إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

مذكرات الشيخ كشك

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
قصة أيامي
مذكرات الشيخ كشك

المختار الإسلامي

أسسه حسين عاشور عام 1979

محتويات

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد رب العالمين , وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وحبيبنا محمد رسول الله خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد .. فإن الدهر مدرسة .. أساتذتها الأيام والليالي وعلى كل عاقل أن يكون بصيرا بزمانه !!

والأيام مطية ابن آدم , فهنيئا لمن استعمله في طاعة الله قال صلوات الله وسلامه عليه :" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك , وصحتك قبل سقمك , وغناك قبل فقرك , وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك ".

وقال صلى الله عليه :" لا تزول قدما عبد من بين يدي الله عزوجل حتى يسأل عن أربع : شبابك فيم أبليته ؟ وعمرك فيم أفنيته ؟ ومالك من أين اكتسبته ؟ وفيم أنفقته؟ وعملك ماذا صنعت فيه ؟ والكيس من دان نفسه , وعمل لما بعد الموت , والعاجز من اتبع نفسه هواها , وتمني على الله الأماني ".

وجل جلال الله إذ يقول :" ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " وإذ يقول  : ( أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) ؟!

فعلي أولي الأبصار أن يعتبروا ويعلموا أن الحياة ألم يخفيه أمل , وأمل يحققه عملا وعمل ينهيه أجل , وبعد ذلك يجزي كل امرئ بما فعل فما الإنسان في جيل إلا ذرة في فضاء وما الجيل في الزمان إلا لبنة في بناء وما الزمان إلا مقدمة محدودة لعالم البقاء !!

دقات قلب المرء قائلة له :

إن الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان

واصبر على نعم الحياة وبؤسها

نعم الحياة وبؤسها سيان

هذه قصة أيامي بحلوها ومرها , وضحكها وعبوسها وليلها ونهارها , أقدمها إلى الذين يريدون أن يأخذوا من الأيام عبرة فهي نصف قرن من الزمان كان فيها العرق والدموع , واليقظة والهجوع والحرية والسجون , عسي الله أن ينفع بها من أراد أن يأخذ من الأيام عبرة .

عبد الحميد كشك

قصة أيامي

أكتبها بما تيسر من التقدير , وتقدر من التيسير . وأمركز عناصرها الأساسية وأعنصر مراكزها الأصلية والله ولي التوفيق .

الإسم : عبد الحميد عبد العزيز محمد كشك .

المولد والنشأة

ولدت في العاشر من مارس 1933 في بلدة شبراخيت احدي مراكز محافظة البحيرة بجمهورية مصر العربية من أبوين ليسا من ذوي البسطة في المال , فالمال ظل زائل وعاربة مسترجعة , وكان ترتيبي الثالث بين ستة من الإخوة , ولدت سليما معافي ,من الأمراض وما إن بلغت السادسة من عمري حتي أصيبت عيناي برمد صديدي اختلفت بسببه إلى حلاق القرية , وما زلت أذكر وأمي تحملني غلى محل الحلاق حيث كان يعبث بمروده في عيني مما أدي إلى ضياع العين اليسري وبقيت اليمني وبها ضعف كأنها تشكو ضياع أختها , فظللت بها أصارع شدائد الحياة حيث ذهبت إلى جمعية تحفيظ القرآن الكريم لأعوض عن نور البصر بنور من كتاب الله الكريم, وكان والدي بعمل تاجرا في محل صغير , وأشهد أنه لم يكن من الذين يجدون ما ينفقون, بل كان ممن يلهث وراء الحصول على لقمة العيش بشق الأنفس حيث أعباء الحياة أثقل بها كاهله , وقد كان جدي لأبي من الذين يحفظون القرآن لأبناء البلدة وتربي علي يديه أناس تبوءوا مكانة كبيرة في علوم الإسلام ويوم مات جدي لم يترك درهما ولا دينارا , وإنما تك لنا تقوي الله , فكانت الأسرة المكونة من الوالدين وستة من الأولاد وجدة لأبي تعيس قانعة راضية سعيدة , إذ ليست السعادة في الانتشاء بالكئوس المترعة أو الاستمتاع بالغيد الأماليد , إنما السعادة في الرضي حيث يقول الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم :" ارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس " كنا جميعا في مراحل التعليم مما ضاعف أعباء الحياة وتكاليفها حيث لم يكن أحد منا يستطيع أن يسعي لطلب الرزق .

وبعد أن حفظت القرآن في البلدة التحقت بمعهد الإسكندرية الديني , وكان لهذا المعهد ميزة حيث كان الطلاب يلجئون إلى مسكن على حساب الأزهر , وكان بين مبني الدراسة ومبني السكن مزرعة اكتست بثوب أخضر من الزرع النضير , وأذكر أن هذا المعهد كان به نخبة من الأساتذة العلماء أذكر منهم شيخين جليلين كان لهما أثر طيب في تكوين شخصيتي:

  • الأستاذ أحمد الكومي وهو عالم غزير المعرفة في الفقه والحديث والتفسير , وقفد عوضه الله عن نور البصر ذكاء القلب , وكان له موقف أذكره بالعرفان والشكر في تحويل مجري حياتي وسوف أعرض له في حينه .
  • والأستاذ محمد مصطفى جاد وكان له باع طويل , ومعرفة واسعة بعلوم العربية من النحو والصرف والأدب مما جعلني أعشق هذه العلوم وأهواها وكأنها بالنسبة لي الماء والضياء والهواء .

عندما كنت في السنة الثالثة الابتدائية وقد بلغت من العمر ستة عشر عاما لأنني التحقت بالمعهد بعد حفظ القرآن وكان عندي ما يقرب من ثلاثة عشر عاما .. أذكر بعدما أديت امتحان السنة الثالثة الابتدائية وعدت إلى بلدتي لقضاء عطلة الصيف جلست مع بعض الإخوة الزملاء بعد ما صلينا العصر وأخذنا بأطراف الأحاديث بيننا طرح أحدنا سؤالا قال فيه : من منكم يستطيع أن يلقي درسا على المصلين في أحد مساجد البلدة ؟ وجاءت الإجابة مني بأنني أستطيع ذلك بمشيئة الله تعالي : وكان ببلدنا ثلاثة مساجد : المسجد البحري , والمسجد " الوسطاني ", ومسجد الجمعية واخترت المسجد البحري لإلقاء أول موعظة, وحددت الزمان بعد صلاة الفجر , وسألت ربي أن يلهمني ما أقول , وصلينا الفجر وما أن سلم الإمام التسليمتين حتي انتفضت واقفا دون ما تردد وكسرت حاجز الخوف الذي كان بيني وبين مخاطبة الناس. لم يكن عندنا في المعهد الابتدائي من الزاد العلمي ما يمكننا من إرشاد الناس ووعظهم فقد كانت العلوم تدور بين النحو والصرف والفقه التاريخ والجغرافيا والقراءات السبع للقرآن الكريم , لذا وقفت أجول بخاطري في أى علم أتكلم وما أن ذكرت المقدمة التي اشتملت على البسملة والشهادتين حتى خطر بذهني هذا الحديث الجامع:" سبعة يظلهم الله تحت ظله" مع شئ من السيرة النبوية التي كنا ندرسها في السنتين الأولي والثانية من القسم الابتدائي .. واستغرقت الموعظة حوالي ثلث الساعة تلقيت بعدها التهاني الطيبة من المصلين , والتشجيع وعبارات الثناء والقبول , مما دفعني إلى الأمام فعكفت على قراءة التفسير لبعض الآيات , والشرح لبعض الأحاديث, وبعد أن كنت أعظ الناس في الفجر في المسجد البحري أضفت إلى ذلك درس العصر في المسجد " الوسطاني ", والشئ الذي لم أكن أتوقعها من الإخوة الزملاء أنهم سرعان ما ناصبوني العداء حسدا من عند أنفسهم , لكني استعنت بالله عليهم وتذكرت ما قاله العلامة ابن هشام في أول كتابه : قطر الندي :

إن يحسدوني فإن غير لائمهم

غر من الناس أهل الفضل قد حسدوا

فتم لى وهم ما بي وما بهم

ومات أكثرنا غيظا بما يجد

صعود المنابر

كان عبد الملك بن مروان يقول : إنما شيبنا صعود المنابر , ذلك لأن صبر مسئولية فخشية المنبر لا تحتمل التمثيل لأن الواقف على درجة إنما يتأسي بسيد الخلق وحبيب الحق .

كان عمي الشيخ عبد الفتاح كشك مأذون البلد يقوم بإلقاء خطبة الجمعة في الجامع " الوسطاني " وذات يوم وبعد ما بلغه أنني أقوم بإلقاء الدروس في المساجد كلفني إلقاء خطبة الجمعة في مسجده , وكان هذا المسجد أكبر مساجد البلدة ويضم نوعيات مختلفة من البشر :

ما بين تاجر وموظف , وصانع , واستعنت بالله , وصعدت المنبر لأول مرة ودار موضوعها حول محاربة الفساد الإداري في البلدة , وبدأت في الكلام عن تحريم الرشوة في نطاق قوله صلي الله عليه وسلم " لعن الله الراشي والمرتشي والرائش " وتناولت فيها ما يدور في المستشفي من إهمال للمرضي وسوء معاملتهم مما دفع مديرها إلى أن يتقدم بشكوي ضدي إلى مأمور المركز , وبدأت المتاعب عندما هاجت عقارب الحقد في قلوب الشانئين , لولا انتهاء العطلة الصيفية وبدء العام الدراسي , مما أسدل ستارا مؤقتا على تلك المآسي ودخلت العام الدراسي السنة الرابعة الابتدائية وهي شهادة . وأعلنت جمعية الشبان المسلمين عن مسابقة في القرآن الكريم حفظا وتجويدا .

وعكفت على قراءة القرآن العظيم ودراسة أحكامه ودخلت المسابقة . ثم أقبلت إجازة نصف العام وكنت قد شعرت بعيني اليمني تأخذ في الضعف وداخلني شعر رهيب بألم دفين وكأنني كنت أنظر من وراء الحجب لأستشف ماذا ينتظرني كمن يساق إلى الموت وهو ينظر , فحياتي حياة علم ومدارسة وحاسة البصر بعد حاسة السمع في تحصيل العلم فماذا أصنع لو فوجئت يوما بأنني في حاجة إلى من يأخذ بيدي بعد أن كنت حرا طليقا ؟ ثم ماذا أصنع عندما أكون في حاجة أمس إلى من يقرأ لى علوما أدخل بها الامتحان وأحرص بها على ترتيبي في النجاح , وكان طوال السنين السابقة الأول ؟ ثم إذا أصنع قبل هذا وبعده عندما أجدني رهين المحبسين " البيت والعمي " مقيد الحرية محدود الحركة ؟ وبينما علامات الاستفهام تتعاظم أمامي وتيدة كأنها الجبال الشوامخ إذ بوالدي يقطع على هذا الصمت الرهيب ببشري طيبة قال لي : إن جمعية الشبان المسلمين أرسلت بطريق التليفون أنك قد حصلت على جائزة قدرها خمسة جنهيات وكان لهذا النبأ وقع طيب على نفسي التي هامت عليها الهموم كأنها وكأنهن حمامة وصقور . ولكن سرعان ما انتشر الخبر في أنحاء بلدتنا وصارت الجنيهات الخمسة خمسمائة على ألسنة الناس , وتوقعت بعد ذلك أمرا : أن العين حق وأن الله أمرنا أن نستعيذ من شر حاسد إذا حسد .

هي الأيام لا تبقي عزيز

وساعات السرور بها قليلة

إذا نشر الضياء عليك نجم

وأشرق فارتقب يوما أقوله

وصحبني والدي إلى الإسكندرية ليصرف الجائزة مستعينا بها على بعض شدائد الأيام بعد ما عضه الدهر بنابه وأناخ عليه بكلكله .

كان والدي يعطيني كل شهر خمسة وأربعين قرشا بالإضافة إلى بعض الخبز والجبن الذي كنت أحمله إلى الإسكندرية .

ومرت الأيام سريعة وكلما انشق فجر وأضاء نهار ازدادت الظلمة في عيني وقبل الامتحان بشهر عدنا إلى بلدنا لنذاكر وقد أو شكت الدنيا أن تحكم حلقاتها من حولي وكأن أمشي بخطي سريعة إلى سجن العمي , ولما عزمت على الرحيل لأداء الامتحان كانت تراودني فكرة هزتني من الأعماق هزا عنيفا : هل إذا ذهبت لأداء الامتحان وحدي سأستطيع أن أعود من هنالك وحدي ؟ وتوكلت على الله وأديت امتحان الشهادة الابتدائية وما أن فرغت من أداء الامتحان حتي كنت إذا أخرجت يدي لم أكد أراها وإخواني من الطلبة لم يدركوا أنني كف بصري , ذلك لأنني كنت أتنقل في أماكن محدودة حفظتها أيام كنت بصيرا فكنت أتحسس الخطي بناء على عهد مضي . لكن الموقف الذي كنت منه في حرج هو أنني كيف أعود , وكيف أسافر وحدي ؟ هل أرسل إلى والدي ؟ ولكن كيف ؟ من الذي سيكتب لى الرسالة التي تخبره بحالي وأنا الذي لا أستطيع أن أكتب ؟! وأخيرا كان لابد أن أنصرف فقد أوشك الطلبة على الرحيل إلى بلادهم فهل سأظل وحدي ؟! وهداني الله إلى أن أقصد زميلا عهدت فيه طيبة القلب أمليت عليه خطابا بحجة أنني متعب لا أستطيع الكتابة وقد كنت كذلك , ووصلت الرسالة إلى والدي وعلى جناح السرعة رأيته يأتي مهرولا . كنت قابعا في ركن من أركان الغرفة كئيبا كاسف البال , قليل الرجاء و يعتصرني الجوع ويغتالني البؤس وقطع علىّ صمتي العميق صوت والدي يلقي عليّ السلام ومد يده مصافحا دون أن أراها , فأخطأت يدي الطريق إلى يده . وكان رحمه الله تعالي ذكيا سرعان ما أدرك أن في الأمر شيئا , وبنبرة حزينة قال لي : ماذا حدث ؟ وعلى سبيل السرعة قلت له : لقد أصبحت لا أري شيئا . فما كان منه إلا أن قال : لا تحزن , وسوف أعمل على علاجك حتى ولو بعت ثوبي هذا , وأخذني من يدي وتوجهنا إلى بلدنا وعقدت العزم على لزوم بيتي وألا أقابل أحدا . ورغم أن والدي قد ناءت بكاهله الأعباء وأثقلته الأرزاء , فالأولاد كثر , وجسده قد ضعف حيث أصيب بمرض صدري , إلا أنه أخذ يعمل على توفير شئ من المال للعلاج.

وذات يوم أخذني إلى بلد مجاور حيث هناك طبيب قد ذاع صيته . وكان نصرانيا وبعد توقيع الكشف على همس في أذن والدي بكلمات جعلته يفقد اتزانه , ولكنه أتبعها بقوله سأجري له عملية ولا يأس مع الحياة . وأخذني والدي عائدين إلى منزلنا. وعلى درج سلم العيادة أخذته إغماءة خفيفة فجلسنا حتي يفيق فأجري الله على لساني هذه الآية  : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون )

فقال بصوت خفيض فيه رنة حزن عميق : اللهم أنزل علينا الصبر ورضّنا بما يرضيك. وعدت إلى البيت إلى أن أذن الله لنا بالرحيل للعلاج حيث ظللت عاما كاملا أتردد على عيادة هذا الطبيب الذي جعل من عيني حقلا للتجارب , وبحكم وجودي هذه المدة الطويلة تحت العلاج عرفت لماذا اشتهر هذا الطبيب . قد تصاب العين بما يسمي " الكاتراكت" أى المياه البيضاء , وهي لا تؤذي البصر لكن طبيب العيون لا يستطيع أن يجري الجراحة للعين إلا بعد أن تفقد الإبصار تماما وعندئذ يقال إن المياه قد استوت فيدخل المريض ومعه قائد يقوده , وبعد إجراء العملية وكشف الضمادات عنه يري أحسن مما كان يري من قبل , عندئذ يقول الناس إن هذا الطبيب قد أبرأ الأكمه فقد ذهب إليه فلان وفلان فأعاد البصر بعد فقده . أما ما أصبت به أنا فكان يسمي الجلوكوما " المياه الزرقاء " وهي أخطر ما تصاب به العيون إذ أنها تأكل البصر كما تأكل النار الحطب ودون جدوي رجعت كما أتيت . كل ذلك والأسرة في حالة بؤس فالموارد قد ضعفت وأعباء الحياة في ازدياد . وذات يوم نشرت احدي المجلات المصرية صورة لطبيب في القاهرة يجري عملية ترقيع للقرنية وقالت عنه كلاما يشعر القارئ بأنه " المسيح بن مريم " في القرن العشرين . والكذب يهدي إلى الفجور . والفجور يهدي إلى النار .

وهكذا عودتنا الصحافة التي تلهث وراء المادة والإثارة , والتي شعارها " أعذب الشعر أكذبه " وكما يقولون : إن الغريق يتشبث بالقشة . فقد عزمت على الذهاب إلى هذا الطبيب بالقاهرة ووقعنا الكشف. وقال بعد توقيع الكشف إنه يلزمه عملية بالعين اليسري ونسبة نجاحها خمسون في المائة.. ويلزمني خمسون جنيها تدفع قبل إجراء العملية . وكان للجنيه قيمة يومها في عام 1951 وعبثا حاولنا إقناعه بأن يأخذ نصف الأجر مقدما والنصف الآخر بعد إجراء العملية وقال باللفظ الصريح " نحن لا نبيع ترمس " . وقال لى والدي ما دمنا بالقاهرة فما ضرّ لو ذهبنا إلى مستشفي قصر العيني . وفي الصباح توجهنا إلى هناك ولكن وجدنا قلوبا ونفوسا خلت من الرحمة ليس للفقراء موضع قدم هناك !!

فعدنا أدراجنا لندبر المال الذي سنجري به العملية عند هذا الطبيب كانت شقيقتي الكبري تملك بعض الحلي فصممت على بيعه وكان عندنا مذياع بعناه ثم توجهنا إلى الطبيب وصمم على إجراء العملية وقت صلاة الجمعة – على الرغم من أنه مسلم , وعبثا حاولت أن أؤخرها إلى ما بعد الصلاة, ولكنه أصر وأجريت العملية ونمت على ظهري خمسة عشر يوما, وجاءت الساعة الرهيبة وهي ساعة حل الرباط وحل الرباط وحرك يده أمامي هل تري شيئا ؟ فأجبت بالنفي !! فرد في عصبية ونفى قائلا : إنك تري ولكنك تنكر , فأجبته: ولم الإنكار وأنا الذي أتمني أن أري ؟ وكما خدعت في الطبيب الأول خدعت في هذا حيث ظللت عاما أتردد على عيادته وقد أقمت في المسكن مع شقيقي الأكبر الذي كان طالبا بكلية الحقوق فقد استأجرنا غرفة في شقة في حي حدائق القبة , ولما أجد في العلاج فائدة قفلت راجعا إلى بلدي وقد انقطعت عن الدراسة حولين كاملين فماذا حدث ؟ تحركت الأحداث الجسام بسرعة عندما دخلت البيت عائدا من القاهرة وجدت جدار الغرفة التي كنا ننام بها قد سقط وأقيمت على أعمدة من خشب فبعث هذا في نفوسنا ألما عميقا , وانطويت عل نفسي وذات ليلة كنا نجلس جميعا فقال لى الوالد في صوت حنون : ما ضرّ لو واصلت التعليم وسأوصي عليك زملاءك أن يراعوك ؟ وثارت في نفسي ذكريات الألم !! من الذي سيأخذ بيدي ويقوم على خدمتي ويذاكر لى العلوم ؟! وتحركت علامات الاستفهام أمام ناظري كأنها ألأسنة اللهب لولا أن أطفأتها دموع غزار فأسدل الستار على هذا المشهد الكئيب!!

مرض الوالد

في أصيل ذات يوم من أيام شهر أغسطس كنت أجلس على إحدى درجات السلم أستقبل النسمات في حر الصيف غذ دخل الوالد قادما من المحل التجاري ولكنه دخل مسرعا حيث سمعته وقد ذرعه القئ فاستقاء ثم آوي إلى السرير فسمعت له أنينا كأنين من ذبح وحيدها في حجرها, وكنت أظن أنها سحابة صيف ما تلبث أن تنقشع ولكن كان في تقدير الله أمر قضاه وكانت المأساة التي ما زالت تحز في نفسي أننا لم تجد ثمن الدواء , ولمنجد القلوب التي تحمل مثقال ذرة من رحمة , إنما وجدنا قلوبا كالحجارة أو أشد قسوة ونفوسا لها أنياب ومخالب , والواقع أنني وجدت نفسي أمام هذه المأساة , ولا حول لى ولا قوة , وجدتني أغدو وأروح كالطير يمشي من الألم وهو مذبوح , فالأهل والأقرباء تنكروا لنا منذ ساءت أحوالنا المادية وهكذا الدنيا !!

إذ قل مالي فلا خل يصاحبني

وفي الزيادة كل الناس خلاني

كم من عدو لأجل المال صادقني

وكم من صديق لفقد المال عاداني

كنت ألازم والدي في مرضه فقد أقعدته شدة المرض كما أقعدني فقد البصر وكان إذا جن عليه الليل يشتد أساه وكأنه كان ينتظر الموت كل ليلة أو كأن الليل كان سفير الموت إليه !!

وفاة الوالد

في صبيحة يوم السبت السادس من سبتمبر 1952 ولأمر ما انتقل الوالد من حجرة داخلية إلى حجرة تطل على الطريق , وكانت الأم مشغولة في هذا اليوم بصناعة الخبز في فرن البيت و" يوم الخبيز"كما يسمونه ثقيل على نفسي , وكنت في هذا اليوم – أيام الطفولة – أغادر البيت فلا أعود إلا ليلا , وعاوتني أيام الطفولة في يوم لم أستطع فيه حراكا حيث كنت رهين المحبسين , كنت أجلس بجانب والدي ومرت جنازة في طريقها إلى المقابر وخلفها طبية صغار يبكون أباهم , كان ذلك في تمام العاشرة صباحا وإذا بوالدي يهمس في أذني قائلا : إنني عما قليل سألحق بهذا الميت ! قالها وقد ملك الإعياء عليه كله وكأنه كان يشعر بشبح الموت يرفرف من فوقه وقام لينام على السرير , وفي الساعة الثانية نادي على أخي الأصغر وكان يلعب حيث كان طفلا واستغاث به أن يذهب مسرعا إلى طبيب ليدركه ولكن كان ملك الموت أسرع من الطبيب إليه , وما زالت هذه الكلمة ترن في أذني وهو يقول لي : " أسأل الله أن يغفر لى " وسرعان ما غسل وكفن ووضع في سرير المنايا وودعته من البيت حيث سيق إلى مثواه الأخير وبانفضاض ليلة المأتم انفض الأهل والأصحاب !!

الواقع المر !!

لم يكن هناك بد من مواجهة الواقع فقد انهدم ذلك الجدار الذي كان يمثل في حياتي حاجزا منيعا ضد عوامل التعرية . وشعرت بالعواصف الهوج تثور من حولي وزمجرت الرياح القواصف تزعج حياتي . فقد حضر إلينا أحد الأقرباء بل هو في مقام الوالد إنه خالي وشقيق أمي الذي سلبها حقها في ميراث أبيها وقام بتوزيع الأدوار علينا : أشار على أخي الأكبر وكان يومها طالبا بالنسبة الثالثة من كلية الحقوق. أشار عليه أن يترك التعليم ويعمل كاتبا في احدي المحاكم . كما أشار علىّ وكنت يومها أحمل الشهادة الابتدائية الأزهرية . أشار علىّ أن أعمل مؤذنا في أحد المساجد مقابل ثلاثة جنيهات. كما أشار على أخي الذي يصغرني وكان يومها تلميذا في المدرسة الثانوية أن يعمل في محل البقالة الذي تركه والدي . وكان ذلك المحل يومها خاويا على عروشه فلم يبق فيه ما يسد الرمق وكأنه أصبح حزينا على موت صاحبه !! فالوفاء في الأشياء قد يكون أكثر منه في ابن آدم !!

مررت على المروءة وهي تبكي

فقلت : علام تنتحب الفتاة

فقالت : كيف لا أبكي وأهلي

جميعا دون خلق الله ماتوا

كما أشار على أصغرنا أن يلتحق بإحدى الصناعات ليتعلم ويأكل لقمة عيشه ولكن إرادة الله لا تتبع هوي أى إنسان , فإن في السماء مملكة استوي ربها على العرش :

(عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد . فإن سلمت لى فيما أريد . كفيتك ما تريد , وإن لم تسلم لي فيما أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ) .

كان العام الدراسي الجديد قد أوشك أن يبدأ , وفي خلوة بيني وبين شقيقي الأكبر أشار علىّ أن التحق بمعهد القاهرة الديني لأواصل مسيرة التعليم بالأزهر , على أن يقوم بتحويل أوراق من معهد الإسكندرية إلى هناك . وقد كان المعهد قد احتسب العامين اللذين انقطعت فيهما عن التعليم للعلاج – قد احتسبها رسوبا بحيث لم يبق لى سوي سنة استثنائية, إذا رسبت فيها كان المصير فصلا من التعليم لا بقبل شفاعة الشافعين . وتصورت نفسي كأني أشع قدمي على شفا جرف هار لو زلت لكانت الهاوية وما أدراك ما هي؟!.

وفي يوم من أيام أكتوبر 1952 وقبل أن تبرز الغزالة من خدرها وتطل علينا بقرنها والناس ما زالوا في بيوتهم, اصطحبني شقيقي إلى القطار , وخرجت من بلدي أتسلل تسلل القطا مستخفيا أتجنب أسئلة الفضولين , وما أكثرها ! وما أسوأ وقعها على النفس التي تناوشتها السهام من كل جانب ومزقتها رياح الشدائد من كل اتجاه ! ووصلنا إلى مدينة دمنهور , وتنفست الصعداء فقد جاوزت حدود البلد . وركبنا القطار إلى القاهرة حيث كان شقيقي قد استأجر غرفة يقيم بها وهو طالب . وأخذ يسعي جديا في تحويل أوراقي قبل أن ينفرط عقد الأيام فتضيع السنة الاستثنائية, وكما أن المصغر لا يصغر كذلك لا استثناء في الاستثناء .

ولن أنسي موقف هذا الشيخ الجليل : الشيخ سيد الجراحي الذي كان يعمل أستاذا في كلية الشريعة , والذي كانت تربطه بوالدي صداقة , حيث كانا رفيقين في كتاب البلدة فإن الناس لما تنكروا لنا , بل وتنكر لنا الأهل والأقرباء ظل هذا الشيخ وفيا , فقد سعي سعيا حثيثا, حتى قدم الأوراق إلى معهد القاهرة وإن كان ذلك قد تم بعد أن انصرم نصف العام الدراسي ولكن كان لابد مما ليس منه بد , فكان لزاما على أن أحرص على الحضور خاصة وأن فغي السنة الأولي الثانوية علوما لم نكن قد درسناها في القسم الابتدائي مثل الحديث الشريف والبلاغة والمنطق والعروض فكيف أقرؤها من غير أن أفهمها ؟

بين المسكن والمعهد

كانت الغرفة التي أقطنها أنا وشقيقي في حي شبين بدير الملاك وكان المعهد الذي اختلف إليه بحي الدراسة بالقرب من الأزهر وكان ذلك يمثل عبثا ثقيلا علي نفسي ويكلف أخي الكبير من وقته وجهده. فكنا نركب من دير الملاك وننزل بالعتبة ثم نقطع شارع الأزهر والسير فيه صعب لازدحامه وطوله. وكنا نقطعه مشيا على الاقدام. فأصل إلى قاعة الدرس وقد بلغ الإعياء مني مبلغه عندما أجمع أنفاسي المبعثرة ثم يأخذ أخي طريقه إلى كلية الحقوق بجامعة عين شمس على أن يعود إلى بالمعهد ليصحبني إلى المسكن وكثيرا ما كنت أنتظره بجامعة عين شمس على أن يعود إلى بالمعهد ليصحبني إلى المسكن وكثيرا ما كنت أنتظره طويلا حيث كان مرتبطا بمواعيد الدراسة وكم كان يحز في نفسي أن ينصرف الطلاب فرحين بانقضاء يوم ملئ بالعلوم. فرحين لأنهم ذاهبون إلى مساكنهم ليأخذوا نصيبهم من الراحة وأقف أنا وحدي تمر علىّ اللحظات كأنها سلسلة من الجبال , وتساورني الظنون وتشد الأوهام أذني : لماذا تأخر أخي ؟.. وهكذا إلى أن يقطع هذا السكون الرهيب صوت أخي يلقي على السلام فينزل سلامه على قلبي كما تنزل قطرات الندي على الزهة الظمأي فتزرع الطريق إيابا .

ورأيت بمشاعري أن أوفر بعض الراحة لأخي حتي يتمكن من مذاكرة دروسه فأشرت عليه أن يأخذ بيدي إلى الحافلة " الأتوبيس " ويتركني وحدي على أنزل محطة العتبة مستعينا بأحد الناس الذاهبين في طريق المعهد . واستعنت بالله فقد كنت أملك عزيمة صلبة أواجه بها شدائد الأيام إذا عصفت وخطوبها إذا ادلهمت فقد عزمت بعون من الله أن أواصل الطريق مهما تراكمت أمامي العقبات . فقد رأيته محفوفا بالأحراش الأشواك التي آوت إليها العقارب والحيات . إذ سلم السالك فيه من لدغة العقرب فقد لا يسلم من نهشه الثعبان .

مجئ الأم إلى القاهرة

كانت أمي تقيم بالبلدة مع بعض إخوتي , ورأينا أن نجتمع كلنا في القاهرة حتى يكون في ذلك نوع من الاستفزاز فجئنا ببقية الأسرة إلى القاهرة بعد ما استعنا بالله وبعنا المحل الذي كان يعمل فيه أبي كما بعنا بعض الضروريات التي أردنا أن ننفق من ثمنها ولكن سرعان ما نفذ ذلك المال القليل أمام مطارق الأيام الشديدة التي انهالت فوق رءوسنا مما اضطر أخي إلى أن يذهب إلى أحد الأقرباء , وكان يملك المال الكثير . وكان يملك ثمانين فدانا من الأرض الجيدة, وما أن علم ذلك الثري بمقدم أخي حتى ولي هاربا مختبئأ, فكلم أخي زوجة ذلك الثري وكانت على صلة القرابة بنا , وأنه جاء ليقترض ثلاثين جنيها ويضع أوراق البيت الذي كنا نملكه في بلدنا تحت يدي ذلك الثري ليكون في ذلك استيثاق برد الدين . ولكن جاء ذلك كله دون جدوى . عجيب أمر هذه الدنيا , إذا أقبلت على أحد خلعت عليه محاسن غيره فإذا أعرضت عنه سلبته محاسن نفسه !!

وعاد أخي إلى القاهرة والحزن يعتصره فقد عاد بخفي حنين وباتت الأسرة حزينة كئيبة كاسفة البال , فبعنا ما تبقي من الأثاث, ولم نجد بدأ من أن نبيع البيت الذي ورثناه عن أبينا وعرضناه للبيع وكانت المأساة بل الملهاة في موقف الناس منا : إذا عرض ثمن مشرف همس أهل الشر في آذان المشترين بأن لا يساوي هذا الثمن حتى بعناه بيع المضطر بثمن بخس دراهم معدودة وتلك طبيعة الناس إذا فقدوا المروءة والوفاة :

يمشي الفقير وكل شئ ضده

والناس تغلق دونه أبوابها

وتراه ممقوتا وليس بمذنب

ويري العداوة لا يري أسبابها

حتي الكلاب إذا رأت رجل

الغني حنت إليه وحركت أذنابها

وإذا رأت يوما فقيرا ماشيا

نبحت عليه وكشرت أنيابها

وهكذا حكموا على الأشياء حكما باطلا , فكل حسنة للفقير اعتبروها سيئة , كل سيئة للغني اعتبروها حسنة فالفقير إذا كان فصيح اللسان قالوا : إنه ثرثار كثير الكلام وإذا كان كريما قالوا : إنه مسرف متلاف , وإذا كان شجاعا في الحق قالوا : إنه متهور سفيه والغني إذا كان عيّي اللسان قالوا : إنه عاقل رزين وإذا كان بخيلا وإذا كان جبانا . قالوا : إنه حكيم راجح العقل .

وما أجمل ما قاله أحد الحكماء :

رأيت الناس قد مالوا

إلى من عنده مال

ومن لا عنده مال

فعنه الناس قد مالوا

رأيت الناس قد ذهبوا

إلى من عنده ذهب

ومن لا عنده ذهب

فعنه الناس قد ذهبوا

رأيت الناس منفضة

إلى من عنده فضة

ومن لا عنده فضة

فعنه الناس منفضة

لم يكن تحت أيدينا سوي ثمن هذا البيت الذي مثل الجولة الأخيرة في حياتنا المادية وكنا حريصين على ثمنه لا ننفق منه إلا في حدود الضرورة حرص السجين على طعامه . وقد صدق الصادق المعصوم حيث يقول :" لن يجهد الفقراء إلا ببخل الأغنياء " . وحيث يقول :" ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم ".

وإذا تحول المجتمع إلى قوم يستحلبون الصخر , وقوم تتمرغ النعمة في أعتابهم ويشتهون إلا أن يدوسوها بأقدامهم , تهب عليهم النسمات معطرة بالأريج . وغيرهم يلفحهم قيظ الهواجر من فيح جهنم . يوم يصير المجتمع هكذا فقد حق فيه قول الله تعالي : ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة . فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد ) . وحق قوله جل شأنه ( وما كنا مهلكي القري إلا وأهلها ظالمون ) وقوله جل جلاله : ( وما كان ربك ليهلك القري بظلم وأهلها مصلحون ) .

على أبواب الامتحان

ذكرت فيما سبق أن هذا العام الدراسي كان عاما استثنائيا .. الرسوب فيه يؤدي إلى فصلي من المعهد . وكان عاما مليئا بالمشاكل مفعما بالأحداث الأليمة . وقد فاتني شطره لكني بيقيني في الله وثقتي به قد عزمت على أن أخوض غمار هذه الشدائد حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا. وجرت عادة الطلاب أن ينصرفوا قبل الامتحان بشهرين . يتفرغون فيهما استعدادا لدخول الامتحان , وهنا لاحت أمامي أسئلة وعلامات استفهام كان لها وقع السهام على نفسي : من الذي سيذاكر لى هذه العلوم التي فاتتني ؟ وإذا لم أجد من يذاكر لى فبأي شئ أدخل الامتحان ؟. وكنت أحمل ذاكراتي أكثر مما تحتمل إذ كنت أحرص على أن أظل ذاكر لما يلقيه على الأساتذة في قاعات الدرس حتي لا أنساه فأحتاج إلى من يقرؤه لي . ورأيت من الحكمة أن أتفق مع أحد الطلبة لنذاكر سويا , والاتفاق ع أحد الطلبة يمثل مشكلة يعانيها المكفوفون فليس ذلك بالأمر السهل إذ أن الذين يعملون الخير ابتغاء مرضاة الله قليلون . فما الذي يدفع البصري إلى أن يذاكر للكفيف إلا أن المنفعة المتبادلة بينهما فالكفيف , وقد عوضه الله عن نور البصر ذكاء القلب . حريص غالبا على حضور الدراسة , مواظب على السماع من شفاه المدرسين . وتلك جوانب قد تفوت الطالب المبصر , فيجد في مذاكرته مع الكفيف ما فاته . مهم يكن من شئ فقد اتفقت مع أحد الطلبة على المذاكرة معا واتفقنا على ذلك وظننت أنني قد اجتزت هذه العقبة وما أدراك ما العقبة ؟ لقد ظل على عهده معي خمسة أيام بعدها افتقدته فلم أجده . وكنت لا أ‘رف عنوانا فقد ان يأتيني لتذهب سويا إلى أحد المساجد إذ ضيق المسكن لا يسمح لنا بالمذاكرة فيه . وبارك الله في بيته , فقد كانت وما زالت مهابط الرحمة ومنازل السكينة ومساكن الملائكة. في رحابها تعقد مجالس العلم والذكر فتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة وتتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه . يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) .

مفاجأة !!

فوجئت بعد خمسة أيام من مذاكرتي مع هذا الصديق بانقطاعه وقلت : لعله أمر عارض يعود بعده فنواصل ما بدأناه فإن الأمر جد وما هو بالهزل . ولكن مرت الأيام . واقتربت ساعة الامتحان دون أن يذاكر لى أحد , ولم يعد ذلك المرافق إلا أنني فوجئت منه برسالة يقول فيها : لقد سافرت إلى أهلي لأذاكر هناك , وجاءت الرسالة متأخرة مما يدل لى أن هناك ناسا لا يحترمون شعور الآخرين ولا يحسون بإحساساتهم ولا يقيمون للمسئولية وزنا . وهؤلاء ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ,أخذت حلقات السلسلة تضيق وكأني بقول أحد الحكماء :

رماني الدهر بالأرزاء حتى

فؤادي في غشاء من نبالي

فكنت إذا أصابتني سهام

تكسرت النصال على النصال

وقول آخر :

هامت على نفسي الهموم كأنها

وكأنهن فريسة وصقور

ياليل أين النور إني تائه

هل تنقض أم ليس بعدك نور

إن الفرج مع الضيق !!

صدقت يا ربنا فإن مع العسر يسر ا . إن مع العسر يسرا . نعم لن يغلب عسر يسرين وبيان ذلك أن اليسر جاء في الآية منكرا والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولي والعسر جاء معرفا بأل والمعرف إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولي . فلن يغلب عسر يسرين .

رأيتني أمام باب اللجنة وكان الامتحان للمكفوفين شفويا وكان في الغرفة لجنتان : إحداهما تشدد في الامتحان وتطوي رقاب الممتحنين ( بفتح الحاء ) كما يطوي البرق معصرات الغمام والأخرى سهلة ميسورة . فكان الطلبة يتحينون الفرصة التي تمكنهم من الامتحان أمام اللجنة التي ترفق وفوجئت بمن يأخذ بيدي فيجلسني أمام اللجنة المتشددة وحاول أخي أن يخلصي من يد هذا الذي أخذني حتي يذهب بي إلى اللجنة الأخرى . ولكن دون جدوى .

مرت أمامي أشباح رهيبة قبل أن أجلس أمام اللجنة فقد فوجئت بهذا الطالب الذي غدر بالعهد وتركني , فوجئت به يقول لى على باب اللجنة : إن رسبت فسوف أقوم بالمذاكرة لك حتي لو نجحت أنا وسبقتك . وأنا من الذين يتفاءلون بالكلمة الطيبة ولا أحب أن اسمع الكلمة التي تجرح المشاعر ويضيق صدري ولا ينطلق لساني إلا بقول :" إن الله معي " وقلت له : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولي الصالحين .

كما مر بي شبح رهيب وأنا على وشك أن أتلقي سهام الأسئلة من اللجنة . قلت في نفسي : لو لم أوفق في الامتحان أما لجنة شديدة المراس فماذا يكون المصير ؟ وكيف يكون الحال أمام متاعب الأيام ومصاعبها؟. ولكن سرعان ما زال هذا الشيخ أمام قول رسول الله صلى الله عليه :" لا يقولن أحدكم لو كان كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ".

أمام اللجنة

يا صاحب الهم إن الهم منفرج

أبشر بخير فإن الفارج الله

اليأس يقطع أحيانا بصاحبه

لا تيأسن فإن الكافي الله

الله يحدث بعد العسر ميسرة

لا تجز عن فإن الصانع الله

إذا بليت فثق بالله وارض به

إن الذي يكشف البلوي هو الله

والله مالك غير الله من أحد

فحسبك الله في كل لك الله

جرت على لساني آيات ودعوات قبل أن أتلقي سهام الأسئلة سبقتها سمعتها في التشديد والصعوبة كنت أردد قوله تعالي :( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا ) وقوله جل شأنه : ( رب اشرح لي صدري ويسر لى أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ). كما رددت هذا الدعاء المأثور : " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث ".

وجلست أمام اللجنة ورأيتني وأنا جالس على مفترق الطرق فإما نجاح يفتح الباب أما مستقبل زاهر ترتوي فيه النفس بماء العارف وإما إخفاق يؤدي إلى سلسلة متصلة الحلقات من الشدائد لا يعلم إلا الله وحده مداها . وبينما تتقاذفني تلك الأمواج العاصفة إذ تنبهت على صوت أحد العضوين سألني عن اسمي . وقلت في نفسي إن هذا الصوت ليس غريبا علي ورجعت القهقري ثلاث سنوات وعلمت أنه صوت الأستاذ الفاضل الشيخ " أحمد الكومي " وهو رجل معروف بالعلم فهو ذو قدم راسخة فيه . ولن أكون مبالغا إذا ما قلت : إنه رجل يتفجر العلم من جوانبه . وكان قد سبق أن تتلمذت عليه في القسم الابتدائي بمعهد الإسكندرية , وجلست أمامه في لجان الامتحان , وبحق كان صوته وهو الرجل الكفيف , بمثابة الأمل الذي أضاء في ليل كموج البحر أرخي سدوله علىّ بأنواع الهموم . سألني الشيخ بصوت ملئ بالرحمة بأى العلوم تحب أن نبدأ الامتحان ؟. وفهمت من هذا السؤال أنه يريد أن أختار علما أكون فيه ليبعث في نفسي رباطة الجأش وفي قلبي برد اليقين وطلبت أن أبدأ بعلم النحو لأنني والحمد لله أحبه . بل هو يمثل في نفسي متعة عقلية فقد تتلمذت فيه على يد عالم فاضل جعلت منه قدوة طيبة لى هو الشيخ محمد مصطفى جاد , عليه سحائب الرحمة فقد كانا شابا عالما أنار الله قلبه بمعرفته , وانعكس ذلك النور من قلبه على وجه فكنت تعرف في وجهه نضرة النعيم نعيم التقوي .

ليس الجمال بأثواب تزيننا

إن الجمال جمال العلم والأدب

كان الرجل يؤدي عمله كرسالة بعيدا عن قيود الوظيفة . فكان لعام الدراسي إذا أوشك أن ينقضي دعانا إلى الحضور ليلا لنتلقي على يديه من الدروس الإضافية ما شاء الله أن نتلقي حتي يكمل لنا المنهج ونتصرف بعد الكمال والتمام هذا رجل والرجال قليل . وهذا القليل فيه الخير والنفع العظيم .

تعيرنا أنا قليل عديدنا

فقلت لها إن الكرام قليل

وما ضرنا أنا قليل وديينا

صحيح ودين الآخرين عليل

زارني محمد ابن الشيخ محمد مصطفى جاد وكان طالبا في كلية أصول الدين , زارني بجامع الملك وأنا إمام المسجد . وبعد أن عرفني بنفسه أخبرني أن والده قد توفي . وقد أوصاه أن يعودني فإذا ما اختلفوا في مسألة من المسائل ن يرجع إلىّ في الخلاف وسألته أن يحدثني عن شئ من حياة أبيه فإني أحب الصالحين واعلم أنه إذا ذكر الصالحون نزلت الرحمة . فقص علىّ مشهدا مهيبا : كان أبوه رحمه الله إذا فرغ من أداء واجبه ومن إلقاء الدروس بالمعهد انصرف لخدمة مسجد مجاور لبيته يقوم فيه بالإمامة وقراءة درس في التفسير والحديث والفقه . فإذا ما انصرف بعد صلاة العشاء قام بتنظيف المسجد بما في ذلك دورة المياه. وذات يوم وقف على سلم متنقل فسقط من فوق درجة وانكسرت ذراعه اليمني ووضع في الجبس وبات راضيا عن قضاء الله وقدره . فقضاء الله لا يقابل بغير التسليم وليس له عدة سوي الصبر الجميل . ولكنه وهو الراضي عن قضاء الله كان حزينا على كسر ذراعه حيث لم يتمكن من القيام بواجبه في تنظيف المسجد . ولكنه وهو الراضي الحزين ما أن غزا الكري عينيه حتى رأي في المنام رسول الله صلي الله عليه وسلم ورؤياه حق فقد أخبر:" من رآني في المنام فقد رآني حقا . فإني الشيطان لا يتمثل بي :" لقد مدّ الرسول يده إليه مصافحا وشدّ على ذراعه المكسور فقام من نومه وقد شفاه الله وعافاه . عكست شخصية هذا العالم انطباعا جياشا من حب العلم والاغتراف من حياضه مما جعلني أعتز به وبعلمه . فكان علم العربية حبيبا إلى نفسي .

مع الشيخ أحمد الكومي

بدأنا بعلم النحو والرجل لا يريد أن يعرفني بنفسه وكأنه لا يعرفني ولا أعرفه حتى لا يشعر العضو الآخر بذلك فيشدد على في أسئلته وأنا أعلم أن الشيخ أحمد الكومي رجل لماح الذكاء . وفي الإشارة ما يغني عن العبارة, وفي التلميح ما يغني عن التصريح . ودخلت نقاش عنيف مع العضو الآخر في مسألة من مسائل النحو تقول : كل ما جاز أن يعرب عطف بيان جاز أن يعرب بدلا إلا في مسألتين وتدخل الشيخ الكومي وهو يعلم أنني على حق . تدخل بصوت خفيض وخاطبني بقوله : إن فضيلة الأستاذ يريد أن يبصر بمسألة طال فيها الخلاف بين النحاة , فكن على بينة من ذلك . وعلمت أنه يريد أن ينهي هذا الجدال . ثم انتقلنا إلى المواد الأخرى وقلبناها على بساط البحث والأسئلة , وجاء موضوع الإنشاء وكنا على وشك الانتهاء من الامتحان فأراد الشيخ أن يعطيني إشارة أستدل بها على أنه يذكرني جديا ويعرفني فقال لى : صف لنا ذلك المنظر البديع عندما تشرق الشمس فتبدد غياهب الظلمات وينطلق الناس سعيا وراء لقمة العيش والأمل يملأ نفوسهم وقد بدد غياهب اليأس فقال العضو الآخر وكان شيخا ضريرا : إن هذا الموضوع يحتاج إلى إنسان مبصر وهذا الطالب كفيف . فقال له الشيخ : لقد كان مبصرا وكف بصره يعد سبعة عشر عاما , وأنا أعلم عن حياته الكثير وتحدثت في موضوع الإنشاء ما شاء الله لى أن أتحدث , وكان مسك الختام في الامتحان القرآن الكريم , وأراد الشيخ أن يعلمني بنتيجة الامتحان وذلك بسؤالي في القرآن الكريم بالآيات المبشرة. أراد أن يسلط أضواء الأمل على قلبي فقال لى : اقرأ من سورة الزمر : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) وختم الأسئلة في القرآن الكريم بسورة الضحي ووقف بي عند قوله تعالي : ( ولسوف يعطيك ربك فترضي ) وانصرفت وقلبي يلهج بالرضا ولساني يردد الحمد لله . فقد كنت أشعر بنعمة لا تعادلها نعمة وهي أن الله تعالي سيجعلني من حماة الإسلام وحراس العقيدة .

ولرب نازلة يضيق بها الفتي

ذرعا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فرجت وكنت أظنها لا تفرج

إن يد الله تعمل في الخفاء فدعوها تعمل بطريقتها الخاصة , فليس لأحد أن يستعجلها أو يقترح عليها .

وإذا رميت من الزمان بشدة

وأصابك الأمر الأشق الأصعب

فاضرع لربك إنه أدني

لمن يدعوه من حبل الوريد وأقرب

سبحانه وتعالي عز كل ذليل وغني كل فقير وقوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سره ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلب .

لا تضيقن بالأمور فقد تكشف

غماؤها بدون احتيال

ربما تكره النفوس من الأمر

له فرجة كحل العقال

سبحانه لا ينقصه نائل ولا يشغله سائل واحد بلا عدد قائم بلا عمد , دائم بلا أمد .

دع المقادير تجري في أعنتها

ولا تبيتن إلا خالي البال

ما بين طرفة عين وانتباهتها

يغير الله من حال إلى حال

البحث عن صديق

استقبلت العطلة الصيفية ولم يكن لى صديق أو رفيق في وحدتي إلا كتاب الله أتلوه آناء الليل وأطراف النهار فهو كما يقول الإمام الشاطبي .

وخير جليس لا يمل حديثه

وترداده فيه تجملا

وحيث الفتي يرتاع في ظلماته

من القبر يلقاه سنا متهللا

فمن أراد مؤنسا فالله يكفيه ومن أراد حجة فالقرآن يكفيه ومن أراد الغني فالقناعة تكفيه ومن أراد واعظا فالموت يكفيه ومن لم يكفه شئ من هذا فإن النار تكفيه.

ظهرت النتيجة وجاءني شقيقي عبد الستار يحمل كشف الدرجات فرحا مسرورا فقد كانت النهايات الكبري في العلوم تزين الكشف كما تزين النجوم سماءها . وحمدت الله تعالي فقد كان الكشف بالنسبة إلىّ! ضوءا أخضر ينير لى الطريق ويضع معالمه على الجانبين مبشرا بمستقبل طيب كريم . لكن كان يعكر علىّ صفوي ما سأعانيه من عدم وجود رفيق يلازمني في غدوي ورواحي إلى المعهد , ويقرأ لى الدروس حتي تسير سفينة الحياة في جو معتدل فكان لابد من البحث عن صديق وفي يصدق الوعد أقيم معه في مسكن قريب من المعهد .

العام الجديد

نقضت العطلة الصيفية وأقبل العام الجديد وتحركت مواكب الأيام وكما قال القائل :

غدا سيصبح أمسي لا يعارضني

في ذاك حي وأمسي لن يصير غدي

فأيامنا خمسة : يوم مفقود , ويوم مورود, ويوم مشهود , ويوم موعود, ويوم ممدود , أما اليوم المفقود : فهو الذي مضي ولم يعود , وأما اليوم المورود : فهو اليوم الذي يناديك فجره : يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة . وأما اليوم المشهود : فهو اليوم الذي لا يعلم ما فيه إلا علام الغيوب فهو في خمسة أمور من الغيب لا يعلمهن إلا الله .

رأي الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه ملك الموت فسأله : كم بقي من عمري فأشار له الملك بأصابعه الخمس فقال له الإمام : أخمس سنوات أم شهور أم أيام ؟

ولكن الإمام استيقظ قبل أن يجيبه الملك فذهب إلى من يعبر له الرؤيا فقال له يا إمام : ما أراد الملك بها سنوات ولا شهورا ولا أيام إنما أراد أن يقول لك : إن سؤالك في خمسة أمور من الغيب لا يعلمهن إلا الله ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) .

واليوم الموعود : هو اليوم الذي يتم اللقاء فيه بين الروح وخالقها :

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثوان

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثان

واصبر على نعم الحياة وبؤسها

نعمي الحياة وبؤسها سياق

اليوم المدود : هو اليوم الذي لا يوم بعده ( يوم يقوم الناس لرب العالمين )

(يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفي على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . اليوم تجزي كل نفس بما كسبت . لا ظلم اليوم . إن الله سريع الحساب )

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت

أن السلامة ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه

وإن بناها بشر خاب بانيها

أين الملوك التي كانت مسلطنة

حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها

ودورنا لخراب الدهر نبنيها

هل من صديق؟!

بذلت الجهد الجهيد بحثا عن صديق نعيش سويا سعيا وراء طلب العلم ورزقني الله إنسانا قضيت معه أربع سنوات حتى حصلت على الشهادة الثانوية الأزهرية وكانت المرحلة الثانوية يومها خمس سنوات كان هذا الصديق هو الأخ محمد الطوخي , والحق أنه كان معي وفيا وبي حفيا فقد استأجرنا غرفة في أحد الأحياء القريبة من الأزهر في بيت أكل الزمان عليه وشرب وأناخ عليه الدهر بكلكله فقد كان عريقا في القدم قد كاد يهدمه النسيم وكادت تذروه الأعاصير وتراه من فرط الهزال تكاد تثقبه الخواطر .

كان هذا الطالب قد مات أبوه في صغره وكفله جده لأبيه وكما يقولون " وهبة للعلم وذات يوم زاره جده في تلك الغرفة التي كنا نقيم بها وسأله عني فقال له : إنه طالب أهل علم وأدب , فسر الرجل إذ وجد من يلزم حفيده في طلب العلم فأوصاه بي خيرا . كما أوصاه أن يأتي بي معه عند انتهاء العام الدراسي قبل الامتحان لنستذكر معا , ووقعت هذه الكلمة في نفسي موقع الماء البارد في فم الظمآن , فوجدت مكانا خاليا في القلب فتمكنت منه فضل تمكن . فقد كان في نفسي فراغ رهيب يحتاج إلى من يضع اللمسات الصادقة وذلك من حيث من يقوم معي باستذكار العلوم .

كثيرا ما كنت أعاني من فقد الصديق الصدوق .

فما كل من تهواه يهواك قلبه

ولا كل من صافيته لك قد صفا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

فلا خير في ود يجئ تكلفا

ولا خير في خل يخون خليله

ويلقاه من بعد المودة بالجفا

وينكر عيشا قد تقادم عهده

ويظهر سرا كان بالأمس في خفا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

صديق وفي يصدق الوعد منصفا

أوشك العام الدراسي أن ينقضي وقد أخذ الطلاب ينصرفون إلى بلادهم ليذاكروا الدروس استعدادا لدخول الامتحان وكنت في العام الماضي أعاني من هذه الأيام التي ينصرف فيها الطلاب فرحين مقبلين على الجد وتحصيل الدروس وأنا الحزين الذي أبحث عن صديق يلازمني في القراءة فلا أجد . لكني والحمد لله كما قال تعالي ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) . لقد علمت أن هذا الأخ سيصحبني إلى بلده لنذاكر سويا ومن ثم فإنني سأدخل الامتحان وقد اتخذت له عدته فيصير خوفي أمنا وقلقي طمأنينة ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) وأنا من الذين يتحملون شظف العيش وقسوة الحياة في سبيل العلم فمن أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم . ومن أراد هما معا فعليه بالعلم .

العلم فيه حياة للنفوس كما

تحيا البلاد إذ ما مسها المطر

والعلم يجلوا العمي عن قلب صاحبه

كما يجلو سواد الظلمة القمر .

والعلماء ورثة الأنبياء في سبيل هذه المبادئ هانت علىّ شدائد الأيام . لم يكن سفري إلى بلد صديقي هينا على نفسي . ذلك والحق يقال أنني شديد الحساسية في منامي ويقظتي ومأكلي ومشربي وملبسي. فليس كل مأكل أقبل عليه متأدبا في ذلك بالحديث الشريف :" ما عاب رسول الله صلي الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه " وفي منامي إذ أشعر عندها باختناق . أحب الماء لأنه يعطيني دفعة قوية . وقد صدق الله تعالي إذ يقول :( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهكم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) أحبه وضوءا واغتسالا, وأحبه شرابا باردا وأحب سماعه خيرا متدفقا . وقد جل جلاله الله إذ جعل من نعيم الجنة أنهارا تنوعت حسنا وجمالا ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفي )

فهل سأجد هناك حيث الإقامة التي ستستمر خمسة وأربعين يوما هل سأجد هناك ما أنشده من هذه المطالب وتستريح له نفسي ؟ لكن كل هذه التساؤلات قد زالت في سبيل الهدف الأعلي .

( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين . واصبر وما صبرك إلا بالله )

ومن تكن العلياء همة نفسه

فكل الذي يلقاه فيها محبب

إذا أنا لم أعط المكارم حقها

فلا عزني خال ولا ضمني أب

وقال آخر :

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

وقال ثالث :

لاستسهلن الصعب أو أدرك المني

فما انقادت الآمال إلا لصابر

وقال رابع :

لا تحسب المجد تمرا أنت آكله

لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

حقيقة أن الله تعالي يعوض عن نور البصر ذكاء القلب . ولما كف بصر الإمام عبد الله بن عباس قال :

إن ذهب الله من عيني نورهما

ففي فؤادي وعقلي منهما نور

عقلي ذكي وقلبي ما حوي دخلا

وفي فمي صارم كالسيف مشهور

سافرنا إلى بلدة صديقي وكانت احدي قري محافظة القليوبية, وتمتاز قري القليوبية بحدائقها الغناء وأزهارها الفواحة الأريج وهوائها العليل ,وكانت القرية التي يقيم بها صديقي تسمي " كفر الجمال " وتشتهر بزراعة الذهب الأصفر بحدائق البرتقال فكنا نخرج في نسيم الفجر إلى تلك الحدائق ونفتح كتب العلم ونقرأ ما شاء الله لنا أن نقرأ , وقد أذن لنا أن نأكل من تلك الأثمار بين آونة وأخري .

وبين الأشجار قد نبتت خضروات نسميها نحن " بالسريس والجعضيض " فحولت الأرض إلى بساط سندسي أخضر أمامنا جداول الماء رقراقة وحولنا الهواء نظيفا نقيا غنيا بالأوكسجين , خرير الماء وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار وأطايب الثمار وجني الجنان : كل هذه نعم أنعم الله بها علينا لا نستطيع أن نقوم لله بشكرها فالحمد لله على كل حال حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده .

وكان لهذا الصديق عم كريم الخلق , عندما انصرفنا إلى القاهرة لأداء الامتحان رأي الرجل أن يقدم لي هدية, فعبر عن ذوق رفيع فقد كانت هديته قطعة من القماش أعطاها لخياط القرية فصارت ثوبا جميلا خفيفا في حر الصيف ساعد مع ثوبي الذي كان يشكو ألم الوحدة كما أعطاني جنيها جديدا وكان الجنيه يومها ذا قيمة . كما كان لهذا الصديق جدة لأبيه كانت سيدة صالحة. كان لسانها دائما رطبا من ذكر الله عندما علمت بسفري زودتني بخيرات تشتهر بها القرية المصرية من خبز وزبد وجبن . وما من شك في أن المعني الكبير الذي اشتمل عليه ذلك الموقف كان بمثابة الدواء لداء طالما استعصي علاجه إنه يحمل معني الوفاء والمروءة فالماديات في ذاتها لا تحتل حيزا كبيرا في الناس بما تحمله من قيم ومثل قال صلي الله عليه وسلم :" صاحب المعروف لا يقع وإذا وقع وجد متكئا " وقال : " البر لا يبلي والذنب لاينسي والديان لا يموت . اعمل ما شئت كما تدين تدان " وقال : " اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله . فإن صادف أهله فهو أهله وإن لم يصادف أهله فأنت أهله ".

ازرع جميلا ولو في غير موضعه

فلن يضيع جميل أينما زرعا

إن الجميل وإن طال الزمان به

فليس يحصده إلا الذي زرعا

روي أن رجلا من بني إسرائيل كان يتناول الطعام مع زوجته وكان أمامهما دجاجتان فطرق الباب مسكين فنهره الرجل ورده ردا غير جميل واستاءت زوجته لهذا التصرف السئ ودارت الأيام دورتها وافتقر الرجل وطلق زوجته وتحرك الفلك ومضت الأيام وتزوجت تلك المرأة بغيره , وفي ذات يوم كانت تتناول الطعام مع زوجها وكان أمامهما دجاجتان وطرق الباب مسكين فأمرها أن تعطيه احدي الدجاجتين ففعلت ولكنها عادت باكية فسألها أتبكين من اجل دجاجة تصدقنا بها ؟ قالت له لا . قال : فما يبكيك إذن ؟ قالت له : أتدري من السائل ؟! أنه زوجي الأول !! قال لها : أتدرين من أنا ؟!! وأنا السائل الأول !!

( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) ( يا ابن آدم أنفق انفق عليك ) . ( الأغنياء وكلائي والفقراء عيالي . فإذا بخل وكلائي على عيالي أخذتهم ولا أبالي ) . ومن أراد الله فليلتمسه في الفقراء , والأكباد الجائعة أولي بالصدقات من بيت الله الحرام .

لا تهن الفقير علك أن

تركع يوما والله قدر رفعه

قال حكيم :

إذا جاءت الدنيا عليك فجد بها

على الناس واعلم أنها تنقلب

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت

ولا البخل يبقيها إذ هي تذهب

وقال آخر :

هي الأيام لا تبقي عزيزا

وساعات السرور بها قليلة

إذا نشر الضياء عليك نجم

وأشرق فارتقب يوما أفوله

بحمد الله تعالي وبتوفيق منه جل شأنه اجتزت الامتحان وكان ترتيبي فيه الأول وكانوا يصرفون للأول مكافأة سنوية قدرها خمسة جنيهات, وكنا نلاقي الأمرين في صرفها والتسويف فيها , وكان الموظف البائس إذا صرفها لابد أن يحيطها بكلمات مسمومة مثل : لماذا لم يكن على أيامنا مثل هذه المكافآت ؟ وماذا بذلتم من المتاعب حتى تستحقونها ؟ وكنا نلتمس له الأعذار فكلنا في الهم شرق . إنه الآخر قد عضه الدهر بنابه وأناخ عليه بكلكله, حتي صار من تجوز عليهم الصدقة , بل هو أولي بها من قوم احترفوا المسألة . أما هذا وضرباؤه فممن يقول الله تعالي في شأنهم ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا . وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) .

وجاءت السنة الثالثة

نجحت أنا وصديقي ولله مزيد الحمد والمنة وقد كان نجاحه نجاحا لي . وتفاءل أهله بمرافقته لي . وليس ثمة أدني شك في أن الصاحب الطيب والجار الطيب والمرافق الطيب من النعم الكبري التي ينعم الله بها على عباده . قال صلي الله عليه وسلم :" لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي" وقال : " خير الأصحاب من إذا ذكرت الله أعانك وإذا نسيت ذكرك . وشر الأصحاب من إذا ذكرت الله لا يعنيك وإذا نسيت لا يذكرك " لذلك أوصانا مولانا تبارك اسمه بالإحسان إلى هؤلاء قال تعالي : ( واعبدوا الله لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا).

كان الإمام الغزالي رضي الله عنه يقول : إذا أثني على الرجل جيرانه في الحضر ومرافقوه في السفر ومعاملوه في الأسواق فلا تشكوا في دينه .

ومن سعادة المؤمن الزوجة الطيبة والجار الطيب والدار الواسعة والدابة السريعة ..

نعم :

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

في السنة الثالثة من القسم الثانوي حصل تحول في حياتي فقد أشار على أحد الأصدقاء وهو الأخر عبد العزيز ندا , وكانا شابا مستقيم الخلق , هادئ الطباع أشار على أن نلتحق سويا بالجمعية الشرعية لنقوم بخطبة الجمعة في مساجدها ووجدت هذه الفكرة صدي في نفسي وسألت : هل لذلك من شروط ؟ وكانت الإجابة من أحد العاملين بها أن الشروط سهلة منها : حفظ القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية والقدرة على الخطابة , واصطحبني الأخ عبد العزيز بعد ما كتب كل منا طلب الالتحاق . وذهبنا إلى المقر الجمعية الرئيسية بحي المغربلين. ذهبنا وكانت السماء تمطر , وعند نزول الغيث يستجاب الدعاء قال جل شأنه ( وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد )

كما يستجاب الدعاء عند إقامة الصلاة ورؤية الكعبة – شرفها الله –وعند التحام الصفوف أى : وقت القتال في سبيل الله ..وقبلت طلبات الالتحاق وحدد لنا موعد للاختبار وذهبنا لأداء الاختبار وكانت اللجنة مكونة من عضوين من علماء الجمعية وهما العالمان الجليلان: فضيلة الشيخ على حسن حلوة وفضيلة الشيخ عيسي عاشور . وسألني الشيخ : هل سبق لك أن خطبت الجمعة ؟ قلت : نعم في مساجد بلدتي . قال : كم كان سنك يومها ؟ قلت : ستة عشر عاما . قال : تصور نفسك على المنبر وقد اجتمع المسلمون لصلاة الجمعة وقمت فيهم خطيبا . فماذا عساك أن تقول ؟ فحمدت الله وأثنيت عليه ونطقت بالشهادتين فانطلقت في الحديث وقد فتح الله عليّ مغاليق المعاني وكان موضوع الخطبة إلى ما زلت معتزا بها :" دعوة المسلمين إلى وحدة الصف والهدف والإخوة في الله " انطلاقا من قوله تعالي : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) أما عن الإخوة في الله فكانت انطلاقا من قوله جل شأنه : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض . يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ).

وانطلاقا من قوله صلي الله عليه وسلم :" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالحمي والسهر " وقوله صلي الله عليه وسلم " المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخري ".

في مساجد الجمعية الشرعية

ما زلت أذكر وأنا ألقي خطبة الاختبار أمام العالمين : الجليلين : ما زلت أذكرهما وهما يبكيان بقلب مفعم بالخشوع والخشية أثناء سماعهما للخطبة مما جعل الشيخ على حلوة فتي الجمعية يأخذ بيدي إلى السكرتير ويقول له : أعطه أكبر المساجد ليقوم فيه بخطبة الجمعة. وكن مطمئنا , وكانت هذه الكلمة فاتحة خير فقد ظللت ثماني سنوات أتنقل فيها من مسجد إلى مسجد ومن حي إلى حي داخل القاهرة وخارجها من المحافظات . ولقد كان عملي بتلك المساجد بمثابة تمحيص . فقد عاشرت الناس وخبرتهم وشاركتهم أفراحهم وأتراحهم . وزرتهم في بيوتهم وزاروني في بيتي . وكانت أعظم ثمرة من ثمار العمل بالمساجد – وما أكثرها – الإخوة في الله , فقد التف حولي مجموعة من الشباب المسلم آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيا ورسولا . كانت هذه المعرفة من أسمي أنواع المعارف لأنها في الله وفي أشرف الأماكن ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار . ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) .

إن رسالة المسجد هي الإسلام كله فيوم يصير المجتمع مسجديا والمسجد مجتمعا تحل فيه المشاكل في ظل الكتاب والسنة يومها سنخرج على الدنيا كالبحر الطهور الذي تنساب أمواجه تغسل وجه الأرض من أرجاسها وأنجاسها وأدناسها ,يومها سنقول بملء الأفواه سنطبب المريض بدوائنا , وسنؤمن الخائف في رحابنا , وستتلو على الدنيا كتاب جهادنا , صمت أذن الدنيا إن لم تسمع لنا . لقد كانوا قديما يفخرون بأن فلانا مسجدي إن تلقى علومه في المسجد , كما يفخر الناس في عصرنا هذا بأن فلانا جامعي ذلك لأن المساجد كانت حلقات دراسية لا تنقطع دروس فلعلم منها من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء , وقد ورد أن النبي صلي الله عليه وسلم دخل المسجد ذات يوم فوجد به حلقتين : وجد به قوما يذكرون الله وآخرين يقرءون العلم ويتدارسون كتاب الله فيما بينهم فجلس النبي صلي الله عليه وسلم مع الذين يدرسون العلم فسألوه : أيهما خير يا رسول الله ؟ فقال : هذا خير وهذا خير ولكني بعثت معلما .

نعم..

العلم كالغيث والأخلاق تربته

إن تفسد الأرض تذهب نعمة المطر

إبليس أعلم أهل الأرض قاطبة

والناس تلعنه في البدو والحضر

إن المساجد منازل السكينة وهابط الرحمة يعمرها المؤمنون الخاشعون الذين هم على صلواتهم يحافظون. انظر جلال الجمع وتأمل أثرها في المجتمع وكيف ساوت العلية بالزمع . وفي المساجد يتعارف الناس , وبالتعارف يتبادلون التزوار في الله , طوبي لهم أولئك مصابيح الهدي تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء والناس في مساجدهم والله في حوائجهم تقضي حوائجهم لأنهم تأخروا في ذات الله وفي أطهر الأماكن وأقدس الرحاب .

( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتي الزكاة ولم يخش إلا الله . فعسي أولئك أن يكونوا من المهتدين ) وقال صلي الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " وقال : " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " .

( يا أيها الذين آمنوا إلى الله توبة نصوحا عسي ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه . نورهم يسعي بين أيديهم وبأيمانهم . قولون ربنا أتمم لنا نورنا . واغفر لنا إنك على كل شئ قدير ) .

قال صلي الله عليه وسلم :" المسجد بيت كل تقي " وقال :" إن للمساجد أوتادا جلساؤهم الملائكة "

إخوان كرام

إن أخاك الحق من كان معك

ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك

شئت فيك شمله ليجمعك

إن من أعظم النعم التي ينعم الله بها على عبده أن يرزقه إخوانا أصفياء القلوب . أنقياء السريرة . أتقياء الأفئدة . وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله والشدائد مقياس الصداقة .

جزي الله الشدائد كل خير

عرفت بها عدوي من صديقي

وهل قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :" أبو بكر كالغيث أينما وقع نفع " إلا لوفاء أبي بكر الله ولرسوله لقد جاء بماله كله مما جعل المصطفي صلي الله عليه وسلم يسأله : ماذا تركت لأولادك من بعدك يا أبا بكر ؟ على الفور ومن غير إعمال فكر أجاب أبو بكر بلسان اليقين ومنطق الحق المبين :" تركت لهم الله ورسوله " فكان حريا أن ينزل الأمين جبريل على رسول الله ويقول له " السلام يقرئك السلام ويقول " اقرئ أبا بكر من ربه السلام وقل له : ربك راض عنك . فهل أنت راض عن الله ؟ قال أبو بكر يا رسول الله كيف لا أرضي عن الله وأنا أتمني رضاه ؟!"

وخديجة .. ما خديجة ؟! وما أدراك ما هي ؟ حظها من الوفاء حظها ومكانتها من قلب الرسول مكانتها . كانت تأسو بحنانها جراحه وتريش بعطفها جناحه . فكانت جديرة أن يقرئها الله السلام من فوق سبع سماوات . لقد جاب سفير الأنبياء السماء وطوي بأجنحته السبع الطباق وهبط عل الصادق المعصوم وقال له : " أقرئ خديجة من ربها السلام " ... فهما اثنان سلم الله عليهما من فوق سبع سماوات : نزل كبير أمناء وحي السماء بهذا السلام من رب العزة إلى أمين الأرض والسماء محمد خاتم الأنبياء إذا ذكر الوفاء فهو خديجة . وإذا ذكرت هي فهي الوفاء . أليست هي التي قالت للصادق المعصوم :" والله لا يخزيك الله أبدا . إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث تحمل الكل وتكسب المعدوم , وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر ؟!

لقد عرفت في المساجد رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه فكانوا معي أوفياء ولقد شعرت نفسي بدفء الأخوة وامتلأ قلبي بصفاء المودة , فلقد كنت في مسيس الحاجة إلى من يأخذ بيدي ويقرأ لي ويملأ على فراغي . فالنفس كالزجاجة إن لم يملأها شئ ملأها الهواء ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك :

دقات قلب المر قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذكر للإنسان عمر ثاني

واصبر على نعم الحياة وبؤسها

نعمي الحياة وبؤسها سيان

كان نظام الخطابة في مساجد الجمعية الشرعية يقتضي التنقل في كل أسبوع إلى مسجد مختلف مما أدي إلى كثرة التعرف على الإخوة . وكان في ذلك خير كثير قال تعالي : ( لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) لقد كنت قبل الالتحاق بالجمعية الشرعية أشكو ألم الفراغ . قد قال صلي الله عليه وسلم :" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " فالفراغ نعمة إذا كان في طاعة الله وابتغاء مرضاته وكذلك الصحة إذا استعملت فيما يرضي الله ورسوله . وقد يغبن المرء ويضيع أجره عندما يصير فراغه لهوا ولعبا , وتصير صحته اعتداء على الضعفاء وقد صدق الإمام على - رضي الله عنه – إذ يقول : " إذا غرتك قوتك على ظلم الناس فانظر إلى قدرة العزيز الجبار من فوقك " .. وجميل ما قاله الشاعر :

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

إن أغلي شئ ع في هذه الحياة الأخوة في الله . وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله . قال الصادق المعصوم صلوات ربي وسلامة عليه " ومن أحب الله وأبغض لله وأعطي لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" وكل صداقة في الدنيا تقوم على معصية الله عداوة يوم القيامة . وكل أخوة تقوم على الحب في الله وابتغاء مرضاته أخوة كريمة يوم القيامة . قال تعالي : ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) نعم إنهم على منابر من نور إنهم ليسوا أنبياء ولا شهداء لكنهم يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله تعالي . فوالله إنهم لعلي نور وإن وجوههم لنور . لا يخافون يوم يخاف الناس ولا يحزنون يوم يحزن الناس ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولا تبديل لكلمات الله , ذلك هو الفوز العظيم ).

دعوة مستجابة

لما أكرمني الله بفقد البصر عوضني عنه كثيرا من نعمه التي لا تعد ولا تحصي فلقد دعوت الله في ساعة صفاء مع النفس وصدق مع القلب قلت " اللهم إن كنت استرجعت مني موهبة البصر فاجعل أفئدة من الناس تهوي إلىّ " فكان فضل الله عظيما . فقد جعل أفئدة صالحة تهوى إلىّ , تملأ على فراغي وتشاركني شدائد الأيام إذا صدمت , وتداو الجراح إذا التهبت . وحق , ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم " فلينظر أحدكم من يخالل".

امتلأت العطلة الصيفية عملا ودرسا وتحصيلا . وإنني لا أنسي احدي العطلات الصيفية التي قضيتها عاكفا على قراءة التفسير في كتاب التفسير الواضح للمرحوم الشيخ حجازي . فقد كنت أقضي الليل كله حتى أصلي الفجر في قراءة هذا الكتاب الذي امتاز باليسر والوضوح والبعد عن الغرائب , فإن مما ينقص الدعاة إلى الله أنهم لا يقرءون تفسير القرآن كله , مما يؤدي بهم إلى عدم الإلمام بمواطن الاستشهاد ومواقع الأدلة . أذكر أن الطالب الذي كان يقرأ معي التفسير سأل مدرس الدين في المدرسة الثانوية عن معني قوله تعالي : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه : فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) قال الطالب لأستاذه : كيف يظن رسول من رسل الله أن الله لن يقدر عليه ؟! أليس هذا اتهاما بالعجز جل الله عن ذلك وتعالي علوا كبيرا ؟! قال الأستاذ في الإجابة :ومن قال لك إن يونس كان رسولا ؟! وعلى الفور قال الطالب لأن الله تعالي قال : ( وإن يونس لمن المرسلين ) فسقط في يديه ولم يحر الأستاذ جوابا , فقال للطالب : هل سلطك أحد علي ؟ وانتهت المأساة !! إن المأساة التي تعانيها في الأزهر أنه لا يعطي القدر الكبير من التفسير للطلبة , فقد كنا ندرس نماذج من الآيات قد لا تتجاوز العشرين آية في السنة الدراسية. وما زلت أذكر أن أحد الشيوخ في كلية أصول الدين كان مقررا عليه أن يفسر لنا سورة المائدة فما فسر منها سوي آيتين من أولها , وعندما بدأ في تفسير الآية الثالثة –وهي قوله تعالي ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخفضة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم, وما ذبح على النصب , وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ) إلى آخر الآية, ظل يتكلم عن الميتة حتى أوشك العام الدراسي أن ينصرم , حتى قال له أحد الطلبة مداعبا : يا سيدي الشيخ أرجو أن تنتقل من تفسير الميتة إلى غيرها بسرعة , قال الشيخ : ولم يا فتي ؟ قال الطالب : لأننا لو ظللنا أكثر من ذلك في تفسير الميتة لأكل الناس المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنهم لم يعرفوها ولم يدركوا معناها . أما الجميع فإنه يعرف الميتة , فليست في حاجة إلى مزيد بيان !!

إن قوله تعالي ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ) سأل فيها أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الإمام الجليل عبد الله بن عباس عليهم جميعا رضوان الله فقال : يا بن عباس كنت أقرأ كتاب الله فعلتني موجة في بحر القرآن كادت تغقني . قال ابن عباس : وما تلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ).

قال ابن عباس : هي من القذر ( بفتح القاف و إسكان الدال) أى فظن أن لن نضيق عليه فلما ترك قومه مغاضبا كان جزاؤه أن التقمه الحوت وهو مكان ضيق " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون " من ثمّ كان لزاما على الذين يضعون المناهج للأزهر أن يراعوا في المقام الأول العناية البالغة بتفسير القرآن الكريم حتى يستطيع الدعاة أن يجدوا زادا طيبا ورصيدا مباركا فالخير كله في كتاب الله حفظا وتفسيرا .

