مذكرات وذكريات ما قبل التأسيس وحتي عام 1954

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
480px-غلاف-ما-قبل-التأسيس.jpg

بقلم / الأستاذ عدنان سعد الدين


موقع إخوان ويكي

مذكرات الأستاذ عدنان سعد الدين المراقب العام السابق للإخوان المسلمين بسوريا من الكتب الهامة التي تؤرخ لحركة الإخوان بسوريا وتكشف كثيرا من الحقائق التي يجهلها العالم عن النظام البعثي السوري والاضطهاد الذي تعرضت له الحركة ورجالها ونسائها على يد حافظ السد الرئيس السوري. كما توضح تسلسل مراحل الدعوة في سوريا منذ دخل الدعوة إلى سوريا وفترة المراقب العام الأول الدكتور مصطفى السباعي والذي توفى عام 1963م، كما توضح طبيعة العلاقة بين ابناء الحركة الإسلامية في هذه البلد. وقد طبعته اكثر من دار سواء دار مدبولي المصرية أو دار عمار السورية

محتويات

توطئة

الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على سيدنا محمد بن عبد الله ، الرحمة المهداة ، والنعمة المزجاة ، الذي أرسله الله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا ، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا ، لينقذ بهديه البشرية من الجهل والزيغ والضلال ، فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وتركها على المحجة البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يضل عنها إلا هالك ، فجزاه الله خير ما يجزي نبيًا عن أمته وبعد :

فمن مقومات السياسة الشرعية ، الاهتمام بأمور الخلق وشؤون العباد ، والنهوض بهم إلى مراقي الخير ومدارج الفلاح ، وتحصينهم من الزيغ والهوى ، وتبصريهم بحقوقهم وواجباتهم ، وتوعيتهم بمسؤولياتهم الفردية والاجتماعية ، وتنبيههم على الأخطار المحدقة بهم ، والمكائد التي يحركها الأعداء في الداخل والخارج للإيقاع بهم ، والكشف عن المؤامرات المدمرة التي تستهدف أرضهم وشعبهم.

لقد دأب الأعداء على بث الأراجيف المغرضة لتشويه مبادئ الإسلام والنيل من دعاته ، واستخدام وسائل الإعلام لتأليب الرأي العام العربي والإسلامي والدولي (وعلى جميع الصعد الشعبية والحكومية) ضد العاملين في الحقل الإسلامي وقادة الجماعات الإسلامية ، وإلباسها تهم التطرف والتعصب ومعارضة الوحدة ومعاداة الجماهير وحقها في العيش اللائق الكريم ، وهضم حقوق الأقليات والطوائف وغير ذلك من مسلسل المفتريات الملفقة والاتهامات الباطلة على مدار أكثر من خمسين عامًا ، ومثل هذه السياسات الهادمة للرجال والمبادئ تحركها وتخطط لها أجهزة وحكومات تنسج خيوطها ، وتضع لها برامجها وأهدافها ، وترصد لها المبالغ الطائلة والكوادر المدربة ، وهذا ما برعت به دوائر المخابرات الأجنبية الشرقية منها والغربية ، ولاسيما البريطانية سابقًا والأمريكية لاحقًا في صنع زعامات محترفة قادرة على العبث السياسي والتضليل المذهبي والمتاجرة بالشعارات ، والمزايدة في المبادئ ، والقفز على الحبال ، وركوب الموجات ، وتدليس الأفكار ، واللعب بالعواطف لتخدير الجماهير ، وتبديد الثروات ، وتمزيق الصفوف ، وإثارة النعرات ، وافتعال الأزمات وجر الشعب إلى الهزائم والنكبات.

في هذه الذكريات والمذكرات أو هذه الصفحات رصد لأحداث مضت ، ومعالجة متواضعة لأخطر الموضوعات السياسية والفكرية التي تشغل عقول العاملين للدعوة الإسلامية ، والدارسين الذين ينشدون الحقيقة ، ويبحثون عنها ، والمعنيين بشؤون الدعوة والأمة والوطن حاضرًا ومستقبلاً.


مدخل

بالرغم من كل ما ورد على نظام الخلافة العثمانية في أيامها الأخيرة من ظلم وانحراف واختراق يهود الدونما للسلطنة ، ومن اضطهاد للعرب ، وفرض اللغة التركية والقومية الطورانية عليهم ، وما ينطوي عليه هذا الظلم من إعلان الحرب ليس على العرب ولغتهم فحسب ، وإنما على الإسلام ذاته ، وعلى القرآن الكريم الذي شاء الله أن تكون العربية لغته التي يتعبد بها المسلمون ربهم ، ويؤدون بها صلاتهم.

بالرغم من كل هذا ، فإن إلغاء الخلافة في استانبول عام 1924م إنما هو إنهاء لآخر مظهر لسلطان المسلمين السياسي ، وقضاء مبرم على المعقل الأخير للقيادة الروحية للعالم الإسلامي.

إثر ذلك أضحت شعوب الأمة الإسلامية- ولاسيما الشعب العربي- كالغثاء بين الأمواج ، وكالريشة في مهب الريح ، فوجدت نفسها في ضياع ، تواجه قيادات سياسية عالمية تعرف ما تريد ، سواء أكانت وثنية كاليابان والهند ، أم شيوعية كالصين والاتحاد السوفياتي -سابقًا- أم كتابية كالولايات المتحدة ودول أوربا الغربية ، فقد كان العرب والمسلمون مبعثرين مشتتين ، يسيرون على غير هدى ، دونما قيادة كفوءة ترعاهم أو راية خفاقة تجمع شملهم.

بعد أربع سنوات من هذا الضياع وفقدان التوازن ، استيقظ العرب والمسلمون على صيحة مدوية أطلقها على أرض الكنانة ، وفوق ضفاف النيل داعية مصلح لم يأبه المراقبون والمتربصون لصيحته ، ظنًا منهم أنها واحدة من الصيحات التي لا تلبث أن تموت في يومها أو في غدها ، وعندما رأوا حشود المصريين وغير المصريين من العرب والمسلمين تستجيب للنداء ، وتنطلق كالمارد ، وتهدر كسيل عرم ، أدرك الأعداء -وما أكثرهم- خطورة هذا الداعية ، وحجم هذه القيادة الفذة ، فسارعوا وقرروا قتله وتصفية الجماعة التي بناها وقادها ، بكل ما يملكون من أسباب الكيد والبطش والحقد الدفين.

من هو حسن البنا رحمه الله ؟

إنه حسن بن أحمد عبد الرحمن الساعاتي الملقب بحسن البنا ، ولد في قرية المحمودية من مديرية البحيرة في مطلع القرن العشرين الميلادي عام 1906 ، أكمل تحصيله الابتدائي والمتوسط في بلدته ، ودرس بمعهد المعلمين في مدينة دمنهور ، وتتلمذ على والده الشيخ أحمد عبد الرحمن الرجل الصالح والمحدث الكبير صاحب شرح وتحقيق المسند لأحمد بن حنبل ، وعلى عدد من الشيوخ ، فأخذ من التصوف الزهد وتطهير النفس وتزكيتها ، وتنقية القلب من العلل والشوائب ، كما أخذ من السلفية الطريقة والأتباع مبرأة من الجمود والجفوة والتطاول على العارفين وذوي الصلاح ، وعندما التحق بدار العلوم في القاهرة نال شهادتها ، وكان الأول بين طلابها.

في مدينة الإسماعيلية التي باشر مهنة التعليم في مدارسها ، شرع بوضع الأسس في بناء كبرى الحركات الإسلامية عام 1928م الموافق 1347هـ ، ولما يمض على مكثه في الإسماعيلية عام واحد ، إذ تضافرت عوامل عدة في تكوين شخصيته القيادية الفريدة ، فقد حباه الله تعالى عقلاً راجحًا ، وذكاءً حادًا ، وبديهة حاضرة ، وقلبًا كبيرًا يسع المحسن والمسيء ، وإحساسًا مرهفًا ، وذاكرة عجيبة ، وفراسة تنظر بنور الله ، وكان مفتاح شخصيته الزهد ونكران الذات والخروج من سلطان الدنيا ، وتحرره من التفكير بها ، أو الاهتمام بشأنها أو متاعها ، ذكر من دخلوا منزله أنهم شاهدوا صورة من الزهد تذكر بما كان عليه العارفون الكبار من أمثال الإمام أحمد بن حنبل.

لقد كانت تجربته المبكرة ، ومشاهداته المثيرة عاملاً حاسمًا في وضوح الرؤية وتحديد الهدف لديه ، فقد راعه ما رآه في أوساط الشيوخ من انقسام وصراع ، واستفزته رؤية المعسكرات البريطانية جاثمة على صدر الوطن ، وآلمه تفشي البؤس والفقر والحرمان في السواد الأعظم من المصريين لحساب المستعمر والملاكين الكبار والشركات الأجنبية ، كما رأى تخاذل القصر والأحزاب السياسية أمام العدو المحتل ، فبادر إلى وضع نظريات العمل الإسلامي ، وأطلق الشعارات ، وحدد الغايات ، ورسم الخطط ، وشرع في مخاطبة الشعب ، وتوعية الجماهير ، وبناء التنظيم ، وهو دون الخامسة والعشرين ، وكتب رسائله كالمتون في اختصارها ، ودقتها فجاءت أعماله من حيث النضج والاكتمال في بدايتها مثلها في نهايتها. كان رحمه الله يملك جاذبية لا تقاوم في زلاقة اللسان ، وسحر البيان ، والاستشهاد بآي القرآن ، فإذا بالإسماعيلية مركز القيادة للجيوش البريطانية المحتلة تصبح قلعة المقاومة ، وحصن الجهاد ، وموئل الأبطال ، من أمثال شيخ الفدائيين يوسف طلعت ، وقائد المجاهدين محمد فرغلي ، رحمهما الله وأعلى مقامهما.

انتقل الإمام حسن البنا إلى القاهرة عام 1932 لتكون مقرًا لقيادة التنظيم ، وسرعان ما أثمرت حركته رحمه الله قطوفًا يانعة فسددت لها حكومة حسين سري أولى الضربات فانتشرت في القطر المصري من أدناه إلى أقصاه ، ودخلت بيوت المثقفين والموظفين والعمال والفلاحين ، فعاجلتها حكومة السعديين برئاسة إبراهيم عبد الهادي بضربة قاسية عام 1948 ، فجاءت ردة الفعل اتساع دائرتها لتصل إلى الأقطار العربية ، وعندما قررت حكومة جمال عبد الناصر القضاء المبرم عليها عام 1954 ، ورفعت قادتها وعلماءها على أعواد المشانق ، وأعربت جميع القرى الكبرى على لسان صحفها عن ارتياحها وسعادتها كانت النتيجة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى جميع أنحاء العالم ، ودخولها القارات الخمس وانتشارها في أكثر من خمسين بلدًا ، وكذا في أوساط الأقليات والجاليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا وجميع بقاع العالم.

لسنا بصدد دراسة شافية عن الإمام حسن البنا في هذه المذكرات والذكريات ، فهذا يحتاج إلى مجلدات ، والرجل متعدد الجوانب والمواهب ، بيد أن إلمامة سريعة عن شخصيته وأفكاره وبعد نظره في أمور كثيرة وخطيرة لا بد منها ، باعتباره مؤسسًا وقائدًا لكبرى الحركات والجماعات الإسلامية في العصر الحديث.

حسن البنا واحد من العمالقة الكبار في هذا العصر ، جدد للأمة الإسلامية دينها ، وأحيا آمالها ، وأيقظها من سباتها ، وأسمعت صيحته أرجاءها ، أسس كبرى الجماعات الإسلامية في القرن العشرين الميلادي (الرابع عشر الهجري) وربى جيلاً بل أجيالاً صلبة عازمة على التغيير والتحرير والنهوض الكبير ، وانتقل بالعمل الإسلامي من حيز النظريات والفرضيات إلى سوح الجهاد والبناء ، وأعطى من نفسه القدوة في العطاء والفداء ، والإخلاص والتجرد ونكران الذات.

إن معظم الدراسات التي تناولت سيرة حسن البنا رحمه الله اقتصرت على سجاياه وصفاته وشمائله وسيرته الذاتية ، وقلما وقعت عيني على دراسة تتناول تجديده الديني وإصلاحه الاجتماعي وفكره السياسي ، وفي هذه العجالة أشير إلى أفكار ومواقف مهمة تلقي الضوء على شخصية الإمام ونهجه في الإصلاح ، وسبقه في قضايا كثيرة تقدم بها على غيره من المفكرين.

1- حدد منذ وقت مبكر دعائم عدة لدعوة الإخوان ، فذكر منها أنها ربانية تستمد من هذه الصلة روحانية تسمو بها إلى طهر الإنسانية ، وأنها عالمية موجهة إلى الناس كافة (فالبشرية عائلة واحدة ، أبوها آدم وأمها حواء) .

2- عُني رحمه الله بالإصلاح الاجتماعي بعد تأسيس الجماعة بوقت قصير ، فبنى المساجد ، وأنشأ المعاهد للبنين والبنات ، وأقام الأندية ، وأسس مقرات لحفظ القرآن الكريم ، وشجع على الصناعات المنزلية والخفيفة للنسيج والسجاد ، وشكل لجانًا للمصالحات وفض الخصومات ، وأخرى لجمع الصدقات وإسعاف المعوزين والفقراء ، وهيأ للمرضى مستوصفات متنقلة.. إلخ في أنحاء مصر ، كالذي عرفه المواطنون وشاهدوه ، واستفادوا منه في الإسماعيلية وشبراخيت والمحمودية والدقهلية وغيرها .

3- دعا إلى الحرية والسياسية بلغة لا ينقصها الوضوح ، فقال : الحرية السياسية ركن من أركان الإسلام ، وفريضة من فرائضه ، وإننا نعمل لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية كجزء من تعاليم الإسلام والإسلام الحنيف يعلن الحرية ويزكيها ، ويقرها للأفراد والأمم والجماعات بأفضل معانيها ، ويدعوهم إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها ، يقول -صلى الله عليه وسلم : «من أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني». ومن هذا المنطلق رفض الإمام الهيمنة الأجنبية مهما كان الثمن ، فقال : وقد وطنا أنفسنا على أن نعيش أحرارًا عظماء ، أو نموت أطهارًا كرماء .

4- أقر وجود الأحزاب السياسية بضوابط ومناهج معلنة ، وامتدح كثيرًا من رجالات الأحزاب ، وقال : قد عملوا على خدمة القضية السياسية المصرية ، ونحن لا نبخس الرجال حقهم ، بيد أنه رحمه الله أخذ على الأحزاب أنها لم تحدد منهاجًا دقيقًا لما تريد من ضروب الإصلاح ، وقال : إن هذه الأحزاب تعاقبت على الحكم فلم تأت بجديد ، فالإمام البنا لم يرفض فكرة الأحزاب وحقها في الوجود والمشاركة السياسية ، ولكنه أنكر واقعها وانحرافها وافتقارها إلى المنهج الإصلاحي الذي يخدم البلاد والعباد ، وعندما عرف الإمام جماعة الإخوان بجملة من المزايا والصفات والمقومات ، جاء منها كما قال رحمه الله : نحن حزب سياسي نظيف يجمع الكلمة ، ويبرأ من الغرض (المنافع الخاصة) ويحدد الغاية ، ويحسن القيادة والتوجيه. وفي الاجتماع نفسه أكد على موضوع فلسطين وقال : إن مصر والعالم العربي والإسلامي يفتدي فلسطين (قلب العالم العربي) أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

5- دعا الإمام البنا رحمه الله إلى الوحدة العربية بحماسة شديدة ، وتحدث عن ميزات العروبة وخصائصها والقيم التي تحلت بها وعرفت عنها فقال : نحن نعلم أن لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق ، ونعلم أن الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل ، ونعتقد أن العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر ، ولكن ليس معنى هذا أن تتخذ الشعوب هذه المزايا ذريعة إلى العدوان ، بل عليها أن تتخذ ذلك وسيلة إلى النهوض بالإنسانية ، ولعلك لست واجدًا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة العربية من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتحدث الإمام عن الوحدة حديثًا يفيض في الحماسة والاقتناع ، وربطه بالعقيدة وأصول الدعوة إلى الإسلام في مناسبات كثيرة ، وفي فترات متفاوتة ، كان أوضحها ما جاء في خطابه بالمؤتمر الخامس عام 1938م فقال : ثم إن هذا الإسلام نشأ عربيًا ، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب ، وجاء كتابه بلسان عربي مبين ، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين ، وقد جاء في الأثر : إذا ذل العرب ذل الإسلام ، وقد تحقق هذا المعنى حين دال سلطان العرب السياسي ، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ومن إليهم ، فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه ، وأحب هنا أن أنبه- يقول الإمام- إلى أن الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة ، كما عرفها النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- : «ألا إن العربية اللسان ، ألا إن العربية اللسان» ، ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة مجد الإسلام ، وإقامة دولته ، وإعزاز سلطانه ، ومن هنا وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها ، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية ، ثم أكد الإمام المرشد على هذا المعنى في المؤتمر السادس الذي تم عقده عام 1941 وجاء فيه : العروبة لها في دعوتنا مكانها البارز وحظها الوافر ، فالعرب هم أمة الإسلام الأولى وشعبه المتخير ، ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب (الجماهير) العربية ونهضتها ، فهذه الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية لا تمزق في أنفسنا أبدًا معنى الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب على أمل واحد ، وجعلت من هذه الأقطار جميعًا أمة واحدة مهما حاول المحاولون وافترى الشعوبيون ، ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام ولخير العالم كله .

هذا هو رأي الإمام حسن البنا في العرب والعروبة والوحدة العربية ، وأزعم أن أعضاء الجماعة في خارج مصر ، ولاسيما في بلاد الشام -سوريا ولبنان والأردن وفلسطين - والعراق ، لو أخذوا برأي الإمام الشهيد حسن البنا ورفعوا لواء الوحدة العربية وفق المفاهيم التي حددها الإمام رحمه الله في هذا الشأن ، لقطعوا الطريق على الحركات والأحزاب القومية التي جنحت بالعروبة جنوحًا ضارًا ، والتي اشترطت للوحدة العلمانية أو الماركسية مضمونا لها ، وأخذوا بكل ما يبعدها عن الإسلام ورسالته التي صار العرب بها خير أمة أخرجت للناس.

6- أما الشؤون الاقتصادية فقد سبق الإمام عصره بما يخصها خمسين عامًا على الأقل ، فقد آلمه ما يعانيه المواطنون من فقر ومرض وبؤس وجهل واضطهاد ، فأرسل صيحة مدوية حذر فيها من النتائج المترتبة على ذلك ، والتي قد تفضي إلى سوء المصير ، وقد شخص رحمه الله أحوال الناس ، وما يعانونه من جوع وحرمان ، في المؤتمر السادس عام 1941 ، فذكر أن دخل الفرد في الشهر جنيهان ، في الوقت الذي تبلغ تكاليف الحمار 340 قرشًا ، أي ضعف دخل المواطن على وجه التقريب ، وأن في مصر 320 شركة يملكها أجانب وغرباء وجاليات ، بينما لا يملك المصريون سوى 11 شركة ، ونادى رحمه الله بتأميم قناة السويس ، وقال : قناة السويس أرض مصرية حفرت بدماء المصريين وجهود أبنائها ، فيجب أن يكون لمصر حق الإشراف عليها وحمايتها وتنظيم شأنها وفي مكان آخر من بحوثه ورسائله نادى الإمام بتأميم القنال صراحة ، وعبر عن ذلك بقوله (تمصير القنال) كما نادى بتمصير الشركات ، وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية كلما أمكن ذلك والتحول إلى الصناعة فورًا ، لأن ذلك من روح الإسلام . وطالب في نفس البحث وفي هذه الرسالة باستقلال النقد (عن الإسترليني) واعتماده على رصيد ثابت من موارد مصر وذهبها لا على أذونات الخزينة البريطانية ، وعلى أوراق لا قيمة لها إلا بالضمان الإنجليزي ، كما تحدث الإمام عن نظام الملكيات ، فدعا إلى إعادة النظر في تملك الأرض ، وقال بتشجيع الملكيات الصغيرة ، وتعويض ذوي الملكيات الكبيرة ، حتى يشعر الفقراء أن لهم في الوطن ما يعنيهم أمره ، ويهمهم شأنه .

إن الإمام لم يترك مناسبة ، إن في المؤتمرات أو الرسائل أو المقالات أو صحف الجماعة إلا دعا إلى تحرير الفلاحين والعمال والحرفيين من الظلم والاستغلال وسيطرة الشركات الأجنبية ، وإعطائهم حقوقهم المجزية ليعيشوا وأبناءهم حياة كريمة تكفل لهم التعليم والعلاج والرزق الحلال والكرامة الإنسانية كما نصت الآية الكريمة في كتاب الله تعالى : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.

7- وأخيرًا- وليس آخرًا- دعا الإمام إلى وحدة الكلمة وجمع الشمل ورص الصفوف والتقاء الهيئات والمؤسسات والشخصيات على الأمور التي توحد ولا تفرق ، وتجعل الشعب كله صفًا واحدًا وكتلة متراصة كالبنيان يشد بعضه بعضًا ، وأن يعذر الأخ أخاه ، والجار جاره ، والمواطن أبناء وطنه في أي خلاف ينشب بينهم كما كان يفعل الفقهاء والكبار والأئمة العظام ، فأطلق رحمه الله كلمته الشهيرة التي ذهبت مثلاً ، فقال : فلنتعاون على ما اتفقنا عليه ، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. هذه ملامح عن شخصية الإمام ، وشذرات من فكره الثاقب ورأيه السديد ، ونظره البعيد ، وسبقه أبناء جيله في استشراف المستقبل ، وهذا هو شأن الكبار والمصلحين ، فرحمه الله وأعلى مقامه في عليين ، وجزاه عن أمته وملته خير الجزاء وأحسنه.

مقدمة

قلَّ من يدرك الدور التاريخي الذي اضطلعت به جماعة الإخوان المسلمين في العصر الحديث في حياة العرب والمسلمين.

لقد خرج المسلمون - ولاسيما العرب منهم- من الحرب العالمية الأولى منهكين بعد زوال آخر مظهر للسلطان السياسي للمسلمين إثر هزيمة العثمانيين ، فكانت الهزيمة النفسية أكبر من الهزيمة العسكرية حيال التفوق الغربي ، وتجاه إنجازاته الحضارية في شتى الميادين.

أمعن الغرب في تمزيق الوطن العربي والعالم الإسلامي ، وفي تغريب شعوبه ، وعاشت الأمة أزمة حادة في الهوية والانتماء ، فنشأت حركات وأحزاب وجماعات تحمل الفكر الغربي ، وتدعو أبناء الأمة أن يخلعوا عن أنفسهم ربقة الإسلام ، وتؤكد على صبغ الحياة الخاصة والعامة بالصبغة الغربية في مجالات السلوك والتربية والمناهج وكل شؤون الحياة ، بل إن الأجيال الناشئة وطلاب المدارس كانوا يتحرجون من أداء الصلاة إلا خفية للقلة القليلة التي كانت تحرص على أداء هذه العبادة ، وهكذا كان شأن المواطنين في بلاد الشام التي تشمل سورية ولبنان والأردن وفلسطين ، وفي العراق ووادي النيل وبلاد المغرب العربي في شمالي إفريقيا ، طيلة العشرينيات ، ومطلع الثلاثينيات ، والناس في غفلتهم سادرون ، حتى استيقظوا على صيحة مدوية أطلقها الإمام المجدد حسن البنا على ضفاف النيل عام 1928 بعد أربع سنوات من إلغاء الخلافة الإسلامية في استانبول ، وإلحاق تركيا بأوربا ، وتجريدها من كل صبغة إسلامية بعد أن حمل العثمانيون الراية الإسلامية لأكثر من ستة قرون.

كانت أولى النتائج الباهرة التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين بعد تأسيسها بفترة وجيزة هي تحرير شعوب الأمة العربية والإسلامية من الأزمة النفسية الحادة في الهوية والانتماء ، إثر الهزيمة التي منيت بها في أعقاب الحرب العالمية الأولى والتفوق الغربي عسكريًا وحضاريًا ، إذ عادت الثقة لأبناء الأمة في عقيدتهم وشريعتهم وتاريخهم وأمجادهم وقدرتهم على الاضطلاع بدور حضاري منقذ في المستقبل كالذي نهض به آباؤهم وأجدادهم من قبل في هداية البشرية وإنقاذها.

سوريا أول من استجاب لصيحة الإمام البنا

تضافرت أسباب عدة جعلت من سوريا أول قطر عربي يستجيب لصيحة الإمام حسن البنا في ظهور دعوة الإخوان المسلمين في سوريا في وقت مبكر ، ومن ذلك :

1- اهتمام الإمام المؤسس ببلاد الشام ولاسيما فلسطين ، إذ أدرك رحمه الله ما يبيت لها من شرور ومخططات ترمي إلى خطفها من أهلها ، وإحلال اليهود الوافدين إليها من كل الآفاق محلهم ، بدعم من البريطانيين الذين وهبوا فلسطين وأقطعوها لليهود بموجب وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا في 2- 11- 1917 ، وكأنها ملك شخصي له ، أو لدولته.

أرسل الإمام وفدًا مشكلاً من أخيه الشيخ عبد الرحمن والأستاذ أسعد الحكيم والشيخ عبد المعز عبد الستار يرافقهم الزعيم التونسي عبد العزيز الثعالبي ، زار الوفد مدن فلسطين يحذر أهلها ، وينبه للذي يبيته الصهاينة لانتزاع فلسطين من شعبها ، ويستنهض الهمم كل يهبوا ويجاهدوا وينقذوا وطنهم. التقى الوفد في حيفا بالشيخ نمر الخطيب خطيب مسجدها الكبير ، وكان في مقتبل شبابه ، فانعقدت أواصر الأخوة والمحبة بين الشيخ نمر وبين أعضاء الوفد ، ولاسيما الشيخ عبد المعز عبد الستار ، وما يزالان على عهدهما منذ 5 آب عام 1935 تاريخ ذهاب الوفد إلى فلسطين وحتى يومنا هذا ، وما يزالان على العهد في الوفاء لدعوة الله ، ولرابطة الأخوة في ذات الله ، والشيخ عبد المعز هو البقية الباقية من أعضاء مكتب الإرشاد الذي كان يرأسه الشهيد حسن البنا ، ومثله الأستاذ فريد عبد الخالق أمد الله في عمرهما ، أما الشيخ نمر الخطيب فإنه يجاور في المدينة المنورة ، ويعطي دروسه لطلاب العلم كما كان حاله في حيفا وبيروت دون كلل أو ملل ، بالرغم من أنه بلغ المائة من عمره المبارك ، والشيخ عبد المعز عبد الستار يقيم في الدوحة عاصمة قطر ، وهو في التسعينيات من عمره المديد أمضاه في الجهاد في سبيل الله وفي الدعوة إلى الله ، أما الأستاذ فريد عبد الخالق فيقيم في القاهرة قريبًا من إخوانه وأبنائه الذين رباهم على طاعة الله وحمل راية الإسلام . وقد شارف على التسعين من عمره المبارك.

2- كان الإمام يرى في بلاد الشام أملاً كبيرًا للعرب وللمسلمين ، وينظر إليها بعين التقدير والمحبة والرجاء ، فالذكريات الكريمة والأحاديث الشريفة تؤكد على خيرية هذه البقعة ، وأن الله تعالى بحكمته وبفضله باركها وبارك حولها ، والأحاديث الشريفة شجعت على سكناها والإقامة على أرضها ، واللجوء إليها عند ظهور الفتن ، وما إلى ذلك من نصوص يقرؤها من يبحث عنها في مظانها.

وقد نقل تلاميذ الإمام ومريدوه والذين رافقوه وعايشوه أقوالاً عنه رحمه الله في بلاد الشام تؤكد على ثقته بالشام وأهلها ، وما يعلقه عليها في خدمة الدعوة من آمال ، مثال : في مصر قلوب ، وفي الشام عقول ، ومثل : لو كنت في بلاد الشام لبلَغْتُ دعوة الله إلى العالم كله- في عشرين سنة ، ولم يغادر مصر طيلة حياته- باستثناء رحلة الحج- إلا مرة واحدة ، حضر فيها إلى دمشق على رأس كتيبة من مجاهدي الإخوان المسلمين لينضموا إلى إخوانه العرب والفلسطينيين في حرب فلسطين عام 1948 ، وبعد عودته بفترة وجيزة اغتالته يد المكر والغدر في (12-2- 1949م). لأسباب عدة يأتي في مقدمتها جهاده وحماسته في الدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

3- في الثلاثينيات رحل عدد من طلاب العلم من سوريا إلى مصر لتلقي الاختصاصات في علوم الشريعة في الأزهر الشريف ، كان من أبرزهم الشيخ مصطفى السباعي والشيخ محمد الحامد رحمهما الله ، فتعرفوا على جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة ، وعلى مرشد الجماعة الشيخ حسن البنا ، وكان يحضرون الدروس الأسبوعية التي يلقيها المرشد مساء كل ثلاثاء ، فامتلأت نفوسهم إعجابًا بغزارة علمه ، وجميل تواضعه ، وسعة أفقه وحسن معشره ، فتعلقت قلوبهم به ، ولم يستطيعوا فراقه أو الابتعاد عنه.

قال الشيخ مصطفى السباعي في حسن البنا  : فوالله ما رأيت إنسانًا أروع في الفداء ، وأخلص في النصح ، وأنبل في التربية ، وأكرم في النفس ، وأعمق أثرًا في الإصلاح من حسن البنا رحمه الله . أما الشيخ محمد الحامد ، فكان في حديث دائم عن الإمام وفضائله وإخلاصه وقدراته وتواضعه. إلخ واقتصر على ذكر موقف واحد صادفه في أول عهده في مصر ، وقد سمعنا ذلك منه رحمه الله : قال الشيخ الحامد ذكر لنا بعض الطلاب أن شيخًا يلقي حديثًا مساء كل ثلاثاء في دار الإخوان بحي الحلمية ، فذهبنا واستمعنا لأول مرة إلى محاضرة بعنوان : السلام في الإسلام ، أبديت تسع ملحوظات فقهية على المحاضرة ، وبعثت بها إلى الأستاذ المرشد داخل مظروف كيلا يطلع أحد غيره عليها ، وفي الثلاثاء التي تلت ، قال المرشد من فوق منبر الثلاثاء : استلمت من الشيخ محمد الحامد الحموي تسع ملحوظات تعقيبًا على كلمتي التي ألقيتها في الأسبوع الماضي بعنوان : السلام في الإسلام ، قال الحامد في الأولى كذا وكذا ، وقلت كذا وكذا ، والصواب مع الشيخ الحامد ، وعدد ثماني ملحوظات وهو يقول : والصواب مع الشيخ الحامد ، أما التاسعة ، ففيها رأيان جائزان ورأي الحامد هو الراجح ، يقول الشيخ محمد رحمه الله ، منذئذ عرفت أننا أمام مخلص ومصلح كبير ، وأنه سيقوم بدور عظيم في النهوض بالمسلمين ، ازداد الشيخ تعلقًا بالإمام ، واستمرت الصلة طيلة حياة الإمام البنا ، ونقل الشيخ محمد تجربة الإمام وفكر الإخوان وتنظيمهم إلى سوريا ، وأسهم في تأسيس الإخوان في مدينة حماة على غرار ما شاهده في القاهرة ، وقال : لم يعرف المسلمون منذ سبعة قرون مرشدًا كاملاً وإمامًا مجددًا كالشهيد حسن البنا ، ويقول : سبقنا الإمام البنا شهيدًا إلى جوار ربه ، لكننا لم نفترق ، فلا يكاد يمر على أيام قليلة حتى أراه في الرؤيا زائرًا لجامع السلطان (أكبر أو أهم مساجد مدينة حماة التي كان الشيخ محمد الحامد رحمه الله خطيبه وإمامه) يحضر الباحات التي تؤدي فيها العبادة ، وتعطي فيها الدروس الشرعية والتربوية ، كان آخر لقاء بين الإمامين في دمشق ، عندما ذهب الشيخ محمد الحامد على رأس وفد من أعضاء الإخوان في حماة بمناسبة حضور الإمام إلى دمشق على رأس كتيبة المجاهدين من إخوان مصر ، فرغب الأستاذ البنا أو بعض إخوانه بالتقاط صورة مع الشيخ محمد وإخوانه ، فتمنع الشيخ الحامد لكراهيته لأخذ الصور ، لكن الإمام (الذي لا يرى بها بأسًا طالما أنها خالية من التجسيم ومقتصرة على حبس الظل) عزم على أخيه الحامد قبول ذلك ، فاستجاب تأدبًا وهو كاره ، فوقف وحرك شفتيه بكلام غير مسموع ، وعندما حاول المصور سحب الصور وجد الفيلم قد احترق ، وتبين أن الشيخ كان يدعو الله تعالى أن يصرف عنه هذا الحرج ، لما يعرف عنه من شدة الورع ، فكان ما كان ، وبهذا السياق سمعت من الشيخ محمد علي المراد خليل الشيخ الحامد ورفيق دربه أنه رأى في منامه الشيخ محمد الحامد وهو يشير إلى صورته ، فلم يأبه الشيخ المراد رحمه الله إلى ذلك ، لكنه رآه مرة أخرى وهو يشير بيده إلى صورته فذهب إلى أبنائه وسأل بعضهم : ما موضوع صورة الشيخ؟ فأجابوه : إن صاحب أستوديو (جروا) يعمل على تكبير صورة الشيخ لتوزيعها في المدينة ، فذهبوا إليه ، واتفقوا معه على إلغاء المشروع ، وتعويضه عن الجهد والتكاليف التي بذلها في هذا الشأن ، كما قام الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري أحد مؤسسي جماعة الإخوان في حلب بجهد مشكور في إقامة الصلة بين الإخوان في مصر ، والإخوان في سوريا قبيل التأسيس ، غير أن الجهد الفاعل في هذا المضمار قام به الشيخ مصطفى السباعي الذي أتاحت له إقامته في القاهرة منذ وقت مبكر إحكام الصلة مع العاملين للإسلام في كل الميادين ، فلقد ذهب رحمه الله إلى القاهرة لتلقي علوم الشريعة في الأزهر سنة 1933م ، فكان حركة لا تهدأ بين طلاب الأزهر ، ومع العلماء وهو دون العشرين ، ومع الصحافة الإسلامية ، وفي صحبة كبار الدعاة من أمثال محب الدين الخطيب. ولقد أسس وهو طالب في الأزهر جمعية التعارف الإسلامي ، وشارك في تأليف لجنة الشؤون الإسلام ية في الأزهر ، وقام بتأسيس ناد للطلبة السوريين والفلسطين يين في القاهرة ، وأقام صلة وثيقة بالشبان المسلمين في مصر ، التي سبقت الإخوان المسلمين في الظهور ، وكانت له صلة وثيقة بقادتها كما سيأتي ذلك في حينه ، ثم انحاز إلى الإخوان المسلمين في مصر ، وآثر التعاون معهم والاندماج بهم لأسباب أهمها :

أ- الفهم الشمولي للإسلام في دعوة الإخوان المسلمين.

ب- السبب الثاني والأهم تأثره بشخصية الإمام حسن البنا ، وإعجابه بمواهبه ، وقدرته في قيادة الجماعة ، وما انطوت عليه شخصية الإمام من معاني التضحية والإيثار والإخلاص والتفاني.

الصراع بين دعاة الغرب ودعاة الإسلام

إثر الهزيمة العسكرية التي مني بها العثمانيون ، وانعكاس آثارها السلبية على شعوب المنطقة ، وفي مقدمتها الشعب العربي ، وما أعقب ذلك من إحباط وشعور بالنقص تجاه الغرب المنتصر ، وبما جاء به من تفوق وتقدم وإنجازات حضارية ، إثر ذلك ظهرت على مسرح الحياة العام ، ولاسيما في الساحة السياسية شخصيات وقادة ومُلاك كبار ، ومفكرون ومثقفون تخرج الكثير منهم في جامعات فرنسا وأوربا وأمريكا ، وعاش بعضهم في المجتمعات الغربية ، وأشربوا في قلوبهم عاداتها وأفكارها ، بل وعقائدها ، فنادوا بتقليدها ، وبناء مجتمعاتنا على منوالها ، وأسسوا حركات وجماعات وأحزابًا سياسية تتبنى مفاهيم الحضارة الغربية بعجرها وبجرها وبكل ما تنطوي عليه من سموم ومخاطر وانحلال في مجالات التعليم والتربية وحياة المرأة ، والتحرر من ضوابط الشرع الحنيف وتعطيل أحكامه واستبدال أنظمة غربية بها ، في العقوبات والحياة الاقتصادية والقوانين المدنية ، وفي كل شؤون الحياة الفردية والاجتماعية.

يقول المؤسسون لجماعة الإخوان المسلمين في حماة : بعد أن ألغت السلطات الكمالية في تركيا الخلافة الإسلامية في السلطنة العثمانية ، وبعد أن سقطت سورية تحت نير الانتداب الفرنسي في أوائل العشرينيات ، هب كثير من المثقفين ومن أصحاب الأملاك وكبار التجار ونادوا بالكفاح الوطني ، والنضال السياسي لتحرير سورية واستقلالها ، داعين إلى التحرر والالتحاق بركب المدنية الحديثة ، دون أن يكون للإسلام حضور في تحركهم وفي طروحهم ، بل جاهر البعض منهم بوجوب الابتعاد عن الإسلام وعن قيمه وأحكامه ، متأثرين في هذا بالنهج الغربي ، والفكر العلماني ، والطابع الكمالي.

ومن هنا تنادى أهل الغيرة الإسلامية ممزوجة بالحمية الوطنية من رجال الإسلام وشيوخه وعلمائه ، ومن وجهاء البلد وزعمائه كي يلتفوا ويشكلوا جماعات وجمعيات إسلامية تنادي بالعودة إلى رحاب الإسلام ، وإلى التمسك بأهدابه ، ومباشرة الكفاح تحت رايته. ومن هنا كانت البداية ، بل البدايات في المدن السورية التي رافقها وسبقها تحركات في دمشق وحلب وحمص ، وأعقبتها تحركات مماثلة في اللاذقية والساحل ودير الزور والحسكة وحماة ، لتكون مقدمة التجمع الكبير والحوارات المستمرة بين رجال الدعوة في سوريا ، والتي أفضت في نهاية المطاف إلى تأسيس حركة الإخوان المسلمين في سوريا ولبنان والأردن والمدن الفلسطينية.

الجمعيات التي سبقت ميلاد الإخوان

كثير من الإخوان الذين كتبوا عن الإخوان المسلمين في سوريا وعن قادتها التبس عليهم نشؤوها ، واختلطت عليهم المؤتمرات التي انعقدت بين يدي تأسيسها ، فذكر بعضهم ، أن الجمعيات عقدت عدة مؤتمرات في حلب ودمشق تمهيدًا لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في الثلاثينيات ، وفاتهم أن معظم الجمعيات قد نشأت في الأربعينيات ، فكيف تشارك في اللقاءات جمعيات غير موجودة كما هو شأن جماعات الدير واللاذقية وحماة؟!

لقد استبان لي بعد المراجعة لهذه الكتابات أن النشاط في الحوار واللقاء كان في البداية -في بداية ومنتصف الثلاثينيات- مقتصرًا على أبناء دار الأرقم في حلب ، وأبناء الشبان المسلمين في دمشق وأبناء الرابطة الدينية في حمص ، فكانت تلكم اللقاءات النواة التي اتسعت وتعمقت وانتهت إلى ظهور حركة الإخوان في سوريا بشكل نهائي عام 1945م.

لا بد من التنويه إلى الدور الكبير الذي اضطلع به العلماء والدعاة في عقدي العشرينيات والثلاثينيات في سوريا ، وهي تمر بمرحلة انعدام الوزن إثر انفصالها عن السلطنة العثمانية ، ووقوعها في قبضة الفرنسيين تنفيذًا لاتفاقات ساكيس- بيكو ، وتقسيم بلاد الشام والعراق بين الإنكليز والفرنسيين ، لقد تصدى السادة العلماء والشيوخ لتيارات التغريب التي زحفت في ظل الانتداب الفرنسي ، وألفت الأحزاب ودعت إلى برامج وأيديولوجيات وافدة فيها اليمين واليسار ، دون أن يكون للإسلام فيها أي نصيب أو حضور ، فانتزعوا منها قيادة الجماهير ، وعملوا بكل حماسة وإخلاص على تثبيتها على عقيدتها وقيمها ، وأنقذوها من السقوط في شرك المعتقدات والمبادئ الدخيلة الوافدة من الكتلتين الغربية والشرقية على حد سواء.

عرف التاريخ من أولئك العلماء القادة في حلب : الشيخ محمد النبهان والشيخ عيسى البيانوني والشيخ راغب الطباخ ونجيب خياطة وأحمد الزرقا وأسعد عبجي. وفي إدلب : الشيخ نافع شامية ، وفي حماة : الشيخ سعيد الجابي والشيخ سعيد النعسان والشيخ محمود العثمان والد الدكتور الأخ عبد الكريم العثمان رحمه الله ، وفي حمص : طاهر الرئيس وحسني السباعي ، وعبد العزيز عيون السود. وفي دمشق بدر الدين الحسني والشيخ علي الدقر صاحب الجمعية الغراء ، والشيخ أبو الخير الميداني ، والشيخ حسن حبنكة ، وعبد المحسن الأسطواني ، والشيخ كامل القصاب. وفي دير الزور الشيخ حسين رمضان ، وفي حوران تبني الدعوة فيها الشيخ علي الدقر وإخوانه ردًا على النشاط التبشيري ، فجاء بعدد من أبنائها إلى الجمعية الغراء ، فتخرج عدد منهم أمثال الشيخ عبد العزيز أبا زيد والشيخ سليم المصري ، وهذه أمثلة وليست على سبيل الحصر ، ومن هؤلاء من عمل على نشر العلم والدعوة ورفع راية الكفاح ضد المستعمر ، ومنهم من اقتصر على تربية الشباب وتفقيه الناس بأمور دينهم وأحكامه. لقد كان أولئك السادة وكثير من أمثالهم (لا يقلون عنهم قدرًا) المنقين لأبناء جيلهم من الوقوع بين براثن سلطة الانتداب وأعوان المستعمر ودعاة التغريب والمروجلين للتقاليد الغربية أو للمبادئ الشيوعية ، لقد كان كل واحد من هؤلاء الشيوخ كربان للسفينة التي قادها ، وخلصها من العواصف الهوج والأمواج العاتية ، وأوصلها إلى شاطئ الأمان والسلام والنجاة ، فحفظوا للأمة شخصيتها ، وللأجيال الصاعدة عقيدتها وقيمها ، فجزاهم الله خير الجزاء ، وأثابهم على ما قدموه للأمة والملة ، وعلى جهادهم وتضحياتهم التي حفظت البلاد والعباد ، وحررت الوطن من رجس المستعمرين والظالمين بالتعاون مع الوطنيين المخلصين من أمثال إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وشكري القوتلي ، رحم الله الجميع رحمة واسعة ، وجزاهم عن الوطن والمواطنين خير الجزاء.

القائد الفذ مصطفى السباعي

لا يسع المؤرخ أو الدارس لنشوء جماعة الإخوان المسلمين في سوريا أن يغفل الحديث عن الدكتور الشيخ مصطفى السباعي أو الوقوف عند محطات بارزة في حياته ومسيرته ، وذلك لسببين :

أ- الدور الحاسم الذي اضطلع به في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا وفي قيادتها وإنجازاتها على مدى عقدين.

ب- تداخل حياة الشيخ بأعمال الجماعة وأنشطتها تداخلاً لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر ، ومن ثم فلا بد من إلمامة عاجلة عن حياة الرجل الكبير المليئة بالفكر والعبر والإنجازات العظيمة طيلة حياته المباركة.

ولد الفقيد الشيخ الدكتور مصطفى السباعي في مدينة حمص عام 1915 ، وتلقى العلوم الشرعية والعربية عن والده الشيخ حسني السباعي ، وعن ثلة من العلماء الذين كانوا يفدون على منزل والده ، ويعقدون الجلسات العلمية والفقهية ، وقد ظهرت على الشيخ مصطفى علائم النجابة والنباهة منذ طفولته ، ثم لم يلبث أن حصل بتفوق ملحوظ على الثانوية الشرعية ولما يتجاوز السادسة عشرة من عمره ، شرع منذ وقت مبكر بتحريض المواطنين على الاستعمار الفرنسي ، وكتب المنشورات التي كانت توزع سرًا ، وأنكر بعض البدع والعادات الضارة المتفشية في المجتمع . فلم تلبث سلطات الانتداب الفرنسية أن ألقت القبض عليه وأودعته السجن عام 1931 وهو في السادسة عشرة من عمره ، ولم تكد تفرج عنه حتى اعتقلته مرة أخرى إثر خطبة عصماء أهاج بها المصلين على الفرنسيين عام 1932 ، فمكث في السجن ستة أشهر .

غادر الشيخ حمص إلى القاهرة عام 1933 للدراسة في الأزهر الشريف ، فأتاحت له الإقامة في مصر فرصًا ثمينة حقق بها آماله العريضة ، فاتصل بالشيخ الكبير محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح التي سبق للشيخ مصطفى مراسلتها والكتابة فيها وهو في الثانية عشرة من عمره ، فتابع الكتابة بالمجلة وهو قريب من صاحبها ومؤسسها ، فكان القراءة يطالعون كتاباته ويعجبون بها ، كما اتصل بجمعية الشبان المسلمين التي سبقت بالظهور جماعة الإخوان المسلمين ، ثم اتصل بجماعة الإخوان المسلمين وبمرشدها حسن البنا ، وشرع يخطب في شعبها وفروعها ، وكان خطيبًا مفوهًا ، بليغ اللسان ، فصيح البيان ، فكانت خطبه ذات أثر بالغ في نفوس السامعين ، وكان رحمه يحرض الطلاب على التظاهر ضد المستعمر البريطاني ، ويشارك في المظاهرات ويلقي في المتظاهرين الخطب الحماسية ويستنفر أبناء الكنانة لمقاومة المستعمر ، فلم تحتمل سلطات الانتداب ما كان يفعله ويقوم به ، فزجت به في السجن عام 1934م ، وعندما تم الإفراج عنه استأنف جهاده ، فاعتقلته السلطات البريطانية عام 1941 مرة أخرى بتهمة تشكيل جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق . وبعد شهرين من اعتقاله أبعده الإنكليز من مصر إلى فلسطين ، فأمضى في سجونهم أربعة أشهر ، ثم عاد إلى سوريا ، مستأنفًا نشاطه في مدينة حمص ضد الانتداب الفرنسي ، فاعتقله الفرنسيون ، ونفوه إلى لبنان وأودعوه سجن المية ومية ، وفي قلعة راشيا بلبنان ، ليمكث فيهما ثلاثين شهرًا تحت التعذيب وفي الأشغال الشاقة دون أن ينال العدو من عزيمة الشيخ شيئًا كما ذكر الذين كانوا معه في السجن ، بل كان يشحذ العزائم ، ويستنهض الهمم ، وعندما تم الإفراج عنه وعاد إلى حمص باشر مهنة التدريس في التربية الإسلام ية واللغة العربية دون أن يفتر أو يهادن الفرنسيين ، بل كان دائب التحريض على الثورة المسلحة ضد المحتلين ، وتخليص الوطن من الفرنسيين ، وإنقاذ فلسطين من اليهود والبريطانيين.

خاض الدكتور السباعي المعارض في كل الميادين وعلى جميع الصعد ، عمل مع العلماء والجمعيات في المدن السورية ، لتفعيل دورها ، والاضطلاع بمسؤولياتها في تربية الجيل وتحصينه مما يبيت له من الإضلال والإفساد ، وفي تحرير الوطن من الأعداء ، والتصدي للمبادئ الهدامة التي وفدت في ظل الانتداب ، وقاتل رحمه الله الفرنسيين عندما أعلن السوريون الثورة على فرنسا ، وخطب فوق المنابر ، فهزها وهز معها مشاعر المواطنين ، وشرع قلمه ، فكتب في الفكر والسياسة والإصلاح والمرأة والفقه والحضارة أروع ما كتب ، ولاسيما في فقه الواقع وفي تجارب الحياة ، وأنشا كلية الشريعة حصنًا منيعًا للعلوم الإسلام ية ، فأمدت المجتمع في سوريا ولبنان والأردن وغيرها بالدعاة والعلماء والمصلحين ، وأقام للفقه موسوعة ، لتجديده وتبويبه وتقريبه إلى عقول المثقفين وطلاب العلم ، وإلى أذهانهم وقلوبهم ، واستنفر الأمة للدفاع عن فلسطين وخوض المعارك ضد الصهاينة الزاحفين على أرضنا المقدسة بدعم من الإنكليز ودول الغرب وأمريكا ، وقاد الشباب المتطوع من أبناء الجماعة وأنصارهم ، وكان في مقدمتهم في القتال على بطاح فلسطين وفي ربى القدس الشريف. يقول الأستاذ أميل الغوري أحد المقربين من الحاج أمين الحسيني وعضو الهيئة العربية العليا : قبيل خوض المعركة الخطيرة حاولنا إبقاء الشيخ مصطفى السباعي في مقر القيادة ، وهو بعيد نسبيًا عن أرض المعركة ، كما سعيت شخصيًا للاحتيال على الشيخ وإقناعه بالبقاء في القيادة للقيام بأعمال خطيرة مهمة ، ولكنه أبى ورفض وأصر على خوض غمار المعركة مهما كلفه الأمر ، وقال : إنه لم يحضر من دمشق إلا بغية الاستشهاد في سبيل الله -دفاعًا عن الوطن- ولما لم نستطع ثني الشيخ عن عزمه ، وافقناه على ما يريد ، واخترنا مركزًا يشغله وأترابه ، ولكنه لم يقبل ذلك ، وصمم أن يشترك بنفسه في القتال وفي المقدمة ، فكان له ما أراد ، فخاض الشيخ مصطفى ورفاقه المعركة ببطولة عظيمة ، إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين ، وانتهت المعركة بنصر مؤزر للعرب .

طاف الدكتور السباعي الدول الأوربية والبلدان الشيوعية ، وحاور المفكرين والمستشرقين ، وصحح أخطاءهم ، وأعطى عن الإسلام صورة مشرقة ، لا تستطيع العقول السليمة رفضها أو جحودها ، وكان في كل هذه المراحل من جهاد القلم واللسان والفكر واليد شجاعًا مقدامًا لا يهاب موتًا ولا عدوًا ، كما كان جوادًا يؤثر الآخرين على نفسه وعلى قوته ، وقد شهدت ذلك بنفسي عندما كنا على قرب منه. لقد انتزع الشيخ السباعي إعجاب الأصدقاء والأعداء والمنصفين والمستشرقين على حد سواء. قال عنه فقيه العالم الإسلامي الأستاذ الكبير محمد أبو زهرة - في زيارة له إلى دمشق : إنه لم ير في بلاد الشام أعلى من السباعي همة ، وأعظم منه نفسًا ، وأشد منه على الإسلام والمسلمين حرقة وألمًا . أما في معركة الدستور عام 1950 ، وفي قاعة البرلمان وفي العمل الصحفي وكتابة افتتاحيات المنار- 1946- 1949- فحدث عن الشيخ مصطفى السباعي ما تشاء ولا حرج.

استمر شيخنا ومعلمنا مصطفى السباعي في مسيرته التي ابتدأها وهو ابن اثنتي عشرة سنة وطاف البلاد ، يستنهض العلماء ، ويعبئ الجماهير دون أن يضيع ساعة من حياته المباركة ، حتى أقعده المرض العضال ، فأمسك بيمينه القلم ، وكتب أعظم وأثمن ما سال به قلمه ، وجادت به قريحته ، وفاض به علمه ، حتى إذا ما انطفأ السراج ، كان تشييعه إحياء لمنهجه في الدعوة والجهاد ، فكان الشيخ رحمه الله مصدر خير وبركة للإسلام والمسلمين في حياته وبعد مماته. رحمه الله رحمة واسعة ، وأسكنه الفردوس الأعلى من جناته مع الشفيع الحبيب الذي أحبه فقيدنا إلى حد الفناء ، ونافح عن سنته ، ودافع عنها دفاعًا نال به إعجاب كبار العلماء من ذوي الاختصاص في العالم الإسلامي ، ولاسيما في مصر حيث ناقش رسالته عن دور السنة في التشريع ، فقد سمعت من الأستاذ عبد الوهاب حموده ، وكان يدرسنا في كلية الآداب بجامعة القاهرة : قال وهو يعطينا بحوثًا في القرآن الكريم بعد أن عرف أنني سوري ، قال : في بلادكم -سوريا - رجل عظيم ، دافع عن السنة دفاعًا غير مسبوق ، هزم به كل المناوئين والمرجفين والمعادين لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنه مصطفى السباعي.

نسأل الله العلي العظيم أن يأخذ بأيدينا ونواصينا ، وأن يثبتنا على ما كان عليه القائد الفذ والعالم العامل المجاهد ، والمفكر المبدع ، والمصلح الكبير شيخنا مصطفى حسني السباعي طيب الله ثراه ، ونور ضريحه ، وأعلى منزلته ، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين ، وعنا- نحن تلامذته- خير ما يجزي عباده وأولياءه الصالحين.

ظهور الجمعيات الإسلامية في سوريا

شهد عقد الثلاثينيات من القرآن الماضي ميلاد الجمعيات والحركات الإسلام ية في المحافظات السورية ، ففي كل مدينة كبيرة ظهرت جمعية للعلماء ، تدعو الناس إلى دينهم والتمسك بأحكامه وآدابه ، وأداء فرائضه ، واجتناب المحرمات والمفاسد ، وكانت هذه الجمعيات تراجع المسؤولين من وزراء ومحافظين ، عندما ترتكب مخالفات ، وتعرض صور فاضحة وأفلام خليعة وما إلى ذلك ، وقد ملأت هذه الجمعيات فراغًا كبيرًا ، وحدت من موجات المعاصي والموبقات ، كذلك شهد هذا العقد نشوء جمعيات إسلامية أسسها ذوو الغيرة على الإسلام والمدافعون عن حماه وآدابه ، فأدت دورًا كبيرًا في التصدي للتيارات المناوئة للإسلام ، وجذبت إليها أعدادًا كبيرة من المواطنين ، ولاسيما الشباب والطلاب ، وأنشأت مشروعات مفيدة ومدارس وأندية ومستوصفات... إلخ وتركت بصمات واضحة للعمل الإسلامي في المجتمع ، فكانت هذه الجمعيات مقدمة لميلاد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا التي تشكلت من اتحاد هذه الجمعيات واندماجها في جماعة واحدة في منتصف الأربعينيات من القرن العشرين.

كان شيخنا السباعي رحمه الله على صلة وثيقة بالعلماء وبالجمعيات التي أسسوها ، وكان من أشهرها في دمشق : الجمعية الغراء وعلى رأسها الشيخ علي الدقر ، وجمعية التمدن الإسلامي وعلى رأسها أحمد مظهر العظمة ، وجمعية التوجيه الإسلامي وعلى رأسها الشيخ حسن حبنكه ، ورابطة العلماء التي كان من أشه رعلمائها : أبو الخير الميداني والسيد مكي الكتاني والشيخ إبراهيم الغلاييني والشيخ عبد الوهاب دبس وزيت .

كان الشيخ السباعي يستنهض همم العلماء ، ويحثهم على العمل ، ويعتب على بعضهم في تقصيره وتراخيه وانزوائه ، ويثني على جهود العاملين منهم والمخلصين من أمثال الشيخ محمد كامل القصاب الذي وصفه بأنه أمة ، رأى فيه همة الشباب وحكمة الشيوخ ودهاء الساسة وعلم الفحول وإيمان السلف الصالح من علماء المسلمين ، كما أثنى على العلماء الذي استجابوا لدعوة الشيخ القصاب التي وجهها إليهم ، ووصفهم الشيخ السباعي بأنهم من خيرة العلماء ، الذين تمكنوا من الإبقاء على القضاء الشرعي ، وحالوا دون إلغائه ، كما حالوا دون حل الأوقاف الأهلية .

كما كان الشيخ السباعي على صلة وثيقة مع الجمعيات التي تشكلت منها جماعة الإخوان في منتصف الأربعينيات ، وكان يقارب بينها ، كما يقارب بينها وبين الجمعيات الخاصة بالعلماء.

حقق العاملون للإسلام خطوة كبيرة على طريق تنظيم العمل ، ولم الشمل ، وتوحيد الجهود ، فقد شهد السباعي -الذي كان يدرس في مصر في أثناء زيارة له إلى سوريا استمرت أربعة أشهر- انعقاد المؤتمر الأول لجمعيات العلماء في دمشق عام 1938م الموافق 11- 13 رجب 1358هـ ، كما شهد انعقاد المؤتمر التأسيسي أو الثالث حسب تقدير موسى الحسيني لجمعيات شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي تم عقده في أواخر شعبان من العام نفسه ، أي كان يفصل بين المؤتمرين خمسة أسابيع .

أشاد السباعي رحمه الله في مؤتمر شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- بالثلة الأولى من المؤسسين في حلب ودمشق أمثال : عمر بهاء الأميري ، وعبد الرؤوف الأسطواني ، وعبد الوهاب الأزرق ، وعمر خياطة ، وصلاح الدين الشاش ، وصلاح الدين دعدوش ، وجمال العش ، وعزت المرادي ، وإسماعيل المرادي ، وعبد الفتاح الحمصي ، وحيدر حجار ، ممن حضروا المؤتمر العتيد لجمعيات شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- عام 1938م من حلب ودمشق وربما من حمص. كما ذكر السباعي كذلك الشيخ عبد الوهاب ألتونجي وعبد القادر السبسبي وآخرين بالخير وأثنى عليهم ، ثم اتخذ المؤتمرون قرارًا باعتبار دار الأرقم في حلب المركز الرئيسي لشباب محمد -صلى الله عليه وسلم ، وقد نوه السباعي بأن اهتمامات المؤتمرين لم تكن واحدة ، وأن الشيخ رحمه الله عانى الكثير من أجل التقريب بينهما .

وردت قصة طريفة على لسان عمر بهاء الأميري يشرح فيها سبب التسمية التي شاعت في الجمعيات الإسلامية باسم شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- وأضيفت إلى الأسماء التي عرفت ، وذلك في شهادته التي سجلها له أعضاء الجماعة في مدينة جدة عام 1987 الموافق 22/3/ 1408هـ ، قال رحمه الله : هاجم رجل تركي الإسلام بكلمات نابية ، فأرسل له الأستاذ عبد الوهاب الأزرق برقية يدعوه فيها إلى المبارزة ، طلب فيها من التركي أن يعين سلاحه والشهود والموعد وساحة المبارزة ، وإذا كان ما نسب إليك لا أصل له ، فعليك أن تنفي ما ورد على لسانك ، وبعث الأستاذ عبد الوهاب صورًا عن هذه البرقية إلى وكالات الأنباء ، فانتشر الخبر أن أحد الإخوان في حلب يتحدى المدعو (رشد آرات) ، فجاء الرد بعد أربعين ساعة من رشدي آرات يتنصل من الكلام الذي نسب إليه ، فحضر صحافيون وسألوا عبد الوهاب : من أنتم؟ فأجاب بعفوية : نحن شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- وصارت هذه التسمية شعارًا لعدد من الجمعيات ، فصار يقال في حلب : دار الأرقم ، شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- وفي حماة : الإخوان المسلمون شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وفي دمشق : الشبان المسلمون شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- .

اعتبر الشيخ السباعي نفسه عضوًا في جمعية الشبان المسلمين في دمشق ، وتحدث باسمهم في حفل تأبين الأستاذ عبد الحميد سعيد رئيس جمعية الشبان المسلمين في مصر ، معتبرًا أن جمعية الشبان المسلمين في دمشق وجمعيات شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- في سوريا ثمرة هذه الجمعية المباركة في مصر . غير أن اسم الإخوان المسلمين الذي غلب على الحركة يعود إلى عام 1941 عندما أسست جمعية بهذا الاسم في مدينة حماة ، وفي عام 1942 أسس السباعي نفسه جمعية بهذا الاسم في حمص عقب وصوله إليها ، وهكذا صار في حمص جمعية العلماء ، وجمعية الإخوان ، ثم قام السباعي عام 1942 بعد التشاور مع إخوانه في جمعية الشبان المسلمين في دمشق بتوجيه الدعوة إلى جميع ممثلي هذه الجمعيات في حلب ودمشق وحماة وحمص ودير الزور واللاذقية لتوحيد العمل تحت راية واحدة .

الجمعيات التي سبقت ظهور الإخوان المسلمين

قبل عقد على ميلاد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ، ظهرت ست جمعيات إسلامية في ست محافظات سورية ، ثلاث منها تم إنشاؤها في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي ، وثلاث تم تشكيلها في النصف الأول من الأربعينيات ، ثم اندمجت هذه الجمعيات الست في جماعة واحدة ، هي جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام 1945م ، وكي تكون الصورة واضحة ومكتملة عن نشوء هذه الجمعيات وظروف تشكيلها ، وعن الشخصيات التي قامت على تأسيسها ، وعلى بعض ما اضطلعت به من أعباء ، وما أدته من واجباته والتزامات يحسن الوقوف معها ومعرفة صفحات من تاريخها ، باعتبارها النواة التي انبثقت عنها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا .

1- الشبان المسلمون في دمشق

في رحاب الجامعة السورية حدث ميلاد النواة الأولى للشبان المسلمين أو للإخوان المسلمين فيما بعد : فالطلاب الذين وفدوا من المحافظات السورية إلى دمشق ليلتحقوا بإحدى الكليتين اللتين بدأت الجامعة بهما -الطب والحقوق- تم التعارف بين عدد منهم في الجامعة ، ألف بينهم التمسك بأهداب الدين وآدابه ، وجمع بينهم الخلق الكريم والسلوك الحسن ، وسرعان ما انعقدت بينهم صداقة فأخوة ذات أثر في قيام جماعة الإخوان المسلمين في أوقات لاحقة.

لقد أتيح لي -كغيري- بالدكتور فايز المط الأستاذ العريق في كلية الطب بدمشق ، واستمعت إلى شهادته وإلى ما تذكره عن نشوء أو ميلاد الإخوان المسلمين ، ثم أرسلت بعض إخواني لتسجيل شهادته والتأكد منها في وقت مبكر من ثمانينيات القرن الماضي ، وقد حصل بعض المهتمين على شهادته في عام 1993م أي بعد ذلك بفترة من الزمن ، وكان الدكتور فايز قد تقدم به العمر ، وعانى من مصاعب عندما ذهب إلى سوريا ، وعمل على حدوث انفراج ، فأخرج منها في لباس نومه وعاد إلى عمان مكتئبًا ، وكتب بخط يده عما لقيه من معاملة تركت في نفسه جرحًا غائرًا ، أقول حدثنا قبل هذه الفترة الصعبة فقال : التحقت بكلية الطب عام 1932 ، وكان عمري إذ ذاك تسعة عشر عامًا ، أي إنه من مواليد 1913م ، فعرفت نفرًا من الشباب جمعتني معهم مودة صادقة وأخوة في الله ، فكنا نلتقي بصورة دائمة ، وكانت سمعة هذه المجموعة عاطرة في الوسط الطلابي ، فكان أبناء الجماعة يقدمونهم وينتخبونهم في اتحادات الطلاب ، وقد تم الاتفاق فيما بينهم على عقد جلسات دورية في جامع الأحمدية في سوق الحميدية ، ضمت الجلسة الأولى : فايز المط من حماة ، وعبد الوهاب ألتونجي وعبد الوهاب الأزرق من حلب ، وصلاح الدين الشاش وصلاح الدين دعدوش وعبد الرؤوف أسطواني وسعيد الحلواني من دمشق ، استمرت اللقاءات في إحدى غرف جامع الأحمدية حتى ضاقت بالوافدين عليها ، بعد أن نما عددهم ، وازداد حضورهم ، فقرروا نقل مقرهم ، أو الانتقال إلى جامع السباهية في سوق مدحت باشا ، وعقد الجلسات في رحابه.

استمرت الاجتماعات الدورية عدة سنوات -كما يقول الدكتور فايز المط- دون أن يكون لهذه الاجتماعات طابع تنظيمي محدد ، بل كان يغلب عليها الطابع الأخوي ، وقد اختارت هذه المجموعة الدكتور فايز المط رئيسًا لها ، وأطلقت على نفسها اسم شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- كما ذكر الدكتور فايز في شهادته ، لكنه رحمه الله ذكر للسيد حسني جرار في مقابلة أجراها معه في 9- 11- 1993 أن هذه المجموعة حملت اسم الشبان المسلمين ، ولربما كان تفسير ذلك ما ورد آنفًا من أن هذه الجمعيات كانت تضيف إلى أسمائها عبارة -شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فتقول : الشبان المسلمون- شباب محمد ، الإخوان المسلمون ، الرابطة الدينية ، دار الأرقم ، دار الأنصار ، في حماة وحمص وحلب ودير الزور ، وبجانبها شباب محمد -صلى الله عليه وسلم-.

لقد اختلطت على بعض الأساتذة الذين كتبوا عن الشيخ السباعي وعن الإخوان المسلمين ونشأتهم في سوريا التسميات والمؤتمرات والتواريخ جراء الاعتماد على سماع الأخبار وعلى الشهادات التي تعتمد على الذاكرة ، وتفتقر إلى التحقيق والتدقيق والتوثيق من مصادر أخرى ، ومن شخصيات عرفوا بالدقة وقوة الذاكرة ، فمن الكتاب من ذكر عن السباعي أنه ساهم في بداية الأمر في تأسيس وقيادة عدد من الجمعيات الإسلامية في حمص وفي غيرها ، ومنها الرابطة الدينية لحمص ، وشباب محمد -صلى الله عليه وسلم- والشبان المسلمين في دمشق ، وظل يعمل للإسلام عن طريقها إلى أن سافر إلى مصر عام 1933م؟ فمتى أسس هذه الجمعيات وهو دون الثامنة عشرة من عمره؟ ومتى ظهرت هذه الجمعيات قبل عام 1933؟. وإذا كانت بعض هذه الجمعيات قد ظهر في النصف الأول من الأربعينيات ، فكيف عمل الشيخ عن طريقها في مطلع الثلاثينيات؟ ، كما ذكر بعض الكتاب أن هذه الجمعيات عقدت اجتماعات عدة في منتصف الثلاثينيات ، وبعضها لم يظهر إلى الوجود إلا في الأربعينيات؟ ومنهم من ذكر أن معركة الدستور عام 1950 قد كسبها الشيخ السباعي وثبت في الدستور أن دين الدولة الإسلام ، مع أن هذا لم يحدث ، ثم تناقل الذين كتبوا عن السباعي هذه الأخطاء وكرروها في كتبهم ، والمعركة حول النص على أن دين الدولة الإسلام في الدستور تعاظمت واستعرت حتى كادت أن تجر البلاد إلى فتنة عمياء وحرب داخلية ، فتمت التسوية على وضع نصوص بالدستور تعوض عن عبارة دين الدولة الإسلام ، فاتفقوا على عدة نصوص منها :

دين رئيسها الإسلام ، والفقه الإسلامي مصدر أساسي في التشريع ، وذكروا في المقدمة أن سوريا تعلن استمساكها بالإسلام ، وفي مكان آخر ورد نص خاص بالتربية ينص على أن التعليم في سوريا يهدف إلى إنشاء جيل مؤمن بالله متحل بالأخلاق ، معتز بالتراث ، هذا غيض من فيض من أخطاء متفشية في كتب عن السباعي وعن الإخوان ظهرت خلال السنوات العشر الماضية ، أقول : ليت هؤلاء الإخوان يأخذون بالأسباب التي تمكنهم من القيام بعمل مفيد في النشر يجنبهم الأخطاء الفادحة في اللغة والتاريخ والفكر السياسي مع تحري الدقة في الأحداث والشخصيات والمواقف التي شكلت محطات كبرى في نشوء الجماعة وفي سيرتها.

