامة المستوى الحضاري الذي وصلت إليه مصر فدلوني على زعيم مصري يتمتع من تقدير العالم المتدين بمعشار ما تمتع به غاندي زعيم الهند بأسماله البالية ومعزله الضئيل ومعزته العجفاء!


جلسة مسائية

استأنفت المحكمة، عقد جلستها في الساعة الخامسة مساءً ووصل الأستاذ مختار مرافعته فأشار إلى حل جماعة الإخوان، قائلاً إنه كان حلا غير قانوني ولم تستند الحكومة فيه إلى سبب قوي يدعو إلى هذا الاجراء، حتى أن عمار بك حين سئل في المحكمة عن سبب الحل وهل كان اجراءً قضائيًّا أم إداريًّا؟ أجاب بقوله: "إننا لا نتقيد بالأحكام القضائية".

وبعد أن تكلم عن اتصال ضباط البوليس السياسي بالمتهمين ومحاولتهم التأثير في الشهود، قال إن ذلك يبدو واضحًا من تضارب صاحب منزل شبرا في أقواله ومن قول أحد المتهمين، لما ووجه بأقوال زميل له قال: "ربما كان هذا الكلام من إيحاء البوليس السياسي". وبعد أن عاب على البوليس هذا التدخل في الوقت الذي يتوحد فيه قضاؤنا ويبسط سلطانه على الأجانب، قال:

إن هناك متهمين عذبوا وأوذوا وإذا كان عبدالمجيد لا يريد أن يذكر شيئًا عن وسائل التعذيب، التي اتخذت معه فلأنه الآن شخص مخدر بتأثير البوليس فهو مريض، ولو ألطق لسانه لذكر كل شيء. وتكلم عن الاجتماعات، التي كانت تعقد في منزل عاطف، وقال إن عبدالمجيد لم يستطع وصفه وصفًا دقيقًا على حين أنه وصف منزل أخرى وصفًا دقيقًا.

ثم قال إنه مما يؤخذ على أقوال عبدالمجيد ويدعو إلى التشكك في صدقها أيضًا مسألة التشكيلات التي ذكرها باعتبارها آنفًا هي التي أثرت عليه ودفعته إلى القتل... فلقد سمى هذه التشكيلات بأسماء كثيرة مختلفة، وهذا يدل على كذبه.

وأشار إلى حادث شيكوريل، وقول عبدالمجيد أنه من عمل إحدى هذه التشكيلات السرية، فقال إن هذا غير صحيح، وإن الحادث كانت نتيجة لغم هوائي ألقاه الصيونيون. ودلل على ذلك بمقال نشره ضابط مصري في إحدى المجلات وقدم للمحكمة المجلة.

ومضى فقال: إنه يقطع بأن هذه الاعترافات لقنت تلقينًا لعبدالمجيد وأنه كان يتلقى الوحي من غيره، وكان يردد ما لا ينطلق من صدره.

وخلص من هذا إلى التطبيق القانوني فقال إنه يريد تحديد مركز الشيخ سيد من الناحية القانونية فعلى فرض صحة ما تنسبه النيابة للشيخ سيد فهل ينطبق على الشروط التي نص عليها القانون لمعاقبة التهم باعتباره شريكًا في الجريمة.

واختتم دفاعه بطلب براءة موكله؟

وكانت الساعة قد بلغت السابعة مساءً ثم رفعت الجلسة.

جلسة 21 سبتمبر

مرافعة الأستاذ محمود الحناوي

ترافع الأستاذ محمود الحناوي في هذه الجلسة عن السيد فايز عبدالمطلب فقال:

رئيس مجموعات القاهرة... هذه هي العبارة الرهيبة التي تصف بها النيابة العمومية المتهم السيد فايز عبدالمطلب، والواقع أنني قبل أن أرى هذا المتهم كنت أتخيل الصورة التي رسمها الاتهام عنه والتي أعد ريشتها وألوانها ولوحتها المتهم عبدالمجيد صورة سفاح رهيب المنظر تشع عينيه نارًا وتقطر يديه دمًا.

هذه هي الصورة التي يمكن أن تعلق بذهن أي إنسان عندما يسمع ذلك اللقب العجيب "رئيس مجموعات القاهرة السرية" ولكني لم أكد أراه رأي العين حتى وجدت شابًا هادئًا طيب النفس ولم أكد أتحدث إليه في محبسه ومن بين قضبان هذا القفص حتى أحسست ببعد ما بين الاتهام وبين حقيقة ما تنطوي عليه جوانح هذا الشاب من خير وأحسست أيضًا أنني أتحدث إلى بريء بعيد عن الإجرام ممتلئ النفس يقينًا ببراءته مؤمن أشد الإيمان بعدالة الله وبما سيفرغه الله في قلوب قضائه من إنصاف وعدل.

ومضى يقول: يمكننا أن نلخص ما ساقه الاتهام ضد السيد فا يز في الخطوط الآتية:

أولاً: ادعاء عبدالمجيد أحمد حسن أنه اجتمع في منزل عاطف عطية السيد في يوم الأحد 19 ديسمبر سنة 1948 والأربعاء 22 ديسمبر بالتفصيل الذي ذكرته النيابة والذي سنسرده بعد وفي منزل أحمد فؤاد يوم الأحد 26 ديسمبر سنة 1948 وتعرفه عليه ووصفه لمنزله.

ثانيًا: أقوال جلال يس و عبدالرحمن عثمان عبدالرحمن.

ثالثًا: أقوال المتهم أحمد محمد البساطي في الجناية رقم 41 سنة 1949 مصر القديمة.

رابعًا: أقوال حافظة مصطفى مشهور والسيارة الجيب المضبوطة في الجناية رقم 227سنة 1948 الوايلي.

خامسًا: الجناية رقم 1930 سنة 1948 الجمالية أو حادثة جبل المقطم والكشف المضبوط بها.

هذه هي عناصر الاتهام سأتناولها عنصرًا عنصرًا ثم أسوق أدلة البراءة وقوله أنه أحسن أن ما ارتكبه جريمة لا تغتفر وأن هناك من غرر به واستغل حماسته ووطنيته فأراد أن يتوب بإظهار الحقيقة كاملة وتساءل عن سر احتياط النائب العام حين طلب عبدالمجيد مقابلته مع أنه لم يكن يعرف سبب المقابلة ولم يذكر له أحد شيئًا عنها فلماذا احتاط وأخلى الحجرة من الحراس.

وأجاب على ذلك قائلاً ليس لهذا الاحتياط إلا تفسير وحاد هو أن النائب العام شعر بخطورة هذه المقابلة وكان محددًا اليوم السابق لحضور عبدالمجيد لمضاهات خطه على بعض الأوراق المضبوطة فوقع حادث محاولة نسف دار المحكمة، فكان إذن متوقعًا أن عبدالمجيد سيحضر في ذلك اليوم إلى المحكمة وهذه هي الفرصة التي نفذ منها المحققون إلى قلب عبدالمجيد فأفهموه أن هناك محاولة لقتله والتخلص منه وهذا هو سر اعترافه الأول. ومضى الأستاذ الحناوي يناقش اعترافات عبدالمجيد ويبين اضطرابه فيها وكيف كان يتدرج في اتهاماته فمرة يذكر اسمًا غير كامل ومرة أخرى يذكر أسماء آخرين،

وذلك لأن الخيال لم يعمل بعد والإيعاز والإيحاء لم يجدا فسحة في الوقت، لأن المراد اتهامهم كانوا محبوسين في قضايا أخرى.

حاول المتهم عبدالمجيد أحمد حسن أن يعلل اعترافه بأنه لم يكد يقرأ بين هيئة كبار العلماء الصادر في 3 يناير سنة 1949 وبيان الشيخ حسن البنا الذي نشر في 11يناير سنة 1949 حتى غمره فيض من التوبة إلى الله ووجد أن التكفير عن هذه الخطيئة الكبيرة لا يتأتى إلا بالاعتراف على من كانوا مشتركين معه في جرمه حسب اعتقاده والواقع أن هذا التعليل لا يثبت أمام النظرة العابرة بله النظرة الفاحصة لأن بيان هيئة كبار العلماء لا جديد فيه ولك ما احتواه بعض آيات من القرآن الكريم وأحاديث النبوة،

وهي آيات وأحاديث معروفة لكل مسلم فكيف بها بشاب مثل عبدالمجيد قرأ القرآن كثيرًا وحدثنا عن جزء يومي من القرآن يتلوه ويتدبره وكذلك بيان المرحوم الشيخ حسن لا جديد فيه أيضًا اللهم إلا براءته من الجريمة ومرتكبها بمحض اختياره دون أن يحرضه أي إنسان عليها وأنه لا ينكرها رغم ما قاله الشيخ حسن وما يقوله بعد ذلك والواقع أن المتهم ذو غرضين أما الغرض الأول فقد بيناه أما الغرض الثاني فهو تصوره أن الاعتراف على غيره يخفف عنه المسئولية أو يعدمها ويخيل إلى أن هذا التصور مصدره قراءته الناقصة لبعض المعلومات القانونية فقد حسب أن اعترافه على غيره وإرشاده عنهم وإقامة الدليل عليهم يعفيه من العقوبة في مثل هذه الجريمة التي ارتكبها كما يعفي من العقوبة من كانت جريمته مجرد الاتفاق الجنائي. تطبيقًا للفقرة الأخيرة من المادة.

وهذا الخلط كثيرًا ما ينتاب الذين لم يدرسوا القانون إلا دراسة سطحية بسيطة. وقد نفح صدر المتهم بهذا الوهم حين قال:

"وكنت أتوقع أن يعترف غيري ممن ذكرتهم فيذكرون الحقائق الأخرى التي لم أذكرها فأواجه أنا بها واعتراف بها وكنت أتصور أن في هذا الوضع فائدة لغيري من المتهمين إذ إن إرشادهم عن الحقائق الأخرى التي لم أكن قد ذكرتها قد يحسن مركزهم أمام المحكمة باعتبار أن جانبًا من الحقيقة قد أتى عن طريقهم هم".

ومفهوم الاستطراد في هذه العبارة أن من جاء بكل الحقيقة أولى بتحسين مركزه إن لم يكن قديرًا بالانقاذ من العقوبة لا يا سيد عبدالمجيد، إن إرشادك عن هؤلاء أو عن عشرات غيرهم أو إرشاد أي متهم ارتكب جرمًا بالفعل لم يغني عنه شيئًا ولم يمنع عنه المصير الذي فرضه القانون.

وخلص إلى الإشارة إلى ما ذكره عبدالمجيد عن موكله السيد فايز فقال:

لم ينطق عبدالمجيد بهذا الاسم إلا في يوم الأحد 27 مارس سنة 1949 أي بعد ثلاثة شهور من ارتكابه للجريمة وكان ذكره له عرضًا فقد سئل عن مقابلته لعاطف و أحمد فؤاد و محمد مالك فكان جوابه أنا اتصلت أولاً بمالك والذي وداني لمالك السيد فايز. وسئل عن السيد فايز هذا فقال إنه شخص من الجمعية السرية عرفه به عادل ثم قال إنه رئيس الجمعية السرية وعندما تعجب المحقق من ذكر السيد فايز لأول مرة في ذلك اليوم كانت الإجابة أدعى إلى العجب فقد علل المتهم هذا الافضاء الجديد بأن لديه كلامًا كثيرًا باقيًا وقرر هذا بعد أن اطلع على البيان وقرأه من أوله إلى آخره،

فلو كان هذا البيان تأثير في نفسه لفعل فعله عند تلاوته (ص87) وقد استجوب بعد ذلك في يوم 12 يناير سنة 1949 فلم تثر نفسه لتوبة ولم يكن إلى اعتراف، ولا يزكيه قوله أنه قرأ بيان هيئة كبار العلماء متأخرًا في يوم 13 يناير سنة 1949 لأن قراءة هذا البيان كما أوضحنا لا تؤثر كثيرًا في شاب متعلم تخطى دور التعليم الثانوي وضرب شطرًا طويلاً في التعليم العالي وأصبح على أبواب إجازته النهائية وقرأ كثيرًا من القرآن والحديث وكان مواظبًا على صلاة الجمعة وسماع خطبها وهي تحتوي كثيرًا من هذه الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة؛ ولأنه كاذب في ادعائه الاطلاع على بيان هيئة كبار العلماء متأخرًا في يوم 13 يناير سنة 1949 حتى ولو أيده ضابط البوليس الذي أطلعه على البيان في إحدى الصحف لأنه ليس معقولاً أن يقرأ الضابط في يوم 13 يناير صحيفة يومية صادرة في يوم 3 يناير أي بعد عشرة أيام من صدورها.


الكذب والتوبة لا يجتمعان

ثم قال: إن التوبة التي أراد عبدالمجيد أن نصدقها إنما هي توبة تمثيلية محض رغم ما اكتنفه من تهدج في الصوت ودموع في العين؛ لأن الاعتراف وقت هذه التوبة المصطنعة كان ناقصًا، أي أن الخير الذي صدر عن هذه التوبة كان ناقصًا والخبر الناقص يعتبر خبرًا كاذبًا، والكذب والتوبة لا يجتمعان.

