مذكرات أحمد حسين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مذكرات أحمد حسين رئيس مصر الفتاة

محتويات

تقديم

الأستاذ أحمد حسين رئيس مصر الفتاة

يسرني أن أقدم للقارئ العزيز هذا الكتاب، الذي يتضمن مذكرات أحمد حسين، رئيس جماعة مصر الفتاة.

ويعد أحمد حسين رئيس الحركة الفاشية في مصر، وقد لعب دوراً مهماً انطلاقاً من هذا الاتجاه في تاريخ الحركة الوطنية المرية. ومن ثم فإن الحكم عليه يجب أن ينطلق من هذا المفهوم.

وهذه المذكرات ليست هي المذكرات الأولى التي كتبها أحمد حسين، فقد سبق له أن كتب عدداً من الكتب تتضمن أطرافاً من حياته، وقد استندت إليها في إعداد رسالتي للماجستير والدكتوراه حول ((تطور الحركة الوطنية في مصر)) (أربعة أجزاء) في كتابة دوره الوطني في تاريخ مصر.

وكان أهم ما كتب أحمد حسين في هذا الصدد كتابه ((إيماني))، و((من وراء القضبان))، وقصصه الثلاث ((أزهار))، و((احترقت القاهرة))، و((الدكتور خالد))، ثم الكتاب الذي بين أيدينا.

وقد رحبت بنشره عندما عرضه على نجله السيد مجدي أحمد حسين، أملا في أن يضيء بعض جوانب الحركة الوطنية!

وعلى الرغم من أني عشت معارضاً لاتجاه أحمد حسين الفاشي، إلا إني رحبت بنشره تمشياً مع الاتجاه الليبرالي الذي اعتنقه، ولأني آليت منذ توليت رئاسة تحرير سلسلة تاريخ المصريين، ألا أخضع هذه السلسلة لاتجاهاتي السياسية! وإيماناً مني أن تاريخ مصر هو من حق الشعب المصري، وليس حكراً على أي اتجاه! والله الموفق ،

أ. د. عبد العظيم رمضان

ذكريات الطفولة

حياة مواطن

يخطئ الناس عندما يتصورون أن العظماء وحدهم الذين يجب عليهم أن يكتبوا مذكراتهم، ويخطئ الأفراد العاديين أنفسهم عندما يتصورون أن حياتهم ليست جديرة بالتسجيل، أجل إن في كتابة حياة العظماء قدوة للناس وحافزاً لهم ..

ولكن في كتابة حياة الأفراد العاديين سلوى لملايين الناس، الذين يظنون أنهم ليسوا شيئاً مذكوراً في هذه الحياة وهم منها كل شيء، إنهم الحروف التي بدونها لا يتم طبع كتاب، إنهم اللبنة التي بغيرها لا يمكن أن يقوم بناء، إنهم الحياة بكل جلالها وروعتها.

فعندما يكتب مواطن عادي تاريخ حياته .. فإنه يكتب عن ملايين المواطنين، وسيرى كل إنسان نفسه في هذا الذي كتب فيشعر بالسعادة والطمأنينة، لأنه يرى صورنه في المرآة، ويدرك أنه جزء من هذا الكون له خطره وله قيمته.

وعلى هذا الأساس رأيت أن أمضي في كتابة هذه المذكرات .. مذكرات مواطن حريصاً على أن يرى الناس فيها أنفسهم .. وأن أكتبها في صدق وفي غير تكلف .. وإذا كان هذا هو طابعي وأسلوبي في كل ما أكتب فإني سأكون حريصاً على التزام ذلك أكثر وأكثر في هذه المذكرات .. فرب خاطر يبدو لي سخيفاً فإذا كتب فإذا به يريح أعصاب مواطن آخر يعن له مثل هذا الخاطر فيقسو على نفسه جاهلاً أنه خاطر يعن كل الناس.

ورب تجربة قد يحجم الإنسان ذكرها قد تحل مشكلة عند آخر.

ورب أمر يبدو لي تافهاً ولكنه يفسر مغلقاً عند مواطن آخر.

وإذن فلأكتب .. لأكتب كل شيء .. يتوارد على خاطري من تاريخ حياتي البعيد .. فلأكتب ولأسترسل منطلقاً من كل القيود ليكون في ذلك حافز لكل مواطن آخر أن يكتب دون خوف .. ودون خشية فإن حياة كل إنسان عندما تعرض على الناس فإنها الإنسانية كلها التي تعرض.

الفائدة التاريخية

على أن هناك فائدة محققة من كتابة مثل هذه المذكرات عن حياة مواطن عاش حتى كتابة هذه السطور أكثر من أربعين سنة ..

ذلك أنها ستحمل حتماً بعض وقائع التاريخ وستنقل إلى جيل جديد وكل الأجيال المقبلة صورة من عصر مضى وانقضى ولا سبيل لتصوره وإدراكه إلا من خلال أمثال هذه السير سيرة أحد المواطنين.

إن علماء التاريخ قد يتصورون العصور بصورة علمية بعد تحليل ودراسة واستجماع لكل الحوادث والظروف..

ولكن هذه ستبقى في النهاية دراسة موضوعية علمية ليس فيها روح الفن.. الفن الذي لا تستطيع أن تتذوقه إلا من خلال إنسان يحدثك عما يحسه هو وعما يتصوره هو وعما تنبض به مشاعره الخاصة بقطع النظر عن أى عنصر آخر.

فأنت في مثل هذه المذكرات ستدرك بعض الحقائق التاريخية كما استقرت في ذهن مواطن عاش في هذا العصر لا كما تصورها الكتب أو المقالات أو الدراسات.

ذكريات من الطفولة

في ذهنى صور صاحبتنى منذ الطفولة المبكرة ولا تزال راسية في نفسى حتى الآن أستطيع أن أذكرها في جلاء ووضوح رغم تقادم السنين.

والحوادث المادية تحدد السن التى انطبعت فيها هذه الصور، لقد ولدت في 8 مارس سنة 1911 وقامت الحرب العالمية الأولى في سبتمبر سنة 1914، فكان عمرى عند قيام الحرب حوالى أربع سنوات،

وهذه الصورة العجيبة التى مازالت تختزنها ذكرياتى تتصل بموضوع الحرب ويبدو من تصرفى فيها أننى كنت ممعنا في الطفولة فلابد أنها كانت في السنة الأولى من الحرب أو الثانية عندما كان عمرى يتراوح ما بين الرابعة والخامسة.

استيقظت ذات صباح من نومى وقد علمت فيما بعد أن يقظتى كانت قبيل الفجر. فسمعت ما ملئنى رعباً .. صوت قنابل تدوى ويعقبها صياح من نوع ما، وغطيت رأسى باللحاف من الفزع ورحت أنصت فإذا صوت القنابل يدوى بصورة رهيبة يلاحقها هذا الصياح .. وبدأ هذا الأمر يأخذ صورة موسيقية بالنسبة لأذنى وإن كان ذلك لم يقلل من فزعى.

((طب ..... إيـ ....)) كان صوت القنبلة يدوى مكتوماً محدثاً هذا الصوت ((طب)) ثم يعقبه الصياح ....إيـ.... ))

وبدأ يدهشنى تشابه الصياح وأنه يسير على وتيرة واحدة، ورحت أساأل نفسى كيف سأصيح هذه الصيحة عندما يأتى دورنا وتنزل القنبلة على بيتنا؟ وبعد قليل كنت أتمرن على إحداث هذا الصوت الذي يعقب نزول القنابل..

ووجدتنى أرفع عقيرتى تحت اللحاف مقلداً الصياح الذي سمعه "إيـ.....ه " ويظهر أننى نمت بعد ذلك واستيقطت لأرى الشمس مشرقة والبيت لم يهدم والحياة كما هى .. وقد عرفت فيما بعد .. ولست أعرف متى عرفت فهى صور في رأسى كما قلت لا ترتبط ببداية معينة ولا تتصل بنهاية ..

عرفت فيما بعد أن هذا الذي كنت أسمعه لم يكن صوت قنابل، وإنما كانت امرأة تعجن وهذا الصوت "طب" لم يكن سوى صوت عملية العجن عندما تغترف العاجنة بيديها غرفة من مخلوط الدقيق والماء وترفعها في الهواء ثم تهوى بها على بقية المخلوط فيحدث هذه الفرقعة التى ترامت لأذنى كأنها صوت قنبلة "طب".

أما الصياح الذي كان يعقب هذا الصوت فلم يكن إلا ترجيع آذان الديكة عند الفجر، وهكذا عانى الطفل من ويلات الحرب في صورة كابوس ابتعثه عجين امرأة وصياح ديك ..

وإنى أتصور الآن أن هذا الحادث لا يمكن أن يكون قد وقع لى إلا بعد أن أغارت مناطيد "سبلن" على "مصر" وقذفت بعض القنابل فأهلكت عدداً كبيراً من سكان القاهرة .. لابد أن يكون الرعب والفزع قد عم البلاد .. وهذه هي الصورة التى عانى منها الطفل أهوال ما سمع.

في حى طولون

وهذه الواقعة تجرنا إلى السؤال عن المكان الذي جرت فيه هذه الواقعة أو بالأحرى أين كنا نسكن ونقيم ولعلك قد أدركت من التعليق على الحادثة السابقة أننا كنا نقيم في القاهرة، ولعلك أدركت أيضاً من عنوان هذه الفقرة أننا كنا نقيم في حي طولون فوق قمة أحد تلال العاصمة بالمغرب، مما يسمى قلعة الكبش. أما الحارة التى كنا نقيم فيها فاسمها حارة الجمالة في منطقة يطلق عليها "العمرى" نسبة إلى سيدى العمرى أحد الأولياء في هذه المنطقة ..

وسأتكلم كثيراً عن طولون بطبيعة الحال وعن حى الجمالة ولكن أسجل هنا أقدم الصور في ذاكرتى تلك التى أحملها من طفولتى المبكرة.

تمساح

ما زلت أذكر نفسى وأنا أرتجف بشدة إذ اجتاز هذا القسم من الحارة حيث يوجد منزل الشيخ ضيف، والذي يوجد فوق بابه تمساح كبير. لقد كبرت بعد ذلك وأدركت أن هذا المساح ميت ولا ينبغى أن يخشاه الإنسان ومع ذلك فلا زالت صورة قوية في نفسى صورة الاضطراب والفزع، وأنا أجتاز هذا القسم من الحارة، ولا أستطيع أبدا اجتيازه إلا عدوا أو وأنا مغمض العينين ولا أفتحهما إلا بعد أن أكون متأكداً أننى خلفت البيت ورائى.

أكان حلماً

صورة ثالثة لم تستطع الأيام أن تنزعها من ذاكرتى ولم أستطع أن أجزم في الماضى، ولا أستطيع أن أجزم الآن أوقعت هذه الصورة في الواقع أم أنها كانت حلما؟ غنى عن البيان أننى في طفولتى كنت على ثقة أنها وقعت ولكن كلما كبرت في السن راجعت نفسى وتصورت أنها كانت حلما وليس عندى تاريخ أستطيع أن أحدد به عمرى وقتذاك ..

أليس من العجب أن يحمل إنسان حلماً معه منذ سنواته الأولى في الحياة ليذكره وهو في سن الأربعين بكل هذا الوضوح والنصاعة؟

كان في بيتنا حجرة مما يسمونها (مسروقة) وكنا نضع فيها المخلفات (والكراكيب)، وفي ذات ليلة ساد البيت هرج ومرج في الليل وتجمعنا كلنا ونزلنا إلى هذه المسروقة وما زلت أذكر المصباح الكبير الذي كان يحمله أحد أفراد العائلة، وفتح باب المسروقة لنرى خلفه عفريت في صورة إنسان وكان يرتدى طرطوراً عالياً وملابسه ذات ألوان مبهجة وكان يجلس دون حراك وينظر إلينا في هدوء ونحن ننظر إليه ولم أكن في حالة رعب أو فزع.

وهذه هى الصورة التى لا تزال ذاكرتى تختزنها أكان ذلك حلماً رأيته .. أم كان حقاً واقعاً بمعنى أن أخاً لى وقد كان يحب المزاح قد لعب هذا الدور ليفزعنا أو ليفزعنى أنا بصفة خاصة.

لست أعرف ما هى حقيقة الأمر. بطبيعة الحال عندما كبرت قليلاً كنت أستوضح هذه النقطة فلم يكن أحد يوضحها لى بأكثر من أن هذا لم يحدث ..

على أية حال فقد كانت هذه المسروقة كالتمساح المعلق على باب الشيخ ضيف، كلاهما يصيبنى بالخوف والهلع كلما مررت بهما، فكنت إذا صعدت السلم أو هبطت منه لا أستطيع إلا أن أعدوه إذا ما اقتربت من المسروقة .. فهل كان هذا الشعور نتيجة لهذا الحادث الذي حدثتك عنه من رؤية عفريت في صورة إنسان في هذه المسروقة؟ .. أم أن رؤية العرفيت الآدمى في الحلم جاءت نتيجة الخوف المستمرمن هذه المسروقة تلك مسألة لا أستطيع الفصل فيها.

أخى الأكبر

وما زالت ذاكرتى تختزن صوراً لا يمكن إلا أن تكون من طفولتى المبكرة ذلك أن الحوادث المادية تضعها في فترة قبل انقضاء الحرب العالمية الأولى لأنها ترتبط بأخ كبير لى مات قبل نهاية الحرب العالمية الأولى أى في سنة 1917، ولما كنت مولوداً في سنة 1911، كما قدمت فلابد أن هذه الصور في خلال تلك السنوات الست من حياتى الأولى.

كان أخى هذا شاباً يافعاً جميل الطلعة، أنيق الملابس، ذكى الفؤاد ولست أذكر شيئاً من جمال صورته ولا من أناقة ملبسه ولكن بعد أن كبرت في السن كنت أرى هذه الملابس وقد احتفظت والدتى بها في "دولاب" خاص تستعرضها كل يوم وتبكى ابنها الحبيب.

وكانت أمى هى التى تحدثنى عن جمال أخى الأكبر الراحل واسمه "محمد" والذى كان موظفاً في وزارة الأوقاف، وكانت تعرض على ملابسه وتعرضها على الناس أجمعين لتريهم مقدار بهاء طلعته .. وحقاً كانت الملابس في مثل هذا التاريخ المبكر آية على أناقة لابسها، فقد تألفت من بنطلونات من الصوف الأبيض وجاكتات من الصوف الكحلى أو البنى، وبدل من "الجبردين"،

وبدل أخرى من الحرير، وفي مثل هذا الوقت المبكر أى منذ أربعين سنة تقريباً فإن ارتداء شاب من عائلة صغيرة لمثل هذه الملابس يحمل في طياته من غير شك دلالة كبيرة.

وكل معلوماتى عن هذا الأخ الكبير إنما تلقيتها عن والدتى التى كانت تندب حظها العاثر كلما وقع نظرها على، ولم يكن لها من قول تردده إلا أنها كانت على استعداد أن تضحى بى وبعشرة مثلى ويبقى لها ابنها الحبيب "محمد" كانت تنظر لى ولشقيقى الآخرين مصطفى وعبد الفتاح، وتبدى دهشتها في أن ثلاثتنا نعيش ونحيا ويذهب هو .. مع أنها كانت تؤثر لو ذهبنا نحن الثلاثة وبقى هو ..

ولم يكن ذلك مظهر قسوة من والدتى رحمها الله، ولكنه كان يظهر إحساساً عميقاً بهول مصيبتها في ابنها الذى كانت تعتز به وتفخر على العالمين كان يأخذ بلبها بطبيعة الحال أن ترى حارة الجمالة كلها وقلوب عذاراها تخفق لرؤية محمد أفندى وهو يخرج ويدخل ..

كانت أمى تجد السعادة كلها عندما ترى الهمس من خلف (شيش) الشبابيك! يتزايد حتى ينقلب إلى ضجيج كلما دخل ابنها أو خرج.

كانت كل فتيات الحارة يحلمن بأن يصبحن عروساً لمحمد أفندى ابن الأفندى .. ولكن هيهات .. فلم يكن في حارة الجمالة من يليق بسيد العرسان، ان أمه (الست أم الأفندى) لا ترضى بعروس لابنها إلا من أولاد الذوات ..

لابد من ابنة "بك" على الأقل فهى وحدها التى تليق بمحمد، ولقد خطبت له بالفعل ابنة بك لا اعرف إذا كان "بك" حقيقياً أم لا ولكن في ذلك الوقت البعيد لم تكن كلمة "بك" تستعمل كاستعمالها في الوقت الحاضر ..

فلابد أنه كان "بك" بالفعل، وما زلت أحفظ حتى الآن اسمه كان صادق بك ولقد كانت سعادة أمى عظيمة عندما وافقوا على الزواج رغم أن والد العريس "أفندى".

وكتب الكتاب بالفعل وقدمت الشبكة ودفع المهر وحدد الوقت لحفلة الزفاف .. وفيم تنتظر والدتى حفلة الزفاف بفارغ الصبر لتفرح بابنها الجميل إذا بالموت يختطفه من بين يديها فيمرض بالتيفود،

ثم يموت في صيف أحد الأعوام السابقة على نهاية الحرب في مدينة الإسكندرية، حيث كان والدى يذهب إليها كل عام باعتباره موظفاً في ديوان السلطان في معية السلطان..

مات أخى في هذه الظروف التى سقتها إليك. ونستطيع أن نقدر فجيعة أمى فيه .. لقد كان يمكن أن تجن المسكينة من الحزن لولا إيمان عميق بالله، رأيت مظاهره بعد أن كبرت من خلال أحاديثها التى كانت تعتز فيها بهذا الإيمان ..

فهى لم (تصوت عليه) ولك تلطم خدودها ولم تقطع ثيابها، ولم تصطبغ "بالنيلة" ولكنها كانت تبكى وتهتف ((صبرنى يارب)) ((صبرنى يارب)) كانت تقول لى أمى وكلما وجدت النار توشك أن تشتعل فيصدرى رحت أضرب على ركبتى حتى لا ألطم على خدودى ..

ولقد عاشت أمى بعد وفاة أخى عشر سنوات لا أظن أنه راقت لها فيها دمعة، أو انقطعت عن ذكره طوال هذه العشر سنوات.

كانت تبكى كلما صلت وكانت تصلى كثيراً جداً، وتقول: أنها تسدد ما عليها من حساب، فهى لم تبدأ الصلاة إلا في سن الخامسة عشر ..

إذن فقد فاتتها الصلاة ثمانى سنوات إذ كانت يجب أن تصلى منذ السابعة (هكذا قالوا لها)، فعليها إذن أن تعيد هذه الصلوات كلها مضافة إلى السنن والنوافل ولذلك كانت تستغرق كل يوم ساعات في الصلاة ..

وما رأيتها إلا دامعة العينين باكية ..

وإن كان ذلك قد خف كثيراً في السنوات الأخيرة ولكنه لم ينقطع أبداً، ولم تكف حتى بعد أن كبرت عن أن تقارن بينى وبين هذا الأخ الراحل، وكيف أننى لا أساوى "بصلة" بالنسبة إليه، وتروح تعدد محاسنه التى لا تنتهى وتعدد مظاهر طاعته لأبيه التى لم نكن نظهر مثلها ..

كانت تحدثنى كيف أن أباه يلطمه على وجهه، وهو موظفاً في الحكومة فلا يزيد على أن يقبل يد أبيه مستغفراً .. فأين هذا مما نظهره نحن من تمرد على إرادة والدى ..

كان يشترى لها روايات (اللص الشريف سنكلر) ويطالعها لها كلها فقد كان يقضى كل سهراته معها يطالع لها في هذه الروايات ويطالع لها في مناسبات أخرى في كتب الدين ويفقهها في الصلاة، وقد حفزنى ذلك يوماً ما على أن أشترى كتاباً في وصف الجنة والنار لأتلوه عليها محاولاً استرضاءها ..

وما زالت مذكرتى تحمل صورتى وأنا جالس على الحصيرة أتلو على والدتى وصف النار فيقشعر بدنها .. وأتلو لها وصف الجنة فيتهلل وجهها بشراً !

قدر

على أن الحادث الذى كانت والدتى تقصه على في معرض التفجع على أخى الراحل أكثر من غيره .. وكلما امتد العمر بنا سوياً كانت تكثر من ذكره:

هو أننى كنت مريضاً إبان مرض أخى الأكبر بنفس الحمى ..

وفى رأسى صورتى وأنا راقد في حجرة خالية من الأثاث ..

ثم يأتى أقوام فيأخذوننى من الحجرة وعند هذا القدر تنتهى الصورة.

تقول أمى لقد أن يراك محمد وقد استفاق من غيبوبته فقد كان يحبك ..

وتنهمر الدموع من عينيها وتسترسل قائلة كان يرانى دائماً إلى جوارك فيقول:

وأين أحمد فأقول له في الحجرة الثانية فيقول اذهبى واجلسى معه واهتمى به فإن أحمد خسارة ..

فكانت ترد عليه ( يروح يا أخويا أحمد في ستين داهية وأنت تخف )، فيقول لها حرام يا نينة تقولى كده أحمد خسارة قومى اقعدى جنبه. وتجهش بالبكاء أمى بالبكاء وتقول.. "

ثم مات النافع ..

مات الفالح ..

وبقى الشقى يا ليتكم متم جميعاً وبقى هو " ..

هذا هو الشقيق الأكبر الذي احتل الجانب الأكبر من تكييف طفولتى على ما يظهر فإنى ما زلت أحفظ حتى الآن صوراً مضيئة في ذاكرتى وبالبحث عن ملابسات هذه الصور أراها كلها ترتبط به..

فأنا أرى نفسى في مكان بعيد عن مصر، عرفت بعد أن كبرت أنه كان مدينة بنها التى نقل أخى ليعمل موظفاً بها.

وقد اصطحبنى معه لأقيم معه بضعة أيام.

فقد كان لا يحتمل فراغى ..

وأرى نفسى رعاية بعض الناس أو بالأحرى بعض السيدات والفتيات، ويظهر لى أنه كان يتركنى في بيوت بعض زملائه الموظفين ولهم أخوات أو بنات وكلهن يطمعن في زواج "محمد أفندى" فكن يدللن أخاه الصغير ويغمرنه بالعطف والحنان والحلوى والشيكولاته عساه يكون سفير خير عند أخيه.

يا فتى العصر

وفى صورة أخرى أرى نفسى مرتدياً بدلة بحار، وإنسان ما يحملنى ليوقفنى على كرسى ويطلب منى أن أخطب. وأغلب ظنى أن هذا الإنسان كان أخى الذى كان يصطحبنى معه في كل مكان .. ومازالت صورة البيت الذي كنت أتردد عليه أكثر من مرة في مخيلتى..

ولقد اعتدت أن أمر عليه بعد أن كبرت .. إنه بيت في "الصليبة" له باب حديدى .. وقد حدث أن قابلنى بعد أن كبرت بعض سكان هذا البيت وحاولوا أن يذكرونى بأيام الطفولة .. أيام كان أخى الكبير يأخذنى معه إلى هناك ويطلب منى أن أقول الخطبة التى علمنى إياها ..

ولقد قالوا لى أنها خطبة كان عنوانها "يا فتى العصر" واكنت تدور حول التنديد بفتى العصر الذى فقد معالم الرجولة، وأصبح يميل إلى التخنث وتزجيج الحاجب، والبطالة والكسل، وليس في ذاكرتى شيء من هذه الخطبة ..

ولكن الصورة لا تزال ناصعة.. صورتى وأنا أحمل فوق الكرسى أو المائدة لأقول شيئاً والناس من حولى مرددة معجبة.

ريالات كثيرة

على أن الصورة المحفورة في نفسى من هذا العهد البعيد .. صورة والدى يوم جنازة أخى .. وكنا في الإسكندرية واكن والدى يبدو كاسف البال، ولكنه متمالك الأعصاب .. ويحمل في يده عديداً من الريالات الفضية ينفق منها على مصاريف الجنازة ..

وقد استوقفنى منظر هذه الرايلات اللامعة، ولا تزال عالقة في ذاكرتى .. ولقد علمت بعد أن كبرت أننى كنت دائم الإشارة إلى هذا المنظر، فحدثتنى والدتى أنه استدان في هذا اليوم نقوداً من موظف كبير كان يبرده ويوده وهو المرحوم محمود بك من رجال المعية، فأسعفه في ذلك اليوم بما كان لديه من المال وكان على صورة هذه الريالات الفضية.

صورة من الإسكندرية

ولا يزال للإسكندرية ورحلاتى إليها مع والدى أيام الطفولة بعض صور لا تزال عالقة برأسى حتى الآن، لأنها لم تبارحها أبداً ..

صورتى وقد أرسلت على ما أذكر لأشترى قطعة من الجبن "الرومى" من أحد البقالين .. وأثناء عودتى إلى المنزل وقفت في منعطف من الطريق وفتحت ورقة الجبنة الرومى وأخذت قطعة فأكلتها .. وهأنذا بعد أربعين سنة من هذا التاريخ لا أزال أحس طعم هذه الجبنة على لسانى ولست أذكر أننى تذزقت طول حياتى جنة رومية تصل إلى طعم هذه المرة.

من فوق سراى رأس التنين

وصورة أخرى أرى نفسى فيها على سطوح سراى رأس التنين، حيث كان يعمل والدى وقد راحوا يرننى المناظير المكبرة الموجودة فوق السطوح ورحت أنظر فيها إلى المراكب الداخلة إلى الميناء من عرض البحر.

حول الترسة

والصورة الأخيرة التى لا تزال عالقة برأسى هى صورة تجمع الناس بالقرب من شاطئ البحر حول ترسة اصطادوها.

وقد فاتنى أن أقول لك أننا كنا نسكن دائماً في حى الأنفوشى ليكون والدى قريباً من محل عمله في السراى.

هذه هى الصورة التى ما زلت أحملها من طفولتى المبكرة عن الإسكندرية، ويجب أن تكون كل هذه الصور في حديث عن الأعوام السابقة على تولى السلطان أحمد السلطنة، لأنه بمجرد أن مات السلطان حسين وعين بدله السلطان فؤاد كف عن عن أن يأخذ أبى في معيته إلى الإسكندرية، بل إنهم نقلوه بعد ذلك إلى وزارة المالية، وتوقفنا عن الذهاب إلى الإسكندرية فهى كلها من الطفولة المبكرة، وقبل أن أبلغ السابعة بل السادسة على الأرجح.

وإلى هنا تنتهى الصورة المعلقة في ذهنى والتى لا أستطيع أن أربطها في حوادث متسقة، وهناك صور معاصرة لها لا تزال في ذهنى ولكنها أكثر اتساقاً واتصالاً بما بعدها، فإنها ترتبط بالحوادث والأشخاص والأماكن التى درجت فيها، ولذلك فإننى أستطيع أن أذكرها بشيء من التسلسل والمنطق أكثر من هذه الصور المتقطعة.

الكتاب

فلا يزال في ذاكرتى منظر الكتاب الذي كنت أذهب إليه وأنا طفل صغير جداً من غير شك أى قبل الخامسة، فلابد أن يكون ذهابى إلى الكتاب في وقت مبكر جداً فلازلت أذكر المدرسة الأولية التى انتقلت إليها بعد الكتاب ..

وكيف انتقلت بعد ذلك إلى مدرسة البهية البرهانية التابعة للجمعية الخيرية الإسلامية بسنة تحضيرى، وكان عمرى يقل عن ست سنوات فلابد أنه كان ذهابى إلى الكتاب ما بين الرابعة والخامسة.

ولا تزال من ذكريات الكتاب في رأسى روائحه .. ورائحة الحبر في المحابر، وهى مليئة بقطع من القماش ونحن نغط القلم ونضغط على القماش المبلل بالحبر لنستطيع أن نكتب ..

لا تزال هذه الرائحة في ذاكرتى .. وكان في مدخل الكتاب رجل أوامرأة لا أذكر يبيعان الطعام للأولاد، ماء اللفت في طبق صغير فنغمس هذاالماء بالخبز أو بالأحرى نفتت فيه الخبز فيصبح له طعم جميل جداً لا يزال عالقاً بذاكرتى وما زال منظر الفلقة وأحد الأولاد يعدونه ليضربه سيدنا ..

لا يزال هذا المنظر مرسوماً في الذاكرة. ولكنى لا أذكر أن هذه الفلقة استعملت معى أبداً .. ولعل ذلك إنما كان يرجع لأننى ابن الأفندى .. الأفندى الكبير الموظف في ديوان السلطان ..

وبعد ذلك في الحكومة وما زالت صورة اللوح الصفيح حيث كنا نكتب عليه بالقلم البسط آيات من القرآن لنحفظها عالقة بذاكرتى ..

ولا تزال ذكرى غامضة عالقة بذاكرتى. إن هناك بعض الإشكالات كانت تدور حول خطى وأنه ليس حسناً .. وأننى لم أكن من صبيان الكتاب الممتازين، ولم أكن من الخائبين كذلك.

وكنت أحمل كل أسبوع قرشاً صاغاً للعريف، وهذا هو كل ما أذكره عن أيام الكتاب.

في حارة الجمالة

ولنتحدث الآن عن حارة الجمالة حيث ولدت ودرجت ونشأت وترعرعت وحيث لا يزال كل ما يتصل بها عالقاً بذهنى واضحاً كل الوضوح، ذلك أنه ظل متسلسلاً مستمراً على الزمن بعد أن كبرت. لا تزال الحارة هناك في حى طولون ..

في منطقة منه تسمى منطقة "العمرى" ولا تزال حارة الجمالة تحمل هذا الاسم على لوحة مصلحة التنظيم الزرقاء.

التى كانت موجودة هناك منذ ذلك الأمد البعيد، ولعل هذا يصور لك أهمية الحارة. والحارة مسدودة في نهايتها بحوش "الجمالة"، ولكن فتحة تتفرع منها قبيل بيتنا كانت تقودنا إلى الجبل ..

إلى جبل طولون وقلعة الكبش ومنذ طفولتنا وفى هذه الحارة ثلاثة أماكن بارزة:بيت الشيخضيف الذي سبقت الإشارة إليه والذي يحمل فوق شراعة بابه تمساحاً محنطاً ..

والبيت الثانى هو بيت الأفندى، والمؤسسة الثالثة في هذه الحارة التى يشار إليها بالبنان هي حوش الجمالة في نهاية الحارة.

الشيخ ضيف

فأما بيت الشيخ ضيف فبيت كبير متسع كان يفوق بيتنا من حيث الاتساع والضخامة، ومن حيث الأهمية والشهرة .. فقد كان الشيخ ضيف شيخ طريقة كما قدمت .. وكانت الحارة أو بالأحرى سكانها يراقبون في حسد

وشعور مستمر بالحرمان سيل من الهدايا الذي كان لا ينقطع عن هذا البيت .. وليس لهذه الهدايا والعربات المحملة صورة في رأسى ولكن أحاديث والدتى عنها لا تزال ترن في أذنى،

فقد كانت كل الأسرة تتحدث عنها فيعدون أقفصة الفراخ التى وصلت أو الديوك الرومى أو الخراف أو القمح أو الزبد أو أنواع الفواكه .. كل ذلك يتقاطر من أنحاء القطر لشيخ الطريقة .. ولم أشهد شيخ الطريقة الصغير الشيخ ضيف الصغير.

والصورة التى تحفظها ذاكرتى هى صورة شيخ (مقلوظ) وأعنى (بالمقلوظ) أنه من هؤلاء الذين يسبكون عمامتهم ويهتمون بقيافتهم .. ويحبون الحرير والألوان المبهجة. وكان بيت الشيخ ضيف في ثلث الحارة الأول حيث يتصل بشارع العمرى ..

وكان بيتنا يأتى في الثلث الأخير من الحارة .. وكان مشهوراً بأنه بيت الأفندى، وأحسب أن الساعة قد حانت لنتحدث قليلاً عن هذا الأفندى الذي هو والدى.

الأفندى

ولد الأفندى في بلدة كفر البطيخ من أعمال مركز دمياط .. وسمى "محموداً" وكان سم أبيه حسينا وسم جده محمدا واسم جده الأكبر دهب، ولقد قص على والدى فيما بعد أن مسقط رأس الأسرة كان في الصعيد، وفرض عليهم أن يأخذوا أرضاً فيهربوا من الصعيد واتجهوا نحو الشمال لينجوا بأنفسهم من أن تكون لهم أرض وما يتبعها من تكاليف والتزامات ..

واستقر بهم الحال في كفر البطيخ، وكانوا يشتغلون بتجارة المواشى، وكان حسين والد أبى هو أول من اشتعل كاتباً في بعض التفاتيش وليس يحضرنى اسم التفتيش.

وولد له أبى، ومن حيث حديث أبى عن تاريخ حياته مسائل تستوقف النظر من حيث نضجه المبكر .. فعندما بلغ الثامنة من حياته لم يكن يعرف القراءة والكتابة فحسب،

بل إنه أنشأ كتاباً كان يعلم فيه الناس ممن هم أكبر منه سناً، وكان يتقاضى _كأى عريف_ أجراً على تعليمه.

وكان الكبر قد أصاب أباه في عينيه فلم يعد يحسن الاضطلاع بعمله، فكان أبى الذي لم يزل صبياً يقوم بعمله خير قيام ورضى ورضى رؤساء أبيه عن عمله، فأبقوا الشيخ في منصبه مادام ابنه يؤدى عمله .. وفي يوم من الأيام جاء مفتش يزور التفتيش فطلب مقابلة كاتب الحسابات فجاؤوه بأبى الذي كان لا يتجاوز العشر سنوات على ما أذكر..

وذهل المفتش أن يكون ذلك كاتب الحسابات وبان الغضب على وجهه فأفهموه القصة .. ونصها: مرض الكاتب الأصى بعينيه وأن ابنه يقوم بعمله .. فقال لهم وكيف يستطيع ذلك الصغير أن يقوم بالعمل؟! .. فأجابوه سترى أنه يحذق عمله ..

وبدأ المفتش يسأل الصبى عن حسابات التفتيش والصبى يرد بوجه يثير الدهشة .. وبدأ الاطلاع على الدفاتر فكانت لا تقل أحكاماً عن الإجابات الشفوية .. ورضى المفتش وابتهج بهذا الصبى الصغير ..

ابن الحادية عشرة يزيد دخل الأسرة

وكان هذا الحادث العارض بدء انقلاب في حياة الأسرة. فقد ازداد الصبى ثقة بنفسه وشعوراً بكيانه، وتطلعت نفسه لاستغلال شخصيته فانتهز فرصة خلو وظيفة كاتب حسابات في أحد فروع هذا التفتيش الأخرى وذهب بنفسه ليقابل المفتش الذي سبق له أن امتحنه وأعجب به،

وطلب أن يشغل هذه الوظيفة الخالية .. قال له المفتش: وماذا تفعل بأبيك الذى لن يستطيع العمل؟ فأجاب محمود:

إن أبى يستطيع أن يزاول العمل بنفسه، فإذا لم يستطع فإن من حقه أن يستريح وسأحمل له المرتب الذي أحصل عليه، وأجرى امتحان للصبى الذي لا أظن أنه كان يزيد على أحد عشر عاماً في ذلك الوقت، ونجح في الامتحان وتلقى الوظيفة ذات المرتب الضخم،

فقد كان لا يقل عن ((مائتى قرش)) ومائتا قرش في ذلك الوقت أى من ستين عاماً كانت شيئاً مذكوراً "ستون عاماً وقت كتابة المذكرات عام 1951 أى أكثر من مائة سنة اليوم".

وقد غضب أبوه بطبيعة الحال لهذا التصرف .. فقد بدأ يشقى في عمله وينكشف عجز بصره بالتدريج، ولكن ابنه عالج الموقف بأن عين لأبيه صبياً مساعداً بخمسين قرشاً في الشهر ليؤدى له مطالعة الأرقام وإثباتها تحت إشرافه، وفى نفس الوقت ساق لأبيه المرتب الذي حصل عليه فى أول الشهر، وهكذا لم يستطع والده إلا أن يسكت عن تصرفات ابنه الكبير والتى انتهت بزيادة دخل الأسرة.

ولعل هذا الحادث يكشف عن شعور والدى العميق بشخصيته وحرصه الشديد على الاستقلال بهذه الشخصية وهو بعض ما أورثنى إياه في مقدمة ما أورث.

وبدأت قصة الأفندى من ذلك التاريخ:

شاب ممتاز في حسابات الدوائر يتميز بالنشاط والحيوية والحزم، وبهذه الصفات راح يتنقل من عمل إلى عمل في التماس الترقى والنضوج.

واستقر به النوى في مدينة سمنود كاتباً للحسابات في دائرة السيد عبد العال، وفى سمنود تعرف بأسرة والدتى وكان يرى أباها ولعله كان موظفاً معه في الدائرة أو في عمل مشابه ..

ويقول أبى أنه أعجب بصورة أبيها الذي كان أبيض الوجه جميل الطلعة، فتصور أبى أن لو كان هذا الرجل بنت فلابد أن تكون جميلة خاصة وأن أخاً لها يبدو بدوره حسن الصورة ..

ولقد كان للرجل بالفعل ابنة تدعى هانم ولك يكن تصوره بعيداً عن الحقيقة، فقد كانت على جانب كبير من الجمل في مقياس أهل الريف وكانت بيضاء اللون ..

ممشوقة القد وكان هذا يكفى لجعلها نجفة في هذا الوسط، غير أن الذي لا شك فيه "أنها كانت تحفة بالفعل من حيث إخلاصها لزوجها وتفانيها في خدمته وفي الصبر معه على شظف الحياة وفي تدبيرها شئون بيته وأولادهما كأحسن ما تفعل سيدة ممن يطلق عليهم ستات بيوت".

كان الراتب في ذلك الوقت قد وصل إلى ثلاثمائة قرش أو لعله كان أكثلا من ذلك قليلاً .. وكان هذا الراتب قميناً أن يجعل الزوجين وما شرعا يرزقانه من أولاد يعيشون حياة معقولة ..

ولكن محموداً كان يعتبر نفسه مسئولاً في ذات الوت عن الأسرة الكبرى التى خلفها في الريف .. أسرة أبيه وأمه وأخواته البنات اللائى لم يكن لهن عائل غيره، بعد أن انتهى أبوه إلى التقاعد نهائياً لاشتداد العجز عليه، ولقد حدثتنى والدتى عن صنوف الحرمان التى عانتها مع أبى في هذه الحياة الأولى، حيث كان يرسل كل شيء إلى عائلته ويعيشون هم على الكفاف ..

وكانت تقص في حسرة شديدة كيف أنه كان يحدث في بعض الأوقات أن تأتيهم هدية من هنا وهناك ولتكن عنباً مثلاً فتمنى والدتى نفسها بأنها ستأكل العنب الذي حرمت منه طويلا ويتلمظ إخوتى الصغار في ذلك الوقت لهذا العنب، فإذا بقرار والدى يصدر بأن سلة العنب سيعاد شحنها للسفر إلى كفر البطيخ لأمه وأبيه وإخوته ..

وتحتج والدتى فينتهرها فتبكى .. فيقول لها "يا مجنونة هؤلاء أناس محرومون من كل شيء .. أما نحن فباستطاعتنا ونحن نعيش في المدينة أن نحصل غداً على قفة عنب .. ولكن قفة العنب هذه لم تكن تأتى أبداً .. أو هكذا كانت تقص على والدتى .."

وكانت الأمور تسير على هذه الوتيرة فكل شيء يصل إلى يده يسرع به إلى البلد .. ثم بدت عليه ظلهرة جديدة وهى رغبته في إقامة المآدب لزملائه ومعارفه إذا وقع في يده ما يمكن أن يصلح لإقامة مأدبة .. تقول أمى أهداهم بعض الناس في مناسبة من المناسبات ديكاً رومياً ولم تصدر الأوامر بترحيله إلى البلد ففرحت بذلك وابتهجت وهى ترى الديك يملأ عليها الحياة بهجة وأمانى حلوة ..

ولكنها فوجئت في يوم من الأيام أن الباشكاتب وفلانا وفلانا مدعوون لتناول الغداء عندهم في يوم معين وأن الديك الرومى سيكون هو محور المأدبة.

وقنعت والدتى هي وأولادها بالمرق وبعض حواشى الديك كالجناح وما أشبه .. وربما تخلف عن الضيوف بعض البقايا التى لم يمتد إلليها كرم كاتب الحسابات الحاتمى.

وهذه هى الصورة التى عاشت عليها والدتى طول حياتها قبل أن تنتقل الأسرة إلى القاهرة وهى فترة استغرقت 20 سنة على الأقل ..

ويضاف إليها الانتقال من بلد إلى بلد التماساً لرزق أوسع وراتب أكبر .. فقد كبر كاتب الحسابات وزادت مطامحه فكان كلما سمع عن وظيفة أكثر قدراً أو أكثر راتبا تقدم لها، ويظهر أن كتبة الحسابات في ذلك الوقت البعيد كانوا نادرين جداً ، أو أن والدى كان ممتازا جدا في عمله بحيث أنه لم يشك في يوم من الأيام من عدم وجود العمل، كما أنه لم يكن يتردد في أن يترك العمل إذا لم يعجبه ..

ولقد كان يستقيل من عمله لأتفه الأسباب إذا تصور أن كبريائه مست أو أنه ليس محل الثقة الكاملة .. ولقد كنت وأنا صغير في السن أتميز غيظا وهو يقص علينا كيف خرج من هذا العمل أو ذاك لأن صاحب العمل راجعه في قوله .. أو لأنه قابله بغير الوجه الذى اعتاد أن يقابله به.

في دائرة عزيز باشا عزت

عمل والدى في كثير من التفاتيش الحكومية والأهلية .. ومن الأسماء التى لا تزال عالقة في ذهنى بلدة "بشبيش" وكثيراً ما جاء ذكرها في أحاديث والدى ووالدتى ..

ولكن القصة المستفيضة التى ظللت أسمعها منذ طفولتى المبكرة حتى آخر أيام حياة والدى هى قصة عمله كاتباً للحسابات في دائرة عزيز باشا عزت وما بلغخ من المكانة في هذه الدائرة ومن الحظوة عند عزيز عزت.

ولقد بدأ والدى كاتباً عادياً أو ممتازا للحسابات ولعل راتبه كان قد وصل في ذلك الوقت إلى ستة أو سبعة جنيهات ..

ثم اكتشف أن هناك في الدئرة قطعة كبيرة من الأرض البور فاقترح أن تستصلح هذه الأرض فقال الفنيون بعدم إمكان استصلاحها،

فتطوع والدى بأن يقوم بالعمل إذا أعطى السلطة الكافية فمنحه عزيز عزت السلطة اللازمة فكتب إلى التفاتيش المختلفة التى تتبع الدائرة يطلب أن ترسل لهذه المنطقة بعض المواشى، فتجمع له أربعون زوجا من الثيران وفحول الجاموس والأدوات والرجال اللازمون للعمل ثم راح يعمل بهمة لا تعرف الكلل، فإن هو إلا شهران حتى استطاع أن يستصلح مائتى فدان على ما أذكر تقدم الفلاحون لاستئجارها بأربعة جنيهات للفدان ..

ونجحت المحاولة بذلك نجاحاً منقطع النظير .. فرأى عزيز عزت أن يكافئ والدى على هذا النجاح فعرض عليه أن يزيد في راتبه بضعة جنيهات أو أن يصطحبه معه إلى استنبول وقد كان السفر إليها في ذلك الوقت بمثابة السفر إلى أمريكا هذه الأيام حلماً يالج الكثيرين في أحلامهم.

وسافر والدى إلى استنبول في ركاب عزيز عزت .. وقد ملأت هذه السفرة ما بقى من حياته التى استمرت أربعين سنة بعد ذلك التاريخ ..

ولقد شببنا جميعا نسمع أقاصيص والدى في خلال رحلته إلى استنبول .. ولم يكن هناك سبيل لإدخال السعادة على نفسه أكثر من أن نطلب منه أن يحدثنا عن رحلته إلى استنبول .. ولقد كنت وأنا في أول شبابى استهجن هذه الحكايات التى سمعتها أكثر من مرة ..

ولكنى بعد أن كبرت لم يكن هناك ما يسعدنى أكثر من أن أجلس إليه ثم أدير الحديث حتى أصل إلى بعض ما سؤدى إلى استذكار حوادث استنبول، ثم أطلب منه أن يقص علينا القصة، فتلمع عيناه وتشيع في نفسه الغبطة والرضى، ثم يشرع يقص وكأنه يقص للمرة الأولى في حياته حوادث لم تطرق أسماعنا من قبل.

ولا عجب في ذلك فقد كانت هذه الرحلة بالنسبة إليه في شبابه المبكر قمة ما وضل إليه من النجاح .. فهذا الفلاح الصغير الذي خرج من كف الطبخ ليعمل بمائتى قرش لإطعام أسرته الخاصة وأسرة والده .. قد وصل إلى حد أن يسافر في ركاب أحد الكبراء إلى دار السعادة ويشاهد متاحفها وقصورها ..

ويجالس الأتراك ويلمس مظاهر عظمتهم التى كان يتطلع إليها المصريون في ذلك الوقت لسماعها، والتقط والدى بضع كلمات تركية خلال رحلته فكانت مما يترنم به من حين لآخر. وعندما يقص قصصه يتوبلها بهذه الكلمات التركية فتجعل لقصته رونقاُ.

استقالة لها دوى المدافع

وعاد أخيراً من استنبول في ركاب الباشا الكبير فوجد موظفى الدائرة جميعاً وقد قلبوا له ظهر المجن، فقد أشفقوا على أنفسهم من الخظوة التى نالها والنجاح الذي حققه بإصلاح المائتى ألف فدان مع أنه ليس إلا كاتب حسابات، وقد كان أولى بهذا العمل نظار الزراعة ومأموريها من الفنيين .. كان أولى به المفتشون ووكيل الدئرة الكبيرة،

ولذلك فقد اتحد الجميع على النيل من والدى والدس له عند عزيز عزت .. كان مما فعلوه أن كتبوا تقريراً يظهرون به أخطاء عملية الإصلاح وأنه ترتب عليها هلاك عشرة أزواج من المواشى وهزل باقى مواشى الدائرة، وأن عملية الإصلاح قد انتهت إلى إصلاح مائتى فدان فقد لا ألف فدان ..

وصوروا العملية على أنها كانت عملية فاشلة نتيجة تصدى رجل غير مختص، وأسرفوا في إظهار ما أصاب المواشى بعد كارثة موت عشرة أزواج وهزل الباقى وإشرافه على الموت ..

ويقول والدى أنه دعى ذات يوم ليقابل الباشا فدخل عليه فألفاه متجهماً، وبادره بالقول بأنه قد ظهر له (أى الباشا) أنه تسرع في مكافأته على ما قام به من عمل، فقد ماتت المواشى، والحى منها في طريقه إلى الموت، وأن هذا العمل كان تدخلا من كاتب الحسابات فيما لا يعنيه ..

وأنه وضع نفسه في غير محلها وكان والدى يذكر حتى آخر لحظة من حياته كيف رد على عزيز عزت .. وكان يذكر حتى الإشارة والإيماءة ويحس بذات الانفعال الذي أحس به ساعتئذ وكيف عزتَّ عليه نفسه إلى درجة أنه كاد يسب هذا الباشا الذي أظهر كل هذا الغباء .. ولكنه تمالك نفسه، وقال لسعادته في هدوء .. إن هذه العشرة أزواج من المواشى التى قيل أنها هلكت إنما ذبحتها بنفسى وبيعت للفلاحين بنصف سعرها الأصلى، وعلى ذلك لا يمكن أن تعتبر هالكة ..

أما القول بأن باقى المواشى قد ذبل بعد عملية الإصلاح .. فإصلاحه سهل ميسور وموسم واحد تأكل فيه المواشى جيداً يزول أثر المجهود الذثي بذلته .. وفي مقابل ذلك أصلحنا مائتى فدان دفع الفلاحون إيجارها أى ثمنمائة جنيه وستظل الدائرة تتقاضى هذا المبلغ إلى ما شاء الله ..

أى أن الباشا يحاسبنى على أننى أضعت على الدائرة مائة جنيه، في ثمن المواشى في مقابل ثمنمائة جنيه تأتيه كل عام، ولست أتصور كيف يكون ذلك محل اتهام أو محل غضب.

وأسرع عزيز عزت وقد تجلت له هذه الحقائق يصلح من مركزه فيقول أنا لست غاضباً، وإنما أردت أن ألفت نظرك إلى أن يكون عملك برفق وهوادة وفي حدود المعقول ..

فقال والدى هذا ما سأحاول أن أعمله إن شاء الله ولكن في مكان آخر غير هذا المكان، لأنى أرجو ان تعتبرنى يا باشا مستقيلاً ..

وصعق عزيز عزت أن يتجرأ هذا الكاتب الصغير على أن يتحداه بهذا الأسلوب ويتحدث عن الاستقالة فانفجر غاضباً ساخطاً، وطلب من والدى أن يسحب هذه الكلمة وأن يعتذرعنها، ولكن الكاتب الصغير أصر على موقفه ..

وقال للباشا إننى مقدر لسعادتك كل عطفك وجميلك وأياديك على، ولكننى كنت اعمل حتى الآن منطلقاً في ظل الاعتقاد أننى حائز على ثقة الباشا ..

أما وقد تبين لى أننى قد افقد هذه الثقة في أي لحظة لدس دساس أو خديعة حاسد موتور فإننى لن أستطيع أن أبقى في هذا الجو والمحيط .. قال ذلك وحيا الباشا وانصرف.

وعبثاً حاول بعض الوسطاء أن يؤثروا عليه ليعدل عن استقالته التى أصر عليها إصراراً عجيباً كنت كما قدمت ألومه عليه .. ولكنه كان يظهر اعتزازه بهذا الموقف.

ولست أستطيع أن أتتبع وظائفه التى انتقل إليها بعد ذلك .. ولكن قصة أخرى لا أستطيع أن أغفلها لكثرة ما قيلت أمامى ولأنها تحدد تماماً صورة والدى.في دائرة كمال الدين حسين بنجع حمادى

ولقد وقعت هذه القصة أثناء هذه الفتنة التى نجح الأعداء في إشعالها بين المسلمين والأقباط ليتمكنوا من توطيد استعمارهم في البلاد .. فعدت هذه المؤتمرات التى ألف فيها الأقباط جبهة .. وعقد المسلمون مؤتمراً معارضاً مؤلفين جبهة ثانية.

وفي ذلك الوقت اختير والدى باعتباره مسلماً ليكون باشكاتباً في تفتيش الأمير كمال الدين حسين في نجع حمادى، وقد كانت هذه أول مرة يرى فيها إلى مرتبة الباشكاتب وأول مرة يذهب فيها باشكاتب مسلم.لقد ذهب والدى مستصحباً أسرته وفي نفسه آمال عريضة وعزم وطيد على أن يبنى مستقبله الذى يتناسب مع مواهبه ونشاطه واقتداره،

ولقد اشترط قبل سفره أن يعطى سلطة مطلقة فمنحه إياها مفتش الدائرة التركى، ولكن الخلافات الطائفية كانت على أشدها في هذه الفترة كما قدمنا،

ولذلك فقد فوجئ والدى بمجرد ذهابه إلى مقر عمله كل موظفى التفتيش له وقد كانت جمهرتهم الكبرى من الأقباط.

يقول والدى لم يذهب أحد للسلام عليه أو استقباله، وعندما وصل إلى مقر التفتيش في اليوم التالى لاستلام العمل وجده قاعا صفصفا إلا من بعض الفراشين والخدم، سأل عن الموظفين ..

عن شعبة الحسابات .. وعن المخزنجى فقيل له أنهم مشغولون بسوق البلدة وأن عادتهم يوم السوق أن يحضروا متأخرين أو لا يحضروا على الإطلاق .. في هذا اليوم.

وتكرر الحادث في اليوم التالى، وهنا رأى الباشكاتب الجديد أن الأمر يحتاج إلى حزم شديد، فكتنب إعلانا يحتم فيه على الجميع الموظفين أن يكونوا موجودين في مكاتبهم الساعة الثامنة صباحا، ومن يتأخر عن الموعد يخصم منه مرتب اليوم، فإذا تكرر غيابه يخصم منه أسبوع من مرتبه .. فإذا غاب بعد ذلك يفصل من العمل فوراً.

وذهل الموظفون لهذه اللهجة التى يخاطبهم بها الباشكاتب فلم يسبق لهم أن سمعوا من قبل مثل هذا الخطاب الصارم وبدأوا يتراجعون عن موقفهم بعض الشيء، فانتظم بعضهم في العمل ولكن البعض الآخر رأى أن يمضى في التحدى حتى النهاية، والمسألة عندهم لم تزد على حرب الأعصاب في تصورهم.

وطبق الباشكاتب الجزاء على من تأخروا أول مرة فكتب قراراً بخصم يوم من راتبهم وعهد به إلى كاتب الحسابات للعمل به عند صرف المرتبات ..

حاول الكاتب أن يلتمس العذر للمتأخرين ويطلب السماح عنهم، ولكن الباشكاتب أصر .. ومضى المتخلفون في مناوراتهم فعادوا للتأخر فكتب قرار خصم الأسبوع من مرتباتهم ..

وجاء كاتب الحسابات ومعه بعض زملائه يبينون للباشكاتب خطورة هذه السياسة المنطوية في نظرهم على التحدى.. والمسألة يجب أن تكون مسألة تعاون .. فرد عليهم الباشكاتب بأنهم يجب أن يقولوا ذلك لزملائهم، فهو لا يعرف لماذا يخاصمونه ولماذا لا يرغبون في التعاون معه؟ ..

وسألهم في أى عمل يجوز للموظفين أن يذهبوا للعمل وقتما يشاءون ويخرجون منه عندما يريدون .. فقالوا له عشنا على ذلك طول السنين .. فقال لهم لا أظن ذلك .. وحتى لو كانت هذه طريقة من سبقونى فإنها ليست طريقتى .. قد يسمح رئيس العمل غير الشريف لموظفيه بالتهاون في عملهم أما الموظف المستقيم الذي يرعف واجبه فلا يسمح بهذا العبث ..

ولم يقتنع القوم بهذا الذي قيل، ولما كان موعد تنفيذ عقوبة الخصم من الراتب لم يحن بعد .. فقد مضى النفر الذي الذي أخذ على عاتقه إزعاج هذا الباشكاتب المسلم الجديد في الإخلال بالأوامر فتخلف واحد منهم عن الحضور في المواعيد المقررة عمداً ..

فما كان من الباشكاتب إلا أن أرسل إلى مقر الدائرة في القاهرة يطلب فصل هذا الموظف وأن يجاب طلبه فوراً ليستطيع مزاولة عمله وإقرار النظام في التفتيش .. وفوجئ الموظفون بقرار الفصل يأتى من القاهرة لهذا الموظف المخالف ..

وكان ذلك آخر ما يتصوره القوم، فالمسألة إذن جد لا هزل .. وهذا الباشكاتب لم يلق بالاً لهذا الجو الذي بدأ يحيط به، وفي خلال هذه الفترة كان قد بدأ يطلع على الدفاتر وعلى الحسابات ويكتشف اختلاسات وأموالا ضائعة .. وإهمالا شديداً عاد على الدائرة بأكبر الخسائر ..

ومرة أخرى دعا الباشكاتب الموظفين .. وأراهم هذا الذي اكتشفه في الدفاتر وأنه لن يسمح باستمرار هذا العبث ..

وأنه إذا كان سيتغاضى عن الأشياء الماضية التى سبقت حضوره، فهو لن يتسامح مع أى أحد كان ابتداء من الساعة التى أصبح فيها مسئولا عن العمل، لا تهاون ولا اختلاسات ولا استغلالا للنفوذ ..ومرة أخرى شعر الجميع بأن الجو أصبح خانقاً وأن هذا الباشكاتب لا يحتمل ويجب التخلص منه بأى شكل من الأشكال.

شرك الجنيهات الذهبية

وفي يوم جمعة وكان الباشكاتب في بيته طلب أحد الناس أن يقابله فاستقبله، وكان القادم يريد الالتحاق بوظيفة راتبها مائة وخمسون قرشاً في الشهر وتعجب والدى أن يجيئه الشخص في البيت يوم الجمعة وأحس أن في الأمر شيئا ..

وفي هذه الأثناء كان أخى محمد-وكان لا يزال صغيرا في ذلك الوقت- قد دخل إلى الحجرة يلعب .. فإذا بالرجل يعطيه في يده قرطاسا من الورق فأخذه والدى من يده فوجده ثقيلا بعض الشيء ولما فتحه إذا به يكتشف أن هذا القرطاس لا يحوى أقل من 12 جنيها ذهبيا فسأل الرجل عن معنى هذا فقال له هذه هدية صغيرة للمحروس ربنا يعمر بيتك ما انت هتعمر بيتنا،

قال له ولكن الوظيفة التى تتطلبها بمائة وخمسين قرش أى أن هذا المبلغ هو راتب تسع شهور تقريبا، فأجاب الرجل هذا كله فضلة خيرك، وسكت والدى قليلا وأطرق مفكرا ثم سأل الرجل ألك أقارب يعملون في التفتيش؟ قال نعم أنا ابن عم فلان، فقال والدى خذ نقودك أولا وإن شاء الله يكون خيراً، وخرج الرجل مسروراً ومغتبطاً.

وفي اليوم التالى جمع والدى الموظفين وأخبرهم بأنه قد أرسل إلى مصر يطلب فصل (فلان) بالتلغراف وقص عليهم ما حدث بالأمس وأن أمثال هذه الألاعيب لا تجوز عليه وهو لايمكن أن يرتشى .. وعبثا حاول الموظف المفصول أن يتنصل من الموضوع وأن يقسم بأن لا علم له به ولا دخل له فيه ..

وتحولت المسألة عند هذا القدر إلى مسألة حياة أو موت بين الموظفين وكان أغلبيتهم من الأقباط .. فأرسلوا الشكاوى تترى من هذا الباشكاتب، وفي هذه الأثناء كان المفتش التركى الذي عين والدى أعطاه السلطة المطلقة قد حل محله مفتش مسيحى جديد ..

وكانت زيارة واحدة من هذا المفتش للتفتيش كافية لأن تجعل والدى يدرك أنه لن يكون باستطاعته أن يواصل عمله في الحدود التى رسمها لنفسه، ولذلك فقد أسرع إلى القاهرة وقدم استقالته، ومرة أخرى حاولوا عبثاً أن يثنوه عنها وأنه ما عليه إلا ألا يكون جامداً أو متزمتاً ..

وأن يكون مرناً بعض الشيء وبحبوحاً، وقد كانت هذه آخر خلة يمكن أن يوجد فيها ذرة واحدة من خلق هذا الرجل، ولذلك فقد طويت صفحة نجع حمادى عند هذا القدر.

في المعية السنية

وتنقل والدى على ما أذكر في بضعة أعمال أخرى كان من بينها مجلس مديرية الغربية. وفي هذه الأثناء كان قد تعرف على موظف كبير في ديوان السلطان الذي كان يطلق عليه في ذلك الوقت "المعية" وكان هذا الموظف الكبير يسمى محمود بك محمد وهو رئيس الإدارة الغربية على ما أذكر، وقد أحب في والدى إخلاصه في العمل ونشاطه وغيرته وخلقه القوى فرجاه والدى أن يوجد له عملا في السراى ووعده الرجل خيراً ..

وجاءت فرصته عندما احتاجوا إلى كاتب حسابات فقال لهم محمود بك عندى لكم القوى الأمين، وأصبح محمود أفندى حسين كاتب حسابات في المعية، وهكذا وصل هذا الريفي الذي خرج من كفر البطيخ إلى أن يكون موظفا في المعية أى في أرقى بيئة في مصر .. وأصبح يتعامل مع الباشوات والكبراء الذين رضوا كل الرضا عن محمود أفندى.

وكان طبيعيا أن يصبح مقر محمود أفندى مدينة القاهرة وأن يسعى أول ما يسعى أن يكون له بيت يملكه، وقد كانت البيوت وملكية البيوت هي أعظم ما ترنو إليه نفسه منذ غادر بلدته حتى آخر يوم في حياته، ومع ذلك فقد قدر له أن يخرج من الدنيا وهو لا يملك شيئا من حطام الدنيا.

اشترى محمود أفندى هذا البيت في حارة الجمالة بثمانين من الجنيهات جمعها من كده وتعبه طوال سنوات. ففي خلال هذه المدة كان أبوه قد مات وكذلك أمه ولم يعد يرسل القسم الأكبر من راتبه إلى الأسرة في البلد كما كان يفعل .. وارتفع راتبه في هذه الأثناء ولعله كان يتقاضى في المعية خمسة عشر جنيها كل شهر على وجه التقريب.

ولذلك فقد اشترى البيت وهو مؤلف من ثلاثة أدوار الدور الأرضى وهو عبارة عن حوش وبه حجرتان أو بالأحرى (مندرتان) ثم دور أول يتألف من (فسحة) وثلاث حجرات،

ثم دور أعلى على غرار الدور الأول وسطح وما زلت أذكر كيف كان سطوح هذا البيت متصلا بسطوح البيت المجاور ولم يكن له دائر يحيط به وكيف أجرى والدى بمجرد شراء البيت عمارة به فانتزع بلاط الحوش القديم (المعصرانى) وجىء ببلاط جميل ملون من الأسمنت و"بلَّط" السطوح وبنى له دائراً أصبح مصيفاً جميلاً ننام فيه أيام الصيف في الليالى المقمرة وكان ذلك من أعظم المتع.

وطلى البيت بالزيت وأدخل الماء وهكذا أصبح جميلا نظيفاً ولكنه لا يزال في حارة الجمالة، على أن وجوده في حارة الجمالة في الواقع ميزة من أكبر المزايا فلو كان هذا البيت في غير هذه الحارة لما كانت له كل هذه الشهرة وهذا التفوق ..

ولو كان محمود أفندى حسين يسكن في غير حارة الجمالة لما كان له كل هذا الخطر في روحته وجيئته ولما كان بيت الأفندى أحد المعالم الثلاثة في حارة الجمالة.

ونصل إلى المكان الأشهر في الحارة ذلك الذي سميت باسمه نصل إلى حوش الجمالة ولابد أنه أقدم مكان في هذه الحارة وأنها تأسست من بعده وحوله.

إن هذه المنطة كما قدمت فيما يسمى جبل طولون ولابد أن للجمالة والجمال كان لهم صولة وجولة في الزمن القديم فكان هذا (الحوش) مركزا للالتقاء والسكنى والتخزين، ولكن عندما يبدأ تاريخنا هذا لم يكن هذا الحوش مسكنا للجمالة ولكن كان مسكنا لعمال قطع الأحجار (الدباشة) واكنت العربات التى تخزن به هي عربات الدبش، وكان سكان هذا الحوش الكبير هم عمال الدبش والحجارة على عكس باقى سكان الحارة والذين كانوا من صغار الموظفين أو صغار التجار وكبار الأسطوات ..

فكان هذا القسم والحالة هذه يعتبر منطقة حراما بالنسبة للأولاد الصغار لم يكن يسمح لنا أن نختلط بأولاد الحوش ولا أن نشاطرهم الألعاب ..

إن في باقى أولاد الحارة من يصح الاختلاط بهم (مع الاحتياط) وأما الحوش والاقتراب من الحوش فقد كان مبعث رعب شديد مما يقال حوله من إشاعات وعن نوع سكانه .. وه مبعث رعب من ناحية العقاب الذي يحل بنا من الأسرة إذا اقتربنا نحن منه فضلا عن الدخول إليه والامتزاج بسكانه.

ولكنى مع ذلك غامرت أكثر من مرة بالدخول إلى ما وراء هذا الستار الحديدى وما زالت ذاكرتى تحفظ من هذه المغامرات صورتين واضحتين كل الوضوح.

أما الصورة الأولى فلعب أطفال الحوش عربات صغيرة من الصفيح على صورة عربات الدبش الكبرى، ثم يربطون بهذه العربات كلاباً كأنها الخيول أو البغال التى تجر العربات بأنواع مختلفة من الدبش وقطع الفخار الأحمر على غرار أنواع الأحجار المختلفة التى يتعامل فيها آباؤهم ..

وما زلت أذكر حتى الآن الانفعال الشديد الذي أحسست به وأنا أرى اأولاد يلعبون بهذه الدمية الحية وشديد رغبتى في أن تكون لى عربة من هذه العربات يجرها كلب ..

ولكن لم أجرؤ على هذه الدرجة فاكتفيت بالمراقبة وبالعدو مع الأولاد من حول هذه العربات داخل الحوش العظيم.

أما الصورة الثانية عن مغامراتى داخل هذا الحوش والتى لا تزال محفورة في ذهنى كذلك فصورة زار أقامه الأولاد والفتيات على غرار حفلات الزار الكبرى.

وفي هذه الحفلة تطورت في الاجتراء ودخلت بيتا من البيوت حيث كانت تقام هذه الحفلة .. واقيم الكرسى وأحضر الأولاد حصا وفولا سودانيا وبعض الملبس (الأرواح) ووضعوه فوق الكرسى قياسا على كرسى الزار الذي حمل كل أنواع المكسرات والفواكه ..

وبدأت الطبول تدق والصبيان والفتيات يرقصون رقصة الزار (يفأروا) وفي هذا الجو الصاخب أحسست أننى تماديت في الاجتراء على مخالفة القوانين فانسحبت من الحفلة خائفا مذعورا .. ولا أذكر الآن إذا كنت قد عوقبت على الاجتراء أم لا من والدتى ..

ولكن الذي أذكره .. أننى لم أعد هذا الحوش بعد ذلك ولعل مرجع ذلك أننى كبرت في السن .. أو لأننى بدأت أتصل بالعالم الخارجى .. خارج حدود الحارة .. فقد كان التطور يقتضى أن أنقل إلى مدرسة أولية .. وتقع هذه المدرسة خارج نطاق الحارة والمنطقة التى تجاورها ..

ولعلها تقع في شارع طولون الأصلى .. على أية حال لا تزال هذه المدرسة هناك .. وباتصالى بهذه المدرسة انفصلت عن أولاد الكتاب وبيئة الكتاب وأصبحت أرتدى بدلة بدلا من الجلباب في الكتاب.. ولابد أن لذلك تأثيراً في عدم ترددى على حوش الجمالة.

في المدرسة الأولية

ليس هناك ما يتصل في ذاكرتى من أيامى في هذه المدرسة إلا ما يتصل بالمأكولات الشهية والحلوى التى أحصل عليها بمصروفى اليومى أثناء ذهابى إلى المدرسة أو بعد خروجى منها أو في وقت الفسحة في الظهر.

كان مصروفى اليوم مليما .. وقد كان هذا المليم له قوة شرائية عجيبة لا تتخيلها هذه الأيام. كان هناك أمام المدرسة دكان يبيع (السجق المحمر والكبدة والفشة وكل متعلقات الخروف) .. وكنت أقف أمام دكان الرجل وهو يحمر قطعة السجق الخاصة بى والتى قد تكون أحيانا بنصف مليم ..

وأحيانا بمليم كامل فتكون كبيرة الحجم، وما زال منظر صينية الكبدة والدهن السائل بها وهو يفرقع ويطشطش فوق النار ..

لا يزال منظر الرجل وهو يقذف بقطعة السجق في هذا السائل الدهنى الحار فلا تكاد توضع به حتى تنبعث منه رائحة زكية مع تطاير رشاش الدهن .. لا تزال هذه الصورة منطبعة في ذهنى كأحلى ما يوجد في ذهن الإنسان من ذكريات.

وكان هناك (الكسكسى) الذي يمكن الحصول على طبق منه بنصف مليم أو طبق بمليم كامل .. وهو بدوره طبق فاخر كان يخفق له الفؤاد، أو طبق من (الكشرى)، هذا الأرز والعدس (أبوجبة) والذي لا يستكمل طعمه الجميل إلا بعد أن نغرقه بماء الشطة (الدقة)،

وهناك سيدة الجميع "البسبوسة" وكانت السعادة الكبرى هى الحصول على قطعة منها .. ونف مرة أخرى أمام صينية الرجل، حيث يقطع بسكينته قطعة صغيرة وفوقها (لوزة) ولكنها لا تأخذ أبهيتها وجمالها إلا بعد أن تحمر في السمن وبعد أن نرجوه أن يغرقها بالسمن.

وكانت هناك البليلة .. بليلة الذرة لا بليلة القمح .. وكان هناك دكان آخر يبيع الحلوى والملبس والأرواح وكان أجمل ما يستهوينا .. نوع من الحلوى في حجم الريال يلصق على شريط من الورق ويسمى "خد البنت" وحلوى براغيث الست وهناك هناك "العلى لوز".

وكانت هناك الدندورمة المصنوعة من اللبن الحليب .. وكانت لا تكاد العربة تظهر حتى نحيط ونصعد على عجلتها في انتظار ما اشتريناه، وكان هناك غزل البنات وكان مشهد الآلة وهى تصنعه أمامنا إحدى متع الطفولة.. (ولا يزال ممتعاً حتى الآن).

وكان هناك صنفان من الحلوى لا يثيران الاهتمام أمام المدرسة لأنهما كانتا مألوفتين داخل حارة الجمالة .. وتلك هى "حلاوة زمان يا عنبر"، وهي هذه الحلوى التى يلفها الرجل على عصا طويلة وفي آخر العصا (شخشيخة) فقد كان باعتها يرتادون أصغر الأزقة، وأما النوع الثانى فهو ما يسمونه (بسكويت بنيليا) وهو بسكويت رقيق يصنع على صورة قرطاس الورق .. وهذا أيضا كان باعته ينفذون إلى حارة الجمالة.

ولذلك لم يكونا يقارنان بهذه الأصناف الفاخرة التى ذكرتها لك .. والتى كانت تجعل الذهاب إلى المدرسة متعة المتع لأنها السبيل التى تمكنى من الاتصال بهذا العالم الزاخر بكل هذه الحلوى والمأكولات.

هذا هو كل ما تحفظه ذاكرتى عن أيامى في المدرسة الأولية مضافة إلى هذا الحادث الآخر الذي أوشكت صورته أن تمحى من ذاكرتى.

ها نحن نقف في الطابور في حوش المدرسة .. وهذا واحد يخرجنى من الصف .. وغمغمات عطف .. وحديث عن مرض في عينى .. وعدت إلى البيت ولقد كنت فرحا لرجوعى إلى البيت ..

ويظهر أننى كنت مصاباً برمد صديدى في عينى .. فقد بقيت بعد ذلك في البيت من هذا المرض ولازلت أذكر (ماء البوريك) وصورة الزجاجة التى تحمله .. وتنتهى الصورة عند هذا القدر ..

وعندما شفيت لم أرجع إلى هذه المدرسة ولكنى أدخلت إلى مدرسة أخرى هى مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية وهي تع في درب الجماميز .. وذهابى إلى هذه المدرسة الأخيرة كان يخرج بى من الحارة ومن الحى ويلقى بى في أحضان القاهرة، ولذلك فإن التاريخ يوشك أن يتسق وتبدأ معالم أيام الدراسة في الظهور، ولذلك فقبل أن نمضى في هذا القسم من ذكرياتنا المرتبة والمنسقة ..

فنرجع ثانية إلى مرحلة الطفولة الأولى ولنحفر في أعماق الذكريات .. عن صور لا تزال باقية في الذاكرة .. فإن كل صوة من هذه الصور تتصل بشيء يلقى الضوء على على سرد الحوادث فيما بعد.

أبو شنب

من العبث أن نتحدث عن ذكريات حارة الجمالة وما يتصل بها دون أن أذكر احد الأسماء الداوية الذي كان يتررد في كل يوم عشر مرات، وذلك هو أبو شنب (الزيات) أو باللغة العصرية (البقال) كان دكانه في الشارع العمومى الذي تبدأ منه الحارة وكان يقع في مواجهة هذا المدخل ..

ولما لم يكن في بيتنا خادم بطبيعة الحال فقد كنت أنا في طفولتى الوسيلة الوحيدة للحصول على حاجيات البيت من هذا الدكان، وخاصة الفول المدمس في الصباح، وكان الزحام يشتد ولكن ابن الأفندى كان يجد دائما رعاية خاصة، ليحصل على نصيبه من الفول في (السلطانية) ويعود حاملا السلطانية طوال حارة الجمالة.

وفي خلال النهار قد يتردد مرتين أو ثلاثا على أبى شنب، وكانت هذه هى نهاية الدنيا بالنسبة له.

قد كان أبو شنب في الطريق العام ولا ينبغى التجاوز يميناً أو شمالا بأى حال من الأحوال .. وكان ابن الأفندى يسير في الحارة وهى هادئة حتى إذا اترب من دكان أبى شنب تجلت الحياة، كما لو كانت بحرا متلاطم الأمواج فتدب القشعريرة إلى نفس الطفل الصغير فلا يكاد يحصل على مطلوبه حتى يسرع إلى الحارة إلى دار الأمان

حسن الطباخ

وإذا كان اسم أبى شنب باعتباره زيات المنطقة المشهور، فقد كان هناك اسم آخر لا يقل شهرة ويذكر من حين لآخر بشتى المناسبات وذلك هو اسم حسن الطباخ فتوة طولون.

كان اسمه يتردد بصفته بطل طولون وحامى حماه .. إن مجرد ذكر اسمه يجعل الفرائص ترتعد ولكن لا على أبناء طولون أن يخافوا منه فهو فتوة طولون ولا يمكن أن يعتدى على أحد من طولون .. لأن أحداً لا يفكر في طولون أن يعتدى عليه .. لقد بايعه الحى على الزعامة والقيادة فأصبح مسموع الكلمة.

الله حى عباس جى

وهذه هى صورة أخرى حية من صور حارة الجمالة ولعلها الصورة الوحيدة التى كتبت عنها بعد أن كبرت وبدأت جهاد مصر الفتاة في عام 1935 كتبت في مجلة الصرخة لسان حال مصر الفتاة مقالا تحدثت فيه عن هذه الصورة الحية من ذكريات الطفولة .. صورة الشيخ على وسيفه الخشبى.

والشيخ على رجل مجذوب على وجه التحقيق كما بدا لى بعد أن شاهدت الرجل وبعد أن كبرت في السن وكان لا يزال باقياً على قيد الحياة ..

فرأيت في عينيه ما يدل على حالته العقلية غير الطبيعية .. ولعل هذه الحالة غير الطبيعية هى التى أنقذته من القبض والاعتقال وإلا فقد كان يقول أقوالا خطرة ويدربنا نحن الأطفال على تمرينات وطنية كبرى..

من يدرى إذا كان كفاحى ضد الإنجليز طول حياتى .. لم يكن نتيجة تعاليم هذا المجذوب. كان يرتدى جلباباً وعمامة وفي رقبته بعض المسابح وفي يده سيف خشبى وفي يده الثانية بوق ينفخ فيه إذا ما حل بالحارة فتتجمع حوله الأطفال والصبيان ..

ولو دوى ببوقه في نصف الليل لتركنا أسرتنا وهرعنا إليه .. ولو حال آباؤنا ضدنا لملأنا البيت عويلا وبكاء.

كانت صيحة البوق "تو تو تو .. تو" نداء لا يمكن أن يقاوم .. ولا يكاد يدوى النفير حتى يلتف الصبيان ويردوا على صيحة البوق بقولهم: "صلوا على النبى" وتبدأ القصة بهذا الأسلوب الشيخ على يدوى بنفيره"تو تو..تو تو"

والصبيان يردون "صلوا على النبى" حتى إذا اجتمع الشمل وتكامل العدد بدأ الشيخ على يجرى ونحن نجرى خلفه هاتفين مع هتافه "الله حى .. عباس جى" "الله حى .. عباس جى" ولم نكن نفهم من هو عباس هذا، ولكن الصيحة كانت جميلة. الله حى عباس جى ..

ومن الواضح الآن أن ذلك كان في فترة الحرب عندما حال الإنجليز بين عباس وبين العودة إلى مصر وعينوا السلطان حسين على مصر.

ولقد حدث أن أرسلت تركيا حملة على مصر وكان معروفاً أن الخديوى سيكون على رأسها عندما تدخل إلى مصر .. ولابد أن صاحبنا الشيخ على كان يشير إلى هذا المعنى وهو يحملنا على أن نردد معه "الله حى .. عباس جى" ولعلك تدرك الآن خطورة هذه الدعوة التى كان يدعو إليها الشيخ .. ولكنه كان مجذوباً وكان سيفه خشبياً .. وأتباعه من الأطفال ..

ولذلك ترك وشأنه .. ترك يلقن الأطفال في الحوارى والأزقة قصة الوطنية الخالصة ويغرس في نفوسهم بذرة الحرب ضد الإنجليز لتحرير البلاد.

كان هتافنا الثانى إذا فرغنا من أنشودة الله حى عباس جى .. "ياعزيز كبة تاخد الانجليز .. يا عزيز كبة تاخد الانجليز.. وعندما نصل إلى هذا القدر نصيح جميعا بالشيخ على .. الحرب .. الحرب شيخ على عاوزين الحرب. وهنا تصل المظاهرة إلى ذروتها ..

وتصل الرواية إلى عقدتها فنحن الصبية نمثل الانجليز فننقض على الشيخ على لنصرعه، فإذا بالرجل ينفخ في بوقه ويهجم علينا علينا ملوحا بالسيف في الهواء فنسقط جميعا على الأرض موتى. هكذا كانت بعض تعليمات الشيخ على .. يجب أن يقع الأولاد صرعى على الأرض جميعا بمجرد أن ينفخ في البوق ويلوح بالسيف لأن الانجليز يجب أن يموتوا عن بكرة أبيهم ..

من هو الشيخ على هذا .. ماهو أصله .. ما هو مصيره .. لماذا أخذت هويته هذا اللون العجيب من قيادة الصبيان للهتاف لعباس الخديوى ولمحاربة الانجليز. كل هذه مسائل لم أشغل ذهنى في ذلك الوقت بحلها لأنه لم يكن يقوى على مجرد التفكير فيها .. لقد تقبلت الظاهرة كما هى .. ولقد ظللت أرى الشيخ على بعد أن كبرت وحتى بعد أن غادرنا حارة الجمالة ..

وانتقلنا إلى الشوارع الخارجية .. أذكر أننى رأيته مرتين أو ثلاثا يسير وحيدا في بعض الطرقات العامة كدرب الجماميز أو شارع مراسينة،

وكان بذات المنظر الجلباب والعمامة والسيف الخشبى والوب النحاسى .. فيستوفنى لبضع لحظات ويهتف شيء في أعماق قلبى "الشيخ على" ثم أنصرف عنه ساخراً بهذه الخزعبلات .. أما الآن وأنافي سن الثانية والأربعين فإنى أقف أمام هذه الشخصية ولا أستطيع إلا أن أعترف لها بأنها غرست فى نفوسنا "يا عزيز كبة تاخد الانجليز".

حرامية وضباط

وثمة لعبة أخرى شغلت كثيرا من طفولتنا فى هذه الفترة هى لعبة "حرامية وضباط" واللعبة مشهورة وربما كان الاطفال يلعبونها حتى الان .. ولكننا كنا نمارس هذه اللعبة بصورة عجيبة .. تبدو لى الان فذة ومحيرة فلست اعرف كيف اتيح لنا ذلك ..

وميدان هذه اللعبة كان بعيدا عن حارة الجمالية, كان خارج حارة الجمالية فى شارع العمرى وفى حارة صغيرة تتفرع منه تسمى "عطفة الزيادة" وكان يقع على هذا الشارع بيت لعمى شقيق والدى وهو المرحوم اسماعيل حسين ..

وكان يعمل فى وزارة الاشغال على ما أذكر ولكنه كان رجلا تقيا من المتمسكين باحكام الدين على طريقة اهل السنة (السبكية) من اتباع الشيخ خطاب الكبير .. وكان الرجل بالرغم من وظيفته الصغيرة محترما جادا فى الحياة حتى استطاع ان يبنى له بيتا خاصا به فى هذه المنطقة ..

كان له ابن يسمى زكى فكنت أذهب لابن عمى لألعب معه وكانت منطقتهم تعتبر أرقى من منطقة حارة الجمالية وبها بيوت محترمة يسكنها بعض متوسطى الحال .. وكان ممن يسكنون فى هذه المنطقة الأستاذ أحمد حسين الزيادة صاحب مجلة الرسالة وكان لا يزال شيخا فى ذلك الوقت يلبس العمامة وكان ممن يترددون عليه ويزورونه صاحبه الشيخ طه حسين .. وهذه معلومات لم اعرفها الا بعد أن كبرت بطبيعة الحال ..

وكل الذى عرفته فى ذلك الوقت أن في هذا البيت الكبير المواجه لبيت عمى سيدة تمت إلى أسرتنا برابطة من نوع ما فتزورها والدتى من حين لآخر وأزورها معها فكنت أرى بيتا جيدا وأثاثات فخمة تجعل قلبى يخفق ..

وهذه هى السيدة التى تزوجها الشيخ أحمد حسن الزيات ولقد علمت بعد أن أصبحت رجلا أن طه حسين كان يتردد عليه ويجلس معه معشلة من الأدباء في مندرة هذا البيت وأن أخا لى وهو التالى في السن لأخى محمد الذي مات كان يتردد على هذا البيت ويحضر الندوات الأدبية التى كانت تعقد في بيت الشيخ الزيات .. ويستمع لطه حسين.

هذا هو أحد البيوت وهؤلاء سكانه، حيث كنا نلعب لعبتنا التى أشرت إليها لعبة "الحرامية والضباط".

نقطة العجب في لعبة عسكر وحرامية، أننا كنا نرتدى بعض الملابس العسكرية "جاكيتات" وكانت هذه الملابس محلاة بالألوان الزاهية، وعلى صدرها أحيانا بعض النياشين ..

وكنا نمسك سيوفا مصنوعة من الحديد على صورة صليب .. وكان أكثر اللعب بهذا الطراز من السيوف ولكن الأمر وصل في بعض الأحوال إلى استعمال سيوف طبيعية أو على الأقل (تجربة) السيوف الحقيقية.

وكنا نقسم أنفسنا إلى فرق ودوريات وإلى رتب، فهذا عسكرى، وهذا ضابط وهذا قائد .. ثم نرسم خططاً، وإنى لأتسائل الآن: من الذى كان ينفق على شراء هذه الملابس وهذه الأسلحة؟ فلا أستطيع أستطيع أن أعرف .. ولم أكن أعرف في ذلك الوقت ..

لقد كنا ندخل بيتا من البيوت في هذه المنطقة، وبعض من فيه من السكان يقسموننا ويوزعون علينا هذه الملابس ثم يجموعونها بعد انتهاء اللعب.

ولقد فكرت على ما أذكر في ذلك الوقت أن أعمل على الحصول على هذه السيوف وهذه الملابس، فسألت عن مصدرها فقيل لى أنها تباع في سوق العصر، إن الحصول عليها سهل وميسور .. وبالتأكيد لم يكن هناك مال .. ولم أستطع الحصول على هذه الأسلحة وهذه الملابس فظللنا نقبل الأدوار الثانوية مع هؤلاء الكبار الذين يحرزون هذه الملابس ونسير في ركابهم ونصدع بأوامرهم.

وإنى لأتسائل: هل يوجد في مصر الآن أطفال يلهون في حارة من الحارات بمثل هذا الأسلوب، ويصل بهم الأمر إلى حد شراء ملابس ضباط وعساكر؟

تستوقفنى الآن هذه السلسلة المستمرة من ألعاب الطفولة التى أتيحت لى .. فمن صعود إلى الجبل وممارسة الحرب بالمقلاع وقذف الأحجار ..

ومن الهتاف يا عزيز يا عزيز كبة تاخد الانجليز والمحاربة مع الشيخ على المجذوب .. إلى هذه اللعبة المنظمة في صورة الحرامية والضباط، ونحن مرتدون ملابس الجنود والضباط ..

أتسائل هل لذلك كله تأثير في تكوين مزاجى وآرائى وعقيدتى التى تكونت على مر الحياة؟

لا أستطيع الآن وأنا أستعرض هذه البيئة إلا أن أشعر أن تأثيرها لابد أنه كان عميقا في نفسى .. على أن الذي لا أشك فيه ولا يحتمل الجدل أن الحوادث التالية ..

حوادث ثورة سنة 1919، ونصيب حى طولون فيها كان هو العامل الحاسم الذي وضع بذرة حياتى المستقبلية، وأنها ستدور كلها حول الصراع من أجل الشعب وحرية الشعب وكرامة الشعب.

على أننى أريد أن أنتهى أولا من هذه الصور المتناثرة التى لا تزال تناوش ذاكرتى عن طفولتى المبكرة، لأنتهى منها جملة قبل أن أنتقل إلى المرحلة الثانية مرحلة الدراسة الابتدائية واندلاع ثورة سنة 1919، حيث تأخذ ذكرياتى تسلسلا تاريخيا متسقا.

مصطفى في السلطة العسكرية

ومصطفى هو شقيقي الذي يكبرنى في العمر مباشرة ببضعة أعوام، لقد كنا أربعة أشقاء محمد وعبد الفتاح ومصطفى وأنا وقد مات محمد على ما قدمت لك واحتل عبدالفتاح مكانة في وزارة الأوقاف فلم يتم تعليمه ولم يحصل على البكالوريا التى رسب فيها،

وكان يصغره في السن مصطفى الذي حصل على شهادة الكفاءة من المدرسة الخديوية وانتل إلى السنة الثالثة ولكنه اختار أن يهجر المدرسة، وأن يلتحق بالسلطة العسكرية الانجليزية، موظفا بها.. وكانت السلطة الانجليزية تستخدم المصريين في ذلك الوقت بصورة واسعة، وكانت تغرى الشباب بالمرتبات التى كانت تدفعها لهم.

ومصطفى شاب طموح متحرر مغامر، سوف نتحدث عنه طويلا في مناسبات مقبلة. لقد كان لى أستاذاً

-من غير شك- ولست أحسب أن في تاريخ حياتى كلها من أحدث أثرا عميقا في حياتى بمقدار ما أحدث مصطفى ما سأستعرضه فيما بعد ..

ولقد بدأ مصطفى في طفولتى المبكرة يلفت نظرى إليه ويشغلنى ويحملنى على التطلع إليه في شغف وحب.

فها هو يتمرد على والدى ويخرج عن طاعته بمبارحة المدرسة والالتحاق بالسطلة العسكرية .. لقد كان والدى وقد لاحظ عليه النجاح المستمر والتفوق الدائم في الدراسة يعلق عليه الآمال الكبار في إتمام التعليم ..

وعندما نجح في الكفاءة ازدادت آمال والدى وضوحا .. فإذا به يفجعه بهذه (العملة) وإذا به يهجر المدرسة بدون إذن والدى أو علمه ..

وإذا به يخطره بخطاب أنه التحق بالسلطة العسكرية كاتبا بها .. ونستطيع أن نتصور غضب والدى وحنقه عليه وكيف أعلن براءته منه .. ولكن ها هو مصطفى يأتى في إجازة .. إن والدى ليس في المنزل وإنى لأراه الآن وهو يقدم لوالدتى الهدايا التى جاء يحملها لها من عمله في السلطة ..

ووالدتى مبهورة الأنفاس في فرح شديد ..

فهذا سكر ناعم بكمية كبيرة، ويظهر أن السكر كان عزيزا في ذلك الوقت .. وهذه علب لحم .. وهذه علب لبن مجفف وهذه كربونات جاز وهذا أرز، وهذه نود وفوق هذا كله فقد جاء يحمل نقودا كثيرة من مرتبه الكبير الذي يصرف له.

وقد تصالح والدى معه على ما يظهر ونزل عند الأمر الواقع خاصة أن الفتى في نهاية الأمر جاء بكل الراتب الذي يتقاضاه ولعله كان خمسة عشر جنيهاً وهي بالنسبة لشاب صغير في هذا الوقت كانت شيئا كثيراً.

وهكذا يطير به والدى ويرى أن الفتى ليس سيئا إلى الحد الذي تصوره .. كل الذي نعيه أنه كان يريد أن يتم التعليم ويحصل على شهادة علمية فأما وقد أبى ألا يقف عند هذا القدر فهذا شأنه .. أو لم يبدأ هو بنفسه الحياة بغير شهادة على الإطلاق ..

فلماذا لا يبدأ ابنه حياته العملية بشهادة الكفاءة .. وها هو يتاضى خمسة عشر جنيها وهو لا يزال في السادسة عشرا من حياه .. لا بأس بالموقف .. ويتم الصلح ولا يبقى في النفس إلا الإشفاق عليه من الخطر، وهذا الإشفاق يبدده مصطفى عن نفس والده،

فهو يعمل في مكاتب مصر الجديدة .. أو في العباسية .. ولن يذهب إلى ميدان القتال، وقد ينتقل إلى الإسماعيلية ولكنه يعمل في القاهرة أكثر الوقت.

