إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

كلمتي للمغفلين

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
كلمتي للمغفلين

محمد جلال كشك

الطبعة الثالثة

محتويات

خطبة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم
( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)
الطبعة الثالثة
1409- 1989

الحمد لله يرزق من يشاء بغير حساب....

ما كان في خاطرنا أن نربح ماليا من الكتابة عن عبد الناصر وروز فلت وانقلابهما المسمى بثورة يوليو ولكن سبحان من لا يضيع أجر من أحسن عملا فقد انفجر الكتاب في السوق كأنه فيضان النيل قد عاد بعد أن خنقه عبد الناصر وحدد إقامته خلف السد واندفع الناس يتخاطفونه رغم الصمت التام الذي اعتصمت به الجوقة الناصرية فلم يجرؤ واحد منهم على توجيه كلمة نقد واحدة لحقيقة واحدة من الكتاب ولأجل الحلفان انفرد زلمة الشيخ بسبنا بعد أن سطا على العديد مما كتبناه ولكننا نعرف لماذا كتب ومن ثم نعذره بكل احتقار حتى لو قيل طالب القوت ما تعدى!! ولقد أسعفتهم جبهة ما يزعجها أن يروج كتابي وأن يدور الحديث عنه أسعفتهم بكتاب الست خورشيد فاندفعوا في نقده والاسم أصواتهم وأنا لم أقرا بعد كتاب الست خورشيد فقد انشغلنا في الطلب المتلاحق على كتاب ثورة يوليو الأمريكية) الذي نفدت طبعته الأولى خلال شهر واحد وداخل مصر وها هي ذي الطبعة الثانية على وشك النفاد، ولعلنا نكون قد أصدرنا الطبعة الثالثة عندما يصل هذا الكتاب للقارئ الكريم وما أحلى أن تنفد الطبعات وتنهال الأموال من القارئ المصري الكريم دون أن تشتري جهة ما نسخة واحدة من الكتاب فليمت عملاء ليبيا وكابول بغيظهم خسروا الدنيا والآخرة ورفض الشعب فكرهم ولو بالمجان...

ورغم الشوشرة المقصودة بكتاب الست.. غير أني لا أملك إلا أن أبدي دهشتي لموقفهم من كتابها الذي كما تشير التعليقات التي معه والتي ضده أنه قد أكد سلامة تحليلنا السياسي القائل بأن أخر ما كان يشغل بال هؤلاء الرجال هو مواجهة إسرائيل بل إن رجال هذا العهد الناصري وأقاوم نفسي لكيلا أقول العهر الناصري) كانوا حفنة من عباد الشهوات حولوا مصر وشعبها إلى فريشة لاستبدادهم وشهواتهم فعربدوا وفسقوا كما هو معروف ومتداول وورد بعضة في محاكماتهم حتى نقل عن حسين الشافعي الذي عينه عبد الناصر رئيسا للمحكمة التي حاكمت وأدانت وسجنت نفس الأشخاص الذين يدافع عنهم الناصريون الآن روي عن الشافعي قوله لما أطلع على خباياهم إن كان ده حصل يبقى اللي جرى لنا من اليهود شوية علينا لولا أن أسكته شمس بدران عندما ذكره بأنه وإن لم يشترك في حفلات خورشيد شفيق إلا أنه يسلم من نجاسة العهد.

سارع الشيوعيون واليساريون والناصريون يحتجون على كشف الستار عن الحياة الجنسية لحكام مصر وتحلوا بحياء الغوازي وتساءلوا كيف يسمح بنشر هذا العيب الذي ارتكب في أعراضنا ألا يفسد ذلك الأطفال؟ كأن العيب ليس في وقوعه بل في معرفته وتساءلوا ما أهمية أن نعرف التاريخ الجنسي للعصابة التي كانت تحكم مصر كأنها مسائل شخصية لأفراد عاديين وليس سلوك عناصر مسئولة تركت الوطن يهوى للضياع وباسم المعركة ووعد بفتح عكا استخدمت السلطات الرهيبة التي حازتها باسم هذه المعركة في فتح زجاجات الخمر وهتك الأعراض وغرس أعلامهم بين النهود والأفخاذ.

فهو فساد سلطة يجب أن يكشف ويدرس للأجيال حتى يعرف الناس كيف كانت ت.. ولا بلاش، خليها كيف كانت تحكم مصر وكيف كان البعض والبعضات يصلون ويصلن للقرب من السلطة؟

ولماذا بهم شبق لعودة هذا العهد ورعب من كشف حقائقه وأهم من ذلك حتى يتعاهد الأشراف لمنع عودتهم ولو كلفنا ذلك حياتنا فقد علمنا أن الشرف أغلى من الحياة وأن الوطن أغلى من الحياة وأن الوطن أغلى حتى من الشرف الفردي.

أما أن يستنكر التقدميون أن تنتقد فنانة أو راقصة أو حتى بغى والعياذ بالله السادة الحكام فهي مرحلة جديدة من الفكر الثوري الارستقراطي أكانوا يتوقعون أن تكشف فضائحهم الجنسية رابعة العدوية؟

هيك ثوار بدهم هيك مؤرخة ولكل شيء آفة من جنسه كما قال فنان مصر نجيب محفوظ ونصل إلى الإسفاف عندما يهاجمونها لأنها سكتت والطغاة أحياء بل حتى خضعت فلماذا تتكلم الآن؟

يا سبحان الله على فجورهم ألا يذكر الناس في بلادي كيف تنصل عبد الناصر وكتابه من مسئولية ما جرى بإدعاء أنه كان مسلوب الحيلة ضعيفا أما م إرهاب مجموعة عامر ونصر وعليش إلخ ومن ثم آثر الصمت فلم يتكلم ولم يعارض حتى خلصه جيش إسرائيل منهم فاستجمع شجاعته وتكلم فهل يطالب هؤلاء الست بأن تكون أشجع أو أشرف وأحرص على مصلحة مصر من جمال عبد الناصر الذي آثر سلامة رأسه على سلامة الوطن والعرض والشرف؟

وأخيرا لقدي قلنا من سنوات إن هؤلاء ليسوا بناصريين ولا يؤمنون أو يدافعون عن عبد الناصر بل يدافعون عن عبد الناصر بل يدافعون عن ارتباطهم بعصابات صلاح نصر وما تورطوا فيه من أعمال مع هذه العصابات، وما حصلوا عليه من مكاسب في ذلك العهد من هذه العصابات ثمن ما فرطوا ومن ثم فهم مع صلاح نصر ضد عبد الناصر وهم يعتمدون على جهل قارئيهم إذ المعروف تاريخيا أن عبد الناصر وهم يعتمدون على جهل قارئيهم إذ المعروف تاريخيا أن عبد الناصر قبض على صلاح نصر وقدمه للمحاكمة وأطلق عليه كتابه ينهشون سمعه وسمعة جهازه، ولعنا نذكر مقالة زوار الفجر التي لم تكتب إلا بعد أن قال لهم عبد الناصر بسك عليه وحكم على صلاح نصر بالأشغال الشاقة أو السجن لا أذكر ولكن عبد أن أدين بتهم تخل بشرف أمة كاملة ووقف في بلكونته يهدد بنشر فضائح عبد الناصر فكيف يكون الناصري من ناصر ونصر في نفس الوقت إلا إذا كان من الذين أوتوا سعة في الضمير لا تفوقها سعة إلا رحمة الله.

أعود لحديثنا فأقول إن رواج كتاب ثورة يوليو الأمريكية قد خلق طلبا شديدا على كتابي هذا كلمتي للمغفلين الذي كانت في الأسواق منه بعض نسخ الطبعة الثانية السيئة الإخراج والطبع حتى ضاعت منه فقرات، وتلقيت طلبا كريما بإصدار الطبعة الثالثة فحررناها وضبطناها وأصدرناها لتنعم بالرواج مع أخواتها ويصيبها من العز جانب خاصة أنها تضم قسما عن تفريط عبد الناصر في الوحدة العربية وجريمة فصل السودان لم يردا في الكتاب الآخر الذي ينفرد بدوره ببعض الفضول الجديدة.

وهذا الرواج إن عبر عن شيء فإنما يعبر عن فهم ووعي القارئ وأن محاولاتهم وسيطرتهم على أجهزة الإعلام والملايين التي ترصد لهم لم تؤثر في سلامة هذا الفهم ولا استطاعوا قتل الرغبة في معرفة الحقيقة من الأقلام الشريفة.

فالشكر لله أولا وأخيرا... والرحمة لوالدة طالما كررت على مسامعي.. (امشي صح يحتار عدوك فيك) وللوالد الحبيب الذي كان يقول لي اتخذ الموقف الذي يمليه عليك ضميرك فإن خسرت كان ربحك رضاء الضمير وإن ربحت كان ربحك مضاعفا وشكري واعتذاري لسيدة فاضلة وأولادها يعرفون أن أحب الناس يحرمهم من بقايا سنوات عمره، بل ويستعجل نهاية هذا العمر بما يكتب ولكنهم يشهد الله ما حولوا لحظة واحدة صرفي عن الكتابة كأنهم يعلمون أنني أكتب لكي أجنب جيلهم ما نزل بجيلنا ووطننا ....

وأتقدم بشكري لمناضل أصيل ومدافع عن حرية الكلمة دفع ثمنا غاليا لمواقفه ضد الطغيان وعاني ما يكفي لفك رقبة جيل بأكمله.. هو الأستاذ محمود عبد المنعم مراد الذي كعادته لم يخف في الحق لومة لائم فتحدى قرار الصمت.

وأيضا للرجل الذي كانت مكالمته في فجر اليوم الثاني لصدور الكتاب، وحماسته للكتاب رغم ما بيننا من جفوة درسا تعلمته في الموضوعية والحب في الحق وحده..

وإلى اللقاء يا قارئي في طبعات جديدة وكتب جديدة ليغبظ الله بها الكافرين ويشفي صدور قوم مؤمنين منهم من قتل ومنهم من سجن ومنهم من عذب... وفي النهاية تجرعوا كأس الذل على يد إسرائيل حربا وسلاما ويريدونهم أن يهتفوا للرامي.. من مشي على تاريخهم مستهزئا ولو استطاع لمشي على الأهرام؟

رجب 1409هـ
فبراير 1989
محمد جلال كشك
3ب بهجت على – الزمالك

لم يكن في خاطري الكتابة عن عبد الناصر في هذا الوقت فهذا العمل الكبير حجما وتأثيرا يأتي على قائمة التسعينات بإذن الله، لعدة أسباب تكونت عندي قناعة بها عند ترتيب ما أتمنى إنجازه، وذلك في عيد ميلادي الخمسين عندما قررت أنه قد حان وقت التخلي عن الصحافة والتفرغ للعمل الفكري والتاريخي في شكل كتب أو نشرة محدودة التوزيع بعيدة عن التعليق المباشر على الأحداث اليومية، فقد كان على أن أفرغ من وضع تاريخ صحيح للحركات الإسلامية بعيدا عن تشويهات التاريخ الصليبي الاستعماري وكان على أن أفرغ من سلسلة تاريخ مصر الحديث التي أصدرت منها كتابي عن الحملة الفرنسية والحركة الوطنية في السودان وكان على أن أطرح تصوري لفكر الحركة الإسلامية المنشودة وكان المقدر أن أفرغ من ذلك كله في نهاية الثمانينات ثم يأتي الدور على تحليل الناصرية بعد التمهيد التاريخي لفهمها كظاهرة أو مرحلة في تاريخ مصر ذلك أن عنصرا أساسيا في تخبط جيل الناصرية وحيرته أنه قد تعرض لعملية تجهيل مقصودة بما سبقها من قرون في تاريخ مصر بل وتاريخ العرب وربما كان هذا التفريغ ضروريا لكي تبرز المنجزات فلم يكن أمام أبطال ليلبوت من فرصة للحوار مع غاليفار إلا بتقييده بالحبال وطرحه أرضا..

كما كان ذلك التجهيل والتشويه ضروريا حتى يمكن سلب رجالات التاريخ المصري أفضالهم وحتى يجلس أحمد فؤاد في مقعد طلعت حرب ويعتبر ذلك إنجازا ثوريا ومكسبا شعبيا وحتى يعتبر الجيل المبتور التاريخ أ بناء سد علي النيل يقرض أجنبي وخبرة أجنبية بل وتنفيذ أجنبي ودون مساهمة مصرية تذكر من الناحية التكنولوجية يعتبر عملا خالد بطوليا عجائبيا يكفي لمحو كل ما حدث من أخطاء وخطايا لأنهم لا يعرفون أن محمد علي مثلا بني القناطر الخيرية التي كانت في ظروفها وظروف مصر منذ ما يقرب من مائتي سنة عملا خارقا لم يتأت للملوك الكبار وكانت نتائجها ولا تزال على جغرافية مصر واقتصاد مصر وإنسان مصر ما لا سبيل إلى مقارنته بأيه أحلام معلقة على السد العالي.

بناها محمد علي قبل أن يوجد في مصر مهندس مصري واحدا وبناها بدون أن يقترض مليما من الخارج يرهق به ميزانية عدة أجيال لا يعلم إلا الله عددها ولم يهتف مرة واحدة جنبني القناطر ولا سجل التاريخ له خطبة واحدة حول بناء القناطر أو المؤامرة الدولية ضد بنائها كما لا يعرف هذا الجيل أنه في ظل الاستعمار البريطاني أمكن أن تقيم مصر خزان أسوان 1903 ونتائجه المحققة حتى الآن توق التوقعات المحتملة للسد العالي...

كان الأمل أن يفرج عن التاريخ المصري حتى يمكن تقييم حركة 23 يوليو على ضوء منجزات الشعب المصري بل والحكومات التي سيطرت على مصر سواء في عصور الاستقلال أو الاحتلال وما استطاعت تحقيقه بفضل إمكانيات مصر ولزيادة حصتها من ثروة شعب مصر.

وكان القصد أتاح أيضا وثائق أكثر باعتبار أن مصادر تاريخينا لا تزال في أرشيفيات الدول الكبرى، وكان الظن أن يبدأ الإفراج عن الوثائق الأمريكية ابتداء من عام 1983 أي بعد مرور الثلاثين سنة القانونية فإذا ما وصلنا إلى التسعينات كان متاحا لنا على الأقل الفترة بين 1952 إلى 1960 وهي كافة جدا وليست حاجتنا للوثائق للاقتناع أو الاكتشاف فنحن كنا وما زلنا شهود عيان، وما توصلنا إليه من معرفة تؤكده الحقائق كل يوم وإنما نحتاج الوثائق للذين لا يؤمنون إلا بعد أن يدسوا من معرفة تؤكده الحقائق كل يوم وإنما نحتاج الوثائق للذين لا يؤمنون إلا بعد أن يدرسوا أصابعهم في الجرح أو بالأحرى حتى ندس أصابعنا في جرحهم وعلى أية حال لم يعد الانتظار ضروريا فالتطورات الجارية في الدولة الأمريكية منذ وصول الرئيس ريغان وسيطرة اليمين قد فرضت من القيود على نشر الوثائق وخاصة المعلقة بنشاط المخابرات الأمريكية ما يؤكد أنه لن يتاح للمعرفة وللمؤرخين إلا النذر اليسير بعد أن ألغى مفعول قانون حرية المعلومات الذي صدر في فترة الثورة الليبرالية التي اجتاحت أمريكا عقب حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت..

أما السبب الأهم في نظري لقراري السابق بتأجيل الكتابة، فهو أن يفعل عامل الزمن فعله في الكاتب والقارئ فتبرد حدة الأحداث وتتحول إلى تاريخ له سلبياته وإيجابياته ولا يمكن لكاتب مثلي أن يدعي الحياد في الكتابة عن انقلاب 23 يوليو وأنا كمواطن مصري عاش أحداثها كاملة وأثرت في حياتي ومستقبلي الشخصي والمهني والوطني والقومي يستحيل أن يكون المرء محايدا في الحديث عن حركة أعطته أحلى أيام عمره وأتعس نكسات وطنه...

كيف أدعي الحياد، إزاء تصفية الاستعمارين البريطاني والفرنسي وقد دام احتلالهما وامتهانهما لأمتنا العربية ما يقر من قرن ونصف قرن؟

كيف ضحيت بأحلى سنوات عمري في سبيل تحقيق الجلاء عن مصر أكون محايدا إزاء هذا الجلاء وقد تحقق بل ومرتين وقد عشت حتى رأيت بريطانيا تهزم في غزو مصر لم تهزم في عام 1882 برغم كل إعجابنا وحبنا للبطل أحمد عرابي وما أظن أن فرحة قد غمرت قلبا مثل فرحتي بقيام الثورة الجزائرية مع التسليم وقتها باستحالة انتصارها في عمر جيلنا فما بالك بتحقيق ذلك الاستقلال في أقل من عشر سنوات؟

هل استطيع أن أنسى الهزة الوطنية والقومية التي غمرت القلب والروح والعقل بإعلان تأميم قناة السويس وتصفية المصالح الأجنبية في الاقتصاد المصري وتخليص القطن من قرداجي ومزراحي وإعلان الوحدة المصرية السورية وسقوط حكم نوري السعيد وطرد غلوب باشا وكلها كانت أحلام المراهقة وعرائس الشباب؟

وكيف أكون محايدا إزاء خروجنا من دائرة النفوذ الأنجلو فرنسي ودخولنا في عصر الهيمنة والإسرائيلية والنفوذ الأمريكي الروسي.

وكيف أكون محايدا وقد كان ثمن الجلاء فصل السودان ولو خيرت في مطلع الخمسينات بين بقاء الاحتلال ألف عام وقبول فصل السودان لما اخترت أبدأ فصل السودان وقد كان شعار مصر من رئيس الوزراء إلى أصغر مصري تقطع يدي ولا يقطع السودان قالها زعيم وادي النيل الخالد ووفي بها.

هزمنا بريطانيا وفرنسا وتركنا غولدا مائير تقول عن حرب سيناء الأولى ومن بين الثلاثين ألف عسكري مصري الذين انطلقوا هائمين كالمجانين في الرمال، التقطنا خمسة آلاف أسير فقط لكي نبادلهم جميعا بالأسير الإسرائيلي الوحيد الذي أسره المصريون.

أهذا جرح يشفي؟ لا والله سيصحبني إلى القبر، ولولا أنه غسل بالدم وببرقية غولدا في حرب رمضان أيقظ كسينغر الآن لأننا نريد المساعدة اليوم فغدا ربما يكون قد فات الآن لولا ذلك لبعث جيل بأكمله مجروح العرض يوم القيامة.

أيمك أن أكون محايدا وأنا أكتب عن هزيمة 1967 التي لم تترك قيادتنا ثغرة واحدة يمكن أن ينفذ منها النصر العربي إلا وسدتها, ولا غلطة يمكن أن يستفيد منها العدو لم ترتكبها؟

ما بين فرحة تأميمي القناة وبين الحسرة وعبد الرحمن البيضاني يعد رجاله بأنه اتفق مع مصر على تخصيص دخل القناة لدعم ثورة عبد الله السلال؟

ما بين الفرحة بالوحدة ومرارة الانفصال وانتكاسة ثورة العراق وتمزق الوطن العربي وتحول ثورة الجزائر إلى قوة نشطة معادية لمصر وانهيار مكانة مصر ودور المصرين بل واحترامهم في سائر الدول العربية.

ما ين تمصر الاقتصاد المصري وتدمير هذا الاقتصاد والقضاء على فرصة مصر لبناء الوحدة الاقتصادية العربية وحول مصر وقيادة مصر حتى لم يبق في السوق العربية إلا الخادمة المصرية وفول مدمس قها ونحن الذين أقمنا أول شركة طيران عربية وأول بنك عربي وأول مصنع سماد عربي وأول صحيفة عربية وأول جماعة عربية وأول صناعة عربية بل نحن الذين كانت نقود العالم العربي تسمى على أسمنا المصاري والمدهش أن ذلك كله حصل في الفترة من 24 إلى 1952 ودمر في فترة أقل من 1954 إلى 1981؟

كيف أكون محايدا وقد تحولت مصر إلى سجن كبير اختفت فيه كل مظاهر وشكليات الديمقراطية وضرب فيه رئيس مجلس الدولة علقة ونودي فيها على شيخ كلية دينية في سجن حمزة البسيوني يا شيخ شادية فيرد مجيبا من هول ما نزل بإنسانيته من إذلال وشنقت السلطة لأول وآخر مرة في تاريخها بإذن الله كتابا ومؤلفين وجها بذه في الفقه والأدب والتفسير وهو مالم يجرؤ الاستعمار البريطاني الملقب بعدو الإنسانية على ارتكابه وهو يحتل مصر بثمانية ألف نجندي كيف أكون أنا محايدا والقانون في إجازة وما بين ذكريات أمجاد يا عرب أمجاد وشكوى بريطانيا سيدة فن الإعلام من ضراوة ونجاح الإعلام المصري وبين تراجع صحافة مصر إلى المرتبة الثالثة في كل البلاد العربية حمل كل خطاياي الإعلام الناصري بل أصبح رمزا لكل ما هو سيء إعلاميا.

مستحيل أن يدعي المرء الحياد في الكتابة عن زعيم وصل إلى السلطة وكل شيء في مصر أكبر منه ومات وهو أكبر من مصر وكل ما فيها!!مستحيل.

ولذلك كنت أتهرب وأحاول أن أكسب وقتا بتأجيل الكتابة إلى أن كانت عودتي لمصر بعد غيبة دائمة خمس سنوات وهجرة قاربت على الخمسة عشر عاما ورأيت البعث الناصري في كل مكان فالحوار الخاطئ الذي يدور حول من هو الأسوأ الرئيس الراحل أم الرئيس الأرحل قد رجح كفة الرئيس الأرحل جمال عبد الناصر ونسي المتحاورون أن عبد الناصر هو الذي اختار السادات نائبا له بل الأحرى أنه هو وحده الذي بقي إلى جانبه حتى الرمق الأخير بعد أن تمت تصفية وإقصاء كل رجالات مصر وأعضاء مجلس الثورة وإن أنور السادات جزء لا يتجزأ من حركة 23 يوليو مفهوما وأسلوبا وأنه المتمم لمرحلة عبد الناصر مع الفاروق بين أنفاق الوارث والدنيا مقبلة واستجداه وقد جدبت الموارد وأفلست الخزائن.

جمعت عددا من الكتب الناصرية التي تزخر بها المكتبات والأرصفة المصرية وهالني ما قرأت فالتجهيل والتشويه مستمران ولكن بشكل أكثر سوقية وأكثر ابتذالا.

وسمعت عن محاولات إنشاء حزب ناصري يستأنف المسيرة ورأيت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تتحول إلى أكبر مركز للناصرية؟

ولم أدهش بل لعلي رأيت ما توقعته بالحرف، ولو كان غير ذلك لكان للدهشة ما يستوجبها وللحيرة ما يبررها فالجامعة الأمريكية في بيروت هي مركز اليسار هذا ومن دراستنا هذه إن شاء الله سيجد القارئ ما يقتنع به أنه من الطبيعي جدا أن تكون الجامعة الأمريكية هي قلعة الناصرية ومركز تفريخ الجيل الجديد من الناصريين ومعهد تنظير وتنميق وترويج الفكر الناصري.

وقررت أن أقول كلمتي للمغفلين وليس للتاريخ كما فعل محمد نجيب وإذا كنت لا أستطيع أن أعد القارئ بأن أكون محايدا أو غير منفعل في كتاباتي أذلا يملك القلوب إلا الله فإني أعده بما يرضيه وينصفني معه...

1- ألا أقدم واقعة واحدة غير مثبته المرجع.
2- إن اعتمد بالدرجة الأولى على شهادات الناصريين والمصادر الأجنبية التي لا تحتمل الشك على الأقل ف الواقعة التي نستشهد بها فعندما تقول غولدا مائير أن أيزنهاور أصر على الانسحاب بلا قيد ولا شرط ويؤكد نفس الحقيقة سلوين لويد، لا يمكن أن نتهمهما بالشيوعية وتشويه سمعة أمريكا خاصة عندما تؤكد الوثائق هذه الحقيقة وعندما تتفق رواية مصطفى أمين ومايلز كوبلاند على دور كيرمت روزفلت في مصر، من حقنا أن نرفض إنكار هيكل المتهم الأول.
3- أن ألتزم بالموضع وهي غير الحياد في عرض سلبيات وإيجابيات العهد الناصري مع التأكيد أن ما أقدمه من وقائع قد تحريت صدقه بكل ما في طاقة باحث أو مؤرخ أما التحليل الذي وصلت إليه فهو لا شك معرض للخطأ قابل للرفض والنقض ومقارعة الحجة بالحجة.
4- ولا أزعم أنني أشيد بعبد الناصر أو أدينه فذلك متروك للقارئ ولا أزعم أنني سأهدي جيلا من الضلال بل غاية ما أصبو إليه هو أن أسجل خبرتي ومعايشتي قراءاتي للجيل القارئ اليوم فإذا كان المصر والعرب أن يخوضوا تجربة ناصرية جديدة، فعلى الأقل ندخلها عن وعي هذه المرة.

وقد يتساءل لماذا أركز على هيكل والجواب ليس فقط للمكانة التي أحتلها القارئ اليومي فإذا كان مقدرا لمصر والعرب أن يخوضوا تجربة ناصرية جديدة، فعل الأقل ندخلها عن وعي هذه المرة.

وقد يتساءل القارئ لماذا أركز هيكل والجواب ليس فقط للمكانة التي أحتلها في العصر الناصري تلك المكانة التي تشكل في حد ذاتها سؤالا ضخما بل عريضة اتهام حافلة للنظام الناصري، ولا لأنه هو المتصدي الأكبر للترويج للناصرية بل لأنه أحد الحلقات الرئيسية في العلاقة الأمريكية الناصرية لأن هيكل كما جاء في كتاب حبال الرمال ولم يعترض هو ولا اتخذ أي أجراء ضد المؤلف والناضر قد جندته المخابرات الأمريكية كعميل في أوائل الخمسينات وأصبح بطريقة ما المتحدث الرسمي باسم الوطنية الناصرية والقومية العربية ومن ثم فإنه يعرض قصة الناصرية من زاوية يهمنا التصدي لها.

كذلك استعنت بشهادات رجالات 23 يوليو ومن المؤيديني لها في إطارها العام حتى وإن اختلفوا في تفاصل تدور حول أشخاصهم في الغالب أو حول كارثة وطنية لا مجال لقبولها الأمن مأجور.

وقد ركزت على قضية العلاقة مع الأمريكان والمواجهة مع إسرائيل ومعركة 1956 والاستبداد السياسي باعتبار أن هذه قضية اشبعت بحثا، ويعترف بها الناصريون أنفسهم ويعترون عنها بما تحقق من انتصارات في ميادين محاربة الاستعمار والوحدة العربية، والتصدي لإسرائيل ...إلخ.

وربما يرى البعض أن فصل الأمريكان باريس كان أجدر به لو أخر إلى نهاية الكتاب على أساس أنه النتيجة التي تثبتها هذه الدراسة ففيه نتحدث عن علاقة الأمريكان بحركة 23 يوليو ومن ثم فلا بد أن نمهد للقارئ حتى يصل إلى القناعة بما ندعيه عبر الحقائق والتحليلات لتاريخ الناصرية ومواقفها والتي كشفنا فيها مدى التزوير الذي تعرض له هذا التاريخ.

ولكنني رأيت أن أبدأ به فصول الكتاب حتى وإن صدمت القارئ وحجتي في ذلك أنني لم أستهدف أبدا ثبات تهمة التآمريين الناصرية والأمريكان حتى يمكن أن يكون ذلك هو عبرة الكتاب ونتيجته المنطقية!

لا ليس هذا هدفي ولا هو بالهدف الذي يستحق أن يقتصر عليه الجهد، وأنا أكرر ما قلته في أكثر من موضع أنه ليس من أهدافي أن أسئ إلى عبد الناصر أو أن أدينه بتهمة ما تماما كما لم يكن بيني وبين الشريف حسين ثأر شخصي ولا مصلحة ممكنة أو ممنوعة والرجل قد مات قبل أن أولد إنما أردت بتحليل العلاقة بين ما أسموه بالثورة العربية الكبرى، والمخابرات البريطانية إلقاء الضوء على ما تولد عن هذه العلاقة وترتب عليها من نتائج مازالت أمتنا تعاني آثارها إلى اليوم كذلك أردت بكشف العلاقة بين حركة 23 يوليو والمخابرات الأمريكية أن أكشف للشعب العربي التاريخ السري الذي أشار إليه رجل المخابرات الأمريكية ومدير شئون ثورة 23 يوليو عندما قال إن المؤرخين والدارسين الذين لا تتاح لهم معرفة التاريخ السري للأحداث لا يمكنهم أن يفسروا مثلا لماذا تجنب عبد الناصر الحرب مع إسرائيل في ظروف كان النصر فيها محتملا بينما قاد بلاده إلى حرب محتومة الخسارة.

وهذا الجهل بالتاريخ السري أوقع البعض في تفسيرات مجنونة مثل اتهام عبد الناصر بأنه عميل إسرائيل أو أمة يهودية هذا الإسفاف بل السخف الأحمق.

إن سلوك عبد الناصر الأحداث التي مرت والمواقف التي تبدو كالألغاز والتي تجعل بعض الناصريين المخلصين يرفعون أيديهم في حيرة العاجز، يطرحون السؤال ويعترفون باستحالة الإجابة عليه في إطار المنطق المفترض للناصرية كل هذا لا يمكن فهمه بدون معرفة مفتاح شخصية عبد الناصر، بدون الاطلاع على التاريخ السري لناصرية، بدون اكتشاف المعامل س الذي به وحده يمكن حل كل المعادلات المجهولة في الحقبة الناصرية.

والمعامل س هو تلك العلاقة التي انعقدت بين مجموعة جمال عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار من جهة وبين المخابرات الأمريكية من جهة أخرى عشية الثورة وبعد نجاحها وربما إلى عام 1964- 1965 .

وهكذا كان من الطبيعي والمنطقي أن نبدأ بهذا الفصل حتى ولو شكل ذلك صدمة للقارئ، بل ربما دفع البعض ممن يخشون الحقيقة فيبغضونها إلى التوقف عن متابعة بقة الفصول لأننا نبحث عن تفسير لا عن إدانة، ولا يمكن فهم مواقف الرئيس عبد الناصر من السودان والجلاء والعدوان الثلاثي وإسرائيل وصفقة السلاح إلا على ضوء هذه العلاقة فضلنا أن نطرح التفسير أولا ثم نستخدمه في تحليل الأحداث، فتتأكد صحته مرتين مرة كحقيقة موضوعية مرة بتطابقه مع النظرية العامة تماما كما أمكن اكتشاف بعض الكواكب بالحساب ثم ثبتت صحة الاستنتاج بتقدم آلات الرصد، مع الفارق في حالتنا هو أننا اتبعنا الأسلوب العكسي أي رأينا بالدليل الحسي علاقة الثورة بالأمريكان فلما استخدمنا هذه العلاقة في تفسير الأحداث تأكدت صحتها لأنها قدمت التفسير المعقول.

ويجدر أن نؤكد هنا ما أكدنا في فصول الكتاب من أن تنظيم الضباط الأحرار كان في مجموعة تنظيما مصريا وطنيا خالصا، نشأ من دوافع مصرية وبنوايا وطنية صادقة وأن غالبيته العظمى لم تعرف لا وقتها وربما إلى الآن هذه الصفقة التي عقدت مع المخابرات الأمريكية بل أننا نذهب إلى أن عددا كبيرا من أعضاء مجلس الثورة لم تكن لهم معرفة بذلك.

وقد أشرنا لذلك في غير هذا الموضع ولكننا نرجع هنا أنه لا يوسف صديق ولا البغدادي ولا حسين الشافعي ولا رشاد مهنا ولا كمال الدين حسين، كان لهم علم بذلك، كما نقطع أن خالد محي الدين لم يشترك فيها إما أنه أحس بها أو لم يحس فتلك قضية لا نجزم فيها كذلك نعتقد أن صلاح سالم اكتشفها مبكرا وفي خلال أزمته في السودان وحاول أن يوازنها بعلاقة مع الروس فاحترق وأن جمال عبد الناصر وعامر وذكريا وأنور كانوا على علم بها منذ البداية وأن كان نورا قد بقي بعيدا سواء عن ذكاء منه أو خوفا منه، أو إهمالا لشأنه يضاف إليهم في حدود ما وصلنا إليه علي صبري وحسن التهامي غير أن علي صبري قصة أخرى تماما إذ نعتقد أن له دورا أخطر من ذلك.

كما نؤكد هنا أن جمال عبد الناصر لم يكن عميلا للأمريكان ولا كانوا يصدرون إليه الأوامر بل كما قال مايلز كوبلاند المسؤل من قبل الcib عن مصر وعبد الناصر في الفترة من 1953- 1955 ولو أن كرميت روزفلت والمستشارون الذين بعثهم إلى مصر ستيف مييد وجيمس إيكلدغر، وبول ليبرغر، وآخرون لم يكونوا يديرون عبد الناصر بأكثر مما يسيطر عليه الروس اليوم إلا أن تلاقي أفكارهم مع أفكاره جعل فلسفته تلقى عطفهم وتأييدهم ومن ثم فإن ما فعله عبد الناصر يصرف النظر عن موافقة الغربيين أو عدم وافقتهم فهذا لا يهم إزاء حقيقة أن هذا الذي فعله قد نال تأييد فريق من الغربيين لا شك أن إخلاصهم المطلق لمصالح بلادهم وإن هؤلاء الذين أيدوا عبد الناصر كانت توجههم المبادئ المقبولة في الغرب.

أنها لعبة شديدة التعقيد أراد عبد الناصر فيها أن يوظف الولايات المتحدة لخدمة أهدافه التي كانت بلا شك وطنية في جوهرها، شريفة في مقصدها ولكنه أخطأ وخسر لسبب بسيط هو عدم التكافؤ بين اللاعبين وهذه هي العبرة التي نهدف إلى استخلاصها وتقديمها للمشتغلين بالسياسة والذين سيشتغلون بها يوما ما أنه لا يمكن أن تنجز ثورة بمؤامرة وأنه لا يمكن أن تتحقق مصالح الشعوب من خلال التعاون مع أعرق الاستعماريات المتعارضة المصالح والمواقف مع الأمة العربية وخاصة منذ سيطرة إسرائيل على السياسة في الولايات المتحدة.

إن هذه الصلة التي بدت في البداية صحية وضرورية وحققت نتائج باهرة.. مثل النجاح المدهش في سهولته للانقلاب ومثل شل القوات البريطانية ومنعها من التدخل، ثم إجبار بريطانيا العظمى على قبول الانسحاب من السودان ثم خلع محمد نجيب وتثبيت ناصر ثم إحباط الغزو البريطاني الفرنسي وطرح عبد الناصر زعيما للقومية العربية بل والمساعدة في تحرير الوطن العربي من الاستعمارين البريطاني والفرنسي إلا أن هذه العلاقة أو الحبل السري بين الناصرية والمخابرات الأمريكية كان يدمر في الجذور بقدر ما يبهج بالزهور الوقتية وخاصة فيما يتعلق بالصدام العربي الإسرائيلي والوحدة العربية والبناء الحقيقي لقدرة مصر الذاتية ففي هذه الميادين عملت هذه العلاقة على تدمير ما كان قائما وقادتنا إلا الإفلاس المطلق في الحقول الثلاثة فقد خرجت إسرائيل في المواجهة الإسرائيلية الناصرة بأعظم نصر تحقق في أي صدام من نوعه منذ انهيار الإمبراطورية البيزنطية أمام العرب ودمرت أسس الوحدة العربية وتحولت من إمكانية قبل ظهور ناصر إلى مستحيل عند وفاته وإلى اليوم كذلك تدهور مصر من مكانة الدولة الأولى في الشرق الأوسط في كل شيء إلى .... ما نعرفه...

وهذا السر الخفي هو الذي جعل بعض تصرفات النظام الناصري تبدو وكأنها تصدر من جهة إسرائيلية إذ لا شك في أنها كانت من حيث نتائج لمصلحة إسرائيل مما جعل البعض كما قلنا يتخبط فيضع تفسرا بروتوكوليا لها ولا ننكر أن المخابرات الإسرائيلية كان لها وجودها في بعض المراكز الحساسة في النظام الناصري بدليل بعض ما حدث في 1967 ولكن التفسير الذي وصلنا إليه عن هذه التأثيرات الإسرائيلية على القرار المصري هو أنها تمت عبر المخابرات الأمريكية وما كانت تتمتع به هذه المخابرات من ثقة الزعيم فإذا أضفنا إلى ذلك الحقيقة المعروفة وهي أن المخابرات الأمريكية هي أكثر الأجهزة الأمريكية تعرضا لتأثير الموساد أو المخابرات الإسرائيلية أمكننا أن نتوقع أن تكون بعض النصائح التي قدمتها المخابرات cia والتي أربكت القيادة الناصرية وأسقطتها في أخطاء أجادت إسرائيل الاستفادة منها يمكن أن نتوقع أنها موعز بها من عناصر الموساد داخل المخابرات الأمريكية ومن استرعى الذئب ظلم.

واعترف أن العنصر الإسرائيلي قد ألح علي إلحاحا شديدا في هذه الدراسة عندما كنت أجد معظم الخيوط والأحداث والقرارات الناصرية تصب في قناة واحدة هي: مصلحة إسرائيل حتى فكرت أن أجعل عنوان الكتاب كلمات على قاعدة التمثال وسيجد القارئ آثار ذلك في بعض الصفحات مشيرا بذلك إلى ما ذكره توفيق الحكيم عندما شكل لجنة لإقامة تمثال لعبد الناصر بعد وفاته فبعث إليه مصري مهاجر يقترح إقامة التمثال في إسرائيل في إسرائيل انطلاقا من حقيقة أنه إذا روجت خريطة المنطقة على ضوء ما حققته من مكاسب في العهد الناصري فستفوز إسرائيل بكل الجوائز من الميدالية الذهبية إلى الخشبية فخطر لي أن تكون فصول هذه الدراسة هي الحيثيات لإقامة التمثال أو الكلمات أو المنجزات التي تنقش على قاعدته.

ولكن عندما تعمقت في الدراسة تأكد لي صدقي وطنية ومصرية عبد الناصر وأنه فعلا أحس بخطر إسرائيل ابتداء من عام 1954ولكن علاقته بالمخابرات الأمريكية وما أثاروه في نفسه من خوف وما ربطوه به من تعهدات وما أوهموه من وعود بتسويات كل هذا أفسد فكره وشل يده وأجبره على شن معارك واتخاذ قرارات كانت كلها للأسف في صالح إسرائيل ومعظمها لم يكن يهدف إلا إلى تجنب المواجهة الحقيقية ومحاولة كسب الوقت حتى يأتي الحل الأمريكي.

أما كيف فسدت علاقة عبد الناصر بالأمريكان ولماذا انهارت استراتيجيته في التعاون المصري الأمريكي والذي كان يحمل إمكانية ولو نظرنا لتحجيم الدعم الأمريكي لإسرائيل ومن ثم ترجيح كفة القوى المحلية في المنطقة في الصراع العربي الإسرائيلي ؟؟؟؟

فالسبب في اعتقادي هو أيضا تلك الصلة الخفية مع الأمريكان فلو كانت هذه الصلة استراتيجية معلنة ومتفق عليها من جانب القوى الوطنية في مصر، لاتخذت مسارا أخر غر الذي اتخذته تلك العلاقة السرية المشبوهة بالحتمية والتي ظلت شبهتها تطارد الزعامة الناصرية حتى فيما بينها وبين نفسها والتي كانت تحتاج باستمرار إلى المهرجان ضد أمريكا في العلن لإخفاء ما يجري في الخفاء وللحصول على الشعبة المطلوبة كشرطي استثمار والاستفادة من هذه العلاقة الأمريكي بمؤسساته الدستورية والديمقراطية والصهيونية وإذا كان زكريا محيي الدين قد اعترف أن اللعبة كانت محتومة الفشل وفسر ذلك بالمؤسسات الأمريكية وعصبية عبد الناصر فإننا نفسر قوله وهو الذي اعتاد أن لا يتكلم فإذا نطق لا يكلم الناس إلا رمزا نقول أنه يقصد التأثير اليهودي على الأجهزة الأمريكية وبالتالي صعوبة أو استحالة تأييدها لمصر أو لبلد عربي إلا في إطار ما يخدم إسرائيل وأيضا صراع هذه الأجهزة وعدم انضباطها من وجهة نظر أعني وزير داخلية حكم مصر منذ جوهر الصقلي ومن ثم لا يمكن التحكم في تصريحات أعضاء الكونغرس ولا في تصرفات المسئولين مما يثير عصبية عبد الناصر وبالتالي يقع في الاستفزاز فيرد عليه باستفزاز أشد فهو يقول: إن مصادقة الأمريكيين هو أمر قريب من المستحيل لأن في البناء السياسي لها يؤثر على استراتيجيتها ويدلل على ذلك بأنه خلال فترة الصداقة التي قامت بين مصر والولايات المتحدة في السنوات الأولى للثورة استطاعت إسرائيل أن تكون عاملا مؤثرا في زعزعة هذه العلاقات ويضيف قائلا: خصوصا إذا كنا نستجيب بسرعة للأحداث وتكون انفعالاتنا هي أساس سياستنا.

وهذا يرجع إلى العلاقة السرية إلى تصور عبد الناصر أن المخابرات ستحل له مشكلة النفوذ الإسرائيلي في الأجهزة الأمريكية وستحقق مطالبه من وراء الكونغرس ووزارة الخارجية كما سنرى ومن ناحية أخرى فإن هذه العصبية كانت مقصودة لإخفاء العلاقة السرية كان من الضروري التطرف في سب أمريكا ورصد كل حركة أو تصريح في جميع أرجاء العالم والرد عليه بأكثر الصور علانية على أساس أن هذه التطرف في التصريحات يخفي العلاقة ويساعد على القيام بالدور الإيجابي البناء.

ثم تطورت الأمور فأصبح هذا هو مورد مصر الأساسي عندما كفت عن الإنتاج والتصدير ولم يبق أمامنا من مصدر للعملة الصعبة إلا المهرجان أو السيرك المفتوح لكسب متفرجين أو رأي عام عالمي ومن ثم نبتز بهم الدول الكبرى لتدفع ثم سكوتنا أو كما كتب هيكل في عام 1964 أن سياسة مصر الخارجية هي استثمارات لأنها تعود بفوائد عملية وسياسية لمصر في شكل مساعدات اقتصادية من أمريكا وعسكرية من روسيا ولم يكن أمام النظام الناصري من حل آخر بعدما رفض طريق الثورة الحقيقية وبناء القوة الذاتية معتمدا على طاقات المصريين ووحدة عربية حقيقية تجمع الإمكانيات العربية في اتجاه واحد بناء ولأنه صدق ما قاله له الخبراء الأمريكان حتى لو حصلت على البليون دولار التي تحتاجها لخطتك الخمسية، وحتى لو نجحت هذه الخطة حرفيا وحتى لو عمل كل مصري بأقصى طاقته وحتى إشراف أفضل الخبراء الأجانب فإن أفضل ما تتوقعه هو منع هذا البلد من التقهقر للوراء، لن تقدم لهم لقمة عيش أفضل ولا تعليم أفضل ولا رفاهية للعشب لا شيء أفضل لأن زيادة النسل تأكل الفرق.

ووصل عجز مصر التجاري إلى 400 مليون عملة صعبة في البيانات الرسمية بينما لم يكن الموجود الحقيقي يزيد عن ثلاثة ملايين دولار وفي 1966 جاء في تقرير أمريكي أن مصر لو باعت ذهبها كله لما كفى لدفع استيراد شهر واحد.

وقد أشار مصطفى أمين في رسالته لعبد الناصر إلى قناعة الرئيس المصري بسياسة المهرجان أو لعب دور الدولة الكبرى لكي تدفع لنا الدول الكبرى بصحيح وذلك عندما قال: أن الأمريكي قال له لو اهتم جمال عبد الناصر بشئون بلده الداخلية فقط وابتعد عن موضوعات التدخل في الكونغو والعراق واليمن فإن الحكومة الأمريكية مستعدة لأن تساعد مصر ماليا مساعدات ضخمة فقلت له على لسان سيادتكم أنكم مقتنعون بأنه لولا نفوذنا الخارجية لما اهتمت أمريكا بنا ولما أعطتنا دولارا واحدا ولو أننا بقينا على حالنا في الداخل ما استطعنا أن نتحول إلى دولة كبيرة ولا أن نحصل على برنامج واسع من المعونة وذلك بمواقفنا في الخارج.

وهكذا فحتى عام 1965 كانت أمريكا تقدم ثمانين بالمائة من الخبز الذي يأكله المصريون أو الرغيف المدعوم ودخلت مصر في الحلقة المفرغة التي أشار إليها مايلز كوبلند عندما قال ضروريا لتمويل المهرجان يعني لابد أن تتدخل مصر في الكونغو لتحصل على دعم من أمريكا وروسيا ولكن جانبا مهما من الدعم ينفق على حملة الكونغو وهكذا من الكونغو للعراق لسوريا للجزائر .... للمغرب... لغانا.. لليمن حتى جفت الاعتمادات وانفض المهرجان ولم يبق إلا الإفلاس.

أن رجال المخابرات الأمريكية الذين اتصلوا بتنظيم الضباط الأحرار وتعاونوا مع مجموعة عبد الناصر كانت تحركهم ثلاثة أهداف.

1- منع قيام ثورة راديكالية حقيقية في مصر.
2- حماية إسرائيل.
3- تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في العالم العربي وإحلال النفوذ الأمريكي وليس الروسي محلهما.

ولا جدال في أنهم حققوا الهدف الأول والثاني بتفوق ولكن الجدل حول أهداف الثالث لما يبدو لبعض المؤرخين وكأن النفوذ الروسي قد دخل المنطقة بفضل الناصرية وهذا صحيح جزئيا ولكن يجب ألا ننسى عنصر الوفاق بين الروس والأمريكان الذي ظهر في عنفوان الناصرية وإن الصدام الحقيقي في المنطقة كان بين أمريكا من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى وإن الأمريكان اكتفوا بتدمير كل القوى التي يمكن أن تحول المنطقة إلى دول شيوعية ترتبط إلى الأبد مع الاتحاد السوفيتي وقد صفي عبد الناصر الحركة الشيوعية في العالم العربي وتاكتيكات لعبة الأمم، فرضت على الإنجليز أو الأمريكان الاستعانة بالدب الروسي نكاية ف النسر الأمريكي أو الأسد البريطاني مع اطمئنان كل من المتصارعين الاستعماريين إلى أن التخلص من الدب الروسي سهل وممكن في اللحظة المناسبة كما حدث في حالة مصر والصومال والعراق على سبيل المثال وسنرى خلال هذه الدراسة أن أهم خطوة في العلاقة المصرية الروسية كانت بعلم الأمريكان أن لم نقل تشجيعهم.

ويجدر أن نشير هنا إلى تجربة مماثلة حدثت في العالم العربي، وللأسف فإن نفس التزوير والرغبة في خداع النفس، والتشبث بالأوهام، منعت من دراستها الدراسة الواجبة ولو حدثت هذه الدراسة لربما تجنب قادة حركة 23 يوليو الوقوع في نفس الخطأ ولربما تجنبوا أن يأتي مؤرخ فيطلق على حركة 23 يوليو اس ثورة كيرميتي روز فلت كما أطلقنا نحن على ثورة الشريف حسين أو (الثورة العربية الكبرى) لقب ثورة (لورنس) .

ففي الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا تحتل معظم العالم العربي ومصر والسودان وتعتبر الجزيرة العربية في منطقة نفوذها وكان العدو هو تركيا وهي أيضا الإمبراطورية الآفلة التي تستعد بريطانيا لوراثتها، وكانت بريطانيا تخشى أن ينضم العرب للأتراك تحت تأثير الرابطة الدينية أو حتى بالحس السياسي الذي كشف لهم ما تدبره لهم بريطانيا وفرنسا.

ولذلك قامت المخابرات البريطانية بتدبير، ما وصف بعد ذلك بالحدث الفريد من نوعه، وهو الاتفاق مع الشريف حسين علي إعلان الثورة العربية ضد دول الخلافة وبقية القصة معروفة إذ كانت هذه الثورة أحد العوامل في تمكين الاستعمارين البريطاني والفرنسي في المنطقة فتقاسما الوطن العربي كأنه فريسة بلا حول ولا طول... وأعطيت فلسطين لليهود بلا اعتراض جدي من الثوار.

وسيجد المؤرخ تشابها غريبا في إحداث الثورتين الشريفية والناصرية وبعض المؤرخين يسلكهما في خيط واحد في سجل تشريفات القومية العربية سيجد نفس اللامبالاة بالصهيونيو في البداية بل والأمل في التصالح معها وسيجد هذه العلاقة العاتبة المتوقعة ....(الشاكية) ...(المتوترة) والتي ستنهي بهزيمة عسكرية فادحة هنا وهناك وفي المرتين يتساءل المؤرخ لماذا اندفع الشريف حسين إلى محاربة عدو أقوى منه وأقدر على إنزال الهزيمة الساحقة به وفق كل المعلومات المتاحة وذلك في عام 1926 ضد السعوديين ولماذا انساق عبد الناصر إلى هزيمة 1976 بعد نصف قرن؟ ... ويستحيل الوصول إلى جواب مقنع إذا ما أصر المؤرخ على إغفال هذا العنصر في الحالتين الارتباط مع المخابرات البريطانية ومن ثم تصور استحالة تخلي الإنجليز عنه، وفي الحالة الثانية الارتباط مع المخابرات الأمريكية والظن بأن الولايات المتحدة ستتقدم بحل آخر لحظة ولن تسمح بقيام الحرب.

أوجه كثيرة للشبه يمكن أن يجدها المؤرخ أو حتى القارئ الذكي وقد أشرنا بالتفصيل لثورة لورنس في كتابنا القومية والغزو الفكري الصادر عام 1966 وكذلك في كتابنا السعوديون والحل الإسلامي الصادر عام 1980 ويمكن لمن شاء الرجوع إليهما..

وبعد ...

فقد كانت في مصر ثورة حقيقية وطنية تجمعت خلال الحرب العالمية الثانية، وتفجرت بقرار الوفد التاريخي بإلغاء المعاهدة وكان تنظيم الضباط الأحرار جزءا من هذه الثورة وكان عبد الناصر وطنيا مصريا يتطلع لانجاز هذه الثورة، ولكنه بطبيعته الانطوائية فضل الانقلاب العسكري على الثورة وبطبيعة الشك في نفسه، والتقدير الزائد لأهمية سلامته الشخصية أراد أن يؤمن هذا الانقلاب بالاتفاق مع المخابرات الأمريكية وبتعطشه الزائد للسلطة وقناعته بأن مصير مصر والأمة العربية رهين باستمرار في هذه السلطة مهما كان الثمن... حدث ما حدث...

ما نتلو عليك بعضه.

الفصل الأول:الأمريكان ياريس!!

رأي هيكل بمناسبة الحديث عن دور أمريكا أو الشريك الرابعة في حرب السويس فرصة لكي يتعرض لخرافة تقول بأن الولايات المتحدة كانت على اتصال بقيادة ثورة 23 يوليو قبل قيامها وإنها كانت في سرها قبل إذاعته.

وقد بدأ تعرضه لهذه الخرافة التي هي للأسف أقوى من الحقيقة بقوله: إن بعض الذين يروجون لهذه الخرافة، يعتمدون لسوء الحظ على رواية أوردها المستر مايلز كوبلاند في كتابه لعبة الأمم دون أن يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا، هو من هو مايلز كوبلاند؟

ولا أظن أن القارئ لكتاب لعبة الأمم، وما كتب عنه في الصحف الأمريكية والعالمية كان بحاجة إلى طرح هذا السؤال البسيط فالرجل قد عرف بنفسه وبوظائفه والمهمات التي عهد له بها واتصالاته في مصر مع هيكل نفسه والرئيس عبد الناصر والعديد من المسئولين المصريين وكلها أسماء رسمية وذات صفة عليا في الجهازين الأمريكي والمصري.

وكان الأحرى بهيكل أن يرد أولا على تعريف الكاتب والناشر بما يلزكوبلاند، قبل أن يقرعنا على عدم السؤال وقبل أن يعرفنا هو بمن هو مايلز كوبلند فإن فضحي الرجل كان أسهل ألف مرة لو قال هيكل بصراحة يقول ما يلز كوبلندا فإن فضح الرجل كان أسهل ألف مرة لو قال هيكل بصراحة يقول مايلز كوبلندا أنه كان يعمل في السفارة الأمريكية من كذا وهذا غير صحيح والدليل على كذا وكذا أو أنه كان عضوا في لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأمريكية وهذه هي وثيقة من الخارجية الأمريكية تثبت أنه لم يعمل بها أو أنه يدعي أنه سلم حسن التهامي مبلغ الثلاثة ملايين دولار هدية المخابرات الأمريكية لعبد الناصر وهذا تكذيب من حسن التهامي مبلغ الثلاثة ملايين دولار هدية المخابرات الأمريكي لعبد الناصر، وهذا تكذيب من حسن التهامي يؤكد أنه لا يعرف الرجل ولم يحدث أن استقبله في شقته بالمعادي ..إلخ...

لو فعل هيكل ذلك لحق له أن يقرعنا بسؤال: من هوما يلزكوبلاند، ولكنه لا يملك أن يكذب معلومة واحدة مما قاله الرجل عن نفسه فلجأ إلى أساليب الردح المعتادة في البلدان المختلفة (دا كان عايز يشتغل ولم نقبل تعينه وعندنا جوابات منه...إلخ.).

يقول هيكل: مايلز كوبلاند- وهو يعترف بذلك في كتابه أحد موظفي إدارة المخابرات المركزية الأمريكية الذين عملوا في مصر فترة من الزمن.

صحيح وهذا ما قاله الرجل وافتخر به بل قدمه كوثيقة ودليل على صدق معلوماته، ولكن هيكل يقفز فوق هذه الحقيقة ليستنج أنه لا يمكن أن يؤلف وينشر إلا بموافقة المخابرات الأمريكية وبالتالي فالهدف هو تلطيخ سمعة جمال عبد الناصر كجزء من حملة الدعاية السوداء كما يسمونها ضد الثورة وقائدها.

ثم يؤكد أن للرجل ملفات كاملة في الحكومة المصرية تضم خطابات بإمضاء يطلب فيها أموالا من الحكومة المصرية لينشئ لحسابها إدارة مخابرات وهناك تأشيرات على هذه الخطابات بالرفض وبينها خطابات بتوقيع مايلز كوبلاند يشكو فيها من أن جميع المصريين المسئولين لا يقابلونه ولا يردون عليه، بينما هو يريد أن يخدم، ولا يطلب من مصر إلا ما يستطيع أن يعيش به ويحافظ على مستواه وتأشيرات على هذه الخطابات بمنع دخوله إلى مصر وبعدم حاجتها إلى خدماته وبأنها ليست مسؤولية لا عن معيشته ولا عن مستوى معيشته.

وبينها خطابات بتوقيع ما يلز كوبلاند يبدي فيها استعداده لحذف وتغيير كل ما لا ترضى عنه مصر في كتابه لعبة الأمم وتأشيرات عليها بعدم الرد عليه.

ويتساءل هيكل في النهاية ولست أعرف لماذا لا تنشر كلها أو ينشر بعضها أج في مواجهة ما يكتبه وينشره كوبلاند؟؟

سؤال مهم جدا...

وهو بالمناسبة ليس موجها ضد نظام السادات أو غيره حتى لا نقول بمؤامرة لتشويه سمعة الزعيم، وإن السلطة المصرية تخفي هذه الأدلة التي تبرئ ساحته وساحة ثورته، فالخطابات موجودة من أيام عبد الناصر على رواية هيكل والكتاب عرض للتنقيح والحذف على حكومة عبد الناصر، وصدر والزعيم حي يحكم، فكان الأحرى أن تبادر السلطات الناصرية بنشر تلك الخطابات إن كانت حقا تكشف زيف كوبلاند ولا تعزز روايته؟

وهو مالم تفعله الزعامة الناصرية ولا حكومة السادات مما يجعل سؤال هيكل يثير أكثر من سؤال على أن الأدلة التي أوردها السيد هيكل وهو طرف مباشر في الموضوع تؤكد صحة المعلومات التي أوردها مايلز كوبلاند، ولا تضعفها فضلا عن أن تنفيها لهذه الأسباب:

1- الرجل كان موظفا في المخابرات الأمريكية، وليس موظفا عاديا كما سنرى، ومن ثم فهو ليس بالصحفي الذي يستنتج أو ينقل من مصدر آخر مثلنا، بل هو شاهد عيان، عاشر الأحداث وساهم فيها، وهو يروي ما عاشه بدقة تفصيلية مثل أين كان الاجتماع ومع من وماذا حدث عندما دق الباب وعرف أنه السفير البريطاني فخرج له عبد الناصر...
2- وهو لا يروى فقط عن المصريين الذين قد لا يملكون الرد ولا ندري لماذا، ولا عن الأموات كما يفعل هيكل، بل عن مسئولين أمريكيين أحياء، ولهم أجهزة مهمتها الرد على كل حرف خاطئ يتعلق بهم ولا يعقل أن يصدر موظف كبير في وزارة الخارجية والمخابرات مثل مايلز كوبلاند كتابا في أمريكا ينسب فيه لقاءات وأحاديث واجتماعات لكبار المسئولين الأمريكيين كلها من نسج الخيال أو يزيف ما جرى فيها ولا يصدر تعليق في هذه الوقائع الأساسية وأن كان أكثر من مصدر قد صحح له وقائع تفصيلية.
ولولا أنه كان موظفا في المخابرات الأمريكية وليس عميلا لما كان لكتابه أو شهادته هذه الأهمية التي تنبغ فقط من أنه موظف في المخابرات الأمريكية.
3- الرجل على صلة وثيقة بالحكومة المصرية، ويعتبرها مسئولة ولودابيا عن الحفاظ على مستوى معيشته إذا قبلنا رواية هيكل ولا دليل عليها إلا شهادته وهي أكثر من مجروحة ولا يعقل أن يأتي أفاق من فرنسا مثلا، ليس له أية صلة بالحكومة المصرية ويشكوانها لا تعطيه ما يحفظ له مستوى معيشته الذي اعتاد عليه.
4- وهذا كلام صاحب عشم وصاحب أفضال سابقة وصاحب إسرار يحذر من أن الجوع كافر وإن ذلك قد يضطره إلى مالا يحب ويضرك يابيه؟
ولا أحد يأتي بكتاب كله أكاذيب ثم يساومك على حذف بعض الأكاذيب؟ لا ليس هكذا فن البلاك مايل... والأستاذ هيكل خير من يعرف أساليب الابتزاز الإعلامي والدعاية السوداء والرمادي والمكروهات الابتزاز لا يكون إلا على فضائح والفضيحة لابد لها من أصل حقيقي ومن ثم لا يمكن إلا أن يكون مايلز كوبلاند شاهد مهم، ولديه وقائع تمس سمعة النظام المصرين وبالذات بعض الأشخاص وأنه وثيق الصلة بالحكومة المصرية التي حد كتابة الخطابات واقتراح إنشاء جهاز مخابرات خاص لهم على ضوء ما شاهدوه وعرفوه من خبرته، ويشكو من إهمالهم، ويساوم على حذف بعض ما لديه من معلومات هذا كله يؤكد أن لعبة الأمم لم يكن قصة خيالية وهذا ما نصل إليه من أدلة نفي هيكل إما الأدلة الحقيقية فصبرا علينا...

يبقى سؤال: لماذا سمحت المخابرات الأمريكية بنشر هذا الكتاب؟

ويبادر هيكل فيسد علينا الطريق بطرح إجابة: إنها مؤامرة لتشويه سمعة الزعيم ونحن لا نرفض هذا التفسير أبدا، بل بالعكس نجد أنه محتمل جدا، فالعلاقات منذ 1964 أو 1965 كانت قد تدهورت تماما بين واشنطن والقاهرة، والأجهزة الأمريكية المؤيدة لناصر كانت الولايات المتحدة قد اتخذت قرار تحجيمه إن لم يكن إسقاطه فلا عجب ولا غرابة أن تحاول الأجهزة الأمريكية تشويه سمعته ولكن الأستاذ هيكل وهو خبير يعرف أن أجهزة المخابرات عندما تقرر تشويه سمعة زعيم فهي تلجأ إلى أحد أسلوبين أو هما معا: الإشاعات وهذه لا يعرف مصدرها، ولا يمكن الدفاع عنها، ولكنها تخلق التشويش المطلوب وهذه قد تكون كاذبة وملفقة لا يهم فلا أحد يتحمل مسئوليتها وهذا ما استخدم ضد محمد نجيب والنحاس وصلاح سالم...إلخ..

الأسلوب الثاني... هو نشر وثائق تدين هذا الزعيم، وتسيء إلى سمعته، وأحيانا نادرة تكون الوثائق مزورة بإتقان بالغ ولكنها في هذه الحالة لا تنسب أولا تصدر بشكل واضح من الجهة التي تريد ترويجها لسبب بسيط هو أو الزعيم أو المسئول يستطيع بما يملك من سلطات إثبات تزويرها وبالتالي تفقد هذه الجهة التي أصدرتها مصداقيتها عند الناس وهو عنصر مهم جدا لنجاح حملاتها بل حتى أكاذيبها في الظروف الحرجة لا يمكن أن تصدر وثيقة علنية على لسان المخابرات الأمريكية ضد رئيس دولة تتحدث عن اجتماعه وتنسيقه برجالها دون أن يكون ذلك أصلا لأن الناس لن تصدق المخابرات الأمريكية بعد ذلك وجانب مهم من نجاح هذه الأجهزة وقدرتها في السيطرة على العملاء والمتعاونين هو هذه الوثائق التي تملك نشرها والتي تفقد قيمتها إذا طعن فيها بالكذب أو إذا قبلنا منطقة هيكل بأنه يستحيل نشرها، وهو المنطق الذي يغررون به بالعملاء عند بادية تجنيدهم للعمل، بأن خطيئتهم في الحفظ والصون!!

نعود للسؤال .. لماذا نشر هذا الكتاب؟

والجواب لابد أن يشمل العديد من الكتب والأخبار والقوائم والتقارير التي نشرت ابتداء من هذه الفترة وكلها تتضمن معلومات حقيقية عن نشاط المخابرات الأمريكية وأجهزتها وعملاءها ثبتت صحتها أو على الأقل لم يقدم حتى الآن دليل ينفيها وفي حالات قليلة جدا قام المعنيون برفع قضايا ضد الناشرين..

ولسنا ندعي أننا نملك القدرة على تحديد كل الأسباب التي تدفعي المخابرات الأمريكية التي نشر بعض وثائقها في فترة من الوقت فهذه الأجهزة وصلت إلى مستوى من التكنيك والتعقيد، يفوق الفهم العادي وأحيانا يخرج عن دائرة حسابات منظميه!!

ولكن عجزنا عن الفهم لا يدفعنا إلى نفي وجود هذه المخططات فليس كل الناس بوسعهم فهم نوعية العلاقة بن روسيا والولايات المتحدة، ولا كيف تكون انجولا شيوعية ومع السوفيت وحكومتها تعيش على حماية الكوبيين ومصدر دخلها الوحيد الذي تدفع منه مرتبات الكوبيين، هو النفط الذي يملكه الأمريكيون.

ومرة قلت أن السياسة هي الآن رياضة عليا أو ما يسمى في المدارس بالرياضة الحديثة والذين يحاولن فهمها بمبادئ الحساب أ والرياضيات القديمة يفشلون فشلا ذريعا ولكنها علم موجو وضروري وهو وحده يفسر الكثير من غرائب العلم فنحن نواجه قضايا كالفيروسات، قد لا نستطيع رؤيتها بل ولا نملك تحصين أنفسنا ضدها ولكن تجاهلها هو انتحار.

فلنسلم أولا أن جانبا من الإجابة على سؤال لماذا تنشر المخابرات الأمريكية أو موظف سابق في المخابرات الأمريكية هذه الأسرار؟ هو سؤال فوق مستوى فهمنا وإذا كنا نفتح أفواهنا في بلاهة اليوم عندنا نقرأ أن ثورة 23 يوليو بكل شعاراتها ومغامراتها وأمجادها بدأت بعلاقة خفية مع المخابرات الأمريكية، فلا يجوز أن نرفض هذه الحقيقة لمجرد أن جانبا من الإجابة على سؤال لماذا يخبروننا صعب الفهم...

ثم نضيف هذه الحقائق...

1- قانون حرية المعلومات وقد صدر عام 1966 وهو لا يمنح الشعب فقط حرية نشر المعلومات بل يحبر الأجهزة الحكومية على تقديم المعلومات لمن يطلبها وهو النص المكمل لحرية الإعلام إذ أنه طالما ظلت المعلومات محظورة فلا سبيل لمعرفة الحقيقة ومن ثم لا ممارسة حقيقيةي لحرية الاختيار وصدور هذا القانون ليس كما وصفه وليم شوكروس الكاتب البريطاني ومؤلف كتاب نيكسون- كسينغر وتدمير كمبودياي) وهو الكتاب الذي نشر أكبر مجموعة من الوثائق السرية الأمريكية عن تآمر الحكومة الأمريكية على تدمير كمبوديا رغم حيادها فقد وصف الكاتب البريطاني قانون حرية المعلومات بأنه تحية لثقة المجتمع الأمريكي بنفسه.
نحن لا نرى لك بل نعتقد أنه كان تعبيرا عن ثورة، وفي نفس الوقت محاولة لإجهاض هذه الثورة التي تنامت في الستينات ضد الأخطار الفادحة التي ارتكبتها المؤسسة الأمريكية وتوجت بكارثة فيتنام والتي لولا هذا الانفراج ولولا الانفتاح الليبرالي الذي خفف الضغط عن المثقفين الأمريكيين لربما أدى إلى تغييرات أكثر عمقا في التركيبة الأمريكية.
ولكن هذه الحريات التي تتابعت من حرية المعلومات إلى حرية الفاحشة، وما أدى إليه من مبالغات لعل بعضها كان مقصودا ومدبرا مثل نشر قائمة بأسماء موظفي المخابرات الأمريكية الأمريكان في الخارج مما أدى إلى تعرضهم لحوادث اغتيال ومثل نشر أو إحباط بالنشر لكثير من عمليات أمريكا مما أدى إلى ردة فعل سنتعرض لها

المهم أنه في هذه الفترة من 1966 إلى وصول ريغن للحكم وبداية الهجمة اليمنية لإعادة الهيبة والجدية والسرية لأجهزة الدولة تسبرت ونشرت حقائق كثيرة جدا كان الشرق الأوسط هو أقلها للأسف كما شهد هيكل نفسه بأن ما نشر عن الشرق الأوسط لا يكاد يذكر مما نشر من أسرار ونشاط المخابرات الأمريكية في مناطق أخرى من العالم ولهذا أسبابه التي تؤكد أن قبضة المخابرات الأمريكية لم تحطم تماما حتى في هذه الفترة والمعروف أن هذه الأجهزة تتقن فن مقاومة الانفجارات أو التغييرات المفاجئة والمؤقتة وإذا كانت بريطانيا العظمى أو الديمقراطية تمكنت من حرق خطأ مسودة الاتفاق البريطاني الفرنسي الإسرائيلي فلم يعد لها وجود واستحال عثور أي محقق أو مؤرخ عليها فإن الموظفين المخلصين في المخابرات الأمريكية يستطيعون في تلك الفترة الشاذة إخفاء بعض الملفات أو التعلل بعد وجودها أو البحث عن ثغرة في القانون... إلخ.

وهناك أيضا تفسيرات أخرى فالمخابرات الأمريكية تهتم بحفظي الوثائق عن عملائها في الشرق الأوسط لأن العملاء يعمرون في السلطة وفي الخدمة أكثر ولأن وهو السبب الأهم في اعتقادي أن الحريصين على الاستفادة من قانون حرية المعلومات في بلدان العالم الأكثر تقدما أكثر بكثير جدا من الذين حاولوا الاستفادة منه في الشرق الأوسط أو من العالم العربي بالذات فأنشط العناصر وأقدرها وأبرزها على الساحة العربية هي صاحبة المصلحة في عدم نشر هذه الوثائق وإلا فأين هي المؤسسة التي توجهت فورا إلى واشنطن وطلبت هذه المعلومات؟
العجز والكسل واللامبالاة والجهل كلها حجمت الخسائر، فلم ينشر إلا النذير اليسير ولأسباب عديدة قد تكون منها الأسباب الشخصية التي نسبها هيكل لمؤلف لعبة الأمم الذي أكد ما جاء في كتابه أكثر من وثيقة منها على سبيل المثال كتاب حبال الرمال لمؤلف لا يمكن أن تعلق ذرة من الغبار على سمعته ومدافع مخلص عن الحق العربي وكذلك ما جاء في رسالة مصطفى أمين الصحفي المعروف ورئيس هيكل إلى الرئيس جمال عبد الناصر وعندما يقول مصطفى أمين لعبد الناصر ف خطاب لم يتصور أنه سينشر يوما ما كلفتني أن أذهب أنا وهيكل وأقول لما يلز كوبلندا كذا وكذا فإن من حقنا لا أن نصدق رواية كوبلاند عن نفسه فقط بل وأن نطرح أكثر من علامة استفهام حول تجاهل هيكل لمايلز كوبلاند ومحاولة نفي أي علاقة به أو حتى أنه قابله أو أنه كان يشغل مكانة مهمة وعلى اتصال وثيق بالسلطة المصرية على أعلى مستوياتها.
لماذا هذا الإنكار؟ إلا أن كان هيكل يعرف أن فيه شبهة وما الشبهة في الاتصال بمسئول أمريكي؟ إلا أن كان مسئولا من نوع خاص؟
وقد ثبتي أن ما نشر في هذه الفترة من عملاء أمريكا في أوربا صحيح وأن ما نشر عن دور المخابرات الأمريكية وبالذات كيرميت روزفلت في خلع حكومة مصدق بإيران وإعادة الشاة حقيقي مائة بالمائة ومن الحقائق المسلم بها كذلك ما نشر عن دور هذه المخابرات في انقلاب حسني الزعيم وما نشر عن الصحف التي كانت تصدرها أو تمولها المخابرات الأمريكية مث مجلة حوار وإذا كان من الممكن أن يتسرب من المخابرات الأمريكية نبأ عمالة رئيس وزراء الهند، بل ومرتبه الذي يتقاضاه من المخابرات الأميكية وهو لا يزال يعمل في السياسة الهندية؟ بل ويعرف المبلغ الذي يصرف من المخابرات الأمريكية لا حد رؤساء الدول العربية الأحياء وقت كتابة هذه السطور فلماذا نستغرب نشر عمالة أحد الصحفيين خاصة وأن اتصالاته بالأمريكيين وتقديمه المعلومات لهم سابقة على الثورة وواردة في وثائق رسمية تحمل طابع وزارة الخارجية الأمريكية؟
2- يجب أن نضع في الاعتبار أيضا أن المخابرات الأمريكية مثل المجتمع الأمريكي غريبة التكوين غريبة الفلسفة قد تكون على درجة عالية في التكنيك والتكنولوجيا ولكنها تفتقر إلى التقاليد إلى شرف المهنة إلى الالتزام من قبل العاملين فيها وذلك لإفقار المجتمع كله لروح وطنية فلا مجال لمقارنتها بالمخابرات البريطانية أو الروسية حيث يسودها نظام أشبه بالرهبنة والتبتل في المخابرات الأمريكية عدد كبير من العاملين بها ينشقون ويفضحون أسرارها ربما عن نزعات ليبرالية وهي صفة أصيلة في الإنسان الأمريكي إلى جانب العنصرية والغرور والإجرام والعنف إلخ... وبعضهم لمجرد الكسب فهم يستغلون مراكزهم للعب في البورصة أو عقد صداقات لتكوين شركات بعد تقاعدهم مع عملاءهم في البلدان الأخرى ولذلك لا نستبعد أن يكون مايلز كوبلند قد تحرك بدافع انتهازي وأنه حاول فعلا مساومة السلطة المصرية التي لا تصدق أنه يستطيع نشر هذه الأسرار أو أنه أراد أن ينشر كتابا ناجحا فاستغل ما لديه من معلومات وحقائق.
3- يجب أن نضع في الاعتبار أن إعلان دور المخابرات الأمريكية في تدبير ثورة العصر وخلق أكبر زعيم في العالم الثالث هو نوع من الترويج والدعاية للمخابرات الأمريكية في وقت كانت تتعرض فيه لحملات نقد قاسية وفقدان ثقة فقد كان يهمها أن تروج عن عملياتها الناجحة والأجدر أن يتساءل هيكل لماذا نشر كيرميت روزفلت عراب الثورة المصرية وهو ليس مجرد موظف في المخابرات الأمريكية بل نائب مدير المخابرات ورئيس العمليات في الشرق الأوسط كله لماذا نشر دوره في الانقلاب على مصدق؟
هل كان ذلك جزءا من الدعاية السوداء لتشويه سمعة الشاة لا بل دعاة للمخابرات الأمريكية وجذب للحكام وزالرغبين في العمالة وأيضا من قصور وعجز النظام الأمريكي وقد احتج الإنكليز الأعرق في فن الإفساد والتآمر على زهو الأمريكيين علنا بدورهم في خلع مصدق .
4- القانون الأمريكي حتى قبل صدور قانون حرية المعلومات كان يحدد فترة زمنية معينة يتحتم بعدها نشر الوثائق وبالطبع تستطيع هذه الأجهزة أن تخفي إلى حد ما وثيقة ترى أن نشرها يشكل ضررا فادحا للمصالح الأمريكية أما العملاء فلا أهمية لهم انتهى دورهم فيقذف بهم مزبلة التاريخ كالليمونة بعد عصرها...
5- كما سنرى من عرض كتاب مايلز كوبلاند أن عملية الثورة المصرية كانت من تدبير جانب معين في الإدارة الأمريكية وأن العملية في النهاية من وجهة نظر دافع الضرائب الأمريكي والسياسي العادي كانت عملية فاشلة خاطئة أضربت بأمريكا ولم تفدها ومن هنا كان من مصلحة المخابرات الأمريكية أن تدافع عن نفسها والكتاب كله يدور حول هذه القطة ولا تنسى أنه مكتوب للأمريكيين فلا يزيد عدد من قرأه من المصريين عن بضع مئات هذه النقطة هي: أن خطة المخابرات الأمريكية والسياسي العادي كانت عملية فاشلة خاطئة اضرب بأمريكا ولم تفدها ومن هنا كان من مصلحة المخابرات الأمريكية أن تدافع عن نفسها والكتاب كله يدور حول هذه النقطة ولا تنسى أنه مكتوب للأمريكيين فلا يزيد عدد من قرأه من المصريين عن بضع مئات هذه النقطة هي: أن خطة المخابرات الأمريكية في إنجاح ودعم ثورة 23 يوليو كانت صائبة ولكن الأجهزة الأمريكية الأخرى أفسدت المخطط وتسببت فيها حدث من تناقض ثم صدام بين القاهرة وواشنطن.

فهو دفاع عن المجموعة التي بدأت لعبة الانقلاب العسكري في المنطقة من سوريا ومصر وإيران ثم ثلاث دول عربية أخرى على الأقل لا نستطيع ذكرها بسبب الجبن ولكي لا يتسع الخرق على الراتق ولا شيء أكثر من ذلك وإن كان يستحيل على متوسط الذكاء إلا أن يخمنها.

6- ثم لا يخفي التعقيد الذي تمت به عملية 23 يوليو، فهي كما سنشرح ليست انقلابا أمريكيا من طراز انقلابات أمريكا الجنوبية أو الانقلابات السورية وقد غضب عبد الناصر جدا عندما ظن أن وزارة الخارجية الأمريكية تريد معاملته على هذا الأساس.
وقد حدث انشقاق بالغ في السنوات الأخيرة بين مصر والولايات المتحدة كما لعبت التناقضات الشخصية دورها بين العناصر المشتركة في اللعبة وربما كان نشر بعض الحقائق عن شخص ما هو فرصة أذن لصحفي كبير خرج عن أصول اللعبة بدافع الحقد الشخصي فغدر بعميل أكبر منه تاريخيا وأقدم منه فكان أن سربت المخابرات الأمريكية معلومات جديدة لحقيقة قديمة قد نسيت تماما.
7- وأخرا فإن السؤال الذي يمر بالخاطر هو أن نشر معلومات مايلز كوبلاند، وكراين و غيرهما هل أدى إلى تغيير أو حتى تساؤل أو أضعاف لمركز ومناصب ودور الأشخاص الذين تناولتهم هذه المعلومات وأكدت دورهم في التعامل مع المخابرات الأمريكية؟

أن هذه الأجهزة تتعامل مع البلدان المختلفة كما يتعامل الإنسان مع الحيوانات لا يهمه أن يتحدث بأسراره أمامها أو أن يتعرى أمامها فهي غير قادرة على الاستفادة من ذلك ونحن نعرف مقدما أن الكثير سيلقون بهذا الكلام جانبا ويستعيذون بالله من تشويه سمعة الزعيم الخالد.