ولم يغب عن فطنة رئيس المحكمة ضعف تعليل المتهم لاعترافاته الناقصة فضيق عليه الخناق في تحقيق يوم 26 يوليو وذكره بأن البيانين اللذين تذرع بهما على اعترافه نشرًا قبل توبته واطلع عليهما من قبل،

كما ذكره يحادث المحكمة وسأله هل عرف به فقال نعم عرفت أن الذي قام به هو شفيق إبراهيم أنس، والواقع أن أي إنسان عاقل لا يستطيع أن يستسيغ تعليل المتهم في اعترافه بتأثير البيانين فلم يبق إلا التعليل المستمد من وقوع الاعتراف بحادث المحكمة مباشرة ليدرأ عن نفسه خطر اعتداء شبيبة له،

ومعنى هذا أنه لم يكن الحق هو سبب ادخال المتهمين الذين أدخلهم، إنما كانت الرغبة في حماية النفس، واستجابة لإيحاء الموحين، فهل يؤخذ المتهمون لهذا الادعاء المغرض؟

ثم مضى فقال إن السيد فايز كان منتميًا لجماعة الإخوان، ولا لوم عليه في ذلك ولا على أي مسلم في انتماه لهذه الجمعية الدينية فقد كانت تدعو للإسلام وكان السيد فايز طالبًا في فصول إعداد الضباط الاحتياطيين، وعرف كيف يمتشق سلاحه، وكيف يصوب الرصاص إلى صدور الأعداء في سبيل الله والوطن والملك، فما الذي تأخذه النيابة عليه في ذلك! أتأخذ عليه تدربه في جبل المقطم،

وهي التي قررت حفظ هذه القضية؛ لأنها أيقنت أن التدرب كان لغرض نبيل! فما الذي أحاله بعد ذلك إلى غرض سيء يهدف إلى قلب النظام، وارتكاب الجرائ، إنها السياسة، فهي التي ليست منظارًا آخر غير المنظار الذي كانت ترى به الأشياء فأرادت الحكومة أن تقدم على حل جماعة الإخوان فبدلت نظرتها إلى الوقائع والأمور فما كان بالأمس غرضًا نبيلاً أصبح اليوم شرًّا مستطيرًا.

وهنا أراد الأستاذ الحناوي أن يتحدث عن الأوراق المضبوطة في قضية سيارة "الجيب" وحافظة مصطفى مشهور. فقال رئيس الجلسة أن المحكمة قد استبعدت هذه الأوراق فلا حاجة للكلام عنها.

ورد الأستاذ الحناوي بأن النيابة قد استبعدت في مرافعتها، في التدليل على إدانة السيد فايز، أقوال المتهمين عنه، وها هي المحكمة اليوم تستبعد الأوراق المضبوطة، وعلى ذلك لم يبق الاتهام قائمًا، وأصبحت الصورة البشعة التي رسمتها النيابة للسيد فايز جديرة بالمحو ويجب رسمها بخطوط أخرى تعيد إليه براءته وحريته. وهنا انتهت مرافعة الأستاذ الحناوي ورفعت الجلسة للاستراحة، ثم أعيدت في الساعة الأولى بعد الظهر حيث أخذ الأستاذ محمد شمس الدين الشناوي المحامي عن محمد علي و صلاح عبدالمعطي في المرافعة فعتب على النيابة عنفها ومعاملتها القاسية للمتهمين، وهم أمانة في يدها، وقال إنها لم ترع الأمانة بل غضت النظر عما ارتكبه رجال البوليس معهم من وسائل التعذيب.


أقوال ضعيفة

وعرض لاعترافات عبدالمجيد حسن ووصفها بأنها ضعيفة تفتقر لكي يمكن تصديقها إلى كثير من الأدلة؛ وما كان يجب على النيابة أن تحشد هؤلاء المتهمين في هذا القفص، استنادًا إلى مثل هذه الأقوال المتناقضة المتضاربة الضعيفة.

ثم قال إنه استشعر الرهبة حين وكل للدفاع عن المتهمين في هذه القضية لا لجسامة المهمة أو لنقص في وسائل الدفاع، ولكن لأن المجني عليه كان عزيزًا عليه، وكان مثالاً صادقًا للرجولة والنزاهة والوطنية، ولكن هنالك إلى جانب ذلك، عيونًا أضناها السهر، وقلوبًا تترقب مصير هؤلاء المتهمين وتتعلق بكلمة تخرج من أفواهكم. متهمون جيء بهم إلى هنا ظلمًا لمجرد كلمات جوفاء خرجت من فم شخص يرى حبل المشنقة يداعب رقبته، فألف هذه المسرحة الكبرى ولكنه لم يحبك فصولها.

وضمى يفند اعترافات عبدالمجيد ويبين كذبها. وتلفيقها كيف أنه ظل منكرًا زهاء الأسبوعين، ثم تحرك ضمير فجأة، واعتزم الاعتراف ولكنه لم يقل شيئًا، وبعد أيام عاد وتحرك ضميره،

واعتزم الاعتراف، ولكنه أيضًا لم يذكر إلا ألغازًا ومعميات فذكر اسم "ضياء" وقال إنه لا يعرف اسمه الكامل ولا شخصيته، وهكذا ظل يتدرج في اعترافه، وفي كل مرة يقول إنه سيقول كل ما لديه.


البوليس يحاول ستر خطته

وبعد أن أشار إلى الإهمال والتقصير الذين ظهرا من رجال البوليس المنوط بهم حراسة المجني عليه، قال إن البوليس أراد أ، يستر خطأه ويغطي تقصيره، بمتهم واحد، فحشد هذا العديد من المتهمين، حتى لا يضيع دم الفقيد، لقاء شخص واحد فقط، فراحوا يجمعون الرؤوس والشخصيات التي قد تكون لها أهمية كبيرة أو خطرها في المستقبل من أعضاء الجماعة التي ينسب لها ذلك المأفون وجاءوا بهم إلى هذا المكان ليلاقوا مصيرهم المحتوم وكل ذلك ليخفوا ما سلف من أخطائهم وتقصيرهم في حماية المجني عليه.

ثم تناول أدلة النيابة التي ساقتها للتدليل على صدق اعترافات عبدالمجيد، ومنها تعرفه عليهم ووصفه لمنازلهم، فقال إن هذا شيء طبيعي، وليس غريبًا أن يعرف عبدالمجيد منازل المتهمين، وقد قيل أن من نظام الجماعة التي ينتمون إليها جميعًا أن يعرف كل عضو كل شيء من أحوال زميله ودخائله. ومضى فقال إن عبدالمجيد قد أدخل في روعة أنه سينجو من حبل المشنقة فوقع تت تأثير إغرائهم وأخذ يقول ما يوحي إليه به.

وجد الجنة في مصر

وخلص من ذلك إلى قوله أن عبدالمجيد ارتكب الحادث من تلقاء نفسه، وبعقيدة راسخة في ذهنه، أو ليس كان يريد دخول الجنة ويسافر إلى فلسطين ليستشهد هناك في سبيل الله.

ها هو قد وجد الجنة في مصر، فلماذا يتعب قدميه، ويذهب إلى فلسطين فليقتل النقراشي باشا ويدخل الجنة!

ومضى يتحدث عن التناقض والتلفيق في أقوال القائل قائلاً. إن ما شجعه على ذلك هو ما كان يتلقاه من تلقينه.


بقية المرافعة

وعندئذ رفعت الجلسة على أن تعقد صباح اليوم التالي لسماع الجزء الثاني من مرافعة الأستاذ الشناوي وقد أخذ في هذه الجلسة يتكلم عن الأوراق المضبوطة في عزبة الإخوان بالإسماعيلية فقال:

إنها تدل على أن الإخوان كانوا يستعدون لتطهير البلاد من الاحتلال، ولم ينصرف تفكيرهم إطلاقًا إلى النظم الداخلية. فإن الدستور ذاته قد ينص على الوسائل التي يمكن تغيير النظم بها ولم يظهر من الإخوان أنهم قصدوا تغيير هذه النظم بوسائل غير مشروعة بدليل تقدمهم للانتخابات.

وبعد أن أشار إلى ما قاله عبدالرحمن عثمان من أنه سمع من محمود فرغل أن صلاح عبدالمعطي كان له ضلع في حادث القتل، قال إن هذه الرواية سماعية، وقامت الشواهد على كذبها.

وتناول بعد ذلك تفنيد الأدلة القائمة ضد محمد أحمد موكله الثاني.

فقال إنه يكتفي بأن يقول إنها واهية إلى حد أنها لا تستحق التفنيد.

وختم الأستاذ الشناوي مرافعته مناشدًا المحكمة أن تذكر في حكمها أن نظام سجن الأجانب لم يعد له ما يبرره بعد أن فقد الأجانب كل ما يميزهم من المصريين بإلغاء الامتيازات وأن نظام البوليس السياسي يعتبر وصمة في جبين الدولة، وأنه يجب أن تشرف النيابة وحدها على اجراءات التحقيق.


مرافعة الأستاذ شكري بولس

ثم أعقبه الأستاذ شكري بولس المحامي عن محمود كامل السيد و شفيق أنس وهما اللذان عهد إليهما معاونة عبدالمجيد في ارتكاب الجريمة، وإتمامها في حالة فشله، فتناول حضرته ما قيل على ألسنة بعض المتهمين عن موكله الأول محمود كامل وأخذ يرسم شخصيته فقال إنه نشأ رياضيًّا، فالتحق بالنوادي الرياضية وبجمعيتي الشبان المسلمين و الإخوان المسلمين ثم انفصل عن الجماعة تدريجيًّا، وظل الأمر كذلك إلى أن اعتقل فجأة بعد منتصف ليل 14 مايو الماضي.

ولما سئل في التحقيق أنكر أنه يعرف مالك، ولكن البوليس طلب إليه التعرف على مالك، ثم ندد بأعمال البوليس السياسي، قائلاً إن رجاله هم الذين يلفقون التهم ويتهمون الأبرياء،

ويحملونهم بشتى الوسائل غير المشروعة على الاعتراف بما يريدونهم الاعتراف عليه.

وبعد أن فند أقوال عبدالرحمن عثمان تناول عبدالمجيد حسن فقال إنه مصاب بمرض الكذب بنوعيه: الانتقامي والوقائي، وأنه مضللاً من الطراز الأول.

ثم قال إن المجرم بعد أن قتل النقراشي باشا شعر بخطورة جرمه ففكر كيف يكون الخلاص، وهو يرى حبل المشنقة قريب منه، وقد تيقظ ضميره وأخيرًا قرر أن يدعي أنه كان مسلوب الإرادة، وواقعًا تحت تأثير الغير، وكلما زاد عدد هذا الغير كلما زاد أمله في الحياة.


بئس الخير

ثم قال إن غريزة البقاء كائنة في كل إنسان، ومن هذا كان الكذب يعادل الرغبة في الحياة وما دامت الرغبة موجودة فلا مانع إذن من الكذب وهذا هو الكذب الدفاعي الذي يقصد به رفع الضرر وجلب الخير، وبئس الخير إذا جاء على حساب الأبرياء.

وتطرق إلى مناقشة أقوال عبدالمجيد حينما ذكر أنه ذهب مع محمود كامل وآخرين إلى عزبة الإخوان بالإسماعيلية للتدريب على السلاح، وقال إن هذه الرواية مكذوبة وأن عبدالمجيد كان يصور بعض الوقائل بالشكل الذي كان يتخيله، فهو يستغل أية حادثة ليلصقها بمن يشاء من المتهمين، فهو حقيقة ذهب إلى عزبة الإخوان، ولكن محمود كامل لم يصحبه في هذه الرحلة.

وبعد أن تناول أقوال عبدالمجيد، فيما يختص بالاجتماعات، التي ذكرها في اعترافاته وأبان كذبه فيها، تكلم عن حكاية مقتل سائق سيارة الأجرة الأرمني التي ذكرها عبدالمجيد، وقال إنها رواية مكذوبة ومختلقة، وقد جاء في تقرير الطبيب الشرعي أنه لا أثر لمادة سامة في أحشاء القتيل، وأن في الجثة إصابات ضرب يحتمل أن تكون هي سبب الوفاة.

وقد أحس عبدالمجيد أن كذبه أوشك على الافتضاح فعاد يقول "السائق إللي كانوا عايزين يموتوه".

ثم تكلم عن واقعة اطلاق الرصاصة عقب ارتكاب الجريمة، وهي الواقعة التي ذكرها أحد الضباط الشهود، ورددها عبدالمجيد في اعترافه الأخير أمام المحكمة، فقال إن هذه الرواية مكذوبة من أساسها؛ وتدل على اتفاق عبدالمجيد مع رجال البوليس على التلفيق، إذن إن هذه الطلقة لم يأت لها ذكر طوال التحقيق إلى أن جاء هذا الشاهد وأشار إليها، وعندئذ ذكرها عبدالمجيد في اعترافه الأخير عندما سمعها من الضابط الشاهد.

وانتقل الأستاذ بولس إلى الدفاع عن موكله الثاني شفيق أنس فقال إن عبدالمجيد لم يذكر اسم شفيق أنس إلا مؤخرًا، وقد سأله سعادة رئيس المحكمة في التحقيق الذي أجراه معه،

عن المحكمة في عدم ذكر اسمه في بادئ الأمر فأجاب عبدالمجيد بأنه كان في عراك نفساني انتهى به إلى عدم ذكر اسم شفيق، وعقب على ذلك بقوله إنه عراك نفساني صحيح، ولكنه عراك بين الشر والخير، بين الرذيلة والفضيلة، بين الحق والضلال.

ثم مضى يناقش الأدلة القائمة ضد شفيق أنس ومنها تغيبه عن مقر عمله بوزارة الزراعة واشتراكه في حادث مقتل السائق الأرمني.

فقال إن النيابة تقول إن تخلف شفيق أنس عن عمله بدون إذن، دليل إدانته وتساءل هل إذا كان شفيق قد تخلف عن عمله بإذن كان يستمر قيام هذا الدليل؟ وأجاب على ذلك قائلاً ما كان أيسر على شفيق أن يذهب لرئيسه ويستأذن في الغياب يومًا أو بعض يوم حتى يستر موقفه ما دام ينوي القتل وكان هذا أول شيء يفعله الشخص المنتوي ارتكاب جريمة.

وخلص من ذلك إلى تفسير تغيب شفيق عن عمله بسبب وفاة جدته، ولعله كان مشغولاً بذلك أو مشغولاً بالالتحاق بكلية التجارة، ولا يمكن مطلقًا ربط تغيب شخص عن عمله بارتدائه الزي العسكري وذهابه إلى وزارة الداخلية.

ورد على حكاية اشتراكه في حادث قتل السائق الأرمني بأنها رواية مكذوبة وقال إن هذه الرواية أظهرت عبقرية عبدالمجيد في الكذب وحسن السبك.

