إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

محمد الشخصية القيادية العسكرية المثلى

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
محمد الشخصية القيادية العسكرية المثلى

بقلم:الشيخ سعيد حوى

محتويات

مقدمة

قبل الكلام عن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية ، نحب أن نذكر بعضاً من مواقفه العسكرية كنماذج تكون بمثابة مقدمة للحديث في هذا الموضوع :

أ – قال ابن هشام يروي قصة فتح حصون خيبر عن أنس بن مالك :

" واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله r والجيش قالوا : محمد والخميس ، فأدبروا هراباً ، فقال رسول اللهr: الله أكبر خربت خيبر إنا نزلتنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين .

قال ابن إسحاق :

الداعية سعيد حوى

وكان رسول الله حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر ( جبل بين المدينة ووادي الفرع ) فبنى له فيها مسجد ثم على الصهباء ( موضع بينه وبين خيبر روحة ) ثم أقبل رسول الله بجيشه حتى نزل بواد يقال له الرجيع ، فنزل بينهم وبين غطفان ، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر ، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ، فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه ، حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً . ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أهاليهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله وبين خيبر ... يفتحها حصناً حصناً ... " .

تأمل : عنصري المفاجأة والمداهمة ، حيث لم يستطع يهود حصون خيبر أن يجمعوا قوتهم ، وتأمل حيلولة رسول الله r بينهم وبين المدد ، وتأمل الاحتياطات المتخذة لإبقاء غطفان في مواقعها .

ب – بعد فتح مكة سمع رسول الله r أن قبائل هوازن وثقيف ونصر وجشم وسعد بن بكر وناس من بني هلال ، قد جمعوا جموعهم لحربه ، فبعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ، ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن حدرد فدخل فيهم فأقام فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع عن مالك وأمر هوازن ما هم عليه ، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر .

يقول ابن هشام : فلما أجمع رسول الله rالسير إلى هوازن ليلقاهم ذكر له أن عند صفوان ابن أمية أدراعاً له وسلاحاً فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال : يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلحق فيه عدونا فقال : أغَصْباً يا محمد ؟ قال : بل عارية مضمونة حتى نؤديها لك قال : ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح .

وخرج رسول الله r بجيش عدته اثنا عشر ألفاً منهم ألفان من أهل مكة .

وجعل أمير مقدمته خالد بن الوليد . وطبعا المفروض أن تكون مهمتهما استطلاعية .

يقول جابر بن عبد الله فيما يرويه عنه ابن هشام :

" لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحداراً وفي عماية الصبح ( أي ظلامه قبل أن يتبين ) وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا " .

وهنا تجد أن خالداً رجل الحرب العظيم ، قد فشل في مهمته الاستطلاعية الضاربة ، إذ أصبح في الكمين هو ومقدمته . وكانت صدمة فرت منها المقدمة وثبت خالد ، إلا أن الجيش لما رأى المقدمة فارة دون معرفة السبب ، والجيش فيه من أهل مكة الكثير وهم بعد ليسوا في حالة نفسية جيدة .

ففروا وأخذ الناس هول المفاجأة وبدقائق معدودات فر الجيش كله ، ولم يبق حول رسول الله r أحد .

أخرج الإمام البخاري عن أنس – رضي الله عنه – قال : لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع رسول الله r عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال : يا معشر الأنصار ! قالوا : لبيك يا رسول الله ، أبشر نحن معك ثم التفت عن يساره فقال : يا معشر الأنصار ! فقالوا : لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك ، وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال : أنا عبد الله ورسوله .

وروى ابن هشام عن العباس بن عبد المطلب قال :

إني أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذاً بحكمة بغلته ( أي لجامها ) البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرءاً جسيماً شديد الصوت ورسول الله r حين رأى ما رأى من الناس : أين أيها الناس ؟

فلم أر الناس يلوون على شيء فقال : يا عباس ! اصرخ يا معشر الأنصار يا معشر أصحاب السمرة ! فقال : فأجابوه لبيك لبيك ، فيذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا وكانت الدعوى أول ما كانت : ياللأنصار ثم خلصت أخيراً ياللخزرج وكانوا صبراً عند الحرب ..

عن جابر بن عبد الله قال : بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع ، إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبه الجمل فوقع على عجزه ، ووثب الأنصار على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجف عن رحله واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تأمل هذه المقتطفات عن غزوة حنين : إرسال العيون للاستطلاع ، اختياره خالداً .

استعارته الأدراع والسلاح ، تلافيه الهزيمة .

إدارته المعركة بنفسه . معرفته برجاله الذين يعتمد عليهم في ساعة المحنة .

وقبل الانتقال عن هذا المقام ، نحب أن نذكر هنا موقفاً يجمع بين أعلى ما في العبقرية العسكرية والسياسية :

بعد الانتهاء من معركة حنين قرر الرسول r أن يفتح الطائف ، فذهب إليها وحاصرها ، وكان أهلها عندهم خبرة في فن الدفاع العسكري ، والبلدة محصنة وخيراتها كثيرة ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحصار سيطول فاستشار نوفل بن معاوية فقال :

يا نوفل ! ما ترى في المقام عليهم ؟

فقال : يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته ، وإن تركته لم يضرك ، فأمر النبي r عمر بن الخطاب أن يؤذن في الناس بالرحيل .

والآن تصور منطقة الطائف وحولها قبائل موتورة منذ قريب لا زالت مستقلة فهي لا شك إذا تفرغت لنفسها ولم تشغل قد تسبب مشكلة خطيرة في قلب الدولة الإسلامية . إذ قد تكون مجمعاً لكل موتور حاقد .

