كشف المستور

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
كشف المستور

سلسلة الريادة الذاتية

الدكتور منير الغضبان

كشف المستور

أفكاري التي أحيا من أجلها

هذه السلسلة تقطع المسافات الطويلة بطموح حصان عربي

الطبعة الأولي 1427هـ -2006 م

محتويات

إهداء

إلى الذين لا يحبون العمل الإسلامي السياسي لعلهم يتعرفوا على أفكار رجل من ذاك المشهد كيف يفكر وماذا يريد ؟

وإلى الذين يحبون العمل السياسي الإسلامي ليزدادوا بصرة وحكمة ودراية بتجربة قائد وزعيم على المقدسي

هذه السلسلة

الريادة الذاتية تحاول الشغب على الصمت والبوح بالمسكوت عنه وتحث الخطي ليتحدث من لهم تجربة عن سيرهم دون تضخيم أو تصغير وتنتمي إلى الفكرة بحيث تدرس الفكر الذي يحرك الشخص والمأل الذي وصل إليه , فإن نعلن بوضوح عن هويتنا من نحن ؟ وماذا نريد ؟ وهل نحن بشر فوق البشر أو لا نظير لنا ؟ ولمن انتماؤنا ؟ تلك مزية أولي النهي الذين يعرفون وجهتهم ودربهم ومصائر مشاريعهم .

وتمتاز السلسلة بأنها أولي محاولة للخروج من قطار التهارج مع الأعداء الوهميين الخخارجين والأشباح المتخيلين والعودة إلى الذات محلا للدرس والبحث والتحليل بعد أن تعودنا الحديث عن الآخرين .

ترى ماذا ستكون قيمة المفكر الذي يفر من اللقاء ومواجهة لظي معركة الحياة والحديث للأجيال القادمة من عثراته ومكامن قوته وعن محرضات الاجتهاد والنجاح عنده ؟

ونسعي من خلال هذه الأوراق المقتحمة نبش الذكريات والبعد عن الارتهان إلى عصور الانحطاط والتخلف والتراكمات اللغوية والثرثرة الفكرية بلا طائل والقوالب المحنطة من الأفكار التي تدمر أكثر من أن تشيد ونلحظ أيضا فيها بعدا عن الإيقاعات الرمادية فالمؤلف واضح في مقاصديته ومشروعية أفكاره ومرحلية تحركاته .

وحتى لا تحول الفكر إلى لوحة تاريخية كتبت بالخط الفارسي أو الكوفي نأمل أن تكن السلسلة واضحة في مضامينها صريحة في آهاتها ومسراتها

جديدة في توجهاتها وغاياتها لأن القديم وحده لم يعد كافيا اليوم .

وتنطلق السلسلة من فكرة مقادها أن على الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة لكي يستحق اسمه أى فكرا أن يعيش للناس ومع الناس ومن خلال الناس ولا يسمم المجتمع بفكر جهول قاصر أو تكفير أو وعظ أو قفز فوق الواقع ثم نضع عليه لافتة إسلامي أو كلمة فكر .

وعلى الفكر أن يكون صريحا بحيث يجعل البيان الواعي والمنهج الاستدلالي حليفة وشريكه في فعل التغيير وبحيث يعتمد على الراهن لا الخيال .

ولأن أساس مشكلتنا أننا نستهلك الحضارة ولا نصنعها وموقفنا من المنجز الحضاري ما زال بدائيا فنحن نمتطي السيارة كما نمتطي الدابة ونحاول قهرها وإذلالها وحتى الجوال نستعمله كمسحوق تجميلي لو لنغتال الزمن مع أنه وجد لإنقاذ الزمن .

ولذلك نسعى إلى إحياء معالم الفكر الطموح غير المستهلك والعقل المنجز الفاعل غير الناظر فحسب وإرادة الإنسان الكريم من خلال بث قيم الحب والتسامح والعدالة والتغافر والتناصح والكرامة .

وستكون المساهمات الجريئة في هذه السلسلة إخراج للقناعات والمواقف على نحو تداولي عقلاني وبصورة تغني النقاش حول القضايا المثارة بقدر ما تتيح ممارسة حيوية التفكير بحيث لا يكون ثمة شئ خارج عن نطاق التداول والجدل .

ليس في سلسلتنا هجوما على أحد بمقدار ما هو مصارحة موقف وبيان وحديث صريح للأجيال عن مكونات الشخصيات الناجحة .

تقديم على المقدسي

(مدير مركز أصدقاء سورية )

كتابنا هذا ... هو استشهاد فكري على بياض الورق الناصع .. وهو مجموعة الأفكار التي عاش لها المؤلف ودافع عنها وتبناها وكلفته غربة وتشريدا ووضعته في محكمة الزمن الصعب الذي ترجح فيه كفة الباطل إلى حين ولكن الأمل بالله معقود .

والدكتور منير يقف معنا إزاء فكرة جديدة تحل محل فكرة قديمة طموحاته وتطلعاته وتصوراته وآلامه وأماله له عقله وعاطفته .

إنها مشاهدات وتجربة مثقف انخرط في العمل الإسلامي والتدريس الأكاديمي واستأثر باهتمام قراصنة الأرواح الذين تتبعوا أنفاسه ونفسه ونكلوا به وقابل ذلك الهجوم بهجوم مضاد فقارع السنان بالبرهان والبيان وجسد منتميا إلى بلده رغم تخلي بلده عنه وواجه من اتهمه بالعمالة بفضح هشاشة مواقفه والتحرر من رهبته .

بصريح العبارة هذا الكتاب : وثيقة تاريخية لسيرة رجل كبير قدم للإسلام عمره , وأحب وطنه .. واستبسل في الدفاع عنه والنصرة له , وقوبل بطرد , وتهجير , واغتراب

متمرد وخارج على السائد والمستقر الذي كرسه الطاغية وقد زاد منفاه من عشقه لبلاده فتراه يقضي الساعات في الاهتمام بوطنه وقضايا الشأن العام .

( كل دول الأرض الديمقراطية التي تحكم من شعوبها تكون دورتها أربع سنين , أما دورة الحكم في سوريا أربعين عاما )

الدكتور منير الأكاديمي الدمشقي العالمي , الكبير بهمومه ومشاريعه المتواضع , الوزاهد في سلوكياته وتعاملاته .

يعده البعض من أكثر الشخصيات الإسلامية شهرة واحتفاء بالسيرة والكتابة عن منناهجها وطرائقها .

في هذا المثقف الأستاذ طيبة مدهشة تستوقفك وتستنطق فيك الاحترام وإن اختلفت معه , فالرجل أقرب إلى الفطرة الأولي له إحساس عميق بالطبيعة الصافية للإنسان وهو في الوقت ذاته المشاكس الغاضب الثائر على الظلم والاستبداد , ومع هذا هو الداعية المتخفف البسيط الذي لم تلوثه المدينة , أو الأهواء , أو المناصب .

ظاهرة الألقاب لا تستهويه ولعله يعدها من مخلفات الانحطاط وموروثات الإمبراطوريات الزائفة حيث كانت النياشين والأوسمة والفرمانات التي يضعها بعضهم على صدره أهم من الإنسان .

عرفته في بلدتي حيث كانت القراءة لكتبه تهمه قد يلج الإنسان بسببها منازل لا يستحبها وفي غربتي توثقت علاقتي به مع العلم أنني كنت أنتقد بعض ما يذكره إلا أنه قابل نقدي باحترام وإصفاء , وأشهد أنه من القلة المتواضعة التي لا يعثر على شبيه له بين التيارات السياسية الإسلامية والعلمية والقومية , وقل أن يجود به الصف الإسلامي خاصة بكل تلوناته .

فارس فوق جواد أصيل يبحث عن وطن للإيجار ..

هاجر من بلده لأنه لم يتقن أن يقول كلمة ( نعم ) لمن أزال البسمة عن شفاه النساء , والأطفال ,الرجال .

( ما هذه البطولة الفذة التي تختارها لتحرير وطنك بالسلام والمفاوضات وتحافظ على أمن إسرائيل خلال ثلاثين عاما فلا تطلق عليها رصاصة واحدة , وتسجن من يفعل ذلك وتعتبره مجنونا لأنه خرق أمن إسرائيل ) ومضت حياته غربة بين :

دراسة وتدريس , وتأليف وتصنيف وبين وعي عميق بالدين والراهن .

النصوص الدينية في قراءاته تتحدث عن :

الحرية ظل الكرامة

• الشريعة ظل الحياة

• العقل ظل الإنسان .

ميراثه الفكري وضاء فسيح بحجم الكوكب عنوانه :

الحرية والرغبة في التحلل من المواضعات النتنة المستقرة بفعل الإكراه والقسر .

وملفه الفكري حافل مثل ملفه الأمني في سوريا فتهمته : العناية بجميع أنواع القضايا التي ترتقي بعقل الإنسان ووجدانه .

وأما نظامه العقلي الشرعي فهو الذي جعل فكره يعتمد على الحريات والتسامح , والمساواة قبل أى شئ آخر , وكذلك على رفض الوهم والخيال , والتصفية للآخرين , وفي التعامل مع الواقع .

وفي حين تنهمك النخب العسكرية الحاكمة في بلده والتي سمت نفسها ثورية بعسكرة مدنيتها ومزاحمة أنفاس البشر وتمعن في القمع وتنبعث من صفوف حراسها الجدد والقدامى أفواج التدمير والتنكيل والسجن للناس , يعيش الدكتور منير داعيا إلى الإقناع بدلا من الإكراه وإلى الحريات بدلا من الاستبداد وإلى المراكز بدلا من الهوامش وإلى القضايا الكبرى بدلا من الصغائر ( لا تحملوا عار حرب شريعة الإسلام ودعوا الأمر إلى الشعب فحين لا يوجد خمسة آلاف توقيع أو عشرون ألف توقيع يريدونه حزبا إسلاميا و فقولوا ما باليد حيلة , هذه إرادة الشعب ).

سلاحه بيان يعتمد على السيرة النبوية فهما وتنزيلا على الراهن ( رسول الله صلي الله عليه وسلم وحده هو الذي علم البشرية فن التعامل مع القيادات والزعامات ونحن سنتشرف في التتلمذ على هذا الفن وندرس علم السياسة من خلال هذه اللقاءات وهذه الوفود حيث نحي السيف جانبا وأصبحت العبقرية السياسية هي التي تقود هذه الأمة )

لا يدعي أن سلفيه التي يحبها تمتلك حلولا سحرية لمشاكلنا لكنها تعانق ضمير الإنسان فتدعو إلى الرقابة والإجارة والإحسان والإتقان .

لا يدعي أن الحل بالإسلام يعني مخاصمة الفتوحات المعرفية والآخرين بل يزن كل ذلك بمقدار النفع والمقاصدية والرحمة .

يري أن الدعوة بحاجة إلى نقد وتسام على الأهواء أو الانجراف نحو التهارج والتدابر .

دفاعه عن الإسلام لا يعني أنه يكره المخالفين لفكرته بل يدعوهم بالعقل إلى مسلكه الفكري فإن أبوا فلكل طريقته .

اختياره الإسلام فكرا وحركة ومنهاجا لا يعني عنده الحق في إزهاق أو اغتيال من ليس على الدرب بل يدعو إلى تجمع مدني يثري الحياة ويناضل بالوسائل المشروعة السلمية من أجل التغيير ويدعو إلى أن يعبر كل فرد عن معتقده ويختار النظم التي يراها مناسبة دون أن يقسر أحدا على شئ ( هل ترون أن أمريكا وأوروبا كلهم متخلفون , ولا يمنعون الأحزاب الدينية , وأنتم وحدكم الذين سبقتم الخلق كافة عبقرية وتقدما وحضارة أدركتم ما لم يدركه هؤلاء ..

حين لم يجعلوا نصا في الحريات السياسية على منع الأحزاب الدينية والعرقية )

ولأن حزب البعث في نظر غالبية عظمي من المفكرين وكثيرين من مواطني العراق وسوريا آلة شيطانية تولد الفساد والتخريب , حانة تسكر الناس بالشعارات وتوفظهم على النكبات والصراعات ومع أن الخداع سلوك حزب البعث لأن الناس حسب تصوره مجموعة من الغرائز والنزوات والانفعالات , ولذلك يتلاعب بهم بإغرائهم بالأماني الكاذبة ومع هذا كله فالدكتور منير يحاور عقلاء حزب البعث ويناشد الجميع على التعاقد السلمي بما يرضي الله ويخدم الإنسان .

( يا خلاصة حزب البعث العربي الاشتراكي يا أصحاب القرار فيه أليس فيكم رجل رشيد .!!

هل وصل بكم الخطل بالرأي أن تعلنوا الحرب على الأمة ودينها فتمنعوها أن تعبر عن قناعاتها من خلال حزب سياسي , وهل وصل بكم الخطل في الرأي أن تحاربوا إخوانكم الأكراد أكبر شركائكم , على الساحة السورية فتحرموهم من التغيير عن رأيهم من خلال حزب سياسي .

ومع أن الثمرة المتعارف عليها من تجليات المتنفذين القاهرين باسم طائفة وحزب معروف فشل المهام وخسارة القضايا فضلا عن خداع الغير والذات الأمر الذي أنتج المزيد من سيطرة الظلم والهيمنة , ويتناسى هؤلاء المضطهدين الواقع عمليا ويغذونه برفد تراكمي من الاستبداد والاستيثاق التام من وأد أى حراك عفوى عام ويقابل هذا الكاتب الكبير بعزيمة تطارد الكسالي وتخاصم يباعي الكلام والهتافات المكرهة وهو دعوة لفتح الذهن البشري نحو الحب والخير والجمال , ويكتب أورقا ندين من باع باسم الصمود والتصدي الإنساني واعتدى على كرامة مجتمع ودمر مقدرات وطن ويبقي المنير منيرا رغم غيوم الآخرين الشاحبة ولا كبيرة وشوكة في حلق من يستهويه الاستبداد والاستعباد .

الباحث الدكتور منير على حذر وتحفظ من الشعارات الكبيرة ( لماذا تتبني خيار المقاومة العراقية حتى آخر مواطن عراقي والمقاومة الفلسطينية حتى آخر مواطن فلسطيني والمقاومة اللبنانية حتى آخر مواطن لبناني لكن في سوريا السلام هو الخيار الوحيد لا المقاومة )

هو يؤمن بالمسؤولية الفردية ويحث الخطي نحو حب الله ونفع الإنسان وخير البشر .

رأى أن العصابة التي اختلف معها مارست الحجب والتمويه والاختزال والتبسيط والتعسف والاعتباط والتهميش والإقصاء في حق إنسان وحضارة وتاريخ وشعب فصدع تلك المباني الزائفة بانفجار معرفي متلاحق من خلال السيرة النبوية وامتلاك ناصبة الخطاب الإكتروني والمقالة والفكرة المعبرة والتلفزة .

إنه لا يبحث عن زمن آخر ففكرته التي يؤمن بها واجب وقتي ولازم حتمي هي في كنس مستعمرات العقل الخرافية وعنكبوت الذعر الذي رباه مصاصو الدماء في بلاده والوهن الذي زرع عوضا عن الزهر في غوطة دمشق لذلك فصرخاته الفكرية بحجم الطعنة الغادرة ونزيفه الثقافي أكبر من الجرح وهو في حالة استنفار وتوقع دائم .

لم يقابل الطغاة بالتسبيح بحمدهم أو برجمهم كما فعل ذلك شيوخ كبار في دمشق وحلب وإن كانت ثمة مرايا عكست تذمرا في بعض الأحايين من الضغط غير المعقول ولكن قابل جلاده وسجان بلاده بالتفهيم الذي هو لغة الإمكان والتحقيق وبذلك لا تقابل الجهالة بجهالة والإساءة بإساءة ولا تنفي الوقائع ولا يستسلم لساعة الطغيان .

وأتقن الدكتور منير نصب الفخاخ الفكرية فناقش معظم التيارات الإسلامية داخل بلاده وناقش وحاور آخرين .

عشقه لسورية برسمه على الورق كالفنان الذي تتملكه الصورة فيرسمه على يده .

وفي الختام أترككم مع الدكتور منير الغضبان في كشفه المستور من حياته وفي مصارحاته وعلى أمل اللقاء بكم في جزء آخر من سلسلة الريادة الذاتية .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قصة هذا الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين , وعلى آله وصحبه أجمعين , وبعد

لم يكن لهذا الكتاب أن ينشر لأنه لم يرد على الخاطر إطلاقا أن أمسك القلم وأسجل شيئا من حياتي أو ذكرياتي , فلا شئ أصعب على النفس من الحديث عنها لمن يرجو الله واليوم الآخر .

فالله تعالي مطلع على العمل , وليبق بين الإنسان وبين ربه خبيئة لا يطلع عليها أحد , علها تنجو من أثار الرياء والعجب , وكان يكفيني من الحديث عن نفسي كتبي التي تنقل فكري إلى الناس , فأنا فكري أولا يكفي أن يوضع اسم مؤلف الكتاب عليه حتى يعرف هذا المؤلف , وأحمد الله عزوجل على أمرين اثنين .

الأمر الأول : أن الناس قد عرفوني من كتبي ومؤلفاتي , ولم يعرفوني من موقعي أو سلطتي أو مالي أو مواهبي الأخرى .

الأمر الثاني : أني قد عرفت برسول الله صلي الله عليه وسلم , وبه شرفت وبه سعدت فلا أذكر إلا وأقرن بصاحب السيرة , ولا شئ أشرف بعد كتاب الله وسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم , من سيرته العطرة والمعيشة معها , والحياة في أجوائها وتتسم أرواحها , وتبقي السيرة في النهاية جزءا من حديث المصطفي عليه الصلاة والسلام , فأى شرف في الدنيا يفوق هذا الشرف أن أذكر إذا ذكر المصطفي عليه الصلاة والسلام وأحشر بين الناس الذين كتبوا في السيرة وعاشوا معها , ولا أريد أن أضيف شرفا جديدا إلى هذا الشرف أعرف به وحسبي به أن يكون يوم القيامة هو هويتي التي أتعرف بها إلى الحبيب المصطفي صلي الله عليه وسلم لعل الله تعالي يلهمه الشفاعة لى فأكون من الفائزين .

وأعود بعد هذا الاستطراد إلى قصة هذا الكتاب وأقول :

لم يكن لهذا الكتاب أن يرى النور لولا ما قدر الله تعالي لى من لقائي مع هذا الشاب الطاقة المنفجر حيوية وذكاء وإبداعا الإبن الحبيب على المقدسي .

آتيه لألتقيه لأني مشتاق لأحاديثه ومشاريعه التي تجرى كالأنهار في كل صوب ولا أخلص منه إلا وقد أمسك بتلابيبي , لتقديم كتاب أو كتب له أو بحث أو دراسة , يأخذني إلى مواقع لا تدخل في اهتماماتي , ولا أعهد أني أهلا لها , فيما يجرني من هنا , ويغازلني من هناك , فأحس في النهاية أني وقعت بشراكة .

لا أزال أذكر أول لقاء لى معه وأحببته منذ ذلك اللقاء , ودخل بي أثناء الجلسة إلى عالم الشباب , وقد نأيت بنفسي عنه وتركته لأهله المختصين به , فأغراني باهتمامي واختصاص بالسيرة .

كيف نربي أطفالنا من خلال السيرة النبوية , أو كيف تربي الأطفال في محضن النبوة , أو , أو , والمهم لم يدعني حتى أخذ مني عهدا أن أكتب التربية السياسية للطفل من خلال السيرة النبوية , وقال لى سيكون جزءا من كتاب , وهو يتم أبحاثه , وتحوقلت وكتبت وأعطي البحث أكثر من حقه , وأخرجه في كتاب مستقل .

وكانت جلسة ثانية , أسمع منه الحديث عن سورية الحبيبة وأنا مشتاق لها ولأهلها فإذا به يدور بي , ويقودني إلى ( التراتيب الإدارية في الحكومة النبوية ) فيحرك ما كان هاجعا , ويوقظ ما كان غافيا , فأذكر الكتاب أني مررت على موضوعاته قبل ثلاثين عاما ونيف , ورأيتها أهلا لأن نكون رسالة دكتوراه لمن شاء أن يتحدث عن الجانب الإداري في العهد النبوي أو تنظيم الدولة , وبدأت أكر وأفر , فيستغل كري وفري , ويعلم الله ما كان هذا في مخططي في هذه الظروف , ولم يدعني حتى أخذ مني مدة زمنية فأعطيته عاما فوافق , ووجدت العهد دينا في عنقي , فأين أفر , أدخلته إلى عالمي وسلمته بعد عام كتابا أسميته : ( في ظلال الحكومة النبوية ) عند الإماميين الخزاعي والكتاني وأحسست أني خلصت من حبائله , وكلما ألقي لى حبلا هربت فمخططاتي في الكتابة لا تقبل الإضافات الجديدة .

وكان آخر لقاء لى معه , جئت أودعه , فألقي طعما صغيرا سرعان ما أدركت وانتبهت وقلت ,: لا , لا ليس عند استعداد للكتابة عن نفسي .

و بأسلوبه المهذب وبخلقه الدمث , أدرك أبعادي النفسية فقال :

لا تفهمني خطأ , نحن نريد أفكارا ومبادئ تقدمها للجيل الجديد تستشهد بها من خلال شريط حياتك وأدخلني في عالم التيه , أليس هذا في النهاية حديثا عن النفس وتزكية لها ؟ ويأتي الخطاب الآخر , أم أن واجبك أن تقدم تجربتك لأمتك , وتخلص النية , فتقتدي بالصواب ويتجنب الخطأ ؟

وضعت فعلا بين هاتين الدوامتين , أما هو فقد رأي أني قد ابتعلت الطعم , طالما انتقلت من الرفض إلى التردد , وعاد يهون الأمر على : أنت ماض إلى إجازتك , مائة فكرة كل يوم ثلاثة أفكار تصوغهم وتقدم شواهد عليها , لا تكلف من وقتك نصف ساعة في اليوم , هذه أمانة في عنقك أن تقدم للشباب نموذجا من خلال الواقع لا من الخيال والماضي وناقشت وصرت الأضعف .

ولا أدري في النهاية هل وافقت هوى من النفس أم رغبة صادقة خالصة في الإصلاح .

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوي

فصادف قلبا خاليا فتمكنا

وأضرع إلى الله عزوجل شأنه أن يقبل مني هذا العمل , ومع ذلك فيحضرني ما حضر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقد أقام الله به العدل في الدنيا وقدم أعظم نماذج لهذا الدين في هذا الوجود وقال اللهم إن خرجت منها كفافا لا على ولا لى إني إذن لسعيد .

وأنا أقول : إن استفاد الشباب من هذا الكتاب فنعما به ويكفيني إن خرجت منه كفافا لا على ولا لي إني إذن لسعيد .

ومضيت إلى الإجازة ووضعت المائة فكرة وأنا أركب السيارة من مكة المكرمة إلى عمان .

لكن متي أصوغها وأنظمها لم أحظ إلا ببضع وعشرين يوما في عمان وكان الوقت فيها مباركا .

فأنهيت الإشراف على كتاب جديد وتصحيحه وتصويبه ( سورية في قرن : رؤية إسلامية ).كما قرأت مذكرات أكرم الحوراني التي اقتربت من أربع آلاف صفحة وذلك خلال لقائي بأهلي وأحبتي , ولم أجد وقتا لصياغة هذه الأفكار حتى قدمت وحدي وحبسني ابني على المقدسي حفظه الله خمسة عشر يوما لذلك , وقدمت هذا الكتاب , ولا يحضرني وأنا أكتب إلا قول الله عزوجل ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) التوبة 102)

وعسى الله أن يتوب على ويغفر لى .

اللهم إن أحسنت فمنك , وإن أسأت فمن نفسي , وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إن ربي لغفور رحيم .

( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) ( سورة هود 88)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مكة المكرمة

17 رجب الفرد / 1425

النصف الأول من العمر

في الجذور مرحلة إلقاء البذار

1942 -1952م

الفكرة الأولي

أتقن وأجد فالحياة هبة من الله عليك استثمارها واستذكر لطف الله وعونه لك .

هذا ما تبقي في الذاكرة من أول وعيي على الدنيا

كنت في الرابعة من عمري , ورأيت سيارة شاحنة قادمة من بعيد , فقررت أن أركض أمامها من طرف الشارع إلى الطرف الآخر , وحين وصلت إلى مسافة محددة مني ركضت ونفذت القرار , واضطر سائق الشاحنة لاستعمال أعنف الكوابح لإيقاف السيارة كي لا يصدمنى , ولا أزال أذكر كيف نزل من السيارة وصفعني كفا عنيفا على وجهي , ولعله أول كف تلقيته في حياتي , وكان من الممكن بقدر الله أن أكون قد انتهيت من الدنيا في هذا العمر .

مرة ثانية اعتبرت ما جاءني من السنين هبة من الله حيث كنت معلما في إحدى قرى دير الزور , ونزلت أسبح في الفرات مع تلاميذي لقد كانوا في المرحلة الابتدائية لكنهم كانوا كبارا في السن ونبهوني ألا أمعن في البعد لأن مكان السباحة هذا ( فايش ) أى غير عميق وأغراني السباحة مع التيار فابتعدت , لكني عندما حاولت العودت , أنهكت قواى , ثم رأيتني عاجزا عن أى حركة وصرخت , وقررت أن أستسلم لكن قدر الله تعالي لى بالحياة جعل رفاقي الطلاب ينتبهون إلى . فسارعوا وأنقذوني بعد أن فقدت وعيي , ولا أزال أذكر اسم الطالب الذي أنقذني إنه " خضر الغريب " ولا أزال أشعر أن له الفضل في إعادتي إلى الحياة بإرادة الله وكنت آنذاك في الحادية والعشرين من عمري .

مرة ثالثة كنت محرما إلى الحج يوم الثامن من ذي الحجة " يوم التروية " مع شيخي العلامة " محمد سعيد الطنطاوي " وكنت بإزاء الجبل ولم يكن في تلك المنطقة رصيف وسيارة كبيرة قادمة نحوى تريد أن تصل إلى أقصى اليمين لتفسح المجال لسيارة قادمة , فحصرت بينها وبين الجبل , وحملتني وغيرت اتجاهي إلى الاتجاه المعاكس ثم رمتني , ورأيت الموت بعيني , فتشهدت مودعا الحياة , إلا أن قدر الله تعالي أنقذني بتكسير بعض أضلاعي , أمضيت قرابة شهر في المستشفي في مكة المكرمة , وكنت في الحادية والثلاثين من عمري , وكان من الممكن أن أكون قد انتهيت من الحياة من ذلك الوقت , لو قدر الله لى الموت الذي كان محققا في ظاهر الأمر .

مرة رابعة كنت أقود سيارة في أول عهدي بذلك وازدحمت وأعطيت قدمي للبنزين عوضا عن الفرامل , وطارت بي السيارة متخطية بي الحواجز إلى الشارع الآخر , وعقد منزلق الجسر الأخير , وقدر الله في هذه اللحظة أن لا تكون هناك أى سيارة قادمة , إلا لصرت قطعا وشظايا , مع من عاكست خطه , ولم يوقف السيارة إلا الجدار بعد الرصيف قدرت أن قدرة الله حملتني من بين أنياب الموت وكنت آنذاك في الثالثة والثلاثين من العمر .

رأيت الموت أربع مرات في حياتي , وكان يمكن أن أمر على هذه الدنيا نسمة أو خاطرا لا يعلم بي أحد , إلا أن ربي أبقاني لرسالة كبري أؤديها في هذه الحياة فهل يجوز أن تغيب الإرادة الربانية لحظة عن خاطر الإنسان في هذا الوجود ؟ وكان يمكن أن لا يعرف في هذا الوجود ( هل أتي على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلال وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) ( الإنسان 1 :5 )

الفكرة الثانية

استكمل مؤهلاتك الفكرية النفسية ولا تنظر إلى الشهرة

كان أخي الكبير رحمه الله مثقفا تابع دراسته , وكنت وأنا في الخامسة من عمري أفخر به على أقراني , وعندما جاء والدي يدعوني للذهاب للمدرسة وكنت ألعب بالتراب مع رفاقي الصغار قلت له : هل يسألوني عن أخي , قال : نعم , فنفضت يدي من التراب ومضيت مع أبي للمدرسة , ودخلتها وأنا في الخامسة من عمري قبل أمثالي بسنتين فقد كان سن السابعة هو سن دخول المدرسة وهي مدرسة خاصة .

من ذكرياتي في الصف الأول وقد وصلنا إلى حرف الغين , ولم أكن قد أتقنت الحروف جيدا , وسمعت أن أخي سيزورنا في المدرسة , وسوف يطلب مني الأستاذ أن أقرأ أمامه فماذا أفعل إن لم أكن أعرف بعض الحروف ؟ وخططت كما يلي , عندما أصل إلى الحرف الذي لا أعرفه أبتلع ويقي , ثم أقرأ الحرف الذي بعده , مثلا : بلغ , أعرف حرف البأ , فأقول ب, لكن حرف اللام لا أعرفه فأبتلع ريقي حتى لا أظهر أني لا أعرفه و ثم اقرأ حرف الغين , غ .

ولم يأتي أخي ولم تنفذ الخطة ..

في الصف الثاني , كان عندما حفلة في المدرسة كان مطلوبا مني أن ألقي كلمة مكتبة لا أزال أذكر افتتاحها : أنا الولد الصغير أنا الطفل الأسير , أنا من نسل قوم كرام .

ونودى علىّ وذكر اسمي في الحفل وأمام الجميع , يقدم لكم الطفل , منير رضوان , هذه الكلمة , لكني كنت مع أبي في آخر الناس ولم أستطع الوصول إلى المسرح لألقيها وحين لم أحضر نودي على غيري , وكان أصغر مني فالقي كلمته , لا أزال أذكر الحسرة والألم حين فاتني هذا الإلقاء .

الفكرة الثالثة

فجر طاقتك وارع مواهبك وكن نسيجا فريدا

في الصف الثالث , كان المدير يعد مسرحية إسلام عمر , وكان الطلاب المشاركون من الصف الخامس , وكان الطلبة يتدربون وأسمع تمثيلهم , فاستهوتني المسرحية , فحفظتها كلها عن ظهر قلب , وعند التدريب , كلما غاب طالب يدعوني المدير فأمثل عنه لأني حافظ لدوره , فأحببت التمثيل وفتنت به من ذلك الوقت , وكافأنى لى على هذه المشاركات , أعطاني المدير دورا صغيرا في المسرحية , إذ كنت أحد الأطفال أبناء أخت عمر رضي الله عنه والذي كان يقرأ القرآن عند وصول عمر غاضبا لبيت أخته , وتأكد ذلك حين سمعنا نقرأ القرآن كما أعطيت دورا ثانيا فكنت القبطي الذي شكا عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب بعد أن صار خليفة .

وتشرب حب التمثيل بدمي منذ عام 1949 في الصف الثالث الابتدائي وسنري ما فعل بي ذلك .

الفكرة الرابعة

تعرف على من حولك وصادق العظماء تصبح منهم

كذلك كنت في الصف الثالث ابتدائي وفي السنة السابعة من عمرى , وكنت أسمع عن فضيلة الشيخ مصطفي السباعي , ولم يكن بعد قد نال شهادة الدكتوراه , وأسمع بالإخوان المسلمين في بيتنا إذ كان أخي الأكبر منهم , وجاء السباعي رحمه الله لزيارة التل وكأنني أعيشها اللحظة أمامي , أفكر فيه وأفكر برؤيته وقد كلفت في المدرسة بمراقبة نربيش الماء لكي لا يفلت وأتساءل كيف أراه كان هذا في صبيحة اليوم وحانت صلاة الجمعة , وخطب الجمعة وأذهل المصلين , أخرجوا مناديلهم من جيوبهم يبكون تأثرا بما قال : وانتهت الصلاة وتجمهروا حوله يسلمون عليه , وها هي اللحظة ماثلة أمامي ثانية , أذكر أني أقتحمت تجمع الكبار وتسللت حتى وصلت إليه , ورآني طفلا صغيرا بين هؤلاء الكبار .

ونظر إلى وتركهم , قال لى : السلام عليكم . قلت , وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

قال لى : أنت من الإخوان المسلمين ؟

ومد يده وصافحني فصافحته وأجبت :

نعم أستاذ .

ومر الزمن , وأنا أفخر بهذا اللقاء , وهذه البيعة والمصافحة واعتبرت نفسي منذ السابعة من عمري جزءا من هذه الحركة الإسلامية وحيه يعصف في قلبي .

ومر الزمن والتقيته ثانية بعد استشهاد أخي الأكبر وهو يؤدي الخدمة الإلزامية أثناء التدريب الليلي وقد جاء ثانية إلى بلده التل , ولم تكن مدينة آنذاك , وحضر حفل تأبينه وزارنا في بيتنا وعيناي لا تغادرانه إطلاقا , وكنت في الصف الثامن وفي الثالثة عشر من عمري .

ومر الزمن , والتقيته أستاذا في كلية الشريعة وعميدا لها وأنا طالب فيها , وأنا أتشرب فهمه الإسلامي وأتغذى به .

ومر الزمن والتقيته أخيرا في زيارة خاصة , وهو عائد من السعودية بعد الحج وقد مثل على العافية واستمرت الزيارة قرابة ثلاث ساعات , وكان هذا قبل وفاته بعشرة أيام وكنت في الثانية والعشرين من عمري , وكان حلمي أن أتابع الكتابة في السيرة على خطاه حيث كان يعطينا مادة فقه السيرة كما نحضر له حلقة بحث , وذلك في محاضرة عامة في الجامعة .

وحقيقة لقد كان أهم شخصية من العظماء أثرت في حياتي ووجهت بوصلة مساري فيها ,غذت عواطفي ومشاعري وأفكاري .

وإن كانت الشخصية الثانية من العظماء التي احتلت قلبي وغذت عواطفي ومشاعري وتربيت على خطبها واستحوذت على قلبي هي شخصية الأستاذ عصام العطار قائد الإخوان المسلمين بعد السباعي , حيث كان تأثيره أسبوعيا من خلال حضورى خطب الجامعة التي كان يليها في مسجد الجامعة , وكان خطيبا مصفعا لم تشهد سورية مثيلا له بعد السباعي وكان يقال عن خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي في سورية هو ثالثهم , ولم يتح لى أن أحضر أى خطبة له , وهكذا تقاد الجماهير بالزعامات .

الفكرة الخامسة

المعرفة نماء

ثقف نفسك .... غذ عقلك ... تصفو حياتك.

لقد كان حب المطالعة جزءا من كياني , ولا شك أن البيئة المثقفة كان لها أثرا كبيرا في تنمية هذه الهواية فبيننا فيه القصص والمجلات والكتب الدينية والتاريخية وصور الأدباء المصريين جميعا , وكانت مجلة المصور وآخر ساعة مستمرة عندنا أنهل منها السياسة أكثر من غيرها ووقع في يدي قصة بوليسية لآرسين لوبين فقرأتها بنهم , وطلبت من أخي الكبير أمثالها فلم يلب طلبي وأحسست أنه لا يحب متابعة القراءة بها .

ووقع في يدى قصة من روايات تاريخ الإسلام لجرجي زيدان وكنت في الصف الرابع وفي الثامنة من عمري فهمت بها وبحثت عن مثيلاتها فقد علمت أنها ثماني عشرة رواية من روايات تاريخ الإسلام , وهذه واحدة منها , وفي التاسعة من عمري , كان كتاب الهلال يصل إلى بيتنا فقرأت عنوان , عبقرية محمد , فدسسته في جيبي , ومضيت إلى الحقل , وجلست اقرأ فيه , أفهم بعضه وأمر على بعضه دون فهم , ورحت أبحث عن بقية العبقريات للعقاد .

في العاشرة من عمري وفي الصف الخامس الابتدائي , وكان نهاية المرحلة الابتدائية حيث كان الصف السادس بداية المرحلة الإعدادية كانت مجلة الشهاب التي يصدرها ( الإسلاميون ) في سورية تصل أسبوعيا إلى بيتنا , وكنت أنتظرها بشغف .

كان هذا الخليط كله مكونات ثقافتي الأولي , ولم أغادر المرحلة الابتدائية إلا وقد زرع في نفسي متابعة هذا الخليط , وفي المرحلة الإعدادية كانت روايات تاريخ الإسلام قد قرأتها كاملة , وقرأت العبقريات للعقاد , ودخلت على ّ الكاتبة الإسلامية " بنت الشاطئ " في كتبها نساء النبي وبنات النبي , وأم النبي , وبطلة كربلاء , كما دخل إلى عالمي في المرحلة الإعدادية كتب القصاص عبد الحميد جودت السحار , الإسلامية وغيرها على أساس أن القصص عنده قصص إسلامي , ولم أقرأ في هذه المرحلة أى كتاب من كتب التراث الإسلامي في التفسير أو الحديث اللهم إلا ما كان من كتاب , خلق المسلم , للغزالي الذي أثر بي كثيرا , وفيه مجموعة كبيرة من الأحاديث الشريفة

وصرت قارئا نهما لا يعجزني قراءة أى شئ وإن كان قد غلب على قراءة القصص , الشخصيات التاريخية وتحليلها , والقراءة السياسية في الصحف والمجلات الإسلامية وغيرها وتسلل إلى الفكر القومي من أحد قادة البعث الذي كان مديرا للمدرسة الابتدائية , والذي كان يقرأ على الطلاب كتاب حياة محمد لمحمد حسنين هيكل , وأتلقى هذه المعلومات من صديق لى في هذه المدرسة الرسمية وصار حب العروبة والإسلام قرينين معا ... فإذا التقينا من بعيد مع صديقي حيينا أنفسنا برفع اليد إلى الكتف .. والكف مبسوطة مع كلمة : تحيا العروبة , وهي شعار البعث من بعيد , كنت يومها في الصف الرابع الابتدائي .

الفكرة السادسة

الطفولة بعد غائب في مشاريعنا فلندعم هذا العالم الجميل الرائع

افرح بطفولتك

فالطفولة لها أفراحها , ولها أحزانها , ولها عالمها ولها خيالاتها .

الفرح بالأكلة الطيبة

هل كنت في الثانية أو الثالثة من عمري؟ لا أدري , حين رأيت أحد الأطفال يأكل اليبرق ( ورق العنب المطبوخ ) فأمضيت ليلي أندب وأطالب , بدي يبرق , حتى مضوا إلى الجيران , وجاءوني بعدة أصابع منه .

الحذاء الجديد :

في العمر نفسه , كنت أحب أن ألبس القبقاب الصغير وجاءني به أبي ليلة العيد , له سير جلدي أزرق , ومن فرحي به نمت مصرا على عدم خلعه من رجلي لأقوم في الصباح به وأتجول وأتباهي به بين رفاقي الأطفال .

الثوب الجديد :

كنت في الصف الثالث الابتدائي واشتري لى أهلي صدرية سوداء ( اللباس المدرسي المقرر ) وقد تزينت بأزرار بيضاء في صدرها تزرر بها ... سعدت بها أيما سعادة .

أما في الصف الرابع , فكان زواج أخي الأكبر واشتروا لى أول حلة في حياتي ( بدلة رسمية ) من معطف وبنطال , كنت أتيه بها على رفاقي , لكن لا يجوز لبسها في المدرسة , إلا تحت الصدرية .

الفطور اللذيذ.

حين دخل دار المعلمين , كنا نستيقظ في الصباح وقد أشعلت المدفأة , ووضع الفطور مع الاستيقاظ بعد صلاة الصبح ليتمكن أخي من النزول إلى دمشق ويكون في الثامنة صباحا على مقعد الدرس , فالشاي والجبن , والزيتون واللبن المصفي والبيض .

كان من أشهي المأكولات الصباحية عندي إضافة إلى لذة فطور الجمعة , حيث تكون ( البدوة ) وهي الحمص المطحون مع اللبن والطحينة والخبز المثرود فيه , أو ( التسقية) وهو الحمص بدون طحن مع المرق وهو ما يعبرّ عنه بالمثل الشامي المشهور , إن فاتك لحم الضأن ( الضأن والخراف ) فعليك بمرق الحمصان .

والسفر البعيد :

الذي كان يأخذني به أبي إلى . دير قانون , إحدى قرى الزيداني وتنعم بأشهى المأكولات فتدخل البستان فتتناول التفاح والخوخ والمشمش والكمثري عن الشجرة مباشر حتى نشبع , وتكونت الصداقات مع أمثالي من الأطفال , إضافة إلى سفرة أسعد وأطول إلى الأردن وأكثر من مرة بين السابعة والتاسعة من عمري عرفت بها حب الأصدقاء ومراسلتهم في ذلك السن , وتبادل الصور معهم .

الفكرة السابعة

أقم علاقاتك مع أبنائك على أساس القناعة والاحترام وخالطهم بالناجح واحقنهم بخلق المناعة

اللقاء في الصف الواحد لا يكون انتقاء , وفرصة يجمع شرائح المجتمع كلها , خيرها وشريرها , متابعة الأهل مهمة للطفل حين يرون عليه خللا في سلوكه .

كنت في الصف الرابع , وخرجت مع رفاقي إلى بستان ليس لنا , نتناول الفاكهة ونرميها بالحجارة وخرج علينا صاحب البستان فهربنا , وعرفني صاحب البستان فنقل الخبر إلى أخي الأكبر وفي صباح اليوم الثاني , جاءني أخي وسألني فأقررت بالصمت فصفعني كفا شديدا لا أزال أذكر أثاره إلى اليوم لأنه فعلا صرفني عن مرافقة أصدقاء السوء , وكانت المرة الأولي والأخيرة في هذا الاتجاه .

الخطر الأكبر بين الأطفال حين تتفاوت أسنانهم في الصف الواحد فيتجاوز بعضهم سن البلوغ , وبعضهم دونه فيتفق الشرير على الأطفال الصغار , ويغرونهم بالمعسول من الكلام لارتكاب الفاحشة معهم , ولعل هذا الأمر خفت آثاره اليوم , حيث خف التفاوت بين التلاميذ في السن , لكن في القرى والمزارع النائية لا تزال هذه الظاهرة موجودة والشيطان جاهز لإثارة الغرائز وارتكاب الحرام والاختلاط الجديد بين البنين والبنات والمعلمين والمعلمات , مدعاة لكثير من هذه المفاسد , والذي يألفها يصبح مدمنا عليها فيما بعد .

والأهل مسئولون كذلك عن مراقبة بنيهم وبناتهم وعودتهم في الوقت المحدد إلى البيت .

من أثار أصدقاء السوء كذلك , صرف بعض الكسالي الشريرين للمجدين عن متابعة دراستهم .... بإغرائهم بالرفقة معهم وعرض الطعام والشراب عليهم خاصة إذا كان التلميذ فقيرا محروما ويري في ذلك الإغراء ما يشبع نهمته ويلبي رغبته .

أخطر ما حملته المدنية الحديثة هو أشرطة الفيديو الجنسية وقد لا تخطر بالبالي أن يتبادل التلاميذ هذه الأشرطة الكفيلة بتدميرهم خلقيا وإثارة أشد ما عندهم من الرغبة الجنسية , والعمل على تقليد ما يرون , وحتى لا يتصور القارئ المبالغة في هذا الأمر , وخاصة في دول الخليج الغنية أسوق هذه الحادثة .

المكان : بلد إسلامي , المدرسة : مدرسة تحفيظ القرآن , السنة : الأولي الإعدادي , وحيث تم تفتيش حقيبة أحد الطلبة وجد شريط فيديو في حقيبته , عرض الشريط فإذا هم من أفلام " السيكس" العارية التي تمارس الفاحشة , بكل مراحلها , وبعد التحقيق مع التلاميذ تبين انتشار هذه الظاهرة وتبادل الأشرطة , واستئجارها بين الطلبة , فماذا يبقي للطفل من عقله , وخلقه بعد وصول هذا الانحراف إليه ؟

وحين تغيب المراقبة يقول الأهل بوضع بيوت الدعارة وإحضارها إلى بيوتهم , فمن خلال الإنترنت والمواقع الإباحية, وحيث يكون الأطفال بعيدين عن أعين أهلهم يدخلون إلى هذه المواقع , وتكون هدية الأب والأم لهم أن يوفروها لهم في مضاجعهم كفيلة هذه المواقع أن تهئئ الممارسة الجنسية الشاذة إن الدمار الذي يلف حياتنا العادية له أسبابه , وأصدقاء السوء هم الأصل في هذا البلاء .

الفكرة الثامنة

اهتم بنقاء جو الأسرة وحفز عائلتك على الخير

وهذا يقودنا إلى الحديث عن التربية والمنبت الطيب .

ان والدي رحمه الله يحبب الصلاة إلى بكل وسيلة , وكنت حتى الصف الرابع الابتدائي أدعو أمي عند الفجر لتسخين الماء من أجل الوضوء في الأيام الباردة حيث الثلج والزمهرير , وأعطت التربية ثمارها خلال السنوات الأولي من الحياة حتى العاشرة حيث تم تكوين العادات الخيرة والأفكار النيرة .

في الصف الرابع غادرنا والدي إلى السعودية للعمل وصرت تحت التصرف المباشر لأخي الأكبر الذي كان يرعاني ويرعي اهتماماتي وميولي ومواهبي , ويوجهها الوجهة الصالحة , ويزرع الخير في هذه الأرض المعطاء .

لم أكن قد تجاوزت العاشرة والصف الخامس الابتدائي , إلا وأصبحت الدعوة إلى الله ذات أثر في نفسي , وأصبحت أحمل هم دعوة رفاقي إليها , ولا أزال أذكر ما كنت أعد من الأحاديث والآيات لذلك إنها بضعة أحاديث منها :

( اتق الله حيثما كنت , وأتبع السيئة الحسنة تمحها , وخالق الناس بخلق حسن ) (رواه الترمذي )

وبضعة آيات منها ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهدين ) ( النخل , 125 ) .

هذه عدة الدعوة

أما عدة المطالعة فقد ذكرت ما سبق في التشجيع على القراءة الجيدة والحث عليها , والتنفير من القصص التي لا جدوى منها كالقصص البوليسية .

وأما عدة الكتابة فقلما كانت تمر مناسبة لا ألقي فيها كلمة وكنت أخذ في مواضع الإنشاء العلامة التامة .

وأما عدة النقد فقد كان أخي يراقبني وأنا أقرأ روايات جرجي زيدان , وناقشته ذات ممرة عن محمد بن أبي بكر , والذي جعل جرجي له عشيقة فأنكرت ذلك لدي أخي , وشجعني على هذا النقد , وناقشته ثانية بطبيعة الخلاف بين عمر بن الخطاب .

الفكرة التاسعة

المسئولية الفردية واستشعار رقابة الله والإحساس بوخز إبرة الضمير أساس التربية الناجحة وفي اللاوعي تنمت المحاسبة

فريضة الصلاة من خلال المدرسة ومن خلال البيت أصبحت المحافظة عليها عندى أساسية كان والدي رحمه الله قد وعدني أن يأخذني إلى دير قانون , القرية التي أحبها , وفيها ملذات الطفولة الصداقة والطعام الطيب والفاكهة اللذيذة والجو الممتع , وركبنا السيارة في الصباح وتعطلت السيارة على الطريق , ومكثنا ما بنوف عن الساعتين والسائق يصلح السيارة قلت لوالدي ونحن على الطريق منقطعون :

لقد أصابنا هذا الانقطاع لأني لم أصل الصبح اليوم .

وضحك والدي من دون أن ينكر على هذا الاستنتاج قائلا بصبر .

أما عندما كان مقررا في المرة الثانية أن نذهب إلى دير قانون , فألغيت الرحلة كلها وراجعت نفسي لم ألغيت الرحلة ؟

لم أكن أدرك معني الصلاة تماما , إنما أدرك فرضيتها ولا أزال أذكر ذات يوم أني وقفت للصلاة ونويت ثم خرجت من الصلاة قبل قراءة الفاتحة , ثم دخلت ثانية في الصلاة , ثم سلمت وخرجت منها ثم ثالثة ورابعة وخامسة , حتى أتممتها في المرة الخامسة لقد كان ثابتا في قراره وعيي أن لا مناص من الصلاة .

ذات يوم كنا نلعب في بستان لجيراننا , وجاء أحدنا وأخذ السلم وصعد على الشجرة وكسرت السلم من كثرة لعبنا , فاتفقنا على أن نرمي كسر السلم على أصغرنا الذي لا يملك القدرة على الدفاع عن نفسه ولا علم له بالأمر , وانطلت الحيلة , ونجحنا في تلبيس التهمة له , بقي ضميري يحاسبني طيلة الليل , ولم استجب لهذه المحاسبة ومضي الصغير المتهم فقص على أبيه ما جري له , وكيف عوقب ظلما , فرآني أبو الصغير صباح اليوم الثاني , وزجرني وضربني , وأخذ بكلام ابنه ولم يسألني , ولم أناقره ولم أكذب الصغير , وتلقيت الإهانة والضرب لأني كنت مستحقا لها .

الشعور بأن لكل ذنب عقوبة هو شعور جيد , يرافق الطفل فيجعل الخوف من الله نصب عينيه , كما الشعور المعاكس , أن الله يجزى على الطاعة وييسر الأمر يجعل الفطرة سليمة نقية ولا أدري كيف نما هذا الشعور عندي وكيف تركز لا شك أن هناك أمورا في تربيتي من أبي وأخي ساعدتني على ذلك وفي اللاوعي تنبت المحاسبة . ا

الفكرة العاشرة

أعرف رسالتك .. جدد مسهرئك تصل إلى هدفك

كانت ذاكرتي حادة , على الأقل بالنسبة لزملائي أصغي إلى المعلم يشرح الدرس .

فيقول بعد الانتهاء : من يشرح الدرس أو يعيد شرحه أرفع إصبعي , يقيمني المعلم فاشرحه تماما كما قال , يعجب المعلم ويحبني ويعجب زملائي مني ويغارون , لذلك كنت مبدعا في كل المواد , حتى المواد التي لا أحبها ولا أفهم معناها مثل مادة الأشياء , لأنني كنت أعتمد على الحفظ أكثر من الفهم , إلا مادة الحساب ( الرياضيات ) فما أحببتها قط , وعوقبت كثيرا جدا حتى حفظت جدول الضرب , كنت أكسل التلاميذ في مادة الحساب , ولا أستوعب المسائل ولا أعرف حلها , ولم أبدع يوما واحدا فيها , كان المدير يطلب منا أن نعود في المساء لمراجعة الدروس , ويوكلني بمراجعتها للطلاب حتى إذا أتت مادة الحساب جاء زميل لى كسول في جميع المواد إلا الحساب فانزل عن المقعد ليحل محلي , وعقدت اتفاقا معه أن أسكت على تقصيره ووظائفه السيئة أو المفقودة في بقية المواد , مقابل أن يسكت عني على تقصيري ووظائفي السيئة أو المفقودة في الحساب , ولم يتحرك ضميري كثيرا لهذه الصفقة , فقد كان العقاب قاسيا من الضرب , فالقضيب خمس مرات أو تزيد , ولا أعرف الحل , ولا أفقه العلاقات بينها إلا العلاقات الهندسية في مساحة المربع أو محيطه , أو المستطيل أو الدائرة فهذه أدرك تطبيقها .

لا أزال أذكر أنه كان بالإمكان أن ينجح التلميذ في سنة واحدة لأكثر من صف , وكان يمكن أن أنجح من الثاني للثالث , فأرسلني أخي وهو يدرك ضعفي في الحساب , أرسلني إلى المدير أقول له : يسلم عليك أخي ويقول لك لا تنجحني إلى الثالث في الصف لأني صغير , ولا أستوعب الحساب , ومضيت فعلا للمدير وذكرت ذلك له وأبقاني في الثاني .