واختتم الأستاذ بولس دفاعه بطلب براءة المتهم.


جلسة 24 سبتمبر: مرافعة الأستاذ أحمد حسين

ترافع الأستاذ أحمد حسين المحامي عن السيد فايز عبدالمطلب والمتهمين من السابع إلى الخامس عشر، في هذه الجلسة، وقد استغرقت مرافعته يومين وقد استهلها بمقدمة قال فيها:

إن الألقاب والرتب قد زالت في جميع بلاد العالم المتمدين، وأصبح الناس يتخاطبون بأسمائهم مجردة من ألفاظ التكريم والتعظيم، وفي إنجلترا وأمريكا يخاطب الناس رئيس الحكومة باسمه مجردًا،

وليس لهذه القاعدة إلا استثناء واحد، هو في دار القضاء، وذلك دليل على أن الناس كلهم من طراز والقاضي إذا جلس في منصة القضاء أصبح من طراز آخر.

واستطرد فقال: إن القضية الحالية مهما تبلغ خطورتها لا يمكن أن ترقى إلى خطورة قضية مقتل الخازندار بك، لأن الاعتداء على رئيس الحكومة على شناعته جريمة مألوفة، وخاصة في المجتمعات التي لم تستقر، ولكن من غير المألوف الاعتداء على قاض لحكم أصدره من وحي ضميره ووجدانه.


السياسة الحزبية

وخلص من هذا إلى التنديد بالسياسة الحزبية التي أتلفت كل شيء في البلد، وقال إن هذه المأساة ليست إلا ثمرة من ثمار هذه السياسة التي طغت على كل شيء فلم تدرك ما للخازندار من حق، كما أدركته لأي سياسي من الساسة، فاكتفى بتسوية معاشه وإعطاء ورثته بعض المكافأة،

على حين أنه كان يجب أن يقام له تمثال في محكمة الاستئناف، وأن تلقى الدروس والعبر على كل طالب وكل شاب ليتعلم معنى قدسية القضاء، وليكون الشهيد الخازندار بك رمزًا لهذه القدسية.

ثم أشار إلى الحكم الذي صدر في قضية الخازندار بك فقال: قد أذهل الناس، بل لقد أنكره الكثيرون، وقد خلطوا بين استبشاع الجريمة، وبين عقوبة القاضي، ونسوا ألا تلازم البتة بين الاثنين.

ولقد كان الناس يظنون أن القضاء المصري سيفتك بقتلة الخازندار بك، وكانت الرغبة في الانتقام تملأ صدور البعض حتى لقد تمنوا لو كان هناك طريقة لقتلهم قتلاً بطيئًا أو تعذيبهم وكيهم بالنار كما يتمنى أناس اليوم لو فعلتم بهؤلاء المتهمين.

ولكن القضاء المصري العالي وهو يمثل العدالة السماوية أصدق تمثيل قد تنزه عن الحقد والغضب، وارتفع فوق الدوافع الشخصية والمؤثرات الخاصة فقال في حكمه وقوله الحق "إن القضاء لا ينبغي أن يتأثر بشخصية المجني عليه وإنه ينبغي عند تقدير العقوبة على الجاني أن يقدر ظروف الجاني". أقول إن الناس قد ذهب في هذا الحكم مذاهب شتى، ولكني أنحني إجلالاً له، لأنه يعلي من سمعة مصر في أنحاء العالمين.

ولو أن الحكم قضى بإعدام المتهمين لما كان في الأمر شيء غير عادي، فأحكام الإعدام تصدر في كل يوم على قتلة أشخاص أهون شأنا من الخازندار بك وليسوا في وظيفته وأن من قتل يقتل وما كانت لتكون صفقة رابحة أن يعدم شابان ناقصان في الإدراك مقابل شخصية الخازندار بك؛ لأنه لا يعوض بمئات بل ألوف من مثل الشابين اللذين صرعاه.

وتكلم عن قضية محاولة نسف المحكمة

فقال: إذا كان العدوان على الخازندار بك قد أزعج الناس مرة، فقد أزعجتهم هذه الجريمة ألف مرة، وإذا كانت مصر قد خسرت في الخازندار بك قاضيًا جليلاً فقد كادت تخسر في هذا الحادث زهرة قضاتها والمشتغلين بالقانون أجمعين، وليس في مصر كلها من أقصاها لأدناها من لم يرتجف جسده بالقشعريرة وهو يطالع تفاصيل هذه الجريمة.

وإن الناس كانوا يظنون أنكم سترون الإعدام عقابًا هينًا لهذه الجريمة، وطالبتكم النيابة بعقوبة الإعدام، ولكنكم ارتفعتم فوق الحقد والغضب ولم تفكروا إلا أنكم قضاة تزنون الأمور بميزان الحق فاستبعدتم أن تكون الجريمة سياسية.

ثم مضى فقال إن هناك قولاً مأثورًا، يقول إن خير لك ألف مرة أن تخطئ في العفو عن المذنبين، من أن تخطئ في الحكم على بريء واحد، واستشهد بقول الرسول "ادرأوا الحدود بالشبهات".

وقال إن مهمته هي أن يدخل الشك إلى قلب المحكمة، وهو في ذلك يصدع لواجب سماوي إلهي.

واستطرد فقال إن هذه القضية ليست قضية عادية، وإذا كان رئيس المحكمة قد صرح بأنه ينظر إليها على أنها جريمة قتل، فمعنى ذلك أنه ينظر إليها بهذا الاعتبار وحده دون التأثر بشخصية المجني عليه، فهو إذن قد قصد خيرًا بالمتهمين، ولكن هذه القضية ليست قضية كل يوم،

ولن تستطيع المحكمة أن تفصل فيها فصلاً يطمئن إليه ضميرها إذا لم تنظر هذه القضية في ضوئها الحقيقي مقدرة خطورة الآثار التي ستترتب على حكمها.


روح النقراشي

واستطرد قائلاً: إن النقراشي باشا وقد انكشف عنه الحجاب، وهو في العالم الآخر، يدرك الآن أن عبدالمجيد عندما أطلق عليه الرصاص لم يكن سوى آلة وأداة لا في يد هؤلاء المتهمين أو في يد حسن البنا، ولكن في يد القدر الذي شاء أن يختم حياة النقراشي باشا.

لقد سمعتم أن القضية المعروفة بقضية سيارة الجيب، قد ضبطت في 18 نوفمبر وفيها كل الأوراق التي تهول النيابة في شأنها وتكبر وكان المرحوم حسن البنا في ذلك الوقت على قيد الحياة، فما الذي حال بين النيابة وبين أن تقبض عليه باعتباره شريكًا وتحاسبه،

ولقد حلت جمعية الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر وحلت بناءً على مذكرة مثل أمامكم صاحبها وقال لكم إن ما ورد فيها من الجرائم ليس إلا قليل من كثير وقد اعتقل الحاكم العسكري كل ذي شأن في الإخوان المسلمين، فما الذي حال بين النيابة وبين أن تقبض عليه

–وقد قدم الرجل نفسه ليحقق معه ويحاكم

- ولقد ضبطت أوراق الجمعية وفتشت فلماذا لم تقبض على حسن البنا ليحقق معه، واغتيل النقراشي باشا وظهر أن المتهم الذي اغتاله كان من الإخوان المسلمين،

فما الذي حال بين النيابة وبين أن تقبض عليه وقد قبض الحاكم العسكري على الألوف وزج بهم إلى المعتقلات، ما هو التفسير لذلك كله وما هو التعليل؟

ليس هناك إلا واحد من اثنين، إما أن نصدق ما يشاع ويقال من أن الحكومة السابقة لم تصدر أمرًا باعتقاله أو القبض عليه لكي تقتله ولست أستطيع وأنا في قدس العدالة أن أقرأ هذا الرأي فلم يبق إلا التعليل الثاني ألا وهو أن النيابة لم يكن عندها ضد الرجل شيء تدينه به.

وخلص من هذا الكلام عن موكله السيد فايز عبدالمطلب، فقال إنه شاب مهندس، يشغل والده وظيفة جاويش في البوليس، هذا الوالد الذي يعذب ويشرد الآن.

ومضى فقال إنه متفق مع النيابة في أنه يجب وضع حد لمثل هذه الجرائم التي استهدفت لها مصر، وكادت تزعزع كياننا وأساءت إلى سمعة المصريين.

وأشار إلى قضية تحطيم الحانات التي اتهم فيها بعض المنتمين لحزب مصر الفتاة فقال إنه بحث فوجد الأئمة متفقون على أن الإنكار لسائر المسلمين لا يكون إلا باللسان، أما الإنكار باليد فلا يكون إلا لولي الأمر، وإلا فلو ترك لكل مسلم أن ينكر على أخيه المسلم باليد لانقلب الأمر إلى فوضى.

وخرج من هذا إلى قوله إن هذه هي قواعد الإسلام، وكان الشيخ حسن البنا يعرف ذلك، وكان على رأس الذين أنكروا هذا العمل على أعضاء مصر الفتاة.

وتلا مقالاً للشيخ حسن البنا في جريدة الجماعة عارض فيه أعضاء مصر الفتاة في تحطيم الحانات وقال إنه لا يوافق على تحدي القانون.


النار تحرق مشعليها

ومقضى فقال إن الإخوان كانوا إلى سنة 1939 يكرهون العنف والإخلال بالنظام. وتساءل ما الذي حدث حتى أدى هذا الانقلاب، وما هي العوامل والعناصر التي حولت الهادئين المسالمين إلى إرهابيين خطرين، وأجاب قائلاً الحق أنه ليس في هذا القفص مجرمون إرهابيون ولكنهم مجني عليهم،

وأن الأوضاع الفاسدة هي التي لعبت بهم فجعلتهم وقودًا، فلما اشتعلت النار أحرقت مشعليها فجاءوا اليوم يصرخون ويندبون ويشقون الجيوب، ويلطمون الخدود وينادون بالويل والثبور.

وأفاض في بحث وسائل العنف وهل يقره الإسلام ويحل القضايا والمشاكل وها هو مثلا عبدالمجيد قد قتل النقراشي باشا دفاعًا عن الإخوان المسلمين، فلم يؤد ذلك إلى عودة الإخوان بل كان من جرائه قتل الشيخ البنا.

ثم أشار إلى هرب حسين توفيق وهو المتهم بقتل أمين عثمان باشا، وكيف أن بعض الصحف صورته بطلاً وظلت تنشر مذكراته، فكان ذلك مخالفة صريحة للقانون، بل تشجيعًا على الجريم، ولكن الحكومة لم تحرك ساكنًا لأن الحزبية البغيضة جعلتهم يستمرئون هذه الجرائم لأنها كانت موجهة لخصومهم.


الاعتداء على النحاس باشا

ومضى فأشار إلى حادث محاولة الاعتداء على رفعة النحاس باشا، وكيف حاول نسف داره فقهقه قوم وطربوا، وكان الحادث الثاني حيث هوجم النحاس باشا بالمدافع، فلم يهتم البوليس بالبحث عن الجناة، لأن شخص المعتدى عليه هو النحاس باشا، أما في هذه القضية فقد أعلنت الجوائز والمكافآت المالية ونشط البوليس يجد في أثر الجناة.

وخلص من ذلك إلى قوله أن أصحاب الشأن في البلاد هم المسئولون عن انحراف الإخوان المسلمين أو بعض عناصر الجماعة.

ثم أشار إلى اعتقال الشيخ حسن البنا في سنة 1941، وزيارة سعادة الأستاذ حامد جودة له في معتقله، ثم سعيه في الإفراج عنه، وكان سعادته آنئذ وزيرًا في الحكومة التي اعتقلت الشيخ البنا، وعلق على ذلك بقوله كيف يكون تأثير هذا العمل في نفوس المصريين.

ثم أخذ يعرض لتاريخ الإخوان المسلمين وعلاقتهم بالحكومات السابقة وأشار إلى الحوادث التي نسبت لهم. حل الإخوان ومصادرة أموالهم

ثم تناول مسألة الأمر الخاص بحل الإخوان فقال إن الحكومة قد شرعت في إصداره وإنه كان اجراء غير قانوني.

وتكلم عن مصادرة أموال الجمعية فقال إنه ليس في قانون الأحكام العسكرية ما يخول الحاكم العسكري مصادرة أموال فرد أو جماعة على أي وجه من الوجوه.

ومضى يناقش هذا الرأي من الناحية القانونية وعرض لآراء الفقهاء وأحكام المحاكم ووصف اجراء النقراشي باشا بأنه شاذ حتى أن عمار بك نفسه تنصل من مسألة مصادر الأموال وقال أمام المحكمة في شهادته ألا شأن له بهذا الموضوع.


المسئولية المباشرة

وخلص من هذا إلى قوله: فإذا اتفقنا على أن نحصر نتائج المعركة بين النقراشي باشا وبين الإخوان المسلمين في أضيق نطاق، فقد وجب أن لا نحاسب عن مصرع النقراشي إلا الذين اشتركوا فيه بطريق مباشر، أو بالأحرى الذين أطلقوا النار عليه وقدموا لمطلق النار السلاح والمهمات اللازمة لاتمام فعلته،

فإذا تجاوزنا هذا الحد وحاولنا أن نشرك مع القاتل أشخاصًا لم يكن دورهم محددًا بهذا الحدود فإننا نكون قد جاوزنا شاطئ الحق واليقين وخرجنا إلى خضم الشبهات والشك.


كان مختل الشعور

وتطرق إلى بحث موقف عبدالمجيد وهل قام بدوره بتأثير التحريض وكان آلة في يد غيره، أم أنه أقدم على فعلته من تلقاء نفسه، وكان هو العنصر المحرك والرئيسي في ارتكاب الجريمة.

وخرج من بحثه إلى أن عبدالمجيد لاشك مجنونًا، وأنه حين ارتكب الجريمة كان مختل الشعور.