فانظر كيف هيأ لها رسول الله r ما يشغلها ويضايقها حتى أسلمت :

كان قائد القبائل المحاربة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين مالك بن عوف .

وقد فر بعد المعركة ولجأ إلى ثقيف فلما جاء وفد هوازن يفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم سألهم عن مالك بن عوف ما فعل ؟ فقالوا : هو بالطائف مع ثقيف .

فقال رسول الله r : أخبروا مالكاً أنه إن أتاني مسلماً رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل ، فأتي مالك بذلك فخرج من الطائف ، وقد كان مالك خاف ثقيفاً على نفسه أن يعلموا أن رسول الله قال ما قال فيحبسوه فأمر براحلته فهيئت له ، وأمر بفرس له فأتي به إلى الطائف فخرج ليلاً فجلس على فرسه فركض حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس ، فركبها فلحق برسول الله فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة الإبل وأسلم فحسن إسلامه ... فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وتلك القبائل : ثمالة وسلمة وفهم ، فكان يقاتل بهم ثقيفاً لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن الثقفي : هابت الأعداء جانبنا ثم تغزونا بنو سلمة .

وأتانا مالك بهم ناقضاً للعهد والحرمة .

وأتونا في منازلنا ولقد كنا أولي نقمة .

فانظر كيف استطاع رسول الله r أن يشغل ثقيفاً ويضايقها فيقضي على الأخطار والمشكلات المتوقعة بهذه البساطة الكبيرة .

لعلك بهذين المثالين من مواقفه العسكرية عليه الصلاة والسلام أخذت صورة على أن محمداً r في القيادة العسركية كهو في كل شيء ، يمثل دائماً القمة التي لا يرقى إليها آخرون ، وقد حلا لعباس محمود العقاد أن يعقد مقارنة بين محمد صلى الله عليه وسلم والقائد العسكري الإفرنسي النابغة في فن الحرب نابليون بونابرت ، فأرانا في هذه المقارنة أنه ما من قضية مهمة في أمر الحرب فطن لها نابليون وطبقها إلا وكان رسول الله r سباقاً لها .

هذا مع أن نابليون كان متفرغاً مختصاً بفن الحرب .

ثم إنه صادف في حياته العسكرية من الفشل ما لم يَحدث قط لرسول الله صلى الله عليه وسلم عسكرياً ، ولا لمن رباهم ودخلوا المعارك الكبرى بعده ، هذا مع ملاحظة الإمكانيات المحدودة لرسول الله r والإمكانيات الكثيرة الموجودة بيد غيره من أمثال نابليون ، وقد استطرد العقاد استطرادات مفيدة في هذا الموضوع نحب أن ننقلها مع شيء من الحذف لبعض الجمل لفائدتها ولكن قبل ذلك نحب أن نقرر هذه الحقيقة وهي :

أن الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ حياة دولته العسكرية بجيش مقداره ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً . محاط بقبائل الجزيرة العربية كلها .

مشركيها ويهودها ونصاراها وكلها معادية له ، وفي الجزيرة العربية وعلى أطرافها سلطان لفارس والروم ، وقد استهدفهم رسول الله r بحربه وبهذه القوة الصغيرة وبدعوته الكبيرة شق رسول الله r طريقه دعوة وسياسة وحرباً . فأخضع الجزيرة العربية كلها ، ولم يتوقف إلا وقد هيأ المسلمين لحرب الفرس والروم بآن واحد .

فأتم خلفاؤه ما بدأه عسكرياً .

فسقطت الدولة الفارسية وتقلصت الدولة الرومانية عن آسيا وأفريقيا تقريباً .

كل ذلك في أقل من عشر سنوات وما حدث بعده من فتوحات لا يمكن أن ينسب إلا إليه فإنه من آثار تربيته صلى الله عليه وسلم وتأسيسه وتخطيطه .

وهذا شيء يتحدى التاريخ سابقاً ولاحقاً أن يكون قد حدث مثله ولو مرة في تاريخ العالم .

فنحن إذا ما نقلنا هذه المقارنة لا نعني التساوي .

حاشا ، وإنما نريد أن نبرهن على أن كل عظمة يرجح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاختصاصيين المتفرغين لها ، وهو في كماله بها كماله في كل شيء غيرها ، يرجح الناس كلهم بكمالاتهم كلها .

يقول " العقاد " : ونختار أبرع القادة المحدثين وهو نابليون بونابرت على أسلوب حرب الحركة الذي كان هو الأسلوب الغالب في العصور الماضية ، والذي ظهر في الحرب العالمية الحضارة أنه لا يزال الخطوة الأخيرة في جميع الحروب ، على الرغم من الحصون والسدود .

لأن اختيار نابليون بونابرت يبين لنا السبق في خطط النبي العسكرية ، بالمضاهاة بينها وبين خطط هذا القائد العظيم .

1 – " فنابليون " يوجه همه الأول إلى القضاء على قوة العدو العسكرية بأسرع ما يستطيع فلم يكن يعنيه ضرب المدن ولا اقتحام المواقع .. وإنما كانت عنايته الكبرى منصرفة إلى مبادرة الجيش الذي يعتمد عليه العدو بهجمة سريعة يفاجئه بها أكثر الأحيان وهو على يقين أن الفوز في هذه الهجمة يغنيه عن المحاولات التي يلجأ إليها جلة القواد .

وعنده أنه يستفيد بخطته تلك من ثلاثة أمور ..