ومع ذلك كنت أنجح الأول أو الثاني في هذه المرحلة رغم دنو علامتي في الحساب , قد يكون صحيحا عدم استيعابي لصغر سني ولدخولي المدرسة قبل عامين من السن العادي, لكن لم يتغير الأمر وكبرت , وكنت أكره مادة الأشياء ( العلوم ) والجغرافيا وأحب بقية المواد وأبدع فيها لم يكن تفكيري علميا إطلاقا ولا عقلي علمي , ولا خيالي علمي , بينما كنت ألفت النظر في المواد الأدبية , وأبدع فيها وأدرك العلاقات بين الأفكار ودون إدراك العلاقات بين الأشياء , ومع هذا وهكذا عرفت دربي , وجددت مسيرتي , فكل ميسر لما خلق له .

الفكرة الحادي عشر

تعامل مع الناس بحكمة واستثمر أحسن ما لديهم , وكن ذكيا في معرفة نقاط القوة عندهم

من الصعب علىّ أن أحدد بالضبط معالم شخصيتي , أجدني أحيانا ضعيفا لا أجرؤ على الكلام , وأجدني أحيانا أسير في خط المواجهة مهما كانت صعوبته , لم أبرز أو أبدع في أى جانب مادي فل أبرز في الرياضة بأية لعبة من ألعابها , ولم تستهوني الرياضي أبدا , كان لى ابن خالة قوى الشكيمة , كنت أسير معه رأي ولدين بسنه انهمر عليهما واتهمهما بشئ ما وراح يضربهما صفعا , وركلا دون أن يجرأ علي الرد عليه أحسست بالزهو لقوة ابن خالتي وكأنني أنا الذي انتصرت كان الولدان جارين لى , وكما تدين تدان , في اليوم الثاني مررت أمام بيتهما فنزلا على ضربا وصفعا دون أن أبدي حراكا , وواحدة بواحدة , ضربا ظلما , وضربت ظلما , كنت أحتمي بالأقوياء لكن شيئا ما أعرفه في نفسي هو أن خطي معظم الأحيان هو الدفاع لا الهجوم وهذا هو تفسير قوتي وضعفي في آن واحد , ويبقي الدفاع في الأشياء المعنوية .

أحب أن أدافع عن الإسلام , عن العروبة لا أبتدئ في العرض , إذا أتيح لى الدفاع فلديّ الحجة القوية وعلى الأقل هكذا نبتت هذه السمة في حياتي .

لقد كانت المرحلة الابتدائية مرحلة البذار مرحلة الزرع وكان البذار جيدا .

وكان الزارع بصيرا فكنت كالزهرة التي لم تتفتق عنها الأكمام بعد وكالبيضة التي لم ينفلق منها ( الصوص ) بعد ومع هذا كانت هذه المرحلة من أكره المراحل عندي لم أكن أحب المدرسة ففي كل يوم عقوبة من أجل مادة الحساب , لم نكن ننعم بالعطلة الصيفية كما هو الحال في المدارس الرسمية كنت في مدرسة خاصة ولمديرها الحب والرعب في قلبي , الحب لقدرته الفائقة في قص القصص الجميل علينا يستهوينا بحركاته وتمثيله للواقعة والرعب والخوف للعقوبة القاسية التي ينزلها في خمس سنوات عجاف لا راحة فيها سوى أيام قلائل والشعور نفسه نحو أمي رحمها الله أحبها فمن طريقها أحقق كل آمالي وأخاف منها فهي شديدة على إن أخطأت بعكس والدي الذي كان حليما دائما على يستعمل الحوار معي ويقف بجواري إن أخطأت يدفع عني عقوبة أمي , لكن أمي في كثير من الأحيان هي المسئولة عن البيت فأبي في السفر , وأخي الكبير في الدراسة والعمل كما كنت أكره العمل في البستان , ومع ذلك كنا ننقل القمح على الخيل من مسافات بعيدة , أتقنت ركب الخيل مع ابن خالتي المذكور , وكنت أتحمل مشاق المشي لساعات في الذهاب للبيدر , مقابل متعة مطاردة الخيل والسباق عليها في العودة .

بيئة متوازنة لكن عالمي الحالم , كان عالم المطالعة عالم القراءة وخيالاتي ترسم من خلاله , في الأمور المادية كنت أتسلح رداء الأقوياء وفي الأمور المعنوية لا يسبقني أحد ومن هنا كانت الانطلاقة الأولي للحياة .

المرحلة الإعدادية

مرحلة الإعداد لبناء المستقبل

1952 -1957م

الفكرة الثانية عشرة

الحياة متعة وأجمل ما فيها أن تعيش واثقا بالغد الجميل طارد التشاؤم

لقد كانت المرحلة الإعدادية بحق مرحلة الإعداد لبناء المستقبل عشتها خمس سنوات من عام 1952 -1957.

لم تكن البداية مغرية كنا في إعدادية خاصة أول طلاب يدرسون في البلد , ولم يكن قبل هذا العام إلا الذين ينزلون إلى دمشق ويدرسون في إعداديتها , كان والدي يحلم أن أدخل الكلية الشرعية بدمشق وكنت أحلم معه .

لم يكن في الصف السادس شئ من الإثارة الأساتذة كلهم طلبة يدرسون في الجامعة يعلموننا , يتدربون بنا كنا نعرفهم ونعرف اتجاهاتهم السياسية .

أول درس في الانكليزية كان الحديث فيه عن الدكتور منير , عوضا عن أن أفتخر بتطابق اسمي مع اسم المتحدث عنه في الكتاب رحت أبكي .

كنا نشترى الكتب شراء , وأعطاني والدي ثمن كتاب التاريخ ولا أدري كيف ضاعت النقود كانت ليرتين ونصف , وركبني الهم عاما كاملا , المدير يطالبني بالثمن ويوبخني على التأخير , وأنا لا أجرؤ على إعلام والدى بإضاعة النقود , كم رأيت في النوم أني حصلت النقود , واستيقظ وأقبض يدي ... ليس فيها شيئا؟!

مادة الرسم والموسيقي والعلوم كانت من أثقل المواد على دون بقية المواد كانت مادة الجبر سهلة على بمقدار ما كانت الهندسة صعبة .

ليس في الصف السادس إلا المتاعب .

بدأت الصداقات تتوطد شيئا فشيئا بين الطلبة , وكانوا من مدارس شتى ومن كل أنحاء البلدة كنا قرابة ثلاثين طالبا , كان صديقي في الطفولة وفي المدرسة الابتدائية انتقل معي إلى الإعدادية هو الأخ أبو طلحة وكانت تسمى المتوسطة كانت الأحلام بيني وبينه مشتركة وكنا نبث بعضنا همومنا .

أول ذكر يأتي عن المخترعات الحديثة هي الميكروفون , كنا في بستان بعيد , وتناهي إلى سمعنا صوت , انتخبوا الرئيس محمد الجراح , وركضنا من البستان إلى البلدة قرابة نصف ساعة لنرى هذا الإعجاز لقد كان الميكرفون مركبا على سيارة مرسيدس لوالد أحد أصدقائنا وصارت أحلامنا حضور الحفلات الانتخابية للرئيس الجراح الذي أحببناه واشتهينا له النجاح , ونجح في عهد الشيشكلي عام 53/ 54 وتحضر الزغاريد الشعبية , ونصفق ونهتف , هذه هي المتعة الوحيدة هذا العام وما تبقي كله هموم ومع ذلك لا تشاؤم .

الفكرة الثالثة عشرة

خطط لهدفك ونظم ما تريده وكن صاحب إرادة فالإدارة قرار

دلف عام 54 , 55 , وأخذت الصداقات تتكون وتعطي ثمارها , كنت أقصي على رفاقي مطالعاتي فتسحرهم , ينصتون إلى وأصبح الصف السابع كله أصدقاء وعرض على بالي خاطر , سرعان ما نما وتحول إلى واقع , رواية ( عذراء قريش ) التي تتناول مقتل عثمان ابن عفان رضي الله عنه , لم لا نخرجها مسرحية , وعرضت الفكرة على أصدقائي المقربين فشجعوني , حولت النص إلى نص حواري مسرحي , ودعوت حوالي ستة عشر صديقا , وزعت عليهم الأدوار وأخذت الدور الرئيسي فكنت عذراء قريش وصرنا نلتقي كل يوم نتدرب على التمثيل والذي لا يعجبني تمثيله أقوم بتمثيل الدور عنه حتى أتقن الجميع أدوارهم إلا واحدا أضاع الورقة التي كتب بها دوره لم نكن نعرف الاحتياط لمثل هذه المفاجأت وكان على أن أكتب له دوره من الذاكرة وبقيت قرابة ساعة ونصف حتى ضبطت له هذا الدور .

كنت كاتبا وحواريا ومخرجا وممثلا ومدربا , وكفي طبعنا

الفكرة الرابعة عشرة

الكثير من الخلافات موهومة أنصت لمن تختلف معه وحاوره وتذكر الحوار فن .

كنت طفل الأفكار , ولم أبلغ بعد سن البلوغ , كانوا يسمونني المجادل , أجمع رفاقي وأنزل في الطين فأقنعهم أن النزول في الطين خير وذو فوائد , فيقتنعون مني , ثم أقنعهم أن النزول في الطين شر وذو أضرار فيقتنعون بالعكس ولا يجرؤ أحد على مجاراتي في ذلك أو يتحداني أحد كان صديقي الذي أدخل البعث على تحيا العروبة , قد مضي يدرس في دمشق , والتقفته الحركة الإسلامية وكان الإخوان المسلمون ضد الدكتاتورية وضد الشيشكلي كنت في التل متأثرا بمحمد الجراح وفكرة العروبة , لأن الإخوان المسلمين قد أغلق فرعهم في التل , وكان في بيننا حيث أغلقت إحدى غرف بيتنا بالشمع الأحمر لمدة ستة أشهر أو تزيد , وكان أخي الأكبر قد مضي ليخدم الجندية الإلزامية , وفي الصف السابع وفي الثانية عشر من عمري رحت أناقش صديقي الإسلامي بالعروبة قبل الإسلام وهو يناقشني بالإسلام قبل العروبة ثم سحبني إلى دمشق , وجمعني مع بعض الشخصيات التي حولت حماسي العربي إلى حماس إسلامي , ولم يكن الإسلام بعيدا عني فسرعان ما استجبت .

لم يكن الإسلام بديلا عن العروبة إنما كان الخلاف حول الأولويات لمن تكون انتقلنا إلى مدرسة جديدة وغدا صفنا لحمة واحدة , وحين تكون المناسبات الدينية فلا يتقدم أحد على في إلقاء كلمة صفنا .

لا أزال أذكر وقد كلفت بإلقاء كلمة بمناسبة المولد النبوي وأنا في الحفل البعيد , أفكر في مقدمة الكلمة التي تعبر عن إشراقة النور بالهدي النبوي فأذكر تلك المقدمة : ها هو الليل يسدل نقابة , ويلفع بطياته ويوارى بسواده .

كانت المناسبات الوطنية , تملأ حياتنا , وكانت محنة الإخوان المسلمين على يدي عبد الناصر قد بدأ يذر قرنها , لقد نزلت من بلدتنا التل إلى الشام لأشارك في استقبال المرشد العام حسن الهضيبي الذي زار سورية , وكان الاحتفال في الجمعية الغراء بجامع دنكز بدمشق وخطب سعيد رمضان صهر البنا رحمه الله وزوج ابنته , فكان خطيبا مصقعا من أعاظم الخطباء , فأخذتني الغيرة وقلت لصديق طفولتي الذي كنت أجره حيث أريد , وجررته معي إلى دمشق قلت له في حماس الأطفال الصغار : الآن يأتي السباعي ويري رمضان أنه أخطب منه , ولا عجب الأطفال يفكرون وهكذا تنمو المواهب والحوار فن , ولا تستعجل الخلاف فالكثير منها موهوم .

الفكرة الخامسة عشر

الكلمة مسئولية إذا كنت جريئا في الارتجال فتذكر أن الإبداع هو في تحضير المادة وتقديمها بشكل جذاب لذلك اشحذ مواهبك

أن أحضر لكلمة ألقبها وأبدع فيها فهذا شئ عادي , لكن الجرأة على الارتجال هي الأعجب ذات يوم وقد خرجنا في مظاهرة وطنية , وصعد طالب من الصف التاسع وعمره أكبر مني بخمس سنين على الأقل , حيث أمضي سنوات في الصف التاسع ولم ينجح وطلبوا كلمة أخرى , شجعني من حولي وحضوني على الصعود للخطابة في الشرفة أمام الجماهير حيث تجمع مئات الطلبة .

وعشرات الرجال فاندفعت بلا وعي , وصعدت إلى الشرفة المطلة على المتظاهرين وألقيت أول مرتجلة في حياتي فوطعت بالتصفيق عدة مرات , وحين نزلت صار مطلوبا مني أن أشارك في كل مظاهرة وأصبحت أحد زعماء الطلبة من خلال هذه الخطبة لقد كنت مكتظا بالثقافة الوطنية والإسلامية , أحفظ الأشياء والآثار والآيات والأحاديث ومتابعا للأحداث , وكانت معظم مظاهرتنا ضد فرنسا في الجزائر , وتونس , والمغرب , ولا أزال أذكر بعض الأبيات التي استشهدت بها أثناء خطبتي .

قم وحيّ المغربا

حي الشهامة والإبا

حي رجالا حطموا

الظلم وذاقوا العطبا

عندما كنا نخرج للمظاهرات كان يقودنا طلاب الصف التاسع , وسرعان ما انضم معهم وبعض رفاقي في الصف الثامن . ويصرخ بنا المدرسون يهددوننا وينادوني باسمي للعودة إلى الصف فأخفض رأسي ولا أرد عليهم وأمضي في المظاهرة , نمضي فنخرج المدارس الابتدائية ونقودها المساحة العامة والهتافات تتعالي .

في الصف الثامن تأججت الصراعات القومية والإسلامية كان مدير الإعدادية بعثيا من فلسطين فجاء بأربعة أساتذة من البعثيين وكانت النقاشات لا تنقطع بيننا وبينهم .

أحد أساتذتنا وكان سابقا ينتمي للحركة الإسلامية , نقل مدرسا إلى دير الدور وكان إماما وخطيبا لمسجد قريته القريبة من قريتنا , لم يجد غيري ينوب عنه في خطبة الجمعة ارتقيت المنبر خطيبا للمسجد وأنا في الرابعة عشر من عمري , وكانت مدرسة جديدة للخطابة تختلف عن خطابة المظاهرات , إن القلب يرتجف مع كل خطبة لمن يضع نفسه واعظا مكان رسول الله صلي الله عليه وسلم , ولا تزيد الخبرة فيه إلا وجلا من الله أكثر وأمضيت عامين كاملين خطيبا للجمعة من الرابعة عشرة حتى السادسة عشرة وحتى عاد أستاذنا من غربته وقد حوتني قلوب المصلين وغمروني بتكريمهم وأصبحت الخطابة جزءا رئيسيا من حياتي ولا غرو , فالخطابة فن .

الفكرة السادسة عشرة

كن مع ربك واستمسك بصراطه المستقيم ولا تخش في الله لومة لائم وتعلم على الحرية والحوار .

لقد كان النقاش الفكري بيننا وبين أساتذتنا يشحذ الهمم , ويقوى العزائم , ولا نتورع عن قول حق مهما كلف الثمن , أصبح هؤلاء الأربعة قادة من قيادات البعث فيما بعد نذكر منهم فائز قنديل , ويسار عسكري الذي صار فيما بعد مديرا لدار المعلمين العليا , وكان ثالثهم الأستاذ شريف الرأس رحمه الله وصار من الكتاب الكبار فيما بعد , ورابعهم هو الأستاذ حسن قطشة وكان شيوعيا عنيفا لا يخفي شيوعيته .

خرجنا في رحلة من المدرسة مرة استمرت خمسة أيام زرنا خلالها حمص وحلب وطرابلس وبيروت وحماه واشترطنا إلغاء التكلف بيننا وبين المدرسين وكان أستاذنا الشيوعي معنا , وكنت قائد الطلاب في الهتافات ضد الأساتذة نمنا في حلب بمسجد المعلمين وكان الجو قارسا وباردا بينما ذهب بعض الأساتذة ومنهم أستاذنا قطشة وناموا في الفندق , جاء وجلس بجانبي في السيارة في النهار , وأخرج سيجارة وعرضها على لأدخن فقلت له , تعرف أني لست مثلك , وأن أخلاقي لا تسمح لي بالتدخين , أما أنتم الشيوعيين فكل شئ مباح عندكم , ثم سألته : تركتمونا نموت من البرد ومضيتم إلى الفندق أين الاشتراكية التي تزعمونها , والشيوعية التي تدعونها في أى فندق نمتم ؟ قال : مال وللفندق نمنا بفندق العتالة , قلت له , ثابت على كلامك , قال , نعم , قلت إذن أنت الذي ورطت نفسك فتحمل , قال : تهددني أفعل ما شئت وبعد ساعات كتبت هذه الأهازيج والطلاب يرددونها خلفي وجن جنونه منها :

وينك يا حسن وينك

دايما بتأول يا إخوان

مالا ئيت أكذب منك

يتظمظ على الفندق نسيان

إنونحنه بالجامع

والبرد هرانا وبان

وبفنقد العتالة لائيت

رفآتك هتيك

عم يلملمو زبالة

وشخصية رئيسهم فيك

وكلما صاح بي : اخرس , كلما تابعت النشيد , والطلاب يرددون بأعلى أصواتهم , مما اضطر أحد المدرسين أن يدافع عن إخوانه فألف قصيدة قال فيها :ٍ

منير أضحى مظلما والنور منه يحتجب

رفيقه ينقصه ذراع ذيل أو ذنب

وننا في طرابلس عند جماعة عباد الرحمان , فقلت له : أترى لقد رأيت أن جماعتنا هم الأكرم والأفضل فأين جماعتك ؟ ولا عجب أن تصل الصراعات الفكرية هذا الحد دون أن نخشى شيئا ويرحم الله أيام الحريات .

الفكرة السابعة عشرة

لا شئ أعذب من العبادة خصص من يومك مساحة لصفاء روحك .

بدأت مع المرحلة الإعدادية أذوق طعم العبادة , وكان لبذور التوجيه الأولي أن تنبت , فإذا صلاة الجماعة غدت عادة عندي , صحيح أني لا أستجيب للنداء المباشر , وهذا عيب لا حقني طيلة حياتي لكن لا خيار لى فقد , أصبحت آلية المحافظة على الصلاة في المسجد جزءا من حياتي حتى صلاة الصبح .

ولصلاة الصبح مذاق خاص يختلف عن بقية الصلوات حيث تهجر النوم في المضجع , خصوصا في الأيام الباردة , وكانت الكهرباء جديدة علينا , حيث كنت في الصف الثامن يوم قالوا أنهم مددوا الكهرباء إلى بيتنا وكنت على السلم يوم ضغطت على أول زر في حياتي واشتعلت الكهرباء , وبدأت الشوارع تمدد بالكهرباء , فكنا ندعي أننا نريد الدراسة على ضوء الكهرباء في الشوارع لنخرج من بيوتنا كنت استقيظ مع الفجر والكون ظلام دامس , وقبل أن تصل يدي إلى زر الكهرباء أدعو ربي خائفا كل يوم اللهم أجرني من عذاب القبر , وأجرني من عذاب النار , وأمضي والخوف يملأ قلبي نحو المسجد في الحارة ليس فيها إنارة إنما الإنارة في الشوارع العامة كان مواجه بيننا امرأة بها مس من الجنون , وعلى طريق المسجد رجل به مس من الجنون , أمضي والرعب يملأ قلبي خوفا أن يخرج على أحدهما , وأذكر الله واستعيذ بالله وأستعين به لكن هذا كله لم يصدني عن صلاة المسجد , ولم تكن الأزمة كذلك في بقية الصلوات حيث النهار والشمس في رابعة النهار .

الطريف في الموضوع هي والدتي رحمها الله , ترى إقبالي على المسجد فنخاف أن ينالني هوس بعض الصوفية الذي يقود إلى الجنون , وقد وقع في بلدتنا أن جن اثنان أو أكثر فكانت تصدني عن الصلاة في المسجد وخاصة صلاة الصبح , خوفا على ذهول عقلي , فأؤكد لها أني لن أصاب بشئ إن شاء الله وأنا على بينة أليس عجيبا أن تتحول البيئة لتوقفني عن اندفاعي الإيماني , فلا أستجيب لها , بعد أن كان البذر قويا من قبل , وصالحا وأحسن غراسه , فعندما نبت , نبت قويا لا تقتله الرياح وما أكثر الرياح الهوج التي تريد أن تقتله فقد كبرت ووصلت سن البلوغ ,

وبدأت الشهوات تتراءى أمامي وأصعب ما كنت أعانيه أن أقوم في الصباح وأنا على جنابه الاحتلام , واستحيي أن اغتسل في البيت , فأمضي إلى بركة عامة في حمامات المسجد مخصصة لذلك وأغتسل فيها وألحق بصلاة الفجر , مما رافقني كذلك ونبت معي فكرة صيام النفل , فقد كنت أصوم الاثنين والخميس منذ يفاعتي , رغم صعوبة ذلك على , لم أكن أملك من المال ما أتصدق به لكني إذا ملكت أنفقت والتقيت بمحتاج في دمشق واقتنعت بحاجته فمضيت إلى قريب كان أبي يستقرض منه المال أحيانا , وأدعيت أن أبي طلب مني أن أخذ منه عشر ليرات , فأعطاني وأعطيتها للمحتاج الذي كان يريد السفر للأردن ومعي كتاب العلوم كما أذكر , حيث كتبت عنوانه على الكتاب لقد آتت البذور أكلها , وأخرجت الغراس أكمامها , وسرت في هذا الطريق وبقيت الصلاة نصب عيني تذكرني دائما بالله فتعصمني من الزلل وهكذا قال العليم الخبير : ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ) ( طه 14 ).

الفكرة الثامنة عشرة

الطابع الذي لا يفارقك مدى الحياة هو رصيدك المعرفي احرص على الثراء الثقافي وتذكر ( منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب المال ) .

لقد كنت نهما في المطالعة , وكنت قد تجاوزت مرحلة قراءة القصص لأتنقل إلى قراءة الكتب الفكرية والإسلامية , وكانت كتب الدكتور بنت الشاطئ والأستاذ العقاد وطه حسين , هي الغالبة على في هذه المرحلة وبقي الطابع التاريخي الإسلامي هو الغالب على ثقافتي , وكانت عبقريات العقاد كلها محور اهتمامي تعلمت منه فكرة التحليل والمناقشة لكن حسي الإسلامي رفض الكثير من نظرياته نحو الصحابة ومن أشد ما نفرت منه عنده إعادة الخلاف بين على ومعاوية رضي الله عنهما إلى جذوره التاريخية وهي الصراع والتنافس بين بني هاشم وبني أمية منذ ولادة هاشم وعبد شمس أو إعادة عزل عمر لخالد رضي الله عنه إلى مرحلة الصبا حين تصارع عمر وخالد وكسر خالد يد عمر وبقي يحملها في نفسه حتى انتقم منه عندما صار أميرا للمؤمنين والخلاف بين عائشة وعلى إلى حادثة الإفك والتنافس بين عائشة وفاطمة إلى التنافس بين أهل الحمو والزوجة , إلى آخر هذه التحليلات العبثية والذي كان له أثر كبير على فيما بعد في حمل لواء تصحيح التاريخ الإسلامي , والكتابة عن الشخصيات المثيرة للجدل , والتي نالها القدر الكبير من التشويه في أذهان أبناء الأمة .

كنت ابتدأت بقراءة خلق المسلم للغزالي والتصوير الفني في القرآن ومشاهد القيامة لسيد قطب , وهل نحن مسلمون لمحمد قطب , وشبهات حول الإسلام له كذلك , ومذكرات الدعوة والداعية ورسائل الإمام الشهيد , وكتب عدة عن شخص البنا رحمه الله .

المرحلة الإعدادية وقرأت بعض القصص الإسلامية للسحار وإسلاماه لباكثير , وقصة إصلاح المصرية التي كانت فاتحة القصص الإسلامي والاجتماعي الذي يدعو إلى التغيير , وتأثر الكثير بها , وكانت القراءات السياسية عن الثورة المصرية والصراع بين الإخوان وعبد الناصر من خلال المجلات وبعض الكتب تلهب عواطفي ومشاعري , وكانت أحاديث على الطنطاوي في الإذاعة في حديثه الأسبوعي الاجتماعي يستهويني ولا أفوت حلقة منها إضافة إلى حديث الثلاثاء كل أسبوع في مركز دمشق للقيادات الإسلامية تجذبني بشكل دائم لأتعلم , وأتثقف وفعلا لا أشبع أبدا منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال .

الفكرة التاسعة عشرة

حيث توجد الديمقراطية تزدهر الحريات وتنشأ الأحزاب الفكرية فلنتمسك بهذه القيمة الحضارية .

الأحزاب الفكرية تنمو وتترعرع في حضن الديمقراطية

وسرت في هذا الطريق وتكونت في مسار به لأن الإسلام كان يملأ على كياني , وكانت الحركة الإسلامية تحمل لواء الإسلام والحديث عن نظامه السياسي والاقتصادي وصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان , ولم يكن في بلدتنا علماء , وحلقات علمية ومشايخ لأنقاد إليها , إنما دعيت إلى الإخوان المسلمين الذين يتبنون الإسلام وخصومه الكبار القومي السوري , والحزب الشيوعي , والبعث العربي الاشتراكي , عشت بوعيي الكامل حلقات الصراع بين الإخوان وعبد الناصر وبكل مراحلها .

في مرحلتها الأولي , وفي عهد الوفاق بين الثورة والإخوان وكانت الأحاديث عن الثورة المصرية وحسن البنا , والإخوان المسلمين وتأييدهم للثورة , وكونت ثقافتي فيها من مجلة المصور وآخر ساعة وكانت هذه في المرحلة الابتدائية ونهايتها , ثم كانت المرحلة الثانية التي ابتدأ الخلاف , وانتهت بمحاولة اغتيال عبد الناصر المزعومة , وإعدام قيادات الإخوان , وحيث كان التيار ضد دكتاتورية عبد الناصر والهوى مع محمد نجيب وأذكر المظاهرة التي شاركت فيها كل الأحزاب السورية , أو الحكومة السورية برئاسة فارس الخورى وكيف اتجهت نحو المسجد الأموي ثم انطلقت منه , وحيث كانت الأحزاب السورية قد خرجت حديثا من ظل الحكم الدكتاتوري للشيشكلي ورأت في عبد الناصر صورة عنه وعشت المرحلة الثالثة التي أعلن فيها عبد الناصر تأميم القناة وقانون الإصلاح الزراعي والحياد الإيجابي والسد العالي , وحرب السويس حيث تغيرت الدنيا وتغيرت القلوب , وصارت ترى في عبد الناصر المنقذ الأكبر , وبقي الإخوان المسلمون وحدهم ضده , رغم تأييدهم للتأميم والبرقية التي بعث بها السباعي رئيس المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية وفي أموال وأرواح الإخوان فداء لمصر وجاءهم جواب البرقية للسباعي من عبد الناصر , أشكركم شكرا جزيلا على برقيتكم الرقيقة وعشت الحماس الطاغي ضد الاعتداء الثلاثي ومضيت لأتطوع مع المجاهدين , فرفضت لصغر سنى , وعشت أسبوع التسلح الذي كانت خطبة الدكتور السباعي في جامعة دمشق تعد له تبرعا بخمسة ملايين ليرة سورية وتبرعت بساعتي التي أملكها لشراء السلاح

وعشت مرحلة الانتخابات النيابية في دمشق والذي مثلت ذروة الصراع بين التيار الإسلامي وعلى رأسه السباعي والإخوان المسلمون ورابطة العلماء , والتيار العلماني , وعلى رأسه أكرم الحوراني وميشيل عفلق عن البعث وخالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي , وكان الحزب الوطني منقسما بين التيارين وأكثريته مع الحوارني بزعامة صبري العسلي والذين اختاروا مرشحهم رياض المالكي وانضم لهم الشيخ أحمد كفتاروا , بينما كان السباعي مرشح التيار الإسلامي , وكيف كان نجاح رياض المالكي بداية السيطرة للدكتاتورية المبطنة للبعث والشيوعيين ومعهم خالد العظم , حيث كان ضباط الجيش من الخلف يؤيدون هذا التيار , ومن قادته عفيف البزرة الشيوعي رئيسا للأركان , وأخوه صلاح البزرة رئيسا للمقاومة الشعبية وبدأ الإرهاب الفكري رغم المظاهر الديمقراطية وعشت مشاعر اتجاه الجماهير مطالبة بالوحدة , والمحادثات التي فرضها الجيش وفرض الوحدة معها , وكان الإخوان قد عبأوا كل جماهيرهم مؤيدة للوحدة رغم موقفهم الخاص من عبد الناصر .

الفكرة العشرون

الإسلام فكرة والدعوة إليه بحاجة إلى أذكياء عقلاء " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال أنني من المسلمين ).

كيف نمت بذرة الدعوة إلى الله في نفسي أنظر حولي فأري رفاقي في المدرسة جميعا لا يصلون , يحبون الإسلام ولا يطبقونه , وأنا بين ظهرانيهم , ابتدأت الفكرة عندي في افتقاء دفتر صغير أسجل فيه كل ما يؤثر في من القرآن الكريم , وما أقرؤه من الأحاديث الشريفة وخاصة لكتاب خلق المسلم وما أقرؤه من أشعار وخاصة من مجلة الشهاب الدمشقية ( والمسلمون ) المصرية وما يقع بين يدي من أوراق التقويم التي تكتب على ظهرها الحكم , والأقوال المأثورة وبعض القصص المؤثرة وامتلأ الدفتر الصغير فأقتنيت أكبر منه , ونقلت كل ما في الصغير عليه وكانت عملية النقل هذه أكبر منه , نقلت كل ما في الصغير عليه وكانت عملية النقل هذه هيأت لى أن أحفظ الكثير مما اكتب , وانتظر الفرصة السائحة في الرحلات القريبة والزيارات المتعددة فأخرج دفتري واقرأ لرفاقي فيسرون , وأدس ما عندي من معلومات لأذكر بأهمية الصلاة وصلاة الجماعة .

وأثر في تلك المرحلة كتاب ( الصلاة ) لمحمود الصواف , وكدت أحفظه عن ظهر قلب , وعشت الحرفة على هداية إخواني الذين أحبهم , وأمضي معهم أكثر وقتي , كما استأثر على قلوبهم في رواية قصص التاريخ الإسلامي عليهم , فتأخذهم روعة القصة وتبهرهم وأحاول أن نصلي معا في كل مكان نلتقي فيه , ولا أنكر أن المستجيبين كانوا أقلية لكن المعارضين كذلك قلة وكان أولئك يحرصون على الحديث عن البنات والأفلام والمجلات يعاكسون خطى , وكان لانتظامي في أسر الإخوان دور كبير في تعبئتي للدعوة , فالرحلات الطويلة , وقيام الليل , واللقاء مع الموجهين , ولا أزال أذكر أحد الموجهين الذي فتن لبي في عرض السيرة النبوية وذلك من خلال قصص قصيرة مطبوعة يقرأ لنا بها , واسمه ( توفيق الدباس ) وهو الذي أشعل فتيل حب السيرة النبوية في قلبي كما جرئ اختيار مجموعة من الشباب كنت أحدهم وأصغرهم لتدريبات شاقة , مطالعات مكثفة ومسؤولية تنظيمية وكانت هذه المجموعة لا يدرى الآخرون وكنت أقوم بالزيارات الشخصية لمن أثق بهم , وأدعوهم إلى الصلاة وأدعوهم إلى حضور أحاديث الثلاثاء في مركز الإخوان بدمشق ولا أنسي أول تعرفي على ( المسجل ) حيث قلت لصديقي الدائم , تعال ننزل غدا إلى المركز وسيحدثنا السباعي من أوروبا , هكذا قالوا لنا وكأنه معنا .

كما رأيت ( التلفزيون ) أول مرة في حياتي قبل أن يوجد في سوريا , حيث قرأت في الصحف , أن التلفزيون في السفارة البريطانية بمعرض دمشق الدولي , سوف يغرض معركة اليرموك , ونزلت خصيصا لدمشق , ودخلت المعرض , ورأيت المعركة في التلفزيون .

لقد سيطر على ّهم الدعوة إلى الله , والتأثير على الشباب , ودعوتهم إلى الصلاة والمحافظة عليها وأحسست بحرقة الداعية , وكان لثقافتي وأعمالي العامة , والمسرحيات ما يساعدني على الوصول إلى الجميع , ومنذ ذلك العمر , والدعوة إلى الله هدفي , ولا أنكر أن المرحلة الثانية التي كنت أسعي لها هي ضم المهتدين إلى التنظيم لكن لم يكن من شئ أهم عندي من الدعوة إلى الله , ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) ( فصلت :33).

الفكرة الواحدة والعشرون

كن صادقا في نفسك ... قدوة في حياتك يستلهم من حولك أفكارك .

المربي القدوة قائد في حياته , وقائد في استشهاده

كما ذكرت كان أخي الأكبر هو الذي رسم لى خط حياتي , وإن كنت وصلت إلى مرحلة أوجه نقدى إليه , فقد كان أعز أصدقائه وزميله في الدراسة من الحركة الإسلامية وشاركا معا في تأسيس الحركة , لكن هذا الصديق دخل الجامعة ودرس الحقوق , وبدأ يقرأ عن النظريات الاقتصادية فاستهوته النظرية الشيوعية , ثم تعمق فيها حتى صار زعيم الحزب الشيوعي ومؤسسه في بلدة التل , وبمقدار ما كنت أحبه صرت أكرهه , وكان يغيظني من أخي الأكبر أن صداقته له لم تتغير وكثيرا ما كان يرسلني لأدعوه إليه , وأدركت فيما بعد حكمة أخي في المحافظة على الود القديم.

وكان أخي رمزا عظيما من رموز التل فقد كان معلما في المدرسة الابتدائية , حيث لا شئ فوق الابتدائي وأحبه الطلاب حبا يفوق الوصف و أضربوا جميعا عندما نقل إلى صف آخر , وكل الشباب الحزبيين بكل اتجاهاتهم يكنون له الاحترام , ويجعلونه فوق حزبياتهم لخلقه , ودوره في تربيتهم فقدته عندما عين بعد تخرجه من دار المعلمين ( صف خاص ) معلما ثم مديرا في بلدة ( نوى ) في حوران , حيث صار يأتي يوما في الشهر , ويتابع تربيته لى , ثم مضي بعدها ليخدم في كلية ضباط الاحتياط بحلب , ملازما بعد البكالوريا , وكان أول أفواج الجندية الإلزامية في سورية , وأمضي سنتين كذلك بعيدا عن التل في حلب مدربا في الكلية , لقد تلقيت منه كل شئ , حب التمثيل , تأليف الأناشيد والأشعار وكان ذواقة وكان أساسه في الكلية الشرعية حيث أخذ البكالوريا الشرعية ثم البكالوريا العامة واستفاد من دراسته بدار المعلمين كنت في نهاية الصف الثامن , يوم جاءني بكتاب عن الشهيد وفضل الشهادة وقرأت الكتاب واستأثر بلبي , وحفظته عن ظهر قلب , وبعد ثلاثة أشهر وقبل ثلاثة أشهر من نهاية خدمته جاءنا نبأ استشهاده أثناء التدريب , فجزعت التل كلها , وخرجت في جنازته , واستدعي المقدم يوسف الطحان قائد الدرك العام فرقة موسيقية عسكرية تسير أمام الجنازة ,

وخرجت وحضرت كل شخصيات التل ورجالاتها بكل اتجاهاتها هذه الجنازة المهيبة , وراحوا جميعا يلقون الخطب في رثائه , وكان آخرهم أخي الحبيب الكبير ياسين , وهو الوسط بيني وبين أخي طه فصعد على قبر مرتفع ليكون آخر الخطباء و لم يتمالك نفسه وغص بالبكاء , وطلبت أن أشارك في الرثاء ,وتقديرا لعواطفي رفعوني إلى القبر ,وكنت ألبس بانظو أخضر , واستصغرني الجميع وأنا ابن الرابعة عشرة ماذا يمكن أن أتكلم ؟!..

ومن خلال كتاب الشهيد ومن محفوظاتي رحت أناجيه في النعش قبل أن يدفن وراح الجميع في بكاء خانق صامت , لم يتأثروا من أحد كما تأثروا من كلمتي .

وأنا غائب في المناجاة وعرفت يومها على مستوى التل كلها , ومرت عشرات السنين والكثير الكثير يحدثني عن تلك الخطبة المؤثرة , هذا من جهة ومن جهة ثانية كادت والدتي تفقد صوابها وتجن لفقده , فكنت أقيم وقتي كله بجوارها وأحدثها عن فضل الشهيد والشهادة , وتقول :" لولا ولدي الصغير منير لجننت " وتبعني أثره في حياتي , يرسم خطي في حياته , ويرسم خطي بعد استشهاده كانا محور سلواتنا , وتعلمت الشعر بوفاته , وحقا بالمربي القدوة قائد في حياته , وقائد في استشهاده .

الفكرة الثانية والعشرون

الحكمة في اتخاذ القرار قد تغير مجري الحياة , وتهب لك أمانا واطمئنانا , كن حكيما .

الطاقة الجنسية أعظم الطاقات , أين هي , مع هؤلاء الفتيان المراهقين ؟ أنا لا أبعد أن يكون للكثير من زملائي في الصف انحرافاته وعلاقاته , لكن لا يظهرها أمامي , لكنني أتحدث عن نفسي , فالطاقة ابتدأت تجد تصريفها في الاحتلام .

في ذلك الوقت كانت المجلات الخليعة , والكتاب الجنسية والأفلام الجنسية في السينما , والأغاني الماجنة تملأ الساحة حولي لكن إرادتي , وخوفي من الحرام عصمني من الزلل , ولا شك أن الموقع الذي كنت أضع نفسي فيه داعية إلى الله , وإلى الطاعة والبعد عن الحرام لا يناسبه أبدا اقتراف هذه الأمور , وتصعيدي

لطاقتي الجسدية في التمثيل والخطابة والدعوة والمطالعة ساعدني على البعد عن هذه التوافه , وكانت السينما أكبر وسائل الإغراء آنذاك ولم تكن متوفرة إلا في دمشق , ولم أكن غنيا , ولا قدرة لي على النزول إلى دمشق , هذا من جهة ومن جهة ثانية كنت أعلم أن الغالب على الأفلام هو المجون والخلاعة فلا أبيح لنفسي دخولها إلا إذا سمعت عن فيلم حربي أو تاريخي أو إسلامي , فكنت أدخله .

أعظم تجربة أفخر بها , أن الجنس تسلل لى ذات مرة عن طريق قصة للكاتب السحار , وكنت لا أجد غضاضة من قراءة كتبه فهو عندي كاتب إسلامي فاشتريت إحدي قصصه لا أدري الآن اسمها ولعلها ( الأرض الطيبة ) وقرأت القصة الأولي التي كانت زينت بصفحتها الأولي بالحديث النبوي : ( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ( رواه ابن ماجه ) وهي قصة شاب كان إماما لمسجد , ولمح فتاة , وبالتعبير المثير تابعت القصة التي كانت تعرض الإغراء خطوة خطوة , جلست وفكرت من هنا يبدأ الانحراف هل أتابع , أم أجتث الطريق من بدايته , جئت بكبريت وأحرقت القصة بكاملها وكان قراري الحازم الصارم أن أحرق هذا الطريق كله , وكانت نهاية البداية فلم أقرأ أى قصة لإسلامي أو غير إسلامي , وعدت إلى محضني الطبيعي إلى ديني وربي ودعوتي , وكان القرار الحكيم الذي غير عندى خط الحياة .

الفكرة الثالثة والعشرون

أنر عقلك ونظف قلبك وباعد بين الواجب في تبليغ رسالة الله وبين الظهور والشهرة فإنهما إن اختلطا هلكا .

لقد أمكن قطع الطريق عن الشهوة , وفطمت نفسي عنها , لكني لم أتمكن أبدا أن أقطع الطريق عن الشهرة , أو أفطم نفسي عنها , ولا عجب فآخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة وكما ذكرت من قبل , فالخطب الجماهيرية وذورتها الخطبة على القبر فتحت الطريق على مصراعيه أمامي لحب الشهرة فقد صرت معروفا لدي كل الناس , وكان ينقذني منها كثيرا أني كنت أحضر الجلسات الصوفية وأستمع إلى قراءة كتاب من أرواع الكتب الصوفية وهو الحكم العطائية وشرحها لابن عطاء الله السكندري فكان يذكرني دائما بأمراض القلب وأحس أني على خطر , ووصلت في هذا المجال إلى أخذ الطريقة الشاذلية على يد الشيخ محمد الهاشمي رحمه الله وهي التعميد بأذكار شرعية مأثورة كل يوم أحد قادة البعث في التل , وبعد سماعه لخطبتي عند القبر اعتبرني لقطة نادرة , فدعاني للمشاركة في رابطة أدبي أسماها رابطة الفكر الحر , ودخلت إلى الرابطة فإذا جل منتسبيها من البعثيين , وكان له صراعات مع بعضهم فأراد أن يضربهم بي , وفي جلسة دعيت فيها لإلقاء كلمة , وحانت صلاة المغرب فأردت أن أصلي فهيأ لى مكانا للصلاة ولم يكن هناك سجادة , فاغبر بنطالي , فراخ ينفخه لى وينظفه بيديه , ثم ألقيت كلمة أذكر مقدمتها الآن :

تنتاب الأمة أمراض ثلاثة هي الفقر والجهل والمرض ..

ورحت أتحدث عن هذه الأمراض الثلاثة , وأعلن في نهاية الاجتماع فصل ثلاثة من الرابطة من البعثيين في الوقت الذي أعلن دخولي وانتسابي للرابطة .

وضعت بهذا الانتساب , هل أبقي بها , أفلا أخشي على نفسي من الانحراف ؟ أم أنها مكان صالح للدعوة , أبث أفكاري في صفوفها خاصة أن فيها مستقلين وغير بعثيين , غير أن المسئولين في الجماعة طلبوا مني مغادرتها بعد فترة فغادرتها .

لم أنجح في الشهادة الإعدادية , ولأول مرة في حياتي أذوق مرارة الرسوب , خاصة أن نتائج الإعدادية تعلن في الصحف , وكان هذا العقاب نوعا من الكوابح التي تقف في طريق الشهرة وكنت أربط دائما العقوبة بالذنب , لقد كان من الصعب على أن أنجح في الرياضيات والعلوم , وكان رسوبي بهاتين المادتين في الوقت الذي كانت علامتي عالية في اللغة العربية وغيرها من المواد , ولهذا كانت مرحلتي الإعدادية خمس سنوات , وكان فيها هذه التجارب المثيرة المنوعة .

وبدت أتجه رويدا رويدا إلى قراءة الكتب الصوفية في محاولة لمعالجة أمراض النفس من العجب والرياء و الغرور , ولم تكن مقررة في منهاج الحركة الإسلامية , وكنت بذلك أوازن بشخصي بين كل الاتجاهات الإسلامية وحقا كنت مركبا من حب الدعوة وحب الشهر , وكم تعبت في المعالجة حتى لا أهلك .

الفكرة الرابعة والعشرون

الصحبة المتميزة لها أثر كبير في صياغة الفكر والتوجه ... احرص على الصديق الوفي .

لم نع على صداقتنا تماما إلا في الصف السابع , ثم بلغت ذروتها في الصف الثامن , لقد كنا كأسرة واحدة نعيش معا , نسهر معا , ننام معا , نمثل معا , نذهب إلى الرحلات معا رغم خلافاتنا الفكرية , فمن الطريف أن صديقي البعثي كنت إذا لقيته ناديته سيادة الرئيس وناداني : أمير المؤمنين ومن الطريف كذلك أنا كنا نهرب من الدروس معا , ونمضي إلى البساتين , وكان لكل منا لقب خاص ينادي به , حرصا على المرح فكنت أبا رعد , وغير أبو الفول وثالثنا أبو نايف ورابعنا ابن ديبة كاسة وغيرها , ومن أجل أبي الفول , عملنا رحلة تناولنا فيها الفول المقلي واللبن فقط , ولم تنته الرحلة إلا بغسل بعضنا باللبن , كانت رحلاتنا يوما أو يوما وليلة لكن بعض الرحلات الخاصة تتجاوز الثلاثة أيام .

وما يقول شوقي : عنان الحياة عليهم صبي , حتى النجاح في آخر العام كان كل ثلاثة أو أربعة في درجة واحدة ومن شدة انسجامنا شكلنا جمعية اسمها : جمعية طلاب الصف الثامن وذات يوم كلفنا المدير أستاذ المادة الإنكليزية بكتابة درس الانكليزي خمسة عشرة مرة , وكنا نكرهه , وفي اليوم التالي :

سأل : من لم يكتب الدرس فكان سبعة عشر طالبا لم يكتبوه فطردهم , وفي الفرصة كان أربعة من الذين كتبوا الدرس اتفقوا أن يتضامنوا مع الطلاب المطرودين , كنت أحد هؤلاء الأربعة , فانضممنا إليهم وطردنا أنفسنا ومضينا بعيدا خارج المدرسة بقرابة كيلو متر نقرر الخطة المناسبة , ماذا نفعل , ولو لحق بنا المدير كيف سنقاومه ونرفض أوامره ولو اقتضي الأمر , أخذ العصا منه وكسرها , ولاح المدير من بعيد , وبدأت أصواتنا تخفت وكان له رهبة في قلوبنا , حتى الفرار لم نجرؤ أن نفر , وبذكائه الرهيب وصل إلينا , وكنا ننوف عن العشرين فوجه أوامره إلى أصغرنا سنا بالتسلسل للعودة إلى المدرسة ,وأعاد السبعة عشر المطرودين , أما نحن الذين خرجنا متضامنين معهم قال : أنتم مطرودون ثلاثة أيام , ولن تدخلوا المدرسة حتى تحضروا أولياءكم.

لقد حافظنا على هذه الصداقة طيلة أعمارنا , ناهز الكثير منا الستين من عمره , مع ذلك فلا تلوح فرصة إلا ونتنادي للسهر , وإعادة ذكريات الماضي , ومتابعة الزيارات الجديدة ورغم بعدي عنهم ما ينوف عن ربع قرن , محروما من وطني فلا يأتي أحد منهم إلى السعودية إلا ويزورني رغم خوفه من زيارتي , ما أجمل الحرية حيث ينمو في جوها دفء الحب والاعتراف بالآخر , والحفاظ على الود , وما أسوأ الدكتاتورية التي تقتل الحب والود وتفرض طيفا واحدا للحياة ومذاقا واحدا لها وتقتل ربيع الحياة وربيع الوجود وتحولها إلى صحراء قاحلة , لا نجاة إلا الهروب إلى الذكريات إلى أيام الصبا .

ألا حبذا صحبة المكتب

وأحبب بأيامه أحبب

ويا حبذا فتية يمرحون

عناية الحياة عليهم صبي

وتبقي النجاة الحقيقية في بناء مجتمعاتنا على أركان المعرفة والتسامح والحريات .

الفكرة الخامسة والعشرون

الوصول إلى الهدف لا يسرعه عنف أو غلظة لم لا نرفق بالناس , وتملأ الدنيا حبا وعدلا واحتراما .

ألا قاتل الله التطرف إنه

يحيل ربيع العمر حقدا ومهلكا

لقد ذقناه في أول الحياة وفي المرحلة الإعدادية , فقد نشأ شباب متطرفون يقودهم فتي اهتدي حديثا , وأغرق في الصوفية ثم صار من قادة الناصريين أنشأ دولة إسلامية بعيدا عن الحركة الإسلامية وفرض الجهاد ومضي برفاقه يوما لأحد قادة البعث الذين كان يتردد على البلد وأوجعوه ضربا وركلا حتى كد أن يهلك وحيث لم يشاركهم في الجهاد إلا بعض الشباب فأمر بمقاطعة كل من لم يستجب له أربعين يوما مثل مقاطعة المسلمين لكعب بن مالك .

ولم أستجب لأمره , ولم أقاطع أحدا , فأصدر أمره بمقاطعتي , وقد عذرني عن عدم المشاركة لأني كنت أعمل في البناء في دمشق , ثم بعث إلى شابين وضرباني ضربا مبرحا قبل فك الحصار عني , وأصابني حد من الحدود.

بلغه أن شيوعيا سبّ رسول الله صلي الله عليه وسلم فجمع رفاقه ومضوا إليه حيث كان عائدا وحيدا من سهرة له في قرية مجاورة , ولم يزالوا يضربونه , واستعملوا السكاكين لجرحه وتركوه ينزف حتى مات , وجن جنون الدولة , وجنون البلد , ولحق شباب الحركة الكثير من الأذى بسبب هذا التصرف الأرعن , قبض على بعض الشباب الذين ثبت أنهم المنفذون وحكموا بالأشغال الشاقة والسجن لخمسة عشر عاما , بينما فر بعضهم إلى الأردن ولم يعد إلى وطنه إلى الآن , أما الذين ثبت عدم اشتراكهم بالتخطيط أو التنفيذ فأفرج عنهم بعد شهر , ومعظمهم كانوا من شباب الحركة الإسلامية كنت آنذاك صغيرا فلم أعتقل واعتقل أخي الأوسط , وأمضي شهرا في السجن ولم يخرج إلا بمرافعة محام أثبت براءته أما الشاب قائد الثورة رئيس الدولة فتواري عن الأنظار , ولم يثبت اشتراكه في القتل فنجا وورط أولئك الشباب بدمار مستقبلهم .

لقد كان الحماس هو الذي يحكمهم , ليس العلم أو الفقه في الإسلام , يطلعون على بعض النصوص وينصبون أنفسهم علماء وقضاة ومشرعين , وكثير من النماذج نراها اليوم في عالمنا المعاصر بهذه المواصفات , تقتل الآمنين , وتكفر المواطنين وتخرج من الملة وتتخذ العنف سبيلا وحيدا إلى هذه الحياة ,جاءنا من يستعمل الأسلوب نفسه من السلطة السياسية فأحال بتطرفه ربيع الحياة حقدا ومهلكا وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ) ( رواه أحمد ) وشر الرعاء الحطمة .

المرحلة الثانوية

المرحلة الأتقي والأرقي

1952 -1957م

الفكرة السادسة والعشرون

لكل منا عالمه الخاص به , هئ مناخه وتضاريسه , وتذكر أن تغير البيئة امتحان جديد هل تصمد أمامه ؟.

انتهت الدراسة الإعدادية عام 1957م ولم يكن في ( التل ) مدرسة ثانوية , ولم تنجح المساعي في تأسيس القسم الثانوي , إلا بعد تخرجنا بعام , وكنا بين خيارين , أن نترك الدراسة , أو أن ننتقل إلى دمشق , ونتابع الدراسة وبعد استشهاد أخي أقام والدي ردحا من الزمن ثم عاد فسافر وكان على أخي الأوسط ياسين أن يحمل عبء الحياة مع أبي , فوجد نفسه مساقا للوظيفة وتقرر أن أتابع الدراسة في دمشق , وهذه لها تكاليفها المادية , إذ تكلف على أقل الأحوال ليرة سورية في اليوم الواحد , ستون قرشا مواصلات في الذهاب والإياب وثلاثون قرشا ثمن صحن الفول أو الحمص , ويبقي عشرة قروش احتياطا فالليرة مائة قرش , ونزل معظم رفاقي للدراسة في العاصمة وهو حلم الرفاق جميعا فاغراءات دمشق في القمة ودور السينما منتشرة فيها , وإمكان الصداقة مع الفتيات متوفر فيها وشراء المجلات الماجنة متوفر فيها كذلك , ويصبح الطالب حرا دون مراقبة. ووزعنا طلبة الإعدادية في التل على ثانويتين نصفنا في ثانوية أمية , ونصفنا في الثانوية الخامسة وكان نصيبي في الثانوية الخامسة ,

ولأول مرة نفترق ونحن أبناء بلد واحد بعد صحبة أربعة أعوام أو خمسة ونري عالما جديدا كان صفنا حوالي ثلثه من رفاق الأمس والثلثان الآخران من مدينة دمشق , وكان عندنا عقدة القربة , فأن يكون لنا أصحاب وزملاء من دمشق هو غاية المنى , وغيري أو بعض غيري أن تكون له زميلة أو صاحية دمشقية , فهذا غاية الغايات لا أنكر أن الفقر وضيق ذات اليد كان مقيدا لى , إذ لا مجال للإنحراف فدخول السينما يحتاج إلى نصف ليرة سورية , والموسرون أقلهم كان يملك ليرة احتياطا عن ليرة المصروف , لكن الحصانة التي غادرت فيها بيئتي الأولي كان لها الدور الأكبر في عصمتي من الزلل , فرفاقي يعرفوني الداعية الأول وأنا الذي أعظهم وأذكرهم بالله أن يتراجعوا عن الشهوات فإذن ليس لى أى محطة فيها , وبدأت أتنسم قليلا قليلا بين الرفاق الجدد

هل فيهم أى فتي منتم للحركة الإسلامية , فلصداقته مذاق خاص يختلف عن مذاق الآخرين , يمكن أن نذهب إلى المركز العام سويا ونلتقي هناك في المساء نشتري الشهاب ونتداول الكتب الإسلامية والإخوانية وعثرت على واحد فقط من بينهم جميعا كنت أتجول أنا وإياه في الفرص بين الدروس وفي باحة المدرسة وأحبابي من أصدقائي القدامى لم يبق معي منهم إلا زميل حزبي واحد كنت متفقا وإياه من باب الطرفة , وأن يحكم على بالإعدام وبعد مني إذا حكم البعث , وأعدمه إذا حكم الإخوان المسلمون , إنها بيئة جديدة فيها كل المغريات , وأصدقاء السوء قادرون على أن يعينوا على الانحراف ويسدوا الخلل المادي , لكن هيهات فلكل منا عالمه وصمدت بفضل الله للامتحان الجديد .