ومازلت أذكر كيف عاد مصطفى في أحد الأيام وهو منزعج فلم يكد يرانى حتى قال الحمد لله .. ويتابع الحديث لقد كنت شديد الخوف أن تلعب بالرصاصة التى جئت بها. لقد أحضر معه فيما أحضر رصاصة من رصاص البنادق لنتفرج عليها،

وبعد أن خرج إلى عمله تذكر أنه تركها في (البوريه) وأن البوريه لا مفتاح يغلقه، وأنى قد أفتحه وأعبث بالرصاصة ود تنطلق في وجهى أو يحدث لى منها أى أذى على صورة من الصور .. هكذا تصور فترك عمله مسرعاً وجاء إلى البيت ليطمئن، ولذلك فعندما دفع نظره على ورآنى سليما معافى هتف هتافه الذى قدمته وهو الحمد لله .. ثم أخذ الرصاصة ووضعها في جيبه وانصرف إلى عمله ثانية.

لا تزال هذه القصة واضحة في رأسى بهذا التفصيل، فقد كان منظر الرصاصة مثيرا بالفعل ولقد حفر منظرها في رأسى وهو يرينا إياها لأول مرة .. وهو يخرجها من (البوريه) ويضعها في جيبه خوفا من أن أعبث بها.

ولقد بدأ يخالجنى شعور بالأهمية بعد أن رأيت وسمعت من قصص أخى مصطفى عن حياتهم في السلطة ما سمعت .. إننى أعرف ما لا يعرفه بية الأولاد .. ولى أخ مغامر يختلف عن بقية الإخوان.

خيال الظل

ولكى أنتهى الآن من هذه الصور المتناثرة أشير إلى خيال الظل وكثيرون من الراء يطالعون الآن هذه السطور لا يعرفون ما هو المقصود بخيال الظل، ولست أعرف كيف أقربه إلى أذهانهم .. إن خيال الظل في ذلك الوقت كان هو ما يقابل السينما في الوقت الحاضر بطرية بدائية بطبيعة الحال.

فقد كان يصنع من الورق المقوى صور بعض الشخصيات والحيوانات ثم يؤتى في الليل بصورة بيضاء من القماش ويوضع خلفها مصباح مضئ وتحرك هذه الصور أمام المصباح فيبدو ظلها على الشاشة، حيث يراها المتفرجون الذين يجلسون في الناحية الأخرى من الشاشة،

ثم تحرك هذه الصور بواسطة شخص يحركها (عن بعد بحيث لا يظهر ظله على الشاشة)، بواسطة عصا صغيرة تثبت في أجزاء الصورة المتحركة أى أيديها وأرجلها ورأسها، بحيث يرى خيال الصورة وهو يحرك قدميه ويحرك يديه ويحرك رأسه ..

ويتكلم الرجل الذي يحرك هذه الأشباح بمختلف الأصوات فيقلد صوت الرجل أو السيدة أو الطفل أو الحمار أو الحصان.

وعلى هذا الأساس كانت توضع روايات قصيرة يشترك في تمثيلها ثلاثة أبطال أو أربعة.

وتستطيع أن تتصور تأثير هذه اللعبة في نفس طفل صغير مصرى كيف تلهب خياله وتستولى على كل حواسه. وكان عهدى بخيال الظل ما يصنعه أخى مصطفى من هذه الألاعيب في البيت. فكان يقص الورق على شكل صور مختلفة ثم ينصب الشاشة في الليل ويروح يعرض على باعتبارى المتفرج الوحيد للألاعيبه وقصصه.

ولكن حدث في ذات يوم أعلن عن وجود حفلة لخيال الظل في بيت كبير في منطقة بطولون وسيشتهر هذا البيت في التاريخ المقبل باسم بي القباقيبى. وقد كان هذا البيت يقع في منطقة تبعد كثيرا عن حارة الجمالة أى عن بيتنا ..

وكانت الحفلة تقام في المساء ومع ذلك فقد تسللت من العصر من بيتنا وذهبت إلى مكان هذه الحفلة .. وكان الدخول إليها (بنكلة) أى مليمين .. وظللت أنتظر حتى جاء الليل وأظلمت الدنيا وسمح لنا بالدخول. وكانت الشاشة المقامة في حجم كبير وكانت مضاءة وعليها ظل الشخصيتين اللتين ستلعبان الدور الأكبر في الرواية التى ستعرض.

وقد خفق قلبى لرؤية هذا المنظر فهو يخالف هذه الصور الصغيرة التى كان يصنعها أخى مصطفى في البيت .. هنا شيء رائع على أصله بكل جلاله وروعته.

ومضى الوقت وأوغلنا في الليل دون أن يبدأ العرض المنتظر.. وبدأ يداحلنى الرعب والخوف لتأخرى عن البيت فلم يسبق لى أن تأخرت هكذا.

ولم أفكر في الانزعاج الذي سأحدثه لأهلى بطبيعة الحال. ولكنى بالرغم من طفولتى بدأت أحس بالحرج فى تأخر العرض إلى هذا الوقت .. ومع ذلم لم أستطع أن أبارح مكطانى قبل أن أشاهد التمثيلية ..

وفي تلك الأثناء كان شقيقي يبحثان عنى في كل مكان باعتبارى قد ضللت الطريق أو فقدت .. ولست أعرف كيف اهتدوا في نهاية نهاية الأمر إلى مكانى فإذا بى أفجأ بأخى مصطفى وهو يأتى ليسحبنى من هذا المكان، ومازلت أذكر حتى الآن هذه البسمة التى ارتسمت على وجهه عندما وقع بصره على .. بسمة إعجاب أن تصل بى المغامرة إلى حد الوصول إلى هذا المكان والدخول إلى هذه الحفلة ..

ويلوح لى الآن أنه لولاه لما اكتشف أحد مكانى فلابد أنهم في بحثهم الطويل سمعوا بموضوع حفلة خيال الظل فتبادر إلى ذهنه قد أكون ذهبت إليها .. وكان تقديره صائبا فهو أكثر الناس فهما لعقليتى.

هل ضربت في هذه الليلة أم لم أضرب لا أستطيع أن أذكر الآن! .. وقد يكون وجود أخى مصطفى إلى جوارى حاميا لى من الضرب .. وكثيرا ما كانت أمى تشير إلى أنى مجدود الحظ وإننى لا أضرب كثيرا كما كان الشأن بالنسبة لأخى الكبير .. وأننا قد ولدنا في عهد تطور فيه والدى فلم يعد يضرب كثيرا ..

حب القطط

ومما يتصل بطفولتى اتصالا وثيقا جدا هو تعلقى الشديد بالقطط والذي كان مصدر خلاف دائم بينى وبين والدتى التى كان في قلبها من الرحمة مالا يجعلها تكره القطط أو تعتدى عليها، ولكنها كانت دائمة تحذيري منها ..

ولا يظال في ذاكرتى حتى الآن كيف كنت لا أنام إلا وقطتى على صدرى وصوت والدتى في أذنى مستنكرة ذلك، وأن أنفاس القطة ستضر بصحتى عندما تخلط بأنفاسى ولكننى لم أكن ألقى بالى إلى تحذيراتها، ولم تكن هى تصل إلى حد انتزاع القطة من فوق صدرى أو من أحضانى.

وقد ظل تعلقى بالقطط مع طول حياتى يختفى تحت ضغط الظروف ثم يعاود الظهور ثانية، وعندما اصبح لى بيتا وأصبحت سيد البيت فكرت في إفساح المجال لقطة في البيت ولكنى سرعان ما اكتشفت أنها قد تكون خطرا على أولادى الصغار فقد حدث أكثر من مرة أن "لطشت" القطة أحد اولادى فكنا نسرع بالتخلص منها .. وأنا أعيش الآن بغير قطة في البيت مع أن طفولتى تنبئ أن القطط جزء لا يتجزأ من حياتى.

أخى عبد الفتاح يتزوج

واقعة لا تزال صور منها عالقة بذهنى وهى من حوادث الطفولة ..

لقد سبق أن أشرت إلى أن أخى عبد الفتاح –والذي أصبح أخى الكبير بعد وفاة محمد- حل محله في وظيفته في وزارة الأوقاف فعين كاتبا بها.

ولم يكد يوظف حتى طالب بحقه في الزواج .. فشرعت والدتى تبحث له عن زوجة من أسرة كريمة .. ولقد حدثتك عن رحلة والدى إلى اسطنبول وتعلقه بالأتراك ولذلك كان من أقصى أمانيه هذه المرة أن يصاهر أسرة ذات أصل تركى .. ولقد كان وجوده في ديوان السلطان سبيلا لتعرفه على بمن يسمى حسين بك سكوتى أحد جبار موظفى القسم التركى بالديوان، وربما كان رئيس هذا القسم بالذات ..

وقد استطاعت شخصية والدى أن تنجح في الحصول على موافقة الرجل على زواج أخى بابنته الكبرى وكانت تسمى عادل بلغتهم التركية .. وعديله بلغتنا المصرية ..

وقد كادت أمى تجن من الفرح وهي تصهر إلى هذه الأسرة التركية العريقة. وعندما توزجهنا لزيارتهم للمرة الأولى لزيارتهم في البيت الذي كان يقع في حارة تسمى باسم صهرنا الجديد الكبير "حارة سكوتى" وكانت تقع إلى جوار جامع طولون ..

عندما ذهبت مع والدتى إلى هذا البيت القديم والمبنى على الطراز العربى القديم .. أبهاء ضخمة وأفنية من داخل البيت تفتح عليها النوافذ وأسقف تنفذ الضوء من خلال (مناور – أو شخاشيخ) ذات زجاج ملون .. عندما رحت كطفل صغير يتدحرج من مكان إلى مكان فدخلت إلى الحمام الرخامى .. وسقفه على شكل القبة وقد ركب بها الزجاج الملون ..

كل ذلك جعلنى أننى قد انتقلت إلى عالم ثان وأننا أصبحنا من العظماء. وكانت عروس أخى عادل وإخوتها ليلى وحافظ ومنيرة على جمال تركى نعرفه في حارة الجمالة، ولا في البيئة التى تحيط بنا .. فكنت إذا ذهبت إلى هذا البيت فكأنى قد انتقلت إلى عالم الأحلام ..

وكانت السعادة الكبرى عندما يحجزوننى لتناول الغداء فكنت اجلس على المائدة في جو شاهق من حيث الارتفاع بالنسبة للطبلية التى كنا ناكل عليها في بيتنا .. فلم نكن نعرف المائدة وإنما كان طعامنا على صينية وتوضع هذه الصينية على كرسى مرتفع بعض الشيء عن الأرض ثم نجلس حولها ..

أما الموائد وتناول الأكل حول الموائد فهذه دنيا جديدة بالنسبة لى .. وكنت إذا رجعت إلى بيتنا احتاطت بى أمى وأخى يسألوننى عن كل أحوال بيت نسايبنا الجدد فأقص عليهم كل شيء .. وأشرح لهم تفاصيل الطعام وماذا كانوا يقولون وماذا يفعلون.

ويظهر أننى في هذه البيئة الجديدة نجاحا لا بأس به فكانوا يشجعوننى على كثرة الزيارة .. ومن ناحية أخرى كنت أشد حرصا منهم على الاستمتاع بهذا النعيم الجديد الذي صرت إليه .. فقد كنت أجلس فتحيط بى هذه السيدات الراقيات ..

وكنت أقص عليهن بعض النكات التى كنت أسمعها من إخوتى فكان صدور هذه النكت من صبى صغير في السابعة من عمره يقابل بابتهاج عجيب.

وقد وصلت سعادتى إلى ذروتها عندما صنعت لى العروس الجديدة (طاقية) من الحرير عدت بها إلى البيت وكأننى حصلت على كنز .. على أن سعادة أمى بهذه الطاقية التى صنعتها ابنتها المقبلة كان يفوق سعادتى.

والحق أن هذا الزواج كان مصدر سعادة في هذه الفترة لا للعريس بل لكل أسرتنا .. وأنا في الطليعة .. فقد أتاح لى هذا الزواج أن أتصل بهذا العالم العلوى السماوى وكان كل ما فيه جديد بالنسبة لى ورائع ..

وكنت فخورا كل الفخر بأنه أصهر إلى حسين بك سكوتى الرتكى الأصيل أى أنه خطب لابنه بنت الأكابر .. وكانت أمى سعيدة بطبيعتها الخيرة بأن حلمها الديم في أن تزوج ابنا لها من أسرة كريمة قد تحقق .. وأنه سيبح لها زوجة ابن أى بنتا ..

وكانت أمى شديدة التشوق إلى أن تكون لها بنت فقد رزقت عددا كبيرا من الأولاد لم يكن فيهم إلا بنت واحدة تسمى فهيمة ولم ترزق بعد ذلك ببنات .. ولم يبق لها إلا ثلاثة أولاد بعد وفاة أخى الكبير .. ويبدو لى أنها كانت شديدة التشوق إلى تكون لها بنت .. وكانت تهيء نفسها لاستقبال زوجة ابنها كائنة من كانت أحسن استقبال.

بل إن زوجة ابنها وقد أصبحت من أسرة تركية عريقة لم تعد تسمع والدتى إلا أنها يتكون خادمتها وانها لن تملها على مزاولة أى عمل بيدها وستوفر عليها مؤونة أى جهد .. ولقد برت والدتى بهذا العهد .. فلم يكن الزفاف يتم في حفلة متواضعة بسبب (حزننا) .. حتى أخلى الدور العلوى من بيتنا في حارة الجمالة للعروس الجديدة بعد أن أعد إعدادا جديدا ..

يتناسب مع الأثاثات الفاخرة التى جاءن بها العروس. ولقد كانت الأثاثات فاخرة بل أكثر من فاخرة بالنسبة لنا ولحارة الجمالة .. ولكنها في طبيعتها لم تكن كالأثاثات التى دخلت بها شقيقتها من قبل .. وذلك بسبب ارتفاع الأسعار في ذلك الوقت بمناسبة الحرب ..

ولكن هذا الذي جاء كان بالنسبة لنا كما لت شيئا لا يخطر على الذهن .. ولم تكن العروس تفعل شيئا وكانت والدتى هي التى تقوم بعمل كل شيئ في البيت رافضة أن تلوث العروس يدها بأى عمل من الأعمال،

وقد استمتع الزوجان بشهر عسلهما، والذي كان شهر عسل بالنسبة لى كذلك .. فقد كان أخى يخرج مع عروسه فى بعض الجهات الخلوية .. كانا يركبان الترام حتى نهايته في شبرا أو في الهرم .. ويظهر أن أحد رجال البوليس أو أحد الأشخاص تعرض لهما في بعض الجولات ظنا منه أنهما عاشقان وليسا زوجين، فرأيا أن يصطحبانى معهما في هذه الجولات ليكون مظهر الأسرة أكثر وضوحاً،

على ذلك فقد بدأ آخذ نصيبى من شهر العسل وهكذا كان هذا الزواج ينبوع سعادة كاملة بالنسبة لى، وعند هذا القدر ينتهى هذا القسم من خواطرى وذكرياتى لننتقل إلى خطوة جديدة حيث تتسق الصورة وتترابط الحوادث وتصل الحوادث بحوادث الحياة العامة الجارية.

ذكريات الصبا

وأخيرا جاءت الساعة التى كان يتعين على أن أذهب فيها إلى المدرسة الخديوية لأكشف فيها كشفا طبيا تمهيدا لقبولى فيها تلميذا. وكانت فكرة الكشف الطبى على محنة من أكبر المحن التى مرت في حياتى حتى ذلك الوقت والتى كانت تملأنى رعبا فد كنت أنطوى طوال السنوات الماضية على سر يتصل بمرض يملأنى خجلا وكنت في فزع أن يكتشف هذا السر أحد.

إن نشأتى في هذا الحى الوطنى الذي لا تتوافر فيه الصحة قد أصابتنى في رأسى بنوع من الأمراض الجلدية التى تصيب الرأس ولابد أن تكون العدوى قد جاءتنى عن طريق أحد هؤلاء الحلاقين من الذين يعملون في الحى والذين تتداول أيديهم وأمواسهم عشرات الرؤوس التى تسيل بهذا المرض الخجل (القراع)، لم يكن هذا المرض كما قدمت مستفحلا ولم يصل إلى مرتبة القراع،

فقد كانت رأسى كلها مكسوة بالشعر بحيث أن هذا المرض الجلدى لم يكن يرى إلا إذا فحص جلد الرأس عن كثب وبعد إزالة الشعر، ولقد مصت سنوات على وأنا أعالجه ..

ولقد كان العلاج في بادئ الأمر على نطاق واسع ولكنه لم يجهز على المرض فظل يعاودنى، وكنت اعالجه بوضع مرهم الزئبق على رأسى فتختفى آثار المرض ولكنه لا يلبث أن يعود إلى الظهور على صورة قشورة ناتئة في رأسى،

ولكنها كما قدمت مغطاة بالشعر فهى لا ترى أو تلحظ. ولم يكن هناك مجال لاكتشاف هذا المرض في رأسى أيام مدرسة محمد على فلما جاءت اللحظة التى تقدمت فيها إلى الكشف الطبى بالمدرسة الخديوية علمت أنه سيكون من بين عناصر الكشف الطبى فحص الرؤوس فامتلئت بالرعب والفزع وساورتنى الهواجس وانتابنى القلق وبدأت لا أعرف النوم بالليل كلما اقترب وقت هذا الكشف الطبى، واقترب الدكتور.. لم يعد يفصله عنى طالبين أو ثلاثة .. لم يفصله عنى إلا طالب واحد "يارب رحماك يارب .. يارب انقذنى يارب .. يارب لا تخجلنى يارب".

وكان الكشف على يومين: اليوم الأول كشف على قوة النظر وعلى سلامة الجسد ود اجتزت هذا بنجاح بطبيعة الحال ..

وجاء اليوم الثانى اليوم المرتقب .. حيث يكشف على رؤسنا وعلى جلودنا خوفا من أن يكون بها جرب.

ووقفنا نحن المتقدمين للالتحاق بالمدرسة صفا واحدا وطلب منا أن نخلع الطرابيش وأن نمد أيدينا إلى الأمام، وبدأ الطبيب من بداية الصف يفحص رؤوس الطلاب وينظر إلى أيديهم. وكان مكانى في الثلث الأخير من الصف.

ويالها من محنة ويالها من تجربة قاسية .. هأنذا أكتب هذه السطور بعد ما يقرب من ثلاثين سنة، ومع ذلك فلازلت أحس بلآلم التى عانيتها في هذه اللحظة آلام الخجل الذي سيصيبنى أمام هذه الجموع عندما ينظر الطبيب إلى رأسى ثم يخرجنى من الصف باعتبارى مريضا بالقراع.

وبدأت أستغيث بربى وأردد تعويذتى التى ظللت ألوذ بها طول عمرى كلما وقعت في شدة .. "يارب .. يارب .. يارب".

وكان الطبيب يفحص بدة ويتوقف طويلا أمام رؤوس الاطلاب ومن حين لآخر يخرج واحدا من بين الصفوف فيخفق قلبى ويصغر وجهى ويفيض ماء الحياة من نفسى لأنى أتصور أن مصيرى سيكون كمصير هؤلاء البؤساء الذين أخرجهم، وكام ما رعبنى هو الخجل الذي سينالنى أمام هؤلاء الطلاب.

وكان الطبيب يقترب منى رويدا رويدا وكنت أنظر إلى اقترابه برعب، كما ينظر الإنسان إلى كارثة تقترب من الإنسان لتدهمه أو قطار ليمزقه تحت عجلاته.

لقد وقعت الواقعة الدكتور يمسك برأسى ينظر إليها في لمحة خاطفة ثم يتركها وينصرف عنى إلى من بجوارى .. الله أكبر هل نجوت .. هل انتهى الأمر ..

نعم لد نجوت ولم يكتشف الطبيب في رأسى شيئا فهو لم إلى قمة حيث توجد آثار المرض ولكنه نظر إلى جانبى الرأس فلم يجد بهما شيئا ولعل الرجل كان قد تعب أو سئم، فلم يعد يحقق أو يدقق وما دامت رأسى موفورة الشعر فلا يمكن أن أكون مريضا .. بل لعل ما كنت أتصوره مرضا خطيرا هو في حقيقته ليس شيئا .. أو لعل الله قد صرفه.

كيفما كان الأمر فقد انتهى كل شئ وأنا الآن طالب في المدرسة الخديوية رافع الرأس موفور الكرامة.

وقد كان هذا الموقف هو آخر عهدة بهذا المرض الجلدى في رأسى وكثيرا ما قيل لى أنه يزول من نفسه عندما أجتاز دور المراهقة وهذا هو ما حدث بالفعل فلد يزعجنى بعد ذلك. ولقد شغلت عنه بالتدريج ثم لم أعد أفكر فيه لأنه كان قد اختفى نهائيا ..

وإن كنت ظللت فترة طويلة أتوهم أنه لا يزال هناك.

أنا الآن في المدرسة الخديوية وياله من جو عبق بالخطورة والتطور الكبير الذي حدث في حياتى. إن شارع درب الجماميز الذي تقغ فيه المدرسة الخديوية ليس جديدا على فقد كانت مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية التى دخلتها في السنوات الأولى تجاور المدرسة الخديوية بل إن ضخامة قصر المدرسة الخديوية ليست شيئا جديدا على فإن قصر مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية لم يكن يقل ضخامة أو فخامة،

ولكن شتان ما بين الفترتين، لقد كنت في الأولى طفلا صغيرا لا أستطيع أن أحس وأقدر ما يحيط بى أما الآن فقد أصبحت شابا ذا خطر، ولذلك كان مبنى المدرسة الخديوية يؤضر في كيانى تأثيرا عميقا ويشعرنى بأننى قد دخلت إلى عالم جديد من الرجولة والخطورة.

عندما كنا نقف في فنائها الخلفى وبه هذه الأشجار الضخمة العتيقة كان ذلك يملؤنى نشوة ويهزنى هزا .. عندما كنا نتجول في حديقتها الخارجية ونصل إلى ملعب كرة القدم أو نصعد على السلالم الرخامية في طريقنا إلى الفصول ثم نصعد إلى هذه الصالة الكبرى التى تحيط بها الفصول ..

عندما كنا نمر أمام أبواب معامل الطبيعة والكيمياء التى لم ندخلها بعد .. كان كل ذلك يهز كيانى هزا ويغمرنى بالسعادة لأنه يشعرنى أننى قد دخلت عالما جديدا سيجعل منى إنسانا ذا شأن وخطر، على أنه لا معامل الطبيعة والكيمياء ولا فخامة البناء ولا ملاعب التنس وكرة القدم أو حديقة المدرسة وما بها من اكشاك ..

لم يكن كل هذا هو الذي يملأ على فراغ حياتى الجديدة .. بقدر ما كنت نفسى له من الالتحاق يفرقى تمثيل المدرسة.

فقد كان للمدرسة الخديوية شهرة ذائعة في عالم التمثيل .. كان فيها أحد دعائم النهضة المسرحية في مصر وهو المرحوم محمود مراد الذي كان مدرسا بالمدرسة ثم هام بفن التمثيل فأرسلته الحكومة في بعثة لدراسة المسرح في الخارج وعاد من الخارج ليجعل من فرقة التمثيل بالمدرسة الخديوية شيئا جليلا وذا خطر.

ولم أكد أدخل إلى المدرسة حتى كنت شديد اللهفة في أن أسمع كل شئ عن حركة التمثيل بالمدرسة وسرعان ما علمت أن فرقة تمثيل المدرسة قد قدمت مسرحية غنائية أو بالأحرى أوبرا اسمها توت عنخ آمون، وهى من تأليف "محمود مراد" وتلحين "سيد درويش".

ومن بل قدمت فرقة المدرسة مجد رمسيس وهى غنائية أخرى وقد بلغ من عظمة هذه الأخيرة أن مثلتها فرقة المدرسة على أكبر المسارح في مصر، وهو مسرح "الكورسال" وحضر الحفلة وزراء مصر وعلى رأسهم سعد زغلول زعيم البلاد.

كل ذلك وعيته وأحطت به بمجرد دخولى إلى المدرسة، وعلمت فوق ذلك أن "محمود مراد" قد اختارته وزارة المعارف ليكون مفتشا للتمثيل في المدارس كلها فلا يقف نشاطه عند المدرسة الخديوية وحدها.

وبدأت أتلهف على هذه الساعة التى يعلن فيها أن فرقة التمثيل قد بدأت نشاطها وأنها في حاجة لأن ينضم إليها لكى أبادر إلى هذا الانضمام.

وجاء اليوم الموعود وأعلن أن جمعية التمثيل قد فتحت أبوابها لمن يريد أن ينضم إليها.

وذهبت إلى الحجرة التى أعلن أن الاجتماع سيكون بها وقلبى يخفق بالاحتمالات التى تنتظرنى كنت قد شغلت طول الإجازة الصيفية بتمثيل بعض المقطوعات وشهدت حجرتى في البيت و"حوش" منزلنا صراخى وزعيقى وبكائى ونحيبى مقلدا بعض ما كنت أرى وأسمع على مسرح حديقة الأزبكية من مآس وتمثيليات.

وكان سيد فتحى يشاركنى هذه المحاولات قبل ان يسافر إلى أسيوط حيث نقل والده إلى هناك.

وكانت هناك مقطوعة تمثل صبيا بائسا يتوسل إلى شخص يضطهده أن يكف عن اضطهاده مسترحما إياه. وكنت أتصور نفسى وأنا ألقى هذه المقطوعة أننى قد بلغت فيها ذروة الإتقان. وكنت على ثقة أننى سأدهش سامعى في جمعية التمثيل بالمدرسة الخديوية عندما ألقى أمامهم هذه المقطوعة.

وسأل رئيس جمعية التمثيل عما إذا كان هناك من يرغب في الانضمام إلى الجمعية فتقدمنا نحن الراعبين في الانضمام، فطلب من كل منا أن يلقى مقطوعة أو قصيدة. وسبقنى أشخاص ألقوا بعض القصائد الشعرية .. أو طالعوا في أحد الكتب فأحسست بمقدار تفوقى على هؤلاء حيث سألقى مقطوعة تمثيلية وسوف أبكى وأتضرع وأتوسل.

وجاءت اللحظة اتى دعيت فيها لإلقاء ما عندى .. وتقدمت في لهفة إلى وسط الحجرة والعيون تشخص إلى من كل جانب، وبدأت ألقى مقطوعتى محاولا التأثير على السامعين بكل قوة وفوجئ القوم ..

فوجئوا بصبى صغير يحاول أن يكون ممثلا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى فيحاول أن يبكى وأن يتضرع وأن يركع على قدميه ويتوسل ويختنق صوته ثم يسقط على الأرض إعياءاً.

ويبدو أن أدائى لم يلق استحسانا، ولم يل لى أحد شيئا ولم يعلق أحد على ما قلت .. ولكن من الواضح أننى لم ألفت النظر عن صورة من الصور.

ولم يتطور الأمر إلى أبعد من ذلك فقد دعينا بعد بضعة أيام لمقابلة الأستاذ محمود مراد وسماع الرواية التى أعدها لتمثل هذا العام.

وذهبت في الموعد المضروب وكان هناك حشد كبير من الطلاب .. ورأيت محمود مراد لأول مرة، وبدأ يتلو علينا الرواية ولعل اسمها (في سبيل المبدأ) وهي على خلاف رواياته السابقة لم تكن غنائية، وكان أشخاصها لا يزيدون على خمسة أو ستة من الممثلين .. وقد اختاروا لهم أعضاء من القدامى المعروفين لهم وبدأوا في عملية التجارب،

وسرعان ما وجدتنى غير راض عن الرواية لأنها كانت تافهة في القياس إلى المسرحيات الضخمة التى كنت أشهدها على المسارح العمومية .. ولما لم يكن لى دور في الرواية فقد بدأت لا أحضر التجارب ولا أهتم بالتردد على الجمعية .. بل لقد انقطعت عنها انقطاعا تاما بعد ذلك ساخطا عليها مصابا بخيبة أمل فيها.

وهكذا مرت السنة الأولى من حياتى في المدرسة الخديوية دون أن أشق طريقي أو أن أنجح في إبراز شخصيتى في بيئة التمثيل بها، وإن كانت هوايتى للتمثيل ومواظبتى على شهود التمثيل في مسرح الحديقة وفى مسرح رمسيس قد ضاعف في حماسى ونشاطى وافتتانى بالتمثيل.

العام الدراسى

وليس هناك الكثير مما يروى عن ذكرياتى العامة عن هذا العام الدراسى لقد بدأنا نطالع كتاي كليلة ودمنة في درس العربى وكان شيئا يشعرنى بالأهمية وبضخامة التطور الذي تطورنا إليه ضمن كتاب "تهذيب البنين" الذي يحوى حكابات ومقطوعات صغيرة أة كتاب القراءة الرشيدة إلى كتاب كليلة ودمنة ..

لقد كان تطورا كبيرا .. وكان يدرس لنا العربية شيخ يسمى الشيخ الكيلانى من أققدم مدرسى اللغة العربية.

وكان يدرس لنا اللغة الإنجليزية مدرس مسيحى مهذب إلى أبعد حدود التهذيب يسمى نجيب بك مقار، وقد كان مناداة المدرسين برتبة (بك) هو أحد مظاهر التطور والانتقال، فمدرسونا في المدارس الابتدائية ينادون (أفندى) (أما مدرسونا الآن فينادون بكلمة يا بك)،

ولست أعرف هل الطلاب الذين اختاروا هذا النداء أم المدرسون هم الذين فرضوه على الطلاب، الذي لاشك فيه أننا كنا نستمتع بهذا النداء نحن الطلاب لأنه كان يشعرنا أننا قد انتقلنا إلى عالم أرقى من هذا الذي كنا فيه.

وكان من المتفق عليه أن (لا ضرب) هنا ولا إيذاء فقد أصبحنا رجالا لا نضرب، وكان مدرس الإنجليزية نجيب بك مقار يأبى إلا أن يخاطبنا نحن الطلاب لاحقا أسمائنا بكلمة أفندى فيقول لى يا أحمد أفندى ويقول لزميلى يا عباس أفندى، وكان ذلك يسعدنا كل السعادة.

وكانت علوم الهندية وما بها من نظريات تدور حول المثلثات متساوية الأضلاع ومتساوية الساقين وكيف أن مجموع زوايا أى مثلث تساوى قائمتين، كل مضافا إلى علم الجبر يساعد على إشعارنا بأننا دخلنا في مرحلة العلوم العالية وأننا أصبحنا طلابا ذوى شأن كبير.

أما علم الطبيعة فقد كان على أن أطرب له كل الطرب، وخاصة في ناحية تجاربه العملية التى كان يجريها أمامنا المدرس ..

ولكنى أكره من الطبيعة قسمها الرياضى وبقدر ما كنت مشغوفا بهذه الأسرار التى يكشفها لى علم الطبيعة، بقدر ما كنت أمقت المعادلات التى تعتبر الجزء الأهم والأخطر في الطبيعة.

وكان من الواضح أن درس الإنجليزية بدوره تطور تطورا كبيرا فبعد أن كنا نطالع في هذه السلسلة من كتب المطالعات التى تقابل القراءة الرشيدة في اللغة العربية أعطيت لنا الكتب مجلدة لنطالع فيها، كما قدم لنا كتاب القواعد الإنجليزية الشهيرة في ذلك الوقت المسمى (براتكبرى) أى نسبته إلى اسم مؤلفه وهو مطبوع في لندن.

ولعل ذلك هو كل ما لا يزال عالقا بذهنى عن طور الدراسة في هذه السنة.

أما زملاء الدراسة فقد كان هناك فراغ كبير وفجوة ضخمة نتيجة افتراقى عن سيد فتحى رضوان الذي ذهب إلى أسيوط كما قدمت ..

ولولا أن هذا الانتال من التعليم الابتدائى إلى الثانوى ومن محمد على إلى الخديوية قد حمل في طياته الكثير من المؤثرات لكان شعورى بهذا الفراغ عميقا.

ولذلك فقد أسرعت أنا وسيد إلى سد هذا الفراغ فأصبحنا نتراسل بطريقة منظمة فأبعث له كل أسبوع رسالة وأتلقى منه رسالة وكلتا الرسالتين مطولتان، نتحدث فيها عن كل صغيرة وكبيرة مما يدور من حولنا، بل مما يدور في داخل نفوسنا.

ولست أعرف أى نزوة حملتنا على أن نوقع هذه الرسائل بإمضاء هارون الرشيد وجعفر فكنت أوقع له على هذه الخطابات بإمضاء هارون الرشيد وكان يوقع خطاباته بإمضاء جعفر أو لعل الأمر كان على العكس فكان توقيعي هو جعفر ولعل فتحى يذكر الآن هذه الواقعة ويحددها.

ثم كتب لى سيد فتحى بعد فترة من الزمن يقترح استبدال هذين الاسمين هارون وجعفر باسمى أرسطو وسقراط، لنيتعد عن دائرة الاتهام (بالتحشيش)، فليس سوى الحشاشين ومتعاطى المخدرات من يتخيلون أنفسهم ملوكا ووزراء .. بل هارون وجعفرا وأبا نواس على وجه التحديد.

ولست أذرك أيضا أينا كان يوقع سقراط وأينا أرسطو وأظن أنى كنت أنا الذي أوقع بتوقيع سقراط وسيد يوقع خطاباته بإمضاء أرسطو.

ولعل هذا الاقتراح من ناحية سيد فتحى يدل على نزعته الأدبية الفلسفية التى بدأت تتجلى فيه منذ هذه اللحظة والتى ظلت تطور فيه حتى بلغت القمة.

وعلى هذه الوتيرة رحنا نحن نتبادل الرسائل المطولة التى كنا نتحدث فيها إلى بعضنا، كما كنا نتحدث عندما كنا متلازمين فكانت هذه الخطابات مبعث سرور وبهجة في كتابتها أو مطالعته الرد عليها ..

وهكذا ظلت الصلة الروحية بيننا على أوثق ما تكون .. بل لقد زادها البعد وهذا الأسلوب من التراسل قوة وتمكيناً.

ولم تستطع البيئة الجديدة أن تقدم لى في هذا العام صديقا أو زميلا من طراو فتحى .. وإنما كان لى زميل ضمن من يمكن وصفهم بأنه زميل دراسة وهو عباس حلمى مصطفى، وإذا أردت الاسم بتمامه فهو عباس حلمى مصطفى حتحوت .

وقد لازمنى ملازمة لطيفة فكان يصاحبنى ويذاكر معى ويأنس إلى ولكن نظرا لأن والده كان ضابطا في البوليس أو الجيش لا أذكر بالضبط فقد كان يبدو أن عباس قد نشأ في الضغط العسكرى فكان بعيدا عن الانطلاق في المجالات التى كنت انطلق فيها ولذلك فقد ظلت زمالتنا في حدود القسم المدرسى.

ولعل زميلى الآن أحد كبار ضباط البوليس وأنا أخط الآن هذه السطور لابد أنه "بكباشى". وقد ورد ذكر اسمه أمامى بضع مرات في هذه العشرين سنة الأخيرة بمناسبة توليه البوليس في بعض المراكز واحتكاكه بأعضاء الحزب.

ولقد قيل لى دائما أنه يذكر لهم علاقته بى .. ولقد رأيته مرة ورحنا نستعرض معا هذه الألفاظ والعبارات التى اعتدنا أن نرددها ونحن صغار.

ويصادفنى في الحياة وبخاصة في عالم القضاء بعض من كانوا رفقاء لنا في هذه السنة الدراسية.

ومنهم القاضى محمود إسماعيل وكانت علاتى بابن عمه أحمد إسماعيل أقرب وأوثق .. ومازلت أذكر عندما دعانا في أحد الأيام إلى زيارته في البيت وكان بيتهم في الزمالك ولأول مرة دخلت في بيت من هذه البيوت فوقفت مشدوها ومذهولا أن يكون أحد رفقائنا في الدراسة يعيش في مثل هذا القصر.

وكان أحمد إسماعيل يقول لى أن ابن عمه محمود إسماعيل أكثر ثراء منه وقصر أسرته يزيد فخامة فكان ذلك يدهشنى فوق إدهاشى .. وبدأت أنظر لابن عمه محمود إسماعيل من طرف خفى وكان يؤلف مع بعض نظرائه شلة مازلت أذكر أبرز أعضاء هذه الشلة وكان يسمى فيظى ..

وكان من الواضح أن هذه شلة الأغنياء، فلم نندمج بها، وليس سوى أحمد إسماعيل من أبناء هذه الطبقة من كان يخالطنا .. نحن أبناء الشعب.

ولا بزال عالا في ذهنى من أحداث هذه السنة والتى لابد أن تكون هى سنة 1924-1925 الدراسية مصرع "السردار لى ستاك"، وما ترتب على مصرعه سقوط وزارة سعد زغلول بعد توجيه إنذار خطير لها، وكان أبسط شروط هذا الإنذار هو دفع نصف مليون جنيه لورثة السير لى ستاك،

وأقسى شروط هذا الإنذار ما جاء به من فصل السودان عن مصر وطرد فرقة الجيش المصرى التى كانت ترابط به وإطرق يد حكومة السودان في أن تتصرف في مياه النيل كما يحلو لها.

وكان من بين الشروط الأخرى أن يشرف الإنجليز على تحقيق الحادث وأن يبطش بكل من له يد فيه مهما كانت مكانته أو منزلته، واحتل الإنجليز جمارك الإسكندرية ريثما تنفذ طلباتهم.

وقد ذهب اللورد اللنبى إلى مجلس الوزراء لتبليغ هذا الإنذار في مظاهرة عسكرية كبرى، فركب حصانه على رأس فرقة من خمسمائة "خيال" مدججين بالسلاح وذلك لإرهاب الحكومة والشعب.

ومن العجب أن سعد زغلول قد قبل بعض بنود هذا الإنذار، وأعلن استعداد الحكومة لدفع التعويض المطلوب وقدره نصف مليون جنيه، بل وكتب شيكا بالفعل أمضاه وزير المالية على الشمسى، الذي كان قد اختير للمالية منذ أيام فكان ذلك هو العمل الوحيد الذي قام به.

كما قبل سعد زغلول القسم الخاص باتساع نطاق التحقيق ومعاقبة المسئولين، ثم استقال بعد أن قبل هذه الطلبات بدعوة أنه يرفض باقى ما جاء في الإنذار.

مع أن المنطق كان يقضى على سعد زغلول بأنه وقد اعتزم الاستقالة فكان عليه أن يبادر بها لإظهار احتجاجه وألا يقبل من طلبات الإنجليز قليلا أو كثيرا .. ولكن هكذا كان سعد زغلول ينطوى على كثير من التناقض في أقواله وتصرفاته.

وقد أعقب سعد زغلول وزارة زيور باشا التى وصفت بأنها وزارة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وقد قبلت طلبات الإنجليز مائة بالمائة وسحب الجيش المصرى من السودان وأطلقت يد حكومة السودان في ماء النيل، وبدأ التحقيق على نطاق واسع في قضية السردار فقبض على كثير من أعضاء الوفد وعلى رأسهم مكرم وماهر و النقراشى وكل من اشتهر بالنشاط فضلا عن التطرف.

الدعوة إلى مقاطعة الإنجليز

وقد ردت مصر على هذا العدوان الإنجليزي بإعلان مقاطعة البضائع الإنجليزية وتألفت اللجان في كل مكان لتنفيذ هذه المقاطعة.

وكان أظهر أسلوب لهذه المقاطعة هو خلع أربطة الرقبة باعتبارها صناعة إنجليزية وأن تصنع (كوفية) من المنسوجات الوطنية بدلا منها، وقد كنت في مقدمة من بادروا بشراء هذه (الكوفية) المصنوعة بأيد مصرية كما بدأنا نستعمل المناديل المحلاوى بدلا من المناديل الجيب العادية. ومازلت أحتفظ ببعض الصور التى أخذت لى فى ذلك الوقت وأنا بهذا الشعار.

ولكن هذه الحركة لم تستمر كما هى العادة بكل أسف في مصر. فالمصريون يتحمسون حتى ليصلوا إلى ذروة الحماسة في لحظة ولا تلبث هذه الحماسة أن تختفى بنفس السرعة وبنفس القوة التى اشتعلت بها.

أيرجع ذلك إلى طبيعة جونا ومناخنا .. أم أن هذه هى سمة الشعوب التى فقدت حريتها واستقلالها ورسفت في أغلال العبودية ..

أم أن هذه طبيعة خاصة بالشعب المصرى، لا أستطيع أن أعلل هذ الظاهرة فقد عشت بعد ذلك التاريخ الذي أتحدث عنه قرابة سبع وعشرين سنة أعانى من هذه الظاهرة ما أعانى وحتى الآن لا أستطيع التفسير لأن الظروف السابقة لا تزال قائمة فلا يزال الإنجليز في بلادنا ولا يزال جونا ومناخنا وظروفنا هي ذات الظروف ولا يزال الشعب هو الشعب بجهله وفقره ومرضه وعناصره التى يتألف منها.

ولا يزال الشعب في مجموعه يتحمس حتى ليصل إلى ذروة الحماسة ثم تقتر حماسته بنفس القوة وبنفس السرعة.

وكل أعمالنا لا تزال كما كانت تتصف دائما بالدفعة وبالنزوة والارتجال ولا تعرف الخطط المدروسة والإرادة الثابتة والعزم الصادق الذي لا يكل ولا يمل ولا يلين ولا يتأثر بمرور الزمن أو عواديه.

ولذلك فقد جاء الوقت الذى فترت فيه حركة المقاطعة أو بالأحرى ماتت .. بل جاء الوقت الذي أصبحت محلا للسخرية والهزء وخلعنا هذه الشعائر المصرية المصنوعة باليد المصرية.

وفي هذه الأثناء كان قد قبض على المتهمين في قضية السردار وشرعوا في محاكمتهم وكنت كسائر المصريين أتتبع المحاكمة باهتمام شديد وكنا حزننا شديدا لاعتراف عبد الفتاح عنايت وشفيق منصور وأغلبية المتهمين، ولكن واحدا منهم وهو البطل محمود إسماعيل ظل صامتا لا يعترف بشئ .. وكانت الشهود تنهال عليه من كل مكان ولكنه كان ثابتا كالطود فحاز إعجاب الشعب.

وترافع المحامون ومازلت أذكر أن مرافعة إبراهيم الهلباوى كانت مرافعة رائعة رائعة من الناحية السياسية تحدى فيها الانجليز وسياسة الإنجليز، وأخيرا صدر الحكم بإعدام الجميع شنقا وإنى لأذكر أننى صعقت وأنا أقرأ هذا الحكم ثم لم ألبث أن ذرفت الدموع بكاءا على على هؤلاء الأبطال المغاوير الذي كانت لهم اليد الطولى طوال سنوات الثورة على إقناع الإنجليز بوجوب إعلان استقلال مصر وإلغاء الأحكام العرفية،

ولقد قيل إن ثروت باشا حصل لمصر على تصريح 28 فبراير الذي أعلن استقلال مصر وبدء حكمها الدستورى، ولكن هذه العصبة عصبة شفيق منصور وعنايت و محمود إسماعيل و إبراهيم موسى هي صاحبة الفضل في هذا التصريح ويجب أن يأتى الوقت التى تخلد فيه ذكرى هؤلاء الأبطال الأمجاد.

وقد قدر لى أن أرى عبد الفتاح عنايت بعد أن استبدلت عقوبة الإعدام بالنسبة له إلى الأشغال الشاقة المؤبدة وذلك بعد أن أمضى مدة عقوبته .. وهو يعمل محاميا هذه الأيام.

كما أتيح لى أن أرى ابن محمود إسماعيل وأن أعبر له عن تمجيدى لوالده وذلك كله في العام الماضى فقط. وأنهى عامنا الدراسى 24-25 بعد تأدية الامتحان الذي نجحت فيه ونقلت إلى السنة الثانية زبدأت أستقبل الإجازة الصيفية وأستقبل أخى سيد فتحى الذي حضر إلى القاهرة لتمضية إجازته الصيفية بها.

صيف 1925

لم تكد السنة الدراسية تنتهى كما قدمت حتى أسرع سيد فتحى إلى القاهرة ونزل ضيفا على أخته الكبرى وصهره الأستاذ كامل أحمد المدرس وبذلك التئم شملنا من جديد واستئنفنا حياتنا المشتركة الجميلة وجولاتنا الأدبية ونشاطنا الاجتماعى.

ولكن كان من الواضح أن سيد فتحى قد طرأ عليه تطور جديد وهو تعمقه في الأدبيات والاجتماعيات، ولذلك فقد استهل نشاطه بأن ألقى محاضرة في بيت أحد معارفنا من سكان البيت الذي كانت تقيم فيه أخته وكان يسمى الأستاذ محمد محى الدين وهو طالب في المدارس العليا وقد نسيت الآن أى المدارس ولعلها كانت مدرسة المعليمين العليا.

وكان يتردد على بيته باعتباره شخصا عازبا نفر من أصدقائه في الدراسة أو جيران البيت فكانت شقته أشبه بالندوة لنتحادث أو لنلعب أحيانا (الطاولة) ثم اقترح فتحى أن يلقى علينا محاضرة في النشوء والارتقاء أو بالأحرى عن نظرية "دارون".

وقد اجتمعنا كلنا لسماع المحاضرة ولأول مرة سمعت عرضا مستفيضا لنظرية دارون وكان من الواضح أن هذا الطالب في السنة الأولى من المدرسة الثانوية قد فهم من هذا الموضوع ما لا يفهمه بعض الأساتذة الكبار، وأنه ألقى محاضرته يصورة تدعو إلى الإعجاب ولقد ألقيت بدورى في الأسبوع التالى محاضرة عن مأساة قناة السويس.

وهكذا بدأ التطور الذي نشأ من انتقالنا إلى المدرسة الثانوية يظهر علينا.

وكان محى الدين يحدثنا عن شخصية عجيبة راح يعرضها علينا في كثير من الهزء والسخرية ويقص غلينا من أقاصيصها المعجب والمطرب.

حدثنا عن شاب يسكن في البيت المجاور وهو بيت قديم متهدم وهذا الشاب قد ألف جمعية أدبية أطلق عليها اسم جمعية القلم الأدبية وكانت تسمية الجمعية بالقلم مبعث تعليقات ساخرة منا جميعا.

ويتلخص عمل هذه الجمعية في أن "حضرته" أى هذا الشاب يلقى محاضرات في بيته المذكور فيذهب لسمعها ثلاثة أو أربعة على الأكثر بعضهم نجار والآخر تلميذ صغير لعله أخو هذا الشاب ورجل عجوز، ثم يروح يلقى محاضرته كأنه يخطب أمام الألوف فيروح ويجئ في أنحاء الحجرة ويطيل قامته ويقصرها ..

ويرفع صوته إلى آخر المدى وينخفض به وقد يضرب بيده على المائدة فيحطم المصباح الضئيل الذي ينير الحجرة والموضوع على المائدة أو قد تتهاوى المائدة نفسها لقدمها وما نخره السوس في عظامها. وعلى هذه الوتيرة راح زميلنا يحدثنا عن هذه الشخصية العجيبة شخصية رئيس جمعية القلم الأدبية.

وكنا في كل يوم نجتمع ونسمع من حكايات وأقاصيص صاحبنا ما جعلنا في شوق جديد لرؤية هذه التقليعة الغريبة ولما كان رئيس الجمعية يلقى محاضرته في يوم معين من كل أسبوع فقد انتظرنا على أحر من الجمر حلول هذا اليوم للذهاب لسماعها.

وأخيرا جاء اليوم الموعود فذهبنا ثلاثتنا سيد فتحى وأنا ومحى الدين وقد وجدنا مسرح الحوادث يطابق الصورة التى وصفت لنا تماما.

فقد دخلنا في بيت قديم خرب واجتزنا فناءه المترب الرطب ثم صعدنا درجات سلم مظلم يكاد يهوى بنا ودخلنا إلى شقة صاحبنا فقادونا إلى حجرة الكتب ولم تكن حجرة الكتب سوى حجرة في بيت عتيق أرضها من البلاط التى عدت عليه الأيام وبها أريكتان أو بالأحرى (كنبتان بلدى) وترابيزة صغيرة تسمى مكتبا من التجوز وهى رقيقة تكاد تنوء من المصباح الذي كان جاثما فوقها.

واستقبلنا صاحب الدار رئيس الجمعية والأستاذ المحاضر في بشاشة وترحاب وفرح وقور فلعلنا كنا من أحسن الزبائن الذين وفدوا عليه في ليلة من الليالى فقد كنا نرتدى جميعا البدل ..

ولعله قد سبقنا أو لحقنا شخص آخر أو شخصان فأصبحنا خمسة في الحجرة فاكتظت بنا وكان النور الذي يبعثه المصباح خافتا وكان ذلك كله يملأ صدورنا برغبة شديدة في الضحك على هذا الجو الغريب، ولكننا كنا نحبس في أنفسنا الضحك، نختزنه ريثما ننتهى من الرواية كلها ونسمع محاضرة المحاضر وما سوف تنطوى عليه من مضحكات.

وجاءت اللحظة التى وقف فيها صاحبنا المحاضر ليبدأ خطابه وراح كل منا ينظر إلى الآخر ليوصيه أن يمسك نفسه عن الضحك. وبدأت المحاضرة وكان في إلقاء المحاضرة غنة معينة وكان الموضوع يدور حول مدنية قدماء المصريين.

وانسالت الألفاظ من فم المحاضر جليلة رائعة يأخذ بعضها براب بعض في عبارات فصيحة على درجة عالية من قوة البيان، وسرعان ما اختفت ضحكات السخرية وماتت الابتسامة الشيطانية التى أعددناها لهذا الموقف وبدأنا ننصت في انتباه ثم في إعجاب،

وبدأت حرارة المحاضر وحماسته ترتفع وترتفع وبدأنا نرى ما حدثونا عنه من أنه يرتفع بقامته وينخفض ويتحرك خلف المكتب أحيانا ذهابا وجيئة، ولكننا لم نرى في ذلك لكه ما يدعو إلى الضحك.

حقا لقد كان شيئا جديدا وكان شيئا غير مألوف وغريبا، ولكنه كان ينطوى على جوهر رائع فالإلقاء قد سحرنا وأخذ بتلابيبنا أما الموضوع فقد أذكى نيران الوطنية في نفوسنا. وكان صاحبنا يخاطبنا كما لو كان يخاطب ألوفا من جماهير الشعب.

وقد نسى الجو الذي يتحدث فيه نسى أنه يحاضر في حجرته الصغيرة في البيت المتهدم المتواضع، نسى أن مصباح حجرته ضئيل لا يكاد يكفى لإضاءة الحجرة .. نسى أن كل الذين يسمعونه لا يزيدون على خمسة، واندمج في محاضرته أو بالأحرى خطبته واندمجنا معه ونسينا هذا المحيط الذي يحيط بنا وعندما انتهى من خطابه وسط عبارات مدوية داعيا فيها الشباب إلى النهوض والعمل والتكاتف لاستعادة مجد بلاده القديم،صفقنا له في حرارة،

صفقنا له من أعماق قلبنا وأقبلنا عليه معجبين، بينما اضطر زميلنا الثالث الذي جاء بنا لنشاطره سخريته أن ينضم إلينا في إظهار الإعجاب. ومنذ هذه الليلة بدأت علاقة جديدة متينة بيننا نحن الثلاثة سيد فتحى و أحمد حسين ورئيس جمعيى القلم الأدبية والذي لم يكن سوى الأستاذ "حافظ محمود" وكيل نقابة الصحافة وأنا أكتب هذه السطور بكل احترام وتوقير لكل زملائه الصحفيين على اختلاف مذاهبهم السياسية واتجاهاتهم وألوانهم،

وبادرنا بالانضمام إلى جمعية القلم التى كانت تتألف من ثلاثة أشخاص أو أربعة وبانضمامنا إليها ضاعفت نشاطها وحيويتها وقد عهد إلى برئاسة قسم التمثيل في الجمعية وإلى أخى سيد فتحى برئاسة القسم الأدبى في الجمعية.

وإن هو إلا شهر من الزمان حتى أقامت الجمعية حفلة عامة في فناء بيت الرئيس .. هذا افناء الذي وصفته لك من قبل متربا رطبا ولكن عندما كسيت جدران البيت بالأقمشة التى استوردت من (الفراشة) وأضئ الفناء بالليل (بالكلوبات) وصفت فيه الكراسى الصفراء وأقيم في ركن منه منصة للخطابة والتمثيل، تبدل الموقف رأسا على عقب.

وعند افتتاح الحفلة كان المكان مكتظا بالحاضرين وألقيت الخطب الأدبية والمقطوعات التمثيلية وبعض الأناشيد والقطع الغنائية ..

فكان إعجاب الحاضرين شديدا .. وكان ذلك نصرا وفتحا مبينا وهكذا بدأنا نواجه بنشاطنا الأدبى والفنى الجماهير لأول مرة.

وقد بقى أن تعرف أن الأستاذ حافظ محمود في ذلك الوقت كان يتردد على الجامعة المصرية قبل أن تصبح جامعة فؤاد والتى لم تكن قد أنشئت بعد وكان من المعجبين بتوفيق دياب الذي جاء من لندن بطريقته الفذة في الإلقاء التى كان حافظ محمود يحاكيها وكان يتلقى دروسه على يد طه حسين و منصور فهمى وبقية هذا الرعيل الأول من أساتذة الجيل، وبهذا وجدنا أنفسنا في مصاحبتنا لحافظ محمود في بؤرة النهضة الأدبية التى خلقتها الجامعة في نشاطها الأول.

على أن هوايتى للتمثيل كانت هى المسيطرة على نشاطى وكان ترددى على مسرح حديقة الأزبكية ومسرح رمسيس مستمرا بالصورة التى شرحتها من قبل.

وعلى هذه الوتيرة من حضور الحفلات التمثيلية والمساهمة في النشاط الأدبى والاجتماعى لجمعية القلم الأدبية وتمضية الوقت في المطالعة أو المناقشة أو خروجنا لبعض التنزه والرحلات أنا و سيد فتحى يوميا ومعنا حافظ محمود في بعض الأحيان .. على هذه الصورة أمضينا العطلة السنوية في صيف 1925.

على ماهر وزير المعارف

وباقتراب السنة الدراسة الجديدة بدأ يلفت نظرنا بشدة الحياة الجديدة التى يشيعها وزير المعارف على ماهر في المدارس، فهذا الرجل الذى قلدوه وزارة المعارف لأول مرة في وزراة جاءت لمصانعة الإنجليز ومداهنتهم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثنهم، بإحناء الرأس والخضوع لرغباتهم، قد أحدث في التعليم المصرى ما يشبه أن يكون ثورة ضد الإنجليز، وقد كان هذا من أعجب العجب.

فقد أدخل اللغة الفرنسية إلى التعليم لتزاحم اللغة الإنجليزية واستورد عشرات من مدرسى اللغة الفرنسية من فرنسا مباشرة، بل فعل ما هو أكثر من ذلك إذ أدخل مادة التربية الوطنية إلى البرنامج، وما تتضمنه هذه المادة من التعريف بالوطن والدستور والقوانين و الجهاد في سبيل الحرية، وطلب من مدرسى التاريخ أن يتداركوا أخطاء الماضى التى كانت تصور مصر أمة مستعبدة خلال القرون والأجيال ..

فالحق أن مصر كانت لها مدنيات وحضارات أضاءت فيها على العالمين. وأدخل فروعا جديدة من المعرفة لم تكن في برامج التعليم من قبل كالجيولوجيا وعلم الحيوان والنبات وأدخل التعليم بالسينما في المدارس وحتم أن يكون في كل مدرسة جهاز للسينما ووضع برنامجا ضخما للنشاط المدرسى.

وشغل أوقات الفراغ الطلاب .. بل نظم رحلات للطلاب على نطاق واسع في طول مصر وعرضها لرؤية آثار مصر وأمجادها ومناطق نشاطها بل تخطى برحلاته الحدود المصرية، ونظم رحلات لتجوب شواطئ البحر الأبيض ولتزور بلدان أوروبا .. وشفع ذلك كله بإنشاء الجامعة المصرية التى كانت حلما من الأحلام.

ولقدأشرت من قبل إلى الجامعة المصرية وأنها كانت موجودة وقائمة ولكن الحقيقة أن الجامعة المصرية غلى ذلك التاريخ كانت تؤلف من كلية واحدة من كليات الآداب ولم تكن تتبع الحكومة المصرية، فجاء على ماهر وضم المادرس العليا كلها إلى هذه الجامعة فأصبحت تشمل كليات الآداب والعلوم والحقوق والهندسة والزراعة والطب، وأطلق عليها جامعة فؤاد، واستجلب لها نفرا كبيرا من الأساتذة العالميين من جامعات باريس ولندن.

وهكذا أحدث على ماهر –كما قدمت- ثورة كاملة في الناحية العلمية وقد زودنى ذلك الذي فعله على ماهر بحجة كنت أقذفها في وجه السياسيين المصريين طوال السنوات التالية، عندما كانوا يحتجون بالإنجليز لتقاعسهم عن إصلاح حال البلاد فقد كنت أذكرهم دائما بعمل على ماهر في وزارة المعارف، وأنه عندما وجد الرجل صاحب العزيمة والقدرة على التنفيذ مضى إلى هدفه بقدم ثابتة ولم يستطع الإنجليز أن يعترضوا سبيله.

لقد أدخل على ماهر اللغة الفرنسية لتطرد اللغة الإنجليزية من المدارس، وهى التى كان يحرص الإنجليز بجدع الأنف على سيادتها، وأدخل التربية الوطنية لتحارب تعاليم الاستعمار الفاسدة .. فعل ذلك كله في ظل وزارة كان يجثم عليها شبح الإنجليز ونفوذ الإنجليز، وأنها تألفت لتصانع الإنجليز.

ولقد كانت هذه النهضة أحد الأسباب التى جعلتنا نتعجل في شغف بدء الدراسة في العام الجديد لنستمتع بهذه الحياة الجديدة والعالم الجديد ..

وجاء العام الدراسى 1925-1926 وسافر أخى سيد فتحى إلى أسيوط ليلحق بأسرته ومدرسته وأخذت طريى يوم الافتتاح إلى شارع درب الجماميز لأدلف منه إلى مدرستى الحبيبة مدرسة الخديوية.1925-1926

لست الآن طالبا مستجداً كما كنت في العام الماضى، بل أنا طالب قديم وفي السنة الثانية وإنى لأعرف كل ركن من أركان المدرسة وأعرف الكثير من وجوه مدرسيها وفراشيها وطلابها، ولى فيهم معارف وأصدقاء على الأقل هؤلاء الذين زاملونى في العام الماضى ..

ولذلك فقد كان يغمرنى هذا الإحساس الجميل الذي يملأ الطلاب الناجحين والذين يستقبلون عامهم الجديد في نشاط وثقة بالنفس وآمال كبار.

عندما دخلت الفصل الذي خصص لنا لأول مرة، وقد كان فصلا ضخما كامل التهوية والإضاءة لم أشرع بالرهبة التى ملأتنى وأنا أدخل الفصل في السنة الماضية، نحن الآن في بيتنا وفى وسط عائلتنا.

وكان في فصلى الكبير من زملاء العام الماضى، وكان عباس حلمى و مصطفى حتحوت إلى جوارى ولست أذكر كثيرا من رفقاء هذه السنة إلا شابا من أسرة راتب، وكان يسمى فيما أذكر عبدالله راتب وهو من الأرستقراطية ولكنه لم يكن شابا طبيعيا.

ولست أذكر أحدا من مدرسى هذه السنة إلا أن يكون مدرس الرياضة وهو الأستاذ أمين إبراهيم الذى قابلته أخيرا، وهو ناظر للمدرسة السعيدية، وإلى جوار الرياضة كان يعطينا هذه العلوم الجديدة علم النبات والحيوان.

وفي ذاكرتى مدرس اللغة الفرنسية فقد كان حدثا جديدا في حياتنا. كان رجلا مسنا يسمى "مسيو ديدوى" واكن كغيره من مدرسى اللغة الفرنسية قد استجلب من فرنسا مباشرة وألقى به وسط المدارس المصرية فهو يتكلم الفرنسية وسط صبيان لا يعرفون حرفا واحدا من الفرنسية،

وكان ذلك مثارصعوبة كبرى .. كان الرجل يخاطبنا بالإشارة، وكان كبقية الفرنسيين سريع الغضب والتهيج وكان الطلاب الأشقياء يتخذونه أداة للتسلية، وكانت حصته تتحول إلى فوضى وتهريج، وكان الرجل يعانى آلام شديدة وكنت أشفق لما يناله من أذى الطلاب، وقد لحظ الرجل إشفاقى عليه فقربنى إليه واعتبرنى تلميذا طيبا على الرغم من أننى لم أكن أفهم حرفا واحدا مما يقول. ودعانا إلى زيارة بيته أنا و في اللغة الفرنسية،ولذلك فقد كنت في مؤخرة الطلاب في اللغة الفرنسية باستثناء هؤلاء الذين لا يريدون أن يتعلموا شيئا على الإطلاق. ويخل إلى أن الأستاذ كامل أحمد صهر سيد فتحى كان يدرس لنا التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية ..

وربما كان ذلك في السنة الماضية. والمهم أنه واحد من الأساتذة الذين ما زالوا في ذاكرتى. ولابد أن اللغة الإنج عباس حلمى وراتب وقدم لنا الشاى بواسطة زوجته،

وكان هذا شيئا جديدا بالنسبة لنا ولكن هذه الصداقة بينى وبين مدرس اللغة الفرنسية لم تزد شيئا في معلوماتى ليزية بدأ يدرسها لنا أحد المدرسين الإنجليز، ولكنى لا أذكره .. وهذا هو كل ما أذكره عن حياتى الدراسية في هذا العام مما يدلك على أنها سارت حياة عادية ليس فيها ما يميزها.

((نهضة الطلبة))

على أننى قبل أن أدع هذا الجانب لأنتقل إلى الجانب الآخر الأكثر حيوية من ذكرياتى، وأعنى به نشاطى في فرقة التمثيل لا يسعنى إلا أن أذكر أن ميلى للصحافة يعبر عن نفسه في هذه السنة بصورة فذة.

لقد اتفقت مع بعض زملائى على إصدار مجلة خاصة بفصلنا، وجمعت بعض الإشتراكات من الطلاب، وأصدرت مجلة أطلقت عليها اسم ((نهضة الطلبة)) فيما أذكر، وقد طبعتها في إحدى المطابع التى طبعت لى من قبل منذ بضع سنوات منشورات جمعية نصرالدين الإسلامى.

وخرج المشورع إلى حيز التنفيذ فقد جاءت الساعة التى رحت أوزع فيها على الطلاب العدد الأول من هذه المجلة فكان ذلك مبعث دهشة وتعجب. وأنى أذكر أن العدد الثانى من هذه المجلة قد صدر أيضا ولكنى بعد ذلك شغلت في فرقة التمثيل فتوقفت المجلة عن الصدور.

والحق أن التمثيل منذ هذه الفترة بدأ يزحف على ويستغرق تفكيرى ونشاطى ..

حتى كدت أفنى فيه تماما

–كما سأذكر في الوقت المناسب

- وطغى التمثيل على هواياتى الأخرى في الكتابة أو الأدب أو النشاط الاجتماعى، بحيث لم يدع مجالا لسواه .. حتى الدراسة نفسها جاءت الساعة التى كدت أضحى بها من أجل التمثيل.

كنت مصمما في هذا العام 1925-1926، أن لا يتكرر ما حدث في العام الماضى حيث انسحبت من فرقة التمثيل وسمحت للأعضاء القدامى أن يتجاهلوننى ..

فقد كنت –يومئذ- عريقا في صلتى بالمدرسة، وأكثر عراقة في هواية التمثيل بعد أن مضى أكثر من عام وأنا أشتغل بها،

بل بعد أن أصبحت رئيس قسم التمثيل بجمعية القلم الأدبية، وبعد أن أصبحت عارفا بكل ما يجرى في الوسط المسرحى وكل ما يتصل بالنشاط التمثيلى، ففى هذا الوقت كانت قد صدرت مجلة تتحدث عن المسرح وكان اسمها "المسرح" لصاحبها "عبد المجيد حلمى

وكانت هذه المجلة رمزا لما وصلت إليه النهضة المسرحية في البلاد، فقد انتشرت على نطاق واسع ونفذت إلى مختلف الأوساط ولاسيما أوساط الطلاب والشباب بصفة عامة، وكانت هذه المجلة هى المعهد الذى تخرج منه الرعيل الأول من الصحفيين والكتاب المحدثين الذين يعتبر "محمد التابعى"

عميدهم وصاحب مدرستهم.

وكانت المجلة أسبوعية تستعرض النشاط المسرحى وتنتقد الروايات التى يخرجها "يوسف وهبى"، فقد كان يخرج في كل أسبوع رواية جديدة ..


وعلى صفحاتها عرفنا الممثلين فردا فردا رجالا ونساء، ماذا يأكلون وما هى هواياتهم وما هى مشاعرهم.

وعلى صفحاتها بدأنا نطالع كل ما يربطنا بالحياة المسرحية ويجعلها جزءا من حياة المسرح. وكالعادة لم أقف عند مطالعة المجلة، بل لقد أخذت طريقى إلى إدارتها وتعرفت إلى صاحبها "عبد المجيد حلمى".

على أن العنصر الذى زادنى ثقة وعزيمة على اقتحام جمعية التمثيل هو وفاة المرحوم محمود مراد، فقد كان عميد الجمعية ورب نهضتها،

ولذلك فقد أصبح لا يعرف سوى الطلاب القدماء الذين أعدهم من قبل وعملوا معه، ولذلك فليس هناك مجال لناشئ جديد أن ينفذ بينهم أو أن يطمع في الحصول على دور في إحدى الروايات الجديدة أو القديمة.

وحل رؤساء الجمعية من الطلاب على أن يسدوا فراغ المرحوم محمود مراد فجاءوا بالأستاذ عزيز عيد عميد المخرجين وأستاذ التمثيل الأكبر في مصر ليتولى الإشراف على الجمعية.

وجاء عزيز عيد وهو كأستاذ عريق وكشخص غريب عن الوسط الجديد، لم يكن يميز بين طالب وطالب، فالكل عنده سواء والكل بالنسبة إليه مستجدون يتفاضلون أمامه بنشاطهم واجتهادهم واستعدادهم الطبيعى، وبذلك تساوينا جميعا في الفرصة وهذا ما حفزنى وضاعف من تصميمى على أن أشق طريقى.

وكان يجب لكى يتعرف علينا عزيز عيد أن يلقى كل منا أمامه مقطوعة.

وألقيت أمامه مقطوعة شعر معها الطلاب أننى أمثل وأجيد التمثيل، ولكن لم يبد على [[عزيز عيد] أنه لقى بالا إلى ما ألقيته أمامه بصفة خاصة.

وكان من الواضح أن عزيز عيد لم يلق بالا إلى أى شئ على الإطلاق فقد كان معتزما كأستاذ أن يبدأ معنا من البداية وأن يعلمنا فن الإلقاء على طريقته وبالأسلوب الذى رسمه.

وجاءنا بالدرس الأول وهو مقطوعة "الأنفيات" من رواية "سيرانودى برجراك" عندما أراد أحد الأشراف أن يتهكم على سيرانو، وأن يجرح كبريائه بأن يشير إلى أنفه الكبير،

وكان سيران يقتل كل من يتهكم عليه ولكنه أراد قبل أن يقتل هذا "الدوق" أن يعبث فراح سيرانو يلقى عليه درسا في كيف يكون التهكم على ضخامة أنف سيرانو ثم يروح يصف هذا الأنف مئات الأوصاف المضحكة.

وبدأ عزيز عيد يعلمنا وبدأنا نتعلم واستغرق عديدا من الدروس لنتعلم، كيف تلقى هذه المقطوعة حتى كدنا نمل الموضوع وأخيرا قرر أن يمتحننا وأن يعطينا درجات.

ولست أعرف حتى الآن كم درجة أعطانى الرجل في هذا الامتحان، ولكن من الواضح أنها أكبر من الدرجة التى أعطيت لرؤساء الجمعية من الطلاب ..

الذين ضاقوا ذرعا بهذا الأسلوب الذي حولهم تلاميذا صغارا من جديد وهم الذين اعتادوا أن يمثلوا أدوار البطولة في روايات "محمود مراد"، ولذلك فقد أعلنوا فجأة استغناءهم عن عزيز عيد، وإعراضهم عن هذا الأسلوب في تعليم التمثيل،

كما أعلنوا عزمهم على إعادة تمثيل إحدى روايات محمود مراد على أن يخصصوا إيرادها لورثته ومن غير شك أننى رحبت بهذا الاتجاه، لأننى كنت لا أقل شغفا عن أى واحد فيهم عن الاشتراك في تمثيل رواية والاضطلاع بأحد الأدوار.

ورواية "محمد رمسيس" كما سبق أن أشرت هى رواية غنائية "تعد نوعا من الأوبرا" تعتمد على مجموعة من الأناشيد وأدوارها الرئيسية تؤدى عن طريق الغناء فيما خلا شخصيتين أو ثلاثة على وجه التحديد.

وكان دورها التمثيلى الأول هو للكاهن الأكبر وكان مقرر أن يقوم به رئيس الجمعية الأستاذ "عبد اللطيف شاش" وهو تلميذ كبير في السنة الرابعة

ومن أقدم أعضاء الفرقة فلا محل لمنازعته في هذا الدور. وكان الدور الذي يليه دور مصرى يسمى "ماشع" وهو جاسوس خائن ولهذا الدور رنوت ببصرى وتقدمت في الامتحان للحصول عليه.

ولكن رؤساء الفرقة كانوا قد اعتزموا إعطاء هذا الدور لأحد أصدقائهم الدماء وهو الأستاذ "جلال الدين العروسى" الذي يحتل منصبا كبيرا الآن في وزارة الداخلية في قسم الجوازات والجنسية. ولكنهم كانوا محرجين إزاء تفوقى في أد ]اء الدور، فخرجوا من هذا المأزق بأن أعطونى الدور الثالث في الرواية بدون امتحان وهو دور لقائد يسمى (أونا).

وقضى الأمر وأصبحت واحدا من ممثلى الرواية الذين يشار إليهم بالبنان والذين يخرجون كل يوم من الفصل للتمرين والتدريب وكان ذلك يملؤنى زهوا.

ورواية مجد رمسيس شئ رائع من غير شك وقد كان لها أبعد الأثر في غرز بذور الوطنية في نفسى بأناشيدها الحماسية التى تتحدث عن مجد مصر وعظمتها وقد ظلت هذه الأناشيد تصاحبنى حيثما رحت وأنى جئت. حتى جاءت الساعة التى تفجرت فى نفسى وطنية متدفقة على صورة جهاد ضد الإنجليز من أجل الحرية ومجد البلاد.

وتتلخص الرواية في أن كاهن مصر الأعظم على أيام رمسيس الثالث لم يكن في حقيقته إلا دخيلا أجنبيا وقع في أسر مصر، ولكنه استطاع بدهائه أن يبدو كأنه مصرى وأن يتدرج حتى يحصا على منصب الكاهن الأعظم ثم يعمد لاستغلال هذا المنصب الخطير لإيقاع الدسائس والفتن لخراب البلاد ودمارها،

وانتهز فرصة انتصار قائدين لرمسيس الثالث في فتحهما لبلاد الشام فنسب إليهما منشور كاذبا يعلنان فيه عصيانهما وتمردهما على رمسيس،

واستقلالهما بملك الشام فيقبض عليهما رمسيس الثالث ويحكم عليهما بالإعدام. وفي ساعة التنفيذ تفتضح الدسيسة ويكشف الستار عن حقيقة الكاهن الأعظم ودسائسه فيطلق سراح القائدين البريئين ويقبض على هذا الدخيل الأجنبى، ويقدم بدلا من القائدين.

ويسدل الستار على هذه النصيحة الغالية التى يهتف بها الشعب في صورة نشيد رائع:

أيها المصرى يا ابن النيل

يا نبيل القصد

أنت أولى الناس بالتبجيل

ياسليل المجد

اطـلب العليا وحــاذر

خدعة الدخلاء

كلهم خــب وغـادر

مصدر للداء

إننا قــوم كــرام

نكرم الغرباء

والحر يأبى أن يضام

إن مبدأنا الآباء

ثم تنتقل المجموعة إلى نشيد آخر أكثر دويا يسدل على آثاره الستار وهو من تلحين سيد درويش ويبدأ بهذا المطلع:

سودى على رغم الزمن

يا مصر يا نعم الوطن

دوسوا العدا يوم الردى

لبوا الندا كونوا فدا

وطنيتى هى ذمتى

وعقيدتى هى أمتى

والحر ينبت كالهرم

لتحتمس دامت أمم

نفنى وإن طال الزمن

والمجد باق للوطن


إلى آخر هذا النشيد وغيره من عشرات الأناشيد التى ما فتئت أترنم بها منذ اذلك التاريخ حتى اليوم، وعندما كنا نجتمع في كل عام عند سفح الهرم لنحتفل بالعيد، لا أجد ما يشوقنى أكثر من أن أنشد لأبناء مصر الفتاة هذه الأناشيد الأولى التى أيقظت روحى وغرست في نفسى مجد مصر.

ومن هذه الأناشيد ذلك النشيد الداوى الذى اتخذته بعد عشر سنوات من هذا التاريخ نشيدا رسميا لمصر الفتاة وهو نشيد: اسلمى يا مصر إننى الفدا.

والحق أن "مجد رمسيس" بأناشيدها وموسيقاها هي خالقة مصر الفتاة ونهضتها وستظهر الصلة المباشرة بينها وبين فكرة مصر الفتاة بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ، عندما ذهبت إلى رحلة الأقصر و أسوان، كما سأشرح ذلك بالتفصيل في حينه.

سارت تجارب الرواية في طريقها تحت إشراف عبد اللطيف شاش إلى أن اقترب اليوم المحدد للتمثيل، فاستأجرت الجمعية مسرح حديقة الأزبكية، وكان من حقنا أن نجرى عليه تجربة قبل ليلة التمثيل.

ولست أستطيع أن أتحدث عن مقدار سعادتى عندما وجدت نفسى فوق مسرح حديقة الأزبكية الذي طالما هفت نفسى للوقوف عليه منذ عرفت طريقى لمشاهدة رواياته.

لم أكن أصدق نفسى أنى فوق خشبة المسرح، وأن حلمى قد تحقق أخيرا وهأنذا أسير فوقه.

ولم يكن هناك حد لفيض السعادة الذى أصبح يغمرنى لدى كل خطوة جديدة نخطوها في هذه اللحظات الأخيرة.

فقد جاء دور توزيع الملابس علينا وباعتبارى أحد القائدين اللذين تدور عليهما حوادث الرواية فقد أعطيت بدلة فرعونية فاخرة جعلتنى أشعر بالعزة والبأس بالنسبة لكل من يحيط بى من الجنود وأفراد الشعب.

وأجرينا التجربة الأخيرة، كما ستمثل في اليوم التالى وصابتنا فرقة موسيقية من المدرسة برئاسة زين العابدين الذي كان يجيد قيادة الفرقة لعزف أناشيد الرواية وموسيقاها الصامتة.

وانصرفت إلى بيتى وأنا أكاد أطير من فرط السعادة ولم أستطع النوم في تلك الليلة من شدة اللهفة على شروق شمس اليوم التالى.

وأشرقت الشمس وتوجهت إلى المدرسة ومن المدرسة أخذنا طريقنا إلى مسرح حديقة الأزبكية حيث فوجئت بما زاد في سعادتى إذ وجدت غرفة من غرف الممثلين قد خصصت لى ولزميلى القائد لخلع ملابسنا وكان ذلك آية الأهمية التى وصلنا إليها.

وبعد أن غيرنا ملابسنا وارتدينا ملابس التمثيل جاء المختص في عمل المكياج وبدأ في صبغ وجهى بمختلف الأصباغ والأدهان ليخفى صورة الشاب الصغير ويرسم صورة القائد المغوار، وهكذا كانت أحلامى كلها تتحق خطوة فخطوة ..

فأنا الآن ممثل خطير وإن هى إلا بضع ساعات حتى تمتلئ هذه الصالة بالمتفرجين ليشاهدوا تمثيلى وكأنهم لم يجتمعوا إلا ليشاهدوا تمثيلى أنا.

ووصلنا إلى ذروة الموقف .. وكان قلبى يخفق فالصالة الآن مليئة بطلاب المدرسة ورجال الصحافة وموظفى وزارة المعارف وأقاربنا وكل من يلوذ بنا وقد أطفئت الأنوار وعزفت الموسيقى نشيد الافتتاح ورفع الستار وبدأ التمثيل ..

وصاح بنا مدير المسرح أن استعدوا، وجاءت الإشارة الموعودة "ادخلوا" ودخلنا وغمرتنا الأضواء واستقبلنا الموسيقى التى كانت تعزف (مارشا) فقد كان دخولنا على المسرح على رأس فرقتنا حيث نسير في مركب عسكرى وتعزف مارشا يشبه المارش الشهير في رواية عايدة، حتى إذا وقفنا في حضرة رمسيس أسرع الشعب إلى ترتيل نشيد يمجد فيه آمون العظيم على ما أولى مصر من نصر على أيدينا.

ثم يشرع رمسيس يهنئنا على ما أحرزنا من نصر ويسألنا أن نقص عليه تفاصيل المعركة .. وكان زميلى القائد يصف المعركة غناءا، أما انا فأصفها تمثيلا وكانت كلماتى تلقى بقوة كأنها قذائف.

وكان عبد اللطيف شاش رئيس الفرقة يأبى إلا أن يجعلنى أبالغ في تضخيم الألفاظ والعبارات وأن أبالغ في إظهار صرامتها وفي تقوية صوتى ..

ولست أعرف ماذا فعلت في هذه الليلة وأنا تحت الأضواء وأمام الجمهور ..

والتعليق الوحيد الذي انتظرته بفارغ الصبر جاء على لسان "الأحنف" محرر مجلة المسرح حيث وصفنى في حديثه عن الرواية الذي استغرق صفحتين كاملتين في مجلة المسرح بأننى كنت القائد (الشضلى)، وقد سرنى هذا النقد وأحزننى في ذات الوقت، سرنى أننى استطعت أن ألفت نظر الناقد الكبير وأن يرى نفسه مضطرا للتنويه بى كبطل من أبطال الرواية،

وأن يظهر اسمى على مجلة المسرح، وأحزننى بطبيعة الحال أنه لم يستطع أن يصفنى إلا بهذه الكلمة كلمة (الشضلى)، ويظهر أننا دائما نتصور أنفسنا شيئا مذكورا والحقيقة تخالف ذلك إلى حد بعيد.

كيفما كان الأمر فقد انتهت الحفلة بنجاح في مجموعها، وقد أصبحت في نهاية الأمر ممثلا وقف تحت الأضواء ومثل أمام الجماهير ويلقى التصفيق والتهنئة.

وأصبحت نجما من نجوم فرقة التمثيل بالمدرسة الخديوية ولم تعد هذه المسألة محل شك أو منازعة. حتى أن عبد اللطيف شاش عندما أراد قبيل آخر السنة أن يأخذ صورة تذكارية لأبطال الفرقة دعانى للاشتراك في الصورة وقد كانت هذه مفاجأة،

فقد كان رؤساء الفرقة لا يحبوننى لاستطاعتى أن أفرض نفسى عليهم، ولذلك فقد كانت مفاجأة لى دعوتى لصورة تؤخذ معهم، واعتبرت ذلك قمة النصر، وأن مركزى قد ثبت نهائيا في الفرقة كما قدمت.

وبدأت الأمور بعد ذلك تتطور من حسن إلى أحسن فلأمر ما فكر رؤساء الفرقة فى عقد مباراة تمثيلية في آخر العام لاختيار أحسن ثلاثة في الفرقة كلها،

وأعد كل منا مقطوعة لإلقائها، وكنت قد ازددت بعد التطورات السابقة ثقة بنفسى واعتزازا بمكانتى وسعيت أن أكون الأول في هذه المباراة ولكنى لم أكن الأول، واعتبر عبد اللطيف شاش هو الأول واعتبرت أنا و جلال العروسى في الدرجة الثانية،

وعندما احتفلت المدرسة قبل اختتام الدراسة بتوزيع الجوائز على المتفوقين في مختلف نواحى النشاط المدرسى تناوت من يد الناظر وسط التصفيق جائزة التمثيل الثانية عن عام 1935-1926 الدراسى ولست أذكر الآن بالضبط ماهية هذه الجائزة هل كانت حقيبة كتب أم أنها كانت ساعة.

لقد كانت هذه أول جائزة من نوعها أحصل عليها في حياتى الدراسية كلها، وهكذا بدأ التمثيل وهواية التمثيل تبوئنى الصفوف الأولى في المدرسة فضاعف ذلك في حماسى ونشاطى واستغراق في فن التمثيل.

أنا والصديق ع.أ.أ

على أننى لا أستطيع أن أدع موضوع هذه المباراة التمثيلية ينتهى دون أن أعرض لواقعة جرت بمناسبتها وكانت بدء صداقة حادة عنيفة بينى وبين الصديق ع.أ.أ ، والتى استمرت بضع سنوات كانت فيها صداقة كأجمل ما تكون الصداقة واستمتعت بإخلاص ووفاء أخ كريم، وكان من الممكن أن تقوى الرابطة بينى وبينه إلى نهاية العمر لو أننى تزوجت أحته كما كان المنظور المتوقع،

ولكن تصرفات القدر وحوادث الأيام أحبطت هذا المشروع الأخير بعد عشر سنوات كاملة وعدت على هذه الصداقة الجميلة بحيث تمر الأعوام تلو الأعوام. فلا أكاد أسمع عن هذا الصديق فضلا عن رؤيته ..

ولكن في هذه الأيام التى أتحدث عنها وفي تاريخ السنوات المقبلة في هذه المذكرات سيحتل ع.أ.أ وستحتل أسرته وستحتل أخته أو بالأحرى إخوته جميعا من بنين وبنات جزءا كبيرا من هذه المذكرات.

وكان بدء هذه الصداقة الوطيدة التى استمرت عشر سنوات بمناسبة هذه المباراة التمثيلية التى تحدثت عنها، فوجئت عندما أعلن عن هذه المباراة بطالب رقيق مؤدب يقترب منى ويقول لى أنه يلتمس منى أن أعاونه على الاستعداد لهذه المباراة،

فأختار له القطعة التى يمثلها وأساعده على التمرن عليها، وكان هذا الطلب مفاجأة شديدة الواقع على نفسى. لقد كان كل أعضاء جمعية التمثيل ينظرون إلى شزرا، فالأعضاء القدامى يضايقهم منى ما يعتبرونه غرورا ونجاحى في فرض نفسى عليهم وإرغامهم على إعطائى دورا في الرواية .. والأعضاء الجدد يغيظهم استطاعتى شق طريقى والوصول إلى القمة،

ولذلك فقد كانوا يتحاشوننى جميعا، ولك يكن لى بين هؤلاء أو هؤلاء صديق ولم أسمع في أى يوم من الأيام كلمة تشجيع من واحد منهم أو كلمة طيبة على أى صورة من صوره.

وكان ذلك يحز في نفسى، فمنذ طفولتى المبكرة، لم أكن أحس أننى أبغض أحدا أو أننى أكره أحدا وكنت على استعداد دائما بأن أكون نافعا وصديقا لكل من يحيط بى فكان يؤذينى هذا النفور منى، ومع ذلك فقد كنت ماضيا في طريقى أشقه بجهادى.

فعندما جاء ع.أ.أ يطلب منى أن أكون مدرسا له عندما قال لى أنه اختارنى من بين جميع أعضاء فرقة التمثيل لأنه معجب بى كان ذلك حدثا في تاريخ حياتى في هذه الفترة، كان نصرا وفوزا مبينا فهأنذا في النهاية أجد واحدا يعترف لى بالأستاذية ويتحدث عن الإعجاب بى ولا يجد غضاضة في أن أعلمه مقطوعة ليتقدم بها في الامتحان.

وغنى عن البيان أنى تلقيت الدعوة بترحاب شديد ولهفة زائدة, وعندما طلب منى أن أصحبه بعد انتهاء الدراسة إلى منزله لأشرع في تعليمه المقطوعة التى يريد إلقاءها، أسرعت إلى تلبية الدعوة، وذهبت معه إلى بيتهم وكان في شارع يعقوب بالقرب من وزارة المالية في إحدى العمارات الحديثة البناء.

وعندما دخلت إلى الشقة التى يقيم بها كان يظللها سكون عميق أشعرنى بالرهبة وعندما دخلت حجرة الاستقبال التى كانت مفروشة في مستوى أعلى من المستوى الذي أعيش فيه ازددت رهبة على رهبة. ولقد علمت فيما بعد أن هذا البيت ليس بيته الرئيسى،

وإنما هو بيت أخته الكبرى التى كانت ناظرة في إحدى مدارس البنات الشهيرة وكانت متزوجة موظفا كبيرا من موظفى وزارة المعارف، وهو بدوره ناظر إحدى المدارس الثانوية وكان ع.أ.أ يقيم عندهما كضيف ولذلك فلمنأخذ راحتنا الكاملة في "الزعيق" والحركة وكنا نتمرن على القطعة التى اخترتها له فيما يشبه الهمس، ولم تكن هذه القطعة سوى هذا المنولوج الذي يلقيه "تيمور" في رواية لويس الحادى عشر عندما ذهب لينتقم من لويس الحادى عشر،

فإذا الطبيب لويس يحاول أن يثنى تيمور عن عزمه ويطلب منه أن يستغفر لويس الحادى عشر عما بدر منه فيشرع تيمور في إلقاء مقطوعة من أروع المقطوعات التمثيلية، وكنت أجيد هذه المقطوعة إلى الحد الذى أثار إعجاب ع.أ.أ وطلب منى أن أدربه على إلقائها، وقد تقدم بها إلى الامتحان ولم يحصل كغيره على جائزة من الجوائز الثلاث ..

ولكن هذا التلاقى بينه وبينى، والتى راحت تزداد تمكنا شهرا بعد شهر أو يوما بعد يوم .. حتى جاء وقت كنا لا نستطيع فيه ألا يرى أحدنا الآخر في أى يوم من الأيام.

رحلة إلى أسيوط

وعلى ذكر صداقتى الوحيدة مع ع.أ.أ فقد كانت صداقتى الكبرى لسيد "فتحى رضوان" لا تزال هى محور حياتى العاطفية، وكانت الرسائل المطولة تترى بينى وبينه حيث نتحدث عن كل شئ من السياسة إلى الأدب إلى التمثيل حيث يقص علىى أنباء ما طالع من الكتب أو الروايات ويلخصها لى، وحيث يصف لى مدرسيه وأصدقائه والحوادث اليومية وكنت أبادله كل هذا في رسائلى.

وكان لابد أن أسعى إليه في أسيوط لأرى هذه البيئة الجديدة التى يعيش فيها زميل طفولتى وصديقى الحميم.

ولقد انتهزت فرصة عطلة نصف السنة الدراسية وذهبت إليه في أسيوط، وحدث عن سعادتنا باللقاء فقد راح يطوف بى في أرجاء المدينة في أرجاء المدينة ويحدثنى عن كل شئ ورأيت لأول مرة قناطر أسيوط ومنطقة الحمراء،

وما بها من حدائق واستمتعت بصحبة سيد وضيافته مدة ثلاثة أيام على ما أذكر، وقد فهمت فيما بعد أن ذهابى لسيد قد أثار أزمة في المنزل فلم تكن هذه الزيارة مرغوبا فيها من والدته الحازمة، فقد كانت لا تتصور كيف أن صبيا صغيرا يفد من مصر إلى أسيوط ليزور ابنها الصغير ويقيم في البيت، ولكن إرادة سيد وإصراره على الدعوة وإسراعى للتنفيذ وضعها أمام الأمر الواقع،

وعندما ذهبت لم أشعر بأى شئ غير عادى في الجو، بل لقد عوملت بكل الإكرام الذي جعلنى أعود من رحلتى سعيدا مغتبطا بعد أن أصبحت صداقتى وسيد بعد هذه الرحلة شيئا مثاليا منعدم النظير. وبعد فلست أعرف إذا كانت الذاكرة قد خانتنى فجعلتنى أذكر هذه الرحلة في هذا العام أم أنها كانت في العام السابق ولعل الفرصة كانت متاحة لى أن أقف من فتحى على تصويب موعد هذه الزيارة الخالدة.