أن يختار الموقع الملائم ،

وأن يختار الفرصة ،

وأن يعاجل العدو قبل تمام استعداده .

وكان النبي r سابقاً إلى تلك الخطط في جميع تفصيلاتها ... فكان كما قدمنا لا يبدأ أحداً بالعدوان ، ولكنه إذا علم بعزم الأعداء على قتاله لم يمهلهم حتى يهاجموا جهد ما تواتيه الأحول ، بل ربما وصل إليه الخبر كما حدث في غزوة تبوك والناس مجدبون والقيظ ملتهب والشدة بالغة ... فلا يثنيه ذلك عن الخطة التي تعودها ، ولا يكف عن التأهب السريع وعن حض المسلمين على جميع الأموال وجمع الرجال ولا يبالي ما أرجف به المنافقون الذين توقعوا الهزيمة للجيش المحمدي ، فلم يحدث ما توقعوه .

وكان عليه الصلاة والسلام يعمد إلى القوة العسكرية حيث أصابها ، فيقضي على عزائم أعدائه بالقضاء عليها ... ولا يضيع الوقت في انتظار ما يختاره أولئك الأعداء وإضعاف أنصاره بتركه زمام الحركة في أيدي المهاجمين ، إلا أن يكون الهجوم وبالاً على المقدمين عليه ، كما حدث في غزوة الخندق .

2 – وكان نابليون يقول إن نسبة القوة المعنوية إلى الكثرة العددية كنسبة ثلاثة إلى واحد .

والنبي عليه الصلاة والسلام كان عظيم الاعتماد على هذه القوة المعنوية التي هي في الحقيقة قوة الإيمان . وربما بلغت نسبة هذه القوة إلى الكثرة العددية كنسبة خمسة إلى واحد في بعض المعارك مع رجحان الفئة الكثيرة في السلاح والركاب إلى جانب رجحانهم في عدد الجنود ..

ومعجزة الإيمان هنا أعظم جداً من أكبر مزية بلغها نابليون بفضل ما أودع نفوس رجاله من صبر وعزيمة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحارب عرباً بعرب ، وقرشيين بقرشيين ، وقبائل من السلالة العربية بقبائل من صميم تلك السلالة ... فلا يقال هنا أن الفضل لقوم على قوم في المزايا الجسدية أو المزايا النفسية كما يمكن أن يقال هذا في جيوش نابليون .

وكل فضل هنا فهو فضل العقيدة والإيمان .

3 – وقد كان نابليون مع اهتمامه بالقضاء على القوة العسكرية لا يغفل القضاء على القوة المالية أو التجارية التي يتناولها اقتداره ، فكان يحارب الإنجليز بمنع تجارتها وسفنهم أن تصل إلى القارة الأوربية وتحويل العملات عن طريق إنجلترا إلى طريق فرنسا .

وهكذا كان النبي r يحارب قريشاً في تجارتها ، ويبعث السرايا في إثر القوافل كلما سمع بقافلة منها .

وأنكر بعض المتعصبين من كتاب أوربة هذه السرايا وسموها " قطعاً للطريق " وهي سنة المصادرة بعينها التي أقرها " القانون الدولي " وعمل قادة الجيوش في جميع العصور ، ورأينا تطبيقها في الحرب الحاضرة والحرب الماضية ، رشيداً تارة وغالياً في الحمق والشطط تارة أخرى .

4 – وقد أسلفنا أن نابليون كان يوجه همه إلى الجيش ، ولا يقتحم المدن أو يشغل باله بمحاصرتها لغير ضرورة عاجلة .

ونرجع إلى غزوات النبي عليه الصلاة والسلام فلا نرى أنه حاصر محله ، إلا أن يكون الحصار هو الوسيلة الوحيدة العاجلة لمبادرة القوة التي عسى أن تخرج منها قبل استعدادها ، أو قبل نجاحها في الغدر والوقيعة ، كما حدث في حصار بني قريظة وبني قينقاع ، فكان الحصار هنا كمبادرة الجيش بالهجوم في الميدان المختار بغير كبير اختلاف .

5 – وقد كان نابليون معتداً برأيه في الفنون العسكرية ، ولا سيما الخطط الحربية ، ولكنه مع هذا الاعتداد الشديد لا يستغني عن مشاورة صحبه في مجلس الحرب الأعلى قبل ابتداء الزحف أو قبل العزم على القتال .

ومحمد عليه الصلاة والسلام كان على رجاحة رأيه يستشير صحبه في خطط القتال وحيل الدفاع ويقبل مشورتهم أحسن قبول ، ومن ذلك ما صنعه ببدر ، وألمحنا إليه آنفاً – حين أشار عليه الحباب بن المنذر بالانتقال إلى مكان غير الذي نزلوا فيه أول الأمر ، ثم بتغوير الآبار وبناء حوض للشرب لا يصل إليه الأعداء .

وقيل في روايات كثيرة إنه عمل بمشورة سلمان الفارسي في حفر الخندق عند المنفذ الذي خيف أن يهجم منه المشركون على المدينة . فحفر الخندق وعمل النبي بيديه في حفره .

وقبول النبي مشورة سلمان عمل من أعمال القيادة الرشيدة وسنة من سنن القواد الكبار ، غير أننا نعتقد أنه عليه الصلاة والسلام كان خليقاً أن يشير بحفر الخندق لو لم يكن سلمان الفارسي بين أهل المدينة في إبان الهجمة عليها ، لأنه عليه الصلاة والسلام كان شديد الالتفات إلى سد الثغور وحماية الظهور في جميع وقعاته .

