مصر الفتاة ودورها في السياسة المصرية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مصر الفتاة ودورها في السياسة المصرية 1933-1941

دكتور على شلبي

كلية الآداب جامعة المنصورة

الطبعة الأولى 1402–1982م

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

ظهرت حركة مصر الفتاة في المجتمع المصري في الثلاثينات من القرن العشرين، وكان ظهورها معاصرا لتيارات فكرية معينة وفدت من أوربا بعد أن انتشرت بها في تلك الفترة وما سبقها، وكان لها صداها المسموع في مصر ، فتألفت جمعية مصر الفتاة برئاسة أحمد حسين في خريف عام 1933 محاولة بهذا التيار الفكري وباستخدام أساليبه التي اتخذها في مجال تطبيق أفكاره.

وفى حقيقة الأمر ، فإن هذه التيارات الفكرية التي انتشرت في أوربا واعتمدت على عنصر الشباب بحماسته المتدفقة وسرعته في التأثير والإيمان المطلق بفكرها الذي أرادت أن تنشره، وهى أفكار جديدة كانت غير مألوفة ولا مستخدمة في ذلك الوقت، فقد لجأت بعض الدول الأوربية للأخذ بهذه الأفكار حتى يتاح لها استعادة وضعها السابق وتجديد شباب دولها عن طريق الشباب وحماسته؛

وربما كان الإخفاق والهزيمة القاسية التي منيت بها ألمانيا في الحرب العالمية الأولي دافعا لها للتغني بمبدأ سيادة العصر الجرماني، وهى دعوة عنصرية عرقية لعلها مرتبطة بناحية نفسية طبيعية تصاب بها أية كيانات عندما تتعرض لهزة عنيفة، وليس هناك أقوى من رد فعل الحرب وظروفها على المجتمعات المختلفة.

هيأت ظروف الحرب التي تعرضت لها تلك الدول الفرصة لظهور أنظمة سياسية تنادى بضرورة بعث مجد روما في إيطاليا وسيادة العنصر الجرماني في ألمانيا، وقد استطاعت تلك النظم الأوربية في فترة وجيزة أن تحقق نجاحا منقطع النظير في الوصول إلى تحقيق الغايات التي كرست نفسها من أجلها، فتمثل ذلك في النجاح الذي حققه موسولينى في إيطاليا بعد استيلائه على السلطة في عام 1922 حيث نهض بإيطاليا نهضة اندهش لها الشرق والغرب معا في ذلك الوقت .

كذلك استطاع هتلر أن يقفز إلى السلطة في عام 1933 وأن يعيد لألمانيا جزءا من هيبتها بعد أن مزقت الحرب العالمية الأولي أوصالها، فكان ذلك النجاح الذي شهدته هاتان الدولتان في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية تقوم على الفرد كما تقوم على طبيعة عسكرية استخدمت قوتها في الوصول إلى الحكم وتغيير شكل المجتمع ، كانت مثار إعجاب من معظم دول العالم، إلى الحد الذي رأت فيها بعض الدول والشعوب نماذج تحتذي.

انتشرت موجة الإعجاب بم حققته تلك الأنظمة السياسية في معظم دول العالم، وكان له صداها المسموع في مصر، فظهرت بها تجمعات سياسية أعجبت بتلك الأنظمة وبما حققته من منجزات لدولها، فكان منها جمعية مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين والحزب الديمقراطي وحتى حزب الوفد الحزب الشعبي الجماهيري الذي يؤمن بالديمقراطية إيمانا مطلقا، تعرض في فترة من الفترات للأخذ بأساليب تطبيق تلك الأفكار فلم يستطع أن يقاوم موجة الإعجاب بتلك الأنظمة الأوربية.

وعلى الرغم من أهمية دراسة حركة مصر الفتاة ودورها في السياسة المصرية كحركة سياسية ذات اتجاهات إصلاحية ترمى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين فئات وعناصر الشعب المختلفة، إلا أنه كان دون ذلك عدة محاذير تمنع من دراستها والتعرض لها؛

فمنها أن معظم قادة تلك الحركة وأعضاؤها ما زال معظمهم على قيد الحياة، ومنها أن معظم وثائق تلك الفترة ما زالت في بطون الأرشيفات المصرية المختلفة والتي لم يكشف النقاب عنها حتى الآن، وهى تشكل المادة الأصلية لدراسة هذه الأحزاب والجماعات السياسية، ومنها أن دراسة هذه الموضوعات المعاصرة دونه صعوبات كثيرة، ومتعددة.

وفى نفس الوقت الذي كانت تلك المحاذير تمنع دراسة الموضوع فقد كان بعضها عاملا مشجعا في نفس الوقت لدراسته، فإن زعماء الحركة وقادتها الأحياء يضيفون أبعادا جديدة وتفسيرات معينة للأحداث المختلفة التي مرت بها الحركة، كما أن التقاء المؤرخ بالشخصيات التي يؤرخ لها والتي شاركت في الحياة السياسية يضيف أبعادا جديدة أيضا إلى تصوره للموضوع ولشخصية القائمين بالحركة التي يعالجها دراسته؛

فالوثائق والمؤلفات ومختلف المصادر تعطى مادة جامدة على المؤرخ أن يحاول تحليلها وتفسريها، أما مناقشة الموضوعات مع من شاركوا في أحداثها ربما أعطت صورة أوضح لتفسيرها وتحليلها، ومن هذا المنطلق كان بقاء معظم قادة وأعضاء الحركة أحياء عاملا مشجعا على دراستها.

أما لماذا تم اختيار ذلك الموضوع وتحديده بالفترة الزمنية المذكورة؟ فإن ذلك راجع إلى أن الحركة الوطنية المصرية قد حظيت ببعض الدراسات العلمية التي قام بها بعض المؤرخين والمهتمين بتاريخ مصر، وعلى الأخص الدراسة التي قام بها الدكتور عبد العظيم رمضان في رسالتيه للماجستير والدكتوراه والتي تعرض فيهما لدراسة حركة مصر الفتاة كرافد من روافد الحركة الوطنية وقد اعتبره رافدا معاديا للخط الوطني الذي سلكته الجماهير؛

كذلك قام أحد المؤرخين الأمريكيين بدراسة بعنوان " حزب مصر الفتاة والقومية المصرية في الفترة من 1933-1945" لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث من جامعة " متشجان" بالولايات المتحدة الأمريكية عالج فيه الحركة معتمدا أساس على الدوريات المختلفة وبعض الكتابات عنها وأن لم يرجع إلى المصادر الأصلية التي كان متاحا الاطلاع عليها فيما يختص بالموضوع سواء كانت الوثائق العربية أو الوثائق البريطانية؛

ولكنه لم يفعل واقتصر على أرشيف الخارجية الألمانية الذي صور ونقل إلى أرشيف الولايات المتحدة الأمريكية ، وفى اعتقادي أنه لا يضم من الوثائق عن تاريخ مصر إلا القليل ، فإذا كان الموضوع مصر الفتاة فهو أقل القليل، ولكن على العموم جاءت دراسته إضافة جديدة لتاريخ مصر وكان له فضل الريادة في هذا المجال.

وإزاء ما أورده الدكتور عبد العظيم رمضان واعتبر فيه مصر الفتاة حركة معادية للخط الوطني ودراسة "جان كوفسكى" لحركتها مع عدم استناد وبيان مختلف جوانبه في ضوء المادة الأصلية المتاحة من الوثائق العربية والأجنبية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن دراسة مصر الفتاة كحركة ظهرت في المجتمع المصري رأى فيها البعض تعبيرا عن تيار فكرى وفد من أوربا واعتنقه أفرادها وحاولوا نشره وتطبيق أفكاره في مصر؛

كان ذلك في حد ذاته هو الدافع الأساسي لي للقيام بتلك الدراسة وبيان مدى صحة ذلك وهل كانت مصر الفتاة في حقيقة أمرها تعبيرا عن ذلك التيار الفاشي الذي حقق نجاحا ملحوظا في أوربا في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين؟ ولعل فصول هذا البحث تجيب على هذا السؤال.

أما عن تحديد الموضوع بالفترة الزمنية فيما بين سنتي 1933، 1941، فالتاريخ الأول هو التاريخ الذي أنشأ فيه أحمد حسين جمعية مصر الفتاة كتطور طبيعي " لمشروع القرش" فأعلن قيامها في 21 أكتوبر 1933، فهي بداية لمصر الفتاة كحركة سياسية إصلاحية في المجتمع المصري.

أما التاريخ الثاني فهو التاريخ الذي أجهضت فيه الحركة تماما في فترة الحرب العالمية الثانية، وعلى وجه التحديد بعد أن أسفرت الحركة عن عدائها السافر وكشفت النقاب عن وجهها الصحيح ضد الإنجليز، وقد تمثل ذلك في تأييدها لحركة رشيد عالي الكيلانى في العراق في مايو 1941

فكان ذلك في حد ذاته مبررا كي تشتد السلطات الإنجليزية في مصر في معاملتها وإصدار الأوامر باعتقال رئيسها ومعظم أعضائها وبذلك تجمد نشاطها تماما فلا حزب ولا أعضاء ولا جريدة، ولا نشاط من أي نوع لهذه الحركة خلال الفترة الباقية من الحرب تقريبا حتى استعادت نشاطها من جديد في خريف عام 1944. ولعل التاريخ الذي اتخذناه نهاية لمرحلة الدراسة يعد نهاية للحركة ولتطورها في مرحلة معينة.

أما عن دراسة هذه الحركة كأحد الكيانات السياسية التي شاركت بدور فعال في الحركة الوطنية المصرية في تاريخ مصر المعاصر، تعد دراستها بل دراسة التاريخ المعاصر على وجه العموم دراسة شاقة تتطلب المزيد من الجهد والجرأة في التصدي لموضوعات ما زالت حية في أذهان الجماهير بل ربما شاركوا في أحداثها بنصيب، فمن هنا تأتى صعوبة دراسة هذه الموضوعات المعاصرة.

هذا فضلا عن أن معظم وثائق هذه الفترة المعاصرة ما زالت لم يكشف النقاب عنها بعد. وعلى الرغم من تلك الصعوبات فقد أمكن التوصل إلى عديد من المصادر والوثائق التي تلقى أضواء ساطعة على حركة مصر الفتاة وبيان الجوانب المختلفة في حركتها وكفاحها خلال فترة البحث وما بعدها.

وقد اعتمد هذا البحث على المصادر الآتية وهى:

وثائق دار القضاء العالي المحفوظة بالمتحف القضائي ومنها قضية الاعتداء على النحاس باشا من جانب عز الدين عبد القادر عضو مجلس جهاد مصر الفتاة في 28 نوفمبر 1937، وترجع أهمية هذه القضية في معالجة الموضوع لأنها ضمت مختلف الأوراق والتقارير التي قدمت عن حركة مصر الفتاة منذ نشأتها عام 1933 وحتى وقوع الحادث في عام 1937، كما أنها ضمت محاضر التحقيق والتفتيش وقرار الإحالة المقدم من النيابة العمومية والمرافعة والحكم في القضية ومجموعة كبيرة من أوراق مصر الفتاة الخاصة وتتكون من ثلاث محافظ كبيرة هي الأحراز في القضية.
كما كانت مجموعة وثائق عابدين المحفوظة بدار الوثائق القومية ذات أهمية قصوى لهذا البحث، فقد ضمت تقارير الأمن العام عن جمعية وحزب مصر الفتاة في الفترة من 1933-1942 ، وكذلك بعض التقارير السياسية إلى جانب تقارير البوليس المخصوص بالسرايات الملكية في الفترة من 1933-1941، هذا فضلا عن مجموعة وثائق عن الانقلابات الدستورية في مصر في الفترة من 1924-1935.
كما استطعت الحصول على وثائق الخارجية البريطانية وتضم مجموعة تقارير المندوب السامي أو السفير البريطاني إلى وزارة الخارجية البريطانية خلال الفترة وهى تقدم الكثير لهذا البحث كما هو وارد في صفحاته المختلفة.
كما اعتمد هذا البحث على وثائق الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، سجلات الخاضعين لقوانين الإصلاح الزراعي، هذا إلى جانب بعض الوثائق المنشورة عن حركة مصر الفتاة طوال الفترة، كما قدمت مضابط مجلس النواب بعض المادة الأصلية والمراجع المختلفة التي تناولت الموضوع خلال فترة البحث وعلى الأخص البحث الذي قدمه الباحث الأمريكي " جان كوفسكى" لجامعة متشجان للحصول على درجة الدكتوراه في التاريخ الحديث عام 1967 فقد استطعت الحصول على نسخة مصورة منه، هذا بالإضافة إلى معظم دوريات تلك الفترة من صحف ومجلات مختلفة.
وعند محاولة وضع خطة العمل في البحث ومنهجه راودتني فكرة تقسيم الموضوع إلى مراحل زمنية ارتبطت بتطورات في حياة حركة مصر الفتاة، ولكن تبين لي أن هذا المنهج في التقسيم سيفقدها وحدة الموضوع الواحد، وأخيرا استقر الرأي على تقسيم البحث تقسيما موضوعيا، وعلى الرغم مما يعانيه الباحث من صعوبات في الكتابة ملتزما بهذا التقسيم الموضوعي وذلك لتداخل الحوادث والموضوعات بين كل موضوع والموضوع الآخر إلا أنها تعد طريقة أمثل لمعالجة مثل هذا الموضوع.
وقد قسمت بحصى على الطريقة المذكورة إلى مقدمة وعشر فصول وخاتمة، فكان الفصل الأول منها بعنوان " الظروف التاريخية لنشأة مصر الفتاة" تناولت فيه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتيارات الفكرية التي سادت في أعقاب تصريح 28 فبراير 1922 وحتى إعلان قيام جمعية مصر الفتاة في عام 1933؛
أما الفصل الثاني بعنوان " مقدمات مصر الفتاة" تناولت فيه نشأة أحمد حسين رئيس الجمعية ونشاطه السياسة والاجتماعي والاقتصادي قبل إعلانها، كما تناول الفصل الثالث " تطور مصر الفتاة" وهو يتناول مراحل التطور التي مرت بها الحركة من جمعية مصر الفتاة إلى حزب مصر الفتاة في عام 1937 إلى الحزب الوطني الإسلامى عام 1940 وفيه عرضت للظروف التاريخية التي سبقت ولحقت التطور.
أما الفصل الرابع فقد تناول " الهيكل التنظيمي لمصر الفتاة" وقد قسمته إلى أربعة أقسام رئيسية تناولت المستوى المركزي والمستوى الاقليمى والتشكيلات شبه العسكرية وأخيرا الموارد المالية لمصر الفتاة طوال فترة البحث.
ولكي يستكمل الهيكل التنظيمي صورته فقد كان الفصل الخامس عن " صحافة مصر الفتاة" وفيه تناولت الصحف والمجلات التي استخدمتها مصر الفتاة طوال فترة البحث واعتبرتها جزءا متمما للهيكل التنظيمي فقد كانت إحدى أدوات مصر الفتاة التي استخدمتها في تنفيذ برنامجها وتقل تعليماتها إلى أعضائها.
أما الفصل السادس فقد تناول " الفكر النظري لمصر الفتاة" وقد تبلورت أفكارها في أربعة أفكار رئيسية هي فكرة القومية المصرية وفكرة العروبة وفكرة الجامعة الإسلامية إلى جانب فكرة تحقيق العدالة الاجتماعية، كما تناول الفصل السابع " التركيب الاجتماعي لقيادة حركة مصر الفتاة" والتي جاء تركيبها مطابقا لواقع المجتمع المصري الاجتماعي وأن غلب عليها عنصر الشباب .
أما الفصول من الثامن إلى العاشر فقد تناولت موقف القوى السياسية في مصر من مصر الفتاة والعلاقات بينهما طوال فترة البحث. فكان الفصل الثامن بعنوان " مصر الفتاة والقصر" وقد تناولت فيه علاقة مصر الفتاة بالقصر ووزاراته المختلفة وبيان إلى أي مدى ربطت مصر الفتاة نفسها بالقصر وبدوائره.
أما الفصل التاسع فكان بعنوان " مصر الفتاة والأحزاب " وقد تناولت فيه علاقتها بمختلف الأحزاب المصرية القائمة في تلك الفترة، وكيف أن مصر الفتاة قد ربطت نفسها بأحزاب الأقلية بعد أن فشلت في الحصول على اعتراف الوفد بها وبشرعية قيامها بدورها في السياسة المصرية، وكان الفصل العاشر والأخير بعنوان " مصر الفتاة والمسألة الوطنية" عرضت فيه لموقف مصر من الأجانب عامة والإنجليز المحتلين للبلاد خاصة وبيان العلاقات بينهما؛
كما تعرضت لبيان علاقة مصر الفتاة بكل من إيطاليا وألمانيا، وكذلك علاقتها بالدول العربية ومدى اهتمامها بقضايا تلك الدول إيمانا منها بتكوين الحلف العربي الذي كان الحلقة الثانية في سلسلة أفكارها.
ولا يسعني في النهاية إلا أن أتقدم بموفور الشكر لكل من قدم لي مساعدة في إخراج هذا البحث، وأخص بالشكر السادة الزملاء بدار الوثائق القومية ومركز وثائق وتاريخ مصر المعاصر، والسيد أمين المتحف القضائي بدار القضاء العالي، والزملاء الدكتور عاصم الدسوقي والدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن والدكتور على بركات فقد ساعدوني كثيرا وكانت مكتباتهم عونا لي، كما أشكر الصديق الأستاذ زهير الشايب لما قدمه لي من مساعدة في ترجمة بعض الوئاثق باللغة الفرنسية .

كما أشكر الأستاذ أحمد حسين والأستاذ فتحي رضوان والدكتور نور طراف وجميع من أتيح لي مقابلتهم من قادة مصر الفتاة، فقد منحوني الكثير من العون وأتاحوا لي الكثير من وقتهم وجهدهم.

كما أتقدم بشكري إلى استاذى الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى لما بذله من اهتمام في متابعة مراحل هذا البحث، كما أقدم شكري خالصا إلى الدكتور صلاح العقاد والدكتور جمال زكريا قاسم لما تجشماه من عناء في فحص هذا البحث ومناقشته.

أما أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد عزت عبد الكريم مؤسس سمنار التاريخ الحديث بجامعة عين شمس والذي اسعدنى الحظ بإشرافه على هذا البحث، فقد منحنى سيادته كثيرا من الوقت والجهد، وكان لتوجهاته السديدة أكبر الأثر في إخراج هذا البحث على هذه الصورة، رحمه الله رحمة واسعة وجعل مثواه الجنة بين الصديقين والشهداء جزاء ما قدمه لوطنه ولأبنائه الباحثين والمؤرخين.

وإني لأرجو أن أكون قد وفقت في إضافة لبنة متواضعة إلى تاريخ الحركة الوطنية المصرية، وأن يكون التوفيق حليفي في إلقاء الضوء على حركة مصر الفتاة ودورها في السياسة المصرية في فترة البحث، توضيحا لتاريخ مصر المعاصر وخدمة لأجيالنا الشابة ومصرنا الحبيبة.

والله ولى التوفيق . مدينة الصحفيين في 4 أكتوبر 1981.دكتور على شلبي

الفصل الأول:الظروف التاريخية لنشأة مصر الفتاة

  1. الأوضاع السياسية.
  2. الأوضاع الاقتصادية.
  3. الأوضاع الاجتماعية.
  4. التيارات الفكرية.

كانت الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتيارات الفكرية التي ظهرت في المجتمع المصري عقب صدور تصريح 28 فبراير 1922 ذات أثر كبير في تغيير صورة ذلك المجتمع.

لقد تحدد وضع مصر السياسي بعد صدور التصريح الذي وضع العلاقة بين مصر وانجلترا في إطار معين فاعترف التصريح بمصر دولة مستقلة ذات سيادة وإن كان ذلك من ناحية الشكل فقط ومنحها حق إقامة حياة برلمانية مرت بمراحل مختلفة من الصراع على السلطة بين الأحزاب القائمة؛

فتعرضت خلالها الجماهير لأشكال من الضغوط مرة على يد الملكية الأوتوقراطية ومرة أخرى على يد حكومات الأقلية التي عرفت " بوزارات الانقلاب" هذا فضلا عما كانت تمارسه انجلترا مستغلة الظروف الموضوعية إلى أبعد حد، وما شاركت به من جهد في الاعتداء على الدستور والحياة البرلمانية.

عرضت تلك الضغوط وذلك الصراع التجربة الدستورية برمتها لهزات عنيفة كانت تطيح بها وهى ما زالت في مهدها، فقد كان الدستور أحد الأماني التي حققها الشعب المصري بعد كفاحه الطويل، فلم يكن من السهل عليه أن يفرط فيما حققه بجهاده، فساد الصراع بينه وبين من يريدون سلب مكاسبه التي حصل عليها فدخل بذلك مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني.

فإلى جانب طلب الاستقلال للبلاد، كان مطلب الحفاظ على الحياة النيابية سليمة مع احترام الدستور لا يقل أهمية عنه بل ربما تقدم عليه.

ومن خلال ذلك الصراع الذي ساد بين الأحزاب المصرية القائمة في ذلك الوقت على السلطة، فإن الجماهير قد تعرضت لمزيد من الضغط والاضطهاد، فأحدث ذلك شرخا كبيرا في وحدة الأمة التي برزت في ثورة 1919، فأدى ذلك إلى ظهور أنظمة سياسية جديدة ترفض أسلوب المفاوضات التي ارتضاها المصريون كأساس يمكن عن طريقه تحديد علاقة مصر بانجلترا، ولكنها كانت تؤمن باستخدام القوة كأساس يمكن عن طريقه إخراج الإنجليز من مصر؛

وكانت مصر الفتاة من بين تلك الأنظمة وكما أحدث تصريح فبراير تغييرا في شكل المجتمع المصري من الناحية السياسية ، فكان ولابد لكي يتحقق الاستقرار السياسي للبلاد، أن يصاحبه تغيير في الأوضاع الاقتصادية لها، ولكن في خلال تلك الفترة التي تلت صدور التصريح، فإن العالم قد تعرض لأزمة اقتصادية طاحنة شديدة الوقع والأثر عليه وهو ما زال يعالج الآثار الاقتصادية الضارة التي ترتبت على الحرب العالمية الأولي؛

فلم يكد يخرج من تلك الآثار حتى فاجأته تلك الأزمة عند نهاية العشرينات من ذلك القرن، ولما كانت مصر جزءا حيويا وهاما من العالم فكان ولابد وأن يظهر للأزمة صداها المسموع فيها، فقد تأثر بها المجتمع المصري تأثرا كبيرا، وعانت منها الطبقات الكادحة من الشعب من الفلاحين والعمال، ولم يقتصر أثرها عليهما بل تعرضت الطبقات الأخرى لأزمات غير محدودة من جرائها، ومنهم الملاك والتجار من مصريين وأجانب.

وإلى جانب الأوضاع السياسية والاقتصادية، فقد برزت إلى السطح في تلك الفترة المشكلة الاجتماعية وبشكل ملح، خاصة بعد أن استقرت الأوضاع السياسية بتحديد العلاقة بين مصر وانجلترا إلى حد ما، ولكن الأحزاب السياسية القائمة في ذلك الوقت جاءت برامجها خلوا من المشكلة الاجتماعية ، فقد أصبحت تلك المشكلة مطروحة دون أن تلقى عناية من القوى السياسية المختلفة. وبالإضافة إلى تلك الجوانب الثلاثة فقد برزت تيارات فكرية مختلفة تناولت شخصية مصر تحول أبرازها على ما عداها.

وفى ضوء الواقع السياسي الذي أوضح مدى اهتزاز الحياة السياسية بفعل الحياة الحزبية القائمة وتطاحن الأحزاب فيما بينها والصراع على السلطة، ووجود فراغ سياسي، فلم يكن هناك تنظيمات سياسية تستهوى الشباب وتستوعب حركتهم بعيدا عن تلك الإطارات الحزبية التي كانت قائمة.

هذا فضلا عن أن أسلوب المفاوضات المصرية البريطانية لم يكن ليرضى الشباب ولم يقنعهم كإطار يمكن عن طريقه تحديد علاقة مصر بانجلترا، فإذا أضفنا إلى ذلك دور انجلترا في الانقلابات الدستورية التي تعرضت لها البلاد والتي أخرت تقدمها وتطورها السياسي، أمكننا تفسير ظهور حركة مصر الفتاة في ذلك الوقت.

في ظل الظروف ، أو الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري برزت مصر الفتاة كاحتجاج صارخ على الحياة السياسية والاجتماعية في مصر. وهذه الظروف هي المفتاح الحقيقي لفهم حركتها وتقييمها في التاريخ المصري الحديث خلال فترة البحث.

منح تصريح 28 فبراير 1922 مصر استقلالا شكليا، ولكن في نفس الوقت منحت البلاد حق إنشاء برلمان يتمتع بحق الإشراف على السياسة والإدارة في حكومة مسئولة على الطريقة الدستورية.

وعلى الرغم مما أوجده صدور التصريح من ردود فعل داخل المجتمع المصري، حيث أعلنت القوى السياسية والشعبية استياءها منه إلا من قلة من الشعب رحبت بصدوره . فمصر بعد صدوره لم يتعد كونها محمية، فانجلترا ما تزال تضطلع بمهمة الدفاع عنها، كما بقى وضعها بإزاء الدول الأجنبية على ما كان عليه قبل التصريح.

وعلى العموم فقد وافقت انجلترا على إصدار التصريح لأنها توقعت أنه يهدئ من ثائرة المصريين الذين أسرفوا في استعمال أسلوب الاغتيالات.وفى حقيقة الأمر ومهما كان رأى القوى السياسية والشعبية في التصريح فقد كان مكسبا لمصر إذ أنهى الحماية بعد أن اعترفت بها الدول، فهو يعد خطوة للأمام في تاريخ العلاقات بين مصر وانجلترا هذا فضلا عن أنه قد كفل للمصريين تولى شئونهم بأنفسهم.

وفى أعقاب صدور التصريح تولى عبد الخالق ثروت الوزارة وعهد إليه السلطان فؤاد اتخاذ الترتيبات اللازمة لوضع دستور للبلاد، وفى 15 مارس 1922 أعلن السلطان فؤاد استقلال البلاد واتخذ لقب ملك مصر، وفى 3 أبريل الفت الوزارة لجنة لوضع الدستور عرفت بلجنة الثلاثين.

وقد انقسمت الأحزاب السياسية القائمة بإزائها، فالوفد وعلى رأسه سعد زغلول يرى أن وضع الدستور لابد وأن يجيء على يد جمعية منتخبة لا معينة، حتى لا يكون منحة يسهل التلاعب بها، وقد رفض الوفد أن يشترك في عضويتها، وأطلق عليها سعد " لجنة الأشقياء " كما رفض الحزب الوطني أيضا الاشتراك فيها.

وفى ذلك الوقت بدأ التفكير في تأليف " حزب الأحرار الدستوريين" وذلك راجع إلى أن الملك فؤاد قد أثار عدة عقبات أمام لجنة وضع الدستور وأمام الوزارة من أجل مزيد من السلطات له، فدفع ذلك ثروت إلى جمع أنصار الوزارة للوقوف صفا واحدا في وجه محاولات الملك، ولما كان هؤلاء هم الذين وضعوا الدستور وقاموا بصياغته، فقد كان طبيعيا أن يعملوا على حمايته، وعند تأليف الحزب تقرر أن ينضم إليه جميع أعضاء لجنة الدستور، وعدد آخر من ذوى النفوذ وكان كثيرون منهم أعضاء في " الحزب الديمقراطي" أو في " جمعية مصر المستقلة".

وهكذا جمع الحزب عددا من كبار المصريين أكثرهم من أعضاء حزب الأمة القديم، أو من أبنائهم وذويهم منضما إليهم فريق من المثقفين المتحررين. قوبل تأليف حزب الأحرار الدستوريين بالهجوم والاستنكار من الطبقات الشعبية، فقد هاجمته الصحف المصرية حتى قبل أن يعلن عن تأليفه، واتهمته بأنه سيفرط في حقوق الوطن.

وعلى الرغم من أن مبادئ الحزب تنصر على استكمال الاستقلال وتأييد النظام الدستوري، فإن الجماهير لم تكن لترضى عنه، فهو يعيد إلى أذهانها حزب الأمة القديم. ولكن على العموم فيمكن القول بأنه كان حزب موازنة وتلطيف في السياسة المصرية . وقد ضم إلى عضويته أيضا بعض المنفصلين عن الوفد ومعظمهم من المخالفين لسعد، ولذلك منذ تأليفه طابع العداء لسعد والوفد.

وعلى الرغم من أن الحزب قد أعلن قيامه للدفاع عن الدستور ، فقد تعرض مشروع الدستور للمسخ والتشويه والبتر على يد وزارات القصر، فقد حاولت وزارة توفيق نسيم التي أعقبت وزارة ثروت العمل على زيادة سلطات الملك.

وفى عهد وزارة يحيى إبراهيم التي جاءت بعدها، ارتفعت الأصوات محتجة على أي بتر وأي تعديل لمشروع الدستور، وكان أقوى هذه الاحتجاجات الخطاب الذي أرسله عبد العزيز فهمي إلى يحيى إبراهيم طالبه فيه بإصدار الدستور كما وضعته اللجنة؛

فصدر الدستور بعد أن حذف منه بعض النصوص الخاصة بالسودان، وأعقب ذلك إجراء الانتخابات في 12 يناير 1924 والتي أسفرت عن أغلبية مطلقة للوفد، فكان بديهيا أن يعرض الملك على سعد تأليف الوزارة، فقبلها في نفس اليوم 28 يناير 1924.

حصل الوفد على الأغلبية المطلقة التي أتاحت له أن يقبل مسئولية الحكم كحق من حقوق الشعب الأصيلة، والوسيلة المباشرة لاستكمال استقلال مصر والعناية بشئون البلاد الداخلية، فتألفت وزارة سعد زغلول، وقد اعتبر البعض أن قبوله الوزارة يعد اعترافا بتصريح 28 فبراير؛

أما البعض الآخر فقد اعتبره تعبيرا عن إرادة الأمة، أما سعد نفسه فقد أعلن منذ البداية أنه سيواصل التنصل من تصريح فبراير، فأكد في مجلس النواب أن السودان جزء من مصر يستحيل فصله، فأعلنت الحكومة البريطانية من جانبها عن إصرارها على عدم التخلي عن السودان.

وفى ذلك الوقت تولت وزارة العمال الحكم في إنجلترا، وبدا من السهل بدء المفاوضات الرسمية بين سعد ومكدونالد وزير خارجيتها ولكن سير المفاوضات قد أكد لسعد أنها فاشلة فقد تمسك كل من الطرفين بموقفه، فلم تمض أيام على بدايتها حتى قطعها سعد وعاد إلى القاهرة ليؤكد من جديد عزمه على عدم التخلي عن أي حق من "الحقوق المقدسة" لمصر في واد النيل.

وبعد أن فشلت المفاوضات اشتد سعد في معاملة الاحتلال وظاهره مجلس النواب في موقفه، فقد انتهز فرصة مناقشة الميزانية، فصوت على قرار بإلغاء مساهمة مصر في نفقات جيش الاحتلال البريطاني مع المطالبة بالجلاء عن الأراضي المصرية، وعلى قرار آخر بتعديل مرتبات المستشارين الإنجليز.

كما ظهرت على حين غرة متاعب أخرى لتزيد من حدة التوتر بين المندوب السامي البريطاني والإدارة المصرية. ومن المحتمل أن تكون حكومة لندن قد فكرت منذ ذلك الوقت في إبعاد سعد عن الحكم.فقد أدركت الحكومة البريطانية أن استمراره في الحكم مع ما يتمتع بع وحزبه من أغلبية مطلقة في البرلمان سيكون مثار متاعب لبريطانيا ورجالها في مصر.

كان فشل المفاوضات وما اتخذ من إجراءات اعتبرتها السلطات البريطانية معادية لها ما ينبئ عن قرب سقوط الوزارة. هذا فضلا عن أن المعارضة قد نشطت ، فأضرب الأزهريون وعين القصر حسن نشأت وكيلا للديوان الملكي دون علم الوزارة ودون إقرارها لهذا التعيين، فتقدم سعد باستقالته قائلا أنه لا يستطيع أن يعمل في الظلام.

وقد اجتمع مجلسا البرلمان وجددا الثقة بسعد، ومن ثم بذلك محاولات وجهود كبيرة كي يعدل سعد عن استقالته، ولكنه أصر عليها إلا إذا أجيبت مطالب الوزارة التي اضطر الملك فؤاد أن يسلم بها وأن يقبل الاقتصار على حدود دوره كحاكم دستوري للبلاد ليست لآرائه من فاعلية إلا إذا صادقت عليها الوزارة، فأعلن سعد أنه باق في السلطة " بفضل الله وإرادة الأمة" وعدل عن استقالته .

وبعد هذا الكسب المحقق الذي أحرزته وزارة سعد ضد أوتوقراطية الملك فؤاد فقد تعرضت لحادث أفقدها ما كسبت بل يزيد عليه، فكان مقتل السيرلى ستاك سردار الجيش المصري وحاكم عام السودان في 19 نوفمبر عام 1924 هو المحك الذي جعل المندوب السامي يتشدد في موقفه من وزارة سعد، وكأنما قد وافته الفرصة تماما للإطاحة بتلك الوزارة، فكانت تصرفاته عقب الحادث توضح ذلك.

وهكذا التقى الطرفان والقصر والإنجليز للعمل ضد سعد ووزارته فقدم استقالته في 24 نوفمبر 1924. وقد احتج البرلمان على التصرفات الإنجليزية المنافية للاستقلال البلاد وأبلغ الاحتجاج إلى برلمانات العالم ومجلي عصبة الأمم.

وباستقالة وزارة سعد تبدأ الجولة الأولى من الصراع بين الوطنيين والإنجليز من ناحية وبينهم وبين القصر من ناحية أخرى. كما تبدأ أيضا محاولات الاعتداء على الدستور الذي منح للبلاد وهو ما زال في المهد.

كل ذلك استدعى وقوف السياسيين صفا واحدا لمقاومة الخطر الداهم الذي يهدد البلاد، ولكن وزارة زيور التي جاءت في أعقاب وزارة سعد عملت على ترضية انجلترا والاستجابة لكل مطالبها التي تقدمت بها بعد حادث مقتل السردار وقد عبر زيور عن تلك السياسة بأنها محاولة لإعادة صفو العلاقات مع الحكومة البريطانية، وإسرافا منها في الوصول إلى تلك الغاية وإرضاء لنزعة الملك فؤاد الأوتوقراطية ، فقد طالب بحل مجلس النواب، وصدر المرسوم الملكي بالحل، وهكذا تخلص الملك فؤاد من البرلمان الوفدي كما تخلص من الوزارة الوفدية من قبل.

وبعد أن تحقق للملك فؤاد ما أراد ، سعى إلى خلق أحزاب سياسية جديدة تسند حكمه الاستبدادي، فبعد أن اصطدم بالوفد حاول أن يضم الأحرار الدستوريين إلى صفه، وقد نجح في ذلك بعض الشيء، وحين لم يسيطر عليهم سعى إلى تأليف حزب جديد هو " حزب الاتحاد" فعهد إلى حسن نشأت بتأليفه، وقد اشتهر لدى الدوائر الشعبية على أنه " حزب الملك" وأطلق عليه سعد زغلول " حزب الشيطان"

وقد تهيأت لهذا الحزب كل أسباب النجاح فقد خصصت له اعتمادات مالية ضخمة، هذا فضلا عن صحيفتي "الاتحاد" و" الليبرتية" لتعبرا عنه وكلسان حال له. إلا أن الحزب لم يكن يضم بين أعضائه أحدا من البارزين. وقد كان القصد من إنشائه هو دعم سلطة الملك، وأن يحكم بمراسيم بدلا من الحكومات البرلمانية.

وعلى ما يبدو من الظروف التي نشأ فيها الحزب وأشخاص أعضائه وموقف قوى الشعب منه أن الحزب قد ولد ميتا، وأن دل تأليفه على شيء فإنما يدل على مدى النزعات الأوتوقراطية التي كانت توجه القصر بعد الاستقلال .

وفى ظل تلك الظروف أجرت وزارة زيور الانتخابات فأسفرت عن أغلبية للوفد لم يكن يريدها زيور واجتمع البرلمان يوم 23 مارس 1925، فتقدم زيور إلى الملك في نفس اليوم طالبا حل مجلس النواب مرة أخرى، موضحا أنه بمجرد انعقاد المجلس الجديد ظهرت فيه روح عدائية حيث اختار لرئاسته سعد زغلول، وبما أن هذا التصرف من جانب المجلس يجعل مهمة زيور صعبة على حد قوله فتقدم باستقالة وزارته.

وعندما عرضت الاستقالة على الملك فؤاد رفض قبولها، وإنما صدر المرسوم بحل المجلس في نفس اليوم. كان زيور أقل صلاحية مما يتطلب القيام بالدور الذي فرض عليه، فلم ينجح في أن يحول دون حدوث الانقسامات بين أعضاء وزارته من الأحرار والاتحاديين ، ذلك أن آراء ومفاهيم كلا الحزبين كانت متباينة إلى حد كبير، فالاتحاديون يرون في الصراع ضد الوفد تدعيم للحكم الفردي الذي يسعى إله القصر.

والأحرار الدستوريون لم يكن إغفال العمل بالدستور بالنسبة لهم سوى إجراء وقتي، فتململوا من ائتلاف أدركوا أنه أكثر إضرارا بمصالح حزبهم وبمصالح مصر.

وكانت أزمة كتاب على عبد الرازق " الإسلام وأصول الحكم" أحد السباب التي عجلت بنهاية هذا الائتلاف وخروج الدستوريين منه. وكان أن فرض الملك فؤاد على البلاد وزارة قصر حقيقية ، فعين في المناصب التي خلت رجالا معروفين بالولاء له، فأصبحت الوزارة أداة في يد الملك.

كان ذلك بادرة وحدة بين الأحزاب ضد الحكومة والقصر، فاجتمع بالنادي السعدي في نهاية عام 1925 ممثلون عن الوفد والأحرار الدستوريين والحزب الوطني، واتخذوا قرارات منها مواجهة حكومة زيور والتصدي لها.

وقد ظل الائتلاف قائما حتى عقدوا مؤتمرا وطنيا في فبراير 1926 قرروا فيه دخول الانتخابات من جديد حتى تظهر إرادة الأمة بعد أن سبق لهم الإعلان عن مقاطعتها.

أجرت وزارة زيور الانتخابات فأسفرت عن ثالث فوزمدو للوفد في مايو عام 1926. فتقدم زيور باستقالته في 7 يونيه 1926، وكان على الملك فؤاد أن يقبلها بالهزيمة في أول محاولاته لإحياء أوتوقراطية جده محمد على.

وباستقالة زيور تنتهي الجولة الأولى التي أراد فيها الملك فؤاد أن يستبد بالحكم بفشل ذريع وذلك نتيجة اتحاد القوى الوطنية في مناهضة الملك هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الحكومة البريطانية قد أصبحت أكثر اقتناعا بأن زيور رغم نواياه الطيبة تجاه بريطانيا لم يكن بالرجل الذي يستطيع المفاوضات معها. وقد أقنعها ذلك بأن استئناف المفاوضات رهين بعودة الحياة النيابية ، وبذلك التقت سياسة الأحزاب المؤتلفة مع سياسة حكومة لندن.

ظل الائتلاف بين الأحزاب قائما فكان ذلك طابع الوزارات التي جاءت في أعقاب وزارة زيور، فوزارات عدلي وعبد الخالق ثروت ومصطفي النحاس كانت تعبيرا عن هذا الاتجاه في تلك الفترة لمواجهة اوتوقراطية القصر.

وقد سنحت الفرصة لتلك الوزارات أن تسعى لمفاوضات جديدة، فقد جرت مفاوضات بين ثروت وتشمبرلن وأسفرت عن مشروع معاهدة في صيف عام 1927، ولكنه لا يتفق في أساسه ونصوصه مع استقلال البلاد فرفض.

وفى أثناء إجراء تلك المفاوضات توفى سعد زغلول ، إلا أن الائتلاف ظل قائما، وخلفه مصطفي النحاس في زعامة الوفد وتولى الوزارة خلفا لثروت، وفى عهد وزارته حدثت أزمات بينها وبين السلطات البريطانية، فبدأ الائتلاف يتعثر في ذلك الوقت وبدا في الأفق أن محاولة جديدة تجرى بين القصر والأحرار الدستوريين للاعتداء مرة أخرى على الدستور.

كان القصر يرى أن الدستور يحول دون تدخله في الحكم أو انفراده به وهو ما كان يسعى إليه منذ بدء التجربة الدستورية في مصر فقد كان يترقب الفرصة لتعطيله.

أما الأحرار الدستوريون فكان هدفهم الوزارة والمناصب، فإن لم يصلوا إليها عن طريق الدستور فليصلوا إليها عن طريق تعطيله. فقد اتفق على أن يستقيل الوزراء الدستوريون واحدا بعد الآخر، وبذلك يتصدع بناء وزارة النحاس من ناحية شكلها الائتلافي فيقيلها الملك.

إلا أن الذي أحرج مركز الوزارة بدرجة كبيرة كان استقالة أحمد خشبة وزير الحقانية الوفدي. هذا فضلا عن الحملة الصحفية التي شنتها الصحافة المعارضة للوفد حول وثائق قضية الأمير أحمد من سيف الدين.

وبذلك حبكت المؤامرة لإقالة الوزارة فأقالها الملك فؤاد في 25 يونيه 1928 . وإن كانت من أكثر الوزارات الائتلافية السابقة حرصا على حقوق البلاد وصيانة دستورها.

وبإقالة وزارة النحاس تظهر بوادر الانقلاب الثاني على الدستور، والذي يمثل الجولة الثانية من الصراع بين الملك والوطنيين. الملك يحاول أن يؤكد الأوتوقراطية والوطنيون حريصون على أن يكون دور الملك في الحكم ى يتعد كونه ملك دستوريا يملك ولا يحكم .

بدأ الانقلاب الثاني على الدستور بأن اسند الملك إلى محمد محمود تأليف الوزارة فألفها في 27 يونيه 1928، وقد كان ذلك مكافأة له ولحزبه على الدور الذي قام به في صدع الائتلاف وإقالة وزارة النحاس.

وبذلك جنى الأحرار الدستوريون ثمار غرسهم. وقد ضمت وزارته كلا من الأحرار الدستوريين والاتحاديين . وهكذا عاد هذان الحزبان للتآمر على الدستور كما فعلا في عام 1925. فطالبت الوزارة بتأجيل انعقاد البرلمان لمدة شهر ثم أعقبت ذلك بطلب حل البرلمان بمجلسيه وتعطيل الحياة النيابية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.

وقد انقسمت الصحافة البريطانية بإزاء هذا الانقلاب إلى فريقين. فالفريق الأول ينعى على النحاس تصرفاته إزاء بريطانيا، ورفض مشروع ثروت تشمبرلن ويثنى على اختيار محمد محمود لرئاسة الوزارة.

أما الفريق الآخر فقد أخذ جانب الدفاع عن النحاس بقوله" إن إقالة النحاس باشا وتعيين محمد محمود باشا وحل البرلمان المزمع كلها حركات مدبرة في حملة منظمة لسياسة كلف اللورد لويد بتنفيذها ..

وهى سياسة ترمى إلى إحباط الحركة الوطنية" هذا وإن كانت الحكومة البريطانية قد صرحت على لسان وزير خارجيتها أنه لا دخل لها بما حدث في مصر، وإن كان الوزير نفسه قد أدلى فيما بعد بتصريحات تنم عن إقرار حكومته لهذا الانقلاب.

قوبل الانقلاب على الدستور للمرة الثانية بالسخط والاستنكار ، فهو حرمان للأمة من حقوقها التي كسبتها بعد نضال مرير. فنشط الوفد لبث الدعوة بين أنصاره لتجديد الثقة بزعيمه، وفى نفس الوقت للتنديد بأعمال وزارة محمد محمود.

فلم تكد تحل البرلمان حتى وقفت الأمة مواقف تنم عن تمسكها بدستورها كحق من حقوقها، فوجه الوفد نداء في 22 يوليو عام 1928 دعا فيه الأمة إلى النضال من أجل دستورها، كما أصدر الحزب الوطني بيانا احتج فيه على تعطيل الدستور.

كذلك أصدر النواب والشيوخ قراراتهما من منزل مراد الشريعي بعدم الثقة بالوزارة وبطلان حل المجلسين على أن يجتمعا في يوم السبت الثالث من شهر نوفمبر عام 1928. تولت وزارة محمد محمود الحكم وهى على ثقة تامة أنها غير ممثلة للأمة ولا هي وليدة إرادتها، وفى سبيل ذلك لجأت إلى إهدار الحريات وإلى سياسة الاضطهاد لتثبيت مركزها.

وقد عبر أنصارها عن هذه السياسة " باليد الحديدية" فأسفرت في الاضطهاد بألوانه المختلفة، فهب الشعب يكافح من أجل الدستور ومن أجل حريته، وأخذت الوفود تتقدم بعرائضها إلى الملك طالبة إعادة الحياة النيابية، كما جاءت إلى القصر الملكي لتقديمها فاعتدى البوليس عليها، وقد تعرض بعض النواب والشيوخ للاعتداء.

كما هب طلبة المدارس محتجين مضربين متظاهرين، فأصدر محمد محمود قانون حفظ النظام في معاهد التعليم، وهو يهدف بذلك إلى عزل الطلبة عن السياسة وهم في مقدمة القوى الوطنية البارزة إذ ذاك.

تولت وزارة العمال الحكم في إنجلترا عقب انتخابات مايو 1929، وقد أعربت عن رغبتها في التفاوض بشأن المسألة المصرية، فأسفرت المفاوضات عن مشروع معاهدة عاد به محمد محمود إلى مصر، وعندما أعلنت نصوصه علق الوفد النظر فيها على إعادة الحياة النيابية كي تقول الأمة كلمتها فيه تحت قبة البرلمان؛

ولكن محمد محمود بذل جهودا ضخمة كي يحظى بالصديق على مشروع معاهدته، فلجأ إلى أسلوب الترويج له في الداخل، فتألف لذلك الغرض جماعات وعقدت اجتماعات وبذلت محاولات للتقرب من جماهير الشعب خاصة الفلاحين والعمال بطرح مشروعات ضخمة للإصلاحات الاجتماعية ، وبذل الكثير من الوعود المغرية لهم، ورغم ذلك فقد كانت الانجازات ضئيلة وتكدست المشروعات وانتهى الأمر بها إلى زوايا النسيان.

وعلى الرغم من موقف الوفد من المشروع، إلا أنه قد لقي قبولا من جانب بعض القوى، فقد اعتبر الحزب الوطني أنه يفضل المشروعات التي تقدمته كما صرح بذلك حافظ رمضان، كما وافق عليه حزب الاتحاد إلى جانب بعض الأفراد من ذوى الحيثية الذين أعربوا عن رضائهم عنه ووصفوه بأنه حسن في جملته، كذلك سارع في قبول المشروع غالبية المستقلين في الرأي الذين ألفوا جماعة أطلقوا عليها " جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة"

وعلى الرغم من ذلك فلم يستطع الأحرار الدستوريون استمالة المعارضة الوفدية، كما أن الحكومة البريطانية قد عبرت عن رغبتها في أن يصدق برلمان منتخب على مشروع معاهدة جديدة، هذا فضلا عن أن العلاقة بين محمد محمود والملك فؤاد لم تكن طيبة على طول الخط.

كل ذلك جعل مركز الوزارة يتحرج أكثر فتقدم محمد محمود باستقالته في 2 أكتوبر 1929 قبل إتمام السنوات الثلاث التي حددها لوزارته مسجلا بذلك فشلا ذريعا في تجربة الاعتداء على الدستور.

كما قدم عظمة للملك فؤاد كي يعدل للمرة الثانية عن إقامة نظام فردى يعمل لصالحه، فأسند إلى عدلي يكن تأليف وزارة انتقالية تجرى الانتخابات تمهيدا لعودة الحياة النيابية من جديد وقد أسفرت الانتخابات عن فوز كبير للوفد فحصل على 212 مقعدا من مجموع المقاعد البالغ عددها 235 مقعدا. فعهد الملك إلى النحاس بتأليف الوزارة.

منح مجلسا البرلمان وزارة النحاس تفويضا في 6 فبراير عام 1930 بالدخول في مفاوضات مع الحكومة البريطانية لتسوية المسألة المصرية، وقد بدأها النحاس وهندرسون، إلا أن هذه المفاوضات قطعت بين الطرفين بسبب عدم الاتفاق على المادة الخاصة بالسودان؛

فاستغل الأحرار الدستوريون ذلك الوضع وطالبوا الملك بإقالة الوزارة واستئناف تجربة محمد محمود من جديد وكان القصر يرى أن الظروف بعد فشل المفاوضات سانحة لبدء الانقلاب الثالث على الدستور، فوضع العراقيل في وجه وزارة النحاس، واشتدت لأزمة بينهما فقدم النحاس استقالته في 17 يونيه 1930، فأسند الملك إلى إسماعيل صدقي بطل الانقلاب الدستوري الثالث تأليف الوزارة.

اتبع إسماعيل صدقي منهج سابقيه في الاعتداء على الدستور، فأجل انعقاد البرلمان شهرا، ثم استصدر مرسوما بفض الدورة البرلمانية في 12 يوليو 1930، وفى 22 أكتوبر صدر الأمر الملكي بإلغاء دستور 1923 وبحل مجلسي النواب والشيوخ ووضع صدقي دستور 1930 ليكون أكثر طواعية له وللقصر، فدستور 1923 كان العدو الأول للقصر، فمنذ تطبيقه والملك فؤاد دائب السعي في محاولة الاعتداء عليه، لأن العمل به يتيح للأغلبية البرلمانية الممثلة في حزب الوفد أن تتولى الحكم فتتصدى للنزعة الأوتوقراطية للملك فؤاد.

وقد استطاع في المرتين السابقتين أن يعمل على تعطيله، أما هذه المرة فقد اعتمد على شخصية صدقي التي تعد أكثر جرأة ومقدرة عن سابقيه فقضى تماما على دستور 1923 واستبدل به دستورا جديدا بعد أن ألحق به قانونا جديدا للانتخاب.

قوبل إلغاء دستور 1923 بالاحتجاج الشديد من كل القوى السياسية داخل مصر، فقد احتج الوفد والحزب الوطني، وقرر الأحرار الدستوريون أنهم لا يؤيدون الوزارة في إصدار الدستور الجديد، وإزاء هذا الموقف من جانب القوى السياسية وقبل أن تجرى وزارة صدقي الانتخابات وفقا للدستور وقانون الانتخاب الجديد؛

فقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك هي تأليف " حزب الشعب" في نوفمبر 1930 فقد قرر صدقي تأليف حزب يستند إليه في فرض النظام الذي وضعه على مصر، وقد استطاع أن يضم إليه بعض أعضاء مجلس إدارة الأحرار الدستوريين، هذا فضلا عن عدد من الاتحاديين إلى جانب بعض الباشاوات، كما أرغم بعض العمد والمشايخ على عضويته قسرا، على أن يساهم رجال الإدارة بأقصى جهودهم في ضم أعضاء وأنصار الحزب الجديد. كما صدرت الأوامر بتأليف لجان له في كل مركز من المراكز.

هذا وقد تولى إسماعيل صدقي رياسته بنفسه وأصدر "جريدة الشعب" كلسان حال له. وقد كشف قانون الحزب عن صبغته فمن بين مواده مادة تنص على تأييد النظام الدستوري والمحافظة على سلطة الأمة وحقوق العرش.

ولعل هذا الحزب يعيد إلى ألأذهان تجربة نشأت في تأليف حزب الاتحاد عام 1925. وقد أوجده صدقي ليكون سنده في الحياة الدستورية الصورية التي يريد إقامتها.

أعلن حزبا الوفد والأحرار الدستوريين مقاطعة الانتخابات، وهما يهدفان من وراء ذلك إلى سحب القاعدة الشعبية من تحت النظام الجديد حتى لا يستقر أبدا، هذا فضلا عن عدم تمثيله للشعب فيصبح غير قادر على الاتفاق مع الحكومة البريطانية بشأن المسألة المصرية، وقد وقعا لذلك ميثاقا عرف " بالميثاق القومي" في 31 مارس 1931 وأسمياه " عهد الله والوطن" أما الحزب الوطني فقد انقسمت لجنته الإدارية على نفسها حول الانتخابات بين مؤيد ومعارض لدخولها، ولكنها في النهاية قررت خوض غمارها على الرغم من موقفه السابق من الدستور.

وعلى الرغم مما تعرضت له الجماهير الشعبية من عنت على يد حكومة صدقي ، فقد استطاع أعضاء الوفد الطواف بالأقاليم لتوعية الجماهير لمقاطعة انتخابات صدقي، فكان الشعب يستقبلهم استقبالا حافلا رغم رصاص البوليس، كما قامت المظاهرات المعادية لصدقي في كل مكان، في بلبيس وبور سعيد والإسماعيلية والسويس وزادت حدتها في مدينة الإسكندرية حتى بلغ عدد القتلى عشرين قتيلا هذا فضلا عن خمسمائة جريح، فأصر الشعب على مقاطعة الانتخابات التي فرضها صدقي وقدم كثير من العمد والمشايخ استقالاتهم احتجاجا؛

كما شاركت الطبقات العاملة في احتجاجها على ما قامت به وزارة صدقي، فأضرب عمال عنابر بولاق والورش الأميرية عن الاشتراك في الانتخابات وتظاهروا احتجاجا فقوبلت مظاهراتهم بمنتهى القسوة والعنف.

وهكذا أراد صدقي أن يقيم حكما يستند على أسلوب الاضطهاد والبطش، بعد أن أعلنت الأمة استنكارها لما قام به من خطوات على طريق سلب حريتها التي كسبتها بعد كفاح طويل وذلك بإلغائه دستورها الذي كفل لها هذه الحرية.

استمرت وزارة صدقي في اضطهادها للوطنيين وتضييق الخناق عليهم، فوقعت بالبلاد حوادث دموية ومتعددة، ولكن الاتجاه المضاد لتيار الحركة الوطنية الذي يمثله صدقي وغيره كان لا يستطيع الصمود طويلا أمام كفاح الوطنيين المتواصل، هذا فضلا عن أن تجربة حكم الشعوب قهرا لم تصمد لاختبار الزمن.

فقد كان حكم صدقي يحمل بين طياته نقاط ضعفه التي عجلت هي وعدم شعبيته باندحاره، فقد بدأت تظهر فضائح مالية مست بعض الوزراء المشتركين في الحكم، ثم حدث ما هو أخطر من ذلك إذا لم يتردد صدقي نفسه في أن يصطدم بتزايد سلطات الملك، كما أن الأزمة الاقتصادية كانت ما تزال قائمة وتعان منها البلاد، فقدم صدقي استقالته في 21 سبتمبر 1933 بعد حكم شبه ديكتاتوري استمر أكثر من سنوات ثلاث، فكان ذلك بمثابة إدانة ضمنية النظام 1930 وجهها إليه صدقي نفسه.

وهكذا يسجل الانقلاب الثالث الذي أطاح بدستور 1923 فشلا أيضا وتنتهي الجولة الثالثة ضده فيواصل الوطنيون كفاحهم لاستعادته وتشيد الأمة في كفاحها من أجله ولكنه لا يعود إليها إلا على أثر " ثورة" قام بها الشباب في خريف عام 1935.

وهكذا فإن الأوضاع السياسية التي مرت بها البلاد في أعقاب تصريح 28 فبراير 1922 كانت تعانى اهتزازا حادا، فقد كان تطبيق التجربة الدستورية في البلاد مثار خلافات ومنازعات حادة بين الأحزاب القائمة في ذلك الوقت.

وقد ظهرت تلك الخلافات جلية أثناء إجراء الانتخابات التي تهدف الأحزاب من وراء الفوز فيها بأغلبية للوصول إلى الحكم، وبذلك اشتد الصراع بينها للوصول إليه، فشغلهم ذلك ببعضهم ولعله قد استنفد جزء من طاقتهم التي يوجهونها ضد المحتل الأجنبي، وكان من نتيجة ذلك الصراع أيضا أن كثرت المهاترات الحزبية، كما ألقيت الاتهامات على أشخاص المعارضين.

هذا فضلا عن أسلوب الترغيب والترهيب الذي استخدم عند تأليف أحزاب سياسية جديدة لا تستند إلى أي سند شعبي، بهدف مساندة أنظمة حكم استبدادية تعمل على زيادة سلطات العرش بالاعتداء على الحياة الدستورية التي جاءت نتيجة لتصريح فبراير.

كما كان الصراع بين القصر والوطنيين أحد مظاهر ذلك الاهتزاز السياسي ، فالقصر يعمل جاهدا على نقل مقاليد الأمور إلى ساحته، ولكنه أنى له ذلك إلا بالاعتداء على الدستور، والوطنيون حريصون كل الحرص للحفاظ على مكاسبهم التي كفلها لهم الدستور، فإذا أضفنا إلى ذلك دور انجلترا في الانقلابات التي تعرض لها الدستور، فهي إن لم تكن وراء حدوثها فلا أقل من أنها قد أحسنت استغلالها إلى أبعد الحدود لصالحها.

ولعل كل ذلك يوضح مدى الاهتزاز الذي كانت تعانى منه الحياة السياسية المصرية في أعقاب تصريح فبراير، فقد أحدث ذلك الاهتزاز فراغا سياسيا كبيرا، فإن حركة الأحزاب السياسية القائمة لم تكن لتستوعب حركة الشباب فتعبر عن آمالهم وأمانيهم ووجهة نظرهم في حل المسألة المصرية، فكان ذلك مبررا كافيا كي تظهر تجمعات سياسية تعتمد في المقام الأول على عنصر الشباب الذي رفض وبإصرار الأسلوب الذي ارتضته الأحزاب القائمة لحل المسألة المصرية وهو أسلوب المفاوضات وإنما آمن باستخدام القوة لحلها وإكراه المستعمر على الجلاء عن البلاد.

وقد كانت جمعية مصر الفتاة التي ظهرت في خريف عام 1933 أحد تلك التجمعات منا سنرى. وهكذا فإذا كانت تلك هي صورة الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة فمن الأهمية بمكان أن نتعرف على الوضع الاقتصادي فيها أيضا.