لقد عرفت هؤلاء الإخوة الذين كتبوا عن تاريخ الجماعة ، وعرفت فيهم الإخلاص والغيرة والصدق ، ولكن هذا لا يعني أن تترك الأمور على عواهنها ، فيكون الكاتب كحاطب ليل ، يسجل كل ما يسمعه دونما تدقيق ولا تمحيص ، لقد ذكر أخ فاضل في شهادته أن تكوين الإخوان في حماة كان في أوائل الأربعينيات وأن الدكتور نورس عبد الرزاق كان رئيسًا لها ، والواقع أن الإخوان المسلمين في حماة رأت النور وظهرت إلى الوجود عام 1938م ، وأن أول رئيس لها كان الأستاذ عبد الغني الحامد شقيق الشيخ محمد الحامد والأستاذ بدر الدين الحامد ، أما الدكتور نورس عبد الرزاق فجاء إلى رئاسة الجماعة بعد ذلك ، فكان الرئيس الثاني في تاريخ الإخوان في مدينة حماة ، وهكذا صادفت في مطالعة الكتب التي صدرت عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ، وعن الشخصيات التي كان لها دور في تأسيسها وقيادتها اضطرابًا وتناقضًا ونقصًا في المعلومات وأخطاءً تاريخية تقتضي من الذين بذلوا جهودهم أن يعيدوا النظر ويسعوا إلى تحري المعلومات في الاستماع إلى أكثر من شاهد في الموضوع الواحد وفي الأحداث الكبيرة في تاريخ الجماعة وفي إنجازاتها.

أعود بعد هذا الاستطراد إلى الحديث عن الشبان المسلمين في دمشق ، وإلى شهادة الدكتور فايز المط عن تكوين الشبان المسلمين فيها. يقول الدكتور فايز : حددت هذه النواة برنامجًا لنشاطهم وتحركهم تضمن ما يلي :

1- تربية الشباب تربية إسلامية صحيحة ، والتأكيد على روح الجهاد فيما بينهم- كانت فرنسا تحتل سورية.

2- التأكيد على وحدة المسلمين.

3- الجهاد ضد فرنسا المستعمرة - لتحرير سوريا من سيطرتها.

ثم انضم إليهم في مطلع الأربعينيات الإخوة : أحمد بنقسلي ، وشاكر الفحام ، وأبو الخير الخطيب ، كما ذكر الدكتور المط أن الأستاذ محمد المبارك ترأس جمعية الشبان المسلمين بعد أن كان فايز المط رئيسًا لها من قبل ، وذكر أن أفراد العمل التأسيسي وعادوا إلى بلدانهم بعد التخرج والانتهاء من الدراسة ليؤسس كل واحد منهم في بلده جمعية إسلامية أو يلتحق بجمعية أو يشترك مع غيره في تأسيسها ، كما حدث مع الشيخ عبد الوهاب ألتونحي الذي قام هو ولفيف من إخوانه بتأسس دار الأرقم في حلب عاصمة الشمال.

ذكر آخرون غير الدكتور المط أن سوريا شهدت في الثلاثينيات ظهور جمعيات إسلامية في عدد من المدن السورية ، كانت النواة لقيام جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ، كان من أبرزها : جمعية الشبان المسلمين في دمشق ، وكان من أشهر مؤسسيها : الأستاذ محمد المبارك وكاظم نصري ، وصلاح الدين الشاش ، وصلاح الدين رجب ، ومحمد خير الجلاد ، وأبو الخير الخطيب ، وفايز المط ، وكامل حتاحت ، وأبو الخير عرقسوسي ، وعبد الكريم الرفاعي الذي تركهم وبدأ يعمل منفردًا متفرغًا لنشر العلم وتأسيس حلقات علمية في المساجد بالتفسير والحديث والفقه وفروع العلوم الشرعية الأخرى.

بيد أن الذي نهض بالشبان المسلمين في دمشق نهوضًا أهلها لتكون قطب الرحى في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا هو الأستاذ المفكر الداعية محمد المبارك طيب الله ثراه ، لقد تخرج المبارك في كلية الحقوق السورية عام 1935م ، وكان الأول في مسابقة أجرتها وزارة المعارف إذ ذاك للإيفاد إلى فرنسا في نفس العام ، فأمضى أستاذنا المبارك في باريس ثلاث سنين ، التحق خلالها بكلية الآداب في جامعة السوريون. وحمل منها ثلاث شهادات ، في الأدب العربي الإسلامي ، وفي الأدب الفرنسي ، وفي علم الاجتماع والأخلاق ، ليضيف إلى ثقافته العربية الإسلامية التي تلقاها من والده الشيخ عبد القادر المبارك عضو المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية الآن) في دمشق ، ومن أستاذه الأثير لديه محدث الشام الشيخ بدر الدين الحسني ، ومن علماء آخرين ، ثقافة الغرب ، والاطلاع على نهضته وأفكاره ومناهجه في التفكير والتخطيط والبحث.

لم يلبث الأستاذ المبارك بعد عودته من باريس عام 1938م أن انخرط في العمل الدؤوب في جمعية الشبان المسلمين مع أصدقاء له سابقين كانوا ضمن المؤسسين لجمعية الشبان المسلمين ، فأمسى عضوًا دائمًا في إدارتها حينًا ، ورئيسًا لها أحيانًا . لا يفتر عن إلقاء المحاضرات وعقد الندوات الرامية إلى بناء جيل واع مؤمن مدرك لرسالة الإسلام .

نستطيع القول بثقة تامة : إن الأستاذ المبارك ، أحسن الله إليه ، يعتبر المؤسس الحقيقي لجمعية الشبان المسلمين في دمشق ، وهو الذي قادها ، تعاونه ثلة من المخلصين على طريق تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالتنسيق واللقاءات والحوار والتعاون مع ممثلي الجمعيات الإسلامية في حمص وحماة وحلب واللاذقية ودير الزور في النصف الأول من الأربعينيات في القرن العشرين ، عبر المؤتمرات التي عقدوها ، وبعضها كان في نهاية عقد الثلاثينيات -كما سيأتي لاحقًا- فنجحوا في تأسيس كبرى الحركات الإسلامية في بلاد الشام ، لترى النور على أيديهم ، وليشهد عام 1945 ولادة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ، بل وفي بلاد الشام كلها التي تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ، كالذي شهده العراق الشقيق من ولادة جماعة الإخوان المسلمين في أرض الرافدين على يد الداعية المجاهد محمد محمود الصواف طيب الله ثراه.


2- جمعية دار الأرقم في حلب

عاد الشيخ عبد الوهاب ألتونجي إلى حلب بعد أن أكمل دراسته في كلية الحقوق بدمشق ، وكان عضوًا في المجموعة الأولى أو النواة التي تشكلت في الجامعة السورية كما مر آنفًا ، فلم يتوان أو يتراخ في العمل والنشاط للدعوة الإسلامية ونشرها في ربوع حلب الشهباء ، وسرعان ما قام بتأسيس دار الأرقم بالتعاون مع نخبة من الرجال الفضلاء المخلصين أمثال المحامي الكبير عبد القادر السبسبي ، وعبد الحميد الأصيل ، ويوسف الصقال ، وعبد الحميد ميري ، وعبد الوهاب ألتونجي ، وعمر بهاء الدين الأميري ، ثم لحق بهم فيما بعد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ، وسامي الأصيل ، وعادل كنعان ، وغيرهم أجزل الله مثوبتهم ، ولم يكن العدد بادئ ذي بدء يزيد على الأربعين في دار الأرقم ، غير أن هؤلاء المؤسسين والسابقين تمكنوا من جذب أعداد كبيرة إليهم من أبناء المدينة وشيوخها وطلابها ، ومن أبناء ريف حلب بما أحدثوه من أنشطة ، وبما طرحوه من برامج ومشروعات ولوائح وتحرك مبدع ، ومن ذلك :

- إنشاء مكتبة ثرية وعامرة بصنوف الكتب المتنوعة ، شدت إليها المثقفين والطلاب والراغبين في المطالعة ، فأقبلوا على دار الأرقم إقبالاً شديدًا.

- شكلوا فرقًا كشفية ورياضية ، وافتتحوا لها أندية ، جذبت الناشئة والجيل الصاعد من كل الفئات ، وقد رعى هذا النشاط الأستاذ عبد الحميد الأصيل رحمه الله ، الرجل الذي عرفه إخوانه بالخلق الرفيع ، والصمت الطويل ، والعمل المنتج الكثير ، وقد استعان في تنفيذ هذا النشاط بإخوة مخلصين من أمثال الدكتور فوزي حمد وأخيه سامي الأصيل.

- وضع برنامج ثقافي حافل يشمل الدروس والمحاضرات الأسبوعية والنشرات الثقافية والتوجيه الروحي والخلقي (في المقر وفي المساجد) بالمناسبات التاريخية والوطنية ، ودعوة كبار العلماء والمفكرين والأساتذة من داخل سوريا وخارجها للمشاركة في التثقيف والتعليم والتوجيه والتوعية الإسلامية والوطنية ، فكانت محصلة ذلك إقبالاً تجاوز كل التوقعات والطموحات ، وارتفع عدد الملتحقين بدار الأرقم من العشرات إلى المئات ثم إلى الألوف ، ليزيد العدد على بضعة عشر ألف منتسب خلال ثلاث سنوات مرت على تأسيس دار الأرقم كما يشهد بذلك الدكتور فوزي حمد ، رحمه الله تعالى وأثابه .

في هذه الفترة زحفت الشيوعية على شعوب أوربا الشرقية ، وخصوا المسلمين في يوغوسلافيا ورومانيا وبلغاريا والبانيا في حمامات دم ومجازر رهيبة ألجأت الكثيرين للهجرة إلى البلاد العربية ، فجاء عدد منهم إلى حلب ، فأحسن أبناء دار الأرقم استقبالهم ، وأجملوا استضافتهم وإكرامهم ، واستفادوا من خبراتهم في تدريب الفتيان والشباب على الفتوة والنظام ، إذ كان الفرنسيون يحكمون قبضتهم على سوريا في ظل حكومة فيشي أثناء الحرب العالمية الثانية.

- أنشأت دار الأرقم مدارس مسائية وليلية للعمال الذين فاتهم قطار التعليم ، ولم تمكنهم ظروفهم من الانتساب إلى المدارس النهارية ، فالتحق لفيف كبير من مختلف الأعمار ، فتحرروا من ربقة الأمية ، وحملوا الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، والتحق عدد منهم بالدراسات الجامعية ، واستطاع بعضهم إكمال تحصيله العالي ، وحمل شهادة الدكتوراه التي أهلتهم للعمل أساتذة في الجامعات العربية والسورية ، فكانوا رديفًا للحركة الإسلامية وظهيرًا قويًا في فترات لاحقة.

- أسس الأرقميون شركات صناعية وتجارية شارك فيها أعداد كبيرة من المساهمين من أعضاء الجمعية ، كان منها شركات النسيج والبناء والعقارات وغيرها ، فحققت نجاحًا كبيرًا. ومن الجدير ذكره أن إدارة جمعية دار الأرقم أنشأت لجانًا غطت بها كل مناحي النشاط ، ومنها اللجان التربوية والرياضية والطلابية والعمالية والمالية وغيرها ، بموجب لوائح ونظم تضبط تحركها ، فكانت دار الأرقم سباقة للجمعيات الإسلامية الأخرى في المحافظات السورية بحكم سبقها وقيامها بالأعمال الدعوية قبل غيرها ( ).

عندما اشتعلت الثورة العسكرية والشعبية في العراق ضد الإنكليز بقيادة رشيد عالي الكيلاني كانت دار الأرقم في حلب أول من استجاب للنداء لدعم المجاهدين في العراق ، إذ شكلت مجموعة مقاتلة من شباب وطلاب جمعية دار الأرقم عام 1941 ، وبعثت بهم إلى العراق ليشاركوا أبناءه في مقاومة الإنكليز المستعمرين بقيادة الأخ الدكتور فوزي حمد ، يعاونه الأخ سامي الأصيل ، فاستقبلوا على أرض الرافدين استقبالاً لائقًا ، وكان لحضورهم وهم في ريعان الشباب أثر كبير في معنويات المجاهدين العراقيين ، كما أعجبوا بانضباطهم وكفاءتهم ، فمنحوا رئيسهم فوزي حمد رتبة عسكرية كبيرة ، وصاروا ينادونه بالعقيد ، لكن الثورة لم يحالفها التوفيق ، فاضطر أبناء دار الأرقم إلى العودة إلى سوريا ، يرافقهم مجاهدون فلسطينيون من أنصار الحاج أمين الحسيني المطلوبين بشدة من الإنكليز ، فآواهم الإخوان في حلب ، وأبعدوهم عن أنظار الرقباء ريثما يجدون الملاذ الآمن ، وحتى يعمل الحاج أمين على ترحيلهم وتدريبهم ، تمهيدًا للالتحاق بالمجاهدين في فلسطين .

واللافت للنظر أن معظم قادة الأحزاب في سوريا التحقت بدار الأرقم لفترة أو لأخرى ، ثم شعرت بثقل الالتزامات الدينية والأدبية من أداء الطاعات واجتناب المحرمات ، فانسحبت والتحقت بحركات سياسية أخرى كالبعثيين والناصريين واليساريين وأمثالهم في أوقات تالية ومتباينة.


3- جمعية الإخوان المسلمين في حماة

كان من أبرز رجال حماة في الثلاثينيات وفي مطلع الأربعينيات من القرن الماضي : مفتى حماة العلامة الشيخ سعيد النعسان الوردي الذي اشتهر بالخلق الرفيع ، والعمل الدؤوب في خدمة المجتمع ، والتسامح مع الآخرين ، ولاسيما مع رجال الدين المسيحي في المدينة ، وفي مقدمتهم المطران حريكة الذي كانت تربطه به صداقة وتبادل زيارات في المناسبات ، وكذا الشيخ محمود العثمان المدرس في مدرسة العلم والتربية أول مدرسة حديثة نشأت في حماة برعاية الملك فيصل الأول ، وخرجت جيلاً من الساسة والقادة من أمثال رئيف الملقي وأكرم الحوراني وكثير غيرهما ، وقد عرف عن الشيخ محمود الشدة بالحق ، والجرأة في مواجهة الباطل ، والحماسة للقضايا الوطنية ، والتصدي لسلطات الانتداب الفرنسية ، وقد تناهت أخباره ومواقفه إلى الإمام حسن البنا ، فكاتبه وأرسل إليه ما يشجعه على المضي في هذا الدرب ، ويشد على يده ويشكره على مواقفه ، وقد حدثني ولده الأخ الدكتور عبد الكريم العثمان رفيق العمر والذي كان من خيرة الشباب في جماعة الإخوان المسلمين في حماة ، التي التحق بها في وقت مبكر في الشهر الذي أعلن فيه عن ولادتها ، في سوريا عام 1945 ، قال : عندما كنت أفتش في أوراق والدي بعد وفاته رحمه الله عثرت على رسالة من الإمام حسن البنا رحمه الله مرسلة إلى والدي ، وربما كان الشيخ محمد الحامد قدم للإمام تعريفًا بالشيخ محمود العثمان وأعماله الجليلة ومواقفه التي اشتهر بها.

ومن الشخصيات التي ملأت فراغًا كبيرًا في التوجيه والإرشاد في مدينة حماة ، وذاع صيتها ، والتف المواطنون حولها ، الشيخ سعيد الجابي الذي شغلته الدعوة السلفية والمعارضة الشديدة للفرنسيين ، فكان مصلحًا دينيًا وقائدًا وطنيًا ، وكان له تأثير كبير في أوساط المثقفين وفي العامة جميعًا ، لولا اشتداده في الصدام مع الصوفية وعدد من العلماء ذوي الاتجاهات الفقهية والصوفية ، رحم الله الجميع رحمة واسعة.

هؤلاء وأمثالهم من الدعاة والمصلحين والمجاهدين كانوا شيوخ الدين وزعماء الوطنية في الوقت ذاته ، لقد أدوا دورًا كبيرًا في التوجيه الديني وفي الكفاح الوطني ، وفي الإصلاح الاجتماعي ، وفي العمل على إسعاف الفقراء ومساعدة الضعفاء ، وفي إنشاء المدارس ونشر العلم ومحاربة الجهل وبناء دور العجزة ، كالتي سعى في إنشائها المفتي الشيخ سعيد النعسان رحمه الله وطيب ثراه ، كما برز علماء فحول ودعاة كبار في هذه الفترة من أمثال الشيخ محمود عبد الرحمن الشقفة الذي أمضى حياته في نشر الدعوة وبناء المدارس وتخريج طلاب العلم الذين التحقوا بالمدارس التي أنشأها ، ثم أكملوا تحصيلهم في الأزهر وفي معاهد أخرى ، كذلك أنجب آل المراد ثلة طيبة من العلماء والدعاة من أمثال الشيخ محمد علي المراد ، والشيخ بشير المراد ، وكل هؤلاء نجوا منحى صوفيًا أستغرقهم الذكر والتزكية وتربية النفوس ، ومعظمهم قضى شهيدًا في سبيل الله ودعوته ، والتزامهم بالإسلام ، منهجًا وفقهًا وتربية وسلوكًا.

في أعقاب هذا التحرك الذي ترك أثره في من حمل الراية بعد ذلك ، تنادت ثلة من أهل الفضل والعلم والغيرة الدينية من أمثال الشيوخ : منير لطفي ، ومنير الحوراني ، وعبد الله الحلاق ، والأساتذة عبد الغني الحامد ، وعبد الغني الساعاتي وآخرين ، فعقدوا أول اجتماعاتهم في أعقاب عام 1938م ، وعزموا على تأسيس جمعية إسلامية ، تضطلع بالواجبات الشرعية والدعوة الإسلامية والإصلاح الاجتماعي ، وباشروا بوضع المبادئ والأهداف واللوائح وشروط العضوية وما إلى ذلك ، ثم شرعوا بالبحث عن الاسم المناسب لهذه الجمعية ، إذ حضر إبان ذلك من القاهرة الشيخ محمد الحامد لقضاء الإجازة الصيفية من دراسته في الأزهر الشريف ، فاستشاره الأعضاء بالتسمية ، فأجاب على الفور : الإخوان المسلمون ، أسوة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر التي أسسها ويقودها الشيخ حسن البنا ، فوافق الجميع على ذلك ، فبادر الشيخ الحامد إلى إرسال برقية إلى الأستاذ البنا يبشره فيها بافتتاح أول شعبة للإخوان خارج مصر في مدينة حماة ، فأجاب الإمام رحمه الله تعالى بالتهنئة والتبريك.

باشر المؤسسون بتنفيذ الخطوات ، وقاموا بتوزيع المسؤوليات على الأعضاء كما يلي : عبد الغني الحامد رئيسًا ، وعبد الغني الساعاتي أمينًا للسر ، والشيخ عبد الله الحلاق أمينًا للصندوق ، وأما الشيخ الحامد فكان بمثابة الأب الروحي ، والمرشد للإخوان المسلمين في مدينة حماة ، وعندما سعت إدارة الجمعية للحصول على الترخيص واجهتهم عقبة كأداء ، إذ إن الترخيص لا يمنح للموظفين ، والكل مرتبط بوظائف حكومية ، باستثناء الشيخ عبد الله الحلاق ، فتوجه المؤسسون إلى طبيب العيون الدكتور نورس عبد الرزاق ، والصيدلي عبد الحميد عدي ، وعرضوا الأمر عليهما ، فرحبا ووافقا شريطة أن لا يكلفا بأي أعباء إدارية لانشغالهما ، وهكذا حاز المؤسسون على الترخيص ، واستأجروا أول مقر للجمعية في جورة حوى - حي في حماة- لتكون أول مركز للإخوان المسلمين في حماة عام 1939م.

أقام المؤسسون حفلاً كبيرًا للافتتاح إيذانًا بميلاد جمعية الإخوان في حماة ، دعوا إليه عددًا كبيرًا من وجهاء المدينة وعلمائها ، فغص المركز والشوارع المحيطة به بالوافدين ، وكان المتحدث رئيس الجمعية الأستاذ عبد الغني الحامد ، فرحب بالحاضرين ، وشرح لهم مبادئ الجمعية وأهدافها والأسس التي قامت عليها ، وحدد طريقة الانتساب إليها ، فكانت كلمة عصماء من الأدب الرفيع والبيان الساحر ، ثم تزاحم القوم في تقديم طلبات الانتساب من كل شرائح المجتمع ووجوه المدينة.

أعقب ذلك أيام حافلة بالنشاط الثقافي وتوعية المواطنين بحقيقة الإسلام ، وأنه السبيل لخلاص الأمة مما أصابها من تخلف وجهل وفرقة انتهت بها إلى الوقوع بين براثن الأعداء والمستعمرين ، ثم افتتح المركز ناديًا رياضيًا للشباب ، وفوجًا كشفيًا للفتيان ، وأقام مخيمات سنوية ، وأنشأ مدارس ليلية ونهارية ، وكان حديث الجمعية دوريًا وأسبوعيًا يعتلي منبره العلماء من حماة ومن المدن الأخرى السورية كحلب ودمشق ، ومن الوطن العربي والعالم الإسلامي من أمثال أبي الأعلى المودودي ، وأبي الحسن الندوي ، وسعيد رمضان ، وعبد الحكيم عابدين ، ومحمد المبارك ، والشيخ مصطفى السباعي وغيرهم.

كان السوريون في تلكم الأيام منشغلين بالصراع مع المستعمر ، وكانوا في صدام دائم معه عن طريق المظاهرات والإضرابات وعقد المؤتمرات الحاشدة في الجوامع الكبيرة ، وقد تميزت الجماعة بتعبئة المواطنين ضد الوجود الفرنسي ، فسقط من الشعب شهداء ، وكان منهم معتقلون ، وعندما حل العام 1945م انفجرت ثورة شعبية مسلحة في حماة ، حشد لها الفرنسيون قوات ضخمة من المصفحات والدبابات والطائرات ، غير أن المجاهدين من أبناء مدينة أبي الفداء شكلوا جيشًا زاد على عشرين ألفًا من أبناء المدينة ، ومن أهل الريف وسكان البادية ، ومن أبناء سلمية ، ومن الجنود الذين شكلوا فرارًا من الجيش الفرنسي ، مثل الضابط صلاح الشيشكلي الذي تولى قيادة المجاهدين في هذه الملحمة الكبرى بين جيش المجاهدين وجيش المستعمرين المعتدين.

خاض المجاهدون معركة تاريخية استمرت ثلاثة أيام انكشفت عن نصر حاسم للمجاهدين ، وعن هزيمة منكرة للمعتدين ، فاحتل المقاتلون الموقع الفرنسي داخل المدينة -خان الشعبة- ثم زحفوا على الثكنة الكبرى التي تتربع على أعلى المرتفعات- غربي المدينة- التي تحيط بحماة التي تقبع في وادي العاصي ، وتسمى ثكنة الشرفة ، فدخلوها مهللين مبكرين ، وكان الشيخ محمد الحامد على رأس الداخلين وفي مقدمتهم ، فرفع صوته بالأذان مجلجلاً في أرجاء الثكنة ، وسرعان ما امتد لهيب الثورة إلى جميع المحافظات الأخرى ، فارتكب الفرنسيون مذابح رهيبة ومجازر وحشية ، ولاسيما في دمشق العاصمة ، عندما دكوا مبنى البرلمان ، وقتلوا حاميته من الدرك السوري ، كما قتلوا ثلة من الدرك في حماة كانت قد انضمت إلى المجاهدين في المعركة الكبرى التي مر ذكرها ، الأمر الذي استدعى دخول الجيش البريطاني الثامن لإيقاف المجزرة ، فقال المؤرخون والسياسيون في مذكراتهم : دخل البريطانيون لتخليص المدن السورية من الفرنسيين ، وتخليص الفرنسيين من المجاهدين في محافظة حماة ، كما ذكر قائد الجيش البريطاني الجنرال سبيرس .

ومن المفيد والمناسب أن نسجل نبذة عن حياة الشيخ عبد الله الحلاق لتداخلها بنشأة الإخوان في حماة منذ الساعات الأولى لتأسيسها ، علمًا بأن جزءًا كبيرًا من هذه المعلومات عن نشأة مركز حماة أخذت من شهادته التي أدلى بها إلى الأخ أحمد جواد.

كان الشيخ عبد الله الحلاق - أبو صالح- عرافة حماة وعالم أنسابها ، فقل أن تسأله عن إنسان إلا ويقدم لك نبذة عن حياته ، وتعود هذه المعرفة الواسعة إلى كونه من أعضاء الرعيل الأول في تأسيس الجماعة ، وإلى نشاطه الاجتماعي ، وعمله في تجارة الكتب والقرطاسية ، فهو صاحب مكتبة النهضة التي كانت من أشهر مكتبات المدينة ، كما كان مديرًا -فترة طويلة- لدار العلوم الشرعية التي خرجت أعدادًا كبيرة أكملوا تحصيلهم بعد ذلك في الكليات الشرعية خارج المدينة ، وكان كذلك رحمه الله عضوًا في جمعية علماء المدينة ، وكان المحرك الأول فيها ، عضوًا أو أمين سر أو رئيسًا لها في فترات مختلفة ، وكان كذلك مسئولا عن الفوج الكشفي الرابع -فوج اليرموك- الذي كان يضم نخبة من فتيان الجماعة وشبابها الذين شارك بعضهم في حرب فلسطين عام 1948م ، ولم يتوقف -رحمه الله- عن خطبة الجمعة في جامع الأشقر بسوق الطويل ، وكان يلقيها بجرأة وشجاعة ، منددًا بالمفاسد الاجتماعية المتفشية ، ومنبهًا على الأخطار التي تحيق بالأمة ، وبالمؤامرات التي تحاك ضدها ، وترمي إلى تحطيمها ، وقد كلفته جرأته الكثير من العنت والضنك والاضطهاد.

لقد كان رحمه الله وثيق الصلة بعلماء المدينة ووجهائها وشيوخها ، ولاسيما بالعارف بالله الشيخ محمد الحامد الذي ما كان يبرم أمرًا خاصًا أو عامًا إلا بعد استشارة الشيخ عبد الله قائلاً له : -كما كنا نسمعه- «أنت أعرف منا يا شيخ عبد الله بشؤون المجتمع وأحوال الناس» ولما انتقل الشيخ محمد إلى جوار ربه حزن عليه الشيخ عبد الله أشد الحزن ، وظل وفيًا له من بعده عبر الاهتمام بعائلته وأبنائه حتى غادر الدنيا راضيًا مرضيًا ، وقضى شهيدًا ، رحمه الله رحمة واسعة ، وغفر له ، وعفا عنه ، وأعلى مقامه في عليين.

وقب لأن نغادر الحديث عن الشيخ عبد الله الحلاق طيب الله ثراه ، نعرج على حدث ذي أهمية بالغة ، ذكره الشيخ ضمن شهادته التي نقلها عنه الأخ الدكتور أحمد جواد عام 1981 فقال : في صيف 1947 توجه وفد كبير من إخوان سوريا إلى مصر ، وقد ضم الوفد الشيوخ : مصطفى السباعي ، ومحمد الحامد ، وعبد الله الحلاق ، والأستاذ عمر بهاء الأميري ، فكان استقبال الإمام البنا لهم حافلاً في المركز العام ، وكانت كلمة الإمام في هذه المناسبة قد أخذت بمجامع القلوب ، وألهبت المشاعر ، وأججت العواطف ، وحلقت بالحاضرين في سماء الأخوة الصادقة وأجواء الحب في الله ، ثم أعقبه الشيخ السباعي بكلمة مماثلة زادت الحاضرين تأثرًا وشجونًا ، وعندما اعتلى الشيخ الحامد المنبر -وهو الخل الوفي للإمام البنا ولكثير من الرعيل الأول في جماعة الإخوان المسلمين في مصر من أمثال عبد المعز عبد الستار وعبد البديع صقر -نحا بكلامه منحى آخر ، وراح يطلق النكات والفكاهات ، فغمر الجميع جو من الأنس والمرح ، بمن فيهم الإمام البنا والشيخ السباعي ، وعندما سئل عن ذلك ، قال : أشفقت على الإخوة مما كانوا فيه من الأحزان والأشجان ، وفي أعقاب هذه الزيارة الميمونة بايع وفد الإخوان المسلمين السوريين المرشد العام الإمام حسن البنا بيعة السمع والطاعة والالتحاق الكامل مع الجماعة الأم ، والتأكيد على اختيار الشيخ مصطفى السباعي مراقبًا عامًا للإخوان المسلمين في سوريا في جو مفعم بالعزيمة والتصميم على متابعة الجهاد والكفاح حتى تتحرر الأقطار العربية والإسلامية كافة ، وتقوم دولة الإيمان ومجتمع الإسلام .

وبعد الحديث عن أحداث حماة ومقاومة الفرنسيين والانتصار عليهم في مدينة حماة ، وجهود علمائها ولاسيما الشيخ محمد الحامد الذي كان أول الداخلين إلى الثكنة العسكرية بعد تطهيرها من الفرنسيين ورفع الأذان في أرجائها ، أذكر حديثين عن المدينة أدلى بهما شخصيتان كبيرتان مشهورتان ، أولهما الدكتور طه حسين ، فعندما مر بحماة في طريقه إلى معرة النعمان للمشاركة في إحياء ذكرى أبي العلاء الألفية ، وقف على أعتاب فندق أبي الفداء الكبير الحكومي وقال وهو يصعد درجات الفندق : إني أشم رائحة العروبة في هذه المدينة كما سمعت ذلك من أحد الحضور الأستاذ جميل الشقفة ، وثانيهما دولة الأستاذ فارس الخوري الذي ترأس البرلمان السوري مرات ، وشكل الوزارة مرات كذلك ، قال معجبًا بصمود أبناء المدينة المجاهدة في مقاومة الفرنسيين ، وإجبارهم على الانسحاب من المدينة وتسليمها للمجاهدين من أبنائها قال :

حماة بها عز العروبة والندى

لها في مضامير الجهاد مفاخر

بها من أطاع الشعب نال كرامة

وفيها على العاصي تدور الدوائر


4- الرابطة الدينية في حمص

برز النشاط الإسلامي في مدينة حمص في وقت مبكر لأسباب عدة؛ منها ، أنها مدينة الشيخ السباعي الذي باشر العمل الدعوي منذ حداثته ونعومة أظفاره ، ومنها وجود ثلة من العلماء العاملين الذين لهم تأثير ملموس في تشكيل رأي عام يناصر الدعوة الإسلامية وإذكاء النشاط الذي يظاهر الإسلام ويناصره ، ومنها التحدي الذي واجهته الدعوة بوجود تيار شيوعي كبير استقطب شرائح عدة ، من ضمنها أبناء المذهب الأرثوذوكي : وهم الذين يشكلون معظم المسيحيين في حمص ، وهؤلاء مرتبطون بالكنيسة التي كان مركزها موسكو ، ويجدون رعاية من الكنيسة الأم في الدولة الروسية.

ظهرت جمعية الرابطة الدينية لشباب محمد -صلى الله عليه وسلم- في عام 1934 بتأسيس ورئاسة الشيخ أبو السعود عبد السلام الذي كانت تربطه علاقات وثيقة وتعاون جاد مع جمعية العلماء والجمعيات الإسلامية الأخرى ، وكان يتحدث باسمها ، ويشير إليها في الوسائل التي يرفعها للمسؤولين في الحكومة ناصحًا ومنكرًا لبعض المفاسد ومحتجًا على بعض تصرفات المسؤولين ، ففي السابع من شباط عام 1939 وجه خطابًا إلى رئيس الجمهورية ، وإلى رئيس الوزراء ، وإلى المندوب السامي الفرنسي باسم جمعية العلماء وجمعية الشبان المسلمين يحتج بها على نظام الطوائف ، وإقحام النفوذ الأجنبي في الأمور الدينية ، وعلى اعتماد كتب لتدريس التاريخ في المدارس الفرنسية تحوي على انتقادات لشخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وقد أخبر محافظ حمص وزير الداخلية في 27- 2- 1939 عن الرسالة التي بعث بها الشيخ أبو السعود وبما تضمنته من احتجاج .

وهذا ما جعل المؤلف يوهانس يؤكد أن أبا السعود كان لديه ارتباط ، في ذات الوقت ، مع شباب محمد والشبان المسلمين وجمعية العلماء ، وكانت جمعية التمدن الإسلامي بدمشق قد تقدمت باحتجاج عام 1936 إلى رئيس الوزراء ذكرت فيه أن كتاب التاريخ أورد في الصفحة 18 أن العرب كانوا يتبعون دينًا كاذبًا دعا إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- .

تابع المؤسسون للرابطة الدينية والجمعيات نشاطهم بالتصدي للمفاسد وللمسؤولين الذين يروجون لها ، ففي الثاني من شهر أيلول عام 1948 رعى المحافظ حفلة راقصة تعرض فيها بكلمة إلى الرجعية والتقدم ، وإلى الجمود والتحرر ، وإلى الصعود والهبوط ، ونال فيها من النشاط الإسلامي ، فكانت الإجابة خطابًا مفتوحًا إلى المحافظ جاء فيه : نعم. إنني أعرف الحياة مثلك أيها السيد ، وأدرك أيضًا ضرورة التقدم والتحرر والارتقاء ، إلا أنني أعرف أيضًا أن التطور لا يعني تحلل الأخلاق ، وأن تحرير الذات لا يعني تبذير الأموال العامة ، وأن الصعود لا يعني الصعود إلى الشيطان.. إلخ الكتاب .

كانت الرابطة الدينية في حمص ذات نشاط ملحوظ ، غطت به ساحات في الثقافة والتعليم والسياسة ، فقد انشأت مكتبة عامرة هي المكتبة الإسلامية العامة التي أسسها شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- عام 1941 ، وافتتحت مدرسة نهارية تقوم بالتدريس حتى المرحلة المتوسطة ، وتستقبل فيها الراغبين من العمال في التحصيل .

إن أخطر ما عانته الجمعية في حمص هو الاعتداء المتكرر من الشيوعيين على أعضاء الجمعية ، بلغ حد الاعتداء المسلح وقتل الأخ مصطفى الحراكي الذي سماه إخوانه الذين عرفوا صدقه وصلاحه : شهيد الإخوان المسلمين ، لم تتوقف الصدامات في حمص بين الشيوعيين وبين أبناء الحركة الإسلامي ، بل استمرت زهاء ثلاث سنوات (1944- 1947) فقد جاء في جريدة المنار في 30 أيلول عام 1947 عن فتنة أثارها الشيوعيون إثر محاضرة ألقاها الشيخ السباعي في نادي الثقافة للإخوان في حمص ، فخرجت حمص في مظاهرة شعبية أضربت فيها المدينة بأجمعها في 1/9/ 1947.

استمرت الحركة الإسلامية في حمص بسيرها المعتاد تحت تسميات الرابطة والإخوان وشباب محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى عودة الشيخ السباعي من القاهرة إلى مدينة حمص عام 1941 ، فنهض بها نهضة كبيرة ظهر أثرها في جميع الميادين الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية ، لتثبت الحركة وجودها وتؤكد حضورها بعد أن أعطاها الشيخ من روحه وفؤاده مددًا قويًا ، لأن الشيخ رحمه الله من الإخوان القلائل الذين لديهم المقدرة على عرض الفكرة الأساسية ، أي صلاحية الإسلام في جميع مرافق الحياة ، بالطريقة المناسبة لأي وضع ، وضمن الإطار التاريخي المناسب .

ربما كان السباعي أقدر الخطباء والمتحدثين والقادة على تعبئة الأمة وتحريك الجماهير وإثارة العواطف النبيلة بين أفراد الشعب أيًا كان انتماؤهم ، ففي كلمة ألقاها في حلب في شباط 1948 قال فيها : قد يظن البعض أن الثورة تتم بالسلاح ، فليطمئن رجال الأمن وحكوماتهم كل الاطمئنان ، فسنقوم بثورة لنشر الرسالة وتعميم الإخلاص والأمانة ، وسنقوم بثورة حتى لا يبقى في الأمة بائس أو جائع أو متكبر أو ظالم أو جاهل أو ضعيف أو مريض أو ملحد أو فاجر ، وسنقوم بثورة لنشرة الحق والعدالة إلى أن تمتلئ كل البطون ، ويعالج كل مريض ، حتى يصبح مجتمعنا أفضل المجتمعات في هذه الدنيا ، وإلى أن تعود أمتنا إلى ما وصفها به الله رب العالمين ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران : 110].

أعود إلى التحرك الإسلامي في حمص وصعوده بعد عودة الشيخ إليه في أعقاب دراسته بالأزهر الشريف ، لقد اضطلع المركز بمسؤولياته في بناء حركة الإخوان المسلمين ، وشارك بقوة وبفاعلية كبيرة في المؤتمرات التي سبقت ظهور الإخوان وأدت إلى ميلادها كحركة واحدة في سوريا تمتد إلى لبنان والأردن ، ويكون لها أثر ملموس في الأقطار المجاورة الأخرى كالعراق وفلسطين . وقد برزت شخصيات إسلامية قامت بجهد مشكور ، وأدت واجبها في قيادة جمعية الرابطة الإسلامية في محافظة حمص ، وفي جمعية أو جماعة الإخوان فيما بعد ، كان من أبرزهم وعلى رأسهم الشيخ السباعي الذي اختاره إخوانه من جميع مراكز المحافظات الأخرى مراقبًا عامًا للجماعة فيما بعد ، وشقيق الشيخ مصطفى الأستاذ نصوح السباعي ، وعبد المعطي شمسي باشا ، وجاسم الديك ، ومصطفى خوجه ، ومحمود الطرشة ، وقبلهم وفي مقدمتهم أبو السعود عبد السلام الذي يعتبر أول المؤسسين ، وفي طليعة العاملين للدعوة الإسلامية في مدينة حمص ، مدينة خالد بن الوليد ، رحم الله الجميع وأجزل مثوبتهم ، وتقبلهم برحمته في عباده الصالحين.


5- جمعية دار الأنصار في دير الزور

اضطلعت دار الأنصار في دير الزور بمسؤولية كبيرة ربما فاقت ما قامت به الجمعيات الإسلامية في المحافظات الأخرى ، لأنها كانت مسؤولة عن الدعوة الإسلامية في بقعة واسعة في سوريا ربما كانت تساوي ثلث مساحة القطر السوري ، لقد كانت البوكمال والميادين والرقة- قبل أن يتحول قضاء الرقة إلى محافظة -تابعة لمركز دير الزور ، كذلك كلف المركز بالإشراف على النشاط الإسلامي في محافظة الجزيرة التي تقع في أقصى الشمال الشرقي من سوريا ، والتي تضم مدنًا وبلدات مترامية المساحة ، كالحسكة والقامشلي ورأس العين والدرباسية وغيرها ، وعندما قمت بزيارة المنطقة الشرقية تبعًا لخطة موضوعة وخاضعة لجدول زيارات المحافظات السورية عام 1977 مع عدد من أعضاء المكتب التنفيذي ، سمعنا من سكان الجزيرة في القامشلي وغيرها أن المراقب العام الشيخ السباعي رحمه زارهم مرة واحدة خلال ربع قرن ، وهكذا حالت مسؤوليات الشيخ الكثيرة والكبيرة عن إعطاء الجزيرة ما تستحق من اهتمام ، فالأكراد يشكلون طيفًا واسعًا في المحافظة ، وهم ركن ركين في بناء الحركة الإسلامية والدعوة إلى الإسلام ، فتركوا نهبًا للأفكار الوافدة من قومية شوفينية -متعصبة- ومبادئ شيوعية ويسارية غرست في أوساط الكرد دعايات منحرفة لتشويه صورة الإسلام المشرقة ، كما ضاعت الفرصة للاهتمام بالعشائر البدوية الأصيلة التي تسكن محافظة الجزيرة ، وتمتد بأعدادها الهائلة إلى خارج القطر لتنتشر في العراق والجزيرة العربية وغيرها.

أعود بعد هذا الاستطراد إلى الحديث عن نشوء مركز الأنصار في دير الزور كما رواها بعض الإخوة وعلى رأسهم الدكتور حسن هويدي حفظه الله لإخوانه من أمثال الأخ فارس ملي كما سجلها بقلمه من فم الدكتور حسن الذي قال : أنشئت جمعية دار الأنصار في مطلع الأربعينيات ، وبالتحديد في عام 1941 على الأرجح ، وكان أول رئيس لها هو الشيخ عبد الرزاق بن الشيخ حسين رمضان ، ثم خلفه في رئاسة الجمعية الدكتور عز الدين جوالة ، ثم أسندت رئاسة الجمعية بعده إلى الدكتور حسن هويدي ، لتضيف اسم شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى اسم دار الأنصار أسوة بما حدث في الجمعيات الإسلامية الأخرى في المحافظات السورية التي نشأت فيها الجمعيات مثل حلب وحماة وحمص ودمشق.

وكان من ضمن المؤسسين : الأستاذ أمين شاكر ، والأستاذ أحمد صالح ملا عيسى ، والشيخ عبد الجليل نقشبندي ، الذي تحول في عمله الدعوي من دار الأنصار إلى تكية أهله ، تكية الشيخ ويس في دير الزور ، ثم برز من الجيل الثاني في نشاط الجمعية الأستاذ أحمد الياغي والأستاذ حسين السحل. كانت جمعية الأنصار إحدى الركائز التي تشكلت منها جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ولبنان ، فعندما بدأت اللقاءات بين قادة الجمعيات للبحث في دمجها ، وإنشاء الجماعة الواحدة ، مثل دار الأنصار لأول مرة في اللقاء الذي عقد في دار الأرقم -والأرجح أنه كان في عام 1944- الشيخ عبد الرزاق رمضان والدكتور حسن هويدي ، وكانت القضية الفلسطينية تمر في أخطر مراحلها ، فألقى قصيدة في ذاك اللقاء الدكتور عبد الرزاق يخاطب فيها القدس فقال :

لا تجزعن وإن جلت مآسينا

فالله في الملأ الأعلى يعزينا

وقد حضر هذا اللقاء الأستاذ سعيد رمضان مبعوثًا من الإمام حسن البنا ، والبعض يشير أن الأستاذ سعيد رمضان حضر الاجتماع التمهيدي لقيام جماعة الإخوان في سوريا عام 1942.

قدَّم الأستاذ الأميري في هذا الحفل أو ذاك اللقاء الأستاذ سعيد رمضان فألقى كلمة بليغة تركت أثرًا طيبًا في نفوس الحاضرين المؤتمرين.

قامت إدارة الأنصار في دير الزور بأنشطة نافعة في المجتمع امتدت إلى مدن المحافظات الشرقية ، ومنها :

1- نشر الدعوة بالوعظ والإرشاد وعقد الاجتماعات وإلقاء الكلمات بالمناسبات الدينية والتاريخية ، ومن خلال المهرجانات والتجمعات في المسجد والأماكن الأخرى ، ولاسيما في مقر جمعية الأنصار.

2- الاهتمام بالفقراء والضعفاء والمحتاجين ، وتأمين المساعدات والإسعافات لهم ولعائلاتهم.

3- العناية بالأنشطة الرياضية للفتيان والشباب ، وقد افتتح مركز الجمعية عددًا كبيرًا من الأندية في الدير والميادين والبوكمال والقامشلي والرقة ، قبل اندماج الجمعيات في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا .

4- اهتمت الجمعية بالمساجد في كل الفروع ، وأعادت الحياة إلى مساجد كانت متروكة ، أو كانت العناية بها ضئيلة ، وأسندت العمل بها إلى إخوة دعاة ، وكان مسجد أبي عابد في دير الزور من نصيب الدكتور حسن هويدي ، ثم تحول المسجد بعد ذلك إلى مقر لجمعية الأنصار وإدارتها في دير الزور. كان إلى جانب جمعية الأنصار في دير الزور في مطلع الأربعينيات مدرستان فكريتان متباعدتان ، أو بالأجرى متخاصمتان ، كان على رأس المدرسة الأولى العالم الكبير العارف بالله الشيخ حسين رمضان الذي ترك أثرًا كبيرًا في نفوس تلامذته وأبناء جيله في التربية والتوجيه والفقه والتمسك بأهداب الإسلام وأحكامه ، وكان على رأس المدرسة الثانية سعيد العرفي الذي أدعى بادئ ذي بدء السلفية ، وشرع يدعو إلى المذهب الجعفري ، ثم بدأ يجنح إلى التشيع ، ويتقرب إلى الشيعة ، وينزل ضيفًا عليهم في بغداد إذا زارها ، وضيفًا على الزيديين في اليمن إذا قصدها ، ثم كشف أبناؤه بوضوح وجلاء عن وجهته بعد أن وصل النصيريون إلى الحكم عن طريق العسكر في سوريا ، فوجدوا لديهم الحماية والرعاية ضد كل من يناوئهم أو يمسهم ، فصار لهم أتباع في دير الزور دون أن يكون لهم وزن أو ثقل أو تقدير.


6- جمعية الشبان المسلمين في اللاذقية

في اللاذقية كبرى مدن الساحل السوري تحرك ذوو الغيرة الدينية للدفاع عن الإسلام والدعوة إلى الله ، وإرشاد الناس إلى الخير ، وحث المواطنين على العودة إلى رحاب الإسلام ، والالتزام بأحكامه وآدابه ، ومنذ وقت مبكر ظهرت حركة إسلامية دعا إليها عز الدين القسام في عام 1911 ضمت إلى صفوفها عددًا من الشخصيات الإسلامية أمثال الشيخ مصطفى ضاما ، والشيخ محمد أديب القسام ، والشيخ يعقوب آغا ، والشيخ محمد حاج إبراهيم ، ومحمد المثبوت ، وأحمد إدريس ، وغيرهم. وكان من إنجازاتها الوطنية (مضافة إلى دعوتها المواطنين إلى التمسك بالإسلام ) تعبئة الجمهور من أجل الدفاع عن ليبيا ضد الغزو الإيطالي ، وتجنيد الشباب للتطوع والسفر إلى طرابلس الغرب لمشاركة الليبيين في جهادهم ضد الغزاة عبر ميناء الإسكندرون ، لولا أن الاتحاديين خذلوهم ونكثوا بوعودهم لهم بتسهيل سفرهم ، فعادوا إلى اللاذقية وكانوا زهاء مائة مجاهد .

وعندما احتلت فرنسا سوريا وفرضت عليها الانتداب كان عز الدين القسام على رأس الرافضين للاحتلال ، والمقاومين إياه ، فتعرض لمضايقات اضطرته إلى النزوج من بلدته جبلة والانتقال إلى الحفة ، وهناك حمل السلاح في وجه الفرنسيين المستعمرين ، فقصف الفرنسيون القرية التي وصل إليها ، بالطائرة وحكم عليه بالإعدام ، فتوجه إلى فلسطين ، واستقر في مدينة حيفا ، وأسس فيها حركة المقاومة المسلحة ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية.

في مطلع الأربعينيات ظهرت في اللاذقية جمعيات إسلامية مثل جمعية مكارم الأخلاق وغيرها لم يكتب لها الاستمرار ، وعندما عاد الأستاذ محمد المبارك من باريس عام 1938 بعد إكماله الدراسة تم تعيينه مفتشًا للغة العربية والتربية الإسلامية في سوريا ، فكان يطوف المدن السورية ويلتقي مدرسي اللغة والدين ، عبر مهمته الوظيفية وعلاقاته الشخصية ، مما أتاح له أن ينشئ جمعية إسلامية في مدينة اللاذقية في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي حملت اسم جمعية الشبان المسلمين ، وهو اسم الجمعية التي كان المبارك من أبرز مؤسسيها في دمشق.

ملأت جمعية الشبان المسلمين في اللاذقية وفي مدن الساحل فراغًا كبيرًا في حقل الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلقيت قبولاً كبيرًا لدى المواطنين بما بذلته من أنشطة ثقافية كإلقاء محاضرات أسبوعية كانت تدعو لها شخصيات إسلامية بارزة من المدن السورية الأخرى أمثال الشيخ محمد الحامد والشيخ بشير المراد من حماة ، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة من حلب ، والشيخ مصطفى السباعي من حمص ، بالإضافة إلى شيوخ الساحل أمثال الشيخ محمد أديب القسام لإلقاء المحاضرات الأسبوعية في مقر الجمعية في اللاذقية.

تناوب على رئاسة مركز الشبان المسلمين في اللاذقية شيوخ فضلاء وشخصيات مرموقة ذات سمعة طيبة وذكر حسن منهم :

1- الشيخ صلاح الأزهري خريج الأزهر وزميل الشيخ محمد الحامد والشيخ محمد علي المراد اللذين جمعتهما إلى الشيخ صلاح الدراسة في الأزهر ، ثم المصاهرة مع آل المراد.

2- التاجر الكبير أحد وجهاء مدينة اللاذقية بدر الدين سعيد والد الأخ عدنان سعيد حفظه الله.

3- عبد الرحمن الصوفي المهندس الزراعي ورئيس دائرة الزراعة في مدينة اللاذقية ، وهو من أوائل المؤسسين للجمعية ولحركة الإخوان المسلمين فيما بعد ، وقد تولى -رحمه الله- رئاسة المركز أكثر من مرة ، وكان بجانبه في الإدارة ، الإخوة : سمير الصوفي ، وجمال المفتي ، رحمهما الله.

4- الأستاذ المحامي اللامع عبد الله محمودي.

5- الأستاذ محمد المجذوب الأديب الكبير والشاعر المرموق ، وأحد رجال الرعيل الأول في العمل الإسلامي في مدن الساحل السوري ، وكانت نشأته الأولى في مدينة طرطوس ، ثم انتقل إلى اللاذقية وترأس مركز الجمعية فيها ، ثم انتقل إلى المدينة المنورة وأمضى بقية حياته بجوار مسجدها النبوي ، وكان يسكن في مواجهة مسجد قباء ، ثم عاد إلى وطنه ، وأدركته المنية في مدينة اللاذقية رحمه الله ورحم إخوانه رحمة واسعة وأدخلهم في رحاب عفوه ونعيمه.

أسس مركز اللاذقية فروعًا في المحافظة وفي مدن الساحل منها : فرع جبلة برئاسة الأخ محمد بدرة ، وكان الفاعل الحقيقي في هذا الفرع الشيخ محمد أديب القسام ، وفرع الحفلة برئاسة عبد الباقي الشريقي يعاونه محمد الصباغ ، وأنشأ المركز فرعًا في منطقة الجنجيل برئاسة الشيخ أحمد شاكوش خطيب جامع الجنجيل رحمه الله ، وكان من أبرز فروع اللاذقية فرع بانياس برئاسة الشيخ التقي الورع عبد الستار عيروط يعضده ويشد من أزره الأخ الشيخ الصالح مصطفى الأعسر رحمة الله عليهم جميعًا. من أهم الأعمال والأنشطة التي اضطلعت بها جمعية الشبان في اللاذقية إنشاء جمعية البر والخدمات الاجتماعية التي كانت تعني بالأسر الفقيرة والشؤون الاجتماعية ، وتأسيس ناد رياضي اهتم بتدريب الشباب على الفنون الرياضية ، ولاسيما المصارعة والملاكمة ( ). كما أنشأت الجمعية في اللاذقية مدرسة خاصة بهم ، ومن الأسماء التي شاركت في التأسيس والنشاط والأعمال الدعوية في تلك الفترة وما أعقبها الإخوة : على الحاج بكري ، وعدنان قواف ، ونبيل الطويل.


من هذه المراكز الستة : الشبان المسلمون في دمشق ، والرابطة الدينية في حمص ، والإخوان المسلمون في حماة ، ودار الأرقم في حلب ، ودار الأنصار في دير الزور ، والشبان المسلمون في اللاذقية ، تشكلت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بعد خمسة مؤتمرات عقدتها منذ منتصف الثلاثينيات ، وحضرتها بعض هذه الجمعيات ، لأن البعض الآخر لم يكن مولودًا ولا موجودًا ، وحتى منتصف الأربعينيات إذ شاركت فيه الجمعيات التي تم التنويه عنها ، فظهرت جماعة الإخوان في جميع المحافظات السورية ، وأدت دورًا كبيرًا في التأكيد على الهوية العربية الإسلامية للسوريين ، وشاركت في الأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية مشاركة فاعلة ، كان لها كبير الأثر في حياة العرب والمسلمين ، ليس في سوريا وحدها ، وإنما في الأقطار المجاورة لها في لبنان والأردن وفلسطين كما سوف يأتي ذكره في صفحات آتية وأحداث مقبلة.

مراكز أخرى للإخوان بعد التأسيس

انتشرت دعوة الإخوان المسلمين في جميع المحافظات السورية وفي الأقضية وبعض النواحي والقرى الكبيرة ، ونشأت مراكز جتديدة سرعان ما التحق ممثلون عنها بمجالس الشورى وبالقيادات العليا ، وكان من أشهرها : مراكز إدلب وحوران ، والجزيرة التي استمرت على ارتباطها بمركز الإخوان المسلمين في دير الزور.

1- مركز إدلب : عندما تشكلت جماعة الإخوان عام 1945 بعد اتصالات ، وحوارات مستمرة تحت اسم الإخوان المسلمين بقيادة واحدة وأمير للجماعة ، هو المراقب العام فضيلة الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله ، لم تكن محافظة إدلب موجودة ، بل كانت قضاء تابعًا لمحافظة حلب شأن الأقضية الأخرى ، كالباب وحارم ومنبج وطرابلس وجسر الشغور وعين العرب ومعرة النعمان وإعزاز وعفرين وغيرها ، لكنها أضحت محافظة مستقلة عن محاظة حلب إداريًا ، فتشكل فيها مركز للإخوان الذين كانوا يراعون التقسيمات الإدارية للدولة في تشكيلاتهم ، وتأتي أهمية أدلب من كونها تقع في وسط سهل كبير مزدهر مغطى بالحقول الخصبة والأشجار المثمرة ، ولاسيما أشجار الزيتون والكرز والفستق ، وأن الملكية فيها تتراوح بين الصغيرة والمتوسطة ، وهي السائدة ، وأن سكانها جميعًا تقريبًا يتبعون مذهب أهل السنة والجماعة ، وفيها جبل الزاوية الذي اتخذ منه القائد المجاهد إبراهيم هنانو ملاذًا وحصنًا في مقاومته للاستعمار الفرنسي ، وأن بلدات المحافظة كبيرة وكثيرة ومزدهرة ، مثل سراقب وأرمناز ، وسلقين وكفر تخاريم ، وخان شيخون ومعرتمصر ين وتفتناز وأريحا ، كما ضم إليها عدد من الأقضية (حين صدر المرسوم بجعلها محافظة) مثل معرة النعمان وجسر الشغور ، هذه المواصفات والمزايا التي خصت بها المحافظة جعلت منها مركزًا أو قاعدة عريضة لدعوة الإخوان المسلمين ، فانتشرت في كل أنحائها ، وبرز فيها دعاة وقادة وعلماء كان في مقدمتهم الشيخ نافع شامية الذي ترأس مركز إدلب لفترات طويلة وكان زعيمًا وطنيًا بالإضافة إلى كونه داعية إسلاميًا ومصلحًا ، وبرز كذلك من قادة المركز إخوة دعاة من أمثال : فاضل رشيد ، وحسن كيالي مفتي إدلب ، ومحمد حكمت معلم ، ووحيد السم ، ووجيه دويدري ، وعبد الحميد سيد عيسى ، وأحمد قطيع وعادل سفلو ، ووحيد جحا ، ثم ظهر فيما بعد وفي وقت لاحق في الخمسينيات ومطلع الستينيات مجموعات أدت دورًا فاعلاً في النشاط الإخواني في الأقضية والنواحي ، أمثال الأديب الكاتب إبراهيم عاصي رحمه الله في جسر الشغور ، وعبد القادر البيطار في معرت مصرين ، وعبد الله نزال في سراقب وأديب الآمنة ومحمد أديب الجاجي وأحمد العمري ومحمد حدير في معرة النعمان ، ويونس قرط في أرمناز ، ويوسف السعدون في سلقين ، وسعيد مبيض في إدلب وأريحا ، ومحمد عبد الفتاح ، وراجي بكور ، ومصطفى الواحدي ، وأحمد قطيع ، في إدلب ، وغيرهم ، ذكرنا بعضهم على سبيل المثال لا الحصر ، منهم من قضى نحبه في السجون والمعتقلات والاغتيالات شأن إخوانهم في المحافظات الأخرى ، ومنهم من ينتظر ، نسأل الله لهم جميعًا الثبات والأجر ورعاية المولى لمن استمر في السير على طريق الدعاة والعاملين.


2- مركز حوران : منذ بدء التنظيم الإداري في عهد الانتداب كانت حوران محافظة تتبع الحكومة المركزية في دمشق مباشرة ، وكانت وما زالت درعا مركز المحافظة تتبعه أقضية ونواحي عدة مثل : قضاء بصري وإذرع وصلخد ، وناحية الشيخ مسكين ، والصنمين وغيرها.

أما من الناحية الدعوية فإن حوران كانت مرتبطة بدمشق ارتباطًا مباشرًا ، وذلك لقربها من العاصمة والتحاق أبنائها بالمدارس والمعاهد الشرعية وكليات الجامعة ، وكان الشيخ علي الدقر أحد الرواد الأوائل في النهوض بالعمل الإسلامي ، والدعوة إلى الله ، في بث العلوم الشرعية في دمشق وخارجها. لقد أنشأ الشيخ علي رحمه الله معهد العلوم الشرعية التابع للجمعية الغراء في دمشق فخرجت أفواجًا من طلاب العلم الشرعي الذين وفدوا عليها من كل المحافظات السورية ، وبرز منهم شيوخ أجلاء تابعوا تحصيلهم ، وأكملوا دراساتهم العليا ، وأسندت إليهم مهمات التدريس في الجامعة ، كما عني الشيخ بمحافظة حوران عناية خاصة ، وجعلها ضمن برنامجه ونشاطه ، فكان يزورها ولا ينقطع عنها ، وقد أحضر عددًا من أبنائها إلى دمشق ليلتحقوا بالجمعية الغراء مع الطلاب الوافدين في الأقسام الداخلية التي تؤمن للطلاب السكن وأسباب المعيشة الأخرى ، فتخرج عدد من أبناء حوران وصاروا شيوخًا ، فعاد بعضهم إلى حوران فكانوا شيوخها المبجلين وقادتها الدعويين ، وكان من أبرزهم الشيخ عبد العزيز أبا زيد ، والشيخ سليم المصري ، رحمهما الله ، وأقام بعضهم في دمشق ، وقام بالتدريس في مدارسها ولاسيما في الجمعية الغراء التي تخرج منها ، أمثال نايف عباس ، وعبد الرحمن الزعبي ، وخالد جباوي ، وأحمد المنصور المقداد (الشافعي الصغير) ، كما مر معنا في صفحات سابقة من هذه الذكريات.

إن دعوة الإخوان التي ظهرت في حوران في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين قد سدت فراغًا كبيرًا ، وملأت ساحة مهمة في ثغر من ثغور سوريا في بلاد الشام ، ومن خصائص هذه المحافظة أنها قريبة من العاصمة ، وأن تأثرها بها وتأثيرها فيها دائم ومستمر ، وأنها معبر رئيسي وأساسي إلى المملكة الأردنية الهاشمية ، ومن ثم إلى فلسطين ، وأخيرًا فإنها تجاور وتلاصق جبل العرب -جبل الدروز- أي محافظة السويداء التي يغلب على سكانها أتباع المذهب الدرزي باستثناء قلة من أهل السنة والجماعة التي امتدت إليها دعوة الإخوان المسلمين بحيث لم تبق محافظة في سوريا ، إلا وبلغتها الدعوة واستقرت على أرضها ، وأينعت تربية وتزكية وسلوكًا.


3- محافظة الجزيرة : تقع في الركن الشمالي الشرقي من سوريا ، وتجاور العراق وتركيا بحدود مشتركة تسكنها عشائر عربية أصيلة كالجبور وشمر وغيرهما ، كما يسكنها الأكراد بأعداد كبيرة ، لكن هذا المركز بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين ظل مرتبطًا بمركز دير الزور وتابعًا له ، فلم يأخذ هذا المركز في التحرك الدعوي مداه.

وهكذا قصرت قيادة الجماعة في إعطاء هذه المحافظة حقها من الرعاية والاهتمام الدعويين ، فخسرنا جمهورًا واسعًا من الأكراد الذين تركوا نهبًا للدعوات الشوفينية المتطرفة وللأفكار الماركسية ، مع أن مكانهم الطبيعي -كأكراد مسلمين- هو في رحاب جماعة الإخوان المسلمين دون سواها من الحركات القومية أو العرقية ، وكذلك كان حالنا مع العشائر في محافظة الجزيرة.

عود على بدء

جاء في بدايات هذه المذكرات والذكريات أن الحلفاء الغربيين الذين هزموا السلطنة العثمانية ، وتقاسموا تركة الرجل المريض كما كانوا يطلقون على السلطنة في آخر عهدها ، دخلوا بلادنا بروح التفوق والاستعلاء ، بل بروح حاقدة تنم عن الرغبات في الانتقام والثأر لأجدادهم الذين هزمتهم أمتنا بعد الحملات الصليبية التي استمرت أكثر من أربعة قرون.- 1098- 1522م ، لقد وقف الجنرال غورو قائد الجيش الفرنسي أمام قبر صلاح الدين قائلاً : ها نحن عدنا يا صلاح الدين ، وقال الجنرال اللنبي قائد الجيش الإنكليزي بعد احتلاله القدس عام 1917 : الآن انتهت الحروب الصليبية.

في أربعينيات القرن الماضي انتشرت كتب ساطع الحصري عن القومية والوطنية ، فوجهنا البعض لقراءتها ، فقرأتها أو قرأت بعضها مثل العروبة أولاً ، وآراء في القومية والوطنية ، ولقد لفت نظري وأنا في صفوف الإعدادية أن الحصري يرد على أنطون سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي هاجم العروبة باعتبارها عودة إلى الإسلام من الباب الخلفي ، أو باعتبارها غطاء للدعوة إلى الإسلام فقال : لقد عادت الرجعية المحمدية بثوب جديد ، ألا وهو العروبة ، فرد الحصري مطمئًنا بأن العروبة التي يدعو إليها لا صلة لها بالأديان ولا بالإسلام من قريب أو من بعيد. واستطرادًا فيما جاء به أنطون سعادة في كتابه نشوء الأمم : إلى أن المسيحية الشرقية (ينتمي سعادة إلى طائفة اليونان الأرثوذكس) هي هوية الأمة السورية التي لم تحسن الدفاع عن نفسها أمام غزو -الجزيريين- أي العرب المسلمين الفاتحين ، وربما كانت الرسالة الحقيقية للحزب إعادة هذه الأمة إلى تلك الهوية ، أو إعادة تلك الهوية إليها مرة أخرى. يقول حازم صاغية : تحسر سعادة على هزيمة سوريا أمام العرب في اليرموك .

ساطع الحصري الذي يبالغ كثيرًا بعلمانيته في دعوته إلى العروبة ، يذكر في كتابه (يوم ميسلون) أن الجنرال -غوابه- الذي قاد الحملة على دمشق يوم ميسلون بأمر الجنرال غورو كتب : أنا في دمشق ، إن هذا الاسم كان يمثل لي شيئًا خرافيًا عندما كنت أقرأ في سجلات عائلتي ، وأنا في سن الطفولة : أن جان مونغوليه الجد البعيد لجدتي من جهة أمي -جان لويز- كان قد وقع في الأسر خلال الحملة الصليبية الثانية عام 1147م ، ونقل إلى دمشق ، إنه كان من السواد الأعظم- أي من الجنود وليس من القادة- ولذلك لم يعامله السراقون- المسلمون من جنود صلاح الدين- المعاملة الحسنة التي كانوا يخصون بها الفرسان اللامعين ، فجعلوا منه عبدًا يشتغل في أحد مصانع الورق التي يصنع فيها الورق من القطن ، فاشتعل جان المسكين هناك شغلاً شاقًا ثلاث سنين ، وبعد ذلك فر من دمشق ، وتمكن من الالتحاق بالجيش الصليبي ، بعد اجتياز آلاف المخاطر ، وعندما عاد إلى مسقط رأسه بعد غياب دام عشر سنين ، أسس أولى طواحين الورق التي عرفتها أوربا.

هذه هي الخلفية التي انطلقت منها فرنسا في احتلالها لسورية بعد معركة ميسلون في 24- 7- 1920( ). فهل يحتاج كلام الجنرال الذي غزا سوريا يوم ميسلون إلى تعليق؟ فجده لأمه كان في الجيش الذي جاء إلى بلاد الشام غازيًا وأن جيش صلاح الدين كانت يعامل قادة الصليبين الأسرى معاملة كريمة ، وأن جده الجندي لم يقتله المسلمون الذين غزاهم في عقر دارهم ، بل وضعوه في معمل الورق يشتغل به ثلاث سنين ، حتى إذا تعلم المهنة نقلها إلى أوروبا وأسس أولى طواحين الورق التي عرفتها بلاده ، ومع هذا يسمي نائب غورو (الذي قتل جيشه الغازي يوسف العظمة والمدافعين عن سوريا ضد الغزو الفرنسي) جيش صلاح الدين الذي تصدى للزحف الصليبي باللصوص ، يا للسفاهة ويا للحقد ، ويا للإفك والافتراء.

بعد احتلال الفرنسيين لسوريا ، فتح الباب على مصر اعيه لكل ناعق يرفع عقيرته ضد الإسلام ، ويعلن الحرب عليه ، فقد تألف الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان من حزبي : الشعب اللبناني وحزب البلشفيين الأرمن -عصبة سبارتكوس- وكان سكرتير الحزب الشيوعي العام آكوب بيتر ، وهو يهودي روسي قدم من فلسطين إلى بيروت باسم الرفيق شامي . وظهر الحزب القومي بآرائه التي تمت الإشارة إليها آنفًا ، وبرز الأرسوزي بدعوته التي اعتبر فيها العصر الجاهلي هو العصر الذهبي للشعب العربي ، وشرعت الأحزاب السياسية بالدعوة إلى الوطنية والاستقلال بعيدًا عن الإسلام ، بل إن أبرز الزعماء الوطنيين في تلك الفترة ، وهو الدكتور عبد الرحمن الشهبندر هون في مقالة له من شأن الرابطة الدينية ، وأشاد بأتوتورك ، وأبدى إعجابه الشديد بشخصيته وخطواته الجريئة في تحرير أمته من قيود الرجعية!!

بل إن الحركة الصهيونية في أواخر العهد العثماني توصلت إلى إيجاد التعاون في بعض المناطق بين ممثلي القوميتين أو الحركتين : الصهيونية والعربية ، وإلى قبول المؤتمر العربي الأول الذي عقد في باريس عام 1913 بحضور ممثل الحركة الصهيونية حيث نجح في إقناع المؤتمرين بعدم التعرض للهجرة اليهودية إلى فلسطين .

هكذا كانت الحالة السائدة في بلاد الشام قبيل الاحتلال الفرنسي ، وبعد أن بسطت فرنسا نفوذها على سوريا ولبنان ، فالأحزاب يغلب عليها الطابع العلماني ، وبعضها يجهر بكره الإسلام ويناصبه العداء ، والذين لا يعادونه لا يقيمون له وزنًا ، ولا يدخلونه في حسابهم أو في برامجهم السياسية ومناهجهم الفكرية والتربوية ، لذلك لم نصادف حزبًا سياسيًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار قد أقام للإسلام أي وزن في أعماله وأنشطته بل وحتى في صراعه الوطني ضد سلطات الاحتلال ، وفي هذا الجو البائس والإحباط اليائس استيقظ المواطنون على أصوات بدأت خافتة ، ثم ما لبثت تعلو وتدوي حتى سمعها القاصي والداني (عبر جمعيات رأت النور هنا وهنالك) تذكر الناس بدينهم وقرآنهم وشريعته وأخلاقهم وتاريخهم وأمجادهم ، وتدعو إلى الرجوع إلى الله ، وإلى العودة إلى رحاب الإسلام ليفوزوا بالدارين ولينقذوا أمتهم ووطنهم من كيد الكائدين ، ومن حقد الغزاة والمستعمرين ، ومن سار بركبهم وانضم إليهم ، والتحق بمعسكرهم ، وتبنى ضلالاتهم وأفكارهم الشاذة وعداءهم للإسلام والمسلمين.

كان الشيخ السباعي رحمه الله يرسل صيحات مدوية عبر قلمه وخطبه ، رغم حداثة سنه ، وهو في السادسة عشرة من عمره الميمون ، كتب رسالة إلى الشيخ محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح التي كان السباعي يراسلها وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، قال فيها ، وذلك في 5- 9- 1931 : إن بوادر النهوض بالمسلمين قد بدأت والحمد لله ، ففي سوريا مثلاً نرى أن الجمعيات الإسلامية قد كثر تأليفها ، والرجال العاملين قد كثروا ، ففي دمشق قد تألفت جمعية الهداية الإسلامية حديثًا ، وفي بيروت ثلاث جمعيات إسلامية هي : جمعية اتحاد الشبيبة الإسلامية ، وجمعية المقاصد الإسلامية ، والمجلس الإسلامي. وفي طرابلس جمعية التعاون الخيري ، وفي حلب تألفت جمعية البر والأخلاق الإسلامية ، وفي حماة تألف فرع لجمعية الهداية الإسلامية بدمشق وها إننا نسعى الآن في حمص لإنشاء جمعية إسلامية ، وعسى أن يكلل مشروعنا بالنجاح ، وقد كان لهذه الجمعيات المذكورة فضل كبير في إيقاظ الشعور الإسلامي وتنبيه المسلمين إلى ما يجري في طرابلس الغرب .