أمنية تحققت !!

كنت أتمني من الله أن يمن عليّ بالنجاح بنسبة مائة فقد علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم أن نسأل الله الفردوس الأعلي وأن الله يحب عبده الملحاح . وتحققت تلك

الأمنية في السنة الثالثة الثانوية فقد حصلت فيها بفضل الله على تلك النسبة وانتقلت إلى السنة الرابعة .

وقد عودنا مولانا سبحانه وتعالي أن يهبنا النعم فنشكر ثم يختبرنا بالمحن لنصبر . وفي السنة الرابعة أصبت بمرض أدي إلى هزاز شديد في جسمي كاد يهزم العافية في بدني , ووصف لى الطبيب لدواء ولكن لم أكن أملك يومها ثمنه , والدهر مدرسة أساتذتها الأيام والليالي. كان لى صديق يحرص على حضور حلقات العلم , أعلم أنه ميسور الحال , سألته أن يقرضني جنيها على أن أقوم بسداده أول الشهر , ولكنه بكل صراحة اعتذر , وكان اعتذاره بمثابة سهم صوب إلى نفسي , وانصرفت كاسف البال : إنه الأخ عبد القادر بائع الخضروات , لقد ألقي علي السلام وصافحني وسألني على الفور : مالي أرك هكذا ؟ وكإنه قرأ ما بنفسي من أسي وأجبته عما أريده , ودونما إعمال فكر أخرج حافظة نقوده وأقسم لآخذن ما يكفيني . كان ذلك الموقف على بساطته ذا دلالة , فكم من صاحب يلقاك عناقا ويقسم أنه لا يطيق لك فراقا , لكن حقيقته خلاف ذلك , فقد يكون ملكا كريما في مظهره , شيطانا رجيما في مخبره , يلقاك بوجه أبي بكر وقلب أبي لهب .

( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولي سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد )

وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي :

إذا المرء لا يلقاك إلا تكلفا

دفعه ولا تكثر عليه التأسفا

ففي الناس أبدال وفي الترك راحة

وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا

فما كل من تهواه يهواك قلبه

ولا كل من صافيته لك قد صف

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

فلا خير في ود يجئ تكلفا

ولا خير في خل يخون خليله

ويلقاه من بعد المودة بالجفا

وينكر عيشا قد تقادم عهده

ويظهر سرا كان بالأمس في خفا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

صديق وفي يصدق الوعد منصفا

عام حاسم

أقبل العام الدراسي الجديد , وانتقلت إلى السنة الخامسة من القسم الثانوي بالأزهر وهو يمثل إتمام الدراسة الثانوية واستقبلته بقلب مفتوح , وعقل يطلب المزيد من العلم ودعوت الله قائلا في أول العام :" رب اشرح لى صدري ويسر لى أمري" ولقد تلقينا العلم في هذا العام على أيدي أساتذة من أساطين الفكر والمعرفة كانوا جهابذة العلوم وعباقرة المعارف وما زلت أذكر منهم الشيخ " مصطفى الحديدي " الذي كان يدرس لنا علم تفسير القرآن العظيم . الذي بدأ العام بتفسير قوله تعالي : ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير ) وبدأ يطرح الأسئلة التي كان لى نصيب كبير في الإجابة عنها مما جعله يسألني عن اسمي ومما أدي بعد ذلك إلى أن أقوم بإعادة الدرس بعد أن يلقيه ., وكان بعد إلقائي للدس يثني على ثناءه الفاضل " كامل شاهين " رحمه الله تعالي والذي كان يدرس لنا البلاغة والأدب , ولقد تعرفت عليه عندما ألقي علينا درسا في علم المعاني , وفي باب الفصل والوصل وعندما طلب منا أن يقوم أحدنا فيلخص الدرس فأجمع الإخوة على أن أقوم أنا , وكانت مفاجأة للأستاذ أن ينعقد هذا الإجماع على طالب ولكن زال العجب عندما ألقيت الدرس بتوفيق من الله مما جعله يسند إلىّ أبوابا في علم المعاني كنت ألقيها على الطلبة قبل أن يشرحها الأستاذ وكنت بعد إلقائها أترك له مقعد الأستاذية الذي كان يأبي إلا أن أجلس فيه , تواضعا منه وقد كان يخجلني بهاذ التواضع عندما يقول للطلبة مداعبا : أظنكم في حاجة إلى شرحي, وقد كانوا يجمعون على أنهم قد فهموا الدرس فهما جيدا . ولن أنسي فضيلة الشيخ " محمد يوسف " الذي كان يدرس لنا " النحو والصرف " دراسة جعلتني أعشق علوم العربية وأعتز بها . فارحم اللهم مشايخنا ووالدينا وأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين , فقد أناروا لنا الطريق وسلكوا بنا مسالك المعرفة حتى صاروا جديرين بقوله صلي الله عليه وسلم " العلماء ورثة الأنبياء " . وبقوله الكريم ( تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة وتواضعوا لمن تعلمون منه ).

قال الإمام الشافعي:

شكوت إلى وقيع سوء حفظي
فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور
ونور الله لا يهدي لعاصي

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " يؤتي بالعالم والعابد يوم القيامة فيقال للعابد ادخل الجنة , ويقال للعالم قف حتي تشفع فيمن أحسنت أدبهم ". وقال الصادق المعصوم " يشفع للناس ثلاثة : الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ".

شدة أعقبها تيسير !!

لما أوشك العام الدراسي أن ينصرم, وكنت مضطرا أن أبحث عمن يذاكر معي في القاهرة وذلك لالتزامي بأداء خطبة الجمعة في مساجد القاهرة , جاءني طالب يسكن قريبا من مسكني وسألني هل ارتبطت مع أحد للمذاكرة ؟ قلت له : لا . قال : هل لديك مانع أن نذاكر معا فنحن متجاوران في المسكن. قلت له : لا مانع . قلتها وأنا متخوف لأنني قد وضعته تحت التجربة يوما فلم يكن على مستوي المسئولية , فقد قال لشقيقي ذات يوم سأصحب الشيخ ذهابا وإيابا هذا اليوم , فإن كان وراءك شئ فاقضه وصحبني في الذهاب إلى المعهد , ولكنه في العودة تركني حتى انصرف الطلاب وظللت واقفا وحدي لا أتحرك خشية أن أصطدم بشئ مرّ وقت طويل وأنا واقف أمام باب المعهد , وقد أمطرت السماء مطرا غزيرا , وسألت نفسي : أين المفر ؟ وساق الله إلىّ أستاذ ا كريما كان يدرس لنا " علم العقائد " وسألني برفق : ما أوقفك حتى الآن ؟ وأخبرته أن مرافقي لم يحضر , وسألني عن مسكني , وأصر على أن يصحبني حتى البيت , جزاه الله خيرا فإن من مشي في قضاء حجة أخيه فكأنما اعتكف في مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم عشر سنوات , واعتكاف يوم واحد في مسجد الكريم يباعد الله به عن النار ثلاثة خنادق , كل خندق أبعد مما بين السماء والأرض . هكذا كانت أخلاق علمائنا : أخذوا العلم مقرونا بالعمل فكانوا علماء عاملين وكانوا عابدين زاهدين , وكانوا أوفياء مخلصين درسوا لنا العلم على أنه رسالة , فأدوا هذه الرسالة بعيدا عن قيود الوظيفة , فكان خالصا لله , وقد تحلقوا بأخلاق الأنبياء عندما أعطوا الكثير ابتغاء ما عند من الخير الوفير. لقد صانوا العلم فصانهم الله , وأعزوه فأعزهم الله وعملوا به فرفعهم الله .

لما عرض على ذلك الطالب أن يلازمني في المذاكرة, تذكرت موقفه هذا عندما وعدني بالحضور فأخلف , ولم يكن له عذر في ذلك الإخلاف فقد أخبرني بعض من يعرفه بأنه كان جالسا على مقهي يلعب النرد وإن كان هو قد كذب علىّ عندما قدم حجة واهية بأنه كان يشتري بعض الحاجات من الغورية . لكن ماذا أفعل وأنا كما يقول القائل :

إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا
فلا يسع المضطر إلا ركوبها

وكما يقول المتنبي:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يري
عدوا له ما من صداقته بد

اتفقت أنا وهو على أن نذاكر يوما بمسكننا في دير الملاك ويوما في مسكنه بمنشية الصدر . وبدأنا ننفذ الجدول الذي رسمناه فقال لى : إن لدي فكرة سأطرحها عليك .

قلت : خيرا إن شاء الله . قال : نقسم المواد قسمين : نبدأ القسم الأول بمذاكرة المواد التي تحتاج إلى شرح مثل : التفسير والتوحيد والنحو والصرف والبلاغة . أما المواد التي تحتاج إلى قراءة فنؤخرها إلى حين الفراغ من تلك المواد , وكان يقصد بهذه المواد الأخرى:

الحديث والفقه والأدب والتاريخ وفهمت من عضه هذا أن نبدأ بالمواد التي يحتاج فيها إلى شرح على أن يذاكر بعد ذلك المواد التي تحتاج إلى قراءته وحده وهذه المواد أحتاج إليها من حيث القراءة . لكنني غلبت حسن الظن بعد ما دعوت الله قائلا :" اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك ". وبدأنا في مذاكرة المواد التي تحتاج إلى شرح . وفي الليلة التي فرغنا فيها من مذاكرتها وبينما هو يصحبني من بيته إلى بيتي وعندما اقتربنا من البيت وبعد أن انقضي على مذاكرتنا شهر كامل ولم يبق على الامتحان سوي عشرين يوما . فاجأني بقوله : " أحب أن أقول لك : أو أن أذاكر وحدي ".

وحدث ما كنت أتوقعه لكن الذي زاد الجراح ألما أنني لما سألته : ولماذا قررت أن تذاكر وحدك أجاب بكل افتراء : لأنني لم أستفد من مذاكرتنا معا !! قلت وأنا المغيظ المحنق : وكيف طوعت لك نفسك أن تضيع شهرا والامتحان على الأبواب ؟ وكيف تقول هذا أو تدعيه وأنا الذي كلما ذاكرنا درسا سألتك فيه , فتأتي إجابتك سديدة وصحيحة ؟! فلم يحر جوابا . علمت أنه لا جدوى في الكلام . فقلت : حسبي الله ونعم الوكيل !! والحق أنني على خير فعلته ؟ والصادق المعصوم يقول : " اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله فإن صادف أهله فهو أهله وإن لم يصادف أهله فأنت أهله ".

ازرع جميلا ولو في غير موضعه
فلن يضيع جميل أينما زرع
إن الجميل وإن طال الزمان به
فليس يحصده إلا الذي زرع

أشهد أنني دخلت البيت حزينا أغدو , وأروح كالطير يمشي من الألم وهو مذبوح ومضت هذه الليلة ثقيلة وئيدة , لولا ما كان يكتنفها من دعوات أتوجه بها إلى الله أستغيث به في كشف الضر , فهو الذي وحد يجير المضطر إذا دعاه ويكشف السوء . وطلع النهار فجلست في فكر وحزن وسألتني أمي : ما يحزنك ؟ وأخبرتها بما حدث , فقالت لى بلسان اليقين ومنطق الحق المبين : لا تحزن فإن الله سيزيل هذا الكرب , ودعت لى بدعوات صادفت ساعة الإجابة وما هي إلا لحظات وطرق الباب طارق , وقلت : من ؟ قال أنا عبد المنغم , وكأني عثرت على هدفي الذي كنت أنشده , إن عبد المنعم هذا كان زميلا لى وجلسنا سويا في لحظة صمت قطعه بسؤال : هل أنت مرتبط بأحد في المذاكرة ؟ قلت لا . قال : فهل لديك من مانع من مذكراتنا معا ؟ قلت : لا . قال : على بركة الله وقطعنا الأيام العشرين نصل الليل بالنهار حتي أدينا ما علينا والله لا يضيع أجر من أحسن عملا .

وهكذا مرت الشدة عندما جاء التيسير :

ولرب نازلة يضيق بها الفتي
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج

في يوم الامتحان

في صبيحة هذا اليوم صحبني شقيقي عبد الستار إلى لجنة الامتحان بالمعهد , وكان الامتحان شفويا للمكفوفين , وكانت اللجنة مكونة من أعضاء ليسوا من العاملين بمعهد القاهرة إنما جاءوا من معاهد أخري لأنها شهادة , وبدأنا الامتحان بالتفسير فكانت فاتحة خير, فقد أعجب الشيوخ بإجابتي في تفسير كتاب الله حتى قام أحدهم يدعو أعضاء اللجان الأخري ويقول لهم : تعالوا لتسمعوا العلم من منابعه الصافية , كنت ساعتها قد أفاض الله علىّ في آيات من سورة الملك.

وانتقلنا من التفسير إلى غيره من المواد وبينما نحن في هذا الصفاء العلمي , وذلك السمو الروحي , وفي جو اتسم بدفء اليقين بينما نحن كذلك , إذ دخل علينا شيخ المعهد , وأراد أن يلقي طرفه يمزح بها مع اللجنة لكنها يا للأسف كانت فظاظة في القول . فقد جرحني في أمر لا يدلي فيه . إذ قال : ماذا فعل هذا الأعمي معكم ؟ وعلى الفور رأيتني كالطير الجريح بل الذبيح , فإن هذه الكلمة لا أطيق سماعها وقد أمرنا الله تعالي أن نتأدب مع خلقه خاصة فيما خلق الله , على سبيل الفور قلت له : وهل أنت الذي أبصرت نفسك , فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . وحضرني في ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه وقد كف بصره :

إن أذهب الله من عيني نورهما
ففي فؤادي عقلي منهما نور
عقلي ذكي وقلبي ما حوي دخلا
وفي فمي صارم كالسيف مشهور

نعم إن الإنسان لا يقاس بالبصر ولا بسلامة الأعين , وإلا فقد خلق الله الحمار أوسع المخلوقات عينا , لقد كان سعد بن ابي وقاص رجلا مجاب الدعوة ولكنه لما فقد بصره على كبر قال له أبناؤه : سل الله أن يرد عليك بصرك فأنت مجاب الدعوة فقال بلسان اليقين ومنطق الحق المبين : استحي من الله أن أسأله ذلك ولكني أسأله أن يدخر لى ذلك عنده في الآخرة إن الله إذا ابتلي عبده بفقد حبيبتيه أى عينيه فصبر لم يجد له جزاء غلا الجنة .

يعيرني الأعداء والعيب فيهم
وليس بعيب أن يقال ضرير
إذا أبصر المرء المروءة والوفا
فإن عمي العينين ليس يضير
رايتا لعمي أجرا وذخرا وعصمة
وإني إلى تلك الثلاث فقير

( وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) وقد يكون الخير كامنا في الشر . لقد سألني أحد أعضاء اللجنة : لماذا استأت من هذه الكلمة ؟ وسألني سؤالا عقب به على هذه الكلمة فقال : أتحب إن تكون مبصر العينين عاصيا لله ؟ أم مكفوف البصر طائعا لله ؟ وأجبت عن هذا السؤال إجابة ضافية وافية نابعة من يقين صادق وعقيدة راسخة قلت : إن قضاء الله لا يقابل بغير التسليم وليس له عدة سوي الصبر الجميل وإن طاعة الله لا يعدلها شئ في الأرض ولا في السماء فالعز كل العز في طاعته والذل كل الذل في معصيته واستشهدت بقوله جل شأنه: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) ولم يقل تعالي : " يهديهم بأبصارهم " بل إن هناك قوما قال الله تعالي في شأنهم ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) .

وذكرت في ذلك المقام قول رسول الله صلي الله عليه وسلم : " اتق المحارم تكن أعبد الناس , وارض بما قسمه الله لك تكن أغني الناس " وذكرت أيضا قول الحسن البصري رضي الله عنه وقد سئل : أى الأيام عندك عيد ؟ فقال :" كل يوم لا أعصي الله فيه فهو عيد "

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقي
تقلب عريانا ولو كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه
ولا خير فيمن كان لله عاصيا

قال عضو اللجنة تعقيبا على هذا الكلام : اكتفينا بهذا السؤال في علم التوحيد .

وتسلسلت الأسئلة بعد ذلك في بقية العلوم وتبعتها الأجوبة وتحولت كلمة شيخ المعهد من ملح أجاج إلى عب فرات سلسبيل ومن ليمونة ملحة إلى شراب حلو لذيذ وفرغت من الامتحان وكانت ساعة طيبة يوم أخبرني أخي بظهور النتيجة ,قد أكرمني ربي عندما منّ على بالتفوق فكان ترتيبي الأول على طلبة الشهادة الثانوية حيث حصلت على نسبة مئوية تقدر بتسعة وتسعين .

في كلية أصول الدين

استخرت الله تعالي وقدمت أوراقي في كلية أصول الدين فقد اقتنعت بها , إذ أنها تحتوي على زاد عظيم لكل داعية إلى الله فقد اشتملت على التفسير والحديث والعقيدة والفلسفة وعلم النفس والتاريخ واللغة العربية وإحدي اللغات الأجنبية .

وأقبلت الدراسة وأقبلت عليها بقبول حسن ونفسي راضية لكن كان يكدر علىّ هذا الصفو , ذلك الشبح الرهيب الذي عانيت منه من قبل , وهو البحث عن صديق أقيم معه في الحي الذي به الكلية , فإن الصديق " محمد الطوخي " الذي كنت أقيم معه حتى انتهاء المرحلة الثانوية قد التحق بكلية اللغة العربية وكان بين مسكني بدير الملاك وكلية أصول الدين بالخازندار بشبرا مسافة بعيدة تستغرق مني ساعة ذهابا وساعة إيابا فمن لى بهذا العمل المرير بالإضافة إلى مرافق يذاكر لي. لقد أخذنا نجد في البحث عن هذا الصديق الذي سألزمه في ذهابي وإيابي ومذاكرتي . وأذكر أنني رأيت وجوها كان لي بها سابق عهد في " معهد الإسكندرية " منهم من قد سبقني بعامين ومنهم من سبقني بعام , ومنهم من صار معي , كما اذكر أن الكثير منهم كأن لم يكن بيني وبينه مودة من قبل .

مهما يكن من أمر فقد عثرت على زميل بعد جهد جهيد , واتفق معه شقيقي على أن نقيم سويا بغرفة بحي شبرا قريبة من الكلية وتنفست الصعداء , وذهبنا نتفقد حال الغرفة ومهما كان فيها من سوء فقد كان يشترك معنا ثلاث أسر في ثلاث غرف أخري بالإضافة إلى دورة المياه وما تعانيه من ضغوط سحيقة لكن كل هذا يهون أمام صعاب أخري ولابد من دون الشهد من إبر النحل :

ومن تكن العلياء همه نفسه
فكل الذي يلقاه فيها محبب

لكنني كانت المفاجأة من هذا الزميل مريرة مرارة تفوق الحنظل لقد افترشت الأرض بفراش يحول بيني وبين برودة بلاطها وذهب الزميل فأحضر الغداء وعندما أرخي الليل سدوله قال لى الزميل : أريد أن اشترط عليك وأبين لك كيف تكون معاملتي لك قلت له : قل ما تشاء أسمع . قال : أولا : تشتري الكتب على حسابك مقابل قراءتي لك قلت له : موافق – وذلك على الرغم من ضيق ذات اليد – ثانيا : لا ترتبط بوجودي معك في الغرفة طول الوقت فقد أخرج ولا أعود إلا منتصف الليل . قلت له ثم ماذا ؟ وكانت ثالثة الأسافي أنه قال : ولا ترتبط بي في الذهاب إلى الكلية . قلت : ما معني هذا ؟ وأنا ما جئت معك إلا من أجل الذهاب إلى الكلية ؟ قال : إن شئت فاذهب وحدك أو استعن بأحد غيري . وذكرني كلامه هذا وخاصة الشرط الثالث ذكرني بطرفة :

قال القائد للجندي : لماذا لم تطلق النار على العدو عندما مر بك ؟ قال : منعني من ذلك واحد وعشرون سببا . قال : اذكرها قال : أما السبب الأول : فهو أنني لم يكن معي ذخيرة . قال له القائد : كفي . فماذا بعد ذلك من أسباب تذكر ؟ كفي بهذا السبب وهذا الزميل يكفي أنه قال لى : إن شئت فأذهب إلى الكلية وحدك أو استعن بغيري... مكثت مع هذا الزميل من يوم الاثنين إلى يوم الخميس . مرت ساعات هذه الأيام وئيدة ثقيلة بطيئة , كأنها سلسلة من الجبال الرواسخ , فقد نفذ مخططه فكان يتركني وحدي أعاني ألم الوحدة وعدم المذاكرة بالإضافة إلى شريط من ذكريات مضت , كان يخرج من بعد انتهاء اليوم الدراسي فلا يعود إلا في الهزيع الأخير من الليل وهكذا حتى كنت أسأل الله أن يحول بيني وبينه ولو كانت الدراسة في هذه الكلية سترفعني إلى ما فوق قبة الفلك , وجاءني شقيقي " عبد الستار " يوم الخميس ليصحبني إلى مسكننا بدير الملاك حيث كنت أقضي ليلتي الجمعة والسبت وأذهب في صبيحة يوم السبت إلى الكلية فكنت أصلي المغرب والعشاء يوم الخميس في أحد مساجد الجمعية الشرعية حيث ألقي الدرس بعد المغرب ثم اخطب الجمعة , ثم أذهب يوم السبت إلى الكلية , وسألني أخي : كيف الحال مع هذا الزميل ؟ وأخبرته بأن الاستمرار معه ضرب من ضروب المحال . فكان لابد من البحث عن زميل آخر . لكنني أذكر أن هذه الأيام الأربعة التي قضيتها معه لقنتني درسا في الحياة لا أنساه وأعطتني موضوعا لخطبة الجمعة أذكر أنني ما خطبت خطبة أشد تأثيرا من تلك الخطبة كان موضوعها :" قد يكون الطلاق نعمة " فقد افترضت لو أن ما كان بيني وعقد زواج مؤبد لا طلاق فيه كيف سيكون العيش ؟ وإلى أى نهاية تنتهي الحياة ؟ وبينت حكمة الله في مشروعية الطلاق في الإسلام وإن كان أبغض الحلال , وبينت عظمة الله في تشريع الأحكام , وكيف قال سبحانه ( واذكروا نعمة الله عليكم ) وكيف جاء هذا القول الكريم في آية من آيات الطلاق قال الله فيها : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم ) .

نعم. ما من شئ شرعه الله إلا وله حكمة بالغة وإن خفيت عن بعض الناس إلا أنها كامنة في أحكام الله .

كم من نعمة لا يستقل بشكرها
له في طي المكاره كامنة

نعم :

قد ينعم الله بالبلوي وإن عظمت
ويبتلي الله بعض الناس بالنعم

حقا إن هذه الأيام الأربعة التي قضيتها مع هذا الزميل لقنتني درسا في الإسلام مفاده أن الله تعالي شرع الطلاق ليكون دواء لداء استعصي علاجه , واستعمال الدواء في غير الداء خطأ وترك الداء بلا دواء خطيئة . فما أعظم الإسلام إذا شخص الداء !! وما أروعه إذا وصف الدواء !!

صديق آخر

ليس من السهل العثور على صديق صدوق , فإذا رزقته فقد اصطفاك مقسم الأرزاق . قيل لحكيم أيهما أفضل لديك أخوك أم صديقك ؟ فقال : أخي إذا كان صديقي .

نعم : إن المعيار الحقيقي للصداقة الشدائد حتى قال أحدهم :

إن أخاك الحق من كان معك
ومن يضر نفسه لينفعك
ومن إذ ريب الزمان صدعك
شتت فيك شمله ليجمعك

وصديقك هو من يصدقك لا من يصدقك , كما أن صديقك من يبصرك بعيبك . كان عمر رضي الله عنه يقول :" رحم الله أمرا أهدي إلىّ عيوبي " وكان عمر بن عبد العزيز يقول لصديق له اسمه عمر بن مهاجر :" يا عمر إذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثوبي وهزني وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت " ولن تستقيم الحياة بدون صديق فقد قال علماء الاجتماع : الإنسان مدني بطبعه .

سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم على بن أبي طالب يدعو الله ويقول : اللهم أغنني عن خلقك فقال له : بل قل : اللهم أغنني عن شرار خلقك , أتدري ما شرار الخلق ؟ قال : لا يا رسول الله. قال : الذين إذا أعطوا منوا وإذا منعوا سخطوا . تلك ملامح لشخصية الصديق ولقد رزقني الله بعد البحث الطويل بأخ كان زميلا لى في المرحلة الثانوية واتفقنا على أن نقيم سويا في مسكن كان قد استأجره قريبا من الكلية . كان هذا الصديق ثريا لذا كان يهتم كثيرا بمأكله وملبسه ولو أدي ذلك إلى ضياع الوقت الذي كنت في مسيس الحاجة إلى أن أقضيه في المذاكرة فكنا مثلا نخرج من الكلية في الواحدة و النصف بعد الظهر فيضيع منا نصف ساعة في شراء طعام الغداء , ثم يبدأ في طهي الطعام فينتهي منه بعد العصر ثم نفرغ من تناول الطعام وقد أوشك المغرب في يوم الشتاء أن يؤذن فماذا بعد الأكل الذي يمتاز بالدسم إلا أن يغزو النوم الجفون .

وظلت الحال على هذا المنوال : أكل فنوم فيقظة لنتناول أكوابا من الشاي ثم نفتح الكتب لنذاكر فيستأذن صاحبنا لقضاء بعض حوائجه فلا ينتظم عقد المذاكرة أكثر من نصف ساعة ثم يحضر صاحبنا وقد حمل طعام العشاء وبعد العشاء يأتي النوم في ليالي الشتاء الباردة عندما يسري الدفء في الأوصال .

وانتصف العام الدراسي وسألت الله أن ينقذ الموقف فما جئت وما سعيت إلى هذه السكني آكلا أو نائما , إنما كان الهدف الرئيس : المذاكرة وتحصيل العلم فانضم إلينا صديق آخر كان من أقصي الصعيد وكان محبا للعلم فكان سروري به عظيما فقد تجاوبت نفوسنا وعكفنا على تحصيل العلم وكانت النتيجة خيرا ظللت مع هذا الصديق حتي السنة النهائية في كلية أصول الدين فاضطررت أن ابحث عن صديق يكون أكثر مذاكرة فقد فارقنا الطالب الصعيدي إلى زملاء آخرين . أذكر وأنا في السنة الثالثة أن كان يدرس لنا الفلسفة الشيخ " عبد الحليم محمود " رحمه الله تعالي , وكان مقررا علينا الفلسفة الهندية وفيها باب عن تناسخ الأرواح وعقيدة الهنود في التناسخ , وحدث أن الشيخ طرح علينا هذا السؤال : من منكم يستطيع في الحصة القادمة أن يشرح باب التناسخ ؟ وكان ذلك من قبل أن يتحدث فيه وأشار الطلاب عليه أن أقوم أنا بشرح هذا الباب . ولم تكن تلك المهمة سهلة , وكان بيني وبين إلقاء تلك المحاضرة ثلاثة أيام , حاولت خلالها أن أستعين بأحد الشيوخ في شرح بعض الغوامض , وذهبت إليه في بيته , فلم يكن موجودا , أيقنت وقتها أنه لا مناص من أن أقرأ الموضوع مرة ومرة مستعينا بالله تعالي وحده , فهو الذي دعاه نبيه موسي بتلك الدعوة : ( رب اشرح لي صدري ويسر لى أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ) ومن المعلوم الثبوت أن العبد إذا عمل بما علم ورثة الله علم ما لم يكن يعلم وأن طاعة الله تورث العبد معرفة ونورا وفرقانا يهديه سواء السبيل .. ذكر العلامة " ابن سينا" أنه كان يقرأ مسألة في احدي كتب الرياضة فأعجزته وتعسر عليه حلها فطوي الكتاب قال :" وذهبت إلى المسجد لأصلي العصر فلما فرغت من الصلاة وجدت بباب المسجد وراقا يبيع الكتب فقدم لى كتاب يبيعني إياه ولم أكن في حاجة إلى شرائه , ولكنه قال لى : يا سيدي إني في حاجة إلى ثمن هذا الكتاب لأشتري به طعاما فاشتريته لا يقصد قراءته , إنما لسد حاجة بائعه , ولما جلست أما الكتب فتحت هذا الكتاب فإذا هو نفس الكتاب الذي أعجزني مسألته الرياضية لكني لما قرأته فتح الله على! فيه مما كان مستعصيا علىّ من قبل فعلمت أن أفعال الخير تفتح كنوز المعرفة فما أجمل ما قاله رب العزة ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) وما أعظم ما قاله مولانا جل ذكره  : (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ) .

لقد استعنت بالله تعالي وألقيت المحاضرة التي كانت تدور حول تناسخ الأرواح في الفلسفة الهندية وأثبت بطلانها في ضوء الشريعة الإسلامية , كما أثبت بطلان تحضير الأرواح مستندا إلى قوله جل شأنه متحدثا عن الروح : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن اقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين).

هذا أسلوب عربي مبين يتحدي الله تعالي به البشرية جمعاء أن ترجع الروح بعد خروجها , فكيف يدعي بعض المفترين على الله كذبا أنهم يستطيعون تحضيرها في سلة من السلال والله جل ذكره فصل منازلها بعد خروجها فقال : ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم ) .. ثم أكد هذا كله بقوله : ( إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم ) وكيف يستطيع أحد أن يحضرها من عالم البرزخ والله تعالي يقول : ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) والبرزخ هنا هو الحاجز الزمني وقد جعله الله هكذا إلى يم البعض وكيف يستطيع أحد أن يخرجها من نعيمها والله تعالي يقول : ( لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ) وكيف يستطيع أحد أن يخرجها من عذابها والله جل شأنه يقول : ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ) لقد ضلت الفلسفة الهندية ضلالا بعيدا عندما اعتقدت بتناسخ الأرواح وخاضت غمار معركة لا تملك سلاحها . وهل هناك أزمة في الأرواح حتي تحل الروح التي خرجت من إنسان في جسد طفل وليدا ؟! وهل بلغ من لعبث بالأمور الغيبية أن الروح إذا كان صاحبها شقيا حلت في جسد كلب أو حيوان شقي ؟! سبحانك ربي يا من قلت ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) وهل اطلعوا على الغيب فعلموا أن عدد الموتي يساوي عدد المواليد حتى تخرج الأرواح من أجسام فتحل في أجسام أخري مساوية لها في العدد ثم ماذا يقولون في الحروب وقد يبلغ عدد القتلي مئات الألوف بل عشرات الملايين كما حدث في الحربين العالميتين أين تذهب هذه الأرواح إذا لم تجد أجساما مساوية لها في العدد ؟! إن هذا هو الفرق بين الفيلسوف وعالم الدين فالفيلسوف يتبع في بحثه عقله وهواه , ورجل الدين يتبع في بحثه وحي الله وهداه , إن محيط ما وراء الطبيعة أعنف من أن يمخر عبابه سباح ماهر , لذا أرادوا أن يضربوا مثلا للفيلسوف وعالم الدين فجاء المثل في صورة بحر بخصم فيه معترك من الأمواج تمزقه رياح هوج والفيلسوف يعبره على بحر من الخشب وعالم الدين يعبره في سفينة منيعة فأى الفريقين أحق بالأمن ؟.

لقد ذكرت كل هذا الكلام في محاضرتي التي ألقيتها على إخواني الطلبة وكان يقف بجانبي الشيخ" عبد الحليم محمود " رحمه الله . وما أن فرغت من إلقائها حتى كان ثناء الرجل علىّ قد أخجل تواضعي.

موقف عجيب

حدث هذا الموقف وأنا في السنة الثالثة من كلية أصول الدين ومع ذلك الصديق الذي كان كريم الأخلاق قليل المذاكرة ز فقد انصرف الطلاب كعاداتهم قبل الامتحان بشهر ونصف أو يزيد , كل إلى بلده ليعكف على مذاكرة المواد التي سيدخل فيها الامتحان وانصرف صديقي هذا إلى بلده ولم أكن معه وذلك لأنه لم يوجه إلىّ الدعوة بالذهاب معه كما يفعل الأخ " محمد الطوخي " كما أنني لم أكن راغبا في ذلك نظرا لقلة مذاكرته. ثم لأنني مرتبط بخطبة الجمعة في مساجد القاهرة التابعة للجمعية الشرعية كل هذه الأسباب جعلتني لا أفكر في السفر , وقد تعجب إذا ما قلت لك إن الذي كان يذاكر معي شاب يعمل بائعا للخضروات في سوق قريب من المسجد الذي كنت ألقي فيه دروس المساء يوم الخميس من كل أسبوع وكان يصحبني من بيتي إلى المسجد بصفة منتظمة لكنني فوجئت بصديقي هذا قبل الامتحان بعشرين يوما قد مر بي في مسكني بدير الملاك وعرض عليّ أن نذهب معا إلى المسكن الذي كان يجاوز الكلية بشبرا حتى نذاكر سويا إلى أن يأتي الامتحان ووافقت لكن على وجل , فإن الامتحان يوشك أن يطرق الأبواب وأخشي ألا نذاكر كما هي العادة بل أنسب ما ذاكرت . وأنا دائما في أموري أسلم الأمر لله وأنا واثق من أن الله تعالي يفعل ما يشاء ويختار وكل فعله خير .

ما مسني قدر بكره أو رضا إلا
اهتديت به إليك طريقا
امض القضاء على الرضا مني
به إني عرفتك في البلاء رفيقا

وكان ما توقعته ففي طريقنا إلى شبرا مر صديقي بأحد المطاعم فاشتري ما يسمي بعجينة الطعمية , ثم ذهبنا إلى المسكن فقام بتخريط بصل كثيف أضافه إلى العجينة ثم أضاف إليها بعض البيض وصنع من ذلك الخليط أقراصا من أكل منها قرصا لا يفيق يومه , وشعرت كأني دخلت في دوامة عنيفة وتناولنا طعام الغداء من هذه الأقراص وعزا النوم الجفون فنام كل منا في مكانه لا يبدي حراكا وما أن استيقظت حتى شعرت بضياع الوقت فاستأذنته أن يعيدني إلى مسكني بدير الملاك , وعدت إلى مسكني هناك , واستأذن هو ليذاكر بقية الأيام وحده وأرسلت إلى " عبد العظيم " بائع الخضار " وكان شابا صالحا يحفظ القرآن عن ظهر قلب وشعرت كأن القرآن بالنسبة إلىّ في حاجة إلى مذاكرة ومدارسة كما أخبرنا الرسول صلي الله عليه وسلم في قوله : " مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت " وكما أخبر في قوله " تعاهدوا القرآن فإنه وحشي ".

وكأني كنت أنظر من بعيد لأري ماذا كان سيحدث لو لم أتفرغ في هذه الأيام لقراءة القرآن حفظا وتسميعا. وقد كان ما أراده الله خيرا فكنا نقضي الساعات في حفظ القرآن حفظا جيدا وجاء الامتحان وجلست أمام لجنة كان على رأسها عالم صالح هو الشيخ " إبراهيم زيدان " رحمه الله تعالي . وبعد أن سألني عن اسمي قال لى : أتحفظ من القرآن ؟ قلت نعم . قال : إن كنت تحفظه حفظا جيدا فإنه سيشفع لك في كل العلوم التي سأمتحنك فيها وإن كنت لا تحفظه فلن تشفع لك المواد بعد ذلك . ونزلت هذه الكلمات على نفسي منزل السكينة وبدأ الشيخ يسأل أسئلة في حفظ القرآن لا يجيب عنها إلا ذو حفظ عظيم وكثير ما سأل في سورة الأعراف والتوبة ويونس وهود وكان من فضل الله تعالي علىّ أن شرح صدري ويسر أمري وحل عقدة من لساني فانسابت آيات القرآن كما ينساب الماء من قمم الجبال فسر الشيخ بذلك سرورا عظيما , فمر بالمواد بعد ذلك مرور النسيم وقت السحر فقد أخبرني بعد ذلك قائلا , لقد شفع لك القرآن في امتحان الدنيا وأرجو أن يشفع لك في امتحان الآخرة .

شهر رمضان

كان لرمضان ولا يزال وسيظل له وقع طيب في نفسي ونفس كل مسلم إلا أنني أذكر هنا ما كان لرمضان في نفسي من أثر وأنا طالب : كنت أخرج من مسكني بدير الملاك في الثامنة صباحا متجها مع مرافقي إلى أصول الدين بشبرا سيرا على الأقدام فأصل في التاسعة إلا ربعا حيث تبدأ الدراسة في التاسعة . وفي الواحدة والنصف من بعد الظهر كنت أعود لا إلى مسكني إنما إلى بيت الله تعالي في حي الشرابية في مسجد يسمي المنوفي .

ولهذا المسجد ذكريات طيبة في نفسي فقد كنت فيه أدعو إلى الله تعالي على بصيرة من عام 1954 إلى عينت بوزارة الأوقاف بعد تخرجي عام 1962. وما زلت أذكر أنني قضيت في هذا الحي سنين كانت أفضل أيام حياتي في الدعوة فقد كان أهله رجالا والرجال قليل ,كانوا كراما طيبيين وما زلت أذكر أول جمعة خطبيتها في هذا المسجد المبارك وكانت في موسم الحج , ومن عادتي في الخطابة أنني أقدم بمقدمة تشد السامع شدا قويا مؤثرا حتى أوقظ الوسنان وأنبه الغافل ويكون ذلك بمثابة استحضار للشعور فإن هناك من يجلس معي بجسمه وقلبه كما قال شوقي :

لقد أنلتك أذنا غير واعية
ورب مستمع والقلب في صمم

أذكر أنني بدأت هذه الخطبة وكانت في موسم الحج وبدأتها بأعرابي سأل رسول الله صلي الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ وإذا بسفير الأنبياء وكبير أمناء وحي السماء يجوب الآفاق ويطوي بأجنحته السبع الطباق بقوله جل شأنه ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني) ثم أخذت في تفسير هذه الآية وبينت ما فيها من أسرار بلاغية وقضايا تتعلق بالعقيدة لا أجد بأسا من الإشارة إليها فهذه الآية " آية الدعاء " جاءت بين آيات الصيام لما لها من ضياء يشع في هذا المجال , فإن للصائم دعوة ما ترد . والله تعالي حكمة بالغة في أن يقول ( فإني قريب ) بينما نحن إذا استعرضنا الأسئلة الموجهة إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم وجدنا أن الله تعالي يلقنه الإجابة فيقول له : ( قل) وإليك هذه النماذج من الأسئلة : قال تعالي ( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ) الخ الآية ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) الآية, ( ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ... ) الآية ( ويسألونك عن اليتامي قل إصلاح لهم خير ... ) الآية ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذي ... ) الآية , ( ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) الآية ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله ) الآية .

فهذه الأسئلة التي وجهت إلى الصادق المعصوم جاءت الإجابة مقترنة بلفظ قل .

أما هذه الآية الكريمة" أية الدعاء , فقد تجردت من من لفظ قل وجاءت الإجابة مباشرة من الله تعالي بلفظ ( فإني قريب ) وهذا باب عظيم من أبواب العقيدة يفيد يقينا أنه لا واسطة بين العبد وربه , بل كما قال جل شإنه ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب اليه من حبل الوريد) " إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ".

يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه
لا تيأسن فإن فإن الكافي الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوي هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة
لا تجز عن فإن الصانع الله
والله مالك غير الله من أحد
فحسبك الله في كل لك الله

ثم تحدثت بعد ذلك عن السر في قوله تعالي : ( إذا دعان) فالمعلوم أن قوله تعالي ( أجيب دعوة الداع ) يفيد أنه سيدعو, فما السر في قوله تعالي ( إذا دعان ) نعم إن هناك سرا عظيما في التعقيب بهذه العبارة ذلك أن قوله تعالي : ( إذا دعان ) يفيد إذا دعاني أنا لا غيري ولولا ذلك لقال : " إذا دعا" . ثم إن قوله تعالي ( إذا دعان ) يفيد معني قوله جل شأنه في الحديث القدسي الجليل ( أنا أغني الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غير تركته وشريكه ) .

وفي قوله تعالي : ( إذا دعان ) يفيد معني الظرفية الزمنية في " إذا " أى أنه سبحانه يستجيب الدعاء وقت الدعاء . ثم إن التعقيب بقوله جل شأنه ( فليستجيبوا لى ويؤمنوا بي ) جاء في غاية الدقة لمناسبته لقوله جل شإنه ( فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) أى كما أجبتم فليستجيبوا لي ".

وبعد أن فرغت من إلقاء هذه الخطبة كانت حفاوة المصلين بي قد أخجلت تواضعي فهذا أول لقاء لى بهم وأشهد أنني قضيت في المسجد سنين عددا , وكانت فيه نفحات مباركة , وكان من فضل الله على أن هذا المسجد لما ضاق بالرواد بنيناه أربعة أدوار , وكان لا غني عن الصلاة في الشوارع المحيطة به يوم الجمعة , وكانت نفحات هذا المسجد تتجلي أكثر وأكثر في رمضان . فكنت إذا فرغت من الدراسة في الكلية أعود إلى هذا المسجد قبيل العصر في رمضان وبعد صلاة العصر أجلس بين المصلين فألقي الدرس اليومي من بعد صلاة العصر إلى اصفرار الشمس , وأذكر ذات يوم في رمضان أن تكاثرت أسئلة المصلين أثناء الدرس فاستمعت إليهم جميعا وكانت تزيد عن العشرين سؤالا . ومن بركات هذا المسجد أنني أجبت عنها جميعا سؤالا سؤالا وبالترتيب كأني أمام إحدي لجان الامتحان . ثم نذهب بعد الدرس نتناول طعام الإفطار على موائد الكرم عند إخوان امتلأت قلوبهم بحب الله ورسوله , وهل الإيمان إلا الحب في الله ؟ وبعد أن أصلي المغرب أتوجه إلى كوبري القبة لأدرك صلاة العشاء في مسجد هناك كانت تغشانا في ه الرحمات وتنزل علينا السكينة وتحفنا الملائكة عسي الله تعالي أن يذكرنا في ملأ خير منا ..

كنت أصلي العشاء والقيام وأقرأ في القيام جزءا كاملا كل ليلة ويتخلل صلاة القيام درس من العلم يستمر نصف ساعة . كان يؤم هذا المسجد شباب طاهر من طلبة الجامعة ومراحل التعليم المختلفة إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا . كما كان يحفه شيوخ بررة تعرف في وجوههم نضرة النعيم لقد أسس هذا المسجد على تقوي من الله ورضوان . قام على تأسيسه رجل طيب القلب هو " الحاج على سلامه" وحمل هذا المسجد اسمه أسأل الله أن يثيبه عليه ويسكنه فسيح جناته .

كنت أعود بعد صلاة القيام إلى مسكني بدير الملاك وقد أوشك ليل القاهرة أن ينتصف وما هي إلا سويعات ويأتي وقت السحور فصلاة الفجر فشروق الشمس فيوم جديد ينادي فيه المنادي : يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلة عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة .

غدي سيصبح أمسي لا يعارضني
في ذاك حي وأمسي لن يصير غدي

يا ابن آدم :

دنياك ساعات سراع الزوال
وإنما العقبي خلود المآل
فهل تبيع الخلد يا غافلا
وتشتري دنيا المني والضلال
عش راضيا واترك دواعي الألم
واعدل مع الظالم مهما ظلم
نهاية الدنيا فناء فعش
فيها كريما واعتبرها عدم
ويا فؤادي تلك دنيا الخيال
فلا تنؤ تحت الهموم عدم
سلم له الأمر فمحو الذي
خطت يد الأقدار أمر محال

ذات صيف

حدث ذات صيف وأنا طالب بالمرحلة النهائية أن صحبني بعض الإخوة الذين عرفتهم في المساجد إلى قريتهم لقضاء بعض الوقت . وذهبنا إلى هناك , وعند صلاة العصر ذهبنا إلى مسجد القرية وكان به إمام قد نيف على الستين من عمره , ومن الذين تلقوا علومهم أيام كان الأزهر يدرس لأبنائه في كتب صفر قد امتلأت بالفناقل والفناطر والفهفهات . والفناقل هي ما تراه في كتب الأصول فإن قيل كذا قلنا كذا . والفناطر ما تراه في الكتب من قولهم " فيه نظر " والفهفهات قولهم " وفيه ما فيه " لقد كانوا يقرءون المبسوط من الكتب فيخلصون منه الوسيط ,يقرأون الوسيط فيخلصون إلى الوجيز فأصبح الأزهر اليوم وقد تحول إلى ملازم أنيقة ورشيقة ومغلفة بغلاف براق . أصبح أبناؤه يدرسون القشور ويقرءون الوجيز فلا يخلصون منه إلى شئ .. صليت العصر وراء هذا الإمام وما إن شعر المصلون بحضوري حتى طلبوا مني أن ألقي عليهم درسا في العلم فاستأذنت الإمام فأذن لى مشكورا وكنت قد تعودت إذا وجدت في مكان لأول مرة وأردت الحديث أن أشرح لهم حديث جبريل الذي وجه فيه أربعة أسئلة إلى النبي صلي الله عليه وسلم : سأله فيه عن الإسلام والإيمان والإحسان ومتى الساعة ؟ فقد اشتمل هذا الحديث على أصول العقائد وشعائر العبادات ومبادئ الأحكام ومناهج السلوك وقواعد النظام .

وما أن بدأت أشرح الحديث الشريف حتى بادرني إمام المسجد بسؤال قال فيه إن في القرآن الكريم آية اشتملت على أمرين , وخبرين ونهيين وبشارتين فخبرني ما هي ؟ ووقع السؤال على نفسي وقعا عجيبا لأنه لم يكن له أى مناسبة بما أقوله في شرح الحديث لكنه في نفس الوقت نزل من نفسي منزل الرضا إذ كنت أعرف الإجابة عنه فقد حدث ذات يوم أن ذهب صديقي لشراء بعض الأطعمة وبعد أن فتح الورقة التي لفت فيها الأطعمة قال لى أتدري ماذا كتب في هذه الورقة ؟ وبدأ يقرأ ( وأوحينا إلى أم موسي أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم , ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) ثم قرأ بعد ذلك عبارة تعقب على الآية الكريمة فتقول :" ومن عجيب الأمر أن هذه الآية اشتملت على أمرين وخبرين ونهيين وبشارتين " فالأمران هما : أرضعيه وألقيه . والخبران هما : أوحينا وخفت . والنهيان هما : لا تخافي ولا تحزني والبشارتان هما : إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين .

لكنني لما سألني الشيخ هذا السؤال على مسمع من الناس لم يكن على شئ من أدب الإسلام فلو لم أقرأ تلك الورقة لكان في ذلك إحراج وأي إحراج وقد نهي الإسلام عن تصفير الوجوه فقد قالوا حتي في النصيحة . من نصحك بينه وبين نفسه فقد نصحك, ومن نصحك على ملأ من الناس فقد فضحك .فماذا كان يقصد السائل من سؤاله هذا ؟ لو كان يطلب الفهم بهذا السؤال لكان ذلك بيني وبينه بعد انقضاء الدرس . علما بأنه يعلم الإجابة عنه . لكنني لست بالخب ولكن الخب لا يغلبني( أى لست ليئما ولا أسمح للئيم أن يغلبني ) .

فقلت له : أرجو تأخير الإجابة غلى آخر الدرس إذ لو أجبت على الفور لظن بعض الجالسين أن هذا الأمر متفق عليه بيني وبينه . يسألني فأجيب على الفور دون إعمال روية أو نظر وصمت الناس للاستماع إلى الدرس . لكنهم شغلوا بالإجابة : هل سأستطيع أن أجيب أم أنه تسويف للهروب . وما أن أوشك الدرس أن ينتهي حتي ناديت على الشيخ قائلا : أين السائل ؟ أسمع ألإجابة : وقرأت عليه الآية الكريمة: ( وأوحينا إلى أم موسي ...) الآية وما أن فرغت ن شرحها على ضوء ما سأل حتى تنفس الناس الصعداء وسمعت منهم صيحة الإعجاب عالية بالإضافة إلى دعوات ل بالتوفيق والسداد .

السنة النهائية بكلية أصول الدين

السنوات النهائية لأى مرحلة من مراحل التعليم تعتبر سنوات حاسمة في حياة طالب العلم وهي من أجل ذلك سميت بالشهادات . ولقد كانت السنة الرابعة في كلية أصول الدين بالنسبة إلى سنة أكثر من حاسمة , ذلك لأنها سيكون لها ما بعدها . فقد كنت أرغب أن أعمل بالتدريس في الأزهر وكانوا لا يأخذون في التدريس إلا المتفوقين خاصة بالنسبة إلى المكفوفين , لذا كان لابد أن أبحث عن زميل يكون مثالا في الجد وتحصيل الدروس فقد سئمت هذا الصنف من الطلبة الذي يظل طوال العام لاهيا , حتى إذا ما اقترب الامتحان ودقت ساعة الخطر ابتدأ يفتح الكتب فيكون التحصيل ضئيلا لا يكاد يشفي غلة ولا ينفع أوارا . ولما كنت في مسيس الحاجة إلى من يعكف أيام دراسته من أول العام على الدرس والتحصيل , فقد عثرت على زميل آنست منه الجد والاجتهاد ,فاستأجرنا غرفة قريبة من الكلية , وبدأنا عامنا نقرأ ونحصل ودخلنا امتحان النصف الأول من العام الدراسي وكانت النتيجة بحمد من الله وتوفيقه أكثر من ممتازة . فقد كان لهذا الامتحان طابع جديد ذلك لأنه كان لأول مرة امتحانا تحريريا وقد اعتدنا من أول دراستنا بالأزهر أن يكون امتحاننا نحن المكفوفين شفويا , وقد اشتطوا فيمن يكتب لنا في الامتحان ألا يكون من أصحاب الشهادات التي تمكنه من أصحاب الشهادات التي تمكنه من أن يساعدنا في الامتحان وان صغيرا في السن , وكانوا واهمين في ذلك . فلو أن أحدنا كلف بأن يؤدي امتحان العام ما استطاع أن يجيب إجابة تؤهله للنجاح. ذلك لأن أسئلة الامتحانات ليست معلومات عامة إنما هي أسئلة تخصصه فنية ... مهما يكن من شئ فقد اخترت الامتحان أخا كان من الذين يترددون على دروسي في المساجد , وكان عاملا في أحد مصانع الغزل والنسيج لكن الله تعالي قد وهبه جمالا في الخط وحسنا في الكتابة , وهذا ما كنت أتمناه , وبدأ النصف الثاني من السنة الرابعة , وفوجئت ذات يوم في محاضرة التفسير أن الشيخ الذي كان يحاضرنا في التفسير وفي سورة النحل قال : أعتذر اليوم عن المحاضرة وقد اخترت فلانا " وكان يقصدني " لكي يقرأ علينا درس التفسير اليوم . وكانت الآية التي يريد تفسيرها قول الله تعالي : ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها , وتري الفلك مواخر ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) واستعنت بالله تعالي ففسرت الآية . قدر طاقتي وذكرت فيها ستة مباحث تعلق بسياقها وسباقها ولحاقها , ثم بينت وجوه البلاغة فيها لما في ذلك في البحث من جلال القرآن وروعته وإعجازه ثم بينت البحوث النحوية والصرفية ثم ذكرت الحكمة من ختم الآية بقوله تعالي : ( ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) وبهذا انتهت من تفسير الآية وكنت بهذا التفسير راضيا عن نفسي مقتنعا بما قلت . وبعد ذلك جاءت المحاضرة الثانية وبدأ الشيخ يسأل الطلبة عن رأيهم بما فسّرت والحقيقة أنهم جميعا بلا استثناء أثنوا خيرا , وما زلت أذكر شهادة الأخ " محمد فتح الرحمن " وهو الآن يحمل شهادة الدكتوراه ويعمل أستاذا في الجامعة الإسلامية وهو من أبناء السودان الشقيق . قال في شهادته أما الشيخ : إن التفسير الذي سمعناه في هذه الآية لم نسمع مثله قط , ثم أضاف قائلا: وأعترف أنه بتفسيره هذا قد فاق كثيرا من الأساتذة فأثارت هذه العبارة حفيظة الشيخ فاشتاط غضبا وتكهرب الجو , فقد أخذ الشيخ يزمجر الضياغم في بطون الغاب , فقد أخذت منه هذه الكلمة التي قالها الزميل مأخذا أليما مما جعله يزأر زئير الأسود إذا ديس عرينها , فطلبت الكلمة لأهدئ من روع الشيخ وقلت : إن التلميذ امتداد لظل شيخه وهو ثمرة من ثمار علمه وإن مثل التلميذ مع شيخه كما قال القائل :

كالبحر يمطره السحاب وماله
فضل عليه لأنه من مائه

ونزلت هذه الكلمات منزل الرضا من نفس الشيخ وأخذ الزملاء بعد انتهاء المحاضرة وبعد انصراف الشيخ يحيونني بكلمات طيبة وكان بعضهم يقوي في روح الأمل ألا يكون كلام الشيخ قد ترك أثرا في نفسي.

كان الأخ الذي يكتب لى الامتحان يلازمني في إلقاء الدروس بالمساجد , وكان امتحان الحديث الشريف يوم السبت , وطلب مني الإخوة الذين كانوا يذاكرون معي ألا أخطب الجمعة السابقة على هذا اليوم حتى أتفرغ للمذاكرة معهم لكنه عز على نفسي أن أترك خطبة الجمعة , فقد كانت الدروس والخطب تعطيني تثبيتا للمذاكرة فقد كنت ألقي أكثر الدروس والخطب مما أتلقاه من علوم كالتفسير والحديث والتوحيد والتاريخ والأدب والفلسفة الإسلامية حتى علم النفس . كنت أصوغ العلاج من الإسلام للأمراض النفسية والعقد والانفعالات والعواطف وتكوين الشخصية إلى غير ذلك ففي الإسلام ما يفي بعلاج النفوس علاجا ربانيا , ويكفي في ذلك قول الله تبارك اسمه ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) وكنت كثيرا ما أركز على هذا المعني الذي يتعلق بالسعادة وكثيرا ما كنت أردد هذه العبارة التي تقول : ليست السعادة في الانتشاء بالكئوس المترعة ولا في الاستمتاع بالغيد الأماليد أو سكني ناطحات السحاب إنما السعادة الحقيقية في رضا الله عن العبد ورضاه عن ربه قال تعالي : ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدأ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ) .

سمع مالك بن دينار رجلا في مجلس علمه يقول : اللهم ارض عني فقال له : لو رضيت عن الله لرضي الله عنك . فقال الرجل : فكيف أرضي عن الله ؟ قال له مالك رضي الله عنه : يوم تسر بالنقمة سرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .

وكنت كثيرا ما أركز على أن السعادة في تلك المملكة التي أقامها الرسول صلي الله عليه وسلم قوله :" ارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس " لقد كان بعضهم ينام على الطوي ولكن لرضاه بما قضي الله كان يقول " نحن في سعادة لو علمت بها الملوك لجالدتنا عليها بالسيوف " وكان أحدهم يقول " حفر بئرين بإبرتين ونزح بحرين بغربالين وغسل عبدين أسودين حتى يصير كأبيضين وكنس أرض الحجاز في يوم شديد الهواء بريشتين خير لى أن أقف على باب لئيم يضيع فيه ماء عيني "!!

وخطبت الجمعة ودخلت امتحان الحديث يوم السبت وفوجئت بالكاتب الذي يلازمني يقول لى : تصور أن امتحان الحديث هو نفس الخطبة التي ألقيتها بالأمس !! فقد كان الحديث الذي خطبت فيه قوله صلي الله عله وسلم " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا " كما جاءت الأسئلة الأخرى في علم الحديث من واقع ما كنت ألقيه دروسا مما أضفي على الامتحان نور المسجد وقدسيته وجلاله , وهذا مصداق قول الله تبارك اسمه : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره . قد جعل الله لكل شئ قدرا )

رؤية ليلة امتحان العقائد

ما زلت أذكر أنه لما قرر المسئولون في الأزهر امتحان المكفوفين تحريرا كانت تراودني أفكار تهزني من الأعماق فبعد ما أفرغ من المذاكرة تسائلني نفسي : هل سيستطيع الكاتب أن يوصل هذه المعلومات جيدا ؟ هل سيكون خطه حسنا ؟ هل سيكون على علم القواعد الإملائية التي تريح الأستاذ المصحح ؟.... إلى غير ذلك من الأسئلة التي كانت تثقل كاهلي وتلقي بظلها الثقيل على نفسي , ثم أفيق بعد ذلك على نداء الواقع وعلى صوت الزملاء أن : هلم إلى المذاكرة . وأراد ربك سبحانه وتعالي أن ينزل السكينة في قلبي حتى أدخل الامتحان وفي قلبي سراج يضئ لى الطريق , لقد كنا ندرس علم التوحيد في كتاب يسمي " العقائد النسفية " وهو منسوب إلى الإمام النسفي وكنت أعتبر هذا الكتاب تمرينات عضلية للعقل كحمل الأثقال لعضلات البدن . ومن ذلك قوله عن صفات الله تعالي :" وهي لا هو ولا غيره " فمن يستطيع أن يصل إلى معني هذه العبارة إلا أن يكون قد سبق له دراستها والوقوف على معناها ومن ثم فإنني لست من الذين يؤيدون التعقيد في العقائد إنما أدعو إلى تبسيطها وتيسيرها وأن تستقي من القرآن والسنة ففيهما حقيقة الأشياء ثابتة واضحة وإذا تحدثنا عن الله فإن خير من يخبرنا عن الله هو الله ثم رسوله . والتوجيه في القرآن واضح كالشمس في ضحاها . وفي السنة منير كالقمر إذا تلاها فمن اتبع ذلك سار في ضوء النهار إذا جلاها .

مهما يكن من أمر فمن فضل الله علينا و على الناس أنني رأيت ليلة امتحان العقائد رؤيا مفادها كأني في لجنة الامتحان وأمامي سبورة وقد كتب عليها : أجب عن ثلاثة أسئلة وقد كتب فيها أربعة أسئلة , وقرأت الأسئلة كأنها واقع في يقظة . وما تداخلت الأسئلة وما التبس بعضها ببعض واستيقظنا عند آذان الفجر , وكان معي من الإخوة ثلاثة غيري : اثنان من دمياط وثالث من محافظة الشرقية وبعد ما فرغنا من الصلاة وعدنا إلى المذاكرة قلت للزملاء : احضروا كتاب لعقائد الذي سنؤدي فيه الامتحان اليوم لنراجع تلك المواضع وسألوا لماذا هذه المواضع بالذات ؟ قلت : قد يكون الامتحان في أكثرها وقد لا يتجاوزها ولم أشأ أن أذكر الرؤيا فقد خشيت أن أرمي بادعاء الصلاح أو التقوي فكثيرا ما تتبادر الظنون إلى النفوس وقد جرت عادة الناس أنهم يستعجلون بالسيئة قبل الحسنة وانهم لا يلتمسون لغيرهم الأعذار بقدر ما يقيمون عليهم أدلة الاتهام .

تحركت عقارب الساعة ببطء كأنها سلسلة من الجبال , وأخذنا مقاعدنا في اللجنة أحطنا علما بالأسئلة قل مجيئها وقد صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث الصحيح " لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات, قالوا : وما المبشرات يا رسول الله ؟ قال : الرؤيا الصالحة ". ولا أدعي لنفسي صلاحا بل لا أظن ذلك . فاللهم اجعلني خيرا ما يظنون ولا تؤاخذني بما يقولون واغفر لى ما يعلمون ".

والرؤيا علم احتل جانبا كبيرا ومساحة عريضة في علوم الإسلام حتى عرف به بعض العلماء ومنهم العلامة " ابن سيرين " وله كتب ضخمة وفي القرآن الكريم رؤي لها شأنها وهل أتاك نبا الرؤيا التي رآها ملك مصر ولم يدرك الملأ حقيقتها عندما قصها عليهم الملك فقالوا : أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين , ولما قصت على يوسف في السجن كان له في تفسيرها تخطيط اقتصادي لمصر لمدة طالت إلى خمسة عشر عاما كان آخرها عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون حتى قال الملك : ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين .

ليلة التفسير

لم تكن الرؤيا التي رأيتها ليلة امتحان العقائد النسفية توحي إلىّ بمعني التواكل إنما كانت تفيد معني التوكل والفرق بينهما شاسع والبون بعيد فالتوكل مطلوب والتواكل منبوذ غير مرغوب التوكل : هو الأخذ بالأسباب مع تفويض عواقب الأمور إلى الله تعالي . قال تعالي ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وقال جل شأنه : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) وقال تبارك اسمه ( قل حسبي الله عليه توكلت ) .

أما التواكل : فهو إهمال الأسباب وعدم الأخذ بها كسلا وإهمالا . وهذا يأباه الشرع ويرفضه ولقد كنا من الذين يأخذون بالأسباب ويفوضون عواقب الأمور إلى الله . كنا نندمج في المذاكرة اندماجا ينسينا كم الساعة , ولا نجد ما نرفه به عن أنفسنا إلا أن نذاكر علم التاريخ ولقد كنا نصلي العشاء ثم نبدأ المذاكرة فنفاجأة بأذان الفجر وكم كان يطوي الزمان بين العشاء والفجر تطويه المذاكرة حتى نظن أذان الفجر أذانا للعشاء فلا يظنن قارئ أن الرؤيا التي رأيتها ليلة امتحان العقائد توحي من قريب أو بعيد بأى معني يفيد التواكل ذلك لأن الأخذ بالأسباب واجب فإن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وهل أجري الله ماء زمزم لهاجر إلا بعد أن سعت بين " الصفا والمروة " سبع مرات طلبا للماء وهل قال المسيح لأمه أجلسي تحت النخلة تساقط عليك رطبا جنيا أم قال لها : وهزي إليك بجزع النخلة . فهذا كله أخذ بالأسباب .

إن الرؤي إنما كانت من باب قوله تعالي ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) أما ما رأيته ليلة الامتحان التفسير : فقد رأيت كأنني أقف على محطة القطار فركب الراكب وتركني وحدي, وصحت الدنيا على صوت الفجر يؤذن وقمنا وصلينا الفجر وبدأنا نذاكر التفسير استعدادا لدخول الامتحان حتي إذا لم يبق إلا نصف ساعة حضر إلىّ الكاتب وسألته ولأول مرة : هل أحضرت تحقيق الشخصية فوضع يده في ملابسه بحثا عنها فلم يجدها , ولا يسمح له بدخول الامتحان معي إلا بعد أن يقدم للمراقبين في اللجنة تحقيق الشخصية , فقلت له : أرجو أن تذهب سريعا فتحضره , وكانت المسافة بين بيته وبين الكلية في الزاوية الحمراء بعيدة . وسألت الله أن يطو له الأرض لأنني لو دخلت اللجنة ووزعت الأسئلة قبل أن يحضر لكان في دخوله بعد ذلك حرج شديد , وذهبت إلى اللجنة والألم يعتصرني اعتصارا .فلو أن هذا الامتحان فاتني لضاعت علىّ السنة الرابعة فاضطر أن أعيدها أعاني في البحث عن رفيق ما أعاني . ولكن لله تعالي له في خلقه شئون وله في كل نفس مائة ألف فرج , وله سبحانه رجال كأنهم يحملون الجنة في صدورهم لقد جلست في المكان المخصص لي , ومكان المرافق شاغر تعلوني ساحبة دكناء نجم محترق لكن قطع علىّ الصمت الرهيب صوت أستاذ جليل كان يدرس لنا علم العقائد سألني : أين مرافقك ؟ قلت : يأتي الله به. فقال في إيجابية وصرامة: فمالي أراك حزينا ؟ قلت : لتخلف المرافق . فأقسم بالله: لو لم يحضر لجلس بجانبي وكتب لي ما أملي عليه . ثم أردف الإجابة . وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث إذ حضر الكاتب وقضي الأمر .

ولرب نازلة يضيق بها الفتي
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج

وجميل أن يقول آخر :

لا تضيقن بالأمور فقد
تكشف غماؤها بدون احتيال
ربما تكره النفوس من الأمر
له فرجة كحل العقال .

من فضل الله تعالي علىّ أنني حصلت في مادة التفسير تحريريا على أربعين درجة من أربعين وشفويا على عشرين من عشرين وحفظا للقرآن على ثلاثين درجة من ثلاثين . فكان المجموع الكلي تسعين درجة من تسعين .

امتحان اللغة الإنجليزية

كان على الطالب في كلية أصول الدين أن يختار احدي اللغتين الفرنسية أو الانجليزية وقد اخترت اللغة الانجليزية وكان العجب أن نؤدي نحن المكفوفين الامتحان فيها تحريرا إذ أن ذلك يتطلب أن يكون مع الطالب من يكتب له . فكيف يكتب له اللغة الإنجليزية من لا يعرفها , وإذن لابد أن يكون الكاتب المرافق عارفا باللغة وملما بها , وبناء على ذلك فإنه من الجائز أن يساعد الطالب فيها فكيف فات عليهم ذلك الأمر ؟ وقد وفقني الله تعالي إلى أخ كان يجيد الإنجليزية كأحد أبنائها ودخل معي الامتحان لكني بفضل الله كنت قد أعددت للأمر عدته من المذاكرة , فحصلت في هذه المادة على تسعة عشر درجة ونصف من عشرين .

امتحان الفلسفة

كان مقررا علينا في السنة النهائية من أقسام الفلسفة" الفلسفة الإسلامية " كفلسفة ابن سينا والفارابي والكندي وابن رشد . وكذلك كتاب تهافت الفلاسفة لحجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالي , وحدث ليلة امتحان الفلسفة أن جفاني النوم فظللت في أرق دائم ودخلت الامتحان وأنا بين النائم واليقظان , وأنا من الذين يؤمنون أن النوم ليلة الامتحان أخذ قسط وافر من راحة البدن , أهم من السهر والمذاكرة ... مهما يكن من أمر فقد دخلت الامتحان وأنا شبه نائم واستمعت إلى الأسئلة من كاتبي وخيل إلىّ أنها لم تخطر لي على باب من قبل , وتوقفت برهة عن الإجابة ومددت أكف الضراعة إلى الله أستغيثه وأستعينه وأستهديه أطلب منه العون المدد . فهو لا يضيع أجر من أحسن عملا , وبدأ القلم يكتب واللسان يملي والقلب يتضرع , وانتهي الامتحان ولكن لم أشعر فيها بالطمأنينة إلى النجاح الذي كنت أنشده , وذهبت إلى المسكن كاسف البال حزينا فقد كان شبح الرسوب يحوم على رأسي كأنه سحابة دكناء أو نجم محترق . ولم أجد مفرا من هذا الشيح الرهيب الذي يطاردني إلا أن ألجأ إلى الفراش لأنام فقد يكون في النوم راحة وعفوت غفوة فرأيت رؤيا كانت هي النتيجة فقد رأيتني وسط جماعة من الأصدقاء في جو طيب قمت فيه بتوزيع قطع الحلوي عليهم وقد جرت عادة الناس في اليقظة أن يوزعوا مثل هذه الحلوي في مناسبات السرور والفرح , واعتبرت هذه الرؤيا السكينة التي يلقيها الله في القلوب لتطمئن وتهدأ وقمت فعلا مطمئنا واثقا من ألله تعالي لن يخزيني وكان ذلك دافعا لى لمذاكرة المادة التي سأمتحن فيها غدا , ولولا هذه الرؤيا التي رأيتها ونزلت على قلبي كما تنزل قطرات الندي على الزهرة الظمأي . لولا ذلك لطاردتني الأشباح السود التي يزينها الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقد منحني الله في الفلسفة درجة لا بأس بها وانفض سوق الامتحان كما بدأ والدنيا كلها سوق قام ثم انفض ربح من ربح وخسر فيه من خسر نسأل الله تعالي أن يجعلنا من الرابحين... وذات يوم كنت أؤدي خطبة الجمعة في حي التوفيقية ولم يكن هذا الحي به مسجد كبير يتسع للأعداد الغفيرة فكانوا ينصبون الخيام اتقاء حر الشمس اللافح عندما يقوم قائم الظهيرة وعندما تضرب الشمس بسياطها الحامية وجه الأرض . وقبل أن اصعد المنبر جاء من يبشرني بنتيجة الامتحان فسجدت لله شكرا على ما أنعم به عليّ من نعمة النجاح فالنجاح كلمة طيبة طالما اهتزت لها قلوب الناس ووصل رنينها إلى أعماق الأفئدة .

الترشيح للعمل بالأوقاف

التحقت بقسم تخصص التدريس وكان هذا القسم عبارة عن دراسة لعلوم تربوية كسيكولوجية الطفولة والمراهقة وأساسيات التربية , وطرق التدريس والصحة النفسية وخلال هذه الدراسة أعلنوا عن تكريم الأوائل في الشهادات العليا وحدد لذلك يوم الثامن عشر من شهر ديسمبر بقاعة المحاضرات الكبري بجامعة القاهرة وكان هذا على مستوي الدولة بجميع جامعاتها وأقسام الدراسات العليا وذكروا أن رئيس الجمهورية سيقوم بتوزيع الجوائز على الأوائل , وتبادر إلى أذهاننا أننا سننال جانبا من الجوائز المادية يعيننا الله بها على أعباء الحياة القاسية , وهنا ظلت أحلام اليقظة تراودنا فمن قائل إنه بعد الحصول على هذه المكافأة المالية سيشرع في الزواج ومن قائل إنه سيقوم بتكوين مكتبة فخمة تعينه على القراءة والاطلاع ومن قائل إنه سيسع على أهله الفقراء .. وهكذا أخذ الخيال الخصيب سبيله إلى النفوس الظامئة إلى أن جاء الموعد المشهود. وأخذ الأوائل مقاعدهم وتربع على المنصة رجال الحكم ونودي على الأوائل بأسمائهم وقام رئيس الجمهورية بتوزيع الجوائز وكانت عبارة عن عمود وعلبة وظن بعضنا أن هذا العمود به شيك يصرف من البنك , وبعد أن انتهي الحفل قام كل منا بفتح العمود والعلبة فإذا العمود شهادة امتياز تقديريه وفي العلبة ميدالية برونزية وانصرفنا راضين بما قضي الله تعالي , فعلي المرء العاقل أن يضع نصب عينيه قول الله تعالي : ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) وقول رسوله الكريم :" ارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس " .

النفس تجزع أن تكون فقيرة
والفقر خير من غني يطغيها
وغني النفوس هو الكفاف فإن أبت
فجميع ما في الأرض لا يكفيها .

اعلان من مكتب العمل

أعلن مكتب العمل عن وظائف للخريجين وعلى كل خريج أن يشتري إلا الاستمارة ويقوم بكتابة الرغبات وكنت أ رغب أن أعمل مدرسا بالأزهر أو معيدا بكلية أصول الدين فقد كان ترتيبي الأول ولكن أراد الله – والخير كل الخير في إرادته فقد علمنا سبحانه أنه صاحب الإنعام والفضل – أراد أن أعمل إمام وخطيبا " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ".

واستقبلت هذا الأمر وهو تعييني إماما بمساجد الأوقاف استقبلته بقبول حسن ونفسي راضية فإن يعمل المسلم إمام يقف خمس مرات أمام المصلين متوجها إلى مالك الملك وملك الملوك معتقدا أن الكعبة أمامه والموت وراءه والجنة عن يمينه والنار عن شماله والصراط تحت قدميه والله تبارك وتعالي مطلع عليه , هذا شرف لا يداينه شرف ومكانة لا تسامي , ولا يلحق بها ولا يشق لها غبار .

بل إنني اعتبره اصطفاء من المولي الذي قال : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) وجاء وقت استلام الكتاب الخاص بالتعيين في الجهة التى تحدها الوزارة وذهبنا إلى مدير عام الدعوة بمبني وزارة الأوقاف وكنت حريصا على أن يكون تعييني بالقاهرة حيث تقتضي الأمور ذلك فإن ارتباطي بالأسرة كان حتما مقضيا لكنني فوجئت بأن كل خريج يدخل على مدير الدعوة يسأله المدير قائلا : من أى المحافظات أنت ؟ فيعينه في عاصمة محافظته.

هذا من الشرقية فيعين بالزقازيق وهذا من الغربية فيعين بطنطا ....: الخ , وبناء على ذلك فسوف أعين بدمنهور عاصمة البحيرة وظللت واقفا لم أدخل على المدير حتي أعد للأمر عدته بعون من الله , وسألني السكرتير الخاص بالمدير : في أى الأماكن تريد أن تعمل ؟ فقلت : بالقاهرة. فعجب وقال لي هذه الكلمة التي ما زلت أذكرها , قال : أرأيت كفك هذا ؟ قلت نعم قال : لو نبت فيه شعر فسوف تعين بالقاهرة . وكأنه بذلك علّق الأمر على مستحيل كما في قوله تعالي : ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ).

وقلت له : بإذن من الله وتوفيقه سوف أعين بالقاهرة ,ذلك دائما يقيني في الله الذي يقول في الحديث القدسي الجليل : ( عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد فإن سلمت لى فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لى فيما أريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ) . وانصرفت لأعود في الغد إلى مدير الدعوة لكني انصرفت كاسف البال لما قاله لي ذلك الذي لم يوفق إلى كلمة يأسو بها الجراح وأثناء انصرافي سمعت من ينادي علىّ إنه رجل بسيط يعمل ساعيا بالوزارة أخبرني عن اسمه وأنه مواظب على الصلاة معي يوم الجمعة بالمسجد الذي أخطب فيه بحي الشرابية وأخبرني بأنه سيعمل قصاري جهده في أن يلبي رغبته , وأوصاني أن أقرأ الليلة يس وأن أمر عليه بالغد قبل أن أدخلء على المدير وأراد ربك أن يجري الخير على يديه ومررت به فإذا هو يقول ولى بتعبيره البسيط " اطمئن كل شئ تمام " ودخلت على المدير وكان مهندسا زراعيا فقال لى مداعبا : لماذا تصر على تعيينك بالقاهرة ؟ فشرحت له الأسباب بالإضافة إلى أن ترتيبي يسمح لى بذلك . فقال : لقد عينت بمسجد الطيبي بالقرب من مسجد السيدة زينب رضي الله عنها وأحب إن أسمع عنك خبرا ولم أرد أن أتكلم بعد ذلك واعتبرت هذا شيئا جليلا , وأخذت كتاب التعيين , ونادي علىّ السكرتير وسألني : أين عينت فقلت له بلسان اليقين : بعون من الله عينت بالقاهرة ولم ينبت في كفي شعر .

كان بين مسكني وبين المسجد الطيبي مسافة بعيدة فقد كنت أقيم بحي دير الملاك بحدائق القبة وكان المسجد يقع قريبا من حي زين العابدين إلا أن ذلك هان بإزاء العزيمة القوية والحافز الذي كان يدفعني إلى ألإقدام بخطي ثابتة ورباطة جأش قوية لقد كنت أذهب كل يوم بعد ما وزعت الأيام على نخبة من الشباب الصالح لأعود بعد صلاة العشاء وأذكر أن أول جمعة أديتها في هذا المسجد لم يكن به أكثر من صفين اثنين من المصلين وقد كان المسجد يقع في حي معروف بكثرة – المقاهي ذات اليمين وذات الشمال وكان أكثر رواده من العاملين بالجزارة أو بيع الأسماك , وكانوا مذاهب شتي فهذا صوفي , وذاك وهابي , وذلك لا هذا ولا ذاك , مما ضاعف الأعباء علىّ في الدعوة فقد كان لزاما علىّ أن أوحد الكلمة أولا وأجمع القلوب على كلمة التوحيد كنت ألقي دروسا بين المغرب والعشاء كل يوم انتظمت علوم الإسلام : التفسير يوم السبت , والحديث يوم الأحد والفقه يوم الاثنين والسيرة النبوية يوم الثلاثاء , علم التوحيد والعقائد يوم الأربعاء , والأخلاق يوم الخميس والخطبة يوم الجمعة , يليها درس بعد الصلاة . لم يكن بالمسجد مكبر للصوت وكان الحصير قد أصابه البلي فأصبحت أرضه عارية .