الفكرة السابعة والعشرون

اعمل لوطنك والخدمة بشرف وأمانة فحب الوطن من الإيمان .

لقد أصبح الحديث عن وحدة مصر وسوريا هو الشغل الشاغل للشبان وكان أن أقر في هذا العام نظام الفتوة والتدريب العسكري في المدارس , كنا أول جيل يطبق عليه هذا النظام فاشترينا بزة الفتوة , والحذاء العسكري , وكنا نمضي إلى الملعب البلدي , حيث يأتي بعض ضباط الصف من الجيش السوري , العرفاء والرقباء يدريوننا التدريب العسكري وكما ذكرت فمن خلال انتمائي الحزبي , أدرك أن الدولة مقدمة على السقوط بيد الشيوعيين .

فقائد الجيش الرسمي عفيف البزرة ,وقائد الجيش الشعبي صلاح البزرة أخوه وكلاهما شيوعي أو هكذا ينقل لنا , لكننا كنا نري الانحراف من جهة أخرى عند المدربين من العرفاء والرقباء وأول درس تلقيته في حياتي العسكرية الفتوية حيث يسب المدرب الدين والرب كشربة ماء .

كان الإعلام إلهام الذي تلقيناه من أحد المدربين الرقباء : انتبهوا بالجيش ما في الله .

أى لا وجود لله والإسلام والدين في الجيش السوري , فلا حديث إلا عن التدريب والانضباط ومبادئ القتال ,والسلاح , أما الصلاة أو الأخلاق أو تجنب سب لرب والدين فهذا من المبادئ المحظورة في الجيش .

وتجسد حب الوطن من خلال حب الوحدة بين القطرين الشقيقين , ومقاومة العدو الإسرائيلي وكان الهتاف السائد ,

بدنا الوحدة يا جر يا جر ( باكر )

مع ها الأسمر عبد الناصر لقد مرت الأشهر الثلاثة الأولي تغلي النفوس فيها كالمراجل تشوقا للوحدة وكان حزب البعث أشد الأحزاب اندفاعا لذلك لحبه الجارف لعبد الناصر ونكاية بخصومهم الإسلاميين , فهو الذي أعدمهم شنقا في مصر , وهو الذي يعدمهم في سورية , كنا نخرج للمظاهرات كل بضعة أيام , نمضي للمجلس النيابي أو لمجلس الوزراء .

تلهب أكفنا بالتصفيق , وحناجرنا بالهتافات , وكان الشباب البعثيون سرعان ما يسيطرون على مظاهرات الطلبة بهتافاتهم الحزبية لكن ينكمش عنهم الطلبة فيصعد الوطنيون فقط بهتافاتهم العامة كما كان لقضية الجزائر المقام الأوفي في المظاهرات والهجوم على فرنسا وإنكلترا وأمريكا وإسرائيل هو شغلنا الشاغل ولا غرو فحب الأوطان من الإيمان .

الفكرة الثامنة والعشرون

تسبح علاقاتك بحكمة واتزان ولا تستعجل المخاصمة أو مصالحة أحد واتخاذ القرار .

كان مدير الثانوية الأستاذ الأديب الشاعر أنور العطار , وكان الصديق الحميم للشيخ على الطنطاوي , وكان مرهف الحس , رقيق المشاعر , يتأثر لأدني مؤثر ورغم أني كنت قويا في اللغة العربية , وكان يدرسنا مادة الأدب العربي لم أكن أشارك في النشاط فيتصورني بليدا , وكثيرا ما كنت أنام في الدرس فينزعج مني أكثر , وكان عندي عادة سيئة كان يكرهها فأصبحت أكره الطلاب عنده وأبغضهم إليه , ساءت سيرتي عنده إلى أن كان يوم إعلان الوحدة والدنيا تغلي بالمشاعر والأحداث , وكان صفنا الصف العاشر أعلي الصفوف فقد أسست الثانوية بنا , وكانت إعدادية, وفي غمرة هذه البهجة , ونزل الطلاب جميعا للقاعة للاحتفال بالوحدة , تكلم هو وبعض المدرسين واحترق قلبه أن يشارك على الأقل وحرضني رفاقي من التل الذين يعرفونني خطيبا في كل مناسبة , فلم أرغب بالمشاركة , وكنت في مرحلة أربي نفسي فيها من الشهرة , وما أحسسنا إلا والمدير بيننا ونحن الطلاب الكبار في المدرسة يستحثنا ويسأل ألا يوجد فيكم أحد ألا طالب يشارك في المناسبة ؟

فليجرب أحدكم حظه , فأشار رفاقي " التليون " بالأصابع نحوى وأكدوا للمدير ذلك , نظر المدير إلى ّ فامتعض , لقد كان يكرهني ولكن ما العمل لم يتقدم أحد , فوافق مكرها لعل وعسي , وأمرني أن أمضي للمنصة فأتكلم ,وكنت قد أعددت في ذهني خطبة مناسبة لو طلبت , فصعدت الدرج إلى المنصة , وكانت الكلمة من القوة والاستشهاد بالأشعار القديمة والحديثة , وربط الماضي بالحاضر والحديث عن الوليد العظيم الجمهورية العربية المتحدة مما ألهف الأكف بالتصفيق عدة مرات .

وإذا بالأديب الشاعر الذي كان يكرهني إلى درجة المقت يتقدم إلىّ أمام المدرسين والطلاب ويقبل رأسي شاكرا لى على هذه الكلمة , اكتشف مواهبي وتغيرت الدنيا فصرت أحب الطلاب إليه في المدرسة لا يقدم على أحد , وكل طالب له مشكلة مع المدير يرجوني أن أتوسط له , وحافظت على صداقته , طلب مني زيارته في البيت وزرته ورحب بي , وأبدي استعداده لأى حاجة أريدها منه , وأقلعت عن العادة السيئة التي يكرهها , ولم يعد يرني نائما , وسبحان مقلب القلوب ومغير الأحوال , وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم ( أحبب حبيبك هونا ما عسي أن يكون بغيضك يوما ما , وابغض بغيضك هونا ما عسي أن يكون حبيبك يوما ما ) رواه الترمذي ).

الفكرة التاسعة والعشرون

للحقيقة وأثرها على شخص بين المبدأ والرجال وانقله ذاتك تظهر

أغرتني هذه الشهرة ومضيت مع المظاهرات أهتف بهتافات الوحدة وصرت أنا هتاف المدرسة في مظاهراتها , ولابد أن أثني على الوحدة , وأثني على عبد الناصر , أذكر دماء بريئة وأعواد مشانق مضت زورا على يديه , فأحس بأني منافق , فبأمكاني أن انسحب من الهتاف ولا أناقض نفسي , مر هذا ليومين , كان من أصعب أيام حياتي لقد وقعت في الذنب وآثرت الشهرة على المبدأ , فلابد من عقوبة وقررت أن أصوم ثلاثة أيام لا أتناول فيها الطعام إطلاقا عقوبة على هذه الزل , ونفذت ذلك ليومين فقط , كانت دمشق في أعراسها تلبس أحلي حللها ففرحة الوحدة لم تكن تقل عن فرحة الاستقلال , وكنا نهتف :

سجل يا تاريخ الكون

أصبحنا ثلاثين مليون

فكانت سورية خمسة ملايين , وكانت مصر خمسة وعشرون مليونا , لقد فرحنا بالوحدة ولم يداوم الطلبة من شهر شباط / فبراير يوما واحدا فالمظاهرات تعم البلد ونتلهف لرؤية عبد الناصر وتحقق الحلم , عبد الناصر في دمشق وزحفت دمشق كلها لاستقباله , ومضيت مع الزحوفة الهائجة , مع الطلاب الحالمين ليطل علينا عبد الناصر من شرفة الرئاسة , وكان في الناس عقل , ولم يعد بهم عقل , أمواج بشرية لا ترى إلا رؤوسا ولا تسمع إلا حناجر تهتف وأكفا تصفق , أما أنا فما كان أسهل من أن تقبض على المخابرات التفت إلى صديقي الحركي الذي انتميت معه للحركة الإسلامية وقلت له في صوت خافت  : هذا الذي فعل بنا الأفاعيل : تذكرت كلمة أمية بن خلف يوم لقي عبد الرحمن بن عوف في بدر فسأله

من هذا الرجل فيكم المعلم بريشة نعامة في صدره ؟ قال عبد الرحمن : هذا حمزة بن عبد المطلب , فقال أمية : هذا الذي فعل بنا الأفاعيل .

سبحان الله وبمقدار ما كانت سعادتي بالوحدة وعواطفي ومشاعري وكياني كله معها , لكن لم يدخل عبد الناصر إلى قلبي وتذكرت السجون والمعتقلات والأعلام على أعواد المشانق فلم يفتح قلبي له !. إنما فتح فمي بالقول : هذا الذي فعل بنا الأفاعيل .

لقد أدركت وأنا ابن السادسة عشر من عمري : الفرق بين المبدأ والأشخاص , وأن المبدأ فوق الرجال , وعندما زللت في لحظة ومضيت بعيدا عن قلبي ابتغاء شهرتي , كان النداء الداخلي عنيفا وهزني وحاسبت نفسي وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا .

الفكرة الثلاثون

عيش مسكونا بأمل وفكرة ... وترفع عن الحسابات الحزبية وتذكر أن المبدأ فوق الأشخاص .

لقد تربيت في صفوف الجماعة علي مبدأ أن نضع أيدينا فوق الجراح , عندما تكون المصلحة للوطن وللأمة , فنرمي أحقادنا وضغائننا جانبا ونقدم للتضحية والجهاد .

كانت هذه التربية أولا من مواقف الجماعة من العدوان الثلاثي , ومن تأميم قناة السويس , ولم يكن قد مر على الإعدامات سنتان , ولا تزال السجون والمعتقلات ملأى بالأسري , فأيدت الجماعة في بياناتها تأميم القناة وتطوع المراقب العام في الجيش الشعبي ,ولبس ثياب الحرب , وكان يحضر الدروس بهذا اللباس , وكان للخطب التي يلقيها دوى في سماء سوريا يحض الناس على التضحية والبذل وكانت هذه التربية ثانيا : في الموقف من المعسكر الاشتراكي الشيوعي الذي حاولت أمريكا والغرب من ورائها جر المسلمين إليها بحجة إقامة حلف ضد الإلحاد من معسكر الإيمان النصراني والإسلامي وطليت هذه الحيلة على المغفلين ووقف الدكتور السباعي رحمه الله كالأسد الهصور يفرق بين المواقف والعقائد , فيعلن أن معسكر الغرب النصراني هو ضد كل قضايانا الوطنية , وهو مع عدونا الألد إسرائيل . أما المعسكر الاشتراكي الشيوعي , فرغم خلافنا الجذري معه في العقيدة وخلافنا الجذري معه في حتمياته لكننا نحفظ له مواقفه المشرفة معنا ومن قضايانا الوطنية ولقد ألقي هذه الكلمة في المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي عقد في بحمدون بلبنان وكان الخطباء جميعا يكيلون الثناء للغرب , فارتجل تلك الكلمة الخالدة التي هزت كيان المؤتمر , وطبعت وترجمت إلى عدة لغات وناقضت الهدف الذي أقيم من أجله المؤتمر .

وكانت هذه التربية ثالثا في الموقف من الوحدة فلقد كانت بيانات الجماعة تدعو إليها وتحث عليها تطالب بتحقيقها غير عابئة بما يحتمل أن ينالها من أذي على يد رئيسها وغير عائبة بأن المتبنين للوحدة هم خصومها الفكريون القعائديون , ولا أزال أذكر أن المظاهرات التي أقامتها الحركة الإسلامية تأييدا للوحدة , وكانت أضخم مظاهرات دمشق , جابت دمشق من أقصاها إلى أقصاها ومن هتافاتها :

هبي يا رياح الجنة هبي علينا

نحن حققنا الوحدة الوحدة الزينا

هبي يا ريح الجنة من فلسطين

هبي وهاتي لنا معك صلاح الدين

وغير ذلك من الهتافات الوطنية الإسلامية , وكنت أحمل على كتفي شعراء الإخوان الذين يهتفون وأنا في السادسة عشرة من عمري وكانت هذه التربية رابعا في الموقف من شرط عبد الناصر الذي أوقف الوحدة على حل الأحزاب في سورية , وحضرت بمركز الإخوان المسلمين بالمزرعة بدمشق آخر اجتماع , الذي أعلن فيه حل الجماعة استجابة لمصلحة الوحدة وهكذا تربيت : المبدأ فوق الأشخاص .

الفكرة الواحدة والثلاثون

دعوتنا لا تراهن على الحزبية وإنما ترتكز مصداقيتها على نصاعة جوهرها وعلى صدق عبوديتها لله .

لقد كانت عوامل شتى تتقاذفني عند حل الجماعة .

لا شك قد تألمت كثيرا لفقدان هذا المنبر الإسلامي الذي كان يمثل المطالبة الدائمة في الأمة لتحكيم شريعة الله , ويقف في وجه الانحراف والمحاربة لدين الله , ولا شك أن التنظيم أقوى من الأفراد , وهذا من عوامل أساس لحل هذه الجماعة المسلمة .

لكن حضرني عامل آخر شبه , بجواب الصديق رضي الله عنه يوم وفاة رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ). قلت في نفسي : من كان يعمل للحزب وللإخوان المسلمين وللشهرة فقد انتهي الإخوان المسلمون , ومن كان يعمل داعيا إلى الله , فإن الله حي لا يموت واليوم يكشف دعاة الحزبية من الدعاة إلى الله والدعاة إلى شريعة الله .كما رافقني شعور آخر إن كثيرا من الناس كانوا يتحسسون من الاستجابة للإسلام , ولأنها كانت مرتبطة بالإخوان المسلمين وهم يريدون أن يكونوا مستقلين , فلو ترددوا على المساجد أو أطلقوا لما هم لقيل عنهم : إنهم من الحركة الإسلامية .

وقد مضي هذا التحمس ومضت الحزبية , فالآن الآن جاء دورك أيها الداعية إلى الله وفعلا فقد انطلقت انطلاقا يعتبر من أخصب مراحل الدعوة في حياتي حيث كنت أمضي بلا عوائق الحزبية وبلا مشاعر الخوف منها , وأدعو الشباب إلى الله واستفدت من تجربة البعثيين فيما أسموه برابطة الفكر الحر , وبدأت أعمل مع الشباب في تكوين رابطة أسس قوامها ابتداء من الشباب حديثي عهد بالإسلام والذين كنت أعمل معهم ليل نهار في محاولة الخلوص بهم من وحل الشهوات إلى نور العبادة والعبودية لله وأسميناها الرابطة الإسلامية نلقي بها محاضرات عن الإسلام

, ونتعاهد على العبادة والصلاة ونحاول تكوين بيئة إسلامية تساعد الفتيان على الطاعات كنت قد غدوت في السابعة عشر من عمري يوم تحددت ملامح هذه الرابطة وكان يرافقني فيها بعض الإخوة السابقين أو واحد منهم فقط , ونتعاون على الدعوة إلى الله , لكن الذي بقي لنا من آثار الجماعة هو مسجد الجامعة بدمشق , حيث كان الأستاذ عصام العطار وبقية القيادات الإسلامية تخطب فيه كل جمعة وكنا نتردد على حضور هذه الخطب , ولا أزال أعجب إلى اليوم أين كنت تلك الطاقات الكامنة وفورة الشباب للاندفاع إلى العمل , وأحمد الله تعالي أني لم أكن إلى الدعة كما ركن الكثيرون من الشباب بعد حل الجماعة ولا عذر لهم فالدعوة إلى الله فوق الحزبية .

الفكرة الثانية والثلاثون

تلطف بمن حولك تنجح في هدايتهم والنور القوى لا يطفئه ظلام دامس .

من التجارب الطريفة في الدعوة لدي , وصلت يوما متأخرا إلى المدرسة في الثانوية خمسة دقائق عن الحصة الأولي , فلقيت زميلا لى متأخرا مثلي , قال لى :

ما رأيك أن نمضي لنأكل الشوندر ثم نعود لعلهم يفتحون الباب عند الحصة الثانية قلت له : أنا إن تأخرت عن الحصة الأولي , فأهرب النهار كله .

قال لى : يا سلام ما أحسن هذا الصديق اتفقنا , أين نذهب ؟

قلت له : حيث تريد قال : إلى السينما , نمضي ثلاث ساعات على الأقل مع أى فيلم جميل وكنت أعلم أن هذا الفتى كان وسيما وجميلا ومعشوق الفتيات , وناعما لا تكاد تسمع صوته , فقلت له : لكنك تعرف أني شيخ ولا أدخل على أى فيلم , خاصة من الأفلام التي تحبها , قال : لا حول ولا قوة إلا بالله , ما هذا البلاء ؟ أمضي معط المهم أن نذهب إلى السينما ,وأدبر له بعد ذلك .

قلت له : في سينما عائدة فيلم ( معركة دانكرك ) سمعت به ما رأيك أن نذهب إليه فوافق ممتعضا , ورحت طيلة الطريق أخلط الجد بالهزل , وأذكر أمامه أشعار الغزل لينفتح قلبه لى , ثم أعود فأذكره بالآخرة . المهم أنا حضرنا الفيلم وذهب وتناولنا الغداء لأننا لا يجوز أن نعود إلى بيوتنا قبل انتهاء الدوام , وعندما أكثرت عليه من الحديث الديني وخاف أن يتأثر قال لي :

شوف , أنا كل أوقاتي مع البنات , فهل نستطيع أن تملأ فراغي كله حتى أستجيب

قلت له : نعم : قال أتعرف ما تقول .

قلت له : نعم . قال تسهر عندي , قلت : أسهر عندك , ثم أتيك لأوقظك على صلاة الصبح وبين بيتي وبينه قرابة مسافة ثلاث كيلو متر , وتصور أني سأعجز وأهرب لكني صبرت , وعندما دخل المسجد معي في بعض أوقات الصلاة ذهل الشباب جميعا فمعروف عنه أنه من أكبر ( الزعران ) وحياته كلها مع البنات , فأطلق بعض الزملاء النكات علينا , وقالوا منير يعطي (.....) نصف ليرة على كل وقت صلاة , أما تسعيرة صلاة الصبح فهي ليرة سورية , وصار يتردد معي على الصلوات في المسجد ,

ويقول لي : باطلة ومحولة , لقد حرمتني الدنيا يا ريت ما التقيت معك ولا شفت هداك اليوم , ولا أزال أذكر ذات يوما وهو خارج من صلاة الصبح قال لى : أرجوك اسمح لى فقط هذه المرة فقد جاءتني الرسالة من إحدى الزوجات , إن زوجي قد خرج ولا يعود إلى المساء , فتعال : لقد سخنت الحمام , وأنا بانتظارك نغتسل معا , وأنا بالانتظار فبقيت أعظه وأذكره بالله وأمضي الوقت معه حتى فوّت عليه ذلك الموعد .

تلطفّ بمن حولك تنجح في هدايتهم , والنور القوى لا يمكن أن يطفئه الظلام .

الفكرة الثالثة والثلاثون

الحياة تحد , نظم برنامج أيامك وعدله واستعن بالله تصنع الأعاجيب .

من أين كانت تأتيني هذه الطاقة ؟ من الله , من نور العبادة .

لقد كان على أن استيقظ قبل الفجر بساعتين على الأقل أمضي الساعة الأولي في التهجد التهجد , وقد بدأت أحفظ من القرآن من سورة الحجرات إلى آخر القرآن علي أساس أنها طوال المفصل وأوسطه وقصاره ثم على أن أمضي في الساعة الثانية لأمر على خمسة أشخاص أوقظهم على صلاة الفجر متوزعين من أقصي البلدة إلى أقصاها , كثير من الحارات لا نور فيها , وكانت أيام الشتاء القارص تقتل الإنسان قتلا وتدفعه أن لا يغادر فراشه , وكثيرا ما استيقظت والثلج يهطل , والأرض مجمدة من شدة البرد والجليد يغمرها لكن أصعب هذه التجارب على الإطلاق , هو يوم استيقظ وقد احتلمت من الجنابة , وكيف اغتسل وأستحي في البيت أن أوقد ( البابور ) لتسخين الماء , فكنت أمضي كما ذكرت من قبل إلى ( البحرة ) في حمامات المسجد لمن ليسد عنده حمام في بيته وحيث أني أقوم قبل الجميع فكان على أحيانا أن أكسر عن وجه الماء ,فالماء قاتل من البرد , ولا خيار لى , فأغطس فيه مرة أخرى , ثم أتوضأ وأعود فأصلي ما استطيع صلاته , وأمضي إلى برنامجي مع هؤلاء الفتيان أوقظهم على صلاة الصبح , ثم على بعد اللاصة العودة إلى البيت , والتهيؤ للنزول إلى دمشق إلى المدرسة وعلى واجبات لابد من كتابتها ودروس لابد من مراجعتها .

وبارك الله في العمر وفي الوقت وفي السن , نجحت في الصف العاشر , بترتيب جيد والغربي أن علاماتي في المواد العلمية كانت أكثر منها في المواد الأدبية , لكن هوايتي وقدراتي الحقيقية في المواد الأدبية , وعادت الشهرة فأغرتني مرة ثانية , أهلي بها جمونني أنني سأرسب لأني أضيع وقتى في الدعوة في العبادة فأحببت أن أثبت لهم أني بطل وأسدخل الصف الحادي عشر العلمي , ولن أدخل الفرع الأدبي , وكان الناس ينظرون إلى الفروع العلمية بتقدير أكبر بكثير من الاختصاص الأدبي وكانت الغلطة القاتلة حب الشهرة ودخلت الفرع العلمي الذي لا أطيق أى مادة من مواده في العلوم والرياضيات وأهملت الدراسة وقلت في نهاية العام سأنكب على المواد وأنجح , ولكني رسبت وهكذا ذقت الرسوب ثانية في الحادي عشر العلمي , وكان هذا تكسيرا لشخصي , وإثبات شهرتي أني سأحافظ على برنامجي وأنجح ولكن الله تعالي يربيني ويأخذني بعنايته وكان الرسوب خيرا لى , حيث جمعت بعدها بين الفرع الأدبي والبرامج واستعنت بالله , وكانت الأعاجيب في ثمار الدعوة.

الفكرة الرابعة والثلاثون

اجعل لك هدفا ساميا واحرص أن يكون حياتك بألوان يتشكل فيها ذلك الهدف النبيل والحلو وسخر كل شئ لدعوتك .

لقد كانت المرحلة الثانوية أربع سنوات من عام 57 – 61 من السادسة عشرة من عمري حتى التاسعة عشرة .

لقد كنت أعمل على جبهات عدة ومتنوعة ولكل جبهة عملها الخاص بها :

• متابعة الدراسة العادية خسرت فيها سنة دراسية وبذلك

صرت مثل بقية زملائي فلقد كنت سابقا لهم في سنتين دراسيتين حيث دخلت المدرسة في الخامسة من عمري بدل السابعة .

دخلت على الفريق الرياضي فريق شباب خالد , وهذا له جهده الشاق وعمله الخاص الذي سأتحدث عنه فيما بعد الرابطة الإسلامية التي كانت لها نشاطها الخاص وشبابها المختلفون عن أهل الفريق .

المطالبعة العلمية التي سأوفيها حقها في الحديث فيما يأتي الكتابة والتأليف الذي أخذ الكثير من وقتي في هذه المرحلة .

هذه الجبهات لم أكن لأدع جبهة على حساب الأخرى وكان توفيق الله العجيب هو الذي يعينني على العمل في هذه المجالات كلها .

كنت سابقا في دراستي لطلاب الصف الثامن , حيث كنت في العاشر , وكانوا يلعبون في ساحة المدرسة الإعدادية بينما كنت أختلي فيها للمطالعة , وأخرج فألعب معهم أحيانا تكرما مني . فتعرفت عليهم لعدة مرات , ثم دعوني للمشاركة معهم في الفريق فوافقت وأنا واع لهذه الموافقة فهو مجال رحب من مجالات الدعوة إلى الله .

وحيث لم أكن لأبرز في الألعاب الرياضية فاقترحت عليهم إنشاء مجلة حائط للفريق فوافقوا واستلمت إدارة المجلة ورحت أحثهم على الكتابة وأعمل على تنمية مواهبهم الأدبية , ويعملون على تنمية قدراتي الرياضية وصرت أحضر المباريات التي يعقدونها وأشارك في التدريبات بكرة القدم وبالكرة الطائرة وبكرة الطاولة تعلمت وكنت سابقا لهم ثم تجاوزوني ولم أصل حتى المرحلة الوسط لقد كان الدفاع يمثل خط حياتي فعملت خط دفاع في كرة القدم , ولم أبرز إلا في صد الهجمات في الكرة الطائرة ولم أتعلم الكبسة التي تمثل قوة الهجوم وبرزت في كرة الطاولة بالدفاع ولم أكيس مرة قط وأسسنا عملا ثقافيا جديدا باكورته " المجلة ط وسر الفتيان بالمجلة وصرنا نعقد أمسيات ثقافية وكانت الوحدة على الأبواب فعرضت عليهم المشروع التالي ما رأيكم أن نقيم مسرحية بمناسبة الوحدة ونسميها خالد بطل الوحدة ولافت هو عظيما عندهم فهم فريق شباب خالد وهنا أعود لأكون المحور الرئيسي في كل ما يتهلق بالمسرحية وبالتعامل والمسرح والرياضة والمجلة تصل إلى القلوب , وتسخر كل شئ لدعوتك .

الفكرة الخامسة والثلاثون

حرر نفسك من التعلق بالأغيار ووثب روحك من حولك للعيش في عالم الصدق والأخلاق عالم المبدأ عالم الصحابة رضي الله عنهم .

لقد كانت كلمة .. خالد , رضي الله عنه , لا تعني أكثر من أنه بطل اليرموك , وعوضا عن أن تكون القلوب كلها معلقة بعبد الناصر , فلتتعلق بعظماء هذه الأمة , عكفت أكثر من أسبوعين أو ثلاثة حتى صغت المسرحية من النصوص الصحيحة , وأظهرت خالدا رضي الله عنه وهو ينتقل من نصر إلى نصر فقد هزم المرتدين وحرر جزيرة العرب كلها , ثم انطلق إلى العراق فحررها ثم انطلق إلى الشام وشارك في تحريرها وقاد معركة التحرير التي أنهت الروم من أرض العرب بعد أن أنهي كسري من أرض العرب , ووزعت الأدوار وبرز بين يدينا طاقة مبدعة في التمثيل سرعان ما أخذ دور البطولة , خالد ولم يكن يظهر عليه ذلك ,

ومضينا ونحن فتية أعمارنا في العقد الثاني من حياتنا , بل لا يتجاوز أحدنا السابعة عشر من عمره لشهرين متتالين نصل ليلنا بنهارنا تمثيلا وبناء للمسرح وتهيئة للديكور والألبسة والمكياج وزرنا بعض الفرق التمثيلية في دمشق واستعنا بها وعلينا طبع البطاقات وتوزيعها وكتابة الإعلانات العامة واخترنا القاعة الكبرى وهي في الثانوية لتسع أكبر قدر ممكن من الأشخاص , وحددنا موعد المسرحية وحضر جمهور غفير على رأسهم رئيس البلدية , وبعد أن انتهينا , حيث نجحت نجاحا باهرا , وعلى مستوى التل لم يسبق لها مثيل قط , ثم أعدنا نراجع حساباتنا بعد شهرين من الجهد والإعياء فوجدنا المصاريف قد بلغت ثلاثمائة ليرة سورية وكانت واردات الحفل خمسمائة ليرة سورية , وفاغرورقت العيون بالدموع من الفرح ورحنا نعانق بعضنا لقد ربحنا للنادي مائتي ليرة سورية وهذا رصيد رائع ما كنا نحلم به أبدا , وصار الحديث عن المسرحية حديث الناس , شغلهم الشاغل الطلاب والشباب والشيوخ الذين حضروا وأحيينا ذكر خالد بن الوليد والصحابة معه رضوان الله عليهم في قلوب الناس وعقولهم .

الأجود من ذلك أن فتيان الفريق كان فيهم البعثيون والشيوعيون والمستقلون وبعض الشباب المتعاطفين مع الإسلاميين , يصلون أوقاتا ويقطعون أوقاتا وكانت فرصة سانحة للاحتكاك المباشر اليومي معهم وفرصة للتعايش مع الآخرين وفرصة للتعامل وإبراز الأخلاق الإسلامية وعاش الجميع هذا المثل الأعلي , خالد رضي الله عنه على اختلاف أطيافهم وأفكارهم وأصبحت الرابطة بين وبينهم رابطة حياة من نسيج خاص وأذكر من بين هؤلاء الذين عشنا هذا الحلم رئيس الوزراء السابق في سورية الدكتور محمد الميرو , والذي حافظ على صداقته لي طيلة هذا العمر .

وإلى الصحابة نرنو , فانقل من معك وانتقل إلى عالم الصحابة وما أسهل الوصول نجابة وتقوى الصحابة ما دمت أنت على طريق .

الفكرة السادسة والثلاثون

تعلم أن النجاح يقود إلى النجاح وأن النجاحات المتوالية هي وليدة عقل يقظ وإرادة واعية .

لم نكن ندرك في ذكري مرور عام على الوحدة مع مصر , وموعدها هل هي في الثالث من شباط / فبراير أو في الثاني والعشرين منه , واخترنا الموعد الأول , حيث انت المسرحية في الثالث من شباط .

ومضينا لنهئأ بالراحة ونخلد إلى الهدوء بعد تعب شهرين متواصلين وما راعنا في اليوم الثاني بعد انتهاء المسرحية إلا ورئيس البلدية يطلبنا , وهو الذي شهد المسرحية وأعجب بها وقال لنا :

نريد منكم مسرحية في الحادي والعشرين من شباط / فبراير يوم ( عيد) الوحدة , قلنا له هذا مستحيل !!.. فماذا نستطيع أن نعمل خلال أقل من عشرين يوما ؟ قال : وأنا أقول لكم مستحيل " فلابد من مسرحية تكون على مستوى دمشق والشام كلها وليس المطلوب منكم شيئا إلا الانشغال بالتمثيل ونحن نتكفل بكل شئ مالا وجهدا وعملا , وتفرغوا فقط لها , لم يكن عنده إلا الإصرار ولم يجد الاعتذار تعاملت مع الواقع واخترت أن تكون المسرحية الجديدة , صلاح الدين منقذ فلسطين , وأغلقت علىّ بابي وعكفت على الكتب , ووصلت ليلي بنهاري حتى كانت المسرحية جاهزة بعد أقل من أسبوع , واستدعيت فريق العمل ,ووزعنا الأدوار , وبدأ التدريب والحفظ وكانت مستحيلة فعلا لولا توفيق الله أولا والإدارة القوية وعزيمة الشباب أن ينفذوا المستحيل , وتبنت رئاسة البلدية توزيع البطاقات , وكان اللواء محمد الجراح , قائد الشرطة في سورية ونائب وزير الداخلية عبد الحميد السراج هو الذي تولي الدعاية وتوزيع بطاقات المسرحية , حيث كان تحت رعاية محافظ دمشق الممتازة وتفاعلنا مع صلاح الدين العظيم , كانت أشواقنا وإعجابنا بحياته وجلائل أعماله يمدنا بالعزيمة والقوة وكما قدمنا مسرحية غنائية وألقينا أغنية يغنيها عبد الوهاب ( احنا بنينا واحنا حنبني السد العالي ) وجعلنا الوطن العربي كله مشارك في هذه الأغنية فألبسنا كل فرد من ( الكورس ) لباس قطر عربي , وتنازلت هذه المسرحية كما تنازلت في مسرحية خالد عن الاشتراك في التمثيل واكتفيت بالإخراج , وكنت أتحدث بين الأدوار من وراء الستار , أصل الفصول ببعضها , حتى يبقي الجمهور يعيش أجواء المسرحية وحضر جمهور المسرحية السابقة مع الشخصيات الرسمية العليا من كل أنحاء القطر , ونسي الناس المسرحية الأولي أمام المسرحية الجديدة ولا عجب فالنجاح يقودنا إلى النجاح وبورك بالشباب الطامحينا .

الفكرة السابعة والثلاثون

الحياة ميدان سباق وتنافس كن سباقا إلى الخير ونجما يهدي قلوب الناس إلى فعل الجميل ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون )

ذكرت عن المسرحية الأولي أن كلفتها عالية , وأنها جهد شهرين متتابعين وعرق الجبين الغزير وبطاقات الشرف التي كنا نقدمها للموسرين حيث كان سعر البطاقة لها خمس ليرات سورية , بينما كانت البطاقة العادية بليرتين وكم أخجلنا بعض هؤلاء الموسرين حيث نعطيه البطاقة ويردنا خائبين , ولا يعطينا شيئا , أو يتعامل معها كما يتعامل مع بطاقة الدعوة للعرس فيشكرنا هذا إن شكرنا , فنحن نبقي مجموعة أولاد لا نملأ العين , لكن ما هو الجديد في المسرحية التي لم نتول توزيع بطاقة واحدة منها إنما تولي توزيعها موظفو الدولة .

أذكر رقما كان في ذلك الوقت يعادل ثروة واحد من كبار وأكبر وجهاء البلد هذا التبرع وعرض علينا رئيس البلدية أن يبقي لنا شيئا من هذا المبلغ فرفضنا ذلك و اكتفينا بالمائتي ليرة التي ربحناها من المسرحية السابقة لقد قدمنا جهدنا كاملا في سبيل الخير وبذلنا كل ما نملك في سبيل الله , ولا يزال هذا المستشفي قائما إلى اليوم وقد تحول إلى مستشفي عسكري وخصص فيها ثلاثون سريرا لأهل التل , ونرجو أن لا يفوتنا أجر كل من يتداوي به إلى يوم القيامة وفي الخيرات يتنافس الناس فكن سباقا إلى الخير ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) المطففين 26)

الفكرة الثامنة والثلاثون

اعمل بعلم واقرن بين علمك وعملك فالفكرة المجردة لا قيمة لها إذا لم تكن مجسدة واستعذ بالله من علم لا ينفع .

كان الحديث كله وأنا أتناول المرحلة الثانوية , ينصب على العمل , فما هو الجديد في الجانب العلمي , لقد كان التوازن بحمد الله قائما عندي بين العلم والعمل , بحيث لا يكون أحدهما على حساب الآخر , أعتبر أن المرحلة الثانوية هي المرحلة الجادة في طلب العلم لقد كانت المرحلة الإعدادية والابتدائية أتلقي ما يكتبه الناس عن العلم , أما في المرحلة الثانوية فقد اتصلت بالعلم الحقيقي مباشرة وبدون واسطة .

كان والدي رحمه الله يعمل في السعودية وجاء جاء منها ومعه هدية لى , وكانت هذه الهدية : السيرة النبوية لابن هشام , وتاريخ الطبري .

ترى هل كان والدي يعرفني ويعرف اهتماماتي فبعث لى بهذه الكتب , أم أن القدر وتوفيق الله ساقه إلى اختيارها ؟؟ لا أدرى , لكن الذي أدريه أن هذه أول مرة أتصل بكتب التراث , وكانت هذه الكتب في بداية المرحلة الثانوية .

ورحت أقرأ العلم من مصدره المباشر , وقرأت كتاب السيرة النبوية أربعة أجزاء , أما تاريخ الطبري فلم أقرأه كله , إنما قرأت فقط قرابة ثلثه , حيث مررت على تاريخ البشرية والأنبياء مرورا فقط قرابة ثلثه , حيث مررت على تاريخ البشرية والأنبياء مرورا سريعا , وركزت على السيرة النبوية , وتاريخ الخلفاء الراشدين كاملا , ولم أكن أعرف في ذلك الوقت معني السند , فكنت أمر عليه سريعا سواء كان في السيرة أم كان في التاريخ ولا أدري لم يملئون الكتب فيه كما لا أنفي أن الشعر في السيرة النبوية لم يكن لى أن أفهمه كله , وأحيانا أكتفي بالمرور عليه , وتكوت عندي ثقافة تاريخية جيدة استنفدت منها كثيرا حين كتبت مسرحية بطل اوحدة , وتعاملت مع هذه الكتب بأهم مما يتناوله الطلاب في كتبهم المدرسية , لقد درستهما دراسة ولم أقرأ قراءة , وحاولت حفظ ما أستطيع منها , وهنا تركزت ثقافيت في السيرة والتاريخ وكثيرا ما كنت أملأ المجالس بما تحصل لدي منها , وكنت أفعل كما يفعل العقاد , يأخذ من الروايات التاريخية ما يعجبه , وأنا آخذ ما يعجبني همه أن يرسم مفتاحا للشخصية التي يكتب عنها , ويجعلها محور الكتاب وينقي من الروايات ما يتناسب مع هذا المفتاح , وهمي أن أعرض الجيد من التاريخ الإسلامي فأنتقي من الروايات ما يناسب هذا الهدف , وكلانا مخطئ فالحقيقة بين هذا وذاك لكن بحمد الله لم يكن علمي لمجرد التشهي ومتعة القراءة . إنما كان هادفا ونعوذ بالله من علم لا ينفع .

الفكرة التاسعة والثلاثون

إذا أردت أن تستفيد من علمك فقيده بكتابتك

من أفضل ما من الله علىّ في العلم أني كنت أقرأ لأكتب ولم أكن أقرأ لأقرأ , كنت في السابعة عشر من عمرى , وفي الثامنة والخمسين والتاسعة والخمسين بعد التسعمائة والألف , ولا تزال عقدة العقاد تلاحقني فيما كتبه عن طبيعة العلاقة بين العظيمين عمر وخالد وأنها أحقاد دفينة منذ عهد الفتوة , ولم أكن أعرف كيف أرد على هذه الفكرة فأين أقرأ الرد إلى أن جاءني تاريخ الطبري شيخ المؤرخين والذي فيه الغث والسمين من الروايات , فرحت أقرأ بإمعان هذا التاريخ الحافل , وأقف عند روايات تناقض تماما ما قرأته عند العقاد , واستعنت بالله وقررت تأليف كتابي " كانا حبيبين " وللأقدار ذهب كل ما كتبته في هذه المرحلة الثانوية , وحتى المرحلة الجامعية فقد أتلف خوفا من المخابرات في غيابي عن سورية , ولماذا بقي هذا الكتاب وحده ؟ لم أكن أدري في الحقيقة أن كتاب ابن السابعة عشر عندي , إلا منذ عدة سنين حين ذكر لى أخي الأديب الناقد محمد حسن بريغش رحمه الله أن لى مفاجأة عنده , ثم أخبرني أن هذا الكتاب عنده , وقد جاءه أهله به , وأعطاني إياه , فكنت كمن حصلت على كنز , لقد ضاع منير كله في كل ما كتب , منذ الصف الثامن حتى نهاية المرحلة الجامعية , ولم يبق منه إلا هذا الكتاب رحت أتصفحه لأتعرف على هذا الفتى الكاتب فوجدت أسلوبا فنيا وديباجة مشرفة وتركيبا رصينا أفتقده الآن في كتاباتي كانت والدتي تنظر إلى وأنا أكتب فتقول لأخي الكبير : ما لأخيك ينقل الكتب ويكتبها , ما يستفيد من ذلك ؟ لقد انطلقت عندي فكرة الكتاب من قول عمر رضي الله عنه لخالد :

والله إنك علىّ لكريم , وإنك إلىّ لحبيب , ولا تعاتبني في شئ بعدها أبدا .

وتعميم عمر رضي الله عنه في الأمة :

إني لم أعزل خالد عن عجز ولا خيانة , ولكني أحببت أن لا يفتتن به الناس ويعلموا أن النصر من عند الله , ولو كنت من عشاق طباعة كل شئ لما ترددت في طباعة الكتاب , وأعلم أن نقاط الضعف والعجز فيه هو كثرة النقول , لكني كنت أحاول تغطية ذلك باستعمال الأسلوب القصصي في الوصل بين هذه النقول كما وجدت في هذا الدفتر , مناجاة لرسول الله صلي الله عليه وسلم في يوم من أيام المولد النبوى ومحاولات للبدء في كتابة السيرة النبوية , ومما افتقدته كل محاضراتي التي ألقيتها في المركز الثقافي في التل , وفي النادي الثقافي وتفسير سورة الحديد وسورة ق بأكثر من ستين صفحة , وكان هذا كله في هذه المرحلة الثانوية لقد ضاع ماضي الكتابي كله إلا هذه الشذرات والنثرات , وأرجو الله تعالي أ، يعوضني بما بقي عما فات , وضاعت كل المسرحيات التي ابتدأت بعذراء قريش , خمس مسرحيات أخرى تم تمثيلها في التل وكانت كلها في المرحلة الثانوية , اللهم إلا مسرحية زواج بقطعة تفاح نشرت في مجلة المجتمع , وضاع العلم في هذه المرحلة لكن بعض ما كتب ما ضاع فالعلم صيد والكتابة قيده .

الفكرة الأربعون

تق وجدانك وصل روحك بربك وتعهد نفسك بسقيا التأمل والتدبر

وأتساءل من أين جاءتني هذه الإرادة ؟ وأنا العاطفي الذي أعيش دوما مع قلبي , وأملك الجواب , لقد كانت هذه المرحلة الثانوية أطهر مراحل عمري وأتقاها ,وليتها تعود بزيمتها وهمومها , ولقد اتجهت نحو قراءة بعض الكتب الصوفية ابتداء عن رابعة العدوية وغيرها , ثم اتجهت نحو قراءة كتاب إحياء علوم الدين , الذي كان له بعد كتاب الله تعالي الأثر الأكبر في حياتي ومعه كتاب في ظلال القرآن في الدرجة الثانية , وسيأتي الحديث عن الظلال فيما بعد , لا أعلم أن كتابا في تاريخنا الإسلامي كله استطاع أن يتحدث عن النفس الإنسانية ويسير أغوارها ويحلل مساربها مثل كتاب الأحياء وخاصة في جزأيه الأخيرين , قسم المهلكات , وقسم المنجيات , لقد كان أجدادنا القدامي يقولون :

بع اللحية واشتر الإحيا , وصوقوا . فهو من أعظم كنوز فكرنا الإسلامي , ولكن قراءته أى إنسان , فهو مملوء بالأحاديث الضعيفة , والضعيفة جدا ومملوء بالقصص الوعظية غير المعقولة أحيانا كثيرة لكن لا يمكن أن يأتي بحث فيه , إلا وفيه حديث صحيح على الأقل , مع الآيات القرآنية التي يسوقها , القارئ النبيه إن أدرك هذا المفتاح للأحياء انتهت مشكلته فهو ليس مكلفا الأخذ بكل الأحاديث والقصص , لكن التحليل النفسي الذي فيه , هو أعظم ما في هذه المدرسة لقد كنت بفضل الله تعالي قارئا جيدا له , والذي لا يحسن قراءته , إما أن يرفضه ويهاجمه ويعتبره أحيانا من كتب الضلال , أو يتركه ولا يستطيع أى تلخيص أو تهذيب أن يرتفع إلى مستواه فالروح التي في الإحياء غير موجودة في أغلب ملخصاته وتهاذيبه , وجزي الله جميع من فعل ذلك , فقد استطاع على الأقل أن يوصل الكثير من المعاني للذين لا يألفون إلا الصحيح ولا يتعاملون إلا معه .

لقد كان هذا الكتاب بحق من أهم الكتب التي بنت شخصيتي وصاغت جانبي الوحداني و ودلتني على أمراض النفس المهلكات التي استغرقت جزءا كاملا من أجزائه الأربعة ... ثم كانت عملية البناء من خلال قسم المنجيات الذي يتناول بحوثا مثل الإخلاص , والحب في الله , والمجاهدة . والاستقامة والمراقبة والتوكل والرضا بقضاء الله , بينما كانت بحوث المهلكات تتناول أمثال الحديث عن العجب

والغرور والرياء وأمراض اللسان وآفاته , وغير ذلك .

الفكرة الواحدة والأربعون

كن مع ربك يكن معك في حياتك .

وما أجمل العبرة التي تصل إليها من خلال القصة , فهذا مشهد من مشاهدي الوجدانية كذلك كان لى صديق يحبني ويحترمني , وكنت أتألفه حتى استقام واهتدي بحمد الله , وبقي رفيقي سنتين كاملتين يرافقني إلى المسجد الذي أخطب فيه الجمعة كما ذكرت من قبل , والذي يبعد قرابة ميل ونصف عن مركز البلدة , وكان أبي رحمه الله قد وعدني في رسالة من رسائله أنه سوف يهيئ لى زيارة إلى المدينة المنورة حيث كان يعمل فيها في البناء ليجلب لنا الرزق الصعب , وسيهيئ لى أداء مناسك العمرة إلى مكة المكرمة , وصادف هذا الأمر كما يقول الشاعر : قلبا خاليا فتمكنا فصارت أحلامي كلها منصبة حول تلك الزيارة للأماكن المقدسة وبعث لى النقود لإخراج جواز سفر , حصلت على الجواز وفي إحدى رحلاتي مع رفاقي أضعته , ولم أجرؤ على استخراج بديل عنه , وتأخرت التأشيرة , وتبدد الحلم , وصرت أراني في نومي أزور الكعبة واستيقظ فإذا المحصلة صفر , وعادت آلام الحنين والشوق لزيارة الكعبة المشرفة تسري في كل عرق من عروقي .

كنت أنا وصديقي المذكور في دمشق , وكان في إحدى صالات السينما فيلم قيس وليلي , ورغم أنه فيلم عاطفي لكن ليس فيه ابتذال أو عرى , فاتفقنا أن ندخل هذا الفيلم , وكانت الأنوار مطفأة وأحداث الفيلم تتوالي حتى جاء منظر خلع قلبي , هذا المنظر هو أخذ أهل قيس قيسا إلى مكة المكرمة ليحج لعل يسلو ليلاه , ويدعو ربه هناك لذهاب حبها من قلبه بعد أن يئس من الوصول إليها , غفوت هنا قليلا وبدأت تتشكل المناظر , وها هي الكعبة أمامي ليس بيني وبينها إلا أمتار , وما هي إلا لحظات حتى غابت الكعبة وانقطع الحلم وذكرت مرارتي وأن زيارتي للكعبة كانت على وشك الوقوع ثم تلاشت بعد ذلك وذكرت أبياتا تنسب للغزالي , تمثل واقعي تماما لآ أزال أذكرها :

تركت هوى سعدى وليلي بمنزل

وعدت إلى تصحيح أول منزل

ونادت بي الأشواق مهلا فهذه

منازل من تهوى رويدك فانزل

كانت الكعبة أمامي تمثل تماما هذا البيت فهذه منازل من تهوى وقد نادت الأشواق ودعتك للنزول لكن تبين هذا سراب في سراب , فعدت إلى الواقع , وكسرت المنزل الحيالي كما في البيت الثالث .

غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد

لغزلي نساجا فكستر مغزلي

لكن المهم أن دموعي أخذت بالانهمار لفقدان هذه الآمال ونسيت الفيلم واستسلمت لدموعي حتى انتهى الفيلم وخرج النظارة وصديقي بجواري يحترم مشاعري , ويدعني لدموعي .

لكن الطريف في الأمر أن مجموعة من الفتيات رأينني أبكي ويقلن قيس , قيس , قيس , فما كان من صديقي إلا أن نبهني , وقال قم , الفتيات يضحكن علينا , فقمت مع صديقي عائدين إلى القرية لقد كانت مشاعر الإيمان تتدفق في قلبي وأحس بها كنهر جار لأني

تركت هوى سعدي وليلي بمنزل

وعدت إلى تصحيح أول منزل

الفكرة الثانية والأربعون

انظر إلى المرأة إنسانة وليس جسدا وترفع عن شهوتك في غير موضعها تسمو شمعتك وتستقيم طريقتك

ولمعرفتي بذاتي كنت واعيا لكل مساري الانحراف وخطوات الشيطان , وكنت أشبه الطاقة الجنسية بفتيل المصباح الغازي عندما نخقته أو تخفضه يبقي خافتا نوره ومسيطرا عليه , لكن كلما رفعنا الفتيل , كلما ضعف تأثيرنا عليه , حتى إذا وصل إلى درجة عالية هبت ناره وأحرقت كل ما حولها ومن أجل هذا كنت أبعد بكل ما أستطيع عن كل مواقع الإثارة .

لا أبالغ إذا قلت , ما اذكر أني نظرت قبل التاسعة عشر من عمري إلى وجه فتاة , كنت أتصور أن وجه كل فتاة قطعة قمر فلا يحق لى أن أنظر إلى أى فتاة , ولم أكن أتصور أن هناك فتاة قبيحة فكل الفتيات في ذهني جميلات آسرات في جمالهن , ولهذا كنت أتجنب أى اقتراب منهن كنت أسير في سوق الحميدية , وسوق الحميدية ملئ بالفتيات المثيرات والمتبرجات للحسن والمنخلعات فكنت إذا دخلت سوق الحميدية رفعت النظارة عن عيني و فلم أعد أرى إلا وجوه بشر لا يتضح لهم أى ملمخ , وبذلك أتجنب الإثارة حتى أدخل المسجد الأموي , والله تعالي يعلم ضعفي , فلم يعرضني لمضلات الفتن , كنت أعمل جاهدا لتصعيد حب الله تعالي ورسوله في قلبي , ولشغل نفسي في جلائل الأعمال , وكان الاحتلام هو التصريف الطبيعي لطاقتي الجنسية ,

لم أكن أعاني أبدا عما يسمونه كيتا أو مرضا نفسيا , كان المصباح خافتا دائما فلا يلتهب نحو البنات أبدأ , لأني لست مقدما على الزواج في هذه المرحلة , ولا معني لشغلي بالفتاة والأنثي إلا وقوعي في الحرام وماذا ينقذني منه بعد وقوعي فيه وكنت موضوع تندر بين زملائي , وكنت أمثل عندهم الشاب الخلوق المثالي , وكنت أعيش مع الشباب الفاسقين ويقصون أحيانا على قصصهم لأكسب قلوبهم وأعرف كيف أعالجهم وكنت أكثر من ذكر شعر الغزل لتطمئن نفوسهم لى فيفتحوا لى مشاكلهم وقلوبهم وعواطفهم وغرقهم في شهواتهم , وحيث كنت في هذا الموقع فلا يمكن أبدأ أن أزل وأصبح مريضا مثلهم , فمن يصدقني بعد ذلك , أذكر أن الأستاذ محمد الميرو الذي كان زميلي الحزبي الأقرب إلى الشيوعية منه آنذاك إلى البعثية عرض إعلانا على فقال : اسمح لنا أن نضع سيكارة في فمك ونصورك وأعطيك عشر ليرات على ذلك وهو يعلم أني لا أوافق والمرة الوحيدة التي مسكت فيها سيكارة في يدي كنت بعرس بدير قانون , وكان الفجر ( النور ) يرصون بين الرجال .