ومضى يدلل على ذلك بقوة جلده في التحقيق وصبره واحتماله المتاعب، وقوة ذاكرته الخارقة وما إلى ذلك، ثم قال إن عبدالمجيد كان محور الإرهاب في جماعة الإخوان، وأن على رأسه تقع كل النكبات التي تعرض لها الإخوان.

ومضى الأستاذ أحمد يفند اعترافات عبدالمجيد ويناقشها حتى رفعت الجلسة على أن تعقد في اليوم التالي لسماع بقية مرافعته.


جلسة 25 سبتمبر: أتم الأستاذ أحمد حسين مرافعته

وفي هذه الجلسة أتم الأستاذ أحمد حسين مرافعته، وقد بدأ الجزء الثاني من مرافعته بقوله:

انتهينا الآن من تنقية جو القضية مما علق بها وتلبد في سمائها، وبقي التحدث عن الإخوان كجماعة،

واعتبار مجرد الانتساب إليها جريمة، وهو موضوع ينبغي الإيثار في هذه القضية لأن الكلام فيه يطول، ولا نخرج منه إلا بنتيجة واحدة هي أن هؤلاء المتهمين مجني عليهم وليسوا جناة، ولنبحث الآن الأسباب التي أدت إلى قتل النقراشي لنزنها بميزان التاريخ ولنسمع فيها حكم القانون.


أسباب قتل النقراشي

ومضى فقال: في يوم 7 ديسمبر سنة 1948 كانت هناك هيئة حية تحتل في البلاد مكانًا رئيسيًّا وممتازًا وهذه الهيئة تسمى جماعة الإخوان المسلمين، ولم يتكن هذه الهيئة وليدة يوم وليلة بل إن تاريخ تأسيسها يرجع إلى قبل ذلك بعشرين سنة.

لم تكن هذه الهيئة سرية ولم تكن طائفة أو شيعية كالإسماعيلية، ولكنها كانت هيئة رسمية علنية تدعو إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه.

لم يكن الإخوان المسلمين إذن مجرد جمعية سرية، أو تشكيلية ضيئلة، يمكن أن يقال لها انفضي فتنفض أو يمكن أن يقال إنها قد حلت فتحل.

لقد كانت جماعة الإخوان المسلمين تكتلاً شعبيًّا من الدرجة الأولى لم تعهد له مصر مثيلاً من قبل.

لقد كان الإخوان المسلمون يعدون أنفسهم لخوض الانتخابات المقبلة وكان لهم أمل جبار في أنهم إذا لم يكتسحوا الانتخابات على الأقل فسيخرجون منها كحزب من أقوى الأحزاب الممثلة في البرلمان.

ولقد شعر القوم في الدقيقة الأخيرة، أن قوة الإخوان المسلمين أصبحت صارمة وأنها باتت تهددهم في الانتخابات القادمة، فقرروا أن يتخلصوا منها بأي ثمن من الأثمان فبدأوا يضغطون على الإخوان المسلمين وتضغط عليهم وراح المرحوم النقراشي يضيق عليهم الخناق،

وراح بعض الشباب المتطرف من الإخوان الذين كانوا قد ألفوا هذه الحرية الواسعة، وألفوا الانتصار في معاركهم، الواحدة تلو الأخرى، راحوا يدرون على هذا التضيق بتوجيه بعض الضربات فكانت هذه السلسلة من الحوادث التي وقعت في الأيام السابقة على قرار الحل.

فإذا بالنقراشي باشا يقرر أن يضرب ضربته الحاسمة أو الباطشة والتي كانت مصرعه إحدى نتائجها التي اتفق الجميع على أنها كانت مقررة.


حل الإخوان كان خطأ

وخلص من ذلك إلى قوله أن النقراشي باشا قد أخطأ في حل الإخوان، وأن التوفيق قد أخطأه أيضًا كرجل سياسي مسئول عن الأمن وكرئيس وزارة في بلد ديمقراطي.

وأنه قد اشتط في إجرائه إلى الحد الذي جعل موضوع قتله يرد على الأذهان فورًا كأنه نتيجة لازمة للعمل الذي أقدم عليه حتى أن عبدالرحمن عمار بك قال في شهادته أمام المحكمة أن النقراشي باشا كان يعرف أن مصيره القتل إن هو أقدم على هذا الاجراء.

ومع ذلك فقد مضى فيه فأنتم ترون أن هناك شبه إجماع إلى حد النشر في الصحف، أن حل الإخوان كان معناه قتل النقراشي باشا فما معنى هذا الشعور؟


يتسرع في الحل

واستطرد فقال إن النقراشي باشا تسرع في إصدار قرار الحل، ولم يبصر بالعواقف وإن رجال البوليس قد حذروا وأنذروا وطالبوا بعدم الإقدام على هذه الخطوة أو على الأقل تأجيلها فقد كانت الجماعة في ذلك الوقت قوة مندفعة،

وكل شيء يزيد في اندفاعها، وكانت الحكومات المتعاقبة قد شجعتها بما يهيء لها الاندفاع فكان من العبث أن يوقف النقراشي باشا هذا الاندفاع مرة واحدة.

وتطرق الأستاذ أحمد إلى الكلام عن السيد فايز فقال إنه أدخل ومن معه في هذه القضية بناءً على أقوال عبدالمجيد، ولم يحدث في تاريخ القضاء الجنائي أن تسعة متهمين يزج بهم في جناية خطيرة؛ لأن متهمًا قال عنهم أقوالاً لم تتأيد بأي دليل مادي، بل إنه راح يجاهد بكل ما يستطيع لإنقاذ نفسه بشتى الطرق والأساليب.

وعاد إلى مناقشة أقوال عبدالمجيد و جلال يس ثم قال إن جلال هو الدليل على تلفيق أقوال عبدالمجيد الأخيرة.


القاتل يقتدي بسعد زغلول

وتطرق إلى المقارنة بين عبدالمجيد حسن و سعد زغلول في قضية القنابل فقال إن شخص سعد زغلول كان ماثلاً أمامه، وهو يقرأ هذه القضية، وقد كان سعد يقدر نفسه والناس يقدرون له عقوبة لا تقل عن الأشغال الشاقة المؤقتة ومع ذلك فلم يصدر الحكم عليه إلا بسنتين اثنتين كان قد قضاهما في السجن عندما صدر الحكم، ذلك أن محكمة الجنايات قد اقتنعت بأن هذا المتهم لم يكن له مناص من أن يكذب لينجو بنفسه من حبل المنشقة فقد اتهموه في بادئ التحقيق بأنه مرتكب قنبلة سينما مترو،

وهي هذه القنبلة التي استنكرها كل مصري واعتبر فاعلها مجرمًا لا يستحق أي شفقة أو رحمة فأسقط في يد سعد زغلول عندما رأى نفسه متهمًا بهذه التهمة،

ولم يجد سبيلاً لدفعها عن نفسه بصورة قاطعة إلا أن – يعترف بأنه وقت حدوث هذه الجريمة كان يضع قنبلتين في مكانين آخرين من العاصمة وسرعان ما تحول سعد زغلول إلى ألعوبة في يد ضباط القسم السياسي الذين جعلو منه سيف اتهام يضربون به ذات اليمين وذات اليسار ضد بعض الشخصيات الكبيرة التي كان يهمهم أن يقحموها في هذه القضية. سد زغلول آخر

وخلص من هذا إلى قوله إن عبدالمجيد يشبه سعد زغلول من كل الوجوه ففي كل مرة يقول قولاً جديدًا في غير حياء أو خجل.

ويؤكد قوله الجديد بنفس الحرارة والقوة التي كان يؤكد بها أقواله القديمة. فهو سعد زغلول مع فارق جوهري أن سعد زغلول لم يكن هو مرتكب حادث قنبلة سينما مترو وإنما حام شبح الاتهام فوق رأس إما عبدالمجيد فقد قتل النقراشي باشا بالفعل وضبط متلبسًا ولا سبيل للفرار ومع ذلك تستطيعون أن تتصورا مقدار اليأس الذي تردى فيه عبدالمجيد، وتستطيعون أن تحكموا على نفسيته عندما يحاول أن ينقذ نفسه مما يتصوره مصيرًا محتومًا.


كان يتوقع الموت

وخلص من هذا إلى التساؤل عما دفع عبدالمجيد إلى هذا الموقف. موقف تضليل المحققين ولماذا لم يصر إنكاره القديم؟ ولماذا لم يعترف اعترافًا صحيحًا دفعة واحدة؟

وأجاب على ذلك بقوله إن عبدالمجيد كان يتصور أنه سيقتل عقب ارتكاب الجريمة من الحراس والجنود ولذلك تلا صلاة الاستشهاد عندما غادر دار أحمد فؤاد الضابط في طريقه لتنفيذ جريمته.

ثم بدأ رجال البوليس السياسي يتصلون به ليل نهار محاولين إغراءه على الكلام دون جدوى فهو شخص ذكي أريب يعرف ألاعيب البوليس، وكان دولة إبراهيم عبدالهادي باشا يعمل من ناحيته للتأثير عليه ثم جاء بيان الشيخ حسن البنا فاتخذ منه البوليس مادة للإيقاع بينه وبين الشيخ حسن البنا.

وكان هذا البيان قد أذيع على أثر مفاوضات طويلة بين الشيخ البنا و مصطفى مرعي بك على أساس أن تعيد الحكومة بعد إذاعة البيان الجماعة بعد تعديل بعض نظمها وخططها. هكذا زعموا للشيخ البنا والواقع أنهم كانوا يريدون استغلال هذا البيان لحمل المتهم عبدالمجيد على الكلام، إذ لم يعد هناك مسوغ لإنكاره بعد أن استنكر زعيمه الجريمة، وتبرأ من مرتكبها والدليل على ذلك أنه ما كاد هذا البيان ينشر في الصحف حتى استدعي عبدالمجيد للتحقيق بلا مبرر.


يعترف بالثمن

وخلص من ذلك إلى قوله أن عبدالمجيد كان يقبض ثمن كل اعتراف يدلي به، وهذا الثمن هو الوعود والعهود وحسن المعاملة وما إلى ذلك وهذا هو التفسير الوحيد للطريقة التي أدلى بها عبدالمجيد باعترافاته وتقطيعها بهذا الشكل، وأنها في الواقع لا تساوي الورق الذي كتبت عليه. وتكلم عن الطبعة الرابعة من اعترافات عبدالمجيد، وكيف كان لمقتل الشيخ البنا أثر كبير في نفسه، فهو يعلم أن المحققين يريدون إدخاله في القضية، ويمنونه بالنجاة إذا اعترف بكل ما لديه من معلومات، أما وقد قتل الشيخ البنا فقد ظن عبدالمجيد أنهم أصبحوا الآن في غنى عنه، وعندئذ جاءت الطبعة الرابعة من اعترافاته محشوة بالأكاذيب والأضاليل.

وقد ظل الأستاذ أحمد حسين يقيم الأدلة على عدم صحة هذه الاعترافات حتى اختتم مرافعته قائلاً:


أنتم أساة مصرة

لست أريد أن أشكركم فأنتم فوق كل شكر وثناء ولكني، كما بدأت مرافعتي أريد أن أختمها فأقول لكم أنتم لستم قضاة مصر،

بل أنتم أساتها، ولست أسألكم براءة لهؤلاء المتهمين فحسب، ولكنني أسألكم علاجًا ودواء لما تعاني البلاد من أمراض ونكبات وويلات، قولوا للجميع ألا حياة لهذه الأمة إلا إذا اتفقنا جميعًا على احترام القانون، واعتبرناه هو حجر الزاوية الذي نشيد عليه مجتمعنا،

قولوا لهم لقد أفسدت الحزبية والأهواء الشخصية حياتنا حتى كادت تزلزل كياننا فلنتمسك بالدستور ولننزل عند إرادة الشعب فلا نقع في أمثال هذه الجرائم التي هي خطر على الجميع.


جلسة 26 سبتمبر: مرافعة الدكتور عزيز فهمي

استغرقت مرافعة الجلسة الصباحية وجلسة أخرى مسائية عقدت في الساعة الخامسة والنصف من ذلك اليوم.

وقد استهل حضرته مرافعته قائلاً إنه كان من بين الذين هاجموا النقراشي باشا في سياسته، ولكن قلبه خشع لجلال الموت فاحتبس صوته إلا عن طلب الرحمة له.

المجرم الطليق

ومضى فقال إن هذه القائمة شهدت بالأمس القريب قضية اغتيال أمين عثمان باشا، وشاء القدر أن يحاكم قاتل النقراشي في نفس القاعة التي حوكم فيها بالأمس المجرم الطليق؛

وقد استباح الدفاع عنه إهدار دم المجني عليه أمين عثمان، ونهش عظامه فسمعت هذه القاعة كل عجيب من أفانين الهجو على ألسنة أمراء فن السباب ثلاثة أشهر لم يتورع خلالها هذا الدفاع عن الطعن في وطنية أمين عثمان بل ذهب إلى حد الافتاء بمشروعية قتله بحجة أن قاتله وشركاءه كانوا في حالة دفاع شرعي إلى غير ذلك من الحجج التي كشفتها عبقرية الفقهاء والمعية المتفقهين من أعلام القانون.

ولو استطاعت هذه القاعة يومئذ أن تتحرك لمادت بأهلها أو اندكت. ولو استطاعت هذه الجدران أن تنطق لضجت أو ارتجت جنباتها من هول ما سمعت.


اغتيال الشيخ البنا

وبعد أن أشار إلى أنه لن يعرض لسياسة النقراشي باشا، تكلم عن مقتل الشيخ حسن البنا فقال إن القدر شاء أيضًا أن تسمع هذه القاعة طعنًا مرًّا في المرشد العام للإخوان المسلمين، وقد اغتاله المجرمون ولا تزال أيديهم مخضبة بالدم، ومع ذلك فقد قيدت النيابة الحادث ضد مجهول.