وقبل أن ننتقل لقصة الثورة والمخابرات الأمريكية ودفاع هيكل المتهافت نشير إلى أن الموجة الليبرالية قد انحسرت في الولايات المتحدة بزوال ذكريات فيتنام ومع الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدل البطالة والردة المحافظة بعد موجة الانحلال مما أدى كله إلى انتشار موجة وطنية دينية محافظة دفعت بالجناح اليميني في الحزب اليميني الجمهوري إلى السلطة وبدأت حكومة ريغن تعيد تنظيم الأجهزة وتفرض احترام المؤسسات وأسرارها.

قدم ريغن مشروعا للكونغرس باستثناء المخابرات الأمريكية من قانون حرية المعلومات كما كسبت المخابرات الأمريكية في عهد ريغن كل القضايا التي رفعتها ضد موظفين سابقين فيها أو ناشرين حاولوا نشر معلومات عن نشاطها دون موافقتها وفي 1980 حكمت المحكمة الدستورية العليا الأمريكية ب 6 أصوات ضد 3 في قضية سنيب ضد الولايات المتحدة قضت بحق المخابرات الأمريكية في مراقبة ما ينشره موظفوها السابقين مدى الحياة للتأكد من أنهم لم يذيعوا معلومات سرية وحكمت المحكمة أن أي شخص وقع هذا العقد عند التحاقه بالخدمة ولم يعرض مؤلفاته على المخابرات قبل نشرها حتى ولو كانت تتضمن معلومات غير سرية يكون قد خرق أو أخل بتعهده وعلى هذا أجبر فرانك سنيب وهو محلل سابق لشئون شمال فيتنام في المخابرات الأمريكية أجبر على أن يعيد للحكومة كل ما حصل عليه من عائدات كتابه: decent interval وجاء في حكم المحكمة مبادئ عامة تجعل من الممكن تطبيق شروط الرقابة المسبقة على النشر على عشرات الألوف من الموظفين حتى خارج cia الذين لهم اتصال بالمعلومات المحظورة وكان كارتر آخر الليبراليين أو أخر مرحلة الانقلاب والتسيب أو أن شئت تطويق الثورة بالانفراج قد أصدر قانون عام 1978 بترجيح حق الجمهورية في المعرفة عند تصنيف الوثائق إلى محظور ومباح فيقتصر الحظر على مالا مجال للشك في خطورته على الأمن الوطني أما ما يحتمل الشك فيفرج عنه الجمهور.

وقد ألغي ريغن هذا القرار في 2 أبريل 1982 فأعفى الموظفون من أي اعتبار لحق الجمهور في المعرفة والزموا في حالة الشك بترجيح الحظر، وألغي شرط خطر على الأمن الوطني.

وفي 11 مارس 1983 صدر قانون رئاسي أي لا يعرض على الكونغرس يحظر على طائفة كبيرة من الموظفين العاملين والسابقين نشر أي معلومات قد تكون سرية وقد لاحظ الرئيس نيكسون أن قائمة الطعام في البيت الأبيض يكتب عليها سري

وقال ريتشرد ويللر نائب المدعي العام أن هدف تشريعات الرقابة المسبقة على النشر هو تقديم أسلوب معقول لمنع الموظفين الذين على اتصال بالمعلومات السرية من نشرها كما أصدر الرئيس ريغن قانون حماية الأشخاص العاملين في المخابرات وهو يمنع نشر أسماء الأشخاص المتعاونين بطريقة ما مع المخابرات الأمريكية حتى ولو كانوا قد ارتكبوا جرائم معاقب عليها بموجب القوانين الأمريكية وقد وصفه فيليب كيرلاند، أستاذ القانون في جامعة شيكاغو بأنه أوضح عدوان قام به الكونغرس على الحرية الأولى في وثيقة الحقوق.

وفي أكتوبر 1983 حكمت المحكمة العليا بحق المخابرات في رقابة أي مادة تنشر عنها وحذف ما تراه مخلا بالأمن.

وتقرر إعادة تسجيل تاريخ المخابرات على شرط ألا يتاح لأحد خارج المؤسسة على الإطلاق وإلى الأبد أو كما صرح المتحدث باسم ال CIA (دال بترسو) سيبقى هذا سري إلى الأبد واشنطن بوست 19/ 10/ 83)

ويوصف ستانسفيلد تيرنر رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق بالهمجي لأنه كان من أنصر الانفتاح ونشر المعلومات.

ووصف التشريع الجديد بأنه سيحرر الCIA من العبء الثقيل والفريد من نوعه المتأتي من قانون حرية المعلومات فإن الوكالة ستحتفظ بجميع ملفاتها عن العمليات تحت الحظر على مدى المستقبل المنظور.

ولعل هذا يوضح أن الولايات المتحدة مرت بفترة انفلات ولا أقول ثورة ولا راديكالية وإن كان طلبة أمريكا في الستينات شكلوا أكبر قوة ثورة في العالم وقتها أدت إلى رغبة في معرفة ما يجري في أحشاء المجتمع الأمريكي ثورة الفرد الأمريكي أو المؤسسات الليبرالية ضد النمو السرطاني لأجهزة الأمن وهؤلاء هم الذين آمنوا عن حق بتصفية المؤسسة السلطوية الأمريكية لأنها إذا كانت تبنى الإمبراطورية الأمريكية في الخارج بهذه الأساليب القذرة فإنها لابد كما تؤكد عبرة التاريخ أن تمتد إلى الداخل وبنفس الأساليب وتسلب المواطن حريته وأمنه واستقلاليته أو خصوصياته وهذا ما أكدته فضائح المباحث الفيدرالية وفضيحة ووترغيت وتغلغل المخابرات الأمريكية في الصحافة والجامعات وإجراء تجارب بشعة على مواطنين أمريكيين فرأى هؤلاء أن نشر فضائحها وسيلة من وسائل تصفيتها أو تطهيرها أو تطوير أعمالها إلى مستوى أكثر أخلاقية.

وكان هناك كما ذكرنا الذين نشروا هذه الأسرار كوسيلة من وسائل الكسب بنشر كتب أو مقالات مثيرة وهناك من استخدموها كنوع من البلاك ميل أو الحساب صراعات مراكز القوى وهو ما حدث بالنسبة للشرق الأوسط فالخلاف بين وكلاء السلاح أدى إلى استعانتهم بموظفين سابقين في المخابرات الأمريكية نشروا معلومات عن عمالة وعمولات الوكلاء المنافسين.

في تلك الفترة الشاذة من تاريخ أمريكا وتاريخ الإمبراطوريات عموما نشر الكثير من حقائق الممارسات الأمريكية المخالفة للشعارات المعلنة عن المبادئ والقيم الأمريكية مثل مذبحة ماي لاي في فيتنام ومثل كتاب لعبة الأمم ومثل دور أمريكا في الانقلاب الإيراني والانقلاب اليوناني ولكن القوى المضادة استطاعت أن تنظم حملة ضخمة لم تقتصر على الولايات المتحدة بل اتخذت طابعا عالميا من قبل الحكومات والمؤسسات والعملاء الذين ثاروا ضد هذا الانقلاب وهددوا بمنع التعاون مع أمريكا التي لا تستطيع أن تحفظ سرا مما ساعد على تقوية التيار الداخلي فأعيد الانضباط وانتهى المهرجان فهل نستفيد من القليل الذي تسرب في لحظة الفوضى؟.

هيهات فقد استولى الثوار في طهران على وثائق السفارة الأمريكية كاملة وأعادوا لصقها بعدما قطعت، وبها أسماء الكثير من العملاء والمثير من المعلومات فأين هي؟ ومن استفاد منها؟

ألم يشاهد قوم إبراهيم أصنامهم محطمة وملقاة على الأرض مجرد نفايات فهل شكوا فيها أو كفروا بها فضلا عن الإيمان بإبراهيم؟ بالعكس راحوا يجمعون الحطام ويلصقونه لإعادة تركيب (الألهة) وكان همهم الأول وشغلهم الشاغل هو البحث عمن فعل ذلك بآلهتنا لا لمكافأته على كشف الحقيقة لهم بل لحرقه في النار تأكيدا لإيمانهم بالنفايات الملقاة على الأرض بالأصنام المحطمة وتأكيدا لإبراهيم أن كل ما بذله لإثبات كذب هذه الآلهة لم يزدهم إلا يقينا بالأصنام الخالدة الذي تآمر إبراهيم على تشويه سمعتها.

وتأمل كل الأسماء التي وردت في كتاب لعبة الأمم كمتصلين بالمخابرات الأمريكية تجدها مازالت بعد 1969 في مكانها على القمة أو عادت للتألق بعد فترة خفوت وكأن ساحرا ما يجدد حيوتها ويدفع بها إلى قمة الأحداث.

خذ مثلا حسن التهامي الذي يعد من الحلقة الضيقة التي كانت تعرف كل شيء والتي تعاونت تعاونا مطلقا مع المخابرات الأمريكية وبالذات مع مايلز كوبلند حتى أنه هو الذي عد وتسلم الثلاثة ملايين دولار التي قدمت رشوة أو هدية للزعيم الخالد هذا الحسن تهامي يتساءل رجل طيب من الذين نكتب لهم هذا الحديث يتساءل في حيرة ما الذي جعله يظهر من جديد ويأتي به عبد الناصر وزيرا في حكومته بعد هزيمة 1967؟ والحاج أمين هويدي كان مديرا للمخابرات ويعرف أنه ما من سبب منطقي أو معقول يجعل عبد الناصر يتخطى الأربعين مليونا ويختار هذا الذي يتظاهر بالجنون المطلق وزيرا والذي لا يملك أية مؤهلات ظاهرة تصلح لتولية ناظر مدرسة فضلا عن وزير والذي سقط في منطقة الظل، وهي المنطقة التي يسميها المصريون وراء الشمس ولا أحد يعود منها ولكنه عادة وأصبح وزيرا في عهد عبد الناصر بل ولعب دورا حاسما في تحديد خليفة عبد الناصر؟

الحاج أمين هويدي يحكي لنا بعض الطرائف عن سلوك التهامي هذا في مجلس الوزراء منها أنه كان ينصحهم ألا يتعبوا أنفسهم في بحثي إزالة أثار العدوان لأنه رأى سيدنا الخضر الذي أكد له أن اليهود سينهزمون وسيخرجون من مصر ويضرب الحاج هويدي كفا بكف ويقول ولا تسألوني لم أستوزره عبد الناصر؟ فهذا سؤال يضاف إلى عشرات الأسئلة التي تحير ولا أجد لها جوابا وعزائي أنني لست وحدي في حيرتي (ص80 من كتاب: مع عبد الناصر لأمين هويدي)

بئس العزاء هذا وما تشفع لك كل علاقات التعجب هذه وإذا لم يسألك القراء التفسير فسيسألك ضميرك والتاريخ وليتك توقفت عند هذه الحيرة التي تشير إلى الشكوك في نفسك مما تخشى أن تهمس به لنفسك ولكنك حاولت أن تلتمس بارد العذر أو تافه لتعين هذا الدجال الذي لا يستحي في اجتماع مجلس الوزراء من السخرية من جهود المجلس في إجلاء العدو عن أراضينا فيبتسم قائلا: لم تجهدون أنفسكم هذا أنني موقن من انسحابهم وسيرسل الله عليهم طيرا أبابيل وترتسم على شفتيه الابتسامة الهازئة.

يقول هويدي وهو يستعيد بالله من محاولة كشف النوايا بما جاء به عبد الناصر وفاء للزمالة القديمة وربا لجمع الشمل.

وكان عبد الناصر في تلك الفترة مزق آخر بقايا الزمالة القديمة، ويقوم بأكبر عملية تمزيق للشمل عرفتها مصر منذ مذبحة القلعة، وما بين منتحر ومسجون، حتى داخل أسرته لم يحترم زمالة ولا مصاهرة ولا عشرة العمر والشقة إياها ومن ثم فلا مجال للحديث عن عاطفة نبيلة تجعله يقبل ويصر على هذا الرجل في ظروف ما بعد النكسة..

وهويدي قرأ مايلز كوبلاند وقرأ حديثه عن السلوك غير المنطقي في سياسات الشرق الأوسط وأنه لا يمكن فهمه إلا بإضافة المعامل س أي عنصر المخابرات الأمريكية ويعرف أن التهامي هو أحد أعمدت المعامل س هذا ولكنه يرفض أن يواجه هذا التفسير فيغمض عينيه ويصرخ كالعذراء التي يحدثونها عن خيانة حبيبها (مش عاوز أعرف) لقد جاء حسن التهامي بعد النكسة لكي يعيد ترميمي الجسور مع القوى الخفية التي ساندت النظام أطول مدة ممكنة إلى أن استحال عليها الدفاع عنه وها هو عبد الناصر يثبت أنه مستعد للحوار رغم ما فعلوه فيه بحرب 1967 وها هو صديقك في مجلس وزرائي يمارس الشيطنة على الاستهبال ويتحدث عن تأكيدات الخضر بانسحاب اليهود والذي معاه الاس يعرف من هو سيدنا الخضر المقصود ومن أين تأتي أحلام التهامي عن الفانتوم أبابيل!!

أما الرئيس السادات الذي كانت استراتيجيته تقوم أساسا على إقناع الأمريكان بأن النظام المصري على استعداد لأن يكون الممثل رقم واحد لأمريكا في المنطقة ولا داعي للبحث عن أصدقاء آخرين وأن مصر تابت وأنابت بعد علقة 1967 ولن تشك ولن تتذمر ولن تساوم أو تتدلل كما فعل المرحوم بل أمريكيون كنا وأمريكيون نبقى أبدا السادات أبرز التهامي وصوره في كل مكان ومناسبة وأطلقه يساوم ويدبر ويفاوض حتى قاده إلى كامب ديفيد وجلس خلفه يصلي وقد تحقق الهدف الذي اتفق عليه قبل 25 سنة حافلة بالآلام والخداع.

وبنفس التفسير يمكن أن نفهم إخراج مصطفى أمين من السجن وإحضار علي أمين من البدو وتسليمهما الأهرام وأخبار اليوم معا وعجلت إليك ربي لترضى!

فهل أضر نشر كتاب ماليز كوبلند أحد؟؟

يقرر هيكل لم يكن هناك اتصال بين الثورة والولايات المتحدة قبل 23 يوليو وقد صاغها بحذر تحوطا للمستقبل فلم يقل المخابرات الأمريكية وهي موضوع الحديث ونحن نستبعد بل ننفي أن تقوم الولايات المتحدة بهذا الاتصال قبل الثورة والاتصال الذي يحمل هذه الصفة الولايات المتحدة هو الذي يتم عن طريق السفير الأمريكي أو مبعوث من وزارة الخارجية.

لا مصر ليست اليمن حيث يدبر القائم بالأعمال المصري الانقلاب اليمين بالتليفون ويعطي المال والحبوب المنشطة لقائد الانقلاب بشكل شبه علني.... لا .. في حالة مصر لا يمكن تصور قيام اتصال مع الولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة لا تخاطر بمثل هذا الاتصال لما يترتب على اكتشافه من مشاكل مع السلطة المصرية بل مع الكونغرس والرأي العام الأمريكي.

ولكن المخابرات الأمريكية اتصلت وهذا ما سنثبته من الوقائع والمعلوما ومنها تعمد هيكل إخفاء حقائق لإحساسه بما فيها من إدانة مثل تاريخ أول زيارة لكرميت روزفلت.

ويبرز هيكل انفتاح الثورة المدهش والمخالف لكل الشعارات والافتراضات إذا ما كانت ثورة يبرره بأن الولايات المتحدة الأمريكية لها وضع مختلف عن بقية القوى الكبرى وقتها وكانت صورة الولايات المتحدة في ذلك الوقتي من سنة 1952 مازالت صورة مقبولة خصوصا إذا قورنت بغيرها لم يكن لها دور استعماري في المنطقة بينما كانت بريطانيا وفرنسا غارقتين في تاريخ استعماري طويل وقديم وفوق ذلك فإن الولايات المتحدة كانت خارجة من الحرب العالمية ضد هتلر كان قد مضى على ذلك سبع سنوات تخللتها فلسطين وحرب كوريا والتهديد النووي إلخ ولكنه أفاق فاجر والعالم كله يلتفت بالإعجاب لطاقتها الهائلة التي كسبت الحرب ضد النازية ولأسلوب حياتها التي كانت السينما الأمريكية ترسم صورة جذابة له.

وستلاحظ أن الأفاق قد حذف أية إشارة إلى دور أمريكا في خلق إسرائيل وما أثاره ذلك من كراهية عامة ضدها في العالم العربي وهو مضطر لذلك حيث يستقيم دفاعه بأن الصورة كانت أكثر من وردية في العالم العربي عن أمريكا ومن ثم اندفع الشبان الأغرار من أعضاء مجلس الثورة إلى أحضان أمريكا...

كذب بالطبع وإن يكن حذف إسرائيل من تحديد الموقف مع أمريكا ظاهرة فسرها ميلز كوبلند بأن هذه المجموعة من الناصريين لم تكن تعير قضية فلسطين اهتماما كبيرا وقد رد حمروش على هيكل في هذه النقطة فأغفل إسرائيل أيضا عندما قال: لم تكن صورة الولايات المتحدة عند المصريين كما حاول أن يرسمها محمد حسنين هيكل في كتاب عبد الناصر والعالم بقوله كانت الولايات المتحدة تحيط بها كل معاني النجاح والفتنة براقة متسامية على الفشل الذريع الذي من به الاستعماريون القدامى وكان الناس متجاوبين مع فكرة قيام الأمريكيين بدور رئيسيي في الشرق الأوسط ومستعدين لقبولها لم يكن ها التصور صحيحا فإن كافة القوى الوطنية كانت ضد السماح للأمريكيين بأداء دور سياسي بديل لدور انجلترا ظهر ذلك في سياسة الوفد وأحزاب مصر الفتاة والوطني الجديد والتنظيمات الشيوعية والجماهيرية فقد كشفت أمريكا الستار عن موقفها أثناء عرض النقراشي لقضية مصر على مجلس الأمن.

وإذا كن سنقد رأي هيكل فأننا لا نعارضه كما سنشرح بل نركز على أهمية تفسيره هذا...

الولايات المتحدة كانت قد خرجت بهزيمة فادحة في كوريا وكانت سمعتها في الحضيض في العالم العربي بتحيزها لإسرائيل وللدور الذي لعبته في إقامة إسرائيل حتى أن تنظيم الضباط الأحرار كان يصدر منشوراته بالشعار الذي ساد الجماهير المصرية وقتها وهو يسقط الاستعمار الأنجلو أمريكي إلى أن تم الاتصال بالأمريكان وطلب جمال عبد الناصر من خالد محيي الدين حذف كلمة أمريكي وقد أدلى خالد محيي الدين بهذه الشهادة وهو على أتم الوفاق والولاء والإشادة بالزعيم الخالد فلا مجال للشك في روايته خاصة وقد أيدها كبار الحدتاويين الذين ساهموا في تلك الفترة في طبع المنشورات ولا حظوا التغيير فالحق مع حمروش عندما قال أن أحدا من المثقفين أو السياسيين المصريين الوطنين لم ينظر إلى أمريكا بنظرة محمد حسين هيكل والحق مع هيكل لأنه عبر عن وجهة نظر العملاء والمعاونين والمراهنين على دور للولايات المتحدة في مصر والعالم العربي لأن المثفين اكتشفوا منذ أواخر الأربعينات الدور الذي لعبته أمريكا في دعم الصهيونيو وتأييد الاستعمار القديم ومعاداة حركة التحرير ثم كان احتلال اليونان وحرب كوريا التي مزقت صورة بطل الحريات، بل وأيضا المارد الذي ثبت أنه نمر من ورق أمام جحافل الصينيين وقد زادت شعبية الوفد عندما رفض دخول حرب كوريا إلى جانب الأمريكيين المكروهين ولقد رفضت الحكومة السعودية تجديد اتفاقية قاعدة الظهران:

لأن ذلك يستفز مشاعر المواطنين العرب لموقف أمريكا من فلسطين.

ولكن قيادة الأمة العربية المقبلة لم تكن مشاعرها مستفزة والحمد لله بل كانت متأثرة بأفلام أمريكا هكذا يقول محمد حسنين هيكل .

وإليك رأي الأمريكان في الأمريكان فقد جاء في تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي الصادر في واشنطن بتاريخ بتاريخ 27 ديسمبر 1951 أي قبل سبعة شهور من الثورة وتحت عبارة سري جدا:

أصبحت الدول العربية تنظر بعدم ثقة إلى الولايات المتحدة في السنين القليلة الأخيرة بسبب مسئوليتها في إقامة إسرائيل.

وفي اجتماع سفراء الولايات المتحدة باسطمبول في الفترة من 14- 21فبراير 1951 جاء الآتي في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عن الاجتماع.

إن نفوذ الولايات المتحدة في البلاد العربية ربما لا يكون في مثل سوءه في عام 1947 و 1948 ولكن على أية حال ليس قويا كما كان في 1945 أما بالنسبة لإسرائيل وليبيا فإن نفوذنا لا يزال عاليا.

بل إن عام 1951 بالذات شهد المزيد من التدهور في موقف أمريكا وتصاعد الموجة المعادية لها في العالم العربي كله ومصر بالذات لأسباب عديدة منها موقفها من إلغاء المعاهدة ومشاريع الدفاع المشترك ورفض تسليح مصر أيضا للدعم الذي قدمته لإسرائيل وقد ورد في مذكرة هنري فيلارد من إدارة التخطيط السياسي إلى مدير الهيئة الآتي:

سري واشنطن
1يونية 1951

التلغرافات الواردة من الشرق الأدنى تشير إلى ردود الفعل الأولية لسياستنا الجديدة الجزئية للمساعدات الاقتصادية والعسكرية للدول العربية وإسرائيل كما أقرها الرئيس ترومان ج في 17 مارس 1951 وردود الفعل هذه يمكن وصفها بأنها شيء إلا أنها مقبولة فالمسئولون عن العرب مجتمعين (25 مليون دولار) بالإضافة إلى أن العرب ينظرون إلى الخمسين مليون دولار التي اعتمدت لتوطين اللاجئين كوسيلة لتحرير إسرائيل في مشكلتهم وعلى سبيل المثال قال وزير الخارجية المصري محمد صلاح الدين ج لكافري (السفير الأمريكي في مصر ج) أنه صعق لاقتراح 25 مليون دولار لإسرائيل و 25 مليون للعرب رئيس وزراء الأردن ووزير خارجيتها عبرا عن دهشتهما وخيبة أملهما وزير خارجية العراق ركز كثيرا على عدم التوازن وانتقد بشدة غير عادية سياستنا في مساعدة إسرائيل والصحافة السورية نظرت للبرنامج بالشك في أنه خطط لمحاباة إسرائيل إن المرارة الأساسية والأصلية بالنسبة لسياستنا نحو إسرائيل مازالت كما هي وتلون كل تفكير العرب.

إلا هيكل وصحبه من رجال ثورة 23 يوليو لم تكن في قلوبهم أية مرارة تحول دون فتح قلوبهم والتعاون مع الولايات المتحدة في تحرير مصر والحق مع هيكل فإن أحد المفاتيح الرئيسية لفهم تاريخ الناصرية هو أنها لم تنبعث أبدا من التناقض المصري الإسرائيلي ولم يكن في أهدافها الجادة محاربة إسرائيل حتى يونيه 1967...

وهيكل حريص على تأكيد أن الاتصال بين الأمريكان والريس ثم بعد الثورة ولكن الثورة التي يقدمها لهذا الاتصال تثير أكثر من شبهة فهو يقول كلف أحد أعضاء مجلس الثورة عبد المنعم أمين بتولي عملية فتح الباب مع الأمريكان فدبر لقاء في منزله على النيل بين جمال عبد الناصر والسفير الأمريكي جيفرسونكافري.

ولا يفسر لنا سر هذا اللقاء الغريب فالثورة في الحكم وجمال عبد الناصر حاكم مصر والسفر الأمريكي هو ممثل الحكومة الأمريكية الرسمي أمام مجلس الثورة في بلاط جمال عبد الناصر فلماذا لا يستقبل عبد الناصر السفير الأمريكي بصفة رسمية أو حتى غير رسمية في مكتبه ويبحث معه السياسة المصرية الأمريكية إذا كان الاجتماع باسم مجلس الثورة وسمعة الأمريكان ممتازة كما شهد هيكل لماذا يتم الاجتماع في شقة؟ وعن طريق شخص يقول المؤرخون الناصريوني الآن أنه كان وثيق الصلة بالسفارة الأمريكية ؟

لماذا هذا الجو الغريب والمريب.

ويقول هيكل أنه في هذا اللقاء قال عبد الناصر للسفير الأمريكي أنه يريد مساعدة الولايات المتحدة في إقناع بريطانيا بالجلاء كما طلب مساعدة اقتصادية وسلاح أما عن إسرائيل فقال: إن إسرائيل ليست شاغله الآن ونظرته إليها على أي حال أنها ليست خطرا يهدد مصر؟

وقد قال ماليز كوبلاند أن نجم هيكل تألق لأنه كان بارعا في تحلية أراء الأمريكان وآراء عبد الناصر ومن ثم لا يجوز أن نتوقف كثيرا عند التحلية والصنعة في العرض وإنما يكفينا الاتفاق في الجوهر بين ما قرره كوبلاند وما أثبتته الأحداث من أن السودان لم يكن في برنامج عبد الناصر فهو طلب المساعدة في الجلاء فقط وأهم من ذلك أن نقطة اللقاء بين الرئيس والأمريكان هي استبعاد الخطر الإسرائيلي قبول عبد الناصر أو تطوعه بإعلان أنه لا يشغل باله وهذا ما قاله كوبلاند بالضبط الذي نسب إلى هذه اللامبالاة بفلسطين انفتاح قلب المسئولين في واشنطن لاقتراح الCIA تأييد الانقلاب المنتظر.

وإذا كان هيكل يؤيدي رواية كوبلادن وغيره عن حضور كيرميت روزفلت إلى مصر بعد الثورة وفي تحديد صفته بأنه المسئول الأول في إدارة المخابرات المركزية الأمريكية عن الشرق الأوسط إلا أنه يحاول إيهامنا دون أن يتورط صراحة بأن هذه الزيارة الأولى لكرميت روزفلت وهو غير صحيح بل مثير للريبة فكيرميت كما تؤكد كل الوقائع والوثائق جاء إلى القاهرة منذ 1943 على الأقل وكان في مصر من يناير إلى مارس أو مايو 1952 حيث أجرى اللقاء التاريخي مع فاروق ثم مجموعة عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار وقرر دعم انقلاب هذه المجموعة والتخلي عن فاروق كما سنرى تفصيله وهيكل يؤكد هنا باطمئنان أو أول لقاء بين جمال عبد الناصر وكيرميت روزفلت تم في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر 1952.

ونحن لا نجادل في هذه لأننا لا نملك دليلا قاطعا على وقوع هذا اللقاء فقد حرص كتاب مايلز كوبلاند على تعمية هذه النقطة ولو أنه أكد وقوع أكثر من لقاء بين كيرميت روزفلت والمخابرات الأمريكية من جهة ورجال ثورة 23 يوليو أو أعوان عبد الناصر إلا أنه لم يشر صراحة لوقوع لقاء مباشر بين الرجلين ولا يمكننا الاعتماد على ما جاء في تقرر كيرميت روزفلت الشفوي لرؤسائه من أنه وجد في مصر الرجل المناسب الذي تتوفر فيه كل الصفات المطلوبة لجعل السلطة في مصر مستقرة وتجاوبة مع المصالح الأمريكية وربما لم يصل علم ذلك اللقاء بين الرأيسين إلى مايلز كوبلاند فهو من الأسرار العليا جدا ونحن نستبعد أن يقدم رجل في خبرة ومكانة كيرميت روزفلت على المخاطرة بدعم انقلاب في مصر من مجرد المعلومات التي قدمها عملاء المخابرات الأمريكية ولقاءات مع أعوان زعيم هذا الانقلاب إلا أننا التزمنا ألا نأخذ بالشبهات والتصورات بل بالحقائق أو الأقوال المنسوبة صراحة لأشخاص محل ثقة ومن ثم سنسقط من أدلتنا واقعة اجتماع مباشر بين ناصر وروزفلت قبل 23 يوليو 1952.

ويشير هيكل في هذا الموضوع إلى واقعة غريبة تثير أكثر من سؤال فهو يقول أن الرئيس عبد الناصر كلفه بمهمة خاصة في الولايات المتحدة في نوفمبر 1952 وقال له أن كثيرين سوف يحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا ص 71).

وكل المصادر التي كتبت عن ليلة الثورة، أكدت هذا اللقاء الغريب الشديد البرود بين عبد الناصر وهيكل في منزل محمد نجيب وأن هيكل تظاهر بأنه لا يعرف عبد الناصر وطلب تعريفه به وأن عبد الناصر سأل من هذا؟ إلخ..

فهل يتفق ذلك مع وصول الثقة بين الاثنين في أقل من شهرين إلى حد تكليفه بمهمة سرية في أمريكا؟ وهذه العبارة الغريبة الكثيرون سيحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا؟ ... من هم الكثيرون في الولايات المتحدة الذين كانوا يعرفون الصداقة بين عبد الناصر وهيكل في نوفمبر 1952 والكثيرون في مصر لم يكونوا يعرفون عبد الناصر ولا أهميته في الثورة في هذا التاريخ المبكر جدا فضلا عن معرفة أهمية هيكل بحكم صداقته مع عبد الناصر.

لابد أن نفترض لكي يستقيم هذا الادعاء أو لتفسر هذا القول أحد الفروض التالية:

1- أن رواية المؤرخين عن لقاء بيت محمد نجيب صحيحة ومن ثم فرواية هيكل أكذوبة كاملة أختلقها وهكذا يمكن القول أن هيكل لديه الجرأة على أن ينسب لجمال عبد الناصر حوار بين أقواس للتدليل على أنه نص وهو بلا أساس لا حدث ولا يمكن حدوثه وهذا ينسف كل رواياته.
2- أن يكون هيكل صادقا وهذه زلة لسان وتكون مقابلة محمد نجيب تمثيلية بارعة من الاثنين هيكل الجيد التدريب وناصر المشهور بقدرته على الكتمان والحذر الشديد فيما يتعلق بسلامته الشخصية وسمعته السياسية ومن ثم فالصلة بينهما قديمة ومن أيام حصار الفالوجا كما كان الشائع قبل نشر تلك الروايات السخيفة عن لقاء الغرباء في منزل محمد نجيب وعبد الناصر كان يتحدث عن الكثيرين الذين يعلمون كل شيء مثل كون عبد الناصر هو الزعيم الحقيقي للثورة وأن هيكل هو صديقه الحميم فمن هم؟ لا يعقل أنهم رجال الكونغرس آخر من يعلم ولا الصحفيون بل فئة خاصة..
3- أن تكون رواية هيكل صحيحة واستنتاجات شهود لقاء منزل محمد نجيب الانقلاب وعملوا على سرعة قيام الصداقة بيننا.

ونحن نميل للتفسير رقم اثنين والصورة التي في ذهننا أن المخابرات الأمريكية عرفت من هيكل ومصطفى أمين بوجود تنظيم الضباط الأحرار ونظم هؤلاء اللقاء بين هذا التنظيم وكيرميت روزفلت وأن هيكل كان الأوثق صلة بعبد الناصر بحكم سنه وبراعته في تنفيذ ور التابع الذي ربط نفسه بمصير سيده في نفس الوقت الذي يقدم فيه المعلومات والأفكار لهذا السيد بينما كان مصطفى أمين يتمتع باحترام أكثر عند الجانب الأمريكي وشك وتوتر من جانب عبد الناصر وأخيرا فلا أدل على تناقض مشاعر ر جال الثورة مع الموجة الشعبية العامة في مصر أنه فور قيام الثورة كان التصرف الطبيعي من رجالها الذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلا أنهم قاموا باعتقال مصطفى وعلي أمين ليتدخل أولو العلم ويفرجون عنهم مع الاعتذار بعد ست ساعات!

أما أن الأوان أن نترك هيكل ونعود إلى الجذور وحديث المعلمين لا الصبيان؟

لقد شاعت رائحة الدور الأمريكي منذ اللحظات الأولى للانقلاب عندما رأى الناس السفير الأمريكي جيفرسون كافري خبير الانقلابات كما عرف منذ تعينه في القاهرة وكتبت عنه الصحف التقدمية رأوه يتصرف كعراب النظام الجديد ويشرف على ترحيل الملك فاروق ويتعهد بسلامته ثم ربطوا ذلك بما كتبه الصحفي الأمريكي الوثيق الصلة بالمخابرات الأمريكية جوزف السوب في صحف الولايات المتحدة قبل 23 يوليو عن انقلاب عسكري قادم في مصر وقد بعث مصري مقيم في الولايات المتحدة وقتها بالمقال إلى مصر كدليل على ما تدبره المخابرات الأمريكية ليصبح هو بعد سنوات من المفتيين بثورية الناصرية تماما كالكاتب الذي استقبل كافري بعض تاريخه في تدبير الانقلابات وإجهاض الثورات ثم أفتى بأن هذا الخبير خاب تدبيره في مصر.

ورأى الناس الثورة تبعد الصحفيين الوطنين وتعتقلهم وتقرب رجال أخبار اليوم المؤسسة الرجعية الموالية للاستعمار بإجماع الحركة الوطنية في هذا الوقت حتى أصبحي تلميذها البكري محمد حسنيني هيكل هو الذي يحدد الوطنية من المحيط للخليج ورأوا قبول النقطة الرابعة وتجميد قضية فلسطين وضرب المؤسسات والأحزاب والحركات الوطنية ثم ساد الإرهاب وانعدمت الرؤيا وتعقدت الرواية وكانت فترة التيه..

فلما ظهر كتاب لعبة الأمم هربوا منه لأنهم لا يريدون أن يتذكروا إلى أن مات المارد، وحطمت الأقفال فبدأت تتسرب بعض الأقوال ولكن يسيطر علي الجميع الرعب من هول الحقيقة خاصة أنه ما من أحد إلا وقد تورط في 23 يوليو بموقف ما أو تأييد أو مساهمة نعم كلنا كنا للأسف أشباه المثقفين أو المثقفون المزيفون الذين توقع تقرير المخابرات أن يهبوا لتأييد الثورة بغباء أو انتهازية.

قيل على لسان خالد محيي الدين أن عبد الناصر طلب منه حذف عبارة الاستعمار الانجلو أمريكي واستخدام عبارة الاستعمار فقط أو الاستعمار البريطاني وذلك في منشورات الضباط الأحرار قبل الثورة.

وكتب في حادثة الثلاثة ملايين دولار التي دفعتها المخابرات الأمريكية للرئيس جمال عبد الناصر وكان هيكل قد حاول أن يلبسها لمحمد نجيب ففشل وإليك ما كتبه أحمد حمروش:

على قدر ما طالت مفاوضات التسليح على قدر ما انتهت في سرعة عملية تقديم 3 مليون دولار كمنحة شخصية من المخابرات المركزية الأمريكية إلى رئيس الدولة وهي قصة أثارت اهتمام الكثيرين لما أحاط بها من جدل بدأت القصة باقتراح من عميل المخابرات الأمريكية ما يلز كوبلاند التي كشف أسرارها في كتابه لعبة الأمم عندما قال أنه لولا نشره لها لظلت خمسة آلاف سنة تحير علماء الآثار ذلك أنها انتهت إلى بناء برج القاهرة ويحدد مايلز كوبلاند تاريخ إعطاء المبلغ لضابط المخابرات (ايهماج) حسن التهامي الذي أخذه وأحصاه في منزله بالمعادي ووجده ناقصا عشرة دولارات في شهر نوفمبر 1954 أي نفس الشهر الذي حصلت مصر فيه على الأربعين مليون كمعونة اقتصادية وينفي هذا التحديد ما نشره محمد حسنين هيكل في كتابه عبد الناصر والعالم من القول بأن المبلغ قد سلم إلى اللواء محمد نجيب الذي كان أنذاك رئيسا للوزراء وأصر نجيب على أنه فهم أنه ليس للمخابرات الأمريكية علاقة بذلك المبلغ وأنه أرسل من الرئيس أيزنهاور الذي خصص اعتمادات مالية لبعض رؤساء الدول ليتمكنوا من تجاوز مخصصاتهم المقيدة بالميزانية من أجل الدفاع عن أنفسهم وعن بلادهم ضد الشيوعية وهنا طلب عبد الناصر على حد قول هيكل أيداع المال في خزينة إدارة المخابرات وأمر بعدم صرف أي شيء إلا بإذن مجلس قيادة الثورة.

ينفي تحديد تاريخ تسليم المبلغ ذلك لسبب بسيط هو أن محمد نجيب لم يكن رئيسا للوزارة في هذه الفترة بل كان رئيسا للجمهورية بلا عمل حتى 14 نوفمبر ثم معتقلا في المرج بعد ذلك وكان حسن إبراهيم وزير الدولة لشئون رئاسة الجمهورية يحضر كافة مقابلاته ويراقب كل تصرفاته مما يبعد تماما فكرة عدم معرفة جمال عبد الناصر بوقوع مثل هذا الحادث.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الأمريكيين ما كانوا ليعطوا مثل هذا المبلغ لمحمد نجيب وهو رجل معزول عن الحياة العامة تدفقت عليه الهجمات عقب إطلاق الرصاص على جمال عبد الناصر وربطت بينه وبين الإخوان المسلمين وكان على وشك أن يحاكم معهم.

هذا إذا أردنا استبعاد رأي ماليز كوبلند كما ورد في كتابه.

وعندما قرأ محمد نجيب ما نره هيكل في كتابه رفع عليه قضية أمام محكمة الجيزة واضطر هيكل للاعتذار على صفحات الأهرام واثبت محمد نجيب أمام المحكمة قوله بأن الواقعة موضوع الادعاء غير صحيحة على الإطلاق وصمت هيكل مؤثرا الانسحاب من خطأ أساء به إلى سمعة الرجل.

والواقع كما رواها مايلز كوبلاند حافلة بالتفاصيل وهي كالأتي على لسانه في كتابه المنشور بالولايات المتحدة، والذي لولاه لما عرفت قصة الملايين الثلاثة، ولا تعرض لها هيكل أبدا قال إنه شخصيا عاد إلى نيويورك في أواخر صيف 1953 حيث قدمت اقتراحا بإعطاء ناصر مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته وحل بعض المشاكل الداخلية الصعبة وأن ترسل الحكومة الأمريكية لعبد الناصر سيارة كاديلاك مصفحة واحد رجال البوليس لتنظيم حرسه الخاص وجهاز إنذار على بيته، ومعدات تحطيم المظاهرات كما اقترح إعطاء مصر أربعين مليون جنيه وعبد الناصر ثلاثة ملايين وقد تمت الموافقة، ولما جاء الخبر إلى القاهرة باعتماد المبلغين اعتبر السفير الأمريكي فكرة الهداية الشخصية فكرة سخيفة وقال لي أنه لن يسلم هذا المبلغ لعبد الناصر إلا أنت وقام كافري بزيارة محمد فوزي في اليوم اتالي وحدثه عن الأربعين مليونا ولم يشر بحرف إلى ثلاثة ملايين ولما كان موقف كافري قد أثار الشكوك في نفسي فقد ذهبت إلى حسن التهامي بحث معه مسألة الثلاثة ملايين وقلت له أن الحكومة الأمريكية لا تلح عليهم وإنما أريد أن أخبرك أنها تحت تصرفكم إذا شئتم وحسن التهامي الذي كان يشغل ضمن مناصب أخرى مركز رئيس الحرس الخاص لعبد الناصر وهو بالمناسبة الذي أشار إليه عبد الناصر في حادثة محاولة الاغتيال في فلسفة الثورة قال لي (مش حنغلب في الاستفادة بثلاثة ملايين دولار خلينا نشوفهم).

وبعد الحصول على تأكيد شخصي من عبد الناصر بأن الثلاثة ملايين مقبولة فعلا أبلغت كافري الذي قال لي بلهجة حانقة أن المبلغ قد وصل هذا الصباح مع رسول من بيروت وبعد مشاورة المختصين بالسفارة اتفقنا على أن تحركي تحت الحراسة مسافة خمسة أميال إلى منزل حسن التهامي في المعادي سيثير الشبهات ولذلك اتجهت في سيارة أحمل حقيبتين فيهم ثلاثة ملايين دولار نقدا واستقبلني حسن التهامي في منزله بالمعادي يحيط به حارسان مصريان دون اهتمام أو حماسة وبدأنا نعد النقود عددناهم مرتين لنكشف أنهم 990و 999و 2 دولارا وعلق حسن أخيرا لن نتعارك على عشرة دولارات وركب ومساعداه سيارة مرسيدس إلى بيت عبد الناصر.

ثم حكي قصة برج القاهرة الذي بني من المبلغ وقال إن حسن التهامي كان يسميه ووقف روزفلت وقد كتب العبارة بالعربية بالحروف الإنجليزية ولكنه عندما ترجمها للإنجليزية وهو يتقن العربية ولكن بالطبع كمستشرق ترجمها انتصاب روزفلت ROOSEVLTS ERECTION وهذا دليل أنه لم يخترع العبارة ولكن أخطأ ترجمة كاملة وقف أو ترجمها له مساعد لا يعرف ما هو الوقف و الأوقاف.

ماذا تثبت هذه القصة؟

تثبت أولا الروحية التي يتعامل بها هيكل مع وقائع تلك الفترة وهي استعداده للكذب الكامل وتزوير التاريخ وتبديل الأشخاص وهي ليست مسلكية خلقية بل شعور بالإثم شعور بخطورة ما تنطوي عليه الحادثة ولذلك لا يتورع عن الكذب ونقل التهمة إلى محمد نجيب وكان ظنه أن الرجل شاخ، أو أن ذاكرته أو شجاعته ستخونه ولكن عندما جره إلى القضاء وهو يعرف أنه كاذب مزور وأن أمره سيفضح في المحكمة وأخطر من ذلك أن المحكمة قد تقلب الدفاتر، وتفتح الملفات خاصة وأن محمد نجيب قد اتهمه علنا وفي كلام مكتوب ومنشور بأن المخابرات المصرية قدمت له ولعبد الناصر تقريرا بأن محمد حسنين هيكل عميل للسفارة الأمريكية فلم يستطع أن يلجأ للقضاء كما فعل الطاهر الذيل محمد نجيب في هذه الواقعة على الأقل لذلك أثر محمد حسنين هيكل أن ينسحب مرة أخرى وذيله بين رجليه الأولى نصيحة محمد فوزي ألا يلجأ للقضاء ومحمود فوزي رجل أرقم يعرف السر، وصدقه النصح، والمرة الثانية عندما اعتذر لمحمد نجيب وتراجع فهذه الواقعة لا تثبت فقط تزور وكذب محمد حسنين هيكل وإنما تشير إلى وجود سر خطير يحرص هيكل على إخفائه لو بالتزوير.

كذلك ثبتت الرواية، أن المخابرات الأمريكية قدمت ثلاثة ملايين دولار لرئيس ثورة 23 يوليو ولسنا نتحدث هنا عن رشوة أو فساد فالكل متفق ونحن في مقدمتهم على سخافة العمل وعلى أن عبد الناصر رفض أن يمس المبلغ أو أن يحتفظ منه بدولار واحد ولو فعل لما استحق أن يوجد اسمه في التاريخ ولا شغل بالنا دقيقة واحدة فلا أحد يتحدث عن رشوة ولا فساد وإنما مغزى الواقعة هو طبيعية العلاقة بن المخابرات الأمريكية وثورة 23 يوليو، وأن استطعت أن تصدق وقوع هذه القصة بين المخابرات الأمريكية وهوشي منه أو حتى فيدل كاسترو فهي ثورة ووجب قطع لساننا فالسؤال هو لماذا تهتم المخابرات الأمريكية والحكومة الأمريكية بحماية قائد ثورة يوليو؟ والمفروض والمشاع أن كل المؤامرات على حياته هي من تدبير هذه المخابرات؟ لماذا كانت الحقيقة مخالفة تماما للشائع والذائع في أجهزة الإعلام الناصرية؟

لماذا

كذلك أورد حمروش، نقلا عن خالد محي الدين رواية تعزز القول بأن المخابرات الأمريكية لعبت دورا حاسما في تصفية نجيب إذ قال خالد محيي الدين أن ممثل صحيفة نوفيل أوبزر فاتور قال له خلال فترة الصراع يوم لم يكن الكثيرون في الشارع السياسي لمصري يراهنون على انتصار جمال عبد الناصر واحد ضد عشرة أن جمال سيكسب المعركة ضد نجيب وأن مجلس القيادة قد أعطى إشارة للأمريكيين بأنهم سيوافقون على المعاهدة وإدخال تركيا في بند السماح بعودة قوات الإنجليز للقناة وسنجد في رواية كوبلاند وأيفيلاند ومصطفى أمين ما يؤكد أن المخابرات الأمريكية رجحت كفة ناصر على نجيب بل أن أحد أساطن الأجهزة السرية الأمريكية يشك في تأمر هذه المخابرات مع ناصر في حادثة المنشية للقضاء على نجيب.

وينقل حمروش سرا خطيرا همس له به زكريا محيي الدين وهو: أن هذه السرعة في توقيع الاتفاق كانت نتيجة وساطة أمريكية كما ذكر لي زكريا محي الدين استهدفت حل المشكلة بين البريطانيين والمصريين لخلق جو مناسب لربط مصر بسياسة جديدة في المنطقة أما مايلز كوبلاند فلا يهمس بل يقدم لنا قصة الوساطة كاملة واسم الوسيط ترى من يكون إلا عراب الثورة نفسه؟

وتخيل هذا المشهد في هافانا وقد اجتمع مجلس الثورة الكوبي في الأيام الأولى للثورة وبعدما استقرت أقدامها وأعلن فيدل استرو أنه قرر تعيين رئيس المحكمة العليا رئيسا للوزراء فيهمس جيفارا ف أذن راؤول كاسترو فإذا براؤول يقول: أسف لا نستطيع تعيين المرشح لأن السفارة الأمريكية تعترض عليه فهو من أناصر السلام!

أو إذا شئت مزيدا من الفكاهة فتخيل حدوث ذلك في هانوي في مجلس قيادة الثورة الذي يرأسه هوشي منه.

المنظر طبيعي في سايغون أو سيول عاصمة كوريا الجنوبي أو القاهرة للأسف فهذا ما يرويه حمروش عن رفض تعيين السنهوري قال:

بعد قرار عزل علي ماهر بدأ البحث عن اسم رئيس وزراء جديد ويبدو أن السنهوري كان المرشح الأول ولكن علي صبري همس في أذن جمال سالم، وكان حاضرا لهذا الاجتماع باعتباره سكرتيرا لمجموعة الطيران وقال جمال سالم أنه يجل السنهوري ويعرف قدرته ويعترف بجدارته ويثق في إخلاصه للحركة كما بدا واضحا في تأييده لقانون الإصلاح الزراعي ولكنه لا يستسيغ إلا الصراحة والإخلاص في عرض السبب الذي يجعله مرغما على العدول عن ترشيحه وكان السبب كما قال جمال سالم هو أن الأمريكان سوف يعترضون على الترشيح لأن بعض الصحف العربية نسبت إليه في أواخر عهد الملك السابق وأثناء حكم الوفد أن له ميولا يسارية وفسر السنهوري ذلك بأنه وقع نداء ستوكلهم للسلام.

والرواية إلى هنا توحي بأنه اجتهاد من علي صبري مسئولي الاتصال بالأمريكان في ذلك الوقت ولكن خالد محيي الدين يكمل القصة: إن الأمريكيين كانوا قد أبلغوا على صبري بذلك عندما شعروا باقتراب السنهوري من مجلس القيادة ورجوع الأعضاء إليه في كافة مشاكلهم الدستورية

فنحن أمام فيتو أمريكي صريح على مجرد الاقتراب من موقع نداء استكهلم للسلام وكراهية الأمريكان لمن يوقع نداء السلام في ذلك الوقت مفهومة ولكن رضاهم وثقتهم عن مجلس الثورة غير مفهومه أما انصياع مجلس الثورة لهم فهو المحير العجيب إذا لم نعترض بالمعامل س).

وأيضا قصة يوسف صديق الذي يعد تاريخيا وباعتراف الجميع الآن، أنه هو الذي نفذا الانقلاب ووضعه في السلطة ولولاه لما قامت الثورة كان عمره في هذه الثورة قصيرا جدا والسبب هو الأمريكان ياريس!!

يوسف صديق، هو من المجموعة التي لم تكن لها علاقة بالأمريكان ولا علم بما جرى معهم من اتفاق وما كان له أن يكون فهو يساري أو حتى عضو في تنظيم ماركسي إذ صدقنا رواية حمروش أو إذا أخذنا عضوية حدتو على محمل الجد ولكن لا جدال في وطنيته ويساريته ومعاداته الاستعمار الأمريكي وهذا توجه يوسف صديق إلى بني سويف وخطب كما كان يخطب الوطنيون المصريون في عام 1952 وقال أن الحركة لا شرقية ولا غربية فلم تذع الإذاعة تسجيل خطابه، واحتج أولو العلم من أعضاء مجلس قيادة الثورة على إعلان هذا الموقف الذي أثار رجال السفارة الأمريكية وبعث الضيق في نفوسهم على حد قولهم وكان الحياد مرفوضا في هذه الفترة من الغرب وتعرض يوسف صديق بعد ذلك لمضايقات من زملائه أعضاء المجلس وسرعان ما خرج يوسف صديق من المجلس يناير 1953 واضطهد.

حمروش ومن قبله محمد عوده لديهم الوعي والمعلومات ولكنهما يخشيان الاعتراف بالحقيقة التي تؤيدها المعلومات التي يقدمونها هم الثاني وصف جيفرسون كافري ومن أشهر مديري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية ويضم سجله سلسلة طويلة من الانقلابات تقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى وكان كافري أول سفير أمريكي في فرنسا بعد التحرير في فترة أزيح ديجول عن الحكم وطرد الشيوعيون من الائتلاف الوزاري وجذب الاشتراكيون للولايات المتحدة وأصبحت فرنسا قاعدة لمشروع مارشال ثم لحلف الأطلنطي.

هذا الذي قهر ديجول وطرد الحزب الشيوعي الفرنسي وجذب الاشتراكيين الفرنسيين لأمريكا وحول فرنسا فرسنا ذاتها، لقاعدة لحلف مارشال ونظم ثلاثين انقلابا في أمريكا الجنوبية والوسطى عينته أمريكا في مصر ليجرب حظه فخاب فاله وذهب سحره وبطل مكره ولا ندري أيضحك علينا حمروش أم يضحك على نفسه وهو يقول: ولكن كافري جوبه في مصر بحركة شعبية متصاعدة أضعفت من فرص القدرة على أحداث انقلاب مشابه لما حدث في سوريا.

انقلاب سوريا أمريكاني وانقلاب فرنسا أمريكاني أما مصر فهي أم الدنيا ولكن المعلومات تحرق أصابع حمروش فهو يعرضها لو من باب إعطاء كتابه مسحة منطقية ولكن يستعيذ بالله بعد كل فقرة فهو يؤكد لنا اتصال المخابرات الأمريكية بالضباط الأحرار ولكنه يقسم على أن جمال عبد الناصر لم يتصل شخصيا وهو يؤكد حدوث التقاء الأهداف ولكن ينفي أ،هم سيطروا علينا حيرة المتورط والنادم والمشدوه لغفلته التي تبينها متأخرا جدا أو بالأحرى لانتهازيته التي جعلته يخفي ما يعلم ويخدع نفسه يقول أن الولايات المتحدة كانت ترقب انتفاضات الفلاحين في حذر شديد لأنها رأت فيها إرهاصات ثورة شعبية جامحة يمكن أن تنتهي إلى تغييرات اجتماعية جذرية تتناقض فتتعارض في داخلها مع أهداف الاستعمار والإمبريالية العالمية.

ولذا كانت فكرة الإصلاح الزراعي وإرادة في أحاديث المسئولين الأمريكيين الذي تدفقوا على مصر بعد حريق القاهرة كانوا يطلبون إصلاحات اجتماعية تمنع اشتعال ثورة شعبية وانبرى الدكتور الإصلاحات الاجتماعية ويشكل جمعية الفلاح ويطلب من علي ماهر أن يدعو الملك إلى التنازل عن نصف أرضه للشعب وكون جمعية الفلاح وقد اكتشف اليساريون أن مثل هذه الجمعية أنما تستهدف إطلاق البخار من المرجل الشعبي حتى لا يتفجر في وجه الاستعمار فأطلقوا عليها اسم جمعية الفلاح الأمريكاني وذلك لما أحاط بالدكتور أحمد حسين من سمعة تربط بينه وبين المسئولين الأمريكيين المتدفقين على مصر ووضح من اتصالات الأمريكيين برجال السياسة المصرية أن الإصلاح الزراعي كان أحد العروض التي يقترحونها كما روي مصطفى مرعي عندما اتصلوا به قبل 23 يوليو ورفض الموافقة على فكرتهم في تحديد الملكية عن أي طريق يتعارض مع الدستور.

الأعمى يستطيع أن يستنتج من هذا أن قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته الثورة كان مطلبا أمريكيا ولكن صاحبنا أعمى القلب ولذلك فهو يتبع هذا التحليل الذي أرضى به الأذكياء بشهادة ترضي المغفلين ولكن لما تحركت قوات الجيش ليلة 23 يوليو لم تكن فكرة القضاء على الإقطاع نابعة من فكر أمريكي ليه؟

لنراجع ما لدينا من حقائق طبقا لشهادته:

1- مصر تغلي بنذر ثورة فلاحية تحمل شتى الاحتمالات ليس فقط تصفية الإقطاع أو كبار الملاك التصفية الثورة الجذرية بل أيضا إطلاق تلك القوة الأسطورية التي لم تتحرك إلا بضعة شهور في ثورة 19 وعلى نطاق جزئي ولو ثار الفلاح المصري ثورة شاملة ذات أبعاد وطنية وطبقية لتغير وجه المنطقة .
2- كان الأمريكيون أو أجهزتهم تتدفق على مصر وتراقب هذا بحذر شديد وتصميم على منع هذه الثورة التي تتناقض مع أهداف الاستعمار والإمبريالية .
3- ولذلك فكروا في حل تجهض هذه الثورة ويحمي أولا يتناقض مع الأهداف الاستعمارية والإمبريالية فطرحوا حل الإصلاح الزراعي ولا جديد في ذلك فقد طبقوه في كل بلد نجحوا في تنفيذ انقلاب عسكري فيه وآخرها إيران فالانقلاب الأمريكي يقترن غالبا بالإصلاح الزراعي حتى يمكن اعتبار إعلانه قرينة على أمريكية الانقلاب.
4- تحدث المسئولون الأمريكيون الذين تدفقوا على مصر بعد حرق القاهرة عن الإصلاح الزراعي لمنع الثورة وتبني مطلبهم السياسي الشديد القرب منهم بل اتصلوا بمصطفى مرعي واقترحوا عليه تطبيق الإصلاح الزراعي أو تحديد الملكية بغير الطريق الدستوري يعني بإجراء ثوري فرفض واكتشف اليساريون ما يجري وعرفوا أنها لعبة أمريكية وأنها ضد الثورة، وليست ثورة...
ثم جاءت 23 يوليو ولم تكن قد أعدت للقضاء على الإقطاع مشروعا أو خطة كاملة وفجأة تبني مجلس الثورة المشروع وقاتل عليه.

ثم يقسم لنا أنه لا صلة بين ذلك وبين الجهد الأمريكي لفرض الإصلاح الزراعي عظيم وموافقون ولكن إلا يسمح لنا أن نستنتج الآتي على الأقل:

1- الإصلاح الزراعي لم يكن يتعارض مع الأهداف الاستعمارية والامبريالية بل على العكس كان على هوى الإمبريالية الأمريكية على الأقل فهي اقترحته قبل الثورة.
2- الإصلاح الزراعي كان عملا مضادا للثورة الفلاحية وليس عملا ثوريا ويجدر أن نشرح قليلا للمغفلين من خرجي مدرسة التجهيل السياسي فهم لا يعرفون الفرق بين الثورية والإصلاحية وبين الاستعمار القديم والاستعمار الجديد.

الاستعمار الأمريكي بحكم تكوينه ومصالحه يعادي أية ثورة طبقية ثورة تحرر قوي الشعب وتحقق تغييرا جذريا في النظام المصالح الاستعمارية واقتطاع حصة من السوق العالمية التي تستثمرها هذه المصالح وهذا هو جوهر الصراع بين الدول الاستعمارية والدول المستعمرة ويمكن أن تضاف عوامل محلية لكل بلد منها في حالتنا النفط وإسرائيل..

ولذا فإن أي إجراء يحول دون الثورة هو أهون ضررا ولا شك أن الإصلاح الزراعي بالأسلوب الأمريكي يحقق هذا الهدف لما يخلقه من تعقيدات في العلاقات الاجتماعية والطبقية في الريف تشغل الجماهير عن الثورة الحقيقية فالعلاقة القديمة كانت بسيطة ومفهومة طبقة كبار الملاك تملك الأرض والسلطة وفي مواجهتها الفلاحون بلا أرض ولا سلطة ومطلبهم واضح: الحصول على الاثنين معا: الأرض والسلطة والعدو واضح والصدام معه سيجر إلى الصدام مع الاستعمار الذي يسنده ومن ثم تصبح الثورة الطبقية وطنية في نفس الوقت.

أما بعد قانون الإصلاح الزراعي فقد ارتكبت الصورة رغم ضآلة ما تم توزيعه فقد ظهر طابور من الملك ولا أحد يعرف موقعه من السلطة ولا أحد يساهم أو يشارك في السلطة أيضا لا أحد يستطيع اتهام السلطة بوضوح بأنها مع العدو الكل في حرب ضد بعضهم البعض وقبل الإصلاح الزراعي كان الفلاح بعد الإصلاح الزراعي فإن العداء الذي يمزق الريف الآن هو بين المالك الصغير والمستأجر حيث أصبح المستأجر هو الذي يستغل المالك الصغير المغبون وبذلك يستحيل اتفاق الطبقتين على موقف من السلطة وهذا سر خروج الريف من خريطة الثورة في المستقبل القريب على الأقل.

ويمكن أن نضيف أن طبقة كبار الملاك كانت قد ارتبطت تاريخيا واقتصادياي بالاستعمار القديم ومن ثم فإن الاستعمار الجديد يهمه تحطيمها لاقتلاع جذور الاستعمار القديم ومراكز نفوذه وإمكانيات تحركه..

ثم إليك ما أضافه حمروش لمعلومات مايلز كوبلند وما اعتذر به عن حقائق مايلز كوبلاند.

اتصالات خارجية

ولم يقتصر اتصال الضباط الأحرار بالقوى والتنظيمات السياسية المصرية فقط ولكنه امتد ليشمل أيضا مندوبي وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية الذين استثارتهم منشورات الضباط الأحرار وانتصارهم في انتخابات نادي الضباط فبذلوا غاية جهدهم للتعرف عليهم واكتشاف آرائهم ومحاولة اجتذابهم.

وكانت حلقة الاتصال مع ضباط في المخابرات المصرية طبيعة عمله تسمح له بالاتصال بالملحقين العسكريين الأجانب بينما هو مرتبط بالضباط الأحرار وبجمال عبد الناصر شخصيا.

ولم تتسع حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين الضباط الأحرار رغم اعتمادهم على الصحفي المقرب منهم محمد حسنين هيكل رئيس تحرير آخر ساعة في ذلك الوقت ورئيس تحرير الأهرام فيما بعد لأنه لم يكن قد تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل الضباط الأحرار حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم وكان حريق القاهرة حافزا لنشاط الأمريكيين في المنطقة فقد أرسل دين اتشيسون وزير الخارجية مندوبا عنه استعاره من وكالة المخابرات المركزية هو كيرميت روزفلت لدراسة الأحوال في مصر.

ونشرت مجلة التايم في أكتوبر 1951 مقالا جاء فيه أن الموقف في مصر أشبه ما يكون بالموقف في اليونان سنة 1947 حين اضطرت انجلترا نظرا لضعفها إلى سحب قواتها من اليونان فحلت أمريكا محلها واستأنفت القيام بدورها حتى لا تترك فراغا يتسرب منه النفوذ السوفيتي وأمريكا أعدت عدتها للموقف منذ زمن بعيد حتى لا تفاجأ كما فوجئت في إيران ووضعت مشروع الشرق الأوسط.

وبدأ الصراع الخفي بين بريطانيا وأمريكا ونجحت المخابرات المركزية في تدبير انقلاب حسني الزعيم في وسوريا وهو أول محاولة لنقل أسلوب الحكم المفضل لدى الإمبريالية الأمريكية والذي مارسته لزمن طويل في أمريكا اللاتينية وهو حكم العسكريين الذين يقمعون الثورات والقلاقل الداخلية ويعملون مباشرة لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية.

وابتدأ الصراع الانجلو أمريكي بانقلاب دبرته بريطانيا هو انقلاب اللواء سامي الحناوي وردت عليه الولايات المتحدة بانقلاب ثالث بقيادة اللواء أديب الشيشكلي وركزت الولايات المتحدة اهتمامها بعد ذلك على مصر فعينت جيفرسون كافري سفيرا لها بالقاهرة وهو من أشهر مدبري الانقلابات في وزارة الخارجية الأمريكية ويضم سجله سلسلة طويلة منها تقارب الثلاثين في أمريكا الجنوبية والوسطى كما ذكر محمد عودة في كتابه ميلاد ثورة.

وكان كافري أول سفير أمريكي في فرنسا بعد التحرير في فترة أزيح فيها ديجول عن الحكم وطرد الشيوعيون من الائتلاف الوزاري وجذب الاشتراكيون للولايات المتحدة وأصبحت فرنسا قاعدة لمشروع مارشال ثم لحلف الأطلنطي.

ولكن كافري جوبه في مصر بحركة شعبية متصاعدة أضعفت من فرص القدرة على إحداث انقلاب مشابه لما حدث في سوريا وقد أسرع هو وسفراء انجلترا وفرنسا وتركيا لتقديم مذكرتهم المشتركة إلى محمد صلاح الدين وزير الخارجية المصرية التي تدعو إلى إقامة دفاع مشترك فور إلغاء المعاهدة وهي المذكرة التي أعلن مجلس الوزراء المصري رفضها أمام البرلمان.

ولذا كان حريق القاهرة فرصة مواتيه أنعشت آمال الامبريالية الأمريكية في التسرب إلى مصر ووضع قبضتها على مركز الحركة السياسية فيها أعلن دين اتشيسون وزير الخارجية الأمريكي في 31 يناير قوله أن قيادة الشرق الأوسط ليست اقترحا يمكن قبوله أو رفضه وحكومته مازالت تقرير بريطانيا على عدم اعترافها بإلغاء مصر لمعاهدة 1936 ويقول تشرشل وترومان في بلاغ مشترك إن أفضل وسيلة لإزالة التوتر الراهن في مصر هي قبول قيادة الشرق الأوسط.

ولم يكن رجل المخابرات المركزية كيرميت روزفلت مندوب وزارة الخارجية الأمريكية ورئيس بعثتها إلى مصر بعد حريق القاهرة غريبا على المجتمع المصري، فقد عمل في مصر خلال الحرب وتوطدت صلته بالملك فاروق، ووقف إلى جانبه خلال أزمة 4 فبراير 1942 وأعد له مقابلة مع الرئيس فرانكلين روزفلت خلال زيارته لمصر عام 1945 ولم يبد أ كيرمت روزفلت مهمته الجديدة من فراغ فإن السياسة الأمريكية كانت لها نقط ارتكاز أقامتها خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت الوزا رة الوفدية قد وافقت على مشروع النقطة الرابعة الأمريكي الذي يتيح للولايات المتحدة التغلغل باسم المعونات الاقتصادية والخبرة الفنية لها وتعرضت بسببه إلى هجمات عنيفة ظهر في الصحف خلال عام 1951 ووصلت إلى حد مهاجمة الطليعة الوفدية له في بيان نشرته الاشتراكية يوم 22 يونيو 1951 تتهم فيه أمريكا بأنها سند الاستعمار البريطاني ف مصر.

وكان جيفرسون كافري نشيطا في مقابلاته وعلاقاته فقد نشرت الصحف مجلة الجمهور المصري عدد 22 يناير 1951 أن هنا مشروعا لإنشاء مكتب أمريكي إنجليزي مصري لمقاومة الشيوعية ردا على المظاهرات المعادية التي تهتف بسقوط الاستعمار الأنجلو أمريكي وإن مكتب الصحافة الأمريكي يعمل على كسب بعض كبار الصحفيين ويطالب بمبالغ كبيرة لزيادة نشاطه.

وكان مصطفى أمين صاحب دار أخبار اليوم قد أصدر كتابا باسم أمريكا الضاحكة فيه دعاية للمجتمع الأمريكي يمكن مقارنته بكتاب الإنجليز في بلادهم الذي أصدره حافظ عفيفي.

وكانت السفارة الأمريكية قد نشطت في الاتصال بعدد كبير من السياسيين المصريين ف محاولة لاجتذابهم إلى صفها كان حافظ رمضان لا يخفي صلته بالأمريكيين ويقول فتحي رضوان أن حافظ رمضان كان يتصل بمستر إيرلاند ميتشار السفارة الأمريكية بأمل الضغط على البريطانيين كما صرح عبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية بقوله أننا على استعداد للتحالف مع أمريكا.

ويقول مصطفى مرعي أن الأمريكيين قد اتصلوا به ثلاث مرات للتعاون معهم على أسس رفضها قال لهم أنه ضد الملك وليس ضد النظام وأنه مع الديموقراطية وضد الحكم الفردي ورفض اقتراحا خاصة بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وأبلغهم أنه يفضل تطوير قانون عضو الشيوح محمد خطاب بحيث يضطر كل من يملك أكثر من 300 فدان إلى بيعها.

ويدل اتصال الأمريكيين بمصطفى مرعي على أنهم كانوا يمهدون لنوع جديد من الحكم كان يرفضه ولتشجيعه للإصلاح الزراعي بطرق غير دستورية وهذا يفسر سياستهم التمهيدية لقبول انقلاب يتفادى أخطار الانتفاضات الشعبية بتحقيق بعض إنجازات اجتماعية شكلية مع تثبيت قبضة السلطة الخاضعة للإمبريالية الأمريكية المهددة للديمقراطية الشعبية.

وكان أ؛مد حسين وزير الشئون الاجتماعية في وزارة الوفد والذي استقال منها في صيف 1951 هو أحد أصفياء السياسة الأمريكية يدعو لسياسة إصلاح اجتماعي تتفادى خطر الثورة وقد اقترح على علي ماهر أن يطلب إلى الملك مكافحة للشيوعية وتصفية للسخط الشعبي إعلان تنازله عن أملاكه أو عن نصفها للشعب مثلما فعل شاه إيران فيما بعد أثناء معركة البترول كمقدمه لضرب الحركة الشعبية هناك كما أنه اعتذر عن عدم الاشتراك في وزارة علي ماهر عندما عارض في رفع شعار التطهير قبل التحرير.

كان أحمد حسين يؤدي دورا نشطا بين الساسة المستقلين بدعوى محاربة الفساد وقد اتصل بعد خروجه من الوزارة الوفدية بنجيب الهلالي واتفقا على أسس التخطيط والعمل بعد التخلص من الوفد.

ولكن كيرميت روزفلت كان قد كون من دراسته لمصر رأيا آخر وجد أن الملك أعجز من أن يؤدي دورا إيجابياي في إصلاح النظام لم يكن الملك من ذلك النوع من الرجال الذين كان روزفلت يبحث عنهم فقد كان الملك فاقدا القدرة على تركيز أفكاره وكم من جلسة أبدى فيها تفهما عميقا لما يدور في مملكته ووافق على اتخاذ بعيض الإجراءات الأساسية في خطة روزفلت ولكنه في اليوم التالي يختفي عن الأنظار مفضلا ممارسة هوايته في العربدة والجنس وضاربا عرض الحائط بكل ما اتفق عليه في اليوم السابق ولا يحرج في الأسبوع التالي من اتخاذ إجراء ينسف خطة روزفلت برمتها وقد أمضى روزفلت في القاهرة الشهرين الأولين من سنة 1952 مع الملك يلهوان بتنفيذ مخططا الثورة السلمية وذلك بأن دفعا رجلي الحكم القويين مرتضي المراغي وزكي عبد المتعال لخلق أزمة وزارية بينما أ,عز الملك إلى البوليس السري لجمع الأدلة والوثائق ضدهما ليثبت حين تحين الفرصة أنهما عميلان للمخابرات المركزية الأمريكية ثم قام الملك بتكليف نجيب الهلالي ذي الشهرة الواسعة والسمعة الجيدة بتولي مهام رئاسة الوزراء ولكن الملك لم يستدعه بلباقة كافية مما جعل الهلالي يرفض تسليم الوزارة حتى اتصل به روزفلت سرا وأسر له بأنه إذا لم يتسلم رئاسة الوزارة ويقوم بتطهير جهاز الدولة من المرتشين والفاسدين ويكون رائدا للثورة السلمية فإن الثورة لن تبقى سليمة أبدا.

وهكذا يفسر مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم موقع وحركة مرتضى المرغي وزكي عبد المتعال ويلقى الضوء على حقيقة المدور الذي كان مفروضا أن يؤديه نجيب الهلالي ويكشف محاولة التمسك بثورة سلمية تحاشيا لثورة غير سلمية.

ويحاول مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم الإيحاء بأن جمال عبد الناصر كان على اتصال بكيرميت روزفلت عندما ذكر وقد أخبر عبد الناصر كيرميت روزفلت صراحة أنه مع ضباطه لن يسنوا ذلك الإذلال الذي لا قوه على أيدي الإسرائيليين عام 1948 إلا أن نقمتهم ستنصب بالدرجة الأولى على كبار ضباط الجيش المصري ثم بقية حكام العرب والبريطانيين وأخيرا على الإسرائيليين.

وكان ذلك في معرض حديثه عن اهتمام الأمريكيين بتوضيح موقف المصريين من قضيتين هامتين أولاهما إسرائيل وثانيهما القومية العربية ويبدو حديث جمال عبد الناصر كأنما وجهه لروزفلت قبل 23 يوليو إذ أن كبار ضباط الجيش جميعا عدا قلة محدودة جدا منهم قد عزلوا وأحيلوا إلى التقاعد فور نجاح حركة الجيش.

ولكنه لا يوجد دليل واحد على أن جمال عبد الناصر قد اتصل شخصيا بكيرميت روزفلت قبل الحركة ولو أن اتصالات بعض زملائه بالأمريكيين قد جعلته يطلب من خالد محيي الدين عدم استخدام عبارة الاستعمار الأنجلو أمريكي في منشورات الضباط الأحرار والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطاني وكان ذلك في شهر مارس 1952 وذلك للتأييد الذي لمسه هؤلاء الزملاء من المسئولين الأمريكيين في المنطقة.

والمقطوع به أن الأمريكيين قد وجدوا في النشاط السري لحركة الضباط الأحرار بعض ما يحقق لهم أهدافهم في المنطقة ولكنهم لم يستطيعوا أبدا أن يكونوا مسيطرين عليه وعندما عاد كيرميت روزفلت إلى واشنطن في مايو 1952 بعد إقامة امتدت ثلاثة أشهر قدم تقريرا إلى وزير الخارجية الأمريكية دين اتشيسون حسب روايةي مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم تضمني النقاط الآتية:

1- لم تعد الثورة الشعبية التي كان يسعى إليها كل من الإخوان المسلمين والشيوعيين وتخشاها وزارة الخارجية الأمريكية وإرادة في الحسبان.
2- لم يعد هناك أي أمل في إبعاد الجيش عن القيام بانقلاب قريب وأثنائه عن عزمه على استلام السلطة رغم كل التحفظات التي كان يبديها واضعوا مخططاتنا في واشنطن من أن تكون النتائج مشابهة لما جرى في سوريا على أيدي العسكريين.
3- إن قادة الانقلاب المحتمل يرفعون شعارات قياسية تخالف ما اقترحه كثير من المراقبين الدبلوماسيين وتجعل منهم وهم في السلطة طرفا لينا ومرنا في أية مفاوضات نخوضها معهم كما أنها تزيد من فرصتهم في النجاح.
4- يجب أن نوافق الحكومة الأمريكية على إقصاء الملك فاروق وربما النظام الملكي نهائيا في مصر تفسح المجال أمام السفير كافري لإظهار قلقه المصطنع على سلامة الملك فاروق وإذ صح أن كيرميت روزفلت قد وصل إلى هذه النتائج فإن هذا لا يعني ارتباط تنظيم الضباط الأحرار بالمسئولين الأمريكيين ارتباطا عضويا ولا يدل على أن حركتهم تتم بتوافق وتنسيق مع الاتجاهات الأمريكية وإنما يدل على اتساع دائرة معرفتهم وخبرتهم السياسية في دول تتعرض لأزمات وطنية وحركة جيوشها في مواجهة هذه الأزمات.
5- وفي هذه المرحلة فعلا صيحة المناداة بالحاكم العاقل المستبد قد علت وترددت ووصلت إلى الذروة سواء في الخارج أو الداخل.
6- نشر الكاتب الأمريكي ستيوارت السوب مقالا في صحيفة شيكاغوصن تايمز يقول فيه إذا كانت بريطانيا قد استطاعت فيما مضى أن تحافظ على سيادتها على مصر بخلق الباشوات وجعلهم أصحاب النفوذ وبرشوتهم بعد ذلك ليكونوا أداة تسهيل مصالح بريطانيا الاستعمارية فإن هذا الطريقة لم تعد عملية ولا مجدية اليوم إن الشعب الفقير قد أخذ يستيقظ ويشعر بالضيق الفاحش اللاحق به ثم أنهى مقاله بقوله إن الحديث عن انعاش الديمقراطية في بلد كمصر يعيش فيه أغلبية الشعب عيشة أحط من عيشة الحيوانات هو لغو فارغ أن مصر لا تحتاج إلى ديمقراطية بل تحتاج إلى رجل فرد إلى رجل ككمال أتاتورك ليقوم بالإصلاحات الضرورية اللازمة للبلاد لكن مشكلة مصر في كيفية العثور على الديكتاتور فليس بين رجاله من لديه المؤهلات اللازمة للديكتاتور وكتب إحسان عبد القدوس مقالا بعنوان أن مصر في حاجة إلى ديكتاتور فهل هو علي ماهر؟

تحمس فيه للدفاع عنه وقال أنه معروف عنه أنه يعتد برأيه إلى حد لا يسمح معه للوزراء بالتفكير ثم قال ومصر تقبل معه أن يعتد برأيه إلى حد أن يصبح ديكتاتورا للشعب لا على الشعب ديكتاتورا للحرية لا على الحرية ديكتاتورا يدفعها إلى الأمام ولا يشدها إلى الوراء.

وفي نفس الوقت تقريبا ظهرت عدة مقالات كتبها جوزيف السوب من نادي الجزيرة بالقاهرة قال فيها أن فاروق قد فقد أهليته وإن الوفد حزب لا يمكن الاعتماد عليه وأن الأمل الوحيد في الجيش وقد أثارت هذه المقالات التي نشرت في أمريكا اهتمام المبعوثين المصريين هناك ودفعت الدكتور إبراهيم سعد الدين عضو الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي ومسئول معهد الدراسات الاشتراكية فيما بعد إلى كتابة مقال لمجلة الكاتب دون توقيع تحدث فيه عن احتمال وقوع انقلاب عسكري.

وكانت صحف دار أخبر اليوم هو المنبر الذي تنطق منه الدعاية للسياسة الأمريكية فهي تمدح السراي والملك وتهاجم الوفد وتحاول التشهير به ثم تنقلب إلى غمز السراي عندما تتبلور السياسة الأمريكية وتفقد الثقة في قدرة الملك على الإصلاح وقد أوضح وقوة ونادت بالإصلاح وكان منطقها في محاربة الإنجليز خذ منهم ما تستطيع ثم حارب من جديد ولعل صحافة أخبار اليومي كانت تمثل حيرة الشباب في البحث عن بطل وعبرت في كثير من مقالاتها وتحقيقاتها عن هذا الأمل الذي تجمع حوله الناس.

وفي غمرة البحث الأمريكي وراء خفايا الحياة السياسية في مصر ومحاولة معرفة البطل الذي تحدثت عنه صحف أخبار اليوم وقف جهاز اكتشافهم الحساس عند ظاهرة لم تكن وقتها ذات أثر كبير في حياة الجماهير اليومية ولكنها أظهرت بادرة مثيرة في أخطر جهاز منظم في مصر وهي انتخابات نادي ضباط الجيش التي دفعت اسم محمد نجيب إلى الضوء أهـ.