وأراد عمي أن يمازحني فأوعز إليهن أن يأتين ويتفتجن عندي , فكنت أنظر إلى السيجارة المشتعلة حتى لا يقع بصري عليهن , ولم أضعها في فمي بحمد الله , لقد كنت أحس بحفظ الله ورعايته ولم أضعها في فمي بحمد الله , لقد كنت أحس بحفظ الله ورعايته لى عن كل هذه المفاسد , وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك ) ( رواه الترمذي ) وصدق الله تعالي القائل على لسان رسوله يوسف : ( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهم إنه السميع العليم ) ( يوسف 33 -34).

الفكرة الثالثة والأربعون

حين تجد نفسك وحيدا تعتمد على ذاتك مرن نفسك على الاعتماد على الذات .

بعد الحادي عشر العلمي وبعد السابعة عشر من عمري وحيث رسبت كما ذكرت رحت أعمل مع والدي في البناء , وكرهت هذا العمل , ولم أحبه رغم أني كنت آخذ خمس ليرات يوميا , وعملت في المرحلة الإعدادية كذلك في الصيف وكرهت هذا العمل كذلك , وعملت في السباكة أسبوعا , وقفت السباكة كلها حيث كان عملي الحفر في الجدران , لم أحب العمل اليدوي , وقررت أن لا أعود للدراسة عام 59, 60 م وأن أتقدم لوكالة معلم حيث كان وكيل المعلم يعمل على أساس الشهادة الإعدادية شهادة الكفاءة , وتم تعييني وكيل معلم في قرية حفير التحتا , وكانت هذه القرية تبتعد عن التل مسافة خمسة عشر كيلو مترا لها طريقان أحدهما جبلي , تصل فيه إلى القرية خلال ثلاث ساعات مشيا على الأقدام , والثاني هو أن تنزل في السيارة إلى مفرق دوما , ثم نأخذ باصات دوما , ثم ننتظر سيارة تمضي في آخر النهار من دوما إلى حفير , وهذه تحتاج إلى أكثر من نصف نهار ركوبا وانتظارا , وكثيرا ما كنت أفضل الطريق الجبلي مشيا على الأقدام . وصلت القرية وفوجئت بأن المدير فيه صديقي البعثي الذي أدخلني في رابطة الفكر الحر والذي كان يكن لى كل احترام لكنه في ذاته خبيث داهية الويل لمن يعاديه , وأتيت عالما جديدا كل الجدة عن حياتي السابقة .

كان المدير وأنا وزميل آخر هم أساتذة المدرسة الابتدائية , وهولاء الأساتذة يعادلون في القرية رئيس الجمهورية , فهم أعظم الناس وأجل الناس لا يضاههم إلا رجال المخفر والدرك , ولم يكن في حفير مخفر فلم يكن ينازعنا الزعامة أحد ... وبينما كنت طالبا ألف آمر على , أجدني الآن وزيرا أو رئيسا لا سلطة فوقي إلا سلطة المدير وكان كما قلت يعاملني أعظم معاملة بينكما كان يعامل زميلي من قرية أخرى أسوأ معاملة , كان هذا الزميل يتعالي وينتفخ فجعله المدير أضحوكة عند أ÷ل القرية .

استأجرت غرفة بثلاثين ليرة , أنام فيها والحمام في خربه قريبة منها , والمطبخ في الغرفة , والغسل في عتبة الباب , وها أنا ذا أجدني لا أبي ولا أم , ولا أعرف الطبخ وعلى أن أتناول الغداء وحدي , تعلمت قلي البيض , فكنت أقلي ثلاث بيضات على الغذاء مع اللبن , وفي اليوم الثاني أشترى علبة السردين بحمض البندورة تكفيني للغداء , أما العشاء والفطور فكنت أتناول الزيتون والجبن الذي أحضره معي من قريتي , والوضوء والماء على أن أخرج إلى عين الماء فأحضر الماء من هناك وأتوضأ أو أتوضأ في البيت , كان المسجد قريبا من البيت , فأخرج لصلاة الجماعة عليه , وهذا ما حبب أهل القرية بي لمحافظتي على صلاتي , وآن أوان خطبة الجمعة ,وتداول على الخطبة المدير والزميل وأنا , فأخذت خطبتي عقول أهل البلد , وكنت متدربا كما ذكرت من قبل وخطبت الجمعة لسنتين متتاليتين فقام بيني وبين أهل القرية وشيجة , حب سرعان ما طغت على المدير والزميل , وقامت صداقة شخصية مع شباب أهل القرية وقلما يمر أسبوع إلا وندعي إلي العشاء مرة و مرتين عند أحد وجهاء القرية ونسهر عندهم وهم يريدون رضانا , وصدق القائل :

اكتشف نفسك حين تجد نفسك وحيدا تعتمد على ذاتك

الفكرة الرابعة والأربعون

علم تلاميذك بالحب لا بالخوف ومرن شخصيتك على التعليم الذي يحترم عقل تلامئتذه .

دخلت المدرسة وكيل معلم وأنا ابن سبعة عشر عاما دون أى خلفية سابقة , وكانت المدرسة موزعة على ثلاثة فصول في كل فصل صفان دراسيان , الصف الأولي والثاني , وكان لزميلي الوكيل الآخر الصف الثالث والرابع , وكنت معلما لهما , والخامس والسادس وكان مدير المدرسة هو المدرس فيهما , لقد شهدا متعة فائقة

في تدريس هذين الصفين , فليسوا صغارا بحيث على ّ أن أنزل إلى مستواهما , وليسوا كبارا بحيث يشكلون مواجهة ومتاعب في التدريس , وتبادلت مع المدير أن أدرس مادة التربية الإسلامية لدي طلبة الخامس والسادس . مقابل تدريسه مادة الرسم عندي , فلا أحب الرسم والأشغال أبدا .

لقد كان المدير مهيبا رهيبا , ناجحا في تدريسه , لا يرفع صوته , والجميع يصفون وكان الزميل ذا شخصية أقرب إلى العقيد منه إلى الوضع السوى . وقادرا على إرهاب صفه من الصغار , وكنت صديقا مع طلابي , نتبادل الحب أكثر من الخوف , أنمي فيهم الشخصية المستقلة , وكان المدير يكره هذه القضية مني , أحاورهم كثيرا حتى أني قبلت أن يضربني الطالب بالعصا على يدي لأني ضربته ظلما بها , وكانت ثقافتي التاريخية تساعدني على استعمال القصة دائما في مقدمة دروسي , واستمتع الطلبة بها . سألت التلاميذ : ماذا يحبون أن يكونوا عندما يكبرون , قال أحدهم : أجب أن أصير مدرسا حتى أقدر أن أضربك كما تضربني , كنا نحب الرحلات ونخرج بها مع الطلاب . أدخلت عالم التمثيل إليهم وقمت بتمثيلية عن الهجرة من طلاب الخامس والسادس .

زارنا المفتش مرتين في العام , في المرة الأولي دخل إلى صفي , وكتب التقرير عنه وخرج وكان على أن أعطي درسين في حصة واحدة وكانت مادة الحساب , وحاولت مع طالب أن يحل عملية ضرب مرات , فلا يفقه شيئا وغضبت وضربته على وجهه , وضرب وجهه باللوح الخشبي وشق جبينه , نزف الدم , وأخرجته من الصف وأنا أتوقع أن يراه المفتش , ويطردني من التعليم , لكن المفتش مضي ولم يره , ولكن سوف يراه أهله , وسوف يحتجون ويأتون للصف شاكين وقلقت , وكتبت حوالي عشر صفحات عن مشاعري , قارنتها بالآخرة , حين يلقي الإنسان مصير عمله , وكيف ستنهار

الفكرة الخامسة والأربعون

لكي يحترمك الناس ,احترمهم وخالطهم بعقل وأصبر علي أذاهم ومن توكل على الله كفاه.

لأول مرة أحس بسعادة في حياتي , فلا سلطة فوقي , والطلاب يحبونني ووجهاء القرية وأهلها صار حبهم وتقديرهم لى يفوق الوصف , وأحسوا باستقامتي الحقيقية , والفرق كبي بين التصنع والبديهة , خطب الجمعة تزيدهم تعلقا والشئ الوحيد الذي كنت أكرهه في العملية التعليمية هو التحضير اليومي للدرس , إنه مثل الوظيفة اليومية للطالب كل يوم , وكنت أستفيد من وقتي وأقرأ , وبدأ المدير يحس بخطري , ويتحول التقدير والاحترام لى أكثر منه , وماذا يفعل فأنا أعيش وحدي , فيمكن لأهل القرية زيارتي ليلا أو دعوتي لزيارتهم وكان من الممكن أن يفجر هذا الأمر الخلاف بيني وبينه ولا قدرة لى على مواجهته , فهو رهيب وذو تخطيط , ولو أبغضني لما اتقي الله في حربه , واستطاع بدهائه وذكائه أن يتجاوز المشكلة ... ويحلها على حساب راحته وبيته , لأكون تحت مراقبته ... كان بيته من غرفتين , ومعه زوجته وابنته , وليس أمامه إلا هذا الخيار , وبدافع ظاهرة الحب والتكريم قال لي : ستسكن عندي في البيت , فأعطيك غرفة , أجلس أنا وزوجتي وابنتي في الغرفة الثانية , وستكون زوجتي بخدمتك , فأنت وحداني من يخدمك , ويهيئ طعامك , واعتذرت وأصر على أن يدخلني بيته على حساب راحته مع أهله فهذا أخف خطرا عنده من أن أسحب البساط من تحته , وهكذا ستلغي الزيارات الليلية الخاصة , والعلاقة الخاصة ستلغي , فلن يجرؤ أحد على الاتصال بي ولا يتصل به , وأصبحت أتناول الطعام في الفطور والغداء والعشاء معه ومع أهله , وزوجة تضع الحجاب دون تغطية الوجه وكان هذا طبيعيا في بلدنا , فلم نكن نعرف فيها غطاء الوجه أبدأ وأدرك أهل القرية هدفه , وعرفوا أنه وضعني تحت المراقبة لكن من يستطيع أن يمسه , إنه حرصا على مصلحتي وراحتي ضحي بمصلحته وراحته وراحة زوجته , ونحن أبناء بلد واحدة , إنه لا يملك أكثر من ذلك , ولا يملك السيطرة على القلوب ولكنه حدد كل العلاقات الخاصة بيني وبين أهل القرية فلن يدعوني أحد إلا معه , ولن يزورني أحد بعد العشاء وفي البيت زوجة وابنة صغيرة , وأصبحت جزءا من البيت , أتعرف على مشكلاته , توقظني ابنته الصغرى على الفطور وتدعوني إلى الغداء والعشاء , وارتحت من جهة ثانية من هم تحضير الطعام وتنظيف البيت , وكنت أدفع مبلغا من المال شريكا له في أجرة البيت وثمن الطعام .

كنا نجد متعتنا في الكره الطائرة ونقسم الطلاب إلى قسمين وكل أستاذ مع فريق , أما الأستاذ الثالث فهو الحكم , حتى لا نقع في الحرام , يكون الأستاذ الثالث هو الذي يقدم جائزة الفائز وكثيرا ما يكون سقط راحة , فهذا الذي يوجد في القرية , لأنه لو قدم الجائزة أحد الفريقين لصار حراما .

ولا أنسي تلك الرحلة الممتعة التي جئت بزملائي معي في الفريق يزروني في القرية , حيث خرجنا عن الطريق الجبلي بين راكب دراجة وراكب حمار وماش على الأقدام وكان عدد الضيوف أحد عشر رفيقا , وصلنا إلى المدرسة واستقبلنا أهل القرية بكل ترحاب ولعبنا بالكره الطائرة اللعبة الحقيقية , واجتمع أهل القرية ليشهدونا فقد كان فريقنا يخوض المباريات مع النوادي , وكان والدي وابنة أختى الصغيرة في زيارتي فراحت تعد الصحون التي وضعت لاستضافة الفريق الرياضي الأحد عشر , كانت سنة ممتعة سعيدة هنية , وبقيت علاقاتي وودي مع أهل القرية إلى آخر أيامي في سورية قبل ربع قرن يتعهدوني وأتعهدهم بالزيارة ولم ينسوني إطلاقا , وقصدتهم في الانتخابات للإدارة المحلية عام 73 . وأيدوا المرشح الذي دعوتهم إليه , ولقد كان التوفيق حليفي في العام كله ( ومن توكل على الله كفاه) ( رواه ابن ماجه .

الفكرة السادسة والأربعون

العقل يحتاج إلى تجدد امزج بين معارفك وازدد في ثقافتك تنعم حياتك .

كل يوم لم أزدد فيه علما فلا بورك لى بطلوع شمس ذلك اليوم نعم , فالعلم بحر لا ساحل له , ولقد ساعدني على أن لا تميل بي الكفة إلى الاعتزال والتصوف أني كنت أقرأ بجانب الكتب الروحية , الكتب الفكرية التي تسود الساحة .

لقد كان أول كتاب وأحلي كتاب قرأته طلع علينا في المرحلة الثانوية كتاب : قصص من التاريخ لعلي الطنطاوي وقرأته وكأنما أتناول وجبة شهية دسمة من أشهي الوجبات : أسلوب ساحر , ولغة رصينة وثقافة واسعة , فكأنما نزل على من السماء , وراحت كتبه تترى وكنا نتلقفها تلقف الأرض العطشي للمطر .

فجاء كتاب : رجال من التاريخ ثم قصص من الحياة , ثم صوروا خواطر , ثم مع الناس , ثم دمشق .... وكانت قصص من الحياة تعرض بعض القصص العاطفي الذي ينقص نقاءنا الفكري .

لكن القصص لا تبني فكرا , قد تكون شيئا ما من الثقافة لكنها لا تبني الفكر العقدي , وقد حضرنا محاضرتان عظيمتان للسباعي رحمه الله على مدرج جامعة دمشق هما : المرأة بين الفقه والقانون , اشتراكية الإسلام , اللتان تحولتا فيما بعد إلى كتابين كبيرين وكانت صلتنا لا تنقطع عن مسجد الجامعة الذي يقدم دائما شخصيات إسلامية , وكان الأستاذ عصام العطار قد استأثر بالعبء الأكبر منها , ولا ننفي أبدا أن لهذه الخطب أثرا كبيرا في تكويني وكان السباعي رحمه الله قد اكتفي بتدريسه الجامعي بعد مرضه العضال بالشلل لقد شل جسده وأينعت الحياة في فكان لا يعرف الكلل ولا الملل , وطلعت علينا في ذلك الوقت كتب الشهيد سيد قطب , فقد كان كتاب في ظلال القرآن يخرج بين فينة وفينة وهو في السجن , لكن الكتاب الصغير في حجمه , الكبير في فكره كان كتاب : هذا الدين ثم تلاه كتاب المستقبل لهذا الدين .

وكان هذان الكتابان على صغر حجمهما في ذلك الوقت سيدي الساحة الفكرية وأحيا الأمل في النفوس , فهذا سيد يخرج علينا من السجن بكتابه , المستقبل لهذا الدين , فكم هو عظيم هذا الإنسان الذي يبث الأمل في الجيل المسلم وهو داخل سجنه , كما كانت كتابات المودودي رحمه الله ( المصطلحات الأربعة في القرآن , نظرية الإسلام وهديه في القانون والدستور , ومنهاج الانقلاب الإسلامي ).

إضافة إلى كتابات محمد قطب ( منهج التربية الإسلامية , ومنهج الفن الإسلامي , في النفس والمجتمع شبهات حول الإسلام ) وكل هذا كان يجعل الحصن الحصين عندي نموا واطلاعا , وبعدا عن التطرف وتأصيلا للفكر الإسلامي .

هذا عن الفكر , فماذا عن العمل ؟ ترهلت الرابطة الإسلامية , واختلط الحابل بالنابل فيها , فتم اختيار مجموعة شباب جادين منها كنا قرابة ثمانية أشخاص , أسسنا رابطة سرية , واخترنا قائدا حاذقا حكيما لنا عاهدناه على السمع والطاعة بعيدا عن الشخصيات التاريخية الإخوانية المشهورة الذين كانوا بمثابة أساتذة ومربينن لنا أمثال أحمد فرحات وياسين الغضبان أخي الكبير وعبد الحفيظ لاذقاني , وكان رئيسنا بسننا وهو الأخ الذي سبق وقادني إلى البعث ثم إلى الجماعة الإسلامية وعشنا ثلاث سنوات من التربية الجادة حضور للقاءات , تحضير للكتب وقياما لليل وعبادة وتهجدا , حيث كنا نسمع قوله المشهور لنا : العذر عن غياب الاجتماع هو الموت أو ما هو شبيه بالموت , وكان هؤلاء العشرة فيما بعد , هم نواة العمل الإسلامي في التل , وكان العمل بعيدا عن الحزبية والتنظيم الحزبي الإخواني فلا يزال الحزب ممنوعا في ظل الوحدة وأذكر أن هذه السنوات الثلاث هي أكثر مرحلة جادة مثمرة ارتبط فيها الفكر بالعمل ... شهدتها خلال حياتي , لقد أخذنا الأمر جد , أخذناه بقوة فكنا كل يوم في ازدياد علمي وتربوي بحمد الله نزداد علما وعملا , وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( كل يوم لم أزدد فيه علما فلا بورك لى بطلوع شمس ذلك اليوم ).

الفكرة السابعة والأربعون

إقامة الدين والدعوة إليه تعني الاجتماع على كلمته وليس التفرق ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) ( أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا )

وتحركت النشاطات على مستوى شباب التل كلها .

كنا صغارا في الفريق فتداعي الجيل الأكبر منا وكان اتجاهه إسلاميا وسعوا لتأسيس ناد رياضي ثقافي على مستوى التل وأخذ رخصة رسمية نافست الفريق في الجانب الثقافي وكان أخي من مؤسسيه الكبار وسرعان ما أتجه إلى جانب التمثيل , وكانت أحداث العراق مع عبد الكريم قاسم , وثورة الشواف وناظم الطبقجلي واستشهادهما , سرعان ما تجسدت في مسرحية كبيرة على مستوى التل , ناظم الطبقجلي طفت على مسرحيااتنا وكان أخي المخرج وبطل الفيلم وتبنت الدولة مساعدته عن طريق اللواء الجراح , فأصبح طاغيا في شهرته علينا .

وحيث أن النادي قد أخذ صبغة إسلامية فقد أغاظ هذا الاتجاه بقية الاتجاهات السابقة من الشيوعيين والبعثيين والمستقلين فتداعوا إلى اجتماع عام حضره ما ينوف عن مائة وخمسين شابا كنت أصغرهم وفيه جامعيون وخريجون , محامون , لقد اجتمعت التل كلها وفي كل أطيافها واتجاهاتها , واختارت لجنة للنادي الجديد من خمسة أشخاص , والعجيب أني كنت واحدا منهم , ولم يكن من الاتجاه الإسلامي غيري , وكان الأربعة الباقون من البعثيين والقوميين العرب والشيوعيين والمستقلين , ومع أن الشيوعيين كانوا قد مروا بمحنة قاسية من نظام الجمهورية العربية المتحدة وأذيب بعضهم بالإسيد في سجون عبد الناصر بدمشق والقاهرة كما بدأت محنة البعثيين بعد صراعهم على السلطة مع عبد الناصر واستقال الحوراني من نيابة رئاسة الجمهورية وتبعه الوزراء الستة من البعثيين وأصبحوا مطاردين وملاحقين حيث غدوا في السر من المعارضين للنظام الناصري , كنت لا أزال في الثامنة عشر من عمري يوم تم اختياري في اللجنة التأسيسية للنادي لكن الموضوع تعثر , ورأت الدولة فيه هذه الاتجاهات السياسية المنوعة فلم تعطه ترخيصا , وبقي نادي التل الثقافي الرياضي هو النادي الوحيد المعترف به من الدولة بجوار فريقنا العتيد وبقي الفريق سليما معافي رغم وجود الإسلاميين والحزبيين والمستقلين فيه إلى أنجاءت قاصمة الظهر له .

تناهي إلى سمعنا , ثم تأكد لنا أن هناك طلب رخصة لتأسيس ناد على رأسه القوميون السوريون والبعثيون وقد ضموا إليه الحزبيين في الفريق ليمضوا بالفريق إلى هذا الاتجاه ويسلموا قيادته للقيادات البعثية والقومية السورية , وصمتنا وانتظرنا حتى تبين لنا أن المشروع باء بالفشل , ولم يأخذ رخصة من الدولة , فعندئذ أعلنا عن التآمر على الفريق الذي شارك فيه رئيس الفريق ونائبه , وهما مستقلان مع الأعضاء والبعثيين والشيوعيين , وعقدنا محكمة لذلك , وأثبتنا فيه صحة الاتهام وكنت رئيس المحكمة وأصدرنا الحكم بتجميد رئيس الفريق ونائبه ستة أشهر لإعادة الانتخابات من جديد للجنة إدارة جديدة , وتظاهر الرئيس بقبول الحكم لأمنه لم يجمد نفسه , وبقي يمارس صلاحياته , مما حدا بالإسلاميين بالفريق أن يحجزوا أغراض الفريق ويطالبوا بحله , وتوترت الأجواء وصودرت أغراض الفريق من الإسلاميين و تجمهر كل فريق ضد الآخر , ولم يكن أمام الفريق إلا الانفصال الكامل , واقتسام أغراضه وأدواته ,

فانضم الإسلاميون إلى نادي التل الثقافي بأغراضهم وممتلكاتهم كما جرى صراع آخر في ناد للملاكمة بين الحزبيين والمستقليين الإسلاميين فازوا فيه بالانتخابات وضموا النادي , نادي سوريا إلى نادي التل الثقافي وكانت الرابطة السورية التي أسسناها والتي تبث أعضاء لها في كل هذه المواقع هي التي تخطط , وأصبح نادي التل الثقافي الرياضي يضم جمهورا عريضا من كل الاتجاهات المستقلة والإسلامية , وضعف الفريق الذي كنا فيه بعد الانقسام الذي جرى فيه , وكانت الصراعات الحزبية هي التي دمرته , وحين سادته الروح الرياضية والخلقية , رأينا لأي مرحلة وجيل من القوة والشهرة , وعندما تغلبت الروح الحزبية على المصلحة العامة للفريق انتهي , ولا عجب ( ولا تنازعوا فتفشلوا ) ( الأنفال ).

الفكرة الثامنة والأربعون

حدد هدفك وأبصر طريقك ولا تعتسف الخطا .

كنت وأنا أعلم في حفير أدرس للتقدم للشهادة الثانوية ( حر ) أى من خارج المدرسة الثانوية وغير منتظم فيها , ومع أن الإنسان لا ينسي اللحظات في عمره التي يتلقي فيها نبأ حزينا أو مفرحا لكني لا أذكر الآن كيف تلقيت نبأ نجاحي فيها , أذكر في العام الذي قبله كيف تلقيت بالضبط نبأ الرسوب , وكان النجاح في عهدنا بهذه الشهادات تهتز البلد كلها له حين تكتب الأسماء في الصحف , وكم يذكر الإنسان في مثل هذا التلقي نبأ توزيع الصحف يوم القيامة على ملأ أهل الدنيا جميعهم ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هأؤم اقرءوا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه ( 20) فهو في عيشة راضية ( 21 ) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (24 ) وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه ( 26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغني عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه ) ( الحاقة 19 -29) .

وكان هذا من تمام نعمة الله في ختام هذه المرحلة , وأين أمضي لقد كان عاملان يتنازعاني في اختيار الفرع الذي أدرس فيه .

هل أدرس في كلية الشريعة , وهي الأحب إلى قلبي , ويمكن أن أبدع فيها ,وأتخرج مدرسا داعية ؟ أم أدرس في كلية اللغة العربية وأنا أهوى الأدب ؟ .. والناس ينظرون إلى خريج اللغة العربية أنه أرفع وله مقام في المجتمع أكبر من خريج الشريعة فكلية الشريعة للمشايخ .

وكان الثالث , وهو الذي أزمعت على اختياره , وهو أن أدرس الصف الخاص عاما كاملا , فأتخرج معلما رسميا في التعليم الابتدائي , ولم تكن ظروفي تسمح لى أن أتفرغ طالبا نظاميا في الجامعة , فالحالة المادية لا تحتمل أربع سنوات جديدة أصرف فيها و لا أقبض لكن هذا الخيار لا يلغي أحد الخيارين السابقين , فيمكن الجمع في السنة الأولي بين الصف الخاص والانتساب للجامعة , ثم حزمت أمري على الصيغة التالية :

سأدرس هذا العام الصف الخاص , وأدخل كلية اللغة العربية وحيث لا أستطيع الدوام إنما أحضر للإمتحان فقط , وأتقدم بالنصف الأول من العام بمادتين منها , فإن نجحت فيهما تابعت دراسة اللغة العربية , وهذا يعني أن بإمكاني المسير فيها , دون دوام وإن لم أنجح فسأنتقل لكلية الشريعة وأنا متأكد من إمكانية نجاحي دون دوام , فموادها كلها تتناسب مع اهتمامي واختصاصي .

وفعلا , تقدمت من امتحان المادتين في فرغ اللغة العربية , ولم أنجح بأى منهما , فعدت إلى واقعي , وانتقلت إلى كلية الشريعة وأجلت الدراسة للعام القادم الذي يلي الصف الخاص لقد اخترت مهنة التعليم , وأحببتها كمرحلة على الطريق , حيث انتقل منها إلى التدريس في المدارس الإعدادية والثانوية بعد التخرج من الجامعة ولم أختر طريق الوظيفة الإدارية , فما كنت أحبها ولا أحس أن فيها رسالة يؤديها الإنسان في حياته ولا معني للحياة أبدا بلا هدف إنه يتحول كسائمة يأكل ويشرب , فهو يعيش ليأكل لا يأكل ليعيش , وودعت حياتي في المرحلة الثانوية إلى عالم جديد كما قلت لك :

حدد هدفك و أبصر طريقك ولا تعتسف الخطا ( وكل شئ عنده بمقدار ) (الرعد 8)

المرحلة الجامعية

مرحلة الشباب الطموح والإنسان الفاعل

الفكرة التاسعة والأربعون

احفظ بصرك وجوارحك في شبابك يحفظها الله لك عند الكبر .

عالم جديد كل الجدة انتقل إليه , لقد كان على أن أحضر أوراقي ووثائق لأتقدم بها إلى الجامعة كنت لا أتحرك إلا وكتابي معي , أقرأ في السيارة , أقرأ في الطريق , اقرأ في كل مكان يتاح إلى فيه أن أقرأ , ووقفت في الصف ( الطابور ) انتظر دوري , وزاد الانتظار عن أربع ساعات , فكل طالب أو طالبة لابد أن تفحص وثائقها ويتثبت من إتمامها خلال هذه الساعات الأربع كنت منهمكا بقراءة الأخبار الطوال للدينورى , هو كتاب تاريخي , خلال هذه الساعات الأربع وقعت الفتنة الأولي . لم أتمالك نفسي , خانني بصري ونظرت إلى فتاة النظر الحرام لأول مرة , ولا عجب فهذه البيئة الجديدة الاختلاط بين الشباب والفتيات لم أقع فيه من قبل والفتيات القادمات إلى الجامعة من كل الفروع , فيهن المبتذلات والمتهتكات , ولو قدر لى أن أدرس في الجامعة منتظما , أو أتابع في فرغ اللغة العربية لأربع سنوات , لا أدري ماذا يفعل بي , هل أصبو إليهن وأكن من الجاهلين ؟ قد وقد يكون المنزلق أكثر , والفتنة أشد ,ويعلم الله ضعفي فحماني من هذا المسار , لقد تقدمت إلى الصف الخاص بعد الشهادة الثانوية لأعد من خلاله وأكون معلما نظاميا رسميا وليس هناك اختلاط في الصف الخاص .

وما هو الجديد الذي جرى قبل انتظامي في الصف الخاص ؟ الجديد هو الحدث الذي هز سورية , وصدم الشباب واختلفوا في أخذ ورد هو حدث الانفصال في الثامن والعشرين من أيلول , ورافقه بعد فترة قصيرة , صراع بين بلديتنا منين والتل , ولقد هطلت ثلوج كثيرة وسد نبع عين منين وقرر أهل التل الصعود إلى منبن لحفر العين , وقرر أهل منبن منعهم , هذا ظاهر الأمر , لكن حقيقة الأمر كان صراعا سياسيا فعلي رأس أهل منبن زعيم سياسي ن حزب الشعب سابقا هو حامد ناجي القاضي وهو مع الانفصال وكان على رأس أهل التل اللواء محمد الجراح والذي سرح من منصبه مدير الشرطة العام بعد أن كان الشخص في موضع الرجل الثاني في الدولة السورية وانتهي الهجوم التلي على أهل منبن بقتل واحد من التل وجرح أربعة ,تدخل ضابط شاب في فض النزاع , وكان من ضباط الانفصال الشباب , وحضرنا هذه الأزمة , ووعينا عليها , وأضيف على الساحة تيار جديد هو تيار الناصرية , أصبح سيد الساحة الشعبية , خاصة في الريف هذان الجديدان دخلا واقعي السياسي والعاطفي وانتهي الأول مع تغير البيئة وانتهت النظرة المسمومة من سهام إبليس وتبت منها لكن الجديد الثاني سيدخل في صميم حياتنا السياسية ويكون شريكا مع التيارات السابقة .

الفكرة الخمسون

نحن مع الوحدة ضد الانفصال , ومع الحرية ضد الدكتاتورية .

هذا هو الشعار الذي طرحه الأستاذ عصام العطار غداة الانفصال , وفعلا هذه كانت عوااطفنا , نتمنى أن تستمر الوحدة ونتمنى أن نأخذ بعض الحرية وانقسم الموقف داخل رابطتنا الخاصة , فقد شارك بعض أفرادها في الإضراب في الثانوية ضد الانفصال وخرجت المظاهرات تنادي بالوحدة وعبد الناصر وقلقت الدولة من موقف الإضراب لا لأهمية الطلاب بل لأهمية التل التي يحركها محمد الجراح كزعيم سياسي سابق .

وعرف طلاب الثانوية أن الدولة ستبعث القوات لإيقاف وعرف طلاب الثانوية أن الدولة ستبعث القوات لإيقاف الإضراب الذي أخذ طابع عنف سياسي يطالب بإغلاق المحلات وهاجم المخفر , وجاءت قوة من الشرطة من دمشق ووضع الطلاب المتاريس في الطريق المؤدي إلى التل , لكن الدولة أكبر من مجموعة شباب متحمس وفأزالوا المتاريس , أنهوا الإضراب واعتقلوا بعض الطلاب ثم حلت الأزمة عن طريق الأولياء للطلبة وإدارة الثانوية وعاد الجميع للهدوء .

كنت أنا بعيدا عن بعض إخواني هؤلاء , لأني قد انتظمت في الدراسة في الصف الخاص بدمشق , ولم نكن نعرف بالضبط الموقف المناسب , لقد ألقي الأستاذ على الطنطاوي كلمة من راديو دمشق , هاجم عبد الناصر وهاجم عهد الوحدة , واعترف ضباط الانفصال ورئيس الأركان ( عز الدين ) أن كلمة الشيخ الطنطاوي كانت لها الأثر في تثبيت الانفصال أكثر من كل دبابات الجيش وأسلحته وبياناته ومع حبنا الغامر للطنطاوي صار عندنا ردة فعل ضد موقفه , فالوحدة لا يضحي بها بكل بساطة , وعندما أعلن عن خطبتين للجمعة أحدهما للشيخ الطنطاوي في جامع التوبة وخطبة للأستاذ عصام في مسجد الجامعة فاخترنا خطبة الجامعة لأن الأستاذ عصام العطار طالب بإعادة الوحدة ,وطالب المسئولين عن الانفصال بالعودة إلى المفاوضات مع عبد الناصر لإعادة الوحدة سجل موقفا تاريخا مشهودا , فقد وقعت القيادات الحزبية السابقة الوطنية والقومية على ميثاق الانفصال بما فيهم أكرم الحوراني , نائب رئيس الجمهورية السابق وصلاح البيطار وزير الخارجية السابق في الجمهورية السورية التي أقامت الوحدة ووزيرا من وزراء الوحدة ولعله وزير دولة للشؤون الخارجية , بينما رفض الأستاذ عصام العطار وزميله اللذان يمثلان التيار الإسلامي هذا التوقيع .

وحار الناس في الحكم على الإخوان المسلمين هل هم ناصريون أن انفصاليون إذ كانوا وسطا بين هذين التيارين بالشعار العجيب الذين طرحه الأستاذ العطار والذي لا يمسك فيه :

نحن مع الوحدة ضد الانفصال ومع الحرية ضد الدكتاتورية .

الفكرة الواحدة والخمسون

إذا هبت رياح الديمقراطية فاغتنمها .

الانتخابات النيابية

فقد أعلنت الدولة عن انتخابات نيابية , وراحت التيارات الحزبية تتسابق مع الزمن وأعلن التيار الإسلامي عن ترشيح الأستاذ عصام العطار , وزملائه , وهذا ينبئ أن المهرجانات الحزبية والانتخابية ستبدأ وتبدأ معها المعركة .

اجتمعت رابطتنا في التل , وكانت أمام المحنة والسؤال الكبير .

هل نتابع مسيرتنا السرية بعيدا عن الخط الإسلامي العام , وحتى بعيدا عن الشباب الإسلامي في التل الذي هو أكبر منا , والذي عاد يتحرك مع عودة الحرية ولا علاقة لنا بأحد ونحن جهة مستقلة , ومجموعة مستقلة ؟ أم نحن جزء من العمل الإسلامي العام ؟ وبما أن حرية العمل الإسلامي قد عادت فعلينا أن ننظم ضمن تيار الإخوان المسلمين الذي يقوده الأستاذ عصام ونضع طاقاتنا الآن تحت تصرفهم ونشارك في المعركة الانتخابية ؟

وأعطينا فرصة بضعة أيام لنتخذ القرار المناسب , لم يكن بين هؤلاء العشرة حزبي سابق إلا اثنان , رئيس الرابطة , وأنا وطبعا كنا نحن مع الاتجاه الثاني والإخوان الباقون في حيرة كان ثالثتنا أنا ورئيس الرابطة يعيش في دمشق ويدرس في ثاانوياتها في ثانوية أمية ويري التيار الجارف الإسلامي الذي يدفع بالشباب الإسلامي نحو استغلال الفرصة لإيصال الإسلاميين إلى المجلس النيابي .

ولا أزال أذكر أن الأستاذ عصام قد ربي جيلا جديدا حوله , ليس هو جيل الإخوان المسلمين السابقين وكانوا هم عماد حركته ,والناس يندفعون نحوه بصفته زعيما إسلاميا لا بصفته نائبا للمراقب العام للإخوان المسلمين ,وذات يوم وهو على المنبر , يريد أن يحدد موقفا فقال نحن وتردد قليلا , ماذا يطلق على نفسه والمجموعة التي حوله التي لم تنتظم معه بصفة حزبية ثم هداه الله إلى إطلاق هذا الإسم الجديد بقوله . نحن الإسلاميون وومضت هذه الصفة عنوان المرحلة ( الإسلاميون )

كما حسمن الرابطة خيارها بعد النقاش الطويل وقررت أن تنضم للتيار الإسلامي ومضي رئيس الرابطة أخونا الأول الإخواني وقابل الأستاذ عصام له استعداد شباب التل الإسلامي للمساهمة .

في المعركة الإنتخابية وكان الشخص الأول عندنا في الإخوان المسلمين قد تخرج من كلية الشريعة وصار من خواص الدكتور السباعي رحمه الله , وكنا نحس أن فجوة ما بين القائدين , دون أن يكون أى تصريح عليها , ولكنها الرياح الجديدة للديمقراطية والانتخابات الحرة قد أدخلتنا في صلب هذه المعارك .

الفكرة الثانية والخمسون

السياسة : أن لا تقول الباطل وأن تفقه كيف تقول الحق وماذا تقول منه :-

إن أحد التعريفات الذي وضعته الآن , هو الذي حكم مسيرتنا فيما بعد فبلدة مثل التل , تغلي بالمرجل الناصري وحب عبد الناصر لأنها تغلي بحب محمد الجراح , واجتمعنا نحن الإسلاميون القدامي والجدد لنبحث عن مرشح يناسبنا .. ويحمل عواطف إسلامية وليس بالضرورة من الإخوان المسلمين .

ووقع اختيارنا على الأستاذ جمال الشلبي , وكان أحد قادة حزب الشعب , وكان حزب الشعب قريبا من الإسلاميين في هذه المرحلة , وعندما قررنا ذلك ونحن خليط هجين بين إخوان سابقين وإسلاميين سابقين واتصلنا به , وأعلنا تأييدنا له ليكون مرشحا عن منطقة دوما التي أعطيت مرشحين والجراح في السجن آنذاك بصفته أحد قادة العهد السابق , ثم دعونا وجهاء التل , وعرضنا عليهم الأمر فوافقوا على مضض لأنه كان سابقا من المنافسين للواء الجراح , وحددنا موعدا للقاء معه , لكن وجهاء التل الذين تغلب عليهم الأمية والعاطفية أيدوه , وأعلنوا أنهم يؤيدون محمود الحكيم , أحد البعثيين السابقين لأن اللواء الجراح قال لهم عنه : إنه وحدوى ,واستغل البعثيون هذه التوصية الجراحية , وراحوا يتصلون بالتيارات الناصرية لتعبئتهما مع مرشحهم الأستاذ الحكيم , وأمام هذه الازدواجية رفض الأستاذ الشلبي هذا الموقف وأعلن اعتذاره عن الترشيح وبقي المرشح الوحيد الذي يؤيده النليون مقابل الأستاذ بشير الأحمر وهو بعثي كذلك لكنه من جماعة الحوارني , وعاد الانفصال بين حزبي البعث العربي والعربي الاشتراكي , فقد أصبح الحوراني محكموما عليه من بعثيي عفلق والبيطار بأنه انفصال , وزرنا إخواننا الإسلاميين في دوا , وكانا قد اختاروا مرشحا إسلاميا هو الأستاذ عبد الغني الخطيب من إحدى قري الغوطة , والتقينا معه , وكان إسلاميا صادقا , إخوانيا قديما فاجتمعنا في التل , وقررنا تأييده والدعوة له , واتصلنا بوجهاء التل غير الناصريين وجمعناه معهم وأعلنوا استعدادهم لتأييده مع مرشح رابع هو الأستاذ أحمد عبد العظيم الذي كان نصاريا صادقا لكنه لم يأخذ شهادة من الجراح فل يؤيد جمهور التل , وكانت أكبر عائلات التل معه وهي التي تفاهمنا معها .

لقد كنت محبوبا عند الناصريين لأني لا أسب عبد الناصر أمامهم , وأتحدث عن زعامته القوية غير أنهم لا يثقون بي لأنهم يعرفونني أني من الإخوان المسلمين منذ نعومة أظفاري ,ولم اصطدم معهم كل حياتي , ويقولون عني وهم يعرفون خلقي وتديني وتأثيري الشخصي : يا أسفاه أن يكون من الإخوان المسلمن هذا هو عيبه فقط , وقادت هذه الحركية إلى نوع من التعاون بيني وبينهم فالسياسة هي أن لا نقول الباطل وتفقه كيف تقول الحق وماذا نقول منه .

الفكرة الثالثة والخمسون

تعامل مع الآخرين مصالح بمصالح فقد تلتقي المصالح , لكن ليس على حساب المبادئ .

من خلال لقاءاتي مع الناصريين , وهم يعرفون أني كنت معلما بحفير , وأهل القرية يحبونني فطلبوا مني أن أمضي معهم إلى هذه القرية , وأنا أود الذهاب إليها لأحث أهل القرية على اختيار المرشح الإسلامي الأستاذ الخطيب , وليس عندي سيارة وهم عندهم سيارة فتواعدنا على أن نمضي ونصلي الجمعة في حفير , وكنت صريحا معهم أنا سأدعو إلى عبد الغني الخطيب , وأنتم أحرار فيما تدعون إليه , وفعلا صلينا الجمعة في القرية واستقبلنا أهل القرية استقبالا حافلا , واجتمعوا بعد الصلاة في ساحة القرية فخطبت في أهلها ودعوتهم إلى اختيار المرشح الإسلامي الخطيب وتحدثت عن مناقبه وحسب أهل القرية أن الأربعة الذين معي هم مثلي في تأييدهم للأستاذ الخطيب , لكنهم فوجئوا بهم يدعون لمرشح آخر , ورغم أنهم أميون لكنهم يحملون ثقافة واسعة , وهم وإن التقوا على محمود الحكيم , لكنهم مختلفون في أسباب تأييده , وكانت خطبتان ناريتان في الدعاية له .

كان بالخطبة الأولي أحد أثرياء التل الكبار , ودعاهم لاختيار محمود الحكيم الناصري لأنه كان عضوا في مجلس الأمة خلال فترة الوحدة , وكان ضد قوانين التأميم التي سرقت أموال الناس فهو الذي دافع عن أموال الشعب وكان ضد التأميم .

وانبري الخطيب الثاني , وهو أخو اللواء الجراح يدعو إلى اختيار الأستاذ الحكيم لأنه اشتراكي يؤمن بالتأميم ويدعو له والتأميم من الإسلام , وقال بتعبيره العامي الأهوج رسول الله قد أمم النساء أفلا يؤمم الأموال وإذا أردتم حق الفلاح والعامل ضد الإقطاعي والرأسمالي فاختاروا محمود الحكيم لأنه مع التأميم .

وصفق الجمهور للخطبتين , ومضينا فتناولنا الغداء عند أهل القرية وكل ما حفظوه هو اسم محمود الحكيم , واسم عبد الغني الخطيب , وقرروا تأييد المرشحين بغض النظر عن الأسباب الموجبة فأنا ومن معي قد طرحنا هذين الإسمين لكن من أثق بهم .

أعلمتهم أني ضد محمود الحكيم البعثي الاشتراكي , وإن كان يركب تيار الوحدة والناصرية ليكسب الجماهير وسيكون أول المنقلبين عليهم بعد نجاحه .

وانتهت المعركة الانتخابية بالفوز الساحق للأستاذ العطار الذي كان ثالث المرشحين بعد خالد العظم السياسي الأشهر في سورية ومأمون الكزبري رئيس الوزراء , وأعطته دمشق ثقتها بهذه الأصوات , نجح معه زميلاه الأستاذ عمر الخطيب , وزهير الشاويش بأصوات أقل منه بكثير لأن شعبنا فعلا يتعامل مع المصالح , فقد أحب الأستاذ العطار وأعطي الآخرين وقد تلتقي المصالح ,لكن ليس على حساب المبادئ .

الفكرة الرابعة والخمسون

المناسبات العامة والأعياد والاحتفالات مواسم طيبة للتواصل مع الناس .

اعتاد الناس في حفلات الأعراس عندنا على صورتين :

الصورة الأولي : أن يتم تناول العشاء مساء حتى قريب الساعة التاسعة أو العاشرة , ثم يحضر المغنون والملحنون , وعلى الغالب لا يتجاوز الموسيقي آلة العود والكويا ( الدربكة ) والغناء إنما يقوم به المؤذن فقد تم اختياره للآذان لجمال صوته وكذلك للغناء ويخلط الأغاني الدينية بالأغاني الغزلية ويستمر الأمر تقريبا لصلاة الفجر , وفي اليوم الثاني بعد العصر يتم تلبيس العروس وعروسه بحفلة غنائية , مع آذان المغرب يزف العروسان وينتهي الحفل .

الصورة الثانية : أن يجتمع الناس بعد صلاة العشاء لحضور حفلة مولد للنبي صلي الله عليه وسلم يحييها المؤذن مع فرقة محلية , أو تحضر فرقة رسمية محترفة من دمشق تحيي الحفل , وينتهي بالصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم وتوزع الحلوى , وتبدأ عملية زفاف العروس بالأهازيج الشعبية ويتم تلبيس العروسين , ومع الساعة الواحدة ليلا يتم الزفاف وينتهي الحفل .

أما الحفل الأول فغالبا ما كنا نقاطعه لكونه يقوم أساسا على الموسيقي , إلا إذا اضطر أحدنا للمشاركة لقرابة قريبة , حيث يحضر نصف ساعة أو ساعة ويمضي , أو يحضر زفاف العرس في اليوم الثاني , أو يحضر العشاء في اليوم الأول ملبيا دعوة الوليمة ومكتفيا به عن حضور المراسيم الأخرى , لكن ما الذي أدخلناه إلى حفلات الأعراس ؟

لم نتمكن أن نطور الصورة الأولي بشئ وإن كنت أحب حضور حفلات الشعر الشعبي الذي يقوم على السجال والمناظرة بين شاعرين , تبدو فيها غزارة المعاني وقوة الأداء وتنوع المواضيع , أما الحفل الثاني , فقد أدخلنا فيه إلقاء الكلمات التوجيهية التي غالبا ما تتناول مواضيع اجتماعية أو تاريخية إسلامية , كان إمام المسجد له الكلمة إن حضر , والكلمة الثانية كنا نشارك فيها , وغالبا ما كنت أكلف بها أو أدعي لها لتمرس على الخطابة وتنوع الثقافة وكان لها وقع حسن في نفوس الناس والتواصل معهم بينما يسيطر الملل الرتيب على حفلة المولد التي اتخذت نمطا تقليديا معينا لا تخرج عنه .

أما الإدخال الأهم وذلك في أعراسنا أو أعراس أقرباء خاصين لنا , فهو المسرحية الاجتماعية نقوم ببناء مسرح وستارة فيسعد الناس جدا حين يرون أنفسهم سيحضرون مسرحية ( ببلاش ) لا يدفعون ثمنا عليها , وحتى لا يخرج الناس يتم توزيع الحلوى قبل المسرحية لمن شاء أن ينسحب وقلما ينسحب أحد إلا المضطر , ا, الذي يطرهنات ويعادي فكرنا الإسلامي وليسوا جميعا كذلك , وتستمر المسرحية ساعة إلى الساعة والنصف نستعرض بها مشكلة اجتماعية من مشاكل الزواج , أو الطلاق على ضوء الإسلام وإفهام الناس الفرق بين العادات الذميمة وبين الإسلام العظيم , وتبقي هذه المسرحيات حديث الناس فترة طويلة منهم من سره العرض المسرحي لذاته , منهم من سره العرض المسرحي لهدفه , وعلمنا الناس بالأسلوب غير المباشر و أقمنا قرابة ثلاث عشر مسرحية من هذا النوع نبذل الجهد والعرق والتعب لتبليغ الناس رسالة الإسلام والدعوة إلى الله من خلال التمثيل ( فبهداهم أقتده ) ( الأنعام 90 )

وكانت فعلا حفلات الأعراس موسما طيبا للتواصل مع الناس .

الفكرة الخامسة والخمسون

لا تنس دعوتك إلى الله أينما انتقلت وارفع هدفك حتى لا تسقط .

انتهيت من سنة الصف الخاص , وكنت خائفا من الرسوب لأن الرسم والموسيقي مادتان مهمتان أكرههما ولا أستطيع حتى الحد الأدنى فيهما , وكم هددني أستاذ الموسيقي بالرسوب ما لم أحسن النغم وأستاذ الرسم والأشغال فاللوحات المطلوبة التي لا أحسنها قد يحسنها الشخص العادي ونجحت لحمد الله , وصدر قرار تعييني معلما بمحافظة دير الزور , فكل الطلبة الذين تخرجوا تم تعيينهم ابتداء من الرقة وانتهاء بحدود تركيا , وذلك حسب نظام التعليم للمناطق النائية وفي القرى النائية كذلك , ومن مركز المحافظة نتلقي التعيين الثاني في القرية المطلوبة وكنت في قرية جزرة الميلاج ( جزيرة صغيرة يشغلها الفرات ) والتي تبعد ما ينوف عن مائة كيلو متر , وكان هذا في العام الدراسي 1961, 1962 وصعدت في السيارة إلى القرية فدللت على المدرسة وهي ثلاثة غرف غرفة للمدير والمعلم وغرفة للصف الثالث , وأين المقاعد ؟ لا يوجد مقاعد إنما يجلسون على البساط , والأرض ترابية , وإذا كان هناك تلميذ من أبناء الذوات فيمكن أن يحضر كرسيا خشبيا صغيرا معه من بيته يجلس عليه حتى لا يجلس على البساط والتراب .

وكانت القرية مهمة ففيها مخفر للدرك , والشرطة يمثلون الدولة ورهبتها , ويمكن اعتبار مدير المدرسة بمثابة رئيس الجمهورية في النظام البرلماني ورئيس المخفر هو رئيس الوزراء , وصاحب السلطة الفعلية ولأن القرية من البدو , عرفت أنهم ينتمون إلى قبيلة طي , ولم يكن لهم من الكرم إلا الإسم , فرئيس القبيلة هو السيد المطلق فيها حتى يوجد عنده سيارة خاصة , يعيش أهل القرية على الموسم الزراعي حيث يزرعون القطن ويتعاملون مع التجار فيكونون قد باعوا موسمهم قبل حلوله لاضطرارهم إلى الاستدانة من التجار على الموسم همتهم لذات بطونهم وفروجهم , ولا يعرفون من الدنيا غيرها , حين تصل النقود إلى أيديهم ينزلون إلى حلب فيرتكبون الزنا في المحال العمومية المخصصة لها , ويأكلون شهي الطعام , وينزلون في الفنادق , ويبدءون بالاستدانة للعام الجديد , يعيشون على الخبز والشاي لا يعرفون غيره , وإذ طرقهم ضيف يذبحون له بعض الدجاج , وما يزيد عنه يطعمونه لعيالهم كأنهم لم يسمعوا بالإسلام ولا برسول الله صلي الله عليه وسلم ولم تصل إليهم الدعوة فهم يعيشون الحياة الجاهلية كاملة ,

فقد كان في قري دير الزور والرقة حوالي ستين قرية ليس في واحد منها مسجد واحد , وعندما ينزلون إلى الدير أو إلى حلب , فالمساجد للمسلمين وليست لهم يعرفون عن أنفسهم أنهم مسلمون بالهوية ,وليس لهم من أركان الإسلام شئ إلا الشهادة القرى التي توجد فيها مساجد هي قرى الأكراد , والأكراد مستقرون , أما هؤلاء فهم عرب نصف رحل , إذا حان موسم الربيع مضوا مع ماشيتهم إلى البادية . تاركين أولادهم في المدارس ولا تتعلم عندهم الفتاة ويضعون لكل عشرة أطفال تقريبا امرأة لتغلي لهم الشاي وتنضج الخبز على الصاج يعرفون الجبنة من المعلبات وهم أهل الماشية وقد يأكلون والأغنياء منهم بعض المعلبات كالحمص والفول والتي توجد في البقالة الوحيدة , كلهم نسخ مكررة في أفكارهم ينقسمون إلى فرعين بينهم دماء ومهمة الدولة أن تحول دون وقوع القتل والثأر عندهم فالشرطة لهم سلطة مطلقة , والفرات قريب منهم , يملأون البراميل منه ويشربون وهنا عليك أن لا تنسي دعوتك حيث انتقلت والسقوط أمامك إذا نسيت هدفك .

الفكرة السادسة والخمسون

كن يد خير , من بني لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتا في الجنة , نوع في أبواب الخير والنصرة للناس .