كان للاعتراف باستقلال البلاد كما جاء في تصريح فبراير 1922 نتائج هامة، إذا أخذ المسئولون عن السياسة المصرية يدركون بوضوح أن هذا الكسب السياسي لا ثبات له إلا إذا صحبه نوع من الاستقلال الاقتصادي، فسرت هذه الروح بين أفراد الشعب، وأصبح تشجيع الصناعة المحلية والمصنوعات المصرية من الأهداف والأماني الوطنية.

كانت هذه الروح شعبية ورسمية، فعلى النطاق الشعبي، فإنه منذ عام 1920 دعا محمد طلعت حرب إلى تأسيس شركة أنشأت بنك مصر، وهو أول مؤسسة مصرفية مصرية، أنشأته متواضعا برأسمال المؤسسات المصرفية الأجنبية الكثيرة الموجودة في البلاد.

وقد اشترط في عقد تأسيس البنك أن يكون حملة الأسهم من المصريين، فكفل له ذلك الصبغة القومية، وأخذ البنك يؤدى رسالته وينمو مع الأيام فأنشأ فروعا له في معظم مدن القطر الهامة، وتضاعف رأسماله واتسعت معاملاته على مر السنين.

أصبح البنك النواة الاقتصادية والمالية لنهضة الصناعات الوطنية فقد أنشأ عدة شركات مساهمة مصرية، كان البنك أداة تمويل وتوجيه لها، وحققت تلك الشركات نجاحا ملحوظا، فأدى نجاحها إلى تشجيع المصريين على استثمار أموالهم في الصناعة والتجارة.

فأسس المصريون شركات صناعية وتجارية حققت قدرا من النجاح، بعد أن كانت الأرض وحدها مجالا لاستثمار أموالهم وخاصة عندما ارتفعت أسعار القطن ارتفاعا أدى إلى استثمار رءوس الأموال في الزراعة، أما على الصعيد الرسمي، فكانت الحكومة تساير الرغبة القومية في تشجيع الصناعة، فأنشأت مصلحة التجارة والصناعة عام 1922، وقررت مبدأ التسليف الصناعي الحكومة.

إلا أن الأزمة الاقتصادية اجتاحت العالم، فكان لها أثرها الواضح في مصر مما جعل المصريين حكومة وشعبا يتخذون من التدابير المختلفة ما يخفف من وطأة تلك الأزمة، في محاولة من جانبهم أن يتلمسوا طريقا للخروج بالبلاد من تلك الأزمة الطاحنة، والتي تحمل العبء الأكبر من أثارها الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين.

لم تكد الدول الاستعمارية تنتهي من فترة التجديد والتعمير بعد الحرب العالمية الأولي في عام 1927، حتى تلك الدول في أزمة جديدة وصلت إلى الذروة في السنوات م بين 1929- 1933.

ففي شهر أكتوبر 1929 حدث الانهيار المالي الكبير في أسعار الأوراق المالية في بورصة نيويورك، مؤذنا بحدوث أزمة اقتصادية، لم تلبث أن اجتاحت العالم أجمع، وقد كانت من الشدة والعنف بدرجة لم يعرف لها العالم مثيلا من قبل، فلقد هبطت الدخول هبوطا كبيرا، كما هبط مستوى العمالة، وهبطت الأسعار وساد البؤس والفاقة سائر المجتمعات الصناعية والزراعية على السواء.

وكان لهذه الأزمة صداها المسموع في مصر، ولكن مظاهرها اختلفت في الدول الزراعية عنها في الدول الصناعية، فالأزمة تظهر في الدول الصناعية في شكل هبوط واضح في الدخول والإنتاج وتفاقم البطالة، وفى المجتمعات الزراعية في شكل صعوبة في تصريف الحاصلات الزراعية وانخفاض كبير في أسعارها.

ففي مصر انخفض سعر القطن انخفاضا كبيرا، فبيع محصول عام 1929 بسعر 20 جنيها إسترلينيا للقنطار مقابل 26 جنيها في العام السابق. وبيع محصول 1930 بسعر 12 جنيها ، ومحصول 1931 بسعر عشرة جنيهات للقنطار.

وعلى الرغم من انخفاض الأسعار، فقد كان الطلب على المحصول ضعيفا فلم تستطع مصر تسويق محصولها منه، فزاد ذلك من حدة الأزمة، فأخذت بالات القطن تتكدس عاما بعد عام حتى بلغ المجموع في عام 1931 أكثر من أربعة ملايين قنطار وقد ترتب على ذلك انخفاض في مستويات المعيشة وسوء حال السواد الأعظم من سكان البلاد فظهرت في البلاد موجة رسمية وشعبية للتخفيف من وطأة الأزمة.

فعلى النطاق الرسمي- بعد أن اشتدت الأزمة في نوفمبر 1929، وانخفاض أسعار القطن انخفاضا كبيرا، وتحت ضغط وإلحاح المنتجين قررت الحكومة التدخل في سوق القطن مشترية فبلغت مشتريات الحكومة من القطن ثلاثة ملايين قنطارا، وهى أكبر صفة عقدتها الحكومة؛

ولم تكن مصر وحدها هي التي اتبعت تلك السياسة، بل إن الولايات المتحدة اتبعت هي الأخرى نفس السياسة، وكان من نتيجة هذا التدخل من جانب الحكومة أن ارتفع سعر القطن في مصر عنه في دول العالم المنتجة له، مما أدى إلى إعاقة بيع المحصول كله لامتناع الغزالين عن الشراء، وتوقعوا أن الحكومة المصرية لن تستطيع الاستمرار في سياسة رفع الأسعار ، ونتيجة لذلك هبطت قيمة الصادرات بحوالي عشرين مليونا من الجنيهات، وفى وقت بقيت فيه الواردات عند نفس المستوى السابق، مما أدى إلى ظهور عجز كبير في الميزان التجاري.

وقد أثبتت الدراسات التي قام بها الاقتصاديون أن سياسة التدخل الحكومي في السوق مشترية غير مجدية، ولكنها تلحق بالاقتصاد الأهلي ضررا بليغا، فالقطن المصري يخضع للأسعار العالمية للأقطان، وخاصة سعر القطن الأمريكي وليس التحكم في الأسعار مما يعد مسألة داخلية.

وقد اتبعت وزارة النحاس الثانية 1930 هذه السياسة للتخفيف عن السواد الأعظم من جماهير الشعب وهم الفلاحون منتجو القطن، هذا فضلا عن كبار ملاك الأراضي الزراعية الذين أثرت الأزمة عليهم إلى أبعد حد.

وفى هذا المجال أيضا، قامت وزارة إسماعيل صدقي بعدة دراسات قام بها وكيل وزارة المالية، بهدف وضع سياسة مستديمة لعلاج الأزمة الاقتصادية، فأعد مذكرة في هذا الشأن، اقترح فيها العدول عن سياسة التدخل وترك الأسعار حرة، فاتبعت حكومة صدقي هذه السياسة الجديدة في سبتمبر 1930؛

فأدى ذلك إلى اطراد انخفاض أسعار القطن، فلجأت الحكومة إلى خفض نفقات إنتاج القطن ، فزادت المبالغ التي تقرضها للزراع بفائدة معتدلة فأنشأت بنك التسليف الزراعي لهذا الغرض، وكذلك مدت أجل استحقاق الأموال التي قدمتها للزراع، وشجعت إنشاء جمعيات تعاونية جديدة.

وساعد عدم وجود نقابات للعمال الزراعيين على انخفاض أجورهم، وعلى الرغم من هذه الجهود التي بذلتها الحكومة ظلت الحالة تسوء في البلاد بسبب استمرار هبوط الأسعار، ونقض غلة الفدان، وفرض الحكومة الأمريكية الرسوم العالية على واردات الأقطان طويلة التيلة. هذا بالإضافة إلى زيادة محصول القطن الأمريكي في الموسم الزراعي 1930/1931 . ولم تنج مصر من حدوث كارثة محققة إلا بخروج انجلترا عن قاعدة الذهب.

كان لخروج انجلترا عن قاعدة الذهب أثره الواضح في مصر، فقد كان الجنيه المصري مرتبطا بالجنيه الإنجليزي فهو يتبعه في تقلباته، ومن ثم كانت مصر تسير على نظام الصرف بالاسترلينى وبينما كانت أسعار القطن مستمرة في الانخفاض ، غذ بانجلترا تخرج عن قاعدة الذهب، ونتيجة لذلك تدهورت قيمة الجنيه الاسترلينى بمقدار 30%

وتبع ذلك انخفاض في قيمة الجنيه المصري، فساعد هذا على تخفيف وقع الأزمة بعض الشيء، فارتفعت أسعار القطن المصري بحوالي 20% من سعره، كما أفاد هذا التخفيض في تخفيف العبء الحقيقي للدين الخارجي، فقد أصرت الحكومة على سداد الأقساط والفوائد بالاسترلينى إذ أنها عقدت تلك القروض بالعملة الأجنبية. إلا أن هذه الإجراءات السريعة التي لجأت إليها الجهات الرسمية لم يكن لها أثر كبير في تخفيف حدة الأزمة، مما جعل الحكومة تعيد النظر في سياسة مصر الاقتصادية برمتها.

ففي مجال الزراعة: حاولت الحكومة أن توجد نوعا من التوازن في الإنتاج الزراعي ، يرمى إلى إضعاف سيطرة القطن على الاقتصاد المصري، فاشتدت العناية بزراعة الحبوب والخضر والفاكهة حتى يحدث التوازن المنشود.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بذلك جهود كبيرة لتحسين الإنتاج الزراعي، وهو ما يسمى بالتوسع الرأسي في الإنتاج، أي إعطاء مزيد من الإنتاج من نفس مساحة الأرض المستغلة. كذلك عنيت الحكومة بمكافحة الآفات.

ووجه اهتمام خاص لتنفيذ بعض مشروعات الري ذات المنفعة العامة، ففي 1933 تمت التعلية الثانية لخزان أسوان لتوفير المياه اللازمة للزراعة بعد زمن الفيضان، واهتمت الحكومة أيضا بمشروعات الصرف إلا أنها كانت دون حاجة الأراضي.

أما في مجال الصناعة: فقد أوجدت الأزمة الاقتصادية نوعا من القلق الاقتصادي داخل مصر، إذا أوضحت المتاعب التي تتعرض لها البلاد نتيجة الاعتماد على القطن، إلى توطيد العزم على ضرورة تنويع أوجه النشاط الاقتصادي بإدخال التصنيع، كما أن نمو السكان وسرعة تزايدهم أدت إلى فائض كبير في العمال الزراعيين، فليس هناك من سبيل للتخفيف من حدة المشكلة السكانية إلا بتحويل جزء منهم إلى عمال صناعيين، حيث مستوى الأجور أعلى منها في مجال الزراعة.

وقد اتخذت الحكومة بعض الإجراءات في هذا المجال لتدعيم الصناعة الناشئة، فما أن انتهى أجل المعاهدات التجارية التي غلت أيدي مصر ردحا طويلا من الزمن إلا وسارعت إلى تغيير السياسة الجمركية، فعرضت في 17 فبراير 1930 تعريفة جمركية جديدة تعتبر بحق نقطة تحول في تاريخ مصر الحديث، فقد كان الهدف منها حماية الصناعة المصرية من المنافسة الأجنبية. وفى حقيقة الأمر فإنه يمكن اعتبار تاريخ فرض هذه التعريفة الجديدة، هو بدء قيام الصناعة الحديثة ذات الإنتاج الكبير في مصر.

وكذلك فقد استقدمت الحكومة المصرية الخبراء الأجانب لدراسة أوضاع الصناعة في مصر، ومنحت السلف بفائدة معتدلة، وأصدرت أوامرها إلى المصالح الحكومية بتفضيل المنتجات المصرية حتى لو زادت أثمانها عن مثيلاتها الأجنبية بنسبة 10% .

هذا وإن كانت هذه الإجراءات قد هيأت للصناعة نوعا من الاستقرار، فإن خروج البلاد عن قاعدة الذهب وما كان له من أثر في رفع أسعار القطن. جعل الطلب يتزايد على بعض السلع فحقق ذلك رواجا مؤقتا لبعض السلع.

وبرغم كل هذا فقد ظلت الصناعة المصرية دون ما كان يرجى لها من تطور، فلا زالت تلقى منافسة قوية من الصناعة الأجنبية. وفى الحقيقة فإن نهضة الصناعة المصرية أخذت واضحة للعيان منذ التعديل الجمركي في عام 1930، ولكنها كأي نهضة كانت في حاجة إلى الوقت الكافي لنجاحها وثباتها.

وفى مجال التجارة: فقد ازدادت الحاجة إلى المتاجر نتيجة للنمو السكاني في مصر وتعدد مطالب السكان وتنوعها. ونمت المنشآت التي تقوم بخدمة التجارة الداخلية، ولقد كان للأزمة الاقتصادية آثار واضحة على تجارة مصر الخارجية، فهبطت الصادرات والواردات هبوط مفاجئا، حتى بدت بوادر التحسن في عام 1933.

فاطردت الزيادة في الصادرات والواردات لأن الأحوال الاقتصادية في مصر أخذت تستقر تدريجيا بعد هذا التاريخ. هذا بالإضافة إلى أن الحكومة قامت بإجراء بعض التعديلات على النظام الضريبي، إلا أن يدها لم تكن حرة تماما في هذا المجال لقيام الامتيازات الأجنبية، وتركز رءوس الأموال في يد الأجانب المتمتعين بمظلة الامتيازات الأجنبية.

كذلك سعت الحكومة للتخلص من تبعية النقد المصري للنقد الإنجليزي الذي جعل الاقتصاد المصري يتأثر تأثرا مباشرا بالتقلبات التي تصيب الحياة الاقتصادية في انجلترا، ففكرت مصر في التخلص من هذه التبعية في مجال النظام النقدي.

وعلى الرغم مما قامت به الدولة في مجال الزراعة والصناعة والتجارة للتخفيف من حدة الأزمة فقد برزت في خلال الأزمة الاقتصادية قضية هامة برزت على سطح الأحداث الجارية في مصر وهى قضية الثروة العقارية المصرية، فقد أصبح ثلثها تقريبا مهددا بانتقال ملكيته إلى البنوك العقارية والأفراد من الأجانب.

فقد عقد الكثير من ملاك الأراضي قروضا مع البنوك العقارية لآجال طويلة، وذلك عقب الحرب العالمية الأولي. وعندما حلت الأزمة الاقتصادية بالبلاد واشتدت وطأتها نتيجة للكارثة القطنية في عام 1931 ، فقد عجز المدينون من الملاك عن سداد الأقساط والفوائد المستحقة عليهم، فلجأ الدائنون إلى السير في إجراءات بيع الأراضي الضامنة لديونهم، بنزع ملكيتها لصالحهم، فكثرت القضايا أمام المحاكم المختلطة بصفة خاصة، وانتشر بيع الأراضي إجباريا ففزع الملاك مستنجدين بالحكومة.

تقدم الاقتصاديون بأبحاثهم يقترحون الحلول للخلاص من تلك الأزمة التي تهدد الثروة القومية للبلاد، فأفسحت الصحف أنهرها لتلك الأبحاث ولمناقشة الأزمة العقارية والعمل على تلافيها وقد أدت الإجراءات التي قام بها الدائنون الأجانب إلى انخفاض سعر الأرض ، فبيعت الأراضي بأقل من قيمتها بكثير؛

فأصبح ذلك خطرا يهدد الكيان الاجتماعي، فقررت الحكومة أن تستجيب لنداء الملاك، فتدخلت لحل هذه المشكلة، فأنشأت البنك العقاري الزراعي المصري، وكذلك أنشأت بنك التسليف الزراعي كما سبق أن ذكرنا في صيف عام 1931 فتعاون البنكان على حل مشكلة الديون العقارية بوقف البيوع الجبرية، فتدخلت الدولة لدى الدائنين في عام 1931 ودفعت الأقساط المتأخرة نيابة عن المدينين واعتمدت لذلك القرض مليونا من الجنيهات. وهكذا أنقذت هذا الجزء الكبير من ثروة البلاد العقارية من الضياع.

ومهما كان من أمر ، فعلى الرغم من هذه التدابير التي اتخذتها حكومة إسماعيل صدقي للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، ووقعها على الشعب المصري، فقد عانت منها البلاد الكثير، ووقع العبء الأكبر على العمال والفلاحين وساءت أحوال معيشتهم فانضمت جموعهم إلى حركة المقاومة ضد حكومة إسماعيل صدقي.

وقد قابلتهم حكومة صدقي بالحديد والنار فتحولت المعركة إلى " شبه حرب أهلية" على حد تعبير صدقي نفسه. وهكذا وبرغم الجهود المبذولة من جانب حكومة صدقي وعلى ما يتمتع به صدقي نفسه من عقلية اقتصادية ممتازة، فقد عجزت كل تلك الجهود عن أن تجعل الأزمة تنفرج تماما.

وعندما تولى عبد الفتاح يحيى تأليف الوزارة عقب استقالة صدقي، فكر أن أكثر ما يشغل وزارته هو معالجة الأزمة الاقتصادية، ومع ها فإن ما قامت به وزارته في هذا الشأن لم يتعد إصدار القانون الذي أقره البرلمان بتخفيض إيجار الأطيان الزراعية لعام 1932 بمقدار ثلاثة أعشار قيمتها، وكذلك فقد خصصت مبلغ مليوني جنيه لسداد بعض المستحقات على المزارعين .

وكان من نتيجة عجز هذه الوزارة عن معالجة الأزمة كما عجزت سابقتها. أن حاول حزب الأحرار الدستوريين التقرب من حزب الوفد لوضع سياسة اقتصادية مشتركة ينفذانها لمعالجة أسباب الأزمة من ناحية، وكمحاولة للإطاحة بوزارة عبد الفتاح يحيى من ناحية أخرى.

أرسل الأحرار الدستوريين مذكرة إلى حزب الوفد حول المعنى السابق، فكان رد الوفد المصري على مذكرتهم" يشارك الوفد المصري حزب الأحرار الدستوريين شعوره فيما وصلت إليه حالة الأزمة الاقتصادية في البلاد من سوء عجزت عن معالجته بطبيعة الحال الحكومات التى تولت إدارة شئونها بدون إرادة الأمة وبمشيئة الغاصبين...

وكان بود الوفد المصري.. أن يقابل فكرة الأحرار في الوقت الحاضر بالارتياح لولا أن ترديد هذه الفكرة ينشأ بعد محادثات ذاع خبرها في طول البلاد وعرضها بين صدقي باشا وحزبهم للتعاون اقتصاديا لمحاربة الوزارة الحاضرة"

ويتعجب النحاس فيقول:

" كيف ينسى الأحرار ما جناه صدقي على البلاد فيمدون يدهم إليه"

وقد رفض الوفد هذه الفكرة قائلا:

" كما أن الوفد لا يحب أن يقع في سياسة خاطئة يمليها صدقي باشا ويرعاها خدمة لأغراضه الشخصية".

وكان رد الفعل واضحا لدى القوى الاجتماعية في مصر، فقد قام بعض الوطنيين من الشباب بنشر أفكار شابة للنهوض بالصناعة الوطنية وحمايتها من منافسة الصناعة الأجنبية لها، فارتفعت صيحات مخلصة في هذا الشأن ، وتألفت لهذا الغرض جمعيات وطرحت أفكار اقتصادية جديدة، كان الهدف منها تحرير الاقتصاد المصري من ربقة الاستعمار؛

ومن ذلك جمعية " المصري للمصري" التي أسسها سلامة موسى عام 1930، وقد اشترط قانون الجمعية على الأعضاء ألا يشتروا سلعة أجنبية ما دام هناك ما يقابلها من السلع المصرية ، وأن يقاطعوا المصنوعات الإنجليزية، وأن يتجروا مع التجار المصريين دون الأجانب حتى يمكن أن يتحقق استقلالنا ونجعل مصر ملتقى المصريين" وقد لقيت حركة مقطعة البضائع الأجنبية حماسة كبيرة بيت أفراد الشعب بحسهم القومي، وقد تألفت لهذه الجمعية لجان في مختلف كليات الجامعة.

وقد نظمت الجمعية حملة بالصحف أدت إلى نشر الوعي الاقتصادي بين أفراد الشعب، فأقبلوا على تشجيع المصنوعات الوطنية، ولكن عندما تعرضت الجمعية لإسماعيل صدقي بالهجوم، فقد أمر بغلق أكثر من عشر مجلات من المجلات التي كانت تقوم بنشر أفكارها. وبذلك انتهت هذه الحركة التي تعبر عن تيار شعبي تحت وطأة الضغط الذي مارسته حكومة صدقي لإسكات أصوات المعارضين لها.

كانت الأوضاع الاقتصادية التي سادت المجتمع المصر خلال الفترة، ذات أثر فعال على النواحي السياسية والاجتماعية، فقد انخفضت أسعار الحاصلات الزراعية وخاصة القطن عماد الاقتصاد المصري.

هذا فضلا عن الصعوبة في تصريفها، وعلى الرغم من الجهود الضخمة التي بذلت من جانب وزارة إسماعيل صدقي للتخفيف من وقع الأزمة على الشعب المصري، فقد زادت حالة الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين سواء، ولعل هذا يدعونا إلى دراسة الأوضاع الاجتماعية التي سادت المجتمع المصري في أعقاب تصريح 28 فبراير 1922 الذي منح البلاد الاستقلال الشكلي فهل كان لهذا الاستقلال أثر على الأوضاع الاجتماعية؟

ترتب على الأوضاع الاقتصادية التي سبق أن ذكرناها- للمجتمع المصري خلال فترة البحث نتائج اجتماعية فيما يتعلق بالوضع الطبقي الاجتماعي بصفة عامة، فقد تركزت ثروات البلاد في يد القلة من كبار الملاك وغيرهم ، هذا فضلا عن أن تلك القلة من أصحاب الثروات هم المسيطرون على الحياة الاقتصادية المصرية؛

فهم الذين يمثلون كبار ملاك الأراضي الزراعية، وفى نفس الوقت فهم أصحاب المصانع والشركات الصناعية أو على الأقل حملة أسهمها، كما أنهم محتكرو التجارة الداخلية والخارجية فهم بذلك يمارسون سيطرة كاملة على الاقتصاد المصري، مما كان من نتائجه سوء توزيع الدخل القومي وانخفاض أجور العمال الزراعيين والصناعيين مما أدى إلى انخفاض مستوى معيشتهم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأحزاب السياسية قد أغفلت حقيقة وضع الطبقات الاجتماعية الكادحة، فقد خلت برامجها جمعيا من النص على معالجة هذه المسألة، فقد كانت الأحزاب السياسية تعبر عن أفكار ومصالح البرجوازية المصرية التي تولت قيادة تلك الأحزاب، وحتى حزب الوفد، الحزب الشعبي من بين الأحزاب المصرية، لم تحظ المشكلة الاجتماعية باهتمامه؛

وقد كانت الأحزاب السياسية جميعا تتفق في إغفالها لتلك المشكلة، كما تتفق أيضا في أن تحد انتشار الأفكار الاجتماعية بصفة عامة، فهي تعتبر انتشار تلك الأفكار بين العمال بمثابة البركان الذي سينفجر في يوم من الأيام فيطيح بها، وبأنظمتها القائمة، فحاربت تلك الأفكار حربا شعواء ، فتعرض معتنقوها للاضطهاد والسجن والتشريد؛

وكان رد الفعل لذلك أن انتشرت تلك الأفكار سرا، فلما كان تأسيس حزب سياسي لهم يعبر عن تلك الأفكار باسم " الحزب الاشتراكي المصري" وما حدث داخله من انقسامات وما تعرض له من أزمات ثم تألف " الحزب الاشتراكي المصري" من بين أعضائه، إلا أن البرجوازية المصرية قد وقفت حائلا دون نمو الأفكار الاجتماعية في مصر إلى جانب عوامل أخرى.

شهدت الشهور التي أعقبت الحرب العالمية الأولي حركة عالمية نشطة، ولكن الموج السياسي الذي بدأ مع حركة الوفد لم يلبث أن جرف هذه الحركة لصالح القضية الوطنية، فقد أدرك العمال أن الرأسمالية الأجنبية المستغلة التي يعملون في ظلها إنما تستمد شراستها وعنفها من وجود الاحتلال البريطاني، ولهذا انخرطوا في تأييد الثورة والاشتراك فيها دون أن تحفظ ودون أي شروط.

وقد ربح العمال بأن ينخرطوا في صفوف الجماهير المؤيدة لحزب الوفد الذي تولى قيادة الثورة التي اشتركوا فيها، فحزب الوفد كان همه الدائم أن يظل الممثل الوحيد للأمة، في مواجهة خصومه السياسيين، وفى مواجهة المحتل فإنه لم يستطع إهمال آمال وتطلعات الطبقة العاملة التي ظلت تمنحه تأييدها وبالتالي الأصوات الانتخابية؛

وحيث كان العمال متفرقين في أرجاء مصر كافة، وحيث كان عددهم لا يزال قليلا إلى حد لا يستطيعون معه أن يخرجوا من بينهم واحدا لينوب عنهم في البرلمان، لذلك فإنهم ما كان ينبغا لهم أن يكونوا آخر من يمنح تأييده للحزب الكبير الذي التفوا حوله بحماس منذ عام 1919، وكان التأييد بالنسبة لهم هو الوسيلة الوحيدة لإسماع صوتهم داخل مجلسي البرلمان وللعمل على تحقيق مطالبهم الأساسية.

وعلى الرغم من أن حزب الوفد كان ميالا إلى الاستجابة للمطالب الشعبية، إلا أنه بحكم تكوينه كان بعيدا عن تبنى الأفكار الاجتماعية، فلم يكن سعد زغلول يرى بنفسه حاجة إلى التغلغل في أعماق المشاكل الاجتماعية ليستقى منها برنامجا اجتماعيا يحفظ حرارة الجماهير من التسرب، فقد أدرك سعد زغلول أن المصريين ليسوا بحاجة لأكثر من برنامج سياسي قوى وعلى الرغم من هذا فعندما تولى سعد زغلول رياسة الوزارة عام 1924؛

اعتقد العمال أنهم سينالون من أول حكومة شعبية للبلاد الاعتراف بوجودهم كقوة في الوطن، واعتقدوا أن الحكومة التي تولت السلطة نتيجة تضحيات العمال والفلاحين والجماهير الشعبية في الثورة ستستجيب لمطالب العمال العادلة، فاتجهوا إلى تنظيم صفوفهم، وتألفت عدة اتحادات نقابية، وتقدم العمال بمطالبهم إلى وزارة سعد بشأن الأجور وعدد ساعات العمل؛

فلما رفضت الحكومة مطالبهم، نظموا خلال شهري فبراري ومارس سنة 1924 إضرابا عاما في الإسكندرية والقاهرة، واحتلوا خلاله بعض المصانع وحاولوا طرد أصحابها منها ، تدخلت الحكومة فقمعت الإضرابات واعتقلت عددا كبيرا من زعماء العمال واتهمتهم بالشيوعية.

بدأ الوفد حملة لإبعاد القادة اليساريين عن مراكز القيادة في النقابات محاولة منه لاحتواء حركة العمال وقد انهمك رؤساء لجان الوفد في المدن والأقاليم في العمل على نجاح تلك الحملة فكانت المرحلة الأولى التي اتبعها الوفد هي مرحلة إغلاق الباب في وجه اليساريين لقيادة الحركة العمالية؛

ومن ثم تمثلت المرحلة الثانية في فتح الباب للبرجوازية كي تقود الحركة، فلم يكن من باب الصدفة تدخل الحكومة في قمع إضراب العمال والقبض على زعمائهم في 3 مارس 1924.

ثم تتضح خطة الوفد أكثر فيعلن عن تأسيس (النقابة العامة للعمال) التي تحولت فيما بعد إلى اتحاد عام للعمال، وقد تولى قيادة تلك الحركة عبد الرحمن فهمي بتكليف من سعد زغلول. وفى 18 أبريل صدرت مجلة وفدية باسم " العمال" وفى 12 يونيو تصدر مجلة عمالية أخرى باسم " اتحاد العمال".

هكذا خيل للوفد أن الأوضاع قد تهيأت له لكي يتولى قيادة الحركة العمالية، فلا شك وأن إسهام الوفد في عملية تكوين الاتحاد قد جذب إليه كثيرا من القوى، وقد تركزت الجهود داخل الاتحاد لإغلاق الباب في وجه اليسار.

ولكن إغلاق الباب في وجه اليسار كان خطوة أخرى تستهدف بث الفكر البرجوازي في صفوف العمال، وقد بذل عبد الرحم فهمي كل ما ليده من جهد، في محاولة إفراغ هذا التجمع العمالي من أي محتوى ثوري وطلائه بطلاء معتدل غاية الاعتدال.

وهنا أدرك العمال أن الوفد لم يتح لهم اتخاذ أية خطوة جادة للحصول على مطالبهم العادلة، فانفضوا من حوله سريعا كما تجمعوا من قبل، وباعتقال عبد الرحمن فهمي عقب حادث مقتل السردار ، وما أن جاء زيور إلى الحكم حتى انهار هذا الاتحاد مسجلا الفشل الأول لمحاولة البرجوازية قيادة النضال الطبقي للعمال.

وهكذا كان موقف حكومة سعد من قضايا العمال الاجتماعية، فالوفد هو ممثل البرجوازية المصرية لم يكن ليتبنى قضايا العمال هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الأفكار الاجتماعية لم تكن لتنمو داخل المجتمع المصري، في وقت استغرق فيه النضال الوطني جهود الجماهير، فلم تجد تلك الأفكار رواجا في الريف المصري حيث توجد الغالبية الجماهيرية الكبرى.

وما ذلك إلا لطبيعة البيئة الريفية بما فيها من جهل وتأخر ومعتقدات تواكلية تسود نفوس الفلاحين، وقد استغل خصوم تلك الأفكار أقوى سلطان على النفوس ، وهو الدين، في محاربتها لأنه مجتمع زراعي ولأن الدين الإسلامى يحمى الملكية الفردية. كما كان وجود الاستعمار البريطاني عاملا قويا في مقاومة الأفكار الاجتماعية في مصر وفى تشديد المقاومة الحكومية ضدها.

إن القضايا الاجتماعية التي كانت مطروحة داخل المجتمع المصري من جانب الطبقات الكادحة للمطالبة بحقوقهم لم تحظ بعناية القوى السياسية القائمة في تلك الفترة، فالأحزاب السياسية رغم ما تعتنقه من إيديولوجيات تخالف هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فربما شغلها الاهتمام بالمسألة الوطنية ومحاولة إحراز تقدم فيها عن الاهتمام بالقضية الاجتماعية.

والقصر بطبيعة تكوينه لم يكن ذا صلة من أي نوع بقضايا الشعب الاجتماعي، والاستعمار كقوة سياسية تفوق القوتين سالفتى الذكر، لم يكن يرى من نفسه سوى مدافعا عن الاحتكارات والاستثمارات الأجنبية في البلاد، فقد كان عاملا قويا في مقاومة الأفكار الاجتماعية التي ترمى إلى ترقية الطبقات الكادحة من أبناء المجتمع المصري العمال والفلاحين، وبذلك تأخرت القضية الاجتماعية عن سواها من القضايا وننتقل بعد هذا لدراسة التيارات الفكرية التي كانت سائدة في تلك الفترة.

شهد المجتمع المصري تيارات فكرية مختلفة خلال الفترة ، ففي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت تيارات منها التيار الإسلامى والتيار الليبرالي وتيار الفكرة العربية، وتيار الرابطة الشرقية وإن كان امتدادا للتيار الإسلامى وتيار القومية المصرية وأخيرا تيار الفكر الاشتراكي.

ومن المفيد أن نعرض لتلك التيارات في خلال الفترة التي شهدت نشأتها وتطورها في أعقاب الحرب العالمية الأولي حتى ظهور إرهاصات جمعية مصر الفتاة كتعبير عملي عن تيار فكرى برز في المجتمع المصري.

كان التيار الإسلامى يرى ربط الحركة الوطنية المصرية بحركة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني والتي وجدت في سلطان تركيا عبد الحميد لثاني عضدا لها خاصة وأنه حاول أن يحيى الخلافة الإسلامية في شخصه.

وفى ذلك الوقت كانت قد ظهرت في مصر حركة دفاع عن الإسلام، ارتبطت بردود الفعل التي أثارها الاحتلال البريطاني وزحف المؤثرات الغربية.

وقد تمثل ذلك الاتجاه بوضوح في مصطفى كامل والحزب الوطني، الذي كان يرى ارتباط مصر بالدولة العثمانية على اعتبار أنها أقوى الدول الإسلامية في ذلك الوقت.

وقد تأثر مصطفى كامل بالفكر السياسي لدى الأفغاني فقد رأى في الإسلام الجذوة التي يجب أن تحرك وتدعم القومية المصرية التي أخذت تصطبغ بالأيديولوجيات الغربية، ولهذا فقد نقد مصطفى كامل الاتجاهات العربية في المشرق العربي التي كانت تدعو إلى الانفصال عن تركيا.

وكان تيار الفكرة العربية يعنى توحيد البلاد العربية ولم شتاتها يرجع إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولكن اتجاه مصطفى كامل والحزب الوطني جعل الفكرة العربية لا تظهر إلى حيز الوجود لارتباك مصر بتركيا وحركة الجامعة الإسلامية، ولكن ذلك لم ينع وجود العروبة في قيام روابط ثقافية واقتصادية وسياسية في شعور المصريين وضمائرهم .

وهكذا فقد عرقل التيار الإسلامى المرتبط بحرك الجامعة الإسلامية ظهور تيار الفكرة العربية في مصر حتى إعلان قيام جمعية مصر الفتاة، فقد كانت أول تنظيم سياسي مصري يتضمن برنامجه الدعوة إلى الوحدة العربي.

وقد ارتبط بالتيار الإسلامى تيار آخر هو التيار الشرقي خاصة وأنهما يتخذان من العقيدة الإسلامية أساسا لقياد الوحدة الإسلامية الشرقية وفى حقيقة الأمر فإن مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولي، كانت تهتم بأحداث سوريا وفلسطين والريف وبرقة؛

إلا أن هذا الاهتمام كان من قبيل التضامن الديني، ومما يدل على ذلك أن بعض المصريين رأوا في أواخر العشرينات احتمال اتحاد البلدان الشرقية من اليابان إلى المحيط الأطلنطي ، وهو الاتجاه الذي عبرت عنه مجلة " الرابطة الشرقية" ورغم أن عددا كبيرا من المصريين قد أبدوا حماسة لأن تلعب بلادهم دورا شرقيا إسلاميا إلا أن هذا التيار ظل غامضا ومختلطا لفترة طويلة.

أما التيار الليبرالي، فقد جاء إلى مصر نتيجة لتأثرها بثقافة وحضارة الغرب ن فعلى الرغم من أن المثقفين المصريين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كانوا لا يزالون في مجموعهم معادين للغرب الذي اعتبروه خطرا على مقوماتهم التقليدية؛

فإنهم رحبوا بالحضارة الغربية وأعجبوا بالغرب إعجابا شديدا، وأحبوا في أوربا ليبراليتها ونظمها الديمقراطية وروحها الإنسانية وتساوى الناس فيها، وآمنوا بضرورة اتخاذ المجتمع الأوربي مثلا يحتذي إلى درجة أن حاول بعضهم ربط مصر بأوربا ومن ثم ما ذهبوا إليه من أن مصر كانت تمثل جزءا من حضارة البحر المتوسط التي شملت أوربا والشرق الأدنى، وقد عبر عن هذا الرأي قبيل الحرب العالمية الأولي كل من لطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين.

وفى ذلك الوقت بدأ الذين تلقوا تعليما أوربيا ينادون بتطبيق العلم والثقافة الأوربية الحديثة على مجتمعهم بهدف إصلاحه ومن هنا جاء اعتناقهم للمفهوم الأوربي العلماني الخاص بالدولة القومية، لهذا نجدهم يأخذون عن أوربا التنظيمات الحزبية السياسية الحديثة.

وباختصار فإن ظهور الوطنية المحلية وولائهم دون اعتبار للعقيدة أصبح أساس للعمل السياسي، بدلا من الولاء الإسلامى الواسع. ولما كان الأساس الثقافي الذي قام عليه هذا الاتجاه الليبرالي العلماني أوربيا، فمن الطبيعي أن يكون زعماء هذا التطور السياسي أقل عداء لانجلترا.

وقد تم قبول أسس الحضارة الغربية وسر تفوقها، فإن وجود الجماعة القومية التي تحكم نفسها بنفسها على ضوء مصالحها، وفصل الدين عن السياسة ونظام الحكم الديمقراطي، وقوة الفضائل السياسية، وقد عبر عن هذه الآراء في أوائل القرن العشرين كل من أحمد فتحي زغلول وأحمد لطفي السيد، وفى خلال العشرينات والثلاثينات أحمد أمين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وإبراهيم المازني وطه حسين، وحاولوا أن يجعلوا لمصر شخصية ثقافية متميزة خاصة بها فزودوها بأفكار قومية تستند إلى أمجاد الحضارتين الفرعونية والعربية.

وكان هدفها الحفاظ على ولاء الفرد ضمن الحدود الإقليمية للدولة الإقليمية. كان حزب الأمة يلتف حول " الجريدة" التي كان أحمد لطفي السيد يشرف على تحريرها، والتي كان ظهورها بداية التبلور الكامل لفكرة القومية المصرية.

وقد اشترك مع " اللواء " في طلب الاستقلال، إلا أن اللواء كانت تدعو إليه مشوبا بروح الجامعة الإسلامية والارتباط بتركيا، أما " الجريدة" فقد رأت ألا سبيل لذلك إلا بجهود المصريين وحدهم، ومن هنا محاولتها لإنماء الشخصية المصرية بقدر المستطاع، والنظر إلى الأمور السياسية من زاوية مصر وحدها، هذا إلى أخذها بمبادئ الليبرالية في مختلف النواحي منتهية إلى المطالبة بالدستور فهي تعده ضمانا ضد قيام الاستبداد الفردي وللطفي السيد وجماعة الجريدة الفضل الأول في تحويل الحركة الوطنية المصرية نحو الوجهة الديمقراطية ذات الطابع العلمي المدروس .

ذابت كل تلك التيارات الفكرية في أثناء ثورة 1919 ، حيث وقفت الأمة في مواجهة المستعمر، ولكن في أعقاب تلك الثورة، فإن الوحدة السياسية التي تمتعت بها البلاد قد تفتت بعد أن تبدد المد الثوري الذي أشاعته الثورة. فأخذت تظهر تكتلات سياسية تعد امتدادا لتلك التي كانت قائمة قبيل الحرب الأولى مع الاختلاف في التفاصيل.

حقيقة أن سعد زغلول قد استطاع أن يجمع الشعب تحت زعامته أثناء الثورة، ولكن كان من الصعب عليه أن يستمر في زعامة كل الفئات التي تصدت للعمل السياسي.

فقد تحولت الفئات التي كانت تلتف حول حزب الأمة والجريدة إلى جانب عدلي يكن والأحرار الدستوريين الذين يعترفون بتصريح فبراير باعتباره خطوة نحو الاستقلال، وهذا الحزب يتبع قاعدة الاعتدال مع الإنجليز لحل المسألة المصرية، ففشل الحزب منذ البداية فلجأ أحيانا إلى القصر وأحيانا إلى الإنجليز.

حقيقة أن سعد زغلول حاول أن يثبت دعائم الحياة الدستورية، إلا أن القصر استطاع أن يستعيد بمرور الزمن الأرض التي فقدها وأن يسخر الدستور والساسة لخدمة مصالحه، وكان من نتيجة ذلك الصدام بين الوفد والقصر، وبالإضافة إلى الأحقاد الكامنة والمنافسة داخل الحزب.

أن ضعف الوفد بمرور الزمن بخروج أعضائه المهيمنين وانضمامهم إلى الأحزاب الأخرى أو تأليفهم أحزابا جديدة. على أن زحف المؤثرات الغربية على الحياة النيابية المصرية بعد دستور 1923 ، هو المسئول عن اختلافها بعض الشيء عما كانت عليه قبيل عام 1914.

على أنه من المفيد أن تشير إلى النظام الليبرالي الذي طبق في مصر في أعقاب دستور 1923 كان نظاما سياسيا لا يتصل بماضي البلاد أو حاضرها. ففشل ذلك النظام لأسباب عديدة.

ومهما تكن أسباب فشل التجربة الليبرالية في مصر، فقد ظهر لذلك رد فعل إسلامي قوى ظهر واضحا حين نشر كتابا " في الشعر الجاهلي " لطه حسين و" الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق لما تضمناه من آراء أثارت رد الفعل القوى، وكما مهد ذلك للهجوم على المؤثرات الغربية على اعتبار أن هذين الكتابين بفعل تأثيرها على المجتمع المصري وفى ذلك الوقت قام صراع بين التقليدين والعصرين، وكان لآراء الأفغاني ومحمد عبده والتي قام بشرحها وتفسيرها رشيد رضا الأثر الأكبر في نشأة الاتجاه إلى الدفاع عن الإسلام؛

وتفسيره الدين الإسلامى تفسيرا قوميا متطرفا في الحياة السياسية المصرية وفى التكوين الثقافي والروحي للشباب، ومن ثم ظهور عدد كبير من الجمعيات الدينية في أواخر العشرينات جعلت هدفها الدفاع عن الدين والقومية في نفس الوقت، وكانت النتيجة لهذا المد الديني ظهور تشكيلات دينية سياسية كالإخوان المسلمين ومصر الفتاة فيما بعد.

كانت حركة الإخوان المسلمين حركة سياسية دينية نشأت كرد فعل للفشل السياسي والاجتماعي للنظام الليبرالي، وقد ظهرت في أواخر العشرينات بزعامة حسن البنا، وهى لا ترى الأخذ بالأساليب الحديثة للتنظيم السياسي، فهي تدعو إلى إصلاح ديني سلفي، وإن طالبت في نفس الوقت باستقلال مصر التام، على أن وطنيتها ظلت إسلامية أكثر منها مصرية أو عربية، فكانت غايتها القصوى إعادة بناء المجتمع في نطاق جامعة إسلامية عصرية تلعب دورها في تحقيق سلام العالم.

وقد قدم الإخوان أنفسهم لاعتبارهم بديلا لحكم الساسة العلمانيين، وكان نجاحهم في اجتذاب الطبقات الدنيا ثم لجوؤها إلى العنف فيما بعد دليلا على فشل النظام الليبرالي الوطني في المجال الاجتماعي.

وقد كان البنا يهدف بحركته إلى القضاء على عادات الغرب الفكرية التي تغلغلت بالتدريج في المجتمع الإسلامى، كما كان يسعى إلى استئصال شأفة أشكال العادات الاجتماعية المستقاة من الغرب، وكان يعادى القومية التي رأى أنها زحفت من الغرب واعتبر الإسلام ذا رسالة عالمية.

كان الاتجاه العام في مصر غير مستعد للاندماج في الفكر الغربة، فقد تضمن ذلك الاتجاه توجيه الهجوم إلى النظم والقيم الغربية. مما أدى إلى اهتزاز هيبة القيادة السياسية للطبقة الحاكمة في ظل النظام الدستوري ، وظهور حركات راديكالية جديدة منها مصر الفتاة وتنظيمات أخرى كانت تدعو إلى العودة إلى الإسلام باعتباره يفي بحاجات مصر الأساسية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويقيلها من عثرتها، وفى نفس الوقت كانت الفاشية قد أحرزت انتصارات باهرة في كل من إيطاليا وألمانيا، مما كان له صداه المسموع في مصر.

وقد بذل موسولينى جهده في تأسيس المدارس الايطالية في عدد من المدن المصرية بهدف تلقين الطلاب مصريين وإيطاليين أمجاد الفاشست. وكان من نتيجة ذلك نمو الاتجاهات الفاشية لدى مصر الفتاة والحزب الوطني وحزب الوفد، وكان تنظيم أحمد حسين يمثل النزعات الوطنية المتطرفة ممزوجة بالتعصب الديني وكره الأجانب.

ولعل ذلك يدعونا إلى دراسة بدايات ظهور ذلك التيار الفكري الذي ينادى باستخدام القوة لإعادة مجد مصر مستلهما أفكاره من منابع فاشية حققت نجاحا في إعادة مجد روما، فكان لابد وأن يتنادى هذا التيار بإعادة مجد مصر متتبعا خطوات موسولينى في هذا الصدد.

كان نمو الوطنية المصرية بشعاراتها ورموزها وأسانيدها التاريخية قد أدى إلى حجب الميول العربية، وعلى الرغم من وجود الاتجاه الإسلامى ممثلا في حركة الجامعة الإسلامية، فإن مكافحة الاحتلال القائم قد نما الشعور الوطني المصري، كما برز الاتجاه الفرعوني وبخاصة لدى الأقباط المصريين الذين اعتبر بعض زعمائهم ومفكريهم أنفسهم الورثة الشرعيين لمصر الفرعونية.

وهذه النزعة الفرعونية قد اشتد ساعدها في أعقاب ثورة 1919 وبروز المفهوم العلماني للشخصية القومية، ثم اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في عام 1922.

فقد خيل للمراقبين أن هذا الاكتشاف وما أثاره من أحاسيس قد أفسح المجال" لبعث مجد مصر" خاصة وأنه جاء في أعقاب انتفاضة الشعب المصري. كما انتشرت الأسماء الفرعونية داخل المجتمع المصري، وأصبح العالم كله يرتج بمجد مصر الفرعوني، فصدرت الكتب بشتى اللغات عن حضارة مصر الفرعونية، واصطبغ طابع الحياة الفنية بطابع فرعوني فامتلأت المسارح بالروايات التي تتغنى بمجد مصر الفرعوني. وقد عبرت مصر الفتاة عن هذا الاتجاه بوضوح فيما بعد كما سنرى.

كما شهد المجتمع المصري في تلك الفترة ظهور تيار الفكر الاشتراكي، فقد عرفت مصر الفكر الاشتراكي باعتباره جزءا من الفكر الأوربي الزى يتغلغل في حياتها الثقافية منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، وقد جاء دخوله إليها على يد العناصر الأوربية الأصل وظل قاصرا عليها، لأن المستوى المادي والفكري للعامل المصري لم يكن قد نضج بالصورة التي تؤهله لتقبل المبادئ الإشتراكية، ولأن المثقفين المصريين كانوا ينتمون إلى أبناء وملاك الأراضي والبرجوازيين الذين لم يبدوا اهتماما بالمشاكل الاجتماعية.

على أن نشوب الثورة الإشتراكية في روسيا في عام 1917 وقيام الدولية الثانية في عام 1919 كان له أثره في نمو الاتجاهات الإشتراكية في مصر.

وعلى حين رأى بعض المثقفين التقدميين من المصريين ضرورة السعي إلى نشر الفكر الاشتراكي، قرر بعضهم الآخر أن ظروف مصر الاجتماعية والاقتصادية غير ملائمة لهذه المحاولة.

على أن ذلك لم يحل دون تأليف الخلايا الشيوعية في القاهرة والإسكندرية حيث قام الدعاة الشيوعيون ببث الدعوة بين العمال الفنيين من الأجانب وبين المثقفين المصريين الذين درسوا في جامعات أوربا.وقد جرت محاولة لبلورة ذلك الاتجاه الاشتراكي في شكل منظم يرعاه وينميه، فكان أن تألف " الحزب الديمقراطي" بعد الحرب العالمية الأولي.

وفى عام 1920 جرت محاولة أكثر تقدما لبلورة ذلك الاتجاه وتحديد ملامحه، فقد تصدى جوزيف روزنتال اليهودي المصري المنتمى إلى أصل إيطالي لتأليف أول حزب اشتراكي بمدينة الإسكندرية، وقد اعتمد في بنائه على العناصر الأجنبية التي تتواجد في الإسكندرية بأعداد كبيرة؛

وقد نشر بيان الحزب التأسيسي موقعا عليه كل من سلامة موسى وعلى العناني ومحمد عبد الله ومحمود العرابي وقوبل تأليف الحزب الاشتراكي المصري بالهجوم العنيف من جانب مختلف الطبقات، من منطلق ديني وخشية من انتشار تلك المبادئ التي ينشرها فتهدد الملكية الفردية وقد استنكر البعض ظهور ذلك مبررا استنكاره بأن قضية التحرر الوطني تأتى في المقام الأول قبل قضية التحرر الاجتماعي التي هي أثر من آثار ذلك التيار.

تعرض ذلك التيار لهزات عنيفة منها أن الحزب الاشتراكي الذي يعد تعبيرا عنه قد انقسم على نفسه فخرج منه المثقفون المصريون، كما تعرض للانقسام مرة أخرى بطرد روزنتال مؤسسه منه في 21 ديسمبر 1922، ومن ثم تحول الحزب من بعد ذلك إلى " الحزب الشيوعي المصري" وأصبح فرعا للدولة الثالثة.

ومن ثم أخذ هذا التيار يسجل نموا مطردا، وأصبح فرعا للدولية الثالثة. ومن ثم أخذ هذا التيار يسجل نموا مطردا، فاصطبغ نشاط الحزب بالشيوعية ، وما أن اشتد ساعده حتى كانت الأوضاع في مصر تسجل تغيرا في وضعها السياسي بصدور الدستور وتولى الشعب الحكم، فمارس الحزب نشاطه بحرية إلى حد ما، ومن خلال ممارسته لنشاطه وبتوجهات منه فقد احتل العمال المصانع، فلم تجد وزارة سعد مناصا من الوقوف في وجه تلك الحركة بكل قوتها ومحاربتها، فألقت القبض على كل زعماء الحزب وقدمتهم للمحاكمة في عام 1924 مما أدى إلى ضعف ذلك التيار.

كان تيار الفكر الاشتراكي يحمل أسباب ضعفه، فقد مزقت الخلافات الأيديولوجية كيان الحزب الذي يمثله هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الظروف التي أحاطت بنشأة التيار كانت عقبة في سبيل انتشاره في مصر على اعتبار أنها دولة زراعية، والأفكار الإشتراكية لا تروج في البلدان الزراعية ولأن الدين الإسلامى يحمى الملكية الفردية وينافى المبادئ الشيوعية، ومن ناحية ثالثة فإن الوجود البريطاني في مصر كان عاملا قويا في مقاومة ذلك التيار الفكري وتشديد المقاومة ضد معتنقيه ومحاولة نشر أفكاره.

عرضنا للتيارات الفكرية التي سادت للمجتمع المصري وتتبعناها منذ نشأتها تقريبا وحتى منتصف الثلاثينات من القرن العشرين، ولعل وجود كل تلك التيارات على تنوعها على سطح الحياة في مصر كان ذا أثر واضح على نشاطها السياسي والاجتماعي، فقد كان عدم تحقيق مصر لاستقلالها التام ما جعلها تموج بعديد من التيارات الفكرية التي تحاول وضع الحلول العملية لاستكمال الاستقلال وتحديد شخصية مصر. وقد اختلفت وجهات النظر وتباينت الوسائل التي رسمها كل تيار من هذه التيارات للوصول إلى تلك الغاية.

كانت تلك هي الظروف التاريخية التي نشأت في أحضانها جمعية مصر الفتاة التي أعلن أحمد حسين رئيسها عن قيامها في 21 أكتوبر 1933 . ومن الطريف أن نذكر هنا أن ظهور اسم مصر الفتاة في تاريخ مصر الحديث لم يكن على يد أحمد حسين وجمعية مصر الفتاة؛

بل أن هذا الاسم قد ظهر لأول مرة في تاريخ مصر على ضوء ما لدينا من معلومات عام 1879 على يد مجموعة من الشبان المثقفين في مدينة الإسكندرية انتظموا في جمعية سرية أطلقوا عليها " جمعية مصر الفتاة" وقد ضمت تلك الجمعية كل من محمد أمين (نائب الرئيس الذي لم تشر إليه المصادر المختلفة) ومحمود واصف (سكرتيرا) وعبد الله النديم وأدين إسحاق وسليم النقاش (أعضاء) .

كما اتخذت لها صحيفة تعبر عنها باسم " مصر الفتاة" في أواخر عام 1879 وبعد أن استمرت تلك الصحيفة في الصدور بعام تولى أديب إسحاق رئاسة تحريرها وشاركه النديم في ذلك.

أما عن صحيفة " مصر الفتاة" فلم يرد ذكرها إلا في كتاب الدكتور عبد اللطيف حمزة، أما بقية المصادر الأخرى بالإضافة إلى ما أسفر عنه البحث فيمكن ترجيح هذا الرأي وهو أن جمال الدين الأفغاني قد ساعد أديب إسحاق في الحصول على امتياز إصدار جريدة " مصر " عام 1877 والتي اشتهرت بمقالاتها في التعريف بالوطنية والدعوة إلى الحرية، وهى الجريدة الأولى التي وردت فيها كلمة " مصر الفتاة"

ومن المرجح أن تكون جريدة " مصر" هي التي كانت تعبر عن أفكار تلك الجمعية داخل صفحاتها، خاصة وأن أديب إسحاق صاحب امتيازها كان أحد أعضاء هذه الجمعية. أما هذه الجمعية فقد توقف نشاطها في عام 1880 وذلك بانضمام معظم أعضائها إلى الحزب الوطني.

وفى عام 1908 يبرز اسم مصر الفتاة إلى الوجود مرة أخرى كإحدى صحف الحزب الوطني فيصدر العدد الأول منها في أول ديسمبر من نفس العام.

وقد مرت تلك الصحيفة بأطوار مختلفة فقد انتقلت ملكيتها إلى يد اجنبى لتتمتع بغطاء الحماية وتنجو من المصادرة لنهجها نهجا متطرفا في معالجة القضايا إلى أن عطلت نهائيا في أبريل عام 1911 .

وقد أهمل استخدام اسم مصر الفتاة بعد استخدامه على مستوى الحزب الوطني وخاصة في قول مصطفى كامل " أريد أن أوقظ في مصر الهرمة مصر الفتاة" حتى استخدم مرة أخرى فيما بعد على لسان أحمد حسين في عام 1929 .

ثم عاد فاستخدمه بعد ذلك اسما لتنظيمه السياسي الذي أقامه في 21 أكتوبر 1933 كما سبق القول باسم " جمعية مصر الفتاة" .

عرضنا للظروف التاريخية لنشأة جمعية مصر الفتاة ولأول مرة استخدم فيها الاسم، وعلينا أن نعرض لنشاط أحمد حسين رئيس الجمعية ولنشاطه السياسي والاقتصادي الذي سبق إعلان قيام الجمعية والتي تعد بحق مقدمات مصر الفتاة.

الفصل الثاني:مقدمات مصر الفتاة

  1. نشأة أحمد حسين.
  2. جماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة.
  3. مؤتمر الطلبة الشرقيين.
  4. مشروع القرش.

تجدر الإشارة هنا إلى أن جمعية مصر الفتاة تعد نتاجا طبيعيا للظروف التاريخية التي مر بها المجتمع المصري، والتي تناولناها في الفصل السابق، كما كان لأحمد حسين نشاطا سياسيا واجتماعيا سبق إعلانها، ومن الأهمية بمكان أن نعرض لهذا النشاط، والذي يعد بحق إرهاصات لقيام الجمعية، ولعله من المفيد أن نلقى نظرة على نشأة أحمد حسين رئيس الجمعية وصاحب فكرة إنشائها ، ربما ساعدتنا في تحديد الخط السياسي الذي سيسلكه في كفاحه حتى نهاية فترة الدراسة.

ولد أحمد حسين بمدينة القاهرة في 8 مارس عام 1911، وهو ابن محمود حسين الذي كان يشغل وظيفة كاتب حسابات في بعض الدوائر الزراعية، وهو مهنة أورثه إياها والده، وقد ولد محمود حسين في بلدة " كفر البطيخ" بمحافظة دمياط وكان والده ويدعى حسين يعمل كاتبا للحسابات بالدوائر الزراعية، وعندما فقد بصره تولى ابنه محمود القيام بمهام وظيفته بجلا منه، وإلى جانب عمله في الحسابات، فقد افتتح" كتابا" يعلم فيه الصبية القراءة والكتابة والحساب.

وقد أمضى محمود حسين شبابه كاتبا للحسابات في الدوائر، وكان أن نقل إلى " سمنود" ليعمل في دائرة السيد (بك) عبد العال. وفى ذلك الوقت تزوج من والدة أحمد حسين وهى من قرية " ميت النصارى" قرب سمنود، وكانت تمت بصلة قربى لمصطفي النحاس (باشا) ثم انتقل والده للعمل في دائرة عزيز عزت (باشا) ثم عين "باشكاتبا" لدائرة الأمير كمال الدين حسين في نجع حمادي عام 1911 عندما ثارت الفتنة بين الأقباط والمسلمين.

وقد كان تولى أحد المسلمين أعمال الحسابات في دوائر الأمراء يعد حدثا في ذلك الوقت، فقد كانت تلك الوظيفة وقفا على الأقباط. وعندما انفرجت الأزمة وخمدت الفتنة عاد الأقباط إلى تولى مناصبهم في دوائر الأمير كمال الدين حسين، فاستغنى عن محمود حسين وغيره من الموظفين المسلمين، ومن ثم اختير ليكون كاتبا لحسابات الديوان السلطاني، عندما عين السلطان حسين كامل سلطانا على مصر.

ومن ثم استقر به المقام في القاهرة، حيث ولد بها ابنه أحمد كما سبق القول وأمضى بها سنوات حياته الدراسية، فالتحق " بالكتاب" ثم بالمدرسة الأولية فالمدرسة الابتدائية حيث التقى بزميله وصديقه فتحي رضوان فيما بعد، فقد تكونت بينهما صداقة تحولت إلى مشاركة في العمل السياسي والكفاح امتدت حتى عام 1942.

وفى المدرسة الابتدائية ألف أحمد حسين وفتحي رضوان وهما في السنة الثالثة جمعية دينية باسم " جمعية نصر الدين الإسلامى" وكان على رأسها أحمد حسين، وغرضها نشر تعاليم الدين والحض على الفضيلة، وقد أعدا منشورات تعبر عن هذا الغرض وارتادا المساجد لشرح غرض جمعيتهما والهدف منها، ولكن ناظر المدرسة هاله ما يفعلون فطلب منهما حل الجمعية وترك هذا العمل للعلماء والمشايخ والفقهاء.