أخذ الإقبال على المسجد يزيد شيئا فشيئا في درس المساء فقد هجر الناس المقاهي وأقبلوا على بيت الله تائبين مستغفرين وبدأنا نقوم بعمارة المسجد فتبرع أحد المصلين بمكبر للصوت , وقام بعضهم بشراء الحصير وازداد الإقبال يوم الجمعة حتي ضاقت الشوارع المحيطة بالمسجد بجموع المصلين وما زلت أذكر " المعلم حنفي " ذالي كان يدور يوم الجمعة أيام الصيف بالماء المثلج يسقي الظمأ , كما ما زلت أذكر دور إحدي المسلمات التي كانت تقوم بفرش الحصير خارج المسجد .

جلست ذات يوم فدخل علىّ " المعلم عطية" قبل المغرب عندما أوشكت الشمس أن تودع الكون , وجلس بجانبي حزينا وسألته عن حزنه فقال لي : أنت السبب !! وسألته خيرا . فقال : لقد وصيتنا بأداء صلاة الفجر ولما عدت وجدت القفل قد كسر وقد أخذ اللص كل محتويات الغرفة , وهذه أول مرة أصاب بمثل هذا !! أبعد ما تبت إلى الله يصيبني هذا الذي أصابني ؟! وكان هذا الرجل يعمل بائعا للسمك ويقيم في الغرفة وحده . ولابد أن يكون الجواب منطقيا ومقنعا فقلت له : وهل هذا يدعو إلى أن تحزن ؟ إن الإنسان عندما يتقدم للعمل بإحدى الوظائف لا يستلم عمله إلا بعد أن يقدم مسوغات التعيين وأنت اليوم قد تقدمت للعمل في ساحة الرحمن جل جلاله فلابد من مسوغات التعيين وها أنت ذا قد قدمتها بصبرك على البلاء , فكن قرير العين مطمئن القلب فقد قال صلي الله عليه وسلم :" ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا غم ولا حزن ولا أذي حتى الشوكة يشاكها وصبر عليها إلا كفر الله بها من خطاياه " ورضي الرجل بقضاء الله بعد ما أنزل الله برد السكينة على قلبه وأصبح من أوتاد المسجد الذين ما أذن لمؤذن للصلاة إلا وهم داخلها لا تفوتهم تكبيرة الإحرام وراء الإمام " إن للمساجد أوتادا جلساؤهم الملائكة إن غابوا افتقدوهم إن كانوا مرضي عادوهم وإن كانوا في سفر دعوا الله لهم " صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم .

إن العمل في مجال الدعوة إما أن يكون وظيفة أو رسالة فما أيسره إذا كان وظيفة تعتمد على التوقيع في دفتر الحضور والانصراف : وما أعظمه إذ كان رسالة تقوم على الصدق والصبر والشجاعة .

إن الداعية إلى الله يجب أن يكون قدوة صالحة بصيرا بزمانه شجاعا في الحق لا يماري ولا يواري , صبورا على تحمل الشدائد متفانيا في قضاء حوائج العباد واسع الصدر كريم الخلق لا يمل ولا يضجر ولا يضيق صدرا بمشاكل العباد وعليه أن يعتقد أن الله تعالي لا يضيع له أجرا فهو من عباد الله الذين اختصهم لقضاء حوائج الناس .

خطبة موجهة

تؤدي خطبة الجمعة رسالتها المنشودة إذا كانت موجهة ( بكسر الجيم ) ولكنها تصاب بالعرج والعقم إذا كانت موجهة ( بفتح الجيم ) والفرق شاسع بين كسر الجيم وفتحها , فالخطبة الناجحة هي التي تنبع من مناهل الإسلام العذبة لا تعكرها شائبة من رياء أو نفاق أو مجاملة على حساب الدين . يبين الخطيب فيها أحكام الله وتوجيهاته وإرشاداته على لسان رسوله يعالج المشاكل المحلية والعالمية في ظلال الإسلام الوارفة ومنابعه الصافية وعلى الخطيب أن يكون بصيرا بزمانه مدركا لأحداث الأيام فيعالج أولا بأول ليضرب والحديد ساخن لأن الأحداث إذا بردت وذبلت بطول الأيام أصبح الكلام فيها أو عنها كلاما تموت ألفاظه على الشفاه . وإذا كانت التربية في الإسلام تقوم على القدوة والموعظة والقصة والعقوبة فإن الأحداث لها نصيب موفور في مناهج التربية , وهل كانت قصة الذين خلفوا وهم الثلاثة الذين ورد ذكرهم في سورة التوبة هل كانت قصة إلا ضربا في الحديد وهو ساخن , ودرسا للأمة الإسلامية يفيد أن الصدق منجاة وأن الإيمان أن توثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفك ؟ إن الثلاثة هم : هلال بن أمية ومرارة بن الربيع , وكعب بن مالك, لقد تاب الله عليهم لما علم فيهم الصدق , وجاءت نتيجة الدرس بعد ذلك مركزة في قوله جل شأنه ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) .

نعم ما أعظم الخطبة إذا كانت ذات هدف ومغز وقيمة وما أجلها إذا كانت كالمائدة التي يستفيد منها الصحيح والمريض كل يأخذ من الطعام ما يلائم صحته ولا يضر بها كذلك الخطيب الناجح يراعي في خطبته الحال التي عليها المستمعون فيقدم للخاصة وللعامة وأصحاب الثقافات العالية والمتوسطة يقدم لهم من العلوم والمعارف ما يناسب عقولهم إنه إن فعل ذلك فقد احترم مستمعيه وإن أنس لا انسي يوم توجهت إلى مسجد الطيبي لأؤدي خطبة خطبة الجمعة بعد أن مضي على تعييني ثلاثة أشهر وقبل أن اصعد درج المنبر فوجئت بأحد العاملين في المسجد يتقدم إلى بمنشور من وزارة الأوقاف فدفعته إلى مرافقي فإذا هو فيه " ينبه على خطيب الجمعة أن يكون موضوع خطبته اليوم حث المصلين على العناية بتنقية دودة القطن حيث القطن ثروة ذات عطاء اقتصادي للأمة " وأشهد أنني أصبت يومها يوجوم لا من أجل المفاجأة وأن الموضوع جاء متأخرا إذ كان ذلك قبل صعود المنبر بنصف الساعة ليس إلا . لم يكن الوجوم دافعة هذا إنما كان دافعه أشد عمقا إن دافع الوجوم هو التفكير في حقيقة هذه العقليات التي تصر على أن تكون الخطبة موجهة وأن يصير الخطباء أدوات موجهة , وأن يتحولوا إلى أسري لدي أصحاب المكاتب فكيف أخطب في موضوع يحث المصلين على تنقيه دودة القطن وجمهور المسجد الذي أخطب فيه أحد رجلين إما تاجر أسماك وإما جزار والأقلية من متوسطي الثقافة ؟! فهل اتخلي عن عقلي وإدراكي وأخطب لأنهم المستمعين بعد ذلك بالجنون ؟ عافانا الله منه وعفا عنا . ولكن ماذا أصنع ؟ وهذه الخطبة يكتب عنها تقرير يترتب عليه أمور تتعلق بصلاحيتي في الخطابة والرجل الأريب العاقل هو الذي يقول كلمة الحق دون أن يسمح للآخرين أن يتسلقوا علي كتفيه وليست الشجاعة تهورا , وإنما الشجاعة حكمة وقوة إيمان وبعد نظر , فكيف تصرف ت لأكسب الجولة ؟ إن البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضي الحال ولكل مقام مقال فالرجل الذكي يخاطب بغير ما يخاطب به غيره , وفي الإشارة ما يغني عن العبارة وفي التلميح ما يغني عن التصريح وكان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمة يقول فيها :" لا تبغضوا الله تعالي إلى عباده ". وما أشد حاجة الدعاة إلى الله أن يتفهموا معني هذه الكلمة الفاروقية فالحالة النفسية للمستمع يجب أن يكون لها أعماق وجذور في كلام الناصح الفصيح .

فعلي وجه المثال : إذا دعيت لإحياء زفاف بكلمة دينية فليكن حديثك مناسبا للموضوع الذي يدور فيه الحفل فتختار من النصوص ما يلائم ذلك كقوله تعالي  : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) ... هذه هي البلاغة فإذا ما تركت هذا النص وبدأت تفسر قوله تعالي : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد ) فقد بغضت الناس في كلام الله لأنك لم تطابق مقتضي الحال . وإذا ما دعيت لإلقاء كلمة في مناسبة صلح بين متخاصمين فليكن كلامك في مثل هذا النص ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ) فإذا ما تركت الكلام في مثل هاذ النص ودار حديثك في تفسير قوله تعالي : ( حتى إذا جاءنا قال : ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) فقد جانبك التوفيق وقد بعدت عن الهدف المنشود .. وإذا ما دعيت لافتتاح مسجد فعليك أن تختار من النصوص ما يناسب المقام كقوله تعالي : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسي أولئك أن يكونوا من المهتدين ) أما إذا عدلت عن هذا النص وجعلت موضوع حديثك ما جاء بشأن مسجد الضرار والذي قال الله تعالي فيه : ( والذين اتخذوا مسجد ضرارا وكفر وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل , وليحلفن إن أردنا إلا الحسني والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه أبدا ) إنك إن فعلت ذلك فقد بغضت الله تعالي إلى عباده .

بعد سألت ربي أن يلهمني التوفيق فيما أقول , وكان ربي بي رحيما فوفقني إلى أن أتكلم في تفسير سورة النحل وهي سورة تعتبر مؤسسة اقتصادية اشتملت على مصادر الإنتاج في شتي أنواع الثروات بدأها العلي الحكيم بخلق الإنسان بعد أن أمر بالتوحيد والتقوي . فقال سبحانه ( خلق الإنسان من نطفة ) ثم انتقل النظم الكريم إلى الثروة الحيوانية فقال تعالي : ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ) إلى قوله جل شأنه ( ويخلق ما لا تعلمون ) ثم انتقل النظم الكريم إلى الثروة النباتية فقال جل ذكره ( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون . ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) .

وهنا تحدثت عن الزرع والثمرات وأنهما من نعم الله تعالي . ومن الزرع والثمرات القمح والشعير والأرز والذرة والقطن وواجب المسلم أن يحافظ على تلك النعم فلا يتركها كلا مباحا للحشرات وأمراض النبات , ولما كان القطن ثروة من أغلي الثروات , كان على المسلمين أن يحموه من هذه الحشرة التي تفتك به , ثم انتقل النظم الكريم إلى عالم الفلك فقال تعالي : ( وسخر لكم الليل والنهار . والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) ثم انتقل إلى ما في باطن الأرض من معادن وكنوز فقال جل شأنه : ( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ) وقال الصادق المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه :" التمسوا الرزق في خبايا الأرض ) ثم ينتقل النظم الكريم إلى عالم البحار فيقول جل شانه ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا , وتستخرجوا منه حلية تلبسونها , وتري الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله , ولعلكم تشكرون ) وهكذا إلى أن ننتقل بنا الآيات إلى مدينة قرآنية قامت فيها صناعات شامخة : فهذه مصانع الألبان تنطق بلسان الوحدانية ( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) وتلك المصانع الحلوى ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) وهذه مصانع العسل ( وأوحي ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا . ومن الشجر ومما يعرشون , ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس . إن في ذلك لأية لقوم يتفكرون ) وقد سمي الله تعالي هذه السورة بسورة النحل لأن لنحل أكبر عالم من علماء الاقتصاد , فهي تعطي أكثر مما تأخذ , تمتص رحيق الزهر فتخرجه لنا شهدا فيه الشفاء والدواء والغداء وهكذا أديت خطبة الجمعة التي أرادوها موجهة ( بفتح الجيم ) وأرادها الله موجهة ( بكسر الجيم ) والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

سياحة في بيوت الله

أثناء عملي بمسجد " الطيبي " كنت أنتدب لإلقاء خطبة الجمعة ودروس المساء في عدد من المساجد , ومن هذه المساجد مسجد صلاح الدين بالمنيل ومسجد " الحبيبي " بحي السيدة ومسجد " السيدة زينب " حيث كنت أقوم بإلقاء دروس بعد صلاة التروايح في رمضان . وفي الانتقال خير كثير حيث إن معرفة الناس كنز , والاتصال بهم قوة والوقوف على مشاكلهم وإبداء الحلول لها سعادة , وإن كان الحنين دائما يشدني إلى مسجد " الطيبي " حيث لا أنسي هذه الأوقات الطيبة التي كنت أقضيها مع إخوة فقراء تتخلل مجالسهم أذكار وصلوات على النبي المختار , لا يتحدثون بلغة البنوك أو تشييد القصور أو أنواع السيارات الفارهة إنهم الذين قال الله فيهم لرسوله : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) لقد كان الصادق المعصوم يبسط لهم رداءه ويجلسهم عليه ويقول لهم :" مرحبا لمن أوصاني ربي بهم خيرا " وهم الذين قال الله فيهم لرسوله الكريم ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين).

( وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة )

إن الجلوس مع الفقراء دواء للنفس , فيه الشفاء إذا ما تمردت النفس على قضاء الله وقدره.؟ يقول تعالي في حديثه لقدسي الجليل : ( أبن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك, لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع إذا كنت معافي في بدنك, آمنا في سربك عندك قوت يومك , فعلي الدنيا العفاء ) . صدقت ربنا وبلغ رسولك , وصدق رسولك إذ يقول :" من أصبح وهمه الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينه ولا ينال من الدنيا إلا ما كتب الله له . ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة ".

وإذ يقول :

" من أصبح حزينا على الدنيا فقد أصبح ساخطا على الله , ومن شكا مصيبة نزلت فكأنما يشكو الله عزوجل . ومن قعد إلى غني لينال من ماله فقد ذهب ثلثا دينه " وصدقت يا رسول الله إذ قلت في خطبتك الجامعة:" طوبي لمن شغله عيبه عن عيوب الناس . طوبي لمن عاشر أهل العلم والحكمة وخالط أهل الذل والمكسنة " وصدق صاحب البردة إذ يقول فيك :

وراودته الجبال الشم من ذهب
عن نفسه فأراها أيما شمم
واكدت زهده فيها ضرورته
إن الضرورة لا تعدو على العصم

مرحلة أخري من الدعوة

كنت قد حصلت على تخصص التدريس وهو إحدي الشهادات الأزهرية التي تسمي " العالمية مع تخصيص التدريس " وهي شهادة تحول لحاملها أن يعمل مدرسا بالأزهر وكان حصولي عليها أثناء عملي بمجسد الطيبي . لكني قد أخذت طريقي إلى الله بالدعوة في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه , وما ترددت يوما في سلوك هذا الصراط المستقيم وبعد انقضاء عامين في مسجد الطيبي قامت الوزارة بتوزيع استمارات على الأئمة لمن يرغب في الانتقال إلى مسجد آخر والحق أقول : ما كنت أود الانتقال من مسجد الطيبي لولا بعد المسافة وزحام المركبات وكثرة ما أعانيه مع مرافقي في هذا المضمار , لقد ألفت هؤلاء الناس وألفوني ,أحببتهم وأظنهم قد بادلوني الشعور فأحبوني , وما زلت أذكر هذه اللحظات الطيبة التي كنت أتناول فيها طعام الإفطار في رمضان مع لفيف من الإخوة الفقراء الكرماء , فكان كل يجود بما عنده , ويتصدر المائدة طبق الفول في الأحياء الشعبية تنبعث له رائحة زكية يسيل لها لعاب الجائع ويقوم " عم أحمد " خادم المسجد بعمل الشاي بعد تناول الإفطار حيث تدور الأكواب وكأنها الماء الزلال للظمأي وللشاي عند الفقراء رائحته وطعمه الجميل وكنت أظل معهم حتى أصلي بهم صلاة القيام فكانت ساعات مباركة وأماكن طيبة تذكرني بقول شوقي :

قد يهون العمر إلا ساعة
وتهون الأرض إلا موضعا

نعم كان عزيز على نفسي أن أفارق تلك القلوب ذوات الشفافية وشوقي إليها يتجدد كل يوم . وكما يقول أبو الطيب المتنبي :

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصبا
لودعت شيبي موجع القلب باكيا

وكتبت رغبتي في الانتقال إلى " جامع الملك " بحي حدائق القبة وبشارع مصر والسودان ,وذلك لقربه الشديد من مسكني ويعتبر أكبر مسجد في الحي وكان بينه وبين مسكني مسافية لا تزيد عن خمس دقائق مشيا على الأقدام بحيث كنت أسمع أذانه وأنا بالبيت فكان ذلك دافعا لى إلى الانتقال , ففيه توفير للوقت الضائع في المواصلات والوقت للداعية لا يقدر بمال , وقد قالوا في الحكمة الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك . وقالوا " الوقت من ذهب ".

وكفاك الله شر انتظار المواصلات . إن انتظارها في حاجة إلى رصيد من صبر وقد جعلت وزارة الأوقاف للمساجد رجالا سمتهم بالمفتشين . فقد تخونك المواصلات أو يصيبها العطل في الطريق , ثم تذهب إلى المسجد متأخرا فيخبرك خادم المسجد بأن فضيلة المفتش قد مر وقد ترك تأشيرة في دفتر الأحوال فتقرأ التأشيرة فإذا هو قد كتب فيها :" مررت بعد العصر والإمام غير موجود ولم يعتذر وعليه الحضور إلى الإدارة للتحقيق معه ". التوقيع فلان الفلاني مفتش المسجد .... إلى غير ذلك من المآسي . وقد شاء الله تعالي أن ييسر هذا الأمر فكان بجامع الملك خطيب قبلي طلب نقله إلى شبرا قريبا من مسكنه وأصبح المكان شاغرا فانتقلت دونما عناء أو بذل جهد والله إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون .

في مسجد الملك

في اليوم الخامس من شهر مايو 1964 بدأت العمل خطيبا ومدرسا وغماما في هذا المسجد ويقع هذا المسجد في منطقة حدائق القبة في شارع مصر والسودان وفي حي دير الملاك تحيط به مجموعات كثيرة من النصاري . المسجد في بنائه فخم ضخم , فرشت أرضه بسجاد فاخر , ونقش سقفه نقشا فنيا بديعا وجهاز الصوت فيه قوي , وأجهزة التهوية والنوافذ تنعش النفوس وذكرني هذا بحال المساجد في فجر الإسلام وحالها في أيامنا هذه ففي فجر الإسلام كانت المساجد في غاية البساطة والتواضع , ومسجد الصادق المعصوم خير شاهد على هذا , فقد كان سقفه الجريد وكانت أرضه الحصباء ولكنه خرج العمالقة . فقد تخرج فيه المصلح العظيم كأبي بكر والزعيم الملهم كعمر , والحييّ الكريم كعثمان والعبقري الفذ كعلي , والقائد الجبار , والقائد الجبار كخالد والمفتي الخبير كابن عباس , والمحدث الجليل كأبي هريرة وأستاذ الزهد كأبي ذر والفيلسوف البارع كسلمان الفارسي فاسألوا التاريخ في أى الجامعات تخرج هؤلاء ؟ لم يتخرجوا في جامعات الشرق أو الغرب إنما تخرجوا في جامعة عميدها المصطفي محمد صلي الله عليه وسلم , وعلى امتداد العصور والدهور خرجت المساجد عباقرة البشر وأساطير الفكر وجهابذة العلوم وأساتذة الأخلاق والحضارة والثقافة فابن سينا والفارابي وابن البيطار والحسن بن الهيثم وجابر بن حيان والخوارزمي وثابت بن قرة والجاحظ والبتاني هذه نجوم لمعت وسطعت في سماء الدنيا في الكيمياء والفيزياء والأحياء والطب والرياضة والفلسفة والفلك , ونقل الغرب عنها وأقام حضارته على ما أبدعت وأنجزت . عبرت تلك العلوم وهذه الحضارات والثقافات إلى الغرب عن طريق الأندلس والحروب الصليبية والقسطنطينية , فسطعت في سماوات باريس ولندن وواشنطن وغيرها من العواصم ثم نظرت إلى حال المساجد في عصرنا هذا وكيف صارت عملاقة شامخة البناء ولكن بناء القلوب والنفوس يمثل النزر ليسير . فماذا حدث ؟ لقد حذر الرسول صلي الله عليه وسلم من زخرفة المساجد حتى لا يكون ذلك على حساب الجوهر الأصيل فقال : " إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصافحكم فالدمار عليكم " ذلك لأن كثيرا من الناس قد يشغله الظاهر فينصرف إليه عن الباطن , وتشغله القشرة عن اللب فيغفل عن رسالة المساجد التي قال الله تعالي فيها :" في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ) لقد كانوا يفخرون قديما بالذين يتلقون علومهم في ساحات المساجد فيطلقون على الواحد منهم لقب " هذا مسجدي " كما نقول نح اليوم " هذا جامعي " .

كان الجمع الذي يصلي في جامع الملك غير كثير ولقد كنت أتردد على هذا المسجد وأنا طالب بالأزهر قبل أن أعمل بالمساجد الأهلية فكان الحاضرون في صلاة الجمعة يقفون في صفوف متباعدة بحيث يكون بين الصفين مكان يتسع لصفين آخرين , وكانت النوعية التي تؤم هذا المسجد من الطبقة المثقفة ففيه من السجاد والنظافة ما يغري هؤلاء بالذهاب إليه وكان بالمسجد حديقة غناء ملحقة به وقد اعتمدت على الله تبارك وتعالي ودعوت إليه علي بصيرة , وأقبل الناس على الدروي والخطب , وأخذ العدد يزداد في دروس المساء التي كانت تمتد من المغرب إلى ما بعد العشاء كل يوم , وقد تنوعت مواد الدراسة فيها من تفسير إلى حديث إلى فقه إلى تاريخ إلى عقيدة إلى أخلاق بالإضافة إلى خطبة الجمعة ودرس بعدها وخصصت الوقت من بعد صلاة العصر إلى آذان المغرب للإجابة عن الأسئلة والفتاوي وحل المشكلات , كما قمت بالإشراف على المدرسة المخصصة لحفظ القرآن الكريم والملحقة بالمسجد فآتت أكلها في خير وبركة , ولما كان الكثير من الطلبة في حاجة إلى دروس التقوية في المواد ولا يجدون ما ينفقون فقد دعوت إلى التدريس للكبار والصغار في دروس التقوية وفي مختلف لمراحل الدراسية حتى الشهادة الثانوية واشترطت أن يكون ذلك بالمجان .

وقد اخترت لذلك إخوة نذورا نفوسهم لله . وكنت أقوم بتدريس اللغة العربية لطلبة الثانوية ويقوم أخي الفاضل " عبد الرحمن الزيني" بتدريس اللغة الانجليزية ويقوم إخوة آخرون بتدريس بقية المواد , وسارت الأمور في جو معتدل بجد وحزم واجتهاد, كما سارت أمور المسجد بنظام وجد , وضاق المسجد بالمصلين يوم الجمعة فتبرع أحد رواد المسجد بتشييد بناء على أرض الحديقة يقي المصلين شدة الحر والبرد والمطر وضاق البناء بالمصلين ولم يبق هناك موضع قد في أرض الحديقة فقمنا بشراء كميات هائلة من الحصير حيث فرشنا بها الشوارع المحيطة بالمسجد حتى ضاقت هي الأخرى مما كان يؤدي إلى تحويل مرور السيارات من شارع الملك إلى شارع آخر , ورأيت أن أجعل رسالة المسجد رسالة عامة تنتظم أنشطة المجتمع , فجعلته يمثل خمس وزارات الثقافة , والإرشاد في خطبة الجمعة , ودرس المساء , التربية والتعليم في التدريس للطلبة , الصحة وذلك عندما دعوت الأطباء لعلاج الفقراء بالمجان فلبي عدد كثير منهم النداء فأرسلوا إلينا بتذاكر العلاج في مختلف التخصصات الطبية فكان الفقير يأخذ التذكرة الخاصة بمرضه ويذهب بها إلى عيادة الطبيب مرفوع الرأس موفور الكرامة دون أن يكون هناك عوائد مالية لكنه كان المقصود به وجه الله تعالي ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق . ولنجزين اللذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )

ولقد تقدم بعض الصيادلة لصرف الدواء بالمجان , وكان المسجد أيضا يمثل وزارة العدل , فقد كونت لجنة للمصالحات وفض المنازعات والفصل في الخصومات وكم من مشاكل حلت بإذن الله وقد كادت تدمر بيوتا وتقوض نفوسا , كذلك قامت بالمسجد لجنة تمثل الشئون الاجتماعية تبحث أحوال الأسرة الفقيرة , فتجري عليها المعونات الشهرية والكسوة في الشتاء والصيف بالإضافة إلى المواد التموينية في الأعياد والمواسم وتوزيع اللحوم في عيد الأضحي فقد يكون هناك بيوت لا تري اللحم إلا قليلا يقول فيها شاعر النيل حافظ إبراهيم :

عزّت السلعة الذليلة حتى
بات مسح الحذاء خطبا جساما
وغدا القوت في يدي الناس كالياقوت
حتى نوي الفقير الصيام
ويخال الرغيف في البعد بدرا
ويظن اللحوم صيدا حراما
إن أصاب الرغيف من بعد كد
صاح من لي بأن أصيب الإدام
أيها المصلحون رفقا بقوم
قيد العجز شيخهم والغلام
وأغيثوا من النفوس غلا
قد تمنت مع الغلاء الحمام
أنقذوا أنفسا أضر بها الفقر
وأحيا بموتها الآثام

الحاقدون يتحركون

ما من عمل ناجح في الحياة إلا وتكتنفه شدائد ومحن , فالحاسدون في الدنيا كنز والنفوس المريضة تملأ جنبات وتعربد في عرصات الدنيا وتنفث سمومها الناقعات وخفافيش الظلام نعمي عن رؤية الأجسام البينة لنا في ضوء الشمس , وقد جعلت شعاري دائما في الحياة قول الله جل شأنه : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) فعلي كل إنسان يعمل في ميدان الدعوة أن يتحلي بالصدق والأمانة والصبر والشجاعة وأن يقول الحق ولو كان مرا ولا يخشي في الله لومة لائم .

اصبر على كيد الحسود
فإن صبك قاتله
فالنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله

وعلى الداعية ألا يضيق صدرا بالأمور فالليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر وكلما اشتد الكرب هان , والعظائم الكفؤها العظماء فلا يكن في صدره حرج من قول الأعداء ونقول الشامتين .

لا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلا على الأهوال جلدا
وشيمتك السماحة والوفاء
يغطي بالسماحة كل عيب
وكم عيب يغطيه الحياء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع
فأنت ومالك الدنيا سواء
ومن نزلت بساحته المنايا
فلا أرض تقيه ولا سماء
وارض الله واسعة ولكن
إذا نزل القضا ضاق الفضاء

وليعلم الدعاة إلى الله أن طريق الدعوة ليس مفروشا بالورود والأزهار إنما الطريق صعب تحفه الشدائد والمحن فماذا تتوقع لعمل نجح النجاح المرجو منه في كل المجالات وشتي الميادين . ضاق المسجد برواده وضاقت الأماكن والطرق التي تحيط به . وأدت المدرسة دورها كاملا غير منقوس ونجحت لجانه الخمس , والذي أراه جديرا بالذكر في هذا المقام أن أعدادا كثيرة من النصاري أعلنت إسلامها وجاءت إلى المسجد تسعي بوجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة وكان للمسجد حفلات بذكري المولد النبوي الكريم يليه الاحتفال بذكري الإسراء والمعراج ثم يأتي شهر رمضان فتقام فيه الاحتفالات بغزوة بدر وفتح مكة وليلة القدر . كل هذا النجاح كان دافعا قويا وحافزا ضاغطا لنفوس مريضة أن تتحرك في الظلام تريد أن تطفئ نور الله بأفواهها ويأبي الله إلا أن يتم نوره لو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون , لقد أقمنا للنصاري الذين أسلموا حفلا إسلاميا ما زالت ذكراه ترن في الآذان وتسري سريان الكهرباء في أسلاك البلاتين , لقد هاجت عقارب البغضاء وتحركت ثعابين الحقد في قلوب أصيبت بداء الحسد وكفي به فأخذت تخبط خبط عشواء وأخذت الشكاوي الكيدية تتوالي والأحقاد تزحف فبدأت الاستدعاءات إلى جهات الداخل فيها مفقود والخارج منها مولود .

الأحداث تتابع

وإنما قلت :" الأحداث تتتابع " ولم أقل " الأحداث تبدأ " لأن الأحداث قد بدأت منذ زمن غير قريب , أذكر وأنا أ‘مل في مساجد احدي الجمعيات الإسلامية كنت ألقي دروس المساء يوم الجمعة من المغرب إلى العشاء وكان هذا المسجد يسمي " مسجد المنوفي " ويقع في حي الشرابية , وأشهد أن هذا المسجد كانت له نفحات وبركات وكان رواده من ذوي النفوس المطمئنة وأصحاب القلوب الطيبة الراضية النقية .

كان يقع بالقرب من هذا المسجد مسجد يتردد عليه كثير من رجال الوعظ . وكان يشرف على هذا المسجد القريب من " مسجد المنوفي " رجل يعمل بالوعظ . لكنه كان يدعو كبار الوعاظ ليلقوا الدروس في هذا المسجد الذي يقوم بالإشراف عليه . وقد تحركت نفسه بما لا أحب أن أذكره من غيرة وحسد علىّ وعلى الرواد الذين تكاثر عددهم يوما بعد يوم حتى بلغ من حسده أنه بغي وطغي . والرسول صلي الله عليه وسلم يقول : إذا حسد أحدكم فلا يبغي " ومن هنا جاء قوله جل شإنه ( ومن شر حاسد إذا حسد ) فقد قيد الله تعالي الحاسد هنا بالحسد مع أنه حاسد ذلك لأن المقصود ( إذا حسد) أى بغي وانتقل من مرحلة زوال النعمة إلى مرحلة الأذي والبغي والطغيان وإلا فإن الحسد والطيرة والظن لا يسلم منها أحد , لكن طبيب القلوب صلي الله عليه وسلم بعد ما شخص الداء وصف الدواء في قوله : ( فإذا حسد أحدكم فلا يبغي وإذا تطير فلا يرجع وإذا ظن فلا يحقق ) أى ظنه جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلي الله عليه سلم أنه قال :" إياّكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنجاشوا ولا تباغضوا لا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا ".

بلغ من بغي هذا الرجل علىّ أنه كان كثيرا ما يقدم الشكاوي الكيدية إلى جهات قد يكون ضررها فادحا , وكان كثيرا ما يكتب في شكواه أنني لا أدعو للحاكم من فوق المنبر ... إلى غير ذلك من المكايد المصايد والشباك الشراك وهو يعلم أنني طالب أسأل الله العافية والعفو .. حدث أنه أراد أن يوقع بيني وبين أحد الشيوخ بحيث يظهرني أمام هذا الشيخ ( وكان من كبار الوعاظ ) أنني بالنسبة إليه قليل العلم , فدعا إلى حلقة تقام بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة وقال إنتهاء هذا الحفل سيقتصر على شيخين اثنين كنت أنا أحدهما وكان الآخر هو الشيخ " عبد اللطيف مشتهري" وأراد أن يضرب كلا منا بالآخر ولم يكن قد أستأذنني قبل أن يعلن اسمي لكنه بذلك قد وضعني في وضع حرج : فإما أن أعتذر عن الحضور فتكون الصورة غير كريمة لأنه حفل يتعلق بذكري من أعظم الذكريات لأعظم الرجال فكيف أعتذر ؟ وإن أنا أجبت الدعوة فقد يحدث مالا يحمد عقباه من هذا الرجل فالحفل سيقام في مسجد يشرف هو عليه وله أعوانه وأنصاره وبطانته , لكن من كان الله معه فمن عليه ؟! ومن وجد الله فماذا فقد ؟ فمن اعتمد على ماله قل ومن اعتمد على الناس مل, ومن اعتمد على جاهه ذل ومن اعتمد على علمه زل ومن اعتمد على عقله ضل ومن اعتمد على نفسه اختل ومن اعتمد على الله فلا قل ولا مل ولا ذل ولا زل ولا ضل ولا اختل .

قال تعالي : ( فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسي إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدني فأوحينا إلى موسي أن اضرب بعصاك البحر فانفلق , فكان كل فرق كالطود العظيم , وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسي ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين ) وجل جناب الحق إذ يقول عن الحبيب وصاحبه ( إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) .. وقد قالوا في الحكمة : خير علاج للشدائد اقتحامها ".

فكان أسلم طريق للخروج من هذا المأزق أن ألبي الدعوة معتمدا على الله وحده وأعلنت عل المصلين استجابتي للدعوة كما أعلنت الزمان والمكان الذي سنلقي فيه وذهبت إلى لمسجد الذي سيقام فيه الحفل , فجمع الناس لميقات يوم معلوم , وازدحم المسجد بالمصلين حتي درج السلم , وكان حفلا شامخا , وكان أكبر ظني أن كثيرا من الحضور ما جاءوا ليسمعوا درسا أو علما بقدر ما جاءوا ليشهدوا مباراة بين ناديين وحضر الشيخ " مشتهري "وحضرت قبل المغرب وكان في سن والدي , وأذن للصلاة ثم قمنا فصلينا ركعتين قبل المغرب قال عنهما الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم " صلوا قبل المغرب " لمن شاء " وأقيمت الصلاة فأقسم الشيخ لأصلين إماما فكانت هذه الخطوة بمثابة نصر من الله وفتح قريب , فما كان أحد من الذين جاءوا بقصد رؤية نصر مادي بمفهومهم المتواضع يتوقع هذا . وبعد الفراغ من الصلاة وختامها ساد المسجد صمت عميق فالكل يتساءل في نفسه : من الذي سيتحدث أولا ؟ فإذا تحدثت أولا وتحدث الشيخ بعدي فقد يستطيع بعلمه أن ينسي الناس ما سمعوه مني , وإذا تحدث هو أولا فقد يحيط بجميع العناصر المتعلقة بموضوع الحديث في ذكري الهجرة : فإما أن أعيد ما قال فأضرب في حديد بارد وإما أن أتحدث في موضوع غير الموضوع المخصص للحفل فيكون هذا هروبا مبنيا على إفلاس علمي وتلك ثالثة الأثاقي , وهذا ما كان يبغيه أنصار هذا الذي دعا إلى الحفل لكن فوق تدبيرنا الله تدبير ( وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) .

أوشك الحفل أن يبدأ وإذا الشيخ يصمم على أن أكون أنا المتكلم الأول وبدأت الحديث بهذا القنوت الجليل :" اللهم إن نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونثنى عليك الخير كله نشكرك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياّك نعبد ولك نصلي ونسجد , وإليك نسعي ونحفد . نرجو رحمتك ونخشي عذابك . إنا عذابك الجد بالكفار ملحق وصلي الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم , ثم ذكرت هذا الشعار الحبيب إلى نفسي " هنا مدرسة محمد صلي الله عليه وسلم الجالس معنا فيها يجب أن يقدم التحية العاطرة المباركة للحبيب محمد . وتحيتنا إليك يا سيدي يا أبا القاسم يا رسول الله هي الصلاة والسلام عليك ".

صلت عليك ملائك الرحمن
وسري الضياء بسائر الأكوان
لما طلعت الوجود مزودا
بحمي الإله وراية القرآن

وساد المحفل خشوع للرحمن وخضوع بإيمان , وسرت صيحة الحق مسري النور يحيي الموات ويضىء غياهب الظلمات , ورأيتني أستطيع أن أقوله من العلم ما رزقني الله به فقد شعرت بتجاوب تام بيني وبين المستعمين , وكانت تلك النفوس التي تجاوبت إنما اندمجت في حب رسول الله صلي الله عليه وسلم , كما كانت القاعدة التي انطلق منها في أحاديثي أن يكون بيني وبين المستمع لغة فريدة هي لغة لا سلكي القلوب , وانطلقت في حديثي مسترسلا بفضل من الله , فلا أسمع من الجالسين إلا عبارات الإعجاب والرضا مما كان يمدني بطاقة قوية وزاد طيب وإذا أذان العشاء يهز القلوب من الأعماق . وكنت أود أن أختم الدرس بعد العشاء لأترك المجال لفضيلة الشيخ " مشتهري " ولكني شعرت بالرجل يهمس في أذني طالبا مني أن أصل الحديث , فكانت هذه العبارة أيضا بمثابة طاقة دافعة , فقد مضت الفترة من المغرب إلى العشاء كأنها نسيم الأسحار أو أريج الأزهار أو تغريد الأطيار , أو حفيف أوراق الأشجار مضت وكأن القلوب قد هبت عليها نسمات عاطرة وظننت أن الشيخ سيتحدث لكنه آثر أن نصلي العشاء أولا , وقد مني إماما وبعد الصلاة أخذ مكانه للحديث , وصمت الجالسون , وخشعت الأصوات وصمت الكل في انتظار ماذا يقول الشيخ عني , وكيف تكون الحال لو أنه نقدني ؟ هل سأرد أم سألتزم الصمت والسكوت دليل الرضي ؟ وعلى أى كيفية سنتهي الحفل ؟ وهل سيحقق الغرض الذي من أجله أقيم ؟ وهل ستنجح تلك المؤامرة؟ لقد أوشك الحفل أن ينتهي ,.وأوشك الستار أن يسدل والكلمة الفاصلة سيقولها الشيخ , وإذا الشيخ يقول كلاما لم يكن في الحسبان . بعد ما حمد الله وأثني عليه قال : والله الذي لا إله غيره لو كان عندي متسع من الوقت لسرت وراء هذا الرجل ملتزما مجالس علمه فقد عبر البحر الذي لم يصل الكثير إلى شاطئه , ثم قال الشيخ : أقول قولي هذا وأستغفر الله لى ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ودعوت الله تعالي بما دعاه به عباده الصالحون في مثل هذا المواقف : " اللهم إجعلني خيرا مما يظنون ولا تؤاخذني بما يقولون واغفر لي ما لا يعلمون ".

واقعة أخري

أيام كنت طالبا بأصول الدين وكنت أعمل في مجال الدعوة إلى الله بالمساجد أرسل إلىّ مجلس إدارة أحد المصانع لإلقاء بعض الدروس على عمال المصنع وكان ذلك نزولا على رغبات العمال وحدد لى لقاء بيني وبين مجلس الإدارة لوضع البرنامج الذي نسير عليه ووجد ذلك المطلب رضا في نفسي , فأى موقع يستطيع الداعية أن يقول فيه كلمة في سبيل الله فهو على ثغر من ثغور الإسلام , والمجالات للدعوة كثيرة متنوعة في المساجد والمدارس والمصانع والمعسكرات والمنتديات بل لقد كان أحد رجال الدعوة وهو من الأفذاذ العباقرة كان يقتحم على الناس في المقاهي مجالسهم ويقدم لهم الدروس والمواعظ فكانت دعوته تجد آذانا صاغية وقلوبا واعية فتمكن من النفوس فضل تمكن, فيهدي الله على يديه الكثير فسبحانك اللهم قطرة من فيض جودك تملأ الأرض ريا وقطرة بعين رضاك تجعل الكافر وليا . أنت القائل وقولك الحق ( من يهد الله فهو المهتد) أسألك اللهم علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء , ذهبت في الموعد الذي حدد لى للالتقاء بمجلس إدارة المصنع والله وحده يعلم أنني ما كنت أبغي إلا الخير وشكرت الله على حسن ظنهم بي وعلى أنهم قوم يريدون الخير لعمالهم عن طريق الإصلاح الديني :

فمن قصد الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينا

وما أن جلست مع أحد العمال تأهبا للقاء - وكنت أعرفه من المساجد – حتي أخبرني أن الموعد قد ألغي وسألته : ولماذا ؟ فقال : لقد حضر الشيخ الفلاني عندما علم بالموضوع وأخاف القائمين على شأن المصنع قائلا لهم : إنه لا يحب أن يدعو للحاكم ولا يتجاوب مع أهداف الثورة , والناس دائما يؤثرون السلام ... وأنا أعلم أن فلانا هذا يملك من المال ومصادر الثروة الكثير والكثير , وأكبر ظني أنه إنما فعل ذلك لدافع مادي فقد ظن أنني سيعود علىّ من هذه الدروس مغنم ومكافآت مالة علما بأنني من الذين يرددون قول القائل :

لا تخضعن لمخلوق على طمع
فإن ذلك نقص منك في الدين
لن يقدر العبد أن يعطيك خردلة
إلا بإذن الذي سوّاك من طين
فلا تصاحب غنيا تستعز به
وكن عفيفا وعظم حرمة الدين
واسترزق الله مما في خزائنه
فإن رزقك بين الكاف والنون
واستغن بالله عن دنيا الملوك
كما استغني الملوك بدنياهم عن الدين

كما يعجبني قول القائل :

النفس تجزع أن تكون فقيرة
والفقر خير من غني يطغيها
وغني النفوس هو الكفاف فإن
أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها

نزح بغربالين وحفر بئرين بإبرتين وغسل عبدين أسودين حتي يصيرا كأبيضين وكنس أرض الحجاز في يوم شديد الهواء بريشتين خير لى من أن أقف على باب لئيم يضيع فيه ماء عيني .

هي القناعة فأحفظها تكن ملكا
لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدني بأجمعها
هل راح منها بغير القطن والكفن
ولست أري السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
وتقوي الله خير الزاد ذخرا
وعند الله للأتقي مزيد
وإدراك الذي يأتي قريب
ولكن الذي يمضي بعيد

ليست السعادة في الانتشاء بالكئوس المترعة ولا في الاستمتاع بزخارف الحياة إنما السعادة مملكة يقيمها الله تعالي في القلب يتربع على عرشها الرضا قال صلي الله علي وسلم :" ارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس " فتأمل معي الحقد كيف يفعل وأعجب معي الحسد ماذا يصنع . كيف تحرك إنسان لمنع الخير غن أخيه المسلم . سبحانك يا من قلت : ( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم ) وصل الله وسلم على سيد البشرية ومعلم الإنسانية الذي قال :" ألا أخبركم بشراركم ؟ قلنا : بلي قال : من أكل وحده , ومنع رفده وضرب عبده . ألا أخبركم بشر من ذلكم؟ قلنا : بلي . قال : من لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنبا . ألا أخبركم بشر من ذلكم؟ قلنا : بلي قال : من يبغض الناس ويبغضونه ".

شدائد ومحن

اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله

ادلهمت الخطوب واحتدمت المحن وكثرت قوي الشر عن أنيابها تحاول اقتلاع شجرة طيبة من مكان طيب , إنها شجرة الدعوة إلى الله في جامع الملك , فوجئت في شتاء 1965 باستدعاء إلى أحد جهات الأمن , ولأول مرة في حياتي أدخل مثل هذه الأماكن وإذا المقصود من هذا الاستدعاء إنذار شديد اللهجة بمنع الصوت الخارجي للمسجد أثناء إلقائي دروس المساء , وقلت في نفسي لا مانع وليقتصر الدرس على الجالسين داخل المسجد لأنني قد فهمت من هذا الاستدعاء أن المسألة ليست مسألة صوت داخلي أو خارجي فليس لأنني قد فهمت من هذا الاستدعاء أن المسألة ليست مسألة صوت داخلي أو خارجي فليس ذلك من الأهمية بمكان فالصوت الخارجي في جامع الملك لا يمثل أى قلقل لأحد من القاطنين حول المسجد , فشارع الملك ذاته لا تكف السيارات عن ذرعه جيئة وذهابا ليلا ونهارا, ولها أصوات مفزعة . فلم يكن الدافع إذن قلقا أو فزعا لأحد إنما كان من باب قول الذئب للحمل :" لقد عكرت على الماء " لذلك تلقيت المسألة بحكمة وصبر فليست الشجاعة تهورا , إنما الشجاعة أن تقول الحق دون أن تسمح للآخرين أن يتسلقوا على كتفيك , ومنه الصوت الخارجي , وجاء كثير من القاطنين حول المسجد يطلبون إعادته فقد كانوا يستمعون إلى الدروس وهم في بيوتهم أن تؤذن العشاء وتقدموا بكثير من الشكاوي إلى الجهات المختصة يطالبون بذلك فإن الدين للنفوس كالماء والهواء والضياء .

إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينا

ولكن شكواهم ذهبت أدراج الرياح وكانت كما قال شوقي :

لقد أنلتك أذنا غير واعية
ورب مستمع والقلب في صمم

وبعد أيام من منع الصوت , جاءني استدعاء آخر من نفس الجهة , وذهبت إلى هناك عملا يقول الله جل شأنه : ( واصبر وما صبرك إلا بالله . ولا تحزن عليهم و تك في ضيق مما يمكرون . إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) .

وسئلت في هذا الاستدعاء : لماذا لم تمنع الصوت الخارجي ؟ فأجبت : لقد منعته فقال : لم يحدث هذا . قلت : لقد حدث ولست بكذاب . واحتدام النقاش وكان لابد أن يحتدم لأن النيات لم تكن خالصة من الطرف الآخر ... وتطورت الأمور من سيئ إلى أسوأ !!

دعوة إلى الجامعة

في عام 1956 جاءني بعض طلبة جامعة عين شمس ووجهوا إلىّ دعوة لإلقاء محاضرة للطلبة فلبيت الدعوة كما كنت ألبي أى دعوة في أى مكان ولو كان قصيا وألقيت المحاضرة وتحدثت فيها عن " دعوة الإسلام " وأنها عالمية , وأنها تقوم على المسئولية كما أخبر بذلك الصادق المعصوم في قوله :" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " . ثم تحدثت عن توزيع المسئولية من أول الإمام إلى الرجل في بيته والمرأة في مال زوجها , حتى شملت المسئولية الخادمة في بيت سيدها .

ثم بعد ذلك طال الحديث في شرح هذه الكلمة الطيبة التي نطق بها الفم الشريف " فم رسول الله صلي الله عليه وسلم ": ما من وال أمر عشرة إلا جاء يوم القيامة يداه مغلولتان إلى عنقه حتى يفكه العدل أو بوتقه الجور) وتطرق الحديث إلى مسئولية القاضي بين الناس وذكرت في ذلك حديث رواه الإمام احمد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :" يؤتي بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقي من الحساب ما يتمني معه أنه لم يكن قضي بين اثنين في تمرة ".

ثم عقبت بعد ذلك بالحديث عن المسئولية في ساحة العدل يوم القيامة أمام أسرع الحاسبين وأحكم الحاكمين وأعدل العادلين . ورويت في ذلك قول الصادق الأمين " لا تزول قدما عبد من بين يدي الله عزوجل حتى يسأل عن أربع : شبابك فيم أبليته وعمرك فيم أفنيته ومالك من أين أكتسبته وفيم أنفقته وعلمك ماذا صنعت فيه ؟".

وختمت المحاضرة بنداء وجهته إلى الطلبة: قلت : نريد منكم العالم المسلم , والطبيب المسلم , والمهندس المسلم والمدرس المسلم , والصيدلي المسلم , والمحاسب المسلم , والمحامي المسلم , والجندي المسلم , والقاضي المسلم ... وكان الكلام في مثل هذه الموضوعات يعتبر خطيرا يؤدي بصاحبه إلى غياهب السجون ومهاوي الردي , ولكن القلب إذا تجرد لله هانت عليه الدنيا فمن خاف الله خوف الله منه جميع خلقه ومن لم يخف الله خوفه الله من جميع خلقه : قال صلي الله عليه وسلم :" من أرضي الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بين الناس ومن أسخط الله بإرضاء الناس وكله الله إلى الناس .. ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته ". وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" من تزين للناس بما يعلم الله علانيته ". وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" من تزين للناس بما يعلم الله منه خلاف ذلك هتك الله ستره وأبدي فعله " ورحم الله من قالت لربها :

فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضي والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب

جمعية الهداية بمدينة السويس

من المساجد التي كنت أتردد عليها لإلقاء المواعظ مسجد الشهداء بالسويس فقد كنت أقوم بخطبة الجمعة فيه فترات متباعدة ولم أكن أدري ماذا وراء الحجب وما خبأته الأقدار كذلك كنت أتردد على مساجد كثيرة لكن في غير يوم الجمعة, لإلقاء دروس المساء بها في كل شهر مرة . فمن هذه المساجد المحلة الكبرى التجمع العمالي الكبير في شركة الغزل . فقد رأي رئيس مجلس الإدارة – وكان رجلا صالحا أحسبه كذلك – رأي أن العلاج السليم لبناء النفوس على الصدق والأمانة ومقاومة الانحرافات إنما يكون بتعاليم الدين وتقوية الرقابة بين العبد وربه " أعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض . وما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة . إن الله بكل شئ عليم ) ..

ليست سعادة الفرد أو المجتمع في تشييد القصور وليست مقصورة على بناء المصانع فيما قيمة المصنع إذا كان الذي يديره خاوي القلب , سقيم الوجدان , مريض الضمير , يأكل التراث أكلا لما ويحب المال حبا جما ,لا يراعي في ذلك إلا ولا ذمة ولا يرقب كتابا ولا سنة .. لا يمكن أن تقوم الحياة بلا دين كما أنها لا تستقيم بلا خلق حميد .

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم
فأقم عليهم مأتما وعويلا
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وليس بعامر بنيان قوم
إذا أخلاقهم كانت خرابا

وقد أصاب فيلسوف الإسلام " محمد إقبال " كبد الحقيقة عندما قال :

إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لا يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينا

عندما تولي " رتشادر نيكسون" حكم الولايات المتحدة قال في كلمة ألقاها على الشعب الأمريكي :" إن الولايات المتحدة لا تعالي أزمة مادية إنما تعاني أزمة روحية لقد وجدنا أنفسنا أغنياء في السلع لكننا فقراء في الروح , نصل في قرب عظيم إلى القمر , لكننا نسقط في خلاف حاد على الأرض ".

نعم إن الحياة بلا روح مادة مظلمة حالكة السواد و عليها غبرة ترهقها قترة , ويرحم الله بنت بائعة اللبن التي قالت لأمها : يا أماه أتغشين المسلمين ؟ وتحنثين في اليمين ؟ وتكذبين على أمير المؤمنين ؟ كان هذا أيام الفاروق وهو ينفض الليل عن لكروب المخبوءة فما كان منه إلا أن أعطاها جائزة الدولة التقديرية , فزوجها لابنه عاصم ابن عمر فرزقه الله منها فتاة اسمها " ليلي " تزوجت بـ " عبد العزيز بن مروان " فأنجبت منه خامس الخلفاء الراشدين" عمر بن عبد العزيز " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه .

الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعبا طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا
بالري أورق إيما إيراق

نعم كان عملا ناجحا أن تلقي المحاضرات الدينية على العمال . فالدين هو الحياة ولا حياة بلا دين .... كنت أتردد على مساجد المحلة الكبرى ومساجد القرى التابعة لها . وكنت أعد اليوم الذي ألتقي فيه بهؤلاء الإخوة يوم عبد من أعياد الدعوة إلى الله . كذلك كنت أتردد على مسجد الجمعية الشرعية بمدينة المنصورة ألتقي بأهل الدقهلية في يوم مشهود يجتمع فيه الناس ووجوههم تفيض بشرا وسرورا وقلوبهم مطمئنة راضية مرضية .. كما كنت أتردد على بعض الساجد في " مدينة أسوان " حيث كنت ألتقي بأهل هذه المدينة الطيبة وهم قوم عرفوا بطهارة القلب واليد واللسان , عرفوا بالأمانة وإكرام الضيف وحسن المعاملة وهكذا كنت أتردد على تلك البلاد وغيرها أنشر كلمة الله خالصة لا رياء فيها وسمعة ولا غموض ولا لبس , وكانت السعادة الغامرة التي لا تفوقها سعادة أن يجلس الداعية بين مستمعيه يصيغ السمع إلى مشاكلهم وأسئلتهم , فيحل المشاكل ويجيب عن الأسئلة. إنهما متعة نفسية تملك على الإنسان أقطار نفسه ويشرق ضياؤها في جنبات فؤاده .

صيف ساخن

في أغسطس عام 1965 رجت الأرض رجا , وهبت رياح هوج اشتدت كأنها رماد في يوم عاصف , فقد أطلت الفتنة برأسها تحاول اقتلاع " شجرة الدعوة الإسلامية " عندما وقف حاكم الدولة أمام قبر لينين في موسكو يوعد ويهدد ويرغي ويزيد : يهدد بالثبور وعظائم الأمور , يهدد كل العاملين في مجال الدعوة الإسلامية ونسي ربه فأنساه الله نفسه حتى قال : إنني لن أرحم . وأقسم أنه لن يعفو بعد اليوم مع أن اذلي يعفو ويرحم ويملك الرحمة والعفو هو الله . ولكن ما اشقي الإنسان إذا استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر ربه ( أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون . إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين ) ما أضعف هؤلاء الجبابرة إذا نسوا أنهم بشر وأنهم لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له : ( وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب , ما قدروا الله حق قدره , إن الله لقوي عزيز ) .

وما أشد جهلهم عندما يدعون أنهم أقوياء يملكون خزائن رحمه ربي , إنهم كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعملون .. والحكمة بالغة يقرر الله تلك الحقيقة ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) ومن آياته جل شإنه أنه يعامل الجبابرة بأسلوب لا ترقي إليه أفهام البشر فالنمرود عندما قال : أنا أحي وأميت ) سلط الله عليه بعوضة أخذت تطن في رأسه , فكان لا يستريح إلا إذا ضرب بالنعال على أم الدماغ. وفرعون لما قال :( أنا ربكم الأعلى ) وقال : ( يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ) وقال : ( ليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ) كان الجزاء من جنس العمل , فأجري الله الأنهار من فوقه ( حتى إذا أدركه الغرق قال : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) فجاء الرد حاسما : ( ألآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ؟ فاليوم ننجيك ببدنك ) ثم تأتي الحكمة ناطقة بلسان ومنطق الحق المبين ( لتكون لمن خلفك آية وإن كثي من الناس عن آياتنا لغافلون ).

وما كان أضعف قارون عندما غره ماله فقال ( إنما أوتيته على علم عندي ) فكان الجزاء أن خسف الله به وبداره الأرض ( فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين ) ولنا في سورة القصص ذكري لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد : فقد عرضت لاثنين من جبابرة البشر : الفرعونية الحاكمة والقارونية الكانزة , ثم جاء الختام في قصة فرعون : ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار , ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ) وجاء ختام القارونية الكانزة ( فخسفنا به وبداره الأرض , فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون : ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا : ويكأنه لا يفلح الكافرون ) جاء التعقيب بعد ذلك على القصتين حازما وفيه صراحة ووضوح : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) وجاء الختام شاهدا بعظمة الله وانفراده سبحانه بالسلطان والبقاء والجلال والكمال , فهو صاحب العزة القائمة والمملكة الدائمة قال تعالي : ( ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو . كل شئ هالك إلا وجهه . له الحكم وإليه ترجعون ).

ولنا في سورة العنكبوت عبرة وعظة , وللجبابرة فيها درس يدمي القلوب ولا ينسي على مر الأيام وتطاول الآماد والآباد والآزال . فقد قص الله تعالي فيها أخبار أقوام استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا , بدأ الحديث عن هؤلاء الأقوام بقوم نوح وثني بقوم إبراهيم ثم ذكر بعد ذلك قوم لوط ثم حدثنا عن قوم شعيب ثم أخبرنا عن عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان ثم كانت العاقبة تكاد السماوات يتفطرن منها وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا قال تعالي : ( فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه خاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض , ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) .

ومن جلال القرآن وحكمته البالغة أن يسمي هذه السورة التي استفاضت بذكر الجبابرة – يسميها بسورة العنكبوت مع أن الجبابرة قد برزوا في هذه الصورة بشكل يهز القلوب من أعماقها . لقد بلغ بهم الغرور أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟ وجاء الجواب من الله , وفيه ما فيه من المعاني ذات العمق . قال تعالي ( أو لم يروا أن الله اذلي خلقهم هو أشد منهم قوة ؟ وكانوا بآياتنا يجحدون ) لقد سماها الله بسورة العنكبوت لما جاء في قوله جل شإنه ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) .

فمن استعذ بغير الله فهو كالعنكبوت اتخذت بيتا تحتمي به وأوهن البيوت بيتها فمن اتخذ وليا أو ناصرا دون الله مهما كان النصراء والأولياء جبابرة فقد اعتمد على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا . نعم إذا اعتقد ذلك فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ( إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعلقها إلا العالمون ) .

لما زحفت جيوش الإسلام لفتح بلاد فارس أرسل كسري جبار الفرس غلى إمبراطور الصين يطلب منه المدد والنجدة وأخبره بالإنذار الذي أرسله إليه سيف الله المسلول " خالد ابن الوليد" وقال فيه " ا كسري أسلم تسلم فقد جئتك بقوم يحرصون على الموت كما تحرصون على الحياة ". فماذا كان الجواب إمبراطور الصين على كسري ؟ رد عليه قائلا يا كسري لا قبل لى بقوم لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها !!

يد الله تعمل في الخفاء

ذات يوم من أيام شهر أغسطس عام خمسة وستين وتسعمائه وألف وكان يوما قائظا شديد الحر كأن شمسه طلعت من بين الرمال لا من بين السحب وكان الجو كله ينذر بالبروق والرعود والعواصف والصواعق ضد الإسلام ورجاله فوجئت بالباب يطرق طرقات عنيفة , وبمجرد أن فتح الباب دخل جماعة غلاظ شداد وقاموا بعلية التفتيش وكانت جناية لا تغتفر إذا تم ضبط أى كتاب لشهيد الإسلام الأستاذ " سيد قطب " خاصة كتاب " معالم على الطريق " .. وكان هذا الكتاب بين يدي يقرأ لي فيه , لكن الله سلم فلم ينتبه أحد لهذا الكتاب . أمروني بارتداء ثيابي لأنني سأذهب معهم إلى أين ؟ ولماذا ؟ وعما أسأل ؟ لست أدري . ولماذا لست أدري ؟ لست أدري ... وحاول بعض الإخوة أن يصحبوني ولكن لم يسمح لهم لأنهم صمموا أن آتيهم فردا , وبعد إلحاح شديد من شقيقي سمحوا له بالركوب معي في سيارة عسكرية ذات مقاعد خشبية غليظة. وانطلقت بنا السيارة تنهب الأرض نهبا , بعد بضعة أمتار , أمر أخي بالنزول وظللت وحدي بين قوم لا عهد لي بهم وكأني في سرير المنايا لا ادري ما يفعل بي . وكأن السيارة تقول بلسان حالها :

" أنا سرير المنايا كم سار مثلي بمثلك "

لكن من أراد مؤنسا فالله يكفيه . ومن أراد حجة فالقرآن يكفيه , ومن وجد الله فماذا فقد ؟ ومن كان معه فمن عليه ؟ ويرحم الله من قال يناجي ربه :

ولقد جعلتك في الفؤاد محدثا
وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس
وحبيب قلبي في الفؤاد أنيس

قال أحد الصالحين لمريديه : إذا ذكر الصالحون نزلت الرحمة . فقال له أحدهم فكيف إذا ذكر الله تعالي ؟ فأطرق الشيخ مليا ثم قال : إذا ذكر الله نزلت الطمأنينة أو ما قرأت قوله تعالي : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) .

فإذا ضاقت عليك الدنيا فقل يا الله . وإذا تخلي عنك أهل الأرض فقل يا الله . وإذا احتدمت بك الشدائد فقل يا الله . وإذا ادلهمت بك الخطوب فقل يا الله , وإذا نمت على فراش المرض فقل يا الله , وإذا جاءتك سكرة الموت الحق فقل يا الله ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) .

يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه
لا تيأسن فإن الكافي الله
إذ بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوي هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة
لا تجز عن فإن الصانع الله
والله مالك غير الله أحد
فحسبك الله في كل لك الله

لقد تذكرت وأنا في طريقي إلى ذلك المجهول تلك الوصية الغالية التي جاءت على لسان الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال : عجبت لمن ابتلي بأربع كيف ينسي أربعا عجبت لمن ابتلي بالخوف كيف ينسي قوله تعالي : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) وقد قال الله تعالي : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ).. وعجبت لمن ابتلي بالضر كيف ينسي قوله تعالي : ( مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) وقد قال الله جل شأنه ( وأيوب إذ نادي ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا به من ضر ) وعجبت لمن ابتلي بالغم كيف ينسي قوله تعالي : ( لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) وقد قال الله تعالي : ( وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادي في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) ... وعجبت لمن ابتلي بمكر الأعداء كيف ينسي قوله تعالي : ( وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) وقد قال الله تعالي ( فوقاه الله سيئات ما مكروا . وحاق بآل فرعون سوء العذاب ) .

كنت أردد هذه النصوص الكريمة حتي وقفت بنا تلك السيارة في مكان لا أعلمه وأحسست بنزول من فيها جميعا وظللت وحدي , وبدأت لحرب النفسية , وسمعت من يتساءل : أهذا هو الذي يخطب في مسجد دير الملاك " ؟ فيرد عليه الآخر : نعم هو فيسأل آخر : ألقي القبض عليه اليوم ؟ فيجيبه : نعم .. ,هكذا أسئلة كثيرة ألقيت , وأجوبة رد بها عليها , وشممت رائحة الموت في الهواء الذي أنشقه فالقوم غلاظ شداد والأصوات رهيبة والجو مكفهر خانق , وسمعت وقع أقدام ثقيلة تريد أن تدك الأرض دكا حتى انتهت إلى السيارة التي كنت فيها وحدي وإذا هو أحد غلاظ الإكبار يجذبني من ذراعي وفي صمت أشد من صمت القبور أدخلني غرفة شعرت كأن المنية جاثمة فيها قلت في نفسي :إن الروح والرزق لا يملكها إلا بعد أن أمطروني وابلا من الأسئلة , صاح صاحب الصوت : أحضر له كرسيا ليجلس . كنت ساعتها أرتدي العمامة والجبة . فلعل الرجل قد رحم كف البصر واحترم تلك الثياب التي درجنا على احترامها وتوقيرها وجلست وجاء السؤال الأول : أأنت فلان ؟ قلت نعم . قال : ما هذه الضجة التي تحدثها في مسجد دير الملاك ؟ قلت : إنني أؤدي دور المسجد كما كان في فجر الإسلام . أؤديه على أنه رسالة لا وظيفة . ثم أخذ يسأل في موضوعات شتي أذكر منها : أنه أجري تفتيشا عقليا على الفكر الإسلامي سأل في مسألة الحبر والاختيار والتخيير والتسيير كما سأل عن نظام الحكم في الإسلام وأخيرا وبعد مدة استغرقت أكث من ساعة عرض علىّ مجموعة من الأسماء وقال : أتعرف هؤلاء أو واحد منهم . ولم يكن لى معرفة سبقت بهذه الأسماء جميعا والذي قد علمته فيما بعد أنهم قد تم اعتقالهم وأنهم في السجن الحربي ولعله سألني عنهم لأنهم كانوا يصلون في المسجد الذي أقوم بالخطابة فيه , وبعد صمت قصير قام احدهم فربت على كتفي بيده وهمس في أذني قائلا : إن هناك الكثير من الشكاوي قدمت فيك لذلك استدعيناك وحسبت أنه سيصدر الإشارة بترحيل إلى أحد السجون التي تحولت إلى جحيم وسعير اشتعلت فيها نيران تعذيب الأبرياء . ولكن الله سلم , فقد نادي على الذي قبض عليى وقال له : أعده إلى بيته . فكان ذلك الذي ألقي القبض علي ّ يسألني في عجب : ماذا كنت تقرأ وأنت قادم إلى هذا المكان ؟!! لقد جئنا بالمئات إلى هنا فلم يعد منهم أحد إلى بيته !! فقلت له ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) وذكرت له الآيات التي كنت أرتلها .

خطوة لتكوين الأسرة

في أواخر عام 1965 كنت قد عزمت على إتمام الزواج فإن المستقبل بيد الله وحده وقد فتحت أبواب الاستدعاءات ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا , وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) وكنت أحس إحساسا داخليا بأن هناك شرا مبيتا لكنه ينتظر الفرصة التي يستطيع أن يلفق فيها قضية يودعني فيها ظلمة السجن كنت قد عقدت الزواج منذ عام مضي فتم البناء في شتاء 1965 وما هي إلا شهور قضيتها حتي كان ما كان ونفذ القضاء . ففي سنة 1966 وكنت أسميه " عام الحزن " جاءني شخصان في سن الشباب وأخبراني أنهما مندوبان من جهة احدي السلطات وسألني : أتدري فيم جئناك ؟ قلت : الله أعلم ., قالا : إن المشير عبد الحكيم عامر يعلم أن لك شعبية ومحبة في قلوب الناس وإنه يطلب منك أن تحل دم " سيد قطب " ومن معه أعلمت ؟؟ ونريد أن نسمع هذه الفتوي في الخطبة القادمة ونفذ الخبر إلى قلبي كأنه السهم المريش : أأفتي بحل دماء الأبرياء فأبيع آخرتي بدنيا غيري ! وأدخل النار في الآخرة وبئس القرار ؟! أم أرفض طلب المشير فأدخل السجن ؟ ولكن هذا الصراع لم يدم طويلا . فقد تذكرت قول الله تعالي : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا , ومن أراد الآخرة وسعي لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) وسألاني: بأي شئ نرد على سيادة المشير ؟ فقلت على الفور : ربنا يهيئ ما فيه الخير . وقبل أن ينصرفا ذكرا عبارة ممزوجة بالوعد والوعيد , فيها العسل والحنظل . قالا: إن أطعت الأوامر فتحت أمامك أبواب الترقيات والبعثات وإلا فأنت تعلم أن السجون تتلقي كل يوم المئات ثم انصرفا .. وظللت أقلب هذا الكلام على وجوهه وأسفت أسفا شديدا لما سمعت : أيصير الدين ألعوبة على أيدي الحكام ؟ أتصير المنابر أبوقا للسلاطين ؟ أيريدون أن يجعلوا من ظهورنا جسورا إلى جهنم . إن العالم يتهم في دينه إذا طرق أبواب السلاطين والله لموت في طاعة خير من حياة في معصية الله , وقد صدقت يا رسول الله إذ قلت :" من أرضي الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بين الناس ومن أسخط الله بإرضاء الناس وكله الله إلى الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته ".

ليت لمسلمين يقفون موقف العبرة من هذا الأعرابي الذي مثل ذات يوم بين يدي الحجاج بن يوسف طاغية العراق . كان إذا أراد الطعام لا يأكل إلا إذا دعا من يأكل معه , فأرسل ذات يوم في طلب من يشاركه الطعام . فوجدوا ا‘رابيا فجئ به إليه .و فقال له الحجاج : أتدري يا أعرابي من أنا ؟ قال الأعرابي : أنت الحجاج بن يوسف , قال له : لقد دعوتك لتشاركني طعام الغداء . قال له : لقد دعاني من هو أفضل منك. إنني اليوم صائم مدعو على مائدة الله جل جلاله . قال له : أتصوم اليوم وهو شديد الحر ؟ قال : نعم أصومه ليوم هو أشد منه حرا . قال : افطر وصم غدا , قال له : وهل اطلعت على الغيب فرأيتني أعيش إلى الغد ؟ قال الحجاج : فاطلب ما تشاء نعطك . قال الأعرابي : أتستطيع أن تدخلني الجنة وتباعد بيني وبين النار . قال : لا . قال الأعرابي وهو منصرف : إذن فدعني مع الذي يحييني والذي أطمع أن يغفر لى خطيئتي يوم الدين ... إنه أعرابي ولكنه جمع الحقيقة كلها في كلمات .. إنه يتكلم بلسان اليقين ومنطق الحق المبين , إنه لا يملك الروح والرزق إلا الله وحده : قال صلوات ربي وسلامه عليه " ما قدر على فكيك أن تمضغاه, فلابد أن تمضغاه فامضغه بعزة .

ا تعجلن فليس الرزق بالعجل
الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل
فلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا
لكنه خلق الإنسان من عجل

دعوة أخري من جامعة عين شمس

في أحد أيام شهر مارس 1966 وجهت إلىّ دعوة لحضور حفل إسلامي في جامعة عين شمس . شاركني فيها بعض كبار الدعاة وكان حفلا بهيجا اغتصبت فيه المقاعد بالحاضرين حتي لم يبق فيه مكان لقدم , وبعد أن فرغنا من الحديث فتح الباب للأسئلة فاستأذن الذين كانوا يشاركونني الحفل لما لهم من ارتباطات في أماكن أخري , وأصبحت وحدي في تلقي الأسئلة وكانت متنوعة يدل الكثير منها على اتجاهات السائلين وقد علمنا الأيام في مجال الدعوة أن هناك أسئلة قد لا يكون الغرض منها طلب الإفادة إنما المقصود بها أن تكون مصايد وشراكا يقع المجيب فيها لأن السائل قد يكون مريض القلب سقيم الوجدان , خرب الضمير , وقد كان من ضمن الأسئلة التي علمت أن سائلها يريد أن يحفر بها بئرا لا يريد بها علما سؤال قال صاحبه : هل الإشتراكية من الإسلام ؟.

وكانت الإشتراكية يوم ذاك دينا اتخذه الحاكم من دون الله أخذ يتغني بهذه الكلمة في خطبه فجعل منها بديلا عن ذكر الله ورأيتني أما هذا السؤال واقفا على مفترق الطرق : إما أن أقول الحق فأدخل السجن وإما أن أنافق الحاكم فأدخل النار وإما أن أقول لا أدري فيؤول ذلك على أنه هروب من الإجابة فإن هؤلاء القوم لا يعرفون: لا أدري فمن تربع على منصة الحديث عندهم لابد أن يكون قد جمع علوم الأولين والآخرين .. ولم يكن هناك بد أن أقول الحق ولله عاقبة الأمور . فقلت : يا أيها السائل إن الإسلام نظام إلهي متكامل نزل به الروح الأمين على صاحب الرسالة العصماء فهو وحي معصوم انتظم شئون الدنيا والآخرة أما الإشتراكية فهي مذهب اقتصادي وضعي والإسلام كل لا يتجزأ ولا تنفصم منه عروة عن عروة قال تعالي : ( يا ايها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة )

أى خذو شعب الإسلام كاملة غير منقوصة . وذلك مصداقا لقوله جل شأنه في آية أخري : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) وتقبل المستمعون هذه الإجابة بقبول حسن,وحدث ما كنت أتوقعه , ونفذ القضاء في اليوم الذي حدده صاحب العظمة والكبرياء جل جلاله .

مهاجمة المنزل مرة أخري

في يوم الخميس الموافق الرابع عشر من شهر إبريل 1966 تم اقتحام المنزل وكنت قد أعددت خطبة الجمعة بناء على حدث وقع في العراق وهو قتل المشير " عبد السلام عارف " وكنت قد هيأت في نفسي كلاما يتركز موضوعه في عظمة الله وسلطانه وفي ضياء قوله جل شأنه : " ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه . له الحكم وإليه ترجعون ) .

تمت عملية التفتيش ثم أمرت بالذهاب مع هؤلاء وقيل لى ساعتها إنها خمس دقائق لن تزيد ثم تعود وركبت سيارة أخذت طريقها إلى مكان نزلت فيه وكنت يومها صائما وظللت مع الحارس في هذا المكان . وأشهد أنه كان غليظ القلب فيها جفاء وقسوة , ذا صوت مقلق . سألني ولم يكن معنا ثالث إلا الله : إذا أمرت من رئيس في العمل أن أضربك حتى الموت هل عليّ من ذنب ؟ قلت له : نعم . قال : وكيف وأنا عبد مأمور ؟ قلت له : تستطيع أن تتصرف دون أن تكون شريكا في الجريمة . أمامك الحائط فاضرب كيف شئت مادام لن يراك أحد إلا الله , وأردت أن أستطرد معه في الحديث لأشغله عن أفكاره الشيطانية. فقلت له : إن المؤمن كيس فطن يستطيع أن يتصرف في الأمر ما دام صادرا من جهة تضر العباد والبلاد , فقد رووا أن الإمام مالك بن أنس سأله شاب فقال له : يا إمام إن أبي طلق أمي وإن أمي طلبتني فمنعني أبي : فماذا أصنع ؟ قال له الإمام " أطع أباك ولا تعص أمك أى : صل أملك ولا تذكر ذلك لأبيك وهكذا يتصرف المسلم في حدود طاعة الله تعالي ( لا ضرر ولا ضرار ) وأذنت المغرب وجئ لى بما يسمونه باكوا بكسويت وكوب من الماء . وحمد الله تبارك وتعالي على ما ساقه إلىّ من الرزق , وبعد قليل جمعونا استعدادا للرحيل وكانت مفاجأة كأنها صدمة كهربائية, عندما رأيت الكثير من ذالين معي في مبني الداخلية كانوا يؤدون الصلاة معي في مسجد الشهداء بالسويس , وأخذت أفكر في الخيط الذي جمع بيننا وما هي الصلة معي في مسجد الشهداء بالسويس وأخذت أفكر في الخيط الذي جمع بيننا , وما هي الصلة التي ربطت بين من يسكن القاهرة وبين من اختار مدينة السويس منزلا ؟ وهل ترددي على هذا المسجد لأداء بعض الخطب هناك يوم الجمعة هو الذي جاء بي إلى هذا المكان؟ثم ما هي التهمة التي سوف توجه إلىّ وأنا من فضل الله علي ما كنت يوما من الأيام مقترفا لجريمة أو آتيا بجناية . لقد كنت كما يقولون في المثل المصري : ( من بيته للجامع ) فماذا حدث إلا أن تكون القضية بلغة الذئب الذي قال للحمل :" لقد عكرت على الماء – وهو يعلم أن الماء لا يجرب في العلالي- ".

مهما يكن من أمر فسوف تتضح المسائل المبهمة وتفك الطلاسم وتحل الألغاز, وقطع تفكيري علىّ صوت نادي على أسمائنا وجمعنا في سيارة قطعت بنا الطريق إلى مكان إن صح أن يقال فيه شئ فهو مقبرة الأحياء ومشمت الأعداء , ومحزن الأصدقاء , ومفرق الأحباء ... وجئ بالأغطية التي تغطي الأعين حتي تحجب الرؤية . مع أن الساعة قد بلغت العاشرة مساء والليل قد أرخي سدوله لكنه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان .... ما الداعي إلى أن يوضع على العينين غطاء سميك إلا أن يكون ذلك تشبيها للإنسان الذي كرمه الله بالحيوان الذي يسقي الحرث بالساقية ؟! هل هناك أسرار بلغت من الدقة ألا يراها مواطن في بلده الذي منها نشأ وعلى أرضها ترعرع نشق نسميها واستضاء بشمسها وقمرها وعاش على خيرات الله التي بارك الله فيها ؟! لقد علمت ان هذا المكان هو القلعة وصاحت أصوات مرعبة تأمر بتوزيعنا على الزنازين ودخلت في الزنزانة لأول مرة ورأيتني أتحسس أربعة جدران فيها حديد معلق فتذكرت عندئذ دخول القبر حيث لا صديق ولا رفيق ولا جليس ولا أنيس وكأني بالنداء العلوي من الحق جل جلاله يقول : ( عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك , ولو ظلوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا أموت )...

تذكرت هذا النداء فآنس وحشتي ورحم غربتي وبعث بنور السكينة في قلبي لم يكفي الزنزانة فراض ولا غطاء والمكان قارس البرد وأرض الزنزانة تأكل الأجسام الصلبة فقد بطنت بطبقة من الأسمنت فضلا عما فيها من الحشرات المختلفة الأنواع من قارض وقارض ولاسع استسلمت لقضا الله وقدره , وخلعت جبتي ففرشتها وخلعت حذائي فتوسدته وأدخل لى السجان كوبا من الماء , ثم أغلق علىّ الباب فنمت مرهقا من شدة الإعياء نوما أشد من ألإرهاق نفسه .

في منتصف الليل

أشهد أن العذاب النفسي في تلك السجون وهذه المعتقلات لا يقل ألما عن العذاب البدني فمن الذي يستطيع أن ينام ليلا أو نهارا وأصوات الضحايا تعلو ثم تهبط , ثم تختفي وقد يكون اختفاؤها إلى يوم يبعثون يوم يقوم الناس لرب العالمين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم ( وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين ) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون يومئذ يندمون حيث لا ينفع الندم ويقولون : فمالنا من شافعين ولا صديق حميم فلو ان لنا كرة فنكون من المؤمنين وهم يصطرخون فيها ربنا : أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل فيقال لهم : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير .

وليس لأحد أن يوجه هذا السؤال إلى أى معتقل أو سجين فيقول له : هل عذبت ؟ ورأي إن هذا السؤال فيه مغالطة فكفي بالاعتقال عذابا وبالسجن ألما ولوعة !! إنه إهدار لأدمية الإنسان وإذا كان هناك دوافع فطرية كالإشباع بعد لوعة الجوع والإرواء بعد لهيب الظمأ والإخراج الذي يؤدي عدمه غلى تسمم الجسم واستنشاق الهواء والعيش في الضياء والنوم الذي جعله الله آية من آياته فقال ( ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ) فالطعام والمنام والماء والإخراج والحرية والهواء كلها دوافع فطرية جعلها الله حقا لكل مخلوق له كبد رطبة , كيف يقال لمن دخل السجن هل عذبت ؟! أليس حرمانه من كل هذه الحقوق الفطرية عذابا أليما مهينا ؟! ألم تسمع قول رسول الله صلي الله عليه وسلم  :" دخلت امرأة النار في هرة حبستها فاستحق حابسها النار وعذابها!! فما بالك بحبس الموحدين الصابرين الصادقين القانتين المنفقين المستغفرين بالأسحار !! فإذا أضيف إلى هذا العذاب العذاب البدني كان المصاب فادحا والخطب جسيما كيف يطرق الكري جفون قوم يستمعون إخوانا لهم يصطرخون ويولون ويصيحون ويئنون من شدة العذاب فمنهم من ينادي سأموت سأموت أرحمني علشان خاطر بنا .. آه !! آه يا الله أحد أحد اتقوا الله يا هؤلاء !! إنها كلمات تقض المضاجع وينخلع لها الفؤاد ألما ولوعة وتسيل لها الكبد مرارة وجوي , وبعد ما انتصف الليل فتح باب زنزانتي بعنف شديد فقمت من نومي فزعا وبصوت كالرعد يصم الأذان قال لى احد الجلادين : قم للتحقيق وصعدت درج السلم في جو مشحون بالصراخ والعويل وجلست أمام محقق ... هل ذهبت إلى مسجد السويس ؟ قلت : نعم . قال لماذا ؟ قلت : لأقوم بخطبة الجمعة هناك . أين كنت تبيت ليلة الجمعة ؟ قلت في منزل مخصص للاستراحة قال ففي أى شئ كنتم تتكلمون ؟ قلت : كنا نتكلم كلاما عاديا . قال ألم تتكلموا في غلاء الأسعار ؟ قلت : لا فأمر بانصرافي ونزلت إلى الزنزانة محبوسا حبسا انفراديا وضعت جنبي على الأرض أحاول النوم ولكن دون جدوي فبعد ساعة أو يزيد قليلا فتح الباب مرة أخري حيث ذهبت للتحقيق , وأعيدت الأسئلة مرة أخري إلى سمعي وأجبت عنها نفس الإجابة , ثم عدت في الصباح يوم الجمعة وهو اليوم الثاني من اعتقالي وكنت في مسيس الحاجة إلى أن أذهب إلى دورة المياه فقد حضرني البول فرد على الحارس بغلظة وفظاظة قائلا غير مسموح لك بذلك وأمامك ست ساعات لا طعام ولا شراب ولا قضاء حاجة , ومهما قلت عما لاقيناه فإن البيان يعجز واللسان يقف والجنان يصاب بالصداع والحياء يمنع مما وقع للمسلمين في تلك الأيام النحسات !! ولكن لكي أضع أمام القارئ صورا مما وقع في سجون مصر ومعتقلاتها فإنني أنقل هذه المآسي وتلك المفجعات من كتاب ( باشوات وسوبر باشوات ) للدكتور حسين مؤنس تحت عنوان ملحق رقم 6 ( خلف البوابة السوداء ).

" مهما بلغت كراهة الإنسان لأخيه فإنها لا ينبغي أن تهبط به إلى مستوي هو دون مستوي البشر وفي الصفحات التالية التي نقتبسها من كتاب الأستاذ أحمد رائف " صفحات من تاريخ الإخوان " التاريخ السري للمعتقل ( القاهرة بدون تاريخ ) صور لمواطنين مصريين بلغوا في تعذيب إخوانهم مبلغا يهبط بهم إلى مستوي الوحوش الكاسرة وليتهم مع ذلك كانوا يعذبون إخوانهم لحساب أنفسهم إنما كانوا يؤمرون بالتعذيب فيقبلون عليه وكأنهم يتسلون بما يفعلون هؤلاء لن يغفر الله لهم أبدا وستردد هذا الكلام بعد أن تقرأ تلك الصفحات التي ترينا صورة من الجانب الأسود للعصر الناصري إنها حجرة في الدور الأرضي علي يمين الداخل من بوابة السجن الحديدية الكبيرة تقع أمام بئر الماء لها نافذة تطل على خارج السجن الكبير حيث فناء السجن الحربي ويقع المستشفي أمامها مباشرة وتبدو مكاتب التحقيق بعيدة في نهاية الطريق المؤدي إليها .

والحجرة لا تتسع لأكثر من عشرة فهي ضيقة بالنسبة للعدد الكبير الذي وضع فيها وقد أشرقت علينا شمس النهار وعددنا خمسة وأربعون بينما مساحة الحجرة التي يطلقون عليها مخزن رقم ( 6) حوالي مترين في ثلاثة أمتار وكانت تفوح فيها رائحة البول والبراز والصديد وتنطلق منها الأنات الخافتة المكتومة فالتعليمات تقضي بعدم صدور أى صوت وإلا فسوف تدخل الكلاب الجائعة التي تثيرها رائحة الجروح !!

وهنا ينبغي التنويه لقد دخلنا المخزن وليس فينا واحد إلا وبه بعض الجراح والدم يسيل دون توقف أدخلونا المخزن في فزع وخوف فتساقطنا في ظلامه كل منا فوق الآخر وجمد كل منا بالوضع الذي قذف عليه حتى مطلع النهار فقد قال الحراس إنهم لا يريدون أصوات أو حركة فالموت جزاء من يفعل وكنا نعرف أنهم لا يكذبون في مثل هذه التهديدات شذ عن هذا واحد منا كان يحبس بوله وكان أقلنا في الذهاب إلى دورة المياه قد انتهي عهده بها منذ ست وثلاثين ساعة وبعد فترة قصيرة فتح الباب وظهر من فرجته شبح لجندي عملاق كربه المنظر قد أمسك سوطا في يده وصرخ فينا :

هل هناك من يريد الذهاب إلى دورة المياه ؟

وسكتنا جميعا .

وفتح الجندي فمه بسباب قذر بذئ ثم صرخ ثانية مكررا نفس السؤال وكان الظلام شديدا فكان من الصعب أن نري الانفعالات المختلفة على الوجوه وكان الخوف هو القاسم المشترك بيننا بطبيعة الحال وتشجع صاحبنا وطلب الذهاب إلى دورة المياه وكان لواء في الجيش فأخرجه الجندي الكريه المنظر من المخزن بعد أن مر هذا الزميل فوق جثث زملائه المكومة دون ترتيب وأمام باب المخزن حيث الأنوار الخافتة المنبعثة من المصابيح الموجودة في المكان ضرب هذا الضابط الكبير ضربا شديدا موجعا ثم جاءت الكلاب ونهشت من لحمه أمامنا وبعد هذا كله ألقوه في البئر وعندما أوشك على الموت أخرجوه وأدخلوه إلينا , يقطر دماء وماء وتركوه يرتجف حتي جفت ملابسه وحدها وكانت هذه العلقة مدعاة لاستغنائه عن الذهاب إلى دورة المياه فقد تبرز الرجل وبال علي نفسه وصارت رائحته تزكم الأنوف القريبة منه وكان منها أنفي وبقي كل في مكانه يجتر أفكاره وآلامه في صمت رهيب ولم تكن تسمع همسة أو تحس بنأملة وكل ربع ساعة تقريبا يفتح الباب ويقذف إلينا بمعتقل جديد يقذف كما يقذف جوال ملئ بالبطاطس مئلا دون ما اهتمام وفي العادة يكون هذا الشخص عائدا من التحقيق أو من منزله .

وكان الظلام شديدا فلم نستطع تمييز وجه أحد ولكن كانت هناك يد تمتد في الظلام لتكتم الأنات الخافتة الصادرة من أفواه الجرحي خوفا من بطش الجنود , وكان جوعنا شديدا وعطشنا أشد ولكن ! ما الجوع والعطش بجانب هذا الخوف العارم الذي يقتلع القلوب من الصدور ؟. وبعد مدة سمعت أحدهم يهمس : يا جماعة ..

وانبري إليه صوت الضابط الكبير الرائحة من ملابسه المتسخة بالبول والبراز : ماذا تريد ؟ ألا يكفيك ما نحن فيه ؟

ولكن الصوت الهامس بإلحاح لقد اكتشفت شيئا هاما !!

وما هو ؟

بجانب الباب وعاءان من المطاط .

ماذا تعني ؟

أظن أن أحدهما للبول والآخر للشراب ولكن لا أدري على وجه التحديد أيهما للبول وأيهما للشراب !!

وقام أحدنا بخفة وبلطف شديدين يتبول الواحد في إناء ويشرب من الآخر وفي هذه الليلة المباركة شربت البول لأول مرة في حياتي ولم ي;ن طعمه مريحا على اية حال : وليس هناك داع لأن أقول إن أحد منا لم يذق طعم النوم في هذه الليلة وربما لليال أخري أتت في أعقابها وكانت الآلام التي واجهناها وعايشناها تشغلنا قليلا عن التفكير في التحقيق الذي قد يدعي إليه أحدنا في أية لحظة من اللحظات !! وقد قدر لى أن أعيش في هذا الانتظار وعايشناها أكثر من أربعين يوما حتى أرسلت بعدها إلى التحقيق وقد رأيت كم هو مختلف عن مثيله في أبي زعبل إنه القتل تحت السياط والأسياخ الحمراء وخلع الأظافر ونهش الكلاب وأسلاك الكهرباء أو تحت وطأة ركل الأحذية الثقيل .

وفي رحلتنا عبر هذه الليلة الرهيبة فتح الباب وقذف إلينا باثنين ثم نودي على أحد السماء وقام صاحب الاسم يرتعد خوفا وفرقا ونحن نستمع إلى صير أسنانه ورصت أركز بصري في الظلام واستطعت أن أتبينه وهو يمر من فرجة الباب خلال الضوء الشاحب الآتي من المصابيح المنتشرة عبر الساحة كان الضابط المسكين الذي للم يسترح من علقة المساء لقد طلبوه للتحقيق وإني أعتقد بعد مرور ذلك الوقت الطويل أن كل من بالمخزن قد شاركني دعائي الحار حتي يخفف الله من آلامه , وهو ذاهب إلى مصيره المجهول !!

ومع الخيوط الأولي للنهار حيث استطاع كل واحد منا أن يتبين وجه زميله فتح الباب وظهر أربعة من الجند الأشداء يحملون الضابط الكبير وقد تمزق جسده من السياط وأكلت الكلاب من جسمه حتى شبعت وفي لمح البصر سمعنا صوت ارتطامه فوقنا ولم يجرؤ واحد منا على لمسه أو تخفيف آلامه التي كانت ممثلة في أناته الخافتة المعطية وكانت ملابسه غارقة بالدماء وكان من الصعب أن نعرف مصدر النزيف كان جسده جرحا كبيرا غائرا ينزف دما من كل مكان ومع إشراقة الشمس فتح الضابط عينيه عن آخرهما ثم أرسل صرخة عظيمة خيل إلىّ معها أن جنبات السجن قد ارتجت ثم سكت إلى الأبد !!

وكانت خسائر هذه الليلة اثنين من القتلي وأكثر من أربعين جريحا كما علمنا فيما بعد . جاء الجند وحملوا الضابط المسكين في بطانية من الصوف إلى حيث لا يعلم أحد وطلع النهار واستوت الشمس ودبت الحركة ودبت الحركة في الآلة الرهيبة .

لا أكتمكم أن أحد لم يحزن على واحد من الذين ماتوا في الليل لم يكن في قلب أحدنا مكان للحزن ! فقد غطي الألم والخوف كل جوانحنا ! وكنا نغبط الذين ينجون من العذاب بالشهادة والذهاب إلى الله .

فتح باب المخزن قليلا واستطعت أن أتبين فناء السجن من خلال عيني اللتين أضناهما السهر والألم وأبخرة البول في تلك الليلة الحارة .

ورأيت منظرا لا أنساه !!

مجموعة من الجند ينهالون على شيخ بالسياط ضربا وهو يصرخ ويستغيث ولا تجيبه سوي فرقعة السياط الملتهبة على جسده الواهي الضيف وسكت الشيخ أخيرا بعد أن بح صوته من الاستعطاف وطلب النجدة وظلت يداه مرفوعتين إلى السماء الصافية ولا أدري ... أكانتا تحتجان أم تتوسلان ؟ وعلى الجدار المواجه كانت صورتان لجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر مرسومتان بالزيت ولم تكونا من رسم فنان بل كانتا رسما شبيها برسم الأطفال في السنة الأولي من المدرسة الابتدائية وفوقهما حكمة مكتوبة بخط واضح " كنت أخادع الحياة كي أعيش كما أريد " ولا أدري من كتبها أكان منكوبا مثلي أم أحد الجلادين كنت اشعر أنني في كابوس مزعج ولا أحتمل التفكير فيما يدور حولي لم يكن هناك ثمة سبب يبرر كل تلك الآلام ولم أتصور الشكل الذي ينتهي عليه هذا الحلم المزعج وكنت أحسب ألف حساب لكل لحظة قادمة كانت الطاحونة التي تهرسني كل لحظة أقوي من طاقتي كإنسان محدود الطاقات كان الزمن شيئا مرا كالعلقم أو أشد مرارة ولم يكن أمامي في مواجهة هذه الأحداث غير الاستسلام الكامل ورويدا رويدا أصبحت أبعد التذمر عن قلبي وأتذكر المؤمنين الصادقين الذين بنوا الإسلام على أكتافهم وصدقوا ما عاهدوا الله عليه وأدعوا من قلبي أن أكون منهم ,أن أتحمل هذه الوطأة القاسية دون اعتراض أو احتجاج .

دخل جندي كريه الوجه واليد واللسان , عرفت أن اسمه " الروبي" وانهال علينا هذا " الروبي " بسيل من الشتائم البذيئة وكنا نفهم بعضها ونعجز عن فهم بعضها الآخر لكننا على ثقة من أنه يسبنا سبا قبيحا كان يحمل في يده وعاء قذرا وبأصبعه المتسخة صار يعطي كل واحد منا قرصا صغير من الطعمية الرسمية وعاود التوزيع وأذكر أنني لم أتقزز كان الأمر كما قلت لكم أكبر من التقزز ومن كل شئ ثم ألقي فوق رءوسنا حفنة من الأرغفة وانصرف .

وأحصينا الخبز فوجدنا أنه كسرات مجموعها ما يوازي خمسة أرغفة وكان عددنا قد قارب الخمسين فكان لكل عشرة رغيف واحد من الخبز .

بعد جوع طويل ورغم هذا فقد رفض الكثير منا تناول هذا الطعام ولم يكن الرفض احتجاجا أو تكبرا بل كان الخوف يجعلنا لا نحس بضرورة الجوع وبعد قليل دخل " الروبي " نفسه وأعاد على مسامعنا ما سبق أن قاله وكان ممسكا بيده اليمني سيخا طويلا من الحديد ... وفي يده اليسري ... كوبا من الألمنيوم القديم قد امتلأ حتى حافته بالشاي ... وبسيخه الطويل شج رءوس بعض المساكن وانسكب قدر كبير من الشاي الموجود في الكوب أثناء ضربه لنا , ثم أعلن لنا مفاجأته ... كانت بقية الشاي الموجود في الكوب هو ما تقرر صرفه للخمسين المجتمعين في مخزن رقم 6 الرهيب.

وفي هذه المرة رفضنا أن نشرب الشاي احتقارا منا لكل شئ .. وبقي في مكانه حتي الظهر ..

واكتشف الروبي أننا لم نشربه فضربنا جميعا علقة ساخنة ..

وبعد ذلك أتانا جندي آخر أشد بشاعة من صاحبه .. لقد تقرر أن نذهب إلى دورة المياه لنقضي حاجتنا ونغتسل ونشرب بدل البول ماء زلالا من الصنابر .. ولم تتم الفرحة .. ذهبنا إلى دورة المياه المقامة بالدور الأول عدوا والسياط والكلاب تنوشنا من كل ناحية .. ظهورنا ووجوهنا ورءوسنا .. وأدخلوا كل واحد منا مكانا , وان المكان قذرا جدا والبراز يملأ كل شبر فيه ولا توجد نقطة واحدة من الماء ... ليس هذا فحسب .. بل فوجئت – عندما أغلقت الباب وهممت أن أفعل شيئا – بالجندي وقد فتح الباب في قسوة وانهال على ضربا بالسوط .. وارتبكت ولم أفهم ماذا يريد هذا المخلوق بالضبط ... كان في نظري مجرد مخلوق من مخلوقات الله ليس إنسانا وما ينبغي أن يكون ... أسود الوجه ... غائر العينين تنبعث من فمه رائحة كريهة نتنة بفعل التعفن الذي أصاب اللثة والأسنان من زمن بعيد .. وكانت البقع الجلدية الباهتة البيضاء تتخلل وجهه الدميم ... وتذكرت داروين وحلقته المفقودة ... وكذلك مر بمخليتي الكاتب النرويجي ابن ..

وانطلق من فمه الأهتم صوت كالزئير

- اطلع بره يا ابن الكلب

- يا فندم لسة....

- أنت بترد على يا جربوع يا حثالة ... يا .... يا

- والسوط يفرقع في حمية وشدة وحماس ...

وعدت إلى المخزن ... وما استفدت شيئا في هذه الرحلة المشئومة إلى دورة المياه غير العلقة الساخنة ... تلك التي تركت آثارها جروحا في وجهي على كتفي وظهري ورأيت الباقين وهم يهرولون كالفئران المذعورة ... والجند وراءهم كالوحوش والسياط والكلاب تعوي في الفضاء الخانق عبر ساحة السجن الكبير .

وجلست مكوما ساخطا بين عشرات الأجساد التي ألهبتها حرارة السياط وعرفت أن أحدا لم يقض حاجته .. وظلت الوجوه صامتة عليها غربية ثم حرك أحدهم يده في عصبية وانخرط في بكاء مرير ... ونسي نفسه وتمتم بكلمات :

هذا ظلم !!... هذا ظلم !!

وقال له ناظر المدرسة الثانوية الأشيب الذي حنكته الأيام :

كلنا نعرف أن هذا ظلم .. فاضبط نفسك ولا تنطق بكلمة واحدة ... فنحن لا ندري من سيموت منا هذا النهار ؟!!


وخيم صمت على المخزن لم يقطعه إلا صوت السياط العاوية والصرخات المكتومة تأتينا من بعيد . وعاد كل واحد فينا يجتر أفكاره في شرود ..

وكان كل ما يشغل تفكيري تلك الكلمة التي قالها لى الضابط في معتقل القلعة شعبان " بتاع الخانكة " ... أين أنت ؟ سيكون هلاكي على يديك يا شعبان ... يسألونني عنك وأنا لا أعرفك ... وسأموت من أجل جهلي بك .. ولكن الموت تحت السياط شئ رهيب يا شعبان ... ربما يجلدونك في هذه اللحظة ..

وجدتني أسأل الموجودين في صوت ضعيف :

- يا جماعة ... هل فيكم من يعرف شخصا من الخانكة اسمه شعبان ؟

- وبصوت هامس استجاب لى صوت متأفف النبرة .

- أنا من الخانكة ولا أعرف فيها من يدعي " شعبان " غير رجل في الستين من عمره يعمل فراشا في الوحدة الصحية .

- واقتربت منه بإلحاح :

- هل له علاقة بك ؟

- لا أظن .. إنه رجل أمي ولا يفهم شيئا من شئون السياسة..

- هل له علاقة بالإخوان ؟

- ومن أدراك ؟

- فأجابني في تأفف خوفا من حضور الجند :

- أنا من الإخوان ... صدقني ... ليس في المنطقة كلها شخص واحد في جماعة الإخوان يحمل هذا الاسم ..

وعدت إليه في إصرار وتوسل ..

- أرجوك .

- ماذا تريد بالضبط ؟

- أعطني أية معلومات عن شعبان ..

- فراش الوحدة الصحية .

- نعم ..

- لماذا ؟

- سوف يسألونني عنه ولا أ‘رف عنه شيئا على الإطلاق ..

- وأجابني بتذمر وكأنما أراد أن ينهي الحديث .. فكل منا له مشكلته المعقدة ..

لقد قلت لك ...هذا رجل مسكين ولا يعلم عن العالم شيئا ... وربما لم يغادر الخانكة أبدأ ولم يكن له أى نشاط سياسي ... وربما لا يعرف من يحكم مصر في هذه الأيام هذا " شعبان " الذي يسألونك عنه لا يمكن أن يكون من مدينة الخانكة .. فلا تشغل بالك وتشغلني معك ..

- ولكن ...

- قاطعني :

- أرجوك أن تسكت .. في رأسي ما يشغلني .. وليس عندي كلام عن " شعبان " أكثر مما قلته لك ..

- وعاد إلى نظرته الشاردة وإلى ما في جوفه من خوف وهلع وانشغال .. فشلت كل محاولاتي معه لأجعله يتحدث عن شعبان .. ومن بين النظرات التائهة الشاردة صرت أتفحص الوجوه وأتأملها بطريقة غير واعية ... كان الألم يفترسها افتراسا .. وكانت وجوها مصفرة كئيبة عليها آثار لتراب المختلط بالدم المتجلط .. وكان في بعضها دم مازال رطبا طازجا ينزف من جرح في أعلي حاجب ذلك الوجه ... وبدو أن صاحبه لم يلتفت إليه فقد كان في حالة شرود كاملة .. كان الدم يتساقط على وجهه وملابسه ولا يفعل هذا الإنسان شيئا سوي أن يزيحه بأصبعه إذا اقترب من عينيه..

وصرت أتنقل ببصري من وجه إلى آخر .. وأجدها جميعا متغضنة ولا شي يميز بعضها عن بعض .. ثم وقف بصري على وجه ... كان صاحبه قد أتي قبل أن يطلع النهار ولا أدري لماذا ركزت عيني على مكانه في الظلام حتي أستطيع أن أراه بوضوح عندما يطلع النهار .. وقد شغلني قتل الضابط للحظات عن أى شئ آخر ... والآن واتت الفرصة لأتملي هذا الإنسان .

- كان وسيم الوجه .. في الخامسة والعشرين – هكذا خيل إلى – على شفتيه ابتسامة ميتة .. أو ابتسامة في طريقها إلى الموت . يرتدي ملابس فاخرة – حليق الذقن والشارب .. وكاهن يداعب أصبعه الوسطي في يده اليمني في شرود ثم يرسل نظرات إلى المكان .. ويحاول أن يبعث ابتسامة ولكنها ماتت أو كانت في طريقها إلى أن تموت وصرت أمر بين الوجوه ثم أعود إلى هذا الوجه .. ولاحظ صاحبنا أنني أعاود النظر إليه بين لحين والحين .. وكنت أسأل نفسي .. ـري هل رأيت هذا الإنسان قبل ذلك ؟.... لقد كنا جميعا نقف على حافة الأبدية .. وكانت رائحة الموت تملأ أنوفنا .. فقد كان الموت هو الحقيقة الوحيدة التي نمارسها في هذا المكان ..

واقترب هذا الشاب بوجهه مني .. فقد كان لا يبعد عني بأكثر من شبرين ... وباهتمام بالغ همس في أذني :

أريد أن أفضي لك بشئ بالغ الأهمية !!

وارتعدت فرائصي .. ماذا يمكن أن يقول هذا الشاب لى ؟ وقلت له وكأني أدفع خطرا عني :

أنا لا أعرفك .. ولم أرك من قبل الآن ..

وكأنه لم يسمع كلماتي ..

وخيل إلىّ لحظتها أن ابتسامة قد بعثت ... ولكني عرفت بعد ذلك إنه كان وهما صوره لى اقتراب وجهه مني ..

وقال لي :

- اسمي عاطف ... أعمل في بنك مصر ..

- يا سيدي لا أعرفك .. واسمك لا يذكرني بشئ

وقلت لنفسي ربما يكون هذا الشاب في ورطة ... وتخيل أنني أستطيع أن أمد له يد المساعدة .. وفي نوبة من نوبات الشهامة ... قررت أن أستمع إليه .. والتفت إلىّ في حماسة ... وآلمتني نظرته الحزينة ... وقلت له :

- ماذا تريد ؟ ... أنا تحت أمرك .. ليتني أستطيع أن أقدم لك شيئا ..

- ألا تعرفني حقا ؟

كلا

- حاول أن تتذكر .... وجهك ليس غريبا عني ... يخيل إلىّ أنني رأيتك في مكان ما ...

- صدقني .. لم أرك قبل الآن ..

لماذا يبدو وجهك مألوفا لدي إذن ؟

- لست أدري ..

- هل تستطيع أن تكتم سرا ؟

- في هذا المكان ؟

- نعم

- ليس من الخير أن تحتفظ بأسرارك هنا ؟ ربما ..

- ربما ... ولماذا ربما ؟ يستطيع أى إنسان أن يكتم سرا

- إذا كان هذا الإنسان أقوي من السوط ..

- وهل السوط أقوي من الإنسان ؟

- لست أدري ربما ..

- أنصحك بالتريث ..

- دعك من هذا سأقول لك ..

- ولماذا تقول لى أنا بالذات ؟

وجهك يبدو مألوفا لدي ..

- ألا تخشي أن يخونك التقدير ؟!

- وماذا يهم ..؟

- في الحقيقة أنك تثير اهتمامي ..

- كأننا أصدقاء ..

- في الماضي كلا ..

- أقصد أن نتصادق الآن ..

- أنت تمزح ولا ريب ..

- كلا ... أنا أعني ما أقول ..

ووجدت نفسي أبتسم ابتسامة ساخرة من ذلك الإنسان العجيب ... أني مثل هذا الوقت يحاول أن ينشئ صداقة ؟!! ربما إحساسه بالخطر الذي يدفعه إلى ارتباط ... ربما يريد أن يحتمي خلف شئ ما .... بما ... ربما ..

- وجدت وجهه صبوحا نبيلا مليئا بالأسي ... ونظرة صافية حزينة تشع من عينيه .. وابتسمت من جديد ... وكانت ابتسامة عذبة مخلصة .. وكانت لحظة سعيدة .. وكدت أضحك وأنا أقول له :

- أنا موافق .. لا بأس أن نكون أصدقاء .. اسمي ..

- فقاطعني ..

- نسيت أن اقول لك السر ..

- أى سر ؟

- السر الذي حدثتك عنه قبل قليل ..

لا بأس إني مصغ إليك ..

- وتلفت هنا وهناك ... وبدت عليه علامات الجد والاهتمام

- الموضوع له علاقة بنبيلة ..

- نبيلة ؟

- اصبر .. سأذكر لك كل شئ في حينه ..

وبدأ الخوف يغزو قلبي من جديد ... وغاضت سعادتي ... كنت أريد أن أبتعد بأي اسم لأى فتاة عن هذا المكان ... فأى اسم يتردد وعلى أية شفة ممكن أن يأتي خلال ساعة من الزمن ... ولو كان هذا الاسم لعفريت من الجن على حد تعبير أحد الضباط ... ولكن عاطفا هذا لم يكن ملتفتا إلى أفكاري التي تنساب عبر عقلي .. ويبدو أنه كان يريد التحدث فقط .. وأتاني صوته ضعيفا :

- كنت أحبها ... حبا عميقا ... وكانت هي كذلك .

- وشلمني إحساس عارم بالسخرية وقلت له :

- لعلك سوف تحكي لى قصة غرامك ..

ونظر إلى بجدية وهو يجيب .

نعم وماذا في هذا ؟

- لا شئ... ولكن ألا تري أن المكان لا تناسبه هذه القصة ؟

- ولكني أراه مناسبا تماما ...

- وتفرست في وجهه .. كان المسكين في حالة ذهول كاملة .. وأدركت ذلك عندما دققت النظر في وجهه .. وأحسست بمدية حادة تمزق قلبي ... كان المسكين في حالة غير عادية لقد أذهله الموقف ... وشعرت بالحيرة ... ماذا يمكن أن أفعله له ؟ لا شئ وفجأة رأيناه ينخرط في بكاء حاد ومن بين البكاء صار يقولوا :

- لقد أخذوها عنوة ... توسلت إليهم أن يتركوها فرفضوا ... كانت فتاة رائعة وقاطعته .. فقد وقف شعري من هول المعني الذي تحمله هذه الكلمات :

عمن تتكلم ؟

- نبيلة – كنا هنتزوج بالأمس .. جاء المأذون لعقد القرآن .. ولكن

- قبض على أنا وهي ..... أخذوها

- من الذين أخذوها

- المباحث الجنائية العسكرية .. قبل أن يعقد ..

- لماذا ..

- لست أدري

- أنتما من الإخوان ولا ريب

- أنا وهي من المسلمين ..

- إنهم يقبضون على المسلمين في هذه الأيام الحمراء ..

- لحساب من ؟

- لحساب الروس .. لحساب الأمريكان ... وربما لحساب اليهود ..

- اليهود ؟

- نعم ..

- ألسنا أعداء لهم وفي حرب معهم ؟

- واقترب شيخ عجوز يسيل الدم بجوار علامة الصلاة في جيبنه وهمس

- نحن نعاديهم في الظاهر ... أما حقيقة الأمر فنحن خدم اليهود المخلصون .. نحن من ؟

- المباحث الجنائية وسائر أجهزة الأمن ومن يوجههم ..

- أنت تقول كلاما خطيرا ..

- أنا اقول الحقيقة ..ز كل هذا يضعف الأمة فلا تقوي على الحرب

- أية حرب ؟

- بعد أن ينتهي هذا المعترك سوف ندخل في حرب مع إسرائيل ... ونهزم أمامهم هزيمة منكرة تقتل روح الأمة ..

- لعمري هذا أمر غريب ..

- ستأتيكم الأيام بما لا تعرفون ..

وكان عاطف شارد الذهن ولعله يدرك شيئا من هذا الحوار ولكنه كان يتمتم :

- عندما أتينا ذهبوا بها إلى مكان .. يقولون اثنين .. وهنا أخذ الأمباشي دبلة الزواج .. أكانت دبلة من الذهب ؟

- وأجاب عاطف :

- نعم ... كانت كذلك ..

- ألا تعرف أن الذهب حرام على الرجال ؟

واستغرق كل في أفكاره .. وأنا في شعبان بتاع الخانكة ... وعاطف يفكر في زوجته والشيخ يفكر في اليهود القادمين ..

قطع علينا الصمت الذي يخيم على المخزن صوت فتح الباب في جلبة وضوضاء .. ودخل جندي كريه كأصحابه .. يحمل في يده ماكينة حلاقة مما يستعمله الحلاقون لحلق الشعر وكان يمسكها بطريقة مخيفة.. كأنه يمسك بآلة حادة يهم أن يبطش بها بإنسان وتكلم كأنه ذكر الخنزير ..

يا أوغاد ... يا أولاد الكلاب ... يا حشرات .. ستحلقون رؤسكم القذرة بعد قليل يا أبناء العاهرات .. وهذا شرف لا يليق بكم يا لمامة ... عبد النبي ... نعم أنا الأسطي عبد النبي ... ( وقالها بطريقة كأنه يقول أنا نابليون ) الحلاق السابق والمجند حاليا ... سأحلق لكم ... هل تفهمون هذا الكلام ؟ شرف كبير يصرف لكم دون جهد ... هيا تعال أنت .. واختار واحدا منا وكان الذهول يلفنا كالدوامة .. وتقدم الشخص الذي اختاره ... وجلس صاغرا بين يديه كالمغشي عليه من الموت ... وكان هذا الشخص ملتحيا .. ورأينا الأسطي عبد النبي الأسطوري صاحب الصيت الذائع في عالم الحلاقة كما يدعي .. وقد هم به كأنه سفترسه لا سيحلق له ..

ومن بين الكلمات والصفعات المتوالية حلق له .. وكانت حلاقة عجيبة . فقد حلق له نصف لحيته ونصف لشارب المحلوق ... ثم حلق له شعر رأسه ... وختم الأسطي له حلاقته بضربة قوية من ماكينة الحلاقة على رأس الزميل المسكين فتناثر الدم وسقط مغشيا عليه .. واستمرت الحلاقة أكث من ساعتين بين الصراخات والأنات المكتومة .. والكلاب تعوي في فناء السجن ... وماكينة الحلاقة في يد " عبد النبي" التي تقطر دما .. وضحكات الجنون ترتفع فوق الصرخات والأنات وعواء الكلاب الضارية في فناء السجن ..

وجاء دوري في لحلاقة وكان نصيبي جرحا عميقا في أعلي جبهتي ..


وانتهت هذه المجزرة وانصرف الأسطي عبد النبي ضاحكا مسرورا .... ولم ينس قبل أن ينصرف أن يوزع علينا بركاته من الشتائم المنتقاه التي – والحق أقول لكم – منها ما لم أسمع به قبل أن ينطق بها الأسطي عبد الني .


وانشغلنا بعد ذهابه بتضميد جراحنا ... ولم تكن أدوات الإسعاف اللازمة فكنا نمزق ملابسنا الداخلية ونحاول أن نكتم الدم المتدفق .


وأذكر أنهم أثناء ذلك قذفوا لنا بأحد المصابين العائدين من التحقيق .. وكان ذلك المسكين قد أخذ علقته منذ يومين وترك في العراء حتى جفت جروحه وتقيحت ..وقاحت رائحتها الكريهة .. ولحظة دخوله هبت رائحة كريهة كأنها صادرة من قبر دفن صاحبه حديثا .. ونكوم الرجل بيننا ولم ينقطع صراخة لحظة واحدة ..

" رجلي يا ناس ... الحقوني يا ناس .... النار ... النار .... يا ناس .. حاموت ألا يوجد فيكم مسلمون ... والله ما أعرف حاجة عن الإخوان ... الله يلعن السياسة يا ناس أنا عربجي إيش عرفني بالإخوان ... يا ناس واحد يطفي النار اللي في رجلي "..

كانت قدمه اليسري ملتهبة بالصديد ولم نكن نملك غير الدعاء بأن يخفف الله آلامه وعندما اشتدت آلام الرجل وعلا صراخه حتى جاوز المكان اندفع الدم في عروقه أ؛د الذين معنا وقام وطرق الباب طرقا عصبيا حتى يأتينا أحد الحراس وتجمد الدم في عروق وفي عروق الموجودين على ما أظن ولن نتمكن من منعه فقد قام وفعل ذلك في حركة خاطفة وصح ما توقعنا !!

فقد فتح الباب وظهر من فرجته ثلاثة من الجنود كأنهم الشياطين وفي يد كل واحد هراوة ضخمة وكأنهم كانوا على استعداد وفي انتظار إشارة البدء وصاح رئيسهم وهو أقبحهم وجها : وقعتم في المحظور يا أولاد الكلب ... كنا ننتظر هذه الغلطة هيا إلى الخارج جميعا !!

وأوقفونا صفا متجاورين ولم يأت معنا الرجل الجريح فما كان بقادر على الوقوف وقد تأكد رئيس الحري من ذلك بعد أن طحنه بهراوته طحنا ولم يقم الرجل بل كسرت ذراعه في هذه العلقة أما ما فعلوه بنا فقد كان شيئا جديدا لقد أرغمونا على كنس فناء السجن بأيدينا التي مزقها الزجاج الدقيق المتناثر في الفاء وأوسعونا ضربا ولكما و" رفسا " ثم جعلونا نلحس سلالم السجن بألسنتنا تحت ضغط السياط والهراوات ونهش الكلاب !!

وعدنا إلى المخزن والدماء تسيل من أفواهنا ومنا من صاحبه ورم في لسانه حتى وقتنا هذا !!

أما الرجل الذي تركناه جريحا يعاني من الصديد الذي ملأ قدمه فقد رأيناه يفعل شيئا عجيبا !!

كان يتبرز ثم يدهن قدمه المتورمة ببرازه يطفي نارها المستعرة ثم انتابته حالة عصبية فصار يأكل البراز ويصرخ صراخا عاليا وحاولنا رغم كل ما حدث أن نهدئه وان نمنعه مما كان يفعل !!

ووجدت دموعي تنساب على خدي دون صوت كان قلبي يتمزق وكان هو يتمزق ويتضغط تحت ثقل يد قويه عاصرة ولم يفكر أحد منا في استدعاء الحرس لإسعاف الرجل المسكين ولم ينقطع صراخه طوال النهار !!

وفي الليل وأثناء تغيير نوبة الحرس المسائية صار الرجل يناد زوجته وأبناءه بأعلي صوته ويطلب منهم أن يسامحوه ويغفروا له ذنوبا لا نعرفها ثم اختلج جسده وأسلم الروح .

وفي الصباح وجدنا في وجهه تعبيرا هادئا مطمئنا كأن الله غفر لفه !! بعد أن مات الرجل وعرف كل من في المخزن أنه مات انفعل أحد الموجودين وبكي بصوت مكتوم ثم ارتج المخزن بالبكاء وصلينا عليه ونحن في أماكننا وهو غارق في برازه وصديده وابتسامته الهادئة التي لم نرها إلا في الصباح !!

وكانت هذه هي الليلة الثانية في السجن الحربي الليلة الثانية التي لم أذق فيها طعم النوم وإذا أضفنا الأربعة أيام التي قضيتها في المحمصة بأبي زعبل مجموع أيام السهر سنة أيام كاملة ويبدو أن معظمنا قد نسي أن هناك ضرورة حياتية اسمها النوم .

وفي هذه الليلة كان جوفي يحترق من اعطش مما جعلني اشرب قدرا أكبر من البول الذي جمعناه في أوعية المطاط طوال النهار وجاء النهار ومعه الجند ليفعلوا معنا ما فعلوه في الأمس فتكلم أحدنا في صوت ضعيف :وهناك روائح أخري تهب من الأجواف التي انتنها الجوع والسغب وقذارة الأسنان وكان صوت المزلاج عندما يتحرك إيذانا بفتح الباب يجعل كل من يسمعه ينتبه ويصل إلى قوة إنفعاله وتمتلئ عروقه بالأدرنالين تحفزا واستعدادا لمواجهة الخطر وتمثل لنا أسوأ الأوقات في لحظة تسليم الطعام الضيئل الكمية القذر الصناعة لأبهم ينتهزون هذه الفرصة فيوسعوننا ضربا ولكمأ وأذى !!

وكان كل واحد ينتظر لحظته الرهيبة لحظة استدعائه إلى التحقيق وكان عذاب الانتظار رهيبا هناك من مات في انتظار هذه اللحظة لم يستطع قلبه احتمال ذلك القدر العارم من الخوف فلم يكن أمامه غير الموت يا أفندم فيه احد ميت !!

وأشار بيده إلى الجثة الهامدة وارتسمت على وجهه الجندي ابتسامة وقحة :

واحد فقط يا أولاد الكلب ؟ وأين نذهب بوجوهنا من سيادة العميد ؟! أى إنسان هذا الذي يتحدث عنه الجندي ؟ لا شئ أنه ليس من البشر ألا يؤثر فيه منظر الموت الجديد ؟

لقد رأيت جنديين يحملان الجثة وهما يضحكان ويتغامزان كأنهما يحملان ماذا أقول ؟ كأنهما يحملان أرخص الأشياء وأدناها قيمة وذهب الرجل المسكين الذي لم نعرف عنه شيئا سوي أسماء أبنائه الذين ظل يناديهم في لحظاته الأخيرة قبل إن يموت لقد ذهب الرجل إلى مكان خلف الحياة إلى الله الذي يجد عنده العدل والرحمة والسلوان وكانت الأفكار في هذا اليوم تمور في نفسي .

ما الحياة ؟ ما الموت ؟ ما الظلم ؟ وما العدل ؟ وما العزة ؟ وما الذلة ؟ وما البغض ؟ وما الحب ؟ وما الجوع ؟ وما الخوف ؟ كل هذا ليس سوي كلمات وما أنا ؟ لست سوي كلمة وما الآلام ؟ أيضا كلمة وما الفكرة وما الصمت ؟ والحق والباطل كلمات ولكن تختلف الكلمات وتتمايل هناك ( كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ) وهناك الكلمة الخالدة طيبة ( كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس ) والحياة التي نعيش فيها ويصنعنا بعضها ونصنع نحن البعض الآخر ليس هذا كله إلا صراعا بين الكلمات .. الكلمات الخبيثة والكلمات الطيبة – ونحن بين هذه وتلك في علو وانخفاض ولا يتربع فوق عرش الحياة في النهاية التي لا يمكن قياسها بمقاييس البشر إلا أصحاب الكلمة العليا الكلمة الطيبة ذات الأكل المتجدد الدفاق اللا متناهي ما دام للوجود حس أو شعور .

الحقيقة أننا واجهنا الموت في هذا المخزن وبعضنا ناله ... قضيت في هذا المخزن أيام ونقلت في اليوم الرابع إلى الزنازين ولم يتركني الموت لحظة طيلة العام الذي قضيته في السجن الحربي فقد كنت ألقاه في كل دقيقة وقد ترك هذا العام في نفسي أثرا لا يمكن أن يمحي أو يوصف أو يتخيله إنسان غير ذلك الذي عاشه وعاناه !! وقد تكونت ثقافة مشتركة بين هؤلاء الذين عاشوا تلك الأيام المفزعة فكم من الكلمات لا تعني شيئا بالنسبة لكثير من الناس !! ولكن هناك كلمات تتردد بين هؤلاء الذين كانوا هناك فتسري بينهم كما تسري الكهرباء في سلك النحاس ويكون في نفوسهم معني لا يختلفون عليه !!

كانت أكثر اللحظات أمنا تلك التي يحكم فيها الحراس علينا غلق باب المخزن رغم الرائحة القذرة التي تملأ المكان من البراز والبول والصديد الموجودة في كل مكان ورائحة كريهة" انتهي وبعد تقديم هذه الصور التي تقشعر منها الأبدان وتشيب من هو لها الولدان استطيع أن أجزم بأن ما ذكر فيها ليس كل الحقيقة بل هو غيض من فيض وجزء من كل وقطرة من بحر وسطر من قمطر من الواقع المرير الذي لا تشرحه العبارة ولا يقوي على وصفه بيان ولا يستطيع أن يوفيه لسان فهو عند ربي في كتاب ( لا يضل ربي ولا ينسي )

( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون نما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار وتري المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشي وجوههم النار ليجزي الله كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا إنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ) .

تهمة عجيبة

دخل معي السجن فتيان كانت تربطني بهما صلة الشيخ برواده وكانا يقومان بخدمة المصلين يوم الجمعة حسبه لله تعالي وقد تم اعتقالهما معي فقد كانا يسافران بصحبتي لأداء الخطبة في مسجد الشهداء بمدينة السويس وقد نالا في المعتقل العذاب الأليم في سبيل أن يكونا شاهدين علىّ وقد أخبرني أحدهما بعد انتهاء فترة التحقيق بأنه قد استعمل معه الوسائل العلمية التي تدفعه دفعا إلى أن يقول كل شئ وكان السؤال الذي يتردد عليهما دائما أين يخفي الشيخ كشك السلاح ؟ وهما يعلمان " علم اليقين " بل " عين اليقين " أن السلاح الذي أدعو الناس إليه هو " سلاح التقوي " وهو السلاح الأقوي !!

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقي
تقلب عريانا ولو كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه
و خير فيمن كان لله عاصيا

وأراد الله تعالي أن يجعل من اعتقالهما سلوانا لنفسي وتخفيفا من أهال الخطوب الجسيمة فقد كانا يقومان على خدمتي من غسل الثياب التي كادت تبلي وتعشش فيها الهوام كذلك يقومان بإعداد الطعام الذي إن شئت فقل إنه لا يقل بشاعة عن طعام الدواب فضرره أكثر من نفعه , فقطعة من الجبن إن شئت فقل إنهما اقتطعت من جبال الملح , إبان العصور الوسطي وعسل أسود حامض كأنه الغسلين والناس كثيرا ما يبتلون بالأمراض التي لا تتفق وهذا الطعام فمريض الضغط , لا يستطيع أن يأكل هذه الحجارة التي :أنها طبخت في جهنم ومريض السكر لا يقوي على تناول هذا العسل , فماذا يفعلون ؟! إنهم إن امتنعوا عن الطعام ماتوا جوعا , وإن أكلوه ازدادت الأمراض واشتد الألم فهم بين أمرين أحلاهما مر أما عن النوم فقد فرشت الأرض بطبقة من الأسمنت الذي يؤلم الأجسام صيفا وشتاء من الناس من أصيب بأمراض في عظامه وكثيرا من يؤذيه أن ينام على تلك الأرض الصلبة ذات التعاريج والحفر , أما ما تحتويه الزنزانة من أنواع الحشرات فحدث عنها ولا حرج فإن ما بها من لاسع وقارض وقارص يذهب بالنوم من الجفون ليترك الآدمية في فزع وهلع وقلق وجزع هذا هو الطعام . والمنام , وتأتي ثالثة الثافي . الذهاب إلى دورة المياه , إنها مشكلة المشاكل فأعجب معي لقوم يتحكمون في أخص خصائص الإنسان حتي لقد قرأنا على أحد جدران الزنزانة كلمة قالها أحد الذين دخلوها قبلنا كتب يقول " كنا نطالب بحرية القول فأصبحنا نطالب بحرية البول " نعم إنها الفطرة التي ركزها الله في الإنسان وقد كان من هديه صلي الله عليه وسلم إذا فرغ من تناول الطعام يقول : الحمد لله الذي أذاقنا لذته ودفع عنا أذاه , وأبقي علينا قوته وكان يدعو بعد الطعام بتلك الكلمات : أكل طعامك الأبرار وصلت عليكم الملائكة الأخيار وأفطر عندكم الصائمون وذكركم الله فيمن عنده اللهم بارك فيما رزقتنا وزدنا خير منه " أما إذا شرب اللبن فكان يدعو قائلا ( وزدنا منه " .

كيف يصير الإنسان وهو يدافع الأخبثين ؟ كيف يصبر على من يرد عليه قائلا أمامك ست ساعات إنه يظل يتلوي من حصر البول !! أيبول في المكان الذي ينام فيه وليس معه ما يبول فيه ؟! أليس هذا تعذيبا بغير سوط أو عصا أو كي بالكهرباء أو إطفاء أعقاب السجاير في ملامس العفة ؟!! أيقال بعد ذلك لمن دخل السجون هل عذبوك ؟ إنه سؤال غير وراد لقد كان يجاورني في زنزانة أحد " علماء المسلمين " وكان له قدم ثابتة في العلم وكان يؤدي خطبة الجعة في أحد المساجد بالضاحية المعروفة بمصر الجديدة وكانت الجموع الغفيرة تولي وجوهها شطر هذا المسج وتؤمه فرحة مستبشرة بالاستماع إلفى هذا الداعية الإسلامي الكبير الذي تنطق الحكمة من نواحيه ولأنه كان يقول الحق ولا يخاف في الله لومة لائم ويبلغ رسالات الله ويخشاه ولا يخشي أحدا إلا الله من أجل ذلك أصبح نزيل السجن وكان مريضا بالسكر ومريض السكر كما هو معروف يكثر من الذهاب إلى دورة المياه ليفرغ ما في المثانة من بول ففكان كثيرا ما يطرق باب الزنزانة من داخلها مستغيثا بمن يفتح له لما يعانيه من ألم البول , ولكن لا مجيب ولا مستمع !! لم يكن هناك رحمة بالآدمية فإذا ما كثرت أصوات الأنين وارتفعت صاح في السجن صائح ذو صوت غليظ قائلا " اسكت يا ولد " هذا الصوت لو سمعته الطير ما خرجت من أوكارها ولو سمعته الغربان واليوم ما فارقت أعشاشها إنه نعيق الخراب ونذير الشؤم في أيام نحسات نعم كانت أياما بلا شمس وكانت لياليها بلا قمر إنما هي ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا اخرج يده لم يكد يراها .

استدعاء إلى التحقيق مرة أخري

في الليلة الثانية من اعتقالي وقبل الفجر بقليل فتح علىّ باب الزنزانة وصاح أحد الجلادين بصوت مرتفع قائلا لى إذا سمعت صوت الزنزانة يفتح فقم واقفا بلا تردد فقال أحد مرافقي : إنه كفيف وأخذت من يدي إلى مكان التحقيق وجلست أمام المحقق فإذا هو يلقي على هذه الأسئلة: هل سبق لك الحج أو العمرة ؟ قلت : لا ثم سأل هل أسلم على يديك بعض النصاري ؟ قلت : نعم . وسال وكيف كان ذلك كذلك قلت : كانوا يستمعون إلى دروس العلم من خارج المسجد , وكانت تدور بيني وبينهم مناقشات في أرض الحديقة الملحقة بالمسجد , وقبل ذلك وبعده فإن الله تعالي يقول : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) وذكرت له قصة إسلام أبي ذر الغفاري وقد جلس بين يدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ولما سأله الرسول عن اسمه وقبيلته وعلم أنه من غفار قال له وفيم جئت ؟ سأله هذا السؤال وهو يعجب عندما أخبره أبو ذر بأنه جاء لينطق بكلمة التوحيد ليصير مسلما موحدا .

وسر عجب الرسول صلي الله عليه ولسم من ذلك أن قبيلة غفار كانت تقوم بقطع الطريق وتسلب الناس أموالهم ولكن زال العجب عندما قرأ الر سول صلي الله عليه وسلم قوله تعالي ( ولكن الله يهدي من يشاء ) إن الإيمان إذا تمكنت بشاشته من شغاف القلوب يكاد يجعل المستحيل ممكنا والملح الأجاج عذبا فراتا سلسبيلا, إن قوة الإيمان تحرك الجبال وتسير العوالم . وانتهي التحقيق عند هاذ الحد فقد حاولوا أن ينتزعوا أى كلمة من الشابين اللذين دخلا معي السجن ليجعلوا منها قضية ولكن كان الحق أقوي ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون ) أين أخفي السلاح ؟ أأخفيه في المنبر الذي أخطب عليه ؟ وماذا أصنع بالسلاح والحق قوة بين قوي الجبار أمضي من كل أبيض هندي إنني ما زلت أذكر عندما حضر أحدهم إلى بيتي للتفتيش ولم يكن قد مضي على زواجي خمسة أشهر وجد بعض السكاكين التي كنا قد جئنا بها بمناسبة الزواج فسأل متهكما ما هذا السلاح ؟ وقلت في نفسي سبحان الله أتسمه سلاح الطيران ؟ أم المدفعية أم المدرعات ؟ أم الصواريخ ؟ وأخيرا قلت : نعم إنه سلاح البصل !! إنها لغة الأقوياء !! لغة الذئب الذي قال للحمل عكرت علىّ الماء !! وهو يعلم أن " الماء لا يجري في العلالي" ولكن القوي يختلق الذنوب للضعيف ليهلكه ونسي أن في السماء مملكة يقول فيها مالكها ومليكها , وما كنا عن الحق غافلين لقد كتب على باب تلك المملكة ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حاسبين )

رؤيا منامية

سألت نفسي وأنا أدخل السجن في أيامه الأولي لماذا جئت إلى هذا المكان ؟ وما هو الذنب الذي جنيته ؟ ومتي وقت الرحيل ؟ وهل لهذا الليل من آخر ؟ ليل الظلم والظلمات وقطع علىّ هذه الأسئلة النوم فقد نمت بعد الإرهاق الشديد فرأيت في المنام الصديق رضي الله عنه واقفا أمام منبر المصطفي صلي الله عليه وسلم وسألته أيرضيك يا خليفة رسول الله ما نحن فيه فرد على بقول الله تبارك وتعالي ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) وعلمت أن هذه الشدة لابد لها من الصبر أو هو ثبات باعث الدين في مقابل باعث الشهوات , وقد يكون الصبر عفة إذا كان صبرا عن شهوة , وقد حلما إذا كان عن جهالة الجاهلين وكاد الحليم أن يكون نبيا , وقد يكون شجاعة إذا كان على الغضب وقد قناعة إذا كان عن شهوة الغني , فالصبر مع الله وفاء والصبر لله ولاء , والصبر في الله عطاء , والصبر عن الله جفاء ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) وعلمت أنه لابد من الصبر من التسبيح بحمد الله حين يقوم الإنسان وحين الليل وساعة إدبار النجوم ولابد من لزوم الاستغفار فإن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق ومن كل شدة مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب .

جاء عوف بن مالك غلى النبي صلي الله عليه وسلم يشكو له أسر ابنه بيد الأعداء فقال له الرسول صلوات ربي وسلامه عليه " أكثر وأنت زوجك من قول لا حول ولا قوة إلا بالله " وعاج الرجل إلى بيته وأخبر زوجه بما أوصي به رسول الله فجلس يرددان هذا القول المأثور " لا حول ولا قوة إلا بالله " وما أن أوشك الفجر أن ينشق ضوءه حتى كان الباب يطرقه وإذا الطارق ابنهما وبعد أن استقر به المقام سألا ماذا كنتما تقولان فقالا كنا نقول " لا حول ولا قوة إلا بالله " فماذا حدث لك ؟ قال لقد قيدني الأعداء بسلاسل من حديد كي لا أستطيع الفرار فشعرت كأن حلقات السلسلة تتسع شيئا فشيئا حتى أخرجت يدي وقدمي وعلى حين غفلة من الأعداء سقت تلك الرءوس من الغنم فذهب عوف بن مالك والفرحة ترفرف فوق رأسه كأنها الحمائم البيضاء , فوق المروج الخضراء ذهب إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ليقص عليه ما حدث وإذا الصادق العصوم يقول له : يا عوف , لقد أنول الله في حقك قرآنا يتلي إلى يوم القيامة وتلا عليه قوله تعالي : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا ) .

صور من السجن

أخبر الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها وذكروا أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لما ذهب إلى بلاد الشام وجد رجلا يقف في حر الشمس وأمامه ظل ظليل فسأل : لم وقفتم هذا في حر الشمس وهو لافح ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين لقد أتي ذنبا فكان ما رأيته عقابا له, فأخذه عمر بيده إلى الظل ثم قال لهم : قد سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا " نعم يا فاروق هذه الأمة , يا من حكمت فعدلت فأمنت فنمت , لقد كان إسلامك نصرا وهجرتك عزا وخلافتك رحمة :

إن جاع في شدة قوم شركتهم
في الجوع أ تنجلي عنهم عواشيها
جوع الخليفة والدنيا بقبضته
في الزهد منزلة سبحان موليها
فمن يباري ابا حفص وسيرته
أو من يحاول للفاروق تشبيها
يوم اشتهت زوجه الحلوي فقال لها
من أين لى ثمن الحلوي فأشريها
ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به
أولي فقومي لبيت المال رديها

إن الرسول صلي الله عليه بخير عن الرحمة فيقول :" من لا يرحم لا يرحم " ويقول :" لا تنزع الرحمة إلا من شقي ويقول :" الراحمون يرحمهم الرحمن " " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " وروي أبو بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الأمين جبريل عن رب العزة أنه قال في حديثه القدسي الجليل : ( إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي ).

حدث أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فدعا الله قائلا :" اللهم ارحمني ومحمد ولا ترحم أحد سوانا " فقال له مبعوث العناية الإلهية : يا أعرابي لقد حجرت واسعا أى ضيقت رحمة الله الواسعة . وكان أحد الصالحين يناجي ربه فيقول : إلهي إن لم أكن أهلا لبلوغ رحمتك فإن رحمتك أهل لأن تبلغني فأنت القائل : ورحمتي وسعت كل شئ وأنا شئ فلتسعني رحمتك . وكان بعضهم يقول : شعاع من رضاك يطفئ غضب ملوك أهل الأرض ولمحة من غضبك تزهق الروح ولو انغمست في نعيم الدنيا قطرة من فيض جودك تملأ الأرض ريا ونظرة بعين رضاك تجعل الكافر وليا .

إن كانوا يقولون : الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضي فهناك من يقول : الحرية تاج على رءوس الأحرار لا يراه إلا المسجونون . إذا نزعت الرحمة من الإنسان فقد نزعت منه حقيقة الإنسانية في الإنسان لقد رأيت صورا داخل السجن يندي لها جبين الإنسانية حياء منها فقد كان بجوار زنزانتي شيخ من علماء الإسلام سبق أن تحدثت عنه كان قد اشتد به مرض السكر فكان إذا جاع آلمه الجوع إيلاما شديدا بحيث ينهار انهيارا كاملا , طلب الطعام وهو يئن من وطأة الجوع فجاءه أحد الجلادين وهو من غلاظ الأكباد , جفاة الطباع , قساة القلوب , فسأله الشيخ شيئا من الطعام , فقال له الجلاد ساخرا : انظر إلى سقف الزنزانة فنظر الشيخ الجليل الذي كانت ألوف النفوس تهوي إلى سماعه في مسجده قال له : فماذا تري ؟ قال : أري حشرة تمشي . قال له الجلاد : إن قفزت وجئت بها من السقف فسوف أحضر لك الطعام , وازداد الشيخ ألما على ألمه كما يقولون : وأخف من بعض الدواء الداء , وصدق الله العظيم إذ يقول : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون ) لقد فتح الإسلام أبواب الجنة أمام رجل سقي كلبا كان قد اشتد به العطش وهذا إنسان زادت سنة عن الخمسين وعالم وسع قلبه كتاب الله لفظا وغاية ومريض هزم المرض فيه العافية , فما حركت كل هذه العوامل شعرة في هذا الجلاد يا للأسي !!

عوى الذئب فاستأنست بالذئب
إذ عوي وصت إنسان فكدت أطير

ومن هذه الصور التي يسيل لها الكبد مرارة استيقظنا ذات صباح على صوت ينطلق من داخل زنزانة يصيح : صداع . صداع فما استجاب له أحد إنما رد عليه أحد الجلادين بصوت مفزع : مت إن شئت , فلو مات من أصنافكم مليون أو مليونان لاستراح البلد . فتصور معي : إنسان يكاد الصداع يفلق رأسه ويشق كبده , لا يستجاب له ولو بقرص من المسكنات .

صورة أخري مقبضة : شكوت ألما في مفاصلي من طول المكث على أرض لا تليق إلا بالدواب حتي أوشكت ألا أقوى على القيام , ونودى ذات يوم: من أراد الباشا الدكتور فليبلغ عن اسمه فبلغت عن اسمي عسي أن أجد عنده من الدواء ما يسكن ألمي . وجاء من يأخذ بيدي فإذا الطبيب على غير ملة الإسلام وسألني : مما أشكو ؟ . وشرحت له فقال متهكما : إذا كنت تشكو الألم عندما تقوم فلا داعي إلى قيامك . فقلت له : يؤلمني أكثر أن أصلي جالسا . فقال متهكما ساخرا : لا داعي أن تصلي وماذا فعلتم بصلاتكم ؟ وتذكرت قول الشاعر العربي :

والمستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار

صورة مؤسفة : نعم إنها مؤسفة ومحزنة ومخزية ولكن فيها عبرة كنا إذا ذهبنا إلى دورة المياه صباحا نساق بالعصا كقطيع من الغنم وكان أحدنا لا يسمح له في دورة المياه بأكثر من ثلاث دقائق لقضاء الحاجة فإذا مضت الدقائق الثلاث دون أن يخرج فتح عليه الباب قسرا وضرب وخرج مهينا كاسف الباب قليل الرجاء بل لقد كان بعضنا يخرج دون أن يقضي الحاجة وكان من بيننا شاب يشكو مرض " الدوسنتاريا " وكان قضاء الحاجة يؤلمه بحيث يحتاج إلى وقت طويل فكان كثيرا أو دائما ما يخرج مضروبا وكان ذلك يحز في نفوسنا ويزيدنا كربا فوق كربنا فكان إذا اشتد بنا الكرب وادلهمت أمامنا الخطوب نستغرق في الاستغفار وذكر الله .

يد الله تعمل في الخفاء

إن يد الله تعمل في الخفاء فدعوها تعمل بطريقتها الخاصة فليس لأحد أن يستعجلها أو يقترح عليها وما من يد إلا ويد الله فوقها تدبيرنا لله تدبير ولله تعالي في كل نفس مائة ألف فرج !!

يا صاحب الهم إن الهم منفرج
أبشر بخير فإن الفارج الله
اليأس يقطع أحيانا بصاحبه
لا تيأسن فإن الكافي الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة
لا تجزعن فإن الصانع الله
إذا بليت فثق بالله وارض به
إن الذي يكشف البلوي هو الله
والله مالك غير الله من أحد
فحسبك الله في كل لك الله

وقد صدق الرسول الله صلي الله عليه وسلم وهو يقول في قوله تعالي : ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) قال لن يغلب عسر يسرين , لقد هيأ الله تعالي للشيخ الجليل الذي كان جوار زنزانتي وكان يعاني من مرض السكر وكثرة التبول وشدة الجوع هيا الله له رجلا من الحراس لكن رزقه الله قلبا طيبا كان يتنازل عن طعامه ويعطيه للشيخ , كما أحضر له كوزا ليبول فيه وقصاري القول كان يتعهده وهكذا تسلل بصيص من الرحمة كشعاع الشمس المتسلل من حنايا النافذة وسبحان من ربي موسي في بيت فرعون ( وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسي أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهو لا يشعرون ) نعم إن يد الله تعمل في الخفاء .

همس الجلاد الذي كان يسوقنا إلى دورة المياه بعصاه كقطيع الغنم همس في أذني ذات يوم وقال هو يكاد يبكي : ادع الله أن يشفي زوجتي فإنها تعاني من الدوسنتاريا فقلت له : إن أردت أن يشفيها الله فاعمل بنصيحتي . أتعرف الأخ فلانا ؟ قال نعم : قلت إنه يعاني من الدوسنتاريا وأنت لا تسمح له في دورة المياه إلا بثلاث دقائق فإن تأخر عنها فتحت عليه الباب وضربته دعه يأخذ راحته وأعطه من الوقت أضعاف ما كنت قد قررته له وسف يشفي الله زوجتك بقول السيد المعصوم صلي الله عليه وسلم " البر لا يبلي والذنب لا ينسي والديان لا يموت اعمل ما شئت كما تدين تدان " ونفذ النصيحة حتي كان ذلك الأخ المريض يعجب لحسن المعاملة التي لم يعهدها من قبل فكان كلما أراد الاستئذان إلى العنبر عائدا من دورة المياه قال له الذي يضربه من قبل ارجع فقد صرفت ربع ساعة " وقت إضافي " وجاءني ذلك الجلاد بعد يومين فرحا مستبشرا بشفاء الله لزوجته نعم !! بالكيل الذي تكيل به الناس سيكال به عليم ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا علي الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنهم يخسرون إلا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين) يا أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا .

أما " عم سيد " ذلك الحارس الطيب فقد أهداني هدية لن أنساها ما حييت فقد أخذني ذات يوم لأتوضأ لصلاة الفجر وأثناء عودتي إلى العنبر غمزني في يدي ووضع بها بصلة صغيرة وقال لى خذ هذه لتأكلها بجانب الفول وادع لزوجتي " أم نفيسة " وأرجوك ألا ترمي قشرها في العنبر فإنها من الممنوعات . قلت سبحان الله !! قشر البصل من الممنوعات !! وقتل الأبرياء , وتعذيب الناس وجلدهم ونفخه ووضعهم في زنازين نصفها ماء , وصلبهم فوق سور سجن أبو زعبل وتشريد عائلاتهم وترويع الآمنين , وإطفاء أعقاب السجاير في ملامس العفة كل هذا ليس من الممنوعات ؟!! قلت له اطمئن يا عم سيد فسوف آكلها بقشرها .

وكم ذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا

لك الله يا مصر !!

صبرنا إلى أن مل من صبرنا الصبر
وقلنا غدا أو بعده ينجلي الأمر
فكان غدا عمرا ولو مد حبله فقد
ينطوي في جوف هذا الغد الدهر
وقلنا عسي أن يدرك الحق أهله
فصاحت عسي من لا ولا طعمها مر
عجبت لمصر تهضم الليث حقه
وتفخر بالسنور ويحك يا مصر !!
سلام على الدنيا سلام على الوري
إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر

كان من الأشياء لنا إيلاما أنه لم يكن معنا ثياب حتى تغسل ما علي أجسامنا ونلبسها بل لقد خرجنا من ديارنا أو أخرجنا منها وقيل لنا يومها : إنكم لن تتأخروا خمس دقائق وكادت الثياب تبلي وقد ملأتها الهوام ومنها حشرة القمل وأوشكت العورات أن تنكشف ولم يكن إبرة ولا خيط فكنا نقضي أكثر وقتنا ندعو بدعوتين علمها النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه يوم الخندق وبني قريظة بعد ما اشتد الكرب ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزوا زلزالا شديدا )</font> قالوا يا رسول الله فماذا تقول ؟ قال لهم : قولوا :" اللهم استر عوراتنا , وآمن روعاتنا " .

قضيت في سجن القلعة ثلاثة أشهر مضت الساعة فيها كأنها شهر ومضي اليوم كأنه دهر كان الزمن يمضي متثاقلا بطيئا كأن أيامه سلسلة من لجبال ولكن مما كان يخفف عن النفس قليلا أننا كنا مجموعة تزيد عن العشرة في مكان واحد لكن كان الاثنين الذي ينبعث من أصوات المعذبين يمنع النوم عنا ويجعل الطعام ذا غصة كأنه الضريع أو الزقوم أو الغسلين فكان ذلك كله يحز في النفوس أضف إلى هذا ما كنا نعانيه من الانشغال على أولادنا وأهلينا فإن هان علينا العذاب البدني فمن الصعب أن يهون العذاب النفسي ولكن الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر وسبحان من قال ( ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) كان القرآن لنا خير جليس وأفضل أنيس وأعظم وأكرم رفيق فمن أراد أن يكلم الله فليدخل في الصلاة ومن أراد أن يكلمه الله فليقرأ القرآن , فمن أراد مؤنسا فالله يكفيه ومن أراد حجة فالقرآن يكفيه , ومن أراد الغني فالقناعة , ومن أراد واعظا فالموت يكفه ومن لم يكفه شئ من هذا فإن النار تكفيه نعم كان القرآن لنا شربا ومغسلا .

وخير جليس لا يمل حديثه
وترداده فيه تجملا
وحيث الفتي يرتاع في ظلماته
من القبر يلقاه سنا متهللا
هنالك يهنيه مقيلا وروضة
ومن أجله في ذروة العز يجتلي
يناشد في إرضائه لحبيبه
وأجدر به سؤالا إليه موصلا
فيأيها القارئ به متمسكا
مجلا له في كل حال مبجلا
هنيئا مريئا والداك عليهما
ملابس أنواع من التاج والحلي

وصدق الله تعالي إذ يقول ( قل هو للذين آمنوا هدي وشفاء ) نعم إنه الروح الذي يحي الموات والنور الذي يذيب غياهب الظلمات ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) .

انتهي الجزء الثاني من كتابي " قصة أيامي "

ويليه الجزء الثالث بإذن الله مبتدئا به تحت عنوان :

" من القلعة إلى طرة"

من القلعة إلى طرة

قبل الرحيل إلى سجن طره لابد أن أذكر تلك الواقعة التي تعتبر من المضحكات المبكيت وقد قالوا : إن من شر المصائب ما يضحك . فوجئت وأنا في معتقل القلعة بوجود طالب قد اعتقل وهو أ؛د طلبة كلية الآداب بجامعة عين شمس , وكان مندوب الطلبة في دعوة المحاضرين بكليات الجامعة , وهو الذي كان قد دعاني مرتين لأحاضر في طلبة جامعة عين شمس , ولما لقيته بالمعتقل سألته السؤال التقليدي الذي يتردد على ألسنة المعتقلين عندما يلقي بعضهم بعضا , قلت : من الذي جاء بك يا عبد الفتاح ؟ وما التهمة التي وجهت إليك ؟

وكانت الإجابة تدعو إلى الأسي ! ! وفي نفس الوقت تدعو إلى الضحك ! ! قال عندما دعوت المشايخ لإحياء حفلتنا استدعيت للسؤال في احدي الجهات المختصة بالأمن وقالوا : إنك قد كلفت بإحياء حفلة ترفيهية تخفف الأعباء عن الطلاب ولم تكلف بإقامة مأتما وأحزانا !

قلت له : فماذا كانت إجابتك ؟ قال : أخبرتهم بأنني قد ذهبت إلى بعض نجوم الفكاهة والطرب فطلبوا مني مبلغا من المال لم يكن في الصندوق نصفه ولا ربعه فلما دعوت المشايخ لم يطلبوا مني شيئا فأقمت الحفل على خير ما يرام وأنفقنا المبلغ الذي كان سيعطي إلى نجوم الفكاهة والطرب للطلبة المحتاجين والذين لا يجدون ا ينفقونه في الكساء والغذاء والكتب , فأى الوجهتين خير ؟

فكان الجواب : إذن فاذهب إلى المشايخ الذين دعوتهم ! ! أتدري أين هم ؟! إنهم هناك في سجن القلعة وبين غمضة عين وانتباهتها رأيت نفسي وراء الأسوار ! ! فنصحته بالصبر وتفويض الأمر إلى الله وذكرته بقوله جل شأنه : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) .

ترامت الأنباء بقرب رحيلنا من هذا المكان , ظن البعض إفراجا فسرت البهجة في النفوس, فإن الإفراج للسجين كالإحياء للميت , لأن السجن مقبرة الأحياء ومشمت الأعداء ومفرق الأحباء ومحزن الأصدقاء لكني لم أشعر بهذه البهجة فقد زارني أحد الصالحين في المنام وقال لى اصبر واحتسب ولا تجزع فإنه ما زال هناك قضاء سينفذ لركوب السيارة ولم يكن لدينا متاع سوي ثيابنا التي بليت وقال فيها حافظ إبراهيم :

أبلي الشقاء جديدة

فتقطعت منه الأظافر

فانظر إلى أثوابه

لم يبق منها ما يظاهر

هو لا يريد فراقها

خوف القوارس والهواجر

لكنها قد فارقته

فراق معذور وعاذر

إن أعد ضلوعه

من تحتها والليل عاكر

أبصرت هيكل عظمه

فذكرت سكان المقابر

فكأنه هو ميت

أحياه عيسي بعد عاذر

قد كاد يهدمه النسيم

وتكاد تذروه الأعاصر

وتراه من فرط الهزال

وتكاد تثقبه المواطر

كانت هذه أحوالنا من ثياب بالية , وهزال , وضعف في الأجسام وعافية هزمها العذاب , والضعف , جفوة النوم , وسوء التغذية والتهوية وسألت نفسي بعدما أمر بالرحيل : لماذا سجنت ؟ ولماذا لم يفرج عني من هذا المكان ؟ ولماذا الرحيل إلى سجن آخر ؟ وطريقي ما طريقي ؟ أطويل أم قصير ؟ وحتى الآن ما زلت أتحدي من يجيب على هذا السؤال ؟ لماذا سجنت ؟ وما هي التهمة التي وجهت إلى ؟ وأى ذنب اقترفت ؟

إلى سجن طره

قطعت بنا السيارة الطريق من القلعة إلى سجن طرة و تحت حراسة مشددة من الجنود الصامتين الذي لا يدون على سؤال منا , وقد دارت في نفوسنا أسئلة كثيرة كان منها : إلى أين ؟ وإلى متي ؟ ولماذا ؟ وكان الجواب عنها علم ذلك عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسي , ونزلنا في ساحة السجن الرهيب حيث وقفنا ساعات طوالا ننتظر ما سيقع بنا وأمرنا بخلع ثيابنا لنلبس ثياب السجن , وحمدنا الله فقد بليت الثياب التي كانت علينا من يوم اعتقالنا ولبسنا ثياب السجن , وقد حز في نفسي حالة ذلك الشيخ الذي بلغ من السن ما يزيد عن الثمانين عاما , وهو الشيخ " محمد عوض " كان يعمل ناظرا في إحدي مدارس السويس وكان رجلا ق وهن العظم منه واشتعل رأسه شيبا وقد بلغ من الكبر عتيا جئ به كما جئ بالألوف من أمثاله من غير ذنب أو جناية أو مخالفة , لكنها لغة الذئب الذي قال للحمل لقد عكرت على الماء .

صدقت يا رسول الله يا من رويت عن ربك في الحديث القدسي الجليل :" اشتد غضبي على من ظلم من لم يجد له ناصرا غيري واشتد غضبي على من وجد مظلوما فقرر أن ينصره فلم ينصره " . حزنت كثيرا لحال ذلك الشيخ المهيب الذي جئ له بكثير من بدل السجن فكانت كلها فضفاضة لا يستطيع أن يلبسها لأنه ناحل الجسم كأنه يقول بلسان الحال ا قاله شاعر قبله :

كفي بجسمي نحولا أنني رجل

لولا مخاطبتي إياك لم ترني

لكنهم لم يرحموا شيخا كبيرا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ضعيفة ولا عجوزا فانيا ولا مصابا واهيا , وأخيرا أمر بترحيلنا وتوزيعنا على العنابر , لقد سرنا في الطرقة المؤدية إلى العنابر وسمعنا أصواتا عالية وضجيجا وعجيجا فعلمنا إن بالسجن جموعا من المعتقلين ولمست أصواتهم على كثرتهم ولما أراد الحارس المكلف بتوزيعنا فتح باب العنبر وأدخلنا واحدا بعد الآخر وهو يقول متهكما ساخرا : هذا أخوكم في الله ! ! ولما جاء دور " الشيخ محمد عوض " قدمه قائلا : هذا جدكم في الله ! ! إنها سخرية برجل كان يجب أن يحترم لسنه وعلمه وفضله وضعفه , فالراحمون يرحمهم الرحمن " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ".

" ليس منا من لم يرحمن صغيرنا , ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف وينه عن المنكر " . و" ومن لا يرحم لا يرحم " "ولا تنزع الرحمة إلا من شقي " ودخلنا العنبر وما فيه من اسمه شئ , فهو من أسماء الأضداد كما تسمي الصحراء بالمفازة, وما هو بعنبر , بل إني أقسم بالله غير حانث على انه لا يليق حتى بالدواب ! ! الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود , نعم مفقود لأن الحضور فيه موت بطئ والخروج منه موت بطئ, فما نجا من المرض إلا القليل وليس مرضا عابرا أو خفيفا إنما أمراض أقلها الربو والروماتزم يشعر الإنسان عندما يدخل هذه الأماكن بالسآمة والملل والكلال , فسوء التهوية وسوء التغذية والظلام الدامس بالليل والنهار والحر الشديد اللافح وإغلاق الباب أضف إلى ذلك هذه المأساة الكبرى لم يكن هناك دورة للمياه تصرف الفضلات خارج المكان إنما كان هناك بجانب العنبر صفيحة على جانبيها قطعتان من الخشب وسط بول كثير تنبعث منه رائحة تزكم الأنوف وتغمي الأبصار وتملأ الرئتين وباء ووبالا والويل كل الويل لمن زلت قدمه فسقط في تلك الصفيحة لضعفه أو لكبر سنه , أو لضعف بصره , إنه حينئذ ير من المتاعب و المصاعب مالا تشرحه العبارة , فهو إما أن يقع في الغائط حتى منتصف جسمه أو يقف في بحر من البول في كلا الحالتين ضائق الصدر , معتل الوجدان , سقيم النفس , وكم كنت ألاقي من العناء ما ألاقي عندما أريد قضاء الحاجة مما كان يدفعني إلى أن أقلل من الطعام والشراب وكثيرا ما كنت أصوم , وأنا أعلم أنه لا غذاء في الإفطار , وما هي إلا لقيمات بقطعة جبن هي عبارة عن ملح متجمد , كأنها قطعت من جبل في ظلمات العصور الوسطي .