ماذا أفعل في هذا العالم ؟ وقبل أن أجيب أذكر ما يفعله غيري من أمثالي الذين يصلون إلى قراها :

أولا : هم سعداء إذا كان عندهم المخفر , فهو الذي يحميهم من نزوات الجاهلية واعتداء الأهالي , فيحكم الصداقة مع المخفر , ويتم السهر في الليل فيه أو عند المدير وفي المخفر يشرب الخمر ويلعب بالطاولة أو الورق حتى وقت متأخر من الليل , وقد يشبك المدير أو المعلم علاقات غزلية مع الفتيات وتتفق الإدارة والمخفر أن هؤلاء البدو وحوش متخلفون لا يأتون إلا بالقوة , فيمارس إذلالهم , وإرهابهم حتى لا يرفع أحدهم رأسه وينتهي العامة على هذه الشاكلة , أما أنا فاعتبرت مهمتي أن افعل ما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم مع أهل الجاهلية أدعوهم إلى الله , وأنشر فيهم الإسلام وأوحد بين القبيلتين المتنازعتين كما وحد رسول الله صلي الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار وأبني عندهم المسجد وسيكون تركيزي المباشر على الطلاب وفيهم أبناء سبعة عشر عاما وثمانية عشر .

فيدخلون المدارس متأخرين , رأي المخفر أني نموذج غير ما يعرفون فابتعدوا عني وصاروا يتآمرون مع أهل القرية ضدي فليس من صالحهم أن يتحرك الوعي عند هؤلاء البدو , وإلا فقدوا كل ميزاتهم , بهذا الهدف أمكن لى أن أحافظ على صلاتي ابتداء فغسل الجنابة إما أن أمضي إلى الفرات فأغتسل أو انتظر الليل لتسخين الماء والاغتسال خارج الغرفة في الظلام لأننا اثنان في الغرفة وكان زميلي من دير الزور شاب بسيط طيب يصلي ولا يعنيه من الدنيا شئ إلا راتبه الذي يتأخر , كانت فرصتنا على رأس كل شهر , ننزل إلى دير الزور أو نمضي يومين سعيدين في الفنادق والمطاعم ونقبض الراتب ونعود , وبدأت معركتي أو تربيتي مع الطلاب وكنت قد استلمت الصف الثالث والرابع الطلبة الكبار ,

ورحت أدعوهم إلى الله وقد أحضرت معي بعض النواشف كالزيتون والجبن والزيت والزعتر كانوا يستضيفوننا أحيانا على ثرود دجاج ولا أحسن التحدث كثيرا بلغتهم البدوية ولا أفهم عليها , وبدأت أبث فكرة بناء المسجد مع الطلبة , وكيف يتم البناء فلن يتعاون معي أحد اتفقت مع الطلاب أن نصعد إلى الجبل كل يوم جمعة ونقتلع حجرا منه , وكانوا أقوى مني واقتلعنا ثمانين مترا حجرا مكعبا من الجبل , أطبخ , لهم مجدرة فيحسبون أنها أفخم المأكولات وضاق

الأهالي والمخفر ذرعا بي , فراحوا يشكون إلى مدير التربية أني أشغل الطلاب ولا أعلمهم وجاء تحقيق من مديرية التربية بحلب , وأبدى الطلاب استعدادا لضرب آبائهم الذين يريدون أن يمنعوهم عن هذا العمل , وقررت أن أمضي سنة ثانية باختياري في القرية ,بنيت المسجد , وحافظت على صلاتي , أحث الطلاب على الصلاة معي في المدرسة , ولعل هذا من أفضل الأعمال التي أدخرها عند ربي , فمن بني لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتا في الجنة .

الفكرة السابعة والخمسون

استعن بالله ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه )

أنا أبني المسجد وكأنما أبني كنيسة في بلد إسلامي , طلبت أرضا أشتريها فقال لى صابحها المتر بخمس ليرات , وعندما علم أن الدولة ليست معي قال لى المتر بـ 200 ل . س . فتبرع المختار بالأرض طمعا أن يحول المسجد سكنا له بعد ذلك , جئت بأبي وبشباب صوفي متحمس فقاموا بعمار الجدران الأربعة , منعونا الماء فجاء المطر وملأنا اثني عشر برميلا من ماء المطر , مضيت إلى دير الزور , وكتبت رسالة إلى الإخوان هناك , وكان على رأسهم الدكتور حسن هويدي حفظه الله , وحملتهم وزر هذه القرية والقرى المجاورة لهم فتبرع لى الإخوان بالخشب الكامل لسقف المسجد وأحضروه بسيارة شاحنة للقرية وساعدوني في بنائه .

في العام التالي قامت ثورة آذار عام 1963 , وجاء وكيل معلم بعثي حاقد معه الكلاشنكوف من الحرس القومي ,ومعه الخمر المعتق يهدد ويتوعد لحربي بعد أن سمع باتجاهي الإسلامي , وكنت قد مضيت لتأدية امتحان السنة الأولي للشريعة للدورة الثانية وعلى أن أعيش معه , وهدد الطلاب بمنع أى نشيد إسلامي علمتهم إياه , خلوت به ساعتين , وركزت على أربعة معان في حديثي , اعتبرها من توفيق الله لى , واعتبرها فقها عظيما في دعوة المعاندين .

المعني الأول : نحن وضعنا أرواحنا على أكفنا في سبيل ديننا فلا ينرهب أى طغيان .

المعني الثاني : أنا وإياه لابد أن نكون يدا واحدة لأننا سنسكن في بيت واحد فلا يجوز أن نختلف خاصة أمام الطلاب .

المعني الثالث : نحن ننفذ تعليمات الوزارة وفي منهج الوزارة أناشيد دينية وقومية ووطنية وحتى لا تتدخل القرية في شؤوننا يحسن أن يقوم هو بطلب أداء الأناشيد الدينية من التلاميذ .

المعني الرابع : أنا مدير أقبض راتبي وهو وكيل معلم لا يقبض إلا متأخرا وحتى لا يحرج معي أعطيه مصروف بيتنا فهو يصرف علينا حتى لا يضطر إلى الاستدانة مني وعندما يقبض يحاسبني على نصف الراتب , فكانت هذه المعاملة هي التي فتحت قلبه .

وكنت أصلي مع الطلاب فقلت له : ألا تري أن مقامك عند الطلاب يضعف حين يعلمون أنك لا تصلي فاغتسل وصل , فجعلته إماما لنا وصرت أصلي وراءه فصار موضع احترام الطلاب , حان وقت الصيام وهو لم يصم في حياته , فتحمل ثلاثة أيام ثم تحداني في اليوم الرابع وأشعل السيجارة وأفطر , لم أفعل شيئا إلا أني تركت المزاح والحديث معه , فجن جنونه فنحن نعيش معا , ونأكل معا , وننام معا , فما كان منه في الليل إلا أن استعد للإغتسال من الجنابة فقمت وسخنت له الماء ,واغتسل في أيام شباط في الغراء والبرد يقص المسعار , كما يقولون , فأوقدت المدفأة وأقام الصلاة وصلي بي إماما في صلاة العشاء وخمرت له الشاي وأمشي الليل يغني لى تغريبة بني هلال ,ورحمنى الله فصار أطوع لى من بناني , وأتم صيام رمضان وصار يصلي , وجن جنون البعثيين في دير الزور , كيف يتحول هذا الخمير السكير إلى الله عابد خاشع , اعتمدت على الله ودعوته فاستجاب الله لى بهدايته ,ومن توكل على الله كفاه .

الفكرة الثامنة والخمسون

لذة طاعة الله , وثمرة الأجر تنسيك مشاق العمل وأهواله

لقد كانت هاتان السنتان أكثر السنوات شقاء في حياتي وأرجو أن تكونا أكثرهما أجرا إن شاء الله وفي عام 1964 , 1965 انتقلت إلى محافظة دمشق وعينت في قرية في الغوطة اسمها حرستا القنطرة تبعد عن دمشق قرابة عشرين كيلا , وقدّر الله لى الزواج قبل هذا التعيين في العطلة الصيفية , حيث عدت إلى العمل الدؤوب الإسلامي في ظروف جديدة تختلف تماما عن الظروف السابقة في ظل حكم البعث العسكري الذي يمنع أى نشاط حزبي إسلامي , وعاد العمل إلى السرية التامة , وإلى التربية العملية في ظل هذه الظروف , وكما انتقلت من الشقاء إلى النعيم حين رأيت مدرسة حرستا القنطرة ولاحت فيها المقاعد من بعيد فحمدت الله عزوجل على ذلك حين كانت المدرسة ثلاث غرف , في كل غرفة صفان , وأنت مع أهل القرية ,

وكان المختار من خير من عرفت كرما وخلقا وتدينا , وكان ابنه معلما معي في المدرسة ولا شك أن الانتقال من عالم العزوبة إلى عالم الزواج هو مرحلة جديدة في الحياة . حيث تتضاعف المسئولية غير أن إقامتي مع زوجتي وأخي مع زوجته وأولاده , وكانتا أختين , ووالدتي على رأس البيت مع والدي , جعلتني ألقي أعباء البيت على والدي ووالدتي , ولا أملك فراغا إطلاقا إذا لقيت على مسئولية العمل الإسلامي في التل مع مجموعة من إخواني , وكان علينا أن نعمل على ثلاث جبهات ودون أن تقع الأنظار علينا .

الجبهة الأول : العمل في ثانوية التل , حيث المعركة أعنف ما تكون بين الشباب الإسلامي والتيارات البعثية والشيوعية العلمانية والتي ركزت على الأساتذة الحزبيين وعلينا أن ننشئ الأجيال المسلمة الملتزمة بالإسلام في ظل هذه الأجواء المعاكسة .

الجبهة الثانية : جبهة النادي الذي أصبح عبئا علينا , والعمل مكشوف فيه فمعظم شبابه من الإسلاميين , وعلينا أن نتابع الأنشطة الثقافية والرياضية فيه , وصار تحت المراقبة الشديدة .

الجبهة الثالثة : جبهة الريف والقرى المجاورة لنا , والاتصال بالشباب والفتيات من خلال العمل النسائي فلم نكن نعرف ليلنا من نهارنا وكانت حياتنا على حساب بيوتنا وزوجاتنا كما كان المطلوب من زوجتي أن تتابع دراستها الإعدادية منتظمة في إعدادية البنات وكان أخي يعمل في الخدمة الإلزامية , ولذلك لم أسكن في القرية .

إنما كنت آتي كل يوم إلى بلدي وأذهب في الصباح إلى مدرستي في القرية الثانية , طاقات الشباب لا تنقطع , وكان علينا كذلك أن نعمل في إطار المركز الثقافي ونساهم في المحاضرات العامة ولا ندع المجال للحزبيين يصوغون الشباب كما يريدون ومع كل الأجواء الحزبية الشديدة كان هناك قدر من الحياة المشتركة بيننا وبين الحزبيين بكل أطيافهم بمناسبات الأعراس وحفلات النجاح , ونحترم بعضنا وفي الحفلات العامة يشترك الجميع بلا استثناء , والحالة الاستثناء لهذا الواقع الأمر هو العرس الإسلامي في حفلة تأبين الدكتور السباعي رحمه الله برعاية وزير التعليم العالي على مدرج جامعة دمشق , وكان فقده آنذاك فقدان أعظم ركن إسلامي في سورية ومثل تأبينه المثل القائل : والفضل ما شهدت به الأعداء , لقد كانت لذة العمل الإسلامي وثمرات الجهاد فيه تنسينا الشقاء والكدر والتعرض للخطر والمساءلة .

الفكرة التاسعة والخمسون

حين تبدأ المواجهة بينك وبين خصمك فهذا يعني أن الخطورة قد بدت ظلها على الجميع .

جاء العام الدراسي 19651966 وجاء نقلي إلى التل لأكون معلما فيها – وأذوق لذية الاستقرار بين أهلي وإخواني , وهذا يعني أني صرت متفرغا للدعوة إلى الله بلا عوائق , وصرت طالبا في الصف الرابع بكلية الشريعة , وصرت أحضر ساعات مادة الفقه فقط , وهذه أول صلة عملية لى بكلية الشريعة وشهدنا في هذا العام انقلاب شباط 1966 وإزاحة أمين الحافظ من السلطة وتطويق سورية بالحزبية الضيقة الشديدة وزيادة المراقبة وسيطرة الطائفية الكاملة بعد إزاحة التيار البعثي السني لكن زيادة العمل الإسلامي رافقت هذا التضييق فقد ألقيت مجموعة محاضرات في المركز الثقافي مع إخواني , وكان الرفاق البعثيون يزوروني في البيت وخطوات خطوة نحو العمل العام إذ اتفقت مع إمام المسجد على إلقاء درس عام في المسجد بعد عصر الجمعة , وكانت هذه ركيزة العمل المسجدى وحيث تجري الرياح هادئة رخية كما تبدو على السطح إذ جاءت الريح العاتية , وأبلغت بقرار نقلي إلى بلدة حينة التي تبعد ما ينوف عن ستين كيلا عن دمشق , وكان اختيار بلدة حينة عن تصميم ووعي لفرع الحزب في التل , بحيث يشلوني نهائيا عن العمل الإسلامي في التل , ففي التل يستحيل أن أتمكن من السكن فيها لعدم توفر المواصلات اليومية بين دمشق وحينة بل بين حينة والتل , وحينة هي بلد لا يوجد فيها مسلم سني واحد , يوزع أهلها بين الأكثرية المسيحية والأقلية الدرزية , لا يمكن أن يسمع لك في مديرية التربية أحد طالما أن القرار من فرع الحزب ,

وكان العام الدراسي الجديد 1966 -1967 الذي حملت فيه أهلي ومضيت لأسكن في حينه عند أبي نقولا وأم نقولا , فأسكن في غرفة ويسكن العجوزان المسيحيان في الغرفة المجاورة والمرافق مشتركة وشاءت إرادة الحزب شيئا وأراد الله تعالي شيئا آخر لقد ذهبت وحدي متوكلا على الله وحده رافضا أى وساطة أو تزلف وأنا واثق لو أني راجعت رفاقي البعثيين الذين أصدروا القرار لأمكن تراجعهم عنه مقابل بعض التنازلات وأبت على عزتي الإسلامية أن أراجع أحدا منهم ووصلت إلى حينه بهويتي الإسلامية الواضحة فلحيتي دليل واضح على اتجاهي الإسلامي وكان قبلي معلم سني جعلوه أضحوكة وتندرا في القرية مع أنه كان مسلما عاديا وليس داعية إلى الله . لقد وصلت ( حينة) وتعرف المدير على , وكان جريئا وصريحا معي وعرف أني جئت عقوبة من الحزب لاتجاهي الإسلامي قائلا لى :

أنت من الإخوان المسلمين , وهو ليس لئيما إلا مع من يتلاءم عليه , وتعرفت على الزملاء فكانوا جميعا من النصارى الكاثوليكيين ما عدا درزي واحد وأنا وأحسست بانفتاح الزملاء المسيحيين نحوى وإثارة المناقشات الفكرية والدينية , أما الزميل الدرزي فكان منغلقا على نفسه , ولم ينفتح علي , ولم يكن المدير بعثيا , فلم يكن إلا زميل واحد من البعث , وأراد أن يترفع درجة في الحزب ورجاني أن أساعده في الامتحان وجاء لى بالأسئلة المطلوب الامتحان فيها وكتبت الإجابات عليها من قراءاتي الحزبية ونجح بعلامة 70% فقال لى تهانينا لقد نجحت يا أستاذ منير , وصرت عضوا عاملا بالحزب بدرجة 70% وبهذه الروح المرحة كنا نتعامل وكنت سعيدا بأعماقي لهذا الابتلاء الرباني فحين تواجه بحرب خصمك لله , فهذا يعني أنك خطر عليه .

الفكرة الستون

جميل اعتقادك بربك تجده متجليا في ربوع عمرك .

قدمت حينة متوكلا على الله لا ناصر ولا معين لى إلا الله وشعورى إني سأكون محط الحرب والاستهزاء في هذا البلد النصراني الدرزي , وقال لى مدير المدرسة ذات يوم : هل تعلم أن مدير ناحية ( بيت جن ) من التل من عندكم وقد زرته بالأمس , فقلت له ما اسمه ؟ فذكر لى اسمه , فعرفته إذ كان بعثيا قديما وهو أكبر مني بقليل , قلت له : لن أزوره , ولم أفاصل الحزبيين في التل لأصلهم هنا , وصلتي به تفتح تزلفي وتقربي من الحرب , في المرة الثانية قال لى المدير : البيك ( أى مدير الناحية وكان رائدا فجاء الشرطة ) يسلم عليك وعرفك وهو أعلي شخصية في المنطقة فحينة قرية تابعة لبيت جن مركز الناحية ومزرعة بيت جن كلها مسلمون ولعلي لو اتصلت به وعرف الناس أني أزوره لهابوني قليلا , لكني بقيت مصرا على موقفي فاعتزازي بالله يمنعني من ذلك ولم أزر البعثيين في التل حتى أزورهم في حينه وجاء المدير في المرة الثالثة يلح على أن أرافقه لزيارة البيك ورفضت فلن أعتز إلا بالله .

كانت المفاجأة المذهلة أن رئيس مخفر حينة وهو أكبر شخصية عسكرية فيها , جاء يطرق الباب على ترى , ليأخذني إلي التحقيق والسجن ؟ كان هذا المتوقع فأنا ملاحق ومراقب في التل لكن رئيس المخفر سلم على بحرارة , وقال : البيك يسلم عليك ويريد أن يزورك بعد قليل , قلت له : أهلا وسهلا , ولم يكن عندى في غرفة أن نقولا العجوزة الطيبة كرسي يجلس عليه فأين أجلسه. جاء وسلم على بحرارة , والشرطة أمام البيت لمرافقته , وعتب على ّ لعدم زيارته , وأنست جدا بهذه الزيارة ثم غادرني وقررت إن نزلت هذا الأسبوع إلى التل آتي بكرسي أو اثنين فقد استحييت وجلس على سرير النوم عندنا وشعرت بعظمة الاتكال على الله , فقد جاء أعلي شخصية في المنطقة إداريا وحزبيا

وزارني في بيتي المتواضع حين رفضت زيارته تزلفا إليه , وكانت الزيارة الاثنين , حيث أمضي في نهاية الأسبوع لشراء بيوم , إذ بالباب يطرق ؟ من ؟ البيك ومعه رجلان , قال لى : حتى لا نقول أن الزيارة أمس لم تكن مخصصة لك , فها أنا جئت الآن ومعي أبي وأخي لنزورك , كما كان معه رئيس بلدية مزرعة بيت جن وهو رئيس الحزب في المنطقة كلها .. وحضر عندي كل المسئولين الحزبيين والإداريين والأمنيين ,وصرت أهم رجل في المنطقة رحبت بهم وأجلستهم جميعا على السرير , وقدمت لهم الشاي وأنا بغاية الحرج وحتى لا أشعر أنها زيارة مجاملة , قال لى : ما هذا الشاي ؟ أليس عندك أثقل منه , وعدت وقدمت الشاي ثانية واستمرت الزيارة ثلاث ساعات كاملة تبادلنا أطراف الحديث وعرفت من خلاله أنه قد ترك الحزب وأصبح هواه ناصريا لكن رئيس الحزب بجوارنا وهو يثق به , وقال لى في ختام الزيارة : إن شاء الله ستعتذر يجب أن تزورني غدا , فهمت أتي بك مخفورا , وسأبعث لك السيارة مع السائق لزيارتي وفعلا نمت زيارته في اليوم الثاني , ورأي في القشة التي تنفذه من الغرق ,

فأصبح العام كله إما عندي وإما أنا عنده وأصبح أهل القرية كل من له حاجة من الدولة أو الحزب أو البيك يأتيني ويرجو وساطتي وحديثي معه , وارتفعت كثيرا بعيون الزملاء فلم يعودوا يخشون مخالطتي بل يتقربون إلى والحوار لا ينقطع وكانوا يسألونني عن أشياء وأحكام في المسيحية . وأطرف ما قاله لى أحدهم : نحن نعتبرك شيخ وبطريك وحاخام , نحن لا نؤمن بأى دين وأنت تؤمن بالأديان . فنستفينك عن كل شئ في الدين وفي الحزب فدرجتك في الحزب عضو عامل وأصبح الانسجام في القممة بيني وبين زملائي , وجاءت حرب السابعة والستين في هذا العام , وكانت مجالا للتقييم والنقد , ولا عجب فـ ( احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك ) ( رواه الترمذي ) .

الفكرة الواحدة والستون

إنك بمقدار ما تتطابق مع فكر تك تجد نصرة ربك واحترام من حولك .

كنت قد أنهيت دراستي ونجحت وكان عليّ في العام الجديد 1967 , 1968 أن أدرس دبلوم التربية العام لأني قد تقدمت لمسابقة المدرسين قبل الحصول على الدبلوم وكنت واحدا من خمس وتسعين متخرجا , فتعين معظمهم إلا الذين قرروا أن يدرسوا دبلوم التربية , ومن حق دارسي دبلوم التربية أن يتفرغ لتدريس مادته التي يختص فيها وعلى الدولة أن تهيئ له اثنتى عشرة ساعة على الأقل ليتمكن من التدريب العملي على تدريس مادته هكذا ينص القانون ولم أكن أشك بنيل هذا الحق بعد قبولي بكلية التربية , مضيت إلى مديرية التعليم , وقدمت طلب التفرغ وقابلت مدير تربية دمشق , وكان جوابه من أعجب ما سمعت وذلك حسب التوصية الحزبية بي قال : شوف ( انظر ) لا تحلم بساعات تربية إسلامية ولا لغة عربية ولا تاريخ ولا جغرافية و لا أى مادة , كل ما عندي اثنتي عشرة ساعة موسيقي ورياضة بمزرعة بيت جن قريبا على مكان عملك , وأنت حر إن شئت خذها أو شئت لا تأخذها , وافقنا لك على التفرغ , لكن ليس عندي إلا هذه الساعات , ولمن تشكو حين يظلمك حاكمك , ليس لك إلا الله ,

فوافقت على أخذ هذه الساعات , متفرغا لها وكان الرفاق الحزبيون قد أسسوا إعدادية خاصة في حينة فكانوا أرفق من رفاقي الحزبيين في التل فهيئوا لى تدريس مادة اللغة العربية والتربية الإسلامية للطلبة الدروز في الصف الثالث الإعدادي وبذلك صرت خبيرا من أهل مزرعة بيت جن , وحيث أني كنت أنتهى من تدريسي بعيد الواحدة والنصف فهناك سيارة تتحرك نحو دمشق في الساعة الثانية فعدت وسكنت هذا العام في التل أمضي كل صباح إلى المزرعة أو إلى حينة وأعود إلى التل وحيث كنت أتحدث بجرأة عن الحزب , وهزيمة الـ 67 كتب فرع الحزب في حينه تقريرا فيّ وفي هجومي على السلطة , وحيث أن حينة تابعة حزبيا لمزرعة بيت جن , وقد توثقت علاقتي مع شبابها اتصل بي أحد الحزبيين قائلا لى : لقد رفع فيك تقرير وطلب منا أن نحقق فيه في إعدادية حينة , وسنأتي يوم كذا إلى المدرسة فتغيب عنها وفعلا نفذت اقتراحه , وجاء وفد الحزب وحقق في ما ذكره التقرير , وكان جواب التحقيق .

أن فرع حينة متحامل على الأستاذ الغضبان لأنه مسلم ,وهم ( أى نصاري حينة ) يتحركون من نزعة طائفية لا تتناسب مع انطلاقتنا القومية , وبعد وصول التحقيق إلى القيادة القطرية أو مركز الحزب بدمشق بعث بخطاب توبيخ لفرع حينة لإثارة النعرات الطائفية وتمت حمايتي من الحزبيين بالحزبيين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء , وتوثقت علاقتي مع رفاقي المدرسين في حينة , وصرت في العام التالي أقرأ معهم كتاب خصائص التصور الإسلامي لسيد قطب , ووصلت إلى فصل في الكتاب عن النصرانية فحرت في أمري أقرؤه أم أتجاوزه وتوكلت على الله وكان الرفاق المسيحيون جميعا مشاركين في سماع البحث من كتاب الخصائص وشن هجوما عنيفا على الكاثوليكية وجميع رفاقنا في هذه ( الأسرة ) النصرانية كاثوليك ,

وعندما انتهيت قال لى أحدهم وكان يصغي بكل جوارحه : هل تصدق أني لم أكن أؤمن بالله طيلة حياتي , والآن آمنت . قلت له : لم ذلك قال : لأني كنت أتصور أن الذي يعلمونا إياه عن المسيحية هو من الله , وكله خرافات , فإذن لا وجود لله أما الآن فقد عرفت أن هذه التعاليم كلها من صنع البشر وأن الله تعالي أنزل دينا غير ما نسمعه في الكنيسة لا يتناقض أبدا مع العقل , فيمكن لى الآن من أعماقي أن أقول لك : آمنت بالله , ومن حيث كنت أخاف , جاء الفتح , ولا عجب فالمسلم داعية إلى الله أني حل وأني ارتحل .

الفكرة الثانية والستون

كن لسان صدق وانطق بالخير والحكمة ولا تخش في الله لومة لائم

بايعنا رسول الله صلي الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم

انتهى العام الدراسي 1967 -1968 ونجحت بفضل الله بدبلوم التربية بدرجة – جيد وكنت الوحيد بين رفاقي في الدبلوم بهذه الدرجة وكان البقية بدرجة مقبول وانطلاقا من القانون .

فالأصل أن أكون أول المقبولين في التدريس بالمدارس الإعدادية والثانوية وتم تعيين الجميع إلا أنا , وقدمت طلب نقل إلى التل فرفض , وأمضيت العام الدراسي 19681969 في حينة عائدا إلى قواعدي الأولي , وسكنت ثانية في هذه القرية وكان الانسجام قائما بيني وبين أهل القرية رغم اختلاف الدين معهم وزارني خورى القرية وكانت علاقتي مع عقل الدروز كذلك جيدة حتى علق أحد إخواني الذي كان يزورني في حينة يا ليت معي كمرة لأصورك مع عقل الدروز وأنت تعانقه ويعانقك بحرارة , واستلم وزارة التربية الأستاذ حسن الخطيب , وكان جادا مستقيما في عمله , وله صديق عندنا من التل فكان الصديق يزوره أحيانا فيقول له الوزير : الحمد لله ليس عندي مظلوم في الوزارة فقلت للصديق وكان صديقا لى - بل عندك مظلوم ولا تشعر به فذكر له ذلك , قال له مستحيل وليأت إذن ويقابلني ويعرض مظلمته إن كان صادقا فأرفع عنه الظلم , ورحت في الموعد المحدد ودخلت على الوزير , وقال لى : ما مظلمتك ؟ قص عليّ قصتك قلت له .

1- كنت في بلدي معلما في المرحلة الابتدائية أمارس حقي في التعليم فيها بعد خدمتي في المناطق النائية بقري دير الزور والمناطق القريبة بحرستا القنطرة , وجئت معلما في قريتي وتقرير كفايتي جيد .

2- صدر قرار بنقلي تعسفيا إلى قرية حينة التي تبعد ستين كيلا عن بلدي ,. بحيث يستحيل على ّ أن أبقي مقيما فيها . واضطررت للانتقال مع أهلي والسكن فيها .

3- تخرجت من جامعة دمشق من كلية الشريعة من زملائي الذين كانوا قرابة التسعين طالبا فعينوا كلهم إلا من شاء أن يتم دراسة التربية عينوا مدرسين وحرمت من التعيين .

4- كثير من زملائي الذين لم يتخرجوا من الجامعة انتقلوا إلى الثانوية موجهين يدرسون مادة التربية الدينية وليسوا مختصين بها ولم أعط هذا الحق وقد تخرجت من الجامعة .

5- الحق الذي تقره كل القوانين التربوية في العالم أن طالب التربية يعطي تفرغا من عمله ويعطي ما ينوف عن عشر ساعات من مادته المختص فيها لتكون له تدريبا عمليا يمتحن من خلالها في آخر العام فأعطي لكل زملائي وهم بضعة عشر وحرمت هذا الحق .

6- وحين أحرم هذا الحق فلا أقل من آخذ ساعات تدريسية قريبي من اختصاصي من أى مادة من المواد الأدبية لأتمكن من التدرب على التدريس بشكل عام فيفا جئني مدير التربية ليس لك عندنا إلا ساعات موسيقي ورياضة فإما أن تأخذها وإما أن تدعها ولا تحلم بتدريس أية مادة أدبية تربية إسلامية لغة عربية تاريخ جغرافيا , علم نفس ...

7- ونجحت من كلية التربية بدرجة جيد .. في الوقت الذي تخرج فيه زملائي بدرجة مقبول وعينوا جميعا مدرسين إلا أنا .

8- وجاءت السنة الثالثة , وأنا معين في حينة , حتى رفع رئيس الحزب في المنطقة احتجاجا على بعثي إليهم فأهل منطقته أولي به , وعندهم قري نصرانية كاملة فلماذا يلزمونا به في شعبة .

الفكرة الثالثة والستون

ثمة محطة ثانية هي مساكن تحت الأرض لمن فشل تعذيبه وإبعاده في ثنيه عن فكرته .

بعد حرب الأيام الستة حرب 1967 والتي خسر فيها العرب فلسطين كلها , وخسروا أراض من الدول العربية نفسها احتقن الجو الشعبي كثيرا , وبدأ الناس يتحدثون بالنقد والهجوم على الجميع وكانت سورية القومية على رأس القائمة وانتشرت القصيدة للشاعر سليمان الأحمد على غالب الظن يتناقلها الاس في مكان , معارضة لقصيدة فيروز

الآن الآن وليس غدا

أجراس العودة فلنقرع

فكان جواب الشاعر في معارضته الشهيرة

عفوا فيروز ومعذرة

أجراس العودة لن تقرع

خازوق دق ولن يقلع

من شرم الشيخ إلى سمسع

لو أدي البعث رسالته

لقبضنا من ثمن الأقرع

وانتشرت مقولة الدولة الحزبية البعثية : لم نهزم ولم تحقق إسرائيل أهدافها , لقد انتصرنا , لقد خسرنا أرضا هذه ليست مهمة , هذا تراب , هدف إسرائيل هو القضاء على النظام الثوري في سورية , ولا نزال موجودين وخسرت إسرائيل في تحقيق هدفها الحقيقي طالما أن الحزب والنظام الثوري لا يزال يحكم سورية .

وأمام الاحتقان الشعبي اضطرت شعبة الحزب أن تدعو إلى ندوة عن حرب حزيران وتشرك فيها كل الاتجاهات البعث والشيوعيون والناصريون والإسلاميون ولأول مرة – اختارت شعبة الحزب ممثلا لكل اتجاه واختارتني ممثلا للإتجاه الإسلامي , ووزعت البطاقات واكتظ المركز الثقافي بالحضور بحيث لم يوجد مكان بعد للواقفين فكانوا يستمعون خارج القاعة , وذلك لوجود معارضين للنظام في الندوة وقبل يوم زرت مدير المركز الثقافي وكان قد أعطاني ورقة فيها ثلاثون سؤالا مطبوعة تدور الندوة حولهم وقلت لمدير المركز , أنا أعتذر عن المشاركة قال : دخيلك يا أستاذ منير لا تفضحنا أكثر الناس سيحضرون لسماع رأيك , وقد وزعت البطاقات ولا مجال للتغيير. قلت له : إذا شاركت فسأقول قناعتي وأنا أقول لمصلحتك وأنت صديقي , وأخشى أن ينالك أذي , فقال : معاذ الله هذه الأسئلة لم يختلف على الإجابة عليها أحد قلت له : تعال نستعرض السؤال الأول :

من هو معسكر الأعداء ؟

قال : وهل نختلف في الإجابة , أليس المعسكر الغربي الإمبريالي الاستعماري هو عدونا اللدود والمعسكر الشرقي الاشتراكي هو صديق العرب ونصيرهم ؟ هل تخالفني في الإجابة ؟

قلت : نعم أخالفك في الإجابة ويكون جوابي : إن أعداء الأمة العربية والإسلامية هم المعسكر الصليبي العالمي ( الغربي ) المعسكر الشيوعي العالمي , والمعسكر الصهيوني العالمي , أى أن أعداءنا هم الصليبية والشيوعية والصهيونية , وسأشرح أفكاري فهل تتحمل ذلك , قال لا والله دخليك لا تشارك وحضرت مع المستمعين وابتدأت الندوة وبقي مقامي شاعرا في المشاركين في الندوة فاحتج الحضور... ورفضوا بدء الندوة مالم يعرفوا هل منعت من المشاركة فقال مدير المركز : لا لم يمنع وهو يقدم سبب عدم مشاركته , فتقدمت وخاطبت الحاضرين قائلا : اطلعت على الأسئلة الثلاثين فلم أجدها عن حرب حزيران .

لقد وجدتها كلها استفتاء على مبادئ حزب البعث , وأنا أرفض المشاركة لأني أرفض سلفا مبادئ الحزب في الوحدة والحرية والاشتراكية ومضت الندوة , وناقشت المشاركين بالندوة , وأحسوا بالخسارة الجارحة فلم يكن لهم من حل بعد ذلك إلا كما قال تعالي ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) ( يوسف ) واستدعيت للمخابرات , ونلت على هذا الموقف وأمثاله أسبوعا في الزنزانة فحين يفشل التغريب والإبعاد للدعاة يكون السجن آخر المطاف .

الفكرة الرابعة والستون

ارض واليك وأكرم أمك وكن ذا شكيمة ومصابرة .

لابد أن أشير إلى أن السجن في ذلك العهد هو نزهة بالنسبة للسجون فيما بعدها في الثمانينات وما بعدها , فقد كان لا يزال قدر من احترام آدمية الإنسان ومشاعره , ولذلك أدخلت السجن لأسبوع وخرجت ولم أمس بسوء , لكن ذكر بعض المشاعر والمناظر يعطي كوة على عالم الظلمات القادم فيما بعد هذه المرحلة كانت زوجتي هي التي عرفت وضعي , ومضت من حينة إلى التل , دخلت السجن وتركت في البداية في قاعة أنتظر ما سيأتي وتمددت متكئا على يدي وأصوات الصراخ والعويل تصك مسامعي ومشاعر الخوف والرهبة تملأ كياني , وقبض الله روحي فنمت خلال لحظات لدقائق لا تصل إلى ربع ساعة واستيقظت مختلفا في تركيبي عما كنت عليه عند الدخول ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ) ( الأنفال : 11 )

وأدخلت مباشرة إلى قاعة عامة بعد أخذ ملابسي وإعطائي ملابس السجن , والتقيت مع العديد من السجناء الذين لا أعرف أحدا منهم , كان التحقيق منصبا معي على تنظيم الإخوان المسلمين في دمشق وفي التل وعلاقتي به وألهمني الله تعالي أن أقول الآتي , نشأت في بيتنا ومركز الإخوان المسلمين فيه , وحل التنظيم عام 58 وعمري ستة عشر عاما , وكان أخي الأكبر رئيس الإخوان في التل , ولو أن الإخوان المسلمين فكروا في إعادة التنظيم في دمشق أو في التل لكان أول ما فكروا بي , وحيث لم أفاتح بشئ فهذا يعني أنه لا تنظيم للإخوان المسلمين في دمشق أو في التل على أقل تقدير كما ركزوا على سؤال دقيق : ترى لو أن هناك تنظيما قائما واعتقل أعضاء التنظيم فهل تراهم يعترفون بذلك ؟ قلت لا قالوا : وما يدرينا أن يكون موقفك الآن مثل موقف هؤلاء القائمين على التنظيم ؟ قلت : من حقكم أن تشكوا بي , ولكن الذي يثبت الشك أو يلغيه هو التحقيق , وليس بينكم وبين التل أكثر من خمسة عشر كيلو متر ولا تعجز المخابرات عن كشف هذا التنظيم وحين تواجهوني بهذه الحقائق عندها من حقكم أن تفعلوا بي ما تشاؤون قالوا : وما رأيك بالإخوان المسلمين ؟ قلت : فيما أسمعه عنهم أنا معجب بمبادئهم وهم يدعون لتطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع و هذا هدف من أهداف المسلم .

لكني أعمل بصفتي الفردية وأدعو إلى الله في كل مكان , كان مختار قرية حرستا القنطرة ... وله صلة مع الشيمة , وشكل وفدا ومضي وقابل اللواء حافظ أسد وكان وزيرا للدفاع يتوسط لإخراجي فقال لهم : إن لم يثبت أنه من الإخوان المسلمين أوله صلة بهم فسيكون الليلة في بيته وفعلا لم يمر أكثر من أسبوع حتى خرجت إلى البيت ولا أنسي مشهدين من حياة هذا الأسبوع .

المشهد الأول : رئيس نقابة العتالة في حمص وهو بعثي عريق وقد اتهم بمحاولة اغتيال محافظ حمص , فأقسم لهم أن هذا غير صحيح , ثم جاء محمولا في إحدى الليالي , ووصل إلينا يدعو على البعث ويلعنهم ويجأر إلى الله أن يقصمهم , ثم قال : أكثر من مائة عصا يا جماعة وهم يضربونني حتى كدت أن أموت , فاعترفت لهم نعم شكلت عصابة لاغتيال نور الدين الأتاسي وحافظ أسد ومحافظ حماة , وكل من تريدون هاتوا حتى أوقع لكم فإنهم سوف يموتوني إن لم اعترف صدقا أو كذبا وصديقي الثاني , اتهم بعلاقة مع بعض التجار , وكذب الأمر وبقي يجلد حتى وافق على العمل معهم أما بيت الشعر الذي قرأته وحفظته في القاعة ( الأووش ) .

لودى تغني وحاطوم يبادلها

كأس المغاوير حراس الإذاعات

وكل ما كنت أخشاه أن تذهب أمي إلى عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد للقيادة القومية ولم يكن يومها كذلك إنما كان محافظا لإدلب , تترجاه أن يتوسط لإخراجي من السجن , فخرج أحد السجناء , فأعطيته عنوان بيتنا ليطمئن أمي أني على خير .

وسأخرج قريبا وأرجوها أن لا تذهب وتتوسط عند أحد , وعدت إلى البيت , ولم تكن والدتي موجودة وجاءت ورأت غرفة الاستقبال مضيئة أنوارها فجاءت على قتال من في البيت , لأن إخواني الشباب كانوا يأتون في غيابي ويلتقون عندنا فلن تغفر لهم أن يدخلوا البيت ويعقدوا اللقاءات , وأنا في السجن ودخلت غاضبة ففوجئت بي , ولا يعرف قلب الأم وحنانها ولوعتها إلا الأم , لقد ربتنا على العز وسمعتها وأنا صغير تقول لأخي الذي سجن ظلما , وقد دمعت عيناه , تقوله له : تبكي ؟ البكاء للنساء , لقد ولدتكم واحد للقبر وواحد للسجن ولا عجب فالأم مدرسة .

الفكرة الخامسة والستون

النضال الفكري والجهاد المعرفي وسام شرف وعز في الحياة ومن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع .

جاء عام 19681969 , وقد خفت القبضة الأمنية قليلا . وضغط فرع الحزب في مزرعة بيت جن يشكو مني , فوافق الحزب في التل على إعارتي إلى بلدي , فنقلت إلى منين قرية مجاورة لنا ثم تبادلت مع زميل وصرت معلما في المدرسة التي نقلت منها , وكان عندي طموح لمتابعة الدراسات العليا , وقد هيأ أخي الكبير حفظه الله لى قبولا في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة والتابع لجامعة الدول العربية في قسم اللغة العربية , أدب , فتقدمت بطلب استيداع إلى وزارة التربية , وكان وزير التربية سليمان الخشي وبعد مرور شهر كامل جاء الطلب بعدم الموافقة فتألمت وبينما كنت عائدا من المدرسة لقيني الأستاذ محمد الميرو ( والذي صار أخيرا رئيسا للوزراء في سورية ) وكان نقيبا للمعلمين فسلم على بحرارة وقال لي : سمعت أنك تقدمت بطلب استيداع للدراسة في مصر , قلت : نعم وعاد الطلب بالرفض , ثم سألته يا أستاذ محمد أسألك بالله هل أنتم حريصون على بقائي في التل , وخاصة شعبة الحزب قال لا والله وأنت تزعجنا كثيرا . قلت له : أليست هذه فرصة لتتخلصوا مني , وتبعدوني عن التل بإرادتي .

قال : كلامك صحيح قلت له : إذن لم لا تتدخل وتتوسط بإخراجي من التل وارتياحكم مني بالسفر . قال : أنا جاهز . هات الأوراق غدا وأعطيته الأوراق , وبعد ثلاثة أيام كانت الموافقة على الاستيداع جاهزة لمدة سبعة أشهر وحدثني عما جرى معه , قال لى , اتصلت بالوزير , وقلت له : سأبعث لك بأوراق استيداع لأحد المعلمين في التل , ونحن في شعبة الحزب موافقون على ذلك , قال : من هو ؟ قال : منير الغضبان قال : هذا أسوأ معلم عندي في وزارة التربية وقد جاءني الطلب فرفضته فقلت له : إن كل ما عليه من سوء هو من شعبة الحزب عندنا , وكل التقارير التي تأتيك هي من الشعبة , مصلحة الحزب في الموافقة على استيداعه للتخلص منه فقال : على مسؤوليتك , قلت : نعم , قال ابعثها لى . فبعثتها له ووافق مباشرة على الاستيداع , والآن :

يا أستاذ منير فارقنا بريحة طيبة , ورب ضارة نافعة , قررت السفر لمصر , وليس عندي وفر ليرة واحدة فراتبنا هو أقل من حاجتنا , فأخرجت سجادة عرسي وبعتها بثلاثمائة ليرة , وسافرت بها إلى مصر , وكان لابن عمي شقة في مصر وولده يدرس فيها , فتهيأ السكن بدون أجر وكانت تكاليفي في الشهر الواحد ثماني جنيهات , انتقلت بسرعة إلى عالم جديد , أمضي كل يوم بعد العصر فأمضي الساعات المسائية بالمعهد وأعود بالمترو والسيارة إلى مدينة نصر حيث شقة ابن عمي , ووقتي فراغ كله بعد ذلك حيث لا اجتماعات ولا لقاءات والتي كانت تصل في الأسبوع إلى عشرين لقاء عندما كنت في سورية , وها أنا ذا قد أصبحت فعلا خارج الإخوان المسلمين وعندئذ ومع هذا الفراغ قررت أن أتجه إلى حفظ القرآن الكريم وكان هو المشروع الجديد الذي أدخلته في حياتي والذي استغرق معي ثلاث سنوات حيث ابتدأ في مصر , ودخلت عالم الأدب والتقيت مع أساطينه في مصر الذين كانوا يدرسون في المعهد , ومن كل الأقطار العربية , وممن تتلمذت عليهم . د. سهير قلماوي , ود . بنت الشاطئ ود . شوقي ضيف , د . عز الدين إسماعيل , د. ومن الأردن د. ناصر الدين الأسد وزرت هناك الكثير من الشخصيات الأدبية والعلمية والإسلامية وهذه أول إطلالة لى على العالم خارج سورية ونجحت في السنة الأولي ( الدبلوم العام ) الأول على إخواني واستدعيت من إدارة المعهد . وقرر لى مكافأة شهرية ثماني جنيهات لنجاحي ( الأول ) وكنت قد داومت آخر السنة الأولي وبداية السنة الثانية ثلاثة أشهر , ثم عدت إلى عملي بعد انتهاء الاستيداع , ونجحت بالدبلوم الخاصة في السنة الثانية , وحددت رسالة الماجستير عن ( الاتجاه الإسلامي عند الرصافي ) فتأثرت بأستاذي : العراقيين د. أحمد مطلوب , د . يوسف عز الدين , وزرت العراق في الصيف للبحث في مشروع الرسالة وكانت من إحدى النقلات الجديدة في حياتي آملا أن يكون الخروج في سبيل الله فـ ( من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع ) ( رواه الترمذي ).

الفكرة السادسة والستون

اقرأ وارتق تزدد علما وهدي

( اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق ) ( العلق 12 ) القراءة اقرأ أول كلمة من وحي الله لامست هذه الأرض ولامست سمع المصطفي الحبيب صلي الله عليه وسلم لكنها ليست مجرد القراءة للقراءة . بل القراءة الهادفة ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( العلق ) قراءة صفحة هذا الكون والذي يسميه سيد قطب رحمه الله ( الكتاب المفتوح ) مقابل ( الكتاب المقروء ) القرآن الكريم إنها قراءة خلق الله كله لتوحيده وقراءة الإنسان لتوحيد الله كذلك وكما يذكرون قراءة ( الكون والحياة والإنسان ) باسم الله ولهذا كانت القراءة في هذه المرحلة الجامعية التي يمكن امتدادها عشر سنين (1961 -1972 ) والتي تشمل الجامعة والصف الخامس وكلية التربية ودراسة الدبلوم العام والخاص , كانت أوسع القراءات في حياتي , لقد قرأت سيد قطب رحمه الله في أهم كتبه العدالة الاجتماعية الإسلام ومشكلات الحضارة هذا الدين المستقبل لهذا الدين النقد الأدبي , أصوله ومناهجه التصوير الفني في القرآن مشاهد القيامة في القرآن ( وكان بعضها في المرحلة الثانوية ) خصائص التصور الإسلامي السلام العالمي والإسلام معالم في الطريق وفكر سيد الذي بعثه بعد خروجه من السجن ليتربي عليه الشباب ) وقرأت محمد قطب في ما وصل إلي من كتبه الإنسان بين المادية والإسلام كمنهج التربية الإسلامية منهج الفن الإسلامي , جاهلية القرن العشرين , دراسات في النفس الإنسانية وقبسات من الرسول , وغيرها مما نسبته وقرأت المودودي في نحن والحضارة الغربية وملامح الانقلاب الإسلامي والحضارة الإسلامية وتذكرة الدعاة وكثيرا مما نسيته الآن , وقرأت السباعي كله ( من روائع حضارتنا , والسنة ومكانتها في التشريع الإسلامي والمرأة بين الفقه والقانون واشتراكه الإسلام , ودروس من السيرة النبوية

وهكذا علمتني الحياة الدين والدولة في الإسلام وكثيرا مما نسيته الآن ) وقرأت أهم كتب محمد الغزالي ومالك بن نبي والعقاد والبهي الخولي , وغيرهم مما نسيته الآن هذا في الفكر الإسلامي , أما في الفكر القومي بشكل عام : يقظة العرب لجورج أنطونيو , وأعمدة الحكمة السبعة للورانس , ونشوء القومية العربية لزين نور الدين زين, لم أدع ثورة عربية ضد الاستعمار إلا قرأت عنها كتابا على الأقل , كما قرأت ما وصل ليدي من كتب السيرة والتاريخ الإسلامي في تاريخ الطبري , والبداية والنهاية لابن كثير , والكامل في التاريخ لابن الأثير , ورجال حول الرسول لخالد محمد خالد , وصور من حياة الرسول الدويدار والسيرة النبوية كاملة لعبد الحميد جودة السحار 20 جزءا , ولا أعتقد أن كتابا في السيرة وقع تحت بصري قديما وحديثا إلا قرأته , وقرأت تفسير ابن كثير وبعض كتب الحديث والفقه والتصوف , لقد كانت هذه المرحلة هي مرحلة البناء الفكري الكامل لى وهذه قصتي مع كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله . لقد كنت أحس أنه لا يليق بداعية مسلم أبدأ أن لا يكون قارئا للظلال .

ومتى أقرؤه وهو ثمان مجلدات كبار ! اخترعت وقتا ميتا لقراءته , إذ كنا نأتي للغداء كل يوم ونحن في المدرسة الابتدائية ونقضي ساعتين إلا ربع لنعود لدوام بعد الظهر , فقررت أن اكتفي بساندويتشة فلافل بربع ليرة سورية أكلها وأنا أقرأ وخصصت هاتين الساعتين للظلال وخلال سنتين تمكنت بحمد الله أن أقرأه ليس قراءة فقط , إنما أن أدرسه حيث كنت أكتب أهم ما أقرؤه وعشت معه أسعد لحظات عمري , وأقرر هنا أن أهم كتابين أثرا في تكويني وحياتي بعد كتاب الله عزوجل هو كتاب إحياء علوم الدين الذي سبق وذكرته , وكتاب في ظلال القرآن هذا ما قرأته كله مطالعات خارج الكتب المقررة في الدراسة كاملة لقد كانت القراءة وبتعبير أدق الدراسة هي أعلي هواياتي وأهمها وحياتي لا تقوم بها لقد كنت جنديا مع قول الله عزوجل : ( اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق ) ( العلق 1-2)

الفكرة السابعة والستون

اقرأ وانقد ووازن ورجح وكن صديقا وفيا للعلم والثقافة

( اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم ) ( العلق 3-5)

فلن يثبت العلم عند الإنسان إلا من خلال القلم , من خلال الكتابة وهذا خير ما أعطاه الله تعالي لعبد كنت أتمنى والله أن أقرأ كتابا لمتعة المطالعة ولذتها فقط , أحلم بذلك ولكن لا أملك الوقت له فلا يمكن أن أقرأ كتابا إلا والقلم بيدي أسجل الملاحظات على الهامش أو ألخص الفكرة , أو أحضر دفترا خاصا أكتب عليه تلخيصا أو نقدا , هذه الطريقة المثلي بالقراءة هي التي قادتني إلى أن أكون كاتبا فتثمر القراءة عندي فكرا جديدا وهذه هي المشاريع الكتابية التي مضت بي إلى عالم التأليف .

1- الكتابة في السيرة النبوية فلقد كتبت تحليلا لأحداث السيرة النبوية في خمسة دفاتر كبيرة , وأطلعت الأستاذ عصام العطار على البوادر الأولي للكتابة فشجعني والذي فجّر عندي الرغبة في كتابة السيرة هو حضور دروس السيرة للدكتور السباعي رحمه الله , وما كتبه سيد في الظلال عن السيرة والحب الشديد الذي ربطني بسيرة المصطفي عليه الصلاة والسلام , وقد كان العظيمان سيد والسباعي يحلمان بالتوسع في كتابة السيرة النبوية كما ذكر سيد في أمله أن يكتب ( في ظلال السيرة ) كما كتب ( في ظلال القرآن ) فاعتبرت رسالتي أن أتفرغ للإتمام والتوسع فيما فات لهذان العظيمان من كتابة لعدم وجود الفراغ والوقت لديهما ولأن الأجل والمرض أسرع لأحدهما فقد توفي السباعي رحمه الله وهو في التاسعة والأربعين من عمره وتوفي سيد وهو في التاسعة والخمسين من عمره لكنني أسجل مع هذا الواقع شديد ألمي أن كل ما كتبته في السيرة خلال خمس سنوات قد فقد وأتلف في بلدي الحبيب على يدي الأهل بعد أن غادرتها خوفا من أن يقع في يد المخابرات .

2- الكتابة في القومية العربية : حيث خططت لكتابة ثلاثة كتب فيها :

الأول / نشوء القومية العربية منذ العهد العثماني ثم الثورة العربية , التفريق بين الاتجاه الوطني والاتجاه المشبوه فيها .

الثاني : المرحلة الوطنية : وهي النضال ضد الاستعمار , وإثبات أن كل الثورات العربية انطلقت من الإسلام والقومية المبنثقة منه .

الثالث : الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام , وهي البعث والاتحاد الاشتراكي والقوميون العرب , وقد فقد الكتابات الأولان فيما فقد , وتم إنقاذ الكتاب الثالث رغم وقوعه مخطوطا بيد المخابرات وأعمي الله أبصارهم عنه وتمت طباعته بعد ذلك في وقت متأخر .

3- السيرة النبوية للسحار : حيث قمت بدراستها دراسة وافية وطبعتها على صورة مقالات في مجلة حضارة الإسلام في عشرين عددا ثم جمعتها وهيئتها كتابا جاهزا للطباعة تحت عنوان : السيرة النبوية عند السحار : عرض ورأي لكن الناشر سامحه الله أضاعها وفقدت , ومن الممكن إعادة تهيئتها بالرجوع إلى أصولها في مجلة الحضارة تاركا ذلك لأولادي من بعدي فما أملك من الوقت والعمر مع المشاريع الكبرى ما يساعدني على العمل فيها .

