إخوان ويكي
بحث
 
 
صفحة  نقاش  اعرض المصدر  تاريخ 
           
مرحبا بكم في الموسوعة  ادخل / أنشئ حسابا 

مذكرات داعية

من Ikhwan Wiki

اذهب إلى: تصفح, البحث
مذكرات داعية

محتويات

تصدير

فى هذا الكتاب نقدم للأمة الإسلامية مذكرات واحد من رجال الفكر الإسلامى المستنير ، خرج من هذه الأرض الطبية ، وملأ الدنيا علما وفضلا ، وإذا نقدم هذه المذكرات فإننا نعد بأن نقدم للقارىء ـ مستقبلاً ـ نماذج من كتابات هذا الشيخ الجليل ، ليستضىء بها الشباب وراغبو المعرفة الدينية الصحيحة .

إن هذا الكتاب جزء من احتفالنا فى الهيئة العامة لقصور الثقافة بهذا العالم الذى نفتخر به ، وقد سبق هذا احتفالات بالعديد من رجال الدين الإسلامى ، الذين ساهموا فى مشروع النهضة الدينية الحديثة ، إذ احتفلت الهيئة ـ من قبل ـ بالإمام محمد عبده والإمام مصطفى المراغى ، والثائر عبد الله النديم ، وسنحتفل ـ قريبا ، إن شاء الله ـ بالشيخ شلتوت ، والشيخ عبد المجيد سليم ، وغيرهما من رجال الدين الحنيف ، الذين قدموا للفكر الإسلامى زاداً جديداً لن يضيع مع الزمن . وعلى الله قصدالسبيل

حسين مهران

رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة

بين يدى المذكرات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه و التابعين .

وبعد

فلعل فيما كتبه الشيخ حسنين مخلوف – رحمه الله – فى مذاكرته عن رحلة الطفولة و الصبا ما يمكن الدارس من أن يضع يده على مفاتيح هذه الشخصية العظيمة ، و أن يفسر فى ضوئها كثيرا من المواقف و الاتجاهات التى التزم بها الشيخ طيلة حياته:

المفتاح الأول  : فيما يحكيه بقوله (( فى طفولتى لم أعرف اللعب ، فقد كان والدى يصحبنى معه إلى المسجد – و انا طفل – أتابع دروسه ، و أرقب طريقته فى الإلقاء ، أرى سماحة صدره و هو يناقش و يصل بالمفاهيم الدينية إلى أبسط فلاح فى قريتنا ، يتواضع مع الناس كلهم ، و يحبب إليهم حضور درس العلم ، و الاشتراك فى المناقشة و عدم الخوف أو الخجل من السؤال عن رأى الدين فيما يعترضهم من مشاكل ، أو يغمض عليهم من مسائل ))

وأحسبك ترى معى أيها القارىء الكريم أن الشيخ حسنين - رحمه الله – قد أعجب بهذه الشمائل الكريمة فى والده فضيلة الشيخ محمد حسنين - رحمه الله - و لاحظ آثارها الطيبة على تلاميذه ، فاقتبسها و تحلى بها ، و اتخذها منهاجا فى حياته العلمية ، و لو أجهد باحث نفسه فى رصد صفات الشيخ حسنين ((كمدرس)) لم يجد خيرا من الأوصاف التى وصف بها الشيخ حسنين والده الجليل و كأنها طبعت فيه ... ولا عجب فى هذا ، فهو امتداد الطبعى له إذ ((الولد سر أبيه )) كما قيل . بل إن هذا ما كان يرجوه الشيخ الوالد لولده الحبيب أن يرثه فى هذا الجانب المقدس كما جاء على لسان الشيخ حسنين فى مذاكرته :

(( بدأت فى تلك الفتره المبكرة من حياتى أسمع كلاما حول مستقبلى كما حدده الوالد : أن يكون فى طلب العلم ، و أن أخلفه فى مجلسه و دروسه . و يبدو أن الوالد كان يعدنى منذ طفولتى لهذه المهمة ، لذلك فإنه ليس غريبا أننى – و أنا من بيت علم – قد وهبت حياتى أيضا للعلم و لم أعرف اللهو ، و لم أعرف إلا الدرس و التحصيل .

المفتاح الثانى  : ما جاء على لسان الشيخ - رحمه الله - و هو يحدد الدروس التى استفادها من معركة إصلاح الأزهر التى قادها الشيخ محمد عبده ، و كان والده الشيخ محمد حسنين مخلوف مشاركا فيها بصفة أساسية بسبب صداقته الوطيدة للشيخ محمد عبده ، و اقتناعه بوجوب الإصلاح .

يقول الشيخ حسنين : (( الدرس الأول الذى تلقنته من هذه المعركة التى كنت أسمع تفاصيلها و لا أعيها :

أن الإنسان الذى يؤمن بمبدأ لابد وأن يدافع عنه ، وأن يظل صامدا فى سبيل عقيدته .... وهكذا كان الشيخ محمد عبده ، و كان والدى أيضا .

وكان الدرس الثانى الذى لقننى والدى إياه أن أكون دائما فى غنى عن الناس ، وألا أحتاج إلى مخلوق من خلق الله ، و قد وقانى الله شر ذلك ، ولم يحوجنى لأحد طيلة حياتى .

وكنت أسأل الله - تعالى – منذ طفولتى ما علمنى إياه والدى - رحمه الله عليه – ( التقى والهدى والعفاف والغنى عن الناس ) فعشت حياتى كلها مرفوع الرأس ، لأننى لم أحن هامتى إلا لله – سبحانه و تعالى )) و هذان الدرسان بينهما ارتباط وثيق ، فصاحب المبدأ لا يثبت فى الدفاع عنه ، و لا يتمسك به أمام الأعاصير إلا إذا كان ذا يقين كامل فى الله وحده وأنه سبحانه هو المتفرد بالنفع والضر ، والإعطاء والمنع ... فإذا كان الوالد فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف - وكيل الأزهر و مدير المعاهد الدينية آنذاك - قد اختلف مع السلطان حسين كامل سنة 1915 فى بعض الشئون الأزهرية و أصر الشيخ على رأيه فيها ، فعز ذلك على السلطة الحاكمة ، فأقصى الشيخ عن وظائفه الإدارية مرفوع الرأس ،موفور الكرامة ، تاركا وراءه مؤلفه (( منهج القرآن فى بيان أن الوقف الأهلى من الدين )) شاهد صدق و حق على هذه الواقعة الخطرة فى ذلك الحين .

إذا كان الأستاذ الوالد قد حدث معه هذا فإن فضيلة الشيخ حسنين الابن قد حدث معه شبيه ذلك بعيد قيام ثورة يوليو 1952 و أثناء التوجهات الجديدة نحو تطبيق مبادىء الاشتراكية و قوانين تحديد الملكية ، ورفض الشيخ هذا كله ، و أصر على مبدئه من حرية الملكية فى الإسلام مع اشتراط حل المصدر و إخراج الزكاة.

وخبر هذه الاختلافات ليس سرا على أحد ، و لعلها كانت السبب فى رفض ترشيحه لمنصب شيخ الأزهر بعد انتهاء الفترة الثانية لشغله منصب الإفتاء سنة 1954 م و قد سئل الشيخ من محرر (( اليقظة)) فى عدد 850 بتاريخ الجمعة 27/1/1984 م :

(( فى بداية الثورة رشحتم لمنصب شيخ الأزهر ، و لم يوافق عبد الناصر ، و فى عهد السادات رشحتم لجائزة الدولة التقديرية ، و نشرت الصحف ذلك ، و أجريت لقاءات معكم ، و لم يوافق السادات ، لماذا ؟ :

فأجاب - رحمه الله – قائلاً إنه ما حدث يوما أن خفت من شخص و لا يمكننى فى يوم من الأيام أن أوافق أحدا فى رأى مخالف للدين مجاملة له ، و إلا ّ كان ذلك كفرا و ضلالا )). و هذا ما ذكره الكاتب الفلسطينى (( أكرم زعيتر )) فى جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 26/5/1990 م فى قوله :

(( و مما أشير إليه هنا و لا أفصل القول فيه أن شيخنا قد اختلف مع قادة الثورة المصرية فى بعض الأمور فما و هن ، و ما تراجع و يمم المملكة العربيه السعودية ، و ظل يتردد بين مصر و الحجاز و يشترك فى المؤتمرات الفقهية مرجعا ثقة حجة ، ينشر البحوث ، و يجيب على أسئلة المستفتين ، أجوبته المتسمة بالعلم و الصراحة و النصيحة )) (5).

يقول الصحفى المصرى الأستاذ رجب البنا :

(( كان الشيخ نموذجا لاستقامة الفكر و الجرأة فى الحق ، لا ترهبه سطوة الحكم ، و لا غوغائية الجهلاء ، و لا إرهاب المتطرفين ، لم يسع إلى الأضواء ، و لا يعرف طريقه إلى ردهات و مكاتب التلفزيون أو الإذاعة، و لا شغل نفسه بمسالك الشهرة مكتفيا بأن يقول كلمة الحق لوجه الله فى كتبه و فتاوه و دروسه )).(6)

الشيخ مدرسا :

بدأ هذه الوظيفة السامية أول ما بدأها بعد ما نال درجة العالمية عامين كاملين محتسبا لوجه الله تعالى (19141916 ) انتهاجا لأثر والده الذى كان يضطلع بهذه المهمة الراقية حتى بعد ما عين شيخنا قاضيا فى ((قنا)) كان ملازما لدرس فى المسجد بعد كل عشاء يفقه فيه المسلمين و يبصرهم بأمور دينهم ، و يكشف عن ملبسات القضايا و المسائل .

و ظل الشيخ مواظبا على هذه الوظيفة الجليلة محتسبا سبعين عاما أو تزيد أينما حل أو ارتحل ... كان منهجه دائما تبسيط قواعد الدين و تيسير فهمها على العامة مع فتح باب النقاش لهم ، و التحلى بالتواضع وسعة الصدر ، و لعل فى هذا سر اجتماع القلوب عليه و التفاف الآلاف حوله .

الشيخ مفتيا : تولى شيخنا - رحمه الله – منصب مفتى الديار المصرية مرتين : أولاهما  : بدأت فى 3 ربيع الأول 1365 هـــــ = 5/1/1946 م ، و انتهت فى 20 رجب 1369 هـــ = 7مايو 1950 م بإنتهاء مدة الخدمة .

و ثانيهما  : بدأت فى مارس 1952 م و انتهت فى 19 ديسمبر 1954 م و بعد هذا عمل رئيسا للجنة الفتوى بالأزهر الشريف .

و منصب الإفتاء هو الذى اشتهر به شيخنا - رحمه الله – و لعل ذلك لأمور ، منها : و أنه عاش فيه أطول مما عاش فى غيره من المناصب ، و لا أقصد بذلك منصب الإفتاء الرسمى ، فإن ذلك لم يتعد ((سبع سنين )) فى حين أن الشيخ طيلة ثمانين عاما من عمره كان مقصد المستفتين ... بل إن الحق الذى يشهد به أهل الصدق أن شيخنا ظل خمسة و أربعين عاما (19451990 م ) هو المقصود بالفتوى ، و هو المرجع الأمين الذى يطمئن إلى فتواه أهل العلم و الدين ، و قد كان قوله الفصل إذا اختلفت الآراء و تعددت الفتاوى .

- أنه إلى جانب شدة تحريه فى الفتاوى و دقة ضبطه لأحكامها ، فقد كان فى مقدمة أئمة الفتوى فى مصر من حيث عدد الفتاوى الصادرة عن كل منهم : ( سبع سنين و بضعة أشهر ) أصدر فيها ( 8639 فتوى ).

و لا ريب أن هذا العدد قد تضاعف عشرات المرات فى الأعوام الأربعين التى قضاها الشيخ بعد خروجه من دار الإفتاء المصرية إلى حيث صار مفتيا عاما لكل المسلمين فى كافة الأقطار الإسلامية .

- و من أسباب اشتهار شيخنا بمنصب الإفتاء ما امتاز به منهجه من التحرى و التحقيق : يقول الشيخ محمد حسام الدين وكيل الأزهر الشريف السابق - رحمه الله – (( و السمت العام لفتيا الشيخ سمت بارز ، فقد جمعت فتياه سعة الفقه و الإحاطة بوجوه الرأى مع دقة استخراج الحكم ، و لطيف الملمح ، و حسن الاستدلال .

لكنا نلمح فى فتواه - مع هذا كله - أنه كان شديد الاحتياط ، قوى الحذر ، لا يميل إلى تبرير مستحدثات الأمور ، أو مستوردات الوقائع و السلوك )) .

و لا يمنع هذا شيخنا من سلوك مسلك الاجتهاد المستنير إذا وجد أن مصلحة المسلمين فى أمر جد حديثا ، و ليس له حكم فى الزمن الأول كما حدث فى كثير من فتاواه .

الشيخ ((مفسرا)):

بدهى أن يكون الاهتمام بالقرآن - حفظا و تجويدا و تفسيرا - من أوليات تكوين الشيخ حسنين مخلوف ، و من بدايات رحلته العلمية .

يقول الشيخ فى مذكراته :

(( أذكر أنى ذهبت إلى جامع الأزهر لأحفظ القرآن الكريم ابتداء من عام 1896 م ، و كان عمرى ست سنوات ، و أمضيت أربع سنوات أقطع كل يوم نفس الطريق ، فى الصباح الباكر بعد الشروق و أعود منه بعد صلاة العصر ، بعد هذه السنوات الأربع صحبنى شيخى إلى والدى ليقول له : مبروك يا شيخ محمد ، ابنك حسنين أتم حفظ القرآن الكريم ، فأقام احتفالا كبيرا بهذه المناسبة الهامة و السعيدة )).

و يقول : (( بعد أن حفظت القرآن الكريم و المتون العلمية انتقلت داخل المسجد أيضا إلى الشيخ محمد على خلف الحسينى ( شيخ المقارىء المصرية أنذاك ) و كان يجود القرآن برواية حفص عن عاصم و رواية ورش و الامام الجزرى يقول : و الأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن أثم

هذا و قد تفتحت عينا الشيخ حسنين على دراسات والده حول قضايا قرآنية مثل " المدخل المنير فى مقدمة علم التفسير ، و حكم القرآن و قراءته و كتابته بغير اللغة العربية )).

فمضى البن على نهج والده - رحمهما الله تعالى – فخدم القرآن بكثير من فتاواه و بحوثه ، فتناول قضايا (( ترتيب سور القرآن ، و تلحين القرآن بالألحان الموسيقية ، و دفن المصحف مع الميت ، ووجوب توقير القرآن الكريم ، ووصول ثواب قراءة القرآن للميت )).

هذا فى الفتاوى ، أما فى الرسائل فله : (( ]]آداب تلاوة القرآن و سماعه )) ، (( رسالة : التفسير و المفسرون ))، رسالة : ((فى فضل تلاوة القرآن العظيم[[ )).

غير أن شيخنا المبارك - رحمه الله – قد دخل ميدان خدمة القرآن الكريم من أوسع أبوابه بكتابيه الشهيرين :

(( كلمات القرآن تفسير و بيان )) و (( صفوة البيان لمعانى القرآن ))

و الكتاب الأول طبع لأول مرة 1956 م ثم أعيدت طباعته فى مصر و خارجها عدة مرات كان آخرها الطبعة الحادية عشرة 1994 م

و جاء فى مقدمة هذا الكتاب ... (( فهذا تفسير لما تحتاج إلى التفسير و البيان من كلمات القرآن ، يوضح معانيها ، و يعين على فهم الآيات ، التى هى فيها ، وضعت فيها كلمات على ترتيب الآيات فى السور ، و عن يمين كل كلمة رقم آيتها ، و عن يسارها تفسيرها فى دقة و إيجاز )).

و لعل قصد الشيخ من هذا المنهج المختصر : تقريب معانى القرآن من جمهرة قراء عصرنا الذين ليس لديهم وقت و لا عزيمة تدفعهم إلى قراءة كتب التفسير المطولة .

و كأنى بالشيخ يتدرج بهذا القارىء و يؤهله و يشوقه إلى مزيد من المعرفة حول القرآن الكريم ، فيجد مبتغاه فى كتابه الثانى ((صفوة البيان )) .

و قد طبع هذا الكتاب للمرة الأولى فى مصر عام 1956 ثم طبع عدة مرات فى عدد من الدول العربية : في الإمارات و الكويت .

و قد جاء فى تقديم طبعة الإمارات :

وقد امتاز هذا التفسير بالخصائص الآتية :

1- أنه يعنى بالجانب اللغوى عناية خاصة باعتبار أن فقه لغة القرآن الكريم هو المدخل الطبيعى إلى حسن فهم معانيه ، و قد تناول كلمة القرآنية فى أبعادها النحوية و الصرفية و البلاغية تناولا مجيدا فى وفاء مادته ، مبسطا فى أسلوب عرضه ، فهو يجمع إلى سهولة المأخذ بعد الغور و دقة المعنى ، و حسن اختيار الكلمات .

فهو بهذا ضرب من الأدب الرفيع إلى جانب ما حواه من علم غزير.


2- أنه يسير وفق منهج السلف الصالح فى التفسير :

فهو كثيرا ما يفسر القرآن بالقرآن ، أو بما ورد عن النبى – صلى الله عليه و سلم – أو الصحابة أو التابعين ، متحريا البعد عن الإسرائيليات التى شابت كثيرا من التفاسير متجنبا الآراء الشاذة و الخلافات المذهبية و الآثار المشبوهة ، و التأويلات الباطلة .

3- أنه أشار فى المواضع المناسبة إلى عدد من العلوم و المعارف التى شملها القرآن الكريم كالعقيدة و الفقه من عبادات و معاملات و كذلك الأخلاق و السلوك ، و ذلك فضلا عن عدد من علوم القرآن التقليدية : كالقراءات ، و النسخ و المنسوخ ، و المكى و المدنى ، و ترتيب السور و الآيات ، و أسباب النزول و غيرها ، و بالقدر الذى يستلزمه التفسير و يحتاج إليه إيضاح المعانى .

كما أن هذا التفسير يشير – أحيانا ، و فى المواضع المناسبة – إلى بعض العلوم الحديثة ، مما يساعد على إيضاح بعض وجوه الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم .

كما أنه كثيرا ما يستعين على تقريب المعانى العميقة بضرب الأمثال ، و ذكر الأشباه و سوق فرائد الحكم ، و مخاطبة العقل بما ألفته العقول و تواضعت عليه الأفهام .

فلهذه الخصائص التى تميز هذا التفسير ، رأينا أنه يصلح أكثر من غيره للشباب و لجمهرة المثقفين ، و لا يصعب على من هم دونهم من عامة المسلمين ، و لا يقصر عن حاجة الخاصة من العلماء و المثقفين )) .

معارك الشيخ مخلوف مع تيارات الإلحاد و الزندقة :

خاض شيخنا الجليل العديد من المعارك الضارية مع صناديد المذاهب الهدامة و فرق الإلحاد ليس فى مصر فقط ، بل فى العالم الإسلامى بأسره .

ففى مصر كانت الشيوعية قد بدأت تتسلل فى قلوب و عقول بعض الشباب المخدوع بدعايتها الزائفة البراقة ، مما دعا أولى الغيرة على العقيدة بأن يهبوا إلى الدفاع عن الإسلام قياما بواجب الدعوة ، و تحصينا للمسلمين من أن تؤثر فيهم مثل هذه الدعوات . و فضلا عن العديد من الفتاوى و البحوث و الرسائل التى تدمدم على الشيوعية و تصف معتنقيها بالإلحاد ، و الزيغ عن الإسلام . فضلا عن هذا كله فقد طارد الشيخ - رحمه الله – الشيوعيين حتى فى ساحات المحاكم ، و ها هو يقف أمام المحكمة العسكرية كما نقلت ذلك مجلة (( المصور )) . ليدلى بشهادته عن الشيوعية ، و يوضح أنها ضلال و زيغ فى العقيدة و فسق و إباحية فى الأخلاق و السلوك ، راجعا بها إلى أصولها التاريخية ، معرجا على الجرائم الشيوعيين فى إبادة المسلمين فى (( بخارى و فرغانة و القوقاز )).

وها هو الشيخ يسجل فى مذاكراته (( أن الإسلام و الشيوعية لا يجتمعان فى جراب واحد ، و لذلك دأبت الشيوعية على محاربته فى كتابه و علومه و تعاليمه و معاهده و فى أبنائه ، و انحرفت بأحداثهم بخدع و إغراءات و أمان كذاب ، و بترت ما بينهم و بين الإسلام من وشائج و صلات )).

كما سجل بأن الطائفة الإسماعيلية التى تدعى الإسلام ، خارجون عنه فى عقائدهم و عباداتهم و تعاليمهم .

فعقائدهم كفر ، و عبادتهم لله أسرار كاذبة و تعاليمهم نحل باطلة تنتهى بإباحية صارخة ، فليسوا من الإسلام فى شىء ، و من ثم لا يجوز مناكحتهم ، و لا يجوز دفنهم فى مقابر المسلمين .

ثم حذر شيخنا المسلمين بقوله (( و لا يخدعنكم عن حقيقتهم تظاهرهم بالإسلام )) . و تسميتهم بأسمائه كعلى و إسماعيل فإن أهل النحل الباطلة التى قامت على الكيد للإسلام منذ قرون متطاولة يحرصون كل الحرص على خداع العامة بالتظاهر بالإسلام كذبا و افتراء سترا لمقاصدهم و إخفاء لتدبيرهم و إمعانا فى التدليس و الإغواء و حتى إذا وقع الجاهل فى شراكهم ، و سكنت نفسه إليهم ، و اطمأنوا إلى استعداده لخلع ربقة الإسلام من عنقه ألقوا بباطلهم ، و كاشفوه بتعاليمهم ، و أباحوا ما حرم الله عليه ، فباء بالكفر الصريح ، و فى التاريخ أصدق الأدلة على ذلك من أن الإسماعيلية هى فرقة الباطنية و هو دولة (( القرامطة )) التى فعلت الأفاعيل للقضاء على الإسلام و دولته ، و ارتكبت أفحش الفظائع فى أوطانه و اسمه .

رأى الشيخ فى البهائية و القاديانية :

يقول الشيخ عقب حديثه عن ((الإسماعيلية الشيعية )) و مثل هذه الطائفة : طائفة البهائية و القاديانية فإنه باعتناق أى مسلم

للبهائية صار مرتدا عن الإسلام ، لما عرف عن عقائدها من أنها كفر صراح و البهائية خارجة عن الإسلام ، و لا يجوز مناكحة البهائيين ، و لا توريثهم ، و لا دفن موتاهم فى قبور المسلمين . أما القاديانية فهى من الفرق الزائغة المنشقة عن الإسلام و هى الفرقة التى أسسها مرزا غلام أحمد القاديانى فى القرن التاسع عشر فى الهند ، و لقى مؤازرة قوية من الإنجليز الذين كانوا يعملون بكل وسيلة لتشويه الإسلام و تقطيع أوصاله و بث الفتن بين أهله .

و قد أشار الدكتور على أحمد الخطيب – رئيس تحرير مجلة الأزهر – إلى خطورة هذه الفتاوى و شدة تأثيرها فى المجتمع الإسلامى ، كما أشار إلى تشنيع بعض المعاصرين للشيخ على ما أصدره من فتاوى ، لـّما لم تستوعب عقولهم مرامى الشيخ و مقاصده ...فقذفوا فى وجه الشيخ بما قذفوا به ثم عاد بعضهم و ندم بعد حين ... لما انكشفت الحقائق و زال الريب

و الفتوى الأولى : كانت عن القاديانيين

و الفتوى الثانية : كانت عن خلو شراب الكوكاكولا من الكحول ، و قد تصدى له فيها الاستاذ أحمد حسين – رحمه الله – رئيس جماعة (( مصر الفتاة )) حينئذ ، و اتهمت صحيفته الشيخ بأنه أفتى هذه الفتوى لأن ولده يعمل مديرا بهذه الشركة و قد شهد د/ عبد العظيم الشناوى بأن الأستاذ أحمد حسين قد أقر بخطئه و ندم على ما أخطأ به فى حق الشيخ (14)

مؤهلات الشيخ ووظائفه :

حصل الشيخ حسنين مخلوف – رحمه الله – على شهادة العالمية سنة 1914 هـــ بعد اجتيازه امتحانا قاسيا دام أربع ساعات أمام لجنة علمية كبرى برئاسة الشيخ سليم البشرى شيخ الأزهر آنذاك ، و من أعضائها الشيخ بكر الصدفى مفتى الديار المصرية ، و الشيخ أحمد هارون رئيس المحكمة الشرعية و شيخ الحنابلة .


وظائفه :

عين قاضيا شرعيا بــ ((قنا )) فى يونيو 1916 م ثم تنقل ما بين محاكم ديروط ، والفشن ، والقاهرة ، وطنطا ، إلى أن عين رئيسا لمحكمة الإسكندرية الكلية الشرعية فى أواخر 1941 م .

وعين رئيسا للتفتيش الشرعى بوزارة العدل 1942 م .

وعين نائبا لرئيس المحكمة العليا الشرعية فى عام 1944 م.

ثم عين مفتيا للديار المصرية مرتين :

الأولى :1945 م - 1950 م

والثانية : 1952 م - 1954 م

وعين عضوا بجماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف من 1948 م حتى ألغيت :

ثم عين رئيسا للجنة الفتوى بالأزهر فترة طويلة.

ثم اختير عضوا بمجمع البحوث الإسلامية .

وعضوا مؤسسا لرابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة .

وعضوا مؤسسا للجامعة السلامية بالمدينة المنورة

وعضوا مؤسسا بمجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية .

جوائزه :

منح الشيخ كسوة التشريفة العلمية من الدرجة الثانية ، و هو رئيس محكمة طنطا و منح كسوة التشريفة العلمية من الدرجة الأولى و هو مفتٍ للديار المصرية ، و منح جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية 1982 م و منح وسام العلوم و الفنون من الطبقة الأولى فى احتفال الأزهر بعيده الألف . و منح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام 1403 هـــ /1983 م

رحلاته :

لما ذاع صيت شيخنا العلامة – رحمه الله – فى بلاد الإسلام بالعلم الراسخ و القدوة الطيبة رغب أهلها فى الانتفاع بعلمه و هديه ، فكثرت أسفاره إلى المملكة العربية السعودية عشرات المرات ، و إلى ليبيا أيام الملك السنوسى – رحمه الله – و عقد فيها ندوات علمية ، و زار المغرب و البحرين و أبى ظبى لنفس الغرض .

مؤلفاته :

لقد أصدر الشيخ مؤلفات عديدة أغلبها رسائل لطيفة : و من أهمها :

- كتاب (( كلمات القرآن تفسير و بيان )) .

- صفوة البيان لمعانى القرآن .

- آداب تلاوة القرآن و سماعه .

- شرح عدة الحصن الحصين للإمام ابن الجذرى .

- شرح نصيحة الإخوان للإمام ابن طاهر الحضرمى .

- شرح الحكم للإمام عبد الله بن علوى الحداد الحضرمى .

- رسالة ((الرفق بالحيوان فى الشريعة الإسلام )).

- رسالة ((التفسير و المفسرون )).

- أحكام الشريعة الإسلامية فى بدع المآتم و ما ينفع الموتى من أعمال لأحياء .

- رسالة ((فى أحكام الميراث )).

- مجموعة الفتاوى .

- رسالة ((الأخلاق الإسلامية )).

- شفاء الصدور الحرجة فى شرح قصيدة المنفردة .

- شرح جالية الكدر بنظم أسماء أهل بدر .

- شرح المدحة النبوية للأستاذ أحمد أبو الوفا الشرقاوى .

- شرح عقيدة الإسلام للإمام الحداد .

- رسالة ((فى تعاليم الشيعة الإسماعيلية )).

- شرح لمعة الأسرار للإمام احمد أبو الوفا الشرقاوى .

- رسالة ((فى أخطار المعاصى و الآثام ووجوب التوبة منها ))

- رسالة ((فى فضل تلاوة القرآن العظيم )) .

- رسالة ((فى شرح أسماء الله الحسنى )) .

- رسالة ((فى تفسير سورة القدر )) .

- أدعية من وحى القرآن الكريم و السنة النبوية .

- نفحات زكية من السيرة النبوية .

- شرح(( تشطير البردة )) للشيخ الشرقاوى .

- شرح ((مشكاة الأنوار فى أوصاف المختار )).

- شرح (( البيقونية ))فى مصطلح الحديث.

هذا و قد قام فضيلة الشيخ بتحقيق و نشر عشرات الكتب و الرسائل لعلماء مصر و الحجاز و حضرموت باليمن ممن وجد فى مؤلفاتهم نفعا للمسلمين .

أولاده :

- المرحوم محمد – رحمه الله – توفى 1968 م

- المرحوم محمود – رحمه الله – أول من أدخل شركات البترول المصرية فى مجال البحث و التنقيب فى الصحراء الغربية

- المهندس أبو الوفا – حفظه الله – رئيس مجلس إدارة شركة مصر لأعمال الأسمنت المسلح سابقا

- الأستاذ الدكتور على مرعى الأستاذ المتفرغ بقسم النساء و الولادة بطب عين شمس (سابقا)

- الدكتور عبد الرحمن خبير الأمم المتحدة فى تخطيط المدن ، و هو الذى وضع أسس تخطيط مدن مكة المكرمة و جدة بالسعودية و أبى ظبى بالإمارات (بالمعاش)

- الدكتور عبد الهادى السفير و مساعد وزير الخارجية (سابقا)

- السفير اسماعيل (سابقا)

- المرحوم عبد الحميد – رحمه الله – و قد توفى و هو طالب بالجامعة

- و له كريمتان زينب – رحمها الله – و ثريا – حفظها الله – و أولادها .

وصاياه :

وهذا و إن الشيخ الجليل – رحمه الله – كان حريصا كل الحرص على أن ينشىء أولاده و أحفاده تنشئة صالحة و يربيهم تربية إسلامية و لذلك فقد تعهدهم بالنصح و الإرشاد و التوجيه و قد كتب فى مذكراته تحت عنوان (( ابنى و أمريكا )):

(( و أذكر أن وزارة الخارجية أرسلت ابنى عبد الهادى فى بعثة إلى الولايات المتحدة لينال درجة الدكتورة و كانت أول مرة يسافر فيها إلى الخارج ، و بعقل الأب ، و بقلب الأب ، كان يعز على فراقه و كان يعز على أن يذهب إلى بلاد أجنبية تختلف طبيعة الحياة و العادات و المعيشة فيها عن الطبيعة التى عودت أولادى عليها ، و قد كتبت له رسالة فى شكل نصيحة ، و أصررت على أن أطبعها و احمله منها مجموعة من النسخ حتى يقرأها دائما ، هذه النصيحة مازالت مطبوعة ،و معلقة فى برواز فى منزلى ، و فى منزل ابنى حتى الآن ، و لقد أفلح لأنه اتبع نصيحة أبيه ، و لم يخالفه ، و لم تكن النصيحة فى مجملها إلا أن يبتعد عما حرم الله ، و أن يستعين بالصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء و المنكر، وأن يحذر وسوسة الشيطان ، و أن يكاشفنى بكل ما فى نفسه ، إلى آخر ما جاء فى هذه النصيحة التى اتخذها منهاجا و دستورا ... لم أمنعه فى هذه النصيحة من شىء إلا الحرام ، قلت له :

(( حفظك الله من كل سوء ، ووجهك إلى الخير ، ووفقك لما فيه رضاه ، اعلم أنك ستمكث فى هذه الدنيا سنين عديدة ، مغتربا عن الأهل و الوطن فى سبيل العلم ، فاستعن على ذلك بتقوى الله فى سرك و علانيتك ، فهو الفتاح العليم ،و استعن بالصلاة فهى تنهى عن الفحشاء و المنكر ، و بتلاوة القرآن فإنه جلاء القلوب ، وشفاء الصدور ، واجتنب فى جهادك قرناء السوء ، و خلطاء الفتنة ، و ما حرم الله من طعام و شراب ، و اعلم أنك فى تربيتك و نشأتك ينظر إليك هنا ، و هناك نظرة احترام إن أنت اهتممت بدينك و تقاليدك ، ما كل ما هنالك حسن ، و ما كل ما هنالك قبيح ، فخد ما ترى و تعلم أحسنه و أنفعه ، و اجتنب أقبحه و أضره ، و عد إلينا موفور الكرامة و التقدير ، عالى الهمة ، لما عرف عنك من الاستقامة ، و احرص على أن تحتل من نفوس أساتذتك محل الكرامة و التقدير و من نفوس إخوانك و زملائك محل الإعزاز و التوقير ، و أن تظهر إمام الجميع بمظهر الرجولة الكاملة و الاستقامة التامة و الإباء و العزة و الشرف الرفيع )).

كما لم ينس شيخنا الجليل – رحمه الله – أن يوجه نصيحته إلى جميع أولاده و أحفاده و سائر أحبابه :

دعاهم فيها إلى التزام فرائض الإسلام وواجباته والمحافظة على سننهمذكرا لهم بثواب الله الدنيوى و الأخروى .

كما حذرهم من اقتراف المعاصى مرهبا لهم من مغبتها وشؤمها فى الدنيا و الآخرة ، ثم ختم نصيحته بقوله : (( هذه نبذة من نصائحى بشأن واجباتكم الإسلامية ، و أود أن أعقبها بما تفرضه عليكم الأخوة فيما بينكم .

و أنصحكم جمعيا بالتواصل و التراحم و التواد و لتحاب و التزاور و الاجتماع و التعاون و التناصح و التشاور فى المهام و التواصى بالحق و الصبر و العناية التامة بتربية الأولاد على التدين و التخلق بمكارم الأخلاق و البعد عن مواطن الشر و الفساد و نبذ التقاليد الأجنبية التى ينفر منها الطبع العربى الكريم و لا يرضاها إلا من نسى عراقة أصله و كرم محتده وواجبه فى شكله وزيه .

و أدعوكم إلى الصفح و الغفران فيما يفرط من البعض فى بعض الظروف لجهالة أو طيش أو نزق أو سوء تصرف ، و أن تعفوا و تصفحوا و تغفروا خيرا لكم و أبقى .

و ليكن ديدنكم صلة دوى القربى و مودتهم و معونتهم بقدر الإمكان و مواساتهم فيما يعرض لهم من شئون و خطوب و بذلك يبقى للأسرة قوامها و كيانها .

كما يجب عليكم فى أعمالكم الأمانة و الإخلاص و الجد و الصدق و شرف النفس و الترفع عن التذلف و الوضاعة و النفاق و الخنوع و الخوض فيما يأباه الدين و الخلق الكريم و البعد التام عن قرناء السوء و أعوان الشر و الرذيلة . ذلك ما أوصيكم به و أوصيكم بغرسه فى نفوس أولادكم – علما و عملا و تدريبا و اجتماعا – حتى تشبوا على الفضائل و ينشأوا نشأة صالحة قويمة و تبقى الأسرة حية نامية شريفة كريمة .

وإنى أسأل الله تعالى لكم جميعا توفيقه و طاعته و سعادتكم فى الدنيا و الآخرة و أن تذكرونى بالدعاء و تقرأوا الفاتحة و نهبوا ثوابها لى و فى الحديث( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية و علم ينتفع به وولد صالح يدعو له)

وأرجو الله تعالى أن تكونوا من الأولاد الصالحين البارين بآبائهم بالدعاء إلى الله بالرحمة والعفران والقبول والإحسان .

وبعد عمر مديد مبارك قارب المائة عام توفى شيخنا – رحمه الله – فى يوم 19 رمضان 1410 هــ - 15 إبريل 1990 م

اللجنة

هوامش :

(1) مذكرات الشيخ حسنين مخلوف فى ((جريدة الشرق الأوسط)) الحلقة الثانية

(2) مذكرات (2)

(3) مذكرات (5)

(4) اليقظة 850 الجمعة 27/1/1984 م

(5) الشرق الأوسط 36/5/1990 م

(6) الأهرام 26 رمضان 1410هـ ،22/4/1990 م

(7) فى بحثه المقدم فى مجمع البحوث الإسلامية عن خصائص منهج الإفتاء عند شيخنا – رحمه الله

(8) مذكرات 3 (1) أى والده الشيخ محمد حسنين مخلوف

(9) مذكرات 4

(10) المقدمة صـــــــ

(11) الشيخ محمد عبد الرحمن البكر وزير العدل و الشئون الإسلامية بالإمارات

(12) المصور العدد 1505 (4 دو الحجة 1372 هـ - 14 أغسطس 1953 م

(13) مذكرات (16)

(14) مذكرات (16)

(15) مكرر : مجلة الأزهر شوال 1410هـ -مايو 1990 م

معركة الشيخ الأحمد الظواهري

لابد من وقفة صغيرة نتحدث فيها عن الإمام محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر و صديق الشيخ حسنين مخلوف ، فالإمام المراغى ، بل و أيضا الشيخ أحمد الظواهري ،تركا عامات بارزة فى تاريخ الأزهر ما زالت تعيش حتى الآن و لا يمكن تجاهل دورهما . علاج الأزهر :

كان الشيخ الظواهرى تلميذا للإمام محمد عبده ، و قد تشرب بآرائه فى الإصلاح حتى أنه ألف كتابا أسمه ((العلم و العلماء )) دعا فيه إلى تطوير الأزهر و هاجم العلماء فى ذلك العصر ، لأنهم منعزلون عن الأمة ، يجهلون العلوم الحديثة و يعادونها ، و هم أيضا منصرفون عن هداية الأمة الإسلامية ، فلا يؤدون واجبهم فى الوعظ و الإرشاد .

والأزهر أيضا يعانى من الجمود ، و التخلف ، و القصور ومشاكل الكتب التى تدرس به وطريقة التدريس التى لم تتغير(( سنة بعد سنة ))

ولم يكتف الشيخ الأحمدي الظواهري أن يشخص المرض من وجهة نظرة ، بل أنه وضع أيضا ً العلاج الذى يراه.

و قائمة العلاج التى وضعها تقول إن (( التدين لا يتنافى مع التمدن )) على حد تعبيره ، فلذلك فإنه يحب أن يعلم الأزهر طلابه العلوم الحديثة ، و أن تقسم الدراسة فيه إلى ثلاث مراحل و أن يكون التعليم الأزهرى كله على مرحلتين : مرحلة عامة للتفقة فى الدين ، و مرحلة للتخصص و الحصول على الشهادة العالية ، و بينهما مرحلة متوسطة ، على أ، يعاد النظر فى أسلوب و طرق التدريس ، و أن يتخلص الأزهر من الكتب القديمة المعقدة .

ووضع الشيخ الظواهرى فى كتابه رؤية لدور العالم الأزهرى فى وعظ الناس و إرشادهم بلغة سهلة ، هى مزيج من العربية و العامية ، و أن يمتد دورهم إلى العالم الإسلامى كله لا مصر وحدها .

وأثارت أراؤه ضجة كبيرة ، و هوجم من الاتجاهات الرافضة للإصلاح ، وكان صوتها عاليا ، و قوتها مؤثرة فآثر الانسحاب من القاهرة إلى الإسكندرية ، يعمل بالوعظ ، وينادى بآرائه بين طلبته هناك .

الشيخ المراغى :

لم تكد الضجة حول أراء الشيخ الأحمدي الظواهري تهدأ ، و تمضى عليها سنوات ، تجرى خلالها بعض الإصلاحات فى قوانين الأزهر حتى ظهر على السطح الشيخ محمد مصطفى المراغى . أحد تلاميذ الإمام محمد عبده ، عقب تخرجه عمل فى سلك القضاء ، ثن اختر رئيسا لقضاة السودان . عاد من السودان ليتم اختياره شيخا للأزهر ، كانت لديه خطة متكاملة للنهوض. بالأزهر استجابة برأى مئات الطلاب ، و الدارسين ، و كان يعرف أنه سيلقى عنتا و صعوبات من شيوخ الأزهر الجامدين ، و أعلن أنه يريد للأزهر إصلاحا يوقظه من سباته ، و يفتح فيه باب الاجتهاد و العلوم و الدين و أن يكون الاجتهاد لحماية الدين – لا لحماة الأزهر – أن يتغير نظام التعليم فى المعاهد الدينية ، فينتقى تدريس العقائد ، و يبعد عنها ما جد فيها من بدع ، و أن يدرس الفقه دراسة خالية من التعصب لمذهب معين و أن ينظر فى أحكامه الاجتهادية نظرة تجعلها ملائمة لكل العصور و الأمكنة و يجب أن تدرس الأديان الأخرى ليظهر من المقارنة بينها و بين الإسلام فضله عليها و أن تدرس أصول المذاهب فى العالم قديمها و حديثها و الفرق الإسلامية ، و كل المسائل العلمية فى النظام الشمسى ، و أن تدرس اللغة العربية دراسة جيدة كما درسها السلف ، و نادى بإلغاء دار العلوم و القضاء الشرعى لقصر وظائف التدريس و القضاء على المتخرجين من الأزهر بأقسامه المختلفة .

وحدث خلاف بين الشيخ المراغى والملك ، واستقال الشيخ المراغى ، والقانون الذى أعده لتطوير الأزهر على وشك الصدور .

ثلاث كليات فى الأزهر :

كان من نصيب الأزهر بعد ذلك أن يتولاه الشيخ الأحمدى الظواهرى صاحب كتاب (العلم و العلماء ) و صاحب الصرخة المدوية للإصلاح فى التعليم الدينى و النهوض به ... ووضع فى عهده قانون نظم الأزهر ، و حدد كلياته يثلاث كليات .

- كلية الشريعة لتخريج علماء يتولون القضاء الشرعى و المحاماة ... و قد تمكن من إلغاء مدرسة القضاء الشرعى .

- كلية أصول الدين لتخريج علماء و وعاظ و مدرسين فى المعاهد الدينية .

- كلية اللغة العربية لتخريج مدرسين للغة العربية بمختلف المعاهد و المدارس ، و كان يسعى لإلغاء كلية دار العلوم ، و أطلق اسم المعاهد الدينية على معاهد الأزهر ..

وقضى القانون بتأليف هيئة تشريعية لها حق النظر فى اللوائح و القوانين و تسمى مجلس الأزهر الأعلى يضم إلى جانب شيخ الأزهر ومشايخ الكليات مفتى الديار المصرية ووكلاء وزارات العدل والمعارف ، والأوقاف والمالية وعددا ً آخر من العلماء بحكم وظائفهم .

ولكن الكتب القديمة التى انتقدها الشيخ الظواهرى فى كتابه ظلت تدرس بالأزهر فلم يستطع إلغاءها . ومرة ثانية تولى الشيخ المراغى مشيخة الأزهر ليعطى دفعة قوية للأزهر ، و ليغير اسم ((هيئة كبار العلماء ))إلى (( جماعة كبار العلماء )) . و فى فترة لاحقة سوف يصبح الشيخ حسنين مخلوف عضوا فى هذه الجماعة ، و سوف تستمر عضويته فيها حتى تلغى إنشاء مجمع البحوث الإسلامية عام 1961 ، و قد مضت المذكرة التفسيرية للقانون الذى صدر بإنشائه (( بأنه الهيئة العليا للبحوث الإسلامية و التى تقوم بالدراسة فى كل ما يتصل بهذه البحوث و يعمل على تجديد الثقافة الإسلامية و تجريدها من الشوائب و تجليتها فى جوهرها الأصيل الخالص ، و توسيع نطاق العلم بها لكل مستوى و فى كل بيئة ، و بيان الرأى فيما يجد من مشكلات مذهبية أو اجتماعية تتصل بالعقيدة ، و حمل تبعة الدعوة فى سبيل الله بالحكمة و الموعظة الحسنة إلى الهيئة الجديدة للقيام بها )) .

الفتوى الأولى فى حياتى كانت عن الرفق بالحيوان

وكنت لسنة 1912 ما زلت أدرس فى الأزهر ، عدت إلى زوجتى وأولادى بعد يوم دراسى مرهق ، من عادتى أن أصعد قبل كل شىء إلى الطابق الذى يقيم فيه الوالد و الوالدة ـ أقبل يديهما قبل خروجى وبعد عودتى . وأطلب منهما الدعاء ، هى عادة لازمتنى منذ طفولتى ولم تفارقنى إلا بعد أن اختارهما الله إلى جواره.

فى هذه المرة / صعدت إلى حيث الوالد ، و قبلت يده ، وهممت بالانصراف إلى حيث الزوجة والأولاد ولكنه استبقانى .

- اجلس يا حسنين أريدك فى أمر هام و جلست بين يديه . و أخرج الوالد ورقة فى عبارة عن رسالة جاءته من مواطن لا أذكر اسمه الآن ، يطلب منه أن يفتيه عن موقف الإسلام من الرفق بالحيوان .

كانت الكلمة جديدة على مصر، فمنذ سنوات قليلة تكونت أول جمعية للرفق بالحيوان ، و يبدو أن السائل قد لفت نظره اسم الجمعية فأرسل للوالد يستفيه ، و يطلب المعرفة فى موقف الدين الإسلامى من هذه القضية ، و قرأت السؤال الذى سلمه لى الوالد فى الرسالة . و أعدت قراءته . و لم أعرف ما هو المقصود ، و ماذايريد منى الوالد ، فقد تعود أن يتلقى رسائل من مختلف البلاد يسألونه الرأى ، و يطلبون منه الفتوى الإسلامية ... و فاجأنى الوالد قائلا :

- يا شيخ حسنين ... أريد منك إجابة عن هذا السؤال .

كان مفاجأة لأنها المرة الأولى التى ينادينى بها الوالد و يمنحنى لقب ((شيخ)) و مفاجأة لأن الوالد العالم يريد إجابة منى و قلت متهربا :- - البركة فيكم يا مولانا ، و لكن الوالد أمرنى أم أجيب على السائل و لعله أراد أن يختبر مقدرتى على البحث العلمى و لم أستطع أن أرفض للوالد طلبا ... و قلت و أنا أطوى رسالة المواطن و أضعها فى جيب ((الكاكولة )) : إن شاء الله ، و قبلت يده ، و انصرفت و أنا أفكر فى هذه المهمة .

البحث الأول :

وعكفت على البحث ، وكانت اول رسالة بحثتها فى حياتى بعنوان (( الرفق بالحيوان فى دين الإسلام )). و قد طبعتها بعد ذلك عدة طبعات و قلت فى السطر الأول منها :

(( بعد الحمد لله .. إن الوالد صاحب الفضلية الأستاذ الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى المالكى مدير الأزهر و المعاهد الدينية كلفنى بجمع ما يتيسر من النصوص و الشرعية فى الرفق بالحيوان لحاجة كثير من الناس إلى معرفة حمكة و حكمته فى الشريعة الإسلامية فصدعت بالأمر متوخيا سبيل الإيجاز و مستعينا بالله تعالى ، و هو خير المعين )).

الرفق أنواع :

فى دراستى عن الرفق بالحيوان تحدثت – فى البداية – عن الرفق العام . فالرسول صلى الله عليه و سلم يقول : (( إن الله ليعطى على الرفق ما لا يعطى على الخرق ، و إذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق و ما من أهل البيت يحرمون الرفق إلا حرموا محبة الله تعالى )).

و يقول (( إن الله رفيق يحب الرفق الرفق و يعطى عليه مالا يعطى على العنف )). (( يا عائشة : إنه من أعطى حظة من خيرى الدنيا و الآخرة ، و من حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خيرى الدنيا و الآخرة )).

(( إن الله يحب الرفق فى الأمر كله ))

ثم تحدثت عن الرفق بالإنسان ، و قد وردت فيه آيات قرآنية كريمة ، تدعو إلى لين الجانب ، و طرح الغطرسة و الكبرياء و حمل النفس على المروءة و المودة و الإيثار استمالة للنفوس الجامحة ، و استرقاقا للقلوب الغليظة التى يجلعها ما ترى من العنف و الكبرياء على اللجاج فى الباطل و التمادى فى الغى ، فلا تسمع لداعى الحق دعاء و لا تجيب لرسول الهدى نداء ، و التبعة الكبرى فى ذلك على من لم برفق بها و يتلطف لها فى دعوتها .

وقد استبان أن الآيات التى ذكرتها جميعا ً ترمى إلى وجوب الرفق وتحض عليه بالترغيب والترهيب ، وإن كان بعضها فى الرحمة والشفقة ، وبعضها فى العدالة والحكمة ونوع منها فى وداعة الأخلاق ، و التواضع و نوع آخر فى المروءة والإيثار ، لأن جميع هذه الأنواع واحدة ، كما لا يخفى ذلك على ذكى عليم .

الدراسة و ما فيها :

لا يمكننى أن ألخّص وجهة نظر الإسلام فى الرفق بالحيوان كما وردت فى دراستى المستفيضة فى سطور قليلة ، و يحسن أن يرجع إليها من يريد المزيد ، و لكنى سأحاول أن أقدم تلخيصا لها .

فقد وردت أحاديث نبوية فى الرفق بالحيوان الأعجم فمنها ما رواه شداد بن أوس عن النبى صلى الله عليه و سلم (( من غرس غرسا أجرى الله له أجر ما غرس ، ما أكل منه من إنسان أو طائر أو دابة )) و منها ما رواه أبو الدرداء عنه صلى الله عليه و سلم وهو (( ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان أو سبع أو دابة إلا كان له به صدقة )).

وورد فى الحديث (( إن الله رفيق يحب الرفق و يرضاه و يعين عليه ما لا يعين على العنف ، فإذا ركبتم هذه الدواب العجماء فأنزلوها منازلها فإذا ضربتم فى الأرض ، فانجوا عليها ، فإنالأرض تطوى بالليل ما لا تطوى فى النهار ، و إياكم و التعريش على الطريق ، فإنه طريق الدواب ، و مأوى الحيات )).

وقد نهى الرسول صلى الله عليه و سلم أن (( تصبر البهائم )) أى تمسك و ترمى بالحجارة .

وفى ذلك أحاديث كثيرة ذكرتها فى رسالة الرفق بالحيوان ، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يؤذى الحيوان إيذاء شديدا فقال عليه الصلاة والسلام (( ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه ، فقالوا يا رسول الله فإنا لا نبيعه و لا ننحره ، فقالوا لهم : كذبتم ، قد استغاث بكم فلم تغيثوه ، وأنا أولى بالرحمة منكم فإن الله نزع الرحمة من قلوب المنافقين وأسكنها قلوب المؤمنين )) فاشتراه صلى الله عليه وسلم منهم ، وأطلقه .

وذكرنا فى الحديث عن الخيل ، وقد قال فيها الرسول (( الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ))، وقال الخيل لثلاثة ، لرجل أجر ، و لرجل ستر ، وعلى رجل وزر . فأما الذى هى له أجر فرجل ربطها فى سبيل الله فأطال لها فى مرج أو روضة ، فما أصابت فى طيلها ( حبل يشد أحد طرفيه فى وتد أو نحوه والطرف الآخر فى يد الفرس ) من الروضة أو المرج كانت له حسنات .

وجاءت فى ذلك أحاديث كثيرة أوردتها فى الرسالة و منها فى الغنم ((اتخذوا الغنم ، فإنها بركة ))،(( البركة فى الغنم و الجمال فى الإبل )) ، (( و أكرموا المعزى و اسمحوا برغامها )) ( و الرغام تراب لين ) و منها (( الغنم من دواب الجنة )) ، و منها (( استوصوا بالمعزى خيرا فإنها مال رقيق ليس له صبر على الجفاء )) ، و منها (( الشاه من دواب الجنة )). و جاءت أحاديث آخرى فى الطيور تنهى عن قتلها ، و فى الهرر تنهى عن إيذائها ، قال (( عذبت امرأة هرة حبستها حتى ماتت جوعا ، فدخلت النار فيها ... و قال الله لا أنت أطعمتها و لا سقتها حين حبستها و لا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض )): ( حشراتها ). ووردت أحاديث فى الرقف بالكلاب منها ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قال (( دنا رجل إلى بئر فشرب منها ، و على البئر كلب يلهث فرحمه ، و نزع أحد خفيه فسقاه فشكر الله له فأدخله الجنة )).

وقد مر علية الصلاة و السلام على حمار وسم فى وجهه فقال: (( لعن الله الذى وسمه )) و ذلك لتشويه خلقه ، و تعييب وجهه ، و أباح صلى الله عليه و سلم قتل المؤذى من الحيوان ، و قد قال تعالى < فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله > .

فى الحديث (( خمس فواسق تقتلن فى الحل و الحرم : الحية ، و الغراب الأبقع ، و الفأرة ، و الكلب العقور ، و الحديا )) (( الحدأة)).

و قال (( خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن فى الحرم : الغراب و الحدأة ، و العقرب ، و الفأرة ، و الكلب العقور )) و علة الإباحة فيها ، هى الابتداء بالأذى و العدوان على الناس غالبا )).

و بعد أن تحدثت عن الحيوان و إكرامه ، و ما يذبح و ما لا يذبح و عن فوائد ادخار بعض الحيوان ، بينت كرامة بعض الحيوان و قلت : (( إن عشرة أفراد من الحيوان تدخل الجنة (( براق النبى – ناقة صالح – عجل إبراهيم كبش إسماعيل – هدهد سليمان – نملته – حوت موسى – حمار عزير – كلب أصحاب الكهف – بقرة إسرائيل )) . و يعلم من هذه الرسالة فضل الله على عباده بالانتفاع ببعض الحيوان ، و إيقاع الأذى ببعض الحيوانات المؤذية ، و الثواب العظيم بالرحمة لبعض الحيوانات غير المؤذية له . و بيان أن شريعة الإسلام وفت بكل شىء حتى بالحيوان الأعجم و عرفت المسلمين ما بتعلق به حلا ، ودعة و رأفة و ظلما .

البحث الذى أصبح كتابا :

أعطيت هذه الرسالة لوالدى بعد أن انتهيت من كتابتها فسر منها ، و دعا لى بخير ، و أمر بطبعها بعد قراءتها فطبعت بمصر فى ذلك الوقت و هو سنة 1332 هجرية – 1912 ميلادية و درست فى مجالس كثيرة ، و أعيد طبعها مرارا بعد ذلك حيث علم الناس ما للحيوان من أحكام تطبق عليه فى الشريعة الإسلامية و قد كان الناس لا يعلمون شيئا من أحكامها فى شأن الحيوان الأعجم . فتبين لهم أن الشريعة وافية بكل شىء حتى بالحيوان الأعجم ، و ذلك فضل من الله على المؤمنين علم به الناس ما لم يكونوا يعلمون فى بعض المخلوقات و هى الحيوانات الصم البكم ، و أن الرفق بها دعوة من الإسلام إلى الخير و العمل الصالح .

و بعد هذه الرسالة اعتاد الواد – رحمه الله – أن يكلفنى ببعض البحوث الواجبة معرفتها فأقدمها إليه ، و يهذبها و ينشر منها الحق و الصواب و ما فيه خير و هدى للناس .

و قد اعتدات ذلك من تعليماته و إرشاداته حتى إلى حين دخلت مدرسة القضاء الشرعى منتسبا إليها و كلفت بوضع رسالة فى آخر كل سنة من سنينها الأربع ، و كان هذا الوضع ضروريا للنجاح لأجل انتقال من سنة إلى آخرى ، فقضيت بها 4 سنوات و قدمت إلى لجانها العلمية 4 رسائل و الله الموفق و المعين .

كتبت فى (( المؤيد )) و منافستها (( اللواء )) فى وقت واحد

بدأت أتصل بالصحف ، كنت أكتب المقالات فى أمور الدين و أذهب بها إلى الشيخ على يوسف صاحب جريدة (( المؤيد )) ، و كل الرجل يستقطبنى على الفور ، و يتسلم منى المقال لأجده منشورا فى جريدة المؤيد بعد ذلك .

المؤيد و صاحبها :

كان الشيخ على يوسف يعرفنى ، فهو صعيدى مثلنا و كانت تربطنا به صلة المعرفة الوثيقة ، فأمه من بلدتنا ((بنى عدى))

الشيخ على يوسف صاحب جريدة المؤيد فى حد ذاته قصة و جريدة (( المؤيد ))قصة أخرى ، فقد كانت أكبر الصحف اليومية فى ذلك الوقت و كان مقرها فى أهم شوارع القاهرة ، و أكثرها حيوية و نشاطا شارع محمد على ، كان الاحتلال الإنجليزى قد أصدر جريدة المقطم ، و قدم إليها كل أنواع المساعدات ، و لتكون لسان حاه ، و بعدها بشهور أصدر الشيخ على يوسف جريدة المؤيد لتكون أول جريدة يومية يملكها مصرى صميم ، و كان من بين كتابها على امتداد عمرها : قاسم أمين و سعد زغلول و مصطفى لطفى المنفلوطى و الطالب مصطفى كامل .

أما صحاب المؤيد الشيخ على يوسف فقد قدم إلى القاهرة فقيرا من قريته (( دبلصفودة )) بالصعيد ليتلقى العلم فيها و ما لبث أن توقف عن دراسته فى الأزهر ، و اهتم بالقضايا العامة و أخذ يتكسب من الكتابة فى الصحف حتى أنشأ أول جريدة يومية يملكها مصرى صميم .

قضية التلغرافات : و دخل الشيخ على يوسف فى قضيتين أثارتا الرأى العام فى مصر ، و طغى الحديث فيهما على أى شىء آخر . القضية الأولى هى قضية البرقيات التى كان يرسلها اللورد كتشنز قائد القوات المصرية إلى وزير الحربية عن حالة الجيش المصرى فى السودان ، و الوباء الذى تفشى فيه .

و كانت هذه البرقيات سرية ، و لكن الشيخ على يوسف استطاع الحصول عليها و نشرها فى جريدته و بحث الأنجليز وراء تسرب هذه البرقيات حتى عرفوا أنه موظف صغير فى مكتب التلغراف و قدموه للمحاكمة مع على يوسف .

و فى النيابة حقق معهما شاب صغير ، ثم أصدر قراره بحفظ القضية ، و ثار الإنجليز و صدر قرار بنقل وكيل النيابة إلى الصعيد ، و لكم وكيل النيابة استقال ، و انضم إلى مصطفى كامل فى نضاله ضد الاستعمار و كان وكيل النيابة هو محمد فريد .

و قدما على يوسف و موظف التلغراف إلى المحكمة ، فأصدرت حكمها ببراءة الشيخ على يوسف و بحبس الموظف ثلاثة شهور ، و لم ترض سلطات الاحتلال عن الحكم فاستأنفته ، و لكن محكمة الاستئناف أصدرت حكمها ببراءة الشيخ على يوسف و موظف التلغراف ، و خرجا من المحكمة محمولين على الأعناق .

و قضية الزواج :

القضية الثانية هى قضية زواج الشيخ على يوسف ، فبعد أن استقر فى القاهرة رأى أن يختار زوجة تناسب مقامه الجديد ، فخطب ابنة نقيب الأشراف السيد السادات الآنسة صفية ، و ما طل نقيب الأشراف فى عقد قرانه أربع سنوات ، حتى يئس الشيخ على يوسف من موافقة الأب على الزواج و استطاع أن يتفق مع عروسه صفية سرا على أن تهرب من بيت أبيها ، و عقد قرانه عليها و تزوحها و أقام الشيخ السادات الدنيا ، فقد هربت البنت من منزل أبيها لتتزوج ، و لجأ إلى القضاء يطالب بتطليق ابنته على أساس عدم الكفاءة بين الزوجين .

و كانت أيضا قضية الموسم التى تتبعتها الصحف كلها ، و كانت المؤيد تنشر أخبارها فى الصفحة الأولى . و تفاصيل القضية طويلة ، و المرافعات التى دارت بين الجانبين أمام المحكمة مستفيضة ، و كانت أغلبها تحط من شأن الشيخ على يوسف و ترفع من قدر السادات الذى يرجع نسبة إلى أكثر من ألف سنة كما قال محاميه الذى قال : عن الشيخ على يوسف (( إنه يتكسب من مهنة الصحافة و هى حرفة دنيئة يحرمها الدين الإسلامى – على حد قوله- لأنها تقوم على الجاسوسية و الإشاعة الكشف الأسرار و هذا منهى عنه شرعا )).

و أخيرا حكمت المحكمة برئاسة القاضى أبو خطوة بالطلاق و أيدتها محكمة الاستئناف و أحس السادات بالنصر فوافق على زواج ابنته من الشيخ على يوسف مرة أخرى و عادت صفية إلى بيت زوجها الذى لم يكفه بعد ذلك حصوله على رتبة الباشوية حتى سجل نفسه فى سجل الأشراف و اعتزل الصحافة ليعين شيخا للسادة الرفائية حتى يكون ندا لزوجته .

و قد هزت هذه القضية وجدان الشعب المصرى حتى أن شاعر النيل حافظ إبراهيم قد عبر عنها فى قصيدة يخاطب فيها مصر قائلا:

  • حطمت اليراع فلا تعجبى و عفت البيان فلا تغضبى
  • فما أنت يا مصر دار الأديب و لا أنت بالبلد الطيب
  • و قالوا المؤيد فى غمرة رماه بها الطمع الأشعبى
  • دعاه العرام بسن الكهول فجن جنونا ببيت النبى
  • فنادى رجال بإسقاطه و قالوا تلون فى المشرب
  • وزكـّى ((أبو خطوة)) قولهم بحكم أشد من المضرب
  • تضيع الحقيقة ما بيننا و يصلى البرىء مع المذنب
  • و يهضم فينا الإمام الحكيم و يكرم فينا الجهول الغبى

الكتابة فى اللواء : بعد أن تخرج مصطفى كامل من مدرسة الحقوق و أصبح محاميا أصدر جريدة ((اللواء)) ، و كانت المنافسة بينها و بين جريدة ((المؤيد)) شديدة و كنت أكتب أيضا فى ((اللواء)) ، و فى ((المؤيد)). لم اشتغل أبدا فى السياسة و كل ما شغلتنى هى قضايا الإسلام فكنت أكتب فى اتجاه الدعوة الإسلامية ، و أنشر الفتاوى ، و ما زالت هذه العادة تلازمنى حتى الآن ، و هى العادى التى بدأتها منذ كنت طالبا بالأزهر .

وتخرجت من الأزهر ، وأصبحت أحد علمائه ولكن صلتى به لم تنقطع أبدا ، فهى ما زالت مستمرة حتى الآن .. ليس فقط لأننى عضو بـ (( مجمع البحوث الإسلامية )) وهى العيئة التى حلت مكان ((جماعة كبار العلماء )) أيضا لأن الأزهر بما يقدمه للعالم الإسلامي قد أصبح قطعة منى و أنا قطعة منه .

دخلته لأول مرة لأحفظ القرآن الكريم فى عام 1896 و عمرى ست سنوات .

تفسير القرآن :

لا يمكن لأحد أن يتصور مدى عمق الدراسة فى تلك الأيام بالأزهر تلك الدراسة التى تخرج عالما أو أديبا و لغويا و شاعرا و انا لم أحاول قرض الشعر أبدا ، اتجهت إلى البحوث و الدراسات ، لى كتب كثيرة جدا ربما كان من أشهرها ((تفسير القرآن الكريم )) و كتاب (( المواريث )) و (( معانى كلمات القرآن الكريم )) و غيرها أكثر من مائة كتاب ، بين مجلد ضخم و رسالة صغيرة .

إن طريقة التدريس فى الأزهر كانت تدفع للبحث و العلم كان الشيخ يلقى من محفوظاته أو من مذكرات كتبها ، و كان الدرس فى هذه الحالة يسمى ، إملاء ً و يحرص الأستاذ على لغته الصحيحة و إلقائه الواضح ليمكن كل طالب من تدوين ما يقوله و عندما ينتهى الطلاب من تدوين ما ذكره الشيخ فإنه يبدأ فى الشرح و التعقيب .. و التوضيح ، و الطلاب يكتبون هذه الشروح و التوضيحات على هامش كتبهم .

و إذا ما أكمل الشيخ إملاء الكتاب و شرحه ، فإنه غالبا ، ما يراجع الكتاب و الشروح التى كتبها تلامذته عليه ، فيصححها ، و يناقشهم فيها و إذا ما استقر الأمر نهائيا على الشروح بعد تصحيحها فقد يوقع على نسخة منها بخطه ليؤكد للطلاب على صحة ما دونوه ، و أن يقر على أنه راجع الشرح و ناقشه و أجازه .

و من مجموع هذه المحاضرات و الشروح تكونت المخطوطات و أصبحت كتبا ً شهيرة جدا .

وبعضها احتفظت بلفظ ( الأمالى ) عنوانا لها أمثال ( أمالى القالى ) و ( أمالى الزجاج ) و( أمالى بن العاجب ) و( أمالى المرتضى ) .. وغيرها ، وبعضها الآخر تغيي اسمه و عنوانه ، ووضع للكتاب أو للمخطوط ، عنوان آخر .

و كان لشروح الأساتذة والعلماء أهمية كبرى ، وللهوامش أهمية كبرى أيضا ، وبعض الكتب طبعت أونسخت بهوامشها تفسير الشيوخ والعلماء بالذى أملوه لطلابهم .

البحث و المناقشة بحرية :

كان من حق كل طالب أن يسألو يناقش الأستاذ و الشيوخ الأجلاء يشجعون على المناقشة و على الأسئلة الدالة على المناقشة و على الأسئلة الدالة على العمق و الفهم .

وحتى لا يتهيب الطلاب من السؤال و البحث و المناقشة فإنه إذا لم يتقدم أحد بالسؤال إلى الأستاذ ، فإنه تشجيعا لهم قد يوجه هو الأسئلة إلى نفسه أو إلى الطلاب فى محاولة لإدارة نقاش واسع ومستفيض .

وهكذا يتعلم الطلاب مناهج البحث ، وأساليبه ، ولا يضيقون بالمناقشة ، بل يسعون إليها ، كما يتعلمون طرق الكتابة و أساليبها ، و ليس هناك أى طالب فى الأزهر فى تلك الفترة لم يمسك القلم و يشغل وقت فراغه بالكتابة ، الكتابة فى بحث علمى أو الكتابة فى الصحف ، أو الكتابة فى الأدب و الشعر .

كانت فترة خصبة مليئة بالمواهب ، و العلماء ، و كان البحث العلمى الدينى هو ما يشغل المجتمع ، لذلك لم يكن غريبا أن تكون تلك الفترة مليئة بالأساطين الذين تخرجوا من الأزهر بدءا من سعد زغلول حتى مصطفى لطفى المنفلوطى ، كان الأزهر هو باعث الحياة فى ركود الحياة المصرية ، و هو أيضا قائد ثورتها ضد الظلم ، و الاحتلال ، و الفساد على نحو ما يعرف الناس جميعا و ما أوردته كل كتب التاريخ الشائعة .

وفى تلك الفترة المبكرة من حياتى لم أكتف بالكتابة فى الصحف ، فالصحف تحتاج إلى مقالات قصيرة سريعة ولم يكن الوالد يريد منى أن أكون متعجلا فى الفتوى أو إبداء الرأى فى القضايا الدينية ، لذلك فقد عودنى و اتجه بى إلى كتابة الأبحاث العلمية الطويلة .

وكانت مفاجأة لى يوم أن وجدت الوالد ينتظرنى بعد أن سأل عنى أكثر من مرة ، و لم تكن هذه عادته فأنا عندما أعود من الأزهر ، أذهب إليه أولا قبل أن أذهب إلى زوجتى و أولادى .

فى هذا اليوم .. وجدت من يقابلنى على السلم فى البيت و أنا عائد من الأزهر ، ليقول لى أن الوالد سأل عنك أكثر من مرة ..و قلت خيرا .. وصعدت إليه مسرعا قلقا .

أصبحت قاضيا ً فى قنا :

فى شارع البرامونى بحى عابدين أنشئت لأول مرة مدرسة القضاء الشرعى ، و كان مسئول عنها محمد عاطف بركات ابن أخت سعد زغلول ((باشا)) و شقيق السياسى المشهور فتح الله بركات ، و قررت أن التحق بهذه المدرسة ، و كانت المدرسة قسمين ، الأول مدته خمس سنوات و الثانى مدته أربع سنوات و لا يدخل القسم الثانى إلا من أدى الامتحان بنجاح فى القسم الأول .

و أديت الامتحان بالقسم الأول ، و نجحت و التحقت بالقسم الثانى . كان الطالب يحصل على مرتب شهرى قدره جنيه كامل ، و يتناول وجبة الغذاء بالمجان فى المدرسة ، و فى هذه المدرسة حضرت على يد عدد من الأساتذة المشايخ : أزهريين ، و غير أزهريين منهم الشيخ عبد المطلب الشاعر العربى الصعيدى ، و الشيخ محمد الخضرى و محمد عاطف بركات و كان يدرس لنا الأخلاق كانت الدراسة فى هذه المدرسة جادة ، و منتظمة حتى جاء الامتحان النهائى .

وحصلت على (( العالمية )) :

كانت لجنة الامتحان برئاسة الشيخ سليم البشرى شيخ الأزهر ، عفر الله له و من أعضائها بكرى الصدفى مفتى الديارالمصرية و السيد أحمد الحنبلى شيخ الحنابلة بالأزهر و آخرون .

وبعد 4 ساعات من الأسئلة ، والمناقشة ، والحوار ، عقدت لجنة الامتحان اجتماعا قصيرا .. عرفت النتيجة على أثره .. الحمد لله .. لقد أصبحت أحمل شهادة (( العالمية )) .. أصبحت واحدا من علماء الأزهر .. و عدت مسرعا .. إلى بيتى إلى أهلى ، أبى و أمى ، و أخواتى ، و زوجتى و أولادى ، كانوا جميعا فى تلهف شديد إلى سماع النتيجة ، فقد كانت قلوبهم معى طيلة ساعات الامتحان ، و دعواتهم ترتفع إلى السماء ليلهمنى الله الصواب ، صعدت أولا إلى والدى ّ ، و قبّلت أيديهما و شكرتهما على ما قدماه لى و على معاناتهما معى ، و من أجلى ، و على دعواتهما ، و كانت فرحة كبرى لنا جميعا ً .

التدريس تبرعا :

كان والدى مثلا من أمثلة الرحمة و العلم و الرأفة و المساعدة ، يده ممدودة لكل طالب علم ، يتطوع للتدريس ، لقد وهب حياته للعلم . و قررت منذ البداية أن أحذو حذوه ، فهو مثلى الأعلى ، فتطوعت للتدريس بالأزهر . كنت أقوم بتدريس علم المنطق ، و علم آداب البحث و علم البلاغة فى الأزهر بعد المغرب .. قبل ذهابى إلى الأزهر كنت ألقى درسا بعد العصر فى مسجد محمد بك أبو الذهب ، المسجد الذى كان يدرس فيه الوالد ..

القاضى يسافر إلى الصعيد : ومضى عامان قمت خلالهما بالتدريس تبرعا .. حتى جاءنى خطاب التعيين فى سلك القضاء ، عينت بقرار من الخديوى عباس حلمى الثانى فى محكمة قنا الكلية .. و أنا فى القطار فى طريقى لأتسلم عملى الجديد فى قنا وحيدا حيث تركت أسرتى فى رعاية والدى بالقاهرة ، كانت تدور فى رأسى الذكريات ، شريط حياتى كاملة منذ دخلت الأزهر لأول مرة ، و المعارك التى شهدها الأزهر .. و أساتذتى العلماء الأجلاء الذين لم يبخلوا على أبدا بعلمهم و كانوا – لسعة صدورهم ، و علمهم الغزير – السبب فيما وصلت إليه ، بيتنا فى ( باب الفتوح) ، و البيت الذى انتقلنا إليه بعد ذلك فى ( الدويدارى ) على مقربة من الجامع الأزهر ، بيت من أربع طوابق ، و إيجاره جنيه واحد فى الشهر ، الآن ، سوف أتقاضى مرتبا كبيرا ، اثنى عشر جنيها كل شهر هى مرتب القاضى ، الحمد لله .

وفكرت فى المستقل ماذا أريد إن ما يهمنى كثيرا هو أن يتآلف المسلمون و يبتعدوا عن كل ما يدعوا إلى التفرق فيما بينهم عملا بقوله تعالى : ( و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا ) سوف أكتب ، و أدعو ، و أخصص حياتى كلها لصد أعداء الإسلام عن الهجوم عليه ، و على أهله ، و على كل ما يتعلق بهم .. إن بعض الناس يتكلم فى الدين الإسلامى دون ثقافة فى الدين ، و دون علم بالحلال و الحرام و بالواجب .

يجب على علماء الأزهر أن يهتموا أعظم اهتمام بالناشئين من المسلمين ذكورا ، و إناثا حتى نوجههم إلى الدين الإسلامى الحنيف عقيدة و قولا و عملا ، و أن نكون متيقظين تمام التيقظ لما يراد بالإسلام من الشرور و النكايات و أن الله تعالى يسألنا عن ذلك .

(( هل أدينا واجب الإسلام أو قصرنا فيه ؟)) و الله تعالى عليم بكل شىء ، و سيؤاخذ المقصرين على تقصيرهم و سيجزى المحسنين على جهادهم و جهودهم و ذلك أمر لاخفاء فيه ، فعلينا أن نحافظ على الدعوة الإسلامية كتابة و دعوة و تبيانا و ألا نترك فرصة لتحقيق الوحدة الإسلامية و الدعوة الحقة ، و أن التقصير ، فى ذلك له أثر شديد ، و هو غير جائز شرعا بأية حال .

وعلينا أن نعتنى بأولادنا وأن نحرسهم من الانقياد للأعداء فى الأعمال ، والعقائد والعادات حتى يسلموا من شرورهم ، وعلينا أن نمنع فى بلاد الإسلام كل المحرمات والأمور الباطلة و الضارة بكل قوة وذلك واجب حكام المسلمين فى كل بلاد الإسلام .

وإن ّ ترك الجاهلين أو الأعداء الماكرين يفعلون ما يشاءون فى بلادنا بظن أن الحرية تقتضى تركهم على ما هم عليه أمر غير صحيح لأنه على الحاكم المسلم أن يصون بلاد الإسلام من كل خطر و سوء ينزل بأهلها و يجر الجاهلين إليه ، و ذلك أمر لا يخفى .

وعلينا أن نكلف الوزارات المعنية بأن تعنى كل العناية بدراسة الدين فى المدارس دراسة صحيحة بواسطة مدرسين أكفاء ثقات مؤمنين حقا غير مكتفين بالظواهر التى قد يضمرون غيرها ، بل يجب أن يكون تدريس العلم الدينى فى كل المدارس تدريسا صحيحا قويا .

والمطبوعات كلها برئية مما يضر بالإسلام و العقيدة و مما يوحى إلى الناس ما حرمه الله . و إذا قمنا بهذا الواجب و عدنا الله بالنصر و الفوز العظيم ، و إذا قصرنا فيه كان الجزاء نكبة على المسلمين و خطرا ً جسيما على المجتمع . فنصوص القرآن و السنة صريحة فى وجوب الدعوة الإسلامية و قد قال الله تعالى : ( و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون ).

أى هم المفلحون لا غيرهم ، ممن يدعون إلى المنكر و يحرضون عليه . إن هذه الآية هى النبراس الذى نستضىء به فى معاملاتنا فعلينا ألا نقصر فى واجب من الواجبات ، و أن نجعل المساجد بيوت عبادة و عم فى كل الأوقات ، تعلم فيها تعاليم القرآنية ، و ما جاء فى السنة المحمدية بلغة سهلة و لينة و أسلوب حكيم حتى يمكن أن يؤدى المسلمون حقهم و الواجب عليهم فى ذلك .

وإن وجود المحرمات فى بلد إسلامى وجودا ظاهرا دون مقاومة لها و منع لوجودها ، و انتشارها إثم كبير و خطر جسيم .

ومعلوم أن أعداء الإسلام كثيرون ، وهم لا يدخرون وسعا فى إضعاف الإسلام والطعن فيه ، وتفريق أهله ، وتزويدهم بأفكار ضالة و تحبيبهم فى كل ما يخالف الإسلام ، وذلك أمر لا خفاء فيه ، وهو محسوس لكل بصير ، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للدعوة إلى الإسلام والعمل الصالح واتقاء أخطار أعداء الإسلام ، وعدم اتخاذهم أولياء ، والله تعالى يقول ( لا تتخذوا عدوى و عدوكم أولياء ) ويقول ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا ) إلى آخر الآية .

وعلى كل حال ، الأمر فى ذلك لاخفاء فيه ، مهما أطيل التفكير ، و القول فيه ، فهو معروف لولاة الأمور ، و التقصير فى الواجب إثم و آداؤه واجب و كلنا نحرص على أن نكون فى خير فى حياتنا ، و فى آخرتنا ، و الله المستعان .

كانت كل الأفكار التى تدور فى ذهنى – و انا فى طريقى لتسلم عملى كقاض فى مدينة قنا ، بدءا لحياتى الوظيفية – تدور حول أن تكون حياتى من أجل الدعوة الإسلامية ، و تحقيق الوحدة الإسلامية ، و محاربة أعداء الدين ، و نشر المفاهيم الصحيحة عن الإسلام و الوقوف فى وجه المحرمات ، و العمل لكل ما ينفع المسلمين فى حياتى لم أتخلف أبدا عن تنفيذ تلك الأفكار ، التى خصصت حياتى من أجلها .. و كان أول عمل قمت به فى قنا الذهاب إلى المسجد بعد صلاة المغرب لإلقاء درس دينى فيه و شهد المسجد حشدا من الناس الذين و فدوا من كل مكان فى المدينة لسماع قاضى المحكمة يلقى درسا يوميا فى المسجد ..

كانت ظارهة جديدة ، و استمر تزايد الناس لسماع الدرس الدينى .. و استمرت حياتى ، وفق هذا النظام .. فى الصباح أمارس عملى فى المحكمة كقاض يتحرى حكم الشرع فى ما يعرض عليه من القضايا .. و بعد ذلك فى المسجد .. و لكن إقامتى لم تستمر فى قنا فترة طويلة .. فسرعان ما صدر قرار بنقلى منها .

اعترضت على قوانين الأحوال الشخصية المصرى الأخير

وظيفة القضاء الشرعى فى مصر وظيفة قديمة فمنذ عرفت مصر الإسلام يقوم القضاء فيها بتنفيذ أحكام الشرع .

و لما نشأت مذاهب الأئمة الفقهاء صار القضاء تابعا لمذهب الخليفة أو الدولة الحاكمة ، حتى جاء إلى مصر عصر المماليك – 666هـ ... فنصب أربعة قضاة ؛لكل مذهب قاض ، و كان يتم الفصل فى القضية على ضوء ما يتفق عليه القضاة أو يرجح رأيهم ، أو وفقا للرأى الذى يستقر عليه السلطان اذا اختلفوا . و مرة ثانية عادت مصر إلى نظام المذهب الواحد ، و تغير هذا المذهب بأكثر من مرة و تغير مذهب القضاء تبعا له .

فى العصر الحديث

وفى الدولة الحديثة التى تكونت منذ محمد على أنشئت مجالس قضاة – مجلس الجمعية الحقانية – سلبت المحاكم الشرعية اختصاصاتها و انتقلت اليها المنازعات المتعلقة بالمسائل المدينة و التجارية والجنائية ، بل لقد خولت هذه المجالس سلطة إصدار قوانين تسرى على جميع الناس ، وإن كانت الشريعة الإسلامية هى القانون العام فى التطبيق أمام القضاء غيرالشرعى فالقوانين التى صدرت لم تعالج إلا القليل من الموضوعات بل إنها أحالت الكثير على الشريعة الإسلامية .

و قد أصدر محمد على مرسوما (فرمانا) يقضى بتخصيص الإفتاء ، و القضاء على مذهب أبى حنيفة ، و أزال ما كان قائما من قبل من وجود أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة . و كان يعين قاضى قضاة و هو الذى يعين القضاة الشرعيين و قد صدر قرار بإلغاء وظيفة قاضى القضاة عام 1914 و حل مكانها منصب رئيس المحكمة العليا الشرعية . و ظل القضاء الشرعى يقوم بمهمته ، بعد أن تقلصت و أصبحت مقصورة على مسائل الأحوال الشخصية حتى عام 1955 ، عندما صدر قانون ألغى محاكم الأحوال الشخصية ، و أضاف اختصاصها الى المحاكم العادية .

قصة قانون الأحوال الشخصية

بضمير القاضى المسلم اعترض الشيخ حسنين مخلوف على قانون الأحوال الشخصية الأخير الذى صدر فى مصر ، لأنه يتنافى مع روح الإسلام ، و قد سجل اعتراضه كتابه .

و قصة قانون الأحوال الشخصية فى مصر ، طويلة ، فقد أ ُلـّفت لجنة برئاسة فضيلة شيخ الأزهر و شيخ المالكية ، أصدرت قانونا عام 1920 م ، و اعتبر هذا القانون نفقة الزوجية دينا ً من وقت الامتناع عن دفعها و لو لم يكن ثمة قضاء أو تراض . و حدد نفقة العدة ، و لم يكن هناك قبل ذلك أى تحديد ، و أعطى زوجة العاجز عن النفقة أو الممتنع عنها حق طلب الطلاق و غير ذلك من الأحكام .

وفى عام 1923 صدر قانون للأحوال الشخصية ، و توالت تعديلات القوانين المأخوذة من الشريعة الإسلامية و لكن ذلك لم يعجب دعاة تحرير المرأة ؛ فظلوا يطالبون بتعديل القوانين حتى يقضوا على الطلاق وعلى تعدد الزوجات كما قالت تلك الأصوات ، و ربما تحقق لهم بعض من هذا فى القانون الأخير الذى لا يتفق مع الشريعة الإسلامية .

الخطبة والزواج والطلاق

كانت وظيفة القاضى الشرعى وظيفة هامة ، و مرموقة و راتبها 12 جنيها كل شهر ، و القاضى الشرعى هو الذى يحكم فى المنازعات و الخلافات الزوجية و كان من بين الأمور التى تعرضت لها : الزواج و الطلاق و الخطبة و غيرها من مسائل الأحوال الشخصية ، و فى هذه القضايا فإن لى رأيا ثابتا : فالزواج عقد لا يتم إلا بالإيجاب و القبول بشروطهما الشرعية ما يسبقه عادة من الخطبة و قراءة الفاتحة ،، و دفع المهر و تقديم الهدايا و الشبكة ، لا يثبت زوجية بين الطرفين و لكل منهما فسخ الخطبة و رد ما دفعه كاملا ما دام العقد الشرعى لم يتم .. و ما دفعه الخاطب لمخطوبته على أنه من المهر .

و مات قبل العقد الشرعى يكون بوفاته حقا لورثته ، يقسم بينهم حسب الشرع ، و لا شىء للمخطوبة شرعا . و الفتاة المخطوبة تظل أجنبية عن خاطبها و الخلوة و بها محرمة شرعا .

وقد ذهب الأئمة الثلاثة إلى أن الشهادة شرط فى جواز النكاح فلا نكاح إلا بشهود ، و هو مروى عن جماهير الصحابة و التابعين ، و عن ابن عباس رضى الله عنهما ( لا نكاح إلا ببينة )، و عنه صلى الله عليه و سلم قال (( البغايا اللاتى ينكحن انفسهن بغير بينة )).

وقال الترمذى : و العمل على هذا عن أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و من بعدهم من التابعين و غيرهم ( كما فى منتقى الأخبار و شرحه ) . و ذهب الإمام مالك كما فى ( الشرح الكبير و حاشيته ) إلى أن (( الإشهاد على النكاح )) واجب و كونه عند العقد فقد حصل الواجب و المندوب ، و إن لم يحصل عند العقد كان واجبا عند البناء ، فإن دخل بلا إشهاد فسخ النكاح .و أفاد الشوكانى أن الحق ما ذهب إليه الجمهور ، و هو جار عليه العمل فى ديارنا و الزواج فى شهر المحرم جائز ، و تحريمه لا أصل له فى الدين و هو من جهالات العامة ، و قد بيّنا فساده فى عدة فتاوى أصدرناها تصحيحا لاعتقادهم .

أما الزواج المؤقت فرأينا فيه أنه باطل شرعا ، كما ذهب إليه جمهور الحنفية و المالكية و الحنابلة ، ففى ( الهداية ) : ((النكاح المؤقت باطل)) و فى منهج الجليل (( و فسخ النكاح لأجل مسمى ولو لعدالأجل ، وهونكاح متعة ، ويلحق به الولد وهل يجب فيه مهر المثل أو المهر المسمى قولان " .

وفى المغنى لأبى قدامة ( ولو تزوجها على أن يطلقها فى وقت بعينه ، لم ينعقد النكاح ، لأن هذا الشرط مانع من بقاء النكاح ، فأشبه نكاح المتعة ) .

وعن الشافعى ، أن النكاح يصح ويبطل شرط التوقيت لأن النكاح وقع مطلقاً . إنما شرط على نفسه شرطا وذلك لا يؤثر فيه ، كما لو شرط أن لا يتزوج عليها أو أن لا يسافر بها .

فهذا العقد باطل عند جمهور الأئمة ، ويجب فسخه ، وعند الشافعى يبطل الشرط ، واجمعوا على عدم صحة العقد مع بقاء شرط التوقيت وللبنت البالغة أن تزوج نفسها بدون ولى على ما جرى عليه القضاء الشرعى بالديار المصرية ، وللأب الحق فى الاعتراض إذا كان الزوج غير كفء أو كان المهر أقل من مهر المثل لدى القاضى ، والغالب فى هذه الحوادث أنها نتيجة انعدام التربية الإسلامية والمراقبة الدقيقة وإحدى مفاسد الأختلاط والتبعة فى ذلك على الآباء والأمهات .

وجميع الصداق المؤجل يحل للزوجة بالوفاء ، ولو قبل الدخول بها ، ويكون دينا فى تركة الزوج يؤديه ورثته إلى زوجته كسائر الديون التى تخرج من التركة قبل حق الورثة .

تعدد الزوجات

تعرضت أيضاً لقضية تعدد الزوجات فقد أباح الإسلام الحنيف تعدد الزوجات إلى أربع على شرط العدل بينهن فيما توجبه الزوجية من حقوق من النفقة والكسوة والسكنى والخدامة والمعاشرة بالمعروف . وحرم على الزوج أن يقترن بأكثر من واحدة ، اذا لم يستطيع العدل بينهن فى ذلك ، وأباح للزوجة ـ إلى جانب اقتران زوجها بأكثر من واحدة ـ أن تطلب الحكم بالطلاق ، إذا تعسر زوجها بنفقتها أو امتنع عنها أو ضارها بالمعاشرة بحيث يصبح دوام العشرة بينهما غير مستطاع .

وأباح التعدد بهذه الشروط لحكم كثيرة :- ـ منها تحصين النساء وإعفافهن والقيام بسد حاجاتهن إذا زدن عددا من الرجال وخاصة فى أعقاب الحروب .

ـ ومنها القضاء على المخادنة المحرمة التى قد يضطر الرجل إليها إذا حرم عليه التزوج بأخرى وهو فى مسيس الحاجة إليها ، وتضطر المرأة إليها ، غالبا ، بحكم الطبيعة إذا لم يكن لها زوج شرعى فجعل الشارع من الزواج الحلال متسعا وفرجا للجميع .

ـ ومنها إنقاذ الطفولة من التشرد وصيانة المجتمع من مفاسده من جراء إنسال أطفال غير شرعيين نتيجة لتلك المخادنة المحرمة فى حال المنع من تعدد الزوجات والمحافظة على الأنساب من الفطرة ومن الضروريات لبناء المجتمع الصالح .

ـ ومنها سد حاجة الأمة بإنجاب أولاد كثيرين ينهضون بأعبائها العمرانية ويكونون عدة لها وقوة فى السلم والحرب ، إلى غير ذلك من الحكم السامية التى نراها أدخل فى باب الاجتماع منها فى باب التدين ، ونراها خير دعاية لحكمة التشريع الإسلامى فى نظام الأسرة الذى يجب أن يؤخذ كلالا يتجزأ عنه البحث والدراسة ، وأن يتقصاه الباحثون بتعمق وخبرة واعتدال .

القاضي الشرعي

كان قضائى فى المحاكم مطابقا لما توجب الحقانية على كل قاض يتولى القضاء الشرعى ، بمعنى إن المسائل المعروضة نقضى فيها بما يوجبه مذهب الحنفية شرعا فى أحكام المعاملات والزواج والطلاق وغير ذلك . وكانت المحاكم الشرعية فى عهدها لسان صدق وحق فيما يعرض عليها . فالقاضى لا يخالف نصا من النصوص الشرعية كتابا أو سنة ، ويعمل بما يحقق العدل فى كل الأمور . وكان للقاضى اتصال بالمجالس الحسبية التى تنظر فى شئون الموتى وأولادهم ، وتقضى فيها بما لا يخالف الشرع . .

ولقد انتقلت بين المحاكم ، من قنا إلى ديروط ومنها إلى أسيوط والقاهرة ، وطنطا ، والإسكندرية .. وففى كل هذه البلاد قررت أن أصحب أسرتى معى ولم يفتنى أيضاً أن ألقى الدرس فى المساء بالمسجد .

التدريس فى الأزهر

بعد مدة قضيتها فى سلك القضاء نقلت إلى وزارة الحقانية وتوليت أمور التفتيش على المحاكم . . وعهد إلى فى تلك الفترة إصلاح لائحة المحاكم الشرعية وفى تلك الأثناء كنت أقوم بالتدريس فى الأزهر فى نفس الوقت .

ووصلت إلى أكبر المناصب فى ( وزارة الحقانية ) ، وتعرفت ـ خلال هذه الفترة ، ومن خلال عملى ـ بوزير الحقانية على ماهر ( باشا ) .

وعندما ترك الوزارة استمرت علاقتى به حتى توفاه الله ، وتركت ( وزارة الحقانية ) . . وقد أصبح اسمها ( وزارة العدل ) ، عندما صدر أمر ملكى بتعيينى مفتيا للديار المصرية .

وجلست على نفس المقعد الذى جلس عليه الشيخ حسونة النواوى والشيخ محمد عبده والشيخ عبد المجيد سليم .

وبدأت مرحلة جديدة من حياتى .

الإفتاء والمفتون فى صدر الإسلام

أول عمل قمت به عندما توليت منصب الإفتاء كان أن عكفت على وضع دراسة عن الإفتاء فى صدر الإسلام . . كان منصب الإفتاء فى صدر الإسلام من أجل المناصب خطرا ، وأعظمها أثرا وأحفلها بالتبعات الجسام . . فهو خلافة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فى التبليغ عن ربه ، ونشر دينه الذى ارتضاه لأمته ، وهو تعليم وارشاد ، وهو فهم وتبصر فى معانى القرآن والسنن ، واجتهاد واستنباط للأحكام ، فمنه يستمد عامة المسلمين العلم والهداية . وبه يرشدون الى الحق وإليه يفزعون لمعرفة ما يجب معرفته من حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فى شتى الوقائع والأحداث والذين حملوا عبء هذا المنصب من فقهاء الإسلام , ودارت الفتايا على أقوالهم بين الأنام , وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام , وخصوا باستنباط الأحكام , هم ـ كما وصفهم الإمام ابن القيم ـ فى الأرض بمنزلة النجوم فى السماء وبهم يهتدى الحيران فى الظلماء , وحاجة الناس اليهم أعظم من حاجتهم إلى الغذاء , يشير إلى ذلك قوله تعالى : " قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين " . وقوله سبحانه : " يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " .

الحق والباطل

وأولو الأمر على ما ذكره جمهور المفسرين هم العلماء , والرجوع إلى كتاب الله المبين ، هو القول الفصل , والحجة واليقين ، والرد إلى الرسول بعده هو الرد إلى سنته الواضحة تعاليمه الحقة ، فهو مقطع الحق ، وفصل الخطاب ، يستفتيهم الناس فى الحوادث فيفهمونها حق الفهم ، يمعنون النظر والرؤية فيها حتى يفقهوا ظاهرها وخافيها ثم ينظرون إلى ما جاء بشأنها فى الكتاب والسنن وفيما استقر عليه إجماع المجتهدين فى الأمة ، ثم يقضون فيها بما قضى الله ورسوله وإلا اجتهدوا الرأى وبذلوا الوسع فى استنباط الحكم من موارد الشريعة ، فإذا اهتدوا إليه قالوا للناس هذا فى دين الله حلال أو حرام . . وهذا حق أو باطل .

المفتى نفسه

وكانوا متأهبين للفتيا ، بعلم غزير ، واطلاع واسع ، وحفظ ودراية وصفاء ذهن ، واستقامة فهم . وقوة مدرك ورسوخ ملكة ، واحاطة بروح التشريع ، واختلاف الآراء وتطور الزمان والعادات ، مع صلاح فى الدين ، وصراحة فى الحق ، وأمانة فى النقل وصدع بأمر الله فى كل أمر .

روى عن الإمام الشافعى ـ رضى الله عنه ـ أنه قال : " لا يحل لأحد أن يفتى فى دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله ، بصيرا بحديث رسول الله ، بصيرا باللغة الفصحى ، والشعر الجيد ، وما يحتاج إليه منهما فى فهم القرآن والسنة " ويكون مع هذا مشرفا على اختلاف علماء الأمصار ، وتكون له قريحة قادة ، فإذا كان هكذا فله أن يفتى فى الحلال والحرام ، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتى " .

وقيل ليحى بن أكثم " متى يحل للرجل أن يفتى ؟ فقال : إذا كان بصيرا بالرأى . بصيرا بالأثر " .

يريد بالرأى فهم معانى النصوص ، وعللها الصحيحة ويريد بالأثر السنة الثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ومع تأهبهم للإفتاء بهذه العدة ، كانوا يكرهون التسرع فى الإفتاء . ويود كل واحد منهم أن يكفيه غيره أمره . ورى عن عبد الرحمن بن أبى ليلة ـ وهو من كبار التابعين ـ أنه قال : " أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما منهم رجل يسأل عن شىء إلا ود أن أخاه كفاه " بل كان من السلف من يخاف الإفتاء ويندم صدوره عنه .

قال سحنون يوما " إنا لله ، ما أشقى المفتى ، والحاكم ، ها أنا ذا يتعلم منى ما نضرب به الرقاب وتؤخذ به الحقوق ، أما كنت عن هذا غنيا ؟ "

وكيف لا ، وقد ورد فى " سنن أبى داود " من حديث مسلم بن يسار قال : سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قال على ما لم أقل فليتبوأ بيتا فى جهنم ، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه ، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم الرشد فى غيره فقد خانه " .

وعن على رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم : " من افتى بغير علم لعنته ملائكة السموات والأرض " .

المفتون فى الصدر الأول

عرف المفتون فى الصدر الأول خطورة هذا المنصب ، وأنه المنصب الذى تولاه الله تعالى بنفسه ، فقال تعالى " يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة " فقاموا نحوه على غاية من الحذر والخوف من الله تعالى .

وعرفوا أن أول من قام فى الإسلام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، فكان يفتى عن الله بوحيه ، وكانت فتاواه هى الحجة وفصل الخطاب ، وهى ـ فى وجوب اتباعها والتحاكم إليها ـ ثانية الكتاب وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلا فعرفوا أنهم خلفاء أكرم الرسل فى التبليغ عن الله وهداية الخلق . ثم قام بالفتوى بعده أصحابه من الصادقين وهم ـ كما وصفهم الإمام ابن القيم عسكر ـ القرآن وجند الرحمن ، ألين الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، وأحسنها بيانا وأصدقها إيمانا ، وأعمها نصيحة ، وأقربها إلى الله وسيلة ، كانوا بين مكثر من الفتوى ومقل ومتوسط .

المفتون من الصحابة

والذين حفظت عنهم الفتوى من الصحابة مائة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة رضى الله عنهم أجمعين. فالمكثرون منهم سبعة : عمر بن الخطاب ، وعلى بن أبى طالب ، وعبد الله بن مسعود وعائشة ، وزيد بن ثابت ، وعبدالله بن عباس ، وعبدالله بن عمرو رضى الله عنهم جميعا .

قال أبو محمد بن حزم : يمكن أن يجمع من فتاوى كل واحد منهم سفر ضخم " . وقد جمع الإمام أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب ابن امير المؤمنين المأمون ـ وكان أحد أئمة الإسلام فى العلم الحديث ـ فتاوى ابن عباس فى عشرين كتابا ، فأمر أبو حفصة عمر بن الخطاب هو الذى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم " والذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجاً قط إلا سلك فجا غير فجك " . ومن كلام بن مسعود يوم مات عمر : " إنى لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم " وقال " لو أن علم عمر وضع فى كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض فى كفة لرجح علم عمر " .

وقال سعيد بن المسيب " ما أعلم أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعلم من عمر " . وقال الشعبى : " إذا اختلفت الناس فى شىء فخذوا بما قال عمر " .

وقال عليه الصلاة والسلام : " لقد كان فيمن قبلكم من الأمم محدثون ملهمون فإن يكن فى أمتى أحد فإنه عمر ".

وأما على بن أبى طالب فهو الذى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنت منى وأنا منك " .

وقال عمر : " توفى رسول الله ، وهو عنه راض " ، وقد كان بحرا زاخرا ، وله أقضية وفتاوى أضحت مضرب الأمثال . ومن المشهور قولهم " قضية ولا أبا حسن لها " . وأما عبدالله بن مسعود فهو سادس ستة فى الإسلام ، وهو من القراء المشهورين ، وممن استظهروا القرآن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهاجروا الهجرتين ، وصلى إلى القبلتين ، وشهد بدرا والحديبية وتوفى سنة 32 هجرية ، ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان رضى الله عنهما .

وأما عائشة أم المؤمنين فهى زوج الرسول صلى الله عليه وسلم التى حفظت عنه شيئا كثيرا ، حتى قيل إن ربع الأحكام منقول عنها وقال عطاء : " كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس ، رايا فى العامة " .

وقال عروة بن الزبير : " ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ، ولا شعر من عائشة ". وقال الزهرى : " لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج الرسول وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل " .

وقد قاربت السبعين وتوفيت ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة 58 من الهجرة بالمدينة وصلى عليها أبو هريرة رضى الله عنهما .

وأما زيد بن ثابت الأنصارى الخزرجى فقد كان ألم الصحابة بالفرائض ، وهو أحد الذين استظهروا القرآن فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتوفى سنة 45 هجرية بالمدينة وصلى عليه مروان بن الحكم .

وأما عبد الله بن عباس فهو الذى سماه الرسول صلى الله عليه وسلم ( ترجمان القرآن ) ، ودعا له بقوله : " اللهم علمه الحكمة ، اللهم فقهه فى الدين ، وعلمه التأويل ( أى التفسير ) . . ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ، ووصفه عمر بقوله : " فتى الكهول ، له لسان سئول ، وقلب عقول " وقال طاووس : " إنى رأيت خمسين من الصحابة إذا ذكروا ابن عباس فخالفوه لم يزل يقررهم حتى ينتهوا إلى قوله " .

وقال مروان : " كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس فإذا تكلم قلت ، أفصح الناس ، وإذا تحدث قلت أعلم الناس " .

وقال عطاء : " كان أناس يأتون ابن عباس فى الشعر والأنساب ، وأناس يأتونه لأيام العرب ووقائعها ، وأناس يأنوته للعلم والفقه فما منهم صنف إلا ويقبل عليهم بما شاءوا .. وتوفى بالطائف وهو ابن سبعين سنة فى سنة 68 هجرية وصلى عليه محمد بن الحنفية رضى الله عنهما .

وأما عبدالله بن عمر فقد كان علما من أعلام الإسلام ، وإماما فى الورع والزهد واقتفاء آثار الرسول صلى الله عليه وسلم ، هاجر إلى المدينة مع أبيه وهو ابن عشر سنين وشهد المشاهد كلها بعد بدر وأحد . وشهد غزوة الخندق وسنه خمس عشرة سنة ، وكان عالما مجتهدا لزوما للسنة فرورا من البدعة ، ناصحا للأمة ، لاينام من الليل إلا قليلا يقضية فى عبادة ربه متهجدا قانتاً لله ، وقد وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : " إنه رجل صالح " ... عاش ستا وثمانين سنة ، وأفتى فى الإسلام ستين سنة ، وتوفى فى أوائل سنة 73 هجرية فى عهد الحجاج بن يوسف الثقفى .

والمتوسطون من الصحابة فى الفتيا ثلاثة عشر : أبو بكر الصديق ، وأم سلمة ، وأنس بن مالك ، وأبو سعيد الخدرى ، وأبو هريرة ، وعثمان بن عفان ، وعبدالله بن عمرو بن العاص ، عبد الله بن الزبير ، وأبو موسى الأشعرى ، وسعد ابن أبى وقاص ، سلمان الفارسى ، وجابر بن عبدالله ، ومعاذ بن جبل رضى الله عنهم .. ويضاف إلى هؤلاء طلحة ، والزبير ، وعبدالرحمن بن عوف ، وعمران بن حصين ، وعبادة بن الصامت ، ومعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهم .

ومن المقلين فى الفتيا من الصحابة : أبو الدرداء ، وأبو سلمة المخزومى ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والحسن والحسين ابنا على ، وأبى بن كعب ، وأبو ذر ، وصفية ، وحفصة ، وأم حبيبة ، وميمونة ، أمهات المؤمنين ، وأسامة بن زيد ، والبراء بن عازب ، والمقداد بن الأسود ، وسهل بن سعد الساعدى ، وأسماء بنت أبى بكر ، وحذيفة بن اليمان ، وعمرو بن العاص ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وحسان بن ثابت ، ومحمد بن سلمة ، وخالد بن الوليد ، ورافع بن خديج ، وفاطمة الزهراء ، وبلال ، والعباس بن عبد المطلب ، وآخرون ، رضى الله عنهم .. والصحابة رضى الله عنهم كما هم سادة الأمة وأئمتها هم سادة المفتين والعلماء . وقد قال قتادة فى قوله تعالى : " ويرى أولوا العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق " : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال الشعبى : ثلاثة كان يستفتى بعضهم بعضا ، فكان عمر ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، يستفتى بعضهم من بعض ، وكان على ، وأبى بن كعب ، وأبو موسى الأشعرى يستفتى بعضهم من بعض ، قال : جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأيتهم كالأخاذ ـ أى غدير الماء ـ الأخاذة تروى الراكب ، والأخاذة تروى الراكبين ، والأخاذة ترى العشرة ، والأخاذة لو نزل بها أهل الأرض لأصدرتهم " .

وحسبنا هذا فى المفتين من الصحابة رضوان الله عليهم ، أما المفتون من التابعين فى أمصار الإسلام ومن حمل العلم عنهم من العلماء ، والأئمة فيضيق عن ذكرتهم المقام .

هذه لمحة من تاريخ الإفتاء فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه تلقى ضوءا لامعا على هذا المنصب الجليل . وتدل على عظم شأنه فى الإسلام ، وحسبك أن ما أثر عنهم من الفتاوى كان مصدرا من مصادر التشريع ، وذخيرة عظمى من الأحكام ، ونورا مازلنا ، ـ وسنظل دائما ـ نستضىء به فى حلكة الظلام . ونرحع إليه على توالى الأيام .

كان هذا هو تاريخ الإفتاء فى صدر الإسلام أما الإفتاء فى مصر فله قصة أخرى .

أصدرت 8639 فتوى

عام 1945 عين الشيخ حسنين مخلوف مفتيا للديار المصرية بعد أن خلا منصب الإفتاء بانتهاء مدة فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم ، وكان شيخ الأزهر فى تلك الفترة الشيخ مصطفى عبد الرازق وأصدر الشيخ حسنين مخلوف خلال المدة التى أمضاها مفتيا 8639 فتوى .

وظيفة قديمة

ووظيفة الإفتاء فى مصر قديمة ، فقد التزمت الدولة من قديم بتعيين مفتٍ يفتى الشعب والجهات الرسمية والأمة الإسلامية فى كل أمور الدين وترد إلى المفتى أسئلة باستفسارات من كل أنحاء العالم الإسلامى من مواطنين ومن الجهات والهيئات الرسمية والشعبية ولم يتأخر مفتى مصر أبدا عن إبداء رأى اإسلام فى كل ما يعرض عليه من أسئلة ، وأن يجيب عن كل الأسئلة التى توجه إليه .. ويعمل على إرشاد المسلمين إلى أمور دينهم . ويبدى رأيه وفقا لنصوص الكتاب والسنة فى كل القضايا التى تشغل بال الناس .

وبعد أن ولد الشيخ حسنين مخلوف بخمس عشرة سنة وفى سنة 1905 بدأت دار الإفتاء بحفظ تسجيلات للفتاوى التى تصدرها .

وكان المفتى فى ذلك الوقت هو الشيخ حسونة النواوى . ثم تلاه الشيخ محمد عبده الذى أصدر 1044 فتوى ثم المرحوم الشيخ بكر الصدفى .

وتولى منصب الإفتاء فى مصر بعد ذلك الشيخ محمد نجيب المطيعى وأصدر 2028 فتوى فى الفترة من سنة 1333 حتى سنة 1338 هجرية ثم الشيخ محمد إسماعيل البرديسى الذى أصدر 216 فتوى فى أقل من سنة حيث تولى الإفتاء فى 12 يوليو 1920 حتى 25 ديسمبر من نفس العام .

والشيخ عبدالرحمن قراعة وأصدر 3065 فتوى فى سبع سنوات هى المدة التى تولى فيها هذا المنصب .

والشيخ عبد المجيد سليم وأمضى فى المنصب 17 عاما انتهت عام 1945 " خلال الفترة التى توليت فيها منصب الإفتاء والتى انتهت عام 1950 وفرت كل جهدى للنهضة بمهام المنصب وإعلاء شأنه وحفظ كرامته " .

فقهاء الإسلام

ولقد كان من يمن الطالع أن يكون أول عملى فى دار الإفتاء هو الإجابة عن سؤال وجه إلى حول نفس الوظيفة التى اشغلها حول أمانة فقهاء الإسلام .

وكنت قد انتهيت من دراستى حول الإفتاء فى صدر الإسلام عندما جاءنى كتاب من مسلم غيور يود لو تطمئن نفسه ببيان ما كان عليه السلف الصالح من المسلمين : هل كانوا متزمتين فى الدين لا يرون إلا ما هو عزيمة ومشقة ، أم كانوا سمحاء يجمعون بين ما هو شديد وما هو رفيق بالناس من الأحكام .

وقد سرنى أن تتحرك بواعث الهم إلى البحث والاستقصاء فى أمثال هذه البحوث ، فهى تشير بالخير والسبيل إلى نشر فضائل الإسلام وإذاعة فضل السابقين الأولين فى جهادهم العظيم .

وكتبت إليه أقول : ألا فلتعلم ـ وفقك الله ـ أن الله ـ تعالى ـ قد بعث رسوله خاتم النبيين بكتاب عربى مبين رحمة للعالمين وأمره أن يبينه للناس ، ويقيم تعاليمه وينشر علومه ويبلغه كما أنزل ليحفظ المسلمين ويبقى متواتر الرواية محفوظا كما أنزل إلى يوم الدين ، فبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن . وبين ما فيه وأمرنا بطاعة الله وطاعة رسوله فيما بلغ فقال تعالى : " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " وقال " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقال : " وإن تطيعوه تهتدوا " فعلم الصحابة التنزيل وأحاطوا به كل الإحاطة ، وكان هو دستور الأمة .. ورووا عن الرسول ونقلوا لمن بعدهم بصدق وأمانة ودقة وتثبت ، امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام ، " ليبلغ الشاهد منكم الغائب قرب مبلغ أوعى من سامع " .. وفى هذا إشارة إلى وجوب التثبت من الرواية والحرص على آداءها كما سمعت .

الرواة

درج السلف على ذلك فما كتموا علما ولا شرعوا حكما وإنما نقلوا بالأمانة ما رووه وما فهموه بسلائقهم السليمة وعقولهم الناضجة المستنيرة .

وانتشرت الأحاديث فى الأمة وسائر الأقطار ، وتفرق الرواة فيها ، فدعت الحاجة إلى تمحيص الرويات والأحاديث ، والبحث عن حال الرواة وضبطهم وإتقانهم وأمانتهم وعدالتهم وعقائدهم وميولهم وصدقهم وكذبهم فنهض بذلك الأئمة الثقات والأعلام الاثبات وبذلوا فيه جهداً جبارا لم يسبق لأمة من أمم الأرض أن نهضت بمثلة ، فى عزم وأمانة ، وصدق ومثابرة ، وتأليف وتدوين ، وبحث ، واستقصاء ، وتحر وإتقان ، وأثمرت جهودهم ثمراً شهيا ، وتميز الزبد من المحيض ، والطيب من الخبيث والصادق من الكاذب ، واستقرت السنة وظهرت أعلامها نقية من الزائف والدخيل حتى لم يبق لأحد شيهة فى صحة الحديث الصحيح ولا فى عدم صحة ما انتقدوه من المرويات وهو أقسام كثيرة كما فى مصطلح الحديث .

يعرف ذلك تمام المعرفة من راض نفسه على دراسة السنة وشروحها ، وما ألف من كتب . وما ذكر فى تواريخ الرواة . ونشأتهم وجميع أحوالهم وفى المكتبة الإسلامية من ذلك ما تقر به الأعين ، وما يبعث فى النفوس كل الطمأنينة إلى نقاء السنة ، وأمانة الأئمة وفقة المجتهدن والتابعين لهم من فقهاء الإسلام .

المجتهدون

جاء دور المجتهدين وهم أعلام الأمة نخصصوا فى العلم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ودراستها والإحاطة بهما أكمل إحاطة ، قدر الطاقة البشرية ، وفى العلم باللغة وأساليبها وقواعدها ومبادئها وعلومها وآلاتها وآدابها وطرائفها ، فعرفوا الناسخ والمنسوخ والمقيد والمطلق ، والعام والخاص والمعلل والتعبدى ، وغير ذلك ودونوا طرائق الاستنباط والاجتهاد فى علم أصول الفقة وكان لكل مجتهد أصحاب وتلاميذ هم أئمة ثقات وأنصارهم أعلام أثبات فدونت المذاهب ودون الفقه الإسلامى . وهو ذخيرة السالفين التى تركوها لمن بعدهم هدى ونورا وحجة وبرهانا .

ولم يكن فى هذا تزمت أو تهاون لا من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة المجتهدين ، ولا من الفقهاء الباحثين بل هناك أمانة وصدق واجتهاد واستنباط وبحث برىء نزيه لا يمليه هوى ولا يبعثه غير غرض واحد : وهو القيام بإبلاغ الناس شريعة الله ورسوله ، وبيان الأحكام على أصول محكمة ، وقواعد ثابتة طاعة الله ـ تعالى ـ ولسوله صلى الله عليه وسلم .

بهذه العجالة السريعة والإلمامة العابرة تطمئن نفسك أيها السائل وندعوك إلى الأخذ عن الثفات الأثبات . الذين يعرفون الحلال والحرام ويثبتون فى الأحكام فهم الهداة الأعلام . والله يوقفك ويهديك السبيل الأقوم الله أعلم .


البدايات كان على بعد ذلك فى بداية عملى بدار الإفتاء مسئولا عن الفتوى . أن أحدد عددا من المسائل رأيت أن البدء بها ضرورى وهام ..

لذلك كان على أن أضع أمام الناس إجابة عن سؤال هام يقطع ألسنة المتشككين ، ويحدد منهج الإفتاء .

السؤال هو : . . هل السنة دليل شرعى ، وهل للعامى أن يجتهد فى الدين ؟


وكانت إجابتى بالنص هى : الأدلة الشرعية أربعة : الكتاب وهو القرآن الكريم والسنة الثابتة لقوله تعالى فى كتابه : " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقوله : " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول " وغير ذلك من الآيات الدالة على أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره تشريع يتبع فهو المبلغ عن الله تعالى بوحيه إليه ، والوحى إما متلو وهو القرآن وإما غير متلو ، وهو السنة الثابتة قال تعالى : " ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى " .

وليس للمسلم أن ينكر حجية السنة بعدما تلونا من الآيات وثالث الأدلة : إجماع مجتهدى الأمة على حكم شرعى وهم لا يجمعون إلا عن بينة ودليل . ولذلك كانت دلالة الإجماع راجعة إلى القرآن والسنة .

ورابعها القياس . وطريقه الاجتهاد الصحيح ولم يجتهد الأئمة إلا فى القرآن والسنة فهم لا يخرجون عنها ، ولا يلجأون فى الاستنباط إلا إليها والأخذ بقول من أقوالهم ، أخذ بما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع بطريق صحيح من طرق الدلالات المقرزة فى الأصول .

وطرح أقوالهم جملة ضرب فى بيداء ، وسفر فى مضلة بغير أدلاء وحرمان من ثورة علمية ضخمة ، وذخائر نفسية قيمة ، وغرور فاضح ، وسفه فى الرأى واضح ، وجهالة فاحشة ، بل قد تكون هوى وجموحا عن الحق ، وجنوحا إلى الباطل من القول والرأى فإن كان الباحث متمكنا فى الدين حقا ، فعليه أن يطلع أولا على مناهجهم وأدلتهم ثم يحكم فى الأمر بما يراه حقا بعد ذلك . وقلما يجد جديدا .

وإن كان عاميا ليس له إلى ذلك سبيل يدله فيه ، فعليه أن يعتمد على ما قال وأن يتبع ما اجتهدوا لعجزه عن الاجتهاد مثلهم فى الأحكام وعدم توافر وسائل النظر والاستنباط والترجيح لديه ، قال تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " وهل يسلم العليل قياده لغير الطبيب الحاذق ، وهل تعطى القيادة فى الحرب لغير القائد المجرب . الطاعة

وقد أوجب الله تعالى على المؤمنين طاعة رسوله الذى بعثه للناس كافة مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأوحى إليه من القرآن والبيان والشرائع فيما تمس إليه حاجة البشر وتدعو إليه مصلحة الأمة فى أمور الدين والدنيا جميعا .

فقال تعالى : " يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " وجعل طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة له فقال تعالى : " من يطع الرسول فقد أطاع الله " وقال تعالى : " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " وقال تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليم " ..

وقال تعالى : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " والرد إلى الله تعالى وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم عند التنازع فى أمر من أمور الدين دقيقا كان أو جليلا . هو الرد إلى كتابه المبين الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والرد إلى رسوله فى حياته . وإلى سنته بعد وفاته ، وهو من مقتضيات الإيمان ولوازمه .

فقد أخبر تعالى أنه خير للمؤمنين وأن عاقبته أحسن عاقبة ، إذبه الهداية وفيه النجاة ، كما أن الإيمان لا يتم إلا بالاحتكام إلى الرسول فى حياته وإلى سنته الثابتة بعد وفاته فيما يعرض من الخلافات والمنازعات ، وبقبول قضائه برضا وطمأنينة وتسليم وإذعان . وقال عالى : " يا أيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم " .

فلا تقولوا حتى يقول ... ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتى ، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذى يقطع فيه ويحكم ، ولا فرق فى ذلك بين حال حياته وحال وفاته ، صلى الله عليه وسلم ، فكما لا يجوز التقدم عليه فى شىء من ذلك حال حياته ، ولا يجوز التقدم على ما أثر عنه من السنن والشرائع بعد وفاته فمن آثر قضاءه على قضاء الرسول وقوله على قوله ، وقدم رأيه وهواه على ما أثبت من هدى النبوة فقد قدم نفسه على الرسول وعصى ربه فى قوله تعالى : " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " .

قال الإمام ابن القيم ـ فى أعلام الموقعين ـ فى قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لاترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " إنه تعالى جعل رفع أصواتهم فوق صوت رسوله المبعوث سببا لحبوط أعمالهم . فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقعهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء بها ورفعها عليه ، أليس هذا أولى أن يكون محبطا للأعمال ؟ ! .

ودل قوله تعالى : " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه " على أن من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلاً باستئذانه وإذنه يعرف فى حياته معاينة ، وبعد وفاته بدلالة سنته الصحيحة الثانية .

وجملة القول . إن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم واجب الاتباع وإن سنته ثابتة الحجية فى أحكام الدين بنص القرآن فليس المسلم أن ينأى بجانبه عن الأخذ بالسنن . ويقول لانذعن إلا لما جاء فى القرآن موجبا طاعة الرسول والرد إلى سنته والاحتكام إلى أقواله . والرضا والتسليم بقضائه ، وحرم مخالفته والإعراض عن سننه الثابتة ، وجعل الأخذ بها أخذاً بالقرآن " وما كان ربك نسياً " .

كيف يتأتى العمل بالقرآن بدون بيان من الشارع لما جمل فيه من الأحكام ؟

ألا ترى أن القرآن أمر بالصلاة ولم يبين عددها ، ولا عدد ركعاتها ولا كيفيتها ولا شروطها ولا مبطلاتها ؟ ، وأمر بالزكاة ولم يبين نصابها ، ولا جميع ما تجب فيه ولا شروط وجوبها ؟

وكذلك الصوم والحج فبينت السنة كل ذلك ، مما جعل الامتثال والطاعة والعمل بالأحكام فى حيز الإمكان ، وكان ذلك محالا لولا البيان .

قال تعالى " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " .. وقال تعالى : " لتبين لهم الذى اختلفوا فيه " .

نسأل الله أن يوفقنا لطاعته وطاعة رسوله واتباع سنته الراشدة ، وهديه القويم .

رأيى فى الشيوعية والإسماعيلية والبهائية والقاديانية

كانت قضية الشيوعية تبدو جديدة على أسماعنا ، فقد بدأت تتسلل كالسرطان إلى عقول الشباب وفى نفس الوقت بدأت الصحف تتحدث عن مذاهب غريبة ، كانت موجودة ولكنها قفزت على سطح الحياة عندما سلطت عليها الصحف الضوء .. كالقاديانية والإسماعيلية .

مصادفة غريبة

وربما كان من قبيل المصادفات أيضا أنه فى تلك الفترة لجأ موظف حكومى إلى مجلس الدولة يشكو وزارة الصحة ، لأنها رفضت أن تضع فى خانة الديانة فى شهادة ميلاد ابنه على أنه " بهائى " .


وكانت القضية المعروضة على مجلس الدولة تعنى أن الموظف يطالب بحكم من الجهة القضائية العليا فى مصر بأن البهائية دين ، بل ومعترف به رسميا فى مصر .. ورأيت أن من واجبى أن أفتى فى هذه المذاهب الغريبة كلها .

الدين ضرورة

حول الشيوعية كان رأيى الذى افتيت به ، ومازلت : إن الشرائع السماوية ضرورية للبشر فى الحياة العلمية و العملية والاجتماعية فهى التى تعلم وتذهب وترشد وتوجه ، وتقيم فى النفوس الوازع الأقوى عن الانقياد للأهواء والشهوات ، واقتراف المآثم والمنكرات ، وتغرس فيها الرغبة فى الخير والعمل الصالح والعزوف عن الشر والعمل الفاسد أملا فى الثواب وخوفا من العقاب من الإله الخالق القوى العزيز المتصرف ، فى ملكوته بقدرته وسلطانه العليم بذات الصدر ، والمجازى يوم البعث والنشور .

وهى الدستور الإلهى الحكيم الذى إن انتهجه الناس فى الحياة سادهم الأمن ، والسلام وانتظمت شئونهم المعاشية وقامت العلاقات بينهم على المحبة والإخاء والتعاطف والتعاون ، والخير والبر ، واحترام الحقوق والواجبات . ولهذا ، وبهذا ، بعث الله تعالى الرسل إلى الأمم ، وأنزل الكتب والشرائع تبصرة وهداية وتقويما للبشرية وإصلاحا وخيرا للفرد والجماعة وقطعا للحجج والمعاذير " رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " .

وكان من سنة الله تعالى وحكمته التدرج فى الرسالات حسب استعداد البشرية لتعاليمها حتى إذا ما بلغت أشدها واستوت أرسل الله ـ بأوفى الرسالات وأكملها وأصلحها لكل زمان وأدومها ـ صفوة خلقه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وختم به النبيين المرسلين ، فأين من هذا ذاك المذهب الشيوعي الذي قام على الجحود وإنكار الوجود بمبدأ كل موجود ، ومحاربة الرسالات الإلهية والتشريعات السماوية والقضاء على كل ما يمت إلى الدين والتدين بصلة من تعلم وتعليم ، وتأليف ونشر ومساجد ومعابد ، وتنكيل بالمتدينين وحرمان المسلمين منهم من دراسة كتابهم وطبعه ونشره ، ومن كتبهم الإسلامية ومعاهدهم التى تعلمهم دينهم وأذواق المسلمين سوء العذاب فى بلادهم إذا أعلنوا شعائر الدين ، وكيف فعلت الشيوعية فيما اجتاحته من البلاد الإسلامية الأخرى كالتركستان الغربية التى كانت تضم نحو أربعين مليونا من المسلمين وغيرها من البلاد التى انتزعت الإسلام منها ، وكان يذكر اسم الله كثيرا .

إن الإسلام والشيوعية لا يجتمعان فى جراب واحد ، ولذلك دأبت الشيوعية على محاربته فى كتابه وعلومه وتعاليمه ومعاهده وفى أبنائه ، وانحرفت بأحداثهم بخدع وإغراءات وأمان كذاب وبترت ما بينهم وبين الإسلام من وشائج وصلات ، ولا نجاة للمسلمين من شرورها وأخطارها إلا بأن يعتصموا بكتابهم وهدى نبيهم ويعملوا بها فى كل شئون حياتهم العلمية والعملية والاجتماعية ففيها الهدى والنور والوقاية من كل الشرور ، والسعادة والحياة الكريمة للأفراد والجماعات ذلك هو الحصن المنيع والملجأ الرفيع والعلاج الواقى والدواء الشافى .

الإسماعيليون

المذهب الثانى الذى اعتنقه البعض وكان على أن أقول رأيى فيه هو : مذهب الطائفة الإسماعيلية التى تردد أنها إحدى الطوائف الإسلامية . ورأيى أن هذه الطائفة من الطوائف الخارجة عن الإسلام فى عقائدهم وعباداتهم وتعاليمهم ، فعقائدهم كفر وعبادتهم لله أسرار كاذبة ، وتعاليمهم نحل باطلة تنتهى بإباحية صارخة ، فليسوا من الإسلام فى شىء ، ومن ثم لا يجوز مناكحتهم ، ولا يجوز دفنهم فى مقابر المسلمين ولا يخدعنكم عن حقيقتهم تظاهرهم بالإسلام ، وتسميتهم بأسمائه كعلى واسماعيل فإن أهل النحل الباطلة التى قامت على الكيد للإسلام منذ قرون متطاولة يحرصون كل الحرص على خداع العامة بالتظاهر بالإسلام كذبا ، وافتراء سترا لمقاصدهم وإخفاء لتدبيرهم ، وإمعانا فى التدليس والإغواء حتى إذا وقع الجاهل فى أشراكهم ، وسكنت نفسه إليهم ، واطمأنوا إلى استعداده لخلع رقبة الإسلام من عنقه ألقوا إليه بباطلهم ، وكاشفوه بتعاليمهم ، وأباحوا ما حرم الله عليه فباء بالكفر الصريح .

وفي التاريخ أصدق الأدلة على ذلك ، من أن الإسماعيلية هي فرقة الباطنية ، وهي دولة القرامطة التي فعلت الأفاعيل للقضاء على الإسلام ودولته وارتكبت أفحش الفظائع في أوطانه واسمه (راجع فتاوي الشيخ بن تيمية والخطط المقريزية أو فضائح الباطنيين للغزالي وغيرها) .

ومثل هذه الطائفة طائفة البهائية والقاديانية أنه باعتناق اي مسلم للبهائية صار مرتدا عن الإسلام عما عرف عن عقائدها من أنها كفر صراح ، والمرتد عند الحنيفية يزول ملكه عن ماله زوالا موقوتا ، فإن أسلم وعاد إليه ملكه، وإن مات على ردته ورث كسب إسلامه وارثه المسلم .

والبهائية خارجة عن الإسلام ولا يجوز مناكحة البهائييين ولا توريثهم ولا دفن موتاهم في قبور المسلمين .

أما القاديانية فهي من الفرق الزائغة المنشقة عن الإسلام وهي الفرقة التي أسسها مرزا غلام أحمد القدياني في القرن التاسع عشر في الهند .

ولد فى قرية قاديان بالهند سنة 1839 م ونشأ فى أسرة عريقة ، وتلقى مبادىء العلوم وقرأ الكتب المتوسطة فى المنطق والحكمة اليونانية والعلوم الدينية والأدبية والطب القديم على والده ، ثم اشتغل بالوظائف فترة من الزمن ، وقد أصيب فى شبابه بمرض " هستيريا " ونوبة عصبية عنيفة وكان يتداوى منها ويحاول التقوية بالأغذية الجيدة ، وبعض المشروبات المسكرة ، واشتغل مع ذلك بما أسماه عبادات ومجاهدات وزعم بادىء أمره فيما أذاعه من الكتب والرسائل منها " براهين أحمدية " أنه مكلف من الله تعالى بإصلاح الخلق على نهج المسيح بن مريم وأن له إلهامات ومكاشفات إلهية وان من يحضر إلى "قاديان " يرى الآيات السماوية والخوارق . ودعا الجمعيات الإسلامية إلى المناداة بفضل الإنجليز " وهم ذوو السلطان إذ ذاك بالهند وأن الجهاد ضدهم حرام ، وأنهم نعمة من الله عظيمة .. وقال إنه نشر خمسين ألف كتاب ورسالة وإعلان يؤكد فيها جميعا على أنهم أصحاب الفضل والمنة على المسلمين فيجب على المسلمين طاعتهم بل صرح بأنه من خدامهم ، وطلب إليهم أن يعاملوا أسرته بالعطف والرعاية ماداموا من غرس الانجليز وصنائعهم وأن ما على القسس الطاعنين فى السن ، إنما هو لدفع سوء الظن به .

وقد تدرج من حديث الإلهامات والمكاشفات إلى زعم أن روح المسيح الموعود قد حلت فيه ، وأن ما يتحدث به هو كلام الله كالقرآن ، والتوراة ، وأن دمشق التى قيل أن المسيح سينزل فيها آخر الزمان هى " قاديان " وأنها بلدة مقدسة وقد كنى عنها بالمسجد الأقصى ، وهى الثالثة بعد مكة والمدينة ويسميها أتباعه الربوة ، وأن الحج إليها فريضة ، وأنه قد أنزل عليه آيات سماوية تربو على عشرة آلاف آية .

وإن من يكذبه فى ذلك كافر وأنه شهد له بالنبوة القرآن والرسول محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء قبله بل عينوا زمن بعثته ومكانها وقد صرح بموت المسيح ودفنه فى كشمير وعين قبره فيها . تلك هى عقيدته ، وعقيدة أتباعه وخلفائه فيه ، وأن من لا يدخل فى بيعته يعامل كالكافر ، ولذلك ، امتنع ظفر الله خان وزير الخارجية فى باكستان إذ ذاك وهو من زعماء القاديانية عن الصلاة على جثمان مؤسس باكستان محمد على جناح رحمه الله . ولم يكفه زعم النبوة بل زعم أنه مقدم على سائر الأنبياء وقال : أتانى الله ، مالم يؤت أحدا من العالمين وزعم أن الله تعالى أوحى اليه : أنت منى بمنزلة ولى .

اسمع يا ولدى يا قمر يا شمس أنت منى وأنا منك ، ظهورك ظهورى ، يحمدك الله من عرشه ويمشى إلين " إلى آخر مزاعمه الضالة وأقواله المفتراه .

يقول الدكتور محمد اقبال شاعر الهند العظيم إن القاديانية خطر على الإسلام وديانة مستقلة عنه ومحاولة منظمة لتأسيس طائفة جديدة تقوم على أساس نبوة منافسة للنبوة المحمدية ، وقد رد الدكتور بهذا على جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند الذى يعطف على القاديانية فى بلاده وفى باكستان فى مناهضة الإسلام والنبوة المحمدية .

ويقول صديقنا الباحث العلامة السيد أبو الحسن على الحسن الندوى مدير ندوة العلماء بالهند فى كتابه " القاديانى والقاديانية " الذى استقينا منه أكثر هذه المعلومات الثابتة فى كتب ورسائل هذا الضال المطبوعة والمنشورة فى الهند وغيرها ما نصه : " إن القاديانية مؤامرة خطيرة ومحنة عظمى وثورة على النبوة المحمدية وعلى خلود الرسالة الإسلامية وعلى هذه الأمة .

وقد أطلعنا من قبل على كتابهم " التبليغ " وما فيه من كفر وضلال وكذب على الله والأنبياء وتزلف ونفاق للإنجليز الحاكمين إلى أبعد حد حتى زعم حرمة الجهاد ضدهم ودعا إلى إطاعتهم والخضوع لهم وذم المسلمين الذين يرون خلاف ذلك . ولما مات فى السادس والعشرين من مايو سنة 1908 م خلفه صديقه الحميم وصنوه فى الكفر والضلال حكيم نور الدين صاحب " تصديق براهين أحمدية " فدعا بدعوته وبالغ فيها واستمر ست سنين حتى توفى فى 13 مارس سنة 1914 وقبل موته استخلف بشير الدين محمود أكبر أبناء مؤسس الطائفة . ولما تولى زعامتها تشبث بعقيدة نبوة والده فى صراحة ودافع عنها بقوة وحماسة ورد على منكريها بغلظة وحدة .

وللقاديانية فرع الادهورى يتزعمه محمد على " صاحب ترجمة القرآن بالإنجليزية والمؤلفات الكثيرة" وهو يلقب مؤسس الطائفة بالمسيح الموعود فى عامة كتبه ويحاول التأويل فى دعوته ونحلته بباطل من القول ، وله إلحاد فى تأويل آيات القرآن وتحريف فى تفسيره وقد أقام ترجمته على هذا الإلحاد والتحريف فالحذر الحذر منها وهكذا أكثر المترجمين من الطوائف المنشقة عن الإسلام ومن المستشرقين الحانقين على الإسلام والقرآن والمسلمين .

ومن هذه النبذة التاريخية المختصرة يعلم القارىء أن حكمنا فيما كتبناه مرارا بكفر القاديانية وخلعهم ربقة السلام حكم قائم على بينات من كتبهم ورسائلهم التى انتشرت فى الهند قبل التقسيم وبعده وفى سائر بلاد الإسلام ، وإن جهلها أكثر المسلمين وخدع عن حقائق هذه الطوائف كثير من الكتاب المعاصرين أرشدهم الله إلى الحق وحفظهم من مغبة الجهل .

قضايا القرآن الكريم

ترتيب سوره وآياته وتلحينه

كنت على فراش المرض ، وأمسكت بالمصحف أسلى نفسى بها ، ووقع نظرى على نبأ نشرته جريدة : أسسها "شيخ الصحافة" ورأيت أن هذا النبأ خطير لأنه يتحدث عن رسالة وضعها موظف بوزارة العدل ، والموظف كما يفهم من النبأ المكتوب فى الجريدة جاهل لأنه لا يعرف حتى ترتيب نزول سور القرآن الكريم ، فلم يعرف لأن سورة العلق " اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم " هى أول سور القرآن ..

رسالة خطيرة

تقول الجريدة إن الرسالة أصدرها الموظف المذكور بعنوان " رتبوا القرآن كما أنزله الله " ويقول فيها وفقاً لما نشر بالجريدة أنه ينادى بترتيب القرآن كما نزل ، فتكون سورة " العلق " أول السور ..!.. ثم تليها سورة القلم وهكذا حتى يختم القرآن " بسورة النصر " وقال : وبذلك نستطيع أن نتبع حركات ذهن الشارع " كذا " ونتفهم حكمه ، ونتخيل تصوراته ـ كذا ـ وندرس منطقه ، ونسير على هديه خطوة خطوة من أول سورة أنزلت حتى آخر سورة فتنتظم أحوالنا ، وأمورنا ، ويستقيم منطقنا ، ونعيش كما أراد الله لنا ـ نحن المسلمين ـ أن نعيش .

كان هذا هو ما قاله المؤلف الجرىء الذى طوعت له نفسه أن يكتب رسالته وينشرها على المسلمين فى موضوع يجهله دون أن يكلف نفسه مراجعة ما دونه أئمة الحديث والسنن وعلماء التفسير والمتخصصون بدراسة علوم القرآن من مطولات ومختصرات .

وهذا ردى

وعلى الفور كتبت ردا على هذه الدعوة الخطيرة أرسلته إلى الجريدة ، وقلت فيه : إنه أصبح من المعروف عند علماء المسلمين أن ترتيب القرآن الذى نقرؤه فى المصاحف ، ونحفظه فى الصدور ، ونعلمه للناس ونرويه بالتواتر من لدن عهد للرسالة إلى الآن ترتيب توقيفى من الشارع .

مطابق لما كان يتلوه عليه السلام فى مرات عرض ما نزل من القرآن كل عام فى شهر رمضان ليوقفه على هذا الترتيب الموحى به من الله تعالى والذى نجده الآن فى المصاحف ، ليوقفه على مواضع الآيات من السور ، فقد كان يقول له عندما ينزل بآية أو آيات : ضع هذه الآية فى موضع كذا من سورة كذا ، وقد تكون السورة مكية ، وفى خلالها آيات مدنية وبالعكس ، ولله تعالى حكمة بالغة فى ذلك . وقد اتبع الصحابة رضوان الله عليهم فى جمع القرآن كتابة هذا الترتيب التوفيقى ، وانعقد اجتماع المسلمين على ذلك .

وقد أفاض كثير من المفسرين فى بيان مناسبة الآيات بعضها لبعض ومناسبة السورة تلو السورة .

يقول هذا الكتاب إنه يستطيع أن يتبع حركات ذهن الشارع ولا يدرى أن الشارع هو الله تعالى ، وإنما يبلغ رسوله عنه ما شرع ، وليس للشارع أى ذهن ، ولا أية تصورات وكأنى به بعيد كل البعد عن أوليات هذا الموضوع والمصطلحات الإسلامية ، وما يجب لله تعالى من الكمال وما يتنزه عنه من النقص الذى منه نسبة الذهن ، بمعناه المعروف إليه ، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا .

ومن أغرب ما قاله أن ترتيب القرآن على النحو الذى يقترحه يؤدى إلى انتظام أحوالنا وأمورنا واستقامة منطقنا وعيشنا كما أراد الله أن نعيش ، كأن ما نحن فيه الآن من فوضى وفساد ، واختلال أحوال وانحلال أخلاق وإلحاد فى العقائد وعيش نكد ممقوت إنما مرده إلى بقاء القرآن على ترتيبه الحالى ، كبرت كلمة تخرج من فيه ، ونعوذ بالله من سهل يورد صاحبه مورد الهلكة ، إن ذلك كذب على الله وعلى رسوله وكذب على جميع المسلمين ، وباطل من القول والزور .

وأى دخل للترتيب فى ذلك ؟ وأية علاقة بينه وبين ما نحن فيه أو بينه وبين ما يود أن نكون عليه إذا استجيب لمقترحه الفاسد ؟ ومن الذين يطلب منهم ترتيب القرآن كما أنزل ، أهم علماء الدين أو الجهلة بالدين ؟ أما علماء الدين فهذا رأيهم الذى بيناه ، وأما الجهلة بالدين فلن يجترىء منهم أحد على الخوض فى هذا الباطل ونحن له بالمرصاد نحاربه باللسان والسنان حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين .

روايات معاصرة

وبعد ، فإننا نطلب من الحكومة أن تصادر هذه الرسالة الضالة على الفور وننصح لمؤلفها أن يدع الاشتغال بما يجهله لمن هم أهله وأحق به . . ورحم الله امرىء عرف قدر نفسه .

وفى " الإتقان " للإمام السيوطي إن الإجماع على أن ترتيب الآيات فى السور توقيفى وقد نقل الإجماع عليه غير واحد منهم الزركشى فى البرهان وأبو جعفر فى مناسباته وعباراته : " وترتيب الأيات فى سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف فى هذا بين المسلمين " .

وعن ابن عباس فيما أخرجه عنه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى ابن حيان والحاكم أنه سأل عثمان عن ترتيب الأنفال والتوبة ، فأجابه عثمان بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانت تنزل عليه السورة ذات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشىء دعا بعض من كان يكتب فيقول " ضعوا هؤلاء الآيات فى السورة التى ذكر فيها كذا وكذا " .

وعن عثمان بن أبى العاص قال : " كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتانى جبريل فأمرنى أن أضع هذه الآية فى هذا الموضع من هذه السورة ـ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ـ إلى آخر الآية " .

وأخرج البخارى عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " قد نسختها الآية الأخرى فلم نكتبها ؟ قال : يا ابن أخى لا أغير شيئا منه من مكانه . وقد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قرأ البقرة كلها وآل عمران والنساء وقرأ الأعراف كلها فى صلاة المغرب ، وقرأ " الم تنزيل " و " هل أتى على الإنسان " فى صبح يوم الجمعة ، وقرأ " ق " فى الخطبة ، وغير ذلك من السور فدلت قراءته لها بمشهد من الصحابة على أن ترتيب الآيات توقيفى ، وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبا سمعوا النبى يقرأ على خلافه فبلغ ذلك مبلغ التواتر .

وقال مكى : ترتيب الآيات فى السور بأمره صلى الله عليه وسلم ، وقال القاضى أبو بكر : ترتيب الآيات أمر واجب ، وحكم لازم ، فقد كان جبريل يقول ضعوا آية كذا فى موضع كذا ، وقال : الذى نذهب إليه إن ترتيب القرآن ونظمه الذى حواه مصحف عثمان ثابت على ما نظمه الله ورتبه عليه من أى السور . لم يقدم فى ذلك مؤخرا ولا آخر منه مقدماً , وأن الأمة ضبطت عن النبى صلى الله عليه وسلم ترتيب أى كل سورة ومواضعها وعرفت مواقعها كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة .

وأخرج عنه ابن وهب قال : سمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبى صلى الله عليه وسلم وقال التقوى ها هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه من القرأن الذى هو الآن فى مصاحفنا بتوقيف جبريل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية إن هذه الآية تكتب عقب آية كذا فى سورة كذا ، فثبت أن سعى الصحابة كان فى جمعه فى موضع واحد لا فى ترتيبه .

وقال ابن الحصار : ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحى ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ضعوا آية كذا فى موضع كذا ، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا فى المصحف .

وهذه الأدلة ، وما لم نذكره من أمثالها ومن الروايات الصحيحة دليل على أن ترتيب السور . أيضا توقيفى ، وإليه ذهب القاضى وابن الامبارى والكرمانى والبخارى والزركشى ، والبيهقى ، وابن عطية ، وأبو جعفر النحاس ، وابن الحصار ، واختاره السيوطى ، قال أبو بكر ابن الامبارى : " فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف ، كله عن النبى صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو آخرها فقد أفسد نظم القرآن " .

ولا نحب أن نطيل بإراد النصوص الكثيرة فى ذلك مما ذهب إليه هذا الكاتب وأن قصره على السور ظاهرا يوجب نزع الآيات من سورها ، وتأليفها على حسب تواريخ النزول ، وذلك قلب لأوضاع القرآن كلها ، وإلا فماذا يصنع بالسور المشتملة على المكى والمدنى ، والسابق واللاحق فى النزول ؟

وفى أى مكان معين يضعها مع اشتمالها على ذلك ، وما جدوى وضعها فى مكان معين غير مكانها الحالى ، وفيها الآيات المختلفة نزولا وبأى ضابط أو قانون يضع الترتيب الذى يريده ، ويود أن يكون عليه نص كتاب العالمين والله أعلم بسر ترتيبه ، وحكمة تنسيقه .

تلحين القرآن

فى نفس الفترة تقريبا قضية أخرى هامة تتعلق بالقرآن الكريم آثارها الشيخ على الغاياتى مهاجما الذين يطالبون بتلحين القرآن الكريم بالألحان الموسيقية وتساءل أين الإسلام والمسلمون ولماذا لا يرد كبار العلماء على هذه الحملة المنكرة .

ووجدت أنه لا بد أن أبين حكم الشرع فى هذه القضية التى شغلت الناس فى تلك الفترة فكتبت إليه أقول : " إن هذا الموضوع خطير والبحوث المتعلقة واسعة الأطراف دقيقة المسلك يعرفها من تخصص لدراستها ، ولا يحسن القول فيها من ليس له إلمام بها ومن لم يمارس من أمرها شيئا ، ولا بأس أن نجمل القول فى ذلك تاركين التفصيل فيه إلى مجال آخر ، فنقول : القرآن الكريم هو كلام رب العالمين ، نزل به الروح الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم ، فرواه عنه كما أنزل لفظا وتلاوة ، وقرأه على أصحابه جميعا فى الصلاة وغيرها وكرره وأعادة ، وروى عنه صلى الله عليه وسلم بالتواتر القاطع ، واستمرت الرواية للقرآن لفظا وتلاوة فى كل العصور إلى وقتنا هذا بالتواتر القاطع ، وكان ذلك من حفظ الله للقرآن من التحريف والتبديل كما قال تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) .

وقد أجمع المسلمون فى كل العصور على أن القراءات التى يتلى بها القرآن مروية عنه صلى الله عليه وسلم ، وبعضها مروى بالتواتر القاطع .

وقد استنبط الأئمة من التلاوة المروية أحكاما ضابطة لها ، فضبطوا المد والفن والوقف وسائر الأحكام ليتلى القرآن دائما بالكيفية المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك نوع آخر من حفظ القرآن الكريم .

وسمعوا الفن الجامع لذلك ( علم التجويد ) وأجمعوا على أن تلاوة القرآن بغير التجويد على النحو المروى والخروج بتلاوته عنه إثم عظيم .

ولهذا العلم أئمة ورواة لا يزال الخلف منهم ينقلونه عن السلف ويعملون الناس كيفية التلاوة طبقا لأحكامه إلى الآن ، والحمد لله ، ولا يجوز أن يتلقى علم القراءة عمن يجهل هذه الأحكام ، ولا يعرف من أمرها شيئا .

إذا تقرر هذا فموضوع التلحين الذى أثاره بعض الناس الآن بغير داع له . ولا بموجب إذا أرادوا منه إيقاع التلاوة على الوجه المشروع الذى يتلى به القرأن الآن من وقت أن أنزل فليس ذلك بجديد ، ولا نظن أنهم يريدون ذلك وإلا كانوا عابثين ، وإن أرادوا به تلحين القرآن بالألحان الموسيقية التى تلحن بها الأغانى والمواويل طبقا للقواعد الموسيقية ، أو أرادوا الترنم به على نحو الترنم الكنسى تاركين قراءته على النحو المشروع الذى بيناه ، فهذا أمر لا يجوز للمسلمين الإقدام عليه ، ومن أجازه يرتكب أعظم الإثم ويدفع صدره بكل قوة ، ولا يجوز أن يدخل فى أمر التلاوة من يجهل أصولها وأحكامها .

وبعد .. فما هو السر فى إثارة هذا الموضوع الآن ، وما هى المصلحة التى تعود على المسلمين من تطبيق الأنغام على كلام الله تعالى ؟ وما مدى معرفة الذين أثاروا هذا البحث لعلوم القرآن ، وأحكام تلاوته ، والكتب المؤلفة فى ذلك وأقوال الأئمة فيها من الصدر الأول إلى الآن ؟

وكيف استباحوا لأنفسهم أن يخوضوا فيما لا علم لهم به .. إننى أنصح هؤلاء الكاتبين أن يدعوا ما لا يعرفون إلى ما يحسنون القول فيه " والله يهدى من يشاء صراطا مستقيما " .

وفى هذه الفترة المبكرة من عملى بالإفتاء كانت لى عدة فتاوى تتعلق بآداب القرآن وسماعه ، وأخرى فى وجوب توقير القرآن الكريم وتعظيمه ووجوب تعظيم المصحف وآيات القرآن ، وأكثر من فتوى حول ثواب قراءة الفاتحة والقرآن للموتى وفتوى عن حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن فى المذاهب الأربعة وخلاصة المذاهب جواز الأجرة على تعليم القرآن عند مالك والشافعى وأحمد فى رواية ابن حزم ومتأخرى الحنفية ، وجواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن عند مالك والشافعى ، وابن حزم خلافا للحنفية والحنابلة .

وأذكر أيضا الفتوى التى حرمت فيها دفن المصحف مع الميت ، وهى الفتوى التى قلت فيها إن المسلمين أجمعوا على وجوب تعظيم المصحف واحترامه وتوقيره وصيانته من كل دنس قذر ، حتى حكم الفقهاء بكفر من ألقى به فى القاذورات ، ونصوا على حرمة وضعه فى الأماكن المهينة ، وحرمة كتابته بمادة نجسة وحرمة السفر به وقت الحرب إلى أرض العدو إذا خيف وقوعه فى أيديهم وامتهانهم له ، وعلى حرمة اتخاذه كوسادة للنوم ، أو للاتكاء ، وعلى حرمة الدخول به فى بين الخلاء كما أفتى بذلك الإمام أبو عمر ابن الصلاح .

ومن تعظيمه تحريم مسه على الحائض ، والنفساء والجنب والمحدث لقوله تعالى : " لا يمسه إلا المطهرون " .. على القول بأن الضمير فى قوله ( لا يمسه ) عائد إلى القرآن ، ويؤيده ما رواه حكيم بن حزم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر " .

وقال الإمام النووى الشافعى : يحرم على الحدث مس المصحف وحمله سواء حمله بعلاقة أو فى كمه أو على رأسه ، وسواء مس نفس الأسطر أو ما بينهما أو الحواشى أو الجلد فكل ذلك حرام .

كذلك إن جسم الميت يتحلل منه بعد الدفن قيح وصديد وسؤائل نجسة ، ويصبح جيفة قذرة فإذا وضع المصحف معه تلحقه لا محالة هذه النجاسات وذلك محرم شرعا .

وفى حاشية الدار قبيل باب الشهيد أن ابن الصلاح أفتى بأنه لا يجوز أن يكتب على الكفن يس والكهف ، ونحوهما من أسماء وسور القرآن خوفا من صديد الميت ثم قال إنه لا يجوز تعريض الأسماء المعظمة للنجاسة ونقل عن "الفتح " أنه تكره كتابه القرآن ، وأسماء الله تعالى على الدراهم ، وما يفرش ، وما ذلك إلا لإحترام كتاب الله وخشية وطئه ، ونحوه مما فيه إهانة فالمنع هنا ، أى من الكتابة على الكفن ثابت بالأدلة وكذلك وضع المصحف فى القبر مما يعرضه للنجاسة لا محالة بعد الفتاوى عن القرآن الكريم .. أذكر أنه أثيرت فى تلك الفترة قضايا بشأن عدد من المذاهب.

مذاهب غريبة ونافية للإسلام .. وقلت فيها كلمة الإسلام كما وفقنى الله إليها .

موقف الإسلام من التصوير

السؤال الذى ثار ، والمصور يلتقط الصور لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف ، هو موقف التصوير ، والإجابة جاهزة عند الشيخ مستندة إلى دراساته الفقهية الواسعة .. " إن الشارع حين حرم الصور المجسمة واتخاذها إنما قصد إلى سد ذريعة الشرك " .

فقد كانت الأصنام والأوثان التى عبدت من دون الله فى الجاهلية تماثيل لرجال صالحين تقادم عليها الزمن وجهل التاريخ فقال الناس : " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " .

وقد جاء الإسلام بالتوحيد الخالص ، ومحو الشرك والقضاء على الوثنية فى حقيقتها ، ومظاهرها المختلفة .


الصور وحكاياتها

أما الصور الرقمية فلم تكن يوما من المعبودات فى الجاهلية ، ولكنها تتصل بتلك الصور المجسمة نوعا ما وتذكر بما كان من أمرها ، فقطعا لعادة الشرك ، وسد للذريعة على الوجه الأكمل حرمها الشارع بادىء ذى بدء وتوعد من يصنعها أو يتخذها بالعقاب الشديد لحداثة العهد بالوثنية والأوثان .

ولكن لما استقر الإسلام وانمحت الوثنية ، ودالت دولة الأصنام واستضاءت القلوب بنور الإيمان ، واهتدت العقول بتعاليم القرآن ، فصرح الشارع بالصور الرقمية فى حديث " إلا رقما فى ثوب " فكان تدرجا فى التشريع اقتضته الحكمة ، ودعت إليه الضرورة . فمن السلف من أجازها مطلقا أخذا بمظاهر هذا الحديث ، ومن الناس من أجازها إذا لم يسلك بها مسلك التعظيم .

كما كانوا فى الجاهلية يعظمون الأصنام ومنهم من أجازها اذا لم تكن على الهيئة الكاملة للإنسان أو الحيوان لما فى بقائها كاملة من لمح الأصل والتذكير ولو من بعد بالجاهلية الأولى .

وهناك جمع من العلماء سلك بها مسلك الصور المجسمة مبالغة فى سد الذريعة وأخذا بما ورد من الأحاديث " أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون " وعن ابن عباس قال سمعت محمد صلى الله عليه وسلم يقول : " من صور صورة فى الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ " وقد اشترت عائشة غرفة فيها تصاوير فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم . وإن البيت الذى فيه صور لا تدخله الملائكة " . ولعل القول الأول أولى بالنسبة إلينا فى عصرنا ، وعليه يخرج جواز صنع الصور الشمسية ، واتخاذها للإنسان والحيوان ليس فيها شائبة وثنية الآن ، بل لها نفع عظيم فى كثير من مرافق الحياة ، والشئون الدولية والمالية ، ومتى وجد المسوغ للحل فيما ورد عن الشارع مع اقتضاء الضرورة الأخذ به لا ينبغى العدول عنه رفقا بالناس ، والدين يسر لا عسر فيه ، والله أعلم بالصواب .

رؤيا الرسول فى المنام

وجاءنا فى البريد والشيخ حسنين مخلوف يدون ذكرياته خطابان يحملان معانى مشتركة ويبدو أن الكثير من مثل هذين الخطابين قد وصلا إلى كثيرين ..

الأول يقول صاحبه الذى يدعى أن اسمه " الشيخ أحمد خادم الحرم النبوى الشريف " أنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام ، ثم يذكر تفاصيل هذه الرؤيا ويطلب أن يكتب كل من يتلقى الخطاب عشر نسخ منها ويرسلها لأصدقائه ، ومعارفه ، وإلا فإنه سوف يصاب بمكروه .

أما الخطاب الثانى فهو يطلب فيه من كل من يتلقى الرسالة أن يكتب منها عددا من الصور حتى يكون سعيد الحظ ، ويناله الخير الكثير ، والخطاب مكتوب باللغة الفرنسية ، ويقول إن أشخاصا فى دول كثيرة من العالم جربوا ذلك ، بعضهم سخر منها ، ومزق الخطاب فأصابهم ضرر عظيم ، ويقول الشيخ حسنين مخلوف بأنه يعجب أن هذه الأفكار القديمة مازالت تعيش حتى الآن .

فهذه القضايا قديمة جدا ، وقد سبق أن تعرضت لها الصحف فقد نشرت مجلة " منبر الشر " رسالة تلقتها من جدة بعنوان " رؤيا أم أضغاث أحلام " تدور حول هذا الموضوع الذى لاكته ألسنة الجهل هنا وهناك وهكذا سرت بين العامة منذ سنين أكذوبة خادم الحرم النبوى ، وشيخ الروضة المشرفة ، وخادم الرسول صلى الله عليه وسلم فى الروضة النبوية ، وزعم أنه تلقاها مناما من صاحب الرسالة العظمى صلوات الله وسلامه عليه ، وأمره بنشرها وأمر كل من اطلع عليها بإذاعتها ، فطبعها وأذاعها فى مصر وغيرها .

وقد نبهنا من استفتانا عنها منذ أمد بعيد الى أنها فرية تولى نشرها أحد الدجالين لحاجة فى نفسه ، وإنها فى لغتها وأسلوبها ، ومعانيها شاهدة على نفسها بأنها موضوعة مفتراة .

ومن الثابت فى الأحاديث الصحيحة أن الشيطان لا يتمثل بالرسول صلى الله عليه وسلم فى الرؤيا . وإن من رآه فقد رآه حقا ، ومن حدثه فقد حدثه صدقا فمتى زعم أنه رآه مناما بصورة أو هيئة أو حالة تنافى ما عرف من أوصافه وكماله الخلقى والخلقى فهو كاذب أثيم ومن زعم أنه رآه مناما وسمع منه كلاما وكان كلاما غثا . وقولا ركيكا لا وزن له فى الفصحى فهو كاذب فى الأمرين فقد كان عليه الصلاة والسلام أفصح الفصحاء ، وأبلغ البلغاء ومن المحال أن يتكلم بالعامية المرذولة واللهجة المستهجنة والألفاظ الركيكة .

وهل يعتقد أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل " يا شيخ أحمد أنا خجلان من فعل الناس ، ولا أقدر أن أقابل الملائكة " ويقول : " وتخبرهم يا أحمد بأن لهم العذاب من العزيز الجبار ، وتغلق أبواب الرحمة " ويقول : " أعوذ بالله من هذا القرن وانهيار طريق الحق لا عادل به ، ويذنبون وهم على دين أحمد ، وفى دينهم يكرهون ، وفى دنياهم يعمهون " وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يقول مثل هذا القول الركيك الفاسد ، وأن يقول عن القرن لا عادل به وقد ثبت فى الصحاح أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق الى يوم القيامة .

إن إمارات الوضع والافتراء ظاهرة ، لا تحتاج إلى بيان لكل من له عقل سليم . أنها وصية مفتراة يحمل صاحبها وزر كذبه على رسول الله ويتبوأ بها من يصدقها من الناس وعلى كل من وقعت فى يده أن يعدمها ، ويبصر من انخدع بها ، وأن يعلم أن الكذب على الرسول حرام حيا كان أو ميتا .

ومن المصادفات السارة أننى سبق أن قلت رأيى فى هذه القضية من قبل وحدث بعد أن أبديت رأيى فى تلك القضية أن قرأت مقالا ضافيا لفضيلة الأستاذ صديقنا الشيخ عبد الملك بن ابراهيم آل الشيخ الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى مكة المكرمة تحت عنوان ( تنبيه وتحذير ) يقول فيه " وصل الى أيدينا منشور سخيف لأنه من جاهل أثيم ، يقول صاحبه إن اسمه الشيخ أحمد ، وأنه خادم الحرم النبوى . وشيخ الروضة وخادم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعبارات هذا المنشور من الضعف والركاكة والإضطراب بحيث تدل دلالة واضحة على جهل صاحب المنشور وغباوته " .

ويقول الشيخ عبد الملك بن ابراهيم ، الحقيقة أن كل من عنده تفكير يعرف بمجرد اطلاعه على هذا المنشور السخيف مدى الكذب والافتراء الذى ارتكبه هذا الدجال ، ومدى الجرأة التى اجترأ بها على مقام الرسول صلى الله عليه وسلم " .

ثم نقل فقرات من المنشور وقال بلغنا أن نسخا عديدة من هذا المنشور الخبيث وزعت بين الناس ، وافتتن به بعض العامة من البسطاء فصدقوا ما جاء به من دجل وتزوير ، فنحن لذلك أصدرنا هذا التنبيه والتحذير آملين من الجمهور أن ينتبهوا لأمثال هذه الخرافات والسخافات ، وألا يندفعوا وراء كل دجال يضحك على عقولهم ، ويعبث بها " .

وعلى المسلمين هنا ، وهناك أن يحذروا أمثال هؤلاء الدجالين الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ، ويضلون الناس بنشر هذه الخرافات والمزاعم الفاسدة .

وقد أطلعنا على هذا المنشور أو الوصية منذ سنين وأرشدنا السائلين عنه إلى أنه أكذوبة وضلالة وخرافة ، وأنه يجب مصادرته ، ومحاكمة واضعه ، ومروجيه صيانة لمقام النبوة الشريف ، وزجرا للمفترين الضالين . أما عن الخطاب الآخر الذى يطلب مرسله نسخ عشر نسخ منه وإرسالها إلى آخرين وهلم جرا والذى يتوعد لم يفعل ذلك بالضرر .

فهذه قضية قديمة أيضا .. وأنا أرى أن هذا نوع من المجون والعبث لا يليق بعاقل أن يغمس يده فيه .. ولا أن يجارى مبتدعيه ، ضنا بوقته أن يضيع فى غير جدوى ، حرصا على عقله أن يضل ويغوى إذا اعتقد أن السعادة والشقاوة والنفع والضرر رهن بالقيام بهذا العمل أو إهماله .

فليس من قضايا العقول ولا فى تعاليم الإسلام أن لذلك وأشباهه أى تأثير فيها يصيب الإنسان من خير أو شر ـ وإنما المقدور قد سبق به القلم " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " واذا اقتضت الحكمة الإلهية ربطه بأسباب ، فإنما يرتبط بالأسباب التى جرت بها السنن الكونية لا بمثل هذه الحماقة الغثة .

والعجب كل العجب ممن يلقى بالا لأمثال هذه الخرافات ويضيع وقته فى كتابة هذه الخطابات ويظن أنها تجلب خيرا ، أو تدرأ شرا ، وهو إنما يلعن بحمقه ، ويلعن ضعف عقله وسفاهة علمه .. والله أعلم .

كانت هذه بعضا من الخرافات التى مازالت تعيش فى عقول الناس ، ويرددونها .. ولكنه مازالت للخرافات الكثيرة غير تلك تأثير أشد ضررا فى بعض الناس ، منها التى تتعلق بالعرافين . من يدعون الكشف عن الغيب .

وهذا الأمر له حديث آخر .

الإسلام يواجه كل خرافات عصرنا

فى ريفنا المصرى تنتشر خرافة تقول إن من مات قتيلا يظهر له شبح فى المكان الذى قتل فيه ، يمثل حركاته ، ونبرات صوته كما كان فى الخيال .

وهذه الخرافة ليس لها أصل فى الدين ، بل نهى عن اعتقادها ، وقد كان من مزاعم العرب فى الجاهلية أن أرواح الموتى أو عظامهم التى بليت تصير طيرا يسمى " الهامة " ويسمى "الصدى " وقال لبيد :

فليس الناس بعدك فى نفير ولا هم غير أصداء وهام

وأن روح القتيل الذى لم يدرك ثأره تصير هامة ، فترفو عند قبره تقول " اسقونى ، اسقونى " وما تزال كذلك حتى يدرك ثأره ، وعند ذلك تطير ، ولا تعود ، وفى ذلك يقول ذو الأصبع :

يا عمرو إن لاتدع شتمى ومنقصتى أضربك حتى تقول الهامة اسقونى

ظمأ الروح

وقد زعموا لك لما جلبوا عليه من الحمية ، والأنفة ، وما استقرت عليه عاداتهم من الحرص على الأخذ بالثأر ، فتخيلوا أن روح القتيل لاتفتأ ترفرف على قبره تشكو الظمأ .

وتطلب السقيا ، إلا أنها لا تبغى الرى بالماء ، وإنما تبتغيه بالدماء ، فإذا ثأر أولياء الدم من القاتل تبدل ظمؤها ريا وشفيت مما تجد ، وطارت إلى غير رجعة هانئة وهادئة .

ولما بزغ الإسلام ، بدد هذه العقيدة فيما بدد من المزاعم والأوهام وبين الرسول صلوات الله وسلامه عليه أنه لاحقيقة لما يزعمون فيما رواه عنه أبو هريرة : " لاهامة" ومراده النفى بالنهى عن هذا الاعتقاد الباطل وجود تطهير العقول من هذا الوهم الكاذب ومنه ما يزعمه جهلة العوام على غرار تلك الخرافة العتيدة من ظهور روح القتيل فى المكان الذى قتل فيه ، وذهابها ومجيئها بحركات تماثل ما كان عليه فى حياته ، وكل هذا وهم وخيال منهى عن اعتقاده بدلالة هذا الحديث المروى فى الصحيحين .

كذب المنجمون

ومن الخرافات أيضا ما يقوم به بعض العامة من الذهاب إلى المنجمين ليخبروهم عما سيكون عليه حال الزوجين من توافق أو اختلاف ، أو يذهبون عند اشتداد المرض على مريض إلى عراف ، ومعهم منديل ليخبرهم بواسطة المنديل عما سيكون عليه من شفاء أو موت .

كل ذلك وأشباهه باطل من القول وزور من العمل . لم يعرف فى عهد النبوة ، ولا فى الصدر الأول . كما لم يرد له أصل فى الدين . بل ورد النهى عنه صريحا كتابا وسنة ، وهو ضرب من الاستقسام بالأزلام الذين كانوا يفعلون فى الجاهلية ليعرفوا ما قسم لهم ، وما لم يقسم لهم ، يحرمه الله تعالى فى سياق المحرمات " وأن تستقسموا بالأزلام " وهو نوع من الكهانة إذ إن الكاهن من يدعى علم المستقبل والتنجيم أو زجر الطير أو طرق الحصى والودع ، ونحوه ، أو فنجان القهوة

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعن عائشة قالت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس عن الكهان ( فقال ليسوا بشيء ) متفق عليه ومعناه أن قولهم باطل لا حقيقة .

وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من اقتبس علما من النجوم ، اقتبس شعبة من السحر " رواه أحمد وابو داود وابن ماجة فأعاد أنه حرام كالسحر ، فكما أن تعلم السحر والعمل به حرام فكذا تعلم علم النجوم لهذا القصد حرام والعمل به حرام .

وعن ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه ومسلم قال : " من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " رواه أحمد وسلم والمراد بالكفر حقيقته أن اعتقد أنهما يعلمان الغيب ، وإلا فالمراد به المعصية الكبيرة القريبة من الكفر .

وعن صفية بنت أبى عبيد عن بعض أزواج النبى صلى الله عليه وسلم قال " من أتى عرافا فسأله عن شىء لم يقبل الله له صلاة أربعين يوما " رواه أحمد ومسلم أى لم يجعل له ثوابا فيها .

فهؤلاء كلهم كهان يحرم عليهم التكهن . ويحرم على الإنسان أن يسألهم أو يستمع إليهم ، أو يصدقهم ، ويحرم عليه أن يعطيهم أجرا ، وهو حرام وسماه الشارع " حلوان الكاهن " وجعله كسبا خبيثا .

والالتجاء إلى هذه الوسائل لمعرفة المستقبل من الأقدار مفسد للعقول وضار بالمصالح ، إذ يعتقد من سمع أقوالهم أنهم قد أطلعوا على ما حجب عنه ، فيقدم أو يحجم ، ويفرح أو يحزن ، ويعيش فى تصرفه وراء أوهام وخيالات ، وقد يكون الشر فيما ظنه خيرا ، أو الخير فيما ظنه شرا . والشريعة الغراء كما حافظت على الأبدان بوقايتها من الحرمات التى تضعفها أو تهدمها كالمخدرات ، والمسكرات حافظت على العقول مما يوهنها أو يفسدها ، ومن ذلك منعها من الجرى وراء هذا السراب حتى يبقى ميزان الفهم ، ومدار العلم سليما من الآفات .

وكم يكون الإنسان سعيدا إذا أخذ فى أمره كله بالأسباب الطبيعية وفكر بعقله مهتديا بتجاربه واستشارته ذوى الرأى الناضج ثم أقدم على ما يريد معتمدا على الله فهو حسبه " وكم يكون شقيا إذا ظل طيلة حياته عبداً للأوهام والخرافات ، حليف الشعوذة ، والتكهنات ، بعقلية الخادعين ، ويجرى وراء الدجالين ، ويلغى عقله الموهوب للتفكر والتبصر .

وينبغى أن يعلم أنه ليس من هذا الباب الاستخارة الثابتة فى السنة الصحيحة ... ولا التفاؤل بالفأل الحسن ، كما لا يخفى على المتأمل .

المرأة واتصالها بالجن

ومن الدجل أيضا أن تدعى امرأة أنها متصلة بمن يكشف لها عن الغيب ويخبرها بالسرقة ومكانها ، وأسماء السارقين ، وبالمرض وعلاجه ، فقد اتخذ الدجالون هذه المزاعم خداعا للبسطاء من العامة ، وطريقا للكسب الحرام ، وهى ضرب من الكهانة المحرمة شرعا ، ولا فرق بين من يستعين فى تكهنه بالنجوم ، أو قراءة الكف ، ونحوها مما هو محرم شرعا وبين من يزعم أنه يستعين بقرينن من الجن يسميه ( سيدا ) أو ( خادما ) ويوهم الناس أنه يحدثه ، ويخبرة بالغيب ، فالكل فى الضرر والحرمة سواء .

وكما تحرم هذه الأعمال على الدجالين ، ويحرم التكسب بها ، يحرم على المسلمين أن يذهبوا إليهم لمثل هذه الأغراض . وأن يصدقوا فيما يزعمون ، وأن يعطوهم أجرا على ما يفترون .

وإذا كان الحجر واجبا شرعا على من يضر العامة كالطبيب الجاهل ، والمفتى بغير علم ، فهو على هؤلاء الدجالين أوجب وألزم لخطورة عملهم ، وعظم مفسدتهم ، وأكلهم أموال الناس بالباطل . وعلى المسلمين أن يتواصوا بالقضاء على هذه المفاسد ، وينصحوا على هذه المفاسد ، وينصحوا العامة حتى لا يقعوا فى حبائلهم .

القضية الأخيرة فى هذا النطاق هى التفاؤل والتشاؤم ، أن يتفائل الإنسان بشىء ، ويتشاءم من شىء .

وشعور الإنسان بالتفاؤل ، والبشر عند سماع الكلمة المستكرهة أو رؤية الشىء القبيح أمر فطرت عليه النفوس البشرية ، كما يشير إليه حديث : ثلاثة لا يسلم منهن أحد : الطيرة ، والظن ، والحسد " والطيرة بكسر الطاء وفتح الياء هى التشاؤم " .

فاذا اعتمد الإنسان فى شئونه على التفاؤل والتشاؤم بحيث يجعل لهما سلطانا على نفسه ، وتحما فى إرادته ، وتأثير فى عزيمته فقد أوى إلى وهم وضل السبيل . والمنهى عنه فى التطير أن يكون باعثا على الإحجام والعدول عن الأمر كما كانوا فى الجاهلية يحجمون عنه إذ خرج القدح الذى عليه علامة الشر فى الاستقسام بالأزلام .

والأدب يقتضى فى ذلك أن يمضى الإنسان فى سبيله ، ثقة بالله وتوكلا عليه غير آبه بما رأى من طير ونحوه كما يشير إليه ما فى السنين " فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم : لا يأتى بالحسنات إلا أنت ، ولا يدع بالسيئات إلا أنت ، لا حول ولا قوة إلا بالله " ، وما رواه ابن عمر مرفوعا : " من عرض عليه من هذه الطيرة شىء فليقل اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ، ولا إله غيرك " .. أما الفأل .. وأكثر ما يستعمل فى الخير فقد كان يعجب النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا خرج لحاجة يعجبه أن يسمع " يا نجيح يا راشد " .

وقد لقى فى سفره للهجرة رجلا فقال ما أسمك ؟

قال : يزيد ، فقال صلى الله عليه وسلم " ويعجبنى الفأل الصالح الكلمة الحسنة " رواه البخارى وعن أبى هريرة مرفوعا كان يعجبه الفال ويكرة الطيرة وعن يزيد أن النبى صلى الله عليه وسلم يعجبه الفال الحسن ، لأن التشاؤم سوء ظن بالله لغير سبب محقق ، والتفاؤل حسن ظن بالله والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله على كل حال " .

وقال الطيبى معنى الترخيص فى الفأل ، والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئا ظنه حسنا محرضا له على طلب حاجته فليفعل ذلك ، وإن رآه بصد ذلك فلا يقبله بل يمضى لسبيله فلو قبله وانتهى عن المضى فهو الطيرة .

وجملة ذلك أن الإنسان إذا تفاءل أو تشاءم يمضى لسبيله فى عمله دون أن يعتمد على تفاؤله أو تشاؤمه ، وأن يجعل ذلك موجبا للفعل أو الترك .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية فى فتاواه : كان عليه الصلاة والسلام يحب الفأل ، ويكره الطيرة ، وهو أن يفعل أمرا أو يعزم عليه متوكلا على الله تعالى ، فيسمع الكلمة الحسنة التى تسرة مثل أن يسمع : يا نجيح ، يا مفلح ، يا سعيد ، يا منصور ... فيتفاءل بذلك خيرا ، وكان ينهى عن التشاؤم ، فإذا سمع كلمة " ما يفلح أو ما يتم " لا يتطير ولا يتشاءم ، ولا ينثنى عن قصده ، خلافا لما كانوا عليه فى الجاهلية من العدول عن القصد إذا تشاءموا عند زجر الطير ، أو الاستقسام بالأزلام .

وفى الصحيح عن معاوية ابن الحكم قال : يا رسول الله منا قوم يتطيرون .. قال : ذلك شىء يجده أحدكم فى نفسه ، قلا يصدنكم " .

ومن هذا يظهر أن التشاؤم الموجب للإحجام والصد منهى عنه شرعا ، وأن التفاؤل بحيث لا يكون هو الموجب للإقدام على الفعل جاز شرعا ، بل كان ما يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله أعلم .

موقف الإسلام من قضايا المرأة

لعله أصبح ضروريا الآن أن أرجع إلى أوراقى فى تلك الفترة لأبحث فيها عن بعض الأسئلة التى وجهت إلى حول المرأة ، وما افتيت به حولها .

كنت قد تعرضت للحديث عن بعض قضايا الأسرة أثناء عملى فى القضاء ، ومن واقع القضايا التى حكمت فيها فى ذلك الوقت والاسئلة التى وجهت الى أثناء العمل فى الفتوى تتعلق بالمرأة فى حياتها المعاصرة ، وجهت إلى أسئلة بشأنها .

وجه المرأة

من هذه الأسئلة سؤال حول وجه المرأة وهل هو عورة ؟ وجوابى : إن وجه المرأة ليس بعورة عند الحنفية وكثيرة من الأئمة ، فيجوز لنا إبداؤه ، ويجوز للرجل الأجنبى النظر إليه ولكن بغير شهوة ، فإن كان بشهوة فى غير مواضع الضرورة كالخطبة فهو حرام ..

وسؤال حول الحكم فى تزيين المرأة لوجهها بالزينة التى جرت عادة النساء الآن على استعمالها بالمساحيق والأصباغ فى النظر إليه مع ذلك . الجواب :

إن الوجه ليس بعورة كما أجمعت عليه نصوص الحنفية ويجوز إبرازه لمكان الضرورة ، ولدفع الحرج فى ستره ويجوز النظر إليه بغير شهوة ، ويحرم إذا كان بشهوة إلا فى مواضع الضرورة كخطبة النكاح ، والشهادة ، والحكم كما بينت فى الإجابة عن السؤال السابق .

وعلة جواز إبداء الوجه والكفين عند الحنفية وكثير من الأئمة والمقدمين فى رواية عن أبى حنيفة راجعة إلى الضرورة والحاجة الماسة ودفع الحرج والمشقة فى الستر .

ومعلوم ، بداهة، أن الضرورة تقدر فى الشرع بقدرها وأن الاستثناء أى استثناء يتمثل فى مواضع الزينة الظاهرة فى قوله تعالى : " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " لا يتوسع فيه ، ولا ضرورة مطلقا فى إبداء الزينة الفاحشة التى تبديها النساء الآن فى وجوهن وأيديهن وأرجلهن فتبقى كلها على الحرمة الاصلية النسبة لنظر الاجانب ، ومن الرجال ودون الأزواج والمحارم .

على أن هذه الزينة الفاحشة مظنة غالبة لإثارة الشهوات فيحرم ابداء الوجه لها ، ويحرم النظر اليه معها وأن كان الوجه من مواضع زينة الظاهرة لما قلنا من حرمة النظر إلى الوجه بشهوة .

الحلال والحرام

السؤال الآخر الذى وجه إلى كان حول زعم بعض الناس انه يجوز للمرأة كشف الذراعين والساقين ولبس الثياب التى يظهر منها الذراعان ، والساقان ، والإجابة هو ما اتفق عليه الفقهاء من أن ذراعى المرأة الحرة ، وساقيها من العورات لا يجوز إبداؤها ولا يحل للأجنبى تعمد النظر إليها لأن هذه الأعضاء مواضع الزينة الباطنة ، وليس الثياب التى تظهرها محرم لكونه ذريعة الى المحرم .

والحلال هو كشف الوجه و الكفين وكذا القدمين ولا يجوز إبداء غيرها من الرأس والشعر والرقبة والصدر والذراعين ونحو ذلك ..

صبغ الشعر

سؤال آخر عن صبغ المرآة شعرها لتزيل أثر الشيب .. والجواب : أنه يجوز أن تصبغ شعر رأسها بالسود بإذن زوجها ومن الإذن يمكن إقرارها على ذلك وموافقتها عليه .

قال النووى فى شرح صحيح مسلم ما نصه : " إن تخمير الوجه ، والخضاب بالسواد وتطريف الأصابع "أى تخفيتها" جائزة فإن لم يكن لها زوج أو كان . وفعلته بغير إذنه فحرام وإن أذن جائز "

وسؤال عن ختان البنات وهل واجب شرعا أو غير واجب ... والجواب : إن الفقهاء قد اختلفوا فى حكم الختان لكل من الذكر والأنثى ، هل هو واجب أو سنة .. فذهب الشافعية كما فى المجموع للنووى إلى أنه واجب فى حق الذكر والأنثى عندهم المذهب الصحيح المشهود الذى قطع به الجمهور ، وذهب الحنابلة ، كما فى المغنى لابن قدامة إلى أنه واجب فى حق الذكر ، وليس بواجب بل هو سنة ، وتكرمة فى حق الأناث ، وهو قول كثير من أهل العلم .

وذهب الحنفية والمالكية الى أنه سنة وليس بواجب فى حقهما وهو من شعائر الإسلام فنخلص من ذلك أن أكثر أهل العلم قالوا بأن خفاض الأنثى ليس واجبا وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة ويروى أيضا عن بعض أصحاب الشافعى فلا يوجب لتركه الإثم .

وختان الذكر واجب شرعا وهو شعار المسلمين وفى ملة إبراهيم عليه السلام وهو مذهب الشافعية والحنابلة ومن هذا ، يعلم إنه لا إثم فى ترك ختان البنات كما درج عليه الكثير من الأمم الإسلامية بالنسبة لهن .

ضفائر المرأة

وسؤال حول ضفائر المرأة .. من امرأة ترى أنها كلما اغتسلت لتطهر عانت مشقة كبيرة فى بعض ضفائرها حيث يعص عليها تزيين شعرها وتسويته بعد الغسل كما كان قبله ولا بد لها من ذلك ، وهى تخشى أن يفضى ذلك بها إلى التهاون فى آداء فريضة الصلاة .

والجواب أن تعميم بشرة الجسم بالماء فى الغسل للتطهر واجب بإجماع الأئمة لحديث على رضى الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول : " من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار " ، رواه أحمد وأبو داود .

فيجب على المرأة فى الغسل أن تصب بالماء حتى منابت شعر رأسها لأنه من البشرة ، مضفوار ولا يلزمها نقض ضفائرها متى وصل الماء إلى أصول شعرها عند الحنفية والشافعية منعا للحرج ، ولحديث أم سلمة قالت : " يا رسول الله إنى امرأة أشد ضفر رأسى فانفضه للغسل من الجنابة فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لا إنما يكفيك أن تحثى على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضى عليه بالماء ، فإذا أنت قد طهرت رواه الجماعة إلا البخارى .

وكذلك عند الحنابلة فى غسل الجنابة لتكرره ولهم فى الغسل من الحيض قولان : أحدهما وجوب نفض الضفائر والآخر استحبابه من غير وجوب وذهب المالكية كما فى الشرح الكبير وحاشية لدسوقى عليه : إلى إنه مع تحقيق وصول الماء إلى بشرة الرأس يجوز للمرأة ان لا تنفض ضفائرها فى الغسل بل تجمع شعرها وتضمه وتحركه بيديها ليداخله الماء .. والله اعلم .

الذهب والفضة

وكان السؤال الأخير عن إخراج الزكاة عن الذهب والفضة اللذين تستعملهما النساء حليا للزينة .

والجواب أن الأئمة اختلفوا فى زكاة الحلى المصنوع من الفضة والذهب ، فذهب الحنفية إلى وجوب الزكاة فيه ، وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس ، وميمون بنى مهران ، وجابر بن زيد والحسن بن صالح ، وسفيان رضى الله عنهم أجمعين .

وذهب الشافعية إلى أن الحلى المباح استعماله للنساء وكذا ما يباح استعماله للرجل كخاتم ، ومنطقة السيف لا تجب فيه الزكاة فى القول الأصح المشهور ، كما لا تجب فى ثياب البدن الأثاث وعوامل الإبل والبقر ، ومذهب عبدالله بن عمر ، وجابر ، وانس وعائشة واسماء بنت ابى بكر ، وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وابن رباح ، ومجاهد ، والزهرى ، وابن سيرين ، والشعبى والقاسم بن محمد واسحق وابى ثور ، وابن المنذر رضى الله عنهم أجمعين .

وذهب المالكية ـ كما فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ، إلى أنه لا تحب الزكاة فى الحلى المباح الاستعمال ، ولو لرجل ولا فى المتخذ لأجل الكراء سواء أبيح استعماله لمالكه كالأساور والخلخال للنساء أو لم يبح كالأساور والخلخال للرجال ، وذلك على المعتمد من المذهب .

وذهب أحمد إلى أنه ليس فى حلى المرأة إذا كانت مما تلبسه أو تعيره زكاة وقال فى المعنى : لا زكاة فى الجواهر التى يتحلى بها مثل الماس ، واللؤلو والمرجان ونحو ذلك ، وهو مذهب الحنفية أيضا مهما بلغت قيمتها ، إلا أن تتخذ للتجارة .

وقال ابن حزم فى الحلى إن الزكاة واجبة فى حلى الفضة والذهب سواء كان حلى امرأة أو حلى رجل وكذلك حلبة السيف والمصحف والخاتم وكل مصنوع من الذهب والفضة حل اتخاذه ، أم لم يحل .

هذه أقوال الأئمة فى زكاة الحلى ، وهناك قول آخر مروى عن أنس وهو أن الزكاة تجب فيه مرة واحدة ، ثم لا تجب فيه بعد ذلك وظاهر أن هذا كله فى جميع الحلى المتخذ للتجارة ، كالحلى هى حوانيت الصاغة فإنه من عروض التجارة التى تجب فيها الزكاة .

كان الملك عبد العزيز شديد الإصغاء والتواضع

لا أذكر الآن تاريخ أول زياراتى للمملكة العربية السعودية ولكن المرة الأولى كانت زيارة للحج ولزيارة المدينة المنورة منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً .. يومها كنت أعرف صديقى الشيخ محمد سرور الصبان ، وزير المالية ، فى ذلك الوقت ، كانت تربطنى به علاقات قوية ، فقد كان دائم التردد على مصر ، وكان يحب العلماء ويقترب إليهم .. ويقربهم إليه ..

فى مجالس الملك عبد العزيز

وفى هذه الزيارة الأولى علم جلالة الملك عبد العزيز بوجودى فى السعودية . فدعانى بعد الحج لزيارة منزله فى الرياض ، ونزلت عنده مقيماً فى بيته فى ضيافته نحو شهر من الزمان وكنت ألتقى به يومياً أجلس فى مجلسه ، رأيت كيف كان الملك عبد العزيز يحل فى مجلسه أعقد المشاكل ، كان أصحاب المشاكل ، والشكاوى والحاجات يغدون إليه فى مجلسه ، يدخلون عليه على الفور يجلسون معه يناقشونه يعرضون كل ما يدور رؤوسهم ، وكان الملك شديد الإصغاء شديد التواضع ، شديد الإحساس بالناس وكان أيضاً شديد الحماس بالناس وكان أيضاً شديد الحماس لتطبيق شريعة الله ، قوياً فى الدعوة والإسلامية ودفع المنكرات ومواجهة الأعداء ، لما يجرى ضد الإسلام ، يقضى على دعواتهم ويؤيد الإسلام كل التأييد لقد كان الملك عبد العزيز طرازاً نادراً من الحكام .

رابطة العالم الإسلامى

فى إحدى زياراتى للمملكة العربية السعودية كان الملك عبد العزيز يريد تأسيس الرابطة الإسلامية .. التى سميت ( رابطة العالم الإسلامى ) . وهى هيئة إسلامية تعتنى بما يتعلق بالإسلام من حيث الدعوة إليه ، ودفع الأعداء المحاربين له ، ونصح المسلمين بما يجب عليهم فى الدعوة وفى تأييد الإسلام والدفاع عنه ورد الشبهات وقمع الفتن والمنكرات ونشر ذلك كله بين الشباب والكهول فى جميع أقطار الإسلام حماية لهم من الأعداء الكائدين وتأييداً للدعوة إلى الدين ، وخاصة فى هذا الزمان ، الذى اعتدى فيه الأعداء على الإسلام قرآناً وسنة ، بما ينشرون ويذيعون ، وبما يدعونه إلى تأييدهم وتضعيف الدعوة الإسلامية إلى أقصى حد .

وفى زيارات أخرى للمملكة العربية السعودية التقيت بجلالة الملك سعود بن عبد العزيز لقاءات من أجل الدعوة الإسلامية وأحياناً لمجرد السلام والتحية . بعض اللقاءات ضمن وفود كبار الحجاج .

الإسلام فى مواجهة التحدى

لقد كان المسلمون أبرز تكتل تجمع حول العقيدة على امتداد سنوات التاريخ وأقاموا حضارة من أقدم الحضارات وأكثرها عراقة وقد جاء اليوم الذى أصبح فيه المسلمون يواجهون الخطر ، خطر الغزو الأجنبى المسلح ويمكن أن تقاومه الجيوش وهو واضح وسافر ولكن الأخطر منه هو الغزو الفكرى والتيارات المنحرفة الملحدة .. ولا سبيل لمواجهة هذه الأخطار إلا باتحاد العالم الإسلامى والعودة إلى الإسلام الصحيح .


إننا إذا نظرنا من حولنا وجدنا الأخطار التى تحيط بنا من كل جانب تدفعنا إلى أن ندعو العالم الإسلامى إلى التكتل ونبذ خلافاته حتى نستطيع أن نواجه الأخطار من حولنا ، وأن نحرر أرض المسلمين من المغتصبين .. إما بفعل غزو أجنبى شرس ، أو غزو فكرى لا يقل عنه شراسة .. إن مصالح المسلمين المشتركة بينهم أقوى من مصالحهم مع أعداء الإسلام ألف مرة فلا بد من التضامن الإسلامى ، هذا هو الشعار الذى ترفعه رابطة العالم الإسلامى وأن يكون المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ..

مؤتمر فى الخيال

عندما يرجع الباحث إلى الكتاب الذى أصدره عبد الرحمن الكواكبى واسمه " أم القرى " يجد أنه قد تخيل ـ مجرد خيال ـ مؤتمراً يعقد فى مكة المكرمة يضم ممثلين عن مختلف الأقطار الإسلامية ويدرس هذا المؤتمر حالة الأمة .. ويبحث وسائل الإسلام ويهز هذا العالم الإسلامى لتسرى فيه رعشة الحياة ..

وفى بداية المؤتمر .. والأعضاء يشخصون ما يعترى العالم الإسلامى يقول رئيس المؤتمر : إن المسلمين فى جميع الحواضر متميزون عن غيرهم من جيرانهم فى المزايا الخلقية ، مثل الأمانة والشجاعة والسخاء ، إلا أنهم أقل نشاطاً وانتظاماً ، حتى توهم كثير من الحكماء أن الإسلام والنظام لا يجتمعان فما السبب قال التترى : السبب عندى فقدان القادة والزعماء ، فلا أمير حازماً يسوق الأمة طوعاً أو كرها إلى الرشاد ولا زعيم مخلصاً تنقاد له الأمراء ، والناس . ولا رأى عام يجمع الناس واحتدت المناقشة .. ولم يرض المؤتمر الذى رسمه خيال الكواكبى البحث فى الأمراض وعلاجها بل اقترح إنشاء جمعية دائمة تعتنى بإصلاح المسلمين وتشرف على تنفيذ برامج الإصلاح .

هذه الدعوة التى رسمها فى خياله عبد الرحمن الكواكبى عام 1867 قيض لها ، أخيراً من أن تصبح حقيقة وتضع فى موضع التنفيذ وهكذا فعل الملك عبد العزيز آل سعود عندما أنشأ رابطة العالم الإسلامى ، تقوم بنفس الأهداف بل وتزيد عليهما أهدافاً أخرى خدمة للإسلام والمسلمين .

كنت أسافر إلى المملكة العربية السعودية كل عام لأداء فريضة الحج بالباخرة من السويس ومنذ 23 عاماً لم انقطع عن آداء فريضة الحج بصفة مستمرة قبلها قمت بآداء الفريضة ست مرات على سنوات متفرقة قبل هذه السنوات المتصلة ، الآن بدأت أسافر بالطائرة المسافة التى كنا نقطعها فى يومين أصبحت تقطع الآن فى ساعتين فقط .

فى إحدى زياراتى للمملكة العربية السعودية أيام الملك عبد العزيز عقد اجتماع حضرة أئمة من السعودية على رأسهم الشيخ محمد سرور الصبان وكونا المجلس التأسيسى لرابطة العالم الإسلامى وكنت من بين المؤسسين وفى هذا العام عقد المجلس التأسيسى للرابطة اجتماعه فى دورته 23 فى موسم الحج حيث مقر الرابطة وقد توفى إلى رحمة الله الشيخ محمد سرور الصبان أمين عام الرابطة وتولى الأمانة الشيخ صالح قزاز شفاه الله وأمينها العام الآن الشيخ محمد الحركان ..

المجلس التأسيسى وأعمال الرابطة كثيرة أدخلت عليه تعديلات ودخله أعضاء جدد ، وعدده الآن 45 عضواً أنا واحد منهم منذ تكونت الرابطة حتى الآن .

تقوم الرابطة بعمل هام وضخم فى جمع كلمة المسلمين وإزالة الخصومات بين الدول الإسلامية والدعوة إلى ما يقتضيه الدين الإسلامى ومتنوعة ولست أفضل من يتحدث عن هذه الأعمال على كل حال ، فهناك من يتابعون عملها كل يوم وكل ساعة وهو أقدر على إعطاء الصورة الواضحة لهذا العمل الكبير .

إن الرابطة الإسلامية هى واحدة من محاولات النشاط الذى أقوم به فى شيخوختى ، محاولا أن أؤدى دورى نحو دينى ، وإن كان ذلك ليس كل المجالات .

الحياة فى سن التسعين

الأعوام الطويلة التى أمضاها الشيخ حسنين مخلوف من عمره ، منذ ولد فى عام 1890 حتى اليوم ، لم تغير من آرائه شيئا ، ولكنها نالت من صحته ومن قدرته على الخروج من منزله ، ولم تنل من فكره أبداً وهو يمضى يومه ، كل يومه ، المساء ، والليل ، والنهار فى منزله لا يخرج منه إلا لزيارة الأزهر حيث يعقد مجمع البحوث الإسلامية اجتماعات على فترات متباعدة ، ويوم الجمعة يخرج للصلاة فى المسجد المجاور لمنزله ، وابن عمه عبد الهادى مخلوف ، من فلاحى بنى عدى قريته ، يعيش معه طيلة العام تقريباً ـ لا يتركه سوى أيام يمارس فيها الإشراف على زراعته ، ويترك أمرها لأولاده ، ويعود سريعاً ليكون بجوار الشيخ .

القراءة والكتابة

وتعيش معه ابنته الكبرى التى لم تتزوج ، هذه هى العائلة التى يمضى الشيخ مخلوف أيامه وسطها وهى عائلة تسعى جهدها كى توفر له الراحة .

أما هو " فأنا أمضى وقتى فى القراءة والكتابة ، لا يفارقنى كتاب الله أبداً .. أكتب رسائل فى الدين .. أن أسميتها ( رسائل , وهى عبارة عن أبحاث ، أطبعها وأوزعها بالمجان تقرباً إلى الله وزلفى " .

الجنة والنار

ويقول : عندى عشرات الرسائل المطبوعة ، فى كل الأمور التى تهم المسلم فى حياته وأيضاً فى الأدعية وشروح بعض القصائد الإسلامية ، أنا الآن أبحث فى القرآن الكريم لأعد رسالة عن الآيات القرآنية التى وردت فى نعيم الجنة للمؤمنين ، وتلك التى وردت فى عذاب جهنم للكافرين ، منذ أول المصحف بحيث تبين لمن يقرأ القرآن من هم أصحاب الجنة ، ومن هم أصحاب النار ، وهذا له أثر كبير فى الإيمان . فى سورة البقرة على سبيل المثال ، نجد هذه الأيات " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " (آية7) " فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين " (24) ، " وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذى رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون " (25) . " فمن اتبع هداى ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (38) . " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " (39) " بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " (81) . إلى آخر هذه السورة .

الجمعيات الإسلامية

وتشغلنى ـ أيضاً ـ فكرة توحيد الجمعيات الإسلامية ، وأرى أن كل جمعية إسلامية لديها بيان بما يجب اتباعه فى الإسلام ، وبما يحرم اتباعه ، وعلى هذا الأساس ، فإنه ينبغى أن تجتمع ، وتتعاون فى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر والله تعالى يقول " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون " .

فلا فلاح إلا فى الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، أما ترك الأمر على حاله وإفساح الأمر لكل من يرتكب ما يشاء ، فهذا حرام ، وفساد وأمر قبيح ، لذلك يجب أن نستقصى ما جاء فى القرآن الكريم من الآيات الدالة على ما لا يحل والآيات الدالة على ما يحل ، وأن نستقصى ما جاء فى الأحاديث النبوية عن ذلك من النصوص الصحيحة ، ثم نأمر عامة المسلمين بامتثال أمر الله تعالى فى ما أمر به ، وفى ما نهى عنه ، فنوجب لفعل المأمورات ، ونحرم فعل المنبهات وبذلك يكون الإيمان حقاً ، والعمل صالحاً ، والتقصير فى ذلك خطير جداً ، إثم عظيم .

والله تعالى أمر المؤمنين بالأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وحذر من التقصير فى ذلك ، وإذا سار المسلمون على هذا المبدأ الإسلامى الهام نجوا من كل شىء ، ونالوا كل خير ، وإذا قصروا فيه ، فالجزاء شديد ، والحرمة لازمة للمقصرين ، ذلك ما يدعو إليه ودعونا إليه مراراً فى الكتب والرسائل والصحف مرات ، وقلنا إن الجمعيات الإسلامية يجب أن تنفق أتفاقاً صادقاً صحيحاً فى الدعوة للإسلام ، والمطالبة بإقامة أحكامه ، وفى بيان كل ذلك للأفراد ، تحقيقاً للدعوة الإسلامية ، وإقامة لها ومنعاً للاختلاف ، والتفرق فنحن ندعو الجمعيات الإسلامية إلى عدم التفرق ووجوب الاجتماع على الحق والهدى . فإن التفرقة بلاء عظيم ، وشر مستطير بلا خفاء على أحد .

درس العصر فى رمضان

أمران لا يختلف عنهما الشيخ حسنين مخلوف منذ ترك الوظائف الحكومية ، وقد مضى عليه أكثر من ربع قرن ، وهو يقوم بهما مهما تكن ظروفه الصحية . ما هما ؟ يقول : فى شهر رمضان المعظم لا بد أن أقوم بإلقاء درس العصر كل يوم فى مسجد الامام الحسين ، ذلك عمل لا يمكن أن أتأخر عنه ، وقد أصبح جزءاً أساسياً من حياتى ففى كل رمضان أتوجه إلى المسجد لصلاة العصر ، ثم إلقاء الدرس ويعرف الكثيرون عنى هذه العادة لذلك فهم يحرصون أيضاً على حضور الدرس حرصى على إلقائه .

الأمر الثانى : هو أن أقوم بتأدية فريضة الحج كل عام ، وتكون مناسبة لاجتماع أعضاء رابطة العالم الإسلامى بمكة والمناقشات النافعة التى منها خير للإسلام ، وللمسلمين ولا يمكن أن أتأخر عن عمل منهما ، وأرجو من الله أن يوفقنى إلى أن أواظب عليهما مادمت حياُ .

اتحاد لأئمة المساجد

ويقول : منذ أعوام ليست بالقليلة ، وفى عهد الملك فيصل ، وفى مكة المكرمة وفى حضور الملك دعوت إلى إنشاء اتحاد عالمى للمساجد لتكون كلمة أئمة المساجد للمسلمين واحدة ، بلا تفرقة فيما يهم الأمة من الأمور ، وفى ذلك خير ومصلحة وتحقيق للاجتماع المأمور به شرعاً .

ومنذ أعوام قليلة عقد الرئيس السادات اجتماعاً مع علماء الدين الإسلامى وكنت أحد الذين حضروا هذا الاجتماع ، ويومها طلبت من السادات تنفيذ حد السرقة المقرر شرعاً فى الكتاب والسنة ، وفى تنفيذه مصلحة كبرى لسكان البلاد الإسلامية ، مسلمين ، وغير مسلمين ، وطلبت منه أن ينصح البابا شنودة الذى سعى ضدى عندما رفعت لواء هذه الدعوة وطلبت من مجلس الشعب المصرى تنفيذها طلبت منه أن يفهمه أن تنفيذ هذا الحد نافع للمسلمين ، وغير المسلمين على السواء ، فإنه إذا سرق أحد مهما كان مسلماً أو مسيحياً وثبت ثبوتاً شرعياً ... تقطع يد السارق شرعاً مادام فى بلد إسلامى .

التقى الأعمى والتقى البصير

ويضيف : سؤال غريب تلقيته منذ أيام ، وأنا أكتب هذه الذكريات السؤال يقول : أيهما أفضل عند الله تعالى ، تقى أعمى لا يرى بعينيه المنكرات أو تقى بصير يراها ويجاهد نفسه فيها ؟

والسؤال الغريب لأنه سبقت لى الفتوى فيه ، فقد اقتضت حكمة الله تعالى فى تكوين مخلوقاته أن يكون فيها الفاضل والمفضول ، لا فرق فى ذلك بين أفراد الإنسان وأنواع الجهاد ، والأزمنة والأمكنة وغيرها ، فيما ورد فيه نص على التفصيل أو مأت إليه الدلائل نعلمه ونقره ، وما لم يرد فيه نص ، ولا قامت عليه أدلة وإمارات فكل أمره إلى الله تعالى ، ولا نهجم فيه على الغيب ، وقد قال الله تعالى : " ولا تقف ماليس لك به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا " ليس فى البحث عنه كبير فائدة ، بل هو من التعمق الذى ليس له ثمرة ، ولا عظيم فائدة وصرف الوقت فيما هم أنفع وأجدى ، مطلوب من المكلفين شرعاً وعقلاً على أن الأعمى وقد فقد حبيبتيه اذا صبر على بليته عظم أجره ، وعوض عنهما الجنة ، كما فى حديث أنس قال :

" سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله عز وجل قال إن ابتليت عبدى بحبيبتيه ـ أى عينيه ـ فصبر عوضته عنهما الجنة " رواه البخارى فله بذلك كبير فضل على البصير من هذه الجهة وإذا نظر إلى أنه هو البصير ، وإن اشتركا فى ثواب جهاد النفس فيما يدرك من الموجودات بالسمع وباقى الجوارح عدا البصر ، فقد انفرج البصير ، بمجاهدة النفس فيما يدرك بحاسة البصر وليس هو بالأمر القليل فإذا وقى نفسه من هذه المغريات الفاتنة كان ثوابه وأجره أعظم من الأعمى من هذه الجهة ، فلكل فضيلة ومزية وقد يكون الشىء الواحد فاضلا من جهة أخرى ، والله أعلم .

فى الشهر الماضى أرسلت رسالة إلى كل من الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهرى وإلى وزيرى الشئون الاجتماعية والأوقاف هذا نصها :

لقد طالعتنا الإعلانات بتاريخ 25\8\1889 بأن جمعية إسلامية تقيم حفلا خيريا لإنشاء مجمع إسلامى ، ودار تحفيظ للقرآن ، ولقد ساءنا أن برنامج الحفل تخلله رقصات من راقصات شهيرات ، وفنانين أخرين بما لا يمت إلى الإسلام والفضيلة بصلة ، وإلى ما يجب أن تكون عليه رسالة الجمعية .. الأمر الذى يسىء إلى الإسلام والمسلمين .. فهل الإسلام مؤسسات الإسلام فى حاجة إلى أموال من مصادر غير جائزة شرعا ، ومصدرها مخالفة لمناهج الإسلام .. إننا لنضع أمامكم هذه الواقعة التى تتكرر دوما فى جمعيات إسلامية كثيرة ... من أجل الحصول على أموال بهذه الكيفية ناهيكم عن حرمة درها ، وعدم شرعيتها فمؤسسات الإسلام ليست فى حاجة إلى أموال من مصادر غير جائزة شرعا !! إلا إذا كان الإسلام وسيلة لغطية عمل يتنافى مع الإسلام ، استنادا إلى قول الله تعالى " أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار " .

كان رأيى ، دائما أنه لا يجوز للنساء أن يرقصن على المسارح وأمام المجتمعات العامة ، ويجب أن يتمسكن بما فرضه القرآن الكريم والسنة النبوية وبما أجازه هذان الأصلان فى الدين ، ويحرم على النساء مخالفتهما ، فإن دين الإسلام جاء لكل ذلك آمراً ناهيا للمسلمين والمسلمات جميعا .. ومخالفة ذلك على الفريقين محرمة شرعا .

هذه هى القضية الأساسية فى موضوع الرقص .. والفساد والإفساد .

كانت هذه الرسالة هى إحدى الرسائل التى توجهت بها باسم جمعية النهوض بالدعوة الإسلامية ، وهناك رسائل أخرى مشابهة فى أمور أخرى توجهت بها إلى عدد من المسئولين .. فى مصر والعالم الإسلامى ..

أول رسالة من تأليفى كانت " الرفق بالحيوان "

سألنى بعض الشباب المسلم من أبناء هذا الجيل عن مؤلفاتى وما كتبته من رسائل وفتاوى ومقالات ومحاضرات خلال السنين منذ مطلع القرن العشرين وإلى الآن .

وبقدر ما تسعفنى الذاكرة والذكريات أقول إن من أول ما كتبته كانت رسائل حررتها أيام الدراسة ( وما زالت موجودة بمكتبى بخط اليد ) فى مناهضة البدع والخرافات ومجابهة المذاهب الضالة .. وكانت هذه الموضوعات مما كتبت فيه بعد ذلك فى العديد من المناسبات .. مقالات وفتاوى ورسائل .

وجاء ذكر بعض ذلك فى حلقات سابقة من هذه المذكرات ولعله يتيسر مستقبلا بعون الله جمعها فى مجلد واحد .

وأول رسالة طبعت من تأليفى كانت بعنوان " الرفق بالحيوان فى الشرعية الإسلامية " وكان ذلك فى سنة 1914 .

وخلال فترة عملى بالقضاء الشرعى كنت بجانب دراسة القضايا وتدوين حيثيات الأحكام أحرر بعض المقالات فى الصحف اليومية فى الأهرام وفى البلاغ لصاحبها رائد الصحافة المصرية المغفور له الأستاذ عبد القادر حمزة .

الفتاوى

أثناء مدة عملى مفتيا للديار المصرية ( 19451950 ) ، ( 19521954 ) ، وأثناء مدة رئاستى للجنة الفتوى بالأزهر الشريف وفى باب الإفتاء بجريدة منبر الشرق لصديقنا المجاهد الوطنى السيد على الغاياتى رحمه الله ـ أصدرت آلاف الفتاوى التى شملت مواضيع متنوعة مما يهم المسلمين .

وقد جمعت الفتاوى التى نشرت تباعا فى جريدة منبر الشرق وعددها ( 412 ) فتوى وطبعت عام 1965 فى مجلدين ( 600 صفحة ) بعنوان :

" فتاوى شرعية وبحوث إسلامية "

وفى مقدمة تلك المجموعة بينت المنهج الذى التزمته فى الإفتاء وهو : الاستناد إلى كتاب الله وسنة رسوله الكريم الذى بلغ الرسالة وأدى الأمانة ، وبين وفسر ، وبشر وأنذر ، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، وقام أصحابه من بعده مقام صدق فى إقامة الدين ، وتبليغ أحكامه ، كتابا وسنة ، وسلك مسلكهم فى ذلك من تبعهم بإحسان ومن تلاهم من اعلام الإسلام وفقهاء الأمة المجتهدين الذين تركوا للأمة أثارا عملية ضخمة تهتدى بهديها وتستضىء بنورها فى جميع شئونها . ومن هذا المعين حررنا هذه الفتاوى وحرصنا كل الحرص فيها على استقصاء البحث والأمانة فى النقل والصراحة فى القول والصدع بالحق .

كما حرصنا على بسط القول والإيضاح وتدعيم الأحكام بالأدلة والأسانيد الشرعية .

الفتاوى المسجلة بدار الإفتاء

وفى عهد فضيلة الأستاذ الشيخ جاد الحق ـ وهو شيخ الأزهر الحالى ـ بدأت دار الإفتاء بمصر طبع مجلدات تضم فتاوى المفتين فى مصر منذ عهد الإمام الشيخ محمد عبده ومن بينها فتاوانا .

وإننى أدعو الله أن يتيسر جمع الفتاوى التى أصدرناها فى كافة المراحل وشتى الموضوعات وتبويبها وطبعها ليعم الانتفاع بها .

صفوة البيان لمعانى القرآن

ورغب إلى كثير من طلاب العلم أن أضع تفسيرا للقرآن الكريم واضح العبارة يستغنى به عن استيعاب المطولات وفيها من تشعب المباحث وكثرة الأقوال ، ما قد يعسر معه استخلاص المعانى القرآنية منها على من لم يألف أساليبها واصطلاحاتها . وبدأت ذلك التفسير الذى سميته " صفوة البيان لمعانى القرآن " ووفقنى الله لإتمامه فى السادس من شهر ربيع الأول من 1375 الموافق الثانى والعشرين من شهر اكتوبر 1955 م وصدرت الطبعة الأولى فى مصر فى عام 1377 الموافق 1957 م أما الطبعة الثانية فقد أصدرتها اللجنة الوطنية لاحتفالات القرن الهجرى الخامس عشر فى دولة الإمارات العربية المتحدة ـ فى أبو ظبى فى 25 شوال 1401 الموافق 25\8\1981 م .

وقد طبع التفسير على هامش المصحف الشريف بنسق يسهل معه الرجوع إلى التفسير أثناء التلاوة .. وفى ذلك ما يعين القارىء على حسن تدبر معانى كتاب الله ومن ثم تلاوته حق التلاوة وهى التى شروطها كما وصفها حجة الإسلام الإمام الغزالى أنها " تلاوة يشترك فيها اللسان والعقل والقلب لحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظ العقل تدبر المعانى وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار . فاللسان يرتل ، والعقل يترجم والقلب يتعظ " .

كلمات القرآن تفسير وبيان

وهذا كتاب آخر أتممته بتوفيق الله تعالى عام 1956 وهو تفسير لما يحتاج إلى التفسير والبيان من كلمات القرآن يوضح معانيها ، ويعين على فهم الآيات التى هى فيها . وضعت فيه الكلمات على ترتيب الآيات فى السور ، وعن يمين كل كلمة رقم آيتها وعن يسارها تفسيرها ، فى دقة وإيجاز مع سهولة ووضوح ليكون رفيقا للمقيم وزادا للمسافر خفيف المحمل ، سهل المأخذ دانى القطوف ، يسارع إليه التالى والسامع فيسعفه بطلبته ويعينه على بلوغ غايته ، دون تجشم وعناء .

المقالات

وكنت أحرص على الصلة بالمجتمع من خلال الصحافة خاصة فى الأربعينيات والخمسينيات وكان ذلك فى الصحف الرئيسية المعروفة بمصر الأرهرام المصرى . البلاغ الأخبار . وكنت حريصا على إبداء الرأى فيما يشغل الناس من أمور يتعين على علماء المسلمين إبداء الرأى بشأنها .

من ذلك توضيح الاتجاهات الإسلامية الصحيحة فى حل مشاكل المجتمع ومقاومة الانحرافات والبدع والمذاهب المتطرفة أو الخارجة عن الإسلام .

وعلى صفحات الصحف خضنا الكثير من معارك الرأى والفكر منها :

ـ الدفاع عن السنة النبوية الشريفة باعتبارها بعد القرآن الكريم المصدر الثانى للتشريع الإسلامى .

ـ التأكيد على ضرورة الاستناد إلى أراء الفقهاء والائمة الأعلام الذين لم يدعوا بابا من أبواب الفقه فى الدين إلا ولجوه وبينوا حكم الله فيه وتركوا للأمة آثارا علمية ضخمة تهتدى بهديها وتستضيىء بنورها فى جميع شئونها .

ـ توضيح موقف الإسلام من الشيوعية والمذاهب المتطرفة والمذاهب الخارجة عن الإسلام ومن أشهر المعارك فى هذا المضمار معركة القاديانية فى عام 1951 .

ويبلغ عدد المقالات والأحاديث الصحفية فى تلك الفترة المئات وعندى أصول بعضها بخط اليد ولجمعها كلها يتعين الرجوع إلى مكتبات الصحف ودار الكتب المصرية .

الدروس الدينية

فى أوائل الاربعينيات كان الشيخ الأزهر المغفور له الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغى يلقى دروسا دينية فى شهر رمضان من كل عام فى أحد المساجد الكبيرة بمصر وكان ملك مصر والوزراء ورجال الدولة والعلماء يحضرون هذه الدروس وكانت تنقل بالإذاعة ليسمعها الناس فى بيوتهم واستمر هذا التقليد متبعا من بعده إلى سنة 1959 م ـ وكان أول درس دينى ألقيته بصفتى مفتيا للديار المصرية بمسجد أحمد بن طولون بالقاهرة فى يوم 2 من رمضان 1366 وحضره ملك مصر ورئيس الوزراء والوزراء ورجال الدولة وكان موضوعه تفسير آيات من أول سورة الفتح .

ـ ومثل هذا التقليد يتبعه عاهل المغرب الملك الحسن الثانى وقد دعانى سنة 1973 لألقاء حديث دينى فى شهر رمضان حضره الوزراء والعلماء فى المسجد الكبير بعاصمة المغرب .

ـ الدروس الدينية فى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة . ومنذ عدة سنوات ألقى فى شهر رمضان من كل عام دروسا دينية بعد صلاة العصر كل يوم وكان موضوعها فى السيرة النبوية الشريفة فى العبادات والمعاملات .

مؤلفات أخرى

ألفت عدة كتب اخرى منها :

ـ " المواريث فى الشريعة الإسلامية : وقد طبع عدة مرات .

ـ " أسماء الله الحسنى " يتضمن شرح أسماء الله الحسنى والآيات الكريمة الواردة فيها .

ـ " وصايا نبوية شريفة " وهى رسالة فى شرح حديث وصايا النبى صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما . شروح على مؤلفات نافعة لبعض الأئمة من السلف الصالح :

وفى هذا المضمار أصدرت شروحا كثيرة منها :

ـ حاشية على شرح العلامة حسن الجداوى على البيقونية فى علم مصطلح الحديث .

ـ شرح " عقيدة الإسلام " للامام شيخ الإسلام السيد / عبد الله بن علوى الحداد الحسينى الحضرمى .

ـ شرح " عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين " لشيخ القراء والمحدثين الإمام محمد بن الجزرى الدمشقى ـ " شفاء الصدور الحرجة فى شرح القصيدة المنفرجة " وهى منظومة تضمنت من العقائد والحقائق ما به شرح الصدور وصفاء القلوب ومطلعها :

اشتدى أومة تنفرجى قد أذن ليلك بالبلج

ـ شرح لمعة الأسرار وشرح المدحة النبوية للإمام الشيخ أحمد أبى الوفاء الشرقاوى .

إحياء التراث

قمت بتحقيق ونشر كتب كثيرة من التراث الإسلامى ومنها :

" شرح الشفا فى شمائل صاحب الاصطفا صلى الله عليه وسلم " ـ للإمام الفقيه الحجة نور الدين القارى وهو شرح لكتاب " الشفا بتعريف حقوق المصطفى " للقاضى عياض وهو من أجل الكتب التى كتبت عن النبى صلى الله عليه وسلم .

وفى هذا الكتاب من المباحث مالم تجتمع فى غيره ويجدر هيكل باحث مسلم أن يستوعبها ويعرف جميع ما فيها عن النبى الكريم ويعمل على نثرها بين طلاب العلم .

وقد حرصت على إعادة طبع مؤلفات الوالد المغفور له الأستاذ الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى ومنها :

ـ دليل الحاج ـ رسالة عن الحج ومناكه على المذاهب الأربعة :

ـ التبيان فى زكاة الاثمان .

ـ المدخل المنير فى علم التفسير .

ـ بلوغ السول فى علم الأصول .

ـ المطالب القدسية فى أحكام الروح وآثارها الكونية .

وإننى فى أيامى هذه ألتزم بأمور ثلاثة مستعينا بحول الله وقوته وهو خير معين : 1 ـ قراءة القرآن الكريم وتحرير رسائل أطبعها وأهديها إلى طلبة العلم فى موضوعات إسلامية ووصايا دينية .

2 ـ إلقاء دروس دينية فى شهر رمضان بالقاهرة بمسجد الإمام الحسين رضى الله عنه .

3 ـ الحج وحضور اجتماعات رابطة العالم الإسلامى بمكة المكرمة والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات .

وأختتم حديثى هذا بالدعاء إلى الله .

" ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " .

" ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار" .

" ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا لإنك رؤوف رحيم " .

وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته وقام بنشر سنته إلى يوم الدين .

الميلاد وقاهرة عام 1890

القاهرة عام 1890

كان الاحتلال البريطانى فى مصر قد مضت عليه ثمانى سنوات بعد أن فشلت الثورة العرابية وهزمت ، وسجن قادتها وحكم عليهم بالنفى وفى خلال هذه السنوات الثمانية استطاع الاحتلال أن يغير كثيرا من معالم الحياة المصرية وكانت بداية التغيير جعل المواد تدرس فى المدارس باللغة الانجليزية ابتداء من الصف الثالث الأبتدائى وحل المدرسون الانجليز مكان المدرسين المصريين وبقى الأزهر يحمل منارة تعليم اللغة العربية إلى جانب الدين ـ والمحافظة على تراثها .

التغيير الذى حدث

والحقيقة أن أساليب الحياة الغربية كانت قد بدأت تقتحم حياة بعض المصريين قبلها بسنوات عديدة عندما أتى نابليون إلى مصر فيما سمى بالحملة الفرنسية التى وجدت مقاومة شديدة من الشعب المصرى ، وعلى رأسه علماء الأزهر ، وطلاب العلم فيه الذين قادوا المصريين إلى معارك ضد الغازى الوافد الذى يحمل قيما وتقاليد وأفكارا مختلفة رغم محاولة هذا الوافد أن يتسمح بالإسلام ويتملق عواطف المصريين عن طريق حرصه على احترام شعائرهم الدينية وشيوخ الأزهر ورجاله .

قاهرة ذلك الزمان

فى ذلك الوقت كانت المصانع المصرية التى أنشأها محمد على قد بدأت تغلق أبوابها وتحل مكان الصناعات المصرية فى الأسواق واردات من الخارج ، وأغلقت الترسانة البحرية وبيعت المعامل والورش الحكومية ... وأصبحت مهمات الجيش تشترى من انجلترا .

وبدأ عدد من الأجانب والمغامرين يقيمون صناعات هزيلة تحقق الكسب السريع ..

كان عدد سكان القاهرة حينئذ 374 ألفا من المواطنين بينهم حوالى 32 ألفا من الأجانب ، وكان بالعاصمة 379 مسجدا ولم تكن شركة المياه قد اتسعت شبكتها بعد ، فمن بين جميع المنازل ومساجد العاصمة لم تكن المياة تصل إلا إلى أربعة آلاف بيت وعشرة جوامع فقط .

أما بقية المنازل والمساجد فتعتمد فى مياهها على الآبار أو السقائين الذين يحملون المياه من النيل .

وكانت الحكومة فى ذلك العام قد كونت لجنة لبحث طريقة إنشاء مجارى فى المدينة التى يشقها الخليج وتسير فيها ترعة مارة بباب الحديد .

فى ذلك العام كتب اللورد كرومر تقريرا شهريا عن حالة القاهرة قال فيه : أنه يجب أن يعمل شىء كثير فقبل أن يقال أن شوارع العاصمة تحتاج إلى الكنس والرش والتبليط والإنارة لابد من الحديث عن الرصف فشوارع القاهرة 2.780.743 مترا مربعا المرصوف منها بالحصى 1.361.024 مترا مربعا وما بقى من الشوارع غير مستوية وجدت منذ مئات السنين والتجارب جارية فى الأسفلت المنضغط ، فإن نظارة الأشغال تنظر فى مشروع رصف الشوارع المهمة لأنه أبقى فى الاستعمال من الحصى .

كان الحمار هو وسيلة المواصلات الرئيسة وكان للحمير مواقف معينة أشهرها الموقف الذى يقع بجوار فندق شبرد القديم لخدمة السياح .. أما الأغنياء فكانوا يركبون عربات تجرها الخيول وكانت معظم الانتقالات تتم نهارا فالإضاءة فى الشوارع ضعيفة ومقصورة على الشوارع الهامة فقط .

مشاهير تلك الأيام

فى ذلك الوقت كان عدد من المشاهير والأعلام الذين مازال ذكرهم يتردد حتى الآن يعيشون مع الناس فى حياتهم العادية .

الناس يتحدثون عن قاسم أمين وكتابيه " تحرير المرأة " و "المرأة الجديدة " وتردده على منزل الأميرة نازلى فاضل ، وبينهم من يؤيد هذه الدعوة الجديدة ، وأغلبهم يرفضها وكان قاسم أمين قد خاض معركة تسمى ب"تحرير المرأة " واستبدال النقاب بالحجاب الشرعى على حد قوله .

وكان الناس يشيرون إلى الإمام محمد عبده بعضهم يقول إن له دوراً فى هذه الدعوة والبعض الآخر يرفض ذلك.

وكان جمال الدين الأفغانى قد نفى من مصر منذ فترة قصيرة عام 1879 بعد أن أمضى فيها ثمانى سنوات كان خلالها الشيخ محمد عبده ملازما له كظله .

وكان مصطفى كامل مازال طالبا بكلية الحقوق وسوف نراه بعد ذلك زعيما وطنيا يخوض معارك ضد الاحتلال البريطانى .

وكان الناس يستيقظون كل صباح ليقرأوا مقالا لمصطفى لطفى المنفلوطى ، أو قصيدة لأحمد شوقى أو حافظ إبراهيم .. فى صحيفة المؤيد ... أو الأخبار التى يصدرها أمين الرافعى ..

وكان الناس كما يصفهم حافظ إبراهيم يجتمعون فى الدور ويتراؤون فى القصور ، وكان أغنياؤهم وذو اليسار منهم يجلسون فى بيوتهم للسمر فى جلسات يذهب إليها العالم ويؤمها الكاتب ويقصدها الأديب ، فتجرى بينهم الأحاديث وتقوم سوق المناقشات يحدث الحادث فيخوضون فى ذكره ، وتنزل النازلة فيجمعهم الألم على العمل على إزالتها ، وتطل رؤوس المشروعات فيدرسون معارفها حتى يقتلوا شئونها بحثا ويقفوا على دقائقها جدالا ... وينزل بأحدهم المكروه ، فلا يزالون يتلطفون بالسعى ، حتى يأخذوا بيده وينهضوا به من عثرته ، عقدت بينهم الزيارات فتراهم كأنهم أهل بيت واحد ، يألم الجار للجار ويأخذ الناهض بيد ذى العثار .

القرية العربية

القاهرة عام 1890 ...

قبل ذلك التاريخ بسنوات وفد على القاهرة طالب علم ، جاء ليلتحق بالأزهر ... من قرية بنى عدى مركز منفلوط ، مديرية أسيوط ... الطالب اسمه محمد حسنين على مخلوف ... ترك أخوته الثلاثة المزارعين عبد الرحمن وحسنى وحسين فى القرية وأوفده أبوه وحده ليطلب العلم فى الأزهر الشريف ...

وقرية بنى عدى التى جاء منها الطالب محمد حسنين أربعة أقسام ، بنى عدى القبلية وبنى عدى البحرية وبنى عدى الوسطانية وأولاد عليوة وكان الطالب من بنى عدى القبلية التى نشأت فيها عائلة " المخالفة " .

وقبيلة بنى عدى التى نسبت القرية إليها ، نزحت من قديم من شبه الجزيرة العربية وتنتسب إلى سيدنا عمر بن الخطاب لذلك فإن القرية كلها أخلاقها عربية كما يقول أقدم أبنائها الذين مازالوا يعيشون الشيخ حسنين محمد حسنين مخلوف العدوى " فإنه ليس بقريتنا فسق ، ولا عصيان ، وعاداتنا مازالت حتى اليوم عربية ، يمكن أن يمضى الشخص 30 عاما أو أكثر فى صداقة مع زميله ولا يرى زوجة صديقه ولا صديقه يرى زوجته فنحن بلد محافظ جدا حتى اليوم .

اسم القرية كان ملتصقا بعدد من الشيوخ البارزين من ذوى المؤلفات التى كانت تدرس فى الأزهر والتى مازالت تعيش حتى اليوم .

العدوى الصعيدى ( أبو البركات الدردير )

الشيخ أحمد العدوى نسبة إلى بنى عدى والشيخ أحمد الدرديرى العدوى " كان الشيخ أحمد الدرديرى العدوى ، عالما كبيرا ومن ألطف الأشياء أن تاريخ وفاته يؤخذ من كلمة " رضى الله " إذا جمعنا حروفها تكون سنة وفاته ، وكان الشيخ أحمد الدردير عالما كبيرا وله مؤلفات تقرأ بالأزهر من بينها أقرب المسالك لمذهب مالك وتحفه الإخوان فى آداب أهل العرفان ورسالة فى طريقة حفص فى القراءات وأخرى فى تشابهات القرآن .

وكان الحكام يعرفون للشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن أبى حامد العدوى المالكى قدره ، فقد كان يضرب به المثل فى العفة وكرم الأخلاق ويروى عنه أن مولاى محمد سلطان المغرب كان يرسل كل عام بعض المعونات إلى علماء الأزهر ...

وكان ابن السلطان قد حضر الى القاهرة فى طريقه إلى مكة المكرمة للحج وأمضى بالمدينة فترة نفد خلالها ما معه من مال ... وعندما حضر رسول السلطان يحمل ما تعود إرساله للعلماء رفض الشيخ الدرديرى العدوى تسلمها وقال " والله هذا لا يجوز كيف أنا نتصرف فى مال الرجل ونستمتع به ونحن أجانب وولده يتلظى من العدم . هو أولى منى وأحق فأعطوه قسمى " كانت هذه هى أخلاق العلماء فى ذلك الوقت ...

وكانوا يقفون إلى جانب المظلومين إذ يروى الجبرتى عن الشيخ الدردير ابن قرية بنى عدى أنه عندما اعتدى أحد أتباع الحاكم المملوكى عام 1200 هجرية على منزل أحمد سالم الجزار بالحسينية ونهب هو ورجاله كل ما به من متاع ، وأخذ حلى النساء فثار أهل الحى وذهبوا إلى الجامع الأزهر مسلحين بالنبابيت وصعد منهم جماعة إلى أعلى المسجد يدقون الطبول واستجاروا بالشيخ الدردير فقال لهم " فى غد نجمع أهالى الأطراف والحارات وبولاق ، ومصر القديمة وأركب معكم وننهب بيوتهم كما نهبوا بيوتنا ، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم .... فلما كان بعد المغرب حضر الحكام وذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه وخافوا من تفاقم الحال وقالوا للشيخ الدردير ... اكتب لنا قائمة بالمنهوبات وتأتى بها من محل ما تكون واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة " ...

وكان متصوفا وكان شيخا على المالكية وناظرا على وقف الصعايدة وشيخا على أهل مصر جميعا ... وكان معروفا باسم العدوى الصعيدى .

قبل أن يحصل الشيخ محمد حسنين مخلوف على شهادة عالمية من الدرجة الأولى بعد انتهاء دراسته من الأزهر ، كان قد اقترن بسيدة فاضلة من نفس قريته فى بنى عدى القبلية مركز منفلوط مديرية أسيوط ، ولكنها ولدت فى القاهرة ، حيث كان والدها يدرس بالأزهر ، وعمها من تجار شارع الصاغة ، وسكن معها فى منزل تملكه أسرتها فى باب الفتوح بحى الجمالية بالقاهرة ، وهو الحى الذى يرجع اسمه غالبا إلى بدر الجمالى وزير المستنصر بالله الفاطمى .

وهو أيضا الحى الذى يقع فيه الأزهر والمشهد الحسينى ومسجد الحاكم ، وفيه أيضا أسوار القاهرة وبواباتها ...

وكان الخليفة المعز لدين الله قد دخل القاهرة التى أسسها جوهر الصقلى له ، وأقام له فيها قصرا مساحته سبعون فدانا من جملة مساحة المدينة 340 فدانا وكان القصر أربعة آلاف حجرة .

وكلف المعز جوهر ببناء مقبرة لدفن أجداده الذين ستحضر جثثهم معه فى توابيت خاصة فاختار جوهر مقبرة مكان " خان الخليلى " ... وقد عاب المعز على جوهر أنه لم يقم مدينته على النيل وقال له عندما وصل إلى النيل فى تجواله " ياجوهر فاتك عمارتها هنا " .

وكان جوهر يقصد أن تكون المدينة محصنة بأسوارها فأقام السور وأحد بواباته " باب الفتوح " وكان كل ما هو خارج السور يسمى ظاهر القاهرة وكان أهم مافى داخل السور القصر الشرقى والقصر الغربى وبينهما شارع يسمى بين القصرين وعلى مقربة من أحد القصور .. يقع باب الفتوح حيث يسكن الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى وزوجته ابنة قريته فى منزل مستقل بهما تماما يملكه عم الزوجة الحاج مرعى من أكبر تجار الصاغة فى ذلك الوقت وقد تعهد الحاج مرعى برعاية هذه الأسرة حبا فى العلم وتقربا لمجلس العلماء والباحثين فى شئون الإسلام ، وآداب اللغة العربية .

كان أول طفل يرزق به الشيخ محمد حسنين محمد على مخلوف مولودا ذكرا ...

وفرح به الرجل ... وقال أنه سوف يسميه على اسم والده " حسنين " وذهب الرجل ليسجل مولد أول طفل يوم السبت 6 آيار ( مايو ) 1890م ، وكان هذا الطفل هو الشيخ حسنين مخلوف الذى أصبح بعد ذلك قاضيا ومفتيا للديار المصرية ، وعضوا بهيئة كبار علماء الأزهر وعضوا مؤسسا فى رابطة العالم الإسلامى والذى مازال حتى اليوم يواصل أبحاثه .. ودراساته وأعماله من أجل نشر الدعوة الإسلامية .

شيخ فى السادسة من عمره

سيرة جدى وولدى

جدى الشيخ حسنين محمد مخلوف كان من علماء بلدة بنى عدى القبلية تعلم فى الأزهر ، وبعد أن أتم علومه عاد إلى بلدته للتدريس والإفادة وكان له باع طويل فى هذا الباب ، وألف بعض الرسائل العلمية ، منها رسالة هامة فى فضائل نصف شعبان وكتبها بخط يده ، وتركها ، ثم عثر عليها والدى العلامة الشيخ محمد حسنين وقد تركها عندى ، فقدمتها للطبع لعظم فائدتها ، وعلقت عليها تعليقات طويلة وصدرتها بتصدير واف .

وقد كانت سيرة جدى فى بلدته سيرة حسنة طيبة وكانت له دروس علمية فى البلدة فى مسجد أبى صالح المعروف هناك ، واستمر كذلك حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى ، ، وكان له أربعة أولاد منهم والدى الذى أوفده للتعليم الأزهرى ، والثلاثة الباقون مقيمون فى البلدة ، وقد توفوا جميعا إلى رحمه الله وكانوا مزارعين ويهتمون كثيرا بالدعوة الدينية وكانوا كراما يستقبلون الضيوف ويساعدون طلاب العلم لمعرفتهم بفضل العلم من والدهم وإلى الآن يقوم ذريتهم بما يسعدهم فى آخراهم من البر وأعمال الخير .

سافر الوالد الشيخ محمد للالتحاق بالأزهر وهنا فى القاهرة حصل على شهادة العالمية وتدرج فى الوظائف حتى عين مفتشا للعلوم بالأزهر ، ثم رئيسا للتفتيش وعضوا بمجلس إدارة الأزهر ، الذى يرأسه شيخ الأزهر .... واستمر فى منصبه حتى عين عضوا بهيئة كبار العلماء ونقل شيخا للجامع الأحمدى بطنطا ، واستمر به حتى عين وكيلا للأزهر .

وقد ألف الوالد ، رحمه الله كتابا فى المنطق والفلسفة والتوحيد ، وكان يقرأ كتب الفقه فى المذهب المالكى فى مسجد محمد بك أبو الدهب ، وكانت له اهتمامات بعلوم الرياضة حتى أنه شرح رسالة الرياضة المعروفة قديما بالأزهر ويسمى شرحه " حاشية الرسالة " .

وكان الوالد يقرأ دروسه بعد المغرب ، ويقرأ دروسه الرياضية بعد العصر لمدة سنين طويلة كما كان يقرأ فى البيت دروسا لطلاب عديدين أصبحوا بعد ذلك من شيوخ الأزهر الكبار ، وكان له شأن عظيم ، وسمعة طيبة فى بلاد المغرب المالكية وعند الأتراك الذين يحضرون دروسه فى مسجد محمد بك أبو الدهب وعند الصعايدة فى الأزهر .

كان والدى مثالا من أمثلة الرحمة والعلم والرأفة والمساعدة .

القاهرة القديمة الجميلة

لم تكن فى القاهرة سيارات على الإطلاق كنا نسير على أقدامنا حتى كوبرى قصر النيل كل يوم خميس ، وهناك تجد مزارع القصب ، والذرة نأكل منها ونتناول غذاءنا ونمضى اليوم فى النزهة التى تكلف كل فرد منا خمسة مليمات ونعود على أقدامنا آخر النهار وبعد يوم نزهة ، وراحة من عناء الدراسة ولم تكن الكهرباء معروفة ، فقد كنا نسهر نذاكر دروسنا على مصباح يوقد بالكيروسين .

الاحتفال بأول ترام

بعد ولادته بسنوات ست ، وعندما كان الطفل يخطوا أول خطواته نحو الأزهر ، وفى عام 1896 ، أقامت شركة الترام أول حفلة تجريبية لتسيير أول قطار كهربائى من بولاق إلى القلعة ... حيث توافد النظار " الوزراء " ومحافظ القاهرة وقناصل الدول ورجال القضاء على ميدان العتبة ليحضروا الاحتفال بتسيير أول ترام للقاهرة وهو الذى وصفته جريدة المقطم بأنه يسرع حتى يسابق الرياح متى خلت له الطريق وتارة يسير رويدا أو يقف عند اعتراض الأولاد والسابلة فى طريقه ، وقد وقف السائق ووضع يده على ميزان تسييره وإيقافه .

وبعد إنشاء الترام بثلاث سنوات ظهرت شركة سوارس والصبان لتسيير السيارات كل شىء فى الحياة فى ذلك الوقت كان سهلا ميسورا .

كان الزواج أيضا سهلا فلم يكن يزيد المهر على عشرة جنيهات وكانت المساكن متوافرة جدا يجرى وراءك المالك ، ويغريك لتسكن لديه .

ونفقات الحياة رخيصة جدا ، لقد كان ربع المليم عملة معترف بها والقرش كان له قيمة . فإيجار الشقة قد يصل إلى عشرين قرشا كاملة وكان للعشرين قرشا أهمية ، فلم تكن المرتبات كبيرة ..... ولا ضخمة ، ولكنها كانت مجزية وتضمن معيشة كريمة لكل الناس على قلتها .

دروس الدين فى القرية

فى الصيف ... كان الوالد يصحبنا جميعا إلى بنى عدى لنمضى شهور الصيف بها فى الريف ، بل وفى الصعيد .. فى القرية كنا نستقبل دائما بالبشر والترحاب ، ويجتمع أهل القرية حول والدى الذى يحول الصيف كله إلى دروس فى الدين يلقيها فى مساجد القرية الأربعة ويجتمع أهل القرية كلهم كل ليلة فى مسجد لسماع دروس الوالد.

كانت رحلتنا إلى بنى عدى شاقة ، ومرهقة ولكننا كنا نسر من القيام بها فهناك سنلتقى بالأهل ، وبالأصدقاء ، وستكون لدينا فرصة للعب .

ولكننى فى طفولتى لم أعرف اللعب فقد كان والدى يصحبنى معه إلى المسجد وأنا طفل أتابع دروسه ، أرقب طريقته فى الإلقاء وأرى سماحة صدره وهو يناقش ، ويصل بالمفاهيم الدينية إلى أبسط فلاح فى قريتنا ، يتواضع مع الناس كلهم ويحبب إليهم حضور درس العلم ، والاشتراك فى المناقشة ، وعدم الخوف أو الخجل من السؤال عن رأى الدين فيما يعترضهم من مشاكل ، أو غمض عليهم من مسائل ... كنا نركب القطار من القاهرة إلى منفلوط .

وهناك فى محطة السكة الحديدية لمنفلوط نجد عدداً من الأهل فى انتظارنا وقد أعدوا الحمير ، لنركبها لتسير بنا ثمانية كيلومترات كاملة ، هى المسافة بين منفلوط وبنى عدى .... وكانت الأسرة تجهز لنا أيضا جمالا على كل جمل هودج ، لتركبها السيدات وكانت والدتى تسافر معنا بنفس الطريقة كل عام فهى أيضا من بنى عدى كما ذكرت .

بعد سنوات اختارالله الوالدة إلى جواره يومها كنت قد تزوجت ـ كما سأروى بعد ذلك ـ وبعد أمى تزوج أبى بأخت زوجتى ومكث معها إلى أن توفى ، وأنجب منها ولداً وبنتاً ... ماوالا يعيشان حتى الآن ..

أما أنا فقد تزوجت بزوجة واحدة وأحمد الله أن عاشت معى وعشت معها فى سعادة وهناء وقد توفاها الله منذ سنوات ولم أفكر فى الزواج مرة ثانية أبدا .

البيت الإسلامى

فى تلك الفترة المبكرة من حياتى أذكر أننى كنت أصحب الوالد دائما ، كان لا يتركنى أبدا ، أذهب معه إلى مسجد محمد بك أبو الدهب حيث يلقى دروسه ، وأذهب معه إلى الصاغة حيث تجارة عم الوالدة ، فى وظيفته بالأزهر كنت أذهب معه أيضا .. وفى تلك الفترة من حياتى كنت أسمع كثيرا من المناقشات الدينية والفقهية لا تعى ذاكرتى منها شيئا الآن ، وكل ما أستطيع أن أقوله إننى وقبل أن أدخل الأزهر لأحفظ القرآن كنت قد سمعت عن أعلام مفسرى القرآن الكريم ، وأعلام رواة الأحاديث ، وكنت أحفظ أسماء كثيرة من أمهات الكتب الإسلامية من كثرة ترديد اسمها فى بيتنا ، الذى غالبا ما كان يتحول الطابق الأرضى منه إلى مجلس يضم العلماء وطلاب العلم ، وشيوخ الأزهر يتجادلون ، يتحاورون ، وهم يبحثون قضية فقهية ، أو يناقشون فتوى ، أو قضية إسلامية ، وكانت حياتى فى تلك الفترة هى بداية لما سرت فيه بعد ذلك ... فعندما أعطانى الله وقدر أن يكون لى فيما بعد مسكن خاص خصصت أيضا الطابق الأول ليجتمع فيه العلماء ، والطلاب والذين يريدون الاستفادة ، وكانت تعقد فى منزلى حلقات نقاش فى العلم ، وأيضا تلقى فيه الدروس الدينية فى أوقات كثيرة .

كانت اللقاءات فى بيت والدى يومية ، بعد صلاة العشاء أما اللقاءات فى منزلى بعد ذلك كانت أسبوعية ، إن طبيعة العصر هى التى فرضت هذا التغير الزمنى ، وتحديد موعد أسبوعى للدرس فى منزلى ، بدلاً من الموعد اليومى للدرس فى منزل والدى .


الابن والوالد

بدأت فى تلك الفترة المبكرة من حياتى أسمع كلاما حول مستقبلى ، كما حدده الوالد أن يكون فى طلب العلم ، وأن أخلفه فى مجلسه ودرسه .

ويبدو أن الوالد كان يعدنى منذ طفولتى لهذه المهمة . لذلك فإنه ليس غريبا أننى وأنا من بيت علم قد وهبت حياتى أيضا للعلم ولم أعرف اللهو ، ولم أعرف إلا الدرس والتحصيل .

كان أصدقائى كلهم من طلاب الأزهر ومعظمهم ممن فضلوا ألا يعملوا بعد انتهاء الدراسة ، حيث تفرغوا للعلم ، ولا أذكر من أصدقاء طفولتى الآن أحدا وكل الذين أذكرهم هم من أصدقاء الشباب ، وما بعد الشباب ، وبعضهم عرفته فى سن مبكرة جدا ، بل إن بعضا منهم كنت أراهم طلابا يزورون الوالد فى منزله ، ويسمعون منه الدرس ، وقد أصبحوا بعد ذلك شيوخا نابهين وأئمة لامعين .

الآن الطفل محمد حسنين مخلوف العدوى يستعد للذهاب إلى جامع الأزهر وعمره الآن أصبح ست سنوات ، وعليه أن يبدأ فورا ، ومن الغد حياته العلمية والدراسية . تلك الحياة التى يستمر يعيشها بين الأوراق من ذلك التاريخ عام 1896 حتى اليوم ... ومن اليوم ينادونه فى المنزل ، ويعرفه الجيران باسم " الشيخ حسنين مخلوف".

علماء الأزهرشاركوا فى كل ثورات الشعب المصرى

على ضفاف النيل قامت جامعة من أقدم الجامعات الإسلامية ، إن لم تكن أقدمها ، هى الجامعة التى أنشأت فى مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط عام 21 هجرية ، واستمرت فى آداء رسالتها ، حتى قام الجامع الأزهر عام 361 هجرية ليسهم فى هذه الرسالة رويدا تقلص دور جامعة الفسطاط بمسجد عمرو بن العاص ليظل الأزهر المنارة الأساسية القائمة بآداء هذه الرسالة .

عصور الأزهر

ومرت بجامعة الأزهر عصور من الازدهار وسنوات من التدهور وكانت للأزهر أدوار علمية خالدة بعث فيها أشعة العلم والعرفان فى أقطار العلم وحفظ فيها اللغة العربية والثقافة الإسلامية فى عصور التدهور وسيادة الإستعمار الغربى على الأقطار الإسلامية ، كما كانت له أدروار روحية خالدة قاوم بها شتى تيارات الإلحاد والانحراف والمذاهب الهدامة والحملات التبشيرية كان الأزهر مقصد طلاب العلوم العربية والثقافات الإسلامية وصدرا للدعوة الإسلامية ، وكان علماؤه ملاذاً لعامة الشعب يلجأون إليهم يطلبون منهم النصح والإرشاد فى شتى الأزمات .

وكثيرا ما وقف علماء الأزهر فى وجه الطغاة ، وعندما تعرضت مصر لغزوات الأجانب قاد علماء الأزهر مقاومة المستعمرين ، وشاركوا فى كل ثورات الشعب المصرى من أجل حريته ضد الغزاة والمستعمرين ، والحكام الظالمين ... وفى الثورة العرابية كان عبد الله النديم أحد المنتسبين إلى الأزهر هو خطيب الثورة وكاتبها.

ولما انتكست الثورة واستعان الخديوى توفيق بالإنجليز أصدر علماء الأزهر فتوى بعزله لأنه وقف مع المستعمر .


عزل الخديوى

وأكر أنه من المواقف المشرفة التى ظللنا نرددها ونحن طلبة فى الأزهر إلى وقت طويل موقف الشيخ حسن العدوى وكان من بين العلماء الذين أفتوا بعزل الخديوى توفيق ، فلما أخفقت الثورة العرابية قدموه مع من قدموهم إلى المحاكمة ، وكانوا يتوقعون أن يحكم عليهم بالإعدام .

واستدعوه من السجن إلى المحاكمة وسألوه : هل أفتيت بعزل الخديوى ؟ قال : لا ... لم أصدر هذه الفتوى ومع هذا فإن جئتمونى الآن باستفتاء فى ذلك فإننى أفتى به فورا وما أظن أنه فى وسعكم وأنتم مسلمون أن تنكروا أن الخديوى توفيق مستحق للعزل لأنه خرج على الدين وعلى الوطن . لقد آثر ـ وهو يتوقع حكم الإعدام ـ الموت على أن يكتم حكم الله ... وقد حكم بتجريده من جميع رتبه وامتيازاته ...

ظل الأزهر منذ إنشائه مركزا عظيما للثقافة الإسلامية والعربية يدرس علومها ، ويؤلف رجاله ... ولكنه بدأ يتخلف من العصر العثمانى " 1517 – 1798 م " عندما فرضت اللغة التركية كلغة رسمية فى مصر .

تخلف الأزهر ، وجمد ، رغم أنه ظل أحسن حصن للغة العربية ، فلما جاء القرن التاسع عشر بدأت مصر تتحرك وتتجدد ، وتدخل نظم التعليم الغربية إلى مدارسها ، وكان الأزهر بعيدا عن ذلك كله .... وتعالت الدعوات لإصلاح الأزهر ، وكانت أول هذه الأصوات صوت رفاعة الطهطاوى الذى أوفده محمد على إماما لأول بعثة أرسلها لتتعلم فى باريس فعاد منها ، وفى عقله خطوات للإصلاح فى جميع مجالات الحياة فى ضوء ما رآه فى الخارج ، وما يتلائم مع الدين .

وألف رفاعة الطهطاوى كتاب ( مناهج الألباب ) تعرض فيه لتدريس العلوم الحديثة فى الأزهر ولاسيما أن هذه العلوم التى يظهر الآن أنها أجنبية هى علوم إسلامية نقلها الأجانب إلى لغاتهم من الكتب العربية ولم تزل أصولها إلى الآن فى خزائن ملوك الإسلام كالذخيرة وأن من يطلع على سند شيخ الجامع الأزهر الشيخ أحمد الدمنهورى الذى تولى مشيخة الأزهر فى الفترة من " 1182 – 1190هجرية ، 17671776م " يرى أنه قد أحاط من هذه العلوم الكثير وأن له فيها المؤلفات الجمة وأن تلقيها حتى أيامه كان عند أهل الجامع الأزهر من الأمور المألوفة ؟ يقول الدمنهورى فى سنده بعد سرده ما تلقاه من العلوم الشرعية .

" أخذت عن أستاذنا الشيخ على الزعترى خاتمة العارفين بعلم الحساب واستخراج المجهولات ، وبما يتوقف عليه كالفرائض والميقات ، ووسيلة ابن الهائم ومعونته فى الحساب ، والمقنع لابن الهائم ، ومنظومة الياسمين فى الجبر والمقابلة ، ودقائق الحقائق فى حساب الدرج والدقائق لسبط الماردينى فى علم الحساب ورسالتين إحداهما على المقنطرات والأخرى على ربع المجيب للشيخ عبد الله الماردينى جد السبط ، والمنحرفات للسبط الماردينى فى علم وضع المزاول ، وبعض اللمعة فى التقويم ، وأخذت عن سيدى أحمد القرافى الحكيم بدار الشفاء بالقراءة عليه كتاب الموجز واللمعة العتيقة فى أسباب الأمراض وعلاماتها ، وبعضا من قانون ابن سينا ، وبعضا من كامل الصناعة ، وبعضا من منظومة ابن سينا الكبرى والجميع فى الطب ، وقرأت على أستاذنا الشيخ عبد الفتاح الدمياطى كتاب لفظ الجواهر فى معرفة الحدود والدوائر للسبط الماردينى فى الهيئة السماوية ورسالة قسطا بن لوقا فى العمل بالكرة وكيفية أخذ الوقت منها ، وقرأت على أستاذنا الشيخ سلامة الفيومى أشكال التأسيس فى العلوم الحديثة .

ومع ذلك ، فإن إعادة بعض هذه العلوم إلى الأزهر لم يكن أمرا سهلا ، بل كان نتيجة معارك استمرت عشرات السنين ...

الشيخ محمد العباسى المهدى كان شيخا للأزهر فى زمن الخديوى إسماعيل ... عندما عين فى الأزهر صدم فى أن بعض الناس يتظاهرون بطلب العلم حتى يعفوا من الجيش ، وكان طلب العلم صكا للتمتع بالإعفاء ، وأيضاً وجد البعض ممن تزيد أعمارهم على الستين سنة بين طلاب الأزهر ، بسبب الحصول على الجراية سوف أتحدث عن الجراية بعد ذلك فقد كنت أحصل منها على رغيفين كل يوم طيلة دراستى بالأزهر .

وأصدر الشيخ المهدى قانونا كان حدثا بالنسبة للأزهر جعل نيل الشهادة العالمية بامتحان أمام لجنة من العلماء يختارها شيخ الأزهر وحدد العلوم التى يمتحن فيها الطلاب ، وقسم العلماء إلى ثلاث درجات يمتاز أصحاب الدرجة الأولى بكسوة شريفة ينعم بها عليهم الباب العالى ...

وسميت علوم الأزهر الأحد عشر ، فقد كانت أحد عشر علما ، وبقيت هذه العلوم على حالها ربع قرن بعد ذلك... "

الآن الصغير حسنين يرتدى جلبابا أبيض ، ويضع طاقية على رأسه وقد عرف الطريق من بيته فى باب الفتوح إلى جامع الأزهر فعمره ست سنوات يمر فى سوق الليمون ، والنحاسين ثم ينحرف يسارا ليدخل فى بوابة القاضى إلى شارع المشهد الحسينى ... ويصبح على بعد خطوات من جامع الأزهر .

" كثيرا ما كنت أذهب بصحبة والدى ولكننى عرفت الطريق بعد ذلك وأخذت أذهب بمفردى لا أذكر الآن من هم زملائى فى هذه الفترة المبكرة من عمرى .

فقط ، أذكر ، أنى ذهبت إلى الجامع الأزهر لأحفظ القرآن الكريم ، ابتداء من عام 1896م.

كان عمرى ست سنوات ، وكان فى جامع الأزهر نحو 26 كتابا لتحفيظ القرآن الكريم ، منتشرة حول صحن المسجد ... الكتاب الواحد به ما بين ( 20 إلى 30 ) طالبا كل طالب يذهب إلى المعلم الذى يختاره ... وعليه أن يدفع الخميس ...

والخميس هو ما كان يدفع لسيدنا الذى يحفظ القرآن الكريم كل يوم خميس ... كنت أدفع 25 مليما كل أسبوع للأستاذ الذى يحفظنا القرآن الكريم أجرا له ، وكان كل أستاذ يتقاضى المبلغ الذى يحدده كل يوم خميس ... وهو بين عشرين وثلاثين مليما تقريبا . وهو مبلغ كبير فى ذلك الوقت ، ولكن وظيفة تعليم القرآن الكريم كانت وظيفة سامية ... وأمضيت أربع سنوات أقطع كل يوم نفس الطريق فى الصباح الباكر بعد الشروق ... وأعود منه بعد صلاة العصر . بعد هذه السنوات الأربع ... صحبنى الشيخ إلى والدى ليقول له :

مبروك ياشيخ محمد ... ابنك حسنين أتم حفظ القرآن الكريم وأقام والدى احتفالا كبيرا بهذه المناسبة الهامة والسعيدة و ... بدأت مرحلة جديدة من حياتى .

سؤال أثار معركة عام 1896 فى نفس العام الذى دخل فيه الشيخ حسنين مخلوف العدوى الأزهر لأول مرة ليحفظ القرآن الكريم ، كانت تدور فى الأزهر معركة كبرى لا يعيها ولكنه سمع عنها بعد ذلك .

كان عمره ست سنوات عام 1896 عندما احتدمت المعركة بين الذين يريدون اصلاح الأزهر والذين يرون فى هذا الإصلاح إفسادا له وقضاء عليه ، حتى بلغ الأمر بالمجاورين أم رموا الشرطة بالحجارة وأجبروهم على الانسحاب من الأزهر حينما أرادوا أن يدخلوه يوم 7 حزيران ( يونيو ) للتحقق من تنفيذ بعض الاحتياطات الصحية التى اقتضاها انتشار الطاعون ....

وحينما أريد اتخاذ خطوة جديدة نحو الاصلاح المنشود اتفق على استفتاء شيخ الجامع الأزهر ومفتى الديار المصرية فى مسألة العلوم التى يجوز تدريسها بالأزهر ، ولا تعتبر العناية بها فى أماكن العبادة مخالفة للتقاليد الإسلامية .


سؤال وجواب وكلفوا عالما تونسيا فاضلا هو الاستاذ محمد بيرمأشهر علماء الزيتونة فى عصره وكان طالبا بالأزهر أن يتوجه بسؤال إلى الشيخ محمد الانبابى شيخ الأزهر فكتب إليه رسالة جاء فيها ...

" ما قولكم رضى الله عنكم .... " هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية مثل الهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء وغيرها من سائر المعارف لا سيما ما ينبنى عليه منها من زيادة القوة فى الأمة بما تجارى به الأمم المعاصرة لها فى كل ما يشمله الأمر بالاستعداد بل هل يجب فرض بعض تلك العلوم على طائفة من الأمة ، بمعنى أن يكون واجبا وجوبا كفائياً على نحو التفصيل الذى ذكرته علوم الدين ، ونقله علماء الحنفية أيضا وأقروه ؟ وإذا كان الحكم فيها كذلك فهل يجوز قراءتها مثل ما تجوز قراءة العلوم الآلية من نحو وغيره الرائجة الآن بالجامع الأزهر ، وجامع الزيتونة ، والقرويين أفيدوا الجواب ... لازلتم مقصدا لأولى الألباب .

وكان الشيخ الأنبابى يعلم سبب السؤال لذلك فإنه قد أجاب عليه بسرعة وجاء فى إجابته :

" يجوز تعلم العلوم الرياضية مثل الحساب والهندسة والجغرافية لأنه لا تعرض فيها لشىء من الأمور الدينية بل يجب منها ما تتوقف عليه مصلحة دينية أو دنيوية وجوبا كفائيا ، كما يجب علم الطب على ذلك كما أفاد الغزالى فى مواضع من كتابه الإحياء وما زاد على الواجب من تلك العلوم مما يحصل به زيادة فى القدر الواجب فتعلمه فضيلة " .

" ولا يدخل فى علم الهيئة الباحث عن أشكال الأفلاك والكواكب وسيرها علم التنجيم المسمى بعلم أحكام النجوم ، وهو الباحث عن الاستدلال بالتشكيلات الفلكية على الحوادث السلفية فإنه حرام كما قال الغزالى " .

أما الطبيعيات وهى الباحثة فى صفات الأجسام وخواصها ، واستحالتها وتغيرها كما فى كتاب الإحياء فى الباب الثانى من كتاب العلم ، فإن كان ذلك البحث عن طريق أهل الشرع فلا مانع منها كما أفاد العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهثيمى فى جزء الفتاوى الجامع للمسائل المنتشرة ، بل لها حينئذ أهمية بحسب أهمية ثروتها كالوقوف على خواص المعدن والنبات ، المحصل للتمكن فى علم الطب وكمعرفة عمل الآلات النافعة فى مصلحة العباد .

" وإذا كان على طريقة الفلاسفة فالاشتغال بها حرام ، لأنه يؤدى للوقوع فى العقائد المخالفة للشرع كما أفاد العلامة المذكور " .

وبعد أسبوعين من صدوره هذه الفتوى من شيخ الأزهر الشافعى ... أصدر مفتى الديار المصرية آنذاك وهو حنفى المذهب فتوى جاء فيها " إن ما أفاده حضرة الأستاذ شيخ الإسلام موافق لمذهبنا ، وما استظهره من أن الخلاف الجارى فى علم المنطق يجرى فى علم الطبيعة أيضا وجيه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

محمد عبده وإصلاح الأزهر

لم يكن الشيخ الانبابى متحمسا حماسا شديدا لإصلاح الأزهر فقيد فتواه .

وعندما عاد الشيخ محمد عبده من منفاه اقترح عليه أن يدرس الأزهر مقدمة ابن خلدون فاعتذر عن ذلك .. وعكف الشيخ محمد عبده على وضع تقرير عن إصلاح الأزهر ، وقدمه للخديوى توفيق ، وتسربت آراؤه فى الإصلاح ، وترددت فى جنبات الأزهر ، ورفع طلابه مذكرة إلى الخديوى يتلمسون وضع حد للفوضى فى الأزهر وصدر أول قانون بتشكيل أول مجلس لإدارة الأزهر من أكابر شيوخه الذين يمثلون المذاهب الأربعة ومثل الحكومة فى المجلس الشيخ محمد عبده ...

وفى نفس الوقت عين بالأزهر شيخ من أصدقاء الشيخ محمد عبده هو الشيخ حسونه النواوى .. وفى مدة مشيخته للأزهر أخدل علوما لم تكن تدرس فيه من قبل مثل الحساب والجبر والهندسة والتاريخ والخط ...

ووزعت مدة الدراسة على 12 سنة والطالب الذى يتم دراسة مواد معينة فى ثمانى سنوات وينجح فيها يمنح الشهادة الأهلية أما من يستمر فى الدراسة بعد ذلك 4 سنوات فيمنح الشهادة العالمية .

ووضعت نظم جديدة لضبط حضور الطلاب وغيابهم لأول مرة وبدأ تدريس العلوم الحديثة ... ورتبت أجور ثابتة للمدرسين ... كانت المرتبات نوعين : الأول مرتب سنوى يسمى بدل الكسوة والثانى مرتب شهرى للعلماء ولأولاد المتوفين منهم وكان الأمر موكولا فى النوعين إلى شيخ الأزهر ... وكان بعض العلماء يتقاضى فى الشهر من رواتب الأوقاف ستة عشر قرشا وبعضهم لا ينال شيئا ...

وكان مرتب الدرجة الأولى للحاصل على الشهادة العالمية 150 قرشا فى الشهر ومرتب الدرجة الثانية مائة قرش ، ومرتب الدرجة الثالثة خمسة وسبعين قرشا ورأى الشيخ محمد عبده أن يستشار كبار الشيوخ فى إصلاح الأزهر وتألفت لجنة الإصلاح من ثلاثين عضوا برئاسة الشيخ سليم البشرى .

استقالة شيخ الأزهر

تطور الأزهر واسترد أموال الأوقاف لتوزع على شيوخه وطلبته وكثر المتخرجون منه . فبعد أن كان لا يتقدم إلى امتحان العالمية إلا ستة فى السنة تقدم إليه فى ذلك العام تسعة وعشرون نجح منهم ثمانية عشر . وكانت مدة الدراسة لا تتجاوز كل عام ثلاثة أشهر ونصف ، متحدد للسنة الدراسية أن تبدأ فى العاشر من شوال وتنتهى فى الخامس عشر من شهر شعبان ... مع إجازة ، وعنى مجلس إدارة الأزهر بمكافأة الطلاب المتفوقين فكان شيخ الأزهر يوزع عليهم الجوائز ...

ولم يعجب الأمر الخديوى الجديد عباس الأول ... فإصلاح الأزهر حرمه من سلطانه وحرمه من الأموال التى كان يجنيها لنفسه من الأوقاف واستقال شيخ الأزهر ... واستقال أيضا الشيخ محمد عبده ..

... وعين الشيخ عبد الرحمن الشربينى شيخا للأزهر ، وقال للخديوى عباس فى خطبته وهو يخلع عليه الكسوة " إن الجامع الأزهر قد تشيد على أساس أن يكون مدرسة دينية اسلامية تنشر علوم الدين فى مصر وجميع الأقطار الإسلامية وأول شىء أطلبه أنا وحكومتى أن يكون الهدوء سائداً الأزهر الشريف ، والشغب بعيدا عنه ، فلا يشتغل علماؤه وطلبته إلا بتلقى العلوم الدينية النافعة البعيدة عن زيغ العقائد وشغب الأخطار لأنه مدرسة دينية قبل كل شىء " .

النار التى اشتعلت

واشعلت كلمات الخديوى عباس نارا كانت خامدة ... وبدأت معركة جديدة من أجل إصلاح الأزهر يقودها الشيخ محمد عبده من خارج الأزهر ... وقفزت المعركة إلى صفحات الصحف .

وكان الوالد العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى طرفا فى هذه المعركة فهو صديق للشيخ محمد عبده ... يلتقى معه فى الأفكار والشيخ محمد عبده دائم التردد على مكتبه .

وأنا طفل صغير كنت أدخل مجلس العلماء .. أخلع حذائى ... أنحنى لأقبل يد كل منهم ... وأجلس بينهم أستمع إلى الحديث كله عن الأزهر ، ومستقبله .. ولعلى الآن أستطيع أن أستوعب بعضا مما كان يدور عندما رجعت إلى الصحف التى كانت تصدر فى تلك الفترة .

كانت معركة تطوير الأزهر معركة شرسة ، قادها الشيخ محمد عبده ونجح فيها .

هذا ما حدث لى مع عبد الناصر يوم 13 آذار (مارس) عام 1905 يوم يذكره الذين كانوا يدرسون فى الأزهر ، لأنه كان بداية لمعركة ضارية حول تطوير الأزهر وإصلاحه ، ففى ذلك اليوم صدرت جريدة اسمها " الجوائب المصرية " وفيها حديث لفضيلة الشيخ عبد الرحمن الشربينى شيخ الجامع الأزهر .

ولأهمية هذا الحديث فإن جريدة " المؤيد " نقلته عنها بالنص فى اليوم التالى . قال شيخ الأزهر فى حديثه :

" إن غرض السلف من تأسيس الأزهر هو إقامة بيت الله يعبد فيه ، ويؤخذ فيه شرعه . ويؤخذ الدين كما تركه لنا الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم " .

" وأما الخدمة التى قام بها الأزهر للدين ، ولازال يؤديها فهى حفظ الدين لا غير ، وما سوى ذلك من أمور الدنيا وعلوم العصر فلا علاقة للأزهر به ولا ينبغى له أن يهتم به " .

إن الذى حدث من إصلاح للأزهر من شأنه أن يهدم معالم التعليم الدينى فى الأزهر ويحول هذا المسجد العظيم إلى فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفىء نوره فى هذا البلد وغيره من البلاد الإسلامية .