لقد ضاقت بنا الأرض بما رحبت وضاقت علينا أنفسنا , وعلمنا أن ليس لها من دون الله كاشفة وإنه لا ملجأ من الله إلا إليه , فماذا نصنع ؟ السجن رهيب وقد انقطعت صلتا تماما بالعالم الخارجي , فلا تصلنا أخبار عن الدنيا وما فيها وأصبحنا كما يقول القائل على لسان أحد السجناء :

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

فلا نحن بالأموات فيها ولا الأحيا

إذ جاءنا السجان يوما لحاجة

عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

نماذج مختلفة

كان كل عنبر من عنابر سجن طره يشتمل على نماذج مختلفة الأسنان والثقافة والعمل لكن جمع بينها جميعا وحدة العقيدة وسمو الغاية وشرف الهدف فهذا شيخ قد بلغ من الكبر عتيا وذاك شاب فتي , وذلك في ميعة الصبا , وغصن العمر الأخضر جاءوا من بلاد شتي من أسوان .... إلى الإسكندرية .... رأيت شيوخا لما دخلوا السجن ظلوا صائمين حتى جاءهم الفرج من الله لم يفطروا إلا أيام العيد ورأيت شبابا في ريعان أيامهم رأيتهم إذا جن الليل عليهم تجافت جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا . شباب مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم قصيرة عن الباطل أرجلهم نظر الله إليهم في جوف الليل وأصلابهم منحنية على أجزاء القرآن إذا مر أحدهم بآية تبشر بالجنة بكي شوقا إليها , فإذا مر بآية تنذر من عذاب النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه نعم ! لقد أحيوا الليل بالصلاة والقرآن .

سمعت أحدهم وقد قرأ في ركعة واحدة جزء " تبارك الذي بيده الملك وفي الركعة الثانية " جزء عم يتساءلون ".

سمعت بعضهم يدعو الله فيقول : اللهم لا تخرجني من هذا المكان حتى أتم حفظ القرآن الكريم , واستجاب الله له فلبث في السجن عامين حفظ فيهما القرآن الكريم حفظا جيدا وإن كنا نسأل الله العافية إلا أنه رأي في السجن خلوة فجعل منه غار حراء , تعبدا وتبتلا ومناجاة وصلاة وقرآنا كريما رأيت في السجن أساتذة الجامعات كما رأيت المحامين والمهندسين والأطباء كما التقيت بالطلبة والفلاحين والعمال لقد جاءوا جميعا تحت لافتة كتب عليها " الإخوان المسلمون " أو " النشاط الديني " أو " النشاط المعادي " أو " الثورة المضادة " أياما كان " فإن الظلم مرتعه وخيم " ,و " هو ظلمات يوم القيامة " . ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ) .

يا نائم الليل مسرورا بأوله

إن الحوادث قد يأتين أسحارا

وكم من جبال قد علت شرفاتها

رجال فزالوا والجبال جبال

كان الحر يشتد , ونسبة الرطوبة ترتفع , فذلك العنبر الذي لا يصلح اصطبلا للخيول , ولا حظيرة للمواشي كان يضم بين جدرانه مائة وعشرين وكانت الجدران ذات ألوان سود الأرض حفر وتعاريج وقد تلاصقت الأجسام من شدة الزحام وانعقد في سماء العنبر بخار كثيف من التنفس , فإذا كان كل إنسان يتنفس في الدقيقة ست عشر مرة فما بالك بمائة وعشرين يتنفسون في مكان قد أحكم إغلاقه وهو في نفس الوقت يحتوي على بحيرة من البول الواقف والغائط والروائح الخبيثة ! ! لقد كنا نتبادل وضع الأنف على " ثقب مفتاح الباب " لعل أحدنا في ليالي الصيف القائظة يحصل على شئ من الهواء الذي ملأ الله به جنبات الأرض للكن ذلك كان علينا حراما وكانت المأساة الكبرى عندما يكلف اثنان منا بحمل صفيحة البراز للإلقاء بها في مكان خارج العنبر كانت هذه فرصة لمن يأتي عليه الدور فإنه سينشق شيئا من الهواء لكنهما وهما يحملان تلك الصفيحة كان يسقط منها في وسط العنبر ما يثير في النفس الغثيان, وفي الكبد المرارة, وكانت مأساة ما بعدها مأساة .... لا هواء ولا ماء .. إلا ما يسد الرمق ولا نوم حيث لا فراش ولا غطاء إلا القليل الذي لا يمنع ألم الأرض , ولا شدة البرد , ولا طعام الأثيم .. كالضريع والزقوم والغساق والغسلين , والظلمة قاتمة , والفراغ قاتل وأصحاب الفكر قد تجمد فكرهم , والكفاءات وأساتذة العلوم والمعرفة أصبحوا يلتمسون من الحارس أن يفتح باب لعنبر ولو لدقائق قليلة والمرضي يموتون , أو ينئون , أو يستغيثون , فلا يغاثون , والحر لافح , والعرق ملجم والثياب في حاجة إلى تنظيف , وارتفاع درجة الرطوبة لا تساعد على تجفيف العرق ! ! لقد بلغت القلوب الحناجر! ! وضاقت علينا الأرض بما رحبت ! !

دروس العصر

لما ضاقت بنا الأرض والظلم ضارب أطنابه والقلوب أصبحت أشد قسوة من الحجارة رأينا أن نخفف من وطأة الأحداث فاقترحنا أن يتحدث من يستطيع الحديث إلى إخوانه بعد صلاة العصر من كل يوم فليحاضرنا الأطباء في الطب والأدباء في الأدب والمهندسون في الهندسة والعلماء في الإسلام حتى لا يضيع العمر في هذا الجمود وحتي نقضي الوقت في شئ مما يخفف الأعباء وقد كلفت بإلقاء درس بعد العصر فاخترت التفسير واخترت من القرآن ما يناسب المقام فكان حديثي يدور في سورة يوسف حول ما لقيه الصديق على نبينا وعليه الصلاة والسلام من الشدائد وعناء ! ! وهو الذي دخل السجن مظلوما لمكيدة من مكايد النساء وكيف قام القميص بمواقف مشهودة في السورة فهذا قميص الجفاء : ( وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) وقميص الإباء : ( قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأي قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ) وقميص الفاء : ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ) ثم تحدثت عن دور الرؤيا في حياة السجين وحقا لم تكن هناك وسيلة اتصال لنا بالخارج إلا الرؤيا الصادقة وقد صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يقول : " لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا وما المبشرات يا رسول الله ؟ قال : الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تري له " وقد علمنا الصادق المعصوم أدب الرؤيا حيث قال :" إذا رأي أحدكم رؤيا يحبها فليحمد الله عليها وليحدث بها , وإذا رأي غير ذلك مما يكره فليستعذ بالله منها ولا يحدث بها أحد فإنها لا تضره " وقد جاء رجل إلى بيت الإمام محمد بن سيرين ليقص عليه رؤيا فأخبرته الجارية بأن الإمام نائم فغضب وقال : ولكني أريده هو فقالت له: قص علي رؤياك , وساعبرها لك. فقال : رأيت كأني أصعد السلم فانكسر بي فسقطت من فوقه فمت .

فقالت له : إن صدقت رؤياك فستموت فاهتاج غضبا وصعد السلم ليوقظ الإمام من نومه فانكسر به السلم فسقط فمات , فاستيقظ الإمام على هذا الصوت صوت سقوط السلم وارتطام الرجل بالأرض فسأل الجارية فقصت عليه رؤياه فقال الإمام متعجبا : سبحان الله الرؤيا على جناح طائر متى قص وقع , وسبحان ربي لقد اشتملت سورة يوسف على أنواع كثيرة من الرؤي بدأها العلي العظيم برؤيا يوسف: ( إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين ) ثم ذكر مولانا تبارك وتعالي بعد ذلك اثنين من الرؤي قصهما فتيان دخلا مع يوسف السجن : ( قال أحدهما : إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا لنراك من المحسنين ) ثم ذكر مولانا جل ثناؤه رؤيا الملك التي كانت سببا أراده الله تعالي لإنقاذ أهل مصر من أزمة اقتصادية حادة ومجاعة مدمرة وكانت سببا في أن يقول الملك : ائتوني به استخلصه لنفسي قال تعالي : ( وقال الملك أني أري سبع بقرات ثمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ) فتأمل معي كيف قامت الرؤيا في سورة يوسف في شتي المقامات ومختلف المناسبات كيف قامت بتلك الدلالات وهاتيك الإشارات وكيف كانت سببا في أن يقول الملك ليوسف ( إنك اليوم لدينا مكين أمين ) وكيف كانت عاقبة الصبر والصابرين قالوا : ( أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ثم انظر كيف جمع الله الشمل وراب الصدع ( ورفع أبويه على العرض وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذا أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ) نعم ! لقد كانت الرؤيا في حياتنا لها مبناها ومغزاها ومعناها ومرماها فقد كنت داخل السجن أقضي الساعات الطوال كل يوم أستمع إلى رؤي الإخوة وأقوم بتعبيرها والرؤيا لاتقص إلا على حبيب أو لبيب وما زلت أذكر هذه الظاهرة الغريبة في الرؤيا فكثيرا ما كنت أر ي أبي رحمه الله تعالي في المنام جالسا معي لا يفارقني إلا عندما أقوم استعداد لصلاة الفجر , وكأن حالنا قد عز علي الأموات فجاءوا يقفون بجانبنا مناما بعد أن قست قلوب الأحياء وقدت من الصخور ! !

رمضان في السجن

مضت شهور الصيف بما فيها من المآسي والمعاناة والشدائد والمحن والفتن وكان على رأس تلك المآسي ما أصبنا به - أعني الكثير من المسجونين – بالأمراض الجلدة التي سرت في صفوفنا سريان النار في الحلفاء , والسم الزعاف في الأحشاء , وكان ذلك ناتجا عن منع الماء عنا مما كان يدفعنا كثيرا إلى استعمال قطرات الماء في الشرب , ونستعمل التيمم لنؤدي الصلاة , وقد لطف الله بي فعافاني من هذه الأمراض الجلدية التي كان المرضي بها يعزلون في مكان بعيد وقد علم الله تعالي أن معي في العنبر إخوة يقومون على خدمتي فلو أن عزلت مع الذين عزلوا لشق ذلك على نفسي ( إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ) ..

كذلك كان من الأحداث الجسام التي وقعت في صيف السجن ذلك الخير الذي تعمدوا أن يذيعوا علينا غداة تم تنفيذ حكم الإعدام في الشهداء الثلاثة :" سيد قطب " و"عبد الفتاح إسماعيل " و" محمد يوسف هواش " ولن أنسي صبيحة هذا اليوم وقد أذاعت النبأ احدي المذيعات وكأنها تزف نبأ انتصار الجيش على إسرائيل . وكأننا استعدنا أرض فلسطين المقدسة .. ومما زاد الألم في النفوس أنها بعد إذاعة النبأ قالت : والآن نستمع إلى أغنية بسبس نو! !

إلى هذا الحد بلغت الشماتة بقوم صدقوا ما عاهدوا الله عليه ونسي هؤلاء أو تناسوا أن هؤلاء الذين تم تنفيذ الإعدام فيهم أحياء عند ربهم يرزقون . قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله يوم استشهد أبوه يوم أحد : " يا جابر إن الله تعالي كلم أباك كفاحا ( أى بدون حجاب ) وقال له : يا عبدى تمن عليّ. قال : يا رب أتمني أن أعود إلى الدنيا فأخبر إخواني بما أنا فيه من النعيم المقيم ثم أقتل فيك . قال له الله : لقد حق القول مني أنهم إلينا لا يرجعون . قال : يا رب فمن يخبر إخواني ؟ قال الله : أنا أخبرهم" فأرسل الله جبريل بقوله تعالي ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) .

إن هؤلاء النفر نفذ فيهم حكم الإعدام فجر التاسع والعشرين من أغسطس 1966 قوم قالوا كلمة حق عند سلطان جائر فهم بين حمزة بن عبد المطلب , وجعفر بن أبي طالب , لقد أمروا هذا السلطان الجائر بالمعروف ونهوه عن المنكر فقتلهم بعدما عضهم بنابه وصب عليهم سوط عذابه , لقد جرعهم كئوس التنكيل وأذاقهم من العذاب ما لو صب على الجبال لخرت له هدأ ,إن هؤلاء الذين نفذ فيهم حك الإعدام يقول فيهم تبارك وتعالي اسمه : ( و تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ) ويقول في الظلمة الذين أوقعوا بهم تلك العقوبة ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) .

وبينما الأحداث الجسام تتوالي والهم والغم والنصب والوصب والحزن والأذي تنتظم سلكا واحدا وقد بلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون ولزلوا زلزالا شديدا , كان ربك ينزل برد السكينة في القلوب , كلما اشتدت الخطوب , وادلهمت المحن , فكنت تسمع بالعنابر دويا بالقرآن كدوي النحل . فسبحانك ربي يا من قلت وقولك الحق : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم , ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما) ولولا السكينة في قلوب المؤمنين ما حمدت العواقب ومن ثم تري السكينة في قلوب المؤمنين تذكر في مواطن الشدة ,اقرأ قوله تعالي : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين . إذ هما في الغار . إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا . فأنزل الله سكينته عليه ) واقرأ قوله جل جلاله : ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين . ثم أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين )

نعم لقد وقف الصادق المعصوم في حومة الوغي وساحات القتال في جموع المشركين وقف يزمجر الضياغم في بطون الغاب وينادي بأعلي صوته :" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ".

سيدي أبا القاسم يا رسول الله :

أنت الذي قاد الجيوش محطما

عهد الضلال وأدب السفهاء

وسموت بالبشر الذين تعلموا

سنن الشريعة فارتقوا سعداء

سعدت بطلعتك السماوات العلا

والأرض صارت جنة خضراء

واقرأ معي قول الله تبارك اسمه : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) ثم اقرأ قوله تبارك وتعالي اسمه : ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوي وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما ) .

فسبحان من يقول للشئ كن فيكون , وسبحان من خشعت الأصوات لعظم ملكوته , وعنت الوجوه لجلال جبروته , يحيي العظام وهي رميم وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم تنزه عن الشريك ذاته وتقدست عن مشابهة الأغيار صفاته . بالبر معروف وبالإحسان موصوف معروف بلا غاية وموصوف بلا نهاية . واحد لا من قلة وموجود لا من علة . كل شئ قائم به , وكل شئ خاشع له , رضا كل يئوس, وعز كل ذليل وغني كل فقير , وقوة كل ضعيف. ومفزع كل ملهوف , من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سره ومن عاش فعليه رزقه , ومن مات فإليه منقلبه علا فقهر وبطن فخير وقدر فقهر , قائم بلا عمد , وباق بلا أمد , لا ينقصه نائل ولا يشغله سائل .

من لطف الله تعالي ومن سننه في كونه أنه كلما اشتد الكرب هان وأقرب الساعات إلى الفجر أشد ساعات الليل ظلمة لقد جاءني البشير وأنا في سجن طره من إدارة السجن يحمل إلىّ بشري مولد غلام قد تركته جنينا في بطن أمه لأربعة أشهر . وقد سبقت هذه البشري رؤيا كانت كفلق الصبح : عندما رأيت شقيقي الأكبر في المنام يحمل طفلا صغيرا وقد كساه الله تعالي جمالا يقف به على باب السجن وبيني وبينه هذا الباب الحديدي ومن وراء القضبان سألته: من هذا ؟ فقال : إنه ابنك سند . والرؤيا تفسر بالإشارات التي تحتملها الأسماء . فرؤية من يسمي بياسر أو سهيل أو مفتاح ... كل هذه الأسماء تعطس معني اليسر والسهولة والفتح هكذا علمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم في تأويل الرؤي فقد قال له الصحابة ذات يوم : لقد رأي أحدنا أننا نأكل رطبا في بيت عقبة فقال لهم :" لقد طاب لكم الأمر والعقبي لكم " وقد كان صلي الله عليه وسلم يتفاءل بالأسماء ... لما جاءه سهيل بن عمرو مندوبا عن المشركين يوم الحديبية قال له الرسول : " ما اسمك ؟ قال له : سهيل بن عمرو . قال له الصادق المعصوم : الأمر مسهل إن شاء الله ".

ولقد تفاءلت باسم سند . قلت : لعله سند من الله ( فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) ولقد تم تأويل هذه الرؤيا عندما مضي علىّ في السجن بعد مولد هذا الغلام أربعة عشر شهرا وجاء يزورني مع أعمامه , ولن أنسي يوم أن انتزع من بين ذراعي عندما انتهي وقت الزيارة وكان ثلاثين دقيقة , وقلت له مودعا : استودعك اله الذي لا تضيع ودائعه .

وقد يجمع الله الشتيتين بعدما

يظنان كل الظن أن لا تلاقيا

رؤيا قبل رمضان

كان الفلك يتحرك والأرض تدور حول نفسها وحول الشمس والليل والنهار يتعاقبان إذ رأيت في المنام كان جملا قد ربط بجبلين من عنقه يحاول الفكاك فجاء إنسان وبيده مديه فقطع الحبلين وأطلق البعير من عقاله فعلمت أن إطلاق ساحي من السجن أمامه عقبتان , إذا ما مرا بسلام جاء الفرج من الله . لكني لم أكن أدري ما هاتان العقبتان ؟ ما نوعهما ؟ وما حقيقتهما ؟ كان هذا الحادث على أبواب شهر رمضان المعظم , وجاء رمضان وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وسلسلت الشياطين لكن شياطين الإنس الذين يتحكمون فينا ويجلدون ظهورنا ويعدون علينا أنفاسنا لم يسلسلوا لقد كنا نتوقع أن مجئ رمضان سيبعث في قلوبهم ألوانا من الرحمة ودوافع من الشفقة فيعاملوننا معاملة الإنسان لأخيه الإنسان لكن كان التوقع في غير موضعه :

ولا ترج السماحة من يخيل

فما في النار للظمآن ماء

أو كما قال الآخر :

ومكلف الأشياء ضد طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

كنا نتوقع من هؤلاء أن يسمحوا لنا بالرسائل إلى أهلنا وأن يفتحوا باب الزيارات لنطمئن على ذوينا ونقف على أخبارهم ولكن :

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

ونار لو نفخت بها أضاءت

ولكن أنت تنفخ في رماد

إن رمضان كما عرفناه في الإسلام خمسة أحرف : الراء رحمة , والميم مغفرة , والضاد ضمان للجنة , والألف أمان من النار والنون نور من الكريم الغفار . لكن هؤلاء الذين قاموا على شأننا لو وزعت قسوة قلب واحد منهم على أهل الأرض ما بقي للرحمة سبيل إلى قلب واحد من بني آدم

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

وليس الذئب يأكل لحم ذئب

ويأكل بعضنا بعضا عيانا

صدق الله تعالي إذ وصف هؤلاء بأنهم أضل من الأنعام فقال سبحانه : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرن بها ولهم آذان لا يسمعون بها . أولئك كالأنعام بل هم أضل . أولئك هم الغافلون ) .

نعم بل هم أضل :

أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه

حتي يري في هيئة البالون

أرأيت للإنسان يوضع رأسه

في الطوق حتي يبتلي بجنون

أعلمت بالمظلوم يلهب ظهره

حتي يقول أنا المسئ خذوني

اسأل ثري الحربي أو جدرانه

كم من قتيل تحتها وطعين

من ظن قانونا هناك فإنما

قانونهم هو " حمزة البسيوني"

كنا نتوقع أن هؤلاء في رمضان سيخشون الواحد الديان الذي يأمر ملكا ينادي في رمضان : " يا باغي الخير أبشر.. يا باغي الشر أقصر " ولكن هؤلاء لا يسمعون ولو سمعوا لا يستجيبون والحكم لله العلي الكبير ( ويوم هم بارزون لا يخفي على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار . اليوم تجزي كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب . وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدي الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بش إن الله هو السميع البصير )

لقد كان مجئ رمضان مثيرا لكوامن الشجن في النفوس فقد اعتلجت لواعج الشوق في القلوب ونحن بشر ومن قبل حدثنا القرآن الكريم عن يعقوب فقال : ( وتولي عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله . وأعلم من الله مالا تعلمون )

نعم لقد توهجت القلوب على لظي الحنين إلى الأهلين فقد كان رمضان يجمع الشمل تحت ظلاله كلما أذن مغرب جلست الأسرة حول مائدة الإفطار وكلما جاء وقت السحر اجتمعت على مائدة السحور . إنها ذكريات تغلغلت في النفوس فتمكنت من سويداء القلوب, ففاضت من الدمع العيون وجدا وشوقا إن السجن مقبرة الأحياء ومشمت الأعداء ومحزن الأصدقاء ومفرق الأحباء . وإن جلوس الصائم على مائدة الإفطار يمثل أحدث فرحتين يفرحهما والفرحة الثانية عند لقاء ربه أو كما قال رسول الله وكنا نتوقع من هؤلاء أن يسمحوا لأهلينا بتزويدنا بالطعام والثياب ولو في رمضان ولكن دون جدوي فقد كان الطعام كطعام الأثيم – والعياذ بالله – وكانت الثياب ثياب السجن .

مفاجأة حزينة

في اليوم الخامس من رمضان سري خبر بين نزلاء السجن بأن هناك مائة وثمانية عشر سيرحلون مساء هذا اليوم إلى سجن آخر لأنهم من الخطرين علي الأمن ودب الحزن في قلوبنا لأن الترحيل فيه تمزيق للألفة التي قامت بيننا فما بالك بمثلي من الذين يحتاجون إلى من يقوم على خدمتهم وقد هيأ الله لذلك شابين دخلا معي السجن من أول ساعة وكانت تربطني بهما علاقة الشيخ بأبنائه وقد أصبحنا في مكان واحد فيا تري سأكن من هؤلاء المائة والثمانية عشر فأفارق هؤلاء الإخوة الذين عاشرتهم وألفتهم وأحببتهم في الله وقد مضي عليانا في سجن طره ستة أشهر , ثم هل سأصبح من الخطرين كما يقول هؤلاء الأشرار ؟ وبأي مقياس ؟ وعلى أية قاعدة قعدوا قعدوا هذا التوصيف وقاسوا هذه المقومات التي بناء عليها يصير الإنسان خطرا ؟ وبأية تهمة ؟ وبأى ذنب يعاقب هؤلاء الأبرياء بتلك العقوبة ؟ وكان القائمون على أمر السجن أذكياء في الشر , لكنه ذكاء إبليس . بل لقد كانوا يأتون أفعالا يستحي الشيطان أن يأتيها بل يندي جبينه حياء من قربها إنهم الشر ذاته كانوا يستطيعون أن ينادوا على الأسماء بعد طعام الإفطار في رمضان لكنهم – قاتلهم الله أني يؤفكون – نادوا على الأسماء في وقت لم يكن متوقعا . أتدري متي نادوا عليها ؟ قبل المغرب بعشر دقائق إنها الحرب النفسية . حرب الإنسان لأخيه الإنسان .

عوي الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوي

وصوت إنسان فكدت أطير

اجتمعنا قبيل المغرب لنعد طعام الإفطار وهو عبارة عن فول " مسوس " – أستغفر الله – بل سوس مفول وخبز أكل الزمان عليه وشرب وقد صدق الله الذي قال :

تموت الأسد في الغابات جوعا

ولحم الضأن يرمي للكلاب

وذو جهل ينام على حرير

وذو علم ينام على التراب

ما زلت أذكر صوت ذلك الجلاد يزمجر كالرعد , عندما دخل علينا سجن القلعة وحر الظهيرة قائم وقد سال من الشمس لعاب يشوي الوجوه . دخل ذلك الجلاد فوجد باب الزنزانة يسمح بدخول الهواء كما سمح لشعاع الشمس أن يتسلل من حنايا النافذة فثار وفار وتوهج وتأجج وأرغي وأزبد وزمجر وأرعد وتوعد وتهدد وسالت على لسانه صفائح القمامات القذرة من الشتم والسب واللعن للحراس الذين كانوا يقومون على حراسة الزنازين وقال فيما قال : أتحسبون أن هؤلاء الكلاب في هيلتون أو شيراتون؟ أتواربون باب الزنزانة لأولاد كذا وكذا وكذا من عبارات القذف التي لو طبق شرع الله لأقيم عليه حد الجلد ثمانين جلدة , هذا هو الإنسان الذي فقد أعلي ما في الإنسانية فقد القلب والعاطفة فصار ذا أنياب ومخالب وكأننا في أرض مسبعة يأكل القوي فيها الضعيف فكنا نلهج بالدعاء إلى الله ( ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ) نفخ في مكبر الصوت نفخة قبيل آذان المغرب في طرة وكان القائمون على هذا السجن من النصاري : المدير وكيله والطبيب وياله من طبيب . كان يقول للمريض كلمني وأنت على بعد متر مني . لقد أصبحنا جربا يعدي وهنا على الناس بعدما اهتزت القيم وانقلبت المعايير وانتكست المبادئ فأصبح المعروف منكرا والمنكرا معروفا وصار الذئب راعيا والخصم العنيد قاضيا وصبرنا في عصر يكذب فيه الصدوق ويصدق فيه الكذوب ويؤتمن فيه الخئون ويخون فيه الأمين وصار أسعد الناس في الدنيا " لكع بن لكع " لا يؤمن بالله ولا باليوم الأخر , وقيل للرجل: ما أظرفه ما أجلده ما أعقله وليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان لقد هزلت وبان من هزالها أن سامها كل مفلس . لقد استأسد الحمل وبال الحمار على الأسد أعلن قائد السجن في مكبر الصوت أن من سمع اسمه فليعد أمتعته استعدادا للرحيل . ونادي على الأسماء فإذا اسمي بينهم وسلمت الأمر لله ورددت في نفسي قوله تعالي ( وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )

وقلت : اللهم اقدر لنا الخير حيث كان إنك على كل شئ قدير وذكرني هذا الموقف بكلمة قالها جلاد مصر الأول " شمس بدران " لأحد المعتقلين في السجن الحربي قال له: ماذا نفعل بكم يا أولاد كذا ؟ لقد سجناكم , وجلدناكم , وشردناكم , فماذا نصنع بكم ؟ فقال له الأخ : اذهبوا بنا إلى مكان ليس فيه الله إن الله معنا إينما كنا وحيثما حللنا ومن كان الله معه فمن عليه ؟ ومن وجد الله فماذا فقد ؟ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره ومن اعتمد على الله لا تزل قدمه ولا يضل سعيه ولا يضيع سؤله .

إلى أين ؟

استعددنا للرحيل بعدما صلينا الفجر , ولكنهم جمعونا في فناء السجن , وكان يوما عاصفا تحمل رياحه الهوج الرمال والغبار وكأن الطبيعية التي خلقها الله تعالي قد احتجت على هذا الظلم المبين وظللنا واقفين في هذا الجو المكفهر ,وفي هذا العراء حتى بعد الظهر ثم جئ بسيارة الترحيل ذات المقاعد الخشبية الخشنة فحشرنا فيها حشر الأنعام . إنهم قوم لا يعرفون للإنسان كرامة ولا للرجال قدرا ولا لكبار السن وقارا ولا للعلم كرامة إنه ليحز في نفسي كثيرا أن أري هؤلاء الناس الذين داسو بأحذيتهم الغليظة كل قيمة من القيم وحطموا المثل فأصبحت المعايير عندهم منكوسة وصارت المثل في خيالهم المريض منحوسة وأصبحت معايير الأمور لديهم معكوسة . لقد انتهكوا كل حرمة واستحلوا مل عرض لأنهم مسخوا فظنوا الحياة كلها مسخا شائها :

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم

فأقم عليهم مأتما وعويلا

انطلقت بنا السيارة ونحن يلفنا صمت أعمق من صمت المقابر وعلامات استفهاما تصرخ في وجوهنا تريد أن تقول لهؤلاء الجلادين : فأين تذهبون ؟ وعلامات التعجب تصيح : أى ذنب جنيناه نستحق عليه كل هذا ولمصلحة من هذا ؟ ولكن سرعان ما طاشت تلك العلامات أمام حقيقة تقول : إنه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان وويل للإنسان من الإنسان ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين ) .

أيا كانت الجهى التي ستتجه إليها فإنها في مل الله ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم . فنحن أينما كنا فالله معنا : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض . ما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ) واستقربنا المقام أمام أحد السجون المشهورة في مصر . إنه " أبو زعبل " ونزلنا هناك وكان النهار قصيرا وأوشكت الشمس الغاربة أن تطبع قبلة الوداع على السحاب فتكسوه ثوب الحياء الأحمر كان اليوم يوما عبوسا قمطريرا خيم الحزن فيه على النفوس وزاد من أسانا وأسفنا أنه ما كان ينبغي في بلد الإسلام والأزهر أن تنزل كل هذه النكبات على رءوس المسلمين ودخلنا أحد العنابر ولم يكن يتسع لهذا العدد فقام بعض المهندسين المعتقلين بتوزيعنا على عدد البلاط بحيث إننا تلاصقنا لو أراد أحدنا أن يغير جنبه الأيمن إلى الأيسر لا يستطيع إلا إذا جلس أولا . ثم يتحول إلى الجانب الآخر ولست أبالغ إنما أكرس الحقيقة إذا ما قلت إن بعض الأفراد لم يكن لهم مكان فاضطروا إلى أن يناموا في دورة المياه وكان بها مرحاض فكان كل واحد منهما يضع جسمه على المرحاض ورأسه خارجه وقد يعتصرك الألم اعتصارا عندما تعلم أنه لم يكن بالسجن طعام نتناوله عن الافطار لولا أن تداركنا الحق بلطف بره فجاء لنا بعض المعتقلين ببعض كسر الخبز الجاف وبعض حصيات الملح ... كل هذا يجري على أرض مصر ! !

عجبت لمصر تهضم الليث حقه

وتفخر بالسنور ويحك يا مصر

سلام على الدنيا سلام على الوري

إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر

وصبيحة اليوم الثاني نودي علينا وعلى المعتقلين جميعا في هذا السجن فوقفنا في الفناء الفسيح وكل يحمل أمتعته وكنا ألوفا فذكرني هذا الموقف بصعيد القيامة بعدما تنشر من القبور : ماذا يراد بهذا الجمع ؟ إنه جمع يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه إنه يوم يذكرني بيوم البعث : يلقي الولد والده فيقول له : يا ابت لقد كنت بك بارا وإليك محسنا وعليك مشفقا . فهل أجد لديك حسن يعود على خيرها اليوم ؟ فيقول له : يا بني ليتني أستطيع ذلك : إنني أشكو مما منه تشكو , وتلقي الأم ولدها فتقول له : يا بني لقد كان بطني لك وعاء , وكان حجري لك غطاء وكان ثديي لك سقاء . فهل أجد لديك حسنة يعود على خيرها اليوم ؟ فيقول لها : يا أماه ليتني أستطيع ذلك إنني أشكو مما منه تشكين .

إنه العجب كل العجب :

وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكا

إنها المأساة وإن شئت فقل إنها الملهاة لماذا جمعنا ؟ قالوا : إنه بلغة السجون تسكين جديد . وتم التسكين وقد أصابنا الإعياء واللغوب وكان هذا هو المقصود الأهم : إن تهزم العافية في الأجسام المتعبة لا نوم ولا طعام ولا هواء إنه تخطيط لموت بطئ إنهم غلاظ الأكباد قساة القلوب جفاة الأطباع فدت قلوبهم من حديد بل إن الحديد يألم عندما تشبه به قلوبهم فإن الحديد قد يلين ولكن قلوب هؤلاء لا تلين .

ومرت أيام رمضان وأقبل عيد الفطر فأثار في النفوس الحنين إلى الأهل الذين تقطعت بهم الأسباب وسمح في هذا اليوم يفتح الأبواب أعني أبواب العنابر الحديدية فكان في ذلك ترويح للنفوس وتخفيف للمعاناة فقد تزاورنا وتجاذبنا أطراف الحديث فما بيننا وسمح لنا أن نحتفل بالعيد فقام الأدباء بإلقاء القصائد وقام آخرون بأداء بعض التمثيليات الهادفة ثم بعد ذلك انتهي العيد بما فيه من دمعة وبسمة : دمعة شوق وبسمة رضا بقضاء الله تعالي وقدره فقضاء الله لا يقابل بغير التسليم وليس له عدة سوي الصبر الجميل كان هذا السجن – أعني سجن أبي زعبل – أقل سوءا من سجن طره وذلك لأن عنابره نظيفة ودورات مياهه جارية فقد بني خصيصا لنا قبل أن ندخله , ويوم نزل البناءون وسلموه دخلته أول فرقة من المعتقلين الذين لاقوا ما لاقوا من ألوان العذاب التي تقشعر منها الأبدان وتشيب من هولها نواصي الولدان لقد علقوا على سور السجن كما قال فرعون للسحرة الذين آمنوا : ( فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ) بدأ ذلك العذاب من أغسطس 1965 إلى أن انتهت التحقيقات – أستغفر الله – بل التلفيقات لقد مارسوا مع هؤلاء ألوانا من العذاب يستحي الشيطان أن يذكرها فاللهم اجعلها في حسناتنا وكفر بها سيئاتنا .

كان المرحلون إلى أبي زعبل يعلمون أنهم جئ بهم ليمكثوا مدة طويلة فقد كان هذا السجن يسمي المخزن , وكان فناؤه يسمي المحمصة لشدة ما وقع فيه من العذاب , ولا أستطيع أن أنسي ذلك العالم الجليل الكفيف البصر الشيخ " عبد الحليم سعفان " وكانت تهمته أنه تبرع لأسرة اعتقل عائلها فكانت هذه جريمة لا تغتفر التقيت به في سجن أبي زعبل فسمعته يردد هذه الأبيات :

إذا شاب الغراب أتيت أهلي

وصار القار كاللبن الحليب

وصار البر مرتع كل حوت

وصار البحر مرتع كل ذنب

ثم يصمت قليلا ويقول :

عسي الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب

أعددنا أنفسنا لمكث طويل . وكانت يد الله تعمل في الخفاء وعلى المؤمن أن يسلم ألأمر لله وحده : ( قل إن الأمر كله لله ) . ( ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله . فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) .

شئ من التيسير

تباركت ربنا وتعاليت لقد قلت وقولك الحق : ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) وجاء في محكم كتابك ( فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا ) وجاء على لسان رسولك: "لن يغلب عسر يسرين .

'تقدمنا إلى قائد السجن بمطالب :'

طالبنا بأن يسمح لنا بفسحة في احدي ساعات النهار فسمح لنا بنصف ساعة كنا نلتقي فنتحدث والحديث ذو شجون ونمشي طوال هذا الوقت حتى في ذلك رياضة للأجسام التي كادت تتصلب من طول القعود .

وطالبنا بأن يسمح لنا بمراسلة الأهل ليرسلوا إلينا بعض النقود لتقوم إدارة السجن بشراء بعض المعلبات والفاكهة والخضر عن طريق ما يسمي بلغة السجون " الكانتين " وسمح لنا بذلك .

وطالبنا بأن يسمح لنا بقراءة الصحف اليومية فأذن لنا .

واستطعنا بذلك أن نكيف حياتنا حتى لا تسأم النفوس من طول المكث وكانت الصحف مرآة تعكس ما يجري في هذا البلد. وكاهن لها أثر عميق في النفوس لما نعانيه من الظلم وما يرفل فيه غيرما في النعيم: قوم يعاقلون لأنهم مدوا يد المعونة لأسرة فقدت عائلها حيث رمي في غياهب السجون وراء القضبان وقوم يقضون الليالي الحمراء حول الموائد الخضراء يشار إليهم بالبنان, وتسير بمفاخرهم الركبان ما تعاقب الملوان واختلف الجديدان قوم تتمرغ النعمة في أعاتبهم ويدسونها بأقدامهم , وآخرون يتجشمون الأوصاب ويتجرعون كئوس العذاب قوم تهب عليهم النسمات معطرة بالأريج , وآخرون يلفحهم قيظ الهواجر من فيح جهنم قوم إذا جن عليهم الليل ركبوا فرس اللهو يفرحون ويمرحون وقوم لا يسمح لهم إلا أن يفترشوا الغبراء ويلتحفوا السماء .

إن الله تعالي صور هذا المجتمع أدق صورة في أسمي درجات الدقة قال ع من قائل ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد )

دعوة إلى وضع المساجد تحت الرقابة

تصور معي كاتبا يحمل قلما مسموما يكتب فيقول : " راقبوا أولادكم في المساجد" أيها الكاتب كيف طوعت لك نفسك وكيف استجاب قلمك أن تكتب هذه العبارة وكيف تدعو الجبابرة إلى أن يعضوا المساجد تحت الرقابة البوليسية والمساجد منازل السكينة والرحمة والملائكة . ألم تسمع قول الله تبارك اسمه : ( إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وأتي الزكاة ولم يخش إلا الله فعسي أولئك أن يكونوا من المهتدين ) كيف طوعت لك نفسك الأمارة أن تكتب مطالبا بوضع المساجد تحت الرقابة إلا أن يكون ذلك سعيا منك في خرابها لأن من دخل المساجد وهو يعلم أنه مراقب وبعد الرقابة سيكتب فيه تقرير يؤدي به إلى عالم التيه في ظلمات السجون التي تذكر بعصر التفتيش في ظلمات العصور الوسطي , أو ما قرأت قوله تعالي : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعي في خرابها أولئك ما كان لهم إن يدخلوها إلا خائفين. لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) كيف تدعو إلى وضع المساجد تحت الرقابة وقد قال رب العالمين ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) وقال في حقها : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه . يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ) .

وكيف يوضع أهل هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع كيف يوضعون تحت الرقابة وقد قال الصادق المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " إن المساجد هي بيوت الله وقد قال الله في حديثه القدسي الجليل " بيوتي في الأرض المساجد وعمارها زوارها . فطوبي لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي حق على المزور أن يكرم زائره ".... فكيف يكرم الله زواره في تلك البيوت وتريد أن تضعهم تحت الرقابة ؟ إن الرقيب الأول هو الله وحده لا شريك له . كنت أود أن تصحح تلك الكلمة التي كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا – كنت أود أن تصحح هذه الكلمة الخبيثة فتكتب : راقبوا أولادكم في المسارح . إن المساجد مهابط الرحمة :ط ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ".

الظلم إذا دام دمّر

أيام بلا شمس وليال بلا قمر . تلك التي صار المعروف فيها منكرا والمنكر فيها معروفا والتي صار شعارها:

صوموا ولا تتكلموا

إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا

ما فاز إلا النوّم

إن قيل إن نهاركم ليل

فقولوا مظلم

أو قيل هذا شهدكم

مر فقولوا علقم

نعم لقد أصبح الشعار للمجتمع : ( نافق أو وافق وإلا ففارق ) وضاعت النصيحة كما ضاع الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتحولت الأمة إلى أشباح تتحرك ومن قيل عنه إنه صاحب مبدأ أو يدعو إلى مبدأ فليس مكانه بين الناس إنما يعزل بعيدا عنهم هناك وراء القضبان ( اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) وكم يقف الإنسان عاجبا مشدوها من شدة العجب عندما يقرأ قول الله تعالي على لسان نبيه صالح وهو يقول لقومه ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ) إنها ذروة المأساة وقمة الملهاة ألا يحب الناصحين حتى يقول الناصح الأمين :

نصحت فلم أفلح وغشوا فافلحوا

فأوقعني نصحي بدار هوان

أصبحت سماء ملبدة بغيوم النفاق والظلم فهذا صاحب قلم يسيل مداده سما ناقعا يريد أن ينافق صلاح نصر فيكتب عنه قائلا : " إنه الرجل الذي تكلؤنا عينه بالليل ونحن نيام " ثم يستطرد قائلا : " إنه الرجل الذي بلغ من دقة رقابته أنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" هل هذه العبارة في حاجة إلى تعليق ؟ ألم يخطر على باله آية في كتاب الله تقول ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض . من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء . وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم ) ... إن الله تعالي هو القيوم وحده القائم على شئون عباده ألم يقرأ قوله جل شأنه : (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) .. تلك خاصية من خصائص الألوهية والله لا يشرك في حكمه أحد ( والله يقضي بالحق والذين تدعون من دونه لا يقضون بشئ ) ألم يقرأ قول الباري تبارك وتعالي (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) ثم ألم يقرأ قول الباري تبارك اسمه : ( ولم يكن له كفوا أحد ) ولو كان هذا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور كما قال صاحب هذا القلم – لو كان كذلك فلم لم يخبرنا بما سوف تقوم به إسرائيل في هزيمة يونيو سبحانك هذا بهتان عظيم ( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو . ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين )

لقد بلغ النفاق مداه عندما وقف أحد الشعراء ينافق عبد الناصر فيقول :

بشراى إن صلاح الدين قد عاد

وأصبحت هذه الأيام أعيادا

أجمال مالك من بين الأنام فتي

في الشرق والغرب ممن ينطق الضاد

لو كان يعبد من بين الأنام فتي

كنا لشخصك دون الناس عبادا

وهذا يذكرني بذلك المعتوه الذي دخل على الحاكم ذات يوم في سالف العصر فقال له :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار

إن النفاق شجرة خبيثة مرة المذاق اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فحق علينا قول الله تبارك اسمه : ( ,إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) أمرناهم بالمعروف والعدل والإحسان ففسقوا واستكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا وفرق كبير بين أن يقول الله تعالي : ( ففسقوا ) وبين أن يقول : أن يفسقوا و. فلو قال : أمرنا مترفيها أن يفسقوا لمان الأمر هنا بالفسق وهو الخروج عن طاعة الله تعالي وحاشا لله أن يأمر بذلك ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) . أما قوله تعالي : ( أمرنا مترفيها ففسقوا ) فإن الفاء هنا عاطفة على أمرنا , وفي الآية إيجاز بالحذف . وقد قال أهل اللغة " وحذف ما يعلم جائز فإذا كنت قد قرأت قوله تعالي : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي ) علمت ما هو المحذوف المعلوم أى أمرناهم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي . ثم تأمل كيف جاء العطف بالفاء في ( ففسقوا ) وهي تفيد الترتيب والتعقيب ولم يأت بثم التي تفيد الترتيب والتراخي مما يعطيك لمحة قرآنية عميقة بأن هؤلاء القوم المفسدين قد بلغ من جرأتهم أنهم فسقوا عقب الأمر مباشرة استهزءا واستكبار من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق .

وفي قراءة في تلك الآية : ( أمرنا مترفيها ) بتشديد الميم في أمرنا أى جعلنا أمراءها مترفيها ومفسديها وقد جاء في حيثيات الحكم على أصحاب الشمال قوله تعالي ( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين ) وجاء في دعاء الصالحين : اللهم ول أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا ..

كان الإمام أبو الفرج بن الجوزى يقول : إني لأظل أتقلب في فراشي طول الليل أبحث عن كلمة أرضي بها الحاكم ولا أغضب بها الله فلا أجد .

وقد أخبرني النبي صلي الله عليه وسلم عن خطر النفاق فقال :" أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن " .... كما بين لنا سمات المجتمع السليم من المجتمع السقيم فقال :" إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شوري بينكم فظهر الأرض أولي بكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم , وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض أولي بكم من ظهرها ".

جرأة خطيرة

يا رب يا رب ما أحلمك! ما أكرمك! ما أصبرك على عبادك ! يقولون عنك ما لا يليق بذاتك من الصاحبة والولد , ويجحدون فضلك , وينكرون جميلك, وأنت ترزقهم , وتكلؤهم بالليل والنهار , سبحانك من قائل ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمي فإذا جاء فإن الله كان بعباده بصيرا ) وتأتي الآية الأخرى فتبين ما هو الكسب الذي لو آخذ الله به عباده لدمر ما في الأرض وما عليها فيقول سبحانه ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤاخذهم إلى أجل مسمي فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) وصدق رسولك إذ يقول :

" إن الله لا يعجل كعجلة أحدكم إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " ثم تلا قوله تعالي : (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القري وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) .

نعم ! إنها لجرأة خطيرة وجرم وإنحراف فظيع شنيع لأحد كبار الجلادين في السجن الحربي ( باستيل مصر ) الذي أخذ يلهب بسوطه أحد الضحايا وقد علقه كما يعلق الجزار بهيمته بحيث تكون الرأس إلى أسفل , وانهال عليه ضربا فاستغاث المظلوم بالله فقال له الجلاد .: لو نزل ربك من السماء فقد أعددت له زنزانة لأحبسه حبسا انفراديا , هكذا إذا نسي الإنسان أصله وجحد ربه حل عليه غضب الله ومن يفعل ذلك فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق . إنه يذكرنا بكلمة قالها فرعون مصر وذكر العلي العظيم في قوله : ( وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلي أطلع إلى إله موسي وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) .

فأعجب معي يا أخي لهذا الطاغية الذي غره سلطانه فاستخف قوم فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم وتأمل معي لهذا الذي ظن أن الله سبحانه وتعالي قد تدركه الأبصار , أو تحويه الأقطار , أو يؤثر فيه الليل والنهار , ونسي أو تناسي أنه هو الذي يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ! !

تنزه عن الشريك ذاته وتقدست عن مشابهة الأغيار صفاته واحد بلا عدد وقائم بلا عمد ودائم بلا أمد سبحانه علا فقهر , وملك فقدر , وبطن فخبر , ليس بحسم ولا صورة ولا معدود ولا محدود, ولا متبعض ولا متجزئ ولا متناه ولا مكتيف ولا متلون .

لا يسأل عنه بما لأنه لا يعرف حقيقة الله إلا الله .

قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه يا أبا بكر بم عرفت ربك ؟ فقال رضوان الله عليه عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي : فكيف عرفته ؟ قال: العجز عن الإدراك إدارك والبحث في ذات الله إشراك.

لا يسأل عن اله بمتي كان ؟ لأنه خالق الزمان ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرضه على الماء ) .

كان الله ولا شئ معه , استوي على العرش , والاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة , والإيمان به واجب ومن الله الرسالة , وعلى الرسول البلاغ فإنه تعالي كان ولا مكان وهو على ما كان قبل خلق المكان لم يتغير عما كان علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لا يكون , لو كان كيف كان يكون , قبل لعلي كرم الله وجهه: متي كان الله ؟ فقال : ومتي لم يكن .

ولا يسأل عنه سبحانه وتعالي بأين هو سؤال إحاطة ؟ لأنه تعالي خالق المكان قالوا : وما خطر ببالك فاله خلاف ذلك , والقول الفصل ما وصف الله به ذاته فقال تعالي ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) .

مر الإمام سفيان الثوري بقوم يحتفلون بأحد العلماء فسأل : لماذا الاحتفال ؟ قالوا : لأنه أقام ألف دليل على وجود الله . فقال سفيان والعجب قد أخذ عليه كل مأخذ : ومتي غاب سبحانه حتى يسأل عن وجوده , آمن به المؤمن ولم ير ذاته وجحده الجاح ووجوده في ملك الله دليل على وجود الله .

الديان لا يموت

كيف طوعت لهذا الجلاد نفسه أن يتجرأ على الذات الأعلى ؟ فيصبح في فناء السجن بصوت منزعج كربه ويقول : إن الله لو نزل من السماء فقد أعددت له هذه الزنزانة . ولكن يزول العجب وتتهاوي علامات الاستفهام عندما نقرأ قوله عزوجل : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها , ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها . أولئك كالأنعام بل هم أضل . أولئك هم الغافلون ) .

ألم تر كيف فعل ربك بهذا الجلاد الطاغية ؟ لقد جاء اليوم الذي دار لفلك فيه دورته وغضب عليه سيده " عبد الناصر " فأدخله السجن ليذوق من نفس الكأس المرة التي جرعها لألوف من الضحايا الأبرياء , وهكذا اقتضت سنة الله تعالي أن من أعان ظالما سلطه الله عليه , والظالم وجنوده وأعوانه داخل دائرة المسئولية قال تعالي ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) وقال عز من قائل : ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) .

فماذا حدث ؟ أفرج عن هذا الجلاد وسافر يوم " عيد الفطر " ليزور أهله , وبينما هو في الطريق الزراعي لا يدري ماذا خبأت له الأقدار . لقد ظن أن الكون يسير وفق هواه ونسي أن في السماء مملكة مكتوب على بابها ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حاسبين ) خرج عليه في الطريق الزراعي سيارة ذات مقطورة فعصفت بسيارته فوقع فريسة بين أنيابها ودخلت في عنقه أجسام صلبة فأخذ يخور كالثور والدماء تنزف منه فلم يكن هناك بد من فصل رأسه عن جسده وهكذا كان القصاص العادل من رب الأرض والسماء ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله . إن الله عزيز ذو انتقام ) .

يا نائم الليل مسرورا بأوله

إن الحوادث قد يأتين أسحارا

وهكذا الدنيا إذ حلت أمام الظالمين أوحلت , وإذا كست أوكست , وإذا جلت أوجلت . وكم من ملاك رفعت له علامات , فلم علا ... مات .

دعوة مستجابة

اتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب

وإذا رميت من الزمان بشدة

وأصابك الأمر الأشق الأصعب

فاضرع لربك إنه أدني

لمن يدعوه من حبل الوريد وأقرب

واحذر من المظلوم سهما صائبا

واعلم بأن دعاءه لا يحجب

كان أحد كبار الجلادين في السجن الحربي يمر بنزلاء الزنازين فوجد شيخا كبيرا في زنزانة قد امتلأ نصفها بالماء والبرد القارس , فقال له شامتا متهكما: كيف حالك ؟ فأجاب ذلك الشيخ : بالحمد لله على نعمائه والشكر على آلائه . قالها بلسان اليقين ومنطق الحق المبين . نعم إنه بحمد الله الذي عافاه مما ابتلي به كثيرا من خلقه, فقد وهبه قلبا ذاكرا ولسانا شاكرا , وبدنا على البلاء صابرا .

كان الإمام أحمد بن حنبل في محنته , يضربه الجلادون بالسياط الحامية , فكان إذا اشتد به الجلادون ضربا , ارتسمت ابتسامة الرضا على وجهه وتلاميذه من حوله يبكون , بل وينتحبون فلما رفع العذاب عنه سألوه : يا إمامنا لماذا كنت تبتسم ونحن نبكي ؟ فقال بمنطق الإيمان : إنكم تبكون لأنكم ترون هذا الجلاد , أما أنا فأبتسم لأنني أري يد رب العباد.لقد رأي الإمام أحمد رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له : " يا أحمد ستبتلي فاصبر يرفع الله ذكرك إلى يوم القيامة ".

إن كبير الجلادين في السجن الحربي سأل الشيخ الوقور الذي يرتعد من شدة البرد في زنزانة ملئ نصفها بالماء , سأل شامتا متهكما ساخرا : ادع لنا يا شيخ فنظر إلى الشيخ مشفقا عليه وقال له : اتهزأ بي ؟ قال : ادع الله لنا يا شيخ , فتوجه الشيخ الوقور إلى ربه الكريم ودعاة بدعوة غريبة من نوعها , قال : أسأل الله أن يأتي عليك اليوم الذي تتمني فيه الموت فلا تجده. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب , فأى ظلم أشد من ظلم هؤلاء ؟ بل إن الحديث الشريف ينطق بصراحة ووضوح فيقول :" اتق دعوة المظلوم ولو كافرا , فعليه كفره "ويقول :" دعوة المظلوم ترفع فوق الغمام ونفتح لها أبواب السماء ويستقبلها الرب تبارك وتعالي ويقول لصاحبها وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ".

وجاء اليوم الذي نفذ فيه الحكم من محكمة العدل الإلهية الكبرى في هذا الأفاك الأثيم العتل الزنيم , الفظ الغليظ . فأصيب بسرطان في كليته . ولما كان من الشخصيات المرموقة طاف بدول أوربا يلتمس العلاج فكان كما قال الله تعالي ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا , ووجد الله عنده فوقاه حسابه والله سريع الحساب )

وعاد من أوربا كما ذهب إليها وكان يصرخ فيمن حوله مستغيثا بهم راجيا إياهم أن يضربوه بالنار حتى يستريح من النار في داخله. كانوا إذا وضعوه على سريره صاح فيهم : أنزلوني لأنا على الأرض, فيقال له : إن البرد شديد . فيقول : أنيموني على الأرض مهما كان البرد قارسا فأنا لا أستريح في النوم على السرير , وظل هكذا يتجشم الأوصاب ويتجرع كئوس العذاب حتي قضي عليه الموت , صدقت يا سيدي يا رسول الله : " البر لا يبلي والذنب لا ينسي والديان لا يموت . اعمل ما شئت كما تدين تدان " .. وهكذا استجاب الله دعوة المظلوم فجاء على ذلك الظالم اليوم الذي تمني فيه الموت فلم يجده , وبالكيل الذي تكيل به للناس سيكال عليك لا راد لما قضي الله ولا معقب لحكمه ولا شفاعة في الموت ولا حيلة في الرزق . قال صلي الله عليه وسلم : " من مشي مع ظالم ليقويه وهو يعلم إنه ظالم فقد خرج عن الإسلام " فما للقلوب أصبحت لا تخشع وما للآذان أصبحت لا تسمع وما للأعين أصبحت لا تدمع وما للأجسام أصبحت لا تسجد ولا تركع فقم سلسل الدموع حزنا على هذا الضمير الضائع وقم مزق الضلوع كمدا على هذا الفساد الشائع والله لو تراحم الناس ما كان بينهم جائع ولا عريان ولا مغبون ولا مهضوم ولأقفرت الجفون من المدامع ولا طمأنت الجنوب في المضاجع ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحوا نور الصباح مداد الظلام فيا أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء وارحموا من في الأرض يرحمكم من السماء , واستمع معي إلى ما قاله مبعوث العناية الإلهية صلوات ربي وسلامه عليه : " إنما أنا رحمة مهداه " ثم " الراحمون يرحمهم الرحمن " . " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " " لا تنزع الرحمة إلا من شقي " . " من لا يرحم لا يرحم "

وتبارك اسم الله وتعالي جده إذ يقول لحبيبه ومصطفاه : ( ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

وكان الكلب خير منه

مر رسول الله صلي الله عليه وسلم بجثة قتيل فسأل : من قتل هذا ؟ قالوا : يا رسول الله إنه لص سطا على غنم القوم , فخرج عليه كلب الغنم فقتله, فقال الصادق المعصوم : قتل نفسه وأضاع دينه , وكان الكلب خيرا منه ".

صدقت يا سيدي يا رسول الله ففي الكلب وفاء لصاحبه يصون بهذا الوفاء الأمانة ويحافظ على من استرعاه وقد يفقد الكثير من الناس تلك المروءة :

مررت على المروءة وهي تبكي

فقلت علام تنتحب الفتاة

فقالت كيف لا أبكي وأهلي

جميعا دون خلق الله ماتوا

جئ ذات يوم وفي صيف 1965 , جئ بأحد العلماء المتخصصين في دراسة الكتاب والسنة وقد بلغ من الكبر عتيا ووضع في قفص حديدي لما أصاب عظامه من الكسور , فقال قائد الجلادين لزبانيته : ادخلوه زنزانة واحبسوه حبسا انفراديا وجوعوا له كلبا ومما هو جدير بالذكر أن الكلاب في السجن الحربي كانت تأكل ما لذ وطاب من الطعام بينما الآدميون لا يجدون فتات الموائد وكانت الكلاب مدربة على نهش لحوم البشر فانظر يرعاك الله ... وتأمل ما هي العزة والكرامة التي كان يتغني بها زعيم البلاد ؟ ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ونفذ الزبانية الأمر وجئ بالشيخ وقد بلغ الوهن منه ما بلغ واشتعل الرأس شيبا وصار فيه دبيب الشيب فهزم العافية في جسده الناعم ودخل الزنزانة وهو يدري ماذا يراد به ولكن من كان الله معه فمن عليه ؟ ومن وجد الله فماذا فقد ؟ لقد اعتقلوا أبناءه من قبله فأرسل التماسا إلى أحد كبار المسئولين يقول فيه أرجو أن تبقي لى أحد أبنائي ليقوم على خدمتي في بيتي فكان رد ذلك المسئول ردا عمليا أرسل إليه من زبانيته من قام بإلقاء القبض عليه وقال له : إن سيادة المشير يقول لك بل أنت الذي تذهب إليهم في السجن ليقوموا على خدمتك هناك فأعجب معي إلى أى مدي بلغ إهدار الآدمية وتحطيم الإنسانية في بني البشر ؟! وإلى أى حد قست قلوب هؤلاء الجبابرة وأولئك الأباطرة الذين نسوا الله وقالوا من أشد منا قوة ؟ نعم يا ربنا قتل الإنسان ما أكفره ! !.

الشيخ الجليل في الزنزانة

دخل الشيخ زنزانته وهو يرتل قوله تعالي : ( وقل ربي ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا ) ثم يقرأ : ( رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ) واستقبل القبلة وصلي لله ركعات والصلاة كهف المؤمن كما أخبر بذلك الصادق المعصوم وكان صلي الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة وكان يقول : " أرحنا بها يا بلال " فمن أراد أن يكلم الله فليصلي ومن أحب أن يكلمه الله فليقرأ القرآن وكانت عائشة تقول : كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه ويكلمنا ونكلمه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه .

وفوجئ الشيخ ببعض الجلادين يدخلون معه كلبا مفزعا مخيفا ( إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) وأغلقوا عليهما باب الزنزانة واستمر الشيخ في صلواته فالصلاة روح يسري في قلب المؤمن يصله بالعالم العلوي والملأ الملائكي وق قال حاتم الأصم مجيبا عن سؤال جاء فيه : كيف أنت إذا دخلت الصلاة ؟ قال رحمه الله : " إذا دخلت الصلاة جعلت أن الكعبة أمامي , والموت ورائي والجنة عن يميني والنار عن شمالي والصراط تحت قدمي , موقنا بأن الله مطلع على فإذا سلمت لا أدري أقبلها الله أم ردها علي ؟ ! " وبعد ساعات من وضع الكلب بجانب الشيخ نادي قائد السجن زبانيته وقال لهم بلسان الصلف والتيه والكبرياء : اذهبوا وانظروا ماذا فعل الكلب بان الـ ... وذهب الزبانية على أمل أن الكلب قد أكل من الشيخ لحمه وعظمه وبناء عليه فسوف تصرف لهم مكافأة مالية وهكذا كانت أحوال الناس وعلاقاتهم المنفعة ... المصلحة ... المادة ... الكسب الرخيص .. الأنانية ... حب الذات ... النفاق ... الكذب ... الخيانة ... أنا والطوفان من بعدي :" أنج سعد فقد هلك سعيد " ونظروا من العين السحرية من باب الزنزانة ليخرجوا الكلب ويغسلوا الدم ولكن كانت المفاجأة تنخلع لها القلوب وتنعقد لها الألسنة دهشة وعجبا لقد وجدوا الشيخ ساجدا لله تعالي مستغرقا في نور الجلال والجمال والكمال عليه كوكبة تحفها السكينة والوقار ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم )

نعم :

وإذا العناية لاحظتك عيونها

نم فالمخاوف كلهن أمان

وجدوا الشيخ ساجدا والكلب يحرسه كأنهما كان على معرفة قديمة وصداقة أصيلة ! ! إنه الإيمان إذا تمكنت بشاشته من شغاف القلوب تكاد تجعل المستحيل ممكنا والملح الأجاج عذبا فراتا سلسبيلا إنه اليقين في الله والاعتصام بحبله المتين إنه صدق النية والإخلاص .. إنها لغة " لاسلكي القلوب " لا يفهمها إلا من صفا وقوي يقينه إن هذا الإيمان يحرك الجبال ويسير العوالم .

إن الله عبادا فطنا

طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا

أنها ليست لحي سكنا

جعلوها لجة واتخذوا

صالح الأعمال فيها سفنا

لقد رجع الزبانية إلى سيدهم وقد انعقدت على رءوسهم هالات ضخمة من الدهشة فما كان منهم إلا أن قابل ذلك بالسباب والشتائم وقال لهم : ارجعوا فحرضوا الكلب لينهش لحم هذا الـ ... وفعلوا ذلك ولكن دون جدوى فالكلب وفي لأولياء الله الصالحين والوفاء قيمة عليا له في القلوب المؤمنة مكانة عظمي بينما بنو الإنسان حرموا هذا القدر العظيم من هذا الخلق العظيم ( إن كل من في السموات والأرض إلا أتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ) .

يا رب ما أعظمك ! ما أكرمك ! ما أرحمك ! ما أجملك ؟ كل شئ قائم بك , وكل شئ خاشع لك . أنت قوة كل ضعيف وعز كل ذليل وغني كل فقير ومفزع كل ملهوف من تكلم سمعت نطقه ومن سكت علمت سره ومن عاش فعلي رزقه ومن مات فإليك منقلبه يا عظيما يرجي لكل عظيم .

يا من يري ما في الضمير ويسمع

أنت الرقيب لكل ما يتوقع

ألست أنت القائل في الحديث القدسي الجليل :

" عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد فإن سلمت لى فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لى فيما أريد أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ؟"

يا رب :

حاسبت نفسي لم أجد لى صالحا

إلا رجائي رحمة الرحمن

وعددت أفعالي علىّ فلم أجد

في الأمر إلا خفة الميزان

وظلمت نفسي في فعالي كلها

ويحي إذا من وقفة الديان

يا ايها الإخوان إني راحل

مهما يطل عمري فإني فاني

يا رب لم ترضي إلا ذا تقي

من للمسئ المذنب الحيران ؟!

لقد شكا الزبانية إلى سيدهم صمود الكلب وثبوته وإصراره على موقفه من الشيخ فقال لهم وقد ظل وجهه مسودا وهو كظيم فأخرجوا الكلب حتي لا يصاب من رائحة الزنزانة بئ يؤذيه ونسي هذا أو تناسي أن للقلوب دولة لا يملك مفاتحها إلا الله لقد ظل الشيخ في هذا السجن عاما خرج بعده مسافرا إلى مملكة الحجاز حيث عاش بها متنقلا بين الحرمين الشريفين وأراد ربك أن يختاره إلى جواره هناك أن يدفن بأرض الطهر ومنازل الوحي ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفي بالله علما )

إلهي نجنا من كل كرب بهدي المصطفي خير الجميع

وهب لى في مدينته قرارا ورزقا ثم دفنا بالقيع

مشهد مهيب

يذكرني ما حدث لذلك الشيخ الجليل مع زبانية السجن الحربي بهذا المشهد المهيب الذي أجراه الله على يدي هذا العالم الجليل القدر " ابي الحسن أحمد بن بنان " وقد دخل على أحمد بن طولون حاكم مصر فأمره ونهاه فغضب الحاكم على العالم متجاهلا قول الصادق المعصوم صلوات ربي وسلامه عليه :" اثنان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسد فسدت الأمة العلماء والأمراء ".

غضب الحاكم ولم يبق في قوس صبره منزع وبلغ من غضبه بعدما غلي مرجل غيظه وانفجر أنه قال لجنده خذوا هذا وادفعوا به إلى أسد جائع وأغلقوا عليهما قفصا حتي لا يبق يمن عظامه ولحمه ويذر وانفرد الأسد بالعالم الجليل وفي صبيحة اليوم التالي نظر الحارس فوجدوا العالم يجلس في وقار وجلال يذكر الله ويتلو آياته المباركات ووجدوا السد الرئبال مطأطأ الرأس في سكينة وتواضع يستمع إلى آي الذكر الحكيم وكيف لا وهو كلام الله جل جلاله ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) ثم كيف لا ومنزل الكتاب سبحانه يقول . ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) .

لقد جئ بالعالم إلى الحاكم وقال له : ما هذا الذي سمعت عنك ؟ قال : العالم وماذا سمعت يا بن طولون ؟ قال : كيف امتنعت عن الأسد ؟ قال : إن الذي منعني منه هو الذي يقول ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) ويقول ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ) قال ابن طولون : فأىي شئ كنت تخشي وأنت مع الأسد ؟ قال : كنت أخشي أن يصيبني لعاب الأسد فينجس ثوبي قال ابن طولون : فأى شئ تمثلت في هذا المقام ؟ قال تمثلت قوله تعالي ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) فلم يسع ابن طولون إلا أن يودع ويسأله دعوة صالحة يهديه الله بها سواء السبيل .

لو يعلم الزبانية

قال رج للإمام أحمد بن حنبل : يا إمام , إني أخيط للظلمة ثيابهم فهل أعتبر منهم ؟ قال : بل أنت من أعوانهم فانظر إلى أى حد عمت المسئولية ,احتدم الأمر ؟ إن الله تبارك وتعالي لم يلق التبعة على فرعون وهامان وحدهما إنما شمل الحكم جنودهما قال تعالي ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) وقال جل شأنه ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) ولو يعلم الزبانية ماذا كان مصير فرعون وجنوده ؟

ما جلدوا ظهرا ولا انتهكوا حرمة , ولا استباحوا عرضا قال تعالي عن فرعون ما جلدوا ظهرا ولا انتهكوا حرمة ولا استباحوا عرضا قال تعالي عن فرعون :

( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ) لو يعلم الزبانية موقف السادة منهم يوم القيامة ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) لو يعلم الزبانية هذا المصير ما أطاعوا سادتهم أو كبراءهم حتي يكونوا في منأي عن العقاب في يوم ( يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ) فيقال له كلا ( إنها لظي نزاعة للشوي تدعو من أدبر وتولي وجمع فأوعي ) لو يعلم الزبانية كيف سيتبرأ منهم أسيادهم ما أطاعوهم في الدنيا ( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ) لو يعلم الزبانية موقف المستكبرين منهم يوم القيامة ما نفذوا لهم أمر إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال تعالي ( وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ..

لو يعلم الزبانية حالهم مع الجبابرة ما سمعوا لهم قولا قال جل شأنه : ( وإذ يتحاجون ف النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) ليت الزبانية يعلمون هذا استعدادا ليوم ما أطوله ! وخطب ما أهوله ! وجبار ما أعدله ! يقول للمظلوم : تقدم , ويقول للظالم : أيها الظالم لا تتكلم ( هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ويل يومئذ للمكذبين ) .

عندما يخطب الزعيم

كنا في سجن أبي زعبل قد وضعنا تحت مراقبة شديدة بحيث كانوا يعدون علينا انفاسنا وقد انتشرت بين صفوفنا مجموعة من كتبه التقريرات السرية وهم من المعتقلين الذين سوّلت لهم أنفسهم أنهم بقدر ما يؤذون عباد الله بقدر ما يقترب يوم الإفراج عنهم ونسوا أو تناسوا أن الله تبارك وتعالي قدر لكل شئ قدره , فساعة الإفراج مقدرة عند الله تعالي كساعة الأجل , التي قال الله تعالي عنها : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ونسوا أن المقادير بيد الله وحده متجاهلين قوله جل شأنه : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وقوله تبارك اسمه : ( إن كل شئ خلقناه بقدر . وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) وقوله جل ذكره : ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله . إن الله كان عليما حكيما . يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما ) .

إن الأمور تجري بمقادير فلا تهب في هذا الكون نسمه هواء , ولا تطرف طرفة عين ولا يحدث فيه حدث صغير أو كبير إلا بإذن الله , وكل شئ عنده بمقدار ( عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . سواء منكم من أسّر القول ومن جهر به . ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) .

ولقد علمت بأن سبب ترحيلي من سجن طره إلى أبي زعبل كان مبنيا على تقريرات قيل فيها إنني ما زلت متمسكا بإلقاء المواعظ في السجن وكأن المقصود المهم عندهم من السجن أن يقوموا بإجراء غسيل مخ بحيث يخرج المعتقل شائها ممسوخا لا يلوي على شئ هلاميا , مصابا بداء اللا مبالاة ولقد جاءني أحد الكتبة المتخصصين برفع التقريرات السرية وأراد أن يجري تفتيشا عقليا معي , فسألني : ما رأيك في الاشتراكية ؟ فرددت عليه ساخرا : وماذا تريد من سؤالك هذا ؟ أتريد أن تنقلني من هذا السجن إلى سجن أشد عتوا ؟ أكتب ما تشاء فليس هناك داع للإجابة . وذكرني هذا بنفس السؤال الذي وجه إلىّ عندما كنت ألقي محاضرة على طلبة الجامعة هكذا كان يجري تحطيم النفوس من وراء القضبان بعد تحطيم الأبدان عندما يصبون عليها سوط العذاب ( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون . وانتظروا إنا منتظرون . ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله . فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما يعملون ) كانوا إذا خطب الزعيم الملهم يذيعون علينا الخطاب بواسطة الإذاعة وكان ساعة أن يخطب لا تسمع إلا أنفاسا تتردد وكان خطابه مرتعا خصيبا لكتبه التقريرات السرية فكانوا يتحركون بيننا حركات سريعة يتأملون الوجوه : من الذي يستمع إلى الخطاب بانتباه وتفكر ؟ ومن الذي يسمعه بسخرية ؟ بل من الذي يسمعه وهو مستلق على ظهره ؟ بل كان الذي يمد رجليه وقت الخطاب يعتبر مارقا متمردا ومن الذي يتحدث مع جاره عندما يتكلم الزعيم ؟ ولم يبق إلا أن يقولوا لنا : وإذا خطب الزعيم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون .

قلت : سبحان الله ! ما أعظم حلمك وكرمك ورحمتك بعبادك ! أبحت للإنسان أن يصلي قائما ولا فقاعدا وإلا فمستلقيا ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ألست أنت القائل وقولك الحق : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) لكن المنافقين لا يعلمون وإذا علموا لا يفقهون إنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون وإن تعجب فعجب أن تكلف لجنة من المعتقلين تمثل العنابر كلها وتعقد اجتماعا بأمر من قائد السجن وكلهم من ذوي الكفاءات النادرة والعالية أتدري ما مهمة هذه اللجنة التي تكونت من أساتذة جامعيين وعلماء متخصصين في أدق فروع العلم ؟! إن مهمتها عجيبة وغريبة في نفس الوقت هل سيدرسون إعلان الحرب على احدي الكتلتين ؟ هل سيقررون أمرا يحل مشاكل الطاقة ؟ أو مشكلات الاقتصاد العالمي ؟ أو الحرب والسلام ؟ لا هذا ولا ذاك ولا هذه ولا تلك إنما اجتمعوا لينخلوا مخزون فكرهم ويقدحوا زناد رأيهم في دراسة وافية شافية لخطاب الزعيم , وما أدراك ما خطابه ؟ كلام لا يساوي قمن المداد لذي كتب به , وعيد وتهديد وإرهاب وإنذار . لمن ؟ لبني وطنه الذين ماتت عزائمهم ومات فيهم كل شئ . لقد كان يدعو إلى الحرب وهو لا يعمل لها حسابا وكانت إسرائيل تدعو إلى السلام وهي تستعد للحرب .. كنا أيام النكسة نرقص ونغني في الطرقات وكانت إسرائيل – أيام انتصارها – ترتدي ثياب الحداد وتصلي على قتلاها فانظر معي ثم اعجب لمهزوم يرقص ويفرح ويطرب , والمنتصر يصلي على قتلاه ! ! حنانيك يا رب . اللهم ثبت علينا عقولنا واحفظ علينا ديننا .. هكذا كان خطاب الزعيم يزأر ويزمجر ويرسل صيحاته العالية التي تنبعث من رأس باض الشيطان وفرخ به من رأس فارغ يشخشخ في الهواء كرءوس التماثيل " أسد على وفي الحروب نعامة ".

جريمة التكافل

كان في السجن ما يسمي بالتكافل وهو تعاون الإخوة فيما بينهم بمعني أن من وجد يعطي من لم يجد وأن القوي يعين الضعيف ويغيث الملهوف , وأن القادر يأخذ بيد العاجز وهكذا لقد كنا نتعامل ما يسمي ( بالكانتين) الذي يقوم بشراء الفاكهة فهي تدر اربح الوفير للقائمين عله ويعود بالفائدة علينا , حيث إن طعام السجن يأتي بأمراض لا يعلم مدي خطرها إلا الله تعالي ! !

والشئ الذي يثير ف يالنفس كوامن الحزن , ولواعج الأسي وينخلع له القلب من الهلع أنهم حرموا التعاون فيما بيننا ! !

لم يكن في طاقة أن يتعامل مع الكانتين لأنه عاجز عن ذلك لضيق ذات اليد فإنه قبل أن يدخل السجن كان يكتسب لقمة عيشه بكد يمينه وعرق جبينه فلما دخل السجن وقع أهله في ضيق شديد فقد كان من تسول له نفسه أن يطرق بابهم ولو بالسؤال عنهم كان مصيره كما يقولون " وراء الشمس " .

فإذا ما مدّ يد المعونة فتلك جريمة لا تغتفر .

أعرف رجلا كفيف البصر ظل في السجن عامين لأن جاره قد اعتقل فذهاب إلى أهله وأعطاهم جنيهين تلك كانت جريمته !

الله تعالي يقول ( من جاء بالحسن فله عشر أمثالها ) والقانون الظالم قانون " عبد الناصر " يقول : من مد يده بجنيه سجن عاما , وهكذا قانونهم من جاء بالحسنة فله عشر سيئات فكيف تتصور ان تأكل شيئا من الفاكهة وأخوك بجوارك ينظر إليك لا يملك أن يمد إليها يدا بل يشم أريجها ويحرم من مذاقها ! !

خبري بربك هل تستطيع نفسك أن تقم على مثل هذا العمل ؟!

أعرف رجلا كان بجاني وان يعمل بالبناء , فلما اعتقل اضطرت زوجته أن تبيع حتي الأدوات التي كان يقوم بواسطتها بعملية البناء فكيف يتصور إنسان أن يأمل شيئا يحرم منه أخره والرسول صلي الله عليه وسلم يقول في حقوق الجار :" ولا تؤذه بريح قدرك وإذا دخلت على أهلك بالفاكهة فإما أن تعطيه منها , وإما أن تدخل بها سرا ولا تترك ابنك يخرج بها فيغيظ بها ولده " صدقت يا سيدي يا رسول الله يا صاحب القلب الرحيم ! ! والخلق العظيم ! !

حادثة تسلل داخل العنبر

إن من شر المصائب ما يضحك !

وكم ذا بمصر من المضحكات

ولكنه ضحك كالبكا

أذكر ذات يوم أن القائمين على شأن " الكانتين " في سجن أبي زعبل جاءوا لنا بكمية وفيرة من البرتقال ووزعت على المتعاملين مع الكانتين وحرم منها الذين لا يجدون ما ينفقون ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وكنا في العنبر قد بلغ عددنا مائة وعشرين منهم بعض أفراد لم يستطيعوا التعامل ومن هنا حرموا من البرتقال ذلك لأن القوانين الصارمة تمنع منعا باتا أن يمد أحد المعتقلين يده بشئ أيا كان نوع هذا الشئ إلى أخيه في المعتقل ومن ضبط متلبسا بذلك استدعي للتحقيق وحبس حبسا انفراديا في زنازين التأديب حيث يصرف له رغيف واحد طوال اليوم بجانب قليل من الماء وبعض حصيات الملح ! !

وقد يقول قائل : ولماذا لا يمد أحدكم أخاه بشئ من المال سرا ؟ لأنا نقول إن المال كان محرما علينا , لأننا نرسل إلى الأهل فيرسلون النقود إلى إدارة السجن وتقم بدورها بتوزيع بطاقات نتعامل بمقتضاها مع الكانتين فمن ليس عنده نقود يتعامل بها لا تصرف له تلك البطاقة ومن ثم يحرم من العامل بطريق التكافل أو التعاون , حتى يحطموا بزعمهم تعاليم الإسلام في النفوس , وحتى يخرج المعتقل إلى المجتمع إن قدر له ذلك ممسوخا شأنها أنانيا محبا للزعيم الملهم لأن تكون زعيما مهيبا أفضل من أن تكون زعيما محبوبا .

كانت القوانين صارمة إذا ما قام أحد ( البسابس) جمع بسبس وكان هذا الاسم يطلق على كتبة التقريرات السرية .

فتأمل معي يرحمك الله كيف صارت الأنانية فضيلة وكيف أضحي التعاون رذيلة وكيف صار المعروف منكرا , والمنكر معروفا وكيف أصبح الذئب راعيا والخصم العنيد قاضيا ؟'! !'!

حدث ذات ليلة أن قام أحد المعتقلين في عنبرنا بحمل بعض الفاكهة إلى أحد الإخوة الذين حرموا من التعامل وتسلل على يديه ورجليه في ظلمة الليل حتي لا يشعر به أحد من كتبة التقريرات وأخذ طريقة إلى مكان هذا الأخ وبينما هو يريد العودة إلى مكانه إذ أخرج له أحد البسابس رأسه من تحت الغطاء بعدما رآه يتسلل إلى هناك وغطي أسه من باب التمويه وصاح قائلا : قف عندك فقد رأيتك واشهدوا يا سكان هذا العنبر على ما فعل هذا ! !