4- أبو ذر الغفاري , وهو كتاب رسالة التخرج من الجامعة حيث كان مقررا عندنا رسالة في رحلة الإجازة الجامعية بإشراف الدكتور العالم محمد أديب الصالح أمد الله في عمره , حيث عرضت عليه الكتابة عن السباعي رحمه الله فقال الكاتبون كثر فاختر موضوعا آخر , حيث كنت في سورية واستغل موضوع أبي ذر بصفته يمثل اليسار العربي الاشتراكي واعتبره البعثيون ابنهم كما كتب سليمان العبسي في تقديم كتابه الديوان فتي غفار كتب : إلى روح أبي ذر إكبارا لنهاية بدأناها . وتشويه شخصية عثمان رضي الله عنه بصفته يمثل الرأسمالي العربية والإقطاع العربي . كما أخرجت مسرحيات بذلك , وقدر الله لهذا الكتاب أن ينشر كذلك تحت عنوان : أبو ذر الغفاري : الداعية المجاهد.

5- المحاضرات العامة : ما كان منها أدبيا أو فكريا وكانت تنوف عن ثلاث عشرة محاضرة هيئت لتنشر في كتاب, وأصابها ما أصاب أخواتها في الله , حيث فقدا فيما فقد .

6- المسرحيات العامة , والتي تجاوزت كذلك ثلاث عشرة مسرحية وتبعت أخواتها في الله في الفقدان .

7- إضافة إلى بحوث أخرى منوعة في كل المجالات , لقد ربطت الورقة بالقلم كما ربطها الله تعالي : ( اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم ) ( العلق 3-5 )

النصف الثاني من العمر

من الثلاثين إلى الثانية والستين

من الأفق المحلي إلى الأفق الوطني والعربي والإسلام

المرحلة الأولي 1972 -1980م

العمل في الرئاسة العامة لتعليم البنات في المملكة العربية السعودية

الفكرة الثامنة والستون

أفراحك وأحزانك هي لحظات حياتك ومحطات وجودك تذكر أن دوام الحال من المحال .

لقد نسيت حياتي العاطفية كلها في غمرة الحديث عن عملي الدعوى والفكري والجهادي , لكنني أبقي إنسانا شاعرا

قالوا أحب القس سلامة

وهو التقي الورع الطاهر

يا أقوم إني بشر مثلكم

فطرني ربكم الفاطر

لى كبد تهوى كأكبادكم....

وسأترك هذه الحلقة أعرض فيها زوايا مختبئة بقلبي تمثل ما يمن الله تعالي به على المؤمن من نعم , وما يمن عليه من ابتلاء ,

وكلها تدخل في عالم الابتلاء ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني ( 15) وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني ) الفجر 15 -16 ) .

أولا : الأفراح

1- فرحة النجاح : فيفرح فيها الشيخ فرح الطفل بألعابه وأشيائه وفرحه بنجاحه , لا شك أن الفرحة قد غمرتني بمثل هذه المناسبات , النجاح بالصف الخاص , النجاح بالصفوف الانتقائية في الجامعة , فرحة النجاح بالدبلوم العام والخاص بالأدب العربي فرحة النجاح بالتعيين في التعليم الابتدائي , كما كنت أشارك زملائي وأهلي وأحبابي بفرحهم بنجاحهم .

2- فرحة الزواج : وهو النعمة التي أنعمها الله على العبد المسلم بعد صبره وبعده عن حرمات الله , لينالها بالحلال , ويجد الأنس والسكينة والرضا , ولا أنكر أن العمل الإسلامي قد طفا على هذه الفرحة , وأخذ الوقت الذي يجب أن يعطي للهناءة الزوجية , وهذا من الخلل عند الداعية المسلم فلا أذكر ليلة واحدة أمضيتها في البيت دون موعد , وأتي في الهزيع الأخير من الليل , وجزي الله الزوجة الصبورة خيرا على ذلك .

3- فرحة الولد : خصوصا ولم يأت إلا بعد أربع سنين من الزواج وحلم أن يكون للإنسان طفل يهبه الله تعالي له وكان الحبيب عامر لكني أذكر مع ذلك طغيان العمل على الفرحة فقد مضيت يوم الولادة إلى معسكر دعوى لثلاثة أيام أو أربعة خارج التل . لكني

4- فرحة ظهور كتاب أبي ذر الغفاري : وأرجو أن لا أكون مخطئا أو مغاليا فقد كانت فرحتى بطباعة الكتاب ونشره تفوق الفرحات السابقة كلها : عندما كتب لي أخي الحبيب أبي أيمن رحمه الله وأنا في مصر . أبشرك أن كتابك الآن في الأسواق : خصوصا أنه جاء بعد مخاض عسير , وهذا ما يعانيه كل كاتب في خطواته الأولي على الطريق , وحيث لم يكن يعرفه أحد ويلقي الصد من كل دور النشر .

ثانيا : الأحزان

1- الحزن على فقدان السباعي العظيم , فقد كانت وفاته كارثة , وما أعلم أن سورية أنجبت بعده مثله في علمه وطاقاته القيادية وحركية الديناميكية , وخلقه وذكائه , وأرجو الله أن يخلف الأمة خيرا , لقد كان يملأ علينا حياتنا .

2- الحزن على فقدان والدي : فقد كان رحمه الله صديقي منذ الطفولة , تعلمت الخلق السمح والحلم والحب والإيثار والتضحية منه لقد كانت ثقافته الأمية في أعلي مستويات أقرانه , وأحسست بفقدانه بفقدان أن أعز الناس على .

3- الحزن على فقدان حبيب غال : وذلك في حادث سيارة وهو ضابط , احتياط بحلب , كان أحد أعمدتنا الدعوية والفكرية .

4- الحزن على الانفصال : فقد كان انفصال سورية عن مصر كارثة كبيرة عندنا شباب الجيل الذي حلم بالوحدة ورأها . 5- كارثة الثامن من آذار التي ابتدأت فرصة لإعادة الوحدة وانتهت انفصالا وسيطرة للفكر القومي العلماني على مقدرات البلد والأمة , وحربا للتيار الإسلامي ووجوه السياسي , وبروزا للطائفية المقيتة .

كارثة الخامس من حزيران , والتي أناخت على الأمة بظلها الثقيل وذلها الذليل ولم تستطع حرب تشرين إلغاء آثارها .

الفكرة التاسعة والستون

السفر مفتاحك إلى عالم جديد تزهد فيه خبرة وحكمة ومعرفة

كان قد زارنا في بيتنا شخصيتان سعوديتان , وتوطدت الصداقة بيننا وبينهم وكانا يعملان في الكليات والمعاهد يحملان الفكر الإسلامي , وعرضا علينا التعاقد في المملكة العربية السعودية واجتمع أكثر من عامل حدا بي إلى مغادرة وطني الذي أعتبر الإقامة فيه فرضا على , ولا يجوز أن أتركه في محنته , من هذه العوامل :

1- الوضع الذي استقر وضعي الوظيفي عليه في التعليم الابتدائي وخنقي دون الوصول إلى التدريس في المراحل الإعدادية والثانوية , ولم أدرس في هذه المراحل إلا أثناء تفرغي حيث درست مادة التربية الإسلامية بالتعليم الخاص بالمعهد العربي الإسلامي لفترة قصيرة وجواب وزير التعليم لى .

2- هذا السبب غير كاف ومقنع لى بجواز مغادرة أرض الوطن أرض الثغور والمرابطة في سبيل الله , لكن الوضع الأمني اشتد في المرحلة الأخيرة حيث استدعيت من المخابرات لتحقيق معي إثر خطبة في حرستا القنطرة في افتتاح مسجدها الجديد. مع ذكرى المولد ومما قلت فيها , نحتفل بذكرى المولد ونقول : لقد جاء الإسلام والنبي صلي الله عليه وسلم فحطم الأصنام وحرّم الخمر وحرم الربا وحرم الزنا , فما بالنا اليوم والزنا حلال في بلادنا والربا حلال في بلادنا والخمر حلال في دستورنا وقوانيننا , والأصنام تعبدها من خلال الخضوع للطغاة , فالطغاة أصنام يحب أن تحطم , والدستور والقانون المبيح للمحرمات يجب أن يلغي وإلا فما الذي بقي لنا من إسلامنا ,

ولم يكن التحقيق منصبا على الخطبة , إنما كان منصبا على العمل التنظيمي للإخوان المسلمين وطلب مني بشكل دقيق أن أكتب أسماء كل من أعرفهم , وكتبت التقرير دون كتابة اسم أحد وأنا مسئول عن العمل الإسلامي في التل وقدر الله تعالي بحكمته أن لا توجد غرفة لقراءة التقرير ومناقشته فإحدى الغرف تعطل فيها الكهرباء , والثانية معطلة بصديقة مومس , وبقية الغرف فيها أشخاص آخرون , واكتفي المحقق بعد سب الرب والدين بأن يعلمني أن المخابرات سوف تحضر درسي يوم الجمعة القادم , وأصبح الأمر من الحساسية بين كشف أعضاء التنظيم أو السجن أو استعمال الأساليب الهمجية الوحشية لانتزاع الاعتراف , أو مغادرة البلد . واقترح على إخواني المغادرة إذ لم يكن معروفا على الساحة غيري من خطبي المستمرة , وكتاباتي وعلاقاتي ومعرفة الحزب بي .

3- وحيث تهيأت الأسباب من خلال الأخوين السعوديين المذكورين , وكان التعاقد قد انتهي بالكليات والمعاهد , فحولت إلى لجنة رئاسة تعليم البنات , ثم التعاقد معي على العمل في الطائف موجها تربويا بالرئاسة العامة . فرع الطائف , ولم يكن لي عندما قدمت أى معرفة بالسعودية فلأول مرة تطأ قدماى أرضها حيث استقبلني بمطار جدة أخ حبيب رحمه الله يعمل مدرسا بدار المعلمين بجدة , وليلة وصولي أعلن رمضان في المساء وتحقق حلم الطفولة والصبا , ورأيت الكعبة حقيقة لا حلما وأديت شعائر العمرة , ثم صعدت إلى الطائف و تقدمت بأوراق عملي لمدير التعليم هناك .

ورحب بي , وأخذني إلى غرفة الموجهين , وفيها موجه سعودي واحد سبقني , فتحدثت معه وآنست له , وقال لى في السر : أنت من الإخوان المسلمين , فتلكأت وقلت : نعم . لأبدأ عالما جديدا من العمل في دولة تحمل الفكر الذي أحمله , وأهداف سياستها التعليمية ما كنا نحلم الوصول إلى جزء يسير منه في بلدنا الحبيب وطاب لى المقام بالطائف لأخرج من إسار البيئة المحلية فالتقي مع العديد من الشباب الإسلامي الإخواني السوري موزعين على محافظات القطر ما بين حلب وحوران ودمشق – إلى اتساع الرابطة أكثر حيث انضممت إلى هذه المجموعة وفيها إخوان من خيرة إخوان مصر صار أحدهما فيما بعد عضوا بمكتب الإرشاد ونائبا في مجلس الأمة , خرجت من دمشق ولم يتجاوز راتبي ثلاثمائة ليرة سورية لأتعاقد على ألف ومائتي ريال حيث حسبت خدماتي التعليمية وشهاداتي العلمية والتربوية وانتقلت من معلم ابتدائي ملاحق مضطهد إلى موجه تربوي أعين المدرسات كلهن في المنطقة وانسق مع الموجهات من خلال الهاتف , وأوجه تعليماتي التربوية وصدق الشاعر .

سافر تجد عوضا عمن تفارقه

وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

الفكرة السبعون

علم وتعلم وكن معلما فالرسول صلي الله عليه وسلم إنما بعث معلما .

أرأيت أعظم أو أجل من الذي

بيني وينشئ أنفسا وعقولا

لقد وجدت في البيئة المناسبة وقادني الله إلى الأرض المعطاء وفتح المجال على مصراعية للعمل في سبيل الله. فقد كنت في مديرية تعليم البنات الشخص الأول , ويشهد الله لم ألق أبدا أى تمييز لغيري على لأني أجنبي , فالجميع يتسابقون لصداقتي , والاستفادة من خبراتي , ومدير التعليم ينفذ كل اقتراح أقدمه , وبدأت تجربتي الأولي بالدعوة ضمن إطار الدولة الرسمي , فكتبت نشرة تربوية تحت عنوان فقه الحجاب طبعتها الإدارة ووزعتها ضمن البريد الرسمي على جميع مدارس الطائف والتي كانت تمتد حتى جيزان , وبعث مدير تعليم البنات نسخة منها إلى الرئاسة العامة لتعليم البنات بالرياض , واستدعاني مدير التعليم قائلا لى : إن الرئيس العام مسرور بهذه النشرة ويأمل المزيد لم أكد أصدق , فقبل شهور كانت أنفاسي محسوبة على وعلى فكرى , أما وقد أطلق لها العنان فلأبدأ المسيرة , كتبت نشرة تربوية ثانية تحت عنوان : فقه الزينة في الإسلام , وتم توزيعها ثانية لأفاجأ بعد شهر بكتاب صادر من الرئيس العام لتعليم البنات بتعميم توزيعها على كل مدارس ومعاهد المملكة العربية السعودية للبنات , إن الرئاسة العامة لتعليم البنات وزارة خاصة مسئولة عن تعليم المرأة من الحضانة للجامعة .

تابعت النشاط وأصبحت النشرات التربوية والدعوية الإسلامية توزع على مدارس الرئاسة كلها , وقمت بالخطوة الثانية حيث رأيت بعض الكتب المقررة مكتوبة بروح علمانية خاصة في مجال التربية وعلم النفس فقدمت دراسات نقدية لها وبعثتها إلى الرئاسة وقال لى مدير التعليم : يا أستاذ منير سنخسرك إن الرئيس العام مهتم بك , وقد يدعوك لتكون بجواره بالرياض , ولم ينته العام إلا وجاءني التكليف الرسمي بالانضمام إلى وفد الرئاسة العامة لتعليم البنات , في مؤتمر المعلم السعودي الذي يعقد في مكة المكرمة , وكان أعضاء الوفد أعمدة التعليم في الرئاسة العامة مدير التعليم الثانوي, مدير التعلم المتوسط , مدير التعليم الابتدائي مدير الامتحانات , نائب الرئيس العام لتعليم البنات , وانضممت إلى الوفد بأوامر الرئيس العام بصفتي خبيرا تربويا مع الوفد , وكانت فرصة لأتعرف على كل القيادات التعليمية في الرئاسة العامة كما تعرفنا على أساتذة الجامعات ومدرائها وأعمدة التعليم في وزارة المعارف السعودية وكل الشخصيات الفكرية والثقافية وانتهي الأمر بي في هذا المؤتمر أن ألقي كلمة إحدى اللجان العلمية على المنصة الرئيسية وصرت واحدا من هذه المجموعات التي تقود التعليم على أساس إسلامي صرف , ولأول مرة في حياتي أحضر مؤتمرا رسميا على مستوى المملكة , حيث الحفاوة والتكريم والنزل الخاص في الفنادق , والبرامج الخاصة وكان من أعظم هذه البرامج أن أتيح لنا الدخول إلى الكعبة المشرفة , والصلاة في داخلها كما صلي رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة .

انتهى العام الدراسي الأول 19721972 م الموافق لـ 1992 -1993 الهجري وهنا تختلف الصورة حيث يعتمد التاريخ الهجري هو الأساس في التقويم , والأشهر القمرية حسب التقويم الهجري وهو تعامل الناس والدولة , حتى إنهم لا يسمعون ولا يحفظون الأشهر الشمسية .

تابعت نشاطي في العام الثاني , ورفعت وتيرة دراساتي فجاءني الطلب من الرئيس العام بالرياض حيث انتدبت لفترة شهر كامل إلى الرياض لوضع العام بالرياض حيث انتدبت لفترة شهر كامل إلى الرياض لوضع مناهج العلوم الدينية بالرئاسة ولأرى الرياض أول مرة , وأقابل سماحة الرئيس العام الذي رحب بي , وبعد انتهاء عملي قال لى : أعد نفسك لتكون عندنا في الرياض مسئول مناهج العلوم الدينية في المملكة . واعتذرت فرفض اعتذاري وصعدت في سلم التعليم والمسئولية من موجه محلي إلى مسئول المناهج وصياغتها والمشاركة في التأليف حيث كنت أقول : لو كان عندنا دولة إسلامية في سورية فلا أحلم بأعلى من هذا الموقع :

أرأيت أعظم أو أجل من الذي

يبني وينشئ أنفسا وعقولا

الفكرة الواحدة والسبعون

أنك حين تخلص وتطلب الأجر من الله يعطيك معه الستر والذكر .

ها نحن ندلف إلى العام الدراسي 1495 -1496هـ الموافق 1974 -1975 م وأنا على رأس عملي في الرياض , والمهام التعليمية لا تنقطع وبدأ تأليف الكتب الدراسية على ضوء المناهج الجديدة .

وكانت في الأصل كتب الوزارة هي المقررة في الرئاسة ودخلت على الرئيس العالم وقلت له : إن كتاب الفقه المقرر في الوزارة فيه خمس وتسعون مسألة فقهية في البيع والربا والرهن وكل كتاب البيوع المقررة في كتب الفقه الإسلامي وليس فيه مسألة واحدة فقيهة تخص الفتاة . قال : ما تقترح ؟ قلت : إضافة بحوث النفقات والأحوال الشخصية والرضاع وغيرها قال : امض فألفها ولا عليك , فمضيت مع زميلي في المناهج وقدمنا خلال شهر أربعة بحوث إضافية خاصة بالمرأة وأعيد طباعة الكتاب في العام التالي مضافة له هذه البحوث كما أصدرت مجموعة نشرات تربوية أم سلمة والتربية بالقدوة , أم سلمة والتربية بالسنة . إمام المربين , وغيرها وكلفت في آخر العام بالمشاركة في لجنة الامتحانات ووضع الأسئلة للإمتحان النهائي .

لكن الأهم من هذا كله هو مؤتمر التعليم الإسلامي الذي تقرر انعقاده في مكة المكرمة على مستوى العالم الإسلامي , وتعهدت بكتابة بحث فيه , أضواء على تعليم الفتاة المسلمة وذلك بصفتي عاملا لدي الرئاسة العامة لتعليم البنات , وجهدت أن يكون بحثا موضوعيا , فليس من بحث مقدم من الرئاسة غيره , واقترب موعد المؤتمر , وأصدر الرئيس العام قراره بالوفد الذي يمثل الرئاسة وكانت المفاجأة المذهلة , هو نائب الرئيس العام لتعليم البنات والأستاذ منير الغضبان فقط , وقد تجاوز الرئيس العام كل مدراء التعليم عنده حتى مدير التعليم الابتدائي والمتوسط الثانوي والجامعي إذ أسست كليات التربية في هذا العالم واختارنا نحن الاثنين فقط لتمثيل الرئاسة العامة لقد كان رجلا عظيما حقا في استقامته وحزمه وفقهه وعلمه , له هيبة رهيبة وتحسب الدولة له ألف حساب وليس في منطق المملكة وعرفها أن يمثل المملكة غير سعودي على المستوى الرسمي , فقد كان يؤمن بالكفاءة ويراعي الأعراف الرسمية إلى حدود معقولة ومضيت مع نائب الرئيس العام الذي كان شخصية رسمية أكثر منه شخصية فكرية أو علمية وترك لى كل ما يتعلق بالأمور التربوية والتعليمية والمناقشات الفكرية وكان المؤتمر في فندق انتركونتنتال بمكة المكرمة حيث شارك فيه وفد على مستوى العالم العربي والإسلامي في أوروبا وأمريكا , وكان أساطين التربية والتعليم في العالم الإسلامي قد حضروا هذا المؤتمر ,

ووزع العمل على لجان متخصصة ولا يخطر ببالك أى شخصية ثقافية على مستوى العالم الإسلامي والجامعات العربية والإسلامية إلا شاركت فيه وكانت فرصة لى لأتعرف على كثير من هذه الشخصيات بعد أن كنت أعيش في عالم محدود لا أعرف إلا زملائي في المدرسة وطبعت البحوث كلها , وطبع بحث أضواء على تربية الفتاة المسلمة معها , وكان له دفع وتأثير طيب وتابعت العمل في الرئاسة مشاركا في تأليف الكتب لتعليم الأمية ولمعاهد المعلمات في أصول تدريس المواد العلمية بالاشتراك مع آخرين , وتأليف الكتب الدينية للتعليم المهني , وتزداد ثقة الرئيس العام بي فيكلفني بكل الأمور التربوية والدراسات الإسلامية ووافق على نقل أخي في الروح الأستاذ محمد حسن بويغش من مدارس الرياض الخاصة إلى مسئول مناهج علوم اللغة العربية وصرنا نعمل في قاعة واحدة ومن البيئة المحلية إلى انطلاق في الآفاق العالمية لعلماء التربية في العالم الإسلامي ولم أكن أقصد إن شاء اله إلا الأجر ورضا الله , فأعطيت الأجر والستر والذكر .

الفكرة الثانية والسبعون

حين تغيب حكمة الشيوخ عن اندفاع الشباب يقع الاضطراب

خمس سنوات في الرياض من عام 1295 إلى عام 1400 تناولت فيما سبق عملي الوظيفي الرسمي والذي سخرت لخدمة ديني وكان يمكن أن أغرق في هذا العمل فخدمة ديني قائمة لكن بلدي والعمل الحركي فيها , وجهاد القلم والفكر للفكر العلماني والحكم الطائفي هو الأساس في حياتي , وقد تحرقت وتحركت في خطوات جامحة ثم خطوات ثابتة ثم خطوات رائدة أعرض لها في هذه الكلمات .

1- الاختلاف بلاء وفتنة : فقد غادرت سورية والجماعة منقسمة على نفسها , حيث كنت في سورية جزءا من جماعة الأستاذ عصام وما أطلق عليه جماعة دمشق لكني كنت أحس بشئ من العصبية الدمشقية التي تقابلها العصبية الحلبية فلا تزال الإقليمية قائمة عندنا . و( دعواها إنها منتنة ) كما يقول عليه الصلاة والسلام , حين قدمت السعودية قدر لى أن ألتقي الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبي غدة ولاحظت أن الانقسام لن يعالج , فالتعصب للرأي هو الذي يسود , وأثر هذا على كياني , واهتزت كثير من قناعاتي مع جو الانفعال الشبابي الذي كنت أعيشه حيث كنت في الثلاثين من عمري والتقيت مجموعة من الشباب الناقم على الانقسام في الصف الإخواني والذي يري نفسه البديل عن القيادات القائمة فلا سبيل إلى الإصلاح إلا من خلال حركة جديدة شبابية .

2- كانت الخطوة الأولي في اللقاء مع شخص الأستاذ عصام الذي أعلن تخليه عن التنظيم القائم , ووضعنا معه خطوطا عريضة في بناء جماعة جديدة ثم عكفت مع أخ لى زرته في الكويت , فوضعنا تفصيلات بناء هذه الجماعة وكان موعدنا أن نلتقي بألمانيا حيث يقيم الأخ عصام حفظه الله في المركز الإسلامي بمدينة أخن وكانت فرصة أن نمضي إلى ايطاليا لحضور مؤتمر أحد شبابنا الإسلامي في التل والذي تربي في صفوفنا وحاز على درجة الدكتوراه في الطب في إيطاليا ,

وأصبح مسئول العمل الإسلامي هناك , حضرنا أياما طيبة من الدعوة إلى الله , ثم توجهنا إلى ألمانيا , وكنا ثلاثة إخوة حيث حضرنا مؤتمر المركز الإسلامي في آخن , حيث حضر مئات المدعوين وكان بين المدعوين الأستاذ محمد قطب , والأستاذ كمال السنانيري رحمه الله , وكانت صلتنا قد توثقت مع الأستاذ محمد قطب حيث كان في مكة , وكنا نلتقيه تباعا في مكة المكرمة إذ جاء أستاذا في جامعة أم القرى قبل قدومنا بعام وكنا نعرض عليه نشاطنا , فيوجهنا لكنه يرفض أن يشارك معنا حتى لا يحسب عمله مضارة على الجماعة في التنظيم الدولي , وحضر إلى آخن إخوة من دمشق الذين يمثلون التنظيم السوري التابع لدمشق والتقينا معهم حيث رأي الأستاذ عصام هذا الأمر , ومضيت إلى سورية والتقيت مع الإخوة في دمشق ولم يتق التنسيق المطلوب .

3- أخذ التنظيم الجديد أبعاده مستقلا عن تنظيم الإخوان المسلمين وكان يعتبر جماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة الأم وهي الجماعة الرائدة لكنه يعمل مستقلا عنها ومتعاونا معها واندفعنا في هذا الاتجاه نريد أن نجمع كل الناقمين على الجماعة الأم , ونحاول أن نرتفع بهذا التنظيم ليكون موازيا للحركة الإسلامية الأساس لا يحمل طابعا إقليميا , حيث اتصلنا بشخصيات إسلامية سورية وأردنية ومغربية كلها مختلفة مع التنظيم الدولي وكنا نرى الميزان الوحيد هو فكر سيد رحمه الله , فأطلقنا النشرات التربوية الفكرية التي تتحدث عن المفاصلة بين المسلمين والمشركين وبينهم وبين اليهود , وبينهم وبين النصارى , وكان على ذروة كتاباتنا : الحركة الإسلامية بين التميز والاحتواء حيث وضعنا حركة الإخوان المسلمين بأنها محتواه من الحكام والطغاة مع أنهم جاهليون ومضينا في هذا الخط إلى آخره كنا شبابا لا يعجبنا إلا التميز الكامل ومثلنا التطرف ونحن نرى أنفسنا في قمة الهدي ولا عجب فحين تغيب حكمة الشيوخ عن اندفاع الشباب يقع الاضطراب .

الفكرة الثالثة والسبعون

من أحلام المراهقة الفكرية إقامة دولة الإسلام عن طريق السلاح

اتصلت بالتل وأنا في الرياض , وكنت موضع ثقة إخواني في التل , فانضم إخوة التل إلى هذا التنظيم الجديد ومن خلال الممارسة في هذا التنظيم بدأت بعض النتوءات فيه من خلال فرض بعض الآراء الشخصية في الوقت الذي كان الأصل في كل قرار هو الشورى الملزمة ,وأمام هذه المواقف مضينا في بناء مناهج الحركة الجديدة حيث استمر العمل فيها أكثر من سنتين في اجتماعات متواصلة وكانت النظرية التربوية التي انطلقنا منها هي النظرية الشمولية أو ما يسمي في عالم التربية بنظرية ( الفشتالت ) وبدأنا بالتطبيق العملي حيث يكون القرآن الكريم هو محور العملية من الأجزاء التربوية وتكون العلوم الأخرى خادمة له ومتسقة معه وكان التنفيذ العملي أن يكتب تفسير كل سورة من الأجزاء الثلاثة الأخيرة في كتاب الله : بحيث يشمل التفسير حديثا أو حديثين يشرحان موضوعات السورة , إلى الإتيان بقصص الصالحين والموعظة الروحية مع التفسير نفسه إلى الخلوص لبعض الأحكام الفقهية وتقرير أهم القضايا الفكرية التي تعالجها السورة. وكانت بحوثا قيمة , تم تطبيقها لفترة محددة . ثم أهملت أمام الخلل العام في التنظيم كان هذا في الأعوام 77, 78, 97 -98 هـ و78 . 79م ( 98 . 99هـ ) إذ نتناهى إلى سمعنا أخبار الحركة الجهادية في سورية , وتصل لنا بصورة مشرقة , وكأنما الصحابة بعثوا من جديد .

اعتبرت أن التطبيق العملي لحركتنا هو هذا العمل الجهادي في سورية وطلبت من مسؤولي تنظيمنا طلبين محددين : الأول : إمداد هذه الحركة بالمال , والثاني : السماح لشبابنا في التل أن ينضموا لهذه الحركة الجهادية وطلبت دعوة مجلس الشورى المؤسس لهذا التنظيم وكنت أول المؤسسين له فرفض الطلب فقدمت استقالتي من التنظيم الجديد فقبلت وأصبحت بلا علاقة مع أحد , إنما أبحث عمن يصلني بالعمل الجهادي في سوريا فهو صورة طموحي الحقيقي وكنت أتحرك حسب ما يصل لنا من معلومات فليس بين يدينا من نتعرف منه مباشرة على هذا العمل الجهادي وحقيقته وكتبت رسالتي إلى إخوة التل أعلمتهم بوضعي , وتركت لهم حرية الاختيار مع أى جهة تنظيمية إسلامية .

كان لى جار أستاذا بجامعة الإمام محمد بن سعود , وكان ضمن تنظيم إخوان حلب , أتباع للتنظيم الدولي وأعلمني أن المجاهدين في سورية تابعون لهذا التنظيم وكانت نشرة النذير في بداياتها الأولي حيث يأتيني بها وفيها أخبار المجاهدين في سورية ثم حدثني عن خطة عمل الجماعة في سورية , والتي توضح الأهداف والوسائل , وكانت أفضل ما قرأت من خطط خلال عملي الإسلامي كله فأبديت استعدادي للدخول في هذا التنظيم الذي حدد هدفه ووسائله , وهو الذي يقود العمل الجهادي في سوريا , ورأي أن يكون دخول التنظيم الجديد من خلال مبايعة المراقب العام للجماعة فانتظرت قدومه وجلست جلسة طويلة , وانتهت بمبايعته وكنت قد وضعت شروطا ثلاثة لهذه البيعة قبل الإقدام عليها .

- الشرط الأول : أن لا أدخل في أية خلافات مع أى حركة إسلامية عاملة على الساحة السورية أو غيرها وخاصة أني وجدت بعض النيل من الأستاذ عصام في إحدى نشرات النذير , ولن أسخر قلمي إلا لخدمة الجهاد فقط .

- الشرط الثاني : أن جماعتكم كانت قبل سنوات تتبني العمل السياسي في ظل النظام السوري , ودخلت الانتخابات النيابية وكان لها بعض النواب في ظل النظام السوري , وهذا الانتقال لتبني الجهاد قفزة غير طبيعية , فإذا تخليتم عن الجهاد اعتبر نفسي في حل من البيعة فنحن نريد أن نجاهد لإقامة الدولة الإسلامية في سورية عن طريق العمل الفدائي القائم .

- الشرط الثالث : إن كان قبولي عندكم مرهون بأني سوف أتي بإخوة التل ليكونوا معكم فلا داعي لهذا القبول , فأنا لا أملك إلا شخصي ونفسي ولا عجب , فإقامة دولة الإسلام عن طريق الجهاد هي حلم الشباب في هذه المرحلة .

الفكرة الرابعة والسبعون

الإصلاح من داخل العمل الإسلامي أجدى من تأسيس عمل جديد يضيف فرقة جديدة .

من اندفاع إلى اندفاع , حيث مضيت أضع كل طاقتي في العمل الجديد , وكنا الذين أسسنا العمل الإسلامي في التل , قدر الله لنا أن نلتقي في الرياض , وقد تشعب بنا العمل , واختلفت فينا السبل , حيث يري كل واحد منا الأربعة طريقا هو الأجدى والأقرب لله .

فقررنا أن نجرى حوارا واسعا حتى لا نمزق العمل عند الشباب كذلك وكن أمامنا ثلاثة طرق :

الطريق الأولي : متابعة العمل مع تنظيم دمشق الذي كنا أصلا فيه وبقي واحد منا على بيعته له .

الطريق الثاني : الانضمام لتنظيم حلب والذي هو جزء من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين ويتبني طريق الجهاد .

الطريق الثالث : أن نتصل بالمجاهدين مباشرة في سورية دون هذه الوسائط ونعمل معهم .وهدانا الله إلى حل رشيد : هو أن نعمل على وحدة هذه الاتجاهات الثلاثة في تنظيم واحد .

فإن وفقنا الله لذلك كان بها , وإلا يقينا مستقلين عن الجميع حفاظا على وحدة العمل الإسلامي في التل أو يمكن أن نعيد دراسة مواقفنا حين اليأس من توحيد العمل .

وبدأنا خطوات جادة وكنت موضع ثقة إخوان حلب الذين انضممت معهم , وعرضت على المراقب العام حين قدم إلى الرياض فكرة وحدة الجماعتين دمشق وحلب فشجعني عليها وأبدى استعداده لذلك , وزرت في المدينة نائب المراقب العام لإخوة دمشق ولا يزال بيني وبينه خيوط ود. فأبدى استعداده للفكرة , وحضر إلى المدينة ممثل للأستاذ عصام من ألمانيا وأكد أن المجاهدين في الداخل مبايعون للأستاذ عصام , وأراني رسالة من عدنان عقلة يعلن فيها بيعته له , وكل يدعي وصلا بليلي , وشاركني بعض إخوة التل بعض هذه الزيارات , إلى أن تم تحديد موعد رسمي للقاء ممثلي التنظيمين في المدينة ,

وحضر الشيخ سعيد حوى رحمه الله من الأردن , كما حضر المراقب العام , وتم اللقاء في جولة أولي حضرها عن طرف إخوة حلب المراقب العام والشيخ سعيد , ومن طرف إخوة دمشق نائب المراقب العام ورئيس مجلس الشورى , وكنت الوسيط بين الطرفين , ثم جرى لقاء موسع ختامي كتب فيه نص الوفاق الكامل بين الطرفين وتعاهدوا وتواثقوا على العمل لتوحيد التنظيمين وتم تشكيل قيادة واحدة خمسة من تنظيم دمشق وخمسة من تنظيم حلب , وكنت الحادي عشر في القيادة بصفتي شاهد مرحلة ولا أمثل أى طرف , وأسعي على تذليل كل المصاعب والخلافات التي قد تفاجأ بها على الطريق .

وكانت قيادة حلب قد أعدت قبل الوفاق ميثاقا إسلاميا يمثل تصور الجماعة للعمل في سورية المستقبل , وعرض على قيادة دمشق وتم الاتفاق على أن يمضي ثلاثة من إخوة حلب إلى ألمانيا حيث ينضم الأستاذ عصام معهم , ويتم إعلان الميثاق من الإخوة الأربعة , ويتم به إعلان وحدة الجماعة , وعاد الإخوان إلى الأردن من أعضاء القيادة ليفاجئوا بحضور ممثلين عن المجاهدين في الداخل يرفضون أن يمثلهم أحد , ونتيجة هذه التطورات لم يعلن ميثاق العمل الإسلامي إلا أن إخوة حلب إذ لم يوقع الأستاذ عصام عليه , وأعيد النظر في الاتفاق بعد حضور ممثلي المجاهدين إلى الأردن وتم لقاء في ألمانيا حضره عدنان عقلة الذي انتهت إليه قيادة المجاهدين في الداخل , والمراقب العام لإخوان حلب وبعض أعضاء القيادة , وممثلين لتنظيم دمشق , وأعلن بيان وحدة الجماعة من ألمانيا وحدد موعد جديد في الأردن حضرته التفت فيه الأطراف الثلاثة , وتم الاتفاق على قيادة اثني عشرية , ويمثل كل طرف أربعة إخوة , كنت أحد الأربعة الممثلين لطرف حلب, وعدت من الأردن لأنهي عملي في السعودية وانضم للعمل في الأردن , والحمد لله .

فالإصلاح من داخل العمل الإسلامي أجدى من تأسيس عمل جديد يضيف فرقة جديدة .

الفكرة الخامسة والسبعون

وازن بين دعوتك وفكرك وعملك الوظيفي فالتكامل أساس النجاح

لست رجلا حزبيا سياسيا إنما أنا داعية إلى الله تعالي أؤمن بالعمل السياسي أنه أحد وسائل العمل الإسلامي ولذلك لا أدع التنظيم الحزبي والعمل السياسي يطغي على عملي لدعوتي أو على بناء فكرى الإسلامي , أو على حساب عبادتي التي أحمد الله تعالي أن قيام الليل لم ينقطع عني رغم كل تقلبات الظروف ومشاق السفر فأنا عبد قانت لله أعلم أني اخسر قيمتي يوم أتخلي عن صلتي الوثيقة بالله , فماذا عن عملي الفكري ؟

لقد تحدثت عن الجانب الفكرى الرسمي وهو عمل قيم بحمد الله لكن المسلم لا تحصره وظيفة , ولا تحدد مهامه دولة إنما يحدد مسؤولياته الفكرية بجانب , مسؤولياته التنظيمية بجانب تحديد مسؤولياته الوظيفية بجانب تحديد مسؤولياته العبادية والروحية .

كما سبق وذكرت حول شخصيتي هو أني أمثل الدفاع في كل أعمالي المادية والمعنوية وكان انخراطي في تنظيم مستقل كما ذكرت منق بل هو استثناء من القاعدة فتمطي هو داعية وفاق وإصلاح وليس داعية انشقاق وصراع , ولكنها تجربة ومحاولة استمرت قرابة أربع سنين وأقنعني الواقع العملي أن الإصلاح لا يتم إلا من الداخل .

بصدد الحديث عن شخصيتي الدفاعية في المجال الفكري, كان يقلقني دائما التشويه لبعض الشخصيات الإسلامية العظيمة من خلال روايات موضوعة وإفك مفترى , أن على أن أجلي الحقيقة وأزيح الغبار عن هذه الشخصيات فأنا لست بحاجة للكتابة عن الخلفاء الراشدين , فكل الناس يكتبون عنهم ولا يختلفون فيهم وإن كان بعض الغبار قد علق بشخص عثمان الخليفة الراشد الثالث رضي الله عنه فقد قام الشيخ العالم صادق إبراهيم عرجون , وجلي شخصية عثمان في كتابه عثمان بن عفان : الخليفة المفترى عليه واستفدت كثيرا من هذا الكتاب , ومن كتاب العواصم من القواصم لأبن عربي الذي سلك سبيل الدفاع عن صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم , وإن كان قد بالغ في ذلك , وضم يزيد بن معاوية لهذا السلك , ويزيد ليس بصحابي من جهة , ولن ننال من الحسين والسحن سيدا شباب أهل الجنة من أجله , وقبل أن أقدم إلى السعودية , اخترت الكتابة عن معاوية رضي الله عنه , وكان معلمي العظيم في فقه السند التاريخي عند شيخ المؤرخين الطبرى هو الدكتور يوسف العش رحمه الله عميد كلية الشريعة وقد درسنا مادة التاريخ الإسلامي فيها .

وحظ لى طريق السيربين الأشواك, وأمضيت قرابة عشر سنين , انزع الأشواك , وأزيح الغبار وأجلي الشبه عن هذا الصحابي العظيم , وقدر الله لكتابمعاوية بن أبي سفيان : صحابي عظيم وملك مجاهد أن يرى النور عام 1980 -1400 للهجرة وهو جمع دؤوب لسنين خلت وكان أول كتاب في عالمنا الإسلامي يقدم سيرة معاوية رضي الله عنه من خلال نصوص الأحاديث الصحيحة أولا ثم من خلال نصوص الأحداث الصحيحة , وكان للأخ محمد على دولة , فضل نشره في سلسلة أعلام المسلمين , ولا يزال يعاد طبعه إلى الآن من معاوية إلى أمه هند بنت عتبة , وقد فرض على وجودي في الرئاسة العامة لتعليم البنات أن الفت كتاباتي عن المرأة المسلمة بطبيعة اهتماماتي فيها , ودرست شخصية هند رضي الله عنها, والتي كانت الوحيدة في عالم النساء التي مثلت أعظم حرب لهذا الدين وأهله ونبيه , ثم أعظم حرب ضد أ‘دائه بعد أن أشرق قلبها بنور الإسلام , بينما نماذج الرجال كثير في هذا المجال , أمثال خالد وعمرو وعكرمة وأبي سفيان وعشرات أمثالهم لكني اخترت طريق القصة لاستعراض حياتها , ويكاد يكون كتاب , هند بنت عتبة , الرواية الوحيدة الطويلة في كتاباتي كلها , ولم أكن لأكتب مثل هذه الكتب لو لم أوازن بين الدعوة والفكر والعمل الوظيفي فالتكامل أساس النجاح .

الفكرة السادسة والسبعون

آثار العلم أبقي من آثار السياسة .

ومن أجل هذا لم أكتف في هذه المرحلة بهذين الكتابين فيتهمني البعض بنزعتي الشامية الأموية إذا لم أكتب إلا عنهما , إنما أضفت إلى المكتبة الإسلامية خلال هذه المرحلة التي امتدت خمس سنين الكتب التالية :

1- إليك أيتها الفتاة المسلمة 1399هـ, وصحيح أن هذا الكتاب قد طبع في عمان إلا أن الإعداد له كان في السعودية ووضعت في هذا الكتاب كل ما أحب أن أقوله للمرأة المسلمة أو أتحدث به عنها .

2- الأخوات المؤمنات وسبب كتابة هذا الكتاب أن وزارة المعارف قررت كتبا للمطالعة الإضافية في المرحلة الثانوية ,وجارت الرئاسة الوزارة في اختيار كتبها , لكن كان هناك تيار داخل الرئاسة كنت أغذيه باختيار كتب تخص الفتاة المسلمة وحتى لا يقال أنه لا يوجد عندنا كتب , فأقدمت على كتابته لكن لم يقدر له أن يقر من الرئاسة إلا بعد سبع سنين بجهود الأخ المفضال الأستاذ محمد حسن بريغش رحمه الله حيث قرر على الصف الأول الثانوي ومعاهد المعلمات وقرر كتاب المرأة المسلمة لوهبي الألباني على السنة الثانية الثانوية , وكتاب عائشة أم المؤمنين على السنة الثالثة , وبقيت مدة : سبع سنين ثم ألغيت فكرة كتاب المطالعة .

3- من معين التربية الإسلامية , وقد طبع هذان الكتابان ( الأخوات ومن المعين ) عام 1298هـ -1978 م ووضعت في هذا الكتاب الصغير مفاهيمي التربوية عن التربية الحديثة والتربية الإسلامية , ونماذج عنها من خلال دراساتي التربوية في الصف الخاص بدار المعلمين وفي الدبلوم العام بكلية التربية بجامعة دمشق , وخبراتي المتراكمة من القراءات العامة والعمل في حقل التدريس عشر سنين .

4- المسيرة الإسلامية للتاريخ طبع عام 1400هـ -1980م ولا أعلم أن لهذا الكتاب مثيلا في المكتبة الإسلامية , فالكتب عن التفسير الإسلامي للتاريخ من الناحية النظرية كثيرة ومنها العشرات أما التطبيق العملي لهذا التفسير على واقع التاريخ : فلا أعلم إلا هذا الكتاب .. وليس لى فيه غير الجمع والتأليف .

إذ استعرضت تاريخ البشرية من لدن آدم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الظلال , باختصار ومن لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى محمد صلي الله عليه وسلم مختصرة من سلسلة السحار محمد والذين معه فقد انطلق فيها من التفسير الإسلامي للتاريخ ومن لدن رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى العصر الحاضر من كتاب فلسفة تاريخ الإسلام لأنور الجندي , والذي كتب فيما ينوف عن ستمائة صفحة إذ اختصرته بـ ستين صفحة حيث ينطلق من عالمية الإسلام إذ نحمل أمة راية هذا الدين ثم تتخلف بترف أو اختلاف فيحمل الراية أمة أخرى فلم تسقط هذه الراية قط , وقد تداولتها أمم الأرض التي آمنت بهذا الدين .

5- الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام ط 1400 هـ , 1980م.

6- وكما ذكرت هو جزء من جزأين مفقودين عن نشوء القومية العربية والحركات الوطنية وصلتها بالإسلام وقد استعرضت أهم ثلاث حركات معاصرة هي البعث والقوميون العرب والاتحاد الاشتراكي فدرست كل حركة على حدة منذ نشوئها ثم تطورها ثم الواقع الراهن الذي آلت إليه , ومدى علاقتها بالإسلام , إذ لم يتبن الإسلام أى حركة منها وبالتالي سقطت الحركة وطنيا وسقطت إسلاميا وهذه الحركات التي حكمت في الوطن العربي وقادت الصراع مع إسرائيل , وحكمت شعبها بالحديد والنار وفرضت مبادئها عليه هي التي استسلمت فيما بعد وصالحت هذا العدو بعد سلسلة الهزائم التي منيت بها أمامه . وهو كتاب فريد من نوعه حتى عندما قامت حرب الخليج , لم يكن لدي أعداء صدام في الحديث عن مآسي الحزب غيره , وحقا فأثار العلم أبقي من آثار السياسة .

الفكرة السابعة والسبعون

كن هادئا فمن استعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه

اعترف سلفا أن من طباعي السيئة العجلة فلا أتروى في كثير من الأحيان , والأصل فيمن يتصدى للكتابة والتأليف أن يعيد النظر في مؤلفه مرات ومرات يراجعه ويصوبه وينقحه ويدفعه للطباعة , لأن الخطأ الذي يبرز بعد الطباعة لن يتلاقي , ومن ألف استهدف لكنني أعترف بأني لا أكاد انتهى من تأليف الكتاب حتى أدفعه للطباعة وفي أحسن الأحوال أقرؤه مرة واحدة , وحين أقرؤه قد لا ألاحظ أخطاءه و وتكون قراءتي كما هي في ذهني لا كما هي في الكتاب ,وأتمنى أن يراجعه غيري , وقد لا يتوفر هذا دائما لى .

لقد قلت هذه المقدمة تمهيدا للحديث عن رسالة الماجستير , فقد اخترت موضوع الاتجاه الإسلامي عند الرصافي وأنا في السنة الأولي للدبلوم العام , وكان أستاذي الدكتور يوسف عز الدين يبدى إعجابه بي كثيرا ويدفعني للمضي في هذا الموضوع وزرت العراق مباشرة بعد نجاحي في الدبلوم الخاص واطلعت على مخطوطات للرصافي صدمتني وشعرت أنه في آخر حياته قد ضل ضلالا بعيدا من تأثره بقراءته في كتب المستشرقين , كان عقلي بلح على أن أتراجع عن الموضوع وأختار غيره لكن عاطفتي وقد كتبت 90% من الرسالة تحضني أن أتابع الموضوع لأسبق زملائي جميعا بالرسالة , واستجبت لعاطفتي ولم أستجب لعقلي , وتعاقدت للعمل في السعودية , فأرسلت النسخة الأولي للرسالة مطبوعة طباعة سيئة جدا إلى العراق مع أحد الزملاء . فانزعج الدكتور وأعادها لى متمثلا بقول الشاعر :

ولم أر في عيون الناس عيبا

كنقص القادرين على التمام

واضطرت إلى إعادة طباعتها ثانية , ومضيت بها بشخصي إلى العراق , وقرأت قسما منها عليه , فأجازني بطباعتها بعد تغيير بعض أفكارها وتصحيح بعض مضامينها فقد كانت مراجعي أكثرها إسلامية , وطلب مني أن أعود إلى المراجع الأدبية أكثر . كما كان هناك خلاف فكري واضح بيني وبينه فطبعتها للمرة الثالثة , وأرسلتها له , واعتبر إرسالي لها إليه فيه شئ من الإهانة فرفض الرسالة , وطلب صياغة جديدة فيئست وتركت الموضوع غير أن مدير المعهد الدكتور خلف الله حفظه الله , وراسلني , وطلب مني الصبر , والأخذ ببعض الملاحظات وأن أبعثها إليه حتى لا تتدخل العواطف ويكون وسيطا بيني وبين المشرف فاستجبت لمطلب العلامة عميد المعهد حفظه الله , وطبعتها الطبعة الخامسة النهائية , وأرسلتها إليه فأجازها إذ أدخل نفسه مشرفا مساعدا مع الدكتور عز الدين , وحدّد لى موعد المناقشة ومضيت إلى القاهرة وكانت لجنة المناقشة من د. يوسف عز الدين مشرفا , والأستاذ محمد أحمد خلف الله وهو عضو في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعميد معهد البحوث والدراسات مشرفا مساعدا , والدكتورة سهير القلماوي والدكتور حسين نصار أعضاء وابتدأت المناقشة من عميد المعهد بتقديم عذري عن التأخير لتوزعي بين السعودية والعراق والشام والقاهرة مستشهدا بقول الشاعر :

بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا

بالرقمتين وفي الفسطاط إخواني

كما عرضت نكتة أخرى : هل تحب أن نجيزك في الماجستير بالشريعة أم باللغة العربية , ونلت الشهادة بتقدير جيد جدا بعد خمس سنين من انتهاء الدبلوم في 23 / 12/1978م , ومن غيظي من متاعب هذه الرسالة طبعت أكثر من عشرين كتابا ولم أطبعها , ولما قرأته عن الرصافي توقفت في إعطائه شهادة الاتجاه الإسلامي وسبقني إخواني جميعا ولا عجب فمن استعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه

الفكرة الثامنة والسبعون

الحياة ذكريات تذكر حلوها ومرها ولا تكن غير مشاهدها الماضية

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

أين أنا وأين قلبي في هذا الخضم من أفراح وأحزان وهي مناسبات ثم تمضي كما يقول المعرى

غير مجد في ملتي واعتقادي

نوح باك ولا تر نم شاد

أبكت تلكم الحمامة أم غنت

على فرع غصنها المياد

إن حزنا في ساعة الموت

أضعاف سرور في ساعة الميلاد

ومن هذه اللحظات المؤثرة المادية والمعنوية في حياتي :

1- رؤية الكعبة المشرفة : فلم أدر أنا في حقيقة أم حلم ؟ ولا شك أن للرؤية الأولي موقعها المؤثر في النفس تختلف عن بقية المناظر اللاحقة , لقد تذكرت نفسي وأنا أبكي وأنا في السادسة عشر من عمري وقد رأيتها في السينما منظرا عابرا ثم انتهت وتذكرت كم رأيتها في الحلم واستيقظ فلا أرى شيئا ولقرب الطائف من مكة كنا تقريبا نتردد كل 15 يوما على مكة ونعتمر.

2- أداء مشاعر الحج : حيث عرفات ومزدلفة ومني وزمزم والحطيم والصفا والمروة , لأول مرة وفي السنة الأولي التي قدمت فيها المملكة , وإذا كانت القضايا تطبع آثارها فتفرض على غير الشاعر أن يقول شعرا , فقد كتبت القصيدة الثانية والتي وصفت فيها مشاعري عن الحج بعد القصيدة الأولي قبل ثلاثة عشر عاما وأنا في السابعة عشر من عمرى عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في آتون حبي الأول لصاحبنا الذي لا يزال حبه ندبا في القلب , وقصيدة الرثاء بينهما للأخ الحبيب الفقيد عام 70 .

3- وصول خبر استشهاد أخي أبي أسامة في حرب تشرين , حيث صفت مشاعري شعرا كذل , وتبين لى بعد لأى عدم صحة الخبر .

4- صعود غار حراء حيث تنزل الوحي على رسول الله صلي الله عليه وسلم حيث صغت مشاعري شعرا كذلك .

5- ولادة ابنتي أروى بعد ست سنين من ولادة أخيها عامر وأذكر ليلة الولادة إني كنت في خروج ليلي في الرياض مع إخواني أمضيناه إلى الهزيع الأخير من الليل ,وعدنا للرياح العاتية .

6- خبر سقف الشقة في التل والذي كان يؤرقني كثيرا إذهل سيكون هناك مأوى لأهلي .

7- خبر إصابة أخي بالأزمة القلبية , والتي عوفي منها بحمد الله , حيث سافرت للإمارات للاطمئنان على صحته والتقيت به بعد غربة وبعد ..

الحادث الذي نزل بي وأنا محرم وماض إلى منى مع شيخي محمد سعيد الطنطاوي والذي رأيت فيه الموت وكيف تعود الحياة للإنسان , وأذكر أن كلمة قلتها بعد الحادث والتأكد أني حي سامحوا السائل وقد رأيت مدى حب الناس لى , فقد كان يلتقي في غرفتي أكثر من خمس وعشرين زائر في مكة المكرمة للإطمئنان على صحتي , وكان أخي بينهم حيث جاء حاجا في هذا العام مع مجموعة من أقاربي وقد تفضل سماحة الرئيس العام لتعليم البنات وزارني في المستشفي , وعرض خدماته في نقلي إلى الرياض إذا كانت المعالجة ليست على المستوى المطلوب , وأكرمني الأخ محمد قطب بزيارتي مرتين وأهداني كتاب كيف تكتب التاريخ الإسلامي قبل طباعته وكان شيخي الشيخ سعيد يزورني كل يوم وأحسست بعميق ألمه لما نزل بي كما كانت تزورني أم خليل العرنوس وأبو خليل العرنوس يوميا حيث تبينت فيما بعد أنهما أبوي من الرضاعة .