وفي وقعة أحد جعل الجبل إلى ظهره وأقام على الشعب الذي يخشى منه النفاذ والالتفاف خمسين رامياً مشدداً عليهم في التزام موقفهم قائلاً لهم : احموا ظهورنا فإنا نخاف أن يجيئوا من ورائنا والزموا أماكنكم لا تبرحوا منه .

وإن رأيتمونا ننهزم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا ، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل .

والذي يفعل هذا في شعب جبل لا يفوته أن يفعل مثله في ثغرة مدينة ، ولكن المشاورة هنا هي المقصودة بالمضاهاة بين ما سبق إليه النبي وما تبع فيه نابليون ، فهذه خصلة معهودة في كبار القواد لا تقدح فيما عرفوا به من قدرة على وضع الخطط وابتكار الأساليب .

6 – وَلم يعرف عن قائد حديث أنه كان يعنى بالاستطلاع والاستدلال عناية نابليون .

وكانت فراسة النبي في ذلك مضرب الأمثال ، فلما رأى أصحابه يضربون العبدين المستقيين من ماء بدر لأنهما يذكران قريشاً ولا يذكران أبا سفيان ، علم بفطنته الصادقة أنهما يقولان الحق ولا يقصدان المراء .

وسأل عن عدد القوم فلما لم يعرفا العدد سأل عن عدد الجزور التي ينحرونها كل يوم فعرف قوة الجيش بمعرفة مقدار الطعام الذي يحتاج إليه .

وكان صلوات الله عليه إنما يعول في استطلاع أخبار كل مكان على أهله وأقرب الناس إلى العلم بفجاجه ودوربه ويعقد ما يسمى اليوم مجلس الحرب قبل أن يبدأ بالقتال فيسمع من كل فيما هو خبير ه من فنون أو دلائل استطلاع .

7 – واشتهر عن نابليون أنه كان شديد الحذر من الألسنة والأقلام وكان يقول : إنه يخشى من أربعة أقلام ، ما ليس يخشاه من عشرة آلاف حسام .

والنبي عليه الصلاة والسلام كان أعرف الناس بفعل الدعوة في كسب المعارك وتغليب المقاصد ، فكان يبلغه عن بعض أفراد أنهم يخفرون الذمة التي عاهدوا عليها ويشهرون به وبالإسلام ، أو يثيرون العشائر لقتاله ويقذعون في هجوه وهجو دينه ، فينفذ إليهم من يحاربهم في حصونهم أو يتكفل له بالخلاص منهم .

وعاب هذا بعض المغرضين من الكتاب الأوروبيين وشبهوه بما عيب على نابليون من اختطاف الدوق دانجان وما قيل عن محاولته أن يختطف الشاعر الإنجليزي كولردج الذي كان يخوض في ذمه ويستهوي الأسماع بسحر حديثه .

إلا أن الفارق عظيم بين الحالتين ، لأن حروب الإسلام إنما هي حروب دعوة أو حروب عقيدة ، وإنما هي في مصدرها وغايتها كفاح بين التوحيد والشرك أو بين الإلهية والوثنية . وليس وقوف الجيش أمام الجيش إلا سبيلاً من سبل الصراع في هذا الميدان .

فليس في حالة سلم مع النبي إذن من يحاربه في صميم الدعوة الدينية ويقصده بالطعن في لباب رسالته الإسلامية . وإن لم ينفر مع الناس لقتاله ولم يحرضهم على النكث بعهده وإنما هو مقاتل في الميدان الأصيل ينتظر من أعدائه ما ينتظره المقاتل من المقاتلين ، ولا سيما إذا كانت الحرب قائمة دائمة لا تنقطع فترة إلا ريثما تعود .

أما نابليون فالحرب بينه وبين أعدائه حرب جيوش وسلاح ، فلا يجوز له أن يقتل أحداً لا يحمل السلاح في وجهه أو لا يدينه القانون بما يستوجب إزهاق حياته .

وما نهض نابليون لنشر دين أو تفنيد دين ، ولو كان للرسول الإسلامي من غرض لجاز له أن يقل المسالمة ممن يحاربونه في دينه وإن لم يشهروا السيف في وجهه . فإن الضرب بالسيف لأهون من المقتل الذي يضربون فيه .

تلك مقابلة مجملة بين الخطط والعادات التي سبق إليها محمد وجرى عليها نابليون بعد مئات السنين ، ومن الواجب أن نحكم على قيمة القيادة بقيمة الفكرة أو الخطة قبل أن نحكم عليها بضخامة الجيوش وأنواع السلاح ، ولم يتخذ محمد الحرب صناعة .. فإذا كان مع هذا لم يتقن منها ما يتولاه مدفوعاً إليه فله فضل السبق على جبار الحروب الحديثة الذي تعلمها وعاش لها ولم ينقطع عنها منذ ترعرع إلى أن سكن في منفاه ، ولم يبلغ من نتائجه بعض ما بلغ القائد الأمي بين رمال الصحراء .

ولقد كانت خبرة النبي ببعوث الاستطلاع كخبرته ببعوث القتال فكانت طريقته في اختيار القائد وتزويده بالوصايا والأتباع مثلاً يحتذى في جميع العصور ، ولا سيما العصر الحديث الذي كثرت فيه ذرائع التخبئة والمراوغة وذرائع الكشف والدعوة فكثرت فيه – من ثم – حاجة المقاتلين إلى استقصاء أحوال العدو .

ففي الحروب الحديثة يتردد ذكر الأوامر المختومة التي تصدر إلى قواد السرايا والسفن ليفتحوها عند مدينة معلومة أو بعد مسيرة ساعات أو في عرض البحر على درجة معينة من درجات الطول والعرض . إلى أمثال ذلك من العلامات التي تعين بها الجهات .