وفي وقت لاحق كتب السباعي في مجلة الفتح نداء إلى الشباب يحثهم على العمل ، ويجسد فيهم الأمل ، ليبثوا في الأمة روح اليقظة والحمية والعزة ، ثم قال : وما هي إلا برهة من الزمن حتى كانت دار الأرقم في حلب ، وجمعية الشبان المسلمين في دمشق وجمعية الرابطة الدينية في حمص ، وجمعية مكارم الأخلاق في بيروت ، وجمعيات عديدة في القدس ولندن وباريس وكلها تنضوي تحت راية شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- .

وسبب تسمية شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- حكاية رواها الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله كما مر آنفًا ، إلا أن رواية أخرى وردت على لسان الشيخ عبد الوهاب الألتونجي والأستاذ الأميري في مقالة بعنوان رابطة شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، نشرت في مجلة الفتح في عددها الصادر بتاريخ ، شعبان 1356هـ الموافق 7/10/1937 قالا فيها : قبل ثلاث سنوات خلت ، شعر بعض طلاب الجامعة السورية بحالة البلاد المنحطة من الناحية الخلقية والدينية ، وكيف أن الدين لم يبق منه عند الجمهور غير مظاهر فارغة ليست من جوهر الإسلام في شيء ، وتنبهوا إلى تقصيرهم في هذا المضمار ، وعرفوا أن عليهم واجبات نحو أنفسهم والبلاد ، أجلها وأعظمها صيانة الأخلاق ، فقاموا فيما بينهم بتأسيس حلقات يجتمعون فيها لتهذيب النفس ، وتقوية روابط الأخوة ، وأضافا : وكانت مناسبة رأى فيها أفراد الحلقة ضرورة مقابلة أحد كبار الزعماء في سوريا ، ومباحثته في بعض الأمور الإسلامية ، وفيما هم يتحدثون مع ذلك الزعيم سألهم عن اسم الرابطة التي تجمع هؤلاء الشبان ، فأجاب أحدهم على البداهة : نحن شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- ، فانتشر هذا الإسلام في الأوساط انتشارًا سريعًا ، وأصبح له دوي في الآذان ، مما دعا لجعله اسمًا عامًا يطلق على مجموع الحلقات في جميع الجهات.

وسواء أكان سبب تسمية شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- ما جاء على لسان الأستاذ الأميري في الشهادة التي سجلها له إخوانه في جدة بتاريخ 1987 الموافق 22/1/1408هـ ، أم ما ورد على لسانه ولسان أخيه الشيخ الألتونجي في المقالة التي نشرتها مجلة الفتح ونقلها الدكتور عدنان زرزور في كتابه عن الشيخ السباعي ، فإن كلمة شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- صارت مرادفة لأسماء الجمعيات في المحافظات السورية كما مر معنا وسبق ذكرها.

مؤتمرات مهدت لقيام الجماعة

لم تنشأ جماعة الإخوان المسلمين في سوريا من تنظيم واحد ، ظهر في إحدى المدن السورية ، ثم انتشر ليشمل جميع المحافظات ، وإنما ظهر بعد اندماج عدة جمعيات إسلامية في عدد من المحافظات ، وذلك بعد لقاءات وحوارات على مدى ثماني سنوات بين هذه الجمعيات التي عقدت خمسة مؤتمرات تمخضت في الخامس منها عن قيام جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ، تتبعها فروع في لبنان والأردن في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي ، وقد تحدث عدد ممن كتبوا سيرة الإخوان المسلمين ونشأتها في سوريا عن الجماعة ، فجاءت كتابات الأستاذ إسحاق موسى الحسيني أدقها وأقربها إلى الحقيقة ، قال الحسيني : أخذت هذه الجمعيات - الإسلامية- تعقد مؤتمرات ، فعقد أولها في مدينة حمص عام 1937 ، وكذا عقد ثانيها في العام نفسه في حمص أيضًا ، ثم عقد المؤتمر الثالث في دمشق عام 1938 ، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فتعذر عقد المؤتمرات ، فاكتفى بقيام المركز الرئيسي -في حلب- بمهمته- بالنيابة عنها- وأن يتصل أمناء سر الجمعيات بعضهم ببعض ، وفي سنة 1943 عقد مؤتمر رابع في حمص ، اشترك فيه ممثلو المراكز في سوريا ولبنان ، وأقر بقاء دار الأرقم في حلب مركزًا رئيسيًا ، وفي عام 1944 عقد المؤتمر الخامس في حلب ، وقرر إلغاء المركز الرئيسي في حلب وتأليف لجنة عليا في دمشق ، مشكلة من ممثل عن كل مركز ، لها مكتب دائم ، (وعلى رأسها مراقب عام هو الشيخ السباعي) تعقد اجتماعات دورية ، وقد حضر هذا المؤتمر مندوب عن الإخوان في مصر ، وتم الاتفاق على توحيد أسماء الجمعيات باسم : الإخوان المسلمين ، وعلى توحيد النظم ، وفي سنة 1946 عقد المؤتمر السادس في يبرود حضره قادة الإخوان في سوريا ولبنان على هامش إقامة معسكر تدريب للفتوة ، واتخذت الجماعة في هذا المؤتمر السادس قرارات ، أهمها :

1- إرسال بعثات علمية إلى مصر وأوربا.

2- توسيع نطاق الحركة الرياضية والفتوة.

3- تأليف لجنة تعني بشؤون العالمين ، العربي و[[الإسلام]ي ، ولجنة خاصة بقضية فلسطين .

4- تأليف لجنة لاتخاذ الطريق العملية للنهوض بالفلاحين والعمال.


ثم حدد المؤتمر أهداف الجماعة بما يلي :

1- تحرير الأمة وتوحيدها وحفظ عقيدتها ، وبناء نظمها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على أساس الإسلام .

2- محاربة الاستعمار بكل أشكاله.

3- التعاون بين أبناء الأمة كلها لا فرق بين مذهب ومذهب ، وينكرون كل محاولة ترمي إلى تفريق الصفوف ، ويعتبرونها حركة هدامة تخدم مآرب الاستعمار.

4- إصلاح جهاز الدولة ، والعناية بالتعليم والأخلاق والاقتصاد والزراعة والصناعة .

باستثناء القرارات التي أوردها الحسيني في حديثه عن المؤتمر السادس فإنه لم يأت بأي تفصيلات عن المؤتمرات بالنسبة للحاضرين وللمراكز التي تمثلت فيها ، لأن عددًا منها لم تكن قد ظهرت للوجود عام 1937 الذي شهد عقد مؤتمرين في مدينة حمص ، لذا نرجح أن هذين المؤتمرين وكذا المؤتمر الثالث لم يشارك فيها إلا جمعيات دار الأرقم في حلب ، والشبان المسلمين في دمشق والرابطة الدينية في حمص ، لأن جمعية الأنصار في الدير ، والإخوان في حماة ، والشبان في اللاذقية قد ظهرت عام 1938 فما بعد.

ومن مراجع أخرى نرى أن مؤتمر عام 1938 كان من أهمها وأعظمها جدوى ، فالشيخ السباعي الذي حضر من القاهرة حيث يتابع الدراسة في أزهرها إلى دمشق في زيارة استمرت أشهرًا ، شهد مؤتمرين عظيمين ، أولهما مؤتمر العلماء الذي دعا إليه الشيخ محمد كامل القصاب وحضره مائة شخصية من علماء سوريا ولبنان ، وتم انعقاده بتاريخ 11- 13 رجب 1358 الموافق 6- 8 أيلول 1938 ، وكان الشيخ القصاب قد رأى في تفرق العلماء وسكوتهم ما يؤذن بخطر كبير ، فعمل على تأليف جمعية تضم صفوفهم ، وتدافع عن كرامتهم ، وتسعى إلى رفع كلمة الله ، وإبلاغ صوت الدين إلى القلوب ، وقبل انعقاد هذا المؤتمر كتب السباعي في مجلة الفتح في مطلع عام 1938 مقالاً ندد فيه بعجز العلماء وتخاذلهم وقعودهم عن نصرة الحق والدين ، وتخليهم عن المسؤولية ، وقبوعهم في المساجد والبيوت ، وسكوتهم عن الإباحية والفوضى تجوس خلال الديار ، ثم قال : وبقي الأمر على هذا حتى عاد إلى دمشق فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد كامل القصاب ، فراعه وآلمه تفرق الشيوخ ، فعمل على تأليف جمعية للعلماء تضم صفوفهم ، وقد شهد الشيخ السباعي بأن مؤتمر الشيخ القصاب قد نجح نجاحًا كبيرًا ، ثم وصف السباعي فضيلة الشيخ القصاب بأنه أمة وحده ، يعمل فلا يكل ، ويهاجم فلا يتراجع ، ويدعو فلا يسكت ، ويجاهد فلا يفتخر ، وهو في كل هذا يبذل من حر ماله في سبيل الله ما يضن عن بذل أقله كثير من الأغنياء المعاصرين.

أما المؤتمر الثاني الذي حضره الشيخ السباعي فهو مؤتمر شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي انعقد في شعبان بعد خمسة أسابيع من انعقاد مؤتمر العلماء ، وتمخض عن توحيد المراكز المتعددة لجمعيات شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- واتخاذ مركز رئيسي لها هو دار الأرقم في مدينة حلب الشهباء .

عبر الدراسة الشاملة عن التحرك الإسلامي في سوريا ، وظهور الجمعيات المختلفة في المدن السورية ، الصغيرة منها والكبيرة ، ولاسيما جمعيات العلماء نلحظ أن للسباعي رحمه الله باعًا طويلة وجهودًا كبيرة في تفعيلها واستنهاض همم القائمين عليها ، كان يعتب على المقصرين والقاعدين واليائسين ، ويشجع العاملين والمخلصين والمثقفين ، كما كان همزة الوصل بين الجمعيات من جهة ، وبينها وبين الجمعيات التي تشكلت منها الجماعة فيما بعد من جهة أخرى ، وكان في مسعاه وتحركه ذا همة لا تعرف الكلالة ، وعزيمة لا يعتريها الملالة ، وإرادة صلبة لا تنال منها المصاعب ، وشجاعة لا تخشى سطوة الجبارين ، ولا بطش الطغاة ، وكان تأثيره فيمن يستمع إلى أحاديثه أو يصغي إلى خطبه أو يقرأ مقالاته هائلاً ، وقد شهد له في ذلك القريب والبعيد ، وعرف عنه الباحثون من المسلمين ومن الغربيين المنصفين ، ذكر أحد الباحثين أن السباعي كان أقدر الخطباء والمتحدثين والقادة على تعبئة الأمة وتحريك الجماهير ، وإثارة العواطف النبيلة بين أفراد الشعب أيًا كان انتماؤهم .

بهذه الروح العجيبة كان السباعي عاملاً حاسمًا في التحرك الإسلامي ، وفي تنشيط الجمعيات الإسلامية ، وفي نشوء جماعة الإخوان المسلمين خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين ، فلم يكن لشباب محمد -صلى الله عليه وسلم- في حمص إلا نفوذ ضئيل حتى عودة السباعي إلى حمص عام 1941 ، كما أن مركز الشباب المسلمين في دمشق لم يشهد الانتشار الواسع والتأثير الكبير إلا بعد عودة الأستاذ المبارك رحمه الله من باريس بعد إكمال دراساته في جامعة السوربون عام 1938م.

تاريخ تأسيس الجماعة في سوريا

بالرغم من أن عددًا ممن عاصروا ميلاد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لا يزالون على قيد الحياة ، وكاتب هذه السطور واحد منهم -فإن خلافًا كبيرًا حدث بين الباحثين والمؤرخين والذين كتبوا عن نشأة الإخوان المسلمين في سوريا ، فالدكتور عدنان زرزور في كتابه العتيد عن الشيخ المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله سجل في ثلاثة مواضع أرقامًا متباينة عن تاريخ النشأة ، ففي الصفحة 62 من الطبعة الثانية قال : أما اسم الإخوان المسلمين الذي غلب على هذه الجمعيات ، وعلى الحركة الدينية الإسلامية في سوريا آخر الأمر ، فقد تم فيما يبدو في صيف عام 1946 بعد جلاء الاستعمال الفرنسي عن بلاد الشام ، ويؤكد على هذا التاريخ في الصفحة 164 ثم يذكر في الصفحة 197 وعلى لسان الشيخ السباعي ما يلي : إن الإخوان المسلمين ساهموا بقسطهم من النضال الوطني حين وقوع العدوان الفرنسي على سوريا ، بعيد نشأتهم أو تجمعهم المذكور ، فقد وقفوا وقفة رائعة أثناء حوادثه في كل من دمشق وحمص وحماة وحلب وغيرها من المدن السورية ، وهو العدوان الذي بدأ في 29- 5- 1945 ، فكانت فتوتهم تحمل الطعام والسلاح إلى جنود الدرك ، وتنقذ الجرحى من الدرك والمساجين ، وتحملهم إلى مقراتها تحت وابل الرصاص والقنابل ، كما كانت مراكزهم مبعث حماس الجماهير في مقاومة العدوان الفرنسي ، وكان أعضاؤهم في مقدمة المناضلين من أبناء الشعب ، فاستشهد منهم من استشهد ، وجرح من جرح.

بعد هذا الذي سجله الدكتور عدنان زرزور عن تاريخ النشأة على لسان قائد الجماعة نقلاً عن كتاب (دروس في دعوة الإخوان المسلمين) والذي لا يدع مجالاً للشك في أن نشأة الجماعة كانت في مطلع 1945م عاد في الصفحة 165 يؤكد على لسان الأستاذ عادل كنعان أن الارتباط التنظيمي وتغيير العنوان تم في العام التالي عام 1947 ، علمًا بأن أيًا من الباحثين في نشأة الجماعة لم يقل ذلك ، لأن الإخوان في عام 1947 كانوا ملء السمع والبصر في خوض الانتخابات والمشاركة في الحكم وفي إصدار جريدة المنار لسان حال دعوة : الحق والقوة والحرية التي صدرت في شهر حزيران عام 1946 ، وفي فتح المدارس الليلية وإقامة معسكرات الفتوة التدريبية ونشر الدعوة الإسلامية في المدن والأرياف ، وكل ذلك كان في ظل جماعة الإخوان التي انبثقت من دمج الجمعيات الإسلامية في حلب ودمشق وحماة وحمص والدير واللاذقية ، ولذا فإن عام 1947 ليس واردًا ولم يقل به أحد في نشأة جماعة الإخوان المسلمين. أما الذين أكدوا على عام 1945 في نشأة الجماعة فهم كثر ، منهم : الأستاذ حسني جرار في كتابه (الدكتور مصطفى السباعي قائد جيل ورائد أمة) قال : في عام 1945 أصبح السباعي أول مراقب عام للإخوان المسلمين .

ذكر الذي أورد سيرة حياة السباعي في مجلة حضارة الإسلام رقم 4 ، 5 ، 6 لعام 1964 صفحة : 497 أن تاريخ إعلان الإخوان في سوريا كان عام 1945 ، ففي 3 شباط 1945 وجه وزير الداخلية خطابًا إلى رئيس الشبان المسلمين في دمشق ، يطلب إعادة تسجيل أحد فروع الإخوان عوضًا عن تسمية الشبان المسلمين ، ومن بيان الإخوان المسلمين (أهدافنا ومبادئنا) التي لم تصدر إلا في عام 1945م يتبين أن تأسيس الإخوان المسلمين كان عام 1945 كما ذكر السيد محمد السيد الوكيل في كتابه (كبرى الحركات الإسلامية في القرن الرابع عشر) أن جماعة الإخوان المسلمين في سورية تأسست عام 1945 .

إن أفضل الدراسات التي تناولت نشأة الإخوان المسلمين في سوريا ما صدر عن الدكتور إسحاق موسى الحسيني في كتابه (الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة) الذي تحدث فيه عن مؤتمرات خمس مهدت لقيام الجماعة ، وذكر أن المؤتمر الخامس عقد في حلب ، وقرر إلغاء المركز الرئيسي فيها عام 1944 ، وتأليف لجنة مركزية عليا في دمشق مشكلة من ممثل عن كل مركز ، لها مكتب دائم ، وعلى رأسها مراقب عام هو الشيخ مصطفى السباعي ، تعقد اجتماعات دورية ، وقد حضر هذا المؤتمر مندوب عن الإخوان في مصر ، وتم الاتفاق على توحيد أسماء الجمعيات باسم الإخوان المسلمين ، وعلى توحيد النظم (لوائح الجمعيات في لائحة موحدة) ، وفي عام 1946 عقد المؤتمر السادس في يبرود لمراكز الإخوان في سوريا ولبنان على هامش معسكر أقيم لتدريب الفتوة ، وقد أصدر هذا المؤتمر أربعة قرارات ذات طابع ثقافي ورياضي وسياسي واجتماعي ، كما حدد المؤتمر للجماعة أهدافًا أربعة ، غلب عليها الطابع الفكري والعقدي والكفاحي والإصلاحي والاجتماعي ، والدعوة إلى نبذ التفرقة المذهبية والطائفية ، والعمل على إصلاح أجهزة الدولة ، ولاسيما أجهزة التعليم والاقتصاد ، والاهتمام بالزراعة والصناعة وغيرها.

والذي يمعن النظر في تلك القرارات وهذه المبادئ يلمس تداخلاً بينًا بين بنودها وموادها ، الأمر الذي يشعرنا أن الجماعة كانت في باكورة حياتها ونشأتها وأولى خطواتها السياسية والاجتماعية والتنظيمية تفتقر إلى النضج الذي استكملته في سنواتها اللاحقة من عمرها المديد.

ولقد جاء ذكر هذه القرارات والمبادئ تفصيلاً في الفقرة (مؤتمرات مهدت لقيام الجماعة) في ثماني فقرات ، أربعة خاصة بالمقررات ، وأربعة أخرى خاصة بالمبادئ ، ليرجع إليها من وجد حاجة لذلك .

لقد التبس على بعض الباحثين تاريخ نشأة الجماعة ، فحسبوا أنها حدثت بعد مؤتمر يبرود عام 1946 ، وظنوا أن القرارات الصادرة عنه إنما هي المبادئ التي قام عليها التنظيم ، مع أنها لم تكن أكثر من قرارات أكدت على ما جاء في إعلان الجماعة الذي صدر عام 1945 تحت عنوان (أهدافنا ومبادئنا) فأرخوا لقيام الإخوان في سوريا عام 1946 ، مع أن الجماعة كان قد مر على تأسيسها قبل هذا التاريخ عام وبعض عام.

انتقل الشيخ السباعي من حمص إلى دمشق ليزاول مهماته كمراقب عام للجماعة ، وتراجع له الأستاذ المبارك وآثره وعمل معه وشد من أزره طوال حياتيهما الميمونتين ، كما عمل الشيخ مديرًا للمعهد العربي الإسلامي الذي تم تأسيسه ردًا على المدارس التبشيرية التي بدأت ترسخ أقدامها في سوريا . ولم يدخل عام 1946 حتى تم إنشاء أكثر من عشرين مركزًا وعشرين مؤسسة في المحافظات ، وزاد عدد المنتسبين للجماعة على مائة ألف في السنوات الأولى وكان أول مركز افتتحه الإخوان في دمشق عام 1946 في السنجقدار ، ثم افتتحوا مركز باب الجابية للشباب والفتوة ، يتبع المركز العام ، ثم افتتحوا مركز الشهداء عام 1954 ، وفي عام 1957 ثم نقل المركز العام إلى الروضة ، ثم أغلق عام 1958 بعد إعلان الوحدة بين مصر وسورية وحل الأحزاب ، أما يوهانس رايسنر فيقول : كان المركز العام في دمشق بالسنجقدار ، وكان له مراكز أخرى (شُعب وفروع) موجودة في باب الجابية ، ودنكز وقبر عاتكة والقيمرية والميدان والمهاجرين والصالحية ، بالإضافة إلى الفروع في ريف محافظة دمشق ، ويقول : كانت الصحف الأجنبية مثل النيويورك تايمس تقدر عددهم -الإخوان- بـ12 ألف عضو .

أهداف الجماعة كما حددها المراقب العام

بالإضافة إلى أهداف الجماعة ومبادئها التي نص عليها نظام الجماعة بعد نشأتها بوقت قصير ، وإلى القرارات والمبادئ التي أقرتها الجماعة في مؤتمر يبرود 1946 فإن قائد الجماعة ومؤسسها ومراقبها العام قد حدد ولخص أهداف الجماعة وغاياتها ومراميها في وثيقة احتواها كتاب : (دروس في دعوة الإخوان المسلمين) جاء في مقدمتها أو المدخل إليها : يعتقدن الإخوان المسلمون اعتقادًا جازمًا أن في الإسلام كل عناصر النهضة المرجوة ، وأنه جاء بمنهج شامل للإصلاح هو الذي قذف بأمتنا في الماضي إلى ميادين الخلود ، وبوأها قيادة ركب الإنسانية بضعة قرون ، وهو بما فيه من خصائص المرونة والتطور قادر على أن يحمل أمتنا من جديد إلى ميادين الخلود مرة أخرى ، وأن يبوئها مكانة جديرة بقيادتها لركب الإنسانية ، وتوجيه حضارتها نحو الأمن والرفاهية والاستقرار .

ثم حدد رحمه الله الخطوط العريضة للإصلاح بخمسة أهداف :

أولاً : إصلاح الفرد ، وذلك بتطهير عقيدته من الفساد ، وقلبه من الزيغ ، ونفسه من الشهوة ، وخلقه من الضعف ، وروحه من العزلة ، حتى يكون في المجتمع بناء ، يعمل بروح الأبرار ، ويكافح بعزيمة المناضلين ، ويفكر بعقل العلماء والحكماء.

ثانيًا : إصلاح الأسرة ، إذ هي الخلية الأولى في المجتمع ، واستقامة شؤونها ، وتماسك بنيانها هما السبيل إلى تماسك بنيان المجتمع ، ويتم ذلك بتربية المرأة وتعليمها تعليمًا يهيئها لتنهض برسالتها كزوجة مخلصة توفر لزوجها وأطفالها الراحة والسعادة ، وكأم مربية فاضلة ، تمد الأمة بأكرم نشء وأقومه أخلاقًا ، وأصلبه عودًا.

ثالثًا :إصلاح المجتمع ، بإقامة نظم عادلة بين الأفراد والجماعات على أساس التوازن بين الحقوق والواجبات ، فيقيم الإسلام بناء المجتمع على الأسس التالية :

1- التحرر من الجهل والخوف والرذيلة والجوع والمرض والمهانة.

2- الجمع بين القوة والرحمة ، وبين العدالة والتسامح ، ينتفي (في المجتمع) طغيان الفرد وميوعة الجماعة ، (وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله).

3- حفظ الأمة من داخل المجتمع ، وصد العدوان عن حدوده ، ومحاربة الظلم والطغيان أينما كان ، ومد يد الإنقاذ لكل مضطهد مظلوم.

رابعًا : كفاح الاستعمار ، حتى تتحرر الأمة جمعاء من كل آثاره العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية ، وهم -الإخوان- لا يرون استعمارًا أولى بالمهادنة من استعمار ، فكل عدوان على بلادهم وعلى عقائدهم وكرامتهم وأموالهم يجب محاربته بكل وسيلة حتى تبقى مقدراتهم في أيديهم ، ويرى الإخوان أن كفاح أعوان المستعمرين من طغاة ومستبدين هو كفاح للاستعمار ذاته لا يهادنون فيه أحدًا ، كما يرى الإخوان كفاح الاستعمار وأعوانه عبادة يتقربون به إلى الله ، ويفتح لهم الطريق إلى الجنة ، فالجهاد ضد المستعمرين في حكم الإسلام كالصلاة والصوم والعبادات الأخرى.

خامسًا : توحيد العرب والمسلمين ، فالوطن العربي الكبير واحد في جغرافيته ولغته وتاريخه وخصائصه ، فيجب أن يكون كذلك في واقعه السياسي ، والإخوان يعملون لتوحيد الأمة العربية كيلا تبقى مجزأة مبعثرة كما يريد لها الاستعمار ، فتكون لقمة سائغة لمطامعه وعدوانه.

ويؤمن الإخوان بتكتل العالم الإسلامي في اتحاد سياسي واقتصادي ، وفي إطار من التعاون الذي يجعل منهم قوة مرهوبة الجانب ، تلعب دورًا كبيرًا في صيانة السلام في العالم ، إن تعاون العرب مع العالم الإسلامي يجعلهم في مكان القيادة لهذا العالم الفسيح ، وهي قيادة لا يستهين بها إلا من جهل قدر نفسه وأمته .

قد يتساءل أو يقول قائل : وما الفارق بين هذه الوثيقة وما تضمنته من مقاصد ، وبين مبادئ الجماعة وأهدافها وغاياتها التي نصت عليها نظمها؟ فأسارع إلى القول : إذا كانت نظم الجماعة هي الدستور والقانون والكيان للجماعة ، فإن وثيقة الشيخ بمثابة روحها وإكسيرها وفلسفتها ، فجزاه الله الخير وأعلى مقامه.

وهكذا.. وبعد مخاض طال أمده تمت ولادة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا من رحم الأحداث الكبيرة التي شهدتها المنطقة العربية بعد الحرق العالمية الثانية ، لتؤدي دورًا عظيمًا في مسيرة الأمة والوطن ، إذ أوقفت المد الإلحادي والتغريبي ، وأعادت لأبناء أمتنا الثقة بالذات ، والإيمان بصلاح الإسلام وقدرته على الإصلاح والنهوض ، وردت أجيالاً إلى حظيرة الإيمان ، فرأينا الناس يعودون إلى دين الله آحادًا وأفواجًا ، بعد أن كانوا في العشرينيات وبعض الثلاثينيات يخجلون من انتمائهم ، ويتكتمون على أداء عباداتهم ، فظهر جيل يحمل عشرات الألوف منهم المصحف قائلين دون تردد ولا وجل : القرآن دستورنا ، وامتلأ ردهات المدارس الثانوية والمعاهد العلمية والكليات الجامعية بأفواج المؤمنين وسرايا الدعاة إلى الله بالعقل والفكر والحكمة والقول اللين ، لقد ملأت الجماعة بجهود دعاتها وأبنائها وبناتها الساحة ، وأدت دورها الكبير على كل الصعد الإيمانية والفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتربوية والتعليمية والرياضية الجهادية حتى غدت جزءًا لا يتجزأ من الواقع في بلاد الشام ، ومن تاريخ سوريا الحديث ، فإلى تاريخ الجماعة المباركة لرصده وتسجيله قدر ما تسعف الذاكرة وتحفظه الذكريات ، وتدعمه المراجع والمصادر المتاحة ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان.

انتمائي للإخوان المسلمين

ذات أمسية من أماسي صيف 1945 ، قال أحد أبناء الحي في ساحة الجامع الشرقي الذي كان بعض المصلين يتلاقون فيه بعيد صلاة المغرب : يقيم الإخوان المسلمون حفلاً بمناسبة دينية -أرجح أنها كانت ذكرى المولد النبوي الشريف- في جامع السلطان- فهل ترغبون في الحضور؟ فوافقنا في الحال ، وذهبنا لنحضر صلاة العشاء ، ونستمع إلى حفل كبير ، أحضره لأول مرة في حياتي. ولم أكد أرى أضواء الزينة والأعلام الحريرية ذات اللون الأخضر ، وعليها كتابات تحمل اسم الإخوان المسلمين -شباب محمد -صلى الله عليه وسلم- وعبارات التعظيم والتبجيل لصاحب الذكرى التي تحتفل الجماعة بإحيائها ، وتذكير الناس بمعانيها الجليلة ، حتى تملكتني الدهشة ، وطغى على مشاعري الانبهار من الذي رأت عيني ، وسمعت أذني ، ولاسيما كلمات الخطباء التي كان المحاضرون يلقونها مرتجلين الآي الكريمة والأحاديث الشريفة والشعر والنثر ، مما لم أكن سمعت من قبل مثيله.

في ساعات لاحقة لم أتردد في ملء استمارة الانتساب إلى الجماعة والتوقيع عليها بتاريخ 5- 7- 1945. منذ ذلك اليوم ودعت مرحلة في حياتي ، وانتقلت إلى مرحلة أخرى تغاير الأولى وتختلف عنها ، فلقد ملأت صلتي بالجماعة أوقاتي كلها أو معظمها خارج الدوام المدرسي ، أرغب الطلاب بالانتساب للجماعة ، وأشارك باللجان الطلابية والأنشطة الثقافية ، وأحرص على أن لا تفوتني أحاديث الجمعة وكلمات الضيوف الوافدين على المركز ، وجميع الأنشطة الأخرى.

توثقت صلتي بأعضاء المركز ممن هم في مثل عمري ، أمثال الأخ عبد الكريم عثمان -رحمه الله- والأخ مصطفى الصيرفي ، فقد كنا -نحن الثلاثة- في سن واحدة ، وكنا نلتقي ، ولا نكاد نفترق ، وشاء القدر أن نضطلع -نحن الثلاثة- بمسؤوليات توجيهية وتثقيفية ودعوية ، والإشراف على عدد من الأسر التي تضم مجموعات الطلاب والعمال ، وإلقاء الكلمات والخطب في المساجد والأحياء والنقابات وأبناء الريف في زيارات للقرى ، فكانت الاستجابة من وجهاء الأحياء ، ومن أبناء جيلنا كبيرة.

أضحت الجماعة كل شيء في حياتي ، وغلبت الصلة بها ، والاندماج في مؤسساتها والمشاركة في أنشطتها على أفكاري ومشاعري ، فعوضتني عن اليتم الذي ذقت مرارته ، وعن جفوة الأرحام في بيئاتنا التي تفتقر إلى الكثير من معاني التراحم والتكافل ورعاية المستضعفين. والأهم من ذلك كله أن جماعة الإخوان التي قيضها المولى جل شأنه بفضله للناشئة وأبناء الجيل قد انتشلتنا من بيئات يغلب عليها اللهو والضياع ، فالمراهقون يتسابقون إلى دور السينما لمشاهدة الأفلام التي يغلب على أكثرها الفساد ، ويتعاطون التدخين في سن مبكرة ، وينشغلون بالمغنين والمغنيات ويحملون صورهم ، ويتخذونهم مثلاً لهم ، والخمر والموبقات متفشية بين الشباب ، ولا ينجو من شرورها إلا من نجاه الله وأنقذه بوالدين صالحين وشيوخ ومربين صادقين.

لقد كان انخراطنا في الجماعة بمثابة السفينة التي عصمنا الله بها من العواصف الهوج والأمواج العاتية ، وإلا أدركنا الغرق والخسران ، كما أدرك أترابًا وقرناء رأينا انحرافهم وشهدنا سوء مصيرهم. ولذا لا يمكن لذي وفاء أكرمه الله -عز وجل- بالالتحاق بالجماعة أن ينسى ما للإخوان عليه من فضل في إنقاذه وحفظه ، وفي تربيته وتوجيهه والسير به على طريق الدعاة والمصلحين.

كان أول محاضرة سمعتها في أول عهدي بالجماعة ألقاها مندوب مركز حماة إلى قيادة الجماعة والمشاركة في قراراتها ، والعودة إلى المركز يشرح ويذكر اختيار وتشكيل قيادة الإخوان من شخصيات قيادية مرموقة كان على رأسها المراقب العام الشيخ مصطفى السباعي ومحمد المبارك وعمر بهاء الدين الأميري ، وكان ذلك في منتصف عام 1945م وهو العام الذي تم في بدايته اندماج الجمعيات بجماعة واحدة ، هي جماعة الإخوان المسلمين في سوريا .

قلت إن كل شيء تبدل في حياتي بعد انتمائي للإخوان المسلمين ، من عكوف على مطالعة الكتب الثقافية والإسلام ية لكبار الكتاب والدعاة من سوريا ولبنان ومصر وباكستان والهند وغيرها ، ومن دوام على حديث الجمعة الأسبوعي ، وعلى توجيه الأسر التي كلفت بالإشراف عليها ، ومن حرص شديد على حضور الاجتماعات الأسبوعية والإصغاء إلى كبار العلماء الذين كانوا يمرون بمراكز الإخوان ويلقون فيها الدروس النافعة ، من أمثال الهضيبي والندوي والمودودي وسعيد رمضان ومصطفى مؤمن وعبد الحكيم عابدين ومحمد المبارك والشيخ مصطفى السباعي والشيخ محمد الحامد ، رحمهم الله جميعًا ، وألحقنا بهم في الصالحين.

بالإضافة إلى المشاركة في لجان المركز ، ولاسيما لجنة الطلاب ، وكتابة الكلمات ، وإلقاء المقالات ، ودخول المسابقات.

فلم يمض على التحاقي بالجماعة أربع سنوات حتى ألقيت محاضرة الجمعة ارتجالاً في الاجتماع الأسبوعي الذي يحضره أعضاء الجماعة والمداومون على اجتماعاتها الدورية بعنوان : مشكلة الرق وكيف عالجها الإسلام ، وكان ذلك في عام 1949م.

صادفت في أول عهدي بالجماعة أمرًا لم أقو على احتماله ، بل خلف في نفسي عقدة صاحبتني أكثر من ثلاثة عقود ، وما زالت رواسب في النفس باقية عنها ، ففي ذات يوم قرع الباب فخرجت للتو فإذا بنصف إدارة المركز في مواجهتي ، لم أستطع أن أدعوهم إلى المنزل الذي ليس مؤهلاً لاستقبال الضيوف ، ولو كانوا من أترابي ، بله الكبار الذين كنا ننظر إليهم كقادة لمركز الجماعة في المدينة ، رحبت بهم ، ووقفت معهم ، فأدركوا ما وقعت فيه من حرج ، فاكتفوا بالوقوف ، ثم السير ببطء معًا في زقاق الحي ، كان موضوعهم الذي أتوا من أجله ، هو الحديث عن خلاف حاد بين أعضاء الإدارة ، وعن الأخطاء الفادحة التي أسندوها إلى الفريق الآخر ، ووجوب التكتل ضد أعضائه للتخلص منهم ، شعرت بالخجل والارتباك ، وضاقت نفسي بما سمعت ، فأنا ما زلت في سن تجعلني أخجل من النظر في وجوه هؤلاء وأولئك (كنت ما بين السابعة عشرة والثامنة عشرة) ، واستمر الحديث زهاء 30- 40 دقيقة ، ثم توادعنا وانصرفوا ، عدت إلى المنزل وأنا في حالة تشوش واضطراب ، لم أتحدث لأحد من المركز ولاسيما أعضاء الشق الآخر بالذي جرى ، بل تابعت مسيرتي الإخوانية بقلق وترقب ، ولم تمض أسابيع أو أشهر حتى انفصل هذا الفريق عن الجماعة بعد أن حضر مندوبون من المكتب التنفيذي إلى حماة- أذكر منهم الأستاذ المبارك- لحل الخلاف ، وما زلت أذكر أسماءهم وأشكالهم ، فقد التحق بعضهم بأحزاب وجمعيات أخرى ، وبعضهم انشغل بعمله التجاري وشؤونه الخاصة ، وبعضهم عاد بعد فترة طويلة إلى صفوف الجماعة.

هذا الحديث جعلني شديد الحساسية من أي عمل إداري ، فكنت أبتعد عنه ولا أشارك فيه ، وإذا فرض علي أعتذر عنه ، فقد صادف أن إدارة المركز نجحت بالتزكية ، وكان مسؤولو المركز قد وضعوا اسمي ضمن المرشحين ، فلم ألبث في اليوم التالي أن تقدمت باستقالتي مصر ا على قبولها ، وظللت على ذلك ثلاثين سنة - من عام 1945 إلى عام 1975- عندما طلبني إخوة في القيادة ليتحدثوا معي عن ترشيحهم لي لمسؤولية المراقب العام ، وإلا فإن الجماعة سوف ينفرط عقدها ، فالشيخ المراقب العام مصر على الترك ، لتعارض منصب المراقب العام لديه مع عمله وإقامته في الرياض ، والمرشح البديل رفض ترشيحه بديلاً عن الشيخ ، وكان أن حُمِلْتُ على القبول بعد جدل استمر أيامًا ، وتفصيل ذلك وذكر ظروفه وملابساته في مكان آخر من هذه الصفحات.

كانت السنوات التي سبقت استقلال سوريا وأعقبته حتى انقلاب حسني الزعيم في 30- 3- 1949 مليئة بالأحداث وذات أهمية بالغة ، أختار منها ما أرجح أن له صلة بالأوضاع العامة أو بما يخص الجماعة ، وما يتعلق بها. أذكر منها بإيجاز شديد ما أراه جديرًا بتسجيله والكتابة عنه.

1- جرت مباراة بكرة القدم على ملعب يقع في وسط مدينة حماة بين فريق من المدينة وآخر من الساحل ، واشتدت الحماسة ، ثم تحولت إلى نزاع فصدام ، وأخذت الحمية أحد المتفرجين ، فتسلق السارية وأنزل العلم الفرنسي من فوقها ، فداسه الجمهور بالأقدام وأحرقوه ، فكان ذلك إيذانًا باشتعال الثورة في حماة فدمشق فالمدن السورية الأخرى. لست بصدد الحديث عن تفصيلات الصراع بين الوطنيين والفرنسيين ، فلذلك موضعه ، لكن الذي يعنينا من هذا الحدث الكبير استنفار المدينة والريف والبادية ، فقد توافقد على حماة رجال العشائر الذين كانت فرنسا تسمح لهم بحمل السلاح ، فدخلوا المدينة مدججين بالرشاشات والبنادق ، ونظمت الأحياء رجالها وسلحت غير القادرين على شراء السلاح ، فبلغ عدد المقاتلين زهاء عشرين ألفًا ، قام على تنظيمهم ضباط فروا من الجيش الذي كانت فرنسا تسيطر عليه ، والتحقوا بالمجاهدين ، كان في مقدمتهم صلاح الشيشكلي ، وكانت حماة منقسمة إلى فريقين متخاصمين ، فريق الكتلة الوطنية في حماة ، وفريق الملاكين الكبار ، أو ما يطلق عليهم صفة الإقطاعيين ، وكان العداء بين الفريقين على أشده لسنوات طويلة ، ولما نشب القتال بين أبناء حماة ومن تجحفل معهم من سلمية والمعرة والريف وأبناء العشائر وبين الفرنسيين ، اختفى النزاع وزالت العداوة ، وصارت جبهة المجاهدين صفًا واحدًا ، وكتلة متراصة ، يحمل الجميع السلاح ، ويجلس في الخندق الواحد أبناء هذا الفريق أو ذاك ، فلا يتخاصمون ، ولا يحقد بعضهم على البعض الآخر ، بل يقاتلون العدو إخوانًا متعاونين متحابين ، وكأن العداء لم يحدث بينهم قط في سابق الزمان ، وكان هذا التلاحم من أسباب انتصار محافظة حماة على فرنسا ، وإلحاق الهزيمة بجيشها ، واحتلال ثكناتها ومواقعها العسكرية ، وتطهير المدينة وما حولها من فلولها.

2- كان الجدل على أشده بين الطلاب حول الانتماءات الحزبية ، كل فريق يروج لمبادئ الحزب الذي ينتمي إليه ، وكان ثمة طلاب وشباب ينتسبون إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعادة ، وكان أتباعه يتباهون بشخصية الزعيم وعبقريته ، ويدينون له بالولاء المطلق ، ويروجون لأفكاره وللمبادئ التي أقام عليها بنيانه الحزبي ، ويحفظون له أقواله وكأنها إنجيل منزل ، مثل : الحياة موقف عز ، وإنما النيات بالأعمال على عكس ما ورد في الحديث الشريف : إنما الأعمال بالنيات.

حضر الزعيم ذات يوم إلى حماة وعقد مجلسًا في منزل أحد أفراد الحزب ، فحضرت هذا اللقاء بدعوة من بعض أفراد الحزب ، ودخلت قاعة كبيرة مربعة تتسع لحوالي سبعين حزبيًا ومدعوًا ملؤوا مقاعد المكان. أمسك أنطون سعادة كرة أرضية ، وشرع يشرح الموقع الجغرافي لسوريا ، مشيرًا إلى ما يحيط بها من جبال طوروس شمالاً ، وجبال زاغروس شرقًا ، والبحر الأبيض المتوسط غربًا ، وصحراء النفوذ جنوبًا ، وكذا سيناء ، فسوريا مع العراق كالهلال ، ونجمته قبرص ، لذلك لا ينبغي حسب تعبير سعادة أن نضيع أوقاتنا باجتماعات الجامعة العربية دون جدوى ، ثم وبعد حديث طويل حول الطبيعة الجغرافية لسوريا ، سأل الحاضرين : هل من سؤال أو استفسار؟ فرفعت يدي ، فقال : تعال إلى هنا ، فاقتربت منه ، فقال : ماذا تريد؟ قلت : حينما كانت وسيلة السفر والاتصال بين الأمم الخيل والبغال كانت مصر في قلب الدولة العربية الإسلامية ، بل كانت أقرب أقاليم الدولة إلى عاصمتها ، وعندما صارت الطائرة التي تحملنا إلى القاهرة بساعتين وسيلة التنقل ، صار من الصعب أن نشكل -نحن أبناء الشام- معها دولة واحدة؟ قال : أنت تذكرني بشاب في بلادنا عزم على أن يخطب فتاة تقيم في أمريكا ، فتحدث معها بالهاتف ، واتفق معها على الزواج ، لكنه بقي هنا وبقيت هناك ، وشكلا عائلة وهمية. شعرت وشعر الحاضرون من غير أفراد الحزب الذين حضروا هذا اللقاء أن الإجابة لم تكن مقنعة ، وأنها هروب إلى الأمام وتمييع للحوار ، وكأنه شعر هو أيضًا بذلك ، فاستدرك قائلاً : طالما أنت متحتمس للوحدة مع مصر ، فسوف نعينك سفيرًا في القاهرة بعد نشوء الهلال الخصيب وبناء دولته!!!

3- في عام 1947 رشح العلماء والإخوان وغيرهم في حماة الشيخ محمود الشقفة لعضوية مجلس النواب (وكنت إذ ذاك طالبًا في مدرسة المحمدية الشرعية التي أسسها الشيخ محمود رحمه الله) ضمن برنامج سياسي في سوريا للاشتراك في الانتخابات النيابية سيأتي تفصيله في صفحات لاحقة. ومن عادة المرشحين أن يرسلوا مندوبين عنهم لمراكز الاقتراع ، وكانوا يختارون ممثليهم الأكفياء للمراكز التي يؤملون دعم الناخبين فيها لهم ، أما المراكز التي يكون أملهم فيها ضعيفًا فكانوا يرسلون إليها مندوبين صغارًا في السن ، أو ممن ليسوا من ذوي الشوكة. كان نصيبي في مركز الاقتراع بالحي المسيحي في المدينة ، وكانت الكنيسة مقرًا أو مركزًا للانتخاب ، مكثت طيلة ساعات النهار حتى أوشك الوقت المخصص للانتخاب على النفاد ، تعرفت على مندوب الأستاذ خليل كلاس المرشح في قائمة الأستاذ أكرم الحوراني عن الكرسي المسيحي في المدينة ، وكان الحوراني يشجع ترشيح الشيخ محمود الشقفة لأسباب من أهمها أن يحجب به مرشح الذوات الأستاذ عبد الرحمن العظم في منطقته. لفت نظري أن قائمة الناخبين التي تضم حوالي 1200 ناخب ، لم يحضر منها حتى الساعة الأخيرة من الوقت المخصص للاقتراع إلا زهاء مائتين وأربعين ناخبًا ، مع أن المعركة كانت على أشدها ، فهمس مندوب الأستاذ الكلاس -وكان أحد إخواته- في أذني وفي جو التعاطف بين المرشحين اللذين جئنا مندوبين عنهما قائلاً : معظم هؤلاء الناخبين من الذين هاجروا إلى القارة الأمريكية ، أو ممن طواهم الموت ، وعلمت بعد ذلك أن قانون الانتخابات الذي وضعته فرنسا إبان فترة الانتداب ينص على أن كل نائب يمثل ستة آلاف من الناخبين -وليس عدد السكان- وأن القانون قد وزع المقاعد على أساس المذهب ، وليس على أساس الدين ، فالمسلمون موزعون إلى سنة وعلويين ودروز.. إلخ والمسيحيون إلى كاثوليك وأرثوذوكس وبروتستانت ، وأن لكل طائفة نوابًا بحسب عددها ، وأن أي طائفة إذا بلغ عدد ناخبيها نصف العدد زائدًا واحدًا ، أي أكثر من ثلاثة آلاف مثلها نائب في البرلمان ، فإذا بلغ عدد ثلاث طوائف تسعة أو عشرة آلاف ، ولكل طائفة أكثر من ثلاثة آلاف ، مثلهم ثلاثة نواب ، وليس واحدًا ، ليزيد عدد ممثلي الأقليات في البرلمان من الديانتين الإسلامية والمسيحية إلى الضعف ، ولما كان عدد المسيحيين في حماة دون ثلاثة آلاف ، وهم يتجمعون في حي المدينة وثلاث قرى هي : كفربو والسقيلبية ومحردة -صارت ناحية فيما بعد- عمدت سلطات الانتداب الفرنسية إلى عدم إسقاط المهاجرين والأموات حتى يرتفع عدد الناخبين إلى ما يزيد على ثلاثة آلاف يحق لهم أن يمثلوا بنائب في البرلمان عن مقعد مسيحي في المحافظة ، وبهذا الصدد أشير وأؤكد أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين كانت في حماة ومنذ قرون على أفضل ما تكون ودًا وتواصلاً وبرًا.

4- عزمت الحكومة الوطنية في سوريا بعد نيلها الاستقلال أن تجري إحصاء عامًا للسكان في عام 1947 ، وانتدبت لذلك موظفين وأعضاء من الفرق الكشفية يساعدون المختصين في عملية الإحصاء في جميع المحافظات ، وقد كنت ضمن المجموعة الكشفية التي قدمها فوج سعيد العاص في مدينة حماة لتشارك في هذا الواجب ، فكلفنا القائمون على الإحصاء بالتوجه إلى شمالي المحافظة لترقيم المساكن في سبع قرى كبيرة ، مثل مورك وطيبة الإمام وصوران ومعردس وغيرها تمهيدًا لإحصاء عدد سكانها من قبل فريق آخر مختص بالعملية الإحصائية ، وعدنا إلى بيوتنا بعد إتمام عملية الترقيم التي استغرقت قرابة أسبوع ، وانتظرنا الإعلان عن إحصاء عدد سكان سوريا شهرًا فشهرًا ، وسنة فسنة دون أن نسمع عن نتيجة الإحصاء حسًا ولا ركزًا ، فسألنا وتساءلنا ، واستمر تساؤلنا عن السبب حتى طال علينا الأمد ، فعلمنا بعد ذلك أن حكومة جميل مردم قد فوجئت بعد أن تمت عملية الإحصاء أن عدد الأقليات هو نصف أو أقل من الأعداد المثبتة في جداول الأحوال المدنية ، فخشيت أن تتهم من الدوائر الغربية بالتضييق على الأقليات وحرمانهم من حقوقهم المكتسبة بعيد نيلها الاستقلال ، فحملها الخوف إلى إهمال الإحصاء وإلغائه وصرف النظر عنه ووأده إلى الأبد.

5- في العام الدراسي 47- 1948 دخلت مسابقة لاختيار المعلمين ، فصدر تعييني في محافظة الفرات ، فحملت من إدارة مركز حماة رسالتين إلى رجلين من رجال القضاء يعملان في دير الزور ، وقد عرف الناس عنهما النزاهة والاستقامة وحسن الخلق ، أحدهما عبد الوهاب الأزرق ، وثانيهما عبد الحسيب عدي ، فلم يكد الأستاذ عبد الحسيب يقرأ الرسالة حتى انتصب واقفًا ، وتناول سترته ، وأخذ بيدي إلى دائرة المعارف ، ودخل على مديرها الأستاذ عوض العامري من مواليد قرية جاسم في حوران التي ولد فيها الشاعر الفذ أبو تمام ، رحب العامري ، به قائلاً : هذه الأماكن الشاغرة ، فليختر واحدًا منها في قضاء البوكمال ، فصدر تعييني في هجين ، وهي قرية كبيرة ، تقع على شاطئ الفرات الشرقي ، ثم تحولت إلى ناحية فيما بعد ، توجهت بعد فترة إلى البوكمال مركز القضاء ، وتعرفت على فرع الإخوان المسلمين فيها ، وعرفت الحاج عبد الله الدبس رئيس الفرع ، وكان أحد تجار البوكمال المعروفين ، وكان همي ينحصر في افتتاح شعبة في قرية هجين ، فجمعت عددًا من سكان القرية ، وأقنعتهم بالالتحاق بجماعة الإخوان ، ورفعت أسماءهم وطلباتهم إلى إدارة الفرع في البوكمال ، والذي عرفته بعد تعرفي على أحوال القضاء أن سكان القضاء هم مزيج من الديريين والراويين والعانيين ، وأن عدد الديريين يبلغ ربع البلدة ، وكذلك سكان راوة ، أما العانيون فكانوا يشكلون نصف سكان القضاء. كان قائمقام البوكمال الأستاذ سعيد السيد -شقيق جلال السيد- وكان السكان يعرفون عنه الشهامة العربية والأخلاق العالية ، والذي يعنيني في هذا السياق أن أي مواطن يستطيع دون أن يحمل جواز سفر أن يذهب إلى قرية (الحصيبة) العراقية التي تفصلها عن البوكمال مسافة قصيرة تقدر بسبعة كيلو مترات إذا حمل ورقة من القائمقام -مدير المنطقة- ويذهب إلى داخل العراق ، بل يستطيع بعد اجتيازه الحدود أن يصل بيسر وسهولة إلى بغداد أو إلى أي بقعة داخل العراق دون أي عقبة تصادفه في سفره ، وليس لديه إلا توصية من مدير المنطقة التي تقع على الحدود السورية العراقية ، وكان العراق لا يزال تحت سلطة الانتداب البريطاني!! فأين هذا مما بلغ به الحال من جفاء ونزاع وخصومة ومحاصرة وقطع مياه الفرات وعداء مستحكم بين القطرين العربيين الجارين الشقيقين في ظل حكم الحزب الواحد بعد تحرير العراق من قبضة الانتداب البريطاني في العراق ، ومن سيطرة الانتداب الفرنسي في سوريا ؟ أليس من العار أن تكون العلاقة بين القطرين في ظل الانتداب الأجنبي أفضل منها في ظل الحكم الوطني؟!! فأي حكم وطني هذا الذي شهدته بلادنا منذ فجر الاستقلال في عدد من الدول العربية في آسيا وفي إفريقيا؟!!!

المرحلة الأولى : الإخوان المسلمون في سوريا منذ عام التأسيس 1945 وحتى عام1949

منذ عام 1945 أكدت جماعة الإخوان المسلمين حضورها على مستوى القطر وبلاد الشام الأخرى ، وفرضت على المجتمع ، وعلى القوى السياسية الأخرى وجودها ، وأضحت جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي لا يمكن تجاهله أو تجاوزه في كل الأحداث التي تمر بها سوريا على جميع الصعد وفي الميادين كافة.

كانت هذه المرحلة التي امتدت من عام التأسيس وحتى الانقلاب العسكري الأول الذي قام به حسني الزعيم في 30- 3- 1949 بتخطيط من المخابرات الأمريكية كما أثبتت فيما بعد الدراسات الموثقة ، كانت على قصرها من أخطر المراحل في تاريخ الإخوان المسلمين في سوريا تأثيرًا في الاتجاهات الفكرية والفلسفية -الأيدلوجية- وفي المجالات السياسية والإعلامية ، وفي الأنشطة الاجتماعية ، وفي الحقل التربوي ، والدعوة إلى القيم الأخلاقية ، والتأكيد القوي عليها لانتشال النشء من الموجات التغريبية والتحللية التي كانت التيارات الفكرية والسياسية والثقافية تدعو إليها وتتحمس لها ، وتدفع الجيل إلى الانغماس بها ، وصبغ الحياة العامة بها دفعًا شديدًا.

ومن المفيد كي تتضح الصورة ، وتوضع النقاط على الحروف في الإنجازات التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين أن نعرض لها وأن نتناولها بالبحث والدراسة والتحري الأمين في كل مجالاتها وساحاتها.


أولاً : الأهداف والمبادئ

سارعت الجماعة منذ الأيام الأولى لنشأتها إلى تحديد الغايات والأهداف التي تنطلق منها الجماعة ، وتلتزم بها ، وتسعى جاهدة إلى نشرها وتحقيقها ، كما سجلت مبادئ الإصلاح التي تعمل على تطبيقها ، وعلى صياغة المجتمع على مستوى الفرد والدولة بمقتضاها ، ونشرت في عام 1945 عام التأسيس هذا المنهاج في رسالة ضمنتها كل ذلك تحت عنوان : أهدافنا ومبادئنا. هكذا انطلقت الجماعة منذ ساعات ظهورها الأولى ، وكتابها بيمينها ، ليكون المواطن على بينة من أمرها ، تأييدًا لها والتحامًا معها ، أو مخالفًا لها ، ونائيًا عنها.

بعد عام وبعض عام على ظهور الجماعة ونشرها رسالة : أهدافنا ومبادئنا ، عقد الإخوان مؤتمرهم السادس في يبرود بتاريخ 11- 15 شوال 1365 الموافق 7- 11 أيلول 1946 ، وأقروا فيه النظام الأساسي للجماعة ، وكذا النظام الداخلي عبر ممثلي جميع المراكز في سوريا الذي ضمنوا النظام الأساسي المواد التالية :

مادة 1- إن ممثلي مراكز الإخوان المسلمين في سوريا قد اتفقوا في مؤتمرهم السادس المنعقد في يبرود بتاريخ 11- 15 شوال 1365 الموافق 7- 11 أيلول 1946 على اتخاذ نظام موحد لمراكز الجماعة مبين فيما يلي :

مادة 2- لهذه الجماعة لجنة مركزية عليا في دمشق تشرف على شؤون الجماعة وفق نظامها الخاص.

مادة 3- لهذه الجماعة حق إنشاء المراكز والفروع في سائر المحافظات ال[[سورية] والبلاد العربية والإسلامية.

مادة 4- يدير شؤون الجماعة في كل مركز أو فرع مجلس إدارة منتخب وفق النظام الداخلي.

مادة 5- تقرر الإدارات المالية لكل مركز جهة صرف وتمليك موجودات المركز وفروعه حال حله على أن تصرف إلى جهة خيرية.

مادة 6- جماعة الإخوان المسلمين جماعة إسلامية عربية تعمل على سعادة الفرد ، وترمي إلى تحرير الأمة وتوحيدها وحفظ عقيدتها ، وبناء نظمها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على أساس الإسلام ، وبعثها بعثًا جديدًا قويًا يهيئها لأداء رسالتها العالمية الخالدة.

مادة 7- غاية الجماعة هي ما جاء في تعريفها مجملاً ، وتفصيله فيما يلي :

أ- التوجيه الإسلام ي

عرض رسالة القرآن الكريم ، وإبرازها للناس على أنها أقوى رسالة وأكملها وأتمها ، وشرحها شرحًا كافيًا مبينًا لأهداف الإسلام وغاياته ، كاشفا عن جماله وحقيقته ، كرسالة للأمة يحقق لها الرفعة والسيادة والكمال والرقي ، وكرسالة لأبناء الوطن يربط بين قلبوهم برباط وثيق من التعاون على المصلحة العامة ، والاشتراك في بناء نهضة الأمة ، وكرسالة للإنسانية يحقق لها الأمن والسلام والسعادة ، ويعالج لها ما تضطرب فيه من مشاكل وأزمات.

ب- التوجيه الوطني

1- العمل على تحرير البلاد العربية والإسلامية ومن جميع أنواع الاستعمار والنفوذ الأجنبي ، وتقوية الشعور بالكرامة ، وتحرير النفوس من الضعف واليأس ، والتفكك الوطني والاجتماعي والأخلاقي.

2- العمل لوحدة البلاد العربية وحدة تامة شاملة قائمة على الاعتزاز بأمجاد السلف ، والاستفادة من تراثهم وحضارتهم ، والاحتفاظ بروح الإيمان والسمو والعز في نفوس أبناء الأمة العربية ، والتمشي مع مقتضيات الزمن وفق تلك الروح.

ج- التوجيه الأخلاقي

تقوية الرجولة والاستقامة والنبل في نفوس أبناء الأمة ومكافحة عوامل الضعف والفساد والميوعة ووهن الإرادة وكل ما يضعف نفسية الأمة ، ويوهن من عزائمها. وترويضها على محاربة أهوائها وشهواتها ، وتنبيه ملكات الخير والشعور بالمسئولية فيها ، والاهتمام بتهذيب النفس ، وبتذكيرها بيوم الحساب عن طريق العبارة وكر الله ومحاسبة النفس.

د- توحيد جهود الأمة ، ومكافحة التفرقة والتحزب الضيق ، والاستفادة من مختلف العناصر الصالحة ، وتكوين الجيل الجديد الذي يؤدي واجبه ، ويعتز برسالته ، ويكون طابعه العام : النظام والطاعة والشعور بالتبعة ، والعمل على تنظيم المؤسسات الخادمة للمصالح الشعبية وتشجيعها ، ومكافحة الجهل والفقر والمرض والرذيلة.

هـ- التوجيه الاقتصادي

العمل على تنمية ثروة الأمة وحمايتها ، وتحريرها من كل استعمار اقتصادي لأية أمة من الأمم الطامعة ، والعمل على رفع مستوى المعيشة لأبناء الأمة كافة ، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد والفئات عن طريق الإخاء والتعاون دون إثارة الفتن والأحقاد بين الطبقات ، والعمل على تحقيق التأمين الاجتماعي لجميع المواطنين ، وتأليف الشركات التعاونية لمختلف الأفراد والمكلفين ، وذلك بتطبيق النظام المالي في الإسلام .

و- التوجيه التشريعي

السعي لإصلاح الأنظمة والقوانين والمحاكم بما يتفق مع روح الإسلام ، ويؤمن العدالة بين الناس ، ويوجه الحكم توجيها شوريا يحقق سيادة الأمة.

ز- التوجيه التعليمي

1- نشر العلم بين مختلف طبقات الأمة ، ومحو الأمية بتاتا ، والاتجاه بالتعليم وجهة تحفظ العقيدة ، وتصون الأخلاق ، وتقوى روح الاعتزاز بالثقافة العربية والتاريخ الإسلامي المجيد ، وتكفل للوطن اختصاصيين في شتى فروع الحياة.

2- السعي لنشر التعليم الصناعي والزراعي والعمل في البلاد ، وإنشاء مدارس خاصة بذلك ، تفي بالحاجة الماسة.

مادة 8- تعتمد الجماعة في تحقيق غاياتها على الوسائل المشروعة ، وأهمها :

أ- تبليغ الدعوة بطرق المحاضرات والنشر والطبع والإذاعة لمختلف الرسائل والنشرات والصحف والمجلات العامة أو الخاصة ، وتنظيم إصدار الكتب التوجيهية والمطبوعات وإرسال الوفود والبعوث ونشر الدعوة تفقدها في أنحاء البلاد.

ب- التربية الفردية والجماعية بطبع كافة الأفراد على هذه المبادئ ، وتمكين التدين العملي لا القولي في أنفسهم أفرادا وأسرا ، وتكوينهم تكوينا إسلاميا صالحا ، بدنيا بالرياضة ، وروحيا بالعبادة ، وعقليا بالعلم ، وتعاملا بتثبيت معنى الأخوة الصادقة ، والتعامل والتضامن التام حتى يشأ الجيل الجديد الصالح.

جـ- المشاريع والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والدينية والعلمية ، كالمعاهد والملاجئ والمشافي وتنظيم الزكاة وأعمال البر ، وإصلاح ذات البين ، ومكافحة المنكرات والآفات الاجتماعية العادات الضارة ، وإرشاد الشباب إلى طرق الاستقامة ، وصرف أوقات الفراغ في كل ما يعود بالخير على الأمة والجماعة ، وإنشاء المزارع والمعامل التعاونية التي تنهض بالأيدي العاملة فيها روحيا واجتماعيا.

د- العناية بتنظيم شئون الفلاحين والعمال واتخاذ كل الوسائل المؤدية إلى رفع مستوى الأرياف وإنعاش القرى ، والأخذ بيد الفقراء والمستضعفين.

مادة 9- تنهج الجماعة في تحقيق هذه الغايات بالوسائل المذكورة سنن التطور والتدرج والعمل المثمر بالتعاون مع كل محب لرسالة الحق والخير.

هذا ما ورد في النظام الأساسي الذي مضى على إقراره في مؤتمر بيرود ستون عاما بالكمال والتمام. وقد تضمن توجيهات راقية في إصلاح الفرد والجماعة ، ومرافق الحياة كافة ، وفي الدعوة والاتجاهات الوطنية والقيم الأخلاقية والتوجيه الاجتماعي والاقتصادي والتشريعي والتعليمي. وبالرغم مما يؤخذ على مواد هذا النظام الأساسي من ضعف في البنية اللغوية والسبك القانوني والترتيب النظامي ، فإنني أوردته نصا وحرفا التزاما بالأمانة العلمية والتاريخية.

النظام الداخلي

أما النظام الداخلي للجماعة ، والذي تم نشره مع النظام الأساسي في كتيب واحد ، فإنه احتوى مواد كثيرة قاربت المائة والخمسين مادة. وبما أن النظام الداخلي عرضة للتغيير والتعديل فليس من الضروري إيراد مواده كاملة ، بل اقتصر على إيراد خلاصة عنه ، هي جوهره وأساسه :

تحدث النظام الداخلي عن أنواع العضوية وهي : مشترك ومؤازر وعامل وشرف ، ومشروط كل عضو وصفاته والتزاماته. كما تحدث عن تشكيل الإدارات في المراكز ، وكيفية انتخاب أعضاء المركز ، الذين يتراوح عددهم ما بين سبعة وأثنى عشر عضوا ، وشروط العضوية والصلاحيات التي يزاولها ، ثم يقسم العضو القسم التالي الذي ما يزال بمجمله ساريا حتى يومنا هذا ، ونصه :

«أقسم بالله العظيم أن أكون حارسا أمينا لمبادئ الأخوان المسلمين ، وأن لا أجعل من دعوتهم وسيلة إلى منفعة شخصية ، وأن أجتهد في نصح أخواني والدفاع عنهم ، وأن أتحرى مصلحة الجماعة ، وأكتم أسرارها ، وأنفذ قراراتها ولو خالفت رأي ، والله على ما أقول وكيل». ثم حدد النظام الداخلي أسماء اللجان وعددها ، وصلاحية كل لجنة منها ، وذكر أسماء أربع عشرة لجنة تغطي مرافق العمل وألوان النشاط الذي ترمي الجماعة إلى تحقيقه وإنجازه.

وتحدث النظام عن الفروع وتشكيلها وصلاحياتها ، وعن الشعب التي تتفرع عن المركز في المدينة الواحدة ، وكأن النظام يسمى الأسرة بالرهط ، والكتيبة بالسرية التي تضم عدة أرهاط ، كما تسمى الأنظمة الداخلية اللاحقة ، الرهط بالأسرة ، والسرية والكتيبة التي تضم عدة أسرة.

ثم ذكر النظام تفصيلات واسعة عن واجبات الأرهاط والسرايا من حيث التنظيم والتقسيمات الأنشطة التي تضطلع بها ، والواجبات الكبيرة المنوطة بها ، والموضوعات الثقافية التي يثقف بها الأعضاء ، وتحصينهم من الأفكار الوافدة التي تعارض مبادئ الإسلام وعقيدته ، وغرس القيم الأخلاقية (التي هي سر نجاح الأمم) في نفوس أعضاء الجماعة ، والتركيز على دراسة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ، وعلى روح التآلف والمحبة بين أفراد الرهط - الأسرة- والسرية- الكتيبة-.

عني النظام الداخلي بمنظمة الفتوة ، وعممه على جميع المراكز والشعب والفروع ، وذلك لتدريب الشباب على حياة الخشونة بالتهذيب الروحي ، وتنمية الجسم تمهيدًا للاضطلاع بعشيرة الجهاد دفاعًا عن العقيدة والأوطان المهددة أو المغزوة من أعداء الأمة ، وأكد نظام الفتوة على تثقيف أفراد الفتوة بالعلوم الدينية والأحداث التاريخية والمواقع الجغرافية المفيدة والإسعافات الأولية ، والتدريبات الرياضية القوية ، وأن يلم بصورة موجزة بالوضع الاجتماعي والأخلاقي في سوريا والمواقع الأثرية الهامة فيها ، ونبذة عن تاريخها ، إلى آخر التفصيلات التي ملأت ست عشرة صفحة من صفحات النظام الداخلي.

وأخيرًا حدد النظام الداخلي لائحة في فصله الثامن للجنة المركزية التي قررها المؤتمر الخامس (الذي وحد الجمعيات في جماعة الإخوان المسلمين عام 1945).

نصت على اختيار اللجنة المركزية في كل مؤتمر دوري ، تجتمع في كل أربعة أشهر برئاسة المراقب العام ، وللجنة مكتب دائم مقره دمشق ، يتألف من أعضاء اللجنة المركزية المقيمين في دمشق ، وهم : المراقب العام ، وأمين السر ، ونائب عنه ، وخازن ، ومحاسب ، والبقية أعضاء يمثلون الإخوان المسلمين في سوريا ولبنان ، وتشارك فيها جميع مراكز الجماعة.

ومن صلاحيات اللجنة المركزية العليا : توجيه الخطة العامة وفقًا لمبادئها المقررة في نظمها ، وتنفيذ مقررات المؤتمر العام ، وتمثيل الجماعة لدى المراجع الرسمية والهيئات المختلفة ، والنظر في اقتراحات المراكز ، وإبرام ما تراه صالحًا منها ، وحق افتتاح المراكز الجديدة ، والدعوة إلى عقد مؤتمرات طارئة حسب الظروف الداعية لذلك ، وتأليف لجان تابعة لها تغطي بها الأعمال الضرورية للجماعة وتحقق أهدافها. والمكتب الدائم يتمتع بجميع صلاحيات اللجنة المركزية ، وعليه أن ينفذ قراراتها.

هذه لمحة موجزة عن بنود النظام الداخلي للجماعة ، وخلاصة عن أهم نقاطه ، ولولا التطويل لسجلت بنوده كاملة ، لأنه جدير بالتأمل والدراسة لما احتواه من شروح وتفصيلات ولجان ، بعد أن مر على وضعه وتطبيقه ستون عامًا بعد ظهور جماعة الإخوان المسلمين بحوالي سبعة عشر شهرًا.