نلخص ما جاء في نقل وتعليق حمروش على كلام مايلز كوبلند:

1- حمروش يعترف وهو لا يملك غير ذلك أمام الأدلة الدامغة على وقوع اتصال بين الضباط الأحرار ومندوب وزارة الخارجية والمخابرات المركزية الأمريكية قبل 23 يوليو التنظيمات الثورية لا تتصل بالمخابرات الأمريكية بل تحاول المخابرات الأمريكية الوصول إليها لتدميرها وتسليمها للسلطة.
ولكننا أمام تنظيم ثوري في القوات المسلحة يسعى للاتصال بالمخابرات الأمريكية ومن الظلم البين إشاعة الاتهام هكذا بين الضباط الأحرار فمعلوماتنا والوقائع والأدلة تؤكد أن حلقة محدودة جدا هي التي اتصلت وهي التي كانت تعرف بهذا الاتصال بينما كان التنظيم في أغلبيته الساحقة وطنيا لا يدور بخياله أحد من أفراده أن يتمي اتصال مع المخابرات الأمريكية.
2- المخابرات الأمريكية اتصلت بتنظيم الضباط الأحرار، ولم تشي به إلا إلى الإنجليز ولا إلى السراي.
3- يتطوع الأستاذ حمروش فيضرب عصفورين بحجريتهم هيكل بأنه كان أداة أو وسيلة الأمريكان الصحف المقرب منهم محمد حسنين هيكل ولكنه يؤكد أن حلقة الاتصال بين المسئولين الأمريكيين وبين الضباط الأحرار لم تتسع وحجته على ذلك أن هيكل لم يكن قد تعرف بجمال عبد الناصر أو غيره من قادة تشكيل الضباط الأحرار حتى ذلك الوقت أو اكتسب ثقتهم قد أوضحنا وجهة نظرنا على علاقة هيكل وعبد الناصر ونضيف أن الأمريكان لم يكونوا تحت رحمة معرفة هيكل بالضباط الأحرار لن هؤلاء باعتراف حمروش هم الذين سعوا للاتصال بالمخابرات الأمريكية وفي رأينا أن أكثر من ضابط في المجموعة الملتصقة بعبد الناصر كانت له اتصالات مع الأمريكان بينما كان دور هيكل هو حلقة الوصل بين المخابرات الأمريكية وعبد الناصر..
4- اعترف بوصول كيرميت روزفلت إلى مصر في الفترة ما بين حريق القاهرة و 23 يوليو 1952 وتبنى معلومات مايلز كوبلاند كاملة في أن.
5- قرار الحكومة الأمريكية بتولي الأمور في مصر بدلا من الإنجليز.
6- المخابرات الأمريكية نظمت انقلاب حسني الزعيم في سوريا وهو أول محاولة لنقل أسلوب الحكم المفضل لدى الإمبريالية الأمريكية والذي مارسته لزمن طويل في أمريكا اللاتينية وهو حكم العسكريين الذين يقمعون الثورات والقلاقل الداخلية ويعملون مباشرة لحساب الشركات والاحتكارات الأمريكية ولم يقل لنا لماذا تضن علينا أمريكا بهذا النظام المفضل لها؟
7- تبادلت بريطانيا وأمريكا الانقلابات في سوريا فلماذا ليس في مصر؟ لأ ... عيب .
8- ركزت أمريكا على مصر فعينت فيها كافري وهو خبير انقلابات كما رأينا.
9- الحركة الشعبية في مصر أضعفت قدرة كافري على إحداث انقلاب مماثل لما جرى في سوريا ولكن أماله وآمال جماعته انتعشت بحريق القاهرة.
10- اتصالات الأمريكان مع مصطفى مرعي تدل على أنهم كانوا يمهدون لنوع جديد من الحكم يتنافر مع الديمقراطية وتطبيق الإصلاح الزراعي بطريق غير دستورية وهذا يفسر سياستهم التمهيدية لقبول انقلاب يتفادى أخطار الانتفاضات الشعبية فلما وقع أنكروه.
11- حاول الأمريكان القيام بثورة سلمية في إطار النظام الملكي وهنا غير كيرميت روزفلت رأيه وحمروش مازال يتبنى كل معلومات مايلز كوبلاند إلا الحرام وقرر روزفلت أن الملك حالة ميئوسة وأنه لا سبيل لمنع الجيش من الاستيلاء على السلطة.
12- يصر حمروش على نفي الاتصال الشخصي بين روزفلت وعبد الناصر قبل الحركة وهذه لا نصر عليها ولكنه يؤكد وقوع اتصال بين بعض زملاء عبد الناصر والأمريكان أدت إلى طلب عبد الناصر بناء على طلب الأمريكان أو لتسهيل المفاوضات لا ندري ج من خالد محيي الدين عدم استخدام عبارة الاستعمار الأنجلو أمريكي في منشورات الضباط الأحرار والاكتفاء بذكر الاستعمار البريطاني وكان ذلك في شهر مارس 1952 وهو كما قلنا ينطبق مع تاريخ الاتفاق الذي ذكره كيرميت روزفلت.
13- يقطع بأن النشاط السري لحركة الضباط الأحرار يحقق بعض أهداف الأمريكان في المنطقة ولكنه يبادر فيقسم بأنهم لم يستطيعوا أبدا أن يكونوا مسيطرين عليه ما علينا المهم اتفقت أهداف الإمبريالية الأمريكية ونشاط الضباط الأحرار كما عرضته عليهم مجموعة عبد الناصر قبيل الثورة أما حكاية السيطرة فهذه حديثها يطول جدا
14- يقول أن صح أن كيرميت وصل إلى هذه النتائج تقريره إلى واشنطن المنقول من لعبة الأمم فإن هذا لا يعني ارتباط تنظيم الضباط الأحرار بالمسئولين الأمريكان ارتباطا عضويا ولا يدل على أن حركتهم تتم بتوافق وتنسيق مع الاتجاهات الأمريكية.
دفاعه أسوء من الاتهام.
من قال أن الضباط الأحرار ارتبطوا عضويا بالمخابرات الأمريكية.؟
حمروش لا يؤمن إلا بالارتباط العضوي.
وأين في العالم ارتبط نظام حكم ارتباطا عضويا بمخابرات أجنبية إلا إذا تصورنا حكومة من مايلز كوبلاند ومييد وايكلبر غر وهيكل ومصطفى أمين و التهامي؟
15- بدأ الحديث علنا في الصحف الأمريكية عن انقلاب عسكري وخطأ ممارسة الديمقراطية في مصر ولا بد أن يسبقها إعداد ورفع مستوى الشعب في ظل حكم قوي وهو نفس ما قال مايلز كوبلند أنه تم الاتفاق عليه بين الثورة والمخابرات الأمريكية ما رأيكم أن نستدعي مايلز كوبلاند نفسه للشهادة من خلال كتابه لعبة الأمم؟

لعبة الأمم كتاب صدر في عام 1969 لمؤلفه مايلز كوبلاند ورغم الشهرة الذائعة التي نالها الكتاب والإشارة إليه والنقل منه في سائر المؤلفات العربية التي صدرت بعده وتعرضت بشكل أو آخر لنظام عبد الناصر أو للفترة التي تحدث عنها المؤلف إلا أنه ما من ترجمة كاملة أمينة قد جرت للكتاب ولا هو متاح للقارئ في مصر ولا نال حقه من الدراسة والتحليل أو حتى الرد والتفنيد وإنما اكتفت السلطات الناصرية بحظر دخوله إلى مصر ولم يتغير القرار بعد وفاة ناصر واكتفى الأستاذ محمد حسنين هيكل بإصدار بلاغ من طائفة البيانات التي تعود أن تصدرها في الأهرام فأعلن أن الكتاب مرفوض لأن مؤلفه يعلم باعترافه في المخابرات الأمريكية.

ولعبة الأمم هواسم أطلق على جهاز أقيم في واشنطن في فترة من الوقت، تابع للمخابرات الأمريكية كانت تجري فيه لعبة أو مسرحية سياسية أو قل فكرة شيطانية من الأعيب المخابرات العالمية، إذ يتقمص موظف شخصية زعيم من زعماء الدول التي تهم سياستها الولايات المتحدة وتجمع له الأجهزة كل المعلومات عن هذا الزعيم يوما بيوم فضلا عن تاريخ حياته منذ طفولته وعقده ومكونات نفسيته وثقافته وقراءاته وأبطاله ومستشاريه ومن ثم تصبح مهمة هذا الرجل أن يتنبأ بردة فعل هذا الزعيم إزاء فعل من قبل الولايات المتحدة أو غيرها.

وإذا كانت الإثارة هي في هذه الفكرة أعني قدرة هذه الشخصية على التنبؤ مقدما بتصرف الزعيم الذي يمثله فإن الأهمية أو العائد في نظري هو في اهتمام وقدرة الأجهزة من خلال هذه اللعبة على تجمع المعلومات عن الزعيم موضوع الاهتمام وربما تكون هذه اللعبة قد لعبة دورا في دفع الأحداث في عالمنا في اتجاه معين من خلال دراسة شخصية الزعيم ومعرفة مفتاح هذه الشخصية مثل حب المال أو النساء أو التمسك بالسلطة مهما كان الثمن أو كراهية مزاحم على الزعامة سواء أكان هذا المزاحم من الداخل أو من الخارج أو معرفة نوعية العلاقة داخل المجموعة الحاكمة ...إلخ

المهم والذي يعنينا هنا أن مايلز كوبلند مؤلف الكتاب كان الشخص المكلف بتمثيل أو تقمص شخصية الرئيس جمال عبد الناصر ومن ثم فهو ليس الغريب المتطفل الذي صوره لنا هيكل لغرض أكثر من واضح وهو كما عرفه الناشر الأمريكي أحد الذين ساهموا في تنظيم المخابرات الأمريكية كلها وهو رئيس المخابرات الأمريكية في مصر إذ المعروف أن المخابرات الأمريكية لها وحدات إقليمية تسمى محطة ومصر في تلك الفترة كانت أهم ومركز الشرق الأوسط كله، وقيادة العالم العربي

وإليك كلمة الناشر على غلاف كتاب لعبة الأمم وقد تكون فيها مبالغة وإنما لا يمكن أن تضم الأكاذيب لأنها موجهة للقارئ الأمريكي أولا...

مايلز كوبلاند الذي كان موظفا في وزارة الخارجية والرجل الذي ساعد في تنظيم المخابرات الأمريكية دبلوماس سابق ورجل أعمال وخبير في شئون الشرق الأوسط وأحيانا لاعب في لعبة الأمم كتب كتابا مثيرا طريفا عن الدبلوماسية الدولية السرية ولكي يبرز فكرته عن لعبة الأمم اختار مستر كوبلاند واقعة تاريخية هي وصول عبد الناصر إلى السلطة حيث كان مستر كوبلاند لاعبا في هذه الدراما أنه يشرح كيف تدبر الانقلابات والاغتيالات والرشاوي ويسمى الأشياء بأسمائها ويشرح كيف تعمل الأجهزة الأمريكية مع وضد بعضها ويشرح بالتفصيل الجانب التآمري والمخادع الذي تمارسه الأجهزة الحكومية غير الرسمية مثل نشاط (السيئ أي أيه) وأن هذا الجانب هو دائما الأكثر فعالية وأن يكن مجهولا من الرأي العام كما يوضح كيف استطاع قائد مصر عبد الناصر ج أن يطور فرعه الخاص بلعبة الأمم.

لكل الذين يريدون معرفة كيف تدار السياسة الخارجية فعلا يقدم مايلز كوبلندا كتابا وثائقيا لا خيالات فيه أكثر إثارة من قصص الجواسيس الخيالية.

كتاب لعبة الأمم يكشف المناورات والألاعيب التي تميز سياسة الدول الكبرى ويكشف الأفعال السرية التي لا علاقة لها بما يقوله السياسيون والرسميون للشعب

وفي المقدمة يقو المؤلف أن المؤرخين يعجزون مثلا عن تفسير لماذا أحجم عبد الناصر عن شن الحرب على إسرائيل في ظروف كان النصر فيها محتملا بينما قاد بلاده إلى هزيمة محققة في 1967 ويرد على تساؤله بأن المؤرخين لا يعرفون القصة خلف القصة أو ما وراء الستار لأن هذه القصة السرية تحجب عنهم.

ويقول أنه عندما عرض مسودات الكتاب على أحد الدبلوماسيين نصحه بعدم النشر لأنه لا يجوز أن يسيء إلى حكومتنا في أعين الجمهور ولكنه لم يوافقه لعدة أسباب منها أن من حق المواطنين الأمريكان ج أن يعرفوا الحقيقة عن حكومتهم وإن رجال هذه الحكومة هم مجرد بشر وأنه إذا كان المواطن الأمريكي يشعر بالفخر لأن حكومته ذات مسلكية أخلاقية عالية إلا أن هذا المواطن سيكون نومه أهدأ إذا ما عرف أن خلف الستار يوجد له رجال قادرون على مواجهة خسة السوفيت بخسة مماثلة.

لقد ركزت على الشرق الأوسط ومصر بالذات أساس لأنني كنت هناك كثيرا كضيف لم يدعوه أحد ولأنني ساهمت في كثير من الدبلوماسية السرية، التي حكمت السلوك اللامنطقي في تعامل زعماء الشرق الأوسط مع الغرب ودبلوماسية الغرب مع حكومات الشر ق الأوسط.

وأنه أراد أن يوضح أنه إذا كانت سياستنا الخارجية قد تعثرت بعض الوقت فإن السبب لم يكن بسبب قرارات غير حكيمة اتخذها المسئولون بقدر ما كانت بسب خطأ الفهم وسوء استخدام أجهزتهم في التعامل مع مشاكل لا يمكن أن تحل بالوسائل العادية أن الأخطاء التي ارتكبتها حكومتنا في التعامل مع الرئيس ناصر هي نموذج شديد الوضوح هنا أبدت أن أقدم للقراء والمؤرخين في المستقبل صورة لمعالجة حكومتنا لسياستها الخارجية بالوسيلة التي هي دائما الأكثر حسما ولو كانت غير معروفة للجمهور وقد حذفت كل الأسرار المحظورة بموجب نظم الأمن الحكومية إلا التي أصبحت فعلا في علم قوي أجنبية بسبب تسربها من قبل أو بفعل الجاسوسية أو بسبب نشرها على أية حال لم أكتم شيئا من أجل الوفاء للشلة.

لأسباب عديدة فإنني اعتبر أن عمليتنا التي تشمل الرئيس ناصر، هي أفضل حادثة تاريخية لعرض كيف تعمل استراتيجيتنا المزدوجة القيم الأخلاقية.

عندما كنا نجلس حول الطاولة في الفترة التي كنت فيها ألعب دور عبد الناصر كان يبدو لنا جميعا أنه لا يمكن أن تستمر اللعبة بدون عبد الناصر.

أن دراسة كيف أدرنا اللعبة مع ناصر لنا دروسا قيمة حول استراتيجيتنا في التعامل مع أمثاله.

وهويعتقد وأثبتت الأحداث منذ تاريخ نشر الكتاب صدق توقعه أن نموذج ناصر من القادة الإفروآسيويين سيأتون باستمرار للعب الدور الذي سنحدد معالمه في ما يلي من الصفحات.

لأنه في هذه البلدان التي تبدو حالتها ميئوسة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ليس أمام القائد المحلي إلا أحد حلين إما أن يصرخ يسقط الاستعمار ويهتف له الغوغاء بينما بلدهم يسير إلى الدمار، أو أن يقبل المعونة ويرضى بمركز العميل للاستعمار أو لموسكو وقال أن النموذج الناصري هو الأقدر على البقاء بين زعماء الدول المفلسة هذه وأن عبد الناصر كان تسعين بالمائة ناصري ولذلك كان أطولهم عمرا بينما نكروماه كان سبعين بالمائة فقط.

ودعنا من فلسفته وزهوه كالطاوس لأنه جعل منطقة مثل الوطن العربي وبلدا ولد فيه التاريخ وولدت أول حكومة جعله حقل تجارب يسخر من شعبه على هذا النحو الفاضح والمؤلم إلى حد البكاء دعنا من هذا الفكرة ببساطة هي أن الدولة المختلفة لا أمل لها من وجهة نظر المخابرات أو الإدارة الأمريكية في الخروج من التخلف وتلبية احتياجات شعبها أو كما قالوا هم لعبد الناصر بصريح العبارة أنه لا أمل لمصر في الخروج من الفقر.

ولذا فإن زعماء هذه الدول الذين يريدون الاستمرار في السلطة ليس أمامهم إلا استجداء الدول الغنية أو ابتزازها وهذا الكتاب هو دليل التعامل مع هذه النماذج أو خلق بعضها فعلا عندما تقتضي الضرورة وفي الأماكن الاستراتيجية والظروف التاريخي المعين ولنعفي القارئ من فلسفته.

وإليك المزيد من تعريف الرجل بنفسه ولاحظ أن هذا نشر في كتاب صدر في الولايات المتحدة فلا يمكن أن يكذب فيه ويدعي مناصب ووظائف ومهمات لم يقم بها ونحن ملزمون بتصديق ما يقوله عن طائفة واتصالاته بناصر.

في فبراير 1947 عندما أعلنت بريطانيا استعفاءها كنت من المجموعة الإدارية الاستشارية المكلفة بدراسة الفوضى التنظيمية الموجودة وقتها في دوائر الاستخبارات ولتقديم توصيات لإصلاحها.

وصلت إلى مصر في يوليو1953.

نكتي عن الانقلابات في سوريا هي التي جعلتني الشخص المفضل في منزل عبد الناصر.

في يوليو 1954 قال لي ناصر: لكي تشكل نفوذا معتدلا في العالم العربي فيجب أن تكون صاحب نفوذ.

وأنا وحسن التهامي كنا نتحدث مع عبد الناصر في حديقته.

زرت نيويورك في أواخر صيف 1953 واقترحت إعطاء نصار مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته وتزويده بسيارة كاديلاك مصفحة وخبير لتنظيم حرسه الخاص وجهاز إنذار على بيته ومعدات لتفريق المظاهرات.

في أغسطس 1953 واقترحت إعطاء ناصر مبلغا بصفة شخصية لتطوير حراسته، وتزويده بسيارة كاديلاك مصفحة وخبير لتنظيم حرسه الخاص وجهاز إنذار على بيته ومعدات لتفريق المظاهرات.

وفي أغسطس 1953وكنت ذاهبا للغداء مع عبد الناصر طلب مني السفير كافري أن استمزج رأيه في المفاوضات مع بريطانيا وقال لي: أعرف لنا أقصى مطالبه وأدنى ما يمكن أن يقبل به وقل له أننا سنحتفظ بهذا سرا فيما بيننا وكانت هذه هي أول مرة يطلب مني أن أناقش سياسة أو بالأحرى سياسة دولية مع عبد الناصر.

ويقول أنه في هذا الاجتماعي اقترح علي عبد الناصر الاستعانة بوسيط أمريكي وورد اسم كيرميت روزفلت الذي اعتبره عبد الناصر اختيار ممتازا فلما تشككت في أن علاقته بالمخابرات قد تشكل عقبة قال عبد الناصر بالعكس أن هذه الصلة مميزة فهو يستطيع أن يكون رسميا بالقدر الذي نريده وكان رأيه أن موظفا في المخابرات الأمريكية في الوقت الذي لا يمثل الحكومة الأمريكية وبالتالي فهو غير ملزم بتوضيح موقفه أو دوره الحقيقي للإنجليز إلا أنه في نفس الوقت يتمتع بثقة الحكومة الأمريكية ومن ثم فهو يعرف ما يقول ثم إن علاقة روزفلت الوثيقة بالأخوين دلاس كانت مهمة أيضا عند ناصر كذلك كان ناصر يعرف أن كافري سيوافق على هذا الاختيار وكانت خبرة عبد الناصر السابقة (؟!ج) مع روفلت قد أقنعته أن روزفلت هو من النوع الذي يجيد تدبير الأمور.

وقد قام روزفلت فعلا بدور الوساطة في عقد اتفاقية الجلاء.

هل عرفت الآن من هو الوسيط الأمريكي الذي تحدث عنه زكريا محيي الدين ؟؟؟ أنه عراب 23 يوليو كما سنرى وقد أخبرت كافري على الفور، بعد الغداء مع عبد الناصر بمحادثتي مع عبد الناصر فأبرق بالفكرة إلى واشنطن بعد ظهر نفس اليوم ووصل روزفلت في نهاية الأسبوع بعد أن توقف في لندن للحصول على ملخص من وزارة الخارجية لمعرفة ما هي النقاط المهمة في المفاوضات وما هي غي المهمة.

وفي أول اجتماع بين ناصر ورزفلت راجعا المرحلة الأولى والثانية انظر الصفحات من 120 إلى 131 من الكتاب عن الخطة التي وضع لمسيرة الثورة بين الأمريكان وممثلي مجلس الثورة والتي تتضمن تحقيق تسوية بين مصر وبريطانيا وأمريكا (!؟ج) ومن هنا أصبح علمه هو تحديد ما الذي يريده فعلا البريطانيون والمصريون بصرف النظر عما يقولون ثم صياغة ذلك.

لعبت دور عبد الناصر في مركز الأمم من صيف 1955 إلى ربيع 1957 وفي نفس الوقت كنت أعمل مستشارا لمجموعة تسمى لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية وهي وظيفة أعطتني الفرصة لزيارة القاهرة وعواصم أخرى في الشرق الأوسط حيث تمكنت من مناقشة حركات ناصر مع ناصر نفسه وغيره من القادة في الشرق الأوسط الذين تأثروا بأفعاله وإلى جانب ذلك كنت قد عرفت ناصر نفسه منذ عدة سنوات وفي أفضل الظروف الممكنة وكنت على علاقة جيدة مع قادة الشرق الأوسط المهمين سواء الذين ضد أو مع ناصر.

وفي 16 يوليو 1955 انهيت سنتي خدمتي في مصر واتجهت مبطئا إلى وطني واستغرقت رحلة العودة شهرا وعندما وصلت أخيرا في آخر أغسطس وجدت في انتظاري خطابات من كل من بايرود ناصر إلى جانب مراسلات من رؤسائي تخبرني بأنني سأعار لوزارة الخارجية لفترة غير محدودة لتشكيل وحدة عمل تسمى لجنة تخطيط سياسة الشرق الأوسط .

نقلت أنا وجيم إيكلبر غر خبر انضمام العراق لحلف بغداد إلى عبد الناصر مساء اليوم الذي وقعت فيه الاتفاقية وكان السفير الأمريكي بايرود قد وصل ولكنه لم يقدم بعد أوراق اعتماده وعبد الناصر يريد أن يبحث معه حلف بغداد الذي أعلن وهو لا يستطيع استقباله بصفة رسمية ج فاتفق على أن يأتي إلى بيتي ناصر وبايرود وعبد الحكيم عامر وحسن التهامي للعشاء ثم أعقب العشاء اجتماع آخر حضره تهامي وأنا وعبد الناصر وبايرود نوقشت فيه كل جوانب علاقات بلدنا.

لعلنا ساهما في تخفيف بعض حيرة الحاج هويدى في البحث عن سر أهمية الدرويش حسن التهامي وزدنا من حيرة الناصريين في تفسير محاولة هيكل التقليل من شأن الرجل الذي يسعى ناصر إلى بيته لمقابلة سفير أمريكا.

في فبراير كنت أعيش في القاهرة وأتردد على دمشق ووقع المصريون والإنجليز الاتفاقية في أكتوبر 1954 وبعد شهر واحد أرسل البنتاغون كولونيلين: إلبرت جيرهارد، وويلبر بيل إيفلاند إلى القاهرة لبحث ما هي الأسس التي يمكن بموجبها لحكومتنا إعطاء المصريين الأسلحة التي يطلبونها لأغراض الأمن الداخلي على أن يعقد الاجتماع مع ناصر نفسه بحضور كبار مساعديه وعلى أن يكون سريا وبدون محاضر وطلب مني السفير كافري أن أنظم الاجتماع واشترك فيه وأنقل إليه ما يحدث ولذا فقد كان واضحا أن دوري هو دور مراقب بدون صفة رسمية وقد تم الاجتماع في الساعة الثامنة من مساء يوم ما، في منزل حسن التهامي كبير مساعدي ناصر واشترك فيه عبد الناصر ورئيس الأركان عبد الحكيم عامر والكولونيلان الأمريكان والتهامي وأنا وكان الجووديا وغير رسمي خلعت فيه الجاكتات وعلقت على ظهر المقاعدة وجري استخدام الاسم الأول: آل ... بيل .. بل حتى جمال وتناولنا وجبة بيتي رائعة، وبعد ذلك بدأنا ما عرف بعد ذلك بمحاولة صريحة مما اعتدنا عليه.

وروايته تتفق تماما مع رواية إيفيلاند في كتابه حبال الرمال والذي سنعرضه بعد هذا الكتاب لعبة الأمم.

المحادثات التي يحضرها تهامي ولا يسمع بها فضلا عن أن يشترك فيها بغدادي وكمال الدين حسن فضلا عن هويدي لا تعطيه الحق في أن يتساءل لماذا استوزر عبد الناصر هذا الوزير أنه حقا لم الشمل ولكن أي شمل؟

وهذا يفسر لنا الدور غير المبرر الحجم الذي لعبة تهامي في المفاوضات مع إسرائيل التي انتهت بكامب ديفيد...

ويقول أن المناقشة في هذا الاجتماع كانت صريحة لدرجة أن الأمريكان لم يستخدموا ولو مرة واحدة تعبير:

العالم الحر كما لم يستخدم المصريون كلمة الاستعمار.

يعني لا أحنا عالم حر ولا أنتم ضد الاستعمار فلا داعي لتهريج بالألفاظ في منتصف سبتمبر تسلم كيرميت روزفلت رسالة شخصية من ناصر بأنه سيوقع اتفاقية مع الروس وأنه إذا كان روزفلت يريد أن يجرب إقناعه بالعدول عنها فمرحبابه، وفي اليوم التالي سافر كيرميت وأنا إلى القاهرة وقد قابلنا في المطار معاونون عبد الناصر وأخذونا رأسا إلى شقة عبد الناصر في أعلى مبنى مجلس الثورة.

قضيت وقتا طويلا في أواخر 1956 وبداية 1957 أعطى محاضرات لمجموعات من الموظفين الأمريكان أقوم فيها بدور عبد الناصر وأشرح لهم مواقفه وكثيرا ما كنت استدعي إلى مكتب وزير الخارجية دلاس أو نائبه هوبرت هوفر الابن لكي أساعدهم على عبد الناصر مفهومة بل ومقبولة حتى أن أحد الموظفين قال: أنا لا أثق في هذا الشخص أنه ناصري أكثر من ناصر نفسه ومرة التفت إلي آلن دلاس وقال: إذا كان هذا البكباشي بتاعك أو بتاعكم سيزعجنا أكثر من ذلك فسنشطره إلى نصفين

وعندما سألني فرانك ويزنر نائب مدير المخابرات الأمريكية قبل أسبوع من أزمة أجبته أنني في تمثيل دوره في لعبة الأمم أممت القناة فعلا منذ عدة شهور ولكن ناصر لم يفعل ولذا لا أدري ما الذي سيفعله الآن وعندما ناقشت مشكلة السويس مع عبد الناصر بعد ذلك كان واضحا أنه توقع ردة فعل أشد من جانب الأنجلو أمريكان إلخ.

في أوائل عام 1956 قضي الرئيس عبد الناصر والسفير فوق العادة إيريك جونسون وأنا مساء طويلا في حديقة عبد الناصر نناقش ما الذي يمكن لعبد الناصر أن يقوم به وماذا لا يمكنه لمساعدة جونسون على وضع خطة حول مياه نهر الأردن.

مايو 1957 استقلت من وزارة الخارجية وأسست مكتب استشارات للعلاقات الحكومية لشركة نفط وشركة طيران وبنك في بيروت في يوليو 1957

وفي 1957 كنت في واشنطن أعمل في لجنة يفترض أنها المسئولة عن كل ما له علاقة بعب الناصر وأذكر أنني حضرت يوما إلى المكتب صباح يوم من أيام شهر يناير لا أعرف أن مشروع أيزنهاور إلخ.

عبر السنين رأيت ناصر أكثر من أي غريب آخر وإلى الآن بعدما لم يصبح من المستطاع مفاجأته بزيارة بدون دعوة والبقاء لتناول الغداء مازلت أجري معه مناقشة طويلة مرة كل شهر أو شهرين يسترخي فيها تماما ويكون طبيعيا جدا وقد قمت بهذه الزيارات مرات عديدة كمجرد علاقة شخصية أو مرات لحساب بعض الشركات التي أ‘مل لها ومرات بعد تلقين عنيف من أطباء المخابرات الأمريكية لكي أسجل لهم أية ظاهرة من ظواهر المرض الجسمي أ, العقلي على عبد الناصر.

ناصر أخبرني في 1964 أنه كف عن محاولة فهم تصرفات الأمريكان ويقول أنه أهدى لعبد الناصر مرة بدلة على الطراز الأمريكي فلم يعجبه ذوقها.

والآن ماذا عن الكتاب؟

لقد وضع في بدايته قائمة بالأحداث التاريخية التي يعتقد أنها تحدد خريطة التطورات السياسية في موضعه وهي كالآتي.

21 فبراير 1947 سلمت السفارة البريطانية في واشنطن رسالة لوزارة الخارجية حول اليونان وتركيا تعلن انتهاء مرحلة السلام البريطاني أي مرحلة حفظي السلام في المنطقة بقوة بريطانيا ج)

12 مارس 1947 إعلان مبدأ ترومان.

14 مايو 1948 إعلان دولة إسرائيل.

30 مارس 1949 انقلاب حسني الزعيم

26 يناير 1952 حريق القاهرة وتوجيه كيرميت روزفلت إلى القاهرة لتنظيم ثورة سلمية تحت قيادة فاروق.

مارس 1952 كيرميت روزفلت يتخلى عن فكرة الثورة السلمية ويجتمع بالضباط الأحرار المصريين وهو التاريخ الذي اتفق خالد محي الدين وحمروش على طلب عبد الناصر فيه وقف الهجوم على الأمريكان في منشوراتهم ج)

22 يوليو 1952 انقلاب ناصر في مصر.

وفي شرح هذه النقاط وتسلسلها تقول الوثائق أنه في عام 1947 أبلغت بريطانيا الحكومة الأمريكية أنها لا تستطيع الاستمرار في تحمل مبلغ الخمسين مليون دولار اللازمة لدعم اليونان وتركيا ضد الشيوعية فأما أن تتولى أمريكا المهمة أو تترك للفراغ .

وكان هذا التطور طبيعيا ومنتظرا بلهفة من الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية أكبر قوة في العالم غير الشيوعي وكانت ترى نفسها الوريث الشرعي والطبيعي والكفء للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية اللتين بعجزهما تسيطران على مساحات شاسعة وثروات هائلة بدون مبرر في قانون الغابة الاستعمارية وبدون قدرة على ضبط هذه المناطق وإخضاعها كما كان الحال قبل الحرب العالمية الأولى أو حتى فيما بين الحربين وكان نفط الشرق الأوسط وإسرائيل يمثلان أهمية حيوية وجائزة مطلوبة من قبل الإدارة الأمريكية وأصحاب المصالح الحقيقية كما كان موقع الشرق الأوسط يمثل أهمية بالغة لاستراتيجية السيطرة على العالم أو احتواء الشوعية العالمية والدفاع عن غرب أوروبا وأفريقيا وربما خطر ببال الإنجليز رشوة الأمريكان بتركيا واليونان مقابل ترك بريطانيا تتمتع بالجزء الأقل سخونة وأكثر ليونة وأعزر نفطا في شرق وجنوب البحر الأبيض ولكن أمريكا كما رأينا كانت عينها على ذات هذه المناطق التي تريد بريطانيا الاحتفاظ بها ولا أحد يدافع عن تركيا واليونان من أجل الأتراك واليونانيين فهما من أفقر وزيت الزيتون الشعوب وزيت الزيتون لا يغني زيت النفط وإنما أهمية اليونان وتركيا في أنهما الخط الأمامي في الدفاع عن الكنز أو الشرق الأوسط العربي وإيران كما أن الدفاع عنهما يصبح مستحيلا بدون عمق في الوطن العربي وإيران.

وهكذا قررت أمريكا أن تأخذ الجمل بما حمل فتكونت المخابرات الأمريكية CIA سنة 1947 وتشكل مركز لعبة الأمم سنة 1948 يقول مايلز كوبلاند كان برنامجنا هو ملء الفراغ الذي تركه رحيل البريطانيين من اليونان وتركيا الفراغ الذي لا يقتصر على تركيا واليونان بل الشرق الأوسط كله وتنفيذ ذلك بأسلوب يتفق مع وسائلنا وطرقنا كنا ندخل في لعبة جديدة اللاعبون فيها هم حكومات منطقة الفراغ وليس الاتحاد السوفيتي وكما قال موظف كبير بوزارة الخارجية لم تكن لدينا أهداف بل مشاكل مشاكل من عزم الصهيونية على خلق دولة يهودية في فلسطين وتصميم العرب على منعهم مشاكل خلافاتنا مع حلفائنا وفي داخل البنتاغون نفسه وزارة الدفاع الأمريكية ج) حول الدور الذي سيلعبه الشرق الأوسط في مشاريع الدفاعي ومن القضايا التي أثيرت هي إلى أي مدى ندعم رسميا شركات النفط الأمريكية التي زاد نشاطها في المنطقة وأخيرا تحددت أهدافنا في الآتي:

1- منع الصراعات الإقليمية من جرنا إلى مواجهة مع السوفيت أي منع تحول الحرب الباردة إلى ساخنة.
2- تمكين حكومات المنطقة من المساهمة في العالم الحر..
3- خلق ظروف محلية مناسبة للاستثمارات الأمريكية.

وكان الصراع الإقليمي الوحيد الذي يلوح في الأفق هو الصراع العربي الإسرائيلي كما كنا نعتقد أن مصالحنا التجارية تلقى الترحيب من أهل المنطقة فالنفط سيجعلهم أغنياء.

وكان الموقف في نظرنا أنه لو وجدت قيادات غير فاسدة وذكية بما يكفي لإدراكها ما العمل الذي يحقق مصلحة بلادهم ولديهم عزم لا نجازه فأننا سنحقق أهدافنا مهما تكن ولكن هذه البلاد باستثناء بلدا أو اثنين كانت تفتقد إلى مثل هؤلاء القادة ولذا فحتى يحي الوقتي لإرساء أهداف راسخة بعيدة المدى فقد كان علينا تركيز اهتمامنا لإيجاد الوسائل التي تضمن تولي النوع المطلوب من القادة كما كنا نسميهم في هذا الوقت وتؤكد الوثائق الحكومية الأمريكية السرية في مطلع 1947 على أجهزتنا الدبلوماسية والمخابراتية العمل على إجراء تغييرات في قيادات عدد معين من بلدان الشرق الأوسط وهو الأمر الذي يتجاهله المؤرخون اليوم عندما يقيمون أعمالنا في العشرين عاما الماضية كان بودي أن أعلق على هذه الفقرة بأنها تغني عن التعليق ولكن لا حيلة لنا فنحن نكتب للمغفلين..!!

1- أمريكا قررت ملء الفراغ في تركيا واليونان والشرق الأوسط كله بوسائل تتفق مع وسائلنا وأساليبنا.
2- اللاعبون أو المحاورون أو الطرف الأخر ليس الاتحاد السوفيتي غير الموجود وقتها في المنطقة بل حكومات المنطقة وهذا يعني بوضوح بريطانيا وفرنسا فهما الحكومة وما تحتها مجرد أدوات تتفاوت نبسبة تبعيتها وانصياعها وكفاءتها وهي بالتأكيد موجودة على مائدة اللعب ولكن من يريد أن يلعب في مصر أو العراق يخطئ خطأ فادحا إذا لم يعرف أنه يعلب أساسا مع بريطانيا ونفس الشيء عن فرنسا بالنسبة لمراكش والجزائر وتونس.. إلخ..
3- وهذه النقطة مهمة جدا ولو أنها طمست في تاريخ المنطقة عن وعي لأنها مفتاح فهم ثورية بعض الثوريين بل حتى ماركسية بعضهم فالإنجليز مثلا لم يترددوا في إطلاق الشيوعيين في العراق وتسليمهم الحكم في عدن لمنع وقوع البلدين في يد الأمريكان وهذا سيساعدنا على فهم بعض التصرفات التي تبدو غريبة في ظل المفهوم الساذج الذي يتصوران الصراع الأول في المنطقة كان في تلك الفترة بين الغرب والاتحاد السوفيتي أو بين أمريكا والاتحاد السوفيتي.
وأهمية هذا الاعتراف أيضا هو تحديد طبيعة الوسائل فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى احتلال بلد أو منطقة في دائرة نفوذ حليف مثل بريطانيا أو فرنسا فإن الموقف يختلف عنه في حالة ما إذا كان البلد في دائرة نفوذ الروس لأن أسلوب الاستيلاء يختلف بالطبع ففي الحالة الأولى يستحيل الضرب المباشر، يستحيل غزو البلد أو مقاتلة بريطانيا أو حتى الهجوم الرسمي عليها إلا في ظروف نادرة عندما يخرج أحد الأطراف عن قواعد اللعبة كما حدث في حرب القناة عام 1956 إذ جاءت بريطانيا بالأسطول لقلب حكومة عبد الناصر وإعادة غزو المنطقة وهنا اختل ميزان القوى في اللعبة وكان لابد من تدخل أمريكا أما فيها دون ذلك فإن وسائلنا وطرقنا هي قلب الحكومات العملية لبريطانيا العظمى وإقامة حكومات صديقة للولايات المتحدة ومن ثم تصدر قرارات شرعية بتصفية مصالح بريطانيا وتعزيز مصالح أمريكا، ولا تملك بريطانيا أن ترد إلا بانقلاب مضاد كما حدث في سوريا أو بمحاولة لخبطة اللعبة بأحداث انقسام داخلي، أو الرضوخ وطلب إعادة تقسم المنطقة مع الاعتراف بحق أمريكا في نصيب أكبر مما خرجت به بعد الحرب العالمية كما حدث في إيران.
4- نقفز على حكاية ليس لنا أهداف لأن ما ذكره كمشاكل هو أهداف مثل إفشال تصميم العرب على منع قيام إسرائيل على أية حالة لقد اعترف بأنهم وضعوا أهدافهم في ثلاثة مطالب تغطي كل شيء لمنع تحول الشرق الأوسط إلى منطقة مجابهة ساخنة مع الاتحاد السوفيتي وفي إطار هذا الهدف المحدد بدقة كأول الأهداف يمكن أيضا تفسير موقف أمريكا من أحداث أكتوبر 1956 والهدف الثاني يغطي مشاريع الدفاع المشترك وغيرها أما الهدف الثالث فصارخ الوضوح: خلق الظروف الملائمة للاستثمارات الأمريكية.
5- الصراع الإقليمي المقبل هو الصراع العربي الإسرائيلي الاستثمارات الأمريكية كل ما تحتاجه هو قيادة ذكية تفهم مصلحتها في الارتباط بالاستثمارات الأمريكية غير فاسدة برشوات الإنجليز والارتباطات بهم ومن ثم سترى المصلحة العامة التي ستغمر الجميع..
الأجهزة دموية وإجراما فلا يجوز أن نتوقف عند إصلاحياته وشعار التطهير الذي سيطرح في بلادنا وسيسجن وينكل باسمه بكل الوطنيين ولا أدل على كذبه أن البلدين اللذين نالا بكرة التغيير كانا أكثر بلدين في العالم العربي ديموقراطية وتقدما وأقلهما فسادا مصر وسوريا.. ومن أجل هذا كان التركيز عليهما.
6- حتى يتوفر الوقت للاستعمار الأمريكي لخلق قواعد راسخة وطبقات متعاونة ومصالح استراتيجية متشابكة كتلك التي خلقها الإنجليز والفرنسيون في أكثر من قرن، فلم يكن أمامهم إلا أن يدفعوا بالأسلوب التآمري قيادات من النوع المطلوب للسلطة ويحدثون بهم التغيير المطلوب سواء تصفية الحركة الوطنية وتصفية القواعد والمصالح الإنجلو فرنسية أو إرساء المصالح الأمريكية وخلق قاعدة واسعة تتقبل هذه المصالح وانظر كيف استقبل نيكسون في مصر بعد 22 سنة من ارتقاء النوع المطلوب بينما لم يكن مسئول أمريكي يجرؤ على زيارة مصر أيام القيادات الفاسدة وضرب رئيس الولايات المتحدة تيودور روزفلت بالطماطم عندما زار مصر قبيل الحرب العالمية الأولى.

ويخرج المؤلف لسانه للمتطهرين الأمريكيين في الستينات الذين أبدوا ارتياعهم من تدخل الأجهزة الأمريكية في الشئون الداخلية للبلدان الأخرى لما عرف عن الانقلابات التي دبرتها أمريكا ومنها انقلاب سوريا وإيران ومصر يخرج لسانه ويقول لهم طالعوا الوثائق الرسمية وستجدون أن الحكومة طالبتنا أجهزتنا الدبلوماسية والمخابراتية بالعمل على تغيير قيادات عد معين من بلدان الشرق الأوسط فلماذا يتجاهل ذلك المؤرخون عندما يدينون أو يقيمون أعمالنا؟ لقد نفذنا التعليمات وكيف كنا سنغير القيادة في بلد لا يخضع لحكمنا إلا بالتآمر السري والانقلاب أو الثورة؟

وفي اجتماع مشترك لوزارة الخارجية ورئاسة الأركان الأمريكية بتاريخ 2 مايو 1951 جري هذا الحوار الذي ننقه من الوثائق المنشورة لوزارة الخارجية الأمريكية.

جنرال كولينز ممثل وزارة الخارجية كل ما قلته اليوم يوحي إلى إنك تقترح علينا أن نستولي على الشرق الأوسط أو نتولى الأمر فيه ) take over the m.e مستر ماكغي: هذا يتوقف على ما تريد تحقيقه في المنطقة إذا كانت لدينا القوى اللازمة فقد يكون من المرغوب فيه أن نتولى الأمر ولكني فهمت أنه ليس لدينا القوى اللازمة.

جنرال فاندنبرغ: إن هؤلاء الناس في الشرق الأوسط يفهمون منطق القوة أكثر منا لقد كنا دائما نرفض استخدام سياسة القوة في علاقاتنا الخارجية بينما هذه الدول معتادة على القوة نحن نحاول أن ننفذ أغراضنا في الشرق الأوسط عن طريق الرشوة وهذا سيؤدي إلى إفلاسنا وأكثر من هذا تحرمنا من استخدام القوة ربما يجب أن نستخدم العصا الغليظة ونستخدم قوتنا وربما يجب أن نملي على هذه الدول ما يجب أن تفعله على الطراز العتيق أكثر مما نحققه باستخدام برامج المساعدات بإرسال أسطولنا وتحليق قاذفاتنا سنحصل على تعاون أكبر وتكلفة أقل...

جنرال برادلي يجب أن نعترف أن الزمن تغير ولم يعد من الممكن استخدام القوة بالطرقة القديمة.

مستر ماثيو: نحن في عصر جديد لا يجعل استخدام القوة بالأسلوب القديم مجديا وهكذا أمكن إلجام الجنرالات ذوي الأدمغة الحديدية وإفهامهم أن الاستيلاء سيتم وباستخدام القوة ولكن بالأسلوب الحديث أسلوب الكاراتيه وهو فن استخدام قوة الخصم في قهره فلا حاجة لإرسال الجيش الأمريكي لضرب الحكومة في شيلي الجيش الشيلي بقليل من التآمر والرشوة والدعم يقوم بالمهمة بل وهو أجرأ على إراقة الدم، والفتك بالمعارضين وتحمي سلامة الأولاد الأمريكان وتبقى أمريكا يدها بيضاء من دم الشعب الشيلي بل لا بأس من إظهار غضبها على الحكم الديكتاتوري في شلي هذا هو الاستعمار الجديد..

ثمانون ألف عسكري بريطانيا في مصر لم يستطيعوا إجبار الشعب المصري على قبول الدفاع المشترك عن تركيا ولا فصل السودان ولا كان بوسعهم حل حزب الوفد ومحاكمة وزير الداخلية الذي تآمر وهو في السلطة على نسف قناة السويس لإخراج الإنجليز من مصر ولكن ذلك كله تحقق على يد الجيش المصري ووسط هتاف الجماهير وباسم الثورة الخالدة فمن خدم أمريكا أكثر الجنرالات المهوسون الذين كانوا يطالبون باستخدام الأسطول والطيران؟ أم رجال المخابرات الأمريكية الذين وضعوا النوع المطلوب في قمة السلطة المصرية؟

جاء في تقرير لنائب وزير الخارجية الولايات المتحدة بعد جولة قام بها في الشرق الأوسط عام 1951 باستثناء إسرائيل فإن جميع الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط، هي أنظمة رجعية أو يمينية بالمقارنة بنظامنا.

فلا تملأوا الدنيا صياحا بكلمات رجعي ويميني وكأنكم اكتشفتم البارود أو اخترعتموه فهي من ملفات الاستعمار الأمريكي وكل غزوة استعمارية وصفت القوى الوطنية الحاكمة بالرجعية والتخلف والفساد لتبرر غزوها والقضاء عليها وكل عملاء الاستعمار كانوا يتحركون تحت شعارات التقدم واليسارية.

ويقول كوبلاند: في محاضرة خلال برنامج مشترك لوزارة الخارجية والمخابرات جاء فيها أن السياسيين في سوريا ولبنان والعراق ومصر، يبدو كأنهم انتخبوا للسلطة ولكن أية انتخابات؟

الفائزون جميعا هم من مرشحي القوى الأجنبية وكبار ملاك الأرض الذين يأمرون زارعيهم وفلاحيهم كيف يصوتون أو الأغنياء الأوغاد الذين يستطيعون شراء الأصوات حزب تابع للشرق إلخ الاستعمار والإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم يخيل لك أنك في المعهد الاشتراكي وليس في هاليز أكبر قوة إمبريالية عرفها التاريخ ج) ولكن شعوب هذه البلاد أذكياء ولهم ميل طبيعي للسياسة وإذا كان هناك جزء من العالم يصرخ طالبا الإجراءات الديمقراطية فهو العالم العربي.

ولكن مايلز كوبلاند ومجموعته كما سنرى، كان رأيهم أنه مع ضرورة التأكيد على رغبتهم في منح الديموقراطية للبلاد العربية إلا أن الشعوب العربية غير ناضجة لها ولابد أن من إجراءات جذرية تمهد لها وسنرى ذلك يطبق حرفيا في برنامج وشعارات وممارسة كل الثورات الأمريكية النكهة في المنطقة.

عندما تتعارض الأخلاق مع مصالحنا الحيوية، فإن الخسارة ستكون بالتأكيد من نصيب الأخلاق بمعنى أننا لا نتردد في إزاحة القائد الذي نعتقد أننا سنخسر معه، وإن هذه الخسارة ستضر مصالحنا الوطنية لنضع مكانه قائدا تكون لدينا معه فرصة أكبر للتعاون وكانت وجهة نظر الأمريكيين وإلى حد ما البريطانيين أنه من بين كل نماذج القيادات التي يمكن أن تظهر في أفريقيا وآسيا، فإن النموذج الناصري هو الطراز الذي يتيح لنا أكبر فرصة لكسب لعبتنا أو على الأقل تقليل الخسائر فإحراز مكسب ضد واحد من زعماء سورياي الدجالين هو نصر أجوف لأنه سرعان ما سيقلب ويحل محله شخص أسوأ أما ناصر فهو الذي بوسعه أن يتحمل الخسارة ويستطيع إلى حد ما أن يتلاءم مع نصرنا بحيث لا يصبح من الضرورة هزيمة له.

تماما كما حدث في هزيمة سيناء 1956و 1967 والانفصال وحرب اليمن وانتكاسة ثورة العراق أنه يستطيع أن يتخذ قرارا غير شعبي نكسب منه نحن الاثنين بينما جماهيره تراه بمنظار آخر مثل عقد صلح مع إسرائيل.

أو فتح خليج العقبة، أو تجميد الحدود عشر سنوات، أو قبول الدفاع المشترك أو فصل السودان.

وهكذا تحدد خريطة العمل السياسية الأمريكي المطلوب في الشرق الأوسط، قلب الحكومات القائمة وفرض حكومات جديدة تتفق والمواصفات المطلوبة وهي زعيم يحكم حكما مطابقا وله من الشعبية ما يمكنه من فرض القرارات والإجراءات أو بمعنى أصح قبول طلبات الأمريكان التي يرفضها شعبه والتي يعجز أي سياسيي آخر في ظروف عادية عن طرحها على الشعب.

وهذا الزعيم على ضوء المعلومات والحقائق والتحاليل الواردة في كتاب لعبة الأمم صفاته هي:

1- كنا بحاجة إلى زعيم عربي، يتمتع بسلطة في يديه أكبر مما أتيح لأي حاكم عربي قبله سلطة اتخاذ قرار غير شعبي كما أعتدنا أن نكرر، والقائد الوحيد الذي يمكن أن يستحوذ على هذه السلطة، هو قائد متعطش للسلطة متطلع للسلطة من أجل السلطة لقد ذهب بعض موظفي الإرادة المخابرات الأمريكية ج) إلى أن نقطة الخطأ في حسني الزعيم أنه كان مجنون سلطة ولكن الدراسة العميقة أثبتت أنه على كان يكفيه أن نهب له وافقين إذا دخل ونناديه يا صاحب السعادة، لكي يقبل دور الدمية الأمريكية نريد شخصا تعطشه للسلطة أقل تفاهة وكنا على قناعة أننا ما أن نساعد هذا الشخص على تولى المنصب، فيجب أن نتخلى عن رأي حق أخلاقي في الجدل حول عقدة السلطة عنده ولو أننا بالطبع يمكن أن نثير هذا الموضوع يوما ما لأسباب تكتيكية.

2- نحتاج لشخص ليس مثل حسن الزعيم، بل على استعداد لاقتسام انتصاراته مع أتباعه ولذلك كان علينا إلى جانب دراسة الزعيم المقترح أن ندرس أيضا معاونيه، النخبة التي يرتكز عليها بل والصف الثاني تحت النخبة والقاعدة في الصف الثالث على أساس أن يبقوا جميعا حزمة واحدة مرتبطة بالمصالح المشتركة والأهداف وبدأوا يستعرضون الشرق الأوسط لاختيار المكان الذي يبدأون فيه لعبتهم أي الانقلاب العسكري.

قررنا أن نمشي قبل أن نجري وأن يكون تدخلنا في الشئون الداخلية لدولة مستقلة هو تدخل متواضع وبتوفر أكبر مرر وبدون مساعدة، أو حتى معرفة البريطانيين ولكن أين نحاول ذلك؟

معه الأتراك واليونانيين؟ لم يكن لنا معهم أي خلاف، كانوا يريدون ما نريد ولديهم قيادات مناسبة إلى حد أن لعبتنا معهم كانت لعبة تعاون.

مع الإيرانيين؟ كنا نؤيد قيادتهم أيضا كانت لعبتنا معهم 90% منها تعاون، في البداية على الأقل.

لاحظ أن في تركيا واليونان كانت بريطانيا قد انسحبت من هنا وسلمتهما ببضة مقشرة فلم تكن هناك معركة نفوذ بالإضافة إلى أنه لم تقم في البلدان حركة وطنية لعدم وجود استعمار وإنما كان الخطر الماثل هو الخطر الشيوعي أو السوفيتي وبالتالي كانت الطبقات الحاكمة في البلدين متجاوبة للغاية مع الدور الأمريكي.

وإيران 1949 كانت مشلكتها مع الروس الذين كانوا يثيرون الشغب على الحدود وفي كردستان ولم تكن الحرة الوطنية قد تبلورت بعد وحول مطلب محدد ضد شركة النفط البريطانية.

يكمل مايلز كوبلاند:أنها الدول العربية التي كنا معها على خلاف كامل والسبب في اعقادنا هو سوء قيادتهم واعتقدنا أنه تحت قيادة أكثر استنارة وأكثر فعالية سيصبحون حلفاء لنا فالعرب لديهم المبررات للخوف من السوفيت وليس منا وكان الواجب عليهم أن رحبوا بجهودنا في حمايتهم وشركاتنا النفطية ستجعلهم أغنياء وسيكونون المستفيد الأول من تسوية سلمية للقضية الفلسطينية ومن ثم فإن رفض قياداتهم النظر للأمور بهذه النظرة كان مبررا كافيا لدى مخططينا لكي نطيح بهم أو بالأحرى تمكين شعوبهم من الإطاحة بهم فإذا كانت القيادات الوطنية في أي جزء من العالم تشكل مبررا لتدخلنا في شئونها فأننا رأينا أنها هي هذه القيادات العربية.

قلنا أن الكتاب موجه للأمريكيين ومؤلفة رغم كل البراعة في التآمر يمثل أكثر أجزاء الإمبريالية الأمريكية تخلفا ورجعية ووحشية وعنصرية ولذا لا تعنينا مبرراته ونظرته الذئبية للمصالح التي ستعود على الدجاجة من وحدة المصير مع الثعلب المهم هو الواقع الذي سجله وهو وجود خلاف بين القيادات في العالم العربي من ناحية (49- 1952 والولايات المتحدة والغرب عموما من الناحية الأخرى والأسباب التي يطرحها صحيحة تماما.

1- رفض هذه القيادات أن تتعامي عن العدوان الجاثم على أرضها وسيادتها ومصيرها منذ عشرات السنين وهو عدوان الاستعمار الغربين والعدوان الوليد المتمثل في إسرائيل للجري وراء المشاريع الأمريكية الموجهة ضد الخطر السوفيتي المزعوم ولذلك كانت هذه القيادات تنادي بالحياد ورفضت كل مشاريع الدفاع المشترك الموجهة ضد السوفيت وارتفعت الأصوات تنادي بمعاهدة عدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي .
2- هذه القيادات لم تكن مستعدة لتقبل نتيجة حرب 1948 التي انتهت باغتيال وطن عربي وتشريد شعب عربي وهزيمة مذلة لسبع دول عربية أو أن شئنا لم تكن تستطيع أن تقنع شعوبها بقبول هذا الواقع الذي ساهم الغرب وبالذات الولايات المتحدة في تقريره والسياسة الأمريكية قد ارتبطت بوجود إسرائيل وحماية هذا الوجود ومن ثم فلا حل إلا ضرب العرب ضرب قيادتهم الغبية التي لا ترى مزايا الحل السلمي.
3- العرب لديهم نظرة خاصة للنفط لا ترتاح إليها الشركات الأمريكية السوريون يعارضون مد خط التابلاين في أرضهم والمصريون والعراقيون والسعوديون يتحدثون عن استغلال الشركات ويطالبون بوظائف أكثر للعرب، ويطلبون نصيبا أكبر في العائدات وشروطا أفضل وطنيا لعقود الامتياز فهناك تناقض أساسي وجذري لا يجبر بين مصالح الشعوب العربية ومصالح ومشروعات الأمريكيين في العالم العربي، والعرب لديهم نوعان من القيادات:
• قيادات وطنية ثورية، واعية بذلك رافضة له راغبة في التغيير الحقيقي بإزالة الاستعمار وإسرائيل وامتلاك الثروة العربية وهذه القيادات من الطبيعي أن تستهدف السياسة الأمريكية قمعها واستئصالها ومنه أية فرصة لاستمرارها في العمل السياسي، فضلا عن وصولها للسلطة.
• والنوع الثاني هو التقليدية الحاكمة فعلا، وهي قيادات محبة للأمريكان مخلصة لهم تمنحهم ثقتها الكاملة معادية للسوفيت شاكرة جهود الشركات الأمريكية وهي حتى وإن كانت تكره اليهود وتخاف من قيام وطن قومي لليهود، ورغم تدربها على قبول الظلم الإمبريالي فهي تستفظع ما نزل بشعب فلسطين وتتحسب لما يمكن أن يحدث في بلادها إلا أنها عاجزة عن فرض السكوت على منافسيها لترضية شعوبها إخفاء المشاكل الداخلية ومن ثم فالأوضاع في بلاها خطرة تهدد بثورة حقيقية تتسلم فيها القيادة قيادات النوع الأول كما حدث في الصين وفيتنام إلخ أو ينهار الوضع وتظهر حالة فراغ غير محسوب العواقب والاحتمالات أو على الأقل فإن هذه الأوضاع غير المنضبطة تشل القوى الراغبة في التعاون مع الأمريكيين وتعطل المشاريع الأمريكية.

فهذه القوى وإن كانت تحكم المظلمة الأمريكية أو الغربية عموما إلا أنها بعجزها تخلق مناخا يهدد مصالح الولايات المتحدة وتشكل عبئا على الولايات المتحدة بعجزها وتملقها للجماهير.

وقد قال مايلز كوبلاند أنه عندما تتعارض المصالح والأخلاق يلقى بالأخلاق في أول بالوعة، وأنهم لا يترددون في الإطاحة بالقائد الذي لا يحقق لهم النصر عليه وهكذا أطاحوا بشكري القوتلي والملك فاروق صداقتهما للأمريكيين بل استغلوا هذه الصداقة وهذه الثقة البلهاء من جانب الرئيس السوري والملك المصري في أحكام خطة الإطاحة بهما...

وكان الحل هو الذي طبق في أمريكا اللاتينية عشرات المرات: كافري وحده بشهادة الناصري المجهول اشترك ودبر ثلاثين انقلابا انقلاب عسكري يطيح بهذه القيادات العاجزة ويأتي بقيادة لا تتعفف عن التعامل مع الأمريكان ولا تتردد في ضرب وسحق القوى الوطنية المعارضة وهذا الأسلوب كان يتم في بعض البلدان في شكل حكومة عسكرية يمينية مفضوحة لا يهمها حتى ستر عمالتها وآخر نماذجها هو حكومة بختياري في إيران ثم حكومة العسكر في شيلي وهذا اللون مهما كانت استبداديته وبطشه قصير العمر وأيضا محدود النفوذ ففي خارج دائرة بطشه البوليسية يكون مفضوحا منبوذا

الصيغة الأكثر قدرة على الاستمرار والتي أتقن الأمريكيون صناعتها بعد تجربة سوريا،هي الصيغة الثورية الانقلاب المدعوم الذي يركب موجة ثورية موجودة فعلا لتصفية الثورة الحقيقية يتبنى شعارات الجماهير ليستأصل المنادين المخلصين بها وبسب أمريكا كلما سنحت مناسبة بينما يصفي كل الاتجاهات والتشكيلات والمؤسسات التي تشكل خطرا حقيقيا على المصالح الأمريكية واستراتيجية الأمريكية.

وكما أن هذا الطراز أكثر نفعا وأطول عمرا فهو أيضا أكثر تعقيدا وأفدح ثمنا وغالبا ما ينقلب في النهاية على مبدعيه كما حدث في قصة فرانكشتين أو قصص ألف ليلة ولأنه كما سنرى في تحديد مايلز كوبلند، لابد أن يحكم مستندا إلى قوة قمع لها شعبية وبالتالي فهو يحتاج إلى تقديم وجبة يومية للجماهير ليست مادية فحسب وهو ما تتكفل به المعونات الاقتصادية منذ أزمة لبنان عام 1958 إلى 1966 قدمت أمريكا لمصر نصف مليار دولار وهي صاغرة خوفا من غضب الزعيم وإنما يحتاج أيضا إلى وجبة روحية أو معنوية إلى استمرار تغذية الالتهاب الثوري الديماغوغي للجماهير استمرار قناعة الجماهير بأنه المكافح الثوري الوحيد ضد الأعداء حتى يقطع الطريق على ظهور قائد حقيقي أو متعاون أخر منافس وتنحصر الوكالة فيه ولأن من شروط قيامه واستمراره تجنب مقاتلة العدو الحقيقي فلا بد أن تركب له أو يصنع هو طواحين الهواء التي ينتصر عليها باستمرار وسط تهليل الجماهير ويتساءل السذج المخلصون لماذا يبعثر الجهد في المعارك الجانبية؟ لماذا لا تركز الجهود على العدو الواضح المعروف؟ لماذا ها الخلاف وعدم الاتفاق؟؟

ونظرة إلى تاريخ النظم الثورية في العالم العربي تجدها جميعا قد اتفقت على حقيقة واحدة هي الإصرار على أن الطريق إلى فلسطين يمر عبر الرجاء الصالح أو طريق اللبانة في السموات أو الثورة الاجتماعية أو الاشتراكية أو هزيمة الإمبريالية العالمية وانتصار الثورة التحررية في كوستاريكا أو قصور الرجعية إلخ المهم أن الطريق إلى القدس لا يمكن أن يكون عند ثوار مايلز كوبلاند، عبر حدود إسرائيل أي الصدام المباشر مع إسرائيل هم باستمرار يحضرون للمعركة ولا يسمحون لإسرائيل بجرهم إليها إلخ.

فالشعار لا يتغير وهو إزالة إسرائيل ولكن الدليل الماكر المتآمر يطوف بالجماهير في مجاهل الصحراء حتى يموتون جوعا وعطشا ومللا ويأسا وجنونا فيندفعون لأول كامب المهم أن الزعيم بحاجة إلى البقاء على أكتاف الجماهير ومن ثم لابد أن يستمر في الصراخ ضد العدو وهذا يدخل علاقته مع العدو الصديق في دوامة سرعان ما تفقد الأطراف اللاعبة السيطرة عليها وعندما يتحتم التخلص منه.

والصورة كما لخصها مايلز كوبلاند أوضح قالي كان المهرجان ضروريا لدفع الدول الكبرى لتقديم المساعدات ولكن المساعدات مطلوبة أكثر لاستمرار المهرجان وأخيرا لم يكن استمرار المهرجان ممكنا وفي أواخر 1966 قال صحفي أمريكي كبير لدبلوماسي مصري نحن لم نعد نعتبر ناصرا ولا حتى ظاهرة مزعجة على الإطلاق

فهو على المسرح ليحصل على المساعدة وهو ينفق المساعدات لكي يبقى على المسرح حتى يصل إلى نقطة ترى الدولة الكبرى المعنية أن نفقاته أكبر من عائده فتعطيه علقة كما قال الرئيس جونسونس للسفراء العرب وهو يخاطب كلبه بعد هزيمة 1967.

و (... مجد العرب أوله دمشق!)

نعود لقصة مايلز كوبلاند عن البحث عن بلد ينفذون فيها انقلابهم قال: كانت العراق هي الاحتمال الأول لكونها دولة بوليسية تحكمها حكومة مكروهة من الشعب وحيث من الممكن أن نرضى ضمائرنا بأننا لا نفعل أكثر من فتح الطريق أمام حكومة شعبية الأقواس من المؤلف الأمريكي وواضح السخرية من أخلاقيات المنافقين الأمريكيين الذين يريدون استغلال الشعوب بأساليب شريفة أو نظيفة ج) ولكن العراق كان البلد الذي يستحل فيه على فريق سياسي مدرب فضلا عن جهاز ناشئ مثلنا أن يهمس بدون علم البريطانيين.

أما السعودية فلم تكن ناضجة بعد للديمقراطية لقد حاولنا أن نجد صيغة أفضل للتعبير عن ذلك فلم نجد لبنان الأردن مصر استبعدت كلها لأسباب أخرى وهكذا لم يبق أمامنا إلا سوريا.

ثم قصة طويلة مملة عن كيف حاولوا إقامة حكم شعبي ديموقراطي هناك عن طريق التدخل في الانتخابات اعتمادا على كافة الوسائل المتاحة من الإرساليات إلى رشوة سائق التاكسي ومن شاء الرجوع إلى ذلك فهي في صفحة 45 وما بعدها وهي لا تعنينا لأنها خارج موضوعنا.

ويقول أنهم اقتنعوا بعبث محاولة الطريق الديمقراطي في التغيير وعكفوا على تدريب أنفسهم للعمل الحاسم أي الانقلاب العسكري واستغرق ذلك من 1947- 1948... ويقول أنه يقدم تجربة سوريا لأنها أصبحت نموذجا يذكر دائما للدعوة إلى الامتناع عن التدخل في شئون الدول المستقلة وأيضا نموذجا يدرس لكيفية التدخل وما هي الأخطاء التي يجيب تجنبها في العمليات الأخرى وأخيرا لأنها توضح أهمية اختيار الشخص المرشح للعملية.

في هذا الوقت كانت الإدارة الأمريكية تعتقد أن الفراغ الذي يتركه الانسحاب البريطاني واتهامنا بتأييد الصهيونية يجعلان أقصى أمانينا هو تقليل الخسائر.

كان الوزير المفوض في السفارة هو جيمس ما يكل كيلي والمسئول السياسي دين هينتون وعمره 24 سنة ورجل العملية في السفارة هو الماجور ستيفن مييد الذي سيعرف بعد ذلك باسم الكولونيل مييد أما مدير العمليات السرية فهو أنا أرسلت إلى دمشق في سبتمبر 1947 بتعليمات لتنظيم اتصالات غير رسمية مع الرئيس القوتلي والشخصيات البارزة في الحكومة السورية لإقناعهم بتحرير النظام وقد نجحت في الجزء الأول من المهمة وهو خلق علاقات شخصية مع الرئيس ومعظم المسئولين أما النصف الآخر فقد فشلت إذ ثبت لنا أن القوتلي وجماعته غير مستعدين لتحرير النظام وأنهم سيستمرون على عماهم في مواجهة الانفجار السياسي الخطير الذي كان يخيم على الأفق وقال كيلي ليس أمامنا إلا أحد خيارين كلاهما غير مرغوب فيه إما أن يقوم سياسيون انتهازيون بانقلاب دموي مدعوم من السوفيت أو يستولي الجيش السوري على الحكم بدعم منا.

ويحفظ النظام إلى أن نتمكن من تنفيذ ثورة بيضاء وكان وكيلي كارها للحل الثاني ولكنه قال إنه على الأقل سيحقن الدماء ويقدم للعناصر الواعية في المجتمع فرصة عادلة ضد العناصر المشاغبة وكانت العملة هي انقلاب حسني الزعيم في 30 مارس 1949إذ قام فريق عمل بقياد الماجور مييد بتنمية علاقة صداقة مع حسني الزعيم الذ كان وقتها رئيس أركان الجيش السوري واقترح عليه فكرة الانقلاب ونصحوه بطريقة التنفيذ وأرشده خلال الترتيبات والإعداد للانقلاب كانت المساهمة في الحدود التي أثارت شك القيادات السياسية السورية وحدها والتي استبعدت بعد ذلك أي الشكوك ج باعتبارها من الوسوسة السوية التقليدية كما جاء في تقارير الصحفيين الغربيين والطلبة الذين استجوبوا الأطراف المعنية وفحصوا الوثائق فبالنسبة للعالم الخارجي كان الانقلاب عملية سورية كاملة ولو أن المعنيين استنجوا فيما بعد وعن حق أن الزعيم هو غلام أمريكا.

أن تفاصيل تنفيذ الانقلاب الأمريكية بالانقلاب القادم عندما أصبح احتمالا جديا وإذا كانت التفاصيل لم تبلغ لها فلأن وزارة الخارجية هي التي قالت أنها تفضل الاحتياط بالتفاصيل كذلك تم تجاهل تدخلات جماعة الماجور مييد الممهدة للانقلاب وكان رد وزارة الخارجية: إذا كان الزعيم يميل لتغيير الحكومة فإن وزارة الخارجية لا ترى سببا لتثبيط همته طالما تعتقد أنه سيعود للحياة البرلمانية متى أصبح ذلك ممكنا من الناحية العملية.

ولكن الزعيم لم يكن ينوي ذلك فقد أوضح لنا أن أهدافه هي:

1- وضع السياسيين الفاسدين في السجن .
2- إعادة تنظيم الحكومة على نحو أكثر فعالية.
3- إجراء الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية المطلوبة.
4- القيام بعمل بناء حول المشكلة العربية الإسرائيلية.

وكانت هذه النقطة إسرائيل هي الكفيلة بإذابة أية معارضة ممكنة من وزارة الخارجية الأمريكية وما دام الرجل قد اعترف لنا بأنهم يمارسون الخسة والكذب ويذبحون الأخلاق فلا حاجة لإضاعة وقتنا في عرض مبرراته لاغتيال الديموقراطية وتأكيداته بأن نيتهم كانت متجهة لإقامتها ولنحاول استيعاب ماقاله حتى الآن.

1- انقلاب حسني الزعيم أو أول انقلاب عسكري في العالم العربي بعد الحرب العالمية الثانية كان من تدبر وإعداد وتنفيذ المخابرات الأمريكية أو مجموعة العمل الأمريكية في دمشق.
2- الانقلاب ولو أنه حصل مسبقا على مباركة وزارة الخارجية الأمريكية إلا أن الوزارة رغبت في أن تبقى بعيدة عن التفاصيل ومن ثم فعندما تصيح بعض الدجاجات عندما فرحة لأنها وجدت برقية صباح الانقلاب تخطر فيها السفارة وزارة الخارجية بالانقلاب فتهتف أن هذا دليل جهل الأمريكان بالموضع فمن حقنا أن نبتسم في رثاء ذلك أن السلك الدبلوماسي الرسمي يحرص على تجنب التورط في عمل من هذا الشأن من ناحية حفاظا على شرف الجهاز السياسي ولأن عددا من العالمين فيه، من الهواة أصحاب القيم والمثل والمبادئ مثل الفتى دين هنتون ومنعا لوجع الدماغ يبقى هؤلاء خارج اللعبة ومن ناحية أخرى أكثر عملية هي تجنب الفضيحة والأزمة الدبلوماسية في حالة فشل الانقلاب وكشف الاتصالات ومن ثم لا نستبعد أن يكون السفير الأمريكي في بلد معين هو الأقل علما بما يدبر ضد هذه الحكومة من مواطنيه وبعض موظفي سفارة وإن كنا في حالة مصر نعرف أن السفير كافري كان على علم ولعب دورا أساسيا إلا أننا نستبعد اشتراكه مباشرة في الاجتماعات التحضيرية مع الضباط الأحرار.
3- وإن تكن أهم نقطة في عقد استخدام زعيم الانقلاب هي وعده باتخاذ موقف إيجابي من وجهة النظر الأمريكية في الصراع العربي الإسرائيلي إلا أننا سنجد جوهر البرنامج الأول الذي وضعته مجموعة شبه الهواة في أول تجربة انقلابية لها في العالم العربي سنجده في كل البرامج القادمة في الحركات الأكثر اتقانا وحبكه محاربة الفساد اعتقال السياسيين بتهمة إلا فساد الإصلاح الاجتماعي تنشيط أو زيادة كفاءة الجهاز الحكومي تأجيل الديموقراطية.

هذه هي القصة

إلا أن رجل المخابرات الذي أقسم كاذبا في مقدمة الكتاب أنه لم يحجب سرا بسبب شرف المهنة يخفي هنا عدة عناصر أخرى شديدة الأهمية في الموضوع، فلم تكن رغبة أمريكا في قلب نظام الحكم السوري، ووضع رجلها في السلطة لمجرد ضمان تهدئة أكثر الجبهات خطورة مع إسرائيل بحكم قربها وتحكمها في الأماكن الآهلة من إسرائيل وأيضا بحكم أن سوريا كانت البلد العربي الوحيد في دول لمواجهة ولم يكن التعبير قد ظهر بعد التي لا تخضع مباشرة لقوات احتلال غربية تضمن سلوكها عند الضرورة القصوى إلا أن الانقلاب كان مرغوبا فيه لسببيني آخرين على الأقل:

1- خط التابلاين كانت بريطانيا تتمتع بامتياز خاص على شركات النفط الأمريكية العاملة في الشرق الأوسط، وهو تحكمها في طرق النفط إلى أوروبا الغربية، السوق الوحيد وقتها لهذا النفط، لأن أمريكا لم تكن تستورد واليابان لم تكن قد أصبحت عملاقا صناعيا بعد وكانت تعتمد على نفط الشرق الأقصى والنفط الأمريكي كانت بريطانيا تسيطر على قناة السويس طريق ناقلات النفط القادمة من الكويت والسعودية والخليج كما كانت تسيطر على خط النفط الوحيد الذي يصب على البحر الأبيض أو خط الأي بي سي.. وكان من الطبيعي أن تفكر شركات النفط الأمريكية (أرامكو) في مد خط ينقل النفط السعودي إلى البحر الأبيض دون المرور في قناة السويس وذلك عبر سوريا .. واستمات الإنجليز في منع ذلك مستغلين عداء الجماهير للولايات المتحدة لموقفها من إسرائيل والحساسية التاريخية لدى الشعوب العربية إزاء الامتيازات الأجنبية وخاصة المرتبطة بدولة كبرى وأيضا استفادوا من استمتاع السياسيين السوريين بابتزاز السعودية والعراق بالإقرار المبدئي للاتفاق ثم إلغاء الإقرار والقبض من هنا وهناك.

ولتنشيط ذاكرة المخابراتي كوبلاند المدربة على نسيان القبائح ننقل له هذا النص الخارجية من تقرير العلاقات الدولية للولايات المتحدة عن عام 1949 والصادر من وزارة الخارجية الأمريكية صفحة 109 حرفيا:

أبلغت دمشق في 14 فبراير أن الاتفاقية الخاصة بامتياز شركة التابلاين قد أقرتها الوزارة السورية في الأسبوع الماضي وقيل أن الرئيس شكري القوتلي أبلغ الوزير المفوض الأمريكي كيلي أنه مطمئن لا قرار البرلمان للاتفاقية وأن هذا الإجراء ضروري كخطوة أولى نحو التعاون الاقتصادي والسياسية المطلوب مع الغرب برقية 69، 890 د 6363/2 1449) ولكن اعتراضات شتى ثارت بعد ذلك بين الحكومة السورية والتابلاين وقامت مظاهرات معادية للتابلاين من الطلبة وعلى ذلك قررت الحكومة السورية تأجيل طلب موافقة البرلمان على الاتفاقية (برقية 114 مارس 8 الساعة 2 بعد الظهر من دمشق – 890د/ 3- 849) تم قلب الحكومة السورية في 30 مارس بانقلاب قادة الكولونيل حسني الزعيم وللمعلومات الإضافية انظر هامش صفحة 1630حكومة حسني الزعيم أقرت اتفاقية التابلاين وصدقت عليها بمرسوم تشريعي رقم 74 في 16 مايو برقية رقم 284/ 17 مايو الساعة 8 مساء من دمشق 890د- 6363/5 – 1749) وفي مذكرة داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية بعنوان التطورات الاقتصادية الجارية جاء فيها:

أن تصدي سورا على اتفاقية التابلاين أزال آخر عقبة كبرى في طريق تشيد الخط المتعاقد عليه من زمن طويل... والمشروع الآن ينتظر أن يكمل في عام 1950 متأخرا سنة عن الوقت الذي كان محددا له وقد تأخر إقرار الاتفاقية من جانب السوريين عدة شهور من ناحية لعدم رضاهم عن موقف الولايات المتحدة من فلسطين.

وعندما يتم الخط فستكون طاقته ما بين 300 ألف – 450 ألف ب/ ي وسيمتد مسافة 1100 ميل من السعودية إلى البحر الأبيض في ميناء صيدا بلبنان ويشير التقرير أيضا ينقل نفط إيران والكويت إلى البحر الأبيض عند طرسوس ليباع لشركة ستاندر أويل وشركة نيوجرس وسوكوني فاكوم وقد تعثرت المفاوضات تماما كما حدث مع التابلاين مع الحكومات السورية إلى أن جاء إلى الحكم الكولونيل حسني فوقع الاتفاقية في يونيه مع ميبكو الزعيم يوقع على كل المشروع قتلته العراق انظر ص 110)

خط التابلاين معطل، والحكومة السورية تساوم، والبرلمان لا يصدق والمظاهرات المعادية في الشوارع والحل بسيط جدا وضع الحكومة في السجن جزاء وفاقا على معاكستها وحل البرلمان وتحريم الاشتغال بالسياسة على أعضائه بقانون العزل السياسي بمعنى أصح يبصم على القرار الذي كتبه له المدربون الأمريكان وبما أن السلطة التشريعية والتنفيذية بلا فصل سلطات بلا وجع دماغ فهو يصدق على نفسه .

العنصر الثاني الذي أغفله المخابرات هو الخوف من اتحاد سوريا والعراق لأن ذلك لو تم فسيضع سوريا تحت نفوذ بريطانيا المتجذر في العراق وكان موقف الولايات المتحدة واضحا من هذا الموضوع وهو المعارضة التامة ومن يتتبع تاريخ الانقلابات السورية الأولى يمكن أن يحدد أمريكية الانقلاب أو بريطانيته من معارضة أو تأييده للوحدة مع العراق انظر الصفحات من 1630 وما بعدها في التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن عام 1949.

أما عن إسرائيل فقد بدأ الأمريكان بتنفيذ البند الخاص بها في العقد الذي أبرموه مع حسني الزعيم وجاء في تقرير لمندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة بتاريخ مبكر جدا 12 مايو 1949 أن المفاوضات جارية بنجاح مع السوريين وبانش رالف بانش الوسيط الأمريكي ج) مقتنع بإمكانية موافقتهم على الخطة وكل المشكلة هي رغبة الزعيم في إجراء ما يحفظ ماء وجهه مثل انسحاب إسرائيل أو تخفيض واضحي للقوات.