لم سبق إلا أن أشير إلى الأحداث السياسية في هذه الحقبة لكى نتم حديثنا عن هذا العام الدراسى .. ولعلك د لاحظت أيها القارئ أن شغفى بالتمثيل قد بدأ يطغى على كل شئ بحيث أن ما ذكرته عن حياتى الدراسية لم يعد كلمات قلائل بينما ذكرت نشاطى المسرحى في تفصيل كامل.

وما يقال عن حياتى الدراسية يقال عن ذكرياتى السياسية فقد بدأت أتلقى أنباء الأحداث السياسية كمتفرج منصرف النفس والفؤاد عن الاهتمام بما يشهد أو يسمع،

وإن كانت الأحداث الجارية تضع بذورها في نفسى من حيث أشعر حيث نامت هذه البذور وظلت في حالة ركود وخمود، حتى جاء الوقت الذي ازدهرت فيه ونمت فطبعت نشاطى السياسى أيام كفاحى في مصر الفتاة.

لقد أجريت انتخابات لتشكيل برلمان بدلا من البرلمان الذي حلته وزارة "زيور" وأشرف إسماعيل صدقى وزير الداخلية على الانتخابات لمجلس النواب الجديد.

ولأول مرة استخدم إسماعيل صدقى أساليبه الشهيرة في الضغط على الناخبين وعمل المناورات من إرهاب وترغيب للوصول إلى نتيجة معينة .. وتألف في هذه الفترة ما يسمى حزب الاتحاد وقيل وقتئذ أنه حزب الملك وقدم حزب الاتحاد مرشحيه إلى جوار حزب الأحرار الدستوريين الذين كانت تتألف منهم الوزارة.

وكانت الانتخابات على درجتين أى أن كل ثلاثين ناخبا ينتخبون مندوبا وهؤلاء المندوبون هم الذين ينتخبون عضو مجلس النواب.

وتمت الانتخابات أخيرا وكان اسماعيل صدقى هو وزير الداخلية الذي أجرى الانتخابات وقد ابتدأ تجاربه الرائدة في التزوير والزيف في الانتخابات وهي التجارب التى صقلها فيما بعد، وعقد مجلس النواب وفي جلسته الأولى جرت الانتخابات لاختيار رئيس المجلس، وكان المرشحان هنا سعد زغلول زعيم الأمة و عبد الخالق ثروت مرشح أحزاب الأقلية،

أحزاب الانقلاب، وأسفرت نتيجة الانتخاب عن فوز سعد زغلول برئاسة المجلس بأغلبية بضعة أصوات إذ أحرز مائة صوت وخمسة أو حوالى ذلك، بينما أحرز ثروت سبعة وتسعين صوتا إذا لم تخنى الذاكرة فصعقت الحكومة لهذه النتيجة التى خيبت آمالها بعد كل الجهود التى بذلتها

وبعد كل صنوف المناورات والمؤامرات، ولذلك فقد أسرعت إلى حل مجلس النواب الجديد، الذي لم يمض على انعقاده سوى بضع ساعات حلته لنفس السبب الذي حلت من أجله المجلس الماضى.

فإذا علمت أن الدستور صريح في أنه لا يجوز حل مجلس النواب مرتين لسبب واحد أدركت أن هذا الإجراء كان أو لعدوان سافر على نصوص الدستور، ولم يلبث العدوان أن تواتر بعد ذلك وأخذ عدة صور وأشكال وألوان حتى أصبح الدستور قصاصة الورق التى لا تساوى الحبر الذى كتبت به.

وقد حز في نفسى رغم عدم اشتغالى بالسياسة هذا التصرف وتسللت إلى نفسى أول بذرة من بذور الحنق على الأوضاع السياسية في البلاد.

وجرت الامتحانات لاختتام العام فأديتها بنجاح ونقلت إلى السنة الثالثة وفقا للنظام الجديد الذي جعل الدراسة الثانوية خمس سنوات لا أربعا،

وجعل امتحان الكفاءة –أو بالأحرى إتمام المرحلة الأولى- من التعليم الثانوى بعد السنة الثالثة لا الثانية كما كان الحال من قبل.

واستقبلت الإجازة الصيفية بنشاط مضاعف

صيف عام 1926 م

بمجئ الإجازة الصيفية جاء سيد فتحى إلى مصر، وبدأنا نشاطنا المشترك في الحياة الأدبية والاجتماعية مع زميلنا الكبير حافظ محمود في جمعية القلم، ولقد تطورنا بجمعيتنا وبحفلتها السنوية، فبدلا من (حوش) بيت حافظ محمود استأجر لنا مسرحا أو بالأحرى صالة يطلق عليها "كوفاديس"

وهى ملحقة بالكنيسة التى تواجه بنك مصر في شارع عماد الدين، وكان البرنامج يتألف من خطاب أدبى اجتماعى يلقيه الرئيس حافظ محمود ومن بعض خطب أخرى ثم فصل تمثيلى قمت فيه بالدور الرئيسى.

ولم يلبث شهرا الصيف يوليو و أغسطس أن انصرفا وبحلول سبتمبر دخلت حياتى في دور جديد ففي هذا الشهر كان يوسف وهبى يبدأ تجارب التمثيل لموسمه التمثيلى المقبل وكنت قد اعتزمت الالتحا بمدرسة "كهاو" وأصبحت هذه أمنية حياتى الكبرى،

وأريد بهذه المناسبة أن أذكر تاريخ علاقتى بمسرح رمسيس هذه العلاقة التى زلت تتطور وتتطور حتى كادت تنتهى إلى أن أفنى في هذا المسرح لو أن يوسف وهبى قبل في لحظة من اللحظات التى سنعرض لها أن يلحقنى بفرقته ..

كان بدء اتصالى بالتمثيل كما ذكرت من بالتفصيل عن طريق فرقة عكاشة تياترو حديقة الأزبكية فكنت متعصبا لهذه الفرقة متحمسا لها ألهج دائما بتفوقها وبدأ يوسف وهبى موسمه التمثيلى الأول عام 1924 م دون أن أشهد رواية من رواياته،

وكان من حظ سيد فتحى أن يشهد روايته الكبرى في هذا الموسم واسمها رواية "المجنون"، وهى من تأليف يوسف وهبى، فكان يستطيل على برؤية هذه الرواية، وكان يقصها على ويقلد يوسف وهبى في إلقائه فأحس بذلة الحرمان، ولكن لم هناك سبيل لمعالجة هذا الأمر، فقد كان لابد من مبلغ لا يقل عن عشرة قروش لإمكان مشاهدة إحدى رواياته، ولم يكن باستطاعتى توفير هذا المبلغ.

صدمة قوية

وأعلن في موسم يوسف وهبى الثانى أن جورج أبيض سينضم إليه بفرقته وأنه سيبدأ بتمثيل رواية "سيرانو دى برجراك" للشاعر الفرنسى الكبير أدمون روستان، ورواية سيراتو كانت قد ترجمت إلى العربية وصاغها في أسلوب عربى مبين الشيخ مصطفى لطفى المنفلوطى وأطلق عليها اسم الشاعر.

وروايات مصطفى لطفى المنفلوطى كانت هى الروايات التى كان مدرسونا في الدروس ينصحون لنا بقراءتها لتحسين لغتنا، وكان كل من يريد أن يتذوق الأدب أن ان يتصف بالأدب لابد له من قراءة هذه الروايات، وكان أشهر هذه الروايات على الإطلاق رواية "مجدولين"

أو "تحت ظلال الزيزفون" ثم رواية الشاعر سيرانو دى برجراك ورواية "العبرات" ثم رواية الفضيلة أو بول وفرجينى، ورواية أخرى اسمها في سبيل التاج وهى كلها من عيون الأدب الفرنسى، فكان بعض المصريين يترجمونها ثم يعيد مصطفى لطفى المنفلوطى صياغتها في قالب عربى مبين.

والحق أن المكتبة العربية لم تعرف منذ هذه الروايات ما يدانيها في الجمال والروعة، وقد كنت مفتونا برواية سيرانو هذه فلم أكد اطالع الإعلانات الضخمة على جدران تنبئ أن جورج أبيض سوف يمثل هذه الرواية على مسرح رمسيس حتى قررت أن أحضرها بأى ثمن من الأثمان.

وشرعت أقتصد وأدخر طوال العام الدراسى حتى إذا جاء العيد أعلن عن تمثيل الرواية، وكان قد اجتمع لى عشرة قروش ثمن التذكرة، وهكذا جاء اليوم الموعود لأدخل فيه إلى مسرح رمسيس وأشهد تمثيل هذه الفرقة التى ملأت الدنيا ضجيجا أنها قمة التمثيل الحقيقية.

وما زلت أذكر بعد كل هذه السنين الطويلة كيف ارتديت ملابسى ونظفتها بقدر الإمكان ثم ذهبت إلى الدولاب الذى أخفى به هذا "النصف ريال" فأخذته من مكانه ووضعته في جيبى ثم يممت صوب مسرح رمسيس سيرا على الأقدام من منزلنا بالسيدة،

وكانت الحفلة نهارية تبدأ في الساعة الخامسة والنصف فبدأت رحلتى نحوالمسرح في الساعة الثانية ظهرا بعد أن تناولت طعام الغداء، وصلت إلى باب المسرح ولم يكن شباك التذاكر قد فتح بعد فرحت أتسكع حول المسرح وفى شارع عماد الدين ساعة كاملة بعدها فتح شباك التذاكر،

فذهبت إليه وقلبى يخفق كما لو كنت مقبلا على مغامرة كبرى .. كيف لا وقد كان هذا حلم عامين كاملين أن تتاح لى فرصة دخول مسرح رمسيس وها هى قد جاءت.

واقتربت من شباك التذاكر وقد ازداد خفقان قلبى وتصبب العرق من جبينى وكانت تجلس في شباك التذاكر فتاة أجنبية، وكان كل ذلك جديدا بالنسبة لى وتقدمت بشجاعة إلى النافذة وأبرزت النصف ريال الذي كان يلمع نظرا لجدته وقلت لبائعة التذاكر أريد تذكرة بنصف ريال ..

فابتسمت في وجهى وقالت لا توجد لدينا تذاكر بنصف ريال .. إن أقل تذكرة بخمسة عشر قرشاً.

يا للهول .. يا لخيبة الأمل .. يا للخجل والعار .. يا للأحلام التى ضاعت والقصور التى انهارت .. لقد وقفت مبهوتا أمام الفتاة لا أستطيع أن أجد جوابا، ثم انسحبت في سكون أكاد أنوء تحت وقع الصدمة.

لقد انتظرت بضعة أشهر كاملة احتملت فيها وحرمت نفسى من كل مباهج الحياة حتى أقتصد هذه العشرة قروش، وفي نهاية الأمر لا يتحقق حلمى.

عدت إلى البيت وأنا حزين كثيب وظل سيد فتحى يتفوق على برؤية رواية "المجنون" وبأنه رأى يوسف وهبى ولم أره، بل لعله في ذلك الوقت كان قد شهد له رواية ثانية.

واحتاج الأمر إلى بضعة شهور أخرى قبل أن أيمم شطر مسرح يوسف وهبى ثانية، وفي هذه المرة عندما صدته كنت أكثر ثباتا وأقداما فقد كانت معى الخمسة عشر قرشا، بل ما هو أكثر منها، فقد كان راتبى الشهرى قد زيد إلى أكثر من ثلاثين قرشا في الشهر بعد أن أصبحت طالبا في الثانوى، وكانت الرواية التى ذهبت لرؤيتها هى رواية "غادة الكاميليا" والتى طبقت شهرتها الخافقين.

وجاءت الساعة التى رأيت نفسى جالسا في صالة مسرح رمسيس وقد أخذ بلبى الصمت العميق الذي كان يسود المتفرجين والذي كان من الواضح أنهم من طبقة أرستقراطية أكثر من طبقة رواد تياترو وحديقة الأزبكية.

وأطفئت الأنوار ورفع الستار وبدأ التمثيل .. كان روز اليوسف هى التى تمثل دور مرجريت جوتييه و يوسف وهبي يمثل دور أرمان أريفال، وكان هذا اللون جديدا على فروايات تياترو وحديقة الأزبكية في أغلبها روايات شرقية أو مصرية أو غنائية ولم أشهد من قبل رواية أفرنجية عصرية كغادة الكاميليا،

ولذلك فقد كنت مأخوذا بهذا الجو الجديد وبهذا التمثيل الرائع الذي لا يقارن به كل الذي شهدته حتى ذلك الوقت وعندما وصلت القصة إلى الفصل الثالث وعندما وصلنا إلى هذا الموقف الخالد موقف الأب ديفال وهو يحاول أن يقنع مرجريت أن تتخلى عن ولده هنا كان التمثيل قد وصل إلى درجة لم تكن تطوف لى في خيال ..

وأخذ منى التأثر مبلغا عظيما فرحت أذرف الدموع في صمت وبدون انقطاع، وأشهد أن ليس كل الروايات التمثيلية التى عرفتها المسارح في القديم أو الحديث مشهد يفوق هذا المشهد من حيث الكمال الفنى والتمثيلى ووصلت روز اليوسف إلى ذروة الجد في هذا المشهد. ولم يكن يقل عنها مجداً عزيز عيد الذي كان يمثل دور الأب ديفال.

وعندما جاء الفصل الأخير ومرجريت جوتييه طريحة الفراش يرشك المرض أن يفترسها ويطفئ نورها إلى الأبد كنت أتعذب عذابا حتى خيل لى أنه قد يغمى على من الأمل والتأثر.

ونزل الستار في النهاية وخرجت من المسرح وقد ولدت من جديد ...

لم يرعنى يوسف وهبى في دور أرمان ديفال كما راعتنى روز اليوسف والحق أن رواية غادة الكاميليا هى رواية قد وضعت لإبراز مواهب "سارة برنار" أى أنها رواية بطلتها امرأة وليس رجلا، ولذلك فلم يستطع يوسف وهبى]] أن يؤثر على كثيرا في هذه الرواية وإن كان الجو كله قد أثر في نفسى أعمق تأثير.

توسكا

على أننى دخلت مسرح رمسيس مرة فقد أصبح دخولى بعد ذلك سهلا ميسورا بعد أن عرفت الطريق، فإن هى إلا بضعة أشهر أخرى حتى كنت أشهد رواية أخرى وهى رواية توسكا، وفي ذلك الوقت كانت روز اليوسف قد تركت مسرح رمسيس وأصدرت لنفسها مجلة هى المجلة المسماة باسمها حتى الآن، وبعد أن كانت مجلة المسرح المجلة الوحيدة التى تكتب عن المسرح أصبحت روز اليوسف إلى جوارها،

وعلى صفحاتها بدأ التابعى نقده لفرقة يوسف وهبى وتعليقه على الحوادث الجارية بأسلوبه المعروف، وحلت فاطمة رشدى محل روز اليوسف وأصبحت بطلة رمسيس الأولى واشتهرت رواية توسكا باعتبارها رواية الموسم الثالث لمسرح رمسيس فذهبت لرؤيتها.

ومرة أخرى رأيت عجبا وفنا رائعا .. وفى هذه الرواية تقوم فاطمة رشدى بدور ضخم يملأ الرواية كلها، ولكن يوسف وهبى في نفس الوقت يقوم بدور من أدواره التى يظهر فيها امتيازه وهو دور "سكاربيا" هذا الطاغية، فنال إعجابى،

بل ما هو أكثر من الإعجاب، لقد افتتنت به ومنذ ذلك اليوم أصبح هو مثلى الأعلى الذي لا أتمنى من الحياة إلا أن أصل في يوم من الأيام إلى بعض مكانته في عالم التمثيل ..

وفى هذه الإجازة الصيفية التى أتحدث عنها صيف عام 1926 م قررت أن أعمل المستحيل وألتحق بفرقة يوسف وهبى كتلميذ متمرن.

لست أذكر الآن على وجه التحديد ما هو الإجراء الأول الذي اتخذته لألتحق بالفرقة، لست أذكر إذا كنت كتبت ليوسف وهبى أم أن أحدا قدمنى إليه أم أنى ذهبت إليه مباشرة وطلبت مقابلته ..

لقد ضاعت من ذاكرتى هذه الخطوة، ولكن الذي أذكره أنه في صباح أحد الأيام اجتزت عتبة باب مسرح رمسيس الخلفى وصعدت هذه الدرجات القلائل التى تؤدى بنا إلى خشبة المسرح،

كما يقولون، وهناك لأول مرة وجدت الممثلين يحوطون بإحدى الموائد وفي يد كل منهم (نوتة) يطالع فيها دوره التمثيلى.

وكان ذلك شيئا فوق احتمالى، فهؤلاء هم نجوم المسرح الذين تتحدث عنهم البلاد، هؤلاء هم الذين خفق قلبى وأنا أشاهدهم بالليل يمثلون ..

هؤلاء هم الذين تنشر مجلة المسرح وباقى المجلات والصحف صورهم يوما بعد آخر في أوضاع مختلفة ..

هذا هو حسين رياض الذي طالما هز نفسى هزا في دوره في رواية لويس الحادى عشر والذي كان أول ممثل قلدته فى تمثيله ..

وهذا هو أحمد علام وهذه فاطمة رشدى، وهذا هو شيخ المخرجين وأستاذ الأساتذة عزيز عيد، وهذا فتوح نشاطى، وهذه زينب صدقى، وهذه أمينة رزق ..

إنهم جميعا ..

النجوم والكواكب يجلسون على بعد خطوات منى وأنا أراهم ان وأستطيع أن أراهم الآن وأن ألمسهم باليد، بل وأستطيع بشئ من الشجاعة أن أخاطبهم.

وأخيرا .. هذا هو يوسف وهبى بشحمه ولحمه ..

هذا هو يوسف وهبى في صورته الطبيعية وليس في صورة "سكاربيا" أو راسبوتين أو أرمان ديفال ..

إنه يوسف وهبى ..

وكم كان يوسف وهبى يملأ القلوب في ذلك الوقت رهبة وروعة، كان إذا حضر (البروفة) خفقت الأصوات وأرهفت الآذان وحبست الأنفاس، فقد كان شديدا كان صارما على كل من يتكلم ف أثناء (البروفة) أو يتأخر عنها كان يطر من المسرح نهائيا في بعض الأحيان،

وكان يخصم من المرتبات بضعة أيام، وهكذا كان ملأ القلوب خوفا ورعبا من صرامته ..

ما زلت أذكر في مرة من المرات وكان يقوم بتمثيل أحد الأدوار فسمع بعض الأصوات من باقى الممثلين يهمس هنا وهناك فما كان منه إلا أن توقف عن التمثيل ووضع منظاره المفرد (المونوكل) على عينه ثم راح يحدق في وجوه الممثلين واحدا بعد الآخر فى صمت فشحبت الوجوه وخفقت القلوب وحبست الأنفاس،

فقد كانت هذه الحركة نذير الويل والثبور لكل من يوقعه سوء الطالع تحت نظره متحدثا أو متحركا أو مبتسما.

وجال ببصره حول المسرح في تثاقل وصمت وكان ذلك كافيا كما قدمت لكى يسكن الهواء نفسه، فكأننا أصبحنا سكان عالم ثان،

وبعد أن اطمئن إلى التأثير الذى أحدثه استأنف التمثيل من جديد، حيث ظل الجميع بعد ذلك ساعتين كاملتين وكأن على رؤوسهم الطير.

أنا في مسرح رمسيس أخيرا وأذهب إليه كل يوم في انتظام لحضور التجارب في الصباح أى في الساعة العاشرة وثمة تجربة أخرى في المساء، ولكن لأمر ما كان بواب المسرح (اللعين) كثيرا ما يمنعنى من الدخول في المساء.

وكم أشقانى هذا البواب الدكتاتور وكم سبب لى من آلام عندما كنت أذهب فيمنعنى من الدخول لغير سبب مفهوم منى في ذلك الوقت وإن كنت أفهمه الآن تمام الفهم،

لقد كان الرجل يريدنى من غير شك أن أدفع له بعض النقود وقد كنت عاجزا عن ذلك بطبيعة الحال فكان يستخدم سلطاته ونفوذه في منعى من الدخول بالليل،

ففى هذه الفترة يكون أكثر سلطانا منه بالنهار،

لأننى بالنهار أستطيع أن أراقب يوسف وهبى عند حضوره أو أى ممثل من الممثلين الكبار وأدخل معه أو أن أشكو إليه إذا منعنى،

أما في الليل فالجو متغير والليل يخلق رهبة أكثر من النهار، فكان يمنعنى من دخول المسرح،

ولكن مع مرور الزمن أدرك الرجل أنه لن يفلح في حملى على أن أدفع له نقودا فمن ناحية لم يكن معى نقود ومن ناحية أخرى كانت الفكرة أبعد ما يكون عن ذهنى وقد كنت أعزو تصرف الرجل إلى أنه سخيف أو انه فظ وقاس وجلف إلى آخر هذه النعوت،

والمهم أننى ما أقبلت على المسرح مرة إلا وأنا أمتلئ خوفا من هذا البواب وهل سيسمح لى بالدخول أم يمنعنى وما دخلت مرة إلا وتنفست الصعداء وشعرت بالسعادة التى يشعر بها كل من ينجح في اجتياز خط النار.

وبدأت أتتبع نظام العمل في إعداد الروايات للمسرح وبدأت أغرق في جو من السعادة وطوفان من النعيم وأنا أشهد الروايات الخالدة التى ستعرض على الحضور واحدة بعد أخرى وكان شأنى شأن هذا الشخص الذي يكدح للحصول على قرش صاغ وفجأة يرى نفسه أمام كنز من ألوف الجنيهات في متناول يده،

أو كمن يشقى من أجل رغيف خبز، فجأة يرى (طابونة) خبز تحت تصرفه ..

لقد شقيت وكدحت لأدخر عشرة قروش أشهد بها إحدى روايات رمسيس وصدمت وفشلت في رؤية الرواية ..

وهأنذا غارقا بين عشرات الروايات من كل الألوان والأذواق ..

ما بين مضحكة ومبكية وتاريخية وعصرية ..

هأنذا أسمع أسماء أعلام التأليف العالميين وأعلام الممثلين والمخرجين ..

هأنذا في بحر عجاج من رحيق الفن.

نظام العمل

ونظام العمل في إعداد الروايات يسير على الوتيرة الآتية يجلس الممثلون حول مائدة وعلى رأسهم المخرج عزيز عيد ومدير المسرح، وكان يسمى "هلالى"

ثم يتلو عليهم مؤلف الرواية أو مترجمها الرواية، وكنت أستمتع إلى أبعد الحدود بسماع الرواية على هذا الأسلوب.

حتى إذا أخذ كل ممثل وقع عليه الاختيار كراسة دوره راح يطالعها فيما بينه وبين نفسه، ثم يجتمع الممثلون بعد ذلك تحت إشراف المخرج ويشرعون وهم جلوس حول المائدة يطالعون أدوارهم وتسمى هذه المرحلة مرحلة (التكسير)،

ويقصدون بها أن يتفهم الممثل دوره ويضبط أواخر الكلمات وأن يعرف كيفية سير الحوار مع غيره من أبطال الرواية وذلك تمهيدا لحفظ دوره.

وتطالع الرواية بهذا الأسلوب مرة أو مرتين، ثم تأتى في مرحلة الإخراج، حيث توضع على المسرح الأقنعة والأثاثات التى سيدور حولها التمثيل ويشرع المخرج يحرك الممثلين على المسرح وهم يلقون أدوارهم ..

وفي هذه المرحلة يتجلى إبداع المخرج وهو يعلم كل ممثل كيف يؤدى دوره ..

وكيف يتحرك خطوتين بعد هذه العبارة أو يجلس على هذا الكرسى ..

أو يندفع نحو زميله أو زميلته وهكذا، وتستمر التجارب في هذه المرحلة مرتين أو ثلاثا، بينما يقيد مدير المسرح كل ملاحظات المخرج التى يبديها في أثناء هذه التجارب ..

حتى إذا أخرجت فصول الرواية كلها بهذا الأسلوب جاءت المرحلة الأخيرة وهى ما تسمى (بروفة جنرال) أو التجربة الكاملة أو الشاملة،

حيث يرتدى الممثلون أزياءهم التى سيرتدونها أمام الجمهور وتركب المناظر ويجرى تركيب الرواية كما لو كانت تمثل أمام الجمهور.

ولعلك رأيت من هذا العرض كيف ان الفرصة كانت متاحة لى لكى أشرب هذه الروايات شربا وأهضمها هضما، فقد كانت تكرر أمامى خمس مرات أو ستا.

كنت أتحسر وأشعر بلذعة الحرمان كلما جاءت ساعة توزيع الأدوار فلا يكون لى نصيب فيها ولو دور خادم أو شحات، وقد كانت الأدوار الكبيرة تكتب في كراسات مجلدة بجلدة سوداء (نوتة)، أما الأدوار الصغيرة التى تتألف من بضع عبارات أو جمل فتكتب في ورق أبيض صغير،

ولم يدر بخلدى أن أعطى دورا مما يكتب في الكراسات الصغيرة ذات الجلدة السوداء، ولكن كنت أحلم باليوم الذي أظفر فيه بدور من بعض الجمل ..

أو دور تألف من جملة واحدة، حتى ولو كانت "لا يا سيدى" أو "نعم يا سيدى"، ولكن هذا الأمل لم تحقق قط على مسرح رمسيس.

وهكذا رض على أن أقنع "بالفرجة" فقط طوال فترة التجارب في الصيف، كما كان هناك الأمل عند بدء التمثيل أن أشترك في المجاميع (الكومبارس) وهم هؤلاء الشخوص الذين يظهرون على المسرح يمثلون الشعب الرائح والغادى أو يمثلون فرقة من الجند لا تتكلم،

ولذلك فقد كنت في شدة اللهفة على افتتاح الموسم التمثيلى لأرتدى الملابس التمثيلية، وأظهر بها على المسرح، وسط الحشود التى كانت تظهر في بعض المناظر في بعض الروايات.

وكانت هناك مجموعة من روائع روايات الغرب رواية اسمها "الشرق والغرب" تظهر عظمة اليابانيين ونهضتهم واحتفاظهم بكل مقوماتهم الشرقية وعاداتهم،

على الرغم من جودهم في البيئات الغربية وأخذهم العلوم الغربية كلها.

ورواية عن الثورة الفرنسية وثالثة من تأليف "هنرى برنشتين" من المؤلفين الفرنسيين الرائعين واسمها "شمشون الجبار" وقد كنت مفتونا بهذه الرواية الرائعة وبدور يوسف وهبى فيها،

ورواية رابعة مضحكة اسمها "أستاذ اللطافة"، وخامسة اسمها "المركيز دى بريولا"،

وكانت هناك هذه الرواية التى قدر لها أن تكون أكثر روايات يوسف وهبى شهرة وهى "كرسى الاعتراف"، ولكن أحدا لم يقدر لها في ذلك الوقت هذا النجاح الضخم الذي أحرزته فيما بعد،

وكانت هناك الرواية الكبرى "رواية النسر الصغير" أو "ابن نابليون" تأليف أدمون روستان وترجمة أحمد رامى.

وأخيرا اقترب موعد الافتتاح وبدأت التجارب على رواية الافتتاح الكبرى، وكانت من تأليف يوسف وهبى واسمها "الصحراء" وتدور وقائعها حول كفاح المغاربة في منطقة الريف الإسلامى،

عندما قام عبد الكريم الخطابى يحارب الأسبان فانتصروا عليه بعد أن أبدى من ضروب البسالة وأحرز من الانتصارات ما ملأ الدنيا إعجابا بالشعب المكافح.

وكان لنا نحن أفراد "الكومبارس" نشاط كبير في الفصل الأول، فقد كنا نرتدى ملابس المغاربة ونعيش في الخيام ونروح ونجئ لتمثيل حياة القبيلة ونجتمع في حلقات لنسمع آخر أخبار الحرب،

ثم يدخل علينا يوسف وهبى ليقص علينا قصة استسلام عبد الكريم فنمتلئ بالفزع وفيما يقص علينا القصة ونحن نحيط به يدهمنا جنود الأسبان

وطائراتهم تقذف القذائف وتنفجر على المسرح القنابل ويدوى الرصاص وتشتعل النيران ويسدل الستار وسط هذا الضجيج.

لقد كان المتفرجون عندما عرضت الراية عليهم يذهلون لهذه النهاية الرائعة لهذا الفصل فيقطعون أكفهم من التصفيق ..

واستحوذ يوسف وهبى على لبى وهو يؤلف هذه الرواية وهو يمثلها وهو يعاون عزيز عيد على إخراجها ..

وأصبحت أقلد يوسف وهبى في حركاته وصيحاته وإيماءاته، وكان يطربنى أن يقول لى القائلون: أننى صورة طبق الأصل منه،

فلم يهدأ لى بال حتى مثلت رواية في المدرسة جعلت فيها دورا يحاكى دوريوسف وهبى في رواية الصحراء،

وعندما جاء أوان تمثيل هذه الرواية حرصت على استئجار ملابس يوسف وهبى في رواية الصحراء بالذات ورسمت صورة كان كل من يراها يظنها صورة يوسف وهبى،

مما سأقصه عليك بالتفصيل في الصفحات القادمة.

وافتتح يوسف وهبى موسمه التمثيلى في نفس الوقت الذي استؤنفت فيه الدراسة، وعلى الرغم من الحرج الذي كان يجب أن أشعر به عندما أتغيب عن البيت كل ليلة حتى ساعة متأخرة فقد بدأت لا أقيم وزنا لما يقال عنى في البيت

ورحت أتردد على المسرح كل ليلة لأشترك في تمثيل هذه المسرحية وأرتدى ملابس أحد أفراد القبيلة الذين يروحون ويجيئون على المسرح طوال الفصل الأول.

العام الدراسى 26 -27

قلت لك أن العام الدراسى كان قد استهل، فذهبت إلى المدرسة بنشاط وعزم وثقة تملأ نفسى لا من ناحية الدراسة التى أنا بسبيلها، وقد كان هذا العام هو عام الكفاءة، بل من ناحية الدور الذي سأقوم به في فرقة التمثيل بعد أن أصبحت أستاذا كبيرا،

فإن انضمامى إلى يوسف وهبى وما شهدته من دروس الإخراج والتمثيل جعلتنى أتصور نفسى أستاذا لفرقة التمثيل بالمدرسة،

ولذلك فقد كانت كل نفسى متجهة صوب التمثيل وفرقة التمثيل، ولم للدراسة في نفسى أى ميل أو اهتمام، لذلك فلست أذكر من أنباء هذا العام الدراسى شيئا مما يتصل بالدراسة أو المدرسين، فلست أذكر الآن اسم أى مدرس واحد ممن درسا لنا في هذا العام،

بل لست أذكر اسم أى طالب ممن كانوا معى في هذه الفترة إلا أن يكون اسم همام محمد محمود ابن محمد باشا محمود الذي سيصبح رئيسا للوزارة بعد قليل، وكان همام يشتهر بدماثة الأدب والخلق والحياء،

وكان طالبا مجتهدا، وكان مرموق النظر لصفاته الحميدة بأكثر من نسبته إلى أبيه الذي لم يكن قد أصبح وزيرا بعد في ذلك الوقت.

ولست أذكر من كان يدرس لنا اللغة العربية أو الرياضة مع خطورة هذين العلمين، ولست أذكر اسم مدرس اللغة الإنجليزية، وقد كان رجلا إنجليزيا.

ذلك كله بعكس ذكرياتى عن نشاطى التمثيلى وصلتى بمسرح رمسيس والتى مازال منقوشة بأحرف ساطعة في ذاكرتى، ولعل هذا ما يظهر مدى استيلاء التمثيل على كل حواسى في هذا العام، وانقطاع صلتى بالدراسة والمدرسة في الناحية التعليمية.

الأحداث السياسية

وما يقال عن الذكريات المدرسية يقال مثله عن ذكرياتى السياسية، فليس في ذهنى إلا صورة باهتة عن أحداث هذا العام.

لقد تركتك في العام الماضى وقد حل البرلمان بعد انعقاده ببضع ساعات فور انتخاب سعد زغلول.

ولقد اختلف حزب الأحرار الدستوريين بعد ذلك مع حزب الاتحاد وقد كان الحزبان هما دعامة الوزارة، فاستقال وزراء الأحرار الدستوريين وعلى رأسهم عبد العزيز فهمى.

ثم لم يلبث أن حدث تقارب بين الدستوريين والوفديين والوطنيين وتعاهد الجميع على إعادة البرلمان وعقد مؤتمر وطنى فى بيت محمد محمود.

وكان قد جاء مندوب سام بريطانى جديد وهو اللورد "جورج لويد" ولم يعد هناك مناص من إجراء انتخابات جديدة، فألف عدلى يكن وزارة محايدة لإجراء الانتخابات،

واتفقت الأحزاب المؤتلفة على توزيع مقاعد البرلمان فيما بينها على أن يكون للوفد الأغلبية بطبيعة الحال.

وقعت الانتخابات وأحرز الوفد الأغلبية ويليه حزب الأحرار الدستوريين وبعض الوطنيين والدستوريين، ونحى سعد زغلول عن رئاسة الوزارة تحت ضغط الانجليز الذين لم يكونوا يرضون به رئيسا للوزارة، ولكنه بدلا من أن يصارح بذلك قبل أن يشترك فى مهزلة تهريجية،

فقد أقيم له حفل تكريم بمناسبة نجاحه، ثم تقدم منه طبيبه الخاص ورجاه وسط الجموع ألا يؤلف الوزارة رحمة بصحته ..

وصاح المجتمعون يؤيدون الطبيب المقترح، وهنا أعلن سعد زغلول أنه لا يسعه إلا أن ينزل عند مشيئة طبيبه، ولذلك فسوف يعتذر عن تأليف الوزارة.

ودعى عدلى يكن لتأليف وزارة ائتلافية من جميع الأحزاب، بينما تربع سعد زغلول على كرسى رئاسة مجلس النواب، ولقد سعيت للحصول على تذكرة لشهود جلسة من مجالس النواب لأرى سعد زغلول وقد رأيته بالفعل، وكانت هذه ثانى مرة رأيته فيها،

وقد أشرت لرؤياى اياه فى المرة الأولى عندما سمعته خطيبا عقب عودته لثانى مرة من المنفى، وكانت هذه هى المرة الثانية.

وقد استقال عدلى باشا لما تصوره مساسا بكرامته وضغطا عليه من نواب الوفد وتدخلا فى سلطته، وألف ثروت وزارة أخرى ائتلافية أعقبت وزارة عدلى.

وهكذا كان سعد زغلول يختم حياته مصححا هذه الأخطاء الشديدة التى ارتكبها فى السنوات الماضية، وهو يحمل بشدة وعنف على كل معارضيه، وخاصة عدلى وثروت،

بل أن سعد زغلول أثنى فى ذلك الوقت على اسماعيل صدقى الذى كان يرأس اللجنة المالية بوصفه بالكفاءة والاقتدار ..

وهكذا كان سعد زغلول فى هذا العام الأخير من حياته يلعب حور والد الشعب المصرى الذى لا يفرق بين حزب وحزب أو بين شخص وشخص،

بل يظلل الجميع بأبوته، ولا جدال أن هذه المرحلة بعد مرحلة الثورة الأولى فى عام 1919 من أحسن سنوات ومواقف سعد زغلول.

على أن هذه التطورات السياسية لم تكن تشغلنى فى قليل أو كثير، فقد كنت أشهدها بدون تحزب أو انحياز لهذا الجانب أو ذاك، أو لهذه الفكرة أو تلك.

نحو الزعامة فى فرقة التمثيل

عندما أخذت طريقى الى أول اجتماع دعت اليه الفرقة كنت شخصا يختلف كل الاختلاف عن هذا الشاب الخجول المتهيب الذى ذهب منذ عامين الى مثل هذا الاجتماع أنا الآن أستهل عامى الثالث بالمدرسة،

فأنا أعرف فيها كل حجر وكل شبر من الأرض وكل فراش وكل مدرس ..

بل وأعرف كل وجه وأعرف مقدار وزنه وثقله وكيف يعامل ويعالج من الناحية العامة. أما من الناحية الخاصة ناحية التمثيل فأنا الآن نجم من نجوم الفرقة لا يمكن تجاهله،

بل وأنا الآن عضو في مسرح رمسيس الأمر الذي يعطينى التفوق والامتياز على سائر الطلاب ..

وأخيرا وهو أهم ما في الموضوع فإن الطلاب الكبار الذين كانوا يسيطرون على الفرقة وعلى رأسهم عبد اللطيف شاش في التمثيل وزين العابدين في الموسيقى قد تخرجوا من المدرسة ولم يعد في الفرقة أحد من الجنود القدماء.

لكل هذه العناصر مجتمعة كانت مكانتى في فرقة التمثيل قد تقررت على ضوء هذه الظروف، بحيث بدأت تخالجنى فكرة تولى رئاسة الجمعية بالذات وبالتأكيد كان صديقى الجديد ع.أ.أ ممن قوى هذه الفكرة في نفسى وأظهر استعدادا وحماسة للوقوف إلى جوارى و الجهاد في سبيل إنجاحى,

وعندما حضرنا الاجتماع الذى كان مقررا لانتخاب رئيس الفرقة حبطت آمالنا وخطتنا فإن الطلاب أسرعوا لانتخاب الزميل حسن جلال العروسى والذى تنافست وإياه في العام السابق حول أحد الأدوار الرئيسية فى رواية "مجد رمسيس" وهو دور "ماشع" كما ذكرت. فآثره الأعضاء القدامى على ..

واليوم قدمه الأعضاء على في الرئاسة وقد كان العزاء في هذا التفضيل أن كان أكبر منى سنا وكان في السنة النهائية أى في البكالوريا وعلى هذا فإن الاختيار بدا طبيعيا إلى حد كبير.

ولفرقة التمثيل دائما مدرس ينتدب للاشراف عليها وتولى أمورها إلى جوار الطلاب وقد كان المدرس الذى عهد إليه بهذه المهمة منذ العام السابق

هو العدوى أفندى أو بالأحرى أحمد محمد العدوى والذى سأتحدث عنه في حوادث العام المقبل بمناسبة دروس التاريخ والجغرافيا، فقد كان أثره في نفسى من هذه الناحية كبيرا ..

أما في فرقة التمثيل فقد كان دوره سطحيا أو بالأحرى شكليا إلى أبعد حد ولذلك فلم يكن له أى أثر محسوس.

وبدأنا نشاطنا الموسمى بأن أحضر العروسى الأستاذ أحمد علام ليكون مدرسا لنا يعلمنا الإلقاء، وعلى الرغم من أن هذه التجربة فشلت في العام السابق عندما جئ بعزيز عيد فالطلاب جميعا في شوق إلى أن يمثلوا رواية وأن يكون كل نشاطهم في هذه الدائرة

ولذلك فقد أبعد عزيز عيد بعد حين كما ذكرت وشرعنا في تمثيل مجد رمسيس وقد جاءوا هذه المرة من جديد بأحمد علام وبدأنا نلقى أمامه بعض المقطوعات ويحاول أن يعلمنا كيف نحسن أداءنا ..

وبعد قليل بدأ الملل والسأم يتجلى على جميع الطلاب والانتقاد ينهال من هنا وهناك .. وبدأت الصيحة نريد رواية .. نريد رواية ..

وكانت هذه فرصتى الكبرى ومنتهى أحلامى في ذلك الوقت، فقد كانت لدى رواية وكنت أطمع في أن تكون هى المختارة لكى تمثل.

أبو مسلم الخراسانى

كانت هذه الرواية تحمل اسم أبى مسلم الخراسانى وقد جاءنى بها في يوم من الأيام أحد زملائى في مدرسة محمد على وهو من يسمى محمد كامل عبد السلام، وكان قد التحق معنا بالمدرسة الخديوية كذلك ..

وكانت الرواية مكتوبة في كراس من كراريس المدرسة ولم يقل لى أنها من تأليفه وإنما اكتفى بتقديمها لى في عبارة غامضة.

وأسرعت في تلاوتها في لهفة فوجدتها رواية مدرسية من الدرجة الأولى تدور حول كارثة أبى مسلم الخراسانى، وكيف كان جزاؤه بعد بلائه في تدعيم وإنشاء الدولة العباسية الذبح، ذبح الشياه على يد أبى جعفر المنصور.

وكانت الرواية مؤلفة من ثلاثة فصول ولا عيب فيها إلا أننى لم أجد فيها دورا يشبع هوايتى ورغبتى في تمثيل دور كبير كأدوار يوسف وهبى الذي كنت أحلم بالليل والنهار في تمثيل دور من أدواره.

ففكرت في أن أدخل على الرواية بعض تعديلات وإضافات لأخلق دورا يصلح لتمثيلى .. فرجعت إلى كتب التاريخ الكبرى لأتقصى سيرة أبى مسلم الخراسانى،

فكان من بين ما طالعت "ابن الأثير" فإذا بى أكتشف أن الرواية الموجودة تحت يدى مأخوذة بنصها تقريبا من ابن الأثير وأن كثيرا من محاوراتها منقولة بالنص ..

ثم طالعت رواية أبى مسلم الخراسانى من تأليف جورجى زيدان فإذا بها تعتمد على ابن الأثير اعتمادا كليا، وإذا بالرواية التى قدمت إلى منقولة من

رواية جورجى زيدان تقريبا ففسر لى ذلك موقف صديقى عندما لم يقل لى أن الرواية من تأليفه ..

وسرعان ما شجعنى ذلك على أن أعيد كتابة الرواية معتمدا على المصادر التاريخية الأساسية وأن أصوغها بالأسلوب الذى أريد والذى يتفق مع المسرحيات الكبرى التى يمثلها يوسف وهبى والتى تبهرنى.

وأخذت لنفسى الدور الذى سامثله وهو دور أحد الأمراء الخوارج الذى لعب دورا في الإيقاع بين المنصور وبين أبى مسلم الخراساني وهو شبيب الخارجى، فبدأت أكتب الرواية اعلا من هذه الشخصية البطل الأكبر في القصة.

وبدأت أحشد كل المواقف التى راعتنى من يوسف وهبى في رواياته المختلفة فأجعل شبيبا هذا يقفها ..

ورحت أضع على لسانه كل المقطوعات التى تمكننى من محاكاة يوسف وهبى في موقفه المشهورة وسرعان ما تكاملت لدى رواية من أربعة فصول لا تكاد تمت إلى الرواية التى قدمت إلى بادئ الأمر بصلة إلا صلة الحقائق التاريخية المثبتة في كل المراجع ..

وعلى ذلك فقد وجدت من حقى أن تحمل الرواية اسمى باعتبارى مؤلفها، وإن كان ضميرى ظل يؤنبنى ألا أعترف لصاحب الرواية الأولى بفضله في اختيار الموضوع وإرشادى إليه ..

لقد قابلته في ذلك الوقت وقلت له أننى قد غيرت الرواية وأعدت تأليفها وقد شاهد الراية فيما بعد وأقر أنها قلبت رأسا على عقب ولم يعترض على نسبتها إلى ..

ولكننى على الرغم من ذلك كله ظللت بينى وبين نفسى أشعر أننى اغتصبت شيئا ليس من حقى وهو فكرة ذلك الزميل الأولى من اقتباس هذه الرواية من مصادرها الأولى والتى هيأت لى ولحياتى الطريق لإعداد روايتى ..

وهأنذا بعد خمس وعشرين سنة أجد بعض الراحة في تسجيل هذه الحقيقة وهذا الدين في رقبتى.

كانت هذه هى الرواية التى عرضت على الفرقة أن تقوم بتمثيلها فأخذها الأستاذ حسن جلال العروسى ليطالعها باعتباره رئيس الفرقة ثم أعادها بعد قليل معلنا موافقته على أن نقوم بتمثيلها وأخطر الأستاذ أحمد علام بالرواية والقرار بتمثيلها وأحيط المشرف على الفرقة الأستاذ العدوى بهذا القرار ..

وهكذا قضى الأمر وتحقق أول وأضخم انتصار لى .. أن كانت أول رواية بعد روايات المرحوم محمود مراد تمثلها فرقة تمثيل المدرسة الخديوية من عملى وتأليفى.

نحو العمل

وبدئ في توزيع الأدوار وكانت هذه ثانى المشاكل التى يجب تذليلها كرئيس الفرقة يجب أن يأخذ أكبر الأدوار بطبيعة الحال ..

وأكبر الأدوار هو دور شبيب الذى وضعته وفصلته على نفسى ليلائم مزاجى ولأتمكن من إبراز مواهبى وقدرتى التمثيلية من حلال حركاته وأقواله ..

ويأتى بعد هذا الدور دوران آخران على قم المساواة تقريبا هما دور أبى جعفر المنصور ودور أبى مسلم فاقترحت على رئيس الفرقة أن يأخذ دور أبى مسلم الخراسانى باعتباره بطل الرواية المسماة على اسمه ..

وقد وجد في ذلك بالفعل ما يرضى كرامته فقبل الدور.

ولعبت الصداقة بينى وبين ع.أ.أ دورها في اختياره مديرا للمسرح وقد كانت إدارة المسرح تعتبر شيئا كبير الخطر في مرح رمسيس وبدأت التجارب لإعداد الرواية والتدريب على إلقاء أدوارها وحفظها ..

وقد مضت هذه التدريبات في طريقها تحت إشراف أحمد علام وقد كنت بطبيعة الحال لا أقيم وزنا لإرشاداته فيما يختص بى فقد كنت أراه كل يوم في مسرح رمسيس وكنت أعتبر نفسى قد وصلت إلى درجة تفوق عليه .. كيف لا فأنا أقلد يوسف وهبى ..

و يوسف وهبى في نظرى يتفوق على أحمد علام بكثير .. ولم أكن أتصور في ذلك الوقت أن التقليد في حد ذاته شيء قبيح .. بل كان مبتغاى أن يكون تقليدى كاملا لأكون مستحقا بذلك أعظم الدرجات والمراتب.

ولقد شقى معى أحمد علام وهو يحاول أن يخفف من حدة تقليدى ليوسف وهبى .. وما زلت أذكر كيف أنه لاحظ على أننى أقلد يوسف وهبى حتى في حركات يده التى يقوم بها باعتباره (أعسر).

كما كنت أرفع عقيرتى وأكيف صوتى ليكون كصوته ولم يكن لملاحظاته أى نتيجة، فقد كنت كما قلت مقتنعا بضرورة هذا التقليد وحسبى أن أقلد أعظم من عرفته المسارح المصرية.

اقتربت النهاية بسرعة ..

أو بالأحرى اقتربت القمة ..

قمة النجاح وأعنى بها ليلة التمثيل.

استأجرنا مسرح حديقة الأزبكية وفتح المسرح مخازنه بالملابس العربية القديمة لنا ..

ولكن مطمحى كان في مخزن آخر ..

مخزن تياترو رمسيس حيث كنت قد اعتزمت أن أستأجر ملابس يوسف وهبى في رواية الصحراء ..

هذه الملابس الخشنة التى يلبسها في الفصل الثانى والثالث من فصول الرواية والتى تتألف من جلباب أبيض وفوقه عباءة من الصوف الخشن لا أكمام لها.

كان هذا الملبس البسيط بالإضافة إلى عمامة بيضاء على الرأس هو كل مطمحى لكى أبدو كيوسف وهبى تماما ..

وعندما سمحوا لى في مسرح رمسيس بتأجير هذه الملابس لى شعرت بسعادة لم أشعر بمثلها في يوم من الأيام.

ووزعت التذاكر على الطلاب ..

ودعيت الصحافة وجميع النقاد المسرحيين ..

وجاءت الليلة الموعودة ليلة فرحى وعرسى.

وكان طبيعيا أننى كنت أشرف على كل صغيرة وكبيرة ويرجع إلى الجميع لأحل ما يعرض لهم من مشاكل .. فظللت مشغولا حتى آخر لحظة فلم أتمكن من إعداد المكياج الخاص بى وهو مكياج يحتاج إلى مجهود وعمل كبير إذا يتألف من لحية بيضاء ضخمة ويجب أن يرسم على وجهى تجاعيد الشيخوخة وما يعطى وجهى مظهر الدهاء والدس والقسوة ..

ولم يكن شيء من ذلك كله قد تم إعداده عندما فوجئت بالأخ المحترم جدا .. ع.أ.أ مدير المسرح وهو يعطى إشارة بدء التمثيل وذلك بالخبط ثلاث مرات والإذن برفع الستار ..

لقد وقع ذلك على وقع الصاعقة وكدت أجن .. فهذه الليلة التى رحت أستعد لها الشهور الطوال تجئ أخيرا ثم أرى نفسى مضطرا أن أدخل المسرح بغير استعداد أو تهيؤ نفسى .. وبغير المكياج الذى يتطلبه الدور .. لقد كانت هذه هى الكارثة.

لم يكن ع.أ.أ يتصور أننى لم أفرغ من عملية المكياج وكان باعتباره مديرا للمسرح يريد أن يظهر مدى قدرته وروعته في رفع الستار في الوقت المحدد تماما بقطع النظر عن أى اعتبار آخر ..

لقد كنا جميعا مفتونين بمسرح رمسيس وبالمثل الأعلى الذى رسمه مسرح رمسيس وقد كانت إحدى مفاخر هذا المسرح أن ترفع الستارة في الموعد المحدد لرفعها بالدقيقة والثانية .. وأراد ع.أ.أ أن يكون كمدير مسرح رمسيس تماما فيرفع الستار في الموعد ضاربا عرض الحائط حتى ببطل الرواية الذى لم يستكمل استعداده بعد.

وكان على أن أدخل إلى المسرح بعد بضعة دقائق من رفع الستار ..

وأسرع الفنيون يقومون لى بعملية (المكياج) على عجل وبأية طريقة وبأى أسلوب ..

ونستطيع أن نتصور حالة الغضب التى كنت عليها، نستطيع أن نتصور مقدار الشعور بالغيظ والهزيمة وانهيار آمالى في هذه اللحظات ..

وأحسب أن لو وقع نظرى في هذه اللحظة على ع.أ.أ (لشربت من دمه) على وجه التحقيق بمقدار ما حطم آمالى ..

فقد طارت ألفاظ الدور من رأسى عندما وجدت نفسى أعدو عدوا لأدخل المسرح وأنا في هذه الحالة العصبية ودخلت المسرح وبدأت التمثيل ولم أكن أعرف ماذا كنت أقول، فقد كانت رأسى تغلى وجسدى ينتفض وأنا متصور أن الناس تشعر بحالتى وتعرف بما دهانى.

وانطلق الحوار بينى وبين جعفر المنصور وأنا أحرضه في دهاء على أبى مسلم الخراسانى وأظهر له خطره على ملكه وعرشه ..

وسار الفصل والتمثيل في طريقه المرسوم ..

ويتركنى المنصور في آخر الفصل وحيدا فأنزع العصابة العصابة عن عينى التى أتظاهر عن طريقها بالعمى فأقوم بحركة من حركات يوسف وهبى وهو ينظر حواليه هنا وهناك فى خبث ودهاء ثم أعلن انتصارى وغبطتى من أن المنصور قد وقع تحت تأثيرى وأن أبا مسلم لم يلبث أن يهلك على يد المنصور جزاء وفاقا لما ارتكب من جرائم وآثام ضد الفرس والخوارج ..

وعند هذا القدر أسدل الستار وانطلقت أكف المتفرجين بالتصفيق ..

ولكنى كنت في شغل شاغل عن ذلك كله أريد أن يسدل الستار لأسرع لإنزال جام غضبى على ع.أ.أ ذلك الذى فجعنى هذه الفجيعة في ليلة (عرسى) ولذلك فلم أهتم بتصفيق الجمهور على الرغم من أن الستار رفع مرتين فيما أذكر.

وكانت فجيعة ع.أ.أ أشد من فجيعتى .. فالرجل يحبنى ما فى ذلك شك .. والرجل يريد لى النجاح والتفوق وهو يشاطرنى سعادتى في النجاح ويبنى الآمال الكثيرة على نجاحنا هذه الليلة .. ولذلك كان إحساسه بخطئه أشد من إحساسى به ..

وقد كان يقدر كل التقدير حزنى وآلامى وغضبى ولذلك فقد اختفى تماما عن نارى فلم أعثر عليه بعد انتهاء تمثيل الفصل الأول.

وراح صاحبنا يستقدم أشخاصا من المتفرجين من أصدقائنا ويسألهم عن رأيهم فيما شاهدوه وعن تمثيلى بصفة خاصة فيثنون ثناءا طيبا فيوعز إليهم أن يقابلونى ويهنئونى على هذا النجاح ..

وراح يحشد على هذه الصورة المهنئين واحدا بعد آخر حتى إذا اطمئن إلى أنه خلق جوا طيبا وأن هذه التهنيئات قد خففت بعض ما فى نفسى ..


ظهر أمامى وقد كان مجرد ظهوره وصورة الحزن المرتسمة على وجهه كفيلة بأن تجعلنى أنسى كل شيء .. فقد كان حزنه شديدا لما حدث.

وراح يعتذر ويصور ألمه واعتبرت المسالة منتهية وبدأت أستعد للفصول التالية وكنت لا أظهر في الفصل الثانى الذى فيه أبو مسلم الدور الرئيسى. ثم يجيء الفصل الثالث والذى ألفته على غرار رواية الصحراء والذى أملأه تمثيلا وإلقاء وتقليدا ليوسف وهبى فى دوره الخالد.

وأقبلت على التمثيل بكل روحى، وذهل المتفرجون وهم يسمعون يوسف وهبى يمثل في فرقة المدرسة الخديوية .. وعندما أسدل الستار صفق المتفرجون إعجابا وتشجيعا ..

وكان الفصل الأخير حيث تصل الرواية إلى ذروتها المسرحية ويقتل أبو مسلم الخراسانى ويكشف الستار عن شبيب الخارجى فيقتل بدوره.

وكان من الواضح أن الرواية قد نجحت نجاحا عظيما .. وأن الجميع قد ذهلوا لهذا المستوى العالى من التمثيل بالنسبة لطلاب مدرسة.

وإذا حصلت على النجاح بالنسبة للنظارة فقد كنا في انتظار النجاح الأدبى على لسان النقاد المسرحيين ولقد أثنت الصحف بعبارات عامة عن حفلة المدرسة ولكن الذى كنا نترقبه في شغف واهتمام هو مجلة المسرح التى كانت هى وحدها التى تقدر مقدار النجاح.

وجاءت مجلة المسرح ولم تخيب أملنا فقد كان فيها نقد عريض طويل من إنشاء الأحنف ناقدها المسرحى ولم ينس أن يذكر قراءه بالوصف الذى خلعه على في العام السابق من أننى القائد الشضلى. ولكنه كعادته ساق مقدمة مرحة فكهة ..

فذكر كيف أنه كان يمر أمام تياترو حديقة الأزبكية فقيل له أن بها حفلة تمثيلية فدخلها فإذا به يفاجأ بيوسف وهبى يمثل على المسرح فظن نفسه أنه قد أخطأ الطريق وأنه في مسرح رمسيس لا في الأزبكية .. ولكنه تأكد ممن بجواره أنه في تياترو حديقة الأزبكية لا رمسيس وأن هذا الذى يمثل أمامه ليس يوسف وهبى وإنما طالب كأنه يوسف وهبى ..

وقد اعتبر ذلك بطبيعة الحال مأخذا على فقد كانوا يكرهون يوسف وهبى وينكرون عليه اقتداره، أما أنا فقد اعتبرت مجرد قوله أنه تصورنى يوسف وهبى أن هذا هو النجاح.

ولم يفتنى أن أخطر بعض المصورين ليأخذوا لنا صورا ونحن بملابس المسرح في أثناء التمثيل .. وحملت إحدى هذه الصور إلى يوسف وهبى فقدمتها له هدية وكان الرجل قد سمع بهذا الطالب الذى يقلده بإتقان عجيب ..

فلما رأى الصورة وهى توشك أن تكون صورته بملابسه ومكياجه في دوره في رواية الصحراء لم يستطع الرجل أن يخفى ابتهاجه ولأول مرة منذ التحقت بمسرح رمسيس انفرجت شفتاه عن ابتسامة رضا وتشجيع. لا أظن أن أعظم الأوسمة والنياشين أو الرتب أو المكافآت من أى نوع كان يمكن أن تصل إلى مرتبة هذه البسمة التى ابتسمها يوسف وهبى في وجهى والسعادة التى أشعرنى بها.

إن هذه البسمة وهذه النظرة المشجعة كادت تقلب حياتى رأسا على عقب .. كادت تحول مجرى حياتى عن الطريق المرسوم لها لتلقينى في أحضان التمثيل إلى أبد الآبدين ممثلا محترفا أبعد ما يكون عن حياة الجهاد من أجل البلاد والشعب التى ملأت حياتى في الخمس والعشرين سنة التالية. وإليك التفصيل.

الهرب من المدرسة

كان إعجابى بيوسف وهبى قد وصل إلى حد الهيام .. وكان فنائى في هواية التمثيل قد وصل إلى الحد الذى لم أعد أتصور فيه الحياة بغير إشباع هذه الهواية ..

ولم يكن ثمة سبيل لإشباع رغبتى في التمثيل إلا أن أترك المدرسة نهائيا وأن أحترف مهنة التمثيل .. وقد كانت هذه الفكرة تراودنى وتلعب بلبى طوال الأشهر الأخيرة.

وأعلن يوسف وهبى عن اعتزامه القيام برحلة في شمال أفريقيا يقدم فيها رواياته الشهيرة .. وهنا قفز إلى خاطرى أن أذهب معه في هذه الرحلة بأى ثمن ..

وعندما فرغت من تمثيل دورى في رواية أبى مسلم وقدمت صورتى ليوسف وهبى فتقبلها بقبول حسن وهش في وجهى وبش ..

هنا كانت فرصتى لتحقيق مشروعى الذى امتلأت به نفسى وهو أن أترك المدرسة وألتحق بالعمل معه مبتدئا بهذه الرحلة خارج البلاد. وانتظرت لأخطو الخطوة الأخيرة ريثما ننتهى من إجازة نصف السنة التى كانت قد بدأت في ذلك الوقت وبعد انتهاء الإجازة أعطانى والدى قسم المصروفات المدرسية وقدره عشرة جنيهات لتسديده .. وهذا ما كنت فى انتظاره فان هذه العشرة جنيهات هى الرأسمال الذى كنت فى حاجة إليه لأبدأ حياتى الجديدة.

ووضعت العشرة جنيهات فى جيبى وهجرت المنزل لأول مرة فنمت فى احدى اللوكندات وفى الصباح يممت شطر مسرح رمسيس لأول يوسف وهبى قبل بدء البروفة ولأطلب منه أن يلحقنى بمسرحه وأن يأخذنى فى رحلته فإن حياتى أصبحت وقفا على التمثيل.

وجاءت اللحظة التى كانت ستقرر حياتى ورأيت نفسى أصعد الدرج المؤدى إلى حجرة يوسف وهبى في المسرح وكان قلبى يخفق بشدة لم يسبق لها مثيل وكان وجهى مصفرا والعرق يتساقط من كل أطرافى.

ودفعت الباب في خوف ورهبة مضاعفة بالنسبة لما اعتدناه من قبل كلما حاولنا الدخول على يوسف وهبى.

وقد احتجت إلى كل شجاعتى لكى أواجه الموقف .. وأذن لى يوسف وهبى بالدخول فدخلت ونظرت إلى نظرته الصارمة والتى بدت لى في هذه اللحظة أشد صرامة منها في وقت مضى.

قلت له على الفور لقد جئت أرجوك أن تأخذنى معك في رحلتك إلى شمال أفريقيا .. رد الرجل في عبارة قصيرة هذا غير ممكن .. ولم يقدم أى حيثيات ولم يحاول أن يطيل الحديث معى.

فامتقع وجهى أكثر وأكثر وشعرت بالخجل والكسوف وخيبة الأمل.

قلت ولكنى قد علقت كل آمالى على هذه الخطوة .. فقال ولكن للأسف أشد الأسف فهذا غير ممكن ..

وثارت كرامتى فرأيت أن أقف عند هذا القدر فقلت له طيب متشكر وانسحبت من الحجرة على الأثر ونزلت على السلم وأنا أكاد أتعثر وأقع وأسرعت إلى خارج المسرح .. إلى الطريق العام والهم واليأس يغمران نفسى بصورة لم يسبق لها مثيل في حياتى حتى هذه اللحظة.

لقد شعرت فجأة أننى إنسان ضائع ومحطم .. لقد هجرت المنزل والمدرسة من أجل المسرح وها هو يلفظنى ولا يقبلنى في صفوفه.

فماذا عساى أفعل؟ وكيف يمكن أن أتصرف؟ ووقفت حائرا وسط هذا العالم المضطرب .. وفجأة رأيت أمامى شخصا يبتسم في وجهى ويدعونى للسير معه .. وكأنه ملاكا هبط على من السماء لإنقاذى .. ولم يكن هذا الشخص سوى عمى شقيق أبى الصغر ..

وقد جاء ليبحث عنى فقد كان موضوع غيابى عن البيت والمدرسة هو شغل الأسرة الشاغل بطبيعة الحال وقد تطوع ليبحث عنى في المكان الذى كان على ثقة بأن يرانى فيه .. وقد وجدنى بالفعل على أبواب مسرح رمسيس فلم يكن في حاجة حتى إلى مجرد السؤال.

كان عمى يعرف مقدار تعلقى بالتمثيل وإصرارى على ما قد أكون انتويته من مشروعات .. واكن يعلم أنه سيكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يثنى عزمى عن الخطة التى قد أكون اخترتها ولذلك فقد فوجئ عندما وجدنى سلس القياد .. وعندما طلب منى أن أذهب معه لمقابلة والدى فإذا بى أظهر على الفور استعدادى للذهاب.

لم يكن يعرف أنه قد جاءنى في لحظة كنت فيها محطما تحت وقع الصدمة .. وأننى كأى شخص تائه أو غريق على استعداد أن يتعلق بقشة .. وقد كان مجيء عمى في هذه الساعة ليعود بى إلى المنزل أكثر من قشة .. لقد كان طوقا من أطواق النجاة.

العودة إلى المنزل والمدرسة

ولست أريد أن أسرف في ذكر التفاصيل وكيف ذهبنا إلى والدى في وزارة المالية فحرص على أن يسترد أولا وقبل كل شيء ما معى من النقود من بقية المصروفات المدرسية حتى إذا أصبحت في جيبه وكان لم ينقص منها سوى ثلاثين قرشا. انفجر في وجهى معلنا إياى أنه باستطاعتى الآن أن أذهب إلى حيث أشاء فلست ولده هو غير مستعد للاعتراف بى مادامت هذه خططى وهذه أفعالى ..

وكان شجار بينى وبينه وتدخل الموظفون في الأمر وسوى الموضوع وعدت إلى البيت .. ثم إلى المدرسة، كنت قبل هذا الحادث قد بلغ منى الاعتقاد مبلغا عظيما في أننى لم أعد أصلح للدراسة وأنه من المستحيل أن أنجح في الحصول على شهادة الكفاءة بأى حال من الأحوال.

لقد كان علينا أن نمتحن في ثلاث لغات العربية والانجليزية والفرنسية وعشرة علوم أخرى من بينها الرياضة بفروعها: الحساب والجبر والهندسة والجغرافيا والتاريخ والترجمة والتربية الوطنية والطبيعة والكيمياء وعلم الحيوان والنبات والجيولوجيا ..

وكان علينا أن نمتحن في مقررات السنوات الثلاث .. ففى الجغرافيا يجب أن نستعد في دروس السنوات الثلاث، وكذلك في التاريخ وفي مختلف العلوم .. ولم يكن التمثيل قد ترك لى فراغا لأذاكر أو لأحضر هذه الدروس .. بل لم يكن قد ترك لى عقلا لأفهم هذه الدروس .. وشعرت بأن حياتى الدراسية قد انتهت نهائيا.

ولم أكن أرى في ذلك أى عار أو شنار فأبطال التمثيل في العالم كله قد تركوا المدارس، بل إن يوسف وهبى نفسه لم يحصل على الابتدائية .. والنبوغ الفنى لا يتوقف على الحصول على الشهادات .. بل لعل تركى للمدرسة هو علامة النبوغ والتفوق والامتياز في التمثيل .. وهكذا كنت أزكى فى نفسى هذا الاتجاه.

ثم كانت الصدمة .. وكان أعمق ما في هذه الصدمة ما تصورت أنه قد جرح كبريائى ومس كرامتى .. لقد لفظنى يوسف وهبى ومسرحه ..

ولم يقدر إعجابى به .. لم يقدر إخلاصى وتفانى للفن ورسالته .. لقد طردنى من حظيرة الفن .. فلم يبق أمامى لاسترداد كرامتى إلا أن أقبل على دروسى وأن أنجح في الحصول على شهادتى فهذا هوة الرد الوحيد على هذه الصدمة لأظل معدودا في عداد التلاميذ الذين يعدون لمستقبلهم وبهذه الروح أقبلت على المذاكرة ولأول مرة استعنت بأخى الأكبر عبد الفتاح ليعطينى دروسا في الانجليزى ويذاكر معى.

وأقللت من اشتغالى بالتمثيل على الدراسة والمذاكرة .. حتى جاء آخر العام .. ثم كان الامتحان .. وكان أملى في النجاح ضعيفا .. وكنت أتصور أننى إذا رسبت في الامتحان فلن أستطيع أن أواصل الدراسة بعد ذلك أبدا .. وتم الامتحان وانتظرنا ظهور النتيجة .. الله أكبر لقد نجحت .. نجحت وأصبحت في السنة الرابعة .. أى في القسم الأدبى حيث لا رياضة ولا جبر ولا حساب ولا هندسة .. حيث العلوم أكثر جاذبية وأقل عددا.

حيث الطريق أصبح مرسوما ومعبدا نحو الجامعة .. وإذن فقد نجوت . نجوت والحمد لله من المصير الذى كان يترقبنى لو أن يوسف وهبى قبلنى في مسرح رمسيس .. أو لو أننى رسبت في الامتحان.

لقد كان هذا النجاح بمثابة مرحلة انتقال كبرى .. لقد ماتت في نفسى نهائيا فكرة الانصراف عن الدراسة وأصبحت حياتى كطالب هى الأساس الأول الذى يقوم عليه مستقبلى ..

وكان ذلك هو أول تطور نحو حياتى العامة التى انتهيت إليها فيما بعد ولكن خطوطها الكاملة لم تكن قد اتضحت بعد .. باستثناء هذا الخط الوحيد الذى ذكرته وهو استعادتى ثقتى بنفسى كطالب واتخاذ المدرسة لحياتى المقبلة.

المذكرات السياسية

هذه المذكرات إشارة عابرة لأخطر فترة في حياة مصر الحديثة على الإطلاق، إنها رد الفعل لما حدث في مصر خلال نهضة عرابى والتى وقف لها الخديوى توفيق والانجليز بالمرصاد، فأحبطوا هذه النهضة، وحرقوا الإسكندرية واحتلوا البلاد 1882.

دخلت مصر في ظلام الاحتلال وقيود الرجعية.

دخلت مصر في عبودية المحتل الأجنبى وحليفه: خديوى فسلطان فملك مصر، حتى كانت هذه الفترة من حياة مصر والتى تشير إليها هذه المذكرات فرد لمصر اعتبارها، ونجا شعبها من المصير الحالك الذى كان يوشك أن يتردى فيه.

تبدأ هذه الفترة من الناحية الرسمية في 8 من أكتوبر سنة 1951، وغشيتها الغواشى في 26 من يناير سنة 1952 وتسجل انتصاراتها الكبرى فى 23 من يوليو سنة 1952، وما تلاه من أيام.

أيام ثلاثة متصلة الحلقات ستبقى خالدة على مر التاريخ حيث يتألف منها ذلك العقد النضيد الذى يزدان به جبين مصر:

 8 من أكتوبر حيث ألغيت المعاهدة المصرية الانجليزية وأعلنت مصر الجهاد على الاستعمار.

 و 26 من يناير حيث حاول الاستعمار والرجعية أن يقضى على نهضة الشعب.

 و 23 من يوليو حيث سجل الشعب انتصاره الرائع عن طريق جيشه الذى أطاح بالملك الذى لخص الفساد وأصبح علما عليه،

بانهيار الملك انهارت دولة الفساد كلها وتحررت مصر وتحرر الشعب وإذا كانت لا تزال على ضفاف القتال بقية من جيوش الانجليز، وفى السودان طرف آخر من هذه الجيوش فإن ذلك ليس سوى التصفية الأخيرة لهذا الوباء.

هذه هى الحقبة المشرفة من تاريخ مصر التى تشير إليها هذه المذكرات.

وهى تشير إليها من خلال زاوية غريبة جدا .. زاوية رجل كاد حبل المشنقة يلف حول عنقه، ويذهب مشيعا باللعنات وسخط الذي كرس حياته من أجلهم وهم جماهير الشعب الكادح والذين قيل لهم زورا وبهتانا أنه هو الذى حرق مدينة القاهرة ..

ولكن الحوادث لم تلبث أن تطورت لتبديد هذه الظلمات المتكاثفة والسحب فراحت تنقشع رويدا .. رويدا .. وراح الباطل يزول أمام الحق .. حتى بلغ التطور ذروته وأسقط الملك وعهد الطغيان بأكمله عن عرشه فتبدد الاتهام، وتجلت الحقائق، وسطعت آيات الله ..

فإذا بالسجين يعود طليقا وأسياد الأمس يرسفون في القيود والأغلال وحبل المشنقة الذى كان يهدد المظلوم قد أصبح ظله يقع كثيفا على أعناق الفئة الباغية.

إنها آية من آيات الله .. إنها معجزة ربانية تجلت فيها قدرة الله على عبد من عبيده فرده إلى الحياة والحرية والكرامة وأذل أعداءه وخصومه .. وليست هذه المذكرات سوى استعراض لهذه الآية الكبرى.

لقد كتبت هذه المذكرات يوما بعد يوم وساعة بعد أخرى في وقتها ابتداء من 4 إبريل سنة 1952 حتى أول نوفمبر من العام نفسه.

وهى وثيقة مهمة لا لأنها تؤرخ أمة فلست أزعم أننى مؤرخ وليس دورى كتابة التاريخ .. بل هى ليست تاريخية حتى بالنسبة للقضية الكبرى التى يدور حولها الحديث كله في المذكرات وأعنى بها قضية التحريض على حرق مدينة القاهرة.

فإن شرح ذلك يطول ويحتاج إلى مجلدات تحتل المباحث القانونية جزءها الأكبر، ولكنها نافذة من حيث استعراضها لنفسية مواطن عاش هذه الحقبة من تاريخ مصر وهو منفعل بالحوادث أشد الانفعال .. إنها شريط مسجل أدق ما يدور في أغوار نفس رفعت لواء التمرد على فاروق وفساد عصره فبذل جهده للتخلص منها فكاد لها ولكن الله أحبط الكيد وجعل كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى.

وإنى اكتب هذه المقدمة الآن في العاشر من شهر نوفمبر 1952 بعد أن ردت إلى الحرية وبعد أن بلغنى خبر تأجيل قضية التحريض إلى يوم 2 من ديسمبر وهو ما هيأ لى فرصة كتابة القسم الأول من هذه المذكرات الذى يجعل الحوادث السابقة على يوم 26 من يناير وما تلى ذلك اليوم من حوادث أدت بى إلى السجن حتى يوم 4 من أبريل حيث يبدأ القسم الثانى من المذكرات وهو القسم العام والتاريخى الذى كتب في وقته وساعته فهو أشبه بشريط مسجل.

ولقد أعدت تلاوة هذا القسم من المذكرات ولكننى آليت على نفسى ألا تمتد يدى إليه بأى تغيير أو تحوير ..

وإنى أقسم أمام الله الذى أنقذنى وبعثنى إلى الحياة من جديد أن هذا القسم من المذكرات سيقدم للمطبعة كما كتب في وقته وساعته بدون إضافة كلمة واحدة أو حرف.

ولست أعرف الآن إذا كنت سأكتب لهذه المذكرات خاتمة أجمل فيها الحوادث التالية لها أم لا، فإننى شديد اللهفة على أن تخرج هذه المذكرات إلى النور بأسرع وقت ممكن، ليكون في نشرها آية تمجيد لله ومظهر من ظاهر عبوديتى لله الرحيم القوى القادر المتعال، ذلك الذى نصرنى على الظاغية والذى أكرمنى فجعل الحوادث تصدقنى حيث قلت بالحرف الواحد:

"سوف ندخل السجون إذا شاء الله ودخلنا لكننا على ثقة لا تتزعزع بأننا سنخرج منها بعد ذلك لنرى الحال غير والحكام غير الحكام ولنرى كلمة الشعب هى العليا وكلمة أعداء الشعب هى السفلى"

وتربصوا إنا معكم متربصون. من مصر الفتاة العدد 263 يوم الجمعة 12 من يناير سنة 1951.

ولقد خرجت من السجن فوجدت الحال غير الحال والحكام غير الحكام وكلمة خصوم الشعب هى السفلى وكلمة المؤمنين هى العليا.

فالله أكبر .. الله أكبر .. صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الطاغية وحده.

أحمد حسين 10/11/1952

نحن الآن في يناير 1950 الوفد مرة جديدة في الحكم، وقد كان ذلك يشبه أن يكون انقلابا. ففى ختام 1944 طرد الملك فاروق وزارة العدل وعمل جاهدا منذ ذلك التاريخ على القضاء على الوفد شتى الطرق والأشكال، حتى وصل به الأمر إلى حد اصطناع الجريمة لاغتيال النحاس شخصيا فشجع كل المحاولات على قتله هو ومن يلوذ به من رجال السياسة وعلى رأسهم أمين عثمان الذى قتل.

ولما فترت حماسة الشبان لمحاربة أعداء فاروق، شكل حرسا حديديا يتلقى الأوامر منه مباشرة لقتل من يريد من أعدائه، وأقدم هذا الحرس على محاولتين خطيرتين لاغتيال النحاس، كانت إحداهما محاولة نسف بيته في جاردن سيتى ونسف الحى بأكمله توصلا لتحقيق هذه الغاية.

وإذا كان فاروق قد وصل إلى حد تبرير الجرائم توصلا للتخلص من النحاس والوفد وحكم الوفد فباستطاعتنا أن نتصور إلى أى حد استخدم كل سلطانه السياسي لتحطيم حزب الوفد وإيقاف كل نشاطه ..

وقد نجح فاروق في ذلك إلى حد كبير فقد وجد وزارات من أحزاب الأقلية تبادر إلى تلبية رغائبه، وفى ظل هذه الوزارات بدأ فاروق يتحول بالتدريج إلى طاغية،

ولقد عرف التاريخ طغاة ولكنهم كانوا إلى حد ما مصلحين في ناحية من النواحى، أما فاروق فقد كان طاغية مستبدا، وكان حاكما منحلا، ولم تكن قصصه –التى عرفت عنه فيما بعد- قد ذاعت وشاعت، ولكن روائحها بدأت تزكم الأنوف، وراح الناس يتناقلون الأحاديث عن مغامراته في شتى الميادين وبدأت سمعته تتدهور فى الوقت الذى كان يضاعف فيه طغيانه يوما بعد يوم وساعة بعد أخرى ..

وكان الاصطدام مع حركة الإخوان المسلمين بحل الجمعية مما أدى إلى اغتيال محمود فهمى النقراشي رئيس الحكومة، واغتيال حسن البنا رئيس الجماعة عقب ذلك، وسادت البلاد موجة من الإرهاب ضرب فيها عرض الحائط بكل قانون وكل دستور وكل عرف وتقليد ..

وفي هذا الجو المضطرب أحسست بدافع غريزى ملأنى خوفا من أن يفكر فاروق في التخلص منى كما تخلص من حسن البنا فأسررت لإخوانى بهذا الشعور واتفقت معهم على مغادرة القطر والسفر إلى إنجلترا للدعاية للقضية المصرية ريثما تستقر الأمور.

وفي إنجلترا اكتشفت مقدار التدهور الذى أصاب سمعة مصر نتيجة هزيمتها المزرية في حرب فلسطين، هذه هى الهزيمة التى لم تكن لنقص في الشجاعة أو الكفاءة، وإنما لفساد الأسلحة والذخائر كما افتضحت الأمور فيما بعد. ولإفراط الحكام المصريين في الخيانة والغدر.

وجدت اسم مصر لأول مرة لا يثير إلا امتعاضا وسخرية .. وشعرت بمقدار ازدراء الرأى العام العالمى لفاروق واندهاشهم من سكوت الشعب على مباذله.

وفى إحدى المناسبات وقفت خطيبا في حديقة هايد بارك داعيا الإنجليز للجلاء عن مصر فإذا بأكثر من واحد من جمهور المستمعين يصيح بى منددا بفاروق وباشوات مصر وكبرائها، وكان ذلك شيئا جديدا بالنسبة لى ..

أن أرى رجل الشارع في إنجلترا يندد بسادة مصر وأفهمنى ذلك مقدار التطور الذى طرأ على عقلية الشعوب وكيف أصبحت تكره الملوك والرأسماليين والإقطاعيين ولا تطيق سماع أخبار البذخ والسفه والإسراف الذى يعمد إليه أغنياء الشرق وكبراؤه.

وفى إنجلترا طالعت صحف جعلت من الهجوم على فاروق شغلها الشاغل.

وفي إنجلترا أبدى لى مسئول كبير دهشته لعدم قيام ثورة في مصر ضد فاروق.

وبالرغم من ذلك كله ومن سوء سمعة فاروق فقد سمعت من ناحية أخرى أنه متفق مع الإنجليز على أن لا يجلو عن مصر أبدا وأنه عقد معهم عهدا أن يبذل كل سلطانه لعرقلة كل حركة ترمى لإخراجهم من مصر أو إخراجهم بأى صورة من الصور.

وفي إنجلترا تعرضت لهجمات شديدة من الطلاب المصريين لما تصوروه من أننى موفد من قبل فاروق وأننى صنيعة السراى ..

ولقد بذلت جهدا كبيرا جدا حتى بددت هذه الإشاعة وحملتهم على احترام جهادى.

ومن وراء ذلك كله أو قبل ذلك كله رأيت سيادة الاشتراكية في إنجلترا ورأيت تطبيقاتها الرائعة، بحيث تهيئ لكل مقيم على أرض الجزر البريطانية الأمان والضمان ضد البطالة وضد الفاقة وضد المرض والشيخوخة.

وانتهت رحلتى بعد شهرين وقد فشلت الرحلة فشلا ذريعا من حيث هدفها الأول: الدعاية للقضية المصرية فلم ألق سميعا أو مجيبا .. ولم ألق تشجيع من أى ناحية.

ولكن الرحلة أفادتنى من ناحية أخرى فوائد جمة .. فقد فتحت عينى على مقدار الهوة التى تردت فيها سمعة فاروق وبالتالى سمعة مصر الخاضعة المستكينة لسلطانه، وملأنى الشعور بأن الأمور وقد وصلت إلى هذا الحد فإن أيام فاروق قد أصبحت قريبة.

وأكملت اقتناعى بالنظام الاشتراكى وأنه لا علاج لمشاكل مصر في الداخل والخارج ولا سبيل لنجاتها إلا باتخاذ النظم الاشتراكية كإعادة توزيع الأراضى في مصر والقضاء نهائيا على نظام الإقطاع وإلغاء الألقاب وإتاحة الفرص المتكافئة لجميع المصريين في التعليم والعلاج وكسب الرزق.

وبهاتين الفكرتين عدت إلى مصر في صيف عام 1949 فنشرت في جريدة المصرى بيانا ألخص فيه هذه الحقائق وأعلن فيه احتجاجى على سوء أحوال البلاد وأحذر من العواقب الوخيمة التى تتهددها، وكمظهر من مظاهر الاحتجاج أعلنت انسحابى من النشاط السياسي مؤقتا واعتكافي في الريف في عزبة إبراهيم شكرى بشربين.

وقد كان هذا البيان أشبه بقنبلة ودهش الكثيرون للجرأة التى انطوى عليها فلأول مرة تحدث مصرى بصراحة عن الجرائم التى وقعت على النحاس و حسن البنا وعن جو الإرهاب الذي يسود مصر وأشار إلى الناحية المسئولة عن هذه الجرائم وندد بها.

ويقينى أن هذا البيان لو لم يختم بإعلان انسحابى واعتكافى في الريف لكان لفاروق ولإبراهيم عبد الهادى الذى كان يحكم البلاد في هذه الأيام شأن معى وأى شأن.

إعلان الحزب الاشتراكى

وإن هو إلا شهر واحد عقب إذاعة هذا البيان بل ما هو من أقل من الشهر حتى سقطت وزارة عبد الهادى ودى حسين سرى لتأليف وزارة جديدة .. وكان برنامج حسين سرى يتلخص في إعادة الوفد إلتى الحكم.

وكان سقوط عبد الهادى مشجعا لنا لكى نستأنف نشاطنا من جديد، فعدت إلى القاهرة واتفقت مع إخوانى على تغيير اسم الحزب من مصر الفتاة إلى حزب الاشتراكى. ووضعنا برنامجا اشتراكيا جديدا يتألف من عشر نقاط تتضمن جوهر المبادئ الاشتراكية على أن يكون تحقيقها بالطريق الدستورى البرلمانى.

وحجر الزاوية في هذا البرنامج هو ما أشرت إليه فيما سبق من ضرورة تحديد الملكية بخمسين فدانا وتوزيع ما زاد عن هذا القدر على صغار المزارعين، وجعلنا شعار هذا المبدأ "الأرض ملك لزارعيها" وثمة مبدأ آخر يقوم على مجانية التعليم في جميع درجاته بالنسبة لجميع المصريين ومبدأ ثالث يدور حول تأمين كل مصرى على توفير حد أدنى من المعيشة الكريمة اللائقة بالإنسان في القرن العشرين وتأمينه ضد المرض والبطالة والعجر والشيخوخة،

ومبدأ رابع يهدف للقضاء على الفوارق بين الطبقات بإلغاء الألقاب وملحقاتها وتقريب الثروات، ومبدأ رئيسى يتحدث عن الإنتاج الاجتماعى ووجوب وضع مشروع كامل ينفذ في خمس سنوات لإعادة بناء المجتمع المصرى والوصول به إلى أرقى الدرجات.

وبالرغم من أن حركتنا ديمقراطية قانونية فقد رأينا زيادة في الحرص أن نسجل أن وسيلتنا لتنفيذ هذا البرنامج أبعد ما تكون عن العنف أو الإكراه، وأن الإقناع عن طريق النشر والخطابة هو كل وسيلتنا لتحقيق هذه الأهداف.

وعلى الرغم من وجود الرقابة على الصحف والشر فقد استطعنا أن ننشر هذا البرنامج بعد تعديلات طفيفة فرضتها الرقابة. وهكذا بدأنا جهادنا الأخير صورته الناضجة المتكاملة تحت اسم الحزب الاشتراكى.

الانتخابات وعودة الوفد وبدأت معركة الانتخابات فخضناها بعشرة من المرشحين، ولقد أسرف حسين سرى في التحدث عن حرية الانتخابات وحيدتها ونزاهتها.

واخترت لنفسى دائرة عابدين حيث رشح الوفد ضدى حافظ شيحا المحامى، كما كان هناك مرشح آخر يمثل الأحرار الدستوريين وهو على راتب.

وكان فوزى في المعركة يبدو أمرا حقيقيا .. فقد عقدت ما يزيد على خمسة اجتماعات عامة كان يحتشد فيها ألوف من الناخبين وغيرهم، وكانت الحماسة تبلغ عنان السماء وعندما كنت أمر في الدائرة كنت ألقى ما يشبه الإجماع على انتخابى ..

وكانت مظاهر التشجيع تترى من أنحاء القطر المصرى كله والذى كان يتمنى أن يرانى عضوا في مجلس النواب ليسمع صوتى الداوى دفاعا عن الشعب "تحت القبة"، ولكن كما حدث في انتخابات سابقة قلب البوليس لرجالى وأنصارى يوم الانتخابات ظهر المجن، فقبضوا على وكلائى في اللجان واعتدوا بالضرب على كل من تصوروا أنه قد سيصوت لى، وهكذا استطاعوا في الحظة الأخيرة أن يزيفوا النتيجة وأن ينجحوا حافظ شيحا الذى كان كل من في مصر يتراهن أنه لن يحصل على تأمينه.

وأسقطت الانتخابات للمرة الثالثة بقوة الحديد والنار، ولو وقف الأمر عد حد الإسقاط لما كان له كل هذا الأثر البالغ في نفسى .. ولكن الشائعات التى تواترت كانت تصر على أن الملك فاروق هو الذى أصدر أمره (الكريم) بإسقاط أحمد حسين.

وكانت هذه الصيحة تردد طوال المعركة الانتخابية، فكنت أكذبها بكل شدة بطبيعة الحال ولا أقيم لها وزنا باعتبارها من إشاعات منافس، ولكن عندما أقدم البوليس يوم الانتخاب على ما أقدم عليه لم أستطع إلا أن أصدق ما كذبته طوال المعركة .. واستقر في خاطرى أن فاروق هو الذى أسقطنى.

وما حدث معى في دائرتى حدث مع بقية زملائى مع تفاوت في شدة اضطهادهم تبعا لقوتهم واحتمال نجاحهم.

ونجح بشق الأنفس إبراهيم شكرى لوجود سيل جارف من تأييد أهالى شربين وما يحيط بها له.

وفاز الوفد أغلبية ساحقة وجاء النحاس الذى أقسم الملك بالشياطين والجن والإنس أنه لن يرتقى الحكم مرة ثانية .. مصطفى النحاس الذى حاول اللك أن يقتله كما ذكرت .. جاء النحاس إلى الحكم من جديد وكان ذلك –كما قدمت- أشبه الأشياء بانقلاب خطير ..

ولقد كان انقلابا خطيرا بالفعل ولكن في اتجاه المضاد والمخالف لتصورات الشعب .. فقد جاء الشعب بمصطفى النحاس لما اشتهر به من أنه عدو لفاروق ..

جاء به ليحد من سلطان الطاغية وليوقفه عند حده. ولكن النحاس الذى كان قد أصبح ألعوبة في يد سراج الدين خيب الآمال منذ اللحظة الأولى وأحدث انقلابا بالفعل ..

فقد تحول بإرشاد سراج الدين إلى عبد ذليل لشهوات فاروق بحيث انخلعت قلوب الناس منذ الأيام الأولى لحكومة الوفد لهول الانقلاب ..

انقلاب النحاس إلى صنيعة من صنائع القصر كأحقر رئيس حكومة من حكومات الأقليات التى تعادى الشعب ولا تمت له بأى صلة.

اليأس الذى أدى إلى الثورة

ووجدت نفسى في حالة تشبه اليأس فهأنذا بعد ما يقرب من عشرين عاما من الكفاح المتصل من أجل الشعب وحريته وكرامته ومجده واستقلاله أرى نفسى وجميع قوات الدولة تحاربنى بحيث تأبى على أن أكون نائبا في البرلمان كأى نكرة من هذه النكرات والشخوص التى تكتظ بها مقاعد البرلمان.

وغاظنى في الدرجة هذا القول المكرر المعاد من أن الملك هو الذى يحاربنى وهو الذى عمل على إسقاطى.

ماذا فعلت بهذا الملك .. بأى شيء آذيته كملك .. لقد كانت حركة مصر الفتاة التى تألفت منذ 1933 هى اول حركة فى مصر اتخذت شعار لها "الله والوطن والملك" وسعينا جاهدين لتقريب الملك إلى الشعب واتخاذه رمزا لمكافحة الاستعمار ..

وعندما جاء فاروق أسرعنا للالتفاف حوله والاشتراك مع باقى طوائف الأمة في تعليق الآمال عليه .. وآخر موقف لى مع الملك عندما ذهبت إلى أمريكا للدعاية إلى القضية المصرية فصدرت كل مطبوعاتى بصورته وأعليت من شأنه وكرامته، وقد عرضنى ذلك لنقد شديد من بعض الأمريكان الذين أزعجتهم صورته وهم يعرفون من أمره ما لم نعرفه في ذلك الوقت.

وعندما قامت حرب فلسطين وغنم مجاهدونا الأبطال التوراة اليهودية المقدسة والتى كان باستطاعتنا أن نحتفظ بها وأن نبيعها بعشرات الألوف من الجنيهات لليهود أنفسهم .. ولكننا آثرنا أن نهديها للملك ليضعها في متحفه، وعلى الرغم من أننا لم نتلق خطاب شكر على هذه الهدية فقد سكتنا على مضض.

إذن ماذا يريد هذا الرجل لكى يدخل أحد رعاياه في رحمته .. إن الإخلاص لا ينفع .. إن الوطنية لا تنفع .. إن العمل للصالح العام لا ينفع .. حتى الرغبة في خدمة الملك عن طريق تبصيره بالحقائق وحثه على خدمة الشعب لا تنفع ..