وتساءلنا ماذا فعل ؟ وقال بأعلي صوته وكأنه ألقي القبض على عصابة من المهربين صاح قائلا( تكافل – تكامل – تكامل ) .

أعجب معي لقوم ضعيوا البلاد والعباد ولم يصونوا عرضا ولم يحفظوا أرضا ولا عهدا ( لا يرقبون في مؤمن إلاّ ولا ذمة وأولئك هم المعتدون )

شعرت بمرارة في حلقي لما سمعت ورأيت وذكرني ذلك بقول أبي العلا المعري :

إذا وصف الطائي بالبخل مادر

وعير قسا بالفهاهة باقل

وقال السهي للشمس أنت ضيئلة

وقال الدجي للصبح لونك حائل

وطاولت الأرض السماء سفاهة

وفاخرت الشهب الحصي والجنادل

فيا موت زر إن الحياة مريرة

ويا نفس جدي إن دهرك هازل

نعم ليأتين على الناس زمان يقف الحي فيه على قبر الميت ويقول يا ليتني مكانه ! ! وقامت الدنيا ولم تقعد كيف يتسلل أحدنا ببعض حبات البرتقال جادت به نفسه له فغفر له ذنبه .

أليس هذا المخلوق الذي سقاه الرجل ذا كيد رطبة ؟! فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله على كثير ممن خلق وفضله تفضيلا ! !

إن الله تعالي سيسأل العبد يوم القيامة ويقول له :" عبدي مرضت فلم تعدني فيقول العبد وكيف أ‘ودك وأنت الله رب العالمين ؟ فيقول له : مرض عبدي فلان فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده , عبدي استطعمتك فلم تطعمني . فيقول العبد : وكيف أطعمك وأنت الله رب العالمين ؟ فيقول له الله : استطعمتك عبدي فلان فلم تطعمه, أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟!

عبدي استسقيتك فلم تسقني ! ! فيقول العبد يا ربي : وكيف أسقيك وأنت الله ذلك عندي ! !"

تباركت ربنا وتعاليت فلك الحمد على ما قضيت ولك الشكر على ما أنعمت به علينا وأوليت .

إنهم يريدون تحطيم الإنسانية في الإنسان بحيث يصير المرء في نظرهم قردا أى حيوانا مقلدا لا يعرف قيمة ولا خلقا يريدون أن يقتلوا فينا جانب الرحمة ويقضوا على فضيلة الإيثار ليغرسوا في النفوس حب الأثرة التي نهي الله تبارك وتعالي عنها وذم أهلها في قوله ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) .

إن رسولك الكريك يقول :" من لا يرحم لا يرحم " ويقول :" ليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم " ويقول :" أيما أهل محلة باتوا وفيهم جائع برئت منهم ذمة الله ".

ويرحم الله فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب الذي كان يقول بلسان حاله ومقاله " لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لم لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟!"

وما أجمل قول حافظ إبراهيم في عمريته :

إن جاع في شدة قوم شركتهمو في الجوع

أو تنجلي عنهم غواشيها

جوع الخليفة والدنيا بقبضته

في الزهد منزلة سبحان موليها

فمن يباري أبا حفص وسيرته

أو من يحاول للفاروق تشبيها

يما اشتهت زوجه الحلوي فقال لها

من أين لي ثمن الحلوي فاشتريها ؟!

ما زاد عن قوتنا فالمسلمون به أولي

فقومي لبيت المال رديها

ويرحم الله فاروق هذه الأمة كان يقول لأهله :" إن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم فاتقوا الله يا آل عمر ! !".

كان الفاروق رضي الله عنه يتردد على خيمة امرأة عجوز عمياء في ضاحية من ضواحي المدينة أيام خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه , فكان يذهب إليها قبل أن تبرز الغزالة من خدرها فيسارع الطيور في البكور فيكنس لها خميتها ويرشها بالماء ويحضر لها الطعام ثم ينصرف , والعجوز لا تعلم من هذا , وذات صباح ذهب إليها كعادته فوجد خيمتها قد كنست ورشت وأحضر لها الطعام فسألها من اذلي فعل هذا يا أمة الله ؟!

فقالت له : رجل لا أعرفه ! !

فذهب عمر ليأتي في اليوم التالي فيختبئ وراء صخرة لينظر من ذالي أتي إلى هذه الخيمة فإذا هو خليفة رسول الله أبو بكر الصديق ! !

فقال له عمر: يا أبا بكر لله درك ما سابقتك إلى خير إلا سبقتني ! !

فانظر يرعاك الله إلى قوم وضعوا أرصدتهم في صناديق التوفير التي كتب عليها ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )

قوم إذا دعاهم الداعي إلى فعل الخيرات تمثلوا قوله جل شأنه ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) وقوله تعالي : (فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ) وقوله جل شأنه :

( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) وقوله تبارك اسمه :

( وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم )

أى قوم كانوا ؟ وأين نحن منهم ؟

شتان بين ما كانوا عليه ! ! وبين ما صرنا إليه ! !

كان الواحد منهم يقول : نزح بغربالين و وحفر بئين بابرتين , وغسل عبدين أسودين حتي يصيرا كأبيضين وكنس أرض الحجاز في يوم شديد الهواء بريشتين خير لي أن أقف على باب لئيم يضيع فيه ماء عيني .

فماذا كانت نتيجة التحقيق في حادثة التسلل ؟

لقد حبس كل من المتسلل والمتسلل إليه فما ذنبهما ؟

أما ذنب المتسلل لأنه ما زال حتى الآن يحمل بين جنبيه نفسا خيرة وأما ذنب المتسلل إليه لأنه ما زال حتى الآن يحمل بين جنبيه نفسا خيرة وأما ذنب المتسلل إليه لأنه علم ولم يبلغ ! ! أرأيت أمة مثل هذه الأمة التي تحكم حكما ينزع الرحمة من القلوب ويحطم الإنسانية في الإنسان .

اللهم لطفا بعقولنا ورحمة بنا ! !

إنك أنت الغفور الرحيم ! !

رائحة الجبن

قد يقول قائل : وهل للجبن رائحة ؟ إنه معني من المعاني ! ! فكيف يوصف بما هو محسوس مادي ! ! وأبادر بأنني ما قصدت بالجبن هنا تلك التي تمثل أحد طرفي صفتين تقع فضيلة الشجاعة بينهما وهما الجبن والتهور – إنما قصدت به الجبن الذي نأكله والذي جئ به إلينا ذات يوم في " صفيحته " فلما فتحت داخل العنبر فاحت منه رائحة أشد نتنا من جيفة الكلاب فصاح الأخ " الدسوق ضيف " وكان تاجرا من بورسعيد وكان مكانه بجواري صاح لما أزكمت الرائحة أنفه قال : هذا هو الجبن في عهد " عبد الناصر " وظن أنها كلمة هو قائلها سرعان ا تذهب أدراج الرياح ولم يدر ماذا سيحدث بعدها ! !

لقد كتب بها تقرير سري إلى قائد المعتقل العقيد " عبد العال سلومة " وبين غمضة عين وانتباهتها خف سيادة العقيدة إلى مكان الحادث وخلفه السادة أركان حربه وكأنهم يريدون أن يقتحموا حصنا مستعصيا أو يدكوا قلعة حصينة ووقف سيادة القائد يزأر زئير الاسود إذا ديس عرينها وسأل أين " الدسوقي ضيف " ؟ وقد أمرنا جميعا أن نجلس على ركبنا وصمتت الألسنة وشخصت الأبصار وفتحت الجلسة وثار الرجل وفار , وتأجج وتوهج وأرغي وأزبد وهدد وأوعد وألقي العقاب على من قال هذه الكلمة وكأنه قال هجرا ونطق كفرا ! !

وهكذا كانت العقوبة توقع بحزم وحسم لكل من تسول له نفسه ان ينطق بكلمة تشير من قريب أو بعيد إلى الذات المصونة ذات الزعيم الذي أوشك أن يقول ( ما علمت لكم من إله غيري ) والذي كان لا يقبل نصحا ولا يرضه لموعظة الناصحين بل كان يقول : أنا الذي خلقت فيكم العزة والكرامة ما أريكم إلا ما أري .

نعم لقد طال هذا الليل وأسود جانبه , وحار اللسان ,عجز البيان ,حزن الجنان ! !

صبرنا إلى أن مل من صبرنا الصبر

وقلنا غدا أو بعده ينجلي الأمر

فكان عد عمرا ولو مد حبله

فقد ينطوي في جوف هذا الغد الدهر

وقلنا عسي أن يدرك الحق أهله

فصاحت عسي من لا ولا طعمها مر

عجبت لمصر تهضم الليث حقه

وتفخر بالسنور ويحك يا مصر

سلام على الدنيا سلام على الوري

إذا ارتفع العصفور وانخفض النسر

أسوأ من رائحة الجبن

جلسنا بعد أن وقع العقاب على من قال " هذه رائحة الجبن في عهد عبد الناصر " جلسنا في حزن ووجوم كيف استطاع ذلك النظام أن يجعل من الناس دمس يشدها بخيط واحد ! ! وكيف استطاع كما قال أن ينيم الناس ويوقظهم كأنه يضغط على زر؟! وكيف استخف قومه فأطاعوا حتى جاء اليوم الذي وقف فيه الملهم بعد أن اصيب بانفصال الوحدة بين مصر وسوريا وقف بين شرذمة من المصفقين يقول :

" لقد أمرت السفن أن تتحرك لتضرب سوريا " فالتهبت الأكف بالتصفيق وعلا الهتاف بالروح ... بالدم ... نفديك يا جمال .. اضرب ... اضرب يا جمال ... أدّب ... أدّب يا جمال حتي بحت الحناجر وكأنهم يلبون في عرفات يسألون الله المغفرة والرحمة يسبحون ويحمدون ويكبرون ويهللون وبعد أن خشعت الأصوات للزعيم قال :

" لكني رأيت أن السلاح العربي , لا يوجه إلى صدر العربي ".

وصاحت الهتافات تدوي وتشق عنان السماء : عاش رجل السلام ... عاش رجل العزة والكرامة ... عاش رجل الحرية ... من المحيط إلى الخليج الثائر ... لبيك عبد الناصر .

وعجب الناس وأكبر ظني أنه هو نفسه كان يسخر من تلك العقول .. وهذه الأشباح لمن كان الهتاف الأول ؟ ولمكن كان الهتاف الثاني ؟ ولكل منهما موضوع يناقض الآخر ! ! الحق أننا نعيش ف يعجب ! !

وكم ذا بمصر من المضحكات كما قال فيها أبو الطيب.

جاءني بعد حادثة رائحة الجبن " الشيخ عبد المقصود حجر " وقال لى : أيعاقبون أخا وجه نقدا إلى صفيحة الجبن ؟ ألا تدري ماذا حدث لى في السجن الحربي على يدي شمس بدران ؟

فقلت له : قل يا أخي أسمع وكان الحديث بيننا همسا ! ! قال "' الشيخ عبد المقصود "': لماذا دخلت السجن الحربي نودي على وذلك من قبل " شمس بدران " وبعد سؤال وجواب قال لى : إن لم تعترف الآن بالمعروف فسوف أعرفك كيف تعترف.. سأنتزع من رأسك بالطريقة التي أراها , ولم يكن عندي ما أقوله فليس هناك تهمة ولا ذنب , فبماذا أعترف ؟!

ولكنهم قوم لو وزعت قسوة قلوبهم على أهل الأرض ما بقي للرحمة سبيل إلى قلب واحد من أهل الأرض ولما لم يجد مني ما أى اعتراف أمر زبانيته أن يأخذوني ويغلوني , ورأيت نفسي أما بئر من آبار المجاري , وإذا به يصدر الأمر أن أنزل في هذا البئر الملئ بالقاذورات والفضلات , وكان يوما شديد الحر كأن شمسه خرجت من بين الرمال ولم تشرق من بين السحب , لقد سال من الشمس لعاب كالمهل يشوي الوجوه ... أمرهم أن يخلعوا ثيابي كيوم ولدتني أمي وامتثالا لأمر الطاغية نزلت في البئر , ووصلت القاذورات إلى عنقي فقال لي الطاغية : اغمس رأسك يا ابن كذا وكذا ... وإلا حطمت رأسك بحذائي هذا ! !

قال الشيخ – وهو من حملة القرآن الكريم :- فوضعت يدي على وجهي وغمست رأس فلما رفعته قال لى المفزع : هل ستعترف؟ فأقسمت بالله أن ليس عندي ما أعترف به .

هذا وقد اشتعل جسمي لهيبا وكان هناك من الحشرات ما يلسع ويقرض ويلدغ كلها كأنها قد اجتمعت على فضلا عن الرائحة التي تزكم الأنوف وتطيش لها العقول . ثم قال أخرجوه وحسبت أنني سأذهب إلى دورة المياه لأغسل ما علق بجسمي من تلك النجاسات المركزة ولكني فوجئت بهم يأخذوني عاريا ملوث البدن إلى مكان تركز الشمس حرارتها على فاجتمع على قيظ الهواجر ولهيب ما علق بجسمي من قاذورات وما زكم أنفي من خبيث الرائحة وظللت هكذا ساعات وساعات ..

ثم ختم الشيخ هذه المأساة بقوله : أبعد هذا كله تثور ثائرتهم ويقيمون الدنيا من أجل كلمة قيلت في رائحة الجبن ؟!

إن الظلم لا يدوم , وإذا دام دمر ! ! يا ابن آدم إذا عرتك قوتك على ظلم الناس فانظر إلى قوة العزيز الجبار من فوقك ما أضعفك! إذا غرتك قوتك فلماذا استحكمت فيك شهوتك ؟!

وإذا غرك غناك فارزق عباد الله يوما , إن في القرآن دروسا جعلها الله تذكرة إذا وعتها الآذان الواعية ! !

في القرآن قصة جبار قال لإبراهيم الخليل : ( أنا أحيي وأميت ) فقال له إبراهيم ( فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) وجاءت ساعة الحساب وما أشدها على الظالمين وكان يوما عسيرا كما كان شره مستطيرا وعبوسا قمطريرا لم يجرد الله له قوة من رجال الصاعقة ولم يحرك له أسطولا ذريا , ولم ينصب له رءوسا نووية , إنما أرسل إليه أضعف مخلوقاته أرسل له بعوضة أخذت طريقها إلى محنة وأخذت تطن في رأسه فكان لا يهدأ له بال ولا يطمئن له خاطر إلا ساعة أن يضرب بالنعال على أم رأسه .

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عينك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

مصير مؤسف

قال تعالي ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون ) .

إياك تجني سكرا من حنظل

فالشئ يرجع . في المذاق لأصله

من يزرع الشوك يحصده شوكا , ومن يزرع الخير يحصده خيرا وعلى الباغي تدور الدوائر .

يا نائم الليل مسرورا بأوله

إن الحوادث قد يأتينا أسحارا

لما فتحت السجون أبوابها على مصاريعها وزج بالأبرياء وأدخلوا وراء القضبان وسيق الأبرياء الأتقياء من رواد المساجد إلى الزنازين زمرا , كانوا يضربون ويعذبون عذابا لم يعذبه أحد من العالمين .

ومما يندي له جبين الحياء خجلا , ويتضاءل الشيطان أمامه أن الجدين وهم يمزقون الأجساد بالسياط كانوا يقولون للشباب : لماذا تذهبون إلى المساجد ولمن بنينا دور السينما والمسارح ألستم شبابا ؟! أنغلق دور الملاهي أم تحولها لكم إلى مساجد ؟ فأعجب معي ثم اقرأ تلك الكلمة الحكيمة التي قالها العلامة ابن القيم :

" إن الخطايا ينادي بعضها على بعض . فإذا أخرست الألسن واستبد الحاكم وصار الذئب راعيا والخصم العنيد قاضيا , فكان الظلم والاضطهاد الذي ينادي على القتل والتشريد والسجون والمعتقلات وأضحي شعار المجتمع :

صوموا ولا تتكلموا

إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا

ما فاز إلا النوم

إن قيل إن نهاركم ليل

فقولوا مظلم

أو قيل هذا شهدكم مر

فقولوا علقم

فأي مصير ينتظر هذه الأمة ؟ وأية فجيعة تتربص بها وقد أصبح الشعار :

( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) .

إن قمة المأساة أجدها مركزة في قوله تعالي على لسان نبيه صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو يقول : ( يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ) .

تأمل معي هذه الكلمة التي تفيض بالحقائق الدامغة .... إنها كلمة ... تسيل لها الكبد مرارة وينخلع لها القلب أسي ( ولكن لا تحبون الناصحين ) وإذا كانوا لا يحبون الناصحين فما هو البديل ؟ غش , نفاق , كذب , ودجل , وتهريج , وباطل وزور وبهتان , وإلحاد وانحلال .

فيصدق الكذوب ... ويكذب الصدوق

ويؤتمن الخئون .. ويخون الأمين

وتفشو فيهم السمنة , ويكون أسعد الناس بالدنيا في هذا المجتمع لكع ابن لكع.. أى اللئيم ابن اللئيم لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر .

يمشي الفقير وكل شئ ضده

والانس تعلق دونه أبوابها

وتراه ممقوتا ليس بمذنب

ويري العداوة لا يري أسبابها

حتي الكلاب إذا أت رجل الغني

حنت إليه وحركت أذنابها

وإذا رأت يوما فقيرا ماشيا

نبحت عليه وكشرت أنيابها

إنه مجتمع الرذيلة ترفع فيه الأمانة من صدور الرجال حتي يأتي على الناس زمان إذا رأوا رجلا أيمنا أشاروا إليه وقلوا : إن في بني فلان رجلا أيمنا وحتي يقال للرجل ما أظرفه ! ما أعقله ! ما أجلده ! وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان .

ويأتي على الناس زمان يقف الحي فيه على قبر الميت يا ليتني مكانه ! !

المرء يرغب أن يعيش

وطول عيش قد يضره

تفني بشاشته ويبقي

بعد الحلو العيش مره

وتخونه الأيام حتي

لا يري يوما يسره

لقد علقت رءوس المصلين في المشانق وسيق الذين اتقوا ربهم تحت السياط الحامية إلى السجون وارتفعت أصوات المنافقين حتى جعلوا من شهيد الإسلام "سيد قطب" "مسيلمة الكذاب" ومن طاغية العصر أعدل من عمر بن الخطاب! !

إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ! !

إن النفاق اشد من الكفر , لأن النفاق سم في عسل وأخطر الناس على المجتمعات هم المنافقون ! !

إنهم عالة على المجتمع ساعة السراء وسوس ينخر في عظام الأمة إذا حلت بها الباساة والضراء إنهم الأكلون على كل الموائد ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ) .

يقول تعالي في حديثه القدسي الجليل : " لقد خلقت خلقا ألسنتهم من العسل وقلوبهم أمر من الصبر , فبي حلفت لأتيحنهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران ! ! أبي يغترون ؟ أم على يجترئون؟ تباركت ربنا وتعاليت يا من قلت وقولك الحق : ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أني يؤفكون )

إنهم أصحاب القلوب المظلمة والأفئدة المتحجرة , إنهم الغشاشون , الكذابون المترددون,المشاءون بين الناس بالنميمة الملتمسون للبراء العيب إنهم المخادعون الأفاقون.

( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالي يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ون يضلل الله فلن تجد له سبيلا )

إنهم الذي إذا حدثوا كذبوا, وإذا وعدوا أخلفوا , وإذا أئتمنوا خانوا , وإذا خاصموا فجروا وإذا عاهدوا فلن تجد له سبيلا </font>) .

إنهم الذين إذا حدثوا كذبوا وإذا وعدوا أخلفوا وإذا ائتمنوا خانوا وإذا خاصموا فجروا وإذا عاهدو غدروا .

ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا

إن الكذوب يشين حرا يصحب

يلقاك يقسم إنه بك واثق

وإذا تواري عنك فهو العقرب

إنهم المصرون على الذنوب والخطايا ( وإذا قيل تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون )

كم من صاحب يلقاك عناقا , ويقسم بالله أنه لا يطيق لك فراق ! !

إنه ملك كريم في مظهره .. شيطان رجيم في مخبره يلقاك بوجه أبي ذر وقلب أبي لهب كان المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام يقول : يانبي إسرائيل لا تأتون تلبسون ثياب الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري , ولكن البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بخشية الله .

إن النفاق مرض اجتماعيي خطير طفحا جلديا وإنما هو سرطان في الدم .

ولا تنبت شجرة النفاق الخبيثة إلا في الظلم والظلمات ... عندما يولي ربيع الحرية مدبرا يوحل محله لظي الاستبداد , فإذا انتكست القيم واهتزت المعايير وانقلبت الحقائق طفا على وجه الماء ها الغثاء وويل للأمة إذا تداعت عليها الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها ولن يكون ذل كذلك إلا إذا صارت غثاء كغثاء السيل فتصاب بالجبن والخور إنهم كثيرون ولكن كثرتهم عبء ثقيل على كواهلهم عندئذ ينزع الله مهابتهم من قلوب أعدائهم فيجبنون ويلقي الوهن في قلوبهم فيتركون الجهاد ويستكينون وما الوهن إلا حب الدنيا وكراهية الموت ! !

وهذه خصلة من أرذل الخصال قال الله في شأن اليهود ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) .

فالمجتمع الحريص على حياة أى حياة مجتمع يخيل جباب حقود مصاب بحب الذات والأنانية . شعاره : " انج سعد فقد هلك سعيد "

شعاره :" أنا والطوفان من بعدي "

ولن تكون هذه الصفات في مجتمع إلا إذا ضاعت منه أقدس القيم وعلى رأسها الحرية التي قال عنها عمر رضي الله عنه : متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ؟!

والمجتمع الذي يساوم على حريته قطيع من السائمة وقد كان الإسلام وما زال وسيظل يدعو إلى الحرية والشوري والعدل .

وما من أمة تتحلي بتلك المبادئ إلا كان السعد رائدها والتوفيق حليفها وألبسها الله لباس العز والشرف وما من مجتمع يتخلي عن تلك المبادئ إلا كان الذل رائده والخذلان حليفه وأذاقه الله لباس الجوع والخوف ! !

وأخوف ما يخاف الناصح الأمين على بني قومه أن يفقدوا انتماءهم وإخلاصهم فيصابون بالأنانية الحاقدة فيصبح هدف كل منهم نفسه ويصير شعاره :

لن أذود الطير عن شجر

قد بلوت المر من ثمره

نعم أخوف ما يخاف الناصح على الأمة حب الأثرة ونبذ الإيثار .

وفي الأثة يقول الله تعالي : ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) .

وفي الإيثار يقول جل شأنه :

( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ) .

ويقول تبارك اسمه :

( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم )

استوصوا بالشباب خيرا

وصية غالية وجهها سيد المخلصين وإمام المتقين يريد لها الحياة الطيبة الدافئة بالإيمان الفياضة بكريم المشاعر , استوصوا بالشباب خيرا فإنهم أرق أفئدة وإن الله بعثني بالحنفية السمحة فحالفني الشباب وخالفني الشيوخ !

نعم !

الشباب نصف الحاضر وكل المستقبل ! !

وهو تلك الطاقة التي تدفع الأمة من حاضرها المجيد إلى مستقبلها السعيد ليكون يومها خيرا من أمسها وغدها خيرا من يومها .

لذلك عني الإسلام بتربية الشباب تربية تقوم على الطهر والنقاء وطهارة الأبدان والأردان ! ! فطفلك لاعبه سبعا , وأدبه سبعا , وصاحبه سبعا , " مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ".

قال صلوات ربي وسلامه عليه : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ليتزوج فإنه أغض للطرف وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ".

تأخذك الدهشة ويستولي عليك العجب , نعم وأى دهشة وأى عجب أشد من أن يعذب الشباب لأنه يتردد على المساجد ولا يذهب إلى دور السينما والمسارح ويلاقي في سبيل ذلك كل ألوان المعاناة وصنوف العذاب الأليم ! !

صدقت ربنا فأنت القائل : (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شئ شهيد ) إن الأمم تبني نفسها ببناء أبنائها تبني نفسها على الخلق والقيم والمثل

ووليس بعامر بنيان قوم

إذا أخلاقهم كانت خرابا

وكيف يقوم صرح ويشيد بناء على أمواج من الرمال

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم

فأقم عليهم ماتما وعويلا

وكيف تتبوأ أمة مكانة من المجد المؤثل عندما تحرض أبناءها على الفساد والانحراف ؟!

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ويرحم الله شاعر النيل إذ يقول على لسان مصر :

قد وعدت العلا بكل أبي

من رجالي فأنجزوا اليوم وعدي

وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق

فالعلم وحده ليس يجدي

أنا إن قدر الإله مماتي

لاتري الشرق يرفع الرأس بعدي

لقد كان كارل ماركس يقول في جرأة وتبجح : لأنسين الناس الله بالمسرح ! !

ولم تن السينما قد اخترعت في زمانه فما بالنا نكرر نداءه من حيث نشعر أو لا نشعر فنضع تحت العذاب الأليم شبابا مكتهلين في شبابهم غضيضة عن الشر أعينهم قصيرة عن الباطل أرجلهم , نظر صلي الله عليه وسلم إليهم في جوف الليل وأصلابهم محنية على أجزاء القرآن , إذا مر أحدهم بآية تبشر بالجنة بكي شوقا إليها فإذا مر بآية تنذر من عذاب النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه ! !

هل الدعوة إلى الإصلاح تكون بهدم الإنسان أم ببنائه ؟ شتان ثم شان ! ! وهيهات هيهات لما تقولون ولما تزعمون ! !

إن " رتشارد نيكسون " عندما تولي رئاسة الولايات المتحدة قال في بيان له : إن أمريكا لا تعاني أزمة مادية إنما تعاني أزمة روحية لقد وجدنا أنفسنا أغنياء في السلع لكننا فقراء في الروح نصل في قرب عظيم إلى القمر ونسقط في خلاف حاد على الأرض .

أعلمت كيف واجه الحاكم الولايات المتحدة تلك الصعاب ؟! وكيف أصاب كبد الحقيقة ؟!

أمة بلا روح جسد هامد لا حراك فيه ! !

إذا الإيمان ضاع فلا أمان

ولا دنيا لمن لم يحي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين

فقد جعل الفناء لها قرينا

وهل تستقيم الحياة إذا اكتنفتها ظلمات الشهوات وغشيتها دياجير الظلام ؟!

وهل انتشرت ظاهرة الانتحار إلا في أرقي دول أوربا وأغناها وأعظمها ثراء ؟

هل انتشرت تلك الظاهرة إلا الخراب النفوس من الروحانيات الصافية وموت الإيمان في القلوب ؟!

ليست السعادة في الانتشاء بالكئوس المترعة أو الاستمتاع بالغيد الأماليد إنما السعادة في تقوي الله اكتساب رضاه.

ولست أري السعادة جمع مال

ولكن التقي هو السعيد

وتقوي الله خير الزاد ذخرا

وعند الله للأتقي مزيد

وإدارك الذي يأتي قريب

ولكن الذي يمضي بعيد

أحداث جسام

جاء شهر مايو 1967 وطالعتنا الصحف ونحن في سجن أبي زعبل بعناوين ضخمة وفي صدر صفحاتها تفيد أن الجيش قد تحرك إلى سيناء وقد أخذ وضع استعداد وأعلنت حالة الطوارئ بعد طرد قوات الأمم المتحدة من منطقة خليج العقبة التي لم يكن أحد من الشعب يدري أنها قد وضعت تحت تصرف اليهود في الملاحة حتي جاء ذلك اليوم وأخذت الأحداث تتحرك بسرعة ولم تكن مهيأة لخوص الحرب لقد كان قادتها يعرفون بما لا يعرفون الدنيا صياحا وعجيجا وضجيجا وحلت بها نكبة الشعارات " سنلقي إسرائيل في البحر " سنضرب إسرائيل ومن وراءها " وكان في إذاعة صوت العرب مذيع جهوري الصوت يكاد صوته يصم الآذان, كان عمله مقصورا على توجيه السباب والشتائم المقذعة للأمة العربية كنا ندعو إلى الحرب , ولا نعمل لها حسابا وكانت إسرائيل تدعو إلى السلام وهي تستعد للحرب ! !

إن اليهود قوم يحفظون جدول الضرب عن ظهر قلب وحساباتهم دقيقة وخططهم مدروسة وخطواتهم محسوبة .. أما نحن فكما قال موشي ديان :

إن العرب لا يقرءون وإذا قرءوا لا يفهمون , وإذا فهموا سرعان ما ينسون ولا يتذكرون !' !'! !وهذه كلمة عدو ولكي تحارب العدو لابد أن تفكر بعقلك لتقع على مواطن الخطر في تفكيره ولابد أن تعلم أن العدو لا يتمني لك خيرا ولو أبدي حسن ظنه فإذ كان عدوك نملة فلا تنم له واعلم بأن القول ليس بالهزل ودقت طبول الحرب وعلا صياحها والحرب أولها كلام :

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا

وما هو عنها بالحديث المرجم

المجتمع الممزق

حدثتنا حقائق التاريخ أن القائد لحكيم إذا أراد أن يخوض معركة كان لزاما عليه أن يقوم بتوحيد الجبهة الداخلية لأنها التي تقف وراء صفوف المقاتلين في الميدان وتمدهم بالعتاد والعدد وتخلفهم خيرا في أهليهم فإذا ما أصيبت تلك الجبهة بالفرقة وتصدعت وحدتها وتمزقت أواصرها وانفصلت وشائجها وانحلت عراها كان سهلا على العدو ينزل بها فاقرة تقصم ظهرها .

ولقد صور النبي الكريم في حديث جامع صورة المجتمع الفاضل والمجتمع الخرب فقال في بلاغة معجزة وإيجاز وجيز . " إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شوري بينكم فظهر الأرض أولي بكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاؤكم وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض أولي بكم من ظهرها ".

كما قال : " يا معشر المهاجرين خصال خمس إذا ابتليتم بهن ونزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الوجاع التي لم تكن في أسلافهم , ولم يمنعوا زكاة مالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا , ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان وما لم يحكموا بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم ولم ينقصوا عهد الله ورسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم " كانت تلك الرذائل كلها مركوزة في طبائع المجتمع قبل الحرب فكا على رأس مصر الزعيم الأوحد والدكتاتور المستبد الذي تمثل كلمة فرعون ( ما أريكم إلا ما أري ) وكان هناك الصحفي الأوحد صاحب المقال الأسبوعي " بصراحة ".

وكان هناك الحرب الأوحد ( الإتحاد الإشتراكي ) . ولم يكن هناك إيمان بالواحد القهار اذلي عنت الوجوه لجلال جبروته وخشعت الأصوات لعظم ملكوته الذي يحي العظام وهي رميم , وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم وهو القاهرة فوق عباده وهو الحكيم الخبير .

لقد قرب الزعيم الأوحد إليه أعداء الله ورسوله من المنافقين وهيئة المنتفعين وأبعد كل مخلص أمين فلم يصر العدو صديقا وإنما صار الصديق عدوا واختلطت الأمور وأصبح المجتمع يعيش في جو كئيب كظلمات في بحر لجئ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج المرء يده لم يكد يراها وصدق الله جل جلاله إذ يقرر تلك الحقيقة ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) .

وإذ يقول : ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا )

وإذ يقول : ( ومن يهن الله فما له من مكرم )

وإذ يقول : ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم )

وإذا يقول : ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه )

كان المجتمع قبل الحرب ممزق النفس معتلا مريضا كئيبا كاسف البال قليل الرجاء فالفزع والخوف والقلق والإرهاب والظلم والعنف كلها أشباح رهيبة تخيم بأجنحتها الكئيبة على كل بيت والأمن والأمان والسكينة والاطمئنان كلها قد صلي عليها المجتمع صلاة الجنازة ومؤسسة ناصر للسجون والمعتقلات قد فتحت أبوابها , وأخذت الزبانية أقصي وضع في الاستعداد لتمزيق الجلود والأجساد ! ! فمن رفع صوته بكلمة حق يقال له : خذه فغلوه وما أدراك ما غلوه : سجون لا يكف النازل فيها عن الصراخ والعويل حتي كانت هناك نكتة نرددها ونحن في السجون : كانوا إذا أذاعوا علينا قرآن الفجر وقت السحور في رمضان كنا نسمع صوت رجل يصيح بعد يسكت القاري على آخر الآي يصيح قائلا : " صل على حضرة النبي " بصوت مرتفع وذات ليلة لم نسمع صوت هذا الرجل فتساءلنا لماذا لم يظهر صوته هذه الليلة ؟ فجاء التعقيب من بعض الإخوة : لابد أنه قد اعتقل وتساءل البعض : ولماذا يعتقل ؟ فأجاب أخر : لأن صوته أعلي من صوت المعركة ! ! وقد أعلن الزعيم الملهم أنه لا صوت يعلو على صوت المعركة

وتحت هذا الشعار استبيحت أموال , واستغل النفوذ , وهتكت أعراض ,وتحولت الأمة إلى كتبة تقريرات , حتى كان الولد يكتب التقرير في أبيه والأخ يكتب في أخيه ! ! وجاءت الصاخبة , وفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وانتشر زوار الفجر يجوبون البلاد جيئة وذهابا ! ! فخبرني بربك أين الأمل في النصر؟ ! وهل هؤلاء فعلا سيرمون بإسرائيل في البحر ؟ لقد تحولت الآمال إلى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجده الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب .

إذا ما الظلم حل بأرض قوم

وعم الفسق وانتشر الرياء

فويل ثم ويل ثم ويل

لأهل الأرض من رب السماء

انتهي بعون الله تعالي المجلد الثالث ويليه بإذن الله المجلد الرابع من كتابنا " قصة أيامي " وسنبدأ المجلد بعنوان " عوامل النصر " والله نعم الموفق

عبد الحميد كشك

عوامل النصر

وأعني بها عوامل البناء , كما أعني بالبناء بناء النفوس وهل تنهار المجتمعات إلا عندما تحطم النفوس فيأتي تحطيمها على البنيان من القواعد فيخر عليهم السقف من فوقهم ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون ! !

إن عوامل البناء عقيدة راسخة .. معنويات عالية .. قوة الوازع الديني ... أسلوب علمي متطور في حرب الأعداء مصداقا لقوله تعالي : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) .

ولقد رزق الله الأمة الإسلامية العقيدة والمعنويات المترتبة عليها , والثروة البشرية والمواقع الجغرافي الممتاز والأرصدة العريضة التي صارت مجمدة أو مجندة في بنوك الغرب ومصارف الصهيونية كما رزقها الطاقة التي تسيل ذهبا أسود في عروق الأرض ,فالبترول عصب الصناعات وغذاء الحروب , والورقة الرباحة على مائدة الدبلوماسية العالمية , فهل هناك عوامل أقوي من تلك العوامل لو أنها سارت في مسارها الصحيح ؟ ! إننا لسنا ضعفاء وليس عودنا أقوي منا ,ولسنا ضعفاء في ذاتنا , إنما أتي ضعفنا من فرقتنا وتمزيق كلمتنا وليس عدونا بأقوي منا , إنما جاءت قوته بضعفنا لما تفرق شملنا , إننا ألف مليون .. نملك بلايين البلايين من الدولارات والأرصدة والطاقة ... إلى غير ذلك ولقد أنجز الله وعده وهو يقول ( يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا )

ولقد كان عليما خبيرا وما زال وسيظل عليما خبيرا فلقد تحركت في النفوس بعض الهواجس أئذا منعنا المشركين وقطعنا علاقاتنا بهم أو ليس يترتب على ذلك الكساد الاقتصادي وفساد التجارة ؟1 فأزال العليم الخبير تلك الوساوس بقوله في نفس الآية ( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم ) .

وقد أنجز الله عهده وصدق وعده فاجري في بطون أرض الإسلام من المعادن والبترول ما يمكنها من إعلاء كلمة الله تعالي خفاقة عالية باذخة الذري تناطح الجوزاء , وتزاحم الشمس في الجلاء فهل أخذت الأمة بتلك الأسباب واستعذت بالله ؟ كما قال تعالي ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه )

وهل وفقت عند تلك المقولة التي قالها عمر وهو يخوض في الطين بقدميه عندما كان في طريقه إلى بلاد الشام ليتسلم مفاتيح المدينة المقدسة من بطريق الرومان سفرنيوس وقد قال له أو عبيدة : أتخوض في الطين بقدميك يا أمير المؤمنين ؟

فغضب عمر غضبة لله وقال : يا أبا عبيدة لو غيرك قالها ؟

نعم أخوض في الطين بقدمي لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام فلو ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله . وهذا هو الذي حدث ابتغينا العزة عند اليهود والنصارى والشيوعيين, فضربت علينا الذلة والمسكنة وأصبح الحق باطلا , والباطل حقا وصار المعروف منكرا , والمنكر معروفا وأضحي الذئب راعيا وبات الخصم العنيد قاضيا ! !

( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين , فتري الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشي أن تصيبنا دائرة فعسي الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في إنفسهم نادمين ويقول خاسرين . يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا فإن حب الله هم الغالبون . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) .

معاول الهدم

بعد بيان عوامل البناء نأخذ هنا في بيان معاول الهدم وبين عوامل البناء ومعاول الهدم تقف الأمة موقف الخوف والرجاء والوعد والوعيد وبين نور الوعد ونيران الوعيد يتقرر مصيرها والأمة التي تنسي ماضيها تستدبر مستقبلها والأمة التي تساوم على حريتها تتحول إلى قطيع تلهب السياط ظهره وتنهال العصا عليه تدمي جسمه .

ومعاول الهدم خطيرة أشد خطرا من الحرب الضروس إذ هي التي تقدم للهزيمة فإن لم تتدارك الأمة أخطأءها وتعالج جراحها فعليها العفاء ! !

فإما حياة تبعث الروح في البلي

وتنبت في تل الرءوس رفاتي

وإما ممات لا قيامة بعده

ممات لعمري لم يقبس بمماتي

معاول الهدم تفسخ أخلاقي وانحلال اجتماعي وضعف للوازع الديني وهبوط معنوي ونفاق ناشئ عن الظلم الاجتماعي ! !

وهنالك تكون الحاقة وما أدراك ما الحاقة وتقع الواقعة وتكون الهاوية وما أدراك ما هي نار حامية فإذا ما ضعف وازع الدين نامت النفوس على هدهدة الشهوات وبين قسوة العاطفة وغفوة الضمير تتفسخ الأخلاق وينحل المجتمع وقد كانت الأمة العربية في حربها مع إسرائيل كانت بين يدي الحرب قد فتكت بها تلك المعاول حيث استشري الفساد وعم الظلم وانتشر البلاء وكانت صورة المجتمع كما صورة القرآن الكريم في قوله تعالي :

( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون )

وكان المجتمع قبل الحرب كما صوره الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة حيث يقول في الحديث الذي رواه أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : " يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقي في النار فتندلق أقتاب بطنه , فيدور بها كما يدور الحمار في الرحي فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر ؟ فيقول : بلي كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهي عن المنكر وآتيه " رواه البخاري ومسلم .

لقد تحول دعاة المجتمع إلى أبواق للسلطان يؤيدون الباطل ويخذلون أهل الحق حتي لقد جاءنا أحد كبار الشيوخ في السجن – لم يأت معتقلا ولا مسجونا – إنما جاء ليلقي على أسماعنا درسا في التوعية فاقسم بالله قائلا : والله الذي لا إله غيره إن الحكومة قد طبقت تسعة وتسعين بابا من الشريعة ولم يبق سوي باب واحد هو حد الحرابة وقد طبقته فيكم ثم تساءل قائلا : أتدرون ما حد الحرابة ؟ إنه قول اله تعالي :

( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم )

وظن بذلك أنه أرضي سيده , وأنه سينعم عليه بالأوسمة والنياشين فيصير وزيرا للأوقاف او شيخا للأزهر أو مفتيا للديار المصرية فذهب إلى أهله يتمطي ونسي أو تناسي أنه سوف يدعو ثبورا وإن لم يغفر الله له فسيصلي سعيرا ! !

صدقت يا رسول الله غذ قلت : " رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاهم بمقاريض من النار فقلت : من هؤلاء يا أخي يا جبريل ؟ !

قال : الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ؟ !

لقد اشتد بي الحزن وكاد الجوع يصدع كبدي وأنا تقرأ على رسالة حملها البريد إلى أحد المعتقلين وقد جاءته من صهره , وكان شيخا واعظا قرأها على ذلك الأخ وإذا بفضيلته يقول له فيها : لقد أحسنت الحكومة صنعا إذ اعتقلتكم يا ذوي الأغراض الدنيئة والنفوس المريضة ولقد كان الرئيس عبد الناصر أرأف بكم من أهلكم حيث لم يقطع رواتبكم عنكم ثم انهال شتما وسبا ولعنا بكلمات تزكم العقول فضلا عن الأنوف , وكأنها بركان من المجاري يرسل حمما كريهة الرائحة وبعد أن فرغ من قراءتها تجاذبنا أطراف الحديث فيما بيننا : ما الذي دفعه أن يكتب هذا الكلام وكان في غني عنه ؟ أما كان الأولي به أن يسأل الله العافية من هذا السباب والنفاق ! !

فقال لى صاحبي كلمة اقتنعت بها :

قال : إن الذي دفعه إلى هذا أنه يعلم أن الرسالة قبل أن تصل إلينا ستمر على لجان الأمن المخصصة بمراجعة الرسائل وقد انقدح في عقله أنهم إذا قرءوا هذا الكلام سيعلمون أنه مواطن صالح , وداعية إلى الوطنية لا يلحق به , ولا يشق له غبار و عندما يقتنعون بذلك سيمنحونه ترقية وينعمون عليه بالدرجات العلي .

أنسي هذا الواعظ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال': " ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة ما أردت بها ؟'".

قال فكان مالك يعني ابن دينار إذا حدث بهذا بكي ثم يقول : أتسحبون أن عيني تقر بكلامي عليكم وأنا أعلم أن الله سائل عنه يوم القيامة قال: ما أردت به فأقول أنت الشهيد على قلبي لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ على اثنين أبدأ .

وقال شيخ ثالث : ممن الشيوخ الكبار قال ينصح الحكومة ويوجهها إلى الطريق الذي رضي عنه ويبين لها كيف تعالجنا نحن المعتقلين ؟ وما هو الداء الناجع والنصح النافع لنا ؟

قال بصوته الجهوري : وجهوا لهم الضربة القاضية حتى لا يرفعوا رءوسهم مرة أخري وهكذا كان هؤلاء يسافرون إلى المحافظات وينتقلون من بلد إلى بلد يعبثون النفوس ... يحرضون الدولة على القتل والتشريد , ويحلون دماء الأبرياء ناسين أومتناسين قوله صلي الله عليه وسلم " ألآدمي بنيان الرب ملعون من هدمه " وقوله صلي الله عليه وسلم : " من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة , جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله ".

ألم يسمعوا إلى قوله صلي الله عليه وسلم :

" إن ناسا من أهل الجنة ينطلقون إلى أناس من أهل النار فيقولون : بم دخلتم النار ؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم فيقولون : إنا كنا نقول ولا نفعل ".

نعم كان المجتمع كما صوره الرسول صلي الله عليه وسلم في قوله : " إني لا أتخوف على أمتي مؤمنا و ولا مشركا . أما المؤمن فيحجزه إيمانه , وأما المشرك فيقمعه كفره , ولكن أتخوف عليكم منافقا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون ".

كانت طبول الحرب تدق ونيرانها توشك أن تستعر وألسنة لهيبها تكاد تهتك أجواز الفضاء ,ولم يكن هناك أدني إشارة إلى توقع النصر كان المجتمع يطفح بالظلم والفساد على جميع المستويات : من قيادة سياسية ملأت السجون والمعتقلات بالأبرياء إلى اقتصاد منهار حطمته حروب في غير موقعها كحرب اليمن إلى مجتمع يعيش في رعب وهلع من زوار الفجر . فخبرني بربك : أهذه حالة فيها بريق أمل لنصر مرتقب ؟ إنني وأنا أطالع حال المسلمين الأوائل الذين خاضوا غمار الحروب بشجاعة وإيمان واستبسال يحضرني حال القيادة السياسية وكيف كانت على مستوي المسئولية ؟ فها هو ذا الخليفة الأول أبو بكر الصديق يوصي الفاروق عمر عندما أراد أن يستخلفه فيقول له : إني أدعوك إلى أمر متعب لمن وليه فاتق الله يا عمر بطاعته وأطعه بتقواه فإن التقي آمن محفوظ ثم إن الأمر معروض لا يستوجبه إلا من عمل به , فمن أمر بالحق وعمل بالباطل وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر يوشك أن تنقطع أمنيته وأن يحبط عمله فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن يجف يدك من دمائهم وأن تضمر بطنك من أموالهم , وأن تجف لسانك عن أعراضهم فافعل ولا قوة إلا بالله . ( رواه الطبراني )

مجتمع مفكك العري

اصيب المجتمع في أغلي شئ يملكه كل إنسان وهو جانب الإنسانية الذي تحطم والدي قضي عليه الخوف فقد أصيب مجتمع ما قبل الحرب بعقدة الخوف من الخوف وتحول الناس إلى كتبة تقريرات حتي كان الولد يكتب في أبيه والأخ يبلع عن أخيه ! ! فهل يصلح هذا المجتمع أن يخوض معركة من معارك المصير ؟ شتان بين ما كانوا عليه وبين ما صرنا إليه لقد كان المجتمع الإسلامي يقوم على المحبة والإيثار لا على الأنانية والأثرة فخذ هذه الصورة الإسلامية الصافية وقارن بينها وبين ما نحن عليه ,

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم : " من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والأخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " ( رواه مسلم )

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه , من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج اله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة "

(رواه أبو داود)

وعن دخير أبي الهيثم كاتب عقبة بن عامر قال : قلت لعقبة بن عامر : إن لنا جيرانا يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم قال : لا تفعل وعظهم وهددهم . قال : إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داع لهم الشرط ليأخذوهم , فقال عقبة : ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : من ستر عورة فكأنما استحيا موءودة في قبرها " ( رواه ابن حبان وأبو داود والنسائي )

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : صعد رسول الله صلي الله عليه وسلم المنبر فنادي بصوت رفيع فقال : " يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه : لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوارتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ".

ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة فقال : ما أعظمك وما أعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك .. ( رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه ) إلا أنه قال فيه : " يا معشر من أسلم بلسانه , ولم يدخل الإيمان قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تطلبوا عثراتهم " الحديث

وكيف يرجي الخبر من قوم تحولوا جواسيس يبتغي كل منهم العيب للبرءاء ويبتغي أميرهم الريبة في قومه فما أعظم ما أرشد به النبي صلي الله عليه وسلم إذ يقول : " إن الأمير إذا ابتغي الريبة في الناس أفسدهم " ( رواه أبو داود ) .

وإن العدل هو ميزان الأمة الذي به تستقيم معاييرها وتسير سفينتها في جو معتدل لذا ركز الإسلام على العدل خاصة في الأمراء قال صلي الله عليه وسلم " يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة وحد يقام في الأرض بحقه أزكي فيها من مطر أربعين عاما ".

ومن صور العدالة الاجتماعية أن العدل لا يقبل المساومة ولا أنصاف الحلول فالعدل هو العدل على جميع المستويات لا فرق بين الملوك والسوقة تأمل معي هذا المشهد المهيب الذي ينطق بالعدالة الاجتماعية في أسمي معانيها وأعلي مراقبها: عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا : من يكلم فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ؟ ثم قالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلي الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب فقال : إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه, وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد , وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ( رواه البخاري ومسلم )

إن إقامة الحدود هو صمام الأمن للأمة إذ في إقامتها تحقيق الحق والعدل والمساواة وفي تنفيذها يعيش المجتمع آمنا مطمئنا يأتيه رزقه رغدا من كل مكان . فمن الحقائق الثابتة أنه لن يرتفع صوت الباطل إلا إذا غفل أهل الحق , عندئذ يزأر الباطل في عرصات الدنيا يملؤها ظلما وجورا وانحلالا وتفسخا وإاذ ترك العابثون وما يعلمون فإن نار عبثهم ستحرقهم وتحرق غيرهم . قال تعالي ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) وإذا ترك أهل الفجور وما يصنعون اكتوي المجتمع كله بنار استهتارهم. من ثم فإن مبعثو العناية الإلهية صلوات ربي وسلامه عليه يبين لنا الصورة الرائعة للمجتمع الذي يقيم حدود الله فيكون قد أخذ طريق النجاة له سبيلا . وللمجتمع الذي لا يقيم حدود الله فيكون مآله الدمار , ومصيره الدرك الأسفل من النار . فاستمع معي إلى هذا التصوير البلاغي الرائع في قوله صلي الله عليه وسلم : " مثل القائم في حدود الله , والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة , فأصاب بعضهم أعلاها , وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرفنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا, فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا , وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا" (رواه البخاري )

وشر ما يبتلي به المجتمع ما حرم الله , وعلي رأس تلك المحرمات إباحة الخمر وهي أم الكبائر وأصل الخبائث وكفاها سوءا أنها تغتال أغلي شئ في الإنسان وهو العقل وهل إباحتها إلا إعلان الحرب على الله ؟ وماذا بعد إعلان الحرب على الله ؟ إن الله تعالي لا تغلبه قوة ولا تقهر إرادته أهل السموات والأرض ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون )

إذا كانت الخمر أم الكبائر فكيف تحتسي في أمة دينها الإسلام ؟ أليس ذلك حربا على جبار السموات والأرض ؟ أليس ذلك عدوانا على تعاليم خاتم الأنبياء والمرسلين صلي الله عليه وسلم ؟

لقد جاءت النذر فيها نيران الوعيد لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد . قال صلي الله عليه وسلم : " إن الله حرم الخمر وثمنها , وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير وثمنه ". ( رواه أبو داود)

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها , وشاربها وحاملها , والمحمولة إليه وساقيها وباشعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتري له ". (رواه بن ماجه)

- وروي عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب, فيصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير وليصيبهم خسف وقذف حتي يصبح الناس فيقولون : خسف الليلة ببني فلان , وخسف الليلة بدار فلان خواص , ولترسلن عليهم حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها , وعلى دور , ولترسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا على قبائل فيها وعلى دور بشربهم الخمر , ولبسهم الحرير واتخاذهم القينات , وأكلهم الربا وقطيعهم الزحم ". (رواه أحمد)

وروي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء قيل : ما هي يا رسول الله ؟ قال : إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما, والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته , وعق أمه وبر صديقه وجفا أباه , وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم , وأكرم الرجل مخافة شره , وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القينات والمعازف , ولعن آخر هذه الأمة أولها , فليرتقبوا ريحا حمراء, أو خسفا ومسخا ". ( رواه الترمذي)

نفاق رخيص

أخطر أمراض المجتمع النفاق إذ ابتليت به أمة أضحي الذل رائدها , والهزيمة عاقبتها وأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ذلك لأن النفاق كشهادة الزور يقلب الحق باطلا والباطل حقا يقرب الأعداء ويبعد الأصدقاء ومن ثم لا يصير العدو صديقا إنما يصبح الصديق عدوا ومدرسة النفاق تخرج الآكلين على كل الموائد وحملة الاقماقم الذين لا عهد لهم , ولا ذمة ولقد فتح القرآن الكريم أبوابه يلقي الدروس النافعة حتي تسلم المجتمعات من هذا الداء العضال , وما أمر ثعلبة ببعيد , إنه ذلك الفقير الذي جعل من مسجد رسول الله صلي الله عليه ولسم موطنا وسكنا ومنهلا حتى سمي المسجد تحركت نفسه ذات يوم طمعا في الدنيا فقال للرسول الكريم سل الله أن يغنيني يا رسول الله ! !

فقال له صاحب الخلق العظيم ,والقلب الرحيم بصوت فيه الجلال والجمال والكمال : يا ثعلبة , قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي شكره لكن ثعلبة ألح في الطلب على السيد الكريم وعاهد الله إن آتاه من فضله ليصدقن وليكونن من الصالحين ودعا الرسول ربه ... " اللهم اغن ثعلبة بما شئت " ودعوة الرسول الله ليس بينها وبين الله حجاب أليس هو الذي زكي الله عقله فقال ( ما ضل صاحبكم وما غوي ) وزكي لسانه فقال ( وما ينطق عن الهوي ) وزكي شرعه فقال : ( إن هو إلا وحي يوحي) وزكي جليسه فقال ( علمه شديد القوي ) وزكي فؤاده فقال ك ( ما كذب الفؤاد ما رأي ) وزكي بصره فقال ( ما زاغ البصر وما طغي ) وزكي رسالته فقال : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) وزكاه كله فقال : ( وإنك لعلي خلق عظيم ) .

واستجاب الله الدعوة ورزق ثعلبة بألوان من الأنعام من غنم وبقر وإبل وتناسلت وتكاثرت حتي صارت كالدود في كثرتها وضاقت بها شعاب المدينة فما كان منه بعد ذلك إلا أن ترك الصلاة وراء الرسول الكريم وهجر المسجد النبوي العظيم وسأل الرسول عنه ولكنه علم أن ماله شغله ونعوذ بالله من ذلك الله تعالي يقول في الحديث القدسي الجليل : " ابن آدم عند ما يكفيك , وأنت تطلب ما يطغيك و لا بقليل تقنع , ولا من كثير تشبع إذا كنت معافي في بدنك آمنا في سربك عندك قوت يومك فعلي الدنيا العفاء "! !

لقد طاردت حمامة المسجد من بيت الله فتمرغت في طين الأرض وأوحالها فما استطاعت أن تحلق بعد ذلك في أجواء الروحانيات الصافية بعد أن تمرغت في حمأة الطين المسنون إن ثعلبة كان لا تفوته تكبيرة الإحرام خلف الصادق المعصوم فماذا دهاه ؟ وأى بلا نزل به .

لقد أرسل الرسول صلي الله عليه وسلم إليه عامله على الزكاة فما كان من ثعلبة إلا إن قال بلسان النفاق : " بلغ صاحبك أن ليس في الإسلام زكاة , إنها اخت الجزية " هنالك زلزل عامل بيت المال زلزالا شديد ! ! فقال له : أو لا تراه لك صاحبا , ولما بلغ رسول الله الكريم ذلك الخبر اللئيم قال : " يا ويح ثعلبة " ذلك لأن الله أنزل قرآنا يتلي إلى يوم القيامة قال جل شإنه : ( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين , فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم القيامة يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون . ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب ) .

لقد حمل ثعلبة المال إلى الصادق المعصوم فلم يقبله , وجاء به إلى أبي بكر في خلافته فرده كما رده عمر وعثمان ذلك لأن النفاق قد غزا قلبه فأفرخ الإلحاد بعدما غششت فيه الزندقة وقف معي عند قوله تعالي ( إلى يوم يلقونه ) إنها كلمة تنخلع لها القلوب , وتنفطر من هولها الأفئدة وتنصدع لها الأكباد وتسيل لها النفس مرارة ! !

إن المنافقين في أى مجتمع سلبيون هدامون , معاول هدم وليسوا عوامل بناء لقد كانوا في مجالسهم يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقرائهم ! !

إن أحد الفقراء من أصحاب رسول الله عمل أجيرا وجاء آخر النهار بحفنة من الشعير إلى رسول الله على سبيل التبرع لجيش العسرة , جاء بها والمنافقون جالسون فأخذوا يلمزون ويطعنون , ويستهزئون فأنزل الله في ذلك قرآنا قال جل شأنه : ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصداقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم , استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنه كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين ) .

إنهم المعقون المثبطون المرجفون المروجون للشائعات ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله , وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون ) إنهم لا أمان لهم و لا عهد عندهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ) .

ثم ينه الله نبيه عن الصلاة عليهم بعد موتهم أو القيام على قبورهم ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) إنهم مهما أوتوا من أموال والأولاد فإنما ذلك وبال عليهم ( ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) إنهم المتآمرون على الأمة المحرضون عليها هم الذين يقولون ( لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ) ألا يعل هؤلاء أن الله جل شأنه يقول : ( ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقون لا يفقهون ) إنهم الطاعنون في أصحاب الهمم العوالي والقمم السابقة يقولون : ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ) ألم يعلم هؤلاء أن الله جل شأه يقول : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) .

الإيمان قوة والنفاق ضعف

تلك حقيقة لا يختلف عليها إلا من اختلت موازين عنده فالمؤمن لا يعرف النفاق لأنه قوي بالله متوكل عليه معتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) من هنا نعلم : أن ما قدر على فكيك أن تمضغاه فلابد أن يمضغاه فامضغه بعزة أما النفاق فإنه ضد الإيمان لا يجتمع معه في قلب مؤمن لأن النفاق شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار .

ومن هنا فقد سجل القرآن الكريم للمؤمنين خمس صفات اجتمعت في قوله تعالي ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) وبعد هذه الصفات الخمس يأتي الحكم من الحكم العدل في قوله تبارك اسمه : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ) .

وكما سجل القرآن للمؤمنين تلك الصفات وحكم لهم بهذا الحكم سجلت السنة المطهرة للمنافقين خمس خصال فالمنافق : " إذا حدث كذب , وإذا وعد أخلف , وإذا أؤتمن خان , وإذا عاهد غدر , وإذا خاصم فجر ".

من هنا فقد حكم الله على المنافقين بقوله : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا ) .

وبين قوة الإيمان وضعف النفاق تقف بين أبي بكر الصديق وثعلبة بن حاطب فها هو ذا الصديق رضي الله عنه يأتي بماله كله إلى رسول الله فيسأله الرسول الكريم " ماذا تركت لأولادك يا ابا بكر ؟ وبلسان اليقين ومنطق الحق المبين يجيب على جناح السرعة : " تركت لهم الله ورسوله ! ! أما ثعلبة فتطلب منه الزكاة المفوضة فيأبي ويبخل فما السر في هذين الموقفين ؟ !

إن أبا بكر ملك الدنيا في يديه , ولكنه لم يسمح لها أن تتسرب إلى قلبه فهانت عليه فرماها بيسر وسهولة! ! أما ثعلبة فإنه ملكها بقلبه فتربعت على سويدائه فوجدت قلبا خاليا فتمكنت منه فضل تمكن فصار عسيرا أن يخرجها من قلبه وهذا هو الفرق بين الموقفين ! !

ذات ليلة

بينما نحن نيام في سجن أبي زعبل وفي ليلة من الليالي الحزينة قبيل النكسة والجو متوتر إذا بنا نقوم من نومنا فزعين وكل منا يشعر بألم في إصبعه كأن دبوسا وخزه وخزا شديدا فلما استيقظنا علمنا أن أحد الأطباء المعتقلين , أراد أن يجامل السلطة فقدم لها نفاقا رخيصا أخذ الدم من أصابعنا ونحن مصابون بفقر الدم , أخذا منا ونحن نيام : لماذا ؟ ليكتب وثيقة بالدم للقيادة يقول فيها : نعاهدكم على الوقوف خلفكم أبشروا بالنصر وكم كان أسفي شديدا وأنا أري النفاق يطفح لموقف هذا الذي ظن أنه بذلك الموقف المخزي سيعجل بالإفراج عنه ونسي أو تناسي أن كل شئ بقضاء ولكن لم أجد ما أعلق به أبلغ من قول رسول الله صلي الله عليه وسلم : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ".

سيف الحياء

لما أوشكت الحرب أن تقع بيننا وبين إسرائيل في يونيو سنة 67 أذاعت القيادة علينا في المعتقل وأعني بها " الإذاعة المحلية في السجن " أذاعت أن من أراد أن يتطوع بالمال للقوات المسلحة فباب التطوع مفتوح , وظن الناس الذي يقبعون وراء القضبان ظنوا أنه بقدر ما يكون مقدار التطوع ما يقترب يوم الإفراج فتقدم الأغنياء بمبالغ هائلة , متطوعين عسي أن يكون ذلك سببا في كسر ذلك الحاجز الحديدي والكل يعلم أن النفوس قد غارت عسي أن يكون ذلك سببا في كسر ذلك الحاجز الحديدي والكل يعلم أن النفوس قد غارت وتعمقت جراحها بسبب الظلم وقد بلغت القلوب الحناجر وغلت مراحل الغيظ وأن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه , والذي أحزنني كثيرا أنه كان بجواري أخ كريم كان يعمل بالبناء وكان يعول أسرة تتكون من زوجة وسبعة أبناء اضطروا ان يبيعوا أدوات العمل ليحصلوا على لقمة العيش بعد اعتقال عائلهم فلما طلب منا أن نتبرع لما سموه بالمجهود الحربي سألني ذلك الأخ عن رأيي : هل يتبرع وهو لا يملك في الأمانات سوى خمسة وعشرين قرشا , أبقي عليها ليشرب منها قدحا من الشاي بعد تناول طعام السجن الذي يغلي في البطن كغلي الحميم ؟ فقلت له يا عم حسن إن رأيي أن تكتب اسمك في سجل المتبرعين ولو بخمسة قروش حتي لا يوضع اسمك في القائمة السوداء ويقال عنك من الأكاذيب الأباطيل ما أنت عنه في غني " فقد يقال : إنك من الثورة المضادة أو من النشاط المعادي , أو من أعداء النظام أومن الحاقدين على الزعيم الملهم أو غير ذلك , من العبارات التي كانوا يتشدقون بها ضد الأبرياء الأتقياء الأنقياء الأطهار الأبرار الأخيار ! !

ولما مر علينا المسئول عن كتابة الأسماء والمبالغ المتبرع بها تقدم الأخ حسن يتبرع مقداره خمسة قروش فرأيته وسمعته بعد أن دفعها وكأنه تذكر أولاده فاشتدت عليه وطأة الظلم , سمعته وقد توجه إلى القبلة وأخذ ينهنه بقلب صديع ويدعو الله قائلا : اللهم اجعل ما دفعته حارا ونارا وغضبا من غضب الجبار على كل من ظلمنا وأودعنا في هذا المكان وقطع صلتنا بأولادنا , وشعرت كأن الأرض زلزلت فإنها دعوة مظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب يرفعها الله تعالي فوق الغمام فتفتح لها أبواب السماء ويستقبلها الرب عزوجل ويقول لصاحبها وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عينك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

موقف نبيل

كان من بيننا رجال شاركوا في حرب اليهود في سنة 1948 وكان على رأسهم قائد المجاهدين الأخ ( محمود عبده ) والذي عرف عنه أنه كان يعلم كل ذرة من رمال فلسطين أراد هؤلاء الرجال أن يعذروا إلى الله فكتبوا مذكرة إلى الزعيم الأوحد يعاهدون الله فيها على الصدق في قتال اليهود على أن يعودوا بعد انتهاء المعركة – إن قدر لهم ذلك – إلى السجن مرة أخري فإن نالوا الشهادة فذلك الفضل من الله ولما عرضت المذكرة على المسئولين قوبلت بالرفض وقال الزعيم يومها إن الهزيمة على أيدي اليهود خير من النصر على أيدي هؤلاء ! ! وهكذا ركبه الغرور وعشش الشيطان في رأسه ( فلبئس مثوي المتكبرين ).

لقد فاضت العيون من الدمع لما قوبل هؤلاء بالرفض , لأنهم كانوا يرددون " الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمي أمانينا " ولكنهم أعذروا إلى الله وألزموه الحجة أمام من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وهكذا كانت الأيام تمر , والأحداث تتلاحق والزعيم يخطب ويقول: ( أنا مش خرع مثل ايدن ) والحرب أولها كلام والجمعان يكادان يصطدمان على الحدود والمعتقلات والسجون قد ملئت بالمظلومين والظلم طافح ملأ طباق الأرض حتى كاد يخيل إلى أن الظلم لو انقسم إلى مائة جزء لكان تسعة وتسعون جزءا منه في مصر والجزء الباقي يطوف بالدنيا ثم يبيت ليله في مصر لقد تمزقت وشائج المجتمع وانفصلت عراه , وتقطعت أرحامه , وأصبح الابن جاسوسا على أبيه والأخ عدوا لأخيه , والظلمات بعضها فوق بعض وأخرست الألسنة , ومات الناصحون , وانتشر المنافقون والغشاشون , وضيعت الأمانة , ووسد الأمر إلى غير أهله .

دعوة غريبة !

في صبيحة يوم من أيام مايو , وقبل وقوع النكسة بأيام قلائل استيقظنا ذات يوم على بكاء أخ كنا نعرف فيه الشجاعة والرجول والشهامة والتقي والصبر , كان يبكي وينتحب وقد جرت على لسانه دعوة يقول فيها : ( اللهم لخطبهم ) وسألناه ما يبكيه وعلمنا أنه قد وصله نبأ وفاة ابنه والرجل يود أن يكون حاضرا موته , وتشييه جنازته لكنه حيل بينه وبين ذلك , ,أخذت شفتاه ترسلان لهبا للمرجل الذي يغلي , إنه وراء الأسوار المنيعة والعالية الحصينة أيحرم من تشييع جنازة ابنه ؟ ! أبلغ الظلم بالعباد إلي هذا الحد ؟ ! إن هذا الأخ المبتلي كان قد حضر المحنة التي وقعت بالمسلمين عام 1954 ودخل السجن الحربي وصف القلب به , نهره الطبيب قائلا : مم تشكو؟ قال : أذني كأن فيها جمرة من نار ؟ قال له : أى أذنيك؟ قال له : اليمني .

وظن الأخ الفاضل أن الطبيب وهو رسول الرحمة ومنقذ الشاكي , وملجأ الملهوف ظن أنه سيوقع عليها كشفا , فيشخص الداء ويصف الدواء .

لكن الأمر كان بخلاف ذلك تماما رفع الطبيب يده وصفعه على أذنه المصابة صفعة جعلت عينيه ترميان بشرر كالقصر فأغمي عليه إغماءة لم يفق بعدها إلا وهو ملقي في أرض الزنزانة .

أهذا هو الإنسان الذي كرمه الله في كتابه فقال ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) ؟ !'"

أهذا هو المواطن الذي كان الزعيم الملهم ابن مصر الذي ولد في بني مر كان يخاطبه ويقول له : ارفع رأسك يا أخي فقد مضي عهد الاستعباد ؟ ! ولسان الحال والمقال يقول : ارفع رأسك يا أخي لأقطعها

أهذا هو الإنسان الذي أسجد الله الملائكة لأبيه إذ يقول : ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون ؟ ).

أتلك هي الحرية التي منحها الله الإنسان وقال عنها الفاروق عمر " متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ".

أتلك هي مسئولية الراعي عن رعيته والتي قال عنها الفاروق : " لو عثرت بغلة بالعراق لسألني الله عنها لم لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ " .

أتلك هي الإنسانية التي أعطاها الله من الحقوق ما يحفظ عليها كرامتها وعزتها والتي أدخل الله من أجل تلك الحقوق أدخل امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض , ولكن ماذا تقوم لقوم لا يسمعون وإذا سمعوا لا يستجيبون ؟ ! أصحاب قلوب لا يفقهون بها وآذان لا يسمعون بها ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) .... ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) .

اقتربت الساعة

مرت الأيام والموقف بيننا وبين إسرائيل يحتدم ويزداد سوءا على سوء وأحيت أم كلثوم حفلا ساهرا قبل وقوع الواقعة وقالت : ستكون حفلتنا القادمة في تل أبيب ورد عليها وزير الحرب الإسرائيلي قائلا : أتحداك لو استطعت أن تقيمي حفلك القادم في القاهرة يا للمأساة ! ! ويا للخزي ! !

لقد مرت إحدي السفن الأمريكية قبيل النكسة بأيام مرت بقناة السويس وكانت سفينة حربية ضخمة سميت بجزيرة الصلب ونشرت الصحف يومها صورة امرأة من منطقة القناة ترفع حذاءها عاليا بيدها تشير إلى بحارة السفينة كأنها تهددهم بسلاح ذري لا يبقي ولا يذر وعلمنا أن المسألة هزل ولا جد فيها وأن البلد قادم على مأساة لا يعلم مداها إلا الله ! !

لقد ظن القادة السياسيون أن تعبئة الجيش لا تعدو إلا أن تكون تهديدا تعقبها الأناشيد الحماسية الكاذبة وسموا هذا الموقف سياسة " حافة الهاوية " وبعد ذلك يرقص الراقصون على أوهام نصر خادع فقد هددنا إسرائيل وحشدنا لها الحشود ثم انتصرنا بتخويفها وتهديدها بالخطب الحماسية الرنانة ونسي هؤلاء أو تناسوا أن الحرب أولها كلام وأوسطها حديد ونار وآخرها إما إلى صداحة تطرب الوري وإما إلى نواحة في المآتم .

يوم النكسة

استيقظنا صبيحة الخامس من يونيو كالمعتاد فصلينا الفجر في وقته وجلسنا كالعادة نقرأ ورد الباح إلى أن أشرقت الأرض بنور ربها واستعددنا لصلاة الضحي مصداقا لقول الصادق المعصوم : " من صلي الفجر في جماعة , ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتي طلعت الشمس فقام وصلي الضحي كتب الله له ثواب حجة وعمرة تامتين تامتين ".

لكننا بعد طلوع الشمس سمعنا أزيز الطائرات يدوي في سماء مصر في سرعة لم يسبق لها مثيل ولما انتصف النهار لم نكن ندري ماذا حدث لقد أمر قائد السجن بمنع الإذاعة أن تذيع علينا أى أخبار , كما أمر بمنع الصحف حتي لا نعلم بما وقع وما حدث من هزيمة منكرة حتى لا نشمت ! !

ولما غربت شمس هذا اليوم أذاع علينا بيانا من تأليفه وتلحينه : بأن الجيش قد انتصر وكان يردد في ذلك ما كان يذيعه مدير إذاعة صوت العرب بصوته الجهوري والذي أعلن في إحدي كلماته وبياناته الحربية بأننا قد أسقطنا للعدو مائتين وخمسين طائرة , وكان ذلك كذبا مفضوحا إذ لو كانت الطائرات ذبابا ما استطعنا أن نسقط منها هذا العدد ! !

لقد كانوا يذيعون على الشعب أن الطريق إلى فلسطين ما هو إلا نزهة خلوية في ليلة صيف مقمرة حتي كانوا يقولون في إذاعتهم هذه العبارة الممجوجة : " أخ إسرائيل وقعت في الفخ "

ولما أمر الجيش بالانسحاب بطريق تدعو إلى الأسي وإلى الألم أذاع قائد السجن علينا بيانا قال فيه : إن الجيش لم ينسحب إلا لخطة عسكرية سيجعل فيها للعدو كمينا يكون مقبرة له وكانوا يقولون لنا هذا الكلام كأننا العدو يجب أن يحذره وكأن الحقيقة ستظل في خفاء, ونسي هؤلاء أو تناسوا أنه لابد أن تتضح الحقائق , وأن الليل لابد أن ينجلي مهما طالت ظلمته وأن حرارة الشمس ستذيب ثلوج الباطل , وأن الحق أبلج والباطل لجلج, وجاءت الحقائق تتري فقد ضربت طائراتنا وهي رابضة في حظائرها كالبط على وجه الماء وانتهت الجبهة المصرية كما قال قائد الحرب الإسرائيلي يومها :

لقد ضربت الجبهة المصرية فإذا هي هشة عندما اصطدمنا بها , وكأنه صدام بين مطارق الحديد , وأواني الفخار , هكذا قال موشي ديان كما قال أيضا : بينما كنت أتدرب على حرب الأدغال في فيتنام كان المشير ورجاله ف مصر مشغولين بحل مشاكل النوادي الرياضية يقضون ليلهم ونهارهم مشغولين بالكرة وإن تعجب فعجب ما قاله قائد سلاح الجو الإسرائيلي : مردخاي هو قال : إن ما حدث في مصر يفوق أكثر أحلامي جنونا لقد سقطت الجولان الضفة الغربية ومدينة القدس كما ضاعت غزة .

ومع ذلك فلقد ظللنا في السجون نقاسي ما نقاسي على أيدي القادة المنهزمين الذين أرسلوا بالجيش وقالوا له انسحب فانسحب ! !

لقد كان كل شئ قبل الحرب ينذر بالهزيمة وعلى رأس هذه ألشياء الظلم الاجتماعي ولكنهم لا يقرءون وإذا قرءاوا لا يفهمون وإذا فهموا سرعان ما ينسون ولا يتذكرون في عام 1954 كانت السجون قد ملئت برجال مسلمين ونساء مسلمات فوقعت الهزيمة في عام 1956 على أيدي ثلاث دول : انجلترا وفرنسا وإسرائيل ذلك بعد ظلم وقتل وتشريد وتجويع لقد علقت رءوس الشهداء في المشانق وعلى رأسهم شهيد الإسلام العظيم " عبد القادر عودة " الذي كتب في الإسلام كتابه الشهير ( التشريع الجنائي في الإسلام ) وهو موسوعة علمية يستعين بها الذين يريدون أن يطبقوا شرع الله ومنهم سلطان العلماء الشيخ " محمد فرغلي " الذي حار فيه الانجليز على ضفاف القناة حتى أنهم جعلوا مكافأة عظمي لمن يأتي به حيا أو ميتا فقدم الزعيم الخالد رأسه مجانا وهكذا نسوا في السماء مملكة كتب على بابها : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون )

لقد تناسوا قول رسول الله صلي الله عليه وسلم " إن الله لا يعجل كعجلة أحدكم إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " اقرءوا إن شئتم : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ الري وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد )

إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جهز الجيش المتوجه بإذن الله إلى بلاد فارس والذي كان على رأسه سعد بن أبي وقاص خال رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو قائد موقعة القادسية ماذا قال عمر وهو يودع الجيش ؟ قال يا سعد :

"أوصيتني وإياك تقوي الله ولا يغرنك أن قيل خال رسول الله صلي الله عليه وسلم فإن من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه أو حسبه , إنني لا أخشي على الجيش من أعدائه إنما أخشي عليه من ذنوبه فإننا إذا عصينا الله تساوينا مع عدونا في المعصية وزاد علينا في العدد والعدد"

كان عمر ينظر من وراء الحجب ويستشف الغيوب ليقلننا هذا الدرس الذي ليتنا وعيناه. إنه ينطلق من قاعدة تقول : إن النصر للأتقي فإن لم يكن هناك أتقي كان النصر للأقوي , ونحن يوم النكسة ما كنا أتقياء ولا أقوياء بل كان الظلم يخيم على كل بيت فوقع ما وقع من العدوان الثلاثي الذي سمح لإسرائيل بالمرور ف يخليج العقبة والذي أدي بعد ذلك إلى حرب يونيو سنة 1967 عندما أردنا أن نسترد حقنا ونمنع إسرائيل من المرور في الخليج فليتنا نعي دروس التاريخ فالتاريخ أستاذ لمدرسة الدهر يعمل في هذه المدرسة بواسطة الأيام والليالي ولكننا لم نتعظ ولم نعتبر بل عادت الأمور أسوأ مما كانت ملئت السجون والمعتقلات في 1965 وبعد ذلك نصبت المشانق ففي التاسع والعشرين من أغسطس 1966 كان رأس الشهيد " سيد قطب " معلقا في حبال المشنقة ليقدم هدية خالصة إلى موسكو فكانت النكسة في عام 1967 عقب هزيمة منكرة وقعت على جبال اليمن ضاع فيها من الأموال أربعة مليارات من الدولارات ! ! هذا هو المال والمليار ألف مليون وفي مصر أربعة آلاف قرية لو أن كل قرية خصت بمليون لأصلح الله حالها أما عن القتلي والجرحي فحدث ولا حرج أنشد المطربون ورقص الراقصون وسموا تلك الحرب الشعواء رحلة نصر جميلة ..

أبعد هذا الضلال ضلال ؟ ولكن إذا عرف السبب بطل العجب !

إن القيادة السياسية تملك من تزييف الحقائق ما تستطيع به أن تحول الهزائم المنكرة إلى نصر مبين.

لقد كانت النكسة أمرا منطقيا بعدما حدث في اليمن إن العدو غادر ولئيم إنها القوي العالمية تخطط ولا تنام ونحن في غفلة معرضون وعن الله بعيدون وهو سبحانه يخاطبنا قائلا " فأين تذهبون " تنبيها عما نحن فيه من الضلال سائرون إن ذهبتم إلى موسكو فإنهم أعداء الله وإن توجهتم إلى واشنطن فإنهم أعداء الله فالصلاة لا تصح إلى هناك ولا إلى هنالك إنما تصح بالتوجه إلى بيت الله .