ثم جاءت تقيم عليه الحجة من أقوال عبدالمجيد وخطابات مجهولة أرسلت للمركز العام للإخوان،

ولو كان صحيحًا ما يقال في حسن البنا فلماذا لم تقدموه للمحاكمة حيًّا، وفي أي شريعة من شرائع السماء أو الأرض يهاجم الموتى وتنبش قبورهم بعد إهدار دمهم ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

بطلان الاجراءات

وتطرق إلى الكلام عن بطلان الاجراءات فقال إنه يرى قبل تفنيد أدلة الاتهام أن يدفع ببطلان اجراءات التحقيقات وبطلان التحقيقات، لا لشعوره بحرج من ثبوت التهمة بل حرصًا منه على سلامة التحقيقات.

ومضى فقال إن هذه القضية ولدت في كنف السرية فأحاط بها منذ مولدها جو مريب من الغموض والإبهام.

تعاقب عليها المحققون فدرجوا بها من مراقبي الاتهام ولكنهم لم يتقدموا بها خطوة إلى الأمام في كنف السرية وفي جنح الظلام.

ثم قال وهكذا تدخلت في التحقيق وأشرفت عليه فعلاً سلطات أجنبية ليس من حقها أن تقحم نفسها في تحقيق جنائي وليس من اختصاصها أن توجه ولا أن تشرف عليه ولا أن تشارك فيه السلطة التي أنابها المجتمع عنه وهي السلطة التي بيدها التحقيق والاتهام.

ومضى فتكلم عن الدفع الخاص ببطلان الاجراءات. فقال إن المتهمين حرموا من الاستعانة بالدفاع في جميع مراحل التحقيق الابتدائي والتكميلي أمام النيابة وأمام سعادة رئيس المحكمة التي تتولى محاكمتهم بحجة سرية التحقيق – فما هو السند القانوني لهذا الحرمان.


التكافؤ في الفرص

ثم قال إن المبدأ العام الذي بنى عليه قانون تحقيق الجنايات هو التكافؤ التام في الفرص بين الاتهام والدفاع، وقد نص القانون على علانية التحقيقات وعلانية المحاكمات. بل نص على ذلك في صلب الدستور. ثم أشار إلى تحقيقات رئيس المحكمة فقال لو أن الأمر سار سيره الطبيعي وأقامت المحكمة الدعوة على المتهمين الجدد، لكانت اجراءاتها سليمة من كل عيب.

ولكن الذي يثير العجب ويبعث على الدهشة أن النيابة عادت إلى ممارسة سلطانها العام، فقدمتهم هي للمحاكم وأقامت الدعوة العمومية قبلهم.

وخلص من هذا قوله أنه ما دامت النيابة قد مارست ولايتها في التحقيق ثم في الاتهام، فإن تصرفها في رفع الدعوى إهدار لما قام به رئيس المحكمة من تحقيق، ومن ثم تصبح هذه التصرفات صادرة من غير ذي صفة، فهي تحقيقات باطلة لا وجود لها قانونًا.


تعذيب المتهمين

وتطرق إلى الكلام عن تعذيب المتهمين فقال: إن النيابة ناشدت المحكمة أن تصون سمعة البلاد وكرامتها، وتحفظ لها أمنها وطمأنينتها، والدفاع بدوره يناشد المحكمة نفس ما ناشدتها النيابة، فلقد ضجت البلاد من الاجراءات الشاذة الإجرامية التي تتبع مع المتهمين في القضايا السياسية والتي اتبعت بنوع خاص هذه القضية وفي القضايا التي نجمت عنها.

ولقد رأيتم بأعينكم آثار التعذيب على أجساد بعض المتهمين، وقد وصف سعادة الرئيس بعض هذه الآثار بأنها لا تمحى مع الزمن كما شاهدتم هذه الآثار على شاهد استدعيتموه ليدلي بمعلوماته في هذه القضية وهو عبدالفتاح ثروت.

ومضى فقا لقد سمعتم ما قاله بعض المتهمين والشهود عن طرق التعذيب ووسائل وعلمتم كيف صب عليهم العذاب في السجن الانفرادي، وقد كبلت أيديهم وأرجليهم بالسلاسل الحديدية وكانوا يضربون بالسياط.

وتحدث عن اعترافات عبدالمجيد، فقال إنها اعترافات فسادة، وأن المفهوم من كلمة "الاعتراف" لغة وقانون أنه إقرار المتهم على نفسه فهو دليل عليه لا على غيره.

وأن أقوال متهم على متهم لا يجوز أخذها إلا بالحذر والاحتياط.


شروط الاعتراف

ثم تكلم عن الشروط التي يجب أن تتوافر في الاعترافات حتى يمكن الاطئمنان إليها، ومنها أن تكون تلقائية، وأن تصدر أمام المحقق في أثناء التحقيق، وأن يتأيد صدق المتهم بأدلة أخرى مادية.

واستطرد فقال:

يظهر أن النيابة غير مؤمنة بالتواطؤ المقول به بين عبدالعزيز البقلي والمتهم عبدالمجيد، حتى قام بصنع السترة العسكرية، وأخذ يفند أقوال عبدالمجيد الأولى ويوضح كيف أنكر فيها معرفته لاسم الترزي الذي صنع البذلة حتى بعد أن اعترف البقلي بصنعها.

وخلص من ذلك إلى قوله أن عبدالعزيز البقلي كان بالأمس شاهدًا ولم ترفع عليه الدعوة العمومية، فما الذي جد حين أقحم في القضية؟! هذا الجديد هو أن اسم عبدالعزيز وجد بين أسماء جماعة الإخوان في الكشف الذي تسميه النيابة جدول الخلاية السرية.

ومضى فقال أن النيابة تتخذ من صمت عبدالعزيز وعدم التبليغ أنه هو الذي صنع البذلة وهذا الدليل لا قيمة له، فليس صحيحًا أن عبدالعزيز ظل صامتًا وإنما هو لم يستطع بادئ الأمر أن يتعرف على البنطلون لأنه لم يقم هو بصنعه.

أما قول النيابة أنه اختفى لأنه كان يتوقع القبض عليه، فالواقع أنه توقع القبض عليه لا لأنه كان متواطئًا مع عبدالمجيد ولا لأنه كان يقدر أو يعلم أن هذه السترة التي صنعها ستستخدم في ارتكاب جريمة ما، بل لأنه كان ينتمي لجماعة الإخوان، وكان معرضًا كغيره من الإخوان للاعتقال والتنكيل والترحيل للطور.

وبعد أن فند القرائن التي استندت إليها النيابة في اتهام البقلي، قال إن ما يؤكد أن هذا المتهم كان يعتقد أن عبدالمجيد متخرج حديثًا من كلية البوليس ومعين في بلد من البلاد، هو شهادة رجب حسن علي الذي شهد بأن عبدالعزيز أفضى إليه بذلك.

ثم تكلم الدكتور عزيز فهمي عن موكله الثاني محمد نايل فقال إن إتهامه جاء نتيجة لأقوال عبدالرحمن عثمان شاهد البوليس، ووصف هذه الشهادة بأنها مفتعلة،

وقال إن من آيات كذب هذا الشاهد قوله إن علي رياض هو الذي نقل ملابس عبدالمجيد من منزل شبرا وإنه لا يعرف إن كانت هذه الملابس عسكرية أو مدنية، في حين أن عبدالمجيد يقرر أنه لا يعرف شخصًا اسمه رياض. وبعد أن أسهب في التدليل على براءة موكله، اختتم مرافعته قائلاً إنه يشترط لقيام جريمة الاشتراك قانونًا توافر شرطين أساسيين.

أولاهما: تواطؤ سابق بين الفاعل والشريك.

وثانيهما: نية المساهمة في الجريمة.

لذلك اعتبر القصد الجنائي في الاشتراك قصدًا خاصًا.

ثم قال: لقد شاء القدر أن يقف عبدالعزيز البقلي ومحمد نايل وغيرهما من المتهمين الأبرياء ليحاكموا على ما نسب إليهم.

وشاء الديان أن نقف جميعًا يوم الدين بين يدي الرحمن الرحيم حاكمين ومحكومين قضاة ومتهمين. وإنا لواثقون أنكم لا تستلهمون إلا عدل الله في حكمكم، نسأل الله أن يجري كلمة العدل على ألسنتكم. اعتذار

وإنا لنعتذر لعدم استطاعتنا أن نثبت مرافعة جميع المحامين الذين ترافعوا في هذه القضية وكانت جلها لا تخرج عما سبق قوله وعن تجريح أقوال عبدالمجيد أحمد حسن.

وقد انتهت المرافعات في القضية في نحو الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم 26سبتمبر، وعقب انتهاء المرافعات وقف السيد فايز عبدالمطلب، أحد المتهمين وقال:

إن لديه شيئًا يريد قوله وهو أن النيابة أحاطته بجو سيء، وأثارت حوله شبهات كثيرة يرجو ألا يكون لها أثر عند المحكمة، إذ وصفته بأنه رئيس عام لمجموعات القاهرةوإن هذا غير صحيح. وثانيا: إن عبدالمجيد حين وصف منزله، وصف حجرة على أنها حجرة نوم مع أنها الحجرة الخاصة بأعمال الهندسية والمعمارية. وكذب فايز الواقعة التي ذكرها عبدالمجيد في اعترافه الأخير الخاصة باجتماع الشيخ حسن البنا بأعضاء النظام الخاص في منزله، أي في منزل السيد فايز، وقال إن هذه فرية ما كان يظن أن الجرأة تبلغ بشخص أن يفتري على رئيسه وقائده الذي كان يدين له بالولاء والطاعة مثل هذا الافتراء.

ثم رجا من المحكمة أخيرًا أن تخفف عنه القيود التي يلقاها في السجن.

كما رجا من المحكمة أن تسمع صوته للمسئولين لكي يعلموا، أن زميله نصر الدين خليل، الذي اعتقل غداة اعتقاله ولا يجد الآن من يدافع عنه، أن يعلموا أنه رجل بعيد عن كل إثم.

كما رأى كل من جلال الدين يسن وعبدالحليم محمد أن يصححا بعض الوقائع الخاصة بالاجتماعات التي أشار إليها عبدالمجيد.

ثم قررت المحكمة بعد ذلك النطق بالحكم يوم 9 أكتوبر.

وفي جلسة 9 أكتوبر قررت المحكمة إحالة أوراق القضية إلى فضيلة المفتي بالنسبة للمتهم الأول عبدالمجيد أحمد، وأرجأت النطق بالحكم إلى يوم الخميس 13 أكتوبر.


جلسة 13 أكتوبر: الحكم

اتخذت حكمدارية بوليس القاهرة اجراءات خاصة للمحافظة على الأمن والنظام فرابط عدد كبير من جنود البوليس بين فرسان ومشاة في ميدان أحمد ماهر، وحول أبواب المحكمة الخارجية، واصطف عدد آخر من الجنود في الردهة الكبرى المؤدية إلى القاعة الكبرى للجلسات، وانتشر رجال البوليس السياسي والسري في المحكمة وداخل قاعة الجلسة، ومنعت السيدات من دخولها.

المتهمون

وقد جيء بالمتهمين من السجن تحرسهم قوة كبيرة من رجال البوليس المدججين بالسلاح، وأجلسوا في القفص بقاعة الجلسة:

وكانت علائم الهدوء والسكينة تبدو على أسارير عبدالمجيد، وظل ساكتًا لا يتكلم حتى النطق بالحكم. أما مالك فكان مهتاجًا مضطربًا زائغ العينين.

وكان الشيخ سيد سابق ساكنًا كعادته، يتلو بعض الآيات القرآنية بصوت منخفض ولكنه مسموع.

وكان باقي المتهمين جالسين في هدوء، وقد كسا الشحوب وجوههم، وبدأ الخوف واضحًا في وجوههم، وكانت عيونهم جميعًا متجهة صوب باب قاعة المداولة حينًا، وصوب عقرب الساعة الذي كان يتحرك ببطء، حينًا آخر.

المحكمة

وفي تمام الساعة التاسعة والنصف، عقدت الجلسة برياسة محمد مختار عبدالله بك، وعضوية محمد غالب عطية بك ومحمد عبدالعزيز كامل بك والأميرالايين أحمد صالح أمين بك وإبراهيم زكي الأرناؤوطي بك،

ومثل النيابة الأستاذ محمد عبدالسلام، وسكرتارية الأستاذ محمد حسن النجار.

المهندس الأكبر

وعلى أثر عقد الجلسة قال رئيس المحكمة:

إن المحكمة تأسف أشد الأسف لأن المهندس الأكبر لهذه الجريمة والمنظم المشرف على تنفيذها، قد غاب عن هذا القفص، وذلك هو الضابط أحمد فؤاد الذي قد اختار رصاص البوليس وهو يطارده للقبض عليه، حتى لا يلتف حول عنقه حبل المشنقة.

ثم التفت سعادته إلى المتهم الأول عبدالمجيد أحمد حسن وقال له: أنت قتلت نفسًا حرم الله والقانون قتلها إلا بالحق، فحق عليك القصاص، ومن أجل ذلك حكمت المحكمة بإعدامك شنقًا.

المتهم الثاني

ثم قال لمحمد مالك: ثبت للمحكمة أنك بعثت بعبدالمجيد إلى الضابط أحمد فؤاد، وأنت تعلم الغرض من ذلك، وإنك اخترته لتنفيذ هذه الجريمة كأمير لمجموعته، وإنك اشتركت على هذا الأساس في ارتكاب هذه الجريمة عالمًا بأمرها. لذلك قضت المحكمة بمعاقبتك بالأشغال الشاقة المؤبدة.

المتهم الثالث

وقال لعاطف عطية حلمي: ثبت للمحكمة أنك صحبت عبدالمجيد إلى الترزي لعمل البذلة العسكرية، وحصل عدة اجتماعات في منزلك رتب فيها أمر ارتكاب هذه الجريمة، واشتركت في هذه الاجتماعات، عالمًا الغرض منها فتكون شريكًا فيها. وقد حكمت المحكمة بمعاقبتك بالأشغال الشاقة المؤبدة.