ويتفق في أمثال هذه البعوث أن يكون القائد وحده مطلعاً على سر البعث ورجاله جميعاً يجهلونه ولا يعرفون أهم خارجون في غزوة أم في مناورة استطلاع ، إلى ما قبل الحركة المقصودة بساعات معدودات وهناك تصدر الأوامر التي لا بد من صدورها للتهيؤ والتنفيذ ولا خوف من كشفها في تلك الساعات لصعوبة الاستعداد الذي يقابلها به العدو إذا انكشفت له قبل تنفيذها بفترة وجيزة .

ولا سيما إذا كانت الحركة من حركات البحار .

هذه الأوامر المختومة ليست بحديثة .

وقد عرفت في المأثورات النبوية على أتم أصولها التي تلاحظ في أمثالها ، ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعث عبد الله بن جحش ومعه كتاب أمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، وفحواه أن " سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركاته ، لا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك وامض فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من أخبارهم " .

وهذا نموذج من الأوامر المختومة جامع لكل ما يلاحظ فيها حديثاً وقديماً وعند بداءة الدعوات على التخصيص .

فأولها كتمان لخبر عمن يحيطون بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فلا يبعد أن يكون منهم من هو مدخول النية عليه وعلى أصحابه من قبل قريش ، ولا يبعد أن يكون منهم من يبوح بالخبر ولا يريد به السوء أو يدرك ما في البوح به من الخطر المحظور ، ولا يبعد أن يكون منهم الضعفاء والمخالفون , وأن الاستعانة على قضاء الحاجات بالكتمان لسنة حكيمة من سنن النبي عليه الصلاة والسلام في جميع المطالب وهي في حروب الدعوات على التخصيص أقمن بالاتباع ، ولهذا كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها على النحو الذي يتبعه قادة الحروب إلى الآن .

ومما لوحظ في كتاب النبي لعبد الله بن جحش كتمان الخبر عن أصحابه ثم وصاته ألا يكره أحداً منهم على المسير معه بعد معرفته بوجهته ، وهذا هو أهم الملاحظات في هذا المقام .

فقد يحارب الرجل وهو مكره مهدد بالموت الذي يتقيه إذ يفر من القتال ، ولكنه لا يستطلع وهو مكره ثم يفيد استطلاعه من أرسلوه ، بل لعله ينقلب إلى النقيض فيحرف الأخبار عمداً أو يتلقاها على غير اكتراث ، أو يطلع الأعداء على أسرار أصحابه وهم غافلون عنه .

ولهذا تعاني الدول أكبر العناء في مراقبة الجواسيس بالجواسيس وفي امتحان كل خبر بالمراجعة بعد المراجعة والمناقضة بعد المناقضة حتى تطمئن إلى صحته قبل الاعتماد عليه .

وفي الحروب الحاضرة تجربة جديدة من المستطلعين أو الرواد المتقدمين فقد عرف أن هتلر يعتمد على أفراد من جنده يهبطون إلى الطيارات وراء الصفوف ، فيتسللون إلى مراكز المواصلات ويعبثون بين القرى المعزولة ، فيشيعون فيها الرعب والحيرة ويوهمون من يراهم أن الجيش المغير كله على مقربة منهم فلا جدوى لهم من الاستغاثة أو المقاومة ، ويحمل معظم هؤلاء الرواد المتقدمين أجهزة للمخاطبة يستعينون بها على الاتصال برؤسائهم من بعيد .

قيل في الإعجاب بهذه الخطة الهتلرية كثير ، وقيل في انتقادها والتنبيه إلى خطرها كثير .

فمن دواعي الإعجاب بها أنها أفادت في قطع المواصلات وإشاعة الذعر وتضليل المدافعين وأنها شيء جديد في شكله وإن لم يكن جديداً في غايته ومرماه .

ومن أسباب انتقادها أن كل فائدة فيها تتوقف على العقيدة وحسن النية .

فهي تستلزم أن يكون الرائد غيوراً على عمله متحمساً لإنجازه رقيباً على نفسه وهو بمعزل عن رقبائه فليس أيسر له إذ هو انفرد وأعوزته الرغبة في إنجاز عمله من أن يستأسر في أول مكان يصل إليه من بلاد الأعداء طلباً للسلامة .

ولا عقاب عليه إلى نهاية القتال . ثم يتعلل بما شاء من المعاذير إن وجد بعد ذلك من يحاسبه ويعاقبه .

وهيهات أن تستجمع الأدلة عليه في أمثال هذه الفوضى بين معسكرين أو عدة معسكرات .

فالخطة الهتلرية فاشلة لا محالة إن لم ينفذها مريدون متعصبون غير مكرهين ولا متشككين فيما هو موكول إليهم ، وهي لهذا أحرى أن تحسب من وحي إخوان الطريق وإلهام العقائد لا من النظام الذي يدرب عليه كل جيش ويصلح لجميع الجنود ، فلولا أن النازيين قضوا قبل الحرب الحاضرة زهاء عشر سنين ينفخون في نفوس الناشئة جذوة البغضاء ، ويلهبونهم بحماسة العقيدة ويخلقون فيهم اللدد الذي يغني عن الرقابة ساعة التنفيذ ، لحبطت الخطة كل الحبوط وانقلبت على النازيين شر انقلاب .

وها هنا تتجلى حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في اشتراط الرغبة والطواعية واجتناب القسر والإكراه . فهذه " أولاً " بعثة منفردة لا سبيل إلى الإكراه الفعال بين رجالها إذا أريد .