وفيما يلي بعض الوثائق التي تلقى الضوء على موقف الزعيم من المشكلة الفلسطينية من وزيرا لخارجية الأمريكية إلى المفوض في سوريا .

واشنطن 13 مايو 1949.
سري

212 برقيتكم 256 في 28 أبريل و 261 في 2 مايو لاحظنا باهتمام التقدم الذي أبلغت عنه حول موقف الزعيم من توطيد اللاجئين العرب وهذا أول دليل واضح على رغبة السوريين في قبول عدد كبير من اللاجئين خاصة وأن سوريا هي البلد العربي الوحيد باستثناء الأردن التي يمكنها أن تتمثل مثل هذا العدد في وقت معقول وإذا أمكن استثمار هذه الفرصة فسيمكننا كسر ظهر مشكلة اللاجئين يجب أن تنتهز أول فرصة لبحث اأمر مع الزعيم مع التأكيد اللازم على أن رغبته في قبول ربع مليون لاجئ تعتبرها الوزارة مساهمة إنسانية وسلوك رجل دولة لحل تلك المشكلة وعبر عن الأمل في أن يستخدم الزعيم نفوه لدى الدول العربية الأخرى لاتخاذ مواقف بناءه مماثلة في حدود قدراتهم للمساعدة على تصفية المشكلة تصفية نهائية.

من الوزير المفوض في سوريا كيلي إلى وزير الخارجية
دمشق 19 مايو 1949
سري

مع اقتناعي برغبة الزعيم في إعطاء تنازلات سخية في القضايا الأخرى مثل اللاجئين وتدويل القدس والحدود إلا أن الزعيم لا يمكن أن يسلم كل شيء بلا مقابل وهو الموقف الذي تطلبه إسرائيل فيما يبدو لأنه لو فعل ذلك فقد يكلفه هذا منصبه ويزيل أفضل أمل حتى الآن في قبول سوريا إجراء تنازلات لتحقيق تسوية للمشكلة الفلسطينية

وبخصوص مشكلة اللاجئين كان مشروطا بتسوية عامة للسلام وكل الذين ناقشوا الأمر مع الزعيم تأثروا بإخلاصه وجديته وسعة أفقه بالنسبة لإسرائيل فرق شاسع من الموقف العنيد الحرون للحكومات السورية السابقة ولكن حماسة يبرد في وجه الأدلة المتزايدة على شراهة إسرائيل وهكذا إذا كان الزعيم يحاول على الأقل أن يرتقي إلى مصاف كمال أتاتورك ويستجيب للنفوذ المعتدل فإنه لسوء الحظ تتزايد الأدلة على أن بن غوريون ليس فينزيلوس على أية حال يجب أن تفهم إسرائيل أنها لا تستطيع أن تأخذ الكعكة كلها حدود التقسيم والمناطق التي استولت عليها بخرق الهدنة القدس توطين اللاجئين العرب ربما ستجد نفسها قد كسبت فلسطين وخسرت السلام لقد تطوع حسني الزعيم بإبداء استعداده للاجتماع مع بن غوريون.

وإذا ما تأكد العرب أن إسرائيل مستمرة في سياستها رطل اللحم كاملا وزيادة فإن هذا سيدفعهم ببطء ولكن بتصميم إلى صلب عودهم وتدمع جهدهم سياسيا واقتصاديا على الأقل إن لم يكن عسكريا الآن من أجل صراع طويل المدى وإذا ما استفادوا من أخطاء الماضي فإن وضع إسرائيل سيغدو أصعب بكثير مما لو أغتنم سياسة إسرائيل من بعاد النظر الفرصة السانحة الآن للتفاوض على تسوية بشروط معقولة إسرائيل ومؤيدوها في الأمم المتحدة سيعانون أكثر من الدل العربية إذا ما استمر الموقف الجامد حاليا.

مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة أوستين إلى وزير الخارجية الأمريكية نيويورك 23 ايو 1949
سري

قال بانش أنه يريد عقد اجتماع بين بن غوريون والزعيم فهو يعتقد أنه لم تعد هناك أهمية تذكر لاجتماعات الممثلين الإسرائيليين والسوريين الحاليين.

ولكن بانش كرر أن حسني الزعيم يجب أن يحصل على مقابل من إسرائيل بسبب وضعه الداخلي كما أبلغ بانشي شاريت أن الإسرائيليين يجب ألا يتوقعوا انسحابا سوريا إلا إذا كانوا مستعدين لعمل بعض التنازلات أوستين.

جاء في برقية الوزير المفوض من دمشق أني حسني الزعيم أمر الوفد السوري في مفاوضات الهدنة بإبداء المزيد من التساهل حيث أنه جد قلق للوصول إلى حالة modus vivendi) تعايش سلمي مع إسرائيل في أقرب وقت ممكن وقد حذر مستر كيلي الوزير المفوض أن حالة الجمود الحالية يمكن أن تستمر مالم توجد وسائل يمكن بها استعادة ثقة السوريين في قدرة الأمم المتحدة على ضبط إسرائيل وبدون ذلك فإن الحكومة السورية ستكون نافرة وهذا مفهوم من إعطاء تنازلات يكون لها ردود فعل سيئة في الداخل عليها إلا إنها ضرورية للوصول لاتفاق مع إسرائيل برقية 327- 16 يونيه من دمشق 767 ن. 90 د/ 6/ 1649).

نشطت الجهود الأمريكية ونمت أحلام عقدي سلام بين سوريا وإسرائيل وكان للموظفين الصغار في وزارة الخارجية الأمريكية عذرهم في هذه الأحلام فلأول مرة يتوفر لهم حاكم عربي هم وضعوه في السلطة ومن ثم مستجيب إلى أٌصى حد ممكن لأوامرهم بشأن هذا السلام وكان هؤلاء الموظفون يعرفون أو يظنون أنهم يعرفون سيطرة أمريكا على الإسرائيليين ومن ثم حاولوا الإسراع في عقد السلام وهنا ما لا تريده إسرائيل التي حاولت أن تثبط جهودهم بالتعنت فلما أصروا قامت باحتلال المناطق المنزوعة السلاح في القدس وسيذكرنا هذا باعتداءات 1954- 1955 التي نمت في ظروف مشابهة تماما ولا العرب يتعلمون ولا الأمريكان يكفون عن خداع العرب وخداع شعبهم.

وكتب كيلي المسكين

وكما هي العادة في غطرستهم الغبية، فإن العدوان الإسرائيلي الأخير لم يدم مفاوضات الهدنة السورية الإسرائيلية فحسب بل نفخ في كل الأبواق العربية ولما كان هذا رأي الزعيم فأنا لا أرى معنى لتسليمه رسالة وزارة الخارجية ولا في حثه على قبول مقترحات بانش حتى توجد الوسائل التي تجبر إسرائيل على احترام تعهداتها وسلطات الأمم المتحدة أن الضغط على سوريا في مواجهة احتلال إسرائيل لدار الحكومة في القدس سيبدو للسوريين كدليل جديد على تهمة تحيزنا لإسرائيل ويعف النفوذ الذي مازال لنا.

وقد تدخلت الحكومة الأمريكية وسحبت إسرائيل ويضعف النفوذ الذي مازال لنا وقد تدخلت الحكومة الأمريكية وسحبت إسرائيل قواتها من دار الحكومة وعادت وزارة الخارجية تأمر كيلي بإجبار حسني الزعيم على قبول مقترحات بانش وقد كان وبقية الوثائق تكشف تهالك الزعيم على عقد تسوية مع إسرائيل وصراخ الدبلوماسيين الأمريكيين في دمشق مطالبين حكومتهم ببذل جهد لإقناع الإسرائيليين بقبول بعض التنازلات الشكلية ليمكن عقد هذه التسوية ورفض إسرائيل القاطع لأي تنازل بل أي تنازل شكلي يمكن فعلا من عقد هذه التسوية ورفض إسرائيل القاطع لأي تنازل بل لأي تنازل شكلي يمكن فعلا من عقد التسوية ويستطيع القارئ إذا راجع الوثائق المنشورة في فصول إسرائيل في منع التسوية أو الصلح مع سوريا وليس فقط رغبتها في الاحتفاظ بما لديها وهو أمر قد يبدو غير مفهوم في عام 1949 ولكنه مفهوم الآن فإسرائيل لها أهداف في صميم الأرض السورية وعقد صلح وقيام سلام عام 1949 يعطل تحقيق هذه الأهداف.

من الوزير المفوض بدمشق إلى وزير الخارجية.
دمشق 14 يوليو 1949 سري.

إن إخلاص الزعيم للسلام لا مجال للشك فيه ولو لمجرد أنه يعرف أن مشاكل فلسطين تعترض طريق أحلامه وإذا كانت المفوضية هنا دمشق تشارك الاعتقاد بأنه لا يستطيع أن يتحدى مشاعر الشعب السوري فيما سيعتبر استسلاما بلا مبرر ولا طماع إسرائيل إلا أنه حساس جدا من فكرة أنه يقاد بمبادرة ودية من الولايات المتحدة ليس فقط لتوطيني اللاجئين بل والتنازل في الخلافات الأخرى مع إسرائيل وفي رأي المفوضية إنه من مصلحة السلام في الشرق الأوسط الاستفادة من تعاون الزعيم ....إلخ..

رفضت إسرائيل بحث أي مشكلة أو تسوية وألحت على الاجتماع المباشر بين الإسرائيليين وحسني الزعيم وفي لوزان وبالطبع لم يكن أمام الإدارة الأمريكية إلا الضغط على الجانب اللين فألحت في عقد اللقاء وحل الجيش السوري المشكل بإعدام حسني الزعيم في 14 أغسطس 1949.

فيكون قد قضى في السلطة مائة وخمسة أيام، أنجز فيها للأمريكان اتفاقية التابلاين قبول توطيد اللاجئين الأمل في فرض تسوية سلمية إذا ما توفر حاكم مطيع مثله شرط أن يكون في بلد أقوى تأثيرا وأن يستمر في الحكم فترة أطول.

نسمع الآن قصة الانقلاب السوري من صنعه مايلز كوبلاند:

سجل هينتون الضابط السياسي في السفارة وأصغرهم سنا وأكثرهم على ما يبدو قناعة بالشعارات الأمريكية المعلنة خلال الحرب العالمية والتي لم تكن قد جفت بعد في ذاكرة الشباب المثالي بل وربما أكثرهم حكمة إذ سجل اعتراضه على الانقلاب قائلا بنص شهادة كوبلاند أريد أن أسجل للتاريخ قولي بأن هذه هي أغبى وأقل الأفعال تقدرا للمسئولية يمكن أن تصدر من بعثة دبلوماسية مثلنا لقد بدأنا اليوم سلسلة من هذا النوع لن تنتهي أبدا وقد أرسل تقريرا بالطبع إلى وزارة الخارجية يقبع الآن تحت أكوام من التراب وإن كانت نبؤته قد تحققت.

المهم أن وزارة الخارجية بنفاق الثعالب الذي تعودناه من الحضارة البيضاء تمنعت حوالي شهر عن الاعتراف بالانقلاب لأن خبرتنا المريرة مع الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية إلخ إشفاقا على الديمقراطية وأيضا لكي لا ينكشف الملعوب إذا ما اندفعت للاعتراف وبعد ثلاثين سنة مازالت أوراق الخارجية الأمريكية المنشورة بيضاء الساحة ترفض الاعتراف بدورهم في الانقلاب وما جره على سوريا من دماء لم تجف ولن تجف أبدا ما لم يقطع دابر التفكير السلطوي في الجيش والضباط المغامرين.

قال كوبلاند:

اعتقدنا في المفوضية الأمريكية أننا فتحنا بابا للسلام والتقدم فقد كنت استجابة الزعيم لاقتراحاتنا الودية أقواس المؤلف قبل الانقلاب إيجابية إلى درجة لم يخطر معها ببالنا أن الأشياء ستتغير فيما بعد وقد استمر الحال كذلك إلى أن وصل الاعتراف الرسمي من حكومتنا وقد يبدو مثيرا أن أقول أن الماجورمييد قضي اليوم الثاني للانقلاب في تعريف الزعيم: من يجب أن يكون سفيره في لندن ومن الضباط يجب وضعه ي مناصب دبلوماسية وما هو الغذاء الذي يجب أن يقدم للرئيس القوتل في السجن لكي لا تتهيج قرحته ولكن فور الاعتراف انقبل الزعيم إلى رجل آخر وبدأ ذلك بأن أبلغني أنا ومييد بضرورة أن نهب واقفين إذا ما دخل علينا وأن لا نخاطبه بلفظة أنت TU الزعيم لا يعرف إلا الفرنسية مايلز بل بضمير أنتم VOUS أو نقتصر على:

سعادتك وباستثناء هذه الرسميات استمرت العلاقة ودية إلى نهاية عهده ولكن يوما بعد يوم كان يتضح أكثر وأكثر أننا أخطأنا في نقطة ما وإنه لابد أن نفكر في البديل في حالة سقوط الزعيم الأمر الذي أصبح مؤكدا.

تصرف المبتدئون الأمريكان مع حسني الزعيم تصرف رجال المافيا مع البرافان الذي يضعونه في مواجهة شركاتهم، أو مع رئيس جمهورية الموز الذي تعينه الشركة الأمريكية من خلال انقلاب عسكري المدرب الأمريكي يعطيه التعليمات ابتداء من ترشيح السفراء واعتقال الضباط إلى قائمة طعام سجن المزة وكما رأينا لم يقتصر الحديث على الكبة النية وحدها فليس بالخبز وحده حييا الأمريكان حدثوه عن إسرائيل واستجاب وعن التابلاين ووقع وصدق ونفهم من سياق القصة أنهم كانوا يجلسون وقد مدوا أقدامهم على الطريق الأمريكية ورئيس جمهورية سوريا وزعيم انقلابها وديكتاتورها ومعتقل زعمائها وخالب لب الغوغاء والمغفلين من الشباب العربي لأنه ثأر لهم من الخيانة ورفع كرامة الجيش السوري إلخ هذا الزعيم يدخل فلا يتحرك المدرب الأمريكي ولا يكلف نفسه الوقوف لرئيس جمهورية أو رئيس وزراء سوريا بل لعله كان يضع حذاءه في وجهة كما كان المندوب البريطاني يفعل مع فيصل الأول ملك العراق ولكن كان على الأمريكان أن يتعلموا أن الكرسي له ثقله وأن سوريا في 1947 غير العراق في 1920 ولذلك ثارت كرامة الزعيم وطالبهم على الأقل بالوقوف عندما يدخل عليهم ليوقع اتفاقية التابلاين أو ضم لبنان أو اعتقال السياسيين الفاسدين مطايا الاستعمار وثارت حمية الضباط لكرامة الجيش والدولة مع قليل من المنشطات البريطانية فقتلوا الزعيم وجاء الحناوي انجليزيا لينقلب عليه الشيشكلي ...إلخ.

ومن 1949 إلى 1952 سيتعلم الأمريكان الكثير وسيصبحون أكثر ذوقا في معاملة الرؤساء ولا شك أن مصر غير سوريا وجمال عبد الناصر لا يمكن قياسه بحسني الزعيم ولكن ستمر بنا لحظات ومشاهد في الرواية المصرية تجعلنا نتساءل أين رأينا هذا المشهد من قبل من يشبه هذا البطل؟ نعم سنرى ملامح تلك العلاقة بين المدرب الأمريكي والزعيم رفح التكليف... إعطاء النصائح في صيغة المدرس أو المربي الشخط أحيانا... بما لا يتفق والعلاقات الدبلوماسية العادية.

يكفي أن نتذكر أن زعيما عربيا ثوريا جاء بهذه الطريقة وعومل بهذه الطريقة ولكنه فشل في أن يستمر في الحكم لأسباب عديدة شديدة التعقيد أولها سوريا ذاتها، وآخرها أنه لم يكن له تنظيم في الجيش السوري.

بقية قصة الزعيم معروفة: أحاط بمنزله عدد من الضباط بتقدمهم واحد اسمه الحناوي ولكن القائد الحقيقي كان أديب الشيشكلي وقتلوا حسني الزعيم ودفنوه في المقبرة الفرنسية وأخبرني الشيشكلي فيما بعد: لقد أسدينا لكم معروفا بدفنه كعميل فرنسي .

استمرت الجماهير السورية تهتف لسنوات طويلة (بدنا نحكي على المكشوف) وهم لا يدرون أن زعماءهم الثوريين يمارسون ذلك منذ وقت مبكر جدا ولكن مع الأمريكان.

الدروس التي استفادتها المخابرات الأمريكية من تجربة سوريا هي:

1- المشكلة ليست في تغيير الحكومة بل في استمرار هذا التغيير إلى نهاية الطريق أصبح المطلوب سلطة على الاستمرار.
2- الوضع الأمثل هو الارتباط بتنظيم انقلابي موجود فعلا له تشكيلاته وله عناصره المخلصة وله قوة دفعة، وتصميمه على الاستيلاء على السلطة لأن الصفقة مع قائد جيش بمفرده انتهت بمقتله وحيدا.
3- عدم التسرع في فرض تسوية للقضية الفلسطينية فقد عرفت الأجهزة الأمريكية حقيقتين: الأولى: هي أن حكومتها غير راغبة أو غير قادرة على الضغط على إسرائيل والثانية هي: أن إسرائيل لا تريد تسوية سلمية ومن ثم فلا داعي لحرق القيادة الصالحة بالإصرار على دفعها في طريق الاستسلام لإسرائيل أو الصلح مع إسرائيل يكفي منع لحرب مع إسرائيل وإزاحة القضية الفلسطينية من برنامج العمل إلى برنامج الشعارات وهنا يقول مايلز كوبلاند ولو أننا لم نحب ذلك كثيرا إلا أنه كان لابد لنا من أن نعترف بأنه ما من قائد بوسعه أن يقود شعبا عربيا إلا إذا كان هناك خوف عام يؤثر على هذا الشعب فالمصريون توالت عليهم قيادات خلال عدة قرون أجنبية وفاسدة ولذا فكل القيادات مريبة ومشبوهة وكان قادة العالم العربي يستخدمون الخوف من إسرائيل لتحقيق مستوى من الوحدة الوطنية ورأينا أنه ما من سبيل لتجنب استخدام نفس الوسائل في مصر على ساس أن الخطر ضئيل في أن تتطور الأمور على نحو يخرجها من يدنا، نظرا للهزيمة الفادحة التي تلقاها الجيش المصري على يدي الإسرائيليين في حرب 1948 فضلا عن أنه لم تكن هناك فرصة كبيرة للنجاح في إبراز قائد لا يستخدم القضية العربية الإسرائيلية.

هذه نقطة على قدر بالغ من الأهمية، بل هي مفتاح فهم كل ما جرى ويجري حولنا في المنطقة للأسباب التي ذكرناها تخلي الأمريكيون عن محاولة فرض الصلح العربي الإسرائيلي وهذا يعني استمرار القضية ولذا قرروا استثمار ذلك فلكي تستمر زعامة القائد الذي سيمنع المعركة مع إسرائيل لا بأس بل من الضروري أن يتحدث ليل نهار عن المعركة ويسحق أيه معارضة تحت شعار: لا صوت يعلو على صوت المعركة وبهذا يتجنب المعركة ويبقى شعبه صابرا محتملا في سبيل المعركة وحسابات الأمريكان لم تخطئ إطلاقا فخلال المدة من 1952 إلى 1967 لم تطور الأمور أبدا على نحو يخرجها من أيديهم فلم مصر بأي هجوم على إسرائيل وإنما كانت الحرب كلها من ناحية إسرائيل وهذا مالا سيطرة للأمريكان عليه، أو بالأحرى لا خطر فيه على الأمريكان.

يقول تحت عنوان:
البحث عن قائد حقيقي في مصر 1951-1952
وكتب تحتها أبحث عن لاعب حقيقي وليس مخلب قط.

هذا هو عنوان الفصل الذي يتحدث فيه عن عمليتهم في مصر، هكذا بوضوح وصراحة لكن البعض لا يؤمن حتى يدخل الأصبع في جرحهم هم..

يقول:

الكثير من موظفي الخارجية الأمريكية، كانوا مازالوا على اعتقادهم بأن الانتخابات الحرة يمكن أن تأتي بقيادات صالحة، حتى في العالم العربي الأكثر فسادا في كل الشرق الأوسط ولكن دين اتشيسون وزير الخارجية نفسه، لم يكن متأكدا من ذلك فرغم أنه في العلن كان يتحدث بالأسلوب الدبلوماسي التقليدي، إلا أنه في السر كان يؤمن بأن استخدام وسائل غير تقليدية لمساعدة القوة الطبيعية مسألة تستحق التجربة وعليه استعار من المخابرات المركزية الحديثة التشكيل وقتها كيرميت روزفلت لرئاسة لجنة سرية عالية المستوى من المتخصصين بعضهم من وزارة الخارجية وبعضهم من وزارة الدفاع والبعض جيء بهم كمستشارين من رجال الأعمال المعنيين ومن الجامعات ولا أحد من المخابرات إلا كيرميت روزفلت ومهمة اللجنة دراسة العالم العربي وبالذات الخلاف العربي الإسرائيلي لتحديد المشاكل وتحديد الأولويات ووضع الحلول أي حلول سواء تتفق أو تعارضت مع قواعد السلوك المفترض للحكومة وخلال شهر أو أكثر طرحت عدة أفكار كلها غير تقليدية البعض اقترح فكرة إبراز زعيم إسلامي لتعبئة حركة دينية ضد الشيوعية ومضي إلى حد اختيار زعيم ديني عراقي لإرساله في رحلة في العالم العربي والفكرة في حد ذاتها لم تسبب إضرارا وتنفيذها علم اللجنة الكثير.
في مطلع 1952 أعدت لجنة الخبراء تقرير حال كاملا عن لعبة الأمم في الشرق الأوسط وأصبحنا مستعدين لعملية كبيرة وكان الضغط الدولي كبيرا بحيث رأينا أنه لا يمكن تأجيل العمل أكثر من ذلك.
وفي النهاية استقر رأينا على أن مصر هي نقطة الانطلاق فقد كانت مصر بلدا تستحق الأولوية في حد ذاتها ولنفوذها على الدول العربية الأخرى مما يجعل أي تحول فيها للأحسن (إلا حسن من وجهة نظرهم هو عين السوء لنا ج) سيكون له صداه في العالم العربي.
وكان في رأينا أن العملية ليست أكثر من زقة ليس فقط لطبيعة الأهالي وسياستهم بل لأنه كان لنا بعض المدبرين الذين ثبتت خبرتهم ولهم معرفة جيدة بالبلد بما فيهم كيرميت روزفلت نفسه.
نحب أن نشير هنا إلى نقطة أشار إليها كوبلاند وهي قوله أن رئيس المخابرات الأمريكية في مصر كان يتمتع بغطاء عنصري ethnic وفسر ذلك بأنه عندما يكون الشكل وجواز السفر واللغة تمكن ضابط المخابرات من الاختلاط بالمحيط العام وهذا يعني أنه كان مصريا أو على الأقل من جنسية شديدة التشابه مع المصريين ونحن نرجع الفرض الأول ونعتقد أنه أحد الأسماء التي لمعت جدا في عهد عبد الناصر خاصة وأنه قال في موضع آخر أن هذا الشخص كان أيضا رجل عبد الناصر مما يحصر شكوكنا في ثلاث أشخاص.
وكانت مهمة روزفلت بالتحديد عندما جاء للقاهرة يبحث عن الزعيم المنشود، هي أن يحاول أولا تنظيم ثورة بيضاء يكون فيها الملك فاروق نفسه مشرفا على تصفية النظام القديم واستبدال الجديد به وبذلك تجهض القوى الثورية التي كان عملاء المخابرات الأمريكية قد اكتشفوها قبل سنتين والتي كانت التقارير تؤكد أنها على وشك الانفجار ثانيا: في حالة فشله في إجراء هذه الثورة السلمية فعليه أن يبحث حوله عن احتمالات أخرى رجل واجهة نوجهه من خلف الستار أو رجل قوي أو خليط من الاثنين نتحفظ هنا على المهمة فصحيح ظل كيرميت روزفلت يحرك ويفرك في ما سمى بالثورة السلمية ولكن في اعتقادي أنها كانت مناورة على فاروق لتخديره وطمأنته من ناحية الأمريكان وليسمح لهم بالتغلغل في أجهزته، حتى يمكنهم التجنيد بداخلها وإبعاد العناصر التي لا أمل في تعاونها وتعود هذه الأجهزة على تلقي الأوامر منهم ومن ثم يمكن شلها في اللحظة الحاسمة ولحساب الانقلاب الحقيقي.

يقول:

كيرميت روزفلت حفيد الرئيس تيودوروزفلت وابن عم آرش روزفلت وكان يتمتع بشرهة عن شجاعته البدنية وهي تثير إعجاب سكان الشرق الأوسط إلى جانب صلاته الوثيقة مع كل القيادات الثورية والتقليدية في الدول العربية وإيران وقد انضم صراحة للسي آي أيه (المخابرات الأمريكية وتكتب هكذا cia ج ليجد أن المغامرات فيها مقيدة ونادرة ولذلك عندما أصبح صديقه القديم الجنرال بيدل سمث مديرا للمخابرات فقد رتب انتدابه في الجهاز الخاص لوزير الخارجية دلاس لتنفيذ مهام من طراز الروايات والأفلام كانت آخرها عملية آجاكس في أغسطس 1953 عندما نظم وجه تقريبا الإطاحة بمصدق وإعادة الشاه الذي كان قد هرب إلى روما وكانت الثورة السلمية في مصر 19511952 هي أول مهمة لروزفلت وكان الملك فاروق قد ازداد إعجابه بروزفلت خلال الحرب العالمية (الثانية ج) في الفترة التي كان البريطانيون يضغطون فيها عليه تحت فوهة المسدس حقيقة لا مجازا لكي يبعد العناصر المؤيدة للمحور من حكومته ويستبدل بها عناصر من اختيار الإنجليز وبينما كان فاروق يغلي في قصره عاجزا زاره روزفلت يوميا تقريبا، لتسليته ووعده بأن تعقد مع مصر، بعد انتهاء الحرب، صفقة جديدة وتصبح مصر مستقلة فعلا، ويصبح هو أول حاكم لمصر المستقلة في ألفي سنة (قالوا نفس الكلام مع تغيير بسيط (أول حاكم مصري من ألفي سنة)

وكلا القولين فاسد كاذب لا أساس له من التاريخ ج)

وكان فاروق يحب هذا النوع من الكلام وأحب روزفلت إلى حد استقباله بحماسة عندما رجع كيرميت إلى مصر عام 1952 ومن الناحية الأخرى لم يكن فاروق هذا الطراز الذي يبحث عنه روزفلت فصحيح أنه لم يكن غبيا إلا أنه كان يفتقد التركيز في اجتماع كان يبدي إدراكا واعيا لما يجري في بلده وبالذات لما يؤثر على نظامه ويوافق على علاجات روزفلت بكفاءة رجل أعمال في بتسبرغ وفي اليوم التالي يختفي في واحدة من مغامراته الجنسية وينسى أن ينفذ بعض الإجراءات التي وافق على ضرورتها لتحقيق خطة روزفلت وفي الأسبوع الثاني وبفعل أي عامل وقتي يتخذ قرار يفسد الخطة.

أقام روزفلت في مصر خلال شهري يناير وفبراير 1952 وخلالهما قام فاروق بالتالي:

1- تماشي مع مشروع روزفلت الذي يقضي بأن يدبر أقوى رجلين في الوزارة مرتضى المراغي وزكي عبد المتعال أزمة تجبر رئيس الوزراء على الاستقالة وفي نفس الوقت يكلف بوليسية السري بجمع أدلة تثبت أن الوزيرين عميلان للمخابرات الأمريكية.
2- وافقع على تعيين نجيب الهلالي وهو رجل يتمتع باحترام لكفاءته ونزاهته كرئيس وزراء وقد دعاه إلى الوزارة بطريقة لا يمكن أن تسمح له بقبولها وليس إلا بعد أن رجاه روزفلت على إنفراد باسم الثورة السلمية مشيرا إلى أن الثورة لن تبقى بيضاء إذا ما استمر الملك في عناده.
3- وافق على أن يقوم الهلالي بتطهير الحكومة ويخرج كل الموظفين الفاسدين ويحل محلهم موظفين من اختياره.

وطبعا نذكر شار التطهير قبل التحرير ومحاربة الفساد وكلها كانت شعارات هزلية على لسان الهلالي باشا وفي نظام فاروق ولكن نفس الشعارات ستستخدم في ظل 23 يوليو وسينسي الناس أنها الاستمرار لخطة الثورة البيضاء.

في مايو 1952 نفض روزفلت يديه يائسا ووافق مع السفير الأمريكي في القاهرة جيفرسون كافري أن الجيش وحده هو الذي يستطيع وقف تدهور الوضع وإقامة حكومة تستطيع الغرب أن يتفاهم معها.

كافري الذي كان أقدم سفير في الجهاز الدبلوماسي الأمريكي كان يعرف مصر جيدا وكان يعتمد على اثنين: الليوتنانت كولونيل: دافيد إيفانز مساعد الملحق العسكري ووليم لكيلاند الضابط السياسي.

كان روزفلت نافرا من الانقلابات العسكرية بعدما شاهده من آثارها على سوريا ولكنه وافق على اللقاء بالضباط الذين رصدتهم المخابرات الأمريكية على أنهم قادة التنظيم السري الذي عرف أنه يدبر انقلابا وهذا ما فعله روزفلت في مارس 1952 أي أربعة شهور قبل انقلاب ناصر وناصر الذي كان قد عرف باستكشاف المخابرات الأمريكية لتنظيمه كان مستعدا للقاء ورتب وضع عدد من ضباطه في طريق روزفلت هؤلاء لضباط الذين كانوا بعيدين عن مركز الحركة بما يتيح الاستغناء عنهم ولكن في نفس الوقت يمكن الاعتماد على قدرتهم على الكلام المناسب وحفظ الأسرار الأساسية لتنظيم الضباط الأحرار وقد تمت ثلاث اجتماعات من هذا النوع وفي الاجتماع الثالث حضر واحد من أقرب معاوني ناصر وأكثرهم تمتعا بثقته.

One of Nasser’s most trust lieutenants أن الاتفاق الكبير الذي تم بين روزفلت وهذا الضابط الذي كان يتحدث باسم جمال عبد الناصر يستحق الذكر حقا ففي ثلاث قضيا عامة تم الاتفاق في الحال الأول هي أن الجماهير التي تثور بسبب سوء الحالة الاقتصادية وكان روزفلت قد دخل في جدل طويل مع وزارة الخارجية الأمريكية حول هذه النقطة إلى حد أنه وزع عليهم نسخا من كتاب كران برينتون الذي عنوانه تشريح ثورة ليدعم رأيه بأنه ما من ثورة في التاريخ لها أسباب اقتصادية في جذورها وبالتالي فإن حكومتنا لا تستطيع التخلص من زعيم لا تحبه بمنع القمح عن شعبه ناصر كان يعرف في هذا الوقت ما ستثبته خبرته الشخصية فيما بعد وهوانه مهما منعت الولايات المتحدة المساعدات الاقتصادية بهدف إضعاف مركزه فأنه يخرج أقوى من قبل وشعبه يحمل الحكومة الأمريكية مسئولية تجويعه وليس ناصر.

النقطة الثانية: هي أن الجماهير المصرية لا يحتمل أن تثور لأي سبب كان هناك حركتان ثوريتان: الإخوان والحزب الشيوعي تعتقد أن الشعب المصري بما فيه الفلاحون والعمال والأفندية في المدن وحتى المهنيين اقتربوا من درجة الغليان ويمكن دفعهم تحت النداء المناسب للثورة، ناصر لم ير هذا الرأي وقد طرحت هذه النقطة بين روزفلت وممثلي عبد الناصر عندما قال أحد هؤلاء الممثلين أن من سيحكم مصر سيواجه مشكلة تلبية المطالب العديدة للشعب المصري وهنا قال رئيس هؤلاء الممثلين لناصر، أول جملة كاملة في تلك الليلة: (بالعكس ..إن مشكلتنا هي أن الشعب لا يريد كفاية ثم استمر: (أن معظم المصريين عاشوا الآف السنين على الكفاف، ويمكن أن يعيشوا ألف سنة أخرى على هذا الحال أنهم غير مهيئين للثورة، ولا مهيئين للاستفادة القصوى من حياتهم بعد الثورة ولذا بعد الثورة سنحاول جهدنا دفعهم لذلك ولكن ليس لدينا وقت لتحقيق ذلك قبل الثورة وهكذا لم يكن هناك مجال للحديث عن ثورة ديمقراطية أو شعبية وكان مفهوما من اللحظة الأولى أن الجيش المصري سيسيطر على البلاد ويختار الوقت التي تضمن تأييدا سياسيا وشعبيا في المدن، أما بقية البلد فسيجري كسبها فيما بعد.

وأخيرا تم الاتفاق على أنه في مستقبل العلاقات بين الحكومة المصرية الجديدة وحكومة الولايات المتحدة فسيقتصر استخدام عبارات من طراز إعادة المؤسسات الديمقراطية أو الحكومة القائمة على تمثيل حقيقي للشعب ستقتصر على الوثائق المتاحة للعامة أما فيما بيننا فيقوم تفاهم مشترك على أن شروط قيام حكومة ديمقراطية غير متوفرة في مصر ولن تتوفر لعدة سنوات طويلة وأن مهمة الحكومة الجديدة هي توفير هذه الشروط وهي:

1- شعب غير أمي.
2- طبقة وسطى كبيرة ومستقرة .
3- شعور من الشعب بأن هذه هي حكومتنا وليس مفروضة من الفرنسيين أو الترك أو الإنجليز أو الطبقة العليا المصرية.
4- إرساء قيم ومثل حقيقية تضمن قيام ونمو مؤسسات ديمقراطية حقيقية وليس مجرد تقليد مستورد من الولايات المتحدة أو بريطانيا.

وقد اتفق روزفلت وممثلوا ناصر الكلام ما يزال لمايلزكوبلاند على أن الرأي العام الأمريكي والكونغرس وبعض الصحفيين وبعض موزفي الخارجية الأمريكية وغالبا ما يكون وزير الخارجية نفسه من بينهم سيبدأ على الفور في النباح بالشعارات القديمة وفي نفس الوقت تأكدوا أن أي محاولة سابقة لأوانها لتطبيق الديمقراطية ستضع البلاد مرة أخرى في الفوضى السابقة أي انتخابات بين مرشحين مدعومين من بريطانيا وأميركا ضد مرشحين مدعومين من الروس لعلنا نكتشف الأصل الفلسفي لحكاية حزب تابع للشرق وحزب تابع للغرب ج) و 24 مليون فلاح من 28 مليونا ينتخبون وفقا لتوجيهات الإقطاع بينما يتفجر سخط المدينة في شكل اضطرابات وتصبح إثارة الشغب هي الوسيلة الوحيدة للحصول على نفوذ سياسي فينضم الشباب للإخوان أو الحزب الشيوعي لمخرج لنشاطهم المكبوت.

وهناك نقاط كان من الصعب الاتفاق عليها ولكنها شكلت رغم ذلك فهما مشتركا للدوافع التي ستكون خلف الانقلاب القادم.

وهناك نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي موقف ناصر من إسرائيل فالسياسيون والكتاب والمواطنون العاديون في أي بلد عربي وكذلك معظم الدبلوماسيين الغربيين الذين يزورون شتى البلاد العربية سيقولون لك أن استرداد فلسطين يأتي على قائمة الأولويات لأي بلد عربي حتى أن صحفيا في مستوى محرر الديلي تلغراف ظل لعدة سنوات يصر على أن هزيمة مصر ضد إسرائيل كانت عنصرا فعالا في تفكير الذين دبروا الثورة المصرية ولكن بعد خمس سنوات من حوار المعسكرات ومحادثات شخصية من مئات الضباط قرر ناصر ومعاونوه العكس لقد تبينوا أنه قد يكون من المفيد لخدمة هدف آخر الحديث عن تعبئة موارد مصر لتصحيح ما حدث في فلسطيني ولكن مثل هذا الحديث في 1952 هو عمل طائش إذا ما استخدم لإثارة ثورة في مصر.

وقد اعترف ناصر لروزفلت أنه هو وضباطه امتهنوا على يد الإسرائيليين ولكنه أكد أن غضبهم كان ضد ضباطنا الكبار العرب ... الإنجليز ثم الإسرائيليين على هذا الترتيب.

أظن أن هذه جرعة كبيرة تحتاج لوقفة طويلة جدا...

1- في أواخر عام 1951 أو مطلع 1952 استقر رأي لجنة الخبراء على تجربة الانقلاب في مصر وكلفت كيرميت روزفلت بهذه المهمة للصفات العديدة التي يتمتع بها ومنها صلاته ومعرفته بمصر وملك مصر.
2- كان للمخابرات الأمريكية شبكة واسعة في مصر يرأسها شخص مصري أو يسهل اندماجه بين المصريين وهو في نفس الوقت رجل عبد الناصر.
3- ظل كيرميت في مصر شهرين يدرس النظام القائم بحجة تدبير ثورة سلمية تحت رعاية الفاروق واستطاع التغلغل في أجهزة الأمن وشلها أو بلبلتها ليلة الانقلاب.
4- اكتشفت المخابرات الأمريكية تنظيم الضباط الأحرار، وهذا يعني بوضوح أنها لم تنشئة بل كان تنظيما مصريا وطنيا في مجموعة وأن ضم عناصر من شتى المخابرات المحلية والعالمية كما هو الحال في كل التنظيمات السرية وهذه نقطة على جانب كبير من الأهمية فالضباط الأحرار غير إخوان الحرية الضباط الأحرار وعلى كل المستويات تنظيم وطني مصري ضم عناصر وطنية لو خطر ببالها أن بعض رفاقها يجتمع يتصور أن بغدادي أو صلاح سالم أو كمال الدين حسين قد علم بذلك أ, دار بخياله بل حتى خالد محي الدين وإن كان قبوله حذف الاستعمار الأمريكي من المنشورات يثير علامة استفهام؟
5- شعر جمال عبد الناصر أو أبلغ عن طريق وسطاء الخير، باهتمام الأمريكان فوافق بذكائه السياسي النادر، وشبقه للسلطة الأشد ندرة وتميزا على مقابلتهم ومرة أخرى هذا يعني أن عبد الناصر لم يخترعه الأمريكان ولا فرضوه على التنظيم وإنما رضوا انتصاره واستمراره في السنوات الأولى حتى استقر وانطلق معتمدا على تنظيماته.
6- تدرجت اللقاءات حتى وصلت إلى اجتماع على مستوى أكبر معاوني نصار أو على الأقل الذي يتمتع بأكبر قد من ثقته وهي اجتماعات كانت واضحة وصريحة بين الضباط الأحرار أو مجموعة ناصر وبين المخابرات الأمريكية للاتفاق على برنامج الانقلاب أو الثورة كما حلالهم تسميته.
7- كل اتفاق كل مفاوضا إنما تدور حول: ماذا تعطيني وماذا تريد مني... ولا نظن أن استنتاج بنود الصفقة عسير علينا الضباط الأحرار يريدون دعم المخابرات الأمريكية لنجاح الانقلاب أما كيف فهذه من النقاط التي حجبها المؤلف ولاتي لن يكشف عنها الستار أبدا لأنها سر المهنة الذي يستخدم في أكبر من بلد، ولأنه يكشف أسماء لا يريدون لها أن تكشف كذلك طلب الضباط الأحرار تقدم تأمين أمريكي ضد احتمال تدخل بريطانيا ودعم أمريكي بعد نجاح الثورة في مقابل ماذا؟
أما أن نخرج في مسيرة للسفارة الأمريكية نشكرها على اهتمامها بتحرير الشعب المصري أو نتساءل نجدية: ما الذي تعهد الضباط الناصريون بدفعه مقابل وضعهم في السلطة؟
8- اتفق المتآمرون يستحيل علينا من باب الذوق أن نصف كيرمييت روزفلت بالثورة فهذا يسيء إليه طبعا ولذلك لم نستطع أن نقول الثوريون على أن مصر غير ناضجة للديمقراطية وأنهم لن يهتموا بثرثرة المسئولين الرسميين الأمريكان عن ديكتاتورية الحكم، فأمام الحكومة الثورية مهمة طويلة تستغرق الأجيال حتى تتوفر الظروف لقيام الديمقراطية مثل محو الأمية وخلق طبقة وسطى.. ولعل هذا يفسر حرص الثورة على عدم محو الأمية، واهتمامها بضرب الطبقة الوسطى.نكتة...
9- فلسطين لم تكن قضية الثورة، ولا شاغل الضباط رقم واحد، وهذه قضية معقدة وفيها بعض اللبس أو التحايل فالحقيقة أن اهتمام الضباط الأحرار الأول في 1952 كان الاحتلال البريطاني وكذلك الشعب المصري كله، وهذا طبيعي فهو الاستعمار المستوطن وهو جوهر الحركة الوطنية خلال سبعين سنة وكانت الفكرة السائدة وقتها أن مصر المتحررة من الاستعمار هي التي ستقوى على مواجهة إسرائيل ولكن تعميم هذا الوضع التاريخي ليندرج على المستقبل ويفسر موقف عبد الناصر من إسرائيل خطأ وتحايل وليس صحيحا أن عدم فهم المسئولين الأمريكان لهذا الموقف اللامبالي من عبد الناصر أو كما قال هو عدم اهتمام استرجاع فلسطين هو سبب الأخطاء التي ارتكبت في العلاقات الأمريكية الناصرية.
10- هذا الجزء مكتوب بمكر شديد فهناك حوار بين ناصر وكيرميت ولكن هناك أيضا إيحاء ولو بالسالب أن عبد الناصر لم يقابل كيرميت روزفلت وعلى أية حال هذه نقطة لا نركز عليها كثيرا، كما أشرنا فمن المؤكد أن اجتماعا واتفاقا قد تم بين ناصر وكيرميت روزفلت سواء مباشرة أو عن طريق رجل عبد الناصر وموضع ثقته.

وعندما رجع كيرميت روزفلت من القاهرة قبل الانقلاب بشهرين (يعني ما يوج) قد تقريره إلى وزير الخارجية دين اتشيسون قال فيه:

1- أن الثورة الشعبية التي تتحسبها وزارة الخارجية ويعمل لها الشيوعيون والإخوان ليست في الحسبان.
2- لا توجد وسيلة لمنع الجيش من القيام بانقلاب أحببنا ذلك أم كرهناه.
3- أن الضباط الذين ينتظر قيادتهم الانقلاب لديهم دوافع عادية بعكس الطموحات التي ينسبها إليهم المراقبون الدبلوماسيون الأمر الذي يزيد من فرص انتصارهم بل ويجعلهم أيضا مفاوضين معقولين بعد استيلائهم على السلطة.
4- أن الحكومة الأمريكية ستقبل إبعاد فاروق وربما إنهاء الملكية كلها وإن كان لا مانع طبعا من صدور احتجاج رقيق لا راحة الضمير.. TO HUMOR THE PURE IN HEART وسيكون من المستحسن أن يبدي السفير كافري بعض الاهتمام بسلامة فاروق الشخصية وهذا يوضح أن نبل كافري كان بالاتفاق أو بالتعليمات وليس كما استنتج مؤلف حبال الرمال ج.
5- بعد الانقلاب ستمتنع حكومتنا ما عدا في الظاهر عن حث القيادة على إجراء انتخابات أو إنشاء حكومة دستورية وما أشبه.. وستقيم علاقتها مع الحكومة الجديدة في ضوء القناعة بأن المؤسسات الديمقراطية يجب أن تبني من الصفر.
6- لا يجوز أن يستنتج أحد في حكومتنا من كل هذه الاجتماعات التآمرية التي تمت قبل الانقلاب أنه انقلابنا...

THAT FOR ALL THESE CONSPIRAL PRE- COUP MEETINGS, no one in our government must get the idea that it is our coup بل ستكون عملية داخلية indigenous حرة تقريبا الأقواس من عندنا almost من نفوذنا ويمكننا مساعدتها فقط بعدم معارضتها أما فيما يتعلق بالحاجة إلى عدو يوحد الجماهير فلن تكون إسرائيل هذا العدو بل الطبقات العليا المصرية وشئنا أو أبينا الإنجليز أيضا.

وكان لدى روزفلت الكثير ليقوله عن نوعية القائد المنشود أو بالأحرى الذي سيبرز من الانقلاب شئنا أو أبينا فقال أنه يوافق مبدئيا على الحاجة إلى زعيم محبوب ولكن ظروف مصر الخاصة في هذه اللحظة تفرض قائدا أقل جاذبية مما قدرنا، إلا أنه قادر على السيطرة بل سحر مجموعة صغيرة من الرجال وهي المجموعة التي قابل روزفلت ممثليها .

ثانيا: سواء نجح هذا الشخص في أن يكون زعيما شعبيا أو ظل مجرد قائد لحلقة تقود بدورها البلاد فإن صفات هذا القائد لا يمكن أن تتفق والمقاييس الغربية لرجال الدولة وإذا لم نكن نعرف كيف نتعامل مع هذا الطراز فيجب أن نتعلم وإذا لم ينتصر الشخص الذي نراهن عليه فسيكون هناك شخص آخر من نوعه وآخرون في البلاد الأخرى التي تمر بنفس الظروف.

وهنا نأتي إلى نقطة تعمد مايلز كوبلاند أن يجعلها غامضة عسيرة الفهم علي من لا يريد أن يفهم.

قال أن كيرميت روزفلت حاول وهو أمر طبيعي أن يسجل أقل المعلومات والتفاصيل الممكنة في تقاريره المكتوبة لوزارة الخارجية الأمريكية، لكي لا يرعب لجان التحقيق التي قد شكلها الكونغرس في المستقبل.

وهذا ما أشرنا إليه في قدرتهم على إخفاء المستندات وأن تشد قوا فترة بحرية المعلومات وحق الكونغرس في أن يعلم كل شيء ويضيف.

ولذلك لم تكن هذه التقارير توضيحا صريحا لمحاولات العثور على قائد متعطش للسلطة ويتمتع بكفاءة قيادية بونابريته، ولديه القدرة على توحيد شعبه حو الخوف ولكن تقارير كيرميت الشفوية كانت أكثر صراحة فقد أخبر رؤساءه أن أي شخص متعطش للسلطة لن ينتظر حتى يدعوه متآمر أمريكي لهذه السلطة أما عن الصفتين الأخريين المطلوبتين فليستا حتى يدعو متآمر أمريكي لهذه السلطة أما عن الصفتين الأخريين المطلوبتين فليستا من النوع الذي يظهر على السطح في اختبار كشف الهيئة ولكن المحصلة التي خرج بها من اجتماعاته في القاهرة هي أن شخصا ما في مصر مرتبطا بالضباط الذين قابلهم لديه فكرة متقدمة جدا لما يتطلبه الاستيلاء على السلطة في مصر والاحتفاظ بها وإن هذا الشخص سيفعل ذلك وإن كل ما نأمله هو أن ملاحظات روزفلت قد وصلت لهذا الشخص وأن تفاهما مشتركا يمكن تنظيمه عندما يحين الوقت ولا شك أن هذا الشخص سيفهم ماذا يريد وما هو الثمن الذي سندفعه في المقابل وبناء على ما تجمع لدى روزفلت من هؤلاء الضباط الذين قابلهم فإن عرضنا قد قبل عن طيب خاطر EMINENTLY وتم الانقلاب.

كان كل شيء على ما يرام لم تصدر تصريحات عنيفة من الطراز الذي تعودناه بعد الانقلابات السورية بل كان التركيز على القضايا التي تهم أية قيادة ناضجة محاربة الفساد بناء حكومة أكثر كفاءة إصلاح الأحزاب السياسية ولا شيء عن إسرائيل: nothing was said about Israel وعندما نطابق ذلك مع ما حدث فعلا فإن من حقنا أن نشك في النظريات التي طرحت بعد ذلك عن أهمية التنمية قبل حرب التحرير ضد إسرائيل والتكنولوجيا قبل الحرب إلخ الأمر أبسط من ذلك أنه اتفاق عقد وموقف اخذ بناء على طلب المنتج الأمريكي تجميع الشعب على كراهية الأغنياء المصريين بدلا من إسرائيل وإن كانت إسرائيل بعدوانها لن تتيح الفرصة أبدا لكي ينساها الشعب

يقول كوبلاند: وقد تمادى محمد نجيب في حديثه فقال: أنه غير مهتم بفلسطين ولكن عاد فاتصل بالسفير كافري بعد بضع ساعات وطلب سحب التصريح واستبدل به آخر أقل رواجا في السوق الأمريكي ولكنه أكثر التقاء مع ناصر وما كنا نعرف أنه ضروري لكسب الحكومة الجديدة القبول الشعبي.

كان كل شيء يدل على أننا قد ضممنا إلى الفريق لاعبا جديدا تنطبق عليه المواصفات التي نريدها كانت واشنطن الرسمية سعيدة.

Official Washington was delighted وبعض الماعز عندنا لا تزال سعيدة، فخورة بالثورة التي فاجأت الاستعمار وقلبت خططه وسودت ليله ونهاره هل يمكن أن تشترك في السعادة من حدث تاريخي واحد كان من واشنطن الرسمية والقاهرة الشعبية؟

ويقول: ولو أن كيرميت أخذ عبد الناصر بقوله أنه ليس قائد الحركة الثورية، إلا أن أعضاء السفارة في القاهرة وبالذات وليم ليكلند الضابط السياسي بالسفارة أكتشف على الفور أن جيب ليس إلا الواجهة لعبد النصار وقد أصبح صديقا للضباط الأحرار من جماعة ناصر من خلال محمد حسنين هيكل الذي أصبح فيما بعد أقرب أصدقاء ناصر ومحل ثقته ولكنه وقتها كان مجرد محرر يعمل في صحيفة يملكها صديق ناصر مصطفى أمين ومن خلال هيكل قابل ليكلاند عددا كبيرا من قيادات الضباط الأحرار بما فيهم ناصر وخلال الشهور التي تلت الانقلاب كان يرحب بهم باستمرار في شقته المطلة على النيل وبينما الشعب المصري في الخارج يهتف لنجيب كانت السفارة عبر ليكلاند قد بدأت تتعامل مع ناصر باعتباره الرجل الوحيد الذي يملك القرار واستمر السفير يقال نجيب أحيانا في زيارات رسمية أو لتسليمه رسائل من واشنطن وخاصة إذا كانت من النوعية الذي لا يهتم السفير بضياعه أما العمل الحقيقي بين الحكومتين الأمريكية والمصرية فكان يتم بين ليكلاند وناصر، أو بالأحرى بين ليكلاند وهيكل وناصر.

بعد الانقلاب تجنب روزفلت وأعضاء لجنته الخاصة، أي أتصال مباشر مع ناصر، وكانوا سعداء بمراقبة التطورات في مصر من بعيد، وكان هذا من ناحية لتجنب شبهة المؤامرة معه ومن ناحية أخرى لأن الأمور كانت تجري في الاتجاه الذي خطط له وليس إلا بعد وصول إيزنهاور للسلطة حتى أننا قررنا أن نكرس اهتماما مباشرا لتقدم ثورة ناصر وصول إيزنهاور للسلطة 1953 حتى أننا قررنا أن نكرس اهتماما مباشرا لتقدم ثورة ناصر كانت رغبة شخصية من إيزنهاور، أن نقوم بدراسة هذا اللاعب الجديد بدقة أولا لنتأكد أنه يمضي كما توقعنا وهكذا فعشية زيارة جون فوستر دلاس للشرق الأوسط قرر دلاس أيهما؟ج لقد حان الوقت لنرى: الأولاد دول حيطلع منهم أيه وهكذا أمر روزفلت بإرسال: رجل عسكري للقاهرة ليقومهم من التقييم ج واختار روزفلت ستيف مييد رجل الانقلاب السوري.

ويبدو أن مجموعة مايلز كوبلاند لم يسعدها التدخل في شئونهم أو التفتيش على شغلهم وربما دسوا للرجل عند عبد الناصر على أية حال كوبلاند يدعى أن وصول مييد أثار عبد الناصر إذا اعتبره دليلا على أن وزير الخارجية دالاس يعتقد أن ثورته لا تخلف عن انقلابات أمريكا الجنوبية.

ومع ذلك فإن دراسات مييد مثيرة والحوار النظري في دوائر المخابرات الأمريكية يفوق في ثوريته مناقشات هيئة التحرير في ذلك الوقت كما يبدو أثره واضحا في مناقشات التنظيم الطليعي في ما بعد.

قال كيم روزفلت لدلاس: لايمكن أن تحقق ثورة بدون ثوريين.

أما نظرية مييد فهي: أن سوريا لا يستقر بها انقلاب بسبب كثرة الانقلابيين أما مصر فلم تكن ثورة ولا انبثقت من ثوريين، بل نتيجة تخطيط وتنظيم عبد الناصر ولذلك سيعيش انقلابها وهؤلاء الفتية أعضاء مجلس الثورة يعتبرون أنفسهم عصابة روبن هود كتب مييد ذلك إلى روزفلت وأضاف أنه يسعدهم أن يوصفوا بإبطال الثورة ولكن لم أجد فيهم وأحدا يستطيع أن يصف لي ما هي الثورة أنهم غير مهتمين بالسياسة لحسن حظ ناصر، وحسن حظنا جميعا فهم يطلبون ويحتاجون لشخص يخبرهم كيف يفكرون وماذا يفعلون ولن تكون هناك مشكلة في التخلص منهم.

وهذا صحيح تماما.. ويفسر كيف تلاعب أصحاب الخط الحسن بالدراويش من طراز بغدادي وكمال الدين حسين وأمثالهما من الذين لم تكن لهم خلفية سياسية، وكيف جن صلاح سالم فور أن تعلم السياسة وكيف قال ناصر بصريح العبارة لخالد لا مكان لك في مصر لأنه كان يعرف شوية سياسة مع الكثير من السذاجة.

قال مييد في فلسفة الثورة غير المنشورة.

أن انقلاب ناصر لم يسقط النظام بل إقامة فالعمل السري قبل الانقلاب لم يكن يستهدف بناء قوة ثورية تستولي على السلطة، بل إلى وضع رجاله في مراكز السلطة حتى يمكنهم أن يصدروا الأوامر عبر التسلسل والوظائفي المشروع وكانت المشكلة هي في إيجاد مركز له يعدل دوره في التنظيم السري ولكن محمد نجيب حل هذه المشكلة برتبته العالية ج وإن كان قد سبب نتائج عكسية.

قال ناصر للجنرال كابل نائب مدير المخابرات الأمريكية أنه اختار الاعتماد على الضبط والربط في الجيش في تنفيذ الحركة.

مييد الذي حاول إقناع حسني الزعيم بخلق تركيبة مرتبطة بانقلابه اعتبر ما فعله عبد الناصر يجب أن يكون دليل عمل لأي محاولة أخرى .. وهو كيف تدبر انقلابا وكيف تدعمه بعد النجاح ..

إن ناصر كان يعلم أن الانقلاب سيعتمد على الجيش، وعلى قبول البلاد للجيش وكان يعلم أن كل أشباه المثقفين والسياسيين المتطرفين والمتعصبين من كل نوع يصفقوني للثورة ويعتبرونها فرصة لفرض إصلاحاتهم وإذا سمح لهم فسيتظاهرون ويعطون انطباعا بحيوية زائدة بل حتى ادعاء تمثيل قطاعات من الشعب إلا أن كبح إغراء ضمهم للثورة كان ضروريا فكل قيمتهم هو في الشغب الذي يثيرونه إن العامل المشترك في رجال الثورة أنهم لا ثوريون فقد كانوا ينظرون إلى ناصر باعتباره الرجل القادرة على بناء جيش قوى وإعادة الضبط والربط إلى صفوفه أي تحقيق الصورة التي كانت في أذهانهم عندما انضموا للجيش.

إن رجال تنظيم الضباط الأحرار يعادون المثقفين والفوضى والتسيب، وضد التحرر الاجتماع والانفتاح الجنسي وغيرها من مظاهر مصر الملكية.

أهم عنصر في رأي مييد في مناعة النظام الناصري هو قناعة ناصر بأن تدعيم مركزة يجب أن تكون له الأولوية على أي هدف آخر وهذا التصميم جعل عبد الناصر يأخذ خطوات حيرت المراقبين الغربيين، على سبيل المثال لقد سمح باستمرار وضع أدى إلى إضرار بالغة بعلاقات مصر مع السودان لمجرد أن ذلك يمكنه من إدانة أحد معاونيه الذي كان قد أصبح قويا لدرجة خطيرة هذه نقطة مهمة جدا يجب أن نرجع إليها في فصل السودان وما اكتشفه صلاح سالم من أنهم يعملون على فصل السودان. ج ولكن مييد دافع عن ذلك بأنه سلوك ضروري ويجب الاننزعج من حدوثه.

أما رأي ناصر بأنه عن القيادة أو النخبة الطبيعية فقد وصل إلى حكومتنا ليس عند طريق مييد بل عبر قناه هيكل ليكلاند وقال عبد الناصر للسفير الأمريكي: إن كان يعتقد أنه يحتاج إلى حرية مطلقة في التصرف دو مبالاة بالرأي العام وهذه الآراء لم تزعج ستيف مييد خبيرا استمرارية الانقلابات ولكنها أزعجت كيرميت روزفلت وعندما أبلغه مييد أن ناصر يعيد تنظيم القيادة لكي يقيم ديكتاتورية فاشية عسكرية عمل روزفلت على إرسال جيمس إيكلبر غر أحد علماء السياسة في وزارة الخارجية والذي كتب دراسات ممتازة عن النظم العسكرية في الدول المختلفة وكان روزفلت قد اقترح مساعدات اقتصادية ضخمة لمصر، وعلى وشك أن يطلب مساعدات عسكرية وكان يعتمد أن الدراسة التي سيقدمها إيكلبرغر ستمكنه من إقناع الوزير دلاس بسياسات عبد الناصر، وإذا لم يكن بوسعه الدفاع عن هذه السياسة فيحاول إقناع عبد الناصر بتغييرها.

وقد عين كافري غيكلبرغر للعمل معه مباشرة بعيدا عن جهاز السفارة، ونظم إمداده بمعلومات الخارجية والمخابرات وكان على إيكلبر غران يقدم تقرير موقف وتوصيات أما القرار الأخير فكان لكافري وقد أجرى أيكلبر غر مناقشات طويلة مع أعوان ناصر من العسكريين والمدنيين وبالذات محمد حسنين هيكل المخبر الصحفي الذي كان خلف كتاب عبد الناصر: فلسفة الثورة ومع ناصر نفسه.

ومن محصلة هذه الاتصالات والاستجوابات والفحوصات يقول لنا مايلز كوبلاند أعد عدة دراسات ترجم بعضها للعربية وأرسل إلى عبد الناصر كأهم المشاكل التي تواجه الحكومة الجديدة وأساليب معالجتها وأهم هذه الدراسات واحدة بعنوان مشاكل السلطة لحكومة ثورية وقد وضعها كوبلاند في ملاحق كتابه ومن شاء الرجوع إليها للاستفادة فليفعل وقال: وترجمت للعربية وعلق عليها عدد من معاوني ناصر ثم ترجمت مرة أخرى للإنجليزية ليضيف إليها إيكلبرغر وينقح، وهكذا من الإنجليزية للعربية وبالعكس حتى ظهرت النسخة الأخيرة منسوبة لزكريا محيي الدين، وتقبلها العالم بما في ذلك ألس آي أيه على هذا الأساس.

وقال كوبلاند

ولنذكر أن جوهر القضية في دعمنا لناصر هو أن يصبح لنا في السلطة في واحدة من أهم الدول العربية القائد الذي تتوفر له السلطة الكافية لفرض قرار غير محبوب مثل توقيع السلام مع إسرائيل ولذا فإن أول خطوة في برنامجنا وبرنامج ناصر هي فرض سلطته هذه ولو بالقوة.

وعندما اعتذر ناصر لجونسون المبعوث الشخصي للرئيس الأمريكي عن عدم استطاعته إقناع شعبه بقبول مشروعات جونسون لاقتسام مياه الأردن مع إسرائيل فسأله جونسون كيف يكون قائدا صالحا إذا كان ينافق شعبه؟

رد عبد الناصر أن أولى مهمات القائد هي أن يبقى قائدا فإذا تمكن من ذلك يستطيع وقتها أن يدبر كيف يكون صالحا. وأنا أعرف أن الغوغاء في بلادي إذا تركوا لغرائزهم فسيضرون أنفسهم ولكن هذا لا يعني أنني أستيع تجاهل عواطفهم دائما.

وفسر كوبلاند ذلك بأن سياسة عبد الناصر هي اللعب بشعارات الجماهير العاجلة التي لا تمثل مصالحها الحقيقية لكسب الوقت حتى ينمو فيهم الوعي بمصالحهم الحقيقية على أن يتم ذلك بالتناسق مع امتلاك الوسائل لتحقيق هذه المصالح.

وإذا كان التعاون التنفيذي بين المخابرات الأمريكية ورجال عبد الناصر، قبل الانقلاب ويوم الانقلاب لا يزال من الأسرار وربما يبقى كذلك خاصة إذا لم نعرف من هو هذا الشخص العجيب الذي كان رئيسا لمحطة المخابرات الأمريكية في مصر والذي كان في نفس الوقت رجل عند الناصر إلا أن المعلومات أكثر عن التعاون الوثيق بين الأمريكان ونظام عبد الناصر بعد 23 يوليو وفي الميدان الذي يعتبر من أخص خصائص السيادة والذي يستحيل تصور وقوع التعاون فيه بين استعمار وثورة بل حتى بين دولتين تحرص واحدة منهما على سيادتها وأمنها واستقلال قرارها .. وأعني ميدان الأمن والمخابرات فضلا عن الإعلام والعلاقات الأمريكية المصرية.

فالي جانب الدراسات والمحاضرات والتعليمات التي يحفل كتاب كوبلاند بنماذج منها توجد اعترافات ناصرية تؤيد هذا التعاون فهذا حمروش يقول:

قدم الأمريكان منذ اللحظة الأولى خبرتهم لتنظيم المخابرات بعد أن كانت في عهد الملك محدودة الأثر محصورة في البوليس السياسي الذي كان يشرف عليه مأجور سانسون الذي أسس جمعية إخوان الحرية المتصلة بالمخابرات البريطانية والذي أصبح فيما بعد ضابط أمن بالسفارة البريطانية حتى رحل عن مصر فجأة يوم 31 يناير 1953 كما نشرت الصحف المصرية وعين بعد ذلك في ليبيا وألف كتابا عن حياته في مصر باسم تجسس على الجواسيس.

قبل 23 يوليو، لم يكن هناك جهاز من يعرف باسم المخابرات العامة وكان عدد ضباط المخابرات الحربية في الجيش 15 ضابط فقط، وعدد ضباط القسم المخصوص بالبوليس السياسي 24 ضابطا.

وقد استعان زكريا محيي الدين بعدد من الخبراء الألمان إلى جانب تقارير المخابرات المركزية الأمريكية التي كانت تقترح توحيد أجهزة الأمن.

وأعد زكريا محيي الدين مشروع قانون المخابرات على أساس الهيمنة على كافة أجهزة المخابرات في إدارة واحدة منعا لازدواج الجهد وكثرة التكاليف وهذا لا يعني ضمها في جهاز وإنما يعني التنسيق بينها بفكر ورأي واحد.

كان ضباط المخابرات العامة قد تحولوا قد تحولوا إلى مدنيين في سبتمبر 1955 وأنشئ في نفس العام المعهد الاستراتيجي بجوار برج القاهرة الذي دفعت المخابرات المركزية الأمريكية ثمن إنشائه 3ملايين دولار كما سبق ذكره وكانت تدرس فيه محاضرات المخابرات المركزية الأمريكية عن طريق شركة بوز آلف وهاملتون لضباط المخابرات والمباحث وضباط أمن الوزرات وبعض أعضاء السلك الديبلوماسي بالخارجية وذلك حسب رواية فريد طولان مدير المعهد في ذلك الوقت.

كانت النموذج الأمريكي هو المثال الذي تهتدي به أجهزة المباحث والمخابرات في ذلك الوقت وقد تسربت أجهزة المخابرات الأمريكية إلى بعض ضباط هذه الإدارات كما حدث عندما ذهب البكباشي أحمد حلمي مدير قسم مكافحة الشيوعية بالمباحث العامة إلى أمريكا لعمل غير معروف دون استئذان أو بلاغ الجهات المختصة إذا كان قد أبلغ أنه يقضي إجازته السنوية في قبرص وشوهد هناك مصادفة ولما علم زكريا محيي الدين بذلك أصدر قرارا بإحالته إلى الاستيداع حيث بقي لمدة عام وانتقل بعد ذلك إلى أجهزة البوليس العادية بغير محاكمة حدث التسرب الأمريكي رغم أن وزارة الداخلية لم تحتفظ في المباحث العامة سوى بأربعة ضباط فقط من رجال البوليس السياسي السابقين ورغم أن العسكريين فرضوا إشرافهم على وزارة الداخلية منذ الأيام الأولى.

وعبثا نفهم كاتبا غير مخلص فنحن لا نفهم معنى قوله رغم أن إن إخراج رجال السراي والإنجليز من المباحث العامة وسيطرة العسكريين المتحالفين مع الأمريكان كان الشرطة الضروري لتوفر المناخ الصالح للتسرب الأمريكي وهذه غلطة قاتلة تسقط فيها هذه الانقلابات إذ إن الانفتاح والتعاون الصريح مع أجهزة المخابرات الأمريكية أو الأجنبية يعطيها شعورا كاذبا بالاطمئنان أن هذه وهم لأن المخابرات الأجنبية تنتهز هذا المناخ وهذا الانفتاح لزرع عناصرها وتدمير العناصر الوطنية المعارضة في أجهزة الأمن ولعل هذا يفسر لنا السهولة التي يتم بها الانقلاب الأكثر أمريكية فيما بعد أو حتى اغتيال رئيس الدولة أو اعتقاله من أقرب المقربين له أو من يظن أنه أخلص أعوانه أن فترة التعاون مع المخابرات الأمريكية قد أدت إلى تسرب لا يعلم أحد مداه، من جانب هذه المخابرات داخل مؤسساتنا خاصة وأن الذي يقبض عليه متلبسا أن صحت رواية حمروش يعاقب بالاستيداع سنة ثم يعاد للخدمة معززا مكرما بلا محاكمة في وقت كان العمال يشنقون فيه لأنهم يطالبون ثورتهم بتحسين أحوالهم وكان من يضبط بتهمة أعطاء بعض الطعام لأسر المعتقلين من الإخوان يسجن ربع قرن!

ويقول حمروش: أرسلت الحكومة المصرية عدة بعثات تدريبية في أعمال البوليس والمخابرات مثل الصاغ حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية العسكرية بالبوليس الحربي الذي حصل على فرقة في معسكر كامب كوردون بولاية جورجيا وهذا مثل وحيد لعشرات من الفرق.

وحمروش حزين أو عاتب لأن الثورة المحبوبة استعانت بأسوأ العناصر، من أعوان النظام المنهار بل النفايات التي كانت الحركة الوطنية قد عزلتهم تماما مثل نجوم دار أخبار اليوم ومثل حسين عرفه الذي كان يتولى حراسة الملك فاروق في الكباريهات، من خطر الضباط الأحرار تولى بعد الثورة حماية هؤلاء الضباط من الشيوعيين ولكن بعد التدريب في أمريكا ويقول حمروش: حاولت حركة الجيش أن تواصل لعبتها السياسية في التسرب داخل صفوف الشيوعيين، كما فعلت ذلك مع الإخوان المسلمين فكلفت بذلك حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية العسكرية ويقول أرسلت الحكومة المصرية عدة بعثات تدريبه في أعمال البوليس والمخابرات مثل الصاغ حسين عرفه رئيس المباحث الجنائية ويقول: لعبت المخابرات المركزية الأمريكية دورا كبيرا في إفساد العلاقة بين التنظيمات الشيوعية المعبرة عن آمال الفلاحين والطبقة العاملة وبين حركة الجيش التي فرضت نفسها بقوة السلاح ممثلة للطبقة الوسطى.

الأمريكان وعبد الناصر يعدان أن بتكوين طبقة وسطى بعد عمر طويل والسيد حمروش يفتي بأن حركة الجيش هي حكم الطبقة الوسطى؟

ويستعرض حمروش نماذج شديدة النجاح في تغلغل رجال الثورة في الأحزاب السياسية وتمزيقها من الداخل وهو لا يريد أن يقول صراحة أن الفضل في ذلك لنفس القوى التي استطاعت استئصال التنظيمات الشيوعية لأن رجال الثورة كانوا بلا خبرة تقريبا فكيف يتمكنون من تمزيق أحزاب أعرق وأحفل بالخبرات؟ بل إن التنظيم السري للإخوان كان أقوى وأكثر انضباطا من تنظيم الضباط الأحرار، مع فارق الدبابات والنصيحة الأمريكية والشيوعيون كانوا أخبر بفن التسلل حمروش وأمثاله لا يريدون الإقرار بفضل المخابرات الأمريكية في التمكين لثورة يوليو وهذا من قلة الوفاء الذي انتقده أمين هويدي بحق وإن كان هو لم يتسم بالوفاء على الوجه الأكمل، وإلا لأشاد بالمساعدة الأخوية النبيلة التي قدمتها المخابرات الأمريكية حامية الثورات وقائدة معسكر الشعوب الحشاشة!

وناصري آخر من ناصري الساعة الخامسة والعشرين تنبه إلى أن خصوم ثورة يوليو يركزون هجومهم على المخابرات بالذات وليس المباحث العامة وذلك كما قال لأن هه المخابرات كانت المدرسة التي خرجت الكوادر السياسية.

صدق والله!!

المدرسة التي أنشأتها ودربتها المخابرات الأمريكية.

يقول كوبلاند يجب أن نتذكر دائما في تعاملنا مع عبد الناصر أن قاعدة القمع هي كل شيء بالنسبة له ولذا يجب ألا نندهش عندما نجده بعد كارثة أبشع هزيمة في التاريخ العسكري الحديث قد جلس وهو ومعاونوه يفكرون لا في إعادة بناء مصر بل في كيفية استعادة الثقة في الجيش.

هذه هي رواية مايلز كوبلاند عن بداية انقلاب 23 يوليو وعن الاتفاق الذي تم قبل 23 يوليو 1952 بين المخابرات الأمريكية ممثلة في كيرميت رورفلت منذ الانقلاب على مصدق في إيران فيما بعد وبين رجال عبد الناصر ثم بعض الوقائع التي قدمها عن التعاون بقلب مفتوح بين عبد الناصر ورجاله والمخابرات الأمريكية بعد نجاح الانقلاب ولا شك أن هذا التعاون وعلى هذا المستوى هو دليل المعرفة السابقة إذ أن الثورات عندما تصل إلى السلطة بجهدها الذاتي ورغم أنف الاستعمار والرجعية لا تنفتح من اليوم الأول على هذا النحو مع أخطر جهاز استعماري ورغم كل الأدلة التي قدمناها على صدق رواية ما يلز كوبلاند إلا أننا أحببنا أن نعززها بمصادر أخرى حتى لا يبقى في النفس شك وقد عثرنا على كتاب مخابراتي آخر من جهاز منافس للمخابرات الأمريكية لم يقدر له شهرة مايلز كوبلاند وربما كان السب في اعتقادي أنه أخذ جانب العرب في عرضه للصراع العربي الإسرائيلي وحمل إسرائيل المسئولية الكبرى في إفشال محاولات السلام في المنطقة وأثبت أن إسرائيل لم تفكر يوما تفكيرا جديا في السلام مع جيرانها بل كانت تفضل مفاوضتهم بالسلاح دائما ولذا كان من المحتوم أن يدفن هذا الكتاب ويواريه النسيان.

والكتاب أيضا حملة قاسية ضد المخابرات الأمريكية فهو يتهمها بأنها كانت أحد الأسباب الرئيسية في إفشال السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بل وفيها جرى من تدهور في هذا الشرق الأوسط لأنها كما سنرى في رأيه تجاوزت مهمتها التقليدية وهي جمع المعلومات وتورطت في الانقلابات وتغيير الحكومات وتوجيه السياسة الداخلية للدولة العربية وتمثيل السياسة الأمريكية بدلا من المؤسسات الدستورية الأمريكية العلنية.

والكتاب مع نبل مقاصده أو على الأقل صدقه يتميز بالسذاجة فهو يتآمر مع السياسي السوري ميخائيل العليان على قلب الحكومة السورية ويدفع له نصف مليون ليرة لرشوة ضباط الجيش السوري والصحفيين ثم يسأله في براءة وهل سندفع أيضا للسياسيين السوريين أم أن غيرتهم الوطنية وحرصهم على إنقاذ وطنهم فيه الكفاية؟

ويعلق هو نفسه بأن المتآمر السوري نظر إلى نظرة أمي عندما كنت أعملها على نفسي ولذلك فرغم أنه كان داخل العملية إلا أن المخابرات الأمريكية اعتبرته دائما من الغرباء أو الظهورات من محادثاتي مع مندوب cia في عملية سوريا مع أنه كان ف قلب العملية وكان يعمل بعقد وقتها أو منتدبا من وزارة الدفاع للمخابرات الأمريكية وهو الذي كان ينقل الأموال كل ليلة إلى القصر الجمهوري في عهد شمعون لتمويل تنزييف الانتخابات التي كانت السبب في ثورة لبنان عما 1958 وهو الذي فاوض ناصر على قبول الدفاع المشترك وهدده بأنه حلف بغداد سيضم كل الدول العربية ويترك مصر وحيدة وعمل في سياسة الأحلاف من عام 1953

وقد فشلت مؤامراته وثبت خطأ تحليلاته وحطم ناصر وأصدقاؤه حلف بغداد وعزلوا العراق ولم تعزل مصر وهو يعتقد أن المخابرات الأمريكية أو رجال الcia هم الذين أفشلوا جهوده وهو يحملهم مع إسرائيل أو حتى قبل إسرائيل مسؤولية فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وهكذا فإذا كان كتاب لعبة الأمم هو دفاع المخابرات الأمريكية عن دورها في الشرق الأوسط وبالذات عن مراهنتها على عبد الناصر وثورة 23 يوليو واعتذارها بأن مخططها كان سليما وعبقريا وكان أحرى به أن ينجح لولا أخطاء ولخبطة الهواة من بير وقراطي وزارة الخارجية والبنتاغون والسياسيين في الكونغرس والبيت الأبيض الذين أفسدوا اللعبة ودفعوا عبد الناصر إلى الصدام مع الولايات المتحدة فإن كتاب حبال من رمال الذي ألفه ولبر كراين إيفيلاند الذي كما قلنا يمثل جهاز آخر منافسا هو المخابرات العسكرية قد شن كما قلنا هجوما صارخا على المخابرات الأمريكية.

فالكتاب يتبنى وجهة النظر التي كانت هامسة في أروقة وزارتي الخارجية والدفاع خلال الخمسينيات والستينات إلا النجاح الهائل للمخابرات الأمريكية في قلب حكومة جواتيمالا وإعادة الشاة إلى عرشه وطرح عبد الناصر زعيما للقومية العربية كان يخرس هذه الهمسات ويطلق يد المخابرات الأمريكية ولكن في النصف الثاني من الستينات بدأت الانتقادات تشتد والاعتراضات تصبح مسموعة أكثر حتى كانت السبعينات وطرحت المخابرات cia للنقاش بل التجريح العلني وفتحت ملفاتها طالب السياسيون والرأي العام بمحاسبتها وارتفع صوت أصحاب الشعار القديم القائل بأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية لا يرسمها وينفذها إلا أجهزة المسئولة أمام السلطة التشريعية وأن مهمة المخابرات هي جمع المعلومات فحسب وهذه بالطبع مبادئ نظرية فإن إغراء تحريك الأحداث بضربة مخابراتية مثل اغتيال زعيم مناوئ أو قلب حكومة لا أمل فيها أو دعم زعيم متعاون ودفعه للسلطة يظل أقوى من أن يخضع للاعتبارات الدستورية والتقاليد التي لم تتجاوز الكتب والبيانات الرسمية.

المؤلف ولبر كراين أيفيلاند يعود مجددا فيطرح هذه الشعارات عندما يقول:

من المستحيل فهم استمرار فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط دون أن نأخذ في الحسبان سوء استخدام ال cia من اختصار اسم المخابرات الأمريكية وسنكتبها أحيانا السي آي أيه أو cia فعسي أن لا يشق ذلك على القارئ ج لمسئولياتها واختصاصاتها في تلك المنطقة وإلى مدى أهمل مديريها تقدير المعلومات التي حصلت عليها وإلى أي مدى اعتمدنا على قدرة المخابرات الأمريكية في تنفيذ عمليات تآمرية واستغنينا بلك عن ضرورة وضع سياسة خارجية راسخة ودبلوماسية تقليدية ولذا فإن ما أكتبه عن نشاط المخابرات الأمريكية وفشلها لا يقصد به أن يكون مثيرا بل مجرد جزء من الحقيقة حو مشكلة وجودنا في الشرق الأوسط.