لا يستطيع المجاهد الأمين أن ينفذ إلى إلى هذا الرجل الذى جمع في يده كل سلطان .. فهأنذا لا أستطيع أن أظفر بمقابلة هذا الملك طوال سبعة عشر عاما قضيتها في الجهاد والإخلاص للوطن والملك .. فما السبيل إذن لأكسب رضائه ونيل حظوته.

لقد رحت أتلفت حول الملك وأدرس حاشيته وكل الذين يحيطون به ويمثلونه هنا وهناك فلم أجد إلا مجموعة من القوادين والمستهترين والشبان الأغرار المفتونين .. وجدت الالملك لا تحيط به إلا غانيات وراقصات ولاعبو قمار .. وأدركت على الفور أن هذا هو السبيل الوحيد للحصول على حظوة الملك .. فإن لم يكن الإنسان قوادا أو لاعب قمار أو زير نساء فلا سبيل له للاقتراب من هذا الملك ..

فأى ملك هذا وأى شعب يرضى بأن تنتهى الأمور إلى أن يكون على رأسه ملك هذا شأنه .. لا مكان للفضيلة في بلاطه .. لا مكان للإخلاص أو الوطنية الصادقة في بلاطه حتى ولو إلى جوار الطراز الآخرين المفسدين.

لقد أخافنى هذا الملك أكثر من مرة فأحسست إحساس خفيا أنه يريد قتلى وكانت رحلتى إلى إنجلترا –كما ذكرت- تحت تأثير هذا الشعور .. وها هو يعمل على قتلى معنويا بملاحقتى في الانتخابات العامة لإسقاطى في نفس الوقت الذى يعمل بالليل والنهار على قتل هذه الأمة وهذا الشعب. وإذن فلابد من أن أخوض معركة مع هذا الملك وليكن ما يكون.

لقد قررت أن أموت في منتصف الطريق .. قررت أن يزج بى إلى السجن أو أن أصرع على الطريق العام برصاصة .. ولكن ذلك كله لم يزدنى إلا تشبثا وإصرارا ورحت أردد قول الشاعر:

إذا لم يكن من الموت بد

فمن العار أن تكون جبنا

إننى ميت . ميت. بل لقد مت بالفعل ماديا وأدبيا.

فهأنذا رجل فقير أعيش يوما بعد يوم، وأحصل على قوت أولادى وأسرتى يوما بعد يوم ..

وهأنذا رجل يعيش على هامش الحياة السياسية لا يسمح لى أن أكون مجرد نائب ..

فماذا على لو مت ..

ما الذى ستخسره أسرتى ..

بل ما الذى ستخسره بلادى ..

بل ما الذى سأخسره أنا؟! ..

لا شيء. لا شيء وعلى العكس من ذلك فإن هناك بعض الأرباح والمغانم إذا قتلت وصرعت في هذا السبيل.

سوف يقول التاريخ أنه في منتصف القرن العشرين قام في مصر ملك داعر طاغية مستبد ..

ردع كل المصريين وأفزعهم ولكن فردا من بين صفوفهم قد تحداه جهارا نهارا ..

تحدى ظلمه وطغيانه وقذف في وجهه برأيه فيه ثم دفع حياته ثمنا لذلك.

كانت هذه الصورة تبهجنى وتملأ نفسى ارتياحا أن أرفع عن الشعب مأساة مسبة ألا يخرج من بين صفوفه من يتحدى الملك ..

فقررت أن أمضى في هذا الطريق. وكنت أشعر كما قدمت أن هذه سياسة غيرها .. لقد كان هذا هو الباب الوحيد الذى ظل مفتوحا أمامى بعد أن سدت كل الأبواب فاقتحمت الباب وأنا مستعد للموت.

لم يكن لى من سبيل لخوض المعركة ضد فاروق سوى بالقلم بطبيعة الحال .. ولم يكن لهذا القلم من مجال سوى جريدة مصر الفتاة .. وكانت جريدة مصر الفتاة في ذلك الوقت معطلة لنضوب مواردنا تماما ولعدم ذيوعها وانتشارها الانتشار الذى يساعد على مواصلة استمرارها ..

ولكننى قررت أن أعاود إصدارها بعزم جديد وأن أجعل اسمها الاشتراكية بدلا من مصر الفتاة، ولقد قدمت لسراج الدين باعتباره وزير الداخلية طلبا بهذا التغيير فرفض إجابتنا إليه، فرأيت أن أسميها الاشتراكية رغم ذلك على أن أنشر على رأس الصحيفة الاسم القديم مصر الفتاة على أنها لسان حال "الاشتراكية"

وأصبحت الاشتراكية هى العنوان البارز للمجلة وأصدرنا العدد الأول منها في صورته الجديدة وفيه حملة على كريم ثابت وغيره من رجالات القصر.

وكانت الجريدة كعادتها لا توزع شيئا يذكر .. بل إن ما كانت توزعه في هذا الوقت شيئا لا يكاد يصدق .. فلم تزد هذه المبيعات في العدد الأول عن ثلاثمائة نسخة في كافة أنحاء القطر ..

ومثل هذا القدر التافه من المبيعات لم نصل إليه في أى يوم من الأيام فلم يحد أن نقص توزيع الجريدة عن ألف نسخة أو تسعمائة ..

أما أن يكون التوزيع ثلثمائة نسخة فهذا شيء يفوق كل تصور في مدى الفشل .. ولكن نفسى كانت ممتلئة بإصرار وعزم غريبين ..

لقد كان الإحساس يملأنى أن هذه هى المعركة الأخيرة .. معركة الحياة والموت، وأننى يجب أن أمضى فيها حتى النهاية .. ولو لزم الأمر ألا أطبع من الجريدة سوى خمس نسخ ..

ولكننى سأفعل ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وكالعادة دائما وقف إلى جوارى الإخوان الصناديد ..

هؤلاء الأبطال والجنود المجهولون .. والذين مهما عرف الناس أسمائهم فهم مجهولون بالقياس إلى ما يعملون ويبذلون .. وقف إلى جوارى هذا النفر من أبناء مصر الفتاة الأحرار الصادقين وعلى رأسهم إبراهيم شكرى يشدون أزرى ويحمون ظهرى.

فضائح حملة فلسطين

وانجرت قنبلة فضائح حملة فلسطين في ذلك الوقت .. وامتلأ جو مصر في هذا الوقت بهذا الجو الذى تقشعر منه الأبدان، جو المخازى .. والجرائم والأسرار التى سقط عنها الستار فجأة.

وهنا أريد أن أشير إلى جهاد الأستاذ إحسان عبد القدوس في هذه الناحية .. إن الأستاذ إحسان عبد القدوس لا يحبنى . بل لابد أن له رأيا سيئا في شخصى وفي كفاحى .. ولقد وقف منى دائما وخاصة في محتنى موقف المتربص المستعد للإجهاز على في أى فرصة مواتية .. وعندما أفرج عنى كان هو الوحيد الذى لم يذكر حرفا واحدا عن هذا الإفراج ..

ومع ذلك فإن هذا كله لا يغير رأيي فيه، وأنه قام بدور عظيم فكان صاحب الفضل في إثارة قضية الأسلحة والذخائر والفاسدة .. ثم تابع الحملة بعد ذلك مترجما باستمرار آلام الشعب وآماله .. وأشهد لقد كانت مقالاته كلها مستقيمة وصادقة وجريئة وقوية بحيث كنت دائما أبدا أمتلئ إعجابا بها ..

وأسرعت لاستغلال فرصة فضائح حملة فلسطين .. وثورة الرأى العام الفكرية والنفسية .. بل ثورة الجيش في ذات الوقت لكى أضاعف من هجومى على الملك وأن أسفر عن هذا الهجوم وأجعله صريحا وعلنيا.

وليس من برنامج هذه المذكرات أن أضمنها نصوصا ووثائق إذ لو فعلت لتضخمت تضخما كبيرا جدا وبخرجت عن برنامجها المرسوم، وهى أنها حديث نفسى قبل أن تكون حديث تاريخ .. ومع ذلك فلست أقاوم الإغراء الذي يدفعنى لتسجيل فقرات من هذا المقال الأول الذى تحديت الطاغية فيه وجها لوجه .. والذى اختتمته بالإنذار والوعيد .. الذى تحقق فيما بعد بنصه وحرفه.

ضد فاروق وجها لوجه لم يكن عنوان المقالة أقل من هذه الكلمات "حيدر – بولى - كريم ثابت – النقيب يجب تطهير أداة الحكم من هذه العصابة.

وكان ذلك في سبتمبر 1950م أو في 29 سبتمبر على وجه التحديد أى قرابة عامين قبل انقلاب الجيش وذهل الناس القلائل الذين وقعت في أيديهم أعداد المجلة من هذا العنوان .. وذهلوا بالأكثر وهم يطالعون لأول مرة في تاريخ مصر التحدث عن حاشية الملك بأنهم عصابة والإشارة الواضحة إلى أن الملك هو رئيس العصابة بالرغم من محاولات التظاهر بالفصل بين الملك وهذه العصابة واستبعاده أن يكون رئيسا لها.

وإليك الآن فقرات من هذا المقال .. وقد تبدو لك أنها هينة لينة بالقياس إلى ما رحت تطالعه الآن عن الملك اللص والمجرم والسفاح والقواد إلى آخر هذه النعوت التى يكيلها له اليوم أشد أنصاره بالأمس .. ولكن هذه الفقرات قد قيلت في عام 1950م عندما كان الملك في أوج سلطانه يعز ويذل ويقتل بدون رقيب أو حسيب.

"قد ولى المرحوم أحمد حسين وظيفته كرئيس للديوان الملكى، وقد بدأت مصر تشهد طلائع هذه المأساة التى يرفع عنها الستار هذه الأيام من خلال تحقيقات الجيش فقد عمد هذا الراحل الذى لا نملك الآن إلا أن نطلب له الرحمة بعد أن أصبح في العالم الآخر، عمد غلى خلق ما يسمى بحزب الملك" ..

وكان حسنين على ما يبدو شخصا ضعيف النفسية عديم الكفاءة قليل التجربة لم يستطع أن يصل إلى مرتبة من سبقوه في تجربة إنشاء حزب الملك، فهؤلاء قد حشدوا في أحزابهم أعظم الكفاءات في البلاد، وجمعوا نخبة من الوزراء وكبار الموظفين ورؤساء الوزارات السابقة وبعض النوابغ والأكفاء وألفوا منها هذه الأحزاب، أما حسنين فقد ألف حزب الملك من طراز غريب من الناس أحسن من فيهم شبان أحداث لم يتمرسوا بعد بتجارب الحياة وسوادهم الأعظم أفاقون مغامرون من العاملين في الظلام وبدأنا نرى أعلام المجون واللهو والقمار بصفة خاصة، وقد أصبحوا ينتمون إلى هذا الحزب،

ولعله من الأفضل أن نطلق عليها اسم (العصابة)، وبدأت هذه العصابة تجعل من مصر مسرحا لآثامها وجرائمها الخلقية والأدبية والمالية تحميه بهذا الاسم الذى أجله الدستور ووضعته القوانين موضعا كريما .. وبذلك احتمت العصابة من أن يوجه لها نقد أو يسلط الضوء على أعمالها، وساعد على ذلك قيام الأحكام العرفية وفرض الرقابة على الصحف.

وبدأت هذه النجوم تلمع من أمثال كريم ثابت، وبوللى والنقيب .. وغيرهم، وكانت هذه العصابة في حاجة إلى رجل عسكرى يجعل من الجيش أداة لتحقيق أغراضها ويخيف ويرعب كل من تحدثه نفسه يوما ما بالتمرد على هذه العصابة فاختير حيدر ليلعب هذا الدور وليجعل من الجيش سندا ووقاية لهذه العصابة المخربة المدمرة، وتحولت هذه العصابة إلى كل شيء في حكم هذا البلد، لا يمكن لرأس كريمة أن ترتفع إلى جوارها، لا يمكن لصوت صادق أن يصل إلى حيث يجب إلى أن يصل، لا يمكن لشخص مستقيم أن ينفذ من هذا الستار الحديدي الذى أنشأته هذه العصابة لحكم البلاد".

ثم انطلق المقال بعد ذلك يندد بحكومة الوفد وموقفها واستخذائها وهى التى رفعها الشعب إلى الحكم لمحاربة طغيان السراى، واستطرد المقال يقول:

"وجاء الوفد إلى الحكم وهو الذى كان هدفه محاربة هذه العصابة طوال خمس سنوات فدبرت له المؤامرات التى وصلت إلى حد الشروع في قتل النحاس أكثر من مرة بوسائل وحشية وقاسية .. وكان المظنون أن الوفد وقد جاء إلى الحكم فسيجعل رسالته الأولى تنظيف أداة الحكم من هذه العصابة فلا نعود نسمع عن كريم ثابت أو بوللى أو حيدر وأضرابهم وأمثالهم .. فما راعنا إلا أن وقع الوفد في أحبولة هذه العصابة.

إننا لن ننسى أبدا أن الحكومة الحاضرة (حكومة الوفد) وقفت تدافع عن جرائم هذه العصابة في مجلس الشيوخ وتحول بين المجلس وبين تأليف لجنة لتحقيق الجرائم".

ثم ختم المقال بهذه الفقرة:

"إننا نقولها كلمة صريحة عالية لهذه الحكومة: إن الحكومة ليست جادة في محاربة الفساد، وإن هذا الذى يجرى من تحقيقات ليس إلا من قبيل ذر الرماد في العيون وإن التحقيق لن يلبث أن ينتهى إلى غير نتيجة مادام أن من بيدهم الأمر من أفراد العصابة لا يزالون هم أصحاب النفوذ والسلطان".

"إن الجيش يريد إقصاء هذه العصابة والشعب قبل الجيش يريد هذا فلتحذر الحكومة من مغبة بقاء هذا النفر من الموت في مراكزه فإن ذلك لن يلبث أن يهدد النظام بأكمله".

ومرة أخرى قيل هذا في سبتمبر سنة 1950م وفي يوليو 1952م كان ينفذ بالحرف الواحد فزال النظام بأكمله وقبض على أفراد العصابة ورئيس العصابة.

ولنرجع إلى سبتمبر سنة 1950 بعد نشر هذا المقال وبدأ يحدث بعضهم بعضا عن المجلة الاشتراكية وما يكتب فيها وبدأنا نشعر أن توزيع الجريدة أخذ في الزيادة بحيث ارتفع من بضع مئات إلى ألفين أو ثلاثة آلاف فيما أذكر.

سراج الدين يتحرك

ولم يحل بيننا وبين تلقى الكوارث في ذلك الوقت وعقب نشر هذه السلسلة من المقالات التى وصلت إلى ذروتها في هذا المقال، إلا أن سياسة فؤاد سراج الدين كانت ترمى إلى الإقلال من شأننا وإلى ضآلة جريدتنا وأنه من الخير أن لا يتعرض لها حتى لا يلفت إليها الأنظار.

لقد كان سراج الدين في ذلك الوقت في ذروة مجده .. لقد أعاد الوفد إلى الحكم بعد أن يئس الوفديون من الحكم، فأى عبقرية ترقى إلى مستوى هذه العبقرية؟!

.. كانت مصر كلها تحت أقدام سراج الدين تسبح بمجده وتشيد بنبوغه وعظمته، ولم يكن أحمد حسين سوى ناموسة تطن ومن الخير أن يترك وشأنه، ولكن اللغط زاد حول ما تنشره الجريدة ..

والهجوم السافر على الملك قد وصل إلى حد لا يمكن السكوت عليه دون تعريض العلاقات الوطيدة بين سراج الدين والقصر للخطر .. وإذن فيجب أن يتحرك سراج الدين ويبذل جهدا معينا لوضح حد للموقف ..

ففؤاد سراج الدين رجل ثرى، يؤمن بسلطان المال ويعرف أنه لا يوجد في الدنيا ما لا يمكن شراؤه بالمال، وإذن فليحل هذا الإشكال الجديد عن طريق المال وليبعث إلى أحمد حسين برسول من لدنه يساومه على القدر الذى يريده أحمد حسين للكف عن حملته على القصر ولم يكن رسول سراج الدين سوى اللواء عمر حسن– رئيس القسم الخصوصى في وزارة الداخلية والمختص بتوزيع المصروفات السرية

- وجاء عمر حسن لمقابلتى في المنزل بالرغم من أننى حملت عليه حملة شعواء في التليفون عندما طلب هذه المقابلة وبالرغم من أن العدد من الجريدة الذى صدر في هذا اليوم كان يندد بوزير الداخلية الذى يتعاون مع عمر حسن وإبراهيم إمام.

وجاء عمر حسين وأسفر عن مهمته التى تتلخص في التقريب بينى وبين وزير الداخلية سراج الدين .. الذى يسره أن يعلم مقدار الأموال اللازمة لإنعاش جريدتى وجعلها جريدة محترمة عزيزة الجانب، وكان ردى على هذا العرض بسيطا وهادئا قلت له: قل لسراج الدين أن يطمئن فهو أهون من أن أهاجمه لأننى جعلت رسالتى تتلخص في هدف واحد وهو محاربة فاروق.

(وهنا استعملت كلمة بذيئة) وصفا له وقد ظللت منذ ذلك التاريخ بكل أسف أستعمل هذه الكلمة في حديثى عن فاروق في مجالسى الخاصة ومع الرجال الرسميين، وكنت أعنف نفسى بشدة على استعمالى لهذا اللفظ الذى لا يليق بإنسان مهذب أن يتلفظ به، ومع ذلك فقد كان طغيان فاروق يغرينى دائما باستعمال هذا الوصف عقب ذكر اسمه.

قلت لعمر حسن: إذهب إلى سيدك فقل له أن أحمد حسين قد آلى على نفسه أن يحارب فاروق وكل من يحاول التصدى دفاعا عن فاروق.

وأنا أعلم أن مصيرى هو الموت الذى قد أعددته نفسى له.

ولم يفتنى أن أقول لعمر حسن: إنك لن تستطيع أن تكتب في تقريرك كلمة واحدة مما قلته لك عن فاروق لأن أحدا لن يصدقك إذا كتبت هذا التقرير فمن غير المعقول أن أقول لرئيس القسم الخصوصى عن الملك هذه العبارات والألفاظ، وأن أعلنه أننى سأحارب فاروق حتى أصرعه أو يصرعنى ..

لقد كان هؤلاء النفر على فرط دناءتهم أجبن من يحملوا للطاغية أن صعلوكا ممن رعاياه يقذف في حقه هذا الإقذاع ويتحداه هذا التحدى.

الرد على سراج الدين

وتلقى سراج الدين ردى على إسفافه في إيفاد هذا المندوب وتصوره أنه من الممكن شرائى بالمال مقالا طنانا رنانا طبق الخافقين في ذلك الوقت باعتباره عنوانا على البذاءة والهوة التى تردت في الصحافة المصرية وكان عنوان المقال "لن تحكمنا أسرة سراج الدين" وقد وصفت جاه سراج الدين وما وصل إليه من عظمة وسلطان وكيف أصبح أخوه رئيسا لمجلس النواب تقريبا،

وأخوه الثانى سكرتيرا للجنة المالية والثالث رئيسا لها وجنابه رئيسا للحكومة وكيف تحول إلى معبود يعبد، وختمت المقال بأننا كافرون بهذا الإله الجديد وسوف نحطم الصنم، بل وسنبول على هذا الصنم المعبود".

وقامت القيامة .. واهتزت السموات والأرض كيف يصل الأمر إلى استعمال هذه الألفاظ والهجوم على سراج بهذا الأسلوب ووقف سراج الدين في مجلس الشيوخ يبكى ويتباكى على ما وصل إليه التدهور الخلقى في مصر، وراح يتلو على أعضاء المجلس الموقر فقرات من هذا المقال الثائر على أسرة سراج الدين والذى يندد بالصنم المعبود ويعلن للدنيا الكفر والهرطقة بهذا الصنم، بل ويذهب إلى حد التبول فإنه سيبول على هذا الصنم، كما كان يفعل العرب بعد أن دخلوا في الإسلام إظهارا لاحتقارهم لآلهتهم القديمة.

وفزع مجلس الشيوخ الموقر من أن يتدنس حرمه بسماع هذه الأقوال، فنادى المنادى من بينهم بضرورة إعدام هذه الصحيفة . وبضرورة صلب كاتب هذا المقال.

وفزع مجلس الشيوخ الوقور من أن يتدنس حرمه بسماع الذى لوث مهنة الصحافة الطاهرة وتنازل صاحب الاستجواب الذى كان قد قدمه دفاعا عن حرية الصحافة بعد أن ظهر أن الصحافة ممثلة في الاشتراكية وفي شخص أحمد حسين قد وصلت إلى هذا الدرك الأسفل بحيث تسمى سراج الدين صنما وتعلن أنها ستحطمه وستجعل الناس تبول عليه ولم يستطع سراج الدين المسكين أن يهدئ هذه الحملة الشعواء عليه من حضرات الشيوخ المحترمين إلا بعد أن وعدهم أنه يتخذ الإجراءات لكى يضع حدا لهذا الهوان الذى يوشك أن يعرض سمعة البلاد للضياع.

تحقيق النيابة

وشرعت النيابة تحقق معى في كل الأعداد التى صدرت من الجريدة حتى كتابة هذا المقال أى الأعداد التى صدرت خلال ثلاثة أشهر كاملة حاول فيها سراج الدين أن يظهر عدم الاكتراث بشأنها، فلم يطلب التحقيق فيها. وعندما وجه الاتهام بالعيب في الذات الملكية قلت:

إن الأصح أن يقال أننى عبت في الذات السراجية، فمقالاتى المقول أنها ضد الملك ضد كتبت منذ ثلاثة أشهر سابقة فلم تحرك النيابة ساكنا إلا بعد أن عبت في الذات السراجية، فقلت بالخط العريض لن تحكمنا أسرة سراج الدين، وقد كان لهذه الحقيقة أثرها البالغ في نفس مجلس الدولة عندما عرضت عليه قضية إلغاء "مصر الفتاة" فقد لمس مجلس الدولة أن إجراءات الاضطهاد لم تنهال على الجريدة وتصل إلى حد إلغائها إلا منذ اليوم الذى هاجمت فيه سراج الدين بهذا العنف، فمنذ ذلك اليوم اتحدت إرادة سراج الدين مع فاروق للخلاص من هذه الجريدة النادرة ومن محررها هذا المجرم العنيد أحمد حسين.

ذيوع وانتشار

وعند هذه المرحلة كانت الجريدة قد بدأت تلفت الأنظار، بدأت أرقام توزيعها في صعود مستمر، وقد كان هذا الصعود في بادئ الأمر محدودا ولكنه كان مطردا بحيث بدأ كل عدد يزيد بضع مئات في كل أسبوع بعد أن كان يزيد بضع عشرات، وصودرت الجريدة أسبوعا، وأصدر القضاء أمره بتعطيلها أسبوعا آخر، فقفز رقم التوزيع إلى خمسة آلاف نسخة، وكان هذا بالنسبة لنا يعتبر انتصارا لا مثيل له واضطررنا إلى أن نستبدل المطبعة القديمة بمطبعة جديدة لنواجه الانتشار المستمر فاتسعت لنا مطبعة جريدة الأساس وقد كان هذا تناقضا غريبا من ناحيتنا ومن ناحية أصحاب الأساس،

فنحن نعتبر أنفسنا خصوما سياسيين للسعديين وجريدتهم وما من عدد من الأعداد خلا من الهجوم عليهم ومع ذلك فلم يكن أمامنا مطبعة لطبع جريدتنا في عهدها الجديد غيرها،

والسعديون بطبيعة الحال يؤذيهم أن يطبعوا جريدة تهاجمهم، ومع ذلك فيظهر أن ظروفهم المالية من ناحية ورغبتهم في تشجيع كل ما يحرج الحكومة الوفدية ويثير لها المتاعب من ناحية أخرى كل ذلك جعلهم يرضون هذا الوضع العجيب وهو أن يساهموا في طبع جريدة تخاصمهم وكثيرا ما كان إبراهيم عبد الهادى يئن ويتوجع لما ينشر في الجريدة هجوما عليه أو مساسا بنزاهته كما حدث في بعض الأحيان عندما نشرت الجريدة ممتلكاته من الأراضى ولكن الأمر قد وقف عند حد العتاب والتذمر دون التفكير في إيقاف طبع الجريدة على مطابعهم، بل إنه عندما جاء الوقت الذى ضاقت بنا مطبعة الأساس نفسها فانتقلنا إلى مطبعة الأهرام كان كل من فى الأساس يلح في الرجاء أن لا نترك المطبعة بعد أن كان إيرادهم من طبع الجريدة قد وصل إلى مبلغ لا يمكن الاستغناء عنه لإدارة المطبعة نفسها.

والمهم أن مطبعة الأساس قد عاونتنا في هذه المرحلة معاونة جديرة بالذكر والتنويه.

فضيحة ميدان عابدين

وبدأ ذيوع الجريدة وخطتها في محاربة مفاسد الملك تلفت إلينا أنظار كل القائمين على العهد من موظفى الدولة .. فاتصل بنا بعض موظفى وزارة الأشغال ومهندسيها ولست في حل من نشر أسمائهم بدون استئذان، وبدأوا يقدمون لنا صورا وتقارير ورسومات عن مشروعات عثمان محرم الجنونية لإرضاء الملك السابق عن طريق إنشاء التماثيل وإصلاح القصور الأثرية والتى راح عثمان محرم يغدق عليها ملايين الجنيهات،

وكان على رأس هذه المشروعات إنشاء تمثال الملك فؤاد في ميدان عابدين ونزع ملكية ما يزيد على خمسمائة بيت تقيم بها ألوف من الرجال والنساء والأطفال بحجة توسيع الميدان ليكون لائقا بعظمة التمثال، وقد كان ذلك جنونا مطبقا من غير شك وآية على ما وصل إليه العهد من انحلال واضطراب أن تشرد العشرات من ألوف المواطنين وتنفق ملايين الجنيهات لإنشاء تمثال للملك فؤاد تزلفا إلى الملك فاروق، وجاء لنا الموظف الوطنى برسومات المشروع، ونصوص المراسيم التى نزعت ملكية البيوت وميزانية المشروع فأسرعنا إلى نشر ذلك كله تحت عنوان فضيحة ميدان عابدين،

فكان لذلك دوى في أرجاء البلاد وأسقط في يد الملك والحكومة وشعروا بأن الجريدة قد أخذت بتلابيبهم متمسكين بهذه الجريمة الشنيعة ولذلك فقد أصدر الملك على ما نشرت صحف دار أخبار النشر أمرا بإيقاف هدم المساكن، فكان ذلك أول انتصار مادى حققته الاشتراكية، وكان إنقاذ هذه البيوت والحيلولة دون هدمها هو أول معول في هدم الملكية بالذات كما أثبت مسلسل الحوادث والنهاية التى انتهت إليها.

إلغاء الاشتراكية

بدأ فاروق يدرك عقب هذه الهزيمة التى منى بها فيما أسميناه "فضيحة ميدان عابدين" وبدأت الحكومة وسراج الدين بصفة خاصة يدرك مع فاروق أن الاشتراكية خطر يجب القضاء عليه بصفة حاسمة، لقد ثبت لهم أن مصادرة الجريدة قد ضاعف في انتشارها، وأن تعطيلها أسبوعا عن طريق القضاء قد لفت الأنظار إليها أكثر وأكثر وبلغت مبيعات الجريدة ثمانية آلاف نسخة بعد أن كانت بضعة مئات وكان العدد الواحد يتجمع حوله عشرات، بل ومئات من الناس في القرى والدساكر لكى يطالعوه فرأوا يضربوا ضربة حاسمة وهو إلغاء الجريدة،

ولكنهم ظلوا يترددون بعض الوقت خوفا لما يثيره هذا الإجراء وهم المنادون بالستور وحرية الصحافة، وهم الذين أقاموا الدنيا وأقعدوها في مجلس الشيوخ عندما ألغى إسماعيل صدقى يوما من الأيام رخص بعض جرائدهم ومجلاتهم، ولذلك فقد رأوا أن يتريثوا بعض الوقت. وفي 26 يناير ينة 1951م صدرت مصر الفتاة الاشتراكية وهى تحمل بالخط العريض والمداد الأحمر فوق رأسها "فضيحة شركة سعيد" وهى هذه الفضائح التى لم تتحدث عنها الصحف وعن أفعالها إلا بعد سقوط الملك،

وكان عنوان مقالتى "تحرك أيها الشعب" وفي العدد وعلى صدره حديث عن الدكتور زكى هاشم وخطوبته، وقد كان فاروق لا يتصور حديث مجرد الإشارة لزكى هاشم فضلا عن الإشادة به على صفحات الاشتراكية لما يحمله ذلك من معانى التذكير بجريمة الملك الكبرى ..

وتضمن العدد فوق ذلك إعلانا ملفتا للنظر من مقال سينشر في العدد التالى وهذا نصه: "ملهى الاسكارابية ينشر في العدد القادم معلومات وتفصيلات عن ملهى الاسكارابية فنلفت إليها الأنظار".

وملهى الاسكارابية هو هذا الملهى الذى كان يسهر فيه فاروق كل ليلة ويقتنص من فرائسه في الراقصات والمغنيات ومن على أشكالهن وكانت فضائحه في هذا الملهى قد أصبحت حديث العالمين .. ومن العجيب أن المعلومات التى كنا سننشرها كنت قد استقيتها مباشرة من والد زوجة صاحب هذا الملهى والذى جاء يشكو لى كيف أن تردد فاروق على هذا الملهى لا يعود على صاحب الملهى بأى ربح مادى وأن الذين يستفيدون هم جماعة من اليهود الذين يشرفون على لعب القمار والذين بلغت أرباحهم في عام واحد خمسين ألفا من الجنيهات،

أما نصيب زوج ابنته من حصيلة لعب القمار فهو ينفقه على استيراد الأرتستات اللائى يسر بهن فاروق ويدفع لهن المرتبات المرتفعة إرضاءا لفاروق، فهو لا يربح شيئا في حقيقة الحال، وقد رجانى الرجل أن أسائل الحكومة ووزير الداخلية كيف لا تتدخل في معرفة ما يجرى في نادى القمار الملحق بهذا الملهى وعلى أى أساس تسمح لهؤلاء اليهود وهم من أصحاب السوابق أن يديروا هذا النادى،

وغنى عن البنان أن الحكومة ووزير الداخلية لم يكن يقترب من هذا الحرم المقدس الذى يظلله فاروق برعايته الملكية السامية. ولم يكد هذا العدد يصدر في السوق في يوم الخميس 25 يناير حتى كان بمثابة القشة التى قصمت ظهر البعير أو النقط التى طفحت بها الكأس، كأس فاروق وسراج الدين وحكومة الوفد كلها فاجتمع مجلس الوزراء في المساء وأصدر أمره الكريم بإلغاء جريدة مصر الفتاة،

ولقد راح كل مصرى يعزو سبب الإلغاء لهذا المقال أو هذا الخبر، فالبعض يرى أن الإعلان عن إذاعة معلومات خاصة بملهى الاسكارابية هو الذى عجل بإعدام الجريدة، والبعض يرى أن مقال تحرك أيها الشعب هو العامل الرئيسي لهذه العقوبة، وثالث يقول بل فضيحة شركة سعيد وأشخاص يؤكدون أن الحديث عن زكى هاشم خطيب ناريمان السابق التى خطفها منه الملك هو على التحقيق سبب إلغاء الجريدة، ولكن كان من الواضح أن إلغاء الجريدة كان مسألة مقررة منذ عدة أسابيع وأنها كانت تؤجل من أسبوع لآخر.

وبلع توزيع هذا العدد الذى ألغيت الجريدة على أثره عشرة آلاف نسخة، وكان ذلك بالنسبة لنا يعتبر شيئا خيالياً.

غضبة الرأى العام

ولم يحدث من قبل أن غضب الرأى العام كما غضب على إلغاء مصر الفتاة، لقد كان هناك إجماع على استنكار هذا التصرف، وكان ذلك من الإرهاصات التى تدل على أن نهاية فاروق قد بدأت تلوح في الأفق، طبعا لم نكن نتصور ذلك في هذا الوقت،

بل لعل إلغاء الجريدة كان دليلا على قوة النظام وقدرته على البطش، فلم تخطر فكرة نهاية فاروق على البال، ولكن الآن بعد أن ذهب فاروق فإن ذلك يفسر لنا هذه الظاهرة التى بدت في ذلك الوقت وكنا نقف أمامها مشدوهين ألا وهى إجماع الرأى العام بمختلف أحزابه وهيئاته وألوانه على استنكار إلغاء الجريدة،

لقد عاصرت في مصر إلغاء البرلمانات وإلغاء الدساتير من أساسها، وإلغاء الحرمات المقدسة فكانت الأمة تنقسم حيالها إلى قسمين فريق ساخط مستنكر وفريق راض مبتهج لهذا الذى حدث،

أما عندما ألغيت مصر الفتاة فقد كان كل مصرى على اختلاف منهاجه في سخط واستنكار لهذا التصرف، ولم أدرك هذه الحقيقة بكل شمولها إلا عندما اضطرتنى الظروف تحت عامل الغضب إلى التازل عن قضيتى في مجلس الدولة،

فقد هاجمنى الشعب بأكمله على هذا التنازل وانهالت على الاحتجاجات والاستنكارات من كل مكان، فقد كان كل مصرى يعتبر القضية قضيت، فعندما تنازلت عنها أحس الجميع كما لو كنت قد خنتهم ولم يكن هناك ما يثلج صدرى في هذا الوقت أكثر من هذا السخط الجماعى الذى انهال على بتنازلى عن الدعوة،

ولم يكن الناس يعلمون في ذلك الوقت أننى تنازلت عن الدعوى عندما توجست خيفة أن يقر مجلس الدولة تصرف الحكومة فيكون ذلك قضاء على الدستور وحرية الصحافة إلى الأبد،

فقد أسرعت لرفع دعوى مستعجلة في مجلس الدولة لإيقاف تنفيذ قرار مجلس الوزراء وكان القاضى الذى سمع الدعوى هو السنهورى نفسه –رئيس المجلس- وقد ترفعت أمامه بكل أعصابى وكل إيمانى، ترافعت أمامه وشرحت له خطورة القضية وأن تأييد الحكومة في تصرفها سيكون ضربة قاضية على الشعب،

ومع ذلك فقد أصدر السنهورى قراره بطلب إبقاف التنفيذ والتعجيل بنظر موضوع القضية، ولقد صدمنى هذا القرار صدمة عنيفة وخاصة لصدوره من السنهورى بالذات والذى أكن له في نفسى إجلالا واحتراما عظيمين، لم أكن أعلم ماذا يضمر السنهورى في نفسه،

وأنه أراد أن يكون دقيقا وأن يجعل إبطال قرار مجلس الوزراء يصدر من المحكمة الإدارية مجتمعة بدلا من أن بقال أنه أوقف بشخصه قرارا من مجلس الوزراء،

ولكنى في ذلك الوقت تصورت عكس ذلك وأن السنهورى قد عمل حسابا لفاروق وغضبه وأن ذلك هو سبب قراره رفض إيقاف التنفيذ ولذلك فقد بادرت بإرسال خطاب إليه أعلنه فيه أن دعواى قد أصبحت غير ذات موضوع أننى بذلك متنازل عنها.

ولم يكد هذا الخبر يذاع في الصحف حتى ضج الرأى العام على اختلاف مناهجه استنكارا لهذا التنازل فأكد ذلك هذه الحقيقة العجيبة التى تجلت في هذه المناسبة وهو إجماع الرأى العام على الالتفاف حول الاشتراكية باعتبارها الجريدة التى تصدت لحرب الملك وتحديه،

فكان ذلك كما قدمت إرهاصا بأن أيام الملك قد أصبحت قريبة وإن كنا في ذلك الوقت لم نكن نتصور أن الاقتراب سيكون بهذه السرعة أو بهذه الكيفية.

جريدة الشعب الجديد

وكان طبيعيا وقد ألغيت مصر الفتاة أن نحاول الحصول على جريدة أخرى فتقدم إبراهيم شكرى إلى وزارة الداخلية بإخطار يعلنها فيه أنه قد اعتزم إصدار مجلة جديدة باسم الشعب الجديد وكان من المستحيل قانونا أن يأبى وزير الداخلية على نائب من نواب الأمة أن يصدر جريدة ومع ذلك فإن هذا المستحيل قد حدث فإذا بنا نفاجأ قبل انصرام الشهر المخصص لوزير الداخلية ليمارس فيه حق الاعتراض، بيوم واحد أنه

–أى الوزير

- لا يوافق على إصدار الشعب الجيد بحجة أنها لن تكون سوى مصر الفتاة الملغاة تحت اسم جديد، ولم يكن هناك في نفسى ذرة من الأمل أن يصدر أمر من رئيس مجلس الدولة بإيقاف قرار وزير الداخلية بالمعارضة في إصدار الجريدة، ولكنى مع ذلك قررت أن نرفع دعوى مستعجلة بهذا الطلب ليتسنى لى أن أواجه السنهورى مرة أخرى لكى أناقش حكمه السابق في قضية مصر الفتاة،

وقد حدث ذلك بالفعل فترافعت في عصبية شديدة وقد رددت على الأسئلة التى وجهها إلى السنهورى بصدد قضية مصر الفتاة ردودا جافة،

وكانت مرفعتى كلها في طبيعتها ليست سوى نقد لحكمه السابق، وانتهت المرافعات وتأجل إصدار الحكم أسبوعا، ولم أحاول أن أترقب الحكم أو أعلق عليه أى اهتمام، فلم يكن في نفوسنا أى ذرة من الشك أن مصيره سيكون هو الرفض المحقق.

وفي ذات يوم عند الهر أو بالأحرى في الساعة الثانية والنصف بعد ظهر يوم الأربعاء 11 أبريل كنت جالسا في دار الحزب وفجأة وجدت سيارة وقفت على باب الحزب ونزل منها بعض شبان الحزب من طلاب كلية الحقوق، وكانوا في عجلة شديدة ولم يكد بصرهم يقع على حتى صاحوا مبروك

.. مبروك ..

ولم أفهم في بادئ الأمر على أى شيء يهنئون حتى قالوا لقد صدر حكم رئيس مجلس الدولة بإيقاف تنفيذ قرار وزير الداخلية.

وكانت هذه مفاجأة قوية، وكانت هذه لحظة من أسعد لحظات حياتى، هذه اللحظات التى ينتصر فيها الإنسان على قوى الظلم والطغيان والاستبداد، لقد كدت أطير من الفرح، ولم أكد أصدق هذا النبأ.

ومع ذلك فقد كان حقا، وكانت حيثيات الحكم لا تقل روعة عن الحكم ذاته فقد سجل لنا حقنا كحزب سياسي مشروع يجب أن يعبر عن رأيه وأن تهيأ له فرصة هذا التعبير، فقد قال بصريح اللفظ:

"ومن حيث أن لا يقدح في جدية هذه الأسباب القول بأن إصدار جريدة الشعب الجديد يعتبر محاولة لإعادة جريدة مصر الفتاة الملغاة بقرار من مجلس الوزراء،

ذلك لأن الجريدة إذا كانت تمثل رأى حزب معين، فإن إلغاءها لا يعنى حتما منع هذا الحزب من إصدار جريدة أخرى للتعبير عن رأيه، حتى لو أريد بها أن تحل محل الجريدة الملغاة مادام الإخطار عن الجريدة الجديدة مستوفيا جميعع الشروط القانونية،

ومادامت هذه الجريدة تصدر خاضعة للقيود التى فرضها القانون، وإلا كان في إلغاء جريدة لأحد الأحزاب إلغاء هذا الحزب في حق من أهم حقوقه الدستورية، وهو حق التعبير عن رأيه والدعوة إلى مبادئه".

وهكذا لم يعد السنهورى بهذا الحكم الرائع الاشتراكية للظهور فحسب، بل وكرس جهاد الحزب الاشتراكى واعترف بمشروعيته وضرورة حمايته بالقانون و الدستور،

وهكذا صدرت الشعب الجديد حاملة اسم الاشتراكية بخط عريض كزميلتها مصر الفتاة في يوم الخميس 19 أبريل وكانت تحمل هدية إلى العهد القديم مشروع قانون مقدم من إبراهيم شكرى يطلب فيه تعديل الدستور لإلغاء الرتب والألقاب.

وكان هذا ثالث قانون يتقدم به إبراهيم شكرى فقد سبقه قانون تحديد الملكية الزراعية بخمسين فدانا وقانون آخر لتنظيم نقابات العمال والسماح للعمال الزراعيين بتأليفها وإباحة تأليف اتحادات العمال، ثم كان هذا القانون القاضى بإلغاء الألقاب والرتب،

واكنت هذه المشروعات قنابل بالسخرية والزراية من ناحية، وتؤجج سخط الملك وحاشيته وأذنابه ضد الاشتراكية من ناحية أخرى في نفس الوقت.

استئناف المعركة

واستأنفنا النضال، حيث وقفنا في 26 يناير 1951 م، وإذا كانت مصر الفتاة قد ألغيت وقد بلغ توزيعها عشرة آلاف نسخة فقد بدأت هذه حياتها بتوزيع خمسة عشر ألف نسخة، وكان ذلك أشبه ما يكون بالاستفتاء،

ولم تكن خطورة الجريدة في كمية النسخ التى توزعها، بمقدار ما كان في تهافت الجماهير عليها ومطالعة العشرات والمئات للنسخة الواحدة.

وراحت المقالات تتوالى تحمل العناوين التى كانت تخلع قلوب الطغاة لما تنطوى عليه من تحد وإنى إذ أكتب هذه السطور أرى أمامى إحدى هذه المجلات وهى تحمل بالخط العريض "دعونا نحارب أخطاءكم بالقلم وإلا حاربكم غيرنا بالقنابل والرصاص".

نحن والفتى سراج الدين -عصابة الرأسمالية ترفع رأسها- ولم تكن هذه العصابة في سياق المقال سوى حافظ عفيفي وإلياس أندراوس وأمثالهم" نحن والوزير الأخرق عثمان محرم و "استح يا سراج الدين" و "اغضب أيها الشعب".

ولكن المقالات التى هزت ضمير الشعب كتبتها تحت عنوان من أحمد حسين إلى ناظر الخاصة الملكية وفي هذه المقالات رحت أهاجم الملك في شخص ناظر خاصته لجشعه واستبداده بالفلاحين، واغتصابه الأراضى وتجميعها حتى بلغ عدة ما يملك أو يدير فوق مائتى ألف فدان،

وكان الموظفون المختصون يحيطوننى علما بجرائم الملك السابق كامتناعه عن دفع الضرائب وتقديم الإقرارات الخاصة بها وتضمنت هذه المقالات إشارة إلى ذلك ودعوت إلى ضرورة أن يدفع الملك الضرائب، بل أن يوزع أراضيه على الفلاحين، فكان لذلك تأثيره من جديد لدى الملك الذى أرغى وأزبد واضطرت الحكومة لتهدئته أن تسجننى وأن توجه إلى من جديد تهمة العيب في الذات الملكية،

بالإضافة إلى التهمة السابقة، وهكذا أصبح على عاتقى جنايتان بدلا من جناية واحدة، ولكن القضاء أفرج عنى فكان ذلك يذكى في لهيب المعركة ويرفع في حماسة الشعب ويزيد من اندفاعى في مهاجمة الملك، وفي خلال ذلك كله توسعت الجريدة في نطاق انتشارها فأصبحت توزع خمسا وعشرين ألف نسخة.

عودة مصر الفتاة

وقفن بك عند إرسال خطاب أعلن فيه تنازلى عن قضية مصر الفتاة، وما أحدثه ذلك من موجة سخط واستنكار الرأى العام، ولكن ما إن صدر حكم السنهورى بإلغاء اعتراض وزير الداخلية على صدور الشعب الجديد، حتى بادرت بسحب التنازل الذى سبق أن قدمته عن قضية مصر الفتاة،

ومن حسن الحظ أو بالأحرى شاء الله أن تهمل الحكومة في تسجيل هذا التنازل وإعلانها قبوله على الفور، فالقانون يعتبر تنازل أحد الخصمين لا يكون تاما ونافذا إلا إذا أسرع الخصم الآخر بقبوله وهو ما لم يلتفت إليه قلم قضايا الحكومة وبهذا كان من المستطاع أن أسحب التنازل، وعندما اجتمعت المحكمة الإدارية للفصل في الموضوع وقضت بأن القضية لا تزال قائمة أمامها وصالحة للفصل، كان ذلك بمثابة حكم تمهيدى أنها ستحكم بإلغاء قرار مجلس الوزراء.

وكان من المظاهر الرائعة أن تدخلت نقابة الصحفيين في القضية كخصم ثالث وأوفدت محاميها الأستاذ فتحى رضوان، كما تدخل الأستاذ أبو الخير عيسى إنقاذا للدعوى في حالة تخلى عنها، وتدخل مواطن من أبناء الشعب يسمى عنتر الحسينى لذات الغرض، وهكذا راحت الصحافة والأمة تعبر عن رغبتها في إعادة مصر الفتاة بشتى الطرق والأشكال.

وفى يوم الثلاثاء 26 يونيو سنة 1951 م صدر الحكم الذى كانت البلاد تنتظره بفارغ الصبر، والذى يسجل حدثا تاريخيا ضخما في حياة مصر الحديثة وفي كفاحها من أجل الدستوروالحرية وإعلاء سلطان الشعب، ولذلك فلست أستطيع إلا أن أسجل منطوق الحكم بنصه:

"وبناء على ما تقدم فقد حكمت المحكمة برفض الدفع بعدم الاختصاص وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من مجلس الوزراء في 28 يناير سنة 1951 م بإلغاء جريدة مصر الفتاة، وألزمت الحكومة بالمصروفات و500 قرش مقابل أتعاب المحاماة".

وكان مجلس الدولة وهو بصدد هذا الحكم يعرف تمام المعرفة أنه يتحدى به الحكومة ومجلس الوزراء، بل ويتحدى بل ذلك وبعد ذلك فاروق (ملك مصر و السودان .. كذلك) وأن هذا الحكم قد يكلف مجلس الدولة حياته بأكملها، فقد كان فاروق ينذر ويبرق ويتوعد وكان صدى هذا النذير يصل إلى أسماع هؤلاء القضاة المغاوير، ولكن الله –سبحانه وتعالى- عندما يريد إحداث حدث يهيئ له أسبابه،

ولقد كان في مكنون علم الله أن أيام فاروق في طريقها إلى النهاية، فسخر الرجال والأبطال الذين يقوضون عرشه، وسيبقى السنهورى وكل قضاة محكمة القضاء الإدارى في مجلس الدولة على رأس المجاهدين الأحرار الذين قامروا بكل شيء من أجل وضع حد لطغيان فاروق وحكومته ونظامه وليقولوا له في شجاعة وقوة: "قف ... من أنت".

وإنى إذا أخط هذه السطور لأنحنى إجلالا لهؤلاء الرجال ويسعدنى أن في مذكراتى عنهم هذا الاعتراف بفضلهم علينا بصفة خاصة وعلى الأمة بصفة عامة.

ذروة المعركة

وبعودة مصر الفتاة الاشتراكية إلى الوجود كانت المعركة بيننا وبين فاروق والنحاس و فؤاد سراج الدين قد وصلت إلى ذروتها، وبدأت أحس إحساسا قويا أن فاروق لا يمكن أن يدعنى حيا أسير على قدمى وأنه لابد سيعمل على اغتيالى وقد بدأ أثر ذك يظهر في مقالاتى فى مصر الفتاة بعد عودتها فقد جعلت عنوان أحد المقالات "انصبوا المشانق ولكن الشعب ينتصر" وفي هذه المقالات تحدثت عن المحاولات المقبلة لاغتيالى ....

بل وأشرت بالذات إلى أن فاروق سوف يعمد إلى محاولة اغتيالى قضائيا أى عن طريق القضاء.

كانت شهرة مصر الفتاة قد طبقت الخافقين وعندما أعدناها للصدور مع زميلتها الشعب الجديد بدأت توزيعها بثلاثين ألف نسخة وظلت موجة الصعود مستمرة حتى بلغ توزيع كل من الجريدتين هو مائة ألف .. ولقد أربى ذلك فيما بعد على مائة وعشرين ألف نسخة للجريدتين.

ولقد دفعنا ذلك للإمعان في تحدى الملك بصورة تجاوزت في سفورها وصراحتها كل ما يطوف بالخيال حتى أن مصر الفتاة في عددها الأول في عهدها الجديد عندما صدرت في 15 يوليو نشرت بالخط العريض "نصيحة إلى لاعبى القمار" ثم كتبنا ما يلى بالحرف الواحد:

"صرح أحد كبار لاعبى القمار لمراسل صحيفة أجنبية أنه ليس صحيحا من أنه يخسر مبالغ طائلة على موائد القمار فقد وضع لنفسه قاعدة يلتزمها ولا يخرج عنها بحال من الأحوال فهو يقرر قبل أن يشرع في اللعب مقدار المبلغ الذى يقف عنده في حالة الخسارة ولم يحدث أن خالف هذه القاعدة ويقول حضرة المقامر المصرى الكبير أنه ينصح كل لاعبى القمار أن يلتزموا بهذه القاعدة فيأمنوا جانب الكوارث.

ومما جاء في هذا الحديث أيضا أن زوجته أيضا أى زوجة حضرة المقامر تلعب الورق بدورها ولكن للتسلية ولا تستعمل مبالغ كثير في اللعب.

ولما كان هذا الحديث الثمين قد اقتصرت فائدته على الصحف الإنجليزية فقد رأينا تعميما للفائدة أن ننشر هذه النصيحة الغالية لحضرات المقامرين الذين لم يطلعوا عليها في مصر".

وفي الوقت الذى كانت مصر الفتاة تنشر ذها الحديث الذى أدلى به فاروق لصحيفة إنجليزية كان إبراهيم شكرى في مجلس النواب يقدم استجوابا للحكومة عن هذا الحديث وكيف جاز للملك أن يقول هذه السخافات التى هى في صيغتها جرائم، وعمل عبد السلام فهمى جمعة كعادته على وأد هذا الاستجواب فهاجمناه بشدة على صفحات الجريدة.

وبدأنا نستعرض المخصصات الملكية وميزانية القصر وننتقد ما بها من إسراف معيب يصل إلى حد الإفحاش ورحنا نندد بالنواب والبرلمان الذى يسمح بهذا السفه في الإنفاق .. وتجاوب بعض الشيوخ مع حملاتنا فبدأوا يقدمون الملاحظات ..

بينما كان إبراهيم شكرى في مجلس النواب يصول ويجول ضد اعتمادات إصلاح المحروسة ويقذف ف وجوه النواب بأبشع التهم.

وعندما زف الملك غلى العروسة الجديدة وتبارت الحكومة والهيئات في تقديم الهدايا .

رفض إبراهيم شكرى كنائب من نواب الأمة أن يخصم مليم واحد من مكافأته للمساهمة في هدية مجلس النواب إلى فاروق، وعبثا حاول رئيس المجلس أن يهدد أو أن ينذر،

لقد أصر إبراهيم شكرى على أن يقبض مكافأته كاملة وعندما استلمها وزعها في التو على الفراشين والسعاة في المجلس فكان ذلك إمعانا في التحدى.

وكانت الاشتراكية تنشر كل ذلك وجماهير الشعب تزداد اشتعالا والملك وعصابته يزدادون حقدا وغيظا وكمدا ..

وحكومة الوفد تزداد انهيارا وانحلالا بحيث أصبحت مضغة في الأفواه، ولم يعد الشعب يعرف بأى شيء يصف هذه الحكومة وأعمالها حتى لقد اضطررت تعبيرا عما يدور في خواطر الشعب إلى أن أكتب مقالا تحت عنوان "وزراء أم لصوص وحكومة أم عصابة؟!".

وهكذا كانت المعركة قد وصلت إلى ذروتها وكان من الواضح أن أحداثا جساما لابد ستقع وأن تطورا وانقلابا من أخطر ما يكون في طريقه إلى الحياة وهذا ما جعلنى أكتب في سبتمبر سنة 1951 تحت عنوان "الثورة، الثورة، الثورة"

مقالا مدويا أبسط فيه هذه الحقائق وأعلن أننا قد أصبحنا على أبواب ثورة .. ولكن هذا المقال على خطورته لم يثر الناس بقدر ما أثارتهم صفحتا صور نشرتها في داخل الجريدة تحت عنوان "رعاياك يا مولاى" وكانت هذه الصور تمثل بؤس المواطنين وما يعانونه من ذل وفقر ومرض.

لم يكد هذا العدد يصل إلى الجمهور حتى كان كل من فى مصر يترنم بهذه العبارة "رعاياك يا مولاى" ورفعت هذه الصور على جدران المنازل والحوانيت وفي صالونات الحلاقة.

وللمرة التالية في عام واحد قبض على وزج بى في السجن ووجهت إلى تهمة التحريض على قلب نظام الحكم ووجه إلى رئيس التحرير الأستاذ عبد الخالق التكية تهمة العيب في الذات الملكية لنشره هذه الصور تحت عنوان "رعاياك يا مولاى".

دخلت السجن وفي خلال هذه الفترة وقبل دخولى السجن هذه المرة كانت الحصانة قد رفعت عن الأستاذ إبراهيم شكرى وحقق معه ووجهت إليه تهمة العيب في الذات الملكية وزج به في السجن، كما قبض على الأستاذ محمد حلمى الغندور ووجهت إليه التهمة كذلك وزج به في السجن .. وهكذا أصبح أكثر من خمسة من كبار أعضاء الحزب، ومحررى جريدته متهمين بهذه التهمة ..

أما أنا فقد كنت متهما بها ثلاث مرات أى ثلاث جنايات ثم جاءت هذه الجناية الأخيرة، وأعنى تهمة قلب نظام الحكم وذلك بالإضافة إلى نصف دستة من القضايا الخرى من عيار (الجنح) ما بين سب وإهانة لمجلس الوزراء، والوزراء ..

وتحريض على جنايات القتل والحرق والنهب ..

ولذلك فقد دخلت السجن هذه المرة وقد بدأت الهواجس تساورنى إذا كنت سأشهد الحرية من جديد ...

إلغاء المعاهدة

منذ أبرمت معاهدة سنة 1936 م وحزب مصر الفتاة في حرب على هذه المعاهدة، وبينما كان مصطفى النحاس يصفها بأنها معاهدة الشرف والاستقلال،

أطلقنا عليها معاهدة الخزى والاحتلال ولقد عقدنا اجتماعا ضخما في عام 1936 م بجمعية الشبان المسلمين حملنا فيه على هذه المعاهدة حملة شعواء وسجلنا مساوئها وشرورها وكيف أنها جعلت احتلال مصر مشروعا ومنذ ذلك التاريخ ونحن نشن على هذه المعاهدة غارة شعواء، ولقد سافرت إنجلترا ثلاث مرات،

وسافرت خلال ذلك إلى أمريكا منددا بهذه المعاهدة، داعيا إلى قانون البرلمان بإلغاء معاهدة 1936 م واتفاقيتى سنتى 1898.

وعندما ولى النحاس الحكم في مستهل سنة 1950 راح يبشر بفكرة إلغاء المعاهدة بعد أن استنفدت اغراضها كما قال النقراشى وغيره وأنه إذا لم يحل الإنجليز عن مصر فإنه سيلغى هذه المعاهدة. وقد استمر يلوح بهذا الإلغاء طوال أيامه في الحكم حتى سئم الناس الكلام في هذا الموضوع ومجوه، خاصة أن أعمال الوفد وكومته وبرلمانه كانت تدل على عكس ذلك.

فمن ذلك أن نائبنا الاشتراكى إبراهيم شكرى تقدم بمشروع قانون للبرلمان بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقيتى سنتى 1898، 1899، ولكن رئيس المجلس اعتبر تقديم هذا المشروع إخلالا بأمن الدولة، فوضع المشروع في درج مكتبه ولم ير النور. وكان رجالات الإنجليز ووزراؤهم يفدون إلى مصر فيقابلون بالتكريم الذى لا أول له ولا آخر.

وكانت الحكومة تضطهد الأحرار والمجاهدين، وعلى رأسهم الاشتراكيون المنادون بإلغاء المعاهدة، وكان ذلك يحمل على إساءة الظن بالحكومة ..

وكانت المفاوضات السخيفة بين مصر وإنجلترا قد استطالت وهى تدور في حلقة مفرغة .. فلا عجب إذ1ا تصورنا جميعا أن الحكومة غير جادة فى إلغاء المعاهدة، وكان ذلك أحد المآخذ التى أخذها الشعب على حكومة الوفد وأحد المطاعن القوية التى توجه إلى حكم الوفد ..

وقد انتهزنا –نحن الاشتراكيين- حلول موعد إبرام المعاهدة في 26 أغسطس، فدعونا إلى عقد اجتماع عام ورأينا أن نضفى على الاجتماع لونا قوميا، فدعونا للاشتراك فيه الأستاذ فتحى رضوان ممثلا للحزب الوطنى، والأستاذ يوسف حلمى ممثلا لأنصار السلام،

كما دعونا الأستاذ سيد قطب. وعندما حل موعد الاجتماع فوجئنا بالحشود التى لا أول لها ولا آخر والتى جاءت للاشتراك في الاجتماع .. لقد قدرت الصحفيين المجتمعين بثلاثين ألفا، وكان لهذا الزحام غير المتوقع أثره في نظام الحفلة .. فأثر على جلالها في بادئ الأمر، ولكن ضخامة الاجتماع وهذه الحشود المتكاتفة كانت تغنى عن كل قول أو خطابة من حيث دلالتها على ثورة الشعب على معاهدة 1936، بل ثورته على كل الأوضاع القائمة.

وبعد أن ألقيت خطابى الثائر هتف في ذلك اليوم بسقوط الملك ولو هتفنا "الموت للملك" لرددت الجموع هذا الهتاف ولو خرجنا بهذه الجموع في مظاهرة جامعة لما استطاعت كل قوات بوليس مصر أن تتصدى لها، ولكن حرصى على أن يمر اليوم بسلام جعلنى أختم الاجتماع قبيل منتصف الليل وأن يطلب من هذه الجموع أن تنصرف متفرقة في سلام ..

وكان ذلك مظهرا من مظاهر ما وصلت إليه الحركة الاشتراكية من تأثير في الرأى العام وكيف بدأت الجماهير تلتف حول لوائها في قوة وتكتل.

ولم يفت الحكومة مغزى هذا الاجتماع ودلالته الخطيرة ومقدار التدهور الذى وصلت إليه سمعة الحكومة وثورة الشعب المكتومة التى توسك أن تنفجر في أى لحظة.

وقد تلا هذا الاجتماع تضاعف قوة الحزب الاشتراكى وانتشار الجريدة بصورة لم يسبق لها مثيل ولذلك فقد زج بى في السجن بمناسبة هذا العدد الذى أشرت إليه كما سبق والذى تضمن مقال الثورة، الثورة، الثورة، والصورة المعنونة بـ"رعاياك يا مولاى".

وفى ذات الوقت كان فاروق قد ضاق ذرعا بحكومة النحاس وبدأ يحاول استرداد بعض الأرض التى فقدها بأن يهاجم حكومة النحاس فطلب من الحكومة أن تصدر قانون من أين لك هذا؟ ..

وبدأ الجو يكفهر بين السراى والحكومة مما جعل النحاس يدرك بإحساسه أنه في طريقه لأن يطرد من الوزارة مرة أخرى .. وهكذا أصبح بين شقى الرحى بين غضب الشعب الذى يتمثل في نجاح الحزب الاشتراكى والاشتراكية والصحف المعارضة بصفة عامة وبين زهد القصر في حكمه ورغبته في التخلص منه،

وأدرك مصطفى النحاس أنه لو أخرج من الحكم على هذه الصورة فإنه يكون قد خسر الدنيا والدين معا .. قد خسر الشعب والملك في ذات الوقت.

فلم يجد الوفد أمامه مخرجا من هذا المأزق إلا أن يسرع بإلغاء المعاهدة ليسترد ثقة الجماهير به، ويثبت الأرض تحت أقدامه ولن يجرؤ فاروق على إقالة النحاس بعد إلغاء المعاهدة،

وفى 1 أكتوبر أعلن النحاس في البرلمان إلغاء المعاهدة وقدم للبرلمان مشروعات القوانين اللازمة لهذا الإلغاء ولم يقف الإلغاء عند حد معاهدة سنة 1936 بل واتفاقيتى سنة 1898، وسنة 1899 الخاصة بالسودان ..

وذهبت مشروعات النحاس إلى أبعد من ذلك كله فقد أعلنت الأسس اللازمة لوضع دستور جديد للسودان يحقق له الحياة الديمقراطية الكاملة.

وصفق مجلس النواب لهذه المشروعات الرائعة .. وكان إبراهيم شكرى أول من كف من النواب المعارضين لتأييد الحكومة في خطوتها الحاسمة فدعا لها بالتوفيق وأعلن تضامن الحزب الاشتراكى مع الحكومة في كفاحها النبيل ضد الإنجليز.

وكان إبراهيم شكرى يعبر في ذلك عن الحزب الاشتراكى أصدق تعبير فلم يكن في مصركلها من يرحب بإلغاء المعاهدة كما يرحب الحزب الاشتراكى الذى كافح في هذا السبيل من سنة 1936 .. أى خمسة عشر عاما كاملة.

وقد كان هذا الإلغاء انتصارا رائعا لهذا الكفاح ولقد أدركت الأمة هذه الحقيقة، ولذلك فقد تحول سجن الأجانب حيث كنت مسجونا إلى هدف من أهداف المظاهرات العامة ..

فكانت الجموع تحتشد حول السجن وهى تهتف "أفرجوا عن أحمد حسين .. أحمد حسين زعيم الثورة.." وكانت هذه المظاهرات محدودة العدد في بادئ الأمر ولكنى لن أنسى ما حييت عندما أحاط المتظاهرون بسجن الأجانب في أحد الأيام وكأنهم البحر الزاخر ..

وهم يهتفون مطالبين بالإفراج عن أحمد حسينزعيم الثورة وخادم الشعب. واضطررت إلى أن أكتب لرئيس محكمة الاستئناف أطلب منه تحديد جلسة للنظر في الإفراج عنى وإلا سوف أضرب عن الطعام حتى الموت فلقد عشت طوال حياتى مجاهدا من أجل مصر وحريتها، وإنه لأمر فوق احتمالى أن أظل مقيدا بالسلاسل والأغلال في الساعة التى دوى فيها ناقوس الجهاد.

وأفرجت عنى محكمة الجنايات برئاسة الأستاذ محمد صادق وعدت إلى الحرية في مرحلة الجهاد ضد الإنجليز .. وكان الشعب في حالة غليان ..

وسرعان ما قذفت نفسى مع التيار وإن هو إلا أيسر الوقت حتى أمسكنا نحن الاشتراكيين بزمام هذه المعركة الضخمة التاريخية في تاريخ البلاد.

لم تكد المعاهدة تلغى حتى أسرع الشعب إلى تحويل هذا الإلغاء من حبر على ورق إلى حقيقة مادية، فقامت المظاهرات في مدن القنال: الاسماعيلية و بورسعيد واصطدمت بالإنجليز فحرقت بعض منشآتهم ورد الإنجليز عليهم بقتل بعض المواطنين والغلمان والنساء وهكذا أريقت الدماء وفتحت المعركة ..

وأسرع الحزب الاشتراكى وكنت لا أزال في السجن إلى فتح باب التطوع لإنشاء كتائب التحرير فاندفعت الجموع إلى دار الحزب وكلها تتسابق للحصول على هذا الشرف.

وفى يومين أو ثلاثة كان مجموع من سجل اسمه في هذه الكتائب لا يقل في المركز العام عن خمسة آلاف، وحدث مثل هذا الاندفاع في جميع لجان الحزب وشعبه في الأقاليم فان ذلك مظهر التطور الشعبى الذى وصل إليه الحزب الاشتراكى وأنه امتزج بالشعب إلى أبعد الحدود.

وقد كان من الظواهر الواضحة التى تدل على انعكاس الحال بالنسبة لحزب الوفد أن داره التى تواجه الحزب- أو بالأحرى النادى السعدى- كانت خاوية لا يقصدها إلا بعض أفراد يعدون على الأصابع بالرغم من أن إدارة النادى كانت قد وجهت دعوة للتطوع أسوة بالحزب الاشتراكى.

وكان هذا التفاوت العجيب بين اندفاع الجموع على دار الحزب الاشتراكى وانصرافهم عن دار الوفد سببا جديدا لمضاعفة حقد سراج الدين والوفد ضد الحزب الاشتراكى، وعنصرا جديدا من عناصر القلق في نفس فاروق.

وفي أول نوفمبر 1951 م أفرج عنى من السجن ولم أكد أصل إلى دار الحزب حتى وجدت شعلة متقدة من الحماسة، وفى المساء كانت الألوف تغمر دار الحزب وبدأت أخطب في هذه الجموع لأبصرها بدورنا الجديد وأن حرب الإنجليز هى التى كنا ننتظرها منذ سبعين سنة،

وأنها تحتاج منا إلى نظام وإعداد وتضحية، وأن الحزب الاشتراكى سيقود المعركة وهو يدعو المصريين جميعا للتكاتف حول لواء الحكومة التى ألغت المعاهدة.

ولقد حاول الشانئون والحاسدون أن يغمزوا موقفنا من حيث تأييد الحكومة وأن يروا فيه مظهرا من مظاهر التقلب في الرأى والانتقال من النقيض إلى النقيض فمن حرب شعواء على الحكومة إلى تأييد مطلق لها في حربها ضد الإنجليز،

ولم يكن ذلك في الواقع إلا ثمرة التربية السياسية الفاسدة في البلاد التى جعلت الكثيرين لا يدركون معنى المعارضة الصادقة والوطنية الخالصة التى تنسى نفسها ساعة الخطر لقد كانت المعركة ضد الإنجليز هى منتهى آمالنا وكان من العبث أن نحارب الإنجليز وأن نحارب الحكومة في ذات الوقت ومادامت الحكومة قد أعلنت الكفاح ضد الإنجليز فقد أصبح واجب كل مواطن أن ينسى الخلافات الداخلية وأن يتحد صفا واحدا خلف الحكومة للانتصار في المعركة.

ولكن هذا الموقف النبيل من ناحيتنا لم يلق التقدير الكافى من الساسة فاتخذوه سبيلا للطعن .. بل إن الحوادث أثبتت أن الحكومة نفسها أو بالأحرى سراج الدين قد اتخذ من موقفنا الجديد في تأييد الحكومة سبيلا للدس لنا والكيد .. حيث أبلغ السلطات أو بالأحرى أبلغ فاروق بأن هذا التأييد قد دفع ثمنه من المصروفات السرية.

وعمل أذناب سراج الدين، وحثالات الوفد على ترويج هذه الإشاعة من أن أحمد حسين قد قبض خمسة آلاف أو عشرة آلاف من الحكومة مقابل تأييده ..

ولم ألق بالى في بادئ الأمر لهذه الإشاعة لكثرة الإشاعات في تاريخ كفاحى الطويل .. ولكن الإشاعة راحت تضغط وتلح حتى اقتنعت أن يدا معينة تسعى لترويجها وأن هذه اليد لم تكن سوى يد سراج الدين بالذات .. وعندما دارت الأيام دورتها وظن البعض أن نهايتنا قد قربت بعد حرق مدينة القاهرة وقف عبد الفتاح حسن يشهد أمام المحكمة العسكرية العليا أن أموالا من المصاريف السرية قد أعطيت لى لتغيير ذمتى ولكتابة مقالات مديح وثناء على الملك ..

وهكذا انكشف المستور وافتضحت أركان المؤامرة: ولكن في ذلك الوقت اذى أتحدث عنه عقب خروجى من السجن أى في نوفمبر سنة 1951 لم تكن هذه الحقيقة قد اتضحت لى .. ولذلك فقد انطلقت بكل إخلاص في تأييدى للحكومة ..

فتوقفت عن كل معارضة لها في الجريدة الاشتراكية وأكثرت من اتصالى بالوزراء وعلى رأسهم سراج الدين و عبد الفتاح حسن لكى أنصحهم بما يجب عمله وأرسم لهم الخطط ويشهد الله و إبراهيم شكرى الذى كان يصاحبنى في كل مقابلاتى لسراج الدين أننى أخلصت له النصيحة ولو قد استمع لملاحظاتى وتوجيهاتى لانتصر في هذه المعركة الكبرى ونصر البلاد معه ضد الإنجليز.

ولكن فؤاد سراج الدين كان خبيث الطوية وقد تصور أن اتصالى به هو الدليل على اكتمال عبقريته، وحرص كل الحرص على أن يجعل من مقابلاتى معه سبيلا للنيل منى والكيد لى.

معركة العمال

لو أن الأمر ترك إلى الحكومة بعد إلغاء المعاهدة لما زادت عن هذه المراسيم التى أصدرتها خطوة واحدة، فقد كانت تتصور أنها أبرأت ذمتها بصدور هذه المراسيم .. ولكن الشعب كما ذكرت قد حول هذه المراسيم إلى معركة حقيقية بإسراعه بالاشتباك مع الإنجليز وأخذت المعركة الشعبية روعتها عندما بدأ العمال المصريون في معسكرات الإنجليز يتخلون عن العمل،

وقد بدأ هذا التخلى في بادئ الأمر بصورة محدودة ثم لم يلبث أن اتسع نطاقه وتضاعفت أعداد المنسحبين وتحولوا من العشرات إلى المئات فالألوف ..

وإن هو إلا بعض الوقت حتى أصبحت هذه المعسكرات قاعا صفصفا وتخلى عنها ما يزيد على سبعين ألف عامل كانوا يجعلون من منطقة قنال السويس ترسانة للجيوش ترسانة للجيوش الإنجليزية ويؤكدون بوجودهم ونشاطهم أن الإنجليز لن يجدوا في الدنيا كلها قاعدة حربية كهذه القاعدة.

وكان للحزب الاشتراكى في مديرية الشرقية فضل كبير في تأجيج نيران هذه المعركة فقد أسرع متطوعوه إلى الطرقات المؤدية إلى معسكرات الإنجليز وخاصة في قلب التل الكبير وراحوا يسحبون من العمال المشتغلين بهذه المعسكرات بطاقاتهم الشخصية المعطاة لهم من قبل الإنجليز وبهذا تتعذر عليهم العودة حتى لو أرادوا هذه العودة، كما حال المتطوعون كذلك دون وصول الأقوات والأغذية إلى هذه المعسكرات وذلك له قبل أن تتحرك الحكومة وتتدخل لجعل هذه التصرفات شرعية بموجب القانون ..

وقد تدخلت الحكومة أخيرا، ومن العبث أن ننكر عليها هذه الخطوة الموفقة فقد أعلنت استعدادها لتشغيل كل العمال الذين تخلوا عن المعسكرات الإنجليزية وأن تعينهم بمرتباتهم التى كانوا يعملون بها لدى الإنجليز.

وقد كان هذا القرار كافيا لكى يقضى على كل تردد في نفس أضعف عامل تحدثه نسه بالبقاء مع الإنجليز، وبذلت الحكومة جهدا مشكورا لإلحاق هذا العدد الضخم من العمال الذي بلغ التسعين ألف بمصالح الحكومة المختلفة في فترة وجيزة لا تزيد على شهر واحد، كما أصدرت بعد ذلك قانونا يعاقب على التعاون مع الإنجليز والتعامل معهم،

وكانت وطنية الشعب قد سبقت هذا القانون فتوقف العمال في بورسعيد و السويس وعلى طول القنال عن تفريغ السفن المارة فى القنال أو معاونتها بأى سبيل .. وهدد المقاولين الذين يتعاونون مع الإنجليز بالقتل ..

ولم ينته شهر ديسمبر سنة 1951 حتى بدأ الإنجليز يشعرون بأنهم محاصرون في قلعة وبدأوا يعانون كب ما يعانيه الجيش المحصور من ضيق وقلق وفزع من المستقبل.

الحكومة تقلب ظهر المجن للحزب

وبتطور المعركة ضد الإنجليز ورجحان كفة الحزب الاشتراكى بدأت الحكومة تقلب ظهر المجن للحزب فلم يكن يهم سراج الدين في قليل أو كثير الانتصار على الإنجليز وإنما كان الذى يهمه هو انتصار الحكومة وتثبيت الأرض تحت أقدامها ..

وفى سبيل هذه الغاية ألغيت المعاهدة ولكن توالى الحوادث قد بدأ يظهر الحكومة بمظهر العجز عن معالجة الموقف ويزيد في قوة الحزب الاشتراكى وكانت مظاهر هذه القوة تتجلى يوما بعد آخر ..

تجلت أول ما تجلت في هذه الجموع التى انطوت تحت لواء الحزب لتدريبها وتسييرها نحو القنال وقد افتتح الحزب لذلك معسكرا في أروع بقعة صالحة لهذا الغرض وهى أرض (مولد النبى) في العباسية حيث تتدرب عساكر بلوكات النظام بالذات.

وقد اشرف على إنشاء هذا المعسكر ضابط من أكفأ ضباط الجيش المصرى علما وخلقا وإخلاصا وهو البكباشى جلال ندا الذى أصيب في حرب فلسطين إصابات قاتلة ولكنه شفى منها ثم أحيل إلى المعاش وعاونه في الإشراف على المعسكر ضابط آخر من أكفأ الضباط وهو اليوزباشى محمد أحمد رياض ذلك الذى يشرف على حراسة الرئيس محمد نجيب في الوقت الحاضر،

وقد تعاون الرجلان على جعل معسكرنا نموذجيا. وكان المتطوعون على درجة عالية من الحماسة بحيث كانوا يتقنون تدريبات (التكتيك العنيف) التى تحتاج في الكلية الحربية وفي الجيش إلى بضعة أسابيع لإتقانها فكانت لا تستغرق من المتطوعين إلا بضع ساعات. وكان زوار الحزب من العسكريين أمثال عزيز المصرى و صالح حرب يبهرهم هذا الاستعداد ..

وكانت تفاصيل هذا النجاح تصل إلى الحكومة وتصل إلى فاروق فلا يكون لها إلا سوى أثر واحد وهو تضاعف الشعور بالقلق وضرورة التخلص من الحزب الاشتراكى.

مظاهرة 14 نوفمبر

ثم جاءت مظاهرة 14 نوفمبر وهي المظاهرة المليونية التى دعا لها الحزب الاشتراكى ووجه الدعوة إلى باقى الأحزاب للاشتراك فيها وقد أسرعت الهيئات والأحزاب إلى تلبية الدعوة قم حرصت الحكومة بعد ذلك على تبنى هذه المظاهرة لتحجب الحزب الاشتراكى ..

ولم يكن يعنينا في ذلك الوقت إلا أن تتم المظاهرة بالصورة التى رسمناها لها وقد تمت بالفعل هذه الماهرة السلمية الكبرى التى لم تشهد البلاد لها مثيلا في تاريخها، حيث سار واحتشد ما يقرب من مليون من المصريين على رأسهم الوزراء والأمراء ورجال الأحزاب والهيئات والمستشارون والرجال والأطفال والعمال والفلاحون والشيوعيون و الإخوان المسلمون والأرمن والكاثوليك وكل من يعيش على ظهر هذه البلاد ..

وسار الجميع في مظاهرة تحدث عنها العالم كله فلقد سارت في صمت وهدوء ونظام فلم يرتفع فيها هتاف واحد ولم يشذ عن ذلك وسط الألوف المؤلفة إنسان واحد وكانت التعليمات للجماهير تعطى من الميكروفونات فيلبيها الجميع على الفور.

وقد سرت في مؤخرة هذه المظاهرة وسط عمال بورسعيد وقطعت المسافة من ميدان الإسماعيلية –ميدان التحرير حاليا- إلى قبيل ميدان عابدين فيما يزيد على ست ساعات وأحسست أثناء سيري لأول مرة بمقدار ائتلافى مع الشعب الذى كان لا يكاد يكتشف مكانى حتى ينظر إلى محييا في صمت أبلغ من القول ..

حتى إذا اقتربت من ميدان عابدين لم يستطع الجمهور أن يضبط أعصابه فأحاط بى ورفعنى على الأعناق وانطلق هاتفا واكن ذلك يخالف التعليمات التى حرصنا على أن تتبع في هذا اليوم فتخلصت من هذه الجموع بشق النفس وهربت إلى المبنى المقابل لقسم عابدين وهو الدار المسماة بدار مدرسة عبد العزيز وهى الآن مقر إدارة العلاج المدرسى ..

فأحاطت الجموع بهذه الدار وظللت محاصرا بها حتى ساعة متأخرة حيث أمكننى أن أتسلل وأنجو بنفسي من ضغط الجماهير التى أرادت أن تحيينى.

وكان خبر ذلك يصل بطبيعة الحال إلى سراج الدين وإلى فاروق.

اجتماعات في البلاد

ودعيت إلى البلاد في الإسكندرية وفى الشرقية وفي طنطا وفي المنصورة .. ولأول مرة في تاريخ هذه البلاد تعقد هذه الاجتماعات الحاشدة ..

ففى الإسكندرية بلغ مقدار المحتشدين مائة ألف وفى طنطا ستين ألفا أو سبعين وفى الزقازيق أقل من ذلك وفي المنصورة مثل ذلك وكان سبيلنا لتقدير عدد الحضور بالغا منتهى الدقة فقد كانت الجموع تكتظ في ميادين هذه المدن الكبرى وتملؤها عن بكرة أبيها فكنا نقيس طول الميدان وعرضه ثم نضرب ذلك كله في عدد الأشخاص في المتر المربع فتكون النتيجة هذا القدر الذى ذكرته من قبل وهو مائة ألف في الإسكندرية وستين أو سبعين ألفا في طنطا.

وحسبك أن تتصور أنه في الإسكندرية كان ميدان محطة مصر الكبير قد التحمت فيه الأجساد من القطار حتى منصة الخطابة التى أقيمت سرادق في نهاية هذا الميدان من الطرف المقابل للمحطة وقد اجتزت هذه المسافة في نصف ساعة كاملة وكان الناس ينقلوننى فوق رؤوسهم لاستحالة شق طريق لى وسط هذه الكتل البشرية.

وقد كان كل ذلك يفاجئنى وقد هالنى فلم أكن اتصور أن يكون تفاعلى مع الشعب قد وصل إلى هذا الحد . ولكن كان من الواضح أن هجومى على الملك قد أكسبنى كل هذا الرضا الشعبى وأن محاربتى للإقطاعيين والأغنياء المسرفين ودعوتنا لإعادة توزيع الثروات وإنصاف العمال والفلاحين وحربنا العنيفة على الطغيان والفساد والانحلال قد قرب بيننا وبين جماهير الشعب ..

وكنت في كل هذه الاجتماعات أروح أبسط للمجتمعين ضرورة محاربة الإنجليز إذا أردنا أن نتحرر من الفقر والمرض ..

إذا أردنا أن نعيد العدالة إلى بلادنا .. وأن نرتفع بمستوى الشعب .. وكنت ألحظ أن الجماهير لا تتفاعل كثيرا معى إلا عندما أعرج من طرف خفى إلى أن الخلاص من الإنجليز هو سبيلنا للخلاص من الإقطاع والحكام المستبدين فالإنجليز هم دعامة هؤلاء الحكام وهم سند الإقطاعيين والرأسماليين ..

عند هذه الإشارات كانت الجماهير يجن جنونها من الحماسة فكان هذا هو الدليل على أن الشعب قد وصل إلى ذروة الحساسية بالنسبة لمستغليه من أعداء الشعب .. وأن الملك وأشياعه وأذنابه قد أصبحوا يعيشون على شفا بركان.

وكانت أنباء هذه الاجتماعات الضخمة تصل بطبيعة الحال إلى سراج الدين وإلى فاروق فكانت تزيد في قلقهما.

وكانت الأنباء تصل مشوهة ومحرفة وأننى أدعو في هذه الاجتماعات إلى الثورة وهو إدعاء كاذب بطبيعة الحال فقد كان كل جهدى موجها ضد الإنجليز وفي سبيل تشجيع الناس على التضحية في حرب الإنجليز كنت أعدهم بمجتمع أرقى بعد إخراج الإنجليز مجتمع يختفى فيه الإرهاب والإعانات والاستغلال.

وما لم يدرك الناس ذلك فلم يكن هناك قوة على ظهر الأرض تدفعهم لحرب الإنجليز فقد كانوا يئنون من الأعباء التى يرزحون تحت كاهلها.

كان الناس يكتوون بنار الغلاء ويعانون شظف العيش والظلم والاستبداد فأى حافز يدفعهم لحرب الإنجليز إلا أن يدركوا أن طرد الإنجليز هو السبيل لإنقاذهم مما يعانونه.

ولكن الأغنياء والإقطاعيين امتلئوا فزعا من هذه الاجتماعات وطلب القصر من سراج الدين إيقافها. وفي ذات يوم دعيت إلى وزارة المالية لمقابلة سراج الدين فذهبت أنا و إبراهيم شكرى وهناك دارت مناقشة حامية الوطيس بينى وبينه حول هذه الاجتماعات ..

وأعلننى أنه أصدر أمره بإلغاء اجتماع المنصورة فتشبثت بضرورة عقد هذا الاجتماع لأنه قد أعلن عنه وتمت الاستعداد له وإلغاؤه يعنى الحرب بيننا وبين الحكومة وهو ما لا أريده بحال من الأحوال .. وبعد مناقشة عاصفة بصرت فيها الوزير بالأخطاء التى يرتكبها في إشرافه على المعركة ..

وحذرته من المخاطر التى يعرض البلاد لها وهو يشعل نيران معركة ضد الإنجليز ثم يخوضها في نفس الوقت في هوادة ولين ومثل هذا الأسلوب يؤدى إلى كوارث فالحرب هى الحرب والكفاح هو الكفاح ..

أخذت على الوزير سكوته عن الأغنياء وموقفهم السلبى من المعركة في الوقت الذى يضحى فيه العمال بأرزاقهم وقوت عيالهم من أجل هذه المعركة .. أخذت عليه سماحه بدور اللهو والكباريهات أن تمضى في لهوها وهذرها كأن ليس هناك ضحايا تتساقط بالعشرات من دم الشباب ..

أخذت عليه استمرار الحكومة في الاتجار مع الإنجليز وبيع القطن لهم في الوقت الذى يعتبر خائنا من يقدم لهم بعض البيض أو الطماطم .. أخذت عليه سماحه للانجليز المترفين بالإقامة في القاهرة بهذه الألوف وهم ممتعون بكل الرفاهية في الوقت الذى يدكون فيه مدننا وقرانا في منطقة القنال يقتلون ويطردون أبناءنا، أخذت عليه ذلك كله ودعوت إلى تصحيح الموقف وإلا فستسوء العاقبة ..

وبكن الوزير أصم أذنيه بطبيعة الحال عن كل هذه الملحوظات، وأكد أنه مسيطر على الموقف لأنه يعرف ما لا نعرف وأن النجاح مضمون وكل ما فى الأمر أننى أجعل مهمته صعبة بهذه الاجتماعات الشعبية التى أعقدها وأنه يخشى أن تنقلب إلى حرب أهلية.

فطلبت منه أن يتم عقد اجتماع المنصورة ثم نؤجل باقى الاجتماعات في البلاد الأخرى فوافق على ذلك، وعقد اجتماع المنصورة وكان شيئا لم يسبق له مثيل من غير شك فى تاريخها وإنى مازلت أذكر حتى الآن والدموع تملأ عينى كيف بادرت السيدات إلى الحضور للنزل عن حليهن من أجل حركة التحرير وعندما تقدمت لى سيدة في (ملاءتها اللف) وقدمت لى أساور يدها التى لا تملك غيرها فاعتذرت لها عن قبول هذه الحلى وتقدم رجل فتبرع بثمنها على أن ترد لها ثانية فإذا بهذه السيدة تثور وتحتج وتعتبر ذلك اعتداء على كرامتها فإن من حقها أن تحظى بهذا الشرف شرف التضحية بكل ما تملك من أجل معركة التحرير ..

وعقب هذا الاجتماع أصدر وزير الداخلية أمره الصريح برفض كل الاجتماعات وكان ذلك هو بدء إعلان الحرب.

إلغاء الكتائب

كان الحزب الاشتراكى –كما قدمت- أول من وجه الدعوة لإنشاء الكتائب، وكان معسكره في العباسية هو أول معسكرات التدريب في مصر كلها.

وحمل أبناؤه في الشرقية السلاح ووقفوا على مفارق الطرق يقطعون الطريق على الخونة المتعاملين مع الإنجليز وبدأت عمليات الفدائيين في منطقة القنال على وهج الحرارة التى بعثها الحزب الاشتراكى قبل إلغاء المعاهدة وبعدها.

وبدأت الهيئات الأخرى تحاول مناقشة الحزب الاشتراكى في موضوع الكتائب وعلى رأسها الوفد، ولكنها خابت .. وظل الحزب الاشتراكى هو الذى يحمل لواء الحركة .. وتقاعس الإخوان المسلمون في بادئ الأمر خوفا من أن تكرر معهم مأساة فلسطين عندما اعتقلوا ونكل بهم لكن ضغط الرأى العام وخوفهم من انفراد الحزب الاشتراكى بهذه المقاومة جعلهم يرجعون عن ترددهم واتخذوا من الجامعة مركزا لنشاطهم،

فقام بطلهم حسن دوح بإعداد معسكر في جامعة فؤاد، ونسج الإخوان على منواله في جامعة إبراهيم وفي الأزهر .. وبدأت حركة التطوع والتدريب تزدهر في كل مكان ولم يكن هناك ما يصبو له الحزب الاشتراكى أكثر من ذلك فقد كان دأبنا دائما أن تتحرك الأمة في الاتجاه السليم دون أن يعنينا أحد بنسب الفضل إلينا أو يحتكره.

وقد انهالت علينا التبرعات من كل جانب ومن كل صنف، تبرعات نقدية وأخرى عينية كالملابس والمهمات التى تبرع بها صاحب محلات أفرينو وعند هذا الحد امتلأ فاروق بالفزع ما هذه الكتائب، ووافقه سراج الدين فبدأت تصريحات الحكومة تنهال بتجريح هذه الكتائب وأنها تضم بين صفوفها مجرمين وأرباب السوابق وتستشهد على ذلك بحادث فردى وقع هنا أو هناك مما يحدث بين أعظم الجيوش النظامية، وكان ذلك هو نذير الشر لهذه الكتائب ..

وفكرت الحكومة في إلغاء هذه الكتائب، ولكنها تخشى ثورة الرأى العام .. فرأت حلا للإشكال أن تزعم أنها ستتولى هذا التدريب بنفسها ليكون أكثر دقة ونظاما ولا تتبع هذه التشكيلات أحزابا وهيئات .. ودعينا لهذا الغرض إلى وزارة الداخلية، حيث عقدت لجنة من ستة وزراء يرأسهم سراج الدين ومن بينهم عبد الفتاح حسن والطويل والوكيل وغنام و عبد المجيد عبد الحق.

ودعيت و صالح حرب و عزيز المصرى و الهضيبي ممثل الإخوان المسلمين و محمد بلال ممثل الكتائب الوفدية وعرض علينا الموضوع .. فأسرعت لإعلان ترحيبى بأن تتولى الحكومة الإشراف على الكتائب الوفدية وعرض علينا الموضوع .. فأسرعت لإعلان ترحيبى بأن تتولى الحكومة الإشراف على الكتائب إذا كان في نيتها بالفعل محاربة الإنجليز بها،

أما إذا كان هدفها من هذا الإجراء هو إخماد حركة الكتائب إذا كان هدفها من هذا الإجراء هو إخماد حركة الكتائب فقد أعلنت في صراحة وقوة أننى سأعارض الحكومة في جريدتى بكل شدة وسوف أندد بتصرفها وإن كنت لن أقاوم تسليم الكتائب للحكومة بالقوة بطبيعة الحال.

ودارت مناقشة حادة بينى وبين بعض الوزراء الذين ساءهم أن أعلن أننى سأقف للحكومة بالمرصاد إذا هى لم تستخدم الكتائب في حرب الإنجليز، وكان على رأس هؤلاء عبد المجيد عبد الحق وعلى الرغم من أنه لم يتخذ قرار في هذه الجلسة،

وقيل أنها ممتدة إلى جلسة أخرى فقد صدر في اليوم التالى قرار بإلغاء الكتائب المنطوية تحت لواء الأحزاب والهيئات ويحظر جمع أى تبرعات لمعركة التحرير بدعوى أن الحكومة هى التى ستتولى هذه العمليات بنفسها، وقد عين عبد المجيد عبد الحق –وزير الدولة- ليكون مشرفا على التدريب العسكرى.