ثانيًا : في التربية والتكوين

بالرغم من أن الجمعيات كانت تقوم بجهود مشكورة في حقل التربية والتوجيه في مراكزها ، فإن الجماعة بد اندماج الجمعيات الإسلامية من ست محافظات في جماعة موحدة هي جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام 1945م ، قد تحولت فيها المراكز والشعب والفروع إلى مثل خلايا النحل في توجيه الشباب وتربيتهم وتكوينهم وإعدادهم وتعليمهم أحكام دينهم ، وترغيبهم في الحلال والمباحات ، وترهيبهم من الحرام والمحظورات ، بطرق وأساليب ووسائل أضحت من تقاليد الجماعة في سوريا ، بل وفي الأقطار العربية والإسلامية جمعاء ، ومن ذلك :

1- الأسرة :

وهي الوحدة الأساسية والخلية الأولى في نظام الجماعة منذ نشأتها ، والأسرة عادة تتألف من عدد يتراوح بين خمسة وعشرة أعضاء ، يراعى في تشكيلهم التجانس في العمر والثقافة والمهن ودرجة التحصيل والمكان ، ويشرف عليها نقيب يتقدم أفراد الأسرة في سبقه بالانتماء إلى الجماعة ، وبالمستوى الفكري والثقافي ، فيرعى أفرادها ، ويقوم على اجتماع أسبوعي لهم على الأقل ، يلزمهم ونفسه ببرنامج يقدمه قسم الأسر تبعًا للمرحلة التي يمر بها الإخوة في الأسرة ، بدءًا من برنامج الأسرة المبتدئة ، إلى برنامج الأسرة للمنتسبين ، إلى برنامج الإخوة العاملين ، إلى برنامج الإخوة النقباء. ومن المألوف والمعروف أن برنامج الأسر يشمل آيات أو سورًا أو أجزاء من القرآن الكريم ، وعددًا من الأحاديث النبوية الشريفة ، وأبوابًا من الفقه ، وفصولاً من السيرة النبوية ، وعددًا آخر من الموضوعات التي تعني بواقع المسلمين وأحوالهم ، وبالفكر الإسلامي ، وغير ذلك حسب المستوى الذي تكون عليه الأسرة ، كما يكلف أعضاء الأسرة ببعض عبادات التطوع ، كصيام النافلة ، وقيام الليل ، وقراءة القرآن في ورد يومي ، والالتزام بالأذكار المأثورة في اليوم والليلة كالتي جمعها الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة المأثورات ، والحث على التصدق وإغاثة الملهوف ، وطاعة الوالدين ، وصلة الأرحام ، وحسن المعاملة مع الجيران ، والتمسك بمكارم الأخلاق ، كتحري الصدق ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وغض الطرف عن المحرمات ، والبعد عن الشبهات ، والحرص على صلاة الجماعة ، وغير ذلك من الفروض والسنن والنوافل والمندوبات ، وهكذا يمضي الأخ أيامه في الجماعة ، ملتزمًا بمنهاج الأسرة ، حتى يتم إتقانه ، فينتقل إلى مرحلة أخرى بعد نجاحه في امتحان تشرف عليه لجنة مختصة في قسم الأسر ، لتقرر توقيعه أو تحويله إلى مرحلة أخرى ، كالذي ينتقل من أسرة المنتسبين إلى أسرة العاملين ، أو من أسرة العاملين إلى أسرة النقباء ، وكل درجة تؤهل الأخ إلى عدد من الأعمال في الجماعة ، مثل توجيه الأسر ، أو المشاركة في الانتخابات ، أو الترشيح لعضوية الإدارة ، أو إلى قيادة الجماعة ، أو إلى منصب المراقب العام وهكذا ، وللأسرة أنشطة يقوم النقيب على تنفيذها مثل : الرحلة ، والقيام بتدريبات رياضية ، وتعليم الخطابة ، وصلاة الفجر جماعة ، وغير ذلك من التكاليف والالتزامات والأعباء التي تؤهله أن يكون في عداد الدعاة العاملين.

2- الكتيبة :

تضم الكتيبة عددًا من الأسر ، يعقدون اجتماعًا شهريًا ، يتدارسون فيه كتاب الله وأحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفصولاً من كتاب ذي أهمية كبيرة ، وغالبًا ما يصومون النهار ، ويفطرون معًا على طعام يغلب عليه التقشف ، وبعد صلاة العشاء يؤدي أفراد الكتيبة صلاة قيام الليل أو صلاة التهجد إذا قرروا النوم لبعض الوقت ، بعد أن يكون المشرف على الكتيبة قد ألقى عليهم حديثًا دعويًا أو فكريًا أو فقهيًا أو سياسيًا كان قد أعده ليوم الكتيبة.

3- أحاديث الجمعة :

في مساء كل خميس يتوجه الأعضاء في الجماعة وضيوفهم وأنصارهم والمرشحون لعضوية الجماعة إلى مقراتها في المراكز والفروع ليستمعوا إلى محاضرة الأسبوع الدائمة التي تبدأ بتلاوة مباركة من القرآن الكريم ، ثم يتقدم المحاضر الذي يكون من العلماء أو الفقهاء ، أو رجال الفكر أو الدعاة من أبناء بلد المركز أو بلد الفرع ، أو من الضيوف الكبار الذين يطوفون في البلدان لتبليغ الدعوة ، أو ممن توجه إدارة المركز الدعوة لهم ، فيحضر من مدن سورية أو من أقطار عربية أو إسلامية ، فيزدحم أبناء الجماعة والمواطنون لسماعه في مركز الجماعة أو أحد مساجد المدينة ، وكثيرًا ما يبلغ عدد الحاضرين ألوفًا عندما يكون المحاضر ذا شهرة علمية ودعوية كبيرة من أمثال الأستاذ محمد المبارك أو الشيخ مصطفى السباعي أو مصطفى مؤمن وعبد الحكيم عابدين وسعيد رمضان من مصر ، أو الشيخ أبو الحسن الندوي من الهند ، أو أبو الأعلى المودودي من باكستان ، أو علاّل الفاسي من المغرب ، وقد حضر كل هؤلاء إلى مراكز الجماعة ، وحاضروا ، واستمعنا لهم ، واستفدنا من علومهم وتوجيههم عندما كنا يافعين وشبابًا وكهولاً في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا . هكذا صار منبر الجمعية مدرسة إخوانية عتيدة ، أسهمت أيما إسهام في النهضة الإسلامية ، وفي تهيئة الجيل الذي عاصر الدعاة واستمع إليهم للاضطلاع بمسؤولية العمل ، وتبليغ الدعوة ، ونشر مبادئ الرسالة الإسلامية العظيمة.

4- الكتاب الإسلامي :

شرع الدعاة أقلامهم ، فسطروا صفحات غرًا في مختلف القضايا الإسلامية ، وأثروا المكتبة بالمؤلفات والأسفار ، وبرز كتاب كبار في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي ، وزودوا جماهير الفتيان والشباب والشابات وطلاب العلم بذوب أفكارهم ، وعصارة آرائهم ، وروائع بحوثهم في جميع التخصصات ، وكان رائد هذه النهضة الإمام المجدد حسن البنا في رسائله التي تعتبر كالمتون في نظريات العمل الإسلامي ، وفي الموضوعات المتنوعة ، في العقائد والاقتصاد والسياسة وغيرها ، ثم انطلقت أقلام الكتاب الدعاة ، فمنهم من كتب في التزكية كالأستاذ البهي الخولي ، أو في الفقه كالشيخ سيد سابق ، أو في الفكر والدعوة والسياسة والاجتماع كالشيخ محمد الغزالي وبالتفسير والاقتصاد والأيديولوجيات كالأستاذ سيد قطب ، وبالأحوال الشخصية والمرأة والحضارة الإسلامية كالشيخ مصطفى السباعي ، وهكذا رأينا وعاصرنا الكتاب الكبار في مصر ، كالإمام البنا وعبد القادر عودة والغزالي وسيد قطب ومحمد قطب وسيد سابق والبهي الخولي ، وفي سوريا كالشيخ السباعي والأستاذ المبارك وعبد الفتاح أبو غدة ، والشيخ محمد المجذوب ، وسعيد حوى ، وفي الجزائر كمالك بني نبي ، وفي الهند أبو الحسن الندوي ، وفي باكستان أبو الأعلى المودودي. وهؤلاء نماذج وأمثلة من مئات الكتاب والمؤلفين والباحثين الذين زودوا أبناء الجيل الذي عاصرهم بالأفكار والنظريات والآراء التي واجهوا بها الغزو الثقافي ودعاة التغريب والعلمانيين وذوي النظريات المادية والإلحادية ، فأوقفوا مدها وزحفها ، واضطروها إلى التراجع والانكفاء والإياب ، بعد أن كانت تعمل بدأب وعناء على مناهضة الرسالة الإسلامية ، وتشويه مبادئها السامية ، وأحكامها العادلة ، ويصر أتباعها على إطفاء نور الله بأفواههم ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

5- الاحتفالات الكبرى :

دأبت الجماعة على إحياء عدد من المناسبات الدينية والتاريخية ، لا على أنها فرض أو سنة أو مندوب ، بل للتذكير بمبادئ الإسلام ، وأمجاد المسلمين ، كوسيلة من وسائل الدعوة ونشرها بين المواطنين ، وكان من أشهر هذه المناسبات : رأس السنة الهجرية ، ومعركة بدر ، وحادثة الإسراء والمعراج ، ومولد فخر الكائنات محمد بن عبد الله (ص) إذ كانت إدارات المركز والفروع في جميع المحافظات توجه الدعوة إلى جميع المواطنين للاجتماع في أوسع المساجد مساحة ، فيلقي أحد الدعاة خطابا جامعا يلامس به قلوب الحاضرين ، ويخاطب عقولهم ، ويحرك هممهم ، ويذكرهم أمجاد أمتهم وتاريخها التليد ، وكان من أشهر الدعاة وأعظم الخطباء في عصره الشيخ مصطفى السباعي الذي أوتي قدرة بيانية عجيبة ، وموهبة خطابية فريدة ، ويستطيع بهما أن يحرك ويعبئ آلاف المواطنين ، ويستنهض هممهم حتى لو قادهم إلى معركة لأجابوه ، رحمه الله وأعلى مقامه ، وأجزل له ولإخوانه الدعاة الأجر والمثوبة.

هكذا استطاعت الجماعة بمناهجها التربوية وبرامجها التوجيهية المبدعة بوسائل متعددة ومتنوعة ، كالأسرة والكتيبة ومنبر الجمعة ونشر الكتاب الإسلامي ، وإنشاء المكتبات ، وإحياء المناسبات الدينية والتاريخية والوطنية أن تكسر موجات التغريب والإلحاد والانحلال ، والأفكار المناهضة لرسالة الإسلام ، وأن توقف زحفها ، فإذا بالعلمانيين ومن لف لفهم يوقفون هجومهم ، ويعدلون من لهجتهم ، وبل صار بعضهم أو معظمهم يجاملن ويداهنون ، ويتملقون جماهير الشعب المؤمن ، ولاسيما في أيام الانتخابات ، وعند الترشيح إلى عضوية المجالس النيابية ، وكي تكون الصورة واضحة جلية للأجيال التي لم تشهد تلك الحقب أو العقود من القرن الماضي ، بين ما كان عليه النشء في الثلاثينيات وحتى منتصف الأربعينيات ، وما صاروا إليه في نهاية عقد الأربعينيات ، وما أعقبه من عقود ، من تحول كبير في الأفكار والتصورات ، بل وفي المعتقدات.

كان الجدل على أشده بين الطلاب حول الانتماءات الحزبية ، والشخصيات السياسية ، والبرامج الإصلاحية التي تروج لها الأحزاب ، ويحاول أعضاؤها أن يقتنع الناس بها ، وكان كل طالب يدعو الآخرين إلى الالتحاق بالحزب الذي ينتمي إليه. قال لي صديق كنت دائم الحوار معه ، وكان من إتباع أكرم الحوارني :

- أذكر لي شخصية سياسية واحدة أو مثقفا كبيرة ينتمي إلى الأخوان المسلمين.

لأن الإخوان في نظره جمعية دينية يقودها مشايخ وتجار ومحسنون ، وليس في قيادتهم سياسي كبير كالحوراني والبيطار وخالد العظم والقوتلي ورئيف الملقي.. الخ ، وبعد تفكير أسعفتني الذاكرة ، فذكرت له الأستاذ محمد المبارك ، وكلاهما متخرج في جامعة السوربون في باريس ، تخصص الأول في القانون ، وتخصص الثاني في الأدب وعلم الاجتماع.

هكذا كانت الحالة في منتصف عقد الأربعينيات من القرن العشرين ، ولم تمض على هذه الصورة القاتمة فترة وجيزة لا تتجاوز العامين حتى ظهرت بوادر نهضة إسلامية تجلت بواكيرها انتخابات 1947 التي كشفت عن بروز تكتل إسلامي ضم العلماء والأخوان وذوي العواطف والتوجهات الإسلام ية في المدن الرئيسة السورية دمشق وحماة وحمص وحلب حين ترشح للانتخابات النيابية في كل مدينة من خاض الانتخابات بتوجيه من المرشد حسن البنا -كما سيأتي تفصيلاً في فقرات لاحقة- ولم يكن العقد الأربعيني يشرف على نهايته ، وفي التحديد عام 1949 ، وفي ظل الانتخابات للهيئة التأسيسية بعد انهيار حكم حسني الزعيم ، حتى كان التيار الإسلامي يفرض وجوده في عاصمة الأمويين التي أعطت الولاء كاملاً لمرشحي الإخوان وحلفائهم ، وانتخبت قائمتهم بنجاح ساحق وأصوات بزت جميع المرشحين من أحزاب اليمين واليسار على حد سواء.

هكذا ظهر جيل من الدعاة ، من أعضاء الجماعة ، ومن المناصرين للدعوة الإسلامية. جيل مؤمن بالله ، متحل بالأخلاق ، معتز بالتراث العربي والإسلامي. جيل يعتقد أن الإسلام دين ودولة ، وتشريع وقانون ، وأنه صالح لكل زمان ومكان ، وأن شريعته بما أوتيت من شمول ومرانة قادرة على تنظيم شؤون الفرد والجماعة والدولة ، وعلى هضم الأمور الحياتية المستجدة والمستحدثة ، وأنها أي شريعة الإسلام الربانية تحق الحق ، وتبطل الباطل ، وتنشر مبادئ العدل والمساواة لكل الناس سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين ، وأنها تصون الحريات بنصوص قطعية وليس باجتهادات سياسية تتغير وتتبدل حسب الظروف والمصالح والأهواء ، وأن أحكام الشريعة تكفل للناس ، ولكل فرد منهم ، أيًا كان معتقده وانتماؤه ، الحرية في الدين ، وفي الحياة الشخصية والعيش الكريم ، وفي الكرامة الإنسانية ، كما كانت الحال في ظل ازدهار الدولة الإسلامية على مدى أربعة عشر قرنًا. لقد ظهر الجيل الذي يفتدي الإسلام بروحه ودمه وأبنائه ، ويتطلع لنيل الشهادة في سبيل الله ، دفاعًا عن عقيدته وأمته ووطنه ، ولقد ظهر ذلك جليًا في حرب فلسطين والاستشهاد في ساحة قدسها ، وعلى رباها وبطاحها ، مما سيأتي تفصيلا في هذه المرحلة الأولى من تاريخ الإخوان المسلمين.000 .

انتشرت مبادئ الجماعة ، وعم تنظيمها في المجتمع ، وفي كل الأوساط والفئات ، ولاسيما في صفوف المتعلمين والمثقفين والطلاب ، وصارت قوائمهم في الانتخابات الطلابية في الثانويات والكليات تتقدم على غيرها ، وكذا في نقابات المعلمين والمهندسين والأطباء والنقابات العلمية الأخرى ، ولم يعد يوجد من يتساءل عن المتعلمين والمثقفين في صفوف الجماعة ، بل صار أعضاء الجماعة يتلون بكل ثقة ويقين قوله سبحانه : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾( ). أما دعاة التغريب والالتحاق بالغرب فقد تلاشت أحزابهم ، فاختفى بعضها من حياة الأمة ، وضعف بعضها حتى لم يبق منه إلا الرسوم والأطلال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾( ). هذه هي محصلة جهود الإخوان وجهادهم في بضع سنين دأبًا ، وجهود جهابذة العلماء في تلك الفترة في سوريا من أمثال الشيخ محمد النبهاني في حلب ، والشيخ محمد الحامد في حماة ، والشيخ عبد العزيز عيون السود في حمص ، والشيخ أبو الخير الميداني وسيد الكتاني وحسن حبنكة وعبد الكريم الرفاعي وغيرهم في دمشق ، وحسين رمضان وولده عبد الرزاق في دير الزور والأستاذ محمد المجذوب والشيخ عبد الستار عيروط في الساحل السوري وغيرهم كثير ، قاموا بجهود يصعب حصرها ، نسأل الله سبحانه أن يجزل لهم الأجر والمثوبة.

هكذا أثمرت جهود العاملين والدعاة من الأخوان والعلماء وأنصارهم تيارا إسلاميا عارما اتسعت دائرته حتى شملت بلاد الشام ، وعم جميع الفئات والشرائح الاجتماعية والثقافية ، وبلغ أعمال المجتمع في المدن والأرياف والبوادي ، فتيقظ الأعداء في الداخل والخارج ، وشرعوا في رصد هذا التحرك الإسلام الواسع ، ووضع الخطط للحد من انتشاره ، والكيد له ، والتهجم عليه ، سياسيا وفكريا وإعلاميا ، وعندما زار الأستاذ الهضيبي سوريا في عام 1954م ، وحظي باستقبالات في جميع المدن السورية ، لفتت أنظام المراقبين والمتربصين ، وكنت ممن كلفه أخوانه بتنظيم استقبال المرشد الهضيبي رحمه الله في مدينة حماة ، وكان ممن جاء لمركز الأخوان لتحيته والسلام عليه مطران المدينة ومرافقوه ضمن الوفود من وجهاء المدينة ، وبمناسبة هذه الزيارة كتب الأستاذ محمود رياض سفير مصر في دمشق إلى جمال عبد الناصر تعقيبا على زيارة الهضيبي إلى سوريا  : إذا أستمر صعود الأخوان المسلمين كما هو الآن ، فسوف يستلمون الحكم في سورا بعد خمس سنين.

ومن الجدير كذره ، والواجب إثباته أن الجماعة استمرت على النهج التربوي الذي بدأته في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات والسبعينيات ، وثم بدأ الضعف ينتابها ، والتراجع يظهر جليا في مجال التزكية والسلوك والتوجيه والتربية على سيرها ، وفي الطابع العام لمعظم أفرادها ، بل غلب عليها في أنشطتها ، الطابع السياسي والثقافي ، ولاسيما في الثمانينيات والتسعينيات ، وفي مطلع القرن الحادي والعشرين ، وكان ذلك على حساب الجانب الروحي والتعبدي ، الأمر الذي دعاني لرصد هذه الظاهرة ، والعكوف على دراستها ، وتشخيص هذه الحالة ، ووضع منهاج لعلاج هذا التراجع تحت عنوان (في التزكية والسلوك) صدر في مطلع العام 2006 ويقع في خمسمائة وأربعين صفحة ، ويحتوي على منهج مستقي من أراء وتوجيهات وتجارب أرباب التزكية والسلوك من ذوي القلوب الكبيرة ، وبدءا من الحسن البصري ، وامتدادا إلى حسن البنا بالضوابط القرآنية والنبوية التي لا يختلف عليها أهل السنة والخلف جميعا ، ولله الحمد الذي تفضل فأعان ، فله الحمد والمنة حتى يتجلى بالرضا والقبول.


ثالثا : الأخوان والنشاط الإعلامي

1- التبليغ والإعلام يهدفان إلى توصيل المعتقدات والأفكار والآراء والمواقف إلى الآخرين ، وفي كل عصر تظهر وسيلة للتبليغ والعلام تطغى على ما سواها ، ففي عصور اليونان والرومان والعرب قبل ظهور الإسلام كان الشاعر لسان القبيلة والمجتمع الذي ينتمي إليه ، ينافح دونهما ، ويدافع عنهما ، ويرد سهام الأعداء المصوبة إليهما ، وبعد نزول الإسلام ظل الشاعر السيف المشرع في الدفاع عن قبيلته ، وعن الموروث الذي ألفه قومه.

2- هكذا كان عرب الجاهلية في مواجهة الرسالة الإسلامية والتصدي لمبادئها في أيامها الأولى ، وقد أجاز الرسول (ص) لشعراء الدعوة الإسلامية من أمثال حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وغيرهم أن يردوا سهام شعراء الجاهلية عن رسول الله والذين آمنوا معه ، بل كان يشجعهم ويرفع من معنوياتهم ويقول لحسان : أهجهم وروح القدس معك. وبعد أن استتب الحال للإسلام وانتشر في جزيرة العرب ، ثم امتد إلى الأقطار الأخرى ظهر دعاة كبار ، برعوا في تبليغ مبادئ الإسلام بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة ، وإظهار محاسن الإسلام ، فكان لهم تأثير كبير على مئات الألوف من المسلمين ، أو من الذين التحقوا بالإسلام ، كان من أشهرهم الحسن البصري وتلاميذه في التربية والتزكية بالإسلام كان من أشهرهم الحسن البصري وتلاميذه في التربية والتزكية والسلوط. وعلى مدى القرون التي تلت ذاع صيت المحاسبي والقشيري والغزالي وابن الجوزي وابن القيم والعزب بن عبد السلام ، فقد كان يحضر دروس ابن الجوزي ما يزيد على مائة ألف ، وكان يسقط بعضهم من فرط التأثر من مواعظ ابن الجوزي.

أما الشيخ عبد القادر الكيلاني فحدث عن قدراته في الوعظ والتوجيه ، وأثره في مئات الألوف من المسلمين ولا حرج ، فقد أمتد أثره إلى جميع البلاد العربية الإسلامية ، وكان لمريديه وتلاميذه تأثير كبير في مجريات الأحداث ، ومطاردة الفساد ، وهداية الناس ، ومواجهة الحملات الصليبية الغازية ، وإلحاق الهزائم المنكرة بها تحت قيادة القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي طيب الله ثراه.

3- وعندما أطلت القرون الحديثة ، ولاسيما الثلاثة الأخيرة منها - الثامن عشر والتاسع عشر والعشرون- كانت الصحافة أقوى وسائل الإعلام في طرح الأفكار ، وتوصيل الآراء والمواقف باسم الأحزاب والجمعيات والجماعات التي تصدرها ، بل صارت تقود المعارك الكلامية والفكرية ضد المحتلين والمناوئين وأعداء البلاد ، وعلى صفحاتها تتجلى قدرات وعبقريات الكتاب والشعرء والدعاة ، فترسخت مواقف الذين يملكون الصحف الكبيرة ، ويحشدون لها الكتاب الكبار ، وينفقون عليها الأموال الطائلة ، فصار الآخرون يخشونهم ويحسبون لهم ألف حساب.

4- أقدم مطبعة عرفها الشرق العربي هي المطبعة التي جلبها رهبان الطائفة المارونية من إيطاليا عام 1610 ، وأقاموها في ير قزحيا بلبنان ، وهذه لم تكن بحروف عربية ، غير أن أول مطبعة عربية في الشرق العربي كانت تلك التي جلبها من بخارست البطريرق إثناسيوس الدباس إثر رحلته إلى تلك الديار ، وأقامها في حلب سنة 1706 ، وإن أول كتاب طبع فيها هو كتاب المزامير.

وبهذا تكون حلب سباقة في الشرق العربي إلى شرف الطباعة باللغة العربية. تلت مطبعة الحلب مطبعة دير الشوير التي أسسها الشماس عبد الله زاخر سنة 1733 ، ثم مطبعة القدسي جاور جيوس للروم الأرثوذوكس في بيروت عام 1751 ، ثم تعددت المطابع فيما بعد بلبنان عامة ، وفي بيروت خاصة ، أما في مصر فإن أقدم مطبعة عرفتها بعد مطبعة الحلمة الفرنسية هي مطبعة التي أسسها الخديوي محمد علي سنة 1821 ، وبهذا جاءت مصر متأخرة عن بلاد الشام في معرفة الطباعة حوالي قرنين من الزمان.

أ- كان عهد السلطان عبد العزيز عهد ولادة الصحافة السورية ، غذ عرفت كل من حلب ودمشق صحيفتها الأولى ، وهي صحيفة سورية الرسمية بعد صدور قانون المطبوعات العثماني بثلاثة أشهر في عام 1856 ، ثم تلتها بعد عاملين في حلب صحيفة غدير الفرات.

ثم جاء مدحت باشا فشجع إصدار الصحافة في سورية ، ولم تكن في دمشق سوى صحيفتين هما : سورية الرسمية ، وصحيفة دمشق لصاحبها أحمد عزت باشا العابد ، فشجعه مدحت باشا على استئنافها بعد توقف دام ثلاث سنين. وبذلك أغنى مدحت الصحيفتين بموضوعات لم تعرفاها من قبل. ثم جاء عبد الرحمن الكواكبي ، فدبج المقالات ، وحرر الزوايا في صحيفة فرات الرسمية ، ثم أصدر الكواكبي صحفته الشهباء ، وبعد تعطيلها أصدر الكواكبي صحيفته الثانية -الاعتدال- وكان في صراع مع الولاة ، كما كان ناقدا لاذعا ، وثائرا على الجور العثماني ، وداعية كبيرا من دعاة الإصلاح.

كان صدور الشهباء أسبوعية ، وظهر العدد الأول منها في 10 -5- 1877 ، فكانت أول صحيفة شعبية في سورية( ، أما الاعتدال فقد صدر العدد الأول منها في 20- 7- 1897 ، باللغتين العربية والتركية ، وكانت أسبوعية سياسية. أما في دمشق فكانت صحيفة سورية الرسمية عام 1878.

ب- تتالى بعد ذلك صدور الصحف ، فظهرت في دمشق جريدة المقتبس ، أصدرها الأديب والصحافي محمد كرد على في 17-2- 1908 وفي حلب صدرت جريدة التقدم في 15-10- 1908 ، ثم ازداد عددها في سورية لتصل إلى 15 صحيفة بلغات أجنبية و 325 جريدة يومية وأسبوعية تصدر بالعربية ، وبإحدى اللغات الأجنبية( ). جـ- كانت أول صحيفة صدرت في سورية بعد زوال الحكم العثماني هي جريدة الاستقلال العربي في دمشق عام 1918 ، تلتها جريدة لسان العرب ، فجريدة سورية ، وكلتاهما في دمشق ، ثم تتالى صدور الصحف في كل من دمشق وحلب ، وتبعتهما بقية المدن السورية ، فكان في دمشق 13 صحيفة ، وست في حلب ، وأربع في حماة ، وواحدة في اللاذقية.

أما مجموع ما صدر من الصحف السورية اعتبارا من 1918 وحتى عام 1965 ، فبلغ 186 جريدة في دمشق ، و139 جريدة في بقية المدن السورية ، و62 منها في حلب ، و32 في اللاذقية ، وعشرون في حمص ، و10 في حماة ، و5 في أنطاكية ، و3 في الإسكندرونة ، و2 في القامشلي ، وواحدة في جبلة ، ومثلها في دير الزور ، وأخرى في القنيطرة.

د- أول مجلة بعد ارتحال الأتراك عام 1918 كانت مجلة العروس التي ظهرت في العهد العثماني عام 1910 ، ثم توارت وظهرت من جديد عام 1918 ، ثم تلتها مجلة أخرى في دمشق هي مجلة العلم العربي عام 1919 ، ثم تتالى صدور المجلات بكثرة في أرجاء المدن السورية كافة.

ومنذ عام 1918 وحتى عام 1965 بلغ عدد المجلات في سورية 337 مجلة ، منها 212 في دمشق ، و73 في حلب ، 12 في حمص ، و9 في حماة ، و5 في القامشلي ، و2 في الحسكة ، وواحدة في كل من صافيتا وأنطاكية ودير الزور والسلمية والقدموس.

هـ- أدرك الإخوان منذ وقت مبكر ما للإعلام من أهمية بالغة ، وما للصحافة من أثر كبير في نشر مبادئ الجماعة بين المواطنين ومن تفنيد الاتهامات والافتراءات التي ترمي بها جماعة الأخوان من خصومها والمتربصين بها في داخل البلاد ومن خارجها ، ومن فح المؤامرات التي تحاك للنيل منها ومن قادتها ورموزها.

لم يكن الشيخ السباعي خطيبا مفوها وكاتبا بارعا وقائدا فذا وسياسيا محنكا فحسب ، بل كانت أيضا إعلاميا بفطرته ومنذ نشأته ، مارس الكتابة وهو ابن اثنتى عشرة سنة ، إذ كان يراسل ويكاتب وهو في حجر والده بحمص جريدة الفتح في القاهرة ، ويبعث إليها بالمقالات التي يلمس قراؤها نضجا مبكرا لكتابها. لذلك سارع الشيخ إلى الحصول على ترخيص في إصدار جريدة يومية ، ولما يمض على نشوء الجماعة في سورية عام وبعض عام.

أصدر الشيخ طيب الله ثراه جريدة المنار السياسية اليومية عام 1945 ، وصدر العدد الأول منها في 22- 6-1946 ، وكانت لسن حال دعوة الحق والقوة والحرية ، وقد اقتبس رحمه الله هذا الاسم من الشيخ محمد رشيد رضا الذي أسس مجلة ومطبعة بهذا الاسم ، بل كتب تفسيرا للقرآن الكريم يحمل اسم : تفسير المنار. ولاقتباس هذا الاسم دلالته ، وإذ كان السباعي يبدي أعابه ودهشته مما كتبه الشيخ رشيد رضا عن تاريخ الإمام محمد عبده ، ويبدوا أن هناك تشابها في غزارة المادة وقوة العرض كان يجمع بين الأستاذ السباعي والشيخ رشيد ، وربما كان السبب في أن السباعي لم يختر اسم الفتح الذي اشاد به أيما إشادة في وقت سابق ، أنه عد المنار طورا أعلى ، أو يحتل مواقف أكثر تقدما في حومة الصراع والصدام بين المناهج وطرق الإصلاح في ذلك الحين ، يدل على ذلك أن الإمام حسن البنا نفسه عد مدرسته أو عمله استمرارا لمدرسة المنار ولو من بعض الوجوه.

أ- عرف جريدة المنار جوزيف إلياس في كتابه الموسوعي : تطور الصحافة السورية في مائة عام (1865 - 1965) في طبعته الأولى. فقال : المنار جريدة يومية سياسية تصدر في دمشق ، صاحب امتيازها مصطفى السباعي ، ورئيس تحريرها أحمد قدامة ، صدر العدد الأول من هذه الجريدة في 22- 6- 1946 ، وقد استمرت تصدر يومية بانتظام مع بعض فترات التعطيل ، حتى وقع الانقلاب الأول ، فألغى امتيازها في 17-5- 1949 ، ثم عادت إلى الظهور في تشرين أول 1949 باسم المنار الجديد ، واستمرت في الصدور ، ثم كان قرار الدمج ، وبعد عام ونيف عادت المنار إلى استقلالها ، وراحت تصدر من جديد عام 1954 ، غير أنها لم تستمر طويلا بعد ذلك ، إذ توقفت قبل إعلان الوحدة مع مصر عام 1958 ، وحين عادت الصحف السورية عام 1962 من جديد ، كانت المنار في عدادها ، إلا أنها توقفت نهائيا بعد ثورة آذار 1963 ، كان يحرر افتتاحيتها مصطفى السباعي وبشير العوف وعمر بهاء الأميري ، وتتسم هذه الافتتاحيات بالروح الإسلامية الصرف ، وبالعنف على الأنظمة الحاكمة ، وتدعو إلى الإصلاح الجذري ، وتدافع عن مصالح الشعب ، وترى في وحدة الأمة الإسلامية طريق الخلاص الوحيد للعرب والمسلمين على السواء.

ب- كان يحرر افتتاحية المنار منذ البدء - كما سبق ذكر ذلك - عمر بهاء الأميري الذي دبج مجموعة من مقالات الجهاد اللاهبة في صيف 1948 ، فحذفت الرقابة الكثير منها ، من ذلك المقال الافتتاحي في عدد 15-5-1948 عنوانه : يا أمة العرب : لقد دقت ساعة العمل فلبي نداء الواجب لتحرير فلسطين ، اذكروا خالد بن الوليد وطارق بن زياد وصلاح الدين ، واذكروا يا سباب العرب القادسية واليرموك وحطين ، ها أنتم اليوم على مفترق الطرق.ز وفي آخر عام 1948 بعد أن استتب الأمر للصهاينة جاء في افتتاحية المنار وعنوانها : هذه العروش الظالمة لا بد أن تثلها يد الأقدار العادلة.

جـ- رفعت جريدة المنار الثورة على الأنظمة ، ودعت إلى إسقاط الحكومات العربية المهزومة ، وتناولت فساد الإدارة في سورية ، وسيطرة الطبقية والتخلف ، ودعت أكثر من مرة إلى ثورة على الحكم ، وانقلاب على النظام الإداري والاقتصادي المتعفن. كما شنت المنار حملة نارية على المستغلين ، وعلى الأغنياء الجشعين فقالت : وعود كالسراب في مكافحة الغلاء والفقر ، إلى متى تستمرون بإغناء الأغنياء وإفقار الفقراء؟ (العدد 2-4- 1948). فاشتدت الرقابة الحكومية على المنار ، حتى لنرى في معظم أعدادها مساحات بيضاء ، كتب ف يها كلمة مراقبة!!.

د- وفي عام 1950 ركزت المنار حملتها على الحزب الوطني لمواقفه المناوئة لدين الدولة ، ولأن صفه الكثيرة ، وعلى رأسها القس دعت لعلمنة الدستور ، وإقصاء النص على أن الإسلام دين الدول ، وكادت هذه المعارك الكلامية والإعلامية أن تتحول إلى فتنة عمياء ، لولا أن تدارك الشيخ السباعي رحمه الله الأمر بالاتفاق على نصوص بديلة ، تساوي في معناها مرماها ما كانت تهدف إليه المادة التي تنص على أن الإسلام دين الدولة.

هـ- لقد عايشت صدور جريدة المنار ، ولمست أثرها الكبير في نفوسنا - نحن أبناء الجماعة - وفي جماهير السوريين ، وكانت الصحف التي عاصرت المنار والمدعومة من الأحزاب والشركات تطبع أعداءا تراوح ما بين 4 آلاف و5 آلاف ، وثمة صحف أخرى لم تكن تطبع أو يوزع منها أكثر من 1500 نسخة( ) ، أما المار فقد علمنا في يحنه أنها كانت تبطع تسعة ألاف نسخة في اليوم ، وكان جمهور عريض من الشعب ينتظر المنار كل صباح ، وأن أعدادها تنفد في ساعة من ساعات الصباح الباكر ، وأن بعض بائعي الصحف يغالي بثمنها في بعض الأحيان.

لقد كانت المنار بالنسبة لنا غذاء دائما ، وزادا يوميا نتلقي منه التوجيه والتوعية والدروس والتعليمات ، ونقرا على صفحاته القرارات ، ونحيط علما بالنشاطات التي تضطلع بها الجماعة في كل مراكزها وفروعها ، بل كنا نستمد منها شحنات روحية قوية ، تدفع بنا إلى ساحات العمل والتنفيذ بكل جد ونشاط ، وإن أنس ، لا أنس ذلك العدد الخاص بمولد الرسول الأعظم سيدنا محمد (ص) الذي كتب افتتاحيته ومقالاته الرئيسة شيخنا أو حسان (د.مصطفى السباعي) والتي ما زلنا نعيش نبشوتها حتى كتابة هذه السطور ، بالرغم من مضي زهاء ستين عاما على تحبيرها ، رحم الله كتاب المنار من قادة الجماعة ومفكريها من أمثال السباعي والأميري وبشير العوف وأحمد قدامة عدنان مصطفى وممدوح الحافظ وبديع لولو وإخوانهم ، وتغمدهم برحماته وأسكنهم فسيح جناته.

رابعا : الإخوان والانتخابات

بعد مرور عام واحد على استقلال سورية قررت الحكومة الوطنية إجراء انتخابات نيابية عامة حسب قانون جديد للانتخابات ، جعل الاقتراع مباشرة في اختيار الناخب نائبه ، بعد أن كان على درجتين في عام 1943 ، فقرر الأخوان خوض المعركة الانتخابية ولما يمض على ظهور الجماعة سوى عامين اثنين ، اقتناعا من قيادة الجماعة أن المجلس النيابي الذي يسن القوانين ، وينظم ميزانية الدولة بوارداتها ونفقاتها ، ويراقب سلوك الحكومة وأداءها ، ويحاسبها على تقصيرها ، لا يجوز تركه للعلمانيين وللأحزاب التي تناوئ الإسلام ، أو تعمل على إقصائه عن المجتمع وعن حياة المواطنين.

1- ربما كان الحركة الإسلامية المكونة من جماعة الإخوان ، ومن العلماء ، ومن بعض الجمعيات الإسلامية في سورية أسبق من جميع الحركات والجماعات الإسلامية في الوطن العربية وفي العالم الإسلامي بوجوب وضرورة خوض الانتخابات ، ودفع قادة الجماعة إلى المجلس النيابي ، فلم تبق جماعة إسلامية - بعدئذ - من جاكرتا إلى الدار البيضاء إلا وخاضت تجربة الحياة النيابية ، في اندونيسيا وبنغلادش وباكستان وماليزيا وأفغانستان (قبل الانقلاب الشيوعي) واليمن والكويت وتركيا وسوريا والأردن ومصر والسودان وتونس والجزائر والمغرب ، وبعض هذه الأقطار دخلت الحياة النيابية بعد أربعين سنة من التجربة الرائدة في سوريا - الجزائر - وبعضها بعد زهاء خمسين سنة على تجربة الإخوان النيابية في سورية - المغرب-.

2- والذي يلفت النظر ، ويستحق التسجيل ، أن الإخوان في سورية قرروا خوض انتخابات 1947 بموافقة أو مباركة الإمام الشهيد حسن البنا ، فقد أرسل رحمه الله مندوبا عنه هو الأستاذ عبد الحكيم عابدين سكرتير جماعة الإخوان في مصر إلى سوريا ليحمل توصية الإمام ورأيه في وجوب المشاركة البرلمانية ، وقام عبد الحكيم رحمه الله بنشاط كبير في دعم المرشحين للجماعة ، وألقى الخطب التي سحر بها قلوب الناخبين ، فقد كان خطيبا مفوها يتدفق كالسيل ، ويهز مشاعر المواطنين ، ويؤثر فيهم ، ويقنعهم في تبنى مرشحي الجماعة واختيارهم نوبا في المجلس النيابي ، وقد حضرت أحد المهرجانات الكبرى التي أقامها أبناء حماة لمرشحهم الشيخ محمود الشفقة رحمه الله ، وتحدث فيه الأستاذ عبد الحكيم على مدى ثلاث ساعات متواصلة ، فكان المستمعون ولاسيما المثقفون والمتعلمون يهزون رؤوسهم من فرط التأثر ببلاغة الخطيب.

لم يكتف الإمام بإرسال مندوب عنه إلى سورية في موضوع الانتخاب ، بل وجه نداء إلى الشعب السوري استهله بقوله : «إن الشعوب العربية في مختلف أوطانها تنظر إلى الشعب السوري نظرة ممتازة ، لأن سلفه حمل الأمانات الأولى إلى شعوب الأرض في زمن التابعين ، ولأن كان أصل النهضة العربية الحديثة ، لبعث العروبة ودعوتها إلى استئناف رسالتها من جديد ، وأضاف : وفي يوم الاثنين يدعي هذا الشعب النبيل لانتخاب نوابه الذين توضع بين أيديهم أمانة التشريع ، وتوكل إليهم دفة السفينة ، وتسير بدلالتهم القافلة ، ويعلق بذمتهم مصير البلاد في معايشها وإدارتها ونهضتها وعمرنها ، وفي ساستها الخارجية ، وروابطها بدول الجامعة العربية ، وتعاونها مع الحكومات الإسلامية».

وبعد أن أشار الإمام إلى أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر نحترم المرشحين جميعا للنيابة عن الشعب السوري الشقيق ، وأنها لا تتدخل في السياسة الداخلية لذلك القطر الحبيب قال :

«إن الثناء بالخير شهادة ، والانتخاب ثناء عملي بالخير ، فلينظر امرؤ على ماذا يهشد ، بماذا يشهد ، ولمن يشهد».

ولم يفت الإمام أن يشير إلى غير المسلمين من أبناء الشعب السوري ، ويذكرهم بأن الإسلام نظامهم القوي ، فقال :

«نحن نعتقد أن المواطنين السوريين الفضلاء من غير المسلمين يرون في الإسلام وتعاليمه وشرائعه نظاما قوميا يتصل بصميم مشاعرهم العربية وتقاليدهم التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم العرب الأمجاد ، فتحدرت في عروقهم مع الدماء الذكرية لهذا الشعب العربي الكريم ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف : 44] ، وبخاصة أن الإسلام الحنيف كدين قد آخى بين الأنبياء والرسل ، وحد بين الشرائع والكتب ، وجعل من العقيدة الدينية سياجا منيعا للمصلحة القومية ، فلا عجب أن يكون حضراتكم أول المناصرين لدعاته ، والمبتهجين لفوزهم في معركة التنافس الشريف التي تدور رحالها الآن في كل نواحي القطر الشقيق».

3- رشح الإخوان والعلماء وأنصارهما أربعة من القيادات الإسلامية لخوض معركة الانتخابات في المدن السورية الكبيرة الأربع : الشيخ معروف الدواليبي عن حلب ، وهو خريج المدرسة الشرعية - الخسروية- التي كانت تضارع وتساوي المدرسة الغراء الدمشقية في سمعتها وفي ثقلها العلمي ، واستمر الدواليبي يلبس العمة البيضاء لفترة طويلة ، والشيخ محمود الشفقة عن مدينة حماة ، والشيخ القاضي أنيس الملوحي عن مدينة حمص ، والأستاذ محمد المبارك عن مدينة دمشق ، نجح الشيخ معروف والشيخ محمود والأستاذ المبارك من الجولة الأولى ، أما الشيخ أنيس فلم يحالفه الحظ ، بل خسر المعركة لأصوات قليلة جدا ، وقد اتهم الأخوان وغيرهم الحكومة بالانحياز لمرشحيها من أعضاء الكتلة الوطنية ، والقيام بعمليات تزوير واسعة وأضافوا فيها لأنصارها آلاف الأوراق المزورة ، وعلموا على إفشال عدد من المرشحين ، كان منهم القاضي الشيخ أنيس الملوحي ، فاتهم الأستاذ السباعي في مقال حاد الحكومة في هذه الانتخابات بقلب الحقائق ، وتشويه الواقع ، وتخريب الذمم ، وتزوير إرادة الشعب ، واللجوء إلى أساليب المستعمرين. كما أشار إلى هذا التزوير الدكتور سامي الجندي حين قال : إن الجيش تدخل في هذه الانتخابات ضد الأخوان المسلمين لمصلحة نظام الرئيس القوتلي.

4- دخل نواب الحركة الإسلامية الثلاثة المجلس النيابي ، فأما الشيخ الدواليبي فظل على صلة وثيقة بالإخوان تعاونا وتفاهما ، ولكنه لم يرتبط معهم تنظيميا ، بل عمل مع تكتلات برلمانية انتهت إلى تشكيل حزب الشعب الذي كان الدواليبي من أركانه ، وباسمه ودعمه ترأس البرلمان وشكل الوزارة ، وشغل عددا من مقاعد الوزارات ، وأما الشيخ محمود الشفقة فلم يكن فاعلا في حياته البرلمانية ، لأن الشيخ يغلب على حياته التصوف والتعبد والنشاط الدعوي ، كما أن بعض أقربائه حاولوا النأي به عن جماعة الإخوان ، إذ كان مركز حماة يلح في دعوته لزيارة المركز واللقاء بالأعضاء ، فلم تكن الاستجابة على المستوى الذي يتطلع إليه الإخوان في حماة ، وقد سمعت من أحد أخوته بأذني : أن الإخوان وحدهم لا يضمنون له النجاح مرة أخرى ، وأما الأستاذ محمد المبارك فقد مثل الإخوان المسلمين الذين ساهم بإنشائهم منذ مطلع الثلاثينيات خير تمثيل ، وعبر عن آمالهم وأمانيهم وأهدافهم وبرامجهم تحت قبة البرلمان ، ودلل فكره ونشاطه وأعماله النيابية أنه من أفضل الذين دخلوا البرلمان أو المجلس النيابي مما ستأتي الإشارة إليه والتدليل عليه في فقرة لاحقة.

5- تظهر البرقية التي أرسلها الشيخ السباعي إلى الإمام البنا مدى أهمية هذا الفوز للإخوان المسلمين انتهت الانتخابات لدينا بفوز ثلاثة من مرشحي الأخوان المسلين هم : معروف الدواليبي ومحمد المبارك ومحمود الشفقة ، وعلى هذا يكون الأخوان المسلمون السوريون في الدول العربية قاطبة هم أول من يطرح الفكرة الإسلامية بصفة قانونية أمام برلمان منتخب انتخابا شعريا ، ومما يجدر ذكره أن الشيخ السباعي لم يخض المعركة الانتخابية في انتخابات 1947 ، بل وقف بجانب إخوانه يساعدهم ويعاضدهم ويؤيد حملاتهم الانتخابية حتى ضمن نجاحهم ودخولهم إلى مبنى البرلمان.

لم يطل العهد بهذا المجلس المنتخب ، فسرعان ما عاجله انقلاب عسكري قاده حسني الزعيم قائد الجيش السوري ، فأطاح به وبالحياة الدستورية بكاملها ، وأدخل سورية ومن ثم معظم البلاد العربية في دوامة الانقلابات العسكرية ، التي أوقفت تقدمها وعطلت مسيرتها ، ودمرت قرابة نصف قرن من تاريخ بلادنا الحديث ، وكان ذلك في 30-3-1949 أي بعد انتخاب برلمان 1947 بعشرين شهرا مما سيأتي ذكره لاحقا.

6- كان الأستاذ المبارك هو الممثل الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين في المجلس النيابي السوري ، وإذا كان المجلس النيابي يتشكل من كتل حزبية مثل الحزب الوطني وحزب الشعب وريثي الكتلة الوطنية ، وكتلة العشائر ، وكتلة المستقلين وبعض البعثيين والاشتراكيين ، فإن الشيخ المبارك كان بمفرده يعادل كتلة برلمانية تضم عشرات النواب ، كان تأثيره وهو الفرد يفوق تأثير بعض الكتل النيابية ، بل كان يتقدم عليها بطروحاته وأفكاره ومواقفه ومعالجته للعديد من القضايا السياسية والخارجية والداخلية على كل الصعد الاجتماعية والاقتصادية والزراعية وأحوال الفلاحين والعمال ، وشئون المصانع ، ومحاربة الترف والبذخ وتبديد المال العام ، والدفاع عن الفقراء ، والإصرار على تأمين حاجاتهم الأساسية ، وفي مقدمتها خبز الفقير ، وكان شديد الحماسة لإقرار قانون التجنيد الإجباري وتسليح الجيش ، وإعادة النظر في العلاقات مع الدول التي تقف من قضايانا ولاسيما قضية فلسطين موقف العداء ، بالإضافة إلى معالجته للقضايا أو الأمور الفكرية ذات الحساسية البالغة مثل قضية المرأة ، والعروبة والإسلام التي أصدر فيها كتابا هو : الأمة العربية في معركة تحقيق الذات ، وهو من أهم المراجع فيه بابه.

نجح المبارك في دخول البرلمان ثلاث مرات ، أولها عام 1947 ، وهو الذي يعنينا في هذه المرحلة من تاريخ الجماعة (1945- 1949) لنسجل فيه أهم الانجازات النيابية التي تسجل لشخنا الجليل الأستاذ محمد المبارك تغمده الله برحمته وغفرانه.

أ- كان المبارك هو أول الأخوان المسلمين الذين عبروا عن تصورهم للإصلاحات الاجتماعية ، ففي 1 ، -6-1947 فوض القولي جميل مردم بتشكيل حكومة جديدة ، وعدت بإجراء إصلاحات واسعة في تطوير التربية والتعليم ، وتنظيم الاقتصاد ، وتنشطي الصناعات المحلية ، والإصلاح في المجال الزراعي ، وفي إصلاح جهاز الدولة ، إلا أن تلك المخططات تعرضت لانتقاد شديد من قبل محمد المبارك ، الذي حدد السياسة الاقتصادية في ثلاث نقاط :

أ- تحديد الثروة.

ب- والضرائب التصاعدية.

ج- وتوزيع الأراضي التي لا يستفاد منها من قبل ملاكها.

إن هذه المطالب الثلاثة التي عرضها محمد المبارك على البرلمان عام 1947 كانت بمثابة المطالب الأساسية لسياسة الإصلاح الاقتصادي التي كان الأخوان المسلمون يطالبون بها ، وأعلنوا عنها لاحقا( ). ب- طالب المبارك في المناقشة البرلمانية في 3-1-1948 بتقسيم الأراضي الزراعية من أملاك الدولة المتروكة والتي يمكن استصلاحها.

جـ- عقد الأخوان مؤتمرات في الدير وحلب أصدروا بعدها مذكرة تطرقت للزراعة وأوضاع العمال وعدم اتخاذ الحكومة أية إجراءات لمعالجة الفقر ، وإن عدم اهتمام الدولة بأمور الفلاحين دليل واضح على أن روح الطبقية ما زالت تسيطر على الحاكمين.

هذه التوجهات حيال الفلاحين والعمال تمثلها المبارك في معظم نقاشاته وأنشطته البرلمانية في مجلس 1947 ، ولاسيما تركيزه على تقسيم أملاك الدولة وتوزيعها على الفلاحين ، ولو أن البرلمان والحكومات المتعاقبة أخذت باقتراحات المبارك في موضوع الأرض وتمليك الفلاحين ، لوفرت على سورية صراعا طبقيا وفوضى عارمة ، وقانونا للإصلاح طبق (في ظل الانقلابات العسكرية السيطرة الدكتاتورية) بروح الحقد والانتقام ، فعل الازدهار الزراعي ، وتراجع في ظله الإنتاج ، فخيم الركود على الحياة الزراعية والصناعية بعد قوانين التأميم فيما بعد ، وهربت الأموال وهاجرت الخبرات والعقول ، وعاشت سورية ظروفا قاسية امتدت لعدة عقود.

د- من المسائل الهامة جدا كانت قضية الخبز ، إذ أوجدت حكومة خالد العظم في عام 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية ما أطلق عليه خبز الفقير بدعم حكومي ، ثم اشيع بأن الحكومة التي كانت تعاني من نقص في الخزينة تطالب بإلغاء خبز الفقير ، فردت المنار بشدة أدت إلى تعطيلها لمدة شهرين ، وأعقب ذلك هجوم في البرلمان من الأستاذ المبارك على البذخ والإسراف بمناسبة مناقشة الموازنة قال في ختامها : أن الدولة ليست بحاجة إلى حدائق ومتنزهات وعربات فاخرة للوزراء.

هـ- ولما كانت القضية الفلسطين ية في أخطر مراحلها ، وكان التأمر الصهيوني والدولي عليها قد بلغ غايته ، وكان التفريط بها من بعض الحكام في سورية وغيرها قد ألحق بالأمة هزيمة نكراء مشينة ، تحرك الأخوان والمخلصون في الوطن تحركا مجزيا ، ورفعوا أصواتهم على كل الصعد ، مطالبين بالتعبئة والثأر ، والأخذ بالأسباب التي تعيد للأمة عزتها وكرامته ، مما سيأتي مفصلا في مكانه ، وكان من الأصوات المدوية صوت الأستاذ محمد المبارك في المجلس النيابي الذي يمثل الجماعة وينطق باسمها ، فقد طالبت بالتجنيد الإجباري وتسليح الجيش ، وإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية وغيرها مع الدول التي تظاهر العدو ، وتقف معه تمده بالمال والسلاح والرجال في حربه معنا ، وعدوانه علينا واتهم المبارك الحكومة بأنا لا تعمل سوى خطابات ووعود. وفي أثناء جلسة الثقة تكلم المبارك ، وطالب بالتعبئة العامة ، وبأن تكون المسائل الداخلية للدولة مرتبطة بالسياسة الفلسطينية.

كان المبارك أمة في رجل ، وكان أفضل من مثل الجماعة في الحياة النيابية وفي الوزارات الائتلافية ، وكان قد فرض على الحياة السياسية عبر المشروعات والمقترحات والمواقف البرلمانية للجماعة مكانة كبيرة ، كما كان نزيها لم يعرف عنه أي استغلال أو مصلحة شخصية جناها لنفسه من المواقع التي شغلها طيلة حياته السياسية في المجلس النيابي وفي مقاعد الوزارات التي شغلها ، رحمه الله رحمة واسعة ، ورفع مقامه في عليين على ما قدمه للإسلام وللدعوة الإسلامية طيلة حياته المديدة المباركة.

خامسا : الإخوان والمشاركة في الحكم

آثار موضوع المشاركة في الحكم جدلا أكثر مما أثاره موضوع المشاركة في الانتخابات والحياة النيابية ، إذ يرى فريق من الدعاة عدم جواز المشاركة في حكومة أو وزارة تحكم بشريعة غير شريعة الإسلام ، مستشهدين بآيات من القرآن الكريم : مثل قوله سبحانه : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ، وقوله سبحانه : ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ ، وقوله : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ وقوله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. هذه النصوص تدل على عدم جواز المشاركة في نظر الذين لا يجيزون الدخول في الحكم أو الوزارة التي لا تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية.

غير أن فريقا آخر يرى أن بحاجة إلى دراسة معمقة وشاملة تأخذ في الاعتبار كثيرا من التفصيلات والظروف وأنواع الحكومات قربا وبعدا عن الحكم الشرعي ، ونوع العمل الذي يسند إلى المسلم المشارك وغير ذلك ، الأمر الذي استدعى تشكيل لجنة من العلماء المتخصصين والموثوقين والأمناء على دعوتهم من قبل القيادة العليا للجماعة ، فقدمت اللجنة بعد فترة كافية دراسة إضافية في الموضوع تقع في أكثر من ثلاثين صفحة من القطع الكبير ، جاء فيها :

1- استمر المسلمون يحكمون بشرع الله قرونا حتى كانت المؤامرة الدولية الكبرى على الإسلام بإسقاط الخلافة ، وتمزيق شعوبها وإقامة كيانات إقليمية ودويلات قومية - عرقية - وتيارات وأحزاب معادية للإسلام ، وعاملة على تقويض ما تبقى من دعائمه ومراكز القوة فيه ، فقامت حركات إسلامية تعمل على استئناف حياة إسلامية جديدة ، ثم قامت الحركة الإسلام ية المعاصرة تدعو للعودة إلى الإسلام ، وتحكيم شريعته ، غير أن أعداء الإسلام في الداخل والخارج ألقوا بكل ثقلهم وكل جهودهم للحيلولة دون الرجوع إلى الإسلام بما ألقوا من أحزاب علمانية ، وأنشئوا من أنظمة عسكرية مستبدة ، أدت إلى اضطهاد الحركة الإسلامية فترة طويلة من الزمن ، ومنعها من النشاط ، ومن المشاركة في الحياة السياسية.

2- أمام هذا الواقع كان لا بد للحركة الإسلامية من أن تعيد النظر في خطواتها ، وأن تصوغ أهدافها السياسية ضمن برنامج زمني محدد ، يأخذ في الاعتبار المتغيرات الكثيرة التي طرأت على ساحة العمل السياسي في العالم الإسلام ي ، كما تأخذ في الاعتبار الخيارات الممكنة للوصول إلى الحكم الإسلامي في ظل الظروف الصعبة التي تحيط بالعمل الإسلامي في كل الأقطار العربية والإسلامية.

كانت الدعوة الإسلامية الأولى تضم كل المسلمين ، في حين تضم الحركة الإسلامية المعاصرة بعض المسلمين ، إن عملية إدخال المسلمين جميعا أو أغلبهم ضمن الحركة الإسلامية أمر بعيد المنال ، وبهذا الوضع أصبحت الجماعة أشبه بالأحزاب السياسية المعاصرة التي تصل إلى الحكم عن طريق الحياة النيابية أو عن طريق الانقلاب العسكري ، أو عن طريق الثورة الشعبية ، وليس أمام الحركة الإسلامية طريق متاح إلا طريق العمل السياسي الحزبي الذي يؤدي إلى المشاركة في الحكم ع الآخرين ، وقد لاحظ أعداء الإسلام أن البلاد الإسلامية التي تحكم بالديمقراطية البرلمانية ينتعش فيها الإسلام ، وتقوى الحركة الإسلامية ، وتفرض وجودها على الساحة كمنافس قوي للأحزاب المناوئة ، ومن هنا حرص الأعداء الدوليون أن يحكم العالم الإسلامي بالحديد والنار ، فقامت الانقلابات العسكرية في معظم بلدان العالم الإسلامي من جاكرتا إلى الجزائر ، وفرضت على شعوبها حكما جبريا يخلو من الرحمة والشفقة ، يحصي على الناس أنفاسهم ، ويتحكم في أرزاقهم وفي كل تفاصيل حياتهم ، فرأى فريق من العلماء والفقهاء المعاصرين جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وتغيير ما يمكن تغييره ، ودفع أكبر الشرين بارتكاب أخفهما.

3- إن أكبر ضربة وجهت للإسلام كانت إقصاءه عن الدولة والحكم ، فإذا استطاع المسلمون التغلب على هذه المصيبة الكبرى بإعادة الإسلام إلى الحكم والدولة ، استطاعوا أن يحلوا كل مشكلاتهم ، وأن يوجهوا سير التاريخ مرة أخرى وجهته الإسلامية الصحيحة ، وأمام هذا الهدف الكبير لا يمكن الاحتجاج عليه بأمور جزئية تتعارض معه ، لأنه في حالة تعارض الجزئي مع الكلي ، يكون الترجيح لجانب الكلي ، والأمثلة على ذلك في الفقه أكثر من أن تحصى.

إن مرانه الشريعة الإسلامية وواقعيتها لا يمكن أن تحول دون تحقيق الأهداف الكبيرة بسبب معارضات جزئية.

وإذا كانت المشاركة في الحكم غير جائزة في الأصل ، إذ كان الحكم بعيدا عن الشريعة ، بل يحكم بشريعة أخرى ، فإن المشاركة ، استثناء من الأصل ، تجوز بالأدلة التالية :

أ- مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة :

لاشك أن المجتمع الذي عاش فيه يوسف عليه السلام كان مجتمعا لم يعرف الإسلام ، ولم يخضع لقيمه ، وأن عقيدة الشرك كانت هي المسيطرة عليه ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

هذه عقيدة المجتمع من كلام سيدنا يوسف ، مجتمع مشرك غير موحد ، لا يعرف شيئا عن الإسلام ولا عن التوحيد ، وعندما تمنع يوسف عن الفحشاء ، زج به في السجن مظلوما ، وبقي عليه السلام في السجن بضع سنين حتى هيأ الله تعالى له فرصة الخروج ، وأعجب الملك بحسن تأويله للرؤيا ، وتحقق من نزاهته ، ودعاه ليستخلصه لنفسه ، وأخبره بأنه أصبح عنده مكينا أمينا ، ويرى يوسف عليه السلام الفرصة مواتية لتحمل المسئولية في تلك المرحلة المقبلة التي لا يستطيعها غيره ، فقال للملك : ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ ، فيجاب إلى طلبه ، ويقوم بأعباء الوزارة التي أسندت إليه ، وبذلك شارك يوسف عليه السلام في حكم ذلك المجتمع الذي لم يكن قائما على أساس الإيمان ، وأن يوسف عليه السلام لم يغير شيئا من نظام الملك الذي كان قائما ، ويرى ابن تيمية أن هذا المجتمع الجاهلي الكافر لا بد أن يكون لهم عادة وسنة (نظام) في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ، ولا تكون جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد ، بل فعل الممكن من العدل والإحسان ، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يمكن أن يناله من دون ذلك ، وهذا داخل في قوله : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ، وعلى هذا أيضا يرجح ما ذهب إليه الطبري في معنى قوله : ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾ ، وما رجحه الطبري هو الذي أخذ به الأستاذ سيد قطب في كتابه الظلال حيث قال : يتبوأ منها حيث يشاء ، يتخذ منها المنزل الذي يريد ، والمكان الذي يريد ، والمكانة التي يريد في مقابل الجب وما فيه من مخاوف ، والسجن وما فيه من قيود ، ويقول الآلوسي : رب آتيتني من الملك : أي بعضا عظيما منه. وخلاصة الكلام في قضية يوسف عليه السلام :

أن يوسف شارك في الحكم في مجتمع مشرك.

وأن مشاركته كانت بطلب منه لما رأي في نفسه الأهلية الكاملة لعمل معين محدد ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ فهو لم يطلب الملك الكامل ، وإنما طلب وزارة الخزينة أو المالية ، نظرا لما يرجوه من دفع شر القحط الذي سيرهق العباد لسنوات عدة.

وأنه لم يطبق في حكمه شريعة أبيه يعقوب ، وجده إبراهيم ، غلا فيما يتعلق بإبقاء أخيه. وأنه كان للملك نظام وقانون معين بدلالة قوله : ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾ وأنه لا بد للملك من أن يكون له نظام معين في التصرف في الأموال ، وأن يوسف لا يملك التدخل في ذلك.

وأن نظام الملك لم يكن قائما على العدل ، بدلالة أن يوسف ألقي في السجن مظلوما ، وأن هذا المجتمع استمر على شركه بعد يوسف عليه السلام.

وبناء على ذلك كله يظهر لنا جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي من خلال عرض قضية يوسف إذا كان يترتب على ذلك مصلحة كبرى ، أو دفع شر مستطير ، ولو لم يكن بإمكان المشاركة أن يغير في الأوضاع تغييرا جذريا.


ب- موقف النجاشي :

الاستدلال على جواز إشراك المسلمين في الحكومات غير الإسلامية بموقف النجاشي يقوم على أمرين :

الأول : أن النجاشي كان مسلما.

الثاني : أنه كان يقوم على نظام يحكم بغير شرع الله.

ودليل إسلام النجاشي أحاديث كثيرة رواها أصحاب الصحاح والسنن والمجاميع والمسانيد ، منها ما رواه البخاري من حديث جابر ابن عبد الله الأنصاري ، قال النبي (ص) حين مات النجاشي : مات اليوم رجل صالح ، وروي البخاري عن جابر أيضا أن النبي (ص) صلى على النجاشي ، ففنا وراءه ، فكنت في الصف الثاني أو الثالث. وفي رواية أخرى عند البخاري عن جابر أن النبي (ص) صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعا ، وفي رواية أخرى أخرجها البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه ، وقال : استغفروا لأخيكم ، وثمة أحاديث أخرى صحيحة رواها البخاري تؤكد إسلام النجاشي ، وتتحدث عن صلاة النبي وأصحابه عليه.

إن دلالة هذه الأحاديث على إسلام النجاشي ظاهرة واضحة ، فالرسول (ص) أخبر أصحابه بموته ، ووصفه بالصلاح ، وأمر أصحابه بالصلاة عليه ، وأمهم عليه الصلاة والسلام بالصلاة عليه ، وقال لأصحابه : صلوا على أخيكم ، أي أنه أخ لهم ، وأمرهم كذلك بالاستغفار له ، قال ابن حجر : أسلم النجاشي على عهد النبي (ص) ولم يهاجر إليه ، كان ردءا للمسلمين نافعا.

وكان النجاشي كتب رسالة إلى الرسول (ص) قال فيها : سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته ، من الله الذي هداني للإسلام ، أما بعد : فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى ، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما قلت تغروقا... ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأصحابه ، وأسلمت على يديه لله رب العالمين ، وهناك رسالة ثانية كتبها النجاشي إلى الرسول (ص) يؤكد فيها إسلامه ، ويقول فيها : وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول الله ، فإني أشهد أن ما تقوله حق. والأمر الثاني : كونه لم يحكم بشريعة الله ، فإنه ظاهر من الحال التي كانت سائدة في دياره ، ومن العقبات التي كانت تعترض طريقة.

وإذا كان هذه حالة المجتمع الذي كان يحكمه النجاشي ، فلا يجوز أن يطالب بأكثر مما يطيق ، فالكثرة الكاثرة بقيت على نصرانيتها ، وقد ثاروا على النجاشي عندما علموا بإسلامه ، ولكن الله ثبت ملكه.

لقد استقري العلماء والفقهاء الشريعة ، فهداهم استقراؤهم إلى أن الشريعة وضعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد كما يقول الشاطبي ، وقد صدرت عن العلماء في مختلف العصور كلمات مضيئة تعبر عن هذه الحقيقة. يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام : الشريعة مصالح كلها ، إما أن تدرأ مفاسد ، أو تجلب مصالح ، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، ويقول تلميذه ابن القيم : الشريعة مبناها في الحكم ، ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ومصالح كلها.

وقد سئل ابن تيمية عمن يتولى الولايات والاقطاعات للحكام الظلمة ، وهو يجاهد في تخفيف الظلم عن المسلمين ، ولكنه لا يتمكن من رفعه كله ، فهل له أن يستمر في ولايته ، وهل يكون آثما في ذلك؟ علما بأن تركه للولاية أو الإقطاع قد يتسبب في مجيء شخص يشتط في الظلم ، فأجاب الشيخ رحمه الله تعالى قائلا : الحمد لله ، نعم ، إذا كان مجتهدا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه ، وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره ، واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر ، فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع ولا إثم علي في ذلك ، بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون واجبا إذا لم يقم به غيره قادرا عليه ، فنشر العدل بحسب الإمكان ، ورفع الظلم بحسب الإمكان فرض على الكفاية ، يقوم به إنسان بما قدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه ، ولا يطالب والحلة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم. وقد ضرب الشيخ مثلا للذين يعترضون على هذا الفهم فقال : والذي ينهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل ، فلو قبل الناس منه تضاعف الظلم والفساد عليهم ، فهو بمنزلة من كانوا في طريق ، وخرج عليهم قطاع الطريق ، فإن لم يرضوهم ببعض المال ، أخذوا منهم أموالهم وقتلوهم ، فمن قال لتلك قافلة : لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئا من الأموال التي معكم للناس (قطاع الطريق) فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي ينهى عن دفعه ، ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير ، وسلبوا مع ذلك ، فهذا مما لا يشير به عاقل ، فضلا عن أن تأتي به الشرائع ، فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان.

وفي المشاركة بالقضاء في دول معاصرة لا تحكم بشرع الله في قوانينها ثلاثة آراء أو مواقف أو دوائر :

الأولى : دائرة القضايا التي استمد حكمها من الشريعة الإسلامية ، هي قوانين الأحوال الشخصية ، وجملة القوانين المدنية والتجارية وغيرها مما هو مستمد من الشريعة ، أو مستمد من غيرها ولا يناقضها ، ولا يوجد ما يمنعه من الشريعة الإسلامية ، فهذه كلها يجوز تولي القضاء فيها ، وإصدار الحكم بناء على ما ورد فيها من الشريعة أو عدم مصادمتها لها.

الثانية : دائرة القضايا التي تتطلبها حياة العصر ، وكقوانين المرور البلديات ، والقوانين الإدارية وما إليها ، فهذا كله جائز تولي القضاء فيه ، بناء على دخوله في مصالح العباد وحاجاتهم الدنيوية.

الثالثة : دائرة القضايا التي استمدت من غير الشريعة الإسلامية وهي مخالفة لها ، كالقوانين الجنائية ، وما إليها ، أو القوانين المصادمة لنصوص الشريعة مما يبيح محرما ، كالحكم بالفائدة الربوية ، فهذه وأمثالها لا يجوز تولي القضاء فيها إذا كان القاضي ملزما أن يصدر الحكم المناقض والمصادم لحكم الشريعة الإسلامية ، فهذا من الحكم بغير ما أنزل الله ، ويشمله منطوق قوله تعالى : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾.

وأرى أن الدوائر أو التفصيلات التي قدمتها هذه الدراسة الرصينة عن القضاء يمكن أن نقيس عليها المشاركة في الحكم فيما هو مباح ، وما هو محظور ، وأن خلاصة هذا ، هي جوهر البحث وزبدته ختم بها الفقهاء الأمناء موضوع المشاركة في الحكم جاء فيها : خلاصة القول أن في المشاركة في الحكم الجاهلي مفاسد كثيرة ، والأصل الذي تدل عليه النصوص الصريحة هو عدم جواز مشاركة الحركة الجماعة في هذا النوع من الحكم ، فإذا خالفنا هذا الأصل لبعض الاعتبارات ، فلابد أن تسبق هذا دراسة مستفيضة من قبل أصحاب الرأي في الحركة وأصحاب الحل والعقد فيها ، لتبين ما إذا كانت الاعتبارات التي تدعو إلى المشاركة في الحكم قوية بما فيه الكفاية أم لا.

وعلى الجماعة بعد المشاركة أن تقوّم الوضع بين فترة وأخرى كي تتبين مدى صدق الدراسة التي أدت إلى المشاركة ، فبعد الدخول في المحك العملي قد يتبين لها أن المصالح التي ظنت أنها ستحققها من خلال المشاركة موهومة غير حقيقية ، وأنا أخطأت الطريق ، ولم يحالفها الصواب ، وعليها أن لا تردد في الانسحاب من المشاركة إذا وجدت ميزان الخسارة أعظم من ميزان الربح ، ويحسن بالجماعة قبل أن تقدم على المشاركة أن يكون واضحا في عقول قيادتها المعايير لتي دفعت بهم للمشاركة ، كما يجب عليهم أن يبلوروا المعايير التي تدفعهم إلى مفارقة الحكم وحل المشاركة. كما يجب أن يكون رائد الجميع تحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين ومصلحة الحركة الإسلامية ، لا مصالح بعض الأفراد الذين قد يغلفون أهواءهم الخاصة بغلاف المصلحة العامة.