وهي " ثانياً " بعثة استطلاع لا يغني فيها عمل الكاره المقسور ، وألزم ما يلزم العامل فيها إيمانه وصدق نيته وحسن مودته لمن أرسلوه ، فإن أعوزته هذه الصفة فقد أعوزه كل شيء .

أما غرض البعثة كلها وهو الاستطلاع ، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام عليماً بمزاياه .

معنياً به غاية العناية ، فالعدو المجهول كالعدو المستتر بأسوار الحصون ، في حمى من الجهل به قد يحول دون الاستعداد له بالعدة الضرورية في الوقت الضروري ، ويحول من ثم دون الانتصار عليه .

ونحن نكتب هذه الفصول والحرب الروسية تذكرنا كيف أصيب نابليون في هذا الميدان حيث أصيب في وسائل الاستطلاع ، ثم تذكرنا كيف تكررت هذه الغلطة بعينها على نوع من المشابهة بين غزوة نابليون في روسيا أمس وغزوة هتلر لتلك البلاد اليوم .

فمن أسباب هزيمة نابليون إهماله النصائح التي سمعها في مجلس الحرب من بعض الثقات قبل التوغل في الحرب الروسية ، لاعتقاده خطأ أن القيصر سيطلب صلحه بعد أسابيع .

ومن أسباب تلك الهزيمة أن الروس كانوا يتراجعون أمامه تحت جنح الظلام ، ويخلون المدن والطرقات حتى لا يرى فيها دياراً يسأله عن مكان الجيش المتراجع .

أو يلتقط من خلال أجوبته ما يعينه على الاستطلاع الذي كان شديد التعويل عليه .

أما " هتلر " فقد أتى من قبل هذين النقصين كما أتى من قبله من هو أعظم منه وأولى بالتحرز والأناة .

فقد اشتهر أنه كان في مجلس الحرب على خلاف مع قواده الثقات الذين علموا من شأن الروس ما ليس له به علم .

واشتهر أنه أخطأ في استطلاع القوم إذ خيل إليه أن الشعب الروسي يتحفز للثورة ويترقب الإغارة عليه لنصرته كائناً من كان ولو جاءت الغارة من عنصر معاد للعنصر السلافي وهو عنصر الجرمان .

ومحمد عليه الصلاة والسلام لم يتعلم ما تعلمه هتلر ونابليون ، ولكنه لم يخطئ قط مثل هذا الخطأ في جميع غزواته وكشوفه ، ولعلنا نفهم – كما درسنا زمانه الحافل بالعبر والأمثلة الباقية – أن دراسته ضرب من دراسة العصر الحديث والقادة المحدثين .

عندما تنعقد المقارنة بين المعارك القديمة والمعارك العصرية .

ينبغي أن ننظر إلى فكرة القائد قبل أن ننظر إلى ظواهر المعارك أو أشكالها أو أحجامها ، لأننا إذا نظرنا إلى الظواهر فلا معنى إذن للمقارنة على الإطلاق ، إذ من المقطوع به أن عشرة ملايين يجتمعون في ميدان واحد أضخم من عشرة آلاف ، وأن حرباً تدار بالمذياع والتليفون أعجب من حرب تدار بالفم والإشارة ، وأن نقل الجنود بالطائرات والدبابات أبرع من نقلهم على ظهور الخيل والإبل ، وأن المدفع أمضى من السيف والرصاصة أمضى من السهم ، فلا معنى إذن لمقارنة بالظواهر تنتهي إلى نتيجة واحدة وهي استضخام الحرب الحديثة والنظر إلى القيادة الغابرة كأنها شيء صغير إلى جانب القيادة التوي توجه هذه الضخامة .

لكننا إذا نظرنا إلى فكرة القائد ، أمكننا أن نعرف كيف أن توجيه ألف رجل قد تدل على براعة في القيادة لا نراها في توجيه مليون بينهم الراجل والراكب ، ومنهم من يركبون كل ما يركب من مخلوقات حية وآلات مخترعة .

وهذه الفكرة هي التي ترينا محمداً عليه الصلاة والسلام قائداً حربياً بين أهل زمانه بغير نظير في رأيه وفي الانتفاع بمشورة صحبه ، وتبرز لنا قدرته النادرة بين قادة العصور المختلفة في توجيه كل ما يتوجه على يدي قائد من قوى الرأي والسلاح والكلام .

وهذه القدرة هي شهادة كبرى للرسول تأتي من طريق الشهادة للقائد الخبير بفنون القتال .

ويزيد هذه الشهادة عظماً ، أن الرجل الذي يجتنب القتال في غير ضرورة رجل شجاع غير هياب ، شجاع وليس كبعض الهداة المصلحين الذين تجور فيهم فضيلة الطيبة على فضيلة الشجاعة ، فيحجمون عن القتال لأنهم ليسوا بأهل قتال .

فمحمد كان في طليعة رجاله حين تحتدم نار الحرب ويهاب شواظها من لا يهاب ، وكان علي فارس الفرسان يقول : " كنا إذا حمى البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب منه إلى العدو " .

ولولا ثباته في وقعه حنين ، وقد ولت جمهرة الجيش وأوشك أن ينفرد وحده في وجه الرماة والطاعنين ، للحقت الهزيمة بالمسلمين ، وخروجه والليل لما يسفر عن صبحه ليطوف بالمدينة مستطلعاً ، وقد هددها الأعداء بالغارة والحصار أمر لو لم تدعه إليه الشجاعة الكريمة لم يدعه إليه شيء ؛

لأن المدينة كانت يومئذ حافلة بمن يؤدون عنه مهمة الاستطلاع وهو قرير في داره ، ولكنه أراد أن يرى بنفسه فلم يثنه خوف ولم يعهد بهذا الواجب إلى غيره .