8- حادث السيادة التي كنت أقودها وكأن يد الله تعالي حملت بي إلى الرصيف الآخر من الجهة المعاكسة وأنقذتني من الموت وكيف أصيب ثلاثة أولاد تعرض أحدهم لارتجاج في الدماغ ولا أذكر مرة أني كنت أقرب إلى الله تعالي في حياتي من تلك الليالي حين كنت أدعو الله تعالي بشفائهم , واستجاب الله دعوة المضطر , وهب الله لى إخوانا من السعودية يعرفون أهلهم فسامحوني كما سامحت السائق بعد حادثي , وأذكر جهد أخي أبي حسن رحمه الله الذي أخذ إجازة أسبوعين أمضاها في متابعة معاملتي حتى خرجت من السجن .

9- أبناء مجزرة تدمر والمجازر الأخرى في سورية ومقتل حوالي ألف أخ دفعة واحدة كواحدة من المجاز الكبرى في سورية

المرحلة الثانية

من عام 1400 – 1407هـ

1981 -1987م

مرحلة العمل في قيادة الجماعة الإسلامية في سورية

الفكرة التاسعة والسبعون

الجندية الربانية توجهك حيث تقتضي مصلحة دعوتك .

لقد كان المراقب العام يستحثني على الاستقالة من عملي في السعودية للمضي إلى عمان والمشاركة في القيادة فيها وكان هذا قبل وحدة الجماعة وبعد أن تم اختياري في القيادة الموحدة فلم يكن أمامي من خيار إلا لتقديم الاستقالة وتم تخريج المغادرة بالاتفاق مع رئاسة الدعوة والإفتاء , التي كان على رأسها الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله للانتقال إلى مالكها , والعمل في الدعوة إلى الله في الخارج وتمت الإجراءات ومضيت إلى عمان وكنت أقوم بمهام الدعوة من خلال التدريس ببعض المدارس الإسلامية في الأردن وكلية المجتمع الإسلامي , والتقيت ابتداء مع القيادة السابقة لتنظيم حلب ,

ثم قامت أزمة أمام القيادة الموحدة حيث طلب الأستاذ عصام العطار لإتمام عملية توحيد الجماعة التعامل مع منظمة الطلائع الإسلامية التي يقودها مثل التعامل مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وخلونا الأربعة الممثلون لتنظيم حلب لمناقشة الفكرة وقدمنا عملية وحدة الجماعة على كل شئ ووافقنا على الشرط وأعلن الأستاذ عصام في مجلة الرائد الموافقة على وحدة الجماعة , وأحل الذين كانوا مبايعين له من بيعتهم وانضمامهم إلى التنظيم الجديد ولا أنكر أن أكبر أحلامي كانت هي اللقاء مع الأخ عدنان عقلة الذي يمثل تنظيم المجاهدين في الداخل , والذي أخذ أوسع دعاية في صفوف الشباب وأن أقبل رأسه باسم هؤلاء الشباب جميعا لكن الأيام والنقاشات الأولي خففت من هذه الصورة الوضيئة شيئا ما وكان عضوا في قيادة الجماعة الجديدة كنت الوحيد بين الاثني عشر الذي لا أشعر بأي عصبية لأى طرف من الأطراف الثلاثة وحماستي للوحدة لا يحده وصف بينما كان قدم كل أخ من الإخوة الأحد عشر في ماضيه التنظيمي , يجعل له شيئا من التعصب لتنظيمه ,

وبدا من البدايات أن الوحدة وحدة قيادات أكثر منها وحدة قواعد فبعد أن نلتقي القيادة تعود كل مجموعة إلى قواعدها لتروي لها الحوادث من وجهة نظرها , وتثبت دفاعها عن طرفها الذي تمثله وكان هذا يؤلمني وتم انتخاب المراقب العام ونائبه والأمين العام وبدت الطليعة أنها متواضعة فهي لا تريد أى موقع قيادي إنما تريد أن تكون قيادة العمل الجهادي بيدها , وهي أخطر المناصب , والتي شكلت أزمة منذ البداية فهناك قناعة لدى طرفي دمشق وحلب أن شباب الطليعة مندفعون عاطفيون , ولا يمكن وضع قيادة العمل الجهادي بيددهم فهذه أرواح بشرية ولابد من مناقشة العمليات من وجهة النظر الشرعية ولا يجوز أن تبقي باجتهاد هؤلاء الشباب بينما كانت وجهة نظر شباب الطليعة أنهم هم الذين أنشأوا العمل الجهادي بالداخل وهم أدرى بساحة الداخل , فلا حق لأحد من الخارج أن ( يتسلط ) على العمل ويفرض سيطرتهم عليه كما برز خلاف آخر حول العمل السياسي وحول فكرة الجبهة الوطنية مع المعارضين للنظام السورى , وشباب الطليعة يرون أن الجميع أعداء لهذا الدين ولهم ماض ملوث في حرب المسلمين مثل أمين الحافظ , وميشيل عفلق وخالد الحكيم

وكنت بريئا حقا لا خلفية لى بأي عصبية مميتة أناقش الأمور موضوعيا وعدت بإجازة لفترة أسبوعين للسعودية وأنا أبشر بأن مجتمع الصحابة قد قام فأسمع تصريحات لشباب الطليعة عن لسانهم في السعودية , أنهم قبلوا وحدة الجماعة لأخذ أموالها وشبابها , وعدت لأجد شرحا عجيبا حيث وزع تنظيم الطليعة نشرة خاصة دون علم القيادة الموحدة بأنه على استعداد لقطع أى يد تمتد للجبهة الوطنية على حساب الإسلام ,

وبدأت الهموم والغموم ومحاولة تقريب وجهات النظر وتم الاتفاق على توزيع نشرة باسم القيادة الموحدة تحظر على أى طرف توزيع أى نشرة باسمه , وأن الأمور السياسية والجهادية تدرس ضمن القيادة ولا يحق لأى طرف أن ينفرد فيها , وأحسست فعلا بأهمية وجودي لتذليل الخلافات وتقريب وجهات النظر فالمسلم جندي دعوته ينطلق حيث تقتضيه مصلحتها .

الفكرة الثمانون

الجهاد دون تربية على أصوله ومبادئه أقرب إلى العصبية الجاهلية

ما هو حصاد عام 1981 من السنة الأولي لوحدة الجماعة وكيف تطورت الأمور فيها .

1- كان حلمي أن أشارك في نشره ( النذير ) التي أصبحت تمثل الناطق باسم الجماعة , لكنها كانت تابعة لجهاز الإعلام وبينما كان جهاز التربية بصدر نشرة ( المجاهد ) على صورة مجلة صغيرة وحيث انضممت للشيخ سعيد حوى رحمه الله للعمل في جهاز التربية أوكل إلى رئاسة تحريرها , وكان هذا أحب إلى من العمل في مجلة ( النذير ) فالتربية في الداخل للشباب من خلال ( المجاهد ) كما رأيت الشيخ سعيد رحمه الله قد شكل ( مدرسة للدعاة ) وكانت خطوة رائدة يدرس فيها عددا من القيادات الإخوانية ولها نظام خاص يشرف عليها أحد الضباط السابقين فهي أقرب إلى نظام المدرسة الداخلية العسكرية , حيث يقيم الطالب فيها شهرا كاملا يتلقي الدروس ويخضع لنظام دائم لا يغادرها إلا في نهاية الأسبوع , واخترت مادتين أدرسهما الأولي مادة السيرة تحت عنوان المنهج الحركي للسيرة النبوية ومادة تفسير نصص الجهاد في القرآن الكريم تحت عنوان : نصوص جهادية بينما كان شغل القيادة الشاغل العمل لإعداد احتياجات الشباب في الداخل .

2- بقيت قواعد الجماعة تابعة لقياداتها حتى طرحت فكرة بيعتها للمراقب العام الجديد بشكل مباشر , وكنت مع الشيخ سعيد وأخوين آخرين اللجنة المسئولة عن أخذ البيعة ليحس الشباب بارتباطه الحقيقي بقائد الجماعة لا بالقيادة الطرفية التي ينتمي إليها , وقادت هذه العملية إلى استقالة أخوين من قيادة الجماعة من طرف دمشق مع أن المراقب العام الجديد هو من هذا الطرف كما بعثت الرسائل إلى المجاهدين في الداخل لإعطاء البيعة لشخص المراقب العام ومحاولة إنهاء الطرفية ما أمكن سبلا إلى ذلك .

3- كان شباب الطليعة في الداخل هم الذين يقودون وينفذون العمليات ويعلمون القيادة الموحدة فيها , بينما كانت قيادة الطليعة في حلب والتي كان الأخ عدنان عقلة هو القائد الفعلي لها قد تمت تصفية قواعدها من قبل السلطة في سورية , ولم تعد قادرة على تنفيذ شئ بعد عمليات التمشيط , التي قامت بها بعض ألوية الجيش مع أجهزة الأمن لكن العمليات التي تمت هي بتخطيط قيادة طليعة دمشق التي كانت تحقق أفضل النتائج بأقل الخسائر , ولأنها في العاصمة فتلفت النظر , وتعطي بعدا إعلاميا دوليا لها وتمت خلال هذه المرحلة عملية مجلس الوزراء , والخبراء الروس , والقيادة الجوية . والأزبكية ولكون عملية الأزبكية كشفت قبل الوصول للهدف , ونالت بعض الآمنين شوهت صورة العمل الجهادي .

4- أرادت الدولة أن تصفي العملي الجهادي في داخل حماة كما قضت عليه داخل حلب , وانزلت قوات من الجيش والأمن فلقيت مقاومة عنيفة , وتمت الاتصالات بين الداخل والخارج حول فكرة تحديد توقيت معين لإعلان ثورة شعبية يشارك فيها المجاهدون مع قوات من الجيش ووقع المراسل بين الداخل والخارج بيد السلطة واطلعت الدولة على بعض الأسماء والضباط فاعتقلتهم وتوجهات بقواتها تريد القضاء على قوات المجاهدين في حماة وتصفيتهم بشكل نهائي .

5- حيث لم يصل عدنان عقلة إلى هدفه في وضع قيادة العمل الجهادي والصلة بالداخل بيده , وحيث رأي العمل السياسي مع الجهات والصلة بالداخل بيده , وحيث رأي العمل السياسي مع الجهات غير الإسلامية يتناقض حسب فهمه مع التميز الإسلامي , أعلن انسحابه من التنظيم مع آخ آخر , وعودته لتنظيم الطليعة واستطاع النزول إلى داخل سورية مع بعض المراسلين وأقنع المجاهدين في حماة بضرورة إعلان الثورة بينما كانت تعليمات القيادة بضرورة انسحاب المجاهدين من المواجهة وتمت التباسات في هذا الأمر ولم يصل رأي القيادة للمجاهدين فأعلنوا وقد حوصروا من قوات الجيش استعدادهم لمواجهته مع قوات الأمن التي كان على رأسها رفعت أسد , ودعوا الناس في حماة للثورة على النظام ولا علم لقيادة الخارج بذلك , فكان الأمر اندفاع شباب أكثر منه عملية قيادة مخططة وفعلا فتبني الجهاد دون تربية على أصوله ومبادئه أقرب إلى العصبية الجاهلية منه إلى الجهاد وكان الأمر في بداية عام الـ 82 وفي 2 شباط .

الفكرة الواحدة والثمانون

سنن الله ماضية والتاريخ مدرسة فراقب واعتبر .

( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) ( إبراهيم : 42 )

1- أمام الأخبار التي تناهت للقيادة عن أحداث حماة وانفجار الأوضاع تداعت القيادة لاستنفار شبابها من كل مكان ودعوتهم للإعداد السريع لنصرة إخوانهم في حماة , وكان النظام العراقي قد أبدي استعداده لإعانة الحركة ضد النظام السوري بطبيعة الصراع بينهما , ووصل قرابة ألف أخ إلى بغداد من كل مكان لتشكيل حملة منهم تمضي إلى الداخل وتعمل مع المجاهدين من المحافظات الأخرى والمتربصين في الداخل لفك الحصار عن المجاهدين في حماة وعقد اجتماع موسع اختلفت فيه الآراء حول جدوى هذه الحملة , وكان شيوخ الجماعة والبعيدون عن القيادة مع إيقافها بينما كان الشباب المتحمس مع إمضائها , وكنت جزءا من الشباب المتحمس وغلب تيار الشباب تيار الشيوخ .

2- وكادت الحملة تمضي بعد تذليل كل صعوبات الخروج لولا أن وصل بعض الشباب من الداخل وتحدث عن سقوط حماة بيد السلطة وعن الوحشية والهمجية التي قمعت بها المقاومة سعير , فطوال شهر شباط/ فبراير عام 1982 استباحت قوات النظام السوري المعززة بالطائرات والدبابات والصواريخ وكل أنواع الأسلحة استباحت مدينة حماة رابع مدن سورية , وأمضت فيها تقتيلا وتنكيلا , ودمرت بالقصف والتفجير والنصف أجزاء كبير من المدينة ومعظم معالمها الدينية والتاريخية , وما غادرت المدينة إلا بعد أن خلفت خمسة وعشرين ألف قتيل رجالا ونساء وأطفالا ودمارا هائلا شبهته الصحافة الأجنبية بتدمير إحدى مدن الحرب العالمية الثانية فضلا عن اعتقال الآلاف من سكانها وتشريد عشرات الألوف الآخرين داخل سورية وخارجها , وفي مجزرة حماة هذه جعلت عصابات النظام حي الكيلانية هدفا لها فأمطرته بقذائف الدبابات والمدفعية وراجمات الصواريخ , واتبعت ذلك بعمليات النسف والتفجير لتمسحه كليا من الوجود مع أحياء الزئبقي والعصيدة والشمالية وبين المارين فقد أصبحت أثرا بعد عين .

3- وقبل وصول أخبار حماة وسقوطها رافق الحملة إعلان أمرين مهمين كان لابد من إعلانهما لو تم النزول إلى الداخل .

الأول : إعلان ميثاق الثورة الإسلامية الذي طبعت منه آلاف النسخ لتوضح للشعب السوري هوية المجاهدين .

الثاني : إعلان ميثاق التحالف مع القوى الوطنية والقومية الأخرى المعارضة للنظام السوري .

4- على إثر هذه الأخبار , مضت القيادة إلى عمان , وبقيت مع المعسكر بين الشباب لأحمل عبء الإحباط الهائل الذي نزل بهم , ولأتلقى ردود الفعل العنيفة ضد التحالف الذي لم تكن صفوف الإخوان المسلمين مهيأة فكرياله , بل ساد التوتر وسوء الظن عقب انتشار أخبار مأساة حماة أن القيادة لم تكن جادة في عمليات النفير والنزول إلى سورية واستعاضت بالعمل السياسي والتحالف بديلا عن العمل الجهادي .

5- وحتى لا تنهار الجماعة أمام هذه المأساة بادرت لإعلان انتخابات لمجلس شورى من قواعد الجماعة في كل مكان , خلال شهر من تاريخه , وتم انعقاد مجلس الشورى لتستمع من القيادة عما جرى من أحداث , وتعرف مدى مسؤولية القيادة عن هذه الكارثة وتم الاستماع من الجميع ووضعت خطوط عريضة تمثل خطة الجماعة في المستقبل وكنت عضوا في مجلس الشورى , وتم انتخاب قيادة جديدة كنت عضوا فيها ولم تقم أبدا على أساس طرفي وماذا تستطيع القيادة أن تفعل وهي خارج الوطن أمام دولة بجيشها وطائراتها وأمنها , إنها حاولت بجهد المقل وبما تملك من دماء وأرواح أن تقاوم النظام الجائر و( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ) ( البقرة 286) .

( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) ( إبراهيم 40)

الفكرة الثانية والثمانون

إحياء فكرة المؤسسات وصياغة القرار جماعيا يعصم أى عمل من الدمار .

1- كان من الممكن أن تنتهي جماعة الإخوان المسلمين في سورية بعد هذه المأساة وكثير من الحركات والأحزاب الأخرى في سورية تلاشت وانتهت ولم تتلق معشار هذه الضربة لكن فكرة العودة إلى المؤسسات وقيام مجلس شورى وقيادة جديدة خلال شهر من الزمن , وتقديم معالم خطة وبرنامج عمل جديد دل على أن تجذر الجماعة في الشعب قوى بلا شك , وعلى أن الإسلام هو الذي يسقي هذا الجذر ويزيد صلابته , فالإسلام والجهاد في سبيله أكبر من الجماعة وأكبر من القيادة ,وأكبر من الشعب نفسه , فهو دين الله الذي ارتضاه لخلقه ( إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير ) ( التوبة 39).

2- ورافق قيام هذه المؤسسات الرئيسية من مجلس الشورى والقيادة إعادة بناء التنظيم ووضع لوائح أجهزة القيادة وطريقة عملها وتحديد المهام والمسؤوليات وتوزيعها , فأعيد تنظيم القيادة بقيام ثلاثة نواب للمراقب العام لكل نائب اختصاصه في سياسة الجماعة الخارجية الداخلية والجهادية ,مع كل نائب مكتب وأجهزة تابعة له ولضخامة المسؤوليات واختلاف الآراء استقال أربعة من القيادة كنت أحدهم وحيث أن اجتماع مجلس الشورى يتم كل ستة أشهر , أعيد تشكيل القيادة من جديد وصرت عضوا فيها وحملت مسؤولية معاون نائب المراقب العام لشؤون التربية والإعلام ضمن توزيع الاختصاصات وتحديدها .

لم يحمل عام 1983 , إنجازات ذات أهمية إلا عملية إعادة بناء الجماعة الداخلي وشكل مجلس الشورى عام 1984 لجنة لتقويم الأحداث محايدة مهمتها دراسة العمل المسلح الذي قامت به الجماعة منذ إطلاق أول رصاصة عام 1976م وحتى نهاية أحداث حماة كما تعرضت الجماعة والقيادة خلال وجودها في الأردن إلى بعض الصعوبات الأمنية اضطرت أن تنتقل كاملة إلى بغداد ولم تستمر هذه الأزمة طويلا فبعد بضعة أشهر تم التغلب على الأزمة وأصبحت ساحة عمان وبغداد مهيأة لمتابعة العمل السياسي بينما كان العمل الجهادي قد توقف بعيد أحداث حماة .

الفكرة الثالثة والثمانون

التفاوض الناجح يكون على أساس الشراكة واحترام المتبادل أرادوها استسلاما , وأردناها تحريرا لشعبنا من الطغيان.

لا شك أن المفاوضات بين طرفين قوى وضعيف تكاد تكون إملاء لشروط القوى , لكن إذا كان الضعيف صاحب مبدأ فلا يقبل هذا الإملاء قط , وهكذا جرى فقد تطورت الأمور بسرعة وانعقد مجلس الشورى صيف 1984م وأكد إعطاء الصلاحيات للقيادة بالتفاوض وكان الخلاف على أشده بين نائبي المراقب العام وهما أهم شخصيات الجماعة وكان الشيخ سعيد حوى رحمه الله قد ترك القيادة , واحتد الخلاف بينه وبين المراقب العام , وأمام هذا الوضع حيث تقدم المراقب العام باستقالته رفض المجلس استقالته وتم ترشيح قيادة جديدة وتم انتخابها من مجلس الشورى خرج بموجبها نائبا المراقب العام منها وبقيت مهمتها خارج القيادة حتى غدت اسما بلا مسمي , وطالب مجلس الشورى إعادة الشيخ سعيد حوى إلى الجماعة بعد انفصاله عنها , وكانت القيادة ضعيفة بلا شك , فالشخصيات القوية خارجها , وكنت الحل الوسط في الأزمات , فاختارني المراقب العام نائبا له في هذه القيادة وأعانني الله تعالي على المحافظة على الانسجام في صف القيادة لتكون مؤهلة لمباشرة المفاوضات مع النظام السوري .

تم تجاوز أزمتين حادتين : الأزمة الأولي , اعتبار أن قرار المفاوضات قد تم تحديده خارج القيادة ومجلس الشورى , والأزمة الثانية تشكيل وفد المفاوضات قد تم تحديد خارج القيادة , ومجلس الشورى , والأزمة الثانية : تشكيل وفد من المفاوضات بين الأعضاء الرئيسيين , الأعضاء المستشارين وحلت الأزمة الثانية بعد حضور الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله , واختير وفدا أكثر اعتدالا وأقل تشددا ليكون الوفد الرئيسي للتفاوض , وكنت مع أخ آخر العضوين الرئيسيين ومضي معنا بقية الإخوة للتشاور وعلى رأس وفدنا فضيلة المراقب العام ,

وكان وفد السلطة ممثلا بعلي دويا رئيس المخابرات العسكرية وحسن خليل الذي أصبح اليوم مكانا دوبا , وهشام بختيار الذي أصبح رئيس فرع المخابرات السياسية وكانت قضية الإخوان المسلمين لدي هذين الرجلين , وكانت مباشرة المفاوضات بيننا نحن الأربعة , وقد أخذت جولتين أو أكثر , وكان تصور وفد السلطة ان الأمر يحل بإعطائنا حق العودة للوطن , وإذا طلبنا بعض المناصب الوزارية لبعض أشخاصنا فيمكن أن نعطي وتحل ( دملة ) الإخوان المسلمين , وكانت توجيهات الأسد : أعطوهم ومنوهم بما يشاءون لكن إذا طرحوا ( تغيير النظام ) فانسحبوا من المفاوضات وكانت توجيهات القيادة الإخوانية أن لا نرضي إلا حلا جذريا للنظام في سورية تعاد فيه الحريات العامة للشعب السورى و يختار الشعب نظامه وقيادته , وحين تقدم وفد الجماعة بمطالبة قال : حسن خليل : ما شاء الله مطالب الجنرال غورو من الحكومة السورية كأنكم أنتم المنتصرون . فقلت له : نعم ولكن الفرق أننا نتقدم بمطالب شعب بكامله من حكم مستبد وكانت أهم المطالب التي تقدمنا بها باسم الجماعة .

1- إلغاء قانون الطوارئ

2- إلغاء الدستور الذي تحكم سورية بموجبه

3- إعلان الحريات العامة السياسية والمدنية .

4- إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين

5- السماح لجميع الملاحقين السياسية بالعودة إلى وطنهم .

6- التعويض على المتضررين

7- إلغاء القانون 49 القاضي بإعدام كل من ينتسب لجماعة الإخوان المسلمين .

8- الدعوة إلى انتخابات حرة نزيهة يشارك فيها الشعب كله .

9- اختيار هيئة تأسيسية تضع دستورا للبلاد .

10- اعتبار الجيش مؤسسة وطنية لأبناء الشعب .

وإزاء هذه المطالب اتصل وفد السلطة بالرئيس الأسد وانسحب من المفاوضات وكان هذا بنهاية العام 1984 حيث حمل بيان القيادة عن المفاوضات تاريخ 20 / 12/ 1984 م لقد أرادوها استسلاما وأردناها تحريرا لشعبنا من الطغيان .

الفكرة الرابعة والثمانون

حين يتعين وجودك شخصيا في موقع المسؤولية فيجب عليك الاستجابة شرعا لذلك .

1- كان المفروض أن تنعكس المفاوضات قوة وكلمة موحدة على الجماعة , فالمفاوضون رفضوا أى استسلام ذليل , غير أني لا أنكر أن السلطة زرعت فتنة في داخل الجماعة من خلال كلمة قالها عضو وفد السلطة للوسيط بين الطرفين وفد الجماعة أفشل المفاوضات لأنه لا يريد الحل وهو وفد متشدد أراد أن يفرض أراءه بالقوة, وأمام هذه الكلمة لم يستطع بيان القيادة أن يزرع الثقة المهتزة بين التيارين ,

وسرت في صف التيار الثاني مقولة فعادها : لابد من استئناف المفاوضات بوفد معتدل وغضب تيار المعركة واعتبرها دعوة جديدة للإستسلام وعادت الاتهامات من جديد تتقاذفها زعماء التيارين مما حدا بالدعوة إلى مؤتمر عام لكل شخصيات الجماعة حضرة قرابة خمسة وسبعين شخصا وعقد هذا المؤتمر بعد استقالة المراقب العام , واختيار مجلس الشورى لمراقب عام جديد وقيادة جديدة وبعد ثلاثة أيام من عرض كل وجهات النظر تم التصويت وفاز التيار المتبني للمعركة مع النظام بأغلبية بسيطة وانفض المؤتمر وقد بدت علائم الشرخ واضحة في الجماعة واشتد هذا الشرخ حتى وصل لاتهام الطرفين بعضهما بالعمالة للنظام العراقي وللنظام السوري لكن هذا الاتهام لم يكن يمثل الاتجاه الغالب في التيارين .

2- في القيادة الجديدة صمم تيار الحل السياسي على رفض التعاون أو الانضمام للقيادة الجديدة وكنت الشعرة بين التيارين فقبلت الانضمام للقيادة الجديدة وكنت الغطاء لحماية إخوة التيار الثاني في المكاتب من الإقالة إذ كنت على رأس المكتب العام الذي يضم كل مكاتب الجماعة الداخلية وكانت فترة قلقة لعدة أشهر , وجرت انتخابات جديدة لمجلس شورى جديد المفروض فيه أن يحسم الخلافات ويوحد الصف الداخلي للجماعة .

3- وكان قدر الله أن يكون التياران متعادلين , وتدخلت قيادة التنظيم العالمي بالإشراف على المرحلة الجديدة وإنهاء الصراعات في الصف , وتم اجتماع مجلس الشورى لفترة ثلاثة أيام عجز فيها عن اختيار مراقب عام جديد لتعادل الأصوات كما عجز عن انتخاب رئيس للمجلس لأن الجميع يدركون أن رئيس المجلس سوف يقوم بمهام المراقب العام فتم تعليق اجتماعات مجلس الشورى من مكتب الإرشاد , وأعطي مكتب الإرشاد صلاحيات حل المشكلة السورية .

4- كان مجلس الشورى يبحث عن شخصية معتدلة يمكن التعاون معها واختيارها لموقع المراقب العام ريثما يعقد مجلس شورى التنظيم العالمي وأصبحت جماعة الإخوان المسلمين السورية بلا مؤسسات وفوجئت بالكتاب التالي من مكتب الإرشاد . فضيلة الأخ الكريم الأستاذ منير الغضبان حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله ... وبعد .

فنظرا لما تعلمون من دقة المرحلة التي تمر بها أحوال الإخوة في سورية ولما تتطلبه من اجتماع الكلمة وحسن القيادة التي تجتمع عليها كلمتهم ويستقيم بها أمرهم , مما جعل مكتب الإرشاد يقرر تكليفكم للقيام بهذا المنصب تجنيبا للجماعة في سورية من الانقسام والمتاعب , ومرفق قرارات المكتب الخاص بهذا الأمر وكلنا أمل في استجابتكم لهذا التكليف وأن تقهروا كل عذر في سبيل تأمين المصلحة العامة التي تحرصون عليها قواكم الله وأعانكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

22 ذي القعدة / 1405 هـ الموافق 18 أغسطس / 1985 الأمانة العامة واستخرت الله عزوجل واستخرت بعض الإخوة وقررت الموافقة فحين يتعين وجودك في موقع المسؤولية فيجب عليك شرعا الاستجابة لذلك .

الفكرة الخامسة والثمانون

صفاء النفوس والتخلي عن العصبية هو الذي ينقذ الجماعات من أزمات انشقاقاتها

وبناء على الموافقة الشخصية صدر قرار مكتب الإرشاد التالي

بسم الله الرحمن الرحيم

قرار مكتب الإرشاد العامة بجلسته المنعقدة بتاريخ 5/ 8/ 1985 ما يلي :

1- تكليف فضيلة الأخ الأستاذ منير الغضبان بالقيام بمهام المراقب العام للجماعة في سورية , مع رجاء المبادرة إلى ترتيب أوضاع فضيلته الخاصة وتسلم مسؤوليته بأسرع وقت ممكن .

2- تجميد مجلس الشورى الجديد لمة سنة واحدة ينظر بعدها مكتب الإرشاد في تمديدها أو إنهائها انطلاقا من تقدير لإمكانيات قيام المجلس بواجباته أم لا .

3- تفويض المراقب العام الجديد باختيار القيادة الجديدة ودعوتها لممارسة صلاحياتها بإجازة نائب المرشد العام الأستاذ أبي ماجد , ثم تعرض على مكتب الإرشاد في أول جلسة له لاعتمادها.

4- يعتبر نائب المرشد العام الأستاذ أبي ماجد مرجعا للمراقب العام والقيادة الجديدة بحيث يبث بكل أمر مستعجل يعرض عليه إذا كان لا يحتمل انتظار اجتماع المكتب .

5- يمارس فضيلة المراقب العام ونائبه صلاحياتهما وفق نظام الجماعة في سورية ملتزمين بقرارات مؤتمر أهل الحل والعقد المتعلقة بالمعركة والتفاوض وأى قرار يخالف ما قرره المؤتمر المذكور يجب إحالته إلى مكتب الإرشاد العام لاعتماده قبل التنفيذ .

6- تمارس القيادة السورية الجديدة برئاسة فضيلة المراقب العام صلاحيات مجلس الشورى السوري كافة , أثناء فترة تجميده ويشترط لنفاذ قراراتها في هذه المجال موافقة مكتب الإرشاد العام عليها .

22 ذي القعدة1405 هـ . 8 أغسطس 1985 الأمانة العامة )

7. وظاهر أن القرارات معدة مباشرة للتنفيذ بعد الموافقة وأجريت مشاورات عامة فرفض تيار المعركة التعاون معي ابتداء واخترت قيادة من الطرف الثاني وبعض الإخوان المعتدلين وهي قيادة مؤقتة موقفة على قرار مجلس شورى التنظيم العالمي الذي انعقد في 18 محرم / 1406 هـ الموافق 2 / 10 / 1985 م , وتم انتخابي بالإجماع من مجلس شورى التنظيم العالمي إلا صوت أحد ممثلي التنظيم السوري , وكان من أهم قراراته بعد الانتخاب .

أ. يؤكد مجلس الشورى أن من حق مكتب الإرشاد في حالة الضرورة التي تهدد وحدة الجماعة في أى قطر من الأقطار أن يتخذ القرار المناسب فيكون نافذا على الأقطار بغض النظر عن المؤسسات واللوائح المعمول بها , ويعرض قراره على مجلس الشورى العام في أول جلسة للنظر فيه .

ب . يقرر المجلس تعيين الأخ الأستاذ منير غضبان مراقبا عاما للجماعة في سورية كما يقرر تعيين الأخ الأستاذ أبي الطاهر نائبا للمراقب العام , ويطلب منه الالتزام بذلك ...

ج . يقرر مجلس الشورى العام تجميد مجلس الشورى السوري لمدة سنة واحدة .

د. تفوض صلاحيات مجلس الشورى السوري أثناء تجميده إلى مجلس الشورى العام ... وقد فوض مجلس الشورى العام إلى مكتب الإرشاد النظر في الأمور التي لا تحتمل التأخير من هذه الصلاحيات ...)

لم تكن القرارات مريحة لتيار التفاوض , وأعلن رئيسه أن من الصعب الالتزام بها خاصة بعد اختيار أبي الطاهر نائبا للمراقب العام ,وتمت استقالة القيادة السابقة وقمت في جولة واسعة إلى السعودية حيث تطبخ قرارات تيار التفاوض , وأعلموني أنهم لن يتعاونوا مع هذه القيادة لكنهم لن يخرجوا على قراراتها , وطالبوني بالتخلي عن فكرة المعركة للتعاون معي ورفضت .

الفكرة السادسة والثمانون

كرر محاولاتك للإصلاح واستثمر أى مسلك في سبيل ذلك وعندما تفشل تكون قد أعذرت أمام الله .

لقد كان الانقسام عمليا في الجماعة ,وإن لم يعلن رسميا والأصل أن يلتزم الجميع بقرارات مجلس الشورى العام للحفاظ على وحدة الجماعة والخروج من أزماتها وأقدمت على بعض الخطوات الحاسمة لتجاوز أزمة الانشقاق وأزمات الخضوع للقيادات الطرفية في الجماعة .

1- اتخذت قرارا بتشكيل مجلس للمظالم في بغداد وعمان وحددت أيام اللقاء مع المظلومين والمتضررين وكان هذا ثاني شعور حقيقي بصلة الجماعة بقواعدها , أما المرة الأولي فقد كانت قبل المفاوضات حيث تشكلت لجنة شارك فيها نائبي المراقب العام وكنت عضوا فيها مع أخوين آخرين دارت على كل قواعد الجماعة في عمان وبغداد وحلت قرابة ألف مشكلة من معاناة الشباب والعاملين في الجماعة .

لا أزال في حماس الشباب وكنت في الرابعة والأربعين من عمري كما أن القرارات لا تجيز لى الخروج على قرارات مؤتمر أهل الحل والعقد الذي تبني المعركة مع النظام فصفاء النفوس والتخلي عن العصبية هو الذي ينقذ الجماعات من أزمات انشقاقاتها .

2- وحاول تيار المعركة أن يقودنا إلى منزلق خطير وهو تجنيد شبابنا في الحرب العراقية الإيرانية وأبلغت المسؤولين العراقيين عن رفضي لدخول أى قرار في هذه الحرب , لم تكن دولة العراق تريد منا ذلك , لكن طرف المعركة المتحمس للعراق كان ملكيا أكثر من الملك و كان هذا كله بقرارات من القيادة .

3- التقيت مع رئيس المكتب السياسي من خارج القيادة وأصدرت أمري بإعفاء اثنين من مسؤولياتهما وهما أهم أركانه في تنفيذ الظلم الواقع على الجماعة فتحدي الأوامر واعتز بدولة العراق وكان موطن ثقتها ورفض تنفيذ هذا الأمر .

4- التقيت مع مكتب رئيس المكتب السياسي من خارج القيادة وأصدرت أمري بإعفاء اثنين من مسؤولياتهما وهما أهم أركانه في تنفيذ الظلم الواقع على الجماعة فتحدي الأوامر , واعتز بدولة العراق وكان موطن ثقتها ورفض تنفيذ هذا الأمر .

5- التقيت مع مكتب الإرشاد وأعلمته بذلك . وقلت له : إما أنا وإما هذين , فأريد أن أجتث هذه المظالم , فهدأ مكتب الإرشاد من روعي , وسألني : أتملك الوثائق ؟ قلت . لا . قال أتملك المال ؟ قلت : لا . أتملك الأرض التي تقيم عليها ؟ قلت : لا . قال : دعنا نتعاون معك , لنسترد كل هذه الأمور , وتفرض قناعاتك بعدها , وأعلمتهم أن القيادة عاجزة عن التنفيذ , وأحد الطرفين يرفض التعاون معي نهائيا , والطرف الآخر يفرض قناعات خارج القيادة ويستمد سلطته من الدولة المضيفة .

6- لم يقبل كل إخوة القيادة الذين أقرهم مجلس الشورى العام المشاركة وتم تعديل القيادة من مكتب الإرشاد إلى سبعة أشخاص بدل تسعة , وبينما نحن في ألمانيا إذ بنا نفاجأ برسالة الملك حسين التي يهاجم فيها الإخوان المسلمين وأخطرت فيها أن الملك كان مغررا به عندما تعامل مع الإخوان المسلمين والإخوان لهم علاقات خارج البلاد , ويقومون بعمليات تعبث بأمن الدول المجاورة ولابد من إيقافهم عن هذا التجاوز وكان هذا التصريح بمثابة رصاصة قاتلة لو نفذ وقررت مع ذلك السفر إلى عمان وأنا لا أستبعد الاعتقال في المطار لكن لن أدع إخواني تحت رهبة الدولة, ولا أعيش محنتهم , ويفضل الله عزوجل تم وصولي سليما إلى عمان , وتم لقاء المسئولين فيها وأعلمونا أن الرسالة إعلامية ولا خطر عليكم فطمأنت الإخوة جميعا , وتوحدت القلوب قليلا عند الأزمة .

7- تجاوز الإخوة في بغداد ( أصحاب تيار المعركة ) حدودهم وصاروا يستعينون بالسلطة العراقية لاعتقال إخوانهم وتم اعتقال بعضهم وهو الأخ أبو صبري , وطلب سبعة إخوة للتحقيق في قضيته .

8- انعقد مجلس الشورى العام بعد ستة أشهر , وعرض وضع القيادة السورية عليه وطلب من الإخوة السوريين الخمسة الموجودين في المجلس الاتفاق على صيغة يقرها المجلس العام فعجزوا عن ذلك , وعندئذ اتخذ مجلس الشورى العام قرارا جريئا بتشكيل القيادة السورية على الشكل التالي .

ثلاثة من كل طرف يختارهم الطرف نفسه , وأربعة يختارهم المراقب العام فتصبح القيادة أحد عشر عضوا بما فيهم المراقب العام كما تقرر ( تشكيل لجنتين شرعية وأخرى عسكرية يكون أعضاؤها من غير السوريين مهمتها دراسة أوضاع الجماعة الحالية للبث في استمرار المعركة وترك للمجلس تقرير ما إذا كان رأي اللجنتين نهائيا أو أنه يخضع إلى موافقة مكتب الإرشاد ) وتم اختياري ممثلا للتنظيم السوري في مجلس الشورى العام مع أخوين آخرين فلا تدع محاولة للإصلاح إلا واسلكها وعندها تعذر عند الله إن فشلت. الفكرة السابعة والثمانون

إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا يدان لك به فعليك خويصة نفسك .

لقد كان القرار متخذا عند الطرفين . إما أن تكون الأكثرية في القيادة معهم أو أن يحاربوا القيادة , وكان كل طرف غير واثق بي ويعتبرني من الطرف الآخر أو أقرب عليه وارتحت لهذا القرار للمجلس العام لأنه على الأقل يترك الأكثرية بيدي ولا يدع مجالا لابتزازي من أى طرف , وأربعة من الإخوة المعتدلين قادرون معي على إنقاذ الجماعة من هذا المستنقع الآسن , وتقدم طرف المعركة بحركة سياسية بارعة حيث اختار الثلاثة الذين يمثلوه ونحن في ألمانيا , وأبلغني بأسمائهم وبذلك سد الطريق على الطرف الآخر وقد أعطي المجلس العام الصلاحية لى أن أنطلق بالجماعة لو تخلي أى طرف عن المشاركة .

وكانت فرصة سانحة لإنقاذ الأخ السجين الذي لوح لي المسئولون بإعدامه بحجة القوانين الاقتصادية وكان رئيس الطرف الثاني يملك القرار , ومن حوله تبع له فوضعت يدي على كتفه وقلت له , أريد منك وحدك موقف الرجال , أنت الذي حبست أبا صبري , وأنت الذي تنقذه لا أعرفه إلا منك وحيث كان مقبلا على استلام الجماعة بخطوته الجريئة السريعة وتعيين ممثليه, وعدني خيرا , قلت له : لا يكفي أريد منك هذا الأسبوع قال : نعم هذا الأسبوع , فعلا لم ينته الأسبوع إلا وقد خرج الأخ أبو صبري من السجن , ولم يعد يهمنى أن أبقي ساعة في المسؤولية بعد أن أنقذت أخي من الموت , وقد ألح الأخ المسئول على كثيرا أن يعرف من الذين سأختارهم ليمثلوني , فاعتذرت وقال : على الأقل أن لا يكون فلان . قلت له : أحاول , وكان هذان الإخوان أول المرشحين عندي وانتقلت إلى عمان ,

واتصلت بقيادة الطرف الثاني , فقالوا لن نشترك معك إلا بعد معرفة مرشحيك فقد يوجد من تعتبرهم مستدلين لكننا نعتبرهم من الطرف الآخر , ولأسد الطريق عليهم ذكرت لهم مجموعة من الأسماء وفيهم اثنان يعتبرونهم منهم ويمكن أن يرشحوهم غير أن طرف المفاوضات اتخذ قراره بإسقاطي وعدم التعامل معي , كان بإمكاني أن أتجاوزهم لو وجدت أربعة إخوة معتدلين أقويا قادرين على الوقوف معي في وجه طغيان الطرف الثاني , فلم أجد إلا أخا واحدا فقط من الإخوة الأربعة , والثلاثة الآخرون يعرضون أنفسهم للاشتراك معي ورغم ثقتي باعتدالهم لكني لا أثق بقوتهم وقدرتهم على مواجهة الطرف الآخر المستند إلى دولة قوية وسلطان قائم , وذكرت قول الله عزوجل على لسان موسي عليه الصلاة والسلام ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) وكنت أمام ثلاثة خيارات .

الخيار الأول : أن أسير نظريا بالاعتدال وعمليا بيد الطرف الآخر المنفذ ويقرني المجلس العام .

الخيار الثاني : وهذا بالتأكيد سوف يقود إلى انشقاق الجماعة وأعطى الشرعية لمن سار معي ليسيرني معه .

الخيار الثالث هو أن أقدم استقالتي وإن شرفني الله تعالي بأن تكون وحدة الجماعة على يدي هو أن لا يكون انقسامها وانشقاقها على يدي واخترت الخيار الثالث , المفروض على بعد أن أبلغت رسميا برفض الطرف الأول المشاركة معي بعد مماطلة قرابة شهرين , ومضيت إلى مكتب الإرشاد ووضعت الاستقالة بين يديه موضحا ظروفي وألحوا على بكل الوسائل أن أتابع , وأختار القيادة التي أريد وعلمت أن الأمر أكبر مني فلن أحمل هذا الوزر . وقبل مكتب الإرشاد استقالتي مكرها , ولجأ إلى انتخاب المراقب العام من القواعد , ففاز الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله وفي أقل من شهر استطاع فريق المعركة أن يضم صوتا إليه من مجلس الشورى السوري , ويعلن شرعيته واستقلاله , وانشقاقه عن التنظيم العالمي وفعلا , ( إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه , ورأيت أمرا لابد أن لك به فعليك خويصة نفسك ) ( رواه ابن ماجه ) .

الفكرة الثامنة والثمانون

بركة العلم أعظم بكثير من بركة السياسة فاحرص على العلم النافع .

حاول الفريقان ضمي لصفة بعد الاستقالة , فرفضت العمل نهائيا في موقع القيادة لكني أعلنت أني مع المراقب العام الذي يقره مكتب الإرشاد , وكان طبيعيا أن أبقي جنديا في صف الفئة المرتبطة بالتنظيم العالمي واعترف بأني قد فقدت التوازن الذي حافظت عليه في سني السابقة بين العمل العام والعمل الدعوى والعمل الفكري , فقد استغرقني العمل السياسي استغراقا كاملا خلال هذه السنوات الست , إلا أمرا واحدا علميا أعانني الله عليه , وقد غذي كثيرا من خلال خبرتي وتجربتي الحركية التي بلغت ذروتها في هذه المرحلة من عضو قيادة إلى معاون لنائب المراقب العام إلى نائب المراقب العام , إلى المراقب العام فكتبت في ظروف العمل الصعبة هذه كتاب المنهج الحركي للسيرة النبوية والذي أطلعت فضيلة المرشد العام مصطفي مشهور رحمه الله عليه وأعجب به وطالب بإقراره ودراسته من لجنة المناهج للتنظيم العالمي , وأخذ الطريق الرتيب حتى يأتي دوره , وأنا عضو في اللجنة قرابة سنة فقلت لهم سأطيعه وتصححونه مطبوعا , كانت فرحتي العامرة لخروجه تعادل فرحتي بأول كتاب أخرجته وكتب الله به البركة وقرره التنظيم العالمي في مناهجه , طبع ستة عشر طبعة , ولا يزال ماض على الطريق وعرفت في الدنيا من خلاله حيث تبنته كل التنظيمات الإسلامية في كل الأقطار التابعة للتنظيم العالمي ورغم ما به من أخطاء حاولت تعديلها كلها في طبعاته اللاحقة وتعديل العديد من أفكاره بعد الخلوص من الحماس والمعيشة في قلب العمل الذي جعل التجربة السورية تنعكس على صفحاته ورغم قناعتي أنه ليس خير كتبي , لكن الله تعالي هو الذي يبارك وتغمرني السعادة أعظم يوم أشرف برسول الله صلي الله عليه وسلم وأعرف من خلال سيرته وحركته , كما تم تأليف كتاب , التحالف السياسي في الإسلام , وهو من انعكاسات هذه المرحلة الدعوية , ولا يزال بعد إعادة طباعته وتصحيح بعض أخطائه المرجع الأول إن لم يكن الوحيد في هذا المجال مجال التعامل مع خصوم الحركة والبحث عن القواعد المشتركة للتعايش بينها وبين حلفائها رغم الخلاف الفكري بينهما وبينهم .

وبقي أن أبحث عن ذاتي في هذه المرحلة وعن عواطفي وخصوصيتي بعد أن طغا العمل السياسي على كل شئ .

1- قدر الله لى أن أتزوج زوجة ثانية من أخت مجاهدة عاشت المحنة في الداخل , وخرجت بمهمة رسمية من قيادة الجماعة لإنقاذ وثائقها , وتدخل لطف الله بها فقد أنقذها من مخابرات السلطة بعد أن قبض عليها خلال أربع وعشرين ساعة , وكان يمكن أن تبقي إلى اليوم سجينة في سجون الطغاة فقد انتهت إليها مسؤولية العمل النسائية داخل سورية , ولكن اللطيف الخبير الذي لطف بموسي فأنشأه في حضن فرعون لطف بها .

وإذا العناية لاحظتك عيونها

ثم فالمخاوف كلهن أمان

2- ورزقني الله تعالي منها الولد بعد ولدي الحبيبين عامر وأروى , فكان الوليد الأول الحبيب عتبة , وقد تركته كذلك يوم ميلاده ووالدته في المستشفي لأمضي بمهمة دعوية إلى إيطاليا , والتقي مع الشباب الإسلامي هناك .

3- وحين كنت في بغداد جاءتني رسالة عاجلة بولادة ابنتي أمامة الحبيبة في عمان ولم أرها إلا بعد ولادتها بأيام .

4- وبعد مغادرتي إلى السعودية وبعد شهرين من وصولي إليها بلغني نبأ ولادة ابنتي الحبيبة أوفي في عمان ولم أكن بجوارها إنما قدر الله لأخي الكبير أن يكون هناك , وتلقيت تهاني ولادتها .

هذه هي لحظات سعادتي خلال هذه المرحلة أما الجرح الغائر الذي لم ولن ننساه والذي طبع حياتنا في هذه المرحلة فهو مأساة حماة ولن يدمل هذا الجرح حتى تعود العافية إلى بلدنا الحبيب , ونعود إليه كراما أعزة بعد أن رفضنا العودة الذليلة عن طريق المفاوضات ويعود لسورية وجهها الإسلامي المشرق ونعم , فبركة العلم أعظم بكثير من بركة السياسة .

المرحلة الثالثة والأخيرة

من عام 1407 -1425هـ

1987 -2004م

من الخامسة والأربعين إلى الثالثة والستين

مرحلة الجامعة الندوة

( المعيشة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم )

الفكرة التاسعة والثمانون

اتق الله يجعل لك مخرجا , ويرزقك من حيث لا تحتسب

غادرت عمان معتمرا إلى السعودية قاصدا باب الله تعالي أن يهيئ لى مخرجا بعد أن ودعت قيادة العمل الإخواني وكان الفتح الأول أن تلقيت مكافأة كتاب الأخوات المؤمنات الذي قررته الرئاسة العامة لتعليم البنات كتاب مطالعة إضافية للصف الأول الثانوي ومعاهد المعلمات . وزرت شيخي العلامة الشيخ سعيد الطنطاوى وفضيلة الأستاذ محمد قطب والأقارب والأهل في مكة , والإخوة الأحباب والأصدقاء , وقلت للشيخ سعيد : هل عندكم مجال لى للعمل في جامعة أم القرى ؟ فقد جئت تائبا تاركا العمل السياسي , قال : ستأتيني بعد أسبوع وتقول لى : ضغطت على الجماهير للعودة إلى عمان .

اذهب وائتني بعد يومين بقرار نهائي صادق أنك تقصد العمل ,وأتيته بعد يومين , وأكدت له رغبتي الصادقة بذلك . قال : إذهب إلى شيخك محمد قطب , وقل له : بعثني الشيخ سعيد إليك لتسأل لى عن عمل في مركز البحوث , قلت : أمس كنت عنده , قالت لك , اذهب إليه , فذهبت علي استحياء وعرضت الأمر عليه فاهتم بالموضوع , وسألني عن الكتب المؤلفة وعن الشهادات فأخبرته: ماجستير في اللغة العربية والليسانس في الشريعة ويمكن العمل في المجالين, ووعدني في منتصف الأسبوع سيقابل عميد مركز البحوث في الجامعة , ويرد على الخبر , عدت إلى الشيخ سعيد , وأعلمته بما جرى , وأنا عنده دخل أحد أساتذة الجامعة لزيارته فقال له : هل عندكم شواغر في مركز البحوث لهذا الشيخ , وأشار إلى . فقال له : سأبحث له , أظن أن عندنا شاغرا في مركز الدراسات الإسلامية , وعرفت فيما بعد أنه وكيل معهد البحوث, والشخص الثاني بعد عميد المركز , وعدت للأستاذ محمد قطب حسب الوعد , وطلب مني إحضار الشهادة ونسخة عن كل كتاب مطبوع ألفته وواعدني بعد يومين عند باب معهد البحوث ,, ومضيت أبحث في المكتبات أشترى كتبي التي أمكن الحصول عليها ومضيت حسب الوعد حيث دخل بي على عميد معهد البحوث ,وقدمني له فرحب بي عميد المركز وبدا لى أن يعرفني منذ أن كنت أعمل في إدارة تعليم البنات بالطائف ويعرف عني الشئ الكثير , بدأت الخطوات تتلاحق ,

وقابلت مدير الجامعة بتزكية علمين من أعلام الأمة الأستاذ محمد قطب والشيخ محمد سعيد الطنطاوي وتمت الموافقة المبدئية ودخلت في دوامة الأوراق , وقامت عقبة كأداء كبرى , فلا يمكن إرسال التأشيرة إلا إلى دولة المنشأ والمولد أى إلى سورية ولا أستطيع دخول سورية , وطلب عميد المعهد مني أن أفكر ونفكر بحل وتضاءل الأمل أمامي فهذا أمر لا تملكه إلا وزارة الداخلية قال لى الأخ عميد المعهد, هل عندك إقامة في أية دولة أوربية أو أمريكية فيمكن قانونا إرسال تأشيرة الدخول إلى المنشأ أو بلد الإقامة وليس في الأردن أو العراق , إقامات معنية , ثم تذكرت بعد ذلك وبعد أربعة أيام أن لدى إقامة في دولة الإمارات , كنت بقدر الله قد حصلتها لأن أهلي هناك عن طريق أخ كريم , فقلت لعميد المعهد , تذكرت : عندى إقامة بدبي فعجب , وقال : لقد دوختنا خلال أسبوع , وعندك إقامة في دبي ولا تتكلم , أرني جوازك , ولم يكن معي الجواز الذي عليه الإقامة , قال اتصل بأهلك بالأردن, وأسألهم أن يعطوك رقم الإقامة وتاريخها لنسجلها في الطلب , وعلى الثقة كتب تاريخ إقامة الإمارات ورقمها ضمن الطلب , ولم أتحرك إلا بجهود الشيخ سعيد حفظه الله الذي لم يسبق له أن توسط لأحد حتى دخل واستخرج الورق من بين أوراق مدير الجامعة إذ كان يعمل مستشارا له , وطلب منه أن يوقعها فأخذتها ومضيت مسافرا إلى الإمارات وتقدمت بها للمحلق الثقافي في السفارة السعودية حيث وضعت تأشيرة الدخول على الجواز الذي أحضرته , وصرت باحثا في معهد البحوث العلمية والتراث الإسلامي ووقعت العقد براتب جيد وأحضرت الأهل ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ( الطلاق 2-3 )

الفكرة التسعون

وعليك بالسيرة النبوية بحاجة إلى تجد وفقه السيرة النبوية اكبر من أن يحويه كتاب .