لقد جربتم الشرق الملحد فلم تفلحوا وجربتم الغرب المنحل فخسرتم خسرانا مبينا فجربوا صراط الله مرة إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكن أن يستقيم إن الظلم لا يدوم وإذا دام دمر ولقد علمنا رسولنا الكريم هذا الدرس كان أراد كان إذا أراد أن يغزو غزوة قال لأصحابه : ابغوني في ضعفائكم أى أحضروهم فيسألهم الدعاء بالنصر ويقول كلمته التي تفيض نوا وبهاء وجلالا ووفاء : " إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم ".

كان هناك سجون ومعتقلات في 1954 فكانت هناك هزيمة في 1956 وكان هناك سجون ومعتقلات في 1965 فكانت هناك هزيمة سموها نكسة وهي وكسة ونكسة وعار وشنار في سنة 1967 وما زالت دعوة هذا الأخ الكريم ترن في اذني عندما بلغه نبأ وفاة ابنه فأخذ يدعو الله قائلا : ( اللهم لخبطهم ) .

لقد صعدت هذه الدعوة من قلب مكلوم جريح ونفس ملتاعة مظلومة.

فرفعت فوق الغمام وفتحت لها أبواب السماء وقال لها رافع السماء بلا أعمدة لأنصرن صاحبك .

فكانت الواقعة وما أدرك ما الواقعة كانت في يونيو سنة 1967 خافضة غير رافعة بست الجبال بسا فكانت هباء منبثا ورجت الأرض رجا فضربت الطائرات في حظائرها وقذفت أطنان القنابل ( ما تذر من شئ أتت ‘ليه إلا جعلته كالرميم ) ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الاوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد )

مع البهائيين في ابي زعبل

في أثناء الحرب التي سموها كما يزعمون حرب الأيام الستة وهي في الحقيقة حرب التسع عشرة دقيقة التي تم فيها ضرب الطيران فانتهت بذلك الحرب الخاطفة أثناء تلك الأيام ثم اعتقال ما يقرب من ثلاثين شخصا يدينون بالبهائية .

ولقد كانت فرصة سانحة أن نلتقي بهم ونحاورهم ونبين زيفهم وضلالهم فكونا فريقا من الإسلاميين كنت واحدا من أعضائه وكان معنا لفيف من الشخصيات الممتازة أمثال الدكتور " عبد الله رشوان " المحامي والأستاذ " محمود شاكر " الباحث الإسلامي والأستاذ " محمد رشاد المنيسي" وغيرهم كما قام البهائيون بتكوين فريق منهم فكنا نلتقي بعد صلاة العشاء من كل يوم فيستمر الحوار بيننا إلى قبيل الفجر , وكنا نري في ذلك متعة عقلية ورياضة فكرية , والبهائية تضم أشكالا من المعتقدات والملل ففيها من ينتمي إلى الإسلام اسما ومنها من ينتمي إلى النصرانية واليهودية ولعل اعتقالهم في أثناء الحرب مع إسرائيل يعطي إشارة قوية لصلتهم بإسرائيل ولقد دار في العقيدة والشريعة والشعيرة وسألنا السؤال الأول للذين ينتمون إلى الإسلام اسما : هل أنتم مسلمون ؟

قالوا : نعم

قلنا : فما الدين الذي جاء به البهاء ؟

قالوا : الإسلام .

قلنا : إن كان هو الإسلام يأتي بدين بعدما قال تعالي ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) فكيف يأتي بإسلام بعدما أكمل الله الدين وأتم النعمة ؟ !

وإذا لم قد جاء بالإسلام فلا شئ بعد الإسلام إلا الكفر ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) .

ثم سألنا : بما تقولون في البهاء أنبي هو ؟ قالوا : نعم ؟ قلنا : لا نبوة بلا وحي فهل نزل عليه وحي وكيف نزل عليه؟ وما حقيقة الوحي ؟ فكان جوابهم السكوت .

قلنا : وكيف يكون نبيا والله تعالي قد ختم الرسالة بسيد المرسلين محمد قال تعالي : ( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) .

قالوا : إن محمد ختم النبيين ولم يختم الرسل وغيروا رأيهم في البهاء فقالوا إنه رسول لا نبي فإذا كان محمد ختم النبيين فلم يختم المرسلين .

قلنا لهم : أيهما أعم ؟ وأيهما أخص ؟ النبوة أم الرسالة ؟ وعرفوا النبوة والرسالة فكان الجواب بالجهل وعندئذ ذكرنا لهم القاعدة الأصيلة في العقائد : بأنه لا نبوة بلا وحي ولا رسالة بلا نبوة وحيث ثبت أنه لم يوح إليه , فإنه ليس نبيا وحيث انتفت نبوته فقد انتفت رسالته إذ لا رسالة بلا نبوة فالنبوة أعم من الرسالة فيكون من بدائه الأمور أن من ختم الأعم ختم الأخص فالأنبياء مائة وخمسة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائه وثلاثة عشر رسولا فمن ختم الأكثر ختم الأقل لاندراجه فيه .

ولقد تبين لنا من النقاش بعد ذلك أنهم لا يكتفون بأنه رسول , بل يذهبون في النهاية إلى ألوهيته , ولكي نأتي بالصورة واضحة جلية فإننا ذكر تفصيلا جليا لهذا الدين الذي وضعه الاستعمار وجعل الجهاد باطلا وجعل السلام استسلاما فليكن القارئ على ذكر من هذا فقد تعددت اللقاءات حتى أجهزنا عليهم فكريا ومع ذلك فإن أهل الجدال قد يقتنعون نفسيا وعقليا ولكنهم يكابرون ظاهريا ويستكبرون عن قبول الحق ومهما يكن من أمر فقد ظهر الحق وبرح الخفاء ولزمتهم الحجة في ساحة الحساب ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ).

حقيقة البهائية

س1: ما هو إيمان البهائية؟

جـ1: يؤمنون بالله وكتبه ورسله والقيامة والباب والبهاء والإيمان بالله هو رأس الإيمان عندهم ولكنه غير إيمان المسلمين .

فالمسلمون يقولون : لا إله إلا الله وحده لا شريك له . اتصف بصفات لا يمكن لمخلوق أن يتصف بها , لأنه ليس كمثله شئ وإن كل ما في الوجود قائم به ومفتقر إليه .

أما البهائية فيقولون : إن الله حي قادر قيوم ليس كمثله شئ إلا أنه ليس له وجود مطلق بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه على ألسنة أنبيائه ولا سيما في القرآن , وإنما وجوده مفتقر إلى مظاهر أمره , وهم الأنبياء والرسل يظهر فيهم ويتجلي لعباده فيهم كما يتجلي الشمس في المرآة الصافية وحينئذ يكون هذا النبي أو الرسول قد انمحي وجوده لمن تجلي فيه كما تنمحي تلك المرآة الصافية ويكون هو الله فإذا خاطبته فإنما تخاطب الله وإذا كلمك كان المتكلم هو الله ويقولون أيضا : إن الله مفتقر إلى خلقه كافتقار الملك إلى رعيته فكما أنه لا ملك بلا رعية كذلك لا خالق بلا مخلوق, ولا رازق بلا مرزوق لهذا فاعتقادهم أن الكون أزلي أبدي كأزلية الله وأبديته .

ويزعون أن كل الأنبياء والرسل الذين جاءوا إنما جاءوا ليبشروا بالمظهر الأبهي الذي سمي نفسه فيم بعد " بهاء الله " والذي هو على زعمهم موعود كل الأزمنة , وكل الأديان التي جاء بها الأنبياء إنما جاءت لدينه وكلها ناقصة لا يكملها إلا هذا الدين الذي هو دين البهاء .

س2: هل تؤمن البهائية بالبعث ؟

جـ2: تؤمن البهائية بالقيامة لكن إيمانا ليس كإيماننا إذ أن عقيدتهم فيها تخالف كل الأديان السماوية فهم يقولون : إن الإنسان إذا مات قامت قيامته فهو بعد الموت إلى نعيم مقيم أو إلى عذاب أليم وإن الأجساد هذه تعود إلى الأرض كما بدأت منها وتفني فيها وما العذاب والنعيم إلا على الأرواح لأنها المسيرة لهذا الأجسام ويستدلون على ذلك بآيات وأحاديث إسلامية يؤولونها كما يشاءون من ذلك قوله تعالي : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ".

ويقولوا: إن الله يخلق لهذه الأرواح أجسادا لائقة بالنعيم أو بالعذاب وأن العذاب ينتهي ويسمون هذه القيامة ( الموت فما بعده ) القيامة الصغري .

وهناك قيامة كبري وهي البعث أو الساعة أو الحشر , هي انتهاء أمر رسول وأمته وبعث رسول جديد وكل قيامة أنبأ بها الأنبياء هي عندهم تعني بعث البهاء كذلك يؤمنون بما يسمونه الباب وما يسمونه البهاء وغليكم بيانا عنهما :

من هو الباب ؟

ولد في سيراز في 1 محرم سنة 1235 هـ الموافق 20 أكتوبر سنة 1819 مولود للسيد محمد رضا بزاز في شيراز أسماه بعد ولادته على محمد رضا في شيراز أسماه بعد ولادته على محمد ويقولونك إنه يتصل نسبه بالحسن بن على بن أبي طالب رضي الله عنها وهذا ما عليه كتبهم.

وقال غيرهم مات أبوه وهو طفل لم يفطم فكفله خاله وكان تاجرا ضعيف الحال اسمه ميرزا سيد على وفي السنة الخامسة أدخله خاله الكتاب فتعلم ما يتعلمه أبناء الفقراء في كتاتيب إيران ولكنه برز في الخط حتي كان نادرة زمانه جودة وسرعة في الكتابة وتنسيقها وقب أن يبلغ الحلم ترك المدرسة لاحتياج خاله إليه ولما بلغ السابعة عشر من عمره استقل بعمله عن خاله أقام في أبي شهر تاجر خمس سنين ثم رجع إلى شيراز وانقطع للعبادة على الطريقة الصوفية ثم رجع إلى أبي شهر وزعم أنه يستطيع تسخير روحانيات الكواكب وكان يقضي معظم نهاره فوق سطح منزله , حاسر الرأس تاليا الأوراد منهمكا في تلاوة الأذكار تحت الشمس في أبي شهر المحرقة فاعتراه بسبب ذلك ذهول حطم قواه فأرسله خاله إلى كربلاء مستشفيا بزيارة المقامات الشريفة هناك وفيها اجتمع بالسيد كاظم الرشتي خليفة الشيخ أحمد الإحسائي زعيم الشيخية الذي مزج التصوف والفلسفة بالشريعة والذي قال : " إن الغائب المنتظر المسمي بالمهدي هو الآن من سكان عالم روحاني غير هذا العالم الجسماني وأن جسمه كأجسام الملآئكة نوراني " وقد قال الباب بقولة شيخه هذه ثم انقطع فجأة عن مجلس الشيخ واعتكف على العبادة ولازم الرياضة بالمسجد مدة ثم ظهر للناس بمظهر جديد قال فيه . إنه : على المعني بالحديث في هذا الطريق إلا عن الباب وأنه هو الباب .

ثم ادعي أنه هو الباب للمهدي وبعد مدة قليلة قال : إنه هو المهدي نفسه الذي بشر به الأنبياء وبشر به محمد صلي الله عليه وسلم وف 5 جمادي الأولي سنة 1260 هـ الموافق مايو 1844 قال : إن الله اختاره لمقام البابيه , ومعناه ( كما زعم البهائيون ) أنه جاء رسولا من عند الله مبشرا بظهور شخص محتجب خلف ستار الغيب الإلهي وهذا سيكون رسولا من الله إلى البشرية لينقذهم من الفتن والحروب ويدخلهم في السلم كافة وهكذا قال البهائيون في كتبهم عند ترجمة الباب .

أما البابيون أنفسهم فينكرون ذلك ويقولون : لم يأت الباب مبشرا برسول وإنما منع الرسالة بعده مدة ألفي سنة عدد حروف ( المستغاث ) بالأبجدية .

قال في البيان : " كل من ادعي أمرا قبل سني المستغاث فهو مفتر كذاب اقتلوه حيث ثقفتموه ".

وفي أخريات أيام الباب ادعي الألوهية وسمي نفسه : الأعلي وبعضهم يقول عنه الرب الأعلي وسمي نفسه النقطة ويعني بها النقطة التي تحت باء " باسم الله " لأن الباء : للإستعانة بالله ولا يمكن الاستعانة باسم الله إلا بواسطته , أما البهائية ففسروها على حسب هواهم وجعلوه النقطة الفاصلة بين نهاية أمر محمد عليه الصلاة والسلام وظهور غيره وهو ( البهاء ) .

بعد أن أعلن الباب دعوته واقتنع بها اجتمع حوله ممن استجابوا له ثمانية عشر سماهم حروف أل " حي " لأن الحاء بالإبجدية : ثمانية والياء : عشرة ووزعهم على البلاد ومن هؤلاء الملا حسين البشروئي الذي سماه باب الباب وهو أشدهم إخلاصا في الدعوة وقيل إنه المحك لها وأنها من فعاله ومنهم الملا على البارفروشي الذي سموه القدوس ومنهم :الملأ على البسطامي ثم تابعتهم بعد ذلك : زرين تاج بنت ملا صالح القزوويني البرقاني التي كانت تسمي هند وتكني بأم سلمي خاتم ,لجمالها سميت زرين تاج يعني التاج الذهبي وسماها الباب ( قرة العين ) وسماها بعد ذلك : الطاهرة وكان لها مواقف عظيمة في نصرة البابية حتى نفتها الحكومة الإيرانية إلى العراق وحبستها الحكومة التركية في بيت الشهاب الألوسي فأقامت نحو شهرين ثم رجعت إلى إيران .

وهنا اشتدت دعوتها وقويت عصبيتها وصار لها جيش لجب يخشي بأسه ويرهب جانبه وأصبحت تعيث في الأرض إلى أن قبضت عليها الحكومة بعد عدة مقاومات فقتلت ثم أحرقت وكان ذلك في سنة 1264 هـ وبقي الباب في دعوته هذه سبع اجتهد بها وأتباعه في نشر مبدئهم وقاتلوا دونه , تمكنت السلطة منه ومن بعض أتباعه في نشر مبدئهم وقاتلوا دونه وتمكنت السلطة منه ومن بعض أتباعه وتفنن أولياء الأمور في حبسهم وضربهم وتعذيبهم وتقتيلهم ولاقي هو من الحجر والحبس ما لاقي إلى أن نفي إلى أذربيجان وفي اليوم الثامن والعشرين من شعبان سنة 1966 هـ نفذ حكم الإعدام في الباب فقتل رميا بالرصاص في مدينة تبريز هو وأحد أتباعه وطرحت جثتاهما على حافة الخندق وفي اليوم الثاني فقدت الجثتان فلم يرهما أحد قيل إن الكلاب أكلتهما وزعم البهائيون أن أتباع الباب سرقوا الجثة وأخفوها زمنا طويلا داخل صندوق في مصنع رجل ميلاني إلى أن آمنوا فنقلوها إلى حيفا بفلسطين ودفنوها في سفح جبل الكرمل في مدفن فخم هناك وقيل : إن الجثة المدفونة هي جثة مزعومة والله أ‘لم بالحقيقة .

ماذا قال الباب في دعوته ؟

قال الباب : " لعمري أول ممن سجد لى محمد ثم على ثم الذين هم شهداء من بعده ثم أبواب الهدي أولئك الذين سبقوا إلى أمر ربهم وأولئك هم الفائزون وأن أول ذلك الأمر أو يوم القيامة – يعني قيامه دعوه – كل على الله يعرضون – يعني يعرضون عليه – إن الذين عرضوا على وهم كانوا بالله وآياته مؤمنين فأولئك هم أصحاب الرضوان قد جزيناهم في الكتاب بأحسن مما اكتسب أيديهم وكذلك نجزي المخلصين ثم يقول فيه وإنا قد نزلنا من قبل أنه لا إله إلا أنا إياي فاتقون لتوقنن إن لم يكن أولا قبلي ولا آخر بعدي ولا ظاهرا غيري ولا باطنا دوني ولا آية من عندي كذلك يمحص الله الناس كلهم أجمعين ولعمري إن أمر الله في حقي أعجب من أمر محمد رسول الله من قبل لو أنتم فيه تتفكرون قل إنه ربي في العرب ثم من بعد أربعين سنة قد نزل الله عليه الآيات وجعله رسوله إلى العالمين , قل إني ربيت في الأعجمين ونزل على من بعد ما قد قضي من عمري خمس بعد عشرين سنة آياتي التي كل عنها يعجزون وقد جمعته الحكومة الإيرانية بعلماء الشيعة ومجتديها فناقشوه وناظروه فلم يقنع واشتد عنادا وطغي ولما عابوا عليه فصاحته قال : إن القرآن خالف فصاحة العرب وقال أيضا: إن الحروب والكلمات كانت قد عصت واقترفت خطيئة في الزمن الأول وعوقبت على خطيئتها بأن قيدت في سلاسل الإعراب وبما أن بعثتنا جاءت رحمة للعالمين فقد حصل العفو عن جميع المذنبين والمخطئين حتى الحروف والكلمات فأطلقت من قيدها تذهب إلى حيث شاءت من وجوه اللحن .

وقرر الباب وأنصاره في مؤتمرهم الذي عقدوه في صحراء بورشت سنة 1264هـ نسخ الديانة الإسلامية لأن للباب الخيار المطلق في تغيير الأحكام وتبديلها لذا كان عليه أن يأتي بصلاة وصيام وحج وكان لقرة العين في هذا المؤتمر الصوت الأعلي واللسان الأطول .

انتهي بحمد الله المجلد الرابع من كتابنا ( قصة أيامي ) ويليه المجلد الخامس بإذن الله تعالي .

عبد الحميد كشك

مخالفات الباب

وقد خالف الباب المسلمين في الأذان , وفي الصيام , وفي الأعياد وفي المواريث وأباح خمسة أيام من كل سنة جعلها أيام حرية يفعل البابي فيها ما يشاء بلا قيد ولا شرط ! ! وبعد الحديث عن الباب نتحدث عن البهاء فما اسمه ؟

اسمه ميرزا حسين على المازنداراني النوري وأبوه عباس ويسميه البهائيون ميرزا بوزرك ومعناه الميزرا الكبير ومعني كلمة ميرزا أمير زاده بالتركية أو ابن الأمير بالعربية وهي كلمة تركية الأصل يمنحها السلاطين الأتراك والفرس لمن يشرفونه .

وقد ولد البهاء بطهران يوم الثلاثاء 20 محرم سنة 1233 هـ الموافق 12 نوفمبر 1817 م أى أنه ولد قبل الباب بسنتين .

يقول البهائيون :

" إن الباب لما علم بقرب أجله وأنه سيعدم جمع مخطوطاته وخاتمه ومقلمته ومصحفه في جعبة وأرسلها في صحبه ملا باقر ليسلمها إلى الملا عبد الكريم القزويني في مدينة قم , ولما وصلت الأمانة إلى الملا عبد الكريم قال : أنه مأمور بإيصالها إلى الميرزا حسين على المازنداني وبسبب ذلك انتزع الميرزا حسين على من كبار البابيين مقام الرئاسة عليهم وسمي نفسه بهاء الله " انتهي كلام البهائيين "

كيف يفسر البهائيون القرآن ؟

يعتمد البهائيون في تفسير القرآن الكريم على التضليل وإتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كما يعتمدون على تحريف الكلم عن مواضعه ومن يستمع إلى تفسيرهم يعلم علم اليقين أنهم أجهل الناس بلغة القرآن ؟ لأنهم لا يميزون بين الحقيقة والمجاز إذ أن من القواعد اللغوية الثابتة أن اللفظ يظل حقيقة لا يتحول عن ذلك إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعني الأصلي فمثلا إذا قال الله تعالي ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ) فهل يراد بالظلمات هنا ظلمات الليل ؟

وهل يراد بالنور نور النهار ؟

إن الحقيقة هنا متعذرة إذ ما الفائدة من إخراج الناس من ظلمة الليل إلى نور النهار وهذه سنة الله في كونه ليست في حاجة إلى إرسال رسول ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) ثم ما وظيفة الكتاب الذي أنزله الله على رسوله بالنسبة إلى ظلمة الليل ونور النهار ؟ إن هذا المعني متعذر وغير مراد لله إذن فلنجأ إلى المجاز حيث تعذر المعني الأصلي .

وعندئذ يراد بالظلمة ظلمة الشرك والضلال والشبهات ويراد بالنور نور التوحيد الحق والصدق والمجاز كأن تقول أيضا : سمعت أسدا يخطب الناس فليس المراد بالأسد هنا الحيوان المفترس فذلك معني متعذر عندئذ يصار إلى المجاز فيراد بالأسد الذي يخطب الرجل الشجاع لوجود قرينة مانعة من إرادة المعني الأصلي وهكذا .

أما البهائيون فقد استعملوا الحقيقة في المجاز بغير قرينة مانعة فمثلا تجدهم يفسرون البعث بعد الموت بإحياء القلوب عن طريق الهداية .

ويفسرون قبور الموتي بأنها قبور الغفلة ومن ثم فقد أنكروا البعث بعد الموت وإليك بعض النماذج من تفسيرهم للقرآن الكريم :

( فقد ضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) فإن الله قد أنزل القرآن عربيا مبينا فلا يفسر بغي العربية وقواعدها المقررة.

نماذج من تفسيرهم

قوله تعالي : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوا مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدي وفريقا حق عليهم الضلالة )

يفسرها القوم بأنه متي انتهي دور رسولكم يبعث رسول غيره تنقسمون إلى فريقين – كما انقستم أمام رسولكم لما دعاكم – فريق استمع له وآمن بدعوته فاهتدي وفريق أعرض فحقت عليه الضلالة فشقي .

فهم يفسرون قول الله تعالي : ( كما بدأكم تعودون) ويتركون ما قبلها للمغالطة فهم والحال هذه يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .

قوله تعالي : ( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ولكل أمة رسول , فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ويقولون متي هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون )

فسرها القوم بإن ذلك إنذار بنهاية أجل أمة محمد وأنه لما سئل عن ذلك قال : " إنما أنا يشر لا أعلم ولا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا وإنما لكل أمة أجل ونهاية ".

وهنا تناقض في قول الجماعة فإذا كان محمد هو الله كما يقولون – تعالي الله عن ذلك – في زمنه فكيف لا يعلم متى النهاية ؟

وكيف يقول : (لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )

ولما قال كفار قريش ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا , أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منه وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) قال له ربه ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلى إنما إلهكم إله واحد )

وإليك نموذج ظهر فيه ضلالهم جليا في تحريف الحقائق والصيرورة إلى المجازات دون أن تكون هناك قرينة مانعة من إرادة المعني الأصلي ودون أن تكون هناك علاقة بين الحقيقة والمجاز فلا قرينة ولا علاقة .

قوله تعالي : ( إذا الشمس كوت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموءدة سئلت بأى ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت ) فسروها :

كورت الشمس : أى ذهبت شمس أحكام دين محمد , ويفسرون دائما السماء والشمس بالدين أو العلم وأبدلت بإحكام وضعية وانتصر الحكم الوضعي على السماوي الشرعي .

وانكدرت النجوم : والنجوم هم العلماء أى ضعف أمر علماء أمة محمد وسيرت الجبال ذلك وعبدت فركبتها السيارة وخرقها القطار ولم يبق طريق صعب بها .

وعطلت العشار وهي : الإبل واستبدلت بالمراكب النارية والكهربائية .

وحشرت الوحوش : بحدائق الحيوان وعرف الإنسان ما كان يجهل منها .

وزوجت النفوس : الحيوانية والنباتية , وظهر منها الحيوانات ونباتات ذات مميزات وصفات لم تعرف من قبل . وسجرت البحار : بما سار فيها من مراكب نارية , أو بما تفخر فيها من قنابل وطرابيد ونشرت الصحف , يعنون بها الجرائد والمجلات .

وكشطت السماء وعرف أن ليس هناك جرم صلب , وإنما هو لا نهاية أو أن سماء العلم المحمدي كشطت , وهكذا حرفوا الكلم عن مواضعه وأولوها بغير ما أنزلت لأجله .

فأنت تري أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه بل حرفوه من بعد مواضعه واستعملوا المجاز في الحقيقة دون أى علاقة بينهما ودون قرينة مانعة من إرادة المعني الأصلي وهذا هو أسلوب الذين قال الله فيهم :

( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه معه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) .

والآيات التي فسروها من الشمس والنجوم وغير ذلك لا تمت إلى ما قالوه بأدني سبب لأنها وردت في شأن القيامة وإلا فماذا يقولون في الآيات التي ختم الله بها هذا المشهد ( وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت )

سبحانك ربي هذا بهتان عظيم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

نموذج آخر

سورة الجاثية : ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون وتري كل أمة جاثية كل أمة تدعي إلى كتابها تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) ومما هو معلوم لديهم أن لفظ الساعة في القرآن الكريم يراد به البهاء عندهم فأعجب معي ما الصلة بين الساعة التي يراد بها القيامة والتي قال الله فيها : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها )

وقال الله فيها : ( وما يدريك لعل الساعة تكون قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها )

فأى علاقة بين تلك الساعات وبين بهائهم ؟ ! ! سبحانك هذا بهتان عظيم ! ! قالوا في تفسير هذه الآيات ( أى ) البهائية : إذا قام البهاء خسر المبطلون الذين أعرضوا عنه وحكم بين البهاء وكل أمة كتابها المرسل به رسولها وقبل لهم هذا كتابنا الذي بعثناه مع رسوكم ينطق عليكم بصدق دعوي البهاء .

فماذا يقول البهائي في قوله تعالي : ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون )

اعرض عنها لأنها لا تفيده ولا يستطيع لها تأويلا , ولأنهم درجوا على الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر , فما وافق هواهم جاءوا به وما كان صريحا تركوه .

قال أحدهم لأحد علماء المسلمين : نحن نعظم محمد أكثر منكم . قلت كيف ؟ قال : لو أن محمد قال لي فلان لقلت لبيك اللهم لبيك قلت أستغفر الله من ذلك .

قال : لأنه ينطق بلسان الله ولا ينطق بلسان الهوي فيده يد الله ولسانه لسان الله , وأمره أمر الله ووجهه وجه الله فقمت وأنا أستغفر الله من ذلك وأقول اللهم ثبت قلبي على دينك .. وصدق الله العظيم إذ يقول ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلى إنما إلهكم إله واحد ) وصدق رسوله الكريم إذ يقول : " لا تطروني كما أطرت النصاري المسيح بن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله "

ومن تأويلاتهم الباطلة ما ذكروه في هذه الآيات الكريمة ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان )

قالوا : إن الرحمن علم القرآن محمد وخلق الإنسان أى الباب وعلمه البيان يقصدون بالبيان الكتاب الذي نسبه الباب إلى نفسه وأنه قد تنزل عليه وعجبا لقولهم هذا ! ! إنهم يعتقدون أن الباب إله فمن الذي أنزل الكتاب أأنزل على نفسه ؟ !

فانظر إلى أي مدي يتمادون في ضلالهم وبهتانهم إن عقيدتهم مجموعة من المتناقضات والمتشابهات والضلالات وهم يغلفونها بغلاف إنساني ليكون كالشراك والمصايد والشباك والمكايد .

إنها الفخاخ التي يقع فيها الصيد ويقضي فيها على الضحايا .

فإذا سألت ذلك الذي اسمه " عباس " عبد البهاء عن البهائية أجابك قائلا : لأن تكون بهائيا يجب أن تحب العالم , وتحب الإنسانية وتجتهد في خدمتها وتعمل للسلام العام والأخوة العامة .

ولقد أخذ الجاهلون بالإسلام هذا القول أحسن مأخذ , ووضعوه في الدرجة العليا لأنهم ظنوا أن النهائية جاءت بشئ جديد لما رأوا من اضطراب العالم وارتباك جوه بعواصف الحروب ونيران الطمع والحقيقة أن البهاء لم يأت بشئ جديد وأن ما جاء به سرقة من الإسلام والإسلام منبع الفضائل ومصدر المحاسن لقد جاء القرآن قبل ألف وأربعمائة عام بما هو خير مما جاء به البهاء وعبده عباس فقد قال الله لنا في القرآن .

( ادخلوا في السلم جميعا ولا تفرقوا)

( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )

( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم )

( وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين لله )

ويبدأ المسلم دخوله المسجد بالسلام ويختم صلاته أينما كان بالسلام ويقول نبي الإسلام عليه السلام " لن تؤمنوا حتي تحابوا " ويقولوا : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "

ولكن المسلمين جهلوا دينهم واتخذ الدعاة هذا الجهل ذريعة لنشر ضلالهم وبث فسادهم من تشريعات البهائية .

لم يحرم البهاء في " كتابه المسمي الأقدس " لم يحرم ما حرم القرآن من نكاح الأخوات أو البنات أو العمات أو الخالات وإنما حرم زوجات الآباء فقط فقال قد حرمت عليكم أزواج آبائكم ".

أما عن الميراث : فبعد تجهيز الميت تجهيزا كاملا يأخذ من التركة من كل مائة تسعة عشر لبيت العدل والباقي يوزع على اثنين وأربعين سهما يعطي للأولاد منها ثمانية عشر يسوي فيه بين الذكر والأنثي وللزوج أو الزوجة ستة سهام ونصف وللأب خمسة سهام ونصف وللأم أربعة سهام ونصف وللإخوة ثلاثة سهام ونصف وللأخوات سهمان ونصف وللمعارف سهم ونصف .

أما عن دفن الموتي : فإن الميت يكفن بدون غسل في أنقي ملابسه البيضاء ويجعل في أصبعه خاتم من العقيق , يوضع في صندوق من خشب أو حديد أو نحاس أو بلور , وأبركها عندهم من اتخذ من البلور ثم يدفن في أبعد عمق ممكن من الأرض وإن شق له في الصخر كان أبرك .

أما صلاة الجنازة عندهم فقد شرعها الباب وأثبتها البهاء في كتابه الأقدس .

يقول البهاء : قد نزلت في صلاة الميت ستة تكبيرات من الله منزل الآيات والذي عنده علم القراءة له أن يقرأ ما نزل قبلها يشير بذلك إلى ما كتبه الباب في بيانه بأن يكرر بعد كل تكبيرة تسع عشرة مرة .

إنا كل لله عابدون بعد الأولي .

إنا كل لله ساجدون بعد الثانية .

إنا كل لله قانتون بعد الثالثة .

إنا كل لله ذاكرون بعد الرابعة .

إنا كل لله شاكرون بعد الخامسة .

إنا كل لله صابرون بعد السادسة .

أما الصلاة التي يصلونها : فقد قال البهاء " قد كتب عليكم الصلاة تسع ركعات لله منزل الآيات حين الزوال وفي البكور والآصال وعفونا عن عدة أخري في كتاب إنه لهو الأمر المقتدر المختار ".

ويسمي هذه الصلاة الكبرى وهي مشروحة في كتبهم لها تلاوات خاصة وركوع بلا سجود يصليها الإنسان مرة مرة واحدة بشرط أن يكون فارغ القلب من جميع الشواغل , وهناك صلاة وسطي وهي ركعة واحدة وجلسة يصليها الإنسان من الفجر وفي الظهر وبعد غروب الشمس يتوجه فيها شطر عكا وتشتمل هذه الصلاة على قيام وروع وقنوت وتعدد وكلمات يقولها في تعظيم البهاء , وإتباع البهاء وكل صلواته لا سجود فيها .

وهناك صلاة صغري للعمال وأشباههم ممن تكثر شواغلهم وهي كلمات يقولها القائل مقابلا القبلة التي هي قبر البهاء وتكون هذه الصلاة وقت الزوال فقط .

فانظر معي أهناك وحي نزل على هذا البلاء بهذا التشريع ؟ ! ! سبحانك ربي يا من قلت ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ؟ !

فأنت تري فيما قاله البهاء ما يدل دلالة قاطعة على أن البهائية تخالف العبادات الإسلامية بعد مخالفتها للعقيدة التي بعث بها خاتم الأنبياء صلي الله عليه وسلم فحق فيهم قول الله تعالي :

( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين )

كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم و إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون , إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدي به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين </font>) .

أما عن عدد الشهور التي قال الله فيها : ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم )

فإن البهاء يقول في كتابه المسمي " الأقدس " : " إن عدة شهور السنة تسعة عشر شهرا في كتاب الله قد زين أولها بهذا الاسم المهيمن على العالمين – يعني اسم نفسه "

وأسماء الشهور هي : " بهاء , جلال , وجمال , عظمة , نور , رحمة , كلمات , كمال , أسماء , عزة , مشيئة , علم , قدرة , سائل , شرف , سلطان , ملك , علاء "

وكل شهر من هذه الشهور تسعة عشر يوما والخمسة الأيام الباقية يسميها أيام البهاء : وهي أيام راحة وحرية وزيارات وأنس .

وكما غير حساب السنة وبدل أسماء الشهور جعل لكل يوم من أيام الأسبوع أسما جديدا فسمي الأحد ب( جلال ) والاثنين بـ ( جمال ) والثلاثاء بـ ( كمال ) والأربعاء بـ ( فضال ) والخميس بـ ( عدال ) والجمعة ب ـ ( استجلال ) والسبت بـ ( استقلال).

أما عن الحج فإنهم لا يحجون إلى " مكة " وإنما يحجون إلى " مدفن البهاء " وقد كتب عن الحج فقال : " قد حكم الله لمن استطاع منكم حج البيت – ويقصد به مدفنه في عكا – دون النساء عفا الله عنهن رحمة من عنده إنه لهو المعطي الوهاب "

ولهم مزاران مقدسان الأول في "شيراز" وهو مولد الباب , والثاني في " بغداد " وهو المكان الذي إذن فيه البهاء بضلاله .

أما عن عبادة الصيام فإنه تسعة عشر يوما كل عام تبدأ من الثاني من شهر مارس وتنتهي في العشرين , اليوم الحادي والعشرون من مارس هو يوم العيد ويكون موافقا ليوم " النيروز"

ويقول في كيفية الصيام : كفوا أنفسكم عن الأكل والشرب من الطلوع إلى الأفول , وإياكم أن يمنعكم الهوي عن هذا الفضل الذي قدر في الكتاب ."

فأين هذا الصيام من الصيام الذي شرعه الله تعالي وأمر به في قوله ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ).

من أى تشريع سماوي جاء البهاء بهذا الصيام ( ومن أظلم ممن افتري على الله كذبا أو قال أوحي إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنول الله ) .

بعدما علمنا ما شرعه البهاء لأتباعه في العبادات ننتقل إلى ما شرعه في الحدود فقد حد الله تعالي لعباده حدودا حسب الجرائم فللزنا حده إما جلدا أو رجما وللسرقة حدها وهو القطع وللقذف حده وهو ثمانون جلدة وكذلك حد الخمر .

وللحرابة حدها المبين في قوله تعالي : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض )

وللبغي حده في قوله تعالي : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخي فقاتلوا التي تبغي حتي تفئ إلى أمر الله )

وللردة حدها المبين في قوله صلي الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه ".

أما البهاء فله تشريع في الحدود اتبع فيها هواه لما أغفل الله قلبه عن ذكره وكان أمره فرطا .

يقول في الزاني والزانية : قد حكم الله لكل زان أو زانية دية مسلمة إلى بيت العدل وهي تسعة مثاقيل من الذهب , وإن عاد مرة أخري عودوا بضعف الجزاء هذا ما حكم به مالك الأسماء في الأولي وفي الأخرى قدر لها عذاب مهين .

ومن هذه العبارة نفهم أن الرجل إذا عاد يضاعف عليه الجزاء في الغرامة أو الضربة والمرأة إن عادت يقدر لها العذاب المهين .

حكمه في السارق " قد كتبت على السارق النفي والحبس وفي الثالث فاجعلوا في جبينه علامة يعرف بها لئلا تقبله مدن الله ودياره إياكم أن تأخذكم الرأفة في دين الله اعملوا ما أمرتم به ".

حكمه في أن لا نجاسة أبدا : قال في أقدسه وكذلك رفع الله حكمه دون الطهارة عن كل شئ وعن ملل أخري موهبة من الله إنه لهو الغفور الكريم قد انغمست الأشياء في بحر الطهارة في أول الرضوان إذ تجلينا على من في الإمكان بأسمائنا الحسني وصفاتنا العليا هذا من فضل الذي أحاط العالمين "

أما عن الأسرة البهائية والزواج وأحكامه فإن البهاء يحتم الزواج على من استطاع الزواج فيقول في كتابه المسمي ونفسها : " قد كتب الله عليكم النكاح إياكم إن تجاوزوا حد الاثنين والذي اقتنع بواحدة من الإماء استراحت نفسه ونفسها ".

ويشترط لصحة الزواج عند البهائيين رضاء ستة أفراد : الزوجين وأبوي الزوج وأبوي الزوجة إن كانوا على قيد الحياة أو من كان منهم حيا ويحدد المهور فيجعلها للقروي والبدوي تسعة عشر مثقالا من الفضة إلى خمسة أضعافها , ويجعلها للمدني تسعة عشر مثقالا من الذهب إلى خمسة أضعافها .

ويقول في كتابه " والذي اقتنع بالدرجة الأولي خير له في الكتاب "

ومن كره صحبتها أو كرهت صحبته يفترقان سنة كاملة – يسمونها مرة الاصطبار – لعلهما أن يندما فإن لم يتفقا فلا بأس من إيقاع الطلاق و لا يوقع الطلاق غير " المحفل المحلي "

وعدة الطلاق مدة الاصطبار وإن لم يتزوجا بعد الطلاق فللزوج حق استرجاع زوجته مهما كال الأجل ولكن بعد مراجعة المحفل . أما عدة الوفاة فقد أوقفت مدتها إلى بيت العدل وإذا اختلفا في السفر من بلدهما فعليه أن يعيدها إلى أهلها أو إلى بلدها ويعطيها نفقة سنة كاملة وإذا سافر الزوج من بلده عليه أن يحدد أجل سفره وإذا تأخر عن الأجل عليه أن يخبرها بتأخره وإلا كان لها الحق لها الحق أن تشكوه إلى المحفل .

لا جهاد في البهائية

ترتكز البهائية على ركيزة تدور حولها دائما وتدعو لها ويحتشد في سبيل دعوتها كل ما لديها من إمكانات وتلك الركيزة هي أنه لا جهاد ولا قتال وبهذا فإنه تدعو إلى الذل والهوان والاستكانة وبهذا تنفي ركنا ركينا من أركان الإسلام وتلغي فريضة محكمة من فرائضه انتشرت في طول القرآن الكريم وعرضه ( إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم )

لقد شرع الله تعالي الجهاد لنشر دعوة الإسلام والدفاع عن بيضته والذود عن حياضه فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ضربت عليهم الذلة ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة الجاهلية والشهيد يوم يقتل يغفر له بأول قطرة من دمه كل ذنب ويري مكانه من الجنة ويقيه الله فتنة القبر ويشفع لسبعين من أهله ويزوج باثنتين وسبعين حورية ويلبسه الله تاج الوقار أقل يا قوتة فيه خير من الدنيا وما فيها ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين )

والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا

فالحرب أجدي على الدنيا من السلم

فالشر إن تلقه بالخير ضقت به

ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم

قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا

بقتل نفس ولا جادوا بسفك دم

جهل وتضليل افهام وسفسطة

غزون بالسيف بعد الغزو بالقلم

ثم ماذا يكون موقف المسلمين إذا اعتدي عليهم العدو كما هو واقع الآن في شتي بقاع الأرض على أرض " أفغانستان " و" لبنان" والدول العربية المجاورة لإسرائيل, وكما هو حادث في " أريتريا " و" الصومال " وعلى أرض " السودان " ماذا يقول البهائيون الذين يحكمون بالإعدام على الجهاد مع تنفيذ الحكم .

أيضرب المسلمون بالطيران والصواريخ والقنابل برا وبحرا وجوا ثم يقولون للمعتدي وعليكم السلام اضرب ما شئت واقتل من شئت فإننا سنرد عليك بالسلام .

أهذا عقل أو ذاك منطق ؟

وماذا يقول السفهاء من الناس أمام هذه البدهيات العقلية ؟

أمن العدل أنهم يردون الـ

ماء صفوا وأن يكدر وردي

أمن الحق أنهم يطلقون الـ

أسد منهم وأن تقيد أسدي

نظر الله لي فأرشد أبنا

ئي فشدوا إلى العلا أى شد

إن القوة الغاشمة لا علاج لها إلا قوة تماثلها فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار

مضاد له في الاتجاه وما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة إن العاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وما استعمل الإسلام السيف إلا للقضاء على السيف وجل جلاله الله إذ يقول : ( فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا علي الظالمين )

وما أعظم قوله جل شأنه : ( فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم )

هذا هو المنطق الذي تنادي به الفطر السليمة والألباب الحكيمة .

عقائد البهائيين

تختلف عقائدهم عن العقيدة الإسلامية الصحيحة كل الاختلاف ذلك لأن الإيمان عندهم غير ما عند أهل الملة التي بعث بها خاتم الأنبياء والمرسلين ونزل بها الروح الأمين وجاء بها القرآن الكريم . فلما اختلفت العبادات بيننا وبينهم من صلاة وزكاة وصيام وحج اختلفت العقائد كذلك بحيث أصبح الإسلام والبهائية نقيضين لا يجتمعان وضدين لا يلتقيان إن الأمين جبريل لما سأل الرسول صلي الله عليه وسلم عن الإيمان قال له الصادق المعصوم : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره فما هو تصور البهائيين في الإيمان بهذه العقائد ؟ وماذا يقولون فيها ؟


1- يزعم البهائيون : أن البهاء رب الأرباب والمجرمون وسيد المظاهر والعالم المحيط علمه بكل شئ وأنه هو الله .

قال عبد البهاء عن أبيه " تجلي رب الأرباب والمجرمون خاسرون وهو الذي أنشأ لكم النشأة الأخرى وأقام الطامة الكبرى وحشر النفوس المقدسة في الملكوت الأعلى "

وكتب البهاء عن نفسه : يا أهل النفاق قد ظهر من لا يعزب عن علمه شئ .

وقال ايضا عن نفسه " لا يري في هيكلي إلا هيكل الله , ولا في جمالي إلا جماله ولا كينونتي إلا كينونته ولا في ذاتي إلا ذاته فلم يكن في نفسي إلا الحق ولا يري في ذاته إلا الله .

2- توجيه العبادة إلى مظهر الأمر الذي هو النبي أو الرسول وأن الله يتجلي فيه , كما تتجلي الشمس في المرأة ويخاطب بما يخاطب به الله.

3- لا معجزات للأنبياء وما داموا يؤمنون بأن الأنبياء هم آلهة وأنهم مظاهر أمر الله فلا حاجة للمعجزات .

يقولون في معجزات موسي : " العصا – هي عصا الأمر والحية هي ثعبان المقدرة واليد البيضاء هي بيضاء المعرفة "

ويقولون في معجزات : " عيسي إنه أبرأ الأكمه والأبرص ويعنون بالأكمه الجاهل وإبراؤه بالعلم والأبرص يعني الضال وإبراؤه بالهداية ".

وأولوا إحياء الموتي لسيدنا عيسي بتعليم الجهال .

4- لا انقطاع للوحي وقد كتب البهاء في رسالته السلطانية ما معناه إن هؤلاء العباد لا يقولون باستحالة ظهور مظاهر الأحذية ولو أن قائلا قال بهذا فأى فرق بينه وبين قوم يقولون يد الله مغلولة ؟ !

ويقولون : إن القول بانقطاع الوحي بعد محمد ليس له سند في منطق الواقع .

5- لا بعث لهذه الأجساد وإنما هي الأرواح فقط فكل من مات قامت قيامته وهو إلى نعيم أو إلى عذاب والعذاب ينتهي والنعيم دائم أبدي .

6- القيامة الكبرى قيامة نبي , وانتهاء دور النبي الذي قبله أو قيام أمة وهلاك أمة .

7- الملائكة وهم قوم عاشوا صالحين فرضي عنهم إلههم فقرب وراحهم إليه وضدهم الشياطين وشيطان الإنسان نفسه الخبيثة وأما الجان : فإنها حيوانات خبيثة لا تدرك الأبصار , ولعلهم يقصدون بذلك الجراثيم .

8- ليس هناك رسل من الملائكة تنزل على الأنبياء أو الرسل وينكرون أن جبريل نزل على محمد عليه الصلاة والسلام , ويقولون: وإنما في القرآن : ( نزل به الروح الأمين ) أو ( قل نزله روح القدس )

وهو الله تجلي في محمد فنطق محمد بالقرآن وكذلك في البهاء معني ذلك إن هذا النبي ينطق بلسان الله أو أن الوحي هو الله ! ! أستغفر الله من إفكهم وضلالهم ونعوذ بالله من عقائدهم .

9- ويعتقدون أن لله في الأرض بيتين : الأول في شيراز وهو الذي أعلن فيه الباب دعوته , والثاني في بغداد وهو الذي اعلن فيه البهاء دعوته وكلاهما يجب أن يبقي ويقول البهاء في كتابه : وارفعن البيتين في المقامين والمقامات التي استقر فيها عرش ربكم الرحمة – يعني البيوت التي نزل فيها أو سجن فيها .

كذلك يأمركم مولي العارفين إليكم أن تمنعكم شئونات الأرض عما أمرتم من لدن قوي أمين وقد امتلك البهائيون السجن الذي سجن فيه الباب في طهران ويحاولون أن يمتلكوا بيت بغداد وغيره .

10- ويعتقدون في أن البهاء واحد أحد وليس له شريك في العصمة ولا في عظم الشأن يقول البهاء في أقدسه " ليس لمطلع شريك في العصمة الكبرى إنه يظهر يفعل ما يشاء في ملكوت الإنسان قد خص الله هذا المقام لنفسه وما قدر لأحد نصيب من هذا الشأن العظيم المنيع ".

11- إن البهاء إله وقد صرح هو نفسه في كتابه بقوله : يا ملأ الإنشاء اسمعوا نداء مالك الأسماء إنه يناديكم من شطر سجنه الأعظم إنه لا إله إلا أنا المقتدر المتكبر المسخر المتعال العظيم الحكيم ".

وكتب لى أحد المقربين من ولي الأمر هذه العبارة لما رآني مصغيا لأقواله وخز عبلاته ومسجلا بعض كلماته :

قال : " وفي الحال عرضت إلى ساحة قدس مولانا المحبوب حضرة ولي أمر الله كل ما شاهدته فيكم الإخلاص والانجذاب في سبيل خدمة ربنا البهي الأبهي .

وتمنيت من ساحته القدسية لكم بكل تضرع وابتهال تأييدته الإلهية ولا شك في أن حضرتكم بعناية حضرة جمال القوم – يعني البهاء – جل جلاله سوف تنالون بفتوحاته الباهرة والانتصارات العظيمة في سبيل خدمة أمر المحبوب الأبهي وذلك بفضله ومنه وعنايته .. الخ "

أيام يقدسها البهائيون

للبهائيون تسعة أيام يقدسونها ويحرمون العمل فيها وهذه الأيام هي :

اليوم الأول , اليوم الثاني , من شهر الله المحرم ( ميلاد الباب والبهاء)

اليوم الخامس : من جمادي الأولي ( بعثة الباب ) وأعوذ بالله من قولهم , وأقول بل يوم افترائه .

اليوم الحادي والعشرين من شهر مارس : عيد الفطر أو يوم النيروز ومما يندي له جبين الحياء خجلا , ويتقاطر له الوجه عرقا من شدة ما فيه من أسي أن اتخذت بعض الشعوب الإسلامية هذا اليوم عيدا سموه عيد الأم أو أصبح الاحتفال به أكثر من الاحتفال بعيد الفطر وعيد الأضحى وهل للأم عيد ؟ وهل لإمرامها وقت محدود؟

إن مما يدعو للأسي والأسف أن تري المسلمين يقدمون الهدايا لأمهاتهم مستجبين في ذلك لدعوة نادي أحد الصحفيين وجعل هذا اليوم بالذات يوما يحتفل فيه بالأم وهو في الحقيقة ليس احتفالا إنما هو يوم الأحزان يوم أحزان الذين فقدوا أمهاتهم .

سبحانك ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله )

وأعجب لهؤلاء القوم يحتفلون بالأم يوما , ويعقونها ويقطعون رحمها بقية أيام العام ؟ !

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا أتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه

فيا قوم اتبعوا سبيل المصلحين ولا تتبعوا سبيل المفسدين ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل .

ومن الأيام التسعة التي يقدسونها اليوم الحادي والعشرون من شهر إبريل : (دعوة البهاء أو بعثته ) افتراؤه على الله

وكذلك اليوم التاسع والعشرون من إبريل : تابع أيام البعثة المفتراة .

2 مايو : إعلان الدعوة وختام أيام الرضوان .

29 مايو يوم : موت البهاء .

واليوم الثامن والعشرون من شهر شعبان : موت الباب .

سبحانك هذا بهتان عظيم ! ! ( ومن أظلم ممن افتري على الله كذبا أو قال أوحي إلى ولم يوحي إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو تري غذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ولقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نري معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيك شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ) .

لقد تبين لنا ما افتراه البهائيون على الله وما ابتدعوه من كذب واختلاق فعبدوا من دون الله الباب والبهاء وأسندوا إليهما ما لا يليق بأحد إلا الله وأولوا آيات القرآن تأويلا باطلا خرج بهام دلوها مراد الله .

( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا )

وعزوجل وتقدس الله غذ يقول ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباب أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) .

واللهم أنا نشهدك ونشهد ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك أنك أنت الله وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ونبيك ورسولك رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلي الله عليه وسلم نبيا ورسولا .

عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقي الله .

وبعد فهذه كلمة بها حقائق تاريخيه لقد امتدت الفتوحات الإسلامية في الشرق والغرب وساد نفوذه على فارس والروم فودع الروم جزيرة العرب وبقي فيها اليهود وقد فقدوا سلطانهم الروحي على الأميين ودالت دولة الفرس وخمدت نيران المجوس وانمحت ظلمة الشرك .

فحقد أحبار اليهود وكهان الفرس والروم لزوال عزتهم وقامت منهم طرائق أو جمعيات تكيد للفاتحين ولدين الفاتحين مجتمعين أحيانا ومفترقين أحيانا أخري .

وأول هذه الجمعيات تلك التي قتلت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم تلك التي أشعلت نار الفتنة الظالمة التي قضت على عثمان رضي الله عنه وفرقت المسلمين إلى فئتين متقاتلين ثم انتهت بقتل على .

ثم تكاثرت تلك الجمعيات السرية الهدامة تظهر حينا وتختفي حينا آخر وتتخذ لهذا الظهر وهذا الاختفاء مختلف الأسماء ومختلف الغايات وفتارة تنادي باسم الدين وتارة باسم الخلافة وتلبس لكل حالة لبوسا والهدف واحد هو أنهم يريدون أن يطفئوا نور الإسلام والله يأبي إلا أن يتم نوره وأعظم مهد لهذه الجمعيات كانت فارس وفارس ملئ بالعجائب ولها في كل عصر منهن مولود جديد لأن فارس بعيدة عن مركز الخلافة وميدانها واسع وأقاليهما كثيرة وأهلها أتباع كل ناعق .

وأخيرا وليس بآخر يظهر من شيراز دجال اسمه " على محمد" يدعي النسبة إلى السلالة النبوية الطاهرة وما أكثر المدعين نسبتهم إليها في كل عصر وفي كل قطر ! !

لقب هذا الدجال نفسه بالباب وأنه : باب مدينة العلم ثم ادعي المهدوية مسئولا بحديث ( المهدي من عترني ) ثم ادعي النبوة أو الرسالة ثم الألوهية فهل صدق في واحدة منها ؟ لا شك أن من كذب في واحدة فهو في الجميع كاذب ثم يقتل محكوما بكفره ! !

ومما سطره في كتبه أن من ادعي الرسالة قبل مرور ألفي عام فهو كاذب فاقتلوه وإذا بالدجال الثاني بعد مرور اثني عشر عاما يدعي الرسالة بعد أن ادعي خلافه سلفه ويدعي أن سلفه جاء مبشرا به , وأنه بالنسبة إليه كيحيي لعيسي ثم بعد قليل يدعي الألوهية لكن يحيي وعيسي قالا : إنهما عبدان لله فيحيى كان صديقا نبيا وعيسي قال لقومه : ( اعبدوا الله ربي وربكم ) وقال لربه : ( سبحانك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك إنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيد مادمت فيهم فلما توفيتي كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد )

أما الباب وأما البهاء فقد أمرا الناس بعبادتهما والبهاء خاصة أمر الناس أن يتوجهوا له بالدعاء وأن يخصوه بالعبادة ووصف نفسه بأوصاف الله الكريمة وسماها بأسماء الله الحسني وأمر أتباعه أن يولوا وجوههم شطره في صلاتهم وقال : إنه على كل شئ قدير .

ولكن العجب لأولئك الطغاة الذين اتبعوه وأقروا بربوبيته مع أنهم يرون عجزه عن خلاصهم وخلاص نفسه من التعذيب والتشريد والإهانة والضرب والسجن وإلا فما قيمة إله لا يدفع عن نفسه أذي عباده ولا يملك القدرة على حماية نفسه ؟

أرب يبول الثعلبان برأسه

لقد ذل من بالت عليه الثعالب ؟ !

فلو كان ربا كان يمنع نفسه

فلا خير في رب نأته المطالب

برثت من الأصنام في الأرض كلها

وآمنت بالله الذي هو غالب

ولقد بالغ البهاء وعبده في تزويق بهائيتهما وطلياها بالدهان الخادع ونوعا الأردية فهي مع المسلم برداء ومع اليهودي برداء بينما لها مع المسيحي والبوذي والمجوسي أردية أخري متباينة .

وهكذا فلها مع كل نحلة وجه ومع كل دين مقابلة إنها مبدأ تشكيك تستغل جهل الجاهل بدينه فتفتح له باب التأويل وللتأويل عند العامة مكانة لأنهم أخطأوا الفهم بأن القرآن نزل عربيا غير ذي عوج وفسروا قول الله تعالي : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) فوصلوا الآية وقطعوها عند قوله تعالي " الراسخون في العلم " وجعلوا الراسخين في العلم : شركاء مع الله في علمه .

أما أولئك الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب فقالوا على الله الكذب واتبعوا ما تشابه من التنزيل وأولوه ابتغاء الفتنة فقلبوا الحقائق وخدعوا الجاهلين وضلوا وأضلوا .

وبعد فقد قدمنا للقارئ الكريم معالم الطريق عن البهائية وقد تبين أنها مذهب خطير على الإسلام والمسلمين يبدد قروتهم ويمزق جمعهم فليحذر المسلمون عاقبة إتباع هؤلاء المفسدين إن الله لا يصلح عمل المفسدين إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .

قال صلي الله عليه وسلم ستكون فتن قال على رضي الله عنه فما المخرج منها يا رسول الله ؟ قال كتاب الله "

لقد كان لنا مع البهائيين في سجن أبي زعبل صولات وجولات قضينا فيها الليالي ذوات العدد من بعد العشاء إلى أن ينشق عمود الفجر , وكان النصر دائما للمسلمين لأن الإسلام حق .

وكان الذين يتصدون للدفاع عن البهائية من أقوله فكرا وأرجحهم عقلا ولكن الحق أقوي وأقوم قيلا, وأهدي سبيلا والباطل لجلج كالزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض لقد جادلناهم بالحكمة والموعظة الحسنة لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ولكنهم دخلوا الحلبة بأفكار مسبقة كان من الصعب عليهم أن يتزحزحوا عنها والباطل هو الباطل يظل يعربد في عرصات الدنيا إلى أن يتصدي له الحق فيدمغه فإذا هو زاهق ! !

الإفراج عن البهائيين

استيقظت ذات صباح في سجن أبي زعبل فسمعت من يطرق باب الزنزانة فإذا هو رئيس البهائيين ونادي على في شماتة ظاهرة وحقد دفين وقال له ي شيخ كشك لقد أفرج عنا اليوم ثم قال بلهجته العامية " وخلي القرآن ينفعكم " وكان لهذا الكلمة ألم بليغ على النفس لأن الشماتة تورث النفس لوعة ولكن سرعان ما عادت النفس إلى أصولها الأصيلة ومنابعها الصافية في قوله تعالي ( واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) .

وناديت عليه قبل أن ينصرف وقلت له : إني ناصحك بنصيحة قبل أن تغادر السجن فقد لا نلتقي. قال : فيم تنصحنا ؟ قلت له : اسلم تسلم , والرجوع للحق فضيلة فقد أقمنا عليكم الحجة , وقطعنا عليكم المعاذير بتلك الجلسات التي دار بيننا الحوار العلمي فيها ولكنه لم يحر جوابا , وانصرف وأبي واستكبر وكان من الكافرين, وعشش الشيطان في رأسه وباض فيها الإلحاد , وافرح الزندقة ثم ذهب إلى أهله يتمطي فرحا بالإفراج من سجن صغير إلى سجن كبير وقد يعقبه سجن أليم شديد في زنازين القبور وبعد يومين من الإفراج عنهم إذا بضابط السجن يأتيني بجريدة الأهرام ويقول لي : أتذكر فلانا البهائي الذي أفرج عنه منذ قليل ؟ قلت . نعم . قال : لقد مات أمس وهذا نعيه . قلت : سبحان الله ! ! ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير )

لقد أفضي إلى ما قدم والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا وإلى الله مرجعنا فيحكم بيننا وهو خير الحاكمين .

" كشف به دفعة كبيرة قد أفرج عنها "

نودي ذات ليلة على أكثر من ثلاثمائة من المعتقلين الإسلاميين وذلك للإفراج عنهم ثم توالت بعد ذلك كشوف الإفراج على مستوي السجون ولم أكن من بين هؤلاء الذين أفرج عنهم في تلك الآونة وبقيت أعداد قليلة ,والتقي بي قائد السجن ذات يوم وقال يل :هل بينك وبين وزير الداخلية شئ من سوء التفاهم ؟ وكان يومها ( شعراوي جمعة) فقلت له : إني لم ألتق به ولم يجمعني به مكان , فقال : إنني كلما رشحت اسمك للإفراج أشار بقلمه الأحمر إلى اسمك , فقلت له : إذا أذن الله بالإفراج فإنه لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وتحرك الفلك ومضت الأيام ونودي على أسماء كثيرة في المعتقل كنت واحد منهم وظنناه إفراجا ولكنه كان ترحيلا من سجن أبي زعبل إلى سجن طره وجئ بعربات الترحيل ليشحن الناس فيها كالسائمة .. وبينما نحن في ساحة السجن استعدادا للرحيل إذا بي افاجأ بمن يهمس في أذني ويقول : " أنا ضابط الترحيل وإنني أذاكر وعندي امتحان في الشريعة وسأجلسك بجاني في السيارة لتشرح لى أصول علم الميراث " وأظهرت استعدادي وأجلسني بينه وبين السائق السيارة وفي المسافة بين السجنين كنت قد أعطيته فكرة واضحة عن ميراث أصحاب الفرائض والعصبات واخترقت السيارة أبواب السجن العتيق ثم ألقت برحالها ودلفنا من السيارة وعدنا إلى طرة مرة أخري , ورأى ذلك الضابط أن يرد شيئا من المعروف , فحمل عني المتاع حتي دخلنا إلى مكان لا يعرف الخليل فيه خليله , ذلك هو مكان التفتيش حيث نجلس القرفصاء ويقوم بعض القائمين على شئن السجن بتفتيشنا تفتيشا دقيقا خشية أن يكون مع أحدنا شئ من الممنوعات كالقلم والورق والسكين والنقود فكل هذه تعتبر في سجون مصر مخالفات كبيرة لا يسمح بدخولها في العنابر والزنازين .. وكانت إسرائيل في تلك الأيام قد رسخت أقدامها على ضفة القناة بعدما أحكمت سيطرتها على شبه جزيرة سيناء وقلت سبحان اله سمحوا لإسرائيل بدخول مصر ولم يسحوا لنا بدخول قلم من الرصاص أو ورقة بيضاء فبينما إسرائيل تطالب بحقها في المرور في قناة السويس إذا أعيدت الملاحة فيها , إذا بحكام مصر المغاوير يمنعوننا حقنا في إرسال ورقة إلى أهلنا الذين لم نعلم عنهم شيئا ولم يعلموا عنا شيئا فهم لا يعلمون أين نحن ؟

وكيف نقضي تلك السنين ؟ لقد طال بيننا أمد الأفاق وأصبحنا لا نراهم إلا في المنام والرؤي في السجون هي الوسيلة الوحيدة للاتصال بالعالم الخارجي .. وما زلت أذكر أن والدي رحمه الله تعالي كان يزورني في المنام وهو في العالم الآخر كل ليلة وأنا نزيل سجن القلعة وكان يظل معي إلى أن يؤذن الفجر فيذهب هو إلى مستقر الأرواح وأستعد أنا للوقوف بين يدي الله تعالي في الصلاة وسبحان صاحب العزة القائمة والمملكة الدائمة .

ولما طالت الفرقة بيننا وبين ذوينا أصيب بعض الناس بضغوط عصبية شديدة: كان بجواري في سجن طره شخص كان يشغل منصبا رفيعا فكنت استيقظ من النوم على صوته وهو جالس يتحدث مع نفسه ويخاطب أهله كأن في يده سماعة الهاتف فيسألهم عن أحوالهم وهل تناول الأولاد طعام الإفطار ؟ وهل ذهبوا إلى المدارس ؟ وهل هم في حاجة إلى نقود ؟ وفجأة تذهب السكرة وتحل الفكرة فيفيق بعدما تعود به حقائق الدنيا إلى واقعه الملموس , فيعود إلى النوم , ففي النوم تسليم وتفويض لخالق الأكوان والنوم نعمة كبري وآية من آيات الله قال تعالي : ( ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون )

فسبحان ربي كل شئ قائم به وكل شئ خاشع له عز كل ذليل , وقوة كل ضعيف , وغني كل فقير ومفزع كل ملهوف من تكلم سمع صوته ومن سكت علم سره ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلبه .. لقد كانت الرؤي في السجون فيها العزاء والسلوان لنفوسنا , وهذا أمر قد ذكره القرآن الكريم في قصة يوسف قال تعالي : ( ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما : إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ).

فتح باب الزيارة

صرحت إدارة السجن للمعتقلين بالزيارة وعلى المعتقل أن يستعد ليزوره بعض أهله القربين وفوجئت ذات يوم بأنني مطلوب للزيارة فبعدما يقرب من عامين رأيتني وجه لوجه أما إخوتي ومعهم ابني الذي ولد دون أن أراه والذي تركته جنينا في قرار مكين إلى قدر معلوم , ولقد رأيته في المنام قبل الزيارة يفصل بيني وبينه الباب الحديدي للسجن , ومد يده من بين القضبان فصافحته وسألته عن اسمه فقال لي : " أنا ابنك سند " وعلمت أن هناك من الله سندا وعونا لكل مغلوب ومظلوم .

كن عن همومك معرضا

وكل الأمور إلى القضا

وأنعم بطول سلامة

تسليك عما قد مضي

فلربما اتسع المضيق

وربما ضاق الفضا

ولرب أمر مسخط

لك في عواقبه رضا

الله يفعل ما يشاء

فلا تكن متعرضا

وانتهي وقت الزيارة الذي استمر دقائق معدودات فكانوا يحسبون علينا الزمن حسابا دقيقا. ونادي السجان معلنا انتهاء الزيارة واختطف ابني من بين ذراعي ولم اجد بين ذراعي سواي , وودعني أخوتي بعد أن أوصاني شقيقي الأكبر بالصبر والاحتمال والتسليم والتفويض لله تعالي وتلا على مسمعي قوله جل شأنه ( ولئن صبرتم لهم خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) .

شئ عجيب ! !

جاءوا لنا ببعض المتحدثين ليلقوا علينا دروسا بقصد التوعية ولا ينال هذا الشرف إلا الذين نالوا الرضا السامي من السادة الأكابر وكان على رأس هؤلاء المحاضرين شخص كان سجينا في محنة 1954 لكنه عرف الطريق المؤدي إلى الجلوس على كراسي المناصب فسلكه حتى ارتقي في سلم المجد الزائل الزائف . ولما وقعت النكسة واحتل اليهود أطهر بقعة في أرض مصر لم يجد ذلك الشخص في أبواب النفاق ما يذكره تسلية لسيده المهزوم أو المنهزم إلا أن يشبه النكسة بغزوة أحد , وفي الإشارة ما يغني عن العبارة فإذا كانت النكسة التي على رأسها بطل الهزائم وطاغية العصر شبيهة بيوم أحد التي كان على رأسها خير البرية الذي اصطفاه الله تعالي وأرسله رحمة للعالمين فإن النتيجة الحتمية تقتضي أن صاحب النكسة أصبح شبيها بمبعوث العناية الإلهية وشمس الهداية الربانية وقد استحق بذلك أن يصل إلى كرسي الوزارة وأصبح سيادة الدكتور وزيرا وصاحب كلمات في أجهزة الإعلام مسموعة ومقرءوة ومرئية ولو أنه أنصف لعلم تمام العلم أن الفرق شاسع والبون بعيد بين النكسة ويوم أحد فالنكسة كانت هزيمة منكرة ويوم أحد كان مدرسة غربل الله فيها النفوس قال تعالي في سورة آل عمران وقد تحدثت فيها ستون آية عن عزوة أحد من أول قوله تعالي ( وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم ) إلى قوله جل شأنه ( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) قال الله في هذه الآيات يخاطب الجماعة المؤمنة ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وإنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين )

فكيف يحكم الله تعالي لهم بأنهم هم الأعلون . ويأبي سيادة الدكتور الوزير إلا أن يعقد شبها بينهم وبين الظالمين الذين أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .. شتان بين الثري والثريا وهيهات هيهات ما بين التراب والسحاب وفرق شاسع بين مسايح الأسماك ومدارج الأفلاك .

لم تكن غزوة أحد هزيمة , إنما كانت تربية وتمحيصا . قال الله جل شأنه : ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء الله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق لكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) لم تكن غزوة أحد هزيمة إنما كانت غربلة للنفوس وتطهير للصف الإسلامي من شوائب النفاق . قال تعالي : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) وكيف تكون غزوة أحد هزيمة وقد جمع المسلمون الصف عندما أشيع بأن الكفار لن يرجعوا إلى مكة إنما سيعودون للهجوم على المدينة فاستعد المسلمون لنزالهم وهو ما عرف في كتب السيرة بيوم " حمراء الأسد " وفي هذا يقول الله تعالي ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزاده إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) فهل يشبه هؤلاء الذين صمدوا حتى ردوا المشركين مذمومين مدحورين ؟ هل يشبهون بأصحاب النكسة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ! ! إن كل ما يقال يوم أحد لا يعدو أن يكون فشلا في نظام المقاتلين قال تعالي ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين )

إن الهزيمة لتحقق بأحد أمور ثلاثة :

أولها : تعيير العقيدة فهل ارتدت الجماعة المؤمنة بعد إيمانها كافرة؟.

ثانيا: تتحقق الهزيمة بالقضاء على الجيش فهل استطاع المشركون يوم أحد أن يقضوا على الجيش ؟ كلا لقد استشهد من المسلمين سبعون وكان عددهم سبعمائه كان من بينهم أسد الله حمزة , لذلك يطلق بعض الكاتبين على غزوة أحد " يوم حمزة " فهل يعتب هذا قضاي على الجيش في الوقت الذي قتل فيه من المشركين اثنان وعشرون كان على رأسهم أبي ابن خلف الذي أصر على قتل رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال الرسول لأصحابه : خلوا بيني وبينه فقلته وشر الناس من قتل نبيا أو قتله نبي .

ثالث هذه الأمور : التي تتحقق بها الهزيمة ضياع الأرض فهل ضاع من أرض المسلمين شبر واحد يوم أحد لقد ظلت المدينة هي القاعدة الأمينة ورجع المشركون إلى مكة لم ينالوا خيرا فكيف يقال عن يوم أحد إنه كان يوم هزيمة ؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

لقد أعدت ساحة السجن الكبير لإلقاء دروس التوعية وجلسنا على الأرض أمام السيد الدكتور وعندما وقف ليحاضر , أمطرت السماء مطرا غزيرا ولم يكن المكان مسقوفا فقمنا مسرعين إلى العنابر كما أنه وليّ إلى مدير مكاتب الإدارة يقي نفسه ماء المطر , وبعد قليل طلعت الشمس وصفا الجو , وعدنا إلى الاستماع وعاد ليقف على المنصة وقبل أن يتحدث انفتحت أبواب السماء منهمر وانفض الجمع وهرول الدكتور مسرعا إلى مبني المكاتب وبعد قليل طلعت الشمس وعدنا للمرة الثالثة وما أن وقف السيد الدكتور حتي غضبت السماء هذه المرة غضبة لم تسمح له بالعودة إلى الحديث فقد ظلت تمطر كأنها ترثي لحال المسلمين وما وصلوا إليه . لقد كان هذا الدكتور من قوم موسي فبغي عليهم لقد أمروه أن يحاضر فعز على نفسه أن يحاضر عندما غضبت السماء , ولو أنه كان يملك شيئا من خشية الله لعلم أن خير محاضرة تلقي علينا أن يقول للذين أرسلوه الظلم مرتعه وخيم والظلم لا يدوم , وإذا دام دمر ولقرأ عليهم قوله تعالي ( و لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) ولذكرهم بالحديث القدسي : " يا عبادي لقد حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا ويقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : اتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب "

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عينك والمظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

موقف حرج

أرادوا أن يضعوني في موقف حرج فطلبوا مني أن أقوم بإلقاء كلمة على الإخوة المعتقلين والحقيقة أنني قضيت تلك الليلة التي وصلني فيها هذا الأمر قضيتها مؤرقا مسهدا وتذكرت قول الإمام ابن الجوزي رضي الله عنه : " إني لأقضي الليل أتقلب في فراشي بحثا عن كلمة أرضي بها السلطان ولا أغضب بها الله فلا أجد" وتذكرت للإمام ابن الجوزي موقفا من المواقف التي بلغت من الحرج أقصاه فقد خطب الجمعة من مسجد به سنة وشيعة فسأله أحد الحاضرين على الملأ يريد إحراجه فقل له : أيها الإمام أيهما أفضل عند رسول الله صلي الله عليه وسلم : أبو بكر أم علىّ ؟

وعلم الإمام أن صاحب هذا السؤال ما أراد بسؤاله هذا إلا ابتغاء الفتنة , والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها, فألهمه الله إجابة أدق من ميزان الذهب فقال : أفضلهما عند رسول الله صلي الله عليه وسلم من كانت بنته تحته . كلمة من نور فبنت أبي بكر تحت رسول الله , وبنت رسول الله تحت على ولقد سألت الله أن ينجيني من تلك الشدة التي يراد بها الفتنة وما ابتلي المؤمنون بقدر ما ابتلوا بالسجون , وألهمني الله تعالي من فضله أن أتحدث عن الداء والدواء فأشخص الداء وأصف الدواء فتحدثت عن عوامل البناء ومعاول الهدم وأردت بذلك بناء الأمم وهدمها فلخصت عوامل البناء في عقيدة راسخة ومعنويات عالية نابعة من ثقة صادقة , وقدوة صالحة وأسلوب علمي صحيح , ولخصت عوامل الهدم في ضعف الوازع الديني , والتفسح الأخلاقي , الانحلال الاجتماعي وحمدت الله على أن نجاني من شباكهم التي نصبوها وعلى أن ألهمني أن أقول حق دون أن أسمح للآخرين أن يتسلقوا على كتفي .

يوم الإفراج

الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر ولله تعالي في كل نفس مائة ألف فرج , ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله , فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا , ولن يغلب عسر يسرين ..

استيقظت صبيحة يوم السبت الثلاثين من شهر مارس 1968 وقد طالعتنا صحف الصباح أن الزعيم الأوحد سيلقي بيانا مساء هذا اليوم , وبينما أنا أجلس مع بعض الإخوة نطالع الصحف وقد أرسلن الشمس أشعة هادئة إذا بي أسمع اسمي في مكبر الصوت فذهبت إلى مكتب الإدارة فقالوا لى : أحضر أمتعتك , ولم أسأل : لماذا ؟ فقد سئمنا السؤال , وأخذني أحد المسئولين في الأمن , حيث ركبنا سيارة خاصة وكنا ثلاثة : السائق والحارس وأنا , وساد الصمت العميق فلم يتكلم أحد منا بكلمة , وأخذت الأفكار تداعب عقلي , إلى أين ؟ هذا إفراج ؟ لو كان كذلك لسمعت كلمة تهنئة إذن فماذا يكون . أهو ذهاب إلى السجن القلعة للتحقيق في قضية اكتشوفها حديثا ؟ أهو ذهاب إلى سجن أبو زعبل مرة أخري حيث التخزين إلى أجل غير مسمي ؟ كل هذه الأفكار والسيارة تطوي الأرض تحت عجلاتها طيا إلى أن وقفت بنا في مكان لا أعرفه ورأيت بعض أفراد يفتحون باب ويحملون الأمتعة وقد وضع أحدهم ذراعه في ذراعي واقتادني إلى داخل المبني وقد اعتدت أنني إذا دخلت في مكان مجهول أعلم أن الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود , أعتدت أن أردد هذا الدعاء .. " يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث " وهمس بعضهم في أذني قائلا : ابشر فإنه الإفراج ولكنك ستنتظر في هذا المبني قليلا لمقابلة تتم بينك وبين مدير المباحث , وبعد برهة تم اللقاء , وإذا به يلقي على محاضرة في بطولة الزعيم المنهزم وأن العرب لم يكن لهم أى وزن في العالم لولا جمال عبد الناصر هو الذي رفع سمعة العالم العربي وجعل من العرب أمة يحسب لها العالم ألف حساب .

ويعلم الله ويشهد رسوله أنه قائل هذا الكلام قد لا يؤمن به فما جاء جمال عبد الناصر إلا ليحقق ثلاثة أهداف : أولها القضاء على الإسلام , وثانيها تمزيق الصف العربي , والثالثة تثبيت مكانة إسرائيل في المنطقة .. ولما نفذ هذا المخطط المرسوم له قال له أسياده : لقد بلغن الرسالة وأديت الأمانة فمت فأخرجوا له شهادة الوفاة في الخامس من يونيو عام 1967 وشيعوا جنازته الرسمية في سبتمبر 1970 حيث أدرج في أكفان القدر وما أن انتهي حسن طلعت من إلقاء محاضرته حتي شعرت كأنني وضعت عن كاهلي جبلا ثقيلا , ولما أذن لى بالانصراف ظننا أنني سأنصرف إلى بيتي ولكن قيل لى : إنك ستنتظر حتى الساعة السادسة مساء لمقابلة تتم بينك وبين السيد الوزير , ومرت الدقائق كأنها شهر والساعات كأنها دهر , واقترب الوعد المضروب بيننا والتقيت به في مكتبة وأنا أسأل الله العافية ولقد مدّ الرجل يده وبها عشرون جنيها وقال لى : خذ هذه النقود البسيطة واستعن بها في نفقة أولادك فسألته : وبأى وجه أستحقها ؟ إن كانت على سبيل الصدقة فلست فقيرا فأرجوا أن تعافيني من هذا الحرج , وألح في الأخذ وألححت في الرد وعافاني الله منها , فنزح بحرين بغربالين وحفر بئرين بإبرتين وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا كأبيضين , وكنس أرض الحجاز في يوم شديد الهواء بريشتين خير لى أن أقف على باب غير باب يضيع فيه ماء عيني .

وانتهت الزيارة وانصرفت حيث كان يصحبني أحد الضباط وتوجهنا إلى المنزل بعد غيبة استمرت حولين كاملين , وطرقت باب المنزل وكانت الزيارة مفاجئة للأهل , أما الأم فقد انعقد لسانها من الفرحة فلم تستطع الكلام وأما الإخوة فقد فاضت من أعينهم دموع الفرحة وصليت لله ركعتين وقلت : الحمد لله علة جزيل نعمه فقد أحس بي إذا أخرجني من السجن يا فاطر السماوات والأرض أنت ولييّ في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ".

وفود الناس تأتي للتهنئة

ظللت شهورا أستقبل وفودا من الناس يأتون مهنئين جمعت بيننا محبة الله في الرحاب الظاهرة والبقاع المقدسة في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاء يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار .

إن هؤلاء الذين جاءو مهنئين قد خلت قلوبهم من الرياء السمعة والنفاق فنحن لم نتعارف على مغنم أو منصب أو منفعة فلو كان ما يجمعنا شيئا من هذه الأغراض الزائلة لكانت صداقتنا ومحبتنا ومعرفتنا زائلة. لكن الذي كان يربط بيننا أوثق من ذلك وأرسخ إنها المحبة في الله التي قال الله تعالي فيها ( وألف بين قلوبهم , لوأنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم )

إن علاقة السياسيين الذين تربطهم الوصولية علاقة لا أساس لها ولا جذور بل إنها سرعان ما تنقلب إلى عداء سافر ولا ننسي ما كان بين مصطفي النحاس ومكرم عبيد أو ما كان بين عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ... لكن أصحاب العقائد تقوي صداقتهم على مر الأيام لأنهم كلما ازدادوا من الله قربا ازدادت قلوبهم مودة وحبا . إنهم على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين , إنهم تحابوا في الله لغير منفعة أو دنيا فوالله إنهم لنور , وإن وجوههم لنور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يفزعون إذا فزع الناس ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشري في الحياة وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) .

هؤلاء هم الذين قال الله تعالي في حقهم في حديثه القدسي : " وجبت محبتي للمتحابين في والمتباذلين في والمتجالسين في " إنهم الذين قال فيهم الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم " سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه وذكر منهم : ورجل قلبه معلق بالمساجد " فما بالك بهؤلاء وهم أوتاد المساجد جلساؤهم الملائكة إن غابوا افتقدوهم فإن كانوا مرضي عادوهم وإن كانوا في شدة دعوا الله لهم ..

ليس من العسير أن نقيم المصانع ونشيد ناطحات السحاب , ونبني البوارج , وننشئ الجواري في البحر كالأعلام , ونصنع أساطيل الطائرات ولكن من الصعب أن نبني النفوس على العقيدة الراسخة , والمعنويات العالية والقدوة الصالحة , وقوة الوازع الديني لذا قال " ريتشارد نيكسون" عندما تولي حكم الولايات المتحدة : " إن الولايات المتحدة لا تعاني أزمة مالية إنما تعاني أزمة روحية . لقد وجدنا إنفسنا أغنياء في السلع فقراء في الروح نصل في قرب عظيم إلى القمر ونسقط في خلاف حاد على الأرض "

إن المجتمع الإيماني قد حدد الله معالمه في قوله إن المجتمع الإيماني قد حدد الله معالمه في قوله : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم )

واقعة عجيبة ! !

قديما قالوا : " إن من شر المصائب ما يضحك " فقد زارني أخ كريم هو عندي ثقة صدوق وسألني أثناء زيارته في أى سجن كنت في اليوم الثاني والعشرين من فبراير عام 1968 ؟ قلت له : كنت في سجن طرة ثم سألته: لماذا تسأل هذا السؤال ؟ فقال : أظن قد علمت أنه في هذا اليوم قامت مظاهرات صاخبة وعنيفة من طلبة الجامعات : قلت له : علمت ذلك من الصحف فقال : لقد كنت أحضر مؤتمرا انعقد في هذا اليوم وقام فيه أحد كبار المسئولين خطيبا , وكان ذلك المؤتمر في أحد مقار الإتحاد الإشتراكي وكان المتحدث يعمل وزيرا للمعلومات قال في خطابه : إن الشيخ كشك كان وراءه المظاهرات التي قامت في جامعة عين شمس فسألته من أنباك هذا ؟ قال : رأيته بنفسي يقود سيارة من طراز مرسيدس . فقلت له : أنت لا تعرفه إذ كيف يقود سيارة وهو كفيف البصر . فبهت ولكن أهل الباطل لا يستحون , إنهم يعرفون بما لا يعرفون , ومن الخطأ أن يقول الإنسان مالا يعلم وأن يعلم قبل أن يتعلم ولا يخاف أن يأثم وإذا أثم لا يندم .

وهكذا قامت دولة التقريرات على الأكاذيب الشائعات فضاع ضحي ذلك الأبرياء المظلومون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله .

فرس الغني وبقرة الفقير

ذكرتني هذه الواقعة العجيبة التي قصها علىّ ذلك الصديق بقصة فيها من الظلم ما يتضاءل بجانبه كل ظلم فقد ذكروا أن غنيا كان له فرس وكان لجاره الفقير بقرة فولدت بقرة الفقير عجلا , فقال له الغني : إن هذا العجل ابن فرس ولابد أن أضمه إلى ّ وعبثا حاول الفقير أن يقنعه وأخير لجأ إلى القضاء وكان القاضي رجلا صالحا فلما تمثلا بين يديه وسمع لكل منهما قال القاضي لا أستطيع الفصل في تلك القضية هذا اليوم لأنني أشعر بأن دم الحيض قد نزل على فقال له الغني , وقد استولي عليه العجب وأخذته الدهشة : وهل تحيض الرجال يا سيدى ؟ فقال له القاضي وهل تلد الفرس عجلا يا سيدي ؟

نعم إنه الظلم , وإن للظالمين لغة يجيدونها ويعاملون الضعفاء بها :

إن الغني وإن تكلم بالخطا

قالوا أصبت وصدقوا ما قالا

وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم

أخطأت يا هذا وقلت ضلالا

إن الدراهم في المجالس كلها

تكسر الرجال مهابة وإجلالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة

وهي السلاح لمن أراد قتالا

هذه لغة أهل الجاهلية الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ويحسبون أنهم على شئ ألا أنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون .

العودة إلى المسجد

طلب إلىّ أن أعود إلى المسجد الذي كنت فيه قبل دخول السجن وأن أعود في الجمعة القادمة بعد الإفراج فلقد أفرج عني في اليوم الثلاثين من مارس وكان يوم السبت وطلب مني أن أعود يوم الجمعة الخامس من إبريل دون أن أنال قسطا من الراحة بعد عناء السجن وانتشر خبر العودة واغتص المسجد بالرواد من كل حدب وصوب وما زالت أذكر هذا اليوم فقد كان يوما مشهود من أيام الإسلام فقد اخترقت صفوف المصلين إلى المنبر بصعوبة بالغة وشعرت كأن القلوب قد قفزت إلى الحناجر فرحا واستضاءات بنور الله بشرا وكرما وما زلت أذكر موضوع هذه الخطبة التي بدأتها بقولي : " لقد عدت إليكم بمشيئة الله بعد مائة أسبوع "

قد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا

وقد ألهمني الله تعالي أن يكون موضوع هذه الخطبة في تفسير قوله تعالي : ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) .

وقد نزلت هذه الآيات في واقعة خطيرة وفي يوم من أيام الإسلام الخالة لقد نزلت بعد أن استشهد أسد الله حمزة وخف الرسول إلى مكان الحادث وألقي نظرة على الجسد الطهور وقال في كلمات تفيض حزنا " والله يا عم ما أصبت في أحد كما أصبت اليوم فيك , وما وقفت موقفا مثل موقفي هذا عليك ولئن أمكنني الله منهم لأمثلن بسبعين أو مائة ".

فماذا كان رد العلي القدير على ناشر الهدي وواسع الندي صلوات ربي وسلامه عليه كان الرد برقية عزاء عاطرة ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به , ولئن صبرتم لهو خير للصابرين )

وأذكر يومها أنني عرفت الصبر بتعريفات كثيرة ذكرت منها : أنه مقاومة النفس لهوي لئلا تنقاد للقبائح وبأنه ثبات باعث الدين في مقابل باعث الشهوات وبأنه احتمال الكد.

وقسمته إلى بدني ونفسي وقد يكون النفسي قناعة وحلما وشجاعة وعفة باعتبار ما ينسب إليه الصبر .

وكان يوما حافلا , ولقاء مشهودا فلقد ظللت بعد الصلاة أصافح المصلين وأتلقي التهاني بالعودة حتي أدينا صلاة العصر وما استطعت الانصراف إلا بشق الأنفس إنها دولة القلوب إذا عرفت الله أصبحت نورانية تحلق في آفاق الطهر وساحات الرضا إنها الممالك التي أقامها الله تعالي في صدور عباده المؤمنين سعادتها في رضا الله عنها وليس في الانتشاء بالكئوس المترعة أو الاستمتاع بالغيد الأماليد إنما تري السعادة في تزكية النفس بالإيمان وإشراق العقل بالمعرفة وانتصار بالاستشراف إلى العالم العلوي والملأ الملائكي إنها تردد هذه الدرة النبوية " إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي " إنها تهتف هذا النشيد :

فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك ترضي والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فوق التراب تراب

إنها تشدو بهذه المعاني الرفيعة :

رضاك خير من الدنيا وما فيها

يا مالك النفس قاصيها ودانيها

فليس للنفس آمال تحققها

سوي رضاك فدا أقصي أمانيها

فنظرة منك يا سؤلي ويا أملي

خير إلىّ من الدنيا وما فيها

وسارت سفينة الدعوة باسم الله مجريها ومرساها وأخذت تجري في موج كالجبال فمن ركب تلك السفينة فقد نجا ومن قال : سآوي إلى جبل يعصمني من الماء كان من المغرقين وازداد إقبال الناس على المسجد وجدوا فيه للنفوس روحا وريحانا وجنة نعيم وحرصوا على حضور دروس المساء التي كانت تلقي ما بين المغرب والعشاء .

وهكذا عرفنا الإسلام تصهره الشدائد وتزيده قوة وتكسب عوده صلابة .

فكم زالت رياض من رباها

وكم بادت نخيل في البوادي

ولكن نخلة الإسلام تنمو

على مر العواصف والعوادي

ومجدك في حمي الإسلام باق

بقاء الشمس والسبع الشداد

قاهر الجبارة

سبحان صاحب العزة القائمة والمملكة الدائمة , خشعت الأصوات لعظم ملكوته وعنت الوجوه لجلال جبروته , هو القوي العظيم وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم سبحانه أوجب الوجود لذاته وكتب الفناء على غيره .

في اليوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر عام 1970 جاء من يخبرني بأن عبد الناصر قد مات وعلىّ أن أعد حقيبة المعتقل فقد تكون هناك حركة اعتقالات واسعة للذين تم اعتقالهم من قبل تأمينا لظهر الثورة , وقلت : سبحان الله أأشقي به حيا وميتا ؟ ! إن هذا الرجل الذي ملأ طباق الأرض ظلما وجورا أصحيح قد مات ؟ نعم قد مات فليس هناك من يستعصي على الموت مهما كان جبروته وصولجانه , إنه كان في مؤتمر القمة الذي عقد بالقاهرة بين الملوك والرؤساء العرب كان بينهم مختالا كالطاووس مزهوا بنفسه مغرروا كعادته ولكنه في الواقع كان كما قال القائل :

كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

وكما قال آخر :

أسد علىّ وفي الحروب نعامة

لقد انفض مؤتمر القمة وكان هو في وداع أمير الكويت وعاد إلى بيته حيث كان على موعد مع ملك الموت وعبثا حاول الأطباء به حيث قال لهم أحد المقربين : لابد أن تفعلوا شيئا وكأنهم يستطعيون أن يمنعوا الروح من الخروج , وسبحان من يقول : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين ) ... لقد بذل الأطباء قصاري الجهد فهذا يقيس ضغطا وذاك يقوم بتدليك القلب وذلك يقف على حقيقة النبض , ولكن .

ومن نزلت بساحته المنايا

فلا أرض تقيه ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن

إذا نزل القضا ضاق الفضاء

ماذا يفعل الأطباء إذا انقضي الأجل ؟

إن الطبيب له علم يدل به

إن كان المرء في الأيام تأخير

حتى إذا ما انتهت أيام رحلته

حار الطبيب وخانته العقاقير

ويرحم الله هارون الرشيد لما شعر بدنو الأجل , أمرهم أن يحفروا قبره ليراه قبل أن يموت ثم أمرهم أن يحملوه إليه فجلس على شفير القبر وفاضت عيناه من الدمع ودعا رب العزة قائلا : " يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه ".

لقد مات جمال عبد الناصر وأدرج في أكفان القدر , وطويت صفحة عمره وتنفسا الصعداء وتذكرت قول الصادق المعصوم صلي الله عليه وسلم : " إن العبد المؤمن إذا مات استراح بالموت من عناء الدنيا والفاجر إذا مات استراح منه البلاد والعباد والشجر والدواب "

الله أكبر لا شمات بميت

لكن زوال القحط بشري للوري

فسبحان قاهر الجبابرة ومحطم القياصرة ومدمر الأكاسرة ومبيد الأباطرة :

ولي في فناء الخلق أكبر عبرة

لمن كان في بحر الحقيقة راق

شخوص واشكال تمر وتنقضي

فتفني جميعا والمهيمن باق

إن الفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله متي شاء .

موقف حرج

مات الزعيم يوم الاثنين وطفح النفاق كما تطفح الأرض بماء المجاري وأرسلوا في المدائن حاشرين وجمعوا الناس لميقات يوم معلوم لتشييع الجنازة يوم الخميس وفي هذا مخالفة لشرع الله , فإكرام الميت في الإسلام دفنه . ومرت هذه الأيام ثقيلة متباطئة وجاءت ساعة الدفن وأنا أجلس بجانب المذياع أترقب مصير هذا الذي كاد يقول أنا ربكم الأعلي وأوشك أن يصيح بأعلي صوته : أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ؟ وجئ به على شفير القبر وكإن القبر يناديه بلسان حاله : أيها الجبار العنيد : أجمعت الدنيا أم الدنيا جمعتك ؟ أتركت الدنيا أم الدنيا تركتك ؟ أعجلت المنية أم المنية عاجلتك ؟ لقد خرجت من التراب وعدت إلى التراب , خرجت من التراب بغير ذنب وعدت إلى التراب بكل ذنب ..

لقد ورى الجثمان الثري وأفضي صاحبه إلى ما قدم وصار رهينا بعمله وكأني أسمه النداء من ب العزة يقول له : عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو ظلو معك ما نفعوك ولم يبق إلا أنا وأنا الحي الذي لا أموت .

وهكذا سحب الدهر عليه أذيال النسيان والفناء .

أتيت القبور فناديتها

فأين المعظم والمحتقر

وأين المدل بسلطانه

وأين المزكي إذا ما افتخر

تساووا جميعا فما مخبر

وماتوا جميعا ومات الخير

تروح وتغدو بنات الثري

فتمحو محاسن تلك الصور

فيا سائلي عن أناس مضوا

أمالك فيما مضي معتبر ؟

وروي الجثمان يوم الخمس وجاء يوم الجمعة وأقبلت أفواج المصلين على المسجد كعادتها عندما يقع حدث أو تنزل نازلة تضاعف الأعداد بحيث لا يصبح هناك شبر من الأرض إلا وفيه قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد . وفي مثل هذه المواقف تنتشر كتبة التقارير في أرجاء المسجد ويصبح الموقف بذلك عصبيا , فإذا كان سيدهم قد مات فإنه ما يزال يحكم من داخل قبره حتي أن عليه القوم إذا مروا بقبره جيئة أو ذهابا كانوا ينزلون من السيارة ليؤدوا له التحية العسكرية أمام قبره .. ما هذه الوثنية وما تلك الجاهلية يا قوم ؟

اجعل بربك كل عز

يستقر ويثبت

فإذا اغتررت بمن

يموت فإن عزك ميت

إذن فالموقف يحتاج إلى حكمة والحكمة تقول : ليست الشجاعة ه يالتهور بل إن تقول الحق دون أن تسمح للآخرين أن يتسلقوا على كتفيك إن العيون مبثوثة هنا وهناك والظلمة هم الظلمة والسجون هي السجون ولابد للمسلم أن يقول كلمة الحق لذلك كان الموضوع الذي تحدثت فيه يوم الجمعة قد استوحيته من الأحداث : فالعاقل من يأخذ من أحداث الأيام عبرة والدهر مدرسة أساتذتها الأيام والليالي.

يا نائم الليل مسرورا بأوله

إن الحوادث قد يأتين أسحارا

لقد كان موضوع الخطبة جوابا عن سؤال طرحته وقلت فيه : لماذا كانت صلاة الجنازة أربع تكبيرات تؤدي قياما لا ركوع فيها ولا سجود ؟ واستلهمت الحكمة وعلمت أن الجنازة توضع أمام المصلين , فلو ركعنا أو سجدنا لتوهم أن هذا الركوع , والسجود لذلك العظيم الذي وضعت جثته أمامنا , وجاء التكبير فيها إشارة إلى أن الله أكبر من هذا الجبار وأبقي سبحانه هو القائل ( ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه , له الحكم , وإليه ترجعون ) .

وسبحان القائل ( كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) لقد جاءت هذه الآية في سورة العنكبوت بعد سلسلة من تاريخ الأنبياء مع الجبابرة فقد ذكر الله تعالي في هذه السورة قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط كما ذكر مدين وعادا وثمود وقارون وفرعون وهامان ثم حكم عليهم بالفناء . كما شبه الذين اتخذوهم أولياء بتشبيه رائع يأخذ بالألباب فقال ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) .

وانقضي يوم الجمعة وانصرفت وفي ذهني هذه الأبيات :

نبكي على الدنيا وما من معشر

جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا

أين الأكاسرة الجبابرة الأولي

جمعوا الكنوز فما بقين ولا بقوا

من كل من ضاق الفضاء بجيشه

حتى ثوي فحواه لحد ضيق

خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا

أن الكلام لهم حلال مطلق

مصارع الظالمين

( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين ) وحاشا لله أن يكون غافلا , وكيف يكون غافلا وهو الذي قال : ( فنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ) وحاشا لله أن يكون غائبا وكيف يكون ذلك كذلك وهو الذي يقول : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم , و أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم )

فقد تنزه سبحانه عن الغفلة والغيبة ولذا قال :( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون , إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) فإذا كان سبحانه وتعالي يمهل فإنه لا يهمل إن الله لا يعجل كعجلة أحدكم إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته اقرءوا إن شئتم ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القري وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد )

وجميل أن يقول أمير الشعراء:

إذا ما ملكت النفوس فابغ

رضاها فلها ثورة وفيها مضاء

يسكن الوحش للوثوب من

الأسر فكيف الخلائق العقلاء ؟ !

يحسب الظالمون أن سيسو

دون وأن لن يؤيد الضعفاء

ولي السادات حكم مصر بعد أن هلك سلفه , وقد كان امتدادا لمن كان قبله في اضطهاد كل عمل إسلامي فلئن كان عبد الناصر يجاهر بالظلم وتعثي زبانيته في الأرض فسادا , فإن السادات جاء فقنن هذا الظلم فسن القوانين الظالمة التي سموها فيما بعد " سيئة السمعة " وهي قوانين تكاد السماوات يتفطرن منها وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أسمعت بهذه الديمقراطية التي كان يقول عنها : " إن لها أنيابا ومخالب " إنه قول ينطبق عليه قول علماء لمنطق : " سلب الشئ عن نفسه ط كأن تقول : الإنسان لا إنسان وهو ضرب من ضروب السفسطة .

وإذا كانت الديمقراطية التي كان يتغني بها كما كان يتغني سلفه بالعزة والكرامة – إذا كان لها أنياب ومخالب فماذا تكون الديكتاتورية ؟ وما الفرق بينهما ؟ إنها الديكتاتورية في أسوأ معانيها وشر مغزاها ومبناها لقد جاء يوم على هذا الحاكم قال فيها : ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعباد ) هكذا قرأ الآية . وهي في كتاب الله : ( وما أنا بظلام للعبيد ) والذي لا يبدل القول لديه هو الله وحده فهذا الوصف خاص بمن يقول للشئ " كن فيكون" ولكن ماذا أقول ؟ ومن بين علماء الأزهر من قال عنه : والذي نفسي بيده لو أن شيئا من الأمر لرفعت هذا الرجل ( يقصد به السادات ) إلى قمة لا يسأل عما يفعل وقد رد عليه الشيخ عاشور فيما سموه بمجلس الشعب وقال له : هذا كفر يا مولانا ! فقال له الشيخ الوزير : أنا أعرف بالله منلك .

وذكرني هذا الموقف بذلك الشاعر الذي دخل على أحاكم ذات يوم فقال له :

ما شئت لا ما شاءت الأقدار

فاحكم فأنت الواحد القهار

وقد قيل لعبد الناصر ذات يوم على لسان أحد المنافقين :

بشراي إن صلاح الدين قد عاد

وأصبحت هذه الأيام أعياد

أجمال مالك من بين الأنام أخ

في الشرق والغرب ممن نطق الضادا

لو كان يعبد من بين الأنام فتي

كنا لشخصك دون الناس عبادا

ويوم وقع النكسة وهي في الحقيقة هزيمة ووكسة قام أحد أعضاء مجلس الأمة يرفض فرحا وابتهاجا بسلامة الرئيس كما غصت شوارع القاهرة بالمصفقين والهتافين والراقصين المطالبين ببقاء الزعيم بطل الهزائم وقائد ثورة الغضب والنهب والسلب كانوا يرقصوون وهم المهزومون وكان الناس في إسرائيل يعلنون الحداد ويصلون على قتلاهم فأعجب معي لشعب منهزم يرقص , وشعب منتصر يندب قتلاه ... إنه الفرق بين الإحساس بالمسئولية واللامبالاة كانت إسرائيل تنادي بالسلام وهي تستعد للحرب وكنا ننادي بالحرب دون أن تستعد لها فوقعت الواقعة وكانت خافضة رافعو لقد طفح النفاق وكثر المنافقون وحملة القماقم حتى وقف أحد المدرسين الذين كان السادات تلميذا عندهم يقول في أحد المحافل أما سيده السادات " إن في خلق السماوات والسادات لآيات لأولي الألباب" ثم اضاف قائلا : لقد منح الله سيدة مصر الأولي نصف الجمال , وقسم النصف على الآخر على نساء العالمين .

إن المنافقين في كل زمان ومكان عالة على المجتمع وقت السراء وسوس ينخر في عظام الأمة أوقات الضراء يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وصدق الله تعالي إذ يقول ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا )

وجاء اليوم الذي قدم فيه أحد أعضاء مجلس الشعب اقتراحا بأن يطلق على السادات لقب " سادس الخلفاء الراشدين " وقال له أحد كبار المسئولين في الولايات المتحدة في خطاب ألقاه في أحد المؤتمرات :إن الله خلق السمات والأرض في ستة ايام اختص منها يوما خلق فيه المسيح بن مريم وأنور السادات ... والعجب في هذا الكلام أن هذا المغرور يصدق هذا الهراء . لقد قالوا قديما في الأمثال : إذا كان المتكلم مجنونا فليكن المستمع عاقلا .

ولكن صاحبنا هذا كان أشد جنونا من المتحدث فقد قال للوفد الذي كان يرافقه في تلك السفرة " انشروا هذا الكلام في الصحف المصرية عندما نعود " ولكن شاء الله ألا ينشر هذا الكلام في مصر حتى لا يصاب الناس بصدمة تتعلق بالعقيدة وهي أغلي ما يملكه المسلم ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يديه من بعد الله , أفلا تذكرون ) .

وأعجب معي لهذا الذي يتشدق بالديمقراطية ويهدد بأن لديه مفرمة وأن من خالف أمره واتبع غير سبيله فسوف يفرمه , والمعروف أن المفرمة إنما عدت للحوم الحيوانات ولكن الرجل لما كان مطموس البصيرة قاسي القلب أصبح لا يميز بين لحم ولحم , شواء ربك أن يجعل بين هذا الحاكم وبين أقطاب الظلم يوما سموه " ثورة التصحيح" ولم يكن في حقيقته كذلك إنما كان في الحقيقة يوم الصراع على السلطة ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) وكان هذا اليوم يوافق الخامس عشر من شهر مايو 1971 تآمر كل من الفريقين على الآخر فكان الصدام العنيف فريق مراكز القوي ( كما أطلقوا عليه) وعلى رأسه شعراوي جمعة وفريق على رأسه السادات . وشاء ربك أن يذوق هؤلاء الزبانية مرارة الكأس وسوء المصير وأن يدخلوا السجون التي دخلها أصحاب الدعوات فالبر لا يبلي والذنب لا ينسي والديان لا يموت اعمل ما شئت كما تدين تدان ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون )

يا نائم الليل مسرورا بأوله

إن الحوادث قد يأتين أسحارا

لقد سيق الظالمون إلى السجون فذاقوا وبال أمرهم ( إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شئ أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا )

لا أمان للدهر ولو صفا , ولا أمان للمال ولو كثر ولا أمان للسلطان ولو قرب منك .

ما زالت الأيام شيمتها الغدر

وبعد صفو الليالي يحدث الكدر

فاسألوا التاريخ عن جبابرة العالم اسألوا التاريخ عن هتلر وموسوليني ولينين وستالين وجانكيز خان وهولاكو , وعبد الناصر وشاه إيران وكمال أتاتورك وعن فراعنة مصر أين هم ( فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا , ثم لنحن أعلم بالذين هم أولي بها صليا , وإن منكم إلا زاردها , كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا )

الأحقاد تتحرك

قد يختلف بعض الظالمين مع بعض ولكن تزول الخلافات ويتحد الجهد إذا كان العدو هو الإسلام لقد سارت مواكب الدعوة الإسلامية في المسجد سيرا أحمد الله عليه فأصبح الناس يملئون كل فراغ يحيط بالمسجد وأقبل المسلمون بمسجلاتهم يسمعون ويسجلون يأتون رجالا وراكبين وقلوبهم تطير من الفرح فقد صارت صلاة الجمعة عندهم عيدا إسلاميا حقيقيا يلتقي فيه الأحياء والأخلاء الأتقياء يتعارفون على محبة الله ويلتقون على طاعته جل في علاه .

وذات يوم من أيام عام 1971 فوجئت بعد صلاة العصر بثلاثة من المسئولين عن الدعوة في وزارة الأوقاف يدخلون في غرفة الإدارة ويقولون لى لقد جئنا من قبل السيد الدكتور الوزير وكان من شيوخ الأزهر بعدما ترك وزارة الأوقاف قلت : خيرا إن شاء الله . قالوا والشماتة بادية في كلامهم وتكاد الفرحة تعقد ألسنتهم قالوا : إن السيد الوزير أصدر تعليماته إليك لتؤدي خطبة الجمعة القادمة مي مسجد الظاهر بيبرس وسوف يصلي الجمعة هناك . وسألت لماذا لا يصلي معنا هنا ؟ قالوا : لأن المسجد هناك أوسع وأرحب , قلت وهنا أيضا أرض الله واسعة وقلت : إنني إذا تركت المسجد يوم الجمعة وفوجئ رواد المسجد بهذا فسوف تكون هناك فتنة وشائعات وقد يخطأ الحساب فتأتي أوخم العواقب والفتنة نائمة ونسأل الله العافية قالوا . لا شأن لنا , فنحن مأمورون بكتابة هذه الإشارة في دفتر الأحوال ومن حقك أن نذهب إلى الوزير وتناقشه في هذا الأمر ... وكتبوا الإشارة وكان نصها : " على إمام المسجد أن يؤدي خطبة الجمعة بمسجد الظاهر بيبرس حسب تعليمات السيد الدكتور الوزير " ثم طلبوا مني أن أختم بالموافقة ولكني أبيت فقد كنت موقنا بأن الله سيجعل بعد عسرا يسرا وقد استقر في يقيني أن الأمر أشد من أن يكون خطبة في أحد المساجد الأخرى , وألحوا علىّ أن أختم فقلت لهم : من حقكم أن تكتبوا ما تشاءون ومن حقي ألا أوافق على ما تكتبون فانصرفوا وكان هذا يوم الأحد وكنت قد تهيأت لإلقاء درس المساء بين المغرب والعشاء وأحطت المصلين علما بما حدث وقد تعمدت ذلك لأنني أعلم أن هؤلاء الذين أصدروا هذا الأمر كانوا يودون أن تقضي الأمور في طي الكتمان ويقلقهم أن يحاط المصلون علما بمثل هذه المؤامرات والله لا يهدي كيد الخائنين .

وبعد أن صلينا العشاء صافحني أحد المصلين وقال هامسا في أذني : اطمئن فلن تنقل من هذا المسجد وسوف يعتذر الوزير عما فعل وسألته : من أنت يرحمك الله ؟ فقال عبد من عباد الله . قلت سبحان الله وما يعلم جنود ربك إلا هو , وصدق الله تعالي إذ يقول ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) فقد وقف العضوان الممثلان للمنطقة في مجلس الشعب ينددان بهذا العمل ويحملان الوزير مسئولية ما سيحدث من فتن إذا أصر على أمره وطارت البرقيات إلى المسئولين , وفي يوم الأربعاء من نفس الأسبوع جاء الذين كتبوا الإشارة ليكتبوا إشارة أخري تنسخها ... وخطبت الجمعة في مسجدي الذي كان يعتبر قلعة شامخة في منطقة " دير الملاك ".

لكني أردت أن أعرف ماذا وراء هذه الإشارة التي أراد بها الوزير أن ينقلني من مسجد زرعت فيه زرعا فأخرج شطأه فآزره وأراد أن يقتلعني قبل أم يستغلظ هذا الزرع ويستوي على سوقه ؟ ما هو الدافع إلى هذا ؟ والناس يأتون من أقصي محافظات القطر زراقات ووحدانا يأتون وهم يعلمون ان لهم بكل خطوة يخطونها إلى بيوت الله رفع درجة ومحو خطيئة وكتابة حسنة.... وطلبت من أحد رواد المسجد وكان صديقا للوزير أن يسأله : ما هو الدافع وراء تلك الإشارة ؟ وسمعته بنفسي وهو يحدثه في المسرة فقال له الوزير : وهل يعجبك يا أحمد بيه جلوس الناس في الشوارع ؟ فرد عليه قائلا : كل المساجد هكذا يوم الجمعة . ثم سأله قائلا : يا فضيلة الوزير هل كان المقصود بتلك الإشارة أن يخطب هذه الجمعة في مسجد الظاهر ثم يعود إلى مسجده ؟ فأجابه الوزير لا لقد أردت أن ينتقل في المساجد وأن يذهب في كل جمعة إلى مسجد .... وانتهت المكالمة , وعلمت أن المقصود من هذا تمزيق الصف وتشتيت هذا الجمع الذي يأتي كل أسبوع ليستمع إلى المنهج المتكامل الذي أصبح دعوة منهجية لابد فيها من التسلسل والمتابعة فقد أقمت هذا المنهج على أسس أهمها : القدورة والقصة وتجدد الموعظة والضرب على الأحداث والحديد ساخن ,.... ولكي يكون هناك منهج لابد أن يكون هناك اتصال في الحديث وهكذا أرادوا تمزيق هذا الجمع ولكن يد الله تعمل في الخفاء والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

عقارب البغضاء

لم يكن هذا الموقف الذي هزم فيه الوزير ليمر مر السحاب بل لقد ترك في نفسه جرحا غائرا فأراد أن ينتقم لنفسه والنفوس إذا حقدت أظلمت وعميت عن الحق وصار صاحبها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه لا يسمع إلا نفسه الأمارة وإن لنعم الله أعداء وهم الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله .

ألا قل لمن بات لى حاسدا

أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في صنعه

وأنك لم ترض لى ما وهب

فكان جزاؤك أن خصني

وسد عليك طريق الطلب

إن الحج إذا غزا القلوب أشعل فيها نار العداء فتصير حياة الحاسد كظلمات في بحر لجي يغشاه من فوقه موج فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له نور .

أصبر على كيد الحسود

فإن صبرك قاتله

فالنار تأكل بعضها

إن لم تجد ما تأكله

توالت الاستدعاءات فكلما خطبت خطبة يوم الجمعة جاء الاستدعاء يوم السبت وكان التحقيق يوم الاثنين ... هكذا من كل أسبوع واختلفت أنواع التحقيق وتعددت نماذجه فمرة تكون التهمة الموجهة إلى أنني أثير الفتنة الطائفية لأن المسجد يقع في منطقة دير الملاك وهي إحدي قلاع الصليب . وسألت : ما هو الكلام الذي أثار الفتنة في الخطبة ؟ وقال المحقق وكان يعمل وكيلا لوزارة الأوقاف لشئون الدعوة : إنك تتعمد ذكر الآيات التي تتحدث عن النصاري . قلت : أليست قرآنا يتلي إلى يوم القيامة ؟ وذكرني هذا الموقف بموقف أهل العناد من صاحب الرسالة وقد طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن، فحزن الرسول لذلك فأنزل الله : ( وإذا تتلي عليهم آياتنا بينات قال الدين لا يرجون لقاءنا آئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحي إلى أني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افتري على الله كذبا أو كذب بآياتي إنه لا يفلح المجرمون ) .

وقال الله تعالي لرسوله الكريم ( فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل )

وأخيرا قال لى السيد المحقق بعبقريته الفذة وفهمه العميق وبصيرته النافذة : عليك أن تصعد المنبر ولكي تريحنا وتريحك اجعل موضوع خطبتك : قل هو الله حد , ثم أنزل وصل بالمصلين , وقلت له , لو كان ذلك كذلك , لوجهتم إلىّ نفس التهمة وهي إثارة الفتنة الطائفية , ولقلتم في مذكرة الاتهام : إنه يقرأ سورة الإخلاص ويقصد بها التعريض للنصاري المثلثين ... وإذن لا جدوي من هذا التوجيه , فاللغة بيننا هي لغة الذئب الذي قال للحمل :

عكرت على الماء وماذا يصنع أهل الحق بقوم لبسوا جلد النمر , وقلبوا ظهر المجن ولكن لابد أن تسير القافلة والذئاب تعوي , وهل يضر السحاب نبح الكلاب . إن كلمة الحق أقوي من كيد الكائدين والله أشد بأسا وأشد تنكيلا .

عمر بن الخطاب

لم أكن أـوقع أن يصل بهم الإسفاف إلى هذا الحد ففي سلسلة الاستدعاءات ذهبت إلى المحقق نفسه , وإذا التهمة الموجهة هذه المرة يقال فيها : إنك تتحدث كثيرا عن عمر بن الخطاب . قلت : وأى شئ في هذا ؟ وقد قال عبد الله بن عباس : أكثروا من ذكر عر فإنكم إذا ذكرتموه ذكرتم العدل , وإذا ذكرتم العدل فقد ذكرتم الله , فالله هو المقسط الحكم العدل. ألم يقل فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم : " لو كان فيكم محدثون لكان عمر ؟ فالمقصود بالمحدثين أهل الإلهام . ألم يقل عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم : " لو كان نبي بعدي لكان عمر " ألم يقل له: " أنت سراج أهل الجنة يا عمر وليبكين الإسلام على موتك ؟" ثم ألم يقل عمر ؟.. قال المحقق الحصيف الأريب : أنك تقصد بذلك التعريض بالحكام. قلت : إذن فلا داعي إلى أذكر شيئا عن عدالة الإسلام , ولنضرب صفحا عن ذكر حياة رسول الله وأصحابه فإن في ذكرهم تعريضا بالحكام كما تزعمون , ولماذا تفهمون هذا الفهم ولو كان فيه تعريض أو تصريح أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مبادئ الإسلام ؟ وما وظيفة العالم إذا لم يكن ناصحا ومرشدا ؟ ألم يقل رسول الله صلي الله عليه وسلم " الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ؟ " ألم يقل : "اثنان إذا صلحا صلحت الأمة , وإذا فسدا فسدت الأمة : العلماء والأمراء ؟ " إن العالم يجب أن يكون كما قال الله تعالي : ( إنما يخشي الله ممن عباده العلماء ) وكما قال جل شإنه : ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفي بالله حسيبا )

وتاريخ الإسلام ملء بمواقف العلماء من الأمراء . قال عمر بن عبد العزيز ذات يوم للحسن البصري : عظنا يا تقي الدين وأوجز فقال له الحسن : " يا أمير المؤمنين : صم عن الدنيا وأفطر على الموت , وأعد الزاد لليلة صبحها يوم القيامة ".

وهكذا وقف أهل الدعوة موقف الناصحين الأمناء يوجهون وينصحون لا يبتغون من وراء ذلك كرسيا زائلا أو منصبا فانيا , إنما كانوا كما قال الله تعالي ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) ... هؤلاء هم أصحاب الرسالات لم يبيعوا آخرتهم بدنياهم ولم يبيعوها بدنيا غيرهم , لم يسعوا ولم يلهثوا وراء الشهرة والكراسي المزورة إنما باتوا على الطوي وقالوا : نحن في سعادة , لو علمت بها الملوك لجالدتنا عليها بالسيوف ... ويوم يتردد العالم على باب الأمير فإنه قد وقع فريسة للشيطان بل صار أستاذا له . قال تعالي : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهثت أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون ).

لاتخضعن لمخلوق على طمع

فإن ذلك نقص منك في الدين

لن يقدر العبد أن يعطيك خردلة

إلا بإذن الذي سواك من طين

فلا تصاحب غنيا تستعد به

وكن عفيفا وعظم حرمة الدين

واسترزق الله مما في خزائنه

فإن رزقك بين الكاف والنون

واستغن بالله عن دنيا الملوك

كما استغني الملوك بدنيا هم عن الدين

وعيد وإنذار

في يوم من ايام شهر رمضان , والحر لاهب والصيف قائظ , والأنفاس لاهثة والظمأ شديد , ذهبت إلى الوزارة للتحقيق معي , وكان هذه المرة أمام رجل يشغل منصبا سموه " مدير مكتب الأمن " وكان يعمل من قبل في سلاح الطيران وخرج منه برتبة اللواء , ولم يكن تحقيقا بمعني الكلمة , إنما كان وعيدا وإنذار وتهديدا , استعرض الرجل فيه عضلاته أكثر من عقله وتصورته أمامي سرابا بقيعة لا يثبت أمام الحقيقة ولا يصمد للأحداث , وبعدما أفرغ مل ما جعبته من فحيح وسموم قلت له : إنني ساتركك وبين أصابعك قلم وأمامك أوراق , فاقض ما أنت قاض واكتب ما تشاء فإنك لن تغير من المقادير شيئا لقد هددني بالاعتقال والسجون وتخيل نفسه قادرا على كل شئ , وخلع على نفسه ثوب الأسد الهصور وهو في الحقيقة فأر صغير , وكان مثله كمثل البعوض التي قالت للنخلة : أيتها النخلة استمسكى فإنني راحلة عنك قالت النخلة :والله ما شعرت بك إذا وقعت عليّ فكيف أشعر بك وأنت راحلة عني .

لقد كنت أستمع إلى تهديداته فاستحضر قوله تعالي ( الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فزادهم إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل , فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء , واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم )

ولما هممت بالانصراف إذا به ينتفض ويربت بيده على كتفي ويقول : هل ستذكر هذا الكلام للمصلين ؟ قلت له : إذا وفقني الله فسوف أعرضه كما حدث , وإذا به ينقلب من مهدد إلى متوسل ويقول : أرجوك لا تذكر شيئا من هذا واعتبر كأن شيئا لم يكن , ثم أراد أن يلقنني الكذب : فاذا سألك سائل : لماذا جئت إلى هنا ؟ فقل : جئت لأتسلم جدول الخطب والدروس في رمضان .. وهكذا كما جاء إخوة يوسف اباهم عشاء يبكون قالوا : يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب فمتي كنت أذهب لأتسلم الجدول ؟ ومتي كنت أذهب لأتلقي التوجيهات الخاصة بالخطب ؟ إن الخطبة يجب أن تكون موجهة ( بكسر الجيم المشددة ) فإذا صارت موجهة ( بفتح الجيم ) أضحت لا تسمن من شيع ولا تغني من جوع .

وعد وإغراء

لما لم يجد الوعيد ولم ينفع التهديد لجئوا إلى أسلوب الإغراء , ولكن أى إغراء ؟ لقد فوجئت بالسيد وكيل الوزارة يجلس بجاني وقد تغيرت لهجته من محقق حازم إلى أخ ملأت قلبه الشفقة والرحمة بي فقال في عبارة معسولة شممت منها رائحة الخديعة التي تزكم العقول قبل الأنوف . قال لى هامسا : إنك مطلوب بالاسم للسفر إلى ليبيا ثم أضاف مازحا : ( وبيني وبينك فيها قرشين كويسين ) فإذا كان الختم معك فاختم بالموافقة وسوف نقوم بتجهيزات السفر ونيسر إجراءاته وأنت مستريح, ورددت على الفور : لست في حاجة إلى مال يأتي من وراء المتاجرة بالعلم ولو كان معي الختم ما وافقت فقال مستنكرا : أترفض السفر إلى ليبيا؟

ولي أحد أقربائي قد بذلت في سبيل سفره قصاري جهدي ومع ذلك لم أستطع أن أيسر له السفر وهذه فرصة إن لم تغتنمها ندم علي فواتها فقلت : إنني مستعد أن أتنازل لقرينك هذا عن سفري , إن أمكن ذلك , وأنا بهذا غير متألم , بل أكون قرير العين مطمئن النفس , فقال : عجبا لك : أليس معك أولاد ؟ قد يكونون في حاجة إلى هذا السفر , فقلت له : إن الله عالي قد كتب لنا الأرزاق , ونحن أجنة في بطون أمهاتنا, وتذكرت قول رسول الله صلي الله عليه وسلم : " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تعدو خماصا وتروح بطانا ". وقوله عليه الصلاة والسلام : " إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ".

إن الروح والرزق لا يملكهما إلا الله ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأى أرض تموت ) .... ألح الرجل في العرض , صممت على الرفض والظاهر – والله أعلم – أنه كان مضغوطا عليه ليقنعني بالسفر حتى يستريحوا من وجودي في مصر داعيا إلى الله ولم يقتنع الرجل بالرفض فقال : لن أرسل بردك إلى المسئولين لأنني سأعطيك فرصة أخري وانصرفت وانتهت المقابلة .

عود على بدء

وفي لقاء آخر أعاد الرجل على العرض وذكر لى أن الراتب الذي سأتقضاه في ليبيا يعدل راتبي هنا عشرين مرة فقلت له : اسمع هذه القصة : سألوا الحسن البصري – رضي الله عليه- عن سر زهده في الدنيا فقال : أربعة أشياء : علمت أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأن قلبي , وعلمت أن عملي لا يقوم به سواي فاشتغلت به , وعلمت أن الله مطلع علي ّ فاستحييت أن يراني على معصية , وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله .

لا تعجلن فليس الرزق بالعجل

الرزق في اللوح مكتوب مع الأجل

فلو صبرنا لكان الرزق يطلبنا

لكنه خلق الإنسان من عجل

إن شر ما يبتلي به الإنسان أن يصاب بعقدة الخوف من المستقبل فيعيش في قلق ويحيا في فزع فيصير كما يقول القائل :

ليس من مات فاستراح بميت

إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من يعش كئيبا

كاسفا باله قليل الرجاء

إن الرسول صلي الله عليه وسلم أقام مملكة السعادة في النفس عندما قال : وارض بما قسم الله لك تكن أغني الناس "

نعم :

النفس تجزع أن تكون فقيرة

والفقر خير من غني يطغيها

وغني النفوس هو الكفاف فإن

أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها

لقد كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم يقرءون القرآن بتدبر فيقفون عند عجائبه ويحركون به القلوب , أصبحوا وهمهم الآخرة فجمع الله عليهم شملهم وجعل غناهم في قلوبهم , وأتتهم الدنيا وهي راغمة . كانوا إذا قرءوا قوله تعالي : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) كانوا إذا قرأوها ظلوا يبكون ويسأل كل منهم نفسه : من أى الفريقين أنا ؟

أمن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أم من الذين اجترحوا السيئات ؟ لذا سميت هذه الآية : بكاءة المؤمنين. لقد علموا أن من رضي الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بين الناس , ومن أسخط الله بإرضاء الناس وكله الله إلى الناس , ومن اصلح سريرته أصلح الله علانيته . لقد عرفوا حقيقة الدنيا فعاشوا في قوله تعالي : ( من كان يريد العاجلة عجلننا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعي لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) نظر الله إليهم في جوف الليل وأصلابهم منحية على أجزاء القرآن, كلما مر أحدهم بآية تبشر بالجنة بكي شوقا إليها , فإذا مر بآية تنذر من عذاب النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه .

لقاء غاضب

ما أشد غضب هؤلاء الذين هاجت عقارب البغضاء في صدورهم فصدوا عن سبيل الله بعدما باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم ما أشد غضبهم على أهل الحق وما أكثر أذاهم للذين يؤدون الدعوة إلى الله على أنها رسالة يبتغون بها وجه الله مصداقا لقوله جل شأنه : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) .

ومصداقا لقوله تبارك وتعالي : (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفي بالله حسيبا ) .

لما لم يجد الوعد والإغراء بالمال عادوا إلى عادتهم وسيرتهم الأولي فكشروا عن أنياب الغضب وأوعدوا وهددوا , وذات يوم صائف شديد القيظ كأن شمسه أشرقت من بين الرمال لا من بين السحب ذهبت إلى ديوان الوزارة للتحقيق بناء على استدعاء وصلني وكان على راس الدعوة شيخ فصيح اللسان ولكن قلبه لم يكن كفصاحة لسانه بل كان يخشي على كرسيه ومررت عليه في الوزارة قبل أن أدخل على السيد المحقق وهو وكيل الوزارة مررت على الشيخ يصفته ممثلا للدعوة وعرضت عليه أن يحضر هذا التحقيق ليكون حكما بيني وبين هذا الإنسان الذي لا يعرف للعلم كرامة ولا للعلماء احتراما ولكن الشيخ اعتذر عن الحضور بلباقة وذلك حتي يجامل الوكيل حرصا على كرسيه وهو الذي كثيرا ما سمعناه يصرخ على المنابر ويصيح كالأسد الهصور مناديا بأعلي صوته قائلا " إن الفضيلة تذبح ... إن افسلام يحارب .. إن الباطل يعربد في عرصات الدنيا " الكلام سهل البلاغة مواتية والبيان والبديع .. والفصاحة والمعاني .. كلها بين يديه ... ولكن إذا نزل أحدهم ميدان التجربة أصفر وجهه وجلا , وفر من الميدان فرارة من الأسد . وهذا ما حذر منه صاحب الرسالة العصماء صلوات ربي وسلامه عليه في قوله : " أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل القرآن ".

مهما يكن من شئ فقد دخلت على المحقق وقد أحضر معه شيخين من شيوخ الأوقاف لهما مكانة في إدارة الدعوة وكان السؤال هذه المرة .

لماذا تهاجم الإعلام ؟

وقلت إن الإسلام لا يعرف الهجوم لأن الهجوم من صفة الباطل لكن الإسلام يعرف الدعوة إلى الحق وتصحيح المفاهيم المنحرفة, ولقد انحرف الإعلام عن سبيل الهدي واتبع غير سبيل المؤمنين فبدلا من أن يكون عامل بناء صار معول هدم , وهو سلاح له خطره حتى قال أحدهم أعطني شاشة أغير بها شعبا " وكان كال ماركس يقول " لأنسين الناس الله بالمسرح ولو كان في عصره الإعلام لكان أشد خطرا وأبعد أثرا في الفساد والإفساد فآي شئ في الدفاع عن الحق أ و عندما يرفع أهل الباطل أصواتهم نستمع وننصب فإذا ما الذي لهم أهل الحق يؤذون ويستجوبون ؟ !

أمن العدل أنهم يردون الـ

ماء صفوا وأن يكدر وردي

أمن الحق أنهم يطلقون الـ

أسد منهم وان تقيد أسدي ؟ !

وما أن فرغت من الإجابة حتى رأيت السيد المحقق يثور ويفور ويتوهج ويتأجج كأنه لديغ نهشته الثعابين أو لدغته العقارب فقلت له : ارجو أن تغير أسلوبك في التفاهم فلست عبدا لك , و لا لغيرك إنما عبوديتي لله وحده , لا شريك له ولا أسمح لك أن تضرب علي الكتب بيديك , لأنني لست متهما وانت البرئ ولست منحرفا وأنت المستقيم , فأنا على حق , لذلك فإنني لا أخشاك , وسوف أتركك عما قليل , فاقض ما أنت قاض فالحكم لله العلي الكبير !

ونزلت هذه الكلمات عليه كأنها الصواعق خاصة وأن المكان كان به عدد غير قليل من العاملين بالوزارة فرجع إلى صوابه ,بعدما علم أنه سيقابل بكل ما يقول برد حاسم وكعادة الباطل يرجع في الشدة إلى الاستشارة كما حدث من فرعون عندما قال لمن حوله فماذا تأمرون ؟ ومتي كان يستشير و يأتمر ؟ ! وهو الذي قال : ما أريكم إلا ما أري وقال : أنا ربكم الأعلي وقال : ما علمت لكم من إله غيري ولكنه لما رأي العصا أمامه شعر بهزة عنيفة في عنفوانه وبتحطيم وخزي داخل نفسه المستكبرة فرجع يستشير .

هكذا نظر السيد المحقق إلى الشيخين اللذان استدعاهما لحضور هذا اللقاء الغاضب وقال لأحدهما : ما رأى فضيلتكم في هذا الكلام الذي سمعته ؟ وكان يظن أن الرجل سيجامله ويؤيده ويصفه بالحكمة والحزم ولكن الرجل بحق كان على مستوي المسئولية أمام الله فقال له : ما كان ينبغي أن يخذ التحقيق دور الخصومة بينك وبين هذا الإمام الذي يدعو إلى الله على بصيرة ! !

فبهت وخفت صوته وخبأ جبروته بالسؤال إلى الشيخ الثاني يستشيره الرأي فقال له الشيخ ومن الذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إذا لم يكن الدعا إلى الله هكذا ؟ !

ثم قال له إن الرجل لم يتجاوز حدود الرسالة ثم ساق له الحديث النبوي الشريف " لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم .

واستطرد قائلا: لو وضعنا الأمور في نصابها وسيمنا الأشياء بأسمائها لقدمنا لهذا الإمام الشكر جزاء ما حمل عنا هذا العبء في الدعوة فإن الخير يجب أن يقابل بالخير هل جزاء الإحسان إلا الإحسان !

ثم قام الشيخان وعانقاني ودعوا الله لي بالتوفيق والسداد وشعر ذلك المحقق بانطفاء في قلبه وكأنه يجلس على الأشواك والحصي تظله سحابة دكناء ونجم محترق ! !

لقاء عاصف

في يوم من ايام شهر أغسطس والشمس تضرب وجه الأرض بسياطها الحامية وقد سال منها لعاب كالمهل يشوي الوجوه توجهت للتحقيق بدعوة من وزير الأوقاف وكان شيخا معمما ولما ذهبت إليه قيل ليى : إنه قد سافر إلى مدينة الإسكندرية قلت سبحان الله قوم تهب عليهم نسمات البحر تحمل في ثناياها قطرات الندي المعطرة بأعراف الزهر وقوم يلفحهم قيظ الهواجر من فيح جهنم لكن وكيل الوزارة أرسل إلى من يقول لى : إن السيد الوزير قد كلفه بأن يحقق معي ودخلت للتحقيق وقد أحضر حوله بطانة تؤيده فيما يقول وتؤمن على كلامه .

وكانت التهمة الموجهة هذه المرة : إنني رددت على اذلين أرادوا أن يعدلوا قوانين الله في أحكام الأسرة والمتعلقة بالزواج والطلاق ولما بدأت أتحدث وأرد دخل في الحديث شخص غريب على التحقيق وسألته ما شأنك ؟ فقال وكيل الوزارة ألا تدري من هذا ؟إنه المسئول عن الأمن في الوزارة فقلت : إن المسألة عميقة لا تتعلق بالأمن إنما تتعلق بأحكام الله ولا شأن له بذلك وكانت العاصفة كرماد اشتدت به الريح وأوعد وهدد كعادته وانصرفت من عنده وأنا أعلم أنه قد بيت شرا مستطيرا ولكن الله غالب على أمره .

عبد الحميد كشك

انتهى المجلد الخامس والان المجلد السادس من كتاب قصة أيامي

استدعاء بسبب القذافي

كان الخلاف محتدما بين حكومتي مصر وليبيا ,وكان بالطبع خلافا سياسيا وقد حدث أن حاكم ليبيا تعرض للإسلام في أمور كان لابد من الرد عليها ودفع به ذلك الجموع أو الجنوح إلى أن ينكر الاستدلال بالسنة النبوية الشريفة ولقد سمعته بأذني رأسي عن طريق الإذاعة يقول هذا الكلام الذي فيه استهانة بسنة خير الأيام بل لقد قال كلاما لا يليق بصاحب الرسالة العصماء ... وكان لابد أن يقول المنبر كلمته ليرد الحق إلى نصاب ويبطل الباطل ولو كره المجرمون .

وألقيت خطبة بيّنت فيها مكانة السنة من القرآن الكريم وأنها بمثابة المذكرة التفسيرية لآيات الكتاب كما أنها تأتي مؤكدة لما فيه من معان , كما تأتي مفصلة لما فيه من مطلق .. وكان ذلك كله بتوفيق من الله وفضله لكن الأمر الذي لم أكن أتوقعه أن يصلني استدعاء كالعادة , وذهبت لأقف على حقيقة هذا الموضوع فكان الاستجواب خاصة بمهاجمة القذافي: لماذا تهاجم العقيد ؟ فقلت : وأى شئ في هذا ؟ إنه ليس هجوما كما تدعون وإنما هو دفاع عن الحق لقد كان الأولي بهذا السؤال أن يوجه إلى إعلامكم بمختلف قنواته مقروءا أو مرئيا أو مسموعا أو معروضا .. قالوا : ولكن قنوات شرعية . قلت : بلي على قنوات قانونية , أما القنوات الشرعية فهي المنبر الذي ينطق بلسان الإسلام .

وعجبت : أحرام على بلابله الدوح

حلال للطيب من كل جنس

أو كما يقول القائل :

إذا قلت يا ليلي استللتم سيوفكم

وإن قلتم يا هند استجبتم ندائي

أإذا قال غيري ترددون قوله بشتى اللغات, فإذا نطق الإسلام ونطقه الحق وقوله الصدق يوضع في قفص الاتهام ويكبل بالقيود والغلال : ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون؟ أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ".

لكنني علمت أنها سياسة الذئب مع الحمل , ورددت قول الشاعر النيل حافظ إبراهيم :

أمن العدل أنهم يردون الـ

ماء صفوا وأن يكدر وردي ؟ !

أمن الحق أنهم يطلقون الـ

أسد منهم وأن تقيد اسدي ؟ !

عالم يخشي الله

ذلكم هو الشهيد الشيخ " محمد حسين الذهبي " تولي وزارة الأوقاف وفوجئت بعد توليته الوزارة بأنه يطلبني للإلتقاء به في الوزارة وذهبت إلى هناك في نفسي أفكار وأفكار : إن الرجل لم يمض على توليته إلا وقت قليل فهل استطاع المغرضون أن يعكروا ليصطادوا وأن يسعوا بالوقيعة بيني وبينه ؟ لكنني لما التقيت به رأيت فيه الشهامة والرجولة وكرم الأخلاق فما أن علم الرجل بقدومي عليه حتى قام إلى باب غرفة المكتب واستقبلني بحفاوة تدل على أن العلم رحم بين أهله وأن الإيمان هو خير مؤلف للقلوب قال تعالي ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) .

وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث فيما بيننا , وأقسم بالله على أنه ما جاء بي إليه إلا لأنه ذهب إلى المسجد يوم الجمعة ليلقاني هناك لكن لشدة الزحام وضيق المكان لم يجد مكانا يصلي فيه فصلي على درج السلم وكان اللقاء طيبا مثمرا فقد كان يدور حول منهج الدعوة إلى الله وبيان الخطوط الأساسية لهذا المنهج وأهم الصفات التي يجب أن يتحلي بها الداعية.

والأمر الذي جعلني أشهد لهذا الرجل بالشهامة أن جرس الهاتف دق في مكتبه وكان المتحدث في مجلس الوزراء وفهمت من الحديث أنه يقول : إن مجلس الوزراء قد اجتمع فعليك بالحضور ,رد الرجل بصرامة لا تنقصها الصراحة وقال : إنني في مقابلة مع " الشيخ كشك" ولا أستطيع أن أحضر حتى تتم تلك المقابلة, ورأيت من الواجب أن أستأذن.. ولما هممت بالانصراف وقف الرجل مودعا واستغرق في الوداع وقتا وصلنا فيه من الحديث ما كان قد انقطع , وكأنه لا يريد لهذا اللقاء أن ينقضي لولا الضرورة , وسألني الرجل الدعاء فدعوت الله له أن يكثر من أمثاله , فأمثاله قليل فالرجولة عملة نادرة والرجال قليل .

جامعة المنيا

فوجئت بالسادات يهاجمني في أجهزة الإعلام ويقول في كلماته وباللغة العامية " والأخطر من كده إنهم استدعوا الشيخ كشك ولما لم يحضر قاموا بالمظاهرات " ثم ختم هذا الكلام بكلمة تتقاطر سما وخبثا كأنها فحيح الأفاعي قال : " وانتم عارفين الشيخ كشك بيعمل إيه " وليته بين ماذا أعمل . إن عملي – ولله تعالي مزيد الحمد- كان لله , وفي الله , ومع الله ,وبالله ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمت ) ليته وضح ماذا أعمل لكنه ترك العبارة هكذا مبهمة لتذهب فيها النفس كل مذهب , ولكن بحمد الله كنت أؤدي عملي والشمس طالعة ,وعلي مرأي ومسمع من الناس فماذا كنت أعمل ؟ ! ! إن الذين يحاولون أن يثيروا التراب على السماء فسوف يثيرونه على أنفسه وتبقي السماء إلى السماء ضاحكة السن بسامة المحيا , لقد أثارت تلك الكلمة التي قالها مخاوف الناس على وظنوا أنني لا محالة سأعتقل عما قريب , وأردت أن أبعد تلك الوساوس عن صدور الناس , فكان ذلك يوم الجمعة فقد خصصت الخطبة يومها على لثبات على المبدأ , وعشت فيها بين نبيين كريمين عشت فيها مع خليل الرحمن إبراهيم عندما أشعلوا له النار , واندلعت ألسنتها تهتك حجاب الليل, وجاءه الأمين جبريل وقال له ألك حاجة إلىّ يا خليل الرحمن ؟ فقال : وكيف أحتاج إليك وأنسي الذي أرسلك ؟ أنا في حاجة إلى الله وحده . قال له جبريل : إذن فاسأله . قال الخليل : حسبي بسؤالي علمه بحالي . حسبي الله ونعم الوكيل ... وكان الخليل يردد هذه الكلمة عندما ألقي في النار , فهي أمان الخائف ... ثم بعد ذلك استشهدت بموقف رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما طلب منه عمه أبو طالب أن يدع هؤلاء القوم وشأنهم فاغرورقت عيناه بالدمع وقال كلمته التي سارت بها الركبان ما تعاقب الملوان واختلف الجديدان قال يا عمي . والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا ألأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه فقال له عمه أبو طالب : يا بن أخي قل ما شئت فوالله للا أسلمك إليهم أبدأ ثم أنشد :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم

حتي أوسد في التراب دفينا

ولقد علمت بأن دين محمد

من خير أديان البرية دينا

استدعاء من وزارة الداخلية

استدعاني النبوي إسماعيل وزير الداخلية وذهبت إلى مبني الوزارة وأخذ يذكر لي ما حدث في جامعة المنيا , وهو الموضوع الذي ذكره السادات في خطابه وأخبرني بأن الجامعة أرادت أن تقيم حفلا ساهرا يقوم فيه بعض المطربين بالغناء ولكن الطلبة المتدينين رفضوا إقامة هذا الحفل وقاموا بطبع إعلانات كتبوا فيها أن الشيخ كشك سيحضر إلى الجامعة لإلقاء محاضرة دينية ثم أضاف الوزير قائلا : ونظرا لما لك من رصيد في قلوب الناس فقد اجتمعت حشود غفيرة وتوافدت الكتل البشرية من جميع محافظات الصعيد على مبني الجامعة فقام بعض الطلبة وأعلن أن الشيخ كشك كان في طريقه إلينا لإلقاء محاضرته ولكن رجال الأمن منعوه فانفجر الموقف وطافت المظاهرات بشوارع المدينة رفعت التقريرات إلى رئيس الجمهورية بما حديث فقلت له ولكني لم أعلم بشئ من هذا ؟ فلم توجه إلىّ دعوة , ولم أسافر , ولم أمنع , فكيف تكتب عني هذه التقريرات دون أن أعلم بما حدث ؟ والله تعالي يقول ( يا ايها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) فقال لى النبوي إسماعيل : " إنني من جهتي سأقوم بتصحيح ما حدث لدي رئيس الجمهورية "... وعلمت أنه كلام لا مضمون له إلا أنه يقصد به تهدئة الخواطر وانصرفت وأنا أردد هذه الكلمات : " حسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله" فقد استقر في يقيني أن هناك شرا يبيت إذ كيف يحدث هذا الذي كتبت عنه التقريرات دون أن يعلم صاحب الشأن شيئا عنه ؟ إن هذا لشئ يراد لقد بلغ من المأساة أن يقول السادات عني ما ليس له به علم أليس من الخطأ الجسيم أن يقول الإنسان مالا يعلم ؟ وأن يعلم قبل أن يتعلم, ولا يخاف أن يأثم وإذا أثم لا يندم سبحانك هذا بهتان عظيم ! ! وكم في السجن من مظلومين وكم في هذه الأرض من ظالمين وسبحان من سيقول للمظلوم يوم القيامة : أيها المظلوم تقدم ويقول للظالم : أيها الظالم لا تتكلم ( هذا ليوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ). سبحانك ربي يا صحب العزة القائمة والمملكة الدائمة يا من تقول للطغاة يوم الحساب : ( هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فكيدون ).

فيا ابن آدم :

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا

فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عينك المظلوم منتبه

يدعو عليك وعين الله لم تنم

الليل مهما طال فلابد من طلع الفجر العمر مهما طال فلابد من دخول القبر

غدا توفي النفوس ما كسبت

ويحصد الزارعون ما زرعوا

إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم

وإن أساءوا فبئس ما صنعوا

دعوة من وزير الإعلام

في يوم من أيام شهر رمضان حمل البريد إلىّ خطابا كتب عليه " عاجل وهام " فوضعته في مكتبتي بالمسجد وذلك لاشتغالي بشئون المسلمين الذين جاءوا يستفتون في مسائل تتعلق بالأحكام الشرعية وأنساني الله أن أفتح هذا الطاب لأعرف ما فيه وكان لله تعالي في ذلك حكمة بالغة , غذ بعد أيام من استلام الخطاب تذكرته ولما قرئ علىّ عرفت أن فيه دعوة موجهة من وزير الإعلام إلى الدعاة الإسلاميين لحضور اجتماع مع رئيس الجمهورية في استراحته بمدينة الإسماعيلية وأراد الله أن أفتح الخطاب بعد فوات لموعد وكأن الحق جل جلاله أراد أن يكفيني مؤنة التفكير في قبول الذهاب أو الرفض فهو سبحانه وتعالي يعلم أنني لا أحب التردد على هؤلاء و لا مجالستهم إذا رأيتم العالم يغشي بيوت الأمراء فاتهموه في دينه ". وكان عبد الله بن عمر يقول : " لا تجعلوا ظهورنا جسورا إلى جهنم " وكان الإمام ابن الجوزي رضي الله عنه يقول : " إني لأظل طول الليل أتقلب في فراشي ابحث عن كلمة أرضي بها السلطان ولا أغضب بها الله فلا أجد "

لقد أراد الله خير عندما أنساني أن افتح ذلك الخطاب وشغلني بأمر المسلمين , فقد عقد الاجتماع بين بعض الدعاة وأنور السادات وكان ذلك ليلة القدر 1399 من الهجرة 1979 ميلادية . وقد حدث صدام بين السادات وبين الأستاذ عمر التلمساني قال فيه الأستاذ عمر للسادات : " لو كان بيني وبين أحد الناس خصومة لرفعتها إليك . أما والخصومة بيني وبينك فإنني أشكوك إلى الله فقال له السادات : اسحب شكواك يا عمر , فقال له لا أسحبها لأنني أشكوك إلى عادل لا يظلم عنده أحد.

وكان لهذه الكلمة وقع عظيم في قلوب أهل الحق لأنها كلمة حق عند سلطان جائر فإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه فقد يودع منهم ... قال صلي الله عليه وسلم : " لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر وإلا ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم " وقال : " اثنان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدت فسدت الأمة : العلماء والأمراء "

فعلي العالم أن يكون ناصحا أمينا . فالدين النصيحة . قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم . وعلى العالم أن يكون قدوة طيبة زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة شجاعا في الحق مخلصا لله قلبه متجردا عن الهوي عالما بشئون المسلمين بصيرا بزمانه , وعلى الأمير أن يستجيب لأهل الحق , ففي نصحهم خير للرعية والراعي فليس عنده ما يطمعون فيه وليس لديهم ما يخافونه عليه التقي هشام بن عبد الملك وهو خليفة المسلمين بالعالم العارف سالم بن عبد الله في بيت الله الحرام فقال الخليفة: يا سالم سلني ما شئت . قال له سالم : أستحي أن أسأل غير الله في بيته . فلما خرجا من المسجد الحرام قال الخليفة للعالم : هانحن قد خرجنا من المسجد فسلني ما تشاء . قال العالم الزاهد : أسألك من شئون الدنيا أم من شئون الآخرة ؟ قال : أما شئون الآخر فلا أملك منها شيئا . فسلني من أمور الدنيا ما شئت . قال العالم الزاهد : إذا كنت لم أسألها ممن يملكها وهو الله, فكيف أسألها ممن لا يملكها ؟ ثم انصرف .

ولقد كان لعمر بن عبد العزيز مستشار خاص هو عمر بن مهاجر قال له أمير المؤمنين: إذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثوبي وهزني وقل لي : اتق الله يا عمر فإنك ستموت .. هكذا تكون علاقة العالم بالأمير . علاقة نصح وإرشاد , وتواص بالحق وتواص بالصبر فإذا ما حل النفاق محل النصيحة فكبر على هذا المجتمع أربع تكبيرات لوفاته . قال صلي الله عليه وسلم : " إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شوري بينكم فظهر الأرض أولي بكم من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض أولي بكم من ظهرها "

لقي أعرابي هارون الرشيد يطوف بالبيت فقال الأعرابي : يا هارون اتق الله . قال هارون : أيها الأعرابي أتناديني باسمي وأنا خليفة المسلمين : قال الأعرابي إذا كنت أنادي الله جل جلاله باسمه فأقول : يا الله . فكيف تغضب إذا ناديتك باسمك وأنت عبد من عباد الله ؟

دعوة من شيخ الأزهر

وجه شيخ الأزهر دعوة إلى رجال الدعوة الإسلامية للبحث في طرق الدعوة ووضع ممنهج للدعاة وكنت واحدا من الذين وجهت إليهم الدعوة , وكان مكان اللقاء في إدارة الأزهر وانعقد الاجتماع بعد صلاة الظهر وحضره كثير من الشخصيات التي تعمل بالأزهر الأوقاف ,كما حضره رؤساء الجمعيات الدينية وأدار شيخ الأزهر الندوة بعد أن ألقي كلمة الافتتاح وأدلي كل صاحب رأي برأيه وجاء دوري في الحديث فقررت تلك الخطوط العريضة التي لابد من مراعاتها في منهج الدعوة :

ذكرت أولا أنه لابد من صدق النية في إصلاح مسار الدعوة فإن النية إذا صدقت أتت ثمرة طيبة فأضحت كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . إما أن تعددت اللقاءات وكثرت الندوات ولا نية ولا هدف فلن يكون هناك ثمرة لتلك اللقاءات وتصير كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف .

وذكرت ثانيا أنه لابد من توحيد الكلمة ونبذ الخلافات ولنعمل بتلك القاعدة الذهبية التي تقول : " نعمل فيما اتفقنا عليه وهو كثير جدا, ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه وهو قليل جدا فكيف نترك العمل فيما اتفقنا عليه وهو كثير من أجل ما اختلفنا فيه وهو قليل "... لابد من توحيد الكلمة على كلمة التوحيد ولنتخذ من منهج الأنبياء في الدعوة سبيلا فقد كان سابقهم يمهد للاحقهم ولاحقهم يكمل لسابقهم فكانوا كما ذكر أمير الأنبياء وإمام المرسلين: كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع اللبنة وأنا خاتم النبيين لقد عملوا في معسكر واحد هو معسكر التوحيد وتحت لواء واحد هو قول " لا إله إلا الله " فصلوات الله وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله يا من بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة ومحوت الظلمة وكشفت الغمة وجاهدت في الله حق جهاده حتي أتاك اليقين فجزاك الله عنا خير ما جازي به نبيا عن أمته ورسولا عن قومه .

وذكرت ثالثا أنه لابد أن ينكر كل منا ذاته في سبيل الدعوة إلى الله وأن يتجرد لهذا الهدف السامي لتكون هجرته إلى الله ورسوله لا يبتغي من وراء ذلك مغنما ولا منصبا مصداقا لقوله تعالي : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ) وقوله جل شأنه : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) وقوله تبارك وتعالي ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين )

وذكرت رابعا أنه لابد من تنسيق تام بين المؤسسات التربوية حتي لا يقع بينها انفصام شبكي فيهدم قيام بعضها ما تبنيه الأخرى كما قال القائل :

متي يبلغ البنيان يوما تمامه

إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟ !

وعينت بكل المؤسسات الأسرة والمسجد والمدرسة والإعلام بأجهزته مقروءا ومسموعا ومرئيا ومعروضا فإن هذه المؤسسات إذا تم التنسيق بينها آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وذلك إذا قامت على بناء النفوس بناء أساسه القيم الأخلاقية والمثل العليا .. واسألوا التاريخ عن مسجد رسول الله الذي تخرج فيه أساتذة الأخلاق وأساطين الفكر وجهابذة الإصلاح ... اسألوا التاريخ عن المصلح العظيم أبي بكر والزعيم الملهم عمر والحيي الكريم عثمان والعبقري الفذ علي , والمفتي الخبير ابن عمر والمحدث العظيم أبي هريرة والقائد الجبار خالد والزاهد الورع أبي ذر والفيلسوف البارع سلمان الفارسي .

ماذا قال لى شيخ الأزهر؟

بعد ان انتهي الاجتماع وهممت بالانصراف أخذ شيخ الأزهر بيدي إلى مكتبه وقال لي : لماذا أغضبت الرئيس منك ؟ قلت له : لا أدري وأريد أن توضح الأمر لي , فقال : لماذا لم تذهب إلى الاجتماع الذي دعاك إليه في الإسماعيلية في رمضان ؟ فقلت له : لأن الله أراد أ أحضر وشرحت له : كيف نسيت أن افتح الخطاب حتي نسيت الموعد المضروب واستشهدت بذلك الحديث القدسي الجليل : " عبدي أنت تريد وأنا أريد ولا يكون إلا ما أريد فإن سلمت لى فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أتعبتك فيما تريد ولا يكون إلا ما أريد ".

ثم سألت الشيخ وما الذي أعلم فضيلتكم أنه غاضب مني ؟ قال : لقد كنت أجلس عن يمينه وقد سأل وزير الإعلام وقال له : ألم يحضر ؟ فقال له الوزير: نعم لم يحضر فهز الرئيس رأسه غضبا . قلت له : يا فضيلة الشيخ ولماذا لم تحاول أن تقول كلمة تطفئ بها غضب القلوب ؟ فقال : إنك تستطيع أن تقدم الآن اعتذار عما حدث فقلت له : وهل أخطأت حتى أعتذر ؟ فقال : ألا تعلم أننا نعيش في ظل الرئيس ورعايته ؟ فقلت له بلسان اليقين ومنطق الحق المبين : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولي الصالحين . وألقيت السلام وانصرفت وأنا أردد آية الكرسي التي اشتملت على الجلال والكمال والجمال ووصف الله تعالي بالحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم ووصفه بالعليّ العظيم . فهذا هو الذي نعيش في رعايته وعنايته وخيره ورزقه . يرحم الله شيخ الأزهر فقد لحق بالدار الآخرة وعلم الآخرة وعلم أن ما عند الله خير وأبقي ولكن أذل الحرص أعناق الرجال .

تالله لو عاش الفتي في دهره

ألفا من الأعوام مالك أمره

متلذذا فيها بكل نفيسة

متتعما فيها بنعمي عصره

لا يعتريه السقم فيها مرة

كلا ولا ترد الهموم بباله

ما كان هذا كله في أن يفي

بمييت أول ليلة في قبره

قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لتقي الدين الحسن البصري : يا حسن عظني وأوجز . قال : يا أمير المؤمنين صم عن الدنيا وأفطر على الموت , وأعد الزاد لليلة صبحاها يوم القيامة , وقد قيل للحسن رضي الله عنه: يا تقي الدين ما سر زهدك في الدنيا ؟ فقال زهدت في الدنيا لأربعة أسباب : علمت أن رزقي لا يأخذه غير فاطمأن قلبي وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري فانشغلت به وعلمت أن الله مطلع علىّ فاستحييت أن يراني على معصية وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء الله تعالي .

يا ابن ادم :

لا تخضعن لمخلوق على طمع

فإن ذلك نقص منك في الدين

لن يقدر العبد أن يعطيك خردلة

إلا بإذن الذي سواك من طين

فلا تصاحب غنيا تستعزبه

وكن عفيفا وعظم حرمة الدين

واسترزق الله مما في خزائنه

فإن رزقك بين الكاف والنون

واستغن بالله عن دنيا الملوك كما

استغني الملوك بدنياهم عن الدين

استمع أخي إلى تلك النصائح النبوية:

عليك بالإياس مما في أيدي الناس وأد صلاتك وأنت مودع وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر وإياك وما يعتذر منه واعلم يا أخي أنه من أصبح حزينا على الدنيا فقد أصبح ساخطا على ربه ومن شكا مصيبة نزلت به فكأنما يشكو الله عزوجل ومن قعد إلى غني لينال من ماله فقد ذهب ثلثا دينه .

دنياك ساعات سراع الزوال

وإنما العقبي خلود المآل

فهل تبيع الخلد يا غافلا

وتشتري دنيا المني والضلال

الدنيا ساعة فاجعلها طاعة

النفس طماعة عودها القناعة

فتن ومحن

في سنة 1981 تلبدت السماء بالغيوم وغابت الشمس واكفهر الأفق وذلك عندما وقع صدام بين المسلمين والنصاري على أرض مسجد النذير في حي الزاوية الحمراء في 17 يونيو 1981 وسالت دماء وتحركت عواصف الفتن وأنذر الجو بأوخم العواقب .

كنت في تلك الأيام فى إجازة سنوية ولما ترامت إلى سمعي تلك الأنباء قلت إن هذا لشئ يراد وسألت ربي اللطف فيما جرت به المقادير فقد كانت كل الأحداث تشير إلى أن هناك أمورا خطيرة ستقع , واستأنف الخطابة يوم الجمعة 26 يونيو 1981 وكنا على مشارف شهر رمضان ودعوت المسلمين إلى اليقظة التامة , وأن يكونوا على مستوي المسئولية وألا يستدرجوا إلى معارك جانبية يكونوا وراءها شر مستطير فإن معظم النار من مستصغر الشرر وذكرت أن هناك قوما يعكرون وذكرتهم بأحداث حصلت في التاريخ استطاع اليهود أن يثيروها وينفخوا في نارها .

وتحركت الأحداث ... وبعد أن انقضي رمضان فوجئت بتحقيقات موجهة إلى لم يسبق لها مثيل فقد كان التحقيق يدور حول خطبة واحدة , ولكنه هذه المرة دار حول عشر خطب مرة واحدة وقضيت الساعات الطوال بين سؤال وجواب وكان من أغرب الأسئلة : لماذا لم تذهب إلى مكان الفتنة لتلقي كلمة بين المتصارعين ولقد كنت ساعتها في إجازة قضيتها في بلدي فماذا كنت أصنع ولم تصلني أخبار المعركة إلا بعد أن هدأت ؟ ولما استأنفت الخطابة وجهت المسلمين إلى ما يرضي الله ورسوله بعيدا عن كل غرض دنيوي دنئ .. ولكني شمت رائحة الشر تفسد الهواء النقي وتعكر الماء النمير .

وبعد انتهار هذ