ومشاركته في الوقعات الأخرى هي مشاركة القائد الذي لا يعفي نفسه وقد أعفته القيادة من مشاركة الجند عامة فيما يستهدفون له ، فهي شجاعة لا تؤثر أن تتوارى حيث يتاح لها أن تتوارى وعندها العذر المقبول بل العذر المحمود .

وإذا كان القائد خبيراً بالحرب قديراً عليها غير هياب لمخاوفها ، ثم اكتفى منها بالضروري الذي لا محيص عنه ، فذلك هو الرسول تأتيه الشهادة بالرسالة من طريق القيادة العسكرية وتأتي جميع صفاته الحسنى تبعاً لصفات الرسول . اهـ " عبقرية محمد "

نقلنا كلام العقاد الآنف لما فيه من فوائد ، إلا أننا لا نعتقد أنه أحاط بمزايا رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية .

ولا نعتقد أنه أراد ذلك ، وإنما لمس بعض هذه المزايا لمساً خفيفاً ، ولا نعتقد كذلك أننا نستطيع استجلاء هذه المزايا كلها لقصورنا أولاً وللإيجاز الذي نقصده ثانياً في هذه الكتابات ، غير أن هناك ميزة تربو على كل ما ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ميزات في قضية الحرب لم يتعرض لها حتى الآن هي تأمينه صلى الله عليه وسلم لجيشه ولدولته دائماً ( الهيبة العسكرية ) التي تجعل الآخرين دائماً في حالة رعب وقد عبر هو نفسه صلى الله عليه وسلم عن هذه الحقيقة بقوله " ونصرت بالرعب مسيرة شهر " وأن من جملة عوامل النصر المهمة دائماً في حرب المسلمين هذه الناحية التي وطد رسول الله صلى الله عليه وسلم أركانها في حياته ، وحافظ عليها أصحابه بعده ، وهي التي كانت تفعل في قلوب أعدائه المقاتلين الأفاعيل .

ولو درسنا حياة الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية لرأينا أن هدفاً كبيراً دائماً من أهداف عملياته العسكرية كان إبقاء هذه الهيبة وزيادتها وتأكيدها وتوسيع دائرتها حتى وصل المسلمون إلى حالة في النهاية كان الناس كلهم يهابونهم ولا يهابون هم أحداً ، لا دولة كبرى ولا صغرى ولا قبيلة ولا جيشاً ولا سلاحاً ولا عدداً ولا عدة فترى الجيش الصغير ( 3000 ) يهجم على الجيش الكبير ( 200.000 ) يوم مؤتة ولا يبالي بالنتائج ، وإليك عرضاً موجزاً لأعمال الرسول صلى الله عليه وسلم العسكرية خلال سنة من أول سني المدينة لتعرف كيف أوجد هذه الهيبة العسكرية وأمنها .

ما كاد يستقر بالمدينة حتى يرسل في رمضان من السنة الأولى للهجرة حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين من المسلمين ، فيلتقي بأبي جهل يقود قافلة لقريش ومعه ثلاث مائة راكب فيحجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني فلا يقع قتال

وفي شوال من نفس السنة يرسل عبيدة بن الحارث في ستين راكباً إلى وادي رابغ فيلتقي بأبي سفيان ومعه مائة مشرك فيترامى الفريقان بالنبل ولا يقع قتال .

وفي ذي القعدة يرسل سعد بن أبي وقاص في نحو عشرين رجلاً يعترض عيراً لقريش ولكنها تفوته ، وفي صفر يخرج الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد أن يستخلف سعد بن عبادة على المدينة فيسير حتى يبلغ ودّان يريد قريشاً وبني ضمرة فلم يلق قريشاً وعقد حلفاً مع بني ضمرة .

وفي ربيع الأول خرج الرسول صلى الله عليه وسلم على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار إلى بواط معترضين عيراً لقريش يقودها أمية بن خلف ومعه مائة من المشركين ففاتته .

وفي جمادى خرج إلى العشيرة من بطن ينبع وأقام بها شهراً صالح فيه بني مدلج .

ثم أغار كرز بن جابر الفهري على المدينة واستاق سرحها فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ وادي سفوان قريباً من بدر فهرب كرز ولم يدركه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وعند مقفله من هذه الغزوة أرسل عبد الله بن جحش بسرية فيها ثمانية من المهاجرين .

وفي رمضان كانت موقعة بدر الكبرى التي كانت أول صدام عنيف مسلح بين المسلمين وغيرهم سقط فيه قتلى أعنى المشركين ، فانظر من رمضان إلى رمضان كم سرية وكم غزوة حركها رسول الله ومن حكم هذه السرايا :

1 - إنها تدريب عملي وإعداد نفسي للمسلمين يجعلهم دائماً في حالة تعبئة عامة وحذر دائم واستعداد يقظ وحركة قتالية سريعة .

2 – إشعار الأعداء بالقوة التي تهاجم ولا تنتظر حتى تهاجم ، وإلقاء الرعب في قلوب من يفكر بغدر وشر .

3 – الإشعار بالانتقال من مرحلة الصبر إلى مرحلة الرد بالمثل على الظلم وإيقاف المشركين في غير حدهم .

