إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

مذكرات الدعوة والداعية

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
مذكرات الدعوة والداعية
الإمام الشهيد حسن البنا

محتويات

تقديم

بقلم: أبو الحسن علي الحسني الندوي

عميد ندوة العلماء - لكهنؤ – الهند

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى:

يسعد كاتب هذه السطور ويشرفه أن يكتب تصديراً أو مقدمة لكتاب” مذكرات الدعوة والداعية” للإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، ويعتبر ذلك من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، ويحسن بها إلى نفسه قبل أن يحسن بها إن غيره، فهو كتاب ليس ككل كتاب، ومؤلفه ليس كالمؤلفين، وموضوعه ليس كالموضوعات التي يعالجها الكتاب ويتناولها المؤلفون والمحترفون في كل حين وفي كل مكان، ويتهيب رجل مثلي في قلة بضاعته في العلم والعمل، وفي تخلفه في ميدان الإصلاح والكفاح، وفي مجال التربية والإخراج، وفي حلبة التضحية والمحنة، أن يتقدم للكتابة والتعليق على هذا الكتاب ومؤلفه العظيم، ولذلك تأخرت كتابة هذه السطور مدة استطالت حتى بلغ حرج النفس كل مبلغ، وحتى غدوت أخشى وزر احتمال مزيد من التأخير ومن حرمان الشباب المسلم وجنود الدعوة ورواد الإصلاح من خير وافر غزير.

كفي برهانا على خلود الإسلام وعلى أنه دين الله المختار الذب صنع ليعيش إلى آخر الزمن، وعلى خلود هذه الأمة وعلى أنها هي الأمة الأخيرة، وعلى أنها منجبة منتجة، مورقة مزهرة، وعلى أنها كنانة الله التي لا تنفد سهامها ولا تخطئ مراميها، كفي برهاناً على ذلك وجود هؤلاء المصلحين والمجاهدين والعباقرة والنوابغ، والموهوبين والمؤيدين والمربين، وقادة الإصلاح الموفقين الذين ظهروا ونبغوا في أحوال غير مساعدة، وفي أجواء غير موافقة، بل في أزمنة مظلمة حالكة، وفي بيئات قاتلة فاتكة وفي شعب أصيب بشلل الفكر وخواء الروح وخمود العاطفة وضعف الإرادة وخور العزيمة وسقوط الهمة ورخاوة الجسم ورقة العيش وفساد الأخلاق والإخلاد إلى الراحة والخضوع للقوة واليأس من الإصلاح، وأصبح الجيل المعاصر كله كأنه طبعة واحدة من كتاب واحد خرجت من مطبعة متقنة لا تختلف نسخها وصحائفها، حسبك أن تقرأ كتابا وتقيس عليه الباقي، فلا تنوع ولا اختلاف، ولا طموح ولا استشراف، ولا تلق ولا اضطراب، ولا تفرد ولا شذوذ ولا جدة ولا طرافة، ولا شئ غير المعتاد ولا شئ فوق المستوى، وأصبحت الحياة قطارا موحدا تجره قاطرة واحدة، هي قاطرة المادة والمعدة، أو قاطرة الغرض والمصلحة، أو قاطرة اللذة والمنفعة، أو قاطرة القوة والغلبة، ويدل كل شئ على أن هذه الحياة قصة واحدة، أو مسرحية قد أحكم وضعها وإخراجها، ويعاد تمثيلها على مسرح الإنسانية، أو على مسرح التاريخ الإسلامي، ويلعب كل بطل من أبطال هذه الرواية دوره الخاص الذي أسند إليه بكل مهارة ولباقة، ثم تنتهي هذه القصة في تصفيق المعجبين ودموع المتألمين.

وبينما يواصل هذا الركب سيره، وهذا القطار سفره في غايات محدودة، ومنازل معروفة، وأصوات مألوفة، و نغمات مكررة، إذا بشخصية تقفز من وراء الأستار، أو من ركام الأنقاض والآثار، وتفاجئ هذا الركب الهادئ الوادع الذي لا يعرف غر الوصول إلى غايته المرسومة المحدودة، ولا يهتم إلا بقوت اليوم وزاد الطريق وأمن السبيل وراحة الأبدان.. تفاجئه بالدعوة إلى الإصلاح والحاجة إلى استئناف النظر والتفكير في الأوضاع العامة ومصير الإنسانية ومسئولية الأمة التي أخرجت للناس، والثورة على الأوضاع الفاسدة والأخلاق الرذيلة والعقائد الضالة، والعادات الجاهلية، وعبادة البطون والشهوات، وعبودية القوة والسلطات، ويدعو إلى حياة كريمة فاضلة، وإلى مدنية سليمة صالحة، وإلى مجتمع رشيد عادل، وإلى إيمان عميق جديد، وإلى إسلام قوي حاكم، ويرفع بكل ذلك صوتا مدويا عاليا يضطرب به الركب وتهتز به مشاعره وعواطفه وقيمه ومفاهيمه، ولا يستطيع أن يتغافل عنه أو يتجاهله أو يستخف به ويستمر في سيره غير مقبل عليه أو ملتفت إليه، بل يخضع له عدد كبير من أعضائه فينشقون عنه ويلتحقون بهذا الداعية، فيجعل منهم ركبا جديدا يثق بنصر الله، ويسير على بركة الله.

إن لهؤلاء الثائرين والدعاة المصلحين قائمة مشرقة ومشرفة يتجمل بها تاريخ الإصلاح والدعوة، ولا يخلو منهم زمان ومكان. وقد كان صاحب هذا الكتاب الذي أتشرف بتقديمه من هذه الشخصيات التي هيأتها القدرة الإلهية، وصنعتها التربية الربانية، وأبرزتها في أوانها ومكانها، وإن كل من يقرأ هذا الكتاب سليم الصدر، مجرد الفكرة، وبعيداً عن العصبية والمكابرة، يقتنع بأنه رجل موهوب مهيأ، وليس من سوانح الرجال ولا صنيعة بيئة أو مدرسة، ولا صنيعة تاريخ أو تقليد، ولا صنيعة اجتهاد ومحاولة وتكلف، ولا صنيعة تجربة وممارسة، إنما هو من صنع التوفيق والحكمة الإلهية والعناية بهذا الدين وبهذه الأمة، والغرس الكريم الذي يهيأ لأمر عظيم ولأمل عظيم في زمن تشتد إليه حاجته وفي بيئة تعظم فيها قيمته.

إن الذي عرف الشرق العربي الإسلامي في فجر القرن العشرين، وعرف مصر بصفة خاصة، وعرف ما أصيب به هذا الجزء الحساس الرئيسي من جسم العالم الإسلامي من ضعف في العقيدة والعاطفة، والأخلاق والاجتماع،.والإرادة والعزم، والقلب والجسم، وعرف الرواسب التي تركها حكم المماليك وحكم الأتراك وحكم الأسرة الخديوية، وما زاد إليها الحكم الأجنبي الإنجليزي، وما جلبته المدنية الإفرنجية المادية والتعليم العصري اللاديني والسياسة الحزبية النفعية وما زاد هذا الطين بلة من ضعف العلماء وخضوعهم للمادة والسلطة، وتنازل أكثرهم عن منصب الإمامة والتوجيه، وانسحابهم عن ميدان الدعوة والإرشاد،والكفاح والجهاد، واستسلامهم” للأمر الواقع”، وخفوت صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زد إلى ذلك كله نشاط دعاة الفساد والهدم، والخلاعة والمجون، والإلحاد والزندقة، وتزعم الصحف والمجلات الواسعة الانتشار، القوية التأثير، للدعوات المفسدة، والحركات الهدامة والاستخفاف بالدين وقيمه، والأخلاق وأسسها وما آل إليه الأمر ووصلت إليه الأقطار العربية بصفة عامة، والقطر المصري بصفة خاصة من التبذل والإسفاف، والضعف والانحطاط، والثورة والفوضى، والانهيار الخلقي والروحي في الثلث الأول من هذا القرن الميلادي، ورأي كل ذلك مجسماً مصوراً في أعدا ”الأهرام” و” المقطم” و” الهلال” و” المصور”، وفي كتب كان يصدرها أدباء مصر وكتابها المفضلون المحببون عند الشباب، ورأي ذلك مجسما مصورا في أعياد مصر ومهرجاناتها، وحفلاتها وسهراتها، واستمع إلى الشباب الجامعي في نواديهم ومجالسهم، وزار الإسكندرية وشواطئها ومصايفها،ورافق فرق الكشافة والرياضة والمباراة، ودخل دور السينما، ورأي الأفلام الأجنبية والمحلية، واطلع على الروايات التي تصدرها المكتبة العربية في مصر بين حين وآخر ويتهافت عليها الشباب بنهامة وجشع، وعاش متصلا بالحياة والشعب، وتتبع الحوادث ولم يعش في برج عاجي، وفي عالم الأحلام والأوهام، عرف رزية الإسلام والمسلمين، ونكبة الدعوة الإسلامية في هذا الجزء الذي كان يجب أن يكون زعيما للعالم العربي كله، وزعيما للعالم الإسلامي عن طريقه، وقد بقي قرونا كنانة الإسلام ومصدر العلم والعرفان، وأسعف العالم العربي وأنجده بل أنقذه في فترات دقيقة عصيبة في التاريخ الإسلامي، ولا يزال يحتضن الأزهر الشريف أكبر مركز ثقافي إسلامي وأقدمه. إن كل من عرف ذلك عن كثب لا عن كتب وعاش متصلا به، عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود، وفاجأت مصر ثم العالم العربي والإسلامي كله بدعوتها وتربيتها وجهادها وقوتها الفذة التي جمع الله فيها مواهب وطاقات قد تبدو متناقضة في عين كثير من علماء النفس والأخلاق، ومن المؤرخين والناقدين، هي العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة - دون عنت - في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة - دونما كلل - في سبيل نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطموح، والهمة السامقة الوثابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضع في كل ما يخص النفس.. تواضعاً يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنه -كما حدثنا كثير منهم - مثل رفيف الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوة.

وقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية اجتماعية، لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيراً واكثر إنتاجا منها منذ قرون، وفي تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد - في دنيا العرب خاصة - حركه أوسع نطاقا وأعظم نشاطا واكبر نفوذا وأعظم تغلغلا في أحشاء المجتمع واكثر استحواذا على النفوس منها.

وقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها، في ناحيتين خاصتين لا يشاركه. فيهما إلا القليل (1) النادر من الدعاة والمربين والزعماء والمصلحين، أولاهما شغفه بدعوته واقتناعه بها وتفانيه فيها وانقطاعه إليها بجميع مواهبه وطاقاته ورسائله، وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير.

والناحية الثانية تأثيره العميق في نفوس أصحابه وتلاميذه ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج:

فقد كان منشئ جيل، ومربي شعب، وصاحب مدرسة علمية فكرية خلقية، وقد أثر في ميول من اتصل به من المتعلمين والعاملين، وفي أذواقهم وفي مناهج تفكيرهم وأساليب بيانهم ولغتهم وخطابتهم تأثيرا بقي على مر السنين والأحداث، ولا يزال شعارا وسمة يعرفون بها على اختلاف المكان والزمان. لقد فاتني أن أسعد بلقائه في مصر وفي غير مصر، فقد كان العام الأول الذي كتب الله لي فيه الحج والزيارة وخرجت من الهند لأول مرة وهو عام 1947 م هو العام الذي تغيب فيه الشهيد عن ا-لجاز ولم يغادر مصر، وقد كان يحضر الموسم في غالب الأعوام، ويحرص على نشر دعوته والحديث إلى وفود بيت الله الحرام، وعلى السعي المجهد الحثيث في توثيق الصلات والعهود مع الوافدين من أنحاء عالم الإسلام كله.بيد أني قابلت بعض تلاميذه ودعاته، فلمست فيهم آثار القائد العظيم والمربي الجليل، فلما قدر لي أن أزور مصر سنة 1950 م كانت رحمة الله قد استأثرت به ولما يجاوز عمره بعد الثانية والأربعين إثر حادث استشهاده الذي أدمى نفوس ملايين المسلمين وحرم العالم الإسلامي هذه الشخصية التاريخية الفريدة، ولا أزال أتحسر على هذه الخسارة التي كتبت لي، ولكني اتصلت بتلاميذه اتصالا وثيقا، وعشت فيهم كعضو من أعضاء أسرة واحدة، وزرت والده العظيم رحمه الله، واستقيت منه معلومات وأخبارا سجلتها في مذكراتي، وقابلت زملاءه وأبناءه، واجتمع لنفسي من كل هذه الآثار والأخبار ملامح الصور العظيمة لصاحب هذه الدعوة ومؤسس هذه المدرسة، أنا واثق بأنها صورة صادقة مطابقة.

وفي تلك الرحلة وقع إلي هذا الكتاب” مذكرات الدعوة والداعية”، فألفيته كتابا أساسيا، ومفتاحاً رئيسيا، لفهم دعوته وشخصيته، وفيه يجد القارىء منابع قوته و مصادر عظمته وأسباب نجاحه واستحواذه على النفوس: وهي سلامة الفطرة، وصفاء النفس، وإشراق الروح، والغيرة على الدين، والتحرق للإسلام، والتوجع من استشراء الفساد، والاتصال الوثيق بالله تعالى، والحرص على العبادة وشحن” بطارية القلب” بالذكر والدعاء والاستنفار، والخلوة في الأسحار، والاتصال المباشر بالشعب وعامة الناس في مواضع اجتماعهم ومراكز شغلهم وهواياتهم والتدرج ومراعاة الحكمة في الدعوة والتربية، والنشاط الدائم والعمل الدائب، وهذه الخلال كلها هي أركان دعوة إسلامية ربانية، وحركة دينية تهدف إلى أن تحدث في المجتمع ثورة إصلاحية بناءة، وتغير مجرى الحوادث والتاريخ. لذلك كان أصحاب دعوة الإسلام وحملة أمانتها بل والعاملون في مختلف حقول الإصلاح بحاجة دائمة إلى دراسة هذا الكتاب، وإعادة التأمل العميق فيه الفينة بعد الفينة، فلا عجب أن ينعقد العزم على تجديد طبعه ونشره في الناس، بل العجب أن تخلو منه مكتبة من مكتبات المسلمين.

أما بعد: فقد كانت محاولة القضاء على آثار هذه الدعوة التي أعادت إلى الجيل الجديد في العالم العربي الثقة بصلاحية الإسلام وخلود رسالته، وأنشأت في نفوسه وقلوبه إيمانا جديدأ، وقاومت” مركب النقص” في نفوسهم والهزيمة الداخلية التي لا هزيمة أشنع منها وأكبر خطرا، والميوعة وضعف النفوس والانسياق تحت ربقة الشهوات والطغيان، وخلقت - كما يقول شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال: “ في جسم الحمام الرخو الرقيق قلب الصقور والأسود” حتى استطاع هذا الجيل أن يصنع عجائب في الشجاعة والبسالة والاستقامة والثبات.

لقد كانت محاولة القضاء على آثار هذه الحركة وطمس معالمها، وتعذيب جنودها، وتشريد رجالها، جريمة لا يغتفرها التاريخ الإسلامي، ومأساة لا ينساها العالم الإسلامي، وإساءة إلى العالم العربي لا تعدلها إساءة، ولا تكفر عنها أي خدمة للبلاد، وأي اعتبار من الاعتبارات السياسية، إنها جريمة لا يوجد لها نظير إلا في تاريخ التتار الوحوش وفي تاريخ الاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش في العالم المسيحي القديم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أبو الحسن علي الحسني الندوي

غرة ذي الحجة1385 هـ

يوم الخميس 4 2 / 3 / 1966 م


مقدمة

(أوصي الذين يعرضون أنفسهم للعمل العام ويرون أنفسهم عرضة للاحتكاك بالحكومات ألا يحرصوا على الكتابة)

لا أدري لماذا أجد في نفسي رغبة ملحة في كتابة هذه المذكرات بعد أن أعرضت عن ذلك إعراضا تاما على أثر عثور النيابة على مذكراتي الخاصة سنة 1943 ما لقيت نن المحقق من عنت وإرهاق في غير جدوى ولا طائل ولا موجب إلا تحميل الألفاظ يخر ما تحمل، واستنباط النتائج التي لا تؤدي إليها المقدمات بحجة أن هذه هي مهمة النيابة العمومية باعتبارها سلطة اتهام.

ولعل ضياع معظم هذه المذكرات بعد ذلك هو السبب المباشر نزولاً على هذه الرغبة، لأنه يظهر أنه من العزيز على المرء أن تضيع من بين يديه هذه الذكريات العزيزة، أو أنه يخشى عليها الضياع والنسيان وهي صفحات حياته، يسري بتلاوتها واستعراضها عن نفسه، ويتركها لغيره من بعده.. وبالرغم من هذا الضياع فإنني لا زلت أذكر هذه الوقائع كأنها بنت الساعة. ولعل هذا سبب آخر لرغبتي في الكتابة، حتى لا تأتي على هذا التذكر عوادي الزمن، واختلاف النهار والليل ينسي !.

ومهما يكن من شيء فأنا راغب في الكتابة، وسأكتب نزولا على هذه الرغبة، فإن يكن الخاطر رحمانياً فالحمد لله، وإن يكن غير ذلك فأستغفر الله، ويقيني أن هذه الكتابة إن لم تنفع فلن تضر، والخير أردت، والله ولي التوفيق.

وإن كنت أوصي الذين يعرضون أنفسهم للعمل العام ويرون أنفسهم عرضة للاحتكاك بالحكومات ألا يحرصوا على الكتابة، فذلك أروح لأنفسهم وللناس، وأبعد عن فساد التعليل وسوء التأويل والله يقول الحق وهو يهدى السبيل !.


مدرسة الرشاد الدينية

رحم الله أستاذنا الشيخ محمد زهران صاحب مدرسة الرشاد الدينية، الرجل الذكي الألمعي، العالم التقي، الفطن اللقن الظريف، الذي كان بين الناس سراجا مشرقا بنور العلم والفضل يضئ في كل مكان، وهو وإن كانت دراسته النظامية لم تصل به إلى مرتبة العلماء الرسميين، فإن ذكاءه واستعداده وأدبه وجهاده ند جعله يسبق سبقاً بعيداً في المعارف وفي الإنتاج العام. كان يدرس العامة في المسجد ويفقه السيدات في البيوت. وأنشأ مع ذلك مدرسة الرشاد الدينية في سنة 1915 م. تقريبا لتعليم النشء على صورة كتاتيب الإعانة الأهلية المنتشرة في ذلك العهد في القرى والريف، ولكنها في نهج المعاهد الرائعة التي تعتبر دار علم وعمل! تربية على السواء ممتازة في مادتها وطريقتها، وتشتمل مواد اللهراسة فيها - زيادة عل المواد المعروفة في أمثالها حينذاك - على الأحاديث النبوية حفظأ وفهما، فكان على التلاميذ أن يدرسوا كل أسبوع في نهاية حصص يوم الخميس حديثا جديدأ يشرح لهم حتى يفقهوه، ويكررونه حتى يحفظوه ثم يستعرضون معه ما سبق أن درسوه فلا ينتهي العام إلا وقد حصلوا ثروة لا بأس بها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذكر أن معظم ما أحفظ من الأحاديث بنصه هو مما علق بالذهن منذ ذلك الحين، كما كانت تشتمل كذلك على الإنشاء والقواعد والتطبيق، وطرف من الأدب في المطالعة أو الإملاء ومحفوظات ممتازة من جيد النظم أو النثر ولم يكن شيء من هذه المواد معروفا في الكتاتيب المماثلة. وكان للرجل أسلوب في التدريس والتربية مؤثر منتج، رغم أنه لم يدرس علوم التربية ولم يتلق قواعد علم النفس، فكان يعتمد أكثر ما يعتمد على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته، وكان يحاسبهم على تصرفاتهم حسابا دقيقا مشربا بإشعارهم الثقة بهم والاعتماد عليهم، ويجازيهم على الإحسان أو الإساءة جزاء أدبيا يبعث في النفس نشوة الرضا والسرور مع الإحسان، كما يذيقها قوارص الألم والحزن مع الإساءة، وكثيرا ما يكون ذلك في صورة نكتة لاذعة أو دعوة صالحة أو بيت من الشعر - إذ كان الأستاذ يقرضه على قلة - ولا أزال أذكر بيتا من الشعر كان مكافأة على إجابة في التطبيق أعجبته فأمر صاحب الكراسة أن يكتب تحت درجة الموضوع.

حسن أجاب وفي الجواب أجادا
فالله يمنحه رضا ورشادا

كما أذكر بيتا آخر أتحف به أحد الزملاء على إجابة لم ترقه فأمره أن يكتب تحت درجته:

يا غارة الله جدي السير مسرعة
في أخذ هذا الفتى يا غارة الله

ولقد ذهبت مثلا وأطلقت على هذا الزميل اسماً فكنا كثيراً ما نناديه إذا أردنا أن نغيظه” يا غارة الله”. وإنما كان الأستاذ يوصي صاحب الكراسة بأن يكتب بنفسه ما يمليه عليه لأنه رحمه الله كان كفيفاً ولكن في بصيرته نور كثير عن المبصرين” فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” ولعلى أدركت منذ تلك اللحظة وإن لم أشعر بهذا الإدراك - أثر التجاوب الروحي والمشاركة العاطفية بين التلميذ والأستاذ، فلقد كنا نحب أستاذنا حباً جماً رغم ما كان يكلفنا من مرهقات الأعمال. ولعلي أفدت منه رحمه الله مع تلك العاطفة الروحية حب الإطلاع وكثرة القراءة إذ كثيراً ما كان يصطحبني إلى مكتبته وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجع له وأقرأ عليه ما يحتاج إليه من مسائل، وكثيراً ما يكون معه بعض جلسائه من أهل العلم فيتناولون الموضوع بالبحث والنظر والنقاش وأنا أسمع. وهكذا يكون لهذا الاتصال المباشر بين الأستاذ والتلميذ أجمل الآثار. وحبذا لو قدر ذلك المعلمون والمربون واعتمدوا عليه وعنوا به ففيه إن شاء الله الخير الكثير. وفي هذه المدرسة المباركة مرت فترة من فترات العمر بين الثامنة إلى الثانية عشرة.

إلى المدرسة الإعدادية:

ولقد شغل أستاذنا بعد ذلك عن مدرسته، وعهد بها إلى غيره من العرفاء الذين ليس لهم مثل روحه المشرق وعلمه الواسع وأدبه الجم وخلقه الجذاب، فلم يرق لهذا الناشئ الذي تذوق حلاوة هذه الخلال أن يصبر على صحبتهم، رغم أنه لما يتم القرآن حفظاً بعد، ولم يحقق رغبة والده الملحة في أن يراه حافظا لكتاب الله، فهو لما يتجاوز بعد سورة الإسراء ابتداء من البقرة - وهو نصف الختمة تقريباً - وعلى حين فجأة صارح والده في تصميم عجيب أنه لم يعد يطيق أن يستمر بهذه الكتاتيب وأنه لا بد له من الذهاب إلى المدرسة الإعدادية. والمدرسة الإعدادية حينذاك على غرار المدرسة الابتدائية اليوم بحذف اللغة الأجنبية وإضافة بعض مواد القوانين العقارية والمالية وطرف من فلاحة البساتين، مع التوسع نوعاً في دراسة علوم اللغة الوطنية والدين.

وعارض الوالد الحريص على أن يحفظ ولده كتاب الله، في هذه الرغبة ولكنه وافق عليها بعد أن تعهد له صاحبها بأن يتم حفظ القرآن الكريم” من منزله”. وما جاء أول الأسبوع حتى كان الغلام طالباً بالمدرسة الإعدادية يقسم وقته بين الدرس نهاراً، وتعلم صناعة الساعات التي أغرم بها بعد الانصراف من المدرسة إلى صلاة العشاء، ويستذكر هذه الدروس بعد ذلك إلى النوم، ويحفظ حصته من القرآن الكريم بعد صلاة الصبح حتى يذهب إلى المدرسة.

جمعية الأخلاق الأدبية

وكان من بين أساتذة هذه المدرسة” محمد أفندي عبد الخالق” رحمه الله وكان مدرس حساب ورياضة، ولكنه كان صاحب خلق وفضيلة، فاقترح على طلبة السنة الثالثة أن يؤسسوا من بينهم جمعية مدرسية يطلقون عليها اسم” جمعية الأخلاق الأدبية” وضع بنفسه لائحتها، واعتبر نفسه المشرف عليها وأرشد الطلاب إلى اختيار مجلس إدارتها. وكانت لائحتها الداخلية تتلخص في أن: من شتم أخاه غرم مليماً واحدا، ومن شتم الوالد غرم مليمين، ومن شتم الأم غرم قرشا، ومن سب الدين غرم قرشين، ومن تشاجر مع آخر غرم مثل ذلك - وتضاعف هذه العقوبة لأعضاء مجلس الإدارة ورئيسه - ومن توقف عن التنفيذ قاطعه زملاؤه حتى ينفذ، وما يتجمع من هذه الغرامات ينفق في وجوه من البر والخير، وعلى هؤلاء الأعضاء جميعاً أن يتواصوا فيما بينهم بالتمسك بالدين وأداء الصلاة في أوقاتها والحرص على طاعة الله والوالدين ومن هم اكبر سنا أو مقاماً.

وكانت ثروة مدرسة الرشاد الدينية سببا في أن يتقدم هذا الناشئ إخوانه وأن تتجه إليه أنظارهم حتى إذا أريد اختيار مجلس إدارة جمعية الأخلاق الأدبية وتع اختيارهم عليه رئيسا لهذا المجلس. وزاولت الجمعية عملها وحاكمت الكثيرين على مخالفات وتعت منهم وجمع من هذه الغرامات مبلغ من المال لا بأس به أنفق بعضه في تكريم الزميل الطالب لبيب اسكندر شقيق طبيب الصحة الذي نقل إلى بلد آخر نقل أخوه معه، وأنفق البعض الآخر في تجهيز ميت غريب غريق ألقى به النيل إلى جوار سور المدرسة فقامت الجمعية بتجهيزه من هذه الأموال. ولا شك أن جمعية كهذه تنتج في باب تكوين الأخلاق اكثر مما ينتج عشرون درسا من الدروس النظرية، وعلى المدارس والمعاهد أن تعنى اكبر العناية بأمثال هذه الجمعيات...

على شاطئ النيل

وأذكر أن كان من أثر هذه الجمعية في نفوس أعضائها الناشئين أنني مررت ذات يوم على شاطئ فهر النيل حيث يشتغل عدد كبير من العمال في بناء السفن الشراعية، وهي صناعة كانت منتشرة في محمودية بحيرة، فلاحظت أن أحد أصحاب هذه السفن المنشأة قد -علق في ساريتها تمثالا خشبيا عاريا على صورة تتنافى مع الأدب، وبخاصة وأن هذا الجزء من الشاطئ يتردد عليه السيدات والفتيات يشقين منه الماء، فهالني ما رأيت وذهبت فورا إلى ضابط النقطة - ولم تكن المحمودية قد صارت مركزا إداريا بعد - وقصصت عليه. القصص مستنكرا هذا المنظر. وتد اكبر الرجل هذه الغيرة وقام معي من فوره حيث هدد صاحب السفينة وأمره أن ينزل هذا التمثال في الحال وقد كان، ولم يكتف بذلك بل إنه حضر صباح اليوم التالي إلى المدرسة وأخبر الناظر الخبر في إعجاب وسرور. وكان الناظر مربيا فاضلا هو الأستاذ محمود رشدي - من كجار رجال وزارة المعارف الآن - فسر هو الآخر وأذاعه على التلاميذ في طابور الصباح مشجعاً إياهم على. بذل النصيحة للناس والعمل على إنكار المنكر أينما كان. ويظهر أن هذا الاهتمام بمثل هذه الشئون قد انصرف عنه اليوم - مع الأسف - الكثير من النظار والضباط على السواء.

في المسجد الصغير

ولقد دأب كثير من تلامذة هذه المدرسة على أداء الصلاة في المسجد الصغير ) وهو مسجد مجاور لها وبخاصة صلاة الظهر حيث تجمعهم فسحة بعد النداء.

ومن الطرائف التي أذكرها أن إمام هذا المسجد الأهلي الشيخ محمد سعيد رحمه الله، مر ذات يوم فرأي مؤذنا يؤذن وجماعة تقام وإماما يتقدم وعددا كثيراً من التلامذة -يزيد على ثلاثة صفوف أو أربعة يصلي فخشي الإسراف في الماء والبلى للحصير، وانتظر حتى أتم المصلون صلاتهم ثم عمل على تفريقهم بالقوة مهددا ومنذرا ومتوعدا، فمنهم من أذعن وفر ومنهم من وقف وثبت.

وأوحت إلى خواطر التلمذة أن أقتص منه ولا بد. فكتبت إليه خطابا ليس فيه إلا هذه الآية (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) ولا شيء في ذلك، بعثت به إليه في البريد مغرماً واعتبرت أن غرامة قرش صاغ كافية في هذا القصاص. وتد عرف رحمه الله ممن جاءته هذه الضربة وقابل الوالد شاكياً معاتباً، فأوصاه بالتلاميذ خيراً وكانت له معنا بعد ذلك مواقف طيبة عاملنا فيها معاملة حسنة، واشترط علينا أن نملأ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافنا، وأن نعاونه في بع التبرعات للحصر إذا ما أدركها البلى وقد أعطيناه ما شرط.

جمعية منع المحرمات

وكأن هذا النشاط الداخلي لم يرض رغبة هؤلاء الناشئين في العمل للإصلاح فاجتمع نفر منهم. كان من بينهم الأستاذ محمد علي بدير المدرس بالمعارف الآن، والأستاذ عبد الرحمن الساعاتي الموظف بالسكة الحديدية الآن، والأستاذ سعيد بدير المهندس الآن. وقرروا تأليف جمعية إسلامية باسم جمعية منع المحرمات ) وكان اشتراك العضو فيها يتراوح بين خمسة مليمات وعشرة أسبوعيا، وكانت أعمالها موزعة على أعضائها. فمنهم من كانت مهنته تحضير النصوص وصيغ الخطابات، وآخر مهنته كتابه هذه الخطابات بالحبر الزفر، وثالث مهنته طبعها، والباقون توزيعها على أصحابها. وأصحابها هم الذين تصل إلى الجمعية أخبارهم بأنهم يرتكبون بعض الآثام أو لا يحسنون أداء العبادات على وجهها، خصوصا الصلاة، فمن أفطر في رمضان ورآه أحد الأعضاء بلغ عنه فوصله خطاب فيه النهي الشديد عن هذا المنكر، ومن قصر في صلاته ولم يخشع فيها ولم يطمئن وصله خطاب كذلك، ومن تحلى بالذهب وصله خطاب نهي فيه حكم التحلي بالذهب شرعا، وأيما امرأة شاهدها أحد الأعضاء تلطم وجهها في مأتم أو تدعو بدعوى الجاهلية وصل زوجها أو وليها خطاب، وهكذا ما كان أحد من الناس صغيرا أو كبيرا يعرف عنه شيء من المآثم إلا وصله خطاب من الجمعية ينهاه أشد النهي عما يفعل. وكان من اليسير على الأعضاء لصغر سنهم وعدم اتجاه الأنظار إليهم أو وقوع الشبهة عليهم أن يعرفوا كل شيء ولا يتحرز الناس منهم. وكان الناس يظنون أن هذا من عمل أستاذنا الشيخ زهران رحمه الله ويقابلونه ويلومونه لوماً شديدا ويطلبون إليه أن يتحدث إليهم فيما يريد بدلا من هذه الكتابة. والرجل يتنصل من ذلك ولدفع عن نفسه، وهم لا يكادون يصدقون حتى وصله ذات يوم خطاب من الجمعية يلفت نظره إلى أنه صلى فريضة الظهر بين السواري - وذلك مكروه - وهو عالم البلد، فيجب عليه أن يبتعد عن المكروهات ليبتعد غيره من العوام عن المحرمات. وأذكر أن الشيخ رحمه الله دعاني حينذاك - وقد كانت صلتي مستمرة به في اللهروس العامة وإن كنت قد تركت مدرسته أو مكتبته - لنراجع معا هذا الحكم في كتاب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ولا زلت أذكر الموضوع كأنه اليوم وكنت أقرأ له وأنا أبتسم وهو يتساءل عن هؤلاء الذين كتبوا له ووجد أن الحق معهم -، وأنهيت ذلك إلى أعضاء الجمعية فكان سرورهم به عظيماً.

واستمرت الجمعية تؤدى عملها أكثر من ستة أشهر وهي مثار عجب الناس ودهشتهم. حتى اكتشف أمرها على يد صاحب قهوة استدعى راقصة فوصله خطاب من الجمعية، وكانت الخطابات لا ترسل بالبريد اقتصادا في النفقات، وإنما يحملها أحد الأعضاء ويضعها في مكان يلفت نظر صاحبها إليها فيستلمها ولا يرى من جاء بها. ولكن المعلم كان يقظاً فشعر بحركة حامل الخطاب فقبض عليه بخطابه وعاتبه عتابا شديدا أمام من في القهوة. وعرفت الجمعية عن هذا الطريق فرأي أعضاؤها أن يخففوا من نشاطهم ويعملوا بأسلوب آخر لمنع المحرمات.

إلى مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور

وكان هذا الطالب قد وفي بعهده فاستمر يحفظ القرآن الذي خرج به من مدرسة الرشاد وأضاف إليه ربعاً آخر إلى سورة يس. وقرر مجلس مديرية البحيرة إلغاء نظام المدارس الإعدادية وتعديلها إلى مدارس ابتدائية فلم يكن أمام الطالب إلا أن يختار بين أن يتقدم إلى المعهد الديني بالإسكندرية ليكون أزهريا أو إلى مدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ليختصر من الطريق ويكون بعد ثلاث سنوات معلما. ورجحت كفة الرأي الثاني في النهاية وجاء موعد تقديم الطلبات وتقدم بطلبه فعلا، ولكن كان أمام عقبتين: عقبة السن فهو ما يزال في منتصف الرابعة عشرة وأقل سن القبول أربع عشرة كاملة، وعقبة إتمام حفظ القرآن الكريم إذ إن ذلك هو شرط القبول في الدخول ولا بد من أداء امتحان شفهي في القرآن الكريم، ولقد كان ناظر المدرسة حينذاك، هو الأستاذ” بشير الدسوقي موسى - المحال إلى المعاش - كريما متلطفا، فتلطف بالطالب وتجاوز عن شرط السن، وقبل منه التعهد بحفظ ربع القرآن الباقي، وصرح له بأداء الامتحان التحريري والشفهي فأداهما بنجاح، ومنذ ذلك الوقت أصبح طالباً بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور.

الطريقة الحصافية

وفي المسجد الصغير رأيت” الإخوان الحصافية” يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة، وكنت مواظبا على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء، فاجتذبني حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة، وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين، وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله تبارك وتعالى، فواظبت عليها هي الأخرى. وتوطدت الصلات بيني وبين شباب هؤلاء الإخوان الحصافية ومن بينهم الثلاثة المقدمون: الشيخ شلبي الرجال والشيخ محمد أبو شوشة والشيخ سيد عثمان، والشبان الصالحون الذين كانوا أقرب الذاكرين إلينا في السن: محمد أفندي الدمياطي وصاوي أفندي الصاوي وعبد المتعال أفندي سنكل، وأضرابهم. وفي هذه الحلبة المباركة التقيت لأول مرة بالأستاذ أحمد السكري - وكيل الإخوان المسلمين - فكان لهذا اللقاء أثره البالغ في حياة كل منا. ومنذ ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافي يتردد على الأذن فيكون له أجل وقع في أعماق القلب وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حينا بعد حين، وأخذت أواظب على الوظيفة الروحية صباحا ومساء، وزادني بها إعجابا أن الوالد قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة صيغها جميعا تقريبا من الأحاديث الصحيحة وسمى هذه الرسالة تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الرزوقية ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي وردت في كتب السنة تقريبا، ليس فيها شئ من الألفاظ الأعجمية أو التراكيب الفلسفية أو العبارات التي هي إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات.

وفي هذه الأثناء وقع في يدي كتاب المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي وهو شيخ الطريقة الأول - ووالد شيخها الحالي السيد الجليل الشيخ عبد الوهاب الحصافي مد الله في عمره ونفع الله به - والذي توفي ولم أره حيث كانت وفاته الخميس 17 من جمادى الآخرة 1328 الهجرية، وكنت إذ ذاك في سن الرابعة عشرة فلم أجتمع به على كثرة تردده على البلد فأقبلت على القراءة فيه وعرفت منه كيف كان السيد حسنين رحمه الله عالما أزهريا تفقه على مذهب الإمام الشافعي ودرس علوم الدين دراسة واسعة وامتلأ منها وتضلع فيها ثم تلقى بعد ذلك الطريق على كثير من شيوخ عصره، وجد واجتهد في العبادة والذكر والمداومة على الطاعات حتى إنه حج أكثر من مرة وكان يعتمر مع كل حجة اكثر من عمرة. وكان رفقاؤه وأصحابه يقولون ما رأينا أقوى على طاعة الله وأداء الفرائض والمحافظة على السنن والنوافل منه - رحمه الله - حتى في آخر أيام حياته وقد كبرت سنه ونيف عن الستين. ثم أخذ يدعو إلى الله بأسلوب أهل الطريق، ولكن في استنارة وإشراق وعلى تواعد سليمة قويمة، فكانت دعوته مؤسسة على العلم والتعليم، والفقه والعبادة والطاعة والذكر، ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء هذه الطرق والانتصار للكتاب والسنة على أية حال والتحرز من التأويلات الفاسدة والشطحات الضارة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصيحة على كل حال حتى إنه غير كثيرا من الأوضاع التي اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة، ومما كان عليه مشايخه أنفسهم. وكان أعظم ما أخذ بمجامع قطبي وملك على لبى من سرته رض اله عنه شدته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه كان لا يخشى في ذلك لوم لائم ولا يدع الأمر والنص مهما كان في حضرة كبير أو عظيم. ومن نماذج ذك أنه زار رياض باشا حين كان رئيس الوزارة، فدخل أحد العلماء وسلم على الباشا وانحنى حتى قارب الركوع فقام الشيخ مغضبا وضربه على خديه بمجمع يده ونهره بشدة قائلا: استقم يا رجل فإن الركوع لا يجوز إلا لله، فلا تذلوا الدين والعلم فذلكم اله. ولم يستطع العالم ولا الباشا أن يؤاخذاه بشيء. ودخل أحد الباشوات من أصدقاء رياض باشا وفي إصبعه خاتم من الذهب وفي يده عصا مقبضها من الذهب كذلك، فالتفت إليه الشيخ وقال: يا هذا إن استعمال الذهب في الحلية هكذا حرام على الرجال حلال للنساء فأعط هذين لبعض نسائك، ولا تخالف عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد الرجل أن يعترض، فتدخل رياض باشا وعرف بعضهما ببعض والشيخ مصر على أنه لا بد من خلع المقبض والخاتم معا حتى يزول هذا المنكر.

ودخل مرة على الخديوي توفيق باشا مع العلماء في بعض المقابلات فسلم على الخديوي بصوت مسموع فرد عليه الخديوي بالإشارة بيده، فقال له في عزم وتصميم: رد السلام يكون بمثله أو بأحسن منه،. فقل وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، والرد بالإشارة وحدها لا يجوز ). فلم يسع الخديوي إلا أن يرد عليه باللفظ ويثنى على موقفه وتمسكه بدينه.

وزار مرة بعض مريديه من الموظفين في بعض دوائر المساحة فرأي على مكتبه بعض تماثيل من الجبس فسأله: ما هذا يا فلان؟ فقال: هذه تماثيل نحتاج إلها في عملنا. فقال: إن ذلك حرام. وأمسك بالتمثال وكسر عنقه، ودخل المفتش الإنجليزي في هذه اللحظة ورأي هذا المنظر فناقش الشيخ فيما صنع. فرد عليه ردا جميلا وأفهمه أن الإسلام إنما جاء ليقيم التوحيد الخالص وليقضي على كل مظهر من مظاهر الوثنية في أية صورة من صورها ولهذا حرم التماثيل حتى لا يكون بقاؤها ذريعة لعبادتها. وأفاض في هذا المعنى بما طلب له المفتش الذي كان يظن أن في الإسلام لوثة من الوثنية، وسلم للشيخ وأثنى عليه.

وزار مسجد السيد الحسين رضى الله عنه مع بعض مريديه ووقف على القبر يدعو الدعاء المأثور: السلام على أهل الديار من المؤمنين ) فقال له بعض المريدين: يا سيدنا الشيخ سل سيدنا الحسين يرضى عني، فالتفت إليه منضبا وقال: “ يرضى عنا وعنك وعنه: الله ) وبعد أن أتم زيارته شرح لإخوانه أحكام الزيارة وأوضح لهم الفرق بين البدعية والشرعية منها.

وحدثني الوالد أنه اجتمع بالشيخ رحمه الله في منزل وجيه من وجهاء المحمودية هو حسن بك أبو سيد حسن رحمه الله، مع بعض الإخوان فدخلت الخادم، وهي فتاة كبيرة، تقدم له القهوة وهي مكشوفة الذراعين والرأس فنظر إليها الشيخ منضبا وأمرها بشدة أن تذهب فتستتر وأبى أن يشرب القهوة وألقى على صاحب المنزل درسا مؤثراً في وجوب احتشام الفتيات وإن كن خدما وعدم إظهار الرجال الأجانب علين.

وله رحمه الله في ذلك أمور في غاية الكثرة والدقة معا وكذلك شأنه دائما.

هذه الناحية هي التي أثارت في نفسي أعظم معاني الإعجاب والتقدير وكان الإخوان يكثرون من الحديث عن كرامات الشيخ الحسية فلم أكن أجد لها من الوقع في نفسي بقدر ما أجده لهذه الناحية العملية، وكنت أعتقد أن أعظم كرامة أكرمه الله بها هي هذا التوفيق لنشر دعوة الإسلام على هذه القواعد السليمة وهذه الناحية العملية على محارم الله تبارك وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكل ذلك ولم تتجاوز سني الثانية عشرة.

وزادني تعلقا بالشيخ الجليل رحمه الله - أنني رأيت في هذه الأثناء، وعلى أثر تكراري للقراءة في المنهل، فيما يرى النائم: أنني ذهبت إلى مقبرة البلد فرأيت قبرا ضخما يهتز ويتحرك، ثم زاد اهتزازه واضطرابه حتى انشق فخرجت منه نار عالية امتدت إلى عنان السماء وتشكلت فصارت رجلاً هائل الطول والمنظر واجتمع الناس عليه من كل مكان فصاح فيهم بصوت واضح مسموع وقال لهم: أيها الناس: إن الله قد أباح لكم ما حرم عليكم، فافعلوا ما شئتم. فانبريت له من وسط هذا الجمع وصحت في وجهه” كذبت” والتفتُّ إلى الناس وقلت لهم: “ أيها الناس هذا إبليس اللعين وقد جاء يفتنكم عن دينكم ويوسوس لكم فلا تصغوا إلى قوله ولا تستمعوا إلى كلامه” فغضب وقال: “ لا بد من أن نتسابق أمام هؤلاء الناس فإن سبقتني ورجعت إليهم ولم أقبض عليك فأنت صادق”. فقبلت شرطه وعدوت أمامه بأقصى سرعتي. وأين خطوي الصغير من خطوه الجبار، وقبل أن يدركني ظهر الشيخ - رحمه الله - من طريق معترض وتلقاني في صدره واحتجزني بيساره ورفع يمناه مشيرا بها إلى هذا الشبح صائحا في وجهه: اخسأ يا لعين، فولى الأدبار واختفي، وانطلق الشيخ بعد ذلك، فعدت إلى الناس وقلت لهم: أرأيتم كيف أن هذا اللعين يضلكم عن أوامر الله.

واستيقظت وكلي شوق و تقدير وترقب لحضور السيد عبد الوهاب الحصافي نجل الشيخ - رحمه الله - لأراه وأتلقى عنه الطريق ولكنه لم يحضر هذه الفترة.

ويذكرني حديث المقبرة بما كان لأخينا في الله الشيخ محمد أبو شوشة التاجر بالمحمودية علينا من فضل في التربية الروحية، إذ كان يجمعنا عشرة أو نحوها ويذهب بنا إلى المقبرة حيث نزور القبور ونجلس بمسجد الشيخ النجيلى نقرأ الوظيفة ثم يقص علينا من حكايات الصالحين وأحوالهم ما يرقق القلوب ويسيل العبرات، ثم يعرض علينا القبور المفتوحة ويذكرنا بمصرنا إليها، وظلمة القبر ووحشته ويبكى فنبكي معه، ثم نجدد التوبة في خشوع وحرارة واستحضار عجيب وندم وعزم، ثم كثيرا ما كان يربط لكل واحد منا حول معصمه سوارا من الخيط الغليظ” الدوبارة” ليكون ذكرى التوبة، ويوصينا بأن أحدنا إذا حدثته نفسه بالمعصية أو غلبه الشيطان فليمسك بهذا السوار، وليتذكر أنه تاب إلى الله وعاهده على طاعته وترك معصيته، وكنا نستفيد من هذه النصيحة كثيراً وجزاه الله عنا خيرا.

وظللت معلق القلب بالشيخ - رحمه الله - حتى التحقت بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور وفيها مدفن الشيخ وضريحه وقواعد مسجده الذي لم يكن تم حينذاك، وتم بعد ذلك، فكنت مواظبا على الحضرة في مسجد التوبة في كل ليلة وسألت عن مقدِّم الإخوان فعرفت أنه الرجل الصالح التقي الشيخ بسيوني العبد التاجر، فرجوته أن يأذن لي بأخذ العهد عليه ففعل، ووعدني بأنه سيقدمني للسيد عبد الوهاب عند حضوره، ولم أكن إلى هذا الوقت قد بايعت أحدا في الطريق بيعة رسمية وإنما كنت محبا وفق اصطلاحهم.

وحضر السيد عبد الوهاب - نفع الله به - إلى دمنهور وأخطرني الإخوان بذلك فكنت شديد الفرح بهذا النبأ، وذهبت إلى الوالد الشيخ بسيوني ورجوته أن يقدمني للشيخ ففعل، وكان ذلك عقب صلاة العصر من يوم 4 رمضان سنة 1341 الهجرية وإذا لم تخني الذاكرة، فقد كان يوافق يوم الأحد حيث تلقيت الحصافية الشاذلية عنه وأدبني بأدوارها ووظائفها.

وجزى الله عنا السيد عبد الوهاب خير الجزاء، فقد أفادتني صحبته أعظم الفائدة وما علمت عليه في دينه وطريقه إلا خيرا، وقد امتاز في شخصيته وإرشاده ومسلكه بكثير من الخصال الطيبة: من العفة الكاملة عما في أيدي الناس، ومن الجد في الأمور والتحرر من صرف الأوقات في غير العلم أو التعلم أو الذكر أو الطاعة أو التعبد سواء أكان وحده أم مع إخوانه ومريديه، ومن حسن التوجيه لهؤلاء الإخوان وصرفهم عمليا إلى الأخوة والفقه وطاعة الله. وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا الجدل في الخلافيات أو المشتبهات من الأمور، أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين مثلا أمام العامة من الإخوان ويقول لهم اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسونه فيما بينكم. أما هؤلاء فتحدثوا أمامهم بالمعاني المؤثرة العملية التي توجههم إلى طاعة الله، فقد تعلق بنفس أحدهم الشبهة ولا يفهم الرد فيتشوش اعتقاده بلا سبب، وتكونون أنتم السبب في ذلك. وأذكر أن من كلماته التي لا أزال أحفظها والتي وجهها إلى وإلى الأخ الأستاذ أحمد السكري في بعض هذه الجلسات ما معناه: إنني أتوسم أن الله سيجمع عليكم القلوب ويضم إليكم كثيرا من الناس، فاعلموا أن الله سيسألكم عن أوقات هؤلاء الذين سيجتمعون عليكم أفدتموهم فيها، فيكون لهم الثواب ولكم مثلهم، أم انصرفت هباء، فيؤاخذون وتؤاخذون؟.. وهكذا كانت توجيهاته كلها إلى الخير وما علمنا عليه إلا خيرا (وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين)

وفي هذه الأثناء بدا لنا أن نؤسس في المحمودية جمعية إصلاحية هي” جمعية الحصافية الخيرية” واختير أحمد افندي السكري التاجر بالمحمودية رئيسا لها وانتخبت سكرتيرا لها، وزاولت الجمعية عملها في ميدانين مهمين: الميدان الأول: نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، ومقاومة المنكرات والمحرمات الفاشية كالخمر والقمار وبدع المآتم. والميدان الثاني: مقاومة الإرسالية الإنجيلية التبشيرية التي هبطت إلى البلد واستقرت فيها، وكان قوامها ثلاث فتيات رأسهن مسز” ويت”، وأخذت تبشر بالمسيحية في ظل التطبيب وتعليم التطريز وإيواء الصبية من بنين وبنات، وقد كافحت الجمعية في سبيل رسالتها مكافحة مشكورة وخلفتها في هذا الكفاح جمعية” الإخوان المسلمين” بعد ذلك.

واستمرت صلتنا على أحسن حال بشيخنا السيد عبد الوهاب حتى أنشئت جمعيات الإخوان المسلمين وانتشرت، وكان له فيها رأي ولنا فيها رأي، وانحاز كل إلى رأيه، ولا زلنا نحفظ للسيد - جزاه الله عنا خيرا - أجل ما يحفظ مريد محب مخلص لشيخ عالم عامل تقي، نصح فأخلص النصيحة وأرشد فأحسن الإرشاد.


رأي في التصوف

ولعل من المفيد أن أسجل في هذه المذكرات بعض خواطر - حول التصوف والطرق في تاريخ الدعوة الإسلامية - تتناول نشأة التصوف وأثره وما صار إليه وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامي. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمي أو التعمق في المعاني الاصطلاحية فإنما س مذكرات تكتب عفو الخاطر فتسجل ما يتوارد في الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد.

حين اتسع عمران الدولة الإسلامية في صدر القرن الأول، وكثرت فتوحاتها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان، وحببت إليهم ثمرات كل شيء، وكان خلفيتهم بعد ذك يقول للسحابة في كبد السماء: شرقي أو غربي فحيثما وقع قطرك جاءني خراجه. وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها في اقتصاد أحيانا وفي إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعي، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد يسره من متاع الآخرة الباقي: “وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة - الإمام الواعظ الجليل - الحسن البصري، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر. والزهادة في الدنيا، وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.

وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت صورة العلم الذي ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.

وهذا القسم من علوم التصوف، واسمه” علوم التربية والسلوك”، لا شك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها، والطب لها والرقي بها، لم يبلغ إليها غيرهم من المربين، ولا شك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثراً بروح العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة.. ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإعراض عن اللغو، والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها.. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.

ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف، والرغبة في الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة وأصبح كل ما يكتب أو يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين على صفائه ونقائه.

وجاء بعد ذلك دور التشكل العملي للفكرة فنشأت فرق الصوفية وطوائفهم، كل على حسب أسلوبه في التربية. وتدخلت السياسة بعد ذلك لتتخذ من هذه التشكيلات تكأة عند اللزوم، ونظمت الطوائف أحيانا على هيئة النظم العسكرية، وأخرى على هيئة الجمعيات الخاصة.. حتى انتهت إلى ما انتهت إليه من هذه الصورة الأثرية التي جمعت بقية ألوان هذا التاريخ الطويل، والتي ممثلها الآن في مصر مشيخة الطرق الصوفية ورجالها وأتباعها.

ولا شك أن التصوف والطرق كانت من اكبر العوامل في نشر الإسلام في كثير من البلدان وإيصاله إلى جهات نائية ما كان ليصل إليها إلا على يد هؤلاء الدعاة، كما حدث ويحدث في” بلدان أفريقيا وصحاريها ووسطها، وفي كثير من جهات آسيا كذلك.

ولا شك أن الأخذ بقواعد التصوف في ناحية التربية والسلوك له الأثر القوي في النفوس والقلوب، ولكلام الصوفية في هذا الباب صولة ليست لكلام غيرهم من الناس.. ولكن هذا الخلط أفسد كثيرا من هذه الفوائد وقضى عليها. ومن واجب المصلحين أن يطيلوا التفكير في إصلاح هذه الطوائف من الناس، وإصلاحهم سهل ميسور، وعندهم الاستعداد الكامل له، ولعلهم أقرب الناس إليه لو وجهوا نحوه توجيها صحيحا، وذلك لا يستلزم اكثر من أن يتفرغ نفر من العلماء الصالحين العاملين، والوعاظ الصادقين المخلصين لدراسة هذه المجتمعات، والإفادة من هذه الثروة العلمية، وتخليصها مما علق بها، وقيادة هذه الجماهير بعد ذلك قيادة صالحة.

وأذكر أن السيد توفيق البكري رحمه الله فكر في ذلك، وقد عمل دراسات علمية عملية لشيوخ الطرق وألف لهم فعلا كتابا في هذا الباب، ولكن المشروع لم يتم ولم يهتم به من بعده الشيوخ، وأذكر من ذلك أن الشيخ عبد الله عفيفي رحمه الله كان معنيا بهذه الناحية وكان ييل الحديث فيها مع شيوخ الأزهر وعلماء الدين، ولكنه كان مجرد تفكير نظري لا أثر للتوجه إلى العمل فيه، ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية بقوة الطرق الروحية بقوة الجماعات الإسلامية العملية، لكانت أمة لا نظير لها: توجه ولا تتوجه، وتقود ولا تنقاد، وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شيء فيها، وترشد هذا المجتمع الضال إلى سواء السبيل.

أيام دمنهور

كانت أيام دمنهور ومدرسة المعلمين أيام الاستشراق في عاطفة التصوف والعبادة، ويقولون إن حياة الإنسان تنقسم إلى فترات، منها هذه الفترة التي صادفت السنوات التي أعقبت الثورة المصرية مباشرة من سنة 1920 إلى سنة 1923 م. وكانت سني إذ ذاك من الرابعة عشرة إلا أشهرا إلى السابعة عشرة إلا أشهرا كذلك، فكانت فترة استغراق في التعبد والتصوف، ولم تخل من مشاركة فعلية في الواجبات الوطنية التي ألقيت على كواهل الطلاب.

نزلت دمنهور مشبعا بالفكرة الحصافية. ودمنهور مقر ضريح الشيخ السيد حسنين الحصافي شيخ الطريقة الأول، وفيها نخبة صالحة من الأتباع الكبار للشيخ. فكان طبيعيا أن أندمج في هذا الوسط، وأن أستغرق في هذا الاتجاه. وضاعف في هذا الاستغراق أن أستاذنا الحاج حلمي سليمان - والذي لا يزال إلى الآن مدرسا بدمنهور - كان مثالا من أمثلة التعبد والصلاح والتقوى والتأدب بأدب الطريق، وكانت بيني وبينه رابطة روحية خاصة لهذا السبب، وأن زميله وصديقه الأستاذ الشيخ حسن خزبك رحمه الله - وكان مدرسا بدمنهور أيضا - كان يعقد كثيرا من الاجتماعات العلمية والوعظية في بيته، وكان يدرس” الإحياء” قبل صلاة الفجر من رمضان في مسجد الجشي، و كان الحاج حلمي يصحبني معه إلى تلك الاجتماعات، فأجد نفسي وأنا الطالب الصغير مع رجال كبار فيهم الأساتذة الذين يدرسون لي في المدرسة، وغيرهم من العلماء والفضلاء، وكلهم يشجعونني ويشجعون أمثالي من الشباب على السمير في هذه الطريق، طريق طاعة الله، فكانت هذه كبها عوامل للتشجيع والثبات على هذه الخطة التعبدية الصوفية.

ولست أنسى مناقشاتي الطويلة مع أستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو علام، أستاذ الشريعة والتفسير والحديث في المدرسة، حول ما يثار من اعتراضات على الطرق والأولياء والصوفية، وكان الرجل يبتسم في النهاية، ويشجعني على طاعة الله ويوصيني بالدراسة العميقة، وإطالة النظر في أسرار التشريع الإسلامي وتاريخه، وتاريخ المذاهب والفرق والطوائف لينكشف لي وجه الحق: والحقيقة بنت البحث. ومع اختلافنا في الرأي في كثير من الأحيان فقد كنت أشعر بعاطفة الأستاذ تغمرني، ورغبته الصادقة في حسن توجيهي، فكنت أحبه وأقدره، ولا يتجاوز النقد حد الإدلاء بالحجة، والرغبة في تعرف الحق.

ليالي الجيشي

ولست أنسى في دمنهور ليالي مسجد الجيشي، أو مصلى الخطاطبة عند كوبري إفلاقة، فلقد تطور حضور درس الأستاذ الشيخ حسن خزبك قبل فجر رمضان إلى اعتكاف ليال بطولها مع لفيف من الإخوان الحصافية الصالحين في هذا المسجد: نصلى العشاء ثم نتناول قليلا من الطعام بحضرة الشيخ محمد عامر أو الأستاذ حسين فوزي أفندي المقيم بالقاهرة الآن، ثم نذكر الله بعض الوقت، وننام قليلا، ونقوم نحو منتصف الليل للتهجد إلى الفجر، ثم قراءة الوظيفة والأوراد، والانصراف بعد ذلك إلى المدرسة، إلى الوعظ للطلاب وإلى العمل لغيرهم.

وكثيرا ما كنا نستيقظ ونحن في بيوتنا قبل الفجر بوقت طويل، لم تكن المساجد قد فتحت أبوابها فيه، فنمض إلى مصلى على شاطئ ترعة الخطابة عند كوبري إفلاقة، حيث نصلى إلى قبل الفجر ونسرع إلى المسجد لندرك الجماعة.

الزيارات والصلات:

وكنا في كثير من أيام الجمع التي يتصادف أن نقضيها في دمنهور، نقترح رحلة لزيارة أحد الأولياء الأقربين من دمنهور، فكنا أحيانا نزور دسوق فنمشي على أقدامنا بعد صلاة الصبح مباشرة، حيث نصل حوالي الساعة الثامنة صباحاً، فنقطع المسافة في ثلاث ساعات وهي نحو عشرين كيلو مترا، ونزور ونصل الجمعة، ونسترح بعد الغداء، ونصل العصر ونعود أدراجنا إلى دمنهور حيث نصلها بعد المغرب تقريباً.

وكنا أحيانا نزور عزبة النوام حيث دفن في مقبرتها الشيح سيد سنجر من خواص رجال الطريقة الحصافية والمعروفين بصلاحهم وتقواهم، ونقض هناك يوماً كاملاً ثم نعود.

أيام الصمت والعزلة:

وكانت لنا أيام ننذر فيها الصمت والبعد عن الناس، فلا يتكلم أحدنا إلا بذكر أو قرآن. وكان الطلبة على عادتهم ينتهزونها فرصة للمعاكسة فيتقدمون إلى الناظر أو الأساتذة مبلغين أن فلانا الطالب قد أصيب في لسانه، ويأتي الأستاذ ليستوضح الأمر، فكنا نجيبه بآية من القرآن فينصرف. وأذكر بالخير أستاذنا الشيخ فرحات سليم رحمه الله، الذي كان يحترم هذه الحالة فينا و”يزجر الطلاب، ويوصى بقية الأساتذة ألا يحرجوننا بالأسئلة في فترة صمتنا، وكانوا يعلمون حقا أن ذلك ليس هرباً من إجابة أو تخلصاً من امتحان، إذ كنا متقدمين دائما في الدروس مجيدين لها إجادة تامة. وما كنا نعرف الحكم الشرعي في هذا ولكننا كنا نفعل، هذا الصمت تأديبا للنفس وفرارا من اللغو وتقوية للإرادة حتى يتحكم الإنسان في نفسه ولا تتحكم فيه.

ولقد كانت هذه الحالة تتطور في بعض الأحيان حتى تصل إلى نفور من الناس يدعو إلى العزلة وقطع للعلائق. حتى أنني أذكر أن خطابات بعض الأصدقاء كانت تأتيني إلى المدرسة فلا أحاول أن أقرأها أو أفتحها، ولكن أتركها كما هي حتى لا يكون فيها تعلق بشيء جديد، والصوفي متخفف يجب عليه أن يقطع علائقه بكل ما سوى الله، وأن يجاهد في هذه السبيل ما أمكنه من ذلك.

الشعائر في المدرسة:

ومع هذه الحال التي كانت تطرأ في كثير من الأحيان فقد كانت النزعة إلى الدعوة تتغلب في كثير من الأحيان، فكنت أؤذن الظهر والعصر في مصلى المدرسة، وكنت أستأذن المدرس، إذ كان وقت العصر يصادف حصة من الحصص، لأداء الأذان، وكنت أعجب لماذا لا تكون نظم الحصص خاضعة للمواقيت ونحن في مدارس إسلامية. وكان بعض الأساتذة يسمح وهو مسرور، وبعضهم يريد المحافظة على النظام فأقول له: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأناقشه مناقشة حادة لا يرى معها بداً من السماح حتى يتخلص منها ومني. ولم أكن أذهب إلى المنزل في فترة الظهر، بل كان مقري فيها المصلى وفناء المدرسة لدعوة الزملاء إلى الصلاة حتى إذا أذنت الفريضة جلست مع الأخ العزيز الأستاذ محمد شريف - المدرس بوزارة المعارف الآن - نقرأ القرآن معا هو يقرأ وأنا أستمع، أو أنا أقرأ وهو يستمع حتى يجيء موعد الدخول.


مشكلة حول الزي:

وأذكر أفي في يوم من الأيام، وقد دخلت حجرة ناظر مدرسة المعلمين لأسلم ورقة الغياب، إذ كنت المنوط بذلك في الفصل، رأيت عنده مدير التعليم، وهو الأستاذ السيد راغب - الذي كان في أوائل هذأ العام مراقبا مساعدا بوزارة المعارف - فلفت زيي نظر مدير التعليم، إذ كنت ألبس عمامة ذات عذبة، ونعلا كنعل الإحرام في الحج ورداءً أبيض فوق الجلباب. فسألني لماذا ألبس هذا الزي؟ فقلت: لأنه السنة فقال: وهل عملت كل السنن ولم يبق إلا سنة الزي؟ فقلت لا ونحن مقصرون كل التقصير، ولكن ما نستطيع أن نفعله نفعله. قال: وبهذا الشكل خرجت عن النظام المدرسي. فقلت له ولم يا سيدي؟ إن النظام المدرس مواظبة وأنا بر أغب عن الدروس أبدا، وسلوك وأخلاق، وأساتذتي راضون عني والحمد لله، وعلم ودراسة، وأنا أو ل فرقتي. ففيم الخروج عن النظام المدرسي إذن؟ فقال: ولكنك إذا تخرجت وأصررت على هذا الزي فسوف لا يسمح مجلس المديرية بتعيينك مدرساً، حتى لا يستغرب التلاميذ هذا المظهر. فقلت: على كل حال هذا لم يجيء وقته بعد، وحين يجيء وقته يكون للمجلس الحرية ويكون لي الحرية كذلك، والأرزاق بيد الله ليست بيد المجلس ولا الوزارة. فسكت المدير وتدخل الناظر في الأمر، فقدمني إلى المدير بكلمة طيبة وصرفني فانصرفت وانتهت المشكلة بسلام.

الحركة الوطنية

كانت الثورة المصرية سنة 1919 م. وكنت إذ ذاك تلميذا بالإعدادية بالمحمودية في سن الثالثة عشرة. ولا زالت تتراءى أمام عيني مناظر المظاهرات،الجامعة والإضراب الشامل الذي كان ينتظم البلد كله من أوله إلى آخره، ومنظر أعيان البلد ووجهائه وهم تقدمون المظاهرات ويحملون أعلامها ويتنافسون في ذلك. ولا زلت أحفظ تلك الأناشيد العذبة التي كان يرددها المتظاهرون في قوة وحماس:

حب الأوطان من الإيمان
وروح الله تنادينـــا
إن لم يجمعنا الاستقلال
ففي الفردوس تلاقينـا

ولا زلت أذكر منظر بعض الجنود الإنجليز، وقد هبطوا القرية، وعسكروا في كثير من نواحيها، واحتك بعضهم ببعض الأهالي، فأخذ يعدو خلفه بحزامه الجلدي.. حتى انفرد الوطني بالإنجليزي فأوسعه ضرباً ورده على أعقابه خاسئا وهو حسير. ولا زلت أذكر الحرس الأهلي الذي أقامه أهل القرية من أنفسهم وأخذوا يتناوبون الحراسة ليالي متعددة حتى لا يقتحم الجنود البريطانيون المنازل ويهتكوا حرمات الناس.

وكان حظنا من هذا كله كطلاب أن نضرب في بعض الأحيان، وأن نشترك في هذه المظاهرات، وأن نصغي إلى أحاديث الناس حول قضية الوطن وظروفها وتطوراتها.

ذكريات وشعر:

ولا زلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح - المدرس بالمعارف بالإسكندرية الآن - والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال: مات اليوم “فريد بك”. وأخذ يحدثنا عن سيرته، وكفاحه وجهاده في سبيل الوطن حتى أبكانا جميعاً، وأوحت إلي هذه الذكرى ببضعة أبيات لا زلت أحفظ مطلعها وشطرا آخر:

أفريد نم بالأمن والايمان
أفريد لا تجزع عل الأوطان
أفريد تفديك البلاد بأسرها
...............

ولا زلت أذكر أحاديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها، وكيف كان هذا الشعور فياضاً غامراً حتى إنه يدفع بتلميذ في الثالثة عشرة إلى أن يقول في قصيدة طويلة لا أذكر منها إلا هذين البيتين:


يا ملنر ارجع ثم سل
وفدا بباريس أقام
وارجع لقومك قل لهم
لا تخدعوهم يا لئام

ولقد جمعت من هذه البواكير الوطنية الفجة ديواناً كبيراً. كان نصيبه الحرق الكامل بعد ذلك في فترة التصوف التي لازمت عهد مدرسة المعلمين. كما كان الإهمال حظ مؤلفات في الفقه على المذاهب الأربعة، والأدب على نمط قصة تودد الجارية، كتبتها مع الأخ الأستاذ محمد على بدء في “صندرة” الجامع الصغير، ثم أضاعها عهد العمل الذي كنت أرى فيه أن الاشتغال بالعلم الكثير معطل عن العمل النافع والتفرغ لعبادة الله، وحسب الإنسان لدينه أن يتعرف ما يصحح به أحكامه، وحسب الإنسان لدنياه أن يتعرف ما يحصل به على رزقه، ثم عليه بعد ذلك أن ينصرف بكليته وجهده ووقته إلى العبادة والذكر والعمل.

إضرابات ومظاهرات

وبعد الانتقال إلى مدرسة المعلمين كانت حركة الثورة قد هدأت قليلاً ولكن بقيت الذكريات تتجدد فتجددت معها الإضرابات والمظاهرات والاشتباك مع البوليس. وكذلك كان شأننا في دمنهور، وكانت التبعات تقع أول ما تقع على الظاهرين من الطلاب والمتقدمين منهم كنت رغم اشتغالي بالتصوف والتعبد أعتقد أن الخدمة. الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه. فكنت بحسب هذه العقيدة وبحسب وضعي بين الطلاب إذ كنت متقدما فيهم - ملزما بأن أقوم بدور بارز في هذه لحركات وكذلك كان.

ولست أنسى أستاذنا الشيخ الدسوقي موسى ناظر المدرسة، الذي كان يخشى هذه التبعات كثيرا، وتد أخذ بيدنا إلى مدير البحيرة حينذاك - محمود باشا عبد الرازق - وألقى مسئولية إضراب الغير علينا وقال: إن هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقنعوا الطلاب بالعدول. عن إضرابهم. وعبثا حاول محمود باشا أن يقنعنا بالوعد أو بالوعيد أو بالنصح، ثم صرفنا على أن نتدبر الأمر. فكان تدبيرنا أن أوعزنا إلى الطلاب جميعا بالتفرق في الحقول المجاورة طول اليوم - وكان يوم 18 ديسمبر ذكرى الحماية البريطانية - وذهبنا نحن إلى المدرسة، وسلمنا أنفسنا لإدارتها، وانتظرت.. وانتظرنا من يجيء ولا من مجيب، فانصرفنا بعد فترة، وتم الإضراب وانتهي اليوم بسلام.

ولست أنسى يوم أضرب الطلاب في يوم من الأيام الثائرة، واجتمعت اللجنة في سكننا في منزل الحاجة خضرة شعيرة بدمنهور، وداهم البوليس المجتمعين واقتحم البيت يسأل عنهم، فكان جوابها: أنهم خرجوا منذ الصباح الباكر ولم يعودوا وأنها مشغولة كما رآها” بتنقية البقلة” ولكن هذا الجواب غير الصادق لم يرقني فخرجت إلى الضابط السائل وصارحته بالأمر - وكان موقف الحاجة خضرة حرجاً للغاية - وناقشته بحماس وقلت له: إن واجبه الوطني يفرض عليه أن يكون معنا، لا أن يعطل عملنا، ويقبض علينا، ولا أدري كيف كانت النتيجة أنه استجاب لهذا القول فعلاً، فخرج وصرف عساكره وانصرف معهم بط أن طمأننا، ورجعت إلى الزملاء المختبئين وأنا أقول لهم هذه بركة الصدق، ولا بد أن نكون صادقين ونتحمل تبعة عملنا، ولا لزوم للكذب أبدا مهما كانت الأحوال.


بين المحمودية ودمنهور

كنت أمضي الأسبوع المدرسي في دمنهور، وأعود ظهر الخميس إلى المحمودية حيث أمضى ليلة الجمعة وليلة السبت، ثم أعود صباح السبت إلى المدرسة فأدرك الدرس الأول، في موعده. وكانت لي في المحمودة مآرب كثيرة تقضى في هذه الفترة، يخر زيارة الأهل وقضاء الوقت معهم، فقد كانت الصداقة بيني وبين الأخ أحمد افندي السكري قد توثقت أواصرها إلى درجة أن أحدنا ما كان يصبر أن يغيب عن الآخر هذه الفترة أسبوعا كاملاً دون لقاء.يضاف إلى ذلك أن ليلة الجمعة في منزل الشيخ شلبي الرجال بعد الحضرة يتدارس فيها كتب التصوف من” الإحياء” وسماع أحوال الأولياء والياقوت والجواهر وغيرها، ونذكر الله إلى الصباح كانت من أقدس مناهج حياتنا، وكنت قد تقدمت في صناعة الساعات وفي صناعة التجليد أيضا، أقضي فترة النهار في الدكان صانعاً وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكراً، ولهذه المآرب جميعاً لم اكن أستطيع أن أتخلف عن الحضور يوم الخميس إلا لضرورة قاهرة، وكنت أنزل من قطار الدلتا إلى الدكان مباشرة، فأزاول عملي في الساعات إلى قبيل المغرب حيث أذهب إلى المنزل لأفطر إذ كان من عاداتنا صوم الخميس والاثنين، ثم إلى المسجد الصغير بعد ذلك للدرس والحضرة ثم إلى منزل الشيخ شلبي الرجال أو منزل أحمد افندي السكري للمدارسة والذكر، ثم إلى المسجد لصلاة الفجر، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلى الدكان وصلاة الجمعة والغذاء، والدكان إلى المغرب فالمسجد فالمنزل وفي الصباح إلى المدرسة. وهكذا دواليك في ترتيب لا أذكر أ نه تخلف أسبوعاً إلا لضرورة طارئة.

في الإجازة الصيفية:

وكانت الإجازة الصيفية ظرفا مناسبا لتطبيق هذا المنهاج يوميا، ويدخل عليه عمل جديد هو المذاكرة كل صباح من طلوع الشمس تقريباً إلى الضحوة الكبرى مع أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح في منزله، حيث بدأنا بألفية ابن مالك نحفظها ونقرأ عليها شرح ابن عقيل، ونتدارس فيها كتبا أخرى في الفقه والأصول والحديث مما كان له أكبر الأثر في تهيئة دخولي لدار العلوم، مع أنني لم أكن أفكر في دخولها حينذاك وإنما كنا نقول نطلب العلم لمجرد العلم.

نداء الصباح:

وكان من أعمالنا بالمحمودية خلال الإجازة الصيفية أو في صباح الجمعة أن نتقاسم أحياء القرية وكنا ثلاثة أو نزيد في بعض الأحيان ة الأخ محمد أفندي الدمياطي والأخ عبد المتعال سنكل لنوقظ الناس لصلاة الصبح قبل الفجر بقليل وبخاصة الإخوان، منهم، وكنت أجد سعادة كبرى وارتياحاً غريباً حين أوقظ المؤذنين لأذان الصبح، ثم أتف بعد ذلك لي هذه اللحظة السحرية الشاعرة على نبر النيل وأصغي إلى الأذان ينطلق من حناجرهم في وقت وأحد إذ كانت المساجد على مسافات متقاربة في القرية، ويخطر ببالي أنني سأكون سببا ليقظة هذا العدد من المصلين، وأن لي مثل ثوابهم مصادقة لقول الرسول ص: “ من دعا إلى هدىً فله أجره، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً” وكان يضاعف هذه السعادة أن أذهب بعد ذلك إلى المسجد فأرى نفسي أصغر الجالسين فيه، في هذا الوقت سناً، فأحمد الله وأسأله أن يديم التوفيق..

التهيؤ لدخول دار العلوم

كانت أيام مدرسة المعلمين في سنواتها الثلاث أيام استغراق في التصوف والتعبد، ولكنها مع ذلك لم تخل من إقبال على الدروس وتحصيل العلم خارج حدود المناهج المدرسية. ومرد ذلك إلى أمرين فيما أظن أولهما: مكتبة الوالد.وتشجيعه إياي على القراءة والدرس وإهدائه إياي كتباً لا أزال أحتفظ ببعضها ومن أعمقها أثراً في نفسي: “ الأنوار المحمدية للنبهاني” و “مختصر المواهب اللدنية للقسطلاني” و “نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ الخضري” وقد كونت لي - بناء على هذا التوجيه، وما تولد منه من شغف بالمطالعة وإقبال عليها - مكتبة خاصة فيها مجلات قديمة وكتب متنوعة. وكنت وأنا في المحمودية في المدرسة الإعدادية أترقب الشيخ حسن الكتبي يوم السوق بفارغ الصبر لأستأجر كتبا بالأسبوع لقاء مليمات زهيدة ثم أردها إليه لآخذ غيرها وهكذا.

وكان من أشد هذه الكتب في هذا الدور وأعمقها أثرا” في نفس قصة الأميرة ذات الهمة. وإذ ذكرت ما كنا نطالع من قصص كلها حماسة وشجاعة وذود عن الوطن، واستمساك بالدين وجهاد في سبيل الله وكفاح لنيل العلا والمجد، ثم ذكرت ما يطالع شباب اليوم وناشئوه من روايات كلها ميوعة وخنوثة وضعف ولين، وأدركت مدى التطور الغريب بين ثقافة الأمس العامة وثقافة اليوم العامة كذلك، وأعتقد أننا في أشد الحاجة إلى غربلة هذا الغذاء الثقافي الذي يقدم إلى الجمل الجديد، في صورة كتب أو روايات أو صحف أو مجلات.

وكان العامل الثاني: أن مدرسة المعلمين حينذاك قد جمعت نخبة من فضلاء الأساتذة - مثل أستاذنا عبد العزيز عطية ناظر مدرسة المعلمين بالإسكندرية الآن ورئيس الإخوان بها، وأستاذنا الشيخ فرحات سليم رحمه الله، وأستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو علام، وأستاذنا الحاج علي سليمان، وأستاذنا الشيخ البسيوني جزاهم الله خيرا - امتازوا بالصلاح والخير وتشجيع طلابهم على البحث والدرس وكانت لي بحضراتهم صلة روحية كنت أجد فيها الكثير من التشجيع. ولا زلت أذكر أن الأستاذ عبد العزيز عطية، وقد كان يدرس لنا التربية العملية، وقد أجرى لنا اختبارا شهرياً فأعجبته إجابتي فكتب على الورقة أحسنت جداً ولو كان هناك زيادة على النهاية لأعطيتك. وحجز الورقة بيده عند توزيع الأوراق، ثم طلبني وسلمها إلى و زودني بكثير بن عبارات النصح والتشجيع والحث على القراءة والدر!ن والمطالعة، واختصني بتصحيح بعض” بروفات كتابة”المعلم” ني التربية الذي كان يطبع إذ ذاك بمطبعة المستقبل بدمنهور.

كان لهذه العوامل أثرها في نفس فحفظت وأنا في هذه المرحلة من التعليم خارج المناهج المدرسية كثيراً من المتون في العلوم المختلفة فحفظت ملحة الإعراب للحريري ثم الألفية لابن مالك والياقوتية في المصطلح والجوهرة في التوحيد والرجبية في الميراث وبعض متن السلم في المنطق وكثيرا من متن القدوري في فقه إلى حنيفة ومن متن الغاية والتقريب لأبي شجاع في فقه الشافعية، وبعض منظومة ابن عامر في مذهب المالكية. ولست أنسى أبدا توجيه الوالد لي بالعبارة المأثورة” من حفظ المتون حاز الفنون” و لقد كان أثرها في نفسي عميقا إلى درجة أفي حاولت حفظ متن الشاطبية في القراءات مع جهلي التام بمصطلحاتها، وحفظت مقدماتها فعلا ولا زلت أحفظ -بعضها إلى الآن.

ومن الطرائف أن بعض المفتشين زارنا في حصة من حصص اللغة العربية بالسنة الثالثة الإعدادية ولم أكن أحفظ حينذاك إلا ملحة الإعراب للحريري فسأل عن علامة الاسم وعلامة الفعل في القواعد، ثم سأل عن علامة الحرف فانتدبني الأستاذ للإجابة - وهو الأستاذ الشيخ محمد على النجار حينذاك - فكان الجواب بيتا من الملحة وهو قول الحريري:

والحرف ما ليست له علامة
فقس عل قولي تكن علامة

فابتسم الرجل وقال حاضر يا سيدي سأقيس على قولك لأكون علامة، وشكر الأستاذ وانصرف.

هذه الثروة العلمية وجهت نظر بعض إخواننا الذين كانوا يعدون أنفسهم للتقدم إلى دار العلوم العليا في ذلك الوقت. من مدرس المدرسة الأولية الملحقة بالمعلمين إلى أن يعرضوا على أن نذاكر معا لنتقدم معا وفي مقدمتهم الأخ العزيز الشيخ علي نوفل، حينذاك، والأستاذ علي نوفل الآن. وقد رغب في أن نذاكر معاً ونتقدم معاً إلى دار العلوم العليا وكانت دار العلوم حينئذ قسمين: القسم التجهيزي، وهذا يتقدم إليه من شاء من طلاب الأزهر ومدارس المعلمين، والقسم العالي المؤقت ويتقدم إليه من شاء كذلك من هؤلاء الطلاب ويرنون غالباً قد حصلوا على الشهادة الثانوية الأزهرية، وكان القسم العالي هذا لم يبق للتقدم إليه إلا هذا العام: عام 23 – 24 الدراسي. ثم يلغى ليحل محله القسم العالي الذي يستمد من التجهيزي، وقد أراد بعض إخواننا من طلاب المعلمين أن يتقدم إلى هذا القسم التجهيزي وكثر الإقبال على القسم العالي المؤقت على اعتبار أنها الفرصة الوحيدة لمن يريدون اللحاق به.

أراد الأستاذ الشيخ علي نوفل أن نذاكر معا، وكنت في السنة الثالثة، أي في السنة التي سأؤدي فيها امتحان شهادة الكفاءة للتعليم الأولي، وكان هو مدرساً بالملحقة للمعلمين. فاعتذرت عن المذاكرة معه ولكنه دخل علي من باب حقوق الأخوة ووجوب معاونة الإخوان والاستماع لرأيهم فلم أر بدا من الإصغاء إليه.

رأي في العلم والشهادات

كان لي في هذه الأيام رأي في العلم وطلبه والشهادات والحصول عليها، كان أثراً من آثار مطالعتي للإحياء: لقد كنت محباً للعلم حباً جماً، وكنت شديد الميل إلى القراءة والاستزادة من العلم، وكنت مؤمناً بفائدة العلم للفرد وللجماعة -ووجوب نشره بين الناس حتى إني أذكر أنني عزمت على إصدار مجلة شهرية أسميتها “الشمس” وكتبت منها العددين الأول والثاني تقليداً لأستاذنا الشيخ محمد زهران الذي كان يصدر مجلة الإسعاد الشهرية وتشبهاً بمجلة المنار التي كنت كثير المطالعة فيها. ولكن طريقة الغزالي وأسلوبه في ترتيب العلوم والمعارف وطلب العلم كانت قد أثرت في نفسي تأثيرا شديداً فكنت في صراع عنيف: هذه الرغبة الملحة تدعوني إلى الاستزادة من طلب العلم، وإرشادات الإمام الغزالي، وتعريفه العلم الواجب بأنه العلم المحتاج إلهه في أداء الفرائض وكسب العيش، ثم الانصراف بعد ذلك إلى العمل، تدعوني إلى الأخذ بالضروري وترك ما سواه وعدم ضياع الوقت فيه.

وجاءت فكرة التقدم إلى دار العلوم وما يتبعها من بعثة إلى الخارج للمتقدمين الأوائل في دبلومها، فاشتد هذا الصراع وقوي. وكنت أقول لنفسي دائماً: لماذا تريد أن تدخل دار العلوم؟ هل للجاه حتى يقول الناس إنك مدرس عال لا مدرس أولي – وهذا حرام لأن طلب الجاه والحرص عليه داء من أدواء النفس وشهوة من شهواتها يجب مقاومتها – أو للمال حتى يتضاعف مرتبك وتجمع الأموال وتلبس الملابس الفاخرة وتطعم المطاعم اللينة وتركب المراكب الفارهة؟ وهذا شر ما يعمل له إنسان و” تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذ شيك فلا انتفش” وصدق الله العظيم: “ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث: ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن الثواب. قل أؤنبئكم بخير من ذلكم: للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها” الآيات - أو للتكاثر بالعلم والمعرفة لتنافس العلماء أو تماري الجهلاء أو تستعلي على الناس وأول من تسعر به النار يوم القيامة: من تعلم لغير الله ولم يعمل بعلمه. وأشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. وقد تقول لك نفسك إنك تتعلم لتكون عالما تنفع الناس وأن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير، وإنما بعث رسول الله ص معلماً فقل لها إذا كنت صادقة في أنك تريدين العلم لإفادة الناس ابتغاء مرضاة الله فلم تريدين دخول دار العلوم والعلم في الكتب وعند الشيوخ والعلماء؟ والشهادة فتنة، وهي المطية إلى الدنيا وإلى الحياة والمال، وهما سم قاتل، محبط للأعمال، مفسد للقلوب والجوارح. فتعلمي من الكتب ولا تعلقي بالشهادات المدرسية ولا بالدبلومات الرسمية.

كادت هذه الفلسفة تتغلب على نفسي، بل هي قد تغلبت فعلاً. فلم أذاكر مع الأخ الأستاذ علي نوفل تذمماً. ولكن أستاذنا الشيخ فرحات سليم رحمه الله، وكان يحبني حباً جماً ويظهر عطفه علي في كل مناسبة، وينزل من نفسي منزلة كريمة استطاع بلباقة ولطف أن يدفعني إلى المذاكرة بجد، وإلى التقدم إلى دار العلوم فعلاً. وكان من قوله: إنك الآن على أبواب شهادة الكفاءة والعلم لا يضر، وتقدمك إلى امتحان دار العلوم تجربة للامتحانات الكبيرة، وهذه فرصة لا تعوض، فتقدم لتحفظ لنفسك حقها، وأنا واثق من نجاحك إن شاء الله، ثم أمامنا بعد ذلك مجال تفكر فيه كما تشاء ولك أن ترفض أو تدخل. وهكذا استطاع بتأثيره القوى أن يدفعني دفعاً إلى التقدم بطلبي مع المتقدمين فتقدمت، وكان الامتحان قبل امتحان شهادة الكفاءة بفترة قليلة.

طريقتان:

وأحب أن أسجل هنا ذكريان إحداهما عملية والأخرى نظرية، أعجبت بهما واسترعتا تفكيري فترة من الوقت.

أما أولاهما فذكرى العلامة المفضال الشيخ أحمد الشرقاوي الهوريني رحمه الله، والذي لم أره إلا مرة واحدة: حين زار أبناءه وطلابه ومريديه وأحباءه بدمنهور، وتفقد شئونهم في منازلهم وبيوتهم، وقضى معنا ليلة لم يخرج فيها عن طبعه المألوف. وعرفت عن الرجل ما جعلني أكبره ولا أزال أذكره. عرفت عنه أنه أحب العلم والتعليم من كل قلبه فدفع إليه أهل بلدته، وكان يعين غير القادر على نفقات التعليم من ماله الخاص حتى يتم تعليمه، ثم بعد أن يتخرج يعمل على أن ينفق على طالب آخر من غير القادرين حتى يرد الدين - لا نقداً، ولكن علماً ومعرفة - وبهذه الطريقة لم يكن في هورين عاجز عن التعليم مهما كان أهله فقراء، ففد أغناهم جميعاً هذا التكافل العلمي، فضلاً عن تلك الرابطة الروحية التي كانت تجمع بين هؤلاء المتعلمين جميعا. وكانت متعة الرجل الوحيدة أن يتجمعوا من حوله، في الإجازة الصيفية فيرى عشرين أزهريا إلى جوار عشرين درعمياً - كما كان يسمى طلاب دار العلوم - إلى جانب خمسين من طلاب دار المعلمين الأولية.. إلى أعداد كثيرة من طلاب المعاهد على اختلاف أنواعها، يذاكرهم ويسامرهم ويورد عليهم الألغاز والاعتراضات، ويتلقى منهم الأسئلة والإجابات، ويشحذ بذلك الأذهان والهمم إلى الدرس والعلم والمعرفة، ومن هنا كان طلاب المعلمين الأولية بدمنهور الهورينيون عدداً عظيما، و قد زارهم زيادة تشجيعية قضاها في هذه النكات والمحاورات العلمية ولم أنج من أسئلته واعتراضاته وألغازه وإيراداته رحمه الله وأفسح له في جنته.

والذكرى الثانية ذكرى الشيخ صاوي دراز رحمه الله، وهو شاب فلاح، كان حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، وقد توفي بعد ذلك إلى رحمة الله، ولكنه كان نادرا في الذكاء ودقة الفهم، وتصوير الأمور، أخذنا نتحدث عن الأولياء والعلم، وتطرق بنا الحديث إلى سيدي إبراهيم الدسوقي المجاور لبلدهم، ثم إلى سيدي أحمد البدوي بطنطا فقال: أتدري ما نبأ سيدي أحمد البدوي؟ فقلت له لقد كان ولياً كريماً وتقياً صالحا وعالما فاضلا فقال: ذلك فقط؟ هذا ما نعلم، فقال: اسمع وأنا أحدثك.

جاء السيد البدوي إلى مصر من مهجره من مكة وكان أهله من المغرب، ولما نزل مصر كانت محكومة بالمماليك، مع أن ولايتهم لا تصح لأنهم ليسوا أحراراً وهو سيد علوي اجتمع له النسب والعلم والولاية، وأهل البيت يرون الخلافة حقاً لهم وقد انقرضت الخلافة العباسية وانتهي أمرها في بغداد، وتفرقت أمم الإسلام دويلات صغيرة يحكمها أمراء تغلبوا عليها بالقوة، ومنهم المماليك هؤلاء. فهناك أمران يجب على السيد أن يجاهد في سبيلهما: إعادة الخلافة واستخلاص الحكم من أيدي المماليك الذين لا تصح ولايتهم. كيف يفعل هذا؟ لا بد من ترتيب خاص. فجمع بعض خواصه ومستشاريه -- ومنهم سيدي مجاهد وسيدي عبد العال وأمثالهما—واتفقوا على نشر الدعوة وجمع الناس على الذكر والتلاوة وجعلوا اشارات هذا الذكر السيف الخشبي أو العصا الغليظة لتقوم مقام السيف والطبل يجتمعون عليه، والبيرق ليكون علماً لهم والدرقة - وهذه شعائر الأحمدية - فإذا اجتمع الناس على ذكر الله وتعلموا أحكام الدين استطاعوا بعد ذلك أن يشعروا وأن يدركوا ما عليه مجتمعهم من فساد في الحكم وضياع في الخلافة فدفعتهم النخوة الدينية، واعتقاد واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى الجهاد في سبيل تصحيح هذه الأوضاع وكان هؤلاء الأتباع يجتمعون كل سنة. واختار السيد طنطا مركزا لحركته - لتوسطها في البلدان العامرة في مصر، ولبعدها عن مقر الحكم - فإذا اجتمع الأتباع سنوياً على هيئة” مولد” استطاع هو أن يدرك إلى أي مدى تأثر الناس بالدعوة. ولكنه لا يكشف لهم عن نفسه بل يعتكف فوق السطح ويضرب اللثام مضاعفاً ليكون ذلك أهيب في نفوسهم، وهذا هو عرف ذاك الزمان، حتى كان أتباعه يشيعون أن النظرة بموته فمن أراد أن ينظر إلى القطب فليستغن عن حياته في سبيل هذه النظرة. وهكذا انتشرت هذه الدعوة حتى أجتمع عليها خلق كثير.

ولكن الظروف لم تكن مواتية لتنجح هذه الحركة، فقد تولى مصر الظاهر بيبرس البندقداري، فانتصر على الصليبيين مرات، وانتصر على التتار مع المظفر قطز. ولمع اسمه وارتفع نجمه وأحبه العامة، ولم يكتف بذلك بل استقدم أحد أبناء العباسيين وبايعه بالخلافة فعلاً، فقضى على المشروع من أساسه، ولم يقف عند هذا الحد، بل أحسن السياسة مع السيد واتصل به ورفع من منزلته، وكلفه بأن يكون القيم على توزيع الأسرى حين تخليصهم من بلاد الأعداء لأهليهم لما في ذلك من تكريم وإعزاز، وكل ذلك قبل تمام هذا المشروع الخطير، واستمر الملك والحكم فعليا في المماليك، و إسميا لهذا الخليفة الصوري حيناً من الدهر.

كنت أسمع هذا التعليل والتسلسل في تاريخ السيد البدوي وأنا أعجب لعقلية هذا الشاب الفلاح الذي لم يتعلم اكثر من التعليم الأولي في القرية، و كم في مصر من ذكاء مقبور، وعقل موفور لو وجد من يعمل على إظهاره من حيز القوة إلى حيز الفعل؟؟.. ولا زالت كلمات الشيخ الصاوي دراز رحمه الله تتمثل لي كأنما أسمعها الآن، وفيها عبرة وفيها طرافة والأمور بيد الله، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

إلى القاهرة:

وأعود فأقول إنني تقدمت إلى دار العلوم وأخطرت بعد ذلك بموعد الكشف الطبي والامتحان. وكان على أن أستجيب للدعوة و أن أسافر إلى القاهرة لأدائهما.وكان ذلك في رمضان. أراد الوالد أن يصحبني فلم أر لذلك موجباً، واكتفيت بأن زودني بالدعوات الطيبات، ووصف لي الطريق وأعطاني خطاباً إلى صديق له من كبار تجار الكتب الميسورين بالقاهرة، طالما قام له الوالد بخدمات جليلة معتقداً فيه الصلاح والوفاء والخير.

ووصلت إلى القاهرة لأول مرة في حياتي، وكان سني حينذاك قد أربت على السادسة عشرة بشهور، ونزلت في باب الحديد مع العصر تقريباً، وركبت الترام إلى العتبة، ثم السوارس إلى سيدنا الحسين حيث نزلت وقصدت دكان هذا التاجر وسلمته الخطاب فلم يكترث به ولم يعبأ بما فيه، وكل الذي فعله أنه كلف أحد عمال المحل بملاحظتي. وكان العامل رجلا صالحاً كريماً، وللوالد ولي به معرفة سابقة، فرحب بي و أكرمني وأخذني إلى منزله فافطرنا، وخرجنا نقضي بعض الوقت وعدنا إلى المنزل للسحور، ونمت بعد صلاة الصبح، واستيقظت مبكرا أطالب صاحبي بأن يدلني على مدرسة دار العلوم حيث قد سبقني إليها بعام الصديق الحميم والأخ الكريم الأستاذ محمد شرف حجاج - المدرس بالمعارف الآن - لألقاه لأستوضح منه طريقة الكشف الطبي والامتحان. وقد دلني العامل الطيب على طريقة لموصول إلى دار العلوم، فركبت السوارس إلى العتبة ثم الترام إلى شارع قصر العيني مقابل دار العلوم، وانتظرت خروج الطلاب حيث لقيت صديقي وتعانقنا، وأخذ بيدي إلى منزله في حارة عبد الباقي ببركة الفيل بالدور الثاني حيث كان يسكن مع فريق من الطلاب.

كان عملي في اليوم الثاني منذ الصباح أن قصدت إلى ذلك التاجر الكتبي،بعد أن ذهب صديقي إلى المدرسة، ليدلني على صانع نظارات ليصنع لي نظارة. طبية استعداداً للكشف، ولكنه أعرض كعادته فلم أشأ أن أضيع الوقت، وذهبت من فوري إلى الأزهر ودخلته لأول مرة وراعني ما رأيته من سعته وبساطته، وحلق الطلاب فيه يدرسون ويذاكرون ووقفت على الحلق واحدة فواحدة، ثم رأيت حلقة يتحدث أهلها عن دخول دار العلوم، وفهمت أنهم متقدمون لامتحانها الذي سيكون بعد نحو عشرة أيام، وللكشف الذي سيتم بعد ثلاثة أيام تقريباً فاندمجت فيهم، وتحدثت إليهم عن رغبتي وعن حاجتي إلى من يرشدني إلى طبيب لأصنع نظارة طبية، فتطوع معي أحدهم وقام من فوره إلى عيادة دكتورة يونانية فيما أظن ولكنها متمصرة، وصفها بالحذق والمهارة، وأنها صنعت له نظارة مناسبة مع اعتدال القيمة، وعندما وصلنا إليها بدأت عملها وأخذت في نظير الكشف خمسين قرشاً ودلتنا على محل النظارات الذي أخذ بدوره ثمناً للنظارة مائة وخمسين قرشاً وأنجز النظارة فوراً، وبذلك لم يبق أمامي إلا انتظار الكشف بعد يومين.

الكشف الطبي:

ولست أبالغ حين أقول إن التوفيق حالفني في هذا الكشف محالفة عجيبة في الوقت الذي رأيت بعض من أعرف يخونهم الحظ “وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامة”. لقد كان الأطباء ثلاثة، وكنت آخر اسم في كشف أولهم وهو أطيبهم وأيسرهم كشفاً. وكان الأخ الأستاذ علي نوفل من نصيب ثالثهم. وهو أقساهم قلباً وكشفاً. وبقدر ما كانت نسبة النجاح عند طبيبي عالية، كانت نسبة الرسوب عند هذا الآخر أعلى. فنجحت مع شكي التام في النجاح، ورسب هو مع تأكده التام من سلامة بصره وبدنه ومع استعداده الكامل لهذا النجاح.

وأوصاه الطبيب بعمل نظارة يعيد بها الكشف ففعل، ولكن خبث هذا حال بينه وبين النجاح مرة ثانية فضاعت منه الفرصة، ولكنه بعد ذلك انتسب إلى كلية الآداب قسم اللغة العربية وثابر على هذا الانتساب حتى ظفر بالليسانس منها، وصاحب الهمة لا يعجزه شيء.


أسبوع في الأزهر

ظهرت نتيجة الكشف وكانت في الحقيقة مفاجأة لي أن كنت من الناجح ولذلك واجهت مهمة الامتحان في جد لا هزل معه فلم يكن إلا الجد ولم يبق إلا أسبوع واحد فلا ينفع إلا التبتل، وقد كان. فقد حملت أمتعتي وكتبي ويممت شطر الأزهر المعمور وهناك، في القبلة القديمة بالضبط، حططت رحالي. وتعرفت إلى بعض الزملاء المتقدمين إلى دار العلوم، ونوينا الاعتكاف هذا الأسبوع للعلم وللبركة معاٌ: نتناوب الخروج لإحضار طعام الإفطار والسحور، ونتناوب الحراسة في النوم فلا ننام إلا غراراً. وقاتل الله علم العروض فلم أكد أفقه شيئا من زحافه وعلله وضروبه وقوافيه وكان جديداً علي بكل معنى الكلمة، ولكنني أخذت أستذكر والسلام، وما كنت أخشى العلوم الرياضية والمدنية ولكني كنت أخشى النحو والصرف إذ كنت أتصور أني لا أشق فيهما غبار الطلاب المتقدمين من الأزهر بين الذين جاوزوا الشهادة الأهلية ودرسوا في السنوات العالية. نعم إنني أحفظ الألفية، وقرأت لنفسي شرح ابن عقيل عليها، وشاركني الوالد في بعض هذه الشئون، ولكنها لم تكن الدراسة المنظمة التي تهدأ معها النفس، ويسكن إليها القلب.

وجاءت أيام الامتحان ومرت بسلام، ولا زلت أذكر بيت العروض الذي امتحنا فيه وأذكر أنه طلب إلينا أن نقطعه ونذكر ما فيه من علل وزحاف ومن أي بحر هو:

لو كنت من شيء سوى بشر
كنت المنور ليلة البدر


رؤيا صالحة:

وإن من فضل الله تبارك وتعالى أنه يطمئن ويسكن نفوس عباده وإذا أراد أمرا هيأ له الأسباب فلا زلت أذكر أن ليلة امتحان النحو والصرف “وليس الجبر كما جاء في بعض القول” رأيت فيما يرى النائم: أنني أركب زورقاً لطيفاً مع بعض العلماء الفضلاء الأجلاء يسير بنا الهوينا في نسيم ورخاء على صفحة النيل الجميلة، فتقدم أحد هؤلاء الفضلاء، وكان في زي علماء الصعيد، وقال لي: أين شرح الألفية لابن عقيل؟ فقلت: ها هو ذا. فقال: تعالى نراجع فيه بعض الموضوعات، هات صفحة كذا، وصفحة كذا، لصفحات عينها. وأخذت أراجع موضوعاتها حتى استيقظت منشرحاً مسروراً. وفي الصباح جاء الكثير من الأسئلة حول هذه الموضوعات فكان ذلك تيسيرا من الله تبارك وتعالى، والرؤيا الصالحة عاجل بشرى المؤمن والحمد لله رب العالمين.

مدرسة خربتا بحيرة:

عدت من القاهرة بعد الامتحان. وبعد- قليل أديت امتحان كفاءة التعليم الأولى. وظهرت النتيجة فكنت الأول في المدرسة، والخامس في القطر وظهرت نتيجة امتحان دار العلوم فكنت من الناجحين، وكان هذا النجاح مفاجأة لي كذلك فإني لأذكر في هذه اللحظة أستاذنا أحمد بدير، وقد كان ممن يمتحنون شفهياً، و كان كثير الدعابة فيما يشبه الغلظة لمن لم يعرفه، وقد جلست أمامه فقال: أنت تتقدم للقسم العالي؟ فقلت: نعم يا سيدي. فنظر إلي شزراً ثم قال: دار العلوم حتصغر إنت سنك كام؟” فقلت له: ستة عشر عاماً ونصف. فقال لماذا لم تنتظر حتى تكبر؟ فقلت له: تفوت الفرصة. فقال: إذن فاقرأ باب جمع التكسير، ألست تحفظ الألفية، فقلت: نعم، فقال: إقرأ. وكان زميله في الامتحان الأستاذ عبد الفتاح عاشور ولم أكن ألفت مثل هذه المداعبات مع من لم أعرف - وكانت سني تلفت إلى نظر الزملاء حتى كان بعضهم يقول: امتحان القسم التجهيزي في الجهة المقابلة. فأقول له إني متقدم إلى القسم العالي فينظر وينصرف - فتأثرت بدعابة الأستاذ بدير وكدت أتوقف عن الإجابة لولا أن الأستاذ عاشور تدخل فزجر الأستاذ بدير في دعابة وأخذ يستمع لي وأنا أقرأ، ثم جاء دور المطالعة والمحفوظات والمناقشة الشفهية فدعا لي الأستاذ بدير بخير وشجعني وانصرفت. وكان امتحان القرآن الكريم أمام الأستاذ أحمد بك زناتي رحمه الله فكان ظريفا متلطفا. ولكني مع هذا لم أكن واثقاً من النجاح فكان ظهور النتيجة مفاجأة.

وكانت مفاجأة ثالثة أن مجلس مديرية البحيرة عينني فعلاً مدرسا بمدرسة خربتا الأولية، ودعيت إلى تسلم عملي عقب الأجازة الصيفية مباشرة. فكان علي بناء على هذا أن أختار بين الوظيفة أو العودة إلى طلب العلم بدار العلوم، ولكني في النهاية فضلت أن أستمر في سلك التعلم، وأن أشد الرحال إلى القاهرة، حيث دار العلوم، وحيث المقر الرسمي لشيخنا السيد عبد الوهاب الحصافي ولم يكن يقلقني إلا شيء واحد هو الشعور بطول الغيبة عن المحمودية، وفيها الصديق الحميم، والأخ الحبيب أحمد افندي السكري، ولكننا اتفقنا على إنفاذ هذا العزم، ما دام هو الأفضل ثم نتزاور بعد ذلك أو نتكاتب والعلم نوع من الجهاد، علينا أن نضحي في سبيله مهما كانت التضحية عزيزة غالية.

السنة الأولى بدار العلوم:

انتهت الأجازة الصيفية، وقدمت إلى القاهرة وسكنت مع بعض الاخوة الأعزاء بالمنزل رقم 18 بشارع مراسينة بحي السيدة زينب رضي الله عنها، وكان أول منزل سكناه.

وغدوت يوم افتتاح الدراسة إلى دار العلوم، وكلي شوق إلى العلم، وقد وجهني الله إلى الدرس توجيهاً حميداً، ولا أنسى الحصة الأولى، ولم نكن قد تسلمنا الكتب والأدوات بعد، وقد وقف أستاذنا الشاعر البدوي الشيخ محمد عبد المطلب أغدق الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان - أمام السبورة على المنصة بقامته المديدة يحيي الطلبة الجدد، ويتمنى لهم النجاح والتوفيق، ثم كتب على السبورة:


قال عبيد بن الأبرص:

ولنا دار ورثنا مجدها الـ
أقدم القدموس عن عم وخــــال

منـــزل منــه آبــاؤنا الــ مورثونا المجد في أولي الليالي ثم أمسك بطوق جبته الأعلى، على عادته - رحمه الله - وقرأهما في جرس يحمل معنى الفخار والاعتزاز، ثم طالبنا بإعرابهما، فقلت في نفسي” بدأنا بالجد من أول يوم” وأخذت أتساءل: ما هذا القدموس؟ ولماذا قال منه وكان في وسعه أن يقول أسسه؟! وما زلنا ننحت في إعراب البيتين حتى نقلنا الحوار إلى الكلام عن عبيد بن الأبرص والحياة العربية وما فيها من خشونة ولين، وأيام العرب وأوابدها وأدواتها في حربها وسلمها، وأنواع الرماح والسيوف والسهام إلى السهم المريش والذي لا ريش له، واستشهد الأستاذ بالبيت المعروف:

ومتى بسهم ريشه الكحل لم يضر
ظواهر جلدي وهو للقلب جارح

وأخذ يرسم على السبورة السهام بأنواعها، وأنا مأخوذ بهذا النوع من الاستطراد والتوسع في البحث، أتابعه بشغف وشوق، وزادني هذا الأسلوب للعلم حباً، ولدار العلوم وأساتذتها احتراماً وتقديراً وعجباً.

طريفة:

وعلى ذكر الأستاذ الشيخ عبد المطلب - رحمه الله - أذكر أن الأخ العامل الكتبي الطيب، الذي نزلت عنده لأول مرة، ذكر لي أن له بأساتذة دار العلوم صلة ومنهم الأستاذ الشيخ عبد المطلب، والأستاذ الشيخ علام سلامة - رحمه الله - وأن في استطاعته أن يحدثهما في شأني ليتوسطا لي في الكشف أو في الامتحان ولو الشفهي وأنه سيزور الشيخ عبد المطلب الليلة في منزله ليقدم له بعض الكتب ولا مانع في أن أصحبه إليه - وكان رحمه الله يسكن إذ ذاك في شارع سنجر الخازن بالحلمية وكانت هذه أول مرة أسمع فيها اسم سنجر الخازن وأتساءل من هو سنجر الخازن هذا؟ أهو من المماليك أم من الأتراك؟ - ولكني لم أجد في نفسي توجها إلى هذه الوساطة، فشكرت للرجل واكتفيت بهذا. ولكن حديثه ذكرني بأستاذنا الشيخ موسى أبو قمر - رحمه الله - وهو قريب ومدرس بدار العلوم أيضا، فسألته عن منزله فذكره لي - وكان إذ ذاك بشارع الخليج المصري - وانتهزت فرصة في اليومين الخاليين قبل الكشف، وذهبت إليه، ووقفت أمام الباب وطرقته مرة... وفي هذه اللحظة خطر لي خاطر تملك نفسي ودفعني إلى الانصراف فورا دون انتظار الرد من الداخل، هذا الخاطر هو أنني شعرت بأن هذا لجوء لغير الله واعتماد على سواه وركون إلى الناس. فصممت على الاستعانة بالله وحده، وعلى أن تكون زيارتي للشيخ - رحمه الله - بعد الانتهاء من الكشف والامتحان معا. وقد كان ذلك فعلا، وزرته بعد ذلك ولامني على عدم النزول عنده - وقد كان رحمه الله كريما جوادا لا يكاد منزله يخلو من الأضياف وذوي الحاجات - فذكرت له ما حدث فضحك وشجعني على هذا المعنى، وأكده في نفسي، شكر الله له وأفسح له في جنته.

مسكن جديد:

ولست أنسى حديثا في البحث عن مسكن جديد. فقد باع آل عاكف أصحاب المنزل الذي نسكنه، منزلهم إلى إبراهيم بك لمعي تاجر الورق والحبر والأدرات الكتابية الذي كان مضطرا إلى إخراج - السكان لاستخدام المنزل بمعرفته، فأنذرنا بذلك وطلب إلينا أن نخرج فورا في ظرف ثلاثة أيام أو أقل و كم كانت حيرتنا شديدة في البحث حتى اهتدينا أخيرا إلى منزل في شارع الدحديرة بقلعة الكبش حيث قضينا فيه بقية العام.

حياة عام:

كنت سعيدا بالحياة في القاهرة هذا العام فقد ظهر ترتيبي متقدما في الامتحان، ومنحتني المدرسة المكافأة المادية المقررة وهي جنيه في الشهر خصصته لشراء الكتب غير المدرسية، ولا زال كثير من كتب مكتبتي الآن من أثر هذا الجنيه الذي لازمني طول حياتي المدرسية. كما كنت أجد متعة كبرى في”الحضرة” عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع في منزل الشيخ الحصافي، ثم في كثير من ليالي الأسبوع في منزل الخليفة الأول الشيخ الحصافي علي أفندي غالب، “أو سيدنا الأفندي كما نسميه دائما”، قواه الله، وجزاه عنا خيراً. وكنت أكاتب الأخ أحمد افندي السكري ويكاتبني يوميا تقريبا، وأزور البلد في فترة الأجازات فأقضها معه ومع الإخوان الحصافية بالمحمودية وفي ذلك بلاغ.

وهكذا كانت حياتي العلمية، والعملية والروحية مستقرة لا يعكرها شيء والحمد لله.

حادثة أو كارثة

وفي نهاية العام، في أثناء الامتحان الأخير، وبعد مضي يومين منه تقريبا، وقعت لي حادثة كادت تكون كارثة، ولكن الله تبارك وتعالى جعلها خيرا وبركة وسببا لانتقال الأسرة كلها من المحمودية إلى القاهرة.

ذلك أن أحد إخواننا الزملاء في الفصل، والسكان معنا في البيت، والغريب معنا في الموطن كذلك، عز عليه أن أتقدم عليه في الامتحان مع أنه أكبر سنا وقد قضى في دور العلم سنين عددا، ويرى نفسه أحق بالأولية والتقدم، فكيف يسمح لهذا الناشئ أن يتقدمه؟ استولى عليه هذا الخاطر ففكر في حيلة يعيقني بها عن الامتحان، فلم يجد إلا أن ينتهز فرصة نومنا جميعا، ويصب زجاجة من صبغة” اليود” المركزة على وجهي وعنقي وأنا نائم، وقد استيقظت بعد ذلك فزعاً، وتظاهر بالنوم، ولم أتبينه في الظلام، ولكني قمت من فوري إلى دورة المياه، فغسلت وجهي من هذا الماء الكاوي، وسمعت أذان الفجر من مسجد صرغتمش بالصليبة فنزلت مسرعاً إلى الصلاة. وعدت فنمت قليلا لشدة التعب من المذاكرة واستيقظت في الصباح فرأيت آثار هذا الاعتداء، وكان هو قد خرج مبكراً، فقال أحد الزملاء: إنه رأي معه زجاجة الصبغة فعلا. وبسؤاله اعترف، وذكر العلة السابقة، فقام عليه زملاؤنا في السكن وأوجعوه ضربا، وقذفوا بأمتعته في الشارع، وطردوه من المنزل. وتشدد بعضهم في تبليغ النيابة أو إدارة المدرسة ولقد ضمت بذلك فعلا، لولا أنه خطر لي أنني قد نجوت، وهذه نعمة من الله وفضل يجب أن يقابل بالشكر، وليس الشكر إلا العفو والصفح: “ومن عفا وأصلح فأجره على الله” فتركت الأمر لله تبارك وتعالى ولم أحرك فيه ساكناً.

ولكن الخبر قد وصل إلى البلد، وانتهي الامتحان، وسافرنا، وظهرت النتيجة وكنت من المتقدمين والحمد لله، فكنت الثالث في الفرقة، ولكن السيدة الوالدة أبت إباء شديداً إلا أحد أمرين: إما أن أنقطع عن العلم وأعود للوظيفة، وإما أن تنتقل هي معي إلى القاهرة.

انتقال إلى القاهرة:

وفي هذا الوقت كان أخي عبد الرحمن قد أتم الدراسة الابتدائية، ولا بد له من المدرسة الثانوية، وكان أخي محمد قد أتم الأولية، ويرى الوالد أن يلحقه بالأزهر، وكان اخوة آخرون لا بد لهم من التعليم وليست هذه المعاهد متوفرة في المحمودية، وإذن فلا بد من القاهرة وإن طال السفر، وكذلك كان.

حضر الوالد إلى القاهرة قبيل انتهاء الأجازة ليبحث عن المسكن والعمل، ووفق في ذلك وعاد، فانتقلنا جميعاً من المحمودية حيث دخل عبد الرحمن مدرسة التجارة، وانتسب محمد إلى الأزهر” معهد القاهرة”، ودخل بقية الإخوة المدارس المناسبة.

عاطفة:

ولم يكن ينقص على اجتماع شمل الأسرة على هذه الصورة إلا عاطفة قوية جياشة، هي عاطفة الأخوة والمحبة والصحبة في الله بيني وبين الأخ أحمد افندي السكري، فقد كنا نتعزى عن هذه الفرقة بأيام الإجازات وبأن مصيرنا في النهاية إلى بلد واحد. وأما الآن ونحن نواجه وضعا جديدا، فقد يكون من شأنه ألا أعود إلى المحمودية إلا أن يشاء الله، فذلك أمر له في أنفسنا خطورته يجب أن نطيل التفكير فيه، وأن نتغلب عليه بكل الوسائل.

كانت لنا اجتماعات وليال وأحاديث وجلسات طوال حول هذا المعنى: إن أحمد تاجر، والتاجر لا وطن له، فلماذا لا ينتقل هو الآخر إلى القاهرة ولكن أسرته ما يصنع بها هي لا تريد الانتقال ولا تسمح ظروفها به فما العمل؟ فكرنا طويلا ثم انتهينا إلى أن نتخذ من هذه السنة تجربة نرى بعدها ما سيكون. وانتقلنا فعلا، وبدأ العام الجديد، وقضى معي أحمد أفندي بالقاهرة قرابة شهر في أوله، وعاد إلى المحمودية، وظللنا نتكاتب طول هذه الفترة حتى انتهي العام كسابقه وبدأت الأجازة الصيفية.

دكان الساعات

وجاءت الأجازة الصيفية الثانية وكان لزاماً علي أن أقضيها بالمحمودية فلا بد من إيجاد سبب للإقامة هناك طوال الأجازة. فعرضت على الوالد أن أذهب لأفتح دكاناً لنا هناك أعمل فيه بنفسي، كساعاتي مستقل، لأتمرن تمريناً عملياً استقلالياً على الصنعة. -وكان الوالد يعلم السبب الحقيقي ولكنه كان كثيرا ما يسلم لي بما أريد ويشعرني دائما ثقته بتصرفاتي مما عودني به الثقة بنفسي ولهذا سمح لي بالسفر وأوصاني خيرا. وسافرت، وفتحت الدكان، واشتغلت فعلا بإصلاح الساعات، وكنت أجد سعادتين في هذه الحياة، سعادة الاعتماد على النفس والكسب من عمل اليد، وسعادة الاجتماع بالأخ أحمد أفندي وقضاء الوقت معه ومع الحصافية وقضاء ليالي هذه الأجازة معهم نذكر الله، ونتذاكر العلم في المسجد تارة، وفي المنازل تارة، وفي الخلوات بظاهر البلد تارة أخرى، والاستحمام في النيل في النهار أحياناً، وكانت لي وللأخ أحمد أفندي اجتماعات خاصة كثيراً ما تستغرق الليل بطوله. وكان نزولي في منزله طول مدة الأجازة فكنا لا نفترق في ليل أو نهار.

وبالرغم من اشتغالنا الكامل بالعبادة والذكر واستغراقنا في الطريق بأورادها ووظائفها وأحفالها إلا أننا كنا دائما نتعشق العلم والقراءة، وننفر من كل ما يتنافى مع ظاهر الدين وأحكامه، وننكر على- كثير من المنتسبين للطرق خروجهم على تعاليم الإسلام. فكنا مريدين أحراراً في تفكيرنا وإن كنا مخلصين كل الإخلاص في تقديرنا للعبادة والذكر وآداب السلوك.

مثل طيب:

وأذكر أنه كان من عادتنا أن نخرج في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بالموكب بعد الحضرة، كل ليلة من أول ربيع الأول إلى الثاني عشر منه من منزل أحد الإخوان، وتصادف أننا في أحد الليالي، كان الدور على أخينا الشيخ شلبي الرجال، فذهبنا على العادة بعد العشاء فوجدنا البيت منيرا نظيفا مجهزا ووزع الشربات والقهوة والقرفة على مجرى العادة. وخرجنا بالموكب ونحن ننشد القصائد المعتادة في سرور كامل وفرح تام. وبعد العودة جلسنا مع الشيخ شلبي قليلا، وأردنا الانصراف فإذا هو يقول في ابتسامة رقيقة لطيفة: “ إن شاء الله غدا تزورونني مبكرين لندفن روحية”. وروحية هذه وحيدته وقد رزقها بعد إحدى عشرة سنة من زواجه تقريبا، وكان بها شغفاً مولعاً ما كان يفارقها حتى في عمله. وقد شبت وترعرعت، وأسماها” روحية” لأنها كانت تحتل من نفسه منزلة الروح. فاستغربنا وسألناه: ومتى توفيت؟ فقال: اليوم قبيل المغرب. فقلنا: ولماذا لم تخبرنا فنخرج من منزل آخر بالموكب؟ فقال: وما الذي حدث، لقد خفف عنا الحزن. وانقلب المأتم فرحا فهل تريدون نعمة من الله اكبر من هذه النعمة؟ وانقلب الحديث إلى درس تصوف يلقيه الشيخ شلبي، ويعلل وفاة كريمته بغيرة الله على قلبه، فإن الله يغار على قلوب عباده الصالحين أن تتعلق بغيره، أو تنصرف إلى سواه. واستشهد بإبراهيم عليه السلام؟ وقد تعلق قلبه بإسماعيل فأمره الله أن يذبحه، ويعقوب عليه السلام: إذ تعلق قلبه بيوسف فأضاعه الله منه عدة سنوات.. ولهذا يجب ألا يتعلق قلب العبد بغير الله تبارك وتعالى، وإلا كان كذابا في دعوى المحبة، وساق قصة الفضيل بن عياض وقد أمسك بيد ابنته الصغرى فقبلها فقالت له: يا أبتاه أتحبني؟ فقال: نعم يا بنية. فقالت والله ما كنت أظنك كذابا قبل اليوم. فقال: وكيف ذلك؟ وكم كذبت؟ فقالت: لقد ظننت أنك بحالك هذه مع الله، لا تحب معه أحدا. فبكى الرجل وقال: يا مولاي حتى الصغار قد اكتشفوا رياء عبدك الفضيل؟ وهكذا من الأحاديث التي كان الشيخ شلبي يحاول أن يسري بها عنا ويصرف ما لحقنا من ألم لمصابه، وخجل لعدم قضاء هذه الليلة عنده وانصرافنا وعدنا إليه في الصباح حيث دفنا روحية ولم نسمع صوت نائحة، ولم ترتفع حنجرة بكلمة نابية، ولم نر إلا مظاهر الصبر والتسليم لله العلي الكبير.

ولقد توفيت إحدى كريمات أستاذنا الشيخ محمد زهران - رحمه الله - فلم يكن منه إلا أن انتهز من المأتم فرصة للوعظ والتدريس طول لياليه الثلاثة، وللقدوة الحسنة الصالحة في محاربة منكرات المأتم والقضاء على ما يقوم به الناس فيها من بدع وعادات لا أصل لها.. في هذا الجو الكريم كنا نعيش.

العودة إلى القاهرة والجمعيات الإسلامية فيها:

وقد عدت إلى القاهرة، ولم تكن الجمعيات الإسلامية قد انتشرت فيها كما هو الحال الآن، فلم يكن هناك إلا جمعية” مكارم الأخلاق الإسلامية” يرأسها الأستاذ الشيخ محمود محمود، وتقوم بإلقاء المحاضرات الإسلامية في مقرها بدار السادات ببركة الفيل أسبوعياً، وكان المكان يزدحم على سعته بزائريه، وتتناول المحاضرات كثيراً من الموضوعات النافعة المفيدة، وكان الشيخ عباس - قارئ المكارم - يجتذب القلوب بصوته المؤثر، فكنت أحافظ محافظة دقيقة على حضور اجتماع المكارم واشتركت فيها كعضو مشترك مدى وجودي في القاهرة.

فكرة تكوين دعاة إسلاميين

وقد وجدت في نفسي - على أثر ما شاهدت في القاهرة من مظاهر التحلل والبعد عن الأخلاق الإسلامية في كثير من الأماكن التي لا عهد لنا بها في الريف المصري الآمن، وعلى أثر ما كان ينشر في بعض الجرائد من أمور تتنافى مع التعاليم الإسلامية ومن جهل بين العامة بأحكام الدين - أن المساجد وحدها لا تكفي في إيصال التعاليم الإسلامية إلى الناس. وقد كان يتطوع بالوعظ في المساجد في هذا التاريخ عدد من أفاضل العلماء كان لهم أثر جميل جداً في النفوس، منهم الأستاذ عبد العزيز الخولي رحمه الله، والأستاذ الشيخ محمد محفوظ رحمه الله، والشيخ محمد العلوي مفتش الوعظ والإرشاد العام السابق، ففكرت في أن أدعو إلى تكوين فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للتدرب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في القهاوي والمجتمعات العامة، ثم تكون منهم بعد ذلك جماعة تنتشر في القرى والريف والمدن الهامة لنشر الدعوة الإسلامية. وقرنت القول بالعمل فدعوت لفيفاً من الأصدقاء للمشاركة في هذا المشروع الجليل، كان منهم الأخ الأستاذ محمد مدكور خريج الأزهر وكان لا زال مجاورا حينذاك، والأخ الأستاذ الشيخ حامد عسكرية رحمه الله، والأخ الأستاذ أحمد عبد الحميد عضو الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين الآن وغيرهم.. كنا نجتمع في مساكن الطلاب في مسجد شيخون بالصليبة، ونتذاكر جلال هذه المهمة وما تستلزمه من استعداد علمي وعملي. وخصصت جزءا من كتبي، كالإحياء للغزالي والأنوار المحمدية للنبهاني، وتنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ الكردي، وبعض كتب المناقب والسير، لتكون مكتبة دورية خاصة بهؤلاء الإخوان يستعيرون أجزاءها، ويحضرون موضوع الخطب والمحاضرات منها.

الدعوة في القهاوي

وجاء الدور العملي بعد هذا الاستعداد العلمي فعرضت عليهم أن نخرج للوعظ في القهاوي فاستغربوا ذلك وعجبوا منه وقالوا: إن أصحاب القهاوي لا يسمحون بذلك ويعارضون فيه لأنه يعطل أشغالهم، وإن جمهور الجالسين على هذه المقاهي قوم منصرفون إلى ما هم فيه وليس أثقل عليهم من الوعظ فكيف نتحدث في الدين والأخلاق لقوم لا يفكرون إلا في هذا اللهو الذي انصرفوا إليه؟؟ وكنت أخالفهم في هذه النظرة وأعتقد أن هذا الجمهور أكثر استعدادا لسماع العظات من أي جمهور آخر حتى جمهور المسجد نفسه. لأن هذا شيء طريف وجديد عليه والعبرة بحسن اختيار الموضوع فلا نتعرض لما يجرح شعورهم، وبطريقة العرض فتعرض بأسلوب شائق جذاب، وبالوقت فلا نطيل عليهم القول.

ولما طال بنا الجدل حول هذا الموضوع قلت لهم: ولم لا تكون التجربة هي الحد الفاصل في الأمر؟ فقبلوا ذلك وخرجنا فبدأنا بالقهاوي الواقعة بميدان صلاح الدين، وأول السيدة عائشة ومنها إلى القهاوي المنتشرة في أحياء طولون إلى أن وصلنا من طريق الجبل إلى شارع سلامة، والسيدة زينب، وأظنني ألقيت في هذه الليلة أكثر من عشرين خطبة تستغرق الواحدة منها ما بين خمس دقائق إلى عشرة.

ولقد كان شعور السامعين عجيبا، وكانوا ينصتون في إصغاء ويستمعون في شوق، وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول، ثم يطلبون المزيد منه بعد ذلك، وكان هؤلاء يقسمون بعد الخطبة أننا لا بد أن نشرب شيئاً أو نطلب طلبات، فكنا نعتذر لهم بضيق الوقت، وبأننا نذرنا هذا الوقت لله فلا نريد أن نضيعه في شيء. وكان هذا المعنى يؤثر في أنفسهم كثيراً، ولا عجب فإن الله لم يرسل نبياً ولا رسولا إلا كان شعاره الأول”قل لا أسألكم،عليه أجرا” لما لهذه الناحية العفيفة من أثر جميل في نفوس المدعوين.

لقد نجحت التجربة مائة في المائة، وعدنا إلى مقرنا في شيخون، ونحن سعداء بهذا النجاح، وعزمنا على استمرار الكفاح في هذه الناحية. وكنا نتعهد الناس بالموعظة العملية على هذه الطريقة في كثير من الأحيان. وقد وجدت في هذا المعنى بعض العزاء عن الغيبة عن الجمعية الحصافية التي انحلت شكلا في المحمودية، وإن بقي أعضاؤها اخوة يعمل بعضهم مع بعض للإسلام وتجمعهم الطريقة الحصافية على العبادة والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويثير في أنفسهم الحمية بين الفينة والفينة نشاط الإرسالية الإنجليزية التي ألقت عصاها واستقر بها النوى في هذا البلد الأمين، الذي لم يصب من قبل بهذا البلاء المحيط، وكان أولى بهذه الإرساليات أن تقصد إلى بلاد الوثنيين لا أن تقيم في ديار المسلمين، وهم أصدق إيماناً وأصح لله توحيدا، وأطيب قلوبا وأسلم صدورا، ولله في خلقه شئون.

في حجرة الدرس:

ولم تكن الدراسة في دار العلوم حينذاك دراسة جامدة بل كان للسن في الطلاب والمدرسين وللمرحلة العلمية التي يجتازونها حكمها، فكثيرا ما كنا نتناول بين حجرات الدراسة كثيرا من الشئون العامة في السياسة والاجتماع حتى في دقائق المسائل الخاصة بالطلاب والمدرسين.

كانت فورة السياسة غالبة في مصر إذ كان هناك الانقسام بين الوفديين والأحرار الدستوريين، وما تلا ذلك من حوادث الائتلاف والاختلاف والوساطات بين المختلفين، وما كانت تسفر عنه من نجاح الطلاب أحيانا وفشل أخرى. وكانت هذه المعاني كلها موضع أحاديث الطلاب والأساتذة وتعليقهم، ولم يكن الأساتذة يبخلون على الطلاب ببيان آرائهم واضحة.

وكانت هناك كذلك آراء دينية يختلف فيها الطلاب مع الأساتذة وتكون موضع الحديث والنقاش والجدل في حرية وأدب كامل. ولا زلت أذكر كيف كنا نحترم هؤلاء الأساتذة الفضلاء ونوقرهم إلى درجة أننا كنا نتحاشى المرور أمام حجرة اجتماعهم مع أنها كانت في طريقنا إلى الفصول، وهذا مع الحرية التامة والمعاملة الطيبة والصلات الروحية القوية التي كانت بيننا وبينهم.

وكنا نتحرش ببعضهم أحيانا في الدرس، فتكون نكتة طريفة أو إجابة مسكتة.. أذكر أن أحد الزملاء سأل أحد الأساتذة: هل هو متزوج؟ فقال له الأستاذ: لا، فقال ولماذا لم تتزوج يا سيدي؟ قد كبرت سنك. فقال حتى يكثر المرتب ويكفي تكاليف الزواج والأسرة حتى تتربى الأولاد تربية صالحة، فقال الأخ الطالب: ولكن إذا تأخرت عن هذا الوقت لم تضمن أن تعيش لتشرف على تربيتهم والرزق والأجل يا سيدي بيد الله، فأحرج الأستاذ وقال: هل أنت متزوج؟ فقال: نعم وولدي يجيء معي كل يوم إلى مدرسة البنين الابتدائية، فأدخل مدرستي ويدخل مدرسته، وانتهي النقاش بضحك الزملاء.

تغير الزي:

وفي السنة الرابعة من دار العلوم - وهي السنة النهائية - اشتدت حركة الرغبة في تغيير الزي، وتهيأت لها نفوس الطلاب جميعاً، وساعد على ذلك تنفيذ الكثير من كبار المتخرجين في دار العلوم لهذه الخطوة فعلاً. ولم يكن ذلك من رأي ولا من رأي الأقلية من الطلاب. وبدت دار العلوم بضعة شهور يدخلها عدد من الأفندية وعدد من الشيوخ وفي كل يوم يزداد المطربشون ويقل عدد المعممين حتى لم يبق إلا طالبان هما الشيخ إبراهيم الورع المدرس بالمعارف الآن وأنا معه. وجاء دور التمرين العملي، وكان ناظر المدرسة حينذاك رجلا فاضلا هو الأستاذ محمد بك السيد رحمه الله، فدعانا نحن الاثنين وتحدث إلينا في أنه يحسن أن نذهب إلى المدارس التي سنتمرن فيها بالزي الجديد حتى لا نظهر أمام التلاميذ بمظهر المنقسمين، فريق معممون وفريق مطربشون، ورغم أن كلمته الطيبة لم تكن تحمل معنى الإلزام إلا أن قوة تأثيرها واحترامنا لرأيه جعلنا نعده بذلك، وننفذ وعدنا فنرتدي البذلة والطربوش بدلا من الجبة والعمامة وذلك قبل أن نتخرج بقليل.

موجة الإلحاد والإباحية في مصر

وعقب الحرب الماضية” 1914 - 1918” وفي هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة، اشتد تيار موجة التحلل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف.

لقد قامت تركيا بانقلابها الكمالي وأعلن مصطفي كمال باشا إلغاء الخلافة، وفصل الدولة عن الدين في أمة كانت إلى بضع سنوات في عرف الدنيا جميعا مقر أمير المؤمنين، واندفعت الحكومة التركية في هذا السبيل في كل مظاهر الحياة. ولقد تحولت الجامعة المصرية من معهد أهلي إلى جامعة حكومية تديرها الدولة وتضم عددا من الكليات النظامية، وكانت للبحث الجامعي والحياة الجامعية حينذاك في رؤوس الكثيرين صورة غريبة: مضمونها أن الجامعة لن تكون جامعة علمانية إلا إذا ثارت على الدين وحاربت التقاليد الاجتماعية المستمدة منه، واندفعت وراء التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره، وعرف أساتذتها وطلابها بالتحلل والانطلاق من كل القيود.

ولقد وضعت نواة” الحزب الديمقراطي” الذي مات قبل أن يولد ولم يكن له منهاج إلا أن يدعو إلى الحرية والديمقراطية بهذا المعنى المعروف حينذاك: معنى التحلل والانطلاق.

وأنشئ في شارع المناخ ما يسمى بالمجمع الفكري، تشرف عليه هيئة من التيوصوفيين، وتلقى فيه خطب ومحاضرات تهاجم الأديان القديمة وتبشر بوحي جديد وكان خطباؤه خليطاً من المسلمين. واليهود والمسيحيين وكلهم يتناولون هذه الفكرة الجديدة من وجهات النظر المختلفة.

وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينضح بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين، أو القضاء عليه في نفوس الشعب لينعم بالحرية الحقيقية فكريا وعمليا في زعم هؤلاء الكتاب والمؤلفين.


وجهزت”صالونات” في كثير من الدور الكبيرة الخاصة في القاهرة يتطارح فيها زوارها مثل هذه الأفكار، ويعملون بعد ذلك على نشرها في الشباب وفي مختلف الأوساط.

رد الفعل:

كان لهذه الموجة رد فعل قوي في الأوساط الخاصة المعنية بهذه الشئون كالأزهر وبعض الدوائر الإسلامية، ولكن جمهرة الشعب حينذاك كانت إما من الشباب المثقف وهو معجب بما يسمع من هذه الألوان، وإما من العامة الذين انصرفوا عن التفكير في هذه الشئون لقلة المنبهين والموجهين، وكنت متألماً لهذا أشد الألم، فها أنذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين إسلامها الغالي العزيز، الذي ورثته وحمته، وألفته وعاشت به واعتز بها أربعة عشر قرنا كاملة، وبين هذا إلغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه، والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية. وكان ينفس عن نفسي بعض الشيء الإفضاء بهذا الشعور إلى كثير من الأصدقاء الخلصاء من زملائنا الطلاب بدار العلوم والأزهر والمعاهد الأخرى، فكان الشيخ حامد عسكرية رحمه الله، وكان الشيخ حسن عبد الحميد، وحسن أفندي فضيلة، وأحمد أفندي أمين، والشيخ محمد بشر، ومحمد سليم عطية، ثم كمال أفندي اللبان رحمه الله، وقد كان طالبا بالحقوق حينذاك، ويوسف أفندي اللبان، وعبد الفتاح كيرشاه وإبراهيم أفندي مدكور، وسيد أفندي نصار حجازي، والأخ محمد أفندي الشرنوبي والإخوان المثقفون من الإخوان الحصافية بالقاهرة.. كان هؤلاء جميعا يتحدثون في هذه الموضوعات، وفي وجوب القيام بعمل إسلامي مضاد، وكنا نجد في ذلك ترويحا عن النفس وتسلية عن هذا الهم !.

كما كان ينفس عن نفسي كذلك التردد على المكتبة السلفية، وكانت إذ ذاك قرب محكمة الاستئناف، حيث نلقى الرجل المؤمن المجاهد العامل القوي العالم الفاضل والصحفي الإسلامي القدير: “ السيد محب الدين الخطيب”، ونلتقي بجمهرة من أعلام الفضلاء المعروفين بغيرتهم الإسلامية وحميتهم الدينية، أمثال فضيلة الأستاذ الكبير السيد محمد الخضر حسين، والأستاذ محمد أحمد الغمراوي، وأحمد باشا تيمور رحمه الله. وعبد العزيز باشا محمد رحمه الله، وكان إذ ذاك مستشارا بمحكمة الاسثشاف، ونسمع منهم بعض ما ينفس عن النفس. كما كنا نتردد على دار العلوم، ونحضر في بعض مجالس الأستاذ السيد رشيد رضا رحمه الله، ونلقى فيها الكثير من الأعلام والفضلاء كذلك، أمثال الشيخ عبد العزيز الخولي رحمه الله، وفضيلة الأستاذ الشيخ محمد العدوي فنتذاكر هذه الشئون أيضا، وكانت للسيد رشيد رضا رحمه الله جولات قوية موفقة في رد هذا الكيد عن الإسلام.

عمل إيجابي:

ولكن هذا القدر لم يكن يكفي ولا يشفي، وخصوصا وقد اشتد التيار فعلا، وصرت أرقب هذين المعسكرين فأجد معسكر الإباحية والتحلل في قوة وفتوة، ومعسكر الإسلامية الفاضلة في تنقص وانكماش، واشتد بي القلق حتى إني لأذكر أنني قضيت نحوا من نصف رمضان هذا العام في حالة أرق شديد لا يجد النوم إلى جفني سبيلا من شدة القلق والتفكير في هذه الحال، فاعتزمت أمرا إيجابيا وقلت في نفسي لماذا لا أحمل هؤلاء القادة من المسلمين هذه التبعة وأدعوهم في قوة إلى أن يتكاتفوا على صد هذا التيار؟ فإن استجابوا فذاك، وإلا كان لنا شأن آخر. وصح العزم على هذا وبدأت التنفيذ.

مع فضيلة الشيخ الدجوي

كنت أقرأ للشيخ يوسف الدجوي - رحمه الله - كثيرا. وكان الرجل سمح الخلق حلو الحديث صافي الروح. وبحكم النشأة الصوفية كان بيني وبينه رحمه الله صلة روحية وعلمية تحملني على زيارته الفينة بعد الفينة، بمنزله بقصر الشوق أو بعطفة الدويداري بحي الأزهر، وكنت أعرف أن له صلات بكثير من رجال المعسكر الإسلامي من علماء أو وجهاء، وأعرف أنهم يحبونه ويقدرونه فعزمت على زيارته، ومكاشفته بما في نفسي، والاستعانة به على تحقيق هذه الفكرة والوصول إلى هذه الغاية. وزرته بعد الإفطار، وكان حوله لفيف من العلماء وبعض الوجهاء، ومن بينهم رجل فاضل لا أزال أذكر أن اسمه” أحمد بك كامل” وإن لم ألتق به بعد هذه المرة.

تحدثت إلى الشيخ في الأمر فأظهر الألم والأسف وأخذ يعدد مظاهر الداء والآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الظاهرة في الأمة، وخلص من ذلك إلى ضعف المعسكر الإسلامي أمام هؤلاء المتآمرين عليه، وكيف أن الأزهر حاول كثيرا أن يصد هذا التيار فلم يستطع، وتطرق الحديث إلى جمعية” نهضة الإسلام” التي ألفها الشيخ، هو ولفيف من العلماء، ومع ذلك لم تجد شيئا، وإلى كفاح الأزهر ضد المبشرين والملحدين، وإلى مؤتمر الأديان في اليابان، ورسائل الإسلام التي ألفها فضيلته وبعث بها إليه، وانتهي ذلك كله إلى أنه لا فائدة من كل الجهود، وحسب الإنسان أن يعمل لنفسه وأن ينجو بها من هذا البلاء. وأذكر أنه تمثل بهذا البيت، الذي كان كثيراً ما يتمثل به، والذي كتبه لي في بعض بطاقاته في بعض المناسبات:

وما أبالي إذا نفسي تطاوعني
على النجاة بمن قد مات أو هلكا

وأوصاني أن أعمل بقدر الاستطاعة، وأدع النتائج لله”لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”لم يعجبني طبعا هذا القول، وأخذتني فورة الحماسة وتمثل أمامي شبح الإخفاق المرعب إذا كان هذا الجواب سيكون جواب كل من ألقى من هؤلاء القادة. فقلت له في قوة: “ إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول. وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفاً فقط، وقعوداً عن العمل، وهروباً من التبعات: من أي شيء تخافون؟ من الحكومة أو الأزهر؟.. يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه، لأنه شعب مسلم، وقد عرفته في القهاوي ، وفي المساجد، وفي الشوارع، فرأيته يفيض إيماناً، ولكنه قوة مهملة من هؤلاء الملحدين والإباحيين، وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم، ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم. يا أستاذ ! إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون، فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة ضاع الأزهر، وضاع العلماء، فلا تجدون ما تأكلون، ولا ما تنفقون، فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام، واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة، وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء”!.

وكنت أتكلم في حماسة وتأثر وشدة، من قلب محترق مكلوم، فانبرى بعض العلماء الجالسين يرد علي في قسوة كذلك، ويتهمني بأنني أسأت إلى الشيخ وخاطبته بما لا يليق، وأسأت إلى العلماء والأزهر، وأسأت بذلك إلى الإسلام القوي العزيز، والإسلام لا يضعف أبدا والله تكفل بنصره.

وقبل أن أرد عليه انبرى أحمد بك كامل هذا وقال: “ لا يا أستاذ، من فضلك هذا الشاب لا يريد منكم إلا الاجتماع لنصرة الإسلام. وإن كنتم تريدون مكاناً تجتمعون فيه فهذه داري تحت تصرفكم افعلوا بها ما تريدون، وإن كنتم تريدون مالاً فلن نعدم المحسنين من المسلمين، ولكن أنتم القادة فسيروا ونحن وراءكم. أما هذه الحجج فلم تعد تنفع بشيء”. هنا سألت جاري عن هذا الرجل المؤمن: من هو؟ فذكر لي اسمه – وما زال عالقاً بذهني ولم أره بعد – وانقسم المجلس إلى فريقين فريق يؤيد رأي الأستاذ العالم، وفريق يؤيد رأي أحمد بك كامل، والشيخ – رحمه الله – ساكت. ثم بدا له أن ينهي هذا الأمر فقال: على كل حال نسأل الله أن يوفقنا للعمل بما يرضيه، ولا شك أن المقاصد كلها متجهة إلى العمل، والأمور بيد الله. وأظننا الآن على موعد مع الشيخ محمد سعد فهيا لنزوره.

وانتقلنا جميعاً إلى منزل الشيخ محمد سعد - وهو قريب من منزل الدجوي رحمه الله - وتحريت أن يكون مجلسي بجوار الشيخ الدجوي مباشرة لأستطيع الحديث فيما أريد. ودعا الشيخ محمد سعد بحلويات. رمضان فقدمت وتقدم الشيخ ليأكل فدنوت منه، فلما شعر بي بجواره سأل: من هذا؟ فقلت: فلان.

فقال: أنت جئت معنا أيضاً؟ فقلت: نعم يا سيدي، وسوف لا أفارقكم إلا إذا انتهينا إلى أمر. فأخذ بيده مجموعة من النقل وناولنيها وقال: خذ وإن شاء الله نفكر، فقلت يا سبحان الله يا سيدي إن الأمر لا يحتمل تفكيرا، ولكن يتطلب عملا، ولو كانت رغبتي في هذا النقل وأمثاله لاستطعت أن أشتري بقرش وأظل في منزلي ولا أتكلف مشقة زيارتكم. يا سيدي إن الإسلام يحارب هذه الحرب العنيفة القاسية، ورجاله وحماته وأئمة المسلمين يقضون الأوقات غارقين في هذا النعيم. أتظون أن الله لا يحاسبكم على هذا الذي تصنعون؟ إن كنتم تعلمون للإسلام أئمة غيركم وحماة غيركم فدلوني عليهم لأذهب إليهم، لعلي أجد عندهم ما ليس عندكم !! وسادت لحظة صمت عجيبة، وفاضت عينا الشيخ رحمه الله بدمع غزير بلل لحيته، وبكى بعض من حضر. وقطع الشيخ رحمه الله هذا الصمت بأن قال في حزن عميق وفي تأثر بالغ: وماذا أصنع يا فلان؟ فقلت يا سيدي الأمر يسير، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. لا أريد إلا أن تحصر أسماء من نتوسم فيهم الغيرة على الدين، من ذوي العلم والوجاهة والمنزلة، ليفكروا فيما يجب أن يعملوه: يصدرون ولو مجلة أسبوعية أمام جرائد الإلحاد والإباحية، ويكتبون كتباً وردوداً على هذه الكتب. ويؤلفون جمعيات يأوي إليها الشباب، وينشطون حركة الوعظ والإرشاد.. وهكذا من هذه الأعمال. فقال: جميل. وأمر برفع” الصينية” بما عليها، وإحضار ورقة وقلم. وقال: أكتب. وأخذنا نتذاكر الأسماء، فكتبنا فريقاً كبيراً من العلماء الأجلاء أذكر منهم: الشيخ رحمه الله، وفضيلة الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين، والشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ عبد الوهاب النجار، والشيخ محمد الخضري، والشيخ محمد أحمد إبراهيم، والشيخ عبد العزيز الخولي رحمهم الله.

وجاء اسم السيد رشيد رضا - رحمه الله - فقال الشيخ: اكتبوه اكتبوه فإن الأمر ليس أمرا فرعياً نختلف فيه، ولكنه أمر إسلام وكفر، والشيخ رشيد خير من يدافع بقلمه وعلمه ومجلته. وكانت هذه شهادة طيبة من الشيخ للسيد رشيد رحمهما الله، مع ما كان بينهما من خلاف في الرأي حول بعض الشئون. وكان من الوجهاء: أحمد باشا تيمور، ونسيم باشا وأبو بكر يحيى باشا، ومتولي بك غنيم، وعبد العزيز بك محمد - وهو عبد العزيز باشا محمد الآن - وعبد الحميد بك سعيد رحمهم الله جميعاً، وكثيرون غير هؤلاء.

ثم قال الشيخ: وإذن فعليك أن تمر على من تعرف، وأمر على من أعرف، ونلتقي بعد أسبوع إن شاء الله.

التقينا مرات، وتكونت نواة طيبة من هؤلاء الفضلاء وواصلت اجتماعها بعد عيد الفطر، وأعقب ذلك أن ظهرت [[مجلة الفتح]] الإسلامية القوية يرأس تحريرها الشيخ عبد الباقي سرور نعيم رحمه الله، ومديرها السيد محب الدين الخطيب، ثم آل تحريرها وإدارتها إليه، فنهض بها خير نهوض، وكانت مشعل الهداية والنور لهذا الجيل من شباب الإسلام المثقف الغيور.

وظلت هذه النخبة المباركة من الفضلاء تعمل حتى بعد أن فارقت دار العلوم، وظل يحركها نفر من هذا الشباب المخلص. حتى كانت هذه الحركات” جمعية الشبان المسلمين” فيما بعد.

موضوع إنشاء:

كان أستاذنا الشيخ أحمد يوسف نجاتي -جزاه الله خيراً- مغرماً بالموضوعات الدسمة بالإنشاء، وله معنا نكات وتعليقات ظريفة طريفة في هذه المعاني. ومن كلماته المأثورة، حين كان يمل تصحيح هذه المطولات، أن يقول، والكراسات على يده ينوء بحملها كما ناء طول ليله بتصحيحها: “ خذوا يا مشايخ! وزعوا ما تزعمونه إنشاء. عليكم بالقصد يا قوم فالبلاغة الإيجاز. والله إني لا أشبر الإنشاء ولا أذرعه” ونضحك ونوزع الكراسات.

ومن الموضوعات التي أتحفنا بها بمناسبة آخر العام الدراسي، وكان بالنسبة لي ولفرقتي، العام النهائي سنة 1927 الميلادية، هذا الموضوع: “ اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها”.

وقد أجبت عنه بهذا الموضوع: “ أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة- التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية - على توعر طريقهما، وما فيه من مصاعب - ومتاعب - راحة ولذة، وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها، وتتغلغل في مظاهر المجتمع، فتتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم، وما يزيد في هذا الصفاء، ويضاعف تلك المسرة، لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبني الإنسان، وعطف عليهم، ورغبة شريفة في خيرهم، فتحاول أن تبرىء هذه القلوب المريضة، وتشرح تلك الصدور الحرجة، وتسر هاته النفوس المنقبضة، لا تحسب ساعة أسعد من تلك التي تنقذ فيها مخلوقاً من هوة الشقاء الأبدي أو المادي، وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة !.

وأعتقد أن العمل الذي لا يعدو نفعه صاحبه، ولا تتجاوز فائدته عامله، قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره، من أسرته وأمته وبني جنسه، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره، وعلى هذه العقيدة سلكت سبيل المعلمين، لأني أراهم نوراً ساطعاً يستنير به الجمع الكثير ويجري في هذا الجم الغفير، وإن كان كنور الشمعة التي تضيء للناس باحتراقها”

“وأعتقد أن أجل غاية يجب أن يرمي الإنسان إليها، وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضا الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه. والذي يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين، لكل خواصه ومميزاته، يسلك أيهما شاء:

أولهما: طريق التصوف الصادق، الذي يتلخص في الإخلاص والعمل، وصرف القلب عن الإشتغال بالخلق خيرهم وشرهم. وهو أقرب وأسلم.

والثاني: طريق التعليم والإرشاد، الذي يجامع الأول في الإخلاص والعمل، ويفارقه في الإختلاط بالناس، ودرس أحوالهم، وغشيان مجامعهم ووصف العلاج الناجع لعللهم. وهذه أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم، ونادى بفضله الرسول الكريم. وقد رجح الثاني – بعد أن نهجت الأول – لتعدد نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم، وأجملهما بمن فقه شيئاً”لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون”.

“وأعتقد أن قومي – بحكم الأدوار السياسية التي اجتازوها، والمؤثرات الإجتماعية التي مرت بهم وبتأثير المدنية الغربية، والشبه الأوروبية، والفلسفة المادية، والتقليد الفرنجي - بعدوا عن مقاصد دينهم، ومرامي كتابهم، ونسوا مجد آبائهم، وآثار أسلافهم، والتبس عليهم هذا الدين الصحيح بما نسب إليه ظلماً وجهلاً، وسترت عنهم حقيقته الناصعة البيضاء، وتعاليمه الحقيقية السمحة، بحجب من الأوهام يحسر دونها البصر، وتقف أمامها الفكر، فوقع العوام في ظلمة الجهالة، وتاه الشبان والمتعلمون في بيداء حيرة وشك، أورثا العقيدة فساداً، وبدلا الإيمان إلحاداً... !”.

“وأعتقد كذلك أن النفس الإنسانية محبة بطبعها، وأنه لا بد من جهة تصرف إليها عاطفة حبها، فلم أر أحدا أولى بعاطفة حبي من صديق امتزجت روحه بروحي فأوليته محبتي، وآثرته بصداقتي”

“كل ذلك أعتقده عقيدة تأصلت في نفسي جذوتها، وطالت فروعها، واخضرت أوراقها، وما بقي إلا أن تثمر، فكان أعظم آمالي بعد إتمام حياتي الدراسية أملان:

“خاص”: وهو إسعاد أسرتي وقرابتي، والوفاء لذلك الصديق المحبوب ما استطعت لذلك سبيلاً، وإلى أكبر حد تسمح به حالتي، ويقدرني الله عليه.

“وعام”: وهو أن أكون مرشداً معلماً، إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار، ومعظم العام قضيت ليلي في تعليم الآباء هدف دينهم، ومنابع سعادتهم، ومسرات حياتهم، تارة بالخطابة والمحاورة، وأخرى بالتأليف والكتابة، وثالثة بالتجول والسياحة.

وقد أعددت لتحقيق الأول معرفة بالجميل، وتقديراً للإحسان و” هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” ولتحقيق الثاني من الوسائل الخلقية: “ الثبات والتضحية” وهما ألزم للمصلح من ظله، وسر نجاحه كله، وما تخلق بهما مصلح فأخفق إخفاقاً يزري به أو يشينه، ومن الوسائل العملية: درساً طويلاً، سأحاول أن تشهد لي به الأوراق الرسمية، وتعرفاً بالذين يعتنقون هذا المبدأ، ويعطفون على أهله، وجسماً تعود الخشونة على ضآلته، وألف المشقة على نحافته، ونفساً بعتها لله صفقة رابحة، وتجارة بمشيئته منجية، راجياً منه قبولها، سائله إتمامها، ولكليهما عرفاناً بالواجب وعونا من الله سبحانه، أقرؤه في قوله: “ إن تنصروا الهع ينصركم ويثبت أقدامكم”.

“ذلك عهد بيني وبين ربي، أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي، في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير” ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرأ عظيما”.

ولقد أعمل الأستاذ أحمد يوسف قلمه في هذا الموضوع ببعض الإصلاحات، وأذكر أنه أعطاني فيه درجة لا بأس بها وهي سبع ونصف من عشرة.

والصديق الذي أشرت إليه في هذا الموضوع هو الأستاذ أحمد السكري الذي كان يبادلني هذا الشعور إلى درجة أنه صفي دكانه وتجارته، والتحق بالوظائف الحكومية بمجلس مديرية البحيرة حتى يتيسر لي أن أكون بالمجلس فنجتمع على أية حال، وقد حقق الله هذه الآمال بعد حين، فوظفت بوزارة المعارف وانتقل هو إليها، وجمعتنا القاهرة بعد طول انتظار.

ذكريات دار العلوم

ولقد انصرفت بعد ذلك إلى الاستعداد لامتحان الدبلوم، إذ كانت هذه هي السنة النهائية، وكنت كلما تذكرت أنني سأفارق المعهد المبارك أجد إليه حنينا غريبا وإلى هؤلاء الإخوة في حجرة الدراسة شوقا شديدا. ولست أنسى بعض الوقفات بين مسجد المنيرة والدار، أو في زاوية حجرة الدراسة أرمق الدار ومن فيها بعاطفة قوية من الشوق والحنين، وصدق رسول الله” وأحبب من شئت فإنك مفارقه”.

ولست أنسى هذه الدعابات اللطيفة في حجرات الدراسة بيني وبين الأستاذ بدير بك رحمه الله، وإن له لموقف لا ينسى معنا إذ أسندت إليه إدارة المدرسة، ونحن في السنة الثالثة، تدريس الأدب العربي والمحفوظات والإنشاء فدخل علينا كئيبا يقول: أو ما علمتم أن الله نكبكم نكبة لا مثيل لها؟ فقلنا: وما ذاك؟ فقال: إن بديراً أسند إليه تدريس آداب اللغة للسنة الثالثة وهذا العصر العباسي بالذات لا أعلم فيه شيئا. أفلا أدلكم على ابن بجدتها وفارس حلبتها؟ ذلكم الأستاذ النجاتي فعليكم به واطلبوا من إدارة المدرسة إقصائي وانتدابه، وثقوا أنني أدلكم على الخير، والحق أحق أن يتبع. فأخذنا نجامله بعبارات الطلاب مع أستاذهم فكان جوابه: لا تخدعوني عن نفسي فإني أدرى بها منكم، وأعرف بمصلحتكم وما أريد إلا الخير. وقد كان، فنزلنا إلى الناظر واقترحنا عليه هذا الاقتراح فقبل، وأفدنا كثيرا من الأستاذ النجاتي، وشكرنا كل الشكر للأستاذ بدير هذا الموقف النبيل والخلق الفاضل الجميل رحمه الله.

ولست أنسى في القاهرة منزل الأستاذ فريد بك وجدي وقد كنت من قراء مجلة الحياة وكتبه الكثيرة عن الإسلام ومدنيته، وعشاق دائرة المعارف، فما إن أقمت بالقاهرة حتى قصدت إلى داره، وكانت حينذاك بالخليج المصري وكان له بالوالد صداقة قريبة، وكانت داره مجتمع الفضلاء من الناس، يتدارسون علوما شتى من بعد العصر تقريبا، ثم يخرجون للنزهة. وكنت كثيراً ما أغشى هذا الدار رغبة في الاستفادة.

ولا أزال أذكر هذا الخلاف الذي قام بيني وبين الأستاذ فريد بك وانضم إليه فيه صديقه أحمد بك أبو ستيت حول شخصية الأرواح، إذ كان فريد بك يرى أن الأرواح التي تستحضر هي أرواح الموتى أنفسهم وأرى غير ذلك، وتشعب بنا البحث في هذه الناحية، وانتهينا وكل عند وجهة نظره، وقد أفدت كثيرا من هذه المجالس حينذاك.

وهكذا كانت حياتي في القاهرة خليطا عجيبا من الحضرة في منزل الشيخ أو منزل علي أفندي غالب، إلى” المكتبة السلفية” حيث السيد محب الدين، إلى دار المنار والسيد رشيد، إلى منزل الشيخ الدجوي، ثم منزل فريد بك وجدي، ودار الكتب أحيانا، ومسجد شيخون أحيانا أخرى.

الدبلوم:

وجاء وقت الامتحان، وظهرت نتيجته، وحصلت على الدبلوم في يونيه سنة 1927. ولا أنسى الامتحان الشفهي وقد تقدمت فيه إلى اللجنة - وكانت مؤلفة من الأستاذ أبو الفتح الفقي رحمه الله، والأستاذ نجاتي - بمجموعة من المحفوظات بلغت ثمانية عشر ألف بيت ومثلها من المنثور ومنها معلقة طرفة، فلم أسأل إلا في بيت من المعلقة، وأربعة أبيات، من قصيدة شوقي في نابليون، ومناقشة حول عمر الخيام، وقضي الأمر، ولم آسف على هذا المجهود، إذ كنت أبذله من أول يوم للعلم لا للامتحان.

بين البعثة والوظيفة:

ولقد وجدت عند بعض الإخوان الكرام فكرة التقدم بطلب الترشيح للبعثة إلى الخارج باعتبار أن ذلك من حق الأول في الدبلوم دائما. ولكنى كنت مترددا في ذلك بدافع العاملين السابقين: عامل حب الاستزادة من العلم ولو من أوربا أو الصين، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها، وعام العزوف عن هذه المظاهر والرغبة في سرعة العمل لتحقيق الفكرة التي ملكت على نفسي، وهي فكرة الدعوة إلى الرجوع إلى تعاليم الإسلام، والتنفير من هذا التقليد الغربي الأعمى، ومن مفاسد قشور المدنية الغربية. وأراحني من هذا التردد أن دار العلوم لم ترشح لهذا العام أحدا فلم يبق إلا الوظيفة، وكنت أظن أنها لا تعدو أن تكون في مدارس القاهرة، ولكن كثرة المتخرجين في هذا العام وقلة غدد الذين طلبتهم وزارة المعارف - فهي لم تطلب اكثر من ثمانية وتركت الباقين لمجالس المديريات - لم تجعل لأحد في القاهرة نصيبا وصدرت الأوامر باثنين فقط، هما الأول والثاني، فكان نصيبي الإسماعيلية، وكان نصيب الأستاذ إبراهيم مدكور حينذاك - والدكتور إبراهيم مدكور الآن - الإسكندرية ثم عصفت به السياسة إلى إدفو، فاستقال وسافر إلى أوربا ليتمم دراسته على نفقته، وألحق بعد ذلك بالبعثة الحكومية. وكان نصيب إخواننا الستة الوجه القبلي.

فوجئت بهذا التعيين ولم اكن أدري أين الإسماعيلية بالضبط وذهبت إلى ديوان المعارف معترضا، فلقيني أستاذنا عبد الحميد بك حسني وبدعابته اللطيفة وروحه المرح استطاع أن يهدئ من غضبي، واستعان بفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الحميد الخولي - رحمه الله - وكان لزوره حين ذلك، ودخل علينا الأستاذ علي حسب الله، ابن الإسماعيلية البار، فاستشهدا به على أنها من خير بلاد الله، وأنني سأجد فيها الخير والراحة، فهي بلد الهدوء وجمال الطبيعة والإنتاج الوفير.

وعدت فاستشرت الوالد، فقال على بركة الله، والخير ما يختاره. فانشرح صدري بذاك، وأخذت أعد العدة لهذا السفر الذي ظهرت حكمة الله فيه جلية واضحة فيما بعد، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وسافرت على بركه الله وأنا مشغول البال -بالأسلوب الذي، أسلكه للدعوة، معتقدا أنني صرت أحمل هذه الأمانة بالإسماعيلية، والأخ أحمد افندي السكري يحملها بالمحمودية، وتركنا الأخوين الفاضلين الشيخ أحمد عسكرية - رحمه الله - والشيخ أحمد عبد الحميد بالقاهرة، حتى عين أولهما واعظا بالزقازيق بعد العالمية، واختار الثاني - بعد العالمية كذلك وبعض الوقت بالتخصص - والاشتغال بالأعمال الزراعية الحرة بكفر الدوار، وحمل الدعوة بها، وكنا كما قال القائل:

بالشام أهلي، وبغداد الهوى
وأنا بالرقمتين، وبالفسطاط جيراني

وانصرف كل يعمل بأسلوبه الذي وفقه الله إليه. وبعد عام من هذا السفر تقريبا، وفي هدوء الإسماعيلية الجميل، ومن أبنائها المباركين البررة تكونت أول نواة لتشكيلات الإخوان المسلمين وشعبهم.

في الطريق إلى الإسماعيلية

في يوم الاثنين الموافق 16 سبتمبر سنة 1927 - ويؤسفني ألا أذكر التاريخ الهجري لهذا اليوم - اجتمع الأصدقاء ليودعوا صديقهم المسافر إلى الإسماعيلية، ليتسلم عمله الجديد الذي أسند إليه، وهو التدريس بمدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية.

ولم يكن هذا الصديق يعرف عن الإسماعيلية شيئا من قبل إلا أنها بلد ناء بعيد شرق الدلتا الأقصى، يفصله عن القاهرة فضاء فسيح من رمال الصحراء الشرقية، وتقع على بحيرة التمساح المتصلة بقناة السويس، وأخذ الصديق يستقبل أصدقاءه ليودعهم ويودعوه، وأخذ الأصدقاء يتجاذبون أطراف الحديث، وكان فيهم محمد أفندي الشرنوبي، وهو رجل ذو تقوى وصلاح، فكان مما قال: “ إن الرجل الصالح يترك أثرا صالحا في كل مكان ينزل فيه،؟نحن نأمل أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه” وأخذت هذه الكلمات مكانها من نفس الصديق المسافر، وانفضن الجمع، واستقل المسافر قطار الضحى، ليصل إلى الإسماعيلية ظهرا حيث يواجه لأول مرة حياته العملية، وجها لوجه.

وسار القطار والتقى المسافر بزملاء له، عينوا حديثا في نفس المدرسة التي عين فيها، وكان منهم على ما يذكر محمد بهي الدين سند أفندي، وأحمد حافظ أفندي وعبد المجيد عزت أفندي، ومحمود عبد النبي أفندي.

والتقى المسافر بزميل مدرس بمدرسة السويس الابتدائية، ينتمي إلى الطريقة الحامدية الشاذلية، ويفضي إليه المسافر بآماله في الإصلاح الإسلامي والدعوة إلى الإسلام، ثم يكتب عنه في مذكراته هذه العبارة: “ وهذه الفرصة القصيرة لا تكفي للحكم على نفسية الرجل وروحه، وإن بدا لي أنه إنسان يعيش ليحفظ حياته بعمله. يسعد بعقيدته في ربه، ودينه وشيخه، ويسر بما يرى حوله من مظاهر احترام الإخوان له”. وإذن فقد كان هذا المسافر لا يفكر في أن يعيق ليحفظ حياته بعمله فقط، وإذن فقد كانت عقيدة المسافر لا ترض أن تكون قاصرة عليه وحده، وإذن فقد كان هم هذا المسافر شيئا آخر غير ما يرى من مظاهر احترام الإخوان له.

وصل القطار إلى الإسماعيلية وتفرق المسافرون كل إلى وجهته، وأشرف صاحبنا على هذا البلد الجميل، الذي كان يبدو رجاله كأروع ما يكون إذا نظر إليه المسافر بن فوق قنطرة سكة الحديد، واستهوت هذه المناظر قلب القادم الجديد، وأخذت بلبه، فوقف هنيهة، وسبح لحظة في عالم من الخيال أو المناجاة، يحاول أن يقرأ في لوح الغيب ما كتب له في هذا البلد الطيب، ويسأل الله تبارك وتعالي في حرارة وصفاء مناجاة، أن يقدر له ما فيه الخير، وأن يجنبه ما فيه الشرور والآثام، فإنه يحس من أعماق قلبه، أنه لا بد له في هذا البلد من شأن غير شأن هؤلاء الغادين الرائحين من أهله وزائريه.

في الفندق:

ويصل المسافر إلى الفندق فيودع فيه حقيبته، وليس معه غيرها، و”زور المدرسة التي سيعمل فيها، ويلقى الناظر والمدرسين، ويتناول الجميع أطراف الحديث، ويتعرف هذا الضيف إلى صديق له قديم، هو الأستاذ إبراهيم البنهاوي أفندي المدرس القديم بالمدرسة، ورغب لم أن يرافقه في سكنه، فإذا بهذا الصديق ي!لر أن يسكن في” بنسيون” ولا يرى صاحبنا الضيف بأسا في موافقته على ما يرى، ويحتل الصديقان غرفة واحدة في منزل السيدة” أم جيمي” الإنجليزية ثم في منزل السيدة” مدام ببينا” الإيطالية.

بين المسجد والمدرسة:

ويقضى هذا المدرس الجديد وقته بين المسجد والمدرسة والمنزل، لا يحاول أن يختلط بأحد ولا يتعرف إلى غير بيئته الخاصة من زملائه في وقت العمل. أما وقت فراغه فهو مكب فيه على رياضة، أو دراسة لهذا الوطن الجديد، من حيث أهله، ومناظره وخصائصه، أو مطالعة أو تلاوة، لا يزيد على ذلك شيئا مدى أربعين يوما كاملة، ولم يزايله لحظة من اللحظات كلمة الصديق المودع.

“إن الرجل الصاع يترك أثرا صالحا في كل. مكان ينزل فيه، وإنا لنرجو أن يترك صديقنا أثرا صالحا في هذا البلد الجديد عليه”.


خلاف ديني:

وفي المسجد استطاع هذا النزيل الجديد، أن يعرف كثيرا من أنباء الإسماعيلية الدينية، وظروفها الاجتماعية، وقد عرف فيما عرف، أن هذا البلد تغلب عليه النزعة الأوربية إذ تحيط به المعسكرات البريطانية من غربيه وتكنفه مستعمرة إدارة شركة قناة السويس من شرقيه، وهو محصور بين ذلك، ومعظم أهله يعملون في هاتين الناحيتين ، ويتصلون بالحياة الأوربية من قريب، وتطالعهم وجوه الحياة الأوربية في كال مكان.. هذا البلد، مع هذا كله، فيه شعور إسلامي قوي، والتفاف حول العلماء وتقدير لما يقولون.

وقد عرف هذا النزيل فيما عرف أن مدرسا إسلاميا سبقه في هذا البلد، وطلع على أهله بنظرات، في الفكرة الإسلامية، بدت غريبة أمام معظمهم، ونشط لمقاومتها بعض علمائهم، فنتج عن ذلك انقسام بين الناس، وتحيز لآراء وأفكار لا تجتمع عليها القلوب، ولا تنبني معها الوحدة المنشودة التي لا تتحقق بدونها غاية.

إلى القهاوي مرة ثانية:

فأخذ يفكر فيما يصنع، وكيف يواجه هذا الانقسام، وهو يرى أن كل متكلم في الإسلام، يواجهه كل فريق بفكرته، ويريد أن يضمه إلى جانبه أو أن يعلم على الأقل، أهو من حزبه أو من أعاديه، وهو يريد أن يخاطب الجميع، وأن يتصل بالجميع وأن يلم شتات الجميع؟!. فكر طويلا في ذلك، ثم قرر أن يعتزل هذه الفرق كلها، وأن يبتعد ما استطاع عن الحديث إلى الناس في المساجد، فالمسجد وجهور المسجد هم الذين ما زالوا يذكرون موضوعات الخلاف، ويثيرونها عند كل مناسبة، وإذن فليترك هذا النزيل المسجد وأهله، وليفكر في سبيل أخرى يتصل بها بالناس، ولم لا يتحدث إلى جمهور القهوة في القهوة؟.


ساورته هذه الفكرة حينا، ثم اختمرت في رأسه، وبدأ ينفذها فعلا، اختار لذلك ثلاث مقاه كبيرة، تجمع ألوفا من الناس ورتب في كل منها درسين في الأسبوع وأخذ يزاول التدريس بانتظام في هذه الأماكن. وقد بدأ هذا اللون من ألوان الوعظ والتدريس الديني غريبا في نظر الناس أولا، ثم ما لبثوا أن ألفوه وأقبلوا عليه.

كان المدرس دقيقا في أسلوبه الفريد الجديد، فهو يتحرى الموضوع الذي يتحدث فيه جيدا بحيث لا يتعدى أن يكون وعظا عاما: تذكيرً بالله واليوم الآخر، وترغيبا وترهيبا، فلا يعرض لتجريح أو تعريض، ولا يتناول المنكرات والآثام التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون بلوم أو تعنيف، ولكنه يقنع بأن يدع شيئا من التأثير في هذه النفوس وكفي. وهو كذلك يتحرى الأسلوب فيجعله سهلا جذابا مشوقا، خليطا بين العامية أحيانا، ويمزجه بالمحسات والأمثال والحكايات،ويحاول أن يجعله خطابيا مؤثرا في كثير من الأحيان،وهكذا يتحايل دائما على جذب هذه النفوس باعثا الرغبة والشوق إلى ما يقول،وهو بعد هذا لا يطيل حتى لا يمل،ولكنه لا يزيد في الدرس على عشر دقائق،فإذا أطال فربع ساعة، مع الحرص التام على أن يوفي في هذا الوقت معنى خاصا، يقصد إليه، ويتركه وافيا واضحا في نفوس السامعين، وهو حين يعرض - فيما يعرض - لآية أو حديث يتخير تخيرا مناسبا، ثم يقرأ قراءة خاشعة، ثم يتجنب التفاسير الاصطلاحية، والتعليقات الفنية، ويكتفي بالمعنى الإجمالي يوضحه، والاستشهاد المقصود يشرحه.

كان لهذا المسلك أثره في الجمهور الإسماعيلى. وأخذ الناس يتحدثون ويتساءلون، وأقبلوا إلى هذه المقاهي ينتظرون، وعمل هذا الوعظ عمله في نفوس المستمعين، وبخاصة المواظبين منهم، فأخذوا يفيقون ويفكرون، ثم تدرجوا من ذلك إلى سؤاله عما يجب أن يفعلوا ليقوموا بحق الله عليهم وليؤدوا واجبهم نحو دينهم وأمتهم، وليضمنوا النجاه من العذاب، والفوز بالنعيم، وابتدأ هو يجيبهم إجابات غير قاطعة جذبا لانتباههم واسترعاء لقلوبهم، وانتظارا للفرصة السانحة، وتهيئة للنفوس الجامحة.

تعليم عملي:

وتوالت الأسئلة على المدرس من هذه القلوب المؤمنة الطيبة، ولم يشف غليلها هذا الجواب المقتضب، وألح نفر من الإخوان، في وجوب رسم الطريق التي يجب أن يسلكوها، ليكونوا مسلمين ينطبق عليهم بحق وصف الإسلام، فهم يريدون أن يتعلموا أحكام الإسلام بعد أن تحرك وجدانهم بشعور أهل الإسلام، فيشير عليهم المدرس باختيار مكان خاص يجتمعون فيه بعد دروس المقهي أو قبلها ليتدارسوا هذه الأحكام، ويقع اختيارهم على زاوية نائية في حاجة إلى شيء من الرميم والتصليح للاجتماع ولإقامة الشعائر.

يا الله.. ما أطيب قلوب هذا الشعب، وما أعظم مبادرته إلى الخير، متى وجد الداعية المخلص البريء: لقد أسرع هؤلاء الإخوان، وفيهم أهل المهن المعمارية المختلفة إلى الزاوية يرممونها، و يستكملون أدواتها، ويهيئونها لما يريدون وفي ليلتين اثنتين استطاعوا أداء المهمة على أكمل وجوهها وانعقد بالزاوية أول إجتماع.

كان المجتمعون حديثي عهد بالتعبد، أو بعبارة أدق كان معظمهم كذلك، فسلك بهم المدرس مسلكاً عملياً بحتاً. إنه لم يعمل إلى العبارات يلقيها، أو إلى الأحكام المجردة يرددها ولكن أخذهم إلى (الحنفيات) تواً، وصفهم صفاً ووقف فيهم موقف المرشد إلى الأهمال عملا عملاً، حتى أتموا وضوءهم، ثم دعا غيرهم، ثم غيرهم، وهكذا أصبح الجميع يتقنون الوضوء عملاً، ثم أفاض معهم في فضائل الوضوء الروحية والبدنية والدنيوية، وشوقهم فيما ورد في مثوبته من الأحاديث عن النبي ص من مثل قوله عليه الصلاة والسلام: “ من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره” وقوله ص: “ ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ويصلى ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة” يثير ذلك شوقهم ويرغبهم فيما ندبهم الله له. ثم ينتقل بهم بعد ذلك إلى الصلاة شارحا أعمالها، مطالبا إياهم بأدائها عمليا أمامه، ذاكرا ما ورد في فضلها، مخوفا من تركها، وهو في أثناء ذلك كله يستظهر معهم الفاتحة، واحدا واحدا، ويصحح لهم ما يحفظون من قصار السور، سورة سورة مقتصرا في حديثه إياهم على الكيفيات المشربة بالترغيب والترهيب، لا يحاول أن يفرع المسائل، أو يلجأ إلى المصطلحات الغامضة، حتى رقت للأحكام قلوبهم ووضحت في أذهانهم، ولم تعد هذه الناحية الفقهية البحتة تبدو خشنة جافة.


عقيدة الفطرة:

ثم هو في أثناء ذلك كله، وخلال كل مجلس من مجالسه، يطرق باب العقيدة الصحيحة فينميها ويقويها ويثبتها بما يورد من آيات الكتاب الحكيم، وأحاديث الرسول العظيم، وسير الصالحين، ومسالك المؤمنين والموقنين. ولا يعمد كذلك إلى نظريات فلسفية، أو أقيسة منطقية، وإنما يلفت الأنظار إلى عظمة الباري في كونه، وإلى جلال صفاته بالنظر في مخلوقاته، ويذكر بالآخرة في أسلوب وعظي تذكيري لا يعدو جلال القرآن الكريم في هذه المعاني كلها، ثم لا يحاول هدم عقيدة فاسدة إلا بعد بناء عقيدة صالحة، وما أسهل الهدم بعد البناء وأشقه قبل ذلك، وهي نظرة دقيقة، ما أكثر ما تغيب عن إدراك المصلحين الواعظين.


في زاوية الحاج مصطفي بالعراقية:

كانت هذه الزاوية الثانية هي الزاوية التي بناها الحاج مصطفي تقربا إلى الله تعالى، وفيها اجتمع هذا النفر من طلاب العلم يتدارسون آيات الله والحكمة في أخوة وصفاء تام.

ولم يمض وقت طويل حتى ذاع نبأ هذا الدرس، الذي كان يستغرق ما بين المغرب والعشاء، وبعده يخرج إلى درس القهاوي حتى قصد إليه كثير من الناس ومنهم هواة الخلاف وأحلاس الجدل وبقايا الفتنة الأولى.

وفي إحدى الليالي شعرت بروح غريبة روح تحفز وفرقة، ورأيت المستمعين قد تميز بعضهم من بعض، حتى في الأماكن، ولم أكد أبدأ حتى فوجئت بسؤال: ما رأي الأستاذ في مسألة التوسل؟ فقلت له: “ يا أخي أظنك لا تريد أن تسألني عن هذه المسألة وحدها، ولكنك تريد أن تسألني كذلك في الصلاة والسلام بعد الأذان، وفي قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، وفي لفظ السيادة للرسول الجس في التشهد، وفي أبوي النبي المجس، وأين مقرهما، وفي قراءة القرآن وهل يصل ثوابها إلى الميت أو لا يصل، وفي هذه الحلقات التي يقيمها أهل الطرق وهل هي معصية أو قربة إلى الله !. وأخذت أسرد له مسائل الخلاف جميعا التي كانت مثار فتنة سابقة وخلاف شديد فيما بينهم، فاستغرب الرجل، وقال نعم أريد الجواب على هذا كله؟ فقلت له: يا أخي لست بعالم، ولكني رجل مدرس مدني أحفظ بعض الآيات وبعض الأحاديث النبوية الشريفة وبعض الأحكام الدينية من المطالعة في الكتب، وأتطوع بتدريسها للناس. فإذا خرجت عن هذا النطاق فقد أحرجتني، ومن قال لا أدري فقد أفتى، فإذا أعجبك ما أقول، ورأيت فيه خيرا، فاسمع مشكورا، وإذا أردت التوسع في المعرفة فسل غيري من العلماء والفضلاء المختصين، فهم يستطيعون إفتاءك فيما تريد، وأما أنا فهذا مبلغ علمي ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فأخذ الرجل بهذا القول ولم يجد جوابا وأخذت عليه، بهذا الأسلوب، سبيل الاسترسال، وارتاح الحاضرون أو معظمهم إلى هذا التخلص، ولكني لم أرد أن تضيع الفرصة فالتفت إليهم وقلت لهم: “ يا إخواني أنا أعلم تماما أن هذا الأخ السائل، وأن الكثير من حضراتكم، ما كان يريد من وراء هذا السؤال إلا أن يعرف هذا المدرس الجديد من أي حزب هو؟ أمن حزب الشيخ موسى أو من حزب الشيخ عبد السميع ! وهذه المعرفة لا تفيدكم شيئا، وقد قضيتم في جو الفتنة ثماني سنوات وفيها الكفاية. وهذه المسائل اختلف فيها المسلمون مئات السنين ولا زالوا مختلفين والله تبارك وتعالى يرضى منا بالحب والوحدة ويكره منا الخلاف والفرقة، فأرجو أن تعاهدوا الله أن تدعوا هذه الأمور الآن وتجتهدوا في أن نتعلم أصول الدين وقواعده، ونعمل بأخلاقه وفضائله العامة وإرشاداته المجمع عليها، ونؤدي الفرائض والسنن وندع التكلف والتعمق حتى تصفو النفوس ويكون غرضنا جميعا معرفة الحق لا مجرد الانتصار للرأي، وحينئذ نتدارس هذه الشئون كلها معا في ظل الحب والثقة والوحدة والإخلاص، وأرجو أن تتقبلوا مني هذا الرأي ويكون عهدا فيما بيننا على ذلك..” وقد كان، ولم نخرج من الدرس إلا ونحن متعاهدون على أن تكون وجهتنا التعاون وخدمة الإسلام الحنيف، والعمل له يدا واحدة، وطرح معاني الخلاف، واحتفاظ كل برأيه فيها حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا. واستمر درس الزاوية بعد ذلك بعيدا عن الجو الخلافي فعلا بتوفيق الله وتخيرت بعد ذلك في كل موضوع معنى من معاني الأخوة بين المؤمنين أجعله موضوع الحديث أولا تثبيتا لحق الإخاء في النفوس، كما أختار معنى من معاني الخلافيات، التي لم تكن محل جدل بينهم والتي هي موضع احترام الجميع وتقدير الجميع، أطرقه وأتخذ منه مثلا لتسامح السلف الصالح رضوان الله عليه، ولوجوب التسامح واحترام الآراء الخلافية فيما بيننا.

مثل:

وأذكر أنني ضربت لهم مثلا عمليا فقلت لهم: أيكم حنفي المذهب؟ فجاءني أحدهم فقلت: وأيكم شافعي المذهب؟ فتقدم آخر، فقلت لهم: سأصلي إماما بهذين الأخوين فكيف تصنع في قراءة الفاتحة أيها الحنفي؟ فقال أسكت ولا أقرأ، فقلت وأنت أيها الشافعي ما تصنع؟ فقال أقرأ ولا بد. فقلت: وإذا انتهينا من الصلاة فما رأيك أيها الشافعي في صلاة أخيك الحنفي؟ فقال باطلة لأنه لم يقرأ الفاتحة وهي ركن من أركان الصلاة. فقلت وما رأيك أنت أيها الحنفي في عمل أخيك الشافعي؟ فقال لقد أتى بمكروه تحريما فإن قراءة الفاتحة للمأموم مكروهة تحريما. فقلت هل ينكر أحدكما على الآخر؟ فقالا: لا. فقلت للمجتمعين: هل تنكرون على أحدهما؟ فقالوا: لا، فقلت: “ يا سبحان الله يسعكم السكوت في مثل هذا وهو أمر بطلان الصلاة أو صحتها، أولا يسعكم أن تتسامحوا مع المصلي إذ قال في التشهد اللهم صل على محمد أو اللهم صل على سيدنا محمد وتجعلون من ذلك خلافا تقوم له الدنيا وتقعد” وكان لهذا الأسلوب أثره فأخذوا يعيدون النظر في موقف بعضهم من بعض، وعلموا أن دين الله أوسع وأيسر من أن يتحكم فيه عقل فرد أو جماعة وإنما مرد كل شيء إلى الله ورسوله وجماعة المسلمين وإمامهم إن كان لهم جماعة وإمام.

مجتمع الإسماعيلية

قضيت على هذا الأسلوب أكثر من نصف العام الأول الدراسي بالإسماعيلية، أعني ما بقي من سنة 1927 ثم أوائل سنة 1928 الميلادية، وقد كان هدفي في هذه الفترة دراسة الناس والأوضاع، دراسة دقيقة ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد. وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة: العلماء أولا، وشيوخ الطرق ثانيا، والأعيان ثالثا، والأندية رابعا.

فأما العلماء فقد سلكت معهم مسلك الصداقة والتوقير والإجلال الكامل، وحرصت على ألا أتقدم أحدا منهم في درس أو محاضرة أو خفة، وإذا كنت أدرس وقدم أحدهم تنحيت له وقدمته إلى الناس، وكان لهذا الأسلوب أثره في أنفسهم فظفرت منهم بالكلمة الطيبة.

ومن النكات اللطيفة أن أحد قدامى المشايخ الذين قضوا بالأزهر الشريف سنوات طوالا على نظامه الأول تقريعا - وكان من المولعين بالجدل والنقاش ومحاولة إحراج الوعاظ والعلماء والمدرسين بطرح مسائل غير مطروقة والتعرض لمعان وموضوعات مما تضمنته الحواشي القديمة والتقارير الدقيقة العميقة - حاول إحراجي ذات يوم وأنا أقص قصة إبراهيم الخليل عليه السلام على الناس، فسألني عن اسم أبيه فابتسمت وقلت له: “ يا مولانا الشيخ عبد السلام - رحمه الله - قالوا: إن سمه” تارخ” وإن آزر عمه والقرآن يقول إن آزر أبوه ولا مانع من أن يكون عمه لاستخدام ذلك في لغة العرب، وقد قال بعض المفسرين إن آزر اسم للصنم لا لأبيه ولا لعمه وإن التقدير: إذ قال إبراهيم لأبيه اترك آزر أتتخذ أصناما آلهة” - ونطقت بكلمة تارخ بكسر الراء - ولما كان هذا البيان شافيا لأمثالي، رغم إيجازه، لم يشأ أن يدع الموقف يمر في هدوء فقال: ولكن اسم أبيه تارخ بضم الراء لا بكسرها. فقلت: فليكن وهو اسم أعجمي على كل حال وضبطه الصحيح يتوقف على معرفة هذه اللغة، والمهم العظة والعبرة. وأراد هذا الشيخ رحمه الله أن يتخذ معي هذا الأسلوب في كل درس، ومعنى هذا أن يهرب العامة والمستمعون من هذا الجدل العقيم ويدعون للشيخين هذا الميدان الذي لا خير فيه، فكرت في علاج الشيخ فدعوته إلى المنزل وأكرمته وقدمت له كتابين في الفقه والتصوف هدية وطمأنته على أنني مستعد لمهاداته بما شاء من الكتب، فسر الرجل سرورا عظيما وواظب على حضور الدرس والإصغاء إليه إصغاء تاما ودعوة الناس إليه في إلحاح فقلت في نفسي: صدق رسول الله: “ تهادوا تحابوا” واستمرت هذه الطريقة ناجحة إلى حين، وللنفوس تقلباتها.

وأما رجال الطرق فقد كانوا كثرة كثيرة في هذا البلد الطيبة قلوب أهله وكان يتردد عليهم الكثير من الشيوخ. ولا أنسى مجالس الشيخ حسن عبد الله المسلمي والشيخ عبود الشاذلي، والشيخ عبد الوهاب الدندراوي وغيرهم. وفي هذه الفترة زار الإسماعيلية الشيخ عبد الرحمن سعد وهو من خلفاء الشيخ الحصافي، فهو أخونا في الطريق حينذاك، وكان يدرس ويعظ، ويرأس بعد ذلك حلقة الذكر. فقصد المسجد ولم اكن أعرفه ولا يعرفني ودرس ووعظ، ثم دعا الناس إلى الذكر، فرأيت أسلوب الطريقة الحصافية وتعرفت إليه أخيرا. ولكن الحق أنني لم أكن متحمسا لنشر الدعوة على أنها طريق خاص لأسباب أهمها: أنني لا أريد الدخول في خصومة مع أبناء الطرق الأخرى، وأنني لا أريد أن تكون محصورة في نفر من المسلمين، ولا في ناحية من نواحي الإصلاح الإسلامي، ولكني حاولت جاهدا أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية والجهاد، وهي أركان الدعوة الإسلامية الجامعة ومن أراد بعد ذلك تربية خاصة فهو وما يختار لنفسه، ولكني مع هذا أكرمت الشيخ عبد الرحمن وأحسنت استقباله، ودعوت الراغبين في الطريق إلى الأخذ عنه والاستماع إليه حتى سافر. كما تعرفت في هذه الفترة إلى السيد محمد الحافظ التيجاني الذي جاء إلى الإسماعيلية خصيصا ليحذر من دسائس البهائيين ومكايدهم، وقد كان لهم في هذا الوقت دعوة ودعاة في هذه النواحي، تقوى وتشتد وتنتشر، فأبلى البلاء الحسن في تحذير الناس منهم، وكشف خدعهم وأباطيلهم والرد عليهم، وقد أعجبت بما رأيته من علمه وفضله ودينه وغيرته وناقشته طويلا - وكنا نسهر ليالي عدة - فيما يأخذ الناس على التيجانية من غلو ومبالغة ومخالفات، فكان يؤول ما يحتمل التأويل، وينفي ما يصطدم بالعقيدة الإسلامية الصافية ويبرأ منه أشد البراءة. كانت طريقتي مع هؤلاء الشيوخ الكثيرين الذين يزورون الإسماعيلية أن أتأدب معهم بأدب الطريق وأخاطبهم بلسانهم، ثم إذا خلونا معا شرحت لكل منهم حال المسلمين وجهلهم بأوليات دينهم، وتفكك رابطتهم، وغفلتهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية، وما يهددهم من أخطار جسام في كيانهم الديني بزحف الإلحاد والإباحية على معسكراتهم ، وفي كيانهم الدنيوي بغلبة الأجانب على خيرات بلادهم، وكان المعسكر غرب الإسماعيلية ومكاتب شركة قناة السويس في شرقها مددا لا ينضب من الأمثلة على ذلك، ثم أذكرهم بالتبعة التي على كاهلهم لهؤلاء الأتباع الذين وثقوا بهم وأسلموهم قيادهم، ليدلوهم على الله ويرشدوهم إلى الخير، ثم أطلب إليهم في النهاية التربية الإسلامية الصحيحة، وجمع كلمتهم على عزة الإسلام والعمل على إعادة مجده.

ولا زلت أذكر مقابلة قابلت فيها الشيخ عبد الوهاب الدندراوي رحمه الله، فرأيت شابا في سني تقريبا، في العشرين أو الحادية والعشرين من عمره، وفيه صلاح وخير، فجلست معه موقرا إياه كل التوقير، حتى إذا انتهي المجلس العام طلبت أن أخلوا به في حجرة خاصة، ولما دخلت خلعت طربوشي فوضعته على كرسي وخلعت عمامته ووضعتها إلى جوار الطربوش، وهو يستغرب هذا العمل الذي لم يفاجأ به من أحد من قبل، وقلت له: “ يا أخي لا تنتقدني في هذا العمل فإنما فعلته لأقضي على الفارق الشكلي بيني وبينك، ولأخاطب فيك الشاب المسلم عبد الوهاب الدندراوي فقط، أما الشيخ عبد الوهاب الدندراوي فقد تركناه في المجلس العام.. إنك يا أخي في العشرين من عمرك، وكلك والحمد لله شباب وقوة وحماسة.. ها أنت ذا ترى هذه الجموع، التي جمعها الله عليك، لتقضي الليل في ذكر ونشيد، ثم لا شيء بعد ذلك، والكثير منهم شأنه من شأن غيره من المسلمين: جهالة بالدين، وبعد عن الشعور بعزة الإسلام وكرامته فهل ترض هذا؟” فقال: “ وماذا أصنع؟” قلت: العلم والتنظيم والرقابة، وتربيتهم على سيرة سلفنا الصاع، وتاريخ أبطالنا المجاهدين. وكان كلام طويل بيننا حول هذه المعاني، تأثر به الشيخ تأثرا عميقا، وتعاهدنا معا على العمل. أخوين لخدمة الإسلام العام وتركيز دعوته في النفوس، كل في ميدانه ومحيطه، وأشهد أنه ما جاء الإسماعيلية بعد ذلك إلا بدأ بزيارتي وتطميني بأنه على العهد مقيم حتى توفي رحمه الله وجزاه عن الوفاء خيرا.

مع الأعيان:

كان أعيان الإسماعيلية في هذا الوقت يمثلون فكرتين - على أثر ذلك الخلاف الديني الذي أوجده خلاف المشايخ في بعض الآراء - والحقيقة أنه كان للمعاني الشخصية والعائلية الأثر الكبير في توجيه هذا الخلاف كما هي العادة في المجتمع المصري. وكان لا بد للموظف الذي ليس من أهل البلد أن يتصل بأعيانها، وأن يغشى بيوتهم وقد انقسم الموظفون الذين يتصلون بهؤلاء الأعيان إلى معسكرين تقريبا، وكل من يتصل بهم ولكنى كنت أشعر أن طبيعة الدعوة الشاملة، وهي دعوة إخاء ومودة، تفرض على أن أتصل بالطرفين جميعا، وأن يكون هذا الاتصال في وضوح وجلاء، فكنت إذ دخلت بيت زعيم أحد الفريقين تعمدت أن أقول شيئا عن منافسه فلان، وأنه لا يضمر له إلا الخير، ويذكره بالخير كذلك. وأن من واجبهما أن يتعاونا على ما فيه مصلحة بلدهما، وأن الإسلام يأمر بهذا، إلى غير ذلك من أمثال هذه المعاني. وإذا سمعت من ينتقص أحد الفريقين في منزل الآخر رددت عليه بأن من الخير أن يكون واسطة التوفيق، وألا ينقل من الكلام إلا ما يعينه على ذلك، وأنه لا ضرورة للتورط في الغيبة، وهي إثم كبير، وهكذا.. ولا شك أن هذا الكلام كله كان ينقل للطرف الثاني، كا هي العادة في البلد الصغير - مع الأسف - فيسر به. وبهذا الأسلوب استطعت أن أظفر بصداقة الطرفين واحترامهما جميعا. ولقد كان لهذا الأسلوب أثره في اجتماع الطبقات المختلفة على دعوة الإخوان حين نشأت بعد ذلك.

الأندية:

كان في الإسماعيلية في ذلك الحين نادى العمال الذي أنشأته جمعية التعاون، والذي ما زال قائما يؤدي رسالة طيبة في محيط العمال الاجتماعي، وكان فيه نخبة من الشباب المثقف، الذي يريد أن يستمع ويتعلم، وكان هناك كذلك فرع جمعية منع المسكرات تلقي فيه بعض المحاضرات والأحاديث المتعلقة بهذا الغرض، وقد انتهزت هذه الفرصة، واتصلت بالناحيتين، وأخذت ألقي بعض المحاضرات الدينية والاجتماعية والتاريخية، التي كانت سببا في تهيئة نفوس كثير من المثقفين للدعوة المستقبلية.

عودة إلى القاهرة:

ورغم الاهتمام الكامل بتدعيم الفكرة، وتهيئة النفوس لها في الإسماعيلية، فإن ذلك لم يحل بيني وبين الإهتمام بسير التيار الإسلامي الضعيف - حينذاك - واتجاهاته في القاهرة، فكنت على صلة تامة بمجلة الفتح، وكنت أعمل جاهداً على نشر الدعوة لها في الإسماعيلية، والإكثار من مشتركيها باعتبارها شعاع النور الأول الذي يسير العاملون للحركة الإسلامية في ضوئه.

جمعية الشبان المسلمين

كما كنت على صلة تامة بمجموعة الشباب التي تعرفت إليها في القاهرة من قبل، وتعاهدنا على العمل للدعوة الإسلامية العامة.

وكم كنت سعيدا فرحا أشد الفرح حينما قرأت في الجرائد صباح يوم من الأيام نبأ الاجتماع الأول لتكوين جمعية الشبان المسلمين - وفقها الله - واختيار المرحوم عبد الحميد بك سعيد رئيساً لها على أثر مجهودات هؤلاء الإخوة من الشباب المؤمن، وأذكر أنني كتبت تواً إلى عبد الحميد بك سعيد معلنا اشتراكي بالجمعية، وواظبت على دفع الاشتراك، وتابعت خطواتها، وما طرأ عليها من تطورات وحوادث بكل اهتمام، وألقيت أول محاضرة هامة لي في القاهرة في ناديها بشارع مجلس النواب، وأظنها كانت بعنوان” بين حضارتين” وقد كنت، ولا زلت أكن لرجالها المؤسسين والعاملين فيها كل تقدير لجهودهم الإسلامية القيمة، ولا زلت أذكر منهم الدكتور يحيى الدرديري، والأستاذ محمود علي فضلي، والأستاذ محمد الغمراوي، والسيد محب الدين الخطيب وغيرهم، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.

ومن الطرائف أننا بعد أربعين يوما من نزولنا إلى الإسماعيلية، لم نستزح في الإقامة في البنسيونات، فعولنا على استئجار منزل خاص، فكانت المصادفة أن نجد دورا أعلى في منزل، استؤجر دوره الأوسط مجتمعاً لمجموعة من المواطنين المسيحيين، اتخذوا منه ناديا وكنيسة، ودوره الأسفل مجتمعا لمجموعة من اليهود، اتخذوا منه ناديا وكنيسة، وكنا نحن بالدور الأعلى نقيم الصلاة، ونتخذ من هذا المسكن مصلى، فكأنما هذا المنزل يمثل الأديان الثلاثة. ولست أنسى” أم شالوم” سادنة الكنيسة، وهي تدعونا كل ليلة سبت لنضيء لها النور، ونساعدها في” توليع وابور الجاز”، وكنا نداعبها بقولنا: إلى متى تستخدمون هذه الحيل التي لا تنطلي على الله؟ وإذا كان الله قد حرم عليكم النور والنار يوم السبت كما تدعون، فهل حرم عليكم الانتفاع، أو الرؤية؟ فتعتذر، وتنتهي المناقشة بسلام.

وحي الإسماعيلية:

وكان للإسماعيلية وحي عجيب، فهذا المعسكر الإنجليزي في غربها ببأسه وسلطانه وهيلمته وهيلمانه، يبعث في نفس كل وطني غيور. الأسى والأسف، ويدفعه دفعا إلى مراجعة هذا الاحتلال البغيض، وما جر على مصر من نكبات جسام، وما أضاع عليها من فرص مادية وأدبية، وكيف كان الحاجز الوحيد دون نهوضها ورقيها والمانع الأول من وحدة العرب واجتماع كلمة المسلمين طوال ستين سنة.

وهذا المكتب الأنيق الفخم، مكتب إدارة شركة قناة السويس في بهائه وروعته وسلطانه وسطوته، واستخدامه للمصريين ومعاملته إياهم معاملة الأتباع المضطهدين، وإكرامه للأجانب ورفعه إياهم إلى مرتبة السادة والحاكمين، واسئثار هذا المكتب بالإشراف التام على كل المرافق العامة، فالنور والمياه، والنظافة، وكل ما هو من شأن المجالس البلدية تقوم عليه الشركة، حتى الطرق والمداخل التي توصل إلى الإسماعيلية البلد المصري الصميم كلها في يد الشركة، فلا دخول إلا بإذنها ولا خروج إلا بموافقتها.

وهذه المنازل الفخمة المنتشرة في حي الإفرنج بأكمله، ويسكنها موظفو الشركة الأجانب، وتقابلها مساكن العمال العرب في ضآلتها وصغر شأنها والشوارع الأنيقة في حي العرب كلها تحمل لوحات لم تكتب إلا بلغة هذا الاحتلال الاقتصادي الجاثم على صدورها، حتى شارع المسجد كان مكتوبا هكذا... ذلك إلى تخليد الأسماء الأجنبية على هذه اللوحات” نجرللي”، “لبير”،” أوجيني”، إلخ..

كل هذه المعاني والخواطر، كانت تتفاعل وتعمل عملها في النفس، بخاصة إذا خلا المتأمل فيها بنفسه، بين خمائل الإسماعيلية، وحدائقها الغناء، أو في شاطىء بحيرة التمساح الجميلة، أو في جوف الغابات الصناعية على حافة الصحراء.

لقد أوحت الإسماعيلية بالكثير من المعاني، التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية.

الإخوان المسلمون

وفي ذي القعدة سنة 347 1 هـ، مارس سنة 1928 م - فيما أذكر - زارني بالمنزل أولئك الإخوة الستة: حافظ عبدالحميد، أحمد الحصري، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمن حسب الله، إسماعيل عز، زكي المغربي، وهم من الذين تأثروا بالدروس والمحاضرات التي كنت ألقيها، وجلسوا يتحدثون إلي وفي صوتهم قوة، وفي عيونهم بريق، وعلى وجوههم سنا الإيمان والعزم، قالوا: “ لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريق العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين، ولقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلة والقيود، وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب. ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا، وهذه الدراهم القليلة، من قوت أبنائنا، ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك، أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسئول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل، وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبتغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر، وإن قل عددها وضعفت عددها”.

كان لهذا القول المخلص أثره البالغ في نفسي، ولم أستطع أن أتنصل من حمل ما حملت، وهو ما أدعو إليه وما أعمل له، وما أحاول جمع الناس عليه، فقلت لهم في تأثر عميق: “ شكر الله لكم وبارك هذه النية الصالحة، ووفقنا إلى عمل صالح، يرضي الله وينفع الناس، وعلينا العمل وعلى الله النجاح. فلنبايع الهم على أن نكون لدعوة الإسلام جندا، وفيها حياة الوطن وعزة الامة !.

وكانت بيعة...

وكان قسما أن نحيا إخوانا نعمل للإسلام ونجاهد في سبيله.

وقال قائلهم: بم نسمي أنفسنا؟ وهل نكون جمعية أو ناديا، أو طريقة أو نقابة حتى نأخذ الشكل الرسمي؟ فقلت: لا هذا، ولا ذاك،دعونا من الشكليات،ومن الرسميات، وليكن أول اجتماعنا وأساسه: الفكرة والمعنويات والعمليات. نحن إخوة في خدمة الإسلام، فنحن إذن” الإخوان المسلمون.”. وجاءت بغتة... وذهبت مثلاً... وولدت أول تشكيلة للإخوان المسلمين من هؤلاء الستة: حول هذه الفكرة، على هذه الصورة وبهذه التسمية.

مدرسة التهذيب:

ثم تشاورنا في مكان الاجتماع وما نعمل فيه، واتفقنا أخيرا على أن نستأجر حجرة متواضعة في شارع فاروق في مكتب الشيخ علي الشريف بمبلغ 60 قرشا في الشهر. نضع فيها أدواتنا الخاصة ونجتمع فيها اجتماعاتنا الخاصة، على أن يكون لنا حق الانتفاع بأدوات المكتب بعد انصراف التلاميذ ابتداء من العصر إلى الليل ويسمه هذا المكان”مدرسة التهذيب” للإخوان المسلمين، ويكون منهاجه دراسة إسلامية قوامها تصحيح تلاوة القرآن بحيث يتلوه الأخ المنتسب إلى هذه المدرسة. وبالتالي إلى الدعوة وفق أحكام التجويد. ثم محاولة حفظ آيات وسور. ثم شرح هذه الآيات والسور وتفسيرها تفسيراً مناسبا. ثم حفظ بعض الأحاديث وشرحها كذلك. وتصحيح العقائد والعبادات وتعرف أسرار التشريع وآداب الإسلام العامة. ودراسة التاريخ الإسلامي وسيرة السلف الصالح والسيرة النبوية. بصورة مبسطة تهدف إلى النواحي العملية والروحية. وتدريب القادرين على الخطابة والدعوة تدريبا علميا بحفظ ما يستطاع من النظم والنثر، ومادة الدعوة. وعمليا بتكليفهم التدريس والمحاضرة في هذا المحيط أولا. ثم في أوسع منه بعد ذلك. وحول هذا المنهاج تربت المجموعة الأولى من الإخوان المسلمين الذين بلغوا في نهاية العام المدرسي” 27 9 1 - 28 9 1” سبعين أو أكثر قليلاً. ولم يكن هذا المنهاج التعليمي هو كل شيء.

فقد كانت معاني التربية العملية التي تتفاعل في أنفسهم بالمخالطة والتصرفات الواقعية والود والمحبة فيما بينهم، والتعاون الكامل في شئون حياتهم، وتهيؤ نفوسهم لما في ذلك من خير أقوى العوامل في تكوين هذه الجماعة. وأذكر أنني دخلت على الأخ السيد أبو السعود - رحمه الله - تاجر الخردوات، فرأيت الأخ مصطفي يوسف يشتري منه” زجاجة ريحه” والمشتري يريد أن يدفع عشرة قروش والبائع يأبى أن يأخذ أكثر من ثمانية قروش، وكلاهما لا يريد أن يتزحزح عن موقفه. كان لهذا المنظر أعمق الأثر في نفسي، وتدخلت في الأمر، فطلبت فاتورة الشراء فوجدت أن الثمن الأساسي الذي اشترى به الأخ سعيد سيد أبو السعود - رحمه الله - هو الذي يريد أن يبيع به لأخيه” الدستة بستة وتسعين قرشا”..

فقلت له: يا أخي. إذا كنت لا تكسب من صديقك ولا يشتري منك عدوك فمن أين تعيش؟ فقال: لا فارق بيني وبين أخي، ويسرني أن يتقبل مني هذا العمل، فقلت للأخ مصطفي: ولماذا لا تتقبل رفد أخيك؟ فقال: إذا كنت أشتريها من الخارج بهذه العشرة فأخي أولى بهذه الزيادة، ولو عرفت أنه يقبل أكثر منها لزدت وبالتدخل انتهينا إلى تسعة قروش.

ليس الشأن شأن قرش أو قرشين، ولكنه شأن هذا المعنى النفساني الذي لو انتشر في الناس واستشعروه واستولى على أنفسهم لانحلت المشكلة الفردية والاجتماعية والعالمية، ولعاش الناس سعداء آمنين.

علم هؤلاء الإخوان أن أحد إخوانهم متعطل عن العمل، فجاء أكثر من عشرة منهم كل واحد يهمس في أذنه على انفراد يعرض كل مدخر من مال ليكون رأس مال يعمل فيه أخوه المتعطل واكتفيت ببعضهم وشكرت الآخرين، فانصرفوا وهم آسفون لما فاتهم من فضل المساعدة.

نماذج من تصرفات الرعيل الأول

كان هؤلاء الإخوة مثلا رائعا ونماذج طيبة من التمسك بأحكام الإسلام الحنيف في كل تصرفاتهم، والتأثر بأخلاقه ومشاعره فيما يصدر عنهم من قول أو عمل، سواء أكان ذلك مع أنفسهم أو مع غيرهم من الناس.

استدعى المسيو سولنت باشمهندس القنال ورئيس قسم السكسيون الأخ حافظ ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله وسأله عما يطلب من أجر فقال 130 قرشاً. فقال المسيو سولنت بالعربي: “ أنت حرامي”. فتمالك الأخ نفسه وقال له بكل هدوء: ولماذا؟ فقال: لأنك تأخذ أكثر من حقك. فقال له: لن آخذ منك شيئاً ومع ذلك فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من مرؤوسيك، فإن رأي أنني طلبت أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي أن أقوم بالعمل مجاناً، وإن رأي أنني طلبت أقل مما يصح أن أطلب فأسامحك في الزيادة. واستدعى الرجل فعلا مهندسا وسأله فقدر أن العمل يستوجب 200 قرشاً، فعرفه المسيو سولنت وأمر الأخ حافظ أن يبتدئ العمل. فقال له سأفعل ولكنك أهنتني فعليك أن تعتذر وأن تسحب كلمتك. فاستشاط الرجل غضباً وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم وقال: تريد أن أعتذر لك ومن أنت؟!، لو كان الملك فؤاد نفسه ما اعتذرت له. فقال حافظ في هدوء أيضاً: وهذه غلطة أخرى يا مسيو سولنت فأنت في بلد الملك فؤاد وكان أدب الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام وأنا لا أسمح ك أن تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام. فتركه وأخذ يتمشى في البهو الفسيح ويداه في جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته وجلس على كرسي واتكأ على منضدة وسادت فترة سكوت لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو الثائر الحائر. وبعد قليل تقدم من حافظ وقال له: إفرض أنني لم أعتذر لك فماذا تفعل؟ فقال الأمر هين سأكتب تقريراً إلى قنصلكم هنا وإلى سفارتكم أولاً ثم إلى مجلس إدارة قناة السويس بباريس ثم الجرائد الفرنسية المحلية والأجنبية ثم أترقب كل قادم من أعضاء هذا المجلس فأشكوك إليه، فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك استطعت أن أهينك في الشارع وعلى ملأ من الناس وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلال الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريق. فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع” أفوكاتو لا نجار” ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس فكيف تتصور أن أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني لا في وطنك وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة وستنتهي ثم تعود إلينا فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا فكيف تتصور أن أدع حقي لك وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى وبعد فترة عاد مرة ثانية وعلى وجهه أمارات التأثر وطرق المنضدة بيده في عنف مرات وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي. فقام الأخ حافظ بكل هدوء وقال: متشكر يامسيو سولنت. وزاول عمله حتى أتمه.

وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سولنت مائة وخمسين قرشا فأخذ منها مائة وثلاثين قرشا ورد له العشرين. فقال له خذها” بقشيشا” فقال: لا. لا. حتى لا آخذ أكثر من حقي فأكون” حرامي” فدهش الرجل. وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون كل الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت” فاميلي محمد” فقال حافظ يا مسيو سولنت كل المسلمين” فاميلي محمد” ولكن الكثير منهم عاشروا” الخواجات” وقلدوهم ففسدت أخلاقهم. فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحاً قائلا: متشكر. متشكر. كتر خيرك. وفيها الإذن بالانصراف.

وكان الأخ حسن مرسي يعمل عند الخواجه مانيو ويخرج نموذجا ممتازا من صناديق الراديو. وكان الصندوق حينذاك يتكلف جنيها تقريبا. فجاء أحد الخواجات من أصدقاء مانيو وساوم الأخ حسن علي أن يصنع له بعض الصناديق بنصف القيمة. على ألا يخبر بذلك الخواجة مانيو فيستفيد حق النصف الذي يأخذه ويستفيد هذا الخواجة النصف الباقي. وكان مانيو يثق في الأخ ثقة تامة، وقد أسلم إليه كل ما في الدكان من خامات وأدوات. وأراد صديق مانيو أن يستغل هذه الثقة، ولكن الأخ حسنا ألقى عليه درسا قاسيا في الأخلاق وقال له: إن الإسلام وكل دين في الوجود يحرم الخيانة، فكيف بمن وثق في هذه الثقة. وإني لأعجب أن تكون صديقه ومن جنسه ودينه ومع ذلك تفكر في خيانته، وتحاول أن تحملني على مثل ذلك. يا هذا: يجب أن تندم على هذا التفكير الخاطىء وثق بأنني سوف لا أخبر الخواجة مانيو بعملك هذا حتى لا أفسد صداقتكما، ولكن بشرط أن تعدني وعدا صادقا بألا تعود إلى مثل ذلك. ولكن هذا الخواجه كان سخيفا، فقال له إذا سأخبر الخواجه مانيو بأنك أنت الذي عرضت علي هذا العرض. وهو سيصدقني ولا شك فإنه يثق بكلامي كل الثقة، وسيترتب على ذلك إخراجك من العمل وفقدانك لهذه المنزلة التي تتمتع بها عنده، وخير لك أن تتفق معي وتنفذ ما أريد، فغضب الأخ وقال له: افعل ما تشاء. وسيكون جزاؤك الخزي إن شاء الله ونفذ الرجل وعيده وجاء مانيو يحقق في الأمر، فاكتسحت أضواء الحق ظلمات الباطل وأخبره الأخ حسن بالأمر ولم يشك الرجل أبدا في صدقه، وطرد هذا الصديق الخائن وقطع صلته به،وزاد في راتب الأخ جزاء أمانته.

وهذا الأخ عبد العزيز علام النبي الهندي الذي يعمل”ترزيا” في المعسكر الإنجليزي تدعوه زوجة أحد كبار الضباط لبعض الأعمال الخارجية بمهنته. لتنفرد به في المنزل وتغريه بكل أنواع المغريات فيعظها وينصح لها ثم يخوفها ويزجرها. فتهدد بعكس القضية تارة، وبتصويب المسدس إلى صدره تارة أخرى، وهو مع ذلك لا يتزحزح عن موقفه قائلا: إني أخاف الله رب العالمين. وكم كان جميلا ومضحكا في وقت واحد أن توهمه في إصرار أنها قد قررت قتله وستعتذر عن ذلك بأنه هاجمها في منزلها وهم بها، وتصوب المسدس إليه فيغمض عينيه ويصرخ في يقين لا إله إلا الله محمد رسول الهز، فتفاجئها الصيحة ويسقط المسدس على الأرض ويسقط في يديها فلا ترى إلا أن تدفعه بكلتا يديها إلى الخارج حيث ظل يعدو إلى دار الإخوان المسلمين.

هكذا كان أولئك الإخوان. وحوادثهم في هذه المعاني كثيرة ومن أجل ذلك بارك الله الدعوة التي استنارت بها مثل هذه القلوب وصدق الله العظيم” ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الهإ الأمثال للناس لعلهم يتذكرون”.

جاءت الإجازة فقضيتها بالقاهرة حينا وبالمحمودية حينا آخر، وفي هذه الفترة بدأت الجمعية الحصافية بالمحمودية تتحول في شكلها وهدفها إلى الصورة الجديدة التي تكيفت بها الدعوة في الإسماعيلية: صورة” الإخوان المسلمين” وبعد نهاية الإجازة عدت إلى الإسماعيلية فكانت السنة الثانية المدرسية سنة حافلة بكثير من الطرائف والحوادث الشخصية والمتصلة بالدعوة.

إلى الحجاز

لم تنقطع صلتي بجمعية الشبان المسلمين طوال هذه الفترات فكنت أبعث إليها بكثير من التقارير والملاحظات، وكان القائمون عليها يشعرون تمام الشعور بهذه الصلة الروحية التي تربطنا رغم البعد عن القاهرة. ومن ذلك أن فضيلة الشيخ حافظ وهبة مستشار جلالة الملك ابن آل سعود حضر إلى القاهرة رجاء انتداب بعض المدرسين من وزارة المعارف إلى الحجاز ليقوموا بالتدريس في معاهدها الناشئة، وكانت الحكومة المصرية لم تعترف بعد بالحكومة السعودية تنفيذا للسياسة الإنجليزية التي تفرق دائماً بين الأخوين، على حين كان الشعب المصري بأسره يستنكر هذا الوضع الشاذ، وكانت الطبقة المثقفة ترى في نهضة الحجاز الجديدة أملاً من آمالها وأمنية من أمانيها، فاتصل الشيخ حافظ وهبة بجمعية الشبان المسلمين لتساعده في اختيار المدرسين، فاتصل بي السيد محب الدين الخطيب وحدثني في هذا الشأن فوافقت مبدئيا وكتب إلي بعد ذلك الأستاذ محمود علي فضلي سكرتير الشبان المسلمين حينذاك بتاريخ 13 / 10 / 28 هذا الخطاب:

“عزيزي البنا أفندي: أهديك أزكى سلامي وتحياتي وأرجو أن تكون بخير. سبق أن كلمكم الأستاذ محب الدين الخطيب عن مسألة التدريس بالحجاز، وقد أرسل إلينا عبد الحميد بك سعيد لإخبارك بتحرير طلب لوزير المعارف”عن طريق المدرسة” تبين فيها رغبتك في الالتحاق بمدرسة المعهد السعودي بمكة، على أن تحفظ لك الوزارة مكانك بمصر وتمنحك علاواتك عند الرجوع مثل باقي إخوانك، وأملي أن تبادروا بإرسال الطلب حتى يمكن عرضه على مجلس الوزراء سريعا. وختاما تقبلوا فائق تحياتي”.

وجاءني بعد ذلك الخطاب التالي بعد الديباجة من الدكتور يحيى الدرديري المراقب العام للجمعية بتاريخ 6 نوفمبر سنة 1928،”هذا ونرجو التفضل بالحضور يوم الخميس المقبل الساعة 7 مساءً بإدارة الجريدة وذلك لمقابلة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ حافظ وهبة مستشار جلالة الملك ابن آل سعود للإتفاق معه على السفر وشروط الخدمة للتدريس في المعهد السعودي بمكة، وفي انتظار تشريفكم تفضلوا بقبول وافر تحياتي وأسمى اعتباراتي”.

وفي الموعد التقينا وكان أهم شرط وضعته أمام فضيلة الشيخ حافظ ألا أعتبر موظفا يتلقى مجرد تعليمات لتنفيذها، بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين، شعارها العمل بكتاب الها وسنة رسوله وتحري سيرة السلف الصالح وأما ما عدا ذلك من حيث المرتبات والامتيازات المادية وما إليها فلم أجعله موضع حديث فيما بيننا، وقد أظهر سروره لهذه الروح ووعدني أنه سيقابل وزير الخارجية ويتفاهم معه في هذا الشأن ويفيدني. وعدت إلى الإسماعيلية فكتب إلي فضيلته بتاريخ 12 نوفمبر سنة 1928 هذا الخطاب: “ عززي الأستاذ حسن البنا: تحية واحتراما وبعد: فقد قابلت اليوم صاحب المعالي وزير الخارجية وتكلمت معه فيما يتعلق بمسألتكم فأخبرني بأنه يرى من المستحسن مقابلتكم معه كي يسلمكم خطابا لوزير المعارف الذي هو على أتم استعداد لمساعدتكم ومساعدة كل من يريد السفر من الموظفين. وتقبلوا فائق احترامي”..

وحضرت من الإسماعيلية وقابلت مع فضيلته وزير الخارجية الذي اتصل بوزير المعارف وأظنه كان حينذاك أحمد باشا لطفي فلم يجده وعدت إلى الإسماعيلية وواصل الشيخ حافظ مساعيه ولكنه لم ينجح إذ وقفت أمامه عقبة عدم الاعتراف بحكومة الحجاز. وكتبت إليه أستوضحه ما وصل إليه فكتب إلى بعد الديباجة” السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإني أهدي إليك أعظم احتراماتي: لقد تناولت بيد السرور كتابكم الكريم وإني لآسف أشد الأسف على إجابة وزارة المعارف بالرفض بعد تأكيد معالي وزير الخارجية ووزير المعارف لعبد الحميد بك سعيد، وإنني سأواصل المسعى وأسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه رضاه، إني أشكرك من صميم قلبي على شريف إحساسك ونبيل عواطفك نحوي، هذا وتقبل فائق احترامي”.


وطبعاً لم تسفر هذه المساعي عن شيء وظللت بالإسماعيلية، وانتدب لهذه المهمة الزميل الفاضل الأستاذ إبراهيم الشورى فقام بها خير قيام ولعل في هذا الاستعراض الطريف ما يدلنا على مبلغ ما كنا فيه وما صرنا إليه إذ أصبحت الحكومة المصرية تبعث بمندوبيها في كل بلد من بلدان العالم العربي والإسلامي، وبلغ التعاون الثقافي هذا الحد المطمئن والحمد لله.

مشروع الوعظ والارشاد

وكان من مظاهر نشاط الدعوة الإسلامية أن فكر الأزهر الشريف في مشيخة الأستاذ المراغي رحمه الله - الأولى، وبمساعي بعض ذوي الغيرة على نشر تعاليم الدين وثقافته في الأمة أن أنشأ قسم الوعظ والإرشاد وأسندت رياسته وإدارته إلى العالم الغيور فضيلة الشيخ عبد ربه مفتاح رحمه الله. ولقد كانت تلك أمنية طالما تناولناها بالحديث مع أنفسنا نحن شباب الدعوة حينذاك ومع المسئولين من علماء الأزهر وشيوخه. وكان من أوائل الذين وقع عليهم الاختيار لتولي مهمة الوعظ والإرشاد الأخ العزيز فضيلة الشيخ حامد عسكرية رحمه الله، وكان من توفيق الله وجميل صنعه أن عين بالإسماعيلية فاجتمعنا فيها على الدعوة معا. وكان - رحمه الله - عليها خير معوان.


دار الإخوان ومسجدهم بالإسماعيلية

وفي إحدى جلسات الإخوان الخاصة دار الحديث حول وجوب تركيز الدعوة في هذا البلد الأمين، وخصوصاً والذين يقومون بها من الموظفين وهم عرضة للتنقل في البلاد فاقترح أحد الإخوان بناء دار خاصة بالجماعة، وعدل آخر هذا الاقتراح بأن يكون مع الدار مسجد لقلة المساجد في البلد من جهة ولنضمن مساعدة الجمهور لنا ماديا في البناء من جهة أخرى، وكان المجتمعون لا يزيدون على العشرين تقريباً، وتحمس جميعهم للفكرة وأنا ساكت فقالوا ماذا ترى في هذا الشأن؟ فقلت: أما المبدأ فجميل ولكن التنفيذ يحتاج إلى شروط أولها: إخلاص النية لله ثم توطيد النفس على المشقة والصبر والمثابرة ثم الكتمان ودوام النشاط، وأن نبدأ بأنفسنا في البذل والتضحية، فإذا كنتم صادقين فيما تتحمسون له الآن فعلامة ذلك أن تكتتبوا أنتم فيما بينكم أولاً بخمسين جنيها توزعونها في هذه الجلسة على أنفسكم، ويدفع كل منكم ما يخصه إلى الاخ سيد أفندي أبو السعود في ظرف أسبوع من هذا التاريخ ولا تذكروا ذلك لأحد ولا تتحدثوا عنه حديثاً خاصاً أو عاماً ثم نجتمع بعد هذا الأسبوع في مثل هذه الليلة، فإذا كنتم قد أكملتم هذا الإكتتاب وحافظتم على الكتمان فثقوا بأن مشروعكم سيتم إن شاء الله، وفي الليلة المحددة اجتمعنا فسلمنا الأخ سيد أفندي أبو السعود رحمه الله خمسين جنيها كاملة وكان ذلك فألاً حسناً في جدية العمل.

نموذج:

لاحظت أن الأخ الاسطي علي أبو العلا قد صار يتأخر نحوا من نصف ساعة عن موعد اجتماعنا الليلي المحدد، فسألته عن السبب، فاعتذر ببعض الأعذار التي لا تستوجب ذلك. وبالبحث علمت وعلم الإخوان أنه قد خصه من الإكتتاب السابق 150 قرشاً، ولما لم يكن عنده هذا المبلغ، فإنه قد اضطر أن يبيع عجلته ويعود من عمله في نمرة 6 التي تبعد عن البلد 6 كيلو مترات ماشياً، ودفع ثمنها مساهمة منه في اكتتاب دار الإخوان.

وقد أكبر الإخوان في أخيهم هذه الصنيع، فاكتتبوا له في شراء عجلة جديدة قدموها هدية إليه تقديراً لبذله الكريم وشعوره النبيل.


الاكتتاب للمسجد بالأرض والمال:

وأردنا أن نوقف الناس أمام الأمر الواقع، فبحثنا عن قطعة أرض نشتريها أو يتبرع بها صاحبها لهذا العمل الجليل، وعلمنا خلال البحث أن للحاج علي عبد الكريم - رحمه الله - قطعة أرض مناسبة تصلح لهذا الغرض، وكان الرجل - رحمه الله - صالحاً يحب الخير، كما علمنا أنه يود بناءها مسجدا، فتحدثنا إليه في هذا الشأن، وسر به وقبل، وكتبنا معه عقدا ابتدائيا بتنازله عن هذه القطعة، واعتبرنا ذلك أول التوفيق.

معاكسات:

ولكن دعوة الحق في كل زمان ومكان لا بد أن تجد لها من المعارضين والمناوئين من يقف في طريقها، ويعمل على معاكساتها وإحباطها، ولكن النصر لها في النهاية، سنة الله”فلن تجد لسنة الله تبديلا. ولن تجد لسنة الله تحويلا”.”وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفي بربك هاديا ونصيرا” “وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون” الآيات.”وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم” الآيات. وكذلك كان نصيب الدعوة بالإسماعيلية فإنه ما كاد يظهر إعجاب الناس بها والتفافهم حولها وتقديرهم للعاملين لها حتى أخذت عقارب الحسد والضغينة تدب في نفوس ذوي الأغراض، وراحوا يصورون الدعوة والداعين للناس بصور شتى: فهم تارة يدعون إلى” مذهب خامس” وهم أحيانا شباب طائش لا يحسن عملا ولا يؤمن على مشروع، وهم أحيانا نفعيون مختلسون يأكلون أموال الناس بالباطل وهكذا، وما إن علموا أن الشيخ علي عبد الكريم قد تنازل عن قطعة الأرض حتى ضيقوا عليه الخناق، وملئوا نفسه بالوشايات والدسائس وكان الرجل سليم الصدر يتأثر بمثل هذا القول فكانت فتنة انتهت بأن سلمته ورقة التنازل عن طيب خاطر وطمأنينة نفس، فقد كنت أحس إحساساً عميقاً بأن هذا المشروع سيتم بحول الله وقوته. وانتهزها المرجفون فرصة أخذوا يشيعون فشل المشروع وانتهزناها نحن فرصة وأخذنا ننتفع بتنبه الأذهان إليه واتصلنا بالناس نزيل من أنفسهم الشبهات ونكشف لهم عن الحقائق ونقنعهم بالدليل والبرهان، ونجمع بعد ذلك ما يجودون به من تبرع، وجزى الله الأخ الشيخ حامد عسكرية خير الجزاء وأفسح له في جنته فقد كان الفارس المجلى في هذه الحلبة وبذل من الوقت والجهد مالا يقدره إلا الله. ولقد كان يسهر في كثير الليالي من عشاء إلى الفجر يدور على الناس في منازلهم وحوانيتهم ومجتمعاتهم وقد ينسى نفسه مرات كثيرة، فيحرمها السحور في رمضان، كما أني أذكر بالخير والتقدير الرجل الشهم الصالح الشيخ محمد حسين الزملوط الذي ناصر المشروع أكبر مناصرة بنفسه وماله، فتبرع بمبلغ 500جنيه وقبل أن يكون أمين صندوق اللجنة، فبعث عمله هذا الثقة والطمأنينة في نفوس الآخرين، ووقف بجانب المشروع حتى أتمه بكل خير.

وبحثنا بعد ذلك عن قطعة أرض أخرى، فلم نجد إلا قطعة في آخر حي العرب، فاشتريناها، ووقع على عقد البيع الرجلان الصالحان الشيخ محمد حسين الزملوط - رحمه الله - والحاج حسين الصولي - أكرمه الله وأمد في عمره المبارك - بتفويض من الجمعية التي كانت حينذاك قد تشكلت بوضع الجمعيات القانونية، وصار لها نظام أساسي، ومجلس إدارة وجمعية عمومية إلى آخره.

فضيلة الأخ الشيخ حامد في شبراخيت:

وقد انتهت هذه المعاكسات من ذوي الأغراض بأن واصلوا الشكاوى المجهولة إلى إدارة الوعظ والإرشاد، وترتب على ذلك انتقال الأخ الشيخ حامد عسكرية رحمه الله إلى شبراخيت بحيرة. فكان هذا الانتقال خيرا وبركة على الدعوة من جهة إذ أنشئت شعبة شبراخيت التي كان عنها إنشاء مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم وبناء مسجد فخم وعمارة ضخمة وقفت على المسجد والمدرسة، ورحم الله الوجيه الصالح الشيخ قاسم جويد الذي كان عضد الأخ الشيخ حامد ومساعده الأيمن في هذا المشروع العظيم. وإن كان هذا الانتقال فجيعة لنا نحن إخوان الإسماعيلية حينذاك.

لن أنسى ذلك اليوم الشديد الحر الذي قضينا أصيله أمام منزلنا بالعرايشية في ظل ظليل ونسيم عليل ونحن نتجاذب أطراف الحديث، ونبني صروح الآمال ونترقب تحقيقها في ثقة واطمئنان على أهدأ ما نكون نفسا.

وقد حركت هذه الجلسة في نفسي شعوراً خفياً فقلت له: يا شيخ حامد إنني لم أشعر بمثل هذا الصفاء والفرح النفساني كما أشعر بذلك الآن، وإني ليخطر ببالي قول القائل: “ وعند صفو الليالي يحدث الكدر” ولا أدري ما هذا الخاطر الذي أخذ يعكر في نفسي هذا الصفاء.

فأخذ يسري عني وانصرفنا إلى دار الإخوان فإذا بنا نجد خطاب النقل فنظر كلانا لأخيه وقال كل منا لصاحبه: خير إن شاء الله ستستفيد الدعوة من هذه الحركة ولا شك. والمؤمن خير أينما كان.

ولن أنسى كذلك زيارة فضيلة الأستاذ الشيخ عبد ربه مفتاح مفتش الوعظ والإرشاد لنا بالإسماعيلية قبل هذا الحادث ومبيته معنا في هذا المنزل الذي كنا نسكنه معا العرايشية وكيف أنه لاحظ أن كل أخ من الإخوان تقريباُ معه مفتاح لهذا البيت وأن الكثير منهم في الصباح تقدموا إلينا بطعام الفطور إذ ليس عندنا من يقوم بذلك، فأخذت هذه المعاني في نفسه رحمه الله وقال في تأثر: ماذا صنعتم بهؤلاء الناس وكيف جمعتم هؤلاء الإخوان، وبعثتم في أنفسهم هذه النواحي الروحية العملية من الحب والألفة؟. فقلت له: لم نفعل شيئا من هذا ولا فضل لنا فيه وصدق الله العظيم: “ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم”.

وجاءت الإجازة الصيفية وقضيتها بين القاهرة والمحمودية وعدت إلى الإسماعيلية عند بدء الدراسة، وأخذت الألسنة تطول والكلام يكثر حول مشروع المسجد الذي لم يتم بعد. ومضت عليه فترة الإجازة وهو في استراحة تامة وسمعت هذا اللغط فلم أعبأ به ولم أحاول الرد عليه وأنا لا أعلم قاعدة أفادتني كثيرا في سير الدعوة العملي وهي أن الإشاعة وأكاذيب لا يقضى عليها بالرد ولا بإشاعة مثلها، ولكن يقضى عليها بعمل إيجابي نافع يستلفت الأنظار ويستنطق الألسنة بالقول فتحل الإشاعة الجديدة وهي حق مكان الإشاعة القديمة وهي باطل.

وعلى هذا فقد كان لا بد من عمل، فبدأت تواً مع الإخوان واشتريت مركبين من الأحجار واتفقنا يوم وصولهما أن نتولى نحن حملها بأنفسنا من المرسى إلى أرض المسجد. وقد كان ذلك وكان يوماً عظيماً عند الإخوان وانطلقت ألسنة الجمهور بالحديث وأعتقد الناس أن المشروع جدي لا هزل فيه فتحركت الهمم وبادر من اكتتبوا بدفع بقية اكتتابهم وأعلنا عن وضع الحجر الأساسي، وأذكر أننا حددنا له يوم 5 المحرم من سنة 1348 الهجرية وجزى الله الأخ العزيز محمد أفندي سليمان” حمادة أفندي” صاحب قطعة الأرض خير الجزاء فقد أكرم المشروع في ثمنها ويسر للإخوان سبيل الاستيلاء عليها، وكان ذلك -من مظاهر توفيق الله لنا التي لازمت المشروع في كل خطواتة.

وضع الحجر الأساسي:

اقترب اليوم المحدد لوضع الحجر الأساسي للمسجد والمدرسة” وهي دار الإخوان” فاجتمع الإخوان وأخذوا علي أن أكون واضع هذا الحجر، فأفهمتهم أن ذلك سوف لا يعود على المشروع بفائدة مادية أو أدبية، ومن الخير أن نفكر في الاستفادة من هذا المظهر للمشروع فأخذوا يستعرضون أسماء من يضعونه من كبار الموظفين أو الأعيان وكان نكتة من النكت البارعة أن أذكر اسم أحط كبار الموظفين فقال بعض الإخوان تعليقاً على ذلك: وما الذي يدعوكم إلى اختياره... لا هو صالح ترجى بركته ولا هو غني تستفيدون من ماله. وذهبت مثلا، وسألني الإخوان ما رأيك إذن؟ فقلت وأين أنتم من الشيخ الزملوط - رحمه الله – ذلك الذي وقف إلى جانبكم من أول الأمر وأفادكم بجاهه وماله وهو رجل صلاح واستقامة وخير وثروة ترجى بركته وماله معاً، فقالوا: حسن جميل. واستقر الأمر على ذلك.

وفي الموعد المحدد أقام الإخوان سرادقاً فخماً ودعي الناس على اختلاف طبقاتهم وكان اجتماعاً شعبياً رائعاً، وتقدم الشيخ محمد حسين فوضع الحجر الأساسي بنفسه، وتفاءل الإخوان خيراً فأعلنوا أنه لن يمضي رمضان هذا العام حتى يكون الله قد أذن لهذا المسجد بالتمام.


زيارة شبراخيت وافتتاح شعبتها:

عمل الأستاذ الشيخ حامد رحمه الله جاهداً في شبراخيت فلم تمض على نقله إلا عدة شهور حتى تأسست شعبة شبراخيت، وانتهزنا فرصة شهر الله المحرم وحفل الهجرة من هذا العام فقررنا افتتاح هذه الشعبة، وجهزنا نحن إخوان الإسماعيلية سيارة يقودها الأخ العزيز حسن أفندي مصطفي، وشددنا الرحال متوكلين على الله العلي الكبير إلى المحمودية حيث قضينا ليلة مع إخوانها وأصبحنا إلى شبراخيت جميعاً وإخوان المحمودية معنا في سيارة أخرى حيث حضرنا حفل افتتاح الشعبة، وعدنا إلى الإسماعيلية فقطعنا المسافة في نحو عشر ساعات ذهاباً ومثلها إياباً بالسير الحثيث.

رعاية الله:

وأذكر أننا في الطريق وقد وصلنا إلى زفتى حوالي الساعة الثانية صباحاً وجدنا أن الكوبري مغلق فلم يكن بد من أن نمر على قناطر”دهتورة”، في طريق كثيرة التعاريج والإلتواءات لا يعرفها السائق وليس بها خبيرا، وكنا في العاشر من الشهر العربي تقريباً والقمر يلقي أضواءه على الماء فيبدو كأنه أرض مستوية، وجاوزنا القناطر أو خيل لنا ذلك واندفع السائق في سيره ولم يرعنا إلا وقوفه فجأة وتأملنا فإذا نحن على لسان من الأرض ممتد في الماء لا يزيد عرضه على عرض عجلات السيارة. ومعنى هذا أننا إذا حاولنا النزول ففي الماء وإذا حاولنا الحركة فقد تنحرف يد السائق شمالاً أو يميناً ولا شيء إلا الماء أيضاً. والعجيب أن مقدم السيارة لم يكن بينه وبين اللسان إلا نصف متر تقريباً.


واضطرب بعض الإخوان وحاول التحرك من موضعه فكان الأمر حازماً جازماً بعدم الحركة حتى تهدأ السيارة والأعصاب ونفكر فيما سيكون وضحكت وقلت لأمين الطعام أين الشاي المحفوظ عندك؟ فقال: ولماذا؟ فقلت: نشرب فقال وتمزح في هذه الساعة؟ وكان هذا الأخ محمود أفندي الجعفري وكان خفيف الروح عذب الحديث شجاع النفس بادي المروءة، فقلت له بل أجد يا محمود فهات الشاي وامتثل الأمر، وأخرج الترمس من جانبه وصب شايا وأخذنا نشرب ونحن على حافة الموت فعلا ولكنها رعاية الله. وبعد أن هدأنا وهدأ السائق والسيارة أخذ الأخ حسن يوسف وهو قائدنا وسائقنا الماهر يتحرك إلى الخلف في سرعة لا تزيد عن بطء السلحفاة وكله حذر وأعصاب. ومضى نصف ساعة تقريباً ونحن على هذه الحال حتى انتهينا إلى عرض مناسب في الطريق واندفعنا إلى الصراط المستقيم وأنجانا الله من هول هذه اللحظات. وكان عجيباً كذلك أن نصل إلى الإسماعيلية حوالي الساعة السادسة صباحاً تقريباً فنرى أن السيارة نفد كل ما فيها من زيت ولا ندري بم كانت تسير، وهي والمصادفة الموفقة أن يوافق نفاد الزيت نهاية الشوط والحمد لهو على منه وكرمه وجميل لطفه” إن ربي لطيف لما يشاء”..

مباحث:

وأذكر أننا في هذه الرحلة أيضاً وقفنا بالقرب من ديرب نجم على مفترق طرق زراعية متشابهة لم ندر أيها نسلك، وتلفتنا لنجد أحداً نسأله فلم نجد في الحقول ولا على رؤوس هذه الطرق أحداً، وأخيراً تذكر أحدنا وهو الأخ الأومباشي محمد شلش - وكان بقسم روض الفرج إذ ذاك وقد رغب أن يصاحبنا في هذه الرحلة - أن معه صفارة البوليس فأخرجها ونفخ فيها فتسارع الخفراء من كل مكان، وجاء أقربهم فأخذ التعظيم العسكري ببندقيته وسأل مين يا أفندم؟ فقال له الأخ شلش: “ مباحث” وأسر في أذنه كلاماً ثم قال له أين الطريق؟ فدلنا الخفير عليه بكل أدب، وأخذنا وجهتنا إلى حيث نريد وقلت للأخ شلش لماذا تكذب؟ فابتسم وقال: ما كذبت فإنما نحن مباحث عن الحق وعن الخير وعن الدين ولو قلت له غير ذلك لما رضي إلا بأن نصحبه إلى العمدة ومن يدري كيف يتصرف معنا العمدة فقد نحجز عنده إلى الصباح ونحن لا وقت عندنا لهذا كله، وكانت نكتة طريفة وتخلصاً أشد طرافة.


ضد النظام القائم

وخطونا بنجاح في بناء المسجد وارتفع البناء، وأذن بالنهاية الموفقة فاشتدت تبعاً لذلك -الدسائس والفتن من حولنا، وقام المغرضون من كل مكان يريدون الحيلولة دون تمام هذا العمل النافع، فلم يجدوا سلاحاً إلا الدس والوشايات والعرائض المجهولة فكتبوا بهذا إلى السلطات المحلية بالإسماعيلية من البوليس والنيابة وغيرها. ولما لم يجدهم ذلك نفعاً كتبوا عريضة بتوقيع لفيف من أهالي الإسماعيلية إلى رئيس الحكومة رأساً وهو إذ ذاك صدقي باشا ضمنوها أموراً غريبة منها: أن هذا المدرس شيوعي متصل بموسكو ويستمد المال من هناك لأنه يبني مسجدا] وداراً ويصرف على جمعية ودعوة ولا يكلف الناس مالا فمن أين له هذا؟ وكانت بدعة الشيوعية في ذلك الوقت” موضة جديدة” في مصر وكان صدقي باشا أيضا يحاربها أشد المحاربة، ومنها: أن هذا المدرس وفدي يعمل ضد النظام الحاضر نظام صدقي باشا ويقول إن الانتخابات بهذه الصورة باطلة وأن دستور سنة 30 باطل كذلك، وأنه إنما سافر إلى البحيرة لعمل دعاية ضد هذا النظام، وأنه ألقى محاضرة في نادي العمال في أكتوبر سنة 1930 عن أبي بكر الصديق فقال:: إن انتخابه كان انتخاباً مباشراً ولم يكن من درجتين وأن الانتخابات من درجتين باطل لهذا السبب، ومنها: أنه يتفوه ضد جلالة الملك فؤاد والي النعم بألفاظ يستحي من ذكرها، وأنه ألقى في أكتوبر أيضا محاضرة أخرى عن عمر بن عبد العزيز قال فيها: إن عمر بن عبد العزيز لم يأخذ من بيت المال شيئا أبدا، ولكن ملوك هذا الزمان يأخذون أموال الرعية بالباطل. وذلك في الوقت الذي سجن فيه الأستاذ العقاد بتهمة العيب في الذات الملكية، وفصل فيه أربعة من المدرسين بمدرسة الظاهر الإبتدائية لهذه الشبهة، ومنها: - وقد نسي الكاتبون البند الأول - أن هذا المدرس يجمع من الأهلين أموالاً لينفقها في مشروعات لمدارس ومساجد لا ندري أنى يذهب بها مع أن القانون المالي يمنع الموظفين من جمع الأموال وهو يخالف هذه المخالفة بين سمع الحكومة وبصرها، إلى غير ذلك من أمثال هذه الاتهامات التي بلغت اثنتي عشرة تهمة - كلها باطل - وما فهمت معني قول الله تبارك وتعالى: “ يأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون”، إلا من مثل هذه العريضة، وذلك أنني ألقيت فعلاً المحاضرتين المشار إليهما في الموضوع والزمان والمكان المحددة فيها، ولكن لم أحاول هذا التطبيق الأخير وهذا تعمق في الكيد والفتنة لا يعرفه إلا من درب على أن يلبس الحق بالباطل. ولله في خلقه شئون.

تحقيق:

وفي صباح يوم من الأيام وأنا في طريقي إلى الفصل لإلقاء الدرس الأول أو الثاني رأيت ناظر المدرسة وكان إذ ذاك” الأستاذ أحمد عبد الهادي سابق” على باب حجرته ينظر إلي نظرات فيها غرابة فدلفت إليه وقلت السلام عليكم ورحمة الله صباح الخير يا حضرة الناظر، فابتسم وقال وعليكم السلام صباح الخير، في لهجة فهمت أن وراءها شيئاً فقلت: خيراً إن شاء الله فقال: خير خير. فقلت: إيه الحكاية لازم فيه حاجة، فقال حاجة !!... محكمة الجنايات يا أستاذ حسن... محكمة الجنايات يا حبيبي وكلنا كده إن شاء الله بربطة المعلم، فقلت: جميل... لماذا؟...

فقال: عريضة من رئيس الوزراء إلى وزير المعارف تقول إنك شيوعي ضد النظام القائم وضد الملك وضد الدنيا كلها. فقلت: بس كده الحمد لله رب العالمين والله يا بك إذا كنا برءاء فاسمع قول الله تعالى: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن اله لا يحب كل خوان كفور” وإذا كنا نخدع الناس بهذا الجهاد في سبيله وهذه الدعوة إلى دينه فإن محكمة الجنايات وجهنم قليل على الذين يخدعون الناس عن الدنيا بلباس الدين، فلا تهتم ودعها لهع وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. أقسم لك أنه لن يكون إلا الخير، عن إذنك فقد مضى بعض وقت الحصة وهذه مخالفة لا أحبها وتركت الرجل في مكانه مستغرباً هذه الردود، وانصرفت إلى الدرس وكلي ثقة وطمأنينة بأن هذا عبث أطفال ولن ينتهي إلا إلى النتيجة المحتومة لمثله إهمال ونسيان.

كان المطلوب من الناظر أن يتحرى كل ما جاء في هذه العريضة بكل وسائل التحري ويفتش على كراسات التحضير عندي وعلى الموضوعات التي أدرسها للتلاميذ في المحفوظات والمطالعة أو الإملاء مثلاً، وعن منهاج الجمعية وخطتها وآثارها وهكذا. وأن يبدي في ذلك رأيه واضحاً فلم يجد بداً من أن يستعين بكل من يرى أنه يفيده في هذا الشأن فأشرك معه قاضي المحكمة الأهلية ووكيل النيابة ومأمور المركز ومعاون البوليس وكتب لأمثالهم ممن نقلوا وجمع كل هذه المعلومات وضم إليها قانون الجمعية وتقريراً وافيا عن أعمالها، واطلع على الكراسات فوجد أول قطعة من الإملاء موضوعا عن زيارة الملك فؤاد رحمه الله للقناة في رحلة من بور سعيد إلى السويس وفيه ثناء عليه وتعداد لمآثره فنقله بنصه في تقريره، وأرفق به فيما أذكر كراسة من كراسات التلاميذ واهتم لذلك اهتماما عظيما إذ كان متهما بوفديته، وجاء في العريضة تعريض بهذا المعنى وأراد الرجل أن يدفع عن نفسه وعن الحق.

شهادة:

ومن الطرائف أن معاون البوليس حينذاك قد كان اليوزباشي حسن الشريف النبايوسي كان يكتب تقريره وهو متضايق أشد الضيق مما جاء في هذه العريضة من أكاذيب إذ دخل عليه أحد كتاب شركة القناة غير المصريين فسأله عن سبب ما يبدو عليه من ضيق فأخبره الخبر فدهش الرجل وقال: هذا كلام فارغ أنا رأيت الشيخ حسن في يوم مرور الملك فؤاد بالإسماعيلية يقول للعمال: لازم تذهبوا إلى الأسكلة وتحيو الملك حتى يفهم الأجانب في هذا البلد أننا نحترم ملكنا ونحبه، فيزيد احترامنا عندهم وأنا مستعد أن اكتب لك شهادة بالفرنساوي وأظنه كتبها وأظنها أرفقت بالملف وأظن هذا الكاتب هو المسيو توفيق كيروز الذي لا يزال بالإسماعيلية إلى الآن.

ومن الطرائف كذلك أنه جاء في تقرير أحد رجال البوليس بهذه المناسبة أن كثيرا من الذين لم تنفع معه وسائل التأديب البوليسية ولم تردعهم عن ارتكاب بعض الزلات قد أفلحت معهم الوسائل الروحية التي تؤثر بها جماعة الإخوان ! على نفوسهم فصاروا من أمثلة الاستقامة والصلاح، وأنه يقترح أن تشجع الحكومة وتعمل على تعميم فروع هذه الجماعة في البلاد حتى يكون في ذلك اكبر خدمة للأمن والإصلاح.

علي بك الكيلاني عضو الإخوان:

وصدر هذا الملف الضخم من مدرسة الإسماعيلية الابتدائية إلى وزارة المعارف ووزيرها حينذاك فيما أظن علي ماهر، وبعد قليل فوجئنا بزيارة علي بك الكيلانى مراقب عام التعليم الابتدائي للإسماعيلية. وفي الحصة الثانية زارني ومعه ناظر ووقف يتأمل ملياً في هذا المدرس. ثم التفت إلى الناظر مبتسما وقال: “ هو ده كله الأستاذ حسن” فابتسم الناظر أيضا وقال: أهوه ده يا بيه ! وابتسمت بدوري وقلت: يا بيه يضع سره، وانصرفا وأتممت الدرس وخرجت فسلمت بدوري على المراقب في حجرة الناظر وعرفت منه أنه سيقضي ليلته بالإسماعيلية وحدثني فقال: لقد أرعبتنا عريضتك هذه يا أستاذ، إن رئيس الحكومة حولها إلى وزير المعارف وهو حولها إلي فقلت: وما شأني أنا برجل شيوعي فوضوي يجمع الملايين ويتبعه الآلاف كما تقول هذه العريضة، وحولها إلى المراقب العام المساعد عبد الرحيم بيك عثمان فجاءني يقول: وإذا كان شأن هذا المدرس هكذا فماذا نصنع معه؟ إنه خطر شديد الخطورة، وقد يكون وراء تحقيقنا معه ما وراءه.

وخطر ببالنا ونحن نتفاهم احتمال كذب هذه العريضة ولفت نظرنا لذلك ما فيها من تناقض فقلنا: أسلم الطرق تحويلها للناظر وقد كانت التقارير التي جاءتنا وافية شافية، ولكنى اشتقت إلى الرجل الذي أثار هذه الضجة فجئت لأزورك زيارة شخصية فلا تعتبرها زيارة تفتيش أو رسميات ولكن جئت لرؤيتك فقط، فشكرت له ذلك وانتهزتها فرصة وقلت له: ذلك جميل يا سيدي ومن حقي عليك إتماماً للزيارة وللجميل أن تزور بناء المسجد والمدرسة لترى بنفسك أثراً من أثار هذه الدعوة والجماعة فوعد بذلك آخر النهار وجهز الإخوان أنفسهم وفي وسط البناء نظموا حفل شاي متواضع واستعد خطباؤهم وزجالوهم للقول، وبر الرجل بوعده وحضر وهو يظن أنها مجرد زيارة ففوجئ بهذا الشاي، ودعوت في هذه الفترة القصيرة الأعيان وكبار الموظفين بالبلد وشددت في دعوة المغرضين والمشتركين في العريضة ليروا بأنفسهم حبوط فتنتهم.

والتأم الجمع وانتظم الحفل وتعاقب الخطباء ودهش الرجل وبخاصة حين كان يسمع أن هذا الخطيب نجار والآخر جنايني والثالث مكوجي وهكذا فقال: عجيب هذه أعجب مدرسة رأيتها، ولم يتمالك نفسه بعد نهاية الخطب أن قام فتناول وساما من أوسمة الإخوان” وكان شارة الإخوان إذ ذاك وساما من الجوخ الأخضر كتب عليه الإخوان المسلمون، فلبسه وأعلن انضمامه للجماعة وحيا المجتمعين بكلمات طيبات”.


ولا زلت أذكر قولته: لا أجد لهذه المدرسة ولا لرئيس هذه الجماعة وصفاً إلا أن أقول إنها مدرسة عجيبة ورجل مدهش، وأنا منذ هذه اللحظة عضو بالإخوان المسلمين إن قبلتموني معكم وبقي لي في المعارف أشهر قليلة أكون بعدها في المعاش وأعاهدكم أنني سأقف كل جهدي ووقتي على خدمة هذه الدعوة إن أحياني الله، وكأنما كان الرجل يحس بدنو أجله فما إن خرج إلى المعاش حتى وافاه الأجل المحتوم بعده بقليل فاحتسبناه واحتسبته الدعوة، ومات من المجاهدين بالنيات رحمه الله رحمة واسعة.


تفريق بين العنصرين:

و لا أزال أذكر أن من هذه العرائض عريضة بتوقيع” مسيحي” جاء فيها أن هذا المدرس المتعصب الذي يرأس جمعية متعصبة اسمها الإخوان المسلمون يفرق بين أبناء العنصرين في الفصل فيتعمد إهانة التلاميذ من المسيحيين وإهمالهم وعدم العناية بهم، ويؤثر الطلاب من المسلمين بكل اهتمامه وأسئلته وتوجيهاته. وأن ذلك سيحدث فتنة كبرى إن لم تتداركها الوزارة بنقل هذا المدرس، وقد أحدث تحويل هذه العريضة إلى الناظر للرد عليها دوياً هائلا بين مواطنينا المسيحيين بالإسماعيلية الذين استنكروا هذا العمل أشد الاستنكار، وجاء وفد عظيم من أعيانهم وعلى رأسه راعي الكنيسة الأرثوذكسية هناك إلى المدرسة معلنا استنكاره، وكتب المواطن الفاضل جرجس سوريال أفندي رئيس جمعية الكنيسة، والمواطن الفاضل يعقوب أفندي فرج رئيس جمعية الإحسان القبطية، والمواطن الفاضل فهمي أفندي عطية من كبار الموظفين ومعه أعيان الطائفة وكبارها من رجال وسيدات، وكتبت الكنيسة بختمها وتوقيع حضرة الأب راعيها الفاضل عرائض وخطابات استنكار أرفقها الناظر بتقريره الذي ختمه بقلمه: أرجو وزارة المعارف ألا ترهقنا بمثل هذه المجهولات وأن تحقق فيها بمعرفتها بعد أن ثبت أنها جميعاً أمور كيدية لا يراد من ورائها خير.

المساجد بالإسماعيلية وافتتاح مسجد الإخوان

وقد تأذن الله تبارك وتعالى لهذا المسجد بالتمام رغم كل العقبات التي وضعت أمامه ولم يأت رمضان من هذا العام 1348 فيما أذكر حتى كان تهيأ لإقامة الشعائر وافتتح في صلاة العشاء من ليلة 17 رمضان تفاؤلاً بأنها ليلة غزوة بدر، وليلة نزول القرآن الكريم كذلك أخذاً من قوله تعالى: “واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان” فهو يوم الفرقان وهو يوم التقاء الجمعين كذلك والله أعلم، وإليه ذهب ابن إسحاق.

وكان افتتاحه في حفل فخم دعي إليه الإخوان من الإسماعيلية ومن شبراخيت، وقد أجمع الإخوان على أن أكون الإمام في أول صلاة لهذا المسجد وصمموا على ذلك كما صمموا على أن يكون الافتتاح بيدي أيضاً قطعاً لأطماع الطامعين ممن لا يستحقون. ولكن الأستاذ أحمد السكري رئيس الإخوان بالمحمودية حينذاك فاجأ الحاضرين بأن تقدم إلى شريط الباب فقطعه وأعلن الافتتاح فقضى ذلك على آمال المترقبين وكان لطمة لهم يستحقونها، وفاجأتهم أنا في المحراب بتقديم الأخ الأستاذ الشيخ حامد عسكرية إلى صلاة أول فريضة في هذا المسجد اعترافاً بفضله في إنشائه والعمل على إتمام مشروعه، وقضي الأمر.

ولقد كان مشروع المسجد خيراً وبركة على البلد بالنسبة لإنشاء المساجد، فقد بعثت الهمة والأريحية الحاج يوسف وآل فراج من كرام الأهلين بالإسماعيلية والعرايشية إلى بناء مسجد آخر في أقصى البلد في جهة أحوج ما تكون إلى مسجد، وقد أبت همتهم إلا أن يسابقوا الإخوان في مسجدهم وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. فتم المسجدان في يوم واحد ودعينا لافتتاح مسجد الحاج يوسف رحمه الله وهكذا يسمى الآن. وصمم على أن نفتتحه قبل مسجدنا ومن حسن الحظ أن اليوم كان يوم جمعة فجعلنا صلاة الجمعة في هذا المسجد المبارك وصلاة العشاء من هذا اليوم في مسجد الإخوان فكانا فتحين في يوم واحد.

كما دفعت الأريحية كذلك الحاج محمد جاد رحمه الله وهو من خيار الأهلين بالإسماعيلية كذلك إلى إنشاء مسجد ثالث باسمه في حي آخر يحتاج إلى المساجد أيضاً، وقد أتمه الله على خير حال.

وتحركت همة الحاج مصطفي وهو السابق في إنشاء مسجد العرايشية فوسع هذا المسجد وأضاف إليه مساحة جديدة وتحسينات كثيرة.

وهكذا كان مسجد الإخوان قائمة مشروعات طيبة في البلد الأمين الإسماعيلية.


زيارة صدقي باشا لسيناء

وصادف في هذه الأثناء أن اعتزم صدقي باشا - وهو رئيس الحكومة حينذاك - زيارة سيناء وكان طبيعيا أن يمر بالإسماعيلية. واهتزت الإدارة لهذا النبأ وأخذ في الاستعداد لاستقبال رئيس الحكومة وحشد الناس له بالمحطة ليقابلوه، وحضر المحافظ مرة وحضر مأمور الضبط بعد ذلك. وأخذوا يفكرون فيمن يخطب له في هذا الاستقبال، ولست ادري أي خبيث دلهم علي، فقالوا إن فلاناً وهو موظف من موظفي الدولة يخطب له، ودعيت إلى القسم وفاتحني في هذا مأمور الضبط وهو صابر بك طنطاوي مدير البحيرة الآن ومأمور القسم وآخرون من رجال الإدارة، فغضبت لذلك غضباً شديداً وقلت لهم إنني اكتب لكم استقالتي الآن.

إذا كنتم تظنون أن الموظف أداة تتحرك بإرادة الناس فأنا الذي أقدر قيمة نفسي لا وزارة المعارف ولا يمكن أبدا أن أضع نفسي في هذا الموضع، وأنا أعالم تماماً أن التعاقد الذي بيني وبين وزارة المعارف لا يلزمني بأكثر من أن أحسن عملي في التربية والتعليم. وليس فيه نص على الخطابة لرؤساء الحكومات، وكلام طويل من هذا القبيل، وأمام هذا الإصرار لم يجدوا بداً من انتداب أحد الأعيان للقيام بهذه المهمة..

هبة شركة القنال:

وقبل أن يتم بناء المسجد بقليل وقد أوشكت النقود المجموعة أن تنفد، وأمامنا بعد مشروع المسجد مشروع المدرسة والدار وهي من تمامه بل كلها مشروع واحد تصادف أن مر البارون دي بنوا مدير شركة القنال ومعه سكرتيره المسيو بلوم فرأي البناء فسأل عنه وأخذ عنه معلومات موجزة، وبينما أنا في المدرسة إذ جاءني أحد الموظفين يدعو في لمقابلة البارون بمكتبه بالشركة فذهبت إليه فتحدث إلي عن طريق مترجم بأنه رأي البناء وهو يود أن يساعدنا بتبرع مالي وهو لهذا يطلب منا رسماً ومذكرة للمشروع، فشكرت له ذلك وانصرفت ووافيته بعد ذلك بما طلب ومضى على ذلك شهور كدنا ننسى فيها البارون ووعده ولكني فوجئت بعد ذلك بدعوة ثانية منه إلى مكتبه، فذهبت إليه فرحب بي ثم ذكر لي أن الشركة اعتمدت مبلغ خمسمائة جنيه مصري للمشروع، فشكرت له ذلك، وأفهمته أن هذا المبلغ قليل جدا ولم يكن منتظرا من الشركة تقديره لأنها في الوقت الذي تبني فيه على نفقتها كنيسة نموذجية تكلفها 500000خسمائة ألف جنيه أي نصف مليون جنيه تعطي المسجد خمسمائة فقط، فاقتنع بوجهة نظري وأظهر مشاركتي فيها ولكنه أسف لأن هذا هو القرار، ورجانى قبول المبلغ على أنه إذا استطاع أن يفعل بعد ذلك شيئا فلن يتأخر. وشكرت له مرة ثانية وقلت إن تسلم المبلغ ليس من اختصاصي ولكنه من اختصاص أمين الصندوق الشيخ محمد حسين الزملوط الذي تبرع وحده بمثل ما تبرعت به الشركة وسأخبره ليحضر لتسلمه، وقد كان. وتسلم أمين الصندوق المبلغ، وطبعاً لم يفكر البارون في عمل شيء آخر ولم نفكر نحن في أن نطلب منه شيئاً كذلك.

فقه أعوج:

وثارت ثائرة المغرضين حين علموا هذا النبأ وانطلقت الإشاعات تملأ الجو” الإخوان المسلمون يبنون المساجد بمال الخواجات وآزرتها الفتوى الباطلة ممن يعلم وممن لا يعلم: كيف تصح الصلاة في هذا المسجد وهو سيبنى بهذا المال؟ وأخذنا نقنع الجمهور بأن هذه خرافة فهذا مالنا لا مال الخواجات والقناة قناتنا والبحر بحرنا والأرض أرضنا وهؤلاء غاصبون في غفلة من الزمن. وأراد الله أن يكون المسجد قد تم والحمد لله فلم توضع فيه أموال الخواجات، ووضعت في دار الإخوان المسلمين بالذات”وكان الله عل كل شيء قديرا” وبذلك سكنت الثائرة وانطفأت الفائرة. وهكذا يكون الفقه الأعوج، ولله في خلقه شئون.


معهد حراء الإسلامي:

وشاء الله تبارك وتعالى وتم بناء المدرسة فوق بناء مسجد الإخوان وكنت إذ ذاك حديث عهد بما درسناه من المثل العليا في التربية والمربين. ولا زالت صورة بستالوتزي في مدارسه في بتوهافن واستانز ويرجدورف وقرون وصورة فرويل في مدرسة جريشم وكيلهو.. إلخ وطرق هربارت وينتسوري في صناعة التعليم لا تزال كل هذه الصور تتراءى في الذهن غضة طرية. لكن في وضع جديد يتناسب مع الميول الإسلامية والآمال الإسلامية التي ركزتها النشأة وغذتها الدعوة، فما أن تم بناء المدرسة حتى أطلقنا عليها اسماً إسلاميا هو” معهد حراء الإسلامي” واشترطنا للتلاميذ زيا خاصاً: هو جلباب ومعطف من نسيج وطني، وطربوش أبيض من صناعة وطنية كذلك وصندل من صناعة وطنية أيضاً. كما كانت أوقات الدراسة مخالفة لمثلها في المدارس.

فهي تتمشى إلى حد كبير مع أوقات الصلاة فتبدأ في وقت مبكر وتنتهي الفترة الأولى قبل صلاة الظهر حيث يؤدي التلاميذ جميعاً الصلاة مع الجماعة في المسجد يعودون بعد الغداء وقبيل العصر ليؤدوا الصلاة مع الجماعة أيضاً.كان منهاج المعهد التعليمي ذا ثلاث شعب: القسم الأول منه يتمشى مع منهاج المدارس الأولية الكاملة ليجهز التلميذ للأزهر والمعاهد الدينية، والقسم الثاني يتمشى مع المدارس الأولية أول النهار ومع المدارس الصناعية آخره فيتوجه الطلاب بعد الغداء إلى مصانع وورش أهلية يديرها إخوان تعهدوا بتعليم هؤلاء الطلاب الصناعة بإشراف المعهد ورجاله وفق نظام خاص، والقسم الثالث يتمشى مع منهاج المدارس الابتدائية الأميرية ليجهز للثانوي فالعالي وهكذا. وفرضت على الطلاب مصروفات مدرسية مناسبة ليس فيها إرهاق وزيدت نسبة المجانية بحسب ظروف أولياء أمور الطلاب واستحضر للمعهد نخبة من المدرسين الفنيين ذوي المؤهلات والشهادات العالية.

أقبل الناس على معهد حراء إقبالاً عظيماً، وكانت طرائق التعليم فيه مبتكرة تتمشى مع أحدث نظريات التربية، فكثير من الدروس كان يلقى في الهواء الطلق وبين خمائل الإسماعيلية وأفنان حدائقها الغناء، وكانت الحروف الهجائية ومبادئ الحساب تعلم بالمحسات من الطين أو الصلصال أو الكرات، وكان للتلاميذ حرية واسعة في أن يصارحوا المدرسين بكل ما يدور في أنفسهم من تعب أو إرهاق أو خواطر، وكانت الصلة بين الطالب والأستاذ وبين المدرسة والمنزل على أتم ما تكون من التعاون والوئام. ولا يزال كثير من شباب الإسماعيلية اليوم يذكرون فضل هذا المعهد. ويجدون في أنفسهم حلاوة ما وجدوا فيه من معاني التراحم والتعاطف بين الطلاب والمدرسين.

وقد تطور هذا المعهد، من وضعه النموذجي بعد مغادرتي الإسماعيلية إلى مدرسة ابتدائية لم تحظ بتشجيع وزارة المعارف، بل كان لها القسط الأكبر من معاكستها، والحمد لله الذي يحمد على كل حال حتى عادت مدرسة أولية عادية. وكانت العقبة الكأداء في سبيل نجاح الوضع الأول ندرة الصنف الذي يعتبر نفسه صاحب رسالة، لا طالب وظيفة بين الناس، لقد كنت أنتهز فرصة الحصص الخالية في جدولي في أثناء اليوم الدراسي، فأذهب توا إلى المعهد لألقي درساً فيه على الطلاب بحضور بعض المدرسين، وكنت ألقي على المدرسين أنفسهم توجيهات طويلة عريضة في أثناء دروسهم وبعد انتهائها، وأشترك مع الكثير منهم في تحضير الدروس، وكنت أصاحب طلاب المعهد جميعاً إلى الحدائق وحدي، أو بمصاحبة بعض المدرسين أو ضباط النظام في المعهد، حيث أقضي معهم اكثر من ساعتين بعد نهاية الدروس أعني إلى وقت الغروب تقريباً في نزهة أبيح لهم فيها حق السؤال وحرية الانتقال، وحرية اللعب، وحرية المزح، وأشاركهم في ضروب من هذا كله، حتى أن الكثيرين من هؤلاء الناشئين لم يكن يخفي عني شيئاً من شئونه الداخلية، أو المنزلية، ويشعر وأشعر معه بأنني منه بمنزلة الوالد، أو الأخ الكبير، كل هذا كنت أصنعه وأحاول أن أشعر المدرسين أن المقصود منه أن يكونوا كذلك، وأن يعتبروا أنفسهم حملة رسالة ودعاة فكرة، وبناة جيل. وكان هذا يثمر فعلاً في الكثير منهم، كما كان يذهب هباء منثوراً عند الكثير كذلك، وما أحوج مجتمعنا إلى الذين يعملون بأرواحهم لا بأشباحهم وبضمائرهم لا برقابة غيرهم عليهم، والقلوب بيد الله يقلبها كيف شاء.

الشيخ محمد سعيد العرفي

وبمناسبة معهد حراء الإسلامي وشعبته أذكر أن هذا الاسم من وضع الأخ المفضال العالم العامل الفاضل المجاهد الشيخ محمد سعيد العرفي عالم دير الزور ونائبها السابق في مجلس النواب السوري، وثائرها على الظلم والاحتلال الفرنسي. وقد صادر الفرنسيون أملاكه وكتبه وحكموا عليه بالنفي، فحضر إلى مصر، واستأجر حجرة متواضعة في زقاق ابن يونس بالسيدة عائشة بحي القلعة بالقاهرة أسماه القصر العالي، وتعرفنا إلى الرجل فعرفنا فيه صدق الدين وقوة اليقين، والعلم الواسع في المعقول والمنقول والشجاعة والنجدة، وعلو الهمة، فهو عالم وطبيب وضابط وعابد معاً، تلقى العلم على شيوخه الأجلاء، والتحق بالجيش التركي فرقي إلى ضابط، واتصل بالقسم الطبي بالجيش، فأفاد علم الطب. وكان رامية يرمي فيصيب عشرة في عشرة، وكان مع ذلك أديبا مؤرخاً، راوياً للمنظوم والمنثور حلو الحديث، حسن الدعابة فكه المحضر، حاضر البديهة، صوفياً في تعبده وتقشفه، فيلسوفاً في تفكيره ونظراته. وقد أفدنا من صحبته الكثير، وزار الإسماعيلية فقضى معنا فيها أياماً كانت من أجمل الأيام وأسعدها، وعلم عزمنا على إنشاء المدرسة، وأخذنا نفكر في تسميتها، فقال: الإسماعيلية بلد الدعوة وهذه أول مدرسة تنشئها الدعوة والدعوة دعوة القرآن، والقرآن أول ما نزل في حراء فأطلقوا عليها معهد حراء، وقد كان. كان الشيخ سعيد العرفي ينام أربع ساعات على الأكثر في الليل ويستيقظ قبل الفجر، فيطرق علينا حجراتنا ويصيح: “ فيقوا فيقوا” إن بعد الحياة نوماً طويلاً، فنقوم ونصلي ونحمد الله ونشكر له هذا الصنيع.

كان يقول يا أخى سم، فأقول: وما أسم يا سيد محمد؟ فيقول سم إخوانك وأصحابك ومنشآتك، قل لهذا إنك تشبه أبا بكر، ولهذا: إنك تشبه عمر، فإن ذلك يبعث فيهم الحمية، ويدفعهم إلى القدوة الحسنة والأسوة الصالحة فأقول: يسلقنا الناس بألسنة حداد، فيقول: مالك وللناس. كن مع الله وافعل كل ما فيه الفائدة وسم منشآتك: معهد حراء للبنين، مدرسة أمهات المؤمنين للبنات، نادي الخندق.. إلخ، لتبقى هذه الذكريات في النفوس.

كان يقول لي دائما اسمع: لا تتحرج أبداً من أن تضم إلى الدعوة المقصرين في الطاعات المقبلين على بعض المعاصي الخسيسة ما دمت تعرف منهم خوف الله، واحترام النظام، وحسن الطاعة، فإن هؤلاء سيتوبون من قريب، وإنما الدعوة مستشفي فيه الطبيب للدواء، وفيه المريض للاستشفاء. فلا تغلق الباب في وجه هؤلاء، بل إن استطعت أن تجتذبهم بكل الوسائل فافعل، لأن هذه هي مهمة الدعوة الأولى. ولكن احذر من صنفين حذراً شديدا ولا تلحقهما لصفوف الدعوة أبداً: الملحد الذي لا عقيدة له، وإن تظاهر بالصلاح فإنه لا أمل في إصلاحه وهو بعيد عنكم بأصل العقيدة، فما ترجون منه؟ والصالح الذي لا يحترم النظام، ولا يقدر معنى الطاعة، فإن هذا ينفع منفرداً، وينتج في العمل وحده، ولكنه يفسد نفوس الجماعة: يغريها بصلاحه، ويفرقها بخلافه، فإن استطعت أن تستفيد منه وهو بعيد عن الصفوف فافعل، وإلا فسد الصف واضطرب، والناس إذا رأوا واحدا خارج الصف لا يقولون خرج واحد، ولكن يقولون صف أعوج فاحترس من هذا كل الاحتراس؟

وكان يقول: العالم معلق بخيوط من الوهم. وإنما يكشف الإيمان وحده الحقائق أمام المؤمنين، ولهذا ينتصرون وإن ضعفت قوتهم، ويهزم غيرهم وإن استعد، ومن هنا كان الإيمان أقوى أسلحة العاملين في الحياة.

وكان يقول إني لأعرف إقبال الدنيا وإدبارها في كل شيء، فإذا أقبلت أقبل كل شيء، حتى إن اللص الداعر ليتقدم إلى ليسلمني نفسه بمجرد مروري في الطريق، وإذا أدبرت أدبر معها كل شيء، حتى إن دابتي الذلول تجمح وتستعصي ولم يكن ذلك لها بخلق، ولقد دخلت مصر مرتين: مرة وأنا السيد محمد سعيد العرفي وجيه دير الزور وعالمها، فاستقبلني على إفريز القطار كبراء بلدكم وعظماؤه حتى خجلت من نفسي، ومرة وأنا السيد محمد سعيد العرفي المحكوم عليه من فرنسا بالنفي، والمجرد من ماله وثروته وحوله وقوته، فلم أجد من ينتظرني، أو يتقدم إلي بكلمة، حتى إني خجلت من نفسي مع أني في الحالة الثانية أحوج إلى المواساة، وأحق بها مني في المرة الأولى.

ولكن الله جعل لي في معرفة الإخوان أجزل المثوبة وأعظم العوض وأفضل العزاء، وكان أبياً عزوفاً كريماً جواداً عفيفاً آثر أن يشتغل بتصحيح الكتب طول إقامته في مصر ويأكل من عمل يده ولم يتناول من أحد معونة أو هبة وكل ما في بيته بعد ذلك لإخوانه وزائريه.

وعاد إلى سورية بعد فترة واختير نائباً عن دير الزور وحضر إلى مصر. مرة ثالثة يحمل هذه الصفة ومع وفد من النواب لحضور المؤتمر البرلماني لقضية فلسطين فيما أذكر فترك حقائبه في الكونتننتال وهرع إلينا في دار الإخوان، وكان يقضي معهم وقت العمل الرسمي ومعنا ما بقي من وقته بعد ذلك.

وأظنه الآن يقوم بمنصب القضاء وفقه الله ونفع به وأرانا وجهه في خير.

الدعوة خارج الإسماعيلية “ أبو صوير “ :

وبجوار الإسماعيلية وبعد المعسكر تقع أبو صوير المحطة وتبعد عن الإسماعيلية نحو خمسة عشر كيلو مترا، وفيها يقطن كثير من العمال الذين يعملون في معسكرات أبو صوير ومدرسة الطيران ومعهم عدد من التجار والمزارعين.

زرت” أبو صوير” وبدا أن أنشيء فيها فرعا للجمعية بالإسماعيلية فأخذت أتفرس في وجوه الناس في القهاوي وفي الطرقات والحوانيت حتى رأيت دكان الشيخ محمد العجرودي رحمه الله، وكان رجلاً وقوراً مهيبا سمحا فيه صلاح وله منطق ولسان. ورأيته يبيع ويتحدث مع زبائنه فتوسمت فيه الخير فسلمت عليه وجلست إليه وإلى من معه في الدكان وقدمت إليه نفسي والغرض الذي من أجله زرت”أبوصوير” وأنني توسمت فيه الخير ليحمل أعباء هذه الدعوة، وأخذت في حديثي ألفت نظره ونظر الجالسين إلى نقط أساسية: إلى سمو مقاصد الإسلام وعلو أحكامه وإلى ما فيه المجتمع من فساد وشر وسوء، وإلى أن ذاك ناتج عن تركنا وإهمالنا لأحكام الإسلام، وإلى وجوب الدعوة إلى تصحيح هذا الوضع وإلا كنا آثمين لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة فريضة واجبة، وإلى أن الطريقة الفردية وحدها لا تكفي بل لا بد من تكوين رأي عام يناصر هذه الفكرة وجماعة من الطيبين في كل قرية يؤمنون بها ويجتمعون عليها ونسميهم الإخوان المسلمين.

وكان الرجل ومن معه يصغون باهتمام ولكنهم لم يفقهوا بادئ ذي بدء إلا أنها دعوة إلى جمعية خيرية أو إلى سماع درس ألقيته عليهم وأبى لطفه إلا أن يدعوني إلى الغداء ويحضر لي القهوة فاعتذرت عن الغداء وأردت الانصراف ولكنه شدد وأشار علي في أن ألقي درساً في المسجد أو في مصلى على البحر يجتمع فيه الناس فاخترت أن ألقي الدرس في القهوة وقد كان، وتجمع الناس وأصغوا واستغربوا ما رأوا وما سمعوا وعجبوا من أن مدرساً شاباً وجيها يلقي دروساً دينية هكذا على الناس في القهاوي وليس بإمام في مسجد ولا بشيخ طريقة، وأعجبهم القول فشددوا في أن أكرر الزيارة وقد كان.

وبعد زيارات متتالية اجتمعنا في منزل أحمد أفندي دسوقي وقررنا إنشاء شعبة للإخوان المسلمين في أبو صوير وهذه القرى الصغيرة على صغرها لا تخلو من منافسات وضغائن. ولأنني لست مقيماً بالبلد ولأن أحمد أفندي دسوقي وهو الذي اختير رئيسا للشعبة ليس عالماً وهو كذلك مشغول بالتجارة لم يستطع أن يصمد للمنافسات والخصومات والأقاويل المختلفة فكان يدع الأمور بدون علاج فتنحل الجماعة أو تكاد وإنما تتجمع حين أعود إلى زيارتهم مرة أخرى. وأخيراً دلني الإخوان الذين بدءوا يفهمون الدعوة وتخامر نفوسهم وأخذوا يترددون على الإسماعيلية أن خير من يصلح لحمل هذا العبء والنهوض بالدعوة هو الأستاذ” الشيخ عبد الله بدوي ” ناظر المدرسة الأولية هناك لعلمه أولاً فهو ناظر المدرسة وهو مع هذا عالم فاضل دائب على التدريس للناس وإفادتهم بالمصلى وبكل مكان، ولمنزلته فهو محبوب منهم جميعاً متصل بهم جميعاً كلهم يحبه ويقدره، ولوقته فهو يجد من الفراغ بعد انتهاء الدروس ما لا يجده غيره من التجار أو الصناع. ونعم الرأي كان وعلى هذا سافرت إلى أبو صوير والتقيت بالشيخ عبد الله سليم ورأيته كما قال الناس وفوق ما قالوا والحمد لله رب العالمين وأعجبني في الرجل اطلاع ودروس وشخصية قوية وتفكير سليم متزن فأفضيت إليه بالمهمة فتردد في قبولها كثيراً ثم وافق بعد ذلك على أن يكون له حرية التصرف في تكوين شعبته من المدرسين الذين معه وكلهم يحبه ويخلص له ومن الأهلين الذين يرى فيهم الكفاية لذلك، فأجبته إلى ما طلب وجد هو في الأمر وشمر له ووفقه الله فتكونت شعبة قوية في هذه القرية بقيادته.

المسجد:

وكان في البلد حينذاك مسجد واحد يضيق بالمصلين هو مسجد” الحرون” ومصلى على ترعة الإسماعيلية لا يصلح للجمعة ولا يغني فيها شيئاً، ومسجد آخر لم يتم بعد أنشأه الرجل الطيب الشيخ إبراهيم أبو حريش ، ولبعده عن البلد وعدم موالاته للمسجد لم يكن على حالة يصلح معها لإقامة الشعائر، ففكر الشيخ عبد الله في أن يستولي على هذا المسجد ويجعله مقراً للإخوان، وفعلاً تفاوض مع الشيخ الذي وافق على الفكرة، وابتدأ العمل في إصلاح المسجد وهو الآن مسجد عظيم وقد ألحق به ناد للإخوان ومجتمع لهم وأمامه ميدان فسيح لتدريب الجوالة وللمحاضرات الصيفية وصارت مؤسسة نافعة تشع بالهداية والنور في هذه البقعة المباركة، وأردنا تقوية الدعوة في هذه البقعة فانتدبنا الأخ الشيخ عيد الأزهري وهو من الطلاب الذين قضوا بالأزهر فترة صالحة وحفظوا القرآن حفظاً جيداً وقد جاء إلى الإسماعيلية فالتحق بالإخوان ووظف في عمل كتابي عندهم وكان يقرأ القرآن ويحسن الصلاة والخطابة، فرأينا أن نسند إليه الإمامة والخطابة والوعظ والأعمال الكتابية بشعبة أبو صوير، على أن يأخذ راتبه من الإسماعيلية على اعتبارها مهد الدعوة ومطلعها ولا تزال أبو صوير ناشئة تنفر ممن يطالبها بمال كثير، وهي سنة الله في الدعوات لا يسأل أصحابها الناس أجراً وإن سألوهم بخلوا بما في أيديهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم فيجودون طائعين بالنفوس والأموال والأرواح. وكان وجود الشيخ عيد في بدء الدعوة بأبو صوير تركيزاً لها واطمأننا عليها بقيادة الأخ الشيخ عبد الله سليم جزاه الله خيراً.


في بور سعيد

وفي الإسماعيلية كان الأخ أحمد افندي المصري شاباً في الثامنة عشرة من عمره أو السابعة عشرة، وهو من أهل بور سعيد، وقد أقام بالإسماعيلية مؤقتاً لبعض أعماله، وظل بها فترة طويلة كان خلالها يتردد على دار الإخوان يستمع إلى ما يلقى فيها من دروس وتوجيهات، وما لبث أن بايع وأصبح أخاً من أخلص الإخوان وأفقههم في الدعوة.

وانتهت مأموريته في الإسماعيلية وعاد إلى بلده الأصلية بور سعيد فحمل معه دعوته، ومثل الدعوة كمثل البذرة الطيبة الحية الكريمة الحياة أينما غرست أثمرت، وصدق الله العظيم: “ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”.

واجتمع على الأخ أحمد المصري نفر من أصدقائه الطيبين شباب بور سعيد الأطهار، وتأثروا بالدعوة تأثراً قوياً، وكانت شخصية الأخ أحمد القوية وإيمانه العميق وكريم بذله وتضحياته في سبيل الدعوة العامل الأول في التفاف أصدقائه من الذين آمنوا بالدعوة من حوله، فتألفت شعبة من الإخوان أخذت تتجمع في إحدى الزوايا أو الخلاوي - المنتشرة في بور سعيد حينذاك - عقب صلاة المغرب أو العشاء فتقوى الرابطة بينهم ويتذاكرون شئون دعوتهم الجديدة، وطلب إلي الأخ حسن أفندي أن أزورهم فسررت بهذه الدعوة وزرتهم فعلا، وفي هذه الزاوية المتواضعة أخذت البيعة على الرعيل الأول من شباب بور سعيد على الجهاد في سبيل هذه الدعوة حتى يظهرها الله أو نهلك دونها.

وبدا للإخوان بعد ذلك أن يتخذوا لهم مكاناً خاصاً وفعلاً نفذوا فكرتهم وأجروا شعبة متواضعة في شارع” المنيا” كانت هي الدار للإخوان في بور سعيد، ولما كانت الاشتراكات التي تجمع من هذا النفر لا تفي بنفقات دار خاصة وكانت القاعدة المعتمدة المقررة عند الإخوان ألا يطلبوا من الناس مالاً حتى يؤمنوا بالدعوة أولاً ويدركوا فضل البذل في سبيلها من تلقاء أنفسهم، فهم طلاب قلوب لا جباة جيوب، فإن الإسماعيلية أم الدعوة تكفلت بالمساهمة في النفقات وسداد ما لا تفي به اشتراكات إخوان بور سعيد الفضلاء.

وبعدما استقر بالإخوان المقام أرادوا أن يظهروا الناس على دعوتهم ويتقدموا بها للجمهور البور سعيدي، فانتهزوا فرصة غرة المحرم سنة 1349 فيما أظن وأعلنوا عن حفل جامع في سرادق أقاموه أمام دارهم الجديدة، خطب فيه رجال الإخوان من الإسماعيلية وبور سعيد احتفاءً بالهجرة المباركة.

وفي بور سعيد حب للعلم والعلماء ومبادرة إلى كل دعوة تتصل بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته وذكرياته الكريمة، ولهذا بادر الناس رغم جهلهم التام الدعوة والداعين إلى الحضور، وكان الحفل رائعا والحشد عظيماً رغم أنها أولى حفلات الإخوان، وحدث يوم الحفل أن اشتدت لي فجأة حالة احتقان في اللوزتين لم أستطع معها السفر من الإسماعيلية إلى بور سعيد إلا مضطجعاً من الإعياء، وقال لي الدكتور محمود بك صادق رحمه الله وقد كان طبيب المدرسة ورأي هذه الحال: إذا سافرت اليوم وخطبت الليلة فإنك تكون الجاني على نفسك، ولا أظنك تستطيع الخطابة بحال، ولكن مع هذا صممت على السفر ونزلت من في القطار إلى دار الإخوان وصليت المغرب فيها من قعود للإعياء وانتابتني بعد الصلاة حالة نفسية عجيبة فقد تصورت سرور الإخوان البور سعيديين بحفلهم هذا وآمالهم المعلقة عليه ونقودهم التي أنفقوها من قوتهم من أجله ودعوتهم التي بذلوا كل الجهد في توجيهها، ثم تكون النتيجة اعتذار الخطيب !.

تصورت هذه فبكيت بحرارة وأخذت أناجي الله تبارك وتعالى في تأثر عميق واستغراق عجيب إلى وقت صلاة العشاء فشعرت بشيء من النشاط وصليت العشاء من قيام، وجاء وقت الحفل وافتتح بالقرآن الكريم، ووقفت للخطابة وبدأت وأنا لا أكاد أسمع نفسي وسرعان ما شعرت بقوة عجيبة وشفاء تام وصفاء في الصوت غريب وارتفاع فيه كان يسمعه من في داخله ومن في خارجه - ولم يكن استخدام الميكرفون قد ذاع حينذاك - حتى كدت أحسد نفسي بل حسدتها فعلاً، وانتهي الحفل على خير ما يرام، وأظن أن هذه الخطبة قد استغرقت أكثر من ساعتين، ومن فضل الله وجميل كرمه أن هذا الاحتقان كان يعود لي كل عام تقريباً ومنذ تلك الليلة وأنا لا أجده والحمد لله إلا أن يكون برداً شديداً أو مجهوداً عنيفاً، وكانت تلك فيما أعتقد بركة صدق إخوان بور سعيد في دعوتهم وتفانيهم في إبلاغها للناس.

وما زالت بور سعيد تتخطى بالدعوة من تقدم إلى تقدم ومن نصر إلى نصر حتى صار للإخوان بها أربع شعب قوية وملعب رياضي، وضمت الدعوة من خيرة شباب هذا الثغر العدد العظيم من المؤمنين الصادقين والمجاهدين العاملين.


الدعوة في البحر الصغير

وفي إحدى حفلات بور سعيد حضر وفد من إخوان البحر الصغير من الجمالية فيه الأخ محمود افندي عبد اللطيف من الجمالية وفيه الأخ عمر أفندي غنام وكيل شركة سنجز بالمنزلة دقهلية، ولم يكن حضورهم قصداً ولكن الحفل اجتذبهم فحضروا، واستمعوا إلى ما ألقي في المحاضرة العامة ثم تخلفوا بعد ذلك وأخذوا يناقشون أهداف الدعوة وغاياتها ثم انصرفوا بعد ذلك على أنهم سيحملون أعباءها في منطقتهم: منطقة البحر الصغير.

ولم يمض كثير من الوقت حتى وردت المراسلات تترى منهم وتأسست أول شعبة للإخوان بالبحر الصغير في المنزلة ورأسها فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ مصطفى الطير المتخرج من الأزهر حينذاك والمدرس الآن بمعهد القاهرة وتأسست بعد ذلك شعبة الجمالية في منزل آل عبد اللطيف وتأسست شعبة” جديدة بالمنزلة” في منزل آل طويلة وأخذت الدعوة تحتل مكانها في هذا الجزء الكريم من الوطن العزيز.

وزرت هذه الشعبة بعد ذلك في آخر أيام الإسماعيلية عن طريق بور سعيد زيارة كانت عظيمة الخير والبركة. إذ بعثت في النفس أملاً عظيماً في النجاح. ومن الطرائف أن وصلت إلى المطرية فرأيت نخبة من كرام أهل المنزلة في استقبالي، وكان تبسم عند اللقاء بصورة تلفت النظر حتى إذا وصلنا المنزلة ودخلنا دار الإخوان وكانت غاصة بكرام المستقبلين من السادة الفضلاء والعلماء الأجلاء والأعيان وذوي الوجاهة، إلى جم غفير من الشعب المؤمن، فكان تبسم كذلك له معناه، وسألت الشيخ مصطفى الطير على انفراد ما معنى هذا؟ فقال معناه أنك فاجأت الناس بما لم يكونوا ينتظرون، فهم كانوا يترقبون أن يروا شيخاً فخما ضخماً كبير السن جليل المظهر، فإذا بهم يلقون فتى لم يصل إلى الخامسة والعشرين فعلينا إذن أن نعيد إلى نفوسهم الطمأنينة وأن نبذل الليلة جهداً كبيراً في الإقناع، فقلت يا أخي التوفيق بيد الله والتأييد من الله وحده، وإن يرد خيرا يمضه والمرء بأصغريه وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وكان معي فضيلة الأخ الجليل حامد عسكرية رحمه الله فقلت والبركة في الأخ العزيز فهو يسد الثغرة وينقذ الموقف بإذن الله.

وألقيت كلمة في المساء في سرادق غاص بالأهلين لا يبلغ البصر مداه، وفي نهايتها أقبل الكثير يصارحونني بشعورهم وبأنهم في تلك اللحظة كانوا يترقبون أن يروا مظهراً فرأوا مخبراً، وذلك من فضل الله.

وتوالت الزيارات بعد ذلك لهذا الإقليم وكثرت شعبه يرعاها كرام الناس فيه: في المطرية وفي ميت خضير وفي ميت البصراط وفي ميت سلسيل وفي برمبال القديمة وفي ميت عاصم وفي الكفر الجديد، وفيه الآن منطقتان للإخوان: منطقة المنزلة ومنطقة ميت عاصم، وفي هذه الفترة تعرفنا إلى الدكتور حلمي الجيار وإلى آل سويلم بالبرمبال، وإلى آل قداح بميت سلسيل، وآل الهواري بالكفر الجديد، وكانت الدعوة محل إعجاب الجميع وتقديرهم ومناصرتهم إلى الآن.

ومما يذكر بالخير أن الحملة التي وجهت إلى التبشير والمبشرين سنة 32 ميلادية كانت شرارتها الأولى الحقيقية المنزلة وإن اشتعلت في بور سعيد ثم امتدت بعد ذلك إلى نواح كثيرة في القطر المصري ونتج عنها عدة منشآت وملاجئ ومؤسسات لا تزال قائمة إلى الآن.

الدعوة في السويس

زرت السويس زيارة عابرة لمقابلة الأستاذ السيد محمد الحافظ التيجاني هناك ورؤية بعض الأصدقاء والمدرسين، وكان هناك إذ ذاك فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو السعود القاضي الشرعي، وقد أحدث بها حركة علمية طيبة. وجمع من حوله العلماء يتدارسون ويتذاكرون ويعظون الناس فزرت مجلسه بمسجد الغريب وتحدثت إلى بعض الأئمة والعلماء عن الدعوة ولقيت عرضاً الأستاذ محمد الهادي عطية المحامي الشرعي وصديقه الحميم محمد حسن السيد رحمه الله. وتحدثنا حديثاً عابراً وإن كنت قد آنست استعداداً طيباً، ودعيت لزيارة السويس مرة ثانية فزرتها كذلك واتصلت بالأخوين ومعهما الأخ المفضال الأستاذ محمد الطاهر منير أفندي والأخ العزيز الشيخ عبد الحفيظ والأخ العزيز الشيخ عفيفي الشافعي عطوة، وكان عن هذا اللقاء إنشاء شعبة للإخوان بالأربعين يرأسها الأخ الشيخ عفيفي الشافعي تطورت حتى صارت منطقة بها أكثر من شعبة ولها دار فخمة وبناء ضخم عظيم وتتبعها شعب البحر الأحمر في الغردقة ورأس غارب والقصير وسفاجة إلخ. وتجمع نخبة صالحة من أكرم القلوب وأطهر النفوس.

ولن أنسى أبدا ليلة” الحصيرة” إذ جلسنا أمام منزل الأخ حسن أفندي أغدق الله عليه شآبيب رحمته وأفسح له في جنته إذ كانت ليلة نقاش علمي هادىء أولاً وأسئلة دقيقة في مختلف الفنون، وأذكر منها استشكال الأخ الشيخ عبد الحفيظ إذ لاحظ في الآية الكريمة من سورة” ص” قول سليمان عليه السلام: “ قال رب اغفر لى وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب” فقال الشيخ عبد الحفيظ إن سؤال المغفرة فيه شعور بشيء من التقصير وسؤال الملك فيه شعور بالرضا والتكريم فكيف يتفقان ويصدران عن شخص واحد في حال واحدة فكان الجواب: أن سليمان عليه السلام قال: لأطوفن الليلة على نسائي فتلد كل واحدة منهن ولدا يعبد الله ويساعد على انفساح رقعة الملك وزيادة سلطانه وكأنه عليه السلام في تلك الساعة كان يلحظ السبب فلم يحمل منهن إلا واحدة ووضعت ولداً مشوهاً القته القابلة على كرسيه جسداً ناقصاً فتذكر أنه أراد الاستعانة بالأولاد على الملك والملك هبة من الله يعطيها لمن يشاء من عباده فاستغفر عن شعوره الأول وسأل الله ملكا بغير واسطة” إنك أنت الوهاب” فكان سؤال الملك هنا توكيداً للبراءة من الشعور الذي كان سبباً في هذا الامتحان وكان هذا الجواب محل إعجاب الجميع.

وانتهي هذا الجدل العلمي إلى حالة روحية عجيبة هبت علينا فيها نسمات السحر فما كنت ترى إلا باكياً أو تائباً أو مستغفراً حتى برق الصبح وجددنا التوبة ووثقنا البيعة وأكدنا العهد وصلينا الفجر، ومن فضل الله أن الذين بايعوا هذه البيعة لم ينقضوها” فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.

ولن أنسى أبدا” عود ثمر الحناء” فقد زرت في إحدى زيارات السويس منزل أحد الإخوان فوجدت على المنضدة كتاب سفر السعادة للفيروز أبادى وفتحته فإذا بي أقرأ: وكان صلى الله عليه وسلم يحب ثمر الحناء فشعرت بشوق شديد إلى عود من ثمر الحناء اقتداء به صلى الله عليه وسلم وأنى لي به وأنا في بلد غير بلدي ودار غير داري؟ وخرجنا إلى دار الإخوان ووقفت أتحدث إليهم وظهري إلى شباك عليه وبجواره صبية ينظرون وإذا بأحدهم يدعو الشيخ الهادي عطية حتى إذا خرج إليه أعطاه عودا ضخما من ثمر الحناء، وقال له وأنا أسمع: أعط هذا للشيخ المنشد، مشيرا إلي، وجاء الشيخ الهادي يقدم إلي العود قائلاً: هذه هدية صبيان الأربعين إليك، فقلت: وأنا أبتسم: هاتها، فليست هدية الأربعين ولكنها نفحة من ذكريات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظللت مسرورا يومي هذا لهذا التوافق الطيب.

وللسويس في النفس ذكريات لا تنسى جزاها الله خيراً وباركها وأهلها الطيبين الفضلاء.

الدعوة في القاهرة

وفي مدرسة التجارة المتوسطة بشارع الفلكي تأسست الجمعية الدينية، قوامها الطالب عبد الرحمن الساعاتي، والطالب محمود سعدي الحكيم، وبعض زملائهما المحافظين على الصلاة، العارفين بفضل الإسلام وجمال تعاليمه، وكانت مصلى المدرسة مقر اجتماعاتهم، ومظهر نشاطهم، وكم كانوا يلقون من تهكم زملائهم، واستغراب رفقائهم، ومعاكسة بعض الذين لا يأبهون بهذه المظاهر من الطلاب، أو الموظفين، فكانوا يصبرون لذلك صبر الكرام.

وتخرج الفتيان الطيبان من المدرسة، وقدر لهما أن يكونا زميلين موظفين في هندسة وابورات سكة الحديد، وفي نفسهما للإسلام حب عميق وشعور بالتبعة، وميل إلى العمل، والكفاح في سبيل هذا الدين الحنيف، ومظهر العمل للإسلام حينذاك تكوين الجمعيات الإسلامية. وإذن فليكونا جمعية تدعو إلى الإسلام، وتعمل له، وهكذا نشأت”جمعية الحضارة الإسلامية” فشقت طريقها، واتخذت لها من حجرة في الدور الأول ذات فناء فسيح بحارة الروم مكاناً للنشاط، وميداناً للعمل، وانضم إليها اخوة فضلاء يلقون المحاضرات، يواظبون على الدروس للناس، ويدعون إلى الله بإحسان، وفي مقدمتهم الإخوان الفضلاء الشيخ محمد أحمد شريت - رحمه الله - والأستاذ حامد شريت المدرس بالمعارف الآن، والأستاذ محمود البراوي رئيس مكتب إداري القاهرة الآن للأنباء، والأستاذ الشيخ محمد فرغلي رئيس الإخوان بالإسماعيلية، والشيخ جميل العقاد السوري الحلبي، وغيرهم من أفاضل الشباب وخيرة الطلاب حينذاك. ورأت جمعية الحضارة نشاط جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وانتشار فروعها في هذا المحيط حول هذا البلد المبارك، واقتنع رجال الحضارة بأن التوحيد خير من الفرقة، وبأن انضمام الجهود أولى وأفضل،فاتصلوا بالإسماعيلية، وكانت محادثات انتهت أخيراً بانضمام جمعية الحضارة إلى الإخوان المسلمين، وصيرورتها شعبة من شعبهم، واستأجرت داراً جديدة هي منزل سليم باشا الحجازي بشارع سوق السلاح، وعمل الإخوان بأنفسهم في إصلاحه وتنظيفه وإعداده ليكون شعبة تليق بالدعوة في عاصمة المملكة المصرية. ولما كانت الحالة المالية لا تسمح بالتوسع في الإنفاق طبقاً لمطالب المظهر الجديد، فإن الإسماعيلية أم الدعوة تكلفت بالمساعدة للقاهرة حتى يكثر عدد المشتركين، ويساهم أهل الإيمان في النفقات.


وبالانتقال من الإسماعيلية إلى القاهرة انتقل إليها المركز العام للإخوان المسلمين ابتداء من أكتوبر 1932 الميلادية.

وما يذكر لإخوان القاهرة بالفخر والإعجاب أنهم والدعوة لا تزال ناشئة في القاهرة وهم في مسيس الحاجة إلى المال والإسماعيلية لا تزال تمدهم بمساعدة شهرية عرض عليهم أن يروجوا للوضع السياسي القائم وهو حكومة صدقي باشا الأولى بما أرادت من دستور وانتخاب فكان جواب الأخ عبد الرحمن الساعاتي الموظف الصغير حينذاك تقطع هذه الأيدي ولا تمتد إلى ما لا حق لها فيه تسخر به الدعوة للأغراض والأهواء، ولو كنا مقتنعين بهذه الأوضاع لرأينا من واجبنا أن نكافح في سبيلها بالنفس والمال لا أن نأخذ على ما نفعل أجراً، وأخفقت كل المحاولات لحمل الإخوان الذين ما زادوا على أنهم طلاب أو موظفون ناشئون على أن تستأجرهم دعاية حكومية لغرض من الأغراض، وهكذا عصم الله الدعوة وحماها من أول يوم من هذه اللوثات التي ما دخلت دعوة إلا أفسدتها، ولا خالطت قلباً إلا أبعدته عن الله، وذلك بفضل الله على الدعوة والقائمين بها والحمد لله رب العالمين.

مدرسة أمهات المؤمنين:

بعد أن استقر العمل بمدرسة معهد حراء للبنين فكر الإخوان في إنشاء مدرسة للبنات وأطلق عليها اسم مدرسة أمهات المؤمنين واستأجرت لها داراً فخمة مناسبة ووضع لها منهاج عصري إسلامي يجمع بين أدب الإسلام وتوجيهه السامي للفتيات والأمهات والزوجات وبين مقتضيات العصر ومطالبه من العلوم النظرية والعلمية ورأيت أن أسلم وضع للمدرسة أن أنتدب لها من فتيات الإسماعيلية أنفسهن من تخصصن بالتدريس وهن في الوقت نفسه من أهل البلد وقد كان، وانتدب لنظارتها الأخ الأستاذ الشيخ أحمد عبد الحميد، لصلاحه ودينه وتقواه وإلمامه بالدعوة.

وقد أدت المدرسة رسالتها حتى تسلمتها بعد ذلك وزارة المعارف العمومية.

وقد استتبعت المدرسة إنشاء قسم للأخوات المسلمات يتألف من نساء الإخوان المسلمين وقريباتهم، ويقوم بالتدريس فيه مدرسات المدرسة وسميته” فرقة الأخوات المسلمات” ووضعت لهن لائحة خاصة تنظم طرائق السير ووسائل نشر الدعوة بين السيدات المسلمات من نساء الإخوان وغيرهن.

فرقة الرحلات:

كما فكر الإخوان كذلك في مزاولة النشاط الرياضي تأثرا بفكرة الجهاد الإسلامي وتحقيقاً لنيته وتنفيذا لأمر الإسلام وتحرجا مما جاء في الحديث الشريف: “من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية، فتألفت فرقة الرحلات للإخوان المسلمين على نظام الكشافة وانتقلت من الإسماعيلية إلى بقية شعب الإخوان وفروعهم وكانت نواة فرق الجوالة الآن.


الدعوة في جباسات البلاح:

اتصل بعض عمال الجباسات الفضلاء بالإخوان بالإسماعيلية فنقلوا عنهم الفكرة إلى إخوانهم، ودعيت إلى زيارة الجباسات وهناك بايعت الإخوان على الدعوة فكانت هذه البيعة نواة الفكرة في هذا المكان النائي. وبعد قليل طلب العمال إلى الشركة أن تبني لهم مسجدا إذ كان عددهم أكثر من ثلاثمائة عامل. وفعلاً استجابت الشركة لمطلبهم وبني المسجد وطلبت الشركة من الجماعة بالإسماعيلية انتداب أخ من العلماء يقوم بالإمامة والتدريس، فانتدب لهذه المهمة فضيلة الأخ المفضال الأستاذ الشيخ محمد فرغلي المدرس بمعهد حراء حينذاك.

وصل الأستاذ فرغلي إلى البلاح وتسلم المسجد وأعد له سكن خاص بجواره. ووصل روحه القوى المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين. فلم تمضي عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعا عجيباً: لقد أدركوا قيمة أنفسهم وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة وقدروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف والذل والضعف والوهن واعتزوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة - خلافة الله في أرضه - فجدوا في عملهم اقتداء بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ثم عفوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية أو لفظة جافية أو مظهراً من مظاهر التحقير والاستصغار كما كان ذلك شأنهم من قبل. وتجمعوا على الأخوة، واتحدوا على الحب والجد والأمانة - ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه وجماح العمال.

ظن الرؤساء هذا في الشركة وفكروا في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك وأنها تفكر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن يا مسيو فرانسوا أنني موظف بشركة جباسات البلاح ولو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية وأتقاضى مرتبي منهم محولاً عليكم وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتباً ولا حساباً ولا أترك عملي في المسجد ولا بالقوة إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا وهو أمامكم بالإسماعيلية فاتفقوا معه كما تريدون واستأذن وانصرف. وسقط في يد إدارة الشركة وصبرت أياماً لعل الشيخ يطلب منها مرتبه ولكنه كان قد اتصل بي في الإسماعيلية فأوصيته بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال وحجته معقولة ولا شيء لهم عنده. لجأت الشركة إلى الإدارة واتصل مديرها المسيو ماينو بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف وحضر المأمور بقوته وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور ولا عند المدير وعملي بالمسجد فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر لي. وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ وأخذ يطلب إليه أن يستجيب لمطالب المدير ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية فأجاب بمثل ما تقدم قال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فأنصرف. ولكنك إذا أردت استخدام القوة فلك أن تفعل ما تشاء ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها ووصل النبأ إلى العمال فتركوا العمل في لحظة واحدة وأقبلوا متجمهرين صاخبين وخشي المأمور العاقبة، فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية واتصل بي للتفاهم على الحل ولكنى اعتذرت له بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أية عاطفة، فيها معنى الغيرة الوطنية.

قابلت بعد ذلك مدير الشركة وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصاً يستسلم لمطالبهم وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: “ إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة ولكني لم أجد منهم أحداً كهذا الشيخ الذي ينفذ علينا هنا أحكاماً عسكرية كأنه جنرال تماماً” فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ، وأن الشركات هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم وتستصغر إنسانيتهم وتبخل عليهم وتقتر في أجورهم في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وإن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات ووجوب قناعتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيراً على أن يبقى الأستاذ الشيخ فرغلي شهرين حيث هو وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة وأن تطلب رسمياً إلى الإخوان من يحل محله من المشايخ وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه وتعنى بسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ الشيخ شافعي أحمد واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء” بسم الله مجريها ومرساها”.

نماذج من الكيد الحقير

صلاة العيد في الصحراء:

كنت أقوم في رمضان بتدريس بعض الأحكام الإسلامية عقب صلاة الفجر في المسجد العباسي وكانت أكثر ما تتعرض لأحكام الصيام والزكاة ورمضان. وقبيل نهاية رمضان تناولنا أحكام صلاة العيد بالبيان، وجاء في هذه الأحكام أن من السنة أن يصلى العيد في ظاهر البلد وأن يخرج لها الناس رجالاً ونساء يشهدون الخير وجماعة المسلمين، وأن الأئمة قد اتفقوا جميعاً على أفضلية صلاتها في الصحراء ما عدا الإمام الشافعي الذي أفتى بأن صلاتها في المسجد أفضل إذا كان في البلد مسجد يتسع لأهلها جميعاً.

وبينما نحن نقرر هذه الأحكام إذ اقترح أحد المستمعين أن نحيي هذه السنة ونقوم بصلاة عيد الفطر في الصحراء وبخاصة وليس بالإسماعيلية حينذاك إلا مساجد صغيرة لاتتسع لبعض أهل البلد فضلاً عن كلهم، ومن حولها صحراء قد اتسعت لجنود الإحتلال وتحمس السامعون جميعاً لهذا الإقتراح فلم أر بداً من موافقتهم عليه ولكن مراعاة لما أعلم من سرعة انقسام الآراء في هذا البلد حول المسائل الدينية لشدة حساسيته في هذه الناحية ولقرب عهده بالخلافات الماضية اشترطت ألا نخطو خطوة حتى نستشير العلماء ونتفق معهم على أسلوب التنفيذ فإن وافقوا فذاك وإلا فإن اجتماع الآراء على خلاف الأولى أفضل من افتراقها وتشتيت الكلمة على ما هو أفضل.

وحاولت أن أخطو هذه الخطوة فإذا بي أفاجأ بحملة عنيفة من المتربصين بالدعوة واتهامات قاسية بأن هذه ابتداع بالدين وتعطيل للمساجد ومحاربة للإسلام وإفتاء بالباطل، ومن ذا الذي يقول: إن الشارع أفضل من الجامع ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وانتشر الخبر بسرعة البرق وأصبح حديث الناس في المقاهي والمساجد والمجتمعات العامة والخاصة وكانت حملة يا لها من حملة. وتصادف أنني كنت حينذاك معتكفاً العشر الأواخر من رمضان بالمسجد العباسي، فكان الناس يتقاطرون علي عقب كل صلاة ويسألونني عن هذه البدعة الجديدة وأنا أستغرب هذه الحملة التي لا أساس لها، وأقرر حكم الدين بكل بساطة وبراءة وأطلع الناس على النصوص الفقهية في هذا المعنى. وأتجنب الجدل والمراء وأوصي بجمع الكلمة والبعد عن الخصومة ولكن الأمر كان قد خرج من يدي ويد العلماء وتحمس الجمهور للحق والسنة وأعلنوا أن الصلاة ستكون ظاهر البلد، وأعدوا المصلى لذلك فعلاً وكنت لا بد أن أحضر إلى القاهرة لأقضي العيد مع الأهل فيها. فحضرت ليلة العيد ورتب الناس أنفسهم وصلى بهم الشيخ محمد مدين إمام مسجد العرايشية. وكان سرور الناس وانشراحهم بهذا المظهر الإسلامي عظيماً، وحلت في نفوسهم بركة السنة النبوية المطهرة، وعدت من إجازة العيد ورأيت آثار هذا الارتياح بادية على كل وجه، وخمدت العاصفة المغرضة وتقررت السنة المباركة واستمرت صلاة العيدين إلى الآن ظاهر البلد في مهرجان جميل.


نقاش في بيت القاضي:

وفي إحدى ليالي رمضان زرت منزل فضيلة قاض الإسماعيلية الشرعي واجتمع في هذه الزيارة مأمور المركز والقاضي الأهلي وناظر المدرسة الابتدائية ومفتش المعارف ولفيف من الأدباء والفضلاء والمحامين والأعيان وكانت جلسة سمر لطيف.

وطلب فضيلة القاضي الشاي فقدم إلينا في أكواب من الفضة وجاء دوري فطلبت كوباً من زجاج فقط، فنظر إلي فضيلته مبتسماً، وقال أظنك لا تريد أن تشرب لأن الكوب من فضة فقلت نعم وبخاصة ونحن في بيت القاضي.

فقال إن المسألة خلافية وفيها كلام طويل ونحن لم نفعل كل شيء حتى نتشدد في مثل هذا المعنى، فقلت يا مولانا إنها خلافية إلا في الطعام والشراب فالحديث متفق عليه والنهي شديد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “ لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما” ويقول: “ الذي يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم” ولا قياس مع النص ولا مناص من الامتثال وحبذا لو أمرت بأن نشرب جميعاً في اكواب من زجاج.. وتدخل بعض الحاضرين في الأمر وأرادوا أن يقولوا إن الأمر ما دام خلافياً فلا لزوم للإنكار، وأراد القاضي الأهلي أن يدلي بدلوه في الدلاء فقال للقاضي الشرعي: يا فضيلة القاضي ما دام هناك نص فالنص محترم، ولسنا ملزمين بالبحث عن الحكمة وإيقاف العمل بالنص حتى تظهر، فعلينا الامتثال أولاً ثم إن عرفنا الحكمة فيها وإلا فذلك قصور منا والعمل على كل حال واجب، فانتهزتها فرصة وشكرت له وقلت له مشيراً إلى إصبعه وما دمت قد حكمت فاخلع هذا الخاتم فإنه من ذهب والنص يحرمه، فابتسم وقال يا أستاذ أنا أحكم بقوانين نابليون وفضيلة القاضي يحكم بالكتاب والسنة وكل منا ملزم بشريعته فدعني وتمسك بقاضي الشريعة فقلت إن الأمر إنما جاء للمسلمين عامة وأنت واحد منهم فهو يتجه إليك بهذا الاعتبار. فخلع خاتمه وكانت جلسة ممتعة وكان لها صداها بعد ذلك في جمهور يرى مثل هذا الموقف العادي أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر ونصيحة في ذات الها.


محاضرة عن الاسراء:

وفي ليلة من ليالي الإسراء والمعراج كنت ألقي محاضرة بهذه المناسبة وقلت إن الإسراء والمعراج تكريم لرسو الله صلى الله عليه وسلم وإننا إذا تصورنا أن للروح سلطاناً قوياً على البدن بحيث يمكن أن يقال إن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة المباركة كانت من القوة والإمداد والاتساع بحيث تسلطت على بدنه المبارك فعطلت نواميس المادة وجعلته في غنىً عن الطعام والشراب والهواء والتأثر بالاحتكاك والمسافات إلخ. فإن ذلك لا يكون مستبعداً ويقرب معجزة الإسراء إلى أفهام الذين يستغربونها وقلت إن شوقي رحمه الله أشار إلى هذا فقال:

يتساءلون وأنت أكرم مرسل
بالروح أم بالهيكل الاسراء؟
بهما سريت مطهرين كلاهما
روح وروحانية وضيــاء

وانتهي الحفل والناس كلهم سرور بما سمعوا، ولكن المغرضين ذهبوا يشيعون أن الإخوان المسلمين ينكرون الإسراء ويقولون إنها ليست معجزة وإنها بالروح فقط وليست بالبدن، وإنهم خوارج بهذا على إجماع الأمة وما عرف في ذلك عن الأئمة، وأراد الإخوان أن يردوا على هذا الكلام فنهيتهم نهياً شديداً وقلت لهم: “ إن الطريق الإيجابية أجدى ألف مرة من الطريقة السلبية فأشغلوا الناس عن الفكرة الباطلة بفكرة صحيحة فقالوا: وماذا نصنع؟ فقلت: أعلنوا عن محاضرة تحت عنوان عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا، واجتمع الناس وتحدثت إليهم عن نواحي عظمته صلى الله عليه وسلم الخلقية والخلقية والروحية والعبادية، وعظمة رسالته الشاملة الخالدة الكاملة الباقية، وعظم منزلته عند الله في الدنيا والآخرة، فخرج الناس ولا حديث لهم إلا ما سمعوا، وقذف الله بالحق على الباطل فدمغه فإذا هو زاهق.

عود إلى الدعوة في البحر الصغير:

كتب إلي الأخ الشيخ أحمد المدني نائب الإخوان في ميت مرجا سلسيل منذ سنة 1930 الميلادية يعتب علي أني لم أشر إلى انتشار الدعوة في ميت مرجا، وثبات الإخوان فيها على بيعتهم الأولى وهم من الرعيل الأول إلى الآن. وللشيخ أحمد المدني حقه في هذا وعتبه محمود عواقبه، ولقد كافح هو وإخوانه الفضلاء في سبيل الدعوة في هذا البلد كفاح الأبطال، وثبتوا فيه على الحق إلى اليوم جندا مخلصين ومؤمنين صادقين جزاهم الله خيرا. وإنما أردت أن أوجز القول وأن أشير إلى سير الدعوة في طورها أو أطوارها الجديدة فقد طال بالإخوان شوقهم إلى ذلك وإن كان لا بد من تعرف هذه الأصول والوقوف عند هذه القواعد التي نبت عليها هذا الشجر المبارك. وأكتب هذه الكلمة الآن حفظا لحق الشيخ أحمد وإخوانه الفضلاء واعترافاً بأقدميتهم ثبتنا الله وإياهم على الحق وهدانا جميعاً سواء السبيل. ومعذرة للإخوان الفضلاء الذين لم يتسع المقام لتفاصيل صلتهم بدعوتهم المباركة وحسبهم مثوبة الله وعلمه والله خير وأبقى.

إله يعبد:

وذات يوم فوجئت باثنين من أخلص الإخوان دخلا علي في حالة من الألم الشديد، وقالا إن في البلد إشاعة قوية ضدنا ونحن لا يمكننا أن نسكت على هذه الإشاعات فاسمح لنا أن ننتقم من هؤلاء الذين يتقولون علينا بالباطل، فابتسمت وقلت لهما إن ذلك من الخير والله تبارك وتعالى يقول: “لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور” فعلينا بالصبر وبالتقوى، وهذا دليل حقية الدعوات أن يتقول عليها الناس بالباطل، وأنتما تعلمان ماذا قيل عن دعوة الإسلام الأولى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت أسترسل في هذه المعاني. فقالا في ألم ولكن هذا الذي سمعناه لا يمكن أن نسكت عليه أبدا فإنه كلام فظيع يذيعه قوم معروفون ولهم أثرهم في نفوس الناس فقلت: وما هذا؟! فقالوا إنهم يقولون إنك تقول لنا في دروسك اعبدوني من دون الله، وإن الإخوان المسلمين يعتقدون بناء على هذا أن الشيخ البنا إله يعبد وليس بشراً ولا نبياً ولا ولياً ولا شيخاً”. ولقد تحرينا مصدر الإشاعة قبل أن نحضر إليك فعرفنا أن الذي يذيع هذا شيخ عالم يشغل منصباً دينياً ويصدقه الناس فيما يقول، فلم نكتف بهذا ولكنا ذهبنا إليه وسألناه من الذي أخبره بهذا فقال: لقد سمعته بأذني من أستاذكم، فاستغربنا الأمر وكررنا عليه القول فأكد لنا أنه سمع هذا القول منك. ونحن طبعاً لا نصدق هذا أبداً، ولكنا جئنا نسأل ونحن في أشد الدهشة من جرأة هؤلاء الناس، ونريد مع هذا أن نعرف حقيقة هذا القول وأصل هذه الإشاعة !!!

نزل هذا الكلام نزول الصاعقة، وعجبت كيف يبلغ الكيد بالناس بعضهم لبعض هذا المبلغ العجيب، وأخذت أفكر في مجلس جمعني بهذا الشيخ أو شيء يمكن أن يكون ذريعة لبعض هذا القول فلم أتذكر شيئا، ولكني قمت من فوري وأخذت هذين الأخوين واستدعيت اثنين من إخواننا المدرسين الفضلاء أعلم أن لهما بهذا الشخص صلة وثيقة وبينهم صداقة وتزاور، وقصصت عليهما القصة وقلت لا بد أن نذهب إليه الآن، ونسأله بأنفسنا عن أصل هذه الإشاعة لأني أصارحكما بأني لم أستطع بعد أن أصدق هذين الأخوين في نقلهما عن هذا الرجل ولعله مظلوم أو لعلهما لم يفقها قوله، وليست التهمة مما يتساهل فيه، أو يغفل عنه فهيا بنا إليه وذهبنا نحن الخمسة وطرقنا باب الرجل ودخلنا إلى حجرة الانتظار وجاء يسلم علينا، فلما رآنا بجمعنا هذا اصفر وجهه وبدأ الاضطراب في صوته وحركاته. وكأنه شعر ما هنالك ولم أدع له فرصة فقلت له توا يا أستاذ: هذان الإخوان نقلا لي الآن أنك تقول كذا وكذا وأنك قلت لهما سمعت هذا القول مني شخصياً بأذنك. هل ما نقله هذان الإخوان عنك صحيح وأنت قلت لهما هذا القول؟ فقال: نعم. فقلت: قد برئت ساحتهما وأديا الأمانة، والتفت إليهما وقلت: جزاكما الله خيراً، ثم وجهت القول إليه ثانية وقلت: وأنت يا أستاذ متى سمعت مني هذا القول فقال: أتذكر منذ شهر تقريباً أننا كنا جالسين في” صندرة” المسجد فدخل علينا أحد المدرسين واسمه محمد الليثي أفندي وجلس معنا، وجاء الإخوان يسلمون عليك في شغف شديد واحترام فقال لك هذا المدرس يا أستاذ إن الإخوان يحبونك إلى حد العبادة، فقلت له إذا كان هذا الحب خالصاً لوجه الله فأنعم به من حب. ونسأل الله أن يزيدنا منه، وتمثلت بقول الشافعي:

إن كان رفضاً حب آل محمد
فليشهد الثقلان أني رافض

فقلت له نعم أذكر هذه الحكاية فقال أليس معنى هذا أنهم يعبدونك؟! وهنا رأينا أحد الإخوان من أصدقائه المدرسين الذين معي قام من فوره وانهال عليه شتماً وهم به ليضربه في بيته فأخذ يخاطبه أهذا ما تعلمته يا أستاذ وهذا مبلغك من الفهم ومن الأمانة في المجالس ومن الصدق في نقل القول. ولكنا حلنا بينهما والتفت إليه وقلت له يا أستاذ لقد ذكرت هذا ولك أن تفهم فيه ما تشاء ولكنك أضفت إليه أننى أنا الذي آمر الإخوان بعبادة غير الله” حاشا لله وتعالت دعوته عن ذلك علوا كبيرا” وأن هذه هي عقيدة الإخوان التي سمعتها مني، وحذفت من القول أنني عاتبته على هذا التعبير عتاباً قاسياً وقلت له إن هذا تعبير غير إسلامي جاءنا به الأدب الأوروبي والميوعة الغربية، وانزلق إلى ألسنتنا وأقلامنا بحكم التقليد الأعمى، وأن من واجب كل مسلم أن يحترس من مثل هذه التعبيرات والألفاظ. لقد ذكرت الحكاية يا أستاذ ونسيت هذا التعليق، وعلى كل حال فحسبنا هذا منك وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن الإخوان الحاضرين وكلهم أصدقاؤه لم يكتفوا بهذا وألزموه أن يوضح الأمر توضيحاً جلياً في حفل عام من أحفال الإخوان وإلا فهم سيعلمون كيف يعاقبونه أشد العقاب وقد كان، ونزل الرجل على حكم أصدقائه، وفي أول محاضرة أسبوعية وقف فأعلن الحكاية وأعلن أنه لم يقصد إلا مجرد نقلها كما هي، وأنه شاكر للإخوان ودعوتهم جميل أثرها في نفوس الأمة عامة والشباب خاصة، وقضي الأمر.


ذكرى الهجرة سنة 1348

السيد محمد زيارة الحسن اليمني:

وفي ذكرى الهجرة سنة 1348 أقامت جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة حفلاً جامعاً كان من خطبائه كثير من الفضلاء، وقد ألقيت كلمة في هذه الحفل تحت عنوان ذكرى يوم الهجرة والدعوة الإسلامية وأثرها، ونشرت في رسالة المنتقى من محاضرات الشبان المسلمين.

وكان من الحاضرين في هذا الجمع السيد محمد زيارة الحسن اليمني أمير قصر السعيد في صنعاء حينذاك. فلقيني بعد المحاضرة وتحدثنا طويلاً عن مصر وعن اليمن وعن انتشار الإلحادية والإباحية المستشري في ذلك الوقت ووجوب الوقوف أمامه بكل القوى. ومن ذلك العهد توطدت بيننا صداقة قوية، وعرض علي سيادته أن أعمل مدرساً باليمن ودارت مخاطبات بهذا الخصوص بينه وبين جلالة الإمام وبينه وبين سيف الإسلام محمد رحمه الله الذي كان محباً للإصلاح راغباً فيه أشد الرغبة حريصاً على أن تسير اليمن إليه في خطوات فسيحة، وجرت مكاتبات بيني وبين سيف الإسلام محمد رحمه بهذا الخصوص وتعارفنا على البعد، ولكنا لم نستطع إنفاذ فكرة الذهاب إلى اليمن للعقبات الرسمية المتقدمة إذ كانت السياسة المضروبة على مصر إذ ذاك ألا تتصل بالبلاد العربية بحال.

وزار الأستاذ سيد محمد زيارة الإسماعيلية، ومكث معنا بها ثلاثة أيام وشاهد منشآت الإخوان ومؤسساتهم: معهد حراء الإسلامي، ومدرسة أمهات المؤمنين، وفرقة الرحلات، ورأي الإخوان في دروسهم ومحاضراتهم ولمس ما تفيض به نفوسهم من حب وإخاء وغيرة على الإسلام والمسلمين فأعجب بذلك كله أيما إعجاب واستمرت هذه الصلة إلى الآن وما كان لله دام واتصل.

الجاه والمال:

وهما دائماً أساس الخصومة وأصل النزاع ومادة الشر في هذا الوجود. ولقد ظل الإخوان بالإسماعيلية أنموذجا نقيا صافيا من الحب والامتزاج الروحي والصفاء الذي لا يكدره مكدر، يتنافسون في البذل والعمل والتضحية واحتمال المشاق في سبيل الدعوة ويسخرون بما يصادفهم في سبيلها من عقبات “يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة” حتى إذا فتحت هذه المدارس وأقيمت المنشآت وعين فيها موظفون من حملة الشهادات العالية والمؤهلات الثقافية الرسمية، لم يكن لهم من التهذيب الروحي والتربية على مناهج الدعوات وأصحابها حظ موفور وأصبح هناك عنصر غريب عن المجتمع الإخواني الممتزج المتحد الغايات والوسائل والأهداف وأصبح هؤلاء الموظفون الغرباء بأرواحهم وتفكيرهم عن هذا المحيط يتطلعون إلى مناصب الدعوة وإلى ما يظنونه مال الدعوة. ولم تكن هذه الدعوة ذات يوم صاحبة مال إذ إن مطالبها دائماً رهن على مواردها فخزينتها خاوية دائماً وإن كانت مشروعاتها ناجحة دائمة - بإذن الله - ببركة جيوب الإخوان التي تعتبر خزائن معمورة للدعوة تتحكم فيها كيف تشاء ومتى تشاء. فحلى لهؤلاء الغرباء أن يمشوا بين الإخوان بالنميمة وأن يحيكوا المؤامرات التي يستطيعون بها في زعمهم أن يصلوا إلى المناصب الرئيسية في تكوين الجماعة لا في منشآتها فقط، وأن يستولوا بذلك على مواردها وتولى كبر ذلك ورأس الدعوة إليه ورسم المناهج لتحقيقه” شيخ أريب أديب عالم فقيه لبق ذلق اللسان واضح البيان عين مدرساً بمعهد حراء” وقدرت فيه مواهبه فأسندت إليه رئاسة لجنة الحفلات وبعض الدروس في مسجد الإخوان. وكان محترماً من الجميع فتطلع إلى أن يكون رئيساً للجماعة بالإسماعيلية وبخاصة وهو يعلم أنه لا بد من أنني سأنقل يوماً من الأيام كموظف من هذا البلد الذي قضيت فيه نحو أربع سنوات إلى بلد آخر، ونسي هو أنه موظف كذلك وأنه عرضة للنقل أو الفصل أكثر مني. ولم يسلك إلى تحقيق هذه الرغبة طريقها الطبيعي وهو الإخلاص في العمل والتفاني في خدمة الدعوة، ولكنه سلك إليها الطريق الملتوية: طريق الدس والتفريق والوقيعة، فصادق بعض أعضاء مجلس الإدارة الذين يعتقد أن لهم نفوذاً بين الإخوان ومنزلة فيهم وأخذ يوثق رابطته بهم ويكثر من زيارتهم ويدعوهم إلى زيارته. ونحن جميعاً لا نرى في هذا إلا عملاً بريئًا لا غبار عليه وعلى دعوة الإخوان، وهل دعوة الإخوان إلا توثيق الروابط بين الإخوان؟!

نائب الإخوان:

وكان الإخوان يخشون انتقالي من الإسماعيلية قبل أن أقيم لهم من بينهم من ينهض بأعباء الدعوة، فعرضوا علي التفكير جدياً في هذا الأمر حتى لا نفاجأ بالإنتقال، ونؤخذ على غرة، ورأيت الفكرة وجيهة، فشغلتني حيناً، وأخيراً رشحت لهذه المهمة أحدهم، وهو الأخ الشيخ علي الجداوي، وهو من أفضل الإخوان خلقاً وديناً، وعلى قدر مناسب من العلم والمعرفة، حسن التلاوة لكتاب الله، جيد المشاركة في البحث، دائم الدرس والقراءة، مع أنه من أسبق الناس استجابة للدعوة، ومن أقربهم إلى قلوب الإخوان، وأحبهم إليهم، ودعوت إلى اجتماع شامل، وعرضت على الإخوان فكرة إخوانهم من ترشيح نائب للإخوان يقوم بالعبء بإشرافي قبل أن نفاجأ بنقل، أو نحوه، فرحبوا بها جميعاً، وعرضت عليهم ترشيحي، فوافقوا عليه بالإجماع في فرح شامل، وسرور عجيب بهذا الاختيار، وتحمس بعضهم، فاقترح أن يترك الشيخ علي عمله - وقد كان يشتغل نجارا في دكان خاص به - ويعين إماماً لمسجد الإخوان، وتصرف له مكافأة تكفيه من مال الدعوة، حتى يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه، ووافق المجتمعون على هذا العرض، واستحسنته، لأني أؤمن بفائدة التفرغ للعمل، وعين للشيخ علي مكافأة ضئيلة، ورضي الرجل إذ كان معنا على التضحية لا على الغنيمة، وهي شيمة إخوان الإسماعيلية جميعا بحمد الله، وكان ينغص هذا السرور شعور واحد هو أنه إيذان بافتراقنا، ودليل على الإحساس بقرب هذا الإفتراق.


المؤامرة الأولى:

ورأي الشيخ بعينيه أنه قد حيل بينه وبين ما يأمل من رياسة الإخوان بهذا الوضع، فها هو ذا نائب المرشد قد عين واختير فعلاً، فهل يسكت على ذلك، وهو يرى نفسه أكفأ وأعلم وأقدر وأكثر أهلية لهذا المنصب من هذا” النجار”؟ وأين الشيخ علي الجداويرر في علمه وموهبته من فضيلته، وهو يحمل شهادة العالمية من جهة، ويحسن قرض الشعر، ويجيد الخطابة والقول، ويعرف كيف ينشر الدعوة، ويتصل بالناس، وإذن فلا بد من عمل: وعمل محكم مرسوم فهو لبق حكيم، استعان بأصدقائه الذين أحكم صلته بهم من قبل، وأفرد أحدهم بأخلص صداقته، وأخذ يفتله في الذروة والغارب، ويوسوس له بالليل والنهار، ويقنعه بأنه أكفأ من أخيه، وأليق بهذا المنصب منه، وأن الأستاذ قد ظلمه حقه وغمطه تضحياته، فهو قد احتمل كثيراً، وأنفق كثيراً، وجاهد كثيراً، وأخلص للأستاذ أعظم الإخلاص، ووضع ماله وحياته ومستقبله وأهله فداءً له وللدعوة، وماذا فعل الشيخ من هذا كله؟ لا لشيء أبداً، فهو لم ينفق، ولم يجاهد، ولم يخلص مثل هذا الإخلاص، فكيف يتخلى الأستاذ أخلص الناس له وللدعوة ليرشح من هو أقل منه إخلاصاً، وأضأل منه شأناً، هذا ظلم مبين. ذلك فضلاً عن أن اجتماع الجمعية العمومية لم يكن قانونياً، فقد جاء مفاجئاً ولم تصل الدعوة لكثير من الأعضاء الذين إن حضروا كان يحتمل أن يكون لهم رأي آخر، وهذا غمط لحق هؤلاء في التصويت وفي إبداء الرأي.

وكيف يتقاضى الشيخ عيى مكافأة على إمامة المسجد قدرها ثلاثة جنيهات، والجمعية مدينة، وقد بقي عليها من نفقات المسجد والمدرسة والمنشآت أكثر من ثلاثمائة وخمسين جنيهاً، مع أن فضيلة الشيخ مستعد لأن يقوم هو بهذه الإمامة متطوعاً على عمله بالمعهد، أو بمكافأة يسيرة لا تتجاوز خمسين قرشاً في الشهر وهكذا بمثل هذا القول المعسول الذي ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، والذي لا يقصد من ورائه إلا فتح ثغرة في القرار السابق تكون سبيلا لنقضه، وما يريد الشيخ أن تسند إلا إليه، وما هذا الأخ الطيب القلب إلا مطية لأغراضه وغاياته وأصغى الأخ إلى وسوسة الشيخ، وامتلأت بها نفسه وإن لإبليس لأصدقاء ومعاونين لعلهم أنفذ منه قولاً، وأشد حولاً، وأبعد طولاً، وأقرب إلى النفوس. نعوذ بالله من كل وسواس خناس من الجنة والناس، وأفضى بهذا القول إلى بعض أصدقائه من الإخوان، فمنهم من نصح له، ومنهم من أشفق عليه وتأثر بقوله. وفشا في الإخوان هذا القول، وشعرت به، فعلمت من أين هبت الريح، وأحضرت هذا الأخ، ونصحت له، ولكنه كان قد امتلأ إلى نهاية تفكيره، واستغرقته فكرة أولويته، وزين له الشيطان أن في ذلك مصلحة الدعوة، وأنه يتشدد لا لنفسه ولكن للمصلحة العامة، وهذا هو المنفذ الذي ينفذ منه الشيطان دائماً إلى نفوس المؤمنين ليفسد عليهم صدق إيمانهم وطهر قلوبهم، وتشيع لهذا الأخ ثلاثة من أصدقائه كان العامل الأول في تشيعهم له صداقته لهم، ثم انضم إلى ذلك وسوسة الشيخ لهم ونفورهم الطبيعي من الشيخ علي، وحسدهم إياه على ما وصل إليه، وشعار ذلك كله مصلحة الدعوة والحرص عليها.

فأردت أن أقضي على لا الفتنة من أساسها، ولا أدع لهم عذرا، إذ كنت حريصاً عليهم حسن الظن بهم، مقدراً لسابقتهم في الدعوة، وخدمتهم إياها، وتضحيتهم في سبيلها، معتقدا أن الحصول على أمثال هؤلاء الجنود الذين نهلوا من مناهل الدعوة، وشبوا في أحضانها عسير عزيز يتطلب مجهوداً آخر، وكفاحاً آخر، وتربية تستنفذ وقتاً، وتتطلب عناءً. وبعد ذلك كله فهناك الوفاء للاخوة والحب للإخوان والعطف عليهم وما أجلى هذه المعاني وأوضحها في وصف الله تبارك وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام” عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم”.

ومن واجب أصحاب الدعوات أن يتحروا هذه الأخلاق النبوية، وأن يكون لهم. في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فيعز عليهم ما يصيب المؤمنين من عنت، ويحرصون على أخوتهم، وسلامة نفوسهم أشد الحرص، ويكونون بهم ذوي رأفة ورحمة. لهذه الحيثيات جميعاً لم أرد أن أؤاخذهم بقسوة، أو أعاجلهم بعقوبة، أو أباعد بينهم وبين إخوانهم بإقصاء، أو فصل، ولكني آثرت التي هي أفضل وأجمل، فجمعتهم عندي، وسألتهم ماذا تريدون؟ فقالوا: نريد ألا تسند مهمة النيابة عنك إلى هذا الأخ، فقلت.: جميل أنتم تريدون هذا، ولكن إخوانكم قد أرادوا غيره، واختاروه، وأسندوا إليه هذه المهمة، فإذا نفذت إرادتكم خالفت إرادة إخوانكم، فقالوا: لا، إنهم لم يكونوا جميعاً حاضرين، ولو حضروا جميعاً لكان لهم رأي آخر، وكانت الدعوة مفاجئة، ولم يكن المقصود منها معلوماً، فقلت: وهل إذا جددنا الدعوة للجميع، وأعلنا الغرض منها، وتركنا لكل إنسان الحرية الكاملة في أن يقول رأيه تنزلون عند رأي الجماعة؟ قالوا: نعم. قلت: جميل لم نخسر شيئا؟ إذن فلنعاهد الله على هذا، وعاهدنا الله، واتفقنا على الموعد، ووجهنا الدعوة موضحاً بها الغرض من الاجتماع، والواقع أن هذا المظهر كان جديداً وغريباً على أوضاع الإخوان التي لم تعرف إلا الوحدة الكاملة، والاندماج التام، فرأي أحدهم هو رأي جميعهم، يتمثل فيهم قول نبيهم عليه الصلاة والسلام: “ ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد”. وقوله عليه الصلاة والسلام: “ المسلمون عدول بعضهم على بعض يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم”. ولكن أخذت به إيثاراً للحسنى وسداً للذريعة، واجتمعنا وكنت أعلم من نفوسهم فوق ما أعلنوا، فأوعزت إلى الأخ الشيخ علي أنه إذا ظهرت نتيجة الانتخابات في جانبه أن يعلن تنازله عن مرتبه، وأنه سيعمل في المسجد متطوعاً. وقد كان: اجتمع الإخوان، وظهرت نتيجة الانتخابات، فإذا هي إجماع رائع عدا أصوات هؤلاء فقط على اختيار أخيهم الشيخ علي، وإذا به يفاجئهم بهذا الإعلان في تأثر عميق نال من نفوسهم جميعاً، وأخذوا يستغربون لموقفه هذا، وموقف هذا العدد منه، أربعة يأبون إلا أن يفرضوا أنفسهم على أكثر من خمسمائة، فإذا لم ينفذ رأيهم كان الخمسمائة مخطئين، لأن الأربعة يأبون إلا أن يكونوا في نظر أنفسهم مصيبين، وهذا من أغرب الأوضاع في الجماعات، ولقد كان الإسلام حكيماً أعظم الحكمة في وصيته بأخذ مثل هؤلاء الخوارج على رأي الجماعة بمنتهى الحزم” من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم فاضربوه بالسيف كائناً من كان”. ولكنا تأثرنا إلى حد كبير بالنظم المائعة التي يسترونها بألفاظ الديمقراطية والحرية الشخصية، وما كانت الديمقراطية، ولا الحرية يوما من الأيام معناهما تفكيك الوحدة والعبث بحرية الآخرين.

كان موقف الإخوان رائعاً فقد تكاثروا علي بعد هذه الجلسة يقدمون إلي من أموالهم ما يصح أن يكون رأس مال لأخيهم الذي ترك عمله وأبى إلا أن يعمل متطوعاً، ولكني طمأنتهم عليه وأخبرتهم بأننا لن ندع الأمر، بل سنترك له دكاناً من دكاكين المسجد يفتحه ليتاجر أو يصنع ويكون في الوقت نفسه بجوار المسجد والدار ودعوت لهم بخير وحسبت أن الأمر سيقف عند هذا الحد.

المؤامرة الثانية:

ولكن النفوس إذا تمكن منها الهوى في ناحية فإنه يعميها عن الخير ويصم أذنها عن الحق وكذلك كان، فما انتهينا من هذا الموقف حتى اجتمع هؤلاء الإخوان إلى شيخهم وأخذوا يتدارسون ما حدث ولم يكن في جانبهم طبعاً فهداهم التفكير إلى أن يذيعوا عن الدعوة والجماعة السوء في ثوب النصيحة والإشفاق، فانطلقوا يشيعون أن ترك الأستاذ للعمل في هذا الوقت بين يدي أحد الإخوان كائناً من كان فيه خطورة على الدعوة، فإن الجماعة مدينة للتجار بثلاثمائة وخمسين جنيهاً من بقية نفقات بناء المسجد والدار وإذا شعر التجار والناس بهذا فإنهم سيطالبون بديونهم ويتوقف الكثير منهم عن مساعدتهم وتلوك الألسنة سمعتنا بالباطل وخصوصاً وليس في الجمعية شيء، وهل يستطيع النائب الجديد أن ينهض بكل هذه الأعباء وخصوصاً إذا انتقل الأستاذ وترك الجماعة مثقلة بهذا العبء؟! أليس من الخير أن نختار لهذه النيابة رجل من الأقوياء الأغنياء ليرد عن الدعوة هذا الشر؟!، وسمعت هذا النبأ وفشا في الإخوان وفي الناس وتحدثوا به في مجالسهم وحملت هذا القول من قائليه على وجه الإشفاق والنصيحة أخذا بحسن الظن وإيثارا للجميل وبعدا عن التورط في الاتهام بالباطل.

وأردت أن أعالج الأمر على طريقتي فدعوت أصحاب الدين وكانوا ثلاثة أو أربعة من التجار وعرضت عليهم أن توحد هذه الديون باسم واحد منهم فقبلوا. فعرضت على هذا الواحد أن يقبل مني تقسيط دينه على فترة طويلة بحيث أدفع له كل شهر ثمانية جنيهات فقبل. وكتبت له كمبيالات شخصية على نفسي بكل مبلغه على هذه الطريقة وأخذت منه مخالصة بأنه ليس له عند الجمعية شيء أبداً وضممتها إلى مخالصات غيره من التجار بحيث لم تبق الجماعة مدينة لأحد بمليم. ودعوت الإخوان جميعاً ومنهم هؤلاء الأربعة المخالفون وعرضت عليهم الأمر فسقط في أيديهم وأرادوا أن يتعللوا بالمعاذير وقالوا ولم تحمل نفسك هذا العناء؟

وهل من المروءة أن ندعك تتحمله؟ وهل هذا جزاؤك على عمل الخير؟. ولنفرض أنه عرض لك ما يمنع السداد فيكف يكون الحال؟ فقلت: أما نفسي فدعوها وشأنها وأما العجز عن السداد فقد وضعت الأقساط على طريقة تمكنني من انسداد إن شاء الله وقد قبل التاجر وجزاه الله خيراً، وما أنا في هذا كله إلا واحد من المسلمين عليه أن يبذل في سبيل دينه وأمته فلا تحملوا همي ولكن حسبنا ألا يقال إننا عاجزون عن السداد أو أن فينا فتنة، وحسبنا أن تظل هذه الوحدة التي توثقت بروح الله على الحق والإيمان. فلم يسعهم أن يفعلوا شيئاً أو يقولوا شيئاً وكل الذي استطاعوا عمله أن أحدهم وقد كان أمينا للخزينة رغب أن يسلم الخزينة لغيره فقبلنا منه وأسندنا الأمر لسواه. ولا أزال أذكره وقد أخرج الدرج وقلبه ظهرا لبطن وبطناً لظهر وسلمه لأخيه مع المفتاح وهو يقول له تفضل “خربانة بإذن الله” فقلت له في تأثر عميق: لا يا أخي لكن” عمرانه بفضل الله” وانصرفوا، ولقد عمرت خزينة الإخوان بعد ذلك ما شاء الله لها أن تعمر وامتلأت بالخير فعلاً من فضل الله وجزى الله كرام الإسماعيلية خيراً، فإنهم ما كادوا يسمعون نبأ هذا الذي حدث ويصل إليهم أنني كتبت على نفسي خمساً وأربعين كمبيالة حتى وجه إليهم الوجيه المحترم الشيخ محمد حسين الزملوط رحمه اله الدعوة للاجتماع في منزله فاجتمعوا وتقاسموا المبلغ فيما بينهم.

وتبرعوا بأكثر من أربعمائة جنيه سددت منها هذه الكمبيالات جميعاً، وما بقي ضم إلى خزينة الجماعة وتوالت التبرعات من الإخوان فكانت رصيدا لا بأس به “ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يعلمون”.


بلاغ للنيابة:

ومن الطريف أن هؤلاء الإخوان الذين أبوا إلا التمرد، خرجوا من الجلسة التي رأوا فيها كيف يتسابق إخوانهم في البذل ويفتدون الدعوة بالمال والنفس إذا طلبت منهم النفوس، وبدلاً من أن يتأثروا بهذه المظاهر الطيبة لجوا في خصومتهم ولم تزدهم هذه النماذج إلا غيظاً وحقداً، ويظهر أن النفس الإنسانية إذا ألح عليها معنى الانتصار ولو بغير الحق لم تعد تفكر فيما عداه، وإن ساقتها وسائلها الملتوية إلى الهزيمة المتكررة حتى تصل بها إلى الهزيمة التامة، ولله في خلقه شئون. ولم يكن أمامهم بعد ذلك من حيلة إلا أن يتقدم هذا الأخ إلى النيابة ببلاغ بتوقيعه، وتلك فضيلة لا أنساها له، إنه لم يشأ في يوم من الأيام أن يحارب إلا واضحاً ظاهراً، وهو أثر من آثار شجاعته الأدبية، وأثر الدعوة فيه وإن كان مخطئاً. يقول في هذا البلاغ: إن حسن أفندي البنا رئيس الإخوان المسلمين والمدرس بالمدرسة الابتدائية بالإسماعيلية يبعثر في أموال الجماعة ويبعث بها إلى القاهرة لأخيه هناك الذي يقول إنه رئيس شعبة القاهرة وإلى بور سعيد وإلى أبو صوير مع أن هذه الأموال مجموعة من الإسماعيلية، وهو من أبناء الإسماعيلية، وكان من الواجب أن تصرف في الإسماعيلية، وبما أن هذا هو حق النيابة العمومية في حماية أموال الناس وأعراضهم ودمائهم فإنه يطلب أن تتدخل النيابة وتمنع إنفاق هذه الأموال على هذا الوجه. وكان وكيل النيابة رجلاً لبقاً دقيقاً وهو فيما أذكر الأستاذ محمود مجاهد ولعله في القضاء الآن، فاستدعاه وأخذ يناقشه نقاشاً هادئاً طريفاً وقال له: هل أنت عضو في مجلس إدارة هذه الجمعية؟ فقال كنت عضواً وكنت أقوم بأعمال الخزينة فاستعفيت وقبلت استقالتي، فقال له: هل يقر مجلس الإدارة إرسال هذه النقود إلى هذه الشعب؟ فقال نعم؟ فقال له: فهل أنت عضو في الجمعية العمومية فقال إنني كنت عضوا في كل شيء ولكن الآن لا أحب أن أعرف هؤلاء الناس ولا أعتبر نفسي عضواً في أي عمل لهم، فقال له: هل تظن أن الجمعية العمومية إذا عرض عليها هذا التصرف تقره وتوافق حسن أفندي عليه؟ فقال: يا سلام، لو قال لهم إنني أخذت هذه الفلوس لنفسي لوافقوه على ذلك مسرورين لأنه سحرهم وهم يوافقونه على كل ما يعمل بدون تفكير. فقال له الرجل وإذا كان مجلس الإدارة يوافقه والجمعية العمومية توافقه وأنت لست عضواً لا في هذا ولا في ذاك فما شأنك أنت؟ وما شأن النيابة في هذا الموضوع؟ هؤلاء أناس اجتمعوا ودفعوا نقوداً ووكلوا فرداً أو أفراداً في إنفاقها ووافقوه على طريقة الإنفاق، فبأي وجه تتدخل النيابة وهم أحرار يفعلون في أموالهم ما يريدون. يا فلان أنت شاب يظهر أنك مخلص ولكنك مخطئ خطأ كبيرا ونصيحتي لك أن تعود إلى جماعتك وتعمل معهم إن شئت وتدع هذه الأفكار، وإذا لم يعجبك حالهم فاقعد في بيتك وانصرف لعملك ودع الناس يعملون وهذا أفضل لك إن أردت النصيحة. فانصرف.

وعلم الشيخ عسكريه رحمه الله بالأمر فحضر من شبراخيت وحاول التوسط ليرد هؤلاء الذين ركبوا رؤوسهم إلى صف الجماعة ولكنهم أبوا إلا العناد وكان الشيخ رحمه الله نافذ البصيرة في مثل هذه الأمور فعاد يقول لي: هؤلاء لا خير فيهم فقد فقدوا إدراكهم لسمو الدعوة، وفقدوا إيمانهم لطاعة القيادة ومن فقد هذين فلا خير فيه في صفنا، فاحتسبهم وامض في طريقك والله المستعان. وجاهرهم برأيه وعاد إلى شبراخيت وفكرت في أن أدعو مجلس الإدارة لتقرير فصلهم من الجماعة ولكنهم بادروا فأرسلوا باستقالتهم وقبلها المجلس وقضي الأمر وعلى نفسها جنت براقش.

وعز عليهم أن يروا أنفسهم بعيداً فلا يستطيعون كيداً. فأخذوا يطلقون الإشاعات ويرسلون بالعرائض المجهولة إلى الجهات المختصة من وزارة المعارف إلى البوليس إلى النيابة، ثم عمدوا إلى الذين يظنون أنهم دعائم في هذه الدعوة من أهل البلد يلقون إليهم بالأكاذيب ليصرفوهم عن الجماعة وقصدوا أول ما قصدوا إلى الشيخ محمد حسين الزملوط وألقوا إليه بفرية فقالوا: إن الإخوان قوم خطرون وعندهم من الأعمال السرية ما لو كشفته لفررت منهم ونجوت بنفسك ونحن سنبلغ عنهم الجهات المختصة ولكنا أردنا قبل ذلك أن نبلغك لتأخذ الحيطة لنفسك أولا وتستقيل منهم وتعلن استقالتك وبعدك عنهم، ومتى اطمأننا على ذلك بلغنا فلا يصيبك شيء فقال لهم: وهل أنتم واثقون مما تقولون؟ فقالوا نعم كل الثقة وقد اشتركنا فعلاً في هذه النواحي السرية، فقال الرجل وكان حصيفا عاقلاً فيه إيمان ودين وفيه صراحة وقوة أنتم الآن عندي أحد رجلين إما خائنون إذا كان الكلام صحيحاً،وإما كاذبون إذا كان باطلاً، فكيف تريدون مني أن أصدقكم وأحترمكم وأنتم خونة أو كذابون قوموا من عندي ولا أراكم بعد ذلك. ولست أنسى تلك اللحظة التي جاءني فيها متغير الوجه عليه آثار الغضب والتأثر واستأذن من ناظر المدرسة وأخذني من الفصل وخرجنا نسير بظاهر البلد وحدنا ثم كاشفني بما سمع وقال: يا فلان عد إلى البلد الآن سريعاً ورتب نفسك إذا كان ما يقوله هؤلاء الناس صحيحاً واجتهد ألا يظهر شيء من أعمالكم هذه إذا كانت لكم أعمال وإذا ظهر شيء أو سئلت في شيء فقل إنني لا صلة لي بهذه الجماعة أبداً ورئيسها هو محمد حسين، فأنت شاب لك مستقبل وأنت موظف تستطيع الحكومة أن تضايقك وأنت ضيف عندنا وقمت بهذه الدعوة لوجه الله فلا تستحق إلا كل جميل. لقد تأثرت أشد التأثر بشهامة هذا المؤمن رحمه الله، وقلت له يا سيدي اطمئن كل الإطمئنان فنحن نعمل في وضح النهار ولو كان هؤلاء الجماعة صادقين فيما يقولون لأبلغوا من زمن مضى فالخلاف بينهم وبين الجماعة ليس جديداً. وكل ما في الأمر أنهم رأوك تساعد الجماعة بجاهك ومالك وأنت رجل خير طيب محترم فأرادوا أن يحرموا الجماعة صلتك بها ويظهروها للناس بهذا المظهر المخيف وإنى لشاكر لك أعظم الشكر هذا الاستعداد الكريم وجزاك الله عن الإيمان والوفاء خيراً.

ولست أنسى كذلك قول الرجل بعد ذلك: والله يا أخي لقد سمعت عمي الشيخ عيد يقول كثيراً إنني أسأل الله ألا أموت حتى أرى عزة الإسلام وانتصار أممه وعلو أحكامه وها هو قد مات ولم ير عزة الإسلام وأنا لا أمنية لي في الحياة إلا أن أرى عزة الإسلام وأسأل الله ألا أموت حتى أرى هذه العزة، ولكنني أشعر بأن ذلك بعيد لأن قطرة الدم لا زالت غالية على المسلمين، وما دامت قطرة الدم غالية فإنهم لن يصلوا إلى شيء لأن ثمن العزة والحرية قطرة الدم فقط. القرآن يقول هذا وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه كلها تدل على ذلك أليس كذلك؟ فقلت له: بلى.. إن ذلك حق ولا شك ولكن أطمئنك فإن الإيمان الصحيح يرخص الدماء او يغليها في الواقع لأن جزاءها عند الله العظيم، وقد أخذ الإيمان يتمكن من قلوب طائفة من عباد الله سيكون على يدها الخير والإنقاذ إن شاء الله، وسترى من هؤلاء الإخوان الناشئين كل خير والله يطيل أجلك حتى ترى عزة الإسلام فقال: ولكنهم قليل قليل جداً فقلت سيكثرون والخير في هذا القليل و” كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين” فقال بشرك الله بالخير نرجو ونسأل الله.

ولقد حدثني بعد ذلك أن وكيل النيابة سأله في عرائض قدمت له بهذا الخصوص فنصح له بإهمال كل هذه العرائض المجهولة التي لو كانت حقاً لما أخفي أصحابها أسماءهم ولواجهوا الحقيقة بأنفسهم. رحم الله الشيخ محمد حسين زملوط وجزاه خيراً.

نشرات وتقارير:

لم يجد هؤلاء الأربعة أو الخمسة من سبيل بعد ذلك للكيد للجماعة إلا أن يلجئوا إلى طبع نشرات مكذوبة، وتقارير مغرضة يقولون فيها: إن حرية الرأي مفقودة في هذه الجماعة، وأنها تسير على غير نظام الشورى. والغريب أنهم ينقضون هذه الدعوى بأن يذكروا أن مظهر ذلك أن مجلس الإدارة وأن الجمعية العمومية لا تخالف للأستاذ أمراً وتطيعه طاعة عمياء، فإذا كانت الجمعية العمومية تستشار ومجلس الإدارة يستشار باعترافهم فأين فقدان الشورى؟ ومتى كان معنى الشورى وحرية الرأي المخالفة والخروج ولا بد؟ ثم يقولون بعد ذلك: إن نقود الإسماعيلية تنفق على القاهرة يرسلها الأستاذ لأخيه وعلى أبو صوير وعلى بور سعيد وكأنه حرام على أصحاب الدعوات أن يستعينوا بأحد ممن يتصل بهم مهما كان أيمانه وكفايته، وعليهم ليبرءوا من التهمة أن يقصوا هؤلاء ويقذفوا بهم من حالق مهما كان وجودهم مفيداً نافعاً لأنهم أقارب أو أخوة حتى ولو جنت عليهم هذه الصلة فأخرتهم وقدمت الناس. ويقولون إن حساب المسجد لم يعلن على الجمهور بعد ولم نعرف موارده كم بلغت ولا كيف صرفت، وأن أدوات المدرسة اشتريت بغير مناقصة وبغير طريقة قانونية، وأن من حق الرأي العام أن يحاسب القائمين على هذه الجماعة بما يفعلون. وعلمت نبأ هذا التقرير فذهبت إلى كبير الجماعة بمنزله وكان رجلاً عاقلاً أحترمه لسنه وسابقته وقلت له: بلغني أنكم اعتزمتم كذا وكذا فهل هذا صحيح؟ فحاول أن يتخلص من الإجابة ولكني أخرجت له بعض نصوص التقرير فلم ير بداً من الاعتراف فقال: نعم وهو في المطبعة الآن فقلت له حسن، لكم ما تريدون يا عم فلان أفندي ولم أجىء إليك الآن لأرجوك أن تحجز هذا التقرير أو تكف عن حملتك على الجماعة فلك رأيك وأنت وما تريد، ولكني أعلم ولا زلت أعتقد أنك رجل عاقل والأمور بنتائجها وعواقبها. ومجرد التهور واتباع شهوة الإنتقام لا يجدي شيئا فما الذي تنتظرونه من وراء تقريركم هذا؟ فقال: ننور الرأي العام وندله على الحقيقة، فقلت له لن أحاول مناقشتك في هذه الحقيقة التي تظنها والتي أعتقد أنها باطلة ولكن أقول لك هل تظن أننا عاجزون عن الرد وعن إقناع الرأي العام بأننا صادقون وأنتم غير صادقين، وليس معكم أنتم إلا مجرد الإدعاء ومعنا نحن الوثائق والمستندات وأنت يا عم فلان أعرف الناس بذلك، فحساب المسجد على يدك وشراء أدوات المدرسة باشتراكك وبرأيك وكثير من المشتريات كان عن طريقك للمسجد ولغير المسجد. وإذن فتنوير الرأي العام سيكون في جانبنا لا في جانبكم ونحن نملك من وسائله ما لا تملكون، فنحن أقوى صلة بالشعب ونستطيع أن نخطب ونكتب ونتحدث وندعو إلى اجتماعات ونقول في الدروس ونوضح في المساجد والقهاوي والشوارع، والألسنة كثيرة والحق أبلج. إن الذي يؤلمني في الأمر شيء واحد فقط هو أنني بالأمس القريب كنت أقدمك للناس كا يقدم الإبن والده في احترام وتوقير وكنت أقدم هؤلاء الأبناء كخلاصات من الشباب المؤمن. وموقفكم سيضطرني مكرهاً إلى الطعن والنقيصة ورميكم بالأكاذيب والبهتان والخيانة والمروق والخروج على الحق وعلى الدعوة.. إلخ من هذه الألفاظ والتهم التي لا يعجز عنها أحد. تصور أن هذا المظهر وحده يحز في نفسي ويؤلمها أشد الألم وإن كان البادىء أظلم، ورحم الله الشاعر العربي:

نفلق هاماً من رجال أعزة
علينا وهم كانوا أعق وأظلما

والذي يضاعف هذا الألم أنه لا نتيجة لكل هذه الأعمال ولا ثمرة من وراء هذه التضحيات ولا فائدة ترجى بعد ذلك من حرق الأعصاب وتناول الأعراض بالنهج والسباب، فمن الخير كل الخير أن تدعوا هذه الحرب التي تعلمون نتيجتها بالنسبة لكم وإن أردتم الانتقام فلا خير فيه، وإن أردتم النصيحة فقد أبلغتم وعرف الناس كل ما تريدون أن تقولوا وحسبكم علم الهة، وإن أردتم وجه الله فالله عليم بذات الصدور.

وتأثر الرجل بهذا الحديث فوعدني بأنه سيحول دون نشر هذا التقرير، وأنه سيسحب أصوله من المطبعة. وانصرفت من عنده على هذا الوعد.

درس مؤثر:

وأذكر أنني في أثناء هذه الحوادث ألقيت درساً على الناس موضوعه فضل صفاء القلب وحب الخير للجميع والصلح بين المتخاصمين لمناسبة من المناسبات، وخلوت بنفسي بعد الدرس فكان حوار عنيف: أتأمرون الناس بالبر وتنسون وأنفسكم؟ ما هذا؟ إن أحب الرجال إلى الله كل مخموم القلب صدوق اللسان، وإن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.

“ألا أدلكم على أفضل من درجات الصلاة والصوم والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال: إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين”“فأصلحوا بينهما صلحا والصلح خير” وصدق الله ورسوله. أقول كل هذا للناس ولا أتأثر به، لا يصح أن يكون هذا أبداً ولا بد إذن من تطهير القلب وصفاء النفس، ومكافحة النفس، ومكافحة الغضب وسلطان الانتصار للنفس، ولا بد من أن أجرب ذلك عملياً في نفسي وإن كنت لم أجن ذنباً ولم أبدأ بعدوان ولكن لا بد من هذه التجربة. وتناولت القلم وكتبت إلى كبير الجماعة خطاباً أقول فيه: إنني على استعداد تام لتناسي الماضي كله وإعادتهم إلى صفوف الإخوان إن أرادوا، فإن قبلوا ذلك على قاعدة التسامح فشكر الله لهم وقد سامحت فليسامحوا، وإن أرادوا أن يكون هذا التصافي على قاعدة التحاقق فإني لذلك مستعد وأفوض لهم اختيار الحكام فليختاروا من شاءوا ولنتحاكم إليه فرداً أو جماعة وأنا من الآن قابل لحكمه كائناً من كان وذكرت لهم السبب في ذلك وهو تأثري بدرس ألقيته وخشيت بعده أن أكون من الذين قال الله فيهم” لم قولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”. ولكن هذا الخطاب رغم هذه العاطفة القوية التي كانت تتدفق في كل سطر من سطوره لم يؤثر بشيء بل إنني أبيت إلا أن أحمله إلى كبيرهم بنفسي في منزله وأسلمه إياه بيدي وقد ثار الإخوان لذلك ثورة عنيفة وحاولوا منعي بكل وسيلة ولكنني أصررت على رأي وأصررت على أن أذهب بهذا الخطاب منفرداً مما كان موضع دهشة الإخوان وغرابتهم ولكني كنت في الحقيقة أستشعر لذة كبرى في هذا الضعف الذي كنت أعتبره وأتصوره - ولا زلت - منتهي القوة لأنه موصول بأوامر الله.

كلمة الحق:

لم تستطع كلمات هذا الخطاب أن تنفذ إلى قلوب هؤلاء الإخوان ولم يستطع وعد الرجل العاقل الذي وعدنيه أن يحول دون نشر التقرير. فقد استبد أحدهم برأيه رغم مخالفته بقيتهم، وأبى إلا أن ينشر التقرير باسمه هو وفعلاً تم الطبع وأذاع التقرير على الناس وحمله بنفسه إلى بور سعيد وأبو صوير وهي الشعب المجاورة للإسماعيلية، فوضع مجلس الإدارة ردا عليه أسماه” كلمة الحق” وما كان هذا الرد ينشر حتى تلقفه الناس، ولفتت هذه الحركة أنظارهم إلى الدعوة، وأخذوا يهتمون بكل ما يتصل بالجماعة، فكانت تلك الحركة من أكبر العوامل على الانتشار وانضمام عناصر كثيرة من الناس إلى الإخوان.

لطيفة:

ومن اللطائف أننى وعدت الإخوان أعضاء مجلس الإدارة بأخذ رأيهم في رفع الأمر إلى القضاء على اعتبار أن ذلك قذف بطريق النشر، واجتمعنا في صندرة المسجد بعد العشاء. وافتتحت الجلسة وأردت أن أشرح الموضوع وإذا بأحد المصلين الذين تخلفوا بعد الجماعة يستفتح القراءة ويتلو قول الله تبارك وتعالى: “وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون* ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون* أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين*، وتمت كلمة ربك صدقا، وعدلاً، لا مبدل لكلماته، وهو السميع العليم” وأصغينا للتلاوة التي كان الرجل يرددها لنفسه ولكن بصوت مرتفع حتى إذا انتهي إلى هذه الآية الكريمة سكت. وسكت، فقال الإخوان: لماذا اجتمعنا؟ فقلت قد قضي الأمر أفغير الله أبتغي حكماً؟ وقصصت عليهم ما اجتمعنا له وقلت لهم والآن أسحب هذا الاقتراح من جدول الأعمال وحسبنا الله حكما، ولقد حكم فعدل وهو أعدل الحاكمين سبحانه.

مصير الشيخ:

كل هذا والشيخ الذي يريد أن يكون رئيس الإخوان بالإسماعيلية ما زال مدرساً بمدارس الإخوان، وما زال يشرف من بعيد على إدارة هذه الفتنة، يخب فيها ويضع ولكنه كان من الحذر والاحتراس بالدرجة التي كان يتخلص فيها من كل ما ينسب إليه. ولم أرد أن آخذه بالظنة لأن هذا لا يغير من الواقع شيئا فقد تورط هؤلاء الإخوان وقضي الأمر -وكنت أرجو دائما أن يرده عقله فقد كان عاقلاً، وعلمه فقد كان عالما، وأدبه إذ كان أديبا، إلى الحق فيكون عونا لي على عودتهم بدلا من أن يكون عونا لهم على أحوالهم، ولكنه ظل يغذي هذا الشر وهو بعيد عن تبعاته حتى استشرى واستفحل وكان للصدفة فضل اكتشافه متلبسا. فقد أرقت ليلة فخرجت لصلاة الفجر بالمسجد العباسي قبل الوقت بنحو ساعة أو أكثر ومررت في الطريق على بيت أحدهم فإذا هو مضاء ونوافذه مفتحة وهناك أصوات في نقاش استرعت انتباهي فإذا الشيخ جالس وهم حوله، وهو يرسم لهم طرائق الكيد والخصام ومضيت في طريقي وأحضرته في الصباح وسألته في لطف وفي عرض حديث عن ليلته أين قضاها فقص علي قصة طويلة تنتهي بأنه قضاها في منزله، وعرجت على الفتنة وآثارها ولمحت إلى ما يقوله الناس ويتناقلونه عن نصيبه فيها، فأخذ يتبرأ من كل ذلك وينفيه عن نفسه ويتظاهر بأنه في هذا الشأن أطهر من ماء الغمام ويسوق على ذلك الأدلة والبراهين، وأنا أعجب كل العجب من قدرته على هذا السبك الغريب، وأخيراً حاول أن يقسم بالطلاق فلم أطق صبرا وأمسكت بفمه في حركة عصبية، وصرخت في وجهه: اتق الله احذر الحلف لا تقسم، ثم قلت أين كنت في الساعة كذا فظهرت البغتة على وجهه: وحاول أن يجيب فتلعثم ولم أدع له الفرصة فواجهته بالحقيقة وسقت له الدلائل وصارحته بأنني رأيته بنفسي ولم يخبرني أحد بشيء، فلم يسعه إلا الاعتراف والإقرار ولجأ إلى إظهار الندم والاستعطاف فقلت له لا بأس عليك ثق بأنني لا أفكر في أن أنال منك سوءاً أبداً، ولا أتصور أنني بالأمس كنت أمدحك وأقدمك فأصلي خلفك وأحضر درسك وأوصي الناس بذلك واليوم أذمك وأكشف عما اكتشفته منك لا أتصور هذا ولكني لا أطيق بعد اليوم أن تكون معي في دعوة أو عمل، فاختر لنفسك إما أن تبقى بالإسماعيلية وعلى أن أدبر لك عملاً بتوفيق الله ولكن خارج محيط الإخوان ولك أن تعتذر بأي عذر مقبول وإما أن تعود إلى بلدك فعلي أن أحملك إليها وأتكفل براحتك حتى تصل إلى مأمنك والله ولينا جميعاً وهو علينا شهيد. فاختار الثانية ولكنه اشترط أن أسدد عنه دينه وقد فعلت، وكتب استقالته من عمله وانقطعت صلته بالدار وبالمعهد على السواء.


قضيته ومدرسته:

ولم يذهب إلى بلده كما تعهد، ولكن فوجئت ذات يوم بإعلان عن افتتاح مدرسة جديدة برياسته وإدارته وبإشراف لجنة مؤلفة من هؤلاء الخمسة معه، وفيها طعن وتجريح لجهود الإخوان ومدارسهم، فقلت جميل المهم أن يبتعد عنا وليفعل بعد ذلك ما شاء.

ولكني بعد هذا فوجئت بإعلان من المحكمة أن الشيخ يطلب مكافأته عن المدة التي قضاها بالإخوان، وهي لا تعدو مبلغاً ضئيلاً زهيداً أبى إلا أن يقتضيه عن طريق المحكمة مع أن بيدي من المستندات ما يدينه بأضعاف ما يطلب، وأبيت إلا أن أحضر إلى المحكمة بنفسي، وتقدم بدعواه فأقررت بها ولكني تقدمت إلى القاض بما بين يدي من أسانيد فاعتبرها وحكم برفض الدعوى وإلزامه بالمصروفات. ولم يطل بقاء المدرسة التي أعلن عنها فقد ماتت في مهدها، ولم يطل بقاؤه كذلك في الإسماعيلية فقد رحل عنها. وإني لأعتذر إليه فهو الآن من خيرة العلماء وأفضل الأصدقاء، وتلك أيام خلت وذكريات مضت ولعل له عذراً ونحن نلوم والله أعلم بالسرائر.


زواج وانتقال:

وكأنما أراد الله سبحانه وتعالى أن يخفف من وقع هذه الفتن التي كانت من المفاجآت حقاً لي في مطلع حياة الدعوة، وكانت دروساً عجيبة، وكنت أتلقاها مندهشاً وإن كان توفيق الله تبارك وتعالى كان يذهب بكل آثارها الضارة ويرزقنا من ورائها خيراً نتمثل معه قول القائل: رب ضارة نافعة، وكنت أفهم أن الدعوة تحارب من أعدائها ومن غير المتصلين بها الفاهمين لها المجندين في صفها والمستفيدين من ورائها. وكنت أعددت لهذه الحرب عدتها من الصبر والتجلد والأسوة الحسنة، أما أن يحمل علم الخصومة نفر من أخلص من كنا نعتمد عليهم يغذيهم بعض من يعيشون في ظل الدعوة ومنشآتها لغير ما غاية وبدون أية نتيجة فهذا هو العجب العجاب ولله في خلقه شئون، كأنما أراد الله أن يخفف عن نفسي من وقع هذه الفتن فأتاح لي فرصة الزواج وتم الأمر في سهولة ويسر وبساطة غريبة: خطوبة في غرة رمضان تقريباً فعقد في المسجد في ليلة السابع والعشرين منه فزفاف في العاشر من ذي القعدة بعده وقضي الأمر والحمد لله رب العالمين. وشعرت بعد ذلك بأن رسالتي في الإسماعيلية قد انتهت. الدعوة مؤسسة والمنشآت قائمة والأهلون الكرام كلهم إخوان وتم نصف الدين الثاني فما القعود هنا إذن؟ خالجني إحساس عجيب بأنني سأنقل بعد ذلك وجاءت الإجازة الصيفية عام 1932 ولقيت أستاذنا الشيخ عبد الوهاب النجار رحمه الله وتحدثنا مليا واسترسلنا إلى الإسماعيلية والدعوة فيها وإحساس بقرب الإنتقال منها فطلبت إليه بهذه المناسبة أن يتحدث مع الأستاذ البطراوي مفتش اللغة العربية حينذاك في أنني أرغب الانتقال إلى القاهرة وعاد الأستاذ النجار رحمه اله يطلب إلي كتابة طلب بذلك فكتبت وكان أن حقق الله هذه الرغبة فنقلت إلى القاهرة في أكتوبر سنة 1932 الميلادية.

نصوص من ذكريات الإسماعيلية

الخطبة الأولى بمسجد الإخوان:

والآن وقد انتهي القسم الأول من هذه المذكرات بما نشرناه بالأمس ننشر بعض النصوص عن ذكريات الإسماعيلية ونقفي بالقسم الثاني في الدعوة والداعية بالقاهرة:

الحمد لله حمداً جزيلاً على ما وفق إليه من الطاعة، وذاد عنه من المعصية، وشرح به الصدور من الخير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة إيمان وإقرار وإذعان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. أفضل من صلى وصام وتهجد وقام وأحيا الليل والناس نيام، سيد كل عابد وخير من شيد المساجد، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

“أما بعد” فيا عباد الله، إن أفضل القربات، وأعظم المبرات تشييد المساجد وعمارتها والإنفاق في سبيل إقامتها، وإنما يوفق الله إلى ذلك من أحب من عباده الطائعين كما قال تعالى: “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين”.

وأولئك قوم آثروا ما عند الله على ما في خزائنهم ووثقوا بما في يد الله أوثق مما في يدهم وعلموا أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق، فأعطوا واتقوا وصدقوا بالحسنى فلهم عند الله التيسير لليسرى والجزاء الأسنى “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى”.

وهل هناك عمل مبرور وسعى مشكور وفضل مأثور أشرف وأفضل وأعلى وأجل من تعمير” بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار”.

والمساجد في الأمة الإسلامية معابد الصلوات ومدارس الآيات، وما الصلاة إلا رابطة وثيقة بين أهل الأرض ورب السماوات إذ يقفون بين يدي مولاهم خشعا، ويخرون لعظمته سجداً وركعاً، وتناجيهم ألسنتهم وضمائرهم وهم في حضرته القدسية بالذكر والدعاء، فتنزل عليهم السكينة، وتتغشاهم الرحمة وتحف بهم الملائكة ويذكرهم الله فيمن عنده، يفرج كربتهم ويكشف غمهم ويدفع عنهم بأس عدوهم” إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور” يغمرهم بلطفه ويحميهم في كنفه ويكون عند ظنهم به” ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم” وأن العبد إذا تقرب إلى الله بالنوافل والصلوات كان الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها وإن سأله ليعطينه، وإن استعاذ به ليعيذنه.

وإذا كان أحدنا يحرص على محبة الكبراء، وإرضاء الرؤساء، والأمة تجتلب مرضاة الدول، وتوثق العلائق بينها وبين الحكومات الأخر، وتنفق في ذلك الأموال، وتنشيء له السفارات والقنصليات، أفلا يجدر بنا ويجب علينا، أن نترض دولة السماء، وعلى رأسها رب العالمين الذي له جنود السماوات والأرض، وبيده الأمر كله”إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون” نترضاه بإنشاء المساجد، وعمارتها وأداء الصلوات فيها لأوقاتها، فيمدنا بجنده الذي لا يغلب، وجيشه الذي لا يقهر، ونصره العزيز الذي وعد به ”ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز”.”الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور”.

وإن الأمة إذا ترضت مولاها، ولجأت إلى بارئها، وتولت ربها أعانها على غيرها، ودفع عنها شر عدوها” ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفي الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عز”.

وإذا آثرت مرضاة الخلق على الحق، وتملقت سواها بالبذل والتقليد، وكلها الله نفسها، وترك إليها أمر حمايتها، فتكون عاجزة في قوتها، مغلوبة على أمرها.

على أن المساجد شعار الدين وعنوان الإسلام،وشارة للمؤمنين تؤدى فيها فرائض الله، ويخطب فوق منابرها بكتاب الله وسنة رسول الله، وينادى على منابرها بكلمة الله: الله أكبر وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وحي على الفلاح، وحي على الصلاة. آيات بينات، وغرر واضحات تقوي اليقين، وتنبه أهل الدين، وإنها لتذكرة للمتقين، وحسرة على الكافرين، وغبطة للمؤمنين، وكبت لإخوان الشياطين.

وهبك نزلت بلداً لم تكن نزلته من قبل، أفلست ترى أن المساجد فيه هي الدليل القائم على دين أهليه: إن تعددت وكثرت علمت أنهم قوم صلاح، وأهل تقوى وفلاح، وإن نزرت وقلت علمت أنهم بدنياهم من المشغولين، وعن دينهم من الغافلين، ولأمر ما كان أبو بكر رضي الله عنه يقول فيما يوصي به جنده” إذا نزلتم بقوم فانتظروا بهم وقت الصلاة فإذا أذنوا فارحلوا عنهم وإلا فقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا” ذلك لأن الشعائر الظاهرة تستلفت الأنظار، وتسترعي الأسماع، وتهوي إليها أفئدة من يفتدون هذا الإسلام المحبوب ”ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب”.

والمساجد كذلك هي المدارس العامة، والجامعات الشعبية، والكليات التهذيبية للأمة يتعلم فيها الكهول والشبان والشيوخ والصبيان ما يصلح حالهم في معاشهم ومعادهم، ويزودون فيها بأحكام دينهم، وغذاء عقولهم، وشفاء صدورهم بما يستمعون من عظات، وما يحضرون من حلق العلم التي لا يتقاض عليها أهلها أجراً، ولا يرهقون المستمع قلاً ولا كثراً.

فإذا كنا نعنى بإنشاء المدارس وتعميمها بين طبقات الأمة. وإعداد المشافي لعلاج الصحة، فأولى بنا أن نعنى بإقامة المساجد التي هي بحق بيوت للعبادة، ومدارس للعلم، ومستشفيات لأمراض النفوس.

وقد كان أسلافنا - رضوان الله عليهم - يعنون بالتدريس في المساجد للخاصة والعامة، ويلحقون بكل مسجد مدرسة، وربما تبع ذلك مساكن للطلبة ليتحد العلم بالعمل، ويقترن القول بالفعل، وتكون الدراسة تطبيقيه قبل أن تكون كلامية، وتبث روح الدين في المتعلمين، وترسخ مظاهره في نفوس الطالبين، فيتخرجون على الفضيلة والأخلاق المحمدية النبيلة.

لا كمدارس ابتدعوها ومعاهد اخترعوها، يدخلها أبناؤنا مسلمين، ويخرجون منها ملحدين، أو بلا دين، وقد تسممت عقولهم بالأفكار الخبيثة الفرنجية، وحشيت أدمغتهم بالآراء الإلحادية، وشبوا على التقليد والإباحية. وأي تعليم أرتى من تعليم المساجد لو أتقنه القائمون به، وفهموه على وجهه، وعماده الرغبة لا الرهبة، وأساسه الصلة والمحبة.

والمساجد بعد هذا كله ميدان تعارف المؤمنين، ومكان تلاقي أشخاصهم، ففيها يجتمعون وتحت ظلها يتآخون ويتعارفون، وقد كانت في القديم أندية المسلمين ومجالس صلحهم، وحفل نكاحهم تنفيذاً لوصية الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقول” أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد”، فيجتنبون مصائب هذه المحافل المعتادة من إسراف وتبذير ورياء وتكبر وتفاخر بالباطل والله لا يحب كل مختال فخور.

فإذا كانت للمساجد هذه الآثار في حياة الأمة كانت أول ما يجب أن يعنى بعمارته العاملون ويفكر في إصلاحه المفكرون، وكذلك كان أول عمل لرسول الله عليه الصلاة والسلام في هجرته أن بنى مسجد قباء مدة إقامته في بني سالم بن عوف، وهو المسجد الذي أنزل الله فيه: “ لمسجد أسس عل التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين”.

وكان أول عمل عمله بعد دخوله المدينة أن بنى مسجده عليه الصلاة والسلام ثاني الحرمين المقدسين وفيه روضة من رياض الجنة، وكان يعمل فيه بنفسه وهو يقول: “ اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة” وكان أصحابه يعملون ويقولون:

لئن قعدنا والنــبي يعـمل
لذاك منا العمل المضلل
لايستوى من يعمر المساجدا
يعمل فيها تائما وقاعدا
ومن يرى عن الطريق حائدا

وكان عثمان رضي الله عنه أول من أجاب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في توسعة مسجده، فأدخل فيه مقدار خمس سوار.

فاحمدوا الله تبارك وتعالى على ما وفقتم إليه من مساعدة جمعية الإخوان المسلمين في تشييد هذا المسجد بأموالكم وأنفسكم، وجزاكم الله خير جزاء العاملين ولقاكم أفضل مثوبة المخلصين وضاعف لكم أجر المنفقين. قال رسول صلى الله عليه وسلم: “ من بنى مسجداً يبغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة” رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ إن للمساجد أوتاداً، الملائكة جلساؤهم إن غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم. جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد أو كلمة حكمة أو رحمة منتظرة” رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما.

قصاصات:

ومن القصاصات التي عثرت عليها عرضاً وأنا أتهيأ للكتابة عن الدعوة والداعية بعد الانتقال إلى القاهرة قصاصات طريفة، أحببت أن أكتبها فيما يلي: معتذرا عن نشر الأسماء إلى حين

طبائع النفوس:

ولم يصارحني... بما تم بينه وبينه بشأن الإنفاق في مشروعهما التجاري... وقد كنت أظن أنه قد برأت نفسه من حب المادة وهذا الأسلوب الذي يعتمد على اللف والدوران فإذا بقاياه لا تزال عالقة به... ذلك لا يؤنسني من إصلاحه، ولكنه يجعلني أعتقد أن تطهير النفوس من أدرانها أشق عمل في الحياة ويذكرني بقول شوقي:

وشافي الناس من نزعات شر كشاف من طبائعها الذئابا

ويجعلني أتريث كثيراً في الثقة بالناس إلا بعد تمام الخبرة والمعرفة.

آثار قدرة الله:

إن أعجب لشيء فلهؤلاء الذين يرون آثار قدرة الله في كل شيء وفي أنفسهم ثم لا يؤمنون به ولا يفهمون عنه. إن الفهم عن الله تعالى هو حقيقة الإيمان به. وقد كنت أقرأ هذه الكلمة في الكتب فأراها غامضة حتى فتح الله على قلبي باباً من أبواب هذا الفهم. فعرفت حقيقة أنه ليس الإيمان بل هو أول المعرفة وبدء طريق الوصول. كنت مطمئن النفس كل الاطمئنان إلى التلاميذ في القواعد وشاكاً في مقدرتهم من ناحية الإنشاء وذلك لأني تعبت معهم كثيراً في شرح القواعد والتطبيق عليها واعتمدت على هذا المجهود فأسفرت النتيجة عن إجادتهم فيما تخوفت منه وتقصيرهم فيما اعتمدت عليه فذكرت قول الله تعالى: “ ولقد نصركم الله ببدر”“ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم”.

ميثاق عربي:

نشرت جريدة” الضياء”.بتاريخ 22 من المحرم 1350 ما يأتي: تألفت في الولايات المتحدة جميعة غايتها بث فكرة وحدة العرب والمطالبة باستقلالهم. وكان من أعمالها هذا القسم الذي يحلف به كل عربي وهو:

“باسم العرب نحيا وباسم العرب نموت. أقسم بإلهي وبشرفي وبتربة أجدادي أن أعمل للوحدة العربية وأسعى لاستقلال العرب بكل وسيلة وطريقة بقطع النظر عن صفتها ما دامت تؤدي إلى الغاية العليا، إني لا أعترف مطلقا بالتقسيم الذي أجراه الأحلاف في البلاد العربية ولا بأي انتداب أو وعد مثل وعد بلفور، ولا بأي حل لا يتفق مع أماني العرب، بل إني أعتبر كل البلاد العربية جسماً واحداً لا يتجزأ وأعترف أن وجود العناصر الغريبة والمهاجرين الأجانب في البلاد العربية هو غير طبيعي وجائر واغتصاب لحقوقي وحقوق أمتي وسلب لحريتي وحرية بلادي، وإني أتعهد بأن أطهر البلاد من كل استعمار أو احتلال أو انتداب أجنبي، وأن أهدم كل عقبة في سبيل الغاية العامة وألا أجعل أية غاية شخصية او إقليمية تقف في سبيل الوحدة العربية والله شهيد، والتوقيع: فرسان الوحدة العربية.

كما قرروا يوم 17 حزيران بدء العمل بهذا الميثاق يوم إعدام السلطة الإنكليزية لشهداء فلسطين.

خواطر:

حضر إلي اليوم... و... من المحمودية. وتكلمنا كلاما كثيراً عن جمعيات الإخوان المسلمين. أريد أن أكتب عنه فلا يتسع لي مجال الكتاب فأكل أمره إلى الله، وأسأل الله أن يوضح لي الطريق الذي أسير فيه.

على أن ملخص خطراتي أن فرعي جمعية الإخوان المسلمين بالمحمودية وشبراخيت سوف لا تنفع كثيراً لأنها أنشئت بغير أسلوبي، ولا ينفع في بناء الدعوة إلا ما بنيت بنفسي وبجهود الإخوان الحقيقيين الذين يرون لي معهم شركة في التهذيب والتعليم وهم قليل. ونفس فرع الإسماعيلية ستحدث فيه تعديلات كثيرة ولكنه سيسير نافعاً إن شاء الله.. إنه لله.. قائد موهوب ولكنه منصرف بهذه القيادة وهذه المواهب إلى السفاسف مسرف في وقته لا يقدر له قيمة، قلبه مملوء بأوهام لا حقيقة لها ومنصرف إلى ناحية لا تثمر إلا العناء؟ فالاعتماد عليه ضرب من المخاطرة العقيمة.

والأخ الشيخ.. له أساليبه الخاصة به. وهو ينظر إلى كأخ زميل فلا يصغي لآرائي إلا قليلاً، ومن هذه الناحية يكون توحيد الفكرة ضربا من التعسر؟ فالاعتماد عليه مخاطرة كذلك.

نفسك يا هذا وإياك والخلق ربك ونفسك وحسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين:

من الطريف أن الأخ الزائر من المحمودية رأي هذه الكتابة في حينها فكتب بخطة في الصفحة المقابلة هذه العبارة” سامحك الله أيها الأخ الكريم” لقد علم الله أنك تغاليت في ظنك هذا، وكل ما أرجوه أن تبدي لك الأيام غير ما ظننت.

ولست أزكى نفسي فالها علم غير أنك لا بد راجع إلى صوابك في، عالم أن النفس التي أحملها بين جنبي هي نفس علم الله فيها بعلمه السابق الأزلي أنها تضطرم غيرة وتتفتت حسرة وأساً على ما أصاب الإسلام وأهله.

تميز:

حضر اليوم إلى الإسماعيلية... من القصاصين وهو يدعو إلى الطريقة وله أفكار خاصة تنافي آمالي الإسلامية. وأنا إنما وقفت نفسي لدعوة أرى أنها خير السبل للإصلاح الإسلامي، وأمثال هؤلاء يريدون تحويلها وتشكيلها بشكل دعواتهم وذلك ما لا أريده. لقد آن الأوان الذي أعتز به عن كل هذه الدعاوي المشتبهة. واكشف فيه عن الغاية للإصلاح الإسلامي الذي يتلخص في الرجوع إلى كتاب الهش وسنة رسوله وتطهير العقول من هذه الخرافات والأوهام، وإرجاع الناس إلى هدى الإسلام الحنيف.

أسلوب:

ليس بلازم في الدعوة أن تكون باسم جمعية الإخوان المسلمين، فليس غرضنا إلا إصلاح النفوس وتهذيب الأرواح فلتكن الدعوة إلى مدارس الأنصار ومعاهد حراء وأندية التعارف، ثم بعد ذلك تتكون جماعات.

ضعف الأمين وخباثة القوى:

في هذا اليوم تحدث إلي... و... بخصوص نظام مجلس الإدارة: إن هؤلاء الناس لم يفهموا بعد دعوة الإخوان المسلمين وقليلون هم أولئك الذين يستطيعون النهوض بأعباء إدارتها وتنفيذ منهجها الواسع. إنني أتمنى أن يكون إلى جانبي رجال يفهمون ويديرون فأسلم إليهم هذا العمل وأرتاح بهم قليلاً وأطمئن إلى مقدرتهم ولكن أين هم؟. إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فهم يتنافسون على حيازتها، وتقع بها بينهم العداوة والبغضاء. سيتبع التغيير المنتظر ضجات هي كالسراب يلوح ثم يزول بمجرد الوصول إليه. فاللهم إن كنت تعلم حسن القصد وخلوص النية فوفق، وإن كان غير ذلك فاسلك بنا سبيل عبادك المخلصين آمين.


القسم الثاني: الدعوة في القاهرة

حارة نافع رقم 24:

انتقلت إلى القاهرة واجتمع مجلس إدارة الإخوان بالإسماعيلية وقرر اعتبار القاهرةالمركز العام للإخوان المسلمين”، وبما أنه لم يكن للجماعة في هذا الوقت مكان مناسب خاص بها فقد قرر إخوان القاهرة اعتبار المنزل الذي أسكنه وكان الدور الأول فيه خالياً مقراً لها: حارة نافع رقم 24 المتفرعة من حارة عبد الله بك إحدى حواري شارع السروجية.

رد الفعل بالإسماعيلية:

وكان الانتقال مفاجأة للإسماعيلية، فحضر من أهلها وفد ضخم وقابل وزير المعارف وكان إذ ذاك حلمي باشا عيسى، وطلب إليه إلغاء النقل، وزار هذا الوفد كذلك مدرسة عباس وقابل ناظرها. (حسنين بك رأفت رحمه الله ) وتحدث إليه في ألا يتمسك بوجودي في القاهرة، وما كدت أعلم بذلك حتى رجوتهم العدول عن فكرتهم. وأبرقت إلى وزارة المعارف برغبتي في البقاء بالقاهرة، وبأن هذا النقل إنما كان بناء على طلبي ولمصلحتي.

ولكن مخبري الجرائد سمعوا الوزير حين وعد وفد الإسماعيلية بإلغاء النقل. فصدرت جرائد الصباح ومنها هذا الخبر، وتصادف أن سافرت إلى الإسماعيلية لإحضار أسرتي فظن الأهلون أن الخبر صحيح، وأخذت جموعهم تتوافد على دار الإخوان مهنئة بالعودة وأنا ابتسم لذلك وأخبرهم بالحقيقة.

وحدث أن ناظر مدرسة عباس أطلع الوفد الإسماعيلي على خطاب ورد إليه بتوقيع الأخ الخارج على الدعوة وفيه تجريح وشتم، فتألموا لذلك ونقلوا الخبر إلى البلد. وما كدت أفارقها حتى تربص له بعض المتحمسين من الأهلين وهو في طريقه وأشبعوه ضرباً بالعصي والأيدي حتى عجز عن السير والقيام. وتقدم هو متهماً بعض الإخوان، وأبى إلا أن يتهمني معهم كمحرض على ضربه مستدلاً بوجودي بالبلد حينذاك وتحددت جلسة تبعتها جلسات، وكانت قضية أباحت لي فرصة زيارة الإسماعيلية مرات ثم انتهت بالبراءة في الابتداء والإسئناف.

إبتداء نشاط الإخوان في القاهرة أي فيما قبل الحرب العالمية الثانية - دور الإخوان المسلمين:

في هذه الفترة التي تقطع سبع سنوات من عمر الدعوة والداعية تنقل المركز العام خلالها في دور كثيرة: من حارة نافع 24 إلى دار سوق السلاح إلى حارة الشماشرجي رقم 5 إلى شارع الناصرية رقم 13 إلى العتبة الخضراء عمارة الأوقاف رقم 5 وأخيراً إلى دار شارع أحمد بك عمر رقم 13 أيضاً وهي إدارة جريدة الإخوان المسلمين الآن.

أنواع نشاط الإخوان في هذه الفترة:

وقد كان نشاط الدعوة في هذه الفترة ينتظم هذه الأنواع الآتية:

ا - المحاضرات والدروس في الدور والمساجد وتأسيس درس الثلاثاء.

2 - إصدار رسالة المرشد العام عددين فقط ثم مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية أولاً وثانياً وفي أثناء ذلك مجلة النذير لسنتين من أول عهدها.

3 - إصدار عدد من الرسائل والنشرات.

4 - انشاء الشعب في القاهرة وزيادة شعب الأقاليم ونشر الشعب في ا لخارج.

5 - تنظيم التشكيلات الكشفية والرياضية.

6 - تركيز الدعوة في الجامعة والمدارس وإنشاء قسم الطلاب والانتفاع بجهود الأزهر الشريف: علمائه وطلابه.

7 - اقامة عدة مؤتمرات دورية للإخوان في القاهرة والأقاليم.

8 - المساهمة في إحياء الأحفال الإسلامية والذكريات المجيدة في القاهرة والأقاليم كذلك.

9 - المساهمة في مناصرة القضايا الإسلامية الوطنية وبخاصة قضية فلسطين. 10 - تناول الناحية الإصلاحية السياسية والاجتماعية بالبيان والإيضاح والتوجيه وكتابة المذكرات والمقالات والرسائل بهذا الخصوص.

11 - المساهمة في الحركات الإسلامية كحركة مقاومة التبشير وحركة تشجيع التعليم الديني.

12 - مهاجمة الحكومات المقصرة إسلامياً ومهاجمة الحزبية والدعوة في وضوح إلى المنهاج الإسلامي وتأليف اللجان لدراسات فنية في هذه النواحي. وتتناول كل ناحية من هذه النواحي ببيان موجز وكلها تكاد تكون متصلة وثابتة بتواريخها في مجلة الإخوان المسلمين السنة الأولى والثانية ولا بأس بأن أثبت هنا بعض الخطوات التي عثرت عليها مدونة في قصاصات للذكرى وللتاريخ.


في سبيل النهوض:

يجب أن تكون دعامة النهضة ( التربية ) فتربى الأمة أولاً وتفهم حقوقها تماما وتتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق وتربى على الإيمان بها ويبث في نفسها هذا الإيمان بقوة أو بعبارة أخرى تدرس منهاج نهضتنا درساً نظريا وعمليا و روحيا.

وذلك يستدعي وقتا طويلاً لأنه منهج دراسة يدرس لأمة فلا بد أن تتذرع الأمة بالصبر والأناة والكفاح الطويل، وكل أمة تحاول تخطي حواجز الطبيعة يكون نصيبها الحرمان.

ومن أجل هذا يجب أن تعد البلاد التي تود النهضة مدرسة، طلبتها كل المواطنين وأساتذتها الزعماء وأعوانهم، وعلومها الحقوق والواجبات العامة أو الغاية والوسيلة، ومن أجل ذلك أيضا يجب أن ينظم أمران مهمان هما المنهج والزعامة.

فأما المنهج فيجب أن تكون مواده قليلة، بقدر الإمكان، عملية بحتة ملموسة النتائج مهما قلت، وأما الزعامة فيجب أن تختار وتنتقد حتى إذا وصلت إلى درجة الثقة أطيعت وأوزرت ويجب أن يكون الزعيم زعيماً تربى ليكون كذلك. لا زعيماً خلقته الضرورة وزعمته الحوادث فحسب أو زعيماً حيث لا زعيم.

على هذه القواعد بنى مصطفى كامل وفريد ومن قبلهما جمال الدين والشيخ محمد عبده نهضة مصر ولو سارت في طريقها هذا ولم تنحرف عنه لوصلت إلى بغيتها أو على الأقل لتقدمت ولم تتقهقر وكسبت ولم تخسر.

بيد أن زعماء خلقتهم الظروف أرادوا أن يستعجلوا النتائج قبل الوسائل وخدعتهم غرارتهم بقيادة الشعوب ومكائد السياسة فظنوا السراب ماء وجروا وراءه حتى إذا جاءوه لم يجدوا شيئا بعد إنفاق الجهد وتضحية الوقت وفناء الزاد فاضطروا إلى الرجوع من حيث بدءوا وتقهقروا وخسروا ولم يربحوا.

إذا فحصت الأمة هذه الحقائق ناصعة واكتفت بالتجارب الماضية وعادت إلى النهضة الصحيحة وعنيت بالجديات والحقائق واحتقرت الأوهام وأعدت صبراً طويلا للكفاح والنضال فإنها كاسبة إن شاء الله تعالى. أما إذا ظلت معلقة بالأماني غارقة في بحار الشهوات والأهواء مستنيمة إلى الكسل والخمول فستخسر ما بقي لها من صبابة قوة أو غيرة أو مال تباعاً ويكون مثلها مثل قول القائل:

بعت بيتي وحماري معاً وجلست لا تحتي ولا فوقيا فأي الطريق تسلك أمتنا المحبوبة. نرجو أن تسلك طريق الوصول، ولإفهام الناس هذه الحقيقة قامت جمعية الإخوان المسلمين.


في سبيل النهضة:

لا نهوض لأمة بغير خلق - فإذا استطاعت الأمة أن تتشبع بروح الجهاد والتضحية وكبح جماح النفوس والشهوات أمكنها أن تنجح بمعنى أن الأمة إذا استطاعت أن تتحرر من قيود المطالب النفسية والكمالات الحيوية أمكنها أن تتحرر من كل شيء فليكن حجرا لزاوية إصلاح خلق الأمة. لقد طغت العادات ومظاهر الحياة غير الإسلامية علينا حتى صار المصلح في أشد ما يكون حاجة إلى قوة الإرادة واليقظة والبحث عن المظاهر الإسلامية بين هذا السيل الجارف من المظاهر.

ولكن حذار أن يشتد على العامة فيشتد على نفسه ثم على مريديه الذين فهموا غايته ثم يترك الناس. يقلدونهم بالاختلاط لا بالأمر والشدة.

إن نهضتنا لا تزال مبهمة لا وسائل لها ولا غايات ولا مناهج ولا برامج.

سل أي زعيم سياسي:رئيس الوفد أو رئيس الأحرار أو رئيس حزب الشعب أو رئيس حزب الاتحاد عن المنهج الذي أعده للنهوض بالأمة والسير بها إلى نوال أغراضها.


لا شيء أبداً:

كل ما في الأمر تطاحن على الحكم وتهاتر بالألفاظ ودس وتقرب من العدو وانتظار لما يلقي إليهم من فضلات مائدته على حساب مصر وأهل مصر.

قل مثل ذلك تماماً في الزعماء الإصلاحيين الدينيين.

سل الجمعيات الإسلامية عن برامجها؟ لا شيء كذلك.

يظهر أن النهضة في فجرها كانت خيراً وأقوم سبيلاً.

كان -مصطفى كامل -ورجاله يريدون إعداد الأمة لكفاح طويل تتحرر فيه نفوسها وأخلاقها فلا تلين لها قناة، وتعلم مكان الخداع والكيد فلا تقع في مهواة الردى. نادى مصطفي بوزارة المعارف الأهلية، ووضع جاويش مشروع المدارس التهذيبية الليلية للعمال وطبقات الشعب، واستقل عبد الرحمن الرافعي بالتأليف في حقوق الأمة فكان من ذلك كتابه الذي رأيته ولم أعرف اسمه فهي سلسلة منظمة متصلة الحلقات تتلاقى أطرافها عند ميدان واحد أما الآن فقد نبغ زعماء أغرار لم يحنكوا بتجارب الزعماء فرضوا من الغنيمة بالإياب.

وكان جمال الدين ومحمد عبده والكواكبي يسيرون بالناس دينياً وخلقياً إلى ناحية مثمرة هي تصحيح العقائد وتقويم الأفكار في ناحية جمعياتنا الإسلامية والآن لا بد من توزيع متناسق لفروع النهضة.

الرسائل والنشرات:

كان أول هذه الرسائل طبعا” القانون الأساسي للإخوان المسلمين” واللائحة الداخلية، ثم صدرت رسالة المرشد وظهر منها عددان فقط، وكانت الرسالة الأولى بتاريخ 5 رمضان سنة 1349 هـ تقريبا الموافق 2 يناير سنة1931 م والثانية بتاريخ 0 2 شعبان سنة 349 اهـ، 19 ديسمبر سنة 932 1 م وقد جاء في صدرها هذا التوجيه - من مبادىء الإخوان المسلمين:

ا - سلامة الاعتقاد والاجتهاد في طاعة الله تبارك وتعالى وفق الكتاب والسنة.

2 - الحب في الله والاعتصام بالوحدة الإسلامية.

3 - التأدب بآداب الإسلام الحنيف.

4 - تربية النفس والترقي بها إلى معرفة الله تعالى وإيثار الآخرة على الدنيا.

5 - الثبات على المبدأ والوفاء بالعهد مع اعتقاد أن أقدس المبادىء هو”الدين”.

6 - الاجتهاد في نشر الدعوة الإسلامية بين طبقات الأمة ابتغاء وجه الله.

7 - حب الحق والخير أكثر من أي شيء في الوجود.

وتوالت بعد ذلك رسائل ونشرات في هذا الصدد منها ما هو للإشارة إلى أعمال الإخوان الاجتماعية، ومنها ما هو شرح لأهداف دعوتهم، ومنها ما هو توجيه للحكومات إلى الأخذ بتعاليم الإسلام، ولا زال من هذه الرسائل بين يدي الإخوان:

نحو النور، دعوتنا، إلى أي شيء ندعو الناس، المأثورات، إلى الشباب، محاضرة الثلاثاء، رسالة الجهاد، وقد نفذت طبعتها، ولم تعد إلى الآن المنهج.

مجلة الإخوان الأسبوعية:

وقد رأي الإخوان أن رسائل المرشد العام لا تفي بنشر الدعوة وتضمن أخبارها على الوجه الذي يجب أن تصل به إلى الناس عامة، فقرروا إصدار مجلة أسبوعية تسمى”جريدة الإخوان المسلمين”، تفاؤلاً بأنها ستكون جريدة يومية، وعند محاولة إنفاذ هذا القرار لم يكن في خزينة الإخوان بالقاهرة رصيد ما - ولكنه قرار ولا بد أن ينفذ، فماذا يصنعون؟ هذا هو الأخ الشيخ رضوان محمد رضوان وفي جيبه جنيهان كاملان وإذن فلنرصدهما وليكونا هما رأس مال هذه المجلة وقد كان - وحملت الجنيهين وذهبت بكل بساطة وإيمان إلى المكتبة السلفية، وقد كانت بباب الخلق خلف محكمة الاستئناف.

وهناك تفاهمت مع السيد محب الدين الخطيب - جزاه الله خيراً على كل شيء - أن يكون مديراً للمجلة، ولكن تطبع بالسلفية، وأن يكون الجنيهان دفعة أولى، وما بقي بعد ذلك فعلى الله، وابتسم الرجل المؤمن المجاهد المحبوب، ووافق على ذلك هو الآخر بكل بساطة وإيمان، فصدر التصريح وبدأ الطبع، فظهرت جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية العدد الأول بتاريخ “الخميس 28 صفر1352هـ وذلك يوافق أواخر شهر مايو سنة1933 إذ كان التاريخ في صدر أعدادها قاصراً على الهجري فقط.

واستعد الإخوان بحارة نافع للتغليف والتوزيع والنشر، وكانوا يحملونها بأنفسهم يوم صدورها وصبيحته ليوزعوها على المساجد والناس بأيديهم. وبرأس المال هذا ( جنيهان سلفة ) أنشئت مجلة عاشت أربع سنوات كاملة، وكان يرأس تحريرها الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري - رحمه الله - ومديرها السيد محب الدين الخطيب ويعمل في هذه الإدارة رجال الدعوة الأستاذ محمد أسعد الحكيم سكرتير الإخوان حينذاك، والأستاذ عبد الرحمن الساعاتي نائبها، والأستاذ حلمي نور الدين وغيرهم.

وحدث أن تسلل إلى التحرير أحد الذين يجيدون السبك والخديعة، ونمسك عن ذكر اسمه الآن، فأراد أن يتخذ من -جريدة الإخوان الأسبوعية الطهور سبيلا إلى مآربه، ولكن الدعوة التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد نفته وأقصته إقصاء لا رجعة بعده ولكنها في سبيل هذا الإقصاء فقدت ترخيص هذه الجريدة معه على أن يسميها باسم آخر، فاختار لها اسماً أراد الله أن يكون من إسم الأضداد، فدعاها هو”الخلود”، وقضى الله عليها بالفناء، فلم يصدر منها إلا عدداً أو عددان وانتهي أمرها، وكذلك الباطل لا بقاء له والبغي مصرعه وخيم.

مجلة النذير:

واستصدر الإخوان بعد ذلك، رخصة أخرى بمجلة النذير” سياسية أسبوعية” وصدر العدد الأول منها بتاريخ” الإثنين 29 من ربيع الأول 1357” ويوافق مايو سنة 1938 وقد ظهر منها واضحا اتجاه الإخوان الوطني وابتداء اشتراكهم في الكفاح السياسي في الداخل والخارج إذ كانت الدعوة قد أتمت عشر سنين، ومن الخير أن أنقل هنا افتتاحية العدد الأول إذ إنها تصور اتجاه الإخوان إذ ذاك تمام التصور:

بسم الله الرحمن الرحيم

خطوتنا ثابتة:

بقلم صاحب الفضيلة أستاذنا المرشد العام للإخوان المسلمين.

إلى الأمام دائماً الدعوة الخاصة بعد الدعوة العامة.

أيها الإخوان تجهزوا.

منذ عشر سنين بدأت دعوة الإخوان المسلمين خالصة لوجه الله متقفية أثر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم سيد الزعماء وأهدى الأئمة وأكرم خلق الله على الله، متخذة القرآن منهاجها تتلوه وتتدبره وتقرؤه وتتفحصه وتنادي به وتعمل له وتنزل على حكمه وتوجه إليه أنظار الغافلين عنه من المسلمين وغير المسلمين. كذلك كانت وستظل دعوة” إسلامية محمدية قرآنية” لا تعرف لونا غير الإسلام ولا تصطبغ بصبغة غير صبغة الله العزيز الحكيم ولا تنتسب إلى قيادة غير قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعلم منهاجاً غير كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ..

والإسلام عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم، ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هذين عن الآخر و”إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

وكانت مصر يوم أن نبتت هذه الدعوة المجددة لا تملك من أمر نفسها قليلاً ولا كثيراً يحكمها الغاصبون ويستبد بأمورها المستعمرون وأبناؤها يجاهدون في سبيل استرداد حريتها والمطالبة باستقلالها ولم يخل الجو من منازعات حزبية وحزازات سياسية تذكيها مآرب شخصية ولم يشأ الإخوان المسلمون أن يزجوا بأنفسهم في هذه الميادين فيزيدوا خلاف المختلفين ويمكنوا للغاصبين ويلوثوا دعوتهم، وهي في مهدها بلون غير لونها ويظهروها للناس في صورة غير صورتها. فتقلبت الحكومات وتغيرت الدولات وهم يجاهدون مع المجاهدين ويعملون مع العاملين، منصرفين إلى ميدان مثمر منتج هو ميدان تربية الأمة وتنبيه الشعب وتغيير العرف العام وتزكية النفوس وتطهير الأرواح وإذاعة مبادئ الحق والجهاد والعمل والفضيلة بين الناس. وأعتقد أنهم نجحوا في ذلك إلى مدى يحمدون الله عليه ويسألونه المزيد منه فقد أصبح للإخوان المسلمين دار في كل مكان ودعوة على كل لسان واكثر من ثلاثمائة شعبة تعمل للفكرة وتقود إلى الخير وتهدي إلى سواء السبيل. وأصبح كذلك في مصر شعور إسلامي قوي دفاق يركن القوي إليه ويعتز الضعيف به ويأمل الجميع في ثمراته ونتائجه والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وشكر الله لهذا الشعب الذكي على حسن استعداده لتقبل الحق وجميل مبادرته إلى طريق الخير.

هذه مرحلة من مراحل الإخوان التي اجتزناها بسلام وفق الخطة الموضوعة لها، وطبق التصميم الذي رسمه توفيق الله. والآن أيها الإخوان وقد حان وقت العمل وآن أوان الجد ولم يعد هناك مجال للإبطاء، فإن الخطط توضح والمناهج تطبق وكلها لا يؤدي إلى غاية ولا ينتج ثمرة، والزعماء حائرون والقادة مذبذبون متأرجحون.


ما خطوتكم الثانية

أقول لكم فاسمعوا:

سننتقل من خير دعوة العامة إلى خير دعوة الخاصة ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال وسنتوجه بدعوتنا إلى المسئولين من قادة البلد وزعمائه ووزرائه وحكامه وشيوخه ونوابه وأحزابه وسندعوهم إلى مناهجنا ونضع بين أيديهم برنامجنا وسنطالبهم بأن يسيروا بهذا البلد المسلم بل زعيم الأقطار الإسلامية في طريق الإسلام في جرأة لا تردد معها وفي وضوح لا لبس فيه ومن غير مواربة أو مداورة فإن الوقت لا يتسع للمداورات فإن أجابوا الدعوة وسلكوا السبيل إلى الغاية آزرناهم وإن لجئوا إلى المواربة والروغان وتستروا بالأعذار الواهية والحجج المردودة فنحن حرب على كل زعيم أو رئيس حزب أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام ولا تسير في الطريق لاستعادة حكم الإسلام ومجد الإسلام، سنعلنها خصومة لا سلم فيها ولا هوادة معها حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين.

إلى الآن أيها الإخوان لم تخاصموا حزباً ولا هيئة كما أنكم لم تنضموا إليهم كذلك ولقد تقول الناس عليكم فمن قائل إنكم وفديون نحاسيون ومن قائل إنكم سعديون ماهريون ومن قائل إنكم أحرار دستوريون ومن قائل إنكم بالحزب الوطني متصلون، ومن قائل إنكم إلى مصر الفتاة تنتسبون ومن قائل إنكم إلى غير ذلك من الأحزاب منتمون - والله يعلم والعارفون بكم أنكم من كل ذلك بريئون فما اتبعتم غير رسوله زعيماً وما ارتضيتم غير كتابه منهاجاً وما اتخذتم سوى الإسلام غاية. فدعوا كلام الناس جانباً وخذوا في الجد، والزمن كفيل بكشف الحقائق وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم.

كان ذلك موقفكم أيها الإخوان سلبياً هكذا فيما مضى أما اليوم وأما في هذه الخطوة الجديدة فلن يكون كذلك، ستخاصمون هؤلاء جميعاً في الحكم وخارجه خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم ويتخذوا تعاليم الإسلام منهاجاً يسيرون عليه ويعملون له وسيكون هؤلاء جميعاً منضمين لكم في وحدة قوية وكتلة متراصة متساندة إن أجابوا داعي الله وعملوا معه. وحينئذ يجتمعون ولا يتفرقون ويتحدثون ولا ينتقدون فهو موقف إيجابي واضح لا يعرف التردد ولا يتوسط بين الحب والبغض. فإما ولاء وإما عداء ولسنا في ذلك نخالف خطتنا أو ننحرف عن طريقتنا أو نغير مسلكنا بالتدخل في السياسة” كما يقول الذين لا يعلمون ولكنا بذلك ننتقل خطوة ثانية في طريقتنا الإسلامية وخطتنا المحمدية ومنهاجنا القرآني ولا ذنب لنا أن تكون السياسة جزءاً من الدين وأن يشمل الإسلام الحاكمين والمحكومين. فليس في تعاليمه أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ولكن في تعاليمه قيصر وما لقيصر لله الواحد القهار.

أيها الإخوان -- أعلن لكم هذه الخطوة على صفحات جريدتكم هذه لأول عدد منها وأدعوكم إلى الجهاد العملي بعد الدعوة القولية، والجهاد بثمن، وفيه تضحيات وسيكون من نتائج جهادكم هذا في سبيل الله والإسلام أن يتعرض الموظفون منكم للاضطهاد وما فوق الاضطهاد. وأن يتعرض الأحرار منكم للمعاكسة وأكثر من المعاكسة وأن يدعى المترفون المترفهون منكم إلى السجون وما هو أشق من السجون ولتبلون في أموالكم وأنفسكم فمن كان معنا في هذه الخطوة فليتجهز وليستعد لها ومن قعدت به ظروفه أو صعبت عليه تكاليف الجهاد سواء أكان شعبة من شعب الإخوان أم فرداً من أعضاء الجماعة فليبتعد عن الصف قليلاً وليدع كتيبة الله تسير ثم فليلقنا بعد ذلك في ميدان النصر إن شاء الله ولينصرن الله من ينصره ولا أقول لكم إلا كما قال إبراهيم من قبل”فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم”.

وإن لنا في جلالة الملك المسلم أيده الله أملاً محققاً وفي الشعب المصري الذي صقلته الحوادث ونبهته التجارب ومعه الشعوب الإسلامية المتآخية بعقيدة الإسلام نظراً صادقاً، وتأييد الله ومعونته قبل ذلك وبعده فإلى الأمام دائما.

حسن البنا

ولقد استمرت النذير تصدر سنتين كاملتين كانت فيهما تشرح دعوة الإخوان وتنشر مذكراتهم إلى الحاكمين على اختلاف حكوماتهم، وتهاجم هذا الفساد الاجتماعي في قوة ووضوح، وبانفصال صاحبها الأستاذ محمود أبو زيد عن الإخوان بعد ذلك صارت تنطق باسم شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الآن، واستصدر الإخوان بعدها مجلة” الإخوان المسلمين” في عهدها الثاني وسنتكلم عنها في حينها إن شاء الله.

عود على بدء:

كان من حسن الحظ أن مجلة الإخوان الأسبوعية في عهدها الأول من سنة 33 الميلادية إلى سنة 36 الميلادية كذلك أو من سنة 50 الهجرية إلى سنة 54 ثم مجلة النذير بعد ذلك تعتبر سجلاً لحوادث هذا العهد من حياة الدعوة والداعية، وسنعتمد عليهما في تلخيص هذه الحوادث في إيجاز مع بعض المذكرات الخاصة المتناثرة هنا وهناك.

ومن شاء الإطالة فعليه بهذه المجموعات ففيها ما يشبع ويروي إن شاء الله عن الدعوة، وأما عن الداعية فلا جديد في حياته الخاصة، إذ قضى هذه الفترة جميعها مدرساً بمدرسة عباس الأميرية الابتدائية للبنين بالسبتية.

جماعات الإخوان المسلمين في ذلك العهد

لجمعية الإخوان المسلمين خمس عشرة شعبة بالقطر المصري هي:

1 - القاهرة: وعنوان مركزها حارة نافع رقم 24 بعطفة عبد الله بك بالسروجية بالقاهرة ونائبها الأستاذ عبد الرحمن افندي الساعاتي الموظف بهندسة السكة الحديدية المصرية.

2 - الإسماعيلية: ومركزها بشارع جومار ونائبها الأستاذ علي أحمد الجداوي.

3 - بور سعيد: ومركزها بشارع توفيق أمام مستشفي الرمد ونائبها محمد أفندي مصطفي طيرة وكيل شركة الرباط.

4 - البلاح: ومركزها جباسات البلاح ونائبها الأستاذ الشيخ محمد فرغلي إمام مسجد الجباسات.

5 - شبراخيت: ومركزها بندر شبراخيت ونائبها الأستاذ حامد عسكرية واعظ المركز وتتبعها شعبة الأسمنية وشعبة منشأة جديد..

6 - محمودية البحيرة: ومركزها بندر المحمودية ونائبها الأستاذ أحمد افندي السكري.

7 - المنزلة” دقهلية”: ومركزها مدينه المنزلة، ونائبها الأستاذ الشيخ مصطفى محمد الطير من علماء التخصص وتتبعها شعبة ميت خضير.

8 - الجمالية” دقهلية”: ومركزها الجمالية، ونائبها الأخ المجاهد محمد أفندي عبد اللطيف.

9 - ميت مرجا” دقهلية”: ومركزها ميت مرجا تتبع كفر الجديد ونائبها الشيخ أحمد محمد المدني.

10 – شبلنجة “قليوبية”: ونائبها الأستاذ الشيخ عبد الفتاح عبد السلام فايد.

11 - وفي طنطا شعبة ناهضة للإخوان لم يتم تكوينها الرسمي بعد يقوم بإدارتها الأستاذ محمد أفندي الجعار المدرس بالمعهد الأحمدي ويساعده في ذلك الشاب الناهض محمد أفندي فوزي خليل.

12 - وفي السويس: شعبتان إحداهما في المدينة ويرأسها الأستاذ الشيخ عبد الرزاق البحيري باشكاتب المحكمة الشرعية، والأخرى في حي الأربعين ويرأسها الأستاذ الشيخ عفيفي الشافعي عطوة مأذون الجهة.

13- وفي دمياط: شعبة فتية يدعو إلى استكمال تكوينها الشاب المسلم مصطفي أفندي حسن الموافي.

14 - وفي أبي حماد شرقية شعبة يدعو إلى استكمال تكوينها كذلك الأخ المسلم الحاج محمد إسماعيل العسلوجي.

15 - فرع جيبوني لجمعية الإخوان المسلمين.

رغب بعض شباب جيبوني ذوي الغيرة في تكوين شعبة للجمعية بها فانتدب مكتب الإرشاد حضرة الأخ المهذب عبد الله أفندي حسين علي نور اليماني ليكون صلة بين حضراتهم وبين المكتب.

إجتماع مجلس الشورى العام وهو المؤتمر الأول للإخوان

مقدمة

دعا فضيلة المرشد العام حضرات نواب فروع الإخوان المسلمين بالقطر المصري إلى الاجتماع بمدينة الإسماعيلية يوم الخميس الماضي الموافق 22 صفر سنة 1352 هـ للنظر في شئون الجمعية فلبوا الدعوة سراعاً، وما وافت ساعة الاجتماع حتى كان حضراتهم بنادي الجمعية بالإسماعيلية من مختلف البلدان مع استحكام الأزمة واشتغال كل بشأنه وقد دام الإجتماع من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، ورفعت الجلسة وأدى حضرات النواب صلاة الصبح بمسجد الإخوان المسلمين، وفي صلاة الجمعة خطب كل نائب من حضراتهم خطبة الجمعة ووعظ الناس بعدها بمسجد من مساجد الإسماعيلية وكانت حفاوة الأهلين وأعضاء الجمعية بحضراتهم بالغة. وبعد صلاة العصر قامت إدارة الجمعية بالإسماعيلية بحفل تكريمي لحضراتهم بفناء مدرسة أمهات المؤمنين للبنات التابعة للجمعية. توإلى فيه الخطباء من أعضاء الجمعية ومن حضرات النواب، وألقى الدكتور عبد الحميد عيسى مفتش صحة الإسماعيلية كلمة ترحيب وشكر قيمة على الأهلين قوبلت بمزيد الإعجاب والسرور.

لائحة فرق الإخوان:

وللذكرى نثبت هنا أول لائحة للأخوات المسلمات، وكان عليها العمل بالإسماعيلية وبالقاهرة بعد ذلك.

في غرة المحرم سنة 1352، 26 إبريل سنة1933 تألفت في الإسماعيلية فرقة أدبية إسلامية تسمى فرقة الأخوات المسلمات، الغرض من تكوين هذه الفرقة:

التمسك بالآداب الإسلامية، والدعوة إلى الفضيلة وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات.


وسائل الفرقة:

الدروس والمحاضرات في المجتمعات الخاصة بالسيدات والنصح الشخصي والكتابة والنشر.

نظام الفرقة:

ا - تعتبر عضوا في الفرقة كل مسلمة تود العمل على مبادئها وتقسم قسمها وهو: “ علي عهد الله وميثاقه أن أتمسك بآداب الإسلام، وأدعو إلى الفضيلة ما استطعت”.

2 - رئيس الفرقة هو المرشد العام لجمعيات الإخوان المسلمين، ويتصل بأعضائها وكيلة عنه تكون صلة بينهن وبينه.

3 - كل أعضاء الفرقة ومنهن الوكيلة إخوان في الدرجة والمبدأ وتوزع الأعمال التي يستدعيها تحقيق الفكرة عليهن، كل فيما يخصه.

4 - يعقد أعضاء الفرقة اجتماعاً خاصاً بهن أسبوعياً يدون فيه ما قمن به من الأعمال خلال الأسبوع الماضي، ومايرونه في الأسبوع الآتي. وفي حالة ما إذا كثر عدد الأعضاء يصح أن يقتصر هذا الإجتماع على المكلفات بالأعمال منهن.

5 - تصدر إشتراكات مالية إختيارية حسب المقدرة، وتحفظ في عهدة إحدى الأخوات للإنفاق منها على مشروعات الفرقة.

6 - يصح تعميم هذا النظام في غير الإسماعيلية في حدود هذه اللائحة.

7- يعمل بهذه اللائحة بمجرد التصديق عليها من أعضاء الفرقة التأسيسية، والتوقيع منهن بما يفيد ذلك. وقد علقت الجريدة على هذه اللائحة بقولها: “ ونحن نأمل أن نجد في فتيات الإسلام الغيورات من يعملن على تحقيق هذه المبادىء في أنفسهن وأسرهن ويقمن بتكوين فرقة الأخوات المسلمات في بيئتهن إن استطعن إلى ذلك سبيلا ولمن أرادت ذلك أن تكاتب حضرة الآنسة المهذبة وكيلة فرقة الأخوات المسلمات بمدرسة أمهات المؤمنين بالإسماعيلية لتقف منها على المعلومات اللازمة، والجريدة ترحب بكل رأي صالح حول الاستفادة من هذه الفكرة”.

جمعيات الإخوان المسلمين والتبشير

مقدمة

ولقد أبلى الإخوان المسلمون أحسن البلاء في حركة التبشير التي نجم قرنها في هذا العهد، وفيما يلي ما كتبته جماعة الإخوان بهذا الخصوص:

لا ندري أمن حسن الحظ، أومن سوئه أن كان يجاور مراكز جمعيات الإخوان المسلمين في القطر المصري مراكز للتبشير. ففي المحمودية، وفي المنزلة دقهلية، وفي الإسماعيلية، وفي بور سعيد، وفي أبي صوير، وفي القاهرة مراكز نشيطة للتبشير ودوائر نشيطة لجمعية الإخوان المسلمين كذلك، وكان طبيعياً أن يحدث الاحتكاك بين الهيئتين باعتبار إحداهما تدافع عن الإسلام، والثانية تعتدي عليه، إلا أن حضرات القائمين بالشؤون الإدارية في جمعيات الإخوان المسلمين اعتصموا بالحلم، واستمسكوا بالحكمة، وناضلوا بالتي هي أحسن، والتزموا دائماً مواقف المدافع لا المهاجم، واعتمدوا في خطتهم على دعامتين صامتتين أولاهما: إفهام الشعب ما يستهدف له، من الخطر بالاتصال بالإرساليات التبشيرية، وثانيتهما: الوسائل العملية من جنس وسائل المبشرين، وقد نجحت هذه الخطة والحمد لله نجاحاً باهراً، وتمكنت الجمعية من القيام بواجبها لا نقول كل الواجب، ولكنه المستطاع وجهد المقل، ونسأل الله المعونة على استيفاء هذا النقص، وإننا بمناسبة الحركة التبشيرية القائمة ننقل إلى حضرات القراء بعض الحوادث التي صادفتها الجمعية، والخطط التي سلكتها نرمي بذلك إلى غرضين، أولهما بيان خطة قد تكون ناجعة، فتعمل بها الهيئات التي تريد خدمة الإسلام، وثانيهما تبشير الأمة بمدى ما وصلت إليه الجمعية من نجاح وتوفيق في حركتها السلمية ضد التبشير.


بين المنزلة دقهلية وبور سعيد:

1 - تقرير المنزلة عن حادث إنقاذ الجمعية فتاة حاولت مدرسة السلام بها تنصيرها المرفوع إلى مكتب الإرشاد العام بتاريخ 18 شوال سنة 1351، أي منذ أربعة شهور.

حضرة صاحب الفضيلة أستاذنا المرشد العام.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى من معك من الإخوان المسلمين وبعد: حررت لسيادتكم الخطاب رقم (1) واعداً بموافاتكم بما يستجد وهاكم تقريراً عما حدث في خلال هذه المدة، في الرابع والعشرين من رمضان ورد على فضيلة الأستاذ نائب الدائرة كتاب من الحسيني أفندي محمد الويشي أحد الإخوان المنتسبين في هذا التاريخ والذي انضم إلى الجمعية مساء اليوم التالي يشرح فيه شروع مدرسة السلام البروتستانتية بالمنزلة في تنصير إحدى بنات العائلات الفقيرة ولولا فضل الله علينا وعلى تلك العائلة المنكوبة في مرض عائلها وقلة حيلة زوجه لأي نوع من أنواع الكسب لنفد غرض جمعية التبشير بل بؤرة الفساد في الإبنة القاصر باسلوب نهاية في الخسة والدناءة وهو عطفهم الزائد وبرهم المستمر للعائلة البائسة متظاهرين في ذلك بنصرة الإنسانية والإنسانية براء من أعمالهم التي يستفيد منها الشيطان.

بناء على هذا الخطاب دعى الإخوان لجلسة مستعجلة فحضر من تمكنا من دعوته واختير نفر قليل تشكلت في الحال لجنة يرأسها فضيلة النائب وتوجهت إلى منزل العائلة وحاولوا إقناعها فلم يفلحوا لشدة ما أصابهم من تغاض المسلمين عن حالهم، لكن بعد مجهودات غير قليلة بعون الله وتوفيقه تم الاتفاق مع والدي الفتاة على سحبها من المدرسة وفعلا توجه السيد أفندي نديم في يوم 25 رمضان مع والدها وأفهما رئيسة المدرسة عما هو مطلوب. وبعد لأي رضخت للأمر الواقع الذي لم تعد له العدة. وأنقذت الفتاة وقمنا بجمع المال لها.

وقد اعتزمنا بعون الله بقرار من الجمعية التي تجتمع من يوم ورود الخطاب إلى الآن للبحث في محاربة المدرسة حتى تنزح من البلد غير مأسوف عليها وضمن ما تقرر فتح مشغل باسم الجمعية لتلك الإبنة حيث إنها حازت شهادة الدراسة الإبتدائية واشتغلت معلمة في أول يناير بنفس المدرسة التبشيرية وإغراء لأبويها أشاعت رئيسة المبشرات أنها قررت جنيهين للفتاة مرتباً شهرياً يدفع لأهلها بينما هي داخل المدرسة لا تكلف أبويها شيئاً من نفقات معيشتها، كل ذلك إغراء دنيء وتعمية على أهل الفتاة المسكينة التي لا تعرف ما ينتظرها من خطر تنحدر فيه من سيء إلى أسوأ بتنشئتها تلك النشأة التي قطعت حبل اتصالها بأهلها بوجودها في تلك المدرسة المشئومة حتى أصبحت لا تسمع إلا بأذنهم ولا ترى إلا بعينهم. نهجت إدارة المدرسة هذا المنهج مع الفتاة وأهلها توطئة لإتمام الجريمة النكراء. فعلم الإخوان بالدور السابق ذكره وقاموا بما أسلفنا واستخلصنا الفتاة وأهلها من التهلكة بإذن الله الرحمن الرحيم وفتحنا المشغل بعونه تعالى في يوم السبت التاسع من شوال بعد الإعلان عنه تحت اسم مشغل جمعية الإخوان المسلمين فحضر من التلميذات في ذلك اليوم سبعون واحدة وأخذ العدد في الارتفاع حتى بلغ ما يزيد عن المائة تلميذة بينهن من دخلت مجاناً تدفع ثلاثة قروش شهرياً وقليل منهن يدفعن عن الشهر الواحد أربعة قروش أو خمسة كل ذلك تدعيم للمشغل الذي نحوطه جميعاً بقلوبنا. وأملنا وطيد في النجاح بقوة الله وجهاد أستاذنا الجليل الشيخ مصطفي محمد الحديدي الطير نائب الإخوان. وما قمنا بفتح المشغل بهذه السرعة وفي أول قيام الشعب المباركة بفضل الله ورضاكم إلا حباً في إنقاذها وأهلها من الهاوية.

ونزف إليكم الآن بكل اغتباط أن المعلمات وبينهن وفيقة يصلين الخمس في أوقاتها ويوالي فضيلة نائبنا تلقنيهن أصول الدين القويم الحنيف في نهاية كل يوم بعد انتهاء الحصص.

كاتم السر

عمر السيد غانم


الإخوان والتبشير

وقد علمت دائرة المنزلة من الآنسة”أفكار منصور” المنقذة، بوجود فتاة أخرى على وشك التنصير مهربة من بور سعيد إلى مدرسة السلام بالمنزلة. فأرسلت إلى حضرة نائب الإخوان المسلمين ببور سعيد وإلى مكتب الإرشاد العام بالخطاب الآتي بتاريخ 3 شوال سنة 1351:

حضرة الأخ الفاضل نائب جمعية الإخوان ببور سعيد:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى من معكم وكل عام وحضرتكم وجميع الإخوان وآلهم وأحبابهم في يمن وسعادة.

وبعد: قامت جمعيات التبشير في القطر المصري في السنين الأخيرة بحركات عنيفة ضد الإسلام وما دل ذلك على أكثر من اليأس الذي استولى عليها من طول ما أمضت من وقت عظيم وما بذلت من عناء جسيم وما حزمت من حمر النعم دون جدوى حيال ذلك الدين القويم المتين المحفوظ من صاحبه جلت قدرته - غير أن استقامة المسلمين في بث تعاليم الإسلام وآدابه أطمعت أخيراً هذه الجمعيات فينا نسبة لما وصلت إليه حالتنا الأخلاقية وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت. قامت مدرسة السلام البروتستانتية التبشيرية بالمنزلة بتنصير فتاة. وبفضل الله علينا أنقذناها وشرعنا في عمل مدرسة ومشغل للبنات تعلمهن الديانة وما تحتاج إليه الفتاة في منزل زوجها المسلم وكيف تخرج رجالاً وبنات مسلمين وما ذلك إلا لمناهضة المدرسة ولكون الفتاة التي أريد تنصيرها من عائلة فقيرة وليس لها عائل وبدلاً من أن تكون عالة على الجمعية فيكون الكسب مضاعفاً للجمعية. وقد علمنا بوجود فتاة أخرى اسمها”أفكار” ابنة زوجة الريس حسين بمنشية البلح بحي العرب قسم خمسة بهذه المدرسة بالمنزلة ولم ينقلوها إلى المدرسة إلا لكي يخفوا تنصيرها عن أهلها وهم في غفلة والفتاة طائشة وعليه نرجوكم القيام بحركة لإخراج هذه الفتاة وانتشالها من بؤرة الفساد هذه والله يتولى جزاءكم وهو نعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم ورحمة الله”.

كاتم السر

عمر السيد غانم


ولم تكتف دائرة المنزلة المباركة بذلك بل بحثت عن التلميذات البور سعيديات المهربات إلى المنزلة حتى اهتدت إلى خمس منهن فكتبت إلى مكتب الإرشاد العام بذلك ليصلها بدائرة بور سعيد حتى تقوم بواجبها في عملية الإنقاذ وهذا هو نص الخطاب:

حضرة صاحب الفضيلة أستاذنا ومرشدنا الكبير.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومن معكم من الإخوان المسلمين:

وبعد: فقد سبق في الرقيم أعلاه أن كتبنا للأخ نائب جمعية الإخوان ببور سعيد عن القيام بما يؤدي إلى إنقاذ الفتاة” أفكار منصور” الموجودة بمدرسة جمعية التبشير البروتستانتي”السلام” بالمنزلة وقد تحرينا عن التلميذات البور سعيديات. أفكار منصور سنها 13 سنة أمها متزوجة الأسطى حسين علي بمنشية البلح بقسم ثاني بحي العرب، ناظلة أحمد الخولي سنها 14 سنة كان والدها صيادا وهو الآن مريض” وزكية محمد سنها 12 سنة” غير معروف لها أهل”وسيدة عبده الريان سنها 13 سنة”يتيمة بدون عائلة”وعطيات محمد زقزوق سنها 7 سنوات لا تعرف أمها إلا بعلامة وجهها. ذلك بيان بأسماء التلميذات البور سعيديات الموجودات بمدرسة المنزلة وإنا حيال ذلك نلتمس من فضيلتكم التنبيه على الإخوان ببور سعيد وجميع الجهات التي بها فروع للجمعية المباركة والتي يوجد بها مدارس كهذه كي يتخذ كل ما يوصل إلى إنقاذ الفتيات المسلمات حيث إن ذلك يجعلنا جميعاً نضع أيدينا على موضع الداء فينفع الدواء بإذن الله، وبهذه الوسيلة إن شاء الله سيكون القضاء المبرم على هذه المدارس”بؤر الفساد” وتفضلوا ختاماً بقبول فائق الاحترام وأشواق جميع من عندنا من الإخوان المسلمين خصوصاً نائبنا فضيلة الأستاذ مصطفي محمد الحديدي الطير، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. كاتم السر

عمر السيد غانم

وقد قام المكتب بهذه المهمة، فكتب إلى بور سعيد وإلى فروع الجمعية، وأوفد فضيلة المرشد العام إلى بور سعيد مرات بهذا الخصوص وقد اهتمت دائرة بور سعيد بهذا الأمر اهتماماً عظيماً واهتم معها كذلك الأهلون الكرام حتى كان عن هذه الهمة كشف الستار عن الحوادث المريعة التي ذكرتها الجرائد وتذكرها كل يوم، ويسرنا أن نعلن أن الحكومة قد تسملت”نظلة الخولي وعطيات زقزوق”المشار إليهما في خطاب المنزلة والحقيقة أنهما وغيرهما كانا في مخبأ بالمنزلة، ونرجو أن يتحرى سعادة المحافظ العام عن بقية الفتيات حتى ينقذهن.

سكرتير مكتب الإرشاد العام


إنشاء لجان فرعية لجمعيات الإخوان المسلمين لتحذير الشعب من الوقوع في خداع المبشرين

علمنا أن من بين مقررات مجلس الشورى العام للإخوان تكوين لجان فرعية في كل دوائر الجمعية للعمل على تحذير الشعب من الوقوع في حبائل المبشرين بالطرق السلمية المشروعة وإنا لنرجو التوفيق التام لهذه اللجان في مهمتها المقدسة.

صورة العريضة التي رفعها مجلس الشورى العام إلى جلالة الملك فؤاد

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إلى سدة صاحب الجلالة الملكية حامي حمى الدين ونصير الإسلام والمسلمين مليك مصر المفدى. يتقدم أعضاء مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين المجتمعون بمدينة الإسماعيلية بتاريخ 22 صفر سنة 1352 والممثلون لخمسة عشرر فرعاً من فروع جمعية الإخوان المسلمين برفع أصدق آيات الولاء والإخلاص للعرش المفدى ولجلالة المليك وسمو ولي عهده المحبوب ويلجئون إلى جلالتكم راجين حماية شعبكم المخلص الأمين من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده وأبنائه وفلذات كبده بتكفيرهم وتشريدهم وإخفائهم وتزويجهم من غير أبناء دينهم الأمر الذي حظره الإسلام وحرمه وتوعد فاعليه أشد الوعيد وقد جعلكم الله تبارك وتعالى حماة دينه والقائمين بحراسة شريعته والذائدين عن حياض سنة نبيه وقد عرف العالم كله لجلالتكم المواقف المشهورة والمشاهد المذكورة في الإستمساك بحبل الدين المتين والحرص على آدابه وشعائره، وحمايته من المعتدين عليه ونشر تعاليمه وتشجيع أهله والعناية بكتاب الله تبارك وتعالى أجزل العناية وإن مصر زعيمة الشرق ورعية الملك المسلم العادل لا تقبل أن تكون يوماً من الأيام مباءة تبشير أو موطن تكفير تستمد ذلك من غيرة مليكها وقوة إيمانها.


لهذا لجأنا إلى سدتكم العلية راجين أن يصدر أمر جلالتكم الكريم إلى حكومتكم الموفقة بالضرب على أيدي هذه الفئة وإنقاذ الأمة من شرها والوصول إلى هذه الغاية بكل وسيلة ممكنة ونعتقد أن من الوسائل الناجعة:

أولاً: فرض الرقابة الشديدة على هذه المدارس والمعاهد والدور التبشيريه والطلبة والطالبات فيها إذا ثبت اشتغالها بالتبشير.

ثانياً: سحب الرخص من أي مستشفي أو مدرسة يثبت أنها تشتغل بالتبشير.

ثالثاً: إبعاد كل من يثبت للحكومة أنه يعمل على إفساد العقائد وإخفاء البنين والبنات.

رابعاً: الامتناع عن معونة هذه الجمعيات بتاتاً بالأرض أو المال.

خامساً: الاتصال بحضرات الوزراء المفوضين في مصر والخارج حتى يساعدوا الحكومة في تنفيذ خطة الحزم حفظاً للأمن ومراعاة لحسن العلائق. وإنا إن أدلينا بهذه الآراء فنحن نعتقد أن حزم جلالة الملك المفدى وصائب رأيه السديد وغيرته الدينية المعروفة كل أولئك كفيل برأب الصدع وإسعاد الأمة وإنقاذ الشعب من أيدى المعتدين، وإليكم يا صاحب الجلالة أصدق آيات الولاء والإجلال من المخلصين لعرشكم المفدى.

حسن البنا”مرشد الإخوان المسلمين”ومحمد أسعد الحكيم”سكرتير مكتب الإرشاد”وعبد الرحمن الساعاتي”نائب القاهرة”وأحمد السكري”نائب المحمودية”وحامد عسكرية”نائب شبراخيت”ومصطفى الطير”نائب المنزلة”وعفيفي الشافعي”نائب الأربعين بالسويس”وعبد الفتاح فايد”نائب شبلنجة القليوبية”ومحمد مصطفي طيرة”نائب بور سعيد”ومحمود عبد اللطيف”نائب الجمالية”ومحمد فرغلي عبد الله سليم ”نائب أبو صوير”وطه كراوية”سكرتير الجمالية”وعلي الجداوي”نائب الإسماعيلية”ومحمد حسين السيد”سكرتير الأربعين”وسليمان عويضة”عضو الأربعين”وحافظ عبد الحميد”مراقب الإسماعيلية”.

وقد رفعت مثل هذه الصورة إلى حضرات أصحاب المعالي رئيس الوزراء بالنيابة ووزير الداخلية ووزير المعارف ووزير الأوقاف ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الشيوخ.


نموذج من الرحلة في سبيل الدعوة

كما أننا نثبت هنا نموذجاً من الرحلات السابقة في سبيل الدعوة، وقد كانت خلال صيف سنة 1933 الميلادية، وهذه صورة الخطاب الذي وجهه مكتب الإرشاد العام إلى حضرات نواب إخوان البلاد الذين ستكون إليهم الرحلة.

بسم الها الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حضرة السيد المحترم نائب الإخوان المسلمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد. فأتشرف بأن أرفع إليكم هذا البيان عن رحلة حضرة المرشد العام لزيارة فروع الجمعية حتى يمكنكم الاتصال بحضرته في أثنائها إذا لزم ذلك. وسيقوم بأعمال المكتب بالنيابة عن حضرته الأستاذ عبد الرحمن افندي الساعاتي نائب القاهرة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


جدول تم حذفه ، صفحة 179، طبعة دار التوزيع والنشر الإسلامية

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

محمد أسعد الحكيم

سكرتير مكتب الإرشاد


انتقال الأستاذ الطير إلى القاهرة:


وبمناسبة انتقال الأستاذ الشيخ مصطفى الطير إلى القاهرة قد اعتمد مكتب الإرشاد العام فضيلة الأستاذ الشيخ خطاب قورة والشيخ توفيق حمادة من العلماء نائبين لدائرة المنزلة وأوفد حضرات الإخوان المحترمين عبد الرحمن افندي الساعاتي ومحمد أفندي أسعد الحكيم ومحمد أفندي حلمى نور الدين ومحمد أفندي شلش إلى المنزلة لتحية الإخوان وإبلاغهم هذا القرار. فاحتفل الإخوان بمقدمهم احتفالا شائقا وقام حضرات أعضاء الشعب المجاورة للمنزلة للقائهم وكان الجمع عظيما والحفاوة بالغة وألقيت الكلمات المناسبة في تحية النائبين ومكتب الإرشاد في شخص أعضائه ووجوب العمل للنهضة الإسلامية المثمرة وعاد الإخوان وكلهم ألسنة ثناء على أعضاء دائرة المنزلة الكرام.

تنازل نائب القاهرة لرئيس المنزلة:

تنازل حضرة الأستاذ المفضال عبد الرحمن افندي الساعاتي عن نيابة القاهرة لفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ مصطفى محمد الطير المدرس بالمعهد الأزهري وقد أسندت إلى فضيلته أعمال المساعد في جريدة الإخوان. وبهذه المناسبة نشرت مجلة الإخوان كلمة للأستاذ الساعاتي رأينا أن ننقلها للذكرى والعبرة والقدوة الحسنة.

فلنضح بالمراكز والألقاب إذا ساعد ذلك على تحقق الغاية

هبك مسافرا على سطح البحر إلى جهة معينة بقصد الوصول إليها ومعك قوم غايتهم الوصول إلى تلك الجهة فأنتم جميعا تقصدون غاية واحدة وتشتركون معا في قطع الطريق إلى هذه الغاية. الليل مظلم والسماء حالكة والبحر هائج، وظلمات بعضها فوق بعض، (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) والسفينة تكاد تصطدم بما يعترض سبيلها من صخور عظام وتوشك أن تشق طريقا وعرا لا يوصل إلى غاية ولا يهدي إلى سبيل، فظلام الليل ووحشته تزيدان الموقف حروجة وشدة والعواصف والأنواء تكاد تقذف بالسفينة إلى هوة سحيقة والموقف أقسى من أن تظل أمامه الأيدي مكتوفة ومهمة القيادة اخطر من ان يقوم بها غير ربان ماهر عارف بأصول الطريق عالم بالسهل منه والوعر مخاطر إلى أبعد حدود الخاطرة مضح إلى أسمى غايات التضحية مؤمن بغايته حق الإيمان لا يثنيه عن الوصول إليها بعد الشقة ولا كثرة المعوقات.

من كان يؤمن إيمانا بدعوته
أجابه الفلك الدوار آمينا
ومن تكن خلصت لله نيته
أصاب نجحا على الأيام مضمونا

وكنت أنت قائد الركب وربان السفينة وكاد أن يختلط عليك الأمر ويضل بك السبيل وفي اللحظة المحرجة والساعة الخطيرة كشفت أن بين القوم من يفوقك قيادة ويفضلك علما، أفلا يفرض عليك الحق والإيمان أن تتخلى له عن القيادة أم لا يملى عليك الواجب والضمير أن تترك الأمر لمن يقوم به خيرا منك، ثم تكون في طاعته فإن أمر أطعت وإن أشار فهمت؟.

ثم لا يكون واجبه ألا ينتظرك حتى تسلم إليه قيادة الركب بل يجب أن يسرع في إصلاح ما كدت تفسده وإدراك ما أوشكت أن تهمله.

في عقيدتي أن الغاية لا تعرف أشخاصاً ولا تحابي أحداً وأرى أن الذي يقوم في السفينة بعملية نزح الماء من قاعها إذا وقع الخطر، خير من الغر الأحمق الذي لا يعرف حدود نفسه، فتصدى للقيادة وهو لا يحسنها، فكان وبالا على نفسه وشؤماً على قومه، فالأول عرف ما يحسن فقام به كما يجب وكانت نتيجته كبيرة وإن كان مظهره بسيطاً. والثاني أحب التصدر واستولى عليه داء الرياسة فأورد قومه ونفسه موارد الهلكة، ومثل هذا لا تتحقق على يديه غاية ولا يرجى من وراء عمله فائدة.

فلا يستغرب الناس من الإخوان المسلمين أن تتخلى شخصية كانت لها الصدارة حينما كان الموقف يحتاج ذلك وفي الوقت الذي لم يكن فيه من يقود غيرها لتسلم الزمام إلى من اصطفاه إخوانه لنشر المبدأ وفائدة الفكرة فحقق ظن إخوانه وطار بالفكرة إلى سماء التضحية والخلود وحلق بها في جو الإخلاص والعمل لتعمل هي في ميدان آخر من ميادين خدمة الفكرة العامة.

وليس بضاري شيئا إذا كنت أحد هذه الشخصيات المتخلية عن مركزها في سبيل تحقيق الغاية والقيام بالواجب.

عبد الرحمن أحمد الساعاتي

عضو مكتب الإرشاد العام ونائب القاهرة سابقأ

جريدة الإخوان”حيا الله النفوس المخلصة وأكثر من المسلمين من أمثال الأستاذ عبد الرحش الساعاتي ليضربوا للناس كثيرا من هذه المثل العملية التي هي دروس من أبلغ الدروس في باب التفاني والإخلاص.


هيئة مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين

وقد تألفت بعد ذلك هيئة مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين لأول مرة بناء على قرارات مجلس الشورى ووجه سكرتيره الأستاذ محمد أسعد الحكيم إلى الإخوان هذا الخطاب إخطارا بهذا التكوين:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:

حضرة الأخ المحترم:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”وبعد” فإنفاذا لقرار مجلس الشورى العام المنعقد بالإسماعيلية بتاريخ 22 صفر سنة 1352هـ قد تكون مكتب الإرشاد العام من حضرات الإخوان الكرام الآتية أسماؤهم بعد، ويسرني أن أخطركم للعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضيلة المرشد العام.

1- فضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى محمد الطير نائب القاهرة الإداري والمدرس بالمعهد الأزهري ومن علماء التخصص.

2 - فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الحفيظ فرغلي المدرس بالمعهد الأزهري من علماء التخصص.

3 - فضيلة الأستاذ الشيخ حامد عسكرية نائب شبراخيت وواعظها ومن علماء الأزهر”عضوا منتدبا”.

4 - فضيلة الأستاذ الشيخ عفيفي الشافعي عطوة نائب الأربعين بالسويس ومأذونها الشرعي ومن علماء الأزهر”منتدبا”.

5 - حضرة الأستاذ أحمد افندي السكري نائب المحمودية ومن أعيانها بالمدرسة الإبتدائية بها”عضوا منتدبا”.

6 - حضرة الأستاذ خالد عبد اللطيف أفندي أحد نواب الجمالية ومن أعيانها”عضوا منتدبا”.

7 - حضرة الأستاذ محمد أفندي فتح الله درويش بمكتب المالية بالقاهرة.

8 - حضرة الأستاذ عبد الرحمن افندي الساعاتي بهندسة الوابورات بالقاهرة.

9 - حضرة الأستاذ محمد أسعد الحكيم أفندي بهندسة الوابورات بالقاهرة.

10 - حضرة الأستاذ محمد أفندي حلمي نور الدين بتفتيش ري الجيزة بالقاهرة.

وكل حضراتهم في درجة”نائب”من نواب الإخوان المسلمين، وقد اختير حضرة الأخ أسعد الحكيم أفندي للقيام بسكرتارية المكتب كما اختير محمد أفندي حلمي نور الدين أميناً لصندوق المكتب وحضرة عبد الرحمن الساعاتي أفندي لإدارة شئون الجريدة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كاتم سر مكتب الإرشاد العام

الدعوة في الجامعة والمدارس العليا:

أخذت الدعوة المباركة في القاهرة تشق طريقها حتى وصلت إلى كليات الجامعة وإلى المدارس العليا وقابل بعض طلابها الأستاذ الكبير الشيخ طنطاوي جوهري رحمه الله وقد كان رئيس تحرير جريدة الإخوان الأسبوعية وتفاهموا معه في شأن الدعوة ورغبتهم في الانضمام إليها والعمل لها، ولا أنسى خطابه الكريم الذي بعث به إلي وأنا في إحدى الرحلات بالوجه البحري يزف إلي هذه البشرى ويعبر عنها. في خطابه أنها”فتح مبين”ولقد صدق رحمه الله، فهذه الجامعة التي كان الناس يرون فيها أولاً مؤسسة لا صلة لها بالإسلام يتطور الأمر فيها بهذه الدعوة الكريمة إلى أن تصبح معقلا من معاقله، وهو فتح مبين ولا شك. وأخذ فضيلة الشيخ طنطاوي يستحثني على العودة سريعاً لمقابلة هؤلاء الإخوان فقدمت إلى القاهرة ولقيتهم، وكان يوماً مباركاً، ذلك هو انضمامهم للدعوة ومبايعتهم على العمل لها وكان من أولهم وأسبقهم إلى البيعة هؤلاء الإخوة الستة الذين نعبر عنهم بشيوخ طلاب الإخوان المسلمين وهم:

ا - الأستاذ [[محمد عبد الحميد أحمد]]، وكان حينذاك بكلية الآداب، وهو الآن بوزارة المعارف العمومية، وقد انتدبته للعمل”بمعاهد شرقي الأردن”.

2 - الدكتور إبراهيم أبو النجا الجزار، كان حينذاك طالبا بكلية الطب وهو الآن مدرس بها.

3 - الأستاذ أحمد أفندي مصطفي كان بمدرسة التجارة العليا وهو الآن بمصلحة الضرائب.

4 - الأستاذ محمد جمال الشندي وكان بكلية العلوم وهو الآن مدرس بها أيضا.

5 - الأستاذ محمد رشاد الهواري وكان بكلية الحقوق وهو الآن محام بالمنصورة.

6 – الأخ محمود أفندي صبري وكان بمدرسة الزراعة العليا وهو الآن بالخاصة الملكية.

وقد نشرت مجلة الإخوان بهذه المناسبة الكلمة الآتية:

“مبادىء الإخوان المسلمين قويمة سهلة الفهم. ولكنها تتطلب إخلاصاً وعملاً، إنها ترمي إلى شيء واحد هو تكوين الخلق الإسلامي الصحيح في الأمة تكويناً صالحاً، وتعتمد في ذلك على وسيلة واحدة هي الحب والإخاء والتعارف التي تنتج حسن الأسوة وإصلاح النفس. والأمة،في نهضتها الحديثة أحوج ما تكون إلى مثل هذا المسلك القويم”.

أدرك هذا شبابنا المستنير، فنفرت منهم فرقة مخلصة تتألف من طلبة المدارس العليا وكليات الجامعة وأعلنت استعدادها لمناصرة هذا المبدأ وخدمته والعمل له، ولا يسعنا إلا أن نهنئ هؤلاء الإخوان الكرام بما أفاض الله عليهم من نور الفهم وصدق العزم، وأن نهنئ هيئة الإخوان بانضمام هذه الكوكبة المؤيدة إلى كتيبة رجالها العاملين، وبهذه المناسبة خصصت إدارة الجريدة قسما للطلبة تتسابق فيه أقلامهم إلى الإفادة والإرشاد وفي هذا الموضع كلمة لأحد هؤلاء الإخوان تحت عنوان”فتية العصر” أكثر الله العاملين لدينه وأمدهم بالكفاءة والإخلاص.


مجلس الشورى العام للإخوان وهو المؤتمر الثاني لهم

وقد انعقد بعد ذلك مجلس الشورى العام في دورته الثانية ببور سعيد ووجه السكرتير للإخوان هذه الدعوة:

“ينعقد مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين بمدينة بور سعيد إن شاء الله تعالى في اليوم الثاني من شهر شوال سنة 1350 بعد صلاة العشاء مباشرة برياسة فضيلة المرشد العام للنظر في شئون الجماعة عامة، وحضرات نواب ونقباء وسكرتيري الشعب مدعوون إلى حضور هذا الاجتماع، وكذلك من صرح له بذلك من أعضاء مكتب الإرشاد العام.” ونشرتها جريدة الإخوان وتم على خير حال، وكان من مقرراته تكوين شركة صغيرة لإنشاء مطبعة للإخوان المسلمين، على أن يكون ثمن السهم عشرين قرشاً وقد نشرت مجلة الإخوان بعد ذلك هذا النداء الخاص بهذا المشروع:

مشروع المطبعة الأولى وواجب الإخوان نحوها

المطابع للجماعات التي تعمل لنشر فكرة عامة هي الدعامة التي ترتكز عليها في أعمالها ونشر دعايتها، لذا قرر مجلس الشورى العام بجلسته المنعقدة ببور سعيد في عيد الفطر إنشاء شركة مساهمة خاصة بأعضاء جمعيات الإخوان المسلمين وقد طبع مكتب الإرشاد العام بالقاهرة قانون شركة المطبعة المساهمة ووزعه على جميع الشعب في أنحاء القطر المختلفة وجعل يوم 15 مارس آخر يوم للإشتراك في هذه الأسهم.

ومكتب الإرشاد العام له كل الأمل ألا يأتى هذا الموعد حتى يكون قد انتهي من شراء المطبعة وكل ما يتعلق بها وأن يتمكن من إصدار كل ما يتطلبه عمل الإخوان المسلمين في مطبعتهم.

فعلى الذين يحملون أمانة الإخوان المسلمين في كافة الشعب أن يقوموا بواجبهم حيال هذا المشروع الأول من مشروعاتها المقبلة، وأن يكون قيامهم هذا خالصاً لوجه الله تعالى وإعلاء كلمته.

سكرتير مكتب الإرشاد العام

إنتقال إدارة جمعية الإخوان:

وقد انتقلت إدارة جمعية الإخوان المسلمين إلى حارة المعمار رقم 6 بشارع سوق السلاح. ونشرت جريدة الإخوان نبأ هذا الإنتقال بعددها الثلاثين في الخميس 15 من ذي القعدة سنة 1352. الأخوات المسلمات في القاهرة:

وقد تكونت للأخوات المسلمات فرقة في القاهرة من نساء بيوت الإخوان وقريباتهن واختيرت السيدة الصالحة " لبيدة أحمد " رئيسة لها ولفرق الأخوات في الإسماعيلية وبور سعيد ، وقد وجهت بعد اختيارها كلمة طيبة نشرتها المجلة أيضا وقد جاء فيها :

أخواتي وبناتي :

أحمد إليكن الله الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأحييكن بتحية الإسلام ، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كم أنا سعيدة مسرورة بأن أتقبل هذه الدعوة من حضرة المرشد العام للإخوان المسلمين للتشرف بخدمة مبادئكن والتقدم لرياسة فرقكن، وإني مع ضعفي عن احتمال هذا العبء وعجزي عن القيام بهذه المهمة أعتقد أني سأجد من غيرتكن ومعاونتكن ما يجعلنا نصل إلى الغاية التي ننشدها من نشر تعاليم الإسلام وبث آدابه ومبادئه في نفس الفتاة المسلمة والأسرة المسلمة، والله المستعان.

يا بناتي وأخواتي:

إن الأمة كما ترون في تدهور خلقي وخلل اجتماعي ، بدت أعراضه في كل مظهر من مظاهر الحياة : في المنزل وفي الشارع ، وفي المصنع وفي المتجر وفي كل بيئة وفي كل وسط ، ودوام هذا الحال يؤدي بنا إلى أوخم العواقب وأحط النتائج.

و أساس إصلاح هذه الأمة إصلاح الأسرة و أول إصلاح الأسرة إصلاح الفتاة ، لأن المرأة أستاذ العالم ، و لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بيسارها.

و إن على الفتاة المسلمة أن تفهم أن مهمتها من أقدس المهمات . و أن أثرها في حياة أمتها أعمق الآثار ، وأن في مقدورها أن تصلح الأمة إذا وجهت عنايتها لهذا الإصلاح.

لهذا نحن نريد أن نصلح و أعتقد أن في تعاليم الإسلام و أحكامه ، إن علمناها و عملنا بها ما يكفل بنا هذا الإصلاح المنشود ، و إذن فهيا يا أخواتي و بناتي نصلح أنفسنا لنفهم الإسلام و نعمل به و نبث تعاليمهفي نفس المرأة المسلمة ، فإن صلحنا صلحت بصلاحنا الأسرة و كان على ذلك صلاح الأمة جمعاء !.

ذلك ما أردت أن أبينه لكم ، منهاجنا لعملنا الذي ألزمنا انفسنا العمل له ، و الله أسأل ان يوفقنا إلى ما فيه الخير لأمتنا العزيزة المفداة !.

لبيبة أحمد

نماذج من مؤتمرات الإخوان في الأقاليم

و قد اشار مكتب الإرشاد العام على الإخوان بعمل مؤتمرات إقليمية دورية لكل مجموعة من الشعب المتجاورة و أنفذت هذه الرغبة شعب البحر الصغير فكانت تجتمع كل ثلاثة شهور مرة في مقر إحداها ، و فيما يلي نموذج من هذه المؤتمرات هو محضر الجلسة السابعة لمؤتمر جمعيات الإخوان المسلمين بالبحر الصغير:

بعون الله و توفيقه تعالى اجتمع المؤتمر في يوم الجمعة 19 جمادى الثانية سنة 1353 الموافق 28 سبتمبر سنة 1934 بناحية ميت خضير بمنزل الشيخ رضوان رضوان إبراهيم في الساعة 3 العربية نهاراً بناء على دعوة السكرتير برياسة الشيخ محمد حجازي مجاهد نائب ميت خضير و حضور حضرات : الشيخ محمد قاسم صقر و الشيخ محمد الطنطاوي سعد عن فرع المنزلة و الشيخ يوسف طويلة و الشيخ أبو المعاطي العربي و الشيخ محمد شلبي و الشيخ محمد الإمام عن فرع جديدة المنزلة و الشيخ محمود محمود موسى عن فرع البصراط و الشيخ إبراهيم الدسوقي علوان والشيخ طه العشماوي عامر والشيخ سليمان بسيوني عن فرع الجوابر ومحمد افندي السيد الشافعي عن فرع برمبال القديمة وفضيلة الشيخ بسيوني عميرة عن فرع الكردي ومحمد أفندي عماشة أحمد أفندي محمد السيد عن فرع ميت مرجا سلسيل والشيخ محمد بدوي إسماعيل ويونس أفندي يونس ومحمد أفندي الحسيني يونس والشيخ سالم غنيم والشيخ عبده إسماعيل والشيخ برعي أحمد والشيخ علي محمد البسيوني وتوفيق أفندي ابراهيم رضوان والشيخ السيد علي يونس والشيخ محمود مقبل محمد والشيخ أحمد المنسي والشيخ عبد المجيد محمد والشيخ سيد بدوي والشيخ محمد جمعه والشيخ رمضان رمضان والشيخ أحمد عبد الله والشيخ سعد حجازي والشيخ السيد الخميس والشيخ أبو النور محمد فرح والشيخ سيد متولي محمد والشيخ إبراهيم محمد يوسف والشيخ [[محمد محمد رفاعي]] والشيخ إسماعيل السيد والشيخ معوض فرح والشيخ أحمد محمد رضوان والشيخ إسماعيل خليل والشيخ [[صبح إبراهيمؤ والشيخ جمعة جمعة محمد عن فرع ميت خضير.

واعتذر عن الحضور كل من سعادة عبد الفتاح بك رفعت ومحمد أفندي عجيز ميت القمص والحاج سويلم محمد سويلم ومحمد أفندي محمد سويلم والشيخ حسين يوسف من فرع برمبال القديمة والشيخ [[خطاب محمد خطاب]] نائب المنزلة والشيخ يوسف المزين ومحمد أفندي عمر من فرع البصراط ورمضان أفندي عبد الجليل والشيخ عبدو محمودي من ميت مرجا سلسيل والشيخ محمد زرع نائب الجوابر والشيخ محمد علي بهي الدين والشيخ رضوان رضوان إبراهيم عن ميت خضير وذلك لمشغوليتهم في جني المحاصيل.

وافتتحت الحفلة بتلاوة من آي الذكر الحكيم من الأخ الشيخ محمد بدوي سكرتير ميت خضير وقام الشيخ محمد حجازي رئيس المؤتمر وحيا الحاضرين بكلمة طيبة قوبلت بالتكبير ، ثم قام محمد افندي السيد الشافعي سكرتير المؤتمر فشكر الحاضرين على قبولهم الدعوة وتشريفهم ميت خضير ذكر أن جميع قرارات المؤتمر الخاصة بالجلسة السابقة نفذت ما عدا اللائحة الداخلية من فرع الجمالية كما وعد حضرة نائبها في الجلسة السابقة ، ولعل لهم عذراً في ذلك وقدم للهيئة ما نظمة من الدوسيهات الخاصة بالمؤتمر ووعد بتقديم السجل في الجلسة القادمة إن شاء الله ، وبناء على طلب إخوانه سكرتيري الفروع فقد قدم للهيئة مجموعة من السجلات والدوسيهات والمطبوعات على النحو الذي سار عليه فرع برمبال القديمة ليسير عليه جميع الفروع، وفي ذلك ضمان لحسن النظام، وشرح كيفية العمل بها كما قدم تقريراً عن أعمال فرع برمبال القديمة من بدء نشأته للآن وعرض على الهيئة خطاب حضرة مدير إدارة الجريدة بثمن المطبوعات اللازمة للمؤتمر طالبا التصريح بمشتراها فوافقته الهيئة على مشتراها بالثمن الذي يراه صالحاً.

وقدم للهيئة جدول الأعمال الآتي طالباً النظر فيه وهو:

أ‌- اقتراح من الشيخ محمد طنطاوي سعد بأن يقوم كل فرع بتحفيظ القرآن الكريم لعدد من الأطفال يتناسب مع حالته على أن يقدموا للمؤتمر أثناء انعقاده بالفرع لامتحانهم، وفي ذلك أكبر مظهر للجمعية.

2 - اقتراح من الشيخ محمد حجازي نائب ميت خضير بأن يدعى فضيلة المرشد العام لحضور جلسة المؤتمر ليكون لديه علم بموعد الانعقاد، وليتشرف المؤتمر بحضورة - أو من ينوب عنه - إذا وجد من وقته الثمين فرصة للحضور.

2- اقتراحان من محمد افندي السيد الشافعي سكرتير المؤتمر:

أولاً: أن تحصل اشتراكات مكتب الإرشاد العام وقت انعقاد المؤتمر كما فعل فرع العسيرات في الجلسة الماضية إذ دفع جميع الاشتراكات المتأخرة طرفه، وفي ذلك توفير المجهود والمصاريف، ويطلب أيضا النظر في ترويج الجريدة ولكل فرع أن يطلب ما يستطيع توزيعه.

ثانياً: إن كل فرع ينعقد في دائرته المؤتمر ينبغي أن يشير على السكرتير بدعوة من يأنس فيه حب الفكرة من البلدان المجاورة له، والتي ليس فيها فروع للجمعية، ففي ذلك بث للفكرة، وتنشيط لثروة الجماعة.

4- اقتراح من الشيخ يوسف طويلة بأنه من الضروري تمثيل جميع الفروع في المؤتمر على شريطة أن يمثل الفروع النائب والسكرتير وعضوان، ويرجو ألا يتأخر عن الحضور كل جلسة أمثال حضرات عبد الفتاح بك رفعت ومحمد أفندي عجيز والحاج سويلم محمد سويلم ومحمد أفندي محمد سويلم والشيخ طه

الهواري وخالد أفندي عبد اللطيف والشيخ خطاب محمد خطاب والشيخ محمد زرع والشيخ محمد خليفة والشيخ يوسف المزين ومحمد أفندي عمر والشيخ محمد حجازي.

5 - اقتراح من محمد أفندي الحسيني بأن يكلف كل فرع واعظه بالطواف بالبلدان المجاورة له، والتي ليست بها فروع للجمعية ليقوم بنشر الدعوة وبث الفكرة في نفوس الأهلين.

6 - اقتراح من الشيخ محمد محمد رفاعي بأنه لمناسبة اطلاعه على جريدة الإخوان المسلمين في العدد رقم 21 على وفاة نجل حضرة الشيخ طه الهواري نائب الكفر الجديد ومضى موعد العزاء دون أن يكون لدينا العلم للقيام بواجب العزاء في حينه، فيقترح أن كل سكرتير فرع يحصل عنده ما يوجب التعزية أن يخطر جمبع الفروع للقيام بتأدية هذا الواجب، ولما حان موعد صلاة الجمعة أجلت الجلسة.

وفي الساعة السابعة والنصف عربي نهاراً بعد تأدية فريضة الجمعة بمسجد ميت خضير وبعد تناول الغداء عادت الجلسة للإنعقاد، وقام سكرتير المؤتمر وشكر حضرة الشيخ بسيوني عميرة والشيخ محمد قاسم صقر ومحمد أفندي محمد الطنطاوي سعد، على ما قاموا به بالمسجد بعد صلاة الجمعة من الحث على الفضائل، وبث فكرة الإخوان المسلمين، وإظهار روعة الإسلام حتى خرج جميع المصلين، وكلهم داعون الله جلت قدرته أن يشد أزر الإسلام والمسلمين، وأن يهيء له من أبنائه البررة من يتولى القيادة في حلبة النصر، وأن يكتب لفضيلة المرشد العام التوفيق، ويمده بروح من عنده حتى يسير بسفينة النجاة إنه سميع الدعاء.

وبالجملة فقد ترك الخطباء في نفرس آل ميت خضير الأطهار أثراً حسناً.

ثم نظرت الهيئة في جدول الأعمال:

ا - تناقشت الهيئة في الاقتراح الأول، وقررت الموافقة عليه وعلى كل فرع أن يقوم من جانبه بمعاونة كل من يقوم لتحفيظ القرآن بحيث يساعده فيما يتعلق بالتلاميذ الفقراء ويدفع له عنهم الأجر المناسب، وعليه أن يقدم للجمعية أسماءهم والاجر الذي يتقاضاه عنهم بحيث يكون تحت إشراف الجمعية.

2 - وافقت الهيئة على الاقتراح الثاني، وقال سكرتير المؤتمر إنه دعا فضيلة المرشد العام لحضور هذه الجلسة.

3 - نظرت الهيئة في الاقتراح الثالث فيما يتعلق بالبند الأول منه، ووافقت الهيئة عليه، وستستعد جميع الفروع لتسديد الاشتراكات في الجلسة القادمة. أما ترويج الجريدة فقد تعهد الجميع بترويجها بقدر المستطاع.

4 - وافقت الهيئة على الاقتراح الرابع وعلى كل فرع مثل في هذه الجلسة أن يمثل بعد ذلك، أما الفروع التي لم تحضر فعلى السكرتير مكاتبتها، وترجو الهيئة حضرات من ذكروا في الاقتراح ضرورة حضورهم في كل جلسة للاستنارة بآرائهم.

5 - وافقت الهيئة على الاقتراح الخامس وعلى كل جمعية أن تكلف واعظها بالقيام بهذا الغرض لبث الفكرة في البلدان المجاورة.

6 - وافقت الهيئة على الاقتراح السادس وعلى كل سكرتير أن يخطر جميع الفروع إذا حدث لديه حادث يوجب التعزية ليتيسر للجميع تأدية الواجب، وبهذه المناسبة كلفت الهيئة السكرتير بتقديم التعزية لحضرة الشيخ طه الهواري نيابة عن المؤتمر، وقررت إيقاف الجلسة خمس دمائق حداداً على الفقيد رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وتلا الجميع فاتحة الكتاب يهدونها إلى روحه الطاهرة، أما ما يتعلق باللائحة الداخلية فعلى السكرتير طلبها من فرع الجمالية وتقديمها في الجلسة القادمة وهنا قال سكرتير المؤممر: إنه من بواعث النشاط في باقي الفروع أن تسمح الهيئة بتلاوة التقرير المقدم من فرع برمبال القديمة عن أعماله للآن، فوافقت الهيئة على تلاوته، فتلي وكلها أعمال تنم عن الخير والبركة.

ثم قام الأخ الشيخ محمد قاسم صقر سكرتير المنزلة، وذكر بعض أعمال فرع المنزلة وبخاصة نحو طائفة المبشرين، فكان له أحسن وقع في نفوس الحاضرين حتى قوبل بالتكبير.

وختمت الجلسة كا بدئت بتلاوة آي الذكر الحكيم، حيث كانت الساعة العاشرة عربي نهاراً على أن يكون الاجتماع القادم بناحية جديدة المنزلة والله ولي التوفيق.

سكرتير المؤتمر

محمد السيد الشافعي


نموذج من اجتماعات الجمعية العمومية للإخوان في الأقاليم جمعية الإخوان المسلمين بمدينة بور فؤاد

جلسة الجمعية العمومية

بمناسبة انقضاء عام على تأسيس جمعية الإخوان ببور فؤاد وتنفيذاً للبند الثالث من قرار مجلس إدارة الجمعية الصادر في 29 أغسطس سنة 1934 وجه حسن إبراهيم فرج دعوة عامة لجميع أعضاء الجمعية للحضور في دار الجمعية في الساعة الثامنة من مساء يوم السبت أول سبتمبر سنة 1934 للاجتماع بهيئة جمعية عمومية للنظر في المواضيع الآتية:

1 - أعمال الجمعية في العام الماضي.

2 - إيرادات ومصروفات الجمعية في العام الماضي.

3 - انتخاب نائب للجمعية وأعضاء لمجلس إدارتها.

4 - المواضيع الأخرى التي يرى حضرات الأعضاء المجتمعين عرضها على الجمعية. وما وافت الساعة الثامنة مساء حتى كان الحاضرون أكثر من نصف الأعضاء وتقررت صحته.

5 - افتتح الاجتماع بتلاوة آي الذكر الحكيم.

6 - استأذن حضرة فهمي أفندي في أن يلقي كلمته، فأذن المجتمعون له، فألقى كلمة قيمة في فائدة جمعيات الإخوان المسلمين في القطر وفوائد الجمعيات الدينية على وجه عام.

7 - افتتح حسن إبراهيم فرج أفندي نائب الجمعية البحث موضوع الاجتماع وبعد أن شكر المجتمعين على تلبية الدعوة مما دل على اهتمامهم بوضوح هو أسمى المواضيع، ويكفي أنه موضوع ديني بحت شرح لهم ما قامت به الجمعية خلال العام الماضي من الأعمال الجليلة التي فيها:

أولا: إيجاد مصلى للمسلمين تؤدى فيه الآن الصلوات المفروضة يومياً جماعة في مواعيدها.

ثانياً: جمع كلمة المسلمين في المدينة وبث روح التآلف والتعاون بين الجميع والسعي في الصلح بين المتخاصمين.

ثالثاً: نشر الثقافة الدينية والأخلاقية بين الجميع بما يلقى في الجمعية من الدروس والمحاضرات من آن لآخر.

رابعاً: إحياء جميع الليالي الواجب الاحتفال بها بين المسلمين سواء بتلاوة آي الذكر الحكيم وبالخطب والمحاضرات المناسبة.

خامساً: السعي لبناء مسجد عام ببور فؤاد للمسلمين حيث لا يوجد بها سوى مصلى جمعية الإخوان فقط على حين يوجد بها كنيسة فخمة، وقدمت الجمعية عريضة لحضرة صاحب السعادة محافظ القنال لرفعها لحضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم لشمول المدينة بعطفه السامي وإصدار أمره الكريم ببناء مسجد بها.

سادسا: تعليم أولاد الفقراء على حساب الجمعية في المدرسة حتى أصبح عددهم الآن عشرة أولاد.

سابعاً: قيام الجمعية بمساعدة كثيرين من المحتاجين الذين لجئوا إليها في كثير من الظررف، ونظراً لأن بعض هذه المساعدات مالية ولعدم اتساع مالية الجمعية كانت تتوصل الجمعية إلى ذلك بجمع ما تيسر جمعه من المبالغ من مسلمي المدينة دون مس أموال الجمعية نفسها.

ضيف كريم:

وكان الإخوان ينتهزون كل فرصة فيتصلون برجال البلاد العربية والإسلامية توثيقاً للرابطة ونشراً للدعوة، ومن ذلك زيارتهم للسيد عباس القطان بمناسبة مرضه وقد نشرتها”الإخوان” في هذه الكلمات:

عاد صاحب الفضيلة الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين والأستاذ الشيخ مصطفى الطير وكيل مكتب الإرشاد والأستاذان - فتح الله درويش أفندي وأسعد أفندي راجح سعادة السيد عباس القطان محافظ المدينة المنورة بمناسبة نجاح العملية التي أجراها محمد بك صبحي في إحدى عينيه وتحدثوا ملياً في شئون الحجاز وشئون المسلمين عامة ثم استأذنوا من سعادته، فودعهم إلى سلم الفندق شاكراً للإخوان المسلمين على حفاوتهم به، ووعد أن يرد الزيارة لهم في مكتبهم العام بشارع سوق السلاح حارة المعمار رقم 6، وجريدة الإخوان المسلمين لا يسعها إلا تهنئة السيد الجليل بما منّ الله تعالى عليه بنجاح العملية والدعاء له بدوام الصحة والعافية.

نماذج من قرارات مكتب الإرشاد العام:

وكان مكتب الإرشاد العام يجتمع دورياً وينظم سير الدعوة ويصدر قراراته عقب كل اجتماع، منها ما ينشر، ومنها ما ينفذ بدون نشر، ومن أمثلة قراراته في إحدى جلساته ما يأتي:

1 - يسند إلى حضرة محمود افندي عبد اللطيف”فضلا عن إدارته للمطبعة” الإشراف على ما يتعلق باتحاد القاهرة.

2 - يسند إلى حضرة عمر افندي غانم الإشراف على إدارة الجريدة وما يتعلق بسكرتارية مكتب الإرشاد.

3 - على حضرتيهما عرض الشئون المستعجلة على فضيلة الأستاذ المرشد للاستشارة فيها للتصرف. وعليهما كذلك موافاة المكتب في كل جلسة ما يجد من الشئون بين الانعقادين.

4 - يقوم فضيلة المرشد بإعداد التقرير اللازم عن الجماعة خلال العام الماضي لعرضه على مجلس الشورى العام.

5- تقوم سكرتارية المكتب من الآن بإعداد العدة لانعقاد مجلس الشورى العام للإخوان في عيد الفطر المبارك القادم.

6 - كل من يسند إليه عمل إداري في المكتب فله الحق في انتداب أي أخ من الإخوان من أعضاء المكتب لمساعدته، وعلى الأخ المنتدب إذا كان عنده ما يمنع من القيام بالمهمة الإعتذار في الوقت المناسب.

وبناءً على هذه القرارات ترجو سكرتارية المكتب حضرات الإخوان أن يلاحظوا ما يأتي:

أولاً: كل الرسائل الخاصة بفضيلة المرشد العام والتي يريد أصحابها أن تسلم لفضيلته رأساً يكتب عليها بخط واضح كلمة “خاص”.

ثانياً: كل الرسائل المتعلقة بالجريدة ترسل بإسم حضرة عمر افندي غانم مكتوباً عليها كلمة”جريدة” بخط واضح ويزاد عليها كلمة تحرير إن كانت خاصة بالتحرير أو إدارة إن كانت خاصة بالتوزيع، أو الحسابات أو الاشتراكات أو غيرها، وكذلك كل الرسائل الخاصة بالمكتب ترسل باسم حضرته مكتوباً عليها كلمة”مكتب”.

ثالثاً: كل الرسائل الخاصة بالمطبعة أو باتحاد القاهرة والدعوة إلى فروعه ترسل باسم حضرة محمود افندي عبد اللطيف ويكتب عليها” مطبعة” أو” اتحاد” بخط واضح.

رابعاً: كل مراسلة تحتاج إلى الرد يوضع فيها طابع بريد من فئة الخمسة مليمات، وإلا كان المرسل إليه في حل من السكوت والله الهادي إلى طريق الرشاد.

سكرير المكتب

محمد أسعد الحكيم


حفل مكتب الإرشاد العام:

أحيا مكتب الإرشاد العام لجمعية الإخوان المسلمين مساء الإثنين السابع والعشرين من شهر رجب المعظم احتفالاً بذكرى الإسراء والمعراج، وكان خطباء الحفل فضيلة الأستاذ الشيخ حسن أفندي البنا المرشد العام للجمعية وفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى الطير وكيل مكتب الإرشاد العام، والسر في تأخير الحفلة عن مساء الأحد يرجع إلى دعوة فضيلتي المرشد والوكيل لإحياء هذه الحفلة المباركة في جهات أخرى.

وقد كان مما وضع المكتب للإخوان أن لخص لهم قواعد الفكرة الإسلامية اعتقادا وعملاً في عدة سطور وأطلق عليها لفظ “عقيدتنا” وأخذت تنشر تباعاً في غلاف مجلة الإخوان وهذا نصها:

1 - أعتقد أن الأمر كله لله، وأن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم رسله للناس كافة، وأن الجزاء حق، وأن القرآن كتاب الله، وأن الإسلام قانون شامل لنظام الدنيا والآخرة، وأتعهد بأن أرتب على نفسي جزءاً من القرآن الكريم، وأن أتمسك بالسنة المطهرة، وأن أدرس السيرة النبوية وتاريخ الصحابة الكرام.

2 - أعتقد أن الاستقامة والفضيلة والعلم من أركان الإسلام وأتعهد أن أكون مستقيماً، أؤدي العبادات، وأبتعد عن المنكرات، فاضلاً، أتحلى بالأخلاق الحسنة، وأتخلى عن الأخلاق السيئة، وأتحرى العبادات الإسلامية ما استطعت، وأوثر المحبة والود على التحاكم والتقاضي، فلا ألجأ إلى القضاء إلا مضطراً، وأعتز بشعائر الإسلام ولغته وأعمل على بث العلوم والمعارف النافعة في طبقات الأمة.

3 - أعتقد أن المسلم مطالب بالعمل والكسب، وأن في ماله الذي يكسبه حقاً مفروضاً للسائل والمحروم، وأتعهد بأن أعمل لكسب عيشي وأقتصد لمستقبلي، وأؤدي زكاة مالي وأخص جزءاً من إيرادي لأعمال البر والخير وأشجع على كل مشروع اقتصادي نافع، وأقدم منتجات بلادي وبني ديني ووطني ولا أتعامل بالربا في شأن من شئوني، ولا أتورط في الكماليات فوق طاقتي.

4 - أعتقد أن المسلم مسئول عن أسرته، وأن من واجبه أن يحافظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها وأتعهد بأن أعمل لذلك جهدي وأن أبث تعاليم الإسلام في أفراد أسرتي، ولا أدخل أبنائي أية مدرسه لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم، وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ تعاليم الإسلام.

5-أعتقد أن من واجب المسلم إحياء مجد الإسلام بإنهاض شعوبه وإعادة تشريعه. وإن راية الإسلام يجب أن تسود البشر. وأن من مهمة كل مسلم تربية العالم على قواعد الإسلام.

وأتعهد بأن أجاهد في سبيل أداء هذه الرسالة ما حييت، وأضحي في سبيلها بكل ما أملك.

6 - أعتقد أن المسلمين جميعاً أمة واحدة تربطها العقيدة الإسلامية وأن الإسلام يأمر أبناءه بالإحسان إلى الناس جميعاً، وأتعهد بأن أبذل جهدي في توثيق رابطة الإخاء بين جميع المسلمين. وإزالة الجفاء والاختلاف بين طوائفهم وفرقهم.

7 - أعتقد أن السر في تأخير المسلمين ابتعادهم عن دينهم، وأن أساس الإصلاح العودة إلى تعاليم الإسلام وأحكامه، وأن ذلك ممكن لو عمل له المسلمون، وأن فكرة الإخوان المسلمين تحقق هذه الغاية، وأتعهد بالثبات على مبادئها والإخلاص لكل من عمل لها وأن أظل جندياً في خدمتها أو أموت في سبيلها.

عقيدتنا في نظر كاتب أوروبي

مقدمة

ومن الطريف أن عدداً من أعداد المجلة وقع في يد الأخ الأستاذ عزت راجح المفتش بالمعارف الآن. وقد كان يومها طالباً بجامعة السوربون بفرنسا فعرض “عقيدتنا” على أستاذه”أرنست رينان” وهو حفيد رينان الكبير، فوصفها بكلمات رقيقة بليغة، وأرسل الدكتور عزت لأخيه الأستاذ أسعد راجح عضو المركز العام للإخوان بالقاهرة خطاباً بالحادث، فنشرته مجلة الإخوان ضمن مقال افتتاحي هذا نصه:

عقيدة الإخوان المسملمين في رأي الأستاذ “ أرنست رينان “

أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بالسوربون بباريس

أخي العزيز:

وبعد: فبينما كنت يوما بمسجد باريس إذ وجدت بين الجرائد والمجلات المعروضة هناك جريدة” الإخوان المسلمين” التي طالما حدثتني عنها وعن رجالها وأنا بمصر. وتحت عنوان عقيدتنا قرأت عقائد وتعهدات صادفت في نفسي إعجاباً وتقديراً. وبعد دراسة عامة لهذه المبادىء وجدتها جديرة بالعرض بعد ترجمتها على الأستاذ” أرنست رينان” أستاذ الدراسات العربية والإسلامية بجامعة السوربون وأخذ رأيه فيها، ففعلت، وأخذها الأستاذ وأعادها بعد أيام. وقد كتب عليها ما ترجمته:

“إن هذه الكلمات عميقة المبحث والمقصد، وهي لا شك مستمدة من نفس المنهج الذي رسمه محمد صلى الله عليه وسلم ونجح في تنفيذه، فأسس به أمة ودولة وديناً، وقد زيد فيها بما يناسب روح العصر مع التقيد بروح الإسلام.

وفي عقيدتي أنه لا نجاح للمسلمين اليوم إلا باتباع نفس السبيل التي سلكها محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، غير أن تحقيق هذا على الحالة التي عليها المسلمون اليوم بعيد، وليس معنى هذا القنوط والقعود عن العمل.

“إني لم أوفق إلى اليوم إلى موضوع الرسالة التي أقدمها لامتحان الدكتوراه ولن أنكر عليك أنه كان لهذه العقيدة وتعليق الأستاذ عليها في نفسي أثر كبير في توجيه فكرتي في اختيار الرسالة وسأخبرك عن الموضوع عند اختياره”.

أخوك

هذا هو القسم الخاص بعقيدة الإخوان المسلمين من خطاب خاص أرسله صديقنا المفضال الأستاذ أحمد عزت عضو بعثة المعارف للتخصص في علوم النفس والاجتماع بباريس إلى شقيقه السيد أسعد راجح أفندي السكرتير الثاني لمكتب الإرشاد العام بالقاهرة وفيه يرى القراء أن الأستاذ” أرنست رينان” أعرب عن رأيه في” عقيدتنا” بجلاء ووضوح. وقد كان صريحاً في إبداء رأيه بقدر ما كان دقيقاً في هذه الصراحة. وبقدر ما كان موفقاً في هذه الدقة أيضاً. ويمكنك أن تخرج من هذا الرأي الدقيق الذي ألقي من وراء البحار في عقيدة الإخوان المسلمين بعدة نقاط:

فأولاً: عقيدة الإخوان المسلمين مستمدة من نفس المنهج الذي وضعه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو التعبير الفرنسي الذي استطاع الأستاذ الذي لا يتصل بالإسلام إلا بصلة العلم أن يعرب به عن رأيه. أما نحن فنقول نفس المنهج الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، ومعنى هذا أن الأستاذ” أرنست رينان” يرى أن عقيدة الإخوان المسلمين إسلامية بحتة لم تخرج عن الإسلام قيد شعرة ولقد صدق، فما من كلمة واحدة في عقيدة الإخوان المسلمين إلا وأساسها كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله وروح الإسلام الصحيح، وقلب كل فقرة من فقراتها ما شئت فلن ترى فيها إلا حقيقة إسلامية أمر بها الإسلام ونادى بها الدين وندب إليها القرآن الكريم وحض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وموطن العبرة في هذه العقيدة إن الأستاذ” أرنست رينان” استطاع بدقة بحثه وصفاء فكرته أن يصور الإخوان المسلمين أن يفهمهم ويفهم أنهم للإسلام، وللإسلام وحده على بعد الشقة وانقطاع والصلة فيما بيننا وبينه على حين يظن بعض الناس الظنون بالإخوان المسلمين ويتساءلون عن ماهية منهاجهم وكنه مقاصدهم ويتشككون في عقيدتهم و مسالكهم.

يا أبناء أمتنا العزيزة علينا المحببة إلينا، نحن مسلمون وكفي، ومنهاجنا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفي، وعقيدتنا مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وكفي، فإن لم يعجبكم قولنا فخذوا بأقوال الأجانب عنا ومن لا يمتون بصلة إلينا. إننا لا نرى مسوغاً للمتشكك في الإخوان المسلمين بعد وضوح أمرهم ونصاعة عقيدتهم إلا أمرين لا ثالث لهما: إما أن هذا المتشكك لم يدرس الإسلام دراسة صحيحة تمكنه من تشرب روحه وإدراك مراميه ومقاصده فهو يرى في مقاصد الإخوان ما يخرج عن روح الإسلام، لأنه لم يعرف من هذا الروح إلا دائرة ضيقة لا تسمن ولا تغني من جوع. وإما أن يكون هذا المتشكك مريض القلب سيء الظن غير سليم القلب. فهو يطغى ويتجنى ويتلمس للبراء العيب، وكلا الأمرين وبال على صاحبه وهلاك للمتصف به.

ثانياً: هذا المنهج قد استطاع به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون ديناً وأمة ودولة” إي وربي إنه لحق، فهو الإسلام أفضل الأديان وأتمها، وخير الشرائع وأعمها. والدين الذي يشبع نهم الإنسانية الروحي ويوفر لها ما تصبو إليه من راحة الضمير وسعادة النفس، وهو الإسلام أقوى رابطة تربط أواصر الحب في نفس الأمة، وتقوى علائق الوئام بين الشعوب، وتسير بالعالم سيراً حثيثاً في طريق الوحدة العامة التي هي أسمى مطامح المصلحين والحكماء وأساس خير البشرية، وهو الإسلام الذي يقيم الدولة على أصول العدل، ويبني الحكم على قواعد تقرير الحقوق، ويعطي كل ذي حق حقه من طبقات الأمة، لا مغبون ولا مهضوم ولا مظلوم. فما أجل أن يدرك حقيقة الإسلام من لم يتشرفوا بعد بهدايته، وأجل منه أن يذيعوا هذه الآراء في روعة القمر ووضوح الصباح. والعبرة في هذا أن يسمع زعماء الشعوب الشرقية الذين أرادوا أو يريدون أن يتلمسوا لأممهم منهجاً أوفي من الإسلام ليشيدوا عليه النهضة ويكونوا به الدين والأمة والدولة.

ثالثاً: لا نجاح للمسلمين اليوم إلا باتباع نفس السبيل التي سلكها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه، ذلك رأي الفيلسوف” رينان” وهو ما سبقه به ذلك الإمام الإسلامي الكبير الذي قال من قبل” إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها” وقد أيدت ذلك التجارب وأكدته الحوادث، فمنذ فارقت الأمم الشرقية تعاليم الإسلام وحاولت استبدال غيرها بها مما توهمت فيه صلاح أمرها وهي تتخبط في دياجير الحيرة وتقاسي مرارة التجارب الفاشلة، وتؤدي ثمن هذا الانحراف غالياً من كرامتها وأخلاقها وعزتها ومرافقها.

والعجب أنه إلى هذا الحين لم يتنبه كثير من الشعوب الشرقية إلى هذه الحقيقة الناصعة. فصارت تندفع في طريق البعد عن روح الإسلام وتعاليم الإسلام غير متعظة بهذه النكبات التي تتوالى على رأس الشرق كل يوم.

إن عدة الشرق خلق وإيمان، فإذا فقدهما فقد كل شيء، وإذا عاد إليهما عاد إليه كل شيء، واندحرت أمام الخلق المتين وأمام الإيمان واليقين قوة الظالمين، فليجتهد زعماء الشرق في تقوية روحه، وإعادة ما فقد من أخلاقه، فذلك هو السبيل الوحيدة للنهوض الصحيح، ولن يجدوا ذلك إلا إذا عادوا إلى الإسلام واستمسكوا بتعاليم الإسلام “وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم”.

رابعاً: تحقيق هذا المنهج على الحالة التي عليها المسلمون اليوم: يرى الأستاذ “رينان” تحقيق ذلك بعيداً لأنه يعلم الهوة السحيقة التي أوجدتها الحوادث السياسية. والاجتماعية بين المسلمين ودينهم، ويعلم الوسائل الذاتية الفعالة التي استخدمها خصوم الإسلام في إبعاد المسلمين عن الإسلام في العصر الحديث. ويعلم أن المسلمين أنفسهم صاروا الآن حرباً على دينهم يكسرون سيفهم بيدهم ويسلمون المدية لمن يريد أن يذبحهم بها باختيارهم، ويتصدعون بالهدم مع من يهدمون دينهم وهو معقد أنظمتهم وأساس قوتهم.

والإخوان المسلمون يعتقدون هذا ويرونه كما يراه الأستاذ وما تصوروا حين هبوا للعمل أنهم سيسيرون في سبيل هينة لينة، بل علموا ما ينتظرهم من عقبات فأعدوا لذلك أنفسهم وأموالهم وإيمانهم وعقيدتهم، وانتظروا وعد الله تبارك وتعالى: “ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز”.

خامساً: ليس معنى هذا القعود عن العمل”أجل - أجل” فلن تزيدنا العقبات إلا همة ولن تزيدنا المصاعب إلا مضياً في سبيل الجهاد ونحن نقرأ قول الله تعالى: “إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”، فهيا أيها الإخوان المسلمون، فإن النصر مع الصبر، والنجاة مع الثبات والعاقبة للمتقين.

ولكم كان الأستاذ دقيقاً حين رأي أن عقيدة الإخوان المسلمين” عميقة المبحث والمقصد” وحين يرى أنها وإن زيد فيها ما يناسب روح العصر فهي مقيدة بروح الإسلام، وهكذا الإسلام تنتظم روحه العصور أجمع وتشمل الدنيا وما فيها، وهكذا الإخوان المسلمون قد استطاعوا أن يستمدوا من روح الإسلام ما يوافق روح العصر ويصور عقيدتهم للناس كاملة، يبدو فيها الروحان جيعاً، ولكم نتمنى أن يكون فينا من ينظر إلى عقيدتنا تلك النظرة الفاحصة ليخرج بعدها بمثل هذا الحكم السديد.

وأما بعد فإننا نشكر للأستاذ الكبير” أرنست رينان” إنصافه، ونشكر لصديقنا الأستاذ عزت: رقيق خطابه، وجميل تأثره لعقيدتنا الخالصة للإسلام والشرق، ونسأل الله التوفيق والسداد.

مسجد البرلمان:

وقد كان للجماعة في ذلك التاريخ نشاطها مع الهيئات الرسمية كلما وجدت داعياً إلى الكتابة إليها قياماً بواجب التضحية ومن ذلك هذا الخطاب بمناسبة مسجد البرلمان.

إلى حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء وحضرة صاحب المعالي وزير الأشغال العمومية وهذا نصه:

حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فقد كان سرور الأمة جميعاً بتوليتكم أمرها شاملاً، وفرحها - إذ أخذ القوس باريها وعاد الأمر إلى نصابه في أشخاصكم الكريمة - عظيماً ولا شك أن عهدكم الزاهر هو عهد الإصلاح الكامل، والخير الشامل إن شاء الله تعالى: وقد ظهرت بوادر هذا الإصلاح جلية واضحة في أروع صورة وأبهج مظهر فيما قامت به الوزارة منذ تولت الحكم إلى الآن من جلائل الأعمال وما تحقق على يدها من صادق الآمال على قصر المدة وكثرة المشغلة.

ويؤلمنا يا صاحب الدولة أن نرى إلى جانب ذلك الجهاد الموفق قرار وزارة الأشغال الذي نثسرته جريدة السياسة وهو” انصراف النية عن بناء مسجد البرلمان” الذي كان قد تقرر إنشاؤه.

إن دار البرلمان هي مظهر كرامة الأمة ورمز آمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها، وإن المسجد في البرلمان أمر لا بد منه، فحضرات النواب إلا عدداً قليلاً مسلمون، ودين الدولة الرسمي الإسلام. والاجتماعات تعقد في المجلس في أوقات تتخللها، أو تتقدمها أو تليها أوقات صلاة، فالمسجد في البرلمان مظهر من مظاهر عناية الحكومة بتحقيق دستورها، وعناية الأمة بشعائر دينها، ومعين لحضرات النواب على أداء واجبهم الإلهي إلى جانب واجبهم الوطني وما أوثق ارتباط كل منهما بالآخر..

إن حرصنا على أن يكون عهدكم الزاهر ناصع البياض مشرق الصفحات لا يبدو على وجهه كلف، ولا يحجب جماله حجاب - دعا إلى أن نتقدم إليكم ملحين في الرجاء أن تؤيدوا وزارة الأشغال في قرارها السابق بإنشاء مسجد البرلمان وتتعجلوا إنفاذه، حتى نرى المسجد في القريب مستقر الرحمة في مهبط الحكمة إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن جمعية الإخوان المسلمين

المرشد العام - حسن البنا

وقد أجاب عليه سكرتير الأشغال بما نشرته مجلة الإخوان تحت هذا العنوان:

شكر واجب:

على أثر الخطاب الذي وجهته جمعية الإخوان المسلمين إلى حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء وحضرة صاحب المعالي وزير الأشغال العمومية ورد على إدارة الجمعية من وزارة الأشغال الخطاب الآتي:

حضرة المحترم رئيس جمعية الإخوان المسلمين:

حارة المعمار رقم 6، عطفة عبد الله بك بشارع سوق السلاح بمصر.

إيماء إلى كتاب حضرتكم بتاريخ 17 / 11 / 1934 بخصوص بناء جامع البرلمان أتشرف بالإفادة أن الوزارة قد قررت بناء المسجد المذكور وأعطت المقاولة إلى حضرة عبد الحميد محمد عبد الله المقاول بتاريخ 30 / 11 / 1934. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

إمضاء: السكرتير العام

عبد الحميد إبراهيم


وقد علقت عليه بعد ذلك بهذه الكلمة:

الجمعية بكامل هيئاتها لا يسعها إلا أن تتقدم بأجزل الشكر لمعالي وزير الأشغال على هذه الهمة المشكورة وفق الله الجميع إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

كاتم سر الجمعية

محمد أسعد الحكيم


تأجيل مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين - الدورة الثالثة

مقدمة

وكان من المعتاد أن ينعقد مجلس الشورى العام للإخوان في أيام عيد الفطر المبارك ولكن لظروف طارئة رأي مكتب الإرشاد تأجيل انعقاده لوقت آخر ونشرت” جريدة الإخوان” هذا التأجيل بهذه الكلمة:

كان من المقرر أن يعقد مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين جلسته الثالثة في اليوم الثاني لعيد الفطر المبارك سنة 1353 هـ وقد وجهت الدعوة لحضرات الإخوان بالبحر الصغير ومن حضرات الإخوان بالإسماعيلية إلى المكتب رجاء أن يدعو حضرات الأعضاء إلى الاجتماع بالإسماعيلية أو بإحدى دوائر البحر الصغير كما كان الإخوان في القاهرة على استعداد لعقده بها كذلك.

ولظروف خاصة رأي مكتب الإرشاد العام تأجيل الانعقاد إلى فرصة أخرى يخطر بها حضرات الأعضاء فيما بعد. وسيعقد المجلس جلسات تمهيدية للبحث في شئون الجماعة العامة في أثناء عطلة عيد الفطر بداره بالقاهرة في الساعة الثامنة إلى الحادية عشرة مساء من مساء اليوم الثاني والثالث والرابع من عيد الفطر يحضرها كل من يزور القاهرة من الإخوان والله نسأل أن يلهم الجمعية ما فيه خير الإسلام و المسلمين.

وهذا هو نص دعوة إخوان الإسماعيلية نزولاً على إرادتهم مشفوعة بشكر المكتب وجميل تقديره لعواطفهم.

كاتم السر

محمد أسعد الحكيم

دعوة إلى اجتماع مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين بالإسماعيلية

ولما حل موعد انعقاد مجلس الشورى العام في دورته الثالثة وجه الإخوان بالإسماعيلية هذا الخطاب للمرشد العام:

حضرة صاحب الفضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ حسن البنا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

لنا عظيم الشرف بأن نوجه الدعوة هذا العام لاجتماع الإخوان المسلمين في الإسماعيلية، حيث إن الإسماعيلية هي منبع الدعوة وأساس الفكرة السامية وأول غرس أينع وأثمر وتقع في مكان يتوسط فروع الجمعية وبذلك يكون اجتماعاً عاماً نتعارف فيه بإخواننا الذين لم نتمتع برؤيتهم إلى الآن والذين نحن في شغف كبير إليهم.

والإخوان هنا ينتظرون بلهف شديد تحقيق هذه الأمنية وهم على أتم الاستعداد لملاقاة إخوانهم وتمهيد سبيل الراحة التامة طوال مدة زيارتهم. فيا حبذا لو أقررتم هذه الدعوة ووجهتموها إلى حضرات إخواننا الكرام فننال بذلك فخراً كبيراً وشرفاً عظيماً ونحن في الانتظار.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سكرتير الجمعية

عبد الرحمن محمد حسب الله

وقد حدث بعد ذلك ما دعا إلى انتقال إدارة الجريدة والمطبعة إلى دار أخرى فكتبت مجلة الإخوان إخطاراً بذلك بهذا العنوان:

من الإدارة:

ا - انتقل عنوان الجريدة من الإدارة القديمة إلى حارة نافع رقم 30 بعطفة عبد الله بك بالسروجية بالقاهرة فالمرجو أن تكون المكاتبات جميعها بهذا العنوان.

2 - انتقلت مطبعة الإخوان من مقرها القديم إلى عطفة الرسام رقم 7 بالغورية بجوار مسجد الفكهاني بالقاهرة.

3 - كان هذا الانتقال للمطبعة والجريدة سبباً في احتجاب الجريدة هذه المدة فنعتذر إلى حضرات القراء ونسأل الله أن يعيننا على ما نحن بصدده حتى تسلك الجريدة سبيلها في خدمة الغرض الأسمى الذي وقفت نفسها على تحقيقه وسوف لا يؤثر هذا الاحتجاب في حساب حضرات المشتركين الذي تحتسب الإدارة اشتراكهم بالأعداد لا بالشهور.

4 - ترجو الإدارة حضرات متعهدي التوزيع موافاتها بالمبالغ المتأخرة على حضراتهم فهم أعلم الناس بالظروف التي تدعو إلى الإسراع في ذلك ولهم من غيرتهم ما يريحنا من عناء الإلحاح والمطالبة ولا سيما حضرات المتعهدين في الخارج الذين نحرص كل الحرص على حب الصلة بهم ودوام المودة لهم ولا نحب أن نلجأ معهم إلى غير الوسائل التي عليها الأخوة الإسلامية من التذكير لهم والأمل منهم.

5 - ترجو الإدارة حضرات متعهدي التوزيع موافاتها بالمطلوب لهم قبل يوم الاثنين من كل أسبوع حتى تتمكن من موافاتهم فيما يطلبون كما ترجو موافاتها مع هذا ببيان بقية العدد القديم قبل أن يرسل الجديد.

6 - لا نعتمد طلبات حضرات متعهدي التوزيع ما لم تكن مصحوبة بتأمين يبلغ قيمة الأعداد المطلوبة الأسبوعية على الأقل وتقبل الإدارة مرتجعا من الأعداد المطلوبة.

7 - لا يزال قلم التحرير يذكر حضرات الكتاب الكرام بمراعاة الاختصار وتخريج الأحاديث ووضوح الخط والكتابة على وجه واحد من الصحيفة وإرسال الكتابات مبكرة والله ولي التوفيق.


مجلس الشورى للإخوان المسلمين في انعقاده الثالث بالقاهرة وهو المؤتمر الثالث للإخوان

وقد رأي” مكتب الإرشاد” أن يكون انعقاد مجلس الشورى في عطلة عيد الأضحى بالقاهرة، ووجه الدعوة إلى الإخوان، وكان مؤتمرا حافلاً وضعت فيه عدة قواعد ولوائح وألقى فيه المرشد العام كلمة الافتتاح:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. لقد جاءت رسل ربنا بالحق وصلى الله على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والهادي إلى صراطه المستقيم، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونتوب إليك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثني عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفذ نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق” ربنا آتنا من لدنه ك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا”.

أيها الإخوان الكرام: إنها لنعمة كبرى وسعادة تسمو على الوصف والتعبير أن يجتمع إخوان متحابون في الله تبارك وتعالى من بلدان مختلفة وأماكن متباعدة في صعيد واحد لا يجمعهم رحم واشجة، ولا تضمهم قرابة واصلة ولا يؤلف بينهم نسب وصهر ولا توحد صفوفهم مصلحة مادية أو غاية دنيوية إنما هو الحب في الله، والاجتماع عليه والعمل له والاستجابة لدعوته. فاستبشروا أيها الإخوان فإني أرجو أن نكون إن شاء الله تعالى ممن يستجيبون لنداء الله يوم يدعو داعيه” أين المتحابون في أين المتزاورون في. أين المتجالسون في اليوم أظلهم بجلالي يوم لا ظل إلا ظلي”.

لقد أجبتم الدعوة وسارعتم في التلبية واجتمعتم هذا الاجتماع الرائع على حين نرى أن الدعوات تذهب هباء والاجتماعات تكرر مراراً ثم لا يجدي ذلك شيئا لفرقة القلوب واختلاف الأهواء. قد أثبتم بذلك وحدة قلوبكم وائتلاف أرواحكم ومتانة رابطتكم حرسها الله وجعلها خالصة لوجهه خالدة في سبيله. وقد فكرت أن أشكركم فذكرت أن الدعوة من الله وله وما أنا فيها إلا جندي مثلكم دعيت فأجبت فوكلت شكركم وحسن مثوبتكم إلى الله الذي نزل الكتاب بالحق وهو يتولى الصالحين.

أيها الإخوان الكرام: الغاية من اجتماعنا هذا التفكير في الوسائل العملية الناجعة التي يجب أن يقوم بها رجال فكرة الإخوان المسلمين للوصول إلى غايتهم القدسية النبيلة وإني لقوي الأمل بأن يكون لهذا الاجتماع أثره المحمود إن شاء الله تعالى في تحقيق هذه الغاية وهو يضم خيرة المخلصين المفكرين من رجال جمعية الإخوان المسلمين.

فاعلموا أيها الأحباب أن اجتماعكم هذا أمر له ما بعده وهو أساس عظيم في بناء دعوتنا فأحب أن تكون مناقشاتنا على هذه الأصول

أولا: نخلص ضمائرنا لله ونستلهم الله الرشد بقلوب صادقة التوجه فإن الأمر كله لله وما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.

ثانيا: أن نذكر أصول المناقشة في الاستئذان والهدوء والإيجاز وترك الحرية للقائل حتى يفي موضوعه فلا يقاطع، وترك الجدل في الجزئيات ليقرر كل رأيه ويدلل عليه بما يرى من الأدلة وفي ذلك ما يكفيه عند هدم رأي أخيه.

ثالثا: طول التفكير والأناة ووزن الأقوال وزنا دقيقا والصراحة التامة في إبداء الرأي فإننا جميعا نتلمس الخير ونسأل الله أن يوفقنا إليه والله حسبنا ونعم الوكيل.

واعلموا أيها الإخوان أن الإسلام والوطن الإسلامي العام يدعوكم لإنقاذه أنتم يا من اشتغلتم بوسائل هذا الإنقاذ العالمية منذ سبع سنوات دائبة كل يوم كان الناس جميعاً لا يؤمنون بخطتكم وها هم أولاء اليوم يعودون إليها تباعاً جملة بعد جملة، ويجزمون بأنها هي السبيل الوحيد لإنقاذ الأمة.

أيها الإخوان الكرام... الساعة تستدعي فيكم مجهودا وعملا وسأعمل إن شاء الله تعالى وقد وطدت العزم على العمل والتضحية في سبيله فمن شاء أن يكون منكم معي -وليتحمل في هذه السبيل ما يتحمل - فليتقدم. ومن علم من نفسه الضعف عن تحمل التضحيات في سبيل الواجب فليتأخر حتى نعلم كم نحن فنحدد جهودنا بقدرنا” ولله الأمر من قبل ومن بعد” ولا يتوسط أحد في الإجابة فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها”وقل اعملوا فسيرى الهب عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون”.

الجلسة الأولى

يوم السبت 11 من ذي الحجة سنة 1353 هـ من الساعة 9 إلى 11 مساء

جدول الأعمال:

قرآن كريم:

ا - الافتتاح فضيلة الأستاذ المرشد العام.

3- الاستقبال فضيلة وكيل المكتب الأستاذ الشيخ حامد عسكرية.

3 - مكتب الإرشاد في عام: سكرتير المكتب محمد أسعد راجح افندي.

4 - قصيدة شاعر الإخوان المسلمين: الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوي.

5 - مطبعة الإخوان المسلمين: سكرتير المكتب عمر غانم أفندي.

6 - جريدة الإخوان المسلمين: سكرتير المكتب محمد أسعد الحكيم أفندي.

7 - الدعوة العامة وصندوق التعاون: أمين صندوق المكتب محمد حلمي نور الدين أفندي.

الجلسة الثانية

يوم الأحد 12 منه من الساعة 9 إلى الساعة 12 صباحاً

ا - منهاج الأعمال: الإخوان المسلمون وغايتهم الإصلاحية: عضو المجلس الأستاذ [[محمد الهادي عطية]].

2 - موقف الإخوان المسلمين والتيارات العامة: نائب قسم ثالث حسين بدر أفندي.

3 - موقف الإخوان المسلمين والحركالت الفكرية الإسلامية: نائب الإسماعيلية الأستاذ محمد فرغلي وفا.

4 - إلى أي مدى وصل الإخوان المسلمون وماذا يعوزهم: نائب المحمودية ومراقب المجلس، أحمد افندي السكري.

5 - التكوين العملي للإخوان المسلمين: مراقب المجلس عبد الرحمن أفندي الساعاقي.

الجلسة الثالثة

يوم الأحد 12 منه من المساعة 9 إلى الساعة 11 مساء

ا - التكوين الإدارى للإخوان المسلمين: عضو المجلس محمود افندي عبد اللطيف.

2 - مظاهر الدعوة: محمد افندي الشافعي بالقاهرة.

3 - فرقة الرحلات: محمد مختار إسماعيل افندي نائب زين العابدين.

4 - المؤتمرات والمناطق ومشروع الزكاة: محمد افندي السيد الشافعي سكرتير المجلس.

5 - دار الإخوان المسلمين بالقاهرة: محمد افندي فتح الله درويش.

الجلسة الرابعة

يوم الإثنين 13 منه من الساعة 9 إلى 12 صباحا

الأعمال:

1 - عرض اللوائح الجديدة.

2 - كلمة الختام لفضيلة الأستاذ المرشد العام.

3 - قرآن كريم: محمد أسعد الحكيم.

ا لحاضرون عن مكتب الارشاد:

ا - فضيلة الأستاذ المرشد العام.

2 - الأستاذ الشيخ حامد عسكرية.

3 - حضرة عبد الرحمن افندي الساعاتي.

4 - حضرة حلمي افندي نور الدين.

5 - حسين أفندي بدر.

6 - محمد افندي أسعد راجح.

7 - محمود افندي عبد اللطيف.

8 - حضرة عمر افندي غانم.

9 - عمر محمد افندي فتح الله درويمق.

10 - حضرة الأستاذ الشيخ أحمد حسن الباقوري.

11 - محمد افندي الشهاوي.

القاهرة:

12 - الأستاذ جاد افندي لاشين.

13 - فضيلة الأستاذ الشيخ عبد اللطيف دراز.

14 - عبد القادر بك مختار.

15 - محمد بك ذهني.

16 - فضيلة الأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري.

17 - الأستاذ الشيخ محمد حرب.

18 - الشيخ محمد البنا.

19 - زكي افندي حسنين.

20 - محمد افندي عبد الحميد.

21 - محمد افندي سعيد مراد.

22 - محمد افندي صالح مبارك.

23 - محمد افندي داود شاهين.

24 - علي افندي إبراهيم محمد.

25 - الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي.

26 - أحمد افندي شرف الدين.

27 - عبد الغفار افندي رزق.

28 - [[عبد المحسن حسنين|عبد المحسن افندي حسنين]].

29 - أحمد افندي جلال.

30 - الحاج أحمد افندي نجا.

31 - محمد افندي الشافعي.

32- عبد الحميد افندي عبد الله.

33 - رياض افندي إبراهيم.

34 - محمد افندي مختار إسماعيل.

35 - حسن افندي حسني.

36- علي افندي حنفي.

37 - مصطفي افندي طوفان.

38 - الشيخ محمد عمار.

39- محمد افندي عبد المنعم نور.

40 - الشيخ عبد السميع جريتة.

41 - يوسف افندي طوفان.

42 - محمد افندي عزت.

43 - محمد افندي صادق عرنوس.

44 - سيد افندي سعد.

45 - عبد الوهاب افندي السيد.

46 - محمد افندي علي الحفراوي.

47 - الأستاذ حامد المليجي افندي.

48 - عبد الله افندي المسلمي.

49 - محمد افندي عبد المنعم سلام.

50 - الأستاذ الشيخ محمد العرجاوي.

51 - عبد المنعم افندي الدغيدي.

52 - الأستاذ الشيخ ثابت أبو المعالي.

53 - الشيخ محمد نايل.

السويس:

54 - الأستاذ الشيخ محمد الهادي عطية.

55 - محمد الطاهر منير افندي.

56 - محمد حسن السيد افندي.

57 - حسين افندي حسني.

58 - محمود افندي فرج الله.

الإسماعيلية:

59 - الشيخ محمد فرغلي وفا.

60 - الشيخ محمد علي المصري.

61- الصوى افندي أحمد.

62 - عبد الرحمن حسب الله.

63 - محمد افندي حسب الله.

64 - محمد افندي شاكر الغرباوي.

65 - محمد افندي التيراني.

66 - فؤاد افندي إبراهيم خليل.

67 - يوسف افندي عبد الرحمن.

الإسماعيلية عن فرق الرحلات:

68 - علي افندي عبد الله حمادة.

69 - حسنين افندي محمد حسب الله.

70 - سيد افندي إسماعيل.

71 - أحمد افندي أبو السعود.

72 - عبد الرحمن افندي محسن.

البلاح:

73 - جمال حسين.

بور سعيد:

74 - الأستاذ الشيخ محمود جمعة حلبة.

75 - أحمد افندي المصري.

76 - محمد افندي أحمد سليمان.

بور فؤاد:

77- فهمي افندي محمد.

المنزلة:

78 - الشيخ خطاب محمد خطاب.

برمبال القديمة:

79 - الشيخ محمد الدسوقي عبد المتعال.

80 - محمد افندي السيد الشافعي.

81 - محمد افندي جاد علي.

82 - عبد الفتاح افندي عبد الغني.

الكفر الجديد:

83 - محمد افندي الهواري.

84 - الشيخ حافظ محمد الجعلي.

بركة الفيل:

85- الشيخ محمد علي صالح خميس.

المرج:

86 - محمد افندي توفيق.

87 - خميس افندي عامر.

88-الشيخ محمد السيد علي مطر.

نوى:

89 - الأستاذ عمر عبد الفتاح التلمساني.

90 - الشيخ أحمد عبد الحكيم.

شبين القناطر:

91 - الأستاذ الشيخ يوسف الخولي.

92 - الأستاذ الشيخ محمد العسيلي.

93 - محمد افندي عزت حسن.

94 - الأستاذ الشيخ محمد العربي.

95 - الحاج متولي سعد.

96 - الحاج عبد المتعال مدبولي.

منية شبين:

97 - الحاج سالم الديبس.

98 - الشيخ عباس سالم خشب.


الخصوص:

99 - الشيخ أحمد علي عبد الرحمن.

تل بني تميم

100 -الشيخ سيد محمد.

101 - الشيخ محمد عبد المتعال زهرة.

102 - الشيخ عبد العزيز محمد سويلم.

103 - الشيخ زكي عطية دياب.

العلوية شرقية:

104 - الشيخ مبارك غنيم عبده.

أبوحماد:

105 - الشيخ محمد العسلوجي.

106 - الشيخ محمد عطية إبراهيم.

107 -الشيخ خليل محمد.

القطاوية شرقية:

108 - الشيخ محمد أحمد منصور.

محلة دياي غربية:

109 -الشيخ محمد بشر.

كفر الدوار:

110 - الأستاذ أحمد عبد الحميد.

ا لواسطى:

111 - عبد الرحمن افندي رضا.

ملوى:

112: علي افندي شعبان

المعتذرون بالبرق والخطابات مع تأييد قرارات المجلس

ا - الأستاذ الشيخ عفيفي عطوة - نائب السويس.

2 - الأستاذ الشيخ طه الهواري - نقيب الكفر الجديد.

4- الشيخ عبد الله سليم بدوي - نائب أبو صوير.

4- أحمد افندي السكري - نائب المحمودية.

5 - الشيخ محمد بغدادي - نقيب العلوية.

6 - محمد افندي قاسم صقر - سكرتير المنزلة.

7 - محفد افندي خليفة - مندوب النسايمة.

8 - علي افندي أبو زيد تهامي - مندوب أسوان.

9 - السيد افندي أسعد عطية - أبو حماد.

10 - الشيخ محمد سعيد الملط - القطاوية.

11 - محمد افندي هريدي - بور سعيد.

12 - حسن افندي فرج - نائب بور فؤاد.

13 - عبد الرحمن افندي جبر - بالمنزلة.

14 - الشيخ مصطفي الرفاعي اللبّان - مندوب أسيوط.

15 - الشيخ عبد الباسط طويلة - سكرتير جديدة المنزلة.

16 - محمد افندي كامل عجيز - نائب ميت القمص.

17 - الأميرالاي عبد الفتاح بك رفعت - ميت القمص.

18 - الشيخ علي المسارع - الجمالية دقهلية.

19 - محمد افندي المهدي الأشموني - الجمالية دقهلية.

20 - محمد أفندي الكيلاني - ملوى.

21 - الأستاذ محمد افندي بهي الدين سعد - أسيوط.

22 - الأستاذ الشيخ رضوان محمد رضوان - القاهرة.

23 - الأستاذ محمد افندي السباعي - كوم أشفين.

24 - الشيخ أحمد محمد المدني - ميت مرجا سلسيل.

25 - الشيخ عبد المحمودي عثمان - ميت مرجا سلسيل.

26 - مصطفى عبد الفتاح افندي - القاهرة.

القرارات

أولا: مكتب الإرشاد العام

1 - إعفاء حضرات الإخوان الأفندية [[أحمد إبراهيم، و[[عبد المنعم خلاف.

2- اعتماد حضرة عبد الرحمن افندي الساعاتي مراقبا للمكتب، وحضرة حسين أفندي بدر لعضويته.

3 - اعتماد تقسيم الأعمال على حضرات أعضاء المكتب بحسب ما يأتي:

أ - حضرة عبد الرحمن افندي الساعاتي: المراقبة العامة للدعوة بالقاهرة والإشراف على التحرير.

ب - حضرة محمد افندي حلمي نور الدين: المساعد في المراقبة العامة - أمانة صندوق المكتب - صندوق الدعوة.

ج - حضرة محمد افندي فتح الله درويش: المراقبة المالية للمكتب.

د - حضرة محمد أفندي أسعد الحكيم: السكرتارية العامة وإدارة الجريدة.

هـ - محمد أسعد راجح افندي: نيابة قسم أول بالأصالة وقسم ثاني بالإنتداب.

و - حضرة حسين أفندي بدر: نيابة قسم ثالث بالأصالة وقسم رابع بالانتداب.

ز - محمود افندي عبد اللطيف: إدارة المطبعة.

ح - عبد الرحمن افندي الساعاتي” انتداب”.

ثانيا: مطبعة الإخوان المسلمين

1 - حث الإخوان على موالاة الاكتتاب في تغطية حصص الشركة وعلى معاملة المطبعة.

2 - إحالة الميزانية التي قدمها مدير المطبعة إلى لجنة خاصة بمكتب الإرشاد يختارها فضيلة الأستاذ المرشد العام لفحصها وإقرارها.

3 - الموافقة على صورة شهادات الحصص التي أقرها المكتب.

ثالثاً: جريدة الإخوان المسلمين

1- تأليف لجنة تسمى لجنة الجريدة بالمكتب يختارها فضيلة الاستاذ المرشد العام، تكون مهمتها النظر في التحرير والاشراف العام على الادارة والتوزيع ونحوهما.

2 - أن تتعهد كل دائرة من دوائر الإخوان بأخذ عدد من الجريدة تدفع قيمته من صندوقها، وتتولى هي توزيعه بمعرفتها متى كانت تستطيع ذلك، حتى تكون بذلك قد ساهمت بقسط عملي مع المكتب في إنهاض الجريدة.

3 - تنشيط حركات الاشتراكات في دوائر الإخوان بمناسبة السنة الجديدة.

4 - شكر دائرة السويس على ما تبذله من همة بمساعدة المكتب عملياً في نشر الجريدة.

رابعاً: الدعوة العامة

1 - إنشاء صندوق مستقل عن صندوق مكتب الإرشاد العام يسمى” صندوق الدعوة” تجمع اشتراكاته لغاية واحدة هي الإنفاق على نشر دعوة الإخوان بتعيين الوعاظ والموظفين الذين ينهضون بعبء ذلك، ونشر الرسائل والمطبوعات التي تعينهم في هذه المهمة.

2 - المبلغ الذي جمع سابقاً باسم صندوق التعاون يحول إلى هذا الصندوق، إلا إذا تنازل دافعوه أو بعضهم عما يستحقون منه لمكتب الإرشاد فيحول إلى صندوقه.

3 - عمل لائحة خاصة لهذا المشروع وطبع الإيصالات والبيانات اللازمة لإنفاذه في مدة لا تتجاوز شهراً من تاريخه، وقد ترك تنفيذ ذلك لمكتب الإر شا د.

4 - الموافقة على اقتراح فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد عبد الحميد لتعميم الدعوة في الخارج بمختلف الوسائل على أن يكون ذلك من صندوق الدعوة، وقد تبرع المفضال محمد افندي الطاهر منير بمبلغ عشرة جنيهات، والأستاذ يوسف الخولي بجنيه لصندوق الدعوة، والأستاذ جاد افندي لاشين بجنيه لهذا الغرض.

خامساً: منهاج الإخوان المسلمين

ا - اعتبار عقيدة الإخوان رمزاً لهذا المنهاج.

2- على كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهاج كله من الإسلام وأن كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة.

3- على كل أخ مسلم أن يعمل على نشر هذه المبادىء في جميع البيئات،وأن يتحمس لها تحمسا تاماً، وأن يطبقها في منزله مهما احتمل في سبيل ذلك من المكاره.

4- كل أخ لا يلتزم هذه المبادىء لنائب الدائرة أن يتخذ معه العقوبة التي تتناسب مع مخالفته وتعيده إلى التزام حدود المنهاج. وعلى حضرات النواب أن يهتموا بذلك فإن الغاية هي تربية الإخوان قبل كل شيء.

سادسا: موقف الإخوان المسلمين من غيرهم

1 - على الأخ المسلم أن يتعرف غايته تماماً وأن يجعلها المقياس الوحيد فيما بينه وبين الهيئات الأخرى.

2 - كل منهاج لا يؤيد الإسلام ولا يرتكز على أصوله العامة لا يؤدي إلى نجاح.

3 - كل هيئة تحقق بعملها ناحية من نواحي منهاج الإخوان المسلمين يؤيدها الأخ المسلم في هذه الناحية.

4 - يجب على الإخوان المسلمين إذا أيدوا هيئة ما من الهيئات أن يستوثقوا أنها لاتتنكر لغايتهم في وقت من الأوقات.

5 - الهيئات النافعة توجه إلى الغاية بتقويتها لا بإضعافها.

6 - يرحب الإخوان بكل فكرة ترمي إلى توحيد جهود المسلمين في سائر بقاع الأرض، وتأييد فكرة الجامعة الإسلامية كأثر من آثار اليقظة الشرقية.

7 - الإخوان المسلمون يخلصون لكل الهيئات الإسلامية ويحاولون التقريب بينها بكل الوسائط، ويعتقدون أن الحب بين المسلمين هو أصلح أساس لإيقاظهم، وهم يناوئون كل هيئة تشوه معنى الإسلام مثل البهائية والقاديانية.

سابعا: التكوين العملي للإخوان المسلمين

1 - على المكاتب والهيئات الرئيسية لدوائر الإخوان المسلمين أن تعنى بتربية الإخوان تربية نفسية صالحة تتفق مع مبادئهم وتميز هذه المبادىء في نفوسهم. وتحقيقا لهذه الغاية.

يكون الانضمام للإخوان على ثلاث درجات:

أ - الانضمام العام وهو من حق كل مسلم توافق على قبوله إدارة الدائرة ويعلن استعداده للصلاح ويوقع استمارة التعارف ويتعهد بتسديد الاشتراك المالي الذي يتطوع به للجماعة. وللنائب حق إعفاء من يرى عذرا بالنسبة له من بعض الأعضاء، ويسمى الأخ في هذه الدرجة أخاً مساعداً.

ب - الانضمام الأخوي وهو من حق كل مسلم توافق على قبوله إدارة الدائرة السابقة. وواجباته - فضلاً عن الواجبات السابقة -” حفظ العقيدة” والتعهد بالتزام الطاعات والكف عن المحرمات وحضور الاجتماعات الأسبوعية والسنوية وغيرها متى دعي إليها، ويسمى الأخ في هذه المرتبة أخاً منتسباً.

ج- الانضمام العملي وهو من حق كل مسلم توافق إدارة الدائرة على قبوله. وتكون واجبات الأخ فيه - فضلاً عن الواجبات السابقة - إحضار صورته الشخصية وإعطاء البيانات الكافية التي تطلب منه عن شخصه ودراسة شرح عقيدة الإخوان المسلمين والتعهد بالورد القرآني وحضور مجالس القرآن الأسبوعية ومجالس الدائرة، والاشتراك في صندوق الحج والاشتراك في لجنة الزكاة متى كان مالكاً للنصاب والانضمام إلى فرقة الرحلات ما دامت سنه تسمح بذلك والتزام التحدث باللغة العربية الفصحى بقدر المستطاع وإلزام المنزل مبادىء الإخوان المسلمين والعمل على تثقيف نفسه في الشئون الاجتماعية العامة والاجتهاد في حفظ أربعين حديثاً نبوياً وقبول مناصفات الإخوان التأديبية، ويسمى الأخ في هذه الدرجة من درجات الانضمام أخاً عاملاً.

د - وهناك درجة رابعة بين درجات الانضمام. وهي درجة الانضمام الجهادي وهي ليست عامة بل هي من حق الأخ العامل الذي يثبت لمكتب الإرشاد محافظته على واجباته السابقة. وفحصها من حق المكتب. وواجبات الأخ في هذه المرتبة - فضلاً عما سبق - تحري السنة المطهرة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً في الأقوال والأفعال والأحوال، ومن ذلك قيام الليل وأداء الجماعة إلا لعذر قاهر. والزهادة والعزوف عن مظاهر المتع االفانية والبعد عن كل ما هو غير إسلامي في العبادات وفي المعاملات وفي شأنه كله والاشتراك المالي في مكتب الإرشاد وصندوق الدعوة والوصية بجزء من تركته لجماعة الإخوان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما دام أهلاً لذلك وتلبية دعوة المكتب متى وجهت إليه في أي وقت وفي أي مكان، وحمل المصحف ليذكره بواجبه نحو القرآن الكريم والاستعداد لقضاء مدة التربية الخاصة بمكتب الإرشاد، ويسمى الأخ في هذه المرتبة مجاهداً.

2 - لمكتب الإرشاد الحق في منح ألقاب شرفية منها نقيب ونائب في كل من درجتي الانضمام الثالثة والرابعة.

3 - وتنفيذا لهذا التكوين يقوم المكتب بالأعمال الآتية:

أ - طبع استمارات الانضمام في درجاته المختلفة.

ب - طبع خطابات الاعتماد للدوائر والنقباء والنواب.

ج - طبع العقيدة ملحقة بالأدعية المأثورة.

د - طبع العقيدة مشروحة شرحاً سهلاً.

هـ - طبع رسالة الطاعات وفضائلها والمعاصي وآثارها.

و - رسالة في شرح أربعين حديثاً مختاراً.

ز - وضع لائحة الحج ولائحة الزكاة ولائحة فرق الرحلات ولائحة المناصفات وبيان نظام المجالس القرآنية ونظام التربية بمكتب الإرشاد.

4 - على حضرات النواب أن يوافوا المكتب في مدة لا تتجاوز المحرم سنة 1354 هـ بكشوف مفصلة عن الإخوان في دوائرهم بحسب هذا النظام الجديد مع إرفاق الكشوف باستمارات الانضمام وصور الإخوان العاملين التي لم ترد للمكتب من قبل وعلى حضرات النواب كذلك أن يدققوا تدقيقاً تاماً في مراقبة الإخوان وإلزامهم واجباتهم في درجات عضويتهم واتخاذ إجراءات حاسمة مع كل عضو يتهاون في واجباته.

5 - ينتدب المكتب من أعضائه مندوباً يشرف على تنفيذ هذا النظام في دوائر الإخوان.

ثامناً: التكوين الإداري للإخوان المسلمين

1 -غاية الإخوان المسلمين غاية روحية عملية قبل أن تكون إدارية مظهرية، فعلى الإخوان أن يلاحظوا ذلك تماماً وأن يعتقدوا أن هذه النظم الإدارية ليست إلا وسيلة من وسائل النظام فحسب.

2 - الهيئات الإدارية للإخوان المسلمين هي:

أ - فضيلة الأستاذ المرشد العام.

ب - مكتب الإرشاد العام.

ج - مجلس الشورى العام الذي يكون من نواب المناطق.

د - نواب المناطق والأقسام.

هـ - نواب الفروع.

و - مجالس الشورى المركزية.

ز - مؤتمرات المناطق.

ح - مندوبو المكتب.

ط - فرق الرحلات.

ي - فرق الأخوات.

وقد ترك المجتمعون لفضيلة المرشد العام تحديد مهمة كل هيئة من هذه الهيئات ووضع البيان الذي يوضح ذلك التحديد.

تاسعاً: مظاهر الدعوة

1- يكون لدعوة الإخوان من المظاهر الروحية في الاجتماعات والعادات الإسلامية والعبارات المأثورة، ومن المظاهر العملية التي لا يأباها الدين من الشارات ونحوها ما يميزها عن غيرها.

2 - على مكتب الإرشاد أن يضع النظام الذي يحقق هذه الغاية.

عاشراً: فرق الرحلات

ا - وافق المجتمعون على مشروع فرق الرحلات وأقروا اللائحة التي وضعها المكتب وقامت بتعديلها اللجنة المؤلفة من:

الأستاذ الشيخ أحمد عبد الحميد رئيساً، وحسين أفندي حسن سكرتيراً، ومحمد افندي مختار إسماعيل وطاهر أفندي هواري وحسين أفندي السيد والشيخ محمد العسيلي ومحمد أفندي حسني السيد أعضاء.

الحادي عشر: المؤتمرات والمناطق ومشروع الزكاة والحج

- تقسيم دوائر الإخوان الحالية وما يستجد إلى مناطق على النحو الآتي:

أ - منطقة القنال.

ب - منطقة الشرقية.

ج- منطقة الدقهلية التي يمثلها الآن البحر الصغير.

د - منطقة الغربية.

هـ - منطقة البحيرة.

و - منطقة المنوفية.

ز - منطقة القليوبية.

ح - منطقة الإسكندرية.

ط - منطقة القاهرة.

ي - منطقة الصعيد الأدنى” مناطق: الجيزة. الفيوم: بني سويف”.

ك - منطقة الصعيد الأوسط”المنيا وأسيوط”.

ل - منطقة الصعيد الأعلى”جرجا وقنا وأسوان”.

2 - على الدوائر في كل منطقة من هذه المناطق أن يجتمع رؤساؤها بمركز إحداها تباعاً اجتماعات دورية في مدد مختلفة تتناسب مع ظروفها بحيث لا تزيد الفترة بين الاجتماعين على ثلاثة أشهر.

3 - لمكتب الإرشاد أن ينتدب لكل منطقة من هذه المناطق نائبا يكون صلة بين نائب القسم وبين هذه المنطقة عند اللزوم.

4 - وافق المجتمعون على لائحة الزكاة التي وضعها المكتب وقامت بتعديلها لجنة مؤلفة من فضيلة الأستاذ الشيخ حامد عسكرية رئيساً، وحضرة محمد افندي السيد الشافعي سكرتيرا، والأستاذ الشيخ محمد خطاب والأستاذ الشيخ أحمد عبد الكريم والأستاذ الشيخ يوسف الخولي والأستاذ عمر عبد الفتاح التلمساني ومحمد افندي عزت حسن أعضاء.

5 - الموافقة على لائحة الحج التي وضعها المكتب وقامت بتعديلها لجنة مؤلفة من فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الهادي عطية رئيساً.، وحضرة عبد الرحمن افندي رضا سكرتيرا، وفضيلة الأستاذ الشيخ محمد العربي والشيخ سيد محمد مطر والشيخ مبارك غنيم والشيخ أحمد منصور والشيخ محمد علي صالح خميس ومحمد أفندي الطاهر منير أعضاء.

وعلى أثر ذلك أعلن فضيلة الأستاذ المرشد العام أنه في العام القادم إن شاء الله سيكون ممن يقومون بتنفيذ هذه اللائحة ويؤدون فريضة الحج.

الثاني عشر: الإصلاح المالي

ا - على كل دائرة أن تعنى بنظامها المالس بحيث تكون مواردها أكثر دائماً من مصروفاتها بالوسائل المشروعة حتى لا تقع في أزمات اقتصادية تستنفد جزءاً من مجهوداتها.

2 - على حضرات النواب أن يبادروا بإرسال قيمة اشتراكهم في المكتب في أول الشهر مباشرة، وعلى كل دائرة تستطيع أن تمد المكتب بنسبة من إيرادها أن تبادر إلى ذلك.

3 - تساهم الدوائر في توزيع صكوك التبرع ذات القيم المختلفة التي تتدرج من قرش إلى عشرين، وفي توزيع الرسائل الدورية التي يقوم المكتب بطبعها ونشرها.

4 - لمكتب الإرشاد الحق في أن يجمع من الإخوان قرشاً في رمضان وقرشاً في مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إذا دعت الضرورة إلى ذلك.

5 - يضع المكتب لائحة تعاون تكفل إيجاد مورد ثابت تعتمد عليه الجماعة في مساعدة الإخوان عند الحاجة على أن تنفذ هذه اللائحة عقب أول دورة يقرها فيها مجلس الشورى العام.

وقد قرر المجتمعون بأن يرفع مكتب الإرشاد باسمهم التهنئة الخالصة لجلالة الملك عبد العزيز آل سعود على نجاته، واستنكار هذا العدوان الأثيم.

وكان مسك الختام أن بايع حضرات الإخوان فضيلة المرشد العام على الثقة التامة والسمع والطاعة في المنشط والمكره حتى يظهر الله دعوته ويعيد للإسلام مجده.

لائحة الحج بعد التعديل:

1 - على كل أخ مسلم أن يتجهز لفريضة الحج في حدود استطاعته.

2 - الأخ المساعد يؤمر بالتجهز، والأخ المنتسب يكون له هذا الأمر عند كل مناسبة، والأخ العامل يكلف بأن يدخر من ماله جزءاً مهما كان يسيراً وبحسب ظروفه المالية ويوضع ما يدخره في صندوق التوفير بالبريد بدون أرباح على حساب أداء هذه الفريضة إذا لم يكن من الممكن وضعه في مكان مصون.

3 - تكون في كل دائرة لجنة فرعية تسمى لجنة الدعاية إلى الحج مهمتها مراجعة اشتراكات توفير الإخوان العاملين على ذمة الحج، وأمر وتذكير الإخوان من الدرجتين الأوليين.

4 - على كل شعبة من شعب الإخوان المسلمين اختيار أحد أعضائها المتفقهين في الدين لدراسة مناسك الحج لمن يعتزمون أداء هذه الفريضة من شعبته، وعلى مكتب الإرشاد العام أن ينتدب في كل عام نائباً عنه على نفقته من أهل الفقه والحكمة ليرشد الإخوان ويعلمهم أحكام المناسك على الأصول الصحيحة من السنة إذا لم يكن من بين الإخوان الحاجين من يستطيع الاضطلاع بأعباء هذه المهمة. وتسهيلاً لهذه الغاية يقوم مكتب الإرشاد العام بوضع رسالة في آداب الحج والزيارة وما يتعلق بهما من آثار الأرض المقدسة.

5 - على الإخوان أن يوحدوا خطتهم في السفر تقوية للتعارف واقتصاداً في النفقات ورغبة في العلم وإحراز ثواب الاجتماع وتعاوناً على البر والتقوى وتنشيطاً على طاعة الله إلا إذا دعت لغير ذلك الضرورة- القصوى.

6 - الأخ العامل الذي يثبت أنه قصر في الادخار للحج بغير عذر شرعي قاهر يرد إلى مرتبة الأخ الذي قبله ولا تكون له حقوق الإخوان العاملين، ويكون الحكم بتقصيره أو عدمه في هذا موكولاً لرأي اللجنة الفرعية المنصوص عليها في المادة الثالثة من هذه اللائحة متى وافق مكتب الإرشاد على رأيها.

7 - يقوم مكتب الإرشاد بحصر كل الراغبين في الحج في دوائرهم من الإخوان وإرسال قوائم تامة بأسمائهم بعد عيد الفطر كل عام إلى مكتب الإرشاد العام لإعداد ما يلزم لوفد الحجاج من الإخوان المسلمين، بحيث لا يتأخر إرسال هذه القوائم عن اليوم العاشر من شهر شوال سنويا.

8 - يعمل المكتب ما في وسعه للحصول على امتيازات من الحكومات المصرية والحكومة الحجازية مادية وأدبية لحجاج الإخوان رغبة في تشجيعهم وزيادة عددهم.

9 - إذا أكثر الإخوان الحاجون فعلى المكتب أن ينتدب من بينهم مندوبأ إداريا بجانب المندوب الديني تكون مهمته قضاء مصالح الإخوان الإدارية ويكون مرجعهم جميعاً في ذلك توحيداً للعمل وتوفيراً للجهود، فإذا لم يكن ذلك ممكناً فعلى المكتب أن ينتدب مندوبا من قبله للقيام بهذه المهمة.

10 - يبدأ في تنفيذ هذه اللائحة من تاريخ اعتمادها وتبلغ لحضرات النواب ونقباء الفروع للعمل بها.

ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه آمين.

رئيس اللجنة: محمد الهادي عطية

السكرتير بالنيابة: مبارك غنيم عبده


لائحة الزكاة والصدقات:

1 - على كل أخ مسلم يملك النصاب أن يخرج زكاة ماله.

2 - الأخ المحب يؤمر، والأخ الأخوي يؤمر ويذكر، والأخ العامل يعتبر عضواً في لجنة الزكاة العامة.

3 - تتكون اللجنة العامة للزكوات الشعبية من كل الإخوان الذين تجب عليهم الزكاة، وتختار من بينها هيئة تنفيذية تقترع كل سنة، وتتكون من رئيس وعضوين يختارون بالاقتراع السري من بين أعضاء اللجنة العامة.

4 - مجلس الشورى المركزي للدائرة أو حضرة نائب الدائرة كل منهما بنفسه وبمندوب عنه له حق الإشراف العام على الهيئة التنفيذية، وله حق دعوة الجمعية العمومية للمزكين إذا اختلف مع هذه الهيئة في تصرف من التصرفات ولم يمكن تسويته بينهم، على أن يكون الرأي فيها نافذاً بأغلبية الأعضاء.

5 - مهمة هذه الهيئة التنفيذية الإشراف على تحصيل الزكاة المستحقة وحفظها حتى توزع، وتوزيعها على المستحقين الشرعيين لها بدون تحيز ولا محاباة ولا تحكم أغراض أو غايات بعد أن يقسم كل منهم اليمين على مراعاة ذلك.

6 - على الهيئة التنفيذية أن تباشر مهمتها عند كل محصول في المناطق الريفية، وتقسم المزكين عن النقدين وعروض التجارة إلى فرق بحسب الأوقات المتفقة عند كل منهم.

7 - عليها أن تعد دفتراً تحصر فيه كل ما جمع وتعطي إيصالات بتوقيعها، وأن تحصر كشوف المستحقين والمقادير التي يستحقها كل منهم. وقبل مباشرة التوزيع لا بد من عرض النتيجة على اللجنة العامة لإقرارها والموافقة على الصرف ولا يعتبر الصرف صحيحاً إلا بمستندات مستوفاة من المستحق، ولا يجوز تأخير صرف الزكاة عن وقتها إلا بعذر شرعي وقبل نهاية العام، وأن يتضمن ذلك تقريرها.

كما تضمن هذا التقرير ما بقي من الزكوات المجموعة وتسليمه لمن ينتخب بعدهم إن لم يتجدد انتخابها.

8 - كل أعمال لجنة الزكاة سرية لا يطلع عليها إلا اللجنة العامة، ومندوب مجلس الشورى المركزي أو النائب. وليس من حق الجمعية العمومية للإخوان في الدائرة المطالبة بمعرفة ما عملته اللجنة اكتفاء بعلم مجلس الشورى وعلم أعضاء اللجان العامة للزكاة أنفسهم، مع اعتبار القسم على كل عضو له الحق في الاطلاع على مراعاة هذه السرية” راجع المادة الخامسة”.

9 - للهيئة التنفيذية أن تقبل ما يقدم إليها على أنه صدقات، وتوزعه بمعرفتها مع رصد الوارد والمنصرف والمورد والمصرف في دفتر خاص، كما أن لها أن تذكر الناس في المناسبات بالتبرع تنظيماً للإحسان ونشر البر.

10 - المصارف التي تصرف لها الزكوات هي المصارف المذكورة في القرآن الكريم ولا تصرف في غير هذه الحالة بحال.

11 - للهيئة التنفيذية أن تختار من اللجنة العامة المساعدين لها لتعرف المستحقين أو مباشرة التوزيع أو لمراجعة الكشوف أو غير ذلك من الأعمال بإشرافها وتحت مسئوليتها.

12 - وليس لهذه الهيئة ولا لغيرها بيع أو استبدال أو التصرف بأي نوع من أنواع التصرفات في الأعيان المجموعة وإنما توزع كما جمعت فيما له جمعت بغير تصرف ما.

13 - لا ينقل ما جمع من مكان إلى مكان آخر مهما كانت الدواعي التي تدعو إلى ذلك ضرورية وشديدة إلا لداع شرعي.

14 - الأخ العامل القادر على الزكاة ثم لا يؤديها مطلقا يرد من رتبته إلى التي قبلها، فإن أداها ولو بنفسه فعليه أن يخطر اللجنة العامة بتاريخ أدائه لها حتى تكون على علم بذلك، وينبه إلى عدم العودة مرة أخرى وإلا رد إلى رتبته التي قبلها.

15 - إذا استدعى الحال موظفين في بعض المناطق للعمل في مشروع الزكاة كان تعيينهم برأي اللجنة العامة للمزكين بناء على طلب اللجنة التنفيذية وكانت أجورهم من نفس الزكاة، وكان ذلك الحال في إيجاد مخازن للمحصولات إذا استدعى الحال ذلك.

16 - يقوم مكتب الإرشاد العام بعمل رسالة ليبين فيها أحكام الزكاة وفضل الصدقة. 228


17 - على المكتب أن ينتدب من أعضائه مراقبا تكون مهمته المرور على الشعب لتعرف مدى عناية الهيئات التنفيذية للزكاة.

18 - يعمل بهذه اللائحة بعد اعتمادها، وتفاد الفروع بمضمونها للعمل بها.

روجعت هذه اللائحة بمعرفة أعضاء اللجنة الآتية أسماؤهم وهم الذين اختيروا لذلك:

حامد عسكرية، يوسف الخولي، خطاب محمد خطاب، محمد دسوقي عبد المتعال، محمد السيد الشافعي، محمد عزت حسن، محمد عبد المتعال متولي.

نماذج من محاضرات الأقاليم:مقدمة

وقد كانت زيارات الأقاليم في كثير من الأحيان تطول ويستغل فيها الوقت بمحاضرات ودروس علمية تتصل من قريب أو من بعيد بالدعوة.

وفيما يلي نموذج من هذه الزيارات لمدينة بور سعيد، وقد نشرت مجلة الإخوان برنامج هذه الزيارة التي استمرت ستة أيام كاملة نقلاً عن نص الدعوة الموجهة من الشعبة إلى الأهلين:

سلسلة محاضرات في رياض القرآن الكريم:

ابتداءً من يوم الثلاثاء 29 ربيع الثاني سنة 1354 هـ و 30 يوليو سنة 1935م والأيام التالية يقوم بإلقائها حضرة المرشد العام الأستاذ حسن أفندي البنا منشئ جمعيات الإخوان المسلمين في القطر المصري بمناسبة وجوده بثغر بور سعيد بدار الجمعية حسب المنهج الآتي:

مساء الثلاثاء 29 ربيع الثاني - 30 يوليو” تأثير”.

مساء الأربعاء 1 جمادى الأولى - 31 أغسطس”مفارقة”.

يوم الخميس 2 جمادى الأولى - 1 سبتمبر”موازنة”.

يوم الجمعة 3 جمادى الأولى - 2 سبتمبر”إصلاح”.

مساء السبت 4 جمادى الأولى - 3 سبتمبر”أصل”.

مساء الأحد 5 جمادى الأولى - 4 سبتمبر”فضيلة”.

زيادة على هذا البرنامج سيتقدم حضرة الشاب ياقوت أفندي حسن حمص إلى حضرات المشرفين ببحث جليل موضوعه”ديانة قدماء المصريين”، يلقيه في مساء الخميس أول أغسطس عقب انتهاء الأستاذ المرشد. والجمعية تنتهز هذه الفرصة لتعمم دعوتها لجميع الطبقات من أهل البلد الكريم لأن هذه الأبحاث تهم الجميع، وتتناول أسس المقاصد التي يدعو إليها الدين، وأشرف الصفات التي تتحلى بها النفوس.

لجنة المحاضرات

دعوتنا في الأقطار الشقيقة

مقدمة

كان أول مبعوث للإخوان المسلمين في الأقطار الشقيقة: فلسطين وسوريا ولبنان الإخوان الفاضلان: الأستاذ عبد الرحمن الساعاتي، والأستاذ محمد أسعد الحكيم. وقد نشرت المجلة نبأ هذه الزيارة في العبارة الآتية:

علم القراء نبأ انتداب حضرتي الأستاذين عبد الرحمن افندي الساعاتي ومحمد أفندي أسعد الحكيم لزيارة القطر الشقيق وبث الدعوة في أنحاء سوريا وفلسطين وقد جاءت الأنباء منهما أنهما وصلا بسلامة الله تعالى بيت المقدس صباح الأحد 5 جمادى الأولى، بمعية الزعيم التونسي الأستاذ الثعالبي الذي رافقهما من القاهرة عصر السبت 4 جمادى، وهناك قابلا سعادة السيد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى ونشرا الدعوة للجمعية، ورد سماحة السيد الحسيني الزيارة لهما في المنزل النازلين فيه، ثم غادرا بيت المقدس إلى دمشق فوصلاها يوم الأربعاء في الساعة الرابعة وصليا الجمعة في المسجد الأموي وخطبا فيه لدعوة الإخوان المسلمين وقابلا زعماء الحركة الإسلامية.

وقد وصلنا من الأستاذ عبد الرحمن افندي الساعاتي مقال للمجلة يفسر لها ما فعلا وما لقياه هنالك سننشره في العدد التالي إن شاء الله. وفق الله العاملين لإحياء دينهم وإعادة مجده وإمامته الكبرى.

خطاب سماحة السيد أمين الحسيني:

كما تفضل سماحة المفتي الأكبر ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى السيد محمد أمين الحسيني فشمل الأخوين ببالغ الحفاوة والعطف وزودهما بخطابات كريمة لرؤساء الهيئات والجماعات في البلدان التي سيزورونها. وقد نشرت مجلة الإخوان صورة أحد هذه الخطابات وهو: -

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة صاحب الفضيلة رئيس جمعية الهداية الإسلامية بدمشق.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فقد حظينا اليوم بزيارة حضرتي الأستاذين المهذبين عبد الرحمن افندي الساعاتي ومحمد أفندي أسعد الحكيم مندوبي جمعية الإخوان في الديار المصرية، ولقد أعجبنا كثيرا بثقافتهما الإسلامية وتمسكهما بآداب الدين الحنيف وعملهما على نشر المبدأ الإسلامي القويم” إنما المؤمنون اخوة”.

وقد علمنا برغبتهما في زيارة سوريا للتعرف بإخوانهم المسلمين العاملين فيها على رفع كلمة الإسلام. فرأينا أن نقوم بعقد صلة التعارف بين حضراتكم تحقيقاً لقصدهما ورغبتهما. ولا ريب في أنهما سيجدان من الحفاوة والإكرام في رحابكم الواسعة وفي دمشق الفيحاء ما يثبت في أذهانهما أحسن الذكريات عن هذه الزيارة الميمونة.

وختاماً تفضلوا بقبول وافر التحية والاحترام.

مكتب المؤتمر الإسلامي العام. بيت المقدس 17 من جمادى الأولى 1354 هـ الموافق 5أغسطس 1935م.

كما سجل الأستاذ عبد الرحمن الساعاتى هذه الزيارة في كلمة قيمة نشرتها مجلة الإخوان ونصها:


الإخوان المسلمون في دمشق


أبت أمية أن تفنى محامدها
على المدى وأبى أبناء غسان
فمن غطارفة في جلق نجب
ومن غطارفة في أرض حوران
عرفوا المذلة في الدنيا فعندهم
عز الحياة وعز الموت سيان
لا يصبرون على ضيم يحاوله
باغ من الإنس أو طاغ من الجان

يا رعى الله هذه الوجوه الناضرة التي تركناها في جلق تدعو لمبادئ الإخوان المسلمين وتعمل لغايتهم المحمودة، ونضر الله وجوهاً ارتسمت على صفحتها المشرقة آمال المسلم الذي لا تحوي جسمه بقعة ولا تحد آماله حدود الأرض الفسيحة حتى يرى خيال آماله صورة مرتسمة على رقعة الأرض، وقوة هائلة في أنحاء المعمورة، ودرساً بليغاً للطامعين الغاصبين.

ما إن وقفنا أمامهم حتى فهموا ما نريد أن نخاطبهم فيه، وما أشرنا إليهم حتى عرفوا ما نبغي أن ندعوهم إليه، وما نادينا فيهم حتى سمعنا دقات قلوبهم تجيب النداء، وترجيع ألسنتهم تؤمن على الدعاء، فهم إخوان مسلمون وإن لم نلقهم قبل ذلك، ودعاة لمبدأ الإخوان المسلمين ينادون به هنالك.

الله اكبر، هذه، العشيرة الإسلامية لم تفرق بينها حواجز الأم، ولم تقف بدعاتها عقبات الطريق، ولم يبعد بين قلوب أبنائها مآرب المنقلبين.

بايعناهم على الجهاد في سبيل الله فبايعونا، وعاهدناهم على الدعوة إلى الله فعاهدونا، وتعرفنا إليهم باسم الإخوان المسلمين فما أنكرونا، بل كانت قلوبهم تحف بنا حفيفاً وجموعهم تستمع إلينا ألوفاً، ومنبر الإخوان المسلمين في البقعة المباركة من مسجد بنى أمية، وصيحتهم بالحق والإيمان إذا ارتفعت بعثت في قلوب المستمعين الحمية الإسلامية.

وهل أتاك نبؤهم يفدون بعد ذلك علينا وفوداً وفوداً؟ وهل قدرت سعيهم حميداً وجمعهم رشيداً ورأيهم سديداً يتساءلون وعم يتساءلون؟ عن الدعوة التي ما بلغت أمة إلا وبايع المخلصون من أبنائها عليها، والصيحة التي ما ارتفعت فوق منبر إلا وأصاخ المؤمنون عيون قلوبهم عليها، والمرشد الذي أحكم سياج هذه الدعوة من كتاب الإيمان والتضحية فجرت باسم الله مجريها ومرسيها.


وهم يسمعون الجواب وأعينهم تفيض من الدمع كما تفيض عيون الماء في أرجاء جلق الفسيحة، وقلوبهم تتفجر ينابيع بردى فتجعل الشوارع أنهاراً والمساجد روضات والبيوتات جنات ألفافاً.

وإن أنس شيئا فما نسيت واحدا خلا إلي منهم، يحدثني حديث الأخ المسلم الذي جاءت في صدره آلام شعوب مسلمة، وارتسمت على ثغره ابتسامة نفس مؤمنة، فراح يبثني ذات نفسه، وأخذ يشكو إليه حزنه وبثه. فقلت يا سبحان الله. كأنني في مصر أستمع إلى حديث القائمين بالدعوة فيها، أو الإسماعيلية أخاطب العاملين على إعلاء كلمة الله من خلصاء شبابها وبنيها، أو السويس أناجي من رفعوا علم الأخوة الإسلامية على رءوس ساكنيها، أو غيرها من البلاد التي عمتها دعوة الإخوان المسلمين وقد كان أهلها أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخواناً، ثم أنظر إلى المسجد الأموي فأرى مآذنه قد ارتفعت في السماء وقبابه قد لمعت تحت قبة الفضاء فأعلم أنني في دمشق حاضرة الأمويين وأن فيها رهطاً كثيراً أو عدداً وافراً من الإخوان المسلمين. فيا أيها الوافدون إلى الهيئات والجماعات إنا معكم نعمل لمجد العروبة وسيادة الإسلام. ويا أيها الزائرون لنا من وجهاء دمشق وكبار الرجالات لقد أكبرتم دعوة الحق بزيارتكم لنا أما أشخاصنا فننساها وذواتنا فننكرها، وسيجزى الله من أكبر دعوته أجراً ويرفع له بين عباده مكانة وذكرى. ويا أيها الملازمون لنا والسائرون معنا حبكم في قلوبنا وذكركم على ألسنتنا ودعوة الإخوان المسلمين تجمع بيننا والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. ويا أيها المسلمون علينا أنى اتجهنا وأنى سرنا سلام عليكم طبتم وجزاكم الله خيرا فقد أحسنتم جميعا. جمعنا الله معكم على دعوة الحق وأرانا وجوهكم في دار النعيم”ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا عل سرر متقابلين”.

إن بعد الديار لا يبعد بين قلوب قد اتحدت على دعوة الحق، وإن كر الأيام لا ينال من فئة قد أخلصت وجهها لله وإن الإسلام جمع بين أبنائه في سائر بقاع الأرض والعروبة تحيط سياجه وتقرب وشائجه، ولن يخذل الله المسلمين ما تمسكوا بكتابه واعتصموا بحبله، ولن يمكن لعدوهم ما داموا يعتزون بعشيرته ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً..

دار الإخوان المسلمين بالقاهرة-شارع الناصرية رقم 13 بالسيدة زينب وقد انتقلت دار المركز العام إلى الناصرية بحي السيدة زينب رقم 13 أمام مسجد كعب الأحبار، ونشرت نبأ هذا الانتقال مع بعض التعليمات مجلة الإخوان على النحو الآتي:

1 - انتقلت جمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة إلى مكانها الجديد من أول رجب سنة 1354.

2 - هذا المكان هو المركز العام لاتحاد شعب الإخوان المسلمين بالقاهرة وجميع هذه الشعب تابعة له في النظام والإدارة.

3 - جميع المخابرات والرسائل والمكاتبات ترسل باسم” نائب الإخوان المسلمين بالقاهرة” بالعنوان المذكور أعلاه.

4 - مكتب الإرشاد العام مقره هذه الإدارة وهو السلطة العليا للإخوان المسلمين جميعا في سائر بقاع الأرض، وجمعية القاهرة على اتصال دائم به، كما تتصل به فروع الإخوان، ورئيسه هو فضيلة الأستاذ المرشد العام.

5 - تلقى المحاضرات الأسبوعية كل يوم جمعة بعد صلاة المغرب ويفتتح موسم المحاضرات فضيلة الأستاذ المرشد العام بمحاضرته الأولى التي سيلقيها إن شاء الله يوم الجمعة 13 رجب سنة 1354 الموافق 11 أوكتوبر سنة 1935 ثم تتوإلى المحاضرات الأسبوعية من كبار رجالات الإسلام المعروفين.

6 - يلقى فضيلة المرشد العام بدار الجمعية دروسا أسبوعية تعرف مواعيدها من اللائحة الداخلية لنظام النادي.

7 - سيكون هذا النادي إن شاء الله نقطة اتصال بين مصر والحركات الإسلامية في الشرق العربي رجاء أن يقف الإخوان على جميع حركات المسلمين في كافة أنحاء الأرض، وسيعمل بكل الوسائل على حمل الناس على الرجوع إلى أمر الله والحكم بتنزيله. والله تعالى ولي الصواب والتوفيق.


الدعوة في بيروتر

وقد أسفر اتصال الأستاذين عبد الرحمن الساعاتي وأسعد الحكيم في رحلتهما إلى الأقطار الشقيقة واتصالهما بالهيئات الإسلامية هناك أن جمعية المقاصد الخيرية قد طلبت إلى المركز العام أن يوفد إليها أحد الإخوان ليقوم بتدريس التشريع والأدب، فوقع الاختيار على الأستاذ محمد الهادي عطية المحامى الشرعي بالسويس ونشرت المجلة بهذا الخصوص هذه الكلمة:

الأستاذ الهادي في طريقه إلى بيروت:

هجرة في سبيل الله والعمل لدعوته شاء الله أن يقوم أسبق المسلمين بهذا العمل الأستاذ الهادي. ويصدر هذا العدد وفضيلة الأستاذ قد ألقى عصا التسيار ببيروت حيث يقوم بتدريس الشريعة الإسلامية والفلسفة والآداب بكلية المقاصد الخيرية، ويعمل في القطر الشقيق على تقوية أواصر المحبة والإخاء ونشر دعوة الفضائل والأخلاق الكريمة.

برح فضيلته السويس يوم الأربعاء الماضي فودعه على محطة السكة الحديد رجال الإخوان المسلمين هناك وكلهم تقدير لفضله وأسىً على فراقه ولوعة لبعده، لا يخففها عنهم إلا معرفتهم أنه يسافر مجاهدا في سبيل الله ليعد ميداناً كريماً من ميادين العمل للدعوة النبيلة. ومر فضيلته بالإسماعيلية فإذا على محطتها رجال الإخوان المسلمين يتقدمهم فضيلة نائبهم الأستاذ الشيخ محمد فرغلي وتتلوهم فرقة الرحلات، فكان وداعاً وكانت مناجاة وكان حديثا كله الحب المقيم والعطف الكريم. وفي القنطرة حيث ترابط كتيبة الإخوان كذلك زودهم فضيلة الأستاذ بنصائحه الغالية بقدر ما فاضت به قلوبهم من محبة خالصة وتقدير جم لأخ من خيرة إخوانهم وداعية كريم من أفضل دعاتهم، وكذلك كان الأستاذ يرى في كل بلد إخوانا وفي كل محطة يقف فيها القطار جنداً وأعواناً، ونعتقد أنه سيلقى مثل ذلك وأكبر وأجل من حضرات الإخوان الكرام رجال المقاصد الخيرية ببيروت. وإنما الأستاذ الهادي خير كله حيثما حل، ونستودع الله دينه وأمانته وخواتيم عمله ونسأل الله له تمام التوفيق وكمال العناية وأن نراه على خير ما نحب أن يكون، ونظنه ليس في حاجة إلى من يذكره بواجبه القدسي نحو جريدة الإخوان المسلمين.

شارة الإخوان:

وقد اقترح الإخوان عمل شارة تميزهم عن بقية الهيئات ووافق المكتب على هذا الاقتراح وعلى أن تكون شارة الإخوان عبارة عن خاتم من الفضة ذي عشرة أضلاع ترمز إلى الآية الكريمة: “قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا” الآية. وأوفد لهذا الخصوص أحد الإخوان رحمه الله وأعلن ذلك بالمجلة في الكلمة التالية:

رغبة في توثيق عرى التعارف بين الإخوان وحرصاً على تذكيرهم بالمبدأ الأقدس دائماً قرر مجلس الشورى العام أن تكون هناك شارة عامة يلبسها الإخوان جميعاً بصفة دائمة، وقد رأي المكتب بعد بحث طويل أن تكون هذه الشارة خاتما فضيا دقيقاً ذا عشرة أضلاع يلبس في خنصر اليد اليمنى.

وقد نفذت هذه الفكرة في دائرة القاهرة فنجحت التجربة تمام النجاح والحمد لله. هذا وقد انتدب المكتب الأخ محمود أفندي هبة الله - للمرور على شعب الإخوان وسيكون معه نموذج من الخاتم كما أن معه أداة المقاس”المازورة” التي تعرف بها المقاييس المختلفة لأصابع الإخوان. وثمن هذا الخاتم خمسة قروش يدفعها الأخ لنائب دائرته أو للمندوب.

رحلة الصعيد أواخر رمضان سنة 1354

مقدمة

وقد قمت بإحدى الرحلات إلى الصعيد خلال شهر رمضان سنة 1354 الهجرية وأظنها كانت الرحلة الثانية، وقد رافقني الأخ عبد الرحمن رضا كحيلة وكتب عنها في مجلة الإخوان الكلمة التالية:

20 رمضان سنة 1354

لقد كنت من الذين تمتعوا بمرافقة فضيلة المرشد العام بعض الوقت حين جاء إلى الصعيد في أواخر رمضان الماضي، وانتظرت أن يكتب بعض الإخوان شيئا عن رحلته النافعة. وها هو قد طال انتظاري ولذا فقد اعتزمت كتابة هذه الكلمة تذكاراً لها.

علمت أن الأخ المرشد قادم من القاهرة في اليوم العشرين من رمضان بعد الظهر، فذهبت لاستقباله وهناك وجدت لفيفاً من الإخوان يحدوهم الشوق إلى لقياه ووصل القطار فأسرعت إلى لقائه وإذا وجهه يفيض بشراً وعلائم النشاط التام ظاهرة عليه، فسلمنا عليه وخرجنا من المحطة إلى مكتب الأستاذ محمد خلف الحسيني المحامي وهو شاب مسلم غيور على دينه معتز به، فاستراح الأخ المرشد إلى نحو الساعة الرابعة ثم ركبنا السيارات إلى بلدة الواسطي، وتعد من ضواحي أسيوط، وكان في استقبالنا آل غدير الكرام وكثير من رجال البلدة وهناك صلينا المغرب وتناولنا فطورنا الذي تخللته أحاديث شتى في العلم والأدب والدين والأخلاق وقد صلينا العشاء في مسجدها وأمنا الأستاذ الكبير الشيخ أحمد شريت المدرس بمعهد أسيوط والمشهور بعطفه على الجمعية الإسلامية. وكان المسجد مملوءاً بالمئات من الناس المستمعين إلى الوعظ والإرشاد فوعظهم الأخ المرشد وعظاً مخلصاً وجلت منه القلوب، وأحسوا بحاجتهم إلى العمل على الخلاص مما هم فيه من ضعف وفرقة وبلاء، وتبعته بكلمة في رمضان ومعنى صيامه وفي ليلة القدر وسموها وجلالها، وغادرنا المسجد إلى منزل كبير اجتمع فيه حفل عظيم وكانت ليلة عظيمة تكلم فيها الأخ المرشد فأحيا النفوس وأيقظ الأمل وبين للناس كيف ينقذون أنفسهم مما حل بهم بسبب التقصير، وقد شاركه بعض الإخوان فجنوا مبادئ الإسلام العليا وبينوا كيف أهملها المسلمون وفيها سعادتهم وهناؤهم.

وقد سررت من هذه الليلة كثيرا وربا أملي وقلت لو أن الناس يعملون بما يسمعون لقدمنا على عهد يقظة شاملة تنتظمنا جميعاً فنحظى بالأماني ونظفر بالعزة والسلطان.


22 رمضان سنة 1354

عاد الأخ المرشد إلى أسيوط بعد أن ملأ الواسطي بعظاته القيمة وقد بقي إلى الساعة الواحدة مساء وسافر معه بعض الإخوان إلى منفلوط فالقوصية لزيارة شعبتها وتفقد أحوالها.

23 رمضان سنة 1354

رجع الأخ المرشد إلى أسيوط موفقا وفي الساعة الثامنة مساء حفلت جمعية الشبان المسلمين بعدد كبير من المثقفين لسماع محاضرته القيمة وقد جعلها في بيان أن الإسلام تكفل بجميع المبادئ التي تكفل رقي البشر وسعادتهم وفصلها تفصيلا بديعا سر منه السامعون كثيرا وكان صوته موسيقيا عذبا وإلقاؤه سهلا جميلا وتمكنه من حشد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عظيما وقد هتف له الناس كثيرا وشكروا الله الذي هيأ لهم سماعه.


24 رمضان سنة 1354

أدى الأخ المرشد صلاة الجمعة في مسجد القاضي وهو من اكبر مساجد البلدة وأرحبها وأزخرها بالمصلين، فكان الأخ الخطيب الواعظ فأحسن ما شاء الله أن يحسن ونرجو أن تكون القلوب قد جمعت إلى الفرح به العمل بوعظه وإرشاده. وبعد الصلاة سافر على بركة الله إلى مصر العليا حيث يتصل بإخوانه في البلينا وأسوان وغيرهما من البلاد وفقه الله وسدد خطواته.


30 رمضان سنة 1354

رجع الأخ المرشد من رحلته في الصعيد الأعلى بعد الغروب وكان الكثيرون في انتظاره أمام محطة أبو تيج التي حظيت به وقد ساروا وأتوا إلى المسجد حيث صلى العشاء، ومنه إلى منزل عبد الرحمن محمود السليمني وقد احتشد فيه الكثير من الخلق وكانت الليلة سعيدة تبارى فيها القراء والخطباء، ووعظ فيها الأخ المرشد وعظا عظيما تلقته القلوب مشوقة متطلعة، وكان لي الحظ بإلقاء كلمة بعده أسأل الله النفع بهما. وقد بات الأخ في أبي تيج تحوطه القلوب والأرواح.


غرة شوال سنة 1354

بدأ يوم عيد الفطر المبارك وكان يوماً مشهوداً، وخطب فيه الأخ المرشد بمسجد الفرغلي ولقي قبولاً عظيما واستحساناً عاماً وعاد إلى أسيوط وقت الأصيل وحظيت به جمعية الشبان المسلمين مرة أخرى وخطب في ناديها فألان الأفئدة واسترعى الأسماء ونثر من درره ما نرجو أن يكون مفيدا إن شاء الله. ولما كانت الليلة الختامية لمقامه في أسيوط وقد حفلت بالكثير من إخوانه المخلصين، وكان الأستاذ الشيخ شريت فارسها، وداره العامرة ميدانها، فدار الحديث عن الإسلام والمسلمين ووسائل تقويتهم ونهوضهم.



2 شوال سنة 1354

شد الأخ المرشد رحاله ليعرج إلى منفلوط ومنها إلى القاهرة خاتمة مطافه السعيد العتيد، وإن الأيام التي سعدت بلقائه فيها لا تنسى أبدا، وبخاصة أنها كانت لله في سبيل الله، وجهاداً مشكوراً مخلصاً لا رياء فيه ولا سمعة.

الحجة الأولى

مقدمة

وقد كان من توفيق الله تبارك وتعالى أنه بعد أن وضعت لائحة الحج استقر في نفسي أن أؤدي الفريضة، ورغم تعذر ذلك حينذاك فقد أراد الله أن ييسر الأمور ويقدر لي الحج والزيارة في عام 1354 الهجرية الموافق عام 1936 الميلادية، وأشارت المجلة إلى هذا العزم بهذه الكلمة:

فضيلة المرشد العام في طريقة إلى الأرض المقدسة

يؤدي الأستاذ المرشد فريضة الحج والزيارة هذا العام إن شاء الله وسيكون سفره هو والإخوان الذين يصحبونه في هذا السفر الميمون على الباخرة التي تغادر ميناء السويس في غرة ذي الحجة 1354 هـ - 24 فبراير 1936 م وسيقوم من القاهرة يوم الأحد ويقضى ليلة في السويس يلقي فيها محاضرة بدار النادي في موضوع”الحج رياضة كبرى للجسم والروح”.

وسينوب عنه بمكتب الإرشاد مدة غيابه الأستاذ الشيخ رضوان محمد رضوان عضو المكتب.


== قضية فلسطين والإخوان == مذكرة 1936

مقدمة

وفي هذه الأثناء تحركت قضية فلسطين، وثار الشعب الفلسطيني الباسل على التصرفات البريطانية الغاشمة التي تمالئ اليهود في كل شيء وتحرم العرب من كل شيء. وكانت الهيئات السياسية والأحزاب منصرفة كل الانصراف عن مناصرة فلسطين مناصرة جدية بحكم النعرة الوطنية الخاصة التي لم تكن قد تطورت إلى ذلك الشعور الدفاع بحق العروبة ورابطة الإسلام. ولم يكن المتحرك لفلسطين أو نحوها من أقطار الشقيقة إلا الهيئات الإسلامية.

ومن هنا تقدم الإخوان المسلمون إلى مناصرة فلسطين الثائرة المجاهدة بكل ما فيهم من قوة ووقفوا على ذلك جهودهم مادياً وأدبياً من حيث الدعاية والخطابة والنشر وجمع المال الخ... وتألفت لذلك لجان وبعثات عملت ما وسعها العمل وسجلت ذلك كله بمجلة الإخوان المسلمين في حينه في سنتها الرابعة. وسننقل عنها بعض هذه الجهود للتسجيل والتاريخ:


اللجنة المركزية العامة لمساعدة فلسطين

وجه حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ المرشد العام لجمعية الإخوان المسلمين الدعوة لأعضاء الجمعية بالقاهرة للاجتماع في منتصف الساعة التاسعة مساء يوم السبت الموافق 25 من صفر الخير سنة 1355هـ وفي الموعد المحدد لبى الدعوة لفيف كبير من الإخوان واجتمعوا في أحد أبهاء الجمعية برياسة فضيلة الأستاذ المرشد العام الذي رقى المنبر وأخذ يشرح للإخوان ما حل بالعرب البواسل من أهل فلسطين الذين تربطنا بهم عدة روابط من الدين واللغة والعروبة، ثم ناشدهم باسم الواجب الإنساني والنجدة الإسلامية أن يمدوا يد المساعدة إلى إخوانهم الفلسطينيين، وأن يعملوا على تكوين لجنة من بينهم لتنظيم هذه المساعدة وبث الدعاية، واستنداء الأكف للجود بالمال لهذا الغرض الجليل. ثم تبادل الإخوان الرأي وتناقشوا واقترح كل من عن له، وانتهي الأمر بتكوين لجنة من بينهم. وافقت على تنفيذ المقترحات الآتية:

أولاً: نشر مشروع تكوين هذه اللجنة في الصحف.

ثانياً: نشر نداء من اللجنة إلى الأمة المصرية والمسلمين عامة.

ثالثاً: إرسال برقيات الاحتجاج إلى المندوبين الساميين في مصر وفلسطين ونشر صور منها في الصحف، وإرسال برقية أخرى إلى فضيلة المفتي بصفته رئيساً للجنة العربية العليا.

رابعاً: إذاعة بيان من اللجنة إلى عموم الإخوان والشعب.


إلى صاحب السمو عمر طوسون:

وقد وجهت اللجنة هذا الخطاب إلى صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون:

تتشرف اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين التابعة لجمعية الإخوان المسلمين - جريا على ما اعتادته الأمة المصرية بل العالم الإسلامي من الفزع إلى سامي عطفكم في الملمات، والاستئناس بحازم رأيكم كلما درجت الخطوب - برفع هذا إلى سموكم موجهة أنظاركم العالية إلى ما يعانيه الإخوان المجاهدون أبطال فلسطين من آلام الموت والفاقة التي أنزلتها بهم القوى الغاشمة.

وإن صاحب السمو ليقدر معنا أن فلسطين الجارة العزيزة وفيها بيت المقدس الذي يجمع المسلمون والمسيحيون على إكباره ومنعه، والذود عن كرامته جدير بأن يتقدم إليها في طليعتنا سمو الأمير الجليل عمر طوسون بما يستطاع من بر ومساعدة.

تألفت اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين من شباب جمعية الإخوان المسلمين الذين بايعوا الله على التقوى والفناء في سبيل إعزاز الدين، وقد تكونت من بينهم اللجان للخطابة في المساجد وجمع ما يجود به المسلمون وبث الدعاية الواسعة لنجاح هذا المقصد الجليل، وقد توجهنا إلى كوم بهذا راجين أن تجد فلسطين الجريحة من بركم وعطفكم ما وجدته الحبشة الآسي الرقيق والبلسم الشافي. ولنا رجاء آخر أن تتفضلوا بصفتكم أحد رئيسي لجنة مساعدة الحبشة بإرسال ما تبقى من الأموال التي جمعت لغرض مساعدة الأحباش إلى اللجنة العربية العليا في فلسطين، وسيجزيكم الله الجزاء الأوفي.

وتفضلوا يا صاحب السمو بقبول عظيم احترامي.

حسن البنا

رئيس جمعية الإخوان المسلمين


إلى صاحب الغبطة الأنبا يؤنس:

كما وجهت الخطاب التالي إلى صاحب الغبطة الأنبا يؤنس بطريرك الأقباط الأرثوذكس بمصر:

حضرة صاحب الغبطة الأنبا يؤنس رئيس لجنة مساعدة الحبشة.

بكل احترام يتشرف رئيس لجنة مساعدة فلسطين بجمعية الإخوان المسلمين بالقاهرة بأن يرفع إلى غبطتكم هذا الرجاء الحار، يحفزه إليه ما يعهد في غبطتكم من أسمى عواطف الرحمة النبيلة والبر بالإنسانية المعذبة، تلك العواطف التي حدت بكم إلى تجشم المتاعب في سبيل مساعدة الحبشة.

وتعلمون يا صاحب الغبطة أن فلسطين الشقيقة العزيزة مهد الشرائع والأنبياء قد بطشت بها القوة الغاشمة، فانسالت دماء أبنائها من المسلمين والمسيحيين على السواء، وخربت ديارهم وعطلت مصالحهم وقضت على موارد أرزاقهم، وأن بيت المقدس هو بيت القصيد من هذا العدوان الصارخ. ويحاول اليهود بعملهم هذا أن يستولوا عليه، وعلى غيره من الأماكن المقدسة التي أجمع المسلمون والمسيحيون على تقديسها وإكبارها والذود عنها.

ونحن في مصر مع الأسف الشديد لا نملك إلا أن نقدم ما تسخو به الأكف من مال لمساعدة هؤلاء الأبطال الذين ألمت بهم الفاقة حتى أن لجنة”التموين” للإغاثة بالقدس تصرف يوميا مائة وأربعين قنطاراً من الدقيق لإطعام الجائعين، وذلك عدا ما يصرف غيرها من اللجان الكثيرة. ومن أجل ذلك توجهنا إلى غبطتكم راجين أن تشملوا هؤلاء