المتهم التاسع

وقال لشفيق إبراهيم أنس: للمرة الثانية تقف أمام هذه المحكمة متهمًا بجريمة نكراء، وبهذه المناسبة تحضرني عبارة قالها قاض أمريكي في المحكمة الأمريكية العليا وهي:

"ليس للقانون رسالة أسمى من تلك الرسالة الي يؤديها، حين يقتحم معاقل التشكيلات، ويتسامى عن الأهواء، فيبسط حمايته على أولئك المواطنين الذين يلقاهم الرأي العام بالنقمة، أو الغضب، أو الاضطهاد".

وقد ثبت للمحكمة من أقوال عبدالمجيد و جلال يسن، وغيابك عن الوزارة من 25 إلى 28 ديسمبر أنك اشتركت فعلاً في ارتكاب هذه الجريمة. لذلك حكمت المحكمة بمعاقبتك بالأشغال الشاقة المؤبدة.

المتهم العاشر

ثم قال للمتهم العاشر محمد كامل، ثبت للمحكمة من أقوال عبدالمجيد و جلال يس و عبدالرحمن عثمان، أنك اشتركت في هذه الجريمة، ومن أجل ذلك قضت المحكمة بمعاقبتك بالأشغال الشاقة المؤبدة.

براءة باقي المتهمين

ثم قال رئيس المحكمة لباقي المتهمين: لم يتبين للمحكمة مما قدمته النيابة من قرائن وشبهات اشتراككم الفعلي في هذه الجريمة، وإذا كانت قد قامت قرائن على اشتراككم في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب الجرائم، فهذا من شأن النيابة، ولا تأثير لهذا الحكم على حق النيابة في محاكمتكم عما تنسبه إليكم من جرائم.

وقد قضت المحكمة ببراءة هؤلاء المتهمين وهم: كمال سيد القزاز و عبدالعزيز البقلي الترزي والشيخ سيد سابق محمد التهامي و السيد فايز عبدالمطلب و محمد صلاح الدين عبدالمعطي و عبدالحليم محمد أحمد و محمود حلمي فرغل و محمد أحمد علي و جلال الدين يس و محمد نايل محمد إبراهيم.

وهنا سارع البوليس إلى إخلاء القاعة من الحاضرين ثم أعيد المتهمون إلى السجن.


فتوى فضيلة المفتي

وكانت المحكمة العسكرية قد تلقت فتوى الأستاذ الكبير الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي المملكة المصرية في شأن الحكم الصادر بإعدام عبدالمجيد أحمد حسن قبل ظهر أمس الأول "الأربعاء" وقد تضمنت الفتوى:

"إنه بعد الاطلاع على محاضر تحقيق النيابة؛ وعلى محاضر جلسات المحكمة العسكرية، تبين منها توافر الأدلة على أن المتهم عبدالمجيد أحمد حسن ارتكب جريمة قتل المغفور له محمود فهمي النقراشي باشا عامدًا متعديًّا بغير حق، وإنه قد أقر بذلك صراحة في هذه المحاضر الرسمية،

فضلاً عن ثبوت اقترافه هذه الجريمة بشهادة الشهود الذين عاينوه في أثناء ارتكابها، وإن حكم الشريعة الغراء في هذه الحادثة يقتضي وجوب القصاص من المتهم بالموت تلقاء ارتكابه هذه الجريمة.


المأساة الدامية

... وهكذا أسدل الستار على الفصل الأخير من تلك المأسة الدامية... مأساة مصرع رجل يعده المصريون – خصومه قبل أصدقائه – من أصدق الزعماء وطنية وجهادًا، وأشدهم جرأة وشجاعة، ذلكم هو المغفور له دولة محمود فهمي النقراشيعنوان وصلة باشا.

وإنا إذ نسجل هذه القضية التاريخية بملابساتها ووقائعها لا يسعنا إلا أن نحني هامتنا لذكرى مصري عظيم سجل في تاريخ أمته صفحة – مهما قال خصومه عنها فيها – فإنها صفحة مشرقة جريئة تصور حقبة خطيرة من تاريخ مصر السياسي والقومي.

إن الرجل الذي شكا الإنجليز إلى محكمة الضمير الإنساني ممثلة في مجلس الأمن –لجدير حقًّا بأن نطأطئ له رأسنا ونحيي ذكراه إجلالاً لشجاعته، وتقديرًا لوطنيته وبطولته. حيثيات الحكم

تقع حيثيات الحكم في هذه القضية في 172 صفحة من القطع الكبير.

وقد تناولت وقائع الدعوى، ثم الرد على الدفوع الفرعية، وتناولت بعد ذلك تفنيد الأدلة قبل كل متهم من المتهمين، ثم بواعث الجريمة وأسبابها.


بواعث الجريمة

وقد قالت المحكمة فيما يتعلق ببواعث الجريمة وأسبابها:

من حيث أن هذه الجريمة لم تكن منقطعة الصلة بغيرها من الجرائم التي ارتكبت على يد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بل كانت حلقة من حلقاتها، وتكتفي المحكمة بما وقع منها في العاصمة فقد بدأت بإلقاء القنابل والمتفجرات على أقسام البوليس، الموسكي وباب الشعرية والجمالية و مصر القديمة والأزبكية والسيدة، كما قام بعض أفراد هذه الجماعة بتفجير عدة قنابل على بعض المحلات العامة التي يرتادها جنود الجيش البريطاني في ليلة عيد الميلاد .

– وقبض على محمود نفيس حمدي و حسين محمد عبد السميع وهما من جماعة الإخوان وحكم على الثاني بالحبس ثلاث سنوات من الدائرة التي كان يرأسها المرحوم أحمد الخازندار بك، كما قبض على عبدالمنعم إبراهيم عبدالعال وهو من جماعة الإخوان أيضًا على أثر إلقائه قنبلة على سيارة وحكم عليه بالسجن خمس سنوات من نفس الدائرة.

وقد تحدث عبدالمجيد أحمد حسن عما كان من تكليفه بالاشتراك في هذه الحوادث وتزويده بالقنابل والمتفجرات لإلقائها في مدينة مصر الجديدة.

وفي صيف عام 1947 وبمناسبة عرض القضية المصرية في مجلس الأمن تعددت حوادث اعتداء أفراد هذه الجماعة على رجال البوليس ومقاومتهم لهم وكان أشد هذه الحوادث ما حدث في 29 يونية سنة 1947 بدائرة قسم الخليفة من اعتداء فريق من جوالة الإخوان المسلمين على مأمور القسم ورجاله.

وفي 19 يناير سنة 1948 ضبط السيد فايز مع أربعة عشر شخصًا من جماعة الإخوان يتدربون على استعمال الأسلحة والمفرقعات بجبل المقطم وكانوا يحرزون كميات كبيرة من هذه الأنواع.

وفي 22 مارس سنة 1948 فاضت روح المرحوم أحمد الخازندار بك ضحية اعتداء آثم ارتكبه محمود سعيد زينهم و حسن محمد عبدالحافظ العضوان بجماعة الإخوان المسلمين وقد قضي عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وفي صيف سنة 1948 تكررت حوادث الانفجار ببعض المحلات التجارية وكان أشدها ما حدث في 19 يوليه سنة 1948 من نسف بمحلات شيكوريل التجارية.

وفي 12 فبراير سنة 1948 نسفت شركة الإعلانات الشرقية وذهب ضحية هذا الحادث الكثيرون.

وفي 15 نوفمبر سنة 1948 ضبطت كميات كبيرة من القنابل والمواد المتفجرة في سيارة جيب وقبض فيها على أحمد عادل كمال و طاهر عماد الدين زميلي عبدالمجيد أحمد حسن في المجموعة السرية الأولى التي التحق بها.

وفي 4 ديسمبر سنة 1948 شب الشغب في جامعة فؤاد وألقيت القنابل على رجال البوليس وقتل في هذا الحادث المرحوم سليم زكي باشا الرئيس الأعلى لقوات البوليس بالعاصمة وامتد الشغب حتى 6 ديسمبر وألقيت القنابل على رجال البوليس من بعض طلبة المدرسة الخديوية وقد قضي على السيد حسين بدر و لطفي محمد فتح الله المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين بالأشغال الشاقة عشر سنوات.

إزاء تكرار هذه الحوادث الدامية وما كان من حوادث ممثلة في الإسكندرية و بورسعيد وشبين الكوم و الإسماعيلية وجهات أخرى؛ لم تر الحكومة مفرًا من اتخاذ اجراءات حاسمة لمكافحة هذه الحوادث الإجرامية فتقدم وكيل وزارة الداخلية عبدالرحمن عمار بك في 8 ديسمبر سنة 1948 بمذكرة إلى وزير الداخلية ورئيس الحكومة حينذاك المرحوم محمود فهمي النقراشي باشا عد فيها هذه الحوادث ونسبها جميعًا إلى جماعة الإخوان واقترح اتخاذ التدابير الحاسمة لوقف نشاط الجماعة التي روعت أمن البلاد في وقت هي أحوج فيه إلى هدوء كامل وأمن شامل ضمانًا لسلامتها في الداخل وجيوشها في الخارج. وفي اليوم ذاته صدر قرار الحل من رئيس الحكومة ووزير الداخلية.

وفي 28 ديسمبر سنة 1948 وقع المرحوم النقراشي باشا فريسة لاعتداء آثم على يد عبدالمجيد أحمد حسن العضو بجماعة الإخوان المسلمين وشركائه السابق ذكرهم.

وفي 13 يناير سنة 1949 وضع شفيق إبراهيم أنس العضو بجماعة الإخوان المسلمين مواد شديدة الانفجار بإحدى غرف سراي المحكمة حيث كانت توجد أوراق وملف قضية سيارة الجيب ولولا ما حدث من الاشتباه في أمر الحقيبة وإخراجها إلى الميدان الواقع أمام السراي لكان تأثير ما حدث من انفجارها أشد بكثير مما حصل فعلاً وقد أصيب العشرات من المتقاضين ورجال الحفظ وغيرهم وقد قضي على شفيق إبراهيم أنس بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وبينما التحقيق يسير مجراه في الجريمة الحالية إذا بحادث آخر يراد به الاعتداء على رئيس الوزارة الذي خلف المرحوم النقراشي باشا وهو دولة إبراهيم عبدالهادي باشا فيصيب ركب الأستاذ حامد جوده بك رئيس مجلس النواب وينشأ عن هذا الحادث قتل المدعو سيد برعي وإصابة العديدين وذلك في 5 مايو سنة 1949.

وقد تكشفت أسرار هذا التنظيم الإجرامي بعد ضبط الأوراق والمستندات التي عثر عليها في سيارة الجيب وبعد ما أدلى عبدالمجيد أحمد حسن من أقوال فقد ظهر أن جماعة الإخوان المسلمين تقوم على تنظيم هيئة أسرية لأفراد من بينها وضبط قانون هذه الهيئة حيث سمي قانون التكوين.

وتتكون الهيئة من قيادة وأركان وجنود، وعهد إلى هيئة القيادة المكونة من عشرة أشخاص بدراسة طرق تنفيذ الخطط التي تضعها هيئة الأركان مع توضيح الصعوبات التي تقوم في سبيل تنفيذ ما يرى صعوبة تنفيذه والإشراف على أحوال الجنود والاطمئنان على دوام قوتهم المعنوية وذلك بدراسة التقريرات التي تصل عن كل فرد أو كل مجموعة.

وعهد إلى مجلس الأركان المكون من خمسة عشر شخصًا بوضع الخطط لتنظيم القوات في أوقات السلم والحرب وذلك بدراسة المعدات وإصدار بيانات بما يصلح منها لاستعمال الجيش وتحديد الأهداف ورسم خطة تنفيذها من زمان ومكان وقوات،

ويمكن الاستعانة بطلب تقريرات وافية عن كل هدف عن طريق مجلس القيادة، وعهد إلى الجنود بالاستعداد الروحي والعقلي والجسماني وبالطاعة وبالتنفيذ، وقسم الجنود إلى قسمين الأول يكون بعيدًا عن النشاط الظاهر وينقطع انقطاعًا تامًا عنه ويمكن تكليفه بدراسات أكثر اتساعًا وأعمال أكثر خطورة،

والثاني لا يكون بعيدًا عن النشاط الظاهري ولكنه يعد ولا يستخدم إلا وقت الحرب العالمية، وفي سبيل إعداد الفريق الأول أشير بتقليل عدد الاجتماعات الشهرية إلى أقل عدد ممكن وذلك ليساعد على إثبات انقطاعه عن أي نشاط عام.

قانون الجماعة

ومضت المحكمة تتكلم عن قانون الجماعة فقالت:

وشمل القانون ما سمي باللائحة الداخلية فأعطى أمير الجماعة حق الطاعة التامة على جميع أفراد جماعته في كل الشئون وله حق توقيع العقوبات الأدبية والمادية وإذا وقع خطأ كبير أو إهمال من أحد أعضاء المجموعة عهد إلى هيئة المجموعة بالتحقيق معه ومحاكمته وعهد إلى الأمير بتدريب الجماعة وتوجيهها طبقًا للنظام العام المكلف به وعليه أن يقدم تقريرًا شهريًّا عن ذلك.

وترى المحكمة فيما سبق مما تضمنه ما سمي بقانون التكوين هذا، تفسيرًا واضحًا لجميع الخطوات التي اتبعت في سبيل تحضير الجريمة وتنفيذها وتأييدًا لا يقبل الشك، لما أدلى به عبدالمجيد أحمد حسن من أقوال وتوضيحًا لما كان يحدث من تدريب رياضي في جمعية الشبان المسلمين، واجتماعات في منزل عاطف عطية حلمي، ومنزل أحمد فؤاد، وتكليف بالتنفيذ ثم عدم إخطار عبدالمجيد تليفونيًّا ثم مراقبته من طريق غيره، ممن عهد إليهم بالجلوس على المقهى المواجه لوزارة الداخلية. كل هذه الأمور التي تحدث عنها عبدالمجيد كانت تبدو غريبة بعض الشيء لولا ما تكشف عنه قانون التكوين من أنها نتيجة خطة موضوعة بدراسة وعناية وقصد بها تنفيذ الأغراض الإجرامية لتلك الجماعة.