ويقول: وسرعان ما عرفت أن المخابرات الأمريكية تحت آلن دلاس كان لديها قابلية محدودة للاستفادة من المعلومات عن العلاقات العربية الإسرائيلية لأنه تحت رئاسة آلن دلاس كان خبراء المخابرات الأمريكية مشغولين بالعمليات السياسية وأقل اهتماما من المخابرات العسكرية بالمهام الروتينية الخاصة بجمع المعلومات عن الواقع القائم فعلا أن محللي الcia لا شك في كفاءتهم ولكنهم كانوا في المرتبة الثانية داخل cia بالنسبة لزملائهم العاملين في الخدمة السرية.

أي أن النجاح الذي حققته عمليات التآمر، ونتائجها السريعة المثيرة جعلت الجهاز كله يهتم بهذا اللون أكثر من جمع المعلومات وإصدار التحليلات فما دامت تملك تغيير الواقع بشراء حفنة من الضباط أو بعشرة آلاف دولار كما تفتخر مجموعة كيرمت روزفلت التي اشتركت في قلب حكومة مصدق وإقامة أقوى عميل لأمريكا لمدة ربع قرن أو حتى بمليون دولار كما جاء في كتاب روزفلت نفسه ما دام يمكن تغيير الواقع بهذه السهولة فلماذا إنفاق الجهد في دراسة المجتمع الإيراني على طريقة الإنجليز قبل مائتي سنة؟

وهكذا تراجع قسم التحليل والمعلومات وأصبحت الشهرة والحظوة من نصيب العاملين في الميدان وفي قسم المؤامرات وهذا زعم المؤلف بالطبع ولا نملك نفيه أو إثباته وأن كنا نعتقد أن قسم المعلومات ربما لم يقصر ولكن المتنفذ يعلم ما يحب لا ما يدرس له!!

يقول: عندما أصبح فوستر دلاس وزيرا للخارجية وآلن دلاس شقيقه مديرا للمخابرات الأمريكية فإن كل رؤساء المخابرات العسكرية وأيضا إدغار هوفر مدير المباحث الجنائية ج تخوفا من أن تأخذ العمليات السرية CIA الأولوية على مهمة جمع المعلومات وقد تحققت المخاوف عندما قامت المخابرات الأمريكية بتوجيه من آلن دلاس بتغيير الحكومة في إيران 1953 وقلب النظام في غوايتمالا 1954 بالإضافة إلى أن عمليات الCIA بدأت قبل أن يصبح آلن دلاس رئيسا وأصبح لها وجودها مما جعل من الصعب على الولايات المتحدة التخلي عنها.

وقد ختم كتابه بأمنية تقول آمل أن تتفرغ الCIA لمهمتها الأصلية وهي جمع المعلومات وتجنب إغراء العلاج السريع بتدبير انقلاب وهو الأسلوب الذي كلف الولايات المتحدة غاليا في الشرق الأوسط لقد شبعنا من هذا العلاج.

وسنجد خلال استشهاداتنا من كتابه عشرات الأمثلة على التناقض بين موقفه هو الجهة التي كان يمثلها وبين الCIA ورجالها وأساليبها وليس بعنينا تناقض الرجلين أو الكتابين وإنما نهتم بما يظهر من حقائق على ضوء خلافهما وق اخترنا هذا الكتاب بالذات لأنه ينفي في هامش إحدى صفحاته دور المخابرات الأمريكية في قلب النظام الملكي ويبرئ ساحة السفير الأمريكي كافري من هذا الغدر بل يشيد بأخلاقياته بعبارة أن كان صادقا فيها فهو حقا شديد السذاجة ويستحق ما ناله من فشل في كل مهماته وإذا كان يخدعنا بها فهو يستحق حقا نظرة أخرى من نظرات أمه إلا أن إجابة كيرمت روزفلت التي رد بها على سؤاله الساذج والتي استشهد بها هو على انعدام دور المخابرات الأمريكية في انقلاب 23 يوليو إجابة تكشف مدى تقديرهم لتفكيره غير أن الرجل بلا شك صادق في روايته ما آه وكان الأحرى به ألا يصدر أحكاما قاطعة فيما ليس له به علم ففي عام 1952 كان هو لا يزال في المدرسة يدرس اللغة العربية منتدبا من القوات المسلحة للعمل في المخابرات العسكرية وقد رأينا أنهم في المخابرات الأمريكية لم يطلعوه على كافة أسرار العملية التي لعب فيها الدور الرئيسي فكيف كانوا سيطلعونه على ما لم يشهده ولا دور له فيه؟

المهم قال في هامش صفحته 97- 98 التالي حرفيا:

نسب كوبلاند في كتابه لعبة الأمم الفضل لكيرميت روزفلت في قصة الثورة السلمية التي مكنت فاروق من التنازل عن العرش دون أن يصاب بأذى ونظم أحلال سياسيين محله وأن روزفلت وافق على انقلاب عسكري منذعنا لراي كافري بأن الجيش وحده يمكن أن يواجه تدهور الحالة وهذا لا يتنافى فقط مع أخلاق كافري ولكني أيضا عرفت أن انقلاب 23 يوليو فاجأ الCIA تماما وأول معلومات جاءت عبر ليوتاننت كوونيل إيفانزل مساعد الملحق الجوي بالسفارة الأمريكية الذي كانت له اتصالات مع ضباط مجلس قيادة الثورة وعبر وليم ليكلاند السكرتير الثاني بالسفارة كافري أصر على توديع فاروق حتى خرج من مصر وبذلك حظي باحترام مجلس الثورة الذي رأى هذا الدبلوماسي البارز لا يتعامل إلا مع الرئيس الشرعي للدولة لولا أن المخابرات CIA قد وجدت في ناصر عميلا آخر ممكنا مثل الشاه لاستمر كافري يتعامل مع نجيب ثم مع ناصر مقدما النصح الطيب، الذي ربما جنب الولايات المتحدة الكوارث التي حدثت فيما بعد وفي عام 1972 ناقشت مع كيرمت روزفلت التي رد بها على سؤال الساذج والتي استشهد بها هو على انعدام دور المخابرات الأمريكية في انقلاب 23 يوليو إجابة تكشف مدى تقديرهم لتفكيره غير أن الرجل بلا شك صادق في رواية ما رآه وكان الأحرى به ألا يصدر أحكاما قاطعة فيما ليس ليه به علم ففي عام 1952 كان هو لا يزال في المدرسة يدرس اللغة العربية، منتدبا من القوات المسلحة للعمل في المخابرات العسكرية وقد رأينا أنهم في المخابرات الأمريكية لم يطلعه على كافة أسرار العملية التي لعب فيها الدور الرئيسي فكيف كانوا سيطلعونه على ما لم يشهده ولا دور له فيه؟

المهم قال في هامش صفحة 97-98 التالي حرفيا:

نسب كوبلاند في كتابه لعبة الأمم، الفضل لكيرميت روزفلت في قصة الثورة السلمية التي مكنت فاروق من التنازل عن العرش دون أن يصاب بأذى ونظم إحلال سياسيين محلة وأن روزفلت وافق على الانقلاب عسكري مذعنا لرأي كافري بأن الجيش وحده يمكن أن يواجه تدهور الحالة وهذا لا يتنافى فقط مع أخلاق كافري ولكني أيضا عرفت أن انقلاب 23 يوليو فاجأ الCIA تماما وأول معلومات جاءت عبر ليوتاننت كوولونيل إيفانز مساعد الملحق الجوي بالسفارة الأمريكية الذي كانت له اتصالات مع ضباط مجلس قيادة الثورة وعبر وليم ليكلاند السكرتير الثاني بالسفارة كافري أصر على توديع فاروق حتى خرج من مصر وبذلك حظي باحترام مجلس الثورة الذي رأى هذا الدبلوماسي البارز لا يتعامل إلا مع الرئيس الشرعي للدولة لولا أن المخابرات CIA قد وجدت في ناصر عميلا آخر ممكنا مثل الشاه لاستمر كافري يتعامل مع نجي ثم مع ناصر مقدما النصح الطيب الذي ربما جنب الولايات المتحدة الكوارث التي حدثت فيما بعد وفي عام 1972 ناقشت مع كيم روزفلت الادعاء بأن الCIA رتبت سقوط فاروق وكان رزوفلت وقتها يرح من شركة تمثل الشاه وبعض العرب في واشنطن وكان كيم قد أصبح متواضعا فرد على سؤالي بأنه ما كان ليحصل على ثقة زبائنه من الملوك لو كان فعلا خلع فاروق .

هذا ما قاله وهو كما نرى لا يستند إلى دليل، أكثر من عدم علمه فهو لم يقدم دليلا واحدا على مفاجأة السي آي أية بالانقلاب ولم يفسر كيف يكون الانقلاب مفاجأة أي عملية وطنية مصرية وكيف تجد السي آي أيه بسرعة في ناصر إمكانية شاة آخر أما رد كيم روزفلت الذي كان يعمل في استثمار أموال الملوك وتقديم الاستشارات لهم فهو رد طبيعي ومتوقع فما كان روزفلت بالذي يفخر في 1972 بأن هو الذي أهدى المنطقة إعصار عبد الناصر ولا كان هناك من سبب يدفعه للاعتراف بذلك لهذا الغريب الذي قرر روزفلت نفسه عدم إعطائه المعلومات عن العمليات التي كان هناك من سبب يدفعه للاعتراف بلك لهذا الغريب الذي قرر روزفلت نفسه عدم إعطائه المعلومات عن العمليات التي كان إيفيلاند نفسه يوم بها والذي أفشل رجاله في الCIA مهمته في مصر على الأقل

ورغم ذلك فنحن نقبل إيفيلاند كشاهد نفس، لأن روايته وشهادته بما شاهده وسمعه عن تلك الفترة تدعم رواية كوبلاند إلى أقصى حد وبالذات لأنه شاهد نفس وهو الذي قال على آية حال الآتي: منذ أوائل الخمسينات جند كيرميت روزفلت ومحطة السي أي ايه في القاهرة ثلاث من الصحفيين المصريين البارزين كعملاء للمخابرات الأمريكية هم: محمد حسنين هيكل والإخوان أمين.. مصطفى وعلي.. وأن ناصر كان يعرف ذلك.

وهو الذي قال أن المخابرات الأمريكية هي التي قامت صوت العرب من الناحية الفنيةي بتزويده بالمعدات الميكانيكية، ومن الناحية الدعائية بالخبراء في الدعاية وهذه أشيا رآها وسمعها بنفسه، وبمقارنتها بما جاء في كتاب مايلز كوبلاند ورسالة مصطفى أمين وشهادات الناصرية والضباط والأحرار يستطيع القارئ المغفل أن يكون فكرة عن مدى سيطرة المخابرات الأمريكية على الأحداث التي جرت في مصر ابتداء من عام 1952 ومدى التعاون بين نظام 23 يوليو وهذا الجهاز وكما قلنا ألف مرة ليس الهدف اتهام أحد ولا إثارة أحد وإنما محاولة لفهم التاريخ والاستفادة من دروسه وعبره.

قال في شرح ارتباط المخابرات الأمريكية بالمخابرات الإسرائيلية ونشاط كيم روزفلت في الشرق الأوسط: خلال عمل جيمس انجلترا في المخابرات (O.S.S ) في الحرب العالمية الثانية كون علاقات مع مجموعات المقاومة اليهودية في لندن وتم تبادل المعلومات بعد ذلك مع الموساد وأصبحت الCIA تعتمد على الموساد المخابرات الإسرائيلية ج اعتمادا كبيرا في معلوماتها عن الدول العربية وفي إيران كان كيرميت روزفلت خبير ألن دلاس في الشرق الأوسط منشغلا ببناء السافاك لضمان عدم خلع الشاه مرة ثانيةي والآن عرفت أن إلحاح روزفلت على أن مصر جمال عبد الناصر يمكن استخدامها لخدمة أهداف أبعد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ينظر إليه أي لهذا المطلب ج) بحذر من قبل معم خبراء وزارة الخارجية ولكن الأخوين دلاس كانا موافقين على السماح لروزفلت بأن يدبر رأسه أو يجرب محاولته ج مع ناصر في الوقت الحاضر وإذا وضعنا في اعتبارنا سيطرة فوستر دلاس على استراتيجية الولايات المتحدة الخارجية فقد كان ذلك يعني إعطاء موافقة حكومية على خطط روزفلت بالنسبة لناصر.

بدون انفعال ماذا تعني هذه الفترة؟

1- كيرميت روزفلت نائب مدير المخابرات الأمريكية لشئون الشرق الأوسط ومنفذ الانقلاب الإمبريالي في إيران، وصديق مصطفى أمين من الحرب العالمية والذي عن طريقه قدمت المخابرات الأمريكية خدمات لها مردود مالي لأخبار اليوم بنص رسالة مصطفى أمين...
2- خبراء وزارة الخارجية يشكون في نجاح هذه العملية.
3- آلن دلاس مدير المخابرات وجون فوستر دلاس وزيرا لخارجية وهما بلا شك أكثر علما بحجج وإمكانيات روزفلت وافقا على إعطاء فرصة لروزفلت لامتحان اختراعه في مصر.

أليست هذه علاقةي طيبة جدا مع المخابرات الأمريكية؟

كيف قامت هذه الآمال إلى حد المراهنة عليها في خاطر نائب مدير المخابرات الأمريكية والرجل الذي يلعب في السياسة المصرية وصديق الملك فاروق منذ الأربعينات؟

كيف لم تساوره هذه الآمال لا هو ولا غيره عن هوشي منه أو ماوتسي تونغ أو كاسترو وساورته دون سابق معرفة مع ثورة فأجاته تماما وبلغ من قوة أسبابه في هذه الآمال أن وافق وزير الخارجية أمريكا والمدير العام لمخابراتها على إطلاق يده ليجرب تجربته؟

بدأ اتصال المستر ولبر كران إيفلاند بمصر بعد توقيع اتفاقية الجلاء وله فيها ملاحظات في منتهى الدقة، إذ قال أن أول مشاريع الدفاع الغربية عن الشرق الأوسط هي المعاهدة التي وقعها عبد الناصر مع بريطانيا في 24 أكتوبر 1954 لأنها أعطت بريطانيا الحق في العودة إلى مصر إذا ما وقع عدوان على تركيا أو المنطقة العربية وهذه سنرجع لها في فصل الأحلاف.

المهم يقول: أخبر محمود فوزير السفير الأمريكي أن مصر قررت بعد دراسة مكثفة أن لا تطلب سلاحا من أمريكا؟ ج ولكنها تطلب زيادة المعونة الاقتصادية وقد أثار التقرر ثائرة ممثلي الCIA في مجلس تنسيق العمليات O. C. B وقالوا أن السفير الأمريكي الخاص بالمساعدات العسكرية على حد قولهم كانت تدار بين ناصر وكيرميت روزفلت بتاع الCIA وأفراد محطة الCIA في القاهرة وبناء على ما ذكره روزفلت فإن ناصر يريد مناقشة صريحة لإمكانيات تقديم مساعدة عسكرية لمصر وأني الcia دبرت إعطاء نصار 3 مليون دولار من المصروفات السرية وكذلك اقترحت cia تقديم معونة عسكرية لمصر في حدود أربعين مليون دولار وبما أن هذه الترتيبات كلها سرية فإن الأمر لا يتطلب إرسال بعثة عسكرية للعمل في الجيش المصري كما يقضي قانون الأمن المشترك الأمريكي على أنه وفقا لخطة الcia فإن مفاوضين باسم البنتاغون في ثياب مدنية، سيرسلون لمناقشة عقد اتفاقية رسمية مع مصر لتأمين مساعدة عسكرية بمبلغ 1‚20 مليون دلار مقررة فعلا لمصر.

الشرح:

1- خبر غريب أرسله كافري يزعم فيه على لسان محمود فوزي أن مصر لا تريد في أكتوبر 1954 معونة عسكرية ولما عرض الأمر على اللجنة المشتركة للخارجية والدفاع والمخابرات الأمريكية غضب مندوبو الcia ورفضوا هذه المعلومات وقالوا أن كافري لا يعلم شيئا وليس له اتصال مفتوح مع ناصر الذي يعرف ويدبر كل شيء لم يكن نجيب قد خلع رسميا ولكنه كان قد فقد كل سلطاته حتى الشكلية من نهاية مارس 1954 .
2- جميع المفاوضات الخاصة بالسلاح مع ناصر لا تدار عن طريق السفارة بل عن طريق رجال المخابرات الأمريكية.
3- الcia هي التي خططت إعطاء ناصر 3 ملايين دولار من المصاريف السرية وبذلك تتأكد قصة مايلز كوبلاند حرفيا وهذه هي الملايين الثلاثة الشهيرة التي بني بها عبد الناصر برج القاهرة وإن كانت هناك رواية أن البرج تكلف مليونا فقط، ولا يعرف أين ذهب المليونان.
4- المخابرات الأمريكية كانت تعرف استحالة قبول عبد الناصر بعثة عسكرية للإشراف على إنفاق المعونة فاقترحت إعطاءه أربعين مليونا بطريقة ما لا تتطلب هذه الشروط .
5- تقرير إرسال مندوبين من وزارة الدفاع الأمريكية في ثياب مدنية للتباحث مع عبد الناصر.

قال:

وعند إعداد توصيات لوزير الدفاع حول اقتراحات الcia أوصيت بمعارضتها باعتبارها معارضة للقانون وقد وافقوا على عرضي ورفع إلى اجتماع مكتب التنسيق وكان اعتراضي الرئيسي هو أن مصر أبلغت أن حاجتها ما بين خمسين ومائة مليون دولار أسلحة كمساعدة ولذلك فإن الملايين المقترحة من الcia كترضية أو تحليه sweetener لا أعتقد أنها ستؤثر على ناصر خاصة عندما يعلم أن 1‚ 20مليون فقط متاحة كمنحة عسكرية وإن من هذه ال 1‚ 20 مليون تقترح وزارة الخارجية اقتطاع تقترح وزارة الخارجية اقتطاع 8 ملايين وإعطاءها لا ثيوبيا، وعلى ضوء ما رأيته من غضبة باكستانية، لأنهم نالوا قل مما يجب اقترحت أن نقبل رفض فوزي خلال القنوات الدبلوماسية العادية، وأن هذه العمليات السرية قد قد ترتد علينا وفي اجتماع مجلس تنسيق العمليات رفضت توصياتي وانتصرت موجة الcia السائدة وأكثر من هذا أوصي مجلس وزارة الدفاع باختيار ضابطين للتوجه سرا إلى مصر لمقابلة ناصر بترتيب من الcia أما الادميرال ديفيز الذي كان يؤيدني ولكنه يعرف متى يحسن الانحناء فقد قال لي: إذا لم نقدر على هزيمتهم فدعنا ننضم إليهم ونفتح أعيينا على أموالنا وتقرر أن أكون أنا أحد الضابطين اللذين يقابلان ناصر وأن أرشح الضابط الآخر وقد وافق ديفيز على اقتراحي بتعيين الكولونيل آلن جيرهاردت الذي كان صديقا لبايرود والذي كان قد نقلني إلى وزارة الدفاع ولأن رحلتي للقاهرة تعني اشتراكي في عملية نظمتها الcia فقد بدأت برؤية بايرود وكيل الخارجية المساعد، لأسأله هل الوزارة الخارجية ج تؤيد فعلا أن يدبر رجال العمليات السرية في الcia الدبلوماسية الأمريكية في مصر؟ وعندما سألت بايرود إذا ما كان الإخوان دلاس يدبران فيما بينهما وتنفيذ السياسية الأمريكية الخارجية؟ أذكر أنه ضحك...

الشرح:

1- أوضح أنه كان يقود المعارضة ضد المخابرات الأمريكية في مكتب تنسيق العمليات وزارة الدفاع تبنت توصيته بإلغاء خطة الcia والدخول في مفاوضات رسمية علنية مع عبد الناصر ولكن مكتب التنسيق كان أعلم، ولذلك رفضت توصيته، وتقرر إرساله مع ضباط آخر لمصر للمفاوضة سرا مع ناصر بترتيب المخابرات الأمريكية وفي نطاق خططها، وداخل إطار نفوذها..
2- كانت المعارضة منتشرة لهذا الأسلوب ولا نفراد رجال السي آي أيه بتوجيه أو تنفيذ سياسية أمريكا في مصر فهو يقول صراحة لوكيل الخارجية المساعد والذي سيصبح سفيرا في مصر إن الأخوين دلاس يعملان خارج المؤسسة الشرعية أو خارج القنوات التقليدية للدبلوماسية الأمريكية وبايرود يضحك!
وهو يقول أن بايرود كان معارضا لإسرائيل فطالب اليهود إخراجه من الوزارة ولكن دلاس مدير المخابرات وروزفلت اقتراحا تعيينه في مصر، حيث حولته المخابرات الأمريكية إلى طرطور كما يفهم من عرض كوبلاند وإيفيلاند ومصطفى أمين وبغدادي إلخ قال إيفيلاند أنه سأل لويس جونز الرجل الثاني في السفارة الأمريكية بالقاهرة عن الأحوال في سفارتنا فقال أن وضع بايرود شبه يائس وأنه يتساءل من يمثل الولايات المتحدة في مصر وفي التعامل مع عبد الناصر وهو أي السفير أم المخابرات الأمريكية؟ لأن مايلز كوبلاند كان يرى الرئيس المصري كلما حلا له، وكان يعده بكل ما فوق قدراته والطاقم الضخم للمخابرات الأمريكية في مصر يتعامل مع الحكومة المصرية على كافة المستويات تقريبا كما يتعامل مع الصحافة المصرية ذات النفوذ وقال جونز أنه كان من الأفضل ترك مفاوضات السلاح لكافري ثم بايرود لتفادي إعطاء ناصر انطباعا خاطئا بقدرة المخابرات الأمريكية؟ لأن مايلز كوبلاند كان يرى الرئيس المصري كلما حلا له، وكان يعده بكل ما فوق قدراته والطاقم الضخم للمخابرات الأمريكية في مصر يتعامل مع الحكومة المصرية على كافة المستويات تقريبا كما يتعامل مع الصحافة المصرية ذات النفوذ وقال جونز إنه كان من الأفضل ترك مفاوضات السلاح لكافري ثم بايرود، لتفادي أعطاء ناصر انطباعا خاطئا بقدرة المخابرات CIA اكتشاف حيلة لتفادي توقيع مصر لاتفاقية المعونة العسكرية
وقد أورد كوبلاند أكثر من قصة عن إهمال وتخطي المخابرات للسفير الأمريكي بايرود لأنه كان من خارج اللعبة، ولأنه كان من منتقدي سياسة الانحياز لإسرائيل وأشهر هذه القصص المتداولة في صحافتنا والكتب العربية عندما فوجئ السفير بوجود كيرميت روزفلت في القاهرة على مأدبة عشاء عندما دخل متأبطا ذراع الرئيس عبد الناصر دون أن يكون لدى السفير الأمريكي بايرود ولا مجرد علم بوجوده في القاهرة وقد انفعل وأثار حادثة ضرب موظف بالسفارة والقصة موجودة في كتاب كوبلاند الصفحات من 161- 165 أما أيفيلاند فيضيف تعليقا صغيرا يوضح طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين الCIA والسفير قال وعرفت من كوبلاند أن بعض صغار الموظفين المصريين اتهموا الملحق العمالي بالسفارة بالتجسس وضربوه علقة أمام البوليس المصري الذي وقف متفرجا فسألت إيكلبرغر: هل هو من رجالك المخابرات قال لا لو كان من رجالي ربما لم يكن بايرود يستاء.
3- كانت الجهة صاحبة الكلمة النافذة في شئون مصر هي المخابرات ولذلك فإن الأدميرال نفسه ممثل وزارة الدفاع لم يجد ما يقول غير إذا لم تقدر عليهم فانضم إليهم وهنا نسأل بكل أدب ما السبب في أعطاء الCIA كل هذا النفوذ أو اليد المطلقة في مصر الناصرية ألا يعني ذلك أن لهم رصيدا يخولهم التحدث بهذه الثقة ويعطيهم الحق في طلب إطلاق يدهم؟
لبسنا ثيابا مدنية، لأن ناصر كان قد تخلص لتوه من 80 ألف عسكرين ولم يكن يتحمل وجود عسكريين أجانب جدد وسافرت أنا وجير هاردت من نيويورك إلى لبنان حيث انتظرنا عدة أيام حتى تصل موافقة المخابرات الأمريكية على متابعة السفر للقاهرة وقد حاولت أن أثنى جيرهاردت عن الحديث مع ناصر عن التحالف العسكري مشيرا إلى المحاولات الفاشلة السابقة لبريطانيا لجر مصر إلى قيادة الشرق الأوسط ومنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط وقلت ناصر سيرفض أي حديث عن مبادلة السلاح بمحالفة الغرب ويجب فقط أن نناقش الأحلاف الدفاعية إذا ما أثار ناصر الموضوع وفي هذه الحالة يمكن أن نشير إلى المشاكل السياسية الموروثة في الجامعة العربية وميثاقها الدفاعي الذي من خلاله حاول العربي عبثا أن يتحدوا في مواجهة قيام إسرائيل والأفضل أن نناقش كيف تستخدم مصر الخمسة ملايين دولار المصروفة من المصروفات السرية لدعم مجلس الثورة وتحسن الأمن الداخلي ثم نستكشف مع ناثر موضوع رغبته في الحصول على ال1‚20 مليون دولار منحة سلاح التي قررتها وزارة الدفاع.
وفي اليوم التالي عرفنا أن الرئيس نجيب اتهم في محاول لاغتيال ناصر الذي أصبحي من المتوقع الآن أن يتولى الرئاسة وخمنت أن المخابرات CIA قد احتجزتنا في بيروت لأنها كانت تتوقع اضطرابات في مصر ورغم امتناني لقيام المخابرات بوظيفتها في جمع المعلومات إلا أنني تساءلت ترى هل تآمرت الcia مع ناصر للتخلص من محمد نجيب

الشرح:

1- كان الجو في مصر متوترا ضد أي مظهر عسكري أمريكي أو قل ضد أي وجود عسكري غربي، وعلى أساس أن مدنيا أمريكيا لن يحس به الكثيرون فقد جاءوا في ثياب مدنية.
2- وصول إلى بيروت فاحتجزوا هناك بأمر الcia ومنعوا من التقدم إلى القاهرة.
3- في اليوم التالي كانت محاولة اغتيال عبد الناصر واتهام نجيب إلخ..
4- استنتج على الفور، لأنه يفكر برأسه وليس بعصا حمزة البسيوني أن الcia اتحجزتهما في بيروت لأنها كانت تتوقع اضطرابات في مصر وأحس بالامتنان والشكر لأن المخابرات الأمريكية مازالت تجمع المعلومات ومن ثم عرفت بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر قبل وقوعها وباعتبار الانفتاح الذي تحدث عنه الإخوان في أمريكا بين ناصر والمخابرات الأمريكية اشتم الرجل بحاسته المخابراتية أن سئا ما قد طبخ فتساءل هل تآمرت الcia مع ناصر للإطاحة بنجيب؟ وهذا الظن أو هذا الذي طرحه الرجل وكأنه تخمينه من ذكائه أكدت رواية خالد محيي الدين وحمروش بل وتؤكده رواية مصطفى أمين في رسالته لعبد الناصر عن قرار خبراء المخابرات الأمريكية بأن نجيب لا يصلح.
على أية حال نطرح سؤالا أبسط من ذلك .... هل يعقل أن المخابرات التي كانت لها كل هذه الصلات مع ناصر واليت كانت تراهن عليه ضد شكوك وتشاؤم أو تربص الأجهزة الأمريكية الأخرى، هل يعقل أن تعلم بمؤامرة على حياته ولا تبلغه بها ليأخذ حذره!!
ومن ثم هل لنا أن نقول أن عبد الناصر لم يفاجأ تماما عندما أطلقت الرصاصات إياها وهو على المنصة في ميدان المنشية؟
في مطار القاهرة قابلنا مايلز كوبلاند بتاع محطة الcia في مصر وخلال تمريرنا في الجوازات والجمرك والحجز لنا في سميرامس كان كوبلاند يستخدم اسم عبد الناصر بلا حساب أو تكليف ومن أجل السرية انتقلنا من سميراميس إلى ممنزل كوبلاند في المعادي تحديثنا مع مايلز وجيمس إيكلبرغر عن محطة الcia في القاهرة وعلمت أن كوبلاند يعمل تحت غطاء تحت غطاء تجاري بعكس إيكلبرغر الذي يتستر تحت غطاء العمل في السفارة مايلز يمثل شركة استشارات بوز آلن هاملتون الدولية وهو الذي يتعامل باستمرار مع ناصر إلا عندما يكون كيم روزفلت في القاهرة ولمح كوبلاند إلى أن روزفلت هو الذي صنع رئيس مصر الجديد وبحث معه سياسة الولايات المتحدة أكثر مما فعل مع الشاه الذي حرص كوبلاند على تذكيرنا بأنه أنقذ بواسطة روزفلت.

الشرح:

1- مايلز كوبلاند وجيمس إيكلبر غر ممثلا أو مديرا محطة الcia في مصر وهذه معلومات أكدها كتاب كوبلاند ورسالة مصطفي أمين.
2- مايلز كوبلاند يتحدث باسم عبد الناصر في مطار القاهرة والجوازات ويرهب المصريين بصلته بالرئيس المصري.
3- كوبلاند هو المختص بالتعامل مع الرئيس ناصر، إلا عندما يحضر المعلم الكبير روزفلت عندئذ يقابل روزفلت أو يتعامل هو مع ناصر، والناس مقامات وهذا يختلف تماما عن الصورة التي قدمها لنا محمد حسنين هيكل عن مايلز كوبلاند فالرجل كان في تل الفترة أكثر اتصالا وأكثر قربا للزعيم المصري من هيكل.
4- في عنفوان مراهنة الcia على الزعامة الناصرية وفي عنفوان التعاون بين ناصر والcia وفي غرفة مغلقة ومع ممثلين لوزارة الدفاع ولمكتب تنسيق العمليات أي أعلى سلطة أمريكية في العمل السري يقول لهم مايلز كوبلاند أن روزفلت هو الذي صنع رئيس مصر الجديد.

هل يعقل أن تكون هذه مجرد كذبة لا أساس لها من اختراع كوبلاند؟

ربما ولكن ما الذي رآه إيفلاند فعلا؟

قال:

كنت أريد أن أعرف شيئا عن مقابلتنا مع ناصر فسألت كوبلاند إذا كان كيم روزفلت سيحضر ليرافقنا في المقابلة فرد على الفور لا واستمر لكي يريني حجمي الحقيقي فقال: إن وزير الخارجية يدخر روزفلت للمهام الكبيرة وسيحضر عندما تتم الموافقة على إبلاغ ناصر بالمعونة الكاملة وعضضت على لساني لكي لا أصرخ ولماذا يكون للمخابرات cia دخل في المعونة أليس هذا من عمل السفراء الأمريكان؟ وكنت لا أزال أعض على لساني عندما استمر كوبلاند قائلا إن كيم كما تعرف هو الذي رتب خلع فاروق وهو الآن قد رفع ناصر إلى مركز القيادة للبلد وبادرت بالقول بأنني لا أعرف ونحن هنا فقط لمناقشة كيف ستنفق مصر الملايين الخمسة على معدات الأمن الداخلي فرد باستهزاء آه هذه؟ أحمد حسين السفير المصري في واشنطن سيسلم قائمة بهذه الأشياء للبنتاجون.

سألت كوبلاند عن الثلاثة ملايين المخصصة من المخابرات cia وإذا ما كان سيعتمد صرفها فعلا للهدف الذي خصصت له؟ نظر إلى نظرة كأنني غير ساذج يحتاج لمن يعرفه حقائق الحياة وقال بيل هذا المبلغ اعتمد فعلا وأنا في انتظار إشارة من المالية في بيروت لكي يبعثوا لي المال لا سلمه لناصر في بيته؟ قلت وكيف كان ذلك ومكتب تنسيق العمليات لم يوافق على المبلغ إلا منذ أسبوعين قال نعم ولكن كيم وآلن دلاس يعرفان أنها قادمة وقد بعثت بالخبر لناصر لتقوية معنوياته بعد محاولة الانقلاب وعندما سألت هل هانك بايرود يعرف ذلك على أساس أنه كسفير جديد ربما يود أن يكون هو الذي ينقل الخبر لناصر رد كوبلاند أن بايرود يستطيع أن يستمر كوكيل وزارة فعلى للمنطقة بينما ناصر والمخابرات cia يقومون بالعمل نيابة عنه

ورغم أنني سمعت ما فيه الكفاية فقد سألته هل يتوقع ناصر أننا لنناقش معه منحة ال 1‚20 مليون دولار فرد كوبلاند أن ناصر سيعتبر هذا المبلغ البسيط إهانة وسيسلم لكما قائمة أسلحة بخمسين أو مائة مليون دولار وعندئذ تساءلت مع نفسي هل شجع مايلز ناصرا على أن يصدق أننا سنتنازل عن الرقم الذي حددناه وسنقبل التفاوض على زيادته؟

مهما تكن الحقيقة فقد أخبرت كوبلاند أن 5‚5 مليون من هذا ال1‚20 ستذهب لأثيوبيا وربما تأخذ باكستان الباقي وقال كوبلاند هناك وسائل أخرى للوصل إلى ميزانية وزارة الدفاع وعليك أنت وال أن تكون مستعدين للكلام في مبالغ أكبر عندما تقابلان ناصر مساء الغد.

الشرح:

1- استمر كوبلاند يتباهى بعملة معلمه في مصر فهو الذي رتب إقالة فاروق، وهو الذي رفع ناصر إلى مرتبة القيادة في مصر وربما انفعل إيفيلاند لأنه لا يعرف هذا الخبر الذي لم يعد سرا بل يذكر عرضا وبدون اهتمام وتسبقه عبارة زي ما أنت عارف فصاح: لا مش عارف!

2- مندوب البنتاجون أو المخابرات العسكرية غاضب لأن المخابرات cia تتدخل في أمور المساعدات العسكرية وهي من اختصاص وزارة الخارجية والدفاع.
3- المخابرات الأمريكية كانت تعد عبد الناصر بمبالغ كبرى كمعونة لمصر وبطرق تعفيه من سخافات ومذلة الكونغرس والخارجية والبنتاغون خاصة وأنه كما سيقول كان يستحيل عليه وقتها أن يوقع اتفاقية دفاع مع أمريكا غير التي وقعها في الأيام الأول للثورة ويستحيل عليه أكثر أن يقبل وجود مشرفين عسكريين أمريكيين في الجيش المصرية.

وموقف المخابرات cia هنا لا يخرج عن أحد الاحتمالات الآتية:

أ‌- أن يكون عن قناعة فعلا بقدرة آلن وأخيه فوستر دلاس على إقناع المؤسسة الأمريكية بأهمية مصر الناصرية وبالتالي إطلاق يد أمريكا في الدفاع والدعم.
ب‌- أن يكون هدف رجال المخابرات cia هو كسب الوقت بتهدئة عبد الناصر بالوعود الكاذبة.
ت‌- أن يكون هناك مخطط أكبر، للصهيونية فيه حصة كبيرة، يهدف لاستفزاز الزعيم المصري عندما يكشف أنهم خدعوه وأنه عوامل معاملة غير شريفة، مما يدفعه إلى أحضان السوفيت.
4- الثلاثة ملايين الشهيرة لم تكن قد صرفت ولا وصلت أثناء وجود الرجل في مصر واعتمدت قبل أسبوعين فقط، وهو وصل مصر بعد محاولة اغتيال جمال عبد الناصر والحديث عن تقديم محمد نجيب للمحاكمة بتهمة التآمر ضد الثورة، مما يبطل بل يفقأ عين رواية محمد حسنيني هيكل التي حاول فيها أن ينكر تقديم المبلغ لعبد الناصر وهي الرواية التي تراجع هو عنها على أية حال...
5- عبد الناصر كان عنده خبر بالمبلغ قبل وصولا ولا نتشبث كثيرا بحكاية أنهم أبلغوه بذلك لتقوية معنويات بعد محاولة الانقلاب ... إلخ..
6- واضح تشبث المخابرات بسيطرتها في مصر وأنها لا تنوي أن تتيح فرصة للسفير الجديد بايرود لممارسة مهمته وواضح أكثر أن ناصر والسي آي أيه يعملان كتيم أو فريق واحد يعمل نيابة عن السفير الأمريكي وبكفاءة أكبر!!

قال:

عندما عدنا إلى الفندق تجنبت أن أحداث جيرهاردت بأي شيء عما قاله كوبلاند خشية أن يبرق إلى واشنطن طالبا إعفاءنا من المهمة كانت مقتنعا بقدرتنا على التعامل الجيد مع ناصر ولم أكن راغبا في تضييع هذه الفرصة فقط لو عرفت ماذا وعدته المخابرات CIA وما هو شعور ناصر الفعلي إزاء مهمة البعثة العسكرية الاستشارية..

في مساء اليوم التالي وفي الساعة المحددة، أنا وجير هاردت قابلنا مايلز كوبلاند في مدخل الفندق اليوم ومازلنا غير متأكدين من مقابلة ناصر، فقد سألت كوبلاند عن الترتيبات فقال: سنقابله في بيت واحد من الصبيان) JUNIOR

وتساءلت بدهشة صبي؟ .. من هذا بحق الجحيم . ربما عسكري مراسلة أو حتى خدام رئيس الجمهورية؟ قال كوبلاند يستحسن أن أخبرك بعض الشيء عن هذا الصبي: هو ماجور صاغ ج في الجيش وأحد الذين يتمتعون بأكبر قدر من ثقة عبد الناصر وهو مسئول كبير في البوليس السري والرجل الذي ينظم اجتماعات مع ناصر في معقل المخابرات CIA الذي سنذهب إليه واسم هذا الصبي هو مأجور صاغ ج في الجش وأحد الذين يتمتعون بأكبر قدر من ثقة عبد الناصر وهو مسئول كبير في البوليس السري والرجل الذي ينظم اجتماعاتي مع ناصر في معقل المخابرات CIA الذي سنذهب إليه واسم هذا الصبي الحقيقي هو صاغ حسن التهامي وستحبه وأضاف مايلز على أن لا تأخذه على محمل الجد كثيرا.

وعندما دخلنا الفيللا من الباب الخلفي حيانا الماجور تهامي ثم جاء ناصر وعامر :

1- الرواية مطابقة لوراية كوبلاند.
2- دور التهامي وصلته بعبد الناصر تحمل بعض الراحة لنفس الحاج هويدي الحائرة .
3- اللقاء كان في بيت التهامي الذي هو CIA SAFE HOUSE مقر الCIA فخبأ المخابرات الأمريكية؟

جلسنا على مائدة الطعامة وخلع ناصر جاكتته وربطة عنقه قائلا: أننا يحسن أن نفعل نفس الشيء حتى نتحدث في راحة وأخرج علبتي سجائر كنت وقدم لنا عامر قائمة السلاح.

وحكاية الجاكتات وردت في رواية كوبلاند وقد تحدث الوفد الأمريكي عن ضرورة مصاحبة السلاح الأمريكي لبعثة عسكرية وقال عبد الناصر أنه لا يمكنه الاستمرار سياسيا إذا سمح للضباط الأمريكان والجنود بأخذ مواقع على أرض مصر فقد تخلصنا لتونا من 80 ألف عسكري بعد 32 سنة من الاستقلال والاحتلالي والمحاول الأخيرة على حياته ترجعه إلى حد ما إلى الاتفاقية التي تتضمن عودة الإنجليز في ظل ظروف معينة ومقتنعا بكلامه اقترحت إرسال بعثة صغيرة في ثبات مدنية ولكن ناصر ضحك من سخافة أو سذاجة الفكرة.

وأخطأ جير هاردت فبدأ مناقشة حول الأمن الإقليمي والدفاع عن الشرق الأوسط ضد السوفيت ولدهشتي بدا أن ناصر يسحبه في الكلام ليسمع أكثر وخلال 25 دقيقة تحدث آل عن حلف الأطلنطي وحلف جنوب شرق آسيا والحاجة إلى الدفاع عن الشرق الأوسط وقد قاطعه ناصر باقتراح التوجه إلى الطعام وبعد الوجبة الشهية التي اشتهر بها مطب حسن التهامي بإجماع كل مؤرخي تاريخ الناصرية مع السي آي أيه قال ناصر وعامر الرأي المصرية المعروف بأنه لا يمكن إقناع الشعب المصري أو الشعوب العربية بالخطر الروسي والتغافل عن الخطر الإسرائيلي الدائم الساخن يوميا وقال ناصر أنه لم يرد أي عداء روسي والتغافل عن الخطر الإسرائيلي الدائم الساخن يوميا وقال ناصر أنه لم ير أي عداء روسي إلا المنظمات الدفاع التي نقيمها حول الاتحاد السوفيتي وجرت محاولة استفزازية من جانب إيفيلاند لعامر، ولكن عبد الحكيم رد عليه ردا أسكته وإن كان للأسف لم يلتزم بالحجة التي قام عليها هذا الرد.

إلا أننا نحب أن نضيف هنا نقطة توضيحية جاءت في كتاب لعبة الأمم عن هذه المقابلة: قال كان بيل إيفيلاند خلال زيارته للقاهرة مع آل جيرهاردت قد حذر عبد الناصر من أن مصر ستجد نفسها وحدها خارج حلف الشرق الأوسط ولكن لا أنا ولا ناصر ولا كافري صدقناه فلما وقعت العراق الحلف حلف بغداد طلب مني أن أتوجه مع أيكلبرغر لا بلاغ ذلك لعبد الناصر ثم تفاصيل القصة في مكانها من هذا الكتاب المهم قال عبد الناصر عبد أن سمع الخبر: أن جميع الأمريكيين الذين اتصلوا به بما فيهم كافري اقنعوه بأنهم سيتركون له الوقت الكافي لبناء منظمة عربية إقليمية غير مرتبطة علنا بالغرب ولكنها بناءة إلى درجة تمكنها من الانضمام سريعا لخطط الغرب في حالة وقوع خطر مشترك أما حسن التهامي الذي كان حاضرا فقد بدأ يفقد أعصابه ولكن ناصر هدأه وظل الاثنان جالسين صامتين حتى انصرفت أنا وإيكلبرغر.

وقال كوبلاند في نفس الصفحة أنه هو وايكلبر غر كانا ضد حلف بغداد.

وقال مشاريع الدفاع والأحلاف والترتيبات العسكرية كانت نابعة من تفكير متخلف يمثله إيزنهاور وجهازه من الرسميين من بقايا الحرب العالمية الثانية، وهو توقع غزو عسكري، كالذي شنته ألمانيا، ومن ثم فإن الدفاع ضده يقضي مواجهته باستحكامات عسكرية.

وقال كوبلاند: أن فكرة منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط كانت قد تحولت إلى خطأ تاريخي ANACHRONISM والسبب الوحيد الذي جعلها مطروحة للنقاش هو أن الوزير دلاس

زعم ذكائه لم يستطع التخلص من الفكرة.

وكما سنرى في فصل الأحلاف فإن أمريكا كلها كانت ضد حلف بغداد وليس فقط المخابرات الأمريكية التي كان لها على أية حالة فضل الريادة لأنها باعتبار طبيعة عملها هي التي تكشف وتتوقع التغييرات العالمية المقبلة، بينما تغيير السياسة الرسمية، وعلى ضوء تحليل المخابرات CIA وكانت المخابرات CIA قد توقعت التعايش أو الوفاق وأن المرحلة القادمة ستكون مرحلة المزاحمة السياسية وليس الغزو على الطريق الألمانية ومن ثم لم يكن يهمها في قليل ولا كثير مسألة الأحلاف بل كرهتها كرها شديدا وهاجمتها ببذاءة .. وبذلت جهدا كبيرا في تحطيم حلف بغداد، من ناحية لأنه كان يمثل نفوذا بريطانياي ومن ناحية أخرى لأنه كان بسبب لها مشاكل مع الأصدقاء المتعاونين وعذرا عن هذا الاستطراد السابق لا وأنه.

يقول إيفيلاند: استمع لنا ناصر بصبر ولكني أحسست، أما أنه يتوقع معجزة من المخابرات CIA أو أنه وافق على مقابلتنا بحكم الكرام العربي ليس إلا...

غادرنا المنزل وأنا أتمنى أن لا تكون الCIA قد أقنعت الرئيس بقدرتها على تلبية مطالبه دون الحاجة للتوقيع لأنه إذا كان ذلك قد حدث فإننا سنجد في مواجهتنا عربيا شديدا الغضب عندما يكتشف أنه لا كيم روزفلت ولا آلن دلاس ولا حتى فوستر دلاس يمكنه أن يغير له القوانين الأمريكية.

كما قلت أنني كنت أتمنى لو وضع حد لدور المخابرات CIA في مفاوضات المعونة العسكرية والعودة إلى الدبلوماسية التقليدية ولذا لم يكن من دواعي سروري أن أرى في اليوم التالي كوبلاند منتفخا كعادته متباهيا أمامنا بما تفعله السي آي ايه لدعم ناصر ونظامه.

ففي شقة حديثة تطل على النيل عرفنا ب فرنك كيرنز، وهو مقاتل من CIG عمل مع مايلز وقدمه لنا كمراسل ل C.B.S , وطبقا لما قاله لنا كوبلاند فهو جزء من محطة المخابرات CIA في القاهرة ويعمل تحت غطاء صحفي وكان واضحا أنه لا يهم بعمله الصحفي هذا ..

إيكلبر غرا أيضا حاضرا وقال كوبلاند أنه انضم إلى CIA من وكالة والتر تومبسون للإعلان وإيكلبر غر يعلم الآن رجل الفكر ومهمته هي اكتشاف الوسائل التي تزيد شبية حكومة ناصر في مصر والعالم العربي وأضاف كوبلاند أن الCIA توجه المصريين في ميداني الصحافة والإذاعة وقد أحضرت عددا من الألمان لتدريب المصريين بما فيهم أوتوسكوروزني الشهير الذي أنقذ موسوليني ولكن الألمان كانوا متجاهلين ولا يدفع لهم كفاية ولذلك كانوا مستائين ويريدون الانصراف.

ومتعطشا لإخبارنا بالمزيد، وصف لنا كوبلاند المعدات الإذاعية الجديدة التي تقيمها المخابرات CIA في مصر والتي ستكون كما قال أقوى إذاعة في الشرق الأوسط وكان يقصد صوت العرب الذي عمل حقا بنجاح رائع حتى أننا وجدنا أنفسنا في النهاية مضطرين إلى تمويل محطات في بلاد أخرى لمواجهة هديتنا لمصر التي انقلبت ضد مصالحنا كان واضحا أن المخابرات الأمريكية قد بدأت عملية جبارة في مصر ربما أكبر واحدة من نوعها منذ إنشاء المخابرات CIA وكنت على يقين أن الحكام المحافظين في العراق والأردن ولبنان والسعودية والسودان لن يسعدهم ذلك.

ويبدو أنه لا نهاية للمفاجأت التي يمكن أن يقدمها كوبلاند وما أزعجني حقا هو صغر سن وطيش الأشخاص الذي كان واضحا أن يدهم قد أطلقت في العمل لم يكن هناك وجه للشبه بين ما رأيته في مصر وتعلمته في واشنطن عن كيفية رسم وتنفيذ حكومتنا لسياستنا الخارجية كان ما رأيته في مصر مثيرا للرعب حقا وتعجبت كيف يتماشى سفير من الجيل القديم مثل كافري مع هذا وعندما تحدثت في تلك الليلة مع نائب كافري في السفارة وهو دبلوماسي ممتاز، أعرفه من واشنطن سألني إذا كنت قد رأيت عملية أيكلبرغر كوبلاند؟ ومن لجهة سؤاله تأكدت أنه يرى مناورات المخابرات الأمريكية مغامرة خطرة كما رأيتها نتوقف قليلا فالجرعة كبيرة حقا.

1- ظن أن الرجل قد رد على نفسه عندما نفي أن يقدم كافري على التآمر على فاروق فها هو يشهد بأن كافري يتعاون ويتماشى مع نشاط السي آي أيه وأن تعجب من فعله.
2- استمر المؤلف في نقد تدخل المخابرات CIA في تحديد وتنفيذ السياسة الأمريكية وكرر خشيته من وعود ال CIA التي أشرنا إليها والتي أدت فعلا لإغضاب عبد الناصر عندما لم تتحقق.
3- قال له كوبلاند أن المخابرات CIA توجه الصحافة والإذاعة المصريةي وهناك خبير مقيم أشار إليه مصطفى أمين وهيكل هو إيكلبر غر مهمته أكتشاف وسائل تدعيم زعامة عبد الناصر وإن المخابرات CIA هي التي قدمت المعدات الفنية لإذاعة صوت العرب الذي ستصبح أكبر قوة مقاتلة في تصفية الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وإمجاد يا عرب كوبلاند أمجاد!!
4- وفقا لقانون اللعبة، كما حددها كوبلاند فقد كان من الطبيعي أن يهاجم صوت العرب أمريكا وأن تقوم أمريكا بتزويد بعض البلاد العربية بإذاعات أخرى لمواجهة صوت العرب وبصرف النظر عن أية نتائج أخرى فإن مجرد انشغال الدول العربية بحرب الإذاعات فيما بينها، لا يضر أمريكا بأية حال...
5- اقتنع إيفلاند بما رأى وسمع ولمس في مصر، أن المخابرات الأمريكية تقوم بأضخم عملية في تاريخها منذ إنشائها وهي لا يمكن أن تكون عملية تجسس طبعا، وإلا لما تخوف من نتائجها ولا تخوف عليهم وأي اطمئنان على جاسوس أمريكي أكثر من رؤيته يخلع جاكتته أمام رئيس الدولة، ويتعشى معه، ويناديه جمال وهو ما لم يحظ به أمين هويدي في حياته.

ما لاحظه وجزع منه مندوب البتاغون هو عملية إدارة مصر التي كانت تقوم بها المخابرات الأمريكية تاريخ الزيارة هو أكتوبر 1954 وحق له أن يتخوف فقد كانت الأولى من نوعها في تاريخ أمريكا والثانية في التاريخ كله منذ أن نظمت المخابرات البريطانية في 1916 ثورة الشريف حسين وسمتها الثورة العربية الكبرى وجاء الأمريكان بالثورة العربية الأكبر وقد شارك إيفلاند مخاوفه الرجل الثاني في السفارة بأنها مغامرة خطرة إنها عملية من نوع خاص خارج نطاق أعمال المخابرات المعتادة كوبلاند ينظم ويسجل اجتماعات ناصر بالأمريكيين الرسميين والمخابرات تبني للثورة محطة إذاعة تضمن وصول الوعي الثوري إلى أقصى أرجاء الوطن العربي، وطاقم المخابرات يوجه الصحافة المصرية والإخوان على المشانق والشيوعيون مضربون عن الطعام في سجن القناطر ومن المحيط الغادر إلى الخليجي الفاجر لبيك يا عبد القادر

قال إيفيلاند:

وفي اليوم التالي أبلغنا كوبلاند أنه لا ضرورة لاجتماعات أخرى من ناصر كوبلاند هو الذي أبلغهم ج فالمطلوبات أرسلت للسفير أحمد حسين في واشنطن وسيتبعها طاقم من الضباط المصريين خلال أسبوع لمناقشة التفاصيل مع الفنيين وسألته هل غير ناصر رأيه في مسألة قبول المستشارين العسكريين رد مايلز: لقد أخطأتم بمناقشة ذلك أمام عبد الحكيم عامر لأن الفتي حسن تهامي ج هو الرجل الذي سيبعثه ناصر إلى واشنطن للحديث عن البعثة العسكرية وكيف يمكن معالجة هذا الموضوع بطريقة أهدأ سألت هل يعني هذا أن ناصر لا يزال مهتما رد كوبلاند بكل تأكيد.

لم يسألنا كافري ولم نتطوع بإخباره عن مقابلتنا مع ناصر ولو كنا نثرثر أو نتباهى لاعتبرنا مثل كوبلاند ورجال ال cia واعتقد أن تقاعده القريب هو الذي جعله يتغاضى عن أعمالهم.

1- الرجل كما هو واضح مفتون بكافري يتلمس براءته بالشبهات فلا يسعفه الخط وأخيرا وصل لتفسير أنه ضاربها صارمة باعتباره رايح أو تارك العمل الدبلوماسي قريبا ويا رايح كتر من المخابرات cia .
2- وواضح أنه حاقد على كوبلاند لأسباب عديدة، منها أن كوبلاند أحبط مهمته في مصر وألغى موعده مع عبد الناصر مع أن عبد الناصر قال لهي بكرة نتكلم في اتفاقية الدفاع المشترك ولكن ها هو كوبلاند يصفعه: لا داعي للاجتماع مرة أخرى مع ناصر. وبالطبع وصلت التقارير إلى واشنطن بأن ناصر رفض أن يقابلهم مرة ثانية وهذا دليل فشل أو سوء انطباع المقابلة الأولى.
3- ربما يكون كوبلاند ثرثارا وربما يكون متباهيا أو حتى مستمتعا بإغاظة منافسيهم من الأجهزة الامريكية الأخرى ولكن هذا يجعله متهما بإفشاء أسرار وحقائق ولا يمكن أن يعطي معلومات بمثل هذه الخطورة لممثلين رسميين لوزارة الدفاع وجهازين على الأقل من أجهزة المعلومات والتجسس لا يعقل أن يقول لهم كذبا نحن نوجه الصحافة المصرية وهو يعرف أن هذا الكلام سيثبت في تقاريرهم الرسمية، ويستخدم ضدهم عندما تدور المناقشات حول الدور الذي تلعبه الصحافة والإذاعة الناصرية..

لا يمكن أن يكون ذلك محض اختلاق وكذب ثم نسأل أنفسنا ما هي الصحافة ذات النفوذ وقتها ومن كل يسيطر عليها؟ مصطفى أمين وهيكل وليس فيها من يصل إلى مرتبة زوجة قيصر ولا حتى عشيقته وقد جاء في اعترافات مصطفى أمين أن رجال المخابرات الأمريكية كانوا شبه مقيمين في أخبار اليومي وفي مكتب هيكل أو مكتبه هو معظم الوقت.

ويختم إيفيلاند ملاحظاته في القاهرة قائلا: بالنسبة للأسلحة التي تطلبها مصر لمواجهة هجمات إسرائيل المتصاعدة ضد المدنيين المصريين والمنشآت والتشكيلات العسكرية المصرية في غزه وسيناء فأنا واثق أن الموساد المخابرات الإسرائيلية كانت على علم تام بمهمتنا في مصر ونظمت عن طريق اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وقف المتجة على أية حال كنت واثقا أن الcia أقل قدرة وأقل تأهيلا من وزارة الخارجية لتحديد احتياجات الجيوش الأجنبية للمعدات العسكرية.

هل يمكن أن نخترق قشرة الصراع الغبي للأجهزة الأمريكية لنتساءل بدورنا هل الموساد اكتفت بتحريض اللوبي الصهيوني لإفشاء أضخم محاولة تحالف عربي أمريكي أم أنها وهي التي اعترف المؤلف إيفيلاند نفسه بتداخلها مع المخابرات الأمريكية دفعت الموقف من الجانب الأخرى باستفزاز عبد الناصر ضد الولايات المتحدة وإغرائه بالاتجاه للاتحاد السوفياتي وما هو الدور الذي لعبه أصدقاء ناصر من موظفي محطة المخابرات cia في القاهرة وصداقة عبد الناصر مع المخابرات cia في هذا الشأن؟

سؤال...

والرجل يشهد بوجود تلاعب في واشنطن أدي إلى قطع المعونة عن مصر قال إنه بعدما سافر من مصر نسي الأمر تماما إلى أن مر علي تقرير دوري في مكتب تنسيق العمليات يقول أن مصر كان مخصصا لها 35 مليون دولار منحة عسكرية وليس 1‚20 مليون فقط وإن هذا المبلغ قد ألغى لأن ناصر رفض توقيع اتفاقية المعونة العسكرية مع الولايات المتحدة وصحت دهشا: هل هذا إشارة إلى تقريري؟ وبغض شديد رحت أبحث عبثا عن نسخة من التقرير الذي أعددته وقدمته ليوقع عليه جير هاردت زميله في رحلة مصر وإلا على منه رتبة ج فلم أجد له أثرا ولا إشارة إلى تقريري؟ وبغضب شديد رحت أبحث عبثا عن نسخة من التقرير الذي أعددته وقدمته ليوقع عليه جبرهاردت زميله في رحلة مصر والأعلى منه رتبه ج فلم أجد له أثرا ولا إشارة لا في ملفات الخارجية ولا الدفاع ولا مكتب التنسيق اختفى ثم يأتي مكتب الشئون المصرية في وزارة الخارجية الذي تمني لي الفشل في مهمتنا وينسب رسميا لنصار رفضه عرض بعثتنا بل ويجعله مبلغا أكبر مما كنا نعلم وقد حاولت في سنة 1978 بموجب قانون حرية المعلومات أن أحصل من وزارة الخارجية والدفاع على وثائق عن بعثتنا إلى القاهرة وعندما تأكدت أن تقريري لم يسجل قط في ملفات وزارة الدفاع وربما لن يعرف أبدا من الذي استخدم رحتلي للقاهرة لمنع المعونة العسكرية عن مصر لقد فسروا لي لماذا لم يأخذوا بنصيحتي عن إيران ولكن بالنسبة لمصر أبقوني في ظلام دامس.

وأخيرا فقد طلبت بريطانيا في عام 1956 وضع حد للعبة الأمم في الشرق الأوسط وشكلت لجنة مشتركة من الأمريكيين والإنجليز لتمهيد لاجتماع قمة بين إيزنيهاور وإيدن وكان المندوب البريطاني فيها هو وكيل وزارة الخارجية البريطانية إيفيلين شوكبرغ وحسب النظام البريطاني فإن هذا الوكيل يكون عادة أهم من الوزير وأكثر إطلاعا على أسرار السياسة من الوزير الذي يتغير بتغير الحكومة وكان الوكيل يطلب قلب نظام الحكم في سوريا وضمها للعراق تمهيدا لقلب عبد الناصر وبالطبع كان الأمريكان يسخرون منه كما سنرى في مكان آخر ولكن نورد هنا هذه القصة قال إيفيلاند مؤلف كتاب حبال الرمال والذي كان يتولى التنسيق مع المندوب البريطاني أنه على الطائرة قال لوكيل الخارجية البريطانية إيفيلين شوكبرغ أنني قلت من محاولة العراق الاستيلاء على سوريا عبر انقلاب أو بالوقة فرد على شوكبرغ غاضبا أظن أنك تفضل أن يستولي على سوريا ناصر بتاع السي آي أيه وهذا هو النص الأمريكي:

Perhaps you ’d prefer to have the cia’s Nasser in control of Syria instead? أظن أن وكيل وزارة الخارجية البريطانية لا يمكن أن يقول هذه الصفة عن رئيس أكبر دولة عربية وفي حديث على الطائرة مع ممثل الولايات المتحدة الأمريكية بدون أي أساس؟ ومرة أخرى هذا لا يعني أن عبد الناصر كان مجندا في المخابرات cia وله بطاقة ويقض مرتبا كما كان بعض العملاء يروجون في الستينات..

وعلى أية حالة لقد اسقط في يد المؤلف في النهاية فقبل الحقيقة المسلم بها داخل جميع الأجهزة الأمريكية وقتها فقال بالحرف الواحد:

وعندما اعتصر الكونغرس آلن دلاس في سؤاله حول أسباب فشل الcia في التنبوءبانقلاب العراق وكيف استطاع ناصر الاستفادة من الثورة اللبنانية وإخصاء مشروع إيزنهاور ولأن دلاسلم يكن راغبا في نقده سياسة أخيه، كما لو يكن راغبا في الاعتراف بأن المخابرات الأمريكية ساعدت على فرض عبد الناصر كرمز للقومية العربية فإنه لم يتردد في نسبة مشاكل الشرق الأوسط لروسيا وتعهد بأن تبذل الوكالة المخابرات كل جهد في طاقته لحصر انتشار النفوذ الشيوعي.

That the cia had helbed to establish Nasser as a symbol of arab nationalism وقال عن إيكلبرغر ولأن جيم إيكلبر غر كان أحد المجموعة clique التي تفتخر بأنها اخترعت ناصر invent المؤيد للغرب فإنني لم أدهش عندما قال لي أنه ما من دليل على الإطلاق على أن الرئيس المصري عميل للسوفيتي إلا أنني لم أقدر على معارضته عندما قال إيكلبرغر أننا نحتاج مع ذلك لمعارضة سياسات ناصر علنا ويجب علينا مواجهة أعماله بطرية تترك مجالا للمناورة معه عندما يكتشف في النهاية أن الدب الروسي يمكن أن يعصره بين أحضانه

وقال:

كانت الصحافة البريطانية تتهمنا الأمريكان ج بأننا أدرنا ظهرنا لحلفائنا البريطانيين ونتضامن مع عملاءنا المصريين والسعوديين الذين تعاهدوا على إخراج بريطانيا من الشرق الأوسط.

وقال: في مطار القاهرة قابلني شارلس كريمانز الذي عملت معه لما كان في المخابرات cia في وظيفة كبير محللي الشرق الأوسط في المجلس الوطني للتقديرات قال كريمانس أن قرار فوستر دلاس غير المناسب بإرسال جورج آلن قد أغضب ناصر الذي خمن إنذار وأن المخابرات cia تحاول الآن عبثا تهدئته.

ولما قال لي كريمانزانه يتعامل مع وزير الداخليةي المصري وأنه كثيرا ما يرى ناصر نفسه سألته مازحا إذا ما كان يعلمها كيف يسيطران على العالم العربي فوجئت به يرد علي بجدية تفوق ما كنت أتوقع إذ قال إن هذه كانت فعلا خطة المخابرات cia الأصلية ولكن الوكالة cia تحول الآن توجيه مصر إلى ميادين مطابقة لأهداف الولايات المتحدة وفكرت في نفسي: هذا هو واحد من أهم المحللين في المخابرات cia وأستاذ جامعي سابق في القاهرة، والآن يشغل نفسه بالعمل السري السياسي بدلا من جمع المعلومات حول ما هي أهداف ناصر الحقيقية.

هذه أقوال شاهد النفي وأظن أن أية محكمة في العالم حتى ولو كانت محكمة الدجوي ستكتفي به كشاهد إثبات.

مصطفى أمين يتذكر...!!

وأمامنا الآن شاهد من نوع خاص ملئ السمع والبصر يحتاج المرء إلى كل وطنيته وموضوعيته ليحاكمه ويدينه ولو كان هذا الحديث يكتب منذ ثلاثين سنة أو أكثر لما تردد القلم لحظة واحدة ولا أحسست إلا بالفرحة والنشوة وأنا أشرح جثة مصطفى أمين السياسي ولكن السنوات لعبت بنا جميعا، وقامت بيننا علاقات يمكن بكثير من التجاوز وصفها بالإنسانية أو الاجتماعية وأصبح يحز في القلب أن توجه إليه تهمة الخيانة والعمالة خاصة وأن الرجل نسيج وحده كفاءة نادرة وجلد على العمل لا مثيل هل في تاريخ الصحافة أو الكتابة ثم كانت حادثة سجنه بتهمة العمل للمخابرات الأمريكية وهو ما يتفق الجميع على وصفه بالغدر لأنه كما قلنا يومها، أن الثورة التي لم تعتقل مصطفى أمين في 23 يوليو 1952 لا يمكن تبرير موقفها منه في 1965 وبعدما كان في قلب تحركها السياسي لأكثر من عشر سنوات..

ثم إن الرجل قد بلغ من العمر عتيا وهو متعدد المواقف والنشاطات واشتهر بالدفاع عن الديمقراطية حتى أصبح نما شعبيا وخاصة في تحدي السلطة منذ أواخر عصر السادات وإن كانت هذه أيضا محل تساؤل إلا أن الرجل أحد القلائل الذين أنزلوا بمصر ضررا فادحا منذ أن تألق في سماء الصحافة المصرية ولو مات أو متنا قبل أن نعرف علاقته بالمخابرات الأمريكية لصار غصة في حلوقنا فقد كان نجاحه على الرغم من الإرادة الوطنية المصرية وبدفع أمريكي كما جاء في اعترافاته وقبل يوليو 1952 كان الشارع السياسي مجمعا على خانته وتآمره على الحركة الوطنية وكان كيده للوفد لحساب السراي علما يتفق ومصالح الإنجليز والرجعية المصرية وضد التطلع الشعبي فلما قرر الأمريكان الإطاحة بالملك أسف في التشنيع عليه وخاصة بفضيحة أمه وأخته في أمريكا والتي يمكن أن نفهمها الآن، ولو متأخرا جدا على ضوء ما عرفناه عن تآمر المخابرات الأمريكية ضد الملك فاروق فأغلب الظن أنها دبرت هذه الفضيحة وأغوت أخت الملك وأمه ثم أطلقت عليهما الصحافة وقد لقيتا في النهاية المصير التعس الذي يلقاه كل من يقع في شراك تلك الأجهزة التي لا تعرف الوفاء ولا الضمير غير أن سخط الناس واحتقارهم فاق كل حد عندما انهالت أخبار اليوم على سيرة وسمعة وتاريخ الملك فاروق نفسه بعد الثورة لا حبا في الملك بل لما في الموقف من خسة ونذالة من كاتب هو أول من مجد الملك وأكثر من أكل على مائدته ومصطفى أمين هو الذي قاد المعركة الإعلامية ضد الأحزاب وضد الديمقراطية وضد الدستور وهو الذي دس الأخبار الملفقة التي مكنت الديكتاتورية من البطش بالأحزاب ثم بمحمد نجيب وهو الذي صنع أسطورة الزعيم وشن الحملات البذيئة ضد ملوك ورؤساء العرب.

ومصطفي أمين كما تكشف الوثائق اليوم كتب وتعامل مع السفارة البريطانية وتوجه إلى تلك السفارة يوم حرق القاهرة يدبر لهم مع القصر إقالة حكومة الوفد وهو الذي كان حربا على الحركة الوطنية في فترة إلغاء المعاهدة حتى كادت الجماهير أن تحرق أخبر اليوم لولا استعانته ببعض العمل المأجورين والذين كان يدفع لهم بسخاء من الموارد الخفية التي اعترف بها في رسالته لعبد الناصر والتي كانت تتدفق عليه بسبب علاقته بالمخابرات الأمريكية.

ومهما يكن رثاؤنا للرجل فلا مجال للقسوة عليه لأن ما جناه ضد وطنه يجعل أية عقوبة أقل مما يستحق.

اعتقل مصطفى أمين في 1965 عندما وصلت العلاقات الناصرية الأمريكية إلى الصفر ونال مصطفى أمين جزاء سنمار أو صدق فيه الحديث الشريف: من أعان ظالما على ظلمه سلطه الله عليه فأممت داره الصحفية وعزل من رئاسة تحريرها بل ومنع من الكتابة فيها وراجع مقالاته غلمان الحركة الشيوعية المنحلة وأحس أن الأرض ملغومة وأنه قد يكون الكلب الذي يذبح لإرهاب القرد فترامى على المندوب الأمريكي للمخابرات يطلب مساعدته على الخروج وتهريب أمواله ويلح عليه في طلب المزيد من الضغط الأمريكي لإرجاع ناصر إلى صوابه.

وكان عبد الناصر قد ضاق ذرعا باللعبة مع الأمريكان وتدهورت أسهمه في بورصة الحرب الباردة وصراع النفوذ فقبض الأمريكان يدهم واستبد به الروس وحز في نفسه تصرف مصفى أمين ونسي ما فعله مصطفى أمين من أجله وما فعله هو بمصطفى أمين فأمر باعتقاله بتهمه التجسس ولم يكن تنفيذ ذلك بالأمر الصعب.

وفي التحقيق أو السجن كتب مصطفى الناصر بضمير الغائب مما يؤكد رأينا في أن الرسالة تعرضت لرقابة ما وأنها تجميع بين اعترافات في محضر التحقيق ورسالة استعطاف لعبد الناصر وجهة ما قد تكون المخابرات العامة أو أقرباء عبد الناصر أعطوا الرسالة لصحفي ناصري الذي نشرها في جريدة العرب بالمقدمة التالية:

وقد كتب مصطفى أمين اعترافا تفصيليا في مذكرة طويلة أرسلها إلى جمال عبد الناصر ولا يمكن أن يدعي أنه كتبها تحت ضغط لأنها تحمل تاريخ حياته، وقصة ارتباطه بالمخابرات الأمريكية التي بدأت قبل الثورة بسنوات وفيها يحكي كثيرا من التفاصيل حول الذين جندهم للعمل معه من المحررين بعلمهم أو بدون علمهم ويعدد المكاسب التي حصل عليها من المخابرات الأمريكية.

ونحن نوافق على هذا حرفيا ولا نتصور كذب مصطفى أمين على عبد الناصر في مثل هذه الرسالة وفي وقائع يعلمها عبد الناصر.

ونزيد أن عمالة أو ارتباط مصطفى أمين بالقوى الأجنبية كان حقيقة معروفة وشائعة ومقررة في مصر منذ ظهور أخبار اليوم وكان باعة الجرائد ينادون على صحيفة أخبار اليوم أقرأ جريدة السفارة البريطانية أو الأمريكية وقلنا أن رجال الثورة لم يعتقلوا من الصحفيين في الساعات الأولى إلا مصطفى أمين كما هو ثابت من نص الرسالة التي اتفقنا جميعا على قبولها بلا تحفظ أصبح مستشار عبد الناصر ومحل ثقته والصحفي الأول في مصر إلى أن نازعه مكانته تلميذه والذي كان بلا تاريخ وطني بل تحيط به شبهة أكدتها التقارير والمذكرات فيما بعد؟

لماذا اختار عبد الناصر مصطفى أمين وأخبار اليوم من دون الصحافة المصرية كلها ليجعلها صحيفة الثورة .

لماذا أعطى عبد الناصر الثقة مدة 13 سنة لجاسوس معروف للأمريكان؟ هذا سؤال لم يطرحه الذين سعدوا بالرسالة نكاية في مصطفى أمين فقتلوا الذبابة ولكن على جمجمة الزعيم.

وهذا بعض ما جاء في الرسالة الوثيقة مما يتصل بموضعنا:

وأحب يا سيادة الرئيس أن أروي لكم بأمانة كيف بدأت علاقتي بالأمريكيين ففي سنة 1935 عين والدي وزيرا مفوضا في واشنطن وسافرت معه وأقمت في السفارة المصرية بواشنطن وكنت أرغب في أن أدخل كلية لدراسة الصحافة.

وبعد عودتي من أمريكا واشتغالي بالصحافة التقيت بالكثير من أصدقائي الأمريكيين وفي تلك الفترة التقيت بارشي روزفلت وكيم روزفلت وكان روزفلت يؤلف كتاب عن النفط في الشرق الأوسط وكنا نلتقي باستمرار مع هؤلاء جميعا وكنا نتحدث في شئون الحرب وشئون الشرق الأوسط والتقيت في ذلك الوقت بالسفير الأمريكي بالقاهرة وكان يدعوني باستمرار للغداء والعشاء معه، وكان له عدة بيوت في القاهرة وكان لا يهمه أمر مصر إطلاقا وفي أثناء ذلك أمكنني أن أعرف منهم عدة أخبار هامة أفادتني صحفيا واستمر علاقتي واتصالاتي بالسفارة الأمريكية بالقاهرة وموظفيها وحدث في سنة 1947 أن طلب مني المرحوم النقراشي باشا رئيس الوزراء أن أكون واسطة الاتصال بينه وبين الأمريكان.

ثم تولى مستر تلك منصب سفير أمريكا وكانت علاقتي به قوية جدا وكنت أقابله باستمرار وفي تلك الأيام تغيرت سياسة أمريكا وأصبحت لها سياسة مستقلة في المنطقة بعد أن كانت تعتمد على أن تكون ذيلا لبريطانيا في المنطقة وكثيرا ما نقدت قبل ذلك سياسة الأمريكان في أنهم يتلقون تعليماتهم من السفير البريطاني في القاهرة وكانوا أشبه بالمنومين الأمريكان في أ،هم يتلقون تعليماتهم من السفير البريطاني في القاهرة وكانوا أشبه المنومين مغناطيسيا لا يصدقون إلا ما يقوله لهم الإنجليز.

ثم حدث بعد ذلك أن توثقت علاقتي بمستر كافيري السفير الأمريكي الجديد وكنت أقابله باستمرار وكان قتنعا برأي بأن مصلحة أمريكا هي مصلحة الشعوب العربية في الوقت نفسه وهي أن تؤيد أمريكا خروج المنطقة من النفوذ البريطاني وكان يكره الإنجليز كراهية شديدة وعندما يسمعني انتقد تصرفات الإنجليز في المنطقة يهتز طربا وكان يسمع قطعة موسيقية لكنه يعطف على الملك فاروق وكان الملك قد وثق علاقته به وكان يفهمه أنه يستشيره في كل المواضيع وأنه يأخذ رأيه قبل أن يفعل أي شيء.

ولما تولى نجيب الهلالي الحكم عرفت أن الملك فاروق أخذ رشوة مليون جنيه من أحمد عبود باشا ليقيل نجيب الهلالي من الوزارة وأخبرت كافري بذلك فلم يصدق ثم تحرى الخبر بطريقته الخاصة وتأكد أنه صحيح ثم زار كافري نجيب الهلالي وقال له أنه تأكد أن الملك قبض فعلا مليون جنيه ليقيل الهلالي من رياسة الوزارة وعندما استقال نجي الهلالي راح يصرح للناس بحكاية رشوة المليون جنيه وهذا الموقف هو الذي جعل كافري يغير رأيه في الملك ويرى أن بقاءه على العرش كارثة.

ما غلطناش!!!

1- المنطقة في دائرة النفوذ البريطاني والأمريكان موافقون على ذلك ولهم اتصالاتهم بمصطفى أمين.
2- الأمريكان خلال الحرب العالمية وما بعدها بدأوا يعملون لوراثة الإمبراطورية البريطانية واختفى الطاقم المتتلمذ على بريطانيا ظهر الطاقم الذي يكره بريطانيا كرها شديدا ومنهم السفير كافري صديق مصطفى أمين الذي هو صديق كيرميت روزفلت كما نرى من عام 1944.
3- كافري علاقته قوية بالملك وفاروق يثق فيه ثقة مطلقة.
4- في وزارة الهلالي أي مارس 1952 نفض كافري يده من الملك وقرر أن بقاءه على العرش كارثة كارثة لمن؟ ولماذا هذا الاهتمام البالغ بمصر وكوارثها من السفير الأمريكي؟ وما هذا البساط الأحمدي بين صحفي مصري والسفير الأمريكي؟؟ وما العلاقة بين رأي السفير الأمريكي في العرش ومن يبقى على العرش بحملات أخبار اليوم ضد الملك والفساد والوفد ثم بما جرى للعرش بعد ذلك ومن محاسن الصدف أن يستمر كافري ومصطفى أمين على علاقة ممتازة بمن خلع الملك وورث العرش ومنع الكارثة!!

قال مصطفي أمين لعبد الناصر.

وأذكر لسيادتكم أنني التقيت بمستر كيم ومستر أرشي روزفلت في عام 1944 وذلك في مكتبي في مجلة الاثنين التي كنت أرأس تحريرها والذي قدمني لهما هو الدكتور فؤاد صروف عميد الجامعة الأمريكية في ذلك الوقت وجرى الحديث في ذلك اليوم عن أن كيم يؤلف كتابا عن منطقة الشرق الأوسط والبترول العربي وأنه سيستغرق عدة سنوات لإعداد هذا الكتاب.

وقد سألني خلال هذا الحديث عن رأي في سياسة أمريكا في المنطقة فقلت له إن أمريكا لا سياسة لها وإنها تسير في ركاب الإنجليز ضد الشعب المصري.

وكان كيم وقتها يرتدي ملابسه العسكرية كضابط في الجيش الأمريكي ولا أذكر رتبته ولم يتكلم أرشيلد في أثناء مناقشتي مع كيم يرتدي أيضا ملابس عسكرية كضابط للجيش الأمريكي.

وكان هذا سنة 1944 ولم يحدث بعد ذلك أن تقابلت مع أحدهما أو مندوب عنهما كما لم يحدث في خلال هذه المقابلة أي اتفاقات أو ارتباطات بمواعيد لاحقة ثم حدث أن أقام مستر كافري مأدبة عشاء أو غداء لا أذكر وكان ذلك بعد سنة 1950 فتقدم لي خلال هذه الدعوة كيم ويده في يد مستر كافري السفير الأمريكي وكان في هذا الوقت شخصا مدنيا وسألني كيم إذا كنت أذكره وكنت في ذلك الوقت صاحب جريدة أخبار اليوم ومجلة آخر ساعة وكنا نهاجم سياسة الوفد والنحاس فأجبته أنني أذكره وأن شكله لم يتغير وتحدثنا على ما أذكر في استنكار سياسة أخبار اليوم بمهاجمة النحاس وأن هذا يضر الموقف الدولي ولا يساعد على مقاومة الشيوعية في المنطقة.