وشكلت لجنة للإشراف على الكتائب على رأسها صالح حرب واللواء المرادى مندوبا عن الإخوان المسلمين، وبعض ألوية أخرى تمثل بعض الاتجاهات الأخرى وأغفل الحزب الاشتراكى من أن يكون له مندوب في هذه اللجنة فدل ذلك على أن هذه الحركة كلها إنما قصد بها إبعاد الحزب الاشتراكي عن الميدان، وكيفما كان الأمر فقد أسرعنا إلى تنفيذ أمر الحكومة، بل إن سراج الدين لم ينتظر الموعد المحدد لإلغاء الكتائب فبعث بالبوليس السرى إلى معسكرنا بالعباسية للبحث والتفتيش عن أسلحة،

والقبض على القائمين بالأمر، وقد عثر المفتشون على بضع قنابل يدوية كانت تستعمل للتدريب فأخذوها ولم يجدوا أى أسلحة أخرى. وكان ذلك بمثابة إشارة لبدء الهجوم، فلم أنتظر إلى ما هو أبعد من ذلك وأصدرت تعليماتى بتصفية المعسكر، ونقل ما به من خيام وإدارات ومهمات إلى دار الحزب وتحويل المتطوعين إلى معسكرات الحكومة المنتظرة.

وقد حدثت قبل ذلك في أنحاء البلاد كلها تصفية معسكرات التدريب التابعة للحزب.

ختمت هذه الصفحة المشرفة من الكفاح ضد الإنجليز.

مصادرة الجريدة

أخذت الجريدة الاشتراكية كل خطورتها قبل إلغاء المعاهدة عندما كانت تهاجم الملك والإقطاعيين والحكومة فلما ألغت الحكومة المعاهدة، وفرض الموقف علينا أن نهادن الملك والحكومة وأن نتجه لحرب الإنجليز كان لذلك أثره بطبيعة الحال على الجريدة الاشتراكية من حيث اتساع دائرة التوزيع،

وبدأت الصحف اليومية تكون أكثر انتشارا من جريدتنا، فبينما كان يتزايد توزيع الصحف اليومية لما تحمله من أخبار وأنباء معارك الفدائيين في القنال، كان توزيع الاشتراكية الواسع النطاق ينكمش بعض الشيء وكان ذلك أكبر تضحية يمكن أن يقدمها مواطن من أجل حرية بلاده.

إن صحف الرأى (كالاشتراكية) يتوقف تأثيرها وانتشارها على ما تقوم به من المعارضة لخطط الحكومة، فإذا كفت عن هذه المعارضة فإنها لا تلبث أن تفقد الكثير من خطورتها، وقد أحسسنا بذلك بقوة، ولكننى لم أشأ في سبيل المكسب الصحفى أن أضرب المثال في الميدان الوطنى بمهادنة الحكومة، وبدأت أفكر في إصدار الجريدة يومية لنستطيع أن نتابع المعركة من الناحية الخبرية،

وابتدأت بإصدارها ثلاث مرات في الأسبوع بدلا من مرتين واعتمدنا على دار أخبار اليوم في إعداد الجريدة، وعلى مطبعة الأهرام في طبعها، وهنا لا أستطيع مرة أخرى إلا أن أسجل لأخبار اليوم معونتها الثمينة لنا في هذه الفترة، وكيف وضعت كل استعداداتها الضخمة وتسهيلاتها الفنية تحت تصرفنا، بل إنها سخرت جهازها الفنى الكبير بالمجان لخدمة مشروعنا، كما أن جريدة الأهرام لأول مرة خالفت مبدأها في عدم طبع أى مجلة في مطابعها وبدأت تطبع لنا الجريدة طبعا جميلا أنيقا،

وكان من المستحيل لولا مطبعة الأهرام أن نتمكن من طبع هذا القدر الضخم من الجريدة بسرعة والذى وصل في بادئ الأمر إلى تسعين ألف نسخة في المرة الواحدة وإن كان هذا القدر قد انكمش فيما بعد.

ولم يكن العنصر الذى أثر على انتشار الجريدة هو توقفها عن المعارضة فحسب والهجوم على الملك الذى كان هو رأس مالها، بل كان يرجع من ناحية أخرى إلى حرصنا الشديد على ألا نضلل الأمة والشعب في حقيقة جهاد الفدائيين الذى كانت تنسج منه الصحف اليومية روايات وهمية كان الناس يطربون لها كل الطرب،

ولكننا كنا نقدر ما بها من خطر لأنها توهم الناس، والحكومة معا بأن المعركة بيننا وبين الإنجليز سهلة هينة .. وأنه ما على الشعب إلا أن يتابع الصحف ويصفق للفدائيين كى يخرج الإنجليز من مصر. كذلك فقد امتنعنا عن نشر هذه السخافات كالقول بأن بعض الفدائيين أشعل النيران في عشرات القطط أطلقها على مطارات الإنجليز فأحرقت مئات الطائرات التى كانت جاثمة على الأرض،

وأن بعض الفدائيين قد نسف معسكرا على كل من كان يضمه من الإنجليز الذين بلغ عددهم بضع مئات .. وهكذا.

وكانت حجة الصحف التى تنشر هذه الأخبار أنها ترفع معنوية الشعب وتحرض الفدائيين على عمل ذلك .. ولكننا كنا نرى فيها تهوينا من شأن المعركة،

دفعا للحكومة والشعب إلى الكسل ولذلك فلم نقف عند عدم نشر هذه الأقاصيص بل رحنا نلفت الأنظار إلى خطوة التمادى فيها ووجوب الإقلال منها وتحرى الحقائق .. رحنا نذكر الوقائع الحقيقية كما تصل إلينا وقد كانت هذه الحقائق تنطوى على حقيقتين واضحتين الأولى هى شدة معنوية الفدائيين واستعدادهم لتحقيق المعجزات، والحقيقة الثانية هى قلة مواردهم وانعدام إمكاناتهم تقريبا وهذا هو ما لم تعمل الحكومة على علاجه،

ولذلك فقد بدأنا بالتدريج ننتقد الحكومة لتقاعسها عن مد هؤلاء الفدائيين بالمساعدات الحقيقية .. ولما أقدمت الحكومة على حظر اجتماعاتنا ثم على إلغاء الكتائب فقد زاد ذلك بطبيعة الحال في حرارة النقد ولكننا ظللنا حريصين على موقفنا القومى الكريم وهو أن نجعل محور المعركة بيننا وبين الحكومة فيما يتصل بإنجاح المعركة ضد الإنجليز فلم نعرض لها بنقد إلا بالنسبة لهذه المعركة.

وعندما بدأ سراج الدين يعتمد على بلوكات النظام في عراكه ضد الإنجليز أدركنا منذ وقت مبكر ما فى هذا الإجراء من شذوذ وهو أن تحارب مصر الإنجليز بواسطة عساكر البوليس في الوقت الذى يقف فيه الجيش موقف المتفرج برغم أنه لو اصطدم مع الإنجليز فإن ذلك يعنى إعلان الحرب على الإنجليز .. وبرغم أن جيشنا لا قبل له بمواجهة الإنجليز،

وإذا كان الجيش لا قدرة له على هذه المواجهة فمن باب أولى يكون عساكر بلوكات النظام، وإذا كان الأمر قد وصل إلى حشد ألف عسكرى من رجال البوليس مسلحين ثم يعطى لهم الأمر بإطلاق النار على الإنجليز فإن هذه هى الحرب من غير شك ولا فرق بين أن يكون الألف عسكرى يقسمون باسم البوليس أو الجيش.

وأخيرا فلم يكن هناك من يطلب تدخل الجيش المصرى في صورة نظامية ضد الإنجليز وإنما كان المطلوب أن يمد الجيش الفدائيين ببعض ما عنده من أسلحة وذخيرة وقرر الاستغناء عنها وأن يسمح لبعض الضباط بالإشراف على هؤلاء الفدائيين وهم بملابسهم المدنية ..

ولكن ذلك كله كان ممنوعا على رجال الجيش .. وكان على الفدائيين من ناحية وعلى رجال بلوكات النظام أن ينفذوا أوامر وزير الداخلية فيقابلوا الدبابات الضخمة والطائرات والمدافع الثقيلة ببنادقهم العتيقة وبرصاصاتهم التى تعد على الأصابع.

ولقد حملت على وزير الداخلية وعلى مجلس الوزراء إصداره الأوامر لمحافظ السويس بمقاومة الجيوش الإنجليزية عندما قررت الزحف على كفر عبده لهدمه فكتبت مقالا في 9 من ديسمبر بعنوان "وأمرنا المحافظ أن يقاوم كل اعتداء"، وقد ملأته بالتهكم على قرار مجلس الوزراء الذى يشبه أن يكون عبثا ولهوا ولهذا بينت أن خيرا من ذلك الإجراء أن تقطع العلاقات السياسية مع الإنجليز أو أن تقرر الحكومة مقاطعة البضائع الإنجليزية ..

أو أن تطرد الإنجليز المدنيين من مصر .. ومع ارتفاع حرارة النقد وشدة هذه التوجهات بدأ سراج الدين وبدأ فاروق يضيقان ذرعا بالاشتراكيين من جديد، فقد كان كل همهما أن يذرا الرماد في العيون، وكانت الاشتراكية قد بدأت تلقى الضوء على هذه التصرفات وتظهر ما فيها من تناقض وتهافت .. فقرر سراج الدين –بتحريض من فاروق- أن يلغى الاشتراكية من جديد بطريقة عملية.

ولقد جرب سراج الدين من قبل إلغاء الجريدة بواسطة مجلس الوزراء فأعادها مجلس الدولة إلى الحياة .. وجرب محاولة إصدار تشريعات جديدة لإلغائها فقابلها الرأى العام بموجة استنكار .. فرأى سراج الدين أن يجرب أسلوبا جديدا منتهزا فرصة انشغال البلاد بالمعركة الكبرى ضد الإنجليز .. فأصدر أوامره بمصادرة الاشتراكية عددا إثر عدد ..

وكان العدد الواحد من الجريدة ي ذلك الوقت يكلفنا ما بين ورق وطبع ومصروفات أخرى ما يناهز الخمسمائة جنية .. فقرر سراج الدين أن يعدمنا من الناحية المالية.

وقد كان .. وصودر عدد من الاشتراكية ومعنى هذا خسارة خمسمائة جنيه ثم صودر العدد الثانى فالثالث على التعاقب فوجدنا أنفسنا في حالة عجز تام عن مواصلة الإصدار فرأيت أن نتوقف عن الصدور لفترة من الزمن أسبوعا أو أسبوعين احتجاجا على هذا الظلم الصارخ.

وهكذا لم توشك سنة 1951 على نهايتها حتى كانت اجتماعاتنا معطلة وجريدتنا معطلة ونشاطنا السياسي معطلا وكتابتنا محظورة ولم يكن هناك سوى هذه المعركة الدائرة على ضفتى القنال وفي مديرية الشرقية، فرأيت أن نتجه لصوت هذه المعركة بكياننا تاركين ما عدا ذلك.

كان أول اتصال لى بخط القنال في الشرقية عندما انتهزت فرصة الاجتماع العام الذى عقد بها في شهر نوفمبر، فقصدت أنا وإبراهيم شكرى وبعض أعضاء الحزب في الشرقية ساعة متأخرة من الليل إلى بلدة القورين التى تتاخم المعسكر الإنجليزي الكبير فوجدت عددا كبيرا من أهل البلدة يرابط على حدودها وهو مدجج بالسلاح فجلسنا والقمر يضئ ما حولنا والأنوار الإنجليزية الكشافة تغمرنا، جلسنا نتحدث عن المعركة وتطوراتها وما الذى لا نستطيع أن نعمله.

وكان أهل القرية في هذه الليلة كثيري الاعتداد بأنفسهم، وكيف أنه باستطاعتهم أن يحدثوا في هذا المعسكر الإنجليزى من الفساد والإتف ما لا يخطر على بال. فسألتهم وما الذى يؤخركم عن عمل ذلك فأجابوا: بؤخرنا الخوف من بطش الإنجليز بنا بعد ذلك عندما يزحفون بدباباتهم على المدينة ويدكونها بمدافعهم الثقيلة ..

فقلت لهم إذن ما الذى تطلبونه أو تقترحونه .. قالوا نحن نريد أن تجهزنا الحكومة ببعض ما ينقصنا من السلاح كالقنابل اليدوية وبعض الألغام والمتفجرات، ونريد مدفعا مضادا للدبابات، ونريد قبل ذلك ضابطا من الجيش يقودنا وهذه هى كل مطالبنا لكى ننسف هذا المعسكر –الذى يعتبر أكبر معسكر في الشرق- نسفا.

وقد وجدت هذه الطلبات متواضعة جدا فأسرعت بنقلها إلى الوزراء بل واقترحت عليهم أن يعمم هذا النظام في البلاد المتاخمة للمعسكر الإنجليزية بحيث يضاف يزود أهلها بالسلاح ويوضع على رأسهم بعض الضباط فيتألف من ذلك جيش شعبى بأيسر الطرق، ولكن هيهات أن يستمعوا لنصح أو إرشاد .. واحتدمت بعد ذلك معركة القتال في الإسماعيلية،

حيث كان الإنجليز يهاجمون دار المحافظة فترد عليهم بلوكات النظام في بطولة وشجاعة هزت ضمير الشعب وضمير العالم بأكمله لما انطوت عليه من شجاعة وجرأة وتضحية، ففى إحدى المعارك التى اصطدم بها بلوكات النظام بأسلحتهم الخفيفة التى لا تزيد على البندقية بقوات الإنجليز المدججة بكل صنوف الأسلحة الثقيلة ..

قتل العساكر ما يزيد على خمسين إنجليزيا من بينهم عدد كبير من الضباط، وكان الإنجليز يردون على ذلك بقذف دار المحافظة بالمدافع وإمطار بعض أجزاء من المدينة بوابل من الرصاص مما جعل مدينة الإسماعيلية تبدو وكأنها جحيم بالنسبة للمصريين الذين فرضت عليهم الظروف أن يقيموا بها.

فاعتزمت أن أسافر خلسة إلى الإسماعيلية لأكتشف أحوال الفدائيين بنفسى ولأقضى بها ردحا من الزمن وسط هذه المخاطر التى يعانيها أهلها. ولم يكن هناك طريق للذهاب إلى الإسماعيلية دون الوقوع في أيدى الإنجليز إلا أن استقل الطائرة إلى بورسعيد ومن بورسعيد أستعمل السيارة حتى الإسماعيلية فقد قيل لنا أن الطريق في هذا الجزء مفتوح وليست به نقاط للتفتيش،

وكان من المستحيل أن تنجح هذه الخطة إلا إذا أحيطت بالكتمان التام. ولذلك فلم أخطر بها أحدا واخترت زميلين ليصحبانى وهما محمود دسوقى وجمال طولان ولم يعلما شيئا عن رحلتى إلا بعد أن وجدا نفسيهما في الطائرة. وبدأت أشرح لهما أننا ذاهبون إلى بورسعيد في ساعة مبكرة وبالرغم من كل المحاولات التى بذلتها لإخفاء شخصيتى فقد عرف أمرنا بعض وصولنا ببضع دقائق،

وعندما حاولنا أن نحصل على سيارة للذهاب إلى الإسماعيلية قيل لنا أن الإنجليز قد انتشروا على الطريق بصورة مفاجئة وأن تفتيشا دقيقا يجرى الآن بالنسبة لكل سائر في الطريق بين بورسعيد و الإسماعيلية.

ورفض سائقو التاكسى أن ينقلونا، ففكرت أن أتصل بمحافظ بورسعيد لأركب في إحدى سيارات البوليس فلم أكد أتصل به حتى فوجئت بأنه يعرف كل شيء عن وصولى وأن خبر وصولى قد بلغ مسامع الإنجليز وأنهم بدأوا يفتشون المسافرين بطريقة لم يسبق لها مثيل بغية القبض على وأنه من المستحيل أن أفكر في هذه الرحلة.

وهكذا فشلت الخطة وعرف أمر وجودى في بورسعيد ولم يبق أمامى إلا العودة إلى القاهرة .. وهكذا لم تتح لى فرصة الاتصال بالفدائيين والعسكريين في منطقة الإسماعيلية أو السويس.

ولكنى ظللت أشعر بالتقصير المعيب كلما رأيت نفسى نائما على فراشى وفي داخل بيتى بين أولادى وزوجى وأخبار المجاهدين والفدائيين تترى لما يقاسونه من أهوال وما يقومون به من ضروب في الشجاعة والبسالة.

فلما أن حالت الحكومة بيننا وبين القيام بأى نشاط ووجدت نفسى لا عمل لى في القاهرة وتوقفت الاشتراكية عن الصدور استقر عزمى على أن أنقل مقر إقامتى إلى مديرية الشرقية باعتبارها المديرية الأولى الممهدة بزحف الإنجليز عليها واحتلالها بمجرد تطور الكفاح ..

ورأيت أن الواجب يحتم علينا جميعا أن نشاطر أهل الشرقية مصيرهم ومستقبلهم وأن نحولهم بقدر الإمكان إلى قوة مكافحة، والاستعداد لكل الاحتمالات.

فأصدر الحزب الاشتراكي قرارا أعلن فيه الرغبة. ومن ناحيتى أذعت بيانا وجته إلى أهل الشرقية والقنال نشرته الجريدة الاشتراكية التى عاودت الهور بعد سفرى في 25 من ديسمبرسنة 1951 وقد ختمت هذا البيان بالعبارة التالية: "لكن هذه الأسباب رأيت أن أجعل من الشرقية مقرا ثابتا أقضى فيه معظم أيامى لأكون أقرب ما أكون من أبناء القنال المجاهدين،

ولأبتعد ما استطعت عن مغانى القاهرة وملاهيها هذه الأيام، لأبتعد عن أضوائها وعن نواديها وسهراتها، لأبتعد عن ثرثرتها وهذيانها وحزلقتها وعن رجال سياستها، لأبتعد عن اللاهين والعابثين الغارقين في الرحالة والدعة ولأحيا بين الشعب: شعب الفلاحين والعمال،

الذين هم في القاهرة، وهم في الشرقية وفى كل شبر من أرض مصر، هم الصابرون المكافحون المجاهدون من أجل الحرية والكرامة.

يا أهل الشرقية وأبناء القنال: إن الساعة ليست ساعة الحزبية أو ساعة الخلافات الداخلية ولو كان الأمر كذلك لما تركت القاهرة بنشاطها وجئت إلى مديريتكم، فما أنا بين ظهرانيكم إلا مواطن يريد أن يعيش بين المواطنين الذين اعتزموا أن يعيشوا كراما وأن يتمتعوا بحرياتهم.

ما أن إلا مصرى بين مصريين لا فرق بين فقير وغنى أو بين عمدة وغفير أوبين موظف وعامل. ما أنا إلا واحد منكم، لا أريد منكم شيئا ولا أدعوكم لشيء إلا هذا الذى أجمعتم عليه جميعا وهو أننا لن نسمح للإنجليز بأن يمروا إلا على جثثنا، ولن نسمح لهم بأن يطيلوا مدة تدنيسهم لبلادنا واضطهادهم لإخواننا.

يا أهل الشرقية أبناء القنال: عدونى واحد منكم، عدونى خادما لكم، هيئوا لى مكانا بين العاملين معكم.

تعيين حافظ عفيفي و عبد الفتاح عمرو

هذا هو ختام النداء الذى نشرته جريدة مصر الفتاة الاشتراكية بعد أنت سافرت إلى الشرقية وأقمت بمدينة الزقازيق وانقضى أكثر من أسبوع على إقامتى بها .. ولعله من المفارقات العجيبة أن في الوقت الذى نشرت في الجريدة هذا البيان الذى يدل على رغبتى في التطور في معركة الكفاح ضد الإنجليز في الشرقية ..

نشرت الجريدة خبرا خطيرا في الاتجاه المضاد لهذا التصرف ألا وهو نبأ تعيين حافظ عفيفي رئيسا للديوان الملكى وما أدراك ما حافظ عفيفي! إنه الرجل الذى طلع على البلاد في صيف هذا العام بحديث اهتز له الشعب استنكارا واحتجاجا عليهم، فقد راح يشيد بمعاهدة 1936 ويدعو للتحالف ولاتعاون مع الإنجليز والأمريكان ويندد بنظام الانتخابات المباشر ويصم الشعب بالجهل.

لقد كان حديثا يفيض بالغل والحقد ضد الشعب وضد كل الأفكار والآراء التقدمية فحملت عليه جريدة الاشتراكية حملة شعواء تابعتها عليه باقى الصحف وكان مقالنا بعنوان "نهاية حافظ عفيفي" ولقد أسرع حافظ عفيفي بالهرب من البلاد وظل غائبا عن النظر بضعة أشهر حتى هدأت الحملة فعاد إلى مصر من جديد وحاول أن يفسر حديثه السابق بما يخف من حدته مع الإصرار على الخطوط الرئيسية فيه.

فكان تعيين حافظ عفيفي في هذه الفترة العصيبة من حياة البلاد مفضوح الدلالة وهى أن فاروق قد قرر أن يخون جهاد الشعب وأن يطعن الأمة من الخلف فجاء بهذا الضبع العجوز ليتحدى به إرادة الشعب في مواصلة المعركة ضد الإنجليز.

لم يقف الأمر –بالملك فاروق- عن حد تعيين حافظ عفيفي رئيسا للديوان بل لقد شفعه فاروق بتصرف آخر لا يقل شناعة عنه إلا وهو انتداب عبد الفتاح عمرو سفير مصر في إنجلترا مستشارا للقصر في السياسة الخارجية.

وقد كانت الحكومة المصرية سحبت عبد الفتاح عمرو من لندن كاحتجاج على الإنجليز لاعتدائهم على كفر عبده فإذا فاروق يرد على هذا السحب بتعيينه مستشارا خاصا له.

وكان هذا شذوذ ما بعده شذوذ من الناحية الدستورية، فعبد الفتاح عمرو كان لا يزال سفيرا أى مرؤوسا لوزير الخارجية المصرية ومع ذلك فقد عينه فاروق مستشارا له في الشئون الخارجية فأصبح بهذه الصفة يتكلم باسم فاروق مباشرة وأصبح رئيسا لوزير الخارجية يضرب بآرائه وأوامره عرض الحائط. وقد ابتلعت حكومة الوفد هاتين الضربتين وأعنى بهما تعيين حافظ عفيفي رئيسا للديوان الملكى بدون علمها فضلا عن موافقتها، وتعيين عبد الفتاح عمرو مستشارا للملك.

ولكن ذلك لم يكن جديدا على حكومة الوفد و مصطفى النحاس و سراج الدين فقد كانت سياستهم استقرت على قبول كل اللطمات التى يوجهها لهم القصر دون احتجاج أو اعتراض بل برضاء و فرح وسرور .. أما نحن فقد نظرنا إلى هذه الخطوة من ناحية الملك بمنظارها الصحيح وهى أنها بدء الخيانة السافرة لكفاح الشعب ولذلك فقد بادرت بالرغم من انتقالى إلى الشرقية وكتبت مقالين اهتزت لهما البلاد، أعاد للاشتراكية كل دويها وانتشارها المنقطع النظير ..

وذكرت البلاد من جديد بأننا دون غيرنا من يقف لفاروق بالمرصاد كما ذكرتاه هاتان المقالتان –فاروق نفسه- بأنه لن يذوق طعم الراحة ما بقيت الاشتراكية وما بقى أحمد حسين.

أما هذان المقالان فقد كانا بعنوان "الجلاء لا الاستقلال يا رئيس الديوان" وذلك ردا على تصريح له قال فيه: أنه يريد لمصر الاستقلال. أما المقال الثانى فبعنوان "الويل لمن يقف في وجه الطوفان". وقد ختم المقال الأول بالعبارة التالية: "

إن رئيس الديوان يذيع بيانا رسميا يسقط فيه لأول مرة كلمة الجلاء ويستبدل بها كلمة الاستقلال ولذلك فمن حقنا أن نقول إن أول القصيدة كفر ونحن نعلم أنها كفر في أولها وكفر في وسطها وكفر في آخرها. إنه كفر لأنها تتحدى الشعب الذى يمقت حافظ عفيفي الذى يمثل في مصر أقبح ما يبغضه المصريون .. فتعيين هذا الرجل إنما هو لعب بالنار ولعبة خطيرة.

وها نحن نحذر للمرة الأخيرة بأن هذا الشعب لن يسمح لأية قوة على ظهر الأرض بأن تتحكم فيه وأن تصادر مشيئته .. ومكل من يتصور أنه قادر على الوقوف في وجه الشعب فسوف يكتسحه تيار الشعب الغاضب ولا يلومن إلا نفسه فعلى نفسها جنت براقش".

أما المقال الثانى "الويل لمن يقف في وجه الطوفان" فقد كان أكثر صراحة من هذا المقال .. وكان التحدى سافرا ومفتوحا .. وعلى أقر مصر الفتاة جاءت باقى الصحف والمجلات تنتقد تعيين حافظ عفيفي، ولكن بأسلوب أقل حدة بطبيعة الحال،

ولكن الشعب، وبارك الله في الشعب المصرى .. الشعب هو الذى انفجرت براكين غضبه في كل مكان فانطلقت مظاهرات الطلاب تعبر عن غضب الشعب، وراحت تهتف لول مرة في مظاهرات عارمة بسقوط حافظ عفيفي، وبسقوط حامى حافظ عفيفي أو بالأحرى سقوط فاروق،

وكانت الهتافات تكنى عن ذلك بقولها "يسقط عفيفي و حافظ عفيفي" أو "يسقط حافظ حافظ عفيفي" ويقصدون بكلمة حافظ الملك فاروق باعتباره يحمى حافظ عفيفي.

وكاد فاروق يجن بطبيعة الحال للاجتراء عليه إلى هذه الدرجة، وقد وجد في هذه المرة (ضبعا) مفترسا يشد أزره وهو حافظ عفيفي الذى انجر في وجه رجال الداخلية متسائلا ..

كيف لم يصرع مائة أو مائتان من الطلاب وهم يلفظن هذه الهتافات؟! واعتبر الحزب الاشتراكي هو مدبر المظاهرات واعتبر أحمد حسين هو المسئول عن هذه الثورة، ولم يكن في حاجة إلى دليل أو برهان فمقالات الاشتراكية تغنى عن كل دليل وبرهان، حيث هاجمت الملك و حافظ عفيفي عيانا بيانا،

وفي وضح النهار ولذلك فإن حافظ عفيفي لم يحاول أن يخفى سخطه أو اتهامه لأحمد حسين فكان ينتهز فرصة مقابلاته مع هؤلاء الذين ذهبوا لتهنئته أو سماع أقواله التى يبشر بها، لكى يصب جام غضبه على أحمد حسين ويتساءل في دهشة كيف أنه لا يزال حرا طليقا؟!

وزعم في كثير من المرات أن أحمد حسين يريد أن يقتله ثم ذكر في خطاب رسمى أن إبراهيم شكرى يحرض على قتله، فقد أرسل له البوليس السياسي تقريرا يتضمن هذا المعنى، فبعث حافظ عفيفي بهذا التقرير إلى والد إبراهيم شكرى، وهكذا أصبح عداء القصر للحزب الاشتراكى والحديث عن القتل حديثا يردد ويذاع على رؤوس الأشهاد ..

ولولا أن الله سلم لسقطت صريعا في مدينة الزقازيق حيث كنت أقيم وأنتقل بين صفوف المجاهدين. ولننتقل الآن إلى مديرية الشرقية لنشهد الفترة السابقة مباشرة على حوادث 26 من يناير.

تطور معارك الفدائيين

مازلت أفكر بوضوح وأنا أكتب هذه السطور بعد عام كامل من هذه الحوادث التى نحن بسبيلها كيف تطورت المعارك ضد الإنجليز فى منطقة القنال أولا ثم في الشرقية ثانيا.

بدأت المعركة بهذه الصور الجماعية التى أخذت شكل المظاهرات العنيفة، ثم تلتها حركة انسحاب العمال ومقاطعة الإنجليز وقطع مواردهم من التموين والبضائع، ثم توقف قطارات السكك الحديدية عن ان تنقل مهماتهم أو أفرادهم.

ثم بدأت حركة الفدائيين الفردية .. وبدأت في صورة متواضعة صورة هؤلاء الغلمان الذين يغافلون الحراس الإنجليز ويخطفون منهم أسلحتهم وقد حاول الإنجليز والرجعيون أن يشوهوا هذه الحركة فقالوا عن هؤلاء الخاطفين أنهم من النشالين أو أنهم من اللصوص ولو صح هذا لكان هذا أعظم شهادة لأبناء الشعب. فاللص والنشال لا يخاطر بحياته من أجل بلاده ومن أجل حريتها فإذا ارتفع نشالوا مصر ولصوصها إلى مستوى التضحية بالحياة من أجل معركة التحرير فليس وراء ذلك مجد.

كيفما كان الأمر فسوف يسجل تاريخ الجهاد أن أول مراحل جهاد الشعب الفدائى ضد الإنجليز قد تم على يد هذا النفر الذى كان ينقض على الإنجليز في وضح النهار فيخطف منهم أسلحتهم المعلقة على أذرعتهم. وتطورت العملية بعد ذلك فلم تعد مجرد خطف يعقبه فرار سريع بل نزع بالقوة لهذه الأسلحة تحت التهديد إذ كنت واثقا تمام الثقة بأن هذه هى الخطوة الأولى فإن من وضل إليهم هذا السلاح المخطوف لابد أن يستعملوه .. وما هو إلا بعض الوقت حتى تحقق ذلك فبدأ بعض الجنود الإنجليز يصرعون برصاصات طلائع الفدائيين أول من استعمل هذا السلاح المخطوف.

وكان الحزب الاشتراكي كما ذكرت من قبل يغض بمئات وألوف من الراغبين في التطوع وقد كنت أعلم أن عددا كبيرا جدا من هؤلاء المتطوعين يتصور أنه سينتظم في سلك العسكرية وسيتقاضى أجرا وسيتناول الطعام والشراب.

ولكن الذى لا شك فيه أنه كان في صفوف هذا العدد الكبير أفراد تنطوى أنفسهم على ذروة الفدائية وكان من بينهم من سبق له الكفاح في حرب فلسطين فعرف أساليب حرب العصابات ولذلك فقد كنا نوجه هذه الجموع نحو منطقة القنال بغير سلاح أو عتاد تاركين إلى الحوادث انتقاء العناصر الصالحة.

وهذا هو ما حدث بالفعل فإن الكثيرين ممكن كانوا لا يدركون طبيعة العملية سرعان ما عادوا إلى بلادهم أو إلا قواعدهم الأولى.

ولكن فريقا آخر قليلا في العدد استطاع أن يتغلب على كل الصعوبات .. استطاع أن يتأقلم مع البيئة فيعيش على الطوى في بعض الأحيان وينام في إحدى الخرائب ثم يسعى بعد ذلك لخطف سلاح من الإنجليز أو سرقته فإذا تم له ذلك جعل من نفسه نواة عصابة وبدأت ظروفه تتحسن.

وعلى هذه الوتيرة تألفت عدة عصابات في السويس وفي الإسماعيلية تألفت من هؤلاء الذين وفدوا على دار الحزب الاشتراكي متطوعين فأرسل بهم إلى ميدان القتال بغير سلاح أو عتاد أو زاد إلا المعونة الأدبية التى يلقونها على طول الطريق إن كانوا صادقين .

وبعض الجماعات التى تألفت بهذه الصورة ظلت تعمل في الميدان حتى اللحظة الأخيرة من المعركة وقامت بأعمال جليلة.

ومن هذا النفر تألفت الطبقة الثانية من الفدائيين الذين أزعجوا الإنجليز بنشاطهم.

وفي خلال هذه الفترة كان الإحساس العام في الهيئات المجاهدة قد بدأ يشعر بضرورة تنظيم عمليات الفدائيين وتوحيدهم وتدعيم صفوفهم والارتفاع إلى مستواهم،

ونزل إلى الميدان عنصر جديد هو بعض الضباط الأحرار الذي كانوا يتسللون من وحداتهم ويهرعون إلى ميادين العمليات بملابسهم المدنية فيقومون ببعض الأعمال التى ظلت تتطور حتى وصلت إلى درجة رائعة.

ونزل شباب الجامعة إلى الميدان تحت قيادة الإخوان المسلمين وتطور الموقف بالنسبة للإنجليز من سيء إلى أسوأ فاضطروا للإقدام على أعمال وحشية كهدم كفر عبده ومهاجمة محافظة الإسماعيلية مما جعل سراج الدين يأمر البوليس بالاشتباك معهم فارتفعت حرارة العمليات واتسع نطاقها وزادت ضحاياها وتكاليفها.

ومنذ اللحظة الأولى لإلغاء المعاهدة كان للاشتراكيين في الزقازيق نشاط إيجابى رائع وقد تدفقت غيرهم جموع المتطوعين بين أنحاء البلاد حتى وصلوا بضعة آلاف وقد عجز الاشتراكيون بطبيعة الحال عن إيواءهم أو طعامهم.

فتفرقوا وتبددت جموعهم ثم انتهى الأمر بتأليف جماعتين مسلحتين لا يتجاوز عدد أفرادها معا عشرين متطوعا ..

وكان يشرف على قيادة هاتين الجماعتين الدكتور محمد زيتون وقد نبغ من بين هاتين الجماعتين اشتراكى فدائى يسمى الدمرداش سبق له الجهاد في حرب فلسطين .. وكان هو العمود الفقارى لجميع الأعمال الفدائية على الإنجليز في الشرقية.

وكانت أخبار نجاحه تصل إلى نقلا عن الآخرين.

وكان هذا هو الموقف عندما قررت الانتقال إلى مديرية الشرقية للإقامة بها.

اتخذت من منزل الدكتور محمود زيتون في خارج مدينة الزقازيق مقرا لى وصحبنى في إقامتى البكباشى جلال ندا.

وسرعان ما اكتشفت أنه إلى جوار جماعتنا الاشتراكية كانت توجد جماعة أخرى يشرف ويوجهها البكباشى وجيه أباظة فسعيت للاتصال به لكى نتعاون على تنظيم العمليات. ثم وفدت جماعة تحمل اسم كتيبة الجامعة.

وفى هذه الأثناء تألفت في الشرقية لجنة عامة للدفاع عن الشرقية، رأى الأباظية كعادتهم أن يبسطوا أيديهم عليها فعقدت اجتماعاتها الأولى في دار دسوقى أباظة ثم انتخب وكيلا لها عبد الله فكرى أباظة وبدأت هذه اللجنة تجمع التبرعات وتشرف على التدريبات ثم وقعت الواقعة في 26 من يناير فتعطلت أعمال اللجنة وتنظيماتها بحيث يمكن القول أنها لم تفعل شيئا البتة باستثناء جمع مبالغ ضخمة من البنوك لأن الفرصة لم تتح لها.

طواف في البلاد ومعارك

وقد جعلت مهمتى الأساسية فور وصولى إلى مدينة الزقازيق أن أطوف مدنها وقراها لأرفع فيها الروح المعنوية، ولأبصر المواطنين بواجباتهم وأن عليهم في الدرجة أن يستعدوا للكفاح ضد الإنجليز بالتجهز بالسلاح والعتاد واليقظة الدائمة وبالتدريب العسكرى ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا وكان الفلاحون يستقبلوننى في كل مكان بالترحيب ويظهر عليهم بوضوح تأثرهم بتوجيهاتى وعزمهم وتصميمهم على العمل بها. وفى خلال هذه الجولات كنت أدرس الموقف العسكرى فاستحضرنا الخرائط العسكرية للمنطقة .. وتجولنا جولات استكشافية لمعرفة النقط التى تتاخم فيها بلادنا وقرانا معسكرات الإنجليز.

ثم بدأت بعض المغامرات العسكرية التى قام بها الدمرداش و جمال طولان وكان من بين هذه المغامرات مهاجمة منطقة التفتيش الإنجليزية فيما يسمى المحجر وما زلت أذكر حتى الآن كيف ظللت طول ليلي أصلى وأدعو الله أن يحمى هؤلاء المجاهدين وألا يفجعنى في واحد منهم،

وعندما جاءنى جلال ندا يخبرنى بأن العملية تمت بنجاح وأن الجميع قد عادوا سالمين شعرت بإعياء شديد نتيجة هذا الضغط الذى عانيته طوال الليل من الانتظار والخوف من أن يصاب أحد من الفدائيين بسوء.

وقد حرصت منذ وصلت إلى الشرقية على أن نذيع بلاغات رسمية عن العمليات وأن نراعى فيها الدقة الكاملة والبعد عن التهويل أو المبالغة بل وأن نذكر فيها خسائرنا بالذات إذا أصابتنا خسارة ليعلم الإنجليز أنهم أصبحوا يواجهون عمليات حقيقية تدار بروح عسكرية.

وكانت هذه البلاغات تطبع في أحد مطابع الزقازيق وتوزع على المقاهى والحوانيت في كل يوم فبدأ الجمهور يترقبها بفارغ الصبر ويثق بها ..

وقد حرصنا من ناحية أخرى ألا ننسب هذه الأعمال للاشتراكيين فقد كنت حريصا كل الحرص على توحيد أعمال الفدائيين والابتعاد عن الحزبية فاتخذنا عنوانا لهذه البلاغات "القيادة السرية للكفاح الشعبى" وقد استطعنا بهذا الأسلوب أن نقنع الآخرين بتجردنا عن كل مطمع حزبى ولذلك فقد أذعنا تحت هذا العنوان بعض العمليات المشتركة التى قمنا بها مع جماعة وجيه أباظة.

ولعله من الخير أن أثبت هنا البلاغ الخاص بمهاجمة نقطة التفتيش كنموذج لهذه البلاغات التى أصدرناها عقب مختلف العمليات.

بلاغ من القيادة السرية للكفاح الشعبى بلاغ رقم 5

جبهة الشرقية في يوم 28/1951

في الساعة الواحدة والدقيقة الخمسين من صباح اليوم هاجمت قوة مكونة من إحدى عشر فدائيا نقطة تفتيش المحجر (العباسة) الإنجليزية والمعتبرة نقطة أمامية للدفاع عن معسكرات التل الكبير والمحصنة تحصينا قويا لاحتوائها على مدفعين من طراز التيكرز وسبعة مدافع برن ومدفعين من طراز الهاون ومدفعين من طراز ستة أرطال وجهاز لاسلكى عدا مصفحتين وفصيلة من الجنود الممتازين،

فاقتحمتها القوة المهاجمة فى شجاعة وبسالة وقذفت عليها القنابل اليدوية فقتلت ثلاثة من الجنود على وجه التحقيق وأصابت كثيرين بجراح لم يكن من الميسور إحصاؤهم وحطمت أحد مدافع التيكرز وأشعلت النار فى بعض الخيام.

وقد خفت على أثر الإنفجارات الأولى قوات كبيرة من المعسكرات المجاورة لنجدة زملائهم. فاستعملت كل أسلحتها بما فى ذلك مدافع الهاون ومدافع 6 أرطال واستعين بالمصفحات واستمر اطلاق النيران حتى الساعة الثانية والدقيقة 40 مما ارتجت له البلاد المجاورة كلها وكانت الاشارات الضوئية من ذات البارشوت تحيل سواد الليل الى نهار وعلى الرغم من ذلك فقد تمكنت القوة من الانسحاب بعد تحقيق أهدافها بدون أى خسارة فى الأرواح أو فى الأسلحة عدا مدفع برن حالت الأوحال دون سحبه.

وتعتبر هذه العملية الليلية هى الأولى من نوعها من حيث مهاجمتها لموقع محصن وقد قصد بها تأكيد سيادة الدولة المصرية على أراضيها والثأر لكرامة المواطنين الذين نفتهم هذه القوة وليكون ذلك بمثابة انذار للقوات البريطانية لتكف عن التعرض للمواطنين فى أثناء تنقلهم داخل البلاد.

سوء حالة الفدائيين

على أن هذه العملية التى تمت بنجاح كبير سرعان ما كشفت لى عن حقيقة موقف الفدائيين وأنهم فى أسوأ حال يمكن أن يطوف بالذهن. فان خلف هذا النجاح الذى يتحدث عنه البلاغ معجزة إلهية هى التى ردت هؤلاء الإثنى عشر سالمين وإلا فقد كان الموت المحقق هو مصيرهم المحتوم فإن الأسلحة التى كانت بأيدى الكثيرين منهم كانت غير صالحة للاستعمال ..

وهذا المدفع البرن الذى أشار البلاغ الى ضياعه لم يكن مدفعا إلا بالاسم وقد حمله الفدائيون لرفع معنوية بعضهم الى بعض، وكان السبب فى نجاحهم هو وجود ثلاث قنابل يدوية معهم استخدمت بنجاح فى الوقت المناسب فقتلت الجنود الثلاثة وأشاعت الفوضى فى المنطقة وبعد ذلك فلم يكن لدى هؤلاء المهاجمين سلاح يدافعون به عن أنفسهم .. فانسحبوا تحت وابل من الرصاص والقنابل وليس سوى حماية الله من ردتهم سالمين.

وكانت هذه القنابل الثلاث هى كل بضاعتهم، وعبثا حاولنا أن نحصل على قنابل يدوية بعد أن اكتشفنا مفعولها الذريع وأنها السلاح الهجومى الوحيد.

ولم تكن هذه الحالة خاصة بنا بل لقد كانت حالة الجماعات الأخرى كذلك فقد استطاع وجيه أباظة فى كل مرة من المرات أن يستحضر بنادق جديدة وبعض مدافع البرن الجيدة على سبيل الاستعارة من إحدى وحدات الجيش ولكنه لم يستطع أن يحضر قنابل يدوية فراح يسألنا عما فى حوزتنا من هذه القنابل.

ولم يستطع أن يكرر استعارة هذا المدفع البرن الذى جاء به فى إحدى المرات فأصبحنا نحن الجماعة الوحيدة التى تملك مدفعا فكان البوليس يستنجد بنا فى بعض المناسبات لنحضر هذا المدفع .. فدلنى ذلك على شناعة الموقف ..

فاذا كان المدفع البرن ضروريا جدا وهو سلاح فتاك فى هذه المعارك واذا كانت القنابل اليدوية ضرورية بدورها لأعمال العصابات فلماذا لا تزود الحكومة جماعات الفدائيين ببعض هذه المدافع وبعض هذه القنابل ولديها فى الجيش كميات ضخمة منها وهى معطلة لا عمل لها ..

بل إنى علمت أن مصانع محمد سالم كانت تصنع هذه القنابل للانجليز فى خلا الحرب وللجيش المصرى فى خلال حملة فلسطين وأنها تقدمت تعرض على الحكومة أن تزودها بهذه القنابل ولكن الحكومة لم تطلب منها قنبلة واحدة .. وظل الفدائيون يقاتلون بغير سلاح.

اعتبرت أنه من الإجرام أن أزج بالفدائيين فى أى معركة بعد ذلك دون أن تكون لديهم أسلحة حقيقية وليس مجرد صور وأشباح فعدت الى القاهرة وجمعنا مائتى جنيه لنشترى بها بعض البنادق ومدافع البرن وكان ثمن البندقية حوالى عشرين جنيها والمدفع ثلاثين جنيها ..

وقادونا الى المقابر للحصول على هذه الأسلحة فاشترينا ثلاث بنادق ومدفعين ولم تكن لى خبرة بالسلاح ولكن كان معى من يدعى الخبرة بالسلاح وكان من يبيعون لنا يقسمون بالطلاق أنهم يقدرون مسئوليتهم وأنهم يساهمون فى معركة التحرير بتقديم هذا السلاح الجيد الرخيص ..

ولما كنا فى لهفة على هذه الأسلحة فقد أسرعنا بها إلى الزقازيق .. ولم أكد أصل حتى قيل لنا أن الانجليز يضربون التل الكبير وهم فى حاجة إلى النجدات فرايت قبل أن تستخدم هذه الأسلحة الجديدة أن نجربها .. وكان أحد النواب الوفديين قد قدم للحزب فى إحدى المناسبات كمية من الرصاص فرحنا نجربه فاذا به رصاص لا ينطلق بعضه ..

وبعضه ينطلق ولكن يهشم البندقية .. وسرعان ما اكتشفنا أن استعمال هذه الأسلحة أخطر على حاملها من الأعداء وهكذا ضاع الجهد والمال وصدمنا فى عواطفنا هذه الصدمة القوية فهؤلاء الذين باعونا هذه الأسلحة ليسوا سوى مجرمين عتاة سخروا منا واستغلوا جهلى بأنواع السلاح واضطررنا من جديد لأن نخف الى ميدان المعركة بالأسلحة التى كانت عندنا والتى لا تغنى شيئا إلا أن يستر الله ويحقق معجزاته ففى كل مرة لا نعرف اذا كان مدفع البرن الذى نملكه سيلبى الرجاء ويطلق الرصاص أم لا يطلقه؟!.

ولعله من الطريف أن أذكر هنا أن قطعة السلاح الوحيدة الممتازة التى كانت الجماعة تشيد بها هى بندقية سريعة الطلقات من نوع (الاستن) وهى من هذه الأسلحة التى خطفت من الانجليز فى بادئ المعركة ووصلت إلينا. كان كل فرد فى الجماعة يتنافس على أن يكون هو حامل هذه القطعة .. لأنها كانت قطعة السلاح الوحيدة التى يمكن أن يعتمد عليها حاملها.

ومرة أخرى لم تكن هذه الحالة التى أصفها من حيث ندرة السلاح الجيد واستعمال أسلحة فاسدة هى حالة خاصة بنا بل كانت حالة كل من فى الميدان .. فقد كان كل فدائى يشكو .. من أنه لا يجد السلاح فان وجده فسلاح فاسد أو ناقص .. بل لقد كان الفدائيين يشكون من أنهم لا يجدون الطعام فى كثير من الأحيان.

ومع ذلك فقد كان الشبان يقامرون بسلاح فاسد وبغير سلاح فكانوا يتساقطون ويتهاوون كأنهم فراشات تحترق بالنار ..

ومن ذلك هذه الضربة التى نزلت بكتيبة الجامعة عندما سقط من خيرة أبنائها المنيسى وشاهين و عباس الأعسر وغيرهم الى تمام التسعة الشهداء التى يجب أن تعتبر ذروة البذل والتضحية.

معركة التل الكبير

ثم بدأ ما ينبغى أن يسمى بمعركة التل الكبير التى خسر فيها الانجليز على يد حفنة من الشبان أضعاف ما خسروه فى معركة التل الكبير التى واجهوا فيها جيش مصر أيام عرابى .. ففى هذه المعركة لم يخسروا سوى جنديين أو ثلاثة أما هذه المرة فقد خسروا عشرات وعشرات،

بل بدأ الانجليز ينزعجون من نشاط الفدائيين .. وتعرضهم لقطارهم الحربى الذى يصل ما بين الاسماعيلية والتل الكبير فقرروا أن يحتلوا هذه البلدة التى يتخذها الفدائيون مركزا لنشاطهم فوجهوا الانذرات لرجال البوليس، ثم أصلوها نارا حامية فخرج منها سكانها يهيمون على وجوههم وهم يسيرون مذعورين وينشرون حيثما ساروا وأنى اتجهوا الرعب والفزع من أن يكون مصير باقى البلدان وسكانها كمصيرهم.

عندما وصلت الينا هذه الأخبار وقيل لنا أن وجيه أباظة محاصر وأن الجميع يجب أن يخفوا لنجدته فركبنا السيارات محملين بكل ما لدينا من أسلحة وأسرعنا فى الطريق لا نعرف ماذا نفعل .. ولكنا كنا ننطلق لننفس عن مشاعرنا ولنقنع أنفسنا أننا نؤدى الواجب، وسرعان ما قابلنا وجيه أباظة فى الطريق وتبين أن الأمر كان اشاعة ولكنه طلب منا أن نتوجه الى مركز بوليس أبو حماد وأن ننتظره ريثما يحضر رجاله ..

فقصدنا الى مركز البوليس فوجدنا هذا اللواء المسمى عبد الرؤوف الذى استسلم هو وقواته بعد يومين من هذه المقابلة ورأينا فى حجرته الأستاذ حسين فهمى، وكنت أسمع عن دوره فى تنظيم الكفاح ولكنى كنت أراه لأول مرة فى هذه المناسبة وعلمنا فى هذه الفترة أن الانجليز يهاجمون التل الكبير وأن البوليس صامد لهم وأن المأمور والمعاون وفريق من العساكر يقاومون ..

وبعد قليل وصل المأمور وهو غارق فى الوحل وكذلك بقية من معه فلم أتمالك نفسى من أن أعانق الجميع لهذا المنظر الرائع فلقد أدى القوم رسالتهم على أحسن وجه ولم يفروا كالجرذان وعندما وقفت وسط الجنود العائدين من المعركة وعليهم أوحال المعركة وأثارها وقد اشتعلت أعينهم تحت حرارة الكفاح لم أتمالك نفسى من أن أعانق الجميع وأن أحس احساسا عميقا بأن روحا جديدة قد دبت فى أوصال البلاد.

وجلسنا بعد تناول الغداء ندرس ما الذى نستطيع عمله وسرعان ما اكتشف أن الرجال الذين كانوا يحيطون بوجيه أباظة قد تفرقوا وأنه لم يستطع أن يحشد رجالا غير رجالنا .. بل وفهمت أن بعض الأسلحة الجيدة التى أعطيت لهم أن وسبق لهم أن وزعوها على بعض الأفراد قد تبددت،

وأن العملية التى تطوف برؤوسهم ليس هناك من يوم بها غيرنا، وقد أظهرت استعدادى لأن يساهم مجاهدونا فى كل ما يطلب منهم على شريطة أن يتسلموا أسلحة جيدة وقد أجبت الى طلبى وسرعان ما رأيت لأول مرة كيف تكون البندقية الجديدة وما خصائصها؟.

وقد فهمت فيما بعد أن هذه البنادق التى أعطيت لمجاهدينا لاستعمالها فى هذه المعركة هى جزء من خمسين بندقية كان سراج الدين قد سلمها لحسين فهمى وكانت هذه هى المعونة الوحيدة التى قدمها الوزير لمعركة التحرير حتى ذلك الوقت.

وكان هناك حديث عن قرب وصول مدافع برن ومدافع هاون وأن الاسلحة سوف تتدفق .. ولكن هذا الوعد لم يقدر له أن يشهد النور. وذهبت جماعتنا وعلى رأسهم الدمرداش ويصحبهم بعض رجال حسين فهمى من الفلاحين ليهاجموا موقعا انجليزيا فى الليل.

ولكن حراسة الانجليز كانت قوية فلم يستطيعوا عمل شئ .. وكان على أن أعود الى الزقازيق فقد كان سيحتفل فى اليوم التالى بجنازة الشهداء التسعة الذين أشرت اليهم .. وكان شاهين والمنيسى قد نقل جثمانهما للاحتفال بهما فى القاهرة وباقى الشهداء وبعضهم ليس من الجماعة تقرر الاحتفال به فى الزقازيق .

وكانت الزقازيق تشهد من يوم لآخر جنازات هؤلاء الشهداء فبدأت أتساءل بينى وبين نفسى عما اذا كان هذا المظهر يزكى الشعور القومى أم يضعفه و الجنازات تشيع فى كل يوم على هذا النطاق الواسع .

على أن هذه الجنازة الكبرى كانت أعظم ما شهدته الزقازيق وما يمكن أن نشهده الى وقت بعيد، وعندما سارت النعوش مجللة بالأعلام الخضراء كانت عشرات الألوف تزرف الدموع أما أنا فقد كنت أشعر بالغيظ والقهر و الكمد أن يحرق الانجليز أكبادنا بقتل هذا العدد من الشهداء الذى قيل لنا أن الكلاب قد مثلت بجثث بعضهم ..

فصعدت من أعماق قلبى صيحة الى الله أن ينتقم وأن يثأر لهذا الدم الذكى الطاهر، ولقد مرت فى حياتى قبل ذلك وبعد ذلك لحظات عجيبة أتمنى فيها الشئ بقوة فلا ألبث أن أراه محققا ولعل ما حدث فى اليوم هو صورة من أنصح صور هذا الاحساس العجيب.

ففى ذات اللحظة التى كان الغيظ يكاد يمزق قلبى .. فى ذات اللحظة التى كنت أدعو الله أن ينتقم ..

ربما كانت جماعتنا تفتك بهذا العدد الضخم من الانجليز كما -علمنا فيما بعد- فلم تكد الجنازة تفرغ حتى قيل لنا أن جماعتنا التى ذهبت بالأمس لم ترجع وأن أخبارها انقطعت وربما تكون قد قتلت أو وقعت فى أسر الانجليز وعندما كان يطرق آذاننا خبر كهذا الخبر يصيبنا الفزع ولا يكون له الا رد فعل واحد وهو أن نمتطى السيارة ونسرع الى المكان الذى وقع فيه الخطر وبعد أن تنطلق السيارة كنت أسائل نفسى ما هذا الذى أفعله وما جدواه وما الذى أستطيع أن أقوم به ؟!

ولكننى كنت أهدئ نفسى بأن أسعى خلف الأخبار ولا يمكن معالجة أى أمر الا اذا وقفنا على الأخبار الصحيحة أولا .

ومن ناحية أخرى فان إسراعى الى منطقة الخطر فيه شئ من التنفيس لما يعانيه الانسان من شعور بالمسئولية .

وانطلقت السيارة منطلقة نحو أبو حماد فى الطريق الى التل الكبير وكان وجهى ممتقعا والخوف يتملكنى من أن تكون الجماعة قد أصيبت بسوء .. وكان كل متر تخطوه السيارة الى الأمام يزيد فى توتر الأعصاب خوفا من سماع النبأ .. وفجأة وجدنا فى الاتجاه المضاد سيارة أشار من فيها الينا فوقفنا ولم تكد السيارة تقف حتى سمعنا منها أصواتا تكلمنا ..

فنزلت من السيارة واقتربت منها لاستجلاء الخبر فاذا بى أتلقى نبأ من أسعد الأنباء التى تلقيتها فى حياتى .. كان فى السيارة فدائى صغير مصاب بجرح سطحى وكان يتكلم ويريد أن يقول كل شئ فى كلمة واحدة: لقد قتلنا عشرة من الانجليز وأخذنا أسلحتهم ..

والجميع بخير ولم يصب بسوء ولقد جرحت جرحا صغيرا سطحيا، وأسرعت الى السجود شكرا لله فقد كان هذا النبأ يحمل الى عدة بشارات، فهو يخرجنى من حالة الفزع خوفا على الجماعة .. وهو يبشرنا بقتل عدد ضخم من الانجليز والاستيلاء على أسلحتهم .. وهو فى ذات الوقت يدل على أن الله قد استجاب لدعائى فانتقم لهؤلاء الذين كنا نحتفل بجنازتهم منذ قليل .

واستأنفت سيارة المجاهد طريقها نحو الزقازيق ليدخل المستشفى، بينما واصلنا الطريق لنقابل المنتصرين .

وقابلناهم عند العباسية ولكن الدمرداش لم يكن فيهم وقيل لنا أنه سالم ولابد سيصل. وعلى قارعة الطريق جلسنا لنسمع أنباء المعركة. كانت الجماعة قد عدلت فى الليل عن القيام بأى نشاط. وعند الصباح بينما كانت تتناول طعام الفطور اذا ببعض الانجليز يقتربون من موضع الجماعة وهم لا يحسون بأى خطر وكان ذلك صيدا ثمينا وأسرع أحد الفدائيين - وكان يجيد استعمال البرن

- الى استعماله فاذا بالجميع يسقطون على الأرض من هول المفاجئة وراحت الجماعة تطلق عليهم الرصاص دون أن يجاوبوا عليه ..

ثم أوفدت الجماعة واحدا لمعرفة ما أصابهم فاذا به يجدهم وقدماتوا عن بكرة أبيهم .. ووجد فيه ضابطا قد صوب مسدسه اليه فأرداه قتيلا ببندقيته ثم انتزع منه المسدس وفتش ملابسه فأخذ مفكرته التى كانت فى جيبه وبعض أدوات التزين التى كان يحملها وعندما هم بتجريد باقى القتلى ولحقه باقى زملائه اذا برتل من الدبابات الانجليزية يقترب وكان معنى ذلك سحق الجماعة وهنا تجلت روعة الدمرداش وعظمته فقد كان كامنا حين اقتربت الدبابات وأصبحت على بعد أمتار قليلة فقذف بقنبلة يدوية كانت معه على المصفحة الأولى فوقفت باقى المصفحات لتستحلى الخبر وفى ظل هذا الارتباك للمفاجئة .. انسحب المجاهدون ..

وهكذا عادوا سالمين جميعا من أعظم مخاطرة .. وان كنا قد فقدنا مدفع البرن الذى استعملته الجماعة فى كل محاولاتها حتى الآن وعندما جاء الدمرداش أخيرا وتحققت من سلامته ..

لم يكن هناك حد لفرحنا وسعادتنا. وسرعان ما أحسسنا بغضب الانجليز لهذه الكارثة فرأينا الطائرات تحوم فوقنا فى غضب ونحن على قارعة الطريق فتنبهنا للخطر وامتطينا السيارة وأسرعنا بالابتعاد عن المكان بكل سرعة و نحن نمسك بقلوبنا خوفا من أن تسقط علينا قنبلة فى أى لحظة.

وكانت الأنباء قد سبقتنا الى الزقازيق .. فدخلناها دخول الظافر المنتصر .. ولم أتمالك شعورى من أن أطوف بأنحاء المدينة فوق السيارة لأزف للناس بشرى الانتقام لهم وأن الله قد مكننا من الأخذ بالثأر للشهداء قبل أن توارى أجسادهم بالتراب ..

وعندما كنت ألوح لهم بمسدس الكابتن الانجليزى الذى انتزع منه كانت الجماهير تضج بالهتاف والتهليل والتكبير .. ثم رأيت أن أعهد بهذه العملية لجمال طولان فجاب المجاهدون بهذا النبأ أنحاء الزقازيق فتحولت الأحزان الى أفراح ..

ولكن الحوادث كانت تتوالى بسرعة عجيبة ووصلت المعركة الى ذروتها بحيث أن كل ساعة كانت تحمل نبأ جديدا .

أحمد عصمت

ففى نفس اللحظة التى كانت تجرى فيها هذه المعركة .. كان بطل مجاهد آخر وهو أحمد عصمت يقوم بعملية تشبه عمليات اليابانيين عندما يقومون بعمليات إنتحار من أجل وطنهم ،

فإن هذا الفدائى بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى آلى على نفسه أن يقتل بعض الإنجليز وأن يدفع حياته ثمنا لذلك ، فركب الأتوبيسات المارة على نقطة تفتيش الإنجليز فى منطقة المحجر التى أشرت إليها فيما سبق وعندما جاءه الجندى المختص بالتفتيش أسرع فأراده قتيلا ثم قتل غيره قبل أن ينتبه الإنجليز وكان يمكن لأحمد عصمت أن يهرب أو يفر ولكنه أدرك أن أن باقى المصريين سيدفعون ثمن ذلك فآثر أن يظل واقفا فى مكانه يفرغ رصاص مسدسه، حتى تمكن الإنجليز منه فأردوه قتيلا.

وكان حادث هذا البطل الجديد أسطورة خيالية ألهبت أعصابنا وازادت حماستنا.

دك مدينة التل الكبير

وجن جنون الانجليز وأدركوا أنهم أصبحوا يواجهون حالة عصبية يجب أن يضعوا لها حدا بأسرع وقت باستخدام أنسب الوسائل الوحشية ولذلك فقد أسرعت مدافعهم الثقيلة لتنسف مابقى من بلدة التل الكبير وما يسمى بلدة حمادة المتاخمة لها.

وبينما كانت المدافع تقصف البلدة فى الليل كان الراديو يذيع من القاهرة احدى مسرحيات نجيب الريحانى وجمهور الحاضرين يضجون بالضحك فكان هذا الموقف أشد نكاية على المنكوبين من أهل الشرقية من مدافع الانجليز نفسها وأدركت مدى جريمة حكام القاهرة الذين يدعون الحياة فى مصر تسير فى طريقها العادى بينما يسيطر الخراب فى الشرقية وتتضرج الأرض بدماء الشهداء.

وعدت فى هذه الليلة إلى القاهرة لأشترك فى جنازة أحمد عصمت ولأطلع اخواننا وزملاءنا فى القاهرة على أسلاب هذه المعركة لأخيرة وعلى رأسها مسدس الضابط وأوراقه وادوات زينته.

ونشرت "آخر لحظة" تفاصيل هذه المعركة وقد حرصت كالعادة على ألا يظهر فيها اسم الاشتراكيين فضلا عن اسمى أو اسم أى واحد من الفدائيين .. ونشرت القصة والصور بما لايشعر الناس بدورنا فى الموضوع.

وبينما كنا نسير فى جنازة احمد عصمت وصلت الينا أنباء احتلال الانجليز لبلدة التل الكبير ووقوع ثلثمائة عسكرى بوليسى وعلى رأسهم ضابطهم الكبير اللواء عبد الرؤوف فى الأسر.


فانخلع قلبى لهذا الخبر فقد رايت هذه القوة وهى تحشد امامى بالليل لتسافر الى التل الكبير .. وقد وقفت أشهد صناديق الذخيرة وهى توضع فى السيارات المكتظمة بالجنود الذين كانوا ينطلقون بعد ذلك وسط هتاف اخوانه.

واذن قد سقط هؤلاء فى الأسر وضاعت هذه الذخائر وهذه الأسلحة التى لو أعطى بعض منها للفدائيين لقاموا بالعجب العجاب.

وبدأت ألمس التخبط الشديد الذى نعانيه والارتباك الذى أغرقت الحكومة فيه البلاد، فنحن فى حالة حرب ولا حرب ..

نحارب بعساكر البوليس ونباعد بين عساكر الجيش وبين الحرب. فيم إذن كان هذا الجيش ولأى شئ أعد اذا لم يكن للدفاع عن البلاد فى هذا الظرف العصيب على أى صورة من الصور؟! لقد بدأت أتصور أنه ليس جيش مصر ولا جيش الوطن أو الشعب .. انه جيش فاروق ..

ولا دور له الا حماية فاروق .. وكان الانجليز يثنون على هذا الجيش في تصريحاتهم ويزعمون أنه حليف لهم ولم يكن هناك في الجيش من يحاول أن يدحض هذه التهمة الشائنة الا هؤلاء الضباط القلائل الأحرار الذين كانوا يتسللون كما قدمت الى منطقة السويس وتحت اسم كتيبة أحمد عبد العزيز وقاموا بأعمال رائعة .. وهذا النفر الآخر الذى يتصل بنا ويحاول ان يقدم لنا بعض الخدمات والمعونة ..

فيما خلا هذا العدد المحدود من الضباط البواسل فقد وقفت كتلة الجيش تشيد هذا الصراع بين الشعب الأعزل وبين قوات البوليس غير المدربة وبين الانجليز الغاشمين وكان التناقض يبدو كذلك فى هذه الصورة الدامية التى تعيش فيها منطقة القنال والشرقية ..

بينما القاهرة تعيش كما لو كان هذا الذى يجرى فى الشرقية انما يقع فى كوريا التى تبعد اكثر من عشرة الاف ميل عنا .. فالملاهى على أشدها والاذاعات الماجنة تصابح الناس وتماسيهم الكبار والأغنياء لم يكفوا لحظة واحدة عن ممارسة مجونهم وسخافاتهم وتبذلاتهم وكان رجال ممن يتصلون بالحكومة ومن تصميم حزبها يتاجرون مع الانجليز جهارا نهارا ..

بل ان وزير الداخلية الذي قتل الإنجليز رجاله ونكبوا مصر وأسالوا دماءها وحطموا مدنها –يختار هذا الوقت بالذات لزفاف ابنته على ابن عبد العزيز البدراوى ثم يسافر العروسان لقضاء شهر العسل في إنجلترا مصحوبين بحاشية ضخمة من الخدم والحشم،

على أن الذي كان يروعنى في الدرجة الأولى هو سوء حالة الفدائيين من حيث السلاح وأنهم يتعرضون للخطر والموت والحكومة أصبحت تعيش على تضحياتهم دون أن تقدم لهم أى لون من ألوان المعونة.

وبدأ الشك بداخلى في أن من بيدهم الأمر ابتداء من الملك فاروق حتى سراج الدين يسعدهم كل السعادة أن يفنى هؤلاء الفدائيون، وأن يبطش الإنجليز بهم لتتخلص البلاد -أو بالأحرى ليتخلص فاروق- منهم.

فتنة السويس

وبينما كانت الحوادث تتوالى في مديرية الشرقية وقع حادث رهيب في مدينة السويس كاد يكون الشرارة التى تندلع منها نيران الفتنة بين المسلمين والأقباط فقد حرقت كنيسة في مدينة السويس وحرق بها بعض الأقباط ومثل بجثثهم دون أن تتدخل قوات البوليس لمنع وقوع الحادث أو للقبض على المسئولين عنه بعد وقوعه. وقد أدركت أن هذا الحادث سيؤدى إلى تصدع كبير في جبهة الوحدة المصرية فما راعنى إلا أن أرى التقاعس من جانب الحكومة في معالجة الموضوع مع أن الأقباط لم يدخروا وسعا في ذلك الوقت في التعبير عن سخطهم واستنكارهم ..

حتى لقد رفض مطران الشرقية أن يقابلنى واعتذر بأكثر من حجة لولا أننى ذهبت إليه على حين غرة ومكثت معه طويلا حتى أهدئ بعض ما في نفسه ولو في الظاهر. ثم أسرعت إلى مصر وقابلت من استطعت إلى ذلك سبيلا في دار البطريركية. وهكذا كانت الأمور قد بدأت ترتبك ..

ويتجلى التخطيط في سياسة الحكومة التى كان من الواضح أنها تريد أن ترضى الشعب بالمضى في الكفاح من ناحية، ثم تخشى على نفسها من الملك وعلى مصالح الطبقات التى تتألف منها فتتخذ إجراءات ضد الشعب .. وإجراءات في الاتجاه المضاد للكفاح ..

وكان هذا التأرجح وهذا التناقض نذير كوارث، فليس أخطر من السياسة المذبذبة.

ورأيت أن أبعث بخطاب لأرسكين أنذره فيه بعاقبه طيشه وإيغاره صدور المصريين إلى هذا الحد بتعذيب الشهداء ورمى جثثهم إلى الكلاب وهدم بلدة التل الكبير واحتلالها.

ورأيت أن يأخذ الإنذار طابعا عسكريا ليتسم بالشجاعة والجرأة التى اتصف بها فدائيو الاشتراكيين وليكون أبلغ في التأثير سواء في معنوية الإنجليز أم في رفع حماسة المصريين.

ففكرت أن يحمل الإنذار مجاهد مصرى وأن يتقدم إلى خطوط الإنجليز حاملا علما أبيض طبا للنظام المتبع بين الجيوش.

وأعددت الخطاب وهو مكتوب بالعربية وعنوانه: من عبد الله أحمد حسين إلى أرسكين قائد القوات الإنجليزية، واستعرضت في الخطاب تاريخ العلاقات المصرية الإنجليزية، وأن إنجلترا بدأت بالاعتداء على مصر وأن استمرار وجود جنودها في مصر هو استمرار لهذا العدوان،

وأن مصر إذا قامت اليوم تعمل على إجلاء الجيوش البريطانية عن أرضها فهى تقوم بعمل مشروع فكيف يسمح الإنجليز لأنفسهم أن يعاملوا الفدائيين الذين يقعون في أيديهم معاملة وحشية فيعذبوهم ثم يقتلوهم؟

وكيف يسمح الإنجليز لأنفسهم أن يحاربوا المدنيين فيخربوا بيوتهم ويدكوا قراهم وذلك في الوقت الذي لا يزال فيه المصريون يعاملون المدنيين الإنجليز بكل إنسانية وبكل إكرام ففي مصر يعيش ثلاثون ألف إنجليزى في رعاية الحكومة المصرية والشعب المصرى.

وحذرت أرسكين اذا هو استمر على أساليبه الغاشمة فان غضب الشعب المصرى سينفجر ولا يعلم سوى الله مدى الكوارث التى ستحدث، انما يقع وزرها على رأس الانجليز الذين يأبون أن يسمعوا صوت العقل .

وما زلت أذكر حتى الآن كيف صلينا الجمعة فى مسجد السيدة زينب ثم خطبت بعد الصلاة شارحا حالة الفدائيين وسوء حالتهم وما يعانونه من نقص فى الذخائر والأسلحة وكيف بدأ الانجليز يضغطون عليها. وبعد الخطبة ركبنا سيارة إبراهيم شكرى وقصدنا إلى مقر قيادتنا في الزقازيق فوصلنا في ساعة متأخرة قبيل الغروب وأردنا أن نؤجل إرسال الخطاب، ولكن شابا تقدم

وأعلن إصراره على أن يحمل الخطاب فورا فاستخرنا الله ثم قلنا له سر على بركة الله وأعطاه إبراهيم شكرى منديله ليكون بمثابة الراية وأعطى خيزرانة صغيرة يرفع عليها المنديل. ثم كان في صحبته بعض الفدائيين فركبوا عربة جيب وساروا به إلى قبيل نقطة التفتيش، فأنزلوه من العربة وبدأ يتقدم صوب الخطوط الإنجليزية التى كان الاقتراب منها ممنوعا بعد الغروب ..

وظللنا ننتظر عودة الجماعة فعادوا في ساعة متأخرة من الليل وليس معهم المجاهد، فسألناهم عنه فقالوا لقد أنزلناه على بعد نصف كيلو من النقطة الإنجليزية فراح يقترب منها حاملا علمه الأبيض وظللنا ننظر إليه حتى اختفى عن أبصارنا وظللنا ننتظر فلم نسمع أى حركة أو صوت ولم يرجع لنا فرأينا أن نعود أدراجنا.

وكان علينا وقد أرسلت الرسالة أن نوزعها على الصحف وأن نشرح خطتنا وماذا اخترنا هذا الأسلوب لتوصيل الرسالة فعدنا إلى القاهرة وقصدنا جريدة الأهرام لننشر الخبر بطريقة تساعد على حماية الشاب من أن يتعرض لأى إيذاء وعندما اتصلنا من جديد بالزقازيق وسألنا إذا كانت هناك معلومات عن الشاب فقيل لنا أنهم لم يتلقوا معلومات فبدأ القلق يساورنى بشدة،

وعندما عدت إلى منزلى استقبلتنى زوجتى بانتقاد مسلكى والطريقة التى اخترناها لتوصيل الرسالة وأننى قد عرضت حياة الشاب للخطر وكان يغنى عن ذلك كله إرسال الخطاب في البريد .. ثم استعملت كمة كان وقعها شديدا على نفسى لأنها كانت تطابق الواقع إذا ما هذا أنت عامل "تياترو"؟! .

ولم يكن هناك جدال أن الحركة كانت حركة مسرحية قصد بها خلق تأثير للدعاية ..

ولا بأس في حركات الكفاح أن تستخدم المؤثرات من هذا السبيل ولكن إذا كلفتنا حياة مجاهد فإنه يكون ثمنا باهظا وأكون مسئولا أما الله عن دم هذا الشاب مسئولية لا أستطيع الفكاك منها ..

فهأنذا جالس في بيتى مع زوجتى قم أرسل شابا ليقتل بين براثن الإنجليز.

وأصابنى الفزع من أن يحدث ذلك بالفعل فبدأت أتصل بالتليفون مع الزقازيق ولم يكن هناك خبر جديد فطلبت من (ترنك) الزقازيق أن يصلنى برئيس الجمعية التعاونية في الإسماعيلية فأيقظه من النوم فحدثته بالخبر وطلبت منه أن يتصل بالبوليس ومصيره وسرعان ما عقدنا مؤتمرا تليفونياً فكان هناك أشخاص في الزقازيق وف الإسماعيلية وفي مصر،

الجميع يتدارسون معى هذه المشكلة، وقد هدأ نفسى أحد ضباط البوليس في الإسماعيلية وأن الشاب لن يمسه أى خطر وأننا يجب أن ننتظر حتى الصباح.

وظللت طول الليل ساهرا وقد تعبت أعصابى وانهارت معنوياتى كلما تصورت أن يموت هذا الشاب.


وفي وسط هذه الحالة السيئة التى غرقت فيها، قلت لنفسى أننى لا أصلح لأن أكون قائدا عسكريا .. فبعد أن ففرحت لمقتل الإنجليز ثأرا للشهداء المصريين بدأت أشعر بإشفاق شديد على هذا الكابتن الإنجليزي الذي قتلوه عندما كنت أقلب في مفكرته الجيبية،

وقد أثبت في هذه المفكرة عيد ميلاد زوجته وعيد ميلاد والده وعيد ميلاد امه وعيد ميلاد زواجه .. كان مجرد استعراضى لهذه التواريخ كافيا لكى يشعرنى بالحزن للمصير الذي انتهى إليه وفكرت أن أبعث إليهم بمفكرته ومخلفاته

وأن أقول لهم أننا نحن المصريون شديدو الحزن لمقتل أولادهم ولكن المسئول عن موتهم هو تشرشل وهم جماعة الاستعماريين الذي أرسلوا بهم إلى بلادنا ليقتولنا ويسلبونا حريتنا، فأصبحنا مضطرين لأن ندافع عن الشعب بقتلهم.

وراح يلح على هذا الخاطر وتتجسم في نفسى –ولم تكن هذه أول مرة تتجسم في نفسى- كرة استساغة أن يكون على "يدى" موت أى إنسان ..

فمن قبل تطوعت في حرب فلسطين وكان قائدنا هو أديب الشيشيكلى –رئيس سوريا الآن- .. وبعد قليل اكتشفت في أعماق نفسى أننى مستعد لأن أموت فى يسر وسهولة ولكن الذى لا أتصوره أن أرى نفسى مضطرا لأن أقتل انسانا وأن طبيعتى لا يلائمها ذلك .

ولذلك فقد انسحبت .. وعندما دخلت فلسطين بعد ذلك مرتين دخلتها وأنا غير مدجج بالسلاح وكنت أشعر أننى أكثر قوة وأنا أعزل من كل سلاح مما لو كنت مسلحا بالفعل .

هذا هو الشعور الذى عاودنى بأن إقامتى في الشرقية وقد بدأت أحرض المجاهدين وأراهم وهم ذاهبون ليقتلوا وأفرح وأطرب عندما يقولون لى أنهم قتلوا ..

لم يلبث أن توالد نفس الشعور القديم الذي أحسسته في فلسطين وهو أننى أؤثر أن أموت أنا من أصدر من ان أصدر أمرا بقتل إنسان. وقد يكون ذلك ضعفا في نفسى لا يتفق مع قائد حركة ..

ولكنها حقيقة يجب أن أعترف بها .. والآن عندما حدث حادث هذا الشاب وبدأت المخاوف تساورنى أن يكون قد مات .. وكان مبعث الخوف أن يكون قد قتل قبل أن يصل إلى الإنجليز. كأن يكونوا خافوا منه وهو يتقدم في الظلام .. أو ظنوا أن العلم هو خدعة وأن فدائى يريد أن يقذفهم بقنبلة ففضلوا أن يقتلوه قبل أن يقتلهم كان هذا هو مصدر خوفى وهواجسى،

أما لو وصل إليهم سالما فلم أكن أشك أنهم لا يقتلونه لأن مثل هذا القتل يكون جريمة يهتز لها العالم بأكمله فمنذ بدء الخلقة والرسول يحترم .. حتى بين المتوحشين.

ومع ذلك فقد ظلت المخاوف تتعاظم في نفسى فيرتجف جسدى لهول المسئولية وبدأت حرارتى ترتفع وبدأت أشعر بالمرض يدب إلى نفسى ..

وسرعان ما قطعت أننى لا أصلح لمثل هذا النوع من الحياة العسكرية التى تستلزم قتل الأعداء واحتمال خير موت الأنصار. وقد كان لهذه الحالة التى ألمت بى بسبب تأخر هذا الشاب تأثير فيما تولد في نفسى بعد ذلك من خواطر أدت إلى انسحابى من الميدان.

ومن الصباح جاءت الأنباء ان الشاب قد عاد سليما معافى فحمدت الله عز وجل أن جنبنى هذا الألم الشديد واليأس القاتل فيما لو كان هذا الشاب قد قتل.

إعادة مصر الفتاة ومصادرتها

وعند هذا الحد أدركت أننى لن أستطيع أن أكون ذا جدوى فى ميدان القتال وأن ميدانى الحقيقى الذى أستطيع أن أخدم به المعركة هو الصحافة ويجب أن يؤدى كل انسان دوره الذى يحذقه أكثر من غيره . فللحرب أقوام وللقلم أقوام .

وأننى قد أخذت نصيبى من المخاطر وهأنذا تحديت الانجليز حتى درجة الانذار فلو كان هناك انسان أول مهدد بالقتل فى مصر على يد الانجليز فسوف أكون هذا هذا الانسان ..

فيجب أن يطمئن ضميرى الى أننى شريك فى مخاطر المجاهدين وأن على أن أعاود اصدار الجريدة بعد أن اتضحت لى خطوط المعركة وبعد أن ظهرت لى الحقائق وأصبح من الجلى أن الحركة الوطنية ستطعن من الخلف فقد كان حافظ عفيفى يضاعف نشاطه يوما بعد يوم وساعة بعد أخرى ..


وكان عبد الفتاح عمرو يفاوض الانجلي من وراء ظهر الحكومة .. وكان سراج الدين لا يزال عند موقفه المائع بالنسبة للمجاهدين .. كل ذلك جعلنى أعتزم اصدار الجريدة التى كنا قد أوقفناها احتجاجا على توالى المصادرات التى عادت على أشها بعد هجومنا على حافظ عفيفى وتعيينه .

فجمعنا بعض المال لشراء الورق اللازم . وحرصت فى أعداد الجريدة ألا تتضمن هجوما على الملك أو على الحكومة بطريقة شديدة وذلك لتفادى مصادرتها وكان أهم ما يحتويه العددهو نص الانذار الذى بعث به الى أرسكين.

وبينما كنا نطبع الجريدة حرصنا على أن نتصل برجال وزارة الداخلية لكى يوافدوا من لدنهم من يطلع على العدد ويرى اذا كان به ما لا يوافقون على نشره .

ولكنهم راحوا يراوغوننا حتى فرغنا من طبع العدد ثم جاءوا لمصادرته فكان ذلك هو الدليل على أن القوم لا يريدون لنا أى مظهر من الحياة أو النشاط أو الحرية إلا حرية الموت فى الشرقية فقد أصبح محظورا علينا أن نكتب أى لون من الكتابة ..

والشئ الوحيد الذى ظل مصرحا لى به أن أذهب الى الشرقية عساى أن أموت بها برصاصة من الانجليز أو رصاصة من غير الانجليز كما كشفت الحوادث فيما بعد .

وكانت مصادرة هذا العدد صدمة شديدة لى حتى أننى عندما ذهبت الى المحكمة وراح ممثل النيابة يترافع مدللا على وجوب مصادرة العدد جلست وقد وضعت يدى على خدى ..

وعندما فرغ من مرافعته نظر الى رئيس المحكمة وسألنى اذا كان لدى ما أقوله فأجبت بالنفى وظللت أنظلر اليه وأنا تائه شارد اللب .. ان مصادرة العدد تعنى مصادرة خمسمائة جنيه كما قدمت جمعناها بشق الأنفس .

ومواصلة المصادرة بهذا الأسلوب التعسفى كلما حاولنا أن نعاود إصدار الجريدة معناه الحكم علينا بالإعدام الأدبى ..

ولذلك فقد كان الموقف لا ينفع فيه قول أو حديث .. وانصرفت من المحكمة بعد أن أصدر رئيسها أمره بمصادرة العدد وأنا معتزم أن أعتزل كل شئ وأعتكف احتجاجا واستنكارا لهذا المسلك الذي تسلكه الحكومة حيالنا ..

وأن هذا هو السبيل الوحيد لمعاقبة الحكومة لموقفها . وقد يدهش الكثيرون كما دهشوا دائما عندما كنت أعتبر انسحابى من الميدان أو تعطيل الجريدة هو عقاب للحكومة مع أن هذا هو أقصى ما تتمناه، ولكنى أحس إحساسا عميقا أننى إذا انسحبت واعتزلت أو اعتكفت وتوقفت عن الكتابة وإصدار الجريدة فإن الحكومة لابد أن تدفع ثمن ذلك وأن تدفعه غاليا ..

شعور بالخوف

على أن فكرة الاحتجاج والاستنكار لم تكن وحدها الحافز لى على التفكير في الانسحاب والاعتزال ولكن عاطفة أخرى ملئت نفسى هي التى عززت هذا الخاطر وقوته في نفسى وذلك هو الإحساس بالخوف.

لقد كنت منطلقا في كفاحى ضد الملك وضد الإنجليز بعد ذلك وانتهيت وأنا أهاجم تعيين حافظ عفيفي بهذه الشدة إلى أننى أعلنت الحرب على الاثنين معا،

ومع ذلك فلم تتسرب إلى نفسى ذرة من الخوف وقد أرسلت إنذارى لأرسكين بهذا الأسلوب من التحدى دون أن أستشعر أى خوف إلا هذا الذى وصفته من أن يعتدى على الشاب الذي بعثت به وعندما صودرت الإشتراكية بهذا الأسلوب البشع إذا بى أمتلئ بالخوف فجأة وأستشعر أن كوارث ونكبات ستحل بنا.

وجريا على سنتى ومنهاجى فقد بادرت بإخطار إخوانى وبصفة خاصة إبراهيم شكرى و حلمى مراد بما اعترانى من الإحساسات وقلت لهم في عبارة واضحة صريحة:

إننى أتصور أن طوفانا ضخما من الكوارث والآلام والمصائب يوشك أن يحل بالبلاد وأن هذا الطوفان سيكتسحنا في طريقه ومصائبه ..

وأن قلبى قد امتلئ بالخوف فجأة وليس لذلك من تعليل إلا هذا المجهول الذي يوشك أن يقع. واقترحت عليهم أن نتفادى وقوع الكوارث بأن أسرع بالانسحاب من الميدان وأن ألجأ إلى الاعتكاف في الريف أو بالأحرى في شربين عند إبراهيم شكرى. ولقد بهت إخوانى الذين سمعوا هذا العزم ولم يتقبلوه بسهولة. وكان إبراهيم شكرى هو أكثر الجميع معارضة وراح يتساءل ماذا سيقول الناس في هذا التصرف المفاجئ الذي لا مقدمات له.

إن أحدا لن يستسيغه ولن يفهمه وسوف يسئ الجميع تفسيره. قلت له سوف يفهمون التصرف على حقيقته عندما تقع الكوارث التى أحس انها واقعة وعندها فسوف نسترد كل الأرض التى فقدناها.

ولكن الدكتور محمد حلمى مراد انضم إلى إبراهيم شكرى في تثبيط عزمى وأسرع حلمى الغندور إلى موفقتى بغير تفكير أو مناقشة استنادا إلى أن الحوادث قد دلت على أن إحساسى لا يخطئ ..

وانتهت المناقشة إلى فكرة وسط اقترحها إبراهيم لتكون بمثابة تهيئة لذهن الرأى العام وهى أن أعد بيانا مفصلا يصلح أن يكون حيثيات لهذا القرار دون أن أعلن القرار نفسه ونكتفى بإذاعة هذا البيان على الرأى العام ولا بأس بعد ذلك أن أنسحب بهدوء وفي غير ضجيج وبدون إعلان.

فاقتنعت بهذا الرأى ووضعت هذا البيان أو بالأحرى هذه الحيثيات التى تدين الحكومة وتشجب موقفها وتثبت بالدليل والبرهان وتحليل الوقائع أن استمرار الوزارة في الحكم واستمرار هذه السياسة التى تسير عليها سينتهى باللاد إلى كارثة محققة ومصائب وجرائم يقشعر لهولها الولدان وبعد أن فرغت من إعداد البيان رأيت أن أضيف إليه في النهاية النتيجة الطبيعية له، وهو إعلان انسحابى.

وأسرعت بعد إعداد البيان إلى دار أخبار اليوم لتطبع لنا بعض نسخ منه وحددنا يوم الخميس 24 من يناير لإذاعة البيان ودعونا إلى عقد مؤتمر صحفى لتلاوة البيان عليهم ثم إعطائهم صورة منه بعد المناقشة فيه.

وأسرع مصطفى أمين إلى معاونتى في طبع البيان بالدقة والسرية اللازمتين فقد كنا نخشى أن تداهم الحكومة المطبعة وأن تصادر البيان وبالتالى الاجتماع.

وفي الساعة الثانية صباحا فرغنا من إعداد البيان الذى استغرق صفحة كاملة من صفحات الجرائد اليومية وأسرعت به إلى البيت وكنا في صبيحة الأربعاء.

وجاءنى إبراهيم شكرى ليزورنى في البيت وكنت قد بدأت في أحس بالتوعك فوجد البيان قد اشتمل على إعلان موضوع الانسحاب والاعتزال السياسي المؤقت.

فقال لى أولم نتفق على ألا يتضمن البيان هذه الفقرة فرحت أقنعه بوجوبها وأن إحساسى يدفعنى إليها وليكن من آثارها ما يكون .. ولكنه استطاع بإصراره أن يقنعنى من جديد على ضرورة حذفها من البيان.

وإخلاص إبراهيم شكرى لى وللحركة وتفانيه في سبيلها يجعلنى لا أستطيع إلا أن أوافقه على أى من آرائه إذا أصر عليه فوافقته على أن أحذف هذه الفقرة.

وجاء محمد حلمى مراد و كمال سعد وراح ثلاثتهم (يشطبون) بالحبر الأسود على نص عبارة الانسحاب وكانت في البيان وفي ختامه بينما جلست مستلقيا على أحد المقاعد وقد ارتفعت حرارتى من وطأة المرض.

وفي ساعة متأخرة من الليل تم تصحيح كل النسخ التى كانت تبلغ المائتين أو الثلاثمائة.

وزيادة في الحرص دعا إبراهيم شكرى الأستاذ محمد أبو ثريا ناظر مدرسة مصطفى الوكيل وكلفه أن عمل على طبع البيان (بالرونيو) خاليا من هذه الفقرة الأخيرة فأسرع إلى تنفيذ هذا الأمر وأعد بالفعل نسخة من البيان على الآلة الكاتبة فالرونيو خالية من قرار الانسحاب والاعتزال ..

وقد كانت إحدى هذه النسخ هى التى وقعت في يد النيابة بعد ذلك والتى اتخذت منها دليلا على حوادث يوم 26 من يناير بعد ذلك.

يوم الخميس 24 من يناير

وأخيرا جاء يوم الخميس 24 من يناير وكانت الساعة الخامسة بعد الظهر معدة للاجتماع بالصحفيين وإذاعة البيان وكانت حالتى العامة قد ازدادت سوءا فلازمت الفراش طوال النهار ورحت أتناول الأشربة الساخنة وحبات الأسبرين استعدادا للمساء.

وفي الساعة المقررة توجهت في سيارتى إلى دار الحزب حيث كان يغص بالحركة والنشاط وجاء حشد من الصحفيين الذين يمثلون مختلف الصحف وكان على رأسهم الأستاذ مصطفى القشاشى سكرتير النقابة وأسرة التحرير في جريدة الأساس وعلى رأسهم الدكتور على الرجال وأبو طالب والأستاذ حسنين هيكل دار أخبار اليوم وعشرات من المندوبين الآخرين.

وبعد أن تناول الجميع فنجانا من الشاى بدأت أطالع البيان وقد كانت المطالعة مرهقة لحالتى الصحية من ناحية ثانية ولكننى فرغت منه فى النهاية فصفق الحاضرون تصفيقا شديدا ثم راحوا يناقشوننى عن تفاصيل بعض ما جاء فيه وكان من الواضح أن جميع الحاضرين يوافقون على ما جاء فى البيان وأن كل مناقشاتهم كانت تدور حول المزيد من سماع تفاصيل سوء حالة الفدائيين، أو ما أشرت اليه من المؤامرات لتى تدور فى الخفاء والتى تعمل على طعن الحركة الوطنية ..

وكانت بعض الأسئلة تدور ول ما هى الوزارة التى تعقب هذه الوزارة ان هى سقطت وما هو نوع السياسة التى تنتهجها وكان ردى على ذلك قويا وحازما .. ألا وهو أن الوزارة بحالتها الحاضرة وسياستها يجب أن تسقط فورا اذا أريد تجنيب البلاد الكوارث والأخطار .