أهداف الجماعة

ثم قالت المحكمة: ومما تفصح عن حقيقة الأغراض التي أعدت لها جماعة الإخوان ما ورد في رسالة التعاليم من الشيخ حسن البنا إلى إخوان الكتائب فقد توجه في رسالته هذه إلى من سماهم بإخوان الكتائب فذكر أن أركان البيعة عشرة: الفهم والإخلاص والعمل و الجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة. وقال إنه يقصد بالفهم أن يوقن أفراد الكتائب بأن الإسلام نظام شامل، وأنه ثقافة وقانون وعلم وقضاء، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة.

وذكر أنه يقصد بالجهاد الفريضة الماضية إلى يوم القيامة المقصودة، يقول رسول الله (ص):

"من مات ولم يغزو ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية" وأول مراتبه إنكار القلب وأعلاها القتل في سبيل الغاية وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل. ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. وقصد بالطاعة انتقال الأمر وإنفاذه توا في العسر واليسر، وقسم مراحل الدعوى إلى ثلاث:

أولاً: التعريف بنشر الفكرة العامة بين الناس، ونظام الدعوة في هذا الطور نظام الجمعيات الإدارية ومهمتها العمل للخير العام ووسيلتها الوعظ والإرشاد تارة، وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى. ثانيًا: التكوين باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها إلى بعض، ونظام الدعوة في هذا الطور صوفي بحت من الناحية الروحية وعسكري بحت من الناحية العملية،

وشعار هاتين الناحيتين دائمًا أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج، وتمثل الكتائب الإخوانية في هذا الطور من حياة الدعوة وتنظيمها رسالة المنهج سابقًا، وهذه الرسالة والدعوة خاصة لا يتصل بها إلا من استعد استعدادًا حقيقيًّا لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات، وأول بوادر هذا الاستعداد كمال الطاعة.

ثالثًا: التنفيذ والدعوة في هذا الطور جهاد لا هوادة معه وعمل متواصل في سبيل الوصول إلى الغاية وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما إلا الصادقون ولا يكفل النجاح في هذا الطور إلا كمال الطاعة كذلك. وانتهى كاتب الرسالة الشيخ حسن البنا إلى توجيه النصائح إلى أفراد هذه الكتائب فذكر أن إيمان الفرد بهذه البيعة يوجب عليه أن يقاطع المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي والأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التي تناهض الفكرة الإسلامية مقاطعة تامة،

كما ذكر أن على الفرد أن يستصحب دائمًا نية الجهاد وحب الشهادة وأن يستعد لذلك ما وسعه الاستعداد، وأن يتخلى عن صلته بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة الفكرة وبخاصة إذا أمر بذلك وأن يعمل على نشر الدعوة في كل مكان وأن يحيط القيادة علمًا بكل الظروف ولا يقدم على عمل يؤثر تأثيرًا جوهريًّا إلا بإذن وأن يكون دائم الاتصال الروحي والعملي بها، وأن يعتبر نفسه دائمًا جنديًّا في الفكرة ينتظر الأمر.

وقد تأصلت هذه الدعوة تامًا في نفوس أتباعه كما يدل على ذلك الخطابات التي ضبطت بالمركز العام لجماعة الإخوان المسلمين فمنها خطاب موجه إلى المرشد العام من المدعو عبدالحفيظ محمد رئيس مدرسة المصالحة مركز نجع حمادي يناشد فيه المرشد العام ليكلفه بعمل كجندي من جنوده يكون في ركابه ومن خدمه ليسمع نجواه ويغذي الروح بهداه.

ويتحدث عن الحكومة المصرية وما يتخبط فيه الشعب من دياجير الظلام لأن تلك الحكومة تناشد السعادة لبلدها في ظل قانون أبتر من وضع إنسان، هو أشد عداوة للذين آمنوا

– ذاكرًا الدولة الفرنسية بوصف تعف المحكمة عن ذكره – ويتحدث الكاتب على أنه وإخوانه ينتظرون أمر قائدهم لينفذوه بكل دقة وأنهم باعوا لله أنفسهم وأموالهم ليقاتلوا متى شاء أستاذهم فيقتلون ويقتلون مستبشرين ببيعهم الذي بايعوا به. وعلى هذا الخطاب العبارة الآتية: "شخص يوصي بالصبر والثبات والعمل للدعوة حيث هو حتى يفتح الله بيننا وبين الناس بالحق وهو خير الفاتحين" وإمضاء حسن البنا.

ثم خطاب آخر بغير توقيع وموجه إلى المرشد العام ويستحث فيه كاتبه المرشد على الانتقال من طور الدعوة إلى طور العمل ويحذر فيه العواقب التي تنشأ عن تأخير مرحلة التنفيذ وعلى هذا الخطاب إشارة بالقلم الرصاص بغير توقيع تضمنت ما يأتي:

"كان للأستاذ المرشد رأي عمارة تبنى في الداخل وحولها سور كبير يحجبها ولا يعرف الناس ما في السور ثم يرفع السور فجأة فيرونه بناء جميلاً كبيرًا، وأظن أن ستكون الإجابة هذه.

وخطاب آخر بامضاء الدكتور عبده محمود سلام بالمستشفى العسكري بالإسكندرية إلى المرشد العام يتحدث فيها عما فهمه من معاني الجهاد كما تضمنته الرسائل التي استلمها من المرشد، ويذكر الكاتب أنه لم يستطع أن يفهم أنه مطالب بل ولا مصرح له بالقتل في سبيل نشر الدعوة بين أهل الكتاب بحجة أن الكتاب والسنة ملأى بأوامر القتل والقتال،

ويذكر الكاتب أنه يعتقد أنها ألقيت في ظروف كل النضال فيها واجبًا لتقوية دعوة ما زالت طفلة في المهد وللدفاع عنها ويستنكر أن يقتل شخصًا لا لشيء إلا لأنه يؤمن بدين غير الذي يؤمن به فيقول "هذا ما لا أستطيع أن أجد له صدى في نفسه وأعتقد أن الكثيرين ممن أعرف لا يجدون له صدى في نفوسهم"

ويدافع الكاتب عن رأيه هذا بما تكشفت له عنه دراسة الأديان السماوية وفي إبان هذا الاضطراب الذهني الذي نشأ عنده أثر قراءة رسائل المرشد العام يطلب منه التضحية والإرشاد ويسائله عن بعض عبارات لم يستطع فهمها ويخص بالذكر ما ورد في إحدى الرسال من أن "أعلى الجهاد القتل في سبيل الله" وجملة أخرى هي "ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم".

وليس أبلغ من هذا الخطاب دلالة على ما قصد من توجيه في الرسائل الصادرة من صاحب الرسائل إلى أفراد الكتائب الذين يعتبرهم جنوده.

أما ما قصد بالكتمان فيفسره خطاب ضبط في المركز العام صادر من مدير عام الجوالة في منطقة الخليفة يطلب فيه القيام بتحقيق سريع عما أبلغ إليه من تصريحات نسبت إلى فؤاد حسن أحد أفراد الجوالة بالمنطقة وكان في هذه التصريحات "ضرر بالإخوان لو سمعها أحد من البوليس وهذا لا يتفق مع ما نرجوه من السمع والطاعة والكتمان".

وإذن فهناك نشاط سري لجماعة الإخوان يحاولون إخفاءه عن رجال البوليس ويتخذون الاجراءات الخاصة بهم ضد من يكون سببًا في إبلاغ أمره إلى البوليس ولو بطريق غير مباشر.


برنامج الجماعة السرية

"واستطردت المحكمة إلى الكلام عن برنامج الدراسة للجماعة السرية فقالت: وضبط في القضية 227 الوايلي أوراق تتضمن دراسة للجماعة السرية.

وينقسم البرنامج إلى أربع مراحل مدتها 15 أسبوعًا لكل مرحلة، وفي المرحلة الأولى التدريب الرياضي ورحلات، ودروس في الإسعاف ويكلف أعضاء في هذه المرحلة بإجادة ركوب الدراجة كما كلف كل فرد أن يقدم بحثًا عن أحد الشخصيات أو الحركت الوطنية

– وفي المرحلة الثانية تعطى دروس في القانون ودراسة نظرية لتقدير المسافات، ودراسة نظرية في الجغرافيا، ورسم الخرائط وقراءتها ورحلات تدريب، وفي المرحلة الثالثة دراسة قانون، وتعليم قيادة السيارات والموتوسيكلات ودراسة منطقة معينة من القاهرة أو الأقاليم وبيان الأبنية الهامة تفصيليًّا

– وفي المرحلة الرابعة يدرس كيفية حصر قوات بوليس قسم معين من الأقسام، كما تدرس مدينة القاهرة جغرافيًّا؛ دراسة عملية، وحصر قوات المرور وأماكنهم، ودراسة حربية لكيفية مهاجمة مكان ما، وذلك كله مع دروس في القانون والإسعاف.


التعذيب

وقال المحكمة عن التعذيب المقول به "ولعل ما أثير في قضية المرحوم أمين عثمان باشا عن التعذيب المزعوم هو الذي حدا ببعض المتهمين في القضية الحالية لإثارته مع صحتهم التامة في جميع أدوار التحقيق الذي استمر شهورًا طويلة عن ذكر أية واقعة من تلك الوقائع.

وقد اتبع المتهمون جميعًا في القضية الحالية كيفية الإجابة كما لقنت إليهم فكانوا ينكرون في البداءة أية علاقة لهم بالإخوان المسلمين، ثم إذا ضيق الخناق عليهم بما تظهره الأدلة الكتابية والمستندات، زعموا أنه كانت لهم صلة بالجماعة منذ مدة مضت ثم انقطعت هذه الصلة.

وليس أقطع دلالة من هذا على أن هذا النظام السري كان مقصودًا به العبث بالأمن العام وارتكاب جرائم الاغتيال في سبيل تحقيق الغاية التي تستهدفها هيئة القيادة العليا لجماعة الإخوان


إقامة نظام دكتاتوري

الذي يخلص من جميع ما تقدم أن جماعة الإخوان المسلمين اتخذت في ظاهرها شكل جماعة مشروعة تعمل للخير ولتحقيق أغراض دينية، وإلى جانب هذا النشاط الظاهري كان هناك نشاط سري يرمي إلى إعداد هيئة مدربة تدريبًا عسكريًّا وهذه الهيئة هي التي أعدتها الجماعة لتكون هيئة الفداء وكانت أغراض التي تضمنتها رسائل المرشد العام إلى إخوان الكتائب وخطبه العديدة هي إقامة نظام دكتاتوري شامل REGIME TOTALITAIRE لا يعرف تفرقة بين سلطة قضائية وتنفيذية وتشريعية،

ولا يتقيد بدستور الدولة المنظم لهيئاتها، ولا بالقوانين وإلى أن يحين الوقت الذي تأمر فيه هذه الكتائب بالثورة ضد الدولة وجد نظام سري خاص عهد إليه بالقيام بالأعمال التنفيذية التمهيدية للثورة من اغتيال ونسف وإرهاب للهيئات والمنظمات والجماعات.

ورسمت الخطة لإعداده وتجهيزه وترشيح أفراده ونظمت الرابطة بين هؤلاء الأفراد، وقسم إلى قيادة وأركان وجنود وعهد إليه بالقيام بالأعمال التنفيذية التي يؤمر بها وامتد نشاط هذا النظام إلى الإذاعة والاستعلامات والمخابرات والتسليح ومرن أفراده على استعمال مختلف الأسلحة ومن مسدسات ومدافع تومي وقنابل وعهد إلى أفراده بإلقاء متفجرات على أقسام البوليس حينًا والاعتداء على الأرواح الآمنة حينًا آخر ثم بإذاعة الفوضى في دور التعليم ومعاهده ثم بالاغتيال الذي تكلمت المحكمة عن حلقاته فيما سبق والذي كانت الجريمة الحالية إحدى حلقاته في الطور النهائي.

ورغم تكرار حوادث الاعتداء والعبث بالأمن وضبط خمسة عشر شخصًا يتمرنون على استعمال الأسلحة المختلفة في جبل المقطم وضبط كشف سري رمز إلى ما تضمنه من أسماء بلغ عددها تسعةى وتسعين اسمًا بأرقام مع رئيس هؤلاء الأشخاص ومدربهم وهو السيد فايز ورغم النذر العديدة والشواهد التي كانت تحت سمع الحكومة وبصرها عن هذا النشاط الإجرامي،

فقد ترك حبله على غاربه واطمأنت السلطات إلى ما قيل من أن هذا التنظيم الحربي وجميع الأسلحة لم يكن المقصود به إلا إعداد متطوعين لإرسالهم لفلسطين ورغم ما حدث من ضبط كميات كبيرة من الأسلحة ومتفجرات وأوراق وما تكشف عنه هذه الأوراق المضبوطة من تنظيم سري شديد الخطورة يهدد كيان الدولة والمجتمع،

فقد استمرت السلطات على اطمئنانها ولم تقدم على حل الجماعة إلا في 8 ديسمبر سنة 1948 بعد أن قتل الرئيس الأعلى لقوات البوليس في 4 ديسمبر سنة 1948 وشاعت الفوضى في معاهد التعليم ودوره وألقيت القنابل على رجال البوليس وأصيب كثيرون منهم ولو بادر المسئولون حينذاك إلى تذكر ما كان من ضبط الكشف السري وربط ذلك بما تم من ضبط الأسلحة

والمتفجرات في سيارة الجيب وقبض على جميع الأشخاص الذين تضمنتهم هذه الأوراق واتخذت اجراءات حاسمة سريعة في ذلك الوقت لحال ذلك دون ارتكاب الجريمة الحالية وما تبعها من جريمتي نسف دار العدالة والاعتداء على رئيس مجلس النواب والجرائم الأخرى.