فقلت له أن الفساد هو الذي يؤدي إلى نشر الشيوعية وأننا نحارب الفساد وانتهت هذه المقابلة أيضا دون ارتباط ولكني أذكر هنا أنني شعرت بأهمية غير العادية بالطريقة التي كان يمسك بها يد السفير وكان كافري مشهورا بالعجرفة والرسمية

وبعد تشكيل وزارة علي ماهر بعد حريق القاهرة في 16 يناير 1952 كنت موجودا عند رئيس الوزراء في ذلك الوقت ودخل السكرتير يعلن وصول مستشار الرئيس إيزنهاور وقد بدا على علي ماهر الاهتمام بالضيف الكبير وطلب مني الانتظار في غرفة السكرتير حتى ينتهي زيارة هذا الشخص فإذا به كيم روزفلت ولكني لم أحضر المقابلة وعلمت بعد ذلك من رئيس الوزراء أنه كان يتحدث في موضوع استئناف المفاوضات مع انجلترا وكان هذا أول اتجاه أمريكا للتدخل في سياسة مصر.

وذهبت بعد ذلك إلى إحدى الحفلات ووجدت أن كيم موجود فيها فتوجهت إليه بعد أن عرفتي من على ماهر أهمية وتحدثت إليه من مقابلة رئيس الوزراء وقد ذكر لي أن أمريكا مهتمة باستئناف المفاوضات التي انقطعت بين مصر وبريطانيا وأن لندن مستعدة أن تذهب إلى نصف الطريق وانتهت المقابلة.

وكان كيم قد حضر إلى مصر في هذه المرة في مهمة قصيرة لا تزيد عن يومين ثم قامت الثورة في 23 يوليو 1952 وحضر كيم إلى القاهرة أيضا في مهمة الاتصال بقادة الثورة ولم أقابله هذه المرة ولكن عرفت بحضوره من بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة.

وزاد تردده على القاهرة بعد ذلك في مهام قصيرة وقد قابلته في أغلب المرات والحقيقة أنني كنت أسعى إلى لقاءه عندما أعلم بحضوره وكنت اجتمع في حضور الأستاذ محمد حسنين هيكل وكنا نتغدى معا في بيتي وقد توطدت علاقتنا وكانت مناقشتنا تدور حول المشاكل التي تدور في الأذهان وجرى حديث أيضا عن محمد نجيب ورأينا أنه لا يصلح وكانت هذه المرحلة خلال الفترة سنة 1953، 1954 .

وكان كيم روزفلت على اتصال وثيق بالثورة وكان يقوم بنشاط واسع في هذا المجال لدرجة أنه كان في ذلك الوقت صاحب أقوى نفوذ بين الأمريكيين في مصر بما فيهم السفير الأمريكي.

ثبتت الرؤيا!!

1- كريم روزفلت جاء إلى مصر قبل الثورة مرتين على الأقل مرة بعد 1950 وأرجع إلى ما قاله إيفيلاند عن تجنيد الصحفيين المصريين البارزين الثلاثة ومرة بعد حريق القاهرة وقد جاء في المرة التالية بغطاء كبير ومهم يستوجب الثقة وهو ما حدث إذ تلقاه علي ماهر باحترام وأخرج مصطفى أمين من الغرفة وهو لا يدري أنه صديق قديم لمصطفى أمين من 8 سنوات على الأقل كما حاز ثقة الملك فاستسلم لمشروعه الوهمي عن الثورة البيضاء كما حاز ثقة المجموعة الناصرية في تنظيم الضباط الأحرار كيف لا وهو مستشار أيزنهاور؟
2- أما حكاية أنه أقام في مصر يومين فأما أنها معلومات مصطفى أمين أو تنقيح من الجهاز الذي سرب هذه الرسالة للنشر للنيل من مصطفى أمين والثابت من الرواية الأخرى أن كيم روزفلت أقام في مصر من فبراير إلى مايو 1952.
3- اجتمع روزفلت ومصطفي أمين ومحمد حسنين هيكل في أغلب المرات التي زار فيها كيرميت مصر بعد الثورة.
4- اتفق رأي كيرميت روزفلت ممثل المخابرات الأمريكية ومصطفي أمين وهيكل ممثلا ؟ على أن محمد نجيب لا يصلح محمد نجيب يوك! محمد نجيب no good من هو كيرميت روزفلت ليقرر صلاحية رؤساء مصر الثورة؟

هل من جواب عند الثوريين؟

- كان كيم على اتصال وثيق بالثورة.
- وكان يقوم بنشاط واسع في هذا المجال.
- لدرجة أنه كان في هذا الوقت صاحب أقوى نفوذ بين الأمريكيين في مصر بما فيهم السفير الأمريكي.

الرجل قضي في مصر يومين قبل الثورة ومخابرات أمريكاني .. وجاء بعد نجاح الثورة، فكيف أصبح له هذا النفوذ القوي وهذه الصلة الوثيقة وهذا النشاط الواسع؟فجأة..؟؟لابد أن نقبل رواية مايلز كوبلندا فهمي التفسير الوحيد المقنع للحقيقة العجيبة التي أثبتتها اعترافات مصطفى أمين الذي يقول أيضا..

استمرت علاقتي مع كيم روزفلت على هذا عندما يحضر في مأموريات قصيرة وكانت مأمورياته متعددة في مهمات تتعلق باتصالاته مع رجال الثورة وكنت في كل مرة يحضر فيها أتقابل معه وذلك أما عن طريقي بالمبادرة في الاتصال أو هو يتصل بي في بعض الحال وكنا نجتمع أيضا في منزل في وقت الغداء في حضور الأستاذ حسنيني هيكل وكان الأستاذ هيكل يشغل وظيفة رئيس تحرير الأخبار وأخبار اليوم في ذلك الوقت .. ولا تزال علاقتي به كما تعلمون قائمة بمعنى أنه إذا حضر اتصل بي.

أقرر هنا أن اتصالاتي مع كيم روزفلت لم تحدث إلا في خلال فترات حضوره في القاهرة والمرات التي سافرت إلى أمريكا وكنت في كل مرة أسافر فيها إلى أمريكا أحرص على لقائه وفي بعض المرات لم أقابله.

أما بخصوص مستر ليكلاند والذي عرفني عليه السفير الأمريكي كافري خلال إحدى حفلات السفارة والذي كنت أتناقش معه في المسائل السياسية وكان هذا الرجل ذا نفوذ على السفير ومصدر قوة لا تتفق مع وظيفته في السفارة وكان على علاقة وثيقة بأعضاء مجلس الثورة في مصر استمرت مقابلاتي مع ليكلاند وكانت تتم أما في مكتبي بدار أخبار اليوم أو في مكتب الأستاذ حسنين هيكل بأخبار اليوم.

وتعرفت أيضا في هذه الفترة بمستر مايلز كوبلاند ضابط المخابرات الأمريكية وكان يعمل بسفارتهم بالقاهرة وعرفني به مدير مكتب الاستعلامات الأمريكي بالقاهرة في ذلك الوقت وكانت علاقتي به جيدة وكان يحضر إلى مكتبي وأحيانا في منزلي.

واستمرت علاقتي مع مايلز كوبلاند كل فترة وجوده بالقاهرة وبعد أن انتقل إلى بيروت وعمل مديرا لإحدى الشركات الأمريكية هناك ولا زالت أتقابل مع مايلز كوبلاند كما تعلمون سيادتكم في كل مرة يحضر فيها إلى القاهرة أو أتوجه إلى بيروت.

وإن كانت مقابلات بيروت لم تزد عن مرتين وكان يطلب مني خدمات وهي أن أتوسط لدى سيادتكم في مسائل تجارية ولم أتحدث إلى سيادتكم بخصوصها وهي بشأن شراء مصر لماكيناتي حسابات الحكومة السرية على حساب المعونة الأمريكية.

وفي بعض الأحيان يكتب إلى طالبا تحديد موعدا لمقابلة سيادتكم وكانت محادثتي مع مايلز كوبلاند تتصف بنفس الأسلوب وهي المناقشات السياسية وهو يطوف المنطقة بعد سفرة إلى بيروت أنه واسع النشاط والاتصالات وأنه ينتقل بين السعودية ولبنان ومصر وتكلم معي في موضوع وذكر أن من مصلحتنا أن ننسحب فورا من اليمن ورأيي في عمل كوبلاند الحالي أنه عملية مخابرات منظمة باسم شركة.

وفي سنة 1956 قدمني الأستاذ محمد حسنيني هيكل إلى مستر وليام دورات ميلر الملحق السياسي بالسفارة الأمريكية وهو كما علمنا فيما بعد أحد ضباط المخابرات الأمريكية وكانت فترة اتصالاتي به خلال تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي وما بعدها وكنت أطلع سيادتكم يوميا على هذه الاتصالات وكنت سيادتكم تسمونه ريكا وقد أصبح الآن منذ عهد كنيدي نائبا لمدير الاستعلامات الأمريكي وهو منصب كبير جدا هناك وأنا لازلت على اتصال به عندما يحضر للقاهرة.

وعندما وقع العدوان لكنت أنا ومحمد حسنين هيكل على اتصال يومي بل وعدة مرات في اليوم بمستر ميلر وكنا يوميا على اتصال مستمر بسيادتكم وكما تعلمون وتذكرون أن فكرة البوليس الدولي ولدت أثناء اجتماعنا في أخبار اليوم بحضور محمد حسنين هيكل.

لعل الرفيق جروميكو قد وجد الإجابة على تساؤله ولو بعد ما يقرب من ثلاثين سنة وهو ما الذي يجبر عبد الناصر على قبول البوليس الدولي؟

أنها فكرة المخابراتي الأمريكي وممثلي ثورة يوليو مصطفى أمين ومحمد حسنين هيكل ولا فخر.

وفي أمريكا بعد وقف إطلاق النار في عدوان 1956 قال مصطفي أمين للأمريكان يجب أن تعمل أمريكا على الإسراع في الجلاء وبعد ذلك تقدم مساعدات لمصر وفي هذه المناقشات اقترح أن أقابل ألن دلاس مدير المخابرات المركزية حتى نتكلم في موضوع أثر العدوان في انتشار الشيوعية وقال أنه سيدبر لي هذا اللقاء.

وتقابلت مع كيرمنت روزفلت وأخبرته بما حدث فقال إن هذا أمر مستعجل ثم حدث أن أتصل بي كيم وقال لي أن أوامس دبر موعدا لك مع مدير المخابرات المركزية .

وقابلت مستر ألن دالاس في مكتب لمدة 15 دقيقة وقد شرحت له وجهة نظر بلادنا باختصار ورغبتنا في الإسراع بجلاء قوات العدوان في أسرع وقت وإن أي تأخير سيؤدي إلى كارثة.

وقدمت تقريرا بذلك إلى سيادتكم فور عودتي شرحت فيه كل هذه المقابلات واحدة واحده ونص ما جرى فيها وفي سنة 1958 التقيت عند الأستاذ محمد حسنين هيكل بمستر جويدن يونم وهو يتولى منصب الملحق السياسي بالسفارة الأمريكية وكنا نتقابل في أخبار اليوم ونتقابل في المنزل إذا كانت معه زوجته ولكن مقابلات المكتب أكثر بطبيعة الحال.

وكنت أتناقش معه في نفس الموضوعات التي كنت أتناقش فيها مع سابقيه واستمرت علاقتي معه حتى غادر مصر وفي سنة 1958 التقيت عند الأستاذ محمد حسنين هيكل بمستر جوديني يونم وهو يتولى منصب الملحق السياسي بالسفارة الأمريكية وكنا نتقابل في أخبار اليوم وتقابل في المنزل إذا كانت معه زوجته ولكن مقابلات المكتب أكثر بطبيعة الحال.

وكنت أتناقش معه في نفس الموضوعات التي كنت أتناقش فيها مع سابقيه واستمرت علاقتي معه حتى غادر مصر وفي سنة 1958أيضا كنت على اتصال بمستر روبرت أنشوتس وكان رئيس القسم السياسي في السفارة الأمريكية وكان يتميز على زملائه بأنه كثير الأسئلة بطريقة ملفتة وكنا نتناقش في الموضوعات السياسية والوحدة مع سوريا ولم يكلفني بإرسال أي معلومات للرئيس بل كان يقوم بهذا يونم وكان روبرت انشوتس يقابلني في مكتبي وفي بيتي ولم يحدث أن لاحظت أنه يعرف علاقتي مع يونم ولم يحدث أن تقابل ثلاثتنا معا.

وفي أثناء ذلك عرفني مراسل جريدة نيويورك تايمز بالقاهرة في فندق كوزموبوليتان بمستر جون سيدل الملحق السياسي للسفارة واعتقد أنه ضابط مخابرات أمريكي واستمر هذا في القاهرة لفترة أربع سنوات وكنا نتفق على مواعيد المقابلات وكانت المقابلات تتم في المكتب أو في المنزل وإن كان أغلبها يتم في المنزل.

وكانت مناقشتنا عن المعونة الأمريكية والشؤون السياسية المختلفة وتذكرون سيادتكم أنه هو الذي أبلغنا بنبأ الانقلاب الذ سيقوم به زياد الحريري في سوريا قبل قيامه بوقت قصر وهو أيضا الذي كنت أحصل منه على برقيات الشفرة التي كنت أقرأها باستمرار لسيادتكم عن الموقف في العراق وفي البلاد العربية.

وعرفني مستر ميدل بضابط المخابرات الأمريكي بروس أرديل الذي حل مكانة في بيته في المعادي بعد سفر الأول.

وهذا النص يفيد تسليم رجال المخابرات مصطفى أمين لبعضهم فعند انتهاء مهمة أحدهم وحلول الآخر يتسلم هذا العهدة!!

كما تفيد الكثير من خفايا الاتصالات التي كانت جارية مع الأمريكان لإزالة آثار العدوان 1956 وتحقيق أكمل نصر عربي!

وعرفنا أيضا أن مصر الناصرية كانت تحصل على معلوماتها عن الدول العربية من البرقيات السرية الواردة بالشفرة للمخابرات الأمريكية؟

وعرفني كافري بمستر ليكلاند وعندما قامت الثورة أبلغني ليكلاند أنه في ليلة قيامها أيقظ السفير البريطاني في واشنطن مستر دين وزير الخارجية الأمريكي من النوم وأبلغه أن ثورة شيوعية قامت في مصر وأن الحكومة البريطانية قررت التدخل العسكري فورا وتحرك الجيش البريطاني من فايد لقمع الثورة وقال لي ليكلاند أن دين اتشيسون طلب مهلة للتشاور وأنه أبرق إلى كافري يسأله رأيه وأن ليكلاند هو الذي أعد البرقية العنيفة التي على أثرها أ[دت أمريكا اعتراضها على التدخل العسكري البريطاني في مصر وشعرت بحكم اتصالي بأهمية ليكلاند وقوته رغم صغر سنه وأبلغت المرحوم صلاح سالم برأي أن ليكلاند هو السفير الحقيقي وعقب ذلك حدث اتصال مستمر بين ليتلاند وين الرئيس جمال عبد الناصر وصلاح سالم وبعض رجال الثورة وكان ليكلاند هو الواسطة بين الثورة والسفير الأمريكي وشعرت أن ليكلاند في اجتماعاتي معه المتكررة كثير الأسئلة وأنه يتظاهر بالخوف وبأنه لا قيمة له بينما شعرت أنه صاحب أكبر نفوذ على السفير وأكثر علما بالسياسة الأمريكية من جمع موظفي السفارة الأمريكية الذين اجتمعت بهم .

وقد أبلغني صلاح سالم أنه يشعر بل يعتقد أن ليكلاند من المخابرات الأمريكية وأن رأي رجال الثورة أنه من جهاز المخابرات الأمريكية وطلب مني أن أسأله بيني وبينه عن ذلك فسألته عن ذلك فنفي بشدة وقال أنه طلب أن يشتغل بالمخابرات ورفض ذلك.

وكان ليكلاند يسألني أسئلة كثيرة جدا ولكنه كان يبدو متحمسا للثورة ومؤيدا لها ولم أشعر في علاقتي الوثيقة به أنه كان يخدعني أو يضللني أو يشتغلني أو يوهمني بأنه مع الثورة وهو في الواقع ضدها واعتقد أنه قام بخدمات جليلة جدا في شأن علاقات أمريكا مع الثورة في بدء قامها.

وكان ليكلاند يحضر إلى أخبار اليوم يوميا وفي بعض الأحيان يتناول الغداء معي أو أتناول العشاء عنده.

وكان أهم ما سأل ليكلاند عنه هل هناك بين قادة الثورة من له ميول شيوعية وعرفت منه أن الإنجليز كانوا يقولون لهم باستمرار أن لديهم معلومات مؤكدة بأن عددا من أعضاء مجلس الثورة من الشيوعيين وأن اتجاهاتهم كلهم ضد الغرب ومن ليكلاند عرفت أن الإنجليز يؤكدون أن يوسف صديق شيوعي وأن خالد محي الدين شيوعي بل أن أنور السادات شيوعي أيضا وكنت على صلة بأنور السادات فأكدت لليكلاند أنه إذا كان تفكير خالد محيي الدين مثل أنور السادات فلا يمكن أن يكون أحد في مجلس قيادة الثورة من الشيوعيين بل أنني على العكس أرى أن مجلس الثورة ضد الشيوعية.

وقد انزعج الأمريكيون عندما أفرجت الثورة عن المعتقلين في أول قيامها وكان الإنجليز يؤكدون لهم أن كثيرا من الذين أفرجت عنهم الثورة من الشيوعيين وكان الإنجليز يعتبرون كل من يهاجمون سياستهم من الشيوعيين.

وقال لي ليكلاند أنه واثق ومتأكد من أن الثورة ليس اتجاهها شيوعيا وأن الإنجليز مغفلون وأنه غير صحيح أنهم خير من يعرف المنطقة وأنه جعل كافري يكتب تقارير يهاجم هذه الآراء التي كانت تقدمها السفارة البريطانية في واشنطن إلى البيت الأبيض وإلى وزارة الخارجية الأمريكية وشعرت بأن ليتلاند وكافري أمكنهما أن يقفا ضد كل محاولات المخابرات البريطانية لتشويه صورة الثورة أمام واشنطن.

وفي هذه الأثناء كان يحضر إلى مصر من وقت إلى أخر كيرميت روزفلت وكان كيرميت يقابلني وكان يقابل الرئيس جمال عبد الناصر وكانت مقابلاتي لكيرميت روزفلت بعلم الدولة وبموافقتها التامة.

وقد علمت من الرئيس جمال عبد الناصر أن كيرميت من المخابرات الأمريكية وأنه عضو بارز فيها وأبديت فزعي من ذلك ولكن الرئيس جمال عبد الناصر وافق على استمرار صداقتي بكيرميت روزفلت وكنت أخبر الرئيس عبد الناصر باستمرار عن كل ما يقوله كيرميت روزفلت وعن جميع الأراء التي يبديها في مقابلاته معي.

وكنت أيضا على اتصال مستمر بمستر وزرزبي ومستر بين الموظفين بقسم الاستعلامات الأمريكية وكنت على صلة وثيقة ومستمرة بهما وكنت أشعر من أسئلتهما أنهما أيضا من رجال المخابرات وعرفني مستر روزربي على ما أذكر أو المستر بين بمستر أيكل بيرجر وكنت على اتصال مستمر بمستر مايلز كوبلاند الذي كان على صلة دائمة بالرئيس وذكريا محي الدين وفهمت من أحاديث المسئولين أن قادة الثورة يعلمون جيدا أن كل هؤلاء من المخابرات الأمريكية وأنهم واثقون من ذلك ولكنهم يرون أن المصلحة في الاتصال بهم وخاصة أنه تبين بوضوح أن المخابرات الأمريكية هي صاحبة السلطة الحقيقية في أمريكا وأنها أقوى نفوذا من وزراء الخارجية الأمريكية وأنها قادرة على رسم السياسة فإن كثيرا من الأشياء التي كنا نطلبها من أمريكا أو يسأل عنها كانت تصلنا عن طريق المخابرات الأمريكية قبل أن نعرفها بواسطة السفير الأمريكي في القاهرة بعدة شهور.

ومع علم المسئولين المصريين وتأكدهم بأن هؤلاء جميعا من المخابرات الأمريكية فإنهم كان يصرون دائما أن هذا غير صحيح وأن هذه معلومات خاطئة وأن وظيفة كيرميت روزفلت مثلا هي أنه مستشار سياسي لرئيس الجمهورية ولم يحدث مرة واحدة أن اعترف واحد منهم في أي حديث لا مباشرة أو غير مباشرة بأنهم من المخابرات الأمريكية.

وكان لدينا اعتقاد أن كثيرين جدا من موظفي السفارة الأمريكية في القاهرة من المخابرات الأمريكية وكان يحدث في بعض الأحيان أن يكون أحد الموظفين من غير المخابرات ثم تظهر كفاءته فلا تلبث المخابرات الأمريكية أن تجنده فيها.

وحدث في عام 1954 أن حدثت أزمة محمد نجيب وعلمت أن محمد نجيب اتصل بشخص من المخابرات الأمريكية اسمه مستر لي وأن هذا الشخص كان ملازما لمحمد نجي طوال الأوقات وأفهم محمد نجي مستر لي أن أعضاء مجلس الثورة كلهم شيوعيون وأنه يريد أن يخلص البلاد منهم وأنه يرغب في تأييد الولايات المتحدة له في معركته في مجلس الثورة.

وحدث في عام 1954 أن حدثت أزمة محمد نجيب وعلمت أن محمد نجيب اتصل بشخص من المخابرات الأمريكية اسمه مستر لي وأن هذا الشخص كان ملازما لمحمد نجيب طوال الوقت وأفهم محمد نجيب مستر لي أن أعضاء مجلس الثورة كلهم شيوعيون وأنه يريد أن يخلص البلاد منهم وأنه يرغب في تأييد الولايات المتحدة له في معركته في مجلس الثورة.

وكانت الحكومة البريطانية تؤيد محمد نجيب كل التأييد وتعتقد أن مصلحة بريطانيا في الخلاص من جمال عبد الناصر وأصدقائه.

وكان كوبلاند يخبرني هو وإيكل بيرجر عن تقارير تصلهم باستمرار من المخابرات البريطانية تؤكد أن جمال عبد الناصر هو الخطر الحقيقي ضد الغرب وأن مصلحة الغرب في بقاء محمد نجيب وأن المصلحة أن يبدأ انقلاب محمد نجيب بحكم مؤلف من الوفد والإخوان المسلمين والشيوعيين ثم بعد ذلك يتخلص الغرب من الشيوعيين ويبقى محمد نجيب الذي أكد مستر لي لهم أنه سيكون اصدق صديق لأمريكا ولبريطانيا وأنه إذا انتصر فريق جمال عبد الناصر فإنه سيصبح خطرا على مصلحة أمريكا وبريطانيا لا في مصر وحدها بل في الشرق الأوسط كله.

وقد وقفت أخبار اليوم في هذه المعركة ضد محمد نجيب ونشرت مقالا في الأخبار بعنوان سلاطة روسي عن مشروع حكم محمد نجي بوزارة من الوفديين والشيوعيين والإخوان المسلمين ونشرت أخبرا اليوم الحديث السري التلفوني الذي جري بين محمد نجيب ومصطفى النحاس وقد أحدث نشر الحديث ضجة كبرى في الرأي العام وأسقط محمد نجيب بين الجماهير.

وكان كوبلاند وايكل بيرجور على ما أذكر يتصلان بي في تلك الأيام باستمرار ويقابلاني يوميا وكنت أطلع المسئولين على المحادثات التي تبذل من أجل تأييد محمد نجي ولقد شعرت يومها بأن نفوذ شخص مايلز كوبلاند أقوى كثيرا من عدد من كبار السفارة الأمريكية الذين كانوا يجتمعون على وجوب تأييد محمد نجيب وإن الإنجليز والمخابرات البريطانية أقدر على الحكم على الحالة في مصر عنهم.

وقد حدث خلاف خطير بين الرأيين في هذا الشأن وكان في أحد الأيام أن بدا ذلك بانتصار مؤقت لمحمد نجيب وحل مجلس الثورة وأخبرني كوبلاند أن رجال السفارة البريطانية في القاهرة كانوا يتبادلون التهاني ولقد كانت واشنطن نفسها مقتنعة برأي الحكومة البريطانية بحتمية انتصار محمد نجيب وضرورة تأييده.

وكان رأي الذي أبديته دائما لكل من سألني منهم أن السلاطة الروسية التي يدعو إليها محمد نجيب ستنتهي بأن يستول الشيوعيون على الحكم وأنه من مصلحة أمريكا أن يتولى الحكم جمال عبد الناصر وهو عدو للنفوذ الأجنبي في المنطقة من أن يتولاه عميل شيوعي يحول كل المنطقة إلى مستعمرة روسية.

وفي سنة 1956 عندما حدث تأميم قناة السويس كنت على صلة ببيل ميلرو كان الرئيس عبد الناصر عل علم بهذا الاتصال وكان ميلر يحضر إلى مكتبي يوميا وكنت أبلغ الرئيس يوميا بما يقوله ميلر وكان الرئيس يسميه على ما أذكر أزمر لدا أو اسم أخر لا أذكره وسألت الرئيس لماذا يسميه هذا الاسم فقال أنه اسم رواية قرأها عن فتاة تسمع باسمها باستمرار ولا تراها.

وكان بيل ميلر يطلعني باستمرار على كل الأنباء والبرقيات الهامة التي تصل إليه كما كان يفعل كوبلاند وايكل بيرجور الذي كان من وظيفته في السفارة أن يطلع على البرقيات السرية.

وحدث سنة 1954 أن أخبرني أيكل بيرجر أنه أطلع على برقية سرية جدا وصلت على التو من السفير الأمريكي في تل أبيب وألح في أن لا أخبر الرئيس بهذا الأمر وقال أنه لو عرف أن هذه البرقية تسربت فسوف يفقد عمله.

وأسرعت على الفور وأخبرت الرئيس عبد الناصر بما حدث واهتم الرئيس بهذا النبأ وطلب معلومات أوسع عن هذه العملية الخطيرة ومكانها.

واتفقنا أن أذهب أنا ومحمد حسنين هيكل ونقابل مستر بايرود السفير الأمريكي واستطعنا أن نعلم أن الخبر صحيح مائة في المائة.

وأحضر بايرود البرقيات السرية التي وصلت إليه وتفاهمت أن وهيكل أن يشغله هيكل بالحديث بينما أن أنقل البرقية وفعلا استطعت أن أنقل نص البرقية وقدمناها للرئيس جمال عبد الناصر فأصدر على الفور أمره إلى الجيش المصري بالاستعداد لهذا العدوان المفاجئ وتم العدوان في موعده وكان الجيش المصري مستعدا له ولقن الجيش المصري يومها درسا لليهود وقد شكرني الرئيس جمال عبد الناصر يومها على هذا العمل الذي قمت به وقال أنني قدمت خدمة كبرى لبلادي.

1- نحن هنا أمام واقعة مهمة تحسم جدلا دار طويلا حول من الذي منع القوات البريطانية من التدخل لضرب الثورة والملك مازال في البلاد مصطفى أمين يعترف بأن ممثل المخابرات الأمريكية في السفارة هو الذي أبرق بقوة أو بشدة يطلب شل يد بريطانيا عن ضرب ثورة الشعب المصري التحريرية ودين اتشيسون استخدم كل قوة الولايات المتحدة لمنع بريطانيا من ضرب الثورة ولا يوجد شارع واحد في مدينة نصر باسم المخابراتي ليكلاند ولا باسم دين اتشينسون ويحدثنا أمين هويدي عن الوفاء؟ أين هو؟
يوم 23 يوليو ...ضباط الجيش لا يعرفون أسماء ولا اتجاهات أعضاء مجلس قيادة الثورة باستثناء محمد نجيب وأنور السادات فكيف عرف هذا المخابراتي الأعور ميول واتجاهات هذه الثورة واطمأن على أنها تمثل مصالح أمريكا ومن ثم تستحق أن تجازف الولايات المتحدة بعلاقتها مع بريطانيا بل وبما كان لها من نفوذ في القصر الملكي وينصح بل ويطلب بشدة التدخل لمنع الإنجليز من عرقلة المسيرة؟ كيف عرف هذا الأعور وخاطر بمستقبله السياسي ومستقبل المصالح الأمريكية؟ حقا كل ذي عاهة جبار.. أو ربما كان هو الأعور الدجال!
2- تأكد كلام إيفيلاند بأن المخابرات الأمريكية كانت مطلقة اليد في مصر، وتفوق السفارة نفوذا وحرية في التعامل مع الثورة وتمثيل الولايات المتحدة، وهو وضع اتفق الجميع على شذوذه ولا مثيل إلا في مصر... لماذا؟
لصلة خاصة بين المخابرات وهذه الثورة حتمت وبررت إطلاق يد الواصلين من موظفي المخابرات CIA
3- أصبح ليكلاند هو الواسطة بين الثورة والسفير الأمريكي.
4- شهد مصطفى أمين أن ليتلاند كان متحمسا للثورة وقام بخدمات جليلة جدا في شأن علاقات أمريكا مع الثورة في بدء قيامها.
كيف ولماذا انشرح قلب هذا الأمور بسرعة وآمن قبل أن يتبين كثير من المصريين حقيقة الثورة؟
5- كانت العلاقة بين ليكلاند المخابراتي الثوري هذا ومصطفى أمين تفوق قليلا علاقة صحفي بموظف أمريكي، فهو لا يكاد يفارقه في تلك الأيام من بداية الثورة يزوره يوميا وأما يتغدى هذا عنده أو يتعشى هو عنده يعني كما نقول أيهين في ايه.. والمخابراتي مهتم بالثورة فلماذا الاهتمام بمصطفى أمين؟ لا جواب نعثر على الحلقة المفقودة بين الإنسان الثوري والقرد المخابراتي؟
6- كان الأمريكان يعتقدون أن يوسف صديق شيوعي وكذلك خالد محيي الدين والحمد لله سرعان ما خرج الاثنان من مجلس الثورة وأخذا الشر وراحا واستطاع كافري وليلكلاند الوقوف ضد كل محاولات المخابرات البريطانية لتشويه صورة الثورة أمام واشنطن الحمد لله ويكفينا شر الدساسين.
7- انزعجت أمريكا من الإفراج عن المعتقلين .ليه؟ وماذا يتوقع من ثورة إلا أن تفرح عن المعتقين من النظام السابق؟ على أية حال لقد خفف من انزعاجها أن الثورة احتفظت بعدد من الشيوعيين كرمز لموقفها ولطمئنة المنزعجين.
8- في هذه الأثناء كان كيرميت روزفلت يتردد على مصر وكان يقابل الرئيس جمال عبد الناصر وكانت مقابلات مصطفي أمين مع روزفلت بعلم الدولة.
وهذا بالطبع ما أكده الكتابان كما أن إيفيلاند شرح النقطة الأخيرة وهي علم الدولة فقد أكد علم عبد الناصر بصلة مصطفى أمين وهيكل بالمخابرات وأنه قبل استمرار هذه العلاقة على أن تكون بعلمه وهو ما يعرف في علم المخابرات بالعميل المزوج مع فارق الطرفين بل حتى الأطراف الثلاثة هنا تعرف أن الكل يعرف وهي لعبة شديدة التعقد راهن فيها كل طرف على غباء الطرف الآخر ويمكن القول أن العلاقة كانت مفيدة لكل الأطراف والمصارحة كانت ضرورية لكسب الثقة وانفتاح النظام الناصري كما يمكن القول أن تطور ميزان القوى داخل هذا المثلث جعل هيكل يتجاوز مصطفي أمين عند عبد الناصر فقد كان أقرب سنا وأكثر حيوية وثقافة إلى حد ما وخبثا جعله يظهر التفاني في الزعيم والإيمان به بينما ظل مصطفى أمين يعامل عبد الناصر كتلميذ أو حتى كما كان يعامل الملك فاروق واستمر رهانه الأكبر على الأمريكان وتدهور وضع مصطفى أمين مما جعله يزداد اعتماد على الأمريكان ونفورا من عبد الناصر فانتصر عليه هيكل الذي عرف من أول لحظة أن مستقبله كله هنا وهناك مرهون بعبد الناصر على استمرار صداقتي بكرميت روزفلت.
9- الرئيس جمال عبد الناصر يعرف أن كيرميت روزفلت عضو بارز في المخابرات الأمريكية.
10- ظهر اسم إيكل بيرغر ومايلز كوبلاند وقال مصطفى أمين في اعترافه بين يدي صلاح نصر جمال عبد الناصر والرائد لا يكذب أهله وهو في السجن وكنت على اتصال مستمر بمستر مايلز كوبلاند الذي كان على صلة دائمة بالرئيس وزكريا محيي الدين يعني كوبلاند ليس بالنكرة ولا طالب وظيفة كما تحدث عنه المدعو بل كان على صلة دائمة بالرئيس وهذا كلام يقال للرئيس في خطاب شخصي فلا مفر من تصديقه ولا مفر من الشك في حكمة تجاهل هيكل لذلك في رده على مايلز كوبلند؟
وأكد مصطفي أمين أن قادة الثورة كانوا يعلمون جيدا أن كل هؤلاء من المخابرات الأمريكية، وأنهم فضلوا التعامل مع الولايات المتحدة عن طريق قناة الcia وهذا الموقف كما يثير السؤال حول أسبابه يلقى الضوء على التطورات التي حدثت بعد ذلك، ويعزز رواية لعبة الأمم وحبال الرمال.
11- وهذه نقطة مهمة أخرى كان يدور حولها الهمس والتحليل وهي أن محمد نجيب كان يتمتع بتأييد الحكومة البريطانية التي كانت أيضا ترغب في التخلص من جمال عبد الناصر وقد نقل رجلا المخابرات cia في مصر كوبلاند وإيكل بيرغر هذه المعلومات لمصطفى أمين وهو بدوره أتخذ الموقف المنطقي بعد كل ما سبق ذكره، هاجم محمد نجيب وجند أخبار اليوم ضده، ونشر الحديث الذي جري بين محمد نجيب ومصطفى النحاس وهو الحديث الذي اسقط محمد نجيب بين الجماهير وأكد مصطفى أمين أن من مصلحة أمريكا أن يتولى الحكم جمال عبد الناصر.
وتصادف إن كان هذا لمصلحة جمال عبد الناصر ومن رأي فريق المخابرات الأمريكية في مصر.
وهذا يعطي بدا جديدا لأزمة محمد نجيب فقد كانت في أحد جوانبها أو أهمها: صراعا أمريكا بريطانيا فالإنجليز حاولوا الالتفاف وأخذ حصة في الثورة، ولكن الأمريكان مثل الفريك لا يحبون الشريك.
هل يفيد التذكير بحجز المخابرات الأمريكية للوفد العسكري الأمريكي في بيروت في انتظار اضطرابات في مصر أكتوبر 1954 وشكوك مؤلف حبال الرمال أو ممثل المخابرات العسكرية الأمريكية عن تآمر المخابرات cia مع ناصر للإطاحة بنجيب وهذا هو مصطفى أمين يتشفع عند عبد الناصر بالدور الذي لعبة هو والمخابرات الأمريكية في ترجيحه على محمد نجيب؟
وإذا كان مصطفي أمين قد ساهم في المعركة ضد نجيب بمقالاته فلماذا نتصور أن المخابرات cia اكتف بالدعاء للسلطان ناصر بالنصر كعمياء دار السلطنة؟
12- أكد مصطفى أمين بصرف النظر عن الحبكة الروائية والتي بدورها تثير أكثر من سؤال إذ كيف ولماذا يسمح السفير الأمريكي لصحفيين مصريين بالاطلاع على البرقيات السرية الواردة للسفارة؟ إلا إذا كان البساط أحمدي جدا؟ المهم أكد مصطفي أمين رواية بغدادي وغيره على أن المخابرات الأمريكية أبلغت مصر بعدوان إسرائيل منتظر...

وفي الحلقة السادسة المنشورة في جريدة العرب بتاريخ 2/2/ 1984 جاء التالي:

كان جهاز المخابرات البريطاني يعمل باستمرار على أساس أن الرئيس عبد الناصر خطر على مصالح بريطانيا الاستعمارية والاقتصادية في المنطقة وليس لأن عبد الناصر يمثل خطرا شيوعيا وكان مايلز كوبلان وميلز وبيرجر وكيرميت روزفلت يقولون لي أنهم مقتنعون بهذا الرأي وكانوا يقولون أن المخابرات البريطانية تحاول تضليل أمريكا لمصلحة بريطانيا.
وهذه تضاف إلى نقطة الصراع الأمريكي البريطاني وأن مصر الناصرية في تلك الفترة وربما إلى عام 1965 كانت تمثل الطرف الأمريكي.
وكنا في جميع اتصالاتنا بهؤلاء نعلم أنهم متصلون بجهاز المخابرات الأمريكية وكانت الدولة تعلم بهذه الاتصالات وتعرفها تفصيلا.
وعندما أفدني الرئيس جمال عبد الناصر في مهمة في أمريكا أثناء العدوان قابلت كيرميت روزفلت عدة مرات في حضور الدكتور أحمد حسين سفير مصر في واشنطن في ذلك الوقت وبعلم الرئيس جمال عبد الناصر وعرفت أن المخابرات الأمريكية فوجئت بالعدوان وأنها لم تعلم عنه من لندن أو باريس وإنما علمت به من تل أبيب وفي أيام العدوان الأولى كان بيل ميلر يزورنا يوميا في أخبار اليوم وأحيان يقابلنا أكثر من مرة في اليوم وكان السؤال الذي يسأله دائما واحدا لا يتغير وهو: هل نستطيع الصمود وكم ساعة نستطيع أن نقف على أقدامنا وكان يسأل هذا السؤال أكثر من مرة في اليوم وكان يقول لو صمدت مصر ثلاثة أيام فسوف تخسر بريطانيا المعركة.
وقبل قيام العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر كانت الولايات المتحدة بجميع أجهزتها على جهل تام بهذا العدوان فقد كتمت بريطانيا عنها الأنباء لأنها كانت معركة حياة أو موت كما لا يستبعد أن تكون عيون وأصابع الموساد داخل المخابرات الأمريكية قد تعامت وسدت آذان هذه المخابرات وجعلتها غافلة وربما تتحمل المخابراتcia مسئولية استرخاء عبد الناصر ورفضه أن يصدق جميع الأنباء التي وصلت إليه من مصادر شتى عن العدوان مما أثار دهشة ونقد المؤرخين وتشاء حكمة الله أن تبرئ ساحة الرئيس وعلى لسان أحد ضحاياه فالرئيس كان مقتنعا بمنطق بيل وهو أنه ما دامت أمريكا لا توافق على العدوان فلن يقع وهذا المنطحق هو إحدى خطايا الانفتاح على المخابرات cia والقناعة بقانون القوتين الأعظم وأنه يتحكم في كل شيء أي إنكار الإرادة الذاتية للقوى الأصغر وإمكانية تحركها المستقل في ظروف خاصة وقد أخطأ بيل في تقديره وأخطأ عبد الناصر في حساباته وربما كان هذا من حسن حظنا جزئيا ونفس الخطأ ارتكبه الشريف حسين الذي ظل إلى أن فقد عرشه يعتقد أن بريطانيا تستطيع أن تأمر ابن سعود بالتخلي عن أهدافه وانتصاراته!
وهذه الفقرات من اعترافات مصطفي أمين تلقى الضوء على موقف أمريكا خلال حرب السويس واهتمامها بالصمود المصري لكي يفشل العدوان ومن ثم يتبين سخافة اتهام أمريكا بأنها كانت شركة في العدوان الثلاثي وأن هذا الاتهام المتهافت إنما قصد به تغطية حقيقة العلاقة بين مصر الناصرية وأمريكا، وأيضا خطأ الاستدراج للمخطط الإسرائيلي الذي أراد ونجح في خلق صدام مصري أمريكي بعدما وقفت الولايات المتحدة بكل ثقلها ضد إسرائيل في عدوان 1956.

قال مصطفي أمين:

واستطعنا أن نعرف أن إيزنهاور غاضب من أن العدوان تم وراء ظهره وأن إيدن استغله وكانت هذه المعلومات مفيدة جدا في أثناء المعركة وكنا نبلغ عبد الناصر أولا بأول كل المعلومات ونقوم بمهمة الاتصال بين الرئيس جمال عبد الناصر وإيزنهاور حتى أن الرئيس جمال عبد الناصر قال يومها أن أخبار اليوم أصبحت وزارة خارجية تحت الأرض وكنا نشعر وقتها أن رسائلنا تصل إلى إيزنهاور بهذه الطريقة أسرع كثيرا مما لو أرسلت بطريق السفير.
وربما يفسر هذا الكثير من السلوك الغامض أثناء العدوان ويذكر مصطفى أمين الرئيس عبد الناصر بأنه هو الذي أمره بشن حملة شعواء على الشيوعية خلال أحداث ثورة العراق والخلاف الناصري الخروشوفي المعروف (1958- 1959)
وكنت على اتصال يومي بسيادتكم وكنت أبلغكم تفصيليا كل مقابلاتي مع الرجل الأمريكيين الذين اتصلت بهم وكل ما كنت أحصل عليه من أنباء ومعلومات وأسرار بحيث كنا نعرف ولا بأول كل الأنباء التي يهمنا أن نعلم بها سواء ما يجري في أمريكا أو يجري في المنطقة العربية.

وكنتم سيادتكم تطلبون مني الاستفسار عن مسائل معينة أو إبلاغهم مسائل معينة وكان الأستاذ سامي شرف يتصل بي ويطلب مني أن أحصل على معلومات معينة من أصدقائي الأمريكيين واعتقد أنني كنت أحصل على بيانات تهم بلادي في فترات عصيبة قلقة

وحدث بعد تعيين الأستاذ خالد محيي الدين رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم إن قررت إيقاف اتصالي بأي أمريكي وسألت الأستاذ سامي شرف في ذلك فطلب إلي الاستمرار كما أنا وفي الجزء المنشور بجريدة العرب بتاريخ 7/ فبراير/ 1984 عرفنا أن أرشي روزفلت ابن عم كيرميت هو رجل الcia في لندن وهو الذي قابل مصطفى أمين عام 1944 في مجلة الاثنين وكانت مقابلة مباركة إذ بعدها بفترة بسيطة ظهرت أخبار اليوم كأقوى مجلة أسبوعية في العالم العربي وبدأت مسيرة النجاح المذهل وإن كان مصطفى بيك قد فسر لنا بعض أسبابه في هذه الوثيقة الخطيرة، عندما تحدث عن ثمن الصلة سيادة الرئيس.

وأحب أن أثير سؤالا هل كان المقابل الذي حصلت عليه من اتصالاتي بالمخابرات الأمريكية أو الأمريكيين المسئولين يساوي ما قدمته لهم؟

والجواب على ذلك أنني لم أتقاضى ثمن هذه الصلة مالا أو مرتبا شهريا أو سنويا إنما جاء المقابل في الصورة الآتية فقط.

1- أخبار أمدني بها المسئولون الأمريكيون ورجال المخابرات الأمريكية خلا هذه السنوات العديدة.
وكنت أقوم بنشرها بأخبار اليوم وباقي صحف الدار وتنفرد بها دون باقي الصحف الأخرى التي تصدر في القاهرة أدت إلى زيادة توزيع صحف أخبار اليوم وبالتالي أدت إلى زيادة إيراداتها.
ومن هذه الأخبار خبر مفاوضات الهدنة بين الحلفاء والنازيين وكانت تجري سرا في أوروبا في ذلك الحين وكانت أخبار اليوم جريدة سبقت بنشر هذا النبأ.
كذلك خبر عن أول تفصيلات عن اختراع القنبلة الذرية كذلك خبر عن موعد ومكان فتح الجبهة الثانية في أوروبا وكذلك خبر عن موعد الهجوم المنتظر الذي سيقوم به هتلر على روسيا وكذلك خبر مفاوضات إيطاليا بالتسليم للحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية وكذلك أول خبر عن أن الروس يعرفون سر القنبلة الذرية.
2- وبهذه الصلة حصلت على امتيازات إصدار مجلة المختار وهو يدر على أخبار اليوم مبلغا طائلا سنويا.

وقد وافقتم سيادتكم على أن نحصل على امتياز إصدار هذه المجلة.

3- وبهذه الصلة حصلت على امتياز طبع مجلة الصداقة وهي تدر على أخبار اليوم مبلغا كبيرا سنويا.
4- وبهذه الصلة حصلت لأخبار اليوم وصحفها على إعلانات من شركات ارامكووبان أمريكان وكانت كل الصحف الأخرى كالأهرام مثلا تأخذ نفس القدر من الإعلانات .
5- وبهذه الصلة حصلت على ورق من أمريكا لمصر بحوالي 2 ملون جنيه وهو الذي تسلمته الحكومة المصرية ولكني كصاحب أخبار اليوم استفدت من هذا الورق أنه وزع على الصحف بنسبة توزيعها حصلت أخبار اليوم من الحكومة على نسبة كبيرة من هذا الورق وكان الورق الذي اشتريناه من الحكومة أرخص من ورق السوق فربحنا بطبيعة الحال.
6- وكنت أستفيد من هذه الصلة بشراء مطابع جديدة من أمريكا وطلبت منهم أن يعاونوني في أن أحصل على قرض من بنك التسليف والاستيراد الأمريكي بشراء مطبعة وكان المبلغ المطلوب حوالي 100 ألف جنيه فلم يوافق البنك لأنه يطلب ضمانات الحكومة المصرية ولأن تقاليد البنك هي عدم قروض للصحف.
7- بهذه الصلة أمكنني أن أوفد أم كلثوم لتعالج في أمريكا بالذرة دون مقابل.
8- وفي نفس الوقت حصلت لبلادي على معلومات من الأمريكيين هامة وخطيرة عن موعد هجوم إسرائيل سنة 1954 ونوهتم سيادتكم بفضل هذه المعرفة في كسب المعركة وجمع الأخبار عن الحالة في سوريا بعد الانفصال وانقطاع وسائل الاتصال بالإقليم السوري وجمع الأخبار في الحالة في العراق بعد نزاعنا مع عبد الكريم قاسم وجمع أخبار عن الموقف في السعودية بعد الأزمة التي وقعت بيننا وبين سعود وأنا الذي أبلغت سيادتكم بنبأ المؤامرة التي يقوم بها الملك سعود مع أحمد أبو الفتح وسعيد رمضان.

وبعد أن أبلغتكم هذه المعلومات ومصدرها عرفت من سيادتكم أنكم بوسائلكم الخاصة عرفتم تفاصيل وأسرار هذه المؤامرة.

ويستفاد من هذه الفقرة الآتي:

1- صلة مصطفي أمين بالمخابرات الأمريكية أو الأمريكان سابقة على الثورة أي منذ الحرب العالمية وأنهم كافأوه في تلك الفترة بالأخبار التي تدر عليه الربح، من خلال أنجاح صحيفته وتفوقها وهو يسمى ذلك ثمن الصلة أي أنه كان يقدم لهم خدمات خلال الفترة من 1945إلى 1952 ترى ما هي هذه الخدمات والتي شكلت صحيفة سوابقه التي أتاحت له كل هذه الخطوة وكل تلك الثقة في ظل الثورة؟ أغلب الظن وأغلبه أثم أنه كان يجندهم للثورة وبالذات لتنظيم الضباط الأحرار!!
2- أن مكافأة الصحفي العميل عند هذه الأجهزة لا تأخذ شكل أموال تدفع له، بل خدمات تجعله الصحفي الأول بلا مجهود كبير منه، وقد تشمل إزاحة المنافسين.

وبعد...

نعتقد الآن أنه باستثناء الحصول على محضر اجتماع المخابرات الأمريكية والضباط الأحرار في مارس أو مايو 1952 لا يمكن أن تتوفر أدلة منطقية أقوى حجة وأبلغ دلالة مما أوردناه في هذه النصوص الثلاثة على اختلاف مصادرها وبقي أن نستفيد من هذه الحقيقة في تفسير قرارات ومواقف وسياسات عبد الناصر وإذا كان الإرهاب يستهوي الكثير من المؤرخين والمعلقين وهو عن حق يشكل قاعدة النظام الناصري والمعيار الصادق لتقييم النظم وهو أيضا الحقيقة التي اتفق عليها بين المتآمرين الثورين باعتبارها ضرورية لإجهاض الحركة الوطنية في مصر وفرض الزعامة المطلقة للقائد الجديد الذي يستخدم هذه الزعامة بما يعود بالفائدة على بلده والمنطقة والأمريكان بل كان أول الشروط التي وضعتها المخابرات الأمريكية للقائد المنتظر هي أن يكون مجنون سلطة يعشق السلطة ولا يسمح بمشاركة فيها وعلى استعداد لتدمير كل شيء في سبيل أن يبقى في السلطة وقد ذكر كوبلاند ذلك صراحة.

وإذا كنت قد تعرضت بالطبع لهذه الديكتاتورية وهذا الشبق للسلطة وما أدى إليه من تصفيات في القادة بل إلى مناورات ومؤامرات يبدو معها ميكافيلي وكأنه أبو موسى الأشعري إلا أنني ركزت على ما يوصف بأنه انتصارات أو ما يحاول كتاب الناصرية والمخابرات الأمريكية وضعه في الكفة الأخرى لموازنة ما نزل بمصر والعرب من خسائر

الفصل الثاني. الانتصار... الهزيمة!!

خليني ع البال!!

يأسف هيكل لأن الذكرى العشرين لما يسميه حرب السويس قد مرت دون أن يحتفل بها كما يجب ويرى أن السب هو التقويم السياسي الجديد في مصر يعتبر حربها هزيمة ضمن الهزائم التي لحقت بالعرب في مواجهتهم المستمرة مع إسرائيل وذلك خلط بلا نهاية ولذلك قرر هو أن يحيي الذكرى وله الحق فقصة حرب سيناء كانت نموذجا للتضليل الإعلامي الذي دفعت الأمة العربية ثمنه فادحا بعد عشر سنوات ومن ثم فعودة المجرم إلى مكان الجريمة أمر طبيعي ومتوقع ويقود دائما إلى ضبطه وإدانته بإذن الله كما سنحاول.

ويؤكد هيكل أن انتصار السويس وكان انتصارا يستحق الدراسة والتأمل ولعلي أزعم أنه كان أكمل انتصار في تاريخ العرب الحديث بل إنه كان أكمل انتصار في تطبيق نظريات الحرب المحدودة منذ ظهرت هذه النظريات في أعقاب التعادل النووي بين القوتين الأعظم.

ولا ندري إذا كان يصدق نفسه بأنها كانت أكمل انتصار في تاريخ العرب بل وعلى الصعيد العالمي في تاريخ الحروب المحدودة، فلماذا يحتاج الأمر إلى شهادته بأن يضع بين قوسين وكان انتصارا؟

ليس هكذا يكتب المؤرخون عن أكمل انتصار ويؤلفون الكتب لإثبات أنه كان انتصارا فما من كاتب فيتنامي يؤلف كتابا عن ديان بيان فو أو عن حرب فيتنام يبدأه بقوله أن النصر الفيتنامي وكان انتصارا هذه جملة اعتراضية جديرة بكاتب أمريكي وهو يقصد بها أن أمريكا انتصرت في فيتنام ومن ثم يشرح ويحلل ويثبت أنه رغم ما يبدو من هزيمة عسكرية إلا أن الولايات المتحدة حققت إلخ .. أو يكتب مؤرخ ألماني أن نصر العلمين وكان انتصارا ثم يشرح ويخترع أما المؤرخ الإنجليزي فلا يحتاج لأن يقسم على أن العلمين كانت انتصارا..

بهذه الجملة اعترف هيكل أن الأمر موضع شك وأنه يحتاج إلى كتاب يقع في 304 صفحات لإثبات أنه كان انتصارا وليس هزيمة كما هو الشائع والمعروف والمستقر في أذهاني المصريين وخاصة بعد أن كشفت بعض الحقائق بعد هزيمة 1967 التي تجد اليوم من يقول عنها أنها كانت أكثر انتصارا من حرب 1974 وكله عند عرب الناصرية انتصار!!

فكتاب هيكل أو دعواه خبر يحتمل الصدق والكذب وسنناقش ما جاء فيه لنرى هل نجح في إثبات أنها لست هزيمة من ضمن الهزائم التي لحقت بالعرب في مواجهتهم المستمرة مع إسرائيل وسنكشف أنه حكي عن كل شيء من باندونغ إلى كرايشنامنون بينما لم يخصص للمواجهة مع إسرائيل في سيناء إلا ستة سطور من كتاب يضم أكثر من تسعة آلاف سطر بينما خصص لنسف خط شركة النفط العراقية 12 صفحة.

وعلى ايةي حال لقد وعدنا بكبح انفعالاتنا ومناقشة الوقائع.

وأول خطأ يقع فيه أو قفزة بهلوانية يفاجئنا بها هي نظرية الحرب المحدودة، إذ يعلن أن نصر السويس كان يأكمل انتصار في تطبيق نظريات الحرب المحدودة ثم يستعرض لنا تعريفات كيسنغر وكلاوزفيتز وينسى خلقه ويضرب لنا الأمثال فيقول: إن حرب فيتنام كانت على سبيل المثال حربا محدودة ولم يكن هدف الشعب الفيتنامي أن يكسر إرادة المجتمع الأمريكي أو أن يفرض عليه مشيئة كاملة وإنما كان هدفه أن يرغم الولايات المتحدة على فك قبضتها على فيتنام الجنوبية ليسهل كنس نظام فان ثيو وتحقيق وحدة فيتنام شمالا وجنوبا وكان أسلوب الشعب الفيتنامي هو الكثير من المقاومة السياسية والكثير من التعبئة المعنوية والقدر الكافي فقط من استعمال القوة المسلحة في حمى توازن القوى العالمية حتى تصل الولايات المتحدة إلى نقطة تجد فيها البقاء في فيتنام أكثر تكلفة من الجلاء عن فيتنام.

وهكذا كان وضعها هيكل في سطر وحدها فالتزمنا بالنص ج)وكانت حرب السويس من هذا النوع من الحرب المحدودة.

فهمنا من هذا العرض أن الحرب المحدودة هي التي تستهدف تحقيق هدف محدود بدون كسر إرادة الخصم أو فرض مشيئة المنتصر عليه كاملة.

والسؤال ما دخل ذلك في التعادل النووي ونظريات هنري كيسنغر فهذا اللون من الحروب معروف منذ بداية التاريخ فلم يكن التاريخ كله حروبا شعارها فناء الخصم أ, تسليمه بلا قيد ولا شرط ولا حتى حروب رأس كليب فهذا الشرط لم يعرف إلا في حروب الاحتلال من دولة متفوقة على دولة أضعف بنسبة فادحة وكانت تنتهي بإفناء إرادة المهزوم والحاقه بجهاز المنتصر ثم طرح على ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية أما حروب المتكافئين فكانت دائما لتحقيق هدف محدود مثل تعديل الحدود، أو الحصول على امتياز أو منع أحد الطرفين من التدخل في شئون الطرف الآخر أو الاتفاق أو الاعتراض على تقسيم طرف ثالث ومن ثم جعلها نظرية جديدة وربها بكسينغر وكلاوفيتز والتعادل النووي هي جعجة طاحونة هواء، طحينها الجهل والتضليل.

فيتنام حرب محدودة من طراز السويس وبما أنه قرر أن حرب السويس هي أكمل انتصار في الحرب المحدودة فهي أعظم من انتصار الشعب الفيتامي على إمبراطورية كانت تحتله ما يقر من ثلاثة قرون: فرنسا ثم على أكبر قوة عسكرية عرفتها البشرية واحدة القوتين الأعظم أمريكا.

انتصار الشعب الفيتنامي كان انتصارا ساحقا ماحقا، لا مساومة في جزئية واحدة من أهدافه:

إخراج الأمريكان.
كنس فإن ثيو ونظامه كنس هذه لإثبات ثورية هيكل ونفي حكاية الاتصال مع الأمريكان.
فرضت وحدة البلاد تحت إرادة ونظام الشمال.
ضم كمبوديا .. وإظهار العين الحمراء للصين.
ومع ذلك فنصر السويس أكمل من نصر فيتنام.

ربما..!! فقد حرموا من الخطب والأغاني والمقالات وهتافات سنقاتل بينما الجيش قد صدرت إليه الأوامر بالانسحاب كل رجل على مسئوليته ربما ينتقص من نصر الفيتناميين أنهم لم ينجبوا هيكلا يؤلف عن انتصار الفرنسيين.

كيف يمكن أن نناقش كاتبا يقول في عام 1977 والدم لم يجف بعد من أرض فيتنام أن الشعب الفيتنامي لم يستخدم القوة المسلحة إلا بالقدر الكافي وإنما كان اعتماده على المقاومة السياسية والكثير من التعبئة المعنوية.

يخيل لنا أنه يتحدث عن فيلم غاندي أو جهاز التعبئة الذي كان يدبره عبد القادر حاتم واشتكى منه عبد الناصر حتى قال له أنت مفروض ترفع معنوية الناس ولي تحذيري وتخويفي أنا؟

شعب فيتنام الذي قاتل عشرين سنة وقدم ما لا يقل عن ثلاثة ملايين شهيد وألقى فوقه عشرة أضعاف ما ألقى من قنابل في الحرب العالمية الثانية وقاتل بكل ما وصل على يده من سلاح وبالأظافر والأحجار والنحل والنمل والثعابين يقال عنه كان لا يستخدم القوة المسلحة إلا بالقدر الكافي.

أين القوة المسلحة التي كانت لدى الفيتناميين ولم يستخدموها إلا بالقدر الكافي.

الكافي لماذا؟ لهزيمة العدو أم لإثارة شفقته؟

أين المعركة التي هرب الفيتناميون من خوضها بحجة أنهم لن يجروا للمعركة وأن أمريكا لن تفرض علينا أرض المعركة ولا زمانها والعدو داخل مخادعهم وسكينة تنحر في نخاع شعبهم؟

هل كان بوسع الفيتناميين ضرب نيويورك بالطائرة مثلا ولم يفعلوا لكي لا تتحول الحرب المحدودة إلى حرب شاملة؟

هل عرف التاريخ حربا أكثر دموية وأكثر اعتمادا على المقاومة المسلحة بين إمبريالية وشعب صغير مثل حرب فيتنام.

هو لا يفهم معنى الحرب المحدودة فتلك الحرب لم تكن محدودة من جانب الفيتناميين ولا كان يمكن أن تكون أكثر شمولا مما أرادوها وخاضوها وانتصروا فيها.

كان هدفهم الانتصار الكامل على أرضهم تحرير وطنهم وتحرير إرادتهم ورفع يد الأمريكان عن وطنهم وتصفية وجودهم وعملائهم وتوحيد هذا الوطن في ظل النظام الشيوعي الشمالي فهي حرب شاملة.في الهدف وفي التطبيق.

وانتهت بتحطيم إرادة الخصم فعلا وكسر إرادة النظام الأمريكي أو المجتمع الأمريكي أو ما شئت فيما يتعلق بموضوع الحرب التي يخوضها الفيتناميون فلا كان بوسعهم ولا من أهدافهم فرض إراداتهم على المجتمع الأمريكي لإزالة النظام الرأسمالي في نيويورك أو وقف دعم أمريكا لإسرائيل أو فصل فولريدا وضمها إلى كوبا لم يكن هذا من أهدافهم ولكن لا يعني هذا أنها حرب محدودة أو أنها لا تهدف إلى كسر إرادة الخصم هذا ابتذال للغة والفهم.

الحرب المحدودة ونعلمكم ونأكل من عرق جبيننا هو تعبير متداول بين العملاقين أي الصراع في رقعة محدودة دون السماح للقوى المحلية أو لتطور الأحداث بجرهما إلى مواجهة شاملة مثل الحرب في كويا وفيتنام فهي حرب محدودة ولكن ليس من جانب الكوريين ولا الفيتناميين ومثل الحرب العربية الإسرائيلية منذ 1967 فهذه حروب شاملة من وجهة نظر الفيتناميين والإسرائيليين على الأقل ولكنها حرب محدودة في استراتيجية وممارسة الدولتين النوويتين فمعظم الحروب التي نشاهدها منذ نظرية حافة الهاوية هي حروب محدودة ولكن من وجهة نظر الكبار وبحساباتهم أما القول بأن فيتنام إرادتها حرب محدودة لكي لا تجر روسيا والصين لمصادمة نووية مع الأمريكان فهو نموذج للتفكير الذي أضاع الوطن جريا وراء السلام العالم لو كانت فيتنام تستطيع جر روسيا لضرب نيويورك بالقنابل الذرية لما بخلت بثمن أو فعل لإحداث ذلك.

وهكذا قبل أن ننتقل إلى الصفحة الثالثة في الكتاب نجد هذه الأخطاء والأضاليل.

1- خطأ في تعريف الحرب المحدودة تاريخيا واستراتيجيا .
2- خطأ في وصف حرب فيتنام بأنها حرب محدودة من جانب الفيتناميين.
3- خطأ فادح في الزعيم بأن الفيتناميين اعتمدوا على المقاومة السلمية واستخدموا المقاومة المسلحة في نطاق ضيق بالقدر الكافي.
4- خطأ في وصف نصر السويس بأنه أكمل من نصر فيتنام دون أن يذكر لنا وجها من وجوه النقص المزعوم في النصر الفيتنامي: هل وافقوا على تحييد ونزع سلاح فيتنام الجنوبية ووقف العمليات العسكرية أو غارات الفدائيين الفيتكونغ عليها؟ هل وافقوا على حرية الملاحة في خليج تونكين وتجميد الوضع عشر سنوات.

هل تشاجر هوشي منه مع عامر جياب اسحب الجيش والا أخليه.

هل ضربت طائرات فيتنام على الأرض ودمر السلاح الجوي في يوم واحد وكان العدو يقدر له مالا يقدر عن يومين؟

الاحترام واجب حتى من مثل هذا الكاتب للشعب الذي هزم الأمريكان وأذلهم في أكبر ل وأول هزيمة عسكرية كاملة للولايات المتحدة في تاريخها الإمبراطوري باعتراف الأمريكان أنفسهم بما فيهم أساتذتك وأخيرا ما الهدف من هذا الحديث عن الحرب المحدودة وأهدافها هل مصر هي التي شنت الحرب على بريطانيا وفرنسا وإسرائيل حتى نقول أنها انتصرت في تحقيق هدفها بمحدودية الحرب؟ من الذي شن الحرب على الآخر؟ هل ينافسنا على القراء المغفلين؟

لقد أنصف هيكل خصومه عندما فسر حزنهم ونفورهم من الاحتفال بذكرى حرب السويس بأنهم يعتبرونها هزيمة من سلسلة الهزائم في المواجهة العربية الإسرائيلية وهذا هو بالضبط التصنيف الذي يطرحه الرأي الأخر وإن كنا نحن نعتبرها واحدة من أهم وأخطر هذه الهزائم بل لعلها كانت الحاسمة رغم ما يبدو من بشاعة ونتائج هزيمة 1967 وكان المفروض إذن من مؤلف انتصار السويس أن يرد أويفند هذه النقطة فيثبت أن حرب السويس لم تكن هزيمة مصرية في المواجهة العربية الإسرائيلية غلا أن يحدثنا عن انتصاراتنا في باندونغ وحلف بغداد أو حتى أن يركز الحديث على تأميم القناة وهزيمة العدوان الانجلو فرنسي فلا أحد يجادل في انتصار عبد الناصر في معركة تأميم القناة ومواجهة الغزو الانجلو فرنسي وإن كان الجدل طويلا في أسباب وظروف هذا الانتصار وإنما السؤال المطروح وباعتراف الكاتب نفسه هو: هل انتصر عبد الناصر في المواجهة مع إسرائيل عام 1956 ؟

ولذا فإن الخلط المريب هو الخلط بين قصة تأميم قناة السويس ومحاولة بريطانيا وفرنسا إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء والرجوع إلى منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت من حصة العملاقين النوويين هذا من جهة وبين الغزوة الإسرائيلية كجزء من المواجهة المستمرة بين العرب وإسرائيل.

هما قضيتان منفصلتان وإن اجتمعتا في الزمان والمكان لفترة قصيرة شاذة في حساب الزمن وخارج حركة التاريخ الطبيعية.

تأميم قناة السويس إجراء وطني مصري تمتدي جذوره إلى منتصف القرن التاسع عشر منذ أن شق في قلب الوطن نموذج الاستغلال الإمبريالي في أبشع صورة وكان التأميم إجراء وطنيا في مواجهة النظام الاستعماري القديم المنحدر من القرن التاسع عشر والذي لم يعد له مكان في النصف الثاني من القرن العشرين وفي الشرق الأوسط بالذات كجزء من عملية التحول التاريخي التي بدأت في الحرب العالمية الثانية وهي زوال الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية كجزء من التصفية الشاملة التي كانت تتم على يد الثورة الجزائرية وحزب الاستقلال والملك في المغرب والبرلمان السوداني والقصر والزعماء الفلسطينيين في الأردن وحاكم البوريمي السعودي وإمام عمان ومظاهرات الوطنيين ضد سلوين لويد في البحريين .. إلخ.

والغزو الانجلو فرنسية لم تكن أكثر من عمل من خارج التاريخ فيه كل رعب ومخاطر وسخافة الديناصور وحتمية هزيمته وانقراضه.

أما الغزو الإسرائيلية وأن تمت تحت المظلة الانجلو فرنسية فكانت مننعطفا جديدا ونقطة تحول ذات أبعاد حاسمة وشديدة الخطورة قلبت موازين الصراع العربي الإسرائيلي وحكمت السلوك العربي خلال العشر سنوات القادمة مما مهد بل حتم هزيمة 1967

هذا ما أردنا توضيحه قبل أن نناقش معركة القناة ومعركة سيناء.

أما الحديث عن الانسحاب الانجلو فرنسي من بورسعيد وإحصاء دخل قناة السويس ثم تعميم ذلك للقول بأن العدوان الثلاثي لم يحقق أغراضه وأن عبد الناصر انتصر على الثلاثة فهذا ليس سياسة ولا تأريخا وإنما لعب بالثلاث ورقات في زاوية مظلمة من شارع الفكر السياسي العربي.

إسرائيل لا كانت في شركة قناة السويس ولا كانت تريد إرجاع شركة قناة السويس ولا مصلحة لها في أن تكون قناة السويس محتمية المساهمين الإنجليز والفرنسيين وإسرائيل لم تكن تمر في قناة السويس في عهد الشركة الأجنبية ومنذ تاريخ سابق على انقلاب 23 يوليو أصرت مصر ووافقت الشركة على أن القناة كممر مائي يخضع للسيادة المصرية تماما كخليج العقبة ولم تستطع إسرائيل أن تمر لا في الخليج ولا في القناة قبل الثورة والتحرير حتى فتح لها عبد الناصر الخليج وفتح لها رفيقه ونائبه السادات القناة.

استخدمت إسرائيل أزمة القناة لتحقيق أهدافها الثابتة وتنفيذ مرحلة من مخططها الدائم ونفذت ذلك بنجاح تام يكاد يصل إلى مائة بالمائة بصرف النظر عن طموحها الذي استعر عندما فوجئت باحتلالها ثمن الأراضي المصرية في مائة ساعة فهي التي يحق لها أن تدعي النصر الكامل والأكمل في الحرب المحددة لأن إسرائيل لم تكن تطمع في هذا الوقت في فرض إرادتها على عبد الناصر في القاهرة ولا حتى في 1967 فكرت إسرائيل في عبور القناة وعندما سأل الفرنسيون موشي ديان في عام 1956 هل لديك نية لعبور القناة؟ رد على الفور بالنفي؟

بل ونصحهم هو بان احتلال القاهرة يخلق تعقيدات سياسية حادة يستحسن تجنبها وفي عام 1967 هرع السادات فزعا لعبد الناصر يدعوه للانسحاب إلى الصعيد لأن بيانا عسكريا مصريا صدر بعبور إسرائيل القناة فرد عليه عبد الناصر بلا مبالاة اقعد يا أنور إسرائيل لن تعبر ولا تريد العبور (انظر كتاب البحث عن الذات).

ولم يكن لإسرائيل في 1956 ولا في 1967 ولا في 1977 نية في عقد صلح أو سلام مع مصر أو العرب قبل إتمام مخططها التوسعي بضم كل أرض إسرائيل وملحقاتها ولو عرض عبد الناصر عليها السلام في حرب السويس لرفضته لأن ذلك كان سيعرقل أو حتى يمنع مخططها في ضم الضفة والجولان وجنوب لبنان أخيرا سيناء بل لعل من أهداف حملة سيناء 1956 هو وأد المحاولات التي كانت تدور بخاطر الأمريكيين والإنجليز لإجراء تسوية للمسألة الفلسطينية تقوم على تنازل الإسرائيليين فهم وحدهم كانوا الطرف المطلوب منه التنازل في هذا الوقت مقابل القبول العربي بوجود الكيان الصهيوني ومنذ النصر الإسرائيلي في سيناء 1956 انتهى أي حديث عن القدس الجديدة أو المشاركة في مينا حيفا أو إعادة صحراء النقب للعرب أو مشروع تقسيم 1947 أو حتى ما احتلته إسرائيل من المناطق المنزوعة السلاح.

وصحيح أن سيناء هي أهم هدف توسعي إسرائيلي ولكنها أيضا وربما لهذا السبب آخر هدف وبعد سلسلة استنزاف للقدرة العربية وتصفية الدور المصري والإمكانيات المصرية إلى الصفر وهذا لا يتحقق إلا بسلسلة هزائم عسكرية وسياسية كانت السويس واحدة منها كما كانت كامب ديفيد أيضا.

وإسرائيل قد تقبل الانسحاب من سيناء أكثر من مرة ولكنها لا تتخلى أبدا عن هدفها في ضمها فهي وحدها التي تكفل تحولها إلى إسرائيل الكبرى.

والغريب أن هذا الفهم كان واضحا عند العسكريين السوريين في وقت مبكر جدا فقد جاء في مذكرات بغداد وأنه في الأسبوع الثاني من أكتوبر عام 1955 حضر إلى منزل جمال عبد الناصر سعيد الغزي رئيس وزراء سوريا واللواء شوكت شقير رئيس هيئة أركان حرب الجيش السوري وكان الأمير فيصل بن عبد العزيز حاضرا والبغدادي طبعا ج وقال جمال إن إسرائيل لو أحبت أن توسع أو القيام بعمليات حربية فإنها في هذه الحالة تفضل أن يكون التوسع على حساب سوريا أو لبنان فرد عليه شوكت شقير إن إسرائيل لن تقوم بهذه العمليات إلا لهدف وهذا الهدف هو إجبار الدول العربية على الصلح معها وهي أن احتلت دمشق ذاتها فهي تعلم أن هذا لن يجبر الدول العربية على الخوض لها وطلب الصلح معها ولكنها تعلم أنها لو هاجمت مصر ودحرت جيشها وهو أقوى جيش عربي ففي هذه الحالة فقط يمكنها فرض شروطها على الدول العربية.

واللواء شقير معذور في تقلل أهداف إسرائيل إذ ظن أنها لا تريد أكثر من فرض الصلح وهو كان يتحدث قبل هزيمة 1956 عندما لم يكن يخطر ببال عربي إن إسرائيل تطمح في أكثر من الاحتفاظ بما حصلت عليه إلا أن اللواء عبر عن فهم سياسي متقدم ولو أنه يبدو بديهيا إلا أن القيادة المصرية لأمر ما غفلت عنه وقد رد عبد الناصر على اللواء بقوله إن إسرائيل اليوم تفكر بدلا من المرة عشرات المرات قبل أن تقدم على مهاجمة مصر لعلمها بقوة جيشها ومدى استعداده وهي الآن لن تقامر على كيانها.

واضح أن الحديث كان يدور حول الكيان ذاته وقد تأدب الجالسون فلم يشيروا إلى الهجوم الذي شنته إسرائيل على مصر قبل أربعين يوما فقط من هذا الحديث المملوء ثقة بالنفس.

ووافق السوريون على عقد اتفاقية عسكرية مع مصر لمنع إسرائيل من المقامرة على كيانها بالهجوم على سوريا التي أصبحت محمية بالجيش المصري، ولكن البغدادي الخبيث يقول: ولم تمض فترة طويلة على توقيع تلك الاتفاقية العسكرية بين سوريا ومصر حتى أراد بن غوريون على ما يظهر أن يشكك سوريا في قيمة هذه الاتفاقية فدفع بقوة عسكرية من الجيش الإسرائيلي لمهاجمة بعض مواقع عسكرية للجيش السوري قرب بحيرة طبرية حوالي منتصف شهر ديسمبر 1955 وقد قتل في هذا الهجوم حوالي خمسين جنديا سوريا وقامت مصر بإبلاغ سكرتير عام هيئة الأمم .. أن أي اعتداء ثاني ج على سوريا ..إلخ.

المغزوفة المعروفة والتي لم تطبق أبدا...

باختصار أن أي دراسة جادة تحتم الفصل بين معركة تأميم القناة ومعركة سيناء ولو أن هذه الدراسة الجادة أجريت في 1958 وواجهنا نتائجها بشرف ومسئولية ربما لتجنبنا كارثة 1967 بل ونكبة الانفصال وخطيئة حرب اليمين، ولدخلت المواجهة المصرية الإسرائيلية ومن ثم المواجهة العربية الإسرائيلية مرحلة جديدة لصالح العرب ولكن التزوير الذي جرى عمدا في 1957 بدق طبول النصر المزعوم يراد له أن يستمر اليوم من أجل المزيد من التخبط والتدهور في تلك المواجهة المصيرية والأبدية بل أن التزوير يمتد إلى ظروف معركة تأميم القناة بإخفاء الدور الأمريكي الحاسم في هزيمة المخطط الانجلو فرنسي

نحن إذن نرفض الخلط التام كما نرفض البهلواني بالحديث عن انتصارات هوائية وإنما نحصر الموضوع في قضيتين القضية التي طرحها هيكل وهي: المواجهة العربية الإسرائيلية والقضية الثاني هي تأميمي القناة والغزو الانجلو فرنسي وهذا ما سنناقشه بالتفصيل ولكن لنبدأ باستعراض المنطق الناصري كما يقدمه هيكل الذي ما زال يحتل مركز المفلسف والمنظر لهذا المنطق رغم الجهود المنافسة لدكاترة الجامعة الأميركية.

يقول: إن جوائز الحرب كانت ثلاثة: قناة السويس وفي يد من هي؟ وصحراء سيناء وفي يد من هي؟ وقطاع غزوة وفي يد من هو؟ وبعد انتهاء المعارك كانت هذه الجوائز كلها في يد مصر القناة سليمة تحت سيطرتها وإرادتها وصحراء سيناء جزء من سيادتها وقطاع غزة أمانة في عهدتها وإذن كان انتصارها كاملا.

وهذه الجوائز بالطبع ونتائجها هي من إعداد دار الأهرام وليست جوائز الحرب.

الهدف الأول كما قلنا لا يجوز خلطة بموضوع التحدي الذي طرحه وهو هل كانت حرب السويس هزيمة في سلسلة الهزائم في المواجهة العربية الإسرائيلية وسنناقشه بالتفصيل.

أما من المواجهة فإن هدف إسرائيل كان الآتي:

1- فتح مضيق تيران أي خليج العقبة للملاحة الإسرائيلية.
2- تدمير السلاح السوفيتي الجديد.

3- تحطيم القدرة العسكرية المصرية ونقل الوضع العربي من تصور القدرة على إزالة إسرائيل ووضع المطالب باستئناف الحرب العربية الإسرائيلية التي توقفت في عام 1949 إلى وضعي الدفاع واستبعاد فكرة الهجوم على إسرائيل.

4- نزع سلاح قطاع غزة ومنع النشاط الفدائي منه.
5- تحييد مصر عسكريا لأطول فترة ممكنة حتى يتم استعداد إسرائيل لمعركة الإمبراطورية الإسرائيلية فحرب 1956 كانت كما وصفتها جولدا ماثير بحق حرب حق الوجود أما حرب 1967 فهي حرب حق الهيمنة كانت إسرائيل تحتاج هذه الفترة حتى تصبح المبادرة في يدها فتحدد هي زمان ومكان وصيغة المعركة.