إنها كرامة ربانية , وخلال شهر واحد أنتقل من الهم والغم والمعاناة والاتهامات والخصومة والحرب أحيانا إلى جوار البيت العتيق في غرفة خاصة أنظر منها فتطل على غار حراء ويأتيني التكليف من عميد المعهد بتأليف كتاب يكون مقرر مادة ( فقه السيرة النبوية ) في الجامعة قلت له :

هناك كتب كثيرة فقه السيرة للغزالي وفقه السيرة للبوطي والرحيق المختوم للمباركفورى , قال لى : بصدق هل ترى أى كتب من هؤلاء بصلح مقررا للعادة , ولم يكتب في الأصل ليكون مقررا ؟ قلت له : أنا معك , وقد مر أكثر من عشرين عاما على آخر هذه الكتب , وتطور الحياة والأفكار يقتضي كتابا جديدا , قال : هل ترى المنهج الحركي للسيرة النبوية يصلح لذلك ؟ قلت : لا , إنه لم يكتب ليكون مقررا جامعيا . قال : إذن سأحضر لك المنهج المقرر وتقوم بتأليف كتاب على خطأه , وأنت المؤهل لذلك , وكانت فرحة غامرة أن أكتب كتابا عاما في السيرة النبوية وليس خاصا يحمل بصمات معينة وأدركت أن الكتاب الجامعي , وكما أشار لى الدكتور رويعي الرحيلي وكيل المعهد , أن هذا الكتاب يبعث منه نسخ هدايا للديوان الملكي , وللمسؤولين والأمراء , فلا نريد أن يحمل أى طابع خاص , وبدأت تأليف الكتاب .

كان علىّ أن أدع مكتبي كل يوم , وأمضي لمكتبة المعهد , أو مكتبة الجامعة للإطلاع على المصادر والمراجع فقلت لفضيلة عميد المعهد هل يمكن أن أحضر إلى مكتبي بعض هذه المصادر والمراجع ؟ قال : أما مكتبة المعهد فهي تحت بدنا , فاكتب قائمة كاملة بما تريد من مراجع ومصادر لنحضرها لك في غرفتك , فيوجد عادة في المكتبة عدة نسخ من أى , مرجع أو مصدر , وإن لم يكن موجودا في مكتبة المعهد , فتكتب لمكتبة الجامعة لإحضاره وإن كان هناك بعض المصادر الحديثة ليست موجودة في المكتبتين فيمكن شراؤها مباشرة ولا نريد أن نشغلك في الذهاب إلى المكتبات للبحث , وفعلا خلال أسبوع تقريبا كتبت قائمة بقرابة خمسين مصدر أساسيا في الحديث والتفسير والسيرة واللغة وغيرها أصبحت كلها جاهزة على طاولتي أو في خزانة الكتب في غرفتي .

أمضيت قرابة سنة كاملة وأنا أعيش مع رسول الله صلي الله عليه وسلم , ولا ينزع خلوتي أحد , إلا زائر لماما, ولا أخرج إلا لصلاة الجماعة مع شيخي محمد سعيد الطنطاوى الذي صرت صديقه اليومي , وأمكن لى أن أتتلمذ حقيقة عليه , أعود إلى كتاب ( فقه السيرة النبوية ) لقد قرأت تاريخ مقدمة الكتاب للطبعة الأولي فكان 10 / 2/ 1408هـ وعدت إلى تاريخ التعاقد مع الجماعة فكان 19 / 5/ 1407 هـ في سبعمائة صفحة , أى أن الكتاب قد فرغت من تأليفه خلال أقل من تسعة أشهر , وبقي التأخير بعدها في المراجعة والطباعة , والنسخة التي عندي الأن هي الطبعة الرابعة / 1415هـ , فقد كتب الله القبول له مثل كتاب المنهج الحركي وصار يدرس في جامعات المملكة كلها , وتقدمت جامعة باليمن بطلب نسخ منه , فصدر كتاب من الديوان الملكي بإهداء ثلاثمائة نسخة لها , غير أن المشكلة لم تحل فهو مقرر جامعي عندهم وتم تعاقد بين جامعتي أم القرى وجامعة الإيمان على حق طباعة الكتاب كل عام على شرط أن يوضع على غلافه اسم الجامعتين , ثم أصبح الكتاب فيما أعلم مقررا في الكثير من جامعات الدولة العربية والإسلامية , ولو كان بيدى أن أسمي الكتاب لأسميته , فقه الدعوة في السيرة النبوية فـ ( فقه السيرة النبوية أكبر من أن يحويه كتاب ) أو يمكن التعديل به من فقه السيرة النبوية .

الفكرة الواحدة والتسعون

لا تقف عاجزا أمام الصعاب فالإرادة لتصميم يصنعان المعجزات

ما أن أنهيت تأليف كتاب ( فقه السيرة النبوية ) والإشراف على طباعته حتى فوجئت بمدير المعهد يدعوني إلى أمر خاص يكلفني فيه هو أن أكون مسئولا عن الحاسوب الآلي الذي يريد إدخال خدماته للمعهد من أجل الرسائل الجامعية وأنا أعرف حدود إمكاناتي فهذا العالم بعيد عندي بعد الضرائر عن بعضهن ’ وأمضيت حياتي كلها فاشلا في الأمور المادية مبدعا في الأمور المعنوية , ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه , والآلات الحديثة لا أكاد أعرف أسماءها بل أن أتعامل معها فاعتذرت اعتذارا شديد اللهجة , كما يقال , لكنه أصر إصرارا شديد اللهجة على كذلك , لقد أدركت فيما بعد سبب هذا الإصرار فالثقة مهمة جدا في هذا المجال , والعامل فيه ستكون الصلة مباشرة به من الطلاب والطالبات للاستفسار والسؤال عن رسائلهم الجامعية , وفي المعهد لا يقل عن عشر باحثين عاملني من بينهم معاملة خاصة , فكانوا جميعا في غرفة واحدة وبرعاية مدراء مراكزهم ,

أما أنا قلي غرفة خاصة , ويقوم الجميع بالتوقيع الصباحي وبعد الظهر , ولم يطالبني بذلك , وجعل غرفتي بجوار غرفته , وكثير من الأمور التي تخص عمله كان يطلب رأيي فيها , وكتابة تقرير عنها واقتراحات علمية من أجلها لقد أولاني ثقته كلها , ومن يستلم الحاسوب سيكون عنده جهازي تليفون أحدهما خارجي وغير الأمين يمكن أن يستغل هذه الوسائل لشخصه , وحين تلكأت وحاولت جاهدا متابعة الاعتذار صفعني بكلمة شديدة قال : أليس من العيب على باحث مثلك أن يعتذر عن التعامل مع الكمبيوتر , سنأتي بمدرب خاص ليدريك على ذلك , ولم أستطع أن أقاوم فوافقت , ولقيت صعوبة كبيرة في البداية ووضع خط خاص بيني وبين المدرب أعرض له المشكلة بالهاتف فيوافيني بالخطوات المطلوبة لأذللها , ويمر الزمن فأصبح الخبير الأول بالجامعة كل أساتذة الجامعة يرجون رضاي لأحقق لهم خدماتهم عن كتب ورسائل يبحثون عنها , كل طالب أو طالبة في الجامعة لابد له أن يتصل بي ويسألني عن موضوع رسالته هل سبق أن بحثت أم لا وننظم الأمر بحيث لا يمكن لطالب أو طالبة أن تقبل رسالته في فرعه إلا أن يأتي بشهادة مني أن هذه الرسالة لم يسبق أن بحثت من قبل , وسأكتفي فقط بخطاب الجامعة بعد عشر سنين من هذا العمل أضع نصه منا .

جامعة أم القرى الرقم : 142

معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي

التاريخ: 7/2/1419

سعادة أخي الكريم الدكتور / منير محمد الغضبان حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

فإشارة إلى ما رفعتوه لنا مما طلبناه من سعادتكم للعمل الذي تشرفون عليه بجانب عملكم الأساسي بالمعهد كباحث , في توضيح العدد التفصيلي للإفادات التي منحت للطلاب والطالبات عن طريقكم عبر جهاز الموديوم خلال العشرة الأعوام الماضية , عليه يسرنا أن نهنئ سعادتكم على ذلك المجهود الذي وفقكم الله إليه , ونشكركم جزيل الشكر والتقدير لعنايتكم الفائقة التي تقدمونها مساعدة منكم لأبنائكم الطلاب , نسأل الله العون والتوفيق , وأن يسدد خطاكم بالخيرات .

وتقبلوا وافر تحياتي وتقديري

عميد معهد البحوث العلمية

التوقيع

أ‌. د . عبد اللطيف بن عبد الله بن دهيش

وعندما غادرت المعهد كان قد طلب مني قبل مغادرته أن أدرب بعض الإخوة السعوديين ودربته لكني زرت المعهد بعد سنة من مغادرته وجدت هذه الخدمة قد ألغيت , لم أكن أصدق نفسي أني تعاملت عشر سنين مع الكمبيوتر لكن عندما يجد الجد , لا يعجز المرء أن يتعلم ما يكرهه ولا يحبه .

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

الفكرة الثانية والتسعون

إذا أردت أن تقتل علمك فسلمه لمؤسسة رسمية والاستثناء دليل صحة القاعدة

كانت حياتي الوظيفية في الجامعة سعيدة هادئة متفرغ للكتابة والتأليف , أقدم الخدمات للطلاب مباشرة وللطالبات عن طريق الهاتف , وما يزيد عن وقتي أتابع فيه الكتابة بالسيرة النبوية التي أصبحت مراجعها في غرفتي , وكلما طلبت من إدارة المعهد تكليفي ببحث فكري يقول العميد : الخدمات المطلوبة منك تكفى . الله يعينك أنت مسئول عن الجامعة كلها , ولقد كان من حقول البحث التي وجدت خدماتها عندي غير خدمات الرسائل الجامعية خدمات المراجع في كل بحث أو رسالة , فمن حق أى طالب أو طالبة أن يطالبني بمراجع لبحثه , فأضع عنوان البحث ليقدم لى الجهاز كل ما كتب فيه من مقالات أو كتب أو بحوث ومن الخدمات الموجودة في الجهاز عنوان المؤلف وجربت مرة وكتبت اسمي على الجهاز فخرج كل ما جمعه مركز الملك فيصل عني من مقالات منشورة أو دراسة مكتوبة عني أو عن كتبي , وكل بحث أو كتاب يوجد بجواره المعلومات الكافية عنه : تاريخ نشره أو طباعته ومكانها , ودار النشر , أو المجلة وتاريخها , بحيث كانت موزعة على عشر ورقات , علما بأن هناك العديد من الكتب الجديدة لم أرها في مركز الملك فيصل بالرياض ووجدتها في مكتبة الكونغرس بأمريكا , حين طلبت منها بعد أن أعطيته اسمي ما أحصوا لى من كتب أو مقالات .

وبعد الإلحاح الشديد , وافق مركز البحث على تكليفي بتأليف كتاب عن عمرو بن العاص , كنت قد اقترحته وقدر الله لى الكتابة عن هذا العظيم الخالد , والذي شوهت صفحته في التاريخ الإسلامي , وعرض الكتاب لمقومين ورفع أحدهما الكتاب للقمة , وأنزل الآخر الكتاب للحضيض هو أخ سعودي , كان صديقا غالبا على , لكن أخذه الغرور وكتب تقريرا بخمس صفحات في الكتاب يجعله غير صالح للنشر , فكتبت رأيي ردا عليه بثلاثين صفحة شكرته على ملاحظاته الإيجابية وفندت كل دعاواه العلمية , وكان رئيس قسم وعميد كلية واعتمدت على الله وحده فقلما نصر أجنبي على سعودي , لكن مدير مركز الدراسات الإسلامية رحمه الله كان بقمة الفضل فدعاني وقرأت ردي كاملا بين يديه على الأخ المقوم وصبر لسماع ثلاثين صفحة واستفسر عن بعض النقاط واجتمعت اللجنة العلمية للمركز وكان الأخ المقوم عضوا فيها , واستمر النقاش أربع ساعات , حيث كان مدير المركز هو نصيري في غيابي وتأزم الأمر فقال له  : لابد من حل في النهاية فلا يمكن أن يقوم الكتاب في القمة وفي الحضيض وما لم تغير من تقريرك , فسنمضي الأمر دون الأخذ برأيك , وتدخل أحد الإخوان الفضلاء أنه سيكون وسيطا بيني وبين المقوم , ويكون حكمه هو النهائي ,

غير أن مدير المركز قال لى : لا تغير كلمة واحدة غير مقتنع بها , فالعلم له كرامته , مما حدا بالأخ السعودي أنه يزورني في مكتبي , ويعتذر عما بدا منه , وقال لى لا أطلب منك إلا شيئا واحدا فقط , أن تعود لقراءة التقرير , فإن وجدت أى ملاحظة بدا لك الأخذ بها فخذ , وإلا فلك القرار الأخير , وكان نصر الله في ظهر الغيب أكبر من توقعي وتمت طباعة الكتاب في ستمائة صفحة أحمد الله عزوجل أن هيأ لى هذه الكتابة عن هذا الصحابي العظيم وما أعلم في المكتبة العربية كتابا بمستواه , ثم كلفت بعد ذلك بناء على اقتراحي بالكتابة عن المغيرة بن شعبة وهو من الشخصيات المشوهة في تاريخنا الإسلامي , وقدر الله تعالي لى أن أسلم الكتاب وأنهي تأليفه قبل مغادرة الجامعة ومنذ ست سنين , بعد المغادرة ولا يزال الكتاب يراوح , ورجوتهم رفضه , فأتمكن من طباعته فهددوني بإقامة دعوى على , ولكن ما العمل هذه طبعة المؤسسات الرسمية ولم يسلموني الملاحظات لأرد عليها وبقي الكتاب رهين المحبسين والمقومين وإلى الله أشكو , هذا الحبس فإذا أردت أن تقتل علمك, فسلمه لمؤسسة رسمية والاستثناء دليل صحة القاعدة .

الفكرة الثالثة والتسعون

لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها , فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .

منذ وطئت قدماي السعودية في النصف الثاني من عمري وكلما انتدبت لعمل أشعر أنه خير عمل آؤديه , فإذا جاء العمل الذي بعده أراه خيرا من سابقه , فنعم الله تترى على , وربي يغمرني بفضله العميم , لقد استمر عملي بحامعة أم القرى اثني عشر عاما , انزعجت فيه مرة واحدة من أحدا الإخوة عمداء المركز , ولم أشعر إلا وهو يصعد إلى ويعتذر مني كما أراد ربي أن يريني أثر نعمته علىّ فكلفني عميد المعهد أن أشترك مع زملائي في العمل لفترة خمسة عشرة يوما , ونحن في غرفة واحدة تضايقت وقمت بالمشاركة بتصحيح بعض الكتب ثم عدت ثانية لغرفتي ومهنتي فدعاني العميد ذات يوم وأراني خطابا من مدير مركز الدراسات الإسلامية بحصى على بعض الأخطاء التي فلت عنها أثناء التحقيق وبعضها في الآيات القرآنية فشكرت واعتذرت .

لكن عميد المعهد لنبله وثقته بي أعطاني الخطاب كاملا بظرفه , ولم يحتفظ بشئ عنده فـ ( ذلك من فضل الله على ليبلوني أأشكر أم أكفر ...) وكانت لحظة صعبة يوم وصل لى كتاب سري ففضضته وإذا هو الاستغناء عن خدماتي في المركز لإحلال السعوديين محلي , ثم عرفت أن هذا الخطاب لجميع زملائي حيث كنا ثمانية غير سعوديين وانتهي عملي في الجامعة بهذا الخطاب :

المملكة العربية السعودية الرقم 30

وزارة التعليم العالي التاريخ 15/ 1 / 1420هـ

جامعة أم القرى المشفوعات .

إلى من يهمه الأمر

تفيد عمادة معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة بأن سعادة الدكتور / منير محمد نجيب الغضبان هو أحد منسوبيها , وقد عمل في الفترة من 1407 -1419هـ باحثا بمركز بحوث الدراسات الإسلامية وقد عهدنا في سعادته طيلة فترة عمله معنا الأمانة والإخلاص والدقة في العمل فهو يتحلي بالخصال الحسنة الحميدة التي في طالب العلم من الصبر والتقوى والورع ولا نزكي على الله أحدا .

تم تكليفه من قبل المعهد بالأعمال التالية

- تأليف كتاب فقه السيرة النبوية في عام 1409هـ .

- الإشراف على شبكة الموديوم المتصل بمركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية بالرياض لتقديم الخدمة البحثية من الرسائل العلمية الجامعية والبحوث لطلاب الدراسات العليا والباحثين والأساتذة من داخل الجامعة وخارجها .

- تأليف كتاب عمرو بن العاص الأمير المجاهد عام 1419 هـ

- تأليف كتاب المغيرة بن شعبة عام 1419 هـ

وقد استغنت الجامعة عن خدمات سعادته بسبب برنامج إحلال السعوديين محل المتعاقدين الذين مضت خدمتهم في الجامعة أكثر من عشر سنوات , والمعهد إذ يقدم لسعادته هذه النبذة يتمنى لسعادته التوفيق والسداد في حياته العلمية القادمة .

وبالله التوفيق

عميد معهد البحوث العلمية

د. سعد بن عبد الله يردي الزهراني

هذا وكان من فضل الله على أن اتصلت بالأخ الأستاذ الدكتور عبد الوهاب نور ولي الأمين العام المساعد للندوة العالمية للشباب المسلم طالبا منه نقل كفالتي على الندوة وجاءني الجواب على الفاكس بالموافقة , وذهبت لأشكره بعد نقل الكفالة فأعطاني عقدا بالعمل في الندوة في 11 / 7/ 1421 هـ وجاءتني مؤسسة لبيب حيث عملت معها لفترة سنة بين عملي الجامعي وعملي في الندوة فالحمد لله , الرزق يأتيني إلى البيت : ( ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها , فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ) .

الفكرة الرابعة والتسعون

من أعظم أفضال الله تعالي على عبده أن يكون عمله لكسب رزقه جزء من عمله لدينه

وهذه النعمة لا يعرفها إلا القليل من الناس الذين ذاقوها فأكثر الناس يكون عملهم لكسب رزقهم في المجال المادي البحث , وهذا هو الأصل فعمله في الهندسة أو المقالات أو الكهرباء أو الإنتاج أو الكمبيوتر أو التجارة أو غير ذلك فهو مستغرق في وقته كله لعمله الدنيوى , ويحاول أن يجد فسحة من وقته ليتصل بالعلم الإسلامي أو الدعوة , أو ليقرأ كتابا إسلاميا ويحضر جلسة دعوته أما النعمة التي أتحدث عنها فهي الصلة المستغرقة بين عمل الدنيا والدين بحيث يكونان شيئا واحدا , فمنذ أن قدمت المملكة في النصف الثاني من عمري وإلى الآن يكاد يكون عملي كله في البحث والتأليف للكتب الإسلامية إنها هوايتي وهي في الوقت ذاته مهنتي فلو أردت أن أملأ أوقات فراغي لملأتها بالكتابة والتأليف وهذا هو واقعي الذي أتحدث عنه لكن قبل مغادرة الحديث عن عملي الوظيفي لابد أن أوضح هويته خاصة بعد عودتي إلى المملكة العربية السعودية .

وتركي العمل السياسي والحركي في قيادة الجماعة المسلمة :

1- كان تعاقدي مع جامعة أم القرى تحت مسمي باحث علمي , وقد كلفت بتأليف كتاب فقه السيرة النبوية , وكتاب عمرو بن العاص , وكتاب المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما , ولم يكن عملي في البحث في الرسائل الجامعية ليخرج عن هذا الإطار , فالجانب الثقافي هو الذي يملأ وقتي كله .

2- وعندما انتقلت إلى العمل في مؤسسة لبيب عام 1420هـ كان عملي في تأليف وكتابة البحوث الإسلامية تحت عنوان : قضايا إسلامية معاصرة قرأت خلال هذا العام قرابة مائة كتاب رجعت إليها في تأليف وكتابة هذه البحوث أمثال ( الشورى, والحرية والمرأة والديمقراطية , والتعددية , والقومية , والوطنية , والخلافة , ودار الحرب ودار الإسلام , والتنمية , والعولمة , وغير ذلك فقد بلغت هذه البحوث التي ألغت فيها قرابة ثلاثين بحثا تمثل موقف الإسلام من هذه القضايا المعاصرة .

وعندما انتقلت إلى الندوة العالمية للشباب المسلم عام 1421 هـ وإلى الآن انتقلت تحت مسمي ( باحث ثقافي ) لا عمل لى إلا الكتابة والتأليف , ومراجعة الكتب الإسلامية الواردة إلى الندوة وتقويمها وطلب بعض البحوث الخاصة وحيث يطبع عملي في كل موقع طبيعة هذا الموقع , فكانت اهتماماتي في المرأة وكتاباتي عنها حين كنت في الرئاسة العامة لتعليم البنات , وحين انتقلت للجامعة اتجهت كتاباتي إلى السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بحكم عملي في مركز بحوث الدراسات الإسلامية , والذي كان يترك للباحث الكتابة في تخصصه واهتماماته , أما خلال وجودي في ندوة ( الشباب )

فقد اتجهت كتاباتي وبحوثي وتأليفي إلى جانب الشباب فكانت مؤلفاتي كما يلي : إليك أيها الفتي المسلم , وإن كان لم يطبع كاملا , وما طبع من بحوثه ينصب تحت هذا الاهتمام وهي كتابان : أخوات بن جبير من أوحال الجاهلية إلى نور الإسلام . ثم بحث : إنهم فتية آمنوا بربهم وكانت الكتب المتبقية جزءا من سلسلة : من صناع التاريخ شباب في المعهد النبوى , وشباب في المعهد الراشدي , والاتجاه إلى إتمام هذه السلسلة الشبابية بحيث يخصص كتاب لكل قرن , إضافة إلى كتاب : الحوار في الإسلام تاريخا وثقافة وحضارة وهو من طبيعة اهتمامات البيئة الإسلامية المعاصرة وهذا الإنتاج الوظيفي بحكمه البطء بطبيعة العمل الرسمي وبيروقراطيته ورسمياته , ويكون الإنتاج ضئيلا كذلك , إنما كل الوقت هو مع العمل لهذا الدين من خلال ما خلقت له وهو الكتابة والتأليف فـ ( من أعظم أفضال الله تعالي على عبده أن يكون عمله لكسب رزقه جزء من عمله لدينه ) .

الفكرة الخامسة والتسعون

لا لذة في الدنيا تفوق المعيشة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فجرب هذه المتعة .

وقد ذقت هذه النعمة وهي المتعة واللذة خلال الأعوام السبعة عشر التي تمثل الحلقة الأخيرة من حياتي , ولا أدري ما الله فاعل بي بعد هذه الكتابة ( وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأي أرض تموت ) ( إنسان 34 ) وبعد هذه اللذة والمتعة لم يعد عندي شئ في الدنيا أصبو إليه فقد قدر الله تعالي لى أن أكتب سلسلة المنهج التربوي للسيرة النبوية في أحد عشر مجلدا موزعة على الصورة النائية : 3 مجلدات للتربية الجهادية , و4 مجلدات للتربية القيادية , ومجلدان للتربية الجماعية , ومجلدان للتربية السياسية أتحدث بنبذة صغيرة عن كل منهما:

1- التربية الجهادية : وكنت قد انتقلت من الكتابة في المنهج الحركي للكتابة في المنهج التربوي , فبعد أن كنت أتابع الحدث انتقلت إلى متابعة الإنسان وبنائه وصياغته على يد إمام المربين محمد صلي الله عليه وسلم , ويكاد يكون المنهج التربوي بأجزائه الأحد عشر جوابا على سؤال واحد : كيف صاغ رسول الله صلي الله عليه وسلم الجيل الأول ؟ وما أدرى هل استطعت الإجابة على هذا السؤال أم لا . إنها سنام هذا الدين فانطلقت من التربية الربانية في كتاب الله من خلال آيات الجهاد , وربطتها بوقائع السيرة النبوية فهي تنطلق من القرآن الكريم قبل السيرة النبوية , وما خلده الله تعالي في كتابه عن الوقائع الجهادية في أكبر الغزوات بدر وأحد والخندق وتبوك وصلح الحديبية هو الخالد الباقي الذي يمس الكيان البشري إلى قيام الساعة والتي يريد رب العزة جل جلاله أن يقيم عباده المؤمنين عليه .

2- التربية القيادية : حيث عدت أمضي مع وقائع السيرة النبوية , وأن رسول الله صلي الله عليه وسلم ربي خلال عشرين عاما قيادات عليا لتقود البشرية كلها , هذه القيادة التي وصلت إلى ذروتها في أهل الحديبية وقادة المسلمين إلى قيام الساعة وخبرتهم أهل بدر وأهل الحديبية فـ ( لعل الله قد اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ( متفق عليه ) , : ( لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ) ( رواه أبو داود ) و : ( وإني لأظنكم خيرة أهل الأرض ) وركزت في هذه الحلقة على صياغة القيادة .

3- التربية الجماعية : وهي الانتقال من بناء الفرد إلى بناء الجماعة فمن 1500 في الحديبية حصيلة عشرين عاما إلى عشرة آلاف في فتح مكة خلال سنتين وإلى ثلاثين ألفا في غزوة تبوك خلال سنتين أخريين وكان للقيادات التي تمت تربيتها مسؤولية فعالة في تربية هذه الأعداد الضخمة , وكانت التربية النبوية قد انتقلت إلى تربية الجماهير في دورة فتح مكة لشهرين , ودورة غزوة تبوك لشهرين تقريبا كذلك ولم يعد المسجد قادرا على استيعاب هذه الأعداد الضخمة والآلاف المؤلفة , ومن خلال الدورات النبوية المذكورة ومن خلال انبثاق القيادات التي تكونت في المرحلة الأولي أمكنت صياغة هذه الأعداد الجديدة وانقسامها إلى طبقتين

الطبقة الأولي : طبقة المهاجرين والأنصار والتي ختمت بعشرة آلاف في فتح مكة , ثم فتح مكة , ثم طبقة الصحابة التي تلتها , وبرزت في غزوة تبوك , فكانت طبقة القيادة الأولي : هي طبقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ثم المهاجرون والأنصار ثم الذين مع رسول الله صلي الله عليه وسلم بلا استثناء إلا استثناء المنافقين فكانوا خارج ذلك الجمع .

4- التربية السياسية : والتي امتدت فطالت العرب قاطبة ولكن من خلال لقاء قيادات هؤلاء العرب والمتمثلة بزعماء القبائل ووفود القبائل التي وفدت في العام التاسع والعاشر للهجرة ثم عادت لتنشر الإسلام عند قبائلها وأقوامها , وكانت الدورة الأخيرة التي كونت العرب في أمة واحدة مسلمة في حجة الوداع لمائة وأحد عشر آلفا من المسلمين , من كل القبائل العربية والأرض القريبة حيث كانت هذه الدورة العظيمة لهذه الأعداد الهائلة ( اللهم هل بلغت اللهم اشهد ) وما أروع أن تمضي عمرك كله مع هذه السيرة وصاحبها عليه الصلاة والسلام فلا لذة في الدنيا تفوق المعيشة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم .

الفكرة السادسة والتسعون

وازن بين خدمة دينك وأمتك عامة وبين عملك لوطنك خاصة

1- لقد كان الانطلاق في السيرة النبوية إلى آفاق العالم العربي والإسلامي كله , حتى دراسة الدكتوراه كان لها مذاق خاص فقد كنت دعيت لمؤتمر في السودان الشقيق كما دعيت أثناء هذا المؤتمر لإلغاء محاضرة في جامعة القرآن الكريم , وعقب انتهاء المحاضرة جلست مع أساتذة الجامعة جلسة حرة , تم الحديث خلالها عن آخر شهاداتي والماجستير , ولماذا لم أتابع دراسة الدكتوراه فأجبت : لقد شغلت ابتداء بالعمل الحركي والسياسي منذ الـ 80, 87 , ثم شغلت بسيرة الرسول صلي الله عليه وسلم منذ 87 -94 يوم وجودي في السودان ولن أقطع لذة المعيشة والحياة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم لشئ آخر , ودراستي في الأدب العربي والمجاستير في الأدب الحديث فقال عميد الجامعة ليس ضروريا أن تتابع دراستك في الأدب الحديث فقلت لدي إذن موضوع يدخل في صميم الأدب وصميم السيرة ويصلح لرسالة الدكتوراه , فلا يقطعني عن اهتمامي , وهو مؤجل عندي فيمكن تقديمه , قال الأخ مدير الجامعة : ما هو هذا الموضوع ؟ قلت : الشعر النبوى , فقال : موضوع ممتاز للدكتوراه ,

فاتصل بالأخ الدكتور عباس محجوب وناقش التفاصيل معه , والتقيت بأستاذي ومشرفي الأخ الدكتور عباس وعرضت عليه الفكرة , فرحب بها ودعاني لندوة تلفزيونية قبل مناقشة هذا الموضوع , وبعد الحديث تحول الموضوع إلى الشعر في عهد النبوة لأنه سيتناول النقائض وأشعار الجاهلين كذلك وتقدمت بالخطة , ووافق مجلس الكلية ثم مجلس الجامعة عليها ومضيت لأبحث في الشعر في عهد النبوة , خلال سنتين كاملتين , وأرسلت الرسالة للأخ الدكتور المشرف , فقال : اختصر واطبع فاختصرت وطبعت . فتم تحديد موعد المناقشة , حيث لم أحضر للسودان بعد ذلك المؤتمر إلا لمناقشة الرسالة ونلت الدكتوراه في الأدب العربي بحمد الله بتاريخ 9 فبراير 1998 أى بعد عشرين عاما من الماجستير وتشهد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بأن مجلس الأساتذة قد قرر في جلسة رقم ( 3 ) المنعقد بتاريخ 12 شوال 1418هـ الموافق لـ 9 فبراير 1998 م منح الطالب منير محمد نجيب الغضبان ( سوري الجنسية ) درجة العالمية العليا ( الدكتوراه ) في دائرة اللغة العربية تخصص . الأدب والنقد . بتقدير جيد جدا .

محجوب أحمد طه , عميد الكلية .

ودخلت هذه الدراسة في سلك السيرة النبوية تحت عنوان المنهج الإعلامي للسيرة النبوية فقد كان الشعر هو الإعلام في دولة الرسول صلي الله عليه وسلم , بينما كان القرآن والحديث هو منهج التربية .

2- صحيح لم تظهر هذه المرحلة أى صلة لى بالجماعة الإسلامية , وبالقضية السورية ولكن هيهات فالجماعة الإسلامية في سورية , والقضية السورية التي تعاني منها أمتنا تجري في شراييني وفي دمي , ولئن طغي الجانب العام والآفاق العامة على حياتي في هذه المرحلة , وإلا أني قررت أن أكتب عن الحكم في سورية منذ ثورة الثامن من آذار , والمآسي التي عانتها أمتنا خلال هذه الأعوام الأربعين ثم توسع أفقي أبعد .

فقررت أن أكتب تاريخ سورية في قرن منذ عام 1900 2000 للميلاد , فأعرض صفحة سورية الوطن كاملة , واستغرق الانتهاء من هذا الكتاب سبعة عشر عاما كاملة أرجو الله تعالي أن يري النور قريبا بعد أن انتهى تأليفه وصفه على الكمبيوتر , ولا يؤخره إلا مناسبة الظرف لنشره أم لا. هذا الهم الوطني , أما الجماعة الإسلامية التي انتمي إليها فمن حقها على أن أكتب تجربة العمل الإسلامي في قيادة الجماعة منذ 1980-1987 لسبع سنوات خلت كتبت عنها عدة صفحات في هذا الشريط, بينما كتبتها بسبعمائة صفحة أمانة للتاريخ , وترى النور عندما يكون الوقت مناسبا لنشرها إن شاء الله , كما استغرق تاريخ , سورية في قرن رؤية إسلامية , قرابة ألف صفحة كذلك , والله أسأل الأجر والمثوبة فللمرء أن يوازن في كل مجالات حياته , وازن بين خدمة دينك وأمتك عامة وبين عملك لوطنك خاصة .

الفكرة السابعة والتسعون

( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ( آل عمران :104)

هذه هي شرعية وجود الحركة الإسلامية , فهي منبثقة من هذا المعني , أمة مجموعة من الناس مهمتها الدعوة إلى الله , يدعون إلى الخير , وتتجاوز الدعوة لتدخل في مهام التغيير في المجتمع : ( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) والنهي عن المنكر يكون بالقلب عند العجز الكامل , وباللسان وهو مهمة العلماء , ومهمة هذه الأمة ويبقي التغيير باليد هو مهمة الدولة فإذا كانت الدولة غير إسلامية , ولا تعتبر هذه من مهامها , بل تشرع لأبنائها المنكر وتبيحه في قوانينها فتكون مهمة هذه الأمة , الجماعة , أن تسعي لإقامة دولة الإسلام التي نملك التغيير باليد بالطرق والوسائل المكافئة .

صحيح أني تركت قيادة الحركة الإسلامية في سورية بملء اختياري لكني بقيت جنديا في هذه الدعوة وما شاركت فيه من مهام لها كان أكثر بركة وخيرا من قياداتها ولا أبالغ إذا قلت : إن المهام التي شاركت فيها خلال هذه الأعوام السبعة عشر , تتناسب مع تكويني وتركيبي واختصاصي أكثر من عملي في قياداتها ولهذا كان قراري نهائيا في البعد عن العمل في القيادة , فأين عملت خلال هذه المرحلة ؟

1- في تقديم النصح والشورى , فأحد مواد النظام الداخلي لجماعة الإخوان المسلمين في سورية هي : أن كل مراقب عام سابق عضو حكمي في مجلس الشورى , فأحمد الله عزوجل أني لم أنقطع هذه الأعوام كلها عن التسديد والنصح والمشورة , ويبقي مجلس الشورى في الجماعة هو المؤسسة الأعلي فيها , وكان من فضل الله على كذلك , أني شاركت خلال هذه الأعوام كذلك في مجلس الشورى العام للتنظيم العالمي , إذ كنت ولا أزال أحد الممثلين للجماعة السورية فيه .

2- في العمل على وحدة الجماعة فقد تمزقت إلى جماعتين بعد استقالتي واستلام الشيخ عبد الفتاح , أبي غدة هذا الموقع بانتخاب القواعد له . فلم أستسلم لهذا الواقع وبقيت أعمل مع مجموعة من الإخوة من الطرفين لتقريب وجهات النظر حتى أمكن توحيدها بعد ست سنوات من التمزق عام 1990 م .

3- وكنت أعلم أن وحدة الجماعة لا تتم بقرار , فشكلت مع فريق من الإخوة داخل الجماعة ما أسميناه بالتيار الوسط أو التيار المعتدل , الذي يتلافي التطرف , ويضع منهجا وسطا بين فكرة المعركة وفكرة المصالحة , واستطاع هذا التيار خلال سنتين أن يضع أسسا ثابتة للتعامل مع النظام السورى , وتبني الصراع السياسي والإعلامي كواقع عملي معه وأقر مجلس الشورى بأكثريته هذه الأسس وعندما تم الاطمئنان على أن هذه المواقف السياسية المرنة والمتفهمة للواقع أصبحت من استراتيجيات الجماعة , ألغينا هذا التيار المعتدل كتنظيم وصارت المؤسسات قادرة على اتخاذ القرار المناسب من خلال الأكثرية وانتهت ذيول الطرفية في معظم مراكز الجماعة , وبقي كما يقال عن أقصي اليمين وأقصي اليسار بضعة أفراد لا قدرة لها على إيجاد أى شرخ أو تصدع في الجماعة .

4- في العمل في لجنة التقويم , ولعل هذا العمل هو أخطر وأهم ما أقدمت عليه الجماعة وبعد تركي للقيادة تم اختياري عضوا في لجنة التقويم التي درست العمل العسكري منذ عام 1976 حتى 1986.

وتقدم للجنة التقويم بضعة آلاف من الصفحات من أبناء الجماعة المشاركين والمتحمسين للعمل العسكري والناقدين والرافضين له وتمت دراستها جميعا , وأنهت لجنة التقويم تقريرها مع الوثائق الملحقة بما ينوف عن مائتي صفحة , وتم تلخيص تقرير لجنة التقويم في قرابة خمس وعشرين صفحة , وها أنذا أضع في بضعة أسطر الخلاصة : ( مما تقدم تبين بوضوح أن الجماعة تصدت لعمل أكبر من إمكاناتها بكثير . وأن الإخوة الذين قادوا الجماعة في تلك الفترة مسؤولون عما أصاب القواعد التي شحنوها بالوعود الخلابة والأمل الكبير من يأس وقنوط وفقدان الثقة ونحن إذ نعرض هذه الحقائق لا نتهم أحدا في نيته , ولكن نبين قصور المقصرين وخطأ المخطئين ونؤكد ما توصلنا إليه من أن الذين اتخذوا قرار دخول المعركة , وتولوا قياداتها لم يعدوا لها العدة الكافية اللازمة ,ولم يضعوا لها الخطة المحكمة المسددة , ولم يحسبوا حساب الخسائر الجسيمة التي ستنزل بالجماعة ) مع ملاحظتين اثنين الأولي أن هذا يشملني فأنا جزء من هذه القيادة والملاحظة الثانية : أن مجلس الشورى لم يعتمد نهائيا تقرير لجنة التقويم وإن كان أقر خطوطه العامة .

5- في العمل في خطة الجماعة العامة , ولا شك أن هذا العمل هو تتمة العمل السابق , فقد كنت على رأس إحدى اللجان التي شاركت في وضع خطة المستقبل , بعد أن تم تقويم الماضي وشارك في مناقشة المشاريع الثلاثة للخطة قرابة خمسة وأربعين أخا من مفكري الجماعة , والتي تشكل منها جميعا الخطة الموحدة , ولا تزال إلى الآن هي الخطة المعتمدة وهدفها العام : استئناف الجماعة لدورها الفاعل على الساحة السورية في الداخل والخارج وقد ذكرت الأهداف الأخرى والكبرى بعد ذلك والوسائل لتحقيق هذه الأهداف .

6- في العمل في المشروع السياسي , والذي استغرق سنوات طويلة حتى تم إقراره من مؤسسة مجلس الشورى وتم إعلانه على الأمة يقدم رؤية الإخوان المسلمين في سورية , لسورية المستقبل على ضوء الإسلام , وذلك بعد الميثاق الوطني الذي قدم القواسم المشتركة للعمل السياسي في سوريا سعيا لمستقبل أفضل ( وليكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) آل عمران : 104 ) .

الفكرة الثامنة والتسعون

ليكن قدوتك الكبار في حياتك وتذكر قول عمر بن عبد العزيز ,إن لى نفسا تواقة .

إنها فرصة العمر , ولا يدرك معني هذه الكلمة , فرصة العمر إلا القليل من الناس , فهم يحسبون فرصة العمر أن تفوز بورقة يانصيب أو تفوز بجائزة سيارة حديثة أو غير ذلك وما حسبوا أن العمر هو فرصة لعمل الخيرات : ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) ( الفرقان : 63)

وأود في الخطاب الوداع في هذا الكتاب أن أعقد المقارنة بين نفسين تواقتين , ما عندي وما عند الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالي عنه , ونرى الفرق بين القمم في عصرين متباينين , مع الفارق بين الشخصيتين .

فأين الثريا وأين الثري

وأين منير وأين عمر ؟

أولا : في نفسي التواقة : لقد أكرمني ربي عزوجل بالوصول إلى ثلاث قمم ما أطمح فوقها شيئا :

1- في المجال العلمي : لقد نلت درجة الدكتوراه , وأكرمني الله تعالي بأعلى مؤهل علمي لكل شاب معاصر .

2- في المجال الدعوى والسياسي : لقد وصلت إلى قمة الهرم : المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية , ونرجو أن يدخل تحت إطار قول الله عزوجل : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) الفرقان : 74 )

3- في مجال التأليف والكتابة : فقد فزت بفضل الله عزوجل بجائزة سلطان بروناى للسيرة النبوية عام 2000 بجوار عظماء علماء الأمة الشيخ عبد الفتاح أبي غدة في الحديث النبوي والشيخ أبي الحسن الندوي والشيخ يوسف القرضاوى في الأعوام الثلاثة السابقة لعام 2000 في السيرة النبوية وليس بين يدي إلا خطاب تحديد موعد الحقل لاستلام جوائز الفائزين .

التاريخ 20 / 8/ 1421 هـ

الموافق 17 / 11 / 2001م

الأستاذ الدكتور منير محمد نجيب الغضبان حفظه الله تعالي : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد ..

يسرني أن أعلمكم بأننا تلقينا تأكيدا من السلطات المعنية بأن حفل تسليم جائزة السلطان حسن البلقية العالمية في موضوع ( السيرة النبوية ) سيتم في بروناى دار السلام بتاريخ 6/1/2001 م إن شاء الله تعالي وقد أرسلنا أرقام هواتفكم وفاكسكم إلى المسئولين في بروناى ليقوموا بالاتصال بكم من أجل ترتيبات الفيزا وتذكرة السفر لكم ولشخص واحد تختارونه ليرافقكم في الرحلة .

حفظكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. فرحان أحمد نظامي

مدير مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية

هذا ولا أحلم في الدنيا يعز يفوق هذه القمم من الناحية الشخصية وقد قدر الله تعالي لى أن أجوب العالم في أوربا وأمريكا مدعوا إلى حضور المؤتمرات الإسلامية فلم يعد لى ولشخصي أرب في الدنيا فوق ذلك , هذا عني في عصر الانحطاط والتمزق للعالم الإسلامي فر القرن الحادي والعشرين فماذا عن الخليفة العظيم عمر بن عبد العزيز وعن آماله وأحلامه في دنياه يقول : إن لى نفسا تواقة , وتقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فنلتها , وتقت إلى الإمارة فنلتها , وتقت إلى الخلافة فنلتها , وها أنا أتوق إلى الجنة , وأرجو الله أن أنالها , والرواية الأصح كما في سير أعلام النبلاء 5 / 124 : إن نفسي تواقة , وإنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه , فلما أعطيت مالا أفضل منه في الدنيا , تاقت إلى ما هو أفضل منه , يعني الجنة , فقمم عمر رضي الله عنه الثلاثة :

1- في العلم : فعن عمر بن ميمون قال : كان العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة , السير 5 / 120 وعن ميمون بن مهران قال أتينا عمر بن عبد العزيز , ونحن نرى أنه يحتاج إلينا فما كنا معه إلا تلامذة .

2- في الدنيا : كان خليفة المسلمين في الأرض .

3- في العدل : فعن نافع قال : بلغنا أن عمر قال : إن من ولدي رجلا بوجهه شين , يأتي فيملأ الأرض عدلا ( وكان أشج في وجهه ( . قال نافع : فلا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز , فأين أحلام عمر مجدد القرن الثاني من أحلام أبناء هذا القرن .

ولم يعد لى من حلم في الدنيا إلا أن أري بلدي ينعم فيه الجميع تحت ظل شريعة الله من خلال رضي الناس واختيارهم وأن يكون جزءا من دولة واحدة هي الولايات الإسلامية المتحدة , بعد أن تكون جزأ من دولة الولايات العربية المتحدة .

الفكرة التاسعة والتسعون

من دمشق تنطلق الجولة القادمة للإسلام فاحرص على أن تكون من جنودها

إيماننا بأن النصر قادم ومن ؟ أرض الشام بإذن الله مثل إيماننا بوجودنا .

أولا : الأمر بسكنى الشام .

عن عبد الله بن حوالة قال , قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : سيصير الأمر إلى أن يكون أجناد مجندة : جند بالشام , وجند باليمن وجند بالعراق , فقال ابن حوالة : خر لى يا رسول الله , قال : عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خبرته من عباده , فإن أبيتم فعليكم بيمنكم , واسقوا من غدركم فإن الله تكفل لى بالشام وأهله .

ثانيا : دمشق خير مدائن الشام والغوطة فسطاط المسلمين .

روى زيد بن أرطأة عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء عن النبي صلي الله عليه وسلم قال :

إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام .

أخرجه أبو داود والطبراني وغيرهما والحديث صحيح .

ثالثا : دمشق ينزل فيها عيسي بن مريم .

روى النواس بن سمعان عن النبي صلي الله عليه وسلم : ينزل عيسي بن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق ..." وهذه قطعة من حديث طويل ذكر فيه الدجال ويأجوج ومأجوج .

دمشق هذه التي أكبرها عقيدة وأعشقها موطنا والتي حرمتها منذ ثلاثين عاما فناجيتها ذات يوم قائلا :

أبحث عنك بحث العاشق الوله مع إطلالة كل صباح وتسبيحة كل طير , وتكبير كل روض , أين أنت يا دمشق , يا حبيبة الملايين , وملايين الملايين , يوم كنت سدة الدنيا تحكمين الأرض من مسجدك الأموى , والصين التي هي اليوم خمس الأرض وأكثر كانت تخطب ودك , يوم وضعت قدم ابنك ابن القاسم الثقفي في أقصي الشرق , في السند والهند وقدم ابنك الآخر موسي بن نصير في قلب إسبانيا يوم كانت الأرض تأتمر بأمرك ..

يقولون إن فيك الأسد حامي عربتك , حتى صرت لا تعرفين إلا به , فإن كان الأمر كذلك فاطلبي منه أن يعيد إليك هويتك المفقودة حتى تتمكني من تحرير الشام كلها وفلسطين كلها , ويعود عليك مقود الدنيا من جديد .

لقد طالبنا بذلك يا حبيبة القلب ولسنا نادمين على ذلك ففي سبيل الله ما لقينا ولن يضيرنا العمر كله نمضيه بعيدا عنك , وفي كل ذرة دم من دمائنا لوعة لفراقك , وشوق إليك , مقابل أن يعود عليك وجهك الإسلامي , يشرق على الدنيا يا ظئر الإسلام كما سماك شوقي .

هل لك أن تجعلي احتفالاتك بدخول الألفية الثالثة , منطلقة من عودة المسيح المنتظر إليك , عليه الصلاة والسلام وعلى منارتك البيضاء الشرقية في المسجد الأموي لينهي وجود الطغاة اليهود من اختلال أرض الإسلام وتجعلي احتفالاتك إيذانا بهذه البشائر ,وأذانا بعودة النصر من جديد , وستبقين منارة العروبة وستبقين ظئر الإسلام ,وستبقين خير مدائن الأرض كما قال عنك المصطفي صلي الله عليه وسلم..)

وهل من عودة الغريب إلى ثراك الحبيب ؟

ولا غرو فإن نصر الله قريب .

وأنت يا تل , يا أنشودة العمر , أرجو أن تكوني جزءا من الفسطاط الإسلامي في الأرض جزءا من الغوطة , ولئن عجزت عن بنك شوقي وشجني وحبي وحنيني , فسارع للشاعر الأديب الشاب , شاعر التل الأستاذ محمد نادر فرج أن يصف محاسنك عني ويخفق لقلبه مدادا لقلبي حين يناجيك قائلا :

يا تل يا حلما يلازمني

ورؤى تطوف كأنها ظلي

وهوى يثور بمهجتي أبدا

فيذوب فيه من الجوى كلي

كم هاج بي شوق يؤرقني

لشعابه ولتينه البعلي

ولكم حدت بي ذكريات صبا

لمدارج ؟؟؟ إلى الحقل

يا تل محراب جثوت به

لله أضرع خاشعا كلي

يا تل غصن مزهر أبدا

عبق بعطر الورد والفل

فيك الربا مياسة طربا

سلبت فؤادي واجتوت عقلي

في القلب هاتيك الربوع زهت

وترعرعت كترعرع الطفل

أنت الجمال فلا جمال أرى

إلا رأبت به رؤى التل

وأراك أنت خليلتي أبدا

وأرى بطيفك روعة الخل

لا عشت يوما لا أراك به

الفكرة المائة

حين تسود شريعة الله في الوطن تعني رفاهية ونماء وعدلا

ركنان للشرق لا زالت ربوعهما قلب الهلال عليها خافق يجب

هكذا قال حافظ إبراهيم شاعر العروبة والإسلام وهو يحيي سورية ومصر حين قال :

لمصر أم لربوع الشام تنتسب هنا العلا وهناك المجد والحسب ومصر والشام ركنان للشرق , يخفق قلب الهلال والإسلام عليهما ويظللهما فلا أحلام خاصة لى في هذه الدنيا بعد أن أكرمني الله تعالي بأعظم عطائه لى إنما هذا الحلم العام كما تحدثنا عنه في المشروع السياسي لسروبه المستقبل .

نريد سورية بلدا تسود فيه كلمة الحق والعدل ويقوم فيه المواطن على نفسه بدوره الفاعل في بناء وطنه , وحماية معتقداته , يقطف ثمار تقدمه وازدهاره .

نريدها بلدا ذا هوية عربية إسلامية فالإسلام دين للمواطن وهوية حضارية للمواطن غير المسلم .

نريدها بلدا ينعم فيه الجميع بظل شريعة الله عزوجل من خلال رضي الناس واختيارهم .

نريدها بلدا تتحقق فيه الوحدة الوطنية وينبذ التعصب الطائفي وتتعايش فيها مختلف الديانات والمذاهب والأعراق , ضمن إطار المصلحة العليا للوطن .

نريدها بلدا يمتنع فيه استبداد السلطة والتفرد بها , ويرسي قواعد المؤسسات الرقابية والفضائية والآليات الكفيلة بذلك وتستقر فيه قواعد الحكم عن طريق اختيار الشعب لا عن طريق الإكراه .

نريدها بلدا ينتهي فيه الصراع بين التيارات الإسلامية والقومية ويتنافس فيه الجميع لما فيه مصلحة الوطن .

نريدها بلدا يأخذ فيه التيار الإسلامي دوره الفاعل في بناء الأمة والوطن , دون تهميش أو إلغاء .

نريدها بلدا ينعم بالازدهار الاقتصادي وتتحقق فيه العدالة في توزيع الثروات يضمن فيه حق المواطن في التعليم والسكن والرعاية الصحية والعمل والضمان الاجتماعي في حالتي العجز والشيخوخة .

نريدها بلدا يتساوى فيها الجميع أمام القانون دون حصانة لأحد أمام القضاء رئيسا كان أم مرؤوسا .

نريدها بلدا النساء فيه شقائق الرجال متساوون في الكرامة الإنسانية ومتكاملون في الوظائف والواجبات .

نريدها بلدا جزءا من دولة عربية واحدة تنعم ولاياتها بحكم أبنائها ضمن إطار الدولة الإسلامية المتحدة .

وحسبي من الفكرة أن أسمي لذلك , وأملي في ذريتي أن تنعم بما حلمت به وأن تكون خيرا مني وأن تتم ما بدأت وإن كان لابد من ذكر بعض ذاتي في هذه المرحلة , فلابد أن أذكر أني فقدت والدتي التي ربتني ورعتني وأنشأتني عام 1407 / 1987 م وهي أعظم صديق لى في حياتي فلا صداقة في الدنيا أطول من صداقتها منذ أن كنت جنينا في بطنها إلى حين فراقها لدنيانا عن عمر يناهز الثلاثة والثمانون ,

كما فقدت أخواتي الثلاث الأكبر خلال العامين الماضيين وبقيت أنا وأخي الحبيب الكبير ياسين , مثل يتيمين في المدينة وقد أينع القطاف , وعند الله تعالي علم الساعة ذلك كما لا أنسي آخر العنقود عندي ابنتي الحبيبة الغالية وليدة هذه المرحلة 1412 /1992 م والتي آمل أن تكون وريثي في قلمي وكتابتي ( رب اغفر ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) ( وأصلح لى في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين ) ( الأحقاف : 15 ) ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) ( النمل : 19 )


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .