مذكرات عبد اللطيف البغدادي (الجزء الثاني)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مذكرات عبد اللطيف البغدادي
الجزء الثاني
مذكرات بغدادي 2.jpg

تمهيد: شهادتي للتاريخ

كنت قد اعتبرت ما جاء في الجزء الأول من مذكراتي أنه يمثل المرحلة الأولى من مراحل ثورة 23 يوليو 1952. وقد ختمت ذلك الجزء بأحداث معركة السويس بعد تأميم القناة عام 1956.

وأما الجزء الثاني من الكتاب فإنني أعتبر ما يجيء فيه إنما يمثل مرحلة أخرى من مراحل الثورة. وكان من المفروض أن ينتهي هذا الجزء باعتزالي الحياة العامة في بداية عام 1964. ولكنني رأيت أن أضيف إليه بابًا خاصًا عن حرب يونيو 1967 لأهمية أحداثها ونتائجها. ولأنني كنت أيضًا قد شاهدت بعض أحداثها من داخل القيادة العسكرية نفسها وقت تسجيلها في يومياتي.

وإنني لأكرر هنا ما سبق وأن أشرت إليه في مقدمة الجزء الأول من هذه المذكرات وهو أنني لم أقصد بهذا النشر الإساءة إلى أحد، وإنما كان قصدي هو أن أضع ما أعرفه من أحداث عشتها أمام الجيل الجديد من شبابنا والذي آن الأوان له أن يحمل راية الوطن ليتعلم من هذه التجربة، وحتى لا تضيع أيضًا الحقيقة مع مرور الزمن. وحتى يستفيد منها كذلك المؤرخون والكتاب الذين يعملون على تسجيل تلك المرحلة من تاريخنا. وهي مرحلة لها أهميتها وحيويتها ونتائجها أيضًا. وهي ليست قاصرة على بلدنا مصر وإنما لها تأثيرها وانعكاستها على المنطقة العربية كلها.

وقد توخيت الأمانة في أنقل إلى القارئ الوقائع على حقيقتها قدر استطاعتي كما سجلتها في يومياتي. وهو ما عاهدت نفسي عليه ووعدت القارئ به منذ البداية.

وهذه الوقائع التي سجلتها والتي أنقلها إلى القارئ إنما تمثل الجزء الذي شاهدته منها فقط أو اشتركت فيه بنفسي ولكن ربما يكون لها جوانب أخرى لم أشهدها ولم أشترك فيها – والمطلوب ممن عايشوا هذه الوقائع ولديهم إضافات عليها أو تصحيح لها أو ينشروا ما لديهم حتى تكتمل الصورة وتتضح الحقيقة قبل أن تضيع بعد ما نودع هذه الحياة. إن الأمر له أهميته – ومن حق جيلنا علينا والأجيال القادمة أيضًا أن نعرفهم بحقيقة ما جرى.

إن التاريخ أهميته في أن يستفيد الغير من أخطاء الذين سبقوه. وأن تتعرف الأجيال اللاحقة على الدور الذي قام به من سبقوهم من الأجيال. وإنني لأهيب بكل من لديه معلومات حقيقية عن هذه المرحلة من مراحل تاريخنا أن يتقدم بها ويعمل على نشرها. والنشر الأمين الصادق ليس إدانة لأحد أو اتهام لأحد إنما هو تسجيل الواقع كما حدث والمطلوب أن يستفيد منه أولادنا وشبابنا لتتضح لهم معالم طريق المستقبل بصورة أوضح. وهذا حقهم علينا وواجبنا أيضًا نحوهم.

وهذا الجزء الثاني من المذكرات يبدأ حسب التسلسل التاريخي لأحداث بعام 1957. وهو العام الذي تلى حرب السويس والتي ختمت بها الجزء الأول من الكتاب. وكان قد قام مجلس الأمة في ذلك العام – وهو أول مجلس نيابي بعد قيام الثورة – وحدثت أزمة فيه- وقد أوردتها في الباب الأول من هذا الجزء كما حدثت وكما سجلتها في يومياتي.

والأحداث سيتوالى ورودها بعد ذلك حسب تسلسلها التاريخي – منها الوحدة الاندماجية مع سوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة – كيف قامت والدوافع لقيامها – وما جرى من أحداث أثناء قيامها كالاضطرابات الطائفية في لبنان، وقيام الثورة العراقية، وثورة الموصل أو الشواف – ثم انفصال سوريا عن مصر عام 1961 – وكيف حدث هذا الانفصال – تطوراته وأسبابه وتأثير ذلك على فكر القيادة السياسية في مصر.

وكذا أوردت في هذا الجزء من الكتاب الخلافات التي حدثت بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر – وأسبابها وما وصلت إليه. وكذلك أسباب اعتزالي الحياة العامة واستقالة كمال الدين حسين عام 1964، والمناقشة التي دارت بيننا وبين جمال حول أسلوب الحكم. وقد اختتمت هذا الجزء بحرب يونيو 1967 – أحداثها التي شاهدتها، وما جرى يومي 9و10 يونيو.

وإني لآمل بهذا النشر عن بعض وقائع ثورتنا أن أكون قد أديت واجبًا نحو شباب مصر – ولعله يستفيد منه – وأن يتعلم من أخطائنا. وأن يعمل على تدعيم إيجابيات الثورة وحمايتها ممن يحاولون إجهاضها. وعليه أن يضيف إليها وأن يزيد من تلك الإيجابيات عندما تؤول إليه مسئولية قيادة هذا الوطن العزيز علينا جميعًا.


الباب الأول: أزمة مجلس الأمة

كان قد نص في الدستور الدائم لمصر والذي استفتى عليه الشعب في يونيو 1956 على انتخاب مجلس الأمة يمثل السلطة التشريعية في البلاد. وقد تأجل انتخاب أعضاء هذا المجلس ولم ينعقد إلا في 22 يوليو 1957 بسبب حرب السويس التي قامت على أثر تأميم مصر للقناة.

وكان قد تم الاتفاق بين أعضاء مجلس قيادة الثورة أثناء مناقشة مشروع هذا الدستور قبل الاستفتاء عليه على أن أقوم بترشيح نفسي لرئاسة هذا المجلس عندما يتم انعقاده. وقد رحبت بهذا الترشيح منهم ولم أعترض عليه لاعتقادي أنه لو توفرت حياة نيابية سليمة في مصر وقام المجلس بدوره كاملاً في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية ومساءلتها لكان هذا كفيلاً بتوفير الأمن والاستقرار السياسي في البلاد. وكنت أعتقد أن رئاستي للمجلس ستستمر طوال فترة قيامه وهي خمس سنوات. وأن تلك المدة ستتيح لي فرصة المساهمة في إقامة حياة نيابية سليمة في مصر وهي هدف أساسي من أهداف الثورة. وظل هذا الأمل يراودني بعد أن تم انتخابي رئيسًا للمجلس في أيوم لانعقاده. وظل كذلك إلى أن حل في فبراير 1958 بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر.

وقد بدأ المجلس يزاول نشاطه ويمارس سلطاته الدستورية بهمة ونشاط منذ اليوم الأول لانعقاده. وكنت أتعاون مع زملائي من أعضاء المجلس في العمل على تثبيت بعض التقاليد والمبادئ لحياتنا النيابية الجديدة لتصبح نواة للمجالس النيابية الأخرى التي ستلي مجلسنا بعد انتهاء فترته، وعلى أمل أن المجالس الأخرى ستعمل هي أيضًا على تثبيت تلك التقاليد وتزيد عليها بما يدعم حياتنا النيابية وليصبح الشعب عن طريقها هو صاحب السلطة الحقيقية في البلاد.

وكان عدد أعضاء هذا المجلس 350 عضوًا ومن ضمنهم اثنتنان من السيدات. ولم يكن يجمع هؤلاء الأعضاء أي ارتباط سياسي سابق سواء بينهم وبين أنفسهم أو بينهم وبين الثورة والقائمين عليها. ولم يتم انتخابهم كذلك عن طريق تنظيمات سياسية معينة وإنما كان كل عضو منهم في الغالب يمثل نفسه ولا يمثل اتجاهًا سياسيًّا معينًا إلا في القليل النادر منهم. ولم يكن هناك وحدة فكر متوفرة بينهم وإنما كانت الغالبية منهم متعاطفة مع الثورة ومتجاوبة معها.

ولما لم يكن هناك أي التزام أو ارتباط سياسي بين تلك المجموعة وبين السلطة القائمة على الحكم لذا كان الأمر يحتاج إلى جهد ومثابرة في محاولة قيادتها والتفاهم مع أعضائها حتى يمكن تحقيق ذلك الهدف. وكان لزامًا علي أن أعمل على توفير الثقة بين هذه المجموعة وبيني كرئيس لها حتى يمكن تحقيق ذلك الهدف. وأن نسعى لإيجاد نوع من التفاهم والتجانس بيننا كمجموعة عمل مطلوب منها تحقيق هدف هام. وأن نحاول أيضًا كمجموعة أن نضع لأنفسنا بعض القواعد والضوابط التي تساعدنا على تثبيت بعض التقاليد والمبادئ التي نود أن تصبح قاعدة لنا في حياتنا النيابية.

ولم تكن المهمة بالسهلة ولكن كان علينا أن نبدأ وندخل التجربة، على أن نصحح أخطائنا أثناء ممارستنا لمسئولياتنا.

ولم يكن قد مضى وقت طويل على قيام المجلس حتى بدأت شخصيته تتضح وتتبلور لما كان يبذله أعضاؤه من جهد. وقد شعر الوزراء أعضاء السلطة التنفيذية بدور المجلس وإصراره على ممارسة حقه في محاسبتهم ومتابعة ما يجري داخل الأجهزة التنفيذية التابعة لكل منهم.

وتلك الصورة من الجدية للمجلس وأهمية الدور الذي يقوم به اتضحت أيضًا للشعب نفسه فأخذ يتابع باهتمام ما يجري داخل المجلس وما يكتب عن نشاطه في الصحف اليومية. وبدأ الأعضاء أنفسهم يحسون باهتمام الشعب بدورهم وتقديره لجهودهم وكان هذا مشجعًا ودافعًا لهم في الاستمرار بالقيام بدورهم كاملاً.

كما أن روح الزمالة والأخوة والألفة بينهم كانت قد بدأت تتزايد على مر الأيام حتى أصبحوا بعد فترة قصيرة كأسرة واحدة، هدفهم جميعًا أن يؤدي المجلس دوره وأن يحافظ على ثقة الشعب فيه. كما زادت أيضًا الثقة بين أعضائه وبيني.

هذه كانت الصورة التي وصل إليها أول مجلس نيابي قام بعد الثورة. وقد تم ذلك في فترة قصيرة من الزمن لا تتعدى بضعة شهور. كانت تلك الصورة تعطي أملاً كبيرًا فيه لو استمر على هذا الحال طوال فترة قيامه. ولكن هذا الأمل لم يدم. وذلك عندما تعرض المجلس لأول تجربة من الضغط وقعت على بعض من أعضائه لاتخاذ موقف يتعارض مع الدستور. وكان الواجب يحتم عليهم التصدي لهذا الضغط ومقاومته – ولأهمية ذلك الموضوع من الناحية التاريخية أرى أن أورده هنا باختصار مستخلصًا مما جاء في يومياتي.

كان وزير الزراعة عبد الرزاق صدقي قد تناول في بيان وزارته إلى المجلس مشروع مديرية التحرير الخاص باستصلاح واستزراع بعض الأراضي الصحراوية غرب دلتا النيل. وقد تقدم العضو بالمجلس محمد رشدي النحال أثناء مناقشة بيان الوزير بطلب تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق فيما يثار حول هذا المشروع من تبذير في أموال الدولة من القائمين على تنفيذه، ودراسة عما إذا كان هو مشروع ناجح أو فاشل حتى تتضح الصورة الحقيقية عنه للمجلس وللشعب كذلك. وقد أخذ المجلس قرارًا بإحالة المشروع على لجنة الزراعة به للقيام بدراسته وموافاته برأيها فيه.

سؤال من سيد جلال:

وهذه الصورة عن المشروع التي كانت مختمرة في أذهان أعضاء المجلس لم تكن إلا انعكاسًا لما يدور من أحاديث بين أفراد الشعب وما يثار ويشارع حول ذلك المشروع –على أنه مشروع فاشل وأن هناك استغلال وإساءة في التصرف في الأموال المرصودة له –حتى أنه عندما ما تقدم العضو سيد جلال في نهاية شهر أكتوبر 1957 بسؤال وزير الزراعة عن ذلك المشروع يطالبه فيه بموافاة المجلس بتكاليف استصلاح الفدان بهذه المديرية وعدد الموظفين التابعين لها بكل من القاهرة والأسكندرية – وكذا عدد السيارات التي تقوم باستخدامها وتكاليف تشغيلها وصيانتها إلى آخر مثل هذه البنود المتصلة بطبيعة المشروع – فقد لقي السؤال منه استحسانًا شديدًا من جمهور الشعب بل واعتبر أن سيد جلال بطلاً ليتقدم بمثل هذا السؤال.

وكان سيد جلال نفسه قد تقدم إلي بسؤال آخر بعد تقديم سؤاله السابق بعدة أيام وموجه منه أيضًا إلى وزير الزراعة ويسأله فيه – عما إذا كان صحيحًا أن بعضًا من أعضاء مجلس الأمة يتولون وظائف في مديرية التحرير رغم أن قانون عضوية المجلس يمنع الجمع بين الوظيفة والعضوية بالمجلس. ولما سألته عن أسماء هؤلاء الأعضاء الذين يشير إليهم في سؤاله لم يكن يعلم من أسمائهم إلا اسمًا واحدًا ولكنه أفاد أنه يرغب بسؤاله التأكد من صحة هذه الشائعة أو عدم صحتها وذلك حفاظًا منه على كرامة أعضاء المجلس.

وقد قمت بإدراج هذا السؤال بجدول أعمال المجلس. كما أخطرت به جمال عبد الناصر والخطوة التي اتخذتها وضرورة التصدي لهذا الانحراف من هؤلاء الأعضاء إن تبين صحة ما جاء بالسؤال – وتجاوب معي جمال في هذا الاتجاه تجاوبًا كاملاً.

ولما نشر هذا السؤال المقدم من سيد جلال في الصحف أثار ضجة خاصة بين أعضاء مجلس الأمة أنفسهم حرصًا منهم على كرامتهم. وتحمسوا ضد هؤلاء الأعضاء الذين سمحت لهم نفوسهم بقبول العمل بالمشروع رغم تشكك المجلس في بعض تصرفات القائمين عليه ومطالبتهم بالتحقيق فيما يثار حوله من أقاويل وإشاعات.

ولم يكن قد نشر بالجريدة التي قامت بنشر السؤال أسماء الأعضاء المقصودين به ولكن بعد يومين من نشره قامت جريدة الأهرام بنشر أسماءهم التي لم يكن لدي علم بها حتى تلك اللحظة وقد قرأت أسماءهم بها كاي مواطن آخر. وذكرت الجريدة أسماء كل من إسماعيل نجموأحمد أبو عوفوحيرم الغمراوي – والدكتور محمود القاضي.


الوزير سيقدم استقالته:

وكنت قد طلبت من وزير الزراعة عبد الرازق صدقي موافاة المجلس ببيانات هذا الموضوع بعد تقديم السؤال مباشرة. وكان ذلك يوم 2 نوفمبر 1957، ولكنه أبلغني أنه سيتقدم باستقالته من الوزارة قريبًا للعمل في هيئة التغذية الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة. ولكنني حملته مسئولية تقديم تلك البيانات المطلوبة منه ما دامت مسئوليته لا تزال قائمة. وفي اليوم التالي لهذا الحديث معه أرسل إلي صورة خطاب أرسله إلي مجدي حسنين عضو مجلس الإدارة المنتدب للمشروع، وعضو مجلس الأمة كذلك، ومن ضمن الضباط الأحرار أيضًا، وقد طالبه فيه بتقديم تلك المعلومات المطلوبة والواردة في السؤالين المقدمين من سيد جلال. وعلمت أن وزير الزراعة قد تقدم في نفس اليوم أيضًا بخطاب إلى رئيس الجمهورية يطلب منه فيه قبول استقالته. وحتى يوم 4 نوفمبر 1957 لم يكن قد وصلني أية معلومات رسمية من السؤالين عندما أثير الموضوع بالمجلس وطلب إجراء تحقيق فيه كما سيرد بعد.

وكان قد زارني في مكتبي بالمجلس عدد كبير من الأعضاء يوم 2 نوفمبر على أثر ما نشر في الصحف. وكان تحمسهم شديدًا لإسقاط عضوية المجلس عن زملائهم الأعضاء الذين قبلوا العمل بالمشروع. بل وكان الكثير منهم يطالب بضرورة تنحية هؤلاء الأعضاء فورًا عن العضوية وقبل أن يتخذ المجلس قرارًا في الموضوع. كما أن هؤلاء الأعضاء قد أثاروا أيضًا موقف مجدي حسنين من هذه المخالفة وصلته بها. وقد شبهوا تلك الصلة بينه وبين هؤلاء الأعضاء موضوع السؤال – كالصلة القانونية بين الراشي والمرتشي وضرورة محاسبة كليهما، باعتبار أن مجدي هو الراشي في هذه الحالة بغرض دفع هؤلاء الأعضاء إلى الدفاع عن المشروع بالمجلس.

ولما وجدت تلك الروح من الأعضاء اتصلت بجمال عبد الناصر وأبلغته باتجاههم وتحمسهم ضد زملائهم الذين قبلوا العمل بالمشروع ونحو مجدي كذلك الصفة التي وصفوه بها – ووافق جمال على هذا الاتجاه منهم وضرورة التخلص من هؤلاء الأعضاء ومن مجدي أيضًا لأنه على حد قوله قد أثر عليه الشيوعيين وأصبح ينفذ سياستهم. ولكنه أي جمال كان يرى أنه من المستحسن أن لا تظهر وكأننا نعمل على دفع أعضاء المجلس إلى التخلص من مجدي، وعلينا أن نتركهم يسيرون في هذا الاتجاه المتحمسين له. ولكنني كنت في حديثي مع أعضاء المجلس أشعرهم باتجاهي وضرورة محاسبتهم محاسبة عسيرة. وأذكرهم بمسئولياتهم نحو تحقيق هدف رئيسي من أهداف الثورة – وهو إقامة حياة نيابية سليمة، وأن التهاون منهم في هذا الموضوع ربما يتلوه تهاون آخر ثم الانحراف والبعد عن تحقيق ذلك الهدف السامي. وأنه من الواجب علينا أن نقوم أنفسنا بأنفسنا. وأن نعمل على المحافظة على ثقة الشعب فينا، وأن نؤكد له أننا قادرون على تحمل مسئولية تحقيق هذا الهدف. وكان واضحًا أن أغلبية أعضاء المجلس على قناعة كاملة بضرورة إسقاط العضوية عن هؤلاء الأعضاء موضع السؤال إن ثبتت إدانتهم.

ولكن في يوم 3 نوفمبر 1957 وهو اليوم السابق لانعقاد المجلس بعد عودته من العطلة الصيفية كان قد وصلني خطابًا موقعًا عليه من مجدي حسنين وبعض أعضاء لجنة الشئون الصناعية بالمجلس منهم الدكتور محمود القاضي، وأحمد أبو عوف، وسعد خضر، ومحمد قاسم، وبعض أعضاء آخرين. وقد جاء في خطابهم "أن بعض الجرائد دأبت أخيرًا على التقول على بعض أعضاء المجلس بما يمس كرامتهم وتسعى هذه الصحف إلى إيجاد الفرقة بين أعضاء المجلس ورئيسه، ونطلب منكم المحافظة على كرامة أعضاء المجلس واتخاذ الإجراءات فورًا والكفيلة بحماية الأعضاء من هذه الصحف – على أن يعرض هذا الخطاب على المجلس في أول انعقاد له أي يوم 4 نوفمبر لاتخاذ قرار في هذا الشأن ولإبلاغه الإجراءات التي اتخذتها".

ولقد وجدت في خطابهم هذا الفرصة لفتح موضوع السؤال الخاص بهؤلاء الأعضاء الذين قبلوا العمل بالمشروع، وعدم انتظار رد وزير الزراعة عليه الذي سيطول نظرًا لاستقالته، وحتى يتمكن المجلس من أخذ قرار فيه ووضع حد له وإنهائه، وقمت بإبلاغ جمال عن الخطاب الذي وصلني من مجدي وهؤلاء الأعضاء وأفصحت له عن اتجاهي ومن أنني سأقوم بإثارة الموضوع في المجلس دون انتظار رد وزير الزراعة، واقترحت عليه أن يقوم بإصدار قرار باستبعاد مجدي عن وظيفته بالمشروع بعد هذا الذي حدث منه. وعلى أن يصدر هذا القرار قبل يوم 4 نوفمبر أي قبل انعقاد المجلس، وذلك حتى لا يعتقد أعضاء المجلس خطأ أن مجدي مسنود من جمال نفسه. ولقد اتفق معي في هذا الرأي، وقام بإصدار قرار استبعاد مجدي في نفس اليوم قبل الظهر، وأمر بإذاعته في نشرة أخبار الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر، وابتهج الشعب بهذا القرار، وكسب جمال من ورائه مكسبًا شعبيًّا، ذلك لأنه كان هناك شعور عام من أغلبية أفراد الشعب بعدم الرضى عن طريقة مجدي في إدارته لمشروع مديرية التحرير.

مجدي حسنين يبكي:

ولكن بعد ظهر يوم 4 نوفمبر اتصل بي جمال وأبلغني أن مجدي حسنين قد ذهب إ ليه وأخذ يبكي ويقول له: "لماذا تعمل كده – لماذا تقتلني" كما أبلغه أن زوجته ووالده في حالة انهيار عصبي. ولما رأى جمال ذلك قام بالاتصال بهما وطمأنهما، وطلب من مجدي أن يذهب إلى استراحة القناطر الخيرية ويبقى بها ولا يغادرها إلا بأمر منه. ولكنني طلبت منه ضرورة تواجد مجدي في اجتماع المجلس الذي سينعقد مساء نفس اليوم لأن الأمر يتطلب من مجدي أن يقوم بالدفاع عن نفسه أمام المجلس عندما يثار موضوع الخطاب المرسل إلي منه ومن الآخرين. وقد وافقني جمال على هذا الرأي. وأبلغ مجدي أن يقوم بحضور اجتماع المجلس. ونبه عليه بعدم الكلام فيه إلا إذا طلب منه المجلس ذلك. وقبل أن ينعقد المجلس بخمس دقائق وكنت بمكتبي ومعي زكريا محيي الدين وأنور السادات وعلي صبري علمت من زكريا أن الاتجاه –على حد قوله- هو أن يطلب من الوزراء الامتناع عن التصويت في موضوع فصل هؤلاء الأعضاء من عضوية المجلس إن كان سيأخذ قرارًا في هذا الشأن في تلك الجلسة. وأن هذا الاتجاه الذي أشار إليه هو رأي جمال عبد الناصر. ولكنني أوضحت لزكريا أن لائحة المجلس تنص على ضرورة أن يقوم العضو الممتنع عن التصويت بتفسير سبب ذلك الامتناع – وتساءلت كيف سيفسر الوزراء هذا الامتناع منهم. فأجابني – يقال إن الحكومة ترى أن ينبثق هذا القرار من المجلس نفسه. وعندما أوضحت له أن كل وزير عضو بالمجلس لا يعتبر في هذه الحالة ممثلاً للحكومة- فقد قام بالاتصال تليفونيًّا بجمال وأبلغه بهذا الرأي الذي ذكرته، فرد عليه جمال بقوله: "يوافق الوزراء على إسقاط العضوية عن الأعضاء ولا يوافقوا على إسقاطها عن مجدي". وتكلمت مع جمال وأبلغته أن هذا الموقف من الوزراء إن تم سؤخذ على النظام وسيؤثر على سمعته، وأنه يمكنه فيما بعد العمل على إيجاد حل لمشكلة مجدي بطريقة أخرى. كما تكلم معه كل من أنور وعلي صبري في هذا الاتجاه الذي ذكرته له كذلك. وتحدث إلي جمال ثانية بعد حديثهما معه وتساءل عما إذا كان من الممكن علاج موضوع مجدي بعد ذلك – وأن إضافة إسقاط عضوية المجلس عنه فيها قسوة، ولكنني ذكرت أن ليس أمامنا من حل غير ذلك الحل لأن أعضاء المجلس يحملونه نفس المسئولية التي يأخذونها على الأعضاء الآخرين الذين قبلوا العمل بالمشروع. وتم اتفاقنا في نهاية الحديث على محاولة جعل المجلس يؤجل أخذ قراره في فصل هؤلاء الأعضاء إلى ما بعد رفع الجلسة للاستراحة حتى يتسع لنا الوقت للتفكير في حل مناسب يمكن به إنقاذ مجدي من هذا الوضع وعدم فصله من عضوية المجلس.

كان هذا هو اتجاه جمال مساءً يوم 4 نوفمبر قبل افتتاح جلسة المجلس مباشرة رغم أنه كان قد اتصل بي تليفونيًّا بعد ظهر ذلك اليوم ولكنه لم يكن قد غير رأيه بعد إلى هذا الاتجاه الجديد، ولم أعرف بهذا الاتجاه الجديد منه إلا من زكريا قبل انعقاد المجلس مباشرة حتى أننا تأخرنا في افتتاح الجلسة مدة ربع ساعة عن موعدها نتيجة هذا الاتصال التليفوني معه. وفي تلك الجلسة كان لكل أعضاء المجلس متواجدين تقريبًا، وحتى شرفات الزائرين لم يكن فيها مكان خال، والكل متوقع أن هناك حدثًا سيثار، ذلك لأن الصحافة كانت قد نوهت بذلك.

وبعد أن افتتحت جلسة المجلس أشرت في حديثي إلى الأعضاء عن الرسالة التي وردت إلي من مجدي ومن زملائي الأعضاء الآخرين، وتلوت عليهم أسماء الموقعين عليها، ثم تلوت الرسالة نفسها. وبعد انتهائي من تلاوتها قلت: "قبل أن ندخل في تفسير مضمون الرسالة والقصد منها، أحب أن أخبر المجلس أنني أشعر أن كرامتي من كرامة الأعضاء، وأنني أعمل على الحفاظ على كرامة كل عضو في المجلس كمحافظتي على كرامتي تمامًا – وواجب كل فرد منا أن يعمل على المحافظة على كرامته لأن كرامته من كرامة هذا المجلس – ولكن من لا يحافظ من الأعضاء على كرامته لا يمكنه أن يطالبني بأن أعمل على الحفاظ على تلك الكرامة، بل أرى أن من واجب المجلس أن يطالب كل عضو فيه أن يعمل على المحافظة على كرامته لأن تصرفات كل منهم تنعكس على المجلس كله". ومستطردًا في حديثي بأن الصحافة حرة وحريتها مقدسة عندنا جميعًا، وأن هناك قانونًا يحدد وينظم العلاقة بينها وبين الأفراد، وأنه في حدود هذا القانون يمكن مساءلة الصحافة. وعند هذا الحد أنهيت كلمتي، وطلبت من الأعضاء الموقعين على تلك الرسالة أن يشرحوا للمجلس الغرض من هذه الرسالة والقصد منها. وأن يحددوا تلك الموضوعات التي أثارتها الصحافة واعتبروها ماسة بكرامة الأعضاء. وأن يشرحوا للمجلس أيضًا كيف تعمل الصحافة على الوقيعة بين أعضاء المجلس ورئيسه كما جاء برسالتهم.

وعلى أثر ذلك قام العضو أحمد أبو عوف وهو أحد الموقعين على الرسالة وطلب الكلمة، كما أنه أيضًا أحد الأعضاء الذين وردت أسماؤهم في جريدة الأهرام من أنهم يعملون بمشروع مديرية التحرير. وقد بدأ يتكلم وهاجم الصحافة وعلى أنها تثير موضوعات تمس كرامة الأعضاء في المجلس ولكنه كان يحاول في نفس الوقت الابتعاد عن فتح أو الإشارة إلى موضوع الأعضاء الذين يعملون بالمشروع. ولكن تحت ضغط أعضاء المجلس ومطالبتهم له بذكر الأسباب التي دفعتهم إلى إرسال تلك الرسالة اضطر إلى الإفصاح عن الدافع وراء ذلك وهو ذكر أسماء من يعملون بالمشروع على صفحات الجرائد.

ولقد أخذ بعض أعضاء المجلس بعد هذا الإفصاح منه يسألونه عن صحة الخبر، وعما إذا كان يعمل فعلاً بالمشروع من عدمه. فبدأ يدافع عن نفسه وبحالة من الانفعال والعصبية لشعوره بأنه قد تورط فعلاً في هذا الأمر ولا يجد لنفسه المبرر المقنع ليرد به على زملائه مما أثار الشفقة عليه في نفوس الأعضاء جميعًا وفي نفسي كذلك.

اعتذار للمجلس:

وقام من بعده ليتكلم الدكتور محمود القاضي، وأخذ هو كذلك يدافع عن نفسه ذاكرًا أنه قبل العمل بالمشروع علنًا ولكنه لم يكن يعلم أن في هذه مخالفة قانونية، ومن أنه يعتذر للمجلس عن هذا الخطأ الذي صدر منه والذي وقع فيه بحسن نية، وكرر اعتذاره له عدة مرات، وكنت أحس الصدق في كلامه، وأحسنت بعطف المجلس عليه كذلك.

ثم طلب العضو إسماعيل نجم الكلمة. وأخذ يدافع عن نفسه، وأنكر إنكارًا باتًا أنه يعمل بالمشروع وتحدى الحكومة في ذلك – ولما سألته عن بيانه الذي كان قد نشره في الصحف من أنه يعمل فعلاً مستشارًا قانونيًّا لمديرية التحرير – أجاب بأن هناك تحريف فيما نشره، ومن أنه سيتناول هذا في دفاعه. ولكنه لم يشر إليه. ولم يحصل على عطف أحد من زملائه أعضاء المجلس لأنهم كانوا يعلمون أنه لم يذكر الحقيقة. وقد وضح ذلك فيما بعد من التحقيق.

وبعد أن انتهى الثلاثة من كلمتهم تناول بعض أعضاء المجلس هذا الموضوع بلتعليق عليه من الناحية الدستورية، كما تقدم البعض الآخر منهم باقتراح إسقاط العضوية عن مجدي حسنين والأربعة أعضاء الآخرين. كما اقترح بعض آخر منهم إجراء تحقيق في هذا الموضوع، وعلى أن يقوم المجلس بإصدار قراره بعد الاستماع إلى تقرير اللجنة التي ستباشر هذا التحقيق المقترح، وعرضت على المجلس تأجيل اقتراح إسقاط العضوية عنهم والنظر في تشكيل لجنة للتحقيق، ووافق المجلس على ذلك بأغلبية الأصوات. وأوكل الأمر إلى لجنة الشئون الدستورية بالمجلس لإجراء هذا التحقيق المطلوب. وعلى أن تتقدم إلى المجلس بتقريرها في جلسة يوم الأربعاء 6 نوفمبر 1957.

وبعد أن انتهى اجتماع المجلس اتصل بي جمال تليفونيًّا وتحدثنا فيما دار في الجلسة، وكان قد استمع إليها عن طريق الجهاز الموصل بين قاعة المجلس ومكتبه بالمنزل، وطلب مني في ختام حديثنا أن أقوم بالمرور عليه بمنزله في صباح اليوم التالي وأنا في طريقي إلى مكتبي بالمجلس.

أعضاء في منزل جمال:

وفي يوم الثلاثاء 5 نوفمبر ذهبت إلى جمال في الصباح والتقيت به. ولكنني لاحظت أثناء دخولي إلى منزله أن هناك بعض من أعضاء مجلس الأمة الذين أصلاً من الضباط الأحرار متوجهين إلى المنزل الذي يشغله حرس جمال وسكرتاريته الخاصة والمواجه مباشرة لمنزله. وفي أثناء حديثي مع جمال وكان متواجدًا زكريا محيي الدين اقترحت عليه استبعاد إسقاط العضوية عن هؤلاء الأعضاء بعد ذلك الموقف الصعب الذي واجهوه في اليوم السابق في المجلس أمام زملائهم، وأن في هذا درس كاف لهم، وأنه يكفي لومهم فقط إن ثبتت إدانتهم خاصة وأن البعض من أعضاء المجلس نفسه كانوا قد أصبحوا غير متحمسين لإسقاط العضوية عنهم خوفًا من أن يقفوا هم أنفسهم هذا الموقف نفسه في المستقبل وشعورهم أيضًا بهذا الخطر. وكان زكريا متفقًا معي في هذا الرأي، وقد لمس عطف الأعضاء عليهم أثناء دفاعهم عن أنفسهم أمام المجلس.

وقمت بالانصراف من منزله مع زكريا وتوجهنا إلى مكاتبنا. وفي أثناء تواجدي بمكتبي حضر إلي بعض الأعضاء من المجلس وكان قد مضى حوالي ساعتين من انصرافي من عند جمال. وأبلغني هؤلاء الأعضاء أن هناك شائعات تدور بين أعضاء المجلس على أن اتجاه الرئيس جمال هو عدم اتخاذ أي إجراء مع هؤلاء الأعضاء موضع التحقيق، وأنه لا يرضى عن هذا الذي يجري، ولا يوافق على هذه القسوة، وأن البغدادي قد تصرف دون علمه بذلك. كما علمت من بعض أعضاء آخرين أيضًا أن هناك ضغطًا على أعضاء اللجنة القائمة بالتحقيق – لجنة الشئون الدستورية بالمجلس – من العضو محمد فهمي السيد، وهو المستشار القانوني لرئيس الجمهورية أيضًا، وأنه يتكلم باسم الرئيس وعلى أنه أي الرئيس يرغب في تسوية الموضوع وذلك بأن تعتبر مديرية التحرير مؤسسة خاصة لا عامة حتى لا يصبح هناك مخالفة قانونية من هؤلاء الأعضاء موضع التحقيق رغم أن ميزانية مديرية التحرير من الأموال العامة ومدرجة بميزانية الدولة وخاضعة لرقابة المجلس.

لم أصدق:

ولم أصدق ما سمعته من هذه الشائعات. وأن جمال هو الذي يقف وراء ما يجري – لذا قمت بالاتصال به تليفونيًّا وأبلغته عما يدور بين الأعضاء من شائعات، وعن موقف مستشاره القانوني داخل اللجنة الدستورية القائمة بالتحقيق، ولكنه أخبرني أنه قام فعلاً باستدعاء بعض من أعضاء المجلس ومن الذين يثق بهم – على حد قوله- وذاكرًا لي أسماء لطفي واكد وحمدي عبيد وكمال رفعت ومحمود الجيار وإبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة وعدة أسماء أخرى. وأنه قد طلب منهم الاتصال بباقي أعضاء المجلس والعمل على اتخاذ قرار يدين هؤلاء الأعضاء، وأن ذلك بغرض إنقاذ مجدي حسنين على حد تعبيره. ولقد ضايقني هذا التصرف منه خاصة وأنني كنت معه في الصباح ولم يشأ أن يبلغني بما انتواه، وحاولت أن أفهم ماذا يرمي من وراء هذه الخطوة. وكان قد نتج عن هذا الموقف وما يشاع بين الأعضاء بلبلة فكر بينهم لأنه كان قد سبق وقيل لهم لابد من تطهير أنفسنا من مثل هذه العناصر وضرورة اتخاذ قرار حاسم بشأنهم حتى نضمن استمرار حياة سلمية وهي هدف كبير، ولكن اليوم يطلب منهم الاعتداء على الدستور، والعمل على حماية انحراف واضح قد حدث فعلاً، وأن يغير الوضع القائم بمديرية التحرير وأن تعتبر مؤسسة خاصة لا تملكها الدولة، لا لشيء إلا لحماية انحراف قد حدث.

وكان الضغط على أعضاء لجنة الشئون الدستورية لا يزال مستمرًا حتى صباح الأربعاء 6 نوفمبر 1957، وبعض أعضاء تلك اللجنة قد تهربوا من حضورها تجنبًا لهذ الموقف الشائك كالأستاذ فتحي الشرقاوي، ولكن صديقه صلاح دسوقي اتصل به بأمر من جمال ليؤثر عليه حتى ينضم للرأي القائل بأن مديرية التحرير مؤسسة خاصة وهو كان يصر على موقفه. ولكنني عند الظهر وقبل مغادرتي لمكتبي علمت بأن الضغط قد انتصر في النهاية وحقق غرضه. وأن الغالبية من أعضاء اللجنة قد استسلمت لهذا الضغط الواقع عليهم واعتبرت اللجنة أن مديرية التحرير مؤسسة خاصة، وبدأت تعد تقريرها الذي ستعرضه على المجلس في المساء على هذا الأساس الجديد – وبذا يصبح تصرف هؤلاء الأعضاء لا غبار عليه إن أقر المجلس هذا التقرير الذي ستعرضه عليه اللجنة.

الأغلبية توافق:

وفي مساء يوم 6 نوفمبر انعقد المجلس، وقد تواجدت الأغلبية العظمى من أعضائه، ولم يتخلف أحد منهم إلا القليل جدًا، بل وامتلأت أيضًا شرفات المجلس بالزائرين، وقام مقرر اللجنة الدستورية السيد/ يواقيم غبريال بتلاوة تقرير اللجنة على المجلس، واعتبرت أن مديرية التحرير مؤسسة خاصة، وأن التصرف الذي حدث من هؤلاء الأعضاء موضع التحقيق في حدود القانون، ولا مأخذ عليهم فيه. وأخذ رأي المجلس على تقرير اللجنة وما ورد فيه. فوافقت عليه الأغلبية المطلقة. ولكنني أعلنت أن القرار بالإجماع تهكمًا مني على هذا الوضع الغريب، ولم يجرأ أحد من أعضاء المجلس على مناقشة تقرير اللجنة أو مخالفتها في الراي بعد أن حاول العضو شعبان الاعتراض عليه وقيام بعض الأعضاء بمهاجمته وقولهم له – هل تأكل لحم أخيك ميتًا. ولم يتمكن بل ولم يتمالك نفسه بعد ذلك من الاستمرار في إبداء رأيه فصمت ثم جلس رغم محاولتي حمايته منهم عسى أن يشجع موقفه آخرين. ولكن حدث أن كل من تكلم – وعددهم قليل- كان تأييدًا منهم لتقرير اللجنة.

وقدرت أن المجلس بعد هذا الموقف منه لابد سيفقد الكثير من هيبته ومن تقدير الشعب له. لأنه حتى لو كانت مديرية التحرير مؤسسة خاصة كما جاء بتقرير اللجنة، لكن هناك خطأ أدبي على الأقل قد وقع فيه هؤلاء الأعضاء لقبولهم العمل بها وهي موضع تحقيق من المجلس.

وكنت خلال تلك الجلسة التي أعلنت فيها اللجنة تقريرها أحاول أن أكون هادئ الأعصاب حتى لا يظن خطأ كما كان يثار من أدوات الضغط أن لي اتخاهًا خاصًا لخلافات شخصية بين مجدي وبيني – مع أن من يطلع على مضابط جلسات المجلس في أثناء مناقشته لهذا المشروع وما أثير حوله يجد أن موقفي من مجدي ومن المشروع ذاته مخالفًا تمامًا لما يدعون.

مخالفة الدستور:

وكنت قد فضلت لنفسي الانتظار والاحتفاظ برأيي في الاعتراض على هذا القرار الذي اتخذه المجلس إلى الجلسة التالية له، ذلك لأنني وجدت أن هناك تحسمًا شديدًا ومفتعلاً من كثير من الأعضاء لقرار اللجنة – وقدرت أنني لن أتمكن من إبلاغ وجهة نظري إلى المجلس بالصورة التي أرضاها مع هذا الحماس المفتعل. وقد رأيت أنه من الأفضل أن أنتظر حتى يتضح لأعضاء المجلس مدى الخسارة التي وقعت عليهم عندما يحسون باهتزاز ثقة الشعب فيهم بعد أخذهم ذلك القرار. وأنه عندئذ يمكنني أن أعلن عن رأيي من قرار المجلس وأن أتقدم باستقالتي، وذلك لأن المجلس قد ارتكب مخالفة دستوري بأن اعتبر مديرية التحرير مؤسسة خاصة لا عامة رغم علمه أن الأموال المخصصة للإنفاق عليها هي من الأموال العامة ومدرجة في ميزانية الدولة وخاضعة أيضًا لرقابة المجلس نفسه.

استقالة كمال حسين:

وفي يوم الخميس 7 نوفمبر أي في اليوم التالي لقرار المجلس أرسل إلي كمال الدين حسين خطابًا يبلغني فيه استقالته من عضوية مجلس الأمة. ولما اتصلت به تليفونيًّا لأستفسر منه عن سبب تلك الاستقالة – قال إنه لا يحب أن يستمر عضوًا في المجلس بعد أن اتخذ هذا القرار الخاص بمديرية التحرير. ولما طلبت منه الاتصال بجمال وإبلاغه بقراره اعتذر. ولما أكد على ضرورة إبلاغ المجلس بها في أول اجتماع له وعدته بذلك إن لم يقم هو بطلب سحبها قبل مساء يوم الاثنين 11 نوفمبر، وهو موعد انعقاد المجلس، وقمت بإبلاغ جمال تليفونيًّا عن استقالة كمال حتى لا يعتقد خطأ أنني قد تعمدت إخفائها عنه إن لم أعلم بها.

وحتى مساء يوم 11 نوفمبر لم يكن كمال قد طلب مني سحب تلك الاستقالة. وأما بالنسبة لموقف من استقالتي فكان القرار لا يزال قائمًا حتى ذلك المساء، ولم أعلم به أحدًا غير زوجتي التي أبلغتها بما انتويته. وقد وجدت منها تفهمًا لموقفي وتشجيعًا لي على ما استقر عليه رأيي. وقد تعمدت عدم إبلاغ أحد به وأن يظل سرًّا حتى لحظة إعلانه على أعضاء المجلس حتى لا أعطي فرصة لاتخاذ ترتيبات التصدي لما أنا مقدم عليه.

جلسة سرية:

وفي ذلك المساء بعد أن بدأت الجلسة أعلنت على المجلس رسالة السيد كمال الدين حسين الخاصة باستقالته. وقد قامت ضجة على أثر إعلانها من بعض الأعضاء، فمنهم من يود معرفة سبب هذه الاستقالة ومنهم من يطلب من المجلس رفضعها وعدم قبولها، ومنهم من يثير دستورية حق المجلس في قبول الاستقالة من عدمه. ولم يكن كمال موجودًا في الاجتماع حتى يفسر لهم سبب تقديم الاستقالة. وقد رأيت أن أوضح للأعضاء أنه طبقًا للائحة المجلس فإن من حق كمال أو أي عضو يتقدم بالاستقالة أن يعلمهم فقط بها، وليس من حق المجلس قبولها أو رفضها. وعندما ذكرت ذلك طلب مني أحد الأعضاء أن أعمل على إقناع كمال بسحب تلك الاستقالة. ورددت عليه بأن لدي أنا الآخر رسالة أود إبلاغها أيضًا إلى المجلس. وفهم البعض من الأعضاء ماذا أقصد بهذه الكلمة. وفوجئت بصياح البعض منهم ممن كانوا يقومون بنشاط بتوجيه من جمال أثناء تلك الأزمة، وكان صياحهم يطالب أن تكون الجلسة سرية. وأخذوا يصيحون في نفس واحد – "جلسة سرية – جلسة سرية" وظلوا كذلك فترة. ورددت عليهم بقولي: "لابد أن تكون علنية حتى يعلم الشعب الحقيقة، ومن حقه أن يعلمها". ولكنهم استمروا في صياحهم بطلب سرية الجلسة.

الذي يرأس الجلسة:

ولما كانت اللائحة الداخلية تحتم على رئيس المجلس في حالة ما إذا رغب في الكلام في موضوع معروض على المجلس أن يترك منصة الرئاسة لأحد الوكلاء وأن تقدم إلى المنبر ليتحدث إلى الأعضاء من فوقه – لذا طلبت من وكيل المجلس أن يصعد إلى المنصة ليتولى رئاسة المجلس حتى أتمكن من التحدث إلى الأعضاء وأبين لهم الأسباب التي تدفعني إلى تقديم استقالتي، ولكنه ظل ملتزمًا مكانه بين الأعضاء ولم يستجيب لطلبي، واضطررت إزاء هذا الموقف منه أن أترك منصة الرئاسة وأن أتوجه إلى المنبر. وهنا فقط تحرك وكيل المجلس وصعد إلى المنصة وتولى رئاسة المجلس.

ووقفت على المنبر، وانتظرت حتى يهدأ الأعضاء المثيرين لتلك الضجة – ولكن صياحهم استمر مطالبين بإعلان سرية الجلسة. وطلب الوكيل أخذ رأي المجلس في علنية المجلس أم سريتها، وبدأ بأخذ الرأي حول سريتها – فوافقت الأقلية – حسب تقديري – ولكنه أعلن أنها الأغلبية، واعترضت مصرحًا بأنها أقلية، ومطالبًا بأن تقوم سكرتارية المجلس باحتساب عدد الموافقين على السرية وعدد المعترضين عليها حتى يتبين أين تقف الغالبية – ولكنه لم ينظر إلى اعتراضي وتغاضى عن اتخاذ هذه الخطوة.

ولما رأيت أن الأقلية في المجلس قد انقلبت وأصبحت هي الأغلبية لذا قلت موجهًا كلامي إلى أعضاء المجلس: "إنني كنت أود أن أوجه كلمتي إلى الشعب من فوق هذا المنبر ولكن طالما أن الأقلية قد انقلبت وأصبحت هي الأغلبية – لذا فإنني سأمتنع عن الكلام".

وتركت المنبر وغادرت قاعة الاجتماع وتوجهت إلى مكتبي بالمجلس. وعندما دخلت إلى مكتبي وجدته به زكريا وحسين الشافعي، وفهمت منهما أنهما سمعا ما دار في اجتماع المجلس عن طريق مكبر الصوت الموجود بالمكتب والمتصل بالقاعة. ولقد صاح حسين الشافعي عند دخولي إلى الغرفة قائلاً: "ما هذا الذي فعلته لقد شرخت جدار الثورة". ورددت عليه ببعض الانفعال. وأما زكريا فقد لامني لأني لم أخبرهما بنيتي وهما كانا معي قبل التوجه إلى الاجتماع.

"يعني نشيله":

ولم يكن قد مضى لحظات على دخولي المكتب حتى سمعت ضجة خارج الباب وفهمت أنها من بعض الأعضاء وأنهم يرغبون في الدخول إلى الغرفة، ولكن حرس المجلس كان يقف حائلاً دون ذلك ففتحت لهم الباب وطلبت منهم الدخول. وكان عددهم كثير والكل يتكلم في وقت واحد وفي حالة من الانفعال والتأثر ويرجونني أن لا أقدم على هذه الخطوة التي انتويتها. ولكنني أخذت أبين وأشرح لهم الأسباب التي تدفعني إلى اتخاذ هذا الموقف، وذاكرًا ما كنت أنوي أن أذكره لهم في الاجتماع. وكانت الأغلبية منهم متفقة معي على أن هناك خطأ قد وقع باتخاذ المجلس هذا القرار الذي يعتبر قرارًا غير دستوري، ولكنهم طالبوا مني أن أضحي في سبيل الوطن، وأن أنسى كرامتي بحجة أن استقالتي سيكون لها ضرر بليغ. وحاولت أن أوضح لهم خطورة هذا القرار الذي اتخذه المجلس، وأن المجلس باتخاذه هذا القرار إنما قد وضع به أول مسمار في نعش أسمى هدف من أهدافنا، وهو إقامة حياة نيابية سليمة، وأنه لهذا السبب كان لابد من أن يدق ناقوس الخطر حتى نفيق وننتبه لأنفسنا. ولكنهم أخذوا يلحون ويضغطون علي لأستبعد خطوة الاستقالة من ذهني، ومطالبين بالتضحية بنفسي في سبيل الإبقاء على كيان المجلس. واستمر هذا الحوار لفترة طويلة حتى أرهقت وشعر الأعضاء بهذا الإرهاق الذي انتابني فعملوا على إدخالي غرفة الاجتماع الملحقة بمكتب رئيس المجلس حتى أستريح بها، ودخل معي زكريا وحسين الشافعي وعلي صبري وأغلق الباب علينا. ولقد أخذ زكريا بعد أن انفردنا بأنفسنا يتحدث معي وكأن ما حدث ليس خلافًا على مبدأ أساسي من مبادئ ثورتنا وإنما كأنه خلاف شخصي بين جمال عبد الناصر وبيني. وقد قال في سياق المناقشة والانفعال يملؤنا "انت عارفه – دماغه ناشفة – يعني نشيله". وكان يقصد بهذا جمال. وعلى ما يظهر أن علي صبري كان قد أبلغ جمال بما حدث وذكر له كلمة "نشيله" التي جاءت على لسان زكريا، وقد تسبب عن ذلك سوء علاقة بين جمال وزكريا لفترة طويلة بعد ذلك.

وكنت قد علمت بالأمر فيما بعد من جمال. وكان قد ذكر لي أنه على أثر سماعها أمر صلاح دسوقي بأن يتولى أمور وزارة الداخلية بدلاً من زكريا، وأنه كان ينوي تعيينه وزيرًا لها، ولم يتراجع عن ذلك إلا عندما ذكر له علي صبري أن هذا التصرف منه ربما يؤول على أن ذلك العمل ما هو إلا ترضية منه للروس باعتبار أن زكريا متعاطفًا مع الأمريكان.

هذا ما حدث في مكتبي بعد أن غادرت قاعة الاجتماع، أما المجلس نفسه فقد ظل مجتمعًا يبحث عن حل، وقد كلف أكبر الأعضاء سنًا بالتوجه إلي ومعه بعض الأعضاء للتوسط في إنهاء المشكلة – وأخذوا يلحون علي للتراجع عما كنت قد انتويته. كما أخذ أعضاء اللجنة الدستورية خاصة مقررها السيد/ يواقيم غبريال يشرح لي دستورية اعتبار مديرية التحرير مؤسسة خاصة. وأن اللجنة لم تتخذ هذا القرار إلا عن اقتناع. وأن الثغرة على حد قوله في القانون. وأنه يجب أن يعدل حتى تسد تلك الثغرة. وتحت هذا الضغط من الزملاء أعضاء المجلس، وبعدما تأكدت أن ما كنت أبغيه من دق ناقوس الخطر قد تحقق، رأيت أن أستجيب لهم وأن أعتبر الموضوع قد أصبح منتهيًا عند هذا الحد. ولكنهم صمموا على أن أعدهم بحضوري جلسة اليوم التالي. ولما وعدتهم بذلك أخذوا يقبلونني، وقد تأثرت من هذا الشعور وأحسست أننا أصبحنا أسرة واحدة في وقت قصير.

وقد طلب مني بعض الأعضاء أن أنوب عنهم لدى كمال الدين حسين لإقناعه هو الآخر بسحب استقالته. ولكنني اقترحت عليهم التوجه إليه بمنزله ومقابلته وطلب ذلك منه. واتصل بي كمال تليفونيًّا في نفس المساء وتبين لي أنه لم يكن بمنزله عندما توجه الأعضاء إليه – ولذا لم يتقابل معهم. كما أبلغني أنه علم بما جرى في المجلس من جمال عبد الناصر. وسألني عما إذا كان أنور قد أبلغني بعدم تقديم خطاب استقالته إلى المجلس أم لا – ولما أجبته بالنفي – ذكر أن المقدر قد حصل. وعلمت منه أنه كان قد سبق واتفق معه جمال على سحبها، وطلب من أنور أن يبلغني ذلك، ولكنه لم يفعل ولا أعرف السبب.

مقابلة مع جمال:

وبعد أن تم الاتفاق مع أعضاء المجلس واعتبر أن الموضوع قد أصبح منتهيًا عند الحد الذي وصل إليه غادرت مبنى المجلس كما غادره معي كل من أنور وزكريا وحسين الشافعي وعلي صبري. وعندما هممت بركوب سيارتي قفز فيها محمود الجيار. وذكر أن الريس قد أوصاه أن يبلغني بأنه يرغب في لقائي في نفس الليلة، وأنه قد أمره بعدم تركي إلا إذا ذهبت إليه. ولكنني ذهبت إلى منزلي رافضًا الذهاب معه. وبقي معي محمود الجيار بمنزلي وقد أخذ يلح علي في أن أذهب للقاء جمال – ورأيت أنه ربما يكون من الأفضل أن يتم هذا اللقاء بيننا، فذهبت إليه.

وعندما دخلت إلى مكتبه وجدت معه زكريا وأنور وعلي صبري. وقد فوجئوا بوجودي بينهم. فقام جمال وقابلني مصافحًا، وقد ظهر عليه السرور لأنه على ما يظهر لم يكن متوقعًا مني أن أستجيب لتلك الرغبة منه. وعندما دخلت عليهم كان الحديث يدور بينهم حول ذلك الخلاف الذي جرى في المجلس – وهذا أمر طبيعي – وقد قطع عندما دخلت عليهم الغرفة – وكان زكريا هو الذي يتحدث إليهم، وأراد أن يقطع الحرج الذي حدث بعدم الاستمرار في الاسترسال فيما كانوا يتحدثون فيه – فقال: "أصلنا بنبحث عن الحلول "Objective" الهادفة –وسكت. ثم بدأ الحديث بين جمال وبيني عن الأسباب التي دفعتني لاتخاذ هذه الخطوة، فقلت إن قرار المجلس الخاص بمديرية التحرير واعتبارها مؤسسة خاصة فيه مخالفة دستورية، وما حدث يعتبر هدم في هدف أساسي من أهدافنا وهو إقامة حياة نيابية سليمة، وكان يجب علي أن أدق ناقوس الخطر. ولأنني شعرت أيضًا أنني لن أكون أمينًا إذا كنت قد أحسست بهذا الإحساس ولمست هذه الخطورة ورغم ذلك أستمر أجلس على كرسي رئاسة المجلس دون أن أحاول درء هذا الخطر، ولكنه لم يرد على تلك النقاط التي ذكرتها، وإنما نقل حديثه عن أن طلب إسقاط العضوية عن مجدي حسنين لم يتفق عليه بيننا. فذكرته بحديثي معه حول الموضوع عند بدايته. وشعور الأعضاء نحو مجدي واعتباره شريكًا فيما حدث وأنه شبه بالراشي، وما ذكره هو في حينه من أنه يرى التخلص منه بعد أن ضمه الشيوعيون إليهم، وأنه طلب فقط أن لا نظهر بأننا ندفع الأعضاء نحو هذا الاتجاه. ولم أشأ أن أذكر بأنه هو شخصيًّا قد أخبر علي صبري بذلك الاتجاه، وأن علي قام بإبلاغ وجيه أباظة بذلك أيضًا، على أنه توجيه من الريس نفسه حتى يقوم بإقناع أعضاء المجلس عن مديرية الشرقية الذي هو أحدهم بذلك الأمر – كما وأن صلاح دسوقي كان هو الآخر قد ذكر لي أيضًا أن علي صبري أبلغه بأن هذه هي توجيهات جمال. ولكن الغريب أن جمال سأل علي صبري أثناء تلك المناقشة بيننا عما إذا كان قد سمع عن أنه يريد ذلك أو أن هذا كان هو اتجاهه – فكان رد علي صبري بالنفي بإشارة من رأسه. وقد حركها يمينًا ويسارًا وهو موجه نظره إلى الأرض. وقد أدهشني هذا الأمر من علي، وكان من السهل علي أن أقوم بإحراجه ومواجهته بما أعلمه من وجيه ومن صلاح، ولكنني لم أحاول. وقلت لجمال كيف يمكن لي أن أقوم بإخبار شقيقك الليثي بهذا الاتجاه إن لم نتفق عليه سويًّا مع علمي أنه يبيت عندك بالمنزل ولابد أنه سيخبرك.

كما ذكرته أيضًا بموقف الطحاوي وطعيمة عندما جاءا إلي بمكتبي بالمجلس وأخبراني بتوجيهات جمال إليهما – وهي إسقاط العضوية عن مجدي والأعضاء الآخرين، ومن أنهما سيعملوان على الاتصال بأعضاء المجلس لتحقيق هذا الغرض. كما عتبت عليه أنه عندما رأى أن يغير رأيه فقد قام بالاتصال ببعض أعضاء المجلس صباح يوم الثلاثاء بغرض الضغط على أعضاء اللجنة الدستورية وأعضاء المجلس حتى لا يتخذ إجراء ضد الأعضاء موضع التحقيق رغم وجودي عنده بمنزله في صباح نفس اليوم وأنه لم يشأ إبلاغي بما انتواه. ولكنه رد بأنه يعتقد أنه قد أبلغني – فذكرته بحديثي التليفوني معه بعدما سمعت ما كان يدور حول هذا الموضوع في أروقة المجلس بعد عودتي من زيارته.

ولكن كان كل الذي يهم جمال في هذا اللقاء أن لا أصر على استقالتي من المجلس لأن هذا – على حد قوله- هزة للنظام وإظهار أننا فشلنا في تحقيق هدف إقامة حياة نيابية سليمة. ولذا فقد حاول إقناعي بضرورة الاستمرار في رئاسة المجلس. وقد استجبت إلى هذا الرأي الذي سبق واستقر رأيي عليه من قبل.

وقد توجهت في مساء اليوم التالي الثلاثاء 12 نوفمبر إلى اجتماع مجلس الأمة. وقد حياني أعضاء المجلس عند دخولي قاعة المجلس بالتصفيق ورددت عليهم تحيتهم. ووجهت إليهم كلمة بمناسبة ما حدث. وقد ضمنتها كل المعاني التي كنت أريدها، وداعيًا أن يوفقنا الله لما فيه خير وطننا.

وفي هذه الجلسة قرأت عليهم الرسالة الموجهة إليهم من كمال الدين حسين والتي يطلب فيها سحب استقالته من المجلس، وقد صفق لهذا الأعضاء.

تعيين الأعضاء:

وبهذا الخطاب وكلمتي إلى المجلس أسدل الستار على تلك الأزمة، وقد استمر المجلس بعدها يؤدي دوره لشهور قلائل إلى أن حل بعد قيام الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا في شهر فبراير 1958. وقد أقيم مجلسًا جديدًا مشتركًا من السوريين والمصريين في يونيو 1960 بعد قيام دولة الوحدة، وتم تعيين أعضائه بقرار من رئيس الجمهورية. وتولى رئاسة ذلك المجلس الجديد أنور السادات. وظل قائمًا إلى أن حدث الانفصال بين سوريا ومصر في 28 سبتمبر 1961.

وكان من المفروض أن يقوم مجلس أمة جديد منتخب في مصر في يناير 1963 بعد أن أعلن الميثاق الوطني وأقر من المؤتمر العام للاتحاد القومي في مايو 1962. ولكن انتخاب ذلك المجلس الجديد كان قد أجل عدة مرات حتى يتم تنظيم الإتحاد الإشتراكي العربي الذي حل محل تنظيم الإتحاد القومي. وقد أجل لذلك من يناير 1963 إلى يوليو من نفس العام إلى فبراير من العام التالي وأخيرًا تم انعقاد المجلس في 26 مارس 1964.

وقبل انعقاد هذا المجلس بأيام قليلة كنت قد تقدمت باستقالتي في يوم 16 مارس، وقررت اعتزال الحياة العامة لأسباب سيأتي ذكرها في موضعها من التسلسل التاريخي للأحداث. كما استقال أيضًا في نفس الموعد كمال الدين حسين.

الباب الثاني: الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا

1-مساندة مصر لسوريا عام 1957 ضد التهديدات الخارجية.

2-تمزق داخلي داخل سوريا.

3-قرار مجلس القيادة العسكري السوري بالوحدة مع مصر.

4-الاتفاق على قيام الوحدة الاندماجية بين سوريا ومصر.

5-اقتراح جمال أن أتولى رئاسة المجلس التنفيذي في سوريا.

6-سفر جمال إلى سوريا لأول مرة.

7-قيام اتحاد بين العراق والأردن.

8-قيام اتحاد بين اليمن والجمهورية العربية المتحدة.

9-إجبار الملك سعود على التنازل عن سلطاته إلى شقيقه الأمير فيصل.

10-إعلان الدستور المؤقت لدولة الوحدة الجديدة.

11-زيارة جمال لموسكو في مايو 1958.

12-اضطرابات طائفية في لبنان.

13-قيام الثورة العراقية.

14-إرسال أمريكا قوات عسكرية إلى لبنان.

15-إرسال إنجلترا بعض وحداتها العسكرية إلى ممكلة الأردن.

16-تأييد الجمهورية العربية المتحدة للثورة العراقية وسفر جمال إلى موسكو سرًّا من يوغوسلافيا.

17-موقف روسيا من الثورة العراقية.

18-عودة جمال من موسكو.

19-عودة الهدوء إلى المنطقة.

20-مهاجمة جمال للشيوعيين السوريين.

21-استقالة اللواء البزري من رئاسة أركان الجيش السوري.

22-تشكيل لجنة عليا لدفع عجلة الإنتاج في سوريا.

23-قبضة عبد الحميد السراج البوليسية على سوريا.

24-روح التذمر في الجيش السوري.

25-رسالة من الملحق البحري السوري في الاتحاد السوفيتي.

26-تعيين عبد الحكيم حاكمًا في سوريا.

27-استقالة بعض الوزراء السوريين.

28-تردي الوضع في سوريا.

29-القرارات الإشتراكية في يوليو 1961.

30-تعيين السراج نائبًا لرئيس الجمهورية لشئون الأمن الداخلي.

31-تصادم السراج مع عبد الحكيم في سوريا.

32-استقالة السراج.


الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا

كانت القلاقل السياسية قد بدأت تنتاب سوريا بعد أن نالت استقلالها وذلك بعد الحرب العالمية الثانية، وقد تعرضت في خلال الفترة ما بين عام 1949 ونهاية عام 1951 إلى ثلاثة انقلابات عسكرية. وأما الانقلاب الرابع بها فقد قام عقب استقالة شكري القوتلي رئيس الجمهورية. وقاد هذا الانقلاب الشيشكلي، وقد ظل مسيطرًا على البلاد حتى فبراير من عام 1954 إلى أن تكتلت ضده الأحزاب السياسية في سوريا وتعاونت مع بعض ضباط الجيش الوطنيين على التخلص منه. وكانت الفرصة قد حانت لهم عندما أصدر الشيشكلي بعض القرارات الإدارية التي تحتم نقل بعض رؤساء شعب الجيش إلى إدارات أخرى أقل أهمية. وعلى أثر اصداره تلك القرارات قام الضباط مصطفى حمدون بإعلان عصيان قواته الموجودة في منطقة قطنة، كما أعد زميله الضابط طعمة العودة الله مدرعاته أيضًا الموجودة في منطقة درعا للتحرك. ولما رأى الشيشكلي أن الموقف قد تدهور إلى هذا الحد وأنه أصبح مهددًا قام بمغادرة سوريا ليلاً إلى القاهرة على متن إحدى الطائرات الحربية.

وبعد أن غادر الشيشكلي سوريا اجتمع مجلس الوزراء مع عقداء الجيش للعمل على تصفية ذلك الموقف حتى تستقر الأحوال في البلاد، وتم الاتفاق في هذا الاجتماع على تكوين مجلس قيادة عسكري مكون من أربعة وعشرين ضابطًا. كما تقرر أيضًا تعيين اللواء عفيف البزري رئيسًا لأركان حرب الجيش. وأجريت أيضًا الانتخابات البرلمانية في البلاد. وأسفرت عن نيل حزب البعث الاشتراكي على أغلبية أصوات الناخبين. وخسر فيها حزب الشعب كثيرًا من دوائره الانتخابية. كما نجح في تلك الانتخابات أيضًا – ولأول مرة – خالد بكداش الشيوعي المعروف.

وفي عام 1955 أجريت أيضًا انتخابات في سوريا لشغل منصب رئيس الجمهورية الذي كان لا يزال شاغرًا. وقد تم انتخاب شكري القوتلي. وكان لمصر دور في إنجاحه.

ولما كان الجيش السوري في حاجة شديدة إلى السلاح خاصة بعد مهاجمة القوات الإسرائيلية لبعض المواقع فقد اتجهت سوريا إلى روسيا لشراء احتياجات جيشها منها بعد أن كسرت مصر احتكار السلاح. وقد أزعج هذا التصرف منها الولايات المتحدة، واعتقدت أن سوريا متجهة إلى الشيوعية، أو أنها على وشك السقوط في حبائلها. لذلك دفعت كل من تركيا والعراق إلى حشد قواتها العسكرية على حدود سوريا المشتركة معها لإسقاط النظام القائم بها وللعمل أيضًا على إحلال نظام آخر بديلاً عنه تضمن ولاءه لها.


تركت مصر:

وفي أغسطس من عام 1957 عاودت كل من تركيا والعراق الكرة مرة أخرى وحشدتا قواتهما العسكرية على حدود سوريا بحجة أنها أصبحت أداة للاتحاد السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط. واتهمت روسيا تركيا بأنها تعمل على مساندة الولايات المتحدة في التدخل في شئون سوريا. وتحركت مصر أيضًا لمساندة شقيقتها سوريا ضد هذا الخطر الذي يهددها. وأعلنت بيانًا يوم 9 سبتمبر 1957 أعربت فيه عن وقوفها بجانب سوريا ضد أي اعتداء يقع عليها. ولم تكتف مصر بهذا البيان الذي أعلنته وإنما قامت في منتصف أكتوبر بتحريك بعض من وحداتها العسكرية إلى سوريا عن طريق ميناء اللاذقية لتقف تلك الوحدات بجانب القوات السورية، ولتؤكد مصر بذلك أيضًا تصميمها على تلك المساندة التي سبق أن أعلنتها ضد هذه التهديدات.

ولم تكن تلك الوحدات العسكرية التي أرسلتها مصر إلى سوريا إلا وحدات رمزية أكثر منها قوات عسكرية لها ثقلها ووزنها العسكري. وقصد من إرسالها إعطاء معنى المشاركة ضد هذه التهديدات وليس التصدي الفعلي لها. ولكن هذا التحرك من جانب مصر كان له أثره الفعال في نفوس الكثيرين من السوريين خاصة بعد أن انسحبت القوات التركية من على الحدود السورية بعد وصول القوات المصرية بفترة وجيزة.

وكان لهذا التحرك أيضًا أثره على الكثيرين من ضباط الجيش السوري وعلى السياسيين السوريين كذلك. وزاد اقتناعهم أن أمن سوريا وصالحها يتطلب ضرورة ارتباطها مع مصر في وحدة أو اتحاد بين البلدين. وكان هذا الاقتناع قد زاد بعد أن أصبح جمال عبد الناصر في نظر الشعب السوري بل والشعب العربي كافة بطل القومية العربية وحامي حماها بعد موقفه من كسر احتكار السلاح، وبعد تأميم قناة السويس والحرب التي تلتها والانتصار السياسي الذي أعقبها.

وكانت سوريا قد أصبحت معرضة للتمزق الداخلي مع تلك التهديدات الخارجية ومع الصراع الدائم بين القوى السياسية المختلفة في البلاد حول ضرورة قيام اتحاد بينها وبين مصر أو بينها وبين إحدى الدول العربية الأخرى حتى تضمن أمنها واستقرارها.

وكان هذا الصراع الداخلي قائم بين ثلاث قوى ولكل منها اتجاهها ومصالحها. والأولى منها كانت تتمثل في فريق السياسيين التقدميين، وعلى رأسهم حزب البعث الإشتراكي السوري، وكذا الضابط الوطنيين. وكان هذا الفريق مقتنعًا بأن أمن سوريا واستقرارها مرتبط بقيام اتحاد مع مصر.

وأما الفريق الثاني من هذه القوى فكان يتمثل في اليمينيين من الساسة السوريين. وكان أغلبهم يسعى إلى إقامة هذا الاتحاد مع العراق، ويساندهم في هذا الاتجاه حاكم العراق القوي نوري السعيد وكذا دول الغرب.

وأما ثالث هذه القوى فهو فريق الوسط من السياسيين الذي كان يفضل أن تظل سوريا وتبقى بعيدة عن كل من مصر والعراق. وكان يساند هذا الفريق الملك سعود بن عبد العزيز الذي كان يرى أن في ذلك مصلحة للمملكة العربية السعودية.

وفد برئاسة أنور:

وفي أثناء هذا الجو المشحون بالتوتر في البلاد بسبب تلك التهديدات الخارجية والصراعات السياسية الداخلية قام وفد برلماني من مجلس الأمة المصري بزيارة سوريا بدعوة من مجلس النواب السوري الذي كان يرأسه أكرم الحوراني أحد زعماء حزب البعث الاشتراكي وذلك في نوفمبر من عام 1957. وقد استقبل الوفد المصري هناك استقبالاً شعبيًّا رائعًا لما كان لمصر من مكانة في العالم العربي بعد تلك المعارك التي خاضتها والتي تصدت فيها لقوى الغرب وانتصرت إرادتها عليهم. وكان يرأس هذا الوفد المصري أنور السادات وكيل مجلس الأمة حينذاك. وقد عقد الوفد المصري جلسة مشتركة مع النواب السوريين في مبنى البرلمان السوري وأصدرا بيانًا مشتركًا في نهاية الاجتماع دعيا فيه إلى قيام اتحاد فيديرالي بين سوريا ومصر. وقد أبلغ هذا الأمر منهم في نفس اليوم الذي صدر فيه إلى مجلس الأمة المصريي الذي كان منعقدًا هو الآخر. وعندما عرض عليه البيان المشترك. قام هو الآخر بإعلان بيان عبر فيه عن تأييده للبيان الذي صدر منهما وموافقته عليه.

وكان مجلس القيادة العسكري السوري قد اجتمع في يناير 1958 لبحث ذلك الموقف المتمزق داخل سوريا وكذا تلك التهديدات الخارجية المستمرة التي تهدد استقلال البلاد وأمنها. وفي نهاية الاجتماع استقر رأيهم على أن الحل لمقابلة تلك التهديدات الخارجية ومواجهة تلك المشاكل الداخلية هو قيام وحدة مع مصر. وبعد أن توصلوا إلى هذا القرار استقل أربعة عشر ضابطًا منهم طائرة عسكرية وعلى رأسهم رئيس الأركان عفيف البزري المعروف بميوله الشيوعية، وتوجهوا بها إلى القاهرة والتي وصلوا إليها ليلاً. واجتمعوا فور وصولهم بعبد الحكيم عامر وأبلغوه بالقرار الذي استقر عليه رأيهم وأسباب مجيئهم إلى القاهرة.

قرار مجلس القيادة السوري:

أما الأعضاء الباقون من مجلسهم فقد ظلوا في دمشق – وتوجه ثلاثة منهم في صباح اليوم التالي، وهم عبد الحميد السراج وأحمد عبد الكريم والنافوري لمقابلة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، وقاموا بتسليمه مذكرة من مجلس القيادة، وقد أشير فيها إلى القرار الذي اتخذه المجلس، والإجراء الذي تم من سفر زملائهم إلى القاهرة. وهذا التصرف منهم ضايق شكري القوتلي وأغضبه منهم، ولكنه خضع إلى الأمر الواقع، وقام باستدعاء مجلس الوزراء إلى الاجتماع لعرض الأمر عليه.

وعندما اجتمع المجلس اعترض خالد العظم رئيس الوزراء على الطريقة التي اتبعها مجلس القيادة دون التشارو مع الحكومة ووضعها بهذا التصرف منهم أمام الأمر الواقع. ولكن انتهى اجتماع مجلس الوزراء إلى العمل على تغطية تلك الصورة التي تمت وذلك – بإرسال وزير الخارجية السوري صلاح البيطار إلى القاهرة – وهو أيضًا من زعماء حزب البعث – للاشتراك مع وفد مجلس القيادة في المفاوضات الجارية بها حتى يأخذ الأمر صبغته الرسمية.

أما مجموعة ضباط القيادة التي وصلت إلى القاهرة فقد توجهت مع عبد الحكيم بعد مقابلته إلى منزل جمال عبد الناصر لعرض الأمر عليه – وعلى أساس قيام وحدة بين البلدين كقرار مجلسهم.

جمال يعارض الوحدة الفورية:

ولكن جمال اعترض على قيام الوحدة الفورية بين البلدين وفضل عليها قيام اتحاد فيديرالي ولمدة خمس سنوات – على أن يعاد النظر في أمر تلك الوحدة المقترحة منهم بعد انتهاء تلك الفترة.

وكان معلومًا موقف الشيوعيين في سوريا من قيام الوحدة مع مصر ومعارضتهم لها ذلك لأن مصر كانت قد عملت على الحد من نشاط الشيوعيين المصريين داخل البلاد. وكان الشيوعيون السوريون لهم نشاطهم داخل سوريا – والتنافس بينهم وبين حزب البعث الاشتراكي والذي من ضمن أهدافه قيام وحدة بين الدول العربية. وكان حزب البعث يتم الشيوعيين السوريين بأنهم يعملون ضد قيام تلك الوحدة. وحزب البعث في تلك الفترة كان يرى قيام اتحاد فيديرالي بين مصر وسوريا، وعلى أن يكون لكل إقليم في الدول المتحدة حكومته الخاصة به وكذا برلمانه أيضًا.

وكان عفيف البزري وعبد الحميد السراج قد سبق لهما مقابلة جمال في سبتمبر 1957 وعلما منه موقفه من قيام وحدة اندماجية بين البلدين، وأنه يفضل عليها قيام اتحاد فيديرالي على أن يستمر عدة سنوات قبل إتمام الوحدة الاندماجية. ولما كان عفيف البزري على علم بهذا الموقف من جمال، لذا فإنه كان شديد التحمس بين زملائه الضباط ومتبنيًا فكرة قيام الوحدة الاندماجية بهدف أن يرفض ذلك جمال. وعندما حضر وفدهم إلى القاهرة ظل البزري متمسكًا بهذا الرأي عند عرض الأمر على جمال على أمل أن يرفض الموافقة على قيام الوحدة الاندماجية وأن يظل متمسكًا بما كان قد سبق وصرح به إليه مع السراج. وكان الشيوعيون السوريون يخشون قيام هذا الارتباط مع مصر لأنه إن حدث فإنه سيهدد نشاطهم القائم في سوريا.

البزري يتراجع:

وكان جمال قد علم بحقيقة البزري وما يرمي إليه من تمسكه بقيام الوحدة الفورية، وأراد جمال على حد قوله أن يفوت على الشيوعيين السوريين غرضهم – لذا- قام بتغيير اتجاهه عند الالتقاء الثاني بوفد مجلس القيادة السوري. وأعلن لهم موافقته على دعوتهم بقيام الوحدة الاندماجية بين البلدين. وعندما رأى البزري ذلك عاد وتراجع عن تمسكه بقيام الوحدة الاندماجية واقترح أن يكتفي بقيام اتحاد فيديرالي ولو إلى حين. ولكن جمال ظل مصرا على رأيه، ومتمسكًا بقيام الوحدة. وحدث انقسام في الرأي بين أعضاء الوفد السوري بعد تراجع البزري عن قيام الوحدة الاندماجية.

وانفض هذا الاجتماع الثاني على أن يتم لقاء آخر بعد أن يتم التشاور بين أعضاء الوفد السوري، وبعد أن يستقر رأيهم بصورة نهائية على قيام وحدة أو اتحاد. وانقسم الوفد السوري على نفسه – ففريق منهم كان يرى ضرورة التمسك بقرار مجلس القيادة والخاص بقيام وحدة، وأما الفريق الآخر وعلى رأسهم البزري كان يحاول التحلل من هذا القرار وأن يكتفي بقيام اتحاد. وكان صلاح البيطار قد وصل إلى القاهرة، واجتمع بهم فور وصوله، واشترك في المناقشة، وصرح لهم برأيه الشخصي من أنه في جانب قيام الوحدة ويؤيدها رغم أن موقف حزبه والذي هو أحد زعمائه يرى أن يقوم اتحاد فيديرالي فقط.

ولما اشتد الخلاف بين أعضاء الفريقين ولم يصلا إلى قرار نهائي، فقد قاموا باستدعاء السراج من دمشق ليشترك معهم بالرأي في مناقشة الأمر، وقد عبر لهم عن رأيه من أنهم ملتزمون بقرار مجلسهم وهو الدعوة إلى قيام الوحدة. وأن أي تعديل فيه يسلتزم منهم العودة إلى دمشق لعر ضالأمر ثانية على المجلس العسكري ذلك لأنه هو وحده الذي يملك تعديل قراره السابق.

ولقد استمقر الرأي بينهم في النهاية على التمسك بقرار مجلسهم وقبول الوحدة الاندماجية مع مصر بعد أن قبلها جمال وتمسك بها.

شروط عبد الناصر:

ولما عاودوا الاجتماع مع جمال وأبلغوه بموافقتهم على قيام الوحدة بين البلدين، اشترط عليهم شرطين –وأول هذين الشرطين هو ضرورة حل الأحزاب السياسية القائمة في سوريا أسوة بالوضع القائم في مصر ذلك لأنه لا يعقل على حد قوله أن يسمح بقيام أحزاب في أحد إقليمي دولة الوحدة ولا يسمح بقيامها في الإقليم الآخر.

وأما الشرط الثاني الذي اشترطه عليهم هو ابتعاد ضباط الجيش عن الاشتغال بالسياسة أو ممارستها. ومن منهم يرغب في مزاولة هذا النشاط فعليه أن يستقيل أولاً من الجيش وأن يبتعد عنه.

ولقد وافق وفد القيادة السوري على هذين الشرطين.

وكان رأي أغلب زملاء جمال من أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين والذين عرض عليهم جمال الأمر ضد قيام الوحدة الاندماجية فورًا. وكانوا يفضلوا عليها قيام اتحاد بين البلدين. وعلى أن تتم مرحلة الوحدة بعد أن تتضح نتائج هذا الاتحاد إلا عبد الحكيم الذي كان متحمسًا بقيام الوحدة الاندماجية. أما جمال فقد علل قبوله للوحدة بعد معارضته لها لأنه علم حقيقة موقف البزري منها وغرضه من التمسك بها. كما أنه يخشى أيضًا أن يعود أعضاء وفد القيادة السوري إلى دمشق ويعلنون على الضباط السوريين هناك موقفه من الوحدة ورفضه لها – وهو لا يرغب في أن يصور موقفه على هذه الصورة – على حد قوله. كما وأن الوحدة أيضًا كانت توفر له القدرة في السيطرة على الأمور هناك والتي لن تتحقق بقيام اتحاد فيديرالي فقط، والذي به سيصبح مسئولاً عن دولة الاتحاد دون أن تكون له السيطرة الكافية على الأوضاع بها على حد تعبيره.

وعندما انتهى الأمر على تلك الصورة حضر إلى القاهرة شكري القوتلي رئيس الجمهورية وبرفقته خالد العظم رئيس الوزراء وكذا صبري العسلي رئيس حزب الشعب وبعض من المسئولين السوريين أيضًا. وقد تم عقد اجتماع مشترك بين ذلك الوفد وبين جمال وبيننا لمناقشة الأسس التي ستقوم عليها الوحدة بين البلدين وإعلان إجراءات قيامها. وقد أعد بيان مشترك من الرئيسين – جمال وشكري القوتلي – أعلن فيه الموافقة على قيام الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا. ولقد قام صبري العسلي بقراءة ذلك البيان وإعلانه على الجماهير التي تجمعت في فناء مبنى مجلس الوزراء بشارع القصر العيني وذلك في أول فبراير عام 1958.

وقد أطلق اسم الجمهورية العربية المتحدة على دولة الوحدة الجديدة – وعلى أن يجري استفتاء شعبي في كلا البلدين عن قيامها، وعلى أن يتولى جمال عبد الناصر رئاستها. وأن يكون مولد الدولة الجديدة هو 20 فبراير 1958. وقد أجرى الاستفتاء وجاءت نتيجة بالموافقة بنسبة 99.8% من عدد أصوات الذين حضروا الاستفتاء في كل من الإقليمين – الإقليم الشمالي (سوريا) والإقليم الجنوبي (مصر).

وكان جمال قد اتصل بي يوم السبت 15 فبراير 1958 وطلب أن التقى به في المساء بمنزله.

اقتراح من جمال:

وفي هذا اللقاء اقترح على جمال أن أتولى رئاسة المجلس التنفيذي المزمع قيامه في الإقليم السوري بعد أن يتم الاستفتاء على الوحدة. وكان الأمر مفاجأة لي لم أكن أتوقعه فتحفظت في الرد وقبول ما اقترحه على. ومقترحًا أن يتولى هذه المسئولية أحد السوريين ومفسرًا ذلك بحتى لا يقال أن المصرين قد استعمروا سوريا وأنهم أرسلوا من يحكمها. ولكنه ذكر أنه حتى يتلافى هذه الصورة فإنه سيعمل على أن يتولى رئاسة المجلس التنفيذي في مصر شخصًا سوريا.

فقلت: إذا كان من الضروري أن يتولى تلك المسئولية مصري فربما يكون من الأفضل أن تكون هذه الخطوة تالية بعد أن يتولاها السوري وحتى يصبح هناك المبرر إن فشل. ولأن نجاح المصري في مهمته نجاح للثورة وللوحدة أيضًا. والبدء بالسوري يتيح للمصري فرصة الدراسة والإعداد قبل توليه تلك المسئولية، وتصبح بذلك فرصته في النجاح أكثر تحقيقًا.

ولكنه قال: إن المشكلة أنه ليس هناك شخصًا سوريا يمكن أن يتولى هذا المنصب ويرضى عنه أهالي سوريا – على حد تعبيره.

ولما سألته عن صبري العسلي وإمكانية توليه هذا المنصب، اعترض عليه لأسباب ذكرها وهي تتعلق بسلوكه العام.

وعندما اقترحت عليه أكرم الحوراني وأنه شخصية يمكن الاعتماد عليها في تحمل تلك المسئولية كما أنه تقدمي وله دوره في قيام حزب البعث الاشتراكي.

أجاب: بأن كل الأحزاب هناك ضده، وأن من يؤيد حزبه من الشعب السوري لا يمثل إلا 10% منه فقط.

وعندما ذكرت اسم صلاح البيطار – اعترض عليه ذاكرًا أنه ضعيف ولا يصلح.

ولما طلبت منه أن يمهلني يومين لأفكر فيما اقترحه علي، قال: "إن موضوع الوحدة ونجاحها متوقف على هذه العملية، والناس في سوريا في انتظار المعجزات، ويعتقدون أن حل مشاكلهم سيتم في خلال 48 ساعة بعد إتمام الوحدة".

وقد أمنت على ما ذكره مشيرًا إلى ما كتبه مصطفى أمين في جريدة الأخبار بعد زيارته لسوريا حول هذا الموضوع. وهو في كلمته التي كتبها أشار إلى نفس هذا المعنى الذي ذكره جمال. وحاول جمال أن يحثني على قبول اقتراحه ويدفعني إلى الموافقة عليه. ولكنني ذكرت له أنني لا أعرف شيئًا عن سوريا ولا عن مشاكلها ولا أعرف أيضًا أحدًا بها. وأن الأمر يختلف فيها عن مصر التي عاشت مشاكلها وأعرف عادات الناس بها كما أعرف من أثق بهم، ويعرفني أيضًا الكثيرون وهم يخبروني عما يجري من أخطاء، ولكن الوضع سيختلف في سوريا. فذكر أنه قد اتفق مع جريدتي الأهرام والأخبار على أن يقوما بفتح مكاتب لهما في سوريا لتقوم بالإبلاغ عما يجري هناك. كما ذكر أن الناس في سوريا كل ما تحتاجه هو العدل لأن الجيش السوري على حد قوله قد أوجد صورة من الإرهاب في أنحاء البلاد. وقال أيضًا أن سوريا في حاجة إلى تنفيذ بعض المشروعات بها لأن الشعب هناك لم يلمس شيئًا من هذا من فترة طويلة. وأشار إلى أن البنك الدولي كان قد وضع مشروعًا لأغراض التنمية هناك منذ عام 1954. ولكن هذا المشروع لم ينفذ منه شيئًا. كما أن سوريا أيضًا كانت قد اقترضت من روسيا مبلغ أربعة ملايين من الجنيهات، ولكن نصف هذا القرض قد أنفق كمرتبات على الفنيين الروس الذين يدرسون إمكانية وضع خطة تنمية لها. وأنه أي جمال قد اقترح على السوريين العمل على إلغاء تلك الاتفاقية.

وفي نهاية حديثنا سلمني جمال مشروع الدراسة الذي قام به البنك الدولي لأطلع عليه. كما اتفقنا على أن نلتقي بعد يومين لأبلغه بقراري النهائي فيما اقترحه علي.

وفي هذا اللقاء الثاني يوم الاثنين 17 فبراير 1958 طلب مني جمال مقابلة مصطفى أمين عندما علم بأنني لا زلت عند موقفي السابق من اقتراحه وذلك حتى يطلعني مصطفى على ما لديه من معلومات. والتي كان قد قد حصل عليها أثناء زيارته لسوريا مؤخرًا. وحتى أكون رأيًّا سليمًا بعد الاستماع إليه. وكان جمال قد أرسل مصطفى أمين إلى هناك بغرض الاتصال بالهيئات المختلفة بها وكذا بالقيادات السياسية – التقدمية منها والرجعية كذلك. وقد تقابل معه جمال في اليوم السابق للقائنا هذا بعد عودته. وأعطاه مصطفى على حد قول جمال صورة سوداء عن الموقف هناك. ومقترحًا عليه تعييني أو تعيين كمال الدين حسين رئيسًا للمجلس التنفيذي السوري.

لقاء مع مصطفى أمين:

وقد التقيت مع مصطفى أمين يوم الثلاثاء 18 فبراير 1958 في منزلي، وأخذ يسرد على تلك المعلومات التي أمكن له جمعها أثناء تلك الزيارة. وقد كتبها تفصيلاً في مفكرة لديه. وهي عن الحالة العامة هناك، وعن الجيش، وعن الأحزاب المختلفة القائمة في البلاد، وكذا عن الأشخاص الذين التقى بهم من القيادات السياسية.

وقد خرجت بنتيجة في نهاية الحديث معه – وهي اقتناعي الكامل بأن إرسال أي مصري لتولي هذه المهمة في سوريا سيكون خطأ. وأن النتيجة لن تبشر بالخير.

ولم أشأ أن أترك مصطفى أمين يغادرني دون أن أناقشه اقتراحه الذي ذكره لجمال، وأن أبين له موضع الخطأ فيه.

وقد استأذن مني في إبلاغ ما ذكرته إلى جمال بعد أن أوضح أنها نقاط لها أهميتها ووجاهتها وأنه مقتنع بها.

وهي تتخلص في:

أولاً: من جهة الشكل العام فالأمر غير مقبول، وربما يكون مقبولاً اليوم في ثورة حماس قيام الوحدة، ولكنه سيستغل من المغرضين بعد مضي فترة على قيامها بغرض إثارة حفيظة السوريين، خاصة وأن الأوضاع هناك ستدفع من سيتولى المسئولية بها إلى اتخاذ بعض الإجراءات التي ربما يترتب عنها صدام مع بعض الهيئات والأفراد. فالجيش هناك ربما يصطدم به لأنه سيبعد عن ممارسته للسياسة والسلطة التي كان قد تعود عليها لعدة سنوات مضت. وكذا الأحزاب أيضًا التي ستحل اسمًا فقط ولكن نشاط أفرادها وتنظيماتها ستبقى دون شك ولكن بصورة سرية. وكذا هناك الرشوة والفساد كما قيل، وللقضاء عليهما لابد من استخدام الحزم والشدة في ممارسة الأمر هناك. كما وأنه يوجد قوانين قيل إنها لا تنفذ، والأمر يحتاج أيضًا إلى حزم وصرامة لضمان تنفيذها واحترامها. أما فساد السلطة التنفيذية هناك فستدفع من سيتولى الأمر إلى استخدام الشدة والجدية مع الموظفين حتى يضمن أن يسير العمل على ما يرام.

كل هذا سيثير أغلب الناس والهيئات وحينئذ يمكن أن تستغل من المغرضين بأن المصريين يحكمون سوريا. وأن الإقليم المصري قد قام باستعمارها خاصة إذا عمل على تنفيذ فكرة تهجير بعض الفلاحين المصريين إلى هناك لاستثمار وزراعة الأراضي الزراعية الغير مستغلة بها. أو لو تم الاستعانة ببعض المقاولين المصريين والخبراء الفنيين لتنفيذ بعض المشروعات هناك – وحينئذ ستنسى الوحدة ويفتر الحماس لها.

وأما القول بأن شخصًا سوريا سيتولى رئاسة المجلس التنفيذي في الإقليم المصري فقول مردود عليه بأن وضعه سيكون مختلفًا لأن الأحوال هنا في مصر قد استقرت ولن يصطدم السوري بأحد ولن يكون إلا صورة فقط الغرض منها تغطية شكل سرعان ما سيتضح أمره للسوريين بعد فترة وسيكون محل تعليق منهم وانتقادهم بل وضيقهم أيضًا.

ثانيًا: الحكم في أي بلد لا بد أن يستند إلى قوة. وهذه القوة ربما تكون حزبًا سياسيًّا أو أي قوة أخرى كالجيش. ولكن الوضع في سوريا بعد الوحدة سيكون شاذًّا وغريبًا. فالأحزاب القائمة بها ستحل بعد قيام الوحدة. ولن يكون هناك حزبًا سياسيًّا أو أي قوة سياسية أخرى يمكن الاعتماد عليها إلى أن يتم قيام تنظيم سياسي بها مماثل للاتحاد القومي في مصر. كما وأن الجيش قد تقرر إبعاده عن أي دور فيه ممارسة للسياسة أو السلطة وهو أمر ضروري بعد أن لاقى الشعب السوري الأمرين من إرهابه وشعوره بعدم الاستقرار والاطمئنان نتيجة تلك الانقلابات العسكرية المتعددة، بل ومطالبة الشعب السوري بالوحدة من ضمن أغراضه أيضًا التخلص من هذه الإرهاب.

وعلى أساس تلك الصورة فلن يكون هناك في سوريا من سند يؤمن الوضع والنظام بها غير إيمان الشعب السوري نفسه بالوحدة وثقتهم في جمال عبد الناصر شخصيًّا – ولكن هل هذا يكفي – خاصة بعد أن تتعدد المشاكل ولا يتحقق لهم ما كانوا يأملونه من الوحدة في زمن قصير. وهل يحوز لنا أن نلقى جانبًا شعور الشعب السوري ونستند إلى الجيش هناك كقوة ضرورية لضمان استقرار النظام بها – وما تأثير ذلك على الوحدة نفسها. أم نعتمد على حزب البعث كقوة سياسية تقدمية – وجمال تنتابه الشكوك منه ولا يمكن أن يأخذ هذه الخطوة.

ثالثًا: يقال كما ذكر أنه مطلوب تحقيق المعجزات هناك في ساعات، ومن الطبيعي أن هذا لن يتحقق، بل وأن عجلة التنفيذ نفسها لن تبدأ في المسير إلا بعد عدة شهور طويلة إلى أن تتم الدراسة ويستكمل البحث والإعداد. وهذا التأخير سيكون له رد فعله لأنه سيجيء على غير ما كانوا يتوقعون ويأملون.

رابعًا: كيف يمكن لإنسان أن يحكم شعبًا لا يعرف من عاداته شيئًا ولا من تقاليده، وليس له علم بنفسياته ولا بفلسفته في الحياة بل ولم يشاركه حياته على أرضه فترة كافية من الزمن حتى يمكنه التعرف على أحواله ومشاكله، وكيفية التصرف والتعامل معه.

خامسًا: إن تولى مصري هذه المسئولية مع وجود تلك الظروف والمشاكل فكأننا نكون كالذي استخدم احتياطي جيشه من بداية المعركة قبل أن يتعرف على خطط العدو وقوته، ولا حتى على أرض المعركة نفسها. وقد يتسبب عن فشل هذا المصري خسائر نحن في غنى عنها لو تولى الأمر شخصًا سوريا. وعلينا أن نحتفظ بالمصري كاحتياطي يمكن لنا استخدامه عند الضرورة وبعد أن يكون قد أعد نفسه إعدادًا كاملاً وتعرف على المشاكل والعادات والتقاليد هناك. وحتى يصبح هناك أيضًا المبرر الذي يسمح لنا باستخدامه بدلاً من السوري في حالة فشله – خاصة وأن الفترة الأولى من الوحدة ستكون فترة فيها تصادم مع بعض القوى التي كانت تسيطر على الأمور هناك من قبل.

سادسًا: إن تولى المصري الأمر هناك فسيكون كالشخص الذي أعصبت عينيه ووضع في مكان معين وطلب منه أن يتحرك إلى هدف محدد، وهو لا يدري شيئًا عما يحيط به. وإن أراد الوصول إلى ذلك الهدف فلابد له من أن يستعين بشخص ما تجنبًا له من التخبط، ومن الطبيعي فإنه سيتصرف طبقًا لإرشادات ذلك الشخص وتبعًا لتوجيهاته وعلى أساس ما سيدلي به إليه من المعلومات، وهو ربما لا يدري بنوايا هذا الشخص ولا اتجاهاته. وسيصبح الأمر وكأن صاحب الكلمة النهائية هو ذلك الشخص الذي سيستعين به إلى أن تزال تلك اللفافة من على عينيه. ولن تستقيم الأمور على هذه الصورة لأن الرجل المسئول أساسًا سيفقد بذلك احترامه وهيبته عند الناس لأن تلك الصورة ستكون لابد واضحة لكل ذي عينين – وهو لذلك لن يحقق الهدف الذي من أجله قد أرسل إلى هناك.

وقد انصرف مصطفى أمين بعد أن أبديت له هذه الأسباب ذاكرًا لي اقتناعه بها ومستئذنًا في إبلاغها إلى جمال.

خلاف مع السودان:

ولقد كنت على موعد مع جمال يوم الخميس 20 فبراير لمعاودة مناقشة هذا الاقتراح ولكنه اتصل بي تليفونيًّا وطلب تأجيل هذا اللقاء حتى يوم الجمعة 21 فبراير لأنه كان مجهدًا على حد تعبيره بسبب مشكلة الحدود مع السودان. وقد أبديت له تخوفي من وقوع احتكاك بيننا وبين السودانيين لو ذهبت لجان الاستفتاء على قيام دولة الوحدة لمباشرة عملها في منطقة حلايب القريبة من الحدود السودانية والمختلف عليها – وربما يحاول عبد الله خليل رئيس الحكومة السودانية استغلال هذا الموقف لإثارة المشاعر الوطنية لدى الشعب السوداني ليصبح في نظرهم البطل الذي يدافع عن حقوقهم وعن أرض الوطن ليضمن بذلك التأييد الشعبي له ولأنصاره في المعركة الانتخابية. ولكن جمال أكد لي أنه سيعمل على تجميد الموقف وأنه سيعلن ذلك. كما أنه سيمنع لجان الاستفتاء من مباشرة أعمالها في تلك المنطقة المتنازع عليها. وسيعمل كذلك على إبراز أن مصر قد اتخذت هذه الخطوة استجابة منها لعلي الميرغني و[[إسماعيل الأزهري]] حتى يشد هذا الموقف منا أزرهما في المعركة الانتخابية ضد حزب الأمة والذي يرأسه عبد الله خليل.

وفي مساء الجمعة 21 فبراير توجهت إلى منزل جمال وحضر كل من حسين الشافعي وزكريا وأنور وعبد الحكيم وكمال الدين حسين، وقد دار الحديث حول الخلاف مع السودان على منطقة حلايب والتي كانت ترسل إليها لجان الاستفتاء. وذكر جمال أنه ضغط على نفسه واتخذ الطريق الذي لا يحقق للحكومة السودانية غرضها في إثارة القلاقل والاحتكاك بهم. وأنه قام بإعلان البيان الذي جمد به الموقف إلى ما بعد الانتخابات السودانية. كما لمح في البيان على أنه لم يتخذ هذا الموقف إلا استجابة منه لرغبة الميرغني و[[إسماعيل الأزهري]]. وذكر أن هذا الموقف من جانبنا قد زاد من ارتفاع أسهم [[إسماعيل الأزهري]] والحزب الاتحادي الوطني، أما عبد الله خليل فقد تملكه الحنق والغيظ لهذه النتيجة.

وفي هذا اللقاء بيننا تم استعراض بعض النماذج المختلفة لعلم الدولة الجديد بعد اتمام الوحدة – واتفق على أن يحتفظ بشكل العلم المصري وعلى أن يضاف إليه نجمتان باللون الأخضر على الشريط الأبيض الموجود بوسط العلم كرمز إلى وحدة مصر مع سوريا. وعلى أن يضاف إليهما نجمة أخرى جديدة لكل دولة عربية تنضم إلى هذه الوحدة في المستقبل.

وفي صباح اليوم التالي السبت 22 فبراير 1958 توجهنا جميعًا إلى ميدان الجمهورية لحضور احتفالات الشباب الذي أقيم بمناسبة قيام الوحدة بين البلدين، وأعلن زكريا في هذا الحفل نتيجة الاستفتاء على الوحدة وعلى رئاسة جمال للجمهورية الجديدة الموحدة، وألقى جمال كلمة على جموع شباب الجامعات والمدارس الذي امتلأ بهم الميدان.

وفي ظهر يوم الأحد 23 فبراير التقينا في منزل جمال للنظر في التنظيمات الجديدة التي ستترتب عن قيام الدولة الجديدة، ولكننا علمنا أن جموعًا غفيرة من المواطنين قد تجمعوا عند مبنى مجلس الوزراء للإعراب عن فرحتهم بقيام الوحدة، فتوجهنا إليهم لتحيتهم. وفي الطريق إليهم أخبرني جمال وكنت أرافقه مع عبد الحكيم في سيارته أنه قد وجد الحل لمشكلة سوريا والمجلس التنفيذي – على حد قوله- وقد أشار إلى عيوب تعيين شخصًا سوريا أو مصريًّا في هذا المنصب ومبينًا الخسائر التي ستترتب عن هذا التعيين. وأن الحل الذي يراه هو أن لا يكون هناك مجالس تنفيذية، وإنما يعمل على إيجاد حكومة مركزية مقرها القاهرة مع تعيين نائبين لكل وزير في الوزارة المركزية – أحدهما لإقليم مصر والآخر منهما لإقليم سوريا، وأنه بهذا الحل ينهي المشكل على حد تعبيره، وبعد أن ألقى جمال كلمة في الجموع المحتشدة وعدنا إلى منزله قام بذكر هذا الحل الذي أخبرنا به ونحن في السيارة لباقي الزملاء، وأما موضوع اقتراحه السابق والخاص بتعييني رئيسًا للمجلس التنفيذي السوري فلم يشر إليه في حديثه كما أنني لم أحاول من جانبي إثارته.

جمال في دمشق:

وقد تم اتفاقنا في هذا اللقاء على أن يقوم جمال بالسفر إلى دمشق في اليوم التالي الاثنين 24 فبراير، وأن يستقل في سفره طائرة شركة مصر للطيران، والتي تغادر عادة القاهرة إلى دمشق في الساعة السابعة صباحًا – وعلى أن يعمل على نقل ركاب تلك الطائرة إلى طائرة أخرى بعد وصول جمال إلى المطار. وكان قد رؤي ذلك ضمانًا للأمن والسرية وأن يكون السفر إلى دمشق بصورة مفاجئة ودون ترتيب سابق ولا معلن عنه ودون إخطار أيضًا إلى دمشق.

وقد تم الاتفاق على أن يرافقه في هذه الرحلة كل من عبد الحكيم وأنور وأنا.

ولقد فوجئ المسئولون بمطار دمشق في صباح ذلك اليوم بوجود جمال بينهم بعد أن غادر الطائرة، وسرعان ما انتشر الخبر بين الموجودين في المطار، وبدأوا يتجمعون حولنا وهم في حماس شديد، واستخدمنا أتوبيس الشركة للتوجه به إلى منزل شكري القوتلي بدمشق والذي فوجئ بنا هو الآخر، وانتشر الخبر بسرعة في المدينة فتجمعت جماهير غفيرة ملأت الشارع الذي به منزل شكري القوتلي، بعد فترة وجيزة من وصولنا، وكنا نخرج إليهم من حين إلى آخر لتحيتهم، ثم ألقى عليهم جمال كلمة من شرفة المنزل، واستمرت الجماهير محتشدة أمام المنزل طوال النهار إلى أن انتقلنا منه إلى قصر الضيافة هناك للإقامة فيه.

وقد ظللنا بدمشق عدة أيام، واحتشاد الجماهير في الساحة المواجهة للقصر لا ينقطع لا ليل ولا نهار – يغنون ويرقصون- ويهتفون للوحدة ولجمال. ولم ينقطع أيضًا ورود الوفود من المدن السورية المختلفة وكذا من الشعب اللبناني وزعمائه السياسيين لتحية جمال. وكان جمال يخرج من حين إلى آخر إلى شرفة القصر ليحيي تلك الجماهير المحتشدة في الساحة وليلقي إليهم بكلمة. وظلت تلك الصورة تتكرر كل يوم تقريبًا طوال وجودنا هناك. وأعلنت حكومة العراق والأردن – في أوائل مارس 1958 – وأثناء تواجدنا في دمشق عن قيام اتحاد بينهما – ردًّا منهما على قيام الوحدة بين مصر وسوريا – وقد سمي بالاتحاد العربي. وأصبح الملك فيصل الثاني ملك العراق بموجب هذا الاتفاق بينهما رئيسًا للدولة المتحدة – ونوري السعيد رئيسًا لحكومتها وذلك بهدف الإشراف على قيام سياسة موحدة بين البلدين في الدفاع والاقتصاد والسياسة الخارجية.

وقامت الجمهورية العربية المتحدة بإعلان ترحيبها بقيام هذا الاتحاد بين البلدين، وإعلان تأييدها له، وعلى أنه خطوة على الطريق لتحقيق الوحدة العربية الشاملة، وذلك رغم تشككنا في جدية هذا الاتحاد وأنه ما قام إلا لمناوأة وحدة مصر وسوريا. ولم يكن موقف حكومة العراق وكذا شرق الأردن، وعدائهما للنظام القائم في مصر ولقيام الجمهورية العربية المتحدة بخاف على أحد. ولكننا أردنا بإعلاننا هذا الموقف أن نبين أن وحدة الدول العربية هدف قومي وأسمى من أي شيء بل وفوق كل الخلافات.

وكان الإمام أحمد إمام مملكة اليمن قد أرسل إلى دمشق ولي عهده الأمير البدر لمقابلته جمال ولإبلاغه برغبة الإمام في الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة في شكل اتحاد سمي بالدول العربية المتحدة. وكان لقيام هذا الاتحاد صداه وتأثيره خاصة على المملكة العربية المتحدة. وكان لقيام هذا الاتحاد صداه وتأثيره خاصة على المملكة العربية السعودية وعلى الملك سعود بالذات وذلك رغم أنه اتحاد شكلي.

انزعاج الملك سعود:

وكان قد أزعج الملك سعود بن عبد العزيز ملك السعودية قيام الجمهورية العربية المتحدة، ومثله في ذلك أيضًا ملك العراق وملك الأردن وكميل شمعون رئيس جمهورية لبنان. وكان الملك سعود يخشى على مملكته من هذا التطور التقدمي السريع في المنطقة وذلك التحمس الجماهيري لهذا التطور. وكان يخاف أيضًا من شعبية جمال عبد الناصر وتأثيرها على جماهير الشعب العربي – لذا- عمل على الاتصال بعبد الحميد السراج بغرض إقناعه أن يقوم بإحداث تلف أو تخريب في الطائرة التي سيستقلها جمال عند عودته إلى القاهرة حتى تسقط به ويختفي بذلك من على المسرح السياسي العربي وذلك مقابل مليونين من الجنيهات تعطى للسراج. وقد رأى السراج أن يتمشى مع رسول الملك في العرض المقدم منه، وعلم على تسجيل كل ما دار من أحاديث بينهما. وكان السراج منذ البداية قد أبلغ جمال بهذا الاتصال. وبعد أن استلم السراج صك بمبلغ مليون من الجنيهات من مندوب الملك سعود قام جمال وأعلن عن تلك المؤامرة في كلمة ألقاها على الجماهير المحتشدة أمام قصر الضيافة بدمشق، وكان لإعلانه عنها دويًّا مؤثرًا، الأمر الذي جعل الأمراء السعوديين يتقدمون إلى الملك سعود بطلب التنازل عن سلطاته لولي العهد الأمير فيصل بن عبد العزيز، وأن يعينه رئيسًا للوزارة ووزيرًا للخارجية.

ولقد أعلن في يوم 5 مارس 1958 عن الدستور المؤقت لدولة الوحدة، وجاء به أن يقول مجلس أمة واحد للدولة الجديدة، وأن يكون عدد أعضائه ستمائة عضو – ربعمائة منهم يمثلون الإقليم الجنوبي (مصر) – والباقي منهم يمثلون الإقليم الشمالي (سوريا). وأن يصدر قرار تعيينهم من رئيس الجمهورية. وعلى أن يعين نصفهم ممن كانوا أعضاء في مجلس الأمة المصري ومجلس النواب السوري. وأما النصف الآخر منهم فيختار من بين أعضاء المؤتمر العام للاتحاد القومي الذي يمثل التنظيم السياسي في البلاد.

وقد جاء به أيضًا أن يمثل السلطة التنفيذية حكومة مركزية ومجلس تنفيذي لكل إقليم، وأعلن عن تشكيل أول مجلس لدولة الوحدة في يوم 6 مارس 1958.

وكان عدد وزرائه 34 عضوًا، منهم 14 سوريا. كما أعلن عن تعيين أربع نواب لرئيس الجمهورية، اثنان منهم من مصر، والآخران من سوريا، وهم عبد اللطيف البغدادي وعبد الحكيم عامر، وأكرم الحوراني وصبري العسلي.

ولقد لقب أيضًا شكري القوتلي بالمواطن العربي الأول. كما عين عبد الحميد السراج وزيرًا للداخلية في المجلس التنفيذي للإقليم الشمالي، وصلاح البيطار وزير دولة.

ولم يكن قد مضى وقت طويل على عودتنا إلى القاهرة من سوريا حتى رافقت جمال في زيارته للاتحاد السوفيتي يوم 28 أبريل 1958. وحضرنا الاحتفال بعيد العمال هناك في أول مايو. وقام الوفد بزيارة ليننجراد وأزربيجان وأزبكستان وأكورانيا. وكنت قد تخلفت عن استمرار مرافقة الوفد في مدينة طشقند لمرضى. وأمضيت المدة الباقية من الزيارة في الاستشفاء على سواحل البحر الأوسد. وقد أقمت في إحدى الاستراحات المخصصة لزعماء الحزب الشيوعي في مدينة سوتش السياحية الجميلة والتي تقع على ساحل البحر الأسود. وعدت إلى موسكو بعد أن أتم الوفد جولته في أنحاء روسيا، ثم رافقتهم في العودة إلى القاهرة.

وقد قام جمال بإلقاء خطاب في الكرملين يوم 30 أبريل بعد أن تناولنا الغداء مع زعماء الحزب الشيوعي وبدعوة من خرشوف. وأشار في كلمته إلى المساعدات الروسية التي قدمت إلى مصر، وعدم ارتباط تلك المساعدات بأية شروط سياسية أو قيد من جانب الاتحاد السوفيتي. كما أشار كذلك إلى ابتعادهم وعدم تدخلهم في الشئون السياسية لمصر المستقلة.

رعب المترجم السوفيتي:

وكانت قد جرت مفاوضات بين وفدي البلدين في بداية الزيارة، وتناولت المحادثات فيها العلاقة بين البلدين والعمل على زيادتها. كما تناولت المطالبة بإمداد قواتنا المسلحة بما تحتاجه من أسلحة. كذا منحنا بعض القروض طويلة الأجل، وتسهيلات ائتمانية للمساهمة بها في تمويل مشروعاتنا الإنمائية.

وكان قد حدث في أول يوم لهذه المحادثات أن فهمنا عن طريق المترجم الروسي أن خرشوف يطالب بالسماح للشيوعيين في سوريا من أن يعملوا بحرية أكثر، وقد تداول الوفد المصري في هذا المطلب منه بعد الانتهاء من الاجتمناع. واتفق على أن يقوم جمال باستيضاح هذا الأمر والاحتجاج عليه في الاجتماع التالي. وأثار ذلك جمال عندما التقى الوفدين ثانية وأوضح أن هذا المطلب يعتبر تدخلاً منهم في شئوننا الداخلية وهو ما نعترض عليه. ورد عليه خرشوف واستبعد أن يطلب مثل هذا الطلب، وأن الخطأ لابد قد نتج عن قصور في الترجمة، وأن مسئولية هذا اللبس الذي حدث تقع على المترجم نفسه. وأبدى استعداده ورغبته في مؤاخذته على هذا الخطأ الذي صدر منه ورأى جمال أن هذا التفسير منه كاف وليس هناك داع لمؤاخذة المترجم الذي كان قد انتابه الرعب وهو يقوم بترجمة ما دار من حديث حول هذا الموضوع.

وأعلن بيان مشترك في نهاية الزيارة من خرشوف وجمال، ولقد أشير فيه إلى حق الجزائريين والفلسطينيين في تقرير مصيريهما.

وبعد أسبوعين من عودتنا من الاتحاد السوفيتي قامت اضطربات طائفية في لبنان في نهاية شهر مايو. وكان ذلك على أثر محاولة كميل شمعون رئيس جمهورية لبنان مد مدة رئاسته إلى فترة أخرى جديدة. وكان الأمر يستلزم منه لتحقيق هذا الغرض الذي يسعى إليه ضرورة إجراء تعديل في الدستور اللبناني. ولكن المسلمون في لبنان من سنيين وشيعة وبعض المسيحيين بها أيضًا من الذين يتبعون البطريرك المعوشي تجمعوا لمقاومة ما يهدف إليه كميل شمعون. وقاد هذا التجمع صائب سلام رئيس الوزراء السابق ومعه رشيد كرامي نائب طرابلس وكمال جنبلاط زعيم الدروز.

وكان كميل شمعون وزير خارجيته مالك قد أقنعا إيزنهاور ودالاس وزير خارجية الولايات المتحدة بضرورة استمرار شمعون في رئاسة لبنان لفترة أخرى جديدة بحجة حماية مسيحي لبنان من أطماع جمال عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة، وكذا حمايتها من التغلغل الشيوعي في المنطقة. وكان كميل شمعون نفسه معروف بولائه إلى الغرب، وكثيرًا ما هاجمه جمال ووسائل إعلامنا ومشيرين إلى دوره في العمل على تحقيق مصالح الغرب في المنطقة العربية. كما كان معروفًا أيضًا أنه دون باقي رؤساء الدول العربية الأخرى الذي رفض قطع علاقات لبنان الدبلوماسية مع إنجلترا وفرنسا على أثر الاعتداء الثلاثي على مصر. والوحيد كذلك من بين الحكام العرب الذي قبل مشروع إيزنهاور لمنطقة الشرق الأوسط الذي كان قد أعلنه في أوائل عام 1957. كان قد جاء بهذا المشروع أن الولايات المتحدة على استعداد لتقديم المساعدات العسكرية والمالية لأية دولة من دول المنطقة لمقاومة أي ضغط يقع عليها من الاتحاد السوفيتي وكذا لمنع التغلغل الشيوعي بها.

وكانت الجمهورية العربية المتحدة قد اعتبرت أن موقف الولايات المتحدة من مساندة شمعون وتأييده في مد مدة رئاسته لفترة أخرى، مؤامرة منها جديدة ضد الإقليم الشمالي من الجمهورية. ولذلك قامت بمساندة الجانب الآخر الذي عمل على التصدي لما يهدف إليه كميل شمعون، وقامت بتزويده بالمال والسلاح، وعرضت هذه المعاونة منها على صائب سلام الذي رحب بها.

ولقد وقعت عدة مصادمات بين مجموعة شمعون والموالين له، وبين المجموعات الأخرى التي أخذت موقف المعارضة منه والمتصدية له. ودام الصراع الدموي بينهما أكثر من شهر مما اضطر شمعون إلى أن يعلن رسميًّا في نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو 1958 عن تراجعه فيما كان قد اعتزمه، ومن أنه سيترك منصب رئيس الجمهورية عندما تنتهي مدة رئاسته في 23 سبتمبر من نفس العام.

قتل فيصل وسحل نوري:

ولم يكن قد مضى أسبوعًا على هذا الإعلان منه حتى تفجر الموقف في المنطقة كلها وبصورة شديدة وعنيفة أعادت إلى الأذهان فترة الاعتداء الثلاثي على مصر. وقد تفجر الموقف على أثر الانقلاب العسكري الذي وقع في العراق في فجر يوم 14 يوليو 1958 والذي قتل فيه ملك العراق فيصل الثاني وأفراد أسرته على سلالم قصره برشاشات الضباط الثائرين. كما قتل فيه أيضًا رجل العراق القوي نوري السعيد رئيس الوزراء بعد أن تمكنت منه الجماهير الثائرة. وكان قد هرب من منزله متنكرًا في زي امرأة ملثمة تلبس الحداد. وتعرفت عليه الجماهير فأمسكت به وقامت بسحله في شوارع بغداد إلى أن فارق الحياة بعد أن تشوهت جثته.

وكان قد قام هذا الانقلاب الزعيم الركن عبد الكريم قاسم وزميله الزعيم عبد السلام عارف. وأعلن عن قيام جمهورية العراق على أثر نجاح الانقلاب. كما أعلن عن تولي قاسم رئاسة الوزراء بالإضافة إلى قيادة الجيش. وعين صديقه عبد السلام عارف نائبًا لرئيس الوزراء.

وأحدث هذا الانقلاب صدى ودويًّا ضخمًا خاصة. عند الدول الغربية لأن العراق كانت إحدى معاقلها في المنطقة. وكما أنها كانت عضوًا في حلف بغداد العسكري وموردة أيضًا للبترول إلى أغلب دولها.

وقد اعتقد الغرب بعد وقوع الانقلاب في العراق أن الدور آت لا ريب فيه على كل من لبنان وشرق الأردن لإسقاط الأنظمة التي بهما بعد سقوط النظام الملكي في العراق وأن هذه مؤامرة تقف من ورائها الجمهورية العربية المتحدة، وأن روسيا تساندها في ذلك بغرض القضاء على النفوذ الغربي في تلك المنطقة الحساسة من العالم.

وكان كميل شمعون قد تملكه الخوف والذعر عندما علم بخبر الانقلاب في العراق. وزاد من خوفه وقلقه موقف خصومه في لبنان وتحديهم له وتظاهرهم في شوارع بيروت معلنين تأييدهم وفرحتهم بهذا الانقلاب، ولذلك لم تمض ساعات قليلة من وقوعه حتى طلب كميل شمعون من الولايات المتحدة العمل على مساعدته ومساندته عسكريًّا، وتأمين الوضع القائم في لبنان. وتحركت أمريكا بسرعة وأرسلت قوة من مشاة أسطولها السادس القابع على مياه البحر الأبيض المتوسط وأنزلتها على الساحل اللبناني قرب مطار بيروت وذلك في اليوم التالي من طلبه لهذه المساعدة.

وأما الملك حسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية فقد لجأ هو الآخر إلى إنجلترا بعد مرور يومين من وقوع الانقلاب العراقي، وطلب منها مدة بقوة عسكرية لحماية مملكته من حدوث أية تطورات مفاجأة داخل بلاده. وسرعان ما لبت إنجلترا طلبه كذلك وقامت بإرسال بعض من قواتها العسكرية إلى الأردن، وقد نقلت جوًّا من قواعدها في جزيرة قبرص.

وكان جمال عبد الناصر عندما وقع هذا الانقلاب في زيارة للمرشال تيتو بيوغوسلافيا. وقد علم بالانقلاب صباح يوم وقوعه عن طريق عامل اللاسلكي الذي يعمل على يخت الحرية الذي استقله في رحلته. والتقط العامل خبر هذا الانقلاب صدفة من إذاعة بغداد. واتصل جمال من بريوني بالقاهرة وطلب أن تعلن الجمهورية العربية المتحدة اعترافها بالنظام الجديد في العراق. وأن تعلن أيضًا أن أي اعتداء يقع على العراق فكأنه اعتداء على الجمهورية العربية المتحدة نفسها تطبيقًا لاتفاقية الأمن المشترك في ظل ميثاق الجامعة العربية.

ونظرًا لتعاقب الأحداث في المنطقة فقد أنهى جمال زيارته ليوغوسلافيا واستقل اليخت مع مرافقيه واتجه به نحو الأسكندرية رغم تحذير تيتو له من وجود الأسطول السادس الأمريكي في البحر الأبيض المتوسط وخطورة ذلك عليه، واقترح عليه استخدام الطائرة، ولكن جمال فضل استخدام اليخت عنها لأن خطورة إسقاطها وإخفاء أسبابه أكثر يسرًا من محاولة إغراق اليخت أو تدميره.

وكان جمال قد علم بعد أن تحرك اليخت خبر إنزال القوات الأمريكية على شواطئ لبنان، كما علم أيضًا عن طريق الإذاعات الأجنبية أن الملك حسين قد طلب هو الآخر من إنجلترا مساندته عسكريًّا.

وازداد الموقف اشتعالاً في المنطقة، واعتقد جمال أن أمريكا ستعمل على إسقاط النظام الجديد الوليد في العراق وذلك بدفع تركيا إلى مهاجمتها عسكريًّا وبمساندة منها أيضًا. وتصور أن هذه الخطوة منها ربما تمتد كذلك إلى سوريا – الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة – بغرض إسقاط الأنظمة التقدمية القائمة في المنطقة ولإحلال أنظمة أخرى بديلة عنها تضمن ولاءها لها.

وقد رأى جمال لذلك أن يذهب إلى موسكو ليتشاور مع القادة الروس في الموقف الملتهب، وليحاول إقناعهم بالعمل على مساندة النظام الجديد في العراق والتصدي لهذا التحرك الأمريكي البريطاني في المنطقة، ولذلك فقد عاد سرًّا إلى أقرب ميناء يوغوسلافي مستخدمًا في ذلك إحدى المدمرتين المصريتين المرافقتين لليخت. واستمر يخت الحرية في طريقه إلى الأسكندرية وكأن جمال لا يزال على ظهره.

وبعد أن التقى جمال بتيتو وتشاور معه في الأمر، أرسل برقية إلى خرشوف أعرب له فيها عن رغبته في زيارة موسكو. وقد رحب خرشوف بتلك الزيارة وأرسل إليه طائرة سوفيتية لتقله إلى هناك.

التشاور مع خرشوف:

وتشاور جمال مع القادة الروس حول ما يجري من أحداث بعد وقوع الانقلاب العراقي، وما تهدف إليه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بعد إنزال قواتهما في لبنان والأردن، وخطورة هذا التحرك منهما على الأنظمة التقدمية القائمة في المنطقة، والخوف من أن يعملا على إسقاطها وطلب جمال من القادة السوفيت اتخاذ موقف إيجابي ضد هذا الذي يجري منهما، أو العمل على تجميد تحركهما بأية وسيلة ممكنة تراها موسكو، ولكن القادة السوفيت صرحوا له بأنه لا يمكنهم اتخاذ موقف المواجهة منهما أو التصدي لهما وإلا فمعنى ذلك الحرب والتي يعملون على تفاديها وتجنبها. ولمن يكن على ما يظهر أمامهم من طريق يسلكوه غير ما أعلنواه في 18 يوليو من أن روسيا لن تقف موقفًا سلبيًّا إزاء ما يجري من اعتداءات على مناطق قريبة من حدودهم، وما أعلنوه أيضًا من أن قواتهم المسلحة ستقوم قريبًا بإجراء مناورة عسكرية في منطقة قريبة من حدودها المشتركة مع تركيا. كما قام مندوبهم في الأمم المتحدة بطلب سرعة سحب تلك القوات الأمريكية والإنجليزية من لبنان والأردن. واعترفت موسكو كذلك بالنظام الجديد في العراق. كما تقدم خرشوف باقتراح عقد مؤتمر قمة من رؤساء دول كل من أمريكا وإنجلترا وروسيا وفرنسا والهند لمناقشة الوسائل الممكنة لتهدئة الموقف في الشرق الأوسط.

وتلك كانت هي الحدود التي أمكن للاتحاد السوفيتي أن يتحرك في إطارها. أما جمال فلقد قام بمغادرة موسكو سرًّا على متن طائرة روسية واتجه بها إلى دمشق عبر الأجواء الإيرانية بعد أن تبادل الرأي مع القادة السوفييت حول المدى الذي يمكنهم التحرك فيه لمواجهة الموقف المتأزم.

جمال يرتاح لعارف:

وعندما وصل جمال إلى دمشق يوم 18 يوليو تصادف وجود عبد السلام عارف بها. وكان قد حضر من بغداد لإجراء محادثات مع السراج والمسئولين الآخرين بسوريا. وكان هذا هو أول لقاء بينه وبين جمال الذي ارتاح إليه على حد تعبيره. ووقع اتفاق مشترك للتعاون بين البلدين – العراق والجمهورية العربية المتحدة. كما قامت الجمهورية العربية المتحدة أيضًا بإرسال بعض الأسلحة الصغيرة وكميات من الذخيرة ومعدات أخرى إلى العراق لاحتياجهم إليها.

وكما جاء جمال سرًّا إلى دمشق فقد غادرها أيضًا بنفس الطريقة عائدًا إلى القاهرة وعلى متن نفس الطائرة الروسية. ولم تتمكن الطائرة الروسية من النزول في مطار القاهرة الدولي لقصر ممر النزول به، لذا فقد قام الطيار بالنزول في مطار أبو صوير الحربي.

ولقد أرادت الولايات المتحدة أن تعمل على تخفيف حدة التوتر في المنطقة بعد أن اقتنعت أن ما حدث في العراق لم يكن للجمهورية العربية المتحدة يد فيه، وليس من ورائه أيضًا قوى خارجية. لذا أقنعت كميل شمعون بأن يدعو البرلمان اللبناني إلى الانعقاد لينتخب رئيسًا جديدًا بدلاً منه. واقترحت أن يخلفه في الرئاسة اللواء شهاب قائد الجيش اللبناني والذي كان قد رفض أن يزج بالجيش في الأزمة الطائفية. وقام سفير الولايات المتحدة في القاهرة ريموند هير بإبلاغ جمال عن هذا الاقتراح بأمر من حكومته وبغرض أن تتفق عليه كل أطراف النزاع. وكان جمال يرى أن اللواء شهاب هو أصلح من يتولى هذا المنصب في لبنان لموقفه الحيادي أثناء تلك الأزمة وعدم زجه بالجيش في ذلك الصراع الطائفي الذي كان دائرًا. وكان جمال قد سبق وأرسل خطابًا إلى الرئيس إيزنهاور عبر له فيه عن هذا الرأي أيضًا.

وبعد أن اتخذت أمريكا هذا الموقف الذي ساعد على تخفيف حدة التوتر في المنطقة، أصدر جمال أوامره إلى السراج بالكف عن مساعدة صائب سلام ومجموعته أيضًا حتى يشجع ذلك كل من الولايات المتحدة وإنجلترا في العمل على سحب قواتهما من لبنان والأردن.

ومما ساعد على تخفيف حدة التوتر كذلك إعلان النظام الجديد في العراق عن استمرار التزامه بكل الارتباطات الدولية القائمة بين العراق ودول العالم الأخرى، ومن أنه يضمن أيضًا استمرار تدفق البترول إلى الدول المستهلكة له واحترامه لكل التعاقدات القائمة والمرتبطة به.

عودة الهدوء:

ولم يكن قد مضى شهرين من بداية اشتعال الموقف حتى عاد إلى الهدوء ثانية. وقد تم انتخاب اللواء شهاب رئيسًا لجمهورية لبنان في نهاية يوليو 1958. وأعلن فور انتخابه بعدة أيام قليلة أنه سيطلب من الولايات المتحدة سحب قواتها العسكرية من الأراضي اللبنانية. وأعلنت أمريكا أنها ستقوم بسحب قواتها يوم 8 أكتوبر 1958. كما قامت القوات البريطانية أيضًا بالانسحاب من الأردن في نهاية نفس العام. وبعد أن انكسرت حدة تلك الأزمة عملت الولايات المتحدة بناء على نصيحة سفيرها في القاهرة على عودة العلاقات الاقتصادية بينها وبين الجمهورية العربية المتحدة وعلى مدنا ببعض احتياجاتنا من القمح والزيوت والشحومات في ظل القانون 480 الأمريكي الخاص بفائض الحاصلات الزراعية والذي يسمح بدفع ثمن هذه المشتروات منها بالعملة المحلية مع تقسيط ثمنها على أربعين عامًا وبفائدة مقدارها 3/4% سنويًّا.

كما أعلن الاتحاد السوفيتي في أكتوبر من نفس العام موافقته أيضًا على إقراض مصر مائة مليون من الدولارات أي ما يقرب من ثلاثة وثلاثين مليونًا من الجنيهات الإسترلينية مساهمة منه في بناء المرحلة الأولى من السد العالي. كما أعلن عن استعداده كذلك في إرسال فنيين سوفيتيين للمشاركة في بناء السد مع الفنيين المصريين.

الشيوعيون أعداء القومية العربية:

وفي 23 ديسمبر 1958 في احتفالات النصر ببور سعيد هاجم جمال في خطابه الذي ألقاه هناك الشيوعيون السوريون ووصفهم بأنهم انتهازيون وانفصاليون، وأعداء للقومية العربية. وأمر باعتقال ما يقرب من الثلثمائة شيوعي في مصر وسوريا بعد ذلك الخطاب بأسبوعين تقريبًا. وكان السراج قد قام قبل ذلك بحوالي شهرين أيضًا باعتقال بعض الشيوعيين السوريين. أما خالد بكداش الشيوعي السوري المعرف فكان قد تسلل من قبل وهرب من سوريا إلى الاتحاد السوفيتي. وكان اللواء البزري رئيس أركان الجيش السوري والشيوعي أيضًا قد سبق وقبلت استقالته من الجيش عندما تقدم بها بعد قيام الوحدة بعدة شهور قلائل. وكان ذلك على أثر ما أصدره من قرارات خاصة بنقل بعض قيادات الجيش السوري والتي كانت تمكن الضباط الشيوعيين فيه من السيطرة على بعض الوحدات التي لها أهمية خاصة. وكان المسئولون المصريون في قيادة القوات المسلحة السورية قد عملوا على إيقاف تلك التنقلات وعدم تنفيذها. وغضب اللواء البزري من هذا التصرف وسافر إلى القاهرة وقدم استقالته وقبلها منه جمال.

وكان جمال قد أعلن في نفس خطابه في بور سعيد عن قيام لجنة ثلاثية مشكلة من أكرم الحوراني وزكريا محيي الدين ومني وأطلق عليها اسم اللجنة الوزارية العليا. وذكر أن الغرض من قيامها هو العمل على دفع عجلة الإنتاج في سوريا وسرعة تنفيذ المشروعات بها، وعينت رئيسًا لتلك اللجنة. ولم يحدد لها أية اختصاصات واضحة أو أية مسئوليات، ولم تتضح سلطاتها كذلك. وكان لابد لها من الرجوع إلى القاهرة في أغلب القرارات التي ترى ضرورة صدورها. ورغم ذلك قامت بدراسة العديد من المشروعات، وتعاونت مع الوزراء السوريين والأجهزة التنفيذية التابعة لهم مما ساعد على تنفيذ الكثير من الأعمال.

السلطان عبد الحميد:

وقد وضح لنا من بداية عملنا هناك قوة عبد الحميد السراج وقبضته البوليسية على الشعب السوري حتى أطلق عليه أفراد الشعب اسم السلطان عبد الحميد إشارة منهم إلى عبد الحميد سلطان تركيا المستبد في عهد الدولة العثمانية.

وكان قد أعيد تشكيل الحكومة المركزية لدولة الوحدة في أكتوبر 1958، ونقل في هذا التشكيل كل من أكرم الحوراني وصلاح البيطار إلى القاهرة. وترك السراج في سوريا منفردًا بالسيطرة عليها. وكان موضع ثقة جمال ومساندته. وتولى رئاسة المجلس التنفيذي في سوريا عند إعادة هذا التشكيل المهندس نور الدين كحالة. ولم يكن بعثيًّا ولكنه كان مديرًا لمرفأ (ميناء) اللاذقية قبل أن يتولى هذا المنصب. وهو مهندس كفء ونزيه ولكنه لم يسبق له ممارسة الشئون السياسية، ولم ينتم إلى أي حزب من الأحزاب السياسية هناك.

ومنذ بداية تواجدنا هناك في يناير 1959 لمسنا عدم ارتياح الكثيرين من أفراد الشعب السوري لقانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في سبتمبر 1958 ليطبق في الإقليم الشمالي (سوريا). كان ذلك القانون كثير الشبه بقانون الإصلاح الزراعي المطبق في الإقليم الجنوبي (مصر) والذي صدر في سبتمبر 1952 عقب قيام الثورة، رغم اختلاف الأوضاع والظروف الزراعية في كل من الإقليمين. ولكن جمال كان قد صمم على ضرورة أن لا يكون هناك تفرقة بين إقليمي دولة الوحدة، وأن تكون المبادئ الرئيسية في كل من القانونين واحدة على قدر المستطاع.

وكانت اللجنة الوزارية قد علمت في 24 يناير 1959 من عبد الحميد السراج أنه قام باعتقال بعض المزارعين السوريين لا لشيء إلا لأنهم رغبوا في مقابلة أعضاء اللجنة. وكان غرضهم من هذه المقابلة هو شرح وجهة نظرهم بالنسبة لهذا القانون. وعندما قام السراج بمنعهم عن هذا اللقاء أرسلوا برقيات إلى جمال فمنعها أيضًا واعتقلهم على أثر ذلك.

وكان من بين هؤلاء المزارعين الذين قام باعتقالهم بعض أفراد من عائلة صبحي العظمة والبرازي وغيرهم. ولم تكن اللجنة تملك من السلطة شيئًا حتى يمكنها التصرف إلا إبلاغ جمال بما حدث ورأينا فيه.

وفي هذا التاريخ أيضًا أبلغنا أكرم الحوراني احتجاج البعثيين السوريين على فصل سبعين موظفًا من موظفي وزارة الحربية بسوريا وكانوا قد فصلوا من وظائفهم بحجة أنهم ينتمون إلى أنظمة سياسية والتي حذر منها القانون.

وقد تحدث أكرم أيضًا عن التصريح الذي كان زكريا قد أدلى به إلى مجلة روزاليوسف والذي جاء به أنه ستشكل لجنة حيادية للإشراف على تنظيم الإتحاد القومي في سوريا، وقد تساءل أكرم عن المعنى المقصود من هذا التصريح – وهل هو إبعاد للبعثيين. وتكلم كذلك عن وجود فراغ سياسي في سوريا بعد حل الأحزاب هناك وعن ضرورة ملأ هذا الفراغ. وذكر أن أصلح من يشغله هم البعثيون لإيمانهم بالوحدة ودورهم في قيامها – وهذا صحيح- ولكن جمال كانت تنتابه الشكوك في نواياهم.

وقد أثار مصطفى حمدون وزير الإصلاح الزراعي بالإقليم الشمالي في حديثه معنا أيضًا الحملة التي تشن عليه بحجة أنه قام بتعيين بعض البعثيين في وزارته، ونفى ذلك وأحضر كشوفات بأسماء موظفي وزارته ليؤكد لنا ما يقوله. وأشار إلى أن الإقطاعيين والشيوعيين هم الذين يحاولون إثارة مثل هذه المسائل بغرض الإيقاع بين جمال عبد الناصر وبين البعثيين السوريين. وتكلم أيضًا عن مقال جاء في مجلة روزاليوسف. وذكر أن الجيش السوري قد وصف في هذا المقال وكأنه جيش من المرتزقة. وكان متأثرًا مما جاء فيه. وأشار في حديثه إلى مواقف الجيش السوري الوطنية وحمايته لاستقلال البلاد. وأن الانقلابات العسكرية التي قام بها ضباط الجيش لم يكن يعلم بها أكرم الحوراني كما يشاع. وأثار في حديثه أيضًا تخوفه من تشكيل الإتحاد القومي في سوريا في هذه الظروف مع وجود تكتل من عناصر مضادة له. وأوضح أن الإتحاد القومي سيكون هو آخر سهم في المحافظة على هذه الوحدة ولابد من العمل على إنجاحه.

ولقد أوضحنا له أن ما فهمناه من ذلك الذي جاء بمجلة روزاليوسف يختلف عن هذا التصور الذي ذكره لنا. وأن كاتب المقال لم يقصد المعنى الذي فهمه حمدون عن الجيش السوري، وإنما قصد به أن يقول أن السياسيين ورجال الأحزاب في سوريا قبل الوحدة كانوا يتسابقون في التعرف على ضباط الجيش لعلمهم أن الجيش هو القوة الحقيقية في البلاد في تلك الفترة.

الخوف وعدم الأمان:

والتقى بنا أيضًا في دمشق بعض من الصحفيين المصريين هناك، وعلمنا منهم أن الناس في سوريا تشعر بالخوف وعدم الأمان. وليس هناك من يمكنهم الرجوع إليه، حتى أن رئيس الغرفة الزراعية بحلب كان قد صرح في الصحف على أن الرئيس جمال قد ذكر في حديث له معه أنه أي جمال يهمه أن يتعرف على المشاكل في سوريا، ويطالب السوريين بموافاته بها، وأن يرسلوا إليه ما يرون من اقتراحات. ويقول الصحفيون ولكن رئيس الغرفة الزراعية أرغم على تكذيب هذا التصريح الذي أدلى به. وأن الذي قام بإرغامه على ذلك أناس سوريون مسئولون. وذكروا لنا كذلك أن الأهالي بحلب بعد أن تفهموا الهدف من قيام الإتحاد القومي وفلسفته، رغبوا في التقدم إلى اللجنة الوزارية بطلب تشكيل تنظيماته في مدينتهم، ولكنهم عادوا وتراجعوا ثانية مبررين هذا التراجع منهم بالخوف من التوقيف أو الاعتقال.

وكان قد طلب مصطفى حمدون وطمعمة والسراج الاجتماع بي مع زكريا وذلك لإيضاح موقف الجيش السوري قبل قيام الوحدة، والأوضاع السياسية التي كانت قائمة في البلاد وقتذاك.

اجتماع هام مع الضباط:

وتم اجتماعنا بهم يومي الخميس والسبت 29، 31 يناير 1959، وبعد أن انتهوا من سرد تاريخ الأحزاب السياسية في سوريا، دارت بيننا مناقشة طويلة حول هل من الأفضل أن يؤجل تكوين الإتحاد القومي في سوريا إلى أن تبنى القاعدة الشعبية هناك وإلى أن تتوفر أيضًا الثقة في النظام وفي أسلوب الحكم أم أنه من الأفضل أن يشكل فورًا رغم وجود المتناقضات والعناصر المتنافرة التي سيكون الاتحاد مليئًا بها والتي ستمثل في الحقيقة الأحزاب التي كانت قائمة في سوريا قبل قيام الوحدة. وخرجنا من ذلك الحوار أنه لنجاح أي تنظيم سياسي فلابد أن يجمع بين أعضاء التنظيم الواحد وحدة في الهدف والفكر. وأن هذا لن يتواجد في تنظيم الإتحاد القومي لو أسرع في إقامته مع وجود تلك العناصر المتنافرة وهذه المتناقضات. كما قاموا أيضًا بشرح موقف الجيش السوري من الشيشكلي على أثر ما اتخذه من إجراءات نقل شاملة في شعب الجيش المختلفة، ونقل السراج كذلك من المكتب الثاني (المخابرات) إلى وحدة أخرى. وما قام به مصطفى حمدون من إعلان العصيان بقواته في قطنة، واستعداد طعمة للتحرك بمدرعات وحدته في درعا. وما تلى ذلك من أحداث مما اضطر الشيشكلي إلى مغادرة البلاد. واجتماع مجلس الوزراء مع عقداء الجيش بغرض تصفية الموقف. وما نتج عن هذا الاجتماع من تكوين مجلس القيادة في الجيش من 24 ضابطًا مع تعيين اللواء عفيف البزري رئيسًا لأركان حرب الجيش. بذلك بدأت مرحلة استقرار في الجيش عما قيل.

وتحدثوا بعد ذلك عن القرار الذي اتخذه مجلس القيادة بقيام الوحدة مع مصر. وأن ذلك قد جاء على أثر اكتشافهم مؤامرة ستون على سوريا. وذكروا أن الوحدة كانت هدفًا من أهداف المجلس ولكن كثرة المؤامرات الخارجية التي هددت أمن سوريا واستقلالها هي التي عجلت بلطب قيام الوحدة.

كما ذكروا كذلك قصة سفر الوفد الذي أرسله مجلسهم إلى مصر لمقابلة جمال وطلب الوحدة. ومقابلة السراج والنافوري وعبد الكريم لشكري القوتلي في صباح اليوم التالي لسفر الوفد والتقدم إليه بمذكرة وضيقه من ذلك ودعوته لمجلس الوزراء للاجتماع بهم، وموقف خالد العظم رئيس الوزراء واعتراضه على عدم تشاورهم مع الحكومة قبل التصرف، وقرار سفر صلاح البيطار إلى القاهرة لتغطية الشكل، والانقسام الذي حدث بين المجموعة التي سافرت إلى القاهرة وسفر السراج إليهم، وتمسكهم بقرار المجلس وهو الوحدة مع مصر. ثم عودتهم إلى دمشق ومحاولة اختيار مائة وخمسون عضوًا ليمثلوا سوريا في مجلس الأمة الذي سيقام من الإقليمين بعد قيام الوحدة، وترشيح عفيف البزري أربعين شيوعيًّا لهذه العضوية. والنزال الذي حدث في الصحافة السورية بين الشيوعيين والبعثيين. وطلبهم الكف عن هذا النزال وعلى أن ينادوا بالوحدة ورفض البزري لهذه الرغبة. وقيام مجلس القيادة بالتصويت على من سيصبح منهم سياسيًّا والابتعاد عن الجيش ومن منهم سيظل يعمل كضابط فيه. ورشح السراج ليصبح سياسيًّا ووافق المجلس عليه بالاجتماع وعلى أن يصبح وزيرًا للداخلية في الإقليم السوري. كما وافق المجلس أيضًا على اشتغال مصطفى حمدون بالسياسة وذلك بغرض أن يتخلص المجلس منه وليبعده عن الجيش. أما طعمة وقنوت فقد سقطا في هذا التصويت.

كما ذكروا أنه قد استبعد بعد قيام الوحدة بعض الضباط من الجيش السوري. وأن عفيف البزري تنصل من مسئولية ما جرى وألقاها على بعض المصريين المعينين في قيادة الجيش السوري. كما اشتكى لنا السراج من أن عبد الحكيم لم يأخذ رأيه في عملية تطهير الضباط هذه التي حدثت، وأن طعمة كان معترضًا على مبدأ التطهير نفسه في الجيش السوري وقابل السراج لهذا الغرض ثم التقى مع عبد الحكيم للغرض نفسه.

تذمر في الجيش السوري:

وقد أشاروا في حديثهم أيضًا عن وجود روح من التذمر في الجيش الأول (السوري) بسبب عملية التطهير هذه، ذلك بالإضافة إلى تولي بعض المصريين القيادة فيه، وانفرادهم ببعض الامتيازات الخاصة دون زملائهم السوريين كالزيادة في المرتبات وتخصيص سيارات خاصة بهم إلى آخر هذه الامتيازات. ولكن قيل لنا أن نسبة هذا التذمر قد قلت عما قبل.

وقد اقترح مصطفى حمدون نقل قوات مصرية بالكامل إلى سوريا وقدرها بلواء مدرع ولواءين من المشاة، وبرر هذا الاقتراح منه بقوله: "حتى لا يفكر أحد في القيام بعمل مضاد للوحدة مع وجود هذه القوة في سوريا لأنه حينئذ سيفكر في النتائج".

ولكن طعمة اعترض على اقتراحه هذا بحجة أن الظروف لإتمام هذه العملية غير مواتية ولا تساعد على تنفيذها. وأن ذلك كان ممكنًا بعد قيام الوحدة مباشرة. واتفق الرأي فيما بيننا على أن هذا لا يمكن تنفيذه لو قامت إسرائيل بأية تحركات أو تحرشات في مواجهة القوات السورية، ذلك لأن تبرير نقل قوات مصرية إلى سوريا في هذه الحالة يصبح مقنعًا مع وجود تلك الظروف.

وقد تناولت أحاديثهم كذلك محاولة عفيف البزري بعد قيام الوحدة في تعيين ضباط من الموالين له في قيادة الوحدات المدرعة والتسويف في تعيين قنوت وشخص آخر في هذه القيادات، وقيامه أيضًا بإصدار قرارات نقل أخرى في بعض وحدات الجيش، وأنه لما عمل على إيقاف تنفيذها سافر البزري إلى القاهرة وتقدم باستقالته وتم قبولها.

وقد أثار طعمة في نهاية الاجتماع الأخير معنا ذلك المقال الذي نشر في الأهرام بقلم محمد حسنين هيكل والذي جاء تحت عنوان "يا سيادة الزعيم الأوحد". وقد قصد هيكل بهذا عبد الكريم قاسم. وتساءل طعمة "لماذا لا يكتب التاريخ على حقيقته – وما الذي دعاه إلى كتابة أسماء بعيدة عن الواقع الذي حدث". وفسر هذا التساؤل منه بأن ما ذكره هيكل في مقاله عن اتصال السراج والنافوري بعبد الكريم قاسم أثناء قيادته لقوة عراقية كانت معسكرة في منطقة المفرق في شرق الأردن، وقبل قيام الثورة العراقية ليس صحيحًا. وأن من سعى إلى هذا اللقاء كان هو نفسه ومعه البزري وليس السراج والنافوري، وأنهما قد التقيا مع قاسم. وأنه يخشى أن يذكر قاسم الحقيقة ردًّا على ما جاء بمقال هيكل ويعلن عن أن اللقاء قد تم مع البزري وليس معهما، وإنه لو ذكر ذلك فسترتفع أسهم البزري وسيستفيد منها شعبيًّا، وذلك ليس في الصالح، وشعرت أن ما ضايق طعمة من هذا المقال هو عدم ذكر اسمه في هذه الاتصالات التي جرت مع قاسم قبل قيام الثورة العراقية.

موسكو تحاول عمل انقلاب:

وخلصنا من هذا العرض منهم، أن الجيش السوري له وضعه وظروفه الخاصة، وهو القوة التي يعتمد عليها النظام في حماية الوحدة في سوريا من أية محاولة لفصمها. وأنه لهذا السبب يجب النظر إليه بالعناية والدقة الكافيتين. وقيام مصريين بتولي قيادات فيه ليس بالأمر السهل أو الهين خاصة في المراحل الأولى للوحدة. ذلك لعدم معرفتهم بطبائع وعادات زملائهم الضباط السوريين، ولا كيفية التعامل معهم. ولابد أن يتولى أمر الجيش الأول السوري ضباط سوريون يحسن انتقاءهم واختيارهم ولو لفترة إلى أن تدعم الوحدة. وكنت لا أزال في دمشق حتى يوم 2 فبراير 1959 عندما علمت من عبد المحسن أبو النور وهو أحد الضباط المصريين في قيادة الجيش السوري، أن الملحق البحري السوري بالاتحاد السوفيتي قد أرسل إليه رسالة خاصة مع شخص أوفده خصيصًا من موسكو. وقد جاء بتلك الرسالة أن أحد الضباط الروسيين من المخابرات الحربية قد عمل على الاتصال بالملحق السوري لاعتقاده بأن له ميولاً ماركسية، وكان قد سبق وتعرف به واطمأن إليه، وقد قام هذا الضابط الروسي بمهاجمة الجمهورية العربية المتحدة في حديث له مع الملحق البحري السوري وأشار إلى الإجراءات التي اتخذت ضد الشيوعيين السوريين. وكذا إلى موقف الجمهورية العربية المتحدة من سياسة عبد الكريم قاسم في العراق ومناهضتها له. كما أنه سأل الملحق البحري عما إذا كان يعرف بعض الضباط السوريين حتى يمكن القيام بعمل مضاد للوحدة في سوريا. وذكر له أيضًا أن الاتحاد السوفيتي لن يسكت على هذه التصرفات من الجمهورية العربية المتحدة. وأراد الملحق البحري أن يزيد من طمأنينته وأن يشجعه على المزيد من الكلام فذكر له أنه على صلة وثيقة بقائد الشعبة الثانية في الجيش السوري. كما وأن الضابط الروسي قد أشار أيضًا في حديثه معه إلى أن سيارة الملحق الخاصة به قد أصبحت مستهلكة وأنه سيعمل على تغييرها له بسيارة أخرى جديدة وقام عبد المحسن أبو النور بالسفر في نفس اليوم إلى القاهرة للإبلاغ عن تلك المعلومات.

وفي نفس اليوم أيضًا تقابلت مع محمود رياض قبل سفره إلى القاهرة كذلك. وهو كان يشغل منصب سفير مصر في سوريا قبل قيام الوحدة وظل بها كمستشار بعد قيامها للاستفادة من اتصالاته الشخصية هناك ولإلمامه الكبير بالكثير عن أمور السوريين. وذكر لي أن هناك شائعة تقول أن السراج قد أمر باعتقال ملاك الأرض الذين سيطبق عليهم قانون الإصلاح الزراعي. وأن البعثيين يقفون من السراج موقف الحذر والمتخوف من زيادة سلطانه في البلاد. وأشار في حديثه إلى أن اللجنة الثلاثية يجب أن تكون هي القوة في سوريا – ومتسائلاً كيف يتصرف السراج باعتقال الملاك. وذكر أنه أي السراج – يعمل لنفسه. ولم أشأ أن أصرح له بأن اللجنة الثلاثية ليست لها أية سلطات ولا محدد لها مسئوليات.

تعيين عبد الحكيم:

وقد استمر وضع اللجنة على هذه الصورة حتى يونيو من عام 1959. وكان عمل موزعًا بين القاهرة ودمشق حيث إني كنت وزيرًا مركزيًّا للتخطيط منذ إعادة التشكيل الذي تم في أكتوبر 1958، بالإضافة إلى عضويتي باللجنة وكنت قد عدت إلى القاهرة في يونيو لمباشرة مسئولياتي بعد قضاء فترة في سوريا.

وتعمدت البقاء في القاهرة دون العودة ثانية إلى دمشق حتى لاحظ جمال ذلك وسألني عن السبب في عدم سفري إليها، وصرحت له أن وجود اللجنة هناك دون أن تحدد سلطاتها ومسئولياتها رغم وجود نائبين للرئيس بها يضعف من هيبتها ويقلل من قدرتها على إنجاز ما هو مطلوب منها. وأن الرجوع إلى القاهرة في أغلب القرارات التي تتخذها ليس عمليًّا بل ومعطلاً للعمل أيضًا، ولكنه لم يشأ أن يفسر لي الأسباب التي دفعته لاتخاذ هذا الموقف من اللجنة، ولم يحاول أن يعدل عنه – كذلك، واستمر الوضع قائمًا ورأيت أن أستمر على موقفي وبقيت في القاهرة حتى أكتوبر من نفس العام حين أصدر جمال قرارًا جمهوريًّا بتعيين عبد الحكيم حاكمًا لسوريا وقد فوضه سلطات رئيس الجمهورية. كما فوضه أيضًا في الإشراف على انتخاب لجان الإتحاد القومي هناك، وكان السراج له دور سابق في اختيار تلك اللجان من قبل. وانتهى عمل اللجنة الوزارية العليا بعد قرار جمال بتعيين عبد الحكيم حاكمًا هناك.

وكان قد تقدم في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر 1959 بعض الوزراء السوريين من البعثيين باستقالتهم. وقد علمنا بها يوم 23 ديسمبر أثناء عودتنا في القطار من بور سعيد بعد الاحتفال هناك بأعياد النصر. وذكر لنا جمال أن عبد الحكيم قد أرسل إليه من سوريا أثناء وجودنا في بور سعيد. وقد أخبره فيها أن مصطفى حمدون وزير الإصلاح الزراعي بالإقليم الشمالي، وعبد الغني قنوت وزير الشئون الاجتماعية قد قدما استقالتيهما إليه في صباح نفس اليوم، وأن حجة حمدون في الاستقالة هو القرار الذي أصدره عبد الحكيم بتشكيل لجنة خاصة تقوم بتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي في سوريا وإعطائها سلطة الوزير أي سلطة حمدون، وقد أخذ عبد الحكيم هذه الخطوة بعد أن كثرت الشكوى من عدم تنفيذ حرفية القانون، وأما قنوت فقد استقال تضامنًا منه مع حمدون كبعثي. وذكر جمال أن عبد الحكيم قد طلب منه ضرورة قبول استقالتيهما وإلا فإن هيبة الحكم هناك في سوريا ستهتز. وصرح لنا جمال من أنه سيقبلها. وقد دار هذا الحديث أثناء العودة من بور سعيد وبتواجد باقي الزملاء، وعندما طلبت منه أن يبذل محاولة للحيلولة دون هذه الاستقالات أفاد أن لديه معلومات أخرى تدل على تآمريهما (حمدون وقنوت) واتصالهما بضباط من الجيش السوري. وأنه قد تم مواجهتهما بهذه المعلومات ولكنهما نفيا ذلك ذاكرين أن الضباط أنفسهم هم الذين سعوا إلى لقائهما. وكان جمال قد سبق وأبلغني قبل هذا الحادث بفترة أن لديه معلومات تفيد بأن البعثيين المشتركين في الوزارة – وقصد بذلك أكرم الحوراني وصلاح البيطار – يدبران أمرًا للضغط عليه ليرضخ لمطالبهما الخاصة بضرورة مشاركتهما في الحكم – على حد قولهما، وأن البعثيين سيعمدون لذلك إلى تقديم استقالة جماعية من الوزارة – وقد حدد جمال أسماءهم وهم أكرم والبيطار وحمدون وقنوت والكلاس أيضًا وزير الاقتصاد، وذكر جمال كذلك أنهم يجدون في البحث عن بعض من الوزراء المصريين بغرض التأثير عليهم للاشتراك معهم في تلك الاستقالة الجماعية. وأنهم سيعملون على الاتصال بكمال رفعت وتوفيق عبد الفتاح وعباس رضوان لتحقيق هذا الغرض.

استقالات جماعية:

ولم يكن قد مضى يوم واحد على تقديم حمدون وقنوت استقالتيهما حتى تقدم كل من أكرم الحوراني وصلاح البيطار باستقالتيهما أيضًا. وقد علمت بهذا الأمرك من جمال عندما اتصل بي تليفونيًّا يوم الجمعة 25 ديسمبر وأبلغني بها وسائلاً عن رأيي. وأجبته أن الأمر يحتاج إلى تفكير رغم أن تصرفهم يدل على نيتهم، وأشرت إلى أنه من عادته التمهل في مثل هذه الأمور، وأن ذلك يعطيه فرصة التفكير في الأمر. ولكنه ذكر أن عبد الحكيم قد اتصل به تليفونيًّا من دمشق في اليوم السابق وأبلغه أن كل سوريا تعلم بأمر هذه الاستقالات، وأن أي تأخير في قبولها سيساعد على زيادة بلبلة الأفكار هناك مما يؤثر في قوة الحكم وهيبته، وأبدى جمال استعداده في قبول تلك الاستقالات. وأنه سيعمل على مقابلة كل منهم على حدة قبل إعلان قبولها وذلك حتى لا يقال أنه قد تعنت معهم وليفوت عليهم أيضًا فرصة عطف الشعب عليهم – على حد قوله. وليصبح وكأنه قد حاول إصلاح الأمر معهم ولكنه لم يستطع. واقترحت عليه العمل على الفصل بين العسكريين منهم والمدنيين وقبول استقالة أكرم والبيطار والاحتفاظ بحمدون وقنوت حتى تضعف هذه الخطوة تأثير هذه الاستقالة الجماعية مع إضعاف جبهة البعث عمومًا. ولكنه لم يوافقني على هذا الرأي مستندًا على أن البعثيين مكروهين في سوريا – على حد تعبيره.

واجتمعت الحكومة المركزية في مساء السبت 26 ديسمبر 1959 ولم يحضر اجتماعها كل من أكرم والبيطار. وعلمت من جمال أنه اجتمع مع حمدون ظهر نفس اليوم لمدة ساعتين ونصف الساعة. وأوضح له جمال أنه لم يكن ينوي قبول استقالته ولكن بعد تقديم قنوت وأكرم والبيطار استقالتهم فالموقف قد تغير. وسأله جمال عن الدوافع التي دفعتهم إلى تقديم هذه الاستقالات، وأجابه حمدون بأنه لا يعرف من هذا الأمر شيئًا. وقد عبر لجمال عن إخلاصه للوحدة العربية وللجمهورية وأنه سيدافع عنها طالما هو على قيد الحياة، ولكنه لا يمكنه الاستمرار في العمل في الوزارة بعد أن أصبحت كرامته في الميزان بعد قرار عبد الحكيم بتشكيل تلك اللجنة وإعطائها اختصاص الوزير.

"اللي مشي عاجبه يمشي":

وفي مساء يوم السبت 2 يناير 1960، في اجتماع الحكوم المركزية، بدأ جمال الجلسة بقوله: "إنني أحب أن أخبركم عن استقالة الإخوان الذين قدموا استقالتهم". ثم بعد فترة صمت استطرد وذكر أنه هو بحكم الدستور المسئول الأول أمام الشعب وليس هناك أحد غيره مسئولاً، وهو الذي يختار الوزراء ليتعاونوا معه في حدود السلطة التي يمنحها هو لهم. ومن لا يعجبه هذا الوضع "فيمشي" – هكذا جاءت على لسانه. وكان يهدف من هذا القول الرد على الوزراء السوريين الذين يرددون أنهم غير مشتركين في ممارسة الحكم. والرد أيضًا على أكرم والآخرين الذين يذكرون أن مجلس قيادة الثورة لا يزال قائمًا. وأن أعضائه تتفق فيما بينها على المسائل المختلفة قبل الاجتماعات. وأن هذه الاجتماعات مع الوزراء ما هي إلا اجتماعات صورية فقط بغرض تغطية الشكل. ولينفي جمال هذا القول منهم ذكر: "إنكم كثيرًا ما تلاحظون أنني أختلف مع البغدادي في وجهات النظر، فكيف نكون متفقين قبل الاجتماع كما يقولون". ثم ذكر أن هناك علاقة صداقة قديمة مضى عليها أكثر من خمسة عشر عامًا بين أعضاء مجلس قيادة الثورة ولا يمكن إغفال هذا. وإذا كان هناك من يلاحظ اجتماعنا سنويًّا في بعض المناسبات فإن هذا أمرًا طبيعيًّا مع وجود تلك الصداقة.

وأشار أيضًا في حديثه إلى ما كان أكرم قد سبق واشتكى منه، وهو أن ليس لديه عمل. وأنه أي جمال قد اقترح عليه أن يحدد العمل الذي يراه مناسبًا وهو مستعد لإصدار القرارات المنفذة له. وأن هذا الحديث قد حدث بينه وبين أكرم وبحضوري، وأنه طلب من أكرم أن يجتمع بي للنظر في أي عمل يرغب في أن يؤديه. وهذا قد حدث فعلاً ولكن أكرم لم يحاول الاتصال بي لبحث الأمر.

ويستطرد جمال في حديثه قائلاً للوزراء أن هناك مشاكل في سوريا، وحاولنا التغلب عليها. وقد شكلت لجة لهذا الغرض ولكن لم تكن لديها سلطات، وتعب أعضاؤها نتيجة وضع العراقيل في طريقها خاصة من البعثيين، ومن أكرم بالذات لأنه كان عضوًا بها – ولأنها لجنة وليست فردًا فلم نتمكن من تأدية ما هو مطلوب منها كاملاً. وأنه لذلك قام بتعيين عبد الكريم في سوريا للتغلب على هذه المشكلة. كما تحدث أيضًا عن المخالفات التي حدثت في تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي في سوريا والأسباب التي دفعت عبد الحكيم إلى إصدار قرار تشكيل اللجنة الخاصة بتنفيذ القانون. وما تبع ذلك من استقالة حمدون وتضامن قنوت معه ثم استقالة أكرم والبيطار ومقابلته لهم.

وبعد ذلك رفعت الجلسة للاستراحة. وجلست مجموعتنا مع بعضها كما جرت العادة من قبل. ودار الحديث بيننا حول ما أثاره جمال في الاجتماع. ولما قلت إنه كان عنيفًا عندما قال إنها مسئوليته بحكم الدستور وإللي عاجبه – واللي مش عاجبه يمشي مع السلامة – ذكر أنه رغب بذلك أن يفهم الوزراء السوريين أن موضوع المشاركة في الحكم الذي يتحدثون عنه غير وارد وبعيد المنال.

مناقشة ساخنة بين جمال ووزير سوري:

وعاود المجلس الاجتماع لمناقشة سياسة الإسكان. وعرض على المجلس في هذا الشأن مذكرتين، إحداهما من أحمد عبد الكريم الوزير المركزي للوزارة وهو سوري. والآخر هو محمد أبو نصير الوزير التنفيذي عن الإقليم المصري. وتكلم أبو نصير عن المشروع المتقدم به واعترض عبد الكريم على بعض ما ورد فيه. ودارت حوله مناقشة طويلة. وكان جمال مجهدًا ويود أن ينهي الاجتماع عند منتصف الليل، لذا اقترح عليهما أن يتفقا سويًّا على مشروع واحد وأن يتقدما به بعد أسبوع في الجلسة القادمة. ولكن عبد الكريم أبدى أنه لم يطلع على مشروع الوزارة التنفيذية إلا قبل الجلسة مباشرة، وأن المشروع لم يوزع على الوزراء إلا ظهر نفس اليوم. واعترض بحكم مسئوليته كوزير مركزي وعلى نفس الوزارة على هذا الوضع. وأوضح أن المشروع المقدم منه قد أخذ شهرًا في دراسته واعداده من اللجان المختلفة، وأنه قد انتهى منه منذ ثلاثة شهور وأخطر به الوزارة التنفيذية، وأن الفنيين المسئولين بتلك الوزارة ووكيلها قد اشتركوا معه في تلك الدراسات وإعداد المشروع. ولكن أبو نصير نفى علمه بهذا الأمر. وعلى ما يظهر أن هذا الإنكار منه ضايق أحمد عبد الكريم لأنه ردد بعض الكلمات ولكن بصوت خافت غير مسموع. ولم يعجب جمال هذا التصرف منه معتقدًا أن هذه البرطمة – كما جاءت على لسانه- ردًّا من عبد الكريم عليه ولذا وجه حديثه إليه قائلاً: "إحنا مش تلامذة في الفصل هنا، حلوا مشاكلكم مع بعض". وتصرف جمال على هذا النحو لأنه لم يتبين سبب ضيق عبد الكريم. فقال عبد الكريم أن سيادتكم كلفتم أبو نصير في الجلسة الماضية بتقديم مشروع رغم إعداده المشروع من مدة طويلة واعتقدت أن لكم رغبة في اعداد مشروع آخر غير مشروعي.

ولكن جمال أوضح أنه لم يقصد هذا، ولم يكن في ذهنه شيئًا مما ذكر. وصرح لي جمال بعد الانتهاء من الاجتماع عن تخوفه من أن يكون عبد الكريم قد اعتقد حقيقة أنه قصد أن يكلف أبو نصير باعداد مشروع آخر متجاهلاً مشروعه. وقد توقعت أن يقوم عبد الكريم بتقديم استقالته بعد ذلك الذي حدث في الاجتماع لمعرفتي أنه من الأشخاص الذين يحافظون على كرامتهم.

وفي اليوم التالي – الأحد 3 يناير 1960- وفي أثناء مرافقتي لجمال في زيارة المعرض الصناعي الزراعي، علمت من علي صبري أن أحمد عبد الكريم قد تقدم باستقالته. وقام بإرسالها إلى علي مع سكرتيره الخاص، وقد تسلمها منه أثناء زيارتنا للمعرض.

استقالات جديدة:

وانتهت زيارتنا للمعرض بعد الساعة العاشرة مساءً. ولم يكن جمال قد علم بعد بأمر هذه الاستقالة. ولم أشأ أن أخبره بها إشفاقًا مني عليه لحالة الإعياء الشديدة التي كان عليها بعد أن أمضينا ما يقرب من العشر ساعات ونحن نتجول في أنحاء المعرض المختلفة وكنت قد قرأت في الصحف في اليوم التالي 4 يناير خبر استقالة الكلاس وزير الاقتصاد في سوريا، ورددت أن أعرف أسبابها فاتصلت بجمال تليفونيًّا ولأطلب منه أيضًا أن يتيح لي فرصة العمل على تسوية موضوع استقالة أحمد عبد الكريم – فعلمت منه أنه بعد عودته إلى المنزل بعد زيارة المعرض وجد برقية من عبد الحكيم يبلغه فيها أن الكلاس قد تقابل معه بعد الظهر – الأحد 3 يناير- وقدم إليه استقالته. ويقول جمال إنه قبلها فورًا عندما اطلع على البرقية وأبلغها إلى الصحف. وذكر أنه سبق وطلب من عبد الحكيم سؤال الكلاس عما إذا كان يرغب هو الآخر كبعثي في الاستقالة كباقي زملائه من الوزراء البعثيين أم لا، ولكنه وكان قد نفى لعبد الحكيم عن وجود أية نية عنده للاستقالة، واعتقد جمال أن أكرم الحوراني هو الذي وراء تقديم الكلاس استقالته. وأنه هو الذي قام بالضغط عليه لتقديمها خاصة وأن أكرم قد غادر القاهرة إلى دمشق بالطائرة صباح نفس اليوم الذي تقدم فيه الكلاس باستقالته.

ولما تحدثت إلى جمال عن استقالة أحمد عبد الكريم، وجدته لم يكن قد علم بها بعد – وتساءل عن سبب تقديمه لها.

فأجبته بأنه ربما يكون السبب هو ما حدث أثناء اجتماع الحكومة المركزية. فذكر أنه لو كان قد اطلع عليها بعد عودته من المعرض لقبلها هي الأخرى مع استقالة الكلاس. ولكنني أثنيت على خلق وعمل عبد الكريم وطلبت منه أن يتيح لي فرصة لقائه والتحدث إليه لأسوي معه تلك المسألة.

والتقيت مع أحمد عبد الكريم في منزلي. وحاولت إقناعه بأنه قد تسرع في الإقدام على هذه الخطوة لأن الأسباب التي بنى عليها استقالته غير صحيحة. وقد بناها على أساس أن جمال شبههما بالتلامذة في الفصل، وذكر أن مسئولية الوزير لا يمكن أن يتحملها تلميذ. وربط بين حديث جمال هذا وبين ما كان قد سبق وذكره في بداية الاجتماع عن مسئوليته الدستورية كرئيس واللي مش عاجبه يمشي. كما أبدى عبد الكريم عدم قدرته على التعاون مع أبو نصير، وبين الضرر الذي نتج عن هذا، وكذلك لأنه لم يعامل كباقي الوزراء المركزين في القيام بشرح برنامج الوزارة في الخطة ومناقشتها في اجتماع الحكومة المركزية وشعوره أيضًا أنه فقد شخصيته وكيانه وأصبح بذلك غير قادر على القيام بالرسالة التي آمن بها وعمل لها من قبل الوحدة. ولكنه أكد إيمانه بالوحدة ومن أنه سيعمل دائمًا من أجل تدعيمها.

ودارت بينه وبيني مناقشة طويلة حول هذا اللبس الذي حدث وحسن نية جمال وأنه لم يكن يقصد تكليف أبو نصير ومتجاهل مشروعه كما يعتقد. وأن جمال اعتقد خطأ أن ما ردده بصوت منخفض كان ردًّا منه عليه شخصيًّا. وأنه كان مجهدًا. وأكدت لي أن جمال لو علم بهذه الاستقالة التي لا تزال عنده علي صبري لبادر إلى الاجتماع به ليوضح له الموقف على حقيقته، ولكن عبد الكريم ظل مصرا على موقفه من الاستقالة، وقدرت أنه لون تقابل مع جمال لأمكن تسوية الموضوع لأن عبد الكريم سيشعر في هذه الحال أن طلب جمال له ومصارحته بالحقيقة فيه رد اعتبار كاف خاصة بعد أن اتضح خطأ نقاط كثيرة. وتلك كانت هي الحقيقة.

وأبلغت جمال بما دار بين عبد الكريم وبيني وما يشعر به وطلبت منه مقابلته، ووافق على الالتقاء به في اليوم التالي 5 يناير، وسوى الخلاف بعد أن تقابلا وسحب عبد الكريم استقالته.

القبضة الحديدية:

وكان جمال قد أصدر قرارًا في يونيو 1960 بتعيين ستمائة عضو لمجلس الأمة الجديد لدولة الوحدة – ربعمائة منهم يمثلون الإقليم الجنوبي (مصر) – والمائتين الآخرين يمثلون الإقليم الشمالي (لسوريا). كما أصدر في نفس الشهر قرارًا آخر أيضًا بتشكيل اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد القومي من ثمانية عشر عضوًا، وستة منهم من السوريين. وكان من ضمن هؤلاء الستة عبد الحميد السراج الذي كان قد سبق وعينه مشرفًا على تنظيمات الإتحاد القومي في الإقليم الشمالي. كما وأن جمال كان قد أصدر قرارًا في أكتوبر من نفس العام أيضًا بتعيين السراج رئيسًا للمجلس التنفيذي في الإقليم الشمالي (سوريا) وذلك خلفًا للمهندس نور الدين كحالة. وبعد صدور هذا القرار أعيد عبد الحكيم إلى القاهرة. وأصبح السراج بذلك هو المسيطر والمهيمن على أهم وأخطر الأجهزة في سوريا. كما تجمعت بين يديه سلطات ضخمة مكنته من زيادة قبضته الحديدية والبوليسية على الشعب السوري.

وكان الشعب هناك في خلال تلك الفترة كثير الشكوى والتبرم من الأسلوب البوليسي الذي يتبعه السراج في إدارة دفة الأمور في البلاد. وكانت الشائعات أيضًا قد بدأت تنتشر وتتردد على أن هناك رغبة من شعب سوريا في الانفصال أو أن ما يجري بها سيؤدي في النهاية إلى الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة. وكان ما يتردد هناك من شائعات يصل إلى جمال وعن تردي الوضع كذلك وعدم شعور أفراد الشعب السوري بالأمن في ظل تلك الأوضاع. لكن جمال كان دائم الاطمئنان ومعتقدًا أن شعبيته بين الجماهير السورية لها من القوة والوزن إلى حد أن تقف حائلاً دون ما يعتقده الآخرون. وأن هذه الشعبية هي الكفيلة بضمان الاستقرار هناك. وكان دائم التعبير بهذا المعنى عندما يذكر أمامه هذا التدهور الجاري في الإقليم الشمالي. ولم يكن على ما يظهر مقدرًا مدى خطورة الحال وما وصل إليه هناك.

التأميم:

وجاء صيف عام 1961، وقد زاد الموقف تعقيدًا في سوريا وذلك بعد أن أعلنت قرارات التأميم في 23 يوليو. وكانت تلك القرارات قد شملت عددًا كبيرًا من الشركات الصناعية والتجارية في مصر وكذا كل البنوك وشركات التأمين وشركات النقل العام والمقاولات والكهرباء. كما أصبحت الحكومة أيضًا شريكة بالنصف في رأس مال بعض الشركات الأخرى. أما ملكية الأرض الزراعية فقد خفضت إلى مائة فدان بدلاً من مائتين. وأصبح لا يجوز كذلك لأي فرد أن يستأجر أكثر من خمسين فدانًا. وعمل على إعفاء الفلاحين المستفيدين من قانون الإصلاح الزراعي من دفع الفائدة السنوية المستحقة على باقي الأقساط المتبقية عليهم من ثمن الأرض الموزعة. وزيدت كذلك مدة دفع هذه الأقساط إلى أربعين عامًا بدلاً من الثلاثين التي كانت مقررة في قانون الإصلاح الزراعي. وأصبح من حق العمال والمشتغلين في الشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية الحصول على نسبة 25% من الأرباح لتعود عليهم بالنفع وفي شكل خدمات اجتماعية. وأصبح لهم الحق كذلك في المساهمة في إدارة تلك الشركات والمؤسسات بأن يمثلوا في مجلس إدارتها بعضو مقابل سبعة أعضاء. وأن يتم ذلك عن طريق الانتخاب لمن يمثلونهم. وخفضت عدد ساعات العمل اليومية إلى سبع ساعات بدل من ثمانية وذلك دون تخفيف في الأجور. وقد زيدت أيضًا نسبة الضرائب السنوية على الإيراد العام فأصبحت 90% على كل ما يزيد عن 10.000 جنيه مصري من الدخل السنوي. وأن لا يزيد مرتب أي فرد في أية مؤسسة عن 5000 جنيه مصري في العام كحد أقصى.

وهذه القرارات التي صدرت في 23 يوليو 1961، أطلق عليها فيما بعد بالقرارات الإشتراكية، وكان قد سبق صدورها قرارات أخرى في عام 1960 بتأميم بنك مصر وشركاته الصناعية والتجارية أيضًا. وتم أيضًا تأميم شركات الأقطان التجارية وجميع شركات التجارة الخارجية في يونيو 1961. وهذا بالإضافة لما كان قد سبق مصادرته من ممتلكات الرعايا البريطانيين والفرنسيين واليهود على أثر اعتدائهم الثلاثي على مصر بعد تأميمنا لقناة السويس.

وهذه الإجراءات الأخيرة كانت قد وصفت في حينها بالثورة الاجتماعية، وأنها مرحلة جديدة من مراحل الثورة بعد أن تثبيت استقلالنا وتحرير إرادتنا. وأن الغرض منها هو العمل على إعادة توزيع الثورة القومية بما يحقق عدالة اجتماعية للمواطنين ويوفر لهم حياة أفضل.

وكانت أغلب هذه البنوك وشركات التأمين والشركات الصناعية والتجارية وتجارة القطن والتجارة الخارجية يمتلكها ويسيطر عليها الأجانب أو المتمصرين. ولم يكن المصريون يملكون منها إلا القليل النادر. وكان المصريون يهتمون في العادة بتملك الأراضي الزراعية والعقارات.

وهذه الإجراءات التي اتخذت قد استهدفت أيضًا تحرير اقتصادنا من السيطرة الأجنبية ذلك بالإضافة إلى فائدتها الاقتصادية والاجتماعية على شعبنا – وكان قد هالنا هذه السيطرة الأجنبية عندما راجعنا بعد تأميم قناة السويس موقف هذه البنوك والشركات وجنسيتها وتبعيتها. وتبين منها أن الغرب كان في مقدوره أن يحدث لاقتصادنا انهيارًا كاملاً، وأن يرغمنا على الاستسلام والخضوع له دون أن يستخدم القوة العسكرية ليحقق ما كان يرغب فيه، وكان لابد حتى نملك إرادتنا ونحرر أنفسنا أن نعمل على تحرير اقتصادنا من تلك السيطرة الأجنبية.

وعندما صدرت هذه القرارات الخاصة بالتأميم في 23 يوليو 1961 كانت قد شملت أيضًا بعض المؤسسات والشركات الصناعية والتجارية في سوريا. وزيدت فيها أيضًا الضرائب على الدخول السنوية. ولما كان السوريون هم أنفسهم الذين يملكون الأغلبية العظمى من تلك الشركات بخلاف الوضع في مصر، لذا كان وقع تلك القرارات سيئًا عند فئة من الشعب ليست بالقليلة، وزادت هذه الإجراءات من ضيقهم عما هم فيه.

وكان قد تبع اتخاذ تلك القرارات إعادة تنظيم السلطة التنفيذية في الدولة. وأعلن جمال في أغسطس من نفس العام 1961 عن قيام حكومة مركزية تتولى أمر الدولة الموحدة وذلك بغرض التغلب على صوره الإقليمية التي كانت تتزايد مظاهرها ودلالتها. وأعيد تشكيل الوزارة وقد شملت هذه التغييرات عبد الحميد السراج، الذي عين نائبًا لرئيس الجمهورية لشئون الأمن الداخلي، وحدد مقر عمله في القاهرة، وكان جمال يهدف إلى إبعاده عن سوريا بعد أن ازدادت منه الشكوى، وأمضى السراج ما يقرب من شهر في القاهرة بعد صدور هذا القرار، ولما وجد نفسه فيها دون أية سلطات أو حتى عمل يقوم به عاد إلى دمشق يوم الاثنين 18 سبتمبر 1961 ودون أن يستأذن من جمال أو يبلغه بسفره.

تصادم بين السراج وعبد الحكيم:

وعندما وصل إلى دمشق حدثت منه بعض المشاكل هناك وتصادم مع عبد الحكيم الذي كان قد عاود نشاطه في سوريا ثانية بعد نقل السراج إلى القاهرة. ولما اشتد الخلاف بينهما استدعاهما جمال للحضور إلى القاهرة. ولما قدم إليها السراج تقدم باستقالته وظل مصرا عليها حتى قبلها منه جمال يوم 25 سبتمبر 1961. وعاد السراج ثانية إلى دمشق بعد قبولها.

وفجأة حدث انقلاب عسكري في سوريا يوم 28 سبتمبر 1961 أدى في النهاية إلى انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة.

ولكن ما قصه هذا الانقلاب – كيف حدث – ومن هم قادته – وكيف تطور على هذه الصورة إلى حد الانفصال – هذا ما سأرجئه إلى باب خاص، وسأذكره كما سجلته في يومياتي أثناء تلك الأزمة.


الباب الثالث: ثورة الموصل ودور الجمهورية العربية المتحدة

1-فتور علاقة عبد الكريم قاسم بعبد السلام عارف.

2-عزل قاسم لعبد السلام عارف.

3-محاكمة عارف.

4-سيطرة الشيوعيون على العراق.

5-تحرك في الجيش العراقي ضد قاسم.

6-طلب المساعدة من الجمهورية العربية المتحدة.

7-قيام ثورة الموصل ضد قاسم.

8-تدهور الموقف بالموصل لصالح قاسم.

9-قتل الشواف قائد الثورة.

10-هروب بعض الثوار إلى سوريا.

11-مهاجمة جمال للشيوعيين وقاسم.

12-مهاجمة في محكمة الشعب العراقية لجمال والجمهورية العربية المتحدة.

13-فشل الثورة بالموصل.

14-محاولة إثارة الشغب داخل الأراضي العراقية.

15-مهاجمة خروشوف لجمال.

16-تبادل جمال الرسائل خروشوف لتهدئة الموقف.

18-تحسين علاقة الجمهورية العربية المتحدة مع دول المشرق العربي.

19-وضع حجر الأساس لمشروع السد العالي.

20-موافقة الحكومة الروسية على تمويل باقي مراحل مشروع السد العالي.

21-قيام عبد السلام عارف وبالبعثيون بانقلاب ضد قاسم.

22-مقتل قاسم وبعض أعوانه.


ثورة الموصل ودور الجمهورية العربية المتحدة

لم يكن قد مضى شهور قليلة على قيام الثورة العراقية حتى بدأت العلاقات بينها وبين الجمهورية العربية المتحدة تفتر ثم سرعان ما تطورت إلى توتر شديد بينهما إلى أن أصبح العداء صريحًا وعلنيًّا بين جمال وقاسم. وأخذ كل منهما يهاجم الآخر في خطبه وعن طريق وسائل إعلامه أيضًا. ولكن كيف تطورت تلك العلاقة إلى هذا الحد من العداء بعد موقف جمال والجمهورية العربية المتحدة من ثورة العراق ومساندتها لها عند قيامها – وما هي الظروف والأسباب التي أوصلتهما إلى هذا الموقف العدائي.

وإني أعتقد أن سردي للأحداث كما جرت مع المحافظة على تسلسلها التاريخي هي أفضل طريقة وأوضحها حتى يمكن تفهم الموقف على حقيقته، ولتتضح الصورة كاملة من خلالها.

سبق أن ذكرت أن جمال عند عودته من موسكو بعد قيام ثورة العراق، كان قد عاد إلى دمشق ونزل بها وهو في طريقه إلى القاهرة، والتقى هناك بعبد السلام عارف وارتاح إليه. وفي هذا اللقاء بينهما أعرب عبد السلام عارف إلى جمال عن رغبة الجمهورية العراقية في الانضمام إلى الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة. وكان هذا الاتجاه على ما يظهر رغبة شخصية منه ولم يكن قد تم اتفاق عليها بينه وبين قاسم. وتحمس جمال لعبد السلام عارف وبدأ يعمل على إبراز أنه هو المفجر الحقيقي لثورة العراق والرجل القوي هناك. واتخذت وسائل إعلامنا هذا الخط في الكتابة عنه. وأحسست أن هذا ربما يتسبب عنه صدام بين قاسم وعارف متذكرًا ما كان قد حدث بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر. وأن نفس الصورة يعاد تكرارها وربما ينتج عنها نفس ما حدث في مصر من صدام وانشقاق. ولما تحدثت إلى جمال في هذا الأمر وجدته مقتنعًا بما يفعله وبحجة أن عبد السلام عارف متمشيًا معنا في سياستنا – كما جاءت على لسانه. وتجاهل جمال الشك الذي ربما ينتاب قاسم في نوايانا وهو كان بطبعه شكاكًا وحذرًا.

وكان عبد السلام عارف قد بدأ يتصرف في نفس الوقت تحت تأثير ما ينشر عنه في وسائل إعلامنا على أنها حقيقة وأمر واقع. ولم يكن حريصًا في الحفاظ على علاقاته الشخصية بزملائه ضباط الجيش. وكان يسيء إليهم ويتصرف معهم بطريقة جعلتهم ينفضون من حوله. وكان قاسم يعلم هذا ويسمع عنه ويتابعه. وكانت علاقته بعبد السلام عارف قد بدأت تفتر كذلك والموقف أخذ يتأزم بينهما. ولكن قاسم صبر عليه حتى اطمأن على أنه قد فقد أغلب مؤازريه من زملائه الضباط فعمد إلى التخلص منه. وقام بعزله من منصبه ولم يكن قد مضى شهرين على قيام ثورة العراق. واستخدم قاسم طريقة الخداع في التخلص منه، فقد استدعاه إلى مكتبه وأعلن خبر هذا العزل له في الإذاعة وهو لا يزال مجتمعًا به ودون أن يعلمه. وعينه سفيرًا للعراق في ألمانيا الغربية.

حكم بالإعدام:

وسافر عبد السلام عارف إلى منصبه الجديد ولكنه عاد فجأة إلى بغداد دون استئذان ولم يكن قد مضى عليه شهرين هناك. وأراد قاسم أن يوقع به فأعلن أن عارف دخل عليه في مكتبه وحاول اغتياله، واتهمه أيضًا بالتآمر ضد مصالح البلاد وأمنها. ثم حوكم وحكمت عليه المحكمة في يناير 1959 بالإعدام ولكن الحكم خفف إلى السجن الذي ظل فيه فترة إلى أن أفرج عنه قاسم.

وكان قاسم أيضًا ازداد شكه في أهداف جمال عندما اكتشف أن هناك كثيرين من عملاء السراج السريين قد تسللوا إلى الأراضي العراقية. ذلك بالإضافة إلى نشاط محلقنا العسكري هناك الذي طلب قاسم سحبه وإعادته إلى القاهرة على أنه شخص غير مرغوب فيه. ووضع قاسم أيضًا قيودًا شديدة على تحركات واتصالات أعضاء سفارتنا هناك.

ولم يكن عارف هو المتحمس الوحيد في العراق لقيام وحدة مع الجمهورية العربية المتحدة وإنما كان من ضمن المتحمسين لها أيضًا وفي أي شكل من أشكال الاتحاد أعضاء حزب البعث العراقي والوطنيون القوميون هناك.

وحاول قاسم مقاومة هذا التيار فعمد إلى التعاون مع الشيوعيين في العراق بغرض التصدي لهذا الاتجاه. وسمح لهم في عمل تشكيل شبه عسكري أطلق عليه اسم الحرس الشعبي.

وأعطى لأعضاء هذا التشكيل سلطة تفتيش واعتقال أي فرد يشك في أنه يقوم بأي نشاط مضاد للدولة. وبهذه السلطة التي خولت لهم أصبحوا هم القوة المسيطرة داخل العراق. ولزيادة تلك السيطرة منهم على الشعب العراقي قاموا بإرهابه عن طريق الاعتقال والتعذيب وسحل خصومهم السياسيين في شوارع بغداد وغيرها من المدن حتى ساد الذعر والخوف أغلبية الشعب العراقي من تلك الأعمال الإرهابية الدموية.

وجاء شهر فبراير 1959 والعراق قد أصبحت تحت السيطرة التامة للشيوعيين بها. وكان قاسم نفسه يساندهم ويشد من أزرهم الأمر الذي دفع بعض الضباط الوطنيين من الجيش العراقي إلى التفكير في التصدي لهذا الإرهاب والعمل على تخليص البلاد من سيطرة قاسم والشيوعيين معًا. ولم يكن أمامهم من سبيل إلا محاولة القيام بانقلاب عسكري ونقل السلطة من قاسم إليهم.

وفي ذلك الوقت – منذ بداية عام 1959- كانت قد بدأت تصل إلينا بعض المعلومات التي تفيد عن هذا الاتجاه من بعض الضباط القادة في الجيش العراقي. وهم كانوا يسعون إلى الاتصال بالجمهورية العربية المتحدة بهدف طلب المساعدة والتأييد منها في حالة تحركهم ضد قاسم.

وحل شهر مارس 1959، وكان جمال في ذلك الوقت في سوريا في زيارة لها مع ضيفه المرشال تيتو، وكنت متواجدًا بها أيضًا. ولم يكن جمال قد عاد إلى القاهرة بعد سفر ضيفه في يخته الخاص من ميناء اللاذقية عندما علمنا بتحرك بعض وحدات من الجيش العراقي في مدينة الموصل ضد قاسم والشيوعيين. وقد أطلق على هذا التحرك في ذلك الوقت ثورة الموصل أو الشواف نسبة إلى اسم قائد قوات الموصل الذي كان وراء هذا التحرك.

وكانت المعلومات عن هذا التحرك الذي حدث بالموصل وكذا تطور الأحداث بها تصل إلينا في دمشق. وكنت قد عملت على تدوينها في يومياتي كعادتي. وأرى حفاظًا مني على التاريخ أن أوردها هنا كما جاءت بتلك اليوميات.

محاولات لعزل قاسم:

كنت مع جمال في مدينة اللاذقية أثناء رحلته مع ضيفه المرشال تيتو عندما حضر إلينا هناك يوم الاثنين 2 مارس 1959 ملحقنا العسكري في العراق الضابط عبد المجيد فريد. وقام بإبلاغ جمال أن هناك تحركًا في الجيش العراقي بهدف القيام بانقلاب عسكري ضد قاسم للقضاء عليه وعلى نظامه. وأنه موفد من قبل قائد هذا التحرك لمعرفة موقف الجمهورية العربية المتحدة من طلبهم في المساعدة لتحقيق هذا الهدف. وأشار إلى أن هذا القائد هو الضابط رفعت الحاج سري مدير المخابرات هناك.

وكان السراج قد سبق وأبلغ جمال كذلك أثناء تواجدنا في مدينة حلب وقبل أن نتوجه منها إلى مدينة اللاذقية أن الزعيم حازم الطبقشلي قائد القوات العراقية في كركوك شمال العراق قد أرسل إليه ضابطًا من ضباط أركان حربه واسمه عبد العزيز وطلب هو الآخر مساعدته في القيام بثورة ضد قاسم. وأنه في حاجة إلى مده بقوات عسكرية من الجمهورية العربية المتحدة ذلك بالإضافة إلى بعض الأسلحة ومحطة إرسال متنقلة.

وقد وافق جمال على مدهم بما يحتاجونه من السلاح وعلى محطة الإرسال كذلك، ولكنه أبدى تعذر إمدادهم بقوات عسكرية. واتفق على أن توضع هذه الأسلحة ومحطة الإرسال المطلوبة في نقطة قريبة من الحدود العراقية عند بلدة تل كوتشك السورية لتكون تحت تصرفهم الفوري عند تحركهم.

ولكن لم يتضح لنا من هذه الاتصالات مدى العلاقة بين ناظم الطبقشلي وقواته في شمال العراق ورفعت الحاج سري وقواته في بغداد. كما وأن رفعت الحاج سري لم يكن قد ذكر شيئًا لعبد المجيد فريد عن وجود تعاون بينه وبين أي قوات أخرى. وقد لوحظ أيضًا أن طلب منهما في المساعدة يختلف عن طلب الآخر.

ومع تلك الصورة وجد أنه من الأوفق أن يأخذ كل من السراج وعبد المجيد فريد حذرهما وأن لا يفصحا لأي من الطرفين عن وجود اتصال بيننا وبين آخرين. وأن يظل اتصال كل منهما بنا سرًّا على الآخر.

وكان عبد المجيد قد ذكر حديثه أنهم لا ينوون الدخول في وحدة مع الجمهورية العربية المتحدة. واعتقدنا أنه يقصد أن ليس في نيتهم التقدم بطلب قيامها فور نجاح الانقلاب المزعوم. ولكنه أكد لنا أن الوحدة ليست من أهدافهم.

وكنت قد علمت أيضًا أن الضابط العراقي عبد الوهاب الشواف قائد لواء الموصل كان قد سبق وأرسل هو الآخر أركان حربه المسمى شكر إلى الحدود السورية. وتقابل هناك مع مندوب عن السراج. وقام بالإبلاغ عن المساعدات التي يطلبها الشواف والتي هو في حاجة إليها من الجمهورية العربية المتحدة أيضًا حيث كان ينوي القيام هو الآخر بانقلاب ضد قاسم، وكان ذلك قد تم في منتصف شهر يناير 1959.

وفي يوم الخميس 5 مارس 1959، أبلغني جمال أن هناك معلومات قام بإرسالها عبد المجيد فريد وهي تفيد أن انقلاب رفعت الحاج سري في بغداد سيتم في ليلة 6 مارس. ولما سألته عما إذا كان هناك اتفاق بين قوات بغداد والقوات الأخرى الموجودة بالموصل على ذلك الانقلاب – أجابني بالإيجاب. وعلمنا أيضًا أن هناك قطارًا خاصًا سيغادر بغداد مساء نفس ذلك اليوم متوجهًا إلى الموصل. ويحمل عددًا كبيرًا من شيوعي بغداد للاحتفال بيوم السلام هناك الذي حدد له يوم الجمعة 6 مارس.

ومضى يومي الجمعة والسبت 6 و 7 مارس – وكنا قد عدنا إلى دمشق دون أن تصلنا أية أخبار عن ذلك الانقلاب المزعوم.

ولكن في صباح يوم الأحد 8 مارس علمت من جمال أن الثورة قامت بعد منتصف ليلة السبت في الموصل. وأن محطة الإرسال المتنقلة قد أرسلت إليهم وكذا بعض الأسلحة الخفيفة. وأجابني بالإيجاب عندما استفسرت منه عما إذا كان هناك توقيت للتحرك متفق عليه بين قوات الموصل والقوات الموجودة في بغداد. وذكر أنه من المفروض أن تكون قوات بغداد قد تحركت هي أيضًا. ولكن حتى تلك اللحظة لم يكن قد وصل إلى علمنا شيئًا عن تحركهم. وكان جمال دائم المحاولة في الاستماع إلى إذاعة بغداد عسى أن يسمع شيئًا يدل على ذلك.

وحتى الساعة الرابعة من بعد ظهر نفس اليوم – الأحد – لم يكن لدينا علم بما يجري في الموصل، ولا عن تحركات قوات بغداد غير ما أذيع من محطة إذاعتها فقط والتي أعلنت خبرًا عن إحالة العقيد عبد الوهاب الشواف قائد قوات الموصل إلى التقاعد وتعيين الزعيم يونس محمد طاهر قائد اللواء الخامس بدلاً منه. كما أعلنت بيانًا إلى الضباط والجنود والأهالي كذلك يطلبون منهم فيه القبض على الشواف.

وتبين لنا أن محطة الإرسال التي أرسلت إلى الثائرين بالموصل كانت ضعيفة الإرسال، وأن إذاعتها غير مسموعة إلا لمسافات قصيرة لا تتعدى حدود منطقة الموصل نفسها. ورؤي لذلك استخدام محطة إرسال أخرى سرية لتذيع باسم ثوار الموصل. ووضعت تلك المحطة السرية في منطقة الغوطة القريبة من مدينة دمشق. وأخذت تبث إذاعتها على أنها هي نفسها محطة إرسال الموصل. وقامت بإذاعة البيان الذي أصدره الشواف وبعض تعليقات أخرى ضد عبد الكريم قاسم.

وأما محطة بغداد فقد أذاعت عدة برقيات كلها تأييد لعبد الكريم قاسم من بعض وحدات الجيش العراقي. و استمرت تذيع أيضًا عن طلب القبض على الشواف. وذكرت أنه يحاول الهرب متجهًا نحو الحدود السورية.

واتضح لنا في وقت متأخر من نفس اليوم أن قوات بغداد لم تتحرك. وأن قوات الموصل العسكرية قد اصطدمت مع الشيوعيين الذين وفدوا إلى المدينة من بغداد. وذكر أنها قضت عليهم، كما اعتقلت عددًا كبيرًا من زعمائهم السياسيين.

موقف غامض:

وكان الموقف في الموصل في نهاية ذلك اليوم – الأحد – غير واضح لنا وعائم. وليس هناك أي اتصال بيننا وبين أي شخص في المدينة. ولا تصلنا أية معلومات تفيد عما يجري داخلها. وكان قاسم مسيطرًا تمامًا على الوضع في بغداد ولا يوجد بها أية تحركات عسكرية مضاد له.

وتساءلنا عن مكان وجود القوات الجوية العراقية من الذي يسيطر عليها ومدى طيران طائراتها، وعلمنا أنها بالقرب من بغداد وخاضعة لسيطرة قاسم، وأنها تستخدم نوعًا من الطائرات المقاتلة المسماة بالفيوري، وهذه الطائرات بها حاملات للقنابل بجانب رشاشاتها أيضًا. ومدى طيرانها يمكنها من الوصول إلى الموصل والعودة ثانية إلى بغداد. وجاء تخوفنا من احتمال استخدام قاسم لها ضد قوات الموصل، وتأثير ذلك على الروح المعنوية لتلك القوات. ولم يكن لدى الشواف عدد كاف من الطائرات للتصدي لها. واقترح إرسال طائرات قتال من سوريا إلى منطقة القامشلي أو دير الزور السورية حتى تكون قريبة من المنطقة الدائرة عليها القتال ولتبقى هناك كاحتياطي للظروف. ولكن جمال استبعد الاقتراح تخوفًا من أنها لو استخدمت لكشفت عن الدور الذي تقوم به الجمهورية العربية المتحدة والذي نحاول إخفائه.

وفي الساعة السابعة والربع من مساء الأحد قامت محطة إذاعة دمشق بإذاعة خبر قيام ثورة في الموصل وذلك أثناء إذاعتها لنشرة الأخبار. وأذيع كذلك بعض فقرات من بيان الشواف. وكان هذا هو أول خبر يذاع على العالم عن هذه الثورة وعن البيان. ولكن ما أذيع كان مقتضبًا جدًا، والثوار كانوا في حاجة إلى رفع معنوياتهم التي كانت قد بدأت تتدهور بعد الذي أذيع عن الشواف من محطة بغداد. ورئي لذلك أن يذاع جزء أكبر من بيان الشواف. وأن يكون هناك بعض التعليقات أيضًا على ما يجري في الموصل، ونداءات إلى الجيش والشعب العراقي لحثهما على المشاركة والانضمام إلى الثورة. وأرسل جمال بيان الشواف كاملاً إلى وكالة ا.ش.ا للأنباء في بيروت والقاهرة لتعمل على نشره في صحف اليوم التالي. كما أخطرت إذاعة كل من القاهرة ودمشق للقيام بإذا جزء أكبر من البيان. وقد حدده لهما جمال بنفسه. وقامت محطة إذاعة القاهرة بتنفيذ ما طلب منها أثناء إذاعتها نشرة أخبار الساعة الثامنة والنصف مساءً.

وكان الموقف لا يزال غامضًا وغير واضح لنا حتى منتصف الليل، ولا تصلنا أية معلومات تفيد بما يجري في الموصل وبغداد. وقررنا الذهاب إلى غرف نومنا والانتظار لما سيجد في صباح اليوم التالي.

طائرات قاسم تغير على الموصل:

وفي يوم الاثنين 9 مارس وصل إلى علمنا أن طائرات قاسم قامت بالإغارة على الموصل في صباح نفس اليوم، وقذفت بقنابلها ورشاشاتها مواقع قيادة القوات بها. وأن الروح المعنوية بين القوات الثائرة في تدهور، وكثيرًا من الضباط والجنود قد هربوا. وأن سبعة ضباط منهم قد وصلوا إلى الحدود السورية قادمين من الموصل. كما ذكروا أن الجنود الشيوعيون قاموا بقتل كثير من ضباطهم. وأن الحالة في الموصل أصبحت فوضى كاملة. وقيل أن الثوار كان لديهم ثلاث طائرات، وبدلاً من الاحتفاظ بها لتقوم بالدفاع عن المدينة ومركز قيادة القوات بها فقد أرسلت إلى بغداد لقذف مبنى وزارة الدفاع غير مقدرين أن التفوق الجوي في جانب قاسم وفي إمكانه التصدي لتلك الطائرات وإسقاطها قبل وصولها إلى بغداد. وكذا احتمال قيام طياريها بالنزول بطائراتهم في مطار بغداد تخلصًا من ذلك الموقف الشائك الذي وضعوا فيه بعد أن أصبح الفشل واضحًا لهم أكثر من النجاح. ذلك إلا إذا كانوا مؤمنين بما يقومون به وعلى استعداد للتضحية بأرواحهم في سبيله.

وأبلغنا كذلك بأن الخط التليفوني الذي كان يربط بلدة تل كوتشك السورية بمدينة الموصل قد قطع. وأصبحنا بذلك في عزلة تامة عما يجري في المدينة وما يدور فيها. ونمى إلى علمنا أن المخفر العراقي القريب من الحدود السورية ومن بلدة تل كوتشك قد احتل بواسطة بعض الشيوعيين المدنيين العراقيين. كما وأن الطريق الموصل بين الموصل وتل كوتشك قد أصبح كذلك تحت سيطرة قوات شيوعية مدنية من العراق. وقيل إن تلك القوة مسلحة بأسلحة خفيفة. وقد أعاقت تلك السيطرة منهم إرسالنا الجزء الأكبر من الأسلحة التي كان من المفروض أن ترسل إلى الثوار بالموصل. وأرسل ستون فدائيًّا سوريا إلى القامشلي بالطائرات للذهاب منها إلى تل كوتشك لمحاولة القضاء على تلك القوة العراقية التي احتلت المخفر، ولتخليص الطريق أيضًا من القوة العراقية التي سيطرت عليه. كما أمر جمال إرسال طائرات قتال إلى القامشلي أو دير الزور وذلك كإجراء احتياطي ولكنه لم يحدد لها الغرض المطلوب منها.

تدهور الموقف:

وكان جمال في حالة ضيق شديد لتدهور الموقف السريع في الموصل. واعتبر أن ما يجري هناك معركة شخصية بينه وبين قاسم. وقد وصلتنا برقية من عبد المجيد فريد في بغداد، وذكر فيها أن الشيوعيين العراقيين يتظاهرون في شوارع المدينة ويهتفون ضد الجمهورية العربية المتحدة وبسقوط جمال، وقدر عددهم بالآلاف وذاكرًا أنهم يتزايدون باستمرار. ولكنه لم يشر إلى وجود أي نشاط عسكري في بغداد مضاد لقاسم. وكل ما ذكره أنه ليس هناك أي نشاط للذين كانوا يدعون أنهم مستعدون للقيام بثورة، وقد قصد بذلك رفعت الحاج سري. كما وصلت إلينا أيضًا في نفس اليوم برقية أخرى من سفارتنا ببغداد ذكر فيها أن وزير خارجية العراق قد طلب من موظفيها ضرورة مغادرة البلاد في خلال أربع وعشرين ساعة.

وقامت إذاعة بغداد بإعلان أن الشواف قد قتل بيد ضباطه وجنوده. وتساءل جمال بعد وصول تلك المعلومات عما يمكن إذاعته. واتفق على أنه من المهم العمل على رفع الروح المعنوية للقوات الموجودة ببغداد، ومحاولة إبعاد اليأس عنها لاعتقادنا أن بيدها مفتاح الموقف بعد تدهور الحالة في الموصل. وقد أصبح الأمل معلقًا في تحرك قوات من بغداد ضد قاسم. ورئي أنه ربما يساعد في تحقيق ذلك أن نعمل على تكذيب ما يذاع من محطة بغداد، وأن نواصل إذاعة أن ثوار الموصل لا يزالون مسيطرون على الموقف هناك. وأن الشواف لا يزال حي يرزق ولم يقتل كما أذاعت بغداد، عسى أن يحرك ذلك قوات بغداد ضد قاسم.

إذاعة الموصل في الغوطة:

وقام جمال بإعداد ما سيذاع. وأذيع بعد ذكل بيان وكأنه على لسان الشواف من المحطة السرية بالغوطة. وقامت إذاعة القاهرة وكذا دمشق بذكر ما أذاعته بغداد عن مقتل الشواف وقذف مركز القيادة بالموصل بالطائرات. وما أذاعته أيضًا المحطة السرية بالغوطة وعلى أنه صادر من الثوار. وذكرتا أن الشواف لم يقتل، وأنه أذاع بيانًا ثم قاما بذكره في إذاعتيهما. واستمعنا إلى إذاعة لندن، وجاء في تعليقها على الموقف في العراق أنه غير واضح. كما ذكرت ما كانت قد أذاعته بغداد وما أذاعته محطة الثوار السرية وعلى أنها بالموصل والتي هي في الحقيقة بالغوطة. وأصبح الموقف نتيجة هذه الإذاعات المتضاربة غير واضح للمستمعين لتلك الإذاعات.

وأصبح هناك أمل في أن تؤثر هذه الصورة على الموقف خاصة فيما يتخذه قاسم من تصرفات. وكان قد تبين لنا من إذاعة بغداد أنه هو الآخر غير ملم بحقيقة الموقف في الموصل. ولم تكن هذه إلا محاولة منا لمد عمر ثورة الموصل – فمن يعلم - ؟. وكان ذلك رغم شعورنا أن لا فائدة ترجى هناك.

وفي المساء لاحظنا أن إذاعة بغداد بدأت تذيع برنامجها العادي دون أن تعلن فيه عن أي برقيات تأييد لقاسم من مرسليها كما دأبت من قبل. كما أعلنت أيضًا عن عودة سير القطارات بين بغداد والموصل بعد أن كانت قد توقفت. وفهم من ذلك أنهم يحاولون إبراز أن ما حدث في الموصل قد انتهى. وأن السيطرة عادت إليهم. وأن الأمور هناك قد استقرت وعادت إلى حالتها الطبيعية السابقة. كما فاجأتنا أيضًا إذاعة قاسم بأن محكمة الشعب في بغداد ستعقد لمحاكمة كبه وزير المعارف الأسبق في العراق وذلك في الساعة السابعة مساءً، وكان قد سبق وأعلن في ظهر نفس اليوم عن تأجيل تلك المحاكمة. واستنتج أن الغرض من ذلك هو محاولة استغلال انعقادها في إبراز فوزهم وإعلان انتصارهم للشعب العراقي حتى تحبط من عزيمة خصومها.

وكانت جلسة المحكمة مذاعة مباشرة على الهواء. وسمعنا فيها من البذاءة ما لا حد له. وقد جاءت على لسان رئيسها المهداوي. وعلى لسان من حضروا لمشاهدة تلك المحاكمة أيضًا.

وقد وجهت هذه البذاءة والإهانات إلى الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال. ولم تكن محاكمة للمتهم بالمعنى المفهوم، وإنما كانت مسرحية كلها تهجم على جمال أكثر منها محاكمة للمتهم نفسه.


جمال يتألم:

وكان قد جاء على لسان المهداوي أثناء تهجمه أن محطة ثوار الموصل السرية تقع داخل الأراضي السورية. كما أذاعت ذلك أيضًا كل من إذاعة لندن وإسرائيل في مساء نفس اليوم. ولم يكن جمال قد استمع معنا إلى ما دار في المحكمة، وتساءل عما جاء بها. ولم نشأ إبلاغه بالحقيقة ولكنه أصر على معرفتها. وقدم إليه محمود الجيار أحد سكرتيريه مذكرة فيها فحوى ما دار في المحكمة. وظهر الألم الشديد على وجهه بعد قراءتها. ولم يشأ أن نراه على تلك الصورة فاستأذن ودخل إلى غرفته. وظل بها فترة ثم عاد إلينا بعد أن سكنت نفسه وهدأ غضبه. وكان قد عاد ليشترك معنا في مشاهدة فيلم سينمائي أحضر لنشاهده في قصر الضيافة.

وأثناء مشاهدة الفيلم أبلغني جمال أن عبد الحكيم أرسل إلى سوريا سفينة وثلاث طائرات محملة بالأسلحة والذخيرة لنعزز بها النجاح الذي حققته ثورة الموصل. ذلك لأن عبد الحكيم كان قد اعتقد بصحة ما يذاع من محطة الثوار. وذكر جمال هذا وهو في غاية التأثر والضيق الشديد. كما أنه كان متألمًا لمقتل الشواف. ولم يكن هذا هو شعوره فقط وإنما كان هذا شعورًا عامًا عند الجميع للمصير الذي آل إليه. وكنا في حنق أيضًا على الذين اتفق معهم ولكنهم تخلوا عنه كرفعت الحاج سري وناظم الطبقشلي.

وكان قد تم الاتفاق صباح ذلك اليوم مع مصطفى حمدون على أن يذهب إلى منطقة تل كوتشك ويعمل على إثارة عرب شمر وبعض القبائل الأخرى هناك على الحكومة العراقية بهدف محاولة مساندة ثوار الموصل. وطلب جمال منه عدم التصرف إلا بعد أن تتوافر لديه المعلومات الكافية عن الموقف هناك. وأن يبلغه بها وهو الذي سيقوم بتوجيهه إلى العمل المطلوب.

وجاء يوم الثلاثاء 10 مارس، وكان أول يوم من شهر رمضان المبارك وتمنينا أن يكون خيرًا على المسلمين وعلينا جميعًا. وأن يحقق الله أملنا في الوحدة الشاملة، فوز القومية العربية في تلك المعركة التي كانت تدور رحاها ولا يعرف نتائجها إلا الله.

وأثناء تناولنا الإفطار في أول يوم من أيام رمضان علمنا من السراج أن الشواف كان قد جرح أثناء وقوع الانقلاب في الموصل، وأنه نقل إلى المستشفى للعلاج ولكنه توفي هناك. كما ذكر أن طائرتين عراقيتين قامتا في صباح اليوم بقذف ثلاث قرى من قرى عرب شمر الموجودة بالقرب من منطقة تل كوتشك. وأن إحدى هذه القرى الثلاث تقع داخل الأراضي السورية. وقيل أن الأضرار التي أصيبت بها بسيطة. وأن الذي دفع القيادة العراقية إلى هذا التصرف هو اعتداء الفدائيون الذين سبق إرسالهم إلى تلك المنطقة على أفراد المخفر العراقي. وقد تمكن هؤلاء الفدائيون من إنقاذ ضابط عراقي جريح اسمه محمد سعيد شهاب من بين أيدي أفراد هذا المخفر وذلك بعد أن أوقعوهم في كمين أعدوه لهم. وكان هذا الضابط قد هرب من الموصل بعد أن أصيب بجروح أثناء القتال هناك. ولكنه توفي متأثرًا بجراحه في نفس اليوم الذي تم فيه إنقاذه.

جنازة شعبية:

وقد اقترح جمال أن يعمل له جنازة شعبية في دمشق. وأن يحشد لها أكبر عدد ممكن من الأهالي لتشييع جثمانه والهتاف ضد قاسم والعراق وذلك بقصد تعبئة الشعور العام ضد قاسم بالذات. وردًّا كذلك على الجنازة التي كانت ستقام في بغداد يوم الأربعاء 11 مارس لتشييع جثمان أحد الشيوعيين العراقيين من الذين قتلوا في الموصل.

وحاولنا إقناع جمال بالعدول عن هذا الاقتراح خشية أن يصبح ذلك دليلاً على ارتباط الجمهورية العربية المتحدة بما جرى في الموصل. وأن يلصق بها الفشل الذي حدث هناك، والضحايا التي ذهبت أرواحهم أثناء القتال. وتجنبًا كذلك للوم الذي سيقع من الشعب العراقي على الجمهورية العربية المتحدة بل وعلى عاتق جمال شخصيًّا لتلك الخسائر، ولكن جمال تمسك باقتراحه وعبر عن اقتناعه به بمعنى جميل له وجاهته، وهو أن كل عربي يستشهد في سبي القومية العربية فوطنه البلاد العربية جمعاء، وأنه شهيد الواجب. وأن تشييعنا لجثمان الشهيد محمد سعيد شهاب ما هو إلا اعتراف منا بتضحيته في سبيل هذا الواجب النبيل.

واتفق على أن يتم إعداد تشييع جثمانه بعد صلاة الجمعة 13 مارس حتى تتاح الفرصة بذلك لأكبر عدد ممكن من المواطنين للاشتراك فيه.

وكان قد نمى إلى علمنا أيضًا ونحن على مائدة الإفطار أن مصطفى حمدون قد أرسل ثلاث عربات جيب بها عرب من البادية إلى مدينة الموصل في مساء اليوم السابق لتتقضى الأخبار هناك والحصول على معلومات. وكان من المفروض أن تعود ثانية في صباح يوم أول رمضان. ولكنها لم تكن قد عادت بعد أثناء تناولنا الإفطار في المساء.

وقد قام جمال في نفس الليلة باتخاذ العدة لإعداد ما يلزم من الدعاية لتغطية ذلك الفشل الذي حدث بالموصل وكتب عدة أخبار لتنشر في الصحف. وكانت كلها تهدف إلى إثارة الشعب العراقي ضد قاسم، وذلك عن طريق تجسيم الخسائر التي حدثت بالموصل، ومحاولة إثارة العطف أيضًا على الثوار بالتنديد بالإجراءات التي اتخذها قاسم هناك. وقد ادعى أنه قام بإعدام ستين ضابطًا، كما أعدم أيضًا كل شخص مدني شك في أنه تعاون مع الثوار. وأن ذلك كله تم دون محاكمة. ولكننا تخوفنا من المبالغة في هذا الأمر فربما يأتي بنتيجة غير ما نرجو ونتمنى، وتجعل الشعب العراقي يحمل جمال مسئولية هذه الضحايا وما حدث هناك. أو أن يعرف الحقيقة وهي غير ما ذكرنا، ويعلم أننا نغالي فيما ننشر من أخبار فيفقد ثقته فيما نعلنه. ولكن جمال ظل مقتنعًا بما يفعله.

وكان واضحًا غضب جمال وضيقة من كل من نجيب الربيعي رئيس مجلس السيادة بالعراق ورفعت الحاج سري لأنهما لم ينفذا ما كانا قد وعدا به من اشتراكهما في الثورة مع الشواف.

وقد خطب جمال في جموع الطلبة الذين تظاهروا يوم الأربعاء 11 مارس، وندد في خطابه بعبد الكريم قاسم وأسماه بقاسم العراق، ومن أنهم عملاء للاستعمار وشيوعيون يعملون لصالح الأجنبي وبوحي من الخارج. وذكر أن الشيوعيون عملاء لأنهم لا يؤمنون بحرية وطنهم. وأشار إلى الإهانات والإساءات التي مسته شخصيًّا الجمهورية العربية المتحدة في محكمة الشعب ليلة 9 مارس، وقال: "لا يحق لنا أن نغضب لأن لنا رسالة ونحن قد آمنا بها".

وأوضح في هذا الخطاب أكثر من أية مرة سابقة موقفه من الشيوعية. كما هاجم الشيوعيين مهاجمة عنيفة خاصة العراقيين منهم. وكانت قبضة الشيوعيين العراقيين قد ازدادت على الشعب العراقي بعد أحداث الموصل. وساعدهم في ذلك تنظيماتهم الشعبية التي سيطرت على الشارع هناك سيطرة كاملة وبسند أيضًا من قاسم نفسه.

موقف عسير:

ومع تطور الموقف إلى هذه الصورة – تصورنا أن الاتحاد السوفيتي لابد سيبذل كل جهد ممكن من ناحيته لمساعدة الشيوعيين العراقيين والعمل على تدعيم موقفهم. وسيحاول أيضًا أن يضعف من مركزنا ويتخذ من التصرفات ما يؤثر على اقتصادنا. وربما يتخذ في هذا السبيل طرقًا غير مباشرة ودون الإعلان عنها. وكان الغرب في ذلك الوقت يعمل هو الآخر أيضًا على إضعافنا وعزلنا عن باقي الدول العربية بعد أن امتد تأثير ونفوذ الجمهورية العربية المتحدة إلى شعوب كل المنطقة. وأصبح موقفنا من هذه الصراعات لا يمكن أن نحسد عليه. ولكننا كنا نؤمن إيمانًا عميقًا بأن هذه المعارك هي التي ستصهر شعبنا العربي وتبلور شخصيته وتدعم قوميته كذلك. وأن شعبنا إن وضح له الهدف وآمن به فسيكون مستعدًا للتضحية في سبيله. وكان هذا هو الذي يمدنا بقوة الصمود ويدفعنا إلى مواجهة كل التحديات.

وكان مصطفى حمدون قد حضر من تل كوتشك يوم الأربعاء 11 مارس وأبلغنا عن المعلومات التي أمكن لها جمعها عن الموقف في الموصل. وقد حصل عليها من الضابط العراقي محمود عزيز المساعد الأيمن لعبد الوهاب الشواف، ومن بعض ضباط عراقيين آخرين فارين من الموصل إلى سوريا. وقد التقى بهم في تل كوتشك.

وتفيد تلك المعلومات أن خطة الانقلاب ضد قاسم كانت قد بنيت أساسًا على أن يتحرك الشواف في الموصل، وأن يقوم ناظم الطبقشلي بتجميد قواته في كركوك وأربل شمال العراق ذلك لأنه لم يشأ الاشتراك في العملية بحجة عدم اطمئنانه لجنوده لأن أغلبهم من الأكراد. وكان قد طالب بمده بثلاثة آلاف جندي من الجمهورية العربية المتحدة إن كان ولابد من إشراكه. ولما كان هذا متعذرًا بل وغير منطقي وإلا يصبح غزوًا من الجمهورية العربية المتحدة للعراق – لذا رئي الاكتفاء بتجميد موقف قواته من أحداث الموصل.

وكان الشواف أيضًا قد اتفق مع رفعت الحاج سري ببغداد على أن يقوم ومعه قوة من ثلثمائة ضابط وجندي بنسف محطة إذاعة بغداد، والهجوم على وزارة الدفاع للاستيلاء عليها، والقضاء على قاسم وأعوانه.

وكان قد تحدد موعد قيام الثورة ليلة 5/6 مارس بعد منتصف الليل ثم اضطر الشواف إلى تأجيلها حتى ليلة 7/8 مارس. وكان قد رأى تأجيلها حتى يتستر في قيامه بها خلف ستار العمل على المحافظة على الأمن في الموصل بعد أن يدعى أن الشيوعيين الذين وفدوا إليها من بغداد يوم 6 مارس قد اصطدموا مع القوميين العرب بها مما هدد أمن المدينة. لذلك قام بالإيعاز إلى بعض القوميين بالموصل أن يحتكوا بالشيوعيين الوافدين على المدينة حتى تتاح له ذريعة إعلان حالة الطوارئ. وقام فعلاً بإعلانها وبموافقة من بغداد أيضًا على هذا الإجراء الذي ارتآه. وقام بإنزال قواته إلى المدينة، واحتلت بعض المواقع فيها، ومنع التجول بها. كما اعتقل خمسة عشر من الزعماء الشيوعيين، وعدد مماثل لهم من القوميين العرب تغطية لنواياه. وتم نقلهم جميعهًا إلى إحدى المعسكرات خارج المدينة ثم أفرج عن الزعماء القوميين بعد وصولهم إلى المعسكر، وظل متحفظًا على الزعماء من الشيوعيين. وقام بتوزيع سبعمائة بندقية على الأفراد القوميين.

واستمرت الحالة طوال يوم 8 مارس هادئة، والشواف وزملائه مسيطرين على الموقف تمامًا. وزيادة في الحيطة منهم فقد قاموا باعتقال أحد عشر ضابطًا من الشيوعيين كذلك. ثم قام الشواف بعد ذلك بإعلان بيانهم من محطة الإرسال السرية التي أرسلت إليهم. ولكن إرسالها كان ضعيفًا، ولم يخرج عن دائرة الموصل نفسها. ولم تحدث التأثير المطلوب، هذا بخلاف محطة إذاعة بغداد التي بدأت تذيع في نفس اليوم ومن الساعة الرابعة بعد ظهر عن تسريح العقيد الشواف وتعيين يونس محمد طاهر بدلاً منه قائدًا للواء الخامس، وطلب القبض على الشواف حيًّا أو ميتًا مقابل مكافأة لمن يقبض عليه مقدارها عشرة آلاف دينار عراقي. وقد اعتبره البيان المذاع عنه خائنًا للوطن، ومتعاونًا مع الأجنبي والاستعمار. كما أن إذاعة بغداد كانت تذيع كذلك برقيات التأييد لقاسم من وحدات الجيش المختلفة حتى من ناظم الطبقشلي نفسه، وقد تأكد لنا صحة ذلك فيما بعد. كما أعلنت برقيات تأييد أخرى أيضًا من الهيئات الأهلية والنقابات المختلفة. ونتيجة تلك الصورة بدأت الروح المعنوية بين القوات الثائرة والأهالي القوميين تضعف خاصة بعد أن اتضح لهم أن أحدًا لم يؤازرهم ممن كانوا قد اتفقوا معهم، ولم تنسف كذلك محطة إذاعة بغداد كما كان متفقًا من قبل بل أصبح صوتها هو المسموع دون صوت الثائرين. كما أن إذاعة بغداد لم تحاول أن تعلن عن قيام ثورة في الموصل أو تمرد أو عصيان من قواتها، وإنما ركزت فقط في إذاعتها على الشواف وخيانته وهروبه وطلب القبض عليه من الجنود والأهالي.

وقد زاد أيضًا من تدهور الروح المعنوية عند الثائرين موقف إذاعة كل من دمشق وصوت العرب بالقاهرة عندما أعلنتا عن قيام ثورة في الموصل، وبزعامة عبد الوهاب الشواف، واقتصرنا في إذاعيتهما على جزء بسيط من البيان الذي أعلنه الشواف. وكانوا يأملون التأييد الكامل والواضح من الجمهورية العربية المتحدة، وأن تقوم إذاعتها بمقاومة إذاعة بغداد لذلك اتصلوا بتل كوتشك وأبلغوا مندوبي السراج بها أن ما أذاعته المحطتين كان مهبطًا لروحهم المعنوية.

قتل زعماء الشيوعيين:

وعندما رأى الثوار أن موقفهم أصبح ضعيفًا وحرجًا وأنهم وحيدون في المعركة، وليس هناك من يساندهم أو يشد أزرهم – لذا قرروا القيام بقتل الزعماء الشيوعيين المدنيين. وكذا الضباط المعتقلين. وقاموا باصطحابهم لتنفيذ تلك العملية فيهم. وبدأ الضباط محمود عزيز الساعد الأيمن للشواف بقتل زعيم الشيوعيين في الموصل. وهو محاولة اسمه كامل القازنجي. وقيل إنه قام بإدخاله إلى محل لإزالة الضرورة ثم أطلق عليه الرصاص من مسدسه. كما قتل ضابط شيوعي آخر اسمه عبد الله الشاوي قائد فوج المهندسين. ويقال إن هذا الضابط الشيوعي حاول إخراج مسدسه فعاجله أحد أقرباء محمود عزيز وهو ملازم برصاصة من مسدسه فقتله. وذكر أن هذا اللازم كان أحد الذين هربوا إلى سوريا. وذكر كذلك أن الشيوعيين عندما رأوا هذا المصير الذي سيصيبهم فقد أخذوا يستعطفونهم ويرجونهم في عقد هدنة بينهما حتى يعملا على إيقاف تلك المذبحة التي كانت جارية بالموصل. وقد تأثر الثوار بهذا الغرض منهم غير مقدرين خطورته عليهم بعد أن بدأت الكفة تميل لصالح الشيوعيين. ولكنهم لم يقطعوا برأي نهائي فيما عرض عليهم وإنما أوقفوا ما كانوا قد بدأوا في تنفيذه من قتل الزعماء الشيوعيين.

وقيل إنه في صباح اليوم التالي أي 9 مارس أرسلت بغداد طائرتين قامتا بقصف مراكز قيادة الثوار فزاد ذلك من إضعاف الروح المعنوية أيضًا. وجرح الشواف من هذا القذف وكذا محمود عزيز جروحًا خفيفة. وذهب الشواف إلى المستشفى العسكري للعلاج تاركًا مركز قيادته. وقد ذهب أيضًا بدون حراسة ولكنه لم يعد لأنه كان قد قتل. ويستنتج أنه قتل بيد شيوعي وهو في طريقه إلى المستشفى أو في المستشفى ذاته. وهناك رواية أخرى تقول إن الذي قتله صول كردي. والأكراد كانوا متعصبين لقاسم لموقفه من قضيتهم. وكان من الواجب على الشواف اتخاذ الحيطة وعدم مغادرة مركز قيادته على تلك الصورة. وكان يمكنه استدعاء الطبيب إلى مكان وجوده لعلاجه بدلاً من الذهاب بنفسه إلى المستشفى وبدون حراسة وفي وقت لا يسمح له بترك مركز قيادته.

ويقال إنه بعد أن قامت الطائرات بقصف مراكز قيادة الثوار فقد حدث هرج ومرج. وقام جنود وحدة المهندسين بالتمرد على ضباطهم، ووصفوفهم بالخونة، وقتلوا عددًا كبيرًا منهم. وكأن هذا الذي حدث كان بداية لانقسام الجنود والضباط والأهالي المدنيين على بعضهم البعض، فقاموا يتقاتلون دون شفقة أو رحمة، فقتل من قتل وفر من أسعده الحظ وتمكن من الفرار.

كما أنه كان قد حدث في نفس الوقت أن قام الشيوعيون المدنيون بقذف الموجودين داخل المعسكر بالنيران من خارج الأسوار. وقام محمود عزيز بالهروب من المعسكر عندما أحس بخطر استمرار بقائه فيه. واستقل سيارة روفر عسكرية واقتحم بها الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعسكر رغم استمرار إطلاق الرصاص واقتحم بها الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعسكر رغم استمرار إطلاق الرصاص عليه. وذهب إلى المدينة وتجول بها فوجدها في هرج ومرج والناس تتقاتل مع بعضها البعض كالوحوش الضارية. وتأكد أن الثورة قد انتهت بالفشل فتوجه إلى الحدود السورية وتمكن من الوصول إلى تل كوتشك يوم 10 مارس.

كما ذكر أن جميع الضباط القوميين في الموصل قد قتلوا. كما وأن عددًا كبيرًا من الشيوعيين قد قتل كذلك. وأن نسبة عدد القتلى من ضباط لواء الموصل لا تقل عن 80% من قوتهم. وأن عدد القتلى من الجنود لا تقل أيضًا عن ستمائة أو سبعمائة جندي. وربما يكون في هذه الأرقام التي ذكرت مغالاة أو مبالغة، ولكن القتال كان لا يزال دائرًا في المدينة حتى تلك اللحظة التي كانوا يحدثوننا فيما عما جرى في الموصل. وقيل إن كل الخلافات القديمة بين العرب والأكراد قد صحت من جديد في ظل تلك الظروف. وإن عائلة واحدة قد قامت بقتل سبعة عشر شيوعيًّا بمفردها. وأن فوجًا أو كتيبة عسكرية كانت قد أرسلت من مدينة إربل إلى الموصل لمحاولة السيطرة على الموقف هناك. ولكن تلك القوة انقسمت على نفسها وهي في الطريق وقاموا بالاقتتال وقتل بعضهم البعض.

وكان عدد الضباط العراقيين الفارين إلى الحدود السورية قد وصل حتى يوم 11مارس إلى سبعة عشر ضابطًا بخلاف المدنيين. وكان الموقف حتى ذلك اليوم لا يزال غامضًا، وغير معروف لنا حقيقة الوضع في الموصل، ولا عدد القتلى، ولا الجرحى. وكانت حكومة العراق نفسها لا تحاول التدخل فيما يجري بالمدينة وتاركة الفوضى تضرب أطنابها فيها. والذعر يسود الجميع هناك.

وكانت أجهزة الاستماع عندنا قد التقطت إشارة تليفونية من إحدى نقط أمن الحدود العراقية تخطر فيها سلطات العراق أن طائرة عراقية اضطرت إلى النزول قرب الحدود السورية العراقية، وحاول الطيار بعد نزولها الهروب نحو الحدود السورية ولكن الأهالي طاردوه فانتحر بمسدسه. ويعتقد أن أحد الطيارين الذين كانت قيادة الثورة بالموصل قد أرسلتهم إلى بغداد لقذف محطة إذاعتها بعد أن أغارت طائرات قاسم على مركز قياداتهم. وقيل إنها كانت قد أرسلت أربع طائرات لهذا الغرض. وأن الشواف لم يوافق على قذف وزارة الدفاع بالطائرات. ولم يكن أحد يعرف مصير تلك الطائرات التي أرسلت حتى يوم 11 مارس.

إبعاد خالد محيي الدين:

ولقد أصدر جمال قرارًا يوم 12 مارس بإبعاد خالد محيي الدين عن جريدة المساء التي كان يتولى رئاستها في ذلك الحين لاعتقاده أنه كان متعاطفًا مع الشيوعيين بالعراق. وذلك لأنه لم يلتزم بالتوجيهات الخاصة لوسائل إعلامنا والتي طلب منها أن تظل تردد أن ثوار الموصل لا يزالون يقاتلون رغم اندحارهم وهروب الكثيرين منهم.

وكان جمال قد خطب في جمع من الطالبات يوم الخميس 12 مارس وركز في كلمته على قاسم العراق على حد قوله. وأوضح في كلمته أن ثورة الموصل لم تقم إلا لمقاومة إرهاب الشيوعيين للمواطنين بالعراق. وأن استمرار احتكاكهم بهم وإرهابهم لهم هو الذي دفع الشواف لأن يثور ضد هذا الإرهاب.

وكانت محطة إذاعة بغداد قد أعلنت في مساء اليوم نفسه أن الجمهورية العربية المتحدة ستحتفل بتشييع جثمان محمد سعيد شهاب. وأطلقت عليه اسم الخائن. كما حملت أيضًا على هذا الإجراء منا بكلمات نابية.

ولقد قمنا بتشييع جثمان الشهيد شهاب يوم الجمعة 13 مارس. واشترك فيها الكثير من أهالي دمشق والقرى المجاورة. وخطب جمال في المشيعين.

وعقد جمال اجتماعًا يوم الأحد 15مارس. وقد حضره كل من أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج ومصطفى حمدون وطعمة وأنا وتكلم جمال فيه عن أهمية المعركة الدائرة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة. وذكر أنه لابد لإحداهما من أن تقضي على الأخرى، وهو لذلك يرى أن تنقل المعركة إلى أرض العراق نفسها بغرض إرهاق قاسم. وأن يتم ذلك عن طريق تشجيع بعض القبائل على شن غارات لإقامة الفوضى في أرض العراق. ويأمل أيضًا أن يدفع هذا الموقف بعض ضباط الجيش العراقي إلى القيام بثورة أخرى ضد قاسم. أو أن يندفع أحد الأشخاص من العراقيين المتحمسين ويعتدي عليه.

خطة جديدة:

وكان مصطفى حمدون متحمسًا للفكرة. ويرى أنه في الإمكان الاعتماد على مشايخ العرب. وليس علينا إلا أن نقوم بتوزيع السلاح عليهم – ذاكرًا قبائل شمر والرمادي وغيرها. وأما السراج فكان يرى أن العملية يجب أن تنظم ويخطط لها وأن يكون لها قيادة. وكنت أرى أن تحدد الأهداف المطلوبة حتى يمكن تحديد وسائل تحقيقها ووضع الخطط التي تضمن لنا النتائج. وكان جمال يرى ضرورة توزيع السلاح وبسرعة على قبائل شمر لاشتباكهم القائم مع حكومة قاسم والشيوعيين حتى يضمن بذلك استمرار المعركة. وذكر حمدون أنه كان قد قام بتوزيع أ لف ومائتين بندقية على أفراد تلك القبيلة عندما كان في تل كوتشك. وكان يرى ضرورة زيادة هذا العدد. أما جمال فكان يعتقد أنه من الضروري استمرار مساندتهم حتى يتم اتصالنا بباقي العشائر والاتفاق معهم. وقد انتهى الاجتماع على أن يجتمع مصطفى حمدون مع السراج لوضع الترتيبات اللازمة والخطة المطلوبة لتنفيذ هذه العملية وعرض نتائج دراستهم على نفس المجموعة في مساء الثلاثاء 17 مارس.

خروشوف يهاجم:

وكنا قد علمنا عن طريق وكالات الأنباء الخارجية في مساء الاثنين 16 مارس أن خروشوف رئيس حكومة الاتحاد السوفيتي قد قام بمهاجمة جمال وسياسته حيال العراق في خطاب له في المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي. وانتقد أيضًا ما كان جمال قد قاله عن الشيوعيين. وكان واضحًا في كلمة خروشوف أنه يقاوم صراحة الوحدة العربية ويشكك أيضًا في القومية العربية. وقد حمل على جمال نفسه حملة شعواء. وقال عنه إنه شاب انفعالي لا يستطيع أن يفرض إرادته على العالم العربي. وكان يحاول الفصل في كلمته بين مهاجمته لجمال وبين علاقة الاتحاد السوفيتي بالجمهورية العربية المتحدة، وعلى أن تلك العلاقة بجمهوريتنا ستستمر كما كانت في الماضي. ولم يكتف بهذا بل حاول أيضًا إثارة الشعب السوري ولكن بطريقة ملتوية وذلك بقوله إن الوحدة التي تتم دون أن تكون الظروف السياسية والاقتصادية مهيأة لنجاحها فمصيرها الفشل مع مرور الزمن لأن شعب أحد البلدان المتحدة يأخذه الشعور بفقدان استقلاله، كما أن زعماءه السابقين يبعدون إلى المؤخرة... إلى آخر ما جاء في كلمته.

وعندما اجتمعنا مع جمال لمناقشة هذا الموقف من خروشوف كان واضحًا لنا أنه –أي خروشوف- قد رمى بكل ثقله في مساندة الشيوعيين العراقيين. وأنه يحاول تثبيت أقدامهم في العراق أملاً أن تصبح هي رأس الكوبري في المنطقة التي ستيسر للاتحاد السوفيتي في المستقبل العبور منها إلى البلدان العربية الأخرى، وأنه بموقفه هذا قد أصبح على ما يظهر لا يهمه أن تنكشف نوايا موسكو بقدر ما يهمه تثبيت أقدام الشيوعيين في العراق والدفاع عنهم. وكان من الضروري أن نتناول في مناقشاتنا موقف الاتحاد السوفيتي من الاتفاقية الاقتصادية المبرمة بين بلدينا، وكذا القرض الذي تم توقيعه في ديسمبر السابق والخاص بمشروع السد العالي – وهل ستعمل روسيا على إيقافهما أو التعويق في تنفيذها. وتوصلنا إلى أنها لو اتخذت هذا السبيل فكأن الاتحاد السوفيتي يعلن عن نفسه أنه لا فرق بينه وبين الدول الاستعمارية الأخرى التي يندد بأسلوبها لأنه أصبح هو الآخر يتبع نفسه الأسلوب وله أيضًا أطماعه الاستعمارية. وأن ما يدعيه من مؤازرته للحركات التحررية ومساندة الدول الصغرى في الحفاظ على استقلالها إنما هو ادعاء منه يخفي وراءه أطماعه ومآربه. ورأينا أنه لذلك ربما لا يسلك هذا الاتجاه ولا يعلنه. وأنه لابد سيلتزم بتنفيذ ما تعاقد عليه معنا حتى يبعد عن نفسه تلك الشبهة. وأن كل ما يمكنه عمله هو الإبطاء في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه معه حتى يضعف من ثقة العشب في الثورة عندما يشعر أنها لم تحقق له ما كانت تنادي به.

كما نوقش في الاجتماع أيضًا عما إذا كان من الضروري أن يقوم جمال بالرد على ما جاء بخطاب خروشوف أم الأفضل لنا التغاضي عن ذلك منعًا لزيادة التوتر والفرقة بين البلدين. وكان عبد الحكيم الذي حضر إلى دمشق يفضل التغاضي وعدم الرد عليه خوفًا من أن يمتنع الاتحاد السوفيتي عن تنفيذ ما تعاقدنا عليه معه خاصة فيما يتعلق بالسلاح. ولكن رئي ضرورة الرد على ما جاء بخطاب خروشوف. وأن نتعامل مع موسكو كما نتعامل مع أي دولة غربية أخرى عندما تقف نفس هذا الموقف منا والاستعداء علينا. وأن هذا يتفق مع شخصيتنا المستقلة وإرادتنا الحرة.

وقام جمال في نفس اليوم بالرد على خروشوف، ولكنه لم يتناول في رده إلا بعض النقاط فقط دون باقي النقاط الأخرى التي كانت قد وردت في كلمته.

واجتمعنا مساء يوم الأربعاء 18 مارس للاستماع إلى نتيجة الدراسة التي قام بها مصطفى حمدون والسراج والذي كان مقررًا له يوم الثلاثاء من قبل. وكان قد حضر قبل أن يبدأ اجتماعنا مشايخ قبائل منطقة الجزيرة بسوريا المتاخمة للحدود العراقية لمقابلة جمال. ولم يستمر لقاءه معهم أكثر من ربع ساعة، وكان عددهم تسعة.

تدريب العشائر:

وعرض السراج ومصطفى حمدون علينا الاتصال الذي تم بينهما وبين مشايخ الجزيرة والخطوات اللازم اتخاذها لتنفيذ خطة إثارة الشغب داخل الأراضي العراقية ولاتي حددت بمنطقتين – لواء الموصل في الشمال – ولواء وليم في الجنوب – واقترح إنشاء قيادة مركزية، وقيادة لكل من المنطقتين، والعمل على تدريب أفراد العشائر على استخدام الأسلحة الصغيرة المختلفة تحت ستار تدريبهم على المقاومة الشعبية. وأن نعمل على توفير كافة الأسلحة اللازمة لهم وكذا السيارات الكافية حتى يمكنهم التنقل بسهولة داخل الأراضي العراقية. وأن يرسل إليهم بعض الأفراد الفنيين اللازمين لتدريبهم على استخدام تلك الأسلحة المتفجرات. وعلى أن تخفى هذه الأسلحة في منطقة الرمادي لاستخدامها عندما يحين الوقت المناسب. واقترح أيضًا لعدم لفت الأنظار أن يوقف تنفيذ أية عمليات صغيرة جارية. وأن يعاد النظر كذلك في تنظيم المقاومة الشعبية عمومًا في سوريا. وعلى أن يتم ذلك بسرعة مع اختيار الأفراد اللازمين للإشراف عليها خاصة على طول منطقة الحدود مع العراق. وذكر أن شابًا عراقيًّا قد أبدى استعداده في التعاون معنا. وأن عمره لا يزيد عن ثلاثين عامًا. وقيل إنه زعيم عشرة بدليم، وأنه كان يقيم في بيروت. كما ذكر أنه سبق وتولى قبل الثورة العراقية وزارة الاقتصاد هناك.

وانتهى الاجتماع على أن يقوم السراج وحمدون وطعمة بدراسة الموضوع ثانية بكامله مع وضع الخطة اللازمة للتنفيذ، وعلى أن تعرض في اجتماع يعقد يوم السبت 21 مارس.

ولما كانت قد سافرت إلى القاهرة يوم الخميس 19 مارس لمتابعة أعمال وزارة التخطيط، وظللت بها لفترة، لذا لا علم لي بما تم في اجتماع يوم 21 مارس.

موقف سلبي:

وكنت قد استمعت يوم الأحد 22 مارس إلى صورة صوتية لخطاب جمال من إذاعة القاهرة والذي كان قد ألقاه في دمشق في نفس اليوم. وقد حمل جمال في هذا الخطاب على الاتحاد السوفيتي، وحاول أن يكشف حقيقة موقفهم أثناء الاعتداء الثلاثي على مصر. وأعلن أنهم لم يتدخلوا في المعركة التي كانت دائرة معنا. وأن تحركهم جاء يوم 6 نوفمبر 1956 بإرسال ذلك الإنذار المعروف بعد أن اتضح لهم أن القتال سيتوقف. وأشار كذلك إلى موقفهم السلبي عندما نزلت قوات مشاة الأسطول السادس الأمريكي على سواحل لبنان، والقوات البريطانية في شرق الأردن عام 1958 عند قيام ثورة العراق وذلك رغم ذهابه إليهم في موسكو وطلبه منهم اتخاذ موقف إيجابي إزاء هذا التحركات. وقد أراد جمال بهذا التصريح منه أن يضيع الأثر الذي كان لدى الشعب العربي عن موقف موسكو من قبل. وأن دورها كان سلبيًّا في المعركتين بصورة فعالة كما يشاع.

وكانت إذاعة بغداد في مساء الثلاثاء 24 مارس قد أذاعت محاكمة الطيارين الذين اشتركوا مع الشواف في ثورته. وقام المدعي العام أثناء إقامته الدعوى عليهم بحملة شعواء علىج مال ومستخدمًا في حملته كلمات نابية وقاسية. وذكر خطة الثوار كما سمعتها من قبل من بعض المشتركين في الثورة، ولابد أن يكون بعض المتهمين قد اعترفوا بالحقيقة أثناء التحقيق معهم.

ورغم موقف خروشوف من جمال أثناء تلك الأزمة إلا أن جمال كان حريصًا على تفادي زيادة الخصومة معه. وكانت الفرصة قد واتت جمال بعد أن استمرت الحرب الكلامية بينهما لمدة أسبوعين وذلك عندما التقى بالسفير السوفيتي في القاهرة – مستر كيسيليف – قبل سفره إلى موسكو لحضور المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي. وحمل جمال السفير رسالة شفوية منه إلى خروشوف أوضح فيها موقفه من الأزمة. وعاد السفير إلى القاهرة قبل نهاية أبريل 1959 حاملاً معه رسالة مطولة مكتوبة من خروشوف إلى جمال أوضح له فيها موقف الاتحاد السوفيتي من الجمهورية العربية المتحدة. ورد جمال برسالة أخرى منه على ما ورد في رسالة خروشوف من نقاط، وبذلك أوقفت الحملة التي استعرت بينهما لكن العلاقة بين البلدين ظلت فاترة إلى فترة ليست بالقصيرة.

تحرك جديد:

وكما كان الشك يساورنا من جانب الاتحاد السوفيتي لموقفه من شيوعي العراق، كان الشك أيضًا ينتابنا من موقف إنجلترا، وعلى أنها هي الأخرى تلعب دورًا معاديًا لنا للأضرار التي كانت قد أصابت مصالحها وهيبتها في المنطقة. وقد ساعد في زيادة ذلك الشك عندنا استمرارها في مد العراق بما تحتاجه من أسلحة ر غم انسحابها بعد قيام الثورة فيها من حلف بغداد العسكري التي كانت عضوًا فيه. كما زاد منه أيضًا محاولة الملك حسين في تحسين علاقة بلاده مع العرق رغم موقفه العدائي المعروف من ثورتها عند قيامها. واعتقدنا أن إنجلترا وراء هذا التحرك منه. وأنها تسعى إلى زيادة الفرقة بيننا وبين باقي دول المشرق العربي بغرض عزل الجمهورية العربية المتحدة عنها.

ولإحباط ما تسعى إليه إنجلترا عمد جمال إلى تدعيم علاقاتنا مع كل من لبنان والسعودية والأردن. وعقد لذلك اجتماعًا مع اللواء شهاب رئيس جمهورية لبنان في مكان على الحدود المشتركة بين سوريا ولبنان. وعمل أيضًا على تحسين العلاقة مع الأردن والجمهورية العربية المتحدة. وأعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أغسطس 1959. وصفيت كذلك الخلافات التي كانت قائمة مع السعودية. والتقى جمال مع الملك سعود في سبتمبر من نفس العام.

وكان قد تقرر قيام احتفال يوم 9 يناير 1960 بوضع الحجر الأساسي لمشروع السد العالي. وذكر لي جمال يوم الجمعة 8 يناير أن صلاح سالم كان قد أبلغه أن موظفًا بالسفارة الروسية اقترح عليه أن يقوم جمال بدعوة خروشوف لحضور هذا الحفل. وأن هذه الخطوة من جمال ستساعد على تحسين العلاقة بين البلدين بعد ذلك التوتر الذي حدث بينهما. ويقول جمال أنه أبلغ صلاح أنه يعلم أن خروشوف سيكون مشغولاً خلال فترة الاحتفالات. وقد سبق له أن دعاه لزيارة الجمهورية العربية المتحدة، والدعوة لا زالت قائمة.

مثل صارخ للتدخل:

ويذكر جمال أنه فوجئ بعد ذلك بصلاح وهو يبلغه أن موظف السفارة الروسية قد حمله رسالة شفوية من خروشوف إلى جمال – وقدم إلي جمال رسالة مكتوبة للاطلاع عليها. وكانت تلك الرسالة مكتوبة بخط يد صلاح، وهي نفس الرسالة الشفوية من خروشوف. وقد ذكر صلاح في بدايتها أنها مترجمة وأنه يعتقد في صحة ترجمتها. ومما جاء بها أن خروشوف كان يود أن يقوم بزيارة الجمهورية العربية المتحدة والاشتراك بنفسه في هذه الاحتفالات الخاصة ببدء تنفيذ مشروع السد العالي ولكنه لا يمكنه زيارتها وهي تحكم حكمًا استبداديًّا وليس فيها حريات، والسجون فيها مملوءة بالأحرار والتقدميين – وجمل أخرى في حدود هذه المعاني. وكانت تلك الرسالة مثلاً صارخًا للتدخل في شئوننا الداخلية.

وبعد أن انتهيت من قراءتها سألني جمال عن رأيي فيها، فأبديت له امتعاضي من هذا التدخل السافر من خروشوف في شئون ليس له أن يتدخل فيها. فأمن جمال على كلامي ذاكرًا أنه لم ينم ثلاث ليالٍ بعد أن تلقى هذه الرسالة عن طريق صلاح. واستنكر قبول صلاح استلام مثل هذه الرسالة. وصرح لي بأنه كان قد وافق على أن يقوم صلاح بالاتصال بموظفي السفارة الروسية بطريقة غير رسمية أسوة باتصال هيكل بالسفارة الأمريكية والبريطانية. وعلل جمال ذلك بأن هذه الاتصالات الغير رسمية تسهل الكثير من الأمور. وأنها تعطي له مرونة كبيرة في إمكانية التراجع. وذكر أن هيكل هو الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا وليست وزارة الخارجية المصرية.

ولما اقترحت عليه أن يقوم صلاح بإعادة تلك الرسالة ثانية إلى موظف السفارة، وأن يبلغه رفضه استلامه لها وهي على تلك الصورة – أبلغني أن السفير الروسي قد علم باستلام جمال لها ذلك لأن جمال كان قد كلف حسين ذو الفقار صبري نائب وزير الخارجية باستدعاء السفير والتحدث إليه بشدة في أمر هذه الرسالة. ولكن السفير ادعى أنه لا يدري شيئًا عنها.

وذكر لي جمال أن وزير القوى الكهربائية السوفيتي والذي كان قد حضر إلى القاهرة ليتشرك في احتفالات السد قد قام بزيارته يوم الخميس 7 يناير وسلم إليه رسالة مكتوبة من خروشوف، وقدمها جمال إلي للإطلاع عليها. وكان مرفق بالرسالة ترجمة لها باللغة العربية – وقد أشاد فيها خروشوف بالتعاون بين البلدين في سبيل رخاء الشعب المصري. كما أشاد فيها أيضًا بجهود جمال في سبيل تحقيق حياة أفضل للشعب العربي، ومن أنه يعمل في المحافظة على استقلال الجمهورية العربية المتحدة، وكانت الرسالة في عمومها تتنافى تمامًا مع تلك الرسالة الشفوية السابقة. وذكر جمال أنه كان ينوي بعد أن تلقى الرسالة الشفوية الأولى أن يقوم بمهاجمة الاتحاد السوفيتي في خطابه الذي كان سيلقيه بمناسبة بدء العمل في تنفيذ مشروع السد ولكن موقفه قد تغير بعد أن تلقى تلك الرسالة الأخيرة.

كما ذكر أيضًا أنه يستنتج أن الروس لهم رغبة في إقراضنا ما يلزمنا من النقد الأجنبي لتنفيذ المرحلة الثانية من مشروع السد العالي. وأن هذا قد وضح له أثناء مقابلته لوزير الكهرباء والسفير السوفيتي عندما تساءل الوزير عن المانع لدينا من تنفيذ المشروع على مرحلة واحدة بدلاً من أن ينفذ على مراحل توفيرًا للوقت والنفقات. وضرح لهما جمال أن العائق في ذلك هو التمويل من النقد الأجنبي – واستفسر منهما على مدى استعداد روسيا في منحنا القرض اللازم لاتمام ذلك – وطلب منهما إبلاغ الحكومة السوفيتية. ويقول جمال إنه لاحظ سرورهما وارتياحهما عندما ذكر ذلك. وأن الوزير أجاب – أنه يعتقد أن ليس هناك مانع من جهة المبدأ.

خطاب من خروشوف:

ولم يكن قد وصل رد من الحكومة السوفيتية عندما ذكر جمال في هذا الحديث. ولكن بعد عدة أيام من افتتاح مشروع السد طلب الوزير السوفيتي مقابلة جمال. وقد تم لقائه في 18يناير 1960. وسلم إلى جمال خطابًا من خروشوف ضمنه موافقة الحكومة السوفيتية على تمويل باقي مراحل تنفيذ المشروع من النقد الأجنبي وبنفس شروط المرحلة الأولى من المشروع. وتم تبادل خطابين في هذا الشأن. وكان المبلغ المطلوب يقدر بحوالي مائة مليون جميه استرليني إضافة إلى قرض المرحلة الأولى وقدره ثلاثة وثلاثين مليونًا من الجنيهات.

وأعتقد أن هدف الاتحاد السوفيتي في الإسراع بالموافقة على هذا التمويل هو بغرض قطع الطريق على الدكتور إيرهارد وزير الاقتصاد في ألمانيا الغربية والذي كان سيصل إلى القاهرة في زيارة رسمية لها مساء الأحد 24 يناير 1960. وكانت الأخبار قد سبقته على أنه ينوي إبداء استعداد ألمانيا على المساهمة في تمويل باقي مراحل المشروع. وكان السباق السياسي بين الشرق والغرب على أشده في ذلك الحين لإقراضنا بما نحتاجه من النقد الأجنبي لتنفيذ المرحلة الثانية من المشروع.

ولكن كان قد نمي إلى علمنا أن المبلغ الذي تنوي ألمانيا الغربية تقديمه لا يتعدى ثلثمائة مليون مارك ألماني أي ما يقرب من خمسة وعشرين مليونًا من الجنيهات فقط، وهو مبلغ لم يكن يكفي تغطية تكاليف تلك المرحلة من النقد الأجنبي. كما وأن الفائدة السنوية المطلوبة أيضًا كانت مرتفعة ولا تقل عن 6%. وهي عالية لو قورنت بفائدة القرض الشخصي التي لا تزيد عن 2.5% سنويًّا، والمطلوب تسديده على مدى اثنا عشر عامًا، ولا يبدأ السداد كذلك إلا بعد السنة الأولى من بداية تشغيل المشروع. وهذه ميزات لها قيمتها لم تكن متوفرة في القرض الألماني.

وقد رؤي أيضًا أنه من الأفضل أن يستمر الاتحاد السوفيتي في تولى مسئولية استكمال بناء السد العالي بعد أن تولى تنفيذ المرحلة الأولى منه حتى يصبح مسئولاً مسئولية كاملة عن أمن وسلامة السد بعد إتمامه، وحتى لا تصبح تلك المسئولية موزعة وغير واضحة إن قام بتنفيذه أكثر من جهة.

وهذه الخطوة التي خطاها خروشوف وحكومته كانت من العوامل التي ساعدت في تحسين العلاقة بين البلدين، خاصة بعد أن فقد الشيوعيون العراقيون سيطرتهم في العراق. وكان قاسم نفسه قد بدأ يبتعد عنهم ويقلل من مساندته لهم بعد أن فقدوا الكثير من شعبيتهم داخل العراق.

مقتل قاسم والمهداوي:

وقد استمرت علاقاتنا بقاسم يشوبها الفتور والشك. وظل هو يحكم العراق مستفيدًا من ذلك الصراع الذي كان قائمًا بين الشيوعيين والقوميين بها. واستمر الحال كذلك إلى أن قام عبد السلام عارف بانقلاب ضد قاسم في فبراير 1963 وبمساندة من البعثيين العراقيين. وقد أطيح بقاسم في هذا الانقلاب. وقام الثوار الجدد بقتله هو وبعض من زملائه، ومن ضمنهم المهداوي رئيس محكمة الثورة بالعراق، ودون محاكمة أيضًا.

وبدأت بذلك مرحلة أخرى جديدة في العلاقة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة (مصر). وأما سوريا فكان قد سبق وتم انفصالها عن الجمهورية العربية المتحدة في 28 سبتمبر 1961، كما سيأتي ذكره.

ولم يكن قد مضى شهر على قيام هذا الانقلاب في العراق حتى لحقه انقلاب آخر في سوريا أطاح أيضًا بهؤلاء الذين عملوا على انفصالها عن مصر.

الباب الرابع: الانفصال

1-خلاف بين عبد الحكيم والسراج.

2-استقالة السراج وقبولها.

3-انقلاب عسكري في سوريا.

4-بيان من جمال.

5-الاعداد لإرسال قوات عسكرية إلى سوريا.

6-أسماء قادة الانقلاب.

7-مطالب قادة الانقلاب من عبد الحكيم.

8-الموقف في سوريا صباح يوم الانقلاب.

9-ترحيل الوزراء العسكريين السوريين إلى القاهرة.

10-بيان قادة الانقلاب رقم 9 ومضمونه.

11-مغادرة عبد الحكيم سوريا إلى القاهرة.

12-بيان ثان من جمال.

13-تحرك قواتنا إلى سوريا ثم إيقافه.

14-تدهور الموقف في سوريا.

15-أخطاء الوحدة.

16-حلول مقترحة من جمال.

17-مشروع خطاب مني إلى جمال.

18-بيان من جمال إلى الشعب بعد الانفصال.


الانفصال

ما من شك أن كل عربي وطني يحلم باليوم الذي يرى فيه العالم العربي وقد توحد وأصبح دولة عربية واحدة فيها القوة والمنعة. ولقد كانت وحدة مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 أول خطوة على هذا الطريق. وكان الأمل بعد قيامها قد بدأ يداعب الكثيرون من الوطنيين العرب، وأن ما تم من وحدة بين البلدين ما هي إلا خطوة أولى على الطريق الذي طالما تمنوه. واعتقد الكثيرون منهم أنه سرعان ما ستتلو هذه الخطوة خطوات أخرى على نفس الطريق. وأن شمل العرب الذي كان قد تمزق بفعل المستعمر سيبدأ في الالتئام من جديد، وأن مجدهم القديم الذي كان قد زال من سنوات طوال سيخطو أولى خطواته لإعادة هذا المجد التليم. ولكن هذا الأمل سرعان ما بعد وتبدد، ولم يكن قد مضى أكثر من ثلاث سنين على قيام وحدة عربية بين بلدين شقيقين.

وما حدث كان صدمة أليمة على نفس كل وطني عربي. ولقد تساءل كل منهم عن الأسباب التي أدت إلى فشل تلك الوحدة التي كانت بداية أمل طال انتظارهم له – كما تساءل عن من هم وراء هذا الانفصال وكيف حدث.

وكنت قد دونت ما كان يجري يومًا بعد يوم أثناء تلك المأساة الأليمة على قلب كل عربي، وسيجد من يهمه أن يعيش تلك الأحداث كما عشناها الإجابة على تلك التساؤلات من خلال ما جاء في يومياتي التي تقول:

كنت أحتفل في منزلي بعيد ميلادي مع أولادي وأسرتي يوم الأربعاء 20 سبتمبر 1961 عندما اتصل بي مدير مكتبي لشئون المعلومات وأبلغني أنه علم من نائب مدير المخابرات العامة أن المشير عامر قد وصل إلى الاقهرة صباح نفس اليوم من دمشق في الساعة الثالثة وقد صحب معه عبد الحميد السراج. وأن ذلك قد تم بناءً عن أمر من الرئيس جمال بعد أن أخبره المشير أن لديه وقائع ثابتة ضد تصرفات للسراج في سوريا. وكان السراج قد سافر من القاهرة إلى دمشق قبل ذلك اليوم بيومين.

أمن المواطن في سوريا:

وكنت أعتقد أن السراج قد قرر السفر إلى دمشق ودون استئذان عندما قرأ في الصحف وسمع ما جاء في الإذاعة عن تلك القرارات التي كان قد أصدرها عبد الحكيم هناك والخاصة بإعادة انتخاب المجالس التنفيذية للاتحاد القومي في محافظات الإقليم الشمالي (سوريا). وكان عبد الحكيم قد قام بإصدار تلك القرارات بعد أن أصبح مشرفًا عامًا على الإتحاد القومي هناك. وكان معروفًا أن السراج هو في الأصل المشرف على الإتحاد القومي في سوريا، ولم يكن قد صدر بعد أي قرار يلغي قرار هذا التعيين. كما وأن عبد الحكيم كان قد أصدر قرارًا آخر أيضًا يؤمن فيه الأهالي في سوريا على حرياتهم، ويطمئنهم كذلك على أنه لن تتخذ أية إجراءات تمس حرياتهم سواء بالحبس أو الاعتقال إلا بعد إجراء تحقيق فيما هو منسوب إليهم من النيابة العامة. وقد أكد صدور هذا القرار وبالصيغة التي صدر بها أن الحريات في سوريا لم تكن متوفرة من قبل، الأمر الذي يدين السراج لأنه معلوم أنه هو الذي كان مسئولاً عن هذا الوضع هناك.

وكان من الطبيعي بعد صدور هذا القرار أن يتخذ عبد الحكيم من الإجراءات الإدارية ما يطمئنه على سلامة تنفيذه – لذا أصدر أوامره بنقل بعض من ضباط المكتب الثاني (المخابرات) في سوريا ممن كانوا يعملون مع السراج من قبل عندما كان وزيرًا للداخلية هناك. وهو أن السراج كان دائم الاجتهاد عليهم في تنفيذ أوامره، بل وكانت لهم الحرية التامة في التصرف، الأمر الذي نتج عنه أضرارًا بالغة هددت أمن الناس هناك.

وكان ظني أن هذه هي الأسباب المباشرة وراء سفر السراج إلى دمشق. ولم يكن لدي علم بما أشار إليه مدير مكتبي في حديثه معي عن الوقائع الثابتة ضد السراج والتي عاد بسببها إلى القاهرة مع عبد الحكيم، وكل ما خطر في ذهني عندما أبلغت بالخبر أن السراج ربما قد تصرف هناك تصرفًا فيه شيء من التهور وغير حكيم. وقد ورد هذا الخاطر لي عندما ذكر مدير مكتبي من ضمن ما ذكر أن المشير عبد الحكيم عامر قد أصدر أوامره بانزال بعض من وحدات الجيش إلى مدينة دمشق لحراسة المنشآت العامة بها والمحافظة على الأمن هناك ولكنه لم يكن يعرف الدافع وراء اتخاذ عبد الحكيم هذا الإجراء. ولابد أن يكون هناك من الأسباب القوية التي تبرر هذا التصرف منه لعلمه أنه سيكون له صدى واسع في الداخل والخارج على السواء.

وكنت قد تحدثت إلى جمال تليفونيًّا يوم السبت 23 سبتمبر عن الإشاعات التي كانت ترددها صحف بيروت وتذكرها إذاعات لندن وباريس وإسرائيل حول وجود خلاف بين عبد الحكيم والسراج وعن استدعائه لهما. فذكر أن هذا الخلاف بينهما قد نزل إلى الشارع –على حد قوله- في سوريا. وأن السراج يكرر ما كان قد حدث أيام أزمة محمد نجيب بإعلانه هذا الخلاف. وأنه أي السراج كان قد سافر إلى سوريا بعد إعلان قرارات عبد الحكيم، وقام بدعوة اللجنة التنفيذية للاتحاد القومي هناك إلى الاجتماع، وتحدث إليهم عن أنه ذهب إلى القاهرة ليتولى مهام منصبه الجديد بعد تعيينه نائبًا لرئيس الجمهورية لشئون الأمن الداخلي، ولكن اتضح له أن لا سلطان له على أحد وليست له أية صلاحيات. كما وجد نفسه يذهب إلى مكتبه كل يوم في الحكومة المركزية ولكن دون أن يجد نفسه ما يعمله. وذكر لهم كذلك أنه طلب من عباس رضوان وزير الداخلية للإقليم المصري أن يعرض عليه أعمال وزارته ولكنه لم يره بعد ذلك. وكلما كان يحاول الاتصال به يقال له أنه ليس بمكتبه. وتناقش معهم في القرار الذي أصدره عبد الحكيم الخاص بإلغاء اللجان التنفيذية للاتحاد القومي في سوريا، ودفعهم إلى اتخاذ قرار آخر يلغي به قرار عبد الحكيم. وبحجة أن هذا القرار الذي أصدره يخالف قرارهم السابق والذي يجب عليهم التمسك به.

ضباط السراج يرفضون:

ويقول جمال أن هذا التصرف من السراج دفع أيضًا ضباط المكتب الثاني إلى رفض تنفيذ أمر النقل الصادر إليهم من عبد الحكيم. بل وأشهروا مسدساتهم على الشخص الذي أوفده إليهم لإبلاغهم بالقرار، واعتصموا كذلك داخل مبنى وزارة الداخلية هناك.

وذكر جمال أنه قام بمقابلة عبد الحكيم ثم السراج. كما قابل كذلك العسكريون من الوزراء السوريين وهما طعمة العودة الله وأحمد الحنيدي وتكلم معهما حول هذا الخلاف. وأن عبد الحكيم أكد له أن أوامره بخصوص قرار المحافظة على الحريات الذي أصدره كانت بعدم التصريح بنشره. وقد أمر جمال بمحاكمة من صرح بنشر هذا القرار. كما ذكر أن السراج كان قد رفض العودة إلى القاهرة مع عبد الحكيم ولم يتحرك معه إلا بعد أن هدده الحنيدي باستخدام العنف معه. وأن طعمة والحنيدي ذكرا لجمال أن السراج كان قد قال لهما أنه يمكنه اخراج المشير (عبد الحكيم) من سوريا بالبندورة أي بالطماطم.

السراج يبكي:

وعلمت من جمال كذلك أن السراج كان مصرا على ضرورة إلغاء قرار نقل ضباط المكتب الثاني، وقد أخذ يبكي أثناء اجتماعه به. وبعد أن انصرف من عنده قام بإرسال استقالته. ولكن جمال ذكر لي أنه سيقوم بمقابلته ثانية في يوم الاثنين 25 سبتمبر ليحاول إقناعه بسحبها ذلك لأنه أي جمال يهمه الاحتفاظ به – على حد قوله. ولم يجد جمال مفرًّا من قبولها وإعلانها في مساء نفس اليوم. أما عبد الحكيم فقد عاد إلى سوريا ظهر نفس اليوم.

وكنت أستمع إلى محطة إذاعة القاهرة صباح الخميس 28 سبتمبر 1961 وفوجئت بالمذيع يعلن أن الرئيس جمال سيلقي بيانًا على شعب الجمهورية العربية المتحدة. وتبادر إلى ذهني فورًا أن حدثًا لابد يكون قد وقع في سوريا وله خطورته.

انقلاب في سوريا:

وفي نفس تلك اللحظة دق التليفون في منزلي. وكان المتكلم سامي شرف مدير مكتب جمال للمعلومات. وقام بإبلاغي أن الرئيس يرغب مني ومن باقي الزملاء أعضاء مجلس الثورة السابقين التوجه إلى منزله وذاكرًا أنه قد حدث انقلاب عسكري في سوريا. وأن جمال قد ذهب إلى دار الإذاعة ليلقي بيانًا على الشعب من هناك. ولما سألته عن المعلومات التي وصلت إليهم عن هذا الإنقلاب أفادني بأنه وقع في الساعة الرابعة صباحًا. وأن قوات الإنقلاب قامت بمحاصرة مبنى القيادة العسكرية بدمشق. كما استولت على دار الإذاعة هناك، وحاصرت الموانئ والمطارات وأغلقت مداخل دمشق. كما أن عبد الحكيم والوزراء هناك محاصرون داخل مبنى القيادة العسكرية. وقد قام مجلس قيادة الإنقلاب بإصدار أربعة بيانات حتى تلك اللحظة، ذكر سامي مضمونها. كما طلب المجلس من عبد الحكيم سحب الضباط المصريين الموجودين هناك والعمل على ترحيلهم فورًا إلى القاهرة، وعلى أن يقوم هو كذلك بمغادرة دمشق.

وكنت قد استمعت إلى بيان جمال، وكان التأثر باديًا على صوته. وكنت أعلم أن ما يحدث في سوريا حتى لو فشل سيؤثر عليه تأثيرًا كبيرًا وعلى معنوياته بالذات؛ لأنه كان يعتقد أن شعبيته من القوة بحيث تمنع أي شخص أن يقدم على مثل هذا العمل الذي يجري في سوريا.

وذهبت إلى منزل جمال لألتقي به بعد أن يعود من دار الإذاعة. ولم يكن قد حضر بعد عند وصولي. وطلبت من سامي هناك أن يطلعني على تطورات الموقف في سوريا. فذكر أن المشير كان قد اتصل بالرئيس قبل منتصف ليلة الأربعاء 27 سبتمبر بحوالي ساعة وأبلغه أن كل شيء هادء تمامًا هناك. ولكن في الساعة الرابعة من صباح الخميس 28 سبتمبر عاد واتصل بجمال وأبلغه عن وقوع الانقلاب، وطلب منه أن يتصرف حسبما يتراءى له وتقديره للموقف إن لم يتمكن من معاودة الاتصال به ثانية بعد نصف ساعة. وقد ظل الاتصال التليفوني قائمًا مع عبدالحكيم من مبنى القيادة العسكرية بدمشق إلى أن اقتحم بعض القائمين بالانقلاب الغرفة التي بها الجهاز. وكان سامي قد ذكر أن القوة التي قامت بهذ الانقلاب تتكون من كتيبة مشاة وكتيبة مدرعات من القوة المرابطة في معسكر قطنه الذي يقع غرب دمشق وعلى بعد حوالي 40كيلومترًا منها. ولم يكن الموقف واضحًا وليس هناك أية معلومات عن موقف باقي وحدات الجيش السوري. وطلبت منه إعداد بعض الأفراد للذهاب إلى بيروت في أسرع وقت والتسلل منها إلى سوريا لتوافينا من هناك بالمعلومات الضرورية حتى لا نعمل في الظلام.

وقام هو بالاتصال بعبد المجيد فريد مدير مكتب جمال للشئون الإدارية وطلب منه الاستعداد لهذه المأمورية مع توفير أجهزة لاسلكية خفيفة يمكن للشخص حملها. وعلى أن تتخذ إجراءات سفر من سيوفدون في هذه المأمورية للسفر على الطائرة التي كانت ستغادر القاهرة في الساعة الثانية من بعد ظهر نفس اليوم إلى بيروت.

أوامر بالاستعداد:


وأبلغني سامي كذلك أن جمال قد أصدر أوامره باعداد أفراد الصاعقة والمظلليين وكذا القوات الجوية، وعلى أن تكون جاهزة للتحرك عندما تصدر إليها الأوامر بذلك. مع اعداد ثلاث مدمرات بحرية أيضًا.

وكان جمال قد توجه إلى مبنى القيادة العسكرية بعد أن غادر دار الإذاعة ولم يعد إلى منزله كما كان منتظرًا. وقد رافقه كل من كمال الدين حسين وزكريا وحسين الشافعي. وتوجهت مع حسن إبراهيم – الذي وصل إلى منزل جمال – إلى مبنى القيادة للاجتماع بهم. ثم حضر أنور السادات بعد قليل من وصولنا. ثم علمنا أن الوزراء السوريون الموجودون بالقاهرة مجتمعين سويًّا في فندق شبرد، فطلب منهم الحضور إلى مبنى القيادة.

وفي أثناء هذه الفترة – فترة الصباح – حضر إلى مبنى القيادة الفريق علي عامر رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة ومحمد صدقي محمود قائد القوات الجوية وبعض ضباط آخري من الجيش. وتكلم إليهم جمال وطلب منهم إعداد أنفسهم لإرسال أفراد من الصاعقة والمظليين إلى سوريا. وعلى أن يتم إنزالهم في مطار الدمير. وأن تكون هذه العملية عملية إنزال لهم من الجو. وطلب منهم عدم القيام بتنفيذها إلا بأمر منه شخصيًّا. ولما كان مطار الدمير قريب من دمشق وبه قوات جوية سورية، وإنزال أية قوة به من الجو لا تحمل معها إلا الأسلحة الخفيفة أمر له خطورته لأنه من السهل القضاء على تلك القوة التي سيتم إنزالها فيه، خاصة وأن قوات الانقلاب كانت لها السيطرة الكاملة على ذلك المطار بالإضافة إلى وجود قوات لها أيضًا في دمشق القريبة من المطار نفسه – لذا اقترح على جمال إنزال تلك القوة التي أمر بها في مطار اللاذقية بدلاً من مطار الدمير لخلوه من أية قوات سرية. وكذا لتعمل تلك القوة على تأمين ذلك المطار مع تأمين ميناء اللاذقية البحري أيضًا حتى يمكن لنا استخدامه في إنزال قوات مصرية به ترسل من مصر إلى هناك عن طريق البحر. ولم يعترض جمال على الاقتراح ووافق على بحث إمكانية إتمام عملية الدمير أو اللاذقية. كما أصدر تعليماته أيضًا بإعداد الثلاث مدمرات للتحرك عندما يأمر بذلك. وقيل له أن سليمان عزت قائد القوات البحرية في طريقه من الأسكندرية إلى القاهرة. وأنه قد سبق وأفاد بأنه يمكنه تحريك هذه المدمرات ابتداء من الساعة الثامنة من مساء نفس اليوم.

وحضر بعد ذلك الوزراء السوريون وأبلغوا بتطورات الموقف – وتساءلوا عن أسماء الضباط الذين قادوا الانقلاب. فذكروا لهم وهم العميد عبد الغني دهمان والعميد موفق عصافه والمقدم هشام عبده ربه والمقدم عبد الكريم النحلاوي المعين مديرًا لمكتب عبد الحكيم وكاتم أسرار الحربية أيضًا – وكذا المقدم حيدر الكزبري والمقدم منيب هندي. وأخذ بعض الوزراء منهم يذكرون لنا معلوماتهم عن شخصيات قادة الانقلاب. ودار الحديث بيننا عن تطورات الموقف هناك وما ينتظر من نتائج.

وكان جمال قد تحمس لفكرة إرسال قوات عسكرية بحرًا إلى ميناء اللاذقية بعد تأمينه ثم سفره شخصيًّا إلى هناك. وأن ذلك إن تم فقد يتغير الموقف تمامًا لصالحنا.

وقد انتقل جمال إلى الغرفة التي بها جهاز اللاسلكي عندما أخبر أن عبد الحكيم يود التحدث إليه. وغاب لفترة وجيزة ثم عاد إلينا. وأبلغنا أن عبد الحكيم ذكر له عندما بدأ الحديث معه عن أن قادة الانقلاب موجودين بجواره وهو يتحدث إليه – وأنه يتفاوض معهم، وهم لهم بعض الطلبات، وهو سيحاول التفاهم معهم حولها – وأنهم عاقلون.

وذكر جمال أنه أراد أن يؤثر على معنوياتهم – على حد قوله- ولذلك رد عليه بقوله أنه من جهة المبدأ لا يقبل التفاوض معهم، وأنه يعد نفسه ويتخذ الترتيبات للسفر بشخصه إلى سوريا. كما ذكر لنا أن قادة الانقلاب طلبوا من عبد الحكيم ترحيل كبار الضباط المصريين الموجودين هناك في قيادة الجيش الأول السوري إلى القاهرة – وهم اللواء أنور القاضي رئيس هيئة أركان حرب الجيش الأول، وأحمد علوي مساعده وأحمد زكي، والأسطنبولي وهو من ضباط المخابرات، وأن عبد الحكيم وافقهم على هذا المطلب منهم. وقد استقل هؤلاء الضباط الطائرة في الساعة الثامنة والنصف صباحًا ومن المنتظر وصولهم إلى القاهرة حوالي الساعة الحادية عشر قبل الظهر. واعتقد أن عبد الحكيم قد وافقهم على هذا المطلب منهم على أمل أن يساعد ذلك على حل الموقف، ولكنه نسي أن استجابته لهم يشجعهم على التقدم بمطالب أخرى، ويشعرهم بضعف مركزه وقوة موقفهم. وكان من الأفضل له أن يتركهم يرحلونهم إلى القاهرة بالقوة دون الخضوع لهم.

وبعد فترة حضر أنور القاضي وزملائه، وانتقل بهم جمال إلى غرفة أخرى، وظللنا نحن في مكتب عبد الحكيم نستمع إلى ما يذاع من محطة إذاعة دمشق وحلب.

تأمين مطار اللاذقية:

وكان واضحًا ميوعة الموقف في دمشق. أما في حلب فالموقف بها كان مناهضًا للانقلاب، وإذاعتها تعبر عن هذا الاتجاه. وحاولنا الاتصال بأحد من المسئولين العسكريين بمدينة اللاذقية للتعرف منه على الموقف بها. وأمكن الاتصال بقائد القوات البحرية هناك واسمه زيتونه. وعلمًا منه أن الحالة مستقرة بالمدينة، وليس هناك ما يقلق إلا موقف اللواء العاشر بها لاشتراك قائده مع باقي قادة الانقلاب. وطلب من زيتونه أن يعمل على تأمين مطار اللاذقية ثم إبلاغنا. وبعد فترة أفاد أن المطار قد أصبح مؤمنًا مما شجع على السير في تنفيذ العمليات التي سبق وأمر بها جمال.

ثم حضر جمال إلينا بعد أن اجتمع باللواء القاضي وزملائه. وعلمنا منه أن عبد الحكيم اتصل به أثناء اجتماعه بهم وأبلغه أن قادة الانقلاب قاموا بترحيل الوزراء العسكريين من السوريين أيضًا إلى القاهرة، وأنهم في طريقهم إلينا. وهؤلاء الوزراء هم أكرم ديري وطعمة العودة الله وأحمد الحنيدي. وأن أكرم ديري قد أصيب في ساقه بطلقة نارية أثناء مشاحنة جرت بينه وبين أحد قادة الانقلاب – والإصابة سطحية.

وأدهشنا هذا التصرف منهم لعدم وضوح الغرض منه – واعتقدنا أنهم ربما يرغبون في إبعادهم حتى لا تتواجد في سوريا قيادات مضادة لهم ورأوا أنه من الأفضل لهم ترحيلهم عن استمرار بقائهم هناك حتى ولو في السجن. ولأن بقاءهم في سوريا ربما يشجع ويعطي أملاً ودافعًا للآخرين في مناهضة الانقلاب والتصدي له إن كان هناك مناهضون.

البيان رقم 9:

وكانت دهشتنا أكبر عندما فوجئنا حوالي الساعة الواحدة من بعد ظهر نفس اليوم – 28سبتمبر- بإذاعة بيان من قادة الانقلاب – وقد أطلق عليه بيان رقم 9- وما ورد فيه كان هو سبب هذه الدهشة. فقد جاء به "أنه قد عرضت قضايا الجيش وأهدافه على المشير عبد الحكيم عامر الذي تفهم أمور الجيش على حقيقتها واتخذ الإجراءات المناسبة لحلها. وقد عادت الأمور العسكرية إلى مجراها الطبيعي".

وما جاء بهذا البيان كان يختلف اختلافًا كليًّا عن ذلك الذي ذكر في بيانهم رقم 2 والذي يوضح حقيقة نواياهم. واعتقدنا أنهم يهدفون بإعلان هذا البيان إلى كسب الوقت وخداع قوى أخرى يعلمون أنها تناهضهم وتنوي إلى التحرك لمقاومتهم. وهم يودون أفهامهم أن الأمور قد استتبت وعادت إلى مجراها الطبيعي حتى تتاح لهم فرصة تدعيم مركزهم.

واعتقدنا أيضًا أنهم ربما قد أحسوا بضعف مركزهم ورغبوا لذلك في الانسحاب مع الاحتفاظ بماء الوجه. وأنهم تساوموا مع عبد الحكيم على أساس هذا التقدير منهم. ولكن جاء التساؤل – كيف يمكنهم الاطمئنان على سلامتهم بعد هذا الذي حدث منهم وهم يعلمون أن من يقدم على مثل هذا العمل الذي قاموا به لابد له من السير فيه حتى نهايته فإما نجاح أو موت أو هروب وليس هناك من طريق آخر. واعتقدنا أن اطمئنانهم ربما نتج عن وعد من عبد الحكيم إليهم يضمن لهم فيه أمنهم وسلامتهم.

وأصبح الأمر غير واضح لنا بعد إعلانهم هذا البيان رقم 9- هل هو كما جال في فكرنا محاولة منهم للانسحاب مع الاحتفاظ بماء الوجه أو هو لكسب الوقت وخداع قوات أخرى مناهضة لهم. وكان الموقف على أساس تلك الصورة يستدعي منا ضرورة التحرك السريع في إرسال قوات الصاعقة والمظلليين وإسقاطهم في مطار اللاذقية للعمل على تأمينه وتأمين البناء البحري بالمدينة كذلك. وعلى أن يتم تنفيذ ذلك قبل أن ترسل الطائرات الحربية من مصر إلى المطار هناك لتقوم بتغطية وحماية قواتنا العسكرية التي ستنقل عن طريق البحر إلى اللاذقية. وكان الهدف أساسًا من إرسال قوات عسكرية مصرية إلى سوريا هو معنوي ونفساني وليس بغرض الدخول في معركة عسكرية مع القوات السورية إلا إذا اضطررنا إلى ذلك. وكان الاعتقاد أن وصول قواتنا إلى اللاذقية ثم التقدم منها نحو حلب ثم دمشق سيشجع كل الوحدات السورية المناهضة للانقلاب والمترددة منها أيضًا إلى التحرك والتصدي للانفصاليين. وأن الشعب السوري مع وجود تلك القوة المصرية سيشعر بالطمأنينة وربما هذا يدفعه أيضًا إلى التحرك.

ولقد رؤي العمل على الاتصال بعبد الحكيم لنستوضح منه حقيقة هذا البيان وما جاء فيه. ولما اتصل به جمال علم منه أن ما جاء بالبيان غير صحيح. وأن قادة الانقلاب كانوا قد طلبوا منه أن يلقى بيانًا بهذا المعنى الذي ذكر في بيانهم، ولما رفض ذلك اقترحوا أن يقوم بإلقائه مساعدة هناك اللواء فيصل – وهو ضابط سوري – ولكنه امتنع هو الآخر عن القيام بهذا الدور.

أوامر بالتحرك:

وبعد هذا الذي ذكره عبد الحكيم اعتقدنا أن موقف قادة الانقلاب لابد وأن يكون ضعيفًا. وتحت تأثير هذا الاعتقاد تقرر العمل بسرعة. فاجتمع جمال بقادة الجيش وأصدر أوامره إليهم بتحريك قوات المظلليين والصاعقة على أن يتم إسقاطهم عند الغروب في منطقة مطار اللاذقية. وأن تتحرك الثلاث مدمرات في الساعة الثامنة مساء لتصل إلى ميناء اللاذقية في اليوم التالي 29 سبتمبر الساعة الرابعة بعد الظهر. كما تم اتخاذ إجراء إرسال لواءين مشاة بأسلحتهم والأسلحة الأخرى المساعدة وكذا لواء مدرع عن طريق البحر. وأن يجري الاستيلاء على جميع بواخر النقل العربية لاستخدامها في نقلهم. وعلى أن يبدأ إبحار تلك القوة في مساء اليوم الثاني حتى يتم وصولها إلى اللاذقية بعد 28 ساعة من بدء إبحارها.

ولكننا فوجئنا حوالي الساعة السادسة من بعد الظهر بخبر أذيع من إذاعة دمشق عن سفر عبد الحكيم إلى القاهرة بالطائرة. وأنه قد غادر دمشق فعلاً في الساعة الخامسة والثلث مساءً. وقدرنا أن الموقف هناك بعد سفره لابد سيتدهور بسرعة لصالح الانفصاليين. وأن سفره سيكون له تأثيره المعنوي السيء على أية قوات أو هيئات كانت تنوي التحرك والتصدي للانقلاب. وأن المترددين سيسارعون في إعلان تأييدهم وربما انضمامهم للانفصاليين لشعورهم أن الأمر قد انتهى لصالحهم مما اضطر عبد الحكيم إلى مغادرة سوريا. وتلك هي العادة دائمًا في مثل هذه الأمور وتحت مثل هذه الظروف لأن الغالبية العظمى تنظر إلى مصالحها وهي مرتبطة بمن في يده الأمر. وهي تقف إلى جانبه بهدف حماية تلك المصالح أو بغرض الاستغلال.

وقام جمال في حوالي الساعة السابعة مساءً بإلقاء بيان ثان من منزله في منشية البكري. وكان يهدف منه أن يوضح أن ما جاء بالبيان رقم 9 غير صحيح. كما وأنه أيضًا لا يقبل المساومة. وهو مصر في القضاء على الانقلاب. وكان يأمل أن يكون لهذا الذي أعلنه أثره المعنوي على قادة الانقلاب وعلى المناهضين لهم بتشجيعهم في الثبات على موقفهم.

عودة عبد الحكيم:

ووصل عبد الحكيم إلى مطار ألماظة الحربي حوالي الساعة الثامنة والربع مساءً وتوجه منه مباشرة إلى منزل جمال حيث كنا متواجدين.

وفي حوال الساعة العاشرة مساءً أذاعت محطة حلب انضمام أفراد مركز التدريب بالمدينة وكذا كتيبة من المدرعات إلى الانقلاب. كما أصبحت محطة الإذاعة نفسها أيضًا تحت إشراف الانفصاليين. وأعلن منها انضمام وتأييد أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد القومي بحلب إلى الانفصاليين كذلك.

وكان موقف مدينة حلب وإذاعتها قبل السيطرة عليها عاملاً مشجعًا للمناهضين للانقلاب ولنا كذلك. وقدرنا أن العدوى بعد هذا الموقف في حلب لابد ستسري بسرعة بين المترددين والانتهازيين وسيعلنون تأييدهم للانقلاب. وأن ذلك بالطبيعة سيؤثر على معنويات المناهضين للانقلاب إن كان هناك مناهضون وخشينا أن يسوء الموقف أيضًا في اللاذقية – وحدث ما توقعناه. فقد توقفت عن الرد علينا محطة الإرسال هناك والتي كنا نقوم عن طريقها بالاتصال بالضابط زيتونه.

ثم أعلنت اللاذقية هي الأخرى تأييدها للانقلاب عند منتصف اللليل تقريبًا.

وفي أثناء هذا التدهور السريع للموقف كانت قوات الصاعقة والمظللين في طريقها إلى اللاذقية. وقد بدأ تحركها الساعة الثامنة والنصف مساءً متأخرة عن موعد قيامها المحدد بأكثر من أربع ساعات. كما أن قطع الأسطول البحري الثلاث كانت قد تحركت هي الأخرى. وكان الموقف الذي بنى على أساسه تحريك هذه القوات قد تغير تمامًا. واستمرار تنفيذ خطتنا بعد أن تغير إلى تلك الصورة كان يتطلب منا ضرورة استخدام القوة العسكرية في تأمين إنزال قواتنا هناك حيث إنه من المتوقع أن تتصدى لهذا الإنزال القوات العسكرية المؤيدة للانقلاب وفي إمكانها إعاقته ومهاجمة قواتنا بالمدفعية والطائرات. ولم يكن في مقدورنا حماية قواتنا من هذا الهجوم لعدم توافر طائرات لدينا بعيدة المدى حتى يمكن لنا تغطية هذا الإنزال. وهذا الصدام العسكري بيننا ستكون نتائجه في الغالب لصالح القوات السورية. وربما تصاب قواتنا بخسائر جسمية ودون أن تحقق الغرض الذي من أجله قد أرسلت. والأمر سينتهي بهزيمة عسكرية لنا سيكون لها صداها الواسع في العالم العربي وفي الخارج أيضًا.

إيقاف العملية:

ولما رأى جمال ذلك أصدر قراره بإيقاف تلك العملية التي كان قد بدأ في تنفيذها. وعندما أصدر ذلك الأمر كان الفوج الأول من الطائرات قد وصل إلى اللاذقية وقام بإسقاط ما يحمله من جنود المظليين والصاعقة.

وكان عددهم ثمانية ضباط ومائة وعشرون جنديًّا. أما باقي الأفواج من الطائرات فقد عادت ثانية قبل أن تستكمل المهمة التي كانت قد أوفدت من أجلها بعد أن صدرت إليهم الأوامر بإلغائها. كما عادت قطع الأسطول أيضًا تنفيذًا للأوامر الجديدة.

وقد تمكنا من الاتصال لاسلكيًّا بالقوة التي تم إسقاطها. وطلب من قائدها تسليم أنفسهم لقائد القوة البحرية في اللاذقية والمسمى زيتونه، وعلى أن يتجنبوا أيضًا الاشتباك مع أية قوة إلا عند الضرورة القصوى وللدفاع عن النفس فقط.

وكانت الساعة قد قربت من الواحدة صباحًا من يوم 29 سبتمبر عندما تم إصدار تلك الأوامر الجديدة وبدأ في تنفيذها.

واجتمعنا بعد ذلك بالوزراء السوريين. وشرح لهم جمال الموقف وما اتخذ من قرارات. وأحسوا أن الأمر قد انتهى. وكان وقعه عليهم كوقع الصاعقة. وحاول البعض منهم إقناع جمال أن الأمر يستحق المجازفة حتى لو وقع الصدام والاشتباك العسكري. ولكن جمال ظل مصرا على موقفه بحجة أن الأمر في هذه الحالة سيصبح وكأنه غزوًا عسكريًّا وهو ما لا يرضى به. ولما زاد إصرارهم، وضغطهم عليه صرح لهم بحقيقة الموقف العسكري والصعوبة في إنزال قواتنا في اللاذقية دون توفير الحماية الجوية اللازمة لها. وأن العمليات العسكرية في هذه الحالة غير مضمونة النجاح. وقال في حديثه إليهم: "لو حدث وأغرقت لنا باخرتين مثلاً، وخسرنا المعركة فسننزل إلى الحضيض ونصبح دولة كدولة اليمن".

وأخذ كل من الوزراء السوريين بعد ذلك يشرح الأٍسباب التي أدت إلى تدهور الحالة داخل سوريا والتي تسبب عنها استياء الشعب هناك. وكانت أغلب تلك الأسباب تدور حول أعمال المخابرات ومباحث البوليس بها. وكذا القرارات الإشتراكية التي كانت قد صدرت في يوليو 1961. كما أن وجود الحكومة بالقاهرة جعل سوريا تفقد شخصيتها.

ولما قاربت الساعة الثانية والنصف صباحًا غادرنا منزل جمال وكأننا في حلم، وما حدث ليس بحقيقة، والأمر قد انتهى في ساعات قليلة. وتذكرت حمال الشعب السوري وإيمانه بالوحدة. وكيف استقبل جمال عندما زرنا دمشق في أول مرة عام 1958 بعد الاستفتاء على الوحدة ورئاسة جمال للجمهورية. وكيف كان يستقبله بالهتاف والتصفيق والرقص طوال تلك السنوات الثلاث.

وقد مر كل ذلك في ذهني وكأنه شريط سينمائي ولكنه لم يستغرق إلا لحظات. وأحسست أن ما حدث كأنه كابوس ثقيل. وأن أملنا في وحدة عربية شاملة قد إنهار فجأة، وفي ساعات محدودة. وما حدث سيكون له تأثيره وعاملاً مؤخرًا دائمًا لإتمام هذه الوحدة التي هي أمل كل عربي مؤمن بوطنه وبعروبته.

أخطاء:

ولاشك أن هناك أخطاء تسبب عنها تدهور في قوة الوحدة وكان يمكن تداركها وعلاجها خاصة تصرفات السراج في سوريا والطرق البوليسية التي كان يتبعها وتذمر الشعب السوري منها حتى أطلق عليه اسم السلطان عبد الحميد.

وكان جمال يعلم ما يفعله السراج وضيق الشعب السوري وشكواه من هذه الأفعال. ولكن جمال كانت له طريقته الخاصة في معالجة مثل هذه الأمور. وكان يعتقد أنه بالصبر ومع الوقت يمكن حلها – هكذا كان يردد دائمًا عندما تواجهه بعض المشاكل. ولكن هناك بعض الأمور إن لم تعالج فورًا فغالبًا ما يترتب عنها أضرار بالغة.

وكان هناك خطأ آخر جسيم ساهم فيما حدث في سوريا وهو طريقة إدارة دفة الجيش وأموره. وعبد الحكيم كان عادة يترك الأمور لمساعديه. وهم كانوا يتخذون ما يرون من قرارات. وأغلب مساعديه قل أن يحسنوا التصرف. وقد أدى تصرف البعض منهم في سوريا إلى جرح كرامة وكبرياء كثير من الضباط السوريين. وكثيرًا ما كنا نسمع قصصًا تؤكد هذا المعنى وكانت تبلغ إلى جمال.

وقصة عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب عبد الحكيم وكاتم أسرار الجيش في سوريا وهو أحد قادة الانقلاب إن لم يكن أهمهم تؤكد هذا المعنى الذي سبق. فقد عمد إلى إجراء حركة تنقلات بين ضباط الجيش السوري ووحداته تم له فيها نقل أغلب الضباط المتفقون على القيام بالانقلاب إلى قيادة الوحدات الهامة في المناطق المختلفة وذلك حتى يضمن نجاح الانقلاب. كما أوفد أيضًا الضباط السوريون المؤمنون بالوحدة إلى بعثات بالخارج زيادة منه في الحيطة.

وقد تم له كل هذا دون أن يشك في نياته عبد الحكيم أو أحد من معاونيه. بل إن مؤامرة الانقلاب نفسها كان قد سبق وعلم بأمرها وذلك قبل حدوثها بثلاثة شهور. وذكر أثناءها أسماء ثلاثة من قادتها وكان النحلاوي نفسه أحدهم. ولكن عبد الحكيم استبعد الأمر لثقته في النحلاوي ولم يحاول التأكد من صحة هذه المعلومات أو يجري تحقيقًا فيها. وقد أثير معه هذا الموقف منه بعد عودته مباشرة من سوريا بعد الانقلاب في منزل جمال. فذكر أن النحلاوي غبي وقد استغل في هذه العملية.

وليس بخافٍ أيضًا ما كان يذكر عن مدير مكتبه في مصر البكباشي شمس بدران. والطريقة التي كان يتعامل بها مع الضباط من ذوي الرتب الكبيرة إلى أن أصبح هذا موضع تعليق دائم ليس بين الضباط فقط بل وبين المدنيين كذلك. ولم يحاول عبد الحكيم إبعاده عن منصبه أو حتى إيقافه عند حده رغم ضيق الضباط من هذه الأفعال إلى درجة أثارت حفيظتهم منه.

وأنه لمن الغريب أن يعلم جمال كل هذا كما كان يعرف أخطاء السراج ولم يحاول معالجة تلك الموضوعات ووضع حد لها رغم استمرارها وتكرارها.

أسلوب جمال في الحكم:

ولا يفوتني كذلك أن أذكر أن من ضمن الأسباب التي أوصلت الحال إلى ما وصل إليه هو أسلوب جمال في الحكم. فالشعب لم يكن له دور إيجابي في السياسة التي ترسم له. وكان هذا الوضع له خطورته في سوريا ومصر على السواء. ولم يكن هناك تنظيم سياسي اللهم إلا تنظيم الإتحاد القومي. وهو نفسه كان تنظيمًا فاشلاً ولا يشارك في وضع السياسة العامة للبلاد. وحتى قراراته نفسها أن اتخذ قرارًا لم يكن ملزمًا لأحد. ومجلس الأمة سلطة الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة كان قد أصبح أضحوكة الجميع. ولم يكن يباشر صلاحياته بل وصوته لم يكن مسموعًا على الإطلاق – والصحافة لم تكن تقوم بدورها الطبيعي في إبداء الرأي الحر ومناقشة ما كان يجري من أخطاء وإنما اقتصر دورها في الغالب على التمجيد والتهليل للحاكم. وأصبح السباق بين الكتاب فيها على التقرب إليه عن طريق الزلفي والنفاق. وكانت هناك محاباه زائدة لضباط الجيش الذين تركوا خدمته. فقد أصبح لهم الأولوية الأولى في شغل المناصب الرئيسية في الشركات أو التعيين في سفارتنا بالخارج. والشعب كان ينظر إلى ما يجري من حوله ولا يملك من أمره شيئًا إلا أن يعلق على ما يجري كعادته بنكاته وقفشاته لينفس بها عن نفسه وعما يعتمل في صدره من آلام وحسرة، ومتخذًا لنفسه موقفًا سلبيًّا من تلك المجريات حتى أصبح في جانب والحاكم في جانب آخر وبعيدًا عنه.

تلك كانت هي حقيقة الوضع وليس ما كنا نقرأه في الصحافة أو نسمعه في الإذاعة من أغان كلها مدح وثناء وتمجيد في حكمة الحاكم وقدرته وعدالته. ولم تكن أيضًا ما كنا نلمسه في الاجتماعات الشعبية وما يردده الآلاف من جماهير الشعب التي جمعت لأداء الدور المطلوب منها. وكان كل ما يجري من صور حولنا لا تمثل الواقع الأليم إنما تمثل نفاقًا للحاكم وخداعًا للشعب ذاته.

هذا ما كان قد جال بخاطري بعد أن عدت إلى منزلي صباح 29 سبتمبر بعد أن عشت صدمة الانفصال المفاجئة والسريعة، فسطرته في يومياتي ولم يكن إلا تعبيرًا عما في نفسي وربما ضيقي من الحال الذي كنا قد وصلنا إليه.

ثم جاء يوم الجمعة 29 سبتمبر. وقام جمال بإلقاء خطاب من ميدان الجمهورية. وذكر فيه كيف تمت الوحدة والصعوبات التي واجهتنا في سوريا بعد قيامها. وحمل على الانقلاب والقائمين عليه ذاكرًا أنه قد تم بالغدر والخيانة.

وأن الرجعية وأعوان الاستعمار وراء هذا الانقلاب. وقص على السامعين ما كان قد تم من إرسال قوات بحرية وجوية من مصر إلى اللاذقية ولكنه عاد وأصدر أوامره بعودتها ثانية بعد أن كانت قد تحركت فعلاً، وبرر هذا التصرف منه بأنه لم يرغب في أن يقاتل العربي أخيه العربي. وأشار في كلمته أيضًا إلى المكاسب التي حققها الشعب السوري من قيام الوحدة مع مصر وطالبه بالمحافظة عليها.

واتصل بي جمال تليفونيًّا يوم السبت 30 سبتمبر وطلب مني مقابلته في اليوم التالي للتحدث في الموقف وعن المستقبل أيضًا ومبديًا شكوكه وتخوفه من أن ما حدث في سوريا ربما يشجع بعض ضباط من الجيش في مصر على القيام بمثل ما قام به الجيش السوري. ولما أيدته في هذه الشكوك ذكر أنه اجتمع مع عبد الحكيم ووضعًا خطة أمن تفاديًا للمفاجأة.

وعندما التقيت به يوم الأحد أول أكتوبر دار الحديث حول الوضع في سوريا، وموقف الجيش في مصر، وكذا موقف عبد الحكيم من تلك الأحداث الأخيرة. وحضر كمال الدين حسين الجزء الأخير من حديثنا ولم يكن على موعد مع جمال.

توتر في سوريا:

وقد دار الحديث في البداية حول ما كان يجري في سوريا بعد إعلان الانفاصل، واضطرار الحكومة بها إلى إغلاق جامعتي دمشق وحلب إزاء تلك المظاهرات التي يقوم بها الطلبة ضد الحركة الانفصالية. واستنتجنا من تكرار البيانات التي كانت تعلنها قيادة الانقلاب وتؤكد فيها للعمال استمرار احتفاظهم بالمكاسب التي حققت لهم أثناء الوحدة أن هناك اضطراب بين صفوف العمال أيضًا. وكانت قد التقطت كذلك إشارة لاسلكية من قائد القوات السورية بحلب إلى قائد قوات دمشق يطلب منه فيها إرسال قوات مساعدة إليه حتى يتمكن من مقاومة ضغط المتظاهرين هناك بحلب، ووصف الحالة على أنها خطيرة. وكانت قد وصلت معلومات تفيد أن الشرطة العسكرية قد انضمت هي أيضًا إلى المتظاهرين.

وقد أعطت هذه المعلومات مؤشرًا على أن الحالة في سوريا غير مستقرة. وأن الزمام هناك ربما يفلت في أية لحظة من سيطرة قادة الانقلاب عليها. ورؤي أنه من المستحسن أن نعد أنفسنا لمواجهة هذا الموقف إذا ما تدهورت الحالة في حلب. وأنه يمكن مع تلك الظروف إرسال قوات من الصاعقة والمظلليين إلى هناك لتشد أزر المناهضين للانقلاب. وقام جمال واتصل بعبد الحكيم تليفونيًّا وطلب منه إعداد القوة اللازمة للتحرك فورًا عند إصدار الأوامر لها.

ألم يحز في نفس جمال:

ثم تطرق الحديث بيننا بعد ذلك عن الموقف في الجيش المصري. وذكر لي جمال مضمون خطة الأمن التي تم وضعها بالاتفاق مع عبد الحكيم. ورأيت أن أخبره بما كنت قد سمعته عن شمس بدران وتصرفاته داخل الجيش الأمر الذي أثار حفيظة كثير من الضباط، وأصبحت حديث المدنيين كذلك. ولكنه رد بقوله أنه يعلم كل شيء وأنه قد طلب مني مقابلته لنتكلم على حد تعبيره – في كل هذا. واذكرًا لي أن هناك أخطاء وأنه عندما فكر شعر أنه المسئول الأول عنها، وأننا مسئولون كذلك. وأنه قد فكر في أن ينتحى عن الرئاسة وأن يتولاها واحد منا ولكنه رأى أن هذا سيعتبر تخليًا منه عن المسئولية وهو لا يرضى لنفسه هذه الصورة.

وقال: "أنا طبعًا جرحت جرحًا داميًا نتيجة هذه العملية، ولو أنني لا أظهر هذا الألم الذي يحز في نفسي". واستطرد قائلاً: "أنا سأتكل كأني أفكر بصوت عالٍ".

وبدأ بقوله: "أنا عارف كل الأخطاء ولكني لم أعالجها كما يجب – والسبب هو الحساسية".

استقالة عبد الحكيم:

وسألني "هل تعرف أن عبد الحكيم كان قد تقدم باستقالته في يوليو الماضي". ولما أجبته بالنفي شرح لي أسباب تقديمه لتلك الاستقالة. وذاكرًا أنها كانت ناتجة عن الحساسية، وأن تلك الحساسية عند عبد الحكيم قد بدأت وزادت بعد معركة السويس عام 1956. وذكر أن السبب الذي جعله يقدم على تلك الاستقالة ذلك الحديث الذي كان قد دار في قصر الطاهرة يوم أن أقيم العشاء لمكاريوس أثناء زيارته للقاهرة.

والحديث في هذا اليوم كان يدور حول الحملة الإعلامية التي كنا قد بدأناها ضد الاتحاد السوفيتي لموقف وسائل إعلامه من موضوع فرج الله الحلو ومهاجمتها لنا. وكان عبد الحكيم قد ذكر أثناء ذلك الحديث أننا في حاجة إليهم. وعلى أثر هذا القول منه تساءل جمال عما إذا كان جيشنا مستعد وقادر على حماربة إسرائيل وهزيمتها. وقد أجاب عبد الحكيم أن هذا يتوقف على عوامل مختلفة. ويذكر جمال أن ذلك الحديث كان أحد الأسباب التي دفعت عبد الحكيم إلى تقديم استقالته بالإضافة إلى حديث آخر كان قد تضايق منه أيضًا وذلك يوم أن أقام جمال عشاء لسيكوتوري في منزله، وكنت قد أثرت في أثناء انتظارنا لحضور الضيف مشروع محطة كهرباء جنوب القاهرة والتوسع بها. والعرض المقدم من الاتحاد السوفيتي ومدة تنفيذه – وكانت أربع سنوات. وقارنت بين هذا العرض والعرض المقدم من ألمانيا الغربية – وكان أرخص في التكاليف ومدة التنفيذ ثلاثين شهرًا فقط. وكنا في شدة الحاجة إلى القوى الكهربائية لمقابلة احتياجات المشروعات الصناعية. والمدة المقترحة من الاتحاد السوفيتي لتنفيذ المشروع لم تكن تحقق توفير تلك الاحتياجات في الوقت المناسب. وقد طلبت يوم ذلك العشاء رأي جمال لأن التوسع في تلك المحطة كان عبد الحكيم قد ارتبط عليه مع الاتحاد السوفيتي أثناء زيارته الأخيرة لموسكو. ومع هذه الظروف التي ذكرتها وافق جمال على التحلل من هذا الارتباط. وعلى أن نتفق مع الروس على القيام بتنفيذ مشروع آخر بدلاً من هذا المشروع ومقترحًا محطة دمنهور الكهربائية وقد تضايق عبد الحكيم من هذا الذي حدث – على حد قول جمال.

ويستمر جمال في حديثه قائلاً: "إن عبد الحكيم لم يكن حساسًا هكذا من قبل. ولكن تلك الحساسية لازمته بعد معركة السويس. وأنت تعلم أنه أمر بتسلل رجال الصاعقة إلى بور سعيد رغم اعتراضي على هذه العملية لأن المعركة كانت قد انتهت بعد صدور قرار هيئة الأمم بإيقاف القتال. وأصبح الموضوع موضوع سياسة. وكنت أخشى تأخر انسحاب القوات البريطانية من بور سعيد نتيجة أعمال رجال الصاعقة هناك. ولكن على العموم موضوع الاستقالة سوي في الأسكندرية بعد أن تقابلت مع عبد الحكيم".

ثم يستطرد ويقول ولكن بعد الذي حصل في سوريا وتقاعس قيادات الجيش وتأخيرها في تنفيذ الأوامر – وترتب عنه تدهور الموقف – فكرت في أن لابد من عمل شيء – ورأيت أن تصبح قائدًا للطيران، وكمال الدين حسين قائدًا للمشاة، وعبد الحكيم يظل قائدًا عاما. وأنا عارف أنكما على استعداد لعمل أي شيء يطلب منكما".

وبعد أن أكدت له المعنى الذي قصده عن استعدادنا لتولي أي عمل يطلب منا اعترضت على الحل الذي يقترحه. وذاكرًا أنه حل غير عملي وسيترتب عنه خلافات بيننا ستنتج من قيادات كل منا وعلاقاتها بالقيادات الأخرى، وتصادم تلك القيادات مع بعضها ستنعكس على كل منا في علاقتنا ببعضنا وبسببها سيتأزم الموقف بيننا. وسيجد نفسه مواجهًا مشاكل من هذا النوع كل يوم لو أخذ بما يقترحه. فذكر أنه عندما عرض الأمر على كمال رأى نفسه ما رأيت.

عبد الحكيم يطلب تغييره:

وقال أنه تقابل مع عبد الحكيم في اليوم السابق. وأنه تكلم معه بصراحة تامة. وأن أعصاب عبد الحكيم تعبانة. وأنه بنفسه قد طلب منه العمل على تغييره بشخص آخر ليتولى منصب القائد العام للجيش. وقد برر له عبد الحكيم ذلك بأن مصلحة العمل تستدعي مثل هذه التغييرات من حين لآخر لأن الإنسان غالبًا ما يمل العمل إذا استمر فيه لفترة طويلة. وأنه قد مضى عليه عشر سنوات كقائد عام. وهو قد أصبح بعد الذي حدث في سوريا لا يمكنه الاستمرار في تحمل نفس المسئولية – ولا يمكنه أيضًا مواجهة الضباط ولا الجنود. وأنه لم ينم ولم يأكل من يوم 28 سبتمبر أي من يوم وقوع الانقلاب حتى يوم لقائه مع جمال.

وقد طلب عبد الحكيم أيضًا من جمال أن يأخذ رأي باقي الزملاء فيما اقترحه عليه. وذكر جمال أنه لهذا السبب قد اتصل بي كما اتصل بكمال الدين حسين في اليوم السابق.

وكان كمال قد حضر هذا الجزء الأخير من الحديث. وطلب منا جمال أن نبعد الحساسية والعاطفة وأن ننظر إلى المصلحة العامة. وذكر أنه لا يرغب في أن يصبح عبد الحكيم هو كبش الفداء لما حدث. كما تكلم عن تعيين عبد الحكيم في عمل آخر بعيدًا عن الجيش، وأن يحل كمال محله في تولي منصب القائد العام. ولكن كمال خشي أن يعتبره الجيش مفروضًا عليه، وتوضع لذلك في طريقه العقبات والمشاكل.

واقتراح أن يتولى جمال بنفسه هذه المسئولية ولو لفترة بسيطة إلى أن تستقر الأوضاع في الجيش ثم يحل محله كمال بعد ذلك. ولكن جمال لم يوافق على هذا الاقتراح. وكنت قد أيدت كمال فيما اقترحه، وأن ذلك سيمهد له الطريق في الجيش. ولم يذكر لنا جمال أسباب عدم قبوله للاقتراح.

جراج الفاشلين:

وقد ذكر لنا جمال أيضًا أنه من ضمن الاقتراحات التي فكر فيها هو إعادة كل من عباس رضوان وتوفيق عبد الفتاح إلى العمل كأركانات حرب في القيادة العسكرية في نفس الوضع الذي كانا يشغلانه في السابق قبل أن يصبحا وزراء. ولكننا استبعدنا هذا الاقتراح لأنه لم يكن عمليًّا. واقترحت عليه أن يعمل على تغيير القيادات العسكرية، وأن يكون مديري مكتب القائد العام من ذوي الرتب العالية في الجيش – من رتبة اللواء – حتى لا تتكرر الأخطاء التي حدثت مع شمس بدران. ولكنه قال: "تتذكر موقف عبد الحكيم من هذه العملية بعد معركة السويس وإصراره على بقائهم – وهو عنيد- وحتى عندما ضغطت عليه في وقتها لتغيير صدقي محمود قائد الطيران لفشله أثناء العمليات في حرب السويس وانتقاد الضباط له، فقد أصر على تعيينه وزيرًا – وأنا طبعًا رفضت لأن الوزارة ليست بجراج للفاشلين. وهذه المحاولة معه لن تجدي".

ثم حضر بعد ذلك زكريا، ولم يكن على موعد مع جمال، ودار الحديث بيننا بعد حضوره حول الأحداث الجارية في سوريا ولم نتطرق ثانية إلى الموضوع الذي كنا نتكلم فيه. ثم انصرفنا لأن كمال كان مسافرًا إلى طنطا لافتتاح معرض إنتاج بها. واتفق على أن يصحب معه في هذه الزيارة الأستاذ فريد زين الدين أحد الوزراء السوريين.

وكنت في يوم الثلاثاء 3 أكتوبر 1961 قد رأيت أنه من واجبي بعد ذلك الأحداث المؤلمة التي حدثت في سوريا والتطورات التي كانت تجري هناك أن أكتب خطابًا شخصيًّا إلى جمال أبين فيه رأيي في الطريق الواجب علينا اتخاذه حيال تلك الأحداث، ومستعرضًا فيه أيضًا الأخطاء الرئيسية التي كانت من ضمن أسباب ما حدث في سوريا، ومؤملاً أن نعمل على تلافيها في المستقبل.

خطاب إلى جمال:

وكتبت إليه الخطاب التالي:

عزيزي جمال

بعد التحية.

أكتب إليك اليوم كصديق، تربطا صلة الصداقة والجهاد من أجل الكفاح في سبيل رفع شأن أمتنا. وقد أردت أن يكون خطابي هذا إليكم خطابًا شخصيًّا وليس بصفتي الرسمية، وأردت منه أن أعبر عما في نفسي بوضوح طاردًا الحساسية بيننا جانبًا إلى حين في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها اليوم أمتنا العربية.

وإيماني بوطنيتكم وكقائد فيه من الصفات ما يحقق النصر لأمتنا، ومع احترامي وتقديري لك، وإيمانًا مني بواجبي كوطني يحب بلاده – كل هذا دفعني إلى مخاطبتكم بما يجول في خاطري.

عزيزي جمال.

مما لاشك فيه أن الحدث الذي وقع في سوريا يجعل كل وطني متحمس لوطنه وعروبته من أن يفكر ويقلب الأمر على وجوهه المختلفة عله يمكنه تحديد الطريق الذي يجب أن تسير عليه أمتنا في المستقبل وذلك حتى نقلل الخسائر بقدر الإمكان وندفع عجلة التقم إلى الأمام لنسترد ما فقدناه في أقل وقت مستطاع، وحتى يمكن لنا أن نستمر قدمًا إلى الأمام لتحقيق الأهداف التي آمنا بها ونعمل من أجلها.

ومن أجل تحقيق ذلك يجب علينا أولاً أن نفكر في الأخطاء الحقيقية التي كانت وراء ما وصلنا إليه من نتائج. وأن نكون صرحاء مع أنفسنا وواقعيين أيضًا – وتحديدها تحديدًا أيضًا واضحًا ينير لنا الطريق – طريق الصواب- فنعرف إلى أين يجب أن نسير. والابتعاد عن الواقع يدفعنا إلى تكرار نفس الأخطاء وربما يترتب عنها نتائج تباعد بيننا وبين تحقيق أهدافنا.

وإيمانًا مني بالله وبوطني وواجبي في مثل هذه الظروف يدفعني إلى مصارحتكم إرضاء لضميري وأملاً في النهوض بوطننا العزيز والسير به في طريق العزة والسيادة والرفاهية تحت قيادتكم، ولعلنا نستفيد من أخطائنا.

وأرى أن أبدأ بتحديد النتائج التي ربما تترتب على ما جرى في الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة.

أولاً: أعتقد أنه بمرور الزمن – طال أو قصر – فالإقليم الشمالي سينفصل عن جمهوريتنا، وتوالى الأحداث هناك تدل على أن هذا الأمر واقع لا محالة، وليس لنا حيلة فيه، إلا إننا ربما نزيد من الشقة بيننا وبينه باستمرارنا في مهاجمة الأوضاع هناك بما نعتقد أنه يزعزع قواعد النظام فيه ويؤلب الشعب على من يتحكمون في مصائره اليوم. ولكن هذا الموقف منا سيدفع الحاكم هناك إلى التعصب ضدنا ويجعله يعمل دائمًا في البعد عن أي خطاء حتى لا نأخذه عليه – وسيتخذ لنفسه طريقًا يرضى به الشعب ليدعم مركزه، وآملاً في أن ينحاز إلى جانبه وأني تعصب معه ضدنا وبذلك تزداد الشقة بينه وبيننا.

ثانيًا: إن استمرار مهاجمتنا لما يجري هناك يدفعهم إلى مهاجمة أسلوب الحكم أثناء الوحدة معهم، والتطاول عليك بألفاظ لا يصح أن نفسح لها المجال لأنها بجانب أنها مؤلمة على النفس فلا تنسى كذلك أنك كنت رئيسًا وزعيمًا وقائدًا لهم وتطاولهم عليك يضعف من هيبتكم في الداخل والخارج زيادة عن شماتة الشامتين.

وعلى ضوء ذلك أعتقد أنه من صالحنا مؤقتًا أن نرضى بالأمر الواقع إذا كان هذا الانفصال ناتج عن رغبة الشعب السوري وإرادته – ولنتركه هو يحدد لنفسه طريق مستقبله متمنين له التوفيق. وإن وفق كان هذا مدعاة لسرورنا فهم أخوة لنا في الوطن العربي الكبير. وإن فشلوا فسيترحمون على أيام الوحدة ومتمنين عودتها، وليس من المستبعد المطالبة بها من جديد فتعود أقوى مما كانت وتسير في طريقها أسرع مما كانت تسير لأننا سنكون قد استفدنا من أخطائنا.

ثالثًا: يجب أن نضع في أذهاننا أن هذه النكسة ستبعد بيننا وبين الوحدة الشاملة والتي كانت أملاً لنا بل وستجعل من كان يأمل فيها ومتحمسًا لها مترددًا اليوم بعد الذي حدث في سوريا. وسيزداد هذا التردد منهم لو أعطينا الفرصة للنظام القائم في سوريا من مهاجمة أسلوب الحكم أثناء الوحدة. ولا تنسى أن زعامتكم وقوتكم الداخلية الدولية قد استمدت من النجاح المطرد في الميادين المختلفة. ورصيدكم منها هو الذي دفع الشعب العربي إلى الإيمان بكم كزعيم للقومية العربية وللوحدة الشاملة. لذا يجب علينا أن نسعى لإحراز النجاح لنعوض تلك الخسائر، وأن نحافظ على الهيبة ونستمر في المناداة بالقومية العربية والوحدة الشاملة. وأن نقدر العقبات والمسئوليات التي ستقف في طريقنا، ولا يجب أن يفت هذا في عضدنا أمام تلك الأهداف الجسام.

رابعًا: يجب أن نستفيد من أخطائنا فهي التي ستنير لنا طريق المستقبل – وعلينا أن نحددها بوضوح.

وفي هذا الخطاب سأحاول من جانبي أن أحدد هذه الأخطاء كما ألمسها.

من المعروف أن الشعوب عادة لا تحكم بالماديات فقط وإنما هناك نواح أخرى معنوية ونفسية وروحانية لها أهميتها ويجب على الحاكم أن يضعها دائمًا موضع الاعتبار لأنها تقف على نفس مستوى الماديات إن لم تزد.

ولا يمكن لحاكم أن يحكم شعبًا بالعمل على تنفيذ عدة مشروعات له تزيد من دخله فقط، ولكن عليه أن يشركه معه إشراكًا فعليًّا فيما يرسم له ويحدد مستقبله. والحاكم إن لم يشركه في ذلك يصبح كرب الأسرة الذي يكد ويكدح في سبيل جمع المال لأسرته دون إشراكها فيما يعمل أو يقرر وهم ربما ينعمون بما جمعه من مال ولكنك تجدهم غير سعداء بما هم فيه وغير متحمسين لما يجري من حولهم من شئون الأسرة. كما تجدهم أيضًا سلبيون أثناء الأزمات التي تواجهها.

ونفس تلك الحالة تنطبق أيضًا على الحاكم والمحكومين إن كانوا بعيدين عن المشاركة الفعلية في تقرير مصيرهم ورسم خطة مستقبلهم.

وإذا نظرنا إلى الوضع القائم في جمهوريتنا على أساس هذا المبدأ الرئيسي نجد أن الشعب يكن لرئيسه الاحترام والتقدير ويلمس مجهوده ومسعاه ويفخر بما حققه له من انتصارات، ونال منه المهابة والاحترام، ولكن في نفس الوقت نراه غير متحمس كما يجب أن يكون التحمس لما يجري في بلاده. وليس هناك من سبب غير أنه لم يكن له دور إيجابي فيما يجري. كما أنه أيضًا يرى بجانب هذه الانتصارات التي يفخر بها أخطاء وأخطار ولكنه لا يرى ولا يسمع أن هناك من يعمل أو يسعى إلى مقاومتها. وعليه يرسب في ذهنه أن الحاكم غير مستعد لتقبل النقد أو الكشف عن تلك الأخطاء، ويزداد اعتقاده أن أمنه وحريته ومستقبله سيتهدد إن هو أفصح عما يراه من أخطاء. ولذا يجتار لنفسه السلبية طريقًا متجنبًا بها نتائج إيجابيته وما سيصيبه منها على ما يعتقد أو يشاع. ووقوف الشعب موقفًا سلبيًّا مما يجري حوله يحمل بين طياته خطر وأي خطر. فهو يكبت في نفسه ويزداد هذا الكبت يومًا بعد يوم إلى أن تجيء اللحظة التي ينفجر فيها وينطلق كالمارد من الزجاجة التي ظل حبيسًا بها سنوات طوال. أو يأخذ موقف اللامبالاة من الحاكم والتخلي عنه وقت أن يحتاج إليه.

وربما نتساءل – وهل الوضع في جمهوريتنا على هذه الصورة التي ذكرت. والرد أن الشواهد فيها تدفع المواطن على أن يعتقد ذلك لأنه يرى أن وسائله في المشاركة في الحكم لا تقوم بدورها كما يجب أن يكون. فمجلس الأمة من المفروض أن يعبر عن رغبات الشعب. وأن يكون له دور في كل ما يتصل بالسياسة العامة في البلاد – يناقشها ويبدي رأيه فيها – وله دور في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية ويكشف ما يقع منها من أخطاء ويحاسب المسئولين عنها. ولكن الشعب يرى أن هذا المجلس لا يقوم بالدور الذي يجب أن يقوم به. والحاكم لا يعطي أهمية لوجوده كممثل للشعب وحلقة الاتصال بينهما. كما وأن الشعب.

يرى في الإتحاد القومي كتنظيم سياسي أنه لم يحقق الغرض الذي من أجله وجد. ولم يقم بأي دور إيجابي من يوم إنشائه حتى اليوم مثله في ذلك مثل التنظيم السابق له – هيئة التحرير.

ويشاهد أيضًا أن الصحافة لا تعبر عن الرأي الحر الصريح البناء وإنما تردد ما يعتقده أنه يرضى القائمين على الأمر في البلاد.

والشعب يخلص من ذلك أن وسائله في المشاركة وفي تقرير مصيره ومستقبله ووسائل التعبير عنه قد أصبحت كلها في نظره سلبية ولا تقوم بدورها كما يجب بل وقد أصبح القائمون على أمرها أنفسهم سلبيون كذلك.

أضف إلى هذا ما يراه الشعب من أن هناك فئة قليلة محظوظة تنال مما تريد وترغب لا لميزة يتميزون بها على غيرهم ولكن ليس إلا لقربهم أو صلتهم بالحاكم أو من هم مقربون منهم – الأمر الذي جعل المواطنون يشكون في مبدأ تكافؤ الفرص الذي هو أحد أسس العدالة الاجتماعية – والذي طالما ننادي به. وهذه الفئة القليلة المميزة لن يرضيها ولن يكفيها ما تحصل عليه من ميزات وستظل تطالب بالمزيد وستنقلب حاقدة إن لم يحقق لها أطماعها وأغراضها. أما الباقي من المواطنين فينظرون إلى هذا الأمر بعين عدم الرضى والقبول ويشعرون بالظلم. والمحصلة في النهاية حقد من الأقلية المميزة وشعور بالظلم من غالبية المواطنين. وأفراد الشعب يرضيهم كل الرضى أن يشعروا أن ليس هناك تمييز بين أبناء الوطن الواحد. وأن الكل سواسية في المعاملة وفي إتاحة فرص العمل.

ويزيد على ذلك ما يراه أفراد الشعب ويسمعونه عن أخطاء تقع وتتكرر وليس هناك من محاسبة لمرتكبيها وكأن الأمر لا يعني المسئولين. ومعلوم أن نتائج هذه الأخطاء تقع أساسًا في النهاية على كاهل أفراد الشعب نفسه ويتحمل هو نتائجها.

هذه على ما أعتقد هي الأخطاء الأساسية التي ألمسها – وقد أردت أن أضعها بين يديك. وربما أكون مخطئًا في تقديري ولكنه على كل حال هناك أخطاء لابد من البحث والتنقيب عنها والعمل على معالجتها لتدارك الأمر.

وإيماني وشعوري بواجبي يحتمان على أن أنقل إليكم صورة ما ألمسه، إيمانًا مني بقدرتكم على معالجتها، كما أني مقدر أيضًا أنكم لابد ستقدرون الدوافع التي دفعتني إلى الكتابة إليكم ومتمنيًا لك دوام التوفيق

البغدادي

3/10/1961

وكنت قد أطلعت حسن إبراهيم على هذا الخطاب قبل أن أقوم بإرساله إلى جمال واتفق معي على ما جاء به. ولكنه أبدي تخوفه من أن يسيء جمال فهم قصدي من إرسال هذا الخطاب إليه خاصة في تلك الظروف وربما يفسر الأمر تفسيرًا بعيدًا عن القصد الذي قصدته منه. وأن هذا ربما يدفعه إلى التشدد وعدم الأخذ بما جاء فيه رغم محاولتي إبراز حسن نيتي واعتمادي على وطنيته في تفهم الدوافع وراء إرسال ذلك الخطاب. ورأيت بعد مناقشة الأمر معه تأجيل إرساله إلى وقت آخر أكثر مناسبة.

وفي يوم الأربعاء 4 أكتوبر رأيت أنه ربما يكون من الأفضل الالتقاء مع جمال والتحدث إليه في تلك النقاط التي سطرتها في خطابي والذي كنت قد نويت أن أرسله إليه. وتقابلنا في المساء في منزله. وتطرق الحديث بيننا إلى الأحداث الجارية بسوريا. وذكر ما دار بينه وبين الوزراء السوريين عندما التقى بهم في اليوم السابق. وقد أكدوا له إصرارهم على استمرار ارتباطهم به وكأن الوحدة لا زالت قائمة رغم تصريحه لهم أن كل فرد منهم حر سواء في العودة إلى سوريا أو البقاء في مصر مع استمرار من يبقى منهم في التعاون معنا. ولكنهم اعتذروا له عن الاستمرار في العمل كوزراء لأن الأمر سيصبح غير منطقي ولا يتمشى مع طبيعة الأمور وطلبوا منه أن يعفيهم من ذلك.

وذكر جمال أنه لما فكر في مشكلة سوريا اتضح له أن انفصال الإقليم الشمالي قد وقع – وأنه إن لم يتم اليوم فسيتم غدًا – وأنهم في سوريا ينظرون إلي نظرتهم إلى شبح متربص بهم ويتحين الفرصة للانقضاض عليهم، وأنهم لهذا السبب سيظلون يهاجمونه.

فقلت له – لا تنسى أنك كنت رئيسهم واستمرار تطاولهم عليك له تأثيره على هيبتكم هنا بالداخل – وهم يحاولون الدفاع عن أنفسهم بهذا التطاول منهم لاستمرارنا في مهاجمة الأوضاع هناك. وأيضًا سيتوخوا الحرص في تجنب الوقوع في خطأ درءًا لهذا الهجوم منا بل وسيدفعهم حرصهم إلى توحيد صفوفهم.

هيكل في السينما:

قال – بالنسبة للناس هنا فروحهم طيبة – وهيكل ذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم عن مؤتمر بلجراد للتعرف على رد الفعل عند المشاهدين عندما تظهر صورتي في المؤتمر. ويقول هيكل أن السينما قد ضجت بالتصفيق عندما ظهرت صورتي ومن أول لحظة – وهو كان متخوفًا من النتيجة عندما ذهب إليها.

قلت: الناس هنا تشعر وكأنها طغت من صديق رغم الخدمات والتضحيات، وهم متأثرون لهذا السبب. وما أسمعه يدل على أنهم أصبحوا غير متحفظين في أحاديثهم لشعورهم أن أسطورة المخابرات غير صحيحة بعد أن وقع الانقلاب في سوريا دون علمها.

قال: ربما يكون هذا صحيحًا، ولكنه في مجال ضيق ومحدود.

قلت: ألا ترى أنه من المستحسن دعوة مجلس الأمة إلى الانعقاد لمناقشة ما جري من أمر الوحدة – وأخذ قرار بما يتراءى له لأنه هو أول من دعى إلى القيام بهذه الوحدة.

قال: هل تعرف أن أعضاء مجلس الأمة السوريين قد أيدوا الانقلاب – وكيف يدعى إلى الاجتماع بهذه الصورة.

قلت: الدعوة لها أهميتها ولو من جهة الشكل. ومن أيد الانقلاب منهم سيتغيب عن الحضور.

قالت: أنا على العموم رأيت بعد التفكير أنه من المستحسن أن ألقي بيانًا – مساء باكر الساعة السابعة. وعلينا أن نجتمع ظهرًا قبل إلقائه لمناقشته لأنه موضوع هام.

وذكر لي مضمون البيان الذي يتلخص في النقاط الآتية:

كيف تمت الوحدة، وما تم أثناءها من إنجازات، والمكاسب الداخلية والخارجية – والمساعدات المالية من مصر لسورياوالمصريون الذين كانوا في سوريا كلهم من الموظفين أو الضباط فقط، ومرتباتهم كانت تدفع من ميزانية مصر – لن نقطع علاقتنا الدبلوماسية بأية دولة تعترف بسوريا فيما عدا سليل الخيانة والغدر ويقصد بذلك الملك حسين ملك الأردن – وكذا كأي شيك (فرموزا) رئيس جمهورية بدون شعب – لن نحارب سوريا اقتصاديًّا – والتعليمات ستصدر لمندوبنا في هيئة الأمم المتحدة بعدم الاعتراض على عضوية سوريا بها وكذا في الجامعة العربية لن نعترض على عضويتها بها أيضًا – وكل ما نطلبه من سوريا هو أن تؤكد وجود احتياطها من الذهب في البنك المركزي بدمشق لنفي ما تردد هناك من أنه سحب إلى مصر. وكذا الإعلان عن عدد المعتقلين السياسيين الذين وجدوا في السجون هناك بعد قيام الانقلاب وعددهم خمسة وتسعون معتقلاً منهم سبعون شيوعيًّا.

اسم مصر:

وقال جمال أيضًا أننا سنحتفظ باسم الجمهورية العربية المتحدة وعلم الجمهورية. ولما قلت واسم مصر أقدم اسم في التاريخ يلغي، ذكر أننا سنحتفظ به أيضًا كما هو حادث في الولايات المتحدة ويطلق عليها أمريكا والاتحاد السوفيتي ويسمى أيضًا روسيا والمملكة المتحدة ويطلق عليها اسم إنجلترا.

قلت: هل يمكن أن تذكر في البيان عن إعادة انتخاب مجلس الأمة.

قال: إن هذه الخطوة تأتي فيما بعد حتى لا نربط أنفسنا بها من الآن، ونحن لا نعرف الظروف وما سيجد منها.

ومستطردًا وأنا قررت عدم النظر في أية اقتراحات حاليًا إلى أن نفصل أنفسنا عن المشكلة التي نمر بها، ثم نعود ونتفرغ للعمل الداخلي وبناء بلدنا – ونعيد تشكيل الحكومة.

قلت: ونعمل على تشكيل قاعدة شعبية يمكن أن نعتمد عليها.

وأمن جمال على ذلك وقال أنه شكل لجنة من كمال الدين حسين وعلي صبري، وكمال رفعت للنظر في أسماء الأشخاص الذين يمكن لنا الاعتماد عليهم. وكذا تحديد أسماء أعداء النظام. وأنه كان قد اجتمع بهم في اليوم السابق وتكلم معهم عن الغرض من تشكيل هذه اللجنة ومهمتها.

النحلاوي يطلب الحضور إلى القاهرة:

وعدنا بعد ذلك إلى الحديث ثانية عما يجري في سوريا وتأييد السياسيين القدامى بها للانقلاب. وموقف أكرم الحوراني وصلاح البيطار وما جاء في بيانهما بعد الانقلاب عن التسلط والسيطرة أثناء الوحدة. وقارن جمال بين موقفهما وموقف رشدي الكخيا الذي ربط تأييده للانقلاب بقيام حياة نيابية في البلاد. وصرح لي جمال أن عبد الكريم النحلاوي أحد زعماء الانقلاب أرسل إليه رسولاً وأبدى رغبته في الحضور إلى القاهرة ليتحدث مع جمال في الصلح لأنهم على حد قوله منقسمون على أنفسهم – ويقصد بذلك قادة الانقلاب في سوريا. ولكن جمال لم يوافق على تلك الرغبة منه رغم ضغط عبد الحكيم عليه. وذكر موقف عبد الحكيم أيضًا من الوحدة وضغطه عليه لقبولها. وأنه كان يرى أن نبدأ أولاً باتحاد على أن تتم الوحدة بعد مضي خمس سنوات من قيام هذا الاتحاد.

قلت: لو سمح بعودة الأحزاب في سوريا بصورتها القديمة كما يعلنوا الآن فسيترتب عنه انقسام داخلي في البلاد، وسيكون له تأثيره داخل الجيش – وربما يعود إلى ما كان عليه قبل الوحدة ويفرض إرادته على الحكومات هناك – وتعود ثانية حالة عدم الاستقرار التي من الممكن أن تدفع السوريين إلى المطالبة بعودة الوحدة ثانية – وتعود أقوى مما كانت بعد أن نكون قد استفدنا من أخطائنا.

وجاء رده بأنه لن يقدم على هذه الخطوة ثانية وقائلاً: "ابقوا اعملوها أنتم".

قلت: على العموم يجب عليك أن تستمر في المناداة بالوحدة والقومية العربية. وأمن جمال على ذلك ثم انصرفت. ولم أشا أن أذكر ما كنت قد عزمت أمري عليه بعد ما قال أنه لن ينظر في أي اقتراح إلا بعد أن نفصل أنفسنا عن تلك المشكلة. وفضلت الانتظار إلى فرصة أخرى أكثر مناسبة.

وفي اليوم التالي الخميس 5 أكتوبر اجتمعنا في منزل جمال لمراجعة البيان الذي أعده. وحضر كل من كمال وحسين الشافعي وعبد الحكيم وأنور وزكريا. وشرح جمال رأيه في الموقف والبيان الذي ينوي إلقائه في المساء وذكر مضمونه ثم قرأه علينا ورأينا إجراء بعض التعديلات في أجزاء منه.

وبعد انتهائنا من مراجعة البيان حضر الوزراء السوريون ونور الدين كحالة نائب الرئيس، وذكر لهم جمال ما سبق وأن ذكره لنا وقرأ البيان عليهم أيضًا.

مشهد مؤثر:

وفي نهاية الاجتماع وقبل انصرافنا وكانت الساعة قد قربت من الرابعة بعد الظهر أشار الأستاذ نهاد قاسم وزير العدل السوري إلى موقف جمال من الأزمة التي حدثت – وكيف أن جمال قد انتصر على نفسه – وأنه بذلك حول الهزيمة إلى نصر – على حد قوله- وأكد إيمانه به وبزعامته، واغرورقت عيناه بالدموع. وكان كلامه عاطفي وصادر من القلب فأثرت كلمته فينا جميعًا. وأحسسنا أن الأسرة التي ارتبطت ببعضها فترة من الزمن قد انفصم عراها وانفصل كل منها عن الآخر رغمًا عن إرادته. وأخذ كل منا يحتضن زملائه السوريين بشعور أخوي وكأننا لن نرى بعضًا بعد ذلك رغم ترديد كل منا إلى الآخر وهو يحتضنه أن الارتباط قائم والعلاقة مستمرة والأخوة باقية. وكان مشهدًا مؤثرًا حقًّا ويستحق التسجيل لهذا الشعور الأخوي المتبادل بين المصري وأخيه السوري أو بالأحرى بين العربي السوري والعربي المصري.

وفي مساء نفس اليوم الساعة السابعة أذاع جمال البيان.


الباب الخامس: إعادة التنظيم

1-اقتراج جمال بتولي كمال قيادة الجيش.

2-اقتراحات بإعادة التنظيم الداخلي في مصر.

3-استمرار عبد الحكيم قائدًا عامًا.

4-اقتراج جمال قيام مجالس ثورية.

5-العدول عن اقتراح جمال.

6-التنظيم الجديد.

7-اللجنة التحضيرية.

8-المنشور أو المنفيستو (الميثاق الوطني).

9-المؤتمر العام.

10-فترة انتقال.

11-الحراسة والاعتقال.

12-اجتماعات للوزارة الجديدة.

13-قيام اللجنة التحضيرية ومؤتمر قوي الشعب الوطنية.

14-اقرار الميثاق وتقريره.


إعادة التنظيم

مما لا شك فيه أن انفصال سوريا وتلك الأحداث السريعة والمتتابعة كان له تأثيره المباشر على فكر القيادة السياسية في مصر وبالتالي على الوضع الداخلي فيها.

وقد ترتب عن هذا الانفصال بعض المشاكل الأمر الذي اضطر تلك القيادة إلى اتخاذ بعض الإجراءات. ولقد اتخذ البعض منها بغرض حماية مسيرة الثورة وتأمين أهدافها والبعض الآخر تنظيمي.

وقد سبق اتخاذ تلك الإجراءات اجتماعات ومناقشات بين الزملاء أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين والذين كانوا لا يزالون في موضع المسئولية عندما وقع ذلك الحدث. وهذه المناقشات بعضها فردية بين جمال وبين البعض منهم والأخرى منها كانت جماعية.

ولما كانت تلك المناقشات وما اتخذ من إجراءات لها أهميتها لما ترتب عنها من نتائج، ولأنها أيضًا تبين الخلفية الفكرية لما اتخذ من تصرفات، لذا أعتقد أنه من المهم بل من المفيد كذلك أن أذكرها بتفاصيلها كما سجلتها في يومياتي في حينها.

كان جمال قد اتصل بي تليفونيًّا يوم الأحد 8 أكتوبر 1961 وطلب أن نلتقي في منزله مساء نفس اليوم. وعندما التقيت به دار الحديث بيننا حول الموقف الداخلي في مصر بعد انفصال سوريا. وقال: "إننا متفقون على ضرورة إعادة التنظيم – ولكن البند الأول فيه هو الجيش. ولا يمكن لي أن أبدأ باتخاذ أي إجراء قبل أن نحل مشكلة الجيش".

ثم تكلم عن حالة عبد الحكيم النفسية، وتعب أعصابه، وأنه فقد الثقة بنفسه، وأصبح غير قادر على القيادة، ولا يمكنه مواجهة الضباط ولا الجنود. وذكر أنه – أي جمال- قام بعمل بعض الاتصالات مع بعض من الضباط، وعرف منهم ما يتردد داخل الجيش عن شمس بدران، والشئون العامة للقوات المسلحة، وعن اللواء عبد العزيز مصطفى وكيل وزارة الحربية. وأن كل ماي قال مركز أساسًا حول القيادة في الجيش وتصرفاتها، وأنه لابد من معالجة الأمر ولكنه يلمس الحساسية الموجودة بيننا. ومن الضروري إيجاد حل. ومستطردًا وإذا لم نحل هذه المشاكل فمن الذي سيحلها.

وقام جمال بإعادة ذكر الاقتراح الذي سبق وذكره لي وهو الخاص بنقل عبد الحكيم إلى عمل آخر بعيدًا عن الجيش، وعلى أن يتولى كمال الدين حسين قيادته بدلاً منه، وخوف كمال من أن بعض العناصر فيه سترى أن من مصلحتها بقاء عبد الحكيم واستمراره كقائد عام، وربما تضع لذلك في طريقه المشاكل والصعاب. وكان كمال قد اقترح على جمال أن يتولى هو بنفسه قيادة الجيش، ولو لفترة على أن يقوم كمال من بعده بتولي قيادته، ولكن جمال رفض الموافقة على ذلك الاقتراح. وكنت قد أيدت كمال فيما ارتآه.

وجمال كان يرى أن نواجه الواقع – على حد قوله – وهذا حقيقي. ولكن الحساسية والخوف من سوء الظن وسابق تجربتنا المريرة في هذا الأمر كانت تتغلب علينا وتجعلنا متحفظين عند مناقشة مثل هذه الأمور – خاصة علاقة جمال مع عبد الحكيم. ولما سألت جمال عما إذا كان قد أقنع عبد الحكيم بتولى عمل آخر بعيدًا عن الجيش وخشية أن يصر على عدم تولي أي عمل غيره – سألني عن العمل الذي أراه مناسبًا له. فذكرت أن وزارة الإدارة المحلية ربما تكون هي أنسب عمل يتولاه. وأمن جمال على هذا الرأي قائلاً أنه سيتكلم معه ويخبره بموافقته على تولي كمال قيادة الجيش بدلاً منه. كما ذكر أن عبد الحكيم قد اتصل به وسأله عما إذا كان قد تحدث إلى الزملاء في اقتراحه أم لا وأنه أبلغه أنه لم يتحدث إلا مع كمال وأنور وأنا.

وعاد الحديث بيننا بعد ذلك عن إعادة التنظيم، وعمل استفتاء شعبي على دستور 1956 بعد سقوط دستور الدولة الموحدة لانفصال سوريا، وعلى العمل أيضًا على إعادة تنظيم الإتحاد القومي – وعمل انتخابات لمجلس الأمة بعد سنة – واستبعاد كل من مستهم القوانين الإشتراكية الأخيرة من عضوية الإتحاد القومي. واقترحت عليه أن يكون هناك في انتخابات مجلس الأمة مرشحون عن الإتحاد القومي مع ترك حرية الترشيح لأي فرد من خارجه. وتكلمت عن أهمية قيام المجلس بدوره ومزاولة مسئولياته وواجباته. وأن في ذلك تقوية للنظام نفسه، مع ترك الحرية للصحافة في النقد البناء وكشف الأخطاء ما دمنا نبغي المصلحة العامة وليس لنا مصلحة في حماية أحد من المنحرفين.

واتفق معي جمال في هذا الرأي وتكلم عن الشللية والمحسوبية الموجودة في بعض الوزارات. وأيدته في ملاحظته وأن الشعب إذا أحس بعدم توافر تكافؤ الفرص فقد الثقة والطمأنينة، وأنها من أسس الإشتراكية والعدالة الاجتماعية. فقال: "أنت تعلم أنني مؤمن بهذا – ويجب أن نستبعد بعض الوزراء – وحدد أسماءهم – لأنهم ممن يحتضنون بعض الأفراد، ويفضلونهم على غيرهم من الموظفين".

اسأل هيكل:

وذكرت له ما كنت قد سمعته عن المحسوبيات التي جرت في التعيينات في الشركات التي كانت قد أممت. وذكر لي أنه يرى أن يعود زكريا ثانية ليتولى وزارة الداخلية بدلاً من عباس رضوان. وأن يتولى حسين الشافعي الإصلاح الزراعي لأهميته من الناحية الاجتماعية. ويتولى عباس رضوان النيابة الإدارية وأن يستمر في نفس الوقت على اتصال بالجيش بصفته الشخصية لمعرفته بالكثير من الضباط وذلك بغرض الأمن فيه. واقترح أن أتولى الإشراف على المؤسسات العامة بجانب مسئولية التخطيط والمتابعة، ولما قلت أنه من المهم إحساس المسئولين في تلك المؤسسات بقدرتي على محاسبتهم – قال: "تصرف معهم كيفما شئت". فقلت إن ما يهمني هو أن أشعر بوجود الثقة بينه وبيني، وطلبت منه أن يتكلم معي في أي شيء يسمعه، وأن لا يحبسه في نفسه. وكنت أقصد من حدثيي عن الثقة بيننا أن أذكره بتجربتي معه في الماضي. ولقد حاول أن يؤكد لي توافر هذه الثقة منه. وأن ما حدث بيننا في الماضي كانت نتيجة أخطاء، ممن يعملون معنا – على حد قوله. وذاكرًا: "أنت لا تعرف مقدار ثقتي ورأيي فيك، ويمكنك أن تسأل هيكل ماذا قلت له عنك. وأنا طبعًا عرفتك على حقيقتك سنة 1956 أيام أزمة السويس، وكنت تتصرف بصورة طبيعية، وأنا لا أنسى لك هذا الموقف". وحاول أن يؤكد لي هذا المعنى الذي ذكره فأشار إلى الخلاف الذي كان قد حدث بيننا عام 1958 وأنه أصر على التمسك بي رغم إصراري على الاستقالة.

وهذه الاستقالة التي أشار إليها كنت قد تقدمت بها على أثر خطاب دوري منه كان قد قام بإرساله إلى جميع نواب الرئيس والوزراء وكان قد جاء فيه: "قد لاحظت في الأيام الأخيرة الجري وراء الصحف والصحفيين وتوزيع نشرات عليهم تهدف إلى دعايات شخصية والتسابق في نسبة الأعمال للأشخاص".

وكنت قد ذكرت في استقالتي ردًّا على ما جاء بهذه الرسالة: "حاشا لله – إننا لا نجري وراء الصحف والصحفيين، وأن نفسي وعزي تأبى علي هذا. وأنكم لتعلمون أن كرامتي هي أغلى من أي شيء في الحياة وعليها تتوقف حياتي كلها بل وسعادتي في تلك الحياة، ولم نخرج جنبًا إلى جنب ليلة 23 يوليو 1952 إلا للدفاع عن هذه الكرامة والقتال في سبيل حريتنا – ولقد استهان كل فرد منا بالحياة في ذلك اليوم، وأنني ما زلت أستهين بها حتى الآن لنفس الأسباب، وأنني أؤمن تمام الإيمان أن الثورة لا يمكن أن تحقق أهدافها التي سعينا جميعًا إلى تحقيقها إلا إذا توافرت الثقة المتبادلة بيننا وروح التعاون الكاملة حتى يمكن لها أن تسير في الطريق الذي رسمه الله لها. ولكنني أشعر أن هذه الثقة لم تصبح بالقوة التي كانت أتمنى أن تكون عليها – لذا أرجو أن تعفيني من تلك المسئوليات التي أوكلتها إلي، متمنيًّا لك ولزملائك في الكفاح النجاح والتوفيق دائمًا لما فيه خير الوطن والعرب.

وتفضلوا بقبول احترامي

البغدادي 24/8/1958

وكان كمال الدين حسين عندما تسلم نفس الخطاب قد سافر إليه في برج العرب وأعاده إليه، ومحتجًا على أن يوجه إليه خطابًا بمثل هذه الصيغة.

وبعد إثارة ما كان قد حدث بيننا في الماضي عاد الحديث ثانية إلى موضوع إعادة التنظيم وهو ما كنا نتناوله في حديثنا. وذكر أنه يرى أن يشكل مجلس دفاع أعلى. واقترحت أن يشكل أيضًا مجلس أعلى للتخطيط، وأن يقوم هو بالاجتماع بهذه المجالس وبمجلس الوزراء من حين لآخر. وأنه يظلم نفسه بتحمل كل تلك المسئوليات بمفرده، وأن أي نجاح سيتحقق سيعود عليه بحكم أنه يرأس النظام. فقال: "وهذا لا يمنع أيضًا من أن ينسب إلى أي فشل يحدث – وهاهم في سوريا يهاجمونني ويحملونني مسئولية برامج وزارة التربية والتعليم".

فقلت – ولكن الناس يطمئنها أن تعلم أن المسائل تناقش وأن ما نصل إليه من قرارات قد نتج بعد تبادل الرأي.

فقال –أن طبيعة التنظيم السابق كانت تحول دون هذه الاجتماعات – وكيف اجتمع بهم وهناك مجلس تنفيذي لسوريا وآخر لمصر وحكومة مركزية.

فقلت: إنه من المستحسن أن يبنى التنظيم على أساس اللامركزية في التنفيذ. وأن نشعر الشعب بالمشاركة بإعطاء سلطات للمجالس المحلية على المستويات المختلفة لمناقشة المسائل التي لها اتصال بمصالحهم. وأن يصدروا هم القرارات اللازمة لها. وأن يقوموا بتنفيذ بعض المشروعات في مناطقهم. وأن يصدروا هم القرارات اللازمة لها ففي ذلك تربية سياسية لهم.

فقال: هذه كلها مشاكل ولابد من البت فيها، ولكن لا يمكن أن أبت في واحدة منها قبل أن نبت في البند الأول وهو الجيش، وسأتصل بك يوم الأربعاء بعد ما أكون قد اتصلت بعبد الحكيم لأنني سأقابله يوم الثلاثاء.

وفي صباح يوم الأربعاء 11 أكتوبر اتصل بي جمال لنلتقي في مساء نفس اليوم، ولقد وجته عند مقابلته بادئ النشاط وبخلاف الأيام السابقة منذ الانفصال. ولما سألته عن صحته أشار إلى أنها على أحسن ما يكون ومستطردًا في القول لأني رسيت ووجدته الحل للمشكلة.

وبدأ يتحدث عن مقابلته لعبد الحكيم في اليوم السابق، واقتراحه عليه أن يتولى وزارة الحربية، وعلى أن يكون هناك قيادة عسكرية مشتركة من قادة الأسلحة الثلاثة – الجيش والطيران والبحرية، وعلى أن يلغي منصب القائد العام ولا يصبح بذلك هناك قائدًا عامًا للقوات المسلحة، ولكن عبد الحكيم اعترض على الاقتراح بحجة أن هناك ضررًا سيقع عليه من تنفيذه. فذكره جمال بموقفه من القيادات العسكرية التي كانت تتطلب ضرورة العمل على تغييرهم بقيادات أخرى بدلاً منهم. ويقول جمال بدلاً منهم. ويقول جمال ولكن عبد الحكيم هذه المرة أبدى استعداده إلى إجراء التعديلات المطلوبة منه في القيادات العسكرية، واعتبر جمال أن هذا حلاً موفقًا، وأن يكتفي به مع استمرار عبد الحكيم قائدًا عامًا للجيش، وتنازل عن تمسكه السابق في ضرورة ابعاده عنه.

ثم تكلم جمال عن الحل الذي وصل إليه للمشكلة التي كنا نواجهها بعد انفصال سوريا. وذكر أننا سنجتمع مع باقي الزملاء يوم الجمعة 13 أكتوبر لمناقشة ذلك الحل، ولكن ما هو هذا الحل الذي وصل إليه.

الحل:

ولقد بدأ جمال في ذكر الحل بقوة "إن البلد كلها إشاعات، من يقول إن عبد الحكيم محدد إقامته، ومن يقول إن البغدادي زعلان، ومن يقول أنني مريض جدًا إلى آخر تلك الإشاعات". وهذا صحيح ولقد سمعتها أيضًا. ثم يستطرد في القول ويقول: "إن الرجعيون والحزبيون قد نشطوا جدًا في هذه الأيام، وهل تعرف أن فؤاد سراج الدين عندما ذهب للتعزية في وفاة المرحوم حجازي وقف له جميع المعزين هناك عند دخوله عليهم –لابد أن يكون هذا قد رتب من قبل مع بعض المقربين إليه، وعلى أن يبدأوا هم بالوقوف فيندفع وراءهم باقي المعزين بالوقوف كذلك".

ويستطرد قائلاً: "الصورة التي نحن عليها اليوم هي نفس صورة سنة 1954 أيام أزمة محمد نجيب، والأسلوب الذي اتبع في سوريا من الرجعيين والرأسماليين وترديد الإشاعات هو نفس الأسلوب المتبع حاليًا في مصر. والهدف هو تحقيق ما حقق في سوريا. وثورتنا ثورة برجوازية وقد جمدت من سنة 1956، وانعزلنا وانغمس كل منا في الروتين، وآن الأوان أن نحولها إلى ثورة جماهيرية. وكما قال لينين لابد من القضاء على الرجعيين والرأسماليين ونزع سلاحهم بمصادرة ممتلكاتهم لأنه حاول في بداية الثورة البلشفية التعاون معهم ولكنه فشل ولم يفلح واضطر إلى القضاء عليهم. وكنت أعتقد أنه مخطئ ولكن قد تبين لي الآن أنه كان على صواب وأنا المخطئ. وليس أمامنا من حل غير القضاء عليهم وذلك باعتقالهم جميعًا ووضعهم في منطقة الوادي الجديد، وتجميد أموالهم وذلك عن طريق تحويل سندات الأراضي والشركات التي أخذت وأممت منهم إلى الدين العام وعدم صرف الفائدة لهم. وعمل مجلس ثورة جديد من خمسين عضوًا لأن الناس في انتظار ثورة فلنقم نحن بها، والناس عايزة (Shock) هزة حتى تفوق، والمجلس الجديد سيتكون منا ومن الوزراء ومن أشخاص آخرين ارتبطوا بنا من بداية الثورة، لأنه عندما تعلق لنا المشانق ستعلق لهم أيضًا. ونعطي اختصاص رئيس الجمهورية لمجلس الثورة الجديد، ونعمل مجالس ثورية في كل قرية وفي كل مصنع، ونبدأ نعمل بروح ثورية، ونرفع الناس التي ستعمل معنا إلى مستوانا لنزيد عدد أعضاء مجلس الثورة الجديد بعد سنة إلى مائة عضو ثم إلى مائة وخمسين ثم إلى مائتين عضوًا حتى يصبح في النهاية مجلس الثورة مثل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وكل فرد في هذه الحالة سيسعى للوصول إلى عضوية مجلس الثورة، وسأقوم بإلقاء بيان أوضح للشعب فيه هذه الصورة".

ومستطردًا: "طبعًا أنت فوجئت بهذا الحل لأن كل الناس بتقترح إعادة تنظيم الإتحاد القومي ومجلس الأمة وإعطاء حريات، وأنا أعتقد أن هذه ليست بحلول مجدية. وأنت تتذكر سنة 1953 لما عملنا محكمة الثورة وكانت الإشاعات في ذلك الوقت كما هي الآن فعملنا المحكمة وقضينا على نشاط الرجعيين والانتهازيين".

قلت: "إن أي ثورة حتى تنجح لابد من تجاوب الشعب معها، وسنة 1953 كان هذا الشرط متوافرًا، ولأننا أثبتنا أنه كان هناك فعلاً مؤامرات تدبر، وكشفنا حقيقة الزعماء السياسيين ففقد الشعب ثقته فيهم، ولكن الصورة اليوم تختلف فالقرارات الإشتراكية الأخيرة لن تظهر نتائجها إلا بعد فترة طويلة، والعمال والفلاحون غير متفهمين لفوائدها عليهم. وكثيرون من محدودي الدخل قد تأثروا من هذه القرارات لأن الكثير منهم كان يتعامل مع الطبقة ذات الدخول العالية، وهم لذلك غير متحمسين اليوم لهذه القرارات – فكيف يمكن ضمان تجاوب الشعب معنا".

تيتو اعتقل 22.000:

قال: هل تعلم أن تيتو في سنة 1950 اعتقل 22.000 شخصًا أثناء أزمته مع الاتحاد السوفيتي. ولا تنسى أن العمال والفلاحين والجنود والموظفين والطبقة المتوسطة كلها ستتجاوب معنا لأني سأشرح لهم في البيان الفائدة التي ستعود عليهم. ولابد لنا أن نهتم بالجنود حتى لا ينساقوا في أية عملية. والذي قضى على ثورة الشواف هم الجنود وليس عبد الكريم قاسم. وذلك لأنه اهتم بالجنود وعمل منهم لجان داخل وحدات الجيش عندما كان يتعاون مع الشيوعيين.


ولما تساءلت عن متى يتم تشكيل تلك اللجان الثورة التي أشار إليها. ذكر بعد شهرين أو ثلاثة.

ثم قال: هل تعرف أن لينين قام بثورته بحوالي ألف شخص فقط وهم الذين كانوا يمثلون الحزب الشيوعي في ذلك الوقت.

قلت: إن ثورة لينين قد نجحت لأن الشعب الروسي كان مستعبدًا وقد أمل خيرًا في هذه الثورة. كما أن جنود الجيش كانوا قد عادوا مهزومين أمام الجيش الألماني ودفعهم سخطهم على قياداتهم إلى الانضمام إلى الثوار من الشيوعيين انتقامًا لما حل بهم، ونفس الظروف الداخلية هناك كانت كلها تساعد على الانفجار.

وكنت قد رأيت التحفظ بالنسبة للاقتراح الذي ذكره، وفضلت ألا أتسرع في ابداء رأيي لخطورته ولأنه يحتاج مني إلى وقت للتفكير فيه. وقد شعر جمال على ما يظهر بعدم تحمسي لاقتراحه فعرض علي أن نخرج إلى حديقة منزله الخلفية لمشاهدتها بعد التوسع الذي جرى بها بعد نقل سلاح الإشارة من مكانه والذي كان يقع خلف حديقة منزله مباشرة قبل هذا التوسع.

وفي أثناء تجوالنا في الحديقة قال: "إنني أرى استبعاد القيسوني وحسن عباس زكي من وزارتي الخزانة والاقتصاد، وأن نجعل التخطيط وهاتين الوزارتين مجموعة واحدة – أن تتولاها. وسألني عن نزيه ضيف وأحمد زندو وأحمد فرج فمدحتهم له. واقترح أن يتولى نزيه وزارة الخزانة وأحمد زندو وزارة الاقتصاد وأحمد فرج – التخطيط – وعلى أن يكونوا متعاونين لي وتحت رئاستي. وأن أتولى هذه المجموعة من الوزارات لأنها – على حد قوله – لها أهميتها القصوى ولها سلطات واسعة وتحتاج إلى تطوير.

ثم أبلغ إلينا أن حسين الشافعي قد وصل وكان على موعد مع جمال. وجلست معهما بعض الوقت نتحدث عن الإشاعات الدائرة والتي يتناقلها الناس، وتكلم حسين عن خطابه في الجامع الأزهر الذي ألقاه بمناسبة مولد سيدنا الحسين. ثم استأذنت في الانصراف لأتيح فرصة لجمال ليتحدث إليه.

ولما عدت إلى منزلي كان اقتراح جمال لا يزال يشغل بالي. وحاولت أن أنام بعد أن قد سطرت الحديث الذي دار بيننا كعادي ولكن النوم كان قد بعد عني لانشغال فكري باقتراحه. وأخذت أقلبه على جوانبه المختلفة مسطرًا في يومياتي ما دار حوله في ذهني في تلك الليلة.

وليس هناك داع لأن أشغل القارئ بتفصيلات كنت قد دونتها في يومياتي حول هذا الاقتراح ورأيي فيه. ولكنني كنت خلصت في النهاية على أن جمال يحاول افتعال ثورة بإيجاد مثل هذه المجالس البعيدة كل البعد عن صفة الثورية.

وأنه يريد أن يتبع ما اتبعه الحزب الشيوعي عندما قامت الثورة البلشفية في روسيا بعد الحرب العظمى الأولى. وكان الحزب قد أقام مجالس ثورية له في القرى والمصانع. ولكن الأمر عندنا يختلف تمام الاختلاف. ولا يمكن تطبيق ما حدث في روسيا في مصر. وليس هناك من مبرر لاتخاذ هذه الإجراءات الاستثنائية وتلك التغييرات الجذرية. وضرر إقامة هذه المجالس بهذه الصورة المقترحة سيكون أكثر من نفعها ولن يكون لها أي دور فعال.

كما أني كنت قد أعددت بعض النقاط كاقتراح لحل الموقف قبل التقائي مع جمال. وكنت قد نويت التحدث إليه فيها. ولكنه عندما تقدم باقتراحه وجدته يسير في طريق غير الطريق الذي كنت أسير فيه –لذا لم أشأ أن أثير معه ما كنت قد أعددته. وفضلت تأجيل عرضها إلى يوم الجمعة الذي حدد للقائنا مع باقي الزملاء وذلك حتى أتيح لنفسي فرصة التفكير في اقتراحه وإعادة النظر في اقتراحي أيضًا، وكنت قد سطرت اقتراحاتي في يومياتي، وليس هناك من داع كذلك لشغل القارئ بها وبتفاصيلها. وهي كانت تتركز أساسًا في دفع الحياة إلى المؤسسات السياسية والأجهزة التنفيذية القائمة واعطاء دور إيجابي لها وكيفية تنفيذ ذلك.

وكان جمال قد اتصل بي وقدم موعد اجتماعنا إلى يوم الخميس بدلاً من يوم الجمعة. وحضر هذا الاجتماع كل من كمال حسين وعبد الحكيم عامر وأنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيي الدين.

وبعد أن تحدثنا عما يدور من إشاعات بدأنا في مناقشة الموقف. ولقد بدأها جمال بمقدمة عن أهداف الغرب في المنطقة. وأن الحاجز الدفاعي لهم في الشرق دون عمق كاف. وأن الوضع السياسي في كل من إيران وتركيا غير مستقر. وكان لابد للغرب والأمر كذلك من أن يعمل على فصل سوريا عن مصر. كما وأنهم لابد متفقوت مع عبد الكريم قاسم أوأنهم سيتفقون معه حتى يضمنوا العمق المطلوب إلى السعودية لتأمين موارد البترول.

كما تكلم كذلك عن أهداف الشرق في المنطقة وهي نفس أهداف الغرب – محاولة السيطرة عليها عن طريق العمل على إيجاد حكومات موالية لهم وتأتمر بأمرهم. وذكر أن السبب في هذا الصراع بين الغرب والشرق حول منطقتنا هو لأن الحرب آتية لا محالة.

وأشار في حديثه إلى الأزمة التي كانت قد حدثت في أندونيسيا، والثورة التي قامت في سومطرة، والمساعدة التي أرسلناها إلى سوكارنو في ذلك الحين لأن جمال – على حد قوله- كان يعتقد أن نجاح الغرب في تلك العملية في أندونيسيا سيشجعه على تنفيذ عملية مماثلة لها في بلدنا. كما ذكر أن تيتو قد أرسل إليه خطابًا بعد انفصال سوريا عبر له فيه عن وقوفه بجانبا ومساندته لنا، وشرح له فيه تقديره للموقف. وأن تيتو يعتقد أن الخطوة التالية بعد دمشق ستكون هي القاهرة. وأن الغرب إذا نجح في هذا المخطط فإن بلجراد ستكون هي الخطوة التي ستتلو القاهرة.

كما أن تيتو ذكر له في خطابه أيضًا امتناع الولايات المتحدة عن منح يوغوسلافيا المساعدة الاقتصادية. كما وأن الروس قد تشددوا معه كذلك. وأن هدف الكتلتين أصبح هو القضاء على حكومات الدول غير المنحازة، وكل منهما تسعى إلى إيجاد حكومات بها يمكنها الاعتماد عليهخا وتكون موالية لها.

لنعمل ثورة جديدة:

وانتقل جمال بعد ذلك في حديثه على أن الرجعيين والانتهازيين وكذا الشيوعيين يتعاونون مع الكتلتين ذلك لأن الرجعية – على حد قوله- بدأت تحارب دفاعًا عن مصيرها وبقائها في المنطقة. وأن الثورة بدأت سنة 1952 بثورة سياسية، والرجعية كانت تسير تحت جناحها في ذلك الوقت طالما أنها محتفظة بالميزات الخاصة بها. ولكن في يوليو 1961 بدأت الثورة الاجتماعية بصدور القرارات الإشتراكية وأحسست الرجعية بذلك أن الميزات التي كانت م حتفظة بها من يوم قيام الثورة سيقضي عليها. وكان لابد لها من أن تقاتل حفاظًا عليها. وذكر أن المعركة ستكون مريرة بينهم وبيننا. وأنهم يحاولون انتهاز فرصة اهتزازنا من صدمة الحوادث التي جرت في سوريا، وعن طريق إطلاق الشائعات وترديدها ونشرها يحاولون التأثير علينا حتى نتخذ الطريق الذي يرون أنه يحقق غرضهم. فيتكلمون عن الحريات وعن مجلس الأمة والضمانات إلى آخر ذلك مما يرددونه بغرض تحقيق هذه الأغراض وبالتالي نمهد لهم الطريق للعودة. وهم يعملون بجد ونشاط ولهم اتصالاتهم. ومن معنا أو من نعمل من أجلهم وهم العمال والفلاحون والجنود والطبقة المتوسطة غير متفهمين للمكاسب التي حققناها لهم أو نسعى لتحقيقها. وليس هناك من تنظيم أو رابطة تربطهم. والإشاعات التي يرددها ويروجها الرجعيون قد أثرت فيهم وأصبحوا هم يرددونها كذلك. حتى أصبح الأمر وكأن النظام على وشك التسليم. وأن هناك ثورة جديدة ستقوم لتحل محل هذه الثورة.

ثم استطرد جمال قائلاً: "وما دام الأمر كذلك وأنهم في انتظار ثورة، فلنأخذ نحن المبادرة ونقوم بعمل ثورة" – ثم يقول: هذا الحل وصلت إليه يوم الثلاثاء فقط بعد ما استعرضت كل الحلول الممكنة". وأخذ يشرح للزملاء ذلك الاقتراح الذي كان قد سبق وذكره لي والخاص بتشكيل مجلس ثورة، ومجالس ثورية في كل قرية وفي كل مصنع والذي سبق أن ذكرته في لقائي معه يوم الأربعاء السابق.

وفي ختام حديثه قال هذه خلاصة ما وصلت إليه. وكان مقتنعًا بهذا الحل ولا يرى بديلاً له – وسأل هل هناك من بديل آخر لهذا الحل.

وتكلمت من بعده عن المعنى الذي أفهمه عن قيام ثورة. وهو أن يفاجأ الشعب بقادة جدد قاموا عن طريق القوة واستولوا على السلطة لأمر ما – أي أساسًا أنهم كانوا بعيدين عن مركز السلطة ثم عملوا بطريقة أو بأخرى ثورة للاستيلاء على هذه السلطة. ولكننا والسلطة فعلاً في أيدينا سنقوم ونعلن عن قيام ثورة، ونشكل لها مجلس قيادة - وهذا يتناقض مع مفهوم قيام ثورة – وما سنفعله هو افتعال قيامها. وأي ثورة تقوم، غالبًا ما تكون قيادتها متفقة ومؤمنة بأهداف معينة، وروح الثورة تملأ نفوسهم، والانسجام الفكري تام بينهم. ولكن هذا المجلس المقترح سيشكل من أعضاء لا يتوافر فيهم هذه الأسس الضرورية لمثل هذه القيادة – فلا تجانس فكري بينهم ولا إيمان بأهداف مشتركة – وربما يكون أول لقاء بين البعض منهم والبعض الآخر هو في مجلس الثورة المقترح. بل منهم أيضًا من سيعلم أنه قد أصبح عضوًا بمجلس الثورة عندما يقرأ صحف الصباح، وهل يمكن لمثل هذا المجلس أن يحقق الهدف المطلوب من قيام ثورة حقيقية يلمسها الشعب. وإن اتضح للشعب أن هذا المجلس لا يحمل من الثورة إلا اسمها فقط – وغالبًا ما سيتضح له ذلك – فإن الأمر سينقلب إلى عكس ما نهدف. ووجود مثل هذا المجلس يصبح ضرره أكثر من نفعه، وسيضعف من قوة النظام وهيبته. وليس المهم وجود مجلس ثورة إنما المهم هو الفعل الثوري في حد ذاته الذي يتأتى بأن نتصرف كثوار. وأن ندفع عجلة العمل بروح ثورية يحس بها المواطنون. وعن هذا الطريق يمكن لنا أن نسترد ما خسرناه من هيبتنا. وتساءلت عن الكيفية التي سيتم بها اختيار أعضاء المجالس الثورية في المصانع والقرى- وهل لدينا علم بأشخاصهم، وهل يمكن لنا الاعتماد عليهم. وأبديت تخوفي من أنهم ربما يسيئوا التصرف بعد أن نلصق بهم صفة الثورية وبذلك نسيء إلى الشعب وإلى أنفسنا أيضًا. وأشرت إلى أن الشعب سيعقد مقارنة بين هذا المجلس المقترح ومجلس الثورة الذي قام عقب ثورة 23يوليو 1952. وإن لم يثبت ذلك المجلس الجديد وجوده بالأفعال فسيصبح موضع التندر منه وعامل ضعف لا عامل قوة للنظام.

وتكلم من بعدي زكريا وقال إن الناس يطمئنهم تحديد من نعمل لهم ومن نعمل ضدهم – وما هو الحد الذي سنصل إليه في اشتراكيتنا حتى يتمكن كل فرد من أفراد الشعب أن يحدد لنفسه طريق المستقبل.

وتكلم كمال الدين حسين وأمن على كلامي الخاص باللجان الثورية المقترحة وبين صعوبة توافر الأفراد الذين يمكن الاعتماد عليهم لمثل هذه العملية. وتحدث عن الإتحاد القومي وضرورة المحافظة عليه وعدم إلغائه والعمل على تطويره بما يعطيه دور إيجابي في العمل السياسي وقيادة الجماهير.

وأما عبد الحكيم فقد تكلم عن ضرورة قيام مجلس ثورة. وطلب أن يكون هناك لجنة عامة – ولجنة مغلقة. وأن تكون اجتماعات وجلسات تلك اللجنة المغلقة سرية. وهي ستصبح مجلس الثورة المقترح. وأما اللجنة الأخرى فيكون اجتماعاتها مفتوحة وجلساتها علنية وهي اللجنة العامة التي يقصدها. وأمن جمال على كلامه. وتكلم عبد الحكيم أيضًا عن ضرورة تحديد فترة انتقال وحددها بسنة. وأعاد ذكر النقطة التي سبق وأثارها زكريا وهي الخاصة بتحديد الفئات التي نعمل لصالحها والفئات الأخرى التي سنقاتلها – على حد قوله- وكذا تحديد المدى الذي سنصل إليه في الإشتراكية.

أما أنور فكان يؤكد ضرورة قيام مجلس ثورة، وتحدث عن مقابلته مع أعضاء مجلس الأمة عن مدينة القاهرة، وما أثاروه من نقد حول أسلوب الحكم وعن إهمال الدولة لمجلس الأمة.

وخرج من هذا بأنه قد وجد نفسه واقفًا موقف الدافع وأن هذا من الخطورة بمكان. وأنه لابد من أن نقلب الوضع بحيث نقف موقف المهاجم وألا نروح إلى بيوتنا – على حد قوله.

وفي النهاية وبعد أن تكلمنا جميعًا فيما عدا حسين الشافعي الذي لم يتناول الموضوع برأيي قال جمال: "الحقيقة أن هناك نقطة مهمة أثيرت وتحتاج إلى تفكير وهي أن الثورة غالبًا ما تقوم لتنتزع السلطة من الحاكم فكيف نقوم بثورة والسلطة في يدنا". وعلقت على ما ذكره بأننا نفتعل قيام ثورة وضررها سيكون أكثر من نفعها. واستطرد جمال ذاكرًا أنها نقطة لها وجاهتها.

وتكلم عبد الحكيم ثانية عن الاسم التاريخي لمجلس الثورة القديم وأن قيام مجلس ثورة جديد ربما يؤثر على تاريخ هذا المجلس القديم.

كما ذكر كمال الدين حسين أنه في أثناء بحثه مع كمال رفعت وعلي صبري في إعادة تنظيم الإتحاد القومي كان كمال رفعت قد اقترح تسمية اللجنة العليا للاتحاد القومي بمجلس الثورة. وأن رد الفعل المباشر عند كمال كان هو رفض هذه التسمية.

وتكلمت عن رد الفعل الذي أحسست به عندما سمعت الاقتراح من جمال – وإذا كان هذا هو ما أحسسنا به فما بال إحساس المواطنين العاديين عندما يعلن عن قيام مجلس ثورة جديد.

وأصبح واضحًا من المناقشة أن اقتراح إيجاد مجلس ثورة جديد لن يحقق الغرض المطلوب وليس هو الحل المنشود.

وتكلم جمال وذكر أنه يعد بيانًا، ومن ضمن النقاط الواردة فيه هو حل مجلس الأمة القائم على أن يحل محله مجلس الثورة المقترح، وأنه لذلك لابد من إيجاد هيئة أخرى تحل محل مجلس الأمة. وأخذ كل منا يذكر اقتراحًا، ولكن وضح أننا لن نصل إلى حل. وقد رؤي تأجيل الاجتماع إلى مساء اليوم التالي – الجمعة – حتى يفكر كل منا في الحل الذي يعتقد أنه مناسبًا.

اشتراكية غير واضحة:

وفي يوم الجمعة 13 أكتوبر 1961 اجتمعنا لاستكمال المناقشة، وتكلم زكريا من ورقة كان قد أعدها عن الحالة الاقتصادية السيئة ونتائجها على معنويات الشعب، كما تكلم عن مشكلة انفصال سوريا وتأثير هذا الانفصال على كل طبقة من الطبقات المختلفة منه. وتحدث كذلك عن القرارات الإشتراكية التي صدرت في يوليو 1961 ومدى تأثر الطبقات المختلفة بها. وذكر أيضًا أن نهاية الطريق لاشتراكيتنا غير واضحة الأمر الذي ترتب عنه حالة عدم استقرار بين كثير من الناس. وخرج من هذا الاستعراض بأن أمامنا طريقين حددهما:

الأول منهما: هو اتخاذ طريق العنف مع أعداء الثورة وسماهم بالرجعيين، والسير في اتجاه الحل الاشتراكي إلى آخر الشوط، ولكنه تساءل عن إمكانية تنفيذ ها مع طبيعة شعبنا العطوف ومع شخصية القادة القائمين بالأمر – وهل تتفق طبيعتهم مع هذا الاتجاه أم أن العكس هو الصحيح.

والثاني منهما: هو اتباع أسلوب الحذر والحرص مع أعداء الثورة كما سبق وأن اتبعناه في السنوات السابقة.

وتكلم من بعده أنور السادات عن التحليل العلمي للصراع الطبقي ونتائج هذا الصراع. وقد قرأه من كتاب لستالين عن المبادئ اللينينية.

وأما كمال الدين حسين فقد تكلم عن أهمية الناحية الروحانية وضرورة ربطها بخطنا الاشتراكي.

وقرأ علينا جمال تحليله لمجتمعنا والصراع الطبقي فيه، وقتال الرجعية في سبيل مصيرها، ويساندها في هذا القتال قوى الاستعمار. كما أشار إلى أهمية إيجاد تعصب من العمال والفلاحين والجنود والبرجوازية الوطنية والمثقفين ضد الرجعيين والانتهازيين والمستغلين. وذكر أن هذا التعصب كان متوافرًا أثناء مرحلة الثورة السياسية. وكان واضحًا أيضًا في أثناء الصراع مع الإنجليز لإجلائهم عن البلاد، وكذلك عندما أممت قناة السويس.

وتكلمت عن أن هذا التعصب الذي أشار إليه جمال قد توفر في ذلك الوقت لأنه كان ضد قوى خارجية، ولأنها عملية واضحة وملموسة. وأما توفر هذا التعصب من تلك الفئات التي ذكرها للثورة الإشتراكية فإنه يتطلب وعيًا وإيمانًا بالأهداف الإشتراكية وتفهما للمكاسب التي ستعود عليهم منها. وهذا يحتاج إلى تنظيم وتدريب ونشر الروح الإشتراكية بينهم.

المعركة القادمة:

ورد جمال على ذلك بقوله أن المعركة القادمة ستكون مع القوى الرجعية في المنطقة – مع سعود وحسين – ودمشق. وستكون معركة أيدولوجية. وهذا التعصب سيتواجد كنتيجة من نتائج هذه المعركة. ولابد من قيام التنظيم واعداد القادة المؤمنة وتدريبهم. وأن يعمل على تفهيم العمال والفلاحين والجنود المكاسب التي ستتحقق لهم. أما البرجوازية الوطنية فهي ستظل في تأرجح مستمر نحو البرجوازية الكبيرة أو نحو الإشتراكية. وهي كالاحتياطي، والرجعية تستخدمها الآن لتحقيق أغراضها، ويجب علينا أن نعمل على دفعها إلى اتجاهنا للتحالف مع طبقة العمال والفلاحين.

وسأله زكريا عما يقصد بتحالف العمال والفلاحين مع طبقة البرجوازيين الوطنيين.

ورد عليه جمال بقوله أحسن تسأل ما الفرق بين هذا الوضع والشيوعية – هذا ما تقصده.

وأمن زكريا على كلامه.

وأجابه جمال بأنه في الشيوعية الدولة فيها تمتلك كل شيء، وكل الأفراد أجراء عندها. أما نظامنا فيسمح بالملكية الخاصة ولكن في حدود – وهي الملكية التي لا تستخدم في الاستغلال. والقصد بالتحالف هو التعاون مع البرجوازية مع عدم اعطائها فرصة تولي الحكم.

ستالين كان رئيسًا:

وانتقل بنا النقاش بعد ذلك إلى التنظيم الذي سنواجه به الموقف. وقال جمال – نبدأ الخطوة الأولى بتكوين اللجنة المركزية. وعلى أن يكون عددها ما بين خمسين ومائة عضو. وأن يكون جميع الوزراء من ضمن أعضائها. وعلى أن يتبعها ثلاث لجان رئيسية: اللجنة السياسية – ولجنة التنظيم – والمكتب الفني، ويكون لها سكرتارية فنية، ويجب أن يتفرغ عدد كبير من أعضاء هذه اللجان الثلاث الرئيسية. وذكر أن ستالين كان رئيسًا لكل لجنة من هذه اللجان الثلاث.

وطلب أن يعد كل منا كشفًا بأسماء ستين شخصًا يرشحهم كأعضاء في اللجنة المركزية، وعلى أن يوافيه بهذه الأسماء في اليوم التالي مساءً.

وقال إنه سيلقي بيانًا يوم الأحد مساء، وسنجتمع به قبل إلقائه لمناقشته. وأنه سيضطر إلى تأجيله حتى يوم الاثنين إن رأينا تعديل بعض النقاط الرئيسية فيه. وبعد ذلك يتم تشكيل الحكومة الجديدة ثم يعلن قيام اللجنة المركزية، وبعدها يجتمع مع الحكومة الجديدة ثم اللجنة المركزية.

وأنع بعد ذلك سيعد بيانًا تفصيليًّا عن أهدافنا الإشتراكية وسيوضح فيه طريقنا إلى تحقيقها. ثم يقوم بعرضه على اللجنة المركزية لمناقشته مع إعلانه أيضًا في نفس الوقت على الشعب ليناقش في الهيئات المختلفة ولإبداء الرأي فيه. وسيعرض أيضًا الدستور الجديد – وهو نفس دستور 1956 – على اللجنة المركزية. وأن ذلك ك له سيتم في خلال فترة الانتقال التي ستحدد في البيان.

أما التنظيم السياسي الجديد فيجب أن يعد ويستكمل في خلال نفس الفترة استعدادًا لخوض انتخابات مجلس الأمة.

ودارت مناقشة أيضًا حول وضع ممتلكات بعض الرجعيين تحت الحراسة خاصة الإقطاعيين منهم ممن طبق عليهم قانون الإصلاح الزراعي لسنة 1952 وذلك بغرض سلبهم أسلحتهم. وأن ينظر كذلك في أمر بعض العناصر المعادية النشطة حتى لو تتطلب الأمر اعتقالهم.

واقترح جمال في النهاية أن نسمي اللجنة العليا للتنظيم السياسي – باللجنة العليا الثورية – وبرر ذلك بأنه يرغب في أن يشعر المواطنين بأن الثورة قائمة ومستمرة.

وانصرفنا على أن نعاود الاجتماع في يوم الأحد 15 أكتوبر.

داوود عويس والمنشورات:

واجتمعنا في منزل جمال. وكان أول الحاضرين كمال وأنا. وأبلغنا جمال أنه قد اتضح أن المنشور السري الذي سبق وأرسل للبعض منا والموقع عليه باسم الضباط الأحرار أن من قام بإرساله هو الضابط داوود عويس مدير مكتب عبد الحكيم في وزارة الحربية وليس علي شفيق السكرتير العسكري له. وكان جمال يعتقد من قبل أن مرسل المنشور لابد أن يكون هو علي شفيق لأنه كان يعلم أننا نقوم بمناقشة موضوع استبعاد عبد الحكيم من الجيش، ولأن المنشور لم يرسل إلا لبعض أفراد من مجموعتنا فقط. ولكنه أمكن الكشف عن حقيقة مرسله وذلك عن طريق البصمة المتكررة التي وجدت على جميع المنشورات التي أرسلت. وعلمنا منه كذلك أن هناك منشورًا آخر قد أرسل. وهم يتتبعون تحركات داوود عويس لمعرفة مدى نشاطه واتصالاته. وكان جمال باديًا عليه الغضب ومتأثرًا ويعتقد أن هناك مجموعة من الضباط المحيطين بعبد الحكيم يقومون بعمل نشاط مضاد لشخصه. وطلب منا عدم ذكر أي شيء عن هذا الموضوع بحجة أنه خطير وأنه يود معرفة تفاصيل أكثر.

ثم حضر بعد ذلك زكريا وحسين الشافعي وتلاهما عبد الحكيم. أما أنور فقد حضر بعد بداية اجتماعنا بحوالي ثلاث ساعات لدعوته رئيس جمهورية البرازيل الأسبق على العشاء.

وبعد أن اجتماع الشمل فيما عدا أنور بدأ جمال حديثه بقوله أنه قد توصل بعد التفكير إلى أن الاقتراح بقيام لجنة مركزية يجب استبعاده، ومبديًا أسفه لذلك، وذاكرًا أن لديه اقتراح آخر.

وقد بنى هذا الاقتراح الجديد على أساس أن الناس سلبيون وهناك ولا مبالاة منهم، وأنه يتصور أن الناس لن تبالي لو أصدر قرارًا بتعيين أعضاء هذه اللجنة المركزية أو مجلس الثورة. كما وأنه ليس متصورًا كذلك أن الناس تصبح في الصباح وتجد فلانًا وقد أصبح عضوًا في مجلس قيادة الثورة، والافتعال لا يمكن أن يجدي. بل وربما ينتج عن هذا التعيين عداء لنا من الأشخاص الذين لم يقع عليهم الاختيار لشغل هذه العضوية ولأننا فضلنا عليهم غيرهم.

منفستو:

ويستطرد جمال ويقول: "لا بد أن نعمل على إحداث تفاعل بين الجماهير. وأن ندفعهم إلى التحمس والتسابق في الاشتراك فيما نحن مقدمون عليه حتى نقضي على هذه السلبية. والحل هو أن نعمل لجنة تحضيرية تقوم بتحديد وتعريف قوى الشعب الوطنية. وهم العمال والفلاحون والجنود والمثقفون والبرجوازيون الوطنيون. كما تقوم أيضًا بتحديد من هم الرجعيون. ونعلن أننا سنعمل وسنتعاون من أجل قوى الشعب الوطنية. ونعمل على عزل الرجعيين. وسأعمل منشور أي منفيستو أحدد فيه أهدافنا وبرنامجنا. ونجري انتخابات بين قوى الشعب الوطنية لإيجاد مؤتمر عام منتخب بدلاً من هذه اللجنة المركزية المعين أعضاءها. وتكون مهمة المؤتمر مناقشة هذا المنشور وإصدار قرار فيه".

وتكلمت مؤيدًا فكرة جمال، ومؤكدًا أنه من الضروري العمل على إيجاد هذا التفاعل بين الجماهير ودفع روح التحمس بينهم. ولكنني اقترحت أن تسبق هذه المرحلة مرحلة أخرى لضمان إيجاد هذا التفاعل المطلوب ذلك لأنني أخشى أن لا يقدم الأفراد على ما اقترحه جمال بالتحمس الكافي لتأثرهم بالتنظيمات السياسية القائمة كالإتحاد القومي ومجلس الأمة وعدم إعطائهما دورًا إيجابيًّا في الفترة الماضية، واعتقادًا منهم أن التنظيم الجديد المقترح لن يكون إلا صورة متكررة من هذه الصورة السابقة. واقترحت كمرحلة أولى تسبق ما اقترحه جمال أن نعمل أولاً على إحياء التنظيم القائم وهو الإتحاد القومي ولو لعدة شهور قليلة وذلك بإعطائه دورًا إيجابيًّا في رسم ومناقشة المسائل الهامة والبت وإصدار القرارات في بعض الأمور الأخرى وذلك على المستويات المختلفة من التنظيم ليشعر المواطن أن الأمر قد اختلف عن السابق، وبعد ذلك يمكن اتخاذ الخطوات المقترحة من جمال. وأيد كمال هذه الفكرة لاهتمامه باعطاء دور إيجابي للاتحاد القومي.

ورد جمال بأنه يعتقد أن تكوين اللجنة التحضيرية المقترحة واعطائها (Directive) توجيه منه وحضوره جلساتها ثم الإعلان عن المؤتمر وعن المنشور المقترح، وعن أنه ستجرى انتخابات لأعضاء هذا المؤتمر ليقوم بمناقشة المنشور وإقراره، كل هذا كافيًا لإيجاد التفاعل المطلوب.

وتكلم جمال أيضًا عن انتخاب أعضاء مجلس الأمة من داخل المؤتمر العام الذي اقترحه بحجة أن المؤتمر العام سيكون هو الممثل الحقيقي للشعب.

ولكن عبد الحكيم ذكر أنه إن تم هذا فإنه سيكون خطوة إلى الوراء لأن انتخاب أعضاء مجلس الأمة في هذه الحالة يكون قد تم على درجتين بدلاً من الانتخاب المباشر من الشعب نفسه. وكان الاتجاه العام من أغلب الحاضرين هو الابقاء على نظام الدوائر الانتخابية والانتخاب المباشر لأعضاء مجلس الأمة. وأن يكون هناك مرشحون عن الإتحاد القومي. وأن يسمح لأي مرشح آخر من خارجه التقدم للترشيح أيضًا طالما أنه من ضمن قوى الشعب الوطنية حسب التعريف الذي سيتفق عليه.

ورؤي أن يناقش هذا الموضوع تفصيليًّا في حينه.

وتكلم جمال عن دستور 1956 وأن في الإبقاء عليه دون تعديل فيه حتى يتمشى مع التطور الاجتماعي الذي نسعى إلى تحقيقه سيكون خطوة إلى الوراء. واتفق الجميع معه في هذا الرأي. ويظهر أن حسين الشافعي هو الذي أشار بهذا الرأي في مذكرة أرسلها إلى جمال في نفس يوم الاجتماع.

وقد طلب جمال عدم تحديد فترة انتقال ولا ذكرها في البيان خوفًا من رد فعل ذلك عند الجماهير – على حد قوله.

وقال إننا لسنا في حاجة إلى تحديدها ولا ذكرها. وأنه يمكنه كرئيس للجمهورية أخذ سلطة التشريع إلى أن ينتخب مجلس الأمة الجديد كما جرى عام 1956 عندما أجلت انتخابات مجلس الأمة بسبب العدوان الثلاثي على مصر. وعلى أن يستمر هذا الوضع حتى يتم تكوين المؤتمر وانتخاب مجلس الأمة. واتفق على أن يتم هذا في مدة لا تزيد عن عام وكأنها فترة الانتقال.

واتفق على الخطوات التي ستتخذ – وهي إعلان البيان في مساء اليوم التالي والإعلان أيضًا عن أعضاء الحكومة الجديدة – والعمل كذلك على إعداد المنشور ثم الإعلان عن المؤتمر العام الذي سيقوم بمناقشته. وأن تعد أيضًا كشوفات بأسماء من مستهم القوانين الإشتراكية لمراجعتها والنظر في أمر ما سيتخذ حيال البعض منهم. وعلى أن نجتمع في مساء اليوم التالي الاثنين 16 أكتوبر بعد انتهاء جمال من إلقاء البيان لاستعراض هذه الأسماء.

الثروة القومية:

وفي مساء اليوم التالي عرضت علينا الكشوفات بأسمائهم التي كان قد طلب اعدادها. وكانت هذه هي أول مرة يتم فيها حصر أصحاب الأراضي الزراعية ممن كان ملكيتهم تزيد عن المائة فدان. وكذا المالكين لأسهم في الشركات والتي كانت تزيد قيمة ما يملكون منها عن عشرة آلاف جنيه. واتضح لنا من تلك الكشوفات أن الذين يملكون أكثر من مائة فدان أغلبهم من المصريين. أما أغلب أسهم الشركات فكانت في أيدي الأجانب والمتمصرين، ولا يملك المصريون منها إلا القليل. وكان واضحًا أيضًا أن الثروة القومية كانت في أيدي أفراد قلة من الأجانب وبعض عائلات إقطاعية كانت تملك الأراضي الشاسعة في عديد من المحافظات ذلك بخلاف المبالغ الضخمة قيمة ما كانت تملكه أيضًا من أسهم في الشركات. ومثلاً فرنسوا تاجر – له من الأولاد القصر أربعة – وكل منهم يملك ما يزيد عن نصف مليون من الجنيهات وهي قيمة الأسهم التي يملكونها – وكذا زوجته. وهو متمصر وليس بمصري. وقد بدأ نشاطه في صناعة النسيج في مصر بعد قيام الثورة وبسلفة من الدولة، وكون هذه الثروة الضخمة في مدة لا تزيد عن سبع سنوات وذلك على حساب جهد العامل واستغلال المستهلك أيضًا. وهناك غيره كسباهي وباسيلي وعبود وآخرين.

ولمسنا باطلاعنا على هذه الكشوفات الواقع المرير وهو أن هؤلاء الملايين من البشر في بلادنا يشقون من أجل حفنة أقلية من الناس لا يزيد عددهم عن المئات بل قل العشرات. وياليتهم من أبناء مصر بل أغلبيتهم غرباء عنها.

قرار بالاعتقال:

وقد تقرر اعتقال البعض منهم أيضًا وهم من كان لهم نشاط مضاد للثورة خلال تلك الفترة. وتقرر كذلك إعادة بعض السياسيين القدامى إلى السجن وهم من الذين سبق أن حكمت عليهم محكمة الثورة وكان قد أفرج عنهم إفراجًا صحيًّا كفؤاد سراج الدين وإبراهيم فرج. وبلغ عدد الذين تقرر اعتقالهم أو إعادة سجنهم حوالي ثلاثين شخصًا. وكلف زكريا محيي الدين باتخاذ إجراءات اعتقالهم. وعلى أن يتم ذلك في صباح يوم الثلاثاء 17 أكتوبر 1961 – وكذا وضع الأموال والممتلكات تحت الحراسة. واتخذت تلك الإجراءات لتأمين الثورة والحفاظ على خط سيرها. وكان العامل المؤثر الأول في اتخاذها هو ما حدث في سوريا وموقف الرجعيين هناك من الانفصال. ولم نكن نشأ أن يتكرر في مصر ما حدث في سوريا.

وبعد يوم 16 أكتوبر توقفت عن كتابة يومياتي حتى منتصف شهر يناير 1962. والسبب في ذلك هو أن جمال كان قد عقد عشرة اجتماعات لمجلس الوزراء بعد تشكيل الوزارة الجديدة. وقد بدأت تلك الاجتماعات من يوم الخميس 19 أكتوبر 1961 حتى يوم الثلاثاء 21نوفمبر، وسجل ما دار فيها من مناقشات في محاضر لها. ودارت أغلبها حول الانفصال وردود فعله في مصر، وعن الثورةالإشتراكية وضرورة عزل أعدائها وتجريدهم من سلاحهم وهو المال والممتلكات. وجرت كذلك حول قوى الشعب الوطنية – من هم وكيفية تنظيمهم. وعن تشكيل اللجنة التحضيرية المقترحة والغرض من قيامها. وانتخاب مؤتمر عام يعرض عليه المنشور الذي سمي بالميثاق الوطني فيما بعد. كما تناولت المناقشات كذلك سوء الحالة الاقتصادية في ذلك العام وكيف يمكن مواجهتها وطرق علاجها ووسائل تيسير أعباء المعيشة على المواطنين.

وقد أعلن عن قيام اللجنة التحضيرية وأعضاؤها المائة والخمسون المختارون في بداية شهر نوفمبر. وكانت اجتماعاتها علنية وقد بدأت قبل نهاية الشهر. وأعلن كذلك عن قيام مؤتمر قوى الشعب الوطنية وحدد موعده لمناقشة الميثاق وإقراره، وقد صدر في مايو 1962.

وأعتقد أن سبب عدم تدويني لأحداث هذه الفترة هو توفر العلنية في المناقشات التي جرت سواء في اللجنة التحضيرية أو في مؤتمر قوى الشعب الوطنية. وكذا وجود محاضر لاجتماعات مجلس الوزراء تم فيها تسجيل كل ما دار من نقاش.

وكان المؤتمر قد أقر الميثاق. كما أقر أيضًا تقرير لجنة المائة المنبثقة من المؤتمر. وقد اعتبر المؤتمر هذا التقرير جزءًا مكملاً للميثاق نفسه. وبدأت بذلك مرحلة جديدة من مراحل الثورة حدد الميثاق معالمها، وأصبحت القيادة السياسية ملتزمة بما جاء فيه حتى عام 1970، إلا إذا رأت التنظيمات الشعبية غير ذلك. وهي صاحبة الأمر في هذا دون غيرها من القيادات، وقد نص عنه في الميثاق نفسه الذي أقره الشعب.


الباب السادس: الشك بين جمال وعبد الحكيم

1-تهديد عبد الحكيم بالاستقالة في يناير 1962.

2-تنظيم سري في الجيش.

3-قلق جمال وشكه في عبد الحكيم.

4-الوضع في الجيش.

5-الحل لاستتباب الوضع فيه.

6-نفي عبد الحكيم علمه بالتنظيم السري.

7-تغيير جمال ضباط الحرس الخاص به.

8-تسوية الخلاف.

9-خلاف جديد بين جمال وعبد الحكيم.

10-تقديم عبد الحكيم استقالته في سبتمبر 1962.

11-محاولة اختفائه في مرسى مطروح.

12-أسباب تقديمه الاستقالة.

13-اقتراحات من عبد الحكيم لحل الخلاف.

14-الاجتماع مع عبد الحكيم.

15-مناقشة حول أمن الجيش.

16-اقتراح جمال بتعيين عبد الحكيم رئيسًا لمجلس الدفاع الأعلى.

17-تمسك عبد الحكيم بقيادة الجيش.

18-اقتراح جديد من جمال بتعيين عبد الحكيم نائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة.

19-التصدي للاقتراح.

20-الاتفاق على تعيين عبد الحكيم رئيسًا لمجلس الدفاع الأعلى.

21-تعيين عبد الحكيم نائبًا للقائد الأعلى ورئيسًا لمجلس الدفاع.

22-تشكيل لجنة دائمة لمجلس الدفاع.

23-خلاف آخر جديد مع عبد الحكيم في نوفمبر 1962.

24-اعتمادات مطلوبة للعمليات في اليمن.

25-مطالبة عبد الحكيم بتفويضه سلطات رئيس الجمهورية.

26-خلاف في مجلس الرئاسة مع عبد الحكيم.

27-تأزم الموقف مع كمال.

28-الاتفاق على تعيين قائد عام جديد.

29-نية كمال في الاستقالة وأسبابها.

30-حديث فض مجالس.

31-ترديد جمال تنازله عن الرئاسة.

32-حديث صريح مع عبد الحكيم عن جمال.

33-خطاب استقالة من عبد الحكيم إلى جمال.

34-تكتل في الجيش وراء عبد الحكيم.

35-رأي جمال في عبد الحكيم.

36-التقاء جمال مع عبد الحكيم.

37-البحث عن حل للمشكلة.

38-الحل الوسط.


الشك بين جمال وعبد الحكيم

كانت بذور الشك بين جمال وعبد الحكيم بدأت تتزايد عند بداية عام 1962 رغم الصداقة المتينة التي تربط بينهما. وتلك الصداقة كانت قد تدعمت على مر السنين منذ أن تعارفا في السودان عام 1940 أثناء خدمتهما في الجيش هناك. وكانت تلك العلاقة والثقة المتبادلة بين الاثنين هي التي دفعت جمال عبد الناصر إلى اقتراح تعيين عبد الحكيم قائدًا عامًا للقوات المسلحة عام 1953 بدلاً من اللواء أ.ح. محمد نجيب رغم معرفته أنه هو لم يكن أصلح من كان يتولى هذه المسئولية لو كان الاختيار من بين مجموعة مجلس قيادة الثورة، وذلك باعتراف جمال نفسه بعد سنوات من هذا التعيين عندما كانت تتأزم الأمور بينهما.

وكان واضحًا للبعض من أعضاء مجلس قيادة الثورة أن ترشيح جمال لعبد الحكيم بتولي هذا المنصب لم يكن أساسًا إلا لغرض سياسي حتى يضمن بذلك أن تصبح القوة السياسية إلى جانبه عن طريق مساندة الجيش له دون باقي مجلس قيادة الثورة. وكان عبد الحكيم هو أصلح من يحقق له هذا الهدف بحكم الصداقة والثقة المتبادلة بينهما وقد تحقق هدف جمال.

ولكن مع مرور الوقت ومواجهة المشاكل السياسية والعسكرية المتعددة وما يصاحبها عادة من تصادم أو خلاف فقد تأثرت تلك الصداقة واهتزت الثقة التي كانت متوافرة بينهما. وكانت حرب السويس وأحداثها والتصرفات الخاطئة أثنائها من بعض القادة العسكريين هي بداية اهتزاز تلك الثقة. ذلك أن الأمر كان يتطلب بالضرورة بعد ارتكاب تلك الأخطاء العمل على تغيير هذه القيادات ونقلها بعيدًا عن الجيش. ولكن عبد الحكيم كان قد أصر على التمسك بهم مع استمرارهم في مواقفهم رغم أخطائهم. ولم يحاول جمال من جانبه التصرف بعد هذا الموقف المتشدد من عبد الحكيم.

واستمر عبد الحكيم يقود الجيش. وكانت قوته تزداد فيه يومًا بعد يوم ذلك بتعيينه قيادات الوحدات المختلفة من بين الضباط الذين يضمن ولاءهم له شخصيًّا. وكذلك عن طريق المساعدات والخدمات التي يقدمها أيضًا للبعض من ضباط الجيش. كما أنه عمل كذلك على تعيين الكثيرين منهم في أجهزة الدولة المدنية. وكان هذا كله بعلم وموافقة جمال.

ومع مضي الوقت بعد حرب السويس كانت العلاقة بينهما قد عادت إلى ما كانت عليه في السابق. ولم يكن هناك ما يعكر صفوها إلى أن وقع الانقلاب العسكري في سوريا يوم 28سبتمبر 1961 والذي أدى إلى انفصالها عن الجمهورية العربية المتحدة. وكان الرأي بعد الانفصال أن يبعد عبد الحكيم عن قيادة الجيش. وهو نفسه قد طلب اتخاذ هذه الخطوة. ولكنه عاد وتمسك بضرورة استمراره قائدًا عامًا. وكان له ما أراد. ولم يأخذ جمال منه موقفًا أيضًا. ولكن هذا لم يمنع من أن يدب الخلاف بينهما ثانية وبصورة أشد عنفًا من المرات السابقة حتى وصل بهما إلى درجة الشك واعتقاد كل منهما أن الآخر يهدف إلى التخلص منه أو أنه يعمل على إضعاف قوته السياسية على الأقل.

ومما لا ريب فيه أن مثل هذه الشكوك يكون لها تأثيرها على تفكير وتصرفات كل منهما والذي بدوره أيضًا يؤثر على خط سير الثورة وببطء من عجلة اندفاعها نحو أهدافها.

ومن أجل أن تتضح تلك الصورة أكثر فإنه من الأفضل أن أقدم للقارئ صورة عن تلك الخلافات التي كانت قد دونتها في يومياتي – أسبابها وتطورها وكيف انتهت.

كنت قد علمت من جمال أثناء التقائنا يوم الأربعاء 10 يناير 1962 أن عبد الحكيم كان قد ذهب إلى كمال الدين حسين في منزله منذ أيام قلائل وأخبره أنه قد صمم على الاستقالة. وأنه سيتخذ هذه الخطوة عندما يعود من زيارته التي تقررت للهند وأندونيسيا. وقد أراد أن نعلم ذلك حتى لا نفاجئ بها. كما ذكر لكمال أيضًا أن جسمه قد تسمم ودمه كذلك. وذكر ذلك تعبيرًا عن مدى الضيق الذي وصل إليه. وعندما سأله كمال عن السبب الذي يدعوه إلى الاستقالة – أجابه – أنه الصراع مع الإخوان أي زملائه أعضاء مجلس الثورة. واستفسرت من جمال عن مظاهر هذا الصراع الذي أشار إليه عبد الحكيم في حديثه مع كمال.

فأجابني بأنه يقصده هو وليس زملائه. واستطرد ذاكرًا أن موقف عبد الحكيم قد تعقد من يوم أن علم بالحديث الذي كان قد دار بين صلاح وزكريا وبوجود أنور السادات وحسين الشافعي عندما ذهبوا لزيارة صلاح أثناء مرضه سنة 1960. وكان الحديث حول معركة السويس وموقف الجيش منها وفشل عبد الحكيم في قيادته له.

وقد رأى جمال أن يبدأ في ذكر القصة من أولها حتى تتضح الصورة لي كاملة – على حد قوله- وحتى يصبح في إمكاني أن أكون رأيًّا في الموضوع.

اهتزاز الثقة بين جمال وعبد الحكيم:

وذكر جمال لي عدة موضوعات أغلبها كان مرتبط بما يجري في الجيش. وكانت تدل على أن الثقة بينه وبين عبد الحكيم قد أصابها الاهتزاز إن لم يكن الشك نفسه. وليس هنا محل لذكر كل تلك الموضوعات التي قيلت لي ولكنني سأورد هنا واحدة منها فقط كمثال. وما جاء أيضًا على لسان جمال من تعقيب على ما كان يجري في الجيش، الأمر الذي يؤكد أن الشك كان قد تملكه من تصرفات عبد الحكيم فيه.

قال جمال أن أحد الضابط من سلاح المدفعية كان قد أبلغه عن طريق مكتبه في أوائل يناير 1962 عن وجود تنظيم سري في الجيش باسم الضباط الأحرار. وأن هذا التنظيم يرأسه ضابط اسمه حسن رفعت وهو في رتبة اليوزباشي وقريب البلتاجي أحد الضباط الأحرار ومن الذين خرجوا ليلة 23 يوليو. ولهذا التنظيم لجنة تأسيسية مكونة من خمسة عشر عضوًا. والضابط المبلغ نفسه أحد أعضائها ويمثل سلاح المدفعية فيها. واعتقد هذا الضابط في البداية أن التنظيم مرتبط أساسًا بالنظام القائم في البلاد وليس مضادًا له. وذكر أن اجتماعاتهم تتم مرة في كل أسبوع. ويدور الحديث فيها حول المسائل العامة وما يجري في البلاد. ولكنه لاحظ قبل حدوث الانقلاب في سوريا بحوالي ثلاثة أشهر أن أحاديثهم في اجتماعاتهم التي كانت تعقد بدأت تدور حول الوضع القائم في مصر والفساد فيها والانتهازية والاستغلال. وأنه لن يقضي على هذا الفساد المنتشر إلا إذا تخلصوا من جمال عبد الناصر. وأن يتولى الأمر في البلاد بدلاً منه عبد الحكيم عامر. كما ذكر هذا الضابط المبلغ أيضًا أن حسن رفعت رئيس التنظيم له نفوذ كبير في الجيش. وقد عمل على نقله إلى سوريا مع مجموعة أخرى من الضباط. كما أنه يصرف عن بذخ. وكان هذا الضابط المبلغ قد استمر وجوده في سوريا حتى وقع الانقلاب هناك فعاد إلى مصر. وأن اجتماعاتهم بعد أن عاد إلى القاهرة استمرت أيضًا. ولكنه لاحظ أن ما يدور فيها من مناقشات أصبح كله مركز حول جمال عبد الناصر. ومن أنه مريض. وينفرد في اتخاذ القرارات دون أن يشرك أحدًا معه فيها. وأنه متعصب لرأيه ولا يحب أن يناقشه أحد. ومن أنه سخرب البلد – على حد قولهم.

ويقول جمال أنه لم يصدق ما ذكر له وخشي أن يكون في الأمر مكيدة بقصد الإثارة وإيقاع الشك في نفسه. لذا – طلب من أجهزة الأمن في البلاد أن تعمل على مراقبة مجموعة الضباط المشتركة في هذا التنظيم. وأن تركز المراقبة خاصة على أعضاء اللجنة التأسيسية الذين ذكرت أسماءهم. ومعرفة ما إذا كانت تجري بينهم اجتماعات أم لا. وما الذي يدور بينهم من أحاديث أثناء تلك الاجتماعات. وأن تبلغ إليه نتيجة تلك المراقبة أولاً بأول حتى يتأكد نفسه من صحة تلك المعلومات التي كانت قد جاءت على لسان الضابط المبلغ.

ولم يكن قد وصلته بعد معلومات كافية أثناء التقائنا تؤكد له ما سبق وأبلغ إليه. والمراقبة كانت لا تزال قائمة ومستمرة على هؤلاء الضباط.

ويقول جمال: "وأنت تتذكر بعد أزمة سوريا وانفصالها، ورغبة عبد الحكيم في ترك قيادة الجيش، وطلبه مني في أن أتكلم معكم. ووافقته على تركها ولكنه عاد وتمسك بها. واتفقنا معه على استبعاد بعض القيادات ممن أساءوا التصرف والذين لا يصلحون للقيادة. وطلب مهلة شهر لينفذ ما اتفق عليه ولكن مضى الآن أربعة شهور ولم ينفذ شيئًا مما تم الاتفاق عليه. وأكثر من هذا أنهم يحاولون إشاعة أن شمس بدران مرتبط بي شخصيًّا وليس بعبد الحكيم حتى تنعكس على ردود فعل تصرفاته. وعبد الحكيم قام بعمل تنقلات داخل الجيش، ووضع معارفه وأصدقاءه وضباط دفعته في المراكز المهمة به. وأنت تعلم أن تعيين القيادات الرئيسية والترقيات إلى رتبة اللواء وما فوقها من سلطة رئيس الجمهورية، ولكن عبد الحكيم كان قد طلب مني في الماضي تفويضه في كل هذا على مرات متتالية وكنت قد وافقته عليها. وكنت قد طلبت منه بعد أزمة سوريا أن يعمل على زيادة الحرس الخاص المعين لحراستي حتى يصبح قوته لواء به كتيبة مدرعات وكتيبة مدافع ماكينة. وأن يعسكر الحرس بالقرب من منزلي زيادة في الحيطة نظرًا للظروف ولكن لم يتم شيء الآن من هذا. فما معنى هذا كله. هل هو تكتيك لعمل معين. وهل أنا استغفلت في كل هذا. وهل القصد هو وضعنا في (Corner) مأزق – يقوم بطلب الاستقالة ويصر عليها – وإذا قبلت بتدخل الجيش لإعادته".

دولتين:

ويستطرد أيضًا: "هل هناك Two States (دولتين) – الجيش – والدولة – الوضع لا يستقيم على هذه الصورة – هل كنتم شاعرين بأن هذه الصورة موجودة من مدة لأن زكريا قال لي إنها واضحة لكم سنين، وأنكم كنتم تتساءلون هل جمال ملاحظ هذه الأوضاع أم لا. وأنا كنت أعتقد أن رجاله عبد الحكيم أو رجاله أي واحد فيكم هم رجالتي. وإذا ارتبطوا بكم أحسن من أن يرتبطوا بأشخاص آخرين معادين. وكان أي واحد منكم يطلب تعيين أي شخص كنت لا اعتراض طالما أنه لا يمس أي مبدأ من مبادئنا – صحيح أن طلباتك في هذا الشأن لا تذكر، ولكن عبد الحكيم والتعيينات التي كان يطلبها لأشخاص في وظائف مدنية لا حصر لها. فهل كان وراء ذلك هدف".

ثم سألني "هل كانت هذه الصورة واضحة لكم كما يقول زكريا".

أجبته – كان واضحًا أن عبد الحكيم مستمد قوته منك. وإذا طلب أي شيء من أي وزير فمعناه أن هذه هي رغبتك. وأن هناك اتفاقًا عليه بينكما.

خطاب من شمس:

وذكرت ما كنت قد سمعته عن أن شمس بدران قام بإرسال خطابات إلى جميع المؤسسسات العامة والشركات يبلغهم فيها أن أي وظيفة تخلة في تلك المؤسسات أو الشركات لابد من إخطار مكتب عبد الحكيم بها. وأن لا يتم التعيين فيها أو شغلها إلا بعد موافقة مكتب القائد العام. وقلت أنني أعتقد أن شمس قد تصرف هذا التصرف من تلقاء نفسه دون الرجوع إلى عبد الحكيم لأنه يتصرف في كثير من الأمور دون علمه، وهو قد استمد قوته في الجيش من قدرته على تعيين أي شخص أو نقله. ولكن جمال استبعد أن يقوم شمس بمثل هذا العمل دون علم عبد الحكيم وموافقته.

وحاولت أن أبعد الشك عن جمال الذي أحسست به من حديثه عن عبد الحكيم فأكدت له إخلاصه وأن الصالح العام يهمه، واستبعدت أن يفكر عبد الحكيم في الاستقالة ويصر عليها بغرض دفع الجيش إلى التدخل وإعادته إلى منصبه لأنه يعلم مدى الضرر البليغ الذي سيقع على البلاد إن حدث هذا.

فقال جمال: لو حدث هذا فأنا لابد أن أروح لأن الجيش يصبح هو الذي يحكم. وأنت لا تعرف عبد الحكيم. إن أخلاقه قبلية. وهو قد جرح. ولن ينسى أنني قلت له يمشي ويترك القيادة. وأنت تذكر ليلة أن كنا مجتمعين هنا في منزلي وأبلغ عبد الحكيم أن هناك بعضًا من الضباط مجتمعين في إحدى الوحدات، وأن الوحدة معدة للتحرك – هل لاحظت كيف كانت يده ترتعش. إن أعصابه تعبانة وأصبح غير قادر على القيادة.

ويستطرد – بعد هذا الحادث بيوم كان الجيش كله يعلم بالقصة – وكان فضيحة لأنه أرسل عدة لواءات واحدًا وراء الآخر لاستطلاع الأمر. ولما ذهبوا إلى هناك لم يجدوا شيئًا.

ويستطرد جمال ويذكر: "أن أنور السادات يقول وكنت قد تحدثت معه عن كلام عبد الحكيم لكمال أنه لاحظ من فترة أن أعصاب عبد الحكيم تعبانة، وأنه لابد أن يترك الجيش خوفًا من أن يحدث له (Collapse) انهيار".

وذكر جمال أنه تحدث مع حسين الشافعي في هذا الموضوع أيضًا في اليوم السابق لهذا اللقاء بيننا. وقال من الممكن أن تتكلم مع أنور وزكريا وتخبرونني برأيكم.

فقلت – بعد انفصال سوريا اعتقدت أن عبد الحكيم ربما يقدم على الاستقالة، وأخبرت حسن إبراهيم بذلك. وقدرت أنه ربما ينتظر إلى أن تهدأ الأمور حتى لا يرتبط ما حدث في سوريا باستقالته وحتى لا يضار الصالح العام. ولكن لم يخطر في ذهني أنه ربما يعمد إلى وضعنا في مأزق كما ذكرت.

واستطردت – وعندما ناقشت الأمر مع حسن إبراهيم وما يجب علينا عمله لو أقدم عبد الحكيم على هذه الخطوة – رأينا أن الحل هو أن نبتعد جميعًا عن السلطة التنفيذية. وأن نكون ما يشبه القيادة الجماعية لرسم السياسة العامة ومتابعتها. وأن تترك لك حرية الاستعانة بأي فرد منا في أي أمر تراه ونحن بعيدين عن ممارسة السلطة وهذا حل يمكن أن تفكر فيه.

قال: أتذكر في الصيف عندما تكلمت معك عن إعادة تشكيل الوزارة – التشكيل الذي صدر قبل الانقلاب في سوريا – كان عبد الحكيم قد اقترح أن يترك جميع الإخوان السلطة التنفيذية، وعلى أن نعمل جميعًا في الإتحاد القومي. وذكرت له عندما تقدم لي بهذا الاقتراح أن الأوضاع في هذه البلاد لا يحترم الشخص فيها إلا لمنصبه. وتم الاتفاق على أن يصبح جميع الإخوان نوابًا لرئيس الجمهورية وبدون سلطات. وتذكر عندما تحدثت إليك لتتولى منصب نائب رئيس الجمهورية لشئون التخطيط – وقلت لأنك بدون هذه السلطة لا تكون مسئولاً عن الخطة ولا عن متابعتها. واتفقت معك على أن يعين أحمد فرج وزير دولة للتخطيط وأن تحتفظ بسلطة الوزير. ولكن بعد أن كنت قد تكلمت معكم جميعًا على هذا التغيير الذي اقترحه وتم الاتفاق عليه. عاد هو وتكلم معي وأبدى رغبته في أن يحتفظ لنفسه بقيادة الجيش رغم أنه سبق واتفق معي على تركها، ووضعني بتمسكه بها في Corner مأزق بعد أن كنت قد اتفقت معكم جميعًا. وأصبحت أمام مشكلة، ولابد أن أتصرف – وهذا هو السبب في أن التشكيل صدر بالصورة التي صدر بها – نواب لرئيس الجمورية لشئون كذا فيما عداه.

جمال: "يظهر أني اتخميت":

وتساءل جمال: هل كان هذا أيضًا بناءً على تكتيك – لقد أصبحت في حيرة – ويظهر أنني اتخميت.

ولما حاولت استبعاد أن يلجأ عبد الحكيم إلى أعمال ربما تضر الصالح العام، قال: "لا تنسى العامل البشري –وهو يشعر أنه جرح- والصالح العام يضيع في مثل هذه الحالات".

وفي جاء يومياتي أيضًا تعقيبًا على هذا الحديث الذي جرى، لقد وضح لي من حديث جمال أنه قلق ويخشى أن يقدم عبد الحكيم على عمل يضعه ويضعنا معه في مأزق يضار به الصالح العام. وهو يود أن يبعده عن الجيش، وعلى أن يكون ذلك بموافقة جميع الإخوان. ولكن أغلبهم قد تعلم من الماضي، ذلك لأن جمال غالبًا ما ينتهي في مثل هذه الأمور من الخلافات مع عبد الحكيم إلى اتفاق معه وبتنازلات منه أيضًا لإرضائه. وقد تكرر هذا في الماضي وليس من المستبعد أن يحدث ذلك ثانية.

وفي يوم الجمعة 12 يناير 1962 اجتمعت مع أنور وزكريا وحضر حسين الشافعي عندما علم بوجودنا في منزل زكريا.

ودارت بيننا المناقشة حول ما ذكره جمال لنا، وعن الوضع في الجيش، والحلول التي نراها لإصلاح الأمر فيه.

وخلصنا إلى أن الوضع في الجيش غير مستقر ولا مستتب. وأن ذلك ناتج عن تصرفات بعض الضباط فيه المتصلين بعبد الحكيم. ولابد من عمل تغيير في قياداته رغم موقف عبد الحكيم منها وتمسكه بهم وعدم استعداده لتنفيذ ما كان قد تم الاتفاق عليه. كما وأن الثقة بين جمال وبينه قد أصابها كثير من الاهتزاز. وإن استمرت تلك الأوضاع وعلى هذه الصورة فسيترتب عنها ازدياد الموقف سوءًا وربما يؤدي في النهاية إلى كارثة تؤثر على مستقبل البلاد.

حتى أقرب أصدقائه:

والحل لذلك هو أن يبعد عبد الحكيم عن الجيش، ويعمل أيضًا على تغيير بعض القيادات فيه، وربما يصر عبد الحكيم إن تقرر ذلك على الانفصال كلية عن النظام. وانفصاله عنه سيكون له تأثيره حتى أنه من عمد النظام، وصداقته بجمال معروفة للرأي العام الداخلي والخارجي كذلك. وإن انفصل فربما ذلك يؤثر على سمعة جمال نفسه لأنه سيؤكد المعنى الذي يتردد ويشاع على أنه لا يمكن التعاون معه. وسيقال إنه حتى أقرب أصدقائه لم يجد بدًّا من الابتعاد والانفصال عن نظامه بعد أن وجد صعوبة الاستمرار في التعاون معه.

وعلى ضوء هذا رؤي أن أنسب الحلول وأقلها ضررًا هو أن يبعد عبد الحكيم عن قيادته للجيش على أن يستمر مرتبطًا بالنظام ودون اختصاص محدد كباقي زملائه نواب رئيس الجمهورية. ولكن كان التساؤل عن مدى استعداده هو في قبول هذا الحل، وأنه يقبله إن كان يهمه الصالح العام. ولكن كيف يقبله وهو حتى لم يحاول تنفيذ ما سبق الاتفاق عليه من إجراء بعض التغييرات في قيادات الجيش.

إجراءات أمن:

وقد رأينا إن تقرر استبعاد عبد الحكيم عن الجيش أن تتخذ إجراءات أمن لتفادي وقوع أية مشكلة داخل الجيش خاصة من هؤلاء الضباط المرتبطة مصالحهم باستمرار وبقاء عبد الحكيم قائدًا عامًا. كما رؤي التأكد أيضًا من المعلومات التي كانت تفيد بأن هناك تنظيمًا سريًّا في الجيش يعمل لصالح عبد الحكيم. وأن تتخذ إجراءات اعتقال أعضائه إن تأكدت هذه المعلومات ويجري تحقيقًا معهم. والعمل كذل على تغيير بعض القيادات واستبدالها بقيادات أخرى لها كفاءتها وسمعتها. وهذا لإجراء ضروري وواجب سواء استقال عبد الحكيم أو بقي.

وقام زكريا بإبلاغ جمال في اليوم التالي لهذا الاجتماع بما وصلنا إليه من حلول. وعمل زكريا منه أنه كان قد استدعى الضابط الذي أبلغ عن التنظيم السري وتأكد منه بنفسه عن تلك المعلومات التي وصلته. واتضح أنها صحيحة. وقد ذكر له الضابط أن تركيز الهجوم عليه أي على جمال كان قد بدأ أثناء وجودهم في سوريا قبل وقوع الانقلاب هناك. وقد استمر بعد عودتهم إلى القاهرة، وأن الاتفاق قد تم بين أعضاء التنظيم على الاستعداد للقيام بعمل في شهر مارس 1962. وعلى أن يكون ذلك بعد انتهاء المؤتمر العام لقوى الشعب الوطنية. ذلك لاعتقادهم أن المؤتمر سيفشل. وسيكون رد فعل هذا الفشل في صالحهم.

وكنت قد اتصلت بجمال تليفونيًّا يوم الاثنين 15 يناير 1962 لأهنئه بعيد ميلاده وعلمت منه أنه اتصل بعبد الحكيم وسأله هل هو ينوي السفر إلى الهند وأندونيسيا دون زيارته. وكان كمال هو الذي طلب من جمال اتخاذ هذه الخطوة والاتصال بعبد الحكيم قبل سفره.

ويقول جمال أن عبد الحكيم أجابه على هذا التساؤل منه بأنه سيتعذر عليه ذلك وأنه رد عليه بقوله: "إن كان متعذرًا عليك فهو متعذرًا علينا أيضًا". ولكنهما التقيا سويًّا بعد هذه المحادثة.

دهشة عبد الحكيم:

وفي أثناء هذا اللقاء سأله جمال عن الأمن في الجيش – فطمأنه عبد الحكيم. ولما استفسر منه جمال عما إذا كان قد طلب من البلتاجي القيام بعمل تنظيم سري في الجيش فقد أجابه بالنفي، وقام جمال بإبلاغه عما لديه من معلومات عن هذا التنظيم السري. وأبدى عبد الحكيم دهشته واستغرابه.

وذكر لي جمال أيضًا أن الضابط محمد توفيق عويضة كان قد طلب مقابلته وأبلغه هو كذلك عن تنظيمات حسن رفعت في الجيش، كما أبلغه أن التنظيم بدأ في اتخاذ ترتيبات ترشيح أفراد منه في قوة الحرس الخاصة التي ستعين لحراسة منزل جمال. وذكر له أسماء أربعة من الضباط المرشحين من جانب التنظيم ويقول جمال أنهم كانوا فعلاً من ضمن المرشحين. وعلم منه كذلك أن خطتهم بنيت على أن يقوم اللواء الحرس نفسه بالانقلاب بعد أن يعين فيه ضباط من أعضاء التنظيم. ولما علم جمال بذلك قام باستبعاد كل الضباط الذين رشحوا لهذه القوة. وقام هو بنفسه بترشيح آخرين يثق بهم ويعرفهم معرفة شخصية. كما أنه غير قائد مدرسة المدرعات كذلك بضابط آخر من الضباط الأحرار زيادة في الحرص منه لأن قوة تلك المدرسة كانت كبيرة وخشي من أن تستخدم.

إحالة 25 ضابطًا للمعاش:

وعلمت منه يوم 28 يناير 1962 بعد اجتماع مجلس الوزراء أنه أحال إلى المعاش خمسة وعشرون ضابطًا من المتصلين بموضوع داوود عويس المتهم بإرسال منشورات سرية باسم الضباط الأحرار. كما أنه أمر كذلك بإلقاء القبض على اليوزباشي حسن رفعت. وطلب من صلاح نصر وشمس بدران القيام باستجوابه. وقد أخبرهما حسن رفعت عند استجوابه أنه كان يعد العدة لعمل انقلاب مضاد لجمال عبد الناصر لانحرافه واتجاههه إلى الشيوعية على حد قوله. كما اعترف لهما أيضًا أنه أبلغ البلتاجي عن التنظيم وأهدافه في نوفمبر 1961، وطلب منه أن يسهل له مقابلة عبد الحكيم ليقنعه بأن يتولى الأمر بعد إتمام الانقلاب. وكان البلتاجي قد طلب منه عندما أبلغه ذلك التزام الهدوء مؤقتصا وبحجة أن الجو فيه بلبلة على حد قوله – وطلب جمال من كمال الدين حسين استدعاء البلتاجي وسؤاله فيما ذكره حسن رفعت بعد أن اعتذر صلاح نصر وشمس بدران عن القيام بهذه المهمة لصداقتهما به.

وقد عمل جمال على تسوية الخلاف مع عبد الحكيم قبل سفره إلى الهند وأندونيسيا. ولكن كيف تمت هذه التسوية وعلى أي أساس لا علم لي بها. ولم يذكر جمال لي شيئًا عنها. وقد بقيت القيادات التي كان من الواجب العمل على نقلها في أمكانها دون تغيير.

واستمرت العلاقة بينهما بعد ذلك هادئة وعلى أحسن ما تكون العلاقة وليس هناك أي مظهر لأي خلاف بينهما إلى أن فوجئت بوجود خلاف جديد.

جمال في مشكلة مع عبد الحكيم:

وكانت هذه المفاجأة عندما اتصل بي جمال يوم السبت 22 سبتمبر 1962 وذكر أنه واقع في مشكلة. ولما استفسرت منه عن نوعيتها قال – عبد الحكيم- وأضاف أنه أرسل إليه خطابًا باستقالته. ولما سألت عن دوافع تلك الاستقالة قال أنه يفضل أن يقص علي القصة من بدايتها وكيف تطورت.

ويقول جمال أنه كان قد حضر من برج العرب إلى القاهرة منذ أسبوع – يوم الجمعة. واتفق مع عبد الحكيم على أن يتقابلا في اليوم التالي لحضوره. وأمضيا اليوم كله – السبت 15سبتمبر سويا. وتحدثا عن أن الجيش. وطلب منه جمال أن يعطي هذه الناحية شيئًا من اهتمامه. ولكن عبد الحكيم أشار في حديثه معه إلى أن هذا يتعارض مع التنظيم السياسي الجديد الذي تم الاتفاق عليه في أغسطس في الأسكندرية – وتساءل عما إذا كان الذي يطلبه منه جمال استثناءً من هذا الاتفاق، ويقول جمال أنه أكد له أن ليس في ذلك أي استثناء وأن مسئولياتنا قبل الأجهزة المختلفة في الدولة ستظل قائمة. كما ذكر له أنه لا يعقل أن نسلم الجيش مع أهميته الخاصة إلى القائد العام الجديد ونتركه يتصرف فيه كيفما شاء ونسلم إليه رقابنا – على حد تعبيره ويذكر جمال أن عبد الحكيم رد على ذلك بقوله أن الجيش سيصبح مسئولاً من شخص آخر غيره والأمر لا يستقم بتدخله. وأن تدخل فمعنى ذلك – على حد تعبيره- أنه يعمل من وراء ذقنه.

وقال جمال أنه كان قد سبق وتكلم مع عبد الحكيم في نفس الموضوع ونحن في الأسكندرية بعد الاجتماع الذي عقد بيننا لإقرار التنظيم السياسي الجديد للمرحلة المقبلة. والذي تم الاتفاق فيه على ضرورة قيام الدولة على مؤسسات سياسية ضمانًا للمستقبل وتنفيذًا لما هو وارد في الميثاق الوطني. وكان قد اتفق فيه أيضًا على تشكيل مجلس رئاسة كقيادة جماعية، وعلى أن يعتبر هذا المجلس هو الهيئة العليا لسلطة الدولة. وأن يختص برسم السياسة العامة ومتابعتها والموافقة على القوانين والقرارات قبل أن يصدرها رئيس الجمهورية. ولا يتولى أحدًا من أعضائه عملاً في السلطة التنفيذية. وكان عبد الحكيم عضوا بهذا المجلس وباقي الزملاء أيضًا وهم كمال الدين حسين وزكريا محيي الدين وحسن إبراهيم وحسين الشافعي وأنور السادات وأنا بخلاف من ضم إليه من خارج مجموعتنا وهم كمال رفعت وعلي صبري وأحمد عبده الشراباصي ونور الدين طراف. واتفق على أن يرأس هذا المجلس جمال. وتطبيقًا لهذا النظام الجديد كان سيعين قائدًا عامًا جديدًا للجيش بدلاً من عبد الحكيم. وهذا هو التنظيم الذي يشير إليه عبد الحكيم في حديثه السابق مع جمال.

شمس للأمن:

ويقول جمال أنه عندما تحدث مع عبد الحكيم في الأسكندرية عن أمن الجيش وضرورة اهتمامه به، فقد أجابه بأن ذلك سيصبح من المتعذر عليه بعد قيام مجلس الرئاسة. كما أبلغه أيضًا أنه سيقوم بالسفر إلى القاهرة ليعمل على تصفية موظفي مكتبه. وذلك بتعيينهم ملحقين عسكريين أو في أية مناصب أخرى قبل أن يعلن عن التنظيم الجديد. فطلب منه جمال أن يستمروا في عملهم كخدمة وطنية منهم ولكن عبد الحكيم اعتذر حجة أنهم لا يمكنهم العمل مع شخص آخر غيره، فاقترح عليه جمال أن يعين شمس بدران نائبًا لمدير المخابرات العامة لشئون أمن الجيش، ووافق شمس على ذلك بعد أن أخطره عبد الحكيم.

ويستطرد جمال ويذكر أن عبد الحكيم اتفق معه أثناء تلك المقابلة الأخيرة في القاهرة علىأنه سيرسل إليه شمس بدران في اليوم التالي – الأحد – ليتحدث جماله معه عن أمن الجيش.

ولما حضر شمس إلى جمال ذكر أثناء مناقشته في أمن الجيش أن التنظيم السياسي الجديد المقترح سيكون فيه خطورة على الوضع داخل الجيش، وذلك بحجة أن وجود عبد الحكيم فيه كقائد عام كان يعتبر كرمز للثورة وممثلاً لها ولكن إبعاده عنه سيفتح الباب للطامعين والانتهازيين – على حد قوله. وأن استمرار شمس في الجيش بعد أن يتركه المشير سيجعل تلك الإشاعة التي تتردد بين الضباط على أنه يقوم بالعمل كجاسوس للريس على المشير تثبت وتزداد تأكيدًا – ولذا فهو يفضل أن يبعد هو كذلك عن الجيش.

ولقد حاول جمال أن يشرح له أهمية هذا التنظيم المقترح في مستقبل البلاد. وأن ذلك ما هو إلا تنفيذًا لما ورد في الميثاق، وما وعدنا به الشعب، وأنه من الضروري أن يقوم التنظيم على مؤسسات وليس على أفراد. حتى تستقر الأوضاع ولا يتأثر النظام بفقدان أي شخص من قادته.

واقترح عليه شمس أن ينفذ التنظيم الذي تم الاتفاق عليه فيما عدا الجزء الخاص بالجيش وذلك حتى يستمر عبد الحكيم قائدًا عامًا له.

وأوضح له جمال أن الأمر لا يستقيم مع وجود علي صبري رئيسًا للمجلس التنفيذي لأن عبد الحكيم سيصبح تحت رئاسته في هذه الحالة.

وسأله جمال عما إذا كانت هذه هي رغبة عبد الحكيم – لكنه أجاب أن هذا هو رأيه الشخصي.

وطلب منه جمال في نهاية المقابلة أن يعود إليه ثانية يوم الثلاثاء ومعه خطة كاملة عن أمن الجيش ليناقشه فيها.

وفي يوم الثلاثاء 18 سبتمبر عاود شمس فتح موضوع عبد الحكيم ثانية أثناء مقابلته مع جمال، واقترح عليه حلا آخرًا وهو أن يستمر عبد الحكيم قائدًا عامًا ووزيرًا للحربية وأن يتبع رئاسة الجمهورية. وذلك للتغلب على مشكلة وجود علي صبري رئيسًا للمجلس التنفيذي. ولكن جمال لم يوافق على ذلك وذكر له أن هذا معناه تقسيم البلد إلى قسمين – الجيش في ناحية منها وباقي الأجهزة في ناحية أخرى وأنه يفضل في هذه الحالة استمرار الوضع القائم كما هو.

وقلت لجمال ربما يكون الحل إن رأي ضرورة استمرار عبد الحكيم قائدًا عامًا أن يعينه هو رئيسًا للمجلس التنفيذي ووزيرًا للحربية حتى يصبح الشكل سليمًا ولا غبار عليه. فذكر أنه سبق وعرض عليه رئاسة المجلس التنفيذي ولكنه رفض.

ويستطرد جمال ويذكر أنه سيكون في التنظيم كما تعلم مجلس دفاع أعلى، ومن الممكن أن يعين عبد الحكيم نائبًا لرئيس الجمهورية لشئون هذا المجلس، وأن يشرف أيضًا على المكتب العسكري لشئون أمن الجيش برئاسة الجمهورية.

ثم يستمر جمال في الحديث ويقول أن شمس في يوم الخميس 20 سبتمبر طلب منه أن يحدد له موعدًا للمقابلة. وحضر إليه في الساعة الثامنة من مساء نفس اليوم وقام بتسليمه خطابًا من عبد الحكيم، وقال شمس عند تسليمه الخطاب أن القائد – أي عبد الحكيم- قد طلبه وسلمه هذا الخطاب وهو يقول أنه يعتذر عن الاستمرار في الحكم، وأنه مصمم على الاستقالة هذه المرة أكثر من تصميمه عليها في يناير الماضي. وعقب شمس بعد هذا الإبلاغ منه بقوله أنه من المهم أن تبقى علاقاتكما الشخصية قائمة.

استقالة المشير:

ويقول جمال أنه لما سأله عن أسباب هذه الاستقالة فقد أجابه بأن القائد يقول: "طالما أنهم قد اطمأنوا إلى أمن الجيش وإدارته بدوني فقد قررت بعد هذا الاطمئنان منهم اعتزال الحياة العامة – وهذه المسئولية هي التي كانت تربطني بضرورة الاستمرار في العمل – واعتزالي الحياة العامة كانت رغبتي من مدة طويلة – ولكن احتياجهم إلي في الجيش هو الذي ربطني طوال هذه الفترة".

ولما اقترحت على جمال أن يذهب البعض منا إلى عبد الحكيم لإقناعه بسحب هذه الاستقالة أجاب أن مكانه غير معروف لأنه غادر المنزل بسيارة صغيرة وبرفقته علي شفيق وبدون سائق. وأنه –أي عبد الحكيم- ذكر لشمس أنه سيذهب إلى مكان مجهول بحيث لا يمكن العثور عليه. وهو قد صمم على الاختفاء حتى لا يضغط عليه لسحب الاستقالة.

ويستطرد جمال ويقول ما الذي حدث حتى يتصرف هذا التصرف – هل الغرض هو وضعي في Corner مأزق بعد أن أعلنت في الصحف أنني سأعلن التنظيم الجديد خلال أيام.

قلت – إن عبد الحكيم مجهد وطالما كرر أنه يرغب في الاعتزال. وربما وجد في إعادة التنظيم فرصة لتحقيق هذه الرغبة.

قال – كلنا مجهدون ولكن المسألة لها رواسب قديمة.

وسرد عدة موضوعات ليس هنا محل لذكرها.

ثم قرأ علي خطاب استقالته، وقد جاء به:

أنه كان قد سبق وتقدم من عدة شهور يطلب اعتزال الحياة العامة، ولكن في ذلك الوقت كان قد رؤي ضرورة استمراره في العمل لأن مصلحة الوطن كانت تتطلب منه ذلك. ولكن الآن مقبل على تنظيم جديد وشامل فقد رأى أنها فرصة مناسبة لاعتزال الحياة العامة. وقد قرر ذلك مع تمنياته له أي لجمال ولإخوانه بالتوفيق والنجاح.

ثم يقول جمال أنه كان قد اعتزم إعلان قرار التنظيم الجديد الذي تم الاتفاق عليه يوم الاثنين 24 سبتمبر. وأن أي تأجيل في هذا الإعلان سيترتب عنه هزة للنظام. وسيستغل هذا داخليًا وخارجيًّا لأننا مقبلون – على حد قوله- على معركة كبيرة مع الرجعية في البلاد العربية.

ولما اقترحت تأجيل إعلان هذه القرارات حتى يتم الاتصال بعبد الحكيم والتفاهم معه ذكر أن هذا يحتاج إلى عشرة أيام على الأقل. كما أنه لا يجب أن يكون الموضوع موضوع مساومة، وأنه قد نوى على إصدار قرارات التشكيلات الجديدة مع ذكر اسم عبد الحكيم فيها. وأردف قائلاً: "ونبقى نجتمع دون أن نعلن عن اجتماعنا ثم تنشر القرارات بعد ذلك".

فقلت: ربما يكون هذا حلا طالما أن مكانه غير معروف. وهذا التصرف سيعطيه فرصة لإعادة التفكير في موقفه بعد أن تهدأ نفسه. وما سيعلن من قرارات ما هو إلا تنفيذًا لقرار مجموعة الزملاء وموافقة عبد الحكيم نفسه وعدم اعتراضه عليها.

فقال جمال: أن أنور أخبرني أمس عندما علم بالموضوع أن تصرفات عبد الحكيم ناتجة عن ترسبات سابقة لبعض الأحداث التي وقعت في الماضي.

وفي مساء يوم الأحد 23 سبتمبر 1962 اجتمعنا في منزل جمال. وقد حضر كل من أنور وكمال وزكريا وحسين الشافعي هذا الاجتماع. وأعاد علينا جمال سرد تلك الأحداث التي سبق وذكرها للبعض منا. وكانت مفاجأة للبعض الآخر. وأضاف على ما سبق وذكره لي أنه عرف أن عبدا لحكيم كان قد سافر بالسيارة إلى مرسى مطروح ومعه علي شفيق. ولكنه عاد إلى استراحة المعمورة بالأسكندرية اليوم – الأحد – وأنه لا يزال بالاستراحة هناك. وذكر أن استقالة عبد الحكيم قد عرفت وأنها تتردد بين الضباط في الجيش. وقد تتبع من أين تسرب الخبر فعلم أنه من بعض أقارب عبد الحكيم ومن موظفي مكتبه أيضًا. كما أنه أي جمال – قد تقابل أيضًا مع شمس مساء اليوم السابق لاجتماعنا هذا، وعلم منه الأسباب التي دفعت عبد الحكيم إلى تقديم استقالته.

الإبعاد على مراحل:

وهي تتلخص في أن عبد الحكيم يشعر أن إعادة التنظيم ما هو إلا وسيلة لإبعاده عن الجيش، وأنه لاحظ أن محاولة إبعاده عنه تتم على مراحل. وهو أراد باستقالته أن يتمها دفعة واحدة. ولهذا السبب فهو قد رحب باقتراح عدم تولي مجموعتنا مسئوليات تنفيذية. كما وأنه أصبح لا يرغب في أن يعمل مع المجموعة طالما أن أحدًا منهم لم يعترض على إبعاده عن الجيش. ويعتبر أن ما جرى تواطئًا منهم. ويشعر أيضًا أن جمال أصبح لا يثق فيه كما كان الأمر في الماضي. ودلل على ذلك بعدة تصرفات مختلفة صدرت من جمال – منها أنه طلب من عبد الحكيم أسماء القيادات المختلفة بالجيش بعد انفصال سوريا وذلك لم يحدث منه من قبل. وكذا اختيار جمال بنفسه الضباط الذين سيتولون قيادة قوة الحراسة على منزله واعتراضه على الأسماء التي سبق ورشحها له عبد الحكيم. وأنه بقي في منصبه طوال هذه الفترة لشعوره أن النظام كان في حاجة إليه لقيادة الجيش وتأمينه. وطالما أن الحاجة إليه قد انتفعت فهو لذلك يرى اعتزال الحياة العامة.

وقد اعترضنا جميعًا على ما ذكره عبد الحكيم عن التواطئ من المجموعة ذلك لأننا لم نكن نبحث موضوع أشخاص وتوزيع سلطات ومسئوليات عليهم. وإنما المناقشة كانت تدور حول موضوع تنظيمي مرتبط بقيام الدولة على مؤسسات سياسية وليس على أفراد. وإذا كان هو قد نظر إليه من هذه الزاوية التي ذكرها فالأمر ينطبق على كل فرد من المجموعة لو نظر إليه من نفس الزاوية.

وقال جمال أنه كان قد اتفق مع شمس على سفره إلى المعمورة والاتصال بعبد الحكيم هناك ثم إبلاغه بنتيجة المقابلة. واتصل به شمس أثناء وجودنا معه وأبلغه أن عبد الحكيم قد عاد إلى القاهرة. وأنه أي عبد الحكيم يقترح حلاً لهذه المشكلة أن يعلن اسمه في تشكيل اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي فقط دون مجلس الرئاسة لأنه لا يرغب في أن يكون عضوًا فيه. وعلل ذلك بأنه يود أن يساهم سياسيًّا في بناء الإتحاد الإشتراكي ولكن دون أن يشترك في الحكم عن طريق مجلس الرئاسة. واقترح أيضًا أن يسمح له بالسفر إلى يوغوسلافيا تلبية للدعوة التي سبق أن وجهت إليه من حكومتها حتى يغطي بذلك عدم حضوره اجتماعات مجلس الرئاسة التي ستعقد بعد إعلان تشكيله.

ولقد فهم من اقتراحات عبد الحكيم التي ذكرها شمس أنه قد غير من موقفه. وأنه تنازل عن تصميمه في اعتزال الحياة العامة. وأصبح من الممكن التفاهم معه حتى تصدر القرارات في موعدها الذي سبق وأعلن عنه. واقترح أن تقوم مجموعتنا دون جمال بمقابلته ومحاولة التفاهم معه.

واجتمع كل من حسين الشافعي وكمال الدين حسين وزكريا وأنور وأنا في منزل حسين في صباح اليوم الثاني – الاثنين 24 سبتمبر وتوجهنا منه إلى منزل عبد الحكيم في الجيزة دون إخطار سابق له بالزيارة. ودارت المناقشة معه حول الأضرار التي ستقع بإصراره على الاستقالة. وهو كان يبرر ذلك بأنه مجهد من العمل المتواصل طوال العشر سنوات السابقة منذ قيام الثورة. وكذا تأثير الأحداث التي مررنا بها عليه. وأنه رغم رغبته الشديدة في اعتزال الحياة العامة من مدة إلا أنه قد استمر لأنه كان يشعر بالحاجة إليه في الجيش. ولكن طالما أن هذا القيد قد فك بإعادة التنظيم وهو على – حد قوله – قد ساعد في فكه – لذا – فهو يرى أنها فرصة مناسبة له لأن ينسحب من الحياة العامة.

وبعد أخذ ورد بينه وبيننا تقدم باقتراحين وذاكرًا أنه قد أبلغهما إلى جمال مساء اليوم السابق. وهما ما كان شمس قد ذكرهما لجمال أثناء وجودنا معه. والخاصين بتعيين عبد الحكيم عضوًا في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي دون مجلس الرئاسة. وكذا السماح له بالسفر إلى يوغوسلافيا.

ونوقش في هذين الاقتراحين، وعلى أنهما في الحقيقة اقتراح واحد، لأن سفرة وبصورة رسمية كما ذكر تغطية للشكل يستلزم بالضرورة أن يذكر اسمه في التشكيلات التي ستصدر.

تسوية انفرادية:

ثم علمنا أن جمال في طريقه إلى منزل عبد الحكيم وعندما حضر ذكر له ما دار بيننا من نقاش ورأينا أنه من الأفضل أن نتركهما سويًّا منفردين لتسوية الأمر بينهما. وقمنا بمغادرة المنزل.

وفي اليوم التالي الثلاثاء 25 سبتمبر دعانا جمال إلى الاجتماع بمنزله الساعة الثامنة مساءً. وحضر الاجتماع عبد الحكيم مع باقي الإخوان. واستمر الاجتماع إلى ما بعد الثانية صباحًا.

وبدأ جمال الحديث وأشار إلى أنه تكلم مع عبد الحكيم عندما التقى به في منزله، وأنه تناول معه بالمناقشة ما كان قد سمعه من شمس بدران عن الأسباب الحقيقية التي دفعته إلى تقديم استقالته. وأنه عاتبه على اعتقاده في أن الأمر مرسوم لإبعاده عن الجيش كما ذكرها شمس. وقال أن عبد الحكيم نفى هذا الذي قيل وذكر أنه لم يصدر منه. كما أشار جمال في حديثه أيضًا إلى أنه كان قد شعر بجرح أليم في نفسه بعدما سمع هذا القول من شمس بدران. وخلص إلى أن الخلاف مع عبد الحكيم قد أمكن تصفيته ولكنه أي عبد الحكيم يرغب في أن يتحدث إلينا. وترك له جمال الكلمة.

وتكلم عبد الحكيم عن اجتماعنا في الأسكندرية الخاص بمناقشة التنظيم الجديد وتشكيل مجلس الرئاسة وابتعاد أعضائه عن ممارسة مسئوليات تنفيذية. وكيف أنه دهش لأن أحدًا منا لم يقترح أن يتولى رئاسة المجلس التنفيذي شخص من مجموعتنا. وأن كمال الدين حسين حاول أن يتكلم في هذا الشأن ولكنه فجأة توقف عن الاستمرار فيه. ولم يكن ذلك إلا لأن كمال قد أحس بالحرج. وأمن كمال على حديثه بقوله أنه توقف عن الاستمرار عندما خشي أن يظن البعض منا أنه يرغب في هذا المنصب، ولكنه كان يرى أن هذه مسئولياتنا ويجب علينا أن نتحملها وأن لا نتركها لأحد غيرنا.

وسألت عبد الحكيم عن السبب الذي منعه من الاعتراض وقد أخذ الرأي بالاسم على هذا القرار الخاص بتعيين علي صبري رئيسًا للمجلس التنفيذي. وهو نفسه قد رشح عباس رضوان لهذا المنصب وأنه قد عزز هذا الرأي منه بقوله أنه يستحسن أن يشغل هذا المنصب شخصًا آخرًا من خارج مجموعتنا حتى لا تتحرج الناس من انتقاده ومحاسبة الأجهزة التنفيذية. وعندما ذكرته بهذا القول منه لم ينفيه وإنما اعترف بخطئه.

وتكلم أنور وزكريا مؤكدين اقتناعهما باختيار شخص من خارج المجموعة لرئاسة المجلس التنفيذي. وشرح أنور ما كان يدور بخلده والأسباب التي جعلته يعتقد جازمًا بذلك.

وأثار عبد الحكيم بعد ذلك نقطة أخرى. وهي أن الثورة مستندة إلى الجيش من يوم قيامها، وأنها ستظل كذلك أيضًا في المستقبل. ثم قال: "وإني أعتب عليكم لأن أحدًا منكم لم يحاول إثارة موضوع أمن الجيش أثناء مناقشة إعادة التنظيم، وابتعادنا عن السلطة التنفيذية". ولما سئل لماذا لم يثره هو وهو أدرى به منا، وقد انفصلنا عن الجيش من مدة طويلة وأصبحنا لا نعرف من أموره شيئًا. أجاب أن كبريائه منعته من ذلك. وقيل له أن المناقشة كانت منصبة أساسًا على إعادة التنظيم أما أمن الجيش فكان الاعتقاد بيننا – كما جرت العادة من سنين طويلة – أن لابد قد تم التفاهم عليه بينه وبين جمال.

أمن الجيش:

ودار النقاش بيننا بعد ذلك عن أمن الجيش والوسيلة إلى ذلك. وآثار عبد الحكيم تخوفه من عدم ضمان توافر هذا الأمن طالما هو بعيدًا عن قيادته. ولما سئل عن الأجهزة التي كان يعتمد عليها في ضمان هذا الأمن أثناء توليه القيادة طوال السنوات التسع السابقة. أجاب بأن ليس هناك من أجهزة غير جهاز المخابرات العسكرية ولكن لا يمكن الاعتماد عليه.. وأن الأمن في الجيش كان قائمًا أساسًا على الاتصال الشخصي بينه وبين الضباط، وبينهم أيضًا وبين ضباط مكتبه. وهو لا يمكنه أن يستمر في توفير هذا الأمن بنفس الطريقة طالما أنه لا يقود الجيش قيادة مباشرة. وبين أهمية هذه القيادة المباشرة.

ودارت المناقشة معه عن الكيفية التي نضمن بها أمن الجيش – والأجهزة والوسائل الواجب توافرها لضمان هذا الأمن. وكان عبدا لحكيم عصبيًّا أثناء تلك المناقشة. ويشعر أننا جميعًا غير مقتنعين بما يبديه من أسباب. ويحاول إثبات عدم فعالية أية وسيلة تقترح إلا إذا تولى هو قيادة الجيش بنفسه.

واستمرت المناقشة لفترة طويلة ونحن نحاول فيها اقناع عبد الحكيم بوسائل يمكن عن طريقها ضمان أمن الجيش وهو كان يحاول من جانبه اعطاء صورة أن لا ضمان لأمن الجيش دون وجوده شخصيًّا كقائد عام. وأن تكون قيادته له قيادة مباشرة.

وكان جمال صامتًا طوال هذه المناقشة. وذكر أنه سبق وتكلم مع عبد الحكيم في نفس المشكلة عندما ذهب إليه في منزله في اليوم السابق. وكذا صباح يوم اجتماعنا هذا عندما التقى به عبد الحكيم.

وقد ذكر عبد الحكيم أيضًا في إجابة له على سؤال لي بأن الأمر يحتاج إلى سنتين أو ثلاثة حتى يمكن بعدها أن نطمئن إلى أمن الجيش دون وجوده فيه. وأن ذلك يتوافر بعد أن يتولى – على حد قوله- الضباط الأحرار بالجيش قيادة الفرق فيه.

وتكلم جمال بعد هذه المناقشة وأشار إلى أنه بعد أن تكلم مع عبد الحكيم أصبحت مشكلة الشكل العام للتنظيم منتهية. ذلك لأنه – أي عبد الحكيم – قد قبل أن يكون عضوًا في التشكيلات المقترحة. وذكر أن المشكلة أصبحت هي أمن الجيش كما شرحها عبد الحكيم. وأنه كان يعتقد أن الجيش يمكن تأمينه مع وجود عبد الحكيم بعيدًا عن قيادته. ولكنه عندما علم بهذه المشكلة منه في اليوم السابق كان من الضروري البحث عن حل لها. وأنه اقترح على عبد الحكيم أن يعين رئيسًا لمجلس الدفاع الأعلى حتى يتمكن عن طريقة من مباشرة سلطات تساعده على توفير هذا الأمن. ولكن عبد الحكيم بعد أن وافق على ذلك عاد إليه في صباح يوم اجتماعنا وأبلغه أنه لا يمكنه أن يزاول سلطاته عن طريق مجلس. ويقصد به مجلس الدفاع الأعلى. وطلب منه أن يوفر له القيادة الفعلية المباشرة للقوات المسلحة حتى يضمن الأمن المطلوب.

ويستطرد جمال ويقول ولكن نظرًا لأنه لا يمكن الآن تعيينه قائدًا عامًا لأن التنظيم الجديد قد أعلن وخطوات تنفيذه جارية – لذا – فهو يقترح أن يعين عبد الحكيم نائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة حتى يتمكن بذلك من مزاولة سلطات القائد الأعلى الذي هو رئيس الجمهورية.

صدمة جديدة:

وجاء هذا الاقتراح منه صدمة لأغلبنا لأن ما يقترحه جمال كان يعتبر تنازلاً جديدًا منه لعبد الحكيم، وعلى حساب التنظيم الجديد نفسه الذي لم يبدأ بعد. والذي كنا نأمل في أن نعمل على تثبيته وتدعيمه حتى يتوفر به الأمن والاستقرار السياسي بالبلاد. وحاولت المجموعة التصدي لهذا الاقتراح منه بحجة أن ذلك يتعارض إذا ما نفذ مع مسئولية السلطة التنفيذية. ذلك أن القوات المسلحة هي أحد أجهزة السلطة التنفيذية الخاضعة لرقابة مجلس الأمة كسلطة تشريعية. ووزير الحربية هو المسئول عن القوات المسلحة أمام المجلس. وكيف يمكن التوفيق بين الوضع المقترح من جمال والذي سيصبح به عبد الحكيم هو المتولي السلطة الفعلية في القوات المسلحة وبين مسئولية وزير الحربية المسئول مباشرة أمام مجلس الأمة عما يجري في الجيش.

وحاول جمال إقناعنا بإمكانية تنفيذ هذا ضاربًا المثل بما يجري في مملكة الأردن. وأن الملك حسين هو الذي يصدر الأوامر التنفيذية في الجيش الأردني رغم أنه غير مسئول أمام البرلمان هناك عما يصدره من تلك الأوامر. وكان الرد عليه أنه أي الملك يصدر تلك الأوامر بصفته رئيسًا للدولة. وعلى وزير الحربية وقائد الجيش أن يتحملا تلك المسئولية وتنفيذ ما يؤتمرا به أو أن يستقيلا. ولكن الأمر عندنا سيختلف. ذلك لأن الغرض من اعادة التنظيم هو قيام المؤسسات السياسية بدورها كاملاً في مباشرة سلطاتها ومسئولياتها ضمانًا للمستقبل.

ولما رأى عبد الحكيم – وكان عصبيًّا جدًا – اصرار المجموعة على موقفها من اقتراح جمال اقترح هو أن نقوم بتنفيذ ما سبق الاتفاق عليه وأقر في الأسكندرية. وطلب منا أن نحاول جميعًا العمل على تأمين الجيش إلى أن يتم تشكيل مجلس الأمة، وبحجة أن ليس هناك معنى لتنفيذ اقتراح جمال وتعيينه نائبًا للقائد الأعلى المسلحة ولفترة محدودة لن تزيد عن ستة أشهر تنتهي مع بداية انعقاد مجلس الأمة. وكان جمال يحاول اقناعه أن الوضع يمكن أن يستمر حتى مع وجود مجلس الأمة. ولكن المجموعة استمرت في مقاومتها للاقتراح.

ولما رأى جمال ذلك تقدم ثانية باقتراحه الأول الذي كان قد سبق وتكلم فيه مع عبد الحكيم والخاص بتعيينه رئيسًا لمجلس الدفاع الأعلى.

وجرى التداول بيننا عن كيفية وضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ بعد أن اتفق على أن يعين عبد الحكيم رئيسًا لهذا المجلس ورؤي أن يعدل القانون المنظم لأعماله وسلطاته بما يسمح لرئيسه أن يتولى سلطات تنفيذية في القوات المسلحة.

وكلف عبد الحكيم أن يقوم بإعداد مشروع القانون على الصورة التي تم الاتفاق عليها ولكنه اقترح أن يقوم كمال الدين حسين بهذه المهمة. واتفق على أن يشتركا سويًّا في إعداده. وأن يرسلاه إلى جمال ظهر اليوم التالي حتى يمكن إعلان تشكيل التنظيمات المختلفة واختصاصاتها.

وكان قد سبق واتفق على أن يعين الفريق علي عامر وزيرًا للحربية مع تطبيق التنظيم الأساسي الذي اتفق عليه. ولكن بعد هذا التعديل الذي سيجري رؤى أن يبقى علي عامر في منصبه كرئيس لهيئة أركان حرب الجيش. وأن يعين عبد الوهاب البشري نائب وزير الحربية وزيرًا للحربية.

نشر في الأهرام:

وفي مساء الخميس 27 سبتمبر 1962 اتصل بي جمال تليفونيًّا وذكر أن كمال وعبد الحكيم لم يتفقا على مواد مشروع القانون المطلوب اعداده منهما. ذلك لأن عبد الحكيم قد تمسك بضرورة النص فيه على حقه في أن يتولى قيادة القوات المسلحة وبصورة مباشرة. واعترض كمال على ذلك المطلب منه لعدم موافقة المجموعة عليه أثناء المناقشة. واضطرا أن يذهبا إلى جمال لعرض الأمر عليه. ثم يستطرد جمال ويقول أنه رأى حلاً آخرًا يمكن به أن نتغلب على تلك المشكلة وذلك بأن يعين عبد الحكيم نائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة ونائبًا في نفس الوقت لرئيس مجلس الدفاع أيضًا. وكانت جريدة الأهرام قد نشرت خبر هذا التعيين على صفحاتها في نفس اليوم الذي يتحدث إلي فيه جمال. لذا قلت – إذًا ما نشر في الأهرام اليوم صحيحًا.

فقال: "إنني حاولت أن أقطع خط الرجعة على عبد الحكيم ورأيت نشر الخبر حتى ننتهي من هذه المشكلة. ومستطردًا: "وأنت تعرف أنني لا أفرط في أحد من مجموعتنا بسهولة، وأتمسك بكل فرد فيها، وليس لدي أي مانع في اعطاء عبد الحكيم أي سلطات يطلبها. وهو لا يزال متمسكًا بضرورة النص على توليه قيادة الجيش. وليس هناك ما يمنعنا من الموافقة على ذلك. ثم يقول – ويمكن أن يتم ذلك عن طريق عمل لجنة دائمة لمجلس الدفاع، على أن تجتمع مرة كل يومين أو ثلاثة ليعرض عليها الموضوعات الخاصة بالقوات المسلحة من تسليح وتنظيم وتعيين قيادات الوحدات وتنقلاتهم وخلافه. ومن الطبيعي أنك ستكون عضوًا في مجلس الدفاع وفي هذه اللجنة أيضًا مع زكريا وكمال. ولكن عبد الحكيم طلب مني أن أتكلم معك في هل تقبل أم لا. وأنا أكدت له أنك لن تعارض".

فأجبته – أنه لا يضايقني وجودي عضوًا في مجلس الدفاع وعبد الحكيم نائبًا للرئيس فيه. أو أن يتولى هو رئاسة اللجنة الدائمة وأكون عضوًا بها – فهذه كلها شكليات لا تهمني.

وأنهى جمال حديثه بقوله أنه قرر أن يقوم أعضاء مجلس الرئاسة بحلف اليمين الدستورية يوم السبت 29 سبتمبر. على أن يجتمع المجلس بعد ذلك لمناقشة تنظيم العمل داخله.

وجاء في يومياتي تعليقًا على هذا الذي جرى بأن الحل الذي ارتآه جمال قد أنهى به مرحلة أخرى من مراحل الخلاف المتكرر بينه وبين عبد الحكيم. ولكن هذا الخلاف في هذه المرة لم يكن قاصرًا عليهما وحدهما وإنما أضاف عبد الحكيم إلى ذلك الخلاف باقي الزملاء أيضًا لاعتقاده بتواطئهم ورغبتهم في ابعاده عن الجيش. وهم كانوا يرون أن الصالح العام يتطلب فعلاً ابعاده. ولكن جمال رغم هذا الشك الذي كان ينتابه من جانب عبد الحكيم إلا أنه عاد وتنازل عما كان متمسكًا به من قبل بضرورة ابعاد عبد الحكيم عن السلطة التنفيذية أسوة بباقي الزملاء الذين عينوا أعضاء في مجلس الرئاسة. وحدث نفس ما حدث في المرات السابقة، تمسك من جمال في البداية ثم تنازل منه عما سبق وتمسك به – وذلك بعد أن يلتقي مع عبد الحكيم. حتى أنه في هذه المرة الأخيرة كان هو نفسه يحاول اقناعنا بإمكانية تولي عبد الحكيم سلطات تنفيذية مباشرة في إدارة أمور الجيش بدون أن يكون مسئولاً عن تصرفاته فيه أمام ممثلي الشعب في مجلس الأمة كما نص الدستور، بل واقترح أن يتحمل تلك المسئولية عنه شخصًا آخر غيره هو وزير الحربية.

ولكن هذا الحل رغم غرابته ورغم تنازلات جمال إلا إنه لم يحل دون عودة الخلاف بينهما. ولم يكن جمال طرفًا وحيدًا في هذا الخلاف الجديد معه وإنما كان هناك أيضًا بعضًا من أعضاء مجلس الرئاسة شركاء فيه كذلك.

خلاف جديد:

ولكن ما هو هذا الخلاف الجديد وما هي أسبابه وكيف انتهى. سنرى ما جاء عنه في يومياتي.

جاء هذا الخلاف الجديد في نوفمبر 1962 أي بعد شهرين فقط من الخلاف السابق. وانتهى أيضًا بتنازلات من جمال كالمرات السابقة تمامًا. ولكنه كان في هذه المرة على حساب مجلس الرئاسة. الأمر الذي تسبب في إضعافه كقيادة جماعية وأضر به. وكنت قد قررت على أثر ذلك الانسحاب من الحياة العامة. ورأيت أن أتخذ هذه الخطوة عند قيام مجلس الأمة الجديد في يوليو 1963، ولكن موعد قيامه كان قد تأجل إلى فبراير من العام التالي ثم إلى مارس 1964، وذلك حتى يتم تشكيل الإتحاد الإشتراكي العربي. واضطررت أن أتحمل تلك الفترة الزائدة عن يوليو 1963. وتم انسحابي من الحياة العامة وكذا كمال الدين حسين في مارس 1964. وكنت قد أرسلت خطابًا إلى جمال عبد الناصر أبلغه فيه استقالتي وأسبابها. وجاء رده على هذه الخطوة متى باتخاذ بعض الإجراءات التعسفية معي ومع أسرتي. وسيأتي ذكر ذلك في موقعه التاريخي من الأحداث.

أما كيف بدأ هذا الخلاف بين جمال وعبد الحكيم فيومياتي تقول:

اتصل بي جمال تليفونيًّا قبل ظهر يوم الأربعاء 21 نوفمبر 1962، وتكلم معي عن الاعتمادات الإضافية التي تطلبها القوات المسلحة لمواجهة العمليات الحربية باليمن، ولتعزيز باقي القوات أيضًا وهي استكمال فرقتين مشاة – الفرقة السادسة والسابعة. وكانت اللجنة الدائمة المتفرعة من مجلس الدفاع الأعلى قد سبق لها مناقشة هذه الاعتمادات المطلوبة ورأت تخفيضها. وقال جمال أنه أبدى اعتراضه لعبد الحكيم على حجم الاعتماد المطلوب. ولكن رغم اعتراضه فقد تقدم إليه بعد ذلك بمذكرة يطلب منه فيها اعتماد أربعة عشر مليونًا من الجنيهات لمقابلة مصروفات العمليات في اليمن وذلك حتى فبراير 1963، هذا بالإضافة إلى المبالغ الأخرى المطلوبة للتعزيز. كما طلب عبد الحكيم رصد مبلغ سبعة ملايين من الجنيهات لمواجهة مصروفات هذه العمليات أيضًا أن امتدت إلى ما بعد فبراير. وجمال كان يرى أن هذه المبالغ المطلوبة كبيرة ولا يمكن تدبيرها إلا على حساب مشروعات خطة التنمية الاقتصادية. وسيتسبب عنه إيقاف تنفيذ بعض المشروعات، وهذا هو ما يعترض إليه. وأنه كان قد سبق وتكلم مع عبد الحكيم عند بداية العمليات في اليمن عن المبالغ المنتظر إنفاقها على تلك الحملة، وكان قد حددها له بحوالي واحد ونصف مليون من الجنيهات. ولكنه عاد إليه بعد فترة وذكر أنها حوالي ثلاثة ملايين من الجنيهات. ثم عاد ثانية ورفعها إلى خمسة ملايين. وزادها بعد ذلك إلى خمسة عشر مليونًا. ويستطرد جمال ويذكر أنه عاد يطالب برفعها إلى واحد وعشرين مليونًا من الجنيهات.

وخرج جمال من هذه المقدمة بأنه قد أعد قرارين ليعرضا على مجلس الرئاسة في الاجتماع الذي كان سيعقد في مساء نفس اليوم الذي جرى فيه هذا الحديث.

ويطلب في القرار الأول من المجلس الموافقة على اعتماد إضافي بمبلغ خمسة ملايين من الجنيهات فقط تخصص للطوارئ ولمواجهة العمليات الحربية التي تجري في اليمن.

وأما القرار الثاني فيطلب فيه موافقة المجلس على اعتماد إضافي آخر بمبلغ خمسة ملايين من الجنيهات أيضًا بغرض استخدامها في تعزيز القوات المسلحة.

جمال غير مرتاح:

وطلب مني جمال القيام بعرض ذلك القرارين على المجلس في اجتماعه في مساء نفس اليوم، ومبديًا – اعتذاره عن حضور اجتماعه لعدم ارتياحه – على حد قوله – من اجتماعات المجلس، وقال أنه في المستقبل لن يحضر اجتماعاته إلا نادرًا وطلب مني أن أتولى رئاسته نيابة عنه. وذكر أنه سيحضر اجتماعات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي عندما حاولت اقناعه بأن عدم حضوره اجتماعات مجلس الرئاسة سيئول على أنه يرغب في اضعافه.

ولما ذكرت له أن العمليتين منفصلتين عن بعضهما قال – كيف أحضر والنفوس غير صافية. ألم تلاحظ التي ناقش بها عبد الحكيم موضوع الحراسات في الجلسة السابقة وطريقته في الرد علي – أظنكم كلكم لاحظتم هذا". قلت أننا في تجربة جديدة، ولا تنسى أننا ننتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى تختلف عن سابقتها. وهذا سيحتاج إلى بعض الوقت حتى يصبح للمجلس تقاليده في مناقشة ما يعرض عليه من مسائل". قال – "لا- إن الأمر يتعلق بالنفوس. وطالما أنها غير صافية فليس هناك أمل في إصلاح الحال".

تضحية في سبيل التسوية:

واستطرد قائلاً: "أنت تعلم التضحيات التي قمت بها من أجل تصفية الخلاف السابق مع عبد الحكيم عندما أصر على الاستقالة إن لم يستمر يقود الجيش، وكلكم ضحيتم في سبيل تسوية هذا الخلاف وخصوصًا أنت فقد قبلت أن يرأسك في مجلس الدفاع واللجنة الدائمة. وكنت أعتقد أنه بعد فترة سيحاول من تلقاء نفسه العمل على إصلاح الموقف الذي نشأ عن تصميمه. ولكنه اليوم يطالب بسلطات رئيس الجمهورية بحجة العمليات في اليمن. وقد رأيت أن أوافقه عليها ولكنني اشترطت عليه أن تكون هذه السلطات للجنة الدائمة ولفترة ثلاث شهور فقط. وأنت اشتكيت من عدم اجتماعها. وأنا طلبت منه في اجتماع مجلس الرئاسة أن يعمل على اجتماعها. ولكنها لم تدع إلا مرة واحدة للنظر في الميزانية. وكان ذلك بناءً على طلبي عندما تقدم لي بطلب الاعتمادات الإضافية فما الغرض من هذا".

ويستمر جمال في كلامه ويقول: "وبدلاً من أن يتقدم لي حكيم بالقرار الذي تم الاتفاق عليه بيننا الخاص بنقل سلطات رئيس الجمهورية في ترقية الأفراد العسكريين وتعيينهم ونقلهم واحالتهم إلى المعاش إلى القيادة الجماعية (مجلس الرئاسة) فقد تقدم لي بمشروع قرار آخر يطلب فيه أن تخول له هذه السلطة ولمدة ستة شهور. وأن تمنح له أيضًا منفردًا دون اللجنة الدائمة".

ثم قال: "هل تعرف أن حكيم طلب من أنور عند سفره إلى اليمن لتوقيع اتفاقية الدفاع المشترك مع السلال أن ينص فيها على أن تعطى له مسئولية تنفيذها، مع أن المبدأ هو القيادة الجماعية كما جاء في قرار تشكيلها".

ويستطرد قائلاً عمومًا الموقف غير طبيعي، وعلينا أن نعمل على حل المشاكل ونتريث حتى يوليو القادم. وأنا اليوم كما قلت لك لن أحضر اجتماع الملجس، وعليك عرض مشروعات القوانين عليه التي أرسلتها إلى عبد المجيد فريد (سكرتير المجلس) ليقوم بتوزيعها على الأعضاء. وهي كما سبق أن قلت مشروع خاص بقانون الطوارئ والآخر خاص بالتعزيزات. أما المشروع الثالث فيختص بسلطة مجلس الرئاسة في الترقيات والتعيينات والتنقلات والانتدابات والإحالة إلى المعاش في كل من الجيش والبوليس والخارجية، وكذا في الوظائف المدنية، وذلك من الدرجة الثالثة فما فوقها وما يعادلها في الجيش والبوليس حتى تشعر تلك القيادات أن ولاءها للقيادة الجماعية وليس لفرد. وهو المبدأ الذي سبق أن تم الاتفاق عليه بيننا، وسأتصل بك باكر صباحًا لأعرف منك مذا تم في الاجتماع".

مفاجأة:

وفي مساء نفس اليوم – الأربعاء 21 نوفمبر 1962 الذي تحدث إلي فيه جمال اجتمع مجلس الرئاسة، ولم أكن قد أبلغت أحدًا من أعضائه عن ذلك الحديث الذي جرى مع جمال في الصباح. وكانت مشروعات القوانين التي أشار إليها جمال في حديثه موزعة وموضوعة أمام كل عضو من أعضاء المجلس. وبعد أن اطلع عبد الحكيم على مشروعات القوانين الثلاثة التي وجدها موضوعة أمامه – سألني عن من المتقدم بها. ولما ذكرت له اسم جمال لاحظت عليه المفاجأة، وقد شرد ذهنه أيضًا، ولكنه كان يحاول عدم إظهار ذلك، وما لاحظته عليه جعلني أفكر فيما إذا كان عبد الحكيم سيتخذ موقف المعارضة من مشروع القانون الخاص بالأفراد أم أنه سيلتزم بما سبق الاتفاق عليه بين مجموعتنا قبل إعلان التشكيلات السياسية الأخيرة. وكنت أعلم أنه لو اعترض على المبدأ نفسه المتفق عليه فسينتج عنه حالة من الشد بينه وبين باقي الزملاء من أعضاء مجلس الثورة السابقين، ذلك لأن الاتفاق كان قد تم عليه من قبل في اجتماع خاص بينهم دون أن يشترك فيه باقي أعضاء مجلس الرئاسة.

وعندما بدأ الاجتماع طلبت من المجلس النظر أولاً في مشروعات القوانين الثلاثة المتقدم بها رئيس الجمهورية قبل مناقشة الموضوعات الأخرى المدرجة بجدول الأعمال.

عبد الحكيم يعارض:

وبدأ المجلس في مناقشة المشروع الأول والخاص بالأفراد بعد أن قرأ عليهم بالكامل. وقد تناولت المناقشة فيه في البداية المادة الأخيرة فيه. وهي الخاصة بموظفي السلك الدبلوماسي وكل من يعمل خارج الجمهورية. وطالت المناقشة حول هذه المادة. وكذا بالنسبة للموظفين المدنيين وهل يعتبر موظفي المؤسسات والشركات العامة من ضمنهم أم لا. ولم يثر أحدًا نقاطًا جديدة بعد الانتهاء من هذه المناقشة. وطلب عبد الحكيم الكلمة عندما سألت عما إذا كان هناك ملاحظات أخرى للأعضاء قبل أن ينتقل المجلس إلى مشروع القانون الثاني. وبدأ يعارض في كلمته المبدأ ذاته خاصة بالنسبة لأفراد القوات المسلحة. وذكر أن هذا يسلب لجان الضباط بالجيش اختصاصها، ويؤثر على الضبط والربط كذلك. ومتسائلاً كيف يمكن لمجلس الرئاسة أن ينظر في تعيينات قادة الكتائب ورتبهم العسكرية لا تتعدى رتبة الصاغ أو البكباشي. وقال أنه يرى أن يكتفي بالعرض على المجلس تعيين الضباط الحاصلين على رتبة الفريق فقط.

وبدأ أعضاء المجلس في مناقشته. واعترض أغلبهم على ما ذكر. ولم يشأ أحد من زملائه أعضاء مجلس الثورة السابقين أن يفصح بأن هذا المبدأ سبق أن اتفق عليه. وذلك لوجود أعضاء آخرين في المجلس لا يعلمون شيئًا عن هذا الاتفاق المسبق. وقد جاء في ردهم على ما ذكره أن الهدف من تطبيق هذا المبدأ هو في الأساس هدف سياسي. وذلك حتى تصبح القيادة السياسية على علم ودراية بالأشخاص الذين يشغلون مراكز قيادية في الدولة. وأن تكون هي صاحبة السلطة النهائية في أمر تعيينهم أو ترقيتهم أو نقلهم أو إحالتهم إلى المعاش. وحتى يصبح أيضًا ولاء هؤلاء الأفراد للقيادة السياسية العليا أي للنظام القائم، وليس لأحد آخر. وأن عدم خضوع الجيش لهذه القاعدة يخل بها والهدف منها. ذلك لأن القيادة السياسية في هذه الحالة ستعزل عن الجيش وهو ما ليس في الصالح. وأما سلب لجان الضباط سلطاتهم إن نفذ المشروع فقد أمكن الرد عليه بأنه طالما أن للقائد العام الحق في عرض قرارات تلك اللجان عليه – وهو يملك حق تعديلها أو إلغائها أيضًا – لذا فهو ملزم بعرضها على مجلس الرئاسة بعد العرض عليه لمناقشتها واصدار قرار فيها. وأن يكون قرارها هو النهائي والملزم بالتنفيذ. ولكن عبد الحكيم ظل مصرا على رأيه السابق. وظل في نفس الوقت أغلب زملائه مصرين هم كذلك على رأيهم وضرورة تطبيق القاعدة على أفراد القوات المسلحة.

وكانت المناقشة هادئة ودون عصبية من أحد أوا لخروج عن مألوف المناقشات العادية. ولكن كان واضحًا أن هاك عوامل أخرى مؤثرة على موضوع المناقشة. ولما رأى كمال الدين حسين ذلك طلب تأجيل النظر في المشروع المقترح. واستمرت المناقشة لفترة أخرى بعد تقديمه هذا الاقتراح. ثم طلب عبد الحكيم التأجيل هو أيضًا.

ورأيت كرئيس للاجتماع أن أعرض الأمر على المجلس وأن آخذ الرأي منه في التأجيل وذكرت أن حصل اقتراح التأجيل على أغلبية الأصوات أجل مشروع القانون المقترح إلى جلسة أخرى. وإن لم يحصل على الأغلبية فيؤخذ الرأي على المشروع المقترح مع التعديل الذي أقره المجلس أثناء المناقشة.

وأخذت الأصوات على التأجيل فنال خمسة أصوات من إحدى عشر صوتًا. أي أنه لم ينل الأغلبية المطلقة للأصوات. وأخذ الرأي على المشروع المقترح مع التعديل فنال ستة أصوات. أي حصل على الأغلبية.

وبذا أصبح هذا قرار من المجلس واجب الالتزام به مع تنفيذه.

انسحاب عبد الحكيم:

والذين صوتوا في جانب التأجيل هم عبد الحكيم عامركمال الدين حسينحسن إبراهيمكمال رفعتأحمد عبده الشرباصي.

أما الذين وافقوا على المشروع المقترح مع التعديل هم أنور الساداتزكريا محيي الدينحسين الشافعيعلي صبرينور الدين طراف – أنا.

وبعد ظهور نتيجة التصويت بفترة بسيطة استأذن عبد الحكيم في الانصراف وانسحب من الاجتماع.

وقد جاء تصميم أغلبية مجموعة الزملاء بالموافقة على مشروع القانون وعدم الرغبة في التأجيل عندما رأوا اعتراض عبد الحكيم على مبدأ أساسي سبق لهم الاتفاق عليه. ولم ترض لنفسها أن تعدل عن قرارها، خاصة بعد أن كانت قد عدلت من قبل عن قرار لها عندما أقدم عبد الحكيم على استقالته في سبتمبر 1962. وكان ذلك الموقف منهم بغرض الإبقاء على وحدة المجموعة وعدم التفريط في عبد الحكيم. ولكن هذا الموقف الأخير منه واعتراضه على مبدأ سبق الاتفاق عليه تولد عنه رد فعل عند جميع الزملاء حتى كمال الدين حسين نفسه. وكان قد اعترض هو أيضًا على رأي عبد الحكيم ولو أنه اقترح التأجيل لاعتقاده أن ذلك يعطي فرصة الاتفاق على حل نصل إليه مع الإبقاء على نفس المبدأ الذي سبق وأقر. وأما الباقون من المجموعة فلم ترض عن التأجيل لأن معناه اعطاء فرصة للمساومة وما يترتب عنها من تنازلات كما حدث في مرات سابقة. وما عرض على المجلس لم يكن إلا إجراء تنفيذي لقرار سابق منهم.

وانتهى المجلس من أعماله بعد ساعة ونصف الساعة من انسحاب عبد الحكيم من الاجتماع. وكان كمال قد استأذن هو الآخر في الانصراف بعد مرور ساعة من انسحاب عبد الحكيم.

استقالة جديدة من كمال:

وتوجهت مع أنور وزكريا وحسين الشافعي بعد انتهاء الاجتماع إلى منزل جمال. ووجدنا عنده كمال الدين حسين. ولما عاتبته على انصرافه من الاجتماع قبل نهايته قال: "أنا حضرت للريس وطلبت منه إعفائي من العمل – وسبق أن قدمت استقالتي من عشرة أيام ورجوت الريس في قبولها".

ولما سألناه عن السبب أجاب: "لأنني شعرت في جلسة اليوم أننا غير باقين على بعض. وأنا قد طلبت التأجيل لنجد حلاً للموضوع. وكان يجب الموافقة على التأجيل. ولكن تصويتكم بالموافقة على القرار دون التأجيل أشعرني أننا غير باقين على بعض. وأنا وفي".

ورددت عليه بقولي – "هذه المسألة فيها وجهات نظر – أنت تعتقد أن التأجيل يحل الموضوع – وأنا أعتقد أنه كان سيزيد الأمر تعقيدًا. وعبد الحكيم يعارض المبدأ. ويحاول فرض رأيه. وخضوعنا لرغبته في المرة السابقة كان خطأ. ولو طلب التأجيل قبل بدء مناقشة مشروع القانون لوافق الكل عليه ولكن بعد مناقشته واعتراضه على مبدأ سبق الاتفاق عليه جعل هناك صعوبة في الموافقة على التأجيل".

أنور ضرب بيده على الترابيزة:

وتكلم أنور السادات وضرب بيده على الترابيزة التي أمامه وقال لكمال: "إن حكيم يعارض المبدأ. وأنت تصرفك في الجلسة كان واضحًا منه إنك واخد (Side) جانب في الموضوع".

ورد كمال عليه بقوله –: "أنا باقي على علاقاتنا – ولذا أطلب أن تقبل استقالتي لأني أخطأت من قبل في اجتماع الأمانة العامة للاتحاد، واليوم أخطأت مرة ثانية. ويستحسن أن يبقى الإخوان المنسجمون مع بعضهم ويخرج غير المنسجم منهم".

واقترح أنور أن يحل جمال مجلس الرئاسة ويشكل مجلسًا جديدًا من أشخاص آخرين. وتكلم جمال وقال -: "إن الحل هو الحل – وأنا منتظر حتى يوليو القادم ثم سأترك رئاسة الجمهورية".

واعترض كمال على هذا القول من جمال.

ورد عليه جمال بقوله: "المسألة ليست التأجيل أو الموافقة على القرار إنما المسألة أن حكيم غير مقتنع بالقيادة الجماعية. وقد ضرب ستارًا حول الجيش. وأنا – هل يعقل أن أعمل بطريقة سرية حتى أحصل على معلومات عن الجيش. وهل نسمح أن يقود الجيش على شفيق – هذه هي الحقيقة. وهل تقبل أن يعين الهريدي مساعدًا للملحق العسكري بواشنطن بعد الذي حدث منه في سوريا عند الانفصال".

الموضوع غير ما تعتقد:

وأخذ جمال يسرد لنا بعض الوقائع عما يجري في الجيش. وعن تصرفات عبد الحكيم. وعن طلبه لسلطات رئيس الجمهورية دون اللجنة الدائمة. الأمر الذي دفع جمال إلى أن يتقدم بمشروع القرار الذي سبق أن تم الاتفاق عليه. وأنه كان ينتظر من عبد الحكيم أن يتقدم هو بهذا المشروع كما اتفق. ولكنه لم يتقدم به. وذكر جمال – كمال بمسودة القرار الذي كان قد كتبه هو بنفسه. كما ذكر جمال أيضًا كيف أنه ضغط على نفسه في شهر سبتمبر الماضي عندما قدم حكيم استقالته، وذهب بنفسه إلى منزله – وكيف ضحى كل فرد منا في سبيل لم الشمل – وتساءل- ليه هذا التصرف. وأجاب – أليس لأننا باقون على بعضنا". وقال لكمال إن الموضوع غير ما تعتقد. وأخذ يوضح أن كثيرًا من التصرفات كان الدافع لها هو أننا باقون على عبد الحكيم وعلى بعضنا وليس كما يعتقد كمال.

واستمر الحديث حول الموضوع من الساعة التاسعة والنصف مساءً حتى منتصف الليل. وتم الاتفاق قبل انصرافنا على أن يذهب كمال مع أنور في صباح اليوم التالي إلى عبد الحكيم ليتحدثا إليه في الموضوع.

المناورات الحزبية:

وكنت قد سافرت في اليوم التالي للاجتماع – الخميس 22 نوفمبر 1962 إلى بلدتي شاوة، وعدت منها في مساء الجمعة. واتصلت تليفونيًّا بأنور حتى أعرف منه نتيجة مقابلته لعبد الحكيم مع كمال. وعلمت منه أنهما تحدثا إليه. وأن كمال ذكر لعبد الحكيم أنه لا يوافق على الطريقة التي تناول بها مجلس الرئاسة الموضوع. ولكنه في نفس الوقت لا يتفق مع عبد الحكيم في معارضته للقانون لأنه قد سبق الاتفاق عليه. ويقول أنور أن عبد الحكيم يرى أن الموضوع عرض على المجلس بطريقة المناورات الحزبية. وأنه يشعر أيضًا أن زملائه يحاولون التخلص منه، وهو لذلك أصبح يعتبرنا جميعًا أعداء له فيما عدا كمال.

وقال أنور أنه حاول اقناع عبد الحكيم بأن القانون عندما عرض على مجلس الرئاسة لم يكن يعلم به أحد غيري من أعضائه ذلك لأن جمال كان قد طلب مني تولي رئاسة المجلس نيابة عنه وقام بإبلاغي عن هذه القوانين. وأن الزملاء من أعضاء المجلس قد صوتوا بالموافقة على مشروع القانون المقترح ورفضوا التأجيل ذلك لاعتراضه هو على المبدأ الذي سبق الاتفاق عليه. وذكر أنور أيضًا أن عبد الحكيم ظل متمسكًا برأيه ومعترضًا على المبدأ نفسه الوارد في مشروع القانون رغم محاولة أنور في اقناعه. وذكر لهما عبد الحكيم أنه يتحتم على المجلس أن يبحث عن قائد عام آخر غيره إن رأى ضرورة تنفيذ هذا القانون.

ويقول أنور أن كمال عندما سمع هذا القول منه تعلق به وطلب منه أن يرشح ضابطًا لهذا المنصب ولكن عبد الحكيم تهرب من ذلك بقوله: "أنكم تعرفونهم كما أعرفهم".

وقد انصرفا من عنده بعد أن تم الاتفاق بينهم على اختيار قائد عام جديد بدلاً منه. وذهبا إلى جمال وقصا عليه ما دار بينهما وبين عبد الحكيم. وقام جمال بدعوة الزملاء إلى الاجتماع في مساء يوم الخميس 22 نوفمبر 1962، وحضره كل من أنور وزكريا وحسن إبراهيم وحسين الشافعي. ولم يشأ دعوتي إلى حضوره لعلمه بسفري إلى بلدتي ظهر نفس اليوم.

فتح الجروح القديمة:

وفي بداية الاجتماع قام أنور وكمال بذكر الحديث الذي جرى بينهما وبين عبد الحكيم. ثم بدأ جمال يتكلم واستمر في حديثه ثلاث ساعات كاملة. وعلى حد قول أنور أنه فتح كل الخلافات القديمة والجروح التي بينه وبين عبد الحكيم. وأن جمال ذكر أنه مع ذلك كان يقدمه على المجموعة رغم عيوبه. واعترف لهم بأنه قد أخطأ في هذا.

ويقول أنور أن كلام جمال. كان مقنعًا ومحددًا بوقائع. وأنه أي جمال سيعلن في الاجتماع الشعبي الذي سيعقد في بور سعيد بمناسبة عيد النصر يوم 23 ديسمبر أنه سيتخلى عن رئاسة الجمهورية في يوليو 1963. وإنه سيتفرغ للعمل في الإتحاد الإشتراكي. كما قد تم الاتفاق بينهم على تعيين قائد عام جديد في خلال أسبوع وستتغير تبعًا لذلك أيضًا قيادات الجيش. وسيتم التمهيد لهذه الإجراءات بإعلان شكل الحكم في المستقبل على صفحات الجرائد.

وكانت اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي قد انعقدت يوم الأحد 25 نوفمبر 1962 ولم يحضر اجتماعها كل من كمال وعبد الحكيم. وكان عبد الحكيم قد تقابل مع جمال في اليوم السابق واستأذن منه في السفر إلى الأسكندرية للاستراحة بضعة أيام. أما كمال فلم يعتذر عن الحضور ولم نعلم سبب تغيبه. وفي اليوم التالي لهذا الاجتماع تعرض جمال في حديثه إلينا عن تغيب كمال وذلك أثناء اجتماعنا في منزله. وذكر أن كمال قد أضاف بتصرفه هذا مشكلة أخرى جديدة غير مشكلة عبد الحكيم. وأخبرنا بحديث كمال إليه عندما تقدم باستقالته. وكان قد تقدم بها إليه قبل أسبوعين من هذا اللقاء. وقال إن كمال كان قد سبق وتحدث إلى عبد الحكيم عن رغبته في الاستقالة معتمدًا على أنه – أي حكيم – سيقوم بإبلاغها إلى جمال ولكنه لم يذكر له شيئًا عنها رغم مقابلته له عدة مرات. وتساءل جمال عن سبب عدم إبلاغه بها لأن هذا الموقف منه جعل كمال يظن أنه هو –أي ج- الذي أهمل الأمر. كما ذكر أيضًا أن عبد الحكيم كان قد أفهم كمال إننا كنا نعقد الاجتماعات في الأسكندرية وتتخذ قرارات دون إشراك كمال فيها أو إبلاغه عنها، مما جعله يعتقد أن السبب في ذلك ربما يكون هو عدم توافر الانسجام بين المجموعة وبينه. وقد اقترح أن أقوم مع أنور بزيارة كمال لنتعرف منه عن سبب امتناعه عن حضور الاجتماع.

عبد الحكيم حوكم غيابيًّا:

ولما التقينا به وعاتبناه على عدم اعتذاره عن الحضور قال: "إنني لا أنوي حضور أي اجتماعات أخرى، فلماذا اعتذر –إنني أرغب في الاستقالة". ولما تساءلنا عن سبب هذا الموقف منه ذكر أنه يشعر بعدم الانسجام مع باقي المجموعة من الزملاء. كما وإنه قد عاد أيضًا إلى منزله بعد الاجتماع الذي عقد مساء الخميس في منزل جمال وهو في حالة نفسية سيئة. ذلك لأنه شعر أن عبد الحكيم – على حد قوله – قد حوكم غيابيًّا. وهو لا يرغب في أن يستمر مشاركًا في السلطة حتى لا يحدث له هذا أيضًا في يوم من الأيام. كما أشار في حديثه كذلك إلى أنه علم أن باقي المجموعة كانت تجتمع وتأخذ القرارات أثناء وجودنا في الأسكندرية دون أن يدعى هو إلى هذه الاجتماعات.

وقد تولى أنور إيضاح الموقف له على حقيقته – على حد قوله- وقال إن الخلاف ليس بين عبد الحكيم والمجموعة ولكنه في الحقيقة بين جمال وحكيم. وإن الطريقة التي اتبعها جمال في التقدم بمشروع القانون الخاص بالأفراد أراد بها أن يقول لحكيم: "اعقل بأه يا حكيم" كما جاءت على لسانه. وأخذ أنور يذكر كمال تاريخ الخلاف بينهما. وأن هذا الخلاف لا يعلمه أحد غيرهما إلا أنور نفسه لأن تصفية تلك الخلافات بينهما كانت تتم بحضوره في كل مرة. كما ذكر أن شخصية عبد الحكيم قد اهتزت في نظره يوم الاجتماع الذي تمسك فيه بالسلطة وطلبه في أن يظل قائدًا عامًا للقوات المسلحة. وهو لم يكن يتنظر منه هذا. وأوضح لكمال أن الاجتماعات التي عقدت في الأسكندرية دون وجوده لا تتفق مع تلك الصورة التي أبلغ بها. وإنما الذي حدث هو أن هذه الاجتماعات جاءت عرضًا أثناء زيارة الزملاء لجمال في استراحته بالمعمورة ودون ترتيب سابق لها.

وفي النهاية اقتنع كمال بأن يتوجه معنا إلى زيارة جمال للعمل على إزالة سوء الفهم الذي حدث. وتضايق جمال عندما قيل له أن كمال شعر أن عبد الحكيم قد حوكم غيابيًّا، وأن هذا قد آلمه. وأخذ جمال يشرح لكمال الأسباب والدوافع التي أجربته على استعراض علاقته بعبد الحكيم أمامهم. وكيف تدهورت نتيجة الخلافات التي حدثت بينهما. وإنه هو الذي كان يقوم في كل مرة بالتنازل من جانبه لإرضاء عبد الحكيم. وكان يحاول اقناع كمال بهذا السرد منه على أنه لم يكن يقصد محاكمة عبد الحكيم كما يظن وإنما كان يقصد بذلك عرض الموضوع برمته وبتسلسله التاريخي على إخوانه – وإلا فمع من سيتكلم – على حد قوله. وكان كمال في أثناء حديث جمال يثير بعض الكلمات التي كان جمال قد ذكرها عن عبد الحكيم أثناء الاجتماع ويوضح الألم الذي شعر به – وكيف أنه عاد إلى منزله وهو في حالة نفسية سيئة.

حديث فض مجالس:

وفي يوم الأربعاء نوفمبر 1962 كان جمال قد دعاني إلى مرافقته في سيارته بعد اجتماع مجلس الرئاسة. وذكر أن كمال قام بزيارته ظهر نفس اليوم، وأبلغه أن عبد الحكيم التقى به وقال له: "ليكن معلومًا أن هذا القانون الخاص بأفراد القوات المسلحة لو صدر فإنه سيستقبل في اليوم التالي لصدوره". ولما سأل كمال عبد الحكيم عن مصير الاتفاق الذي سبق ووافق عليه عند زيارته له مع أنور والخاص بتعيين قائدًا عامًا جديدًا بدلاً منه واستعداده – أي عبد الحكيم- على الاستمرار في العمل حتى يوليو 1963 – أجابه أنه كان حديث فض مجالس. ولما سمعت ذلك من جمال اقترحت عليه أن يجتمع مع عبد الحكيم فربما يساعد ذلك على تسوية الخلاف.

ولكن جمال قال: "أنا منتظر يوم 23 ديسمبر، ويومها سأعلن أني سأتنازل عن رئاسة الجمهورية في يوليو 1963 – وثاني يوم سأصدر القانون".

فسألته: هل أنت تربط بين تنازلك عن الرئاسة واستقالة عبد الحكيم؟

فأجاب: كلا.

فقلت: إن الاستقالة حل غير عملي ولا تحقق هدفًا.

فقال: الغرض أن أتفرغ للاتحاد الاشتراكي.

فقلت: على العموم الموضوع سابق لأوانه ويحتاج إلى مناقشة لأن الناس ربما تعتقد أن تنازلك عن الرئاسة جاء نتيجة الخلاف مع عبد الحكيم.

ولقد وجدته مقتنعًا بهذا الذي ذكرته ولكنني قدرت أنه ربما يرغب في إعلان هذا التنازل منه لاعتقاده أن الشعب سيتمسك به وسيطالبه بالاستمرار في رئاسة الجمهورية ويصبح وكأنه استفتاء عليه من الشعب، ويكون بهذا قد قطع الطريق على عبد الحكيم.

وكانت اللجنة التنفيذية العليا المؤقتة للاتحاد الاشتراكي قد اجتمعت يوم الأحد 2 ديسمبر 1962، ولم يحضر اجتماعها عبد الحكيم ولكنه اعتذر. أما كمال الدين حسين فقد حضر هذه المرة ولكنه لم يحاول الاشتراك في المناقشة التي كانت تدور. ولم يفتح حتى مذكرة مشروع القانون موضع المناقشة. وظل جالسًا طوال الاجتماع وهو عابس وممسكًا قلمًا في يده ويخط به في ورقة أمامه خطوطًا غير منتظمة. وكان ظاهرًا الضيق على جمال من تصرف كمال ولكنه كان يحاول عدم إظهار ذلك.

كان جمال هائجًا:

وبعد الانتهاء من الاجتماع دعاني جمال مع حسن إبراهيم لمرافقته في سيارته. وتكلم عن تصرف كمال أثناء الاجتماع وكان هائجًا. وقد ضايقه أن هذا التصرف منه جرى أمام الأعضاء الآخرين من غير مجموعتنا. وقال أنه لو ترك لنفسه العنان لرمى مشروع القانون وانصرف من الجلسة. وأخذ يفسر لنا أسباب هذه التصرفات من كمال. وما كان قد أثاره عبد الحكيم في نفسه عن الاجتماعات التي كانت تعقد في الأسكندرية دون وجوده.

وذكر لنا جمال أيضًا تطور علاقته مع عبد الحكيم، ومدى تأثير الأحداث على هذه العلاقة الخاصة بعد المناقشة التي جرت حول القانون الخاص بالأفراد في مجلس الرئاسة. واقترح حسن أن يلتقي جمال مع عبد الحكيم للمحافظة على العلاقة بينهما. ولكن جمال أشار إلى أن هذه العلاقة إذا كانت قد تأثرت فما ذلك إلا بسبب الخلاف في العمل. وإنه كان دائمًا من جانبه يحاول إرضاء عبد الحكيم – ولو أن هذا على حساب المصلحة العامة – على حد قوله.

وفي نهاية الحديث وكنا قد وصلنا إلى منزله اقترح علينا البقاء معه لتناول العشاء ولمشاهدة فيلمًا سينمائيًّا. وتركنا وصعد إلى الدور العلوي من المنزل ليغير ملابسه. وفي أثناء ذلك ذكر لي حسن أن كمال أبلغه أنه يمكنه أن يقوم بالوساطة بين جمال وعبد الحكيم ليتقابلا. وأنه فهم من كمال أن عبد الحكيم على استعداد لإتمام هذا اللقاء. ولما استفسرت منه عن سبب امتناعه عن ذكر ذلك لجخمال قال: "لأني أراه متشددًا".

ولما عاد جمال أبلغته بحديث كمال مع حسن وحاولنا اقناعه بأن يلتقي مع عبد الحكيم. ولكنه ذكر أنه غير مستعد لعمل أية تنازلات. فصرحنا له بأنه أصبح لا يملك ذلك بعد أن انتقل الأمر إلى مجلس الرئاسة بعد موافقته على القانون موضع الخلاف.

واتفق على أن يقوم حسن بمقابلة عبد الحكيم ويعمل على اقناعه بالالتقاء مع جمال. وأن يشير في حديثه معه وبطريقة غير مباشرة إلى عدم الاستعداد لعمل أية تنازلات. فإن وجد منه استعدادًا أمكن أن يلتقي معه جمال.

حرية الصحافة:

وكنت قد تقابلت مع حسن إبراهيم يوم الأربعاء 5 ديسمبر 1962 في سراي القبة قبل أن يبدأ انعقاد مجلس الرئاسة. وعلمت منه أنه قد تقابل مع عبد الحكيم وأنه أي عبد الحكيم – على حد قوله – قد فتح له قلبه وتكلم معه كثيرًا عن جمال. وقد ذكر له أنه يعرفه أكثر من أي شخص آخر. ويقول حسن أن عبد الحكيم ذكر أن جمال يحاول اليوم تركيز كل السلطات في مجلس الرئاسة حتى تنتقل إليه فيما بعد كرئيس للجمهورية بعد إعادة التنظيم في يوليو 1963 وذلك لأنه لن يكون هناك مجلس رئاسة. كما ذكر أن جمال يحاول التخلص منه أي من حكيم. وأنه قد بنى خطته على أن يتم ذلك على مراحل. وهو أي حكيم قد أرسل خطابًا إلى جمال عبر له فيه عن رأيه في الأوضاع السياسية في البلاد. وقد اطلع حسن على صورة من هذا الخطاب. وذكر حسن أنه تكلم فيه عن المناورات السياسية والتكتلات الحزبية التي يلمسها في مجلس الرئاسة. كما تحدث فيه أيضًا عن الديمقراطية ووجوب العمل على تحقيقها. والعمل كذلك على تنفيذ ما ورد بالميثاق. وكذا تحقيق حرية الصحافة واعطاء ضماناتكافية للمحررين بها حتى لا يحرموا من مورد رزقهم إذا ما كتبوا آراءهم بصراحة. وتكلم عن التنظيم السياسي للمرحلة القادمة وذكر إما أن يكون النظام الجمهورية ببلادنا رئاسيًّا أو برلمانيًّا ذلك لأنه لا يوجد هناك نظام آخر غير هذا. كما ذكر أيضًا أنه يجب علينا أن نستفيد من خبرات الدول الأخرى في التنظيمات السياسية ولا نبتكر لأنفسنا نظامًا فريدًا في نوعه. كما أشار فيه كذلك إلى ضرورة وجود جمال في التنظيم بل وعلى رأس التنظيم السياسي نفسه. وطلب منه أي من جمال أن لا يعزل نفسه عن أفراد الشعب حتى لا يحكم عليهم من أسمائهم فقط ومما جاء عنهم في التقارير دون معرفة حقيقية لأشخاصهم أو ظروفهم. وفي نهاية خطابه ذكر أنه يودعه وهو لهذا رأى أن يذكر له ما يعتقد أنه يحقق الصالح العام.

وذكر لي حسن أيضًا أن حكيم ليس على استعداد لإتمام هذا اللقاء الذي اقترح. كما وأنه بعد أن أرسل هذا الخطاب إلى جمال أصبح اللقاء لا جدوى منه. ولم يحاول حسن أن يبلغ جمال بما تم لأن خطاب حكيم وبالصيغة التي كتب بها والمعاني الواردة فيه قد قطع عليه الطريق على حد قوله.

وقُطع الحديث بيننا عند هذا الحد لأن الاجتماع كان قد بدأ بعد وصول جمال. ولم يحضره كمال ولكنه اعتذر هذه المرة.

أخبار كثيرة:

وبعد انتهاء اجتماع مجلس الرئاسة دعانا جمال (حسن إبراهيم – زكريا – حسين الشافعي – أنور – أنا) إلى الاجتماع به في مكتبه بسراي القبة. وكان ينوي فتح موضوع الخلاف مع عبد الحكيم ولكنه عاد وفضل أن ننتقل إلى منزله لنتحدث هناك. ورافقته في سيارته مع حسن إبراهيم. وبدأ يتكلم ونحن في طريقنا إلى منزله عن التكتل والنشاط الذي يجري في الجيش بواسطة أعوان عبد الحكيم من الضباط. وأشار إلى أنه – أي حكيم – لابد على علم بكل هذا الذي يجري وحاولنا استبعاد معرفته بذلك. وأن تلك التصرفات ربما يقوم بها بعض من الضباط المستفيدين من بقاء عبد الحكيم في منصبه ودفاعًا منهم عن مصالحهم. ولكن جمال أراد أن يؤكد لنا علم حكيم بذلك فقال إن الضابط عثمان نصار كانتا لأوامر قد صدرت إليه بالسفر إلى اليمن، وأن عبد الحكيم نفسه هو الذي أخبر جمال بذلك. ولكن هذا الأمر ألغي في اليوم التالي لاجتماع مجلس الرئاسة الذي نظر فيه القانون موضع الخلاف. وأن كل ما دار من نقاش في هذا الاجتماع قد أذيع بين الضباط في اليوم التالي له أيضًا. وقال على العموم هناك أخبار كثيرة سأذكرها لكم عندما نصل إلى المنزل.

وعندما اجتمعنا في منزله طلب من حسن إبراهيم إبلاغنا بما تم في لقائه مع عبد الحكيم. وقد ذكر حسن ما سبق وأخبرني به، ولكنه تغاضى عن ذكر ما قاله عبد الحكيم عن محاولة جمال تركيز السلطة في مجلس الرئاسة حتى تنتقل إليه بعد يوليو 1963. كما تغاضى أيضًا عن ذكر موضوع محاولة جمال في التخلص من عبد الحكيم. وكانت دهشة أغلب الزملاء عندما علموا من حسن أن لدى عبد الحكيم صورًا أخرى من الخطاب الذي أرسله إلى جمال خاصة عندما ذكر أن تلك الصورة مكتوبة على الآلة الكاتبة. ذلك لأن الخطاب المرسل منه إلى جمال مكتوب بخط يده. وقد استنتج أن الغرض من إعداده لصور أخرى من الخطاب هو ربما لنشره والحصول منه على مكاسب سياسية. وحتى يظهر وكأن الخلاف ليس نزاعًا من أجل السلطة وإنما هو خلاف على مبادئ أساسية تتعلق بأسلوب الحكم.

مراقبة تليفون جمال:

وقد قام جمال باحضار بعض التقارير وأخذ يبلغنا عما هو وارد فيها من معلومات، وعن اتصالات تمت بين أفراد أرسلوا من طرفه لمقابلة أفراد آخرين من القوات المسلحة لهم صلتهم بعبد الحكيم وبأفراد مكتبه أيضًا. وكانت تلك المعلومات تفيد بأن هناك ترتيبات معينة تجري في القوات المسلحة بغرض عمل تكتلات بين الضباط للوقوف وراء عبد الحكيم ومساندته في موقفه. والصورة التي أعطيت لنا أن هناك قوة داخل الجيش تعمل لصالح عبد الحكيم وضد جمال. وكانت المعلومات تشير إلى أن الغرض ليس هو عمل انقلاب عسكري وإنما الهدف هو الضغط أساسًا على جمال وذلك عن طريق نشر الشائعات عنه، وعلى أنه قد أصبح مريضًا حتى ينهار ويتراجع بسبب الضعف الذي أصاب أعصابه على حد قول أعوان عبد الحكيم. وقال جمال إن الموضوع هو (Power politics) سياسية القوة. وقد ذكر ذلك عندما تساءل البعض منا عن الدافع لعبد الحكيم في أن يتصرف بمثل هذه التصرفات التي يعلم أن لها أضرارها.

وقد ذكر جمال أن المعلومات التي تجمعت لديه تفيد أن صلاح نصر مدير المخابرات العامة يجتمع يوميًّا مع عبد الحكيم وإنه يعمل لصالحه. وقال إنه يعتقد أن جميع تليفوناتنا مراقبة من المخابرات ولهذا فهو قد أمر بتغيير جميع نمر تليفوناته، وإنه لن يستخدم في اتصالاته التليفونية غير النوع المعروف باسم (X.م) وقد أمر بتركيب هذا النوع من التليفونات في منازلنا جميعًا لاستحالة مراقبته لصعوبات فنية على حد قوله. وأخبرنا كذلك أنه علم أن بعض الضباط من الملتفين حول عبد الحكيم كانوا يقضون الليل في معسكراتهم أثناء أزمة سبتمبر الماضي عندما أقدم عبد الحكيم على الاستقالة. وأنه أي جمال لم يعلم بهذا الأمر في حينه وإنما علم به مؤخرًا فقط. كما علم أيضًا أنه كان هناك في ذلك الوقت نشاط من بعض الضباط الانتهازيين. وأنهم كانوا يمرون على وحدات الجيش المختلفة ويطلبون من ضباطها إرسال عرائض إلى جمال وأن يعربوا فيها عن رغبتهم في الإبقاء على عبد الحكيم وعدم قبول الاستقالة. وذكر جمال أنه لو علم بهذا الذي كان يجري في وقتها لقبل استقالته ولتحدي ما كان يحدث من فئة المنتفعين. ولكنه لم يعلم إلا بعد أن تكررت الأزمة أخيرًا مع عبد الحكيم وعندما حاول أن يجس النبض عما يجري في الجيش علم بما كان قد حدث.

وقد أثارت هذه التصرفات دهشتنا جميعًا ذلك لأن مصلحة بلدنا كانت دائمًا تدفع من يقدم منا على الاستقالة أن لا يشرك أحدًا من خارج مجموعتنا فيما يجري من خلاف بيننا – وأي فرد يستقيل كان يركن إلى السكون دون أن يحاول إثارة المشاكل أمام باقي الزملاء المستمرين في تحمل مسئولية إدارة دفة البلاد. ولكن جمال فسر لنا هذه التصرفات من عبد الحكيم بقوله أنه الطفل المدلل الذي يدمر ويكسر ما تقع عليه يداه من عبد الحكيم بقوله أنه الطفل المدلل الذي يدمر ويكسر ما تقع عليه يداه عندما يحرم من شيء له رغبة فيه لأنه لم يسبق له أن تعود على هذا الحرمان. وقال: "هل حكيم يعتقد أنه هو الذي بنى بنفسه هذه القوة السياسية التي يتمتع بها الآن. إنني أنا الذي عملت على بنائها لاعتقادي أننا شخص واحد. وكان هذا على حساب كل فرد منكم، وعلى حساب المصلحة العامة في بعض الأحيان". ولما قلت أن الخطأ هو الخلط بين الصداقة والعمل. قال: "أنا أعلم ولكن لم يكن يخطر في ذهني في يوم من الأيام أن يصل حكيم إلى ما وصل إليه اليوم". وأخذ ينعته ببعض الصفات.

جرح لن يمحي طوال العمر:

وقال حسن إبراهيم أنه بعد أن سمع ما سمعه يرى أن المصلحة العامة تلزمه أن يذكر أهم ما قاله عبد الحكيم له عندما التقى به. وذكر ما كان قد صرح به حكيم إليه عن معرفته بجمال تمام المعرفة وسعيه إلى تركيز السلطة في مجلس الرئاسة حتى تنتقل إليه بعد يوليو 1963، وأنه يسعى إلى التخلص من عبد الحكيم الآن كما سيتخلص من باقي الزملاء في المستقبل. وهنا أكد عليه جمال عما إذا كان عبد الحكيم قد ذكر كلمة التخلص – فأكدها حسن له. فقال جمال: "إن ما يصفني به عبد الحكيم يتعلق بالناحية الأخلاقية، وتسبب عنه جرح في نفسي، وحتى لو اندمل فسيترك أثرًا لن يمحى طوال العمر".

وكان تساؤلنا بعد الذي حدث – هل هناك أمل يرجى في لم الشمل، وعلى أي أساس، فعلاقة جمال وعبد الحكيم قد أصابها التصدع وعدم الثقة. كما وأن علاقة حكيم بباقي الزملاء أيضًا قد أصابها الاهتزاز.

وكان الأمر يحتاج منا إلى حكمة وصبر وهدوء أعصاب لعلاج ما حدث وحتى نتفادى أية مضاعفات قد تحدث. واتفقنا على أن نستمر في جمع المعلومات، وجس النبض أيضًا عما يجري في الجيش. وعلى أن يكون ذلك بكل هدوء ودون إثارة أية شكوك.

وكان يوم الأحد 9 ديسمبر 1962 موعد عقد قران كريمة وجيه أباظة في نادى ضباط القوات المسلحة بالزمالك. وقد حضر جمال عقد القران. واجتمعت اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي بعد الانتهاء من هذا الحفل. بينه وبين عبد الحكيم عندما التقى به يوم الجمعة 7ديسمبر 1962.

ويقول جمال إنش مس بدران كان قد ذهب إليه يوم الخميس 6 ديسمبر وأبلغه أنه يحمل إليه رسالة شفوية من عبد الحكيم. وهي إن عبد الحكيم يطلب من جمال ردًّا على خطابه الذي سبق أن أرسله إليه. ولكن جمال قال له بأن ليس لديه أي رد – وهل هو سيرد على الحزبية أو المناورات الساسية أو النواحي الأخلاقية أو الحريات أو الميثاق. وكان يشير بذلك إلى ما جاء في خطاب حكيم.

ويقول جمال أنه بعد أن ذكر له ذلك قال شمس أن هناك بقية الرسالة وهي أن عبد الحكيم يطلب منه أن يقبل استقالته.

ولكن جمال تساءل: طاية استقالة". فأجاب شمس الخطاب الذي أرسله.

فقال له جمال إنه خطاب شخصي، وإنه لا يملك قبول استقالته مع وجود مجلس الرئاسة. وإذا كان يرغب في الاستقالة فعليه أن يتقدم بها إلى المجلس.

وقام شمس بعد هذا بإبلاغه الجزء الأخير من الرسالة – وهي أن لم تقبل استقالته في ظرف أسبوع فسيقوم عبد الحكيم بالعمل على تسليم قيادة الجيش للفريق علي عامر ويخلي مسئوليته منها.

وجاء رد جمال بقوله: "عليه أن يتصرف بالطريقة التي يرغب فيها".

ويقول جمال إن شمس بعد أن أبلغه هذه الرسالة أخذ يحاول اقناعه بأن يعمل في المحافظة على الباقية من العلاقة التي كانت قائمة بينه وبين عبد الحكيم. وأن يقوم بطلبه تليفونيًّا ليحضر إلى زيارته. وأنه –أي عبد الحكيم – على استعداد للحضور إليه لو طلب جمال منه ذلك.

وذكر لنا جمال أنه رفض ما اقترحه شمس بدران وقال له: "منذ متى كان يزورني حكيم بموعد سابق أو بعد الاتصال بي. لقد تعود أن يحضر إلى منزلي في أي وقت يشاء. وعليه أن يحضر إن كان له رغبة في ذلك".

ثم انصرف شمس من عنده ولكنه عاد واتصل به في اليوم التالي بعد ظهر يوم الجمعة 7ديسمبر وأبلغه عن رغبة حكيم في زيارته. والتقى به جمال في مساء نفس اليوم. وقد حضر شمس المناقشة التي جرت بينهما. ويقول جمال أنه هو الذي رغب في وجوده حتى يسمع حقيقة الخلاف لأن حكيم كان قد أقنعه بصورة أخرى بعيدة عن الحقيقة.

ولقد ذكر لنا جمال أن حكيم هو الذي بدء بالحديث بالحديث عن القانون موضع الخلاف. وأنه تساءل عن السبب الذي دفع جمال إلى التقدم به بهذا الطريقة رغم أنه كان في زيارته قبل موعد انعقاد مجلس الرئاسة بيومين – يوم الاثنين – ولم يخبره عن نيته. وفسر له جمال ذلك بأن الدافع الذي دفعه إلى هذا هو محاولته – أي عبد الحكيم – الحصول منه على تفويض بسلطات رئيس الجمهورية أكثر مما كان قد اتفق عليه. وهو لذلك رأى أن يتقدم بالقانون إلى المجلس ليأخذ منه قرارًا على ما سبق وتم الاتفاق عليه.

وأثار معه حكيم أيضًا الطريقة التي نوقش بها مشروع القانون في مجلس الرئاسة، وقد تساءل كيف يؤخذ الرأي على التأجيل، وقد رد عليه جمال بقوله لأنه قرار، وكان لابد من أخذ الرأي عليه. وأنه لو طلب تأجيل النظر فيه قبل بدء المناقشة لما اعترض أحد عليه.

وانتقل عبد الحكيم بالحديث بعد ذلك إلى خطابه الذي أرسله إلى جمال مستفهمًا منه عن سبب غضبه. وقد قال جمال منذ متى كنا نتعامل بالخطابات، وهل وصل بنا الحال أن نعمل كما عمل مكرم والنحاس. ولكن حكيم رد عليه بأنه قد كتبه مخلصًا، وإنه لم يستغرق منه أكثر من عشر دقائق. فقال له جمال: "كيف تكون مخلصًا وقد كتبت منه صورًا أخرى على الآلة الكاتبة، مع أن أصل الخطاب الذي أرسل إلي مكتوب بخط اليد". فحاول حكيم أن ينفي ذلك، ولكن جمال أخبره أنه علم بذلك من حسن إبراهيم الذي اطلع بنفسه على صورة الخطاب المكتوب على الآلة الكاتبة. وتدخل شمس في المناقشة وذكر أنه قد أخذت عدة صور فوتوغرافية للخطاب. وأكد عبد الحكيم قول شمس. ومن أنه فعل ذلك ليحتفظ بها للتاريخ.

لست كذابًا:

وذكر له جمال أيضًا ما كان عبد الحكيم قد ذكره لحسن إبراهيم عن معرفته جيدًا لجمال ومسعاه إلى تركيز السلطة في يده وأنه يعمل على التخلص منه اليوم ثم باقي المجموعة بعد ذلك. ولكن حكيم نفى أن ذلك القول صدر منه، ولما أصر جمال على أنه ذكره لحسن إبراهيم تمسك حكيم بالنفي وقال: "أنا لست كذابًا" وقال له جمال إنه يذكر وقائع فقط.

وأخذت المناقشة بينهما تدور بعد ذلك – على حد قوله جمال – عن الأسباب التي أوصلت علاقاتهما إلى هذه الدرجة من عدم الثقة.

ويقول جمال أنه ذكر له ما حدث أثناء انفصال سوريا وما ترتب عن ذلك من نتائج وتأيرها على علاقاتهما. وأثار جمال معه أيضًا محاولته في إفهام كمال أشياء لم تحدث الأمر الذي تضايق منه كمال وتسبب عنه أزمة معه. كما أشار أيضًا في حديثه معه إلى السلطات التي كان قد طلبها حكيم في سبتمبر السابق ثمنًا لسحب استقالته.

وقد تساءل حكيم أثناء المناقشة عن وضعه السياسي بعد يوليو 1963 عندما يترك جمال رئاسة الجمهورية. وأنه غير مستعد لحلف يمين الولاء لأي شخص آخر يتولى رئاسة الجمهورية غير جمال. ولكن جمال أجابه بأنه لا يعرف حتى تلك اللحظة الصورة التي سيكون عليها التنظيم السياسي في المرحلة المقبلة.

وبعد أن ذكر جمال ما دار بينهما من حديث أراد أن يحلل لنا عبد الحكيم نفسانيًّا – على حد قوله. فقال أن حكيم قد شعر بضعف قوته السياسية بعد الذي حدث في حرب السويس ثم انفصال سوريا وكذا بعض الأخطاء الأخرى التي حدثت في العمليات التي تجري في اليمن. ولما كان متأكدًا من أن هذه المجموعة تعرف هذه الحقائق كاملة فهو لذلك يحاول أن يعمل عملية استعواض – على حد تعبيره – لما خسره وذلك بأن يكون في مركز له قوته حتى يصبح له وضع خاص بين المجموعة.

رصيد في طريق الزوال:

ودارت المناقشة بيننا بعد ذلك عن الحل لهذه المشكلة. وقمت بإعادة ذكر اقتراحي الذي سبق أن أبديته لجمال كحل. وهو محاولة لم الشمل والمحافظة على وحدة المجموعة حتى يوليو 1963. وأنه يمكن تحقيق ذلك إذا ابتعدنا جميعًا عن السلطة التنفيذية وعن الإتحاد الإشتراكي أيضًا عند إعادة التنظيم. وأن نصبح كمجلس استشاري أو أي صورة أخرى نراها حتى نقضي على أسباب الخلاف والنزاع بيننا – والذي لابد سيتكرر في المستقبل. وحتى نتيح أيضًا بذلك فرصة الظهور لقيادات أخرى جديدة. ولتتمكن كذلك الصحافة والتنظيمات الشعبية من أن تقوم بدورها والنقد بحرية لأنه من الملاحظ أن وجودنا يمنعها من القيام بهذا الدور. وربما يكون ذلك ناتجًا عن تقدير منهم لما أديناه من خدمات للبلاد خلال العشر سنوات الماضية. كما وأن بعدنا عن السلطة ربما يتيح الفرصة لجمال في أن يقود بحرية أكثر دون أن يشعر بهذه الحساسية التي وجدت بيننا لاعتبارات الزمالة والصداقة. وأنه لمن صالح المجموعة أيضًا الابتعاد عن تلك السلطة حتى تحتفظ لنفسها بالرصيد الشعبي الذي بنته في خلال السنوات الماضية ولأنني أرى أن هذا الرصيد في طريقه إلى الزوال.

ولقد تناولت في حديثي أيضًا ما صرح به جمال على أن الغرض من تنازله عن رئاسة الجمهورية هو حتى يؤكد عدم صحة ما ذكره عبد الحكيم عن رغبة جمال في تركيز السلطة في مجلس الرئاسة بهدف أن تنتقل إليه بعد ذلك. وقلت أن إعلان – جمال – عن هذا التنازل منه مع ظروف انتشار شائعة تقديم حكيم لاستقالته تضعف من مركز جمال وتقوي من مركز حكيم. ذلك لأن هذا التنازل منه سيأخذه الناس على أن الجيش هو الذي أجبره عليه واتفق معي في الرأي باقي الزملاء، وأمن جمال على هذا أيضًا.

ولكن زكريا اعترض على هذا الحل الذي اقترحته ذاكرًا أنه حل مثالي ولا يحل المشكلة التي تواجهنا. وقال إنه يعتقد أما أن عبد الحكيم يتصرف وقد حدد لنفسه هدفًا يود تحقيقه وطبقًا لخطة موضوعة أو أنه يتصرف دون تحديد هدف ودون خطة. وهو أي زكريا يرى أن عبد الحكيم يتصرف طبقًا للاحتمال الأول وعلينا أن ننظر إلى الأمر من هذه الزاوية. كما أنه يعتقد أيضًا أن يوم 23ديسمبر سيحدد نهاية المشكلة. ذلك لأن عبد الحكيم يعلم أن جمال سيعلن تنازله عن رئاسة الجمهورية في هذا التاريخ. وهو أي حكم إن لم يتحرك قبل هذا التاريخ – على حد قوله – سيكون الطريق قد قطع عليه. وهو يقصد بذلك على ما أعتقد أن الشعب سيتحرك ويتمسك بجمال عندما يعلن تنازله ويصبح الأمر وكأنه استفتاء عليه من الشعب.

وقد تناقشنا في هل نعمل على تصفية المشكلة قبل يوم 23ديسمبر أم نؤجلها إلى ما بعد هذا التاريخ. وتناولت المناقشة أيضًا ضرورة اتخاذ إجراءات أمن أثناء تواجدنا في بور سعيد في عيد النصر.

التصفية:

وكانت الرغبة واضحة من الجميع في تأجيل اتخاذ خطوات تصفية هذه المشكلة إلى ما بعد انتهاء احتفال عيد النصر في بور سعيد. وأن تتخذ إجراءات أمن كافية في كل من بور سعيد والقاهرة وذلك خشية أن يدفع الطيش عبد الحكيم ويتخذ من الخطوات ما يترتب عنه صدام بين وحدات القوات المسلحة. واتفق أيضًا أن نعمل على تصفية ذلك الموقف معه قبل نهاية ديسمبر. وأن يكون أساس تلك التصفية أما أن يقبل حكيم أن يكون عضوًا بمجلس الرئاسة فقط ويعين بدلاً منه قائدًا عامًا جديدًا أو أن يستقيل وتقبل استقالته. وإن وافق على الحل الأول يحال جميع الضباط المشكوك في أمرهم إلى المعاش. وأما إذا أصر على الاستقالة وتم قبولها فالأمر في هذه الحالة يستدعي اعتقال هؤلاء الضباط في نفس الوقت الذي تقبل فيه استقالته. وقد رؤي إبعاد محمد صدقي محمود عن القوات الجوية على أن يعين بدلاً منه مدكور أبو العز. وكذا استبعاد سليمان عزت قائد القوات البحرية ولكن لم يتم الاتفاق على من يحل محله. هذا بالإضافة إلى ضباط آخرين.

وفي يوم الأربعاء 12ديسمبر 1962 طلب جمال أن نجتمع به ظهرًا في منزله. وحضر هذا الاجتماع كل من حسن إبراهيم وحسين الشافعي وزكريا محيي الدين وأنا. أما أنور فلم يحضره لسفره إلى اليمن في اليوم السابق، وكذا كمال الدين حسين الذي كان قد امتنع عن حضور اجتماعاتنا من فترة.

وقام جمال بإبلاغنا أنه اجتمع مع عبد الحكيم لمدة تسع ساعات في اليوم السابق – الثلاثاء 11 ديسمبر 1962.

رشاش كاتم للصوت:

ويقول جمال أن قصة اجتماعه به كانت قد بدأت عندما اتصل به شمس بدران يوم الاثنين 10 ديسمبر وأبلغه أن أحد ضباط الجيش ممن لهم صلة بقضية عبد القادر عيد – مدير مكتب عبد الحكيم والمتهم في مؤامرة لقلب نظام الحكم، كان قد تقابل مع أحد ضباط الحرس الجمهورية – وهو صديق له- وسأله عن المدفع الرشاش ذو كاتم الصوت والموجود لدى الحرس – وطالبه به، ولما سأله ضابط الحرس عما سيفعله به قال: "أليس في إمكانكم استخدام هذا المدفع وتخليصنا من جمال عبد الناصر". وذهب ضابط الحرس وهو صديق لشمس وأبلغه بذلك الحديث.

كما وأن شمس قد أبلغ جمال أيضًا أن الأمر سيفلت زمامه في الجيش نتيجة هذا الخلاف، لأنه قد أتاح الفرصة للقيل والقال، وهو لذلك يرى أنه من الضروري أن يبت فيه وبسرعة واليوم قبل الغد.

وذكر جمال أيضًا أن لا أمل هناك يرجى في حل غير قبول استقالة عبد الحكيم.

ويقول جمال أنه تحدث إليه عن أسباب هذا الفلتان – على حد تعبيره – الموجود في الجيش. وأن ذلك قد نتج لأن موضوع الخلاف وما يحدث بيننا ينقل حرفيًّا ويوميًّا إلى بعض ضباط الجيش، وهم بدورهم يرددونه بين زملائهم. كما ذكر له كذلك ما يجري في الجيش من اتصالات والتي تهدف إلى تكتيل الضباط والصولات للضغط على جمال. ويقول أنه ذكر له أيضًا ما كان قد جرى في سبتمبر الماضي ومبيت بعض الضباط في معسكراتهم.

وذكر جمال أن الحديث معه استغرق أربع ساعات، وقد طلب منه في نهايته ابلاغه إلى عبد الحكيم.

سأقاتل دفاعًا عنك:

ويقول أنه في اليوم التالي اتصل به شمس وأبلغه رغبة عبد الحكيم في مقابلته. وقد تم اللقاء بينهما في نفس اليوم – الثلاثاء 11 ديسمبر – وتواجد معهما شمس أيضًا طوال مدة الاجتماع. وأن عبد الحكيم أبلغ جمال أنه أمضى طوال الليلة السابقة وهو يجري تحقيقًا في تلك التصرفات التي ذكرها جمال لشمس. وأنه لم يكن يعلم بها من قبل. وقد عمل على نقل بعض الضباط والصولات. كما أنه على استعداد لإصدار الأوامر والتعليمات التي يرغب فيها جمال. وعبر له عن مشاعره بقوله: "إذا استدعى الأمر ستجدني أول المدافعين عنك وسأقاتل أمام باب منزلك دفاعًا عنك". ويقول جمال أنه كان موقفًا عاطفيًّا من حكيم وأنه بكى أكثر من عشر مرات خلال فترة الاجتماع.

وقد دار الحديث بينهما بعد ذلك حول القانون موضع الخلاف. وأعاد حكيم تساؤله عن الأسباب التي دفعت جمال إلى مفاجأته على تلك الصورة ووضعه في كفه وباقي أعضاء المجلس في كفة أخرى على حد تعبيره ويقول جمال أنه أجابه بأنه قد فاجأه مرة واحدة مقابل عشرات المفاجآت التي سبق وفاجأه هو بها. وقد ذكر له أيضًا أن المشكلة ليست هي القانون وإنما المشكلة هي الجيش. وطلب منه عدم تأويل كلامه الذي سيذكره.

وقال له: "لماذا تربط نفسك دائمًا بالجيش وتتمسك بقيادته – هل عندما قامت الثورة كان هدفنا أن تتولى أنت قيادة الجيش وأتولى أنا رئاسة الجمهورية – ومن الذي اقترح تعيينك قائدًا عامًا للجيش – أليس أنا – وإذا كان الأمر كذلك أفليس من الطبيعي بعد انفصال سوريا وموقف الجيش منه أن تحاسب على ما جرى". ويستطرد معه ويقول: "ولكن لم ينظر إلى الموضوع على أنك قائد للجيش وإنما نظر إليه على أن لك وضع سياسي وأنه هو الوضع الغالب. وقد أصررنا على بقائك عندما طلبت أن تستقيل بعد أحداث الانفصال. وأنا أعلم أن موضوع انفصال سوريا عمل لك (Set Back) – خسارة. ولهذا السبب حاولت أن أعوضك عنه في احتفال الثورة في العام الماضي، ولم أذكر بالثناء إلا أنت دون باقي المجموعة. وكان غرضي أن أعوض لك ما خسرته بعد انفصال سوريا. وأن الإعلان عن صواريخ الظافر والقاهرة لم يكن القصد منه عسكريًّا لأنه من المفروض أن يظل هذا الأمر سرًّا من الناحية العسكرية. ولكن كان الغرض من هذا الإعلان عن هو كسب بعض ما خسرناه من عملية الانفصال – والمكسب أساسًا عائدًا عليك شخصيًّا".

ضباط يقضون الليل في المعسكرات:

ويقول جمال أنه أوضح له أنه كان دائمًا حريص عليه، ويحاول إرضائه في كل مرة يتقدم فيها باستقالته ويقوم بعمل تنازلات من جانبه – وكيف أنه أي حكيم قد أصبح يقدم إليه استقالته كل 45 يومًا. وكيف أن جمال قد تحامل على نفسه وذهب إليه في منزله في سبتمبر لنفس الغرض وهو إرضائه، ولكنه علم بعد ذلك أن هناك ضابطًا كانوا في ذلك الوقت يقضون الليل في معسكراتهم ويمرون على ضباط الوحدات العسكرية المختلفة لدفعهم إلى كتابة العرائض للتمسك بعبد الحكيم. وأبدى له حكيم عدم معرفته بذلك وأنه على استعداد لاتخاذ ما يراه جمال مع هؤلاء الضباط.

وقد أبلغنا جمال أنه تبين له أن حكيم لم يكن يعلم بما يجري في الجيش من بعض الضباط، وأن حكيم قد أثار معه ثانية في حديثه وضعه السياسي بعد يوليو 1963. وقد أبلغه جمال أنه ينوي اعتزال رئاسة الجمهورية وسيقوم بإعلان ذلك في عيد العلم يوم 15ديسمبر. وحاول حكيم أنه يثنيه عن هذا الاتجاه، ولكن جمال قال له أنه من الممكن أن يتولى هذا المنصب أي شخص نتفق عليه، وأن يعمل الباقي من الزملاء في الإتحاد الإشتراكي. وصرح له جمال أن صورة التنظيم بعد يوليو ليست واضحة في ذهنه وأن هذا الأمر سنناقشه في حينه. كما طلب منه أن يكف عن تقديم استقالته وأن يكون في معلومة أنه لن يقابلها بعد ذلك. ويقول أنه أبلغه أيضًا أن مجموعة الزملاء ستبعد عن السلطة التنفيذية بعد يوليو 1963. وأن هذا الأمر سينفذ في الجيش كذلك وسيعين له قائدًا عامًا جديدًا تنفيذًا لما سبق الاتفاق عليه في سبتمبر. وحاول حكيم أن ينفي أن هذا كان قد اتفق عليه. وأطلعه جمال على بعض المذكرات المرتبطة به، والتي سبق لحكيم الاطلاع عليها في حينها. وكان قد أخبر جمال في ذلك الوقت بأنه مطمئن على أمن الجيش وأنه يمكنه تعيين قائدًا عامًا جديدًا.

وقال جمال أنهما في نهاية الحديث اتفقنا على أن يعين القائد العام الجديد ابتداءًا من شهر مارس 1963 بعد أن تنتهي حرب اليمن ويكون موضوع الخلاف قد هدأ الجدل حوله خاصة بين ضباط الجيش. ولأن تعيين قائدًا عامًا جديدًا مع وجود تلك الظروف – على حد قوله – يؤثر على موقف عبد الحكيم. وذكر أيضًا أنهما اتفقا على أن يستمر عبد الحكيم نائبًا للقائد الأعلى مع وجود القائد العام الجديد. كما وأن عبد الحكيم قد طلب منه أن يعين من يقع عليه الاختيار كقائد عام في منصب نائب القائد العام وذلك من مارس حتى يوليو 1963. ويذكر جمال أنه قد وافقه على هذا الطلب منه. ثم يعود ويذكر لنا أن عبد الحكيم قد أثار معه بعد ذلك أيضًا القانون الذي تسبب عنه ذلك الخلاف، وأنه قد فهم من جمال عند بداية الحديث أنه على استعداد لعدم وضعه موضع التنفيذ. ولكن جمال نفى له هذا وأصر على حد قوله بضرورة تنفيذه خاصة وأنه قد صدر فيه قرار من مجلس الرئاسة.

حل وسط:

ويستطرد جمال ويذكر أن عبد الحكيم يعتقد أن عودته على هذا الشكل فيه اهدار لكرامته – حتى أنه سأل جمال: "لماذا ترغب في وضع أنفي في التراب". ويقول جمال إنه رد عليه بقوله: "إذا كان الأمر مرتبط بكرامتك فهو مرتبط أيضًا بكرامتي وأنت لا ترضى بإهدارها، وكيف يمكنني مواجهة أعضاء مجلس الرئاسة بعد ذلك". كما يقول أنهما تناقشا في القانون وقد طلب عبد الحكيم أن يكتفي بالعرض على مجلس الرئاسة الترقيات والتنقلات والتعيينات والانتدابات الخاصة فقط برؤساء هيئات أركان حرب الجيش والأفرقة دون باقي القيادات. وأنه بعد مناقشات طويلة بينهما تم الاتفاق على أن يعرض على مجلس الرئاسة قادة الألوية فما فوقها من الرتب فقط. كما اتفقنا أيضًا على أن يوضع القانون موضع التنفيذ اعتبارًا من يوليو 1963. ,عبر جمال لنا عن ذلك بأن ما وصل إليه يعتبر حلاً وسطًا وبه يمكن الإبقاء على عبد الحكيم مع المجموعة ولا ينفصل عنها. وذكر أن عبد الحكيم سيجتمع بنا في مساء نفس اليوم ليتوجه معنا إلى اجتماع مجلس الرئاسة.

وانتهينا إلى هذا الحل الوسط على حد تعبير جمال ولكنه كان على حساب القيادة الجماعية الممثلة في مجلس الرئاسة. ولقد أضعف هذا الحل من قوتها بل وأثر على وجودها نفسه. وقد زاد ضعفها بعد ذلك حتى أصبح دورها ثانويًّا رغم أنها كانت هي أعلى سلطة في البلاد بحكم قرار تشكيلها. وحتى هذا الحل الوسط لم يوضع موضع التنفيذ – ولم يحترم ذلك القرار.

وكنت قد اعتقدت في البداية أن جمال جادًا في قيام التنظيم الذي تقوم فيه الدولة على مجموعة من المؤسسات السياسية، وأنه حريص على تحقيق ونجاح القيادة الجماعية من أعلى مستوى في القيادة إلى أدنى المستويات فيها. خاصة وأن هذه القرارات التنظيمية كانت قد صدرت على أثر انفصال سوريا من الوحدة والمأساة التي حدثت. وصدورها لم يكن إلا كدرس مستفاد لنا من أخطاء الماضي. ولكن سرعان ما نسي جمال هذه المأساة وعاد إلى عادته القديمة وهي محاولة الظهور بمظهر الرجل القوي وأنه المحرك لكل شيء ووراء كل قرار.

وعندما تبينت ذلك بالإضافة إلى ما سمي بالحل الوسط وإهمال قرار مجلس الرئاسة فكرت في أن أعتزل الحياة العامة وأن أكتفي بالدور الذي قمت به خلال الفترة السابقة من يوم قيام الثورة، ولاعتقادي أيضًا أن هذا الأسلوب المتبع في الحكم سيؤدي إلى نتائج وخيمة.

أحد حلين:

وكان أمامي أحد حلين – إما أن أتقدم باستقالتي فورًا أو أن أنتظر حتى تنتقل الثورة إلى المرحلة الجديدة من التنظيم بعد قيام مجلس الأمة في يوليو 1963، ثم أستقبل مع بداية تلك المرحلة.

وقد اخترت لنفسي الحل الثاني وكموقف مني في سبيل المحافظة على مظهر وحدة المجموعة، ولاعتقادي أيضًا أن في ذلك صالح بلدي ولأن أضراره أخف على وطني ولو أنه أقسى على نفسي. ولقد قمت بتنفيذ ما قررته لنفسي. وكان واضحًا لزملائي أنني متخذ هذه السياسة رغم عدم حديثي معهم فيها. ولم يفاتحني في ذلك أحد منهم غير حسن إبراهيم بعد عودتي من لندن التي كنت قد سافرت إليها في أوائل أغسطس 1963 لإجراء عملية جراحية بها وعدت منها في يوم 4 أكتوبر 1963.

وكان موعد انعقاد مجلس الأمة قد تأجل من يوليو 1963 إلى فبراير من العام التالي ثم إلى مارس من نفس العام بسبب التأخير في إعادة تنظيم الإتحاد الإشتراكي. وقد اضطررت أن أتحمل تلك المدة الزائدة عن يوليو 1963 ولكنني كنت أقاسي فيها معنويًّا ونفسانيًّا. وكان يهمني أن أعتزل الحياة العامة في سكون دون إثارة المتاعب لزملائي وعند إعادة التنظيم. وكنت أتصرف على هذا الأساس، فأحضر الحفلات الرسمية وأحاول إخفاء شعوري بعدم الرضا. ولا أذهب إلى مكتبي إلا مرة واحدة في الأسبوع لأستقبل فيها بعض السفراء الأجانب وبعض المواطنين الذين يرغبون في مقابلتي. وكنت أهدف بذلك إلى تغطية الشكل أمام الرأي العام ومنعًا لإثارة الشائعات. وكنت أستعجل مرور الزمن ليأتي اليوم الذي أستقيل فيه وقد اعتبرته يوم الخلاص مما كنت أقاسيه. وكنت أشعر أن الأيام تمر ببطء شديد حتى جاء يوم 4مارس 1964، ودارت فيه مناقشة بين جمال وكمال. وبيني كذلك وبحضور باقي الزملاء. وتقدمت بعدها باستقالتي يوم 16 مارس. ولكن ماذا دار في هذا اليوم من نقاش – سوف نرى ما سجلته يومياتي – وسيأتي ذكره في باب الاستقالة.


الباب السابع: الاستقالة

1-قيام مجلس الرئاسة.

2-اعتذاري عن تولي منصب الأمين العام للاتحاد الاشتراكي بالقاهرة.

3-اجتماع يوم 4 مارس 1964.

4-ضيق كمال.

5-صداقة أو علاقة عمل.

6-عدم توافر الحريات.

7-عبود باشا أحسن أم لينين.

8-تأثر جمال بالفكر الماركسي.

9-ملكية الشعب لأدوات الإنتاج بدلاً من سيطرته.

10-البرامكة.

11-الاعتداء على الميثاق الوطني.

12-الاعتراض على بعض مرشحي مجلس الأمة.

13-فشل القيادة الجماعية (مجلس الرئاسة).

14-مسئولاً وغير مسئول.

15-المشكلة جذرية.

16-نية كمال في الاستقالة.

17-نص خطاب استقالتي.

18-تحرك جمال – وما نشر في جريدة الأهرام عن الحريات والحراسات وقانون الطوارئ.

19-انفراد جمال بإصدار قرارات دون مجلس الرئاسة.

20-تعيين علي صبري رئيسًا للوزارة.

21-مفاجأة كمال باستقالتي.

22-استقالة كمال.

23-تعيين عبد الحكيم نائبًا أول.

24-فرض الحراسة على شقيقي.

25-إعفاء عبد الرؤوف نافع من منصبه.

26-تغيير تاريخ قرار فرض الحراسة على شفيق.

27-الاستفتاء على جمال.

28-رفع الحراسة عن شفيق وأسبابه.

29-الاعتذار عن العودة إلى المشاركة.

30-مضايقات أخرى لي من جمال.

31-رسالة من كمال إلى جمال "اتق الله".

32-اعتقال كمال.

33-وفاة حرم كمال.


الاستقالة

كنت من ضمن الذين اشتركوا في قيام ثورة 1952، ومن الذين أعدوا لها سنوات قبل قيامها. وقد ظللت متحمسًا لها وأعمل من أجلها بكل طاقتي طوال اشتراكي في مسئولية تسييرها بعد قيامها، وذلك لإيماني بها وبأهدافها وأنها لم تقم إلا لصالح شعبنا وبلدنا. وكنت طوال فترة وجودي مشتركًا بها، أمينًا عليها وأعمل لصالحها. وكنت لا أتردد في قول أو في عمل عندما أعتقد أنه يدعمها أو يجنبها المخاطر والأخطاء. وربما أكون قد أخطأت في عمل أو في رأي ولكن عذري أنني كنت أعتقد أنه الصواب. وربما أكون قد تجنبت الصدام من أجلها في مسائل فرعية ولكنني كنت عكس ذلك فيما أعتقد أنه يمس الأساس الذي قامت من أجله الثورة.

كانت الثورة جزء مني هي بالتشبيه كابني تمامًا عملت لها وجاهدت في سبيلها سنوات طوال قبل وبعد قيامها. وقدا ستنفدت من عمري زهاء خمسة وعشرين عامًا. ولم أكن أفكر في البعد عنها إلا عندما أرى أن هذا هو الصواب وأن المسئولية التاريخية تحتم على ذلك. وليس من السهل اتخاذ قرار يبعدك عن شيء عشت له وضحيت من أجله وأضعت جزءًا عزيزًا عليك من عمرك في سبيله. واتخاذ قرار البعد عن المشاركة في مسيرة الثورة لم يكن سهلاً على نفسي. ولابد أن يكون هناك من الأسباب القوية التي جعلتني مقتنعًا تمام الاقتناع أن هذا هو الصواب وأن فيه أيضًا صالح بلدي.

ولا أحب هنا أن أعدد الأسباب التي دفعتني إلى اتخاذ هذا القرار، وإنما سأترك للقارئ أن يقدر هو موقفي والظروف التي أحاطت بنا وأن يحكم بنفسه على صحة أو خطأ ما اتخذت من قرار. وحتى يكون منصفًا في حكمه لابد أن يضع نفسه مكاني وما كان يدور حولي من أحداث. وهذه المذكرات التي أقدمها إليه تعطيه صورة واضحة ومختصرة لما كان يجري. وقد حاولت قدر استطاعتي أن أكون أمينًا في نقلها إليه. وهي ليست من الذاكرة ولكنها عن يوميات كتبت في حينها. وأظن القارئ يتفق معي في أن أي ذاكرة لا يمكن لها بل ومن المستحيل عليها أن تختزن كل ما كتب هنا من وقائع بهذه الدقة مع تطور الأحداث السريع وبعد مرور هذه السنوات الطوال على وقوعها.

لقد رأيت أن أتقدم للقارئ بهذه المقدمة البسيطة قبل أن أبدأ في ذكر ما جاء في يومياتي عن استقالتي في هذا الباب. ولا يجب على القارئ أن يفصل ما سيأتي فيه عن باقي الأبواب الأخرى السابقة لأنه جزء مكمل لها وليس منفصلاً عنها. وهذه الأبواب بتتابعها وما جاء فيها ما هي إلا سلسلة متصلة ومرتبطة بعضها ببعض، ولا تكتمل الصورة إلا إذا نظر القارئ إليها كوحدة واحدة وأن كل منها مكمل للآخر. وعلى القارئ أن يحكم من خلالها على مواقف الأشخاص الذين صنعوا أو اشتركوا في صنع أحداث هذه الوقائع إذا أراد أن يكون منصفًا في حكمه. وليس هناك أشد قسوة من أن يحكم على شخص حكمًا جائرًا في أمر كان يعتقد أنه قد أداه بإخلاص وأمانة ولم يقصر في واجبه. ويزداد احساسه بهذه القسوة خاصة إن كان هذا الواجب وطني.

كان قد تشكل مجلس الرئاسة في سبتمبر 1962 كأعلى سلطة في البلاد بعد أن تقرر أن تقوم الدولة على مجموعة من المؤسسات السياسية. وحتى يقوم المجلس بدوره كقيادة جماعية كان لابد من أن يضع لنفسه تنظيمًا داخليًّا يمكنه من أن يؤدي هذا الدور كاملاً.

وكنت قد قمت بالاشتراك مع كمال الدين حسين منذ بداية تشكيل المجلس وبقرار منه بدراسة هذا التنظيم الداخلي. واقترحنا تنظيمًا يمكن المجلس من وضع السياسة العامة للدولة ويمكنه أيضًا من متابعة تنفيذها أو تعديلها أيضًا إذا اقتضى الأمر ذلك. وكان المجلس قد وافق على هذا التنظيم المتقرح وعلى أسماء الفنيين اللازمين للعمل فيه كذلك. وكان من المفروض أن تصدر القرارات الجمهورية المنفذة لقرار المجلس في هذا الأمر. ولكنها لم تصدر رغم إثارة تأخر إصدارها عدة مرات في اجتماعات مجلس الرئاسة.

ولم يكن في مقدور المجلس القيام بواجباته دون هذه التنظيمات. كما أنه لم يكن يصله أيضًا أية معلومات عما يجري في البلاد. وأصبح المجلس بذلك وهو المسئول الأول في الدولة في عزلة تامة عن مجريات الأمور ولا يملك من السلطة شيئًا.

خيبة أمل:

وكانت الشكوك قد بدأت تساورني أن جمال نفسه لا يريد أن يكون للمجلس فعاليته وقوته. ذلك لأنها إن وجدت فستنتقص من قوته السياسية ولو مظهريًّا على الأقل أمام الرأي العام. وهو ما كان يحاول دائمًا أن يتفاداه حتى يعتقد أنه المحرك الأساسي لكل شيء. وكنت قد ظننت في البداية أن جمال جادًا في قيام القيادة الجماعية، وأنه حريص على تحقيق نجاحها خاصة بعد انفصال سوريا وكدرس مستفاد من هذا الحدث. وقد أصبت بخيبة أمل أليمة عندما اتضح لي غير ذلك. هذا بالإضافة إلى ما كان قد جرى عندما تمسك عبد الحكيم بأن يظل يباشر سلطة القائد العام رغم قرار مجلس الرئاسة. وذلك الحل الذي توصل إليه جمال معه وهو ما سماه كما سبق وأن ذكرت في الباب السابق أنه حل وسط. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح المجلس لا يدعى إلى الانعقاد أيضًا إلا في القليل النادر.

وكنت قد قررت لنفسي عندما وجدت أن لا جدوى هناك ترجى من تغيير جمال لأسلوبه في الحكم أن أنسحب من الحياة العامة. ورأيت أن أنتظر ولا أتخذ هذه الخطوة إلا عند بداية المرحلة الجديدة من التنظيم والتي تبدأ بقيام مجلس الأمة في يوليو 1963. ولكن قيام هذا المجلس كان قد تأجل ولم يتم انعقاده إلا في 26 مارس 1964.

كما أنني كنت قد مرضت وسافرت إلى الخارج لإجراء عملية جراحية هناك. وعندما عدت في أكتوبر 1963 وجدت أن مجلس الرئاسة أصبح لا ينعقد بتاتًا. ولم يبق من دور يؤديه غير أن ترسل إلى أعضائه بعض المسائل الواردة من مجلس الوزراء للموافقة عليها بالتمرير. والمعروف كقاعدة عامة أنه لو اعرض عضو على مسألة مطلوب الرأي فيها بالتمرير استحال اصدار قرار بها إلا بعد عرضها على المجلس مجتمعًا. وكنت قد فوجئت بصدور قرار جمهوري في مسألة سبق أن اعترضت عليها عندما تم عرضها بالتمرير ولم يكن قد أعيد عرضها في اجتماع للمجلس. وبعد هذه الواقعة رأيت أن أمتنع عن النظر في أية مسائل مطلوب الرأي فيها بالتمرير، ونفذت ذلك بأن أصدرت أوامري إلى مدير مكتبي بأن يعيد مثل هذه المسائل إلى سكرتير عام مجلس الرئاسة ثانية دون أن يفض غلافها.

إلى أين نحن ذاهبون؟:

وكان جمال قد طلب مني في اجتماع عقد في منزله مع الزملاء في ديسمبر 1963 أن أتولى منصب الأمين العام للاتحاد الاشتراكي في القاهرة وذلك أثناء بحث إعادة تنظيمه. وقد فاجأني بهذا المطلب منه واضطررت إلى الاعتذار واقترحت أن يتولاه زكريا محيي الدين. ولما حاول عبد الحكيم اقناعي بأن أتولاه قلت: "إذا كان ولابد فمن الضروري أولاً أن نتعرف على الطريق الذي نسير فيه وإلى أين نحن ذاهبون". واقترح عبد الحكيم عندما قلت ذلك أن اجتمع مع جمال على انفراد دون باقي الزملاء لمناقشة هذا الأمر. وعلى ما يظهر أن جمال قد فوجئ بهذا الموقف مني فلم يتكلم. وحاول زكريا التهرب من هذا الذي اقترحته. وانصرفنا من هذا الاجتماع دون أن يبت في الموضوع ودون أن يحدد موعدًا لألتقي فيه مع جمال. وقد سألني حسن إبراهيم بعد الاجتماع ونحن في طريقنا إلى منازلنا "لماذا اتخذت هذا الموقف، وما الذي يدور في ذهنك". فأجبته بأنني قد نويت من مدة أن أعتزل الحياة العامة وأخذت لنفسي هذا القرار ولكنه فاجأني بهذا المطلب، وهو –أي جمال – لن يجتمع بي كما اقترح عبد الحكيم لأنه إن تم هذا الاجتماع فغالبًا لن نتفق وسيعجل ذلك باستقالتي".

وقد تجنب جمال فعلاً عقد هذا الاجتماع، وظللت على موقفي انتظارًا إلى قيام مجلس الأمة. ولكن في يوم 4 مارس 1964 حدث أن اجتمعنا جميعًا في منزل جمال ودون سابق ترتيب، وجرى فيه مناقشات، ولأهمية ما دار فيه أرى أن أوردها هنا للقارئ كما جاءت في يومياتي.

كانت جنازة المرحوم محمد فهمي السيد المستشار القانوني لرئيس الجمهورية يوم 4مارس 1964. وقد حضرها جمال وجميع الزملاء أيضًا لصلة القرابة التي تربط بينه وبين جمال. وكان جمال قد صحب معه في سيارته بعد الانتهاء من تشييع الجثمان كمال الدين حسين وتوجه إلى منزله وطلب منا اللحاق به هناك. وكان كمال حتى ذلك اليوم لا يزال معتكفًا من فترة طويلة في منزله بعد أن تقدم باستقالته ولم يكن قد بت فيها بعد.


ولقد بدأ الاجتماع في منزل جمال الساعة الثانية عشر ظهرًا وظل مستمرًا حتى منتصف الثامنة مساءًا. وحضر هذا الاجتماع كل من عبد الحكيم وزكريا وأنور وحسين الشافعي وأنا، بخلاف جمال وكمال.

علاقة العمل وعلاقة الدم:

وكان جمال قد بدأ الحديث بقوله أنه وهو في طريقه إلى حضور الجنازةف كر في أن يعود بعدها إلى منزله ومعه كمال الذي لابد سيجده يقوم بواجب العزاء. وأن غرضه من ذلك هو تصفية ما بينهما من خلاف. كما قال أيضًا إننا مقبلون على مرحلة جديدة بعد قيام مجلس الأمة. وأن التنظيم السياسي سيعاد النظر فيه. وهو يهمه أن يصفي الجو بيننا لنقف كتلة واحدة متحدة – على حد قوله – في مواجهة الرجعية التي تقاتلنا بشراسة. وطلب من كمال بعد ذلك أن يتكلم ويذكر ما يضايقه أو يشعر به.

وتكلم كمال وذكر خطاب استقالته وما كان قد ورد فيه عن الصداقة التي بيننا. وكيف أن جمال قد رد عليه وقتئذ بأن العلاقة التي بيننا هي علاقة عمل وليست صداقة. وعندما ذكر كمال ذلك حاول جمال أن يفسر هذه العلاقة بأنها علاقة دم. وأن الارتباط الذي قام بيننا من قبل قيام الثورة كان على أساس من الإيمان المشترك بأهداف وطنية. وحاول أن يبين أنه لا يمكن الفصل بين الصداقة والعمل. وأن كل واحد منا قد خرج يوم 23 يوليو 1952 كما خرج هو. وأن الثورة ثورتنا جميعًا. وأنه لم يفكر في أنه هو صاحبها بمفرده في يوم من الأيام – ولهذا فهو لا يفرط في أحد من المجموعة.

وكان واضحًا أنه قد تراجع عما سبق وذكره لكمال. ولكن كمال ظل متمسكًا ومرددًا أن هذا الذي ذكره كان قد صدر من جمال. وكان جمال محرجًا أمام باقي الزملاء، الأمر الذي دفعني إلى التدخل وأن أذكر لكمال أن ما قاله جمال يعتبر اعتذارًا منه ضمنيًّا لو كان قد بدر منه ما يذكره كمال ذلك حتى ننهي هذه المناقشة التي كانت قد طالت.


أين الحرية:

وانتقل كمال بعد ذلك في حديثه إلى الحريات وعدم توافرها. وأن لا أمن على حرية من يقومون بالنقد وأنهم مهددون في مورد رزقهم.

وقال جمال ما يفهم منه أن كمال لا ينفذ هذا، وأنه لا يسمح لأحد بمناقشته.

وسأله كمال "من الذي قال لك هذا – هيكل". وكان يقصد محمد حسنين هيكل رئيس تحرير جريدة الأهرام. وعاود كمال الكلام عن الحريات وذكر عدم توافر الحرية للصحافة، وانتقد ديكتاتورية القائمين عليها، وعدم سماحهم لغيرهم بأخذ الفرصة. وتكلم أيضًا عما هو وارد في الميثاق الوطني عن الحرية. وما جاء كذلك في تقرير الميثاق عنها. وذكر أنه كان يستغرب من طلب لجنة المائة التي كانت تعد تقرير الميثاق عندما كانت تتساءل عن ضمانات الحرية – ولكنه قد فهم الآن.

عبود أحسن.. أم لينين!!:

وتناول في حديثه كذلك الإشتراكية عندنا، وأنها لابد أن تنبع من ديننا وليست من نظريات وأفكار ماركس ولينين.

وسأله جمال "هل عبود باشا أحسن أم لينين".

وأجابه كمال على أنه يخبره بين الشيطان وإبليس ولكن يرضيه أن نلتزم بما هو وارد في الميثاق وتقريره.

واستمرت المناقشة لفترة طويلة حول ما أثاره كمال من ضرورة أن تكون اشتراكيتنا مستمدة أساسًا من الشريعة الإسلامية. ولكن تبين أن ليس هناك دراسات وافية حول ما يتمسك به كمال. وكان الجميع يرى عدم التقيد بهذا المبدأ حتى تتم الدراسة أولاً – وكمال ظل مصرا على ضرورة الأخذ به. ولكنه في النهاية وافق على أن لا يوضع هذا المبدأ موضع التنفيذ إلا بعد أن تستوفي الدراسة وعلى أن يستبعد الأخذ بالنظرية الماركسية.

جمال والماركسية:

ولقد قال جمال في سياق الحديث أنه متأثر بالفكر الماركسي ولكنه ليس بشيوعي. وأنه مؤمن أن اشتراكيتنا لابد أن تتطور إلى ملكية الشعب لأدوات الإنتاج بدلاً مما هو وارد في الميثاق عن سيطرة الشعب على هذه الأدوات. وهذه كانت نقطة جديدة لم يسبق له أن أشار إليها من قبل. وكنت لاحظت أن عبد الحكيم قد ذكرها قبل أن يقولها جمال ولكنني لم أعر ذلك اهتمامًا لعلمي أنه أي حكيم يخلط في تعريف مثل هذه الأمور. ولكن عندما ذكرها جمال سألته "هل هذا يسري على جميع الوحدات الإنتاجية مهما صغر حجمها". فأكد هذا وقال: "طالما أن هذه الوحدة بها عمال ومهم قل عددهم، ولأنه في هذه الحالة سيصبح هناك استغلال الإنسان لأخيه الإنسان". ولقد ضرب مثلاً بخاله الذي توفي وكان يكسب على حد قوله ستمائة جنيه في الشهر الواحد من تشغيل ثلاثة لوريات. وقال: "وهو طبعًا كان قاعد في المكتب ومستأجر سواقين ويكسب من عرقهم".

وسأله كمال: "هل الميكانيكي الذي يملك ورشة صغيرة ويعمل عنده اثنين من الصبيان ينطبق عليه نفس الحالة".

فأجابه جمال: "في تصوري أيوه – أو يشاركوه في الأرباح بنسب متساوية". وجاء رد كمال عليه مفاجأة له ولنا جميعًا على السواء وذلك بقوله: "يبقى في المشمش".

ويظهر أن المفاجأة في قول كمال عقدت لسان جمال – فينظر إليه باندهاش ولكنه لم يرد عليه.

وأراد عبد الحكيم أن يخفف من وقع ما قاله كمال فذكر أنه يقصد أن هذا سيحتاج إلى وقت طويل لتحقيقه.

القلق:

ثم عاد كمال وقال أن كل فرد أصبح غير مطمئن وقلق على مورد رزقه ويخشى أن يقطع عنه.

ورد عليه جمال بقوله أنه لا يرفت أحدًا وهناك لجنة خاصة للنظر في تظلمات من يصدر ضدهم قرار بالفصل من وظائفهم.

ولكن كمال استطرد وقال أن جمال أصبح يشتم الآن في الأتوبيس والترام. ولما استغرب جمال ذلك واستنكره قال له كمال: "تبقى الأجهزة إللي أنت معتمد عليها بتغشك".

البرامكة:

كما أشار كمال في حديثه إلى أن مجموعة الأفراد المحيطة بجمال أبصح يطلق عليها اسم البرامكة بين الناس.

ولما قيل له أن هناك أناس يتصيدون الآن في الماء العكر ويذكرون له هذا قال: "إنني كنت أسمع هذا عن البرامكة عندما كنت أزاول عملي، وكنت أقول للذين يعملون معي ويذكرون ذلك لي – بلاش كلام فارغ – كل واحد يهتم بعمله بس".

ولما سألنا جمال عما إذا كان أحد منا قد سمع عن البرامكة أيضًا، أجبته من أنني سمعت ذلك من عز الدين شرف شفيق سامي سكرتير جمال. وكان ذلك بعد أن أصدرت قرارًا بنقله من مكتبي إلى معهد التخطيط. وكان قد حضر إلى منزلي بعد صدور هذا القرار وطلب مني وهو يبكي أن أحتفظ به في مكتبي بحجة أن الكثيرين من معارفة قد شمتوا فيه. ولما سألته عن سبب هذه الشماتة منهم قال: "لأنهم يقولون عنا أننا البرامكة لوجود سامي في مكتب الرئيس ووجودي في مكتبكم وشقيق الآخر في الخارجية". ولقد أصررت بعد الذي سمعته منه على ضرورة تنفيذ قرار النقل.

محور بين كمال وبيني!!:

ولم يعلق جمال على ما ذكرته وهو كان يعتقد أن هناك محورًا بين كمال وبيني – وهذا غير صحيح. ولكن هذا الاعتقاد ظل يلازمه حتى توفاه الله رغم نفي ذلك له عدة مرات آخرها عام 1970 عندما عادت العلاقة بيننا في ذلك العام بعد قطيعة دامت ست سنوات.

وكان كمال قد ذكر أيضًا أن الناس فقدت ثقتها خاصة بعد اعتدائها على الميثاق الوطني بإصدارها قرارات التأميم لبعض الشركات في صيف عام 1963.

ورد جمال على ذلك بقوله: "أنت لم تكن حاضرًا الاجتماع، ولم تكن تعلم أن في هذا مخالفة للميثاق إلا من بغدادي عندما أبلغك اعتراضه على القرار".

اعتداء على الميثاق:

والذي حدث بالنسبة لهذه التأميمات هو أن جمال كان قد دعي مجموعتنا إلى الاجتماع به في منزله في مارس 1963. وعرض علينا إصدار قرار بتأميم بعض الشركات. وكنت قد اعترضت على اصدار مثل هذا القرار لمخالفته الميثاق الوطني. ولأن الميثاق ينص على أن لا تتخذ مثل هذه القرارات إلا بعد عرضها على المجالس الشعبية وأخذ موافقتها عليها. وكانت الأغلبية من الزملاء قد وافقت على القرار إلى أن يقوم مجلس الأمة في يوليو 1963، ثم يعرض الأمر عليه خاصة وأن المدة الباقية على قيامه لم تكن تتعدى شهور قلائل. وكان قد ظل متمسكًا بأن لا تعارض هناك في القرار مع الميثاق. ولكنه اتفق معي بعد ذلك أمام حسن إبراهيم بعد أن ألححت عليه ورجوته في عدم اتخاذ هذه الخطوة خشية أن يدفع ذلك الناس إلى عدم الاطمئنان وتهتز أيضًا ثقتها في الميثاق والذي تردد أنه دستور المستقبل. وذكرت له أيضًا أنه لا يصح له وهو المتبني للميثاق أن يكون أول من يعتدي عليه. وكان قد اقتنع بما ذكرته ولم يصدر القرار. ولكنني علمت بعد أن عدت من العلاج بالخارج في أكتوبر 1963 أنه كان قد دعى مجلس الرئاسة إلى الانعقاد في الأسكندرية في شهر أغسطس 1963 وأخذ موافقته على إصدار قرارات التأميم التي يشير إليها كمال. وكنت قد أبلغت كمال وهو معتكفًا في إحدى زياراتي له في شهر أبريل 1963 عن ذلك القرار الذي اتخذ مخالفًا للميثاق، وعن الحديث الذي جرى بعد ذلك بين جمال وبيني وموافقته على تأجيل إصدار هذا القرار حتى انعقاد مجلس الأمة.

فاتت علينا!!:

وأثار كمال بعد ذلك في حديثه ما جرى في القيادة السياسية واعتراضه على بعض مرشحي مجلس الأمة وأن هذا الذي جرى كان يتعارض مع مبدأ الحرية كل الحرية للشعب الوارد أيضًا في الميثاق".

وقد أجابه جمال بقوله: "أن هذه النقطة كانت قد فات علينا ولكننا عدنا وأصلحنا هذا الخطأ".

وتوقفت كمال عن الحديث عند هذا الحد – وحدثت فترة سكون طويلة. ولكن قطعها عبد الحكيم بسؤاله: "هل فيه حد تاني زعلان" فتكلمت وقلت أنني سأتكلم عندما يأتي ذكر إعادة التنظيم السياسي للمرحلة القادمة". وجاء رد جمال على هذا القول مني بأن ليس لديه أي مشروع خاص بالتنظيم لتلك المرحلة.

فقلت – لنتكلم عن التنظيم الحالي – وذكرت أن القيادة الجماعية الممثلة في مجلس الرئاسة قد فشلت ولم تحقق الغرض من وجودها، وأنها أصبحت لا تجتمع ولا يعرض عليها أي شيء من الأمور السياسية، ولا تصلها كذلك أية معلومات عن التطورات التي تحدث بالبلاد أو ما يجري فيها، ولا نعلم شيئًا عن الشئون الخارجية ولا عن المشاكل الداخلية ولا عن العمليات التي تجري في اليمن – وقد أصبحت بذلك معزولة تمامًا ولا تمارس مسئولياتها. وكيف يمكن لأعلى مستوى في القيادة السياسية أن يقود وهذه صورته.

فقال جمال: إن السبب هو Tention الشد الذي كان قد حدث بالمجلس.

فقلت: إن القيادة الجماعية لابد أن يحدث فيها تعارض في الآراء، ولابد أن نعود أنفسنا على هذا. ولا يمنع ذلك من استمرارها.

فقال جمال: إننا كنا نجتمع كثيرًا في الفترة الأخيرة.

فقلت: إن هذه الاجتماعات كان بغرض النظر في إعادة تنظيم الإتحاد الإشتراكي ولكن مجلس الرئاسة شيء آخر وهو لم يجتمع منذ أغسطس 1963 عندما أخذت قرارات التأميم.

ثم ذكرت أنني قد أصبحت معزولاً عن مجريات الحوادث وأصبحت بذلك مسئولاً وغير مسئول في نفس الوقت. وقد صبرت طوال الفترة الماضية حتى أعتزل الحياة العامة. عند إعادة التنظيم.

فقال جمال: إن المعلومات التي تصلني محدودة وهو لا تفي بالغرض الذي ذكرته.

فقلت: كان من الضروري معالجته.

فقال: لماذا لم تخبرني.

فقلت: سبق أن أثرت هذا في اجتماع مجلس الرئاسة وعددنا الأسباب التي أعاقت المجلس عن تأدية دوره. وكانت من ضمنها عدم وصول أية معلومات إليه. وكذلك عدم صدور القرارات الخاصة بتشكيل السكرتارية الفنية اللازمة له والتي لم تصدر حتى الآن رغم تكرار طلب اصدارها.

فقال: إنني وقعت على هذه القرارات.

فقلت: كيف هذا ولم تبلغ إلينا علينا رغم مرور أكثر من عام على التقدم بها. والمجلس قد تجمد لعدم وجود جهاز فني يعاونه في مسئولياته. وأنه لا يعقل أن تصدر هذه القرارات ولا يقوم عبد المجيد فريد (سكرتير المجلس) بإبلاغها إلينا وهو يعلم أنني قد أثرت هذا الموضوع أكثر من مرة في المجلس.

فقال: يعني أنا بخطط لعزلك عن الصورة.

فقلت: هذه هي النتيجة. وأنت مسئول عن نجاح القيادة الجماعية وهي هدف لأن مستقبل هذا البلد متوقف على نجاح هذا التنظيم على المستويات المختلفة، ونجاحه في أعلى مستوى يؤثر على المستويات الأخرى. وإلا فالبلد ستحكم حكمًا ديكتاتوريًّا في المستقبل. وأخشى أن يتسلط عليها فرد ويسومها العذاب إن لم نعمل على تلافي ذلك من الآن.

ولم يرد جمال على ما ذكرت لأنه كان يهدف إلى الصورة التي وصلنا إليها. ذلك لأنه كان قد أصبح لا يحتمل معارضة أن الاختلاف معه في وجهات النظر. ولكن عبد الحكيم هو الذي انبرى بالرد فقال إن الصورة لن تتضح إلا بعد وجود مجلس الأمة، لأنه سيكون هناك مكتب سياسي ومجالس شعبية ومجلس الأمة، وستصبح القيادة العليا بذلك في الصورة بالنسبة لما يجري في البلاد والمشاكل أيضًا.

فقلت: ربما يكون ذلك صحيحًا إلى حد ما إذا كانت هذه الأجهزة لها فعاليتها وأعطيت فرصة. ولكن إذا تكرر نفس الشيء كما حدث مع مجلس الرئاسة فسنكون قد أسأنا إلى هذا البلد.

وسأل جمال بعصبية: فيه إيه تاني.

وقد جاء أيضًا بيومياتي الآتي: ولم أشا أن أزيد عما ذكرته وذكره كمال ونويت أن أحتفظ بباقي النقاط في نفسي إلى أن تتضح لي صورة التنظيم الجديد لاعتقادي أن نفس الصورة ستتكرر ولكن بشيء آخر. فسيصبح هناك مكتبًا سياسيًّا بدلاً من مجلس الرئاسة ولجنة مركزية للاتحاد الاشتراكي. وأن يتشكل المكتب السياسي من مجموعتنا وستستمر سيطرة جمال طالما أن الاختصاصات والمسئوليات غير محددة ولا واضحة، وكثير من الزملاء قد استسلموا من مدة لمثل هذه الأوضاع. وهو قد وجد في ذلك تدعيمًا لقوته أمام الرأي العام وبين أفراد المجموعة كذلك.

وإني أرى أنه لن تكون هناك قيادة جماعية قوية بالمعنى المفهوم والمطلوب للمستقبل. وبدلاً من أن تقوم الدولة على مجموعة من المؤسسات السياسية لا على الأفراد فإن الدولة ستظل تدار بشكل إرتجالي وغير مضمون العواقب في المستقبل.

وكان قد حدث بعد سؤال جمال الأخير فترة صمت ثم عاد وتكلم هو بعدها وقال: "إن المشكلة جذرية فكمال أثار نقطة جديدة ولأول مرة وهي مسألة الدين، والبغدادي يتهمني بأنني أعمل على عزله عن الصورة العامة وأن القيادة الجماعية فشلت بسببي. وأنا موافق على أن أمشي وتعملوا أنتم قيادة جماعية ناجحة".

وحدث اعتراض من بعضهم على ما ذكره جمال. ولكنه أخذ يردد أنه على استعداد لأن يستقيل. وقيل له إن هذا حل غير عملي. واقتراح البعض أن يؤجل الاجتماع على أن يجتمع جمال على انفراد بكل من كمال وأنا. وفضل جمال أن نجتمع كلنا سويًّا. واقترح أن يؤجل الاجتماع إلى موعد آخر بعد أن ظللنا مجتمعين ما يقرب من الثمانية ساعات وحتى يمكن لنا أن نذهب لتقديم واجب العزاء في وفاة المرحوم محمد فهمي السيد في الصيوان المقام لذلك.

وأثناء توجهنا من منزل جمال إلى سياراتنا للذهاب إلى العذراء دفعني عبد الحكيم للركوب مع جمال في سيارته ثم دفع كمال كذلك. ولكننا لم نتبادل الحديث أثناء الطريق إلا بعد الكلمات البسيطة. وحضرنا العزاء وعند انصرافنا منه طلب جمال من عبد الحكيم وأنور مرافقته في سيارته رغم أن منزلهما في غرب القاهرة ومنزله في شرقها. ومن المفروض أن يتوجه كل منا بعد هذا الجهد إلى منزله ليسترح. ولكنني استنتجت من ذلك أنه يود أن يأخذ راحته في التعليق والتحليل معهما على ما دار أثناء الاجتماع. وكان كمال قد طلب مني أن أوصله إلى منزله بسيارتي. وقد صرح لي أنه نوى على عدم الاشتراك في الحكم بعدما ظهر له هذا الاتجاه الجديد الخاص بملكية الشعب لأدوات الإنتاج. وقلت أن هذا كان مفاجأة لي أنا الآخر أيضًا. ولكنني لم أشأ أن أصرح له في هذه اللحظة أو في أي وقت سابق عن اتجاهي إلى الاستقالة خشية أن يشجعه موقفي هذا على التمسك باستقالته. وكنت دائم القول له أنني في انتظار التنظيم الجديد وسأقرر موقفي من الاستمرار أو الاعتزال بعد أن تتضح لي صورته. وهوكان يحاول دائمًا اقناعي بضرورة الاستمرار دون الاستقالة. ولقد ودعته وأنا بالسيارة ولم أشأ الدخول معه إلى منزله خشية أن يظن خطأ أننتا نتفق سويًّا على موقف موحد.

ومرت الأيام بعد اجتماع 4 مارس دون أن ندعى إلى الاجتماع مرة ثانية كما اتفق. ولم أحاول الاتصال بكمال بعد ذلك الاجتماع حتى لا يفهم خطأ أننا نحاول التكتل للضغط على جمال.

وكان مجلس الأمة الجديد سينعقد يوم 26 مارس 1964. وكان لابد لي أن أتحرك وأحدد موقفي النهائي في عدم الاستمرار والمشاركة في المسئولية قبل هذا التاريخ. ولما جاء يوم الاثنين 16 مارس قمت بارسال خطاب استقالتي إلى جمال وهذا نصه:

السيد رئيس الجمهورية

بعد التحية.

إن موعد انعقاد مجلس الأمة الجديد قد قرب ومعنى ذلك بداية مرحلة جديدة من مراحل ثورتنا مما يتطلب بطبيعة الحال عادة تنظيم الأجهزة السياسية وعلى الأخص القيادات العليا منها على ضوء تجارب الماضي. ولما كنت غير راغب في الاستمرار في الحياة السياسية لأسباب سبق ذكرها في اجتماعنا الأخير بمنزلكم يوم 4 مارس 1964 وهي تتعلق بالمرحلة الحالية من التنظيم. وكما تعلمون أن مبدأ القيادة الجماعية مبني أساسًا على المسئولية التضامنية والمشاركة في اصدار القرارات وهو أمر حتمي لنجاح مثل هذه القيادة في مباشرة مسئولياتها. ولكنه قد ترتب على عدم وضع هذا المبدأ الأساسي موضع التنفيذ عدم قدرة هذا المجلس على القيادة والقيام بواجباته الجماعية وهي في نظري أساسية وضرورية لضمان الأمن والاستقرار السياسي في بلادنا في المستقبل.

ومما لاشك فيه أن هذه النتائج لها انعكاسات على أعضاء في مثل هذه القيادة. وقد تأثرت أنا شخصيًّا في خلال الفترة الماضية من هذه النتيجة في تحمل تلك المسئولية لذا قررت من فترة الانسحاب من الحياة العامة وعدم المشاركة في المسئولية في المرحلة القادمة من التنظيم التي تبدأ حسب تقديري من أول يوم لانعقاد مجلس الأمة الجديد – يوم 26 مارس 1964. متمنيًّا لك وللزملاء دوام التوفيق.

عبد اللطيف البغدادي

16مارس 1964

وبعد مضي ثلاثة أيام على إرسالي هذا الخطاب – أي في يوم الخميس 19 مارس صدرت جريدة الأهرام وقد جاء في صفحاتها الأولى وبعض الصفحة كلها "تطورات سياسية بالغة الأهمية". "عبد الناصر يصدر خلال أيام إعلانًا دستوريًّا بقواعد العمل السياسي والدستوري في الجمهورية العربية المتحدة".

"العمل بهذا الإعلان الدستوري يستمر حتى يتم مجلس الأمة المنتخب عملية وضع الدستور الجديد والدائم".

"إلغاء أية آثار ما زالت باقية الأحكام العرفية لقانون الطوارئ".

"الإفراج عن أي معتقل لا يكون هناك حكم قضائي يدينه في أية تهمة من التهم".

وعلق المحرر السياسي للأهرام وهو بطبيعة الحال الأستاذ هيكل على هذا. أما باقي الصحف فلم يرد فيها شيء مما ذكر في جريدة الأهرام.

وكتبت في يومياتي تعليقًا على هذا الذي نشر: ما الذي جعل جمال عبد الناصر يعلن هذا الذي نشر فجأة مع أنه كان قد ذكر في يوم اجتماع 4 مارس أنه لم يفكر بعد في التنظيم الواجب قيامه في المرحلة القادمة. وهو ينشر اليوم هذه التطورات بعد يومين من تقديم استقالتي إليه – فهل يا ترى هو يقصد من ذلك احراجي بعد تقديم استقالتي أمام الرأي العام من أنني غير موافق على تلك الإجراءات خاصة فيما يتعلق بالحريات وإلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية. أو هل هو يقصد بهذا النشر السريع أن تصبح استقالتي وكأنها لاحقة لتلك القرارات لا سابقة لها. خاصة وأن الرأي العام لا يعلم شيئًا عن تلك الاستقالة. ربما يكون هذا هو ما يقصده ولو أن بعد الظن إثم رغم أنني لا أستبعد هذا من جمال. ولكن الصبر والوقت كفيلان بإظهار الحقيقة.

وفي اليوم التالي الجمعة 20 مارس نشر أيضًا في جريدة الأهرام ما يلي: "تصفية الحراسات والتعويض عنها وعن التأميم".

"التعويض يصرف على شكل سندات بفائدة 4% قابلة للتداول في البورصة بحد أقصى يحدده القانون".

"تصفية الحراسات معناها تصفية أية آثار ترتبت عليها والهدف هو تصفية امتيازات الطبقة وليست تصفية أفرادها".

"الأثاث والمجوهرات والتحف لا تمس بأي شكل من الأشكال وتبقى لأصحابها الذين كانوا تحت الحراسة".

"لن تصرف أية تعويضات للذين تركوا البلاد ويعيشون الآن خارجها".

"مرحلة جديدة تبدأ مبرأة من كل العقد والرواسب التي نشأت عن الاستغلال الطبقي".

"المرحلة التي تمت حققت بالتأميم سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وقطعت خطوة ضخمة نحو إزالة المتناقضات الطبقية".

"الأهرام ينشر وثيقة هامة: كشف بالذين تزيد ذمتهم المالية عن 50 ألف جنيه من الذين خضعوا لأحكام الحراسة".

وعلقت على ذلك أيضًا في يومياتي وقد جاء به أن هذا الموضوع سبق الاتفاق عليه من جهة المبدأ من مدة طويلة وهو العمل على تصفية الحراسات قبل انعقاد مجلس الأمة. أما الطريقة والوسيلة التي ستتم بها هذه التصفية فلم تكن قد نوقشت بعد حتى إعلان هذا الذي نشر اليوم في جريدة الأهرام. وربما يكون الأمر قد عرض على الزملاء بعد تقديم استقالتي – وهذا ما أشك فيه.

ونشرت جريدة الأهرام أيضًا في يوم السبت 21 مارس وبعرض صفحتها الأولى كذلك:

"وزارة جديدة تعمل مع مجلس الأمة الجديد".

"علي صبري يرأس الوزارة الجديدة – والمنتظر أن يتم التشكيل خلال ثلاثة أيام".

"أعضاء الوزارة الجديدة يقسمون اليمين أمام رئيس الجمهورية ويحضرون اجتماعًا رسميًّا معه قبل بدء عمل مجلس الأمة الخميس القادم".

"الاستعداد لاصدار قانون المجالس الشعبية المنتخبة التي أشار إليها الميثاق".

"مراجعة دقيقة لجميع التعيينات التي تمت في مجالس إدارات شركات القطاع العام استعداد لمرحلة الانطلاق الجديدة".

"الإعلان الدستوري الذي ينتظر إذاعته بين لحظة وأخرى يتكون من 165 مادة أصلية ومادتين انتقاليتين".

"موعد انتهاء مدة رئاسة الجمهورية الحالي – ينص عليه في الإعلان الدستوري المنتظر".

"انتهاء العمل بالدستور المؤقت الصادر في سنة 1958 وانتهاء العمل بإعلان التنظيم السياسي لسلطات الدولة العليا الصادر في 1962 فور صدور الإعلان الدستوري الجديد".

أين مجلس الرئاسة!!:

وكتبت الآتي في يومياتي تعليقًا على هذا الذي نشر:

أن ما جاء في جريدة الأهرام يؤكد المعنى الوارد في خطابي لجمال وقراري باعتزال الحياة العامة حيث أن مبدأ القيادة الجماعية لم يوضع موضع التنفيذ. وما نشر اليوم وما سبق نشره في الأيام السابقة يؤكد لي أن هذه القرارات والإجراءات التي صدرت وأعلن عنها لم تعرض على مجلس الرئاسة كماي نص أمر قرار تشكيله. وأن كل ما نشر كان معدًا من قبل ومن مدة. وما يدهشني هو أن جمال كان قد صرح أمام جميع الزملاء يوم 4مارس أثناء الاجتماع أنه لم يفكر بعد في تنظيمات المرحلة المقبلة عندما سألته عن ذلك.

وما نشر مسائل لها خطورتها وهي تمس السياسة العامة للبلاد وتحدد خط سيرها في المستقبل. وهي لم تعرض على أعلى مستوى في القيادة السياسية. وحتى لو قيل أنها عرضت بعد تقديم استقالتي فهل يكفي يومين أو ثلاثة لعرض مثل هذه المسائل الهامة ومناقشتها. وإن كانت قد عرضت فيكون الغرض تغطية الشكل فقط وليس القصد من عرضها هو بحثها ومناقشتها بجدية.

وأخلص من هذا أنني كنت على حق عندما قررت اعتزال الحياة العامة. ولقد زاد اقتناعي الآن بما أقدمت عليه في عدم قبول الاستمرار في تحمل مسئولية المشاركة في نظام هذا هو أسلوبه. إنها لمسئولية تاريخية خطيرة أن نفرط في واجبنا وأن نتخذ موقفًا سلبيًّا إزاء ما يجري من تصرفات خاصة والمسئولية فيها تضامنية.

استهانة بالرأي العام:

كما أن اصرار جمال على تعيين علي صبري رئيسًا لمجلس الوزراء رغم فشله الواضح كرئيس للمجلس التنفيذي قبل ذلك التعيين مباشرة. ورغم موقف شقيق زوجته جمال فؤاد أيضًا في قضية الاستيراد والتصدير المعروضة حاليًا على القضاء، واتهامه فيها بالرشوة، وما يدور حولها كذلك من لغط كثير بين أفراد الشعب ليدل على أن جمال قد أصبح يستهين بالرأي العام، بل ويتحدى مشاعر الشعب كذلك أو أن الغرور قد تملكه.

هذا ما جاء في يومياتي تعليقًا على ما كان ينشر.

وكان كمال الدين حسين قد اتصل بي تليفونيًّا في الصباح المبكر من يوم الأحد 22مارس وطلب أن نلتقي. ولما حضر إلى منزلي اعتذرت له عن عدم اتصالي به منذ اجتماعنا يوم 4مارس، وصرحت له بأن السبب في ذلك هو أنني كنت قد عزمت على تقديم استقالتي بعد ذلك الاجتماع. وأنني لم أشأ أن أفصح له عن نيتي في الاستقالة حتى لا أشجعه على التمسك بموقفه، ولخشيتي أيضًا أن يعتقد جمال خطأ أننا نتخذ موقفًا موحدًا، وقلت له أنني انتظرت من يوم 4مارس على أمل أن نجتمع ثانية مع جمال كما كان قد اتفق بيننا ولكن لما لم نجتمع رأيت أن أرسل إليه استقالتي قبل أن ينعقد مجلس الأمة. وقد أرسلتها إليه يوم 16مارس. ولم يكن كمال قد سمع بها من قبل ولذا فوجئ بالأمر وطلب الاطلاع عليها لمعرفة ما جاء بها. وبعد أن اطلع على مسودتها ذكر لي أن عبد الحكيم كان قد اتصل به يوم الثلاثاء 17 مارس وحضر إلى منزله واجتمع به لمدة ساعتين حاول فيهما العمل على اقناعه بالاستمرار والمشاركة في المسئولية. وأبلغه أيضًا أن جمال يرغب في مقابلته في مساء اليوم التالي – الأربعاء 18مارس. وأنه أي جمال متفق مع كمال فيما أثاره من نقاط يوم الاجتماع 4مارس.

ويقول كمال أنه أقنع عبد الحكيم بأن النقاط التي كان قد أثارها في منزل جمال أنها واردة في الميثاق وتقريره، وقد أطلعه عليها. وأنه أي عبد الحكيم أبدى له اقتناعه بها. وتناقش مع كمال عن الدور الذي سيكون مسئولاً عنه في المرحلة المقبلة من الحكم. وأنه سيكون عضوًا في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي كما سيكون مسئولاً أيضًا عن أجهزة الرقابة في الدولة. ولكن بعد أن انصرف عبد الحكيم من عنده اتصل به كمال تليفونيًّا وأبلغه أن صورة المشاركة التي ذكرها له غير واضحة وطلب منه عدم إبلاغ جمال بموافقته عليها. ولكن اتضح أن عبد الحكيم كان قد أبلغ جمال بالحديث الذي جرى بينهما وبموافقة كمال أيضًا على المشاركة.

وقال كمال أنه عندما تقابل مع جمال في اليوم التالي 18مارس – وأعاد إلى سمعه ما كان قد ذكره يوم 4 مارس فقد استمع إليه جمال بل ووافقه على كل النقاط التي كان قد سبق وأثارها.

لا يعلم شيئًا:

ويستطرد كمال ويقول إنه لا يعلم شيئًا عما أعلن على صفحات الجرائد من تنظيمات سياسية. كما وأنه لا يوافق عليها. وأن هذا الذي نشر ليس هو ما اتفق عليه مع جمال وأنه قد حاول الاتصال بي في اليوم السابق لهذا اللقاء بيننا ليستفسر مني عن حقيقة هذا الذي نشر – وهل نوقش من الزملاء أم لا. ولما لم يجدني فقد حاول الاتصال بعبد الحكيم ولكنه علم أنه قد سافر إلى برج العرب من يوم الخميس 19 مارس ولم يحضر بعد. وذكر كمال أن وجود عبد الحكيم هناك في برج العرب في نفس الوقت الذي تعلن فيه هذه القرارات أمر غير طبيعي، وأنه ربما يكون قد وقع خلاف بينه وبين جمال. واستفسر مني عما إذا كان لدي علم بشيء عن هذا. فأجبته بأن لا علم لي بشيء. ولكنني ذكرته بما كان قد صرح به جمال يوم الاجتماع عن التنظيم السياسي في المرحلة المقبلة وأن ليس في ذهنه شيئًا عما سيكون عليه.

هل نحن عيال؟:

وقال كمال أنه يحاول منذ اليوم السابق الاتصال بعبد الحكيم ليخبره بعدم موافقته على المشاركة بعد أن اتضحت له الصورة على حقيقتها بعد النشر الذي جرى على صفحات الجرائد. وكان متأثرًا لاعتقاده أنه خدع من عبد الحكيم وجمال. وقال: "هل هم يعتقدون أننا عيال ويلفون علي بهذا الشكل". وقام متجهًا إلى تليفون منزلي ليحاول الاتصال منه بعبد الحكيم في برج العرب. ولكنني طلبت منه أن يقوم بهذا الاتصال من تليفونه الخاص حتى لا يفهم خطأ أنني الذي دفعته إلى هذا التراج منه وشجعته عليه. والله يعلم أنني بريء من هذا.

وانصرف كمال من منزلي على أنه سيحاول الاتصال بعبد الحكيم ليخبره بتصميمه على الانسحاب بعد أن اتضحت له الحقيقة وحتى يقوم بإبلاغ ذلك إلى جمال.

ولم يستغرق وجود كمال في منزلي أكثر من نصف ساعة.

وبعد خروجه اتصل بي حسن إبراهيم تليفونيًّا من منزله وطلب زيارتي. وهو كان في الأسكندرية منذ يوم الأحد 15مارس ولم يعد إلا اليوم صباحًا وذكر أنه سيمر علي بعد ساعة.

سحب البساط:

وبعد أن حضر دار حديثنا حول نشاطه في الإتحاد الإشتراكي في الأسكندرية. وأنه يعتقد أن التنظيم بصورته القائمة لا يرجى منه ولا أمل فيه. وإنه يعلم أن هناك تيارات مختلفة في الأسكندرية تعمل ضده وعلى إضعاف مجهوده. وهو يخشى أن يسحب البساط من تحت قدميه – على حد قوله – بعد أن يكون قد بذل جهدًا هناك. وكان يقصد أن أشقاء جمال وخاصة الليثي هم الذين يعملون على إضعاف مجهوده هناك.

ثم أخبرني بعد ذلك أنه علم باستقالتي من زكريا محيي الدين عندما اتصل به حسن تليفونيًّا من الأسكندرية. وأن زكريا قال له: "إزاي أنت قاعد عندك والدنيا ملخبطة هنا في القاهرة". ولما استفهم منه حسن عما يقصده أخبره بموضوع الخطاب الذي أرسلته إلى جمال وذكر له مضمونه. وقال له أيضًا: "لماذا يكتب بغدادي الاستقالة بالشكل ده – هل هو يعني سينشرها – وفين وإزاي".

ولقد سألني حسن عن الموضوع وتطوراته – فشرحته له بدءًا من يوم اجتماعنا في منزل جمال في 4 مارس حتى يوم ارسال الخطاب إليه. وما دار في هذا الاجتماع. وأخبرني أنه كان قد عاد من الأسكندرية بعد هذا الاجتماع ببضعة أيام وتقابل مع جمال وعلم منه باختصار ما دار من نقاش في ذلك اليوم. وأنه اتصل بجمال قبل حضوره إلي مباشرة وأن جمال قرأ عليه خطابي الذي أرسلته إليه. وبعد أن انتهى من قراءته له علق عليه بقوله: "هو إحنا سنتعامل مع بعض بالجوابات ولا إيه".

أعصاب في ثلاجة:

ويقول حسن أنه أبلغه بما كنت قد سبق وذكرته له من أنني ضاغط على أعصابي وقد وضعتها في ثلاجة، وأنني سأبذل كل جهدي في الاستمرار حتى بداية المرحلة الجديدة من التنظيم محاولاً تجنب إيجاد أية مشاكل وحتى لا يقال أنني وضعتهم في Corner مأزق.

وسألت حسن عن صورة نظام الحكم في المرحلة الجديدة – وهل هناك أمل في أن يعدل جمال عن طريقته وأسلوبه في الحكم.

فأجاب: "أنني متفق معك على أن الصورة ستستمر على ما هي عليه، والتنظيم الذي ذكره جمال لي في التليفون يعطي نفس نتائج التنظيم السابق. والتنظيم المقترح يتلخص في وجود مجلس أمة –ومجلس وزراء، والمسئولية فيه تضامنية – ونائب أول لرئيس الجمهورية مع نواب آخرين له – ونواب لرئيس الوزراء كذلك".

ويقول حسن أنه اعترض على وجود نواب لرئيس الجمهورية واقترح على جمال أن يكتفي بنائب واحد يقوم بمتابعة الصورة العامة والمسائل المختلفة مع رئيس الجمهورية، وعلى أن يقوم باقي الزملاء بالعمل في الإتحاد الإشتراكي أو كمستشارين للرئيس. ولكن جمال اعترض على اقتراحه بحجة أن الناس في بلدنا لا تحترم إلا أصحاب المناصب. وأنه أبلغ حسن عن نيته في تعيين عبد الحكيم نائبًا أول له.

لا أمل يرجى:

فقلت لحسن إذا كان ما ذكرت هو التنظيم الجديد المقترح فلا أمل هناك يرجى في التغيير، والذي يدل على ذلك هو أنه رغم الاعتراض على الأسلوب الجاري والمطالبة بالانسحاب وعدم المشاركة في المسئولية فإنه أي جمال قد أعلن ما أصدره من قرارات في الصحف دون أن يعرضها على مجلس الرئاسة.

وتساءلت – هل هو اجتمع بكم لمناقشة هذه المسائل قبل إعلانها. ولكن حسن أجابني بالنفي، ومن أنهم لم يعلموا بها إلا بعد نشرها في جريدة الأهرام.

فقلت: في الماضي وعندما لم يكن هناك قيادة جماعية – والمسئولية كانت فردية وليست تضامنية كما هي في القيادة الجماعية فمثل هذه الأمور لأهميتها كانت تعرض علينا لمناقشتها وأخذ الرأي فيها. ولكن اليوم ورغم وجود قيادة جماعية فإن التصرف يتم وكأن تلك القيادة غير موجودة. وإن هذا الذي حدث يزيد من اقتناعي فيما أقدمت عليه.

وسألني حسن عما يذكره لجمال لأنه على حد قوله في انتظار رد مني على العودة والمشاركة في المسئولية. وكان حسن قد حاول أن يقنعني بذلك ولكن منطقه كان ضعيفًا لأنه هو نفسه لم يكن مقتنعًا بما يحاول أن يقنعني به.

وأجبته أن يبلغ جمال تمسكي بقراري في الانسحاب من الحياة العامة. وأن هذا لا يمنع من عودتي إلى المشاركة ثانية إذا تبين لي مستقبلاً أن الظروف مهيأة أكثر لهذه المشاركة وأن صالح بلدي يتطلب مني هذا.

سيارة كمال:

وأخبرني حسن أن جمال يعتقد أن هناك محورًا بين كمال وبيني. وقد دلل له جمال على ذلك بأن علي صبري كان قد أبلغه أنه شاهد سيارة كمال واقفة أمام باب منزلي في مصر الجديدة أثناء اعتكافه وعدم حضوره اجتماعاتنا – وكان هذا صحيحًا. وقد أكدت لحسن أنني لم أقطع زياراتي لكمال خلال فترة اعتكافه ذلك لاقتناعي أنه لا يصح أن يقف أي خلاف سياسي بيننا حائلاً دون استمرار صداقتنا.

وذكر لي حسن قبل أن ينصرف من منزلي أنه سيرفض منصب نائب الرئيس وأنه سيكتفي بأن يكون أمينًا عامًا للجنة الإتحاد الإشتراكي في الأسكندرية. وبمناقشته في ذلك وجدت أنه على حق، وأنه احترامًا لنفسه لا يصح أن يكون نائبًا للرئيس مسئولاً وهو في نفس الوقت لا يمارس مسئولية هذا المنصب.

وكانت جريدة الأهرام قد طالعتنا أيضًا في نفس اليوم 22مارس بالعناوين الآتية: "المبادئ الهامة في الإعلان الدستوري الجديد".

"الإعلان الدستوري نص على احترام أنواع ثلاثة من الملكية:

ملكية الشعب – الملكية التعاونية – الملكية الخاصة".

"مجلس الأمة يملك سحب الثقة من الحكومة كلها أو من بعض أفرادها وعليهم أن يستقيلوا إذا حدث ذلك".

"مجلس الأمة هو الذي يرشح رئيس الجمهورية ويعرض اسمه على الشعب للاستفتاء العام".

"عبد الناصر أصدر أمس قانون دعوة مجلس الأمة الجديد إلى الاجتماع يوم الخميس القادم".

"وافق مجلس الرئاسة أمس على قوانين تصفية الحراسات والتعويض عنها وعن التأميم".

"علي صبري يشرع في عملية تشكيل الوزارة الجديدة، والتشكيل الوزاري يعلن يوم الثلاثاء".

"عناصر جديدة تدخل الوزارة لأول مرة ويفكر في أن يكون لرئيس الوزراء عدد من نواب رئيس الوزراء".

وجاء الآتي في يومياتي تعليقًا على ما دار من حديث بيني وبين كل من كمال وحسن:

"ماذا يفهم من حديث كمال ومن حديث حسن.

محاولة استمالة كمال:

إنني أظن أنه عندما وصل خطاب استقالتي إلى جمال فقد اعتقد خطأ أنني قد أقدمت على هذه الخطوة بعد أن تأكد لي اصرار كمال على الاستقالة. وهو لهذا عمل من جانبه على استمالة كمال إليه واقناعه في العودة إلى المشاركة في المسئولية. واعتقد جمال أن استجابة كمال إليه ستضعف من موقفي وبالتالي تنهار خطتي واضطر بعد ذلك إلى العودة والمشاركة أو أن أستقيل منفردًا دون كمال، وأنني لا أعتقد أن جمال كان قد استقر رأيه قبل وصول خطابي إليه على قبول استقالة كمال. ولكن خطابي وما جاء به ربما هو الذي جعله يغير من تفكيره ويعيد النظر في خطته. والذي يؤكد ذلك هو عدم اتصاله بكمال من يوم اجتماعنا في منزله حتى يوم الثلاثاء 17 مارس عندما أرسل عبد الحكيم إليه ليقنعه بالمشاركة. وهو لم يتحرك في الاتصال به إلا في اليوم التالي لخطابي. ولقد تجنب كل من جمال وعبد الحكيم ذكر أي شيء عن استقالتي لكمال عند التقائهما به. وأنني أعتقد أيضًا أن جمال قد تظاهر فقط بأنه متفق مع كمال في كل النقاط التي كان قد أثارها يوم الاجتماع وذلك بهدف إرضائه حتى يحصل منه على موافقته في الاستمرار معهم دون أن يستقيل.

ولقد بدأ جمال يعلن عن تلك القرارات التنظيمية وغيرها في الصحف بعد أن اطمأن علىم وافقة كمال، وفي اليوم التالي لهذه الموافقة مباشرة. ولكن كمال ثارت في نفسه الشكوك عندما فوجئ بما ينشر في جريدة الأهرام. وجاء إلى منزلي ليستفسر مني عن حقيقة هذا الذي نشر. وحتى اليوم 22مارس عندما جاء إلي لم يكن يعلم شيئًا عن استقالتي. وكانت مفاجأة له. وأعتقد أن الصورة قد اتضحت له فجأة وعرف أن جمال لم يكن حادًا عندما وافقه على وجهة نظره. ولقد أحس كمال أنه خدع ولذا قرر ثانية وهو في منزلي أن يستقيل.

المنصب والمبدأ:

أما الحديث مع حسن فإنني أستدل منه على أنه مقتنع بموقفي، وأنه لا أمل يرجى في المستقبل. وما ذكره عن نية جمال في تعيين عبد الحكيم نائبًا أول له فأعتقد أن غرض جمال من ذلك هو أن يشاع أنني لم أستقل إلا بسبب الخلاف على من يتولى هذا المنصب. أي أن الخلاف على منصب وليس على مبدأ. وهو يعتقد أيضًا أن هذا سيضعف من موقفي في الاستقالة. أو ربما يكون غرضه هو محاولة إبعاد عبد الحكيم عن الجيش وذلك لأن الأمر لا يستقيم في أن يستمر يقود الجيش مع وجود رئيس وزراء ووزراء ومسئولياتهم تضامنية أمام مجلس الأمة وهو غير خاضع لهذه المسئولية. وأما تعيين عبد الحكيم نائبًا أول رغم رأي جمال فيه وما قاله عنه أثناء الخلاف معه فليس هناك من مساءلة لجمال عنها إلا أمام التاريخ إن عرفت الحقيقة يومًا ما.

أما موقف جمال من اصدار تلك القرارات وإعلانها دون التشاور مع مجلس الرئاسة المسئول معه تضامنيًّا فلا يمكن لي أن أفسرها إلا أنه يحاول بوضوح دون مواربة الانفراد بالسلطة حتى تصبح أمرًا واقعًا. ولا أعرف كيف سيكون موقف الزملاء أمام هذا التصرف منه. إنها مسئولية كل منهم أمام التاريخ.

الانتقام: حراسة واعفاء:

ولم يكن قد مضى أكثر من أربعة وعشرين ساعة بعد زيارة كمال لي وبعد انسحابه من المشاركة في السلطة حتى اتخذ جمال إجراءً تعسفيًّا مع شقيقي. فلقد علمت في الصباح المبكر من يوم الثلاثاء 24مارس أنه أصدر أمرًا بوضع شقيقي سعد تحت الحراسة. وقد تألمت في نفسي أن يصل جمال إلى هذا الحد من محاولة الإساءة إلي. وقد اتخذ هذا الإجراء رغم الإعلان الدستوري الذي كان قد أعلنه قبل ذلك بيوم واحد فقط. ورغم قراره أيضًا الخاص بإلغاء قانون الحراسات والعمل على تصفية الموجود منها.

ولما أبلغت كمال بالإجراء الذي اتخذه جمال فوجئ واستغرب التصرف. وأبدى لي أسفه بعد أن ذكرت أن الذي دفع جمال إلى هذا الإجراء هو ضيقه من انسحاب كمال ثانية ورفضه المشاركة في المسئولية.

وكنت قد اتصلت بصديقي عبد الرءوف نافع وطلبت منه الحضور إلى منزلي حتى أسلمه يومياتي ليخفيها عنده ذلك لأنني خشيت أن يقوم جمال بالمزيد من الإجراءات التعسفية معي.

ولكن عندما حضر عبد الرءوف إلى منزلي علمت منه أن جمال قد أمر بإعفائه من منصبه كعضو منتدب لدار الهلال. وأنه قد علم بالخبر من الأستاذ علي أمين الصحفي قبل أن أتصل به بنصف ساعة فقط. وأن الدكتور عبد القادر حاتم وزير الإعلام قد اتصل به أيضًا وأبلغه بالقرار.

ولقد علمنا فيما بعد أن سبب اتخاذ جمال هذا القرار هو أنه علم أن عبد الرءوف كان قد تحدث إلى الأستاذ علي أمين عن تقديمي لاستقالتي وذكر له مضمونها الذي سبق أن أعلمته به. وعلم جمال بذلك الحديث الذي جرى بينهما من الأستاذ مصطفى أمين شقيق علي.

وكان حسن إبراهيم قد حضر إلى منزلي أيضًا بعد أن اتصلت به. ولما علم بخبر إعفاء عبد الرؤوف من وظيفته وفرض الحراسة على شقيقي قال: "إن رأسي دارت بعد سماع الخبر – هل إحنا وصلنا للحد ده من محاولة الإساءة إلي بعضنا".

ودار الحديث بيننا حول الأسباب التي دفعت جمال إلى القيام بهذه التصرفات. وكان الرأي أنها عملية انتقامية، وكرد فعل منه للذي حدث خاصة بعد عودة كمال إلى الانسحاب والاستقالة. وكذا خطابي الذي اعتبره جمال – على حد قول حسن – أنني قصدت به أن أسجل عليه تاريخيًّا أنه هو السبب في فشل القيادة الجماعية.

وكنت قد علمت في يوم الأربعاء 25مارس أن الذين كلفوا بوضع الأختام على مكتب شقيقي هم من جهاز المباحث العامة، وأنه قد طلب بعد ذلك من إدارة الحراسات أن تتولى الأمر. ولكن المسئولين فيها كانوا في حيرة من أمرهم ولا يعرفون كيف يتصرفون لأن قرارًا كان قد صدر بإلغاء تلك الإدارة يوم 21 مارس 1964. وليس هناك أيضًا من سند قانوني لهم لتنفيذ أمر الحراسة لأنه صدر بتاريخ 24 مارس وبعد إلغاء تلك الإدارة.

تغيير في تاريخ القرار:

ولكنني عملت في مساء نفس اليوم أن تعليمات جديدة قد صدرت إلى إدارة الحراسات بأن تعتبر أن قرار فرض الحراسة كأنه صدر بتاريخ 13 مارس وليس بالتاريخ السابق الذي صدر به. واستغربت التصرف ولذا جاء في يومياتي تعليقًا على ذلك – أنني لا أعرف كيف رضي جمال لنفسه أن يتخذ هذه الخطوة وأن يغير من تاريخ القرار بعد أن أطلع عليه موظفين صغار. وأن يعتدي بهذا الشكل على القانون الذي أصدره ولم يجف حبره بعد، وعلى الدستور أيضًا الذي أعلنه فقط في اليوم السابق لاصدار هذا القرار بالحراسة.

ولا أعرف أيضًا لماذا اختار جمال يوم 13 مارس بالذات – هل حتى يصبح وكأن خطاب استقالتي لاحق لهذا القرار منه – وهل هو لا يعلم أن الحقيقة لابد أن تتضح في يوم من الأيام – وهل هو نسي أيضًا أنني أشرت في خطاب استقالتي إليه أن الأسباب التي تدفعني إلى الانسحاب من الحياة العامة قد سبق لي أن ذكرتها يوم 4 مارس عندما اجتمعنا في منزله. وخطابي إليه ما هو إلا تأكيد لهذا الذي سبق أن قلته يوم الاجتماع".

سؤال واجابتين:

وكنت قد سألت جمال في مايو عام 1970 بعد أن عادت علاقاتنا معًا عن سبب اتخاذه هذا الإجراء الخاص بالحراسة وذلك أثناء تناول العشاء بمنزلي والذي حضره معه كل من أنور السادات وحسين الشافعي وعلي صبري. وكان قد أجاب أن السبب هو عبد الرؤوف نافع إشارة منه إلى أنه تضايق عندما علم أن عبد الرؤوف قد تحدث عن استقالتي إلى بعض الصحفيين. ولكنه عاد وأجابني إجابة أخرى بعد أن أعدت عليه نفس السؤال بعد ذلك بحوالي ستة شهور وكانت إجابته أنه لما وجد الناس تتكلم عن استقالتي فقد رغب – على حد قوله – في أن يتحدثوا عن شيء آخر – وذكر – أنهم فعلاً قد نسوا الاستقالة وأخذوا يتحدثون عن موضوع الحراسة. واستغربت أن يجيبني بهذه الإجابة. ولكنه على ما يظهر كان قد تعمد أن يقول ذلك ضيقًا مني لأنني أعدت عليه نفس السؤال، وكنت ألقيه عليه كنوع من العتاب.

ولكن جمال بعد عام تمامًا من فرض الحراسة على شقيقي كان قد عاد وأصدر قرارًا آخرًا في يوم الخميس 18 مارس 1965 برفعها عنه. وجاء في نص هذا القرار: "أن ترد إليه كل ممتلكاته وأمواله وكأن القرار السابق لم يكن". وقد اتخذ جمال هذا القرار بعد أن ظهرت نتيجة الاستفتاء عليه كرئيس للجمهورية والذي تم يوم الاثنين 15مارس 1965. وكانت النتيجة قد أعلنت يوم الثلاثاء 16مارس وحصل فيها على نسبة 99.999% من أصوات الناخبين. وذكر في الصحف أنه لم يعترض عليه سوى 65 شخصًا فقط. وقد ترددت شائعات كثيرة على ألسنة الناس حول هذه النتيجة وكيف كان يجري الاستفتاء.

انتابتني الدهشة:

وكنت قد عرفت سر إصداره قرار رفع الحراسة عن شقيقي من محمد حسنين هيكل ثم تأكد لي أيضًا من حسن إبراهيم ومن مصادر أخرى. وكان هيكل قد طلب مقابلتي في نفس اليوم الذي صدر فيه هذا القرار. وكنت قد قمت بواجب العزاء في وفاة والده في صباح نفس اليوم. ولقد تقابلنا في منزلي يوم السبت 20مارس 1965. وكان الحديث يدور بيننا في موضوعات بعيدة عن السياسة عندما فاجأني وأشار إلى موقفي وتقديره لموافقتي على جمال عند التصويت عليه في الاستفتاء. وانتابتني الدهشة ذلك لأنني لم أكن قد بحث لأحد عن هذا الموقف مني، والتصويت كان سريًّا. ولما سألته عن مصدر هذه المعلومات أجاب أن جمال كان قد علم بذهابي إلى إحدى اللجان للتصويت في الاستفتاء. وأنه اهتم بنتيجة تلك اللجنة التي أدليت فيها بصوتي. ولقد تأثر على حد قول هيكل عندما اتضح له موافقتي عليه لأنه لم يكن هناك من معترض واحد في تلك اللجنة. وذكر هيكل أن ما يعلمه من جمال هو تقديره لي خاصة موقفي أثناء الاعتداء الثلاثي. وأنه إذا كنت قد تضايقت من تصرفات جمال معي بعد الاستقالة فهو أيضًا قد ضايقه خطابي إليه. ذلك لأن ضيغته على حد قوله توحي بأنها كانت للنشر. وأن بعض فقرات منه كانت تتردد على ألسنة بعض الناس. وأنه كان يشاع أيضًا أنني لم أكن موافقًا على القرارات التي أصدرها مجلس الرئاسة بتأميم بعض الشركات في أغسطس 1963.

وقد رددت على ما ذكره هيكل بأنني عندما كتبت خطاب استقالتي لم يكن في ذهني هذا الذي أشار إليه، ولم أعمل على ذلك أيضًا. وأما عما يشاع من عدم موافقتي على قرارات التأميم فليس لي ذنب فيها لأنها أصدرت عندما كنت مريضًا في لندن. وأما رأيي بالنسبة لها فكان معروفًا لجميع الزملاء قبل إصدارها بما يقرب من الأربعة شهور. ولم يكن اعتراضي عليها إلا لأنها مخالفة للميثاق الذي كان من الواجب علينا التمسك به واحترام ما جاء فيه.

وحاول هيكل الدفاع عن جمال في بعض تصرفات صغيرة كان قد اتخذها لمضايقتي. وقد أشعرني أيضًا بسروره لانتخابي جمال، ووصف هذا التصرف مني بالرجولة.

وقرار جمال بفرض الحراسة على شقيقي كان قد جاء كرد فعل منه لضغبه بعد انسحاب كمال واستقالته. وقراره برفعها عنه جاء أيضًا كرد فعل منه لرضاه عن موقفي من الاستفتاء عليه.

زوج ابنتي في القائمة السوداء:

ورغم هذا فلم يقف إيذاء جمال عند هذا الحد لكنه تعداه أيضًا إلى زوج كريمتي المهندس محمد محمود نصير. وهو كان يعمل بالخارج في الأعمال الحرة ومقيم في لندن منذ أن تزوج ابنتي بعد استقالتي بشهور قليلة. وكان قد حضر مع زوجته وطفله الصغير إلى القاهرة في إجازة لمدة أسبوع في شهر نوفمبر عام 1966. ولكنه منع من السفر عندما أراد العودة إلى عمله وحجز في مصر، ووضع اسمه في القائمة السوداء. وقد ضايقني هذا التصرف من جمال ولكننني لم أحاول الاتصال به لرفع هذا الظلم الذي وقع على زوج ابنتي. وقد طرق زوج كريمتي جميع أبواب معارفه وهم كثيرون ومنهم زكريا محيي الدين وهيكل ولكن جمال صمم على موقفه ولم يستجب لأحد. ولقد تحطم ما كان قد بناه زوج ابنتي بالجهد الشاق والعرق وضاع عليه جهد عامين. وظل بالقاهرة يبحث عن عمل له لعدة شهور دون جدوى إلى أن عينه هيكل في جريدة الأهرام ليتولى أمر وحدة العقل الحاسب الذي أنشأ بالجريدة. وهو كان ذو خبرة سابقة في هذا العمل قبل أن يتجه إلى الأعمال الحرة. ومن الطبيعي أن هذا التعيين لم يتم إلا بعد أخذ موافقة من جمال عليه. ولم يكن هناك من سبب لهذا الإجراء الذي اتخذه جمال ضد زوج ابنتي غير أنه كان قد استقبل مع زوجته من المسئولين في الأردن أحسن استقبال مجاملة منهم لي. وكان قد سافر إليها في عمل قبل منتصف عام 1966. ولكن لما أبلغ جمال بهذا الاستقبال لهما انتابه الشك. واعتقد خطأ أن زوج ابنتي موفقد من قبلي في مهمة سياسية. وقد دفعه هذا الشك إلى أن يضع تحركاته تحت المراقبة السرية في الخارج ولفترة بعد هذه الزيارة. ولما لم يجد شيئًا أراد – على حد قوله – أن يريح نفسه وحتى يصبح تحت نظرهم فحجزه في مصر ومنعه من العودة إلى عمله. وكنت قد علمت أن هذا هو السبب الرئيسي في هذا التصرف منه من أحد الزملاء الذي كان لا يزال مشاركًا في المسئولية في ذلك الحين.

تخفيض المعاش:

وقد اتخذ جمال إجراءات أخرى أوذيت بها حتى معاشي لم يسلم من التخفيض. كما نبه على الصحف أيضًا بعدم ذكر أسمائنا فيها حتى في الشكر على التعازي. ولم ينج بعض أصدقائي من الفصل من عملهم لا لسبب إلا لأنهم استمروا في علاقاتهم معي ولم ينقطعوا عن زيارتي.

ولست أبغي ذكر تفاصيل هذه الإجراءات وإنما أردت أن أبين بما ذكرته أن مثل هذه التصرفات التي كانت يتخذها جمال كانت تصدر كرد فعل منه لأي سبب من الأسباب يدفعه إلى الشك أو الانفعال. ولكنه كثيرًا ما كان يلغي مثل تلك القرارات التي يكون قد اتخذها ضد بعض المواطنين عندما يعلم أن من صدر ضده القرار قد اتخذ موقفًا فيه تأييد أو دفاع عنه. وقد عرف البعض من المقربين إليه هذه الخصلة فيه. وكانت تستغل منهم في رفع ضير يكون قد وقع على أحد أصدقائهم أو معارفهم. كما كانت تستغل أيضًا في دفعه إلى إيذاء من يودن إيذائه باختلاق تصرف يدعون أنه قام به ويعلمون أنه سيكون له رد فعل عنده.

رد الخطاب: تحديد الإقامة:

ولم ينج كمال الدين حسين أيضًا بعد استقالته من إيذاء جمال حتى أنه أصدر أمرًا بتحديد إقامته على أثر خطاب كان قد أرسله إليه. وكان كمال قد قام بإرسال هذا الخطاب يوم الثلاثاء 12أكتوبر 1965 وذلك على أثر ما كان يسمعه يتردد بين المواطنين عن تعذيب الإخوان المسلمين المعتقلين في ذلك الحين. ولم يكن قد مضى يومين على إرساله هذا الخطاب حتى أمر جمال باعتقاله ونقله من منزله إلى استراحة الآثار الموجودة في منطقة الأهرام، وحددت إقامته فيها ومعه زوجته وأولاده. ومن الغريب أن يتخذ جمال هذا القرار ويتم تنفيذه في نفس الساعة التي كان يحتفل فيها بزواج ابنته. ولم يقتصر الأمر على تحديد إقامة كمال وحده، وإنما شمل أيضًا والده فقد حددت إقامته في منزله في مدينة بنها. وتم فصل عدد من أقاربه من وظائفهم، وفل أيضًا ابنه مصطفى الملازم بالجيش.

لم يجد طبيبًا لزوجته:

واستمر كمال محددة إقامته حتى توفيت زوجته وهي معه يوم 9 يناير 1966. ولم يجد طبيبًا يقوم بإسعافها ولم يحضر إلا بعد عدة ساعات طويلة وبعد أن كان أمر الله قد نفذ. وخرج كمال من المعتقل ليشترك في تشييع جثمانها. ولم يعد بعد ذلك إلى المعتقل ثانية. ومن الغريب أن زملائه لم يقوموا بواجب التعزية في وفاتها.

وكان نص الخطاب الذي أثار جمال إلى درجة اعتقال زميل له هو:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد/ جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية

من كمال الدين حسين

السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد.

لا خير في إذا لم أقلها لك.. اتق الله..

ومن يتق الله يجعل له مخرجا.. قرآن كريم.

ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا..

ومن يتق الله يكفر عن سيئاته ويعظم له أجرًا.. قرآن كريم.

اتق الله..

قالها الله  لنبيه الكريم.

(يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين)..

اتق الله.

ولا تكن ممن قال فيهم الله : (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم)..

اتق الله.

أراد الله بها الرسول والمؤمنين، وأمر بها الرسول أصحابه المؤمنين..

وقالها الخلفاء والأئمة لبعضهم ولولاتهم المسلمين. وقالها المسلمون للخلفاء والأئمة والولاة ولبعضهم بعضًا.

اتق الله.

قالتها تلك الأمة التي أعزها الله بقوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله).

صدق الله العظيم

وسلام على من اتبع الهدى..

امضاء

كمال الدين حسين

12/10/1965

ولكن هذه المواقف من جمال – وهذه المنغصات التي كان يتبعها معنا لم تكن تحول بيننا وبينه عندما نشعر أن هناك خطرًا يهدد أمن بلادنا. ولم نكن نتوانى عن ابداء الرأي له كتابة أو شفهيًّا. وهو من جانبه لم يكن يمتنع عن الاتصال بنا عندما يعلم برغبتنا في هذا الاتصال ويستمع إلى الرأي الذي نبديه له. وهذه كانت خصلة حميدة فيه.

وهذه الإجراءات التي اتخذها جمال معي ومع كمال الدين حسين كثيرًا ما تحدث في البلاد التي لا يتوافر فيها سيادة القانون ويكون فيها هناك خصومة سياسية بين بعض القادة فيها أو صراع بينهم على السلطة ولكن لم يكن هناك بيننا هذا الصراع ولم نصل حتى إلى حد الخصومة السياسية أيضًا. كما أنه لم يكن هناك بيننا خلاف على المبادئ الأساسية للثورة، وكل الخلاف كان ينصب أساسًا حول أسلوب الحكم وطريقة جمال في ممارسته للسلطة. ولقد قررنا اعتزال الحياة العامة ولم نحاول إثارة المشاكل، وفضلنا الاعتزال في هدوء. ورغم هذه التصرفات من جمال إلا أنه لم يحاول مهاجمتنا أو التعرض لموقفنا منه بصورة علنية أمام الشعب. وكنا نشعر أن العلاقة التي بيننا أقوى من كل هذه المنغصات التي يتخذها معنا. وكنت أحس بهذا الشعور عندما ألتقي به صدفة في أية مناسبة من المناسبات بعد أن افترقنا عن الاشتراك في العمل السياسي معًا. وهو كان بحكم طبيعته ونشأته واضح في تصرفاته ولا يعمل على الإيذاء في الخفاء. وما يؤخذ عليه أنه لم يكن يرعى سيادة القانون في مثل هذه التصرفات. وهو أمر له خطورته لأنه يهدد أمن المواطنين ويدعو إلى عدم الاستقرار.

وكان جمال قد حاول معي ومع كمال الدين حسين أيضًا في أن يقنعنا بالعودة إلى المشاركة معه في المسئولية بعد ظهور نتيجة الاستفتاء عليه في مارس 1965. وأوفد إلي حسن إبراهيم كما أرسل عبد الحكيم إلى كمال لاقناعنا بهذا الأمر ولكننا اعتذرنا عن العودة إلى المشاركة لأن الأسباب التي كنا قد اعتزلنا المسئولية من أجلها كانت لا تزال قائمة. وقد أغضبه هذا الاعتذار منا.


الباب الثامن: حرب يونيو 1967

كنت خارج المسئولية عندما وقعت تلك الحرب. وكان قد مضى ثلاث سنوات منذ أن اعتزلت الحياة العامة. ولم يمنعنا ذلك من أن نؤدي واجبنا ونقول رأينا إلى جمال عندما أحسسنا أن الحرب بين مصر وإسرائيل على الأبواب. وقد شاهدنا بعض أحداثها عن قرب ومن داخل القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية نفسها. ولم تدم الحرب طويلاً بل جاءت الهزيمة بعد ساعات قليلة من قيامها. وكان ذلك صدمة أليمة على نفوسنا. وجرت أحداث داخلية في مصر يومي 9و10يونيو 1967 بعد وقوع الهزيمة. وكنا نشاهد ما يجري والحسرة تملأ نفوسنا والألم يعتصر قلوبنا. وكنت قد دونت ما شاهدته من أحداث وما أحسست به من آلام في يومياتي.

وقد التزمت منذ البداية أن أقدم للقارئ وأن أذكر له ما كنت قد دونته في يومياتي بكل أمانة. وأنني لا أعرف مقدمًا أن ما سيأتي في هذا الباب سيجر على المتاعب من بعض الأفراد الغير متفهمين لحقيقة ما جرى. ولكن ليس أمامي من حيلة غير أن أظل على التزامي قبل القارئ متحملاً من هؤلاء الأفراد هذه المتاعب التي أتوقعها منهم. ولست أريد منهم غير أن يتحللوا من عواطفهم الشخصية. وأن يضعوا أنفسهم مكاننا أثناء تلك الأحداث وما كان يجري. وأن لا يتحيزوا لأشخاص بل يكون تحيزهم فقط لمصر وللعرب. والواجب يتطلب منا أن نكون أوفياء لشعبنا ولبلدنا قبل أي شيء آخر. والوفاء للأشخاص مطلوب أيضًا بل وواجب كذلك. ولكن هذا الوفاء للأشخاص لا يجب أن نغلبه على وفائنا لشعبنا وبلدنا إذا تعارضا معًا.

وما كتبته في يومياتي هي أحداث وقعت ومشاعر أحسست بها على أثر ما كان يجري، وألمًا لبلادي وما حاق بها من مهانة وضياع. وإن كان هناك ما سيؤخذ على هذه المشاعر مني فلي عذري لأني كنت أرى الظلام يحيط بنا من كل جانب ومستقبل بلادنا في الميزان إن لم يكن قد قارب إلى الضياع. ومع هذه الأحاسيس التي كانت تملأ نفسي كنت أشاهد ما يجري وكأن النصر هو الذي تحقق وليس هو الخزي والعار.

وأنني لأعذر قلمي إن كان قد خط هذه الأحاسيس على هذه الصورة التي جاءت في يومياتي، وهو متأثر بما كان يحيط بنا. وأنني لأود من الآخرين الذين سيعتبوا على هذا الذي كتب في يومياتي أن يعذروا هم أيضًا قلمي لأنهم ربما لم يحسوا بما أحسسنا به ولم يروا ما رأيناه.

وإني لأعتقد أنه من الأنسب في هذا الباب أن أضع هنا للقارئ الصورة كاملة لما كنت قد سجلته في يومياتي – يومًا بعد يوم – أثناء تلك الأحداث. وأن أعدل فيه عن الأسلوب الذي سبق واتبعته في الأبواب السابقة وهي محاولة جعل هذه اليوميات في شكل مذكرات.

وكنت قد دونت أحداث هذه الحروب في يومياتي بداية من يوم 15 مايو 1967 واستمررت في تدوينها حتى انتحار المشير عبد الحكيم عامر. وهي في حدود معلوماتي وما شاهدته بنفسي خلال تلك المأساة. وكان قد جاء بها:

15مايو:

طالعتنا صحف اليوم بأن قواتنا المسلحة قد تحركت إلى سيناء. وجاء فيها أن هذا التحرك هو لمساندة سوريا ضد التهديدات الإسرائيلية والتي تقوم بحشد قواتها العسكرية على الحدود المشتركة معها. وأن هذا التحرك من جانبنا هو تنفيذًا لاتفاقية الدفاع المشترك بيننا وبين سوريا.

وكان متحدث إسرائيلي قد ذكر قبل ذلك بأيام قلائل أن القيام بعملية عسكرية ضخمة هو الوسيلة الوحيدة لايقاف تلك العمليات التخريبية التي تقوم بها سوريا داخل الأراضي الإسرائيلية.

وكانت وزارة الخارجية السورية في اليوم التالي لهذا التهديد الإسرائيلي قد أصدرت بيانًا حملت فيه إسرائيل مسئولية ما قد يحدث في المنطقة. وقد أشار البيان أيضًا إلى أن اتفاقيات الدفاع المشترك ستوضع موضع التنفيذ إن قامت إسرائيل بأي عدوان عليها مشيرة بذلك إلى اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر.

16مايو:

ظهرت صحفنا اليوم وعلى صفحاتها الأولى العناوين الآتية:

-تحركت قوات الجمهورية العربية المتحدة طبقًا للخطة العسكرية الموضوعة.

-أنواع جديدة من المقاتلات النفاثة انضمت العربية في سيناء.

-سندخل المعركة بأكبر قوة من النيران.

-حقيقة الموقف العسكري على الحدود.

-عقد المشير عبد الحكيم عامر اجتماعات متتالية لوضع الخطة.

خطاب إلى جمال:

وفي صباح اليوم أيضًا زارني حسن إبراهيم في منزلي ومعه الدكتور رشوان فهمي نقيب الأطباء. ودار الحديث بيننا عن هذه التحركات لقواتنا العسكرية. واحتمال وقوع حرب بين إسرائيل وبيننا. ورأينا أنه من الضروري أن نكتب إلى جمال رأينا فيما يجري. وأن الواجب الوطني يحتم علينا ذلك. وتم الاتفاق بين حسن وبيني على أن يقوم كل منا بكتابة مشروع خطاب إلى جمال يوضح فيه رأيه وتقديره للموقف. وعلى أن نلتقي في المساء في منزل حسن لمراجعة الخطابين واستخلاص النقاط المهمة فيهما ليتضمنها خطاب واحد جديد نقوم بالتوقيع عليه نحن الاثنين ونرسله إلى جمال.

وفي المساء التقيت مع حسن رغم هطول الأمطار بشدة وتوقف حركة المرور في أغلب الشوارع الموصلة بين منزل حسن ومنزلي لارتفاع منسوب المياه فيها. وحضر رشوان هذا اللقاء أيضًا. واتفق على النقاط التي ستضمنها الخطاب الذي سيرسل إلى جمال باكر 17مايو.

ولم نشأ أن نشرك الأخ كمال الدين حسين معنا في التوقيع عليه نظرًا لظروفه الخاصة وعلاقته مع جمال بعد اعتقاله له.

17مايو:

وقعت مع حسن على الخطاب الذي اتفق عليه وأرسل اليوم إلى جمال. وفي المساء قمت بزيارة كمال، وأبلغته بما اتخذناه، وأطلعته على صورة من الخطاب.

وفيما يلي نصه:

السيد رئيس الجمهورية

تحية طيبة وبعد،

لقد تتبعنا بكل اهتمام ما ينشر في الصحف عن الحشود العسكرية الإسرائيلية على الحدود السورية. وكذا الإجراءات الحاسمة التي اتخذتها الجمهورية العربية المتحدة ردًّا على ذلك. والاستعدادات التامة لتنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك بيننا وبين الشقيقة سوريا.

ولما كان الموقف له أهميته القومية والوطنية، رأينا أن نكتب إليكم برأينا في هذا الموضوع بعد أن تدارسناه في ضوء المعلومات المحدودة المتوافر لدينا. وذلك لإحساسنا بأن الواجب القومي يتطلب منا أن نساهم ولو بالرأي في هذه المعركة.

ونحن نحب أن نؤكد أننا نؤيد ونقف وراء كل قرار يتخذ ويكون الغرض منه التصدي لإسرائيل ومنعها من الاعتداء أو التوسع على حساب أي دولة عربية بصرف النظر عن طبيعة النظام السياسي والاجتماعي في تلك الدولة ومدى موافقتنا أو معارضتنا لهذه الأنظمة.

ومع تأييدنا المطلق لهذا الموقف نحب أن نبين أنه من الصالح أيضًا أن نكون على بينة من أمرنا. ولا ننساق إلى معركة تحدد إسرائيل زمانها ومكانها. وهو أمر غير مرغوب فيه. وكنت سيادتكم على حق دائمًا حينما ذكرت في خطابكم أنه لابد لنا أن نختار نحن موعد وأرض المعركة.

ونحب أن نضيف أنه مما يثير الدهشة في هذه الأزمة الحالية أن إسرائيل على غير عادتها تقوم اليوم بحشد قواتها بصورة علنية. وهي الحريصة دائمًا على استغلال عنصر المفاجأة... فما الدافع وراء ذلك؟

.. هل تقوم بمظاهرة عسكرية، الغرض منها لفت أنظار العالم وتأزيم الموقف لحل مشكلة المنطقة المنزوعة السلاح؟

... هل تستعد إسرائيل للدخول في معركة مع سوريا واضعة في اعتبارها الظروف المعينة التي تساعدها على النصر في الوقت الحاضر؟

.. هل يقلق إسرائيل فعلاً تغلغل الفدائيين في أرضها حتى يدفعها ذلك إلى اشتباك فعلى باسم الحرب الوقائية وحتى تدفع الهيئات الدولية للتدخل لوضع حل لهذه المشكلة بوضع قوات من البوليس الدولي على الحدود المشتركة بين البلدين؟

.. هل الدافع لإسرائيل من هذا التصرف هو معرفة رد الفعل عندنا، وهل نحن على استعداد لتحقيق ما أعلناه عن تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا أم أننا لسنا على استعداد؟

.. هل الدافع هو وضعنا في موقف حرج هو إما التقاعص عن تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك فيكون لذلك رد فعل سيء في العالم العربي مما يؤثر على هيبتنا وموقفنا بين الدول العربية، أو أننا سنحشد جزءًا كبيرًا من قواتنا في سيناء الأمر الذي يكلفنا الكثير قطعًا، وبذا يزيد الضغط على مواردنا المالية.

.. هل الغرض من الحشود الإسرائيلية يكمن في معركة اليمن، والقصد هو تثبيت قوات لنا في سيناء، حتى لا يمكن مساندة قواتنا في اليمن عندما يتطلب الأمر ذلك، والواضح أن أعداءنا سيستغلون هذه الفرصة والقيام بمناوشات واسعة في اليمن.

لعل الدافع لإسرائيل هو أحد هذه الأسباب أو كلها مجتمعة، ولكن الذي لاشك فيه هو أن الاستعمار وراء هذه العملية أيضًا، فهو يعمل بكل قواه في الوقت الحاضر مدافعًا عن كيانه في منطقة الشرق الأوسط، وهو في سبيل ذلك يسعى إلى استنزاف مواردنا الاقتصادية.

ولعزل الجمهورية العربية عن دول المنطقة يتخذ إجراءات أهمها:

أ-إيجاد جو من الخوف من حركة التحول التقدمي الذي تتحوله الجمهورية والتهديد بأن هذا التحول يقضي على مصالح الحاكمين في هذه الدول.

ب-إيجاد جو من التشكك فيما حققته الجمهورية من تقدم اقتصادي لمصلحة المجتمع حتى لا يطالب بمثله الآخرون.

ج-تحطيم هيبة الجمهورية العربية المتحدة بإيجاد جو من عدم الثقة في تصريحاتها عن قدرتها على الدفاع عن الدول العربية إذا اعتدت عليها إسرائيل أو غيرها من الدول.

د-تحطيم كل ما يدعو إلى الوحدة العربية الحقيقية وما يمت إلى القومية العربية الحقيقية.

ولاستنزاف مواردنا الاقتصادية يتخذ الاستعمار الخطوات الآتية:

أ-إرغامنا على حشد الجيوش العربية ووضعها تحت حال طوارئ دائمة وذلك بإثارة بعض المناوشات هنا أو هناك وخصوصًا في اليمن.

ب-خلق جو متوتر يدفعنا إلى اتخاذ نفس الإجراءات من حشد جيوشنا ووضعها في حالة استعداد وبذا يصبح الضغط على اقتصادنا مضاعفًا وهي محاولة للتغلب على سياسة "النفس الطويل".

والمهم هو أن مصالح الاستعمار تلتقي دائمًا مع مصالح ربيبته إسرائيل. والمهم أيضًا أن نكون على أتم استعداد لنقضي على كل ما يقومون به من مناورات أو تحركات وملاقاة أي خطوات تتخذ منها.

وكل ما نأمله أنه في المرحلة الأولى من الاشتباك إن وقع بين سوريا وإسرائيل أن نكتفي نحن من جانبنا باستخدام قواتنا الجوية دون استخدام باقي وحداتنا المسلحة إلا إذا تطلب الأمر وحتمت الضرورة استخدام قواتنا المسلحة بكل ثقلها، وهذا أمر لا يمكن تقديره إلا تبعًا لتطورات المعركة وظروفها ومداها.

إن كل ما نتمناه هو أن يحقق الله النصر لأمتنا العربية وأن يوفقكم في اتخاذ القرارات التي تحقق هذا النصر سواء السياسية منها أو العسكرية والله الموفق.

والسلام عليكم ورحمةا لله.

إمضاء

البغدادي – حسن إبراهيم.

القاهرة في 17 مايو 1967

18مايو 1967:

طالعتنا صحف اليوم أن الجمهورية العربية المتحدة قد طلبت من أوثانت سكرتير عام هيئة الأمم المتحدة سحب قوات الطوارئ الدولية الموجودة على الحدود بيننا وبين إسرائيل.

ولقد حضر إلى زيارتي صباح اليوم صديقي عمر الجمال سفيرنا في كمبوديا، وهو في إجازة يمضيها في القاهرة. وتناول حديثنا طلب مصر الخاص بسحب قوات الطوارئ. ولقد خرجنا من مناقشة هذا الطلب أن جمال عبد الناصر يهدف إلى إرسال قوات من قواتنا المسلحة لاحتلال منطقة شرم الشيخ بعد انسحاب قوات الطوارئ منها والموجودة بها منذ انتهاء معركة السويس 1956. وإذا تم له احتلالها فسيعمل على تهديد ملاحة السفن الإسرائيلية المتهجهة إلى ميناء إيلات والدليل على ذلك هو عدم إشارته حتى الآن إلى شرم الشيخ ولا عن قوات الطوارئ التي بها حتى لا يفصح عن هدفه. وإن احتجت إسرائيل على وضعنا قوات عسكرية بها فإنه سيتمسك بأن تلك المنطقة قطعة من أرض الوطن ولنا كامل السيادة عليها.

وقد خلصنا أيضًا من المناقشة أنه لو هددت الملاحة الإسرائيلية في مضايق تيران فإن ذلك سيدفع إسرائيل إلى الحرب لعدة أسباب منها:

1-أن سكوت إسرائيل عن هذا التهديد إن حدث معناه القضاء على ربع تجارتها الخارجية. وهي حجم تجارتها مع شرق أفريقيا وآسيا والتي تتم عن طريق ميناء إيلات.

2-سيكون في ذلك أيضًا القضاء على ميناء إيلات والتي تعمل إسرائيل على تنميته من بعد حرب السويس وقد أقامت به عدة منشئات.

3-ستحرم إسرائيل من البترول الوارد إلهيا عن طريق هذا الميناء والذي يضخ في أنابيب منها إلى حيفا لتكريره هناك.

4-إن إسرائيل تعلم أن جمال لو نجح في تحقيق هذا الغرض فإن ذلك سيشجع العرب على محاولة مهاجمتها للتخلص منها بعد ذلك.

5-والغرب أيضًا يعلم أن نجاح جمال في ذلك معناه نهاية مصالحة في المنطقة بانتهاء أعوانه فيها. ذلك لأن جمال سينال من الشعبية بين الشعوب العربية مما يساعده على إضعاف هؤلاء الحكام والسيطرة عليهم.

أما بالنسبة لما يهدف إليه جمال من تحريك قواتنا العسكرية إلى سيناء فإنه لا يمكن أن يكون جادًا في الدخول في معركة حربية مع إسرائيل، وإنما هو يهدف فقط الحصول على نصر باستعادة شرم الشيخ وتهديد ملاحة إسرائيل في مضايق تيران دون الدخول في معركة حربية. وهو ربما يعتقد أنه بتأزيمه للموقف فإن القضية في الغالب ستحال إلى هيئة الأمم المتحدة فقط ولن تصل إلى درجة الحرب. وحتى لو صدر قرار من هيئة الأمم يلزمه بتوفير حرية الملاحة لإسرائيل في هذه المضايق فهو لن يتلزم به اعتمادًا على مواقف مشابهة من إسرائيل في السابق وعدم تنفيذها لقرارات هيئة الأمم المتحدة في مسائل كثيرة.

ورأينا في النهاية بعد هذا الاستعراض للموقف أنه من الأصوب أن لا يعلن جمال عن اعتزامه بتهديد الملاحة الإسرائيلية في مضايق تيران وذلك تهدئة لهذا الجو المشحون، وحتى لا ندفع إسرائيل إلى حرب نعتقد أننا غير مستعدين لها. وأن لا يهتم جمال بمهاجمة بعض الدول العربية له إن اتخذ هذا الموقف. وعلى العموم فهو حتى الآن لم يعلن عن اتجاهه في هذا الشأن.

21مايو 1967:

أعلن يوثانت منذ يومين موافقته على سحب قوات الطوارئ الدولية من الحدود المصرية الإسرائيلية.

كما أعلنت إسرائيل أن انسحاب قوات الطوارئ سيجعل القوات المصرية في مركز تستطيع منه تهديد الملاحة الإسرائيلية عبر مضايق تيران.

وقام جمال بإرسال رسائل إلى رؤساء بعض الدول الأفريقية يشرح فيها تطورات الموقف في المنطقة.

كما قام عبد الحكيم بتفقد الخطوط الأمامية لقواتنا في سيناء.

وأصبحت الأنباء كلها تشير إلى تدهور الموقف وإلى قرب حدوث حرب في المنطقة. وأصدرت الجامعة العربية بيانًا أعلنت فيه تأييد جميع الدول العربية للجمهورية العربية المتحدة والجمهورية السورية في موقفها إزاء الحشود الإسرائيلية، وأن أي عدوان على أرض عربية يعتبر عدوانًا عليها جميعًا.

العرب في كل مكان يعلنون تأييدهم لموقف جمال من إسرائيل.

واليوم أعلنت إسرائيل التعبئة العامة.

وأصدر عبد الحكيم أيضًا قرارًا بتعبئة الاحتياطي كله.

واجتمع جمال مع أعضاء اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي.

تفاديًا من التشنيع:

وقد زرت كمال الدين حسين في المساء وعلمت منه أنه أرسل خطابًا إلى جمال. وأنه قد تقابل مع عبد الرحمن البزاز رئيس وزراء العراق السابق الذي حضر إلى القاهرة بدعوة من جمال بعد أن هاجمه مذيع صوت العرب الأستاذ أحمد سعيد في الإذاعة واتهمه بأنه كان يتقاضى مبالغ من المال من الحكومة المصرية أثناء وجوده في مصر. وأن جمال قام بإرسال هذه الدعوة إليه مجاملة منه له وردًا لاعتباره ونفيًا لما ادعاه أحمد سعيد عليه.

ويقول كمال أنه قام بإرسال هذا الخطاب اليوم بعد أن أبلغه البزاز أنه علم من جمال أنني وحسن إبراهيم قد أرسلنا إليه خطابًا عن رأينا في الموقف وأنحى باللائمة على كمال لموقفه السلبي من هذه الأحداث. وذكر كمال أنه لذلك قام بإرسال هذا الخطاب تفاديًا من تشنيع جمال عليه على حد قوله.


إحدى الحسنيين:

وهذا نص خطاب كمال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد رئيس الجمهورية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

فنظرًا للظروف التي يمر بها الوطن في المستقبل القريب أو البعيد فإني أرى واجبًا علي أن أبلغكم أنه إذا اشتبكت قواتنا المسلحة مع إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف، فإني أضع نفسي تحت السلاح جنديًّا في خدمة الوطن.

بصرف النظر عن جميع العوامل الماضية والحاضرة التي أثرت وتؤثر على تقدير الموقف وما يتبعه من قرارات ونتائج. وحسبي إذا جدت أمور أن أكون جنديًّا في جبهة القتال أؤدي حق الوطن، راجيًا من الله إحدى الحسنيين والسلام.

كمال الدين حسين

21/5/1967

وقد علمت اليوم أيضًا 21 مايو أن قواتنا العسكرية قد تحركت إلى شرم الشيخ لتحل محل قوات الطوارئ الدولية التي انسحبت منها. وأن أوثانت في طريقه إلى القاهرة لمقابلة جمال بخصوص هذا الموقف المتأزم في المنطقة.

الاثنين 22مايو:

قام جمال بزيارة إحدى القواعد الجوية في منطقة القناة، وأعلن في كلمة له من هناك تصميمه على منع السفن الإسرائيلية من المرور في مضيق تيران، ومنع السلع الاستراتيجية بما فيها البترول من المرور كذلك حتى لو كانت على أي سفن أخرى أجنبية غير إسرائيلية.

والغرض من إعلانه ذلك على ما أعتقد هو قطع الطريق على أوثانت الذي غادر نيويورك وفي طريقه إلى القاهرة.

خطوة منه ستزيد من حدة الموقف. ومعنى ذلك أن جمال لم يترك لنفسه بابًا مفتوحًا حتى يمكن التراجع منه لو تطورت الأمور إلى ما هو أسوأ. والواجب أن يترك لنفسه مخرجًا حتى يمكنه التحرك في المستقبل ويحول دون وقوع الحرب.

نفس التكتيك:

أرى أنه يكرر نفس التكتيك الذي اتخذناه عام 1955 عندما تم التعاقد على شراء أسلحة من الاتحاد السوفيتي – وقامت أمريكا – وأرسلت وكيل وزارة خارجيتها بإنذار. وأعلن هنا عن اتمام الصفقة في خطاب ألقاه جمال. وكان القصد من ذلك هو قطع الطريق على وكيل وزارة الخارجية الأمريكية وحتى يصبح الأمر بعد إعلانه أمرًا واقعيًا ومنتهيًا حتى لا نقبل الإنذار.

وما حدث اليوم ما هو إلا تكرار لنفس تكتيك الماضي ولكنني أعتقد أن الموقف مختلف والظروف كذلك.

قد ذكر جمال في خطابه أيضًا أننا مستعدون للحرب إذا هددت إسرائيل بها.

14مايو:

جاء في صحفنا اليوم أن أمريكا وإنجلترا وإستراليا تنصح رعاياها بمغادرة مصر وسوريا والأردن وإسرائيل. وأن جونسون رئيس الولايات المتحدة يرأس اجتماعات سرية لدراسة الموقف.

واستقبل جمال أيضًا أوثانت الذي وصل إلى القاهرة.

وطالب ديجول الرئيس الفرنسي بمباحثات على مستوى عالٍ بين الأمريكان والسوفييت وإنجلترا وفرنسا.

وأعلن الاتحاد السوفيتي تأييده للعرب وإدانة موقف إسرائيل.

الموقف يزداد تأزمًا والحرب غالبًا على الأبواب، هذا ما أراه.

الجمعة 26مايو 1967:

سافرت يوم الثلاثاء الماضي 23 مايو إلى الأسكندرية مع حسن إبراهيم وعبد الرؤوف نافع لتمضية عدة أيام بها حتى السبت 27 مايو.

وهناك في يوم الأربعاء 24مايو بيننا مناقشة أثناء سيرنا على الكورنيش في المساء. والظلام كان مخيمًا على المدينة بسبب إجراء تجربة غارة جوية. وكان موضوع المناقشة – هل نكتب إلى جمال عبد الناصر برأينا في الموقف مرة أخرى بعد أن طرأ عليه هذه الظروف الجديدة من سحب قوات الطوارئ الدولية، ومن إرسال مصر قوات عسكرية إلى شرم الشيخ، وما أعلنه جمال أيضًا في القاعدة الجوية، وموقف إسرائيل من هذا الذي أعلنه – أم لا نعاود الكتابة إليه لموقفه من خطابنا السابق وعدم اهتمامه ولا اتصاله بنا ولو من باب المجاملة. ولم نصل في هذه المناقشة إلى رأي نهائي ولكننا قررنا العودة إلى القاهرة في اليوم التالي الخميس بعد أن تطور الموقف إلى هذه الصورة.


هل نكتب إليه..:

وفي القطار عاودنا مناقشة نفس الموضوع ورأينا تأجيل الكتابة إليه إلا إذا جد جديد، ذلك لأنه كان من الواجب علينا الكتابة إلى جمال يوم 18 مايو عندما قدرنا أن الموقف ربما يتدهور بعد أن طلب سحب قوات الطوارئ. وكان الرأي عندنا هو أن لا يتعجل جمال في إغلاق مضايق تيران. وأن يعمل على تهدئة الموقف إلى وقت أكثر مناسبة لنا.

وبعد ظهر اليوم – الجمعة – أعدت التفكير ثانية فيما استقر عليه رأينا ورأيت أن الواجب الوطني يتطلب منا الكتابة إلى جمال رغم موقفه من خطابنا السابق. وأن نقتصر في الكتابة إليه هذه المرة بعد أن تطورت الأحداث على هذه الصورة إلى طلب أن يكون لنا دور في المعركة التي نتوقع قيامها. ولقد أعددت مشروع خطاب إليه على هذا الأساس للاتفاق عليه مع كمال وحسن ولنوقع عليه سويًّا.

وهذا نص الخطاب.

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد رئيس الجمهورية

بعد التحية،

اليوم وأمتنا تمر في مرحلة من أدق مراحل تاريخها بعدما قررتم استرداد حقوق سيادتنا على قطعة من أرض الوطن – على شرم الشيخ – ومزاولة حقنا في السيطرة على الملاحة في مضيق تيران – وثورة بعد الدول الغربية الاستعمارية وربيبتهم إسرائيل على ممارستنا لهذا الحق دفعهم إلى التآمر والتهديد باستخدام القوة ضدنا.

وأننا نرى أنه لزامًا علينا أن نشارك في الذود عن حرية وطننا والدفاع عن حقوقه.

وأنه ليشرفنا أن نجد لنا مكانًا بين صفوف جنودنا في الخطوط الأمامية حتى ننال شرف الجهاد عن وطننا – وهي أمنية طالما تمنيناها. وأننا نظن أن وطننا الآن في حاجة إلى كل مجاهد ومقاتل في سبيل حريته وعزته.

والله يوفقنا جميعًا وأن يحقق لنا النصر.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد اللطيف البغدادي

26 مايو 1967

وفي هذا المساء قمت بزيارة الأخ كمال الدين حسين وعرضت عليه مشروع الخطاب لينضم إلينا في التوقيع عليه إذا اتفق معنا، وحتى لا نظهر وكأنه في جانب وحسن وأنا في جانب آخر. وكمال يرى أن خطابه السابق إلى جمال يؤدي الغرض. وأن الخلاف بين الخطابين هو أنه يود حمل السلاح عندما يحدث اشتباك. وأما مشروع خطابي فإنه يطالب بتحديد مكاننا في المعركة من الآن وأننا في انتظار الاستجابة لهذا المطلب منا.

وبعد المناقشة معه طلب مني أن أؤجل إرسال الخطاب إلى جمال حتى باكر السبت لابداء رأيه فيه بصفة نهائية. وطلبت منه إبلاغي برده قبل الساعة الحادية عشر صباحًا لأني لم أخبر حسن به بعد.

ولقد ألقى جمال كلمة اليوم أمام قادة العمال العرب، وأعلن فيها أننا سندمر إسرائيل إذا بدأت هي بالعدوان. كما أعلن كذلك أن اللجنة التنفيذية العليا قد فوضته السلطة لتنفيذ الخطة حسب الوقت المناسب الذي يراه.

السبت 27مايو:

اتصلت بحسن إبراهيم الساعة العاشرة صباحًا واتفقت معه على أن يقوم بزيارتي عند منتصف الساعة الثانية عشر.

وحضر كمال الدين حسين إلى منزلي في الساعة الحادية عشر. وكان عندي بعض الزوار. والحديث كان يدور بيننا بطبيعة الحال حول الموقف. واشترك معنا كمال في الحديث ثم حضر حسن إبراهيم فانصرف الزوار.

وقمت بعرض مشروع خطابي على حسن ولكنه سألني عن الدافع الذي جعلني أغير من رأيي السابق في عدم الكتابة إلى جمال، فأجبته أن الواجب الوطني يتطلب منا بعد أن هددت الدول الغربية وإسرائيل باستخدام القوة ضدنا أن نكتب إليه وأن ننسى موقفه من خطابنا السابق وعدم اتصاله بنا. وأوضحت لحسن أيضًا الغرض من إشراك كمال معنا في التوقيع على الخطاب، حتى لا يظن جمال أننا منقسمون على بعضنا. وقد أكد كمال أن هذا هو السبب الذي دفعه أيضًا إلى الموافقة على التوقيع معنا على الخطاب الذي سنتفق عليه ونرسله إلى جمال.

وقال إنه لهذا السبب رأى أن يكتب مشروع خطاب آخر بديلاً لخطابي فيه نفس الروح ولكنه عدل فيه بعض الشيء حتى لا يكون هناك تناقض بين خطابه السابق الذي أرسله إلى جمال وهذا الخطاب الذي سيوقع عليه معنا.

وقرأ كمال علينا الخطابين – ورأينا أن نأخذ بخطاب كمال مع إجراء بعض التعديل فيه. وكتبت الخطاب الذي تم الاتفاق عليه وسلم إلى حسن إبراهيم ليقوم بإرساله إلى جمال عبد الناصر بعد أن وقعنا عليه نحن الثلاثة.


وهذا هو نص للخطاب:

السيد رئيس الجمهورية:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

فقد جدت في الموقف أمور – إذ طالعتنا الأنباء والتصاريح بأن هناك احتمالاً كبيرًا في أن تدخل إسرائيل المعركة، وأن تستخدم أمريكا وبعض الدول الغربية القوة لفتح طريق الملاحة الإسرائيلية لخليج العقبة.

وفي هذه الفترة الحاسمة من تاريخ أمتنا ينتظر الوطن من كل مخلص من أبنائه أن يؤدي واجبه كاملاً لنصرته والذود عنه – ولذلك فإن ضميرنا الوطني يلزمنا بأن نتواجد في الموقع الذي يتحتم علينا أن نكون فيه حيث نساهم في التأهب للقاء العدو.

وإنا لفي انتظار تحديد موقع لنا في هذه المعركة سواء في جبهة القتال أو في أي مكان ترونه حيث نتمكن من أداء واجبنا.

وختامًا نرجو الله أن يوفقنا جميعًا وأن يكتب لوطننا النصر والسلام.

البغدادي – كمال الدين حسينحسن إبراهيم

السبت 27 مايو 1967القاهرة


الأحد 28 مايو 1967:

اتصل بي حسن إبراهيم تليفونيًّا اليوم حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر وأبلغني أن جمال عبد الناصر يود مقابلتنا نحن الثلاثة باكر الاثنين ظهرًا – عند منتصف الساعة الثانية عشر، وتم الاتفاق على أن نجتمع ثلاثتنا في منزل حسن قبل التوجه إلى منزل جمال بحوالي ساعة للتشاور في الأمر قبل لقائه.

ولقد عقد جمال عبد الناصر مساء اليوم الأحد أيضًا مؤتمرًا صحفيًّا حضره عدد كبير من الصحفيين الأجانب ووكالات الأنباء.

ولاحظت أنه في إجاباته على أسئلة الصحفيين قد زاد من تشدده في موقفه بالنسبة للملاحة البحرية في مضايق تيران – وعدم السماح بمرور السفن الإسرائيلية بها ولا السماح أيضًا بمرور المواد الاستراتيجية إلى إسرائيل وعلى أي سفن كانت.

وأبدى ترحيبه كذلك في ملاقاة العدو عسكريًّا – وأظهر أن استعداده أصبح كاملاً لملاقاة إسرائيل. وأنه كان يعد نفسه منذ عشر سنوات مضت انتظارًا لهذا اللقاء. وحاول أن يبعد أمريكا عن المعركة بردوده الهادئة بالنسبة إليها. ولقد لعب جمال في هذا المؤتمر دور البطل القوي الواثق من نفسه وساعده في هذا تجمع العالم العربي كله من حوله ومساندتهم له في هذا الموقف.

وقد نال جمال إعجاب الجماهير لهذا الموقف البطولي – معتقدين أنه قادر على اجتياح إسرائيل في ساعات قليلة – متأثرين بهذا الدرو الذي أجاد لعبه.

الاثنين 29 مايو 1967:

اجتمعنا نحن الثلاثة في منزل حسن قبل ذهابنا إلى موعد جمال عبد الناصر بحوالي نصف ساعة.

ودار الحديث بيننا حول التصرف منا إذا ما طلب جمال أن نعمل معه كنواب لرئيس الجمهورية أو أعضاء في اللجنة التفنيذية العليا للاتحاد الاشتراكي.

وكان فيه بعض التحفظات من كمال وحسن بأنهما استقالا لأسباب، وهذه الأسباب لازالت قائمة – ويفضلان العمل كمستشارين مثلاً في هذه الظروف. وكنت أرى القبول دون أية تحفظات، وأن تكون مزاولتنا للمسئولية التي تعرض علينا مرتبطة فقط بالمعركة واستمرارها وأن تنتهي بانتهائها. وذلك حتى لا يكون موقفنا مناقضًا للخطاب الذي أرسل منا إلى جمال.

مشاركة النصر:

ولكننا خلصنا في النهاية على أن جمال غالبًا لن يتقدم إلينا بمثل هذه العروض ذلك لأنه يعتقد أنه قد حقق نصرًا وهو لا يريد أن نشاركه هذا النصر. كما وأنه لا يحب أيضًا أن يظهر وكأنه في حاجة إلنيا في هذه الظروف. وهو فقط أراد من هذه المقابلة أن لا يؤخذ عليه تاريخيًّا – مع هذه الظروف التي تمر بها بلادنا – أننا مددنا يدنا إليه وهو لم يقابلنا بنفس تلك الروح الوطنية التي دفعتنا إلى الكتابة إليه مرتين. وأن المقابلة معه لن تكون إلا مقابلة مجاملة ليس إلا. بل وتناولنا بالحديث ما الذي سيقوله أيضًا لنا. وقد صدق حدسنا فعلاً. وما حدث في المقابلة أنه عندما دخل علينا في حجرة صالون منزله وبدأ يسلم علينا كنت بالصدفة الأول في السلام، ولاحظت عليه أنه أطال النظر إلى شعر رأسي. فسألته عن السبب الذي جعله يطيل النظر إليه.

فأجابني: بأنه زاد بياضًا.

فقلت: عجزنا.

فرد: أنا معجزتش.

واعتقد أنه أراد بذلك أن يشير إلى ما كان قد جاء على لسان في مؤتمره الصحفي أمس ردًّا منه على سؤال لأحد الصحفيين الأجانب والذي سأله عما إذا كان لا يزال في مقدوره مواجهة معركة عسكرية كما واجهها أثناء أزمة السويس بعد أن كبر سنه الآن.

وقد أجابه جمال على ذلك بقوله: "إنني لست خرعًا كإيدن". إشارة منه إلى الانهيار الذي كان قد حدث لإيدن على أثر معركة السويس.

غير مسئول عن النتائج:

ولذلك عندما رد علي بأنه لم يعجز فقد ذكرت بعدها نفس إجابته على ذلك الصحفي.

وقلت: "أصلك ما انتاش خرع زي إيدن".

وضحكنا جميعًا بعد هذا الحديث. وقد ساعد هذا في إذابة الثلج الذي كان بيننا إلى حد ما.

وبدأ جمال حديثه بأن ذكر أنه كان يود الاتصال بنا عندما أرسلنا إليه الخطاب الأول ولكن لم يكن لديه الوقت الكافي لكثرة مشاغله. وأشار إلى التحفظ الذي كان قد ورد في خطاب كمال إليه. وقوله فيه: "بصرف النظر". ورعقب على ذلك كمال بقوله: أنه يقصد أنه لم يشترك في تقدير الموقف وهو غير مسئول عن النتائج.

ولم يعلق جمال على ذلك إنما استطرد في الحديث قائلاً: "إن البلد بلدكم والثورة ثورتكم، والواحد بيتخانق مع أخوه ومع مراته، وإحنا برضه بشر – يمكن كل واحد اختار له طريق يمشي فيه – ولكن البلد بلدنا كلنا – والثورة ثورتنا – وعلى العموم الموقف كويس ومطمئن".

وأشار جمال إلى خطابنا الأول وتقديرنا للموقف وذكر أن الخطة مبنية من الأساس على سحب قوات الطوارئ الدولية – والرجوع إلى شرم الشيخ.

فقلت: إننا استنتجنا هذا يوم 18 مايو عندما طلبت مصر سحب قوات الطوارئ. واستفسرت منه عما إذا كان لدينا فرقتان عسكريتان في سيناء أو أكثر.

فرد على باعتزازه قائلاً: خمس فرق – منها فرقتان مدرعتان وثلاثة مشاة. وسألناه عن تقديره لموقف إسرائيل – وهل من المنتظر أن تتحرك عسكريًّا وتحارب. وهل لدينا أية معلومات تدل على ذلك. ولكنه استبعد هذا وذكر أنها إن تحركت فلن يكون ذلك قبل ستة أو سبعة شهور. ولما استفهمنا منه عن موقف أمريكا – أجاب – ولا حاجة.

ولما سألته عما إذا كان ممكنًا كسب القضية في هيئة الأمم إن أحيل إليها موضوع الخلاف.

فرد بأنه يطمئن لذلك. وقد وجهت إليهع هذا السؤال لاعتقادي أنه يؤزم الموقف مقدرًا أن الموضوع سينتهي بأن يحال إلى مجلس الأمن.

ولذا قلت بعد ذلك ربما تحاول إسرائيل الاستيلاء على قطاع غزة حتى تساوم به على شرم الشيخ إن انتقل الخلاف إلى هيئة الأمم.

فسكت جمال ولم يعلق على ما ذكرت.

ولما سألته عن موقف الاتحاد السوفيتي.

السوفيت مستعدون لمساندتنا:

أجاب: إنهم مستعدون لمساندتنا إلى آخر درجة.

فسألته ثانية: هل هم على استعداد للاشتراك في المعركة ودخول حرب ثالثة من أجلنا لو تدخل الغرب.

فأجاب: إنهم أبلغوا شمس بدران بمساندتنا عندما كان عندهم – ووافقوا على جميع طلباتنا – من إرسال طائرات بسرعة – وتسليح فرقتين – واحدة مدرعة – وواحدة مشاة.

وقال أيضًا إنهم أرسلوا لنا ليأخذوا رأينا في زيارة أشكول رئيس وزراء إسرائيل لهم. وهو طلب منهم أن يقوم بزيارة لموسكو، ووافقنا.

فقال كمال: أنا خايف ليفهم أن مشاكلنا بتحل في موسكو.

فرددت عليه بسرعة حتى لا يتكهرب الجو مع جمال من هذا الذي ذكره كمال بقولي إن براون وزير خارجية بريطانيا كان قد سافر إليهم وليس معنى هذا أن مشاكل بريطانيا بتحل في موسكو.

وقال جمال أيضًا أن الملك حسين قد طلب أن يأتي لزيارتنا. وألح على سفيرنا في عمان حتى كاد يقبل... من أجل أن نوافق على قيامه بهذه الزيارة، وأنه على استعداد لتغيير حكومته بحكومة أخرى وطنية. وذكر جمال أنه وافق على أن يقوم الملك حسين بهذه الزيارة لمصر ولكن دون إعلان عنها. وقال إنه سيحضر باكر – وسينزل بطائرته في مطار ألماظة وليس في مطار القاهرة الدولي. وأشرنا في حديثنا معه بعد ذلك إلى ظاهرة تجمع العرب ووحدتهم في هذه الأزمة وبصورة مشرفة لم تحدث من قبل.

نايم حبيت أصحيه:

فقال جمال تعقيبًا على ذلك أصلي لقيت العالم العربي نايم ويائس – فحبيت أصحيه.

وشاهدنا أثناء جلوسنا معه من نافذة الصالون حضور سيارته ووقوفها أمام باب المنزل – وهو كان على موعد للقاء أعضاء مجلس الأمة في سراي القبة الساعة الواحدة بعد الظهر، بعد مسيرتهم التي كانوا سيقومون بها تحية له. لذا استأذنا في الانصراف حتى يذهب إليهم في الموعد المحدد.

وذكر له حسن إبراهيم أثناء انصرافنا من عنده: "إحنا في الخدمة، ونحب نشارك في المعركة". ولكن جمال سكت ولم يرد بكلمة الأمر الذي جعل حسن لم يعرف كيف ينهي الحديث.

مناقشة.. إحنا في الخدمة:

وبعد وصولنا إلى منزلي أشار كمال إلى الجملة الأخيرة التي ذكرها حسن لجمال "احنا في الخدمة" وقال إنه تضايق منها خاصة وأن جمال لم يرد عليه – ولم يحاول حتى مجاملة حسن فيما ذكر.

ولكن حسن رد على كمال بأنه كان يقصد ويعني ما يقول، وإنه قصد بذلك أن يعطيه الكرة – على حد تعبيره – وأنه أراد أن يؤكد له بأننا نعرض خدماتنا حتى لا يقول بعد ذلك أنهم قابلوني ولم يفتحوا الموضوع.

ورد كمال عليه – بقوله – إننا قد أشرنا في خطابنا بما يحتم عليه هو أن يحدد العمل الذي يمكن أن نقوم به إن كان يرغب في ذلك.

وحاولت إنهاء هذه المناقشة التي ليس من تحتها طائل وفيها إحراج لحسن.

فقلت: إن حسن يقصد بما ذكره أننا في خدمة الوطن، وإنه يعيد عليه ما جاء في خطابنا حتى يحرجه وليتضح موقفه وعدم استجابته لهذا المطلب منا حتى في هذه الظروف.

والذي أثار دهشتنا أكثر من أي شيء آخر في هذا الحديث الذي جرى بيننا وبين جمال هو اعتقاده أن الروس مستعدون لدخول حرب ثالثة من أجلنا – وكيف يمكنه أن يصدق مثل هذا القول.

وتناقشنا نحن الثلاثة في هذا الأمر بعد أن عدنا من عنده إلى منزلي. والرأي الذي توصلنا إليه هو أن الروس من صالحهم اعطاء هذا الانطباع لجمال ذلك لأنه هناك ثلاث حالات سيسفر عنها هذا الموقف المتأزم بيننا وبين إسرائيل – وروسيا هي التي ستستفيد في كل حالة من هذه الحالات الثلاث.

والحالة الأولى: هي أن ينتهي الموقف باسترداد شرم الشيخ دون أن تقع الحرب – وسيستفيد الروس بذلك دعائيًّا على الأقل في المنطقة العربية بأن مساندتهم لنا كانت وراء هذه النتيجة.

وأما الحالة الثانية: هي أن ننتصر في المعركة الحربية وتنهزم إسرائيل – وهذا بالطبع ستستفيد منه روسيا وسيدعم وجودها في المنطقة بحجة أنها كانت وراء هذا النصر الذي حققناه بما أمدته لجيشنا من السلاح وبتأييدها أيضًا لنا في المعركة وفي المحافل الدولية.

وأما الحالة الثالثة: هي أن تقع الحرب وتكون في غير صالحنا وننهزم أمام إسرائيل. وهنا أيضًا ستستفيد روسيا لاحتياجنا إليها في مدنا بالسلاح ومساندتها لنا في الضغط على إسرائيل – وشدة احتياجنا إليها في هذه الحالة سيساعد في زيادة سيطرتها علينا.

روسيا لن تجازف بالحرب:

هذه هي الحالات المحتملة وروسيا مستفيدة في كل حالة منها. ولكن السؤال المحير هو كيف يمكن أن يصدق جمال هذا الذي قام شمس بإبلاغه إليه. وهو يعلم بالتأكيد أن روسيا لا يمكن أن تجازف بدخول حرب ثالثة من أجلنا. وكان من الأبدى للروس أن يدخلوها عندما اضطرهم الرئيس كيندي إلى سحب صواريخهم من كوبا. وما حدث في هذه الآونة كان موجهًا إليهم مباشرة وليس إلى دولة أخرى يقومون بمساندتها، وابتلع الروس وقتها كبرياءهم تفاديا لهذه الحرب رغم وجود حكم فردي فيها وهو خروشوف. وأما اليوم ومع وجود قيادة جماعية في روسيا فإن الأمر يزداد صعوبة أكثر في اتخاذ مثل هذه الخطوة والصدام مع الغرب من أجلنا والتعرض لقيام حرب ثالثة لا يعرف إلا الله نتائجها ومدى خسائرها وذلك ليس من صالحهم.

الثلاثاء 30 مايو 1967:

حضر اليوم الملك حسين ظهرًا كما أخبرنا جمال أمس. ولم يعلن عن حضوره إلا بعد الظهر. كما أعلن عن توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين الأردن ومصر.

الأربعاء 31 مايو:

أعلنت إسرائيل عن تشكيل وزارة حرب.

وقدمت أمريكا إلى مجلس الأمن مشروعًا تطالب فيه جميع الأطراف بضبط النفس.

السبت 3 يونيو:

كنت مدعوًا لتناول العشاء عند حسن إبراهيم بمنزله وبعض الأصدقاء وذهبت إلى حسن قبل حضور الإخوان بنصف ساعة لأناقش معه الموقف. وأخبرته بالإشاعات الدائرة في البلد، وما كنت قد سمعته بأن الهجوم الليلة، وأن الناس متوقعة الاشتباك في أية لحظة. وأن إسرائيل لابد أن تقوم بالهجوم بعد أن أعلنت التعبئة العامة وبعد أن قامت بتشكيل وزارة حرب. وأن خضوع أشكول رئيس وزراء إسرائيل وقبوله موشي ديان كوزير للدفاع رغم العداء الذي بينهما يؤكد ذلك، والمعركة لابد أن تكون قريبة.

وحاول حسن استبعاد هذا مقدرًا أن إسرائيل لن تتحرك الآن. وحاولت أن أوضح له رأيي ومن أنني أعتقد أن إسرائيل لابد أن تفعل شيئًا خاصة بعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بيننا وبين الأردن. وأن كل تصرفاتهم توضح هذا الاتجاه.

إسرائيل لن تتحرك قبل 7 أسابيع:

فأخبرني حسن أنه كان قد اتصل بجمال عبد الناصر يوم الخميس الماضي – أول يونيو- تليفونيًّا ليخبره برد فعل مقابلتنا له عند الرأي العام بعد نشر الخبر في الصحف وأنه كان حسنًا. وأن جمال أبلغه بوصول عدة برقيات له من بعض الأشخاص تؤكد هذا المعنى الذي ذكره حسن. ويقول حسن إن الحديث دار معه حول الموقف. وأن جمال أخبره أنه لا يتوقع من إسرائيل أن تتحرك الآن، وليس قبل سبعة أسابيع. واستوضحته لماذا سبعة أسابيع وليس أكثر وليس أقل. فقال هذا ما ذكره جمال.

الأحد 4 يونيو:

أعلن اليوم انضمام العراق إلى اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والأردن. وألقى جمال كلمة بعد توقيع الاتفاقية – ومما جاء فيها: "إننا ننتظر المعركة على أحر من الجمر".

الموقف يزداد حرجًا وتعقيدًا.

الاثنين 5 يونيو 1967:

في الساعة التاسعة صباحًا إلا الربع سمعت من منزلي طلقات المدفعية المضادة للطائرات وبصورة كثيفة وكذا صوت انفجارات مكتومة من قنابل الطائرات يأتي من بعيد. أخبرت زوجتي أن الحرب قد قامت بيننا وبين إسرائيل استنتاجًا مما أسمعه. وهي لم تصدق ما قلته لها. وفتحت الراديو لأستمع إلى الأخبار – وحوالي الساعة التاسعة والنصف أعلنت الإذاعة أن الطائرات الإسرائيلية تغير على بلادنا وتقوم بضرب جميع مطاراتنا في الجمهورية العربية المتحدة- ومعنى ذلك أن الحرب قد قامت، وأن إسرائيل قد بدأت بالعدوان. وهي تحاول تدمير سلاحنا الجوي مستغلة عنصر المفاجأة.

150 طائرة على الأرض:

وأخذت الإذاعة تذيع من حين لآخر عن عدد الطائرات التي أسقطناها للعدو. واستمعت أيضًا في نفس الوقت من جهاز آخر إذاعة إسرائيل لأحصل على معلومات – وقد أذاعت أنها دمرت عددًا كبيرًا من طائراتنا على الأرض. وذكرت أن عدد الطائرات التي دمرتها مائة وخمسون طائرة. وكانت الساعة حوالي العاشرة صباحًا.

واتصل بي حسن إبراهيم تليفونيًّا وتكلمنا عما يجري وطلبت منه الحضور إلى منزلي. كما طلبت من كمال الدين حسين الحضور أيضًا لمناقشة ما يجب علينا عمله في هذه الظروف.

وحضر حسن ثم حضر كمال بعد ساعة وتأخر بسبب الغارات الجوية – أخذنا نناقش ما يجب علينا عمله. وطلبت أن نستبعد كرامتنا وحساسيتنا من الموضوع بعد أن أثير أننا سبق ومددنا يدنا للتعاون معهم، وكتبنا إليهم بذلك، وأنهم وقفوا منا موقفًا سلبيًّا، وأن أي تحرك الآن من ناحيتنا للوقوف بجانبهم سيكون وكأننا نفرض أنفسنا عليهم.

ولكننا في النهاية وجدنا أنه من واجبنا رغم هذا الموقف من جمال أن نعمل على الاتصال بعبد الحكيم تليفونيًّا وليس بجمال حيث أن عبد الحكيم هو المسئول عن المعركة حاليًا. واتفقنا أن يقوم حسن بهذا الاتصال ويخبره بوجودنا نحن الثلاثة معًا في منزلي. وبأننا نعتقد أن هذه المعركة كما هي معركتهم فهي معركتنا أيضًا. وأنه يهمنا أن نقف بجانبهم. وأن يسأله عما إذا كان ممكنًا الذهاب إليه أم أنه مشغول.

يشرفه أن تذهب إليه:

وقام حسن بالاتصال بعبد الحكيم من منزلي بعد منتصف الساعة الثانية عشرة ظهرًا بقليل وأبلغه بما تم الاتفاق عليه بيننا. ورد عليه عبد الحكيم بأنه يشرفه أن نذهب إليه.

وذهبنا إلى مبنى القيادة العامة للجيش بمدينة نصر، وهو قريب من منزلي وتقابلنا مع عبد الحكيم في الدور الخاص بالعمليات، وسألناه عن الموقف، وكانت الساعة حوالي الواحدة بعد الظهر. فأخبرنا بأننا أسقطنا للعدو حتى الآن 73 طائرة.

خسرنا أغلب طائراتنا:

وسألناه عن خسائرنا في الطائرات – فلم يحد لنا العدد وإنما قال خسرنا أغلب طائراتنا، ونحن لا نعرف عدد الطائرات التي لدينا حتى تقدر مدى الخسارة. وقام عبد الحكيم من على مكتبه عندما سألناه عما سيفعلونه بعد أن أصبحت قواتنا دون غطاء جوي كاف، واتجه نحو خريطة معلقة على الحائط لصحراء سيناء وحدد لنا مواقع قواتنا المدرعة والمشاة عليها، وبين لنا اطمئنانه الكامل لمركز هذه القوات، وأنه قد وضع في الاعتبار إمكانية الدفاع عن أنفسهم حتى لو لم يكن هناك غطاء جوي لهم يحميهم من هجمات طائرات العدو. وأشار إلى أن كل دبابة قد عمل حساب حمايتها من الطائرات المغيرة عليها وذلك بعمل حفرة في الأرض لنزولها فيها وبحيث لا يظهر منها إلا مدفعها فقط حتى يمكنها استخدامه.

وبعد أن شرح لنا خطة قواتنا المحتشدة في سيناء، وباختصار شديد، واطمئنانه للموقف هناك تمامًا، أخبرناه أننا لا نريد إزعاجه في عمله ونرغب في أن نعمل شيئًا. ولكنه رد بأن ليس هناك ما يشغله. وأن كل قائد قوة في سيناء يعرف الأوامر التي لديه وما يجب عليه عمله. وأنه بعد أن تنتهي المعركة الجوية سنجده بدون عمل. وطلب منا أن نجلس معه.

يظهر أن أعصابه انهارت:

وفي أثناء وجودنا معه لاحظنا أن محمد صدقي محمود قائد القوات الجوية كثير الاتصال به. وأنه لا يدير معركة جوية، وإنما على ما يظهر يبكي له في التليفون. ويظهر أن أعصابه قد انهارت، لأننا لاحظنا أن عبد الحكيم كان يحاول تشجيعه ببعض الكلمات، ويطلب منه مسك أعصابه، ويشجعه بقوله كم عدد الطائرات التي أسقطناها حتى الآن – فيرد عليه بالعدد – فيردده عبد الحكيم بصوت مرتفع لنسمعه – ثم يقول له وزعلان ليه بأه بعد كده.

ثم يعود صدقي ويتصل به ثانية، ويردد لعبد الحكيم ما سبق وأن قاله له – وأن استمرار موجات غارات العدو على مطاراتنا لابد وأن يكون هناك طائرات أخرى أمريكية وإنجليزية تقوم بمساعدة الطائرات الإسرائيلية لأن العدو لا يملك هذا العدد من الطائرات. فيطلب منه حكيم احضار ما يثبت له ذلك.

وفي مرة طلب صدقي عبد الحكيم. وأخبره أن طائرات العدو قد أغارت على مطار الأقصر وضربت طائراتنا هناك. وكانت بعض طائراتنا قد نقلت إلى هذا المطار بعد ابتداء الضرب صباح اليوم. وكانت أصلاً في مطار بني سويف. وقيل أن أحد الطيارين القدامى واسمه حسني مبارك قد شاهد الطائرات المغيرة وهي من النوع الأمريكي، وأنه يؤكد ذلك.

طلب بالبحث عن حل سياسي:

وطلب عبد الحكيم جمال عبد الناصر تليفونيًّا وأخبره أن عدد الطائرات المغيرة كثيرة جدًا أكثر مما يملك العدو. وأن هناك طائرات أمريكية تغير على مطار الأقصر، وقد تعرف عليها أحد الطيارين وهو طيار قديم وله خبرته. وطلب عبد الحكيم من جمال في النهاية أن يبحث عن حل سياسي. ولكن جمال كان حريصًا ولم يتسرع ويأخذ برأي حكيم وإنما طالبه بأن يثبت له تدخل الطائرات الأمريكية. وأن يحضر له مثلاً طائرة منها يكون قد تم إسقاطها.

واتصل عبد الحكيم بمطار الأقصر وتحدث شخصيًّا مع الطيار حسني مبارك وسأله عن نوع الطائرات التي أغارت على مطارهم هناك، وهل هي أمريكية أم إسرائيلية. فأجابه بأنها كانت إسرائيلية.

وقلت لعبد الحكيم إن كان هناك طائرات أمريكية وإنجليزية تقوم بمساعدة إسرائيل فإن ذلك غالبًا يكون بعمل غطاء جوي بها فوق أرض إسرائيل نفسها حتى تتمكن إسرائيل من دفع كل طائراتها في الإغارة علينا. وحتى لا ينكشف أمر تلك الطائرات أيضًا إن سقطت إحداها، ولأن سقوطها سيكون داخل الأراضي الإسرائيلية في هذه الحالة.

وقد لاحظنا منذ البداية أن حكيم هو الذي يحاول إدارة المعركة الجوية وليس هناك إدارة لهذه العمليات بالمعنى المعروف. وكان يحاول توجيه صدقي ويشد من أزره ويشجعه لأنه على ما يظهر قد فقد السيطرة على نفسه.

وكان حسين الشافعي قد حضر إلى مكتب عبد الحكيم وهو معفر الثياب. وعلمنا منه أنه كان يرافق رئيس الوزراء العراق الذي وقع على اتفاقية الدفاع المشترك في زيارة للقاعدة الجوية بمطار فايد بالإسماعيلية. وأن المطار قد هوجم من الطائرات الإسرائيلية أثناء نزول الطائرة التي كانوا يركبونها إلى الأرض. وكانوا قد تركوا الطائرة وأخذوا يزحفون على الأرض بعيدًا عنها للاختفاء من الطائرات المغيرة.

ولما سألته عن عدد الطائرات المغيرة على المطار في الدفعة الواحدة ذكر أنها أربع طائرات، وأن الفاصل الزمني بين كل موجة وأخرى كان يتراوح بين عشر دقائق وخمسة عشر دقيقة.

ليسوا ألف طائرة:

ولما سألت عبد الحكيم عن عدد المطارات التي تهاجمها الطائرات الإسرائيلية ذكر أنها تسعة. وبعملية حسابية قدرت أن كل موجة من الطائرات المغيرة على مطاراتنا التسع تتكون من حوالي 36 طائرة، ولا يمكن أن تزيد عن خمسين طائرة. وإذا فرض أن هناك خمسون طائرة أخرى في انتظار أن تقوم بدورها في الإغارة على نفس الأهداف بعد أن تنتهي الموجة السابقة لها – وخمسون طائرة أخرى أيضًا في طريقها إلى نفس الأهداف، فيكون مجموع عدد الطائرات المستخدمة كلها حوالي مائة وخمسون طائرة. ومع التجاوز يمكن أن نقول حوالي مائتين أو مائتين وخمسون وليس ألف طائرة كما يذكر صدقي.

وكان صدقي قد حضر إلى مكتب عبد الحكيم ليقنعه بأن هناك طائرات أخرى غير إسرائيلية تقوم بالهجوم على مطاراتنا وقدر عدد الطائرات المغيرة بما يقرب من ألف طائرة. ولكننا أقنعناه بتلك العملية الحسابية أن ما يذكره مغالى فيه. ولكنه أراد أن يثبت أن إسرائيل ليس لديها طائرات ذات مدى يمكن أن يصل بها إلى مطار الأقصر. وأن الطائرات التي أغارت على المطار هناك غير إسرائيلية. ولكن بقياس المسافة بين مطار إيلات بإسرائيل ومطار الأقصر على الخريطة المعلقة على الحائط بمكتب عبد الحكيم تبين أن في إمكان الطائرات الإسرائيلية أن تقوم بتلك الغارات مع استخدام خزانات وقود إضافية.

وطلب عبد الحكيم من صدقي قبل أن يغادر المكتب أن يعيد تنظيم (طائراته المتبقية لديه وكانت الساعة حوالي الثانية والنصف بعد الظهر).

وسألنا عبد الحكيم عن لماذا لا تصعد طائراتنا وتتصدى لطائرات العدو أو تغير على مطاراته لأننا لم نكن نسمع إلا هجمات طائرات العدو علينا – وكأنه ليس هناك دور لقواتنا الجوية. فقام باصدار أوامره إلى صدقي بالعمل على قذف ومهاجمة مطارات العدو بعد ظهر اليوم – وكان ذلك قبل أن ننصرف من عنده. وكانت الساعة قد قربت من الثالثة بعد الظهر.

وانصرفنا ونحن على اعتقاد بعد أن أصدر عبد الحكيم تلك الأوامر أن قواتنا الجوية ستقوم بدورها في تعقب طائرات العدو وضربها وتدمير مطاراته ردًّا على هجماته في الصباح.

تهديد القتل:

وفي المساء عدنا إلى القيادة ووجدنا عبد الحكيم مشغولاً بالاتصال بضابط في مطار العريش اسمه اللواء الديب، ويطلب منه دفع مدفع 57ملم مضاد للدبابات من مطار العريش إلى بلدة العريش لأن دبابات العدو كانت قد وصلت إليها. ودهشت كيف وصلت دبابات العدو إلى العريش رغم انتشار قواتنا على طول الجبهة. وسألت مستفسرًا عن هذا – ولكن لم يجيبني أحد عن هذا التساؤل مني. وكل ما قيل أنها لابد أن تكون قد تسللت عن طريق بعض الدروب أو الوديان.

واستمر عبد الحكيم يتابع الاتصال التليفوني مع هذا الضباط من حين لآخر ويسأل عما إذا كان قد أرسل المدفع أم لا. ويظهر أن هذا الضابط جبان لأنه يحاول الاحتفاظ بالمدفع للدفاع به عن نفسه. وقد استمر عبد الحكيم ثلاث ساعات يواصل الاتصال بهذا الضباط من حين إلى آخر ولكن دون فائدة. وكان عبد الحكيم يهدده بأنه سيقتله إن لم يرسل المدفع إلى بلدة العريش حتى أصبح موضع تفكه بيننا.

وزاد اندهاشنا كيف يمكن لقائد عام كعبد الحكيم أن يشغل نفسه بموضوع مدفع طوال هذا الوقت. وأين القيادات المحلية. وتذكرنا عام 1956 أيام معركة السويس وكيف كانت تدار.

وسألنا عبد الحكيم عما إذا كانت طائراتنا قد قامت بواجبها وهاجمت طائرات العدو ومطاراته بعد الظهر تنفيذًا لأوامره التي أصدرها. ولكنه أبلغنا أنها لم تصعد ولم يشأ أن يخبرنا عن السبب في ذلك.


زمان يا سلاحي:

وفي هذه الأثناء حضر جمال عبد الناصر إلى مكتب عبد الحكيم. وتصافحنا وجلس معنا وقال: "وله زمان يا سلاحي". وقال لعبد الحكيم بعد أن جلس نفس فكرة الغطاء الجوي لسماء إسرائيل بطائرات أمريكية وإنجليزية واستبعد قيامها بغارات علينا. ولكن عبد الحكيم أخبره بأننا أسقطنا طائرة أمريكية في ترعة الإسماعيلية. وأكد له جمال أنه تبين إنها إسرائيلية وليست أمريكية. وطلب من عبد الحكيم الاتصال بالمهندس مشهور أحمد مشهور رئيس هيئة قناة السويس ليتأكد نفسه منه عن صحة الخبر. وفعلاً اتصل به عبد الحكيم وأكد له مشهور أنها طائرة إسرائيلية.

وطلب جمال من عبد الحكيم أن يطمئنه على قطاع غزة. وذكر أنه يعتقد أن إسرائيل سيكون هدفها الاستيلاء عليه وذلك حتى يمكنها أن تساوم به مقابل شرم الشيخ.

ثم سأل جمال عبد الحكيم عن خسائرنا في الطائرات ولكن حكيم تهرب من الإجابة عليه بحجة أن بيان الخسائر لم يصله بعد. وبعد إلحاح من جمال نظر حكيم إلى كشف أمامه على المكتب وقال المتبقى لدينا 47 طائرة منها 35 طائرة صالحة للاستعمال والباقي في التصليح ويمكن استخدامها بعد أن يتم تجهيزها. وسكت جمال ولم يعلق بشيء وإنما سأله عن الموقف في الجبهة. وكان حكيم يتهرب من الرد بأن يشغل نفسه في الرد على التليفون ويعطي أوامر فرعية وصغيرة جدًا ولا يصح أن يشغل نفسه بها كقائد عام.


ولكن بعد فترة قدم شمس لجمال تقريرًا كان موجودًا على مكتب حكيم وقال له: "سير العمليات".

جمال يطلب ربع ساعة من حكيم:

وأخذه جمال وجلس على طرف مكتب عبد الحكيم وأخذ يتطلع إلى ما جاء فيه – وأنا أرقبه – وبدأت تظهر على وجهه علامات عدم الارتياح التي أعرفها عنه.

وفي أثناء اطلاعه عليه نظر إلى عبد الحكيم وقال له: "إن خان يونس سقطت ورفح المدينة محاصرة – والاتصال بها مقطوع – وغزة تهاجم".

ثم قال لعبد الحكيم: "لابد لنا أن نعرف الموقف على حقيقته لأنه على ضوئه سنأخذ قرارنا على الاقتراحات المقدمة إلى