ونحن نزعم وعلنيا البينة أن الأهداف تحققت بالكامل، وإن القيادة المصرية هزمت في هذه المواجهة بالكامل بل وإن عبد الناصر نفسه هو أول من أدرك هذه الحقيقة يوم طاف وهو يبكي بين حطام الجيش المصرية على شاطئ القناة في نوفمبر 1956 وأراح رأسه على كتف عبد اللطيف بغدادي وهو يردد بالإنجليز هزمني جيشي فهل يريدنا هيكل أن نصدقه ونكذب عبد الناصر؟

منذ صفقة السلاح الروس والإسرائيليون يستعدون للحرب ضد مصر، ويول موشي ديان أنه خطب جنوده في أبريل 1956 فقال لهم ليس لدينا صفقة سلاح تشيكية ولا بريطانية ولا أمريكية فالبلاد التي لديها السلاح ترفض التعامل معنا ومع ذلك فهناك أمة واحدة نستطيع أن نعقد معها صفقة رابحة هي أمة إسرائيل .. إن ما نحتاجه هو صفقة واحدة نستطيع أن نعقد معها صفقة رابحة هي أمة إسرائيل إن ما نحتاجه هو صفقة إسرائيلية يمكنها أن تكشف القوة الدفينة لشعبنا

ويقول أنه كان يعد خطة لاحتلال غزة لتصفية النشاط الإرهابي (الفدائيون) وفتح خليج العقبة من نوفمبر 1955 ولكن مبعوث الرئيس الأمريكي كان في ذلك الوقت يفاوض عبد الناصر وبن غوريون ولذلك طلب منه بن غوريون وقف الخطة حتى يناير 1956 ولم يكتف موشي ديان بالطبع بعقد صفقة مع الروح المعنوية في إسرائيل بل نجحت جهودهم في عقد صفقة مع فرنسا وفي نهاية يونيه 1956 للحصول على سلاح يمكننا من مواجهة نوعية السلاح المصري الجديد إن لم يكن حجمه فالتسليح الفرنسي والاستعداد الإسرائيلي سابق على تأميم القناة لأن إسرائيل تعيش فعلا هذه المواجهة الدائمة العربية الإسرائيلية أما نحن فنتحدث عنها فقط في الخطب وندعو الله ليل نهار أن يجنبنا إياها فلا يستجاب لنا دعاء.

ويقول "لم يكن بن غوريون مفتونا بفكرة ضم قطاع غزة أو شبه جزيرة سيناء، بل كل ما كان يريده هو السيطرة على الساحل الغربي لخليج العقبة ومضيق تيران أي شرم الشيخ فلو فتح المضيق للملاحة الإسرائيلية لأصبحت إيلات ميناء كبير وهذا يعني الحياة لكل النقب" وقبل سفر الوفد الإسرائيلي إلى فرنسا للاتفاق على الحلمة أبلغهم بن غوريون بالتوجيه التالي:

1- إسرائيل لن تشن حربا بمفردها.
2- أزالوا التهديد العسكري المصري بتدمير الجيش المصري وصفقة السلاح الروسي.
3- ضمنوا حرية الملاحة إلى إيلات ومن إيلات.
4- أوقفوا العملات الفدائية من قطاع غزة .
5- نزعوا سلاح سيناء فعليا بوضع البوليس الدولي الذي جمد الحدود من الجانب المصري عشر سنوات

ويقول: نحن أيضا كنا نتمنى أن يحل نظام جديد محل عبد الناصر يصنع علاقات سلام مع إسرائيل ولكن هذا لم يكن جزءا أساسيا من أهدافنا العسكرية التي ستتحقق حتى لو بقي ناصر في السلطة.ط ونحن نضيف ولا حتى كان من أهدافهم أو أمانيهم السياسية في تلك المرحلة لأن أي سلام مع إسرائيل في هذا الوقت سيصادر طموحها ومخططها التوسع ومندوب الرئيس الأمريكي الذي كان يفاوض بن غوريون في هذا الوقت كما أشرنا يبحث في إعطاء ممر بري بين مصر والأردن في صحراء النقب لا الحدود الآمنة وتعديلات في صميم الأرض المصرية والأردنية والسورية كما سيطرح بعد عشر سنوات.

ولخص موشي ديان نتيجة الحرب بقوله ولقد تحققت أهداف إسرائيل الثلاثة من الحملة:

حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة نهاية الإرهاب الفدائي تجميد خطة الهجوم المشترك المصري السوري الأردني على إسرائيل وقد قبل عبد الناصر مبدأ حرية الملاحة من وإلى إسرائيل وقبل وضع حد للإرهاب ضدها.

ويقول هيكل نفسه نقلا عن مذكرات موشي ديان عن معركة سيناء ولاحظ أن هذه هي المرة الوحيدة التي وردت فيها سيناء بدون صفة صحراء في كتاب هيكل والسبب هو أمانته في النقل عن موش ديان الذي لا يمكن أن يقول عن جوهرة الشرق الأوسط صحراء كما يفعل الأمين على الناصرية ج صفحة 12 أنه قابل بن جوريون في اليوم التالي لعودته من باريس وعقد معه اجتماعا طويلا ثم يقول ديان وفي نهاية الحديث صدر إلى الأمر بأن أكون مستعدا للاستيلاء على تيران لتأكيد حرية الملاحة الإسرائيلية في خليج العقبة والبحر الأحمر.

ويشعر هيكل أن هذا النص ينسف دعواه عن الجوائز فيهرع إلى وثائق بن جوريون التي أصدرها باروزهار سنة 1968 ليثبت أن دافيد بن جوريون طلب من نفس الاجتماع مع ديان أن تكون هناك خطط إضافية لاحتلال قطاع غزة وللسيطرة العسكرية الكاملة على سيناء.

موافقون

ولكن ماذا يعني ذلك؟

يعني أن الأمر الصادر بتحديد هدف الخطة أو الحرب المحدودة هو فتح خليج العقبة والبحر الأحمر للملاحة الإسرائيلية لا إسقاط عبد الناصر ولا دعم الرجعية ولا إقامة حكومة موالية في القاهرة ولا فرض التسليم بلا قيد أو شرط ولا حتى ضم سيناء وكل هذا وارد في الخطة كما قلنا ولكن في حينه.

الإضافة التي وردت في رواية باروزهار طبيعية ومنطقية جدا فإن احتلال تيران وفتح الملاحة في خليج العقبة لإسرائيل مهمة تختلف كثيرا عن عملية مطار عنتيبي ضد عيدي أمين أو تدمير طائرات طيران الشرق الأوسط في مطار بيروت إذ لابد من حسبان المقاومة المصرية الأمر الذي يستلزم تصفيتها أولا قبل الاطمئنان لفتح الملاحة وهذا يعني احتلال غزة وتحطيم القوة المصرية العسكرية في سيناء حتى تصبح تحت السيطرة الإسرائيلية أو على الأقل يزول تحكمها للملاحة في خليج العقبة.

وقد فازت إسرائيل بهذا الهدف الكامل الذي حدده بن غوريون قبل تأميم القناة وحرب القناة بعام كامل.

وهيكل ينسي كذبه ولذا يعود ويقرر بعضمة لسانه أن هدف إسرائيل لم يتجاوز فتح خليج العقبة يقول كانت إسرائيل كما رأينا قد قررت وحسمت واستدعى بن غوريون تلميه وصفيه موشي ديان من أجازة في باريس وطلب إليه أن يتولى رئاسة أركان حرب الجيش الإسرائيلي ووضع خطة للهجوم على سيناء بقصد احتلال شرم الشيخ وفتح خليج العقبة هذا هو هدف حملة 1967 إلى جانب ما ذكرناه من أهداف أخرى إما اخترع هدف لإسرائيل وهو ضم سيناء ثم الصياح بأننا انتصرنا لأنها انسحبت والسكوت على مكاسبها الأخرى فلا يشار إليها بحرف فهو تضليل وتهريج والغريب أنه يصدر من نفس المدرسة التي تردد أن استرداد سينا بعد 1967 لم يكن مشكلة ولا انتصارا لأن إسرائيل كانت دائما مستعدة لإرجاعها كيف تكون إسرائيل غير راغبة في ضم سيناء أو غير قادرة على هذا الضم في مرحلة الإمبراطورية وتتطلع لذلك في 1956؟

نعود لهيكل الذي يستعرض لنا انتصارات حرب السويس.

يقول هيكل: كانت حرب السويس تجربة هائلة من تجارب العمل القومي العربي وقدرته وأن من غير تنسيق بين الأطراف.

ولأننا تعاطينا جرعات هذا الإعلام الناصري فتخدرنا بمثل هذه الجمل الإنشائية من مدح الذات والرضا عن النفس وهدهدة الأطفال جلبا للنعاس بالخرافات فقد ظل العمل العربي إلى اليوم يفتخر بأنه يم بتجارب هائلة من غير تنسيق مسبق وبمجرد الفزعة البدوية ومحاولة القفز في القطار أو القيام بأي عمل لإثبات الوجود وتبرئة الضمير أو التنفيس عن الوطنية الحقيقية.

والدليل أن مؤرخ النصر لم يجد مثلا يضربه عن الوقفة العربية المساندة لمصر إلا نسف مجموعة السراج لخط الأنابيب البريطاني وهو عمل مجيد بلا شك ولكن مجموعة أنصار جورج حبش نفذته بعد ذلك ولكن في الخط الأخر وأثبتت أنه لا يحتاج لأكثر من مجموعة فدائية ولا يمكن أن تنحصر فيه مساندة دولة عربية في حجم سوريا ومواقعها وقتها في الجولان كانت تمكنها من إنزال ضربة موجعة إن لم نقل قاصمة بإسرائيل التي قذفت بكل جيشها إلى سيناء ولم تكن قد أصبحت بعد المارد الذي يحارب على ثلاث جبهات.

إن هيكل كثير الصخب حول ضربة نسف أنابيب النفط لي حبا وعرفانا لدور السراج فما ناله السراج على يد هيكل والنظام الناصري يضيف صفحات خالدة لملحمة العزيز سنمار ولكن في عام 1982 يتفضل هيكل على عبد الحميد السراج في محنته بإعلان أن السراج كان مضبوطا على نفس موجة عبد الناصر.

ولكن هذا المضبوط انفرط عقده فور أن دخل في الفلك الناصري وألغيت كل سلطاته وحول إلى طرطور في القاهرة كما سنرى وعزل عن قواعده في سوريا وهو الذي كان يحكمها بقبضة حديدية انتهت به الأمر بسبب هذا الانضباط إلى أن اعتقل وأهين على يد ضباط الانفصال الذين كانوا يرتعدون من مجرد التفكير في تحديد قبل أن يطحنه النظام الناصري فالإشادة بنسف الأنابيب ليس تحية للسراج، وإنما الصخب هنا هو لإخفاء سؤال رهيب مازال يطل برأسه بين الحين والحين وسيظل يطل برأسه ينشد الجواب الصريح مهما بدا أن الإعلام الناصري قد نجح في كتم أنفاسه إذ لم يطرح أبدا على بساط البحث الجاد ولم تعرف الإجابة السليمة عليه.

ذلك السؤال هو: لماذا أمرت القيادة المصرية الأردن وسوريا بعد دخول الحرب؟

لنرجع قليلا إلى الوراء.

مند عام 1953 قام تحالف مصري سعودي وثيق كان تطورا نشطا وأكثر فعالية للتحالف المصري السعودي الذي تم بين الملكين الراحلين عبد العزيز وفاروق منذ عام 1946 والذي مكن من قيام الجامعة العربية ووحدة الموقف العربي بصرف النظر عن النتائج حول قرار تقسيم فلسطين والحرب العربية الإسرائيلية الأولى وقد تطور هذا الحالف في ظل الملك سعود والقيادة المصرية الجديدة لحركة 23 يوليو بحيث أصبح أكثر تركيزا على تصفية الوجودين البريطاني والفرنسي من المنطقة وإذا كان الفرنسيون قد قبضوا في خلال 24 ساعة على باخرة مصرية تحمل السلاح للجزائر (الباخرة آتوس) وعلى شيك سعودي بعشرة ملايين دولار مع مجموعة من بللا عندما أنزلت طائرته واعتقلوا فإن التحالف المصري السعودي كان أكثر وضوحا في شرق البحر الأبيض أو المشرق العربي ضد بريطانيا حيث العدو التقليدي والمباشر للسعوديين والمصريين وكانت المملكة على خلاف بل وصدام مع الإنجليز سواء من خلال العرش الهاشمي في العراق والملك عبد الله في الأردن أو بالعدوان البريطاني على البوريمي السعودية وجميع حدود المملكة مع جيرانها الخليجيين بينما كانت مصر بالطبع في صدام مسلح مع الإنجليز في مصر صراع في السودان وخلاف تقليدي بين القاهرة من ناحية وبغداد وعمان من ناحية أخرى أما سوريا التي ظفرت باستقلالها حديثا من فرنسا بمساعدة بريطانية ونفوذ بريطاني في السنين الأولى فقد تحولت إلى أرض الصراع لشتى القوى في المنطقة بين شركة نفط العراق وشركة أرامكو حول مد أنابيب النفط إلى البحر وبين العراق والسعودية وبين مصر والعراق وبين بريطانيا وفرنسا.

واستطاع الذهب السعودي والإعلام الناصري أو كما يقول سلوين لويد مشوها إن رياح القومية العربية التي تهب من مصر تفوح منها رائحة الذهب السعودي استطاعا أن يوجهها الموجة القومية والوطنية الأصيلة في عدائها للاستعمار البريطاني والجادة في التحرر من هذا الاستعمار استطاعا توجيهها لكيل الضربات لهذه النفوذ فتمت حماية سوراي من مؤامرات نوري السعيد البريطانيين وتم طرد غلوب من الأردن وقيام حكومة ناصرة في عمان وتطويق ثم هزيمة حلف بغداد وأي تأريخ لتلك الفترة يحاول إنكار المساهمة السعودية الفعالة في تحقيق هذه الأهداف هو تزوير مفضوح للتاريخي في اعتقادنا لا ينجم فقط عن كران الجميل ولا الرغبة في إبراز الدور الخاص ولا لتبرير الافتراءات والتطاول على الملك الراحل سعود والدور السعودي في مرحلة التحرر من الاستعماريين البريطاني والفرنسي بل وأيضا لسبب آخر لا يقل أهمية ويتعلق بفهم طبيعة هذه المرحلة وحقيقة التيار والمصالح التي حكمت التحرك الناصري فيها ووفرت له النجاح وهو ما سنشرحه بالتفصيل وبالصراحة الكاملة في موضعه.

المهم أنه نتيجة هذه الجهود بدأ يشكل حلف سعودي مصري سوري يمني وركز جهوده على جذب الأردن بعيدا عن العراق الذي وقعي بغداد مع تركيا في 24 فبراير 1955 وانضمت إليها بريطانيا في 4 أبريل 1955 ثم تبعتها إيران وباكستان يوليو وأكتوبر 1955 ففي أول مارس 1955 وقع في دمشق اتفاق مصري سوري وفي 6 مارس 1955 أيدت السعودية الاتفاق المصري السوري وأعلن عن تشكيل قيادة عسكرية مشتركة للأقطار الثلاثة وفي 27 أكتوبر 1955 وقعت اتفاقية لتوحيد القيادة العسكرية بين مصر والسعودية وفي 12 مارس اختتم مؤتمر ثلاثي في القاهرة بين عبد الناصر والملك سعود وشكري القوتلي دام أسبوعا وصدر بيان مشترك بإقرار جميع الإجراءات الضرورية لإقامة جبهة موحدة ضد إسرائيل وشجب حلف بغداد لأنه يضعف الموقف العربي وتقرر إرسال مبعوث عن المؤتمر إلى الملك حسين مع عرض بدفع قيمة المعونة البريطانية للأردن إذا ما ألغى معاهدته مع الإنجليز قدم العرض في يناير 1956 وسافر المبعوث لتأكيده ويقول سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا وقتها أن الحملة ضد غلوب في الأردن كان يقوم بها عملاء ناصر والسعوديون وأن إخراج غلوب قد تم بالدعاية المصرية ومال الملك سعود.

وفي أبريل 1956 وقعت الاتفاقية المصرية السعودية اليمنية وأقرضت السعودية عشرة ملايين دولار لليمن وأعلنت الحكومة المصرية ترحيبها بالحلف كضربة لبريطانيا وجزء من خطة طرد البريطانيين من شبه الجزيرة العربية واعترف خروشوف أنهم الروس يبيعون سلاحا لليمن ويتكلم هيكل بنفس لهجة سلوين لويد عن استغلال مصري للسعودين فيقول أن عبد الناصر استعان بالأسرة المالكة السعودية ضد حلف بغداد ويكتفي بهذا النطق السامي دون تفسير ولا يقول لنا إذا كانت معركة حلف بغداد هي أبرز منجزات السياسة الناصرية الثورية ضد الاستعمار الأمريكي وشركاه فكيف قبلت الأسرة السعودية واتهامات هيكل لها معروفة أن يستعان بها في تحقيق هذا الإنجاز الثوري التاريخي؟

ويشهد بغدادي أنه في أكتوبر 1955 طلب الأمير فيصل بن عبد العزيز تشكيل لجنة عسكرية مصرية سعودية لشراء أسلحة للمملكة من دول الكتلة الغربية كما يشهد بغدادي أن الرئيس شمعون وسط عبد الناصر لدى السعودية لوقف الحملة عليه في صحف لبنان ولكن فيصل بن عبد العزيزي قال أن شمعون انجليزي ويعمل على تنفيذ سياسة الإنجليز

في أول مارس 1956 طرد غلوب باشا أو الحاكم الفعلي البريطاني للأردن وقائد الجيش الأردني والقصة معروفة حول وصول خبر الطرد أثناء مأدبة العشاء لسلوين لوريد في القاهرة مع عبد الناصر وعامر واندفع المد الوطن العروبي في الأردن فاستقال الوزراء الفلسطينيون الأربعة خلال زيارة الجنرال تمبلر للأردن وهي الزيارة التي كانت آخر محاولة من بريطانيا لإقناع الملك حسين بالانضمام إلى حلف بغداد وسجل سولين لويد في مذكراته عن الوزراء ومن المعتقد أنهم تلقوا رشوة ضخمة من السعوديين وأن الملك حسين قد أحاط به قرناء السوء.

وفي 10 مارس عرض نوري السعيد على سلوين لويد تنفي انقلاب في سوريا إذا ما حصل له على ضمانة بعد تدخل تركيا أو إسرائيل وحصل له سلوين لويد على وعد بذلك من تركيا وإسرائيل وكان الموعد المحدد لتنفيذ الانقلاب هو الفترة ما بين 30 سبتمبر و 15 أكتوبر 1956.

ووصل المد الوطني في الأردن إلى ذروته بإجراء الانتخابات وفوز حكومة سليمان النابليسي بالأغلبية الساحقة وقيام مجلس نيابي ناصري سعودي وتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا والأردن ووضعت القوات العسكية الثلاث تحت تصرف القائد المصري عبد الحكيم عامر فهو الذي يأمرها بدخول الحرب ويوجه تحركاتها العسكرية تماما كأنها جيش واحد.

ولا شك أن هذه كانت أعلى مرحلة في التضامن العربي والتنسيق العربي العسكري ولكن هيكل لا يشير إليها أبدا في سجل الانتصارات بل يقفز عليها للحديث عن نسف ماسورة النفط ولأمر ما جدع قصير أنفه واشترت المرأة السمسم غير المقشور بالمقشور.

اكتفى هيكل بإشارة غريبة على هذا الاتفاق إلى هذا الاتفاق وإلى الهدف الذي كان يرجى منه عندما قال أن السراج كان يأخذ ميثاق الدفاع المشرك والقيادة المشتركة بين مصر وسوريا والأردن وهو اتفاق وقع قبل العدوان الإسرائيلي بأيام قليلة مأخذ الجد (ج)

العفو ما هو كان صغير وربما لم يكن قد انضبط بعد على كل الموجات العاملة مع القاهرة.

ويقول أنه اكتشف في سوريا خطة سرية لعمل انقلاب في سوريا يتوافق مع غزو مصر وكان هدفها أن تمنع اشتراك الجيش السوري في المعركة مساندا لمصر إلى جانب الهدف الدائم وهو السيطرة على قلب دمشق ولكن الخطة اكتشفت واحبطت

المؤامرة صحيحة وقد اعترف بها سلوين لويد وغيرها ولكن هل صحيح أدى كشفها إلى إحباط الهدف؟ وهو منع الجيش السوري من الاشتراك في المعركة؟

هل اشترك الجيش السوري في المعركة.

ومن الذي منعه؟ ليس نوري السعيد ولا حلف بغداد ولا الرجعية بل أمر صريح من عبد الحكيم عامر القائد العام للقوا المشتركة المصرية السورية الأردنية لماذا؟

ويمكن لأي قارئ ملم بأوضاع تلك الفترة أن يقدر مدى التحول في الموقف الذي كن يمكن أن يحدث لو أصدر عبد الحكيم عامر أمره للجيشين الأردني والسوري بالهجوم على إسرائيل خلال استغراق جيشها في أضخم حرب واجهته منذ قيام إسرائيل وهي غزو سيناء التي تعادل مساحتها مساحة إسرائيل مرتين ونصف مرة فالجيش الأردني كان بشهادة الجميع وقتها عالي الكفاءة من الناحية العسكرية ونتفجر الوطنية والرغبة في غسل عار معارك 1948 والاتهامات التي كيلت له بسبب خيانة قادته الإنجليز والجيش الأردني كما يذكر المعمرون كان وقتها على بعد طلقة مدفع من البحر ويستطيع أن يقسم إسرائيل إلى شطرين بطابور دبابات وتأملوا الخريطة والجيش السوي كان لا يزال بكرا لم تمزقه الانقلابات والمؤامرات والحزبية ومواقعه في الجولان كانت تعطيه تفوقا ساحقا اعتبر أنه غير قابل للهزيمة عسكريا وكان السلاح الجوي الإسرائيلي مازال في بدايته.

نتمنى أن يذكر لنا ناصري واحد ما هي الخسائر المحتملة عسكريا أو سياسيا التي أراد القرار المصري تجنبها بمنع الأردن وسوريا من فتح جبهتين ضد إسرائيل في عام 1956 واليت لم تكن محتملة في 1967 عندما طلب منها الدخول رغم اختلاف الظروف تماما بحيث كان المكسب في 1956 محتملا والخسارة في 1967 مؤكدة بعد ضربة الطيران المصري ؟؟ ألا يذكرنا هذا بسؤال مايلز كوبلند عن اللغز في إحجام لم عبد الناصر عن الحرب مع توفير عوامل النصر والانجرار إليها إذا كانت الخسارة مؤكدة؟

من الناحية العسكرية كان الوضع أفضل بالنسبة للعرب في 1956 من الناحية السياسية كانت إسرائيل معتدية باتفاق العالم كله لأول مرة وآخر مرة وبقرار إدانة أمريكي وكانت مصر وسوريا والأردن أعضاء في قيادة مشتركة تلزمهم جميعا بالحرب إذا ما اعتدى علي أحد الأطراف الثلاثة ومن ثم لا لوم ولا مؤاخذة دولية بل إعجاب وزرع لهيبة العرب على المستوى الدولي وتعريف العالم أن التضامن العربي والاتفاقيات العسكرية العربية أمور جادة.

مؤكد أن الوضع العسكري لم يكن ليصبح أكثر سوء لو صدر الأمر إلى سوريا والأردن بالهجوم على إسرائيل في 29 أكتوبر 1956

هذا من الناحية العسكرية التي لا تحتاج لكثير إثبات ولكن هناك عنصر سياسي خطير يتغافلون عنه ولم يطرح أبدا وهو ما كان يقلق بال الإنجليزي واليهود والأمريكان ونوري السعيد وغيره خلال فترة الإعداد لغزو مصر فالمعروف أن الأردن كان مرتبطا بمعاهدة دفاعية مع الإنجليز وباتفاق مع العراق يتضمن دخول الجيش العراقي الأردني في حالة تعرضه لعدوان إسرائيلي وذلك بعدما تصاعد عدوان إسرائيل على الأردن قبيل الهجوم على مصر حتى ساد الاعتقاد بأن إسرائيل تدبر غزو الأردن لا مصر وكان المفروض في حالة وقوع حرب شاملة بين الأردن وإسرائيل أن تصبح كل من بريطانيا والعراق في مأزق حرج فإذا كان الجيش العراقي سيجد نفسه مضطرا بحكم الضغوط العربية والشعبية على حكومة بغداد أو بحكم وطنية ضباطه مشتركه في المعركة فإن بريطانيا كان ستواجه مأزقا خطيرا لأنه فضلا عن استحالة محاربتها لإسرائيل كانت في هذا الوقت بالذات تخطط لغزو مشترك مع إسرائيل.

يصور لنا موشي ديان هذا المأزق بعد عشرين عاما بقوله: خلال المفاوضات لتدبير العدوان الثلاثي ج كان من الضروري أن نعمل على تجنب وضع قد ننزلق فيه إلى صدام مع بريطانية الإسرائيلية المعقدة فبريطانيا لها معاهدات مع عدة دول عربية قد تهرع لمساعدة مصر ولو حدث ذلك فقد ينشأ وضع نكون فيه نقاتل مع بريطانيا في جبهة وفجأة نجد أنفسنا مصطدمين معها في جهة أخرى من الأردن حيث سيقدم له البريطانيون مساعدة عسكرية بموجب معاهدة الدفاع الأنجلو أردنية.

وكان رأي بن غوريون أن إسرائيل لن تهاجم الأردن إلا إذا هاجمها الأردن، وما دام لا يسمح للقوات العراقية بالدخول في أرضية وكان بن غوريون يعتقد أن بريطانيا لديها من النفوذ ما يمكنها من ضمان حياد الأردن وبذلك تمنع تعقيدات لا ضرورة لها ستتبع دخول القوات العراقية في الأردن.

وكانت العراق والأردن قد أنشأ قيادة عليا مشتركة في يونيو 1956 تقرر بها وضع فرقة عراقية متقدمة على الحدود العراقية الأردنية تكون مستعدة لمساعدة الأردن في حالة الطوارئ ثم اجتمع الملكان حسين وفيصل بن غازي لبحث نقل هذه القوات ذاتها للأردن وقد أعلن بن غوريون عن عزمه على التصرف عسكريا لو حدث ذلك

إسرائيل كانت مصممة على التصرف عسكريا لو دخل الجيش العراقي الأردني والمعاهدة التي يرتهن بها شرف العرش العراقي ونوري السعيد والمراهنة على صداقة النظام العراقي معلقة على تنفيذ بند الدخول العراقي في حالة الحرب بين الأردن وإسرائيل والمعاهدة البريطانية الأردنية والبريطانية العراقية وسمعة بريطانيا وثقة أصدقائها وادعاءات عملائها كله معلق على امتحان موقفها إذا ما حدث القتال المسلح بين الأردن ثم العراق وإسرائيل كذلك كان علينا أن نعرف هل ستنفذ بريطانيا معاهدتها مع الأردن وتتقدم لمساعدته إذا ما هاجم إسرائيل أو إذا تحركت إسرائيل إلى الضفة الغربية ردا على دخول القوات العراقية الأردن؟

وجاء في مذكرات هيوغتسكيل زعيم المعارضة البريطانية خلال معركة القناة أنه أثناء حفل العشاء الشهير الذي كان مقاما على شرف الملك فيصل العراقي ليلة التأميم سأل الأمير عبد الإله الوصي على العرش العراقي عن الأحوال فرد الوصي العراقي (26/7/ 1956) إن الوضع خطير والأردنيون قد يقدمون على إجراء سخيف ويهاجمون إسرائيل فنجد أنفسنا ننجر إلى الصراع أن هذا مثير للقلق.

أزمة فعلا ومشكلة خطيرة وبن غوريون يراهن على الضغط البريطاني على الأردن لإنقاذ الغرب وإسرائيل والنظم الصديقة من هذه الورطة الكارثة ولكنها مراهنة غير مضمونة فالأردن في أكتوبر نوفمبر 1956 لم يكن بالأرض الصالحة لقبول مثل هذا الضغط البريطاني بل الأحرى أن الملك حسين بذكائه المعروف كان سيرفض تنفيذ مثل هذا الطلب أما عن الجيش الأردني بقيادة علي أبو نوار الناصري وللاجئ السياسي في القاهرة بعد ذلك والحكومة الأردنية حكومة سليمان النابلسي وهو غني عن التعريف فكان يستحيل تصور استجابتهما للضغط البريطاني ورفض تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك ورطة حلت بأبسط وأهون ثمن مصادفة عجيبة جعلت الضغط يأتي من أخر جهة يمكن أن ترد على الخاطر ومن جهة لا يمكن اتهام من يطيع أمرها بالخيانة من القيادة المصرية المغزوة أرضها؟

لماذا؟

نتمنى أن نسمع تفسيرا.

بالطبع لا نريد تفسيرا سوقيا حاقدا من طراز أمة يهودية أو عبد الحكيم عامر أصله إيللي كوهين هذا سخف لا يستحق حتى مجرد السماع فضلا عن المناقشة.

التفسير الذي وصلنا إليه إن صفقة تمت بين أمريكا وعبد الناصر طالبت فيها أمريكا عبد الناصر غلا يوسع النزاع أن يمنع دخول الأردن وسوريا الحرب وهي تتعهد بالباقي وقد نفذ الطرفان ولكن ربح اليهود وخسرنا على المدى القريب والبعيد.

ويلاحظ أن سلوين لويد قد أورد قرار عبد الحكيم عامر للجيشين الأردني والسوري بعدم دخول الحرب ولكنه لم يعلق بحرف على أسباب القرار.

وهكذا لم يكن أمام الضباط السوريين إلا ما سورة النفط ينفثون فيها غيظهم ويرفعون في نفس الوقت سعر النفط الأمريكي بقطع أكبر شريان للنفط الأنجلو فرنسي على البحر الأبيض واقرب شريان لغرب أوربا إلى جانب سد قناة السويس.

أن المساندة العربية الأساسية التي يمكن أن تشكل قاعدة العمل العرب ونموذجا للتضامن ينمو مع الأيام ويحسب له العدو حسابه في المستقبل المساندة التي كانت ستكتب سطور الوحدة العربية بالدم منعها عبد الناصر وبالتالي لم يبق إلا المساندة بالخطب والأغاني والبرقيات والنداء هنا القاهرة من إذاعة عمان ودمشق عندما ضربت الإذاعة المصرية واستقر في ذهن العرب أن قطع النفط هو آخر الدواء والحلقة المفرغة التي ترقص حولها الأمة العربية دون أي تقدم.

والمسئول عن ذلك هو المؤامرة الإعلامية التي أرادات إخفاء السر وراء عدم تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك في أول امتحان للتضامن العربي في ظل 23 يوليو بالصخب حول الدعم العربي والتضامن العربي وبسالة الجيش السوري الذي نسف أنبوب النفط وكأنه جماعة إرهابية مطاردة من السلطة؟

لو طبق الميثاق لعرف العرب قيمة هذه الاتفاقية وأخذوها مأخذ الجد ولعرف العدو قيمتها وأخذها مأخذ الجد كما يسخر هيكل من سذاجة السراج؟

أيمكن أن يقول كاتب جاد مؤمن بعبد الناصر والوحدة العربية إن السراج كان يأخذ ميثاق الدفاع المشترك مأخذ الجد؟

يعني أيه؟

اتفاقية عسكرية وقع عليها رؤساء ثلاث دول والقائد العام في كل جيش وأقرتها السلطة التشريعية في كل بلد فأي عجي أو غرابة أن يأخذها السراج على محمل الجد؟ إلا لأن كاتب هذا الكلام يعرف أن الأمر كله نصب في نصب؟

على أية حال هيكل أعفى نفسه من تقديم أي تفسير للسبب الذي لم تنفذ من أجله الاتفاقية رغم اكتشاف المؤامرة الاستعمارية الرجعية التي كانت تستهدف منع تنفيذها؟

بقي أن نقول أن المساعدة العسكرية الوحيدة التي قامت كانت من السعودية التي أرسلت طائراتها لمصر وسمحت للطائرات المصرية باللجوء إلى المطارات السعودية مخاطرة بتعرض هذه المطارات للضرب.

نعود لقائمة الانتصارات

إن جو السويس كان هو الاختبار الذي نجح ونضج فيه جيل الخمسينات في العالم العربي، جيل جمال عبد الناصر وأحمد بن بللا وهو أري بومدين وعبد السلام عارف وجماعات الضباط الوحدويين في سوريا والطلائع الملتزمة من حزب البعث العربي الاشتراكي في منطقة الهلال الخصيب، وهو جيل كتب عليه أن يكون جسرا تمشي وتدوس أحيانا عليه أمة بأسرها من مرحلة إلى مرحلة في النضال كان هذا هو الجيل الذي فتح الطريق تحت شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة ومن المحيط إلى الخليج وبترول العرب للعرب ونصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا ونحن جزء من حركة الثورة الوطنية في العالم إلى أخره على آخره هو اللي بيقول إلى آخره وليس أنا ج) وربما كان أقسى نقد يمكن توجيهة لهذا الجيل أنه كان يعرف ماذا يريد بنفس هذا الوضوح إلى آخره إلى آخره وأنا الذي أقولها هذه المرة!!

وليسمح لنا أن نضيف إلى قائمة جيل الخمسينات عبد الكريم قاسم الذي لا شك أن أثره في العراق وفي التاريخ العربي أكبر من أثر عبد السلام عارف الذي جاء وذهب وجاء وقتل ولا أحد أهتم بماذا يريد وماذا لا يريد وإن كان النظام المصري يحمل القسط الأكبر في مسؤولية مصيره التعس وفشله ولا شك أنه كان يتفجر وطنية وإخلاصا وتدينا والحمد لله الذي جعل هيكل يسجله في قائمة الشرف وقد كان هذا الهيكل شجي في حلق عبد السلام عارف في حياة هذا المسكين.

أما ابن بللا فلا شك في إخلاصه وحماسته وثوريته، ولا شك أيضا في أنه ثورية قبل السويس وتعلم مما يتلوه الناصريون في بابل ما فرق بينه وبين الشعب الجزائري فتمكن منه هواري بومدين ابن جيل الخمسينات الذي استطاع بمساعدة مقالات هيكل الاستفزازية المتباكي اليوم على بومدين والمهاجم له يوم كان رئيس الجزائر المهم استطاع بومدين أن يحول الجزائر إلى أكبر قوة معادية لمصر وعبد الناصر وهو البلد الوحيد الذي ضر فيه المصريون بعد هزيمة 1967 واعتدى فيه على السفارة المصرية.

وتحولت الجزائر من حلم وبهجمة وأمل كل عربي بل ومن أكمل نصر عربي حقا تحولت وتحولت الجزائر من حلم وبهجة وأمل كل عربي بل ومن أكمل نصر عربي حقا تحولت على يد الأصفر الحقود إلى شجي في حلق الأمة العربية، ومصدر الفرقة والنزيف الدائم حتى اليوم في المغرب العربي!!

أما جيل ضباط الوحدة في سوريا والطلائع الملتزمة في حزب البعث، فحدث ولا حرج من الحريري إلى أمين الحافظ وصلاح جديد وباخوس والجند ولا تنس كمال أمين ثابت وعلى صالح السعدي ونايف كذا والحبل على الجرار.

أما أنه لم يجد لهذا الجيل ما يسجله له إلا الشعارات باستثناء بن بللا) فلا نناقش فقط نذكر المواطن العربي بما تحقق منها كل تلك الحريات التي يرفل فيها المواطن العربي والوطن العربي وكل الاشتراكية التي تغمر الأسواق العربية والتي تفوح من سيجار هيكل وبيوته الثلاثة في مدينة القاهرة كما ذكر للمحقق أما عن الوحدة من المحيط إلى الخليج فلا ينكرها إلا جاحد لفضل حرب السويس.

وقد والله احتار فينا الصديق والعدو ولم نجد عند الضيق صديقا له قيمة يأخذ بيدنا أو يعطيا ربع ما يعطيه العدو لإسرائيل أما بترول العرب للعرب الذي لم يتحقق إلا بعد أن خفتت أصوات هذا الجيل وزالوا من على المسرح وتقلص ظلهم من الساحة العربية وتحقق على أية حال على يد شيوخ لا وجه للشبه بينهم وبين جيل الخمسينيات هذا إذا كانت هذه هي الانتصارات فأين الهزائم؟

يقدم لنا هيكل قائمة أخرى من الانتصارات من طراز استطاعة الاتحاد السوفيتي أن يحقق ويعلن تعادله مع أمريكا ويحتار الصراف أين يصرف هذا الانتصار بالعملة المصرية خاصة وقد أضاف تفسير هيكل حيرة إلى الحيرة إذ قال وهي التي فتحت باب الوفاق هل كان الوفاق لصالحنا؟

ويصر على أن يسجل علينا في قائمة الانتصارات: انقسام العالم بين روسيا وأمريكا، وقرار فرنسا والصين بناء قوة نووية مستقلة وتحول بريطانيا وفرنسا إلى دولة من الدرجة الثانية، وسقوط الجمهورية الفرنسية الرابعة، وتدعيم الاتجاه نحو السوق الأوربية وتحرير المستعمرات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وظهور لومومبا ونكروما ونير يري (؟ج) وفيدل كاسترو وإن السويس كانت آخر صراع شارك فيه العمالقة في ميدان القتال كان هناك جمال عبد الناصر من ناحية وعلى الناحية الأخرى دافيد بن جوريون وانطوني ايدن وجي موليه وطبعا لا أحد يقول إن جي موليه كان عملاقا ولا أحد يذكر اسمه الآن إلا بالعدوان على مصر وإيدن سماه عبد الناصر الخرع فمن أين جاءته العملقة؟

كلام وحذلقة وخلي يتفكه بالآم الجيش المصري!

على أية حال هذه لم تكن سوى المقدمة والكتاب في ثلاثمائة صفحة ويبدأ الفصل الأول بالحديث عن إسرائيل وهو ما نحمده له فهي حقا جوهر القضية ولب المعركة ويقرر لنا أن شركاء الحرب ضد مصر في سنة 1956 كانوا أربعة ولم يكونوا ثلاثة كما هو شائع في تعبير العدوان الثلاثي.
الله أعلم بعدتهم والله على الذي حاول إخفاء الشريك الرابع عشرين سنة وأطلق على الحرب اسم العدوان الثلاثي وغني له 3 دول متقدمة يا بور سعيد إلخ.
والشريك الرابع الذي يكشف عنه هيكل الستار هو أمريكا بالطبع الذي يؤكد لنا أنها سارت شوطا على طريق السويس ثم تخلت عنه إلى طرق أخرى ظنتها أسرع نفاذا إلى القاهرة وهذا هو الخلط حقا خلط نتائج صحيحة بمقدمات خاطئة ومقدمات معروفة بنتائج مزورة وستشرح ذلك بالتفصيل فالولايات المتحدة كانت نافذة إلى القاهرة.
ولكن بغير هذه الصيغة السوقية المضللة والحق أن هيكل لا يقدم جديرا فاتهام أمريكا بالمساهمة في العدوان الثلاثي وحلف بغداد وجميع المؤامرات ضد السلطة المصرية في تلك الفترة مطروح في الإعلام الناصري بوضوح منذ عام 1957 وبشكل متقطع ومتحفظ أحيان قبل ذلك وبالذات منذ 1955

يقول: كانت إسرائيل أمام الجميع على طريق السويس بحكم اهتمامها الذي لا يدانيه اهتمام بكل ما يجري في مصر.

وهذا صحيح ألف في المائة والكارثة أنهم يعرفون وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ألم يكن الواجب ولو من باب المجاملة أن نهتم بمن يهتم بنا؟

وسنؤجل حديث الاهتمام وإنما نكتفي حاليا بذكر عدة نصوص:

كان لدى المخابرات المصرية تقرير من تقرير المخابرات البريطانية جاء به: ليس لدى مصر أية نية في الاعتداء على إسرائيل وأنها ليست مستعدة لذلك بخلاف موقف إسرائيل واستعداها.
في سنة 1955 وبعد ما قطع بن غوريون عزلته في مستعمرة سدبوكر بالنقب ليعد العدة لضرب مصر الضربة القاتلة يقول هيكل كان عبد الناصر يقول أنه لا يشغل نفسه بإسرائيل وإنما يركز على التنمية الداخلية في مصر وأنه لذلك خفض ميزانية القوات المسلحة بخمسة ملايين جنيه عن السنة الماضية لاعتقاده كما قال عبد الناصر نفسه إن إسرائيل ليست خطرا على مصر إلا أنه مصر ضعيفة اقتصاديا واجتماعيا.

فالرئيس عبد الناصر:

1- لا يشغل نفسه بإسرائيل.
2- لا يفكر في مواجهة عسكرية معها لا ابتداء من جانبه، ولا حتى في احتمال أن تجن هي وتهاجمه ولذلك بدأ يضعف قدرة مصر العسكرية بخفض ميزانية القوات المسلحة وسيحدث هذا للمصادفة مرة أخرى في نفس السنة السابقة على حرب 1967 وسيلغي بند بناء الدشم التي تحمي الطائرات المصرية لتوفير النفقات اللازمة للحرب في اليمن.
3- ونحن نعرف أن الزعيم الخالد لم يصمد طويلا على هذا التصور وهو الرغيف قبل المدفع، أو المصنع قبل الدبابة لأنه بعد قليل من ذلك الإعلان والخفض في ميزانية التسلح عقد صفقة السلاح السوفيتي التي قدرت الدفعة الأولى منها بستين ضعف ما خفضه لزيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومع ذلك فنحن نعتقد كما سنثبت أن صفقة السلاح الروسي كانت تهربا من المواجهة وليس سعيا لها المهم أن القيادة الجديدة لمصر جاءت إلى السلطة وهي غير منشغلة بإسرائيل واستمرت على عدم شغل البال هذا حتى قذفتها إسرائيل بالقارعة تلو القارعة فقررت أن تشغلنا بإسرائيل بدلا من أن تنشغل هي بإسرائيل.

في 1955 قال محمود فور زي) الذي يسيء إليه هيكل بالثناء عليه ولا ندري لماذا؟ قال فوزي لسلوين لويد ما من حكومة مصرية سيصل بها الجنون يوما إلى حد شن هجوم مسلح على إسرائيل.

بعد الشر عليكم من الجنون ... والمجنون راح والحمد لله.

ويقدم لنا هيكل خطة مصر ضد إسرائيل أسف هذه لا وجود لها أقصد يقدم لنا خطة إسرائيل ضد مصر، التي كانت تتوقع أن تستمر مصر، قائدة العالم العربي والوحيدة القادرة على شن هجوم عليها إلى نهاية هذا القرن.

ونقرأ لحظة ونحتار هل كانوا فعلا يعرفون ذلك ففعلوا كل ما يؤدي إلى تحقيق خطة إسرائيل؟

فهذه خطة إسرائيل وأهدافها بالنسبة لمصر كما أوردها فيلسوف الناصرية وصوتها الداوي:

1- إبقاء مصر ضعيفة مختلفة غير قادرة على إقامة البناء الاقتصادي الزراعي والصناعي المتطور وباختصار أن يظل الإنسان المصري كيانا مقهورا مطحونا عليلا غائبا عن الوجود الحضاري بكل قيمة تماما كتلك الصورة التي رسمتها جولدا مائير في كتابها حياتي الذي وصفت فيه الناس داخل محطة سكة حديد القاهرة حين وصلت إليها في العشرينات في طريقها إلى فلسطين أكوام من اللحم العظم المغطي بالتراب والذباب.
أليست هي غولدا مائير التي زعمت الرواية المصرية أنها قالت عن مصر الناصرية لما يتعلموا يركبوا الأتوبيس نبدأ نخاف منهم هل كانت حالة مصر عند وفاة عبد الناصر أفضل بكثير منها قبل ثلاثين سنة هل كانت أكوام اللحم من المحطة إلى سطوح القطارات تحصدها أعمدة الكباري وتلقيها على جانبي القطار للذباب؟ هل كانت القاهرة كما هي الآن أقذر عاصمة في العالم هل مرة فترة كان فيها المصري كيانا مطحونا عليلا غائبا عن الوجود الحضاري بكل قيمة من الفترة التي مرة به من 1952 إلى 1966؟
2- إبقاء مصر معزولة عن بقية العالم العربي.
وهي عناوين وضعا فيها مؤلفات ولكن يكفي أن نقدم صورة لوضع مصر والعالم العربي في عدوان 1967 كانت مصر قد انسحب من مؤتمر القمة العربية لأنه أصبح مظلة للرجعية العربية وانسحبت من مؤتمر القمة الإفريقية بعد أن تأكد لها أن استمرار حضورها أصبح غير ذي فائدة وأعلن عبد الناصر أن القوات المصرية باقية في اليمن ووصل الخلاف مع السعودية إلى ذروته وعشية هجوم إسرائيل كان عبد الناصر يسب الملك فيصل في القاعدة العسكرية المتقدمة في سيناء ويطالبه بأن يطلب من صديقه شاه إيران ...إلخ.

وعندما وصل الملك حسين إلى القاهرة في 30/ 5/ 1967 وكانت علاقاته متدهورة مع مصر إلى حد أن داعبه الناصر بقوله ما رأيك لو قمنا باعتقالك؟

وكانت هناك أزمة حدود مع السودان بسبب حلايب أوشك الجيش المصري أن يتدخل فيها كما صرح زكريا محيي الدين في الأسبوع الأول من مايو 1967 والعلاقات مقطوعة مع تونس في أسوأ حالاتها مع المغرب بعد أن حاربناها من أجل الجزائر ورفعنا شعار الحسن والحسين إلخ ثم خاصمنا الجزائر من أجل أبن بللا.

هذا بعض من فيض يؤكد أن هدف إسرائيل رقم 2 في خطة هيكل قد تحقق ربما بما يفوق أحلامها يقول كانت إسرائيل تريد أن تظل اهتمامات القاهرة متجهة إلى الخرطوم في الجنوب على أقصى تقدير تحت ضغوط وادي النيل أو أوهام وحدة التاج بين مصر والسودان وفي نفس الوقت تبقى صحراء سيناء عازلا يفصل ما بين المشرق العربي في أسيا والمغرب العربي في أفريقيا كان لابد للصحراء العازلة أن تكون فراغا من أي قوة ومنذ ذلك الوقت المبكر اتخذت الاستراتيجية الإسرائيلية من صحراء سيناء مقياسا للأمن والخطر، إذا كانت الصرحاء فارغة من مظاهر القوة فهو الأمن وإذا امتلأت الصحراء فهو الخطر.

الحروف السوداء من عندي وهي لإبراز أنه في أقل من خمسة سطور وصف سيناء بالصحراء ست مرات لم يخطئ مرة واحدة ويقو سيناء وهي المحافظة الوحيدة في مصر التي تضم البحر والجبل والخليج.

نناقش هذا الافتراء

1- هل صحيح كانت مصر تنحصر اهتماماتها في الاتجاه للخرطوم؟ ومن الذي أنشأ الجامعة العربية هل قدم النظام الناصر مؤسسة أو صيغة للعمل أكثر عروبة وأفضل نتائج من الجامعة العربية؟ ما هي؟

الجمهورية العربية المتحدة؟ التي قصفت في عمر الورود وأخرت قضية الوحدة إلى نهاية هذا الجيل على الأقل وأصابت التضامن العربي بأمراض لم يشفى منها إلى الآن؟ أما سخرية هيكل من وحدة مصر والسودان فتلك قصة أخرى، والحديث ذو شجون سنتلو عليكم نبأها في فصول أخرى ويكفي أن نقول هنا أنه يوم صدور مراسيم إعلان وحدة مصر والسودان فتلك قصة أخرى والحديث ذو شجون سنتلو عليكم نبأها في فصول أخرى ويكفي أن نقول هنا أنه يوم صدور مراسيم إعلان وحدة مصر والسودان تحت التاج المشترك التي هزت قلب كل مصري من الأعماق كان هيكل هو الوحيد الذي هاجمها في منزل مندوب المخابرات الأمريكية وهاجم الدور المصري في السودان وقال إن السودان لا يكسب شيئا من علاقته بمصر بل هو يخسر ومصر تكسب حتى تعجب السفير الأمريكي، ونقل دهشته لحكومته أن يصدر هذا عن مصري حتى ولو كان هيكل.

هل صحيح كانت إسرائيل تريد وحدة وادي النيل لننشغل بها عن الوحدة العربية ولكي تبقى صحراء سيناء فارغة من القوة؟

لماذا تصرفنا وحدة وادي النيل عن العمل العربي؟ بالعكس أنها تعطي مصر عمقا طبيعيا يجعلها أقوى في مواجهة إسرائيل وأكثر قدرة استراتيجيا ويلقى عليها مسؤولية أكبر، وتقديرا أكبر لأهمية العمل العربي ودورها القيادي فيه، يجعل لهذا الدور قناعة أكثر وحجة أقوى ويجذب إلى ساحة العمل العربي في الشمال طاقات السودانيين البكر، ورجولتهم ونقاءهم وحماستهم وإيمانهم القومي والديني ويحقن دم العروبة في شرايين الوجود الأفريقي

وتخيل دولة وادي النيل جذورها في قلب أفريقيا وفروعها ممتدة من خليج العقبة إلى ليبيا ومن العريش إلى السلوم على البحر الأبيض وتسيطر على ساحل البحر الأحمر الشرقي كله تقريبا وتضم ما يقرب من مائة مليون ورقعة زراعية أكثر من 200 مليون فدان..

تخيل أن هذا ما كانت تتمناه إسرائيل لمصر لكي تشغلنا عن التعاون مع جورج حبش وعلى صالح السعدي؟ ولكي نحرم من حوار مباحثات الوحدة الثلاثية؟

إن أول خطة لعلاج التدهور الثقافي في مصر هو تشكيل لجنة تقصي حقائق لبحث التكوين العقلي لقراء هيكل!

على أية حال الحمد لله الذي اختص بالحمد على المكروه فشل كيد بني إسرائيل وانصرفت اهتمامات القاهرة عن الخرطوم وتحررنا من ضغوط وادي النيل وهي من باب صاحت العتاريف وحبظلم إذ لا أحد يفهم ماذا يعني بضغوط وادي النيل وكأنها غازات والعياذ بالله.

وزالت أوهام وحدة مصر والسودان مع زوال التاج المشترك.

فماذا تحقق؟

هل ملأنا صحراء سيناء بالقوة.؟
هل زال وضع الصحراء كعازل بين آسيا وأفريقيا؟
ما الذي اتخذته الناصرية من إجراءات للقضاء على هذا العازل؟
كم عدد المستوطنات التي أقامتها مصر في سيناء من 1952 إلى 1967؟
كم عدد السكان الذين نقلتهم إلى هناك؟

كم مدينة جديدة بنتها كم من المطارات المدنية وخطوط طيران التي كانت تطير من العريش لعمان ولبنان والرياض وكم عدد الخطوط البحرية بين شرم الشيخ وبور سودان وجده والعقبة؟ ما هي الروابط التي أقامتها مصر في سيناء لتربط بين المشرق العربي والمغرب الأفريقي عبر الصحراء؟

ما هو العازل؟ إنشاورص كلام كما كانت تقول أغنية أعياد النصر؟

وكيف يبقى العازل وكيف يزول؟

إسرائيل عندما أرادت أن تزيل سيناء كعازل فعلت الآتي:

1- أقامت خط بارليف لكي لا يعبر المصريون من أفريقيا إلى آسيا فهل أقمنا خطا مماثلا عند حدود إسرائيل مع سيناء أم وضعنا البوليس الدولي؟
2- فتحت الحدود بين إسرائيل وسيناء فأصبح اليهودي ينتقل من تل أبيب إلى شرم الشيخ والعريش بلا أذن مرور.
فهل ألغت الثورة هذا أم حتى يونيه 1967 كان المصري يدخل سيناء بترخيص خاص وكان الجمرك عند حدود مصر أي قناة السويس وحتى مايو 1967 قامت أزمة كبري مع أهالي سيناء لأن الحكومة طالبتهم ببطاقات شخصية للنساء وهو ضد تقاليدهم وإلا منعوا من عبور القناة ودخول مصر ألم تكن لسيناء إدارة خاصة في جاردن سيتي تصدر إذن الدخول للمصريين؟
3- أقامت إسرائيل المستوطنات وأسكنت فيها اليهود فهل فعلنا ذلك؟ أم صرفنا انتباه المصريين عن سكني سيناء باختراع أوهام تصرف نظر المصريين تماما عن سيناء لكي تبقى فارغة حضاريا وبشريا في انتظار الموعود ومن العشرينات أو الثلاثينات والمصريون واللبنانيون والسوريون يصرخون عمروا سيناء عمروا جنوب لبنان عمرو الجولان لكي لا تأخذها إسرائيل أرضا بلا سكان ولكن حكومات ما قبل يوليو كانت مشلولة الإرادة بفعل ثمانين ألف عسكري أجنبي أما حكومة الثورة فمرة تخرج علينا بمديرية التحرير، ومرة تصرعنا بالوادي الجديد وأن به نهرا يضرب نهر النيل على عينه كل هذا لحرف الأنظار عن أهمية وإمكانية سكني سيناء وتعميرها وهوما ما أثبت اليهود أنه ممكن وأن الماء متوفر والإنتاج سهل ومربح.
من الذي أبقى سيناء خالية وحاجزا وهل يمكن أن تكون الصحراء إلا خالية وحاجزا؟ هل وضع مليون عسكري فيها يلغي الحاجز؟ أقرأ ما يكتبه اليهود على اختلافهم من غزل ومعرفة بكل حجز في سيناء وقارن هذا بإصرارك على أنها صحراء وما كتبته بيمنيك أنت وصبيتك على أنها عبء.
4- إسرائيل أقامت الفنادق والشركات السياحية، والمصايف والمشاتي في سيناء فهل فعلنا ذلك؟
إسرائيل ربطت سيناء بشبكة مواصلات إسرائيل البرية والجوية والبحرية فهل فعلنا ذلك؟
إسرائيل درست ودرست تاريخ سيناء وجغرافيتها ووضعت لها أسماء مزورة حتى تيران اكتشف بن غوريون عشية غزوها في عام 1956 وهو في الطائرة المتجهة إلى باريس لتنظيم العدوان الثلاثي اكتشف أنها كانت مقر مملكة يهودية في القرن الخامس الميلادي اسمها يوتفات والثعلب فات فات وأنت لا تكف عن نعتها بالصحراء ومن يهتم بالصحراء
من الذي قال إن امتلاء سيناء بالقوة يعني الحشد العسكري الذي سرعان ما يتبخر عند أول هزيمة وتبقى الصحراء وحدها لا تجد من يحميها لو كانت الثورة أسكنت ثلاثة ملايين مصري في سيناء وهو هدف ممكن جدا لاستحال على إسرائيل غزوها أو البقاء فيها آمنة ما يقرب من 15 سنة؟

نتابع خطة إسرائيل تأليف محمد حسنين هيكل:

يقول إن إسرائيل كانت تفضل أن تبقى مصر في دائرة النفوذ الغربي وكان المكروه باستمرار أن تكون لمصر صداقات دولة خاصة وبالذات مع القوى العظمى البارزة وفي وقت من الأوقات خشيت إسرائيل من صداقة خاصة بين مصر والولايات المتحدة ولكنها لم تلبث أن اطمأنت بفهمها أن مثل ذلك ضد حركة التاريخ في المستقبل المرئي على الأقل ثم تحولت خشية إسرائيل إلى صداقة خاصة بين مصر والاتحاد السوفيتي.

أما أن إسرائيل كانت تخشى أن تقوم صداقة بين مصر والولايات المتحدة، أو بمعنى أدق علاقة خاصة بين مصر وأمريكا فهذا تضليل بل عملت بجهد خارق في الولايات المتحدة وعلى الحدود وفي شوارع القاهرة والإسكندرية عملية لافون مثلا وفي جهاز الحكم المصري كما ستكشف الأيام لنسف هذه الإمكانية.

أما أن إسرائيل كانت تخشى قيام صداقة خاصة بين مصر والاتحاد السوفيتي فهذا صحيح شرط أن نحدد معنى خاصة أما الصداقة التي قامت في ظل الناصرية بين مصر وروسيا فهي عين وصميم ما أردته إسرائيل وسنشرح ذلك بالتفصيل في موضعه.

ثم يروي لنا قصة دارت بينه وبين أنورين بيفان النجم الساطع في حزب العمال البريطاني وهذا غير عملية النجم الساطع التي قام بها الجيش الأمريكي بالاشتراك مع القوات المصرية ج والسرداربنكار سفير الهند وقتها.

وهي قصة مريبة تثير علامات استفهام غريبة فهو يقول أنه قضي ليلة كاملة في السفارة يحاول إقناع بيفان بأن ينصح الإسرائيليين بالاهتمام بما يجري في مصر.

حتى ضاق بيفان به ذرعا وهذا نص كلمات هيكل ويكاد المريب يقول خذوني وراح بيفان أمام بانيكار يسألني باستفزاز لماذا تريدهم هناك في إسرائيل أن يحسبوا حسابا لما جرى هنا لست أرى أمامي هنا في مصر ثورة ما أراه هو واجهة ثورة، وليس مضمون ثورة، وهذه هي البيانات الصادرة عن النظام الجديد وهذه وثائقه أمامنا فأرني فيها أية اتجاهات ثورية تخفيف عدوا أو تثير بجد اهتمام صديق.

بحروفه.

لماذا قضي هيكل ليلة كاملة في السفارة الهندية يحاول أقناع من وصفه هو بأنه كانت صداقته مع دافيد بين غوريون وثيقة لماذا كان يحاول إقناعه بأن ما جرى في مصر يشكل خطرة أو مصلحة لإسرائيل ومن ثم يجب أن تهتم إسرائيل بذلك وتحسب حسابه؟
لماذا ولمصلحة منم؟ وخوفا على من أو خوفا على ماذا كان يخشى أن تهمل إسرائيل شأن ما يجري في مصر فتضيع الفرصة؟
الوطني العادي يدعو الله أن يعمي عين إسرائيل حتى يتم أمره.
تفسر واحد هو أنه كان مكلفا أو متطوعا بإغراء بيفان صديق إسرائيل بأن يبلغهم بأن صفحة جديدة قد فتحت في مص يمكن أن تقوم معها علاقات جديدة حتى ينشغل البلدان في التنمية والعدالة الاجتماعيه؟

أم هل يمكن تقديم تفسير آخر؟

وهنا يطرح هيكل واقعة وقفنا طويلا أمامها ونحن نحاول أن نفهم ماذا يقصد من إثارة الغموض والحيرة إن لم نقل الفزع حول تاريخ الزعيم الخالد في حرب فلسطين فهو يقول: إن بن غوريون بدأ يطلب معلومات عن عبد الناصر فتقدم إليه اثنان في إسرائيل كلاهما قابل جمال عبد الناصر على نحو أو آخر.
وهنا يطرح هيكل واقعة وقفنا طويلا أمامها ونحن نحاول أن نفهم ماذا يقصد من إثارة الغموض والحيرة إن لم نقل الفزع حول تاريخ الزعيم الخالد في حرب فلسطين فهو يقول: ابن بن غوريون بدأ يطلب معلومات عن عبد الناصر فتقدم إليه اثنان في إسرائيل كلاهما قابل جمال عبد الناصر على نحو أو آخر.

لماذا هذا التعبير بالذات على نحو أو آخر لماذا؟ ما هو النحو وما هو الآخر؟

أولهما ضابط مخابرات إسرائيل اسمه يوريهان كويه والثاني ضابط إسرائيلي كبير أصبح الآن نائبا لرئس وزراء إسرائيل ووزير للخارجية وهو بيغال آلون.
وقال إن ضابط المخابرات يوريهان كوهين اتصل عدة مرات بعبد الناصر الذي لفت نظره أي لفت نظر المخابرات اليهودي ج خصوصا عندما سأله عبد الناصر في أثناء استراحة للجنة الاتصال عن الأساليب التي استعملتها الجماعات الإسرائيلية المقاتلة ضد الإنجليز في فلسطين ما بين نهاية 1946 ومنتصف سنة 1948.
وإيراد الرواية بهذا الشكل يوحي أو يقصد بها أن توحي بأن الجو صار من نوعية خاصة بين جمال عبد الناصر أركان حرب الكتيبة السادسة المشاة المتمركزة ما بين عراق المنشية والفالوجة في حرب فلسطين 1948 وبين ضباط المخابرات الإسرائيلية إلى درجة نسيان نفسية القتال وظروف اللقاء والحديث في القضية الوطنية ثم طلب الخبرة الإسرائيلية في مقاومة العدو المشترك الاستعمار البريطاني إذ لا يعقل أن أركان حرب العدو المحاصر سيتوقف ضابط مخابرات العدو قائلا: تسمح من فضلك كنتم بتحاربوا الإنجليزي إزاي؟ لابد من تعارف وحديث وانفتاح ومصارحة حتى يصل الأمر إلى طلب عبد الناصر نصيحة المخابرات الإسرائيلية في تنظيم إخراج الإنجليز وهذه خبرة لا تقال على فنجان قهوة في استراحة ما بين جلسات المفاوضات.
ولا تقتصر رواية هيكل على هذا اللقاء ما بين عراق المنشية والفالوجا أي في منطقة القتال أو الأرض الحرام بل يؤكد لنا هيكل أن عبد الناصر وكوهين التقيا مرة ثانية داخل إسرائيل حيث قضي عبد الناصر بنهارها أو بنص تعبيره 24 ساعة في الأرض المحتلة من النقب.
والسبب أن عبد الناصر ذهب إلى هناك ليرشد اليهود إلى مقبرة كانت قواته في الحرب قد دفنت فيها أكثر من أربعمائة وخمسين جثة.

على أن رواية هيكل القصة على هذا النحو لا يمكن أن تكون بريئة القصد إذا أنها تثير أكثر من سؤال فما دخل رئيس الأركان في المقابر؟ هل دفن عبد الناصر الأربعمائة وخمسين قتيلا وحده؟ ألم يشاركه فيها ضابط برتبة صغيرة أو صول حتى لا يعرف أحد المكان غيره فيذهب بعد سنتين ليرشد اليهود عنه؟ حتى لو أضاف هيكل أنه ذهب بتكليف من قيادة الجيش المصري.

المهم أنه من محاسن الصدف أن يجد عبد الناصر نفس الضابط يوريهان كوهين في انتظاره ويمضيان 24 ساعة كاملة داخل إسرائيل؟

ولم يضيف هيكل شيئا عما جرى من حوار في تلك الليلة، لعله احتفظ به ضمن أوراقه التي قال أنها محفوظة خارج مصر وهذا هو النحو الذي عرف فيه كوهين عبد الناصر أما النحو الآخر عن لقاء إيجالي الوفد فلم يذكر عنه شيئا.

ويختم حديثه هذا بقوله: وكان بن غوريون على استعداد لأن يسمع كل من يستطيع أن يضيف إلى معلوماته شيئا عن جمال عبد الناصر ثم سطرين نفط؟

ولا حاجة للنفط والغموض فحتى لو حكم مصر محمد حسنين هيكل أو جمال سليم لكان على رئيس وزراء إسرائيل أن يسمع عنه كل شيء فهذا ليس الدليل على أهمية عبد الناصر ولا أهمية الثورة فتلك قضية لا تحتاج لشهادة بن غوريون ولكنه دليل أهمية مصر ودليل يقظة وتنبه الحكم في إسرائيل ولا ينتقص من أهمية إسرائيل أن حكام مصر كانوا عنها في شغل بسماع كل ما يمكن أن يضيف إلى معلوماتهم شيئا عن فؤاد سراج الدين أو تنظيم الإخوان السري أو محمد نجيب؟ ثم نوري السعيد وشمعون ...إلخ.

بن غوريون أوب ج_ كما يسميه الكاتب الظريف ويعرفنا أنه اختصار اسمه كان يعيش في (هم) مصر 24 ساعة وهو خارج الحكم حتى أنه حول مستعمرة سدبوكر إلى مركز قيادة عليا سياسية وعسكرية بينما يورد هيكل بالمقابل النص الذي أشرنا إليه من قبل على لسان عبد الناصر الذي يقول أنه لا يشغل نفسه بإسرائيل ثم يكرر مع سنة 1954 كان بن غوريون ووراءه القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل مشغولين بجمال عبد الناصر قبل أي ظاهرة أخرى في المنطقة.

صادق!!

كل القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل لا تنام الليل من التفكير في عبد الناصر وبالمقابل لا أحد يفكر في بن غوريون أو إسرائيل وبالذات في عام 1954 العام الحافل بالإنجازات الثورية..

فماذا كانت النتيجة؟

للأسف أنها معروفة لأنها حدثت

يقول هيكل:

في سنة 1954 كان بن غوريون في مستعمرة سدبوكر لا يزال يمطر رئيس الوزراء موسي شاريت بالمذكرات المكتوبة يسأله هل اتخذت الحكومة الإسرائيلية كل الاحتياطات الواجبة عليها إزاء مثل هذا التطور جلاء الجيش البريطاني عن مصر .
هل عرفنا ما هي الأشياء ... أسلحة ومعدات ومخزون عسكري التي تركها البريطانيون في القاعدة هل اتخذت بريطانيا تعهدات كافية لحرية ملاحة إسرائيل إلخ إلخ.
في الحقيقة كانت سنة 1954 حاسمة في إسرائيل وكان الخلاف موجودا في القيادة بين بن غوريون وتيار الصقور من ناحية وبين موشي شاريت وتيار الحمائم كما يسمونهم بين لافون وشاريت وبين لافون وموشي ديان ولكنه كان خلافا على مصر والعرب ولجأ بن غوريون إلى عزلته ليعد العدة لتطهير إسرائيل من أمراض وأوهام الطفولة جماعة الحالمين بالتعايش مع العرب والعاطفين على الاتحاد السوفيتي وحركة السلام تأكيد وحدة إسرائيل والقضاء على أية إمكانية للانقسام قبل سحق قوة العرب العسكرية واستئصال حتى مجرد طموحهم في مقاتلة إسرائيل ولم تتم هذه الصفقة بالمعتقلات والسجون بل بتصعيد المواجهة مع العرب وخاصة مصر لأن الوحدة الوطنية لا تتحقق إلا في مواجهة العدو الوطني وفي هذا الوقت ألف مناحيم بيغن كتابه الذي قال فيه في إسرائيل لا يوجد عمال ولا رأسماليون بل وطنيون فقط.
لقد استطاع بن غوريون في الفترة من يناير 1954 عندما اعتزل الحكم إلى فبراير 1955 عندما عاد بدرجة وزير دفاع وهو مؤسس إسرائيل ولكنه لم يهتم بالألقاب والأقدمية التي كانت الشغل الشاغل لمجلس الثورة استطاع أن يضع استراتيجية الإمبراطورية الإسرائيلية التي نفذت خلال الثلاثين عاما التالية.

ترى ما هي الاهتمامات المقابلة للقيادة المصرية في عام 1954 نسمع شهادة بغدادي:

بدأ عام 1954 والخلاف على أشده بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر بعدما حلت الأحزاب وقبض على القيادات السياسية المدنية وألغي الدستور.
يختتم بغدادي تاريخه لعام 195 بتقرير أن سياسة جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر قد أدت إلى إفساد الجيش مما ترتب عليه نتائج وخيمة عسكرية وسياسية مما سيتضح للقائ من خلال هذه المذكرات.

وهذا بالطبع نتيجة وسبب لعدم الانشغال بإسرائيل وانشغلت القيادة المصرية في صراع مصيري على السلطة فيما بينها وفيما بينها وبين بقية القوى السياسية المصرية وكانت المؤامرات على جميع المستويات.

جمال عبد الناصر تكلم مع هيكل وأحمد أبو الفتوح وطلب منهما عدم نشر أحاديث وصور محمد نجيب وأنور السادات لمح هو الآخر إلى أحمد الصاوي محمد بجريدة الأهرام وسأل بغدادي عن مدى علم مصطفى أمين وعلي أمين بذلك الأمر فأبلغني جمال عبد الناصر أن هيكل أبلغهما وأنه أي جمال يثق بهما.

وكان محمد نجيب لا يزال رئيس الجمهورية الشرعي.

وفي اليوم التالي لهذا الحديث مع جمال عبد الناصر كنت أتحدث مع زكريا وحسين الشافعي عن هذا الخلاف الذي بدأ يستفحل وهذا الهجوم السافر على صفحات الجرائد وأن ذلك له ضرورة ولا يحقق مصلحة لأحد لماذا لم يقل ذلك لعبد الناصر نفسه في اليوم السابق ج؟ فعلق زكريا على ذلك بقوله: إنه التنافس على السلطة power ولكنهما استاءا مي لما علما بموضوع حديث جمال مع الصحفيين.

ومن تسجيل البغدادي نفسه نكشف موقفه المنافق فليس في ما أورده عن جلسته مع جمال عبد الناصر ما يوحي بأي استياء أو اعتراض بل بالعكس أراد إكمال حلقة الحصار الإعلامي حول محمد نجيب فسأل وماذا عن مصطفى وعلي أمين هل أخبرهما أحد فطمأنه عبد الناصر أنه معمول حسابهما!

اقترح جمال عبد الناصر عقد اجتماع من وراء ظهر محمد نجيب وكان واضحا أن الهدف هو أن يصبح اجتماع يوم الأحد الاجتماع الرسمي لمجلس الثورة ج ما هو إلا اجتماعا صوريا فقط حتى يمكن شل وعزل محمد نجيب ويصبح وكأنه في جانب والمجلس في جانب آخر وتحمس جمال سالم وكان الأمر قد بيت بليل واقترح تفويض عبد الناصر في اتخاذ القرارات نيابة عن المجلس أي قبل تفويض مجلس الأمة الشهير ب 13 سنة !!على أن يأخذ موافقة الأعضاء تليفونيا.

اجتمع مجلس الثورة لبحث كيف يمكن مقاومة الإخوان المسلمين والقضاء على جماعتهم ورؤى تركهم لزيادة الانشقاق بينهم فهذه هي الوسيلة لإضعافهم وتفكيك صفوفهم وكان قرارنا هو العمل على زيادة الانشقاق الموجود بينهم والعمل أيضا على زعزعة ثقة من يتبعهم في أشخاص قياداتهم.

ثم تقرر حل الإخوان واعتقال مرشدهم وما يربو على 450 معتقلا وفصل بعض الطلبة والموظفين المنضمين لجمعية كان قد أحيل ضباط البوليس المنتسبون إليها إلى المعاش وكذا تم اعتقالهم.

وكانت جماعة الإخوان هي آخر تنظيم سياسي يحل ويعتقل أعضاؤه في مصر فهي التنظيم الذي اعتمد عليه ضباط وحركة 23 يوليو وكلفه عبد الناصر بالتصدي للإنجليز إذا ما هجموا من ناحية السويس لنا رأينا في هذه الرواية وأرجع إلى ما كتبه مصطفي أمين في فصل الأمريكان باريس ولكنه لم يمر أقل من عامين حتى كانوا في السجون وكان الفصل والتشريد والتجويع للمواطنين بسبب أرائهم السياسية جمال عبد الناصر يبلغ المجالس أنه اتصل بإسماعيل فريد ياور محمد نجيب وسب له وعن رئيس الجمهورية وطالب إسماعيل فريد أن ينقل إلى رئيس الجمهورية هذه الشتائم واعتقد أن جمال قصد بهذا إرهاب الرجل وأنه من المستحسن له أن ينزوي ويخضع . الكلام لبغدادي.

واقترح جمال سالم أن يقتل هو محمد نجيب ويحاكموه.

وهذا بالطبع في مواجهة عبد الناصر أما من وراءه فإليك نموج من الحوار الهامس الذي كان يدور بين الجماعة التي شاء القدر أن تكون على رأس السلطة المصرية وإسرائيل تعمل ليل نهار لخوض معركة حق الوجود.

يقول بغدادي:

يوليوس قيصر:

وكنت قد سافرت إلى مدينة الأقصر بالطائرة يوم الجمعة 19 فبراير 1954 لافتتاح المطار الجديد بها وقد رافقني في هذه الرحلة حسن إبراهيم ودار بيننا حديث حول فيلم يوليوس قيصر الذي شاهدناه في اليوم السابق وذلك الشبه الكبير ين ما دار في ذلك الفيلم وما كان يتمثل على أرض مصر من صراع وتطاحن من أجل السلطة وعلى أن هذه هي سنة الحياة وأن هذا الصراع سيظل يتمثل على مسرحها ما دام هناك بشر وحياة وجرنا الحديث عن الفلم إلى الحديث عن مجلس قيادة الثورة والتطور الذي حدث به وبعد أن كان هناك توازن في القوى والرأي داخله دام قبل قيام الثورة وبعد قيامها لمدة عام تقريبا إلا أن هذا التوازن قد انتهى وأخذنا نبحث عن أسباب هذا متعرضين لموقف جمال سالم وانحيازه إلى رأي جمال عبد الناصر المستمر وأن ذلك الموقف منه غير ما كان عليه حاله من قبل ومتعرضين أيضا لأشخاص المجلس وكيف كانوا وما أصبحوا عليه وكذا موقف جمال عبد الناصر وما يهدف إليه من محاولة تركيز السلطة في يده وذلك بغرض أن ينفرد بها في النهاية ولقد شكا حسن أنه غير ممكن أن يعمل وحتى عمله في هيئة التحرير غير محدد وكان جمال عبد الناصر هو الأمين العام لها وكان يتعاون مع إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة في إدارة تلك المنظمة السياسية متخطيا حسن علما بأن قرار المجلس يتعين حسن بها قصد به أن يقوم بمتابعة نشاطها وإدارتها نظرا لانشغال جمال عبد الناصر في مسألة أخرى.

وكان حسن إبراهيم يتمنى أن يعفيه المجلس من عضويته نظرا لهذه الظروف ولكن الخوف على وحدتنا وتماسكنا وبالتالي على الثورة كان عامل ضغط على كل منا في ضرورة الاستمرار دون التنحي.

والغريب أننا سنجد حسن إبراهيم هذا يلعب دورا رئيسيا في تصفية محمد نجيب وتنغيص حياته في الوقت الذي يشتكي فيه من الاستبداد!

وفاجأهم محمد نجيب باستقالته التي كان لها وقع الصاعقة بغدادي وصدر الأمر إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الثورة بعدم مغادرته منزله حتى تصدر إليه أوامر أخرى من المجلس ويقترح جمال عبد الناصر أستاذ التاكتيك غير العسكري أن نرضى محمد نجيب الآن ونقبل جميع شروطه ونخضع له حتى نفوت الفرصة عليه ونعمل على إقناعه بسحب الاستقالة وبعد شهر أي في يوم 23 مارس 1954 نتخلص من محمد نجيب ومن أنه هو الذي سيقوم بعمل الترتيبات اللازمة لتنفيذ هذا الأمر وواضح أن الحديث كان يدور حول الاغتيال وليس الإقالة غذ رفض بغدادي ذلك وأعلن أن أي عمل سيتخذ وأجده ضارا بهذه الثورة فلن استمر في العمل معهم واعترض صلاح سالم أيضا لسببين الأول أسبرطي وهو أن الجريمة هو ما يكتشف وليس ما خالف الأخلاق فقال إن الأمر لابد أن يكتشف ويعرف أن المجلس هو الذي دبره وهذا سيكون كفيلا بالقضاء على سمعة المجلس أما السبب الثاني فقد بين للمجلس الأضرار التي ستنتج عنه بالنسبة للوضع في السودان وذلك لمحبة الشعب السوداني لمحمد نجيب ورأي المجلس استبعاد اقتراح جمال عبد الناصر .

ورغم ما أوره بغدادي عن حديث مع زكريا وحسين حول صراع السلطة وما جرى بينه وحسن إبراهيم من تعليق على يوليوس قيصر فقد كان للأعضاء من قدرة على إخفاء المشاعر ما يكفي للحديث أمام بعضهم هكذا واجتمعنا في منزل جمال عبد الناصر وقد بدأ هو الحديث بقوله إن هذا الخلاف ليس تطاحنا على السلطة والسلطان وإنما هذا التطاحن من أجل المبادئ والمثل وتكلم صلاح أيضا عن هذه المثل وتكلم جمال سالم في نفس المعنى كذلك.

واستدعى الوزراء المدنيون للاجتماع بعد أن هدد أعضاء المجلس بالاستقالة واضطروا للرجوع تحت ضغط الضباط الأحرار ويصف بغدادي حالة وزراء مصر هكذا وكان الوجوم مخيما على وجوههم بل كان الرعب ظاهرا في أعين البعض منهم.

وإذا كان الرعب يطل من عيون الوزراء، فهذا يعطيك فكرة عن ماذا كان يطل من عيون الشعب وصغار الموظفين وويل لدولة ينطق الرعب في عيون وزرائها وأين لدولة تزرع الرعب في عيون وزرائها أن تنشغل بعدو فضلا عن أن تخيفه..

وقال الضباط الثوار أن الشدة مطلوبة لا ضد إسرائيل بل ضد المصريين فاقترح الوزراء المرعوبون اقتراحا خبيثا للنجاة بجلدهم قالوا: ما دام الشدة مطلوبة فأنتم لها شكلوا حكومة عسكرية وخلونا نروح نبوس أيدك يا بيه ولكن القيادة أوضحت لهم: أن انسحابهم في هذه الظروف يعطي معنى عدم موافقتهم على تلك السياسية.