" وإنى لأسمع منذ سنوات بشىء يسمونه حركة فى الأزهر أو إصلاح الأزهر ، ولكننى لم أر لهذه الحركة أثرا وهذا الإصلاح ليس له من نتيجة سوى انتشار الفوضى فى ربوعه " .

كان الشيخ الشربينى هو الذى عينه الخديوى بعد استقالة شيخ الأزهر الشيخ حسونة النواوى واستقاله الشيخ محمد عبده من مجلس إدارة الأزهر وكان الهدف من تعيينه ـ بما اشتهر عنه من آراء ـ هو إخماد الجذوة التى بدأت تشتعل فى الأزهر ، وتتألق بعد أن دخلته بعض العلوم الحديثة ...

مناقشات حادة

قبله بشهور قليلة سجلت محاضر اجتماعات مجلس إدارة الأزهر مناقشة حادة بين الشيخ محمد عبده والشيخ البحيرى عضو مجلس الإدارة كانت عن التحديث فى تعليم الطلاب والمواد الدراسية الجديدة ، قال الشيخ محمد البحيرى :

" إننا نعلمهم كما تعلمنا من الشيخ محمد عبده ويتساءل : ألم تتعلم أنت فى الأزهر وقد بلغت من مراقى العلم ، وصرت فيه العلم الفرد " .

فرد الشيخ محمد عبده : إن كان لى حظ من العلم الصحيح الذى تذكر ، فإننى لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنوات أكنس من دماغى ما علق فيه من الأزهر وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد من النظافة .


المقال الذى أثار الضجة

بعد المقال الذى نشره شيخ الأزهر فى جريدة " الجوائب " المصرية لصاحبها خليل مطران ، بخمسة أيام وفى يوم 18 آذار (مارس) نشرت جريدة " المقطم " ردا على الشيخ بقلم الإمام محمد عبده ... المقال طويل وقد جاء فيه :

" لا ننكر على الأستاذ ما قاله فى الغرض من إنشاء الأزهر ، فذلك غرض كل من يبنى مسجدا لله فى أى مكان ، وأى زمان ،لا يبنى مسجدا إلا ليعبد الله فيه ، ويعلم فيه دينه ولا ننكر عليه أن الخدمة التى يجب أن يؤديها الأزهر هى تعليم الدين ، ولكن لن نفهم قوله " وما سوى ذلك من أمور الدنيا وعلوم العصر فلا علاقة للأزهر به فإن كان يريد أن التعليم فى الأزهر يجب أن يكون قاصرا على الفقه وأصول الحديث ومصطلحه وعلم تقرير العقائد ، كما ورد به الكتاب والسنة وعلم آداب الدين والأخلاق المؤسسة على ما ورد منه ، وأما ماعدا ذلك ، وإن كان من مقدمات العلوم السابق ذكرها فلا يصح أن يدرس فى الأزهر إن كان يريد ذلك أكون أول موافق على رأيه لو كان حضرة الأستاذ نفسه لم يتعلم فى الأزهر غير هذه العلوم ، ولكننا عرفنا الأستاذ يقرأ فنون البلاغة والنحو المنطق وعلم الكلام على ما فى علم الكلام من المذاهب الفلسفية وغيرها ، وعلى ما فى مقدمات الأدلة التى يأتى بها المتكلمون من التعرض لمعنى الوجود ، وهل هو عارض للممكنات أو عين الممكنات والتعرض لإحكام الجواهر والأعراض مما لا يمكن فهمه إلا ببحث دقيق فى حقائق الكون .

كنت أوافق الشيخ لو أنه سعى هو وإخوانه من خدمة العلم فى إنشاء مدارس لتعليم الوسائل التى يرتقى بها إلى فهم علوم الدين . وبعد أن يستعد الطالب فيها لتلقى العلوم الدينية وينال الشهادة بذلك يأتى إلى الأزهر ويتعلم الدين خاصة . ثم وجه الشيخ محمد عبده سؤالا إلى شيخ الأزهر " ماذا يقول فى إمام الحرمين والإمام الرازى وغيرهما من أئمة مذهبه ، وفيما جاءنا من كتبهم وما احتوت عليه من البحث فى حقائق الأكوان ليبنوا منها الأدلة التى رأوا اقامتها " .

وهل يعد علم الحساب من ذلك ، وهو باب من أبواب الفقه فى قسم من أهم أقسامه وهو باب المواريث أو علم الفرائض .

هل يدخل فى ذلك علم الآداب الدينية أو الأخلاق التى تكتسب من الدين وهو الفقه الحقيقى ولا قوام لعلم من علوم الشريعة بدونه ، هذه العلوم كانت تقرأ من قبل فى الأزهر لكن لا على سبيل الإلزام فألزم بها الطلبة .

شيخ جديد للأزهر

انتهت هذه المعركة باستقالة شيخ الأزهر الشيخ الشربينى وعودة الشيخ حسونة النواوى صديق الشيخ محمد عبده شيخا للأزهر ، وسجل الشيخ رشيد رضا حوارا دار بينه وبين الشيخ محمد عبده فى هذه الفترة نصه :


الشيخ محمد عبده : إن اللورد كرومر " المندوب السامى وممثل الاحتلال البريطانى فى مصر " أرسل إلى يريد أن يزورنى ، وأنا أعلم أن غرضه الكلام فى حالة الأزهر ، ويريد أن تتدخل الحكومة فى عزل الشيخ سليم البشرى كما فعلت من قبل فى عزل حسونة النواوى .

الشيخ رشيد رضا : وماذا تنوى أن تقول له ؟ :

الشيخ محمد عبده : أقول أحسن ما أعلم وأسكت عن شر ما أعلم ، ولا أقول إلا حقا ، ولا أدع منفذا لنفوذ الأجنبى أن يتسرب إلى هذا المعهد الدينى وما دمت فى هذا المكان لا أدع للحكومة مجالا للتدخل فى شئونه لأنها حكومة واقعة تحت سلطة أجنبية .

ثم هل يسر الإنكليز بتخريجى لهم رجالا يفهمون حقوقهم ويعرفون كيف يدافعون عنها بقوة مستمدة من العلم والمعرفة .

دروس معركة الأزهر

الدرس الأول الذى تلقنته من هذه المعركة التى كنت أسمع تفاصيلها ولا أعيها ، أن الإنسان الذى يؤمن بمبدأ لابد أن يدافع عنه ، وأن يظل صامدا فى سبيل عقيدته ... وهكذا كان الشيخ محمد عبده وكان والدى أيضا ، وكان الدرس الثانى الذى لقننى والدى إياه ، أن أكون دائما فى غنى عن الناس ولا أحتاج إلى مخلوق من خلق الله وقد وقانى الله شر ذلك ، ولم يحوجنى لأحد طيلة حياتى .

وكنت أسأل الله تعالى منذ طفولتى ما علمنى إياه والدى ـ رحمه الله عليه ـ التقى والهدى والعفاف والغنى عن الناس ، وأن يحقق الله ذلك طيلة حياتى ، وقد استجاب الله تعالى لدعائى ، فعشت حياتى كلها مرفوع الرأس لأننى لم أحن هامتى إلا لله سبحانه وتعالى .

عبد الناصر

سوف أفقز سنوات ، وسنوات ، لأروى واقعة تذكرتها الآن حدثت عقب ثورة 1952 فى مصر ، فقد دخلت سرادقا للعزاء فى بداية سنوات الثورة لأعزى فى وفاة أحمد خشبه وزير العدل عليه رحمة الله ولمحت فى مكان ما فى السرادق جمال عبدالناصر وعرفته وظل فى مكانه لم يتحرك عندما دخلت عليه ...ولم أسلم عليه وانتحيت جانيا ، وجلست فى السرادق دون أن أعيره أى اهتمام ... ونحن نسير خلف نعش الفقيد كان يسير على مقربة شديدة منى ، ولم أحاول أن أسلم عليه أو أبادله بكلمة ، وظلت الخصومة بيننا حتى توفاه الله ... وكنت أسمع أنه يكن لى كراهية شديدة لا أعرف سببها ولكنى لم أحاول التقرب منه ، ولا من أى حاكم ، ومع ذلك فقد كان الحكام يسعون إلى فى منزلى ... كان ذلك بعد أن تخرجت من الأزهر .

دخول الأزهر

لم يكن الإلتحاق بالأزهر رغم كل المعارك حول تطويره بالأمر السهل كان على أن أحفظ القرآن الكريم فى سنوات أربع ، ثم أقوم بتجويده بعد ذلك وقد استغرق له قرابة عامين بعد أن حفطت القرآن الكريم والمتون العلمية انتقلت داخل المسجد أيضا إلى الشيخ محمد على خلف الحسينى وكان يجود القرآن برواية حفص ورواية ورش .

علمنا أحكام التجويد ، وكان الشيخ يجلس فى " الليدان " وهو مكان يرتفع سلمتين بجوار رواق السودانيين ، كان تجويد القرآن ضرورة فالإمام الجذرى يقول :

" والأخذ بالتجويد حتم لزم من لم يجود القرآن آثم "

عمرى الآن 12 عاما وعلى أن أبدأ مرحلة جديدة من حياتى .

أصبحت طالبا فى رواق الصعايدة بالأزهر الشريف

كان فضيلة الوالد الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى قد نذرنى للعلم .

كان يريد أن أكون عالما لذلك فقد اتجه بى لحفظ القرآن الكريم وتجويده تمهيدا للالتحاق بالأزهر الشريف .

وكان لى أخ واحد ، وهو أحمد الطاهر محمد حسنين مخلوف قد التحق بمدرسة خليل أغا الابتدائية التى تقع فى حى سيدنا الحسين ، وواصل تعليمه المدنى إلى أن أصبح لواء فى الشرطة وقد توفاه الله منذ سنوات وكان على أن أواصل مسيرة أبى وأن أسير على نهجه فى تلقى العلم الشريف وكانت البداية لكى ألتحق بالأزهر أن أتقدم بطلب إلى شيخ رواق الصعايدة ليقبل قيدى ضمن طلبة الرواق ، وإذا حصلت على هذا القيد ، أصبحت رسميا مقيدا فى الأزهر ، وقدمت ذلك الطلب ، وقيدت ضمن الطلاب الصعايدة وكأحد أعضاء رواقهم .

750 فقيرا حول الأزهر

الأروقة قطعة من تاريخ الأزهر وقد ارتبط تخطيطه الهندسى بها ولعل هذه التسمية قد نشأت من شغل الطلبة لأروقة المسجد المحيطة بالصحن وتوطنهم فيها .

وأقدم ذكر للأروقة ما كتبه المقريزى حينما ذكر أن عدد الفقراء الملازمين للمسجد قد بلغوا فى عهده فى القرن التاسع الهجرى 750 رجلا ما بين عجم وأهل ريف ولكل طائفة منهم رواق يعرف بهم وصار أرباب الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة والنقود إعانة للمجاورين فيه على عبادة الله تعالى ، وكانوا يحملون إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلوى ولا سيما فى المواسم ، وكثرت الأروقة بداخل الأزهر وخارجه ، حتى أحصيت فى القرن التاسع عشر وبلغت ستة وعشرين رواقا ، من أشهرها رواق الصعايدة والجراية الرئيسية تصرف له يوميا بعد يوم زيادة عن الألف رغيف لكثرة المقيمين فيه .

وكان هناك رواق لكل من الشوام والأروام والهنود والمغاربة والأكراد ، والحنابلة وغيرهم .

وقد هدمت هذه الأروقة وأعيد بناؤها وكان لبعضها مداخل للجامع وكان انتشار هذه الأروقة سببا فى إيقاف أهل الخير الوقفيات على الفقراء والمقيمين فيها ، ومنها أوقاف مشروط صرفها نقدا ويوزع شيخ الرواق على أعضاء الرواق نصيبهم من هذه الأوقاف . فإن كانت خبزا فإنه يوزع كل يوم وكان يسمى الجراية .

لكل شيخ عامود

عندما قيدت بالأزهر ، بعد قبولى عضوا فى رواق الصعايدة أصبح نصيبى من الجراية رغيفين من الخبز كل يوم كان نظام الدراسة المتبع هو نظام الحلقات يجلس الشيخ بجانب عامود من أعمدة المسجد على كرسى من الخشب أو الجريد ، والطلبة حوله وكان لكل مذهب من المذاهب الأربعة أعمدة معينة ، ثم ألغى هذا النظام وأصبح لكل شيخ عامود يجلس بجواره . فإذا توفى الشيخ أو انقطع عن التدريس عين شيخ الجامع من يقوم بمكانه ، ولم يكن يعتدى أحد على الآخر ، فلكل شيخ العامود الذى يجلس بجواره وأحيانا يجلس بجوار العامود الواحد شيخان كل منهما يقول فى وقت مختلف ، ويفتتح الشيخ الدرس بالبسملة والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وقد يتلو بعض آيات من الذكر الحكيم أو بعض أحاديث الرسول عليه السلام التى تحث على طلب العلم والتواضع فى طلبه ، وعلى حسن الخلق والسيرة مبينا لهم أن ذلك يعين على حل المشكلات وتذليل الصعاب ثم يبدأ الدرس بعد ذلك .

عمرى الآن 12 عاما أصبحت طالبا منتظما فى الأزهر الشريف ... وطالبا فى رواق الصعايدة وضعت العمامة على رأسى مرة ، لم تفارق هذه العمامة ذات الشال الأبيض الناصع رأسى حتى الآن ، ارتديت ( الكاكولة ) لأول مرة ، بعد فترة سوف أرتدى جبة وقفطانا ، وسوف أفصل عباءة أيضا ، ما أرخص الأسعار فى تلك الأيام ، إنها تبدو لى الآن كالحلم الغريب ، كان ثمن الكسوة طربوشا وعمامة خمسة قروش ، والعباءة من الصوف كان ثمنها 15 قرشا والنوع الجيد حوالى عشرين قرشا والحذاء بتفصيله ثمانية قروش .

إن وجبة الطعام كانت تكلفنى خمسة مليمات خارج البيت ، فقد كانت الأرغفة الأربعة ثمنها خمسة مليمات ، ورطل اللحم ثمنه عشرون مليما ...

أليس ذلك يبدو الآن كالحلم الغريب الذى يصعب تصديقه ... وكانت الجراية هامة بالنسبة إلى كنت آكل منها وما تبقى آخذه معى إلى البيت وعندما لا أستطيع الذهاب لاستلام نصيبى من الجراية كنت أوكل صديقا لى ينوب عنى فى استلامها وتوصيلها إلى ... لا أحد يستطيع الآن أن يقدر مبلغ سرور الطلبة بهذه الجراية وفائدتها لهم لذلك فقد تحولت إلى حافز ـ بلغة هذه الأيام ـ يدفع الطلاب إلى مزيد من الجد والاجتهاد بعد أن ارتبطت بكفاءة الطلاب العلمية الأكثر كفاءة يكون أكثر نصيبا ...

وكان الطلاب يجدون وفى أذهانهم أيضا أن نتيجة جدهم لن تنعكس عليهم تفوقا فى العلم فحسب ... بل إنها ستؤدى إلى زيادة نصيبهم رغيف خبز كل يوم ..

كان الرغيف ـ رغم رخصه ـ شيئا ذا قيمة ، وانتقلت بعد ذلك من رواق الصعايدة وقيدت اسمى فى رواق الحنفية .. أنا الآن أحصل على الجراية المقررة وهى تصل إلى رغيفين من الخبز كل يوم ، وفوقها ثمانية قروش فى الشهر تصرف ضمن الجراية المقررة لأعضاء رواق الحنفية ، كان الواقفون على رواق الحنفية قد قسموا أوقاتهم إلى قسمين الأول يصرف خبزا والثانى يصرف نقودا .. وسوف أحتاج إلى هذه النقود كثيرا ... فأنا مقبل على الزواج .


الدراسة فى زماننا

حينما أفكر اليوم فى نظام الدراسة بالأزهر ويوم أن التحقت به أعرف أن طلاب اليوم مرفهون وسعداء من جانب . وفقراء وتعساء من جانب آخر ، إنهم مرفهون وسعداء لأن المواد التى يدرسونها هى قشور بسيطة بالنسبة إلى ما كنا ندرسه ، وهم فقراء وتعساء لنفس السبب أيضا ، كانت الدراسة بأى حال فى الأزهر مرهقة ومضنية ، ولكنها أعدت لكى تخرج عالما فى الدين .

من الفجر وحتى العشاء

فقد جرت العادة أن تبدأ الدراسة قبل شروق الشمس وبعد صلاة الفجر وتنتهى بعد صلاة العشاء كان اليوم الدراسى كاملا ، ومكثفا منذ قبل شروق الشمس وحتى بعد غروبها إنه يوم عمل كامل ، مثل يوم العمل عند الفلاح المصرى يبدأ عمله بالذهاب إلى حقله بعد صلاة الفجر ، ويعود منه بعد غروب الشمس .

بعد صلاة الفجر كنا ندرس التفسير والحديث وبعد الشروق ندرس الفقه ، وبعد صلاة الظهر ندرس النحو والصرف ، والمعانى والبيان والبديع والأصول وبعد صلاة العصر ندرس الحساب والعلوم الحديثة وبعد صلاة المغرب ندرس المنطق وآداب البحث وعلم التوحيد ، وكان الدرس الواحد يستمر بين ساعة وساعتين . 12 علما

كانت علوم الأزهر 12 علما ليس منها علم الحساب ومن يريد التوسع فى علم الفقه أو النحو أو البلاغة إلى غير ذلك فإنه يدرس 7 علوم هى ( المعانى فى البيان والبديع والنحو والصرف والحديث والتفسير ) وكان يدرس فى الأزهر الفقه على المذاهب الأربعة وكل طالب يدرس مذهبه .

" الكتب التى درسناها فى الأزهر كثيرة وعلى ماتعيه ذاكرتى الآن ، فقد درسنا فى علم النحو : الأجرومية للصنهاجى بشرح الكفراوى والشيخ خالد الأزهرى والأزهرية بشرح المؤلف والمصرى والحلبى ، وقطر الندى وبل الصدى لابن هشام وشذور الذهب لابن هشام أيضا والكافية لابن الحاجبة والتسهيل لابن مالك ، والتوضيح لابن هشام وشرح الشيخ خالد ، وألفية ابن مالك بشرح ابن عقيل والأشمونى ومغنى اللبيب لابن هشام ...

تسعة كتب كبيرة فى علم واحد هو علم النحو ... وعدا كتب الصرف التى من بينها المراح لابن مسعود والشافية لابن الحاجب ولامية الأفعال لابن مالك والترضيف للأخفرى والتصريف للعزى بشرح سعد التفتازانى وعلوم المعانى والبيان والبديع وهى 3 فنون حضرنا منها كتاب شرح التلخيص للقزوينى بشرح سعد الدين التفتازانى على الشيخ عبد الحكيم النواوى وكان يقرأ الدرس كل يوم ماعدا الخميس والجمعة بعد صلاة الظهر .

40 طالبا مع أستاذ

أذكر أننا كنا أكثر من 40 طالبا نلتف حوله وهو يجلس على مقعد خشبى مرتفع ونحن ننصت إليه ونناقشه ونجادله فى حب ، لن يغضب من مناقشة ولم يهرب من الإجابة على سؤال ، وحضرت علم الحساب على الشيخ الحملاوى وكان يدرس فى مسجد المؤيد وعلى الأستاذين أحمد عبد البر ومحمد إدريس صاحب كتب الحساب المطبوعة .

وحضرت على الشيخ محمد راضى البحراوى والد الشيخ محمد راضى كبير المحامين الشرعيين وكان يدرس لنا علم أصول الفقه كما حضرت على أستاذى الشيخ عبد الحكم عطا النواوى وكان يدرس شرح التلخيص فى البلاغة ، كانت قائمة الكتب التى ندرسها طويلة .

فى التفسير مثلا ، درسنا الجلالين للسيوطى وتفسير البيضاوى وتفسير أبو السعود لأبى السعود وتفسير الفخر الرازى والإتقان للسيوطى والنسفى لحافظ الدين أبى البركات ، والكشاف للزمخشرى .

أما فى الحديث فقد كان يدرس فى الأزهر من أمهات كتب علم الحديث صحيح البخارى ومختصر البخارى وصحيح الإمام مسلم ، وموطأ مالك والشفاء للقاضى عياض والجامع الصغير للسيوطى وصحيح الإمام الترمذى والأربعين للإمام النواوى وصحيح ابن ماجة وصحيح الأشعث ، وصحيح الإمام النسائى والمواهب اللدنية للإمام القسطلانى والسيرة الحلبية للإمام الحلبى والأذكار للإمام النواوى والشمائل المحمدية والترغيب والترهيب ، والتجديد للزبيدى ، وهناك كتب أخرى فى علم مصطلح الحديث منها البيقونية للشيخ عمر البيقونى ومنظومة الصبان وتقريب النووى وألفية الحافظ العراقى وغير ذلك . كتبخانة الأزهر

كان والدى فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى يقوم بالتدريس بمسجد محمد بك أبو الدهب المواجه للأزهر بعد المغرب كل مساء عدا الخميس والجمعة .

وكان والدى قد وصل إلى منصب عضوية هيئة كبار العلماء عن المالكية وقد حضرت عليه شرح وتهذيب الكلام فى علم المنطق ، ثم العقائد النسفية فى التوحيد وشيئا فى أصول الدين وكان الوالد فى تلك الفترة يشغل منصب أمين مكتبة الأزهر .

ولقد بدأ التفكير فى إنشاء مكتبات بالأزهر عندما أنشئت الأروقة لتضم الطلاب متحدى المذهب فكان لكثير من الأروقة مكتبات لاتخضع لأنظمة المكتبات الحديثة فى ضبطها أو صيانتها والحفاظ عليها وقد أنشأ الخديوى عباس أول مكتبة عامة فى الأزهر جمعت الكتب من الأروقة ومن المساجد ، ومن مكتبات المتبرعين ، وعهد إلى الوالد بأمانتها وحينما تولاها عين معه موظفين لحصر الكتب التى بها ، وإصلاح ما تلف منها وتبويبها بحيث يكون كل علم أو فن فى بيان خاص كما أمر الوالد بشراء كل ما يحتاج إليه الأزهريون من الكتب العلمية المختلفة كل عام من الميزانية المعدة لذلك حتى تكونت المكتبة بشكلها الحالى ، وكانت عند الأزهريين تعرف باسم كتبخانة الأزهر .

الشيوخ الأربعة

كان قد صدر قانون جديد للأزهر عام 1911 جعل لكل مذهب من المذاهب الأربعة شيخا بالجامع الأزهر وأنشأ القانون هيئة كبار العلماء لتدريس الفقه والأصول والحديث ومصطلح الحديث والتفسير والتوحيد والمنطق والسيرة النبوية وعلوم العربية وغير ذلك من العلوم واختير والدى عضوا فى هيئة كبار العلماء وكان أيضا أمينا لمكتبة الأزهر فى الوقت الذى كان فيه الشيخ محمد عبده قد عين مفتيا للديار المصرية وكان صديقا للوالد كما ذكرت ، وقد تدعمت بينهما أواصر الصداقة أكثر وأكثر ، إذ كان عملها فى مكانين متقاربين داخل مسجد الأزهر فكان كل واحد منهما يجد لديه وقت فراغ يذهب خلاله إلى صديقه ليمضيه معه وفى هذه الفترة رأيت الشيخ محمد عبده عالما وفقيها واستمعت لدروسه .

كان يلقى درسا كل يوم بعد صلاة المغرب وقبل صلاة العشاء فى جامع الأزهر يفسر فيه القرآن الكريم ، وقد فسر فى دروسه من أول القرآن حتى الآية 135 من سورة النساء وكان يحرص عظماء مصر ووجهاؤها وسادتها على حضور هذه الدروس كما كان يحضرها طلبة العلم وكثير من عامة الشعب .

كان الشيخ يسكن فى عين شمس ويحضر فى عربته التى تجرها الخيول كل يوم إلى الأزهر ليلقى درسه متطوعا ، ولم يتخلف فى يوم ما عن إلقاء هذا الدرس ولم أتخلف أنا ـ غالبا ـ عن متابعته ..

واستمر فى هذه الدروس حتى توفاه الله ولم يعقب ... فلم يترك أولادا ذكورا ولكنه ترك التلاميذ فى كل مكان من العالم الإسلامى وترك سيرة عطرة ، كان الشيخ رشيد رضا يجلس فى الحلقة حول الشيخ محمد عبده يدون ملخصا لدرسه فى التفسير ، ثم أخذ ينشره بعد ذلك بفترة طويلة فى مجلة المنار ؟

فى هذه الفترة دخل فى حياتى صديق جديد وهو أحد تلاميذ والدى الذى كان يواظب على حضور دروسه ، كان قريبا جدا من والدى ليس فقط لأنه طالب وأنه مواظب ، وليس أيضا لأنه صعيدى من ( بلدياتنا ) كما يقولون ولكن لأن والده كان أولا صديقا لوالدى وقد اتخذ أبى ابنه ولدا ثانيا له معى ...

وهكذا نشأت العلاقة والصداقة بينى وبين الشيخ محمد مصطفى المراغى .

قصة زواجى وأسرتى وأولادى

ارتبطت بالإمام الشيخ محمد مصطفى المراغى ، كان تلميذا لوالدى ، كما كان الشيخ الأحمدى الظواهرى الذى تولى مشيخة الأزهر من بعده أيضا تلميذا لوالدى ولكن العلاقة التى كانت تربطنا بالشيخ المراغى كانت علاقة قوية ، إذ عده والدى كأحد أبنائه ، لذلك فقد خرجت العلاقة عن حدود التلمذة فى الأزهر ، إلى التزاور فى البيت حيث ظل الشيخ المراغى يتردد على منزلنا يزورونا حتى بعد أن تخرج من الأزهر وقد انقطع عنا فترة تلك التى قضاها فى السودان عندما عين قاضيا فى المحاكم الشرعية بها ، وعقب عودته من السودان ، انتقل الشيخ المراغى إلى حلوان ، وسكن فيها وظللت محافظا على علاقتى به ـ فكنت أزوره فى حلوان ، وكان يحضر لقاءاتنا أحيانا أخوه الشيخ أحمد المراغى الذى تخرج من دار العلوم . صديقى الذى أصبح شيخا للأزهر

كانت زياراتى له يومية وفى هذا التاريخ اشتريت منزلا بحلوان على مقربة من منزله وظلت الزيارات متتالية والود متصلا ، ولقد عين الشيخ المراغى شيخا للأزهر فى عام 1928 واستمر فى مشيخة الأزهر عامين ثم استقال وعين بعده الشيخ الأحمدى الظواهرى لمدة خمسة أعوام وعاد إليه الشيخ المراغى شيخا للأزهر من عام 1935 حتى عام 1945م ولقد شهد الأزهر على يديه تطورا لا ينكر وكان الشيخ المراغى صديقا لأحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى كما كان قريبا من الملك فاروق ، أما اتجاهاته الحزبية فقد كان على صلة بالأحرار الدستوريين .

الدين والسياسة

وكنت أنا أميل إلى الوفد ولكنى لم أنضم أبدا إلى حزب من الأحزاب ترددت على منزل سعد زغلول مع فتح الله " باشا " بركات بعد ذلك ، وجلست معه وتناقشنا ولكنى أبدا لم أنغمس فى السياسة كان رأيى دائما ومازال هو أن يبتعد عالم الدين عن الانغماس فى الحياة الحزبية وأن يظل مستقلا برأيه ويحتفظ به ، يقول ما تنص عليه الشريعة الإسلامية ويعمل على نشر دعوته بكل الوسائل وبين كل الناس فى خضم كل المعارك الحزبية التى يجب أن يبتعد عنها . ومع ذلك أقول بصراحة أن ميولى كانت مع الوفد وعواطفى كانت معه ... لقد كانت معه عواطف غالبية الشعب المصرى فى ذلك الوقت .

أنا والملك فاروق

ولعل من أكثر السياسيين الذين ارتبطت بهم بعد ذلك كان على ماهر باشا تعرفت عليه وأما أعمل فى وزارة الحقانية (العدل) بعد أن تركت القضاء كان هو وزيرا للحقانية ، واستعان بى فى وضع لائحة أكثر تطورا لمحاكم الأحوال الشخصية من خلال هذا التقرير تعارفنا . وامتدت بيننا صداقة عمر إلى أن توفاه الله . كنت حريصا على زيارته فى منزله بالجيزة ، وكان يجلس معى فى حديقة المنزل جلسة علم ، وأدب وتطول الجلسة ، ثم يخرج معى إلى سيارتى فى الشارع ليصافحنى وفى كل مرة أزوره وكانت زياراتى له كثيرة كان يحدث نفس الشىء وكنت أطلب منه أن يكتفى بمصافحتى على باب الغرفة أو حتى المنزل ولكنه لم يقبل أبدا إلا أن يوصلنى حتى باب السيارة ، ومن منزلى ذلك يقع فى العجوزة على مقربة من مدينة المهندسين . كان يزورنى دائما . حتى بعد ثورة 23 تموز (يوليو) .

ولم يدر بيننا حديث فى السياسة ، أنا أحترم استقلاله السياسى وهو يحترم ميولى إلى الوفدية ذلك أننى لم أحضر اجتماعا حزبيا فى حياتى ، ولم أوقع فى استمارة انضمام للحزب الذى كانت عواطفى معه ...

ومن رجالات ذلك العصر الذين اتصلت بهم ، أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى وكانت لى معه أيضا جلسات .

وكان الملك فاروق يصر على أن ألقى الدرس فى مسجده ، عندما يحضر لسماع رأى الدين ، ولم أجامل أو أنافق أو أخفى رأيا على حساب دينى ... وذكرياتى مع كل السياسيين والقادة الذين اتصلت بهم هى ذكريات علم ... مناقشات فى الدين لأو الأدب ... أو غيرهما من الأمور التى لاتتطرق إلى السياسة . .

هكذا تزوجت

تزوجت وأنا طالب ، قصة زواجى لا تهم كثيرا لأن الحياة الشخصية لا تدخل ضمن القضايا العامة ، ولكن لا بأس من أن أذكرها لأنها تلقى ظلالا على العصر الذى تزوجت فيه ، ويمكن للقارىء أن يقارن بينه وبين هذا العصر الذى نعيش فيه ، رغب الوالد رحمه الله أن أتزوج وكان على أن أتزوج مادامت هذه هى رغبة الوالد وخطب لى والدى ابنة صديقة الشيخ محمود سالم من أعيان بندر ملوى التابع لأسيوط (1) وكان متصلا بوالدى فى الأزهر وأخبرنى الوالد أنه خطب لى كريمة صديقه ، ووافقت وكان لابد أن أوافق لأن طاعة الوالد واجبة ولأن رؤيته لابد أن تكون أعمق ، وأحسن وخبرته أكثر ، وأنه يختار لأبنه ما يراه فى صالحه ، وكلف الوالد زوجته (أمى) بالذهاب إلى ملوى ، وخطبة الفتاة التى وقع اختياره عليها لم يكن والدى قد رآها أيضا ، ولكنه يعرف والدها ، يعرف أنها من بيت علم ، ودين ، وسافرت الوالدة إلى ملوى ، وعادت سعيدة ، وهى تتحدث عن الفتاة حديثا كله ثناء وناقش مع الوالدة أمورا لم أتبينها ثم سافر هو الآخر إلى ملوى ، هناك عقد الزواج بالوكالة عنى وبحضور شهود ومضت مدة قصيرة تم خلالها تحضير جهاز العروس وبعدها جاءت الزوجة إلى القاهرة مع أهلها ونزلوا جميعا فى منزل الوالد بجهة أم الغلام فى منطقة مشهد الحسين رضى الله عنه .

وفى هذا المسكن تم الزفاف وكنت وقتها طالبا بالأزهر الشريف واستمرت الحياة بنا فى هذا المنزل ، مع الوالد الذى ينفق علينا ، فأنا طالب لا دخل لى سوى الجراية ، وفى نفس الوقت زوج ، وتكفل الوالد بكل النفقات وبدأت فى هذه الفترة أرزق بأولاد كان أول أولادى المرحوم محمد ثم ابنة توفيت إلى رحمة الله وثالثهم محمود ، ثم أبو الوفا ، وبعد أن تخرجت رزقت بابنى على مرعى ثم باقى الأولاد وقد استمرت الحياة الزوجية بيننا إلى أن انتقلت الزوجة إلى رحمة الله وكانت العشرة جميلة ولم يحدث أى خلاف وكنت أصحبها معى إلى بعض البلاد التى عينت بها قاضيا ثم أقمنا فى القاهرة المدة التى قضيتها فى الوظائف بها .

ومما يسرنى أن أقول الآن أنه لم يحدث بينى وبين زوجتى فى يوم من الأيام أى خلاف فى شىء يقتضى النظر أو العتاب بل كانت الحياة كلها خيرا وصفاءا ومحبة ومودة استمرت حوالى 40 عاما ... ولم أتزوج بعد أن توفيت حتى الآن ، لا أريد الزواج والله سبحانه وتعالى يتولانا بلطفه .. وقد حرصت على تربية أولادى تربية إسلامية فأرسلت الابن إلى الأزهر لطلب العلم به بعد تمام حفظ القرآن الكريم ، وارسلت الباقين إلى مدارس فى وزارة المعارف .. بدرجاتها المختلفة وتخرج منهم من هو طبيب الدكتور على مرعى ومن هو قانونى وهو المرحوم محمود ومن هو مهندس أبو الوفا ومن هو فى مدارس عليا وابنى عبد الهادى أرسل فى بعثة إلى الولايات المتحدة وهو الآن سفير فى أوروبا وعبد الرحمن يعمل فى أبو ظبى واسماعيل فى سفارة مصر بميلانو ، ولى ابنتان على قيد الحياة .

ابنى وامريكا

وذكر أن وزارة الخارجية أرسلت أبنى عبد الهادى فى بعثة إلى الولايات المتحدة لينال درجة الدكتوراة وكانت أول مرة يسافر فيها إلى الخارج ، وبعقل الأب ، وبقلب الأب ، كان يعز على فراقه وكان يعز على أن يذهب إلى بلاد أجنبية تختلف طبيعة الحياة والعادات والمعيشة فيها عن الطبيعة التى عودت أولادى عليها وقد كتبت له رسالة فى شكل نصيحة وأصررت على أن أطبعها وأحمله منها مجموعة من النسخ حتى يقرأها دائما هذه النصيحة مازالت مطبوعة ، ومعلقة فى برواز فى منزلى ، وفى منزل ابنى حتى الآن ، لقد أفلح لأنه أتبع نصيحة أبيه ، ولم يخالفه ولم تكن النصيحة فى مجملها إلا أن يبتعد عما حرم الله .... وأن يستعين بالصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ... وأن يحذر وسوسة الشيطان ، وأن يكاشفنى بكل ما فى نفسه ، إلى آخر ما جاء فى هذه النصيحة التى اتخذها منهاجا ودستورا لم أمنعه فى هذه النصيحة من شىء إلا الحرام قلت له " ما كل ما هناك حسن ، وما كل ما هنالك قبيح ، فخذ ما ترى وتعلم ، أحسنه وأنفعه واجتنب أقبحه وأضره وعد إلينا موفور الكرامة والتقدير عالى الهمة بما عرف عنك من الاستقامة والحرص على أن تحتل من نفوس أساتذتك محل الكرامة والتقدير ومن نفوس أخوانك وزملائك محل الإعزاز والتوقير وأن تظهر أمام الجميع بمظهر الرجولة الكاملة والاستقامة التامة والإباء والعزة والشرف الرفيع ..

وهى وصايا وإن كنت أقدمها لابنى إلا أننى قصدت بها كل أولادى الطلاب إنها ترسم الطريق للطالب المغترب لكى يؤدى واجبه نحو ربه ونحو دينه ونحو بلاده ...

ونحو نفسه ... كان تاريخ هذه النصيحة على وجه التحديد 7 آب (أغسطس) عام 1950 .

والحقيقة أننى كنت مولعا بالكتابة منذ كنت طالبا بالأزهر وكانت أول كتاباتى المنشورة فى جريدة المؤيد لصاحبها الشيخ على يوسف ، وكانت لى معه قصة .

المحتويات

تصدير بين يدى المذكرات من معارك الشيخ : معركة الشيخ الأحمدى الظواهرى اعترضت على قانون الأحوال الشخصية رأيى فى الشيوعية والفرق الإسلامية موقف الإسلام من التصوير وقضايا معاصرة أخرى الملك عبد العزيز : إصغاء وتواضع سيرة الميلاد والحياة .. وقاهرة 1890 علماء الأزهر شاركوا فى ثورات الشعب