هذا أهم ما ورد في هذا البحث الذي قدمته لجنة من علماء الشريعة وفقهاء الجماعة بتكليف من قيادتها في وقت كثر فيه الجدل في موضوع المشاركة في الحكم ، رأيت من الواجب أن أضعه بين يدي الدعاة والعاملين في حق الدعوة الإسلامية ، كي تتضح لهم ضوابط المشاركة ، ومتى تكون واجبة أو مباحة ، أو متى تكون ضارة أو محظورة ، وما هي الأعمال التي لا يأثم فيها المشاركون إذا اقتنعوا بتحقيق مصلحة ملموسة ، وما هي الأعمال التي لا يجز بالضوابط الشرعية مزاولتها أو المشاركة فيها ، لأنها محرمة لذاتها كالعمل بالمؤسسات الربوية أو الترويج لمواد أو بضائع لا يجو تملكها أو التعامل بها. مع الحذر البالغ من الانزلاق أو الانحراف أو ركوب الموجات ، والتنازل عن الثوابت والضوابط الرعية ، والانغماس في المكاسب الشخصية بدعاوي وهمية تسيطر فيها هواجس النفس والتعلق بحب الدنيا ، والحرص على الثروة والجاه ، لا يعدم المنحرف أو الضال أن يجد لها مسوغا - وزين لهم الشيطان أعمالهم - وكم رأينا أخوة كانوا في الصفوف المتقدمة من العمل الدعوي ، ثم رشحهم أخوانهم وقدموهم للمشاركة في عمل كبير أو استلام وزارة ، فدخلوا ولم يخرجوا ، وتخلوا عن جماعتهم ، وغيروا دربهم وطريق سيرهم ، وانتهى بهم المطاف إلى الابتعاد عن الجماعة التي تربوا في رحابها ، وترعرعوا في أحضانها ، أو اضطرت الجماعة إلى مفاصلتهم بعد أن أمسوا جزءا من النظام الذي كلفتهم الجماعة في المشاركة معه لإصلاحه وتقليل آثامه ، فإذا بالنظام يبتلعهم ويذيبهم في بوتقته.

3- كانت الحركة الإسلامية التي تضم الإخوان المسلمين ، وعددا من جهابذة العلماء الذين وردت أسماؤهم وجاء ذكرهم في صفحات سابقة ، من أسبق الحركات والجماعات الإسلامية في الوطن العربي والعالم الإسلامي في الإحاطة بشئون العصر ومتطلباته ، وفي إدراكهم لفقه الواقع في مجالات السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية ، فقرروا المشاركة بالحكم لدرء ما يمكنهم درؤه من الفاسد ، وجلب ما يمكنهم جلبه من المصالح ، ثم انتشر هذا الفقه لدى الجماعات الإسلامية في اندونيسيا وشبه القارة الهندسية وماليزيا وتركيا والدول العربية ، اقتناعا منهم أن البعد كليا عن الحكم وتركه صيدا سهلا في أيدي العلمانيين والملحدين والمناوئين للرسالة الإسلامية خطأ فادح ، وتفريط لا تحمد عقبا ، بل ربما كان ذنبا وإثما لا يغتفر.

قررت الجماعة في سورية الاشتراك بالحكم ، كما قررت وباشرت خوض الانتخابات النيابية من قبل لولا أن الفترة القصيرة التي أعقبت دخولهم البرلمان لم تسعفهم ، إذ الدول الكبرى التي كانت تراقب باهتمام كبير صعود الإخوان السوريين ، وتقدمهم السريع بعد المسيرة ، وتحطيم تلك النهضة ، فرسمت خططا ، وحاكت مؤامرات كلفت أجهزة مخابراتها بتنفيذها ، فلجأت إلى تحريض الجيش على هدم الحياة الدستورية عبر ضباط طموحين لم يكن ولاؤهم لوطنهم خلاصا ، إذ كانوا من جيش الانتداب الفرنسي لأكثر من عشرين عاما ثم اضطرت الحكومة الوطنية لتسليمهم قيادة الجيش الناشئ ، فتعاونوا وتآمروا مع المخابرات الأمريكية - كما كشفت ذلك الدراسات اللاحقة- وقام حشني الزعيم قائد الجيش بانقلابه العسكري ، وسجن رئيس الجمهورية والحكومة الشرعية ، وحل البرلمان الذي لم يمض على انتخابه واحد وعشرون شهرا ، وباشر حكما عسكريا استبداديا وسف تأتي تفصيلاته في بدء المرحلة الثانية من هذه الذكريات والمذكرات عن الأخوان المسلمين في سورية ، فلم يتح لجماعة الأخوان أن تشارك في الحكم إلا في نهاية 1949 ، بعد سقوط عهد الزعيم الذي لم يدم إلا أربعة أشهر ، أعقبه انتخابات برلمانية لجمعية تأسيسية مهمتها وضع دستور جديد لسورية ، فنجح فيها الإخوان نجاحا باهرا ، وفازوا بعشرة نواب من قادتهم ، وشكلوا مع حلفائهم كتلة برلمانية كان لها تأثير كبير على مجرى الأحداث داخليا وخارجيا على سورية في تاريخها الحديث ، لكن الانقلابات توالت ، والضغوط الدولية على سورية ازدادت ، ودخلت سورية في دوامة من الأحداث المؤلمة ما تزال تعاني منها حتى يومنا هذا.

سادسا : الأخوان والإصلاح الاجتماعي

كانت التربية والتوجيه والتكوين والتنشئة الإيمانية والأخلاقية هي المرتكز الأساسي في مناهج جماعة الأخوان في سورية ، يليها العمل السياسي في المشاركة البرلمانية والوزارات الائتلافية ، والتصدي لأخطاء الساسة والوزراء والمسئولين ، وانتقادها وتصويبها عن طريق صحافتهم ، وعبر ممثليهم في البرلمان ، ومراجعة كبار رجال الدولة بدءا من رئيس الجمهورية في كل العهود ، غير أن الجماعة لم تهمل الجانب الاجتماعي في كل ساحاته ومجالاته ، كالدفاع عن الفقراء والعمل على إسعافهم ، والاهتمام بأبناء الريف من الفلاحين والمزارعين ، ومداواة المواطنين الفقراء في القرى والأحياء عن طريق لجان طبية متنقلة تقدم العلاج المجاني ، وأحيانا الدواء بدون مقابل للمرضى من الفقراء ، ولاسيما من أبناء القرى والعمال والأحياء الفقيرة.

1- لقد انحاز الشيخ السباعي في جميع مراحل حياته إلى الضعفاء والفقراء والمساكين ، حتى إن في وسعنا أن نقول في وصفه : إنه كان رجل العدالة الاجتماعية الأول في سورية ، كما وجه الإخوان عنايتهم للقرية ، وعملوا على رفع مستوى الفلاحين ، وطالبوا بإنصاف الفلاح ، ورفع مستواه ، وتحقيق العدالة الاجتماعية ، ونظموا كذلك في عدد من المدن أياما في السنة باسم الفقير ، ألفوا له لجانا ، طافت على الأسواق والحياء لجمع التبرعات للفقراء في بدء مواسم الشتاء.

2- لقد تبنى الشيخ السباعي وإخوانه حركة العمال ، وحملوا عبء الدفاع عن حقوقهم ، وطالبوا برفع مستواهم المادي والاجتماعي والأخلاقي ، تبنوا مطالبهم في المجلس النيابي ، والنص على حقوق العمال في الدستور السوري - في وقت لاحق - كما أنشأت الجماعة مدارس مسائية للعمال الذين فاتهم قطار التعليم ، مما سيأتي تفصيلا تحت عنوان آخر خاص بالحق التعليمي والثقافي ، كما طالبت الجماعة الحكومات بإيصال الكهرباء إلى جميع القرى النائية ، وتوفير المياه والمدارس والخدمات الصحية لها.

3- وفي 3 ، 4 حزيران من عام 1948 ، عقد الأخوان مؤتمرا في محافظتي حلب ودير الزور ذكروا فيه أن الدولة أهملت الشأن الزراعي إهمالا تستحق معه العقاب ، وأنها تفتقر إلى الخبراء الزراعيين والمهندسين الذين يمتلكون الخبرة الكافية ، ثم رفعوا مذكرة إلى الحكومة تعرضت لأوضاع الفلاحين الذين لا يتوجه إليهم السياسيون بالوعود إلا أثناء الانتخابات (دون تنفيذ) والفلاحون مثقلون بالقروض ، ويتعرضون للاستغلال من قبل كبار الملاكين وبمساعدة من رجال الأمن ، وإن عدم اهتمام الدولة بأمور الفلاحين دليل واضح على أن روح الطبقية ما زالت تسيطر على الحاكمين ، ثم اتسمت معارضة الأخوان المسلمين للضرائب وأسعر الخبز بشدة أكثر ، إذ ابتدأ محمد المبارك بالتعرض لهذه المسألة بشكل عام اعتبارا من جلسة طرح الثقة بحكومة خالد العظم في 11- 1-1949 اقترح في البرلمان ما يلي :

أ- تخفيض أسعار الخبز إلى 35 قرشا للنوع العادي ، و55 للنوع الجيد.

ب- تخفيض الضرائب غير المباشرة على السلع الغذائية كالسكر.

ج- تعديل الضرائب بحيث تحول الضرائب المباشرة من الفقراء إلى الأغنياء ، والضرائب غير المباشرة من المواد الأساسية إلى المواد الكمالية.

د- مراقبة أسعار المواد الأساسية ومعاقبة المخالفين بشدة.

هـ- وضع خطط للإنتاج ، وتشجيع المنتوجات الزراعية ، وتوظيف العاطلين عن العمل ، وقد كانت تلك المطالب محقة ، خصوصا في ما يتعلق بأسعار الخبز والضرائب.

وفي شهر كانون الأول عام 1948 خرجت مظاهرات تطالب بتخفيض أسعار الخبز ، وتأمين المحروقات والكهرباء ، وسارت باتجاه البرلمان ، فخطب فيها بعض النواب ، ومنهم الأستاذ محمد المبارك فقال : إننا لن ننتصر على أعدائنا ما لم يكن لدينا سياسة ديمقراطية حقة ، وطالب بحرية الكلام والصحافة والمحافظة على الدستور والقانون.

4- ضاعف الشيخ السباعي وإخوانه من اهتمامهم بالريف ، وطالبوا برفع مستواه ، وطافوا الكثير من القرى ، وعاشوا مع الفلاحين ، وعرفوا مشاكلهم ، وطالبوا بإنصافهم وتحقيق العدالة الاجتماعية في محيطهم ، وقد رفعوا أصواتهم بذلك في المجلس النيابي ، وبادروا إلى تأليف لجان من الإخوان فيها أطباء وعلماء وموجهون يقومون برحلات أسبوعية إلى القرى ، يزورون فيها الفلاحين ، ويقدمون لهم الخدمات الصحية والتعليمية ، ومن ذلك توفير الثياب للفقراء ، ولاسيما الأيتام ، وكان للإخوان مستشفى خاص بهم في دمشق ، وفي حلب قدموا خدمات طبية مجانية ، وكان لهم دور إيجابي في مكافحة الكوليرا في شتاء 1947 ، إذ وضعوا مراكزهم تحت تصرف وزارة الصحة من أجل التلقيح الوقائي ، وجندوا أطباءهم وطلاب الطب والفتوة للقيام بهذا العمل ، ودعت صحفهم الشعب للعلاج ، وكلفوا خطباءهم بدعوة الشعب لأخذ التلقيح الوقائي ، بالإضافة إلى لجان التعاون التي تساعد الفقراء بالأموال التي تتلقاها من التبرعات.

5- وبالرغم من هذه الجهود الكبيرة التي بذلتها الجماعة على صعيد الإصلاح الاجتماعي ، ولاسيما في أوساط العمال والفلاحين ، فإن الجماعة لم تستطع صد التيار اليساري الذي تغلغل في الريف وفي صفوف العمال ، حيث طرح الشيوعيون والاشتراكيون شعارات مستمدة من النظرية الماركسية التي تدعو إلى الصراع الطبقي ، وتلح عليه ، مثل : الأرض لمن يحرقها ، والأنعام لمن يرعاها ، والمصانع ينبغي تأميمها ، وانتزاعها من أيدي مالكيها ، وغير ذلك من المبادئ التي تزرع الحقد ، وتشعل نار الصراع بين فئات المجتمع ، وتبث الفوضى ، ما تأباه الشريعة الإسلامية وترفضه لما ينطوي عليه من الإثم والظلم.

لقد أغرى الماركسيون ومن سار في ركابهم طبقة العمال الثوريين - البروليتاريا - في الانقضاض على الرأسماليين من ملاك المصانع ، والعمل على تأميمها تمهيدا لاستلام العمال الحكم ، وهو الأمل الذي عاش عليه العمال الدون أن يبلغوه ، لأن جميع دول المنظومة الشيوعية لم تسلم العمال الحكم وإدارة شئونه طول حكمها ، بدعوى عدم تأهل الطبقة العاملة لاستلام السلطة ، وعدم ظهور حكومة العمال الثورية ، أو ديكتاتورية البروليتاريا ، وظل الحزب يستأثر بالحكم منذ وصول الشيوعيين إلى الحكم ، وحتى انهيار الدول الشيوعية في الاتحاد السوفياتي ، وباقي دول المنظومة الشيوعية في أوربا الشرقية ، كما تنهار كرات الثلج تحت أشعة الشمس الساطعة.

6- أما في الريف ، فالأمر مختلف ، حيث حافظ الإخوان على حضورهم وقوتهم في المجتمعات التي تنتشر فيها الملكيات الصغيرة ، كمحافظة أدلب وريف دمشق الذي نجح فيه مرشح الإخوان المسلمين في سورية بالمقعد النيابي الأستاذ سعيد العبار رحمه الله عن الريف الدمشقي في مطلع الستينيات من القرن الماضي ، وأما المحافظات التي تنتشر فيها الملكيات الكبيرة مثل محافظتي حماة والجزيرة ، فإن التيارات اليسارية والاشتراكية انتشرت فيها انتشارا واسعا ، وتقلص عنها المد الإخواني ، وأما النقابات الحرفية في المدن ، فإن الإخوان كان لهم رجحن على اليسار في دمشق وحلب وسائر المدن السورية ، كما كان يظهر ذلك جليا في الانتخابات النقابية والنيابية في مناسبات عدة ، وقد ذكر بعض المراقبين الغربيين أن الإخوان حاولوا بسط نفوذهم على نقابات العمال والحرفيين ، فكان 70 % من نقابات الغزل والنسيج في دمشق من الإخوان ، وفي حمص كان رئيس نقابة عمال النسيج الآلي ونادي الفروسية من الإخوان ، وكان في الوقت نفسه عضوا في الجماعة.

سابعا : الإخوان والحياة التعليمية والثقافية

أ- تحرك المبشرون الكاثوليك - من الفرنسيين في أوائل القرن التاسع عشر باتجاه بلاد الشام لبناء نظام تعليمي في سورية ولبنان ، كما تحرك البروتستانت - الأمريكان في هذا الاتجاه ، وأولو اللغة العربية اهتمامهم كمدخل مرغوب فيه بالنسبة للمواطنين ، وقام إبراهيم باشا 1831 - 1940 بدعم نشاط المبشرين، ويعتبر تأسيس الكلية السورية البرتستانية - الجامعة الأمريكية في بيروت 1866- والكلية اليسوعية في عام 1875- جامعة القديس يوسف - ذروة نشاط المبشرين الأمريكيين واليسوعيين ، وبالرغم من جهود العثمانيين منذ عهد السلطان محمود الثاني ، وجهود السوريين ، ولاسيما أبناء دمشق في إنشاء جهاز مدرسي ، فإن النشاط التعليمي التبشيري ظل راجحا.

2- وعندما قامت الحرب العالمية الأولى ، دخلت الحكومة العثمانية الحرب ضد الحلفاء ، فاضطرت الدول الغربية إلى إغلاق المدارس التي كانت تشرف عليها ، وقد تضررت المدارس الفرنسية خاصة من هذا القرار ، إذا كان عدد الطلاب في المدارس الخاصة بها خمسين ألف -50000- من مجموع تسعين ألف -90000- تلميذ وتلميذة ، ينتسبون إلى المدارس الابتدائية والمتوسطة في سورية ولبنان.

3- في ظل الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان ، قامت فرنسا بتوجيه التدريس وجهة فرنسية خالصة ، فجعلت اللغة الفرنسية مادة إجبارية في كل مراحل التعليم ، وتم توحيد المواد التدريسية لجميع المدارس الحكومية حسب المناهج الفرنسية ، وقامت دولة الانتداب -فرنسا- بالإشراف على جميع الامتحانات الرسمية وبتشجيع المدارس الخاصة ، ودعمتها بقوة ، ولم يأت عام 1944 إلا وكانت المدارس الخاصة غير المسلمة 210 مدارس مقابل 77 مدرسة خاصة مسلمة أما الدراسات الجامعية في سورية ، فإن حكومة الانتداب لم تشجعها ، ولم تساهم بأي مجهود فيها ، لأن فرنسا كانت ترغب من وراء ذلك أن يتوجه الطلاب الجامعيون إلى باريس والمدن الفرنسية الأخرى لتلقي التحصيل في جامعاتها ، وحمل شهادتها ، ثم العودة إلى سورية بتوجهات ثقافية فرنسية ، فبقيت الجامعة السورية مقتصرة على كليتي الطب والحقوق اللتين تأسستا في عهد الدولة العثمانية ، إذ نشأت كلية الطب عام 1901 ، ونشاـ كلية الحقوق عام 1912.

استمر الحال على هذه الشاكلة لفترة أخرى طويلة ، وكان من جراء هذه السياسة التعليمية الفرنسية في دعم المؤسسات المدرسية التبشيرية تفوق كبير للمسيحيين في انتشار المدارس الخاصة. فبينما كان عدد مدارس المسلمين في عام 47 - 1948 (65) مدرسة إعدادية ، كان عدد المداس الكاثوليكية (100) مدرسة ، وعدد مدارس الأرثوذكوس (107) مدرس ثانوية ، كان للنصارى (12) مدرسة ثانوية ، و(38) مدرسة إعدادية أجنبية ، و(5) مدارس ثانوية أجنبية.

من الوجهة الثقافية فإن التطور التعليمي والثقافي في ظل سلطات الانتداب الفرنسي كان يرمي إلى الأخذ بالمثل والتصورات الغربية لبناء هيكل ثقافي حديث مع المحافظة على التميز الحضاري الغربي في آن واحد ، ولقد كان للإسلام دور ضئيل في ذلك التطور ، إذ لم توجد سوى فئات قليلة تنادي بضرورة مشاركة الإسلام من أجل تربية صحيحة.

4- واجه العلماء والدعاة والجمعيات الإسلامية التي تشكلت منها جماعة الإخوان المسلمين فيما بعد عام 1945 هذا الزحف التبشيري تحت مظلة التعليم والتطبيب على سورية ولبنان بخوف شديد وقلق مزعج ، وتنادوا لمواجهته والوقوف أمام سيله العرم ، فانشئوا عددا من المدارس والمعاهد الدينية في المدن السورية واللبنانية الكبيرة ، وظهرت المدارس الشرعية في حلب - الخسروية- وفي دمشق - مدارس الجمعية الغراء - وسواها ، وفي حماة وحمص وغيرها.

في هذه الفترة تأسس جماعة الإخوان المسلمين في سورية وظهرت مكتملة عام 1945 ، فراعها ما رأته ولمسته من انتشار المدارس الأجنبية والتبشيرية ، ومن إقبال أبناء المسلمين عليها والالتحاق بها ، وعزوفهم عن المدارس الأهلية والحكومية ، ولاسيما أبناء الفئة الثرية ، لما كانت عليه تلك المدارس الأجنبية والتبشرية من تقدم ورقي في الوسائل والأساليب والأنشطة التربوية الأخرى ، فأولت الجماعة هذا المرفق الكبير اهتمامها ، وقررت مواجهته بما يكافئه من مدارس ومعاهد متطورة ومتقدمة يستغني بها أبناء المسلمين من المواطنين عن المدارس الأجنبية ، وسرعان ما قرروا تأسيس المعهد العربي في دمشق بعيد العدوان الفرنسي على دمشق وعلى المدن السورية الأخرى في شهر مارس - مايو 1945 ، وفي أثناء الأشهر الأولى من ميلاد جماعة الإخوان المسلمين في سورية ، ثم انضم إلى المعهد العربي ف يما بعد مدرسة التمدن الإسلامي بناء على اتفاق بين القائمين على المعهد وعلى مدرسة التمدن ، فحمل المعهد الجديد اسم : المعهد العربي الإسلامي ، وكان له بعد ذلك نظراء وفروع مماثلة في كل من درعا وحمص وإدلب وحلب وغيرها ، تشمل الدراسة فيها مراحل التعليم كافة.

هكذا ظهرت المعاهد العتيدة التي أقنعت المواطنين بإرسال أبنائهم وبناتهم إليها ، والانصراف إلى حد بعيد عن المدارس الأجنبية والتبشيرية ، وصدف أن المراقب العام للجماعة قد قرر الانتقال إلى دمشق ليقود الجماعة من العاصمة ، فكان أن أسندت إليه إدارة المعهد العربي الإسلامي ليغطي بذلك نفقات إقامته في دمشق ، وليكون غطاء ومركزا ومنطلقا للاتصال بالمواطنين كإحدى ساحات العمل في عاصمة الأمويين ، واستعان الشيخ السباعي بعدد من كبار المربيين في النهوض التربوي في المعهد الذي انتشر صيته ، واحتل مكانة مرموقة في أوساط المواطنين ، فأقبلت جموع الطلاب على الالتحاق به والتنافس في الانتساب إليه ، وبذلك استطاعت الجماعة أن تحقق واحدا من أهدافها الكبرى آمالها العظيمة في الحق التربوي للحد من جموح الموجة التبشيرية ، وانتشار المدارس الخاصة الأجنبية ، وتحرير التعليم من آثار الاستعمار وتوجيه ، بحيث يكون الهدف منه إنشاء جيل مؤمن قوي منتج يبني مجد أمته على أساس من الإيمان والعلم النافع ، والأخلاق النبيلة وسرعان ما تأسس المعهد العربي الإسلامي في حمص بإدارة عبد المجيد الطرابلسي ، وثانوية الصديق في حماة ، وبإدارة الأستاذ مصطفى الصيرفي نائب المراقب العام - كان الأستاذ عصام العطار مراقبا للجماعة - وثانوية الغزالي في حلب بإدارة الأستاذ عادل كنعان أحد أبرز قياديي الإخوان المسلمين في عاصمة الشمال ، كما تأسست مدارس أخرى مماثلة في اللاذقية وأدلب ودرعا وغيرها كما أشرنا إلى ذلك منذ قليل.

5- بيد أن المعضلة التي واجهت الجماعة هي أن هذه المعاهد لا بد من تسجيل ترخيصها باسم مديرها من أعضاء الجماعة ، وبعد أن وقع الانقلاب العسكري الأول في سورية عام 1949 الذي حل الأحزاب وضمنها جماعة الإخوان المسلمين ، صار كل مدير معهد أمير نفسه ، يتصرف بالمعهد حسبما يملي عليه وجدانه وضميره ، ومن هنا تحركت نوازع النفس وأطماعها لدى البعض ، فسولت له نفسه أن يسطوا على المعهد المسجل باسمه طالما أن الجماعة بعد حلها لم تعد مجودة.

وكان المثل السيئ لهذا الطمع والانحراف ما أقدم عليه مدير المعهد في حمص عبد المجيد الطرابلسي حين استعصى بهذه المؤسسة ، واعتبرها من أملاكه الخاصة ، والعجيب أن هذا الإنسان كان في نشأته الأولى يعد من المقربين من الشيخ السباعي ، وكأنه أحد أبنائه ، لكن الشيطان زين له سوء عمله ، ثم اتسعت زاوية انحرافه ، فانتسب إلى الحزب الناصري ، وعندما جاء حزب البعث بالقوة العسكرية إلى الحكم ، التحق بالطرابلسي بحزب البعث الذي تسيطر عليه الأقلية النصيرية ، وأضحى من رجال الحكم فيها ، فأسند له رأس النظام الطائفي حافظ أسد منصب وزير الأوقاف ، واستمر فيه حتى وفاته ، فنعاه رجال الحكم ، ورثاه على قبره أعضاء الجبهة (الوطنية التقدمية) التي يغلب عليها الانتماءات الطائفية حين دفنه ، وعندما كنت أشاد هذا الحدث المذاع على شاشة التلفزيون ، شعرت بالخوف يسكن أعماقي من سوء المصير ، ولم يسمعني إلا أن أردد دعاء سيدنا رسول الله (ص) : «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ، ثبت قلبي على دينك».

هكذا استطاعت جماعة الإخوان المسلمين بالتعاون مع جمعيات العلماء وكبار الشخصيات الإسلامية المرموقة ، على سبيل المثال لا الحصر ، من أمثال الشيخ حسن حبنكة في دمشق ، والشيخ عبد العزيز عيون السود في حمص ، والشيخ محمد الحامد في حماة ، والشيخ محمد النبهاني في حلب ، والشيخ حسين رمضان في دير الزور ، والشيخ عبد الستار عيروط في اللاذقية أن تقف في وجه المد التبشيري ، وأن توقف انتشاره ، بعد استفحال خطره في ظل الانتداب الفرنسي ، فتضاءل أثره بعد الجلاء عن سورية ، واندحار فرنسا في معركتها أمام أبناء سورية المجاهدين.

6- غير أن العمل التعليمي الكبير ، الذي اضطلعت به جماعة الإخوان المسلمين في سورية ، وسبقت في ميدانه الآخرين ، هو إنشاء مدارس ليلية في جميع المدن السورية الكبيرة ، حيث أتاحت للألوف ممن لم تسعفهم ظروفهم في الالتحاق بالمدارس النهارية ، (ففاتهم قطار التعليم ، ومن العلماء والحرفيين والموظفين الصغار) ، أن يلتحقوا بالمئات ثم بالآلاف بمدارس الإخوان الليلية ، وأقبلوا عليها إقبال المشرف على الغرق على سفينة تقترب منه ، فتخرج في هذه المدارس حملة الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، ثم تابع قسم من هؤلاء دراساتهم الجامعية ، بل إن فريقا منهم التحق بالدراسات العلي ، وحملوا شهادات الدكتوراه في مختلف التخصصات ، وتسلموا مناسب التدريس في المعاهد والكليات الجامعية.

لقد قدر بعض الباحثين عدد الطلاب المسائيين من العمال الذين التحقوا بمدارس الإخوان المسلمين في سورية بخمسة آلاف ، تلقوا تعليمهم بالمجان ، أو بأقساط رمزية لتخفف بعض الأعباء عن مراكز الجماعة التي اضطلعت بهذا الواجب ضمن أنشطتها الكثيرة ، من دعوية وسياسية واجتماعية وثقافية وغيرها في مسيرتها المباركة حتى امتدت إليها يد الظلم من القوى الغاشمة التي أرادت بالإسلام وأهله شرا ، ولكن الله من ورائهم محيط.

ثامنا : موقف الإخوان المسلمين من الأحلاف الأجنبية

1- استطاعت سورية أن تنتزع استقلالها الكامل بتضحيات أبنائها ودماء شهدائها ، وبظروف دولية مواتية ، فكانت أول قطر في العالم الثالث ينال استقلاله وحريته كاملين بعيد الحرب العالمية الثانية. غير أن الدول الكبرى المنتصرة لم تدع سورية تنعم بالراحة والاستقرار ، ولو لفترة قصيرة ، إذ بدأ التنافس شديدا بين أمريكا وانكلترا وفرنسا على مد نفوذها في سورية ولبنان ، ثم اقتصر الصراع بعد ذلك على الأمريكان والإنجليز ، تود كل واحدة منهما أن يكون لها موضع قدم في هذا القطر العربي السوري الناشئ. لقد شهدت هذه الفترة من الأربعينيات التي أعقبت الاستقلال مشروعين مدعومين من الإنكليز :

أولهما : مشروع سوية الكبرى الذي يشمل سورية ولبنان وفلسطين والأردن ، الذي رعاه الملك عبد الله ، ودعا إلى إقامته في ظل التاج الهاشمي.

ثانيهما : مشروع الاتحاد مع العراق ، وهو المشروع الذي أثار جدلا مستفيضا بين الأحزاب السورية والشخصيات السياسية والصحافة على مختلف اتجاهاتها ، فقد تحمس له عدد من الصحف مثل جريدة القبس (ذات الشهرة الواسعة) التي أطلقت دعوتها عام 1948 قائلة : لقد آن أوان اتحاد عسكري بين الدول العربية ، وإذا كنا لا نستطيع أن نطلب هذا الاتحاد العسكري والخارجي بين الدول العربية كلها ، فلا أقل من أن نطلقه بين العراق وسورية على الأقل . وقد كانت خطة نوري السعيد تطبق على مرحلتين ، لتوحيد الهلال الخصيب ، تبدأ الأولى بضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين في مشروع سورية الكبرى ، ويتبع ذلك في المرحلة الثانية ضم سورة البرى إلى العراق بشكل اتحاد عربي يمكن أن تنضم إليه فيما بعد بقية الدول العربية. ويعلق باتريك سيل على ذلك : إن الانقلابات في سورية عام 1949 وما بعدها كانت مرتبطة مع تلك المحاولات من أجل الوحدة. لكن هذين المشروعين المدعومين من الإنكليز لقيا معارضة شديدة من الوطنيين السوريين ، لأنهما يخضعان للنفوذ البريطاني.

2- بادر الملك عبد الله في آب 1947 إلى دعوة جميع الأقاليم السورية لعمان لمناقشة مخططات الوحدة ، فجاء الرد من رئيسي وزراء سورية ولبنان بعدم الاستجابة للدعوة ، وبرفضهما للمشروع ، كما جاء الرفض من المملكة العربية السعودية ، ومن مصر ، وكذلك من الهيئة العربية العليا ممثلة بمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ، ما تحرك النواب السوريون ، وكذا الجمعيات في سورية إلى الحكومة السورية مؤيدة لها في رفض مشروع سورية الكبرى ، لأن الأردن - كما قالوا- لم ينل حريته حقا - كاملة- بسبب المعاهدة البريطانية الأردنية ، ولذا فإن هذه الوحدة في الحقيقة ، إخلال بالاستقلال الذي توصلت إليه سورية منذ فترة قصيرة.

3- وقف الإخوان المسلمون في وجه هذين المشروعين موقفا صلبا ، وقاوموا مشروع الهلال الخصيب ومشروع سورية الكبرى لوجود السيطرة البريطانية على العراق والأردن ، وخالفوا الحزبين الكبيرين - الوطني والشعب- في البرلمان السوري ، وكذا الحزب القومي السوري ، والتي كانت تدعو إلى التحاد مع العراق ، وأيدوا الهيئة العربية العليا برئاسة أمين الحسني ، وتقاطع موقفهم مع موقف الحركات والأحزاب اليسارية في الحفاظ على النظام الجمهوري ، ومقاومة الأحلاف والمشروعات التي تصب في مصالح الدول الكبرى الطامعة. وهذا التلاقي مع أحزاب يسارية من سمات الإخوان ومراقبهم العام الشيخ السباعي الذين كانوا مع المواقف الوطنية التي يعتقدون بصوابها وصحتها ، ولو كانت صادرة أو مؤيدة من أحزاب داخلية في صراعات أيديولوجية وسياسية مع الإخوان المسلمين.

لقد عبر الإخوان في سياستهم هذه عن توجيهات معظم السوريين الذين واجهوا الأحلاف وقاوموها ، وكان على رأسهم وفي مقدمتهم الرئيس شكري القوتلي. كما قرروا أن يسجلوا موقفهم تجاه هذا الموضوع السياسي الخطير ، ويقدموا دراسة تفصيلية شافية تعتبر عن أفكارهم وسياساتهم الخارجية والعربية والدولية في مذكرة ذات شأن كبير وقعوها في 5 أيلول عام 1947 إلى رئس الجمهورية في دمشق ، وإلى الملك عبد الله في عمان ، ولأهمية هذه المذكرة التي تعكس صورة دقيقة وصادقة عن فكر جماعة الإخوان المسلمين ، وعن مواقفهم المبدئية ، وعن تحملهم المسئولية مهما كان الثمن وكانت التضحيات ، تورد نصها الكامل كما سجلتها جريدة المنار 6-9-1947 ، ونقلتها عنها وسائل الأعلام.

«في هذه الأيام إذ عاد الحديث عن مشروع سورية الكبرى ، وإعلان دعاة هذا المشروع بأنهم مصممون على تحققه ، يرى الإخوان المسلمون أن من واجبهم أن يضعوا أمامكم هذه المذكرة ، ليبينوا وجهة نظرهم لصد كارثة كبيرة عن الوطن السوري يمكن أن تحل به في تاريخه الحديث. إن دعاة مشروع سورية الكبرى يستخدمون في دعاياتهم حججا تاريخية وقومية وسياسية يلبسونها ثوب الحقيقة ، ولكنهم يخفون التزوير والتحوير الذي لا يلبث أن يظهر للناقدين المتنورين».

1- وهكذا فإن الادعاء بأن المطالبة بسورية الكبرى سيحقق ما يسعى إلهي السوريون منذ الحر العالمية الأولى ، وقد اتفق فيه جمعي العاملين في الحقل السياسي ، هو تلفيق مهين ، إذ إن السوريين كانوا متفقين على مطالب سورية الطبيعية التي تحدها جبال الطوروس من الشمال وشبه جزيرة سيناء في الجنوب ، ومن الواضح أن منطقة الإسكندرون وأنطاكية تتبع لها ، والتي اتقتطعت من الوطن الأم سورية إثر تآمر فرنسا وبريطانيا ضد سوريا ، كما أنها تشمل دولة لبنان الحالية وفلسطين بأجمعها ، إلا أن الذين ينادون اليوم بسورية الكبرى لا يشملون في الدولة التي يحلمون بها الإسكندرون وأنطاكية ، بل إن جلالة الملك عبد الله صرح أثناء زيارته للإسكندرون في طرقه لتركيا بأنه سعيد لوضع قدميه على أرض تركية ، وكذلك فقد صرحوا بأنهم لن يتعرضوا لسيادة لبنان الحالي ، وبأن الجزء من الأراضي الفلسطين ية التي ستقدمها بريطانيا لليهود لن تتبع لتلك المملكة ، لذا فإن سورية الكبرى التي يسعون لتحقيقها هي تشويه لسورية الطبيعية التي طالب بها الشعب السوري في تلك الأيام ، وإن محاربة - مشروع - سورية الكبرى ليست محاربة للآمال الوطنية كما يدعي مؤيدو هذا المشروع.

2- إن السوريين يطالبون الآن بوحدة سورية الطبيعية ، إلا أنهم يريدون أن تتمتع بالحرية والاستقلال كاملا ، وأن لا يكون للإمبرياليين سلطة على أي جزء منها ، إلا أن دعاة سورية الكبرى يعترفون بسلخ تركيا للواء الأسكندرون ، وإقامة دولة يهودية على جزء كبير من أرض فلسطين ، كما يعترفون بأن سورية الكبرى هي لعبة طيعة في أيدي الإمبرياليين البريطانيين ، لتحقيق رغباتهم وأهدافهم ، وأكبر برهان على ذلك هو موافقتهم على اتفاق لشرق الأردن بأن تخضع سورية الكبرى للنفوذ المباشر لبريطانيا. إنهم يرضون بجزء من سورية ، ثم يوافقون على ربطه بسلاسل واتفاقات ، وبأن يقف على رأس جيشه أهم رجالات بريطانيا ، ولاشك بأنهم سوف يحاولون توسيع هذا الطرق ليشمل المناطق السورية التي يحاولون ضمها إلى ممتلكاتهم ، فهل يتناسب ذلك مع مطلب السوريين لتحقيق وحدة طبيعية واستقلال كامل؟

هل هي لمصلحة سورية الصغرى التي تأخذ مكانة عالية في الساحة الدولية ، بأن تنضم لسورية الكبرى لكي تتحول إلى قاعدة للإمبريالية البريطانية مع خطر الالتفاف حول جميع الدول العربية؟

3- إن سورية في حدودها الحالية تتمتع بنظامها الجمهوري ، وتضع ثقتها به ، وهي ترفض بشدة أن تتحول إلى نظام آخر تعتقد بأنه لا يتناسب مع تحقيق آمالها أو نفسيتها أو عقيدتها ، إلا أن دعاة سورية الكبرى يتعلقون بشدة بنظام الملكية الوراثية ، فكيف يصح الرأي بأن الدعوة لمشروع سورية الكبرى تتناسب مع آمال ورغبات السوريين؟

4- إن سورية والدول العربية مجتمعة تتفق على محاربة تقسيم فلسطين بكل ما يملكونه ، لأن في ذلك إقامة دولة أو كيان يشابه دولة لليهود في بعض مناطق فلسطين ، ولو كان ذلك في قرية صغيرة من فلسطين ، فإنه يشكل خطرا مباشرا على فلسطين وعلى جمعي الدول العربية ، إذ إن مشروع سورية الكبرى يعتمد على ضم المنطقة العربية من فلسطين مع التخلي عن المنطقة اليهودية ، إذا تحقق مشروع التقسيم لا سمح الله تحت حكم اليهود والبريطانيين ، ومن هنا فإن تحقيق المشروع هو ضربة مؤلمة للآمال العربية ، وضرر دائم للقضية الفلسطينية.

5- كان شرق الأردن في العهد العثماني جزءا من ولاية سورية ، يتبع لوالي دمشق ، فإذا كانت هناك الآن رغبة أو اهتمام بالانضمام ، يكون عندئذ من الضروري أن يعلن شرق الأردن انضمامه إلى سورية ، وأن يترك للسوريين أمر اختيار وتعيين من يرأس هذه الدولة والنظام الذي يختاره الشعب من خلال استفتاء حر ، ولكن عندما تحاول دولة صغيرة التحكم في إرادة شعب مستقل له جمهوريته وبرلمانه لإرغامه على الاتحاد أو الانضمام لنظام لا يرغب به ، يكون بذلك قد ابتعد كثيرا عن المنطق والقانون ، لذا فإن المشروع يكون بعيدا جدا عن التنفيذ.

6- إن بروتوكول الإسكندرية يعترف بالحدود الحالية لجميع الدول العربية الممثلة في جامعة الدول العربية ، وذلك بالنظر للأوضاع الحالية التي تشمل الموافقة على الأوضاع السياسية للدول العربية كأساس للتعاون فيما بينها. إن هذه الظروف لم تتغير بعد ، وما زالت مصلحة العرب تقتضي اليوم عدم إثارة مسائل من هذا القبيل ، فإن ليس من قبيل الغباء أو الإهمال موفقة قادة سورية على الحدود اللبنانية على الرغم من أنهم من المؤيدين المتحمسين للوحدة السورية ، وذلك لأن المصلحة العربية تقتضي القبول بالأوضاع الحالية للمساهمة في إتمام التعاون العربي بين الشعوب العربية في جو لا يشوبه ولا يعكره أي اضطراب ، فما هي دوافع ميدي سورية الكبرى للدعوة إلى تغيير المعطيات الجغرافية في بعض دول الجامعة العربية؟ ولحساب من يعود هذا النداء؟

7- لدى العرب في أيامنا هذه قضايا تتطلب تعاضد كل الأيدي للتغلب عليها ، مع العلم بأن الأمر يتعلق بكرامة الأمة العربية وشرفها وحريتها ، وتقف على قمة هذه القضايا المسألة الفلسطينية والمشكلة المصرية والمغرب العربي ، وقد رأينا كيف أغضب دعاة سورية الكبرى سورية ولبنان والمملكة العربية السعودية ، حين صرح قادة تلك الدول برفضهم بشدة تحقيق هذا المشروع ، وإذ أصر الدعاة على تنفيذه بالقوة ، فإن رجال تلك الدول لن يترددوا في الوقوف بجباههم بالقوة نفسها ، فإذا تم التصادم لا قدر الله ، فإن كل المؤشرات تدل على أن مصر واليمن والعراق ستنضم للدول الثلاث (سورية ولبنان والمملكة العربية السعودية) ، إن ذلك سيعنى انقسام الجامعة التي وضع العرب فيها آمالهم ، وتحريضا للفتنة والعداوة بين الدول العربية ، ولن يفيد ذلك في الأوضاع الراهنة إلا العدو المتربص الذي يزعجه تآزر العرب في مسألتي مصر وفلسطين مؤازرة واعية تستدعي الإعجاب والتقدير. فإذا افترضنا أن المصلحة العامة هي التي ألهمت جلالة الملك عبد الله إعلان سورية الكبرى ، فإن هذه المصلحة توجب عليه الآن التخلي عن هذا المشروع عندما يشعر بنفور الدول العربية ، لأنه يعرض الجامعة العربية للانقسام ، ويؤدي بها إلى الحرب الأهلية إذ أصر على تحقيق مشروع سورية الكبرى.

من أجل ذلك كله يعتقد الإخوان المسلمون في وسرية بأن مشروع الكبرى لا يحقق آمال السوريين ، وليس في مصلحة أي من الدول العربية ، بل إنه مشروع إمبريالي يهدد استقلال الدول العربية حيث يخول جيوش دولة أجنبية الإقامة فيها- أي في الدول العربية- كما أنها ذلك المشروع يهدد الوحدة العربية بالانقسام ، ويحول أذهان الدول العربية عن حل مشاكلهم الحساسة ، على الرغم من الضرورة العمل والتعاون بين بعضهم البعض. إن الإخوان المسلمين كجماعة تشمل الآلاف من المؤمنين الشبان الذين يعملون من أجل عروبتهم ، تساندهم في ذلك بخلاص جموع الأمة ، يعلنون الآن ، حيث تتكاتف في سماء الدول العربية غيوم ملبدة ، بأنهم سيحاربون هذا المشروع بكل ما أوتوا من قوة ، وبأنهم سيتعاونون مع جميع لجان المتطوعين والجمعيات والحكومات التي أعلنت رفضها لهذا المشروع ، وأنها تضع شبابها مع قدراتهم وجمعياتهم تحت تصرف الوطن الغالي لصد هذه المؤامرة الخطيرة ضد استقلاله وحريته ، نرجو من الله أن يكون النصر حليفكم في صد الظلم العاتي ضد استقلال البلاد ، وأن يحفظ هذه الأمة من دسائس الإمبريالية ومكائدها.

المجلس الأعلى للإخوان المسلمين

المراقب العام : مصطفى السباعي

هذه المواقف الصلبة للإخوان المسلمين في شجب الأحلاف والمشروعات الأجنبية ومقارعتها ، دعمتها الجماعة بتحسين الصلات والعلاقات مع الآخرين من الأحزاب والهيئات والشخصيات السياسية من ذوي الميول المتباينة والوصول معهم عبر حوارات مستمرة إلى مواقف مشتركة لتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة المؤامرات والضغوط الأجنبية ، وفي هذا السياق نرى المراقب العام الشيخ السباعي يدعو إلى الوحدة الوطنية ، وإلى إشاعة المودة بين المسلمين والمسيحيين والأقليات الآخرة ، فقد سافر إلى فلسطين على رأس فوج من المجاهدين الإخوان ، تصحبه ثلة أخرى بقيادة ضابط مسيحي ، وبات وهو في طريقه إلى داخل فلسطين باتجاه القدس في بلدة البيرة في منزل خوري البلدة (وراعي المسيحيين فيها).

كما نرى الشيخ السباعي رحمه الله يدعو إلى توحيد العرب ، لأن ذلك كان أحد أهداف الإخوان الكبرى في منهاج الجماعة ، وفي فكر قائدها المراقب العام ، يقول رحمه الله : هذا الوطن الكبير واحد في جغرافيته ولغته وعقائده وأخلاقه وتاريخه وخصائصه ، فيجب أن يكون كذلك في واقعه السياسي.

وهذا العالم الإسلامي الذي يضم ما يزيد عن 500 مليون - الآن تجاوز المليارين استنادا إلى مراجع أجنبية عربية - ويحتل أصخب الأرض وأهمها في كل من أسيا وأفريقيا ، يشكل وحدة عقائدية لا مثيل لها في الكيانات السياسية القائمة على وحدة العقيدة في عصرنا الحاضر ، وهو في حد ذاته قوة كبرى للأمة العربية ، يمنحها نفوذا سياسيا واقتصاديا وفكريا.

فالجماعة تدعم مواقفها وسياساتها بتقوية الجبهة الداخلية ، واستنهاض العرب والمسلمين للوقوف مع السوريين في دفاعهم عن وطنهم ضد المتآمرين والمعتدين.

تاسعا : الإخوان والحركة الرياضية

1- منذ النشأة الأولى للإخوان المسلمين في سورية كان اهتمام الجماعة بالتربية الرياضية كاهتمامهم بالتربية الروحية - فالعقل السليم في الجسم السليم- وكان السباعي رحمه الله يشجع الشباب على ممارسة أنواع الرياضة والفتوة ليكون الشباب قويا في جسمه وروحه ، فساهم في تأسيس عدد من الأندية ، ففي دمشق : نادي بدر لكرة السلة في كيوان ، والنادي الرياضي في باب الجابية ، والنادي الرياضي في الميدان ، ونادي الفروسية في حمص ، والنادي الرياضي في اللاذقية وغيرها ، كما عمل السباعي رحمه الله على تربية الشباب تربية عسكرية خشنة ، فأنشأ لهم نظام الفتوة ، فانتظم الشباب في كتائب وفرق تعودوا فيها على النظام ، ونشؤوا على الرجولة وتحمل المشاق والخشونة ، وكان السباعي طيب الله ثراه القائد العام لفتوة الإخوان المسلمين ، واستمر على ذلك حتى حل الشيشكلي هذه المنظمات وصادر أملاكها. وكان للفتوة دور كبير في المحافظة على النظام ، واضفاء هيبة الجماعة على الاحتفالات والمهرجانات العامة التي تقيمها. والذي يتابع تطور الحركة الرياضية لجماعة الإخوان في سورية ، يرى أن جميع المراكز للجماعة ودون استثناء أخذت على عاتقها توجيه شبابها وأبنائها في إعداد أنفسهم ، وتقوية أجسامهم ، فهيأت لهم المناخ المناسب ، وأعدت لهم ثلاثة مستويات في الحقل الرياضي :

أ- أنشأت الأندية الرياضية التي تعنى بجميع الألعاب الرياضية ، مثل كرة السلة وكرة الطاولة وكرة الشبكة وألعاب القوى والمصارعة والجري وغيرها ، وكانت هذه الأندية كثيرة ومتعددة ومنتشرة في المحافظات مثل نادي الأشبال في مدينة حماة ، وأندية أخرى في المحافظات السورية.

ب- شكلت الفرق الكشفية التي تحول بعضها إلى أفواج يزيد عدد الواحد منها على عدد أفراد الفرقة الكشفية ، مثل فوج اليرموك في حماة ، وكانت الأندية والفرق والأفواج نامية وقوية في جميع المدن ، ولاسيما في مدينة حلب ، وفي مدينة دمشق ، وكانت الحركة الكشفية متقدمة على الأندية في أهدافها ، فبالإضافة إلى النشاط الرياضي الذي يمارسه أعضاؤها ، فإنها تدربهم على شئون حياتية أخرى ، وتزودهم بالخبرات والمهارات والاضطلاع بالمسئوليات الاجتماعية والصحية ، كإقامة المخيمات ، والقيام برحلات طويلة سيرا على الأقدام ، والتدريب على الإسعافات الأولية ، والأخذ بيد الضعفاء والمسنين في محطات السير ، وغير ذلك من الخدمات الاجتماعية لمن يرونه بحاجة لها من المواطنين.

ج- أخذت الجماعة بنظام الفتوة التي كانت في مصر تعرف باسم الجوالة ، وبما أن الكشفية مرحلة متوسطة بين الأندية الرياضية وبين الفتوة ، فإن الفتوة مرحلة بين الكشفية والجيش أو الحياة العسكرية ، يقوم على تدريبها ضباط من الجيش تنتدبهم قياداتهم للقيام بهذا الواجب ، كما حدث في مخيم يبرود عام 1946 إذ انتدب المسئولون في الجيش السوري عددا من الضباط لتدريب فتوة الإخوان على النظام العسكري وبعض أنواع السلاح ، وكان عددهم في يبرود حوالي ثلاثمائة فتى ، وكان ذلك قبل أن تسيطر الأقلية الحاكمة على الجيش ، وتجعل منه أداة قمع لمواطنين بدل الدفاع عن الحدود ، والوقوف في وجه العدو الصهيوني على الجبهة التي استمرت في هدوء دائم ، وفي شهر عسل أكثر من أربعين سنة على الحدود السورية الإسرائيلية ، مما أتاح للعدو أن يبني قوته الهائلة التي صارت سورية تستجدي منها الصلح والتفاوض دون أن يعير العدو لترامي النظام الطائفي على الصهاينة بالا.


2- لقد استفحل أمر الفتوة في جماعة الإخوان في سورية وازداد عددهم زيادة كبيرة ، وأضحوا هم حماة الجماعة وحراسها ، وكان لباسهم يشبه لباس الجنود ، كما كانوا يحملون العصى عوضا عن البنادق ، وارتفع عددهم في دمشق وحدها لى حوالي ألفي فتى ، وقاموا بدور رائد في الانتخابات التي جرت في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي ، مثل حماية المقرات ومراكز الاقتراع وأشخاص المرشحين ، وحدوا من سطوة مرشحي الحكومة التي لجأت إلى التنكيل والتزوير كما مر معنا آنفا.


3- وقد وصف الأستاذ السباعي الفتوة بأنها العصب الحساس للدعوة ، لأنها المدرسة التي تخرج للأمة جيلا قويا مؤمنا تملؤه الرجولة ، وتشيع في جنباته روح التضحية ، والطاعة والنظام ، وقال : وفي كل مركز من مراكز الإخوان في المحافظات ، وفي أكثر الفروع في القرى والاقضية فرق للفتوة تتدرب على الأعمال الرياضية ، وتقوم بمختلف الرحلات ، ولها في كل عام معسكر عام يجتمع فيه فتيان الأخوة أياما متتالية. ويتحدث بعض من شهد هذه المعسكرات عن مدى نجاحها في تنمية مشاعر الأخوة والالتزام ، وعن جو الألفة والمحبة والحياة الروحية التي كان يعيشها الأخوة المشاركون ، إلى جانب ما كانت تشهده هذه المعسكرات من أنشطة رياضية وثقافية متنوعة ، حيث تلقي المحاضرات ، وتقام التمثيليات ومسابقات الأدب واشعر ، ولطالما أثار الحديث عن هذه المعسكرات شجون هؤلاء المتحدثين ، وصورة الشيخ المهيب عادت لترتسم في أذهانهم بعد عقود وعقود ، وليتذكروا معها أحاديثه المحببة ولهجته الأسرة ، ومدى انفعالهم وتأثرهم بقراءاته للقرآن وهو يؤمنهم به في الصلاة ، أو يراجعه مع بعضهم في وقت السحر أو في سائر الأوقات.

ومن الجدير ذكره أن هذه المعسكرات السنوية كانت تختتم أعمالها باستعراض شبه عسكري تطوف به فتوتها شوارع المدينة التي يقيم الإخوان معسكرهم في إحدى ضواحيها ، وكان العرض يضم عددا يتراوح بين خمسمائة وألف فتى ، يجوبون الشوارع الرئيسية بشكل مهيب ، وكأنهم قطعة عسكرية من جيش حديث التدريب ، ولقد حضرت عددا من هذه المعسكرات في حلب - عين التل - وفي اللاذقية -لوقا- وفي حمص بضاحية المدينة ، وفي حماة ، وكان حضوري للمشاركة باللجان التي تعقد جلساتها على هامش المعسكر ، وكنت أشارك باللجنة السياسية ، كما شاهدت نماذج من عروضها العسكرية ، واستطيع الآن أن أسجل الانطباع التحليل لهذه العروض بعد مرور أكثر من نصف قرن عليها ، فأقول : لو أن الإخوان أدركوا في تلك الفترة ما تثيره هذه العروض في نفوس المشاهدين والمراقبين الذين يرصدون تحرك الجماعة ونشاطها وإنجازاتها من كيد وحسد وحقد ، وما كانت دوائر الغرب ولاسيما مخابراته ، وفي مقدمتها المخابرات الأمريكية وما تقوم به من تتبع دقيق ورصد عميق ، وتسجيل لكل ما يصدر عن الجماعة من قرارات ، وما تتخذه من مواقف ، ما تحدثه من إنجازات على كل الصعد التربوية والسياسية والإعلامية وغيرها ، كما دل على ذلك ما تحتويه مكتباتهم في بيروت والكونغرس ، وما صدر عن مخابراتهم من تآمر وكيد وتحريض الحكومات المحلية والقيادات العسكرية على الجماعة في مصر وسورية وسائر الأقطار العربية والإسلامية ، ولو أدرك الإخوان منذ وقت مبكر مثل هذا لعزفوا عن استعراض عضلاتهم ، وطواف وحداتهم من الفتوة في شوارع المدن الكبيرة في سورية ، وللجوؤا إلى الهدوء ، والبعد عن المظاهر المثيرة ، ولاعتصموا بقول سيدنا وقدوتنا رسول الله (ص) : «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان» ، ولكن لا أظن أن الإخوان أو أي حب سياسي في بلادنا كان يدرك ما كان يبيته لعدو - منذ وقت مبكر - من مكر وكيد ، وما كان يخطط له ويحوكه ضد دولنا الناشئة وشعوبنا الضحية كما رأينا وقرأنا واطلعنا على ما صدر من كتب ودراسات مثل : كتاب حقيقة المخابرات الأمريكية ، وكتاب لعبة الأمم ، وكتاب الدولة الخفية ، وعشرات الكتب والدراسات التي تظهر حجم الكيد الذي يبيته الأعداء بروح صهيونية لأمتنا وبلادنا ، والكثير منا سادرون وغافلون ، وثمة حدث كبير ذو دلالة كبيرة أرى أن تسجيله مفيد لأبناء الجماعة في مسيرتم الدعوية ، وما يصادفونه من صعوبات ، ويعترض طريقهم من عقبات.

في عام 1946 زار الملك عبد العزيز آل سعود ملك العربية السعودية الملك فاروق ملك مصر في القاهرة ، وقد حضر استعراضا عسكريا هيأه الملك فاروق لضيفه ، وجلسا معا يشاهدان العرض ، فمتر قطعات من الجيش المصري أمام المنطصة أو الشرفة التي يجلس عليها الملكان ، ولما انتهى عرض الجيش المصري ، أعقبه في العرض وحدات تلفت النظر بدقة تنظيمها وسيرها ، وحسن هندامها ، فسال الضيف الملك عبد العزيز مضيفه الملك فاروق : من هؤلاء الذين يفوقون من سبقوهم من أفراد الجيش مظهرا ومخبرا؟ أجابه الملك فاروق : هذه جوالة الإخوان المسلمين - وكان عددهم في مصر قد فاق العشرين ألفا -فقال الملك عبد العزيز : أو تأمن على ملكك بوجود هؤلاء؟ هذا ما نقله الدكتور معروف الدواليبي عن هذا الحدث قائلا : لقد قلت للشهيد حسن البنا  : أتظن أن الدول الكبرى وأن الأعداء يتركونك بهذا الصعود دون أن يكيدوا لك كيدا؟ فهل فات الإمام الشهيد حس البنا الرجل الملهم وصاحب الفراسة التي كان ينظر فيها بنور الله مثل هذا الأمر الذي فطن له الشيخ معروف الدواليبي ، الذي خبر الغربيين ، وقدرأ أفكارهم ، وعرف الكثير من خفاياهم وخباياهم ، وقد عاش بين أظهرهم في سنوات الحرب العالمية الثانية ، وشاهد الكثير من ويلاتها ، ومن مكائد اليهود في تزوير العملات الورقية ، ومطاردة القيادات الإسلامية من أمثال الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وغيرهما من الذين فروا من بطش الصهاينة والإنكليز في فلسطين والعراق ، ولجئوا إلى ألمانيا وإلى دول أخرى. لقد غاب عن ذه الإمام الشهيد حسن البنا ما كان ينطوي عليه الغربيون من حقد ، لأنه وأمثاله لا يريدون للبشرية إلا الخير ، ويحسبون غيرهم كذلك.

وهذا ما واجهته الدعوة منذ انبثاق فجرها ، فقد خدع المشركون رسول الله (ص) يوم الرجيع ، ويوم بئر معونة ، عندما زعموا أن قبائلهم دخلوا في الإسلام ، وأ ،هم يودون أن يبعث رسول الله (ص) معهم من يقرئ قومهم القرآن ، ولم يلبثوا بعد ابتعادهم عن المدينة أن غدروا بالقراء فقتلوا عشرة في ذات الرجيع ، وسبعين في بئر معونة ، كما غدر الهرمزان المجوسي بسيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عندا ادعى الإسلام ، سكن المدينة ، ولازم أمير المؤمنين في مجلسه ، في الوقت الذي كان يحوك الخطة لاغتيال سيدنا عمر ، عندما جهز أبا لؤلؤة المجوسي ، ودربه سرا ، وهيأ له أدوات الجريمة ، ونفذ فعلته الشنعاء كما ذكر ذلك تفصيلا على أحمد باكثير في رائعته - ملحمة عمر- تماما كما فعل ذلك سفراء أمريكا وانكلترا وفرنسا عندما اجتمعوا في فايد- ممركز القيادة البريطانية العسكرية في القنال- وقرروا تصفية جماعة الإخوان ومرشدها بقرار ، نشرت وثيقته كما هي مصورة بالزنغوغراف ، ونفذوا جريمتهم عن طريق عملائهم محترفي السياسة في مصر الذين كلفوا مخبرين بالاغتيال ، وقد رأيتهم في قفص الاتهام بمحكمة الجزاء في باب الخلق ، عندما قررت حكومة نجيب محاكمتهم في أول عهد انقلاب 23-7-1952- وكنت إذ ذاك طالب بكلية الآداب بجامعة القاهرة - ثم لم تلبث حكومة جمال عبد النار أن أوقفت المحاكمة ، وأطلقت سراحهم وهم : الأميرلاي محمود عبد المجيد مدير المباحث المصرية ، وثلاثة من المخبرين الذين نفذوا جريمة الاغتيال ، وهذا الأحداث الكبيرة والخطيرة التي حدثت في عهد النبي (ص) وخلفائه ، تأتي عزاء لمن يتلون بالأشرار ، تمدهم بطاقة من الصبر والثبات في مسيرتهم الحياتية ورسالتهم الدعوية التي جعل الله سبحانه الابتلاء شرطا لها وجزءا منها : ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك : 2].

إن المكر الذي تلاقيه الدعوة ، ويواجهه الدعاة جد خطير ، يزلزل الجبال ، ويهز الأرض من تحت أقدام المؤمنين ، ولا يصمد له إلا الذين أخلصوا لله سبحانه ، واشتروا الجنة والمغفرة بأموالهم وأنفسهم ، وصدق الله العظيم ، ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴾ [إبراهيم : 46 - 47].

فعلى أبناء الدعوة أن يكونوا يقظين صامدين صابرين ، إن الله لا يخذل الصادقين المتوكلين ، وليأخذوا بسياسة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : لست بالخب ، وليس الخب يخدعني ، وليتعطوا بما لاقاه الإمام البنا وإخوانه ، والإخوان في سورية وفي الأقطار الأخرى.

عاشرا : الإخوان والقضية الفلسطينية

أ- تشكل المسألة الفلسطينية أخطر المحطات في المرحلة الأولى من تاريخ الجماعة الذي يمتد من عام 1945م وحتى حدوث الانقلاب العسكري الأول في سورية 30-3-1949 ، كما أن رؤية جماعة الإخوان المسلمين للقضية الفلسطين ية تختلف عن موقف الأحزاب والشخصيات السياسية تجاه القضية ، فالأقصى هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، وهو مسرى رسول الله (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك ، كما أنه منطلق رسول الله محمد بن عبد الله (ص) في معراجه ورحلته المباركة القدسية إلى السموات العلا ، ومن هذا المفهوم الشرعي المطلق ، فإن جماعة الإخوان المسلمين لا يمكنها التفريط بالأرض المقدسة أو التخلي عنها ، أو المساومة عليها ، تحت أي ظرف ، كما هو حالهم تجاه العقائد والعبادات سواء بسواء ، والمسجد الأقصى وما حوله وقف إسلامي لا يستطيع مخلوق على ظهر الأرض أن يفرط به ، أو يتنازل عن حفنة تراب من أرضه المباركة ، أما البعد الثالث في منهاج الجماعة فهو الدفاع عن الشعب والأرض في موقف سياسي واضح معلن يشاركها فيه الأحزاب والجماعات الأخرى. وإذا ضعفت الأمة ، ويئس زعماؤها ، فعقدوا الصفقات مع العدو ، واعترفوا بوجوده واحتلاله لشطر كبير أو صغير من أرضهم ، فإن الجماعة لا تملك بكل المقاييس الأنفة الذكر ، والتي ترتبط بالعقيدة ، والالتزام بالحفاظ على الوقف ، وبالموقف السياسي ، أن تتراخي في الدفاع عن الأرض المباركة ولو كلفها ذلك أن يقدم أبناؤها دماءهم وحياتهم رخيصة في سبيل الله ، دفاعا عن بيت المقدس وعن مسجده الأقصى.

2- والمؤامرة على سلب فلسطين ومسجدها بدأت منذ وقت مبكر ، تسابق فيها الفرنسيون والإنكليز منذ حوالي قرنين ، وقد كتب في ذلك الأستاذ محمد حسنين هيكل حديثا مفصلا ، ليس من الوارد في هذه المذكرات عن الإخوان أن نستطرد ، فنذهب بعيدا في ذكر تفاصيله. لننتقل سريعا إلى التاريخ القريب الذي نشهد فيه التآمر على اغتصاب فلسطين في السنوات الأخيرة من العهد العثماني عبر ما سجلته الصحافة السورية فيما ذهب إليه الأتراك من عملية بيع الأراضي ، وإلى مساعي الجمعيات الصهيونية للتملك في أرض فلسطين ، غير أن صحافة الاتحاديين سخرت من الكتاب السوريين قائلة : إن السلطات العثمانية غيورة على فلسطين أكثر من أبناء فلسطين .

وبعد الحرب العالمية الأولى ورحيل الأتراك عن سورية ، شرعت الصحافة السورية من جديد تنبه إلى هذا الخطر المحدق وإلى تنبيه الحكام والتنديد بالسياسة البريطانية ، واستصراخ الضمير العالمي ، فكانت بحق منذ بدء الانتداب وحتى قيام دولة إسرائيل سجلا حافلا لكل الأحداث والمآسي التي عرفها الوطن السليب ، وغير أنها نادرا ما كانت تسمع مجيبا ، بل كانت تعطل كلما قسم على الحكام وعلى الإنكليز في موضوع فلسطين .

3- من أوائل الصحف التي نهبت إلى الخطر الصهيوني كانت جريدة الأردن التي كتبت تقول في افتتاحية عددها الأول : الخطر الصهيوني الذي يهدد فلسطين ، من يعصمنا نحن أبناء الغرب والشمال من شره؟ وكان ذلك في 12-9-1919 ، وفي العالم التالي نشرت جريدة الدفاع بتاريخ 20-4-1920 مقالا نبهت فيه إلى الخطر الصهيوني في فلسطين ، وإلى التعصب القومي عند اليهود ، بينما ترى العرب يتنابذون! وحين عين هربرت صموئيل اليهودي الأصل مندوبا ساميا في فلسطين نددت الصحف السورية بهذا التعيين ، وعارضت بشدة تقديم آلاف الدونمات من أملاك الدولة هدية إلى اليهود الجدد. بعد ذلك طالعتنا جريدة المقتبس بمقالة افتتاحية عنوانها :

كيف تحل مشكلة فلسطين ؟ نبهت فيها إلى الخطر اليهودي ، وإلى دور الإنكليز في دعم المنظمات الصهيونية ، وفي 22-3-1925 كتبت مقالا افتتاحيا طالبت في بالاحتفاظ بالأرض ، ودعت إلى التعاون والتحاد والجد ، ثم أشارت إلى المستعمرات اليهودية في فلسطين ، وأن نجاح مشروع الدولة اليهودية أو فشله يتوقف على العرب أنفسهم ، في هذه الأثناء جرت حادثة مهمة ، وهي أن اللورد بلفور زار دمشق عام 1925 ، فقالت جريدة المقتبس : إن بلفور وصل دمشق يوم الخميس في 9-4-1925 ، بعد الظهر تجمهر الناس في تظاهرة احتجاجا على وجوده في سورية ، واصطدموا بالشرطة والدرك ، فجرح منهم حوالي عشرين شخصا ، ولما تفاقمت الأمور في العاصمة ، زار المفوض السامي الجنرال ساراي الوزير الإنجليزي في الفندق ، وطلب منه مغادرة البلاد ، فغدرها بعد أن أقام في دمشق تسع عشرة ساعة لم يبرح خلالها غرفته. وفي عدد لاحق نشرت المقتبس أخبار معركة دارت رحاها بين الطلاب السوريين وبين الطلاب الصهيونيين في باريس بتاريخ 1-4-1925 ، وفي عدد آخر في المقتبس عام 1926 قالت : الصهيونية تهدد حوران ، جاء فيها : فيا أيها العرب ، لقد ابتلعت الصهيونية بلادكم يوم ابتلعت فلسطين ، ولو أنكم شاركتموها بجهادها وكفاحها والمسارعة في مؤازرتها لما رسخ للصهيونية قدم فيها ، لقد تضافر الصهيونية على هضمكم وتكالبوا على ازدراء بلادكم وإرغام أنوفكم ، فإذا لم تبادروا لتوطيد دعائم الإلفة والتضامن ، فالعاقبة وخيمة والمصير محفوف بالأخطار.

وتندد القبس بالسياسة الإنكليزية في فلسطين في افتتاحية لها بتاريخ 29-12-1929 فتقول : إما أن تعضدوا الصهاينة ، وإما أن تذهبوا إلى السجود والقبور ، وهكذا يريد الإنكليز من سكان فلسطين .

وتشير جريدة الشعب في 13- 4- 1930 إلى الغليان الشديد الذي يجتاح فلسطين من أقصاها إلى أقصاها ، وأنها على أبواب ثورات لاهية بسبب أحكام الإعدام التي صدرت بحق عشرات الشباب العرب.

وفي 29- 10- 1930 أبدت جريدة التقدم الحلبية مخاوفها من أن الصهيونية تسعى لجعل سورية كلها وطنًا قوميًا لليهود.

وفي عام 1934 كتبت جريدة الأيام بتاريخ 27- 11- 1934 : الاستعمار الصهيوني يمتد إلى الجبال ما بين يافا والقدس ، وتتابع الأيام فتقول في 16- 12- 1934 : ذيول بيع امتياز الحولة ، تقسو على أولئك المتنفذين الذين يغريهم الذهب ، ويبيعون أراضيهم.

وفي 8- 12- 1935 تنبه القبس وتحذر من أن الخطر الصهيوني في امتداد ، وأن الصهيونية تحلم بالوصول إلى الأردن .

وعندما وقعت مذابح عام 1936 انفضت الصحافة السورية بعنف ، وهاجمت السياسة الإنكليزية بقوة ، ونددت بالحكومات العربية ، وأهابت بها أن تتدخل لوقف المجازر ، وطالبتها بمد الفلسطينيين بالسلاح ، وناشدت الضمير العالمي التدخل لوقف المذابح ومنع إبادة العرب ، فقالت القبس في 21- 8- 1936 عن مذابح وجرائم ، الصهيونيين الوحشية وقتل الأطفال : إن منع التجول يمهد لليهود جرائمهم.

وفي 22- 8- 1936 كتبت جريدة ألف باء : قافلة شهداء جديدة ، أترى إبادة العرب داخلة في وعد بلفور؟.

في عام 1937 نشرت جريدة النذير الحلبية عدة مقالات بقلم أحمد قنبر تناولت فيها المسألة الفلسطينية بالدرس والتحذير.

حتى إذا وصلنا إلى عام 1944 نرى عنصرًا طرأ على القضية الفلسطينية ، وهو بروز دور أمريكا كسند للمشروع الصهيوني ، فقالت القبس : كلهم صهيونيون؟ ما أرخص بلاد الضعيف على الأقوياء ، ولم يبق في أمريكا رئيس مسؤول ولا وزير ولا حاكم إلا وأعلن أنه يقدم فلسطين إلى الصهيونيين ، ويهبها لهم هبة كاملة.

وفي عد لاحق عرضت القبس بأمريكا ، واتهمتها ببيع ضميرها من رؤوس الأموال اليهودية ، وقال نجيب الريس بعنوان كم بيعت فلسطين ؟ بـ 4 ملايين ناخب ، وأربعة مليارات دولار ، ثم قال : إن أقدس مكان عند أصحاب الديانتين العظيمتين ، المسيحية والإسلام قد بيع من دولتين ، هما أعظم الدول المسيحية وأغناها في الدنيا ، إننا لا نستطيع أن نفهم بأي ضمير وذمة ودين يقرر قضاة سياسيون أمريكيون وبريطانيون إباحة الهجرة إلى فلسطين بلا قيد ,لا شرط ، سبحان الله أيريدون أن يجعلوا من فلسطين دواء لآلام اليهود باسم المسيحية السمحاء..؟.

وتعود القبس لتنشر في 31-1-1946 مقالة بقلم صاحبها نجيب الريس جاء فيها : إنقاذ دونم أرض خير من عشرين مظاهرة ، وفي عام 1947 راحت القبس تدعو إلى أمر خطير ، ألا وهو استخدام النفط ضد أمريكا ، فقالت : ألغوا امتياز النفط في نجد ، وامنعوا مروره من سورية ، ولبنان ، فشركات البترول أقوى في أمريكا من اليهود.

ما جريدة العلم فكانت من أعنف الصحف السورية في وصف الكارثة ، وأشدها تنديدا ودعوة إلى القتال ، قالت : هل ينتظرون مصرع فلسطين ليسيروا وراء النعش ذارفين دموع التماسيح؟

في عدد لاحق قالت : لقد أضحكتم منا العالم حتى الصهاينة ، وحققتم ما قاله وايزمن : إن احتلال فلسطين وإقامة دولة يهودية فيها لن يقابل من العرب إلا بالتظاهر والاحتجاج ، ثم القبول بالأمر الواقع كما جرى في قضية أسكندورن (العلم 27-4-1948).

وقد استمرت جريدة العلم طوال عام 1948 تدعو إلى رفض الهدنة والوساطة والمفاوضات ، وإلى استئناف القتال ، لأنه الوحيد الذي يأتي بالحل المطلوب.

أما المنار فكان يحرر افتتاحياتها عمر بهاء الأميري في هذه الحقبة اللاهبة في صيف 1948 ، فاضطرت الرقابة إلى أن تحذف الكثير منها ، وفي 15-5-1948 وردت في هذه الجريدة مقالة افتتاحية عنوانها : يا أمة العرب ، لقد دقت ساعة العمل فلبي نداء الواجب لتحرير فلسطين ، وتدعو العرب للوقوف في وجه الغزو الذي يريد محو المسيحية والإسلام .

لقد أسهبت في تتبع مواقف الصحافة السورية حيال القضية الفلسطينية لأنها ترسم صورة واضحة عن الحالة الشعبية والسياسية التي كانت تعيشها سورية وما حولها من البلدان الأخرى جراء المؤامرة الكبرى في اغتصاب فلسطين وتسليمها لشذاذ الآفاق بدعم دولي كانت تقوده بريطانيا ثم الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد مر موقف الصحافة السورية من حرب فلسطين عام 1948 بثلاث مراحل :

الأولى هي مرحلة العنف والمطالبة باستمرار القتال.

والثانية مرحلة التأمل أو التفكير في ما ومن كان وراء الهزيمة ، وتتمثل بهجمة عنيفة على الأنظمة العربية الحاكمة.

والثالثة هي مرحلة الانطلاق وشحذ الهمم ، واعتبار المأساة درسا يجب أن يستفيد منه العرب (في جميع أقطارهم).

4- كان الإخوان المسلمون في سورية اسبق الأحزاب والحركات السياسية في موضوع فلسطين والدفاع عنها ، واستنفار الجماهير والأقطار العربية والإسلامية لتبيان الأخطار المحدقة بها والمؤامرات التي تحاط ضدها ، فعاشت مأساتها وتصدت لأعدائه ، وحملت راياتها ، فكانت شغل الجماعة الشاغل في جميع برامجها ، ولي كل أعضائها ، وكان الشيخ السباعي منذ مطلع شبابه أسبق الشخصيات والزعامات السياسية إلى رفع راية فلسطين ، وحمل همومها في قلبه وفي كل جوارحه ، فمن مقالاته الأولى التي كتبها في العدد 448 من مجلة الفتح بتاريخ 5 ربيع الأول عام 1354هـ الموافق 6-6-1935 ، بعنوان : مأساة فلسطين . كانت فاتحة كتاباته ، وكان عمره تسعة عشرة عاما ، وقد استهلها بقوله : مأساة الأندلس تمثل مرة ثانية على مسرح الحياة في تاريخ العرب والإسلام ، تلك هي مأساة فلسطين ! ووصف فلسطين بأنها قلب العرب النابض ، ومفتاح جزيرة العرب ، وأن كل ذرة من أرضها امتزجت بقطرة من دماء أجدادنا الطاهرين.

وعدما رأي الشيخ احتدام الصراع بين الأحزاب والعائلات الفلسطينية قال : إن فلسطين ليست خاصة بهؤلاء الوجهاء يتصرفون بها كما يشاؤون ، ولكنها قضية الفلسطينيين كلهم ، وقضية العرب والمسلمين ، بل هي قضية تخص كل مسلم ومسلمة على وجه الأرض ، ثم قال : إن قضية فلسطين اليوم لعلي أشد ما تكون من الخطورة ، إن المهاجرين اليهود يغزون فلسطين من البر والبحر سرا وعلانية ، والسلطة تخرج من أيدي أصحاب البلاد يوما بعد يوم ، والأموال تضيع ، والأراضي تباع ، والأخلاق تنحط ، ومشردو الدنيا يتحكمون اليوم في رقاب من كانوا بالأمس سادة الأرض.

ثم خاطب الإنكليز قائلا : إن صحفكم تقول لطمس الحقيقة :

إن حوادث فلسطين هي حوادث عصابات شريرة مجرمة ، تود إراقة الدماء ونهب الأموال! لا يا هؤلاء فما في فلسطين أشرار ولا مجرمون ، وإنما فيهم كل أبي وكل همام ، إن من يطالب بحقه ويدافع عن كرامته ليس مجرما ، والذين يذودون عن بلادهم ، ويريدون استخلاصها من أيدي مغتصبيها سيسميهم التاريخ أبطالا مجاهدين. وأنتم سمو بما شئتم أولئك الذين يسفكون دماء الأبرياء ، ويهدمون بيوت الآمنين ، ويسلبون أموال الناس بغير حق ، ويمنعون المؤمنين من دخول أماكن العبادة.

وقال في مقالة مهمة بعنوان : موقف سورية من فلسطين  : إن مؤتمر العلماء الذين انعقد في دمشق أيد الفتوى القائلة : إن جهاد فلسطين جهاد شرعي يجب على كل مسلم أن يشارك فيه ، وهي الفتوى التي كان بعض العلماء قد أطلقها في خطبه على المنابر فكان -كما قال السباعي- لهذه الفتاوى والخطب أثر كبير في نفوس العامة ، فتطوع ألوف الشباب للجهاد في مختلف المحافظات ، وتداعي الناس إلى بذل المال ، وخصصوا يوم 27 رجب لجمع الإعانات ، وأطلقوا عليه - يوم فلسطين - ثم يقول الشيخ رحمه الله : وكان يوما مشهودا من أيام سورية الباسلة ، لقد رأيت في ذل كاليوم من الأمثلة التي ضربها الفقراء في الجود والسخاء ما اسأل عبرتي ، وملأ قلبي إيمانا بأن هذه الأمة لن تموت أبدا.

إثر خروج السباعي من السجن بعد اعتقال الانكليز والفرنسيين له في مصر ولبنان وسورية ، استأنف نشاطه في سبيل القضية الفلسطينية على الصعيدين الرسمي والشعبي ، استكمالا ومتابعة لنشاطه السابق في القاهرة ، واستجابة للوضع الخطير الذي آلت إليه القضية الفلسطينية في أوساط الحرب العالمية الثانية. وعندما وضل الشيخ نمر الخطيب دمشق قادما من حيفا عام 1934 زاره الشيخ السباعي في فندق أمية ، وتدارس معه أحوال فلسطين ، فتحدث الشيخ نمر عن استفادة اليهود من الحرب العالمية الأولى ، حيث شكلت السلطات البريطانية لهم كتائب تتدرب على القتال أمدتهم بالأسلحة والذخائر ، كما حدثه عن أساليب تهريب اليهود للسلاح ، فقد وصلت إلى حيفا خلال سنى الحرب صناديق كبيرة باسم بعض المحلات التجارية اليهودية على أنها تحمل أقمشة وسلعا ، فتحطم منها صندوق على الرصيف فإذا به يحتوي على مسدسات وبنادق سريعة الطلقات وغيرها ، ثم قال الشيخ نمر الخطيب : إن الوضع في فلسطين خطير ونحن عرب فلسطين يحظر علينا حمل أبسط أنواع السلاح ، والعرب والمسلمون غافلون عما يبيت لفلسطين من شر ، فهل لك- يقول للسباعي- أن تعلن صوت النذير والأيقاظ؟ يقول السباعي :وكان حديثا له عينانا ، وعاهدنا الله على أن نبدأ العمل.

انطلق السباعي بالعمل من مدينة دمشق ، فألقي في مقر الشبان المسلمين - في باحة الدرويشية أول محاضرة عن فلسطين ، وانتهت هذه المحاضرة- التي نشرتها جريدة القبس كاملة- بحماسة شديدة من الحاضرين ، خرجوا على أثرها في مظاهرة ليلية كبرى تهتف لفلسطين ، وتدعو إلى العمل من أجلها ، حتى إذا وصلت المظاهرة أمام مديرية الشرطة العامة على ضفة نهر بردي خرج مدير الشرطة العام الدكتور عبد الكريم العائدي مبديا دهشته من مثل هذه المظاهرة الليلية حيث كانت الأحكام العرفية معلنة ، والتجمعات ممنوعة بمناسبة الحرب ، وحاول فض المظاهرة بالحسنى ، فأبى الجمهور إلا أن تصل إلى فندق الشرق ، حيث كان يقيم رئيس الوزراء السيد سعد الله الجابري رحمه الله ، ولما وصلت المظاهرة إلى ساحة محطة الحجاز حيث فندق الشرق ، أرسل رئيس الوزراء مدير الشرطة العام ليحمله المتظاهرون مطالبهم.

ثم انتقل الشيخ السباعي بعد ذلك إلى جمعي المدن السورية يشرح للجماهير خطورة الوضع الذي آلت إليه القضية الفلسطينية ، والمخاوف التي تحيط بمستقبلها ، حتى ظن الغافلون عن حقائق الأمور أن الشيخ يبالغ فيما يسرده من أمور خطيرة حول ما يحدث في فلسطين .

ولما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عم 1945 انتظم عمل الإخوان المسلمين لفلسطين بقيادة الشيخ السباعي في ثلاثة ميادين :

أ- الصعيد الرسمي : بتقديم المذكرات للحكومة وللجامعة العربية.

ب- الصعيد الشعبي : بالمحاضرات والاجتماعات العامة في المدن والقرى.

جـ- الصعيد العملي : حيث أرسل الإخوان بعض شبابهم ، ليزوروا فلسطين ، ويطلعوا بأنفسهم على أحوال اليهود فيها ، فزاروا يافا وتل أبيب وحيفا والقدس وكثيرا من المستعمران اليهودية ، ثم جاءت أخيرا التعبئة العسكرية على أرض فلسطين .

وجد الشيخ السباعي أنه لا بديل عن حمل السلاح ، ولذا طالب الزعماء العرب باستبدال الأفعال بسياسة المؤتمرات العديمة الفائدة - المنار 5-9-1947- وكان الشيخ يرمي إلى إدخال التجنيد الإجباري - في الحياة العسكرية- وإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية مع الدول العظمى المضطهدة - المعادية- غير أن أهم واجبات الشعب ، هو الاستعداد للقتال.

ثم أشار الشيخ إلى خيبة الأمل في هيئة الأم التي أسس حديثا.

ونظم الإخوان المسلمون اجتماعا خاصا بهم - احتفال شعبي- يوم الجمعة في 12-9-1947 في المسجد الأموي في دمشق ، أقسم فيه الحاضرون على الميثاق الوطني الكبير الذي نص على المطالب السياسة للإخوان في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية كما يلي :

أ- المطالبة بإقامة دولة عربية مستقلة في فلسطين ، ومحاربة الخطة التي تدعو للتقسيم أو الإخلال بالحكم العربي في فلسطين .

ب- إن جميع اليهود الذين هاجروا بعد الحرب العالمية الثانية بناء على تصريح بلفور ، هم غرباء على فلسطين ، ومطالبون بالعودة إلى بلادهم ، وعليهم إعادة أراضيهم وممتلكاتهم إلى العرب.

جـ- يعلن الميثاق عن فقدان ثقة العرب بعدالة الدول الغربية ، وبأن عليهم الاعتماد على أنفسهم في سبيل تحرير دولة فلسطين .

د- التعهد بمحاربة كل دولة تساند العدو الصهيوني بغض النظر عن الطرق التي تتم بها تلك المساندة.

هـ- بالبدء بتكوني جيش التحرير لإنقاذ فلسطين ، من الشباب السوري ، وذلك لمساندة الجيوش الشعبية العربية الأخرى في كفاحها لتحرير فلسطين .

و- محارب مشروع سورية الكبرى الإمبريالي ، والمحافظة على نظام الدولة الجمهوري في سورية.

ز- إن هذا الميثاق يعتبر بمثابة ميثاق وطني عام ، يجب على الحكام التمسك به والتصرف بمقتضاه.

وعندما قررت الهيئة العليا للإخوان المسلمين في مصر إعلان الجهاد المقدس من أجل فلسطين في أيلول سنة 1947 واستنفرت الدعاة الخطباء مطالبين بأداء البيعة والاستعداد للجهاد من أجل فلسطين ، استجاب الإخوان المسلمون في سورية مباشرة لذلك النداء وشكلوا مع الاتجاهات الأخرى اللجنة المؤقتة للدفاع عن فلسطين ، والتي وجهت بدورها نداء إلى المواطنين من أجل عقد لقاء كبير في المسجد الأموي في يوم الجمعة ، وقد ضمت اللجنة السادة : منير المالكي ، وصلاح الدين البيطار ومصطفى السباعي ، والنائب زكي الخطيب. فخرجت مظاهرة كبيرة في دمشق وحلب ، وأرسلت البرقيات إلى الأمم المتحدة ، وإلى زعماء الدول العربية ، وأعلن عن بدء التطوع طبقا لوجود لوائح في شعب الإخوان المسلمين معدة للراغبين في الجهاد في فلسطين ، وفي 8 تشرين الأول نشرت المنار أن الكتيبة الأولى للإخوان تقف جاهزة لخوض المعركة.

5- في 29-11-1947 صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية تتجاوز ثلثي الأصوات أي 33 مقابل 13 صوتا لصالح تقسيم فلسطين إلى قسمين ، واحد يهودي وآخر عربي ، حصل اليهود بموجبه على 75 % من فلسطين ، وذلك بضغوط دولية مارستها الولايات المتحدة على الدول التي تخضع لها ، مثل الفلبين وليبيريا وهاييتي ، فأصدر الإخوان المسلمون تصريحا رسميا بتاريخ 2-11-1947 بينوا فيه موقفهم المبدئي من قرار التقسيم كما يلي :

أيها الشعب الكريم : لقد وقعت الكارثة ، فبأغلبية قوامها 33 مقابل 13 دولة أقرت الأم المتحدة خطة تقسيم فلسطين ، إن التقسيم قد أصبح حقيقية واقعة بالنسبة للدول الحاكمة ، وقريبا سيسارعون بتنفيذ قرار التقسيم وإنهائه إذا لم يقف العرب وقفة واحدة ليقولوا : كلا ، أن الحكومات والشعب العربي تساندها الشعوب المسلمة في الشرق والغرب صرحوا منذ زمن طويل بأنهم لن يوافقوا على قرار التقسيم ، وبأنهم لن يسمحوا بتنفيذه ، وبأنهم سيسعون بكل ما يمتلكونه لجعل قرار التقسيم الذي يخالف منطق وتفكير كل من خطط له ، وسعى لتنفيذه باطل المفعول.

لقد حان الوقت كي يريهم العرب والمسلمون أن وعودهم وتهديداتهم ليست سوى أكاذيب ، وأن يتصدوا لعبيد الدولار ، الذين يمتصون دماء الشعوب ، ويعبثون بأسس العدالة ، فإن العرب اشد روحانية من الصهاينة ، وأقوى منهم تمسكا بالدين ، وأشد منهم تضحية بالدم والمال والنفس والشهادة ، فإن تلك المؤامرة التي تنم عن احتقار شديد لحقوق الشعوب واستهزاء بكرامتهم ، ليست سوى حلقة من مسلسل تساندت فيه كل الدول العظمى الثلاث لأجل مصلحتها من خلاله ، وكل منها أدت دورها.

إن بريطانيا هي التي أعطبت وعد بلفور ، وكانت بالتالي أولى الدول العظمى التي فكرت بتقسيم فلسطين ، أما أمريكا فكانت أولى الدول التي منحت الصهاينة لتلك الشهرة العالمية وذلك النفوذ ، ودعمتها بالدولارات ، أما روسيا ، فكانت الدولة التي حولت فكرة التقسيم إلى أمر واقع ، وذلك من خلال الضغوط التي مارستها من أجل التنفيذ والحث على الإسراع بذلك لتحويل الخطة إلى حقيقة واقعة. وهكذا فإن بريطانيا وأمريكا وروسيا هي الدول التي أرست قواعد تلك المؤامرة ، وتنكرت إلى أبسط مبادئ العدالة والإنسانية. إن هؤلاء الناس قد ألقوا الأقنعة عن وجوههم ، ووقفوا في أماكنهم ، ليعلنوا بصراحة عدائهم لكم. وأنهم يبدون لزعمائكم مدى ازدرائهم لهم ، واستهزائه بإرادتكم ، وأنهم لا يعرفون سوى المصلحة المادية ، فعليك إذن أيها الشعب أن تريهم مدى رجولتك بالوقوف أمام مصالحهم من خلال محاربة خططهم ، ومقاطعة منتجاتهم وثقافتهم ، إن كل ما في إمكانك أن تفعله للإجابة عن تلك الصفعة الأليمة التي وجهت إلى دولتك ومقدساتك هو الحرب. أما من الناحية الفعلية فإن الأمة قد صرحت بأنها سوف تعيش كأي أمة أخرى أعلنت عليها حرب غير عادلة ، فإنها لن تعرف بالراحة أو الكلل أو اللهو حتى تخرج منتصرة من تلك المعركة ، والنصر سيكون حليفنا بإذن الله مهما طالت المعركة.

لقد تجلد أجدادنا مائتي عام حينما تعرضوا إلى غزو غادر مشابه أثناء الحروب الصليبية الأولى ، ثم كتب لهم النصر ، وهكذا فإن الأمة تعاهد على حرب طويلة مضنية ، ولا هوادة فيها ، إلا أن النتيجة تكمن بها ، النصر سيكون حليفها بإذن الله.

لقد سبق للشيخ السباعي أن طالب بإعادة تقويم العلاقات الاقتصادية مع الدول الكبرى ، كما طالب بالمقاطعة البترولية ، والتوقف عن إعطاء تصاريح من اجل التنقيب ، أو إغلاق أنابيب البترول لمدة سنة لحل المشكلة الفلسطينية وتبديد الأحلام الصهيونية. فإن الحفاظ على شرف وكرامة الأمة العربية يقتضي الرفض المطلق لمنح امتيازات لشركة التابلاين أو السماح لها بتمديد أنابيب ضمن دولتنا بسبب الموقف الذي اتخذته أمريكا من الأزمة الفلسطينية ، وكذلك وقفها السافر والمناوئ للعرب. ثم قال الشيخ في ختام حديثه : أيها المسئولون ، هل ستستجيبون لنداء الضرورة؟

ومما جاء في نداءات الشيخ السباعي على صفحات المنار ، أن الدول الإمبريالية تهزأ بنا ، وأن كرامة العرب قد جرحت في صميمها بسبب التقسيم ، وأن الغرب لم يتنكر لمثالياته العامة من خلال التقسيم فحسب ، بل إنه كما يرى الإخوان المسلمون تنكر أيضا لما جاء في مقدمة ميثاق الأمم المتحدة من الإيمان بحقوق الإنسان وكرامته ومكانة الإنسان الشخصية ، ثم قال السباعي رحمه الله :

إن هيئة الأمم المتحدة قد ماتت ، ومما يؤكد لنا موت الأمم المتحدة أن الدولتين العظيمتين اللتين هما في الواقع معسكران متصارعان فيما بينهما من أجل النفوذ ، قد تحولتا إلى حليفين يسيران جنبا إلى جنب خلف جثمان العدالة لمرافقته إلى مثواه الأخير.

رفع الإخوان بعد ذلك مذكرة إلى رئيس الجمهورية شكري القوتلي بتاريخ 31-12-1947 نشرتها المنار في 4-1-1948 تضمنت ما يلي :

أ- فرض ضرائب إضافية من أجل فلسطين .

ب- مراقبة اليهود في سورية بسبب تعاونهم مع الصهاينة.

جـ- نشر الوعي لدى الشعب ، ولاسيما بين العمال والفلاحين عن طريق الراديو الصحافة والمناشير والأقلام والخطب والرحلات.

د- إدخال تاريخ فلسطين كمادة أساسية في مناهج التعليم.

هـ - تأسيس هيئة عليا من العلماء والمفكرين تتولى تطبيق هذه الاقتراحات ، وتشرف على تنفيذها. ثم أكدت المذكرة في القضاء على مظاهر التحلل والفساد ، وعلى مقاطعة البضائع الصهيونية ومحاربة قرار التقسيم ، وعدم عقد اتفاق مع شركة التابلاين.

وحتى يتمكن الإخوان المسلمون من إعلان النفير العام فقد انضموا إلى جمعية تحرير فلسطين التي أسست عقب إصدار قرار التقسيم ، وعين لقيادتها السادة : الدكتور أمين روحية ، وشاكر العاص ، ومنير المالكي ، وعزت الطباع ، والفلسطينيان : عزت دروزة ومحمود الهندي ، وكان من مهماتها : الدعاية وجمع المال وتجنيد المتطوعين ، وقد انتمى للجمعية الشيخ مصطفى السباعي نفسه.

عقدت الجمعية لقاءات في جامعة دمشق لتعبئة الطلاب ، وفي أوائل كانون الثاني - يناير- 1948م قام نائب رئيس الجمعية : شاكر العاص والشيخ السباعي بجولة إلى حلب ومعرة النعمان وحماة وحمص ، وافتتحوا في حلب فرعا لجمعية تحرير فلسطين برئاسة عمر بهاء الدين الأميري ، وفي أوائل آذار - مارس سافر مصطفى السباعي مرة أخرى بمفرده إلى حلب والقرى المجاورة لتعبئة الجماهير في سبيل القضية الفلسطينية.

6- بدأ التحضير لجهاد السلاح ، وهب الشعب في جميع البلاد العربية يطالب بالتطوع للقتال. يقول الأستاذ السباعي : أقبل الشعب إقبالا منقطع النظير على تسجيل أسمائهم كمتطوعين في جيش التحرير المرتقب ، ولكن الحكومة فاجأتنا بقرار يمنع أي هيئة من تسجيل المتطوعين ، وكان واضحا أننا نحن المقصودون بهذا القرار ، إذ لم تكن هناك هيئة أعلنت عن قبول المتطوعين غير الإخوان ويذكر الأستاذ السباعي أن الاتفاق تم مع طه الهاشمي- مسئول جيش الإنقاذ - على أن تذهب كتيبة الإخوان للتدريب على أساليب القتال في معسكر قطنا قرب دمشق ، وأن يكون المكان الذي يقاتلون فيه هو مدينة القدس التي كان القتال فيها من أخطر المعارك ، لأنه كان بين بيت وبيت ، ولا يفصل بين مواقع المجاهدين العرب وبين الصهاينة إلا شارع ضيق لا يزيد عرضه على بضعة أمتار.

لقد وصف الأستاذ مشهور حمود حيمور تدري الإخوان في قطنا ، فقال : شهدته - السباعي- رحمه الله ورافقته وهو يتدرب في معسكر قطنا مع أخوانه المجاهدين عام 1947 على فنون القتال ، وعلى استعمال أنواع السلاح ، وكان يخلط ذلك التدريب العملي بالشحن الروحي والشحذ الإيماني لنفوس شباب الجهاد من كتيبة الإخوان ، ويربط العقيدة بالعزيمة ، ويوثق الاندفاع إلى الجهاد بحب الاستشهاد.

اتخذت الجامعة العربية قرارا بتأليف جيش الإنقاذ ، وافتتحت الحكومة مراكز للتطوع ، فطلبنا منها أن يكون شبابنا منضمين في كتاب خاصة بهم تحت قيادة جيش الإنقاذ فرفضت ذلك ، مما دعا أخواننا إلى الاندماج في كتائب المتطوعين ، ولكن ما سارت أفواج المتطوعين إلى فلسطين حتى جاءتنا رسائل الإخوان المتطوعين من كل مكان تستغيث من الجو الذي يعيشون فيه ، ويطلبون إلينا أن تكون لهم كتائب خاصة بهم ، ينسجمون فيها مع عقيدتهم وأخلاقهم.

يقول الشيخ السباعي رحمه الله : عدنا إلى الإلحاح مرة أخرى في السماح لشبابنا بتشكيل كتائب خاصة بهم ، فكان الجواب : إذا أردتم أن تذهبوا في أفواج خاصة ، فنحن لا نقدم لكم سلاحا ، بل جيب أن يكون سلاحكم منكم ، فلم يكن امتناع المسئولين عن إعطائنا السلاح إلا تحميلنا مالا نقدر عليه ، فلم نجد بدا من عروض الأمر على الإخوان المتطوعين ، فكان من حماستهم ما يذهب ويدهش ، فنهم من تبرع بثمن بندقية ، ومنهم من اشترك مع أخ أو أخوين في ثمن بندقية ، وقد رأيت بعضهم وكان على أهبة الزواج يبيع أحدى سجادتيه اللتين اشتراهما لزواجه. ورأيت من باع منهم بعض ثيابه ، ورأيت من استدان ، وهكذا.

بعد شهر ونصف من التدريب ، التحقت الكتيبة بالمجاهدين العرب على أرض فلسطين على دفعتين ، الأولى بقيادة الملازم عبد الرحمن الملوحي وصحبة البطل عبد القادر الحسيني ، وقد حضر هذا الفوج معه معركة القسطل التي استشهد فيها رحمه الله ، ثم سافر الفوج الثاني بقيادة الشيخ مصطفى السباعي ، وهو الفوج الذي تحدث الأستاذ السباعي عن سيره فقال : ثم سافر الفوج الثاني ، وكان معنا مقاتلون آخرون بقيادة ضباط مسحي من أبناء فلسطين اسمه عيسى ، فاجتزنا جسر النبي إلى فلسطين ، وتقرر أن نتجه إلى أريحا قرب القدس ، ثم ننتقل منها إلى القدس ، ثم قال رحمه الله : وتوزعنا على بيوت قرية مجاورة - البيرة- وكان ن نصيبي أن أبيت تلك الليلة في بيت خوري القرية - رجل الدين المسيحي فيها- وقد لقيت منه ومن أسرته كل ترحاب وإكرام.

قام السباعي بتوزيع الإخوان على مناطق القدس العربية التالية : الشيخ جراح ، المصرارة ، سعد وسعيد ، القطمون. وكانت مسئولية القيادة فيها موزعة على المجاهدين السادة : عندنا الدبس وزهير الشاويش وكامل حتاحت ، وكان مقر السباعي في غرفة القيادة - بالروضة - المطلة على المسجد الأقصى مع الضابط فاضل عبد الله - العراقي- والملازمين عبد الرحمن الملوحي وجمال الصوفي.

7- قال رحمه الله : كان من واجبنا أن ضيق الخناق على يهود القدس الحديثة والقديمة - الغربية والشرقية- وكان فريق من مجاهدي الإخوان المسلمين المصريين بإشراف الأخ محمود عبده ، وقيادة البطل الشهيد أحمد عبد العزيز يرابطون في قرية صور باهر الواقعة جنوبي القدس ، وكان فريق من إخواننا الأردنيين بقيادة الأخ الحاجة عبد اللطيف أبو قورة يرابطون في عين كارم الواقعة غربي القدس ، وقد استطاع المجاهدون الفلسطينيون قطع الطريق الموصل من تل أبيب إلى القدس بعد معارك طويلة عند باب الواد اشتركت فيها مدفعية جيش الإنقاذ ، حضرنا جزءا منها ، وبذلك أصبح يهود القدس ومستعمراتها القريبة منا مطوقين تطويقا تاما ، إذ كان العرب أيضا يسيطرون على طريق القدس الشرقي ، لأنه طريق أريحا وعمان ، كما كانوا يسيطرون على طريق القدس الشمالي ، إذ هو طريق نابلس ، ويسيطر على مدخله حي الشيخ جراح العربي.

كانت المعارك بيننا وبين اليهود في أطراف القدس وداخلها مستمرة ، لا ينقطع فيها أزيز الرصاص والرشاشات والقنابل ساعة واحدة من ليل أو نهار من خلال نوافذ البيوت أو منعطفات الطرق ، أو الهجمات المباغتة على مراكزهم أو هجماتهم على مراكزنا ، وكثيرا ما كانت ترسل النجدات المتعددة في يوم واحد إلى مراكزنا من المجاهدين الاحتياطيين الموجودين في مقر القيادة.

اشتدت هذه المعارك بعد أن جلا الإنكليز عن فلسطين في 15 أيار -مايو- 1948 ، تاركين مراكزهم التي كانوا يحتلونها في منطقة القدس لليهود ، وكانت هذه المراكز حاجزًا بين جماهير العرب وجماهير اليهود ، فأصبح وضع العرب في القدس محرجًا لقلة المقاتلين وقلة الذخيرة عندهم ، وكان حي القطمون أهم هذه الأحياء ، وقد اشترك الإخوان في الدفاع عنه مع المجاهدين الفلسطينيين المرابطين فيه بقيادة الشهيد البطل -أبو دية- رحمه الله ، فاستشهد عدد منهم ، وثبتوا فيه حتى اضطر المجاهد أبو دية للانسحاب منه بعد إصابته واستشهاد معظم إخوانه.

وعندما غادر الإنكليز القدس اشتدت هجمات المجاهدين العرب على الحي ، كما اشتدت مقاومة اليهود ، ثم اضطروا للتسليم بعد نفاد ذخيرتهم بعد وقوع معركة القدس الكبرى التي سوف يأتي الحديث عنها لاحقًا ، وقد تولى السباعي رحمه الله المفاوضة مع الوفد اليهودي قبل أن يحضر قائد الجيش العربي ، ويتولى أمور المفاوضات مع اليهود ، وقد تم أسر المقاتلين ، فلم يتجاوزوا برأي القائد مائة ، مع أن المقاتلين منهم كانوا يزيدون على خمس مائة ، فقد أخرج منهم رجال الدين ولو كانوا شبانًا ، والنساء مع أنهن كن مقاتلات. يقول الشيخ السباعي : وانتقلنا إلى المستشفى فوجدناه مليئًا بمن يتظاهرون أنهم من الجرحى ، إذ كانوا قد عصبوا أيديهم ورؤوسهم وأرجلهم بعصائب ، فأبينا إلا أن نفتش عن كل واحد منهم ، وكان معنا طبيب عربي ، فتبين بعد الفحص أن أكثر عصاباتهم كانت تمويهات ، فضممناهم إلى الأسرى من الشباب ، ثم غادرنا الحي اليهودي والدمار قد حاق بأكثره ، والحرائق التي أشعلها اليهود قبل مغادرتهم قد أتت على الباقي.

8- عندما تم جلاء الإنكليز عن القدس ، وكان الحي اليهودي لم يستسلم بعد ، أدركنا حرج موقف حامياتنا في القدس الحديثة ، وأن اليهود سيبذلون قصارى جهدهم لإنقاذ اليهود المحاصرين في الحي اليهودي ، وكانت الذخيرة عندنا قليلة ، بل إن فوج اليرموك وكان فيه إخواننا ، وعدده أكثر من خمس مائة مجاهد ، كانت بنادقه ورشاشاته كلها من النموذج الألماني ، ولم يبق لديهم من الذخيرة إلا نزر قليل جدًا ، مما حملني على أن أغادر القدس إلى دمشق طالبًا من قيادة جيش الإنقاذ تزويدنا بما نحتاج إليه من الذخيرة ، استعدادًا للمعركة المرتقبة ، وقابلت طه الهاشمي ، وعرضت عليه ما جئت من أجله ، ففاجأني بقوله : إن فوج اليرموك قد سحب من القدس إلى مقر قيادة القاوقجي ، فلماذا تطلب الذخيرة الألمانية؟ يقول الشيخ : وهنا أدركت مصير معركتنا التي وضعت بأيدي مثل هذا الرجل ، فقلت له : ومتى سحب فوج اليرموك؟ قال : منذ أسبوع ، فقلت : إنك أرسلت برقية إلى قائد فوج اليرموك تطلب إليه أن يلتحق شخصيًا بفوزي القاوقجي نظرًا لتبرم المجاهدين من جهله وغباوته وجبنه ، أما فوج اليرموك فلا يزال في القدس ، وغخواننا فيه ، وأنا الآن قادم من القدس ، وبنادقنا خاوية من الذخيرة ، فأجابني بكل صلف (ماكو عندنا ذخيرة ألمانية) أي لا يوجد ، فخرجت من عنده إلى رئيس الجمهورية ، وعرضت الأمر عليه ، فاتصل بالهاشمي ، وطلب منه أن يعطيني ذخيرة ألمانية ، فلما عدت إلى الهاشمي ، وجدته مربد الوجه ، وخاطبني بقوله : يكف ننجح وكل شيء عندنا بالوساطات؟ قلت له : إنني لا أتوسط لوظيفة عندك ، ولكن أتوسط لنموت في المعركة موت الشرفاء ، فأجابني : إنني أمرت بإعطائك خمسة آلاف طلقة إكرامًا لرئيس الجمهورية ، فقلت له : هذه سينال منها كل بندقية عشر طلقات ، ونحن في القدس نتناوش مع اليهود في كل ساعة ، فماذا نستطيع أن نقاوم بهذه الرصاصات العشر؟ فألح في عناده ، وخرجت من عنده مغضبًا إلى وزير الدفاع ، فعرضت الأمر عليه ، فاعتذر بأنه ليس عندهم ذخيرة ألمانية ، وفي نهاية الحديث قال وزير الدفاع : إنه سيتصل بالقيادة العربية للجيوش العربية في عمان ، ويطلب منها إجابتي إلى طلبي ، وقبل مغادرتي دمشق اتصلت به هاتفيًا ، فأكد أنه اتصل بعمان ، ووعده بإجابة طلبي ، وذهبت إلى عمان في نفس اليوم ، واتصلت بالقيادة العامة ، فكانوا مدهوشين من دعوى وزير الدفاع اتصاله بهم ، وقالوا : إنه يعلم أن ذخيرتنا كلها إنكليزية ، فمن أين نأتيك بالذخيرة الألمانية؟ ولما يئست منهم اتصلت بأعضاء لجنة الدفاع عن فلسطين في عمان ، وكلهم من خيرة التجار السوريين والأردنيين في العاصمة ، وعرضت الأمر عليهم ، وطلبت منهم النجدة ، فأسرعوا يشترون كل ما وجدوه في السوق من ذلك ، وزادوا عليه عديدًا من القنابل وبعض الأسلحة ، فعدت إلى القدس ، وقد حملت من عمان آلاف الطلقات التي تمكننا من الاستمرار في المعركة ساعات ، وكان وصولي قبيل الغروب بدقائق ، فوجدت معركة الحي اليهودي مشتدة في ذلك اليوم ، وقد جرح فيها الملازم الملوحي ، وما يزيد على أربعين من إخواننا ، واستشهد فيها ما يزيد على سبعة من شهداء الإخوان ، ووجدت القائد فاضل عبد الله مستلقيًا على فراشه ، مستغرقًا في نوم عميق من شدة الإعياء والسهر في الليالي الخمس المواضي ، حتى إذا كان الوقت الساعة العاشرة ليلا جاءتنا أنباء من جميع حامياتنا على أبواب مدينة القدس بأن اليهود قد شنوا هجومًا عامًا على مختلف الأبواب ، وركزوا هجومهم على باب الخليل الملاصق للحي اليهودي ، عندئذ بدأت أوزع الرصاص على المجاهدين ، ولما اشتد الهجوم الذي شنه اليهود على باب الخليل بما يقرب من عشر مصفحات وآلاف المقاتلين - حوالي ستة آلاف من الهستدروت- لم أجد بدا من الاستنجاد بإحدى العواصم القريبة ، فطلبت كبار المسئولين باسم قائد حامية القدس ، ثم أيقظت القائد فاضل عبد الله ، وأخبرته بخطورة الوضع ، وأني قد طلبت كبار المسئولين في العاصمة العربية باسمه ، فتم الاتصال بينه وبين كبير منهم ، وأعلمه بخطورة الوضع في القدس ، وطلب منه إرسال نجدة عسكرية على وجه السرعة ، فاعتذر عن ذلك وقال له وأنا أسمع : إذا وجدتم أنفسكم في موقف حرج فانسحبوا من القدس ، فأجابه القائد : إن في القدس عدا أهلها ما يزيد على عشرين ألفًا من اللاجئين إليها بعد مجزرة دير ياسين ، فإذا احتلها اليهود فستكون مجزرة لم يسمع بها التاريخ ، فأجابه المسئول الكبير وهو يظن أن حامية القدس كلها من بلده : أنا آمرك بالانسحاب ، وأنتم عندنا أغلى!!

يقول القائد المجاهد مصطفى السباعي  : وهنا لم أتمالك من أن أقول له : إن الحامية تقسم أن لا يدخل اليهود القدس إلا على أشلائها ، فإما أن تنجدونا ، وإما أن نقاتل حتى نستشهد جميعًا ، وهنا جاء من يقول لنا : إن اليهود قد اقتحموا باب الخليل ، فتركنا الحديث مع العاصمة العربية ، وأسرعنا إلى إخراج من كان في القيادة من الجنود حتى الجرحى ، ووزعنا عليهم كل ما كنت استحضرته من الرصاص والذخيرة من عمان ، وأسرعنا إلى باب الخليل ، وشاع في البلدة أن اليهود قد اقتحموا باب الخليل ، فخرج النساء والأطفال من بيوتهم ، وكان تيار الكهرباء منقطعًا ، وسمعنا مناديًا يقول : يا أهل القدس ، كل من عنده سلاح فليذهب إلى باب الخليل ، وهرع الشباب والمقاتلون إلى هناك ، حيث تبين أن اليهود لم يستطيعوا اقتحام باب الخليل للدفاع البطولي الذي قامت به الحامية هناك ، وتحصن المجاهدون ومن هرع من أهل القدس وراء المتاريس عند باب الخليل وفوق أسواره ، وابتدأت المعركة الكبرى منذ الساعة الحادية عشرة ليلاً حتى الخامسة صباحًا ، كان فيها صوت الرصاص والقنابل والديناميت يضج في الآذان بلا انقطاع ، فلما انبلج الصبح ، انسحب اليهود ، وردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وخلفوا وراءهم مصفحة قد دمرت ، وبعض القتلى الذين لم يستطيعوا سحبهم معهم ، وعاد المجاهدون إلى أماكنهم ، والمقاتلون المقدسيون إلى بيوتهم. يضيف الشيخ المجاهد : عدنا إلى مقر القيادة فوجدنا ذلك المسئول العربي الكبير يتصل بنا هاتفيا ليسألنا عن أنباء المعركة ، فأجاباه قائد حامية القدس بأن الله نصرنا وأعاننا على صد هجوم اليهود ، ولكن ذخيرتنا قد نفذدت ، فإذا لم تصلنا نجدة عسكرية في هذا اليوم وصلت قوة من المدفعية الصغيرة معها بعض الجنود ، وبدأت تصرف الحي اليهودي من مشارف القدس ، فارتفعت معنويات سكان القدس ، ودب الهلع في قلوب المحاصرين ، وبعد ثلاثة أيام استسلم الحي اليهودي كما أسلفنا من قبل.

عاد السباعي إلى دمشق ، وقابل كبار المسئولين ، وحكى لهم قصة القدس ، وبعد جدل وتحاور دلل فيه المسئولون عن جهل أو تجاهل فيما يجري في فلسطين ، اعترفوا بسوء الحالة التي كان قد أشار إليها صفوت باشا ، فقال الأستاذ السباعي : إذا كنتم تعلمون حقيقة استعداد اليهود ، فكيف أعددتهم جيش الإنقاذ لينقذ فلسطين ، وهو لا يزيد على أربعة آلاف غير مدربين تدريبا كافيا ، وليس له قوة جوية ولا مدفعية ثقيلة ، مع أن في القدس وحدها عشرة آلاف مقاتل يهودي؟ فأجابني : إننا لم نرسل جيش الإنقاذ ليحارب ، بل ليقوم بمهمات مؤقتة ، فقلت له : ولهاذ كان أكثر جيش الإنقاذ يتنزه في مناطق عربية كنابلس ، بينما حيفا ويافا وغيرهما تستيقظ بأيدي اليهود ، وكانت مجازر دير ياسين تقع على سمع هذا الجيش وبصره ، فسكتوا جمعيا.

عاد السباعي إلى القدس ، وبعد أيام وقعت الهدنة المشؤومة - كما وصفها السباعي رحمه - قال : وجاءتنا الأوامر من قيادة جيش الإنقاذ بدمشق بالانسحاب من القدس ، وتسليمها للجيش العربي ، بحجة أننا سنرسل إلى الجبهة السورية ، ورأي السباعي أن من واجبه أن يكشف للجماهير الحقائق التي تبينها بنفسه ،فقام بإلقاء محاضرات في كل من دمشق وحمص وحماة وحلب واللاذقية ودير الزور وغيرها من المدن السورية ، لقد شعر السباعي وهو في قلب معارك القدس أن هناك مؤامرة تجري في الصعيد الدولي ، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية العليا لجعل التقسيم أمرا مفروغا منه ، ولجعل القدس تخرج من أيدي العرب والمسلمين ، ثم أبدى بعد ذلك الملاحظات التالية :

أ- إن جيش الإنقاذ الذي شكلته الجامعة العربية ، ووكلت قيادته إلى فوزي القاوقجي لم يكن إلا تسكينًا لشعور العرب الهائج في كل بلد ، وإنه لم يكن يقصد منه جديًا أن يقاتل ويمنع سقوط المدن والقرى العربية بأيدي اليهود.

ب- كانت مهمة جيش الإنقاذ تحطيم منظمة الجهاد المقدس التي انخرط فيها شباب الفلسطينيين ، وأبدوا فيها من البطولات ما سجله لهم التاريخ بإعجاب وإكبار ، وكان قائدها الشهيد البطل عبد القادر الحسيني يحاول أن يحصل من الجامعة العربية على السلاح فخاب مسعاه ، وعندما جاء إلى قطنا ليأخذ الفوج الأول من الإخوان قال : طلبت منهم مدفعًا واحدًا فرفضوا ، وأعطوني مائة بندقية لا تصلح إلا لوقود النار.

ج- لم تخض قيادة جيش الإنقاذ معركة جدية واحدة في فلسطين ، فالقاوقجي كان مقيما قرب نابلس ، وصفوت باشا وطه الهاشمي لم يدخلا فلسطين قط ، بل كان مقر الهاشمي في دمشق ، وكان صفوت باشا ينتقل بين القاهرة ودمشق .

هـ- في مقابلة صحفية تمت قبيل وفاة الشيخ المجاهد طيب الله ثراه ، سأله المحرر قائلاً : بمناسبة الحديث عن فلسطين قد عرفناكم في طليعة الذين أبلوا في سبيل استعادتها بلاءً حسنًا ، إلا أننا نحب أن توضحوا لنا كيف تم تراجع العرب منهزمين أمام الصهاينة ، والعرب أكثر منهم عدة وأكثر عددًا؟ فأجاب بقوله : لم أكن وإخواني الذين شرفنا الله بالجهاد في أرض فلسطين ، وشرف بالشهادة أكرم شباب هذه الأمة ، لم تكن إلا قائمين بما يوجبه الإسلام من جهاد في سبيل الله ، أما الهزيمة فحسبي أن ألخصها لك بكلمة واحدة هي- الخيانة- وكان قد أشار إلى هذا في وقت سابق بمناسبة ما وصفه بالحملة المسعورة الظالمة على الهيئة العربية ، وعلى رئيسها المجاهد المؤمن الصابر الحاج أمين الحسيني ، فقال في افتتاحية العدد السادس من السنة الثالثة من مجلته -حضارة الإسلام - : وهذا ما يدعونا ويدعو كل عاقل مخلص إلى الربط ما بين نشاط إسرائيل وحلفائها ، وبين الهجوم والافتراء الرخيص على الهيئة العربية العليا ورئيسها ، وبذلك سيثبت التاريخ مرة أخرى أن كارثة فلسطين ما كانت تقع ، لولا ارتباط بعض المسئولين في البلاد العربية بدول الاستعمار ، وخضوعهم التام لها .

9- في صباح 15- 5- 1948 دخلت القوات العربية إلى فلسطين معلنة ابتداء الحرب العربية الإسرائيلية الأولى ، وانتهت الجولة الأولى من الحرب بإعلان الهدنة التي سرى مفعولها في 11 حزيران/ يونيو دون أن تتمكن الدول العربية من تحقيق أي من أهدافها العسكرية ، بل تفككت قيادتها العسكرية المشتركة ، وساد الاعتقاد لدى فئات كثيرة من الشعب ولدى القيادة العربية بأن تلك الهدنة قد سلبت النصر من أيدي العرب ، وكذلك كان الأمر لدى الإخوان المسلمين ، وقد أشاع الشيخ السباعي ذلك الرأي في إحدى زياراته التفقدية التي قام بها ما بين 11- 15 حزيران/ يونيو لمراكز الإخوان ، وبأنه لا بد للعرب من متابعة القتال حتى يتحقق لهم النصر.

في 8 تموز/ يوليو ابتدأت الجولة الثانية من حرب فلسطين التي استمرت حتى 18 تموز/ يوليو ، وقد استغل الجانبان الهدنة لإعادة تسليح أنفسهما ، إلا أن إسرائيل تمكنت من ذلك بشكل أفضل بكثير ، فقد وقف 40000 جندي عربي أمام 60000 جندي إسرائيلي ، وانتهى القتال الذي استمر عشرة أيام لصالح إسرائيل ، وبذلك انتهت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى بالنسبة لمعظم الدول العربية ، إلا أن تلك النهاية لم تكن مقبولة لدى الإخوان المسلمين ، ففي لقاء كبير في الجامع الأموي في دمشق ، أرسلت البرقيات إلى رؤساء الدول العربية تطالب برفض قرارات مجلس الأمن ، وبمتابعة القتال ، وفي نهاية اللقاء خرجت مظاهرة في سوق الحميدية متجهة إلى البرلمان ، يرأسها معروف الدواليبي ومحمد المبارك ومصطفى السباعي .

وقد أورد مصطفى السباعي المطالب السياسية الرئيسية التي تتعلق بالأزمة الفلسطينية في افتتاحية المنار في 25- 7- 1948 باسم الإخوان بما يلي :

- في السياسة الخارجية :

أ- إلغاء الهدنة ومتابعة القتال دون تهاون أو تخاذل.

ب- مقاومة رغبات مجلس الأمن التعسفية الجائرة ، وقراراته المتعلقة بالمقاطعة الاقتصادية.

ج- الانسحاب من الأمم المتحدة ، كي يبقى المجال مفتوحًا للتحرك أمام الدول العربية ، وغير مرتبط بميثاق الأمم المتحدة ، فقد تمكنت دولة صغيرة مثل ألبانيا من الاستهزاء بمجلس الأمن ورفض رغباته دون أن يلحق بها أي ضرر من ذلك ، إذ أنها ليست مقيدة بميثاق الأمم المتحدة.

هـ- تشكيل رابطة عربية إسلامية تتألف من الدول العربية والإسلامية ، كي تقف سدًا يحول دون التسلط الصهيوني من ناحية ، ورغبات البريطانيين والأمريكيين من ناحية أخرى.

و- أتباع سياسة اقتصادية ثابتة تبعد البضائع والمستهلكات الغربية التي لا فائدة منها سوى تبديد ثرواتنا.

ز- مقاطعة بترولية لكل من بريطانيا والولايات المتحدة والدول التي تقف إلى جانب الدول المعتدية. ح- التخلص نهائيا من نفوذ المعسكر البريطاني- الأمريكي ، والاستفادة من المعسكر الروسي في حال أي صدام بين المعسكرين.

- في السياسة الداخلية :

أ- إعلان التجنيد الإجباري في جميع الدول العربية.

ب- إقامة مصانع للأسلحة للاستغناء عن استيراد الأسلحة من دول الغرب.

ج- إفهام الأمة أننا في حالة حرب ، وتكريس جميع ثروات الأمة ووسائل النقل من أجل المعركة.

د- الاستمرار في تعبئة الجماهير في الاندفاع إلى القتال حتى يتحقق النصر.

هـ- إصلاح واقع الأمة في تحسين مستوى المعيشة ، ونشر الثقافة ومكافحة الأمراض للنهوض بالمواطنين اجتماعيًا وفكريًا وأخلاقيًا.

و- مكافحة جميع مظاهر الميوعة والتحلل والفساد داخل الأمة ، إلى أن تعود مظاهر الرجولة والبطولة إلى الأجيال الصاعدة.

ز- إزاحة أولئك الزعامات التي تتعاون مع دول الإجرام بريطانيا وأمريكا ، وإبعادها كليا عن قيادة المعركة ، كيلا تتكرر المأساة مرة أخرى .

ومما يجدر ذكره أن الشعب بالرغم مما كابده من هموم وآلام ، وما أصابه من خيبة أمل في المنظمات الدولية ، وفي مواقف الدول الكبرى ، وما صدمه من مواقف الحكومات وتآمر بعضها ، وخضوعهم لمشيئة النفوذ الأجنبي ، بالرغم من ذلك كله فقد ظهرت بطولات عظيمة ، وشجاعة مذهلة ، وتضحيات تذكر بأمجاد العظماء من تاريخ أمتنا المجيد ، فقد رفضت اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية أعدادًا من المتطوعين لصغر أعمارهم ، على الرغم من أنهم كانوا قد أعدوا أنفسهم للجهاد من خلال تدريبات الفتوة ، وتبين الحادثة التالية الروح التي كانت تسيطر على أذهان كثيرين من شبان الإخوان المسلمين ، فقد رفض قبول أحد الشبان البالغ من العمر 18 سنة لصغر سنه ، إلا أن إجابته كانت جاهزة (هل كان أسامة بن زيد حين عينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائدًا للقوات المسلحة أكبر مني سنًا؟ هل تناسيتم العبر التي لقننا إياها؟ وكيف ترفضون شابًا مثلي ، وتحرمونه من التمتع بشرف الجهاد في سبيل الله وشرف لقاء أسامة بن زيد وأبطال الإسلام الشبان من أمثاله في الجنة ، وبرر قرار الرفض بتحديد عدد المقبولين في جيش التحرير ، إلا أن ذلك الشاب وقف متربصًا إلى جانب الطريق الرئيسي ، إلى أن مرت القوات المتجهة إلى فلسطين ، فقفز إلى إحدى الحافلات وذهب معهم .

10- كانت مواقف الإخوان وبطولاتهم في سوح القتال ، وتضحياتهم مبعث إعجاب وإكبار لدى قادة الجهاد الفلسطيني من أعضاء اللجنة العربية العليا ، ومن القادة الميدانيين ، ومن المؤرخين لأحداث فلسطين ، فقد جاء في كلمة الأستاذ أميل الخوري المقرب من الحاج أمين الحسيني ورفيق دربه لفترة طويلة ، تحت عنوان : ذكريات من جهاد السباعي جاء فيها في لية الثني من مايس/ مايو عام 1948 ، وفيما كانت طلائع المجاهدين تتقدم نحو مستعمرتي عطاروت ونفي يعقوب فوجئنا بقدوم عدد من الرجال المسلحين ، أكد لنا الحرس أنهم من العرب ، وأنهم يريدون المساهمة في الجهاد والانقضاض على المستعمرتين ، فلما ذهبنا للاتصال بهم ، وجدنا أنهم قوة سورية مؤلفة من 150 رجلاً ، جلهم من الشبان ، يتحرقون شوقًا لخوض غمار القتال ، وكان على رأس هذه القوة المرحوم الشيخ مصطفى السباعي في لباس الميدان متمنطقًا سلاحه للجهاد في سبيل الله ، فهلل المجاهدون وكبروا ، ورحبوا بإخوانهم في الجهاد أجمل ترحيب ، وقبيل خوض المعركة الخطيرة حاولنا إبقاء الشيخ مصطفى السباعي في مقر القيادة ، وهو بعيد نسبيًا عن أرض المعركة ، كما سعيت شخصيًا لإقناع الشيخ بالبقاء في القيادة للقيام بأعمال خطيرة ومهمة ، لكنه أبى ورفض ، وأصر على خوض غمار المعركة مهما كلفه الأمر ، ولما لم نستطع ثني الشيخ عن عزمه ، وافقناه على ما يريد ، واخترنا مركزًا يشغله وأترابه ، ولكنه لم يقبل ذلك ، وصمم أن يشترك بنفسه في الطليعة ، فكان له ما أراد ، وخاض الشيخ السباعي ورفاقه المعركة ببطولة عظيمة ، إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين ، وانتهت المعركة بنصر مؤزر.

انتقل الشيخ مصطفى ورفاقه بعد معركة المستعمرات في لواء القدس ، وانضم إلى قوات الجهاد المقدس في المنطقة الوسطى ، متعاونًا مع القائد المرحوم حسن سلامة ، وظل يجاهد في فلسطين حتى وقعت كارثة 15- 5- 1948 ، فاضطر هو ورفاقه إلى الانسحاب من فلسطين تنفيذا لأوامر القيادة العسكرية العربية النظامية وتعليماتها .

أما مؤرخ النكبة الأستاذ عارف العارف ، فقد سجل جهاد السباعي وإخوانه في كتابه القيم -نكبة بيت المقدس- فقال : اشترك من الإخوان المسلمين السوريين في حرب فلسطين زهاء أربع مائة أخ ، منهم مائة بقيادة الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي ، وهو أستاذ في الجامعة السورية ، والباقون انخرطوا في صفوف جيش الإنقاذ ، وقد استشهد منهم أحد عشر شخصًا ، وجرح زهاء خمسين ، ثم قال المؤرخ عارف العارف عن هذه المجموعة من الإخوان المجاهدين : وجلهم إن لم نقل كلهم من الأسر المرموقة ، ومن حملة الشهادات المثقفين ، اشتركوا في معارك الحي القديم ، وفي القسطل والقطمون ، وفي الحي الأخير استشهد منهم كثيرون.

بعد إعلان الهدنة التي فرضت على القيادات العربية ، توقف القتال ، وعادت كتائب الإخوان من فلسطين ، وعاد السباعي إلى دمشق يحمل جراحات قلبه .

وعندما سدت جميع الطرق أمام الإخوان لمتابعة القتال على أرض فلسطين ، تحركوا في ساحات أخرى لنصرة القضية المأساة ، عن طريق المحاضرات والصحافة وإصدار النشرات والكتب والمجلات الأسبوعية والشهرية ، والقيام بجولات على المدن والقرى لتعبئة المواطنين ، وإدخال موضوع فلسطين في المناهج التعليمية ، وتقديم المذكرات إلى الحكومات وجميع الجهات المعنية ، وتخصيص أسبوع من كل عام لإحياء القضية الفلسطينية في النفوس والضمائر ، وتأليف الجمعيات الخاصة بالدفاع عن فلسطين في بلاد الشام والعراق.

كل هذا وغيره تابعه الشيخ السباعي وإخوانه في مراحل لاحقة من تاريخ الجماعة بعد انقضاء المرحلة الأولى التي امتدت من عام التأسيس عام 1945 وحتى حدوث الانقلاب العسكري الأول عام 1949 ، مما سيأتي الحديث عنه تفصيلاً.

الإخوان المسلمون يعتقدون اعتقادًا جازمًا أن النصر في النهاية محتم بإذن الله في موضوع فلسطين ، ولو خسرنا ألف معركة ، استنادًا إلى نصوص قطعية ، وأحكام فقهية ، وإلى منطق التاريخ الصارم في اندحار الظلم مهما طال أمده ، وإلى ارتباط ذلك بأصول العقيدة المستندة إلى كتاب الله وسنة مصطفاه -صلى الله عليه وسلم- بما لا يدع مجالا لشك أو حيرة. بالإضافة إلى المبشرات التي طمأن بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمته على مدار التاريخ أن النصر في المآل سيكون حليف أمة التوحيد والرسالة الربانية الخاتمة.

المرحلة الثانية : الإخوان المسلمون والانقلابات العسكرية من 1949 وحتى 1954

أولاً : بعد ظهر أحد الأيام الباردة من شهر شباط/ فبراير سنة 1947 اتصل السكرتير الأول في السفارة البريطانية في واشنطن المستر سيشل بالمستر لوي هندرسون مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى وإفريقيا ، وطلب منه مقابلته لسب هام ، وفي تلك المقابلة سلمه رسالتين على جانب كبير من الأهمية ، صادرتين عن القسم الأجنبي في السفارة البريطانية ، وحتى يكون أمام موظفي وزارة الخارجية وقت كاف لدراسة الرسالتين وتقديم لمحة عن مضمونهما لوزير الخارجية قبل التقائه بالسفير البريطاني صباح الاثنين ، فقد كانت أخبار الرسالتين تشير إلى عزم بريطانيا على إنهاء وصايتها على بعض أرجاء العالم ، ولهذا فإنها لن تتمكن من تحمل أعباء المد الشيوعي في كل من تركيا واليونان وتخشى بريطانيا في الوقت نفسه أن يتمكن الشيوعيون من فرض سيطرتهم على اليونان وعلىتركيا. وعلى الولايات المتحدة أن تبادر إلى سد هذا الفراغ قبل أن يسبقها الاتحاد السوفيتي إليه.

إن الخطر الشيوعي في نظر هندرسون لا يهدد بالزحف على اليونان وتركيا فقط ، بل وعلى كل أوروبا الجنوبية ، وعلى شمالي إفريقيا والشرق الأوسط ، وهكذا فقد أشعلت الرسالتان الضوء الأخضر أمام الحكومة الأمريكية لتصبح دولة ذات تأثير فعال في شؤون العالم ، وفي مواجهة السوفيات الذين ربما فاق خطرهم ألمانية النازية.

في شتاء 1947 عانت بريطانيا من نقص فادح في موارد الفحم بسبب سوء الأحوال الجوية وتراكم الثلوج إلى حد أعاقت وسائل النقل كليا ، وتسببت في إتلاف محصول الشتاء من القمح ، وتوقف معامل كثيرة عن العمل ، وترك حوالي خمسة ملايين من العمال عاطلين مما جعلها أكثر اقتناعًا بتسليم أمريكا زمام القيادة العالمية.

ومن عجيب المفارقات أن وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال كان يلقي خطابًا في برينسون أمام حشد من الشباب الأمريكي يوضح فيه الدور الذي بات على أمريكا أن تلعبه في العالم بعد أن تغلغلت في كل أركانه ، جغرافيًا وماليًا وعسكريًا وعلميًا. ودعا الأمريكيين أن يرتفعوا إلى مستوى مسئولياتهم لضمان وسلامة العالم.

وقد انتهى الوزير من إلقاء خطابه في 21- 2- 1947 وهو لا يدري شيئًا عن مضمون تينك الرسالتين الدبلوماسيتين اللتين أرسلتا إلى وزارته في اليوم السابق .

1- شرعت الولايات المتحدة في وضع أسس وأصول وأستراتيجية سياستها الجديدة لبسط نفوذها على دول العالم ، طبقًا لدراسة مركز التخطيط السياسي الأمريكي تتلخص في ما يلي :

أ- تجاوز الاعتبارات الشرعية والقانون للدولة الدستورية التي تحد أو تعرقل برامجها وخططها ، واللجوء إلى أسلوب آخر ، أو التمسك بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ظاهرًا ، والاعتماد على وسائل أخرى في السر والخفاء.

ب- عدم الالتفات إلى القواعد الأخلاقية -وأن الخير هو الخير ، والشر هو الشر- التي يرددها رجال الكنيسة ، ليس لها أي اعتبار في تخطيط السياسة الأمريكية .

جـ- إذا وقفت حكومة أو حاكم حجر عثرة في وجه المخططات أو المصالح الأمريكية في آسيا وأفريقيا ، فإن الحكومة الأمريكية عبر أجهزتها لا تتردد في إزاحته مهما كانت فداحة المخالفات الأخلاقية .

د- تبديل أو العمل على تبديل الحكومات العاجزة- ولو كانت تدور في فلك النفوذ الأمريكي -واستبدال آخرين بهم ، يكونون أكثر انسجامًا مع الظروف الراهنة.

هـ- إن أي فحص لوثائق الخارجية الأمريكية وزارة الدفاع وأجهزة المخابرات تظهر مثالية السياسة الأمريكية في الظاهر ، وانتهازيتها وميكيافيليتها في الحقيقة والباطن.

بدأ الأمريكيون -في سياق اهتمامهم بالبلاد العربية- بتعليم موظفيهم أو أحسن موظفيهم اللغة العربية ، وقامت الخارجية بإطلاعهم على ثقافات الشرق الأوسط ، وعلى كل ما يمت لهذا الموضوع بصلة ، واستدعى تشارلز فيركسون الخبير في التعليم السريع للغات -من جامعة هارفرد- ليبدأ فصولاً دراسية في اللغة العربية لبعض الدبلوماسيين الشباب ، فكانت نتيجة هذه الفصول أن قارب عدد الدبلوماسيين الأمريكيين المتكلمين باللغة العربية عدد المتكلمين بها من البريطانيين ، وأربعة أضعاف المتكلمين بها من الروس ، وأصدرت وزارة الخارجية أمرًا بتعيين ارتشيبالد روزفلت- حفيد الرئيس تيودور روزفلت- كمنسق لنشاطها السياسي الخاص ، وأرسلته إلى بيروت ، وكان روزفلت هذا قد أمضى عدة أشهر مع قبائل عربية وكردية وفارسية ، وكان يتكلم اللغة العربية وبضع لغات أخرى ، ولم تمض فترة حتى كان الأمريكان في السلك الدبلوماسي في الشرق الأوسط من خيرة ما بمقدور حكومتنا تقديمه ( ).

2- بدأت أمريكا في مغامراتها في التدخل بالشؤون الداخلية للدول المستقلة في العالم الثالث ، وشرع رجال المخابرات يضعون خططهم لتنفيذ هذه السياسة ، وتساءلوا : من أين يبدؤون؟ أمن تركيا واليونان؟ فالبلدان حليفان ، ويريدان ما تريد ، كما أن إيران مستبعدة ، لأن الانسجام والتفاهم كاملان مع السياسة الأمريكية ، إذن أمامنا العالم العربي الذي بدأت رائحة العداء تفوح من جنباته بعد انكشاف السياسة الأمريكية تجاه العرب ، ووقوفها المعادي لهم ، ودعمها الكامل لدولة إسرائيل. كان المفروض أن يكون العراق أول أهداف هذه السياسة الأمريكية ، لكنها استبعدت ذلك ، مراعاة للعلاقة الأمريكية البريطانية ، ولذا وقع الاختيار على سورية ، هذا القطر الذي فشل الحكم التركي والانتداب الفرنسي في ترويض شعبه وإخضاعه .

حاول رجال السفارة الأمريكية في دمشق إقناع القوتلي بوجود إسرائيل ، فوجدوه -كما ذكروا- أصلب من الصخر ، وكذلك وجدوا من حوله كذلك ، فسرعان ما اقتنعت- يقول كوبلاند- أنني :

كناطح صخرة يومًا ليوهنها

فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وعندما وصل رئيس بعثتنا جميس ميكائيل كييلي إلى دمشق ، وهو برتبة وزير مفوض ، رفعت له تقريرًا أقنعه بالحقيقة المرة ، وهي أن الوضع يتجه نحو انفجار سياسي بدأت معالمه تلوح في الأفق لإصرار القوتلي وأعوانه على مواقفهم ، فلم يبق أمامنا سوى طريقين ، فإما ثورة مسلحة يقودها بعض الانتهازيين بدعم سري من السوفيت- شيوعية- أو حركة من الجيش السوري بدعم منا نحن الأمريكيين. 3- كان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار/ مارس 1949 من إعدادنا وتخطيطنا ، فقد قام فريق العمل السياسي بإدارة الميجر ميد - رجل التنفيذ - بإنشاء علاقات صداقة منتظمة مع حسني الزعيم رئيس أركان الجيش السوري ، ومن خلال هذه الصداقة أوحى الميجر ميد لحسني الزعيم بفكرة القيام بانقلاب عسكري.

اضطلعنا - نحن في السفارة - بمهمة وضع كامل خطته وإثبات كافة التفصيلات المعقدة ، بيد أن الانقلاب حافظ على صبغة سورية محضة أمام أنظار العالم الخارجي إلى أن بدأت الروائح تفوح منه ، وأخذت الألسن تتناقل : أن حسني الزعيم ليس أكثر من مجرد صبي من صبيان الأمريكان. لقد أكد حسني الزعيم مرارا وتكرارا أنه لا ينوي العودة بالبلاد إلى الحكم البرلماني ، وأنه عازم على زج السياسيين الفاسدين في السجود ، وعلى إعادة تنظيم جهاز الحكومة على أسس أكثر فاعلية ، وعلى إجراء الإصلاحات الضرورية في مجال الاقتصاد ، وأخيرا وهذا هو المهم من حركة الانقلاب) اتخاذ بعض الإجراءات الإيجابية لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي.

في اليوم التالي للانقلاب ، أمضى الميجر ميد ساعات طويلة مع حسني الزعيم ، وهو يحد له أسماء أولئك الذين يجدر أن يكونوا في مناصب دبلوماسية ، ومن يجدر أن يكون سفيرا في لندن. إلا أن اتضح لنا أننا قد أغفلنا أمرا ضروريا جدا عند رسم خططنا ، وهو البحث عن رجل آخر يحل محل حسني الزعيم الذي بدأ يقترب من نهايته.

وفي صبيحة الرابع عشر من شهر آب/ أغسطس 1949 قامت مجموعة من أصدقاء حسني الزعيم الضابط ، بقيادة سامي الحناوي اسما ، وأديب الشيشكلي فعلا ، بمحاصرة بيته وقتله ثم دفنه في المقبرة الفرنسية ، وقد أخبرني - يقول كوبلاند- الشيشكلي بعدها أنه كان لبقا معنا ، إذا عامل حسني الزعيم على أساس أنه عميل فرنسي ، وليس عميلا أمريكيا.

4- لم يكد يجلو آخر جندي فرنسي عن سورية ، ولم تكد تنتهي أفراح الجلاء حتى ألتفت كبار ساسة الدولة السورية ورجالات الحكم إلى توزيع المناصب والمغانم وتقريب الإتباع والمحاسيب ، فصارت خيرات سورية نهبا بين جماعات المحتكرين والمنتهزين.

فتحت الصحافة السورية وقادة الأحزاب النار على رجال السلطة ، وتحدثوا عن مظاهر الفاسد في الحكم ، وعابوا عليها تقريب المحاسيب وتفشي الاختلاس والرشوة ، فدعا جلال السيد في العدد 19(تاريخ 29-7-1946) من جريدة البعث إلى انقلاب جذري يجتث الفساد من جذوره ، وهكذا كان حال الصحف الأخرى طوال عام 1947 ، فقد رفعت جريدة المنار راية الثورة على الأنظمة ، ودعت إلى إسقاط الحكومات العربية المهزومة ، وكانت القبس أقوى الصحف وأعنقها في التنديد بالحكام العرب ، ونعتهم بالخونة الذين لا يخجلون ، وفي 4-1-1949 دعت القبس إلى استقالة الحكومات بعد الهزيمة في حرب فلسطين .

بلغت الأزمة ذروتها حين راحت الصحف تنشر فضيحة المقدم فؤاد مردم - ابن أخي رئيس الوزراء جميل مردم- وسير محاكمته ، وكلها - أي الصحافة- تجمع على أنه أمد العدو بالسلاح وباع وطنه من أجل فتاة يهودية ، وتوضح للرأي العام كيف وصلت صفقة السلاح إلى اليهود ، بدلا من وصولها إلى سورية بعد شرائها من إيطاليا ، وتربط بين هذه الخيانة وانحراف الحكم وفساده. فكان هذا وغيره من العوامل والأسباب التي مهدت للانقلاب العسكري وشجعت عليه.

نفذ حسني الزعيم انقلابه في 30-3-1949 ، واتبعه بسلسلة إجراءات مألوفة لدى الانقلابيين ، ومنها : إقفال الحدود ، وتعطيل الصحافة ، وملاحقة أركان العهد السابق ، وبذل العود بأن الحاكم الجديد سيكون في خدمة الشعب.

عقد الزعيم مشاورات مع كبار السياسيين مثل : الأمير عادل أرسلان وناظم القدسي وسامي كبارة ومعورف الدواليبي وأحمد قنبر وزكي الخطيب ، ثم فارس الخوري في وقت لاحق لإجراء الاستشارات لتشكيل حكومة دستورية ، وفي اليوم الثاني للانقلاب عقد مجلس النواب جلسة استثنائية في فندق أوريان بالاس بسبب احتلال الفرق العسكرية لمبنى البرلمان ، وفصوت أكثر من سبعين نائبا لصالح الوضع الجديد ، ثم قرر المجلس تشكيل لجنة ضمت فارس الخوري وعادل أرسلان ومصطفى برمدا للتباحث مع الزعيم والخروج من المأزق بحل دستوري ، ولما فشل اللقاء أصدر الزعيم في 2-4-1949 مرسوما بحل البرلمان ، ومرسوما اشتراعيا نصب فيه نفسه رئيسا للدولة ، وحصر السلطتين التشريعية والتنفيذية في يده.

اتخذ الزعيم من مديرية الشرطة مقرا مؤقتا ، وكان يرافقه أكرم الحوراني منهمكا في إعداد البيانات والبلاغات. وتتألف برقيات التهنئة من كل أطراف البلاد ، وحظي الانقلاب بدعم كبار السياسيين مثل هاشم الأتاسي وفارس الخوري وسلطان باشا الأطرش ، وكان حزب البعث أول الأحزاب التي أديت الانقلاب ، وفعل ذلك الحزب الوطني ، وكذلك صحيفة حزب الشعب (صحيفة الشعب) الناطقة باسم حزب الشعب في عددها 35 بتاريخ 15- 4- 1949. ولم يخرج الإخوان المسلمون على هذ1ا الموقف من الانقلاب الذي يشبه الإجماع ، بل قالوا : إن الانقلاب كان ضروريا لإزالة الخبائث القديمة حين نوهوا : لقد سبق لنا ذلك قبل سنتين ، وجاء في مكان آخر أن الانقلاب السوري كان ضرورة ملحة لو لم يقم به الجيش لقامت به الأمة. هاذ ما بلغته ردات الفعل لدى السوريين ،ساسة وصحافة وشعبا ، على الفساد الذي استشرى في ظل حكم الوطنيين أو الحزب الوطني ، ولم ينج الإخوان المسلمون كما رأينا من الانجراف وراء انقلاب حسني الزعيم ، فهل كان السوريون على صواب في ذلك؟ وهل كانوا على درجة من الوعي والإدراك وبعد النظر في اندفاعهم وراء حسني الزعيم في انقلابه على الحياة الدستورية والبرلمانية والحياة المدينة؟!! هذا ما تأتي الإجابة عليه لاحقا وغير بعيد.

5- أصدر حسني الزعيم المرسوم رقم 149 في 12-4-1949 ألغى بموجبه الصحف التالية : بردي والبلد والفيحاء والكفاح والاستقلال العربي والراديو الفن ، والنظام وفتى العرب والأخبار والأنباء.

ثم أتبعه بالمرسوم 157 ألغى فيه تراخيص 64 جريدة ومجلة ، ولم يبق من الصحف التي استمرت في الصدور إلا الأيام والقبس ، والمنار ، وألف باء والعلم والنصر والنذير والنضال والشعب والسوري الجديد ، ثم ألغي في 8-5-1949 امتياز النضال ، وفي 17-5-1949 ألغى امتياز المنار والشعب ، وفي 29-5-1949 ألغى امتياز النذير والسوري الجديد ، وفي 1-8-1949 أغلى امتياز جريدة صوت سورية - بالفرنسية- وهكذا توج الزعيم عهده الانقلابي بتكميم الأفواه وإغلاق الصحف وإسكات الألسنة والأقلام. ثم تتالت إنجازات العهد الجديد ، فأغلى حجاب المرأة ، وألغى الوقف الذري -الأهلي- ثم خطى الزعيم خطوة في طريق فصل الدين عن الدولة. ثم كشف الزعيم القناع عن سياسته الخارجية وعلاقاته الدولية ، فوافق على اتفاقية مع شركة التابلاين الأمريكية ، ومنحها امتياز إنشاء خط النفط من السعودية إلى مرفأ صيدا اللبناني مرورا من سورية ، كما صادق على الاتفاقية مع الشركة البريطانية لمد أنبوب النفط من عبدان والكويت حتى طرطوس ، وإنشاء مصفاة طرطوس لتكرير النفط ، وقد مرت هذه الاتفاقيات دون اعتراض يذكر. مع أن البرلمان السوري سبق له أن رفض التصديق على اتفاقية التابلاين ، واتهم النواب حكومة العظم بالعمالة للأمريكان أصدقاء إسرائيل ، كما صادق الزعيم على الاتفاق المالي مع فرنسا التي كانت المعارضة والنواب معترضين عليه. ثم وعد الزعيم الأمريكان بالقيام بخطوة إيجابية تجاه إسرائيل ، واتفق معهم على التخلي عن المناطق التي احتلها السوريون والتي أصبحت بموجب اتفاقية الهدنة مناطق مجردة من السلاح ، مع أن الوفد السوري المفاوض المشكل من : فوزي سلو وعفيف البزرة ومحمد علي ناصر كان له موقف آخر قبل انقلاب الزعيم. ثم أعلن الزعيم عن ترحيبه بالانضمام إلى حلف عسكري شرق أوسطي ، ورحب بخطة مارشال ومساعدات المنطقة الرابعة ، وجاهر من دون تحفظ بصداقته للفرنسيين. ثم عزم على تقوية الجيش ، فاستخدم أموال الأوقاف المصادرة وإيرادات شركات النفط ، ورفع الضرائب وحول مخصصات الوزارات الأخرى لصالح وزارة الدفاع.

وأخيرا ضم جهاز الدرك والأمن العام إلى الجيش بدلا من وزارة الداخلية ، وشكل وزارة في 16-4-1949 احتفظ منها لنفسه بحقيبتي الداخلية والدفاع ، وأدخل فيها عادل أرسلان وفيضي الأتاسي وأسعد كوراني الذي ألغى مجلة الإحكام العدلية ، (وأحل مكانها قانونا مدنيا مستعارا من القانون المدني الفرنسي) باعتباره وزيرا للعدل ، وبعد ثلاثة أيام من تشكيل الوزارة استقالفيضي الأتاسي ، فرد الزعيم على موقف حزب الشعب المعارض بحبس رشدي الكيخيا وناظم القدسي وفيضي الأتاسي.

فمن هذا الزعيم الذي أزاح الحكومة ، وعطل الدستور ، وحل البرلمان ، وسجن رجال الرعيل الأول ، وعزم على قلب الحياة الاجتماعية رأسا على عقب ، وأعطى الصهاينة أكثر مما يريدون ، وصادق على الاتفاقيات الاقتصادية والبترولية التي طلبتها أمريكا دون أن يأبه لأحد ، وألغى حجاب امرأة المسلمة ، وألغى القانون الإسلامي ، وجاء بالقانون الفرنسي ، وكمم الأفواه ، وصادر أموال الوقف.. الخ هذه الإجراءات التي لم يألفها المجتمع السوري ذو الطابع العربي الإسلامي في تقاليده وتمسكه بقيمة وصاحب النزعة الاستقلالية الحرة ، والذي يتوجس من تغلغل النفوذ الأجنبي - الفرنسي والإنجليزي والأمريكي-.


من هو حسني الزعيم؟

ولد حسني الزعيم في حلب عام 1894 من أصول كردية وشركسية ، تلقى علومه العسكرية في تركيا ، وتقلدي رتبة ملازم ثان في الجيش العثماني ، ثم عين عام 1917 في حامية المدينة المنورة ، وأمضى نهاية الحرب العالمية الأولى في معتقل بريطاني في مصر ، ثم التحق بالجيش الفرنسي ، ورقي في نهاية 1941 إلى رتبة مقدم ، وحارب قوات الحلفاء تحت إمرة ممثلي حكومة فيشي - الموالية للألمان- التي عهدت إليه بمهمة تنظيم نشاطات وفعاليات العصابات ضد جيوش الحلفاء. واختلس الزعيم مبلغا من الأموال التي رصدت لهذه المهمة ، فألقى القبض عليه من قبل قوات فرنسا الحرة ، وحكم عليه بالسجن عشرة سنين ، وبعد عامين وربع أطلق سراحه شرط إقامته في لبنان ، ثم سمح له بالعودة إلى سورية ، فالتحق بالجيش السوري عام 1946م وعين رئيسا للمحكمة العسكرية في دير الزر ، وفي عام 1947 ، عين مديرا عاما للشرطة ، ثم في عام 1948 صار قائدا للجيش ، ورقي إلى رتبة زعيم - عميد-. هذا هو تاريخ حسني الزعيم ، خدم الجيوش الأجنبية ، وارتكب جريمة السرقة ، وصدرت عليه أحكام قاسية تشير إلى ضخامة المبلغ الذي اختلسه. بل إنه اتهم وهو قائد للجيش السوري باختلاسات ذكرها مؤرخو وكتاب تلك الفترة؟

فهل يليق أو يصح أن يسند إليه القوتلي أخطر المناصب ويسلمه القوة العسكرية بجندها وسلاحها في كل سورية؟

أليس لدى القوتلي علم بتاريخيه؟

أليس لديه الفطنة في إسناد أخطر المواقع لمن يستحقها؟ وهو الذي جاهد وناضر أكثر من نصف قرن ضد طغيان الاتحاديين الأتراك ، والمستعمرين الفرنسيين ، وحكم علي ثلاث مرات بالإعدام؟ هل يقبل من هاشم الأتاسي الرئيس الجليل كما كان يسميه الشيخ السباعي ، ومن فيضي الأتاسي ، ورجال الحزب الوطني والمستقلين والمعارضين أن يمنحوا تأييدهم بحماسة لحسني الزعيم وكأنهم لا يعلمون عن تاريخه وأخلاقه شيئا؟

وهل يصح من الإخوان المسلمين أن يكونوا مثل الساسة الآخرين بالإعراب عن تأييدهم لانقلاب مشبوه دون أن تكون لديهم القراءة لدوافعه وللقوى التي خططت له ، ودفعت به إلى هدم الحياة البرلمانية والسياسية في سورية ولما يمض على استقلالها إلا ثلاثة أعوام؟

نحن لا نستغرب تأييد ودعم الحوراني لانقلاب الزعيم ، ولجميع الانقلابات التي تلته ، ثم انقلابه عليها بعد اختلافه معه ، وهو المعروف بمكيافيليته في كل حياته السياسية كما وصف عدد كبير من المحللين والمراقبين العرب والغربيين, وأيضا لا نستغرب تأييد أنطون سعادة ، ورفع مذكرة في 10 نيسان 1949 عندما أعلن الزعيم فصل الدين عن الدولة وإلغاء حجاب المرأة وتطبيق القانون المدني.

بيد أن الأحزاب أو الكثير منها شعرت أنها اندفعت على غير هادى في تأييد الانقلاب بعد أن بدأت تفوح منه رائحة التدخل الأجنبي ، وأن الانقلاب من صنع أمريكي ، فأصيبوا بخيبة أمل ، وأدركوا أنهم قد تورطوا ، أما الإخوان المسلمون فقد أدركوا قبل غيرهم ، أو في مرحلة مبكرة كما قال الباحث الألماني يوهانس دايسنر : لن يحصدوا خيرا من الحكومة الجديدة ، إذ أن الزعيم صرح لجريدة أخبار اليوم المصرية بعد الانقلاب بأقل من أسبوعين :

سأخوض حربا حتى الموت ضد الشيوعية ، وعندما انتهى من الشيوعيين فسأهتم بالإخوان المسلمين ، إذ ليس باستطاعتي القتال على جبهتين مرة واحدة.

6- لذا لم يمض على الانقلاب سوى عشرة أيام ، ومن دون أن يربط الإخوان أنفسهم بمنتقديه إلا وسارعوا كما جاء في المنار بتاريخ 9-4-1949 إلى رفع مذكرة باسم جماعة الإخوان المسلمين إلى حسني الزعيم جاء فيها :

إلى القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة :

إن الإخوان المسلمين يدعون إلى تقدم الأمة ونهضتها التي تنبثق من الأسس الكامنة في وعبد الرحمن الأمة ونهضتها ورسالتها الإنسانية المتمثلة بالإسلام ، إنهم يعبرون عن شعور لدى عامة الشعب ، وينبذون كل ما يسيء لرسالته في أي وقت كان ، ويقرون الحق ، وينادون من أجله ، وينبذون الحزبية السياسية - الضيقة- والعصبية الحزبية العمياء ، فكم من مرة حاولوا سابقا تنبيه الذين تقلدوا زمام الحكم إلى انحسار التأيد لهم ، وإلى الفوضى في المعاملات الإدارية وتحلل الأخلاق ، ونبذهم لكل ما لا يساعد الأمة في تحقيق حياة حرة شريفة ، وإلى الترفع عن حب الذات والأنانية والاهتمامات الفردية ، وإلى مبادئ الشورى والعدالة والاعتراف بالمصلحة العامة إلى أن حلت الكوارث بالأمة العربية ، فكان ما يجب أن يحصل ، واعتمادا على هذه الأهداف ، فإن الإخوان المسلمين يتقدمون إليك ، يا سيادة الحاكم في بداية هذا العهد الجديد بهذه المذكرة القصيرة التي تتضمن بعض أمانيهم المتعلقة بالإصلاحات الشاملة لكل نواحي الحياة ، لقيادة الدولة إلى وضع دستوري مستقر ، يضمن للأمة حياة مستقرة مع المحافظة على سادتها ، ولهذا يتوجب تحقي المطالب التالية :

أ- العمل بمبدأ الشورى ، اقتداء بما جاء في القرآن الكريم وأمرهم شورى بينهم والإسراع بتطبيق الحياة الدستوري على الأسس التي تعتمد على توجهات الأمة توجها صادقا ، وتتوافق مع عقائدها ومبادئها.

ب- معاقبة المسئولين على ما حل بالدولة من كوارث وتبذير للأموال ، وتطهير جهاز الدولة من عناصر الخيانة والفوضى والجهل ، وتحيتهم إذن أمكن ذلك.

ج- تقوية الإيمان ، وبث الأخلاق السامية لدى الأمة وإدانة جمعي المظاهر السيئة من التحلل والخنوثة. د- تقوية نشر أخلاق الرجولة ، مما يتوجب على جميع أبناء الأمة الحصول على تربية عسكرية ، وتعبئة الأمة في الناحيتين المادة والمعنوية لردع أي خطر - ضد الوطن-.

هـ- الاهتمام بالجيش وعدده وتجهيزاته ، وتحصينه بالمثل العليا من الدين والأخلاق والجسارة. و- توجيه الثقافة العامة والمجتمع بما يتناسب مع كرامة الأمة ، متوافقا مع ميراثها ، ومع تطورات المدنية في العصر الحديث.

ز- تطوير نظام اقتصادي عادل ، يضمن نمو ثروات الدولة وتطور طبقات الشعب.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدد خطاكم ، وأن يوفق كل من يسعى من أجل مصلحة الوطن والمصلحة العامة ، وانتصار مبادئ الحق والأخلاق ، والسلام عليكم ورحمة اللع وبركاته.

السكرتير العام لجماعة الإخوان المسلمين

عمر بهاء الدين الأميري

يقول مؤلف كتاب الحركات الإسلامية يوهانس رايسنر : إن الفترة التي سبقت عام 1947 أي منذ التأسيس وحتى عام 1949 إذ منع الزعيم جماعة الإخوان وحل تنظيمها هي فترة نجاح لسياسة الإخوان المسلمين الداخلية ، ويقول : لقد تمكن الإخوان المسلمون - عبر مفهومهم الإسلامي- من إيجاد القبول من جانب فئة كبيرة من العشب ، لأن الإسلام كان يمثل للكثيرين القاعدة الوحيدة لبديهياتهم وشخصيتهم.

لم كينا لزعيم مؤهلا للاستمرار في الإمساك بناصية الحكم في سورية ، فقد كان ذا رعونة ومزاج متقلب ، وكان يحب الظهور والشهرة ، حيث مال إلى مظاهر الأبهة والتمجيد الشخصي ، وخاصم الهاشميين ، ثم ترامي عليهم ، ثم أرسل وفدا رسميا إلى بغداد لإبرام اتفاق عسكري دفاعي ، شكله من : فريد زين الدين وأسعد طلس وتوفيق بشور ، ثم تراجع عن ذلك مخافة معارضة السعودية ومصر ، ثم حضر نوري السعيد إلى دمشق في 16-4-1949 ، وعرض على الزعيم إقامة اتحاد فوري ، فوعد بدارسة الموضوع ، وفجأة زار الزعيم القاهرة ، وبدأ بحملة ضد الملك عبد الله ونوري السعيد ، وأغلق حدوده مع العراق في 26-4-1949.

كذلك تقرب من الفرنسيين ، ولم يكن مر على جلاء فرنسا عن سورية إلا ثلاث سنوا ، وتقرب من تركيا ، واستدعى بعثة عسكرية لإعادة تنظيم الجيش وتدريبه ، وكان ارتماؤه في أحضان الأمريكان بدأ يظهر للعيان كما بدأ ينكشف الدور الأميركي في تدبير الانقلاب ، وكان قد شجع أنطون سعادة على انقلاب في لبنان ، واستقله لاجئا وضيفا في دمشق ، ولم يلبث أن سلمه إلى حكومة رياض الصلح ، غذ أعدم في 8-7-1949 بعد استلام الحكومة اللبنانية له بأربعة أيام ، وكان تساهله مع اليهود وتسليمهم الأرض التي كان السوريون قد احتلوها من فلسطين ، وعزمه على إبرام الصلح معهم مصدر استفزاز للسوريين جيشا وأحزابا وشعبا ، فإذا أضفنا استهتاره بمشاعر العلماء والجمعيات الإسلامية بشأن الوقف والحجاب وعلمنة المجتمع ، فإن حكمه قد استنفد أسباب استمراره مما عجل الانقلاب عليه ، والإقدام على إعدامه بأسرع مما كان متوقعا.

ففي 13-8-1948 خطط اللواء سامي الحناوي آمر اللواء الأول مع ضباط دروز وقوميين سوريين وأنصار الحوراني للانقلاب الثاني ، فأحاطت مدرعات للواء في ثانية والنصف من صباح 14-8-1949 بمكان إقامة حسني الزعيم ، وبعد مقاومة ضئيلة استسلم حراسه ، وألقي القبض عليه وعلى رئيس وزرائه ليمثلا أمام محكمة عسكرية برئاسة الحناوي ، وليحكما بالإعدام ، وبذلك تكون قد انطوت صفحة قاتمة من تاريخ سورية الحديث ، فتحت الباب لإفساد الحياة السياسية ، وتسليط العسكر على البلاد والعباد لفترة لا يعلم إلا الله وحده مداها!!.

7- لم يطل عهد الحناوي أكثر من أربعة أشهر ، شأن الزعيم الذي أمضى في السلطة أكثرمن أربعة أشهر بقليل ، وكأن مهمته اقتصرت :

أ- على تشكيل المجلس الحربي الأعلى ، أو ما سمي بمجلس قيادة الثورة من عشرة ضباط هم : العقيد بهيج كلاس المدير الأسبق لمكتب حسني الزعيم ، مسحي من حماة ، ومن المناصرين لأكرم الحوراني : والمقدم علم الدين قواص ، علوي من إنطاكية ، عمل في قوات الشرق الخاصة (جيش فرنسي) وحارب في فلسطين ، وعرف بولائه للعراقيين ، والمقدم أمين أوب عساف درزي ، عرف بولائه للملك عبد الله ، شارك في مصرع الزعيم وفي كل الانقلابات منذ عام 1949 ، والمقدم محمود الرفاعي ، سنى من دمشق ، درس في ألمانيا هندسة السياسات والطائرات ، وخاض حرب فلسطين تحت إمرة فوزي القاوجي ، ثم التحق بالقوى الجوية ، والرؤساء - النقباء- عصام مريود وحسين الحكيم وخالد جاد ومحمود دياب.

ب- إعادة الحياة الدستورية ، فقد أعد قانون لانتخابات جمعية تأسيسية تتولى وضع دستور جديد للبلاد من قبل لجنة مشكلة من : فيضي الأتاسي وعادل العظمة ، ميشيل عفلق وأكرم الحوراني ، كما أنشأ مجلس الوزارة مديرية عامة للدعاية والأنباء ، عهد إلى أكرم الحوراني بالإشراف عليها وثبت قانون الانتخابات الصادر في 13-9-1949 حق المرأة المتعلمة بالاقتراع ، وحدد بالمرسوم رقم 239 إجراء الانتخابات للجمعية التأسيسية في 15-10-1949 ، قطاع الحزب الوطني الانتخاب ، فأدى هذا إلى تغيير ميزان القوى لصالح حزب الشعب الذي خاص الانتخابات بقوائم مستقلة ، وكذلك فعل حزب البعث ، أما الإخوان المسلمون فقد شكلوا مع بعض الجماعات الإسلامية جبهة وحدة ، خاضت الانتخابات تحت اسم : الجبهة الإسلامية الاشتراكية ، وأعلنت في بيانها الانتخابي أنها سوف تعمل لتحقيق الاشتراكية - العدالة الاجتماعية - التي دعا إليها الإسلام ، وإلى توثيق الروابط بين البلاد العربية ، وحماية استقلالها ضد المؤامرات الإمبريالية ، وقد نشط الإخوان المسلمون في سورية بعد الانقلاب على الزعيم ، وبرزا - كما تقول د. أمل بشور - كقوة سياسية بسبب معارضتهم للنظام السابق في عهد الزعيم- كما ذكرت صحيفة المنار في العدد الخامس في 11-11-1949.

8- كانت انتخابات 15-10-1949 حدثا هاما في مسيرة الإخوان المسلمين السياسية ، إذن لم تكن منعطفا كبيرا في الحياة السياسية للجماعة ، فقد خاضوا معركة الانتخابات للهيئة التأسيسية بقائمة عن مدينة دمشق ، وليس بمرشح واحد عن الجماعة هو الأستاذ محمد المبارك كما كان الحال في عهد 1947 ، وقد حملت القائمة اسم الجبهة الإشتراكية الإسلامية ، وضمت عددا من المرشحين جاؤوا إلى دمشق من المدن السورية الأخرى ، فالسباعي من مدينة حمص ، ولم يكن مر على سكنه في دمشق غلا بضع سنين ، والأستاذ المبارك من أصلي جزائري ، جاء جده إلى دمشق بعد ثرة الجزائر التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري ، فرزق مولودا فيها سماه بعد القادر ، هو والد الأستاذ محمد المبارك ، والدكتور الطبيب عارف الطرقجي الذي حضر من حلب إلى دمشق ليدرس في كلي الطب ، والسيد صبحي العمري الذي تنقل بين دمشق وبغداد بعد هيمنة فرنسا على سورية ، وإبعاد ملكها ففيصل بن الحسين إلى خارجها ، وكان العمري فيصلية - لباس الرأس- كالتي يلبسا رجالات العراق ، وسعيد حيدر من شعية بعلبك ، وكان قد شارك بالثورة السورية ، وأصيب في رجله إصابة خلفت فيها عرجا ، فلم يفطن لانتمائه الطائفي ، لبعده عن التعصب ، وتحرره منه ، ولما كان يتمتع به من سمعة طيبة ، وصيت حسن ، ورصيد وطني ثمنين ، وقد ضمت قائدة الجبهة مرشحين عن المقعدين المسيحيين هما الطبيب جورج شلهوب عن الكاثوليك ، والمحامي قسطنطين منسي عن الأرثوذكس ، فكان لهذا التبني صدى في الخارج ، إذ أوردت التايمز اللندنية في 21-12-1949 ما يلي :

إن الإخوان المسلمين ليسوا منظمة عسكرية ، بل مجموعة من الشرفاء المخلصين ، وللتدليل على ذلك بشكل أكبر ، فقد اتحد معهم النصارى.

أما في حلب حيث تم ترشيح معروف الدواليبي وعمر بهاء الدين الأميري كمرشح مستقل ،فنجح الدواليبي باسمحزب الشعب ودعم من الإخوان المسلمين الذين لم تنقطع صلته بهم وتعاونه معهم.

حقق الإخوان المسلمون وأنصارهم وحلفاؤهم - الجبهة الاشتراكية الإسلامية - في انتخابات 15-10-1949 فوزا ساحقا في العاصمة ، ونالت قائمتهم أعلى الأصوات ، باستثناء مرشح معارض مستقل واحد هو الأستاذ سامي كباره الذي زادت أصواته على الأصوات التي نالها الشيخ السباعي بحوالي مائتي صوت ، فبرهنت دمشق أن ولاءها للإسلام يتقدم على كل ولاء ،إقليمي أو أسري أو مادي ، وأن الإخوان المسلمين الذين نالوا ثقتها- وهي قلب العروبة النابض كما يسميها الساسة والمؤرخون - قد مثلوا عاصمة الأمويين بروحها الإسلامية وطابعها العروبي ، أما مرشحوا اليسار من بعثيين ميشل عفلق - وشيوعيين - خالد بكداش - فقد فشلوا ، ولم ينالوا سوى أصوات محدودة ، غير أن المفاجأة كانت نجاح عصام المحايري عن الحزب السوري القومي غير المتوقع ، لأن معركة الإخوان كانت مع اليسار ، ولم تكن مع المحايري المستقلين ولو أن الإخوان توقعوا نجاحه لعلموا على تحويل الجمهور عن انتخابه ، ومن ثم إسقاطه ، كما سمعت ذلك من الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله.

شكل نواب الجبهة - الإخوان- تكتلا مما بعد أن أنضم إليه عدد من النواب وتعاونوا معهم ، أمثال عبد الحميد الطباع مرشح الجمعية الغراء ، وعبد السلام حيدر ، والشيخ عبد الوهاب سكر عن منطقة الباب التابعة لمحافظة حلب ، بالإضافة إلى تعاون الدواليبي مع الجبهة في كل الموضوعات ذات الأهمية ، الدكتور جورج شلهوب والمحامي قسطنطين منسي ، ليكون العدد كما قالت جريدة الليموند الفرنسية في 29-1-1950 : قد بلغ عدد نواب الجبهة العشرة نواب. وكان نواب الجبهة من العلماء الكبار ، ومن قادة الفكر ورجال السياسة ، وهذا يجعل تأثيرهم في المجلس يفوق عددهم ، قياسا على الأعضاء الآخرين من العشائر والأحزاب والمستقلين ، وبالإضافة إلى قوة الجبهة العددية والنوعية ، فإنها طرحت برنامجا شاملا ، كان عدتها في حياتها النيابية ، وفي برامجها السياسية.

هذه هي مواده ومفرداته :

أ- في السياسة الخارجية

- العمل من أجل تقوية الروابط بين الدول العربية في شتى المجالات ، وإزالة العقبات فيما بينها ، والتي تحول دون تحقيق الوحدة المطلوبة ، وإن أي تقوية لتكتلات عربية هي ف مصلحة الأمة العربية إذا كانت لا تخضع لتأثير السياسة الإمبريالية وسيطرة أعوانها في صفوف قادة ورؤساء الدول العربية. - تعديل ميثاق جامعة الدول العربية بحيث تتحول إلى إدانة قوية لتكون قائدة للأمة العربية ، وليست أداة لبسط نفوذ أولئك الذين يتسلمون مناصب في داخلها.

- حل المشكلة الفلسطينية من خلال إخراج القوة الكامنة في نفوس العرب والمسلمين إلى النور ، واستخدام جميع إمكانات الشعب من أجل تحرير الأرض المقدسة من مخالب الصهيونية وإزاحة أولئك السياسيين والعسكريين الذين هزموا في حرب فلسطين من قيادة المعركة القادمة ، وحل مسألة اللاجئين بتأمين عودتهم إلى ديارهم.

- تقوية رابطة التعاون بين الدول الإسلامية في المجالات الثقافية والاقتصادية وغيرها.

- إيجاد روابط سياسية مع الدول الكبرى تستند إلى قاعدة من التكافؤ ، على أن تشكل المحافظة على مصلحة البلاد وسيادتها وضمان استقلالها القاعدة لأي تعاون بين الطرفين.

ب- في السياسة الداخلية

- حماية السياسة الداخلية من أي تدخل أجنبي ، والمحافظة على النظام الجمهوري ، مع المحافظة على التوازن بين السلطات ضمن حدود الدستور.

- على الدستور الجديد أن يتنسب مع شخصية الأمة ، ويحقق آمالها في المحافظة عليها من خلال قوانين تجاري العصر وتطوراته ، حيث تضمن الحريات العامة ، وتضرب على أيدي الذين يتلاعبون ويستهترون بحقوق الشعب وأمالها واستقلاله وأمواله.

- إصلاح الإدارة الحكومية ، وتنظيفها من الرشاوي والمحسوبيات ، والتقليل من البيروقراطية من خلال تسريح غير الصالحين ، والاقتصاد في الميزانية قدر الإمكان أثناء تعيين الموظفين الحكوميين وتحقيق العدالة ورعاية المصالح العامة.

- تقوية الجيش ، معنويا من خلال تقوية معتقداته الدينية وأخلاقه ، وماديا ، بتقوية أسلحته واستعداده ، وإقامة مصانع للأسلحة والذخائر تضمن القوة لجيشنا أمام أي عدو ، وتطبيق الخدمة العسكرية الإجبارية لجميع أبناء الشعب ، كي يشكل أبناء الأمة جيشا احتياطيا ، مستعدا للدفاع عن وطنه عند أي هجوم.

جـ- في إصلاح جهاز التربية والتعليم والنظام الاجتماعي

- من الضروري إقامة سياسة للإصلاح الداخلي على الأسس التالية : النظر إلى الحقائق ، وليس إلى المظاهر ، والبدء بالضروري قبل الكمالي ، ويجب أن يشمل الإصلاح جميع أبناء الوطن دون تمييز بين أهالي المدن والقرى ، أو الغني والفقير ، ومراعاة صحة الفقراء قبل احتياجات الأغنياء.

- حماية العقائد من الإلحاد ، واستلهام نظام الدولة وقوانينها من تشريعنا الإسلامي وإرثنا العربي ، ونشر الروحانية والإباء والشجاعة في نفوس الأمة والمحافظة على أخلاقها من الميوعة ، وتوجيه النشرات الإذاعية والسينمائية والصحافية نحو هذا الهدف.

- توحيد المناهج في المدارس الحكومية والمؤسسات الخاصة الأجنبية حسب قاعدتين متينتين : الإيمان بالله والتمسك بالأخلاق والفضيلة ، لتتحول المؤسسات التعليمية إلى أدوات سليمة لإنشاء جيل يفهم رسالة وطنه ، ويفتخر بآدابه ، ويحقق مصلحة البلاد ، حاملا علامات التقدم والرجولة.

- على الدولة والشعب الأخذ بقانون التقشف الذي يحول دون الإسراف والتبذير وينمي أموال الدولة المخصصة للتسلح والتعليم والضمانات الاجتماعية وبرامج الإصلاح الضرورية.

- إيجاد سياسية مالية واقتصادية للدولة تعتمد على نمو الثروات الوطنية ، وتحسين وسائل الإنتاج ، وفتح الأسواق العالمية للمنتجات المحلية ، وتنظيم الاستيراد والتصدير بحيث تتم حماية أموال الدولة ، ومنع استيراد المواد الكمالية ، وتخفيض عبء الضرائب عن عامة الشعب ، وزيادة الضرائب التصاعدية على كبار الملاك والمتمولين.

- توزيع أراضي الدولة على صغار المزارعين وخريجي المعاهد الزراعية ، وتحديد الملكية ، وتحقيق العدالة الاجتماعية برفع المستوى المعيشي للشعب من خلال التعليم والصحة والتغذية ، والأخذ بنظام الضمان الاجتماعي الذي يكفل لكل مواطن حق التعليم ، والعناية الطبية ، والمعيشية عند الشيخوخة والبطالة عن العمل.

- حماية حقوق العمال بضمان مصالحهم وزيادة إنتاجهم ، وتحقيق التضامن بين العمال وأرباب العمل.

- الاهتمام بالقرى وطرقاتها ، وتزويدها بالكهرباء وإمدادات المياه ، والعمل في جميع القرى لإيجاد مكان لإقامة الشعائر الدينية ومدرسة ومكتبة ومركز صحي وطبيب مقيم أو متجول.

- رفع مستوى المرأة ، وحماية أخلاقها وقيمها. والعناية بتربيتها فيما يجعلها أما جيدة ومربية جيل ممتازة.

- تأميم الشركات الأجنبية المرخص لها ، لتصبح ملكا للدولة.

- تأسيس (مؤسسة للزكاة) لمكافحة الفقر والجهل والمرض ، ولرفع مستوى العائلات الفقيرة ، ولتحقيق مخططات البناء التي تفيد الفقراء بالدرجة الأولى ، وتأسيس إدارات اجتماعية ، للاجئين والعجزة والضعفاء والأيتام.

منذ البدء حسم الإخوان أمرهم في موضوع المشاركة في الحكم ، ورجحوا المصلحة في ذلك على ما عداها ، ولكن ذلك لم يتح لهم بعد انتخابات 1949 بسبب حل البرلمان بعد حوالي عشرين شهرا من انتخابه إثر الانقلاب العسكري الذي قام به حسني الزعيم ، وأدى إلى تعليق الدستور وحل البرلمان ومباشرة الحكم الدكتاتوري ، وعندما حدث الانقلاب الثاني بقيادة سامي الحناوي ، وأنهى حكم الزعيم ، ودعا إلى إجراء انتخابات نيابية لاختيار هيئة تأسيسية تضطلع بوضع دستور جديد ، خاض الإخوان الانتخابات بنجاح باهر ، وتشكلت حكومة ديمقراطية برئاسة خالد العظم في 29-12-1949 ، شارك الإخوان المسلمون فيها ، وشغلوا حقيبة الأشغال العامة والمواصلات التي أسندت للأستاذ محمد المبارك كممثل للإخوان المسلمين في وزارة العظم ، وكما مثل المبارك الإخوان المسلمين في برلمان 1947 بنجاح ملحوظ ومهارة فائقة ، وكذلك في انتخابات 1949 ، فإنه مثل الجماعة في الوزارة تمثيلا لائقا ومشرفا ، وحقق إنجازات كبيرة ما تزال أثارها مستمرة إلى يومنا هذا ، وكان ميناء اللاذقية أحدها أو أهمها. فعندما قدمت السعودية قرضا بستة ملايين دولار إلى سورية لبناء المرفأ ، بادر وزير الأشغال العامة الأستاذ المبارك ، وأنجز المخططات لبناء المرفأ في 1-1-1950 قائلا : الدراسة الهندسية جاهزة ، والتنفيذ المباشر بالعمل ممكن بالحال ، وقد قوبل إرساء حجر الأساس في 19-2-1950 بترحيب الإخوان المسلمين كخطوة جادة في سبيل التوصل إلى تحقيق اقتصاد مستقل وعندما شكل حسن الحكيم وزارته في 22-8-1951 كان الأستاذ المبارك أحد أعضائها ليشغل وزارة الزراعة ، ويولي اهتماما كبيرا لأراضي الغاب التي تم تجفيفها في مشروع كبير استمر فترة طويلة ، وكانت من أخصب الأراضي في سورية وفي غيرها ، وحاول توزيعها على الفلاحين الذين لا يملكون الأرض ، لكن نفوذ الحوراني المدعوم من الجيش تحكم في التوزيع ، وخص المقربين في حزبه أمثال أخيه عدنان الحوراني وعلو الحريري وخالد محي الدين وغيرهم حصصا من الأرض بواقع ألف وخمسمائة دونم لكل منهم ، ولأمثالهم - كما كان معروفا لدى أبناء مدينة حماة ، ومع ذلك انتقد الحوراني -في إحدى جلسات البرلمان- التوزيع غير العادل للأرض على الفلاحين.

ومما يحسب للأستاذ المبارك عندما كان وزيرا للأشغال في حكومة العظم تعاونه مع رئيس الوزراء- باعتباره وزيرا مختصا - في التوصل إلى استقلالية اقتصادية ، وذلك باتخاذ إجراءات حاسمة نحو شركات الكهرباء الأجنبية باعتبارها مسألة هامة في سياسة سورية ففي منتصف كانون الثاني/ يناير 1952 عقد العظم والمبارك بصفته الوزير المسئول محادثة مع المدير البلجيكي لشركة كهرباء دمشق والترامواي تعهدت الشركة بتزويد دمشق بالقدر الكافي من الكهرباء وتمديد الكهرباء إلى قرى الغوطة ووادي بردي ، وذلك بعد إن كانت تدعي عجزها عن ذلك حتى تلقت إنذارا بوجوب قيامها بالالتزامات المنوطة بها ، وبالرغم منذ ذلك الاتفاق حصلت أزمة حادة بين الحكومة وشركة الكهرباء سلمت الحكومة إثر ذلك مذكرة إنذار يطلب من الشركة الامتثال لتعهداتها خلال ستة أشهر ، محملا الشركة المسئولة ، وبأنها متقاعسة ، وهدد الإنذار الشركة بسحب الامتياز.

إن هذا الموقف الصارم والحاسم من وزير الأشغال الأستاذ محمد المبارك مدعوما من رئيس الوزراء يغاير مواقف الحكومات السابقة التي كانت تكتفي بالإنذارات الشفهية ، ثم تقف عاجزة تجاه الشركات الأجنبية ، ولم تكن شركة كهرباء دمشق هي الوحيدة التي واجهت هذا الموقف ، فقد وجهت الحكومة بعد ذلك بأيام إنذارات لشركة وطنية بسحب تراخيصها إذا قصرت بتنفيذ ما تعهدت به ، وكذا لشركات أجنبية ، وهذا ما قوبل من الإخوان المسلمين بالتأييد والإيجاب.

في 28-11-1951 شكل الدواليبي وزارة عين فيها الأستاذ محمد المبارك وزيرا للزراعة - مرة أخرى - وعين نفسه وزيرا للدفاع فاعتقله الجيش ، واعتقل معه أعضاء الوزارة ، فمكث المبارك في السجن شهرين.

لقد أصحبت الجبهة الإسلامية الاشتراكية عاملا مكملا في السياسة السورية ، وأصبح تصرفهم في السياسة الداخلية أكثر واقعية.

لقد تقلد المبارك الوزارة أربع مرات ، تولى وزارة الأشغال العامة والمواصلات عام 1950- آخر أيام 1949- ثم وزارة الزراعة عام 1951 ، ثم أسندت له وزارة الزراعة مرة أخرى ، وعندما كان المبارك عضوا في وزارة حسن الحكيم أسند إليه رئيس الوزارة- قبل سقوطها في تشرين الأول عام 1951- وزارة الاقتصاد لاحقا كما يقول يوهانس رايسنر مؤلف كتاب الحركات الإسلامية في سورية من الأربعينيات وحتى نهاية عهد الشيشكلي. وربما التبس على المؤلف مقعد الوزارة الذي الأستاذ المبارك ، فذكر اسم وزارة الاقتاصد بدلا من وزارة الزارعة كما أسند الدواليبي حقيبة وزارة الزراعة مرة أخرى للأستاذ محمد المبارك في وزارته التي لم تدم أكثر من بضع ساعات ، إذ انقض عليها العسكر وأسقطوها وأودعوا رئيسها وبعض وزرائه في المعتقل. فكان هذا الحديث آخر العهد في مشاركة الإخوان المسلمين في الحكم في سورية.

إن أي تقويم موضوعي دقيق في هذه المشاركة التي سبق الإخوان السوريون بها جميع الحركات والجماعات الإسلامية في الوطن العربي والعالم الإسلامي ، استنادا إلى فقه الواقع المصالح والمقاصد ودرء المفاسد قدر الإمكان والطاقة (الذي أقرته دراسة فقهية - لاحقة- سبقت الإشارة إليها في هذه الصفحات بتليف من القيادة العليا للجماعة) تدل على أن الجماعة في سورية سبقت عصرها ، ومثيلاتها من الحركات الإسلامية في إدراك روح العصر ، والاستجابة للدواعي السياسية التي تمليها مستجدات الحياة ومتطلباتها.

وكما كان الأستاذ محمد المبارك مثلا طيبا في تمثيل الإخوان المسلمين في البرلمان السوري من حيث الأداء والإبداع تقديم الدراسات والمشروعات والمقترحات ، والتصدي للفساد والانحراف ، والدفاع عن حقوق الفقراء والفلاحين والعمال والكسبة والحرفيين ، والعمل الجاد على تعبئة الأمة وفرض التجنيد الإجباري على جميع المواطنين في مواجهة الغزو الصهيوني المدعوم من الدول الكبرى - شرقية وغربية على حد سواء - والطلب الملح عفي توزيع أملاك الدولة على المزارعين الذين ليس لهم أرض يملكونها ، والوقوف في وجه المشروعات المؤامرات والأحلاف الأجنبية لزج سورية في اتفاقيات عسكرية ، تعرض استقلال الوطن للخطر ، وتقضي على نظامه الجمهوري ، ومثل : مشروع سورية الكبرى والهلال الخصيب ومبدأ أزينهاور والنقطة الرابعة وحلف بغداد....الخ ، إذ كان المبارك الصوت المدوي تحت قبة البرلمان ، في جميع الدورات التي أحزر فيها ثقة أبناء العاصمة منذ عام 1947 وحتى عام 1954. كذلك كان في تمثيله لجماعة الإخوان المسلمين السورية في المشاركة في الحكم منذ آخر الأربعينيات وحتى العام 1952 حين انقض العسكر على الحكومات الدستورية ، وألغوها ، كما ألوا البرلمان والأحزاب والدستور واستقلال القضاء! وحكموا البلاد بقبضة من حديد ، كما سيأتي لاحقا في هذه المرحلة الثانية من تاريخ الإخوان المسلمين في سورية.

كان الأستاذ محمد المبارك بارعا في أدائه وفي نزاهته ، ورغم ما يتعرض له الوزراء من إغراءات وأطماع ، لم يسمع أحد عن المبارك ما يسم سمعته كوزير في إنجازاته وفي أمانته ، بحيث من كان يعهد إليه بتشكيل الحكومة حريصا على مشاركة الإخوان في الوزارات الائتلافية - عبر الأستاذ المبارك- أيا كان انتماء رئيس الوزراء المكلف السياسي ، وأيا كانت سياسته ، أو ميوله للشرق أو الغرب أو الحياد ، كما كان حال خالد العظم ، وفارس الخوري ، وحسن الحكمي وناظم القدسي ومعروف الدواليبي ، حتى ترسخ اقتناع لدى الساساة الكبار على اختلاف مشاربهم بأن مشاركة الإخوان - أيا كان حجم هذه المشاركة- مفيدة جدا للناهة والاستقرار مواجهة الفساد. لقد جاء في كتاب محمد الفرحاني المطبوع في بيروت عام 1965 بعنوان ، فارس الخوري وأيام لا تنسى ، ص 270 : في النصيحة التي بعث بها فارس الخوري إلى المشير عبد الحكيم عامر ، قال له حرفيا : من أجل مكافحة الأساليب الهدامة ، اعتقد أن وجود الإخوان المسلمين في الحكم ضمان لتحقيق هذه النتائج ، وتامين الشعب على سلامة عقائده ، ون الخطأ القول : يجب على الإخوان الابتعاد عن المطالبة بالحكم ، بل يجب أن نرجوهم ، ونلح في الرجاء ، ليقبلوا الاشتراك في الحكم ، أنا شخصيا ، ما زال الكلام للأستاذ فارس الخوري كنت كلما دعيت إلى تأليف وزارة ، أسعى جهد طاقتي لإدخال واحد من الإخوان المسلمين في الحكم ، ويمكن سؤال محمد المبارك كم رجوته ، وألحقت في الرجاء كي يقبل الاشتراك معي في الحكم بوزارتي الأخيرة عام 1954 ، أهـ.

بهذا نستطيع القول بثقة واقتناع أن مشاركة الإخوان المسلمين في الحياة النيابية ، وفي الوزارات الائتلافية كان ناجحا ونافعا بكل المقاييس ، ليس بالنسبة للرأي الجماعة فحسب ، بل برأي الآخرين الذين ينتمون إلى مدارس سياسية مختلفة ، وإلى مشارب شتى.

لقد شارك الإسلاميون في وزارات ائتلافية أخرى ، فكان الزرقا وزيرا للعدل في وزارة صبري العسلي في 14-6-1956 ، وشارك الإخوان في عهد الانفاصل في وزارة بشير العظمة بثلاث وزارات ، وكان أداؤهم جيدا كالدكتور نبيل الطويل ، وزير الصحة ، والأستاذ عمر عودة الخطيب ، وزير التموين ، والأستاذ أحمد مظهر العظمة ، وزير الزراعة ، لكن الجميع لم يبلغوا المستوى الذي بلغه الأستاذ محمد المبارك في تمثيله للجماعة ، رحمه الله وأعلى مقامه في عليين.


ثانيا : ظلت دمشق عاصمة الأمة الإسلامية تحمل الصبغة العربية الإسلامية منذ فجر الإسلام وحتى ينومنا هذا ، وفي زمن العثمانيين الذي استمر في بلاد الشام أربع مائة عام كان أبناء الشام يشاركون في الحكم العثماني ، ويشغلون مراكز ذات أهمية بالغة في السلطة ، دون أن يشعروا بوطأة الترك أو بتسلطهم إلا بعد استلام الاتحاديين الحكم ، وإقدامهم على جريمة نكراء ، بحق العرب والإسلام عندما فروضا اللغة التركية والقومية الطروانية على العرب ذوي الرسالة التي نزلت عليهم ، وعلى القرآن الكريم الذي نزل بغلتهم ، وبعد هزيمة حكومة الاتحاديين في الحرب العالمية الأولى ، ودخول فرنسا إلى سورية ولبنان بقوتها العسكرية الغاشمة ، وفرض الانتداب على السوريين ، حاولت فرنسا بكل قدراتها أن تفرض على السوريين ثقافة جديدة ، وطابعا علمانيا ، ومناهج تعليمية مستقاة من نظام التعليم الفرنسي ، فهب العلماء والدعاة في وجه هذه الموجة العاتية ، والتي وجدت من بعض أبناء سورية الذين تخرجوا في الجامعات الفرنسية ، ومن بعض الأقليات الدينية والطائفية من يعاضدها ويساندها ، ويرى فيها تقدما ونهوضا وازدهارا.

احتدمت المعركة بين من يصمم على الحفاظ على الهوية العربية الإسلامية ، ويؤكد على القيم الأصيلة التي تميزت بها أمتنا طيلة القرون الماضية بعد أن اختارها المولى سبحانه لحمل الرسالة وتبليغها إلى العالمين. وبين الذين حاولوا جهدهم إضفاء الصبغة الغربية في مفاهيمها وقيمها على الشعب ، والانتقال به إلى حياة مغايرة في الفكر والثقافية والمناهج والعادات والتقاليد الاجتماعية ، وفي لتشريعات والقوانين والنظم ، وبكلمة موجزة ، إبعاد الأمة عن الإسلام ، واللحوق بحضارة الغرب كالذي حدث للمسلمين في أقطار أخرى في أسيا وإفريقيا ، سقطت بين براثن الغزاة والمعتدين ، وقد رأينا كيف استطاع حملة الإسلام أن يتصدروا لهذه الموجة ، ويوقفوا زحفها ، ويكسروا شوكتها.

1- عندما شرعت الجمعية التأسيسية بوضع دستور دائم لسورية ، وطرح موضوع دين الدولة ، وكان ذلك كالشرارة التي فجرت الصدام بين التيارين المتصارعين : الإسلامي والعلماني ، لتشهد سورية معركة حادة في ميادين العقيدة والفكرة والثقافية ، لم يشهد السوريون من قبل ومن بعد مثلها. فقد بلغت التعبئة مداها لدى الفريقين ، أما العلمانيون فقد استأسدوا ، وكشروا عن أنياب لئيمة حاقدة ، وصاروا يكيلون التهم الرخيصة جزافا ، وينعتون قادة الحركة الإسلامية بالعمالة والتخلف والرجعية ، واستنفروا الأحزاب والكتاب والصحافة ، وكان في مقدمة هؤلاء رجال الحزب الوطني وصحفه ، كما كان في طليعة من رفض النص على أن دين الدولة الإسلام ، أكرم الحوراني والشيوعيون ، وبعض الغلاة ممن أشربوا في قلوبهم كره الإسلام والحقد على المسلمين ، والافتتان بكل ما هو غربي وأجنبي ، ينافي عقيدة الإسلام وأخلاقه وآدابه ومبادئ شريعته.

لقد حرض هؤلاء المناوئون رجال الدين المسيحي ، ودفعوا بهم إلى عقد مؤتمرات للبطارقة ورجال الدين المسيحي ليرفعوا عقيرتهم معترضين رافضين لمادة دين الدولة الإسلام مهددين ومنذرين ، لتسير المعركة في الدرب الوعر الذي كاد يفضي إلى صدام لا تحمد عقباه.

2- كان شيخنا السباعي يؤثر أن يظل النقاش بين أعضاء اللجنة والمجلس التأسيسي ، وفي هذا السياق أقرت اللجنة الدستورية (التي اختارها المجلس من 23 عضوًا أن يكون دين الدولة الإسلام بأكثرية 13 مقابل 10 أصوات ، وبما أن جماعة الإخوان المسلمين كانت المنظمة السياسية التي طالبت بأن يكون دين الدولة هو الإسلام ، ولم يمثلها في اللجنة الدستورية سوى الشيخ مصطفى السباعي ، فإن نتيجة التصويت تدل بوضوح على أنهم كانوا يعبرون في ذلك الصراع عما تكنه فئة كبيرة من الشعب -تأييدًا لهم- غير أن الكتل البرلمانية قررت إلغاء المادة المتعلقة بدين الدولة ، ولم تقر اللجنة الدستورية على ما اتخذته من قرار؟.

لم يكتف المعارضون برفض المادة التي أوصت بها اللجنة ، بل لجؤوا إلى نشر البيانات التي تعبر عن رفضهم لإقرار المادة المنوء عنها في الدستور ، فوجد الشيخ نفسه مضطرا إلى أن يكتب بيانا يتوجه به إلى الأمانة ، وفي ذلك يقول شيخنا رحمه الله : لكني قرأت أول أمس بيانا نشرته الصحف أو بعضاها ، لمن أسموا أنفسهم خريجي الجامعات العليا ، وزعموا أنهم كلهم مسلمون ، وقد خانتهم الجرأة والشجاعة ، فلم يذكرونا لنا اسما من أسمائهم ، لنعرف مبلغ الصدق فيما ادعوا من تخرجهم في الجامعات العليا ، ومن انتسابهم إلى الدين الإسلامي ، ثم قال : وقرأت أمس بينانا من بطريركية الروم الكاثوليك بدمشق ، كما قرأت مثله في معناه لبعض أحبار النصرانية في لمدن السورية ، وحيث نزل أصحاب الرأي الثاني إلى الميدان الصحفي الشعبي يدلون بآرائهم وحججهم ، أصبح من واجبنا أن ندلي بحججنا ، وأن نطلع الرأي العام على حقيقة فكرتنا ، إذ هو مصدر كل سلطة ، وسيادته هي السيادة الحاكمة التي تتمثل في مجلسه التأسيسي وحكومته الدستورية.

كان الشيخ السباعي قد أوقف كل نشاط في الدعاية لموضوع دين الدولة ، سواء في أوساط الجمهور ا, الأندية العامة أو على صفحات الصحف ، فاضطر الشيخ إلى إصدار بيان بتاريخ 8-2-1950 يعد المرافعة المكتوبة التي قدمها السباعي للرأي العام السوري الذي ظل مشغولا بهذه القضية أكثر من سبعة أشهر ، وقد أوضح رحمه الله في هذه الوثيقة الأسباب التي تدعو إلى النص في الدستور على دين الدولة ، ولماذا يجب أن يكون دين الدولة هو الإسلام . ثم أبان عن ديمقراطية هذا النص ، وعن المصلحة الداخلية والقومية والسياسية التي تدعو إليه ، ثم ناقش اعتراضات الطوائف المسيحية والقوميين والعلمانيين وبعض الحقوقيين ، وقام بشرح البيان في كثير من الخطب ، ولاسيما في الجمعية التأسيسية عندما عقدت جلسة بتاريخ 24-7-1950 ، وكان رده على نائب دمشق عن الروم الكاثوليك في دمشق موجعا ، لأن النائب اشتط وتطاول واتهم الذين ينادون بدين الدولة الإسلام بأنهم يعملون بوحي الأجنبي. جاء في رد السباعي على إلياس دمر ، (والذي كان أقسى وأعنى من حمل ظلما) أشد من وقع الحسام ، فقال : أنه عبر عن معارضته بشكل بعيد عن الذوق واللياقة ، وإذ تعرض لرزملائه تعرض غير جميل ، ونعتهم بأنهم يعملون بوحي الأجنبي ، وقال : أرجو أن يعتقد معي الزميل بأنه لم يكن موفقا في موقفه هذا ، وأنه كان أبعد الناس عن رعاية المصلحة العامة في هذه الجلسات التاريخية ، ثم قال : إن الذين نادوا بمبدأ دين الدولة ، ولي الشرف أن أكون أحدهم في هذا المجلس ، لم يكونوا يستوحون إلهما أجنبيا ، وإنما استوحوا الأكثرية الساحقة من هذا الشعب ، الذي تجدون تصميمه على تسجيل هذه المادة في الدستور بآلاف العرائض والبرقيات والرسائل ، هذا الشعب الذي تعلمون مقدار تمسكه بدينه ، وخاصة في دمشق التي جعلت رجلا كإلياس دمر لا يستطيع أن ينجح في الانتخابات إلا بعد أن تقرب إلى المسلمين فيها بأنه سمى نفسه محمد إليسا دمر وعندما قاطعه السيد مر قائلا : أنا لم أقل ذلك ، وإنما الشعب هو الذي سماني بذلك ، أجابه السباعي بقوله : بل أتت الذي كنت تقول ذلك ، وقد قلت لي منذ شهر في غرفة المحاسبة بهذا المجلس بأنك لا تزال تسمي محمد إلياس دمر ، ولقد ذهبت في الانتخابات إلى أبعد ن هذا ، فكنت تقول للمسلمين بأنك رجل مسلم ، وأنه لا يمنعك من إعلان إسلامك إلا خوفك من أذى المسيحيين ، بل ذهبت إلى أبعد من هذا وذلك.

وأضاف الشيخ قائلا : أما الزعم بأن النص على دين الدولة تفرقة بين أبناء الشعب ، وإثارة للنعرات الطائفية فهو زعم باطل ، لأننا لا نريد بهذا النص تمييز المسلمين عن غيرهم ، ولا افتئاتا على حقوق المواطنين المسيحيين ، وحسبكم أن ترجعوا إلى نص المادة المقترحة- كما جاءت في المشروع ، لتعلموا أنها كتبت بروح نبيلة تشعر بالإخاء بين المواطنين ، وليس القصد منها إلا تحقيق أهداف سياسية وقومية واجتماعية ، هي في مصلحة هذا الشعب مسلميه ومسيحييه على السواء ، ولو كان النص على دين الدولة يؤدي إلى التفرقة بين أبناء الوطن الواحد لما جاز لكثير من دول أوربية وأمريكية أن تنص عليه في دساتيرها.

وأما أن الغرب يسره أن نقيم دولتنا على أساس الدين ، فهذا وهم خاطئ ، وتجاهل حقيقة موقف الغرب من الإسلام !! إن أوربا ما زالت تشن الحروب الفكرية والسياسية والأخلاقية لتبعدنا عن الإسلام وعن أدياننا. إن تاريخ الشرق الحديث طافح بالثورات ضد الاستعمار ، والغرب يعلم تماما إن مبعث هذه الثورات هو الإسلام الذي قامت ثورته الكبرى على محاربة الظلم والطغيان والاستبداد ، وحسبكم أن تعلموا أن المغرب العربي ، وأخص منه الجزائر ، ما برح منذ مائة وعشرين سنة يكافح الاستعمار الفرنسي بروح الإسلام وروح محمد (ص) والقرآن.

غير أن الاعتراض على المادة شمل الطوائف المسيحية التي حركتها وحرضتها الأحزاب السياسية ، فعقد في دمشق مؤتمر مسحي في 20-7-1950 ، مثلت فيه جميع الطوائف ، ورفع المؤتمرون مذكرة إلى رئيس الدولة تطالب أن لا يتضمن الدستور أي ذكر للدين. ثم جاءت الاعتراضات على دين الدولة جراء الخوف من إثارة النعرات الطائفية ، وإجهاض حقوق الأقليات الدينية خشية أن يحدث في سورية ما جرى في لبنان من حروب طائفية ، والتي تعرض لها السباعي وفندها ذاكرا حرية الطوائف في القضاء بالنسبة للأحوال الشخصية ، وفي قانون الانتخاب الذي أعطى الأقليات تمثيلا برلمانيا حسب حجمهم. لقد ناقش الإخوان المسلمين مزاعم النصارى والبعثيين حول النص على دين الدولة بدعوى أنه يثير الروح الطائفية ، ومن ثم لابد من المطالبة بدولة علمانية متحررة باسم التقدمية ، فأكد الإخوان أن التقدم دون الدين ليس ممكنا ، كما دللوا على تسامح الإسلام الذي يعترف بالديانات السماوية الأخرى ، وينص على ضمان حريات معتنقيها في الاعتقاد والعبادة وأحوالهم الشخصية ، والحفاظ على كرامتهم وعلى احترامهم. وطالما أكد الإخوان أن إعلان الإسلام دينا للدولة لا علاقة له أبدا بالطائفية بل إن الهدف من تسمية دين الدولة هو لمنحها مسحة روحية وأخلاقية تساعد في تحديد النظام والقانون عندنا ، وفي التعاون مع أخواننا العرب وفي العالم الإسلامي. واستشهدوا على ذلك باعتراف الهيئة التشريعية الدائمة في لاهاي في عام 1937 بالقرآن مصدرا من مصادر التشريع وأكثر ما استفز الإخوان وأنصارهم من الداعين إلى النص على دين الدولة الإسلام موقف بطريك اليونان الأرثوذوكس ، عندما أدلى في نيسان 1950 بتصريح قال فيه : الشعب السوري منقسم إلى فئتين فيما يتعلق بدين الدولة ، فئة تقدمية ترف ذكر دين الدولة ، وإليها تنتمي نخبة المفكرين والمثقفين من المواطنين المسلمين ، فجاء الرد من الإخوان المسلمين على ما أدلى به البطريرك بنفس الوتيرة حين تساءلوا : هل يمكن اعتبار التقدميين بأنهم تقدميون لمجرد أنهم لا يعترفون بالدين؟ وهل أراد البطريرك بذلك التقدم التحريرية واللادينية؟ وهل يعلم البطريرك أن أولئك الذين سماهم تقدميين يعتبرونه رجعيا؟ ثم يعقب صاحب كتاب الحركات الإسلام ية في سورية المستر يوهانس بقوله : لاشك أن الإخوان كانوا محقين في ذلك.

3- في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات ظهر في سورية رجال عظام في علمهم وجهادهم وإخلاصهم من أمثال الشيخ محمد كامل القصاب وآخرين في دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية ودير الزور وغيرها ، جاء ذكر عدد منهم في صفحات سابقة ، استطاعوا أن يردوا أجيالاً إلى رحاب الإيمان ، ويثبتوا في أفئدتهم روح الانتماء إلى العروبة والإسلام ، بعد أن تعرض الناشئة لفتنة العلمانية والتغريب والافتتان بحضارة المحتلين الوافدين. غير أن الشيخ السباعي بزّ هؤلاء الفضلاء بمقومات شخصية انفرد بها ، فلم يكن له قرين أو شبيه في الأثر الكبير الذي تركه في تاريخ بلاد الشام ومصر في منتصف القرن العشرين ، ولما يبلغ الخمسين من عمره المبارك.

كان السباعي رحمه الله موسوعي الثقافة ، حاد الذكاء ، حاضر البديهة ، بعيد النظرة ، عميق الفكرة ، شجاعًا مقدامًا لا يعرف الخوف إلى قلبه من سبيل ، مهما كان حجم المخاوف وشديد المخاطر ، وكان أليفًا يحبه من يعرفه ويلقاه ، أو من يقرأ له ، أو من يستمع إلى أحاديثه ومحاضراته. وبالجملة كان السباعي أمة في رجل ، وتاريخًا في إنجازاته الضخمة على كل الصعد. فكان أوضح ما تجلت به شخصيته في موضوع دين الدولة عام 1950 ، فلقد خاض معركتها في كل الميادين ، وعلى جميع الجبهات ، وتصدى للمناوئين الذين استماتوا في هذه المعركة المصيرية التي ستحدد الهوية والشخصية والانتماء لأبناء سورية ، واستنفروا الأحزاب والكتاب والصحافة واليمين واليسار والصحافة ، حتى ليخيل للذين تتبعوا طبيعة تلك المعركة ، ورصدوا تفصيلات ذاك الصراع ، أن لا قبل لأحد في مواجهتها ، بيد أن الشيخ الكبير -اعتمادًا على إيمانه الذي كان كالجبال بالله ودعوته ، وتأييد العلماء والدعاة له- استخف بذلك كله ، وتصدى له بروح الواثق بنصر الله ، والمطمئن لتأييده ، فخاطب كل فئة بمفاهيمها ، وعلى قدر ثقافتها ، مفندًا حججها ، ومدللا على تهافتها كما فعل حجة الإسلام أبو حامد الغزالي من قبل. وأرى من الواجب في هذا السياق إيراد لمحات موجزة عن ردوده على الديمقراطيين والقوميين والسياسيين ، والمواطنين المسيحيين والعلمانيين والحقوقيين ، كل بلغته ، وبقدر فهمه وثقافته :

أ- إن القواعد المتبعة في دساتير العالم وأنظمة الأحزاب ومداولات المجالس النيابية ، بل في عرف الدنيا جميعا أن رأي الأكثرية هو المتبع والمعمول به فإذا قلنا : إن دين الدولة الإسلام ، وهو دين تسعة أعشار السوريين ودين 98% من العرب ، أنكون في هذا قد تجاوزنا الحق؟ وأهدرنا المنطق؟ وخالفنا الديمقراطية؟ وهذه هي الدول التي نصت دساتيرها على دين معين إنما اتخذت دين الأكثرية دينها الرسمي في كثير من الأحيان ، فجمهورية الأرجنتين نصت في المادة الثانية من دستورها الصادر في 12- 3- 1949 أنها تدعم أو تؤيد أو تساند المذهب الكاثوليكي الرسولي الروماني ، وهذه جمهورية إيرلندا تنص في دستورها الصادر في عام 1937م أن الكنيسة الكاثوليكية هي الكنيسة المفضلة ذات الامتياز في الجمهورية ، هذا عدا عن دساتير الدول العربية والإسلامية ، وليس في الدنيا دولة لا يدين شعبها إلا بدين واحد ، بل في كل دولة أكثرية في الدين وأقلية ، فهل نكون قد أتينا ببدع من الأمر إذا مشينا على القاعدة التي تمشي عليها دول العالم؟

ب- والدولة السورية اليوم في وضع داخلي مؤلم لا ينكره أحد ، وعبثًا تحاول النظم والقوانين أن تصلح روح أمة ما لم يكن معها وازع نفسي من دين وخلق ، فإذا أردنا لهذا الشعب حياة كريمة وتعلقًا بالدولة ، ودفاعًا عن الوطن ، كان النص على دين الدولة الإسلام حافزًا للشعب- وهو في أكثريته الساحقة مسلم- أن ينفذ النظم التي تسن له ، والأوامر التي تصدر في مصلحته من حكوماته ، إذ يرى في ذلك أمرًا دينيًا محتمًا ، لا يجوز التخلي عنه .

جـ- ونحن السوريين دعاة وحدة عربية ، نعتبر أنفسنا جزءًا من الأمة العربية ، ووطننا السوري جزءًا من الوطن العربي الأكبر ، وجمهوريتنا هي اليوم عضو في الجامعة العربية ، وستكون غدًا بفضل الله جزءًا من الدولة العربية الواحدة ، والعرب سبعون مليونًا على أقل تقدير ، ثمانية وستون مليونًا منهم مسلمون ، واثنان مسيحيون ، ودول الجامعة- ما عدا لبنان لوضعه الخاص- تنص في دساتيرها على أن دين الدولة الإسلام ، كما في مصر والعراق والأردن ، أو يقوم واقعها على ذلك كالمملكة العربية السعودية واليمن ، فالنص على دين الدولة الإسلام عامل قوي من عوامل الوحدة الشعبية بيننا وبين أخواننا العرب ، فلماذا نهمل أقوى عامل من عوامل الوحدة العربية شعبية ورسمية ، ولماذا نتجاهل الواقع الملموس؟

د- ونحن العرب في واقعنا المؤلم ، وفي حياتنا المقبلة لا بد لنا من ميدان نفوذ يساعدنا في الميادين الدولية ، ويتصل بنا بعاطفة الحب أو الصداقة أو التعاون ، وقد جعل الإسلام لنا في العالم الشرقي ميدان نفوذ يضم - أربعمائة مليون مسلم (عدد المسلمين عام 1950) كلهم يحبون لغتنا وتراثنا وكتابنا وثقافتنا ، حتى إن الباكستان قد قررت اعتبار اللغة العربية لغة رسمية لها ، وقد رأيناها في هيئة الأمم تدافع عن حقنا في فلسطين دفاعا حارا قويا استحق شكر الدولة العربية وشعوبها ، وقل مثل ذلك في اندونيسيا المجاهدة ، وقد نصت هاتان الدولتان الكبيرتان اللتان يبلغ عدد سكانهما مائة وخمسين مليونا في مشروع دستوريهما على أن دينهما الإسلام (بلغ عد سكانهما الآن 400 مليون) ، وألسنا نجد في هذه الشعوب ميدان نفوذ لشعبنا ودولتنا.

هـ- يتضح مما قرأناه لرؤساء الطوائف المسيحية ، ومما سمعناه منهم أن اعتراضهم ينصب على ناحيتين اثنتين :

- إن معنى دين الدولة الإسلام ، أن أحكام الإسلام ستطبق على المسلمين والمسيحيين ، وهذا الفهم خاطئ من نواح عدة ، أهمها : إن الإسلام يحترم المسيحية كدين سماوي ، ويترك لأهلها حرية العقيدة والعبادة ، دون أن يتدخل في شئونهم ، أما أحوالهم الشخصية فلا يتعرض لها بحال ، ولا يمكن أن يطبق عليهم أي حكم من الأحكام التي تخالف شريعتهم أو تقاليدهم ، وأحكام الإسلام في ذلك واضحة ، وكتب التشريع الإسلامي بين أيدينا ، ووقائع التاريخ لا ينكرها إلا مكابر ، وقد ظل المسيحيون العرب منذ عصر الإسلام حتى الآن يتمتعون بعقيدتهم وعبادتهم وأحوالهم الشخصية ، ونزيد على ذلك أنه مع احترامنا لكل ما ذكرناه ، فقد اقترحنا أن ينص الدستور على احترام الأديان السماوية وقدسيتها ، واحترام الأحوال الشخصية للطوائف الدينية ، فكيف يخطر في البال بعد هذا أن هنالك خطرا على عقيدة المسيحيين وأحوالهم الشخصية.

- إن معنى دين الدولة الإسلام العداء للأديان الأخرى ، وهذا خطا بالغ أيضا ، فليس الإسم دينا معاديا للنصرانية حتى يكون النص عليه عداء لها ، بل هو معترف بها ، ومقدس لسيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام ، بل هو الدين الوحيد من أديان العالم الذي يعترف بالمسيحية ، وينزه رسولها الكريم وأمه البتول ، وقد أمر القرآن الكريم أتباعه أن يؤمنوا بالأنبياء جميعا ، ومنهم عيسى -عليه السلام- فأين العداء وأين الخصام بين الإسلام والمسيحية؟ أو ليس النص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي ، يتضمن أن المسيحية دين رسمي للدولة ، باعتبار الإسلام معترفا بها ومحترما لها؟.

و- ويعترض بعض القوميين بأن النص على دين معين للدولة ينفي الوحدة بين أبنائها ، وأن سورية ذات أديان مختلفة ، فلا يصح أن ينص على دين معين ، إن الوحدة القومية بني العرب ليس بإطراح عواطف 86 مليونا - عدد العرب الآن حوالي 320 مليونا - وإهمال هاذ الرابط الديني بينهم ، فالعرب يؤمنون بأن قوميتهم العربية لم تولد إلا في أحضان الإسلام ، ولولاه لما كانت ذات وجود حي قائم.

ز- ويعترض دعاة العلمانية في بلادنا بأن الشعوب التي سبقتنا في ميدان الحضارة مرت في مرحلة الدين في التنظيم والحكم (حيث كان رجال الدين يسيرون أمور الدولة إلى مرحلة القومية ، ثم هي تنتقل اليوم إلى مرحلة التنظيم على أساس التكتل السياسي والاقتصادي ذي الصبغة العالمية). ونحن نجيبهم بأن النص على دين الدولة ليس معناه أن يسير رجال الدين أمور الدولة ، ولو كان كذلك لما وضعت هذه الأمم التي سبقتنا في ميدان الحضارة في دساتيرها النص على دين الدولة. وفيما يلي بيان لبعض الدول الحديثة التي تنص في دساتيرها على دين معين : أسوج ، نروج ، دانيمار : انكلترا ، بلغارية- قبل الحكم الشيوعي- بيرو ، وكتساريكة ، بانما ، اسبانيا ، بوليفية ، الأرجنتين ، أيرلندا ، إيطاليا ، اليونان ، قبل الحرب الأخيرة- بولونيا - قبل الحكم الشيوعي : جميع دول شرقي أوربا - قبل النفوذ الشيوعي- مصر ، العراق ، الأردن ، ليبيا ، إيران ، الأفغان ، باكستان ، اندونيسيا ، إسرائيل المزعومة.

فما قول العلمانيين في صنيع هذه الدول الحديثة؟ ألا يدل على أن النص على دين الدولة لا يتنافى مع تطور الحضارة وتقدم المدنية؟ أم يعتبرونها دولا رجعية لا تزال متأخرة؟

لماذا يرون من الأمور الطبيعية أن تتكتل بلغاريا وهنغارية تشكيوسلوفاكية وألبانيا ورومانيا والمجر والصين وغيرها على أساس الشيوعية ، وهي عقيدة حديثة لديهم ، ولا يرون من الطبيعي أن تتكتل مصر وسورية والعراق واليمن والحجاز والأردن على أساس الإسلام وهو عقيدة هذه الأقطار. ح- ويعترض بعض الحقوقيين بأن جعل دين الدولة الإسلام يلغي القوانين الحالية ، ويضطرنا إلى تنفيذ الحدود الإسلامية من قطع يد السارق وجلد الزاني ، وهذا قول خاطئ ، فنحن لا نفكر قطعا بالدعوة إلى تنفيذ الحد ، لأن الإسلام نظام كامل لا يظهر صلاحه إلا في مجتمع كامل ، ومن كمال المجتمع أن يشبع كل بط ، ويكتسي كل جسم ، ويتعلم كل إنسان ، ويكتفي كل مواطن ، فإذ وقعت السرقة مثلا بعد ذلك ، وقعت شرا محضا لا يقدم عليه غلا العريقون في الإجرام ، والإسلام يريد أن يرهب هؤلاء الذين لم يردعهم العلم ، ولا الشيع ، ولا العيش الكريم عن الوقوع في الجريمة.

نقول للعلمانيين : نحن شعب نريد أن نرجع إلى الله ، فلا تحولوا بيننا وبينه ، ونريد أن نمد أيدينا إلى أخوننا العرب ، فلا تحولوا بيننا وبينهم ، وبنردي أن نستند إل أصدقاء - العالم الإسلامي- أقويا فلا تحرمونا منهم ، ونريد أن نتعاون مسلمين ومسيحيين ، مستمعين إلى صوت السماء وتعاليم الإنجيل والقرآن فلا تملؤوا عقولنا بالباطل ، ولا تصكوا أسماعنا بأغنية الشيطان : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾.

دمشق 21 ربع ثاني 1369 ، 8 شباط 1950.

كان هذا هو البيان أو موجز منه كما أذاعه الشيخ السباعي إلى الرأي العام في أخطر صراع حول هوية الأمة وشخصيتها وانتمائها والثبات على مبادئها وعلى عقيدتها ورسالتها الإسلامية الخاتمة.

4- بعد أن بلغ الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين مداه ف موضوع دين الدولة ، وأوشك أن يؤدي ذلك إلى صراع مرير أو فتنة دامية ، أو إلى حرب أهلية ، بعد أن انقسم الشارع بشكل غر مسبوق ، وبعد أن تسابق المواطنون إلى عقد اللقاءات وإقامة المهرجانات وكتابة المنشورات ورفع العرائض التي بلغت أحداها من مدينة حمص مترين طولا ، حملت أكثر من أنثى عشر ألف توقيع ، وهذا ما حدث في جميع المدن والمناطق والنواحي عندما انتهى الأمر إلى هذه الدرجة من الخطورة ، ولما هم الشيخ السباعي وإخوانه أن ينسحبوا من الجمعية التأسيسية ، ويتركوا هذا الموضوع إلى الشعب أو إلى الشارع ، تنادي وجهاء البلاد وعقلاؤها إلى تطويق هذا الخطر ، يلتمسون حلا لهذه المعضلة ، فأطلقوا يد الشيخ باختيار النصوص التي تلبي طموح العلماء والدعاة والجماهير وأعضاء البرلمان من ذوي الميول الإسلامية ، لتكون بديلا عن النص المختلف عليه ، ولإقناع المناوئين بحل يحفظ لهم ماء الوجه ، فتم الاتفاق على مقدمة للدستور تعتبر جزاء لا يتجزأ منه ، وعلى تثبيت نصوص على شكل واد في صلب الدستور ، انتهت إلى ما يلي في المقدمة :

أ- لما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام ، فإن الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا.

وقد عد الأستاذ السباعي هذا نصا صريحا في دين الدولة ، لأن الاستمساك بالدين أقوى من الانتساب إليه ، أي إن هذا النص مقدم على النص القائل : الإسلام دين الدولة ، لأنه لا يكتفي بأن يلزم الدولة بالإسلام كدين تنسب إليه ، بل يلزمها به كدين تتمسك بتعاليمه ومثله وشرائعه.

ب- وإننا نعلن أيضا أن شعبنا عازم على توطيد أواصر التعاون بينه وبين شعوب العالم العربي والإسلامي.

جـ- وعلى بناء دولته الحديثة على أسس من الأخلاق القويمة التي جاءت بها الإسلام والأديان السماوية الأخرى.

د- وعلى مكافحة الإلحاد وانحلال الأخلاق.

ما المبادئ والنصوص الإسلامية في صلب الدستور ، فقد تجلت في الموضوعات التالية :

أ- في التشريع :

نصت المادة الثالثة على ما يلي :

- دين رئيس الجمهورية الإسلام . 

- الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.

- حرية الاعتقاد مصونة ، والدولة تحترم الأديان السماوية ، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها ، على أن لا يخل ذلك بالنظام العام.

- الأحوال الخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية.

يقول الشيخ السباعي : إن النص على اعتبار الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع هو في نظر جميع المخلصين من حملة الإسلام أعظم انتصار للشريع الإسلام في البلاد العربية والإسلامية في العصر الحديث.

ب- في التعليم :

نصت الفقرة الأولى من المادة الثامنة والعشرين على أن تعليم الدين إلزامي في جميع مراحل التعليم الابتدائي والثانوي والمهني ، كما نص القرة الثانية من المادة المذكورة على أهداف التعليم على النحو التالي : يجب أن يهدف التعليم إلى إنشاء جيل قوي بجسمه وتفكيره ، مؤمن بالله ، متحل بالأخلاق الفاضلة ، معتز بالتراث العربي ، ويحظر كل تعاليم ينافي هذه الأوصاف.

جـ- في الأوقاف

نصت المادة الرابعة والثلاثون على أن الأوقاف الإسلامية ملك للمسلمين وهي مؤسسة من مؤسسات الدولة العامة, تتمتع باستقلال مالي وإداري.

قال السباعي : وفي هذه صيانة للأوقاف الإسلامية من أن تعتدي عليها حكمة من الحكومات ، كما حصل في عهد الشيشكلي ، فلقد حذف هذا النص من دستوره ، وسن تشريعا يجعل أملاك الخط الحجازي ملكا للدولة ، وهذا ما تعلمه كل حكومة تنوي الشر للإسلام ومؤسساته الخيرية.

د- نصت المادة الثانية والستون بعد المائة على أن ينتخب مجلس النواب لجنة خاصة من أعضائه تستعين بعد كاف من المختصين والخبراء لتقديم اقتراحات بالقوانين اللازمة للتوفيق بين التشريع القائم وأحكام الدستور ، وجعلت لهذا العمل مدة لا تتجاوز سنتين منذ تنفيذ الدستور ، وهذا يعني أن قوانين الدولة يجب أن تنسجم مع أحكام الدستور ، فما كان منها مخالفا ألغي ، وما كان يحتاج إلى تعديل عدل.

يقول الشيخ السباعي : ولقد نفذ المجلس النيابي هذه المادة ، فألف لجنة لوضع قانون مدني مأخوذ من الفقه الإسلامي ، وفقا للفقرة الثانية من المادة الثالثة من الدستور ، بدأت اللجنة عملها ، وسارت فيه شوطا بعيدا ، وجاء انقلاب الشيشكلي فأوقف هذا العمل العظيم.

رحم الله شيخنا السباعي بقدر إخلاصه للدعوة ، وتفانيه في سبيلها ، وحلمه رايتها والذود عنها ، والتصدي لخصومها ، فقد كان ، رابط الجأش قوي المراس لا تأخذه في الحق لومة لائم ، يواجه العواصف غير هياب ولا مبال ، بعقل راجح ، وفكر ثاقب ، منطق صارم ، وإرادة لا تلين ، استطاع بإيمانه وثباته أن يثبت لبلاد الشام هويتها ، ويؤكد لها شخصيتها ، ويحفظ لشعبها انتمائه العربي الإسلام ي الذي عرفه التاريخ به منذ بزوغ فرج الإسلام ، رحمه الله رحمة واسعة ، وأعلى مقامه في عليين.


ثالثا : كانت الانقلابات العسكرية كارثة حلت في سورية ، وعطلت مسيرتها ، ومزقت صفها ، وعرقلت تطورها وازدهارها ، وصرفت الجيش عن واجبه الأساسي في مواجهة العدو الصهيوني على خط القتال في الجبهة ، بل كانت الوحدات تترك الجبهة أحيانا ، متجهة إلى دمشق لاحتلال مبني الأركان ودار الإذاعة ومقرات الحكم ، ولزج رجال السياسية وقادة الاستقلال في غياهب السجون.

1- بعد الانقلاب الثاني أعاد قائد الانقلاب اللواء سامي الحناوي العقيد أديب الشيشكلي إلى الجيش بعد أن كان الزعيم قد سرحه منه ، وأسند إليه قيادة اللواء الأول القريب من العاصمة ، لينق به على الحكم ، ويسيطر على السلطة فيما بعد ، وكان الشيشكلي طموحا ، يتطلع إلى حكم سورية ، وقد نفذ ذلك على مراحل ، فسيطر على قيادة الجيش بادئ ذي بدء ، وأسند رئاسة الأركان إلى الزعيم فوزي سلو بعد الانقلاب على الحناوي في 18-12-1949 ، ثم شرع بالتدخل في الشأن السياسي من وراء ستار ، فعمل على إسقاط حكومة القدسي بعد تشكيلها بثلاث وعشرين ساعة ، بدعوى سيطرة حزب الشعب على الوزارة ، وأبقى على رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي ، ليحل خالج العظم في تشكيل الوزارة محل القدسي ، وينسد وزارة الدفاع لأكمر احواراني المتحالف مع الشيشكلي كما تحالف من قبل مع الحناوي والزعيم فنالت الوزارة الثقة ، وأصدرت مرسوما بإقالة الحناوي ، وتعين أنور بنود رئيسا للأركان في 4-1-1950 ، كما أصدرت مرسوما بفصم عري الوحدة الجمركية مع لبنان ، وعملت على تقوية الجيش ، ليصبح قادرا على حماية البلاد ضد التهديد الصهيوني ، وبذلك لن تكون سورية بحاجة إلى الاتحاد مع العراق (كرد على الداعين للوحدة مع العراق).

ومنذ أواخر نيسان بدأ واضحا أن الجيش قد سحب ثقته من حكومة العظم ، وأن هناك بوادر تحول في اتجاهاته السياسية ، ففي 28-4-1950 قدم ممثل الجيش في الوزارة أكرم الحوراني استقالته وعندما عاد العظم من جولته إلى القاهرة الرياض ، وفشل في الحصول على دعم الجيش قدم استقالته في 30-5-1950.

2- أحكم الشيشكلي قبضته على الجيش ، ثم راح يخطو نحو السلطة المدنية ، فقدم القدسي استقالته بعد أن بدت سورية في عهده كسفينةتائهة ، تتقاذفها أمواج عاتية ، فالجيش يعلب من وراء الستار لعبة الحامي للنظام ، والحكومة تتغاضى عن تدخلاته ، وأصوات من النواب تندد بتدخل الجيش ، وآخرون يحملون لواءه.

قابل الشيشكلي الوزير المفوض البريطاني ، وأبلغه أن سورية تثق بالضمانات البريطانية والأمريكية والفرنسية ، وهذا يعني أنه وافق على البيان الثلاثي الذي أكدت على الحفاظ على الوضع القائم (والمقصود من ذلك حماية إسرائيل).

في خريف 1950 بدأت تلوح في الأفق بوادر صراع على السلطة ، بين الحكومة وحزب الشعب ، فمنذ العاشر من آذار وحتى الانقلاب الرابع 29-11-1950 تعاقبت ثلاث وزارات برلمانية على السلطة ، وشهدت البلاد أزمات حادة ، وحالة من الفوضى السياسية ، وأصبح الجيش متحكمًا بعمل الحكومة وتوجهات السياسيين السوريين ، وبعد استقالة القدسي عاشت سورية أزمة وزارية استمرت ثمانية عشر يومًا حاول فيها العظم تشكيل وزارة ففشل ، ثم شكل القدسي وزارة في 24- 3- 1950 ، ثم أجبر على الاستقالة بعد أقل من 24 ساعة ، وفي 28- 3- 1951 شكل العظم وزارة احتفظ فيها فوزي سلو بوزارة الدفاع . وفي 21- 4- 1951 خطا الشيشكلي خطوة أوسع نحو السلطة ، فعزل أنور بنود عن رئاسة الأركان ، وتولى بنفسه هذا المنصب .

3- شن حزب الشعب حملة ضد الحكومة داخل البرلمان وخارجه ، ففي جلسة 30- 7- 1951 احتدم النقاش بين الحكومة والمعارضة ، فقدم العظم استقالته في 31- 7- 1951 ، فشكل حسن الحكيم وزارته نتيجة التفاهم بين حزب الشعب ورئيس الأركان ، لكن الوزارة واجهت مشكلة حول أرض الغاب ، وحول إعادة الدرك إلى وزارة الداخلية ، فتراجع حزب الشعب عن تأييد الحكومة ، وأعلن الكيخيا أن حزبه سينسحب من مجلس غير قادر على استخدام صلاحياته ، ووقف الحزب الوطني إلى جانب حزب الشعب ، وقادا حملة لإسقاط الحكومة .

قدم الحكيم استقالته بعد خلافه مع وزير خارجيته فيضي الأتاسي ، فكلف زكي الخطيب ، ثم الدواليبي ، ثم سعيد حيدر ، ثم عبد الباقي نظام الدين والجميع فشلوا في تشكيل الوزارة بسب إسناد وزارة الدفاع إلى عسكري ، وعودة الدرك إلى وزارة الداخلية. وفي 28- 11- 1951 كلف الرئيس الأتاسي معروف الدواليبي بتشكيل الوزارة ، فاحتفظ الدواليبي لنفسه بحقيبة وزارة الدفاع ، فقال الشيشكلي : لا تلعبوا بالنار ، وبعد 12 ساعة على تشكيل الوزارة قام الانقلاب الرابع في 29- 11- 1951 ، وأذيع البيان رقم (1) الصادر عن العقيد أديب الشيشكلي ، وتم اعتقال الدواليبي وعدد من الوزراء ، كان محمد المبارك ممثل الإخوان في الوزارة أحدهم ، وشرع الشيشكلي بالتهجم على حزب الشعب ، واتهامه بترك البلاد بدون ميزانية ، وبتعطيل قانون توزيع أملاك الدولة ، وبالانخراط بالتناحر الطبقي ، مما حرم سورية من حياة الطمأنينة والاستقرار .

4- طبق الشيشكلي ديكتاتورية صارمة ، وأقام نظام الحزب الواحد ، وتلقى في الأشهر الأولى دعمًا من الحزب القومي السوري ، ومن حزب البعث ، والحزب العربي الاشتراكي وزعيمه أكرم الحوراني الذي وصفه المراقبون والكتاب والصحفيون ومؤرخو تلك الفترة بأنه كان وراء جميع الانقلابات ، وأن جميع البلاغات التي صدرت عن المجلس الحربي الأعلى من صياغة أكرم الحوراني ، وأن الكثير من البلاغات والمراسيم كانت بقلم الحوراني . وأن حسني الزعيم قد حل المجلس النيابي بنصيحة من أكرم الحوراني ، وأن أول بيان رقم (1) وما أعقبه من بلاغات في انقلاب الزعيم كانت من بنات أفكار أكرم الحوراني الذي اتخذ مكتبًا له بالقرب من مكتب حسني الزعيم ، وكان بمثابة مستشار له . يقول الضابط محمد معروف في كتابه عن أسرار الانقلابات العسكرية من عام 1949 وحتى عام 1969 : لم تبتل سورية طوال حياتها بزعيم كان وبالا على الشعب وسببًا لتمزيقه كما ابتليت بأكرم الحوراني الذي أرسى طريق الفرقة والتباعد ، وكان يرى في كل من يقف في وجه مصالحه خائنًا ومارقًا ، وكانت فاعليته وسمومه مركزة بصورة خاصة في صفوف الضباط وأنا منهم ، وقد صدق المرحوم كامل مروة حين قال فيه في جريدة الحياة : إن أكرم الحوراني في انقلاب حسني الزعيم ومعه ، ثم وقف ضده ، وكان في انقلاب سامي الحناوي ، وعين وزيرًا ثم نجح في الانتخابات بالتزوير وأنا مع الأسف من قام بذلك الفعل ، ثم وقف ضد الحناوي ، وكان في انقلاب الشيشكلي ومعه ، ثم انقلب عليه ، وكان من أنصار الوحدة وعبد الناصر ، ثم انقلب عليهما معًا ، ثم كان مع الانفصال ، ولو طال الزمن قليلاً لفكر بالانقلاب عليه ، وأخيرًا كان مع صدام حسين ، ولا أدري إذا كان قد أبعد أم اختار الابتعاد؟ لقد كان هذا الرجل أحد أسباب الانقلابات في سورية ثم يقول محمد معروف : طلب مني اللواء سامي الحناوي الحضور إلى مكتبه ، وكان في المكتب عصام مربود وخالد جادا ، خاطبني الحناوي قائلا : إن الانتخابات في حماة مغلقة لقائمة عبد الرحمن العظم وحسني البرازي ، ويجب مؤازرة أكرم الحوراني ، وقالا : أن لا أمل له في النجاح إلا إذا شعر الناخبون أن الحكومة تقف إلى جانبه ، وأنه لا يجوز في هذا الوقت بالذات أن يكون الحوراني خارج المجلس ، كنا جميعًا موافقين ، فتقرر إرسال قوة عسكرية إلى حماة ، وتعيين المقدم سليمان ناجي آمرًا للمنطقة ، وعين الملازممحمد كامل الصالح- وهو قريب لي- في الشرطة العسكرية هناك. جرت الانتخابات ، ولم يتمكن سليمان ناجي من التأثير على أحد في مدينة حماة ، وقد أعلمنا بأن لائحة عبد الرحمن العظم تكتسح الموقف ، وكان الوضع مختلفًا في ريف حماة حيث الغالبية من العلويين ، وكثير منهم من عشيرة محمد كامل صالح ، فتمكن من التأثير على بعضهم ، فانتخبوا الحوراني ، وهكذا نجح الحوراني بفارق 128 صوتًا عن آخر مرشح في قائمة العظم ، وهو الشاعر بدر الدين الحامد. ولم يحالف البعثيين الحظ في المناطق الأخرى ، فلم ينجح منهم إلا جلال السيد بأصوات العشائر وأبناء بلدته في دير الزور لا بصفته الحزبية ، ثم يقول الضابط محمد معروف الذي عاش أحداث الانقلابات ساعة فساعة منذ عام 1949 وحتى عام 1969 ، وسجلها في كتابه تحت عنوان : أيام عشتها : كان أكرم الحوراني من دعاة الحكومة العسكرية ، ولا أدري السبب .

وهذا يذكرني بحديث جرى بيني وبين الأستاذ خالد محمد خالد الكاتب المصري الشهير ، فقد كنت ألتقيه في مكتبة وهبه حسن وهبة في شارع الجمهورية القريب من قصر عابدين ، لأن كلينا كان يعتمد على وهبة في تأمين الكتب التي نطلبها ، وعندما سمع الأستاذ خالد كلامي علم أنني سوري ، فطلب مني الجلوس معًا داخل المكتبة ، فسألني : أتعرف أكرم الحوراني؟ قلت : لا أعرفه ، ولكنني أعرف كل شيء عنه ، قال : كيف يدعو إلى الحرية (من شعارات حزب البعث) ثم يلجأ إلى الانقلابات العسكرية؟ ثم جرت حوارات مع الأستاذ خالد محمد خالد ، سوف أعرض لها في حينها لدى تحدثي عن الفترة التي أمضيتها في مصر طالبًا في كلية الآداب من جامعة فؤاد الأول- جامعة القاهرة فيما بعد-.

أعود بعد هذا الاستطراد المفيد إلى الحديث عن سياسات الشيشكلي التي لامست حياة الأحزاب والجماعات ، ولاسيما مصير جماعة الإخوان المسلمين في سورية.

5- شكل الشيشكلي وزارة برئاسة فوزي سلو من مهنيين ورجال أعمال يتمتعون بالخبرة والكفاءة. وبالرغم من الإصلاحات التي أنجزها عهد الشيشكلي في المجالات الزراعية والصناعية والتجارية والمصر فية والنقدية والتعليمية والعسكرية ، فإن الشيشكلي اتجه نحو قمع النشاط السياسي ، فأصدر في 14- 1- 1952 قرارًا بحل المنظمات الحزبية شبه العسكرية مبتدئًا بالحملة ضد الشيوعيين ، ثم التفت إلى الأحزاب ، وكان الإخوان المسلمون أول المستهدفين ، إذ أصدرت الحكومة في 17- 1- 1952 قرارًا بإغلاق مراكز الإخوان في سورية ، ثم زج بقادتها في السجون ، وفي 19- 1- 1952 تظاهر طلاب الجامعة لمساندة مصر ، فاتهم الإخوان بأنهم وراء المظاهرة ، فلم يتردد الشيشكلي في استخدام السلاح لتفريق المتظاهرين ، ولما تلتها مظاهرة طلابية في حلب ، قمعت بقسوة شديدة ، فسقط 37 قتيلا و87 جريحًا ، وصدر مرسوم يحظر على الطلاب ممارسة أي نشاط سياسي ، أو القيام بأي إضراب أو تظاهر. ثم بدأت تظهر من الشيشكلي إشارات واضحة أنه لا يريد التعاون مع الأحزاب ، ولا إشراكها في السلطة ، فابتعد الحوراني عنه تدريجيًا ، وفي السادس من نيسان عام 1952 صدر مرسوم تشريعي رقم 197 قضى بحل الأحزاب السياسية ، وراح الشيشكلي يدير الدولة وكأنها ثكنة عسكرية ، وكان أول من طرح فكرة الحزب الواحد ، ثم طبقت في مصر وفي غيرها . وأخيرًا حاول الشيشكلي بضغط دولي وضرورات داخلية أن يضفي على نظامه طابعًا ديمقراطيًا ، فطرح على الشعب دستورًا -آخذا بالنظام الرئاسي- وأجرى عليه استفتاء ، فأعلنت الجماعات الإسلامية أن أسس هذا الدستور بعيدة عن الإسلام ، واعترض عليه بعض المحامين ووصفوه بأنه شكل من نظام قيصري ، كما وجهت بعض الفعاليات السياسية مذكرة إلى الشيشكلي أعربوا فيها عن رفضهم للدستور ، لكن الشيكشلي تقدم للشعب بترشيح نفسه للرئاسة ، وقدم دستوره للاستفتاء ، معلنًا في 11- 7- 1953 نتيجة الاستفتاء الذي شارك فيه 417 و 995 ، فوافق عليه 425و 864 ليصبح الدستور نافذًا ، وليكون أديب الشيشكلي رئيسًا للجمهورية . شكل الشيشكلي حكومة جديدة ، وأحال فوزي سلو على التقاعد ، وأطلق سراح المعتقلين في سجن المزة ، وأجرى انتخابات برلمانية في 9- 10- 1953 ، وسمح باستعادة النظام الحزبي بشروط محددة ، وأعاد للصحافة هامشًا من الحرية ، فظهرت انتقادات علنية للنظام. حاول الشيشكلي التفاهم مع المعارضة ، فرفضت التعاون معه ، وشكلت تحالفًا ضم اليمين واليسار (باستثناء الحزب القومي السوري والحزب التعاوني الاشتراكي) ، ثم عقدت مؤتمرًا في 9- 10- 1953 برعاية هاشم الأتاسي في حمص ، أعلنت فيه عن ميثاق وطني يهدف إلى العودة للحياة الديمقراطية التي سبقت انقلاب الشيشكلي . وفي ظل هذه الحرية المتاحة عاد الحوراني وعفلق والبيطار إلى سورية. وشكل الشيشكلي مجلسًا للنواب بانتخابات شارك فيها 20% من الناخبين ، سيطر فيها الحزب الحاكم على المجلس .

6- في سياق المحاولة التي قام بها الشيشكلي للتفاهم مع المعارضة ، دعا الشيخ السباعي لمقابلته ، وكانت هذه المقابلة على النحو التالي :

قال الشيشكلي : يؤسفني يا أيها الأستاذ أن تصدر عني إساءة نحوك ، وأنا الذي أقدر جهادك ، وأثق بإخلاصك ومن معك ، وقد كان الآحرى بنا أن نأتلف بدلاً من أن نختصم ونختلف ، ومع ذلك فإن المجال لا يزال أمامنا متسعًا ، لذلك فلننس الماضي ولنتعاون.

قال السباعي : ولكن الذي وجدته منك أكد لي ألا سبيل إلى التلاقي.

قال الشيشكلي : ولم لا؟ إنك تدعو إلى الإسلام ، وأنا والله مسلم ، يملأ قلبي الإيمان بالله ورسوله وكتابه ، فكيف لا يتم تلاقينا؟

قال الأستاذ السباعي : لعلك تفهم الإسلام عبادة وعقيدة! أما نحن فالإسلام في مفهومنا نظام يشمل الحياة ، ويقدر لكل شيء حسابه ، ومعنى ذلك أننا لا نستطيع القبول بالواقع الذي تفرضه القوة ، ولابد لنا من النضال بكل الوسائل المشروعة حتى نعيد إلى هذه الديار نظامها الإسلامي الذي به دخلت أمتنا التاريخ ، وبه تسنمت مركز القيادة العالمية من أوربا إلى أقصى الصين.

وهنا لم يبق متسع لاستمرار المحاولة ، فأعلن صاحب الانقلاب أسفه لإصرار السباعي على معارضته ، ونهض ليودعه وهو يقول : إذن فنحن معذورون باتخاذ كل ما نراه ضروريًا لحماية أهدافنا ، ولكنني آمل أن لا نيأس من إمكان التلاقي في وقت آخر ، عندما تتضحك لكم حقيقة أغراضي يا دكتور! .

بدوري أتساءل : هل كان الشيخ في حواره هل كان الشيخ في حواره مع الشيشكلي شديدًا إلى هذا الحد الذي ذكره الشيخ محمد المجذوب في كتابه : علماء ومفكرون عرفتهم؟ من عادة الدعاة أن يقولوا للناس حسنًا ، وأن يخاطبوا الآخرين بالكلام اللين حسب التوجيه القرآني ، والشيخ السباعي ليس داعية فحسب ، بل هو من شيوخ الدعاة ، وقد كان رحمه الله يخاطب كل الناس بالكلم الطيب ، ويعمل على تأليف قلوبهم ، وإظهار محاسن الإسلام لهم ، ولقد رافقته في بعض أسفاره ، وعرفته عن قرب ، ولمست فيه الدماثة والرقة وعذوبة الحديث ، فكيف يشتد على إنسان دعاه وتلطف معه -وهو رئيس البلاد- وأبدى له أسفه على ما بدر منه من اعتقاله ، وطلب تعاونه ، وأكد أمامه أنه مؤمن بالله وبالإسلام ، وإذا بالشيخ يرد عليه بأن فهمه للإسلام على أنه عقيدة وعبادة يختلف عن فهمنا بأن الإسلام يشمل كل مرافق الحياة ، هل كان الشيخ السباعي ينتظر من الشيشكلي أن يكون ملتزمًا ، وأن يكون على درجة من الفهم للإسلام كعالم أو فقيه أو داعية؟ ألا يكفينا منه إقراره بالإيمان بالله ، وانتسابه للإسلام ، وتقديم أسفه واعتذاره؟ أليس الأجدر بنا في مثل هذا الموقف أن نتألفه ، وأن نكتفي منه -كخطوة أولى- أن يفسح المجال لحرية الدعوة والعمل لنشر الإسلام ؟ أم أن حساسيتنا المفرطة من التعاون مع الانقلابيين والعسكريين هي التي أملت على شيخنا وأستاذنا الدكتور الشيخ مصطفى السباعي هذا الموقف رحمه الله وأعلى مقامه؟

ولو كان الأستاذ الداعية محمد المجذوب حيًا لقصدناه مستوضحين منه عن حقيقة هذا اللقاء ، وعن مضمونه وفحواه ، وعن مصدره ، وعمن استقاه ، ولو أن شيخنا السباعي تصور أو خطر بباله ما سوف يؤول إليه الحال في سورية ، من تسلط الأقليات على أمتنا والتنكيل بشعبنا ، وما وقع عليه من اضطهاد وإذلال لكان له موقف آخر ، وهو المعروف بغيرته الشديدة على الإسلام وعلى أبناء الإسلام . وعلى كل حال ، فإن نظام الشيشكلي انتهى كما بدأ إذ وقع انقلاب عسكري أطاح به دون أن ينتبه أو يفطن إلى المؤامرات التي كانت تحاك على قدم وساق في الجيش ، من قبل الضباط الذين كانوا بصفه ويعملون معه ، ففي صباح الخميس 24- 2- 1954 تمردت وحدات اللواء الثاني في حلب ، ثم تبعتها وحدات أخرى في اللاذقية ودير الزور ، وفي المنطقة الوسطى -حمص وحماة- وفي درعا ، فآثر الشيشكلي الانسحاب وتقديم الاستقالة ، فقامت المظاهرات الشعبية من اليساريين ، ومن الإخوان المسلمين ، ثم أقدم البرلمان على حل نفسه ، فاتفق السياسيون والعسكريون الذين عملوا على إسقاط النظام على العودة إلى برلمان 1949 ودستور 1950 ، فدخل هاشم الأتاسي دمشق ، واستأنف سلطاته الدستورية كرئيس للجمهورية وكأن عهد الشيشكلي لم يكن.


رابعًا : بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945 ، خرج الاتحاد السوفياتي منها ليكون إحدى القوتين العظميتين في العالم ، وشكل السوفيات كما يقول أتباعهم قلعة الشيوعية بين الدول ، فانتشر الفكر الماركسي ، وقامت أحزاب شيوعية في البلاد العربية ، ولاسيما في بلاد الشام والعراق ، وقد ساند السوفيات الأحزاب الشيوعية في بلادنا ، فأمدوهم بالمتفرغين ، وفتحوا لهم المكتبات في المدن الكبيرة والصغيرة ، وأصدروا لهم الصحف اليومية والمجلات الشهري ، فتعاظم أمر الحركة الشيوعية ، وصار لهم تأثير في مجريات الأحداث الفكرية والاجتماعية والسياسية ، وكان من أبرز القضايا التي طرحها الشيوعيون والاشتراكيون والبعثيون في الجمعية التأسيسية التي وضع دستور 1950 موضوع تحديد الملكية ، وتوزيع الفائض على الفلاحين ، وقد اثار هذا الموضوع جدلا كبيرا في المجتمع السوري ، ولاسيما تحت قبة البرلمان ، وفكان للإخوان المسلمين موقف يستأهل تسجيله لما ترتب على موضوع ملكية الأرض من أحداث ونتائج هزت المجتمع السوري ، وقلبته رأسا على عقب.

أ- نادي الإخوان بتحديد الملكية بالتدريج دون أن يكون لذلك أثر رجعي ، بل يطبق هذا المشروع على المالكين بالتراخي وعن طريق الأرث ، فإذا حدد القانون سقف التملك مثلا خمسة آلاف دونم ، وكان لدي المالك مائة ألف أو خمسين ألف دونم ، وترك من الورثة خمسة أبناء ، يكون حظ الوارث بعد الوفاة عشرة آلاف دونم من الخمسين ألفا ، دون أن يحق للوارث المالك أن يزيد على ما يملكه أو يحدده القانون أي زيادة عن طريق الشراء أو الهبة أو غير ذلك ، وهكذا يكون الميراث عاملا في توزيع الأرض دون حدوث صراع أو اضطراب أو هزة اقتصادية أو فوضى أو تهري أموال ، بل يظل المجتمع مستقرا ، والاقتصاد مزدهرا ، فلا يمضي عقدان أو أكثر حتى تنتهي الملكيات الكبيرة ، وتحل محلها الملكيات المتوسطة أو الصغيرة ، هذا هو موقف الإخوان المسلمين في سورية ، وفي الجمعية التأسيسية ، غير أن تيارين آخرين كانا على طرفي نقيض ، الأول يمثله الملاك الكبار الذين كان عددهم كبيرا ، ونسبتهم عالية في المجالس النيابية السورية ، ففي المجلس النيابي السوري لعام 1943 كان عدد الملاكين النواب 78 من مجموع 126 ، وربما كان العدد في برلمان 1947 وفي الجمعية التأسيسية 1949 يقارب هذه النسبة ، وهذا التيار يرفض رفضا قاطعا أي معالجة لموضوع الملكيات الكبيرة ، أما التيار الآخر الذي يضم اليسار بكل شرائحه ، فإنه يصر على التوزيع السريع والمباشر لما يزيد على ما يحدده القانون في الملكيات الكبيرة بأثر رجعي للبت في هذه القضية.

2- احتدم النقاش تحت قبة البرلمان بين التيارين ، فعرض الموضوع على التصويت ، فكانت النتيجة مقاربة ، إذ نال المناصرون لبقاء الأمر على ما هو عليه (ريثما يصدر قانون بتحديد الملكية دون أثر رجعي) 45 صوتا ، ونال الذين طالبوا بتوزيع ما يزيد على ما حدده القانون بتملك 43 صوتا ، أي كان الفارق بينهما الصوتين ، فتم إقرار المادة 22 من الدستور التي نصت على تحديد الملكية دون أثر رجعي ، وتشجيع الملكيات الصغيرة والمتوسطة ، كما نص على إصدار تشريع يوجب استثمار الأرض ، وعند إهمالها يسقط حق التملك فيها ، كما نصت على توزيع أملاك الدولة على الفلاحين غير المالكين لقاء أجر زهيد.

3- ظل هذا الموضوع يراوح في مكانه ، فلم تصدر تشريعات أو قوانين في موضوع الملكية وتحديدها وتنظيمها لدعم الملكيات الصغيرة والمتوسطة ، وتوزيع أملاك الدولة على صغار الفلاحين غير المالكين ، حتى إذا تمت الوحدة بين مصر وسوريا ، اصدر جمال عبد الناصر بصفته رئيس الجمهورية قانونا بتحديد الملكية ، ونزع ما يزيد على ما حدده القانون- وكان رقما متواضعا- والبدء بتوزيعه على الفلاحين ، فطبق القانون بظلم وحقد شديدين ، وعاشت سورية فترة مقت وعداء بين المواطنين ، وتدني الإنتاج ، وتراجعت الزارعة ، وعطلت الخبرات الزراعية ، ولم تسترد أنفساها إلا بعد أكثر من ربع قرن ، فلو أخذت سورية عبر برلمانها وحكوماتها بالمشروع الذي تقدمت به جماعة الإخوان المسلمين وارتأته وتبنته لتجنبت سورية قوانين عبد الناصر في شدتها وقسوة تطبيقها.


خامسا : تجاوز حركة الإخوان المسلمين حدود سورية إلى كل بلاد الشام ، وقام أبناؤها بتوعية واسعة في لبنان والأردن وفلسطين ، بل وفي العراق بالتعاون مع الشيخ محمد محمود الصواف طيب الله ثراه ، لفهم الإسلام والدعوة إليه ، وحمل الجماهير بالحسنى على رفع رايته ، وصبغ المجتمع بصبغته ، ثم تجاوزوا ذلك إلى أقطار العالم الإسلامي ، فشدوا رحالهم إلى باكستان والهند واندونيسيا ، تلبية لدعوة قادة العمل الإسلامي في جنوب شرقي أسيا ، وحضور المؤتمرات ، وإلقاء المحاضرات ، وإجراء الحوارات والمباحثات مع الشيوخ الكبار من أمثال محمد ناصر في اندونيسيا وأبي الحسن الندوي في الهند ، وأبي الأعلى المودودي في باكستان ، وغيرهم في ماليزيا وأفغانستان وتركيا وغيرها.

1- لحظ ذلك ورصده بعض المراقبين والكتاب الغربيين ، فقال الكاتب الألماني يوهانس دايسنر في الصفحة 151من كتابه ، الحركات الإسلامية في سورية : وبشكل عام ، فقد كان للشيخ مصطفى السباعي في الخمسينيات اتصالات كثيرة في الدول الخارجية (الإسلامية) ففي عام 1951 ترأس البعثة السورية للمؤتمر العالمي الإسلامي في باكستان ، وفي نيسان- ابريل عام 1954 ترأس البعثة السورية للمؤتمر الإسلامي - المسيحي العالمي في لبنان - بحمدون- حيث ألقى محاضراته الشهيرة عن علاقة المسلمين بالشيوعية من ناحية الاتحاد السوفياتي من ناحية أخرى.

2- حضر الإخوان أو شاركوا في جميع المؤتمرات التي تم عقدها في سورية وبلاد الشام ، وفي البلاد الإسلامية والأجنبية ، وحضروا منذ وقت مبكر مؤتمرات العلماء التي كان من أبرزها مؤتمر علماء دمشق الذي دعا إليه الشيخ كامل القصاب عام 1938 وقد حضره السباعي قبل توحيد الجمعيات الإسلامية في جامعة الإخوان المسلمين ، وكان من أبرز المؤتمرات التي شارك فيها للإخوان المسلمون في الفترة الثانية من تاريخ الجماعة - من عام 1949 وحتى عام 1945 ثلاث مؤتمرات.

أولها : المؤتمر الإسلامي الذي عقد عام 1951 في باكستان ، ومثل الإخوان فيه الشيخ السباعي والأستاذ المبارك والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري ، وكان لوفد الإخوان ، ولاسيما المراقب العام الشيخ مصطفى السباعي نشاط ملحوظ في مناقشاته ، وفي طرح القضايا الساخنة فيه ، وعلى رأسها قضية فلسطين .

وثانيهما : المؤتمرات الإسلامي الذي عقد في القدس ، وشارك فيه الشيخ السباعي ، وكان عضوا في البرلمان ، ونائبا لرئيسه ، كما شارك فيه ثلة من القيادات الإسلامية من العراق ومصر ، ومن العالم الإسلامي ، كان ضمنهم الشهيد سيد قطب وسعيد رمضان رحمهما الله ، وكان المؤتمر مكرسا للقضية الفلسطينية ولاسيما موضوع القدس ، وحفظهما من الأطماع الصهيونية.

3- غير أن المؤتمر الذي ذات صيته ، وأحدث زلزالا شديدا في بلادنا ، وفي المحيط الدولي ، هو المؤتمر الإسلامي المسيحي الذي عقد في بلدة بحمدون ن لبنان ، في 21 شعبان 1373هـ و25 نيسان 1954م ، والذي أعدت له الدوائر الغربية ، لحشد المسلمين في العالم ضد الشيوعية بدعوى أنها تدعو إلى الإلحاد ، والمسلمون والمسيحيون يؤمنون بالله ، إذ إن هذا المؤتمر قد تم تنظيمه من جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية ، ودعيت إليه وفود من جميع أنحاء البلاد العربية والإسلامية ، من باكستان وتركيا وإيران وغيرها ، وقد تردد الوفد السوري أول الأمر ففي قبول الدعوة ، لإدراكهم الأهداف التي يقصد إليها الداعون للمؤتمر ، ثم رأي السباعي وبعض أخوانه قبولها لإحباط ما قد يكون وراء المؤتمر من مناورات سياسية ، إذ كان القصد من الدعوة إلى المؤتمر هو إنشاء كتلة عالمية باسم الإسلام والمسيحية ضد الكتلة الشيوعية ، ولم يكن يومها من مصلحة العرب الانقياد وراء المناورات الغربية لإنشاء هذه الكتلة ، وكان من أبحاث المؤتمر المقررة : جواب الإسلام على الشيوعية ، وقد وقع اختيار الوفود العربية على الدكتور السباعي لإلقاء كلمة عن الشيوعية في نظر الإسلام ، فكتب كلمته ، وترجمت إلى الإنكليزية ، فكان لها وقع القنبلة ، التي حولت المؤتمر إلى تظاهره رائعة للانتصار لفلسطين واللاجئين والقضايا العربية والإسلامية ، وقد أعرب جميع الوفود العربية والإسلامية عن أعداهم الشديد بهذا الخطاب الجامع الذي اتصف بالجرأة والدقة العلمية والتاريخية والسياسية ، أما بقية الوفود ، وخاصة الداعين للمؤتمر ، فقد تملكتهم الدهشة والارتباط أمام هذه المفاجأة التي فوتت عليهم أغراضهم ، وأضاعت عليهم الفرصة المنشودة.

4- إن ما تضمنه خطاب الشيخ عن الصهيونية وجرائمها وأخطارها ، ومدى ما لقيته من الغرب المسيحي ، والديمقراطيات الغربية من دعم وتأييد ، يعد من أهم الأمور التي عرفت هذه النخبة التي شاركته في المؤتمر من مختلف دول العالم بالموقف الإسلامي من الصهيونية ، وهو الموقف الذي لم يكن يصل إليها قبل ذلك الحين.

إن هذا الخطاب لا يتأتي إعداده على هذا النحو من الدقة والشجاعة والموضوعية لأي مفكر وسياسي بارز ، وزعيم وطني غيور ، إلا في وقت طويل ، وقد توفر السباعي على كتابته في جلسة أو ساعة من ساعات المؤتمر ، وهذا هو نص الخطاب التاريخي كما نشرته جريدة الشهاب في حزيران 1956.

قال السباعي : من الواجب أن نبحث هذا الموضوع بكثير من الصراحة والحكمة الصدق ، فنحن هنا رواد حق في مؤتمر علمي محصور بين لفيف من أقطاب الفكر في العالمين الإسلامي والمسيحي ، لا في اجتماع عام يقصد به الاستيلاء على عاطفة الجماهير بالخطابة المؤثرة والبيان البليغ.

إننا نحن المسلمين ننظر إلى الشيوعية من جهات ثلاثة :

أ- ننظر إليها كعقيدة ذات فلسفة مادية تنكر الروح وما رواء المادة ، وهي في ذلك تختلف عن الإسلام في أسسها وجوهرها ، ولا يمكن أن تلتقي معه في عقيدته وفلسفته ، وجواب الإسلام على الشيوعية في هذه الناحية ، هو جوابه على كل فكرة خاطئة ، أن يفندها بالحجة والمنطق ، وأن يبين ما فيها من انحراف عن الحق وخطأ في الواقع.

ب- وننظر إلى الشيوعية كنظام اقتصادي اشتراكي ، يسعى إلى تحقيق العدالة بين طبقات الشعب ، ويمنع تحك المال ووسائل الإنتاج في العمل والعمال على أسلوب خاص به ، وجواب الإسلام على الشيوعية ن هذه الناحية ، أنه وضع نظاما اشتراكيا واضح المعالم مستقلا عن الشيوعية وعن الاشتراكية وعن الرأسمالية ، وهو في ذلك لا يحارب الشيوعية في كل اتجاهاتها الاشتراكية ولا يقرها في كل اتجاهاتها أيضا ، كما أنه لا يحارب النظم الاقتصادية الأخرى ولا يقرها في كل تفاصيلها واتجاهاتها ، واعتقد أن الأديان كلها سبقت الشيوعية إلى الرحمة بالبائسين ، والأنصاف للناس ، والرغبة في تحقيق العدالة بين الجماهير ، ولكل ديانة وسائلها الخاصة بها في تحقيق هذه الأهداف ، فلا ضير على كل من الإسلام والمسيحية أن تتفق معهما الشيوعية في الأهداف الإنسانية النبيلة ، وإن كانت تسلك لذلك طريقا لا تقرها المسيحية ، أو لا يقرها نظام الإسلام الاشتراكي.

ج- وننظر إلى الشيوعية كدولة ذات قوة وأهداف سياسية ، وجواب الإسلام على الشيوعية من هذه الزاوية ، هو جوابه على كل قوة مسلحة تجاوره ، فإن سالمت عقيدة المسلمين وكرامتهم واحترمت إرادتهم وسلطانهم على ديارهم ، سالمها الإسلام ولو كانت مخالفة له في العقيدة والنظام ، لأن الإسلام لا يفرض الحرب على كل من خالفه ، وإنما يضع هذا المبدأ الخالد العادل : ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾( ). وإن حاربت المسلمين في عقيدتهم وكرامتهم وديارهم ، أعلن عليها الحرب ، وأمر المسلمين بإعداد كل وسائل القوة لرد العدوان ، وشعاره في ذلك هو المبدأ الذي لا يزال شرعة الأمم حتى اليوم : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾( ) وإذا كان جواب الإسلام على الشيوعية المعتدية هو الحزب ، كن ذلك جابه أيضا على الديمقراطية المعتدية ، وعلى الصهيونية المعتدية ، وعلى كل قوة تعتدي على أرضه وحقه ، بل تعتدي على الآن والنظام العام ، ولو كانت من أبنائه : ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾( ) ، وقد يقال : إن الشيوعية تتبنى الثورة والحرب كوسيلة ن وسائل انتشارها ، وقد يكون هذا صحيحا وواقعا ، ولكني أتساءل :

أليس بجانب الشيوعية أنظمة ودول تعتمد على القوة وتثير الحروب؟

ألم تعتمد الديمقراطية في بلاد الشرق العربي والإسلامي على القوة والبطش لتحقيق حكمها وسيطرتها؟

ألم تسلك الصهيونية كل وسائل الحرب والتدمير والتقتيل للوصول إلى أهدافها؟

وإذا كان من حق الديمقراطي الغربي أن يزعم بأنه يسعى للسلم ، أن ينكر على الشيوعي إعداده للحرب ، فإن من حق رجال الدين وقادة الفكر أمثالكم في هذا المؤتمر أن ينكروا كل وسائل البغي العدوان ، وأن لا يخصوا بنقمتهم فريقا دون فريق ، فذلك شان السياسيين الذين لا يرون أنفسهم ملزمين بالتقيد بمبادئ العدالة والحق والأخلاق دائما وأبدا. وقد يقال : إن الشيوعية بفلسفتها المادية تحمل مبادئ التدمير لكل القوى الروحية والأخلاقية في العالم ، وقد يكن هذا صحيحا أيضا وواقعا ، ولكن من حقنا أن نتساءل هنا :

ألم تنحرف الديمقراطية في عصرنا عن القيم الروحية والأخلاقية للشرائع والديانات؟ ألم تسع الديمقراطية السياسية لتحقيق مطامعها وأهدافها بشره مادي يجانب روح الأنبياء ومبادئ الكتب المقدسة وشرائع الله؟

أليست الصهيونية السياسية حركة مادية تجانب كل القيم الروحية والأخلاقية حتى في الشريعة اليهودية ذاتها؟

فلماذا يقتصر مؤتمركم على بحث الشيوعية المادية ، ولا يتناول الديمقراطية المادية والصهيونية المادة؟

ولماذا يطلب منا نحن سكان هذا الشرق الأوسط من عرب ومسلمين وشرقيين أن نحارب الشيوعية وحدها ، بحجة أنها مادية تحارب القيم الدينية والأخلاقية ، بينما نجد العالم الغربي المسيحي تسيطر على سياسته روح مادية ، لا تأبه إلا بمصالحها وسيادتها ، حتى أنها تبنت الصهيونية المادية وخلقتها وزرعتها في بلادنا زرعا بقوة الحديد النار ، وبإغراء الذهب والدولار؟

أمن الممكن أن نطلب من جماهيرنا التي تكتوي بنار الصهيونية ، وتعاني فظائع الظلم والإرهاب الاستعماري في بدلانا ، أن تصدق بأن الغرب المسيحي مخلص في حياته الشيوعية لمادتيها وخطرها على الأديان والأخلاق ، بينما هي تشاهد كيف تزدري الدول الغربية بكل مبادئ الحق والعدالة في علاقتها معها ، وتحتضن الحركة الصهيونية الباغية المادية كوليد مدلل ينزل أبواه عند كل رغباته ومطالبه؟

أيها السادة : لست ابعد عن الحديث حين انتقل ن الكلام عن الشيوعية إلى الصهيوينة ، ذلك لأن الصهيونية تعتمد على الشيوعية وتنشرها ، كما تعتمد على الديمقراطية وتدافع عنها ، لأن الصهيونية لا دين لها إلا تحقيق مطامعها ، وإنكم لتعلمون أن الصهيونية كانت دعامة الحركات الشيوعية في أوربة وأمريكا ، وأن الجاسوسية التي أقضت مضاجع أمريكا وانكلترا وغيرهما من دول الغرب إنما يديرها ويسهر عليها صهيونيون كبار ، استطاع التحقيق أن يكتشف القناع عن وجوه كثيرين منهم ، فأسلمهم إلى يد العدالة ، ولا يزال قناع قائما على وجوه كثيرة من كبار الصهيونيين المواطنين في أمريكا وأوربا ، وسيعلم الشعب الأمريكي والشعوب الأوربية ولو بعد حين ، أن هؤلاء الصهيونيين الكبار لم يكونوا إلا خونة ومجرمين كبارا في حق أمريكا وأوربا على السواء ، وهذه العناصر الصهيونية القوية هي التي توجه سياسة الدول الغربية ، وتبسط سلطانها ونفوذها على كثير من الرؤساء والزعماء والنواب ودور الصحافة وبيوت التجارة في بلاد أوربا وأمريكا ، وهي هي التي تتصل بأمثالها في الشرق العربي والإسلامي عندنا ، وتتبنى الشيوعية لا إيمانا منا بالشيوعية ، وكلك استدرارا لعطف الشيوعية الدولية ، وتأييدها كما فعلت في إقامة دولة إسرائيل ، من أجل ذلك كان الحديث عندنا نحن في الشرق العربي والإسلامي عن الخطر الشيوعي مقترنا بالحديث عن الخطر الصهيوني.

إنكم أيها الأمريكيون والإنجليز والفرنسيون والكنديون والإيطاليون وغيرهم من زملائنا أعضاء هذا المؤتمر ، قد لا تشعرون بخطر الصهيونية ومحاربتها للأديان والشرائع ، وخاصة رجال الدين وأساتذة الجامعات منكم ، ممن لا يمارسون السياسة ولا يعانون مشاكلها ، فاسمحوا لنا إذن نحن أبناء هذه البلاد أن تكاشفكم بحقيقة هذا الخطر ، وعليكم أنتم يا رجال الدين وأساتذة الجامعات وأصدقاء الشرق الأوسط أن تفسحوا صدوركم لآلامنا ما دمتم تريدون منا أن نتعاون معا على الخير ، وإن نسير في طريق واحدة تؤدي بالإنسانية إلى السعادة والسلام.

إن الصهيونية حركة مادية لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر ، ولا بالقيم الروحية والأخلاقية ، وهي حركة سياسية تستغل كل الشرائع والقوانين والمثل العليا لتحقيق مطامعها في السيادة والملك ، وهي سياسة تستغل كل الشرائع والقوانين والمثل العليا لتحقيق مطامعها في السيادة والملك ، وهي سياسة مكيافيلية تستبيح كل الجرائم الخلقية والاجتماعية من قتل وتخريب وتشريد للوصول إلى غاياتها ، وهي حركة عدوانية تدير الحروب وتثير العداوة والبغضاء بين الشعوب.

هذه هي الصهيونية في فكرتها وفي واقعها ، فإذا شككتم في ذلك فتعالوا لتروا الصهيونية خربا ويتما وتشريدا وإجلاء وإفناء ، تعالوا بنا نزر معكم أماكن اللاجئين لتروا آثار الصهيونية في جولتها الأولى ، وهي الآن تستعد للجولة الثانية والثالثة غيرها حتى تصل إلى ما تريد من أفنائنا كشعب ، والقضاء علينا كأمة ذات دين وحضارة روحية ومثل عليا.

من أجل ذلك نعتبر الصهيونية خطرا قائما في قلب وطننا العربي والإسلامي ، ونعتبر كل من يساعدها عدوا للحق وللأخلاق والأديان ، ونحن حين نخوض ضدها معركة الدفاع إنما نخوضها لا من أجل أنفسنا وتراثنا وقيمنا الأخلاقية فحسب ، بل نخوضها من أجل الإنسانية كلها ، من أجل القيم الروحية والخلقية التي جاءت بها شرائع الله ، ولئن كان الغرب المسيحي وقف حتى الآن موقف المؤيد الممهد لهذه الحركة بكل ما يستطيع من نفوذ ومال ، فإن العالم المسيحي ليطلب منكم يا قادة الروح في الغرب أن تحيوا شعور أممكم وشعوبكم ، وتوقظوا الضمير العالمي لإيقاف هذه الكارثة التي نشأت عن أكبر غزو إفنائي لنا في تاريخنا القديم والحديث.

أيها السادة : لقد كان من الحق حين وضع في برنامج أبحاث المؤتمر موقف الإسلام والمسيحية من الشيوعية ، أن يذر بجانب ذلك أسباب انتشار الشيوعية ووسائل مكافحتها ، وهو أمر لابد منه ليكون لبحث هذا الموضع نتائج عملية مثمرة ، إن المريض لا يكتفي من طبيبه أن يقول له بعد معاينته : إنك مريض ، ولكن يطلب منه أن يكشف له عن أسباب مرضه ، وأن يصف له علاجه الناجع ، وإذا كانت فلسفة الإسلام والمسيحية تجانبان الفلسفة الشيوعية المادية ، كان لابد لانتشار الشيوعية في بلاد المسيحية والإسلام من أسباب أدت إلى هذه النتائج :

أ- وأول هذه الأسباب - في رأي - فساد الأنظمة الاجتماعية ، وخاصة في الشرق الإسلامي ، فإن انحطاط مستوى المعيشة والتعليم والصحة ، والتفاوت الفاحش بين الطبقات ، وفساد أنظمة الحكم وانحراف الحكام عن سنن العدالة ، وطغيان روح التحكم والاستبداد في نفوسهم ، ذلك كله من أكبر أسباب التذمر الذي يؤدي بالجماهير إلى اعتناق أية فكرة تظن فيها الخلاص من حالتها السيئة ، إن الجماهير إنما تعنى بمصالحها المادية قبل كل شيء ، وهي تفتش عن تحقيق هذه المصالح في دائرة أديانها ، تولت عنها ، وهي تفتش عن مذهب يعدها بالإنقاذ ، وهي ستتبعه حتما ، ولو كان آتيا عن طريق الشيطان.

ب- وثاني هذه الأسباب محاربة الديمقراطية الغربية لشعوب الشرق في أمانيها التحررية والاستقلالية ، ومحاولة إبقائها تحت نير الجهل والظلام والعبودية ، وإشاعة حكم الإرهاب والبطش في كثير من الأقطار والمتحفزة للتحرر ، والقضاء على الحركات الشعبية النظيفة ، وتشويه سمعتها بالاتهام بالشيوعية والانصياع لتحريض أجنبي ، كل ذلك كان له أثره في اتجاه الجماهير إلى نظام يعدها بالتحرر من سلطان الديمقراطيات وبطشها وإرهابها.

ج- وسب هذه الأسباب - وهو سبب خاص ببلادنا- ذلك التأييد الذي لقيته الصهيونية من الديمقراطيات الغربية ، حتى أصبح لها كيان مفروض في قلب الوطن العربي رغم إرادة سكانه وشعوبه ، مما شرد مليونا من سكان فلسطين ، وأشاع المرارة والخيبة وفي نفوس العرب والمسلمين ، وجعل أوساط اللاجئين أمكنة صالحة للشيوعية ، تزداد يوما بعد يوم ، وأعذروا هؤلاء اللاجئين أيها السادة ، اعروهم إذا تلفت أحدهم إلى زوجته فرآها أسيرة أو مفقودة ، وتلفت إلى أولاده ، فرأي البرد والمرض والسل يفترس واحدا منهم بعد آخر ، وتلفت إلى نفسه فرأى خيمته تقتلعها الرياح وتغطيها الثلوج ، ورأى جسمه تهده الأمراض ، ورأى نفسه عاجزا عن توفير الكرامة لنفسه وأطفاله ، إنه ليعاني هذا كله وهو يرى بعينه أرضه تزرع ، وداره تسكن ، وأثاثه ينهب ويرى أن ذلك كله نتيجة سياسة الديمقراطيات الغربية وحكمها وتأيدها للصهيونية المحتلة لأرضه وداره ، فكيف تستطيعون أن تقنعوه مع ذلك بأن هذه الديمقراطيات تحمل لواء الحق ، وتمثل المعسكر الذي يعتقد بالله وبالروح والقيم الأخلاقية والدينية؟

إن اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوربا جعل نصفها يميل إلى الشيوعية ، أو يقع تحت قبضتها ، فكيف لا يؤدي سواء أوضاع اللاجئين ، وهي أسوأ بآلاف المرات من تلك ، إلى اعتناق الشيوعية أو غيرها ، وهم في تلك الحالة من البؤس؟

هذه هي الأسباب الرئيسية لانتشار الشيوعية ، وبذلك يعرف الطرق الواضح لمكافحتها.

إنه لا سبيل لكم لتكونوا عمليين مخلصين في نصرة القيم الروحية والأخلاقية ، من أن تعلنوا إنكاركم لاستمرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في أوساط الشعوب والجماهير ، ومن أن تعلنوا إنكاركم لسياسة الديمقراطيات الغربية في موقفها من أماني الشعوب العربية والإسلامية ، ومن أن تعلنوا استنكاركم للصهيونية كحركة مادية فيها كل الخطر على السلم وعلى الأمن ، وعلى الأخلاق والدين في هذه المنطقة الحساسة من الشرق الأوسط ، كونوا جريئين مخلصين حين نعلن لكم أنه من العبث أن تفركوا بحمل شعوبنا على محاربة الشيوعية والوقوف ضدها ، وهي ترى الدبلوماسية الشيوعية تنتصر لقضايانا في المحافل الدولية من حيث تخذلها الدول الديمقراطية الغربية.

لقد قال المستر تشرشل كلمة ذهبت مثلا في التاريخ يوم اعترض عليه بعض الناس حين مد يده إلى روسيا في الحرب ليتعاون معها على حرب ألمانية ، قال : إنني مستعد لأن أتحالف مع الشيطان في سبيل الوصول إلى النصر ، وتعاون الحلفاء يومئذ مع الشيوعية خلال مدة الحرب العالمية الثانية ، وما كان تحالفهم مع الشيوعية الفكرية ، ولا مع الشيوعية الاقتصادية ، وإنما كان مع الشيوعية القوية المسلحة ، لأن مصلحتهم التقت مع مصلحتها في هذا التعاون ، ونحن اليوم لا نريد أن نفرض سيطرتنا ولا انتصاراتنا على الشعوب ، وإنما نريد أن نصل إلى حقنا ، نريد أن نطمئن على حرياتنا وكرامتنا ، إن من حقنا أن نعيش أحرارا في فلسطين وسورية ولبنان والأردن ، وفي العراق ، وفي مصر وفي ليبيا ومراكش وتونس والجزائر ، وفي كشمير وفي اندونيسيا وفي كل بلادنا العربية والإسلامية ، نريد أن نصل إلى هذا الحق الذي تحاربه الديمقراطيات الغربية المسيحية حربا تنكرها مبادئ الديانات وشرائع الله ، فهل نلام إذا نظرنا إلى مصلحتنا المشروعة في مهادنة كل من يعترف لنا بهذا الحق؟

سيذهب كل جهد لكم عبثا مالم تعلنوا قرارا في هذا المؤتمر جريئا واضحا في هذه القضايا كلها ، وعندئذ تنالون احترام العالم وثقته ، وتسيرون في طريق التعاون المثمر المفيد بين الإسلام والمسيحية ، ولرد الإنسانية الجامحة إلى الله ، ولتدعيم القيم الروحية التي لا يقوم بناء العالم الحر الكريم إلا على أساسها ، وإذا لم تفعلوا فثقوا- وهذا كلمة لا أقولها كسياسي فحسب ، بل كرجل مسلم يشترك في أكبر حركة إسلامية في العصر الحديث ، ينتمي إليها ملايين الشباب الأقوياء المؤمنين في دنيا العرب والإسلام - أقول لكم : ثقوا أننا لن نسير مع الغرب خطوة واحدة في مكافحة أية حركة مادية كقوة سياسية ، مالم يثبت لنا الغرب عمليا حسن نيته وصدق أخلاصه في التخلي عن مناصرة الصهيونية حتى ندرأ أخطارها عن بلادنا وعن العالم كله ، وفي الاعتراف بحقوقنا كاملة في السيادة والاستقلال ، حتى نتعاون معه تعاون الحر مع الحر ، والكريم مع الكريم ، لا تعاون العبد مع السيد ، والذليل مع العزيز ، والمظلوم مع الظالم.

هذه كلمة نقولها اليوم رجاء أن تحتل من قلوبكم مكانة الاقتناع والتأييد ، فتكونوا أنصارا للحق في أوساط شعوبكم ، تجهرون بكلمة القوية على مسمع حكوماتكم ورؤسائكم ، وإلا فإننا نقولها اليوم للتاريخ. وسيقول فيها التاريخ كلمته فيما بعد.

اللهم وفقنا جميعا للخير والحق ، وألهمنا رشدنا ، وهيئنا لإنقاذ الإنسانية من طغيان السياسة على شراع الله وآدابه .

5- هذه كلمة شيخنا السباعي التي ألقاها في المؤتمر الإسلامي المسيحي في بلدة بحمدون بلبنان في شهر نيسان 1954بتمامها ، كالذهب الخالص لا نستطيع أن ننقص منها أو نزيد عليها. والشيخ بهاذ الخطاب الوثائقي التاريخي أحبط مخططا ماركا أعدته الدوائر الغربية متسترة خلف الهيئات الدينية والتبشيرية (التي تستخدمها الدول الاستعمارية لتحقيق أهدافها) لدفع شعوب الأمة الإسلامية وقودا في مواجهة المعسكر الشيوعي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي ، فجاءت النتيجة على عكس ما يشتهون ، وانكفئوا فاشلين ، يرضون من الغنائم التي كانوا يؤملون تحقيقها بالإياب والانسحاب ، وبالرغم من أن الغرب لن ينصفنا ، ولن يكون معنا ، ولا مع الحق في مواجهة الصهاينة (الذين يسعون في الأرض فسادا ، ويوقدون نيران الحروب بين الشعوب والأمم)- في المستقبل القريب على الأقل -فإنه - أي الغرب - أقلع عن مثل هذه المحاولات ، ويئس من قدرته على تضليل شعوبنا ، أو التدليس عليا ، بفضل الله ، ثم بيقظة القادة والدعاة الكبار والمصلحين ، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم أستاذنا وشيخنا الجليل الدكتور الداعية المجدد والفقيه المجتهد مصطفى السباعي طيب الله ثراه ، أما المؤتمرات الأخرى فسيأتي الحديث عنها في المرحلة اللاحقة من هذه الصفحات.


سادسا : لم تكد سورية تحصل على استقلالها الناجز عام 1946 حتى تحركت الدول الغربية ، ولاسيما أمريكا للهيمنة على شئون هذا القطر عبر الأحلاف والاتفاقيات والمساعدات وأجهزة المخابرات ، وقد صادفت هذه الدول من بعض الساسة السوريين من روج للسياسات الغربية ، ودعا إلى إدخال سورية في الأحلاف الأجنبية ، من جهة أخرى تحرك السوفيات ودول المنظومة الاشتراكية بمسعى مضاد لتنشيط الحركة الشيوعية في سورية وفي بلاد الشام ، ولعقد صفقات لبيع السلاح للسوريين الذين كانوا في أمسّ الحاجة إليه ، وتقديم قرض ومساعدات لتمويل عدد من المشروعات العمرانية في سورية ، هكذا برز التسابق بين الغرب والشرق لتثبيت أقدامهم ، ومد نفوذهم في هذا القطر ذي الأهمية البالغة استراتيجيا وجغرافيا وتأثيرا على دول المنطقة ، وعلى شعوبها ، لقد بذل كل فريق جهودا كبيرة عبر الأجهزة يوحي الشاعر ، ولن أفرط بسياسة سورية الخارجية ، غير أن المظاهرات العنيفة التي طالبت بالحياد كشفت عن مدى اتساع الهوة بين الحكام والشعب.

قدم حسن الحكيم استقالته في 10-11-1951 ، ونشر مع نص الاستقالة بيانا تضمن رأيه في مسالة حلف الدفاع عن الشرق الأوسط قال فيه : إذا ثابرنا على سياستنا الخاطئة ولم نتعظ خسرنا قضايانا وأصدقاءنا ، وقال : وإني أرى في مشروع الدفاع المشترك فرصة للعرب يقوون فيها عسكريا واقتصاديا( ).

3-فأين موقع الأخوان المسلمين من هذا الصراع؟

تبنى الأخوان سياسة الحياد وعدم الانحياز في بادرة غير مسبوقة في السياسة العربية منذ ظهور الدعوة إلى الأحلاف عام 1950 وحتى منتصف الخمسينيات على لسان الأستاذ محمد المبارك في البرلمان عام 1955 ، بعد زوال حكم الشيشكلي.

قال الشيخ السباعي رحمه الله في كلمة ألقاها في البرلمان يوم 3-5-1951 : يجب أن نفكر في علاقاتنا مع المعسكر الغربي ، وإننا جديرون بأن نصون كرامتنا إزاء هؤلاء الذين يستهزئون بكرامتنا وبإرادتنا ، ولا أدري إلى متى نسير بإرادتهم ، ومنى نفكر بالخروج عن تلك الإرادة.

وفي عام 1951عندما ترأس الشيخ السباعي البعثة السورية للمؤتمرات العالمي الإسلام في باكستان ، وكذا عندما ألقى كلمته في المؤتمر الإسلامي - المسيحي في نيسان عام 1954 بلبنان ، أكد في المناسبتين على سياسة الإخوان المسلمين التي تدعو إلى دعم سياسة الحياد الإيجابي تجاه القوى العظمى. وبعد أن روج الأخوان المسلمون لسياسة الحياد الإيجابي منذ عام 1950 ، هلل الشعب السوري لهذه التوجهات ، وتبنت بعد ذلك الأحزاب الأخرى بمثل حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي بالإضافة إلى الجبهة الإسلامية دور القيادة في الحملة التي تدعو إلى حياد سورية