وأنت عارف يا شاطر إللي ما يوافقشي بنعمل فيه أيه؟ خصوصا والوقت وقت الشدة وبلغ نور الدين طراف رعبه، وهو من المجموعة الانتهازية التي أتلفها بعض الوفد فأسقطها في براثن الحكم الاستبدادي ولوثت اسم الحزب الوطني الذي تحول إلى ممسحة لكل من أراد الاعتداء على حقوق الشعب من خلال محاربة الوفد.

طالب نور الدين طراف بالصمود الصمود ضد الوفد ومحمد نجيب بينما كانت إسرائيل تبحث الصمود والتصدي والتعدي ضد العرب ومصر بالذات.

قرر مجلس الثورة أن يتحول إلى جهاز لإطلاق الإشاعات ضد رئيسه محمد نجيب على أن يتم ذلك عن طريق ذكر هذه الخلافات لكل من نعرفهم وهو بدورهم سيقومون بنقلها إلى غيرهم كما طلب من الجمهورية والأخبار الكتابة عن المثل والمبادئ

ويقول بغددي أنهم قرروا معاملة محمد نجيب معاملة لائقة برئيس الجمهورية وقائد الثورة إلخ ولكنه أيضا بسذاجة نادرة يسجل واقعة حدث أثناء الاجتماع تعطي فكرة عن نوعية المعاملة التي كان يلقاها محمد نجيب والغريب أنه لا يعلق ولا يستنكر ولكن بعد عشر سنوات عندما ستفرض الحراسة على أموال أخيه، سيعتبرها عملا لا أخلاقيا مع أن أخاه لا من الثورة ولا من التسعة المشهود لهم ولا كان لديه هذه الأموال قبل أن يصبح أخوه الكاهن الأكبر للأشغال والمقاولات.

الواقعة أن رئيس الجمهورية المحددة إقامته في منزله بعث يطلب الإذن لطباخه الخاص بالخروج والدخول إلى المنزل دون اعتراض ليحضر المأكولات اللازمة للمنزل ومذكرة أخرى يطلب فيها السماح بذبح عجل من الماشية كان لديه بالمنزل لنافد العليقة الخاصة به وكان قد اشتراه لذبحه وتوزيعه على الفقراء قبل سفره إلى السودان لحضور افتتاح البرلمان السوداني الجديد.

وهكذا في الوقت الذي كان فيه بن غوريون بشهادة هيكل يحاول أن يعرف كل صغيرة وكبيرة عن النظام الجديد في مصر وعن نتائج الانسحاب البريطاني من مصر كان رئيس جمهورية مصر مهددا بالموت جوعا ولا يملك حتى الأذن بذبح العجل الذي تعرض بدوره للتجويع ومجلس الثورة يبحث موضوع عجل أبيس هذا؟ وإذا كان بوسع لمؤرخ أن يستنتج السماح لمحمد نجيب بالأكل من واقعة استمراره حيا حتى دفن معظم أعضاء مجلس القيادة فإن السؤال الحائر إلى اليوم والذي لم يجب عليه بغدادي هو مصير العجل هل لحقوه وحللوه بالسكين؟ أم نفق جوعاسؤال من ضمن الأسئلة الحائرة في ضمير السيد أمين هويدي!!

وحفرت الهوة التي ازدادت اتساعا كل يوم بين الشعب والجيش والتي لا يمكن تصور انتصار الوطن في ظلها فالجيش الذي كان أمل ورمزه وقوة عين المصريين قبل الثورة والذي احتضن الشعب ضباطه وجنوده في الأسبوع الأول من الثورة وصل الحال إلى أن قال ضباط سلاح الفرسان لعبد الناصر أصبح الشعب ينظر إليهم وكأنهم خونة بعد استقالة محمد نجيب بل وأنهم على حد قولهم يبصقون عليهم أثناء سيرهم في الشارع ويوجهون إليهم كلاما جارحا وأن هذا يؤلمهم ويجرح شعورهم.

أهذا مناخ انشغال بإسرائيل؟ أو الأمن القومي كما يقول أمين هويدي؟

والذي يراجع مذكرات بغدادي وتصريحات أعضاء مجلس الثورة أمام عبد الناصر وما كانوا يقولونه في لقاءاتهم الخاصة مع من يثقون به يكتشف ظاهرة رهيبة هي أن هذه المجموعة لأمر ما فقدت طهارة البكارة والصدق مع النفس وقرر كل منها أن يبقى على السطح الساخن أطول مدة ممكنة لأن السقوط يعني الموت بالحياة كما وصفه صلاح سالم..

وها هو وضع رئيس المجلس عبرة لمن يعتبر والرعب في أعين الوزراء ومن ينسحب يعني أنه لا يوافق فآثروا السكوت وفي مثل هذا المناخ لا يمكن معرفة الحقيقية ولا الأخطاء وسنرى أ،هم استمروا يستبعدون الخطر الإسرائيلي إلى أن نزل جنود المظلات الإسرائيليون في سينا وعرفوا النبأ في حفل عيد ميلاد أحد الأنجال وظلوا يستبعدون الغزو البريطاني إلى أن صعد عبد الناصر على سطح بيت سفير الهند ورأى الطائرة البريطانية بعينه.

نعود إلى اهتمامات القيادة المصرية في مارس 1954.

قام سلاح الطيران المؤيد لجمال عبد الناصر بالتحليق الإرهابي فوق سلاح الفرسان المؤيد لمحمد نجيب وخالد محيي الدين وأعلن عبد الحكيم عامر أنه غير ملتزم بقرار مجلس الثورة وأنه سيدك سلاح الفرسان إن لم يخضع لأوامره وعلى المجلس أن يحاكمه بعد الانتهاء من المعركة.

والمعركة المقصودة هي ضد سلاح الفرسان المصري ولو أن عامر اتخذ هذا القرار الشجاع مرة واحدة في 1956 أو 1967 أعني دك إسرائيل على مسئوليته وليحاكموه بعد المعركة لتغير التاريخ ولكن هيهات.

وأصدر أمره لوحدات المدفعية والمشاة بأخذ موقعها التي حددت لها وفي أثناء ذلك حضر إلينا اليوزباشي كمال رفعتي واليوزباشي حسن تهامي وهما من الضباط الأحرار وأبلغانا أنهما قاما من تلقاء أنفسهما بإلقاء القب على محمد نجيب وهو في منزله ونقلاه إلى ميس سلاح المدفعية.

اجتمعوا بعد ذلك واتهم صلاح سالم، وخالد محيي الدين بأنه أي خالد هو الذي دبر عصيان سلاح الفرسان.

وعلمنا من جمال عبد الناصر من أنه قد أمر باعتقال الكثيرين من الإخوان المسلمين والشيوعيين وأساتذة الجامعات خاصة جامعة الإسكندرية بصفته الحاكم العسكري ذلك لأن أساتذة تلك الجامعة كانوا قد اجتمعوا وقرروا بأن تتولى كل طائفة عملها وهم يعنون بذلك عودة ضباط الجيش إلى ثكناتها كما أبلغنا أنه قد أمر بتشكيل محاكم عسكرية خاصة لمحاكمتهم.

كان واضحا فشل المخطط الإسرائيلي فشلا ذريعا ونعني به الهادف إلى شغل القاهرة أو مصر بالسودان وأوهام وحدة وادي النيل بل أصبح واضحا أن بريطانيا هي التي سقطت في المخطط الإسرائيلي إذ كانت الدبلوماسية البريطانية والإدارة البريطانية تعمل ليل نهار لفصل السودان عن مصر ومجلس الثورة في مصر أما غافل تماما عما يجري هناك لا يعنيه مصير السودان ولا يشغل باله بأوهام وحدة وادي النيل ولا يعاني أية ضغوط من وادي النيل إلا ما يتمثل في مكانة محمد نجيب واهتمامات صلاح سالم الذي ارتبطت وحدة وادي النيل بشخصه ومستقبله السياسي والذي كان من المجموعة الوطنية التي تعتبر فقد السودان كارثة وخيانة وطنية لا يجرؤ رجل ولا نظام ولا حتى ثورة على مواجهة الشعب بها بله مواجهة ضميره أما مجلس الثورة فكان بعضه منشغلا بتدبير تصفية محمد نجيب وبعضه يتعاون مع الإنجليز ومرتبطا معهم بفصل السودان كما أكتشف صلاح سالم في آخر لحظة فقد عقله حرفيا وليس بلاغيا كما سنوضح في موضوع السودان.

ومن محاول اغتيال محمد نجيب وإرهابه على يد سلوين لويد والحاكم العام وعصابات عملاء الإنجليز في السودان، إلى إذلاله وامتهان وتهديده في القاهرة إلى حد تعلقه بعباءة الملك سعود وهو يودعه في المطار، يرجوه أن يأخذه معه ولا يتركه تحت رحمة رفاقه رجال مجلس الثورة ويعتذر الملك سعود وما أن تطير به الطائرة حتى يسقط رئيس جمهورية مصر وهو يبكي ويصرخ: البلد رايحة في داهية يا رب تعذبني ليه.. موتني.. انفضحت يا محمد نجيب.. حاكموني.. ثم يغمى عليه فيحملونه حملا ويكتبون في مذكراتهم أنه تظاهر بالإغماء

كان النظام الديمقراطي القائم على فصل السلطات ترسخ قواعده في دولة العنصرية الاستعمارية وكان رئيس مجلس الدولة يضرب علقة في القاهرة التي عرفت احترام القضاء منذ سبعة آلاف سنة.

في عام 1954 وقعت حادثتان غريبتان متشابهتان الأولى من تدبير وتنفيذ جمال عبد الناصر والثانية من تدبير لافون وزير دفاع إسرائيل وتنفيذ شبكة جاسوسية وتخري يهودية في مصر

الأولى نقلا عن مذكرات عبد اللطيف بغدادي أحد أبرز رجال مجلس الثورة قال: في الاجتماع المشترك مجلس الثورة مجلس الوزراء مارس 1954 أشار جمال إلى أن هناك ستة انفجارات حدثت في نفس اليوم وكلها في وقت واحد وفي أماكن متفرقة واحد منها في مبنى محطة السكة الحديد واثنان بالجامعة وآخر بمحل جروبي وكان غرضه من الإشارة إلى هذه الانفجارات هو توضيح أن هذا قد حدث نتيجة لسياسة اللين والميوعة الظاهرة في موقف الحكومة وكان محمد نجي مصرا على اتخاذ الإجراءات العادية ومعارضا في اتخاذ أية إجراءات استثنائية.

والحادثة الثانية في يوليو 1954 قامت وحدة إرهابية إسرائيلية بزرع عدد من القنابل في مؤسسات أمريكية بريطانية في القاهرة والإسكندرية وقد اعتقلت المجموعة وانتحر أحد أفرادها في السجن وأعدم أثنا في يناير 1955.

يقول موشي ديان وثار الرأي العام الإسرائيلي وطالب بمعرفة من المسئول عن هذا العمل هل هو الضباط المسئول عن الوحدة الإرهابية ج أم وزير الدفاع؟ وأصر الضباط على أنه تلقى أمرا شفويا من الوزير في اجتماع ضمهما وحدهما بينما ادعى لافون أن الضابط تصرف على مسئوليته وشكلت لجنة تحقيق بأمر رئيس الوزراء تضم رئيس المحكمة العليا وأول رئيس أركان للجيش الإسرائيلي وكان قرارها أنها لا تستطيع أن تجزم على وجه اليقين من الذي أعطى الأمر وهذا ألقي ظلا من الشك على كل من الضباط ووزير الدفاع ولذا قرر رفاقه في الحكومة وقيادة حزب الماباي أن لافون يجب أن يذهب وكان قد قدم استقالته في 2 فبراير 1955 وقبلتها الحكومة في 20 فبراير وفي هذا اليوم رجع بن غوريون إلى منصب وزير الدفاع.

وبدأ في التاريخ الإسرائيلي ما يعرف باسم فضيحة لافون وقد كتب الصحافة العربية الأكوام عنها وعن فساد النظام الإسرائيلي الذي يزرع القنابل في القاهرة بدون موافقة السلطات الدستورية ولكن لا الصحافة الإسرائيلية ولا المصرية اهتمت بالبحث عن من زرع هذه القنابل الأخرى في عاصمة مصر وفي أماكن شديدة الزحام ولا يتجمع فيها إلا المواطنون من أبناء الشعب باستثناء جروبي الذي كانت قد زحفت إليه الطبقة الوسطى لأن الباشاوات والرجعية كانوا في المعتقلات.

ومر ربع قرن دون أن يفتح أحد فمه حتى مات سليمان وانطلق الجن يتحدثون ويعترفون ويتذكرون وأخبرنا عبد اللطيف بغدادي بالآتي:

اعترف جمال عبد الناصر في اليوم التالي وهو على فراش المرض أن الانفجار التي حدث في اليوم السابق وأشار إليها في اجتماع المؤتمر، إنما هي من تدبيره لأنه كان يرغب في إثارة البلبلة في نفوس الناس إلخ وليشعروا بأنهم في حاجة إلى من يحميهم على حد قوله تشابه غريب في مشاغل القيادتين المصرية والإسرائيلية كلاهما يريد إثارة البلبلة في العاصمة المصرية وكلاهما يزرع القنابل في القاهرة مع فاروق أن المدبر الإسرائيلي عوقب بالطرد من الحياة السياسة الإسرائيلية والمنفذين لقوا حتفهم في سجون مصر.

أما الفاعل المصري فسيقام له حزب في مصر واقتراح أن يسمى حزب البلبلة برر الرئيس عبد الناصر رشوة الصاوي محمد الصاوي رئيس نقابة عمال النقل بالقاهرة بمبلغ أربعة آلاف جنيه ليدفع عمال النقل إلى الإضراب بعد قرارات 25 مارس ولكن جمال ذكر أنه أراد بذلك أن يسبق خالد محي الدين ويوسف منصور صديق لأنهما كانا ينويان عمل نفس الشيء على حد قوله.

اقترح جمال سالم التخلص من كل ضابط في الجيش غير موال للثورة والإبقاء فقط على الموالين لها حتى لو أصبح عددهم 300 ضابط فقط كما أعاد اقتراحه الذي يردده كثرا وهو عزل الأفراد والذين يهمهم عزل هذه الثورة عن الشعب مهما كان عددهم ووضعهم في الواحات.

صدر قانون يحرم الوظائف العامة والحقوق السياسية على جميع السياسيين الذي شغلوا مناصب قيادته في مصر منذ بدء الخليفة حتى 23 يوليو 1952 وقيل صراحة أنه يقصد به عزل السنهوري من مجلس الدولة حرمت مصر من كل خبرة رجالها لفصل رجل واحد .. فلما اعترض وزير قال له جمال عبد الناصر أن مجلس الثورة قد وافق على القانون وهو يعرض عليهم للعلم فقط.

كان بن غوريون يجري اتصالاته ويتم ترتيباته لقيام حكومة ذات كفاءة عالية وقادرة على النجاح في انتزاع حق الوجود لإسرائيل وكانت مصر تحكمها مجموعة أقل ما توصف به علاقاتها أنها تفقد إلى الثقة يتربص كل منهم بالآخرين ويتوقع الغدر منهم وعلى حساب المصلحة العامة أنظر كيف فسر عبد اللطيف بغدادي اختيار عبد الناصر له ليكون وزيرا للشئون البلدية القروية.

واقترح أن أتولى وزارة الشئون البلدية والقروية، وأن الغرض كما قيل هو أن يشعر الشعب بأعمال الثورة في المدن والريف، وأن الاحتيال قد وقع علي لهذا الغرض ولكنني أحسست أن الغرض من توليتي هذه الرسالة هو العمل على إضعافي سياسيا لضمان فشلي بها فشلا ذريعا خاصة وأن الاقتراح جاء بعد خلافي مع جمال عبد الناصر.

ويقول بغدادي أنه لما نجح رغم توقعات أو تدبير الرئيس جمال عبد الناصر استاء عبد الناصر من ذلك ولابد من أن يكون ذلك موضع شكر وتقدير من جمال لأن ما تؤديه تلك الوزارة ونجاحها ما هو إلا تدعيم للثورة لوجودها شن على حملة محاولا التشكيك في أهدافي عند إخواني أعضاء المجلس وقصص أخرى كثيرة واردة في يومياتي ولا محل لذكرها في هذا المجال.

سنتوقف الآن عن استعراض مشاغل القيادة المرية التي صرفتها عن الانشغال بإسرائيل هم مصر الأول والأخير لنعود إلى هيكل لنتابع معه الانتصارات على أن نعود مرة أخرى لصيغة المواجهة المصرية التي أدت لهزيمة 1956.

الفصل الثالث:الطريق إلى القدس يمر بباندونغ!!

ولأن هدف كتاب هيكل هو صرف الأنظار تماما عما جرى في صحراء سيناء فإن الكاتب سيسود عشرات الصفحات في الحديث عن انتصارات باندونغ وحلف بغداد وصفقة السلاح وهي الاسطوانة المشروخة التي صدعت رأس المواطن العربي 15 سنة حتى تحطمت واحترقت في نيران 1967 ولكن ها هو من يريد أن يسقينا مرة أخرى من البئر التي بصق فيها الجميع يعود ليحدثنا عن انتصارات الخطب والمؤتمرات الدولية وقد قرأنا تحليل غولدا مائير عن بن غوريون وأنه لم يكن يهتم إلا بما يضيف للقوة المادية اليهودية ولا يهتم قلامة ظفر بالمؤتمرات الدولية والصحافة العالمية.

ولنبدأ من باندونغ

فقد أثار الإعلام الناصري ويثير ضجة حول اشتراك عبد الناصر في مؤتمر باندونغ ويبدو للناصريين الجدد أن عبد الناصر ارتكب المخطور والمحرم وفتح الطلسم وتحدى أمريكا وبريطانيا بذهابه إلى مؤتمر ينادي بعدم الانحياز الأمر الذي كان دلاس يعتبره جريمة أخلاقية كما قبل عبد الناصر وحده، أن يظهر مع أشخاص مشبوهين مثل شوان لاي وتيتو وسوكارنو بل حتى نهرو ومن ثم فعند هؤلاء أن مجرد الاشتراك في باندونج كان عملا بطوليا نادرا في شجاعته وتحديا وصفعة للإمبريالية الأمريكية بالذات لا تأتي إلا من ثوري مثل فتى بني مر بينما منعت الإمبريالية الاشتراك فيه عن سائر الدول غير الثورية التحررية إلخ..

ولن نتمسك كثيرا بالرواية المثيرة التي اثبتها مايلز كوبلاند والتي تزعم أن خطة عمل الوفد المصري في مؤتمر باندونغ وضعها خبرا من واشنطن وراجعها ونفتحها رجال المخابرات الأمريكية في القاهرة ومع ذلك فلا بأس من إثبات ما رواه قال:

قبل سفير عبد الناصر إلى باندونغ كان أصدقاؤه الأمريكان منتعشين وكانوا أيضا يشجعونه على الاعتقاد بأنه سيجد لنفسه مكانا في نادي الكبار.

وجاء خبراء من واشنطن لكتابة ورقة عمل، وترجمت هذه الورقة للعربية بواسطة على صبري الوزير بدون وزارة في الرئاسة على أساس أن يستعير عبد الناصر بعض ما بها من أفكار كما جرى تلقين مساعدي عبد الناصر بعض ما يمكن أن يصادفهم من شوان لاي والشيوعيين كما قدمت معلومات هائلة عبد الناصر عن الوضع السياسي في أندونيسيا وهو موضع كان هاما جدا للولايات المتحدة ولعبد الناصر في نفس الوقت من ناحية أن سوكارنو كان أحد منافسيه في المؤتمر ولما كان الخبراء الذين جاءوا من واشنطن على اتصال فقط بالسفير بايرود فإن اطلاعنا على ترجمة علي صبري لما كتبوه أثار حماستنا فقد وصلت إلينا مكتوبة على ورق من رئاسة الجمهورية بدون إشارة إلى أنها مجرد ترجة لأصل أمريكي بل بدت كأنها تعرض الموقف الذي ينوي عبد الناصر فعلا أن يتخذه وعندما ترجمها المسئول السياسي في السفارة بيتر تشيس إلى الإنجليزية وقدمتها لبايرود قال له بيتر أنها أذكى ما قرأ لأي حكومة في الشرق الأوسط وأن الحكومة الأمريكية ربما تجد في ناصر، عنصرا مهما في التأثير على دول أفريقيا وآسيا لكي تصبح محايدة فعلا بدلا من أن تحايد إلى جانب الشيوعيين كما بدأ شعار الحياد الإيجابي يعني فعلا.

بصرف النظر عن واقعة ورقة العمل وإن كنا نعتقد بصحتها فإن ما أورده يثبت الآتي:

1- لم يكن اشتراك مصر رغم أنف أمريكا ولا على جثتها بل رحبت به ونظمت مساعدة الوفد المصري بكل ما أورده وما لم يورده.
2- كانت خطة أمريكا في منتهى البساطة كما سنشرحها بالتفصيل إرسال زعيم تثق فيه وفي عدائه للشيوعية ليعطي الحياد نكهة غير شيوعية لأن المواجهة السائدة والتيار كان يعطي الحياد لونا شيوعيا.

ومع ذلك كما قلنا لن نتمسك بهذه الرواية لأنها أفظع من أن تصدق ونعود لبداية الحديث أي شجاعة في الاشتراك في المؤتمر؟

المؤتمر اشتركت فيه كل من سوريا ولبنان والسودان والعراق والأردن والسعودية وليبيا واليمن؟

أي جميع الدول العربية المستقلة وقتها، والمرتبطة بمعاهدات أو قواعد سواء مع بريطانيا أو أمريكا فلماذا يكون اشتراك مصر عجبا وحده؟ ونصرا يسجل ويوازي ما جرى من كبت وهزائم؟ ما العجب؟ في اشتراك مصر؟ ما الإنجاز التاريخي والتحول العالمي والموقف الوطني الذي تجلى بمجرد السفر إلى ناندونغ؟

كلهم سافروا: ليبيا أدريس السنوسي وعراق نوري السعيد.. بل حتى إسماعيل الأزهري الذي عاد من لقاء ملكة بريطانيا ليشن حملة شعواء على عبد الناصر لم يتأخر عن حفلة باندونغ بل كان بارزا هناك في مناكفته للوفد المصري بل قيل إن شوان لاي دافع عن حقه في التحدث باسم السودان عندما قال اعتقد أن هذا الأسود هو أحق من في القاعة بالحديث عن السودان.

فلماذا ينفرد عبد الناصر بالثناء التاريخي ويحرم منه الملك إدريس ونووي السعيد والإمام أحمد إلخ؟

سيقول الناصري ليس المهم الاشتراك وإنما المهم المكانة البارزة التي كانت لعبد الناصر في المؤتمر؟

وهذه المكانة هي من شقين: شق من صنع الإعلام المصري الذي قام عنه سلوين لويد أن غوليز يحسد عبد الناصر عليه وكانت هذه تلميحة من الخبراء الألمان الذي جاءت بهم المخابرات الأمريكية لمساعدة الإعلام المصري والذي يمكن القول أنه كان أقوى إعلام في تلك الفترة في العالم الثالث كله والذي كان يبذل وقتها جهدا خاصا بمعونة أهل الخبرة لرفع شعبية عبد الناصر بعد اتفاقية الجلاء وتأكيد انفصال السودان، ومذبحة الإخوان المسلمين وتحويل الوطن إلى سجن كبير لشتى القوى السياسية من اليمين إلى اليسار وقصة الخلاف حول تنظيم الاستقبال الشعبي للقائد من باندونغ معروفة وقد طارت فيها رأس جمال سالم الذي كان نائبا لرئيس الوزراء أي حاكم مصر في غياب عبد الناصر أو هكذا كان يعتقد وأراد أن يكون استقبال عبد الناصر عند عودته من باندونغ استقبالا عفويا وبمبادرة الجماهير وكان ذلك يعني أن عبد الناصر سيصل للمطار ويتوجه إلى بيته دون أن يدري أحد كما حدث لكل الوفود التي اشتركت في مؤتمر باندونغ فلم يكن المصريون قد تخدروا بعد بأمجاد النصر الخالد الذي حققوه باشتراكهم في باندونغ ولكن الأجهزة الخفية التي كان يحكم بها الرئيس مصر كانت ترى في ذلك فرصة كما قلا لكسب شعبية وتغطية الاعتراضات المطروحة من المصريين فقرروا تحدي جمال سالم يقول بغدادي ولكن هيئة التحرير والمسئولين بها إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة لم يتلفتا إلى أوامره واتخذ ترتيبات أخرى مخالفة لتلك التي أمر بها جمال سالم بل .

وتم نشر الترتيبات التي اتخذاها على صفحات الجرائد اليومية دون إذن منه وكان جمال سالم يرى أن يكون استقبال جمال عبد الناصر الشعبي نابعا من الجمهور نفسه دون تدخل من الأجهزة الرسمية للدولة ولكن المسئولين عن هيئة التحرير قاموا بالعمل على نقل العمال إلى المطار ومناطق أخرى متعددة بغرض التجمع بها وعلى طول الطريق الذي سيمر به جمال عبد الناصر وهذا التصرف ضايق جمال سالم.. إلخ..

وقد عوقب جمال سالم بنزع اختصاصاته كنائب رئيس وزراء فور عودة عبد الناصر عقابا له على الاعتماد على مبادرة الشعب.

هذا هو العنصر الأول في أسطورة نجم باندونغ أما العنصر الثاني والحقيقي فهو مكانة مصر التي جعلت نهرو يتحدى عبد الناصر عندما جاء إلى مصر وأصر على مقابلة الرئيس مصطفى النحاس المحددة إقامته وقتها لأنه كما قال: إن الحركة الوطنية في الهند تتلمذت على حزب الوفد.

وإلا كيف تفسرون استقبالات اندونيسيا؟ كيف يمكن تفسيرها بشخصية عبد الناصر الذي لا يتحدث الاندونيسية ولا الهولندية؟ ولا كان وقتها قد حقق إنجازا واحدا يبرر أن يستقبله الشعب الاندوينسي هذا الاستقبال المفرط في الحماسة؟

هل كانت معاهدة الجلاء إنجازا أكبر مما حققه سوكارنو بتحرير أندونيسيا؟
هل كانت معاهدة الجلاء إنجازا أكبر مما حققه سوكارنو بتحرير أندونيسيا؟

هل كانت يسارية وتقدمية عبد الناصر هي السبب وهو الذي لم يسافر إلى باندونغ غلا بعد أن شن أكبر حملة اعتقالات ضد الشيوعيين المصريين صفي فيها تنظيم الراية الحزب الشيوعي المصري بينما كانت اندونيسيا تضم أكبر حزب شيوعي في آسيا بعد الصين؟

هل كان الشعب الأندونيسي لا ينام الليل متابعا معركة حلف بغداد بين عبد الناصر ونوري السعيد ولذلك خرج إلى الشوارع يحي بطل ضرب حلف بغداد؟ حتى هذه لم تكن قد اشتعلت بعد..

ماذا كان عبد الناصر يمثل في أبريل 1955 للشعب الاندوينسي حتى يكون استقباله هناك أشد حماسة من استقبالاته في القاهرة والإسكندرية فكان ظهوره على منصة الخطابة أو في الأروقة أو الشوارع يقابل بمظاهرات حارة جدا.

والمتمركس ناقل النص يلقى كعادته بنصف التفسير ثم يعدو هاربا خوفا من الناصريين الذين يحلو لهم دائما أن يجعلوا عبد الناصر أكبر م مصر فهو يقول: كانت هذه أول رحلة لجمال عبد الناصر خارج مصر ظهر فيها كنجم بارز يمثل دولة ذات حضارة عريقة ولها دور قيادي في الدول العربية التي كانت تشكل ثلث أعضاء المؤتمر.

طبعا كاتب مثل لن يشير على الإسلام ولكنه اعترف بأن بروز عبد الناصر كان لوقوفه على منصة مصر وليس العكس كما يروج أو يسجل صبية الناصرية مكسب باندونغ على حساب مصر.

ما من تفسير لشعبية وتألق عبد الناصر في إندونيسيا إلا أنه القادم من مصر عش العلماء وبلد الأزهر الشريف الذي منه هذا الشيخ المعلق بركاب عبد الناصر وأيضا بلد ثورة 19 إلغاء المعاهدة ...إلخ.

ونضيف عدة ملاحظات لمن يريد التوسع في دراسة باندونغ وفكرة عدم الانحياز وقتها عدم الانحياز لم يكن شعارا موجها بالدرجة الأولى ضد المعسكر الغربي أو على الأقل لم يكن موجها ضده وحده.

فالمعسكر الشيوعي كان لا يزال متأثرا بنظرية ستالين زادنوف عن انقسام العالم إلى معسكرين معسكر الاستعمار، ومعسكر السلام ولا أحد يستطيع أن يجلس على السور فإما أن تقع في هذا الجانب أو ذاك.

ومن ثم فظهور نظرية بل وتنظيم يؤكد أن السور، ليس فقط يتسع لمن يريد الجلوس عليه بل وهو المكان الطبيعي لدول العالم الثالث، أي أنه ليس من الضروري لكل من أراد التحرر من الاستعمار أن يقع في أحضان الروس.

مثل هذه النظرية موجهة بالدرجة الأولى ضد روسيا ضد التيار الذي كان يجذب حركات التحرر الوطني نحو موسكو حتى وإن نجح الروسي في تطويقها وامتصاصها فيما بعد ولم يكن مصادفة أن تكون نجوم المؤتمر من الصين ويوغوسلافيا وأندونيسيا والهند وكلها كانت تخوض صراعا متفاوت الحدة والعلنية ضد الهيمنة السوفيتية أما عبد الناصر فهو كما وصف بحق الرجل الذي قي على الشيوعية في العالم العربي ودعك من هستيرية دلاس فالقوى الأكثر اتزانا في الإدارة الأمريكية كانت تعيش التطور الجديد وكانت تؤيد اتزان الحياد ووقف اندفاع الدول الآفرو آسيوية للاتحاد السوفيتي باسم الحياد الإيجابي.

الوجود العربي في المؤتمر 9 من 29 دولة كان بلا شك عنصرا ملطفا في مواجهة أية حماسة يثيرها شوان لاي ولم يكن مما يغضب الأمريكيين أن ينتزع عبد الناصر عدو الشيوعية الأضواء في المؤتمر في شوان لاي أو سوكارنو المشاغب مع الأمريكان وضحيتهم في النهاية وإذا أضيف إلى قائمة المكاسب رفع شعبية عبد الناصر في المنطقة حيث كانت الولايات المتحدة لا تزال تراهن عليه في تصفية الوجود البريطاني وأيضا في تحقيق التسوية السلمية مع إسرائيل وهو الهدف الذي لم تتخلى عنه قط كذلك اكتشف الأمريكان كما اكتشف الإعلام المصري وجود ميدان آخر يمكن كسب انتصارات فيه وتجريعها للجماهير لكي تنسى ميدان المكاسب الحقيقية وهو الصراع ضد إسرائيل.

إسرائيل لم تشترك في باندونغ ولم يخطب بن غوريون في بالي ولا قام فيها مقر المؤتمر الآفرو آسيوي ولكن ذلك لم ينتقص من مكانتها العالمية والدليل: أن العالم كان معها عشية عدوان 1967 وضد عبد النار الذي لم يفده مكانته الدولية ولا باندونغ ولا عدم الانحياز ولا الحياد الإيجابي ولا أسيوي أفريقي كل هذه الفقاقيع التي استخدمت على أوسع نطاق لتخدير الجماهير المصرية والعربية وحرف أنظارها عن مواجهة إسرائيل التي كانت تعمل ليل نهار لتحطيم القدرة العسكرية المصرية.

وهكذا كانت المهرجانات تقام باسم ناندونغ والقصائد أو المقالات تدبج في بطل باندننغ وإسرائيل تحتل المنطقة المنزوعة السلاح في العوجة والكونتيللا وتذبح الجنود المصريين والمواطنين الفلسطينيين في غزة وتشحذ آلة الحرب استعداد لعدوان 1956 وقد لخص المعلم مايلز كوبلاند النجاح المصري في عالم الأسيوي أفريقي وباندونغ إلخ فقال:

فشل ناصر في تحويل الدول الأفريقية ضد إسرائيل وهو لم يكن هدفا جادا من أهدافه على أية حال ج ولكنه نجح في كسب تأييد واسع أسيوي أفريقي للقرارات المضادة للإمبريالية في الأمم المتحدة وغيرها وكذلك تأييد حق تقرير المصير ودور متزايد في العالم الأسيوي الأفريقي مما أدى إلى تقديم الإنجليز والفرنسيين والأمريكان ومساعدات أكثر لمصر في محاولة لشرائه.

باندونغ كانت المهرجان والنشاط آسيوي الأفريقي كان من لزوم المهرجان ولا علاقة له بالمواجهة المصرية الإسرائيلية إلا بالسلب وربما كان كاتب متمركس نصف ناصري يشر على حاكية شراءه هذه عندما قال أن عبد الناصر كان يريد شل المؤتمر الأسيوي الأفريقي عندما جاء به إلى القاهرة ومنعه من أن يلعب دورا سياسيا إيجابيا ولذلك تعمد أن يفرض عليه عسكري ليس له أي اهتمامات سياسية في رأي هذا الكاتب مما أدى إلى تحول المؤتمر إلى مقر هامشي بلا فعالية أو أثر وربما كانت الخشية من زحف الأفكار اليسارية إلخ.

فنشاط مصر في المؤتمر الأسيوي الأفريقي استهدف شله وتفريغ فعاليته.

إلا أن باندونغ كان بداية تطور جديد للناصرية ومن هنا أهميته الحقيقية لا كانتصار لمصر ولكن كتغيير في المعادلة فالروس باعتبارهم يتحركون على موجهة واحدة وليس بين أجهزتهم هذا التناقض أو التفسخ الموجود في الأجهزة الأمريكية نصبوا شباكهم لهذا المتعطش للزعامة والقادم من أهم بلد في آسيا وأفريقيا وقتها وكما رأت الولايات المتحدة في عبد الناصر قوة صدام وحاجزا ضد الشيوعية كذلك رأى السوفيت فيه إمانية لدخول قصر لعبة الأمم في الشرق الأوسط يقول كوبلاند في باندونغ سر ناصر الطرفين الأمريكان لأنه خفف الحملة على الغرب والروس بتأييده الحملة على الاستعمار إلا أن الموقف اختلف لأن الروس لم يتحفظوا في مدح سلوكه بينما كانت لنا نحن تحفظاتنا كذلك أقنعه الروس أنه وصل القمة أما نحن فلم نقل له ذلك.

وهذا طبيعي فالأمريكان كانوا يتوقعون من صديقهم أكثر مما كان بوسعه أن يقدم والروس كانوا ينتظرون من البكباشي الفاشي معتقل الشيوعيين عميل الغرب أسوأ بكثير مما حدث فكان أن عتب هؤلاء وابتهج أولئك وعبد الناصر تصرف التصرف الطبيعي فلم يكن بوسعه أن يزاحم شوان لاي ونهرو وسوكارنو إذا اتخذ موقف شارل مالك أو نوري السعيد فهو لم يكن مسحورا بشوان لاي كما أبلغ شارل مالك المسئولين في المخابرات الأمريكية بل كان يحاول إبطال سحر شوان لاي كانت الموجة هي سب الاستعمار أما مهاجمة الهيمنة السوفيتية فلم تكن شعارها قد طرح بعد وأن كان في صدور الرجال مثل تيتو وشوان لاي .

ويعتقد مايلز كوبلند أن البيروقراطيين في واشنطن لم يفهموا ذلك ومن ثم ضاق صدرهم بعبد الناصر بينما التفسير الأخبث يقول أن الرؤساء في واشنطن الذين يديرون لعبة الأمم رأوا أن إظهار غضب أمريكا وهزيمتها يساعد على نجاح عبد الناصر ويضاعف مكاسب اشتراكية في المؤتمر بينما التفسير الأقرب للعقل هو أن الأجنحة الأمريكية المعادية للشيوعية عداء ليبيا وكانت أمريكا غير معترفة بالصين وحديثة عهد بالمكارتية لم تلتئم جراحها بعد من حرب كوريا هذه العناصر التي ستقود أمريكا إلى حرب فيتنام كانت ضد أن يظهر أو أن يصافح موظف في دائرة نفوذها الزعيم الشيوعي الصيني شوان لاي ومن ثم غضبت من عبد الناصر.

وهناك أيضا المدرسة الإسرائيلية في السياسة الأمريكية التي كانت تعمل ليل نهار لنسف العلاقات الناصرية وإحباط مشروع اعتماد مصر عبد الناصر كالوكيل أو الاحتياطي الأمريكي في المنطقة وهذه المدرسة سلاحها المفضل هو اتهام عبد الناصر بالشيوعية ووسيلتها هي استفزازه لكي يندفع أكثر في اتجاه الشيوعية.

وربما يكون التفسير الصحيح هو مزيج من هذه التفسيرات جميعا بل أغلب الظن أنه كذلك.

المهم يرى كوبلاند أن الروس كانوا أذكى في قبول خطوة عبد الناصر في اتجاههم والترحيب بها والشد على يده ومعاملته كزعيم عالمي والتغاضي عن خطواته في الاتجاه المضاد.

يقول: وقد انتقل برودنا إلى مصر في أكثر الأشكال استفزاز فأولا لم يظهر السفير بايرود في مطار القاهرة في استقبال عبد الناصر عندما عاد عودة الفاتحين من المؤتمر وعندما وصل عبد الناصر إلى منزله كان أول تقرير يتلقاه هو أن يايرود لم يكتف بمقاطعة الاستقبال بل ونصح كل سفراء الغرب الآخرين بتبريد الدخول الظافر والحقيقة هي أن بايرود تحدث مع السفير البريطاني وسأله ما هو البروتوكول المفروض فنصحة بترك سفراء الدول الأفرو آسيوية ينعمون بيومهم فلما اتصل عدد من سفراء الدول الغربية يسالون بايرود هل أنت ذاهب رد عليهم بأنه يعتقد أن وصول عبد الناصر يجب أن يبقى أسيوي أفريقي وأن عبد الناصر سيسعده أن نبقى نحن البيض بعيدا.

وهذا لغو لا أهمية له، وإن كان قد حرص على تلبيس المسئولية للسفير البريطاني إلا أن اللعبة كانت تبدأ بالاتفاق مع الأمريكان ولكن البطل لكي يندمج في الدور ويثير حماسة رواد المهرجان كان عليه ودائما ما ينجح إغضاب الأمريكان الذين بسبب نظامهم وارتباطهم السرطاني بإسرائيل سرعان ما يطورون هذا الغضب الصحي إلى فشل سياسي بالنسبة لهم ومظاهرة ناصرية سوفيتية.

وفي النهاية ماذا بقى في يدنا من باندونغ؟

ماذا أفادت باندونغ ميزان الصراع المصري الإسرائيلي؟

سيقفز الجواب من حلوقهم صفقة السلاح فقد كان حديثها في باندونغ من شوان لاي وكانت باندونغ بداية المسيرة في اللعب على حبال الوفاق والتناقض بين الغرب والشرق.

حلف بغداد

وإذا كان هيكل قد اضطر إلى الاعتراف بأن معركة حلف بغداد لم تكن مع الولايات المتحدة بل لمح إلى عجز بريطانيا عن فهم السياسية الأمريكية ف الأحلاف كانت سياسة أمريكية ومع ذلك ترددت أمريكا في الانضمام لحلف بغداد إلا أن الغبار مازال يغلف قصة حلف بغداد والشائع عند السوقة أنها كانت معركة مصيرية خاضتها مصر وحدها وأحيانا بدعم العناصر الوطنية في سوريا ضد الحلف الشيطاني الأمريكي الإسرائيلي البريطاني العراقي التركي إلخ..

والصورة الحقيقية بعيدة كل البعد عن ذلك وهي باختصار.

كانت بريطانيا وحدها وعملاؤها من العرب مع الحلف.

وكانت أمريكا وإسرائيل ومصر السعودية وسوريا ضد الحلف وقد يبدو هذا مزعجا وصدمة للناصرين القدامى الذين سكروا بخمر معركة الأحلاف وخيبا لآمال الناصريين الجدد الذين يتطلعون لاستئناف هذا اللون من المعارك القليل الخسائر ولكن هذه هي الحقيقة.

وفكرة الأحلاف أو محاولتها سابقة على قيام حركة 23 يوليو ووصلت إلى شكلها الواضح المحدد في عامي 1950- 1951 ورفض مصر لها وتعرضها للضغط لقبولها وخلافها مع بغداد حولها سابق على 23 يوليو ويرجع إلى هذا التاريخ وفي أوراق وزارة الخارجية الأمريكية عن عام 1950/ 1951 مطلبا عراقيا بريطانيا بنصح مصر بالكف عن تحريض الدول بالعربية على عدم الانضمام للحلف المقترح من قبل العراق.

ومن المعروف أن بريطانيا وأمريكا وفرنسا وتركيا قرروا تشكيل قيادة الشرق الأوسط في عام 1951 على أن تضم مصر وربما دولا أخرى من الشرق الأوسط.

وكانت الخطة هي ترضية المشاعر الوطنية في مصر والعراق بل وحتى الأردن بإلغاء المعاهدات الثنائية التي كانت تربط هذه الدول ببريطانيا والتي كانت تعتبر في نظر الوطنيين العرب معاهدات حماية واحتلال وسيطرة ومن ثم ترضى مشاعر هؤلاء بإلغاء هذه المعاهدات وفي نفس الوقت يتم تشكيل تنظيم جديد أو طرح صيغة جديدة تنتقل إليها كل الامتيازات العسكرية وبالتالي السيطرة السياسية ولكن تحت اسم أقل بريطانية وأكثر مداعبة لغرور هذه الدول وأكثر قابلية للدفاع عنه من العملاء المحليين أو كما جاء في مذكرة بتاريخ 8 سبتمبر 1951 أي قبل الثورة بعشرة شهور من واشنطن تحمل عبارة سري جدا وعاجل تقرر أن يقترح على مصر الاشتراك في قيادة الشرق الأوسط وستصبح مصر غضوا في هيئة رئاسة الأركان وسيضم مكتب القيادة العليا ممثلا عن مصر وستشجع مصر على قبول مقر القيادة في أراضيها وتعطي مكانا مهما في تلك القيادة وتوفر لها التدريبات والمعدات لقواتها من الدول القادرة على ذلك في القيادة وتحول القاعدة البريطانية الحالية في مصر على قاعدة للحلفاء تحت إشراف قيادة الشرق الأوسط مع الاشتراك الكامل لمصر في إدارتها في الحرب والسلم وتنسحب كل القوات البريطانية التي لن تنخرط في قيادة الشرق الأوسط وكل ما تبقى في مصر من قوات بريطانيا في الحرب أ السلم سينضم للقيادة وستضمن مصر للحلفاء في حالة الحرب أو التهديد بالحرب كافة التسهيلات والمساعدات التي تشمل استخدام مواني مصر وطائراتها ووسائل مواصلاتها.

أي استبدال الاحتلال البريطاني باحتلال مشترك بريطانيا فرنسي أمريكي.. أما تركيا فهي لربط الحلف بحلف الأطلنطي وكانت قد انضمت إليه تركيا في وقت سابق.

وبالطبع رفضت حكومة مصر الاقتراح جملة وتفصيلا وشنت عليه حملة شعواء في الصحافة المصرية ثم كان إلغاء المعاهدة وانهيار أي حديث عن تسوية مصرية بريطانية وخاصة بعد أن صدرت مراسيمي وحدة وادي النيل تحت التاج المشترك وأصبح م المستحيل على أي حكومة ولو برئاسة سائق السفارة البريطانية إلغاء هذا القانون وكان الحل هو إلغاء التاج المشترك وهكذا بإلغاء الملكية في مصر وسقط القانون وسقطت آثار القرار الوفدي الشجاع بإلغاء المعاهدة.

وحلت مشكلة السودان

أما مشكلة الجلاء فكان من المستحيل على أية حكومة مصرية قبل 23 يوليو أن تقبل الدفاع المشترك مع بريطانيا بمعنى استمرار الوجود البريطاني في مصر، وأن ذهب بعضها إلى إمكانية قبول عودة الإنجليز في حالة الحرب أو العدوان على مصر أو حتى البلاد العربي أما إدخال تركيا فكان مرفوضا من جميع الأحزاب والحكومات حتى أكثرها رغبة في التعاون مع الإنجليز وهذه العقدة أصرت عليها بريطانيا في مفاوضاتها مع عبد النصار واضطر هذا إلى قبولها وبذلك لم يكن هناك مع الضغط الأمريكي على بريطانيا من توقيعها الاتفاقية لتبدأ على الفور في محاولة الاستمرار في صيغة جديدة، بل وأن تتسع هذه الصيغة لترضية العراقيين وخاصة نوري السعيد المطروح منافسا لمصر والذي يتحتم تقديم صيغة جديدة لارتباطه ببريطانيا بعد أن حصلت مصر على الجلاء وإلغاء معاهدة 1936 وهكذا أوعزت بريطانيا بقيام حلف بين العراق وتركيا.

وتترك سلوين لوبد وزير خارجية بريطانيا يحكي لنا القصة.

وسلوين لويد كما هو معروف هو وزير خارجية بريطانيا وقبلها وزير الدولة خلال السنوات التي سبقت وشهدت معركة القناة وحلف بغداد فهو من هذه الناحية شاهد عيان وهو أيضا رئيس الدبلوماسية البريطانية الذي شاهد أو ساهم في تحويل بريطانيا العظمى إلى دولة من الدرجة الثانية هو آخر أجيال الإمبراطورية وأول من شاهد واعترف مرغما بحتمية قبول مقعد في الصف الخلفي في لعبة الأمم التي يتصدرها الأمريكان والروس ولكني نختصر كتابه الذي يقع في 282 صفحة نقول أنه في هذه الفترة التي يحكي عنها كانت الولايات المتحدة تعمل بهمة لتصفية الوجود أو النفوذ البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تصفية ووراثة الامتيازات النفطية الانجلو فرنسية في المنطقة وما يستلزمه هذا وما يتبعه من مراكز استراتيجية ونفوذ ومصالح اقتصادية أخرى ولم يمكن من الممكن لاعتبارات كثيرة أن يأخذ هذا الصراع صيغة الحرب العالمية الأولى أو الثانية أي القتال المسلح بجيوش الأطراف المتصارعة وإنما كان عليهم أن يقاتلوا من وراء الأقنعة وبالقفازات المحلية من خلال القوات المحلية في الأجزاء النائية أو من خلال المحاور العربية حول حلف بغداد أو بالدعم المصري السعودي لثورة الجزائر والحركة الوطنية في المغرب.

ونرجو ألا يسيء القارئ الفهم فلا شك أن الخلاف حول البوريمي كان مطلبا وطنيا سعوديا مشروعا وإن المقاومة البريطانية لهذا الحق كانت من أجل الإمكانيات النفطية الهائلة المؤكدة في المنطقة وأن لم يكن في الواحة ذاتها ولكن باعتبار أن الولايات المتحدة لها مركز خاص في النفط السعودي وقتها فإن أية إضافة للثروة النفطية للمملكة يضاف بصيغة ما إلى الرصيد النفطي الأمريكي في السوق العالمية ومن ثم كانت لأمريكا مصلحة ما في ترجيح وجهة نظر السعودية في صراعات الحدود مع البريطانيين أو المحميات البريطانية فكونه يمثل تعارض مصالح عالمية لا ينفي واقعيته المحلية كذلك الدعم العري لثورة المغرب والجزائر وتونس هو موقف قوم مصيري ولكنه في نفس الوقت يتفق مع الاستراتيجية الأمريكية الراغبة في طرد فرنسا من شمال أفريقيا وهكذا كما سنرى كانت أمريكا ضد حلف بغداد ضد أي تشكيل يبقى الوجود البريطاني في المنطقة أو يجر إلى قبضتها الدول التي أفلتت من هذه القبضة وأصبحت صديقة أو في دائرة النفوذ الأمريكي أو تترك بابها مفتوحا كان العالم يودع نظاما هزم وهو الهيمنة الانجلو فرنسية ويستقبل نظاما جديدا هو الهيمنة الأمريكية الروسية وإليك ما قاله خبير الأحلاف الأمريكي في تلك الفترة والرجل الذي كان يتولى تنسق جبهة العراق- الأردن لبنان قال: كان هربرت هوفر وكيل الخارجية الأمريكية يكره حلف بغداد والسد العالي لما ستستفيده بريطانيا منهما ووكيل الخارجية الأمريكية هذا كما سنرى في يوميات معركة العدوان الثلاثي أقوى وأهم وأفهم من المختل فوستر دلاس وهو ضد حلف بغداد فأي مخاطرة أو مجد أن يكون عبد الناصر أو شكري القوتلي ضده؟

وقال سلوين لويد عن هوفر هذا إن الولايات المتحدة لم تنضم لحلف بغداد تحاشيا للصام مع النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة ولم يهتموا بما يصيب النفوذ البريطاني وهذا أهو التفاسير أما أسوأها فإن الماكغيين من مالك غير سفير أمريكا في إيران ج في إيران وجماعة سويني في السودان والكافرين سويني المندوب الأمريكي في السودان خلال مرحلة تصفية الحكم البريطاني وكافري السفير الأمريكي في مصر الشديد العداء للإنجليز ج وأرامكو في السعودية قد أظهروا عداوتهم لبريطانيا علانية وهريرت هوفر الابن وكيل وزارة الخارجية الأمريكية كان غارقا في عداوة البريطانيين إذا ما حكمنا بما قاله وما فعله.

كانوا في وزارة الخارجية الأمريكية يعتقدون ان أي ارتباط علني مع المستعمرين الإمبرياليين البريطان، سيسبب ضررا ما حقا إن دلاس لم يقبل أبدا الانضمام إلى حلف بغداد تحت أي ظروف من الظروف.

هذا هو باختصار واقع الزمن الذي طرح فيه حلف بغداد على أن نراعي كما قلنا أن هذا اللون من الصراع شديد التعقيد، وهو لا يحكمه أو يحكم تصرفات اللاعبين فيه قانون بسيط اسمه التناقض الأمريكي البريطاني كما كان بؤساء حزب التحرير وحدتو يفسرون كل شيء بمفهوم أن كل القوى المحلية مجرد دمى بعضها يلبس العالم البريطاني وبعضها الراية ذات النجوم والأشرطة ويحرك هؤلاء العم سام وأولئك جون بول هذا تصور ساذج وتبسيط سوقي وليس في السياسية شخصيات مسطحة ولا مواقف مبسطة فهناك أكثر من قانون وأكثر من علاقة تربط الدولتين وتحكم تناقضهما وتصرفاتها وهناك علاقات كل دولة بالقوى العالمية الأخرى وهناك المصالح والإمكانيات والمثل والمصالح المشروعة والسلام العالمي ومحاربة الشيوعية والحياد الإيجابي والسلبي إلخ حتى ترى سلوين لويد يتحدث عن حماية بريطانيا للسودان من الاستعمار المصري.

كذلك ستعجب لتناقض الموقف الأمريكي أو تناقض تصريحات دلاس وزير خارجية أمريكا مع سلوك حكومته بل مع مواقفه هو نفسه العملية وسنلمس فارق كبير بين موقف دلاس المتدين الذي يكره عبد الناصر وبين موقف موظفي الجهاز المحترف سواء في المخابرات الأمريكية أو وزارة الخارجية الذين يراهنون على الزعيم الشاب لتصفية بريطانيا والشيوعية من المنطقة... وقد فعل.

وقد شهد سلوين لويدي أن حكام مصر الجدد قد قدموا تنازلا لم تقدمه حكومة مصرية من قبل وهو حق السودانيين في تقرير المصير وقد مدحهم إيدن في البرلمان لأنهم فضلوا التركيز على محاربة الفساد في بلادهم وحل المشاكل الدولية التي ورثوها من الحكومات السابقة كما أشاد بقبولهم مبدأ حق تقرير المصير.

وقد ظهرت فكرة حلف بغداد بالتنازل الثاني الذي قدمته الثورة كما قلنا عندما اعتبرت تركيا في دائرة الدفاع الإقليمية وأن العدوان عليها يبيح للإنجليز العودة إلى قواعدها العسكرية في مصر تماما كالاعتداء على السودان أو السعودية ومن هنا نؤيد قول ممثل وزارة الدفاع الأمريكية أن أول دول عربية وقعت حلفا عسكريا مع الغرب هي مصر الناصرية وليس عراق نوري السعيد، ولا جدوى من تزوير التاريخ بل وثاني دولة وقعت معاهدة عسكرية مع الولايات المتحدة هي مصر الناصرية في دسيمبر 1953.

وبقبول مصر الدفاع المشترك عن تركيا، أو الحلف البريطاني المصري التركي ظهرت فكرة ربط تركيا عضو حلف الأطلنطي بالمنطقة العربية بضم العراق والأردن على ضوء التوصية القديمة (1951) بأن تتخلى بريطانيا عن معاهداتها السيئة السمعة مع الأردن والعراق إذا ما توفرت الترتيبات البديلة أن تبقى قوات بريطانيا ولكن بموجب الحلف وتلغي المعاهدة لإسكات المعارضين.

يقول سلوين لويد:

فوقعت معاهدة دفاعية بين تركيا والعراق في 24 فبراير 1955 بتشجيع أمريكي كبير ونحن أيضا كنا نؤيد ذلك لسبين الأول أنه يقوى الدفاع عن الشرق الأوسط ضد الخطر السوفيتي والثاني أن المعاهدة العراقية البريطانية الموقعة في عام 1930 كانت ستنتهي في عام 1957 والحلف الجديد إذا دخلنا فيه يمكن أن يحل محل المعاهدة دون إثارة معارضة عراقية.
هل صحيح شجعت أمريكا الحلف؟ فلما بادرت بريطانيا أو بالأحرى هرولت للانضمام إليه في 14 أبريل 1955) أي قبل انقضاء أربعين يوما على قيامه، وكان هذا آخر قرار وقعه تشرشل الذي هو بدوره آخر أسود الإمبراطورية الذي مات وهو بعض بأسنانه المتآكلة على ما بقى من نفط الشرق الأوسط؟

ما هو موقف أمريكا فعلا؟

يقول ولبر كران إيفلاند ممثل البنتاغون وعضو مكتب تنسيق العمليات للشرق الأوسط والمسئول عن تدبير مؤامرة سوريا 1956 وعضو اللجنة المشتركة مع المخابرات البريطانية عام 1956 لبحث الموقف في الشرق الأوسط يقول:
بنفوذ بريطانيا وقعت باكستان معاهدة دفاعية مع تركيا في أبريل 1954 الأمر الذي فاجأ وزارة الخارجية الأمريكية تماما وفي البداية لم تنطق ولكن في نهاية السنة بدأ فوستر دلاس يصف هذه الخطوة من مسلمي الشرق بأنها مكسب.

ويقول أن أصل فكرة حلف بغداد كانت بريطانيا كمحاولة لتجديد المعاهدة العراقية مع بريطانيا دون تكرار مأساة ما جرى مع مصر ودفعت بريطانيا والعراق لتوقيع المعاهدة مع تركيا ومرة أخرى فإن وزارة الخارجية أخذت على غزة balance was caught out of وخاصة عندما أعلنت بريطانيا عزمها على الانضمام إلى التحالف العراقي التركي وحثت أمريكا على أن تخذوا حذرها فورا وهكذا أخذ صناع السياسة الأمريكية على غرة بحلف بغداد وكان عليهم أن يتصرفوا في إطار دود الفعل بدلا من أن تكون لديهم بدائل مجهزة سابقا، ثم جاء تعقيد أكبر، وهو انضمام الولايات المتحدة للحلف كما تطالب بريطانيا وهذا معناه أن الولايات المتحدة ستصبح عضوا في تنظيم يضم دولة عربية وهي العراق، وهذا يحتم عليها أما أن تصدر تعهدا بالدفاع عن إسرائيل أو أن تصر على انضمام إسرائيل أيضا إلى الحلف.

وكان واضحا مما سمعته من الأدمير ال دافيز وفي مكتب الوزير اندرسون أننا اندفعنا لخلق سياسة تتماشي مع سياسة الأمر الواقع التي فرضها علينا الجهاز البريطاني وكانت إيران هي الثغرة الباقية في الإطار الشمالي كما تخيله وزير الخارجية وقررنا أن تسد هذه الثغراة بمبادرة منا وكنا قادرين على تحقيق ذلك بما لدينا من نفوذ أولا بما أصبح بعد ذلك أشهر سر تتباهى به المخابرات cia وهو دور آلن دلاس وكيرميت روزفلت في إعادة الشاه إلى عرشه عام 1953 بما عرف باسم عملية أجاكس.

والمسئولون عن مصر في المخابرات الأمريكية كانوا ضد حلف بغداد: أنا وإيكلبر غركن ضد حلف بغداد وقد سافر كوبلاند رئيس المحطة cia في مصر إلى واشنطن حيث عارض حلف بغداد نجح في استصدار قرار أمريكا بعدم الانضمام للحلف.

فما تفسير قول سلوين لويد أن أمريكا كانت مؤيدة وما حقيقة موقف عبد الناصر لقد اشرنا في فصل الأمريكان ياريس إلى اختلاف وجهتي النظر داخل الإدارة الأمريكية حول الأحلاف ولا يمكن أن نقدم أفضل من هذا التفسير لمايلز كوبلاند: أن مشاريع الدفاع والأحلاف ولا يمكن أن نقدم أفضل من هذا التفسير لما يلز كوبلاند إن مشاريع الدفاع والأحلاف البيت الأبيض أو بالأحرى أيزنهاور وجون فوستر دلاس، وبقية الجهاز التقليدي كانت ترغب في الأحلاف والترتيبات العسكرية كانت نابعة من تفكير متخلف يمثله إيزنهاور وجهازه الرسمي من بقايا الحرب العالمية الثانية، وهو توقع غزوا عسكريا مماثل للغزو الألماني، ومن ثم كانت الاستراتيجية هي مواجهته باستحكامات عسكرية.

وال إن فكرة منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط كانت قد تحولت إلى فكرة خارج التاريخ والسبب الوحيد الذي جعلها مطروحة للمناقشة هو أن الوزير دلاس رغم ذكائه لم يستطع التخلص من الفكرة.

وقلنا أن الأجهزة المتطورة كانت قد اكتشفت زوال عهد الأحلاف والاستحكامات العسكرية والغزو والروسي ولذلك تولى تحرير الوزير الذكي من عقده، وشن صوت العرب الذي أقامته المخابرات الأمريكية ولو من الناحية التكنولوجية حملته المشهورة على الحلف.

كذلك كانت الولايات المتحدة لا تريد منظمة تتربع فيها بريطانيا يحف بها عملاؤها أو الحكومات المتعاونة المرتبطة ببريطانيا مثل باكستان والعراق والأردن وشمعون إلخ..

كان التفكير والتدبير هو ما أشار إليه كولاند في شكوى عبد الناصر من خرق الأمريكان لاتفاقهم وشرح هذا الاتفاق على لسان عبد الناصر بأنهم وافقوا على تركه تدبر الأمر فيخلق حلفا عربيا غير مرتبط علنا مع أي من الدول الغربية الكبرى ولكنه قادر على التجاوب والتكامل مع خطط الدفاع الغربية وقت الحاجة فنسفت بريطانيا المشروع سواء بتعجلها التحفظ على العراق والأردن قبل أن تخرجها أمريكا من هناك أو لرغبتها في نسف المشروع الأمريكي الناصري.

وأخيرا عقدة العقد وهي إسرائيل فالولايات المتحدة لا تستطيع الدخول في معاهدة عسكرية دفاعية مع دولة عربية في حالة حرب مع إسرائيل دون تقديم ما يوازن ذلك لإسرائيل ومن السخف طبعا تصور حلف عربي أمريكا عضو فيه في نفس الوقت الذي ترتبط فيه أمريكا بمعاهدة دفاعية مع إسرائيل أو الاقتراح الجنوني بضم إسرائيل للحلف...

من هنا حق لنا أن نقول إن الولايات المتحدة كانت ضد حلف بغداد وكان يتمشي مع مصالحها تماما التمشي تحطيم هذا الحلف أو شله على الأقل أما صياح دلاس والصحافة الأمريكية فلا يزيد عن هتاف الناصريين ضد أمريكا للاستهلاك المحلي ولضرورات النفاق الدبلوماسي مع الحلفاء وأخيرا لإعطاء معركة ناصر ضد الحلف نكهة أقوى من عصير محاربة الاستعمار مما أدى إلى النهاية المتوحشة الأمريكانية لكل رجالات حلف بغداد.

وفي الاجتماع التمهيدي المؤتمر القمة الأمريكي البريطاني سألوا وكيل الخارجية البريطانية مستر إيفلين شوكبرغ عن حلف بغداد فقال نحن لا يعنينا إلا النفط وما حلف بغداد إلا صيغة تمكن بريطانيا من الاحتفاظ بقواعدها في الأردن والعراق بدون تجديد المعاهدة ولي له أهمية حربية.

وقال وكيل الخارجية البريطانية أن السعودية هي عدو بريطانيا الأول أو الشخصي BETE NOIRE وهو يريد أن يبحث معنا كيف نحدث تغيرات أساسية في حكومة السعودية وقد كتبت في مذكراتي يومها يبدو أن بريطانيا تريد تنظيم انقلاب يلغي النظام الملكي السعودي بمساعدة أو دون مساعدة المخابرات CIA ولما حدثوه عن الخطر الشيوعي في الكويت التي كانت محمية بريطانية لم يهتز وإنما قال: إن الخطر الحقيقي في الأردن حيث المال السعودي والنشاط المصري.

وهيوغيتسكيل زعيم المعارضة البريطانية وأقوى مدافع عن خط الانضواء تحت المظلة الأمريكية والكف عن محاولة العودة غير المشروعة أمريكا للمنطقة شرح لنوري السعيد أسباب معارضته أي غيتسكيل لحلف بغداد قال: إنني أعارض السياسة البريطانية التي اتخذت من حلف بغداد أساسا لسيطرتها في الشرق الأوسط والتي تهدف إلى السيطرة على المنطقة عن طريق حلف بغداد.

سلوين لويد يحمل الأمريكان بصريح العبارة مسئولية فشل الحلف إذ يقول: إن نقطة الضعف في حلف بغداد كانت تكمن في موقف الولايات المتحدة AMBRGUITY ذي الوجهين فقد ظل دلاس يتحاشي العضوية الكاملة قائلا إنه لا يمكن الحصول على أغلبية الثلثين المطلوبة في الكونغرس للانضمام الرسمي لم يكن يعتقد أن الرأي اليهودي في أمريكا سيحبذ ولكن إذا ما تحقق ما وصفه بالتسوية الفلسطينية فإن الوضع سيختلف وعندما سيوصي بعضوية أمريكا الكاملة يعني في المشمش ج لكنه وافق على أية حال على إرسال مراقبين عسكريين وسياسيين لحضور الاجتماعات وربما كان هؤلاء هم الذين يزودون خصوم الحلف بأسراره ج).

ويعود فيقول: كانت أهدافنا أن لا تبقى علاقاتنا مع العراق على الأسس القديمة فإني وجودنا العسكري كان سيصبح تحت مظلة حلف بغداد مع تركيا وإيران وباكستان ودعم الولايات المتحدة فإن مثل هذا الحلف لم يكن من السهل اتهامه بأنه أداة للاستعمار البريطاني ولكن الولايات المتحدة كانت يوما حارة ويوما باردة دلاس رحب بحلف بغداد ولكنه رفض الانضمام إليه ويبدو أنه الغيرة القديمة من بريطانيا سادت بكل تأكيد على مشاعر بعض مساعديه فالأمريكان في الظاهر كانوا حليفا مخلصا يوثق به ولكن في العمق كان كثير من الأمريكيين تمتلئ قلوبهم بكراهية الاستعمار والنفور من الاعتراف لنا بأية سلطة موروثة من أيام إمبراطوريتنا وسرور نصف خفي ونصف ظاهر برؤيتنا نهوي إلى القاع .

هل تريدون أوضح من ذلك.؟؟

ومن الإهانة لعبد الناصر القول بأن بريطانيا أقامت الأرض وأقعدتها لكي تضمه إلى حلف بغداد وهي التي طلبت من مصر في عام 1950 أن تكفي خيرها شرها فتمتنع عن تحريض الدول العربي ضد مشاريع الأحلاف التي تسعى إليها العراق ولا أحد يطالبها بالانضمام إلى هذه الأحلاف فبريطانيا كانت تريد حلفا تسيطر عليه وتسوره حول أفراخها في الشرق الأوسط لكي لا يخطفها النسر الأمريكي ولم تكن تسعى إلى حلبة صراع مع المصريين ورجال المخابرات الأمريكية الذين تعج بهم القاهرة ولكن الأمريكان ما كانوا ليسكتوا على بناء هذه الخطيرة البريطانية وعيونهم جاحظة لنفط العراق وغارقة في نفط إيران.
وبعكس الفكرة الشائعة بين الناصريين عن أن عام 1955 كان عام الضغط الأمريكي على عبد الناصر للدخول في حلف بغدادي فإننا نجد أن هذا العام قد شهد الضغط البريطاني في جميع المناسبات لإقناع الولايات المتحدة بتأييد الحلف وتملص الولايات المتحدة من هذا الموقف بل إن سلوين لويد يتهم أمريكا بأنها قتلت الحلف مجاملة لناص والدول العربية التي تفكر مثل ناصر وهي السعودية وسوريا واليمن وقتها ويشمت فيه بقوله ولكن دلاس لم كسب شيئا فرفضه الانضمام لحلف بغداد وقد ثبت لك عندما اشترى عبد الناصر السلاح من تشيكوسلوفاكيا وأعلن ذلك في سبتمبر 1955
وقد عقد اجتماع قمة بين إيزنهاور ودلاس من جهة وإيدن وسلوين لويد في محاولة لتصفية الخلافات أو لوقف ما سماه وزير خارجية بريطانيا بصريح العبارة محاولة طردنا من المنطقة قبل الأوان.

ونوقشت في المؤتمر القضايا الرئيسية التي توتر العلاقات وهي:

1- الصين ومعروف أن بريطانيا بسبب هونغ كونغ والمصالح الأخرى، قد اتخذت موقفا مخالفا للموقف الأمريكي من الصين الشيوعية وكانت تحاول في هذا الوقت مجاملة لروسيا والصين وابتزازا للأمريكان إعطاء الصين مقعد مجلس الأمن بدلا من فرموزا وقد رد الأمريكان في الاجتماع على هذه المناورة برد حاسم لوقف الابتزاز أو المساومة البريطانية أخبرونا أنهم سينسحبون من الأمم المتحدة إذا ما حدث هذا فانقطع الحديث ولكن ليرد الإنجليز بنفس الأسلوب في النقطة الثانية:

وكنت هناك مناقشة طويلة حول واحة البوريمي التي تقع في أراضي سلطان مسقط الذي كانت لنا معه معاهدة وكان الاعتقاد بوجود نفط هناك وقد تحرك السعوديون لاحتلال الواحة في 1953 ولكن صدوا بمساعدة قوات ساحل عمان والأمير زايد شقيق حاكم أبو ظبي وكان هناك تحكيم ولكننا انسحبنا منه محتفظين بمواقعنا في الواحة التي أصبحت شوكة دائمة في علاقتنا مع السعودية ولكن لم يكن بيدنا حيلة لمعالجة ذلك دون أن نتخلى عن أصدقائنا أهه؟؟؟ ج) وكانت الحكومة الأمريكية بسبب قاعدتهم الاستراتيجية في الظهران وأهمية المصالح النفطية لارامكو في السعودية كانت تضغط باستمرار علينا للتسليم للسعوديين وقد بذلنا جهدنا لإقناع دلاس وإيزنهاور إن هذا الموضوع غير قابل للبحث وفي النهاية بدا أنهم فهموا وضعنا وتبينوا أيضا أن الملك سعود يستخدم أمواله بغباء وبطريقة ستدمر الغرب وتساند الشيوعية كما أكدوا لنا أو الولايات المتحدة لن تنضم لحلف بغداد ولو أنهم وعدا بمساعدات وفي الاجتماعات التمهيدية لهذا المؤتمر قال وكيل وزارة الخارجية وبعد جولة قام بها في بغداد وطهران وانقره وطرابلس أبرق من تل أبيب إلى إيدن يجب أن يظهر الأمريكان دعمهم لحلف بغداد كما اقترح انقلابا في سوريا.

وفي 8 مارس 1956 قال لي دلاس أن الولايات المتحدة ستهتم أكثر بالشرق الأوسط فسألته كيف؟ قال أنه لم يصل إلى رأي بعد فبادرته قائلا: يمكنكم أن تبدأوا بالانضمام إلى حلف بغداد فرد قائلا أن هذا مستحيل تماما ولم أفهم أبدا السبب الحقيقي إذ كان يشير عادة إلى اللوبي الإسرائيلي وصعوبة الحصول على موافقة الكونغرس ولكني لم أعرف أبدا إذا ما كان هناك أمر آخر يخفيه في نفسه وما يخفيه دلاس في نفسه يظهره كوبلاند وإيفيلين ويلمح له لويد.
وفي منتصف مارس 1956 قدم تقريرا إلى مجلس الوزراء بعد جولة في الشرق الأوسط قال فيها يجب أن نبذل محاول أخرى لحث الولايات المتحدة على الانضمام لحلف بغداد يجب أن نعمل على التقريب بين العراق والأردن ومحاولة عزل السعودية عن عبد الناصر توضيح أطماع عبد الناصر للملك سعود واتخاذ إجراءات ضد عبد الناصر مثل تجميد الأرصدة وسحب تمويل السد العالي وخفض المساعدات الأمريكية لمصر ووقف الإمدادات العسكرية ولكن ذلك كله يحتاج لدعم حكومة الولايات المتحدة ولذا فإن المهمة الأولى هي الحصول على اتفاق أمريكي بريطاني .

وأخيرا توسل وزير خارجية بريطانيا لدلاس: وعندما أخبرت دلاس بصفة شخصية جدا ولمعلوماته فقط أنني لا أعتقد أن نوري السعيد يمكن أن يعمر طويلا ما لم يتخذ إجراء حاسم يثبت أن سياسته في دعم حلف بغداد تعود بالفوائد على العراق لم يظهر على دلاس أنه أخذ كلامي على محمل الجد مما جعلني أشعر أن عداء السعودية للعراق انعكس على نصائح وزارة الخارجية الأمريكية لدلاس.

وأكثر من ذلك أن سلوين لويد يكشف سرا غريبا له علاقة بالرواية التي يذكرها هيكل وأن أخطأ في تواريخها وهي الاتفاق المبدئي الذي جرى بين سلوين لويد وعبد الناصر على وقف حملات صوت العرب ضد حلف بغداد مقابل تعهد بريطانيا بوقف محاولاتها لضم دول عربية جديدة إليه هذا الاتفاق تقدم به دلاس إلى سلوين لويد إذ قال له أنه يعتقد بإمكانية إجراء مساومة مع عبد الناصر بأنه لن تنضم دولة عربية أخرى للحلف مقابل وقف الحملة على الحف وقد رد سلوين لويد أنه عمليا لن تنضم دول عربية في المستقبل القريب ولكنه لا يستطيع أن يجري هذه المساومة مع عبد الناصر لما يمكن أن يكون لها من تأثير على دول الحلف وخاصة على نوري السعيد وكان ذلك في لقاء دلاس ولويد في كراتشي في مارس 1956 أمريكا لم تكن مع حلف بغداد بل كانت ضده، وأقل ما يوصف به موقفها هو أنها لم تعترض على النشاط المضاد له، والذي قام به الحلف المصري – السوري – السعودي .

ففور سقوط الحكومة الموالية لبريطانيا العراق سافر صلاح سالم إلى دمشق حيث وقع بيان مشترك مع خالد العظم وزير الخارجية يدعو إلى رفض حلف بغداد وإقامة حلف عربي، وقد بادر الملك سعود بإصدار بيان يؤكد موافقة المملكة على البيان المصري السوري.

ويفسر كاتب متمركس ذلك بأن السعودية كانت في نزاع شديد مع بريطانيا حول أحقيتها في واحة البوريمي وهذا صحيح ولكنه يقف عنده لا يتقدم خطوة لأنه يعرف أنه يمشي على رمال متحركة فلو تقدم خطوة واحدة لوجد نفسه أمام الصراع الأنجلو أمريكي الذي طالما حاولنا تلقينه إياه في صدر شبابه لينكره في شيخوخته لكي لا يضطر لوضع الناصرية في مكانها في دائرة هذا الصراع.

وما يمكن قوله في هذا الموضوع من الحديث أن السعودية كانت لها مصلحة حقيقة بل وسياسة قديمة في معارضة بريطانيا ومعارضة العراق الهامشي الذي أصبح أكبر قوة موالية لبريطانيا في المنطقة وقاعدة نشاطها وخاصة بعد الانسحاب البريطاني عن مصر والسودان فالعداء السعودي الهاشمي قديم والمصالح البترولية السعودية مرتبطة بالمصالح الأمريكية وبابتعاد سوريا عن القضية البريطانية العراقية وباسترداد واحة البوريمي وما حولها من نفط من الإنجليز وكما كانت السعودية راغبة في استخلاص أراضيها المغتصبة من قبل الإنجليز فإنها كانت بشكل أقوى تشعر بأمن أكر إذا ما زال الوجود البريطاني من المنطقة كلها والسعودية في هذا الموقف مع استقلال سوريا ضد بغداد الإنجليزية مع تحرر الخليج من الاستعمار البريطاني مع سياسة مصر.

وفي تلك المرحلة لم تكن سياسة مصر تتعارض مع السياسة الأمريكية كان عبد الناصر يعمل على تصفية الاستعمار البريطاني من المنطقة لأن هذا هو الضمان الأولى لتحرير مصر ووقف مؤامراتهم في مصر والسودان وليبيا ولم يكن مستعدا ولا قادرا على أن يدخل في حلف تتزعمه أو تتصدره بريطانيا وقد كادت اتفاقية الجلاء تكلفه حياته إن صح أن هناك مؤامرة حقيقية لاغتياله ولكنه يعلم أن أكثر من وطني كان يتمنى وقتها لو أنهى حياته جزاء خيانة اتفاقية الجلاء كذلك لم يكن ليقبل أن تكون بغداد مركز التنظيم إقليمي للشرق الأوسط فهو والملك سعود كانا يتحركان من موقف وطني تاريخي استراتيجي واضح المصلحة لمصر والسعودية والعرب ضد بريطانيا وأيضا يتفق والاستراتيجية الأمريكية للمنطقة كذلك فإن اللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية لم يكن ليرحب بقيام حلف عربي تركي لأنه في النهاية قد توجه ضد إسرائيل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ولو من خلال تقليل الخلافات بين الغرب والدول العربية وأتاح الفرصة للتعرف وربما الحصول على أسلحة متفوقة للدول العربية وأيضا جذب تركيا إلى اهتمامات وهموم العالم العربي وما قد يؤدي إليه من ارتفاع في النبض الإسلامي الخافت منذ سقوط الدولة العثمانية فكل دولة إسلامية وقد رأينا كيف شنق عدنان مندريس جزاء اهتمامه بالعالم العربي ومحاولة التودد للعرب والشعب التركي ببعض الإفراجات عن دين الجماهير التركية المعتقل منذ أتاتورك.

وإذا كانت المنطقة قد شهدت منذ حلف بغداد ثلاثة حروب ضد إسرائيل ولم تشهد حربا واحدة ضد الاتحاد السوفيتي فإن إسرائيل هي المعنية بالدرجة الأولى بكل ما يدور حول التنظيمات العسكرية في المنطقة وهي بصراحة ضد أية منظمة دفاعية إقليمية وخاصة إذا كانت مع الغرب ويمكن مراجعة موقفها من صفقات السلاح الغربية للسعودية ومن مروع قوا الانتشار الأردنية الأمريكية حيث كانت هي التي وأدت المشروع .

وكما لاحظ المخابراتي الأمريكي بذكاء أو بعلم سابق: إذا درس أحد حملات ناصر ضد الغرب يجد أنه يركز أكثر على القوات الأجنبية والقواعد منه على دورنا نحن الأمريكان في إقامة إسرائيل.

حلف بغداد كان مشروعا بريطانيا على غير هوى الأمريكان وضد سياسة إسرائيل وفي هذا الإطار يمكن فهم الحملة عليه وتقيم النصر الذي أحرزناه عليه ولكن هيكل يحاول أن يكشف فائدة لمعركة حلف بغداد يمكن أن يضيفها إلى كفة مصر في المواجهة مع إسرائيل فيقول:

لو نجح نوري السعيد في ضم سوريا والأردن ولبنان إلى حلف بغداد لتم عزل الشرق العربي عن مصر وعن بقية المغرب العربي وبمعنى أدق ترك مصر وحدها في الميداني أمام إسرائيل.

دعنا من حكاية المغرب العربي فلم تكن قد قامت له قائمة بعد برغم الحركات الوطنية الباسلة هناك وتلك لا يعزلها حلف ولا أحلاف لا يعزلها إلا الحكم الثوري كما