أما نوع الوزارة التى تليها فمسألة لا تهمنا قدر ما يهمنا الآن ايقاف هذه السياسة ذات الوجهين والتى تقابل الشعب بوجه والانجليز بوجه آخر والملك بوجه ثالث فان ذلك سيكون مبعث الكوارث وعقب انتهاء المناقشات وزع البيان على الحاضرين فأسرعوا به الى دور صحفهم .

وكانت الجموع التى اعتادت الاجتماع كل خميس فى دار الحزب الاشتراكى مجتمعة فى انتظار سماع البيان بدورها.

وكانت المناقشات وما ولدته فى نفسى من الحرارة الصحية قد حسنت حالتى فنزلت الى الدور الأرضى ورحت أتلو عليهم بعض فقرات من البيان وأفسره وأشرحه بما يتناسب مع الاشتراكيين الذين سمعوا هذا الكلام من قبل أكثر من مرة.

ومرة أخرى طغى على هذا الشعور بضرورة اعلان انسحابي واعتكافى فاذا بى أقول لهذه الجموع المحتشدة أن هذا البيان الذى وزعته على الصحفيين ينقصه فقرة تتضمن قرارى بالنسبة للموقف وهو انسحابي من ميدان المعركة احتجاجا على التصرفات الحكومية ضدنا وسياستها العامة واننى سوف اعتكف فى الريف لأكون بريئا من مسئولية ماسوف يقع على البلاد من كوارث ونكبات .

وانتهى الحديث وسط التصفيق والهتافات وصعدت الى حجرتى فى الدور لأعلى بينما لاحقنى إبراهيم شكرى ليعتب على عودتى الى إذاعة حديث الانسحاب والاعتزال ..

فقلت له يا إبراهيم أنت تعرف أن نفسى عندما تنبض بشئ فلست استطيع أن أكتم هذا النبض أو أوقفه .

اننى اشعر بالكآبة تزحف على نفسى وتغمرنى بصورة عجيبة وليس من سبيل لكى أتخلص من هذا الشعور إلا أن أنسحب فورا وسريعا .

وفيما نحن نتحدث كان المنصرفون من أعضاء الحزب يهتفون هتافات عدائية لسراج الدين وللحكومة فانزعجت من هذه الهتافات وزادت الكآبة فى نفسى، فبعث للأعضاء من يأمرهم بالإخلاد إلى السكينة والانصراف فى هدوء ونظام بعيدا عن كل هتاف وإخلال خاصة أن البوليس كان يحيط بالدار بكميات ضخمة .

ولم يكد الرسول الذى أوفدته يغادر الحجرة حتى سمعنا صوت جلبة فى الطريق وكر وفر وصراخ فتصورت أن ما حذرته قد وقع وأن البوليس اعتدى على الأعضاء ولكن إبراهيم شكرى نظر من خلال النافذة المغلقة فإذا به يقول لى أن المعتدى ليس البوليس

ولكنهم بعض الشبان الوفديين الذين كانوا مجتمعين فى النادى السعدى هم الذين يهاجمون أعضاءنا الذين ارتدوا إلى دار الحزب ليحتموا بها وكان ذلك نذيرا بقيام معركة استعمل فيها الطوب الذى انهال على دار الحزب كالمطر من دار النادى السعدى وبدأ أعضاء الحزب الاشتراكى ينحازون ويخافون والوفديون يهاجمون حتى حتى خيف أن يهاجموا الحزب من الداخل ..

فطلبت من جميع الأعضاء الذين جاءوا ليحيطوا بى أن ينزلوا ويخرجوا الى الشارع وإلا ضربوا وذبحوا فى عقر دارهم .. وفيما هم ينزلون سمعت صوت طلقات نارية فصرخت أسأل عن مصدر هذه الطلقات وخفت أن يكون أحد أعضاء الحزب مصدرها فأقسموا لى أن الوفديين هم الذين أطلقوا النيران ..

وهكذا وجدت نفسى فجأة وسط معركة حامية الوطيس لا نعرف كيف ننتهى ولا مدى المسئوليات التى ستترتب عليها فغمرنى الاستسلام وانتظرت ما تجرى به وطابت أن يعد لى فراش لأنام عليه فقد شعرت بازدياد وطأة المرض وطلبت الاتصال بالنيابة وإبراهيم أمام فى المحافظة .

وكان إطلاق الرصاص قد جعل البوليس يتداخل فى الأمر منعا لتفاقم المسائل فحال بين الوفديين وبين معاودة الهجوم وهدأت الأحوال وضرب البوليس الحصار على الحزب يمنع خروج أى واحد منه ريثما تأتى النيابة وتضبط الواقعة الخطيرة.

ولست أعرف عندما انسحبت إلى حجرة النوم لأرقد فيها اذا كنت قد نمت أم لا .. ولكنى حوالى الساعة الثانية صباحا أو قبل ذلك بقليل أخطرت أن النيابة الآن تفتش الحزب وتعاينه فارتديت ملابسى على عجل وذهبت الى حيث كان وكيل أول نيابة جنوب القاهرة الأستاذ عدلى نسيم يعاين الائتلافات التى أصابت الحزب ومن حوله إبراهيم شكرى وباقى الأعضاء ..

فسلمت عليه وأخبرته بنبأ مرضى فتمنى لى السلامة . وبعد ذلك بدأ البوليس فى تفتيش أعضاء الحزب تمهيدا للسماح لهم بالانصراف بعد قيد أسمائهم و عناوينهم .

وقد انتهت هذه العملية فى الساعة الثالثة صباحا وسمح لنا جميعا بالانصراف بعد ذلك فوصلت إلى الجراج الخاص بعربتى فى هذا الوقت المبكر من صباح يوم الجمعة 25 من يناير وسألنى صاحب الجراجعن الوقت الذى أحتاج فيه إلى العربة ..

وقد شهد الرجل بذلك عندما سأله البوليس، فلما علموا أن شهادته لصالحى وتثبت عدم خروجى من البيت هددوه إذا هو تقدم للشهادة بعد ذلك.

وعندما آويت إلى فراشى كان عزمى وتصميمي قد استقر على وجوب تنفيذ عزمى بالانسحاب فورا وكنت قد سمعت إبراهيم شكرى يعلن عزمه على السفر إلى شربين فقررت أنه فور أن أرتاح قليلا أتصل به في التليفون وأطلب منه أن يحضر معه الى شربين فورا.

وعلى هذا العزم نمت بضع ساعات واستيقظت فى الساعة الثامنة على ما أذكر حيث قيل لى أن بعض الطلاب ومعهم ضابط من الجيش يطلبون مقابلتى.

فقابلتهم وأنا فى شدة الضجر لتعبى فأخبرونى أنهم فى طريقهم الى الشرقية وأنهم فى حاجة الى بعض أشياء ..

ولم يكادوا ينصرفون من عندى حتى طلبت ابراهيم شكرى فى التليفون فاذا بهم يقولون لى أنه قد سافر الى شربين فعجبت لذلك متى وكيف سافر وقد غادرنا بعضنا فى الساعة الثالثة صباحا ونحن الآن قبيل التاسعة ولم أعرف كيف سافر إلا بعد أن اتصلت به فى شربين تليفونيا بعد ساعة وفهمت منه أنه سافر بعد أن غادرنى فى الثالثة صباحا على الفور.

فعتبت عليه لماذا لم يأخذنى معه فقال لى أنه لم يكن يتصور وأنا متعب بهذه الصورة أن يأخذنى معه فى هذه الساعة المبكرة من الصباح وأنه سيعود الى مصر قريبا جدا ليأخذنى الى شربين 00

وانقضى اليوم فى هدوء نسبى وأرسلت لى السيدة بهيجة البكرى فيما أذكر دواء (لأتغرغر به) ولكنى لم استعمله ..

واعتذرت عن مقابلة أحد وارتفعت حرارتى الى5و38 وعند المساء ترامت الينا الأخبار ما حدث فى الاسماعيلية حيث طلب الانجليز من قوات البوليس المرابطة بها أن تسلم لهم دار المحافظة وأن يسلموا أسلحتهم للانجليز. وقد صدرت الأوامر لهؤلاء البؤساء بالمقاومة حتى النهاية ..

وقد قاموا فى بسالة حتى النهاية فقتل منهم أربعون وجرح فريق آخر وأسر باقى القوة وعددها ألف جندى بضباطها ورؤسائها واستولى الانجليز على دار المحافظة. وهكذا وقعت أولى الكوارث التى توقعتها من هذه السياسة الشاذة سياسة فؤاد سراج الدين والذى يريد أن يحارب الانجليز بعساكر بلوكات النظام.

وقد أدركت على الفور أن هذا الخبر سيكون له وقع سيئ فى النفوس وستهيج مشاعر الشعب فى اليوم التالى .. ولكنى مع كل حساباتى وتقديراتى لم أتخيل قط أن يحدث بعض هذا الذى حدث فى اليوم التالى .. يوم السبت 26 من يناير سنة 1952.


26 يناير 1952 ...

أطول يوم في التاريخ

26 من يناير 1951

استيقظت فى صبيحة البيت26 من يناير فى ساعة متأخرة - من غير شك - لتقول لى زوجتى أن محمود وصفى قد تكلم التليفون وأخبرها أنه قد شاهد مظاهرة من عساكر بلوكات النظام وهم يهتفون:

"نريد السلاح .. نريد السلاح .. أين السلاح يا نحاس؟" والجماهير تحيط بهم وتهتف معهم.

كان هذا هو الخبر الذى ألقته لى زوجتى فى هدوء وبساطة، ولم تكن تعرف من - غير شك - أنها بهذا الخبر تخط السطر الأول فى سلسلة متاعبها وآلامها التى تجرعتها طوال عام تقريبا لم يكن فى مصر كلها من عانى هذا الذى عانته.

وكان ردى عليها "ماذا تقولين .. عساكر يتظاهرون؟! هذه ثورة" ولقد كانت ثورة بالفعل وأدركت ذلك فى التاسعة من صباح يوم السبت 26 من يناير، حيث لم يدرك هذا المعنى سراج الدين أو حكومة الوفد إلا فى آخر النهار على أطلال مدينة القاهرة.

ومضت زوجتى تحدثنى عن ملاحظة أخرى لاحظتها وهى خلو الميدان أمام بيتنا من العساكر كما هى العادة فى مثل هذه الظروف ..

فإن بيتنا يقع عند نهاية كبرى عباس من ناحية الروضة ، وفى هذه المنطقة ترابط دائما قوات البوليس فى انتظار مظاهرات الجامعة فى طريقها نحو القاهرة لتصادرها وتمنعها، وفى هذا المكان وقعت واقعتا كوبرى عباس الأولى والثانية ..

الأولى عندما سقط "مصر الفتاة " والجامعة فى نوفمبر فى سنة 1935، وعلى رأسهم عبد المجيد مرسى وعبعنوان وصلةد الحكيم الجراحى، ومن بينهم ابراهيم شكرى الذى أنجاه الله، والثانية فى 1945 خلال حكم النقراشى.

لذلك فقد اعتدنا أن نرى هذا المكان مكتظا بكل صنوف الجند فى حالات الطوارئ .. وكانت زوجتى دقيقة فى ملاحظاتها عندما رأت المكان خاليا من جميع الجنود ..

وكان ذلك - بالإضافة إلى خبر محمود وصفى - يدل على أن رد فعل حادث الاسماعيلية قد ظهر بكل عنف بين صفوف عساكر البوليس بالذات .. وان كان ذلك وضعا طبيعيا باعتبارهم ضحية الحادث، ولكن لم أكن أتوقع شيئا من ذلك.

وطالعت الصحف -الأهرام والمصرى- وكانت عناوينهما ضخمة ومثيرة، وبمجرد إلقاء نظرى على هذه العناوين قدرت تأثيرها المخيف وأن اليوم سيكون يوما مضطربا لا يعلم سوى الله ماذا تكون نتيجته .. ولكن أيا كان الاضطراب وصوره التى وقعت بالفعل هى أبعد ما تكون عن تفكيرى.

وكانت حالتى الصحية أحسن حالا -من غير شك- بعد الراحة الكاملة فى اليوم السابق، ولكننى شعرت بضرورة الاستمرار فى الفراش ..

وقد زادتنى هذه الأنباء رغبة فى التمسك بعدم مبارحة الفراش فتناولت طعام الفطور .. وبدأ جرس التليفون يدق وقد كان مقدرا لهذا ألا يهدأ بعد ذلك لحظة واحدة.

وقد نسيت الآن أسماء هؤلاء الذين راحوا يحدثوننى في هذا اليوم ويصفون لى ما يرونه .. ماهرات عارمة يتوسطها العساكر ويحيط بها الجمهور ..

هذه مظاهرة في ساحة الجامعة .. وهذه مظاهرة أخرى تنحدر من الأزهر نحو العتبة الخضراء .. وهذه مظاهرة ثالثة تأتى من بولاق يؤلفها عمال العنابر والترسانة ..

والبوليس في كل مكان جزء لا يتجزأ من المظاهرات .. والصيحة في مكان "نريد السلاح .. نريد السلاح .. أين السلاح يا نحاس؟".

ضرورة إسقاط الوزارة

وعندما ينضم البوليس إلى الشعب فهذه هى الثورة، أو هذه هى الفوضى، ولا يحق لحكومة أن تبقى لحظة واحدة في الحكم إذا أفلت الزمام من يدها، وانقلب عليها البوليس لأنه أداتها في حفظ الأمن وإعلاء سلطان الدولة .

فإذا تمرد البوليس عليها فقد انتهت الدولة .. ولذلك فلم يعد هناك أى مبرر في نظرى لأن تستمر الوزارة في الحكم إذا أريد تفادى كوارث خطيرة.

وأسرعت بالاتصال بالأستاذ مصفى أمين في أخبار اليوم .. وسألته عما لديه من أخبار؟ فوجدتها تطابق ما عندى من الأخبار فسألته إذا كان يقدر خطورة هذا الذي يجرى؟

فأجابنى بالإيجاب فقلت له: إن البلاد معرضة لخطر جسيم ولست أرى سبيلا لإطفاء نيران الفتنة إلا إقالة الوزارة أو إقالة سراج الدين على الأقل باعتباره وزير الداخلية الذي انتهت سياسته إلى هذه النتيجة المخزية ..

وطلب منى أن أتصل بحافظ عفيفى الذي طالما طلب منى مصطفى أمين أن أقابله لأشرح له وجهة نظرى، فرفضت ذلك بإصرار، ولكن إزاء هذه الحوادث لم يسعنى إلا أن أطلب من مصطفى أمين أن يبلغ حافظ عفيفى على لسانى بأن الحالة خطرة جدا،

وأنه لابد لإنقاذ البلد من إقالة الوزارة أو على الأقل إقالة سراج الدين باعتباره وزير الداخلية وتعيين وزير جديد .. فوعدنى مصطفى أمين بأنه سيفعل ذلك.

وعادت التليفونات تدق .. تتحدث عن تطور المظاهرات وتفاقمها وكيف انضم إليها ضباط الجيش يحيطون بمجلس الوزارة إحاطة السوار بالمعصم وأن الهياج قد بلغ أشده.

واتصل بى طلاب الجامعة وطلبوا منى أن أنزل لكى ألقى نظرة على هذه الظاهرات الشعبية التى لا مثيل لها، فصرخت فيهم محتدا إذا كانوا مجانين ليقترحوا هذا الاقتراح؟! وأفهمتهم أننى مريض وملازم الفراش وأننى لو كنت سليما معافا لما نزلت إلى الشارع في هذا اليوم العصيب الذي لا يعلم سوى الله كيف ينتهى.

حريق كازينو أوبرا

ثم جاء الخبر المشئوم نذير الشر المستطير .. لقد حدثنى متحدث وأخبرنى أن المتظاهرين أشعلوا النار في كازينو أوبرا، ووصف لى المتحدث كيف أن رجال البوليس يقفون جامدين لا يحركون ساكنا، بل إن بعضهم يشترك في تحريض المتظاهرين، وزاد محدثى ..

أن رجال المطافئ أنفسهم –وهم على بعد خطوات من المكان- لم يتحمسوا للإسراع نحو المكان لإطفاء النيران .. وتملكنى الخوف لدى سماع هذا النبأ وكان إحساسى الغريزى قد بدأ يتنبه فأشعر بالخطر الذي يزحف نحوى.

وعاودتنى فكرة ضرورة إقصاء وزير الداخلية وإقصاء الوزارة كلها لإنقاذ البلاد .. وحاولت الاتصال بمصطفى أمين لأسأله عما فعله فلم أجده في الدار،

وحدثنى الأستاذ حسنين هيكل ولم يكن الخبر قد وصل إليه فحدثته عنه وعما يجرى من مظاهرات حول مجلس الوزراء فعلق على ذلك بقوله:

لقد اضطررت للسفر إلى إيران أو إلى سوريا لكى أكتب مقالا مثيرا، أما الآن فما على إلا أن أنزل إلى الشارع لى أرى مثل هذه الحوادث .. فطلبت منه أن يتصل بى وأن يحبرنى أولا بما يرى ويسمع.

وأسرعت للاتصال بادجار جلاد لأحمل له نفس الرسالة التى حملتها لمصطفى أمين ولم أعرف ماذا فعل بها.

وقد كنت أختار الأشخاص الذين أعلم انهم على صلة وثيقة بالقصر ورجاله، فإنه باستطاعتهم ان يعلموا عن طريق الاتصال السريع سواء عن طريق التليفون أم غيره،

وقد فاتنى أنه في الأزمات وفي المواقف الدقيقة كان المتصلون بالقصر يصبحون أعجز الناس عن أن ينقلوا خبر أو يقوموا بأى مهمة من أى نوع كان ولو كانت لصالح القصر الذي يعيشون في نعمائه ..

اتصلت بادجار جلاد عقب حرق كازينو أوبرا فعلمت منه انه قادم من الإسكندرية ولا يعرف مدى خطورة الموقف ..

وكل الذي يعرفه أن البوليس هم بمصادرة جريدة الزمان، ثم احتج عليه فأوقف مصادرة الطبعة الأولى التى كانت تتضمن أنباء مظاهرات رجال البوليس وتمردهم ..

فحدثته عن خطورة الموقف وأن حريق كازينو أوبرا ينذر بأفدح الكوارث إذا لم يتدارك المسئولين الأمر بكل شدة، وأن وزير الداخلية مسئول عن هذه الحالة بسياسته العرجاء المذبذبة، وأنه يجب أن يسقط حالا ليتولى مقاليد الداخلية رجل يعيد الأمن والنظام ويهدئ الحالة.

فقال إدجار جلاد أن مثل هذه الموضوعات لا يتكلم فيها في التليفون وأنه يريد أن يرانى .. فأخبرته بأننى مريض وملازم الفراش وحبذا لو زارنى .. فأخذ نمرة البيت على أن يزورنى في اليوم التالى.

وكان عندى أثناء هذه المكالمة الأستاذ إسماعيل عامر الذي جاء بدوره يصف لى ما يجرى في أنحاء القاهرة، ويطمئن على صحتى وقد جاءنى بأحد العقاقير الطبية.

وكان حريق كازينو أوبرا بمثابة إشعال عود الثقاب .. فقد تلاه حريق سينما ريفولى، ولك يكد يصلنى نبأ حريق سينما ريفولى، وكيف أن إبراهيم إمام والبوليس يقفون موقفا سلبيا، حتى وصلنى نبأ سينما مترو، وأحسست بلفح النار يغمرنى شخصيا ..

فازددت تشبثا بالفراش وتصرفت كما يتصرف الأطفال عندما يخافون بالليل أو يسمعون خبرا مثيرا فيغطون وجوههم باللحاف. وفي ذلك الوقت تمنيت لو استطعت أن أعمل ذلك.

وانتقلت الحرائق –كما هو شأنها دائما- من هذه الأمكنة المركزة إلى سائر أنحاء القاهرة وتسامع للصوص والسراق والعاطلون والمتشردون أن البوليس لا يتعرض للذين يحرقون أو يسرقون أو ينهبون .. فاستغلوا فرصتهم وراحوا في كل مكان يحرقون السينما والحانات كذريعة لسرقتها ونهبها.

مخاطبة على ماهر

وعند هذا الحد أدركت أن القاهرة كلها قد تلتهما النيران إذا لم يظهر على المسرح عنصر يعيد النظام والهدوء .. بل إن الانجليز أنفسهم قد يحتلون المدينة انقاذا لأرواح مواطنيهم،

أو بالأحرى استغلالا للفرصة لكى يضربوا حركة الجهاد الشعبى ضدهم .. فأسرعت بالاتصال بعلى ماهر لكى أقف على رأيه في الموضوع وأطالبه بأن يعمل شيئا لإنقاذ البلاد.

وكان قد انقضى على زمن طويل لم أخاطب فيه على ماهر لجنوحه المستمر نحو تأييد مدرسة الجيل القديم من الساسة، ولأنه يأخذ بالأساليب الرأسمالية كغيره من الرأسماليين سواء في تفكيره أم في خططه، ولذلك فقد كتبت منتقدا بعض تصرفاته وحدثت بيننا تبعا لذلك شبه فجوة ..

وكانت أخبار اليوم أو آخر ساعة قد أجرت استفتاء للشعب فيمن يقترحه رئيسا للوزراء في ذلك الوقت .. وحدث أن كنت في الحجرة المخصصة لجمع أوراق هذا الاستفتاء،

فوجدت أكداسا من الأجوبة التى انهالت علت الصحيفة من الرأى العام، وكان التيار الغالب في الآراء هو ترشيح على ماهر لرئاسة وزارة قومية .. ولما كنت أتأثر لحد بعيد بآراء الرأى العام فلم يسعنى إلا أن أنضم إلى هذا الرأى.

فلما أن وقعت حوادث القاهرة وبدأت تنذر بكوارث يشيب لهولها الولدان، كما حذرت وأنذرت .. فقد اتجه فكرى على الفور إلى على ماهر ليقوم بدوره في هذا اليوم لانقاذ البلاد.

فاتصلت به وكان هو الذى رد على ولم تكن فكرته عن الموقف تزيد على أن هناك بعض المظاهرات العادية .. فشرحت له ما يجرى وكيف أن العساكر من البوليس والجيش يحيطون بمجلس الوزراء في مظاهرة صاخبة ويطالبون بالسلاح فأجابنى: هذه ثورة،

فقلت له إنها كذلك، ثم حدثته عن الحرائق وخطورتها وامتدادها السريع من مكان إلى مكان، وطلبت منه باعتباره من أكبر ساسة مصر أن يتوجه فورا إلى القصر،

ويصر على وجوب مقابلة الملك لإفهامه خطورة الموقف وضرورة العمل السريع لإيجاد حل، وذكرت له أن رأيى الشخصى هو إسقاط وزارة الوفد وتأليف وزارة قومية .. فوعدنى بأن نتصل على كل حال بحافظ عفيفى وانتهت المكالمة عند هذا الحد.

وبعد قليل من هذه المكالمة اتصل بى حلمى الغندور وهو في حالة فزع من تطور الموقف، وكيف أصبح السلب والنهب والحرق يتم بواسطة عصابات لا تجد من يردعها وأن القاهرة توشك بأكملها أن تصبح طعمة للنيران.

وخاطبنى آخرون في مثل هذا المعنى .. ودق التليفون من جديد لتخبرنى زوجتى بأن المتكلم هو على ماهر نفسه فاغتبطت بهذه المكالمة التى دلتنى على شديد اهتمامه وإن كان قد شهد بعد ذلك أمام المحكمة أنه كان في هذه المكالمة الثانية إنما يقوم بإجراء بوليسى.

فقد استراب في المكان الذي خاطبته منه فأراد أن يتحقق من وجودى بالمنزل فاتصل بى وهكذا كشف الرجل عن سريرته ونفسيته، ولكن في ذلك الوقت لم أتصور إلا أنه خاطبنى اهتماما بالموضوع الذى حدثته فيه .. وقد بدأ حديثه بأنه لم يستطع الاتصال بحافظ عفيفي ثم سألنى عما إذا كانت لدى معلومات جديدة فأنهيت إليه آخر ما وصل إلى من معلومات،

وقلت له أننى أخشى إذا استمر الحال على هذا المنوال أن تحتل الجيوش الانجليزية القاهرة .. فأجابنى: أوصلت الأمور إلى هذه الدرجة؟! فقلت له بل كلها أسوأ مما أتخيل وكررت له أن الحل الوحيد هو أن تتألف وزارة قومية برئاسته وحذرته من أن تتألف الوزارة برئاسة حافظ عفيفي،

فهو شخص قد أصبح ممقوتا ومكروها من الشعب، وعاتبته في صداقته عفيفي التى يتشبث بها، فأجابنى بأننى لم أقل شيئا عن حافظ عفيفي إلا أنه وطنى، وكان يشير بذلك إلى حديث جرى له مع إحدى الصحف وكنت لم أطلع على هذا الحديث وقد تصور أننى أشير إلى هذا الحديث ..

فرحت أشرح له كيف أن الموقف الآن في السياسة أصبح يتلخص في حقيقة واحدة ألا وهى "مع الشعب أو ضد الشعب"، وأن أى سياسي يجب أن يقاس بهذا المقياس ..

واسترسلنا في الحديث طويلا ثم قلت له إذا كانت صحتى ستساعدنى غدا فإنى أرجو أن أتمكن من المرور عليك لنتحدث في كل ذلك .. وعند هذا القدر انتهت المكالمة ..

واستمرت الأحاديث التى تحمل لى الأنباء أو تسألنى عما أعلم من أنباء تتوالى .. ولكن كنت قد بدأت أستشعر خوفا غامضا من أننى لابد سأصاب بأذى من جراء هذه الحوادث.

وقد بدأ هذا الشعور يتزايد حتى جاءنى ما يؤكد ذلك المعنى وما يدعونى لمبارحة المنزل خوفا من جريمة قتل تدبر لى وسط هذه الفوضى .. وكان آخر من جاءنى هو الأستاذ على الغاياتى الذي قرر أمام المحكمة أنه خاطبنى في الرابعة والنصف،

وكان كغيره يقص على ما يراه من مناظر المظاهرات ويسأل عن صحتى .. وقد فاتنى أن أذكر أن جريدة الأهرام نشرت في صباح ذلك اليوم نبأ اعتكافى ومرضى فكان ذلك مدعاة لكثيرين للسؤال عن صحتى، وبالتالى كنت أتلقى منهم ما لديهم من أنباء.

وتلقيت هذه المكالمة التى أشرت إليها فيما سبق والتى حذرنى فيها مجهول من خطر سيصيبنى فأسرعت وارتديت ملابسى على عجل وقلت لزوجتى أن بقائى في المنزل بعد ذلك يعرضنى لخطر جسيم .. ففى وسط هذه الفوضى قد يجيئون لاعتقالى وقد يقتلوننى خلال ذلك ..

فانزعجت المسكينى وأسرعت تساعدنى على ارتداء ملابسى في لهفة ونزلت إلى الشاعر حيث أحضر لى ابنى مصطفى تاكسى، فنقلنى إلى منزل الدكتور محمد حلمى مراد بشارع قصر العينى رقم 46،

وعندما صعدت إلى شقته في الدور الثالث وسألت عنه فوجدت أنه قد نزل وذهب لمقابلتى بالمنزل للسؤال عن صحتى ولتحذيرى من البقاء بالمنزل وسط هذه الفوضى التى توشط أن تغمر كل شيء ..

فلم يكد يصل إلى بيتى حتى علم أننى في بيته فلحق بى وأبدى عجبه لهذا التوارد الفكرى العجيب.

ولم يكد يستقر بنا المقام حتى كان إبراهيم شكرى –الذى دعوته من شربين- وقد وصل، وجلسنا نستعرض الحوادث التى وقعت، وكيف أننا تنبأنا بوقوعها، ولو كان قد سمع لإنذاراتنا وتحذيراتنا لنجت البلاد من هذه الكارثة.

وبينما كنا نتحدث دق جرس التليفون وسرعان ما أدركنا أن ما كنت أتوقعه وأحذره قد وقع بالفعل، فقد قصدت إلى بيتى مجموعة من ضباط البوليس والجيش ليقبضوا على وقد ارتعدت فرائصى عندما سمعت نبأ ضباط الجيش الذين ذهبوا لاعتقالى،

فلم هناك أى مبرر لذهابهم إلا أن يكون ذلك مصداقا لهذا التحذير الذى وصل إلى، وقد زادنى ذلك إصرارا على ألا أقع في قبضة أيديهم في هذه الفترة، وتجسم في خاطرى أن ذلك يعنى موتى المحقق، ولذلك فقد أعلمت إبراهيم شكرى بعزمى على الاختفاء من وجه الحاكم العسكرى،

وقد فاتنى أن أذكر أننى كنت قد اتصللت في ذلك الوقت بمصطفى أمين في أخبار اليوم فأخبرنى بأن سراج الدين قد أبلغ السراى بأن الاشتراكيين هم المسئولون عما حدث فى هذا اليوم، فملأنى ذعرا لا زيادة بعده لمستزيد من أن تنسب إلينا هذه الكوارث، وأنا مريض في فراشى و إبراهيم شكرى في شربين وقد فاجأتنا كما فاجأت أى مصرى آخر.

وقد ضاعف ذلك في اعتقادى بأنه يريد التخلص منا بمناسبة هذه الحوادث.

ولذلك فقد وافقنى إبراهيم شكرى والدكتور محمد حلمى مراد على ضرورة الاختفاء ريثما تستقر الأحوال وتتضح الحقائق وعلى ذلك فقد نزلنا من البيت وركبنا إحدى سيارات الأجرة أنا و إبراهيم شكرى .. فنقلتنا إلى منيل الروضة حيث يقيم الدكتور محمود فهمى ابن أخت إبراهيم شكرى ..

وفي بيت الدكتور سمعنا الإذاعة التى حملت إلينا أنباء إعلان الأحكام العرفية وتعيين مصطفى النحاس حاكما عسكريا .. وسمعنا في الإذاعة المنطق الملكى الكريم الموجه لضباطه الذين دعاهم للمأدبة في قصر عابدين بمناسبة

"سبوع" ولى العهد. لقد كان المنطق الملكى الكريم يفيض بالقحة والتحدى والاستهتار، وقد أحسست وأنا أستمع إليه وكأن الملك يتحدانى به ويقصدنى بما تنضح به عباراته من الحقد ضد هذا الشعب .. وكان يتكلم عن الاضطرابات التى وقعت في هذا اليوم، وأنه فكر في إلغاء هذه المأدبة بمناسبة هذه الحوادث ولكنه رجع عن فكره وقرر أن يقيمها، فليس أبلغ من إظهار سلطانه وقوته وأنه لا يتأثر بهذه الخزعبلات من أن تقام الحفلة في موعدها المقرر ..

وهكذا أقيمت المأدبة على وهج من حريق القاهرة، ولست أتصور أن هناك جريمة من جرائم فاروق تفوق هذا الموقف الذي يذكرنا بفعلة نيرون عندما حرق روما وهو يغنى على قيثارته ..

وإذا كان نيرون قد هالته جريمته بعد ذلك فحرص على أن يلصق هذه الفعلة بدعاة المسيحية في ذلك الوقت، فألقى بهم إلى الأسود الجائعة وسط شعب روما المتعطش للانتقام، فكان ذلك شأن فاروق عندما حاول أن يلصق بالحزب الاشتراكى وبى بصفة خاصة هذه التهمة الشنعاء ليتخلص منا وسط لعنات الشعب وسخطه.

السفر إلى الإسكندرية

وبعد تردد طويل في هل الأفضل أن نبقى في القاهرة وفى هذا البيت الذى وصلناه بالذات أن نسافر إلى خارج القاهرة، استقر رأينا على أن نبرحها على الفر إلى الإسكندرية،

وقد قرر إبراهيم شكرى أن يزاملنى في الاختفاء وفى المصير. فكان لذلك أعظم الأثر في نفسى فليس هناك ما يقوى جنان المجاهد أكثر من أن يجد إلى جواره رفيقا مخلصا أمينا كإبراهيم شكرى ..

وفي الأيام المقبلة لم أكن أفتأ أتذكر موقف الرسول وهو يهاجر خفية من المدينة وإلى جواره أبو بكر الصديق يشاطره آلامه ومتاعبه وكنت أتمثل بنص القرآن "ثانى اثنين إذا هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا".

وبدأنا رحلتنا في حذر شديد خوفا من أن تكون هناك أرصاد حول مدينة القاهرة، ولذلك فقد درنا دورة طويلة جدا لنتفادى نقط المرور التى يعرف إبراهيم شكرى مواضعها لكثرة ما يذرع هذه الطرقات وقد أمكن بالفعل أن نخرج من نطاق القاهرة دون أن نرى أنفسنا مضطرين للوقوف في أى نقطة من النقط ..

وكان لنجاح إقامتنا في الإسكندرية لابد لنا من رفيق يعد لنا الطعام ويتصل بالخارج ويشترى لنا الحاجات ..

فكان من برامجنا أن نقصد إلى عزبة إبراهيم شكرى في شربين لاصطحاب أحد رجاله الأمناء الذين يعتمد عليهم في هذا الظرف ويسمى صادق. وعلى هذا المبدأ رحلتنا في اتجاه شربين، وكانت السيارة التى نستعملها أو بالأحرى سيارة الدكتور محمود فهمى من النوع الصغير جدا أشبه ما تكون "بالجرادة"

وكان يدهشنى أنها تحملنا وتسير بنا وننتقل من بلد إلى بلد في جنح الليل على الرغم من أننا كنا نسير في بطء وحذر. وكان خوفنا يتجدد كلما اقتربنا من حدود بلد من البلاد خوفا من نقط المرور، ولكن كان كل شيء يبدو عاديا. وعندما وصلنا إلى طنطا في منتصف الليل بدأنا نتردد في الذهاب إلى شربين وهل نذهب إليها بأنفسنا أم نرسل شخصا آخر لانجاز المهمة ونبقى في انتظاره .. ولكننا خرجنا من هذا التردد بانطلاق السيارة بالفعل نحو شربين.

وقبيل الثانية صباحا كنا نقترب من شربين وبدافع إحساس غريزى قلت لصاحبى يجب ألا ندخل عزبة إبراهيم شكرى من الطريق الطبيعى بل لابد لنا من اختيار طريق لا يقربنا من بلدة شربين نفسها وسرعان ما رسم إبراهيم الطريق الجديد الذى نسلكه للاقتراب من العزبة دون اجتياز الطريق الطرق العادية .. وهنا تجلت فائدة هذه السيارة (الجرادة) فقد بدأت تسير في طريق لا تصلح لغير سير الدواب تقريبا وساعد ظلام الليل على مضاعفة وعورة الطريق وصعوبته حيث احتجنا إلى ما يقرب من الساعتين لاجتياز مسافة لا تزيد على بضع كيلو مترات ..

وكادت السيارة تسقط بنا أكثر من مرة في بعض الترع أو المصارف. وأخيرا وبعد جهد استطعنا أن نقترب من العزبة من الخلف.

فأوقفنا السيارة على بعد كيلو متر ونزل محمود فهمى ليدنو من منازل القرية .. وكان أول من صادفه بطبيعة الحال الخفراء فطلب منهم وإيقاظ صادق وبعد لحظات أدركنا سر هذا الحذر الشديد الذي استولى علينا ونحن نقترب من شربين فقد علمنا أن البوليس قد سبقنا إليها أو وصلها في الساعة الواحدة صباحا وسأل عن إبراهيم شكرى وفتش القرية ثم عاد بعد ساعة أخرى، وأننا لو اقتربنا من القرية بالطريق العادى لصادفنا في الطريق على وجه التحقيق .. وهكذا صدقنى إحساسى بنعمة من الله كما صدقنى دائما.

وعلى الرغم من أننا كنا في صباح 27 يناير أى أننا في صميم الشتاء والشمس تشرق متأخرة فقد انسحبنا من شربين وقد بدأ النهار يسفر.

وعدنا مرة أخرى من هذا الطريق الوعر الذى سلكناه للاقتراب من العزبة .. ثم إلى الطريق العام وبدأنا الرحلة نحو الإسكندرية.

وفي طريقنا نحو طنطا مرة أخرى كان علينا أن نجتاز المحلة الكبرى وأن نشقها في وضح النهار، وأن نأخذ منها بنزينا و إبراهيم شكرى معروف لكل الناس ولذلك فقد وضعت منظارا على عينى وأمسكت بصحيفة الأهرام الصادرة في ذلك اليوم وحجبت وجهى متظاهرا بالمطالعة فيها وكذلك فعل إبراهيم .. بينما كان الدكتور محمود فهمى يفرغ البنزين المطلوب ..

وأخيرا وبعد فترة مرهقة على أعصابنا خرجنا من المحلة، وتجددت المحنة في طنطا ولم تهدأ أعصابنا بعض الشيء إلا بعد أن اجتزنا طنطا في جو عادى وبارحنا إلى الإسكندرية.

واستأنفنا الرحلة في جو عادى ولكن القلق كان يغمرنا وتوتر الأعصاب على أشده وكان ذلك يزداد كلما اقتربنا من حدود الإسكندرية. فلا شك أننا سنلقى عند هذه الحدود من ينتظرنا للقبض علينا ولذلك فقد اتفقنا أن نوقف السيارة قبل نقطة المرور وأن ينزل الدكتور محمود فهمى ليقترب من النقطة سيرا على الأقدام لاستطلاع ما بها ..

ولكننا لم ننفذ هذه الخطة خوفا من يلفت النظر بهذه الحركة، ورأينا أن نجازف بمصيرنا فواصلنا السير ولم نقف عند نقطة المرور ولم يستوقفنا أحد وهكذا دخلنا الإسكندرية في الساعة الحادية عشرة صباحا، ووجوهنا مصفرة من السهر والقلق والمجهود المتواصل ..

ولم نكد نسير على الكورنيش ونلمح زرقة البحر حتى أحسسنا بالراحة وخفت حدة التوتر الشديد التى كنا نعانيها.

وفى النهاية وصلنا إلى البيت المقصود في مصيف سيدى بشر وفى إحدى شققه المغلقة وجدنا مستقرنا في النهاية.

وكان أول همنا أن نأكل حتى إذا أكلنا تركنا الدكتور محمود فهمى ليعود مزاولة عمله في القاهرة، ثم أوينا إلى فراش النوم وكان الوقت عصرا فرحنا في سبات عميق.

وقد نكون استيقظنا مرة بعد ذلك في الليل ثم نمنا من جديد وأخيرا فتحنا أعيننا فإذا بنور الشمس ينفذ من خلال النوافذ المغلقة فدلنا ذلك على أننا واصلنا النهار بالليل نوما وأننا أصبحنا في يوم الاثنين 28 من يناير.

وأرسلنا رجلنا ليشترى لنا طعام الفطور وقد غاب طويلا ولكنه عندما عاد لم يكن يحمل فطورا فقط (ولكنه كان يحمل نبأ ضخما جدا كأسعد ما يمكن أن يسمع الإنسان من أنباء، لقد سمع الناس تتحدث عن أن الوزارة وزارة النحاس قد سقطت وأن على ماهر قد ألف الوزارة الجديدة ..

ولم أكد أصدق أذنى وأنا أسمع هذا النبأ فقد كان آخر ما أتصوره وأتمناه. أن على ماهر هو الرجل الوحيد في مصر الذى يشهد لى أننى لم أكن ملازما بيتى في يوم 26 يناير فحسب بل إنه الرجل الذى يشهد كيف كنت أنكر الحوادث وأسعى جاهدا لإنقاذ البلاد مما يهددها ..

إن شاهد براءتى الأول قد أصبح هو رئيس الحكومة فاى فضل وأى نعمة جزيلة قد أسبغها الله على ..

ما أعجب الحوادث عندما تؤيد وجهة نظره إلى هذا الحد .. لقد خاطبت على ماهر في يوم 26 يناير لكى يكون رئيسا للحكومة وها هو لا تكاد تمضى أربع وعشرون ساعة على مكالمتى له حتى يصبح رئيس وزارة بالفعل فكأننى كنت أصدر مرسوما بتعيينه عندما خاطبته.

لقد كان على ماهر في عقر داره وأبعد الأشياء عن خاطره أن يكون رئيسا للحكومة، فكنت أنا أول من اتصل به في هذا اليوم ليؤكد له ألا حل لإنقاذ البلاد إلا أن يتولى الوزارة ..

فكان هذا الذى اقترحت ولابد أن على ماهر سيذكر لى ذلك .. ولابد أنه سيقدر لى ذلك ولست أطمع في أن أكون وزيرا، أو أن ألقى منه جزاء أو شكورا ..

وكل الذى أطمع فيه وقد أصبح الرجل رئيسا للحكومة أن يلغى الأمر الصادر باعتقالى، وتحول كل همنا بعد سماع هذه الأخبار والتأكد منها أن نسرع إلى القاهرة على أجنحة الريح بعد أن أصبحنا في أمن وسلام بتولية على ماهر رئاسة الحكومة.

ولم تكن لدينا سيارة .. وكانت سيارة إبراهيم شكرى ستصل ولكنا لا نعرف في أى ساعة تصل من القاهرة فاتصلنا بالدكتور صالح مهدى طلبنا منه أن يترك كل شيء وأن يسرع بنا بسيارته إلى مصر.

ولقد لبى الرجل ولم يتردد لحظة في أن يتخلى عن عيادته وعن مستشفاه ليوصلنا إلى القاهرة .. فأعطى أوامره وتعليماته، وعند ظهر يوم 28 من يناير كنا في طريقنا من جديد إلى القاهرة ولكن شتان ما بين رحلتنا الماضية وهذه الرحلة ..

ففى هذه المرة لم يكن هناك في نفوسنا أى خوف أو قلق .. لقد سقط سراج الدين الذى كان يقف لنا بالمرصاد وأصبح على رأس الحكومة صديق .. وعلى رأسها على ماهر الذى يعرف من دون المصريين جميعا أننى كنت في بيتى يوم 26 من يناير.

وكان يجب علينا أن نصل إلى القاهرة قبل الليل فالجيش كان محتلا للقاهرة والتجول ممنوع من السادسة مساء حتى السادسة صباحا، وإن كنا علمنا فور وصولنا إلى القاهرة وأخذنى إبراهيم شكرى إلى أحد منازل العائلة وقد كان خاليا من سكانه وهو بيت عظيم رائع شعرنا في داخله بالاطمئنان.

حملة الاتصالات

الثلاثاء 29 من يناير

وبدأ من هذا المكمن ما يمكن أن يوصف بأنه يوصف بأنه حملة الاتصالات التليفونية .. اتصالات بالوزارة واتصالات بالصحف واتصالات بكل إنسان له رأى وذلك لمعرفة آخر ما تكشف من حقائق يوم 26 يوم يناير ومعرفة التفاصيل الكاملة عما حدث في هذا اليوم وعن تفسيره وتعليله ..

واتصالات ببعض معارفى من الوزراء ليتصلوا بعلى ماهر ليعمل على تصفية موقفى وكان على رأس هؤلاء الوزراء محمود حسن سفير مصر السابق في أمريكا الذى خاطبته أكثر من مرة في كل يوم ..

كما اتصلت بكريم ثابت وإدجار جلاد ومصطفى أمين ليذكروا الحقائق عن موقفى وبراءتى من حوادث ذلك اليوم .. واتصلت بصالح حرب .. بل وبعبد الفتاح حسن الوزير الوفدى السابق وعن طريقه أكملت معلوماتى عن ذلك اليوم فقد أمدنى ببعض التفاصيل التى شاهدها بنفسه.

وجرت لنا في التليفون مناقشات حادة حملت فيها على فؤاد سراج الدين حملات شعواء واعتبرته المسئول عن كل هذا الذى حدث.

واتصلت بالصحف وهى التى تعكس ما يدور في الرأى العام فهالنى ما لمسته من حملة الأكاذيب والإشاعات التى فجرها حول ما قمت به في ذلك اليوم ..

على أننى لم أدرك مدى التأثير العميق بهذه الاتهامات وما وصلت إليه من تواتر إلا عندما اتصلت بالدكتور حلمى مراد فوجدته في فزع من أن تصل الأمور إلى هذا الحد .. فالعامة يتحدثون عن الخمسين ألف جنيه التى قبضتها ثمنا لحرق القاهرة ..

وهناك أناس تقسم أنهم شاهدونى أخرج من السفارة الإنجليزية أو أحتمى بها وآخرون في الطرف الآخر يقولون بل شوهدت أخرج من المفوضية الرومانية .. وأقوام يصلون إلى حد ذكر رقم الشيك الذى أعطى لى ..

وحكيت الأقاصيص متصلة عن الطريقة التى قدت بها المتظاهرين وعن نوع المواد الحارقة التى استعملت وكان اسم إبراهيم شكرى يستغل كذلك. وكيف حرق ودمر ..

وكان طبيعيا أن تحدث هذه الأقاصيص والأقاويل أثرها في نفس الدكتور محمد حلمى مراد خوفا وإشفاقا على .. ولكنى رددت عليه في التليفون أن يهون عليه فكل ذلك سوف ينتهى فور أن تهدأ النفوس. وكل يوم يمر بل كل ساعة تظهر الحقائق وتقضى على إشاعات أسوأ،

فإن للشعوب غريزة لا تخطئ في الحكم بصدق على الأشياء .. وإن حالة الفزع والفوضى والاضطراب هى التى مكنت أعدائى من نشر أعدائى من نشر هذه الخرافات وفور زوال الفزع والفوضى ستظهر الحقائق.

وخاطب إبراهيم شكري على ماهر فإذا به يطمئنه ويقول له أنه يعتبره ابنه وأن المسائل ستنتهى بالنسبة لنا بعد بضعة أيام وأنه أصدر أمره للبوليس بألا يفتش علينا وكلف النيابة بأن تسرع في التحقيق لتجلية الموقف.

وكان هذا القول الذى قاله على ماهر لإبراهيم شكرى مباشرة هو ذات القول الذى قاله لكل من اتصل به وحادثه في الموضوع كإدجار جلاد ومحمود حسن وصالح حرب فقد ذكر لهؤلاء الثلاثة أنه يثق بوطنيتى، ويرى أن أبقى حيث أنا بضعة أيام حتى يصفى الموقف، ولقد كان من أشد الصدمات وقعا على نفسى أن على ماهر قد أنكر كل هذه الحقائق فيما بعد أمام المحكمة العسكرية العليا.

وانتهز فرصة غيابى عن المحكمة لكى يقول أقوالا سخيفة لا تليق برجل صغير أن يقولها فضلا عن رجل ولى القضاء ووزارة العدل ورئاسة الحكومة ويزعم أنه على خلق عظيم.

تسليم نفسى

على أية حال فقد اكتشفنا في هذا الوقت المبكر أن أقوال على ماهر لم تكن إلا تغريرا أو خداعا فما زعمه من أنه أصدر تعليماته لرجال البوليس ألا يبحثوا عنا لم نجد له صدى بين صفوفهم فكان البحث يدور على ساق وقدم.

وبدأ الموقف يسوء فإن اختفائى قد هيأ السبيل لتدعيم الإشاعات وبدأت أشعر بأننى يجب أن أظهر على الفور للقضاء على هذه الإشاعات ولإظهار براءتى بل والكشف عن الفاعلين والمسئولين الحقيقيين عن هذه الحوادث وتزويد السلطات بما لدى من معلومات.

وقد أسرعت فأعددت مذكرة أسرد فيها حقيقة موقفى من حوادث هذا اليوم والأسباب الحقيقية التى أدت إلى هذه الكارثة بحسب تصورى.

وأرسلت هذه المذكرة للدكتور فخري أسعد وحسين حمدي فقاما طبعها على الرونيو وشرعوا في توزيعها، وقابل حسين حمدي على ماهر في مجلس الوزراء وقدم له هذه المذكرة كما قابل سكرتير النائب العام وقدم له صورة أخرى.

ولكن الحوادث بدأت تتطور بسرعة بحيث صممت على وجوب الظهور وتسليم نفسى بأى شكل وأى طريق. فاتصلت في مساء أول فبراير بمحمود حسن وقلت له أننى أريد أن أضع نفسى تحت تصرف على ماهر فورا فلن أستطيع الاستمرار في هذا الجو الخانق،

فطلب منى من جديد أن أنتظر يوما آخر حتى يتصل بعلى ماهر ويخبره برغبتى فوعدته بذلك. ولكن لم أكد أفرغ من الحديث معه حتى اتصلت بزميلي إسماعيل عامر فإذا به يلقى إلى حديثا جرى له مع صلاح مرتجى الذى كان قد عين مدير للأمن العام فور تعيين الوزير الجديد مرتضى المراغى وهو يمت له بصلة النسب. ذهب إسماعيل عامل ليهنئ صلاح مرتجى بمنصبه الجديد وحدثه عن رغبة الحزب الاشتراكى في التعاون مع وزارة على ماهر،

وذكر في خلال حديثه أنه كان يزورنى في المنزل بمناسبة مرضي يوم 26 من يناير فإذا بصلاح مرتجى يستوقفه ويناشده بالله أن يصدقه الحق بخصوص وجودى في المنزل يوم 26 يناير فإذا بإسماعيل يقسم له على المصحف أننى كنت مريضا في ذلك اليوم،

وأنه زارنى وأعطانى دواء، فأبدى صلاح مرتجى شديد دهشته لذلك وقال له أن تقارير جميع المسئولين من الضباط ورجال النيابة تقول أنه كان على رأس المظاهرات في ذلك اليوم، وأن الرأى المجمع عليه لدى المسئولين هو أن أحمد حسين هو الذى قام بهذا العمل،

ولم أكد أسمع هذه الأقوال حتى أحسست بالنار تكاد تشتعل فى جسدى فقد مضى لنا ثلاثة أيام ونحن في محادثات هنا وهناك مع الوزراء ومع على ماهر ونتصور أن المسألة في طريقها إلى الحل فإذا بمدير الأمن العام الجديد يؤكد العكس أن التقارير لدى النيابة ولدى البوليس تجمع على أننى المسئول عما حدث،

ولذلك فقد قررت أن أتقدم فورا للنيابة بغير إبطاء حتى أضع حدا لكل ذلك وأواجه هذه الأكاذيب والاتهامات.

وعلى الرغم من أن الساعة كانت بعد العاشرة مساء فقد قررت أن أسلم نفسى على الفور فاتصلت بمنزل النائب العام عبد الرحمن غنيم وبعد قليل من الانتظار جاوبنى فسألته إذا كانت النيابة تطلبنى فإذا به يرتبك ولا يستطيع الجواب عن هذا السؤال وتعلل بأنه لا يستطيع في التليفون أن يرد على هذا السؤال فهو على أقل تقدير لا يعرف أننى أحمد حسين بالذات،

فأسرعت وسردت عليه ما وصل إلى علمى من أقوال صلاح مرتجى وقلت له أننى أريد أن أضع نفسى تحت تصرفه فورا.

فقال لى أنه لا شان له بذلك وأستطيع أن أقدم نفسى للبوليس، فاعترضت على ذلك بأن البوليس هو عدوى الذى أخشاه وأخشى ما يصيبنى من سوء على يديه.

فقال لى على كل حال إذا قدمت نفسك لى الآن فسوف أسلمك للبوليس ثم أشار من طرف خفى إلى أنه موجود في مكتبه صباحا وأن بابه مفتوح لاستقبال كل طارق.

ففهمت من ذلك أننى يجب أن أنتظر إلى الصباح حتى لا أسبب له إزعاجا في هذا الوقت المتأخر وفهمت منه كذلك بصفة عامة أنه ليس متلهفا على اعتقالى وعند هذا القدر انتهت المكالمة.

وفى اليوم التالى في صباح السبت 2 من فبراير أعددت نفسى نهائيا لوضع نفسى تحت تصرف السلطات وبدأت أحاول اختيار الجهة التى أسلم نفسى لها. ةكان كل ما يشغل ذهنى بطبيعة الحال هو الاطمئنان ألا أقتل غدرا بأى حجة من الحجج.

ورأيت من جديد أن أتصل بصلاح مرتجى في منزله وتم الاتصال وحدثته عن موقفى واستعدادى لتسليم نفسى، فعرض على أن أحضر إلى وزارة الداخلية لمقابلة مرتضى المراغى وزير الداخلية وأنه سيعرض عليه الأمر واتفقنا على أن أخاطبه ثانية في الساعة الثالة بعد الظهر بعد أن يعرض الأمر على الوزير.

اتصلت بالمنزل بعد ذلك ليعدوا لى حقيبة ملابسى ومصحفى استعدادا للسجن. وانتقلنا من المكان الذى كنا فيه إلى منزل الدكتور فهمى لنكون قريبين من منزلنا عند إحضار الحقيبة ولنتناول طعام الغذاء الأخير في ظل الحرية ..

وكنا قد اتفقنا على ألا يسلم إبراهيم شكري نفسه ليراقب الحالة بعد تسليم نفسى وليدافع عنى وعن الحزب ويواصل نشاطه السياسي مع على ماهر وغيره.

وتناولنا طعام الغداء وسط جو مرح بقدر الإمكان ولكن شبح المستقبل كان يكمن لى خلف كل كل كلمة تخرج من مفم أحدنا .. خلف كل لقمة ..

خلف كل ضحكة .. ترى ماذا سيكون مصيرى هذه الليلة .. أين سأكون غدا .. ما الذي سيفعلونه بى .. ولم أكن أستطيع الجواب عن أى سؤال من هذه الأسئلة.

وكانت عقارب الساعة تقترب من الثالثة وهى الموعد المحدد لمخاطبة صلاح مرتجى وفور أن دقت الثالثة كنت قد اتصلت به ففاجئنى بقوله أن الوزير رفض أن أقابله وصرح بأننى إذا أردت أن أسلم نفسى فأمامى النيابة، فثرت على هذا القول وقلت له أننى أعجب لهذا الموقف ..

فمن ناحية تقولون أن الحاكم العسكرى أصدر أمرا باعتقالى وأن النيابة تريدنى. فإذا خاطبت النائب العام قال لى قدم نفسك للبوليس وإذا خاطبت البوليس قال قدم نفسك للنيابة .. إن هذا وضع شاذ ولا أستطيع أن أفهمه،

ولذلك فإنى أبلغك بصفتك مدير الأمن العام بأننى سأحضر إلى منزلك في الساعة الخامسة مع الأستاذ إسماعيل عامر وعليك أن تتصرف بالصورة التى تراها وأنى أحملك كل المسئولية.

وبعد ذلك اتصلت بإسماعيل عامر وطلبت منه أن ينتظرنى بسيارة لدى محطة البنزين القريبة من منزله في شارع الجيزة ..

وقد كان، ووصلت إليه في الموعد في عربة إبراهيم شكري وما زلت أذكر حتى الآن كيف كان المطر ينهمر في هذه اللحظة مدرارا وكيف نقلوا حقيبة ملابسى من عربة إبراهيم شكري إلى عربته التى أصبحت تقربنى من هذه النهاية .. من الموت ..

عندما أدار محرك السيارة لتشرع في رحلتها نحو حدائق القبة حيث منزل صلاح مرتجى. كانت السماء مليئة بالغيوم والمطر فيها مدرارا وجو المساء القاتم بصبغته يزحف على الكون فجعلنى ذلك أنقبض وأزداد انقباضا كلما درجت بنا السيارة نحو الأمام.

وأخيرا وصلنا إلى حدائق القبة وبحثنا عن بيت صلاح مرتجى على الرغم من أن إسماعيل عامر يتردد على ذلك البيت كثيرا فقد جعلته عصبيته لا يكاد يعرف البيت مما اضطرنا إلى السير في الطريق حتى نهايته، ولم تكن النهاية سوى أستوديو جلال الذى حرق في ذلك اليوم،

وكان جند من الجيش يرابطون حول المكان فملأنى ذلك رهبة، وعرف إسماعيل عامر البيت أخيرا ولم تكن هناك أى حركة غير عادية في انتظارنا.

وصعد إسماعيل عامر إلى صلاح مرتجى وبعد فترة قصيرة ولكنها بدت لى فى ذلك الوقت وكأنها دهر طويل. عاد إسماعيل عامر وأخبرنى بأن صلاح مرتجى طلب منه أن نذهب إلى مكتب النائب العام فهو في انتظارنا وسوف يلحق بنا صلاح مرتجى.

ولقد ارتاحت نفسى لهذا التصرف وارتحت بالأكثر عندما وجدتنا نعود بسيارتنا من جديد بدون حراسة، بدون عساكر أو جنود أحرارا طلقاء لنصل إلى النائب العام .. وكانت السماء لا تزال تمطر وموكب الظلام يزحف ..

جاش في نفسى من جديد أن أحرص على هذه الحرية التى مازلت فيها وأن أعود من منتصف الطريق إلى حيث كنت.

وأخبرت إسماعيل عامر بهذه الخواطر وأننى في خوف من المصير الذى ينتظرنى فقال لى أنه ليس على استعداد أن يذهب بى إلى حيث وما دمت غير مطمئن فلا ضرورة للتسليم ..

ولكنى لم أعتد في حياتى أن أرجع إلى الوراء قط .. وأن أعدل عن القرارات النهائية التى أصدرها ولذلك فقد قررت المضى. ورفعت بصرى نحو السماء هاتفا لتكن مشيئتك يارب إننى أضع نفسى تحت حمايتك ..

وصلت إلى حجرة سكرتير النائب العام وكان كل شيء هادئا والسكون يخيم على أرجاء المكان، وقدمت نفسى للسكرتير وطلبت مقابلة النائب العام فدخل إلى حجرته ثم عاد وطلب منى الانتظار قليلا فجلست وجلس إلى جوارى إسماعيل عامر ومضى كل شيء كأيسر ما يكون وكأبسط ما يكون وبدأت أتمالك نفسى،

ثم ظهر صلاح مرتجى خارجا من حجرة النائب العام فسلم على ثم تركنى قليلا ليصدر أوامره وتعليماته فيما يختص بالقبض على وطريقته، وإن كنت لم أتبين في ذلك الوقت، وبعد قليل عاد إلى من جديد واصطحبنى معه إلى إحدى الحرات وجلسنا نتحدث في موضوع الحوادث ورأيى فيها، وانتهى الحديث بيننا بأن أظهرت له مخاوفى من أن تساء معاملتى في السجن أو يعتدى على،

فقال لى: لا تخف ولكن عليك أن توطد نفسك لاحتمال بعض المضايقات، فدهشت لذلك وقلت له: أى مضايقات تقصد ومن أى طراز ستكون هذه المضايقات، فاستدرك قائلا: مضايقات السجن، أليس السجن مضايقة؟! فقلت له: أما السجن هو ليس مضايقة بالنسبة لى،

فإذا كان هناك شيء آخر غير السجن فهو ليس مضايقة بالنسبة لى، فإذا كان هناك شيء آخر غير السجن فهذه مسألة أخرى، فأجابنى بألا محل لهواجسى.

وعندما عدت إلى حجرة سكرتير النائب العام رأيت بها عمر حسن مدير القسم الخصوصي بالداخلية، ثم ظهر على الأفق إبراهيم إمام ولم يلبث أن اختفى ثم حدثت مفاجأة طريفة عندما اكتشف سكرتير النائب العام أن إسماعيل عامر الذى يلازمنى ليس أحد ضباط البوليس وأننى حتى ذلك الوقت حر طليق أستطيع الانصراف في أى وقت، فإذا بالانزعاج يبدو على وجهه ويسأل:

إسماعيل عامر ألست ضابطا فلما أجابه بالنفى وأنه رفيقى إذا بوجهه يصفر ويسرع إلى الخارج وإن هى إلا لحظات حتى بدأنا نجد حركات الضباط والأقدام العسكرية تتردد خارج الحجرة، والبعض يطل علينا من حين لآخر ودخد السكرتير بعد ذلك هادئا مطمئنا أننى لن أستطيع الإفلات بعد ذلك،

وعند هذا الحد رأينا أن ينسحب إسماعيل عامر في سلام قبل أن يقبض عليه فانسحب وبقيت وحدى في انتظار ممل، ولكن الذى كان يخفف منه بعض الشيء أننى كنت قد بدأت أعتبر نفسى سجينا وأستسلم استسلام السجين.

وأخيرا دعيت لمقابلة النائب العام وكانت حجرته مكتظة بكبار رجال النيابة فاستقبلنى الرجل واقفا وقد كان لهذه الحركة الصغيرة أثر كبير في نفسى لم يبرحنى وقد خفف دائما شعورى ضد هذا الرجل في أحرج الأوقات، فقد كان أقصى ما أتمناه في هذه اللحظة ألا أعامل إلا باحترام،

فليس هناك ما يؤرق مضجعى ويجعل الجزع يدب إلى نفسى أكثر من أن أتخيل الاعتداء على كرامتى، إن الموت وشبح الموت لا يمكن أن يفزعانى بمقدار ما تفزعنى فكرة الاعتداء على كرامتى بقول أو إشارة.

وجلس النائب العام بعد أن حيانى وقال لى: "نعم ماذا تريد أن تقول لى ؟!" وكانت هذه مفاجأة، فالرجل يريد أن يسمع ما عندى، ومعنى ذلك أنه ليس عنده شيء ضدى، وبدأت ألقى على مسامعه تفاصيل حياتى يوم 26 من يناير وكيق كان على ماهر رئيس الحكومة والحاكم العسكرى أحد الذين اتصلوا واتصلت بهم في ذلك اليوم،

وسمع منى تفاصيل ما جرى من اتصالات ومحاورات بعد تولى على ماهر الوزارة حتى انتهى بى الأمر أنى اتصلت تليفونيا به كما يعرف، وعقب انتهاء حديثى قال لى: وهو كذلك إن عندنا تحقيقا مفتوحا ومادمت قد تقدمت من تلقاء نفسك فلا مانع عندنا من سماع ما لديك من أقوال، وعلى أثر ذلك استدعى عبد الحميد لطفى –رئيس نيابة جنوب القاهرة

- وطلب منه أن يفتح محضرا لسماع أقوالى وأن يبدأه بأننى اتصلت بالنائب العام أمس مساء وعرضت عليه أن أسلم نفسى فطلب منى الحضور إلى مكتبه اليوم وفي الساعة الخامسة قدمت نفسى له للإدلاء بما لدى من أقوال.

وقبل أن أغادر مكتب النائب العام من جديد قلت له: إننى أضع نفسى تحت حماية القانون وأرجو أن تحمونى من المؤامرات والاغتيالات. فأجابنى:

نحن نقوم بتحقيق قضائى ولا شأن لنا بما عدا ذلك، زاد هذا التصريح من هواجسى لأنه رفض احتمال أى مسئولية في غير نطاق ما سماه التحقيق القضائى، وعدت من جديد إلى حجرة السكرتير تمهيدا لانتقالى إلى دار محكمة مصر في باب الخلق وبعد ساعة من الزمن بدأنا رحلتنا وفجأة وجدت خمسة من الضباط المدججين بالمسدسات يحيطون بى وبدأنا الموكب على هذه الصورة،

وقد بدت في ذلك الوقت صورة مضحكة تدعو للسخرية فمن لحظات جئت من تلقاء نفسى للنائب العام وها هم يتظاهرون الآن بأننى قد أفر أو أهرب ولو كان في نيتى الفرار أو الهرب،

فلماذا تقدمت للنائب العام ولكن هذا هو القسم السياسي وأساليبه ولابد أن غرضهم في ذلك الوقت هو أن يضربونى بالرصاص ثم يزعمون أننى فكرت في الهرب،

ولكن الله ملأ قلوبهم خشية وروعة وترددا فلم يقدم أحدهم على هذه الجريمة التى كان الملك يتمناها من غير شك.

ووصلت إلى مقر النيابة في محكمة مصر للشروع في التحقيق، وكانت كل خطوة جديدة تبدد بعض الخوف والقلق من المجهول فها هى الأمور تسير سيرا عاديا.

جلست في الحجرة المجاورة لمكتب عبد الحميد لطفي وكنت أتصور أننى سأدخلها بعد قليل، ولكن طال الانتظار بنا ثم استطال حتى زاد على أكثر من ساعتين وقد ضايقنى ذلك وانتابنى القلق من جديد، ثم تبين أن عبد الحميد لطفي كان في ذلك الوقت يسمع أول الشهود الذين تقدم بهم البوليس السياسي،

والذى زعم أنه رآنى في اليوم السابق على الحادث أطوف ببعض الأمكنة في سيارة ستروين سوداء، وكان هذا الشاهد إيطاليا يدعى أوجينى روميللو،

وعندما دخل على عبد الحميد لطفي أخيرا ليخبرنى بذلك وأنه يريد أن يقوم بعملية عرض ليتعرف على هذا الشاهد غضبت لهذه المفاجآت ولعملية العرض، ورفضت أن أعرض على أحد،

واعتبرت أن في ذلك مساسا بكرامتى وأظهرت سخف عملية العرض وأنا رجل ترى صوره في كل مكان وتراه عشرات الألوف من الناس شخصيا في الاجتماعات العامة،

ولكن عبد الحميد لطفي راح يرجونى ويلح في عمل عملية العرض لصالحى فلو قدر أن لم يستطع الشاهد أن يتعرف على فإن ذلك يجهز على الاتهام بصورة قاطعة، أما إذا تعرف على فلن يكون لذلك أى تأثير،

ولم يستطع إقناعى بقبول العرض، ولكن في حالة الاستسلام التى وطدت نفسى عليها باعتبارى سجينا ومتهما جعلتنى أرضخ في النهاية على أساس أننى يجب أن ى أهيئ نفسى لاحتمال كير من الإذلالات التى يفرضها مجرد قيام الاتهام.

ودخلت إلى حجرة رئيس النيابة، حيث كان بها حشد كبير من موظفى النيابة جلوسا على المقاعد فأخذت مكانا بينهم وجلست يائسا من هذه العملية مشفقا من هذه اللحظة السخيفة عندما يشير إلى الرجل ويقول هذا هو أحمد حسين، ودخل الرجل ولم أكن أعرف عنه شيئا بطبيعة الحال، وراح يتفرس في الموجودين ويا لها من لحظات أدعو الله –سبحانه وتعالى

- أن يجنب كل قارئ لهذه المذكرات هولها، لحظات حاسمة في حياة الإنسان عندما يقف في عرض جنائى ليتعرف عليه شخص من الأشخاص، إن هذا التعرف هو أول خطوة نحو المشنقة إذا كانت الجريمة معاقبا عليها بإعدام، فإذا لم يتعرف الشخص على الإنسان فهى البراءة ولقد كنت يائسا من ألا يعرفنى الرجل، ولكنه جال فينا جولة والتقت عينانا ووقف أمامى بضع لحظات وخيل إلى أن كل شيء قد انتهى،

ولكنه تركنى إلى غيرى وراح يتفرس فيه، يا ربى العظيم أيكون الرجل لا يعرفنى، أتتم المعجزة؟! فإنها لن تكون أقل من معجزة، وعاد الرجل يستعرض الموجودين ثم وقف أمام أحد موظفى النيابة وقال هذا هو أحمد حسين وضحك كل من فى القاعة، وتنفسوا الصعداء،

أما أنا فقد كان قلبى مغمورا في التسبيح بالعظمة الإلهية، وأبى عبد الحميد لطفي إلا أن يؤكد الانتصار فقال للرجل لا، وهكذا انتهت هذه المحنة على خير ما يرام وتحول الشبهة ضدى إلى دليل براءة قاطع.

وعندما بدأ التحقيق معى ظهر أن هذا الرجل قال يعرفنى وأنه كان معى في مستشفى الدمرداش إبان اعتقالي بها وأنه رآنى في يوم الجمعة أشير إلى بعض المحلات التى أحرقت يوم السبت وعندما سألنى عنه المحقق وعن معلوماته لم أزد في ردى على أن عدم تعرفه على يهدم كل مزاعمه،

وشرعت بعد ذلك في الإدلاء بما لدى من أقوال وقد استغرق سردها وكتابتها بضع ساعات حتى أننا فرغنا منها في الساعة الثانية صباحا، وفي ختام التحقيق قال لى عبد الحميد لطفى: نحن لا نريد منك شيئا ولست مقبوضا عليك لحساب النيابة،

ولكن لحساب الحاكم العسكرى، وقد كانت هذه البداية بداية مشجعة جدا بددت آخر ما كنت أشعر به من قلق وأنا أسلم نفسى.

وبعد قليل أخذنا طريقنا إلى سجن الأجانب، ورأيت لأول مرة بطبيعة الحال جنود الجيش وهم يقطعون الطرق ويصيحون بالعربات قف من أنت فأعاد ذلك إلى ذاكرتى جو القاهرة الرهيب وخطورة موقفى، ولكن عندما أودعت في إحدى حجرات سجن الأجانب وأغلق على الباب وصليت الفجر استلقيت على الفراش كرجل سعيد اجتاز محنة من أكبر المحن، ولم أكن أعرف أنه لا يزال أمامى بحر، بل محيط من المحن والويلات.

شاهد جديد

استيقظت قبيل الظهر بعد أن أخذت حظى من النوم فعلمت أن النيابة في انتظارى لاستئناف التحقيق فدهشت لهذه السرعة في موالاة التحقيق.

وعندما وصلت إلى النيابة وعلمت من عبد الحميد لطفي أننى استدعيت إجراء عملية عرض جديدة بالنسبة لشاهد جديد انفجرت مراجل غضبى، فقد شعرت بأن البوليس سيبدأ تلفيقاته ضدى وسيغمرنى يطوفان من الشهود الذين يتصيدهم من هنا وهناك،

فرأيت أن أضع حدا لذلك بأن أرفض رفضا باتا عملية العرض، وعبثا حاول عبد الحميد لطفي أن يقنعني بالنتيجة الباهرة التى وصلنا إليها بالأمس،

عندما عجز الشاهد عن التعرف على، ولكنى في أعماق نفسى أدركت أنه ما كل مرة تسلم الجرة، وأن ما حدث بالأمس لا يمكن أن يتكرر ثانية، فقد كانت معجزة والمعجزات لا تتكرر بسهولة.

وأصررت على موقفى في رفض عملية العرض، وطلبت منه أن يحضر هذا الشاهد وأن يسأله عما إذا كنت أنا أحمد حسين وهذا هو كل ما فى الأمر، ولم يستطع عبد الحميد لطفي إلا أن ينزل عند رأيي، فأدخل الشاهد وكان نوبيا وإذا كانت القاهرة لا يوجد فيها شخص يطلع على الصحف فإنه لم ير صورتى فإنه يكاد لا يوجد نوبى بصفة خاصة لا يعرفنى معرفة شخصية،

فقد نزلت إلى الانتخابات وكان النوبيون هم أشد الناس حماسة لى، وكان هذا الرجل قد ذكر لى في أقواله أنه يعرفنى بالذات من أيام الانتخابات، وأنه انتخبنى فكان من العبث ألا يعرفنى الرجل على الفور، ونظرت إليه وكزميله بالأمس لم أعرفه،

وسأله عبد الحميد لطفي عما إذا كان أحمد حسين الذى رآه في الغرفة، فابتسم الشخص ابتسامة الشخص الواعى الذكى مدركا أن رئيس النيابة يغرر به وقال على الفور لا .. أحمد حسين ليس هنا،

وذهل رئيس النيابة لهذه الإجابة وأسرع لتسجيل ذلك، وبعد أن سجله أشار على وقال أليس هذا هو أحمد حسين؟ وأسقط في يد الرجل وبدا عليه الانزعاج أن يخطئنى إلى هذا الحد،

وهم أن يتراجع بأن يقول لأننى الآن أرتدى الطربوش، أما عندما رآنى لم أكن أرتدى طربوشا، فطلب منى رئيس النيابة أن أخلع الطربوش، ثم طلب منه أن يقر بالحقيقة فهو رجل طيب وكان هذا تلوجيه قد رده إلى صوابه فإذا بالفكرة العارضة تذهب من رأسه ثم يقول"لا ليس هو الرجل الذى رأيت".

وهكذا تمت معجزة أكبر من معجزة الأمس، فقد كان شاهد الأمس أجنبيا أما شاهد اليوم وطنى، فالله أكبر .. الله أكبر.

وقال لى عبد الحميد لطفي: إن هذا هو كل ما عنده، وأن الأمر بالنسبة له قد انتهى عند هذا الحد ورجعت إلى السجن وأنا أكاد أطير من الفرح ..

لا الفرح بالبراءة فهذه مسألة لم أكن أتشكك فيها، ولكن الفرح بنعمة الله الكبرى التى تجلت على عندما جعل هذين الشاهدين لا يعرفانى.

كانت هذه الفاتحة للتحقيق بمثابة إجراء وضع في بطنى بطيخة صيفى من ناحية التحقيق، وقد ظلت هذه البطيخة الصيفى طوال شهرين كاملين عندما اكتشفت أنها لم تكن بطيخة صيفى ولكنها كانت قنبلة .. قنبلة لن تلبث تنفجر في ذات اللحظة التى أوشكت فيها أن أعتبر موضع الاهتمام قد انتهى نهائيا.

5 من فبراير

مناوشات فى السجن

عدت من السجن ظهر يوم الأحد 3 من فبراير لأراهم وقد نقلوا حجرتى من الدور العلوى الى الدور الأرضى، وأننى محاط بنظام دقيق وقاس من حيث الحراسة لم يسبق له مثيل فى كل تاريخ حياتى، فباب حجرتى يجب أن يكون مغلقا طول النهار فلا يفتح إلا بضع دقائق ريثما أذهب الى دورة المياه، ولم يسمح لى لأول مرة فى التاريخ بأى كتب أو صحف،

بل أن المصحف ذاته رفض أن يسمح به الا بعد أن كدت أتشاجر معه، أما نطاق الحرس الذى يحيط بى فكان يتألف من مأمور أحد الأقسام ويعاونه كونستابل ومخبر من القسم السياسى ليكون رقيبا على هذين الضابطين، وكان هؤلاء الثلاثة يتغيرون كل ثمانى ساعات،

وكان يعنى ذلك أن هناك ثلاثة مأمير من أقسام البوليس قد خصصوا للتناوب على حراستى داخل حجرة مغلقة داخل سجن، وكان هناك فوق ذلك ثمانية عساكر من رجال البوليس يحملون البنادق السريعة الطلقات، وكانوا يستبدلون كغيرهم كل ثمانى ساعات أى أن عددهم 24 جنديا،

وكان هناك فوق ذلك كله قوة من جنود الجيش تبلغ الخمسين جنديا برئاسة ضابط تحيط بالسجن من الخارج، وكانت هناك دبابة ومصفحة تحت تصرف رئيس هذه القوة، وذلك كله لحراسة أحمد حسين، وفور أن اكتشفت هذه الترتيبات أوجست خيفة من جديد لما فيها من شذوذ يفوق كل تصور،

على أن الذى كان يضايقنى أكثر من كل شئ آ خر هو حظر المطالعة على وهى السبيل الوحيد لقطع الوقت، ولذلك فقد رأيت أن أضرب عن الطعام احتجاجا على هذه المعاملة فامتنعت عن تناول الطعام، ولكن خشيت أن أصفه بأنه اضراب عن الطعام فيتحدونى ولا يهتمون بأمرى فلا أقوى على الاستمرار،

ولذلك فكرت أن أعتبر نفسى مريضا وأن امتناعى عن الطعام هو لفقدان الشهية الناشئة عن هذا الحبس الانفرادى الذى لا يسمح لى فيه بمجرد المطالعة،


ولم أدرك فى ذلك الوقت أن هذا الأسلوب سيكون هو السلاح الوحيد الذى سأخوض به هذه المعركة الخطيرة، وأنه اذا كان قد قدر لى أن أحيا وأن أعيش وأكتب هذه السطور، فذلك بفضل هذا السلاح .. سلاح الامتناع الطعام.

وان هى الا أيام حتى أنتج الاضراب تأثيره فنقلت من جديد الى الدور الأعلى فى حجرة تدخلها الشمس وتطل على الشارع، وكان صعودى الى الدور الأعلى هو أحد طلباتى، فقد كانت الهواجس بدأت تساورنى وأنا أقيم فى هذه الحججرة الأرضية وجنود الجيش يحيطون بها من الخارج،

فما وقفت مرة للصلاة مديرا ظهرى لهذا الحارس الذى يقف محملا ببندقيته إلا وتصورت أنه من الممكن الهارب رأسى برصاصة، ثم يقال بعد ذلك أنها رصاصة طائشة،

ولذلك أصبحت أصلى وأنا جالس لأتفادى ظهور رأسى فى النافذة، فعندما نقلونى الى الدور العلوى كان لذلك تأثير كبير من الفرح فى نفسى خاصة وأنه كان كان يوجد فى الدور العلوى زملائى فى الحزب حلمى الغندور واسماعيل عامر ومحيى الدين فهيم،

وكان يوجد به كذلك فتحى رضوان وسعد كامل ويوسف حلمى، وكانفى وجودى معهم بطبيعة الحال ما يسعدنى كل السعادة ويزيل من نفسى كل قلق أو اضطراب من ناحية التأمرعلى اغتيالى،

على الرغم من أن ظروف الحراسة المشددة ظلت هى كما وصفتها من حيث غلق الحجرة بالليل والنهار باستثناء اللحظات القليلة الخاصة بالذهاب الى دورة المياه،

وصرح فى ذات الوقت بالكتب والصحف فبدأت حياتى تأخذ اللون العادى الذى تأخذه فى السجن وهو هدوء البال التام والتفرغ للصلاة والصوم والمطالعة، واتجه كل همى ونشاطى الى التخفيف من القيود التى تحول بينى وبين الاتصال بزملائى.

وفى هذه الفترة أعيد أحمد طلعت ليكون حكمدار للعاصمة وأعيد معه أخوه محمود طلعت فجأة لمقابلتى فى السجن ليشرع فى القيام بدوره كضابط من ضباط القسم السياسى،

ولابد أنه كان يتصور أننى سأقابله مقابلة سيئة لهذه الشهرة الفظيعة التى كان قد حازها فى قضايا الاخوان المسلمين واتهامهم له وأخاه أحمد طلعت بتعذيبهم،

ولكننى اعتدت دائما أن أستغل مجاملات ضباط القسم السياسى، ولذلك أسرعت بمقابلته ورحبت به وأعربت عن ارتياحى لوجوده نظرا لما بيننا من معلرفة سابقة، ورحت أذكره بجلساتنا خلال الحرب عندما كنت معتقلا وكان مكلفا بالاشراف على شئوننا ففرح بذلك كل الفرح،

ثم قال لى: أنه موفد من قبل أخيه الحكمدار لتحقيق أى شكوى منى فاجيبه بأننى حصلت على مطالبى من حيث الاطلاع على الصحف والقراءة،

ولكنى مازلت أشكو من حبس انفرادى، حيث لا تفتح الحجرة على الاطلاق، فأسرع محمود طلعت من مأمور السجن أن أعطى حقى من الفسحة نصف ساعة فى الصباح وأخرى بعد الظهر، وعندما انصرف محمود طلعت كنت مغتبطا كل الاغتباط متصورا أن الأمور تسير فى طريق التطور الطبيعى، وأنه كما حدث فى كل مرة سابقة عندما كان السجن وقيوده يتلاشيان بالتدريج فانه سيحدث هذه المرة أيضا.

وسرعان ما علق الزملاء الكبار على هذه المقابلة، حتى انطلقت الاشاعات أن موعد الافراج عنا قد أصبح وشيكا ولكن هذا الاصراف فى التفاؤل قد نفى رد الفعل سريعا جدا، ففى المساء حدث أن تقابلت مع حلمى الغندور واسماعيل عامر مقابلة عابرة فى حجرة الصاغ المكلف بحراستى داخل السجن،

فعلمنا فى اليوم التالى أن ذلك كان محل تحقيق خطير، وأن هذا الضابط قد صدر الأمر بنقله الى أسيوط عقابا له على ذلك، وفوجئت باجراء جديد فى السجن لم يسبق له مثيل من حيث التشديد اذ جاء مأمور السجن بدفتر خاص ليوضع فى الحجرة المجاورة لى ويرصد به الضابط المكلف بحراستى كل حركاتى وسكناتى ويسجل به الساعة والدقيقة التى فتح فيها باب حجرتى ولماذا فتح،

وكم دقيقة ظل مفتوحا وهكذا. ومرة أخرى ثارت ىبراكين غضبى وحنقى فكتبت خطابا شديد اللهجة لأحمد طلعت ـ الحكمدار ـ شخصيا وأبديت دهشتى أن هذا التطور عقب زيارة لمحمود طلعت لى، وتساءلت:

عما اذا كان هذا هو بدء الأساليب الملتوية التى اشتهر بها الشقيقان، وأحدث هذا الخطاب تأثيره، فإن الدوى الذى أثير حول أحمد طلعت ورغبته الشديدة فى الدفاع عن نفسه جعلاه يبادر بالحضور الى السجن بنفسه لينظهر فى شكواى،

والحق أنه لم ينج أعضاء الحزب الاشتراكى من التعذيب والتنكيل الذى التبع مع الإخوان المسلمين الا رغبة أحمد طلعت وضباط القسم السياسى الذين كانوا قد أقصوا من المحافظة وأعيدوا اليها بعد 26 من يناير هؤلاء جميعا قد حرصوا على ألا يقعوا فى الخطأ الذى وقعوا فيه أول مرة فيتحاشوا التورط فى الضغط على المتهمين أو إيذائهم،

وقد انتفعنا كل الانتفاع بهذا الظرف الخاص، وذلك فى وقت كان فاروق يتمنى فيه لو وجد من يعذبنا بالليل والنهار كل صنوف العذاب.

جاءنى أحمد طلعت يسألنى: عما أشكو منه وأبدى استعداده لاحضار الكتب التى أريدها لشرائها من المكتبة، فكتبت له قائمة بأسماء بعض مؤلفات تولستوى وهى" أنا كارنينا" و"البعث" و" الحرب والسلام"، ولكن عندما حدثته بسبب الحراسة المشددة وأنها تضغط على أنفاسى أبدى اعتذاره عن امكان عمل أى شئ فى هذا الصدد.

وقال لى كيف أستطيع أنا الحكمدار أن أقول لمأمور السجن ألا يشدد الحراسة، وماذا تكون النتيجة لو فر أحد المساجين غيرك، ثم زعم أن هذه الحراسة المشددة ليست من أجلى، ولكنها من أجل جميع المسجونين، وقد كنت أعرف أن ذلك كذب صريح، ولكن لم يكن باستطاعتى أن أرد على ذلك، وانتهت المقابلة عند هذا الحد.

ومضت الأيام والساعات بعد ذلك فى سجن الأجانب بين مد وجزر، كانت الصحف تشير باستمرار الى أن التحقيق فى موضوع التحريض على حوادث 26 من يناير ماض فى طريقه، وأنه قد عهد به الى عبد الحميد أبوشنيف ـ رئيس نيابة الصحافة فكان ذلك بمثابة نذير شر،

فاختيار رئيس نيابة الصحافة بالذات لتحقيق موضوع التحريض معناه أنه سيتخذ مما نشر فى الجريدة مادة لهذا التحريض، فبدأت الهواجس تنتابنى فى هذه الناحية ولكن سرعان ما استبعدت هذا الخاطر.

وفى ذات يوم قابل محمود طلعتو حلمي الغندور فى السجن فقال له عبارة لم تكد تنتقل حتى كانت أشبه بالقنبلة، وكانت هذه العبارة ردا على احتجاج الغندور لعدم تلقيه أى زيارة من الخارج فقال له محمود طلعت: زيارات ايه، ده فيه ثلاثة من أعضاء الحزب اعترفوا ضد الحزب، وقالوا كل شئ.

ثم بدأت تأتينا الأسماءأنهم بسيم السعيد و محمد الحلو، ومع ذكر الأسماء خف وقع النبأ فليس لأيهما أى خطر وماذا يمكن أن يقول بسيم سعيد؟وماذا يمكن أن يقول محمد الحلو؟

ولكن أقوال بسيم السعيد لم تلبث أن أصبحت ذات خطر شديد، فقد قبضت النيابة على بضع وعشرين شخصا من بين المعتقلين وأودعتهم سجن مصر كنتيجة لاتهامات بسيم،

وبدأت الصحف تذيع التصريحات لمرتضى المراغى أن الحكومة قدفر وهرب من يد البوليسن وبهذا أصبحت أقواله معلقة فى الفضاء، ان هذه الأقوال ذاتها قد كشف التحقيق عن تفاهتها وافلاسها وهكذا كان المد والجزر من يوم لآخر ومن ساعة لأخرىهى طابع الحياة فى هذه الفترة،

ومع ذلك فقد كنت أشعر بهدوء غريب وبثقة بالمستقبل، حتى أننى شرعت أتابع مذكراتى عن طفولتى، وهى مذكرات كنت قد بدأتها قبل ذلك ببضعة أشهر فى سجن الأجانب، وكان ذلك آية هدوء أعصابى.

وقام نزاع بين سراج الدين وبين الحكومة حول المسئولية عن حوادث 26 من يناير، فنشر بيانا مدويافى جريدة المصرى عرض فيه بمسئولية القصر ورجاله عن عدم انزال الجيش فى موعدهلقمع هذه الحرات، وقد رد عليه الجانب الحكومى ردا عنيفا، وطلب من النائب العام تحقيق هذه الناحية فشرع فى تحقيقها.

ثم أصدر تقريرا ضخما حلل فيه حوادث يوم 26 من يناير، وانتهى فيه الى ذات النتائج التى انتهيت اليها فى تقريرى عن حوادث هذا اليوم،

وهو أن حوادث الاسماعيلية كانت هى العنصر الفعال لاهاجة شعور الجنود والعساكرن وأن مظاهرة عساكر البوليس وتمردهم فى صباح 26 من يناير هو السبب فى هذه الكارثة، وأشار الى تقصير المسئولين وعلى رأسهم وزير الداخلية من علاج الأمر فى الوقت المناسب.

ولقد نزل هذا التقرير على قلبى بردا وسلاما، فقد تصورت أنه فصل فى موضوع التحريض نهئيا، وأرجع الحوادث الى أسبابها الطبيعية، فمن المستحيل أن ةتعود النيابة بعد ذلك الى القاء المسئولية علينا،

وفاتنى كما يفوتنى دائما أن احسان الظن بالناس هو أحد أخطائى التى طالما سببت لى المتاعب، ولكن الحوادث لا تزيدنى إلا اصرارا على هذا الخطأ، فسوف أظل أحسن الظن بالناس وليكن ما يكون.

تصورت أن النائب العام الذى كتب هذا التقرير لن يسمح له ضميره بعد ذلك أن يقول: أن سبب الحوادث فى يوم 26 من يناير هو مقالات أحمد حسين، ولكن ضميره قد طوع له ما هو أكثر من ذلك، طوع له أن يصدع بأمر نجيب هلالى عندما طلب منه أن يضيف الى قرار الاتهام مادة الاعدام ليتمكن حسين طنطاوى قاضيه من تطبيقها،

ولكنى فى ذلك الوقت الذى أتحدث عنه فى أواخر فبراير سنة 1952 م لم أكن أتصور ذلك، ومن هنا فقد عادت الطمأنينة الى قلبى، وفى ذلك الوقت كان ضباط البوليس المخصصين لحراستى الذين ألفونى وألفتهم، وكذلك ضباط الجيش، وكان من بينهم ضابط رقيق يدعى راضى،

فكانت أحاديثنا فى الشئون العامة تتطور يوما بعد يوم، بحيث أصبح بيننا ما يشبه الألفة والصداقة فخفف ذلك منووحشة السجن والحوادث.

شهر مارس

واستهل شهر مارس وبحلول هذا الشهر بدأ الجو يكفهر ويتبلد وتتبدد عناصر التفاؤل والثقة بنفسى، فقد سقطت وزارة على ماهر، ولم أكن مغتبطا باستمرارها بعد أن رأيتنى لم أستفد فى قليل أو كثير بعلاقتى بعلى ماهر،

ولكن الوزارة التى خلفته وزارة نجيب الهلالى كان مقدرا لها أن تكون لعبة للسراى أكثر وأكثر، وبالتالى سبيلا للتنكيل بى بأشد مما كانت الوزارة الماضية، ولم يتكشف ذلك فى بادئ الأمر، بل لعل هذا التغيير الجديد وما يصاحبه من تصريحات جوفاء قد أدخل فى نفسى بعض التفاؤل لأن تتحسن الأحوال ..

بيد أن مجرد التغيير فى حد ذاته كان يحمل فى طياته عنصرا من عناصر الأمل، فقد دلنى ذلك على أن الأمور أبعد ما تكون عن الاستقرار وأن الصعوبات تتراكم يوما بعد يوم.

ولكن الأيام الأولى من وزارة نجيب الهلالى قد لأثبتت ألا محل للتفاؤل وأن التشاؤم هو الذى سيكون سيد الموقف بعد قليل، فقد بدأت تصريحات مرتضى المراغى من جديد تتوالى من أنه قبض على المحرضين الذين عاشت الجريمة فى رؤوهم،

وقد ألقى بهذا التصريح الى مجلة المصور، فشعرت بضيق شديد وأنا أطالعه وأحسست أن المؤامرة تسير فى طريقا ضدنا.

وبدأت أراجع الموقف من أوله الى آخره، فوجدت استمرار الحراسة الشديدة بل ومضاعفتها من حينت لآخر لا يحمل فى طياته غير نذير الشر،

وأضفت الى ذلك رفض مقابلة زوجتى لى وهو ما لم يحدث من قبل، وكان اسماعيل عامر و محيى الدين فهيم يدعيان من حين لىخر للتحقيق معهما،

فكان يحملان الى بعض الانباء التى يفهم منها أن التحقيق مستمر وأن مقالاتى محل بحث ودراسة لجعلها مادة اتهام، وهكذا ترتكمت العناصر على.

ووصلنى فى ذلك الوقت اعلان لحضور المحاكمة عن قضايانا الخمسالتى كانت مؤجلة من قبل وهى الخاصة بالعيب فى الذات الملكية والتحريض على قلب نظام الحكم والتحريض على ما سموه جرائم النهب والحرق والقتل وبغض الطوائف واهانة الوزراء والحكومة والبرلمان ..

عشرات من التهم تأخذ بعضها برقاب بعض وحدد لنظر هذه القضايا يوم 5 مارس بالذات، ولم يكن هناك جو أسوأ من هذا الجويمكن أنت تنظر فيه هذه القضايا، ولذلك فقد تراكمت علي الظلمات فوق بعضها ووجدتنى مدفوعا للاضراب عن الطعام من جديد.

وكانت مطالبى من وراء هذا الاضراب ضرورة تحقيق دفاعى الذى أبديته عند اعتقالى و وسماع كل الشهود الذين طالبت بسماعهم وضرورة السماح لزوجتى بزيارتى ووضع حد لهذا الجو الارهابى الذى يحيط بى بصفة عامة ..

وجاءنى أبو شنيف ليخبرنى بأنه سيحقق الدفاع بالفعل .. ولكنى مضيت فى الاضراب .. فجاءونى بزوجتى تزورنى وكان موقفهم فى هذه الناحية طريفا، فقد كانوا يرفضون التصريح لها بزيارتى، وعبثا حاولت الحصول على هذا التصريح فاذا بها تفاجا بهم وهم يطلبون منها أن تحضر لزيارتى ومع شدة لهفتها على رؤيتى فقد أحست بغريزتها أن هذه الدعوة لزيارتى لا يمكن أن تكون لمصلحتى ولذلك فقد اعتذرت عنها وأجلتها يوما بعد آخر.

ثم جاؤنى بجماعة من الأطباء وعلى رأسهم دكتور محمد ابراهيم والدكتور عادل الازهرى ومعهم كبير الأطباء الشرعيين، وذلك لكتابة تقريرعن حالتى الصحية وقد طهر لى بعد قليل أن هذا الاهتمام انما يرجع الى رغبتهم فى حضورى المحاكمة التى حدد لها يوم 5 مارس، فكتب الأطباء تقريرا يفيد بان حالتى الصحية لا تسمح لى بالذهاب الى المحكمة،

وذلك بسبب امتناعى عن الطعام وأخيرا زارتنى لاول مرة بحضور وكيل النيابة على نور الدين و ابراهيم امام .. وكانت هذه أول مقابلة لنا منذ يوم 26 من يناير ،

ولم نستطع أن نتبادل أى كلام خاص بالقضية فاكتفيت بالأسئلة العامة عن صحتها وأحوالها، وكان لابد وقد أجيبت كل طلباتى وسمع شهودى وسجلت أقوالى فى الاحتجاج على مرتضى المراغى والاشارة من طرف خفى الى مسئولية الملك عن هذه الحوادث فلم يكن هناك مبرر فى الاضراب خاصة وقد أصبح من المقرر ألا أحضر جلسات المحاكمة يوم 5 من مارس،

وعلى ذلك فقد كتبت للمحكمة معتذرا عن الحضور، وطالبا تأجيل القضايا بعض الوقت على أن تنظر فى خلال الدور نفسه، وعلى هذا فقد عدلت عن الاضراب وشرعت فى تناول الطعام، ولكنى فوجئت بعد ذلك بأن القضايا قد تأجلت الى يوم 10 من مارس ..

أى بعد خمسة أيام فقط وقد أخفوا هذا الخبر عنى فى بادئ الأمر كى لا أواصل الاضراب، وقد صدمنى هذا الاجراء صدمة عنيفة وأحسست ما فيه من الكيد لى ولكنى قررت أن أواجه هذه المحاكمات بعزم وشجاعة وأن أحاول تصفيتها بأى ثمن من الاثمان وأن أوطد نفسى على احتمال بعض سنوات من السجن.

وجاء اليوم المحدد لنظر مجموعة من القضايا وهى مجموعة ينخلع لها قلب أى انسان ولطالما تصورت اليوم الذى تتكدس فيه هذه القضايا فوق رأسى وتمسك بتلابيبى ولم أتخيل فى يوم من الأيام كيف سيكون المخرج منها وكان الحل الوحيد فى نظرى هو أن أمضى ..

أمضى حتى النهاية حتى لأنفجر وأتمزق اربا. ولكن الذى لم يطف بخيالى ولا دار فى حسابى فى أى يوم من الايام أن تتجمع هذه القضايا وتنظر وسط هذا الجو الرهيب الذى أصبح يكتنفنى وهذه التهمة الشنيعة تهمة حريق القاهرة تلقى على ظلها الكثيف.

لقد نظرت هذه القضايا من قبل وسط جو صاخب ينبض بالحرارة وثورة الشعب .. كانت قاعة المحكمة تكتظ بأفراد الشعب وكانت المحكمة عندما تصدر أمرها باخلاء القاعة لنظر القضية فى جلسة سرية يبدو عليها أنها ترتكب أمرا إدا وكانت المحكمة لا تلبث أن تؤجل نظر القضية لتتخلص منها وتنجو من الحرج الذى يسببه الفصل فى القضية بالإدانة أو البراءة ..

أما الآن فقاعة الجلسة خالية خاوية على عروشها ليس هناك من يجرؤ على الاقتراب منها حتى المحامون ممنوع عليهم أن يحضروا الجلسة إلا اذا كانوا ممن سيترافعون عنى بالفعل ..

وحتى هؤلاء لا يسمح لهم بالاقتراب منى أو التحدث معى. وكان ذلك شيئا لم يسبق له مثيل فى تاريخ القضاء فى مصر أن لا يستطيع المتهم أن يخاطب محاميه حتى أمام المحكمة ..

ولكن هكذا شاءت تنظيمات ابراهيم امام الذى كان يشرف بنفسه على هذه الترتيبات والذى صحبنى من السجن الى المحكمة بالاضافة الى مجموعة من ضباط البوليس الكبار ما بين قائم مقام وبكباشى وصاغ ويوزباشى ومع هؤلاء سيارة مليئة بالجنود المدججين بالسلاح.

وكان الذى يعنينى من ذلك كله أن لا تخدش كرامتى بأن يفكروا فى وضع القيود الحديدية فى يدى أو أن يزجوا بى فى قفص الاتهام وكان وجود ابراهيم امام معى ضمانة كبرى لكيلا يحدث شئ من ذلك فهذه الحية الرقطاء تحب دائما أن تبدو ناعمة الملمس مع فرائسها ولقد رحبت دائما أبدا بهذه النعومة فكل الذى كان يعنينى هو أن أعامل معاملة طيبة خالية من الخشونة ولقد كان ظهوره على المسرح فى أى موقف من مواقف القبض على أو تفتيش بيتى أة و محاكمتى هو ضمان لحدوث ذلك.

ولذلك فعندما وجدت نفسى فى آخر الأمر مستقرا فى مقعد المحامين فى محكمة الجنايات وقد وصلت اليها معززا مكرما لم يعننى فى شئ هذا الشذوذ المحيط بى من حيث شدة الحراسة والحيلولة دون أى انسان والاقتراب منى. وقد بدأت محاكماتى فى ذل ات الوقت الذى بدأت فيه المحكمة العسكرية العليا برئاسة حسين طنطاوى فى قضايا 26 يناير وقد ضاعف ذلك فى الجو الارهابى المحيط بدار المحكمة فكانت ساحة باب الخلق أشبه بميدان حربى ة وكذلك المحطكمة من الداخل بل وقاعة الجلسة ذاتها،

وأخيرا عقدت الجلسة برئاسة هذا الرجل الطيب محمد صادق، ولقد شعرت دائما أن هذا الرجل طيب القلب وقد أيدت الحوادث صدق احساسى.

ولم يكن معى من المحامين سوى عبد المجيد نافع و محمد عصفور أما الأول فانه يحلو لى دائما أن أصفه بالأسد الغضنفر ولا شك أن فيه من الأسد منظره وعندما يهدر صوته فى المحكمة بهذه العبارات القوية المدوية فانه يشبه فى موقفه دائما أسدا يزأر فى غابة.

أما محمد عصفور ذلك الشاب الذى يوشك بعد قليل أن يصبح القانونى الأول فى البلاد .. القانونى المدافع عن الحريات وحقوق الانسان وهو يجلس الآن ـ أى وقت كتابة المذكرات ـ فوق منصة القضاء فى مجلس الدولة حيث صال وجال قبل ذلك فى صفوف المحامين مدافعا عن قضاياى لالتى شغلت مجلس الدولة طوال عام 1951.

وحاول عبد المجيد نافع و عصفور أن يؤجلا هذه القضايا وكان من الواضح أنهما يقومان بمحاولة فاشلة فالعزم قد استقر على نظر القضايا( ودربكة) الدنيا فوق رأسى والخلاص منى، وجلس فى كرسى النيابة على نور الدين ورئيسه عبد الحميد أبو شنيف يتحفزان للثورة على المحكمة أن لاح فى الجو امكان تأجيل القضايا.

ورايت أن أخوض المعركة فى شجاعة واستسلام فى ذات الوقت فقررت مستعد لنظر القضايا فورا وأنهاذا كان حضرات المحامين غير مستعدين فسوف أتولى المرافعة عن نفسى ريثما يعدون مرافعتهم. وازاء ذلك انفرجت الأزمة وقال القدر كلمته وبدأت المحكمة فى نظر القضايا الخمس.

واقترحت على المحكمة أن نبدأ تناول القضايا من حيث الترتيب الزمنى وهى تتألف من عدة جنح ما بين قذف وسب فى النحاس و سراج الدين والتحريض على جرائم القتل والنهب والحرق وبغض طائفة.

فأجابتنى المحكمة الى طلبى ثم دفعت دفعا قانونيا وهو وجوب أن يكون هناك شكوى كتابية من المجنى عليهم فأسرعت النيابة الى قبول هذا الدفع وأعلنت تنازلها عن كل هذه التهم الموجهة الى النحاس وسراج الدين وعثمان محرم وحسين سرى وكريم ثابت وأصبحت التهمة مقصورة على التحريض على جنايات القتل والنهب والحرق. وكان ذلك افتتاحا طيبا جعل شعاعا من التفاؤل يدب الى نفسى ..

وبدأت المرافعة فى صوت منخفض فأشرت الى الظروف التى تحيط بى وشدتها ولكنى أكدت يقينى بالله عز وجل وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .. ومضيت فى المرافعة دون أن تقاطعنى المحكمة وعدنا الى السجن لنعود فى اليوم التالى للمرافعة فى قضية أخرى من قضايا العيب فى الذات الملكية.

وفى اليوم التالى كانت المحكمة العسكرية العليا قد أصدرت أول أحكامها فى حوادث 26 ينايرما بين أشغال شاقة مؤبدة وخمسة عشر عاما فانخلعت قلوب الناس رعبا وفزعا من هذه الأحكام الجائرة فقد كان كل انسان فى مصر يشعر أن هؤلاء الذين قبض عليهم ما هم إلا أشخاص مظلومون قبض عليهم من عرض الطريق ليقال أن البوليس قد قبض ..

ويحكم عليهم ليقال أنه قد حكم على الفاعلين والمرتكبين. وانفجرت براكين السخط والغضب على حسين طنطاوي رئيس المحكمة العسكرية العليا ولم يعد هناك فى مصر شخص واحد لا يسب حسين طنطاوي ويصفه بالجلاد والسفاح.

وكان القائمقام عبد العزيز على المشرف على نقلى الى المحكمة يبدو عليه الاغتباط والارتياح لهذه الأحكام لهذه الأحكام لهذه الأحكام وكان يعبر عن سروره وابتهاجه لابراهيم امام الذى كانم يبادله نفس السرور وان كان شديد الحرص على إخفاء هذا السرور فى حبات السبحة التى كان يعبث بها على التقى والصلاح ونقاء القلب.

وأبديت لهم رأيى فى هذه الأحكام وأنها أحكام جائزة وأن حسين طنطاوي لن يجرؤ على تكرارها ثانية بأى حال من الاحوال بعد هذا السخط والانكار الجماعى.

وسارت المحكمة فى يومها التالى فى نفس الجو الذى سارت فيه فى اليوم الأول .. قاعة خالية خاوية على عروشها إلا من المحكمة ومنى وضباط البوليس المكلفين بحراستى وعندما جاء دورى فى المرافعة بدأتها مواصلا مرافعتى فى اليوم السابق وشارحا الموقف بينى وبين الملك وبين سراج الدين وبين الحكومة،

وان حملتى فى حقيقتها هى على الفساد والانحلال ولست أقصد من ورائها إلا خير الجميع .. وبدأ الجو يصبح مشبعا بالعطف ..

وتمت المرافعات على وتيرة واحدة فى أربع قضايا واذا بى أفاجأ فى اليوم الأخير بطلب النيابةتأجيل القضية الخامسة قضية قلب نظام الحكم الخاصة بالمقال المعنون" الثورة الثورة الثورة"،

وكان عبد الحميد أبو شنيف قد أنبأنى أنه سيطلب هذا التأجيل لارتباط هذه القضية بحوادث 26 ينايرفأزعجنى ذلك وكتبت للنائب العام بهذا الاتجاه فما علاقة مقال مضى على كتابته عدة أشهر سابقة على حوادث 26 يناير بهذه الحوادث،

ولكن النائب العام كان ةقد بدأ كما أظهرت الحوادث فيما بعد يتنكر لى فلم يكن لاحتجاجى أى تأثير ولكن النيابة غطت مركزها فى الجلسة بأن جعلت التأجيل لاعادة اعلان سليمان زخاري المتهم معى فى القضية والذى لم يسبق اعلانه وهكذا تأجلت القضية على هذا العتبار .. وتأجل معها النطق بها بالاحكام الأربعة الى يوم 17 مارس.

وكانت مرافعاتى قد جعلت الضباط المرافقين لى ينتمون لى ويقطعون بأن الأحكام ستكون كلها بالبراءة ..

وكنت عندما أعود الى السجن يتلقفنى إخوانى وضباط السجن بالسؤال عن الحالة وعنٍ الجو وعما ظهر من اتجاهات المحكمة وكنت أرد على الجميع بأنه يحسن بنا الانتظار فالقول الفصل قد أصبح قريبا ولكن الجميع كانوا يتفاءلون ويتمنون باحساسهم الطيب أن لا يكون هناك سوى البراءة أو على أقل تقدير أحكام مع إيقاف التنفيذ وكان هذا الخاطر الأخير يلوح أحيانا فى رأسى كأعظم ما أتمناه أما البراءة التامة فقد كانت تشبه المستحيل لأن بعض المقالات كان صريح العيب فى الذات الملكية المصونة زخاصة فى مقال" حيدر بوللى.

كريم ثابت النقيب ينبغى تطهير البلاد من هذه العصابة" وفى هذه الفترة كانت أحكام حسين طنطاوي تتوالى كالمطر يوما بعد آخر، وقد صح تقديرى من حيث أنه أصبح يجنح الى تبرئة عدد كبير من المقبوض عليهم تحت ضغط استنكار الرأى العام وهبط بأحكامه من الأشغال المؤبدة الى خمسة عشر عاما كحد أقصى، وكانت هذه القضايا وما يدور فيها تؤكد ثقتى بنصوع براءتى من ناحية،

فكل هؤلاء المتهمين لا أعرفهم أو يعرفوننى ولا صلة بيننا وبينهم من أى نوع، ولكن شدة الأحكام والسرعة التى تتم بها( والكلفتة) التى كانت( تكلفتت) بها كان ذلك يزعجنى من ناحية أخرى ويملؤنى خشية أن أقع فى براثن هذا الرجل على أى صورة من الصور.

وجاء اليوم المحدد لصدور الأحكام وكنت قد قررت الانتظار ألا أحضر هذه الجلسة لأوفر على نفسى القلق ومرارة الانتظار والتطلع المستمر الى حجرة المداولة وترقب اللحظة الحاسمة، ولكننى قدرت أن الانتظار فى السجن سيكون أشد مرارة ووجدت فى نفسى شعورا بالعزم والتصميم على مواجهة الأحكام أيا كانت، ولذلك فقد ارتديت ملابسى فى آخر دقيقة وذهبت مع الجماعة الى المحكمة وجلسنا فى القاعة ننتظر، وكان بعض الضباط يؤكدون أن الأحكام ستكون بالبراءة، ولكنى لم أكن أشاطرهم هذا الحساس وإن كان التفاؤل يغمرنى ..

الأحكام

وهتف الحاجب بصوته الذى يبدو رهيبا فى هذه اللحظات "محكمة" ودخل القضا ة ومن خلفهم عبد الحميد ابو شنيف واسرعت اتفرس في وجوههم لمعرفة الحكم أو طلائعه فوجدت الصرامه تبدو لأول مرة على وجه محمد صادق، فكان ذلك نذيرا بالشؤم، وبدأ ينطق أحكامه، فكان أولها يقضى بالحبس ستة أشهر حبسا بسيطا وهكذا صدر الحكم بالحبس أخيرا وسيكون على أن أقضى ليلتى فىالسجن،

ولكنى مازلت أؤمل أن تكون الأحكام التاليا بالبراءة، ولكن الحكم الثانى كان كسابقه ستة أشهر حبسا بسيطا، ثم نطق بالحكم الثالث ستة أشهر حبسا بسيطا، ولقد بدأت الأحكام تنهال على رأسى كما لو كانت مطرا مدرارا، ولكن من حسن الحظ أن الأحكام فى حد ذاتها لم تكن شديدة أو قاسية مما خفف وقعها بعض الشئ وأخيرا نطق بالحكم الأخير فى قضية الجنحة وهو يقضى بالبراءة، وكذلك تضمنت الأحكام السابقة بعض الأحكام بالبراءة فى تهم أخرى كان قرار الإتهام فى كل قضية يتضمنها .

وغادرت هيئة المحكمة قاعة الجلسة وسط السكون العميق، ولقد كنت أنا الوحيد المنشرح الصدر بعد انتهاء هذه المحنة وانتهائها على هذه الصورة، لقد كانت هذه القضايا كالكابوس يكتم على أنفاسى، كانت أشباحا تنغص على نومى فى بعض الأحيان أما الأن فقد انتهت وصفيت وتمخضت عام ونصف من الحبس، وهكذا تحدد الموقف وتنفست الصعداء.

وأقبل على الجميع يواسوننى ويظهرون الحمد على هذه النتيجة والبعض الآخر يظهر دهشته لهذا الحكم غير المتوقع، فالقضايا يجب ان يقضى فيها بالبراءة بعد مرافعاتى، ولكنى وسط ذلك كله كنت أبتسم فى هدوء وكان كل الذى يشغلنى هو كيف ننتهى من الاجراءات بسرعة وأجتاز هذه المرحلة الثقيلة مرحلة الانتقال من سجن الأجانب الى سجن مصر .

وعدت الى سجن الأجانب لآخذ ملابسى، وكان خبر الأحكام قد سبقنى الى السجن، فوجدت جميع إخوانى فى انتظارى والجزع مرتسم على وجوههم ولن أنسى ما حييت صورة اسماعيل عامر والحزن العميق الذى كان مرسوما على وجهه وأنا أشير له على البعد مبتسما أن "يشدوا حيلهم"

وأن لا داعى للحزن ولن أنسى كذلك ما ارتسم على وجه فتحى رضوان من الاشفاق أن يكون مصيره كمصيرى، فقد كان عبد الحميد أبو شنيف قد وجه اليه بدوره تهمة العيب فى الذات الملكية وكانت معروضة على نفس المحكمة التى حاكمتنى وحكمت على.

ونزلت سلم سجن الأجانب فى الطريق نحو سجن مصر، ولم أكن أعرف ما الذى يضمره لى المستقبل، وهل هذه الخطوات التى أخطوها ستكون آخر ما يربطنى بهؤلاء الأشخاص الأعزة على قلبى أم أنه يتعذر على أن أجتمع معهم بعد ذلك ..

كان المستقبل يبدو وكأنه نافذة مغلقة لا يبدو من خلالها شيء، ولكنى لم أكن أشعر بشيء من الكآبة، وكان الهدوء والاطمئنان يغمران نفسى.

ووصلنا الى سجن مصر، حيث كان يلازمنى إبراهيم إمام وعبد العزيز على، ولكنا لم نكد نقرع باب السجن حتى أطل علينا وجه بغيض هو وجه مأمور السجن المسمى جلال الجوهرى، والذى طارت شهرته كل مطار من حيث فظاظته وسماجته، وقد فهمت من لهجته أن تعليمات جديدة قد صدرت ونحن فى الطريق لتغيير مقر سجنى، وقد كان هذا ما أخشاه فقد كنت شديد اللهفة أن يكون سجن مصر هو سجنى،

وذلك لوجود جميع زملائى المتهمين فى قضية 26 يناير بها وعلى ذلك فأستطيع أن أقف على مجريات القضية، من ناحية أخرى فإن سجن مصر من الناحية الصحية سجن حسن تغمره أشعة الشمس، وذلك بخلاف سجن الاستئناف الكئيب والذى لا تنفذ إليه الشمس إطلاقا والمخصص لتنفيذ عقوبة الاعدام ذلك المنظر الكريه إلى نفسى.

ووقع ما كنت أخشاه فقد رفض جلال الجوهرى أن يقبلنى فى مصر وأحتج بوجود زملائى فى السجن وأنه من الخير أن أودع فى سجن الاستئناف، وكان لهذا التغير المفاجئ أثر سيئ جدا فى نفسى، فقد أحسست بأن ذلك هو بدء الكوارث

فى سجن الاستئناف

دخلت سجن الاستئناف وصدرى منقبض فلهذا السجن فى نفسى وحشة ذلك أنه كما قدمت هو السجن الذى ينفذ فيه على المحكوم عليهم بالاعدام، وهى عملية بغيضة الى نفسى، وأنا حر طليق فما بالك وأنا سجين يظله اتهام خطير، وكان فى السجن وكيله وهو يوزباشى يدعى عبد الرؤوف جودة فاستقبلنى فى هدوء وانصرف ابراهيم امام ومن معه من كبار الضباط وصغارهم،

وبقيت بمفردى مع هذا الضابط الصغير فى جو يسوده الهدوء، وقد بدأت الاجراءات العادية اجراءات تفتيش وسؤالى عما اذا كان لدى امانات نقدية أو مواد ثمينة ولاحظ الباشسجان فى يدى خاتم الزواج فطلبه منى وظهر الألم فى نفس الضابط، وبدا عليه أنه يوشك أن يعترض على هذا الطلب، ولكنى رأيت أن أحسم المناقشة فقلعت الخاتم وأعطيته له ولم يكن ذلك بغير ألم عميق فى نفسى، ولكنى رأيت أن أروض نفسى فورا على احتمال صنوف مختلفة من المضايقات.

وكان الحكم على يقضى بالحبس البسيط، والحبس البسيط يسمح للمحكوم عليه بأن يحتفظ بملابسه العادية، وهكذا أعفيت من ارتداء ملابس السجن القبيحة، وبدأت مشكلة معاملتى وهل تكون حسب الفئة

(أ) فأعطى سريرا ويقدم لى غذاء مدنى يقدمه أحد المتعهدين أم أعامل حسب الفئة

(ب) كمسجون عادى فأنام على الأرض وأتناول طعام السجن العادى،

ومعلوم أن جرائم النشر والصحافة تعامل معاملة خاصة ولذلك فقد أسرع مدير المصلحة اللواء عمر قودان فأصدر أوامره بأن أعامل معاملة الفئة (أ) بل زاد على ذلك أن قال لوكيل السجن عندما خاطبه فى هذا الموضوع أن أعامل معاملة الفئة (أ)، وزيادة (شوية) ولن أنسى له هذا الجميل، ولذلك فقد صرف لى سريرا ومائدة ومرآة وطبقا وملعقة وطشتا وإبريقا من الصاج الأبيض وقلة نظيفة،

ولم يكد يغلق على الباب لأول مرة فى سجن الاستئناف حتى بادرت بخلع ملابسى وارتداء ملابس النوم واستغرقت فى سبات عميق، ولم يكن ذلك الا نتيجة الشعور بالراحة لاجتياز هذه المحنة بسلام وكرد فعل للتوتر العصبى الذى تملكنى منذ الصباح، واستيقظت بعد حين لأرى مأمور السجن وقد جاء للمرور على فلما قلت له أن مدة الحكم على هى سنة ونصف إذا به يقول:

"على الله أن ينتهى الأمر عند هذا الحد فيكون خيرا عميما"، وكانت هذه العبارة تعكس صدى المؤامرات التى تدور حولى وأنا فى غفلة ففى ذلك الوقت كان كل انسان يتحدث عن المصير المحتوم الذى ينتظرنى، حيث كنت أعيش فى غفلة مما يدبر أو يحاك لى، وكانت كلمة هذا المأمور البكباشى عبد المنعم موسى هى أول ما صدمنى بهذه الحقيقة.

وبت ليلى فى سجن الاستئناف حامدا الله، وعند الصباح طالعت الصحف فاذا بها تحمل نبأ الحكم على بدون أى تعليق باستثناء جريدة المصرى التى قالت عقب نشرالحكم "والمعروف أن الأستاذ أحمد حسين سيحاكم أمام المحكمة العسكرية العليا عن جريمة الت على حرق مدينة القاهرة

ولم أكد أطلع هذه العبارة حتى انتفضت من الغضب لهذه الأكاذيب التى تتعمد جريدة المصرى نشرها للإساءة الى فحتى ذلك الوقت لم يكن قد جرى معى أى تحقيق فى حوادث 26 يناير باستثناء هذه الأقوال التى أدليت بها وسماع الشهود الذين اتصلوا بى فى يوم 26 يناير وقد أيدوا أقوالى،

فما تقوله المصرى من أننى سأحاكم أمام المحكمة العسكرية ليس سوى تخرصات جريدة وفدية تريد ايذائى، ولكن الحوادث واأسفاه قد دفعت عن المصرى هذه التهمة، فقد كانت المصرى تردد فى الحقيقة العزم الذى استقرعلى محاكمتى حتى قبل أن يبدأ التحقيق معى.

وقد حاول أبو شنيف بعد قليل أن يحرمنى من المعاملة الممتازة فى السجن بدعوى أن المحكمة لم تذكر فى حكمها كيفية معاملتى ..

والامتيازات المعطاة للصحفيين فى جرائم النشر انما هى مقصورة على الجنح الصحفية لا الجنايات، ولكنى رفضت بشدة هذه المحاولة وكتبت مذكرة قانونية أفند بها هذه الحجج وأثبت أحقيتى للمعاملة الممتازة ومرة أخرى وقف عمر قودان -مديرالمصلحة- الى جوارى وأقرنى على وجهة نظرى وقد علمت منه فيما بعد تغيير العهد أنه كتب مذكرة بهذا الخصوص وعرضها على مرتضى المراغى باعتباره وزيرالدفاع الذى تتبعه مصلحة السجون وأنه وافق مديرالمصلحة على وجة نظره،

وبذلك استقرت حياتى فى السجن على أساس معاملتى كحرف (أ) وعلى ذلك فقد أصبحت حجرتى تضاء بالكهرباء فى الليل وتقدم لى الكتب التى أطلبها كلها وكان على رأسها مجموعة كتب ومؤلفات لتولستوى، كما كنت أطلع الصحف والمجلات وأحلق ذقنى بواسطة حلاق خاص مرتين فى الأسبوع وكان متعهد الطعام يعتنى بطعامى عناية خاصة وبدأت علاقات الود تنشأ بينى وبين حضرات الضباط وعلى رأسهم مأمور السجن عباس قطب أما السجانون الطيبون، فهؤلاء غمرونى بعطفهم وتشجيعهم ونقل تحيات أفراد من حين لآخر .

وهكذا مضت حياتى هينة لينة خالية من كل ما يضايق أو ينغص، وكنت أشعر أكرامتى مصونة كل الصيانة، وكان ذلك فى نظرى ليس الا نعمة من نعم الله الكبرى، ففى الوقت الذى كان يترامى فيه الى سمعى من حين لآخر أن الشعب يتصور أننى قد دعيت لمقابلة الملك،

وأنه قد أعتدى على بالضرب والايذاء، وأننى أعذب عذابا شديدا، فى ذلك الوقت كنت أعيش فى سجن الاستئناف على أتم ما أكون من الراحة والكرامة لا أكاد أشعر بأنه ينقصنى شئ.

وقد كان منطق الشعب سليما عندما تخيل أن فاروق قد استدعانى ليعتدى على، فكل من فى مصر يعلم مقدار الحرب الشديدة التى شننتها على الملك فاروق فأما وقد أوقعنى الله تحت براثنه فمن الطبيعى أن ينتقم الملك لنفسه بهذا الأسلوب المباشر،

ولكن الذى فات الشعب لأنه لم يكن يتصوره فى ذلك الوقت أن فاروق جبان رعديد وهو لا يستطيع أن يواجه رجلا يتحداه مثلى خوفا من أن أسبه أو أهينه أو أبصق فى وجهه، ولذلك فهو يؤثر أن يتولى ذلك غيره، وكان جهاز الحكم قد بلغ درجة من الانحلال، بحيث لم يكن هناك موظف واحد على استعداد أن يرتكب مثل هذه الجريمة من أجل سواد عيون فاروق،

لقد وجد فاروق عصابة تقتل له من أشار بقتلهم، ولكن هذه العصابة كانت محدودة الأفراد ولم يكن فى رجال مصلحة السجون أو بالأحرى فى سجن الاستئناف بالذات أحد أفراد هذه العصابة، وبالعكس كان بها مجموعة من الضباط ذوى الأخلاق الكريمة وقد زادهم شعور مدير المصلحة الطيب من ناحيتى اطمئنانا على حسن معاملتى،

وكان كل يوم يمضى فى السجن دون أن استدعى الى النيابة للتحقيق فى حوادث 26 يناير يزيد فى أملى أن المسألة فى طريقها الى الانتهاء وأن الجميع قد اقتنع ببراءتى التامة، وكنت مغتبطا بالذات بصدور الحكم على بالحبس لمدة عام ونصف ليطمئن الملك بعض الشئ وليخفف ذلك من حدة غضبه، وكنت من السذاجة بحيث أتخيل أن فاروق يقنع بشئ أقل من رأسى.

ومع ذلك فقد مضت الأيام تلو بعضها، بل تحولت الى أسابيع دون أن أستدعى للتحقيق حتى اذا انتهى مارس أى أسبوعين بعد الحكم دون أن أستدعى بدأ الأمل يتحول الى حقيقة فى نظرى، حتى اذا بدأت الأيام تتوالى من شهر أبريل نفسه دون أن أستدعى للتحقيق تحولت الحقيقة الى عقيدة فبدأت أشعر شعورا عميقا أن موضوع اتهامى فى حوادث [[26يناير]] قد انتهى نهائيا بعد أن اتضح للجميع بعد الحزب الاشتراكى عن هذه الحوادث الراهيبة.

وقد غرقت فى هذه العقيدة الطيبة وبدأت حياتى فى السجن تصبح سعيدة كل السعادة وأنا بين عبادة الله ومطالعة فى كتب تولستوى وكتابة لتاريخ حياتى،

الى أن زارنى فى السجن الأستاذ محمد عصفور -المحامى- فاذا به يهز هذه العقيدة هزا ويزلزلها فى نفسى، لقد حمل الى محمد عصفور ذلك الجو الذى حالت جدران السجن بينى وبين التأثر به جو التلفيق والتدبير الذى كان يحاك لى،

كان الألم مرتسما على وجه محمد عصفور وكان التشاؤم يسود كل كلمة من كلماته، وكان يعيب على لماذا لم أستمع الى نصحه عندما طلب الى مغادرة القطر المصرى، فلما أبديت دهشتى من تشاؤمه وقد انتهى موضوع 26 يناير بالنسبة لى اذا به يبدى دهشته العجيبة ولا يكاد يصدق أذنيه وسألنى عما اذا كنت فى شك من أننى سأحاكم امام المحكمة العسكرية؟

فقلت له:

ليس عندى أى فكرة عن ذلك ولا يمكن أن أحاكم أمام محكمة عسكرية، فينظر الى محمد عصفور نظرة اشفاق كما ينظر الانسان الى شخص مريض بمرض خطير يوشك أن يقضى على حياته، وهو يجهل كل شئ عن ذلك ويعتبر نفسه فى تمام الصحة، وكان عصفور يعرف من اتصالاته بمحمد زكى على وهو من رجال السراى ودكتور محمد هاشم النية المبيتة على إعدامى.

ولقد كان لعصفور بالذات الفضل فى أننى قررت أن أشرع فى تدوين مذكراتى يوما بعد يوم بعد أن أخرجنى من هدوئى وألقى بى فى بحار الشك وظلام المستقبل، فقد أحسست بعد أننى بدأت صفحة جديدة، وقد كانت بالفعل صفحة جديدة ولنطالع الآن هذه الصفحة كما كتبت فى وقتها يوم وساعة بعد أخرى.

6/4/1952

كان اليوم موعد نظر قضية وقال "الثورة، الثورة، الثورة" وقد طلبت النيابة التأجيل لارتباط هذه القضية بالتحقيق الجارى عن حوادث 26يناير ..

وهكذا أفصحت النيابة عن هدفها فى الزج بى فى حوادث 26 يناير عن أى طريق، ولو بإيجاد صلة بين مقال كتب من ثلاثة أشهر سابقة على الحوادث.

وقد عارضت فى طلب النيابة وأصررت على نظر القضية، ولكن كان من المحال أن أجاب لهذا الطلب، ولذلك فقد تأجلت القضية الى دور مقبل لتقديم النيابة ما يثبت ارتباطها بقضية أخرى.

ولقد كنت أتمنى ألا تخطو النيابة هذه الخطوة القاطعة فى، ولكن هكذا شاء الله، وانى لحكم الله خاضع "وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم"،

إننى أشعراليوم بحزن تحت تأثير هذا التطور، ولكن عسى أن تسفر الحوادث وتطوراتها عن أن ذلك كان خيرا.

9/4/1952

بالأمس زرانى الدكتور حلمى مراد، وقد خففت زيارته من نفسى بعض التشاؤم الشديد الذى كان يحمله محمد عصفور الذى زارنى يوم الخميس 3/4 ..

وها هى الحوادث تثبت تشاؤمه ولكن الزمن وحده كفيل بترجيح كفة التشاؤم أو التفاؤل .. وليس لى من رجاء سوى رحمة الله وعنايته، التى عشت طوال عمرى استظل بها وأتعلق بها وأستند اليها.

13/4/1952

هأنذا لا أستطيع أن أسجل مذكراتى الا بعد سبعة ايام كاملة من آخر مرة كتبت فيها .. وهذا وحده كاف لاظهار حالتى النفسية طوال هذه الفترة وأنها لم تكن على ما يرام .. وأننى أمضيت أسبوعا ثقيلا جدا على النفس.

بدأ الضغط على أعصابى عندما استدعتنى النيابة، أو بالأحرى الأستاذ عبد الحميد أبو شنيف رئيس نيابة الصحافة، ليستأنف التحقيق معى أو على الأصح ليشرع فى التحقيق معى، وكان ذلك يوم الثلاثاء 8 ابريل. ولم يزد التحقيق علي متابعة مناقشة أقوالى التى أبديتها لأول مرة عندما تقدمت الى النيابة لسماع أقوالى منذ أكثر من شهرين.

وقد أثبت فى بادئ الأمر هواجسى وتخوفى مما يحاك لى ويدبر، وكيف أن الصحف تردد على سبيل الجزم أن محاكمتى لابد منها؟! وتساءلت عن جدوى التحقيق اذا كانت النهاية محتومة، سواء ظهرة براءتى أم ادانتى ..

وسجلت موضوع بسيم وجهود الجزار فى تلفيق التهم ضدنا، وبعد ذلك شرعت فى الاجابة عن أسئلة النيابة والتى لم تزد على استيضاح موقفى قبل الحوادث فى مديرية الشرقية، وعن فكرة الاعتزال والاعتكاف ودار ودار بحثا حول القوى الروحية والتجرد الاخلاص.

وفى اليوم التالى -أى فى9 أبريل- استؤنف التحقيق فى جو أكثرثقلا من اليوم السابق، وذلك بسبب انشغال بالى بقضية أعلنت بها للمحاكمة فى اليوم التالى -أى فى يوم الخميس 10 أبريل- وهى قضية قديمة اتهمت فيها منذ سنة 1946 بتهمة تحريض الجند على الخروج عن الطاعة،

وذلك فى نداء أذعته، ونشرته جريدة "صوت الأمة"، أهبت فيه بالشعب أن يقاطع الانجليز وألا يتعاون معهم حتى يجلوا عن البلاد ورسمت هذا البرنامج الذى دعت اليه الحكومة فى سنة 51 .. وهكذا كالعادة أسبق البلاد فيعتبر كلامى جنايات وأقوالا خطيرة.

وقد عجبت فى بادئ الأمر لسوء الطالع الذى جعل هذه القضية -التى كدت أنساها- تجئ فى هذه الأيام التى لا تنقضى فيها القضايا والأحكام، وكنت قد طلبت من رئيس المحكمة أن يرسل الى دوسيه القضية فأرسل الى وأنا فى التحقيق، واكتشفنا أن القضية قد تكون سقطت بمضى المدة لمرور ثلاث سنوات على أخر اجراء خاص بها، وتلطف عبد الحميد أبو شنيف] وطلب محضر الجلسة،

ظهر من محضر الجلسة جليا أنه قد انقضى أكثر من ثلاث سنوات على آخر جلسة .. ويعنى ذلك سقوطها بمضى المدة باعتبارها جنحة وكانت النيابة قد قدمتها للمحكمة على أنها جنحة صحفية، ولكن الوصف الذى وصفته فى الاتهام -وهو تحريض الجند- هو جناية،

كما أن المادة 175 التى ذكرتها فى القيد هى جناية، ولكن النيابة من ناحية أخرى لم تقدمها عن طريق قاضى الاحالة وقدمتها مباشرة لمحكمة الجنايات باعتبارها جنحة وهكذا كان الأمر لا يخلو من أشكال، فلو تمسكت النيابة بأن القضية جناية لما سقطت بمضى المدة، ولطلبت اعادتها لتصحيح الاجراءات ..

ومن هنا فقد داخلتنى الهواجس أن تتخذ النيابة منها ذريعة لمضايقتى، ولكن لأمر ما تصرف عبد الحميد أبو شنيف تصرفا مستقيما، فقال لى أن النيابة لاتهمها هذه القضية ولن تتمسك بها ..

وقد بر بالوعد ففى اليوم الثانى يوم الخميس 10 أبريل -وقف ممثل النيابة الأستاذ على نور الدين وأثبت أن هناك خطأ فى قيد التهمة، وطلب استبعادالمادة 175- وهى الخاصة بالجناية - وعبارة تحريض الجند ..

وبذلك لم تعد هناك شبهة فى أن القضية جنحة .. فلما طلبت اثبات سقوطها بمضى المدة لم يكن أمام المحكمة، الا أن تجيبنى الى طلبى. وهكذا تخلصنا من هذه القضية العارضة ..

وظهر أن الله الرحيم قد جاءنى هذه الأيام لتسقط .. وليدخل الى قلبى شعاعا من الرجاء والأمل.

وعدت سريعا الى السجن حيث كان مقررا أن تزورنى زوجتى وأولادى لأول مرة منذ اعتقالى وجاءت زوجتى العزيزة الغالية التى أدعو لها بالليل والنهار أن يقويها الله وأن ينفخ فيها روحا من لدنه ويباركها. وجاء مصطفى وميمى وريرى وسنة الصغيرة.

وكان تأثرى شديدا جدا لمرأى أطفالى وخاصة سنة التى كنت أخشى أن لاتعرفنى .. فاذا بها تبادر للتعلق بى وتقدم ما تحمله من الشيكولاتة لى.

وقد تحدثت طويلا مع زوجتى وكانت أخبارها مطمئنة من ناحية مجريات القضية، فقد عرض جميع أعضاء الحزب المعتقلين والمقبوض عليهم بمعرفة النيابة على جميع شهود حوادث 26 يناير، فلم يتعرف على أى واحد منهم.

وكانت (سنة) الصغيرة طوال الوقت كشعاع من النور .. كثيرة الحركة والمرح .. وعندما حان موعد انصرافهم أبت الا أن تتعلق بى ثانية مظهرة رغبتها فى عدم انصرافها، فتأثرت لذلك تأثرا شديدا.

واستؤنف التحقيق فى يوم الجمعة 11أبريل، وقد فاتنى أن أذكر أن فى جلستى التحقيق فى يومى 8، 9 حضر الأستاذ محمد عبد الله "الأفوكاتو" العمومى وقد كنت دائما ابدا أخشى من آرائه وتوجيهاته للتحقيق فسررت من فرصة مواجهتى، وقد طلبت الاطلاع على هذا الكتاب ظنا منى انه مكتوب ضدنا من أوله لآخره. فلما اطلعت على الكتاب وجدته سلاحا لى سأعتمد عليه فى هذا الصراع بينى وبين النيابة ..

وقد كانت مفاجأته عظيمة عندما وجدنى فى اليوم التالى قد اطلعت على كتابه كله، بالرغم من أن حجمه يبلغ خمسمائة صفحة، وناقشته فيه مبديا سرورى وإعجابى بالكتاب فظهر الاغتباط على هذا الرجل.

وجاء النائب العام ليحضر التحقيق فى يوم الجمعة .. والتحقيق لم يخرج عن مناقشة آرائى وأفكارى كما سجلتها فى البيان الذى أذعته على الصحفيين يوم 24 يناير، والذى أنذرت فيه بقرب وقوع كوارث وجرائم وفتن اذا استمرت الوزارة فى الحكم.

وقد اغتبطت لرؤية النائب العام لأستطيع أن أناقشه وأبين له وجهة نظرى .. وقد أثنيت على تقريره عن حوادث 26 يناير وعجبت كيف أنه مع هذا التقرير يتصور متصور أن لى علاقة أو للحزب الاشتراكى بحوادث 26 يناير ..

وسألته أين دور عساكر بلوك النظام الذين كانوا هم عود الثقاب الذى أشعل برميل البارود. فقال النائب العام أن محل موضوعهم هذا التحقيق الدائر.

وأنهى التحقيق فى الساعة الثانية والنصف بعد أربع ساعات ونصف الساعة. وعند عودتى الى السجن وجدت نفسى متضايقا لاستمرار التحقيق على هذه الوتيرة وهى مناقشة أقوالى التى أقولها.

وتخوفت من جديد أن تكون خطة النيابة هى عمل تحقيق ضخم من مجرد مناقشة آرائى ومعتقداتى، ثم يقال هذا هو أساس التحريض. ولذلك فقد عولت على أن أقف موقف تصلب فى التحقيق.

يوم السبت 12/4/1952

ذهبت الى النيابة اليوم بنية الاحتجاج على المحقق .. ولم يكد يوجه الى سؤله المعتاد مناقشا أقوالى عن اليوم السابق، حتى أثبت فى المحضر أن هذا الطريق الذى سلكته النيابة ليس طريقا قويما، وأن حوادث 26 يناير قد أصبحت معروفة ومشهورة وسجلها النائب العام فى تقريره،

فاذا كان لدى النيابة ما تواجهنى به من أدلة او شبه أدلة فعليها أن تفعل، أما أن نظل نتناقش فى آرائى وفى اعمالى فهذه مسألة لن تنتهى.

وقد غضب المحقق لموقفى هذا ولكنى تمسكت بأن تواجهنى النيابة بما عندها، وجاء فى أقوالى أننى متعب فلم أكد أقول هذه الكلمة حتى أسرع رئيس النيابة الى إيقاف التحقيق لإعطائى فرصة للراحة وتأجيل التحقيق ليوم 14 أبريل.

وهكذا أخذت يوم أجازة، وهو ما خفف الضغط عن أعصابى بعض الشئ .. وهأنذا أتمكن من كتابة هذه المذكرة عن هذا الأسبوع الحافل بالعوامل المثيرة.

والله وحده يعلم كيف كان يمكن أن أقطع وقت الفراغ لو لم تكن رواية تولستوى عن (الحرب والسلام) هى التى أنكب على مطالعتها كلما خلوت الى نفسى،

فتشغلنى عما يحيط بى من هموم. وكانت الصلاة كالعادة هى مفزعى وخاصة صلاة الفجر، حيث أصلى وأدعو فى هدوء الليل ربى وخالقى أن يبدد من حولى الظلمات والغواشى، وأن ينجينى ويخلصنى من الكيد الذى يكاد لى ولاخوانى.

الأحد 13 أبريل 1952

تبارك الله .. ما أعظم قدرته .. لقد صدر الأمر أخيرا بتأجيل الانتخابات الى اجل غير مسمى .. ولقد ضايقنى ذلك فى بادئ الأمر، ولكننى بعد أن فكرت قليلا وجدت ان هذا الاجراء قد يكون مظهرا جديدا من مظاهر رحمة الله بنا. لقد كانت الانتخابات ستجرى والحزب الاشتراكى لا وجود له .. فنحن جميعا فى السجون والمعتقلات .. حتى ابراهيم شكرى يوجد فى السجن ..

وقد كان ذلك يحز فى نفسى، بل جعلنى فى حالة يأس تام من ناحية مستقبل الحزب .. فقد كان غاية كفاحنا طوال العامين الماضيين أن نفوز برضا الشعب فى انتخابات جديدة .. وفيما جاء أوان الانتخاب اذ بنا فى السجون متهمين أشنع تهمة ومحرومين من حق المواطنين العاديين.

وقد استسلمت لهذا الوضع ورضيته ما دامت هذه هى ارادة الله .. وفجأة يصدر مرسوم قبل قفل باب الترشيح بيوم واحد يلغى ما تم من اجراءات، ويؤجل الانتخابات الى أجل غير مسمى. ولست أشك لحظة واحدة فى أنه عندما تستؤنف الانتخابات فسيكون النشاط قد عاود الحزب فلابد أن يكون فريق من الزملاء قد أفرج عنهم وتبددت السحب والغواشى عن الحزب.

وهكذا أعاد هذا الاجراء الى نفسى بصيصا من الأمل بالنسبة لمستقبل الحزب، وإن كنت من ناحية اخرى أتوقع وقد تحررت الوزارة من فكرة البرلمان وأى تفكير فى الغاء الأحكام العرفية أن نحكم حكما ديكتاتوريا .. ولكن لا أظن أنه سيكون هناك أسوأ مما حل بنا حتى الآن ..

وعلى أسوأ حال فأنا لا أملك من الأمر شيئا لنفسى أو لإخوانى، الا أن أرفع أكف الضراعة الى الله وأن أهتف كل صباح ومساء: حسبنا الله ونعم الوكيل.

وغدا يستأنف التحقيق معى، ولابد أن رئيس النيابة سيعد لى كل ما عنده من أشياء ضدى، فالله المستعان على ما يصفون.

الجمعة 18 أبريل سنة 1952

هأنذا لا أجد فرصة من جديد للكتابة الا اليوم أى بعد مضى خمسة أيام من آخر مرة كتبت فيها وقد استؤنف التحقيق فى يوم الاثنين حسبما كان محددا وقد أتيح لى قبل البدء فى التحقيق أن أطلع على حيثيات الأحكام التى صدرت ضدى فى قضايا العيب فى الذات الملكية والتى صدر أحدها بالبراءة وقد حمدت الله سبحانه وتعالى أن جعل عاقبة الأحكام سليمة وقد كانت هذه الحيثيات كأحسن ما يكون عليه حيثيات محكمة حكمت بالادانة فان المهم فى موضوع هذه الحيثيات أنها أثبتت لى الاخلاص والولاء لجلالة الملك،

وحعلت ذلك فوق كل شك حتى لقد ذهبت الى حد الاستغناء عن سماع الشهود الذين طلبتهم وذلك لأنى "قدمت فى التحقيقات وفى الجلسة أدلة مادية على اثبات ولائى لجلالة الملك وهى جرائد ونشرات وكتب تنطق كلها بهذا الولاء وتواريخها سابقة على تاريخ هذه الدعوى وهى فى الواقع أبلغ من شهادة الشهود".

ولما كانت هذه هى النقطة الوحيدة التى تهمنى فى الموضوع كله فقد شكرت لمحكمة الجنايات تقريرها هذه الواقعة .

وطالعت حيثيات حكمها بالبراءة فى أخطر هذه القضايا بالنسبة للظروف الحاضرة وهى القضية التى اتهمت فيها بالتحريض على جرائم القتل والنهب والحريق والاتلاف وذلك فى عدة مقالات كانت احدها بعنوان "الثورة آتية لاريب فيها" وقد ذكرت المحكمة فى حكمها أن ذلك كله قد ورد على سبيل التحذير ولا يتضمن تحريضا على الثورة بل العكس من ذلك يهدف الى تفادى وقوع الثورات

والفتن كهذا الذى حدث فى 26 يناير. وهكذا عززت محكمة الجنايات وجهة نظرى فى هدفى من كل ما أكتب وجعلتنا فى مركز أحسن ألف مرة مما لو كانت حكمت بالادانة فى هذه الجنحة ولو بغرامة صغيرة فقد كانت النيابة ستتخذها تكأة فيما تنسجه لى من خيوط الاتهام بتهمة التحريض عن طريق الكتابة.

بقى الأمل أن تنقض محكمة النقض والابرام حكما من هذه الأحكام الثلاثة الصادرة بإدانتى نظرا لوجود بعض تناقض فى حيثيات محكمة الجنايات فطالما أثبت لى الاخلاص والولاء فان هذا فى حد ذاته ينفى وجود القصد الجنائى.

ولكن لا اؤمل كثيرا فى اجراء محكمة النقض فى هذا الموضوع فاذا حدث غير المنتظر ونقضت المحكمة بعض هذه الاحكام لمصلحتى فان ذلك سيكون من مظاهر فيض الله وكرمه العميم.

استؤنف التحقيق على هذه الوتيرة المملة وهو أن يعرض على بعض فقرات من هذا البيان الذى أذعته على الصحفيين فى مساء الخميس 24 من يناير وكالعادة رحت أسهب فى ذكر آرائى وأفكارى وتصوراتى .

يوم الثلاثاء 15 من أبريل

استؤنف التحقيق فى هذا اليوم وقد رحت أعزز بما نشر فى الجريدة الاشتراكية أقوالى السابقة وقبيل نهاية التحقيق اذا بالمحقق الأستاذ عبدالحميد أبوشنيف يوجه الى احدى فقرات البيان الخاصة بالمدنيين الانجليز فى مصر وكيف أنه فى الوقت الذى ينكل فيه الانجليز بالمصريين على ضفاف القنال مستخدمين أبشع ألوان الهمجية حتى ليرموا للكلاب جثث الشهداء ، يعيش المدنيون الانجليز فى القاهرة تحت حماية الحكومة ورعايتها بل وكرمها وترفيهها ؟ !

وسألنى عن المقصود بهذه العبارة فشرحتها له وكيف أننا طالما نادينا بوجوب اعتقال هؤلاء الانجليز أو ترحيلهم على الأقل من البلاد ، فاذا به يفاجئنى بقوله : أليس فى هذه العبارة تحريض على الانجليز ؟! فرددت عليه بأن هذا البيان لم ينشر وأن العبارات لاتحوى سوى النقد لتصرف الحكومة .

وقد لاحظ المحقق أننى تضايقت من هذا السؤال فختم التحقيق فى الواحدة والنصف على أن يستأنف فى اليوم التالى . وفى الحق لقد غضب غضبا شديدا لهذا السؤال ورأيت فيه طرفا من هذه المحاولة المنكرة لتوجيه الاتهام الى على أى صورة من الصور .

فقد كانت مصر كلها تحارب الانجليز ويراد الآن تسقط بعض عبارات تافهة لنسبة التحريض الى . كانت الحكومة تحرض والصحف تحرض والاذاعة تحرض والحكومة تعد الكتائب لحرب الانجليز ، ويراد االآن نسيان ذلك كله وحصر التحريض فى ..

ولذلك فقد عادت الى كل هواجسى وكل الأفكار السوداء واعتزمت أن أقف موقفا آخر فى التحقيق .

وقد حدث حادث آخر فى هذا اليوم جعلنى أقف طويلا محاولا تدبر مغزاه . لقد رآنى شخص من الأشخاص وهو شيخ مدرس فسأل عنى فقيل له أنه أحمد حسين ، فاذا بالذعر يبدو على وجهه ويرتفع صوته سبحان الله ومهللا ومكبرا ، فقد كان يعتقد اعتقادا جازما أن أحمد حسين قد مات وقتل وانتهت أيامه ، وهاهو يراه يبعث من جديد أمامه .

لم تكن هذه أول مرة تبلغنى فيه أن الاشاعة السارية فى الشعب هو أننى قتلت بالفعل ، وقد علمت أن هذه الاشاعة بلغت حد التواتر وكان كل من يتصل بى فى هذه الفترة ينقل الى اجماع الناس على هذه الحقيقة ..

ولكننى لم أقف أمامها طويلا كما وقفت هذه المرة ، فان الانزعاج الذى ظهر على الشيخ جعلنى أشعر بعمق هذه وأنها وصلت الى حد اليقين والحقيقة المقررة .

ولقد قال الشيخ انه عندما يقسم للناس انه رآنى حيا فلن يصدقه أحد . قلت فى نفسى اذن هذا هو الموقف فأنا أعتبر عند الشعب ميتا . أى اننى لو كنت قد مت أو قتلت بالفعل لما زاد الموقف على ذلك .. مجرد مجرد فكرة يتناقلها الناس كخبر من الأخبار .

ولم يصل الشعب الى قبول هذه الاشاعة الا لأنه رأى الموقف يتقبلها ورآها نتيجة منطقية للحوادث الجارية . ومعنى ذلك أننى اذا كنت لا أزال حيا حتى الآن فما ذلك الا بنعمة الله وفضله الذى حمانى حتى هذه الساعة من هذا المصير المقرر والذى أعتقده جازما .

وهكذا تضافرت على حالتى المعنوية عدة عناصر زادت فى قلقى ويعلم الله أننى لا أجزع من الموت ابدا ودليلى على ذلك أننى ما أويت الى فراشى كل ليلة الا وساءلت نفسى اذا كانت هذه آخر ليلة فى الحياة فلا أستيقظ بعدها ابدا فأرى الفكرة لاتثير فى نفسى أى اضطراب او قلق .. فما جزعى فى الحقيقة بما يدبر أو يحاك لى الا الخوف من أن يكون الله سبحانه وتعالى قد تخلى عنى وسوف يسلمنى فى يد هؤلاء الظلمة وأن حياتى ستنتهى على هذه الصورة ،

هذا هومبعث الهم والقلق .. فالمسألة عندى هى مسألة رضاء الله أو عدم رضاه ، ولقد عودنى دائما الجميل عودنى أن ينقذنى من كل هم وضيق وما سرت فى الحياة ولا تحركت الا وأنا استلهم الله عز وجل ، وقد كنت ارى دائما أثار نعمته على ..

فأصبح ما أخافه أن أحرم من هذا النعيم .. وهكذا أمضيت ليلة يشوبها القلق .. وكالعادة استغرقت فى مطالعة رواية الحرب والسلم التى استولت على كل الاستيلاء خاصة وأن آراء الرجل تكاد تتفق فى كل شئ من آرائى .

يوم الأربعاء 16 أبريل

ذهبت اليوم للتحقيق مقررا أن أقف من التحقيق موقفا سلبيا . وقد سألنى أبو شنيف عما اذا كنت أريد أن أكمل اجابة الأمس فأجبت بالنفى . ثم وجه الى سؤالا أو بالأحرى عرض على فقرة من فقرات البيان تدور حول وقوف الأغنياء موقفا سلبيا من حركة التحرير فلم يمدوها بالتبرعات أو الاكتتاب فأجبت على ذلك بأن العبارة واضحة لاتحتاج الى تفسير فسألنى أليس فيها تحريض فقلت لا وهنا شعر أننى لست فى حالتى العادية وأننى غاضب فسألنى عن السبب فقلت له لاداعى لذكر الأسباب ،

فألح على فانفجرت منددا بالتحقيق وطريقته وأسلوبه وأن المقصود منه هو عمل قضية لى بأى اسلوب من الأساليب ، وقلت له أنظر الى سؤال الأمس فأنت تتصيد عبارة بريئة لتجعل منها تحريضا على قتل الانجليز حيث كانت مصر كلها وعلى رأسها جلالة الملك يحرض ضد الانجليز بل كان الوزراء رؤساء للكتائب التى تحارب الانجليز .. فلماذا اختص بهذا التحقيق .

وقد هدأ من غضبى وراح على عادته يخفف من وقع الموقف ويقسم لى أنه سيحقق دفاعى كلمة كلمة وأنه سيقوم بواجبه على ما يرضى الله .

وانتقل التحقيق الى مذكرة قدمتها للنائب العام مصورا فيها حوادث 26 يناير وهى توشك أن تكون الأساس الذى استلهمه النائب العام فى وضع تقريره عن هذا الحادث .. أوهو الحق كما انتهت اليه من تحقيقاتى .

وكما انتهى هو اليه من تحقيقاته وقد سرنى أن يدور الكلام حول هذه المذكرة التى تثبت كيف كنت اول من حاول أن يصور حوادث هذا اليوم ويحدد أسبابه والمسئولين عنه .

وقد انتهى التحقيق فى ساعة مبكرة لاتمكن من الاطلاع على محاضر جلسات محكمة الجنايات وذلك لاعداد أسباب النقض . وتأجل التحقيق الى يوم السبت وهكذا أتيح لى يومان للراحة .. بالأمس شغلت فى وضع مذكرة عن تطورات التحقيق وموقف الحزب الاشتراكى منه وأثبت فى المذكرة براءتنا بما لازيادة بعده لمستزيد فعسى أن يكون لها أثر فى ايقاف هذا التيار المعادى لنا .

موضوع بسيم

وقد تلقيت فى السجن صورة فوتوغرافيه من تقارير بسيم التى كتبها بعد هربه من يد البوليس وسجل فيها كيف كان البوليس يغريه على تلفيق التهم الخطيرة لنا .. ولقد عرض هذا التقرير على النيابة بواسطة ادارة السجن قبل تسليم الخطاب الى ، ولابد أنه وقع من النيابة والبوليس موقع الصاعقة فهو الشهادة الناطقه على التلفيق على التلفيقيق.

حقا أن النيابة والبوليس بعد هروب بسيم كانا قد بدأ يفقدان الأمل فى هذا الدليل ومع ذلك فقد كانت أقوال بسيم لاتزال قائمة ..

فجاء هذا التقرير الموقع عليه بخط بسيم يهدم هذه الأقوال بل ويثبت الغش والتلفيق والتزوير على رجال البوليس .

وليس لى ما أقوله الآن الا أن أواصل تضرعى وابتهالى الى الله عز وجل أن يظهر براءتنا وأن ينجينا من الهم والضيق وهذه التهمة الشنيعة .

الأثنين 21 أبريل سنة 1952 شم النسيم

استؤنف التحقيق يوم السبت 19 من أبريل كما كان مقررا وكان أحد الضباط الذين جاءوا لاصطحابى هو برتى مرقص الذى كان يشرف على سجنى فى سجن الأجانب ، وقد تحدثت عن شخصيته فيما سبق ولولا انشغال بالى بالتحقيق المقبل لكان استمتاعى ( بتهريجه ) أضعاف ما استمتعت به .

لم يكن فى الأسئلة التى وجهت الى شئ له قيمة الا سؤالا عن البيت الذى نزلنا فيه فى الإسكندرية وعما اذا كان هذا البيت يقع فى محطة بولكلى بشارع ألن وقد نفيت ذلك نفيا قاطعا ، فالبيت الذى نزلنا فيه لم يقيم فيه أحد وهو سقع فى سيدى بشر ،

ويظهر أن البوليس السياسى قد نسج قصة حول اقامتنا فى الإسكندرية ولكن النيابة لم تر أهمية لهذه القصة فاكتفت بهذا السؤال الذى نفيته .

وبعد ذلك جئ بما تصورت النيابة أنه احدى خطبى التى ألقيتها فى الدار قبل حوادث 26 من يناير فلما عرضهاعلى المحقق لم أعرف الشخص الذى كتبها ولما طالعطها وجدت فيها كثيرا من المعانى التى أنادى بها فى كل خطبى وفى كل كتاباتى من التزام الحزب الاشتراكى بالقانون واتباع الأساليب القانونية فى جهاده ..

وبالجملة فقد سررت بأن تكون هذه الوثيقة التى تكشف عن روح الحزب وجهاده القانونى فى يد النيابة .

وقد سألنى المحقق عما اذا كانت هذه خطبتى فأجبته بالرد الطبيعى فى هذه الحالة وهو أننى لا يمكن أن أقبل نسبة اقوال مكتوبة بخط انسان آخر وليس لها تاريخ فأجعلها خطبة من خطبى أحاسب على كل حرف فيها .

ومع ذلك فقد أظهرت استعدادى لتحمل كل ما تضمنته هذه الأوراق من معان وقد رحت أشرح هذه المعانى باسهاب من كراهيتى للعنف فضلا عن الجريمة وكيف أننى أبشر وأدعو للمحبه والسلام والتآخى وأومن بمبادئ غاندى وتولستون والمسيح و الاسلام فى دعوته للمحبه والاخاء بل ذكرت خطبى فى الكنائس وشرحى لآية " الله محبه " .


وانتهى التحقيق عند هذا القدر بعد اثبات تقرير بسيم وطلبى الشروع فى تحقيقه فورا . وقدمت للمحقق مذكرة طويلة كتبتها فى 17 صفحة وفيها استعراض لموقف الحزب الاشتراكى وموقفنا من حوادث 26 من يناير وعدم جدوى توجيه أى اتهام لنا مع براءتنا براءة الذئب من دم ابن يعقوب .

وقد تأجل التحقيق بناء على طلبى الى يوم الثلاثاء للراحة والاستجمام . وطلبت تصريحا للدكتورحلمى مراد لمقابلتى بخصوص اسباب النقض واعدادها .


يوم الأحد 20 /4

لم يحضر الدكتور محمد حلمى مراد ولكنه أرسل أسباب النقض فى القضايا الثلاث كما وضعها الدكتور على راشد وبعد الاطلاع على هذه الأسباب غمرتنى موجة من الرجاء أن يتم الله نعمته وتحدث المعجزة الكبرى فتنقض محكمة النقض هذه الأحكام وتقضى بالبراءة فقد كتبت بطريقة رائعة ،

وتمسكت بالتناقض الوارد فى هذه الأحكام التى تثبت لى الولاء والاخلاص من ناحية وتعاقبنى فى ذات الوقت حيث يتطلب القانون للعقاب ثبوت القصد الجنائى الذى يتعارض مع الولاء والاخلاص وقد دخلت المسجد القائم بالسجن ودعوت الله سبحانه وتعالى أن يبارك فى هذه الأسباب وأن يملأ قلوب القضاة عند مطالعتها خشية منه وخوفا ورغبة فى احقاق الحق .

وقد قابلنى فى السجن أحد رؤساء أقلام الشهر العقارى والذى جاء بنفسه لاثبات توكيل صادر منى للمحامين . . .

وقد كان الرجل فى اشد الشوق لرؤيتى و وقد أبدى دهشته لأن يرانى - كما قال - فى حالة معنوية عالية ، وذلك يعكس الصورة التى ترددها الأشاعات ، والتى تذهب كما كرت من قبل الى حد القول بأننى قتلت .

يوم الاثنين 21 /4/1952

وهأنذا أكتب هذه السطور فى يوم الاثنين يوم شم النسيم ، وهو يوم عطلة فى السجن فلا يسمح لنا بأى طوابير أو نزول الى ساحة السجن وتظل الحجرة مغلقة طوال اليوم .

ويخيل الى أن وكيل السجن يفتش الآن حجرات المسجونين . وهو ضابط جديد جاء بالأمس بدلا من الوكيل السابق الذى كان يسمى عبد الرؤف جودة ، والذى كان شابا ممتازا من حيث الاستقامة ودماثة الخلق بحيث أسف الجميع على فراقه ولكن الوكيل الجديد يبدو كذلك أنه رضى الأخلاق كريم النفس .

وكالعادة أتطلع الى الغد حيث يستأنف التحقيق راجيا الله سبحانه وتعالى ألا يحمل فى طياته مفاجآت منغصة أو شيئا يزيد فى همومى وهواجسى .

يوم الأحد 27 من أبريل سنة 1952

لم أستطع أن أكتب شيئا قبل انقضاء هذا الأسبوع فاليوم فقط أى بعد انقضاء ستة أيام على استئناف التحقيق اجد فى نفسى قدرة على كتابة شئ ويالها من فترة من أقسى الفترات التى مرت على فى هذه الثلاثة أشهر على قسوتها فى حد ذاتها ،

ويرجع عامل قسوتها الى المفاجأة الى فوجئت بها فبعد أن كان الأمل قد بدأ يداعبنى فى امكان تمخض التحقيق عن شئ جاءت هذه المفاجأة لتدلنى على أن العكس هو الصحيح ، وأن النية قد بيتت على الاسراع بتقديمى للمحاكمة بل والمحاكمة العسكرية على أرجح الظروف .

كنت قد ذهبت الى المحقق يوم الأربعاء بنية ألا أمضى فى التحقيق الا بعد أن يحقق دفاعى أو بالأحرى أقوالى فلم يكن فى التحقيق حتى الآن سوى أقوال..

وعندما واجهت عبد الحميد أبوشنيف المحقق وجدت مجلدات الاشتراكية وقضايا مكدسة أمامه فأعلنت أننى متعب ولن أستطيع المضى فى التحقيق على هذه الواتيرة وأننىفى حاجة الى راحة طويلة الأمد يحقق فيها أقوالى فاذا به يقول لى وهو كذلك وكل ما أرجو أن أعرض عليك بعض الوقائع لترد عليها ولن يستغرق ذلك منا سوى بضع كلمات ..

وهنا كانت المفاجأة الكبرى والتى تؤثر دائما لمجرد كونها مفاجأة غيرمتوقعة. ذكر لى أن شخصا سماه لى وهو مهندس ومن عجب أننى لم استطع ان أذكر اسمه على الرغم من تكراره أمامى وعلىالرغم من أن الرجل جاء وواجهنى فى التحقيق ..

هذا المهندس شهد انه رآنى فى سيارة ستروين امام بار الانجلو المحترق فى الساعة الرابعة مساء السبت 26 من يناير ، وأن السيارة كان يقف فوقها شخص يمسك علما أخضر وأنها جاءت أمام بار الانجلو حيث كانت مهماته وأدواته تحرق فى عرض الطريق ثم وقفت السيارة ونزل منها شخص ممسك بعلم فوقف أمام هذه الأنقاض المحترقة ورفع العلم ثم مضت السيارة بعد ذلك ..

وأن هذا المهندس قد عرفنى على الفور. وسألت متى قدم هذا البلاغ وقيلت هذه الأقوال ، فقيل لى فى 5 من فبراير فكانت هذه المعلومات غير سارة بطبيعة الحال ولكن وقع المفاجأة لم يلبث أن اشتد عندما قال المحقق وقد تعرف هذا المهندس على جبر حسن باعتباره هو الشخص الذى نزل من السيارة ممسكا بالعلم وجبر حسن هذا على ما تقول النيابة هو الحارس الخاص بى ،

وكانت ردودى على هذه الأقوال كلمات موجزة جدا لا تعدو أن ذلك كله تلفيق أنزه نفسى عن الرد عليه واذا به يزيد الأمر الحاحا فيقول وقد تعرف على شخص يسمى ممدوح عبد المقصود وهو اشتراكى .

وكانت هذه واحدة . وانتقل عبد الحميد أبو شنيف الى دوسيه آخر وقال وشهد الدكتور عزيز فهمى بأنه سمع من شخص اسمه جلال لطفى أنه رآك فى الساعة الرابعة والنصف أمام محلات هيلمان للسيارات تحرض على حرقها، وكنت راكبا سيارة جيب وقد عرفك لهتاف الناس من حولك الزعيم الزعيم، ولما كان يعرفك من قبل فقد شهد بانه رآك ..

وكانت هذه مفاجأة جديدة أن يذكر اسم الدكتور عزيز فهمى على انه هو الشاهد ضدى ، ولم أعلق على الدكتور عزيز فهمى باعتباره يشهد بما يسمع ،

ولكنى تساءلت عن كيفية وصول ذلك الى علم البوليس أو النيابة فقيل أن تقريرا قدم من اللواء ابراهيم امام يقول فيه انه علم أن الدكتور عزيز فهمى قد سمع من جلال لطفى هذا القول .

فانفجر غضبى على هذا الابراهيم امام الذى تجعل منه الحكومة والدولة شيئا مذكورا وهذا هو منتهى جهده فى هذه القضية الخطرة أن يقدم فى يوم 10 من فبراير تقريرا يلخص فيه معلوماته أنه سمع أن شخصا آخر قد سمع ، وعرفت أن يد التلفيق تعمل عملها ، وأن النية قد بيتت على أمر و ولم أزد فى تعليقى على هذه الوقائع الا بهذه العبارة .

ثم ذكر أن أشخاصا سماهم وعلى رأسهم شخص اسمه تادرس قد شهدوا انه فى الساعة الثالثة والنصف تقريبا مرت عليهم سيارة فى شارع الملكة كانت الناس تصفق لهم ، ويقولون أن أحمد حسين فى داخلها وسئل الآخرون فقال بعضهم كان يهتف بحياة احمد حسين وحياة الشتراكية و وقال ثالث كانوا يهتفون بحياة الوطن . واجبت عن ذلك كله بانه كلام لا يستحق عناء الرد .

وكان أبوشنيف قد أبقى مفاحأته الكبرى حتى النهاية فقد أعد الأمر كله ليكون مفاجأة فى الكل والتفاصيل ..

استحضر أوراق دوسيه رابع ثم قال وشهد من يسمى سعيد وهو موظف بشركة ميتشل كوتسى أنه فى تمام الساعة الواحدة والربع رآك أمام محطة بنزين شل الملاصقة لنادى التيرف كلوب ، والذى كانت النار تشتعل فيه ومع ذلك فقد أشرت الى شخصين أن يزيداه لهيبا فالقيا عليه كرات ملتهبةفازادادت النار اشتعالا ..

ويقول هذا الشخص أنه كان يرى صورى دائما فى الصحف وقد زاد على ذلك كله أن تعرف على من يسمى خليل عبد النعم خليل وهو الشخص الذى قام بقيادة السيارة الستروين فى ذلك اليوم .. الله أكبر .. نادى التيرف كلوب حيث حرق الانجليز وماتوا أى أن الاتهام فيه هو أخطر تهم هذا اليوم على الاطلاق فهم يريدون عنقى وحياتى كلها .

وسألت المحقق اذا كان لايزال هناك فى جعبته شئ فأجاب بأن هذا هو كل شئ فأجبت عن هؤلاء الشهود بأن النيابة تعرف جيدا أين كنت فى هذا اليوم ، وقد ثيتت أمامها هذه الواقعة بما لازيادة بعده لمستزيد ولاحظت ان هذه الأقوال الجديدة قد تأخر عرضها على ، وأنها لاتستغرب فقد كان لابد للبوليس أن يلفق .

ثم طلبت أن تسرع النيابة فى تحقيق أقوالى السابقة كى أعطى فترة للراحة فوافق أبوشنيف على ذلك ، على أن يستدعنى فى اليوم التالى لمواجهة هؤلاء الشهود .

وعدت الى السجن مغمورا فى غمرة هذه المفاجأة الشديدة التى لم تكن فى الحساب ففى الوقت الذى كنت أتهيأ فيه للسماح بموجة من الأمل والتفاؤل أن تغمرنى من جديد اذا بهذا التطور المفاجئ .

وعدت مغمورا بالأفكار الى السجن فاذا بخطاب النيابة على آثارى يدعونى فى اليوم التالى لاستئناف التحقيق أو بالأحرى للمواجهة مع هؤلاء الشهود .. وأحسست بشعور الانسان عندما يحس أنه قد غدر به و لقد غدر بى ..

وانتفضت نفسى بالثورة على هذا الظلم وهذا الغدر، ورأيت نفسى فى حالة أشبه ما تكون بالحمى ، ولم أعرف كيف انقضى النهار ولكنه انقضى ، وجاء وقت المغرب وقد كنت صائما فاذا بى لا أستطيع أن أفكر فى موضوع الطعام فضلا عن أن أقترب منه . .

ولم أستطع أن أطالع فى شئ أو أن أقرأ شيئا لقد كنت فى حالة اعياء وصليت المغرب وطلبت من الحارس أن يطفئ النور فى حجرتى فعجب لذلك ، فقد ألف ألا يطفئ النور الا فى العشاء مساء .. ولكن النور كان يضغط على أعصابى ، وصليت العشاء واستلقيت أخيرا على الفراش وكنت أعرف أن النوم لن يعرف سبيله الى جفنى فاستسلمت للأرق كشئ طبيعى ..

ورحت اتقلب كما يتقلب الانسان على الجمر .. الغدر ..الظلم .. الحقد.. كانت هذه هى الأشواك التى اتقلب عليها والنار التى تحرق صدرى .. أنهم يحقدون على ..

هم هم على استعداد للنيل منى ظلما وعدوانا .. حتى التحقيق معى قد أخذ صورة الغدر وكنت من حين لآخر كما تعودت دائما أزع الى الله وأهتف فى صوت مسموع من أعماق قلبى الى الله أن يدحض الباطل وأنيخلصنى وأن يحبط كيد الكائدين وان يرده عليهم ..

وقد رحمنى الله فنمت قليلا وقد يكون ذلك ساعة أو بضع ساعة واستيقظت وبدأت أصلى ولعلى قد شربت كوب ماء .. وعندما طلع الضوء بدأت أطالع أى شئ تقع عليه يداى لأقطع الوقت .

الخميس 24 /4 / 1952

وذهبت الى النيابة مصطحبا معى أحد أعداد جريدة الأهرام الصادر فى 4 فبراير وقد نشر فيه خبر اعتقالى وصورتى وأن أحدا لم يتعرف على . وقد رأيت فى ذلك النشر فى يوم 4 التفسير لماذا تقدمت هذه البلاغات فى يوم 5 أى فى اليوم التالى لتكون علاجا لما أحدثه هذا النشر من تبرئة ساحتى والدفاع عن شخصيتى .

وجاء المهندس وهو شخص يقطر حقدا ، وقال على الفور أنه يعرفنى لأنه هو الذى يبنى العمارة التى تواجه الحزب طوال العام المنصرم ..

اذن فهذا هو التفسير لماذا عرف جبر حسن فهو يعرفه من الحزب ويعرف أنه يصاحبنى فى عربتى فمن يريد أن يلفق على بحسن التلفيق سيما بالزج بجبر حسن وهكذا فسر ما بدا لى مصادفة غريبة ، وهى ليست سوى تدبير كما أجبت على المحقق عندما قال وقد تعرف على جبر حسن فقلت له " امعان فى التلفيق "

وهكذا كان . وكرر أمامى أقواله السمجة الممقوتة من أنه رأنى وكنت فى داخل السيارة التى وقفت أمام كومة الأشياء المحترقة ونزل منها جبر حسن فرفع فوقها العلم لمدة خمس دقائق ثم انصرفت السيارة ..

رواية فجة سخيفة لا معنى لها ، وسألته كيف وصلت هذه المعلومات الى البوليس والنيابة فأجاب بأنه يبنى بيتا لطه عزت مساعد الحكمدار وأنه قص عليه هذه الرواية فكلفه بالبلاغ فبلغ ، وهكذا عرف طريق التلفيق وانتهى أمر هذا الشخص الذى أكله الى الله سبحانه وتعالى ، أما بالنسبة لجلال لطفى فقد قيل أنه مسافر فى فرنسا فلم يحضر ، فجئ بالشاب السودانى أو النوبى الذى يعمل فى ميتشل كوتسى ، والذى قيل أنه رأنى أمام التيرف كلوب .

وقد تعرف على من خلال ثلاثة أشخاص ،وقال أنه كان يرانى دائما فى الصور . وبدأ يقص قصته ولفت نظرى فيها أنه يقول أنه نزل من مكتبه فى الشركة الساعة الواحدة بعد الظهر فكانت النار تشتعل فى جروبى وفى الدوللز ، وفى علمى أن اشتعال النار فى الدوللز كان فى ساعة متأخرة وكذلك جروبى وان كنت لا أعرف بالضبط .. وتابع أقواله فذكر أنه سار حتى وصل الى محطة البنزين فى الساعة الواحدة والربع بالضبط فرأى السيارة التى كنت فيها ،

وكان هناك مخزن خمور قد بدأ يشتعل ، وطلبت منه أن يكرر هذه الأقوال فيحصى الحرائق التى مر بها منذ خروجه من المكتب حتى وصل الى بيته فأعاد ذكر ذلك . ولما سألته عن كيف وصلت هذه المعلومات للنيابة اتضح من أقواله أنه كان يدردش بهذه الأقوال فى بيته لأحد ضيوفه فذهب هذا الأخير وأبلغ محمد يوسف فى وزارة الداخلية ، فاستدعى هذا الشاهد بال10ليل الى الوزارة وطلب أن يكرر ما قاله لهذا الشخص فاضطر أن يكرر هذه الأقوال ، وأن يشهد بها لينجو بنفسه .

ولو وقف الأمر عند هذا الحد لما كان هناك ما أخذه على النيابة أو بالأحرى على المحقق ، ولكنه فاجأنى بقوله تعقيبا على هذه الشهادات أن الشهود الذين استشهدت بهم وقلت أنهم خاطبونى او اتصلوا بى فى البيت لا تتعارض شهادتهم مع شهود الاثبات فالاتهام قائم وليس هناك ما ينفيه ، وقد ذهلت لتلخيص الموقف هذا التلخيص العجيب المستنكر ، ولذلك فقد رددت عليه بقولى " هذه مهاترة لا أرد عليه " ،فلما زاد المحقق على ذلك سؤالا آخر فيه معنى الاتهام قلت له

" وهو كذلك " ثم انفجرت فيه وفى المحضر ، واصفا هذا التعسف وهذه المحادثة المنكرة للكيد لى بما تستحق وامتنعت عن المضى فى التحقيق بع ذلك الا أن يسأل جميع أعضاء الحزب المعتقلين والمسجونين أين كنت فى هذا اليوم وأن يسأل بوليس الروضة جميع الناس فى منطقة الروضة فان البوليس اذا كان قد جاء بمأفونين أوثلاثة يقولون أنهم رأونى فان مئات وألوفا يشهدون فوق كبار رجالات مصر الذين شهدوا أننى كنت فى بيتى فى ذلك الوقت ..

وكان من العجيب أن المحقق وهو يعدد شهودى قال ان على ماهر قد شهد أنك كنت فى البيت الساعة الثالثة وأن على الغاياتى قال أنه خاطبك فى الرابعة .

ولكننى لم اذكر اسم الغاياتى الا فى مرحلة متأخرة وذكرت انه خاطبنى الساعة الثانية . ومعنى ادعاء النيابة : أننى كنت أنزل الى القاهرة بين كل مكالمتين تليفونيتين فأحرق بعض الأماكن ثم أعود الى المنزل لأتلقى المكالمة الثانية أو لأخاطب شخصا وليس وراء ذلك سفه أو عبث كما ذكرت فى التحقيق بالذات .

وانفض مجلس التحقيق فى جو عاصف ، وقد وصل بى الغضب الى مداه ، ووجدت لذلك راحة فى نفسى ووجدتنى مستعدا لأسوأ الاحتمالات وأنا فى هذه الحالة ..

وهذا هو شأن النفس البشرية عندما تستفز وتتحدى فان كل قواها الغاضبة تثور فنستهين بكل شئ .. لقد وجدتنى وأنا أتحدى عبد الحميد أبو شنيف أو بالأحرى أتحدى القوى الظالمة التى يمثلها والتى ترغب فى الكيد لى وجدتنى أشعر بأننى أقوى منها وأنها أحقر من أن تنال منى ،

وأننى مستعد لكل الاحتمالات بعزيمة ثابتة بما فى ذلك الموت لنفسه ، وقد ذكرت ذلك لأبو شنيف وأعلنته أننى سأرد على هذا التحدى بالتحدى مسلحا بايمانى بالله معتمدا على قوة الحق التى امثلها والتى تملأ نفسى .

وعدت الى السجن أحسن حالا من اليوم السابق فقد كان عنصر المفاجأة قد زال وكان أسوأ ما فى الموقف قد حدث وتم فقد علمت أنها ستكون قضية وسيكون اتهام ، وقد يحدث ذلك بأسرع مما كنت أتوقع فى اكثر الأوقات تشاؤما ، وعندما يوطد الانسان نفسه على وضع معين فانه يكون أهدأ بالا حتى لقد قيل ان اليأس احدى الراحتين ،

وذلك حق فليس هناك ما يعذب الانسان أكثر من الأ مل ، فاذا لم يكن ثمة أمل فليس هناك عذاب وانما استسلام وتبلد ، وكان قد انقضى لى قرابة ثلاثة أيام يغير طعام ويومين بغير نوم ، فكنت فى منتهى التوتر والاعياء ولكن كان من الواضح أنه سيكون بقدرتى أن آكل عندما تغرب الشمس ويحين وقت الفطور ، وكان ذلك فى حد ذاته هو علامة التحسن .

وهرعت الى صحفى أبحث فيها عن مواعيد حرق جروبى والدوللز والتيرف كلوب فوجدت تقرير النائب العام يحدد مواعيد الحوادث ، كان حريق جروبى بعد الساعة الثالثة والنصف . . وطريق الدوللز بعد ذلك ، وحريق نادى التيرف كلوب فى الساعة الثانية والنصف .. الله أكبر اذن فالولد كذاب فى صورة غريبة فهو يقرر أقوالا تخالف الوقائع المادية الثابتة ،

فى الساعة الواحدة التى يزعم أن النار كانت تشتعل فبها فى جروبى والدوللز لم تكن قد اشتعلت أى نيران فى مصر كلها الا فى كازينو أوبرا واذن فالولد كاذب فى كل ما يقول .. وهذا تفسير أن النيابة لم تقم لأقواله أى وزن عندما أدلى بها منذ ذلك الوقت المبكر للتحقيق .

فلو كان لأقواله قيمة لواجهتنى بها النيابة منذ اللحظة الأولى ولاعتبرتنى فاعلا أصليا فى حرق التيرف كلوب ولم يؤخرها عن ذلك الا مخالفة أقوال هذا الولد للواقع المادى والحقيقة المقررة عندها ..

وعلى هذه الوتيرة لابد أن يكون لأقوال المهندس المزور الآخر شئ من الواقع المادى يكذب أقواله ، ولكن لاأعرفه .. لاقيمة اذن لهؤلاء الشهود والنيابة تعرف ذلك من غير شك ..

ولكن من غير شك أيضا أن تصرفها على هذه الوتيرة معى معناه أنها فى طريقها الى انهاء التحقيق وتقديم القضية الى المحكمة على أى صورة من الصور فقد أصبحت النيابة ترى نفسها فى أشد الحرج بعد هؤلاء الشهود الثلاثة فى تحقيق متصل عن المحرضين والتحريض أن تخرج على الملأ فتقول انه ليس هناك محرضون .. واذن فأنا الضحية وأنا كبش الفداء ،

وبهذا التصور بدأت أعد مرافعتى عن نفسى وأعددت نفسى لمرارة الاتهام الظالم الذى سيظل معلقا على عنقى حتى تكون المحاكمة ومرارة المحاكمة ومرارة انتظار الحكم ثم مرارة الظلم الذى قد يحيق بىفى نهاية الأمر ..

وعلى العكس اليوم السابق لم تثر هذه الخاوف آلامى .. لقد دخلت فى مرحلة الاستسلام التى يهون عندها كل شئ ..

يوم السبت 26 من أبريل

كان اليوم محددا لأن تزورنى زوجتى ، ولم يكن هناك ما يؤلمنى أكثر من وقع هذه الأخبار عليها ، ولقد ساورتنى نفسى بألا أذكر لها شيئا مما حدث ، ولكن ذلك كان مستحيلا فليس لى شريك الآن فى الحياة غيرها .. وهى كجزء من نفسى وما أعانيه لايمكن الا أن تعانيه معى ، مسكينة

" حسنية " .. لقد احتملت معى كثيرا جدا ، ويظهران كل الذى عانته فى الماضى لا يقاس بما سوف تعانيه هذه المرة .

وبدا اليوم عاصفا شديد العصف كانت الشمس محجوبة عن الأنظار لا نتيجة السحب أو الغمام ، ولكن نتيجة امتلاء الجو بالرمال والتراب .. انها ريح الخماسين فى أسوأ صورها ، وكان الحر والقيظ يهدم الأجساد والنفوس ..

وحاولت أن اتباطأ فى ارتداء ملابسى حتى يأتينى النبأ السعيد أنها جاءت ، ولكنها تأخرت ثم تأخرت وبدأت الهواجس تنتابنى .. لقد خشيت بعد هذا التطور الجديد فى التحقيق أن تمنعها النيابة من الزيارة ليظل هذا الذى حدث مكتوما ، ولكن ادارة السجن لم تكن لديها أية فكرة عن ذلك . .

وعندما تأخرت اضطررت لارتداء ملابسى والنزول فى طابور الصباح ، ولم أكد أنزل الى حوش السجن حتى فوجئت المفاجأة الأولى فى هذا اليوم ، وكانت المفاجأة فى صورة اعلان قدمه لى أحد الموظفين ادعى فيه لجلسة محكمة الجنايات فى 5 من مايولأحاكم عن الجناية رقم 8400 ، وليس لى جناية أحاكم فيها سوى هذه التى طلبت النيابة تأجيلها فى 6 من أبريل ،

والخاصة بقلب نظام الحكم فهل عادت النيابة لتحديد جلسة لها . أسرعت مع الموظف المختص لأتأكد من هذه الحقيقة قبل أن أتعرف على مدلولها أو أسمح لفكرى بالاستنتاج ..

وتأكدنا أنها هى الجناية المقصودة . وهكذا بعد أن طلبت النيابة فى الشهر الماضى تأجيل هذه القضية لدور مقبل لتقديم تحقيقات تربطها بحوادث 26 من يناير ، تعود قبل انتهاء هذه التحقيقات لاعادة القضية الى المحكمة . فما معنى هذا ؟ !

أما أن يكون معناه أن النيابة أدركت أنه لا علاقة لهذه القضية بحوادث 26 من يناير فرات أن تعدل عن خطئها وأن تعود القضية الى سيرها الطبيعى ، وأما أن يكون معناه - وهو المعنى الأرجح الذى غلبته على العنى الآخر - أن النيابة رأت أن ارتباط هاتين القضيتين سيجعل محكمة الجنايات هى المختصة ، ولما كانت تريد عرض قضيتى على المحكمة العسكرية فورا فقد رأت فصل القضيتين ،

ومعنى هذا الاجراء الجديد أنه نذير شؤم يدل على أن الفكرة قد استقرت على تقديمى للمحاكمة ، على أن شعاعا من الرضا نفذ الى نفسى على الرغم من ذلك كله ، اذا كانت النيابة عدلت عن تصور ارتباط القضيتين ، وهو ما لن اعرفه الا فى يوم 5 من مايو بالذات عندما أواجه النيابة وأعرف ماذا ستقول ..

فقد تقدم هذه التحقيقات التى تمت معى بالفعل ، ولكن على أى أساس تقدمها لم أكن أعرف ... كيفما كان الأمر لقد أدخلت هذه الحركة على نفسى شيئا من الراحة رغم رغبتى فى التشاؤم ، ورغم أنها كما قدمت قد تكون نذير شؤم وهى اننى ذاهب الى المحكمة العسكرية حتما وسريعا وقد رحت أبحث عن أسباب هذا الرضا فلم أجده ينبع الا من فكرة واحدة وهى اننى ناضلت فى 6 من ابريل لا تضم قضي " الثورة .. الثورة " الى تحقيقات 26 من يناير فتحدتنى النيابة وقالت انها ستقدم للمحكمة ما يثبت الارتباط فاذا عدلت عن ذلك الآن فهو مظهر من مظاهر الفشل ،

وهو مظهر جديد من مظاهر تخبطها وانها تضع فى كل يوم خطة جديدة للنيل منى فاذا وجدتها لا تؤذى الى ذلك بحثت عن خطة جديدة واسلوب جديد .. على أية حال لن أستطيع أن أكيف الموقف الا فى يوم 5 من مايو بالذات ومواجهة أقوال النيابة .

وجاءت زوجتى فى النهاية لتضع حدا لهذه الخواطر الجديدة المتزاحمة المضطربة ، جاءت وكانت معها ابنتى الصغيرة (سنة ) كان وجهها محتقنا يوشك أن يقطر دما وذلكتحت تأثير الجو العاصف الملتهب ، كانت كأنها وردة حمراء أو حمامة صغيرة تضطرب فى عشها خوفا من الزوابع والأعاصير وتعلقت بى وقدمت لى حلواها التى تحملها من أجلى .

وبعد أن قبلت يد زوجتى جلسنا فى حجرة مأمور السجن الثانى لتتم الزيارة تحت اشرافه ولم يكد يستقر بها المقام حتى قالت لى خبرا مهما لا حد لأهميته ولكنه جاء على غير انتظار ، وفى وقت من أحلك الأوقات على .. وقالته فى هدوء ..كل ذلك جعل أهميته تتبدد فلا أقيم له وزنا مع شدة خطورته .

لقد قالت لى ان الدكتور محمد ابراهيم شكرى قد اتصل بالدكتور حلمى وأخبره أن حافظ باشا عفيفى قد اتصل قد اتصل بشكرى باشا وطلب منه مقابلته فلما ذهب اليه شكرى باشا اذا به يطمئنه على ابراهيم شكرى وأنه يعتبره ابنه وأن قضية 26 من ينايرفى طريقها الى الحفظ ،

لو أن هذا الخبر قيل لى منذ أسبوع واحد لفجر فى قلبى ينابيع من الفرح والابتهاج والشعور بالنصر والتوفيق الالهى ولما وجدت فيه اى غرابة أو شذوذ فلم يكن التحقيق يتجه او يؤدى الا لهذه النتيجة المحتومة ،

ولكن بعد هذه المحاولة الأخيرة المنكرة التى تنضح بالتعسف والكيد ومواجهتى بأشخاص يقولون انهم رأونى يوم 26 من يناير ووصف النيابة لهؤلاء الأشخاص بأنهم شهود اثبات وأنهم فيما يقولون لا يتعارضون مع شهودى ..

كل ذلك جعلنى أستقبل الخبر الخطير ولا أكاد أفهمه أو أسيغه . ولقد كانت زوجتى المسكينة فرحة بهذا الخبر سعيدة بأنها جاءت لتزف الى هذه البشرى ولذلك فقد كنت أرى الألم بعد ذلك يرتسم عليها حتى لاتكاد تتمالك أنفاسها وأنا أقص عليها ما حدث والقسم الأخير من مهزلة التحقيق .

ان هذا الألم الذى تألمته فى يومين قد تجرعته هى فى لحظات وكان عليها أن تظل متماسكة القوى أمام الضابط وألا يبدو عليها جزع او فزع وهو ما يجعلنى أكبرها الى الحد الذى لم تعد بعده زيادة لمستزيدلو أنها كانت تبكى أو لو انهارت أعصابها كما تفعل النساء فى هذه المواقف لما كان اكبارى لها يبلغ بعض هذا الاكبار والحب الذى أحسه نحوها ،

وأنا أراها متجلدة تستمع لهذه الأنباء السيئة ، وعادت تتخبط محاولة الخلاص من هذه الأنباء المكدرة فراحت تكرر القصة التى بلغتها وأنه لم يكن هناك أى مبرر لأن يستدعى حافظ باشا عفيفى شكرى باشا ليقول له هذه الأقوال ..

وعندما سمعت بآخر الأنباءوهو تحديد موعد 5 من مايو لنظر القضية المؤجلة تشبثت بهذا الخبركدليل يعززهذه الأنباء ، ففجعتها بقولى ان هذا معناه انهم سيقدمونى للمحكمة العسكرية وقد يحفظون بالفعل القضية الواسعة النطاق التى حاولوا ان يزجوا فيها بالحزب كله وان يقتصر الأمر على بمفردى ، لقد كنت فى منتهى القسوة وأنا أقول هذه الأقوال بل كنت أتصور أننى شبه متوحش وأنا أحملها هذه الأكدار .. ولكن ماذا أفعل ..

ماذا أفعل وليس لى بعد الآن فى هذه الدنيا الا هى .. هى وحدها التى لا أشك فى اخلاصها وانها ستقف الى جوارى حتى النهاية ..

هى وحدها التى ربطت حياتها بحياتى ، هى وحدها التى لا أشك لحظة أنها تدعو الله من حشاشات قلبها بالليل والنهار أن ينقذنى وينجينى .. كان لابد أن تعرف الموقف بكل هواجسه ومخاطره وأن تضم قلبها الى قلبى وعواطفها الى عواطفى وصلاتها الى صلاتى وآلامها الى آلامى ..

وانتهت الزيارة وبعد الظهر كانت جريدة الزمان تعلن أن تحقيق التحريض فى طريقه نحو النهاية السريعة وأن عبدالله اباظة وفكرى أباظة وصادق الملا مدير الشرقية السابق وعبد الغنى باشا مرسى قد سمعت أقوالهم ،

وعند الصباح فى يوم الأحد تابعت الصحف اللغط حول التحقيق وأنه يوشك أن يتم فى اسبوع . لاجدال أن هذه تخبطات من الصحف كما هى العادة فلا يزال المفروض أن تستدعينى النيابة ثانية لتناقشنى على ضوء هذا الذى سمعته من أقوال ، ولا يزال موضوع النشر فى الجريدة والموضوعات التى تريد النيابة ان تعتبرها تحريضا بغير سؤال ..

وأعصابى بلغت من التهدم الى الحد الذى لاأستطيع معه مواصلة التحقيق الا بعد انقضاء فترة وقد كشف على الطبيب وقرر ضرورة الراحة التامة لمدة أسبوع لا أخرج فيه الى الجلسات ، فما تقوله الصحف من أن التحقيق سينتهى فى خلال هذا الأسبوع ليس صحيحا وانما هو دليل على وجود هذه الرغبة ، وهل يراد التحقيق أن ينتهى بهذه السرعة ليقدم قبل جلسة 5 من مايو ياترى ،

ام ليقدم فى قضية مستقلة أمام المحكمة العسكرية قبل ان تنتهى أيام حسين طنطاوى فى المحكمة فقد قيل أنها ستنتهى فى آخر مايو .. ؟! كل هذه هواجس جديدة لا اظن أيها ستنكشف بعض الشئ قبل 5 من مايو موعد نظر القضية .

وانى أكتب الآن هذه السطور فى ظهر الأثنين 28 من ابريل ولم يطرأ على الموقف أى تطور ، لقد ذكرت صحف الصباح أن عبد الفتاح حسن قد سمعت أقواله فى قضية التحريض ولست أعرف ماذا سيكون موقف عبد الفتاح حسن منى فى التحقيق لقد وضعتنى حكومة الوفد فى وضع سيئ جدا يحتم على أن أدافع عن نفسى ضدها ولقد قلت عن عبد الفتاح حسن بعض الأقوال التى لاتسره والتى سينفيها من غير شك اذا عرضت عليه ..

وقد ( يلبخ ) ضدى ويحاول الاساءة الى مركزى ..

وفيما خلا استمرار سماع هؤلاء الأشخاص والحاح الصحف على أن قضية التحريض فى مرحلتها الأخيرة فلم يظهر شئ رسمى بعد ، ولكن كل شئ يصيح أن المصير قد تقرر فى أذهان أولى الشأن وأنه سيتقرر بالكتابة بعد أيام أو ساعات لعله قد تقرر ،

ومرة أخرى على الرغم من ذلك كله يدخل الله على نفسى نسائم الأمل فأصرخ .. . أصرخ هاتفا انقذنى يارب لا تخزنى يارب انصر عبدك المؤمن فأنت وحدك الذى تعلم من أكون وماذا أريد وماذا فعلت وماذا أنوى أن أفعل .

يوم الخميس 7 من مايو 1952

قضى الأمر ، ووجهت الى النيابة الاتهام المنتظر .. الاتهام بحرق مدينة القاهرة من أقصاها لاقصاها .. مدينة القاهرة بدورملاهيها وسينماتها ومؤسساتها ومتاجرها وخماراتها وفنادقها ..

أنا المسئول عن حرقها بطريق التحريض بالنشر ، وهؤلاء الذين قتلوا من الانجليز فى التيرف كلوب وبنك باركليز . . انا المسؤل عن موتهمبالتحريض بالنشر بل أنا الشريك المباشر فى حرق ونهب محلات هيلمان للسيارات وبار الأنجلو ..

هذا هو الاتهام الذى ينخلع له القلوب والذى وجهته الى النيابة .. هذه هى التهمة التى لا أظن أنها قد وجهت الى مصرى من قبل ، أو أنها ستوجه الى مصرى واحد من بعد ؟ !

هذا هو الكيد الذى يكيدونه له وهذا هو الهدف الذى كانوا يهدفون اليه منذ بداية الأمر .. كم كنت ساذجا عندما صدقت هذه الأقوال التى قيلت لى من أن القوم يريدون الوصول الى الحقيقة وأنهم لن يترددوا فى اعلان براءتى اذا وضحت لهم .. كم كنت ساذجا عندما تخيلت أن لهذا النفر من قوة الخق ، ما يجعلهم ينصرون الحق .

اننى أعيش فى عالم آخر غير هذا العالم الذى يعيشون فيه ولذلك فما أسهل أن أخدع .

قضى الأمر وأنا أعيش الآن فى ظل هذا الاتهام وفى ظل أحلك التصورات ويالها من فترة قاسية تلك التى انقضت منذ أخر مرة كتبت فيها هذه المذكرات أى منذ أكثر من عشرة أيام .

لم تكن فى أى قوة على الكتابة أو بالأحرى أى ميل للكتابة .. فما جدوى الكتابة ولمن أكتب وقد كتبت عشرين عاما لا أبغى سوى الخير فانقلب كل ذلك ضدى بهذه الصورة المخيفة .. ولست اعرف الآن أستكون هذه آخر مرة أكتب فيها هذه المذكرات أم أنه سيكون فى استطاعتى أن أواصل كتابة هذه المذكرات .

اننى فى حالة لا استطيع أن أسميها يأسا ولكنها نوع من الاستسلام والرضوخ فى غير حمق او غضب أو ثورة أو شعور بالمرارة ، ذلك أن الحياة عندى كلها لا تساوى النضال فى سبيلها أو الطمع فى الوصول الى شئ منها ..

ما دام الكائن الحى سيموت .. ما دام كل ما نحاول تحقيقة فى هذه الدنيا مصيرة الى الزوال أو الفناء .. ما دام كل ما نحمله من عواطف من حب من بغض من تسامح أو انتقام من انتصار أو انخذال .. مادمنا سنفارق أولادنا حتما ،

مادمنا سنفارق أحياينا حتى مادمنا سنترك مشروعاتنا بغير انجاز أو اكمال .. مادمنا لن نحقق أبدا ما نصبو اليه فى هذه الحياة ... فعلام الأسف أو الشجن لانتهاء هذه الحياة بهذا الأسلوب أو ذاك ، عند هذا القدر أو قبل ذلك أوبعده .

هذا الادراك العميق لنهاية الحياة هو الذى يجعلنى فى حالة الاستسلام التى وصفتها ، والتى تجعلنى أفقد كل شعور بالطموح أو الجهاد .

يوم الثلاثاء 29 من أبريل

لقد وصلت الى سجن الاستئناف وأنا أشهد منظرا كريها الى قلبى وهو منظر المحكوم عليهم بالاعدام والذين ينتظرون التنفيذ ..

وكان على أن أراهم فى كل يوم وفى كل ساعة ، أراهم وأنا أذهب فى الصباح لأغسل وجهى وأراهم فى الفناء وأراهم دائما وأفكر فى أمرهم ويصور لى الخيال كيف أن مصيرى قد يكون مصير واحد منهم فيدفعنى ذلك الى دراسة احوالهم أكثر وأكثر وعلى تعرف احساسهم ، ولقد جعلنى ذلك أشعر بشناعة هذا النظام ..

وهو تعليق المحكوم عليهم بالاعدام فى انتظار الموت يوما بعد يوم . . ان هؤلاء قد قتلوا ضحيتهم على حين غرة ، قتلوها حيث لم تكن تتوقع الموت وليس فى الموت الا توقعه .. وربما لم تتعذب ضحيتهم فى أيديهم الا بضع ثوان .

أما هم ففى كل صباح اذا فتح عليهم الباب أحسوا بلدغة الموت حتى يتبينوا أن الساعة لم تحن بعد وفى كل ليلة ينامون لايعرفون اذا كان هذا سيكون آخر أيامهم ، ويتكرر ذلك كل يوم .

ان بعض هؤلاء المحكوم عليهم قد مكث فى هذه الحالة اثنى عشرة شهرا والبعض قرابة عامين وقد ذاقوا مرارة الموت وأحسوها كلما نفذ على واحد منهم لأنهم لايعرفون اذا أصبح الصباح وأدركوا بأن سيكون فى هذا اليوم اعدام ،

ليس فيهم من يعرف أنه لن يكون المقصود فالكل فى انتظار هذه الساعة . فتصفر الوجوه وتوشك القلوب ان تنشق ويصابون بالصاعة او الصدمة التى تصيب المقبل على الموت . ثم يتبين أنه لم يكن المقصود وان جاره هو الذى أعدم وأنه لن يلبث أن يلحق به ..

ويتجدد هذا من حين لآخر اى عذاب وأى آلام .. والمحكوم عليهم فوق ذلك يرتدون ملابس حمراء لتذكرهم فى كل لحظة بأنهم سيعلقون على المشنقة ، وتذكر كل من يقع بصره عليهم بهذه الحقيقة المؤلمة . يالها من شدة ما بعدها شدة وياله من نظام غريب ..

ان القاتل لايقتل الا وهو مجنون من غير شك ، الا وقد خرج عن طبيعته البشرية ، أما الدولة أو بالأحرى المجموع الذى لايفقد عقله ولا يفقد رشده فكيف يقتل بهذا البرود وبهذا التدبير ؟!

كان هذا هو الموضوع الذى فرض نفسه على ، فقد اتهمت فى هذه القضية ، وقد زكاه فى نفسى رواية طالعتها من تأليف ديوستوفسكى الروسى واسمها الأبله ،

وقد راح يستعرض هذا الموضوع بشرح واسهاب . وقد كانت مطالعتى لهذا الكتاب فى سجن الأجانب عندما جئت الى سجن الاستئناف وأصبحت جارا لهؤلاء المحكوم عليهم بالاعدام ، ووسط هذه الظروف التى تيط بى كل ذلك جعل هذه الأفكار تسيطر على .

وقد كان اليوم هو موعد تنفيذ الاعدام فى بائسين من هؤلاء البؤساء . كان كل من فى السجن يعرف الا هما ...كان الحارس الذى يقف الى جوارهما ويحادثهما كما يحادثهما كل يوم ويقدم لهما السجائر كما يفعل كل يوم .. كان هذا الحارس يعرف انهما سيشنقان فى الصباح وهما لايعرفان ..

ولقد كنت أحدق فيهما فى روحتى وايابى فأراهما فى شأنهما العادى كباقى الأيام .. لقد لمحت عليهما انزعاجا واصفرارا منذ يومين عندما سئلا عن أقاربهما لكى يطلب منهم ان يزورهما ،

فرأيا أن هذا الطلب نذير شؤم ولمحت عليهما فزع الموت و ولكن بعد أن مر يوم وآخر دون أن يطرأ عليهما جديد بدأ ينسيان وعادا الى حياتهما ، فكان فى أمسية اليوم الذى سينفذ الاعدام فى غداته فى حالتهما العادية .. ولم اتمالك نفسى فى استخلاص العبرة من هذا الموقف ،

فقلت لكل من يحيطون بى ان شأننا جميعا كشأن هذين الشخصين . .. انظروا كيف نسخر فى نفوسنا من جهلهما مما ينتظرهما فى الغد ..

فنحن نعلم أنهما سيموتان ، وهما أبعد ما يكونان عن هذه الفكرة وربما كانا فى هذه اللحظة بالذات قد انفتحت لهما الآمال العريضة فى أن نقض أحكامهما قد قبل وانهما سينجوان من الموت ،

وربما راح أحدهما يتخيل عندما يتحول الاعدام الى أشغال شاقة مؤبدة وكيف أنها لن تزيد على عشرين عاما يخرج بعدها فى سن الأربعين أو الخمسين أى لايزال أمامه متسع من الزمن ليعمل وينتج ويصلح أحواله ..

كل ذلكيدور فى نفسه ونحن نعلم انه سيموت فى الغد .. وذلك هو موقف كل انسان فلابد أن هناك من يعرف آجالنا ومتى تحين ،

ولابد أن هناك من يراقبنا يطل علينا ويسخر منا عندما نتحدى ونأمل ونضع المشاريع ونفكر فى الانتقام أو فى الغنى أو فى الحرية أو فى السلطان حيث ينتظرنا الموت بعد لحظات قليلة أو بعد ساعات كما هو شأن هذين المحكوم عليهما بالاعدام .

وفتح السجن فى ساعة مبكرة وبالرغم من كراهيتى لأن أسمع شيئا أو اتتبع هذه المجزرة ، فان حجرتى فى السجن فوق باب السجن مباشرة فكان على أن أسمع رغم أنفى فتح الباب فى ساعة مبكرة والحركات غير العادية التى بدأت تغشى السجن ..

والأصوات والتعليمات التى تعطى تمهيدا لتنفيذ اللازم .

وكان أخشى ما أخشاه أن أسمع أحد المحكوم عليهما وهو يولول أو يصرخ أو يتكلم .. وأشنع من ذلك أن أسمع صوت سقتطه فى المشنقة ولذلك حاولت ان أسد أذانى فلا أسمع شيئا .. ولكن المحكوم عليهما لم ينبسا ببنت شفة ولم أسمعهما وهما يقادان للمشنقة ،

واذا كان السجن قد غمره بعض الهدوء والسكينة فان وجودى بحجرتى فوق باب السجن قد شغلنى بحركة السجن الأخرى وفتح البوابة وغلقها ودخول بعض الناس وخروجهم .. حتى اذا قضى الأمر وعادت للسجن حركته فتحت علينا الأبواب واستأنفنا نشاطنا اليومى كأن لم يكن شئ أو يقع شئ ..

ما أسهل العملية وما أسرعها وما أعجبها بل ما اعجب هذا الذى لايقف مشدوها أمام سر الموت . هذان شخصان كانا يفيضان بالحياة والقوة .. كان فيهما كل ما ينطوى عليه الانسان من شعور وأحاسيس .. كانا يضحكان ويأكلان وينامان ويتألمان ويأملان .. كانا يفكران ويتمتعان .. ثم يوضع على رقبة

الواحد منهما حبل .. وفى أقل من لمح البصر يسقطان متأرجحين فى الهواء فاذا بهما يتحولان الى جثتين هامدتين .. لقد انتهيا .. لقد راحا ..

(خلاص ) ما أعجب هؤلاء الذين يتصورون أن الحياة تنتهى عند هذا الحد والقدر ! ما أعجب هؤلاء الذين يتصورون أنهم قد حلوا مشكلة الوجود بمجرد أن يقولوا ان الانسان ينتهى بموته .. ما معنى هذا الانتهاء ..

أين يذهب هذا الفكر وهذه الطاقة التى كانت تعمل ؟!

أين يذهب بريق الأعين وحرارة البدن وهذا السمع وهذا النطق وهذا الوجود ؟! أين يذهب أين يروح ؟! أما الجسم فها هو أمامنا يتحول الى رمة عفنة سرعان ما تتحول الى تراب من نوع التراب الذى نعيش عليه وهذا مفهوم ، ولكن أين ذهبت هذه الابتسامات وهذه الضحكات وهذه الآمال وهذه العواطف وهذه الارادة وهذا العقل ؟! ..

أين تذهب هذه الحيوية وهذه القدرة وهذه الطاقة ؟ وفيما كانت هذه الفترة التى عاشتها ، والتى اضطربت فيها هذا الاضطراب .. فيما كانت هذه الحياة ولماذا .؟! .

فيم كانت ساعات الحزن وساعات الألم وساعات الفرح وساعات الكدح والعمل ؟!

فيم كان ذلك كله وما أسبابه وما علته وما غرضه وهدفه ؟! ان هؤلاء الذين يحاولون أن يربحوا أنفسهم فلا يشقوا أنفسهم بهذا التفكير يصبح أمرهم مفهوما ولا يدعو للعجب لو أنهم وقفوا عند هذا القدر فقالوا انه لا جدوى من التفكير فيما وراء الموت وانه خير للانسان ألا يفكر الا فى هذه الحياة التى هو فيها ..

لو أنهم وقفوا عند هذا القدر لكان أمرهم مفهوما بل ومقبولا .. أما أن يزيدوا على ذلك فيحاولوا أن يسفهوا فكرت الحياة الأخرى بعد هذه الحياة ، وأن يعتيروا هذا الموت الظاهرى هو النهاية النهائية لكل انسان ..

هنا لا يتمالك الانسان نفسه من الدهشة والعجب أن يكون ذلك هو ما يتصوره انسان وأن يزعم هذا الانسان فوق ذلك أنه عالم أو مفكر أو فليسوف .

لم أستطع أن أتمالك نفسى عندما مررت على هذا المحكوم عليه الذى لم ينفذ فيه الاعدام اليوم من أن أسأله عن حالته وشعوره فحدثنى أنه استراب منذ الصباح المبكر لفتح السجن قبل موعده وأن لديه تعويذه من الاستغفار أقبل عليها ثم راح يتجلد ويحدثنى أنه لم يهتم بالأمر ولم يقم له أى وزن .. وكان وجهى يكذبه فقد كان ممتقعا ..

فلما قلت له أنه غير قادر على وصف شعوره قال أنه شعر بأن قلبه قد انسحب وأن نفسه قد غاصت بعض الشئ .. فتمنيت له السلامة والنجاة وتركته لشأنه ..

ولكننى ظللت طوال هذا اليوم تحت تأثير هذه الصدمة .. صدمة ذبح رجلين بهذه البساطة وبهذا البرود وأن يتم ذلك بواسطة ، وتحت اشراف هؤلاء الذين يحيطون بى وهم يفيضون جميعا بالطيبة والعطف كأى انسان آخر فى الوجود .. وكنت أسأل كل ضابط وكل سجان عن شعوره فكنت أفرح لكل من يقول لى منهم أنه لا يحتمل رؤية هذا المنظر ، ولذلك فقد حرصوا على الابتعاد عنه ،

وعندما قال لى شاويش عملاق هذا القول زاد حبى له ، وعندما علمت أن مأمور السجن لم يستطع أن يكمل عمله اليومى من التأثر فاضطر للخروج ، كان ذلك يعيد الطمأنينة الى نفسى ، فهم فى نهاية الأمر لهم أحاسيس وعواطف رقيقة ،

واذا كان الواجب قد حتم عليهم الوقوف هذا الموقف فان عواطفهم وانسانيتهم قد تغلبت على كل شئ فكرهوا أن يشهدوا عملية القتل ونقموا عليها فى أعماق نفوسهم .

يوم الاربعاء 30 من أبريل

فوجئت فى هذا اليوم بزيارة عبد الحميد أبو شنيف رئيس النيابة مصحوبا بعبد العزيز على رئيس قوة الحرس التى تصحبنى الى التحقيق أو المحاكمة ، وقد تظاهر أبو شنيف بانه جاء ليسأل عن صحتى وليهدئ من روعى وأنه بمجرد استلامه خطابى قد جاء لزيارتى ،

وان جلسة 5 من مايو هذه لم تتم بناء على طلبهم وانما هى غلطة وسوف تؤجل القضية ، وأنه ليس صحيحا ما جاء فى الصحف من أن التحقيق قد انتهى وانه مستعد لسماع كل أقوالى وتحقيقها .

وقد كان ابوشنيف فى ذلك يموه على ويخدعنى .. وكل ما كان يرجوه من وراء ذلك ان أذهب اليه ولو يوما واحدا لاستئناف التحقيق حتى يستطيع فى هذا اليوم أن يواجه الى التهمة التى أعدها ، والتى يؤثرون أن توجه الى فى وجهى لكى يكون محضرهم من هذه الناحية كاملا .

ولكنى كما هى العادة خدعت لأنى أريد ان اخدع تماما كهذا المحكوم عليه بالاعدام والذى يتعلق بأحبال الرجاء ، ولذلك فانه سريع التصديق لكل من يقول له انه بخير وأنه سينجو .

خدعت بأقوال الرجل وتصورت أن الأمر لم يبت فيه بعد وأن حبل الرجاء فى عدل القوم ونزاهتهم لايزال ممدودا .

يوم الأحد 4 من مايو

ذهبت الى النيابة وأنا فى منتهى الاعياء لكثرة الضغط والارهاق على أعصابى .. ومنذ اللحظة الأولى كان الجو متغيرا وان لم ادرك ذلك الا فى النهاية ..

وجه الى ابو شنيف بعض أسئلة خاصة بالنشر فى الجريدة فقلت له ان موضوع النشر هذا أمر يختص به قاضى التحقيق ، فالنشر كان فى شهور سابقة على 26 من يناير فهو من اختصاص القاضى لا النيابة العسكرية ،

وقاضى التحقيق هو الذى يقرر اذا كان هناك أى ارتباط أو صلة بين هذا النشر وبين ما حدث .. فلم يعبأ أبو شنيف بهذا القول ومضى فى توجيه عبارات منقولة من الجريدة الى فقلت له اننى لست كاتبها ولا أسأل عنها ، بل ان بعضها كتب وأنا فى السجن أو خارج القاهرة ..

ولكن ذلك لم يستوقفه ومضى فى طريقه حتى اذا وصلنا الى حد معين طلبت ارجاء التحقيق لما أشعر به من تعب ..

فاذا به يمانع ثم يقذف قذيفته فى النهاية ويقول : دعنا نوجه اليك التهمة أولا لكى تستعد للرد عليها ، وراح يملى على الكاتب التهمة وهى التحريض على حرق واتلاف ونقل كل ما حرق أو أتلف فى هذا اليوم ..

وقد كان الاتهام من الضخامة بحيث اننى تلقيته فى هدوء بل بأكثر من الهدوء فأمسكت بقطعة من الورق ورحت أكتبه وهو يمليه على الكاتب .

وبعد أن فرغ من هذا الاملاء سألنى اذا كنت أريد أن ارد ، فقلت له فيما بعد . وعدت الى السجن وأنا أحمل الاتهام الذى يسعون لتحميلى اياه منذ اللحظة الأولى ، وقد تم لهم ما أرادوه أخيرا .

لم أكن فى حالة فزع كما كنت أتخيل .. بل لعلى وجدت نفسى أضحك وكأن كابوسا قد أزيح عن كاهلى ، ولكنى لم احاول أن أخدع نفسى ولذلك فقد تصورت أننى كمن يقولون عنه " سارقاه السكينة " أو كالطير يرقص مذبوحا من الألم .. أما ضحكى فلا جدال فى أنه مما ينطبق على القول " شر البلية ما يضحك " .

ولذلك فقد امضيت ليلة ليلاء ومرة اخرى اتجهت عواطفى الى زوجتى الحبيبة المسكينة ، ولقد فكرت أن أكتب اليها ..

وشعرت أن واجبى هو أن أكتب اليها لأهون عليها هذه الصدمة ولأبثها عواطفى وحبى لها ودعائى لها وأصبرها وأشجعها .

ولكنى حتى الآن لم اكتب هذا الخطاب فقد يكون أقسى عليها من عدم كتابته ، وقد يوحى اليها بأننى أودعها ..

واذا كان لابد من ذلك فان هذا الاجراء الذى يحرمها من الأمل يجب أن يتأخر وهأنذا أكتب ذلك فى المذكرة لتعرف اذا لم تقدر لى الحياة ..

انه فى هذه المرحلة من حياتى لم يكن هناك من أفكر فيه واتجه اليه دائما بعواطفى فى هذه الدنيا سواها والا اياها .

يوم الاثنين 5 من مايو

كان اليوم هو موعد المحاكمة عن قضية قلب نظام الحكم .. وكنت قد فقدت الثقة بالنيابة فلم أعرف بأى شئ ستفاجئنى فى هذا اليوم رغم قسم أبو شنيف بشرفه بأنه سيؤجل القضية .

وقد كان محددا لنفس اليوم نظر قضية ابراهيم شكرى وقد حرصوا على الا نرى بعضنا ولكنى عندما دخلت قاعة الجلسة وجدت أخته واخواته وأقاربه فابتسموا لى ابتسامة كريمة خففت بعض ما فى نفسى ..

وفوجئت بوجود سليمان زخارى رئيس التحرير الذى كان هاربا حتى الآن والله وحده هو الذى يعلم اذا كان ظهوره فى هذه اللحظة بالذات هو لخير أم للأضرار بى ..

وعلى كل حال فكل ما يفعله الله خير ولا ضررفيه .

وعندما نظرت الجلسة طلبت النيابة التأجيل لتنفيذ القرار السابق ولم أمانع فى التأجيل على شرط أن تتعهد النيابة ألا تعود فى كلامها وأن تضم تحقيقاتها الجديدة لهذه القضية ..

وهنا ثار رئيس المحكمة وأعلن أنه من المستحيل على النيابة أن تتراجع وأن محكمة الجنايات لابد أن تنفذ قرارها بضم هذا التحقيق ، فقلت له ان هذا التصريح يسرنى ولكن ما أعنيه هو ان تقدم النيابة التحقيق الآخر للمحكمة العسكرية كقضية منفصلة ..

ولذلك فاننى أصر علىضرورة البء ف هذه القضية وسماع الشهود الذين اخشى من سفرهم بمناسبة الصيف .. وقد صح ما توقعته فلم ترتبط النيابة يأى ارتباط وقالت انها لاتعرف حتى الآن ماذا سيكون مصير ما تجريه من التحقيق ، وهل تربطه بهذه الدعوى أم ينظر على سبيل الاستقلال ، وتأجلت القضية لدور مقبل ولم تفصل المحكمة فى موضوع الشهود وعدت الى السجن وقد نال الاعياء منى مناله .. ولذلك فقد نمت نوما عميقا لأول مرة فى الظهر ودلنى ذلك على أن ما كنت فيه قبل ذلك هو حالة توتر أعصاب و وأن ما كان يبدو على من هدوء بل وضحكومرح كان مظهرا يخفى هذا التوتر والذى كان يزيد فيه انتظار هذه القضية .. فلما انقضت على هذا الوجه وتحدد الموقف وألغت فكرت الاتهام .. ارتاحت أعصابى بعض الشئ فكان هذا النوم .

يوم الثلاثاء 6 من مايو

على الرغم من أن هذا اليوم هو عيد الجلوس .. أى انه أجازة .. فقد استدعانى المحقق ليسمع دفاعى الذى أمسكت عن ابدائه فى الجلسة الماضية .. ومن جديد راح أبو شنيف يسمعنى هذه الطقطوقة التى يخدعنى بها وهى أن المر لم يفصل فيه بعد ،

وأن المسألة لاتعدو أنهم يثبتون ما هوضدى وما هومعى حتى تكون الظروف كلها أمام من سيفصل فى هذا التحقيق ، وأنه على استعداد لأن يثبت لى كل ما أريده من أقوال حتى ولو كان ذلك باتهام النيابة بأنها تريد أن تسمع دفاعى لتستعد لافساده وابطاله .

ومرة أخرى قلت له اننى سأنخدع له ورحت أرد على بعض الأسئلة التى وجهها الى والخاصة بسينما ريفولى ..

وقد سردت له من الوقائع المفصلة ما يدل على سلامة موقفنا بصورة كريمة تستحق الثناء والاعجاب ..

وقد أبدى دهشته من هذه المعلومات وأعلن أنه سيحققها ، ثم قلت له :

لماذا لم تتيحوا لى الفرصة لاستعراض حالتى المالية ، ثم رحت استعرض ظروفى المعيشية وحياتى المالية منذ تخرجت فى الجامعة سنة 1933 .. وقد كان التأثر يبدو على نظر الضباط الذين كانوايسمعون .. وكان التأثر يبدو على أبوشنيف شخصيا وأنا أسرد الحقائق الخاصة بى وزوجتى وأولادى .. وداعبنى الأمل فى أن يكون لأقوالى فى هذه الناحية ما يشعر القوم باخلاصى وتجردى عن الأغراض الشخصية .. ولكن هيهات .. هيهات .

يوم الخميس 8 من مايو

كان التحقيق قد تأجل لليوم التالى لأرد على الاتهام الخاص بالتحريض ، وقد عدت بالفعل ورحت أعد هذا الرد وهو رد مفحم الى أبعد حد ولكننى عندما استيقظت لصلاة الفجر شعرت بما صرفنى عن فكرة الذهاب الى التحقيق والادلاء بهذا الدفاع ، فالى متى أقول لهم كل ما عندى فلا يعود هناك شئ جديد يقال أمام المحكمة ..

والى متى أتعلق بلأمل الكاذب انه قد لايكون هناك محكمة ، ولذلك فقد اعتذرت عن الذهاب يوم الأربعاء وعادنى الطبيب الذى قرر حاجتى للهدوء لمدة أربعة أيام .

ولكننى فوجئت بعد الظهر بما ينغص على الحياة من جديد فقد سمعت فى السجن ان النيابة قد استحضرت بعض المسجونين ممن حكم عليهم من المحكمة العسكرية وراحت تغريهم بأن يعترفوا أنهم اشتراكيون لكى تخفف عنهم عقوبتهم ،

وهكذا تريد النيابة ان توجد الدليل الذى ينقصها فى ادعائها على بالتحريض عن طريق النشر والذى يشترط فيه أن يكون الفاعل الأصلى قد طالع المقال المنسوب اليه التحريض .. انهم يعملون بجد .. انهم يلفقون ويسعون بكل الطرق للنيل منى ، ولم يكن أمامى الا أن أضرع الى الله أن يرد كيدهم .

وفى الصباح طالعت فى جريدة الهرام أن رئيس النيابة المحقق مصحوبا بمجاهد بك الفوكاتو العمومى الذى الذى أشرف على تقديم قضايا 26 يناير الى المحاكم ، والذى اشار فى مرافعته الى أن هذه الحوادث كانت ثمرة النشر والتحريض بواسطة الصحف ، بل وكاد يلمح للأشتراكية بالذات ، ذكرت الأهرام انهما قابلا النائب العام بمناسبة انتهاء التحقيق فى قضية التحريض على حوادث 26 يناير وان تحديد التهمة لكل متهم لن يستغرق سوى يوم أو يومين ، وهكذا اقترب سريعا من النهاية .. وهذا ما يجعلنى أقررأننى لا أعرف هل سيكون باستطاعتى أن أعود لكتابة هذه المذكرات قريبا أم سأنشغل عنها بتحضير الدفاع من ناحية .. ( وبالقرف ) والملل من ناحية أخرى ، فما هى جدوى هذه الكتابة ..

يوم السبت 10 من مايو

تجمع الصحف على أن قرار الاتهام الخاص يى سيعلن اليوم او غدا ونحن فى الانتظار . وأنى لأتجه فى هذه الساعات بكل روحى الى خالقى ، لاأكاد أدعو دعاء معينا فالأمر قد بات فوق الدعاء .. اننى أفكر فى ربى وخالقى وهذا كل ما أعيش فيه الآن .

يوم الأحد 11 من مايو

بسم الله الرحمن الرحيم وبقوة الله العزيز المتعال لم تنشر الصحف قرار الاتهام المرتقب وانى أتصور انه سيصلنى قبل أن ينتشر ، ولذلك فقد يأتى من دقيقة لأخرى . ان الدنيا كلها تعرف الآن أن القرار النهائى قد صدر ومع ذلك فان الله أكبر .الله أعظم ، الله قادر على كل شئ .

كان الدكتور حلمي مراد فى زيارتى عند الظهر وقد أخبرنى أنهم كانوا فى النيابة يكتبون قرار الاتهام وأنهم قد وجهوا التهمة الى عدد كبير من رؤساء الحزب ومعنى هذا أنهم فى آخر لحظة غيروا خطتهم وقرروا أن يضربوا ضربة واسعة النطاق ولكنى أرجو ان يكون ذلك لخير ان شاء الله .

يوم الاثنين 12 من مايو

الصحافة مسلطة على تحطيم أعصابى وكلما هدأت نفسى وارتضت أسوأ الأوضاع جاءت الصحف لتعبث بى وتعيدنى الى القلق والاضطراب ،

فبينما انتظر اليوم قرار الاتهام اذا بجريدة المصرى تقول ان اجتماعا تم بين النائب العام وبين رئيس الحكومة ومعه محمد عبد الله وزير العدل وان الحديث تناول قرار الاتهام فى قضية التحريض وان الأمر يحتاج لمراجعته الى بعض الوقت .

أما جريدة الأهرام فقد ذكرت أن النائب العام قد وقع بالفعل قرار الاتهام وسيبلغ الينا اليوم وستجرى المحاكمة يوم 18 من مايو أى بعد ستة أيام .

وهكذا تضطرب أفكارى وينتابنى القلق مرة أخرى فاللهم ياأرحم الراحمين ، ياغياث المستغيثين يارب يا قوى كن فى عونى وشد أزرى .

انصرنى ولا تخذلنى ،أكرمنى ولا تهنى ولاتخزنى يارب المستضعفين انظر الى ضعفى وقلة حيلتى وهوانى على الحاكمين والطغاة المتجبرين .. ما عشت حتى الآن الا على الايمان بك والاستنجاد بقوتك .. فلا تتخل عنى يارب .. لاتضيعنى يارب .. ما أنا الا عبدك .

يوم الثلاثاء 13 من مايو

وجاء قرار الاتهام فى أعظم صورة من الضجيج والتهويل ، جاء منشورا فى الصحف تحت عناوين ضخمة تتحدث عن الاعدام الذى طلبته النيابة من أجلى .

ولم يأتى قرار الاتهام فحسب بل والدعوة الى الجلسة التى التى تتحدد فى يوم 18 مايو أمام الحسيب النسيب " حسين طنطاوى " وقيل أنهم سيعملون بالليل والنهار لنسخ القضية قبل الجلسة ، وهكذا اجراءات " رائعة " تدل على الافتعال واللهفة فى القضاء على بأسرع وقت ، ومع ذلك فانى أشعر بهدوء واطمئنان وأنظر الى المستقبل بثقة عميقة .


ان التحدى القوى بهذه الصورة قد رفعنى الى مستواه بل الى ما هو أعلى منه ، ولذلك فاننى أشعر أننى أكثر من ند وأكثر من كفء لهذا التدبير الجهنمى ..

اننى أشعر الآن بهذه القوة الخفية التى ترتفع بالانسان الى درجات لاحد لها . أهلا وسهلا بالمحاكمة .. أهلا وسهلا بالنتيجة أيا كانت .. بل لست أحس الا أنها ستكون خيرا لم يسمع مثله من قبل .

يوم الخميس 15 من مايو

عادت الصحف كلها تؤكد أن القضية ستنظر يوم 18 أى بعد ثلاثة أيام ولست أعرف كيف تنظر قضية لم يطبع " دوسيهها " بعد ولم نطلع نطلع عليه أونستعد ،

ولكنها الرغبة الجامحة فى أن ينظر حسين طنطاوي القضية قبل احالته الى المعاش ، وهكذا يسجل الرجل على نفسه وتسجل عليه النيابة أنه الرجل الوحيد الذى يعلقون عليه الأمل فى أن يحكم على .. أى أنهم يعترفون أن أى شخص آخر غيره أو أى محكمة أخرى لاتحكم على .

ومع أننى أرى هذه المحاولات فان الهدوء يغمر نفسى بل ان الثقة التى أشعر بها الآن لم أشعر بها فى أى لحظة من اللحظات وسأقدم على حسين طنطاويي بل سوف أقدم على الشيطان نفسه وأنا ممتلئ بالعزم والقوة ، وسوف نرى ويرون " انهم يكيدون كيد واكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا " صدق الله العظيم فسوف يحبط الله كيدهم وسوف يخزيهم وان غدا لناظره قريب .

يوم السبت 17 من مايو

لم يبق على المحاكمة سوى يوم واحدا فغدا تقع الواقعة ونواجه المحكمة . والعجب اننى كنت منذ شهرين أشعر بجزع كلما تصورت موقفى وأنا متهم مطلوب الحكم عليه بالاعدام ..

أما بعد أن حدث هذا الفعل فان حياتى تمضى عادية وهادئة ، حقا ان فكرى أصبح مشغولا باعداد الدفاع فى كل لحظة بالليل والنهار ، وأنا فى الصلاة وأنا أطالع يعمل ذهنى على ترتيب أوجه الدفاع واستعراض أقوال الشهود وكيفية مناقشتهم واوجه البطلان ،

ولكن فيما عدا ذلك فحالتى النفسيه على خير حال ، وأصبحت فكرة الموت لا تفزعنى فى قليل او كثير . بل أننى اتصورها أشبه الأشياء بعملية جراحية يقدم عليها الانسان ليتخلص من آلام شديدة يعانيها .

وكل ما قد يضايقني فيها هو هذه الفترة التي تسبقها والتي يفرض فيها علي المحكوم عليهم لون من الاذلال وارتداء ملابس سخيفة ، ولكني مع ذلك لا ارتعد كلما مرت الفكرة في نفسي ،

ولقد زارتني زوجتي يوم الخميس 15 من مايو وكان معها شقيقها الدكتور حلمي مراد وقد كانت زوجتي في حالة شديدة من الجزع فبذلت جهدي لأخفف ما بها وحدثتها عن اطمئناني وأكدت لها أننا سننتصر .

ولقد كانت حيويتي علي أشدها ، وذلك لكي أدخل الهدوء علي نفسها ولم تنته المقابلة الا بعد أن قلت لها كل المعاني التي أردت أن أقولها لها لتساعدها علي احتمال الشدة ، قلت لها أن تتخيلني مريضا بأحدي الأمراض الخطرة ،

وأنهم اذا كانوا يريدون اغتيالى فلا حيلة لنا فى دفع الموت ، أما اذا كانت هناك محاكمة عادلة فلها أن تطمئن كل الاطمئنان ، فاذا لم تكن هناك محاكمة عادلة بل كانت هناك مؤامرة لقتلى فليس فى الأمر ما يحزن لأن ذلك كان يمكن أن يتم فى أى مكان وفى اى وقت .

وطلبت منها أن تحتمل الموقف بكل شجاعة فان هذه هى رسالتنا فى الحياة .

ولقد احتملت ولم تنصرف الا وأنا أرى فيها المرأة التى أفتخر وأعتز بها والتى اطمئن كل الاطمئنان اذا أنا مت أننى سأتركها اما راعية لأولادى .

يوم الخميس 22 من مايو

أكتب الآن تحت الشعور بأن كل شئ قد انتهى واننى اقترب من نهايتى قد يكون فى علم الله شئ غير ذلك وقد تكون هذه اللحظات فى قمة الأزمة التى لن تلبث أن تنفرج ، ومع ذلك فهذا علمه عند الله أما بالنسبة لشعورى الآن فأنا أكاد أتهيأ للآخرة .

لقد بدأت المحاكمة فى يوم 18 كما كان مقدرا ولقد ذهبت فى الجلسة وكنت شديد الحيوية مطمئن النفس وكنت أشعر بهدوء غريب ، حيث كان الجميع فى حالة عصبية ز ولقد أرادت المحكمة وتأجلت الجلسة لليوم التالى . وعندما كنت أصلى الفجر وفرغت منه شعرت بخاطر يملأ نفسى الا أذهب الى المحكمة بعد اليوم فلست على استعداد أن يحاكمنى هذا الرجل الذى يسمى حسين طنطاوي .. لست على أستعداد أن اساعدهم فى تصوير أمر اعدامى فى صورة شرعية .

ان كل شئ يصيح بالمؤامرة التى تدبر لى ، فعلى أى أساس استسلم لهم ، ولذلك فقد قررت عدم الذهاب وانقطعت شهيتى للطعام والشراب وأنا أكتب الآن وقد مضت على أربعة أيام كاملة لم أتذوق فيها أى طعام بل لقد مرت الثمانى والأربعون ساعة الأولى دون أن أشرب الماء ، ثم اقبلت على شربه بعد ذلك والحوادث كلها تعزز اصرارى على المضى فيما أنا فيه ،

فاليوم حكم حسين طنطاوي بأنه مختص بنظر الرد المقدم منى ضد المحكمة وذلك على خلاف القانون ، وكيف يكون هذا الرجل خصما وحكما فى آن واحد ، ولكنه اختار هذا الأمر امعانا فى التحدى وسمى حكمه حضوريا على الرغم من اننى لم أكن موجودا ويعنى هذا أنه سيمضى فى الاجراءات بالرغم من مرضى وتغيبى ..

فليمضى اذن فى اجراءاته كما يشاء ولكنى لن أكون هناك .. فليمضى ولكنى سأضع نفسى بين يدى الله وحده .

وهذا ما يخيل الى أن النهاية اقتربت .

لست أشعر بحزن لمرور هذا الخاطر فى نفسى بل على العكس اننى شديد الترحيب بالخروج من هذا العالم الذى لم أر فيه الا الجحود والكنود والاتهام والانكار ومقابلة حبى واخلاصى بالحقد والغل والحسد ، ليس هناك ما أحزن عليه سوى زوجتى الحبيبة التى أعرف كم تتألم وكم ستتألم ولكن هل الدنيا الا ألم .. وحتى لو لم أكن فى هذه المحنة هل كنت سأكون خالدا لها ،

أم كنت سأرافقها يوما من الأيام ، لها الله اذا .. لها الله هى وأولادى . ولست أعرف اذا كان سيكون باستطاعتى أن أكتب شيئا فى هذه الذكرة بعد اليوم أم لا ، ولذلك فأريد أن أقرر الآن أننى اذا مت فان دمى يقع على رأس الحاكمين فى هذه الفترة وعلى رأسهم النائب العام والنيابة وحسين طنطاوي وزملائه ، ومع ذلك فلست أريد من أحد أن ينتقم لى فان ذلك لايقدم ولا يؤخر بل ويسئ الى القضية اريد أن يأتى هؤلاء أمام الله مضرجة أيديهم بدمى وهو وحده صاحب الشأن فى حسابهم .

ان التفكير فى الانتقام والحقد والبغض كل ذلك لا يقدم ولا يؤخر وانما هى عواطف صغيرة ورخيصة وضررها أكثر من نفعها فلندع الأمر لصاحب الأمر ولتملأ قلوبنا عاطفة واحدة هى الحب والتسامح وأن نقول كما قال سيد الخلق رب اغفر لقومى فانهم لايعلمون .

بقيت حكمة أخرى وهى ان تضحيتى لن تضيع هباء ، لقد عشت حرا واذا مت فسوف أموت موتة الأحرار .. لقد عشت من أجل الحق واذا مت فسيكون ذلك فى سبيل الحق ورفض الظلم وعدم الاذعان للطغيان ،ولست أشك لحظة أن بلادى ستستفيد من هذا النموذج الذى أقدمه لها فى مكافحة الظلم وعدم الرضوخ للأحكام الجائرة .

27 من مايو 1952

هآنذا أعود للكتابة مرة أخرى وأنا طريح الفراش منذ تسعة أيام لم ينزل فيها الى جوفى طعام . ان حالتى خطرة حسب تقارير الأطباء ، ان نبضى هو 135وأنا راقد والضغط 110 وأصوات القلب خافتة لا تكاد تسمع وأعصابى منهارة ،

والجميع ضدى والسلطات متحاملة متحالفة على حتى أن قانون استقلال القضاء يعدل بسرعة ليتمكن حسين طنطاوي من الاستمرار فى نظر قضيتى بعد انتهاء مدته فى الخدمة وادارة السجن لاتريد نقلى الى مستشفى رغم سوء حالتى وأنا طريح زنزانتى ، حيث لا سميع ولا مجيب اذا طرأ على أى طارئ .

اننى ملقى وطريح الفراش ليس من يسأل عنى أو يهتم بشأنى الا القلة من أسرتى وأنصارى المعتقلين الذين لا يملكون شيئا . اننى أشعر أن النهاية تقترب بسرعة ومع ذلك فلست آسفا ولا نادما .

بل بالعكس انى لفخور بجهادى الذى ان لم يقدر فى هذا الوقت فستأتى أجيال تقدره حق قدره . اننى سعيد ومغتبط ، لقد عشت حرا واذا مت سأموت حرا .

لقد عشت لا أخضع الا لارادتى واذا مت فسيكون ذلك متفقا مع ارادتى .. اننى أنظر الى الحياة المقبلة بفرح وابتهاج . لقد حان الوقت لكى استريح بعد أن أديت واجبى .. اننى فرح مسرور .. فرح مسرور والحمد لله من قبل ومن بعد .

28 من مايو1952

مازلت أستطيع أن أجلس وأنا أخط هذه الحروف ، اليوم هو العاشر منذ بدأت هذه الحالة النفسية التى صدتنى عن الطعام والعجيب أن صحتى العمومية اليوم خير منها بالأمس ، وقد كان الأمس خيرا من أول أمس .

لا تعليل لذلك فى نظرى الا أن الجسد يمر فى مرحلة اعتياد لهذه الحالة الجديدة . وهو من ناحية أخرى يبذل آخر ما عنده للدفاع عن كيانه وهذا هو سر التحسن المؤقت والذى لن يلبث أن يعقبه انهيار من غير شك .

ولا تزال المحاكمة مستمرة ويتحدثون عن حالة مرضى ، وهل هو مفتعل ؟ أو غير مفتعل ، ولست ألقى بالى لشئ من ذلك كله لقد وضعت نفسى بين يدى الله ، وأنا فى انتظار قراره ، اما أن يدعونى اليه واما أن يبعثنى من جديد والخيرة فيما اختاره الله .

يوم الاثنين 3 يونيو سنة 1952

ها هى ارادة الله تجعلنى أعاود الكتابة ، لقد مضى الآن على مرضى خمسة عشر يوما كاملة ولكن فى هذه الثلاثة أيام الأخيرة طرأ على تغيير ، فقد نقلت الى مستشفى سجن مصر بعد ان ساءت حالتى وانتدب ثلاثة من الأطباء من مصلحة السجون للكشف على من بينهم وكيل القسم والدكتور عزمى مرقص والدكتور كمال قاسم فقرروانقلى الى المستشفى فورا .

وقد عاصر ذلك تأجيل القضية الى يوم 8 يونيو فأتاح لى ذلك فرصة التنفس ، وخفف ذلك بعض الشئ عن أعصابى ومع ذلك فان العمل يجرى على ساق وقدم لاصدار القانون الجديد الذى يمد فى أجل حسين طنطاوي فى العمل وسيعرض اليوم على مجلس الوزارء ونحن الآن فى انتظار هذه الضربة الجديدة والله المستعان .

وقد تناولت كثيرا من السوائل وصحتى اليوم أحسن حالا وهذا ما جعلنى استأنف الكتابة .

يوم الاربعاء 4 يونيو

الله أكبر ولله الحمد .. كنت أقول دائما لمحدثيى وهم يروننى طريح الفراش ضعيف القوى منهوكها ، ان ذلك كله مرجعه الى الله وانه يحيى ويميت وبقدرته اذا شاء أن يبعثنى من جديد حيا .

وهأنذا فى يوم الأربعاء 4يونيو أجلس على فراشى فى مستشفى سجن مصر الى جوار نافذة ضخمة أطل منها على فناء السجن الكبير واستمتع بزرقة السماء وجمال النهار وعذوبة الهواء .. هأنذا وقد بدأت أسترد صحتى وعافيتى وان هوالا يوم آخر أو يومان حتى أكون اذا شاء اللهفى حالتى وصحتى العادية .

وكل ذلك تم بارادة الله وفى غمضة عين وانتباهتها .

ففى غمضة عين جاءنى الخبر الذى أشرت اليه فى مذكراتى السابقة من أن القضية قد تأجلت الى يوم 9 يونيو اى ثمانية أيام كاملة وهو اجل طويل قد بشرنى بالخير .

فقد كانت المحكمة تناضل عند كل تأجيل ولا تسمح به الا بمقدار يوم أو يومين لكى تصدر فى النهاية حكما سخيفا قذرا يفيضبكل الوان السخرية بالقانون وبالحق والعدل .

فهى تحاكمنى غيابيا وتعتبرنى لست غائبا وهو لا تعترف بقوانين ولا بعرف ولا تهتم بالذوق أو الرأى العام انها تريد أن تنظر القضية بجدع الأنف .

وقد انهال الطرق عليها يوما بعد يوم ..

فهذا التأجيل الجديد لهذه المدة الطويلة كان علامة خير ..

لقد أشبه فى نظرى عندما يطرق الانسان بشدة على قطعة حديد ليحركها او قطعة صخر ليفلقها ثم يوالى الطرق ويواليه دون أن تظهر أى نتيجة ولكن فجأة تبدو بادرة أن قطعة الصلب ستتحرك ..

ولقد كان هذا التأجيل هو من هذا القبيل فقد أشعرنى أن الصخرة فى طريقهاالى التحطيم ، صخرة حسين طنطاوي الذى يأبى الا أن ينظر القضية .

وفى اليوم التالى أى أمس ( الثلاثاء ) فوجئت بما يشبه الانقلاب فى هذا الاتجاه الطيب ، ف" المصرى " تعلن بخط عريض ان حسين طنطاوي سيحال الى المعاش فى يوم 7 يونيو وأن دائرة عسكرية أخرى هى التى ستنظر الدعوى ..

الله أكبر لئن صح هذا فهى آية الله الكبرى .. لئن صح هذا فهو بدء الفرج وانقشاع الغمة .

وكانت جريدة الأهرام تشير الى نفس الخبر ولكن فىغير ضجيج جريدة المصرى ..

وكانت هناك حقيقة بارزة تضفى على هذا القول شيئا من الأهمية وهى أن وزير العدل لم يعرض قانون استقلال القضاء على مجلس الوزراء .. ومعنى ذلك هو نجاح هذا الجهاد الذى جاهده القضاة لايقاف هذا التعديل مؤقتا والذى لو تم لظل حسين طنطاوي فى الخدمة خمس سنوات أخرى أو لتشبث بنظر القضية لعدة أشهر قادمة على الأقل . الله أكبر .. الله أكبر ولله الحمد وهكذا صدق الله العظيم " انهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا " ..

من الذى كان يتصور أنه توجد قوة توقف تمام هذا القانون قبل 7 يونيو فقد كان آخر ما يتصوره القائمون بالأمر أن يكون القضاة هم الذين يحتجون ويعترضون والقانون ملئ بالمزايا لصالحهم ..

ولكن هكذا أراد الله وغضبت أغلبية القضاة واحتجوا وأشار بعضهم من طرف خفى لموضوع حسين طنطاوي ..

ويظهر أن وزير العدل غضب لذلك فأجل عرض القانون على مجلس الوزراء يوم الاثنين ، وطالعت اليوم فى الصحف أنه لن يعرضه فى جلسة اليوم ( الأربعاء ) وهكذا أرجو الله أن يمضى يوم 7 يونيو دون أن يعدل القانون القديم فيكون حسين طنطاوي محالا الى المعاش فى هذا التاريخ .

ولكن هل يرضخ حسين طنطاوي لهذه الحقيقة ..

أغلب ظنى أنه سيمارى فيها ، وأغلب ظنى أنه سيقول أنه قد شرع فى نظر القضية وان من حقه أن يمضى فى نظرها ..

وهذا ما لم يصدر المرسوم باحالته الى المعاش بالفعل وهذا ما لا أظن أن الحكومة تقدم عليه ..

ولهذا فالموقف فى نظرى وان كان قد انقلب الى صالحنا من الناحية المعنوية الا أنه لا يزال معلقا من الناحية المادية .

كيفما كان الأمر فقد كسبنا معركة ..

وأصبح موقف حسين طنطاوي رثا بعد كل هذا الجو الذى أحيط به وبعد أن أجمعت الصحف بالخط العريض أن خدمته تنتهى فى 7 يونيو وبعد ان رفض جميع القضاة قانون استقلال القضاة حتى لا يستفيد منه حسين طنطاوي .

وكل ذلك قد تم بارادة الله فقد بعثنى الى الحياة من جديد ،

وشحذت هالبارقة فى قواى مرة أخرى ..

ولما كان محددا لنظر الدعوى المقامة منى على النائب العام وعلى " أبو شنيف " يوم 7 او 8 فقد اعتزمت أن أخرج الى المحكمة للادلاء بأقوالى فى هذه الدعوى الخطيرة .

ولقد حفزنى ذلك كله على العودة لتناول الطعام والشراب .

ويالها من آلام تلك التى تكبدتها لأنتقل من حالة الخمود والهبوط الى حالة النشاط والحيوية ..

ما أعجب شأن هذه الحياة ..

ان الألم الذى نحسه لفقدها هو بعض الألم الذى نعانيه للدخول فى الحياة نفسها لقد كنت هادئا وأنا راقد فى فراشى تتدهور صحتى يوما بعد يوم فلما بدأت فى تناول الأشربة السائلة وبدأ جسدى يفيض بالحيوية انتابتنى الآلام وانزعج الطبيب وهو يرى سوء حالتى ورد الفعل الذى ظهر على ولذلك فلم أستطع أن أكتب هذه المذكرة بلأمس لما كنت أعانيه من هبوط وليس سوى اليوم واليوم فقط حيث أستطعت أن أجلس وأن أكتب .

فالله أكبر الله أكبر ولله الحمد .

10 يونيو سنة 1952

ها هى الأمورتتطور حيثما يشاء الله ان تتطور ، أحيل حسين طنطاوي الى المعاش ، وأصبحت هذه حقيقة فى ذمة التاريخ ،

وعين بدلا منه حسن عبدالوهاب يسن وهو رئيس محكمة الجنايات التى عرضت عليها قضية الثورة وطلبت النيابة تأجيلها وهو رجل يبدو عليه أنه طيب ولكنه مريض من غير شك ومندفع وقد تجلت لى هذه الصفات كلها عند نظره لقضيتى وهو يؤجلها .

وأنا الآن أتناول طعامى بانتظام عند المغرب فقد شرعت من جديد فى صوم رمضان منذ أربعة أيام . وقد كتبت للمحكمة أننى سأحضر أمامها يوم السبت المقبل لنستأنف الصراع فاذا كان حسين طنطاوي قد ذهب فان صلاح حسن عضو اليسار ومحمود مرسي عضو اليمين وهما بقايا حسين طنطاوي لايزالان كما لايزال الضابطان ومن الواضح أن هؤلاء الأربعة .

والمهم أننى وقد كنت ظننت أن الأمور قد انتهت فها هى تبدأ من جديد ..

وهأنذا أعود الى المحكمة بعد أن كنت أتمنى ان لاأذهب أبدا ..

ولست أفكر فى شئ ولست أؤمل شيئا ..

اننى أضعنفسى وتفكيرى تحت رحمة الله يسيرنى كما يشاء .

ابراهيم شكري الآن سجين فى نفس السجن بعد أن حكم عليه بالحبس لمدة ستة أشهر بتهمة العيب فى الذات الملكية وهكذا تبدد الأمل القريب فى أن يسترد حريته وأن يخرج ليكافح عنى فلا أمل لى فى الخلاص مما يكيدون الا اذا بذل نشاط حزبى فى الخارج ..

ولله الأمر من قبل ومن بعد .

13 يونيو سنة 1952

مرة أخرى أقف على عتبة مرحلة حاسمة فسوف أخرج غدا ان شاء الله لحضور دعوى المخاصمة المرفوعة منى ضد النيابة ولحضور المحكمة العسكرية للنظر فى موضوع الرد ، لقد أعلنت المحكمة أنها ستصدر حكمها فى موضوع الرد غدا بدون سماع مرافعة ،

اكتفاء بتقديم المذكرات ولقد احتج الدفاع واحتججت أنا وأرسلت لرئيس المحكمة أطلب فتح باب المرافعة فاذا لم تفعل المحكمة وأصرت على اصدار حكمها بدون سماع مرافعة وسيكون الحكم بالرفض طبعا والمضى فى نظر الدعوى فلست أحسب الا أن حالتى النفسية ستعاودنى فى مرة أخرى ..

ومرة أخرى لا يعلم سوى الله متى تنتهى وكيف تنتهى .

ولقد اذاع حسين طنطاوى فى مجلة آخر ساعة حديثا يفيض بالحقد الدفين ضدى كشف فيه عن خبيئة نفسه وأنها لخبيئة مخيفة فما كان هذا الرجل ليحكم على بأقل من الاعدام كما لمح فى حديثه فهل تكون ازالته من المحكمة العسكرية ايذانا من الله بتبديل هذا المصير .. الله وحده هو الذى يعلم .

16 يونيو سنة 1952

أكتب هذه السطور وأنا على أبواب دخولى فى مرحلة مرضية لا يعلم سوى الله كيف تنتهى ومتى تنتهى ، لقد عاودتنى حالتى النفسية السيئة وتحيط بى الهموم والأكدار وتوتر الأعصاب و" الترقب " ..

لقد خرجت بالأمس وأول أمس وترافعت فى دعوى الخصومة وترافعت فى رد المحكمة ..

أما المحكمة العسكرية فبالرغم من نصاعة الأدلة التى قدمناها على وجوب الرد أصدرت حكمها برفض طلب الرد وحددت لنظر الجلسة يوم 28 من هذا الشهر وأما محكمة المخاصمة فقد قررت اصدار حكمها يوم الأربعاء .

وهكذا نقف على أبواب غيبة المجهول الذى يستطيع ان يقرر مصيرنا فى هذا الاتجاه أو ذاك ، فلو قبلت المخاصمة فقد انهارت القضية ولو رفضت المخاصمة فقد تعززت القضية واشتد ساعد النيابة ..

وقد صاحب هذا الجو من القلق والتوتر أن اتخذ مدير السجن الجوهرى بك اجراءات شاذة لتزيد فى مضايقتى فقد جاء بقفل حديد ليضعه فوق الأقفال القديمة على باب الحجرة وهكذا أصبحت ظلمات تغشاها ظلمات ..

وليس لهذا الاجراء من تأثير على الا من حيث دلالته النفسية ..

وهكذا تحالفت الظروف لتجعلنى فاقد الشهية نحو الطعام من جديد فبالرغم من انى صائم فلم تمتد يدى الى الطعام أمس ..

وأجلس الآن مرة اخرى أحدق فى الفضاء مستسلما لأمر الله وما يصدره من احكام وقرارات .. ومرة أخرى يتكاثف الظلام أمام وجهى ولا حول ولا قوة الا بالله .

17 يونيو سنة 1952

لتكن مشيئة الله وليتم قضاؤه ..

كلما حاولت أن أسترد شيئا من طبيعتى داهمتنى الحوادث ..

وأنا اليوم فى حالة سيئة فقد جاءت زوجتى لزيارتى فأراد الجوهرى بك مدير السجن ان يفتشها ثم اخذ منها حقيبة يدها ودخلت على وهى مصفرة الوجه لقد أزعجنى لك كل الانزعاج وصرفتها محتجا ..

وهكذا بدأ هذا الرجل يطاردنى وبالرغم من أننى شكوت ذات اليمين وذات اليسار فلم يهتم أحد بهذه الشكاوى ..

وكل ذلك يجعل نفسيتى مريضة ومرة أخرى تضعف فى نفسى ارادة الحياة ..

وانى أتوجس خيفة اذا رفضت المحكمة دعوى المخاصمة فان ذلك سيجعل النيابة والمحكمة العسكرية تتنمر ضدى ..

واليوم طالعت فى الصحف أن رئيس المحكمة العسكرية الجديد قد طلب من النيابة أن تحقق مع عبد المجيد نافع لاهانته المحكمة ..

وهكذا يعملون جاهدين على التخلص من عبد المجيد نافع ، كل لك يضغط على ..

فلتكن مشيئة الله ..

ليتم قضاؤه ..

اننى راض ومستسلم فليفعل ما يريد أن يفعل بى .

18 يونيو سنة 1952

مرة أخرى لاحول ولا قوة الا بالله ..

الساعة الآن الثالثة بعد الظهر أى أن الحكم فى دعوى الخصومة المرفوعة ضد النائب العام وأبو شنيف ،لابد وأنه صدر ، ولابد أنه صدر برفض دعواى فلو كان لصالحى لأبلغ الى ولحاول الدكتور محمد حلمي أن يوصله الى بأى ثمن ولجاءنى زائرا بتصريح خاص ليبلغنى اياه .

ولم يظهر أى أثر لهذه الشكاوى العديدة التى أرسلتها سواء ما كان منها لمصلحة السجون ، أم النيابة ..

وهكذا أرقد على فراشى ناظرا الى سقف الغرفة ---- لاحول لى ولا قوة ---- مهددا فى كل دقيقة .. ومع ذلك فلسانى لا يفتأ ينادى يارب ولا حول ولا قوة الا بالله .

بعد الظهر

جاءنى رئيس نيابة جنوب القاهرة الأستاذ عبد الحميد لطفي ليستمع الى أقوالى فيها أشكومنه من معاملة فى السجن ، وقد جاء بناءعلى تكليف من النائب العام ..

فأدليت له بأقوالى ولا يلوح أنه سيترتب على ذلك أية نتيجة ، فلن يرفع القفل الذى وضع على الباب .. ومع ذلك فكل هذه مسائل صغيرة ليست هى فى الواقع التى تشغل فكرى .

19 يونيو سنة 1952

صح ما توقعته وصدر حكم المخاصمة بالرفض ولم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل حكمت المحكمة بثمانين جنيها غرامة أى أنها لم تهبط بالغرامة الى حد ها اأدنى ، بل صعدت بها الى حدها الأعلى للتشديد والتغليط وهذا من أعجب العجب ،

ولابد أنهم فى الحيثيات سينعون على رفع هذه الدعوى ..

وهكذا يسوءالموقف من جديد فلا حول ولا قوة الا بالله .

ما زالت حالتى الصحية تتدهور ببطء فأنا لا أتناول منذ خمسة أيام الا قليلا من السوائل عند الافطار تتناقص شهوتى يوما بعد يوم ،


وأحسب انه فى نهاية رمضان أى بعد ثلاثة أيام فلن يكون بقدرتى الا تناول الماء فقط .

ان الكثيرين ممن يتصلون بى يحاولون أن يشرحوا لى الايمان بالله على صورة واحدة وهى أن أتوقع الفرج وهم لا يدركون ان ايمانى بالله أعمق غورا من ذلك فأنا مؤمن به فى السراء والضراء مؤمن به مهما تجئ الحوادث ..

فهو المدرك من الأمور ملا ندرك ..

ما هذه الحياة كلها الا سر مغلق لا يعرفه الا هو .. ولذلك فان ايمانى بالله هذه الأيام يتلخص فى شئ واحد وهو الاستسلام التام المطلق لكل ما يجئ به الغد .

زارتنى زوجتى ومن الواضح أنها تعانى ..

ولم يكن عندها ما تقوله لى وقطعنا الوقت فى ترديد اقوال وآراء لاقيمة لها .

الجمعة 20 يونيو سنة 1952

صباح جديد ويوم جديد على وتيرة الأيام السابقة ،

زارنى الطبيب وقال لى انك تأكل نفسك فقلت له : ان ذلك أفضل من أن تختل أعصابى واصاب بالجنون ، وانتهت المناقشة عند هذا الحد .

وأذيعت حيثيات حكم المحكمة العسكرية الخاص بكل ما نقول أونثير ..

ولا سند لهم فيما يقولون الا مجرد القول ..

والجكم والتعسف ، ومع ذلك كله ففى نفسى اطمئنان الى النتيجة النهائية ..

ولكن ما هى هذه النتيجة لا أعرف ولا متى ستصل وعلى أى وجه ستكون .

ما أنا الا عبد الله وخلقته وسيقضى فى أمرى بمكنون حكمته .

الظهر

جاءنى عبد الحميد لطفي بك رئيس النيابة والأستاذ عدلي نسيم وكيل النيابة الأول ولست أعرف لماذا جاءا؟ !

وقد راحا ينصحانى بقبول الأوضاع القائمة ويهونان من شأنها على ..

وقد اضطربت اعصابى فاذا بى أثور وأنفجر واحطم كوب ماء وزجاجة حبر واقع فيما يشبه النوبة العصبية فأنسحب حضرتهما ثم جاء الطبيب الشرعى وعقد الجميع مؤتمرا فى مكتب المأمور ثم انصرافوا .

فليفعل الله بى ما يشاء .

الأحد 22 يونيو سنة 1952

يارب ..

يارب ما الذى اعددته فى مكنون علمك ؟

اليوم صدرت الصحف وهى تحمل حكم مجلس الدولة وقد قضى أن ليس من حقه التعرض لقرارات النيابة العسكرية وسقوط الحق فى المطالبة بالغاء الأمر العسكرى رقم 10 لسنة 1951 الخاص بتحديد اختصاصات المحكمة العسكرية لانقضاء أكثر من 60 يوما ،

وهكذا انقضى آخر امل فى سلب ولاية المحكمة العسكرية .. وقد قرر مجلس الدولة وهو يقضى فى قضيتى حكما رائعا ضد الحاكم العسكرى وما اصدره من مرسوم بقانون يمنع مجلس الدولة من التعرض لقراراته فقد قضى بعدم دستورية هذا المرسوم بقانون ،

وهكذا سيفيد الشعب المصرى كله من هذا القرار من ناحيته العامة أما ناحيته الخاصة بالقضية فلم أستفد شيئا .

ونشر فى نفس جريدة الأهرام الصادرة اليوم حيثيات محكمة المخاصمة القاضية برفض دعواى وقد جاءت الحيثيات مخيبة للأمال أكثر من الحكم بالرفض ذاته فقد امتدحت تصرفات النيابة ودافعت عنها ولم تجد عليها اى غبار وسايرت النيابة فى تعسفها من حيث تحديد المسئولية الصحفية .

وفى وسط ذلك كله لا أملك الا أن أضع نفسى بين يدى الله منتظرا منه العون والفرج .

ولكن حالتى النفسية تسوء وتضطرب وتتدهور صحتى تبعا لذلك والأمر لله من قبل ومن بعد .

الاثنين 13 يونيو سنة 1952-- السادسة صباحا

اليوم يوم العيد ولاعيد لى ، ولا عيد لزوجتى وأولادى ، ولا عيد لأصدقائى واخوانى ، ولا عيد للمبادئ التى عشت من أجلها طول عمرى ..

ان الدموع تغمرعينى من التأثر ، فكل من يحيط بى قد جاء يهنئنى بالعيد ويتمنى لى التمنيات الطيبة ، انهم أناس طيبون يعيشون فى دنياهم .. أما أنا فلا عيد الا أن يأذن الله ويرضى .

وبالرغم من أننى كنت بالأمس شديد األم والشعور بالقهر أمام القوات الغاشمة التى تحاول أن تنال منى فانى اليوم أبعد ما اكون عن التفكير فى هذه الأفكار .

وهذا هو الدليل على أننا لانملك لأنفسنا خيرا ولا نفعا حتى مجرد ( المزاج اليومى ) فهو نتيجة عناصر لانتحكم ولا نستطيع أن نتحكم فيها ، فنحن نتألم ونحن نشقى ، ونحن نستعد بدون ان يكون لنا يد فى ذلك .

يخرج الانسان من بيته سعيدا مبتهجا فيصادف حادثا فى الطريق بل قد يسمع كلمة عابرة تحوله الى حزين كئيب .

فهؤلاء الذين يتشدقون عن حرية الانسان وارادته وعن قدرته على التصرف هم أشخاص سطحيو التفكير .

عندما تقول الأديان شيئا بمحض الالهام والوحى فان العلم لا يلبث أن يثبت ما تقول الأديان .

فقد قررت الأديان أن كل شئ مكتوب على جبين الانسان منذ ان يولد ، وهل هو شقى أو سعيد . يقتضينا الايمان ان نقرر أن كل شئ فى هذه الحياة انما يتم بقضاء وقدر ، وأن اللوح المحفوظ قد خط فيه منذ الأزل تصرفات الانسان وأفعاله .

وهذه الجبرية المفروضة على الانسان قد أثارت جدلا كبيرا حول موضوع الحساب والثواب والعقاب ، ولست أريد الآن أن أتحدث فى هذه الناحية ،

ولكن أقف عند حد هذه الجبرية وأن الانسان مدفوع فى تصرفاته بقوة أقوى منه وأنه مغلوب على أمره فى كل ما يقول أو يفعل ، مضطر لهذا القول أو الفعل .

ان العلم الحديث والمشاهدة بل ان فلاسفة الاجتماع والتاريخ وعلم النفس قد انتهوا جميعا الى هذه النتيجة وهى أن الانسان ليس سوى ثمرة البيئة التى تحيط به وأفعاله وتصرفاته هى نتيجة الظروف التى أحاطت به فلم يعودوا يدرسون شاعرا أوبطلا أو فنانا الا بعد أن يدرسوا الظروف والعناصر التى كونت حياته والتى دفعته نحو فعل ما فعل .

انظر الى انسان على هذا الكون انه يولد مسلما أومسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو لادينيا وليس لهفى ذلك اى اختيار .

فهو مسلما لأن أبويه مسلمان وهو مسيحى لأن أبويه كانا مسيحين وهكذا .

وهو يرث عن أبويه شكلهما وطولهما ولون عيونهما وشعرهما ، بل ويرث صفاتهما ويرث ما بها من أمراض ، وقد يكون والد الطفل عصبيا أو دمويا أو فتاكا بطبعه فيرث الابن كل ذلك ولا صلة له فى دفع ما ورث .. ويولد الانسان فى بيئة فقيرة أو بيئة جاهلة فيتكون مزاجه وشخصيته ويصب قالبه فى هذه البيئة الجاهلة أو المريضة أو المتحللة .

وقد يتعلم الانسان والانسان متأثر الى حد كبير جدا بما يتعلم فما هو هذا العلم الذى يتلقاه الانسان ، انه ليس من عمله وانما من عمل الانسانية ،

ويتكيف الانسان بلون العلم والمعارف التى يتلقاها ، وكم من فتى صار مهندسا لأن الظروف ساقت له علم الهندسة وآخر طبيب لأن الظروف هيأت له دراسة الطب ، وانى أقابل الآن حولى فى مصلحة السجون ضباطا حالمين هائمين كانوا يحبون أن يكونوا شعراء أو أدباء أو فنانين ولكن الظروف جعلت منهم ضباطا وفى مصلحة السجون بالذات ..

وعلى هذا الأساس فكل أعمالنا وتصرفاتنا انما هى نتيجة الظروف المحيطة بنا ونحن دائما أبدا منفعلون بالحوادث لا فاعلون لها وهؤلاء الذين يتصورون الانسان فاعلا أو متصرفا هم قوم لا يتعمقون فى دراسة الموضوع .

لقد أثبت العلم ان افرازات بعض الغدد هو الذى يكيف مزاج الانسان ومستقبله ، وتغير هذه الافرازات قد يحول الانسان من حال الى حال ومن صورة الى صورة وليس لانسان سلطان على افراز غدده .

كانت البشرية الى وقت قريب تتصور أن الأبطال هم الذين يكيفون حياة البشر وليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا الزعم ،

فهم مثلا يتحدثون عن نابليون كخالق هذه النهضة التى تمت على يديه ولم يكن نابليون الا تعبيرا عن ارادة الشعب الفرنسى الذى تفجرت قواه وحيويته فى الثورة الفرنسية وكان لابد أن ينتطلق شرقا وغربا حتى يرتطم ويهدأ ،

وحسب الانسان أن يطالع التاريخ لكى يرى كيف أن جيش الثورة قد استطاع فى معركة " فالمى " قبل ظهور نابليون ان يصمد لأعظم الجيوش مع أنه كان عاريا جائعا لا عهد له من قبل بالحروب . بل ان فرنسا الثائرة قبل نابليون هى التى شنت الحرب فى كل الميادين وظفرت بانتصارات أذهلت الجميع فليس نابليون الا مظهرا من مظاهر ارادة الشعب الفرنسى فى ذلك الوقت .

ومثل ذلك يقال عن محمد على فى مصر فما محمد على الا يقظة مصر التى أحدثها الغزو الفرنسى لمصر حيث قام الشعب يناضل عن حريته وعن كيانه واستقلاله ووجد فى محمد على معبرا عن ارادته ..

ولو ظل محمد على فى بلده " قوله " لما زاد أمره عن بائع دخان أو عسكرى فى الجيش التركى فالظروف والحوادث التى لا دخل لارادة محمد على فيها هى التى ألقت به الى مصر فى وقت معين وفى فترة معينة ومصر على أهبة وثية معينة فكان محمد على ما كان .

ويتصور أقوام حتى فى عصرنا الحديث بعد أن أتضحت هذه النظريات وأصبحت حقائق مقررة أن امبراطور ألمانيا هو الى أشعل الحرب العالمية الأولى وأن هتلر هو الذى أشعل الحرب العالمية الثانية مع أن هتلر العسكرى ما كان يستطيع فى بلاد جبابرة العسكرية .. أن يصل الى ما وصل اليه لولا أن الشعب الألمانى قد وجد فيه ضالته المنشودة والسبيل لتحقيق بغيته وهو الأخذ بالثأر واستئناف الحرب .

وما يقال عن حوادث العالم الكبى وعن البطال وعن كبار الشخصيات يقال عن أصغر انسان فى اى زاوية من زوايا الكون ..

فهذا الذى ولد زنجيا هل يمكن أن يكون الا زنجيا ؟ هل يمكن أن يغير لون جسده أو يغير من طبعه ؟؟

ومن هنا بدأ أساتذة العلم الجنائى يعيدون النظر فى مسألة العقوبة على ضوء هذه الحقائق التى ثبتت لهم . فالقاتل لا يقتل ، والسارق لايسرق ، والزانى لايزنى ، الا تحت تأثير عوامل اجتماعية وطبيعية لاحيلة للانسان فيها ..

فالسارق قد يسرق تحت الحاجة وخوفا من الجوع فلو سددنا حاجة الناس ووصلوا الى درجة الاشباع أو ما يقربها لما وجدنا هناك من يسرق ..

والقاتل لايقتل الابعد أن يفقد عقله ، والزانى لايزنى الا مغلوبا على أمره بما اودع فى جسده من هرمونات يكفى أن تزيد على درجة معينة لكى يكون هذا الشخص مغلوبا على أمره أمام أى امرأة يصادفها .

والخلاصة أن الايمان بالله الذى يفرض علينا التسليم بالقضاء والقدر وأننا لانملك لأنفسنا خيرا ولانفعا ،

وأن الحوادث تتم وتقع بقوة قاهرة لاقبل لنا فى دفعهاهو ما يولده النظر العلمى الحديث عندما يجعل الانسان وكل أفعاله هى ثمرة عناصر لادخل للانسان فى تكوينها ولا حيلة له فى دفعها أو تعديلها .

فالجبرية هى التفسير الوحيد الذى لايزال مقبولا لتفسير حوادث هذا الكون فى عمومها وفى تفصيلها .

الجمعة 27 يونيو سنة 1952

ترى ما الذى يخبئه الغد ، وانى لأقف على بابه فى ظروف لم أكن أتوقعها ؟!

لقد عشت خمسة عشرة يوما من رمضان صائما ووأمضيت السبعة أيام الأخيرة منه وأنا لاأتناول فى الافطار الا بعض السوائل ، التى تقيم الأود ، وكانت تتناقص يوما بعد يوما حتى وصلت الى درجة العدم ، حتى اذا انتهى رمضان ودخلنا فى مرحلة الافطار اذا بنفسى تضيق عن أى طعام أو شراب غير الماء فأمضيت أيام العيد الثلاثة لا اتناول سوى الماء ،

وقد كنت مرتاح النفس والفؤاد لذلك مطمئن الخاطر معتزما أن أمضى ما استطعت الى ذلك سبيلا بملازمتى الفراش فى ضعف ووهن ، وهى وحدها التى تهدئ نفسى وتجعلنى أسخر من الظلم والاضطهاد ومن الحياة كلها.

وفجأة أستيقظبعد منتصف ليل الأربعاء ، أى فى صباح الخميس ، وأنا فى حالة شديدة من الضيق والألم ، كانت نفسى مضطربة وجسمى كله فى حالة ضيق ، ولم اكن أعرف ماذا أفعل أو كيف اتصرف ؟

وحاولت أن أصبر ، وأن أغض عن الحالة ولكنها راحت تتفاقم حتى بلغ بى الضيق مداه ، فطلبت من الحراس أن يفتحوا الباب و وجاء الضابط المختص ، وجاء " التمرجى " وظننت أن كوبا من شراب الليمون قد يساعدنى ويعيدنى الى طبيعتى ، فطلبت شراب الليمون ، ولكنهم لم يكادوا يجيئون به الى حتى زاد اضطرابى و وتناولته بصعوبة ، ولم ألبث ان تقيأته ..

وكان ذلك قمة الأزمة ، وكان جسدى ينتفض بالألم والضيق والاضطراب ثم هدأت وانصرف الضابط ، ونمت بعض الوقت فيما لا يزيد على ساعة أو ساعتين ، وطلع النهار ووجدتنى فى نفس الحالة من جديد ، وعندما جاء الطبيب وجدتنى فى حالة من الألم جعلتنى اقبل كل ما اقترحه من اسعاف وعلاج ، فاعطانى بعض حقن الكورامين والأدوية ، وجيئ لى بالشاى والعرقسوس كعلاج لما أحس به من الم فى أمعائى .

وهأنذا الآن فى عصر يوم الجمعة ، أتناول بعض الأغذية ، بحيث استطعت أن أجلس وأخط هذه الحروف ، وفى نيتى أن أجاهد فى سبيل تناول الغذاء دفعا عن نفسى لهذه الآلام .

وغدا السبت حيث تعقد المحكمة و وقد طلبت التأجيل ، وطلب المحامون التأجيل ، فلو رفضت المحكمة التأجيل ، ولو رفضت ما طلبت ضمه من أوراق الى القضية يجب أن تضم اليها بمقتضى القانون لكان ذلك صورة بارزة من التعسف واهدار كل قواعد القانون والعدل .

كيفما كان الأمر ، فلست أظن أننى سأذهب غدا ، ولكنى معتزم الذهاب --- ان شاء الله ---- بعد ذلك كى أفرغ من هذه المهزلة فان أعصابى لم تعد تحتمل ، ولا يجب أن تحتمل أكثر من ذلك ، فلتأت النتيجة أيا كانت ، ولننته من هذا الضغط المستمر . وفى هذه اللحظات اتجه بكل ذرة من ذرات جسدى وروحى الى خالقى اسأله أن يكون عونى ونصيرى وأن يهيئ لى من أمرى رشدا .

اسأله أن يهدى القضاة وعملهم غدا على تأجيل القضية طويلا ، بل اسأله أن يحدث من المفاجأت ما يؤخر نظر هذه القضية الى أن تلغى الأحكام العرفية .

الأحد 29 يونيو سنة 1952

يارب السموات والأرض ، يا من أعبدك بكل ذرة من ذرات جسدى ، يا من أعبدك بكل خفقة من خفقات قلبى وروحى ، يارب يا سر الوجود ، يا سر الأسرار يا من حارت فيك العقول.. ماذا تريد بى .. الى أين ستنتهى بى ..هأنذا مرة أخرى أقف على قدمى مصليا ،

هأنذا مرة أخرى وماء الصحة قد بدأ يتدفق من شرايينى ، هأنذا مرة أخرى وقد حلقت ذقنى بعد ثلاثة أسابيع تقريبا ، وأجلس متحدثا ، هأنذا أرى وميض الأمل يتسلل رغم أنفى الى أعماق نفسى ، وهأنذا أدعوك فى حرارة وقوة من جديد أن تخلصنى ،

وأن تنقذنى وأن تدفع عنى السوء والكيد ، وأن تخرجنى من هذه المحنة مرفوع الرأس موفورالكرامة ، كما عودتنى دائما .

لقد تأجلت القضية الى 8 يوليو ، أى بعد تسعة أيام من اليوم ، والظواهر تدل على أن القضية ماضية فى طريقها ، وأنها ستنظر بعد هذه الفترة ، ومع ذلك فانى أرجو من الله ألا تنظر هذه القضية أمام محكمة عسكرية ، والا تنظر فى هذه الأيام ..

كيف سيتم ذلك .. كيف يتحقق ذلك ؟ ان الله قادر أن يحدث فى هذه الأيام التسعة احداث تغير الدنيا من حال الى حال .

وفى نيتى أن أحضر الجلسة المقبلة لأطلب من المحكمة التأجيل من جديد .

سرت بالأمس اشاعة فى السجون أن الوزارة قد سقطت ، بل وأن على ماهر هو الذى دعى لتأليف الوزارة ، وقد كان هذا الخبر فوق احتمالى لو كان صحيحا ،

فذرفت الدموع شكرا لله ، ولكن سرعان ما تبين أن الاشاعة غير صحيحة ، وصدرت الصحف اليوم ، وهى أبعد ما تكون عن هذه الناحية .. ومع ذلك فلا يزال الأمل يداعب النفوس .

ان تغييرا سيقع فى القريب ، والرجاء كل الرجاء الآن أن يكون تغييرا نحوالخير والأحسن لا نحو الأسوأ .

ولله الأمر من قبل ومن بعد .

ولأول مرة نشرت الصحف اليوم صورة ابنى مصطفى ، الذى حضر الجلسة ، وقد أثر ذلك فى نفسى .. وانقضت أكثر من عشرة أيام دون أن أرى زوجتى وقد بدأذلك يضايقنى .

أول يوليو 1952 " الثلاثاء "

علمتنى هذه الأيام الحذر ، وأنها تسير دائما بين المد والجزر ، بين العسر واليسر ، بين الشدة والرخاء ويوما نساء ويوما نسر ، وكذلك فلم أكتب هذه المذكرة بالأمس ، وآثرت التريث حتى اليومحتى تستقر الأمور .

لقد قدم " نجيب الهلالي " استقالته منذ يوم السبت الماضى ، وأقول قدم استقالته ، ولا أقول سقطت الوزارة ، ولو كنت أكتب هذه المذكرة بالأمس لقلت سقطت وزارة الهلالى ،

وألف حسين سري الوزارة ، أما اليوم ،فقد ظهر ان الموقف لا يزال معقدا ، فلم يؤلف حسين سري وزارته ، بل قيل ان آخر الأخبار أنه عدل نهائيا عن تأليفها ، وقيل ان نجيب الهلالي لم يتسلم خطاب قبول استقالته بعد، أى أن الموقف لايزال معلقا ، ولم يحسم بعد .

ولست أشك لحظة فى أن سبب تعثر تأليف الوزارة هو الاختلاف بين القصر وبين حسين سرى على الخطة التى يعتزم انتهاجها ، ولابد ان موضوع الأحكام العرفية قد عرض على بساط البحث ، ولابد أن فكرة التهيئة لانتخابات جديدة قد عرضت على البحث ، بل لا أستبعد ان موضوع قضيتى ومصيرى ،ومصير الحزب الاشتراكى قد عرض على البحث بالذات ،

فالقوم لا يريدون أن يفاجأوا ببعث الحزب الاشتراكى من جديد ، وقد لا يعنى حافظ عفيفي من كل شئون مصر بأكثر من عنايته بمصير أحمد حسين .. على أن هذا الذى حدث هو من غير شك ، وكيفما كانت النتيجة التى ستنهتى اليها هذه الازمة فان قلبى يحدثنى أننا نسير نحو الأحسن لا نحو الأسوأ .

ولو قد كتبت هذه الرسالة بالأمس لكتبتها فى جو من التفاؤل شديد ، فقد حضرت زوجتى والدكتور حلمى وجميع الأولاد ما عدا مجدى الصغير ، وأمضينا وقتا طيبا يفيض بالآمال التى خلفتها استقالة الوزارة .. أما اليوم فأنا أكثر تحفظا ، ولكن