ويظهر أن هذه النذر لم تغب عن الحكومة فقد بين عبدالرحمن عمار بك كيف قامت الحكومة بغلق شعب جماعة الإخوان بالقاهرة ثم عدل عن ذلك حتى لا يقال على ما يظهر أن الحكومة تصادر الحريات وتناهض كل فكرة ونشاط ديني، فلما لم تقف موجة الإجرام،

اضطرت الحكومة إلى اتخاذ اجراء الحل لصيانة الأمن العام، ولم يمض إلا عشرون يومًا على صدوره حتى ذهب المرحوم النقراشي باشا رئيس الحكومة الذي أصدر أمر الحل الضحية لما قام به من عمل اعتقد صوابه وأنفذه وهو عالم بما يستهدف له شخصه فأقدم في جرأة محمودة وجديرة بكل إعجاب على اتخاذ هذا الاجراء الذي أملاه واجبه المقدس.

وكان مما يؤسف له أن تكون اجراءات حراسة رئيس الوزراء رغم ما توقعه رجال الأمن من اعتداء على حياته ورغم ما أرسل إليه من خطابات تتضمن التهديد بالقتل ورغم الشواهد العديدة الدالة على خطورة هذه الموجة الإجرامية قاصرة عن تحقيق الحماية لشخصه فاغتيل في سراي وزارة الأمن وبين حرسه الأمر الذي يقطع بأن اجراءات الحراسة لم تكن وافية بالقصد.

ولقد كان الجاني أحد أفراد هذا النظام السري لجماعة الإخوان وعهد إليه بتنفيذ الجريمة عن طريق ضابط البوليس أحمد فؤاد فارتكب هذه الجريمة الخطيرة بجسارة واستهتار يدلان قطعًا على أنها كانت موضع بحث ودراسة شاملين من الهيئة السرية التي أعدت لتنفيذ أغراض هذه الجماعة،

تلك الهيئة المكونة من مجلس القيادة والتي يحتم نظامها بأن يبعث مجلس الأركان بكل مقترحاته إلى هيئة القيادة إلا أن التحقيق لم يسفر للأسف عن معرفة أفراد القيادة وضاعت الفرصة السانحة لتحري المصدر الأصلي للجريمة بموت أحمد فؤاد إثر الإهمال الجسيم في القبض عليه.


دعوة النبي صريحة

وتطرقت المحكمة إلى الكلام عن عبدالمجيد أحمد حسن فقال:

ليس صحيحًا أن المتهم الأول كان مسلوب الإرادة فهو قد جاوز العشرين من عمره، وقطع ثلاثة أعوام في مرحلة التعليم العالي بالجامعة، ويعلم تمامًا أن ما أقدم عليه جريمة نكراء لا يمكن أن يقرها شرع أو دين، مهما تكن البواعث والمؤثرات، ولن يستسيغ العقل أن يكون صاحب الدعوة المحمدية صاحب دعوة لسفك الدماء،

ولا أن يصدر من النبي أمر اغتيال عدو له، فقد كانت دعوة النبي صريحة في أن يكون الطريق إلى الإسلام هو الإيمان والمحاجة بالتي هي أحسن لا بالسيف ولا الاغتيال، وقد ورد في القرآن الكريم ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾.

وقد كان في سن المتهم وتعليمه ما يملي عليه مناقشة ما ألقي عليه من تعاليم،

وما أفهم من مبادئ خاطئة، حتى يتبين له وجه الحق منها، ولهذا لا تستطيع المحكمة أن تنظر بعين الاعتبار إلى ما أثاره الدفاع عن مبادئ المدرسة الواقعية فإذا كان بعض علماء هذه المدرسة قد أشاروا بأن يكتفي القاضي بعذاب ضمير المجرم، وأن تكون العقوبة مقصودًا بها الحيلولة بين المجرم وبين الهيئة الاجتماعية إلا أن بعض علماء

هذه المدرسة الآخرين ومن بينهم جارو يخالفون هذا الرأي، محتجين بأن عذاب الضمير ليس بدائم، ومقررين أن الجريمة التي يمليها الهوى –كالجريمة الحالية – هي في أغلب الأحايين نتيجة عادة أو ميل طبيعي لم يغالب، وكان واجب الجاني مغالبته ولئن كان النقاش خاصًا بالميدان النظري فإن التشريعات الواقعة التي لا تعترف بالهوى كسبب لرفع المسئولية ولم ينص عليه في القانون المصري كسبب للاعفاء من العقاب ولا يمكن إدخال مثل هذه الظاهرة النفسانية في باب الجنون أو العاهة التي تعتبر أسبابًا باثولوجية للاعفاء من المسئولية، ولا جدال في أنه يشترط للاعفاء من العقوبة في القانون المصري كما نصت المادة 62 عقوبات أن يكون الجاني فاقد الشعور وقت ارتكاب الفعل لجنون أو عاهة في العقل.

وبعد أن أشارت المحكمة إلى ما قدمه الدفاع في هذا الشأن، قالت: إن القانون حين تكلم عن الجنون أو العاهة لم يكن يقصد بذلك جميع المظاهر العملية والطبية الحديثة للاضطرابات العقلية وإنما يقصد فقدان الشعور كلية إما لجنون أو لعاهة عقلية تؤدي إلى هذا الفقدان.

ومن المسلم به أن للمحكمة الرأي النهائي في تقدير حالية الجاني العقلية ومسئوليته ولها أن تستند من وقائع الدعوى وظروفها إلى أن الجاني كان سليم العقل عند ارتكابه للجريمة وأن العبرة في تقرير المسئولية هي ما تكون عليه حالة الجاني العقلية وقت ارتكاب الجريمة لا بما كانت عليه قبل ذلك وظاهر من ظروف ارتكاب الجريمة أن المتهم كان مالكًا لقواه العقلية تمامًا مقدرًا لخطورة ما يقدم عليه من أمر وإن في أقواله التي أبداها عقب الحادث واعترافه بارتكاب الجريمة وتعليله ذلك في كثير من عدم المبالاة والاكتراث والزهو بما أتاه لمما يقطع بأنه كان في تمام قواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة. وهنا تناولت المحكمة الرد على ما أثاره الدفاع في هذا الصدد ثم قالت

وقد طالب الدفاع في النهاية أن تتخذ المحكمة المتهم بالرأفة وقد بينت المحكمة فيما سلف ذكره وجهة نظرها في مثل هذه الجرائم التي تمليها الأهواء وعلى الأخص الجريمة الحالية التي كان ضحيتها رئيس الحكومة أهدر دمه في حرم وزارة الداخلية التي تهيمن على الأمن وهو محوط بالحراسة، ونسي فضله السابق وما أداه لوطنه من خدمات جليلة، ولا أدل على قيمته كرجل من رجال الدولة المبرزين مما جاء في شهادة عبدالرحمن عمار بك وكيل وزارة الداخلية السابق أمام المحكمة من أن التفكير في اتخاذ اجراء حل جماعة الإخوان أخذ كثيرًا من الوقت وأخطر المرحوم النقراشي باشا بما نمي إلى المصادر البوليسية من معقبات هذا الحل ولكنه أقدم عليه مقتنعًا بضرورته صيانة للأمن العام ولما بصر بالعواقب وأنه قد يكون أول الضحايا ذكر أنه لا يخشى في الحق ولو كان أول ضحاياه.


التطبيق القانوني

وتحدثت المحكمة بعد ذلك عن التطبيق القانوني فقالت: إن الدفاع نفى عن مالك الاشتراك بطريق التحريض، وزعم أنه مع التسليم بصحة رواية عبدالمجيد فإنها لا تكون العناصر اللازمة للاشتراك في الجريمة، إذ إن استدعاء عبدالمجيد لمقابلة أحمد فؤاد لا يتصل مباشرة بالمتعهد، لارتكاب الجريمة، وإن إرادته لم تتلاق مع إرادة عبدالمجيد حتى ليقال أنهما قد اتفقت إرادتهما على ارتكاب الجريمة، وقد بينت المحكمة أن طريقة اشتراك مالك في الجريمة آتية عن المساعدة التي قدمها الشريك – وهو مالك – للفاعل الأصلي، وهو عبدالمجيد، وتتلخص هذه المساعدة في أن مالك وهو أمير المجموعة السرية التي كان عبدالمجيد ملتحقًا بها رشحه لارتكاب الجريمة،

وبعد أن استقر رأي ذوي الأمر من هذه الجماعة على قبول هذا الترشيح، بعث به، أي بعبد المجيد لمقابلة أحمد فؤاد وهو يعلم سبب هذه المقابلة وما سيلقى إليه من تكليف وكان يجتمع في هذه الأثناء مع عبدالمجيد في جمعية الشبان المسلمين ويوالي تمرينه رياضيًّا على لعبة البنج بونج،

وقد رأت المحكمة من مجموع هذه الأفعال اشتراكًا إيجابيًّا من جانب مالك عن طريق المساعدة في ارتكاب الجريمة، وإذا كان حقًّا أن مالك لم يتكلم مع عبدالمجيد عن ارتكاب الجريمة بطريقة مباشرة إلا إن ما قام به مالك فيما سبق بيانه يدل على أنه كان قد اتفق مع المحرضين،

ومن بينهم أحمد فؤاد، وهم الذين قاموا بوضع الخطة وأشرفوا على تنفيذ هذه الجريمة، ومن ثم يتبلور دور المساعدة الذي قام به مالك في اختيار الجاني وفي تدريبه وإعداده وفي ملاحظته – بالاجتماعات المتوالية في جمعية الشبان المسلمين قبل الجريمة

– في تقديمه إلى الضابط أحمد فؤاد، وهو الذي تولى إبلاغ الجاني بأمر الخطة التي عهد إليه بتنفيذها.

ولا شك في أن هذه الأعمال تعتبر من الأعمال المجهزة والمتممة لارتكابها.


شفيق أنس و محمود كامل

ثم تكلمت عن الأدلة القائمة ضد هذين المتهمين فقالت: إنه بعد أن اعتذر جلال بما اختلقه من المعاذير ليفلت من هذه المهمة. عهد إلى هذين المتهمين أن يقوما بمساعدة القاتل بدلاً منه.

ثم أشارت المحكمة إلى الاجتماع الذي تم مساء 27 ديسمبر في منزل أحمد فؤاد الذي حضره هذان المتهمان. وتم الاتفاق فيه على تنفيذ الجريمة في صباح اليوم التالي وفقًّا للخطة، التي وضعت، وذهب هذان المتهمان وعبدالمجيد إلى منزل شبرا في صباح يوم الحادث.

وهناك لقيهم أحمد فؤاد ولبسوا الملابس العسكرية بإرشاده وزودوا بالمسدسات والذخيرة وأعطاهم التعليمات النهائية، وخرج عبدالمجيد على أن يلحق به زميلاه. وقصد إلى مقهى الأعلام وتلقى الإخطار بمرور الركب فسارع إلى وزارة الداخلية. ودخل البهو وارتكب الجريمة على نحو ما هو معروف.


لابد من شركاء

وبعد أن دللت المحكمة على أنه لابد أن يكون للقاتل شركاء في أثناء ارتكاب القتل قالت إنها تطمئن إلى أن شفيق أنس و محمود كامل كانا شريكين في هذه الأثناء.

فقد ثبت أن شفيق إبراهيم أنس وهو موظف بوزارة الزراعة قد غاب عنها من يوم 25 إلى يوم 28 ديسمبر بدون عذر وبدون إذن.

أما فيما يختص بمحمود كامل السيد فقد كان شأنه كشفيق أنس من حيث دور المساعدة الذي عهد إليه به إذ كان عليه أن يلبس ملابس سائق سيارة بوليس وأن يتبع عبدالمجيد في دخوله سراي القبة.

وأن يساعده على ارتكاب الجريمة إن أخفق أو على الهرب إذا نجح في ارتكابها وقد لازم شفيق أنس في الاجتماع الذي حصل بمنزل أحمد فؤاد مساء الاثنين 27 ديسمبر لتلقي التعليمات النهائية عن كيفية ارتكارب الجريمة، وما سيقوم به من أعمال وذهب صباح اليوم التالي إلى منزل شبراء،

وكان ما ذكره عبدالمجيد أخيرًا بالجلسة عن اطلاق مقذوف ناري نحوه حين الذهاب به إلى إحدى غرف الوزارة وما استنتجه من أنه كان مقصودًا بذلك المقذوف من جانب زميليه محمود كامل و شفيق أنس.

ثم قالت: "ولو أن عبدالمجيد كان متجنيًّا على محمود كامل و شفيق أنس لأكد أنه شاهدهما يتبعانه أثناء دخوله سراي الوزارة. ولكنه سئل في صراحة فقرر أنه لم يشاهدهما بعد أن ارتدى كل منهم ملابسه العسكرية وانصرف هو في الباءة.

وكان من العسير التحقق من صحة هذه الواقعة أو كذبها لعدم وجود شهود. ولعدم إمكان تكذيبه بأية قرينة مادية.

وقد صدق الحاكم العسكري العام

– وكان رفعة سري باشا- على هذا الحكم وقد طعن عبد المجيد أحمد حسن في الحكم الصادر ضده بطريق النقض. وقد رفضت محكمة النقض هذا الطعن في يوم الاثنين 6 مارس.

إذ لا يجوز قانونً الطعن في الأحكام العسكرية.

كما رفع الأستاذ عبدالكريم منصور المحامي عن محمد مالك و محمود كامل دعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة، يطلب فيها عدم الاعتداد بهذا الحكم لأنه صادر من محكمة عسكرية لا وجود لها فهي ليست بذات محكمة ولأسباب أخرى لا تخرج عن الدفوع الأربعة عشرة التي تقدم بها للمحكمة العسكرية أثناء نظر القضية.

وقد رفضت هذه القضية بجلسة 20 فبراير سنة 1950.

(تم طبع هذا الكتاب في اليوم الرابع من شهر أبريل سنة 1950


للمزيد عن حادث مقتل النقراشي باشا

روابط داخلية

كتب متعلقة

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

ملفات متعلقة

وثائق ومتعلقات أخري