وكانت معركة بد الضربة الساحقة التي حققت هذه الأغراض جميعاً ، وكان ما قبلها مقدمة لها ، وخلال عشر سنوات قضاها الرسول في المدينة ، تجد أن أعماله العسكرية من غزوات إلى سرايا بلغت عشرات وكلها كانت محكمة وسريعة وناجحة ، من غزوة ضد قريش إلى عملية ضد اليهود ، إلى تحرك نحو القبائل العربية على الحدود الرومانية والفارسية . إلى مناوشة مع الدولة الرومانية ، ولم يقبض عليه الصلاة والسلام حتى فتح للمسلمين طريق العمل العسكري الذي انطلقوا منه إلى العالم .

فلم يوقفهم شيء إلا ضعف جذوة الإسلام في أنفسهم لأمد .

والأهم من الناحية العسكرية مما قدمناه هو أن الرسول rبلغ بأتباعه من الانضباط العسكري مبلغاً ما بلغه قائد عسكري آخر ، ونحن نعلم أن الانضباط العسكري هو كل شيء في المعركة ولا يمكن أن تظهر عبقرية قائد عسكرياً إلا إذا كان الانضباط موجوداً ولذلك فإن ثمانين بالمئة من عبقرية القيادة العسكرية تظهر في انضباط جندها معها في اللحظة الحاسمة ، فإذا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا قمته وفي أمة العرب الشعب المارد المتمرد الذي لا يعرف انضباطاً ولا طاعة فتلك معجزة المعجزات .

وكمثال على مدى الروح الانضباطية التي تمتع بها المسلمون في آخر حياته عليه الصلاة والسلام ما حدث يوم غزو تبوك . إذ تخلف بعض الأتباع عن الذهاب معه r فأمر رسول الله r الناس بمقاطعتهم ( وهم ثلاثة ) فلم يكلمهم أحد حتى تاب الله عليهم وستمر معك القصة في / مبحث الثمرات / .

إن عبقرية هذه القيادة لا مثيل لها في كل تصرف من تصرفاتها الصغيرة والكبيرة ، نجدها حيث يبقى أبا سفيان يوم فتح مكة على الطريق تمر به كتائب المسلمين كلها ، حتى ينقطع آخر أمل له في المقاومة وحتى يتلاشى آخر تردد عنده في الاستسلام ، والتي نجدها حيث يغزو الروم يوم تبوك ويعقد المعاهدات مع أطراف دولتهم ، ممهداً بذلك لاستقبال الجيوش الإسلامية في المستقبل .

وإذا كانت نتائج العمل العسكري ميزاناً توزن به قيمة هذا العمل العسكري فإنه لا يوجد في ميزان العالم أثقل من العمل العسكري الذي قام به رسول الله إذ ما من معركة حدثت للأمة الإسلامية بعد إلا وكانت قبساً من شمس رسول الله ، وما من ظفر حققه المسلمون إلا ووراءه الروح التي بثها رسول الله في موات القلوب ، ولئن مرت ظروف انتصرت فيها الأمة الإسلامية في عصرنا .

فاستغل انتصارها أعداؤها ، فإن تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم ستجعل هذه الأمة في وضع آخر مرة أخرى بإذن الله .

وبعد : إن الرسالة الثالثة من هذه السلسلة وهي عن الإسلام ، ستوضح تعاليم رسول الله بشكل مفصل .

وهذا الذي جعلنا نقصر هذا البحث فقط على صفات الرسول دون ذكر التعاليم التي تنبع عنها هذه التصرفات ، وإنما أردنا إبراز الكمال الذي يتمتع به رسول الله في كل شيء بحيث استجمع أعلى قمم السلوك البشري في كل شيء فكان الإنسان الوحيد الذي يصح أن يكون قدوة البشر العليا في كل شيء وبعد أن تقرأ الرسالة الثالثة سترى بوضوح أن البشرية لن يستقيم أمرها إلا بأخذها بتعاليم محمد والاقتداء به ، وأن الحدود التي حدها رسول الله في حياته السلوكية والعملية في كل الجوانب هي أرفع وأعدل ما ترتقي إليه آمال البشر مع الواقعية التي لا تخرج هذه التعاليم إلى مثل معطلة ، وإن أي انحراف عن التأسي برسول الله واتباع تعاليمه إنما هو في الواقع ارتكاس وانتكاس مهما حاول أهل الباطل أن يفيضوا عليه من الألقاب والنعوت والتسميات .

فالرسول عليه الصلاة والسلام قد أعطى البشر بوحي من الله الصيغة الوحيدة للحق ، فمهما ابتغت البشرية الهدى في غير هذه الصيغة فإنها إلى ضلالٍ تسير .

لقد رأيت في هذا الباب :

أن رسول الله صادق ودلّكَ هذا على أنه رسول الله .

وأن رسول الله أمين في تنفيذ ما دعا إليه ودلك هذا على أنه رسول الله .

وأن رسول الله قد بلغ دعوة الله حقاً ودلك هذا على أنه رسول الله .

وأن رسول الله أعقل البشر وأعظمهم فطانة فدلك هذا على أنه رسول الله حقاً .

وأن رسول الله أعظم الناس في باب التربية والتعليم ودلك هذا على أنه رسول الله حقاً .

وأن رسول الله أكمل الخلق أباً وزوجاً وأخلاقاً وقيادة وكل ذلك دلك على أنه رسول الله حقاً .

ورسول تدلك صفاته على رسالته إلى أين تفارقه متبعاً أصنام الهوى وأباطيل الهوس ومجانين الضلال ، إن هؤلاء لا يسيرون بك إلا إلى الهاوية .

ولكن رسول الله لا يدلك عليه فقط صفاته بل قامت الأدلة على رسالته حتى إنه لم يزغ عن الرؤية إلا أعمى .

المصدر