حصل أحمد حسين على شهادة الابتدائي، ومن ثم التحق بمدرسة الخديوية الثانوية، وفى تلك الفترة كان قد اشتد إعجابه بالتمثيل، فقد شهد الكثير من الروايات التي كانت تعرض على المسارح المصرية، كان يدعوه إليها هو ووالده أحد أصدقاء والده الذي كان يعمل فى شركة " ترقية التمثيل العربي" وعندما التحق بالمدرسة الثانوية وجد الفرصة سانحة أمامه كي يخرج ذلك الإعجاب إلى النور، فقد أصبح نشيطا جدا في فن التمثيل المسرحي، فشارك في أدوار كثيرة كممثل ومخرج ومؤلف روايات، إلى أن أصبح رئيس فريق التمثيل بالمدرسة؛

والذي كان يشرف عليه محمود مراد كاتب المسرحيات المغمور، والذي من أهم أعماله رواية " مجد رمسيس" وهى تبرز الاتجاه نحو الأخذ بالفرعونية. فهي تتغنى بأمجاد الفراعنة، وقد شارك أحمد حسين بنصيب في تمثيلها فتولى أحد أدوار البطولة فيها.

وفى نفس الوقت الذي كان فيه أحمد حسين يتولى رئاسة فريقه التمثيل بالمدرسة الخديوية انضم للعمل بمسرح رمسيس ووضع رواية من تأليفه هي " أبو مسلم الخراساني" ومن ثم تقدم لمسابقة للالتحاق بمعهد التمثيل، وكان يرأس لجنة المسابقة زكى طليمات، ولكن اللجنة استبعدته ولو أتيحت له هذه الفرصة والتحق بمعهد التمثيل لتغير مجرى حياته ولأصبح أحد أبطال الحركة المسرحية في مصر على حد تعبير فتحي رضوان.

وفى ذلك الوقت تفرغ أحمد حسين لدراسته إلى جانب عمله بفريق التمثيل بالمدرسة حيث كانت شهرته على مستوى وزارة المعارف كلها.فقد أخذت ترسل الوفود الأجنبية من زوارها إلى المدرسة لمشاهدة عروض فرقتها، وقد حضر على الشمسي (باشا) وزير المعارف في وزارة النحاس الأولى عام 1928 أحد هذه العروض فأعجب بتمثيل أحمد حسين وطلب لقائه بمكتبه.

وعندما توجه أحمد حسين وناظر المدرسة إلى لقاء الشمسي (باشا) عرض عليه إرساله فى بعثة تعليمية حكومية يتلقى فيها التمثيل في الخارج، وقد كان مقدرا لهذا المشروع أن يرى النور لولا سقوط الوزارة. وفى ذلك الوقت وكنتيجة لنشاط أحمد حسين المتزايد في فن التمثيل عهد إليه ناظر المدرسة (لبيب الكردانى) بتحرير مجلة المدرسة وإدارة جمعية المحاضرات.

إلا أنه وقع صدام بين أحمد حسين والناظر فأعلن بعده اعتزاله لكل نشاط. وكان ذلك وهو في " البكالوريا" عام 1929 ، كما ذكر أحمد حسين " كان ذلك بداية تركي للتمثيل وانخراطي في الحياة العامة والاهتمام بالسياسة" وفى ذلك العام التحق بكلية الحقوق.

سبق اهتمام أحمد حسين بالسياسة والانخراط في الحياة العامة خطوات أخرى، فقد أعجب أحمد حسين في تلك الفترة بالتيار الفرعوني الذي ظهر في تلك الفترة، والذي ينادى بإعادة مجد مصر، كما كان للمسرحيات التي اشترك فيها أكبر الأثر في تعميق هذا الإعجاب في نفسه هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى؛

فقد قام مع زملائه في المدرسة برحلة لزيارة الآثار المصرية في الأقصر وأسوان، فكانت تلك الزيارة وما طبعته في نفسه من آثار وما أوقفته على مدى عظمة مصر والمصريين، كانت تتويجا لهذا الاتجاه الفرعوني لديه، إذ كما يقول أنه كرس نفسه وحياته لبعث مجد مصر الفرعوني .

وقد أتاحت الظروف والأوضاع السياسية التي مرت بها البلاد الفرصة لأحمد حسين كي يعبر عن اتجاهه الفرعوني، فعندما عاد محمد محمود (باشا) من لندن عام 1922 وهو يحمل مشروع المعاهدة الذي وضعه مع هندرسون وزير الخارجية البريطانية، كان أحمد حسين من الذين دعوا المصريين لقبول ذلك المشروع مطالبا محمد محمود بأن يعمل على إعادة مجد مصر، لقبول ذلك المشروع مطالبا محمد محمود بأن يعمل على إعادة مجد مصر، فكان ذلك أول مشاركة فعالة له في النشاط السياسي.

وعندما عاد محمد محمود من لندن في شهر أغسطس عام 1929 يحمل مشروع المعاهدة الذي توصل إليه مع هندرسون، ليعرضه على الشعب المصري ، وكما سبق أن ذكرنا، فقد لقي المشروع قبولا من بعض الدوائر ورفضا من البعض الآخر وتحفظا من دوائر أخرى؛

وفى ظل تلك الظروف كان الأحرار الدستوريون يبذلون أقصى جهودهم للترويج لهذا المشروع، فسعوا إلى تأليف جماعة لتأييد مشروع المعاهدة عرفت " بجماعة الشباب الحر أنصار المعاهدة" أسندت رياستها إلى حافظ محمود واشترك في عضويتها أحمد حسين عندما عرض عليه ذلك حسن صبحي أحد المتصلين بمحمد محمود لكي يعمل لمناصرة المعاهدة والدعوة لقبولها. ولم يتردد أحمد حسين في قبول هذا العرض على حد تعبيره هو.

شارك أحمد حسين بجهوده في تلك الجماعة لأنه رأى أن محمد محمود قد عاد إلى مصر بمشروع معاهدة يفضل جميع المشروعات السابقة عليه. فتألفت هذه الجماعة وبدأت تنشر بياناتها في جريدة " السياسة" فصدر أول بيان لها في 20 أغسطس عام 1929، أعلنت فيه أنها بعيدة عن الأحزاب تماما وأنه تعبر عن رأى الشباب، وأن رائدها في تأييد المعاهدة أنها هي الفرصة الوحيدة للسير بالبلاد إلى الأمام، وفى ختام بيانها وجهت نداء للشباب بأن ينضووا تحت لوائها.

ومن ثم أخذت هذه الجماعة تسعى لتعيين شخصية كبيرة مستقلة على رأسها فحاولت إقناع الأمير عمر طوسون برعايتها مستندة في هذا على ما أعلنه الأمير من أن المشروع " حسن في جملته" ولكن الأمير لم يشأ أن ينغمس في هذه المسألة.

فعقدت الجماعة اجتماعا بمنزل إبراهيم (بك) فتحي بالعباسية ، حضره عدد من كبار الأعيان والمفكرين والأدباء يتقدمهم عبد الخالق مدكور (باشا) واللواء أحمد فطين ونصبت عبد الخالق مدكور رئيسا لها بالقاهرة وتولى أحمد كامل المحامى سكرتيرها.

ومن ثم بدأت تتوالى أخبار تأليف اللجان الفرعية للجماعة في الأقاليم على صفحات جريدة السياسة. وقد حرصت هذه اللجان على إعلان شكرها لمحمد محمود بطل المعاهدة وزعيم البلاد. كما اتخذ بعضها الشعار الذي أصبح فيما بعد شعار مصر الفتاة " مصر فوق الجميع".

بدأ أحمد حسين نشاطه في الجماعة بمهاجمة الوفد لموقفه من مشروع المعاهدة، وكان ذلك في 24 أغسطس 1929، ووصفه في مقال له، بأنه موقف لا يغبط عليه، وليس فيه ما يشرفه في قليل أو كثير، ومن ثم ألقى خطبة في احتفال أقامه شبان الأحرار الدستوريين في 31 أغسطس 1929 وقد ذكر في خطبته أن مصر في حاجة إلى زعيم يؤمن بالعمل وحده ولن يكون هذا الزعيم العامل إلا من دم فرعوني تنساب فيه دماء رمسيس ومينا، ولابد أن هذه الإشارة قد أرضت محمد محمود باعتباره مصريا صميما من أحشاء صعيد مصر.

وقد تضمنت الخطبة ما يوضح فكرة أحمد حسين في العمل على إعادة مجد مصر فقال:

" وإذن فبلسان الشباب الحر، بلسان مصر الفتاة أسألك أن تكون زعيمها للشباب في الوزارة أو خارجها على السواء لا تظنن وقد جئت بالمعاهدة أن عملك قد انتهى فإنه لم يكد، فإلى العمل إذن والشباب يؤيدك فلتكن لنا كموسولينى في إيطاليا"

ثم هتف قائلا فلتحيى مصر، مصر فوق الجميع، فليحيى زعيم الشباب. ثم قدم لمحمد محمود طاقة باسم الشباب الحر فقبلها مسرورا. وقد ركز أحمد حسين في هذه الخطبة على مجد مصر التليد ووجوب بعث هذا المجد من جديد على يد ذلك الزعيم الذي أشار إليه يقصد محمد محمود وعندما لم تجد هذه المحاولات لإقرار مشروع المعاهدة؛

ولما لم يستجب محمد محمود لمطالب أحمد حسين بأن يكون لمصر كموسولينى في إيطاليا لأنه يرفض أن يكون هكذا ، على الرغم مما لحق بالحياة السياسية على عهده من تعطيل للدستور وحل للبرلمان، إلا أن محمد محمود كان يعلن أن هذا مجرد إجراء وقتلى وتعود بعده الحياة النيابية إلى سابق عهدها. في ظل تلك الظروف تصدى أحمد حسين في العام التالي ليقوم بالدور الذي طالب به محمد محمود بنفسه.

وفى عام 1930 تصدى أحمد حسين لذلك العمل، فيصدر في مارس من نفس العام مجلة " الصرخة" وكتب في العدد الثاني منها داعيا إلى تكوين " ميليشيا فرعونية"

ذاكرا أنه

" بهذه الطريقة استقلت الممالك وارتقت ، فمن قبل كانت إيطاليا الفتاة، ورومانيا الفتاة وألمانيا الفتاة وأيرلندا الفتاة وتركيا الفتاة، كل أمة أرادت استقلالا أو نهوضا أو مجدا اتبعت هذا الطريق. طريق الشباب الملتهب بحماسة الإيمان. فما أحرانا بتكوين مصر الفتاة لنعيد لمصر بهجتها ومجدها"

فى العدد الثالث من المجلة يدعو إلى تكوين " جيش الخلاص" لينفذ فكرته في إعادة مجد مصر مترسما تجربة الدول التي ذكرها. إلا أن هذه الدعوة التي دعا إليها أحمد حسين ورفاقه لم تلقى قبولا لدى الشباب، فتوقف عن إصدار المجلة بعد ذلك.

وبعد فشل تجربة العمل مع محمد محمود وتصدى أحمد حسين للعمل بنفسه وعدم نجاحه فيه ، في ذلك الوقت كانت وزارة صدقي قد تولت الحكم في 20 يونيه 1930، ونظرا لما عاثته حكومة صدقي فساد في البلاد، تمثل بشكل حاد في الصراع بين الوطنيين من جانب، وبين إسماعيل صدقي والسراي والسلطات الإنجليزية من جانب آخر.

بدأ أحمد حسين يبتعد عن المسرح السياسي تماما، ففي ذلك الوقت كان قد تعرف إلى كل من كمال الدين صلاح ومصطفى عبد الله الوكيل في نفس العام الذي التحقوا فيه بالجامعة.

وقد فكر في أن يقوم برحلة لزيارة باريس في صيف ذلك العام- وكان هذا مكفولا للطلبة في العطلة الصيفية- ولكن والده عارض في أمر سفره، ولكنه استطاع إقناعه بأنه لن يكلفه شيئا، وقد ساعده زميله فتحي رضوان ببعض نفقات الرحلة.

وقد أتاحت له هذه الرحلة مشاهدة مشروعات جديدة وأفكار جديدة في باريس كانت ذات أثر بارز في تغير مجرى كفاحه إلى حد ما، وهذا ما سنوضحه بعد قليل.

وفى نفس العام بدأت جماعة الأصدقاء ، أحمد حسين ورفاقه فتحي رضوان وكمال الدين صلاح ومصطفى الوكيل يطرحون أفكارا جديدة حول إعادة مجد مصر، وفى ظل تلك الأفكار رشح فتحي رضوان نفسه لعضوية اتحاد الطلاب على أساس برنامج إصلاحي محدد، وقد وقف زملائه خلفه يساندونه ويؤيدونه ، ولكنه لم ينجح في تلك الانتخابات وإن كانت تلك الجماعة قد عرف أعضاؤها بأنهم أصحاب أفكار جديدة.

فقد بدأوا يفكرون في أساليب جديدة لإحياء المعاني الوطنية بين طلاب الجامعة خاصة وبين الشباب عامة، فقد أعلنوا عن عزمهم على الاحتفال بعيد الجهاد 13 نوفمبر على نمط يختلف عن الأنماط المعروفة للاحتفال به، فاقترح فتحي رضوان أن يتوجه الشباب إلى ساحة الهرم وعلى ضوء النيران المشتعلة يقضون الليل في شبه معسكر يتبادلون فيه المناظرات، وكذلك القيام ببعض المشاهد التمثيلية المستوحاة من تاريخ مصر، وقد قاموا بنشر الفكرة بين الطلبة وقد شجعهم على ذلك أمين الخولي.

وفى يوم 13 نوفمبر لم يلب دعوتهم إلا عدد قليل لا يتعد أصابع اليد الواحدة. ومن ثم عندما لم تحظ هذه الفكرة بالقبول بين الشباب سعى أحمد حسين وفتحي رضوان إلى مسائل أخرى بعيدا عن السياسة.

أما العام الدراسي التالي 1930 1931 فإنه يبدو هادئا نوعا بالنسبة لكل من أحمد حسين وفتحي رضوان فيذكر " جان كوفسكى" أن كلاهما كان عضوا بجمعية الشبان المسلمين.

وقد جانبه الصواب في هذا الصدد إذ أنهما قد اتخذا من مقر جمعية الشبان المسلمين مسرحا لنشاطهم في إلقاء المحاضرات وعقد الندوات فقط، ولكنهما لم ينضما إلى عضوية الجمعية، وقد كان ذلك بناء على خطتهما في الابتعاد عن أحوال السياسة الجارية فلا يعنى هذا عضويتها للجمعية، وعلى الرغم من خطة أحمد حسين في الابتعاد عن السياسة فإنه كان من أشد المعجبين بإسماعيل صدقي على نفس الصورة التي أعجب بها بمحمد محمود متصورا أنهم دعاة إصلاح، كما أعجب بطلعت حرب وفوق كل هؤلاء كان إعجابه بموسولينى وربما أنه أراد أن يرى فيهم صورة موسولينى.

ولكن ذلك الإعجاب لم يجعل أحمد حسين يحيد عن خطته، فشغل نفسه هو وفتحي رضوان بمسائل أخرى بعيدا عن السياسة، فقد عاد أحمد حسين من رحلته إلى باريس وفى رأسه فكرة مشروع القرش وهو ما سنعرض له. أما فتحي رضوان فقد كانت الدعوة لعقد مؤتمر للطلبة الشرقيين هي شغله الشاغل في ذلك الوقت، وقد شارك كل منهما الآخر في مشروعه.

لشخصية غاندي وقراءاته المتعددة عنه. هذا بالإضافة إلى أن الظروف قد ساقت إليه أشخاصا من دول شرقية ممن يتلقون العلم في الجامعة المصرية وفى الجامعة الأمريكية، فأفضى إليهم بفكرته فرحبوا بها.

ومن ناحية ثالثة فإنه أحس بأن الحركات الوطنية في العالم العربي كانت هزيلة فكريا وثقافيا، وأنها وحدها بغير قادرة على مواجهة الاستعمار الإنجليزي والفرنسي في المنطقة، ففكر في إقامة المؤتمر بهدف توسيع دائرة الروابط بين العالم العربي والدول الشرقية، ولعل ذلك يوضح أن فكرة المؤتمر فكرة سياسية وطنية، ولكنه حاول أن يلبسها ثوبا ثقافيا اقتصر على العمل في مجال الطلبة ثقافيا ورياضيا.

استطاع فتحي رضوان أن يقنع بعض أساتذة الجامعة بفكرة المؤتمر، وهم الدكاترة على إبراهيم، أحمد أمين، عبد الرازق السنهوري وعلى مصطفى مشرفة فاقتنعوا بها على أن يكون مؤتمرا سنويا للطلبة الشرقيين بالقاهرة، وذلك بغرض تقوية الصلات والروابط بينهم.

وبعد أن استوثق فتحي رضوان من موقف الأساتذة المؤيد لفكرته حاول الاتصال بطلاب الدول الشرقية في كل من تركيا واليابان والصين وجاوه وفلسطين والعراق والهند.

ولم تقف جهوده عند هذا الحد بل خابر شركات الملاحة فظفر منها بتسهيلات وامتيازات للطلبة المسافرين ، واستكمالا لجهوده في الدعوة للمؤتمر، فكر هو ومجموعة من زملائه في السفر إلى كل من العراق وسوريا ولبنان وتركيا، وقد لاقى فتحي رضوان صعوبات جمة في الحصول على جواز سفر كي ينفذ فكرته، وقد حصل عليه بعد أن توسط له كل من أحمد فؤاد صاحب جريدة " الصاعقة" وادجار جلاد رئيس تحرير جريدة " الاتحاد" لدى وزير الداخلية على اعتبار أنه مريض يسافر للاستشفاء .

وقد سمح لفتحي وزملائه بالسفر إلا أن الحيلة التي لجأوا إليها قد اكتشفت بعد أن وصلوا إلى سوريا فاعتبرت سلطات الأمن الفرنسية زيارتهم لسوريا عملا خطيرا فطردتهم من سوريا ورفضت دخولهم إلى لبنان وأعيدوا إلى مصر.

كان الغرض من عقد المؤتمر الذي أعلنه فتحي رضوان، أنه يفضى إلى توثيق العلاقات بين الشبان الشرقيين، ويهدف إلى تنمية أعمالهم الأدبية وجهودهم الفكرية، وتنشيط الرحلات بين شباب الشرق، والعناية بثقافة الشرق.

وقد شكلت لجنة تحضيرية للمؤتمر لتعمل على تحقق الغرض الذي تهدف إليه من وراء تلك الفكرة فتكونت من الأساتذة والدكاترة كمستشارين لها وهم الدكتور منصور فهمي والدكتور عبد الوهاب عزام، وعبد العزيز الثعالبي والدكتور عبد الرحمن الشاهبندر وخليل مطران ولطفي جمعه وعبد الرحمن نصر المحامى ورئيس تحرير الهلال، وقد انضم إلى عضويتها ممثلون عن كليات الجامعة المصرية والجامعة الأمريكية والأزهر.

وقد نشرت تلك اللجنة أنها ستبذل جهدها لتنشئ في كل قطر من أقطار الشرق لجانا فرعية تعمل لنفس الغاية. وفى هذا السبيل فقد لجأ فتحي رضوان إلى كل وسيلة إلى الطلبة في أندونسيا شرح فيه فكرة المؤتمر وأهدافه ، مؤكدا أن هذا المؤتمر بعيد كل البعد عن المنازعات السياسية والدينية.

وعلى الرغم من توفر بعض عناصر النجاح لهذا المؤتمر، إلا أن السلطات الاستعمارية بذلت جهودا ضخمة لإحباط فكرته، كما قامت حكومة صدقي بحل المؤتمر التحضيرية، وإن كان فتحي رضوان قد استطاع نشر بعض المقالات في " السياسة الأسبوعية" ومجلة " الرسالة" عن المؤتمر وأهدافه.

وهكذا طويت هذه الفكرة التي راودت فتحي رضوان وتحمس لها كل الحماسة فلم تر النور. وقد شهدت أوربا في وقت لاحق مؤتمرات للطلبة الشرقيين فعقدت إيطاليا مؤتمرا لهم في روما، وعلى أثر مؤتمر روما دعت ألمانيا إلى عقد مؤتمر للطلبة الشرقيين في برلين.

وبعد أن عقدت تلك المؤتمرات في أوربا ارتفعت أصوات نطالب فتحي رضوان ببعث فكرته القديمة في إقامة المؤتمر ولكنه يبدو أن فتحي رضوان قد أدرك أن فكرة عقد المؤتمر لم تعد مناسبة في ذلك الوقت.

أما أحمد حسين ، فقد شارك في بعض الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب عمله في التحضير لمؤتمر الطلبة الشرقيين في تلك الفترة، عملا بخطته السابقة في الابتعاد عن السياسة، ففي 1930 كان وكيلا لجمعية " المصري للمصري" التي أسسها سلامة موسى وكان وكيلا لها بكلية الحقوق، ولكنه عندما ضيق صدقي عليها الخناق كما سبق أن ذكرنا، هذا فضلا عن الخلاف الذي حدث بين أحمد حسين وسلامة موسى حول بعض الأفكار تركها أحمد حسين ليعمل في مجال آخر.

لم يكد أحمد حسين يترك جمعية " المصري للمصري" التي دعت إلى مقاطعة البضائع الأجنبية حتى بدأ يفكر في أسلوب آخر للنهوض بالصناعات الوطنية. أخذ يفكر في عمل ضخم يهز به كيان الأمة كلها في مجل الاقتصاد، عمل يرتفع باسمه وزملائه إلى المستوى القومي ويمهد به لخطوته التالية وهى تأسيس جمعية مصر الفتاة.

وحتى يتسنى له أن يقوم بالدور الذي رسمه لنفسه منذ بداية اعتقاده في مجد مصر وسعيه الحثيث لإعادة هذا المجد، فلما فشلت المحاولات السابقة التي قام بها في تجربته مع محمد محمود ، وكذلك الدور الذي قام به هو عام 1930 ، فقد تقدم هذه المرة بمشروع يرفع اسمه على صعيد مصر كلها كخطوة تمهيدية يتقدم بعدها ويتصدى للعمل السياسي، كي يحقق ما فشل فيه من قبل، وفى وسط سيل تلك الأفكار التي كانت تراوده واتته الفرصة والفكرة.

سافر أحمد حسين إلى باريس في صيف عام 1930، وكان من بين ما شاهده هناك تمثال ضخم لأحد رجالات التربية في حدائق " التوليرى" كتب على قاعدته " بني هذا التمثال باكتتاب اشترك فيه أكثر من مليوني طفل" دفع كل منهم " سمو" وهى عملة تقرب من المليم..

أعجب أحمد حسين بهذه الفكرة وصمم على أن ينادى بتطبيقها في مصر، وعندما عاد إلى مصر رسم خطة للنهوض بالصناعات الوطنية على المستوى القومي، بأن يشارك جميع أفراد الشعب في تنفيذها بإنشاء صناعات جديدة يساهم فيها الجميع بمبالغ ضئيلة، ووضع الحد الأدنى للتبرع قرشا واحدا. ومن هنا سمى مشروعه بمشروع القرش.

عرض أحمد حسين فكرته بعد عودته على زميليه فتحي رضوان وكمال الدين صلاح فأبديا استحسانهما وكيف أنها ستساعد على إقامة ركائز وطنية للصناعة تحل مع الزمن محل الركائز الأجنبية المسيطرة على الاقتصاد المصري.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنها سوف تحقق لهم جماهيرية تساعدهم على الإقدام على خطوتهم التالية، وعن طريق تلك الفكرة أيضا فإنهم سوف يشتهرون على أنهم أصحاب أفكار جديدة.

بعد أن استوثق أحمد حسين من زميليه من الفكرة. عمل على طرحها على أفراد الشعب ليحظى بتأييدهم لها إذ من الطبيعي أن يسبق كل فكرة جديدة نوع من الدعاية لها، لشرح الغرض منها والفوائد التي تعود على الشعب من جراء اعتناقها من هذا المنطلق أخذ أحمد حسين يفكر في أساليب الدعاية التي يلجأ إليها لنشر فكرته؛

فبدأ يتصل بدور الصحف لتبسط فكرته على صفحاتها، وبالفعل عرض فكرته بعد أن بلورها على "[[جريدة الأهرام" فرأت فيها فكرة جديدة تستحق الاهتمام من جانبها فقامت بنشرها على صفحاتها. وقد حذت الصحف الأخرى غير الوفدية حذو جريدة الأهرام وأخذت تنشر ما يبعث به أحمد حسين ورفاقه حول المشروع من نداءات إلى الشعب لشرح أهدافه ومراميه.

ومن ثم لجأ أحمد حسين لنشر فكرته في أوساط الطلبة بالجامعة والمدارس العليا، فلم يبدأ العام الدراسي حتى بدأ في إقناع الطلبة والأساتذة بالفكرة، فاستجاب لدعوته الكثيرين ، ومن هؤلاء كان الدكتور على إبراهيم (باشا) الجراح الشهير وعميد كلية الطب في ذلك الوقت والذي تولى رئاسة اللجنة التنفيذية للمشروع، فقد كانت رئاسته لها خيرا وبركة على المشروع على حد تعبير أحمد حسين.

وقد تشكلت اللجنة من مجموعة من الأساتذة والطلبة، واتخذت من نادي الجامعة بميدان الأوبرا مقرا لها، وقد ضمت كلا من الدكتور على إبراهيم رئيسا، والدكتور عبد الله العربي الأستاذ بكلية الحقوق، والدكتور على حسن الأستاذ بكلية طب وكيلين، والدكاترة مصطفى مشرفة ، عبد الرازق السنهوري وعلى بدوى وزكى عبد المتعال والأستاذ أمين الخولى مراقبين. وكل من نعيمه الأيوبي ، كمال الدين صلاح. عبد الخالق فريد، سيد فتحي رضوان.

أحمد حسين ، عبد القادر عودة ومنير القاياتى عن كلية الحقوق، وعبد الرحمن الصدر ونور الدين طراف وحنا مرقص عن كلية الطب. ويحيى العلايلى ، ومصطفى الوكيل ومصطفى ملوك عن كلية العلوم، وإبراهيم عبده ومحمد زكى عن كلية الآداب ، ومدحت عاصم عن كلية الزراعة، صالح عوضين وحسين حافظ عن كلية التجارة وجميعهم أعضاء.

وقد تولى داوود (بك) راتب أمانة الصندوق، وأسندت أعمال السكرتارية إلى كل من أحمد حسين وسيد فتحي رضوان ومدحت عاصم. وبعد أن استتبت الفكرة إلى حد ما ، وبعد أن صار لها هيئة تشرف على تنفيذها واصل أحمد حسين الدعوة لها، فظل يرسل بالنداءات إلى الصحف عن المشروع.

هذا بالإضافة إلى أنه كان يقوم بنفسه بالدعاية للمشروع، فأخذ يجوب دور السينما ويتولى شرح فكرة المشروع للحاضرين في فترة الاستراحة.وعند هذا الحد من النجاح في الدعوة للمشروع، أدرك أحمد حسين أنه بحاجة إلى أن يسترشد برأي رجال الاقتصاد وفي نفس الوقت يحظى بتأييدهم لفكرته، فسعى لمقابلة طلعت حرب (باشا) وبسط له فكرته ولكنه لم يلق استحسانا من جانبه لتلك الفكرة.

ولكن عندما تولى على إبراهيم رئاسة اللجنة التنفيذية للمشروع تغير موقف طلعت حرب تماما وأبدى استعداد بنك مصر لتقديم أية تسهيلات ممكنة.

وفى ذلك الوقت أيضا ظهرت موجة لتشجيع المشروع بين المجلات والصحف المصرية، فقد عرضت " دار الهلال" أن تصدر عددا من مجلتها " الدنيا المصورة" يتناول المشروع وفكرته على أن يخصص دخله لصالحه، فأعد فتحي رضوان الجزء ألأكبر من مادة هذا العدد وراح يتصل بكبار الشعراء والكتاب ومنهم حافظ إبراهيم وخليل مطران وعباس محمود العقاد وأبو بثينة، وأحمد لطفي السيد وفكري أباظة وإبراهيم عبد القادر المازني وطه حسين ومحمد حسين هيكل فحصل على قصائد لهم ومقالات تدعو إلى تأييد المشروع .

وكما ضم ذلك العدد عديدا من المقالات لعديد من الكتاب الآخرين من بينهم أحمد حسين وحافظ محمود. وقد لقي هذا العدد نجاحا كبيرا ساهم الطلبة بجهد كبير فيه، وحقق دخلا للمشروع بلغ ثلاثمائة من الجنيهات بعد أن حصلت دار الهلال على تكاليفه.

وقد أصبح ذلك المبلغ نواة لرأس مال المشروع ويمكن الصرف منه على الخطوات التنفيذية التالية.فأودع ذلك المبلغ في بنك مصر باسم المشروع، وكان حق السحب منه مكفولا لعلى باشا إبراهيم مع أستاذ آخر من أعضاء اللجنة التنفيذية.

استمرت حملة الدعاية للمشروع تظهر على صفحات الصحف، فوجهت نداءات إلى الطلبة والعمال والفلاحين وإلى السيدات وإلى الفقراء والأغنياء ، وقد اكتسبت الداعية شكلا تنظيميا فكل النداءات كانت تصدر عن اللجنة التنفيذية للمشروع، وأصبحت الدعاية له تغمر مصر كلها في ظل شعار جديد اتخذته اللجنة التنفيذية هو " تعاون وتضامن في سبيل الاستقلال الاقتصادي" فأخذت الدعوة طريقها إلى كل فئات الشعب.

وقد تحدد يوم أول فبراير عام 1932 موعدا لبدء الاكتتاب للمشروع في الشهر وعلى أن يبدأ في الأقاليم في الفترة من 4- 29 فبراير من نفس العام. وفى هذا الشأن وجه أحمد حسين باعتباره السكرتير العام للجنة المشروع بيانا إلى الأمة استهله بقوله " ساهموا بقروشكم في بناء استقلالنا الاقتصادي" مستخدما أسلوب الترغيب في التبرع للمشروع تارة وأسلوب الترهيب تارة أخرى بقوله " لا يفكر شخص في الامتناع عن شراء طوابع القرش فالمتطوعون مكلفون بالتعرض لكل شخص لا يحمل طابع المشروع، والمتطوعون ألوف وأذن فخير لك أن تدفع".

أما عن موقف القوى السياسية من المشروع، فعلى الرغم من النجاح المذهل الذي حظيت به فكرة المشروع وانتشار دعوته بين كل طبقات الأمة. إلا أن حزب الوفد رأى في المشروع صرفا للشباب من جماهيره عن حزبهم، هذا بالإضافة إلى أنه اعتبر المشروع مؤامرة جديدة ودسيسة يراد بها صرف الشباب عن قضية البلاد الحقيقية ، ولابد وأن يكون أحمد حسين أحد صنائع إسماعيل صدقي.

ونما إلى علم النحاس (باشا) أن المشروع بدأ يلاقى نجاحا كبيرا فشكلت له لجنة من بين طلبة الجامعة والمدارس العليا برئاسة على إبراهيم (باشا) . عند هذا الحد بدأ القلق يساور النحاس (باشا) في المشروع واعتبره محاولة لاستقطاب جماهير الوفد من الشباب، فأوعز إلى لجنة الطلبة المركزية الوفدية أن تحارب المشروع وبناء على موقف النحاس من المشروع نشرت جريدة " الجهاد الوفدية" بيانا لطالب وفدى يهاجم فيه المشروع والقائمين عليه".

ولكن موقف الوفد سرعان ما تغير عندما اجتمعت كل طوائف الشعب على تأييد الفكرة ، فبدأت جماهيره تنصاع لفكرة المشروع وتعتنقها، وجاء اليوم المحدد للتبرع فأخذ أحمد حسين على عاتقه مقابلة النحاس (باشا) والحصول على تبرعه للمشروع، فتوجه إليه بمنزل في مصر الجديدة وحصل على تبرعه الذي بلغ اثنين وعشرين جنيها، كما التقى عنده بكل من مكرم عبيد والنقراشي وحصل على تبرعهما أيضا.

وقد كانت قيمة ما دفعه النحاس وأعضاء الوفد المعنوية أكثر بكثير من قيمته المادية، فهو يعنى رضاء الوفد عن المشروع ويوضح قوميته بعيدا عن الخلافات الحزبية التي كانت مستعرة الأوار في مصر في ذلك الوقت.

أما عن موقف وزارة صدقي من المشروع فقد كان ينم عن التأييد للمشروع ، وإن كان حلمي عيسى وزير المعارف قد تصدى له في أول الأمر، ولكن صدقي أصدر إليه تعليماته بأن يكف نهائيا عن كل معارضة للمشروع، وأن يقدم له كل تسهيلات ممكنة؛

فقد رأى صدقي في المشروع رافدا من الروافد التي تسعى إلى تفريج حدة الأزمة الاقتصادية، وكانت لجنة المشروع تعلن دائما أنها تعمل بوحي من وطنية القائمين عليها بعيدا عن الخلافات الحزبية، فأرضى ذلك صدقي، ومن ثم أخذت جميع دوائر الحكومة تقدم للمشروع كل التسهيلات الممكنة. وهكذا حظي المشروع بتأييد الأمة كلها حتى أن بعض الأجانب المقيمين بمصر أبدوا تعضيدهم للمشروع وتبرعوا له كالوطنيين سواء بسواء.

كذلك تبرع موظفو حكومة السودان من المصريين في أعلى النيل. وفى يوم 11 فبراير من نفس العام أقيم مهرجان ضخم للمشروع بحديقة الأزبكية حضره ما يربو على العشرين ألف من المواطنين ، قدمت فيه بعض المشاهد المسرحية والغنائية وغيرها، واشترك فيه معظم فناني مصر. وأدرك أحمد حسين في ذلك الوقت بأن هذه الروح التي سادت المهرجان هي روح مصر الفتاة التي ينشدها منذ سنين.

بلغت حصيلة التبرعات في ا لعام الأول للمشروع مبلغ (17332) جنيها. وقد كان هذا المبلغ مخيبا لآمال أحمد حسين الكبار، فقد أتضح أن الريف المصري كان أعجز عن دفع قروش معدودة ، ولعل هذا يوضح مدى حدة الأزمة الاقتصادية في عام 1931 نتيجة لانخفاض أسعار القطن بشكل رهيب.

وبعد ذلك جرى التفكير في الخطوة التالية، فتشكلت جمعية القرش طبقا لقانون الجمعيات فتولى رئاستها على (باشا) إبراهيم وضمت عضويتها كل من فؤاد (باشا) أباظة مدير الجمعية الزراعية الملكية، ومصطفى (بك) الصادق مدير مصلحة الصناعة والتجارة، وعبد الله فكرى أباظة مدير إحدى شركات بنك مصر، وحسن مختار رسمي وكيل وزارة المالية، وقد تولى أحمد حسين أعمال السكرتارية للجمعية وكذلك تم تسجيلها.

وبعد أن تكاملت للجمعية أسباب وجودها، فقد اكتسبت الصبغة القانونية للجمعيات وأصبح لها مجلس إدارة يضم إدارة عددا من الفنيين، في ذلك الوقت بدأ التفكير يتجه نحو تحديد نوع المنشأة الصناعية التي ستقوم الجمعية بإنشائها، فقر الرأي على إقامة مصنع للطرابيش .

وقد قامت هذه الصناعة في مصر من قبل، فكان إسماعيل (باشا) عاصم قد أنشأ مصنعا للطرابيش في "قها" ولكن الشركة النمساوية التي كانت تورد الطرابيش لمصر حاربته وخفضت الأسعار إلى أقصى درجة ممكنة، وعندما لم يستطع المصنع المصري التصدي للمنافسة أغلق أبوابه، إذ لم تكن الحماية الجمركية قد عرفت في مصر بعد. وترجع أهمية الإشارة إلى ذلك المصنع أن العمال الفنيين اللازمين للمصنع الجديد المقترح يمكن الحصول عليهم من بين من عملوا في مصنع قها من قبل.

وقد أجريت دراسة مبدئية حول إمكانية إقامة المصنع في حدود المبلغ المجموع من حصيلة الاكتتابات في العام الأول. قدمت حكومة إسماعيل صدقي قطعة الأرض لإقامة المصنع بناحية " العباسية" دون مقابل، كذلك كلفت الحومة مهندسي مصلحة المباني وخبراء مصلحة الصناعة والتجارة ومصلحة الكهربا، بتقديم كل مساعدة ممكنة لإتمام عملية البناء طبقا للرسوم التي وضعتها شركة " هارتمان" الألمانية التي تم التعاقد معها لتوريد آلات المصنع بكاملها. وهكذا تكاملت للمشروع كل أسباب النجاح، فاتصلت الجمعية بمحمد (بك) حسن العبد المقاول ليتولى عملية البناء وقد تنازل عن مبلغ ألف جنيه من قيمة المباني تبرعا من جانبه للمشروع.

لم تتبلور عملية إقامة مصنع الطرابيش دون عقبات فقد مرت بمؤامرات كثيرة، منها محاربة الشركة التشيكوسلوفاكية التي كانت تقوم بتوريد الطرابيش إلى مصر، فقد تدخلت لدى إسماعيل صدقي كي يرفض المشروع من جانب الحكومة، وكذلك تدخلت لدى شركة" هارتمان" لفسخ العقد المبرم بينها وبين جمعية القرش، ومنها محاولتها رشوة أحمد حسين للتخلي عن المشروع، ومنها ما أبداه طلعت حرب عندما عرضت عليه فكرة إقامة المصنع من تعذر إقامته بعد دراسات قام بها بنك مصر.

وكان البنك ينظر إلى المشروع نظرة رأسمالية بحتة تنصب على مدى ما يمكن أن يحققه المصنع من أرباح، ولكن كان أحمد حسين ينظر إليه على أنه تحقيق لإرادة أمة تريد النهوض بصناعاتها الوطنية، وقد جعلته كل تلك المحاولات والصعاب أكثر إصرارا على تنفيذ المشروع وإقامة المصنع.

وفى العام الثاني للمشروع ، أدرك أحمد حسين أنه لكي يحافظ على حماسة الجماهير له فلابد وأن يروا ثمرة عاجلة لقروشهم التي دفعوها في العام الماضي، فانتهز فرصة وضع حجر الأساس للمصنع وألقى خطابا طالب فيه بالمزيد من الجهود لجمع الاكتتاب ، ولكن موجة الحماسة للمشروع كانت قد فترت بعض الشيء فلم تسفر عملية الاكتتابات في ذلك العام إلا عن مبلغ ثلاثة عشر ألفا من الجنيهات، وإن كانت الخبرة والتنظيم قد عوضت إلى حد ما نقص الحماسة للمشروع. وأقيم مهرجان القرش الثاني في حديقة الأزبكية.

وفى نهاية عام 1933 تم إنشاء المصنع وتركيب الآلات وبدأ الطربوش المصري يطرح في السوق ابتداء من 15 ديسمبر 1933. وبدأ المصنع في الإنتاج بطاقة إنتاجية قدرت بثلاثمائة ألف طربوش في العام.

وقد ضم المصنع فيما بعد إلى جانب إنتاج الطربوش غزل الصوف، وشارك في أثناء الحرب العالمية الثانية في توريد غزل الصوف إلى وزارة الحربية. وتوريد القلنسوات لسلاح الفرسان الملكي والطرابيش لجنود حرس الحدود.

وهكذا كانت إقامة المصنع وطرح إنتاجه من الطرابيش المصرية يعد تتويجا لجهود أحمد حسين وزملائه في هذا المجال ، ودليلا واضحا على رغبة المصريين في تحرير اقتصادهم من ربقة الاستعمار وإن كان ذلك قد تم في ظروف اقتصادية عصيبة مرت بها البلاد.

وقبل أن يتم بناء المصنع، كان أحمد حسين ورفاقه قد تعرضوا لهجوم سافر من جانب الوفد، فألفت جماهيره المظاهرات منادية بسقوط أحمد حسين " حرامي القرش" فقد اتهموه باختلاس أموال المشروع، وكان يبدو أن الوفد يسعى لإعادة الشباب من جماهيره إلى حظيرته بعد أن شد المشروع كل اهتمامهم؛

وكذلك خشي الوفد أن يستقطب أحمد حسين جماهيره ويضمهم إلى صفه، خاصة وأن الوفد في ذلك الوقت كان يمر بفترة عصيبة تحت وطأة مطرقة صدقي التي سلطها عليه، فلا نشاط ولا اجتماعات لجماهيره، فلجأ إلى هذا الأسلوب في مهاجمة أحمد حسين، وإزاء هذا الهجوم استقال أحمد حسين من سكرتارية جمعية القرش متخذا من تصرفات الوفد حياله تكأة كي ينفذ خطوته التالية التي ظل يسعى للوصول إليها، فأعلن قيام جمعية مصر الفتاة في 21 أكتوبر 1933، وتولى سكرتارية المشروع من بعده كمال الدين صلاح.

اعتبر على (باشا) إبراهيم استقالة أحمد حسين من جمعية القرش خسارة كبيرة لها، فأراد أن يعيده إلى صفوفها مرة أخرى فوجه إليه خطابا جاء فيه " لما كان المجلس حريصا على ألا تحرم الجمعية من جهودكم وخبرتكم فقد قرروا إشراككم في لجنة تنظيم الاكتتاب هذا العام".

وقد استجاب أحمد حسين لهذا القرار وعاد يزاول نشاطه في إطار الجمعية من جديد، إلا أن سلطات البوليس اقتحمت مبنى الجمعية وفضت اجتماعا كان منعقدا بها في عهد وزارة عبد الفتاح يحيى التي جاءت بعد صدقي وإزاء هذا الموقف أوضح أحمد حسين لمجلس إدارة الجمعية أن انضمامه إليها لن يفيد الجمعية بقدر ما يسيء إليها، وطلب إعفاءه من منصبه فيواصل نشاطه في جمعية مصر الفتاة التي أنشأها . وهكذا انقطعت صلته تماما بجمعية القرش.

وعلى الرغم من أن أحمد حسن قد أعفى من منصبه في جمعية القرش، فقد ظل بعض أعضاء جمعية مصر الفتاة الناشئة يعملون في المشروع، وجاء وقت الاكتتاب للعام الثالث 1934، فاستمر الوفد في مهاجمة المشروع لبقاء بعض أعضاء مصر الفتاة من بين المسيطرين عليه؛

فشكل في ذلك الوقت لجانا لمقاطعة المشروع لأنه أصبح أداة في يد جماعة سياسية غير مرغوب فيها (يقصد جمعية مصر الفتاة) وقد ارتاب الوفد في جمعية مصر الفتاة منذ البداية واعتبرها دسيسة عليه وعلى الشباب، فأصدر تعليماته إلى الطلبة من جماهيره بأن يرفعوا العرائض إلى على (باشا) إبراهيم يطالبونه بإقصاء أي عضو من أعضاء مصر الفتاة بعيدا عن المشروع.

لم ير على (باشا) إبراهيم ما يجعله يستجيب لمطالب الشباب الوفدي، فنشرت جمعية القرش بيانا نفت فيه صلتها بأية هيئة سياسية، إلا أن الوفد لم يقتنع بذلك، فطالب أحد محرري جريدة " كوكب الشرق" الوفدية على إبراهيم نفسه بأن يستقيل من رياسة المشروع وأن يترك الموقف من جانب حزب الوفد ومن جماهيره من المشروع وحثهم الجماهير الأخرى على عدم المشاركة في التبرع. جاءت حركة الاكتتاب في ذلك العام خلوا من أي حماس من فلم يزد المبلغ المجموع عن ثلاثة آلاف من الجنيهات.

وعلى أثر النجاح الذي حققه مشروع القرش في مصر ، فقد سرت فكرته بين الدول العربية فقد قام الشباب في العراق بمشروع " الفلس" ومن ثم انتقلت فكرته إلى السودان فقاموا بمشروع القرش هناك لإنشاء المستشفيات والملاجئ، كما انتقلت الفكرة إلى بلاد الحجاز فأيقظت حيوية الشباب هناك، ففكروا في مشروع خيري يخدمون به بلادهم، فقرروا القيام بمشروع القرش على المنوال الذي قام في مصر، وتقدموا بطلب إلى حكومتهم للسماح لهم بذلك فوافقت. وفى مصر فقد انتشرت الفكرة بصورة أخرى فألف أحمد كامل قطب المحامى " جمعية القرى" لمحاربة الأمية في البلاد.

اتخذ أحمد حسين من مشروع القرش خطوة تمهيدية توصله إلى غايته التي ينشدها منذ آمن بمجد مصر والعمل على بعثه، وفى الحقيقة فإن أحمد حسين قد كسب شهرة قومية عن طريق المشروع، وكسب أيضا أنصارا وأعوانا وخبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري سهلت له القيام بخطوته التالية ، فما أن تخرج في كلية الحقوق حتى طالبه زملاؤه بخطوته التالية التي وعدهم بها من قبل وهى تأليف جمعية مصر الفتاة .

ومن ثم أعد برنامجها وأعلن قيامها في 21 أكتوبر 1933.وهكذا تألفت جمعية مصر الفتاة بعد أن مرت فكرة تأليفها بالمراحل السابقة، وعلينا أن نتابع تطور تلك الجمعية حتى نهاية فترة البحث.

الفصل الثالث: تطور مصر الفتاة

  1. 1933-1941
  2. جمعية مصر الفتاة 1933
  3. حزب مصر الفتاة 1937
  4. الحزب الوطني الإسلامى 1940

يعالج هذا الفصل تطور جمعية مصر الفتاة في ضوء الظروف والملابسات التي مرت بها ، فليس من شأنه أن يعالج موقف مصر الفتاة من القوى السياسية القائمة أو موقف تلك القوى منها، وإنما يركز على إبراز الملابسات والظروف التي سبقت كل تطور مرت به الجمعية وكذلك اللاحق منها.

كان ظهور جمعية مصر الفتاة كتطور طبيعي وكنتاج حقيقي لما سبقها من نشاط لأحمد حسين وزملاءه. مضافا إليهم من أبلوا بلاءا حسنا في مشروع القرش.

وقد اتخذت الجمعية من مجلة الصرخة التي سبق أن أصدرها أحمد حسين عام 1930 لسان حالها لتعبر عن أفكارها التي تلخصت في ضرورة العمل لبعث مجد مصر القديم فكانت

" مصر التي علمت الإنسانية وأضاءت على العالمين، مصر التي رفعت لواء الأديان جميعا وأعلت كلمة الله والإسلام، مصر مركز العالم وزعيمة الشرق بعد أن طهرتها الآلام وصقلتها المحن، لن تموت أبدا بل ستبعث من جديد، لتعيد سيرتها الأولى منارة للعالم وتاجا للشرق وزعيمة للإسلام" وقد اتخذت الجمعية شعارا لها " الله. الوطن. الملك"

وجعلت غايتها

" أن تصبح مصر فوق الجميع إمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام"

وهى من أجل تحقيق تلك الغايات فهي في حاجة إلى دم الشباب من الجيل الجديد، فعلى جنود مصر الفتاة تقع تبعة المجد القديم.أعد أحمد حسين برنامج الجمعية على الأسس السابقة، وضمنه برنامجا إصلاحيا شاملا شمل مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والخلقية، وذكر أن وسيلته لتحقيق هذا البرنامج هي الإيمان والعمل ، والإيمان به والعمل على تنفيذه؛

كما أعد للجمعية قانونها النظامي، الذي أوضح فيه شروط العضوية ودرجاتها المختلفة، ووضع نظاما دقيقا للتشكيلات شبه العسكرية التي تعد نواة الجمعية، وجعل السلطة العليا للإشراف على مختلف شئون الجمعية وأنشطتها لمجلس مكون من خمسين عضوا من أعضائها المؤسسين هو " مجلس الجهاد" وقد حدد القانون مختلف التفاصيل لتكوين الهيكل التنظيمي للجمعية الذي سيكون موضوع الفصل التالي.

قوبل إنشاء جمعية مصر الفتاة بإعراض تام وبتشكك واضح في جانب كل القوى السياسية في ذلك الوقت، فقد اعتبرها الوفد دسيسة عليه لاستقطاب جماهيره من الشباب، فصرح النحاس(باشا) أن على الوفد أن يحارب أحمد حسين وجماعته وذلك لتشكيك النحاس في هويتها، كما راعه أن تكون الجمعية قادرة على إصدار مجلة وافتتاح مكتب لها بالقاهرة وآخر بالإسكندرية ، وساوره الشك في مصدر المال اللازم لهذا النشاط فربما كانت أموال مشروع القرش أو أن السراي هي التي تمدهم بالمال.

وقد اعتبرها البعض رافدا من روافد الحزب الوطني وأنها ثمرة جهود كل من حافظ رمضان وعبد الرحمن الرافعي. وذكر البعض الآخر أن عبد الحميد سعيد رئيس جمعية الشبان المسلمين هو المسئول عن ظهورها.

أما القصر فقد تجاهل تلك الحركة تماما، فبعد أن رفع أحمد حسين برنامجه للقصر، لم يبد في الأفق أي رد فعل على الرغم مما احتواه البرنامج من تأييد مطلق للملكية ولشخص الملك.

ولكن جريدة القصر " الليبرتية" نشرت رسما " كاريكاتوريا" سخر من حافظ رمضان ومن فلاس " القمصان الخضراء" التي أوجدتها مصر الفتاة ولعل هذا يوضح موقف القصر من الجمعية وكيف ربطها بالحزب الوطني واعتبرها رافدا من روافده.

أما الإنجليز فقد راعهم موقف الجمعية المعادى لهم خاصة وللأجانب بصفة عامة، فاتخذوا موقف المراقبة والتريث لما يمكن أن تأتى به الأيام، وإن كان قد تأكد لديهم أن الجمعية موالية لإيطاليا وتتلقى إعانات مالية منها.

فبدأ يساورهم القلق بدرجة كبيرة فلم يدم موقف المراقبة والتريث طويلا، فبدأت السلطات الإنجليزية في مصر تسعى لإجهاض تلك الحركة، وقد قام " كين بويد" مدير الإدارة الأوربية بوزارة الداخلية بالدور الأكبر في محاربة تلك الجمعية، فتعرضت لكثير من الاتهامات التي أسفرت عن إجراء تحقيقات وقضايا لفقها القلم المخصوص بالداخلية .

وفى ظل تلك الظروف كان ظهور جمعية مصر الفتاة، فالقوى السياسية المؤثرة لا ترضى عنها بل ومتشككة فيها، فكان أن جاءت نشأتها في ظروف صعبة، فلما بدأت في ممارسة نشاطها كانت لها كل القوى بالمرصاد، فلم تسمح الحكومات المختلفة في البداية أن تقوم بعقد اجتماعاتها العامة التي تتيح لها نشر أفكارها على المواطنين؛

فقد كانت تلك الحكومات تصادر اجتماعاتها وتمنع عقدها، ولعل في إلقاء نظرة على عدد أعضاء الجمعية في فترة السنوات الثلاث التالية لنشأتها ما يؤكد هذا المعنى، فقد قدر عدد أعضاء الجمعية العمومية التي كانت تعقدها الجمعية سنويا في ساحة الهرم بثلاثين عضوا في عام 1934، وخمسين عضوا في عام 1935 وتسعين عضوا في عام 1936. وهذه الأرقام تمثل عدد أعضائها في القاهرة وإن كان هناك أعداد تماثلها أو تقل عنها قليلا في شعبها بالأقاليم"؟


وعلى الرغم من أن الجمعية لم تحرز نجاحا في كسب جانب يعتد به من الجماهير، فقد كانت دائمة السعي لتحقيق هذا الهدف، فكانت تلجأ إلى إجراء تنظيمات داخلية علها تساعدها في هذه الناحية ، فعندما تولت وزارة توفيق نسيم الحكم في خريف عام 1934 وأعلنت أنها ستطلق الحريات السياسية، بعد الكبت الطويل الذي عانت منه البلاد منذ عهد صدقي عام 1930؛

استغلت مصر الفتاة هذا التصريح من جانب وزارة نسيم فطرحت استمارات عضوية جديدة وطالبت الأعضاء بضرورة تحريرها حتى تصبح عضويتهم للجمعية قائمة. وعلى الرغم مما تمتعت به مصر الفتاة من حرية إلى حد كبير في عهد تلك الوزارة إلا أن عدد أعضائها لم يزد عما ذكرنا سابقا، ولعل ذلك يرجع لأسباب منها أن الوفد قد بدأ يسترد أنفاسه المنهكة في ظل تلك الوزارة، فقد كانت وزارة نسيم بمثابة عودة الروح للوفد من جديد، بعد أن حاول أن ترهقها وزارة صدقي. ومن المؤكد أن التقاط الوفد لأنفاسه قد جعلته يعيد من جديد بعد أن كانت مطرقة صدقي قد فرقتهم إلى حد ما.

وفى حقيقة الأمر فإن وزارة توفيق نسيم قد هيأت المسرح وأعدته كي يمارس الوفد نشاطه السياسي بحرية تامة، وأن يستعيد ثقته بنفسه وثقة جماهيره به، فالتعاون بين الوفد والوزارة كان تعاونا تاما، وربما كانت تعمل بوحي من توجيهاته؛

كذلك فإن الوزارة قد سعت لإعادة دستور 1923 الملغى، فكان ذلك حريا بالوفد أن يتعاون معها، وقد جاءت عودة الدستور في أعقاب " ثورة " عارمة قام بها في خريف عام 1935 الطلبة وكان لهم فيها شهداء.

وقد شاركت مصر الفتاة بجهودها في تلك الثورة قدر استطاعتها وإن كان رئيسها أحمد حسين، وسكرتيرها العام فتحي رضوان قد قاما برحلة إلى لندن في نهاية ذلك العام بقصد الدعاية للقضية المصرية في لندت، ولكنه في تقديرنا فإن الغرض الحقيقي من تلك الرحلة كان لفت الأنظار لهم في الداخل والدعاية لجمعيتهم أكثر منه دعاية للقضية الوطنية في لندن.

أخلت وزارة نسيم كراسي الحكم، وتولى على ماهر تأليف وزارة محايدة أجرت الانتخابات على أساس دستور 1923 وقانون الانتخاب المباشر ، وفى عهد تلك الوزارة على قصره فقد نعمت مصر الفتاة بفترة طيبة فقد اعتبرت نفسها في " شهر العسل" فمارست نشاطها السياسي بحرية تامة؛

فعلى ماهر من اشد المتحمسين لها جاء ومن كبار مؤيديها فحققت الانتخابات التي أسفرت عن فوز الوفد بأغلبية كبيرة تقدم على ماهر باستقالته , وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا لم تدخل مصر الفتاة الانتخابات ؟ والإجابة على ذلك السؤال تتلخص في أن قادتها كانوا دون سن عضوية مجلس النواب التي حددها القانون بثلاثين عاما.

كان تولى وزارة النحاس الحكم بمثابة انتهاء " شهر العسل " الذي نعمت به مصر الفتاة إبان حكم على ماهر، فقد بدأ الاصطدام والاضطهاد من جانب الوفد لمصر الفتاة خاصة وأنه متشكك فيها منذ البداية، هذا فضلا عما استحدثه منذ يناير 1936 من فرق شبه عسكرية هي فرق القمصان الزرقاء، فكان مجال الصدامات بين الفريقين أوسع؛

وعلى الرغم من ذلك فقد فكر أحمد حسين وزملاءه في مشروع يبعدهم عن الصدام مع الوفد ففكر في القيام برحلة من الشلال إلى القاهرة سيرا على الأقدام ، بهدف الدعاية للجمعية وكسب المزيد من الأعضاء والأنصار، إلا أن وزارة الوفد حاربت تلك الفكرة وإن لم يمنعها فقد ضيقت الخناق على القائمين بها ومنعتهم من ارتداء قمصانهم الخضراء زى جمعيتهم الرسمي.

وقد بلغ التوتر بين الطرفين قمته عندما صرح النحاس باشا في مجلس النواب أنه تأكد لديه أن جمعية مصر الفتاة تعمل لصالح دولة أجنبية، فطالبه أعضاء المعارضة بتقديم الوثائق التي تؤيد ثبوت التهمة للمجلس ولكنه رفض وأصر على رفضه بحجة أنها تمس أمن البلاد، فأقفل باب المناقشة في هذا الموضوع.

كان رد الفعل لتصريح النحاس (باشا) السابق، أن حصلت مصر الفتاة على عطف بعض قطاعات الرأي العام وكان ذلك أكبر دعاية أتيحت لها، فقد اهتمت بعض السفارات الأجنبية بالموضوع لمعرفة من هي تلك الدولة التي ذكرها النحاس(باشا) فالنحاس قد اتهم ولم يقدم الدليل، وعلى الرغم من ذلك فقد استمر أحمد حسين يواصل رحلته في الوجه القبلي ، مستهدفا بث الدعوة لجمعيته، وإن كانت الإجراءات التي أحاط بها البوليس الرحلة لم تمكنه تماما من أداء غرضه؛

ولكن حادثا وقع لجماعته جعله يعود دون أن يكمل رحلته، فقد اعتدى ذوو القمصان الزرقاء على اجتماع عقدته الجمعية برئاسة فتحي رضوان بمسرح " برنتانا" لترد فيه على اتهام النحاس. عام أحمد حسين على أثر ذلك الاعتداء، وأخذ يندد بأعمال الوزارة وتجمعت حوله المعارضة وكان حزب الأحرار الدستوريين أكثرهم حماسة في مناوأة الوزارة.

كان تصريح النحاس في مجلس النواب بمثابة " الفتيل" الذي أشعل القنبلة ، فقد دارت المعارك بين الفرق شبه العسكرية من كلا الجانبين، وازداد معدل الاصطدام بينهما إلى أن سقط اثنان من ذوى القمصان الزرقاء قتلى، فكان ذلك كفيلا بأن تصدر الحكومة أوامرها بإغلاق دور مصر الفتاة في القاهرة والأقاليم، وكان من نتيجته أن تعرض نشاطها للجهود فىتلك الفترة، وقد تقدم أحمد حسين إلى القضاء طالبا إعادة فتح دور مصر الفتاة لتمارس نشاطها ولكن طلبه رفض من قبل القضاء .

فافتتح مكتبا يمارس منه مهنة " المحاماة" هذا فضلا عن أنه قد استخدمه ليدير منه نشاطه السياسي، كما اتخذ من جريدة " الضياء" لسان حال للجمعية بعد أن تعرضت مجلة " الصرخة" للمصادرة المستمرة وهى ما زالت في المطبعة.

وعندما قامت وزارة الوفد بعقد معاهدة 1936 ، فإن البلاد قد تمتعت بحرية تامة، فاستطاعت مصر الفتاة أن تعقد اجتماعاتها وظهرت جريدتها بانتظام وأتيح لها أن تنشر كل ما تريد نشره، وفى ذلك الوقت كان العقاد قد خرج على الوفد واستطاع أحمد حسين أن يقنعه بأن يكتب مقالا أسبوعيا ينشر بجريدتهم " الضياء" فكتب عدة مقالات انتقد فيها المعاهدة؛

وكان أحمد حسين قد انضم هو وجمعيته إلى المعسكر الذي انتقد المعاهدة، وقد بلغ ذلك الهجوم قمته عندما دعت جمعيته إلى عقد اجتماع عام بدار الحزب الوطني خطب فيه محمد على علوبة (باشا) وأحمد حسين فندد الأخير بالمعاهدة وبأنها ألقت على كاهل مصر أعباءا جسيمة وراح يقارنها بما سبقها من معاهدات، ومن جراء ذلك الموقف من جانب أحمد حسين كان الصدام مرة أخرى مع الوفد.

وفى ذلك الوقت أدرك أحمد حسين أن جمعية مصر الفتاة بوضعها في ذلك الوقت لم تكن تملك من القوة المادية أو المعنوية ما يمكنها من التصدي لمناوأة الوفد لها، فبدأ بفكر في أسلوب جديد لكفاحه السياسي ، ربما ساعده في الوصول إلى هدفه المبكر بعد أن تأكد له تماما أن الجمعية منذ نشأتها وحتى ذلك الوقت، لم تستطع إحراز جماهيرية تمكنها من تحقيق حلمه القديم في إعادة مجد مصر على يديها، فلن تكن الظروف التي مرت بها تتيح لها تكوين " الميليشيا الفرعونية" أو " جيش الخلاص" الذي دعا إليه منذ عام 1930 ،

فقد كون جمعية مصر الفتاة بعد أن هز المجتمع المصري بمشروع القرش الذي حقق جماهيرية وخبرة بالتنظيم الجماهيري، إلا أن الأوضاع التي تعرضت لها الجمعية، جعلت الكثير من الأعضاء والأنصار ينأون بأنفسهم بعيدا عن الاضطهاد، ونتيجة لذلك فقد سعى لتطوير أسلوب كفاحه عساه يحقق نجاحا أوفر في ظل هذا التطور.

مهد أحمد حسين لخطوته بأن دعا إلى عقد جلسة لمجلس الجهاد بمكتبه في 31 ديسمبر هام 1936، وذلك للنظر في الموقف السياسي الحاضر، وما ينبغي على مصر الفتاة عمله لتواجه العهد الجديد، بما يتناسب مع مسئوليتها تجاه الرأي العام وتحقيق برنامجها "ونظرا لأن الجلسة ستكون تحولا خطيرا في حياة كفاحنا السياسي وفى تاريخ الجمعية لأهمية المقترحات المعروضة. فإن لي كبير الرجاء أنكم ستقدرون خطورة الموقف فلا تتأخرون عن حضور هذا الاجتماع"

ومن ثم تابع أحمد حسين الدعوة لخطوته التالية فنشر مقالا بعنوان " نحو حزب جديد" عاب فيه على المصريين قبول معاهدة تسجل عليهم الاحتلال وترهق ميزانيتهم وتجيع فلاحيهم، ورضائهم بمركزهم في السودان، كما هاجم المقال الشباب أيضا لاستكانتهم للأوضاع القائمة في ظل وزارة النحاس التي اشتد في مهاجمتها؛

وذكر أن المصريين يدركون كل هذا ، ولكنهم لا يفعلون شيئا إزاء المحسوبيات وانشغال الوزراء بالحصول على الرتب والنياشين ، لا يفعلون شيئا بل ينتظرون القضاء المحتوم،

ثم استطرد قائلا

" ولكن حمدا لله أن جعل في هذه الأمة فريقا يفكر من أجلها. حمدا لله أن سخرنا لنوقف حياتنا لإنقاذ هذه الأمة ولرفعها من هذه الهاوية التي تردت فيها، ولإعادة الحق إلى نصابه ولمحاربة الطغيان والظلم في أشكاله لتحقيق رسالة المجد والخلود" .

أعلم أحمد حسين عن عزمه على تأليف حزب جديد بقوله أن مصر في حاجة إلى حزب جديد وعزم جديد، مصر في حاجة إلى نفر من بنيها يتولون شئونها غير باخلين في ذلك بأرواحهم وأموالهم، غير طامعين إلا في أن يموتوا فداء لحياتها.

مصر في حاجة إلى الشباب ينقذها من الشيوخ، ونحن وقد علمنا الشباب معنى الجد والاجتهاد ، وأوجدنا فيهم الرجولة بقى أن نتقدم لننقذ الأمة من هذه الأوضاع السياسية، ولن يكون ذلك إلا بتأليف حزب جديد يلقف هذه الأحزاب التي ألغت وجودها ورضيت بالحياة في ظل الوفد والنحاس.

كما ذكرنا أنه لن تكون نجاة هذه الأمة إلا على يد شباب مصر الفتاة، فهم الذين سيعرفون كيف ينشرون العدالة ، وهم الذين سيخلقون هذه الأمة خلقا جديدا عن طريق الشباب وجهود الشباب ولذلك فسوف تسمع الأمة بعد أيام عن تحويل جمعية مصر الفتاة إلى حزب سياسي، ينزل إلى الميدان في قوة وعزم ليناضل ويجاهد ويحقق رسالة المجد، وهى أن تصبح مصر فوق الجميع دولة شامخة تتألف من مصر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام.

اكتمل عقد مجلس الجهاد في الموعد المحدد ، إلا من عدد قليل اعتذر عن الحضور . فافتتح أحمد حسين الجلسة موضحا أن فكرته في تحويل الجمعية إلى حزب سياسي، ناتج عن تدهور الأحوال في مصر تدهورا شنيعا عقب إبرام معاهدة 1936.

وقد تضمن بيان الحزب التأسيسي هذا المعنى

" في هذه الأيام بعد أن جاءت المعاهدة التي كبلت مصر بالتزامات وقيود ، وفرضت عليها أوضاعا ينبغي لمصر أن تخلص منها سريعا وإلا انحدرت نحو هاوية سحيقة لا قرار لها من التدهور المالي والاجتماعي والسياسي.
في هذه الأيام التي يجب أن تبعث فيها مصر من جديد، وتخلق خلقا جديدا، وتحول إلى ثكنة عسكرية من الإسكندرية حتى خط الاستواء، ليعمل فيها كل مصري واجبه لإبلاغ مصر إلى المجد والعظمة، في هذه الأيام أحسست وإخواني أن مصر في حاجة إلى دم جديد يتقدم للنهوض بالعبء.
بعد أن مل الشيوخ وتقاعسوا لكثرة ما كافحوا في القديم. وفى هذه الأيام رأينا أن نتقدم لنتسلم الأمانة ممن حملوها قبلنا ولنواصل مهمة من سبقونا ولنحقق آمالها.. فالاستقلال لم يعد غايتنا بل المجد هو مطلبنا وهو أنشودتنا ، فليس يقنعنا مصر حتى الشلال ولا يرضينا استقلال مقيد، ولكننا نريد استقلالا تاما كاملا لا شك فيه ولا غموض ، ونريد وادي النيل وحدة لا تتجزأ حتى منابعه في خط الاستواء".

وبالإضافة إلى وجهة نظر أحمد حسين فيما آلت إليه أحوال مصر بعد إبرام المعاهدة فإنه يرى أنه لم يعد في البلاد قوة تفكر في خير الأمة وتعمل من أجلها إلا في صفوف مصر الفتاة، فلا بين الأحزاب ولا بين جدران البرلمان ولا في أي مكان آخر من يرغب في أن يحرك ساكنا، فأصبح واجب الشباب أن ينهض بالعبء الجديد، وقد أوضح أن الجمعية لا تستطيع أن تحتمل هذا العبء بصورتها الحاضرة لأن كثيرا من الناس يخيل إليهم أنها جمعية فدائية أو جمعية سرية.

هذا بالإضافة إلى أنه قد نما إلى علم أحمد حسين أن وزارة الوفد بصدد إصدار تشريع يحدد صفة الجمعيات عموما وأغراضها، فخشي أن يقضى هذا التشريع على الجمعية. فشرع على الفور يعمل على تحويلها إلى حزب سياسي معلن حتى يكسبها صفة الأحزاب السياسية.

أخذ أحمد حسين يعدد المزايا التحى ستعود على الجمعية من جراء تحولها إلى حزب سياسي وأنه سيعقب ذلك نشاط جديد لأعضاء الحزب، وأنه سيكون لهم دعاية قوية واسعة النطاق، سيكون من نتيجتها أن ينضم إلى الحزب أعضاء جدد سيستفيد منهم، قائلا أن الظروف السياسية بعد عقد المعاهدة أصبحت تسمح بتحويل نظام الجمعية إلى حزب سياسي يعمل بالأساليب السياسية، ويسمح للمصريين على اختلاف مشاربهم وطبيعتهم بالانضمام إليه.

ومن ثم بدأ محمد حسين قراءة قانون الحزب النظامي لأعضاء المجلس كي تدور حوله مناقشة، فتقدم فتحي رضوان باقتراح يقضى بضرورة أن ينسخ هذا القانون ويوزع على أعضاء المجلس وأن تشكل لجنة خاصة لدراسته وفحصه، فانقسم أعضاء المجلس إزاء هذا الاقتراح بين مؤيد ومعارض له.

ومن تطور الإجراءات في الجلسة اتضح أن هذا الاقتراح لم يؤخذ به، فقد استمر أحمد حسين في عرض مواد القانون عليهم، فنص البند الأول منه على أن يحق لكل مصري ومصرية الانضمام إلى الحزب، فعارض البعض دخول المرأة في عضوية الحزب، ونص البند الثاني على تشكيل مجلس إدارة الحزب من بين الأعضاء الذين ينضمون إلى الحزب من بين السياسيين القدامى على ألا يزيد عددهم عن ثلاثين عضوا، على أن يتولى السلطة العليا في الحزب؛

فعارض البعض في أن يكون سلطة مجلس الإدارة تفوق سلطة مجلس الجهاد، وهؤلاء يرون أن أعضاء المجلس الجديد سيكونون من بين رجال الجيل القديم الذين تختلف أفكارهم عن أفكار الشباب أعضاء مجلس الجهاد فأوضح أحمد حسين أنه ليس من المعقول أن تؤثر إرادة الشيوخ على الشباب.

استمرت المناقشات في جلسة مجلس الجهاد المذكورة حول مواد القانون النظامي للحزب وعلى الرغم مما وجه إلى بعضها من نقد وما دار حولها من مناقشة، فقد أقر المجلس القانون كما وضعه أحمد حسين ووقع عليه الأعضاء بالموافقة على تحويل جمعية مصر الفتاة إلى حزب مصر الفتاة؛

على أن يكون مقره القاهرة وأن تكون غايته تحقيق برنامج مصر الفتاة- الذي وضع عند تأسيس الجمعية وانتخبوا أحمد حسين رئيسا له وقرروا تأليف مجلس إدارة له يعاون الرئيس في إدارة شئون الحزب ووضع سياسته، وعهدوا إلى أحمد حسين توجيه الدعوة إلى بعض السياسيين والمجاهدين القدماء الذين أظهروا رغبتهم في الاشتراك في الحزب لتكوين مجلس الإدارة. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال ما هي سياسة الحزب وما مدى اختلافها واتفاقها مع سياسة الجمعية وما هي أغراضه؟

أجاب أحمد حسين على هذا السؤال بقوله

" أن سياسة الحزب بعد التحويل هي كما كانت قبل التحويل، ترمى إلى إعداد جيل جديد من الشباب، يؤمنون بالمثل العليا ويجاهدون في سبيل تحقيق هذه المثل بالوسائل التي جاءت في ختام برنامج الحزب وهى " الإيمان والعمل".
والعمل في نظر مصر الفتاة هو ممارسة النشاط السياسي من عقد اجتماعات وإصدار جرائد تكون لسان حال للحزب، والانتقال إلى كل أنحاء البلاد للدعوة للحزب، وذلك وصولا إلى غايتها في إحراز جماهيرية له وتكوين جيل قوى من الشباب فعمل لإعادة مجد مصر، وتحقيق الاستقلال التام لمصر والسودان؛
ومن ثم التحالف مع الدول العربية وبعد أن يتحقق لها ذلك فإنها تتزعم الإسلام، أما عن أغراض الحزب فهي إصلاح شامل في الداخل لجميع النواحي سياسية واقتصادية واجتماعية. وهذا بدوره يقودنا إلى سؤال آخر كيف كانت جمعية مصر الفتاة تحارب الحزبية ثم تسمح لنفسها بأن تتحول إلى حزب سياسي؟
أعلن حزب مصر الفتاة أنه لن يكون هناك فارق بين الحزب والجمعية من حيث الروح التي يسير بها الجهاد، ولا من حيث البرنامج أو المبادئ فكل هذه بقيت كما هي ، وستبقى فرق المجاهدين هي دعامة الحزب الأولى بكل أنظمتها ومزاياها ، ولكن النظام الحزب سيكون بحيث يسمح لكل مصري بالانضمام إلى صفوفه؛
أما عن جمعية مصر الفتاة وكيف بها الآن قد نظمت من نفسها حزبا سياسيا، فقد أعلن أحمد حسين أن حزب مصر الفتاة سيكون شعاره الأول محاربة الحزبية كذلك بقوله" فقد أصبح لا مناص للقضاء على الحزبية من تأليف شباب قوى شعاره مصر فوق الجميع، يتعاون مع المصريين جميعا ويعمل لخير المصريين جميعا"

وفى حقيقة الأمر فإن أحمد حسين لم يقدم إجابة شافية على هذا السؤال ، وإن كان قد أوضح هذه النقطة بقوله أنه لكي يستطيع أن يتصدى للأحزاب القائمة وهو يعنى حزب الوفد فكان ولابد من تحويل الجمعية إلى حزب سياسي ولع تعبير مشهور في هذه الناحية " أنه لا يفل الحديد إلا الحديد".

جاء تحويل جمعية مصر الفتاة إلى حزب سياسي في عهد وزارة الوفد في عام 1937 ، وفى وقت كانت فيه العلاقات بين مصر الفتاة والوفد سيئة إلى أقصى درجة ممكنة، فقد انضم حزب مصر الفتاة بكل ما أوتى من قوة إلى المعسكر الذي هاجم الوفد بشدة، وانتقد إلى أقصى درجة ممكنة المعاهدة التي أبرمها مع إنجلترا، وقد ازداد معدل التوتر بين الفريقين فكثرت حوادث الاعتداءات بين فرق القمصان الزرقاء الوفدية وقمصان مصر الفتاة الخضراء، فكان أن اشتد أحمد حسين في مهاجمته للوفد يسانده ويؤيد خطوته هذه كل العناصر المعارضة للوفد، فضلا عن على ماهر رئيس الديوان الملكي.

فنشر أحمد حسين عدة مقالات في جريدة الحزب بعنوان " برنامجنا السريع إسقاط صاحب المقام الرفيع" ثم خطا خطوة أبعد من ذلك فرفع هو وأعضاء حزبه التماسات إلى الملك مطالبين بإقالة الوزارة.

وفى 28 نوفمبر 1937 أطلق عز الدين عبد القادر أحد أعضاء مجلس جهاد مصر الفتاة أربعة أعيرة نارية على سيارة النحاس " باش" وهو في طريقه لحضور احتفال أقيم له في " شبرا" فأصاب السيارة ولم يصب النحاس باشا؛

وقد كان ذلك الحادث ذريعة تذرعت بها الوزارة فاعتبرته من تدبير قيادة الحزب وبتأييد وتخطيط من خصومها، فاشتدت إلى أقصى درجة في معاملة أعضاء مصر الفتاة وأصدرت أوامرها إلى النائب العام باعتقال جميع أعضاء حزب مصر الفتاة وتفتيش منازلهم، هذا فضلا عن إغلاق دور الحزب في مختلف الأقاليم واشتدت وزارة الداخلية في إجراءات القبض والتفتيش فقد قبض على كل من له صلة بمصر الفتاة، من قريب أو بعيد ومنهم رئيس الحزب نفسه.

ولكن في حقيقة الأمر فإن الإجراءات التي اتخذتها وزارة الوفد حيال حزب مصر الفتاة كانت أكثر بكثير مما يحتاج التحقيق في جريمة من الجرائم، فكان يشتم من موقفها غريزة الانتقام من عدو أثار لها المتاعب.

عرض ذلك الحادث حزب مصر الفتاة الناشئ لهزة عنيفة كادت تطيح به وبالقائمين عليه، لولا أن الأوضاع السياسية التي سادت مصر في ذلك الوقت قد هيأت له عودة الروح من جديد، فقد أقيلت وزارة الوفد في نهاية عام 1937، وتولت وزارة محمد محمود الحكم فكان أن أفرجت عن المعتقلين من مصر الفتاة، بعد أن تغيرت الهيئات القضائية التي كانت تحاكمهم ن فبدأ الحزب يستعيد نشاطه من جديد وبحرية تامة؛

وإن كانت الضربة التي وجهتها إليه حكومة الوفد قد أضعفته إلى حد كبير فانفض من حوله العديد من الأنصار والأعضاء نتيجة لشراسة الإجراءات التي اتخذت ضدهم عقب الحادث المذكور، ولكنه على الرغم من ذلك فقد استرد الحزب أنفاسه المنهكة بسرعة إذ لم تمتد هذه الفترة طويلا.

كانت وزارة محمد محمود وزارة صديقة لمصر الفتاة، فعلاوة على أن رئيسها يحفظ لها الدور الذي قامت به في الإحاطة بوزارة الوفد، فقد كان لها من بين أعضاء الوزارة أصدقاء فمحمد كامل البندارى وحسن صبري على علاقات طيبة إلى درجة كبيرة بمصر الفتاة، خرج أحمد حسين من السجن فتوجه لمقابلة محمد محمود الذي استجاب لمطالبه كمكافأة له على الدور الذي قام به.

فعين نور الدين طراف عضو مجلس الجهاد مديرا لمكتبه كما منح الحزب مبلغ 300 جنيه قيمة التأمين الندى لرخصة جريدة "مصر الفتاة" كما عين عزيز المصري مفتشا للجيش المصري طبقا لرواية أحمد حسين.

وعلى الرغم مما تعرضت له مصر الفتاة في عهد وزارة الوفد، فقد استطاعت أن تحقق نجاحا ماديا فازداد عدد المنضمين إليها، وذلك على أثر الانشقاق الذي حدث داخل حزب الوفد بخروج النقراشي وأحمد ماهر من بين صفوفه في نهاية 1937؛

فقد وجه حزب مصر الفتاة اهتماما كبيرا في محاولة اجتذاب الكثير من بين شباب الوفد الذين خرجوا عليه كي يضمهم إلى صفوفه، فعقد الحزب اجتماعات كبيرة داخل الجامعة وكون لجانا مختلفة هدفها الأساسي جذب تلك العناصر وضمها تحت رايته فكانت " اللجنة التنفيذية لطلبة مصر الفتاة بالأزهر" و " لجنة المدارس الثانوية والخاصة" و " لجنة الجامعة والمدارس العليا "

وفى هذا المجال فقد أحرز الحزب نجاحا جدير بالاهتمام، فقد جاءت نتائج انتخابات اتحاد طلبة الجامعة المصرية في أواخر أكتوبر 1937 تنبئ عن فوز ساحق لطلبة مصر الفتاة على زملائهم الوفديين وغيرهم، فقد حصل حمادة الناحل عضو مصر الفتاة على أكبر عدد من أصوات الناخبين في كلية الحقوق، كما حصل عثمان نجاتي عضو مصر الفتاة أيضا على أكبر عدد من أصوات الناخبين في كلية الآداب.

أما في عام 1938 وبعد أن تهيأ المناخ الصحي للحزب لممارسة نشاطه، فقد أنس في نفسه قوة، واعتبر نفسه حركة المستقبل التي ستؤول إليها مقاليد الأمور في المستقبل ، ففي اجتماع الحزب في 27 يناير من نفس العام قرر إنشاء عدة مكاتب ولجان تتولى تنفيذ برنامجه الاجتماعي والاصلاحى منها مكتب الانتخابات، لجنة مكافحة الأمية، لجنة مشروع القرش والدراسات الاقتصادية، لجنة الشئون الصحية، لجنة القرية المصرية، لجنة مناهج التعليم وأخيرا لجنة نشر الثقافة العسكرية.

وفى 7 مارس قرر الحزب إنشاء " مكتب الشئون الخارجية" برئاسة عبد الرحمن بدوى . ويقوم هذا المكتب بدراسة الشئون الخارجية وإعداد تقارير عنها يرفعها لقيادة الحزب.

وجدت تلك الفكرة قبولا لدى الحزب، ففي اجتماعه في 5 مايو 1938 أعلن الحزب عن تشكيل عدد آخر من المكاتب تتولى دراسة برنامج الحزب ودراسة مختلف مظاهر الحياة المصرية، فأنشى مكتب شئون التربية برئاسة الدكتور مصطفى الوكيل، مكتب الشئون الصحية برئاسة نور الدين طراف، مكتب الشئون الزراعية برئاسة حسين الأبيارى، مكتب الشئون الاجتماعية برئاسة عثمان نجاتي، مكتب الشئون الاقتصادية برئاسة محمد صبيح، مكتب الفنون برئاسة حسين محمد يوسف، مكتب الشئون الدينية برئاسة عبد الحميد المشهدى، مكتب الدراسات السياسية برئاسة فتحي رضوان، مكتب الشئون الهندسية يتولى سكرتارية على زين العابدين وسمير حلمي، مكتب شئون الدفاع برئاسة محمد صبيح ، مكتب الشئون الصناعية برئاسة أحمد بدوى، مكتب شئون السودان برئاسة محيى الدين عبد الحليم، ويمكن اعتبار تكوين هذه المكاتب بمثابة "وزارة ظل" ألفها حزب مصر الفتاة كي تكون مستعدة للقفز إلى كراسي الحكم إذا طلب منه ذلك في المستقبل.

وعلى الرغم من هذا المد الخاص بمصر الفتاة، فقد أرادت وزارة محمد محمود أن تتخلص من فرق القمصان الزرقاء إلى عاثت في البلاد فسادا استشرى خطره، حتى أنها هاجمت أكثر من مرة منازل المعارضين لحزب الوفد ومنهم محمد محمود وأفراد حزبه؛

فما أن استتب الأمر لمحمد محمود في وزارته حتى استصدرت في 8 مارس 1938 مرسوما بقانون يحظر قيام الفرق شبه العسكرية، فطبق على القمصان الزرقاء الوفدية وقمصان مصر الفتاة الخضراء وقد كان لذلك المرسوم أثر كبير على مصر الفتاة، فلم تكن الفرق النظامية مسألة هامشية بالنسبة لنشاط الحزب وفيما يخطط للوصول إليه، فقد اعتبرها " جيش الخلاص" الذي دعا أحمد حسين إلى تكوينه منذ عام 1930.

تأثر نشاط مصر الفتاة بإلغاء فرقه النظامية، فتقدم أحمد حسين بالتماس إلى الملك فاروق طلب فيه السماح بعودة فرق القمصان الخضراء، مبررا تلك العودة بأن البلاد لا يمكن لها التقدم إلا بقيام ثورة إصلاحية في مختلف مجالات الحياة وليس سوى الشباب من يستطيعون القيام بتلك الثورة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بانتظامهم في أعمال منظمة تعلمهم النظام والطاعة والأخلاق؛

وفى حقيقة الأمر فإن مرسوم حل الفرق شبه العسكرية لم يكن مقصودا به قمصان مصر الفتاة ولكنه لا يمكن استثناؤها من الحل، وعلى الرغم من ذلك فقد كان للمرسوم رد فعل لدى الأجانب الذين يمارسون مثل هذه الأنشطة شبه العسكرية، فقد تقدم وزير إيطاليا المفوض في مصر باحتجاج إلى وزير الحقانية أحمد خشبة على شمول هذا المرسوم لفرق قمصانهم السوداء الفاشية.

اعتقد حزب مصر الفتاة أنه بقرب تحقيق أهدافه في الوصول إلى الحكم في أعقاب وزارة محمد محمود، فمهد لخطوته هذه فتقدم إلى الحكومة طالبا تخفيض سن العضوية لمجلس النواب إلى خمسة وعشرين عاما بدلا من ثلاثين حتى يتمكن زعماءه من خوض معركة الانتخابات التي ستجريها الوزارة.

ولكن محمد محمود كان يرى أن علاقته بمصر الفتاة لا تتعدى أنه أداة أدت مهمتها وكوفئت عليها فلم يعر ذلك المطلب اهتماما. فكان ذلك بداية نداء إلى الطلبة من أعضاء الحزب بألا يزجوا بأنفسهم في معركة الانتخابات المقبلة بعد أن حيل بين مصر الفتاة وبين الاشتراك فيها، وأن يتركوا الجيل القديم يتطاحن ويخوض معركة الانتخابات بعيدا عن الشباب، فهو جيل سوف يفنى نفسه بنفسه ويمهد الطريق للشباب.

كان ذلك الموقف من جانب وزارة محمد محمود، إلى جانب مرسوم حل التشكيلات والفرق العسكرية علامتين بارزتين على طريق العلاقات بين حزب مصر الفتاة والأحرار الدستوريين ، فقد خاب فأل أحمد حسين في وزارة محمد محمود والتي آمل في أن يحقق الجزء الأكبر من برنامجه على يديها، وقد اعتبرها مرحلة انتقال تمهد له ولحزبه تولى مقاليد أمور البلاد؛

وبعد أن اتضح له هذا الموقف من جانبها طالبها بإجراء عدة إصلاحات تشمل مختلف نواحي الحياة في المجتمع المصري، ولما لم تستجب لما طالبها به انبرى يهاجمها في حملة صحفية عنيفة على صفحات جريدته، وخاصة بعد أن جرى تأليف الوزارة من جديدة بعد إجراء الانتخابات وإخراج محمد كامل البندارى من عضويتها، فاشتد أحمد حسين أكثر في مخاصمتها وندد بها وطالب بإسقاطها.

وقد تعرضت مصر الفتاة في عهدها إلى إجراءات اشد قسوة وصرامة عما تعرضت له في عهد الوزارة الوفدية السابقة عليها.

وعلى الرغم من الظروف غير المواتية لأحمد حسين وحزبه، فقد اعتقد أنه بقرب تحقيق أهدافه في الوصول إلى الحكم وتحقيق برنامجه بإعادة مجد مصر، وأن ذلك لن يتأتى إلا على يد الجيل الجديد من الشباب شباب مصر الفتاة.

فسافر إلى أوربا في صيف عم 1938 ليدرس أنظمة الحكم المختلفة والأسس التي تقوم عليها الحياة الأوربية سياسية واجتماعية وهو يهدف إلى تلمس نظام حكم معين يسلكه حزبه عندما يرتقى الحكم بعد مضى مهلة السنوات الثلاث التي حددها كي يصل حزبه إلى السلطة عندما تدعوها الأمة لذلك.

وقبل أن يقوم برحلته إلى أوربا عقد اجتماعا في 8 يونيو 1938 صرح فيه بأنه يؤيد قيام حكومة ائتلافية تضم جميع الأحزاب برئاسة على ماهر، ويرى أن ذلك هو الحل لمشاكل مصر الحالية، فإذا لم تلق هذه الفكرة قبولا، فإنه يجب أن تعطى الفرصة للشباب الذين يمثلهم حزبه لتصريف شئون البلاد، وطالب أعضاء حزبه أن يستمروا في النضال للوصول إلى هذا الهدف طبقا للبرنامج الذي وضعه لهم.

عاد أحمد حسين من رحلته إلى أوربا في 14 أغسطس 1938، وكان الحزب قد قرر من قبل أن يقوم بنشاط متزايد في الشتاء القادم لإسقاط الوزارة، ولكن موقفه هذا قد تغير بعد إعادة تأليفها وإدخال السعديين فيها ، فوعد أحمد حسين بتأييدها إذا نفذت برنامج مصر الفتاة في الإصلاح؛

وبعد عودة أحمد حسين من أوربا اتجه الحزب إلى بذل مجهوداته لزيادة أعضائه والمؤيدين لسياسته فنظم عددا من الاجتماعات واللقاءات في القرى، فقد أوفد الحزب بعض أعضائه إلى الريف ليبذلوا فيه نشاطهم ولتثبيت الإيمان بمصر الفتاة في نفوس ساكنيه ولم أعضاء جدد للحزب، وقد بدأ مصطفى الوكيل نائب رئيس الحزب هذه المهمة فوجه نداء إلى جنود مصر بالريف للعمل على زيادة عدد أعضائه. ولكن هذه الحملة التي قصد بها الدعاية للحزب وضم أنصار جدد لم تحقق نجاحا ملحوظا.

ولما لم تثمر هذه الحملة ثمرتها المرجوة، استغل أحمد حسين فرصة إدخال وزارة المعارف تحت تأثير الأزمات الأوربية عام 1938 نظام التدريب العسكري في المدارس والجامعة وللأعضاء المتطوعين، فوجه نداءاته إلى أعضاء مصر الفتاة بالانخراط في سلك تلك التدريبات فوجه نداء إلى جنود مصر الفتاة بالريف للعمل على زيادة عدد أعضائه.

وعلى الرغم من هذه النداءات المتكررة من جانب أحمد حسين للأعضاء فلم تحدث ما أراد منها، فأصدر قرارا بحل جميع منظمات الحزب في جميع أنحاء البلاد مستهدفا إعادة تنظيمها من جديد على أسس قوية وبروح فتية، موضحا خطوته هذه بقوله أنه قد سرت لدى الكثير من أعضاء مصر الفتاة روح التهاون في تنفيذ مبادئ الحزب، وأنه نظرا للتفكك الملحوظ في وحدة أعضائه، ورغبة في استئناف الكفاح الذي يرتكز على التضحية وإنكار الذات وتنفيذ مبادئ مصر الفتاة بحرفيتها وروحها.

ويبدو أن الدافع الذي حدا بأحمد حسين إلى اتخاذ ذلك القرار كان ما منى به مرشحو مصر الفتاة من فشل من انتخابات اتحاد الطلبة بالجامعة في ذلك العام.

إن قرار أحمد حسين بحل تنظيمات الحزب المختلفة قد عرضه لهزة عنيفة نتج عنها أن نقص عدد أعضائه، فلما أدرك خطورة ذلك القرار، توجه بنداءات إلى أعضاء الحزب وطالبهم فيها بأن يكون لدى كل من يريد استئناف الجهاد في صفوف الحزب ملابس التدريب العسكري، وأن يضع نفسه تحت تصرف الرؤساء الذين سيصدر قرارا بتعيينهم.

وقد اتضح قلة عدد أعضاء الحزب في احتفاله بعيد الجهاد في 13 نوفمبر من نفس العام من قول أحمد حسين " فإذا كان عددنا الليلة قليلا، فإنه كبير بالروح التي ينطوي عليها. فهو اجتماع هام في حياة الحزب وقف فيه على مفترق الطرق"

وقد تبع ذلك القرار بإدخال عدد من التنظيمات الجديدة في حياة الحزب اصطبغت كلها بنمو الروح العسكرية لدى الحزب، كما دعا إلى استخدام القوة فكتب مقالا بعنوان " لابد من انقلاب. لابد من قوة" أوضح فيه أن الأهداف أصبحت لا تتحقق إلا بالقوة وان الحزب سيعمل لإحداث هذا الانقلاب بالقوة من الآن فصاعدا وتسمى الحزب منذ ذلك الوقت باسم الحركة.

بذل الحزب جهودا ضخمة لكسب أعضاء وأنصار جدد له، فقد حامل أحمد حسين أن يضم إلى حركته قطاعات جديدة من بين صفوف الطبقة العاملة، فصرح في الاجتماعات التي عقدها بعد عودته من أوربا أن الحكومات الايطالية والألمانية قد أقامت مشروعات مذهلة من أجل رفاهية الطبقات العاملة، وصرح بأن رفاهية تلك الطبقات تشكل جزءا من البرنامج الذي يريد حزبه أن ينفذه.

هذا فضلا عن أن الحزب قد أعلن أنه سيوجه عناية خاصة لتكوين الشعب الجديدة له. كما أنه سيبذل نشاطا جما لتوثيق صلاته بالأحزاب المختلفة في البلاد الإسلامية، وأنه سيوفد مندوبا من كبار أعضائه لزيارة بعض العواصم الإسلامية الكبرى في آسيا وفى الشمال الأفريقي، وستوجه عناية خاصة بشئون السودان.

ولكن هذا الذي أعلن عنه الحزب لم ير النور. ولكن الشيء الواضح في حياة الحزب في تلك الفترة كان بروز الاتجاه الإسلامى على ما عداه ، ويعلل أحمد حسين ذلك بقوله أنه ناتج عن زيارته للسودان عام 1938 " أن السودانيين متدينون جدا وقابلوني بحماس شديد، فلما عدت إلى مصر كنت متأثرا بهذه الروح الدينية" وربما كان ذلك بفعل شخصية مصطفى الوكيل المؤثرة والذي كان يغلب عليه هذا الاتجاه ، وهو ما اصطبغ به كفاح الحزب بفضل تأثيره حتى نهاية فترة البحث.

كان بروز الاتجاه الإسلامى على ما عداه في حياة مصر الفتاة يستهدف توسيع دائرة أنصارها والمؤيدين لسياستها وقد شجع هذا الاتجاه تولى على ماهر الحكم على أثر استقالة وزارة محمد محمود، وعلى ماهر يعطف على مصر الفتاة ونشاطها منذ البداية، فقد رأى فيها والجمعيات الدينية الأخرى التي ظهرت في مصر في ذلك الوقت سندا له وللقصر الذي أصبح يمثل اتجاهه في مواجهة حزب الوفد.

وقد تمتعت مصر الفتاة في عهد وزارته الثانية على الأقل في أول عهدها- بشيء من الاستقرار والحرية في ممارسة نشاطها السياسي، مما جعلها تعتقد أنها بقرب تحقيق أهدافها في الوصول إلى حكم البلاد، فقد كانت تعتبر فترة حكم على ماهر مرحلة انتقالية تمهد لها ولجيل الشباب الذي تمثله تولى الحكم، فقد حققت جماهيرية في الفترة التي سبقت إعلان الحرب.

ولكن إعلان قيام الحرب العالمية الثانية كان له أثره الواضح على المجتمع المصري، فقد أعلنت الأحكام العرفية وشددت الرقابة على الصحف وعطلت الاجتماعات والنشاط السياسي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد أخذت اهتمامات الجماهير تنصرف إلى شئون الحرب الجارية، فأوقف ذلك المد الخاص بالحزب، وتأكد لقيادته أن ما اعتقدته أنها بقرب تحقيق أهدافها قد أصبح سرابا بفعل ظروف الحرب. فقد دبت بوادر الفتور والخمول لدى أعضاء الحزب.

أعلم أحمد حسين عدم رضائه عما صارت إليه حال الأعضاء ، فأعلن أنه لا يريد أن يكون معه من المجاهدين إلا من يؤثر الجهاد على كل شيء، أعلن ذلك قبل سفره إلى الحجاز في حجته الثانية، فذكر أنه إنما يسافر إلى الحجاز ليتطهر ويستغفر الله ويبتهل إليه أن يرشده إلى سبيله، وسوف يستخيره في أي الطرق يسلك، وما ينبغي عليه أن يفعل، ومن ثم عبر عن رجائه في أن يعود من الحجاز وقد اتضح في نفسه المنهاج الذي ينبغي عليه أن يسلكه، وصرح بأنه مهما يكن ذلك المنهاج فإنه لن ينطوي على الروح التي سادت الأعضاء في ذلك الوقت؛

وطالبهم بأن يتهيئوا لمرحلة جديدة من الكفاح في سبيل تحقق غايات الحزب في إعادة مجد مصر، وبين لهم أن ذلك لن يحدث إلا بالإخلاص لمبادئهم والتمسك بها. ومن هنا نلمس إرهاصات التغير في أفكار الحزب للأخذ بالمبادئ الإسلامية ونمو الاتجاه الإسلامى. فقد أخذ يطفو على السطح بعد أن كان ضمنيا ، فيسعى الحزب إلى تغيير اسمه إلى " الحزب الوطني الإسلامى".

بدأ الاتجاه الإسلامى يظهر واضحا في نشاط الحزب منذ أواخر عام 1938 كما ذكرنا، وهذا بدوره يدعونا إلى مناقشة تيارات الفكرة الإسلامية في مصر في الثلاثينات من القرن العشرين وما قبلها، فقد كان رشيد رضا يهاجم المسلمين الذين يتمسكون بتعاليم الإسلام كما هي؛

فكان لمقالاته في " المنار" وكذلك كتبه أكبر الأثر في نشر هذا الرأي فقد تشربت القومية المصرية- عند تناولها هذه المؤلفات المكتوبة بأسلوب جذاب جرعة جديدة من الحماسة والقوة، وتكاتف المسلمون من كافة المذاهب للدفاع عن الإسلام.

فأضفت هذه المؤلفات على الدين صبغة قومية، كان لها أثرها على الحياة السياسية في مصر، وكما أثرت على التكوين العقلي والنفسي والخلقي للشباب، وجاءت أولى نتائجها في ظهور العديد من الجمعيات الدينية التي لعبت دورا يتزايد مع الأيام في أوساط الطبقة المتوسطة ومنها " جمعية الشبان المسلمين" و" جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية" وغيرها؛

وكانت كل هذه الجمعيات تنفى عن نفسها بقوة أنها تتدخل في الحياة السياسية للبلاد، ولكنها مع ذلك سرعان ما تحولت إلى جمعيات يتعايش فيها كل من الدين والوطنية جنبا إلى جنب، ثم لم تلبث أن نشأت جمعيات أخرى لها طابع مزدوج ديني وسياسي في الوقت نفسه، مثل " جماعة الإخوان المسلمين"

هذا بالإضافة إلى أن جمعية مصر الفتاة قد تأثرت بهذا الاتجاه منذ البداية فقامت بحملات صاخبة لإغلاق حانات الشرب وتحريم الاختلاط في الأماكن العامة ومنع البغاء . وظلت تواصل نشاطها الديني حتى أعلنت عن تحولها إلى الحزب الوطني الإسلامى فأخذ نشاطها الديني يطفو على السطح.

يرى أحمد حسين أن الوحدة العربية هي الوسيلة لتحقيق الجامعة الإسلامية التي تعد نهاية للتطور الذي ينشده ، كما يرى أنه لتحقيق تلك الغاية، فلابد وان تخلق وحدات عربية قادرة تنصهر في وحدة عربية قوية شاملة، فيرى أن تصبح مصر وحدة قومية تتألف من مصر والسودان ومن ثم تحالف الدول العربية الأخرى وبعد ذلك تتزعم الإسلام.

بهذا المنطلق الفكري سافر أحمد حسين إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ، هذا فضلا عن جعل دعوة مصر الفتاة عامة لجميع الأقطار العربية الإسلامية.

عاد أحمد حسين من الأراضي الحجازية مصمما على إجراء التغيير الذي أراده فيقول:

" عدت من البلاد المقدسة وأنا ممتلئ عزيمة وقوة على قوة وقد أنار الله لي سبيل العمل وطريق الجهاد، وأول خطوات ذلك العمل وهذا الجهاد أن نعود إلى تنظيم صفوفنا لتناسب الدور الخطير الذي ينبغي علينا أن نضطلع به، بعد أن لم تعد حركة مصر الفتاة حركة محلية فحسب تبدأ بمصر، بل لقد جاوزت الحدود والسدود، ونفذت روحها إلى البلاد العربية والإسلامية، فأصبح من العبث أن نتجاهل هذه الحقيقة بعد أن سعينا لها منذ خرجت مصر الفتاة إلى الوجود.
واليوم بدأت ألمس بيدي طريق الحياة لمصر وللبلاد العربية والإسلامية، وأن ذلك كله يتحقق في بعث الإسلام والتعاليم الإسلامية واتخاذها أساس الحياة. وشباب مصر الفتاة هم المطالبون اليوم بأن يقوموا بهذا الدور الخطير في حياة مصر والإسلام.
وهذا من شأنه أن يحملنا على التفكير لكي نعدل حياة مصر والإسلام، وهذا من شأنه أن يحملنا على التفكير لكي نعدل اسم الحزب وبرنامجه تعديلا يجعلها أكثر تصويرا لهذه الأهداف".

دعا أحمد حسين مجلسي الإدارة والجهاد لعقد اجتماع في 2 مارس 1940 وذلك لمناقشة المقترحات التي سيعرضها عليهم حول التغيير المزمع وللنظر في أمر الحزب ومبادئه.

عرض أحمد حسين فكرته عن التغيير على المجتمعين، فأوضح أنه ظهر من رحلته أن العالم الإسلامى على معرفة بحركة الحزب، كما ذكر أن المبادئ التي اتخذها الحزب منذ البداية، كان الهدف منها تقوية الروح القومية وتشجيع كل ما هو مصري، فكانت كلها تنصب على القومية المصرية؛

والآن حان وقت تغيير هذه القواعد على شكل يجعل القومية التي يسعى إليها الحزب هي القومية الإسلامية، ويجعل نفوذ الحزب يمتد إلى كل الأقطار العربية والإسلامية، ليكون له أنصار وأعوان يساعدوننا على وحدة المسلمين التي نعمل من أجلها. وبعد أن عرض أحمد حسين فكرته على أعضاء المجلس ترك لهم فرصة للتفكير فيما عرضه عليهم لمناقشته في جلسة تالية.

عقد الاجتماع الثاني في 6 مارس 1940, وفتح أحمد حسين باب المناقشة ، فعارض بعض أعضاء المجلس في إجراء التغيير المقترح، وكان محور المعارضة يدور حول أن اسم مصر الفتاة قد ذاع في كل البلاد، وأن ذلك سيحتاج إلى وقت طويل حتى يألف الناس الاسم الجديد.

وقد أوضح فتحي رضوان سكرتير عام الحزب أن معارضته للتغيير إنما ترجع إلى أن الوقت لا يناسب التغيير، وأن ظروف الحزب القائمة لن تسمح لهم بإذاعة البرنامج ونشره خاصة وأنهم لا يستطيعون نشر شيء في جريدتهم " مصر الفتاة"

وعلى الرغم من المعارضة التى لقيتها فكرة التغيير، فإن المناقشة استمرت داخل الجلسة وأحمد حسين يرد ويبين أنه قد اقتنع بضرورة التغيير الشامل حتى للاسم قائلا أنه لا يستطيع عمل شاء الآن والحزب بحالته الحاضرة، في حين أنه يرى أن الحزب سيكسب كثيرا من هذا التغيير وسيجد المجال واسعا للكفاح والعمل.

وانتهت الجلسة بموافقة المجلسين على إجراء التغيير المقترح، ودعى المجلسان لعقد جلسة أخرى في 12 مارس لدراسة البرنامج الجديد الذي سيضعه أحمد حسين بنفسه.

وضع أحمد حسين البرنامج وأعد له مذكرة تفسيرية ، وعقدت الجلسة في الموعد المحدد وتناقش الأعضاء حول مواد البرنامج ، واقترح تعديل بعضها وقد أجرى ذلك التعديل ورفع البرنامج إلى الملك في 18 مارس 1940.

كان الهدف المعلن للتغيير أنه محاولة لتوسيع دائرة كفاح الحزب لتشمل العالم العربي والإسلامى، ولكن الهدف الحقيقي منه كان محاولة من جانب أحمد حسين لكسب المزيد من الأنصار والأعضاء لحزبه حتى تحقق له الجماهيرية التي كان ينشدها منذ البداية؛

خاصة وأن المراحل السابقة التي مرت بها مصر الفتاة لم تساعده على تنفيذ فكرته في بعث مجد مصر القديم، فرأى أن يطور كفاحه بإبراز الاتجاه الإسلامى في أيديولوجية الحزب، والانتقال خطوة إلى الأمام في دائرة أوسع والمناداة ببعث مجد الإسلام فعزف على وتر الحماس للدين الإسلامى؛

خاصة وأن المجتمع المصري بقيمه وتقاليده السائدة آنذاك أكثر استجابة للاتجاهات الدينية، هذا بالإضافة إلى أنه كان يدرك أبعاد نشاط جماعة الإخوان المسلمين المتزايد وسيطرتهم على الجمعيات الإسلامية الأخرى وتعاظم القوى الشعبية التي كانت تؤيدها ، فقد أسرع بتغيير اسم الحزب الوطني الإسلامى لينافس جماعة الإخوان في الزعامة الشعبية.

وقد ذكر أحمد حسين فيما بعد أن التغيير كان يهدف إلى الرغبة في التغيير فقد تحول حزب مصر الفتاة إلى الحزب الوطني الإسلامى ونشر برنامجه الجديد، وعلينا أن نتناول أهم ما جاء بهذا البرنامج.

نص البرنامج الجديد على تحرير مصر والسودان وتحقيق الوحدة العربية. ورسم الخطوط لتحقيق الجامعة الإسلامية. فقد نصت المادة الثانية منه على أن من غايات الحزب مكافحة الاستعمار للأمم الإسلامية في أي جزء من أجزاء العالم وتحرير البلاد الإسلامية، وتحقيق الجامعة الإسلامية وإحياء مجد الإسلام ونشر رسالته في أرجاء العالمين.

وكما نص البرنامج أن وسيلته لتحقيق تلك الغايات هي أن يضطلع الحزب بمسئولية الحكم في البلاد، فقد نص على أنه يسعى للصول إلى الحكم بالطرق المشروعة ومن أهمها الحصول على تأييد الرأي العام في الانتخابات العامة والحصول على ثقة جلالة الملك صاحب عرش البلاد والعامل الأول على إشادة صرح مجدها ورفاهية شعبها وجمع كلمة العرب والمسلمين.

حدد البرنامج موقف الحزب من مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، ففيما يختص بالناحية التشريعية وبنظام الحكم في البلاد، فقد نص على ضرورة أن تستمد قوانين البلاد كل أصولها من الشريعة الإسلامية، أو بما لا يتعارض معها، كما نص على أن يكون نظام الحكم دستوريا طبقا لقواعد الإسلام يتمتع فيه الناس بالحرية الحقيقية والمساواة والشورى، وأن يتولى صياغة القوانين مجتمع من العلماء والمشرعين الذين تتمثل فيهم جميع مذاهب المسلمين.

وقد حدد الحزب مدة خمس سنوات من تسلميه مقاليد الحكم في البلاد لينفذ فيها برنامجه في الداخل ثم بعدها يواصل تنفيذ برنامجه الخارجي، أما إذا لم تتح له فرصة تولى الحكم فإنه لا يتردد في تأييد أي حكومة متى تعهدت بتنفيذ برنامجه.

وأهم ما يلفت النظر فيما نص عليه البرنامج وانطلاقا من فكر مصر الفتاة المبكر في ضرورة نشر الروح العسكرية بين المواطنين وخاصة بين الشباب والعمل على تنظيمهم ، وإن كان قد خطا خطوة أبعد من ذلك.

فقد نص على ضرورة أن تكون المصالح الحكومية خاضعة لنظام شبه عسكري وأن يوحد زى الموظفين جميعا. هذا فضلا عن أن المدارس على اختلاف أنواعها ودرجاتها يجب أن يكون النظام بها نظاما شبه عسكري فيوحد الزى لجميع الطلاب، وعليهم تأدية التدريبات العسكرية، كما أن الزى لابد وأن يكون من المصنوعات المصرية.

ولعل هذا يوضح مدى إصرار الحزب على صبغ المجتمع المصري بصبغة شبه عسكرية حتى بعد أن تحول إلى حزب اسلامى يرى أن وسيلته لتولى الحكم هو الحصول على تأييد الرأي العام والحصول على أغلبية في الانتخابات إلا أنه لم يستطع أن يتخلى عن فكرته القديمة في تكوين " الميليشيا الفرعونية" للوصول إلى الحكم بالقوة لبعث مجد الإسلام. ولعل هذا أهم ما أتى به البرنامج الجديد.

كانت المعارضة التي قوبلت بها فكرة التغيير مبنية على أن ظروف الحرب القائمة لا تتيح القيام بأي نشاط في سبيل عرض البرنامج الجديد والعمل على نشر ما حواه من مبادئ بين المواطنين.

وقد تأكد ذلك فيما بعد فلم يكن الحزب بقادر على ممارسة نشاطه السياسي بأي شكل من الأشكال فقد كانت الرقابة مشددة على الصحف، فكانت تظهر فيها الصفحات البيضاء دلالة على كثرة الحذف الذي أعلمه فيها قلم الرقيب، هذا فضلا عن الأحكام العرفية فلا اجتماعات ولا نشاط سياسي.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تجربة التغيير كانت تحمل عوامل فشلها داخل تكوينات الحزب نفسها، فقد قوبلت عملية التغيير بالرفض من جانب بعض شعب الحزب، ففي الإسكندرية عقدت اللجنة العمالية المشكلة بحي " وموز" للعمل على مبادئ الحزب الوطني الإسلامى اجتماعا بتاريخ 31 مارس 1940 نوقشت فيه مسألة العودة في استخدام الإسلام القديم للحزب وهو " حزب مصر الفتاة"

ووافق الأعضاء على ذلك، هذا فضلا عن أن إسماعيل عامر المشرف على لجان الحزب بالإسكندرية دعا الأعضاء إلى اجتماع يعقد في 2 أبريل ليدلى إليهم بالأسباب التي دعت إلى تغيير الاسم والعودة إلى الاسم القديم.

عقد الاجتماع في الموعد المذكور وتولى رئاسته عبد الحميد المشهدى عضو مجلس إدارة الحزب فافتتح الاجتماع قائلا:

" عليكم أن تعودوا إلى نشر مبادئ الحزب القديمة والدعاية لها في كل مكان، وألا تتصادموا مع أي شخص أو حزب لأننا في حالة هدنة الآن وسنتبعها بحركة تتطلب منكم جهودا عظيمة... ولكننا إذا ما لجأنا إلى الهدنة اليوم فليس ذلك إلا لخطة مرسومة سنواصل بعدها كفاحا أنتم نواته" .

وفى ختام الاجتماع طالبهم المشهدى بضرورة أن يترددوا على دار الحزب بالإسكندرية لكي يقفوا على ما ينقله لهم إسماعيل عامر من التعليمات التي سيزوده الحزب بها عن طريق البريد، وذلك لأن الحزب في حالة لا تمكنه من القيام بنشاطه، فالبوليس يراقبهم والرقابة مفروضة بشدة على صحيفة الحزب.

هذا فضلا عن أن عملية التغيير قد أحدثت صدعا في وحدة الحزب فنشبت الخلافات بين أعضائه، ولعل مطالبة المشهدى رغم أزهريته لشعبة الإسكندرية بالعودة إلى الاسم القديم تؤكد ذلك الموقف ، فالمشهدى عضو مجلس إدارة الحزب ولابد وأنه على دراية وإلمام بسياسة الحزب العليا، ولعل ما يؤكد ذلك أن تقدم كثير من أعضاء الحزب باستقالاتهم من عضويته، وكمثال على ذلك فقد تقدم بعض أعضاء شعبة بور سعيد باستقالاتهم احتجاجا على التغيير.

هذا وإن كان الحزب لم يعلن عن ذلك رسميا، إلا أن جريدته عادت إلى ذكر الاسم القديم في بعض المقالات منها مثلا" من حزب مصر الفتاة إلى دولة رئيس الوزراء" هذا فضلا عن أن جريدة الحزب ظلت كما هى فلم يتغير اسمها وبقيت باسم " مصر الفتاة".

أدرك الحزب أنه لم يحقق نجاحا فيما قصد إليه بعملية التغيير فبدأ يسعى إلى تنظيمات جديدة بين صفوفه فأعلن أن على مصر الفتاة أن تراجع نظامها الداخلي في الوقت الحاضر وأن تصلح من أخطائه، وأن تسد ما فيه من ثغرات مستفيدة من تجاربها منذ البداية، فعليها مراجعة موقف كل عضو من أعضاء الحزب؛

فذكرت أن من كان ضعيفا خوارا، ومن كان يتخذ من عضويته زينة أو ترفا، ومن كان يعتبر أن الوطنية على هامش حياته فعليه أن يخرج من بين صفوف العاملين في الحزب، ومن أثقلته أعباء الكفاح فلينأى بنفسه، ومن أراد أن يبقى في صفوفها فعليه أن يلتحق بالتدريب العسكري في المدارس والجامعات، أو في ميادين التدريب التي أعدتها الحكومة لتدريب الجيش المرابط.

ومصر الفتاة في هذا لم تستطع أن تتخلى عن فكرتها في خلق القوة التي تساعدها في الوصول إلى الحكم، هذا فضلا عن أن الحزب كان يعد للقيام بثورة مسلحة يتولى على أثر نجاحها مقاليد الحكم في البلاد، ولهل هذا يفسر سر تشدده مع الأعضاء في ضرورة الالتحاق بالتدريب العسكري.

إلا أن ظروف الحرب التي كانت قائمة شدت انتباه معظم جماهير الحزب إلى متابعة أحداثها هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن ما فرضته الحرب من أعباء اقتصادية تمثلت في ارتفاع أسعار المعيشة وقلة المواد التموينية عن حاجة الجماهير، قد شغلتهم هذه الأوضاع إلى حد كبير عن النضال السياسي فلم يواصل الأعضاء دفع التزاماتهم المالية تجاه الحزب، مما جعله يجدد نداءه إليهم بأن من أثقله الكفاح فلينأى بنفسه بعد أن اتضح له تراخيهم عن الجهاد الحق.

ظلت الأوضاع داخل الحزب على هذا المنوال السابق ، الأعضاء تشدهم مشاكل الحياة اليومية عن "الجهاد" وعن تقديم أدنى قدر ممكن من التزاماتهم المالية نحو الحزب، والحزب غير مستطيع أن يقوم بأي نشاط سياسي حر، في اجتماعات ولا نشر في الجريدة إلا ما تسمح به الرقابة ، فهو في هذه الفترة أو منذ بداية الحرب أشبه بالجسد الذي لا يحمل بين جنبيه روحا تحركه.

ولقد كان للانجليز منه موقفا فطالبوا الحكومات المتعاقبة في فترة الحرب بضرورة اعتقال أعضائه لتأكدهم أنهم لا يؤيدون جانب الحلفاء ، وإنما هو موالون للمحور، ولكن وزارة على ماهر ومن بعده حسن صبري أهملوا ذلك الطلب من جانب الإنجليز ما دام ليس هناك ما يبرر هذا الإجراء؛

فلما كانت حركة رشيد غالى الكيلانى في العراق والتي شارك فيها مصطفى الوكيل عضو الحزب بنصيب كبير، وما أعلنه الحزب من تأييده لتلك الحركة، ضغط الإنجليز وتشددوا في موقفهم فلم تجد وزارة حسين سرى مناصا من القبض على غالبية أعضاء الحزب ورئيسه وإيداعهم السجون منذ مايو 1941 وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية على وجه التقريب .

إن الظروف التاريخية التي نشأت فيها مصر الفتاة، هذا فضلا عن النشاط السياسي والاقتصادي لأحمد حسين قبل إعلان قيام الجمعية، كل ذلك يمهد لقيام الجمعية التي تعد نوعا جديدا من أنظمة سياسية تؤمن باتخاذ أساليب جديدة لحل المسألة المصرية؛

أما نشاط أحمد حسين المبكر والذي دار كله حول إيمانه بضرورة إعادة أمجاد مصر، لكي تكون سيدة العالم من جديد، ولكي يتحقق ما آمن به أحمد حسين ورفاقه منذ البداية فقد مر ذلك الإيمان بعديد من المراحل منها العمل بالتحالف مع الأحرار الدستوريين ومطالبة محمد محمود بالعمل على إعادة مجد مصر وأن يحقق لها ما حققه موسولينى لإيطاليا ، ومنها مرحلة تصدى أحمد حسين لهذا العمل بنفسه في عام 1930 بدعوته إلى تكوين " الميليشيا الفرعونية" أو " جيش الخلاص" مستهدفا من وراء ذلك إعادة مجد مصر القديم على يديه؛

ولما لم تنجح المحاولة عاد يقرع أسماع المصريين بمشروع اقتصادي قومي وفى ظروف مناسبة في وقت الأزمة الاقتصادية العالمية، فكان مشروع القرش للنهوض بالصناعات الوطنية، استطاع أحمد حسين أن يهز به كيان المجتمع المصري ويرتفع باسمه وبجماعته إلى المستوى القومي، وقد مهد به لخطوته التي جاءت بعده فألف جمعية مصر الفتاة لتحقيق هدفه المبكر بعد أن كسب جماهيرية وخبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري من خلال العمل في المشروع.

وفى حقيقة الأمر إن كل هذه المراحل التي سبقت إعلان جمعية مصر الفتاة تعد بحق إرهاصات لها، فقد كانت كل خطوة مرحلة من مراحل الدعوة لها وتهيئة المجتمع المصري لذلك التيار الفكري الجديد الذي يؤمن باستخدام القوة لتحقيق استقلال البلاد، فلما أعلن قيام الجمعية كان أحمد حسين ورفاقه من جماعة المؤسسين لها، يستهدفون تحقيق المزيد من الأعضاء والأنصار؛

حتى تمكنه تلك الجماهيرية من تحقيق هدفه، ومن هذا المنطلق فقد سعى أحمد حسين إلى عدد من التطورات التي مرن بها فكرة مصر الفتاة، فبعد أن لم تستطع الجمعية بظروفها المحيطة بها وبطبيعة تكوينها من تحقيق الجماهيرية التي كان ينشدها سعى إلى تحويلها إلى حزب سياسي عله يدرك نجاحا أوفر في المستقبل وإن كان قد التزم بما طرحته مصر الفتاة منذ بداية تشكيلها من مبادئ وتنظيمات إلى حد كبير؛

فلم يكن لهذه التجربة أن تحقق ما قصد إليه من التغيير وهو تحقيق الجماهيرية، فالجماهير في ذلك الوقت كانت تتعلق بحزب الوفد وبكفاحه إلى جانب الأحزاب الأخرى والجمعيات والجماعات الدينية التي انتشرت في ذلك الوقت، وعلى الرغم مما تعرض له حزب الوفد من انشقاقات بخروج بعض أعضائه عليه وحدوث صدع في تكوينه الداخلي، فقد حاولت مصر الفتاة استغلال انشقاق 1937 بخروج النقراشي وماهر على الوفد لصالحها إلا أنها لم تحقق إلا نجاحا ضئيلا في هذا الشأن.

وعندما تأكد لأحمد حسين وحزبه أن تجربة التغيير لم تحقق تقدما ملموسا في حياة مصر الفتاة ، وعندما أدرك أن جماعة الإخوان المسلمين قد حققت نجاحا منقطع النظير، هذا فضلا عن الجمعيات ذات الصبغة الدينية التي تسيطر عليها ومنها "جمعية الشبان المسلمين"

فقد سعى إلى تحويل حزبه إلى الحزب الوطني الإسلامى عله يدرك نجاحا أوفر يستطيع به أن ينافس جماعة الإخوان في الزعامة الشعبية لكن التجربة لم تصمد لاختبارات الزمن إلا أسابيع قليلة رأى بعدها العودة إلى أسلوب الكفاح القديم. وإن كانت ظروف الحرب التي ضربت أطنابها على البلاد لم تتح لهذه التجربة أن تمارس بحرية.

إن مراحل التطور التي مرت بها مصر الفتاة كانت كلها تدور حول هدف واحد، وهو أن يتهيأ لمصر الفتاة جماهيرية معينة تستطيع أن توصلها إلى الحكم بأي شكل من الأشكال وبأي أسلوب من الأساليب ، سواء كان ذلك عن طريق استخدام الأنظمة القائمة في البلاد أو باستخدام القوة وذلك لتحقيق برنامجها في إعادة مجد مصر؛

فكلما رأت مصر الفتاة أنها بقرب تحقيق هدفها وجدت نفسها تسير في حلقة مفرغة، وانتهت تجربتها بالفشل في إمكانية الوصول إلى الحكم وتحقيق حلمها القديم.

ولعل ما طرحته مصر الفتاة من مبادئ أفكار داخل المجتمع المصري كان شيئا خياليا رومانسيا، لم يدرك واضعوه حقيقة وضع مصر، في أنها دولة محتلة لا تملك إرادتها فتتمكن من تنفيذ البرامج الضخمة التي نادت بها، كما أن الأسلوب الذي حاولت مصر الفتاة استخدامه لتنفيذ برامجها كان أسلوبا غير مألوف في مصر، فإن تجربة التشكيلات شبه العسكرية التي أوجدتها اتضح أنها تشكل عدوانا على الحريات خاصة بعد أن اتخذ الوفد أيضا تشكيلات مماثلة.

وعلى الرغم مما كان يبدو من نجاح هذا الأسلوب في إيطاليا وفى غيرها من دول أوربا فلم يدرك أحمد حسين ومصر الفتاة أن هناك فروقا واضحة بين ظروف وطبيعة المجتمع والشعب المصري وبين ظروف وطبيعة الشعب الايطالي أو الألماني فلم يتحقق الهدف من محاكاة أنظمة سياسية بعينها.

كما أن التقلب الأيديولوجي في حياة مصر الفتاة بين النزعة القومية والنزعة الإسلامية، وهو التطور الذي نشأ في فكر أحمد حسين نفسه، كان له رد الفعل الأكبر على تنظيماته الداخلية، فلم يكفل لها هذا التقلب صفة الاستقرار والثبات فيتاح للمبادئ التي طرحتها في أي مرحلة من المراحل الاستمرار ، حتى ينمو الإيمان بها من خلال التجربة والممارسة؛

وإنما كان التغيير الدائم لها عاملا من عوامل فشل الحزب في تحقيق أهدافه في التطورـ هذا فضلا عن كثرة التنظيمات التي استخدمتها منذ البداية وتعقدها، مع قلة واضحة في عدد الأعضاء جعلت التداخل في اختصاصاتها واضحا، مما أدى إلى عدم فهم لطبيعة تكويناتها .

ولعل من المفيد أن ندرس تلك التنظيمات حتى يمكن تفسير حركة مصر الفتاة، فالهيكل التنظيمي الذي استحدثته كان يحمل سمات جديدة.

الفصل الرابع:الهيكل التنظيمي لمصر الفتاة

  1. المستوى المركزي
  2. المستوى الإقليمي
  3. التشكيلات شبه العسكرية
  4. الموارد المالية

إن تجربة التطور التي مرت بها مصر الفتاة لم تكن لتحقق لها ما آمنت به منذ البداية ، وما كرست نفسها له، فقد وضع أحمد حسين منذ البداية هدفا محددا لحركته وهو العمل لإعادة مجد مصر وحاول أن يستخدم كل الأساليب الممكنة لتحقيقه، إلا أنه لم يرسم الطريق لحركته كزى تسلكه فكانت النتيجة أن فشلت في تحقيق هدفها، وإن كانت قد أحدثت ردود فعل داخل المجتمع.

صاحب عملية التطور في جمعية مصر الفتاة تغيرات ملموسة في التركيب الداخلي لها بهدف تطوير هيكلها التنظيمي ليواكب عملية التطور، أملا في الوصول إلى الهدف المنشود ولابد لنا أن نتناول هذا الجانب حتى تتضح حركة التطور.

وسوف نتناول في هذا الفصل جانبين:

جانبا نظريا يتعلق بالقوانين النظامية المختلفة التي صاغتها مصر الفتاة وما طرأ عليها من تعديلات ، وكذلك التعليمات والتوجيهات التي كانت تصدر للأعضاء، فقد حددت تلك القوانين حركة مصر الفتاة داخليا، ونتناول درجات العضوية وتكوين اللجان الفرعية ، والتشكيلات شبه العسكرية وكوادرها المختلفة، والموارد المالية ومصادر التمويل.وقد خضعت كل تلك الجوانب التي حددتها القوانين للتعديل والتغيير كما سنرى.
أما الجانب الثاني فهو تطبيقي يتعلق بالممارسة يمكننا في النهاية معرفة مدى التزام مصر الفتاة بما أعلنته في الجانب النظري.أعلنت مصر الفتاة منذ بداية تكوينها أن أول عمل تريده هو تنظيم الصفوف لتصل إلى غايتها بأسرع وقت؛

وقد عبرت عن ذلك بقولها

" أننا نعيش في فوضى فيجب أن نعيش في نظام، وأن نجمع الشباب في صعيد واحد، وأن نعودهم النظام والطاعة، وأن نرسم لهم مثلا أعلى يحاولون الوصول إليه، وأن نملأهم إيمانا بحقهم، إيمانا بقوتهم، إيمانا بقدرتهم على العمل، وأن نحملهم على التقشف وعلى بغض اللهو والتخنث والتهتك، وأن يعبدوا الله، وأن يفنوا في سبيل الوطن وأن يلتفوا حول عرش الملك"

وقد اشتمل القانون النظامي لجمعية مصر الفتاة على مبادئ حددت أقسام الهيكل التنظيمي لها على الوجه التالي:

الأنصار:

وهم كل مصري يناصر مبادئ الجمعية ويهمه نجاحها فيساعدها باشتراكه الشهري وتنفيذ مبادئها ونشر الدعاية لها، ولكي يكون الشخص نصيرا عليه أن يملأ استمارة العضوية الخاصة بذلك والتي يتم تسجيلها في دفاتر الجمعية؛
ثم يمنح النصير بعد ذلك بطاقة عضوية، وعلى النصير أن يدفع اشتراكا شهريا قدره خمسة قروش، فإذا تأخر عن دفع اشتراكه شهرين متواليين بدون عذر يعتبر مستقيلا إلا إذا رأى رئيس الجمعية غير ذلك، والأنصار وحدهم الذين ينتخب من بينهم المجاهدون، فيجب على من يكون مجاهدا أن يكون نصيرا أولا لمدة شهر فإذا أتبت إخلاصه وكفاءته عين مجاهدا.

المجاهدون:

والمجاهد، هو الشاب الذي يرغب في القيام بدور إيجابي لتنفيذ مبادئ الجمعية بأن يندمج في فرقها النظامية، والتي مهمتها تنفيذ ما يلقى عليها من الأوامر لنشر الروح المعنوية.
ويخضع المجاهدون لنظام شبه عسكري أساه الخضوع التام للرؤساء وتنفيذ الأوامر بلا مناقشة أو تردد، ويتم تعيين المجاهد بعد موافقة مجلس أركان حرب الجهاد، بناء على ترشيح أحد أعضائه، أو بناء على ترشيح شعب الجمعية في الأقاليم، ويجوز دائما أن يعين مجاهدين بشرط أن يعرض أسماءهم بعد ذلك على المجلس لتسجيل هذا التعيين
وعلى المجاهد واجبات هى:
أن يكون جنديا يتصرف في كل أعماله بالروح العسكرية، روح النظام والشجاعة والخضوع للقوانين وطاعة الرؤساء، وأن ينفذ كل الأوامر الصادرة من رئيسه الأعلى، وإلا عرض نفسه للمحاكمة، وعليه أيضا أن يكون حائزا لزى الجمعية الرسمي، كذلك يحرك عليه شرب الخمر، أو ارتياد دور اللهو وأن يحافظ على جسده قويا سليما، وألا يلبس أو يأكل إلا كل ما هو مصري، ولا يتعامل إلا مع المحلات المصرية؛
وأخيرا عليه أن يدفع اشتراكا شهريا قدره عشرة قروش وأن يكون مشتركا في جريدة الجمعية وللرئيس أن يعفى بعض المجاهدين من هذا الالتزام كله أو بعضه. وهؤلاء المجاهدون ينضوون تحت لواء تشكيلات عسكرية لها كوادرها وتنظيماتها
وهى:
التشكيلات شبه العسكرية:
لهذه التشكيلات كوادرها المختلفة التي تتكون من المجاهدين وهى على الوجه الآتي: كل اثني عشر مجاهدا يكونون قسما، يعين الرئيس من بينهم مجاهدا أول يكون رئيسا للقسم ومجاهدا ثانيا ليكون وكيلا له.
ومن كل أربعة أقسام تتكون كتيبة يعين لها الرئيس مجاهدا أول يتولى رياستها واثنين من المجاهدين الثواني يكونان وكيلين له، وكل أربعة كتائب تكون فرقة يعين لها الرئيس مجاهدا أول رئيسا لها يعاونه أربعة مجاهدين ثواني وكلاء له ، وكل أربعة فرق تكون لواء يعين له الرئيس مجاهدا وثمانية مجاهدين ثواني وكلاء له، وكل أربعة ألوية تكون فيلقا يعين الرئيس له مجاهدا أول وسبعة عشر مجاهدا ثانيا.
ولهذه التشكيلات سبه العسكرية أزياء رسمية وشارات مميزة تميز كل منها عن الآخر سواء كان ذلك في الزى الذي يرتدي المجاهد في كل كادر من الكوادر أو في الشارات التي يحملها كل منهم والرتب التي يضعها على ذراعه الأيسر، ولهذه التشكيلات أيضا مجلس أعلى هو مجلس أركان حرب الجهاد يشرف عليها أيضا مجلس أعلى هو مجلس أركان حرب الجهاد يشرف عليها وينظم كل ما يختص بها من شئون؛
فهو يصدر الأوامر ويرسم الخطط التي من شأنها تنفيذ مبادئ الجمعية وإنجاحا، ويقرر تعيين المجاهدين، ويتكون هذا المجلس من كل من رؤساء الأولوية والفيالق، كما أن لهذا المجلس مستشارا له حق حضور كل جلساته وله أن يدلى بآرائه وله حق التصويت في المجلس . أما عن كيفية اكتساب الأنصار لدرجة المجاهد فإن ذلك يتم بناء على حفل يقام لهذا الغرض.
تنصيب المجاهد:
يكون تنصيب المجاهد في حفلة عامة يحدد رئيس الجمعية ميعادها ويعلن عنها في جريدة الجمعية قبل الموعد بثلاثة أيام على الأقل ، ويجب أن يحضر الاحتفال أقسام المجاهدين بعدد الأعضاء الذين سيعينون مجاهدين، إلا إذا كان الاحتفال بحضور أعضاء مجلس الجهاد؛
وذلك تشريفا للمجاهدين الجدد، فإذا كانت المدينة لا يوجد بها أقسام فيكتفي في هذه الحالة بحضور الرئيس أو مندوبه الرسمي الذي يعين خصيصا لذلك، ويشترط لحضور هذا الحفل أن يرتدى الجميع الأزياء الرسمية للجمعية، وعند بداية الحفل تقف أقسام المجاهدين على شكل مثلث متساوي الأضلاع وفى وسطه يركز علم الجمعية ويقف تحته الرئيس أو من ينتدبه لذلك ثم ينادى على المرشح ويتلو عليه قرار مجلس أركان حرب الجهاد القاضي بتعيينه مجاهدا؛
ثم يوجه إليه السؤال الآتي:
" هل أنت مستعد أن تكون مجاهدا في جمعية مصر الفتاة، فتضحي بنفسك وكل ما تملك في سبيل الله والوطن والملك، وهل تقسم على الخضوع لنظام الجمعية العسكري، وأن تكون مطيعا لرؤسائك مهما كلفك ذلك"
فيجيب المرشح مستعد واقسم ويتلو الرئيس أو مندوبه القسم ثم يتلوه المرشح وهو " أقسم بالله وبالوطن وبالملك أن أقف نفسي وجهدي ومالي في سبيل مبادئ الجمعية وبرنامجها وأن لا أتأخر عن أية تضحية يتطلبها منى الجهاد، وأن أكون خاضعا لنظام الجمعية العسكري، محترما لرؤسائي منفذا ما يلقى لي من الأوامر في حدود القانون بلا مناقشة أو تردد" .
وهنا يقلده الرئيس أو مندوبه شارة الجمعية (عبارة عن قطعة من القماش الأحمر بها ثلاث مثلثات بيضاء) وبذلك يصبح منذ ذلك الوقت مجاهدا ينضوي تحت لواء الكوادر سالفة الذكر. وفى قمة هذه التنظيمات وعلى رأسها يتشكل مجلس الجهاد وهو أعلى سلطة في الجمعية.
مجلس الجهاد:
يتكون هذا المجلس من خمسين عضوا اشتركوا في تأسيس جمعية مصر الفتاة أو شعبها في الأقاليم أو في أحياء القاهرة، وعضويته حق لكل رئيس شعبة معترفا بها رسميا أو سكرتيرها إذا لم يكن لها رئيس، ومع ذلك يجوز لمجلس الجهاد أن يضم إليه أعضاء جددا للاستعانة بكفاءاتهم بشرط أن يوافق الرئيس على ضمهم، وتعقد اجتماعاته مرة في يوم الجمعة الأول من كل شهر ، إلا إذا طلب الرئيس عقده؛
وكذلك فإن جلساته سرية لا يجوز حضورها إلا لأعضائه، وفى حالة الضرورة الملحة لا يجوز لأحد حضورها إلا بتصريح خاص من المجلس بموافقة ثلاثة أرباع أعضائه، أما حضور الجلسات للأعضاء يجب أن يكون بالزى الرسمي للجمعية؛
وقبل أن يباشر عضو مجلس الجهاد عمله في المجلس عليه أن يقسم القسم التالي
" أقسم بالله وبالوطن والملك أن أقف نفسي وجهدي ومالي في سبيل تنفيذ مبادئ الجمعية وبرنامجها، وأن لا أتأخر عن أي تضحية يتطلبها منى الجهاد، وأن أوؤدى أعمالي بإخلاص ووفاء في حدود قانون الجمعية ، وأقسم أن أحافظ على سرية المداولات وألا أذيع حرفا واحدا منها بدون إذن الرئيس"
وكذلك فإن على عضو المجلس أن يقدم 10% من دخله الشهري للجمعية وأن يقوم بتأدية ذلك بما يوحيه إليه شرفه وضميره على ألا يقل ذلك عن عشرين قرشا في الشهر بأي حال من الأحوال.
اختصاصات مجلس الجهاد:
مجلس الجهاد هو الهيئة التشريعية للجمعية، فهو المختص بإصدار القوانين بناء على اقتراح من الرئيس أو من أحد الأعضاء، وعليه أيضا ن يراقب مالية الجمعية ويشرف عليها ويعد ميزانيتها السنوية، وهو أيضا بمثابة محكمة استئناف تستأنف إليها كل القرارات الصادرة من أية هيئة أخرى بشرط موافقة الرئيس، وتعرض عليه كل القرارات والأعمال التي صدرت في غيبته لكي يحاط علما ويصدق عليها، وهو الذي يرسم سياسة الجمعية العليا؛
ومنها مثلا علاقة الجمعية ببقية الهيئات السياسية الوطنية أو الأجنبية، ويكون رأى المجلس في هذا الصدد استشاريا ، ما لم يصدر قراره فيها بأغلبية ثلاثة أرباع المجلس فيصبح رأيه قطعيا ، وله أيضا أن ينظر في ضم أعضاء جدد إليه، ويشكل من بين أعضائه محكمة لمحاكمة من يرى محاكمته من أعضائه أو غيرهم من هيئات الجمعية، ويعتبر كل عضو من أعضائه رئيسا لكتيبة من فرق المجاهدين.

أما فيما يختص بتكوين فروع للجمعية في الأقاليم، وما هي تلك الفروع فقد حددها القانون على الوجه التالي:

اللجان الفرعية للجمعية في الأقاليم:

تؤلف في عاصمة كل مديرية أو محافظة شعبة للجمعية، من عدد من الأعضاء لا يقل عن خمسة عشر إلا بتصريح خاص من مجلس الجهاد، وأن يكون لهذه القلة ما يبررها ، وبمجرد اجتماع هذا العدد، يحرر محضر رسمي بتشكيل الشعبة، وترسل صورة منه موقعا عليها من جميع الأعضاء إلى المركز الرئيسي، وترسل دعوة لسكرتير عام الجمعية لحضور جلسة تأسيس الشعبة رسميا؛
وترسل دعوة لسكرتير عام الجمعية لحضور جلسة تأسيس الشعبة رسميا، ويتولى رئاستها أما بنفسه أو بإيفاد أحد أعضاء مجلس الجهاد مندوبا عنه، فإذا تكامل أعضاء الشعبة الموقعون على المحضر الأول يلقى عليهم السكرتير العام أو مندوبه تعليمات الجمعية ومبادئها بصفة رسمية ويرسم لهم خطة العمل، ثم يتشاور معهم فيمن ينتخبونه رئيسا وسكرتيرا وأمينا للصندوق، فإذا قر رأيهم بأغلبية ثلاثة أرباع الأعضاء، نفذ القرار وإلا ترك الأمر لرئيس الجمعية ليفصل فيه.
وبمجرد تأليف الشعبة يكتتب أعضاؤها بمبلغ من المال يكون رأسمال للشعبة لتتمنك من القيام بالأعمال التأسيسية ، ثم يحرر محضر رسمي لما دار في الجلسة ونتيجة الانتخابات وما دفع من أموال ويوقع عليه جميع الأعضاء والسكرتير العام أو مندوبه، وعلى السكرتير العام أو مندوبه رفع هذا المحضر إلى مجلس الجهاد للتصديق عليه وبهذا تعتبر الشعبة قد تم تكوينها رسميا.
لكل شعبة في منطقتها اختصاصات مجلس الجهاد بأعماله، وتسرى عليها كل قواعده وأنظمته، وعضو الشعبة مجاهدا أول لقسم في تشكيلات المجاهدين، وعلى الشعبة أن تقوم بنشر الدعاية لمبادئ الجمعية عن طريق المطبوعات والاجتماعات وعليها أيضا أن تجمع الأنصار وأن تقوم بتحصيل اشتراكاتهم لمساعدة الجمعية في القيام بأعمالها، على أن أهم عمل أنيط بالشعبة أن تقوم به هو إعداد الشباب ليكونوا مجاهدين؛
فتقوم بالتدريبات العسكرية مستعينة في ذلك ببعض الأشخاص الذين سبق لهم الالتحاق بالعسكرية، وعليها أن ترشح من بين أعضائها، من أظهروا استعدادا وتفانيا ليكونوا مجاهدين ينتظمون في سلك التشكيلات النظامية، فإذا ا تم تعيين المرشحين مجاهدين أصبحوا يخضعون في علاقاتهم لمركز القيادة العامة في القاهرة مباشرة؛
ومن مهام الشعبة أيضا، أن تعمل على فتح مدار لمحو الأمية ، أو أن تساعدهم في إنشاء مؤسسة صناعية، أو جمعيات تعاونية، وعليها أيضا أن تقوم بتأليف العصب في المراكز ، والعصبة تتكون من عشرة أعضاء على الأقل ويجرى تشكيلها على نمط تشكيل الشعبة؛
ويقوم بالتأسيس سكرتيرو " الشعب" ، وتقوم العصبة بنشر مبادئ الجمعية وجميع الأنصار وتحصيل اشتراكاتهم وكذلك إعداد الشبان ليكونوا مجاهدين، وعلى العصبة أن تقوم أيضا بتأليف جماعات في القرى من سبعة أعضاء ويجرى تشكيلها بنفس الطريقة السابقة وتكون علاقتها بالعصبة كعلاقة العصبة بالشعبة.

الجمعيات العمومية لهيئات الجمعية:

تنظم كل شعبة جمعية عمومية من أعضائها ورئيس وسكرتير وأمين صندوق كل عصبة ليتداولوا في شئون الجمعية في منظمتهم، وهى مراجعة حسابات المنطقة والموافقة عليها، إعداد تقرير سنوي بخلاصة أعمالهم، انتخاب عضو من كل عصبة غير الرئيس والسكرتير وأمين صندوق الشعبة لحضور الجمعية العمومية في القاهرة، وقد حدد موعد عقد الجمعيات العمومية للشعب في الفترة ما بين العيد الأصغر والعيد الأكبر.
أما الجمعية العمومية التي تعقد في القاهرة فقد حدد أول أيام عيد الأضحى موعدا لعقدها، برئاسة رئيس الجمعية وتتكون عضويتها من كل من أعضاء مجلس الجهاد، ورئيس وسكرتير وأمين صندوق كل شعبة، وعضو من كل عصبة وفيها يتلو الرئيس تقريره عن أعمال الجمعية في أنحاء البلاد، على أن يتضمن هذا التقرير أهم ما جاء في تقارير الجمعيات العمومية للشعب، ثم يتحدث مندوب عن كل شعبة بما لديه من الاقتراحات لينظر فيها مجلس الجهاد ويحقق ما يمكن تحقيقه ، وللجمعية العمومية حق ضم أعضاء جدد تختارهم إلى مجالس الجهاد.

الموارد المالية للجمعية:

تتكون الموارد المالية للجمعية من اشتراكات الأنصار ومقدارها خمسة قروش شهريا، واشتراكات المجاهدين ومقدارها عشرة قروش شهريا، والتبرعات والهبات وأرباح المؤسسات والمشروعات التي قد تنشئها الجمعية، هذا بالإضافة إلى نصيبها من دخل أعضاء مجلس الجهاد وهو 10% من دخلهم، كذلك فإن الشعب والعصب والجماعات تقوم بواسطة أمناء صناديقها ، بتحصيل الاشتراكات من الأنصار والمجاهدين وتقبل الهبات المقدمة من أعيان منطقتها؛
وعلى الجماعة أن تحتفظ أيضا بثلاثين في المائة من مجموع المتحصل لديها، وتسلم الباقي للشعبة التي تحتفظ بثلاثين في المائة، وتسلم الباقي لمجلس الجهاد، ويمكن تعديل تلك النسبة بواسطة المستوى الأعلى، ويجرى قيد حسابات الجمعية بجميع هيئاتها في دفاتر منظمة بحيث يمكن مراجعتها في كل وقت ومراقبتها، وعلى أن تودع أموال الجمعية في بنك مصر باسم الجمعية أو باسم أي أشخاص آخرين يعينهم مجلس الجهاد في حالة الخوف من مصادرة أموال الجمعية. هذا وقد تشكلت الهيئة الإدارية للجمعية من كل من الرئيس والسكرتير العام والسكرتير المساعد وأمين الصندوق.

هذه هي النواحي التنظيمية لمصر الفتاة في عهد الجمعية، وعندما تحولت إلى حزب سياسي في يناير 1937 حدث تغيير في قانونها النظامي وإن ظل برنامجها كما هو،هذا ما سنتناوله لنقف على ما أضافه القانون الجديد من الناحية النظرية.

عندما تحولت جمعية مصر الفتاة إلى حزب مصر الفتاة في أول يناير عام 1937 نشر الحزب قانونه النظامي في جريدته " الضياء" في ذلك الوقت في 3 يناير 1937، ولقد أضاف هذا القانون عدة إضافات جديدة لقانون الجمعية. حددت مختلف أنظمة الحزب داخليا.

ففيما يختص بدرجات العضوية في الحزب فقد أصبح حق العضوية مكفولا لكل مصري متى كان حسن السير والسلوك مخلصا لمبادئ الحزب محترما لأنظمته ولوائحه؛

ولعضويته درجات منها:

النصير وهو كل مصري يعطف على الحزب ويعاونه قلبيا وماديا، يعمل على نشر مبادئه، يصوت له في الانتخابات دون أن تكون له صفة رسمية أو يدرج اسمه في سجلات الحزب، وقد استحدث الحزب درجة جديدة من درجات العضوية وهى درجة العضو العادي
وهو الذي ينضم رسميا للحزب فيسجل اسمه في سجلاته بعد أن يحرر استمارة العضوية ويمنح بطاقة العضوية ويدفع اشتراكا شهريا مقداره خمسة قروش، أما المجاهد فقد ظلت شروط عضويته كما كانت عليه في عهد الجمعية.
وبقى للمجاهدين مكانتهم في الهيكل التنظيمي للحزب، وبعد أن حلت جميع منظمات الحزب في 5 نوفمبر 1938 أعلن أحمد حسين أن على كل عضو يرغب في أن يكون مجاهدا في الحزب أن يكون مالكا لملابس التدريب العسكري كما حددتها وزارة المعارف؛
وكذلك لكي يعتمد المركز الرئيسي أي شعبة من الشعب أن يكون بها اثني عشر مجاهدا على الأقل يؤلفون وحدة منظمة بملابس التدريب العسكري ويواظبون على دفع الاشتراكات الشهرية ويكونون مستعدين لتنفيذ كل ما يصدر لهم ما أوامر وتعليمات الحزب؛
وإذا قل العدد عن اثني عشر مجاهدا منظمين فيصدر القرار بحلها، ولاعتماد العصب في القرى أن يكون بها خمسة مجاهدين على الأقل يؤلفون وحدة منظمة بملابس التدريب العسكري ولكي تعتمد أحداها لابد من تقديم استمارات عضوية جديدة مصحوبة بصور الأعضاء وبصورة جماعية لهم بملابس التدريب.
وهكذا نرى أن درجات العضوية قد اختفت منها درجة النصير والعضو العادي وأصبح ضروريا أن يكون كل عضو مجاهدا.
أما عن الجديد الذي استحدثه الحزب، فقد نص القانون على أن يتولى إدارة الحزب وقيادة فرقه النظامية، كل من رئيس الحزب ومجلسي الإدارة والجهاد، أما عن الرئيس فقد نص البرنامج على أن أحمد حسين قد انتخب رئيسا للحزب، على أن يظل يتولى منصب الرئاسة ما بقى مخلصا لمبادئ الحزب عاملا على تحقيقها ، وحدد اختصاصاته بأنه هو وحده الذي يمثل الحزب أمام القضاء وأمام الحكومة وفى المعاملات مع الأفراد؛
وفى حالة وفاة الرئيس أو تنحيه أو عزله يتم انتخاب الرئيس الجديد بواسطة مجلسي الإدارة والجهاد، وعلى أن يتم الانتخاب في ظرف أسبوعين على الأكثر، على أن القانون لم يحدد طريقة عزل الرئيس وما هي الهيئة التي تملك هذا الحق، ونص القانون أيضا، على أن يعون الرئيس ويشاطره المسئولية في إدارة شئون الحزب مجلس إدارة مكون من عشرين عضوا غير الرئيس؛
ولهذا المجلس أن يزيد في عدد أعضائه عن ثلاثين عضوا غير الرئيس ويجب أن يكون في المجلس أعضاء يمثلون مختلف مديريات ومحافظات البلاد بقدر الإمكان، وأن ينتخب المجلس من بين أعضائه هيئة مكتب الحزب، وتتكون من وكيل وسكرتير عام وسكرتير مساعد وأمين صندوق ومراقب. هذا فضلا عن رئيس الحزب على أن توضع لائحة تحدد اختصاصات كل منهم، وقد حددت اختصاصات ذلك المجلس فيما يلى:

اختصاصات مجلس إدارة الحزب:

يتولى وضع التشريعات واللوائح الخاصة بإدارة الحزب، مراقبة ماليته، رسم سياسته العليا ، ضم أعضاء جدد إليه أو فصل أعضاء من عضويته لخروجهم على مبادئ الحزب أو إخلالهم بنظامه، وقرارات هذا المجلس تصبح نافذة المفعول متى صدرت بموافقة ثلاثة أرباع أعضائه، إلا إذا كان الرئيس مصدقا على القرار فتكفى أغلبية الأصوات، وتعقد اجتماعاته بناء على دعوة من الرئيس، أو بناء على طلب خمسة من أعضائه للنظر في جدول الأعمال ، الذي يعده السكرتير العام بالاتفاق مع الرئيس؛
كما نص القانون على أنه لا يجوز التخلف عن حضور الجلسات بدون عذر مقبول، ويعتبر التغيب بدون عذر إذا تكرر إخلالا يترتب عليه جواز فصل العضو من المجلس، وعلى كل عضو من أعضائه أن يدفع اشتراكا شهريا مقداره جنيه مصري أو عشرة جنيهات سنويا؛
وهنا نلمس أن اختصاصات مجلس الجهاد القديمة قد انتقلت إلى مجلس الإدارة مع بعض تعديلات طفيفة، وقد بقى مجلس الجهاد يشارك في إدارة الحزب وأن اقتصر عمله في الإشراف على المجاهدين وتنظيمهم ومحاكمتهم ، كذلك بقيت مسألة تكوين اللجان الفرعية للحزب في الأقاليم كما هي وبنفس كوادرها وشروطها السابقة.

الجمعيات العمومية لهيئات الحزب:

تنظم كل شعبة عمومية من أعضائها، ورئيس وسكرتير وأمين صندوق كل عصبة، ورئيس كل جماعة، ليتداولوا في شئون الحزب في منطقتهم، ومنها مراجعة حسابات المنطقة والموافقة عليها، وإعداد تقريرهم السنوي بخلاصة أعمالهم، وإجراء استعراض عام لمجاهدي الأقاليم، وتعقد تلك الجمعيات في الموعد السابق الذكر؛
أما الجمعية العمومية للحزب والتي تعقد في القاهرة فهي نفس الموعد أيضا، وحق حضورها مكفول لكل من أعضاء مجلس الإدارة، وأعضاء مجلس الجهاد، وأعضاء الجمعيات العمومية للشعب، وفيها يعرض الرئيس لسير أعمال الحزب من الناحية العامة، ويتولى السكرتير العام عرض تفاصيل شئون الحزب الداخلية، كذلك تختص تلك الجمعية بالنظر في المقترحات التي يتقدم بها مندوبو الشعب، وعليها أيضا أن تشهد الاستعراض لجميع مجاهدي البلاد.

أما عن الموارد المالية للحزب:

فقد كانت كما حددها القانون تتمثل في اشتراكات الأعضاء وأعضاء مجلس الإدارة وفى التبرعات والهبات وفى أرباح المؤسسات والمشروعات التي تقوم بها الشعب وإدارة الحزب؛
أما عن طريقة تحصيل تلك الموارد فهي نفس الطريقة السابقة، وأن يطرأ عليها تعديل واحد، وهو أن تحتفظ الشعبة بخمسين في المائة من جملة المتحصل لديها لتنفق منه على شئون الشعبة بخمسين في المائة من جملة المتحصل لديها لتنفق منه على شئون الحزب في منطقتها؛
وقد أسند قيد حسابات الحزب في كل مستوى من مستوياته إلى أمناء الصندوق على أن يتولى الإشراف على هذه الناحية أمين صندوق الحزب العام، الذي يقوم سنويا بمراجعة حسابات المناطق، على أن تودع الأموال المتجمعة لدى الحزب في أحد البنوك المصرية باسم الحزب، على أن يكون للرئيس ولأمين الصندوق معا حق صرف الأموال من البنك، وعلى أمين الصندوق أن يقوم بإعداد ميزانية سنوية للحزب لتقديمها لمجلس الإدارة حتى إذا ما وافق عليها يجرى العمل بمقتضاها كما يقدم الحساب الختامي كل عام للتصديق عليه.
كما نص القانون على أن لكل عضو من أعضاء مجلس الجهاد الحق في أن يصح عضوا في مجلس الإدارة متى رغب في ذلك بعد إكمال دراسته وكان قادرا على القيام بالتزامات العضوية في مجلس الإدارة، ومتى رشحه مجلس الجهاد ووافق على ترشيحه الرئيس الذي ترك له أيضا اختيار أعضاء مجلس الإدارة.
وعندما أعلن حزب مصر الفتاة عن تغيير اسمه إلى الحزب الوطني الإسلامى في مارس 1940 فقد أعد برنامجا جديدا يعبر عن تلك التسمية ويبرز الاتجاه الإسلامى للحزب في تلك الفترة على ما عداه.
إلا أن الحزب لم يضع قانونا جديدا ينظم حركة العضوية ويرسم الخطوط العريضة لنظامه الداخلي، ويبدو أن الحزب قد رأى في قانونه النظام السابق ما يفي بالغرض المطلوب، أو أن الأوضاع الداخلية للمجتمع المصري في زمن الحرب والأحكام العرفية والرقابة المفروضة بشدة على كل وسائل النشر حالت دون أن يعلن الحزب عن تنظيمات جديدة؛
فمن المؤكد أن نشاط الحزب في ظروف الحرب قد تجمد إلى حد كبير، إذا علمنا أن الحزب ينشط عندما يكون قادرا على عقد الاجتماعات ، وإلقاء الخطب، ونشر ما يستطيع عن طريقه أن يدير نشاطه الحزبي من تعليقات وتوجيهات لأعضائه في جريدته؛
ولكن ذلك النشاط كان محظورا في زمن الحرب، ولعل السبب الأكثر أهمية في عدم إعلان الحزب عن تنظيمات جديدة تتمشى مع خطته الجديدة في الكفاح السياسي، أن تجربة التغيير نفسها لم تصمد لاختبارات الزمن أو أنها ولدت ميت، فلم يحدث أي تغيير في حق العضوية وحركتها، وكذلك لم تظهر إلى الوجود له في أي بلد عربي و إسلامي كما هدف إلى ذلك.
حالت ظروف الحرب دون إحداث أي تنظيمات جديدة إلا ما كان يصدر عن الحزب في أوقات متفرقة من تعليمات للأعضاء حول ضرورة ممارسة التدريبات العسكرية في أي مكان يتاح لهم ممارستها فيه، أما في المعسكرات التي أوجدتها الحكومة لهذا الغرض ، أو بالانخراط في سلك الجيش المرابط. فيما عدا هذا لم تصدر أية تعليمات أو تنظيمات عن الحزب ولو من الناحية النظرية، ومن الواضح أن الحزب كان في فترة الحرب أشبه بمنظمة سرية، كما سنوضح ذلك فيما بعد.
لقد تناولنا الجانب النظري للهيكل التنيظمى لمصر الفتاة في مختلف أطوار حياتها خلال فترة الدراسة، ويتعين علينا دراسة الجانب التطبيقي لهذا الهيكل لنرى مدى الالتزام من جانب مصر الفتاة في تنفيذ هذه القوانين من الناحية العملية، وهل التزمت بحرفيتها أم كانت النظرية شيئا والتطبيق شيئا آخر.

الجانب التطبيقي لهيكل مصر الفتاة التنظيمي:

من المستحسن ونحن نتناول الحديث عن هذا الجانب من الهيكل أن نقسمه إلى أربعة أقسام رئيسية هي المستوى المركزي ونعنى به قيادة مصر الفتاة بمستوياتها المختلفة، ثم المستوى الإقليمي ونقصد به اللجان الفرعية لمصر الفتاة وعلاقتها بالمستوى المركزي، ثم التشكيلات شبه العسكرية لمصر الفتاة وكوادرها وعلاقتها بالمستوى المركزي، وأخيرا الموارد الملية لمصر الفتاة.
على أن معالجة هذا الجانب ستكون طبقا للواقع الذي لمسناه من حركة مصر الفتاة ونشاطها في مختلف الأطوار التي مرت بها، مع محاولة مقارنة بين ما خطته في قوانينها التنظيمية التي اتخذتها مصر الفتاة، ورد فعل الظروف الموضوعية للمجتمع في كل طور من تلك الأطوار على تكويناتها. ونخلص بمناقشة الموارد المالية لمصر الفتاة ومدى اتصالها بالقوى السياسية في مصر وخارجها.
أولا: المستوى المركزي:
ويتمثل في قيادة مصر الفتاة أو المركز العام لها، وهو بطبيعة الحال ذات كوادر مختلفة هي على درجة التحديد، الرئاسة ، السكرتارية العامة، السكرتارية، أمانة الصندوق ثم المجالس وهى مجلس الجهاد ومجلس الإدارة فيما بعد.
ويقتضى الأمر دراسة كل مستوى من تلك المستويات مع مناقشة العلاقة بينها، وكيفية إدارة اجتماعات هذا المستوى المركزي وطريقة اتخاذ القرارات، وقبل ذلك طريقة شغل هذه المناصب وكيف كان يتم ذلك، أهو عن طريق التعيين من جانب الرئيس، أم كانت عن طريق الانتخاب؟
وأخيرا طريقة الاتصالات بالمستوى الإقليمي وكيف كانت تجرى وما هي وسائلها. كل هذه قضايا سنحاول حسمها على قدر المادة المتاحة لنا وإن كان هناك الكثير من المادة غير المتاح الاطلاع عليها ذات أهمية كبيرة وفائدة عظيمة تحسم بالقطع كل هذه القضايا.
تولى أحمد حسين رئاسة جمعية مصر الفتاة عندما أعلن قيامها في 21 أكتوبر 1933 ، وإن كان ذلك قد تم دون أن ينص عليه برنامجها أو قانونها النظامي في ذلك الوقت، هذا بالإضافة إلى أنه لم يصدر عن الجمعية أية إشارات لمنصب الرئيس وطريقة توليه ذلك المنصب وهل هو بالتعيين أم بالاختيار أو عن طريق الانتخاب؟ لم تظهر مثل هذه التصورات إلى الوجود، إنما حقيقة ما حدث كما يرويه أحمد حسين نفسه، بأنه عندما تخرج من كلية الحقوق هو وزملاؤه فتحي رضوان وكمال الدين صلاح؛
وكذلك تخرج كل من عبد الرحمن الصدر من كلية الطب وصلاح الوكيل من كلية العلوم ومحمد صبيح من كلية الآداب طالبوه بأن يقدم على خطوته التي تلي مشروع القرش وهى تأسيس مصر الفتاة خاصة وأن مشروع القرش قد استنفذ أغراضه بإقامة مصنع الطرابيش من ناحية، وتحقيق الشهرة والخبرة بالعمل الجماهيري لأحمد حسين ورفاقه، فارتفعت أسماءهم على المستوى القومي؛
كما ذكرنا في الفصل السابق، فكانت المطالبة من جانب زملاءه له تعنى تسليمهم ضمنا بأنه رئيس حركتهم وزعيمها، وربما كان ذلك لأن أحمد حسين هو أول من فكر في إقامة مصر الفتاة لتعيد لمصر مجدها القديم إمبراطورية شامخة تتألف من مصر والسودان.
ظل أحمد حسين يتولى رئاسة الجمعية وبدأ يضع التنظيمات بعد أن مرت الجمعية بفترة التأسيس الأولى لنلمس بداية ظهور تلك التنظيمات، فيشكل ما سماه بالهيئة الإدارية للجمعية ، وقد كفل لها رئاسة الجمعية في فترة غيابه عنها في أي مكان خارج القاهرة، وكانت هذه الهيئة تتكون من كل من فتحي رضوان السكرتير العام، محمد صبيح السكرتير المساعد، أحمد السيد سكرتير اللجان وأحمد الشيمى أمين الصندوق.
تلك كانت أولى ملامح التنظيم الذي أعلنت عنه جمعية مصر الفتاة، ومن ثم أصدر أحمد قرارا آخر ينظم فيه طريقة سير العمل في الجمعية في فترة غيابه، وقد أناب فيه فتحي رضوان، للإشراف على الجمعية وعلى جريدة " الصرخة" على أن يتولى أحمد الشيمى المسائل المالية وبإشراف فتحي رضوان. هذا ويبدو أن أحمد حسين قد لجأ إلى أسلوب القيادة الجماعية في فترة غيابه في إدارة شئون الجمعية ريثما يعود هو ليتولى الرياسة ويجمع تقريبا كل الخيوط في يديه.
وعندما أعلن مجلس جمعية مصر الفتاة عن تحولها إلى حزب سياسي في جلسته المنعقدة في 31 ديسمبر عام 1936 ، نرى ملمحا جديدا من ملامح التنظيم فقد انتخب المجلس أحمد حسين رئيسا للحزب كما ذكرن ذلك جريدة " المقطم" وأن كانت جريدة الحزب " الضياء" دأبت على ذكر أحمد حسين مقترنا بالرئاسة دون أن تشير إلى تعيين أو انتخاب.
فذكرت تعيين أحمد حسين رئيسا للحزب ولكنها لم تشر إلى حسين ضمنيا دون أن يتم عن طريق الانتخاب. وقد ظل يمارس سلطات هذا المنصب دون أن يتم ذلك عن طريق الانتخاب.
وقد ظل يمارس سلطات هذا المنصب حتى بعد تحول مصر الفتاة في مارس 1940 إلى الحزب الوطني الإسلامى. ويتطلب الأمر أن نلقى نظرة على سلطات الرئيس كما كانت من واقع الممارسة الفعلية للنشاط السياسي لمصر الفتاة في مختلف المراحل .
تولى أحمد حسين بصفته الرئيس رئاسة جلسات الجهاد ومجلس الإدارة، وإدارة المناقشات فيهما، كما كانت له سلطة حل المجلسين، كما اتضح ذلك من القرار الذي أصدره بحل جميع منظمات الحزب في أواخر عام 1938 بقرار فردى من جانبه. هذا بالإضافة إلى أنه منح حق تشكيل مجلس إدارة الحزب، كما جاء ذلك في قرارات مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة عند تحولها إلى حزب سياسي أن المجلس " عهد إلى الرئيس اختيار الأعضاء الذين يصلحون لمجلس الإدارة" .
وبالرغم مما أصدره أحمد حسين بشأن تنظيم العمل في الجمعية في أثناء غيابه ، فإنه في مرحلة قد بدأ يتراجع عن ذلك النظام الجماعي الذي كان قد قرره بتشكيل الهيئة الإدارية للجمعية، فإنه في هذه المرة يصدر قرارا يحدد فيه الأشخاص الذين ينيبهم عنه في إدارة شئون الحزب؛
فجاء في القرار
" إلى مجلس إدارة حزب مصر الفتاة وإلى مجلس جهاده، قد أنبت عنى الأستاذ فتحي رضوان سكرتير الجمعية (هكذا) العام في إدارتها وتمثيلها أثناء سجني فإذا حدث له ما يمنعه من ذلك فالأستاذ عبد الحميد المشهدى. وإني أرجو أن يتعاون معهم أعضاء المجلسين في إخاء وصدق".
استحدث أحمد حسين في أواخر 1937 منصب نائب رئيس الحزب، وذلك عندما عاد مصطفى الوكيل من لندن في نوفمبر من نفس العام بعد حصوله على الدكتوراه في العلوم فبذل جهودا ضخمة في إعادة تنظيم صفوف مصر الفتاة، فبدأ نجمه يرتفع داخل تنظيمات الحزب، خاصة وأن فتحي رضوان كان قد بدأ يبتعد عن الحزب وعن المشاركة في نشاطه إلى حد ما؛
كما يتضح ذلك من خطاب أرسله أحمد حسين إليه يطالبه فيه بالحضور إلى الحزب بانتظام جاء فيه" أرجو أن تحضر إلى الحزب في مواعيد منظمة مهما قلت لهذا الرجاء استجابة كاملة، يطلب إليه أحمد حسين أن يتخلى عن منصب السكرتير العام على أن يبقى ذا مركز ممتاز في الحزب.
فرد فتحي رضوان على ذلك الخطاب يعرب عن رغبته في الاستقالة من مجلس الإدارة ومن عضوية الحزب، وفعلا تقدم فتحي رضوان باستقالته طالبا عرضها على مجلس الإدارة في أقرب فرصة ممكنة، إلا أن أحمد حسين لم يبت في هذا الموضوع كما سنرى؛
وفى ظل هذه الظروف من ابتعاد فتحي رضوان عن الحزب وارتفاع نجم مصطفى الوكيل نتيجة لتفانيه في الكفاح السياسي للحزب أن عينه أحمد حسين نائبا للرئيس، فأصبح يتولى مركز القيادة في الحزب في حالة غياب أحمد حسين فهو الذي يدير النشاط الحزبي من عقد للاجتماعات وتوجيه النداءات لأعضاء الحزب والإعلان عن التنظيمات الجديدة كما سنرى فيما بعد. وكذلك اخذ يكتب افتتاحية الجريدة.
أما فتحي رضوان فقد احتفظ بمنصب السكرتير العام، رغم تقديم استقالته، فقد حدث في نوفمبر 1937 أن أطلق عز الدين عبد القادر النيران على سيارة النحاس باشا، وكان من نتيجة ذلك أن اعتقل معظم أفراج الحزب ومنهم فتحي رضوان ، وفى أثناء إجراء التحقيق في القضية رأى محاميه مصطفى مرعى، أن يشير إلى الاستقالة التي تقدم بها من قبل ليثبت أنه مستقيل من حزب مصر الفتاة؛
إلا أن فتحي رضوان رفض ذلك وأحس بأن الحزب في محنة في أقل من أن يقف بجانب أحمد حسين في ذلك الموقف حتى ينجلي، وهدد محاميه إذا أشار لتلك الاستقالة بأنه سيقاطعه ويعلن عدم صحة ذلك ظل فتحي رضوان يتولى هذا المنصب، وإن كان نشاطه فيما بعد ذلك لا نكاد نلمسه إلا في فترات قليلة منها معارضته عند تحول الحزب إلى الحزب الوطني الإسلامى، إلى أن أعلن انفصاله تماما عن الحزب عقب حادث 4 فبراير وتأييد أحمد حسين للنحاس باشا في موقفه بخطابه إليه في هذا الصدد، وحاول أحمد حسين أن يسترضيه في ذلك الوقت بأن يتنازل له عن رئاسة الحزب؛
ولكن فتحي رضوان أدرك أن تلك هي ساعة النهاية بالنسبة له مع حزب مصر الفتاة المتجمد النشاط في ذلك الوقت بعد اعتقال معظم أعضائه، ونجح فتحي رضوان في اجتذاب عدد من الأعضاء الحانقين على تصرف أحمد حسين، وكونوا " اللجنة العليا لشباب الحزب الوطني" عام 1944.
أما منصب السكرتير المساعد فقد تولاه محمد صبيح طوال فترة البحث، فعندما أصدر أحمد حسين قراراته التي تنظم بالجمعية، كان صبيح هو الشخص الذي يلي فتحي رضوان، وقد تولى الإشراف على الجمعية في فترة سفر أحمد حسين وفتحي رضوان إلى لندن 1935، ثم في أواخر 1940 بعد سفر مصطفى الوكيل إلى العراق، وابتعاد فتحي رضوان.
أعلن أحمد حسين قبيل سفره إلى الحجاز في اجتماع الحزب يوم 24 ديسمبر 1940 أنه يسافر ويترك صبيح ليرعى الحزب وينمى قوته، وأشاد بجهاده في السابق عندما كانوا يسافرون ويتركون له الحزب. كذلك كان صبيح يتولى القيام بأعمال السكرتارية لاجتماعات مجلس الجهاد ، كما كان يتولى منصب أركان حرب الجهاد في الفرق النظامية، كما سنوضح ذلك في حينه.
أما أمانة الصندوق فقد تولاها أحمد عبد المطلب الشيمى منذ تأسيس الجمعية، ثم أسند ذلك المنصب في عام 1934 إلى محمود طاهر العربي، الذي كان يقوم بالتجسس على الجمعية لحساب القلم المخصوص بوزارة الداخلية.
وبعد أن اكتشف أحمد حسين علاقة طاهر العربي بالبوليس ، طرده من الحزب عام 1937 ، وقد تأكد ذلك بصفة قاطعة عند وقوع حادث الاعتداء على النحاس، فكانت كل التقارير المقدمة في القضية من إعداد طاهر العربي، وفى أول اجتماع لمجلس إدارة الحزب في 5 أبريل 1937 ، انتخب المجلس من بين أعضائه عبد الحميد شحاته كامل أمينا للصندوق، وكان يساعده في هذا المجال حسن حريو، فقد كان وكيلا لحسابات الحزب.
هذا ولم يظهر بعد ذلك تنظيمات جديدة تفيد أن هذا المنصب قد تولاه شخص آخر، ومن مهام ذلك المنصب تنظيم حسابات الحزب من اشتراكات وتبرعات أى تنظيم مالية الحزب بصفة عامة. والآن نتناول بالدراسة المجالس التي أوجدتها مصر الفتاة على اعتبار أنها الجانب الأكبر أهمية داخل المستوى المركزي.

مجلس الجهاد:

كانت الإجراءات التي يتخذها البوليس السياسي ضد مصر الفتاة تمنع الجمعية عن نشر أي شيء عن أعضاء ذلك المجلس أو عن اجتماعاته ، ولذلك لم يقع تحت أيدينا إلا تقارير البوليس التي بينت أول تشكيل له في عام 1935 وكان يضم تسعة أعضاء فقط. ثم نلمس تشكيل المجلس الثاني، من خلال الاجتماع الذي عقد في 31 ديسمبر 1936 للنظر في تحويل الجمعية إلى حزب سياسي، فكان يضم 33 عضوا هم.
وبهذا نلمس تطورا في تكوين المجلس إذ ازداد عدد أعضائه من تسعة في 1935 إلى ثلاثة وثلاثين عضوا في نهاية 1936، وإن كان الشرط النظري الذي نص على أنه مكون من خمسين لا عضوا لم يتحقق.
عند تحول الجمعية إلى حزب تنازل مجلس الجهاد عن سلطاته لمجلس الإدارة، ولكنه ظل يتولى الإشراف على الفرق النظامية شبه العسكرية، وتنفيذ القرارات التي يصدرها مجلس الإدارة.
وفى جلسة المجلس بتاريخ 23 أبريل 1937 يقرر المجلس استبعاد بعض أعضائه من عضويته ، ومعظم هؤلاء الأعضاء جدد لم يسبق لهم الانضمام إلى المجلس فيقرر المجلس فصلهم.
وهذا يوضح أن عضوية المجلس لم يكن لها صفة الاستقرار، فإن آخر اجتماع للمجلس كان في 31 ديسمبر 1936 ، وهذا الاجتماع بتاريخ 23 أبريل 1937 أي أن هؤلاء الأعضاء قد انضموا خلال تلك الفترة القصيرة وفصلوا أيضا خلالها، ومن خلال استعراض أسماء الأعضاء في جلسة تالية وجد أن بعض هؤلاء المفصولين كانوا من بين الحاضرين للاجتماع والذين شاركوا في مناقشاته.
وعندما صدر المرسوم الملكي بحل التشكيلات شبه العسكرية في مارس 1938 أعلن الحزب حل مجلس الجهاد وفرق المجاهدين وكل ما له علاقة بالتشكيلات العسكرية، ولكن عندما قررت الحكومة التدريب العسكري في المدارس، طالب الحزب أعضاءه بالانضمام إلى هذا التدريب. ومن ثم بدأ يظهر استخدام اسم مجلس الجهاد، ونص على أن كل عضو لابد وأن يكون مجاهدا بعد حل جميع منظمات الحزب في 5 نوفمبر 1938.
وعلى هذا فيمكن القول بأن قرارات هذا المجلس لم تكن لها فاعلية ولم تكن تحترم بدرجة كبيرة ، فإن التقلب الواضح في حركة العضوية داخل المجلس، وكذلك عدم احترام قراراته وتنفيذها ليدل دلالة واضحة على مدى الارتباك الذي كانت تعانيه قيادة الحزب، فحرصها الدائم على تجنيد أكبر عدد ممكن من الأعضاء، رغم أن بعضهم كان يعمل لحساب القلم المخصوص بالداخلية، فهي تسعى إلى إحراز الجماهيرية عن أى طريق، ولكن غياب الأهداف الواضحة ممكنة التحقيق عن نشاط الحزب، كان من نتيجته ذلك التذبذب في حركة العضوية.
وبالرغم من إعلان الحزب عن حل مجلس الجهاد، إلا أنه اجتمع في سبتمبر عام 1938 واقترح أحمد حسين على المجتمعين زيادة عدد أعضائه من خمسين إلى مائة عضو على أن يشترك فيه أعضاء من شعب الأقاليم.
وتقدم أحمد حسين بقائمة أسماء من أعضاء الحزب يرشحهم لعضوية المجلس. وكذلك تقدم بعض أعضاء المجلس بترشيحات جديدة، وترك أمر البت في هذه المسألة إلى جلسة تالية. ولكن بمتابعة التطور لهيكل المجلس لم يظهر ذلك الاقتراح إلى الوجود، إذ لم يكد يحل شهر نوفمبر من نفس العام، حتى أعلن أحمد حسين حل مجلس الجهاد، وكذلك حل جميع الشعب واللجان الموجودة في أنحاء البلاد، معلنا أن الأسباب التي دعته للإقدام على تلك الخطوة، هو ما لمسه من تهاون الكثير من أعضاء الحزب في تنفيذ مبادئ مصر الفتاة، وكذلك التفكك الملحوظ في وحدة أعضائه.
وقد تم إعادة تنظيم الحزب بسرعة على الورق ، وبزعامة مصفى الوكيل أعلن قادة الحزب تخليهم عن مواقعهم وأعلنوا أنهم جنود عاديين في الحزب. واشترط أحمد حسين لمن يريد أن يستأنف الكفاح معه، أن يعد ملابس التدريب العسكري، وأن يكون مستعدا لإطاعة الرؤساء الذين سيعينهم طاعة كاملة. وبذلك أصبح ضروريا أن يكون كل عضو مجاهدا واختفت صفات العضوية الأخرى.
اختفى مجلس الجهاد منذ حله إلى أن بدأ يظهر من جديد في منتصف عام 1939. فقد منح الحزب للأعضاء الذين أثبتوا ولاءهم له ولمبادئه كتابا سمى " كتاب العضوية" وهو يحتوى على برنامج مصر الفتاة، وكلمات الرئيس ، وكذلك فهو يحوى صورة للعضو ومعلومات عنه.
وفى اجتماع لحاملي كتاب العضوية هؤلاء أعلن أحمد حسين أنهم يكونون مجلس الجهاد الحالي بدل المجلس المنحل. إلا أنه لم يظهر إلى الوجود تشكيل رسمي بهذا المجلس وربما كان لإعلان قيام الحرب الأثر الواضح الذي ترك بصماته على النشاط الحزب برمته، فلم يرد ذكر لهذا المجلس مطلقا حتى نهاية الدراسة.
كذلك فإنه في مرحلة التغيير إلى الحزب الوطني الإسلامى لم تظهر أية تنظيمات خاصة به. هذا فيما يتعلق بدور مجلس الجهاد وتشكيله وسنتناول الحديث عن اختصاصاته من واقع الممارسة الفعلية للنشاط عند تناولنا للتشكيلات شبه العسكرية.
بقى أن نتناول المجلس الآخر الذي كان يعاون الرئيس في إدارة شئون الحزب وهو مجلس الإدارة ، فقد قرر مجلس جهاد جمعية مصر الفتاة بجلسته المنعقدة في 31 ديسمبر 1936 الموافقة على اقتراح الرئيس بتحويل الجمعية إلى حزب سياسي؛
وقرر تأليف مجلس إدارة للحزب يعاون الرئيس في إدارته، بحيث يكون لكل مديرية من المديريات ممثل، على ألا يزيد عددهم عن ثلاثين عضوا، وعهد إلى الرئيس اختيار الأعضاء الذين يصلحون لمجلس الإدارة، فانتخب الحاضرون من بينهم كل من فتحي رضوان، محمد صبيح، محمد حلمي الجيار، أحمد السيد، عبد الحميد المشهدى وبدوى صقر ليكونوا نواة هذا المجلس؛
وعهدوا إلى الرئيس أحمد حسين توجيه الدعوة لبعض السياسيين والمجاهدين القدماء، الذي أظهروا رغبتهم في الاشتراك في الحزب لاستكمال تأليف مجلس الإدارة.
إلا أنه في أول اجتماع للمجلس بتاريخ 2 أبريل 1937، اتضح أنه كان يتألف من أحمد حسين رئيسا، فتحي رضوان سكرتيرا وعضوية كل من محمد صبيح، عبد الحميد المشهدى، أحمد السيد، إسماعيل وهبي، عبد الحميد شحاته كامل، أحمد الشيمى، شعبان الكاتب وبدوى صقر.
وقد انتخب المجلس عبد الحميد شحاته كامل ليتولى أمانة الصندوق وتنظيم مالية الحزب. وقد اختفى اسم محمد حلمي الجيار من بين الأعضاء، فهو زعيم الشباب الوفدي بالدقهلية، فكان الجيار متقلبا بين وفديته وبين الانضمام لمصر الفتاة، فقد عاد لتولى قيادة فرق القمصان الزرقاء بالدقهلية، وانضم إلى جانب النقراشي بعد انفصاله عن الوفد، فأصدر الوفد بيانا بحل فرق القمصان بالدقهلية.
وإزاء هذا الأسلوب في اختيار مجلس الإدارة الذي لا يقوم على قاعدة معينة، رأى بعض المؤسسين لجمعية مصر الفتاة أنه يحق لهم الحصول على عضوية المجلس، ومن هؤلاء كان عز الدين عبد القادر الذي تقدم بطلب رفض رئيس الحزب تلبيته، فقدم استقالته من عضوية مجلس الجهاد.
وفى عام 1937 أيضا وعندما تقدم الحزب بعرائض إلى الملك لنزع الثقة من وزارة الوفد وإقالتها، كان مجلس الإدارة مكونا من أحمد حسين رئيسا، فتحي رضوان سكرتيرا عاما، محمد صبيح سكرتيرا مساعدا، شعبان الكاتب، أحمد السيد، بدوى صقر، عبد الحميد شحاته كامل، عبد الحميد المشهدى، مصطفى الوكيل وأحمد الشيمى أعضاء.
وقد تضمن تشكيل المجلس اسم مصطفى الوكيل، وهو في ذلك الوقت كان ما يزال في لندن ولم يعد إلى القاهرة، وقد عاد في 2 نوفمبر 1937، ويتضح من ذلك أن عضوية المجلس كانت تمنح لأعضاء غائبين عن مصر. ولا يتاح لهم المشاركة في النشاط الحزبي، فكيف كان ذلك؟
وبعد عودة مصطفى الوكيل من لندن انضم لعضوية مجلس الإدارة بالفعل ، وانضم معه أيضا بعض الأعضاء من الذين تخرجوا في الجامعة ومنهم نور الدين طراف، فخري أسعد، أنور فريد، على زين العابدين، محمد الزقاقى ، أحمد محيى الدين عبد الحليم وإبراهيم شكري.
هذا وقد رأى الحزب فيما بعد أن يضم إلى عضوية المجلس كلا من عثمان نجاتي، حمادة الناحل وكمال سعد في سبتمبر 1938 . ومن خلال الممارسة للنشاط الحزبي، وتذبذب عضوية المجلس بانضمام أشخاص بعيدين عن مصر الفتاة تماما وانفصالهم عنه بأسرع مما انضموا إليه، شرع الحزب يعيد تنظيم صفوفه على أسس جديدة، منها أن اتجه الرأي إلى أن يكون أعضاء المجلس من كبار مؤسسي وأعضاء الحزب الذين أبلوا في كفاحه منذ الدقيقة الأولى أحسن بلاء.
وعلى هذا الأساس الجديد جاء تشكيل المجلس على الوجه التالي، أحمد حسين رئيسا، مصطفى الوكيل، فتحي رضوان، محمد صبيح، عبد الحميد المشهدى، محمود مكي، إبراهيم شكري ، حمادة الناحل، محمد مهدي، مصطفى عدلي، صالح حنفي ومحيى الدين عبد الحليم أعضاء . ولعل هناك تشكيل آخر لهذا المجلس إلا أنه لم يقع تحت أيدينا ولكنه ربما ضم بعض الأعضاء البارزين مثل محمد حلمي ومحمد متولي عوض.
استمرت حركة العضوية داخل مجلس الإدارة تلاقى تذبذبا واضحا، فليس هناك أسس واضحة ولم يتقيد الحزب بالشروط التي وضعها في الجانب النظري للهيكل، لا من حيث نوعية الأعضاء، ولا من حيث عددهم الذي حدده.
فكان الفصل بين عضوية الحزب وعضوية مجلس الجهاد وأخيرا عضوية مجلس الإدارة يعد أمرا صعبا، فالمسألة لم تكن بالدقة المطلوبة، بحيث يمكن الالتزام الدقيق بالهيكل المعلن نظريا، وربما كان التشكيل السابق للمجلس هو آخر تشكيل محدد، وبعد هذا اختلط الحابل بالنابل وأصبح من الصعب التفرقة بين أي درجة من درجات عضوية الحزب حتى نهاية فترة البحث. فالحزب دائم التبديل والتغيير في حركة العضوية.
ولا يبعد أن التذبذب في حركة عضوية المجلس بهذه الطريقة كان ناتجا عن غياب الأهداف الواضحة والمحددة التي يناضل الحزب من اجل الوصول إليها، هذا فضلا عن السلطة المطلقة لرئيس الحزب فهو يبدل ويغير طبقا لأهوائه.
وكان من نتيجة ذلك أن استطاع البوليس السياسي أن يجند بعض قادته للتجسس على الحزب نفسه وكان عبد الحميد المشهدى أحد هؤلاء. مما دعا المجلس إلى اتخاذ قرار بفصله من عضويته ومن عضوية الحزب.
ننتق بعد هذا إلى تناول أسلوب العمل داخل مجلس إدارة الحزب من حيث طريقة المناقشات ومدى ديمقراطيتها. والأمر يتطلب منا أن نرجع إلى الوراء قليلا فعندما اقترح أحمد حسين تغيير الجمعية إلى حزب اعترض الكثيرون من الأعضاء على ذلك فقد أصر هو على رأيه، نرجع إلى الوراء قليلا، فعندما اقترح أحمد حسين تغيير الجمعية إلى الحزب الوطني الإسلامى أيضا حدثت معارضة شديدة من جانب بعض الأعضاء إلا أن القرار قد صدر أيضا بتغيير اسم الحزب وبرنامجه.
هذا بالإضافة إلى أنه عندما ثبت لأحمد حسين عمالة المشهدى وقرر فصله من الحزب كان ذلك بقرار فردى من جانب أحمد حسين، وإن كان الحزب قد أعلن أن ذلك جاء بقرار من مجلس الإدارة كما سبق القول.
ولكن أحمد حسين يذكر
" فإذا فصلت اليوم عبد الحميد المشهدى الذي كان من أكبر أعضاء مصر الفتاة، فليس لأحد أن يسألنا لماذا فصلته، فالمناقشة في الحساب لا تجوز من أي أحد فمن أحب ذلك فليبق ومن لم يحب فليستقيل".
وهذا يتضح لنا أن سلطة اتخاذ القرار داخل مجلس إدارة مصر الفتاة كان يحكمها ديكتاتورية الرئيس، فإذا أصر على موقف كان من الصعب مناقشته فيه للعدول عنه رغم أية معارضة توجه إليه فلم تكن هناك ديمقراطية تمارس داخل المجالس المختلفة.
ويجدر بنا كي يستكمل المستوى المركزي للهيكل صورته، أن نتناول منظمات مصر الفتاة المساعدة التي انبثقت عن المستوى المركزي. فقد بذلت مصر الفتاة جهودا لإيجاد منظمات مساعدة لها تتبع المركز العام للحزب؛
وهى في ذلك تهدف إلى توسيع دائرة أنصارها ونشر مبادئها بين مختلف الأوساط ، فسعت إلى تكوين لجان للطلبة في الجامعة والمدارس العليا والمدارس الثانوية والخاصة وفى الأزهر، هذا بالإضافة إلى أنه حاولت أيضا أن تخوض التجربة في أوساط العمال بتكوين لجان مماثلة مكاتب إدارية تتولى تنظيم حركة مصر الفتاة في المجتمع. وسنتناول تلك المنظمات المساعدة بالدراسة حتى تتضح صورة الهيكل التنظيمي لمصر الفتاة بتنظيماته الأساسية ومنظماته المساعدة.

لجان الطلبة التنفيذية:

تألفت في عام 1935 هيئة تسمى " كتلة الطلبة القوميين" وهذه الهيئة تضم الشباب المعارض للوفد ولوزارة توفيق نسيم، وقد تولى نور الدين طراف أحد أعضاء مصر الفتاة رئاستها، وكانت تعقد اجتماعاتها بمنزل النبيل عباس حليم، فهو الذي يتبناها لموقفه المعارض من الوفد ووزارة نسيم آنذاك.
وكذلك شارك أعضاء مصر الفتاة في حركة الطلبة عام 1936، ففي عيد الجهاد في 13 نوفمبر 1935 أصيب إبراهيم شكري أحد أعضائها بإصابات بالغة وأجريت له عدة جراحات أنقذت حياته، فمصر الفتاة تقوم أساسا على الطلبة؛
وهى بذلك لابد لها أن تقيم داخل المؤسسات الطلابية منظمات تقوم بالدعاية لها ونشر مبادئها، وفى هذا المجال تقدم نور الدين طراف باقتراح في جلسة مجلس الجهاد بتاريخ 29 مارس 1936 لتأليف لجنة من طلبة مصر الفتاة باسم " اللجنة التنفيذية لطلبة مصر الفتاة" فوافق المجلس على الاقتراح وقرر أن تتألف هذه اللجنة من ثلاثة مندوبين عن كل معهد أو كلية من كليات الجامعتين المصرية والأزهرية والمدارس العليا، وانتخب المجلس نور الدين طراف رئيسا لها.
تم تشكيل اللجنة فكان لها مندوبون في مختلف الكليات الجامعية، ففي كلية الحقوق كان أعضاؤها هم كل من حمادة الناحل، صالح حنفي، بسكالس ويصا، مصطفى عدلي، أحمد شوقي، وفى كلية الزراعة محمود مكي، إبراهيم شكري ، حسين حلمي، عبد الفتاح زكى وفى الآداب عبد الحكيم عدوى عابدين، محمد فاضل ، أحمد حسن أحمد، وفى الهندسة سمير حلمي، كمال عز الدين، حسنى شعتوت، على زين العابدين ، وفى كلية الطب نور الدين طراف، أحمد عبد النبى، فتحي القداح، محمود فهمي كريم، وفى كلية التجارة أنور عبد المعطى، محمد محمد الزقاقى، مصطفى زهران، وفى معهد التربية محمود الشافعي؛
وفى كلية دار العلوم محيى الدين عبد الحليم، إبراهيم خضراوي ، محمود عبد الله، وفى كلية اللغة العربية عبد الحميد محمود، السيد أبو حديد، محمد الجنيدى جمعه، إبراهيم بسيونى، وفى كلية أصول الدين عبد الرحمن الصوالحى ومحمود عبيد.
وفى العام التالي 1937 بذل الحزب جهودا كبيرة لضم أنصار جدد من الطلبة، خاصة بعد الانشقاق الذي تعرض له حزب الوفد بخروج النقراشي وماهر، وكذلك خروج كثير من الطلبة على الوفد، فحاول عقد اجتماعات عامة كبيرة داخل الجامعة، وكون لجانا مختلفة منها " اللجنة التنفيذية لطلبة مصر الفتاة بالأزهر" ، "لجنة المدارس الثانوية والخاصة" ، " ولجنة الجامعة والمدارس العليا" ، وقد أحرز الحزب نجاحا في هذا المجال.
وقد بدأ في تكوين لجان الطلبة داخل كل شعبة من شعبه في القاهرة، فاشترط أن تكون كل شعبة في القاهرة مؤلفة من لجنتين إحداهما للطلبة والأخرى للعمال ، وخصص لكل منهما يوما من أيام الأسبوع يلتقي فيه أعضاء هذه اللجان برئيس الحزب، وقد تولى حمادة الناحل مهمة الاتصال بلجان الطلبة، وتولى أنور حوطر الاتصال بلجان العمال وقد كان لفوز مرشحي الطلبة من حزب مصر الفتاة في انتخابات اتحاد الطلبة بالجامعة، وحصولهم على أغلبية الأصوات، إذ حصلوا على أصوات المرشحين الوفديين.
كان ذلك مشجعا لمصر الفتاة كي تزيد من اهتمامها بلجان الطلبة، فتألفت لجان فرعية في الأقاليم منها " لجنة طلبة مصر الفتاة التنفيذية بمعهد شبين الكوم" ، كذلك تكونت لجان للطلبة في أسيوط في المعاهد والمدارس المختلفة وتشكل لها مكتب دائم.
وبالإضافة إلى لجان الطلبة التنفيذية، فقد تشكلت لجان فرعية تهتم بموضوعات معينة، فقد تشكلت لجنة فرعية خاصة بفلسطين من بين زعماء مصر الفتاة بالجامعة في مختلف كلياتها، وعملت هذه اللجنة على التنسيق مع الهيئات الأخرى التي تألفت لمناصرة فلسطين، من ذلك أنها حددت يوم 31 أكتوبر 1938 ليكون يوما جامعيا خاصا بفلسطين يظهر فيه طلبة الجامعة شعورهم حيال إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين.
ونظرا للأعمال التي كان يقوم بها اليهود داخل فلسطين، فقد قرر حزب مصر الفتاة تكوين لجنة لمقاطعة اليهود في مصر والتنبيه إلى خطرهم في مصر والبلاد العربية، فتشكلت اللجنة من محمد صبيح رئيسا، ومحمود مكي سكرتيرا، كمال سعد ومحمد مهدي وعبد الرحمن الصوالحى أعضاء.
وتحقيقا للشطر الثاني من شروط " الشعب" الذي نصر على أن تكون بكل شعبة لجنتين أحداهما للطلبة والأخرى للعمال، فقد قامت مصر الفتاة بدعاية واسعة النطاق في أوساط العمال لضم عدد كبير منهم لعضويتها، وتوجت عملها بأن ألفت " اللجنة التنفيذية لعمال مصر الفتاة" وتولى رئاستها أحمد الشيمى وانتخب العمال من بينهم سكرتيرا وأمينا للصندوق ومراقبا لها. هذا وإن لم تعلن أسماءهم.
ولكي يستكمل الهيكل صورته أيضا، فقد استحدث حزب مصر الفتاة عددا من المكاتب واللجان التي تتبع المركز العام، وكان الهدف من إنشائها التوفر على دراسة وتنفيذ برنامج الحزب الاجتماعي والاصلاحى العام، وهذه المكاتب واللجان هي : مكتب الانتخابات، لجنة مكافحة الأمية، لجنة مشروع القرش والدراسات الاقتصادية، لجنة الشئون الصحية، لجنة القرية المصرية، لجنة مناهج التعليم، لجنة نشر الثقافة العسكرية.
وتطويرا لهذه الفكرة قرر الحزب إنشاء " مكتب الشئون الخارجية" مستلهما فكرة إنشائه من مكتب الشئون الخارجية لحزب النازي في أبريل 1933 برئاسة الفريد روزنبرج مستشار هتلر في الشئون الخارجية.
ولما كان قادة مصر الفتاة يرون أن حركتهم جزء من حركة عالمية، فكان لا مناص من أن تفعل مثل هذا، فأنشأت ذلك المكتب ليقوم بدراسة الشئون الخارجية والبحث في مشاكلها، ومنها سياسة مصر الخارجية، والدعاية لمصر الفتاة في الخارج. وقد تولى عبد الرحمن بدوى رئاسته.
ويبدو أن هذه الفكرة قد راقت لإدارة الحزب، ومن ثم بدأت في استكمال تشكيل هذه المكاتب بحيث يكون هدفها التوفر على دراسة برنامج الحزب، ومن هذه المكاتب، مكتب شئون التربية، مكتب الشئون الصحية، مكتب الشئون الزراعية، مكتب الشئون الاجتماعية، مكتب الشئون الاقتصادية ، مكتب الفنون، مكتب الشئون الدينية، مكتب الدراسات السياسية، مكتب الشئون الهندسية، مكتب شئون الدفاع، مكتب الشئون الصناعية، مكتب شئون السودان.
وهذه المكاتب جميعا يتولى سكرتاريتها محمد صبيح ويعاونه موسى رستم وحسين يوسف مراقبا إداريا لها. ومن ثم استحدث الحزب مكتبين آخرين هما مكتب الشئون العربية ومكتب الدراسات السياسية الداخلية. وقد بدأت اجتماعات رؤساء وأعضاء هذه المكاتب لمناقشة ما يمكن عمله تحقيقا للهدف من إنشائها.
ومن هذا المنطلق تكون داخل الحزب " المكتب القضائي" ويشرف عليه المحامون من أعضاء الحزب وغيرهم، ويعمل فيه بصفة دائمة وكيل قضائي. كذلك افتتح الحزب مكتبا لتسجيل الأعضاء تولى محمود مكي رئاسته، وذلك بهدف ضبط حركة العضوية، كذلك أنشئ مكتب الدعاية للإشراف على النشرات التي تصدرها هيئات الحزب لتكون معبرة عن رأيه السياسي، وقد تولى عثمان نجاتي رئاسته .
وكذلك افتتح الحزب عيادة طبية لفحص أعضائه وعلاجه تحت إشراف الدكتور أنور نعمان. كما عنى بتكوين جمعية صناعية لمن لديهم الخبرة من الأعضاء، كما افتتح أيضا مدرسة مقاومة الغازات ومدرسة الطيران لإلقاء محاضرات على بعض الأعضاء لتثقيفهم في هذين المجالين.
كان المستوى المركزي يضم إلى جانب تنظيماته الأساسية والمساعدة لجنة قوية تضم أعضاء المركز العام، وهى تعتبر بحق النواة التي بدأت بها مصر الفتاة نشاطها السياسي، والنواة التي استطاعت عن طريقها أن تؤسس لجانا لها في مختلف أنحاء البلاد، ومن ذلك فإنه يحسن أن نتناول تكوين تلك اللجنة وحركة العضوية بها ونشاطها عند تناول المستوى الإقليمي وتكوين اللجان، وفى هذا المستوى يمكننا أن نلقى نظرة على بداية تكوين اللجان وتطورها طوال فترة الدراسة والوقوف على نشاطها ومدى ما أحرزته من جماهيرية داخل المجتمع المصري.
فيما يتعلق بالمستوى الاقليمى وتكوين اللجان فيمكن القول، أنه منذ كانت مصر الفتاة مجرد فكرة لبعث مجد مصر، آمن بها مجموعة من الأصدقاء الشبان، لا يتعدى عددهم اثني عشر فردا، وقعوا على برنامجها في أكتوبر 1933، بدأ هؤلاء يعملون على نشر مبادئ مصر الفتاة لتجنيد المزيد من الأعضاء، فاستطاعوا في خلال أربعة أشهر أن يحققوا نجاحا ملحوظا، فبلغ عدد أعضاء المركز العام ما يزيد على خمسين عضوا في يناير 1934.
وفى نفس الوقت كان بعض أعضاء المركز العام يسعون لنشر دعوتهم في القاهرة وضواحيها وفى الأقاليم، وتحقيقا لهذا الهدف، أسند أحمد حسين رئيس الجمعية إلى بعض الأعضاء مهمة الطواف بالأقاليم للدعوة لمصر الفتاة، فعهد إلى عز الدين عبد القادر مهمة تكوين اللجان في 14 يناير 1934، فرفع تقريرا إلى الرئيس اتضح منه أن عدد الأعضاء الذين وقعوا على استمارة العضوية بالجمعية حتى الآن بلغ 216 عضوا، منهم 73 بالوجه البحري و174 بالعاصمة وضواحيها و19 بالوجه القبلي.
وأن مجموع المناطق التي وجدت فيها دعوة الجمعية آذانا صاغية بلغ 49 منطقة في مختلف إنحاء البلاد، كما أشار التقرير إلى أن أربعة من أعضاء المركز العام يقومون بعمل تكوين اللجان في كل من الإسكندرية وطنطا وبنها والزقازيق. ولكننا نجد أن ما ورد بالتقرير من أسماء كانت تتبع المركز العام مباشرة وحتى ذلك الوقت لم تتألف أية شعبة أو لجنة للجمعية خارج العاصمة.
تألفت أول شعبة بصفة رسمية خارج القاهرة في طنطا، فبلغ عدد أعضائها 25 عضوا، كذلك تألفت في نفس الوقت أيضا لجنة فرعية في طنطا، وتم انتخاب الرئيس والوكيل والسكرتير وأمين الصندوق، وبلغ عدد أعضائها عشرة أعضاء.
وقد تتابع تأليف هذه الشعب، فتألفت شعبة في الزقازيق عاصمة الشرقية في 25 يناير 1934 بلغ عدد أعضائها 13 عضوا ينتمي بعضهم إلى مراكز وقرى مديرية الشرقية. وتألفت لجنة في السيدة زينب ضمت 14 عضوا في 21 فبراير 1934 .
وإن كان أحمد حسين قد ذكر أن الجمعية قد تألفت لها لجان في كل من طنطا والإسكندرية وبنها والمنصورة. أما عن لجان الإسكندرية وبنها والمنصورة فلم نعثر على محاضر تأليفها في ذلك التاريخ، وقد كان أول تشكيل رسمي للجنة الإسكندرية بحضور أحمد حسين في 7 أبريل 1934 حيث تقرر تعيين عبد الفتاح كيرشاه المحامى سكرتيرا وحنفي جمعة أمينا للصندوق .
ومن ثم عاود أحمد حسين زيارة الإسكندرية لاستكمال تأليف شعبتها، فعقد اجتماعا لها بتاريخ 20 مايو 1934 وأسند إلى حنفي جمعة مهمة تأليف اللجان الفرعية بالإسكندرية.
تلك هي الشعب التي تم العثور على محاضر تكوينها رسميا، لكن ذلك لا يعنى أنه لم تكن هناك شعب غيرها، ويمكن القول أنه تألفت للجمعية شعب ولجان في مختلف البلدان في عام 1934 .
وإن لم يكن هناك وضوح تام حول تكوين هذه اللجان، ولكن على الأقل يمكن القول أنه كان لمصر الفتاة أعضاء في تلك البلاد كدعاة لتأليف لجان في المستقبل، وإن كانت بعض التقارير تشير إلى أن فروعا للجمعية قد تم تأليفها في مختلف المدن خارج القاهرة. كما ظهرت للجمعية شعبة في وادي حلفا بالسودان .
وفى عام 1935 بدأت تظهر إلى الوجود شعب جديدة للجمعية، منها شعبة مدرسة مشتهر الزراعية، وأطلق عليها مؤسسوها " شعبة الفلاح الحديث" وشعبة الحوامدية، وشعبة في أسوان، ثم ظهر تكوين شعبة بور سعيد بصفة رسمية.
وفى عام 1936 أنشئت شعبة في قنا، وقد عملت هذه الشعبة في تأليف عصبة تابعة لها في نجع حمادي. وتكونت كذلك شعبة في الفيوم، وشعبة في طهطا أسندت رياستها لمحمد حسن المحامى، وشعب أخرى في سوهاج ، وبني سويف وشبين الكوم وأسيوط، وشعبة في منوف وعلى رأسها أسرة المشهدى، وشعب في مشتول السوق، وشعبة في بلبيس أما في دمنهور فقد ألف شعبان الكاتب عضو مجلس نواب سابق شعبتها من 25 شابا.
وفى عام 1937 بعد أن أعلن مجلس الجهاد تحول الجمعية إلى حزب مصر الفتاة بدأت تظهر إلى الوجود شعب جديدة تعمل على نشر مبادئ الحزب والترويج له، بهدف كسب المزيد من الأعضاء وتجنيدهم في ظل شروط العضوية الجديدة التي ضمنها الحزب قانونه النظامي الجديد، وهو الذي سمح للمصريين جميعا بالانضمام إلى عضويته.
ففي شهر أبريل من ذلك العام نشهد تكوين شعب جديدة للحزب في منيا القمح وقد تكونت عن طريق شعبة مشتول السوق المجاورة لها، وفى الوجه القبلي، تألفت شعبة بساحل سليم وجرى تشكيل مكتبها واعتمده المركز العام وسجل أعضاؤها بسجلات الحزب. وفى نفس الشهر أيضا تألفت شعبة قوية في كوم حمادة بالبحيرة وقام بتأليفها محمد كمال سعد عضو المركز العام للحزب من ثلاثين عضوا.
كما شهد عام 1937 أيضا تأليف شعب وعصب جديدة في مختلف أنحاء البلاد منها شعبة في دكرنس بمديرية الدقهلية في 27 مايو 1937، وشعبة في ساقية أبو شعرة بالمنوفية وقام بتأليفها فهمي عقل عضو المركز العام والمحرر بجريدة الثغر. كذلك تألفت عصبة في " أتليدم" بأسيوط برئاسة جميل حسنين.
أما دمياط فتألفت أول شعبة بها في 23 سبتمبر من نفس العام، وفى 4 أكتوبر تألفت شعبة بسنتريس منوفية وفى مدينة القاهرة تألفت شعبة في مصر الجديدة تولى سكرتاريتها صلاح الدين طاهر واقر الحزب أعضاءها في 11 أكتوبر.
كما تألفت شعبة بكفر الدوار في 18 أكتوبر. هذا فضلا عن تأليف شعبة في بولاق بالقاهرة بصفة رسمية، وإن كان قد ورد ذكرها في عام 1934 إلا أنها لن تتألف إلا في سبتمبر من عام 1937.
كذلك شهد شهر أغسطس من نفس العام تشكيل أول مجلس إدارة لشعبة الإسكندرية التي أصبحت في ذلك الوقت من أقوى شعب الحزب بعد المركز العام. وقد اتخذ ذلك المجلس عدة قرارات من أهمها، أنه لا يسمح لأي عضو من أعضائه بحضور جلساته إلا مرتديا الملابس الرسمية للحزبين وتقرر عقد الجلسات مرتين شهريا، وأن توضع لائحة داخلية للشعبة.
وقد تمت مناقشة موضوع وضع اللائحة الداخلية، ورؤى تأجيل هذا الموضوع خاصة وقد أكد عصام عبد المعطى رئيس الجلسة للأعضاء أم مجلس إدارة الحزب بالقاهرة ليس له لائحة داخلية، وقد قرروا أن يتوجه وفد منهم إلى سراي رأس التين لتقديم عرائض نزع الثقة من وزارة الوفد عام 1937 إلى الملك.
ومن الملاحظ أنه في شهر أكتوبر من هذا العام رفعت عرائض كثيرة تطالب بنزع الثقة من الوزارة، وقد أفاد ذلك في التعرف على بعض الشعب ورصد حركة العضوية بها.كذلك تألفت شعبة لمحلة الكبرى وتألف مجلس إدارتها وإلى جانب هؤلاء ضمت العريضة التي تقدمت بها الشعبة إلى الملك 108 اسما ذكروا على أنهم أعضاء وجنود وأنصار.
ومن المؤكد أن كل هؤلاء لا يمثلون أعضاء الشعبة ومن المرجح أن يكون أعضاؤها هم أعضاء مجلس الإدارة فقط، وتقدمت شعبة أبو تيج بعريضة عليها 61 توقيعا، وساقية أبو شعرة بعريضة عليها 51 توقيعا و29 " بصمة" للأفراد الذين لا يعرفون الكتابة. أما ساحل سليم والبدارى فبلغ عدد الأعضاء الموقعين 278 فردا، وشربين بعريضة عليها 57 توقيعا.
أما المركز العام فتقدم بعريضة ضمت أعضاء مجلس الإدارة والجهاد، إلى جانب أعضاء المركز العام الذين بلغ عددهم 106 عضوا. ولعل ذلك يوضح حركة العضوية به، وقد تبين من خلال دراسة أسماء أعضاء المركز العام أن بعضهم أعضاء في شعب على المستوى الإقليمية.
وهنا يتضح أن حركة العضوية بالحزب لت تعرف الإطارات المحددة لها، ولا الفصل التام بين أعضاء المركز العام وبقية أعضاء الشعب. ولمعرفة حقيقة عدد أعضاء المركز العام فقد بلغ 178 عضوا في نهاية عام 1937.
وفى عام 1937 أيضا لجأ الحزب إلى استحداث نوعية أخرى من اللجان، فلأول مرة يظهر بين تنظيماته لجان للمرة، فقد وجه الحزب دعوة إلى بعض نصيراته من بين الأسر التي تنتمي إليه، لتأليف لجنة فتيات مصر الفتاة، فعقدت اجتماعها الأول في 20 سبتمبر، وحضره أحمد حسين فأوضح موقف مصر الفتاة من المرأة وأكد ضرورة مشاركتها في نشاطه، وقد تم تشكيل اللجنة وأن لم يعلن عن هيئة مكتبها .
وهكذا نرى أن حركة العضوية وانتشار اللجان قد شهدت تطورا إلى حد كبير وإن كانت قد تعرضت لهزة عنيفة على أثر حادث الاعتداء على النحاس في آخر هذا العام، فأغلقت دور الحزب في كل مكان، وقبض على معظم الأعضاء ، وقدموا للمحاكمة، وتم تفتيش دور الحزب ومصادرة كل ما يخص النشاط الحزبي بها.
وفى عام 1938 تنتقل مصر الفتاة إلى طور جديد من أطوار حياتها، فقد كان لتولى وزارة محمد محمود الحكم أكبر الأثر على نمو هيكل مصر الفتاة وانتشار لجانها في كل مكان؛
بحيث يمكن القول أن بداية عهد حكومة محمد محمود تعتبر عصر ذهبيا لمصر الفتاة حيث أصبح يسمح للحزب بالإعلان عن تأليف لجان جديدة، هذا بالإضافة إلى أنه قد سمح له بممارسة نشاطه الحزبي بحرية تامة، وقد انعكس ذلك على حركة العضوية في الحزب، وانتشار اللجان بدرجة ملحوظة، حتى أننا نشهد عددا كثيرا من اللجان في مختلف أنحاء البلاد، وفى الحقيقة فإن مصر الفتاة لم تشهد انتشارا لأفكارها ، ونموا لهيكلها التنظيمي في أي مرحلة من المراحل، كما شهدت ذلك خلال هذا العام، وهذا اتضح في تشكيل لجان جديدة نوردها هنا بترتيب تأليفها.
ففي مستهل عام 1938 ظهرت شعب جديدة في كل من بني خالد (مركز ملوي) وقد تم تأليفها بحضور فهمي عقل سكرتير لجان الحزب المساعد وشعبه في إدفوـ وأخرى في سوهاج والفشن، وفى دسوق، وتكونت لجان فرعية لشعبة الإسكندرية الرئيسية منها: شعب في القبارى ، محرم بك ، الجمرك، كرموز، الرمل. وكذلك ظهرت شعبة في زفتى غربية، وشعبة خط المطرية أسند الإشراف عليها للدكتور فخري أسعد، أما شعبة دمنهور فقد تولى محمد كمال سعد عضو المركز العام بالحزب تنظيمها من جديد.
وهذا يوضح أن الضربة التي وجهتها وزارة النحاس لمصر الفتاة، قد أنهكتها وحلت من عزائمها، فتفرق معظم الأعضاء وابتعدوا عن نشاطها ، فما كان من الحزب إلا أن بدأ يستعيد تماسكه، فشرع يعيد تنظيم صفوفه في عهد وزارة محمد محمود التي أفرجت عن باقي المعتقلين في القضية.
وفى ظل هذه الظروف الجديدة التي استردت فيها مصر الفتاة أنفاسها، أخذ ظهور الشعب الجديدة، فنجد صفحات جريدة " مصر الفتاة" تزدحم بتأليف تلك الشعب ومنها، شعبة شنشور منوفية، شعبة الشيخ يوسف بسوهاج، شعبة أكوه بالسنبلاوين دقهلية، شعبة النخيلة، ثم تألفت لجنة هامة هى لجنة عمال أسيوط، وشعبة الخصوص بشبين القناطر، وشعبة بى العرب منوفية، وشعبة فوه، وشعبة كفر الزيات، وشعبة بني مزار، وشعبة القناطر الخيرية، وشعبة ببا، شعبة جروان منوفية، وشعب في الإبراهيمية ، وكفر شرقية، وشعب في أرمنت ، وشعبة في بيلا، وشعبة في جزيرة أسوان. وفى نفس العام شهدت الإسكندرية تأليف أول لجنة للمرأة بها، فقد تألفت لجنة لفتيات مصر الفتاة، تابعة لشعبة كرموز وتولى سكرتاريتها سكينة حسن.
وعندما أعلم أحمد حسين في 5 نوفمبر من نفس العام، حل جميع منظمات الحزب، أعلنت بعض الشعب تأييدها للرئيس وتصميمها على أن تواصل الكفاح معه إلى النهاية، ومن بين تلك الشعب ، شعبة الإسكندرية التي أعلنت تجديد البيعة للرئيس، وبلغ عدد الأعضاء الموقعين على عريضة البيعة أربعة وخمسين عضوا.
حقيقة أن أحمد حسين قد عرض الحزب لهزة عنيفة كادت تودى بما لديه من تنظيمات وأعضاء إلا أن مصطفى الوكيل قام بجهود عظيمة، لإعادة تأليف مؤسسات الحزب، على أسس جديدة وبشروط جديدة تناولناها فحققت الحركة على يديه في أقل من عام ما لم تحققه في السنوات السابقة من حيث التنظيم وانتشار اللجان في البلاد.
وظل الحزب يمارس نشاطه العادي، وأدرك أنه بقرب تحقيق أهدافه فأعلن عن عقد جمعيته العمومية في نهاية عام 1938 ووزارة محمد محمود ، قد انتقلت إلى طور جديد، ساءت فيه العلاقات بينهما، لعدة أسباب سنوضحها فيما بعد.
فإذا انتقلنا إلى عام 1939 فنجد أنذلك العام، لم يشهد سوى تأليف عدد قليل من الشعب، فتألفت شعبة في بلدة العيادية مركز شربين، وتم تأليف هيئة مكتبها، وشعبة في بلدة العونه بأسيوط وكذلك تم تأليف هيئة مكتبها، وشعبة في أبى رجوان بالجيزة، وكذلك شهد ذلك العام تأليف شعبة القبارى بالإسكندرية رسميا.
وفيما عدا ذلك لم يظهر على صفحات جريدة الحزب " مصر الفتاة" أية إشارة لتأليف جديدة، وربما كان لظروف الحرب أثرها الكبير على تكوينات الحزب، فحتى بعد أن تغير اسم الحزب وبرنامجه إلى الحزب الوطني الإسلامى، لم تشهد تلك الفترة أية تنظيمات جديدة، ولا ظهور شعب جديدة، إلا فيما أمكن التعرف عليه من خلال تقارير البوليس السياسي، فيما يختص بشعبة الإسكندرية فقد تألفت للحزب شعبة جديدة للعمال بحي كرموز بالمدينة.
وقد تجمد النشاط الحزبي بالمدينة مما اضطر أحمد حسين بعد زيارته للمدينة في 11 يوليو 1940، أن يصدر قراره بإلغاء فرع الحزب بالإسكندرية، على أن يتبع أعضاؤه المركز العام بالقاهرة. فأغلقت دار الحزب ونقلت أمتعته إلى معمل الصابون التابع للحزب بالإسكندرية.
وعندما تخرج إبراهيم طلعت من كلية الحقوق، أسند إليه الإشراف على لجنة الحزب بالمدينة، وفى نفس الوقت كان يزاول التمرين على أعمال المحاماة، بمكتب محمد رياض المحامى، فعلم على الاتصال بالأعضاء لاستعادة نشاط الحزب من جديد، فعقد اجتماعين لأعضاء الحزب وشرع يؤلف لجنتين أحداهما لجمع الاشتراكات والأخرى لنشر مبادئ الحزب.
ومهما يكن من أمر تأليف اللجان، ومدى انتشارها في 1938، ورد فعل ظروف الحرب على هذا النشاط فإننا لم نشهد لجان أو شعب من أي نوع، وقد جاءت معالجة هذا الجانب في ضوء المادة المتاحة كما سبق القول، ولذلك كان رصد حركة التطور للهيكل التنظيمي عملية شاقة جدا لغياب المادة الأصلية التي تخدم هذا الموضوع بصفة أساسية وهى سجلات الحزب، وملفات الأعضاء التي كانت محفوظة لدى المركز العام، إلا أن تعرض الحزب بصفة دائمة للتفتيش ومصادرة كل أوراقه في كل مرة، جعل البحث في هذا الموضوع شاقا إلى درجة كبيرة.
ولكنه مع غياب المادة الأصلية فقد أمكن رصد حركة العضوية وتشكيل اللجان إلى حد كبير. والآن وقد تحدثنا عن المستوى المركزي لمصر الفتاة وتناولنا المستوى الإقليمي بالدراسة فإن الأمر يتطلب دراسة التشكيلات العسكرية والتي تشكل جانبا هاما من جوانب الهيكل.

التشكيلات شبه العسكرية:

كانت الفاشية موجة انتشرت في أوربا ومنها إلى دول العالم المختلفة، فقد ظهرت في إيطاليا، وحققت نجاحا منقطع النظير باستيلائها على الحكم بالقوة في العشرينات من هذا القرن على يد موسولينى، وكلن ظهورها ناتجا عن التناقض الحاد بين الرأسمالية والشيوعية.
وقد انتقلت أفكارها إلى معظم دول العالم في الثلاثينات وما بعدها من القرن العشرين، فظهرت في كل من ألمانيا واليابان وأسبانيا وأيرلندا. وقد اعتنقت كل هذه الحركات إطارا أيديولوجيا واحدا إلى حد كبير، وقد انتشرت تلك الأفكار بسرعة عجيبة، ووجدت آذانا صاغية لها في داخل المجتمعات التي تحمل بين طيات تكوين طبقات شعوبها تناقضا حادا، أفضى إلى رواج تلك الأفكار، وزيادة عدد أعضاء معتنقيها بدرجة كبيرة.
وقد تركز اهتمام تلك الحركات على الاعتماد على الشباب، فعملت على تنظيمهم تنظيما دقيقا، وتدريبهم بأساليب عسكرية محضة تعودهم النظام والطاعة، حتى إذا ما أنسمت في نفسها القوة المادية التي تسعى لتكوينها ، تحركت لتحقيق أهدافها في تغير شكل الحكم القائم، عن طريق تلك القوة المادية التحى أحرزتها ، ممثلة في التشكيلات شبه العسكرية التي اتخذتها، وقد كان للنجاح الباهر الذي أحرزته تلك الحركات الفاشية والنازية في أوربا، صداه المسموع أيضا في منطقة الشرق العربي، فقد ظهرت حركات مماثلة في كل من مصر والعراق وسوريا ولبنان.
وإن كان هناك تمايز واضح بينها من ناحية، وبينها وبين الحركات التي انتشرت في أوربا وآسيا من ناحية أخرى، وهذا راجع للظروف الموضوعية لكل مجتمع من المجتمعات.
ظهرت تلك الأفكار في مصر في مطلع الثلاثينات من هذا القرن، وعمل أحمد حسين على طرحها عندما كان طالبا بالجامعة وتمثلت حركته في الدعوة إلى تكوين " الميليشيا الفرعونية" أو " جيش الخلاص" ولكنها لم تلق نجاحا في ذلك الوقت، ثم عاود الكرة عندما أعلن قيام جمعية مصر الفتاة في خريف 1933، على أساس تلك الأفكار التي اعتنقها منذ 1930، ولكن هذه المرة بشكل منظم، بعد أن كسب خبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري من خلال عمله بمشروع القرش؛
فشرع في الدعوة لكسب الأنصار من الشباب، ليجمعهم حوله، وحول فكرته التي سيطرت عليه، ومن ثم أخذ يضع لهم الأنظمة التي تكفل له تحقيق فكرته، فعمل على تكوين التشكيلات شبه العسكرية ، وجعلها أساسا لاهتماماته ، ومن ثم برزت إلى الوجود تلك التشكيلات داخل المجتمع المصري، ويجدر بما أن نلقى نظرة عليها داخليا وعلى تكويناتها وكوادرها المختلفة ، ومدى ما حققته من نجاح في هذا المجال.
أعلنت جمعية مصر الفتاة ، أن أول ما تريده هو تنظيم الصفوف لتصل إلى غايتها بأسرع وقت وقالت" أننا نعيش في فوضى فيجب أن نعيش في نظام، فعلينا أن نجمع الشباب في صعيد واحد وأن نعودهم النظام والطاعة، وأن نلبسهم زيا واحدا، وأن ننطقهم بنشيد واحد وأن نجعل لهم شعارا واضحا وغاية محددة"
وعلى هذا شرعت مصر الفتاة في تكوين فرق المجاهدين من أعضائها ، فنشرت جريدة " الصرخة" أول صورة لجندي مصر الفتاة مرتديا القميص الأخضر في 16 ديسمبر 1933، موجهة إليه تحية الأجيال الغابرة وتحية الأمة التي تريد على يديه رفعة ومجدا، وقد كان ذلك بداية الدعوة لتكوين فرق المجاهدين لابسي القميص الأخضر، وقد كانت أولى التشكيلات التي ظهرت عدة كتائب في أقسام العاصمة، في شبرا وروض الفرج،وفى الدرب الأحمر ، وفى الأزبكية، وفى الأزهر وفى القلعة، فبلغ مجموع أعضاء المجاهدين بها ثلاثة وخمسين عضوا في مستهل عام 1934.
وإن ذكرت مصر الفتاة في نهاية الثلاثينات أن عدد المجاهدين، الذين حضروا الجمعية العمومية التي كانت تعقدها كل عام بسفح الأهرام كانوا ثلاثين عضوا فقد عام 1934. وكان جمال عبد الناصر من بين هؤلاء الأعضاء فقد انضم رسميا لمجاهدي مصر الفتاة في ذلك العام وسدد اشتراكه للجمعية كما ثبت ذلك قسائم تسديد الاشتراكات بالإيصال رقم 34 عن شهر يناير 1935 فدفع مبلغ 5 قروش . كما اطلعنى أحمد حسين على صورة له وهو يرتدى القميص الأخضر، إلا أنه في نهاية ذلك العام ابتعد عن مصر الفتاة.
وهذا العدد يمثل عدد المجاهدين بالعاصمة فقط، ويؤكد صحة الرقم الأخير ما طالب به أحمد حسين كلا من صبيح والمشهدى والشيمى، عندما كان في جنيف في مستهل عام 1936، بأنه يريد أن يرى خمسين مجاهدا من لابسي القميص الأخضر في القاهرة.
وفى عام 1935 بلغ عدد المجاهدين بالعاصمة خمسين مجاهدا. ولكن في مستهل عام 1936 عندما عاد أحمد حسين من جنيف عقدت الجمعية اجتماعا بمسرح " برنتانيا" حضره ستون مجاهدا يرتدون القمصان الأعداد السابق ذكرها كانت للمجاهدين في العاصمة، وإن كان هناك أعدادا أخرى تقل عنها قليلا في شعب الأقاليم.
ومن ثم تشكلت فرقه من المجاهدين تحمل اسم فرقة فؤاد الأول بلغ عدد أفرادها 116 مجاهدا، 23 مجاهدا أول، 12 مجاهدو كتائب، 2 مدربين عسكريين، 2 أركان حرب الجهاد، و" المجاهد الأعظم" أحمد حسين كما سمى نفسه فبلغ مجموع أفرادها 156 مجاهدا من لابسي القميص الأخضر في مختلف رتبهم شبه العسكرية.
وفى غضون عام 1936 ، شرعت جمعية مصر الفتاة في تنظيم العمال الذين يعتنقون مبادئها، في شكل فرق نظامية يرتدى أعضاؤها القمصان الخضراء، فعقد أحمد حسين اجتماعا معهم وشرح له الهدف من تكوين تلك الفرق ، وأوضح لهم أن هذه الفرق ليس لها علاقة بالنقابات أو الاتحادات العمالية، وإنما هى حركة سياسية يقصد بها تأييد مبادئ مصر الفتاة، وقد تابع ذلك بتوجيه نداء إلى العمال في جميع أنحاء مصر يدعوهم إلى الانضمام لفرق عمال مصر الفتاة فلديها الحل لك مشاكلهم. ولن يستطيعوا حل مشاكلهم إلا إذا كانوا أقوياء سياسيا.
ولكن تلك الفرق لم تظهر إلى الوجود ووقفت الفكرة عند حد الدعوة إليها، وهى الدعوة التي تجددت في العامل التالي عندما فكر الحزب في إنشاء اللجنة التنفيذية لعمال مصر الفتاة التي لم تظهر بصفة رسمية أيضا.
وعندما آلف حزب الوفد فرقا نظامية شبه عسكرية في يناير 1936. بدأت مصر الفتاة توجيه النداءات في محاولة لتجنيد أكبر عدد من المجاهدين، حتى يستطيع بتنظيماته من المجاهدين مواجهة اعتداء القمصان الزرقاء على أعضائه، وفى هذا المجال، تولى محمد صبيح أركان حرب الجهاد إرسال النشرات إلى الشعب والى لجان الحزب وأعضائه في كل أنحاء البلاد، يعلنهم أن أهم ما يعنى به الحزب في ذلك الوقت لمواجهة العهد الحاضر، هو تنظيم القمصان الخضراء وزيادة عددهم لتشكيل الأقسام والكتائب
كانت محاولات مصر الفتاة الدائمة، لنشر الدعاية لتأليف كتائب المجاهدين، دليلا واضحا على أن الفكرة لم تكن تلق ترحيبا من جانب جماهير الشعب، وتفسير ذلك أنه ليست هناك أية مكاسب مادية أو معنوية لمن ينضوي تحت لواء هذه الفرق ن وإنما كان على العكس عرضة للاضطهاد والمراقبة من جانب البوليس ، وكان منزله عرضة للتفتيش الدائم من جانب البوليس أيضا، خاصة وأنه ليس لهذه الفرق سلطة تساندها وتؤيدها وتحمى ظهرها؛
على عكس ما حدث لفرق الوفد الزرقاء، ففي غضون شهور قليلة بلغ عددها ما يزيد على العشرة آلاف، فهي مؤيدة بحزب له جماهير عريضة، وموارد مالية ضخمة، فإذا ما ارتقى الوفد الحكم، كانت هذه الفرق أوفر حظا لدرجة أنه أصبحت تعتبر في وقت من الأوقات " فوق القانون" أما في مصر الفتاة فلم ينضم لفرقها إلا المجاهدون الصادقون الذين آثروا الجهاد في صفوفها دون مكاسب من أي نوع ، وهذا بدوره يفسر المحاولات الدائمة من جانب قيادة مصر الفتاة لزيادة عدد أعضائها لابسي القميص الأخضر.
ولما كانت شعب ولجان مصر الفتاة في الوجه البحري أكثر بكثير من الوجه القبلي ، فقد فكر أحمد حسين في أن يقوم برحلة في الصعيد لنشر مبادئ مصر الفتاة في غضون عام 1936، فقام ومعه عدد من الأعضاء .
ويبدو أن الرحلة لم يكن لها أثر يذكر في زيادة حركة العضوية لمصر الفتاة، إذ أن الحزب قد لجأ في السنوات التالية إلى نفس الأساليب للدعوة لضم أعضاء جدد إليه، ورغم هذه الدعاية المستمرة، والنشاط الدائم من جانب قيادة الحزب، فإن كل تلك المحاولات لم تحرز نجاحا ملحوظا، فإذا انتقلنا إلى عام 1937؛
وعندما تولى الملك فاروق سلطاته الدستورية، أعلن حزب مصر الفتاة عن تأليف فيلق باسم " فيلق فاروق الأول" وهو الفيلق الأول لجنود مصر الفتاة لابسي القميص الأخضر، ومن الناحية النظرية فإن الفيلق يتكون من أربعة ألوية، وكل لواء يتكون من 768 مجاهدا؛
وأعلنت مصر الفتاة عن توزيع هذا الفيلق ، على كل من القاهرة ففيها لواءان يبلغ عدد أعضائها 1536 مجاهدا، ولواء في الإسكندرية والوجه البحري ، ولواء في الوجه القبلي، أي أن يصل عدد أعضاء مصر الفتاة من المجاهدين 3072 مجاهدا. وهو ما لم يتحقق لها في أي وقت من الأوقات، فلم يزد عدد أعضائها لابسي القميص الأخضر عن بضع مئات من المجاهدين، ففيما يختص بفيلق فاروق الأول فإن تلك الفكرة لم ترى النور؛
وكل ما حدث أن الحزب قد دعا أعضاء فرقة فؤاد الأول سالفة الذكر للاجتماع وشكل من بينهم فرقة فاروق الأول، فقد أصبح الأعضاء يجمعون بين عضوية الفرقتين، وقد جاء تشكيلها على الوجه التالى:
  1. أحمد حسين المجاهد الأعظم.
  2. محمد صبيح وعبد الحميد المشهدى أركان حرب الجهاد.
  3. عصام عبد المعطى ومحمود مكى وجمال الشرقاوي وإبراهيم شكري مجاهدو الفرق.
  4. بالإضافة إلى 25 عضوا هم المجاهدون الأول في الكتائب ، 16 عضوا مجاهدو أقسام و98 مجاهدا بلغ مجموعهم جميعا 146 مجاهدا.
وهؤلاء الأعضاء هم تقريبا كل لابسي القميص الأخضر بالحزب. ولكي تتضح حركة العضوية لفرق مصر الفتاة النظامية إلى حد ما ، فإنه يمكن معرفة ذلك إذا علمنا أن شعبة الإسكندرية في سبتمبر 1937 لم يزد عدد المجاهدين بها عن ستة عشر مجاهدا فقط.
فإذا علمنا أن شعبة الإسكندرية من الشعب الهامة، فلعل هذا يعطى تفسيرا أن عدد المجاهدين لم يكن ليتيح لمصر الفتاة في أي وقت أن يصل إلى تكوين فيلق وبالعدد سالف الذكر، وفى نهاية 1937 واجهت مصر الفتاة ضربات عنيفة عندما أغلقت حكومة الوفد دور مصر الفتاة بسبب اعتداء عز الدين عبد القادر على النحاس؛
وعندما تولت وزارة محمد محمود في أول يناير 1938 بدأت مصر الفتاة تسترد أنفاسها المنهكة، ولكنها لم تلبث أن تواجه ظروفا جديدة حدت من نشاطها في تكوين الشعب وتنصيب المجاهدين، وقد تمثل في المرسوم الملكي بقانون الذي صدر في 9 مارس 1938 الذى نصر على " تحظر الجمعيات أو الجماعات دائمة أو مؤقتة، التي يكون لها سواء من حيث تأليفها أو عملها من حيث تدريب أعضائها أو نظامهم وزيهم أو تجهيزهم صورة لتشكيلات شبه عسكرية خدمة لحزب أو مذهب سياسي معين".
وكان لصدور ذلك المرسوم أثره الواضح على مختلف التنظيمات شبه العسكرية، المصرية منها والأجنبية. أما فيما يختص بموقف حزب مصر الفتاة فقد طالبت باستثناء قمصانها الخضراء من الحل.
والحقيقة لم يكن هدف وزارة محمد محمود حل تشكيلات مصر الفتاة، وإنما كان همها حل القمصان الزرقاء ، وكان من الصعب على الوزارة له رد فعل واضح على تشكيلات مصر الفتاة شبه العسكرية ، فأعلن الحزب حل كل التنظيمات التي يتعلق نشاطها بالمجاهدين، وأن يحمل كل عضو كان في صفوفها لقب عضو مؤسس.
ويجدر بنا أن نتناول طرق وأماكن تدريب التشكيلات وكوادرها المختلفة، التي تخضع لها في مختلف المراحل التي مرت بها.
كانت مصر الفتاة ، تمارس تدريب أعضائها بعيدا عن أعين البوليس، إذ كانت هناك تعليمات من وزارة الداخلية بتعقب أعضائها والحد من نشاطهم، وعلى هذا فقد ضبط أحد عشر عضوا من أعضائها يتدربون على الأعمال العسكرية ولم تضبط لديهم أسلحة ، وكانوا على هيئة " طابور" يتولى رئاسته محمد صبيح ، ويقوم بإجراء التدريبات العسكرية حسنى ناجى الشماشرجى أحد أعضاء مصر الفتاة، وقد كان الجميع يرتدون زى الجمعية الرسمي، القميص الأخضر والبنطلون الكاكى.
وأما في مدينة الإسكندرية فقد تبرع الحاج أحمد رمضان أحد تجار الإسكندرية بقطعة أرض من أملاكه بسيدي بشر لحساب الجمعية. وقد استخدمها في ذلك الوقت أعضاء شعبة الإسكندرية للقيام بالتدريبات العسكرية والرياضية، وقد أشرف على تدريبهم كمال الدين صلاح، رئيس أركان حرب الجمعية، وفى عام 1936 أعلنت الجمعية عن معسكر للتدريبات العسكرية، يقام بمدينة الإسكندرية لمدة خمسة عشر يوما ووضعت له برنامجا للتربية الروحية والعسكرية والثقافية.
أما في القاهرة فبعد أن انضم عبد الخالق مدكور باشا إلى الجمعية ، اتفق معه أحمد حسين على أن تجرى التدريبات العسكرية في قهوة " الفنتاريو" التي يملكها مدكور باشا، ووعد بأنه سوف بمهد قطعة أرض من أراضيه لهذا الغرض وفى نفس الوقت لا يستطيع البوليس أن يتعرض لهم في أرضه الخاصة.
وفى نفس الوقت كان أحمد حسين يبذل جهوده ، لكي يقنع عباس حليم ، بأن يعمل على بث الروح العسكرية والنظام بين العمال المنضمين إليه فنجح في ذلك ، وتم الاتفاق بينهما على أن يقوم عباس حليم بإنشاء أندية رياضية يتدرب فيها كل من عمال عباس حليم ، وأعضاء مصر الفتاة على التدريبات العسكرية ، وقد رأت تلك الفكرة النور؛
فأنشأ عباس حليم ناديا يحمل اسمه لهذا الغرض، في نهاية شارع " الملكة نازلي" وهكذا استطاع أحمد حسين أن يتوفر لديه الأماكن التي يزاول فيها أعضاء مصر الفتاة تدريباتهم العسكرية، وفى نفس الوقت حقق لهم الحماية المطلوبة من مهاجمة البوليس؛
ويتضح ذلك من محاولته الاتصال بعبد الخالق مدكور ثم عباس حليم، وهما واجهة قوية يمكن لأعضاء جمعيته أن يستتروا خلفها. بقى بعد هذا أن يحصل لهم على الأسلحة الأزمة لتدريبهم والمدربين المتخصصين الذين يتقنوا عملية التدريب.
ففيما يختص بتسليح الأعضاء، فقد أوفدت جمعية مصر الفتاة، أحد كبار أعضائها للإشراف على شعبة الإسكندرية القوية، وإن كان الهدف الحقيقي من مهمته هو الاتصال ببعض مهربي الأسلحة في المدينة، ومن الواضح أن الملازم ثان عبد الله صادق، صديق أحمد حسين الحميم، والزى يعمل بالجمارك في الإسكندرية ، حاول مساعدة المشهدى في تلك المهمة بحكم وظيفته.
وإن كان المشهدى لم يستطع الحصول على الأسلحة، رغم أنه بقى بالإسكندرية فترة طويلة، وقد استمرت مصر الفتاة تجد في الحصول على الأسلحة بمختلف الطرق إلى أن تمكنت في عام 1936 من الحصول على بعض المسدسات، عن طريق بعض التجار والضباط السابقين بالجيش المصري. وقد كان الحصول على الأسلحة أحد المطالب الأساسية التي تسعى مصر الفتاة للحصول عليه؛
والذي يهيئ لها في النهاية تحقيق حلمها في الاستيلاء على السلطة، لتنفيذ برنامجها في إعادة مجد مصر القديم على يديها، ومن هذا المنطلق كانت دائمة السعي لتسليح الأعضاء، فعندما فشلت في أن تحصل على الأسلحة الكافية، طالبت أعضاءها بأن يحاول كل منهم الحصول على سلاح، حتى إذا حانت الساعة المناسبة لكي تقوم بتنفيذ خطتها كان الأعضاء مستعدين ومسلحين.
وللوصول إلى تلك الغاية كان لابد من تدريب الأعضاء على التدريبات العسكرية بطريقة سلمية، وعلى أيدي متخصصين يجيدون فن العسكرية، ففي أول الأمر يقوم بتدريب الأعضاء من لهم دراية بالنواحي العسكرية، ثم اتجه الرأي إلى أن يقوم بالتدريب المتخصصون من رجال العسكرية، فقد تولى عبد الحميد حسين من أسرة أحمد حسين وهو " كونستابل" سابق تدريب المجاهدين.
وكذلك كان عبد الله صادق يعاونه في هذا الأمر،ولكن الجمعية أرادت أن يشرف على التدريب أحد ضباط الجيش السابقين، فاتصلت بشاكر أحمد وهو أحد الضباط المصريين الذين كانوا يعملون في السودان، وقد أحيل إلى الاستيداع وعاد إلى مصر.
عن طريق محمد صبيح ليقوم بإجراء التدريبات الرياضية والعسكرية للمجاهدين، وقد توجه شاكر أحمد إلى نادي عباس حليم ليقوم بالعمل الذي أسندته إليه الجمعية، حيث يتدرب المجاهدون، فوجد عبد الله صادق يقوم بعمل التدريبات فانتقد شاكر طريقة التعليم التي يتبعها عبد الله صادق؛
وقد طلب شاكر أحمد أجرا قدره ستة جنيهات شهريا، ولكن يبدو أن الجمعية لم تستطع دفع هذا المبلغ، فاتفق على أن يسعى صبيح لدى على الشمسي، لتعيين شاكر أحمد محصلا بشركة المياه بهذا المبلغ، وقد كان الشمسي عضوا بمجلس إدارتها، على أن يتولى تدريب " كتلة الطلبة القوميين" التي تؤيد عباس حليم، على أن يأخذ علاوة قدرها 2% من مجموع الاشتراكات. وللإشراف على المجاهدين وتدريباتهم تولى كل من محمد صبيح والمشهدى منصب أركان حرب الجمعية والجهاد.
ومهما يكن الأمر ، فقد توفر لدى الجمعية عدد من المجاهدين، وأمكن الحصول على الأماكن التي يؤدون فيها تدريباتهم العسكرية، وأتيح لهم مدربون من ذوى الخبرة، فكان الأمر يتطلب بالضرورة إيجاد هيئة عليا تتولى الإشراف على كل شئون المجاهدين، فتم تشكيل مجلس الجهاد لهذا الغرض، ومن مهامه تنصيب المجاهدين، والإشراف على تدريبهم ومدى انتظامهم فى الحضور ، ومراقبة مالية الجمعية وتنظيمها، فهو أعلى سلطة فى الجمعية؛
وقد ظل يمارس هذه المهام إلى أن تحولت الجمعية إلى حزب فانتقلت سلطاته إلى مجلس الإدارة، إلا ما يخص منها شئون المجاهدين، وقد تولى محمد صبيح سكرتارية ذلك المجلس، فأعد له سجلات يدون بها محاضر جلساته ويتابع مدى انتظام الأعضاء في حضور جلسته، وذلك بصفته الرئيس الأعلى للمجاهدين.
وهكذا يمكن القول، أن التشكيلات شبه العسكرية التي استحدثتها مصر الفتاة داخل المجتمع المصري، كان يمكن أن يتكامل لها أسباب النجاح في تحقيق غرضها، لو أتيح لها العمل بحرية فى ممارسة تدريباتها، ولو توافرت لها السلطة التي تؤيدها وتدعمها لحققت نجاحا أوفر من حيث تجنيد أعداد أكبر من المجاهدين، هذا فضلا عن غموض الأفكار التي طرحتها؛
فكان عدم توفر هذه الشروط كفيلا بألا تحرز قمصان مصر الفتاة الخضراء نجاحا ملحوظا ، وإن كانت قد أحدثت داخل المجتمع المصري فقد حذت بعض الأحزاب حزوها في تكوين تشكيلات مشابهة. استحدث حزب الوفد في يناير 1936 فرقا نظامية شبه عسكرية، واعتمد في تشكيلها على لجان الشبان الوفديين التي أنشأها من قبل.
وقد كان ذلك تقليدا لمصر الفتاة، أو ربما إعجابا من جانب ذلك الحزب بنظام تلك الفرق وموجتها التي انتشرت في ذلك الوقت. وكما حاكى الوفد مصر الفتاة، فقد لقيت الفكرة أيضا رد فعل لدى الحزب الوطني، فقد قرر حافظ رمضان رئيس الحزب تكوين " جمعية البازى" واختار لها الزى الرسمي وأصدر تعليماته إلى أنصار الحزب من طلبة الجامعة بضرورة ممارسة التدريبات العسكرية في ساحة النادي.
وقد توفر حافظ رمضان على دراسة الأنظمة الفاشية والنازية وبذل جهودا لبث الروح العسكرية بين الشباب المصري. وليس هناك وضوح تام حول ما أحرزته تلك الفكرة. وقد اتجه تفكير حافظ رمضان فئ أن يضم جمعية مصر الفتاة إلى الحزب الوطني، وكلف محمد محمود جلال عضو الحزب أن يقوم باتصالات بأعضائها لهذا الغرض، ولكن المحاولة أخفقت لرفض أعضاء مصر الفتاة موضحين أن ذلك من اختصاص أحمد حسين.
وسواء كان ذلك تقليدا لمصر الفتاة، أو أنها موجة انتشرت وكان لها صداها المسموع في مصر ، فإن تشكيلات الوفد قد أخفقت تماما، بعد صدور المرسوم بحل الفرق (مارس 1938)
إلا أن مصر الفتاة، وهى التي قامت أساسا على تلك الفكرة لتنظيم الشباب ، وتعويدهم النظام والطاعة وجمعهم في تشكيلات شبه عسكرية تتيح لها تكوين " الميليشيا الفرعونية" أو " جيش الخلاص" ليمهد لها تنفيذ أهدافها في إعادة مجد مصر القديم، مع إيمانها بأن ذلك لن يتحقق إلا بالاستيلاء على الحكم ومن ثم تنفيذ برنامجها، ومن هذا المنطلق الكرى، ظلت مصر الفتاة تلح على تنفيذ تلك الفكرة، فحتى بعد صدور المرسوم الملكي بحل الفرق، فقد ظلت تمارس تدريباتها العسكرية داخل دورها.
وما أن أعلنت حكومة محمد محمود عن إعادة التدريب العسكري لطلبة المدارس والجامعة حتى طالبت مصر الفتاة جميع أعضائها بأن ينضموا إلى صفوفه، وأن يكون لدى كل عضو من أعضائها ملابس التدريب العسكري التي قررتها وزارة المعارف.
وأعادت تنظيم صفوفها على هذا الأساس، وبدأت تظهر درجة الأعضاء المجاهدين، فتقرر أن تكون كل شعبة أو عصبة من لجانها من مكونة المجاهدين فقط. وعادت إلى تشكيل الكتائب فوجهت دعوة لأعضائها لتأليف " كتيبة فلسطين" . لتنظيم يوم فلسطين الذي أعلنت عنه مصر الفتاة، للقيام بمظاهرات توضح موقف الطلبة من القضية.
ومن ثم أعلن حزب مصر الفتاة، استمرارا لفكرته فى نشر الروح العسكرية، عن افتتاح مكاتب للتطوع فى جميع شعب مصر الفتاة، حتى إذا تجمع لدى الحزب عدد كبير من المتطوعين، وضعهم تحت تصرف وزارة الدفاع سواء في الجيش العامل أو في الجيش المرابط، ويوضح أحد التقارير أن ثمانين عضوا من أعضاء مصر الفتاة قد قرروا الانضمام إلى الجيش المرابط، تحت قيادة اليوزباشي السابق بالجيش محمد زكى مصطفى، والذي يشغل نفس المنصب بالجيش المرابط في ذلك الوقت.
ومن ثم يتابع الحزب نشر تعليماته على الأعضاء بضرورة الانضمام إلى معسكرات التدريب، سواء في الجيش المرابط أو في أماكن التدريب التي أوجدته الحكومة. وأكد أحمد حسين على ضرورة الالتحاق بتلك المعسكرات وقصر حضور اجتماعات الحزب على من يمارسون التدريب في تلك المعسكرات.
وهكذا يتضح لنا أن مصر الفتاة لن تتخل إطلاقا عن فكرتها القديمة في نشر الروح العسكرية بين أعضائها لتكوين " الميليشيا الفرعونية" أو " جيش الخلاص" ولكن الظروف الموضوعية التي مر بها المجتمع المصري لم تتح لها أن تصل إلى أهدافها التي رسمتها لنفسها منذ بداية كفاحها، فقد مرت التجربة بمنحنيات خطرة وهزات عنيفة كان من نتيجتها أنها لم تستطع تحقيق ما هدفت إليه.
ويجدر بنا أن نتناول وسائل الاتصال بين المستوى المركزي والمستوى الإقليمي والتشكيلات سبه العسكرية.
منذ أن أعلن أحمد حسين ورفاقه برنامج مصر الفتاة، فقد أيقنوا جميعا بضرورة نشر مبادئهم بين مختلف فئات الشعب، وقد تمثل ذلك في البداية في رحلات قام بها الأعضاء المؤسسون، وأمكن عن طريق تلك الرحلات تكوين اللجان الفرعية لمصر الفتاة، واستمر ذلك طابع العلاقات بين المركز العام كانوا يقومون بالدعاية لمصر الفتاة ومبادئها، ويعملون على نشرها في مختلف البلاد، كل منهم يعمل في منطقته إذا كان ينتمي لإقليم من الأقاليم
بهذه الطريقة تم تأليف معظم الشعب، وبعد أن تكونت كن لابد من استمرا العلاقة بين المركز العام واللجان الإقليمية، ولقد سارت الاتصالات في طريقين، أولهما تم عن طريق الاتصالات الشخصية بين كبار رجال مصر الفتاة وبين اللجان الفرعية فى الأقاليم، أما الطريق الثاني فقد تمثل في الجريدة التي تعبر عن آراء مصر الفتاة، وتعد لسان حال لها.
ففا الجانب الأول ، قام بعض كبار الأعضاء بزيارة اللجان المختلفة في الأقاليم، استكمالا لتأليفها والإشراف على نشاطها، ففي مستهل عام 1934، قام كبار أعضاء الحزب بزيارات مختلفة للأقاليم، ومنها زيارة أحمد الشيم أمين صندوق الجمعية لمدينة المنصورة، بعد أن انتشرت دعوة مصر الفتاة فيها؛
وفى تلك الزيارة تقابل مع زعيم الشباب الوفدي بالمنصورة الدكتور محمد حلمي الجيار، ودارت بينه وبين الشباب الوفدي مناقشات حول مبادئ مصر الفتاة،كان نتيجتها أن انضم لمصر الفتاة عدد من الأعضاء ، وقد طالبهم الشيمى بالعمل على نشر مبادئ مصر الفتاة وتجنيد المزيد من الأنصار والأعضاء لها في ريف المنصورة.
وفى نفس الوقت قام فتحي رضوان، سكرتير عام الجمعية، بزيارة لمدينة الزقازيق، وذلك لتنظيم شعبتها وبث الدعاية لمصر الفتاة بها، ولكن البوليس فرض رقابة شديدة على تحركاته ، ولكنه استطاع أن يفلت من رقابة البوليس ويتوجه لأداء فريضة الجمعة في أحد مساجد المدينة، فألقى خطبة ضمنها كفاح مصر الفتاة، إلا أن البوليس اكتشف أمره فألقى به خارج المسجد. وتلك كانت إحدى الطرق التي سلكها رجال مصر الفتاة لنشر دعوتهم.
وعندما كانت جمعية مصر الفتاة تأنس في أحد فروعها قوة وتنظيما، فقد كانت توفد أحد كبار أعضائها ليكون مندوبا دائما للمركز العام بها، وقد حدث ذلك عندما انتظمت للجمعية شعبة قوية في مدينة الإسكندرية كانت في ذلك الوقت تعد أقوى شعبة للجمعية؛
وقد سافر فتحي رضوان سكرتير عام الجمعية إلى الإسكندرية وأقام هناك شهرا فواصلت شعبتا الإسكندرية مجهوداتها، وشارك فتحي رضوان في أعمالها، ومن ثم قررت الجمعية أن ترسل أحد كبار أعضائها ، فأرسلت عبد الحميد المشهدى ليتولى السكرتارية الدائمة للشعبة، يتولى تنظيمها ويعمل على تجنيد أكبر عدد ممكن من الأنصار والأعضاء لها.
وفى هذا المجال أيضا كان أحمد حسين يقوم بزيارات لشعب الأقاليم، ولم تكن تلك الزيارات تخلو من مضايقات، كان يتعرض لها رجال مصر الفتاة من جانب الوفد في الأقاليم، وكانت تحدث صدامات مختلفة بين فرق القمصان الخضراء وفرق القمصان الزرقاء الوفدية وقد حدث ذلك أثناء زيارة أحمد حسين لمدينة الفيوم للوقوف على مدى نشاط شعبتها، فعاد أحمد حسين إلى القاهرة واتجه عبد الحميد المشهدى لزيارة شعبة بني سويف .
واستمرارا لأسلوب محاربة الوفد لأعضاء مصر الفتاة، فعندما توجه عبد الحميد المشهدى إلى منوف بلدته للإشراف على أعمال شعبتها وعقد اجتماع فيها، أرسلت الإدارة في طلبه لمقابلة مأمور المركز الذي أودعه السجن، وقد كان ذلك الموقف من جانب المأمور بإيعاز من صبري أبو علم مرشح الدائرة في الانتخابات الذي حاربه المشهدى. وكذلك أرسل الحزب أحد أعضائه ليقوم بنشر الدعوة في أسوان والإشراف على شعبتها.
ظل ذلك هو أسلوب الاتصالات بين المستوى المركزي والمستوى الإقليمي لمصر الفتاة، ففي هذا المجال قام أحمد حسين بزيارة شعبة أسوان، للأشراف عليها وبث الدعوة لمصر الفتاة، وفى نفس الوقت توجه لنفس الغرض لزيارة بعض الشعب في مديرية قنا وأسيوط.
وفى صيف عام 1938 ، وجه مصطفى الوكيل ،نائب رئيس الحزب، في أثناء سفر أحمد حسين لأوربا نداء إلى جنود مصر الفتاة من الطلبة بأن يتوجهوا إلى الريف لنشر دعوة مصر الفتاة ومبادئها، وليعملوا على تأليف اللجان في بلادهم، وذلك أثناء العطلة الصيفية .
ولشدة اهتمام الحزب بنشر دعوته في الريف، فقد تولى بعض الأعضاء عقد اجتماعات في القرى بهدف كسب المزيد من الأعضاء، ولكن لم تلق هذه الجهود أي نجاح ملحوظ. وبعد عودة أحمد حسين من أوربا فقد قرر أن يقوم ببعض الزيارات للأقاليم في مناسبات مختلفة.
وعندما تقرر عقد مؤتمر لحزب مصر الفتاة في أول يناير 1939، قررت رئاسة الحزب إيفاد بعض أعضاء المركز العام إلى الأقاليم للدعوة للمؤتمر وللإشراف على شعبها، وقسمت المناطق بينهم، فتولى عبد الحميد المشهدى زيارة مديرية الشرقية، ومحافظتي القناة ودمياط، وتولى أحمد بدوى زيارة الفيوم وبني سويف والمنيا، وعصام عبد المعطى زيارة البحيرة والإسكندرية ، وتوفيق الملط أسيوط وجرجا وقنا، وعبد الرحمن الصوالحى القليوبية وبلبيس ومنيا القمح وأجا وميت غمر، وصالح حنفي الغربية ، محيى الدين عبد الحليم المنوفية والجيزة، وسامي جورجي مديرية أسوان.
ومن ثم يقرر الحزب أن يقوم بعض رؤسائه برحلات متلاحقة إلى الأقاليم لزيارة الشعب، والإشراف على سير الأعمال بها، والاجتماع بأعضائها وقرر أن يقوم بها مصطفى الوكيل، فتحي رضوان، محمد صبيح، حسين يوسف، عبد الحميد المشهدى ومحمود مكي، وقد قرروا أن تكون أولى زيارتهم لمديرية المنوفية ومراكزها.
تابع أعضاء مجلس إدارة الحزب زياراتهم لشعب الأقاليم، فوجه كمال سعد عضو المجلس الدعوة لعدد من الأعضاء لزيارة مزرعته بالقناطر، لتنفيذ برنامج الحزب، فى نشر الدعوة واتصال رؤسائه بأهل القرى اتصالا مباشرا، ثم تقرر أن يواصل أعضاء مجلس الإدارة زيارة الأقاليم وتنظيم شعبها، وكانت زيارتهم هذه المرة إلى بعض قرى مديرية الجيزة؛
ثم قام الرئيس بدور في هذا المجال، فزار القناطر الخيرية ومنها انتقل إلى قليوب وشبين القناطر، ثم كفر أبو زايد فمشتول السوق، ثم إلى سنهوا، وكذلك قام عبد الحميد المشهدى بزيارات لكل من المنصورة وبيلا ونبروه والمحلة الكبرى لنفس الغرض.
وبقيام الحرب العالمية الثانية وتشديد الرقابة على النشر، أصبح ذلك الجانب من الاتصالات أكثر أهمية، غذ أصبح هو الأسلوب الوحيد للاتصالات بين المركز العام وبين اللجان،ويتمثل ذلك في لزيارات المفاجئة التي قام بها رؤساء الحزب للأقاليم، ومنها زيارة مصطفى الوكيل وحسن سلومه لبني سويف.
وكذلك زيارة مصطفى الوكيل لشعبة المنصورة والبلاد المجاورة لها. وزيارة أحمد حسين لشعبة الإسكندرية ، حيث ذكر للأعضاء الذين تم جمعهم لعقد الاجتماع عن طريق مرور أحد الأعضاء عليهم أن الرقابة المفروضة على الصحف تجعله لا يستطيع أن ينشر كل شيء، ولهذا فقد عول على زيارة لجان الحزب وفروعه بالمدن، والأقاليم،زيارات مفاجئة لا يعلم بها أحد لكي يتمكن من الاتصال بأنصاره والتحدث إليهم عما يريد.
وهكذا فرضت ظروف الحرب قصر أسلوب الاتصال بالمستوى الإقليمي على جانب الاتصالات الشخصية المفاجئة دون أن يعلن الحزب عنها بأي وسيلة من وسائل الإعلان.
أما عن الطريق الذي استخدمته مصر الفتاة، كوسيلة من وسائل الاتصال، فقد تمثل في توجيه تعليمات المستوى المركزي لشعب الأقاليم، عن طريق النشر فئ الجرائد المختلفة التي اتخذتها مصر الفتاة لسان حال لها تارة، وتارة أخرى عن طريق المراسلات البريدية.
وبذلك تكون مصر الفتاة قد استخدمت هاتين الوسيلتين للاتصال بالمستوى الإقليمي، أما للإشراف على اللجان الفرعية التي تشكلت لها من قبل، أو للدعاية بغرض تشكيل لجان جديدة، ويجدر بنا لكي نستكمل أبعاد الهيكل التنظيمي أن نتناول القسم الرابع وهو الموارد المالية لمصر الفتاة.
تتمثل الموارد المالية لمصر الفتاة من علنية وغير علنية، في عدة مصادر هي كما حددتها القوانين النظامية لها اشتراكات الأعضاء والأنصار بمختلف كوادره، التبرعات لإعانة مصر الفتاة على مواصلة كفاحها، الاشتراك في الجريدة لسان مصر الفتاة، إعانات للجرائد التي اتخذتها مصر الفتاة، من بعض الهيئات والأشخاص؛
وهناك موارد مالية أخرى تمثلت فئ محاولة مصر الفتاة الحصول على الأموال من بعض القوى السياسية في مصر، اتصالات ببعض الشخصيات داخل مصر وخارجها لنفس الغرض، هذا بالإضافة إلى دخل مصر الفتاة من توزيع الجريدة والإعلانات، والاكتتابات التي كانت تطرحها مصر الفتاة بين أعضائها وأنصارها؛
عندما كانت تشرع في القيام بعمل جديد، أو عندما تتعرض لأزمة مالية، وأخيرا أرباحها من المؤسسات التي تقيمها، وفى الجانب الآخر نتناول الالتزامات المالية المفروضة على مصر الفتاة، وقد تمثلت في رحلات بعض الأعضاء إلى أوربا في سنوات مختلفة. والآن نتناول المصدر الأول ونعنى به الاشتراكات.
كانت مصر الفتاة منذ بداية قيامها حريصة على ضم أكبر عدد ممكن من الأعضاء إليها، فبالرغم من أنها حددت قيمة الاشتراك لكل درجة من درجات العضوية بها، إلا أنه في أحد اجتماعات الجمعية في 22 يناير 1934 ، قرر المجتمعون قيمة الاشتراك قرشين شهريا فقط لكل الأعضاء.
وهى بذلك تستهدف تخفيف الأعباء المفروضة على من ينضمون إليها بغية انتشار دعوتها وكسب المزيد من ألأعضاء والأنصار، خاصة وأنها قامت في ظروف أزمة اقتصادية طاحنة تعرضت لها مصر والعالم أجمع، وبالرغم من هذه التسهيلات التي منحتها مصر الفتاة لأنصارها وأعضائها؛
فإن عدد الأعضاء المنضمين إليها لم يحقق لها الجماهيرية التحى كانت تنشدها، فقد أمكن العثور على بعض دفاتر قسائم اشتراكات الأعضاء، ومن خلالها أمكن التعرف على عدد الأعضاء المسددين لالتزاماتهم المالية في المركز العام لمصر الفتاة، ففي يناير 1935 بلغ عدد الأعضاء المسددين لاشتراكاتهم 68 عضوا، دفعوا مبالغ متفاوتة تتراوح بين ثلاثة قروش وخمسين قرشا بلغ مجموعها 738 قرشا هي كل حصيلة الاشتراكات في هذا الشهر.
وفى شهر فبراير من نفس العام بلغ الأعضاء المسددين لاشتراكاتهم اثنان وعشرون عضوا تتراوح قيمة اشتراكاتهم بين قرشين وخمسين قرشا بلغ مجموعها 274 قرشا.
وهذا يوضح أن حصيلة الاشتراكات في تناقص، فإذا علمنا أن معظم المسددين عن هذا الشهر أعضاء جدد انضموا لمصر الفتاة ، فإن غالبية من سددوا اشتراكاتهم في الشهر السابق لم يقوموا بتسديد اشتراكاتهم عن هذا الشهر، ولعل هذا يعطى صورة واضحة لتذبذب حركة العضوية وبالتالي الموارد المالية من الاشتراكات بين المد والجزر.
فإذا انتقلنا إلى شهر يناير عام 1937 فإننا نجد أن عدد الأعضاء المسددين لاشتراكاتهم عشرون عضوا تتراوح قيمة اشتراكاتهم بين قرشين ونصف وأربعين قرشا بلغ مجموعها 188,5 قرشا.
وهكذا تسجل قيمة الاشتراكات هبوطا ملحوظا في عدد الأعضاء المسددين، وهذا بدوره يتنافى مع الفكرة التي من أجلها عمد أحمد حسين لتحويل جمعية مصر الفتاة إلى حزب سياسي، بهدف كسب المزيد من الأعضاء والأنصار، وفى شهر فبراير من نفس العام بلغ عدد الأعضاء الذين سددوا اشتراكاتهم واحدا وثلاثون عضوا، تتراوح قيمة اشتراكاتهم بين خمسة قروش وخمسة وعشرين قرشا بلغ مجموعها 263 قرشا.
وقد سجل هذا الشهر زيادة في عدد الأعضاء وفى قيمة الاشتراكات إلى حد ما. ولكنه في النهاية فإن قيمة ما كان يجمع من الاشتراكات، لم يكن يتيح لمصر الفتاة أن تعتمد عليه في ممارسة نشاطها السياسي في مختلف المراحل.
وقد ذكر أحمد حسين بصدد ذلك ، عندما أعلن الحزب عن اكتتاب يساعده ماليا في النهوض بأعبائه فقال
" إن المسألة لا تحتاج إلى خطب، ولا تحتاج إلى إثارة حماسة، لا يمكن لحركة من الحركات أن تنهض إلا معتمدة على المال، والمال هو عصب الجهاد وهو عصب الحزب وهو عصب المجد" .
وقد كان أحمد حسين في ذلك يقرر حقيقة الأوضاع المالية لمصر الفتاة. فمنذ إعلان قيامها والأعضاء المشتركون غير جادين في الوفاء بالتزاماتهم المالية تجاهها، فقد كان الشغل الشاغل لمصر الفتاة في كل مراحل تطورها، أن تنبه الأعضاء إلى ضرورة تسديد اشتراكاتهم؛
حتى يتسنى لها أن تستمر في مزاولة كفاحها، من أجل الوصول إلى الغاية التي كرست نفسها لها، وهى إعادة مجد مصر، ففي عام 1934 تطالب مصر الفتاة أعضاءها بأن يواظبوا على دفع اشتراكاتهم وسداد المتأخر عليهم.
ويشهد عام 1938 سيلا من التعليمات في هذا الصدد، فعندما أدخل الحزب تنظيمات جديدا على صفوفه ، كان الشرط الثاني والأخير من شروط من يريد الاستمرار في عضويته للحزب، أن يواظب على دفع الاشتراك بعد أن يكون مالكا لملابس التدريب العسكري.
ومن ثم في عام 1940 عندما لم تحرز جريدة " مصر الفتاة" رواجا. يضيف الحزب إلى هذه الشروط، أن يقوم كل عضو بشراء الجريدة. ولم يكن ذلك هو الوضع في المركز العام لمصر الفتاة، وإنما تعرضت لجانها في الأقاليم لنفس الحالة. فقد أصبح عدم الوفاء بالالتزام المالي هو القاعدة وما عداه يعد استثناء.
كان عد التزام الأعضاء بتسديد اشتراكاتهم لمصر الفتاة، فضلا عن قلة أعدادهم كفيلا بأن تتجه إلى أسلوب آخر لجمع الأموال اللازمة لمواصلة نشاطها السياسي، وهو الحصول على التبرعات والهبات من بعض الأنصار، كما حددت ذلك في قوانينها النظامية؛
وفى هذا يقول أحمد حسين
" عندما خرجت مصر الفتاة إلى الوجود، كان مستحيلا أن نقول للناس سلموا مقاليد الأمور لنا، وقد اكتفت بتبيان مبادئها..
وفى هذه الأثناء اقترب منا أشخاص منهم وزراء سابقون وأعضاء في أحزاب، واتصلنا بمختلف الهيئات والجماعات.. وكنا نرحب بالمعونة نتلقاها من أي ناحية ونتلمس مظاهر التأييد، وكانت الحركة دائما أبدا في حاجة إلى المال، وكانت وسيلتنا لجمع المال أن نقنع بعض الأغنياء والمشتغلين بالسياسة بإعانتنا لمصلحة الوطن والأمة.
وطرقنا عدة أبواب، وكان من بين هذه الأبواب علوبة باشا، ومحمد محمود باشا وبهي الدين بركات وعلى ماهر، فرأينا من هؤلاء تشجيعا وتعضيدا وبادروا بمد الحركة بالمال، على شكل أقساط شهرية من البعض، وعلى شكل إعانات تدفع من حيت لآخر".
وقد انقسمت تلك الإعانات إلى نوعين ، أحدهما إعانة لمصر الفتاة لمواصلة نشاطها السياسي أما الآخر فقد كان إعانة الجرائد التي اتخذتها لسان حال لها، كي تساعدها على الاستمرار في الصدور، ففي النوع الأول من الإعانات ، شهد عام 1934 إعانات من كل من : محمد على علوبة ومحمد زكى على، سليمان حافظ المحامى، عبد الخالق مدكور باشا، إسماعيل وهبي المحامى الذي عرض على أحمد حسين أن أخاه يوسف وهبي على استعداد أن يمنح جمعية مصر الفتاة أرباح حفلة في سينما وهبي.
وقد تراوحت إعانات هؤلاء بين جنيهين وثلاثة جنيهات إلى مبالغ ربما تزيد عن هذا كثيرا، أما عام 1935 فإنه يشهد اتساع دائرة الأشخاص الذين يتبرعون لمصر الفتاة بأموالهم، وهم عبد الرحمن الرافعي، فكرى أباظة، عباس حليم، إسماعيل داود وبهي الدين بركات، وقد تراوحت المبالغ التي تبرع بها كل منهم ما بين جنيهين وعشرة جنيهات، هذا فضلا عن أن بعض الأعضاء الذين فرضت عليهم ظروفهم أن يكونوا خارج القاهرة كانوا يتبرعون لمصر الفتاة من وقت لآخر بمبالغ تتناسب مع قدرتهم المالية .
وفى عام 1936، وقبل أن يعود أحمد حسين من رحلته في أوربا إلى القاهرة، أرسل خطابا إلى فتحي رضوان يطالبه بالاستعداد والتجهيز لإقامة اجتماع ضخم بعد عودته، ويقول له" سوف أعود ومعي كما قلت لك كثير من النقود التي أرسلت إلى من مصر وإذن فإن لم يوجد لديكم نقود للصرف على المطبوعات وجعل الاجتماع ضخما فاقترض من أي ناحية" .
ولعل هذا يوضح أن أحمد حسين قد حصل على بعض الأموال من أوربا لأنه كان دائم المطالبة بإرسال أموال إليه من مصر قبل ذلك مباشرة. وسوف نوضح ذلك فيما بعد ويتضح هذا من تصرفات أحمد حسين بعد عودته من أوربا، ففي مارس من نفس العام، عمل على تأنيث المركز العام للجمعية وبعض دور اللجان، وقد دفع في ذلك مبالغ كبيرة، ويشير أحد التقارير إلى أنه ربما تلقى إعانات مالية من الحكومة.
ولكننا نرجح أنه عاد من أوربا ومعه الكثير من الأموال، وبصدد التزام بعض الأعضاء المؤسسين تجاه مصر الفتاة، فيرسل كمال الدين صلاح، الذي يعمل بالقنصلية الملكية المصرية بالقدس، مبلغا من المال رمزا لتضامنه مع الجمعية. أما في عام 1937 فإن ذلك العام يشهد قمة تقديم الإعانات والتبرعات لمصر الفتاة، خاصة وبعد أن تحولت الجمعية إلى حزب سياسي.
وفى عهد وزارة الوفد، فإن التبرعات كانت في غالبيتها من أشخاص عرفوا بعدائهم للوفد، وربما كان ذلك من جانبهم عملا على تقويض حكم الوفد والعمل على هدمه عن طريق مهاجمة مصر الفتاة له، ففي مستهل العام تصل إلى الحزب مجموعة من التبرعات قيمتها سبعين جنيها ، ومن أشخاص مختلفين من بينهم أعضاء وأنصار الحزب. كما تلقى الحزب معونات أخرى من شخصيات مختلفة.
وهكذا استطاعت مصر الفتاة أن تستكمل النقص الواضح في مواردها المالي عن طريق التبرعات، سواء أكانت من أعضائها أو أنصارها إلى أن أصبح لها ميزانية بلغت خمسين جنيها شهريا.
وهذا المبلغ يسجل ارتفاعا كبيرا في دخل مصر الفتاة في ذلك العام، فإذا انتقلنا إلى عام 1938 فإن العام يشهد رواجا من جميع النواحي لمصر الفتاة، ويهمنا هنا الموارد المالية، ففي مستهل حكم محمد محمود، يتبرع لمصر الفتاة بمبلغ ثلاثمائة جنيه وذلك قيمة الضمان المالي لاستخراج رخصة جريدة " مصر الفتاة"
هذا إلى أن مصر الفتاة قد تلقت كثيرا من الإعانات والهبات، خاصة وإن وزارة محمد محمود وزارة صديقة لها، وإن ذلك ليعطى تفسيرا واضحا لتزايد نشاط مصر الفتاة خلال عهد تلك الوزارة على الأقل في البداية فأحرزت مصر الفتاة نجاحا ملحوظا إلى حد كبير ، فكيف يتحقق هذا النجاح إن لم يكن مؤيدا بموارد مالية كبيرة.
كانت تلك هي التبرعات والإعانات التي تلقتها مصر الفتاة في خلال تلك الفترة وأما بقية فترة الدراسة فلم نعثر على أي ذكر لتبرعات أخرى، وهنا ننتقل إلى الجانب الآخر من الموارد وهو المبالغ المدفوعة من جانب الأعضاء لجريدة مصر الفتاة سواء كان ذلك اشتراكا أم تبرعا.
وبالاضافة إلى ما كانت تحققه جرائد مصر الفتاة المختلفة (الصرخة، وادي النيل، الضياء، مصر الفتاة) من عائد للتوزيع، فإنها كانت تتلقى إعانات من مختلف الهيئات والشخصيات ، لتساعدها على استمرارها في الصدور، ومن بين هذه الشخصيات محمد محمود وإسماعيل صدقي وحفني محمود فقد دفع كل منهم مبالغ كاشتراك في جريدة الصرخة.
وعندما اتخذت مصر الفتاة جريدة وادي النيل لسان حالها، فقد كانت هناك إعانات من بعض الأشخاص مثل عباس حليم فقد تبرع بمبلغ عشرون جنيها على أنها قيمة إعلانات شركة السجاير التابعة له، وكذلك إعلانات ثمانية محاكم أهلية، وقد كان لمصر الفتاة موقف من إعلانات الشركات الأجنبية، فعندما تولت تحرير جريدة وادي النيل، كانت تلك الجريدة مرتبطة باتفاقات سابقة مع بعض الشركات الأجنبية، فأعلنت مصر الفتاة أنها ستعمل على التخلص منها عندما تنتهي فترة تلك العقود.
وقد أعان على ماهر تلك الجريدة بمبلغ خمسة جنيهات ويشير تقرير آخر أنه عندما أصبح أحمد حسين عاجزا عن الاستمرار في إصدار الجريدة تبرع على ماهر بمبلغ عشرون جنيها مساعدة من القصر إعانة للجريدة.
وعندما عادت مصر الفتاة إلى تحرير " الصرخة" من جديد فقد انهالت عليها الإعلانات الحكومية التي كانت تشكل مصدرا هاما من مصادر تمويل الجريدة. وبالإضافة إلى هذا فقد تلقت جريدة الثغر مبلغ أربعين جنيها إعانة من كل من سلطان السعدي وصالح لملوم.
وفى النهاية يمكننا عمل ميزانية لحزب مصر الفتاة وتقدير قيمة الدخل والمنصرف، ففي الفترة من 5 إلى 21 أغسطس، بلغت قيمة المنصرف بالحزب والجريدة مبلغ عشرون جنيها وسبعمائة وعشرة مليمات منها تكاليف إصدار الجريدة، وبلغت الإيرادات بما فيها بعض التبرعات تسعة عشر جنيها وخمسمائة وستون مليما.
فإذا علمنا أن هذا المبلغ الأخير يشمل قيمة المباع من الجريدة إلى جانب الإعلانات، فإن معظمه كان عبارة عن إعانات من الأعضاء مثل إبراهيم شكري وأحمد حسين وغيرهما ، وهذا بدوره يجعلنا نتصور حجم ميزانية مصر الفتاة في عام 1938، وهو بحق يعد فترة الازدهار بالنسبة لها؛
فإذا كانت الميزانية بهذه الضآلة دخلا ومنصرفا، فإن هذا يوضح مدى ما كانت تعنيه من نقص في ميزانيتها، مما دفعها إلى أسلوب آخر للحصول على الأموال اللازمة لها، فتطرح اكتتابات بمبالغ مختلفة بين أعضائها وأنصارها،تساعدها على الاستمرار في النشاط السياسي ، فعندما فكر أحمد حسين وفتحي رضوان في السفر إلى لندن، طرحت مصر الفتاة اكتتابا بين الجماهير لتمويل هذه الرحلة.
وقد حقق هذا الاكتتاب مبالغ كبيرة، استطاعت مصر الفتاة أن تستبقى جزء منه لتنظيم أعمال الجمعية وإصدار الجريدة بانتظام.
وفى عام 1937 يعلن الحزب عن اكتتاب بين أعضاء الحزب ومناصريه وذلك ليجدد الحزب نشاطه السياسي وليتخذ له مقرا مناسبا، ولتقوية الحزب، والاكتتاب بدأ بمبلغ قرش. وربما كان ذلك امتدادا لفكرة مشروع القرش بصورة أخرى.
وفى عام 1938 يطرح اكتتابا آخر هدفه هذه المرة إصلاح دار الحزب، بعد أن خربها رجال البوليس أثناء اعتقال الأعضاء، فى حادث الاعتداء على النحاس في خريف 1937 ولشراء الماكينات اللازمة لمطبعة الحزب.
ثم يعلن أيضا في نفس العام عن اكتتاب الطبع الخطب التي ألقاها أحمد حسين، ومن هنا يتضح أن مصر الفتاة، كانت تلجأ إلى طر الاكتتابات بين الأعضاء والأنصار كوسيلة للحصول على أموال بطريقة علنية فإنها كانت تسعى لاتصالات أخرى ، تحصل منها على أموال.
سعت مصر الفتاة، لإقامة علاقات مع الخديوي عباس حلمي الثاني، وكان واسطة الاتصال بينهما عبد الخالق مدكور باشا، وذلك بهدف الحصول على مساعدة الخديوي للجمعية.
وعند زيارة أحمد حسين لأداء فريضة الحج في عام 1935 يقول:
" قصدت إلى بيت الله الحرام بنية الحج والعمرة وقد تجلت نعمة الله على في هذه الحجة إذ ذهبت إليها خالي الوفاض تقريبا، وعدت منها وأنا محمل بما كان يعتبر في هذا الزمان بالنسبة لنا كثير، وما أعطانا دفعة في كفاحنا وهو ثلاثمائة جنيه"
فإذا علمنا أن الملك عبد العزيز قد منحه مبلغ خمسة وستون جنيها فقط. وهنا يبرز سؤال . من أين جاء أحمد حسين ببقية المبلغ المذكور؟ ونترك هذا السؤال معلقا مع غيره من الأسئلة لنجيب عليه في فصل مصر الفتاة والمسألة الوطنية. وفى جانب آخر، سبق أن ذكرنا أن أحمد حسين عاد من رحلته في أوربا في فبراير 1936 ، وهو يحمل مبالغ كبيرة من المال، وتفسير ذلك أن أحمد حسين عندما كان في لندن كان على اتصال بشكيب أرسلان ثم التقى به في جنيف في ذلك الوقت، وعلاقة شكيب أرسلان بموسولينى واضحة؛
فمن المحتمل أن يكون أحمد حسين قد حصل على مبالغ من قبل موسولينى عن طريق شكيب أرسلان وكذلك هناك إشارات إلى تلقى مصر الفتاة، إعانات مالية مختلفة من إيطاليا فئ مختلف المناسبات، منها 70 جنيه إعانة لإصدار جريدة الصرخة من جديد، 35 جنيه عند سفر أحمد حسين إلى لندن عام 1835، وحصوله على مساعدات مالية عندما كان في إيطاليا وألمانيا عام 1938، وأخيرا عندما كان أحمد حسين بالحجاز فئ عام 1941 فقد كان على اتصال بوزير إيطاليا المفوض وهناك احتمال أن يكون قد حصل على مبالغ منه. خاصة وأن نشاط الحزب كان متجمدا في ذلك الوقت.
فإذا انتقلنا من الحديث عن الموارد إلى الحديث عن الأعباء المفروضة على مصر الفتاة نجد أنها تتمثل فئ إيجار الدور التي اتخذتها مقرا للجانها قيمة استهلاك النور والمياه والتليفون، تكاليف إقامة الاجتماعات والاستعراضات، شراء الملابس العسكرية لبعض الأعضاء، تكاليف إصدار الجريدة؛
وقد كانت الجريدة تستنفد الجزء الأكبر من الموارد، فإذا كانت الموارد المالية لمصر الفتاة تعتمد في غالبيتها على الهبات والتبرعات وليس ذلك دخلا ثابتا فإنها أمام مواجهة تلك الأعباء، كانت تتعرض لأزمات مالية طوال الفترة، كعجزها عن دفع إيجار دارها في 1935 لوزارة الأوقاف.
وتبرز تلك الأزمة أيضا في عام 1940 عندما يرفع صاحب الدار التي تشغلها قضية ضدها لعدم سداد الإيجار لمدة ستة أشهر، كما أنها لم تستطع أن تدفع بقية ثمن ماكينات الطباعة.
ولم يكن هذا هو حال المركز العام وحده، بل تعرضت شعب الأقاليم لتوقف نشاطها نتيجة لنقص في الموارد، فقد صدرت أحكام لصالح أصحاب دور الشعب، عندما لم تستطع مصر الفتاة إصدار جريدتها ، فتلجأ للحصول على قروض من بعض الأصدقاء، ففي هذا الصدد يقترض أحمد حسين مبلغ عشرين جنيها من محمد على الطاهر الفلسطيني صاحب جريدة " الشورى" لشراء الورق اللازم لطبع الجريدة، ويتضح أن هذا المبلغ قد سبقه مبالغ أخرى.
تلك كانت الصورة العامة للنواحي المالية لمصر الفتاة دخلا ومنصرفا والتي توضح أنه لم يتحقق لها أي دخل ثابت من حصيلة الاشتراكات، وقد اعتمدت أساسا على الهبات والتبرعات، ومن الصعب أن ينظم حزب من الأحزاب نشاطه السياسي على مصادر مالية غير معلومة، وغير مضمون الحصول عليها، وكانت طريقة الحصول على أموال من جهات أخرى، ربما لخدمة أغراض معينة- يعد عملا غير مشروع؛
ولكن أمام الالتزامات المفروضة على مصر الفتاة كي تواصل نشاطها، وأمام إصرار رئيسها وإيمانه العميق بإمكانية بعث مجد مصر على يديها ، كان الإصرار على الاستمرار تحت أي ظروف وفى مواجهة أي أزمات، لكن حقيقة الأمر أن مصر الفتاة طوال فترة الدراسة لم تحقق نجاحا ماديا أو معنويا ، اللهم إلا بعض النجاح في عام 1938 والذي لم يدم طويلا لانتهاء " شهر العسل " بينها وبين وزارة محمد محمود 1938.
وهكذا تكون صورة الهيكل التنظيمي لمصر الفتاة قد تم تشكيلها، ولابد لنا من كلمة في ختام ذلك الفصل نلقى بها أضواء على هذا الهيكل.
حقيقة أن مصر الفتاة قد سعت في مختلف المراحل التي مرت بها أن ترسم لنفسها أشكالا تنظيمية مختلفة، وكانت تضمن قوانينها النظامية مختلف الأشكال التنظيمية، أبعادها واختصاصات كل منها؛
وعندما حاولت تطبيق تلك القوانين، وتحقيق تلك الأشكال التنظيمية، كانت تصطدم بالواقع الذي لم يكن يتيح لها الالتزام بها بدقة، فكانت تحاول أن تقيم وحداتها المختلفة في ضوء الممكن المتاح، فإن الجانب التطبيقي للهيكل ، يختلف اختلافا جوهريا عما جاء في القوانين النظامية المختلفة التي أصدرتها؛
فكانت دائمة التغيير والتعديل في قوانينها وتعليماتها لأعضائها وأنصارها وقد كان ذلك ناتجا عن الإصرار على فكرة معينة منذ البداية، ومحاولة تسخير كل الوسائل لتحقيقها، دون أن تسعى لنشر الإيمان بتلك الفكرة مقدما، ثم يأتي بعد ذلك دور التنظيم ليمهد لهذه الأفكار كي ترى النور؛
ولكن مصر الفتاة لجأت إلى إيجاد أشكال تنظيمية دون أن تنشر الأفكار الأساسية التي تلتف حولها الجماهير، ومن ثم يمكن تنظيمهم وصولا للهدف المنشود.
وحقيقة الأمر أن الأحزاب المصرية ومنها مصر الفتاة، ظلت بعيدة عن ممارسة الأساليب التنظيمية الحقة ، ذلك أنها في الواقع لم تكن تستطيع أن تسمح بتنمية الوعي الاجتماعي للجماهير ، أو تتيح لها فرصة المشاركة الجادة في العمل السياسي الحقيقي، فقد ظل الارتجال السياسي طابع العمل الحزب، وحتى بالمعنى الحزبي الصرف فقد فشلت الأحزاب المصرية ومنها مصر الفتاة، في إيجاد الشكل التنظيمي العلمي للحزب، كما استقر في أنحاء العالم، وفى إيجاد تقاليد حزبية راسخة يمكن في إطارها ممارسة العمل السياسي، ومشاركة الأعضاء الحزبيين في رسم وتوجيه سياسة الحزب.
إن صلة الجماهير بالحزب سواء كانت من بين أعضائه الرسميين أو من المشايعين له، لم تكن تتعدى التجمهر في السرادقات والمواكب، والخلاصة أن الأحزاب المصرية فشلت في إيجاد التنظيم الحزبي، الذي يتيح لأعضائها أن يمارسوا العمل السياسي، وبالتالي فشلت في إيجاد أي أساس صالح لبناء تنظيمات سياسية وهكذا فإن مصر الفتاة لم تستطع أن تنهج النهج السليم في الوصول إلى تحقيق الهيكل التنظيمي العلمي لها، وإنما اعتمدت على الارتجال وعدم الالتزام حتى بالإطارات التي وضعتها لنفسها لتتحرك وتنظم نفسها داخلها.

الفصل الخامس: صحافة مصر الفتاة

  1. الصرخة
  2. وادي النيل
  3. الضياء
  4. الثغر
  5. مصر الفتاة
  6. الجلاء
  7. المنتخب
  8. كتاب الشهر

كانت الصحافة تمثل ركنا هاما وأساسيا في كفاح مصر الفتاة، فقد كانت من أهم الأدوات التي استخدمتها في نشر دعوتها، إلى جانب اعتمادها على الاتصالات الشخصية لنشر الدعوة بين الأعضاء والأنصار كما بينا فيما سبق؛

فالصحافة وهى الكلمة المكتوبة كانت الوسيلة الأكثر أهمية في نشر أفكار مصر الفتاة، فعن طريقها يمكن توصيل الفكر إلى أكبر عدد ممكن من الجماهير ولها أهمية قصوى بالنسبة لأي حركة سياسية، فهي وسيلتها وأداتها في نشر أفكارها، وهى أيضا أداة لأي تنظيم من التنظيمات مهما كانت هويته، فهي تنقل تعليماته وتوجيهاته إلى جماهيره في مختلف البلدان، هذا بالإضافة إلى أنها تعبير صادق عن أفكاره.

فإن من المقومات الأساسية لنشر أية مجموعة من الأفكار أن يسبقها نوع من الدعوة لها بمختلف الوسائل المتاحة لنشرها. وقد كانت الصحافة إحدى تلك الوسائل وأهمها على الإطلاق، وفى ظل هذه النظرة لدور الصحافة وأهميتها، كان إيمان مصر الفتاة بأنها هي التي تعبر عن أفكارها، وأنها هي البوق الذي يوصل ما طرحته من أفكار إلى الجماهير، هذا فضلا عن أنها تعد جزءا متمما بل وضروريا لكي يستكمل الهيكل التنظيمي مقوماته الأساسية.

فمنذ أمن أحمد حسين بمجد مصر القديم وضرورة بعث ذلك المجد، سعى لنشر إيمانه بين زملائه من طلبة الجامعة، وقد شغله التفكير في كيفية تحقيق هذا المجد وإعادته، فطرح أفكارا جديدة في أوساط الطلبة، منها أن يعسكروا في سفح الأهرام في ذكرى 13نوفمبر 1929 " عيد الجهاد" ثم ينزلون إلى المدينة في شكل طوابير منظمه.

لكن تلك الأفكار لم تلق قبولا في ذلك الوقت، فلم يوافه بالمعسكر إلا عدد قليل لا يتعد أصابع اليد الواحدة، وكان أحمد حسين قد تولى نشر أفكاره هذه بين زملائه الطلبة معتمدا على أسلوب اتصاله الشخصي بهم، فلما طرح فكرة تنفيذها ولم تحقق نجاحا ملحوظا، أدرك أحمد حسين أن ذلك راجع لأحد احتمالين، أولهما أما أن تكون الأفكار التي طرحها لم يعتنقها ويؤمن بها سوى عدد قليل من الطلبة، ربما لغموض فكرتها ورومانسيتها وعدم وضوح الهدف منها.

أما الاحتمال الثاني أن هذه الأفكار لم تحظ بأسلوب ناجح للدعاية لها والإعلان عنها وبيان فكرتها ومراحل تطورها والهدف منها. ويبدو أن أحمد حسين قد اقتنع بهاذ الاحتمال ، ومن ثم بدأ في توجيه نشاط إعلامي.

ففي العام التالي (1930) سعى أحمد حسين جاهدا للحصول على رخصة جريدة أو مجلة يبثها أفكاره، وتستطيع أن تعبر عن إيمانه وتعمل على نشر فكرته بين مختلف قطاعات الشعب. فاتخذ من مجلة " الصرخة" منبرا عبر فيه عن إيمانه وأفكاره، وهكذا كان إيمان مصر الفتاة بأهمية الصحافة ودورها الهام في نشر دعوتها ما يجعلنا نتناول بالدراسة الصحافة التي اتخذتها مصر الفتاة لسان حالها في مختلف أطوار حياتها، وقبل وبعد إعلان قيام تجمع أو تنظيم سياسي يحمل اسمها.

ويجدر بنا قبل أن نتناول صحافة مصر الفتاة، أن نشير أولا إلى بداية اهتمام أحمد حسين بالصحافة وإيمانه بالدور الذي يمكن أن تعلبه في حياة أية فكرة، وأن نحدد مدى تمرسه في هذا العمل الصحفي. ففي حقيقة الأمر أن اهتمام أحمد حسين بالصحافة وبدورها، وإيمانه الكامل بأنها من أهم الوسائل التي يمكن استخدامها لنشر مبادئ أو أفكار بذاتها والترويج لها والدفاع عنها؛

فإن ذلك لم يأت من فراغ ، فقد تولى أحمد حسين عندما كان طالبا بالمدرسة الخديوية الثانوية رئاسة تحرير مجلة المدرسة، وقد كان ذلك بعد رحلته إلى الأقصر وأسوان عام 1927، والتي بدأ إيمانه بضرورة بعث مجد مصر يبرز خلالها، فقد بث مجلة المدرسة في العام للرحلة أفكاره في هذه الناحية في سلسلة مقالات بعنوان " رسالتي" .

فإذا جاء أحمد حسين في مارس عام 1930 واستخدم مجلة " الصرخة" لنشر مجموعة من الأفكار التي كان يؤمن بها ويسعى لنشرها، لم يكن ذلك حدثا جديدا في حياته هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن فتحي رضوان الذي شاركه في تحريرها عندما كان طالبا بمدرسة بني سويف الثانوية، كان يعد بعض الكتابات القصيرة ويبعث بها إلى بعض الصحف مثل " المصري" و" اللواء" و" الأخبار" وهكذا فلم يكن اشتراك فتحي رضوان في تحرير مجلة " الصرخة" في عام 1930 نابعا من فراغ أيضا.

عندما أدرك أحمد حسين وفتحي رضوان وغيرهما، أن الأفكار التي طرحوها في أوساط الشباب لم توف حقها إعلاميا، ولم تنل من العناية والاهتمام القدر الكافي، فجاءوا في ربيع العام التالي 1930، واتصلوا بأصحاب امتياز مجلة " الصرخة" وهما عبد الرحمن العيسوي وأمين إبراهيم الأزهري، واتفقوا معهما على أن يتولوا تحريرها ومسئولية ما ينشر فيها، على أن تصدر أسبوعية،

فصدر العدد الأول منها في 3 مارس 1930 وقد انتظمت في الصدور لخمسة أعداد فقط، في الفترة من 3 إلى 27 مارس وبعدها تركها أحمد حسين ورفاقه وتولى صاحباها إصدارها. ولعل عدم استمرار أحمد حسين ورفاقه فئ إصدار المجلة راجع لأسباب منها، أن الأفكار التي طرحتها لم تلق قبولا بين الجماهير، ولم يتحمس لها أحد هذا من ناحية؛

ومن ناحية أخرى فإن أحمد حسين يعلل ذلك بقوله:

" لم نستمر في مواصلة إصدار الصرخة لسبب واحد هو أننا لم نجد موزعا يوزع الجريدة" ومهما يكن الأمر فإن الجماعة لم تواصل حديثها للجماهير حتى تبلور لهم أفكار وتجعلهم يعتنقونها ، واقترب موعد الامتحانات فانشغل هؤلاء الطلبة بالاستعداد لها ولم يواصلوا التجربة فترة أطول حتى يمكن الحكم عليها وتقييمها.

تولى أحمد حسين وفتحي رضوان وهما من طلبة كلية الحقوق في ذلك الوقت وحافظ محمود وله سابقة خبرة بالصحافة تحرير المجلة، فأثاروا موضوعات وكتبوا مقالات تدور كلها حول الإيمان بمجد مصر والعمل على بعثه من جديد؛

فقد جاء شعار المجلة في صدر صحافتها تعبيرا عن ذلك الإيمان " مصر وقد تحركت عناصر القوة في شبابها الطامح وفلاحها الجريح وعاملها المضطهد، وفتاتها الناهضة، بعد أن طهرتها الآلام لن تموت أبدا" وقد تولى أحمد حسين كتابة سلسلة من المقالات بعنوان " طريقنا إلى العظمة" دعا في المقال الأول منها إلى ضرورة بعث الحيوية المصرية في الشباب؛

وفى المقال الثاني بعنوان " مصر الفتاة والميليشيا الفرعونية"

"بلور فيه فكرته التي طرحها عام 1929 فتحدث بأسلوب رومانسي عن الشباب الذين التفوا حول الأهرام ، ثم ساروا إلى المدينة في موكب أشبه ما يكون بالجيش الذي سيكرس حياته من أجل مصر؛
وعندما دخل الجيش المتخيل القاهرة ودوت أناشيده، بالمجد لمصر، وقد وصفه بأنه الميليشيا الفرعونية وأنه هو مصر الفتاة والتي عن طريقها استقلت الممالك وارتقت، فكانت إيطاليا الفتاة ورومانيا الفتاة أيرلندا الفتاة وتركيا الفتاة، كل أمة أرادت استقلالا ، أو نهوضا أو مجدا اتبعت هذا الطريق، طريق الشباب الملتهب بحماسة الإيمان، فما أحرانا بتكوين مصر الفتاة لنعيد لمصر بهجتها ومجدها"

استمر أحمد حسين يتابع سلسلة مقالاته وكلها تدور حول فكرته في ضرورة بعث مجد مصر ، ولكن يبدو أن الإيمان بأفكار جديدة وبأساليب جديدة في الكفاح لم تكن مطروقة ولا معلومة من قبل، فإن ذلك يتطلب كفاحا طويلا مستميتا في سبيل إدخال تلك الأفكار إلى قلوب وعقول الجماهير بعد بيان فكرتها وشرح الهدف منها، ولكن الجماعة لم تستمر في إصدار المجلة إلا لخمسة أعداد فقط، فلم تطل مدة قرعها للآذان بذلك الفكر الجديد حتى يتم الإيمان به.

ومهما يكن الأمر فقد توقف إصدار المجلة، وربما كان ذلك لأن أحمد حسين أدرك أنها لم تحقق هدفه من إصدارها ، فلم تحقق جماهيرية لأفكاره، فنادي في العام التالي بفكرة مشروع القرش بهدف كسب المزيد من الأنصار والخبرة بالتنظيم والعمل الجماهيري؛

وكان عمله بالمشروع ونداءاته، حتى أن " دار الهلال" قد تبرعت بإحدى مجلاتها " الدنيا المصورة" كي تخصص عددا عن المشروع يخصص دخله لصالح المشروع . فتولى شباب المشروع تحرير ذلك العدد عام 1932.

وهكذا يتضح لنا أن تلك الجماعة لم تبتعد عن ممارسة العمل الصحفي، فأكسبها ذلك عنصري الخبرة والتنظيم والشهرة بين عنصر الشباب . وبعد أن أتم المشروع هدفه، فكرت الجماعة في الإقدام على تأسيس " جمعية مصر الفتاة" وقد سبق ذلك محاولة إيجاد مجلة أو جريدة تعبر عن أفكاره الجمعية لكسب المزيد من الأعضاء والأنصار.

كان الحصول على جريدة أو مجلة تعبر عن أفكار مصر الفتاة، هو الشاغل الأول الذي شغل أحمد حسين ورفاقه، فتقدم هو وفتحي رضوان بطلب إلى وزارة الداخلية للتصريح لهما بإصدار جريدة أدبية اجتماعية اقتصادية سياسية عربية نصف أسبوعية باسم " المجد".

ولكن إدارة المطبوعات بالوزارة رفضت التصريح بإصدار تلك الجريدة. فاتجهوا للبحث عن مجلة "الصرخة" التي أصدروها من قبل عام 1930، فوجدوا أن رخصتها قد انتقلت ملكيتها إلى حسن حسنى عبد العال المحرر "بجريدة الأهرام" فاتصلوا به واستأجروها منه ، على أن يتولوا تحريرها وإدارتها وتحمل مسئولية ما ينشر فيها.

وفى ذلك الوقت أعلنت المجلة أنها ستصدر في ثوب جديد، وسيتولى تحريرها شباب مشروع القرش. كذلك أعلنت عنها جريدة " كوكب الشرق الوفدية" وذكرت أنه ستولى الكتابة فيها كل من حوله من طه حسين وتوفيق الحكيم وحافظ محمود وإبراهيم علام وحسن صبحا وبعض أساتذة الجامعة، هذا بالإضافة إلى كل من أحمد حسين وفتحي رضوان وغيرهم من خيرة شباب مشروع القرش.

وهكذا عادت مجلة " الصرخة" من جديد إلى يد جماعة مصر الفتاة، وصدر العدد الأول منها في 7 أكتوبر عام 1933، بوصفها جريدة سياسية، قومية نصف أسبوعية، وإن كانت قد صدرت في البداية أسبوعية، وتولى أحمد حسين وسيد فتحي رضوان إدارتها، وتولى حافظ محمود رئاسة تحريرها.

أما المحررون فقد كانوا من حسن صبحي عبد العال صاحب امتياز المجلة، وأحمد عبد المطلب الشيمى أمين صندوق جمعية مصر الفتاة، وعبد الحميد المشهدى أركان حرب الجمعية، وحنفي محمود جمعة المحامى واحد أعضاء شعبة الإسكندرية وغيرهم من أعضاء مصر الفتاة ومن شباب مشروع القرش من أمثال نعيمة على الأيوبي المحامية؛

هذا فضلا عن أن المجلة كانت تتلقى المقالات من بعض المؤيدين لسياستها، بعضهم من أساتذة الجامعة من أمثال أمين الخولى وبهجت بدوى، والبعض الآخر من رجال الأحزاب المؤيدة لمصر الفتاة ورجالها ووصفها بأنها صرخة الصدق والإخلاص ، وأنها صحيفة عقيدة والعقيدة عدة الأمم في كفاحها.

استمرت المجلة في الصدور أسبوعيا، بعد أن تكونت هيئة تحريرها من شباب متحمس لها ولأفكارها، وقد قوبل صدورها بالترحاب من معظم الجرائد والمجلات التي كانت تصدر في ذلك الوقت، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون البعض قد هاجمها فقد هاجمتها الجرائد الوفدية هجوما عنيفا، فكانت جريدة " الجهاد" الوفدية أكثرها تطرفا في الهجوم.

وقد اتخذت الصحف موقفا معاديا لها على طول الخط، وبدأت الاتهامات للجماعة التي تصدرها واعتبروها إحدى حركات الإبراشي ناظر الخاصة الملكية وصاحب الحظوة لدى الملك فؤاد، فاعتبروها حركة موالية للقصر في مواجهة الوفد.

حاول القائمون على المجلة الدفاع عن أنفسهم ببيان الموارد المالية التي تتيح لهم إصدارها، وأن أحمد حسين اقترض مبلغ 200 جنيه من بنك مصر بضمان كمال الدين صلاح الذي كان يملك اسمها لدى البنك ورثها عن أبيه ، كذلك فإن أحمد حسين أعلن أن المجلة تغطى نفقاتها تقريبا عن طريق التوزيع والإعانات التي تتلقاها من بعض الشخصيات، ولكن ذلك لم يجد فتيلا، فقد استمرت حملة الشكوك حول الجمعية ومجلتها، وخاصة من جانب حزب الوفد.

تركز اهتمام المجلة في البداية في التعبير عن اتجاه الجمعية الاصلاحى في أول الأمر الذي يهتم بالتعليم والاقتصاد ومحو الأمية، فقد كانت المجلة زاخرة بالمقالات التي تعالج النواحي الاقتصادية التي تمثلت في الهجوم على سيطرة الأجانب على الاقتصاد المصري، وكما نددت المجلة بالامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة، فلم تجد الامتيازات الأجنبية من حاربها كما حاربتها مصر الفتاة ومجلتها الصرخة. .

وعلى الرغم من اهتمام المجلة بالنواحي الإصلاحية ففي أول الأمر إلا أنها تحولت إلى الاتجاه السياسي الوطني، ففي 12 نوفمبر عام 1933 بدأت المجلة تأخذ خطا معاديا للانجليز إلى الحد الذي دعت فيه لإعلان الثورة عليهم، فأصدرت السلطة العسكرية الإنجليزية ممثلة في شخص كين بويد مدير الإدارة الأوربية بوزارة الداخلية؛

الأمر بالقبض على أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود وفتشت منازلهم وأودعتهم النيابة السجن الاحتياطي لمدة 23 يوما، فكانت تلك هي القضية الأولى في حياة مصر الفتاة، وقد اتخذت عدة إجراءات ضد المجلة، منها أن اتصل المسئولين بوزارة الداخلية بصاحب امتياز المجلة ليوقع لهم تعهدا بإيقاف إصدارها ولكنه رفض، ومنها أن توجهوا لمطبعة " الرغائب" التي تطبع المجلة وحاصروها واضطروا مديرها إلى توقيع تعهد بعدم طبعها.

وعلى الرغم من صرامة الإجراءات التي اتخذت ضد المجلة إلا أنها استمرت في الصدور فقد تولت مطبعة " الترقي" طبعها. كما تولى أحمد الشيمى الإشراف على تحريرها في فترة اعتقال أحمد حسين وفتحي رضوان وحافظ محمود، وعندما تم الإفراج عنهم تولى الشيمى رئاسة التحرير خاصة وقد أعرب حافظ محمود عن رغبته في التخلي عن ذلك المنصب وإن ظل يشترك في التحرير.

ولم يكن القبض والحبس الاحتياطي رادعا لأحمد حسين وجماعته، فقد استمرت المجلة تندد بالإنجليز وبتدخلهم في جميع مصالح الدولة، كذلك تناولت المجلة أمورا داخلية فهاجمت بعض الوزراء واشتدت في الهجوم على وزير الحربية (صليب سامي) .

فكان ذلك مبررا كي تقبض السلطات على أحمد حسين وفتحي رضوان وأحمد الشيمى، وبعد التحقيق أفرج عن فتحي رضوان وحكم على كل من أحمد حسين وأحمد الشيمى، بغرامة 25 جنيها لكل منهما بعد أن ترافع عنهم كل من عبد الرحمن الرافعي وفكري أباظة. وعلى الرغم من هذه الاضطرابات التي تعرضت لها جمعية مصر الفتاة من محاكمة رسمية فقد استمرت المجلة تصدر أسبوعا بعد آخر.

وفى الفترة التالية أثارت المجلة عددا من القضايا الاجتماعية الهامة، منها أن أفردت إحدى صفحاتها لمعالجة قضايا العمال في مصر، وعرضت لمشاكلهم واقترحت الحلول لها، كما طالبت العمال بالانضمام إلى النقابات التي تقيهم عسف الرؤساء وأصحاب الأعمال .

وهى في هذا تؤيد اتحاد العمال الذي يرأسه عباس حليم في مواجهة اتحاد العمال الوفدي. وعلى الرغم من هذا الاتجاه من جانب المجلة، فإن ذلك لم يغض من شأنها إذ تناولت تلك القضية الاجتماعية فكشفت عن بعض المتاعب التي كان يلقاها العمال.

ومن المفيد إلقاء الضوء على مدى انتشار تلك المجلة، فإذا علمنا أنه قد تم طبع 20 ألف نسخة من العدد الأول لم يوزع منها سوى ألفين، فخفض المطبوع إلى عشرة آلاف ثم إلى سبعة آلاف، وحتى بعد ذلك التخفيض كانت المجلة لا تحقق توزيعا معقولا، فإن معظم متعهدي توزيع الجرائد كانوا يرفضون توزيعها بإيعاز من الحكومة، فارتأت إدارة المجلة أن يتم توزيعها عن طريق البريد.

وقد افتتحت المجلة مكتبا لها بالإسكندرية وآخر بطنطا ليقوما بتوزيعها ولكن تلك الفكرة لم تحقق الهدف منها فقد امتلأت المكاتب بالأعداد التي لم توزع . فإذا كانت تلك هي حالة المجلة فمن الضروري أن نتناول مواردها المالية التي أتاحت لها الاستمرار في الصدد.

تنقسم الموارد المالية للمجلة إلى عدة أقسام ، منها الاشتراكات والعائد من التوزيع والإعلانات ، فضلا عن الهبات، والإعانات. فإذا علمنا أن عدد المشتركين فيها في عام 1934 بلغ 550 مشتركا من بينهم معظم الجرائد والمجلات المصرية وبعض الجرائد والمجلات في البلاد العربية .

ولم يكن ذلك العدد من المشتركين بالنسبة إلى عدد النسخ المطبوعة يحقق عائدا معقولا يسمح بإخراج مجلة أسبوعية، كذلك كان ما تحققه من عائد للتوزيع لا يساعدها على ذلك أيضا ، فإن نظرة إلى تكدس مخازن المجلة ودروها في القاهرة وطنطا والإسكندرية بالأعداد التي لم توزع ليعطى صورة واضحة عن كمية الأعداد المباعة، وفى الحقيقة فلم تحقق دخلا من التوزيع يسمح لها بالاستمرار في الصدور، وإن كانت في تلك الفترة زاخرة بالإعلانات عن الشركات الأخرى، وربما كان دخلها من الإعلانات يشكل جانبا هاما من مصادر تمويلها. هذا فضلا عن الإعانات والهبات من بعض الهيئات والشخصيات كما سبق أن ذكرنا.

استطاعت المجلة أن تواصل رغم ما وقعت فيه من صدامات مع لسلطات الحاكمة ومع الأحزاب الأخرى، هذا فضلا عن هجومها الحاد على الإنجليز. إلا أن ذلك أحدث لها اضطرابات كثيرة تمثل في القبض على رئيس الجمعية ومعظم المحرريين، ومصادرة بعض أعداد المجلة وهى ما تزال في المطبعة.

وكنتيجة لهذه الاضطرابات أرسل حسن حسنى عبد العال صاحب امتياز المجلة خطابا إلى أحمد حسين يعلنه فيه برغبته في إنهاء العقد المبرم بينهما لإصدار المجلة معبرة عن جمعية مصر الفتاة.

وحقيقة الأمر أن جمعية مصر الفتاة كانت قد تخلت عن إصدار المجلة قبل ذلك، فقد اختفت منها كتابات محرري مصر الفتاة اعتبارا من 23 مارس 1935 وهذا يوضح أن مصر الفتاة قد قطعت علاقتها بها قبل أن يعلن صاحبها أحمد حسين بذلك .

ومما يؤكد هذا أن اتفاقا تم بين أحمد حسين ومحمد أحمد الكلزه صاحب جريدة " وادي النيل" اليومية التي كانت تصدر بالإسكندرية ، ومضمون الاتفاق أن يتولى أحمد حسين إدارة الجريدة وإصدارها معبرة عن مبادئ مصر الفتاة، وكان ذلك الاتفاق في 11 فبراير 1935.

وهذا بدوره يوضح عزم أحمد حسين على التخلي عن مجلة الصرخة، وربما كان ذلك راجع لما كانت تلاقيه من تصرفات على يد رجال البوليس، أو أنه أراد أن يخوض التجربة بعيدا عن مركزية الرقابة بالقاهرة، وأما أنه أراد أن يرتفع بمستوى جمعيته فيقرع حديثها الآذان كل يوم وذلك بإخراج جريدة يومية. وقبل أن نعالج تلك الجريدة نلقى نظرة على محرري الصرخة.

توفر على تحرير مجلة الصرخة من المثقفين عالية من خريجي الجامعات، منهم أحمد حسين وفتحي رضوان وكمال الدين صلاح من خريجي كلية الحقوق، ومصطفى الوكيل من خريجي كلية العلوم، ومحمد صبيح من خريجي كلية الآداب، هذا إلى جانب بعض المحررين الآخرين الذين لم يتموا تعليمهم ومنهم أحمد الشيمى رئيس التحرير، فكان طالبا بمدرسة التجارة العليا لم تمكنه ظروفه الخاصة من استكمال دراسته، كما كان عبد الحميد المشهدى من طلبة الأزهر. كذلك شارك في تحريرها أيضا معظم النابهين من أعضاء الجمعية، وعلى ذلك فقد ضمت هيئة تحريرها عناصر ممتازة.

ويمكن القول أن الصرخة كانت من المجلات التي أحدثت جذوة داخل نطاق الصحافة المصرية في ذلك الوقت، فقد اتخذت المجلة أسلوبا متطرفا في معالجة الأمور، فشنت حملات عنيفة على صفحاتها تندد فيها بالإنجليز وبتصرفاتهم في مختلف شئون البلاد؛

كذلك لم تهادن المسئولين المصريين على اختلاف مناصبهم، وقد عرضها ذلك للمصادرة الدائمة واتخاذ الإجراءات المختلفة لتضييق الخناق عليها ، فقد كان أسلوبها هذا مشجعا لبعض الصحف والمجلات الأخرى كي تحذو حذوها، هذا فضلا عن أن موقفها المعادى للانجليز جعل القصر يتبناها وإن لم يعلن ذلك صراحة؛

وإنما كان ذلك عندما صادرت الحكومة أحد أعدادها الذي يحمل بين ثنايا صفحاته هجوما عنيفا على الإنجليز، فإن الموظف الذي صادره تلقى تأنيبا رسميا عن طريق مراد محسن وكيل الديوان الملكي في ذلك الوقت، وذلك لمصادرته عدد المجلة الذي يهاجم بريطانيا وهو ما يتمشى مع سياسة القصر.

وهكذا أغلقت الصرخة صفحتها مع مصر الفتاة إلى حين، وإن بقى حسن حسنى صاحبها يصدرها ابتداء من 4 مايو 1935 بأسلوب آخر وظل أحمد الشيمى رئيسا لتحريرها . خاصة وأنه لم يتول رئاسة تحرير وادي النيل إلا في 24 مايو من نفس العام. وقد ظلت مصر الفتاة بدون جريدة خلال هذه الفترة حتى أصدرت جريدة " وادي النيل" اليومية في أول مايو 1935 بمدينة الإسكندرية.

كان أحمد حسين قد سافر لأداء فريضة الحج بعد أن بدأ اتفاقه مع صاحب " وادي النيل" وبعد عودته رأى أن يستكمل الاتفاق، فاجتمع هو ومحمد الكلزه بدار جمعية مصر الفتاة وأتما اتفاقهما معا، ونوقشت كل التفاصيل حتى أن الكلزه وافق على تسليمها لجمعية مصر الفتاة لتتولى إدارتها وتحريرها.

وعلى أثر ذلك دعا أحمد حسين مجلس الجهاد للاجتماع لمناقشة مسألة إصدار جريدة وادي النيل اليومية لسان حال لجمعية مصر الفتاة، وقد تم الاتفاق بشأن توزيع العمل بالجريدة حيث أقره المجلس.

كما وافق المجلس فيما بعد على أن يتولى بعض المحررين إخراج الجريدة دون أن يتلقوا أجورا على أن توزع أرباح الجريدة عليهم. وهكذا تم وضع كل الترتيبات لإخراج جريدة يومية تعبر عن أفكار مصر الفتاة، فاعتبر ذلك خطوة للأمام، فقد حلت مجلة الصرخة لتطالع جماهير مصر الفتاة يوميا بأفكارها وأخبارها وتعليماتها إلى أعضائها.

تكونت أسرة تحرير الجريدة في ظل عهدها الجديد من أحمد حسين مشرفا ومديرا ، فتحي رضوان أحد كبار الكتاب بها، أحمد الشيمى رئيسا للتحرير، حافظ محمود مشرفا على القسم الأدبي، على أحمد شكري مشرفا على السياسة الخارجية ، طاهر العربي مندوب الجريدة الأول بالقاهرة، عبد الحميد المشهدى مندوب الجريدة الأول بالإسكندرية ، عبد الحكيم الجهنى محرر الجريدة الأول، عبد الحميد حسين ومحمد برهومة مخبرا الجريدة بالقاهرة، منصور فهمي ونجيب خليل مخبرا الجريدة في الإسكندرية ، محمود إبراهيم عبد الرحمن مخبر الجريدة بالمعاهد الدينية. وهكذا ضمت أسرة التحرير إلى جانب قادة مصر الفتاة بعض المحررين السابقين بالجريدة.

ومنذ أول مايو 1935 بدأت الجريدة تطالع الجماهير ومنها جماهير مصر الفتاة بأخبارها كل صباح، وكان أحمد حسين ومجموعة المحررين من مصر الفتاة يرسلون مقالاتهم إلى الجريدة بالإسكندرية، ولكن أحمد حسين رأى أن ينتقل إلى الإسكندرية حتى يتمكن من إدارة العمل بالجريدة والإشراف عليها كي تخرج يوميا وبانتظام، على أن يتردد على القاهرة من وقت لآخر لمتابعة نشاط الجمعية.

أما عن سياسة الجريدة فقد حددها فتحي رضوان بقوله:

" إن الذين يعرفوننا ويقرأون لنا من قبل فيسجدوا (كذا) في جريدة وادي النيل مواصلة لسياستنا، يجدون فيها صحيفة تلتهب إيمانا بأن مصر فوق الجميع وبأن المجد لها، وستسمو الجريدة عن الأغراض ،وستربأ بنفسها عن الدخول في مهاترات الحزبية وأباطيل السياسة الشخصية...
وستقسو على المنافقين والجبناء المتجرين بالوطنية والسائرة في ركاب خصوم البلاد، والمؤيدين للمغتصبين والطغاة، لن يجد أصدقاء الإنجليز في جريدة وادي النيل إلا مؤدبا قاسيا، ينذرهم ثم يأخذهم بيد من حديد، حتى يعودا إلى حظيرة الوطن وصفوف الشعب جنودا مخلصين".

وإن المتتبع لاهتمامات الجريدة ليستطيع أن يحدد إلى أي حد التزمت بسياستها التي أعلنتها. فمن الملاحظ أن اهتمامات الجريدة وتبويبها قد اختلفا إلى حد كبير عما كان عليه الحال في مجلة الصرخة، ويبدو أن الجريدة قد احتفظت بسماتها قبل اندراجها تحت لواء جمعية مصر الفتاة ، هذا من ناحية؛

ومن ناحية أخرى فمن الواضح أن أخبار وأفكار جمعية مصر الفتاة لم تكن تكفى لتغطية صفحات جريدة يومية، ولعل عدم ذكر أن الجريدة لسان حال مصر الفتاة في صدر صفحاتها يعطى تفسيرا أن الجريدة إلى جانب اهتماماتها الأصلية، ضمت إلى جانبها اهتمامات مصر الفتاة.

تناولت الجريدة بعض الموضوعات التي توفر كتابتها بعض المحررين المتخصصين، ومنها السياسة الخارجية على مستوى العالم وتغطية أنبائه، قضية العمال في مصر ومناصرة اتحاد عمال عباس حليم، الاستمرار في الحملة التي بدأتها مصر الفتاة على صفحات الصرخة حول ضرورة إلغاء المحاكم المختلطة والامتيازات الأجنبية.

إلى جانب مقالات تحمل هجوما على الإنجليز وتدعوا إلى الثورة ضدهم. ومقالات تطالب بإعادة دستور 1923. إلا أن الحرب الايطالية الحبشية كانت الموضوع الرئيسي الذي أرفدت له الصحيفة صفحات كثيرة، وواصلت طرح القضايا عن تلك الحرب معبرة عن رأى مصر الفتاة في ضرورة أن تقف مصر على الحياد؛

كما اشتدت في الهجوم على الإنجليز، وعلى مايلز لامبسون المندوب السامي البريطاني مؤكدة ألا حل للقضية المصرية إلا باستخدام القوة. ولعل في هذه الموضوعات ما يؤكده أن الجريدة قد التزمت بسياستها التي أعلنتها منذ العدد الأول إلى حد كبير.

إن فكرة إصدار جريدة يومية تعبر عن جمعية مصر الفتاة الناشئة، كان عملا شاقا إلى حد كبير، يتطلب جهودا كبيرة وأموالا وفيرة، وهو ما لم يتيسر لها في ذلك الوقت، وربما كان إلقاء الضوء على موارد الجريدة المالية فيه ما يوضح عجز مصر الفتاة عن إصدارها، فالموارد تتمثل في الاشتراكات وعائد التوزيع والإعلانات بالإضافة إلى الإعانات؛

فإذا علمنا أن الجريدة لم تحقق توزيعا معقولا يتيح لها الاستمرار في الصدور، فلم يزد عدد النسخ المباعة عن 10% من النسخ المطبوعة. ومن الممكن أن يكون ذلك نتيجة رفض متعهدو التوزيع ، فقد كانوا يرفضون توزيعها لأنها ليسن جريدة وفدية، كما رفض الأهرام توزيعها كما كان يفعل مع الصرخة من قبل فقد رأى فيها منافسا له. حتى أن مدينة الإسكندرية التي وجدت فيها من يتولى توزيعها من المتعهدين، لم تكن مجالا لمثل هذه الجرائد التي تهاجم الأجانب.

أما عن دخل الجريدة من الإعلانات، فقد تهيأ لها في هذا الشأن مورد ثابت، فعباس حليم كان يدفع مبلغ 20 جنيها شهريا في مقابل إعلانات شركة سجاير الاتحاد التابع له، كما كانت الجريدة مرتبطة بعقود للإعلانات مع بعض الشركات الأجنبية، وقد كانت مصر الفتاة تقبل ذلك على مضض فكانت كما أعلنت تتحين الفرص للتخلص من تلك العقود مع الشركات الأجنبية.

فإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من الموارد ونعنى به الإعانات، فقد استعان أحمد حسين في بداية الأمر بالمبلغ الذي أعطاه له الملك عبد العزيز آل سعود عندما كان في الحجاز وهو مبلغ 65 جنيها.

كما تلقت جمعية مصر الفتاة بعض الإعانات من الأفراد والهيئات وكلها كانت لمساعدة الجريدة على الاستمرار في الصدور ومنهم الخديوي عباس حلمي الثاني عن طريق عبد الخالق مدكور (باشا) وفى نفس الوقت كانت تتلقى الإعانات من القصر ، أما عن طريق على ماهر أو عبد الوهاب طلعت أو عبد القادر حمزة، وقد تراوحت تلك اللعانات التي دفعها على ماهر ما بين خمسة جنيهات وعشرين جنيها.

كذلك دفع القصر عن طريق عبد الوهاب طلعت بعض المبالغ غير الملومة إعانة للجريدة، أما عبد القادر حمزة صاحب جريدة البلاغ فدفع عشرون جنيها من القصر للجمعية، ومن المعروف أن جريدة البلاغ كانت في ذلك الوقت تعكس سياسة القصر وقد وعد عبد القادر حمزة أحمد حسين بمبالغ أخرى.

وعلى الرغم من مساعدات القصر للجريدة، فقد أدرك أحمد حسين أن محاولة إصدار جريدة يومية تعبر عن مصر الفتاة، يعد عملا شاقا يفوق إمكانياتها ، مما كان يعرضه لضائقة مالية، وكحل لذلك حاول أن يطبعها في القاهرة بدلا من الأسكدندرية على أمل أن يتخذ منها عباس حليم لسان حال لاتحاد عماله.

ولكن هذه المحاولة لم تر النور. وظلت الجريدة تتعرض لأزمات مالية طاحنة وخسائر كبيرة، إلى الحد الذي جعل موظفوها ومحرروها يضربون عن العمل نظرا لعدم حصولهم على مرتباتهم. فكانت تلك الأزمات المالية مبررا لمصر الفتاة كي تتخلى عن إصدارها.

ففي 19 أغسطس من نفس العام (1935) غابت عن صفحات الجريدة كتابات مصر الفتاة، وفى 3 سبتمبر رفع من صفحاتها كل ما يشير إلى مصر الفتاة من شعارات، ومن ثم عادت إلى ثوبها القديم في 17 سبتمبر فبدأت تهتم بنشر أخبار الوفد، وإن لم تعلن عن أنها جريدة وفدية. فبعد أن كانت تصدر صباحية أعلن عن تحولها إلى جريدة مسائية حتى يمكن إصدارها إلى جانب ممارسة النشاط السياسي للجمعية، هذا فضلا عن تخفيض عدد صفحاتها المستمر من 12 إلى 4 إلى 6 واستقرت في النهاية على 8 صفحات.

ولكن كل تلك المحاولات لم تجد فتيلا، ولم تكلل بالنجاح، فقد كانت الأزمات المالية أقوى من محاولات الخروج منها والتغلب عليها، فأعلن أحمد حسين فشل مجهوداته في إخراج جريدة يومية تعبر عن حركته وعاد إلى القاهرة. وظلت مصر الفتاة بدون صحيفة تعبر عنها إلى أن عادت الصرخة إليها من جديد فئ 5 نوفمبر 1935.

عاودت جمعية مصر الفتاة الاتصال بصاحب امتياز مجلة الصرخة لتعيد إصدارها من جديد وبالفعل تم التعاقد بينه وبين أحمد حسين على أن تبدأ في الصدور في أوائل نوفمبر 1935.

فصدر العدد الأول منها معبرا عن جمعية مصر الفتاة في 5 نوفمبر، وقد فسر أحمد حسين الارتباك وعدم الانتظام في إصدارها صحف تعبر عن مصر الفتاة بقوله:

" ما زلنا على العهد وليس يدخل في حسابنا مظهرنا المادي من حيث الكثرة أو القلة، ومن حيث الغنى أو الإعسار، وليس يعنينا أنتكون لنا صحيفة أسبوعية ، أو أن تكون لنا جريدة يومية، أو لا تكون، فكل هذه مظاهر توجدها المادة وتخلقها النقود وليس عارا أن نكون فقراء ، وليس عارا أن نعجز عن تدبير المال اللازم لإخراج صحيفة.. بل هى المفخرة والصفحة المشرفة أن يعلم الجميع أننا نصدر الصحف دفاعا عن المبدأ والعقيدة لا للمكاسب والأرباح".

وهكذا عادت الصرخة إلى حظيرة مصر الفتاة مرة أخرى وتولى أحمد الشيمى إدارتها والإشراف عليها، وحل محله عبد السلام شهاب في رياسة التحرير وهو ليس من بين محرري مصر الفتاة ثم حل محله محمد صبيح في رياسة التحرير في 8 يناير 1936.

وقد واصل كتاب مصر الفتاة السابقين الكتابة في الموضوعات التي طرحوها من قبل، هذا فضلا عن اهتمام واضح بالحركتين الفاشية والنازية.

وعندما أعلن النحاس (باشا) أمام مجلس النواب أن مصر الفتاة تعمل لحساب دولة أجنبية، كان لذلك التصريح أكبر الأثر على الجمعية والمجلة، فقد حاول قادة مصر الفتاة، أن يدعوا لفيفا من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب ومندوبي الصحافة لاجتماع يدافع فيه أحمد حسين عن مصر الفتاة ويرد عنها عادية الاتهام، ولكن الحكومة لم تصرح بالاجتماع، ومن ثم نشرت المجلة الخطاب الذي كان سيلقيه أحمد حسين في الاجتماع فكان ذلك آخر عهدها بالانتظام في الصدور، فأصبحت محلا للاضطهاد والمصادرة عددا بعد آخر بدون استثناء.

وعلى سبيل المثال صادرت وزارة الداخلية عدد المجلة بتاريخ 22 يوليو وهو ما يزال تحت الطبع، وكان ذلك بأوامر من وزير الداخلية شخصيا ، فتقدمت مصر الفتاة ببلاغ إلى النائب العام ورفعت دعوى ضد الحكومة تطالبها بالتعويض عن الخسائر التي لحقت بها نتيجة المصادرة.

ونتيجة لهذه المصادرة المستمرة للمجلة أن امتنعت عن نشر المقالات التي تعالج المسائل السياسية وبدأت تهتم بموضوعات فنية وزراعية وغيرها. إلا أن المجلة رغم هذا لم تنج من المصادرة، ومن الواضح أن حكومة الوفد كانت ترمى بعملها هذا أن تظهر عجز مصر الفتاة المؤدى، وفى نفس الوقت تعجزها عن مواصلة إصدارها فهي وجمعيتها خصوم للوفد.

ومن الواضح أن ذلك يدعونا إلى تناول الموارد المالية للمجلة، خاصة وأن جريدة "وادي النيل" توقفت عن الصدور لأسباب مالية بحته، فكيف استطاعت الجمعية إصدار الصرخة من جديد؟

اعتمدت جمعية مصر الفتاة في إخراج الصرخة من جديد على الإعانات إلى حد كبير ، فقد تلقت إعانات مالية من السلطات الايطالية في مصر. هذا فضلا عن الإعانات التي كانت تتلقاها من القصر عن طريق عبد القادر حمزة وغيره.

كما تلقت الإعانات من مختلف الهيئات والشخصيات التي كانت تساعدها من قبل، فإذا أضفنا إلى ما كانت تحصل عليه المجلة من أموال كعائد للتوزيع والإعلانات، وإن كانت مبالغ لا تساعد على الاستمرار في الصدور، فرأت الجمعية أمام هذه الأزمات المتوالي، نتيجة المصادرة الدائمة أن تتخلى نهائيا عن إصدارها.

وفى نفس الوقت الذي تعرضت فيه الصرخة للمصادرة بعد اتهام النحاس، اقترب من مصر الفتاة أشخاص وصحف تعاطفا معها، وكان من بينهم عبد الحميد حمدي صاحب جريدة " الضياء" وقد بلغ تعاطفه مع مصر الفتاة قمته بأن تم الاتفاق بينه وبين أحمد حسين على إصدار جريدته معبرة عن مصر الفتاة.

وكان من المقرر أنتصدر إلى جانب الصرخة ولكن الأوضاع السياسية لم تكن تتيح للجمعية إصدارهما معا في ذلك الوقت، فتأجل ذلك إلى وقت لاحق بعد أن أغلقت مصر الفتاة صفحتها مع مجلة الصرخة نهائيا، التي انضوت تحت لواء الوفد فأصبحت إحدى صحفه اعتبارا من نوفمبر من نفس العام 1936. وبذلك انضمت الصرخة إلى معسكر الصحف التي تهاجم مصر الفتاة.

كانت الظروف السياسية التي تمر بها مصر في ذلك الوقت، لا تسمح لمصر الفتاة بإصدار جريدة، فقد كانت المفاوضات بين مصر وانجلترا لإبرام المعاهدة تشغل الرأي العام في ذلك الوقت، وفى نفس الوقت كانت وزارة الوفد أكثر صلابة في معاملة الصحف المعارضة، حرصا منها على تهيئة الجو المناسب لإبرام المعاهدة، دون أن يرتفع صوت بالمعارضة؛

وبعد أن تهيأ الجو السياسي بعد عقد المعاهدة وإطلاق الحريات إلى حد كبير، رأت مصر الفتاة أن تتولى إصدار جريدة " الضياء" فصدر العدد الأول منها في 8 نوفمبر 1936، ولم تستقل مصر الفتاة بإصدارها تماما، بل تولى صاحبها رياسة تحريرها واشترك فى التحرير كل من أحمد حسين وفتحي رضوان، ومحمد صبيح، وعبد الحميد المشهدى، وتولى أحمد الشيمى إدارتها. وإلى جانب هؤلاء كان عباس العقاد من أبرز المحررين فيها ومن أهمهم.

صدرت الجريدة أسبوعية في أول الأمر، ثم بدأت تصدر مرتين في الأسبوع ابتداء من 27 ديسمبر 1936، وفى 27 فبراير من العام التالي صدرت ثلاث مرات أسبوعيا، ولكن لم يطل بها العهد تحت لواء مصر الفتاة، فتوقفت عن الصدور معبرة عنها في 8 مارس عام 1937. فقد وقعت خلافات بين جمعية مصر الفتاة وبين صاحبها الذي تولى إصدارها بنفسه.

بذلت الجريدة اهتماما كبيرا بالمعاهدة المصرية الإنجليزية، فقد شنت هجوما عنيفا على معاهدة 1936، تمثل ذلك في مقالات العقاد في نقدها وبيان النقض الواضح فيها، وقد واصلت الجريدة التعبير عن اتجاه مصر الفتاة المتطرف في معالجة القضايا، وقد استطاعت الجريدة أن تحقق نجاحا كبيرا في الوقت الذي اشتدت فيه في نقد المعاهدة، فقد لقيت قبولا لدى الأوساط المعارضة لحكم الوفد، فبلغ عدد المطبوع منها ثلاث مرات في الأسبوع ستة آلاف نسخة لكل عدد.

هذا فضلا عن أن الجريدة والحزب قد صار لهما ميزانية شهرية تبلغ خمسين جنيها ، ثم أن الجريدة انتقلت إلى مبنى كبير بشارع الفلكي بإيجار شهري 20 جنيها بعد أن كان أحمد حسين يصدرها من مكتبه الذي استأجره للمحاماة.

وهكذا تكاملت للجريدة كل أسباب النجاح في تلك الفترة التي صدرت فيها معبرة عن مصر الفتاة، إلا أن خلافا وقع بين صاحبها وبين أحمد حسين الذي ذكر في إحدى مقالاته أن الحكومة تفكر في سحب رخصة الضياء، فأغضب ذلك صاحبها عبد الحميد ورأى أن يستقل بإصدارها بنفسه.

وبذلك تكون الضياء قد أغلقت صفحتها مع مصر الفتاة كسابقتها فجدت مصر الفتاة في البحث عن جريدة أخرى لسان حال لها تعبر عن أفكارها وتعينها على إدارة نشاطها الحزبي.

كان إيمان مصر الفتاة بدور الصحافة الهام لأية حركة سياسية، دافعا لها على أن تكون لها مجلة أو جريدة تعبر عنها وعن أفكارها، وبرغم ما كانت تعانيه صحافتها من اضطهاد ومصادرة من جانب السلطات الحاكمة، إلى جانب ما كانت تعانيه أيضا من قلة التوزيع، مما عرضها لأزمات مالية.

رغم كل هذه الصعاب التي كانت تواجهها لإخراج جريدة تعبر عنها، كانت دائما حريصة على الاستمرار في إصدار صحيفة أو مجلة تعبر عنها، وكأن الصحافة قد أصبحت هى مسألة المسائل في كفاحها.

وهكذا فبعد أن أغلقت صفحتها مع جريدة " الضياء" وفى وقت كانفيه أحمد حسين معتقلا، بذلت محاولات من جانب أعضاء الحزب الآخرين للحصول على جريدة تعبر عن الحزب.

وفى ذلك الوقت تقدم البعض بعرض جرائدهم لتحل محل الضياء، وكان من بينهم إسماعيل طاهر صاحب امتياز جريدة " السياسة" وكانت متوقفة عن الصدور في ذلك الوقت، وقد أبرم اتفاقا مع الحزب على أن يتولى إصدارها معبرة عنه، فأعلن الحزب عنها واتخذ الإجراءات لإصدارها، ولكن بعد أن خرج أحمد حسين من السجن تقابل مع محمد محمود باشا الزى أوضح له أن حزب الأحرار الدستوريين ما زال حريصا على جريدته " السياسة"

وأنه سيصدرها عقب مؤتمر مونترو، وبعد تسوية الأمر مع صاحب الامتياز الجديد، وفى ظل هذه الظروف تخلى حزب مصر الفتاة عن فكرة إصدارها.

ولما علم سليمان فوزي صاحب جريدتي " الكشكول" و" الثغر" بحقيقة الموقف، أرسل خطابا إلى أحمد حسين يضع فيه جريدة " الثغر" تحت تصرف مصر الفتاة.

صدر العدد الأول من جريدة " الثغر" تحت لواء مصر الفتاة في 20 مارس 1937، وقد تولى محمد صبيح رئاسة التحرير، وأحمد الشيمى إدارة الجريدة، واشترك في التحرير كل من أحمد حسين ، فتحي رضوان، عبد الحميد المشهدى ومصطفى الوكيل بعد عودته من أوربا. كما شراك العقاد في تحريرها ، فكان يرسل إليها بعض المقالات.

أثارت الجريدة موضوعات هامة وشنت حملات ضد وزارة الوفد والقمصان الزرقاء، وركزت اهتمامها على مؤتمر مونترو الذي كان ينظر في إلغاء الامتيازات ، هذا إلى جانب العديد من المقالات التي تهاجم وزارة الوفد وتنادى بإقالتها، هذا فضلا عن المقالات التي تنم عن إطراء شديد للملكية وشخص الملك. وكذلك كانت الجريدة أداة الحزب في تنفيذ برنامجه، فقد كانت تنقل أخباره وتعليماته إلى جماهيره.

انقسمت الصحف المصرية في ذلك الوقت إلى قسمين، أحدهما مؤيد للجريدة ولحزب مصر الفتاة، وهى الصحف التي تعبر عن أحزاب الأقلية، التي رأت في الحزب والجريدة سندها في مهاجمة الوفد.

أما الوفد فقد انبرت صحفه للدفاع عنه ضد هجمات جريدة الثغر، ومن هذه الصحف والمجلات" الاستقلال، المطرقة، غريب، النهار، الصرخة، الشبان الوفديين، الكاتب " وقد شنت هذه الصحف والمجلات حملات عنيفة ضد مصر الفتاة. وعلى سبيل المثال إصدار محمود طاهر العربي جريدة " الاستقلال" معبرة عن رأى الوفد وخصصت للهجوم على مصر الفتاة والعقاد.

أما موقف الحكومة الوفدية من الجريدة، فقد كان موقفا متشددا إلى حد كبير، فشنت حربا ضدها مختلفة الأساليب ، منها شراء كل أعدادها حتى لا تصل إلى جماهير مصر الفتاة، ومنها تحريض باعة الصحف على مقاطعتها.

هذا بالإضافة إلى العديد من القضايا الصحفية التي قدم فيها رئيس التحرير وكاتبي المقالات للتحقيق والمحاكمة، كما تعرضت للمصادرة في أغلب الأحيان، وبلغت حملة المصادرة قمتها عندما أصدرت إدارة الأمن العام أوامرها لأقسام البوليس في القاهرة ومختلف البلدان بمصادرة أعدادها.

وإزاء ذلك الموقف من جانب الحكومة، فكر الطلبة من أعضاء حزب مصر الفتاة في نشر أخبارهم بطريقة سرية، وقرروا أن يكتتبوا فيما بينهم لشراء ماكينة (رونيو) وآلة كاتبة عربية وكمية من الورق، لطبع ما يريدون نشره من بيانات ومقالات وأخبار خاصة بالطلبة، وذلك بعد أن منعت النيابة السماح بنشر أخبارهم، وسوف يقدم لهم حفني (بك) محمود الآلة الكاتبة العربية هدية منه، وقد كان مصطفى الوكيل هو صاحب هذه الفكرة ،ولكنها لم تتحقق.

وإزاء هذا الموقف المتشدد من جانب الحكومة ضد جريدة الثغر، رأت مصر الفتاة أن تتخلى عن إصدارها كلية. وهكذا ظلت مصر الفتاة بدون جريدة تعبر عنها، خاصة إذا علمنا أن الحزب قد تعرض لهزة عنيفة بإلقاء القبض على رئيسه وغالبية أعضائه وإغلاق دوره، فكان نشاطه متجمدا في تلك الفترة في أعقاب الاعتداء على النحاس باشا في 28 نوفمبر 1937، ظل الموقف كذلك إلى أن صدرت جريدتها التي تحمل اسمها في مستهل عام 1938.

سئمت مصر الفتاة الاستمرار في تجربة استخدام صحافة تعبر عنها غير مملوكة لها، فمنذ البداية وهى تسعى للحصول على رخصة جريدة أو مجلة، وعندما رفض الطلب في المرة الأولى ، عاودت مصر الفتاة إثارة الموضوع من جديد ولكنه رفض أيضا.

فلجأت في كل مرة إلى اتخاذ جرائد ومجلات لسان حال لها عن طريق استئجارها من أصحاب امتيازها. وكان لحادثة الاعتداء على النحاس باشا رد فعل قوى على الحزب وعلى أعضائه، ولكن تبدل الأوضاع بإسقاط وزارة الوفد وتولى محمد محمود الحكم كان بارقة أمل لمصر الفتاة؛

فبعثت الحياة في الحزب من جديد، واخذ يجد في مسعاه لإصلاح ما أفسدته الظروف التي تعرض لها، فكان من أهم المسائل التي سعى لتحقيقها في ظل تلك الوزارة الصديقة له، كان الحصول على رخصة جريدة تعبر عن أفكاره هذا فضلا عن إعادة لم شمل جماهيره وتنظيمها.

وبعد الإفراج عن أحمد حسين ،التقى بمحمد محمود باشا وطلب إليه مساعدته في الحصول على رخصة جريدة تعبر عن حزب مصر الفتاة، وأن يتولى أحمد بك عبد الغفار ضمانته لدى إدارة المطبوعات، فوافق محمد محمود وطلب إليه أن يلقى به مرة أخرى، وفى اللقاء الثاني قدم محمد محمود مبلغ 300 جنيه لأحمد حسين، وهى قيمة الضمان النقدي لرخصة جريدة، قائلا أنه فكر فى مسألة ضمانة أحمد عبد الغفار وخشي أن تسبب له أحمد حسين إدارة المطبوعات أزمات في المستقبل.

كما ساعده محمد محمود لدى إدارة المطبوعات حتى حصل على الرخصة باسم " مصر الفتاة" وهكذا أصبح للحزب جريدته الخاصة لأول مرة بعد مرور خمس سنوات على نشأة مصر الفتاة، ووفرت عليه مشقة التعاقد مع الناشرين الآخرين. وصدر التصريح بها على أنها جريدة يومية تصدر أسبوعية مؤقتا.

ضمت هيئة تحرير الجريدة صاحبها أحمد حسين، وهو يعد من ابرز كتابها، ومحمد صبيح رئيسا للتحرير وأحمد الشيمى مديرا للإدارة هذا فضلا عن نخبة ممتازة من المحررين ، هم فتحي رضوان، عبد الحميد المشهدى، مصطفى الوكيل، محمد عثمان نجاتي، وحسين محمد يوسف كما شارك فى التحرير أيضا بعض أعضاء الحزب.

هذا بالإضافة إلى ما كانت تتلقاه وما تجريه من أحاديث مع بعض الشخصيات الهامة، ومنها بعض أساتذة الجامعة وهكذا فقد توفرت للجريدة كل أسباب الاستقرار، وخاصة بعد أن أصبح لها مطبعتها الخاصة باسم " مطبعة البيت الأخضر" بمقر الحزب رقم 26 بشارع الفلكي. وعلى أثر هذا الاستقرار بدأت الجريدة تصدر مرتين أسبوعيا يومي الاثنين والخميس.

حددت الجريدة اهتماماتها بقولها أنها ستخوض إلى جانب المسائل القومية في مسائل الأدب والاجتماع والعلم والنقد. وعلى هذا الأساس الذي وضعته الجريدة لاهتماماتها فقد رأت اهتماما واضحا بقضية وحدة وادي النيل.

هذا فضلا عن الاهتمام المتزايد بالموقف من الاستعمار الأجنبي في كل دويلات الوطن العربي، مطالبة الدول بالثورة على الاستعمار، ولعل القضية الفلسطينية كانت من أهم الموضوعات التي استغرقت وقتا وجهدا كبيرا من الجريدة. وإلى جانب الاهتمام بقضايا الدول العربية، فقد اهتمت الجريدة أيضا التعريف بفلسفة بعض المذاهب الفكرية كالفاشية والنازية .

كذلك اهتمت الجريدة ببعض القضايا الداخلية الهامة، ومنها قضية العمال في مصر، فواصلت سياسة جمعية مصر الفتاة، فوقفت إلى جانبهم تناصرهم وتؤيدهم في كفاحهم العادل من أجل الحصول على حقوقهم كاملة، وبلغ التأييد مبلغه حتى طالبتهم الجريدة بالإضراب العام واستخدام القوة والكفاح والجهاد كي يحصلوا على حقوقهم.

كما اهتمت بقضايا أخرى داخلية، منها قضية محاربة الخمور وارتياد دور اللهو، فوجهت الجريدة إنذارا لأصحاب الحانات قبل الشروع في تحطيمها. هذا إلى جانب تغطية النشاط الحزبي لمصر الفتاة في توجيه النداءات والتعليمات لأعضاء الحزب.

أما عن موقف الجريدة من القوى السياسية المختلفة فقد كان موقفا عنيفا من جانبها، فقد هاجمت وزارة محمد محمود هجوما عنيفا، كذلك شنت حملة هوجاء ضد على ماهر رئيس الديوان الملكي، كما ظلت على موقف مصر الفتاة من الإنجليز فهاجمتهم أشد الهجوم.

ولعل هذا الأسلوب المتطرف في معالجة القضايا أوقعها في صدامات مختلفة مع القوى السياسي القائمة، فقدم صاحبها ورئيس تحريرها ومعظم كتابها إلى المحاكمة، حتى لقد فاق عدد القضايا التحى اتهم فيها أعضاء الحزب في عانى 1937-1939 حد التصور.

ففي شهر ديسمبر من عام 1938، استدعت النيابة العامة أحمد حسين للتحقيق معه في عشر مقالات خلال شهري نوفمبر وديسمبر ووجهت إليه تهمة التحريض ومحاولة قلب نظام الحكم ونظام الدولة الحاضر بالقوة، والتحريض على تحطيم الحانات، كما أجرى التحقيق مع محمد صبيح باعتباره رئيسا لتحرير الجريدة.

وكان من نتيجة كثرة القضايا الصحفية التي اتهم فيها محررو الجريدة أن تعرض بعضهم للسجن، وعلى الرغم من أن الأحكام التي كانت تصدر عليهم رغم التساهل في بعض القضايا كانت تعد أكثر صرامة وقسوة عما كانت عليه في عهد وزارة الوفد السابقة. فكانت الأحكام بالغرامات تتراوح ما بين عشرة جنيهات ومائة جنيه، وقد فرضت عليهم عدة مرات مما كان يشكل عبئا ثقيلا استنزف مالية الحزب والجريدة وأحيانا عجزوا عن دفعها.

وعندما أعلنت الحرب العالمية الثانية تغير شكل الجريدة فأصبحت أكبر حجما هذا فضلا عن أنها تحولت إلى جريدة يومية سياسية ابتداء من 2 سبتمبر 1939، وربما كان ذلك محاولة من جانب حزب مصر الفتاة لكي تتحول جريدته إلى جريدة يومية فتحقق بذلك تقدما، وأما أن يكون ذلك بهدف تغطية أخبار وتطورات الحزب الجارية أولا بأول.

وقد صدرت في أول الأمر مسائية ثم عادت فصدرت صباحية مرة أخرى، ثم عادت مسائية مرة أخرى اعتبارا من 7 أكتوبر 1939، معللة ذلك بأن إخراج الجريدة صباحية، لا يتيح لرئيس الحزب وقادة مصر الفتاة ممارسة نشاطهم الحزبي فإخراج الجريدة صباحية يستغرق كل وقتهم.

ولكن تجربة إصدار الجريدة يومية لم تستمر طويلا فأعلن حزب مصر الفتاة إخفاقه مرة أخرى في محاولة إصدار جريدة يومية تعبر عنه، وقد برر الحزب ذلك بقوله أن ذلك راجع لتعذر الحصول على الورق الكافي، هذا فضلا عن رغبة الحزب في إعادة تنظيم صفوفه وقيام رؤسائه برحلات إلى الأقاليم للإشراف على الشعب وتنظيمها، ومن ثم عادت الجريدة إلى ثوبها القديم اعتبارا من 27 نوفمبر 1939 فصدرت مرتين أسبوعيا.

كان من الآثار التي فرضتها الحرب إعلان الأحكام العرفية، وفرض الرقابة على الصحف ، وقد تعرضت جريدة مصر الفتاة لرقابة شديدة مما جعل أحمد حسين يجار بالشكوى من ذلك الموقف من جانب الرقابة ، فهو يرى أن يستمر في نشر آراء الحزب في الأوضاع السياسية ما دام ذلك لا يمس الحرب حتى ولو أدى ذلك إلى تعطيل الجريدة أو سحب رخصها.

وعندما أعلن أحمد حسين عن تغيير اسم الحزب إلى الحزب الوطني الإسلامى (مارس 1940) على أن تظل جريدة مصر الفتاة لسان حاله، ولكن السلطات الإنجليزية أدركت خطورة هذا التغيير وخاصة في ظروف الحرب فبدأت تشدد الرقابة على الجريدة، فمنعت نشر ما يتعلق بالحزب والنشاط الحزبي.

كذلك لجأت الحكومة إلى مصادرة مطبعة الحزب أيضا. وهكذا استمرت حملة تضييق الخنق على الجريدة فمنعت من نشر أخبار الحزب، وكذلك منعت الحكومة أحمد حسين عن الكتابة في الجريدة بإيعاز من السلطات الإنجليزية.

اشتدت الحكومة في حملتها ضد الجريدة مما اضطرها أن تعلن أنها لا تعبر عن سياسة الحزب الوطني الإسلامى، وأن الحزب لن يكون مسئولا عما ينشر فيها من آراء ، وأن خطتها الجديدة بعيدة عن السياسة وأنها ستتوفر على الشئون الثقافية والدراسات القومية.

وقد تألفت لجنة من محمد صبيح وفتحي رضوان وعبد الحميد المشهدى ليتولوا إدارتها وتحريرها. وبعد ذلك أعلنت الجريدة عن عودة أحمد حسين لحظيرتها من جديد ولكنها لم تعلن عن عودتها معبرة عن الحزب الوطن الإسلامى.

استمرت الجريدة في الصدور على الرغم مما كانت تعانيه من اضطرابات وقلاقل، حتى كانت حركة رشيد عالي الكيلانى في العراق وتأييد الحزب لها، فكان ذلك ذريعة تذرع بها الإنجليز في طلب القبض على زعماء وأعضاء مصر الفتاة وإيداعهم السجون والمعتقلات، والمر بتعطيل جريدتهم نهائيا، فصدر أمر الرقيب العام بتعطيلها في 7 مايو 1941 وآخر عدد منها تحت الطبع بالمطبعة " الكمالية" التي تولت طبعها بعد مصادرة مطبعتها.

وهكذا طويت صفحة مصر الفتاة وجريدتها إلى حين تعود مرة أخرى للصدور فئ خريف عام 1944. وفى حقيقة ألأمر فإن جريدة مصر الفتاة كانت من أكثر الجرائد التي اتخذتها مصر الفتاة انتشارا ، فقد ظهرت في فترة حققت فيها مصر الفتاة رواجا؛

وانتشرت دعوتها فئ أماكن لم تطرقها من قبل، فلما أحست الحركة بهذا النجاح رأت أن توسع نطاق توزيع جريدتها، فأعلنت عن رغبتها في تعيين مراسلين لها في جميع أنحاء العالم العرب، وعلى الأخص في عدن وصنعاء والبحرين وعمان، وبعض بلدان الشمال الأفريقي، كما سعت لإيجاد مراسلين لها في بغداد.

وبرغم ما آنسته الجريدة في نفسها من قوة وازدهار، إلا أن السلطات الإنجليزية كانت لها بالمرصاد. فقد صادرتها حكومة السودان ومنعتها من دخوله، ولكن إدارة الجريدة أصرت على تهريبها إلى داخله بطرق مختلفة. كذلك اتخذت حكومة نورى السعيد في العراق موقفا مماثلا من الجريدة فمنعتها من دخول العراق.

كما كان إحساسها بالقوة والازدهار دافعا لها لكي توجه إنذارا للصحف التي تنشر إعلانات الخمور، ومنها " الأهرام والمصري والبلاغ والدستور ودار الهلال وآخر ساعة و روز اليوسف " وغيرها خاصة بعد أن تأكد لديها صحة موقفها من محاربة الخمور والمنكرات.

وإلى جانب جريدة " مصر الفتاة" التي أصدرها المركز العام للحزب بالقاهرة، فإن فرع الحزب بالإسكندرية قد أصدر مجلة أسبوعية في أغسطس 1938 باسم " الجلاء" وكان عصام عبد المعطى صاحبها ورئيس تحريرها، واستمرت المجلة تحت لواء مصر الفتاة حتى انتقلت إلى القاهرة، وصدر العدد الأول منها فى 20 فبراير 1939 ، ولكنها في ذلك الوقت لم تكن معبرة عن مصر الفتاة، وقد بدأ صاحبها يدعو إلى تأليف " كتلة الشباب المصري" وهى ذات ميول يسارية- كما ظهر ذلك فيما بعد.

وربما أراد صاحب الجلاء أن يستقطب بعض جماهير مصر الفتاة وفعلا نجح في ضم بعض الأفراد ومنهم فهمي عقل وحسن كمال وعبده دهب حسنين. وكذلك اتخذ الحزب من مجلة " المنتخب" وهى مجلة أسبوعية للرياضة العامة، تولى الأشراف عليها اللجنة الرياضية بالحزب، بعد أن أعلن صاحبها وديع شلبي أنه وقف مجلته وجهوده في سبيل مصر الفتاة.

وقد استمرت المجلة في الصدور معبرة عن مصر الفتاة في الفترة من 3 سبتمبر سنة 1938 إلى 8 أبريل 1939. وقد اهتمت المجلة بنشر الثقافة الرياضية بين جماهير مصر الفتاة، إلى جانب نشر أخبار الرياضة في العالم، هذا فضلا عن التعريف بالحركات الرياضية في دول أوربا التي زارها أحمد حسين عام 1938، وعلى سبيل المثال عرضت لفرق " السوكول" التي شاهدها أحمد حسين في تشيكو سلوفاكيا.

وعلى الرغم من اهتمام مصر الفتاة بضرورة اتخاذ جرائد ومجلات تعبر عنها بمختلف الأساليب فقد رأت ضرورة نشر الثقافة بين جماهيرها عن طريق إصدار دراسات جادة، فكانت سلسلة " كتب الشهر" التي أصدرتها دار " نشر الثقافة العامة" التابعة لحزب مصر الفتاة والتي كان يديرها محمد صبيح، وقد شملت تلك الكتب عدة سلاسل عن قادة العالم، مثل هتلر، موسولينى، مصطفى كمال، ديفاليرا، الميكادو، ستالين وروزفلت، وعن قادة مصر الحديثة مثل محمد على ، إبراهيم باشا، فؤاد الأول، محمد عبده، مصطفى كامل وسعد زغلول، وعن قادة الإسلام محمد (صلعم) على ، معاوية ، معاوية ، عمرو بن العاص، خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، ومن الشرق ، بوذا ، زرادشت، كونفوشيوس ، وغاندي وغيرهما.

وأعلنت مصر الفتاة أنه سيشترك في إخراجها علماء وأدباء متخصصون. وقد قام بوضع أكثريتها محمد صبيح وفتحي رضوان ، وهذه السلاسل تعد بحق الملحق الأدبي لجريدة مصر الفتاة وغيرها من الجرائد التي اتخذتها مصر الفتاة، فقد كانت دراسات جادة إلى حد كبير أحرزت نجاحا ملحوظا، وأضفت على مصر الفتاة أهمية خاصة.

وقد قام محمد عبد الرحيم عنبر عضو مصر الفتاة بدور التمويل المؤدى لهذه الكتب في أول الأمر ولكن خلافا وقع بينه وبين محمد صبيح جعل الأخير ينفرد بإصدارها . بقى بعد ذلك أن نوضح نوعية تلك الصحاف التي استخدمتها مصر الفتاة ومدى ما حققته.

كانت صحافة مصر الفتاة صحافة متطرفة في العداء للانجليز إلى حد كبير، فقد هاجمت بشدة الاحتلال البريطاني خاصة، والاستعمار في مختلف أنحاء العالم عامة، ونددت بالمستعمرين في كل مكان من العالم العربي.

فكان ذلك علة اضطرابها في الصدور، والدافع لمصادرتها المستمرة وأحد الأسباب التي أحدثت لها الكثير من الأزمات المالية التي تعرضت لها، فقد سعت مختلف الحكومات المصرية لإخفاق صوتها الذي شهر أقلامه في وجه المستعمر وأعوانه من المصريين، فكانت سيفا مسلطا على رقاب الخارجين عن حظيرة الوطن. فلم تأبه الجريدة لما كانت تتعرض له من مضايقات ، فاستمرت في نشر دعوتها إلى جانب دورها الهام فئ ممارسة النشاط لمصر الفتاة.

وفى حقيقة الأمر فإن صحافة مصر الفتاة كانت تتسم بسمات خاصة لم تشهدها الصحافة الأخرى المعاصرة لها، فقد كانت شديدة التطرف في مهاجمة القصور في أية ناحية من النواحي وربما كان ذلك أحد العوامل بل وأهمها التي لم تمكنها من إحراز نجاح ملموس إلا في بعض الفترات القصيرة مثلما حدث في عام 1938. ولم يتكرر ذلك النجاح إلا عندما اشتدت في الهجوم على شخص الملك فاروق عام 1951.

الفصل السادس: الفكر النظر لمصر الفتاة

  1. فكرة القومية المصرية
  2. فكرة العروبة
  3. فكرة الجامعة الإسلامية
  4. العدالة الاجتماعية

تبلورت أفكار مصر الفتاة فئ أربع أفكار رئيسية ، يجدر بنا دراستها ومناقشتها وبيان مصادرها وتلك الأفكار هي فكرة القومية المصرية وفكرة العروبة وفكرة الجامعة الإسلامية كنهاية لمراحل التطور الفكري عندها خلال فترة البحث؛

وأخيرا قضية الثورة الاجتماعية، كمطلب حيوي من مطالب مصر الفتاة، منذ أن نشأت كحركة إصلاحية تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ، ويمكن تلخيص أفكار مصر الفتاة فيما أعلنته في برنامج الجمعية بأن غايتها

" أن تصبح مصر فوق الجميع إمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام". ويجدر بنا أن نتناول كل فكرة من تلك الأفكار بالدراسة ونبدأ بفكرة القومية المصرية ومراحل تطورها.

ظهرت إلى جانب الدعوة لوحدة الشعوب الإسلامية، دعوة ناشئة تنادى بالقومية المصرية، وتبث الشعور بالوطنية في الأمة، التي تقوم على الجنس لا على الدين، منادية بقصر الاهتمام على المصالح المصرية ومعالجة مشكلاتها مستقلة عن مشاكل الدولة العثمانية والأقطار الإسلامية، وقد كانت هذه الدعوة صدى للاتجاه العالمي نحو فكرة القومية في القرن التاسع عشر، وكان المبشرون بهذه الدعوة في مصر متأثرين تأثرا واضحا بالتفكير الأوربي.

ويمكن القول أن هذه الحركة الجديدة نشأت قبيل الثورة العرابية وكانت هذه الثورة صوتها القوى ويدها الباطشة وقوتها المنفذة، وتمثلت هذه الدعوة في جمعية " مصر الفتاة" السرية التي تألفت في الإسكندرية ، وفى بعض الصحف الثائرة التي برزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تنتقد سياسة الحكومة وتندد بتفريطها في حقوق البلاد مثل صحيفتا " مصر" و" التجارة" لأديب اسحق، وفى " الحزب الوطني" الذي انضمت إليه جمعية مصر الفتاة السرية، والذي تألف قبيل الثورة العرابية من الرجال الذين تزعموها بعد ذلك.

وظلت هذه الدعوة يتناقلها بعض الأفراد والجماعات، ونبعت منها شعارات منها " مصر للمصريين" وتألفت لهذا الغرض جمعيات في الثلاثينات من القرن العشرين مثل جمعية " المصري للمصري" وإن اختلفت أهداف كل من الدعوتين وإن كانتا روافد للفكرة الأصلية، فكرة القومية المصرية؛

إلى أن كانت إرهاصات مصر الفتاة، متمثلة في إيمان أحمد حسين بمجد مصر، ومطالبته لمحمد محمود بأن يسعى لإعادة هذا المجد، وتصديه هو للفكرة في عام 1930، ثم أخفاق المحاولة فيعاود الكرة مرة أخرى ويؤلف جمعية مصر الفتاة في عام 1933 لهذا الغرض، فظلت تقرع الأذهان بفكرها الذي طرحته منذ عام 1929 وهو أن تصبح مصر فوق الجميع، فكيف يتحقق لها ذلك.

إن فكرة أن تصبح مصر فوق الجميع، تنم عن وطنية متعالية آمنت بها مصر الفتاة منذ بداية الإيمان بمجد مصر، والعمل على بعثه من جديد على يد أحمد حسين، وقد كان هذا هو أول شعار رفعته مصر الفتاة، فهو يعد أول الأفكار الملموسة التي سيطرت على حركتها في الثلاثينات، وتتلخص تلك العقيدة في أن مصر لها ماض عظيم وأنه يجب إعادة هذا الماضي وبعثه في المستقبل الآن،

وقد كان شعار "مصر فوق الجميع" هو الذي يوضح هذا الاتجاه، ولم يكن هذا الشعار واضحا في نفوس المصريين، على أنه دعوة إقليمية للاهتمام بمصر وبمشاكلها دون غيرها.

ولكنه استخدم كجزء من دعاية مصر الفتاة، في محاولة منها لخلق جو نفسي أصيل بين المصريين، يفعل فعله فئ خلق الوطنية المصرية وإعادة المجد لها بعد فترات الاحتلال التي عانت منها مصر خلال القرن التاسع عشر وما بعده.

ولكي نوضح ذلك الشعار، فإنه يجدر بنا أن نشير إلى أنه من الممكن أن يكون مستوحى من شعار الرايخ الألماني الثاني وهو " ألمانيا فوق الجميع" وقد استخدم بواسطة أحمد حسين في عام 1929، قبل أن يتكرر استخدامه بواسطة الأملان في الرايخ الثالث عام 1933، ولم يذكر أحمد حسين أو غيره من قادة مصر الفتاة أنهم استخدموا أو قلدوا شعار الألمان وقد فسر أحمد حسين ذلك الشعار، بأن مصر فوق الجميع أي فوق الأحزاب السياسية والأفراد، ويذكر أن هذا الشعار قد فهمه البعض فهما خاطئا بأن فسروه على أن مصر فوق الدول العربية، وهو ينفى ذلك عندما فكر في استبدال الحزب الوطني الإسلامى بحزب مصر الفتاة.

ولكنه يغلب الظن أن أحمد حسين قلد شعار الألمان إذ هو يرى أن مصر لها ماضي مجيد وحضارة عظيمة يتيحان لها أن تكون فوق الجميع.

وأما الإيمان بمصر وبمجدها، فقد كان نابعا من أنه كما ترى مصر الفتاة بينما كان العالم يغط في نومه بين دياجير الظلام، كانت مصر الخالدة ترفع لواء المعرفة وتحمل راية النور والسلام، وعليها أن تستعيد مكانتها فوق الجميع، ولبناء هذا الصرح الشامخ يجب أن يبذل الشباب روحه ودمه من أجل مصر، ويضحى بشبابه وحياته في سبيلها.

فمصر الفتاة كانت تسعى إلى إعادة مجد مصر، حتى ولو أدى ذلك إلى التضحية بالنفس حتى الموت من أجل إعادة قوة وعظمة الإمبراطورية المصرية، وقد شكل ذلك الإيمان عقيدة الجيل الجديد من شباب مصر الفتاة، والذين يستطيعون عن طريق نشر الروح العسكرية بينهم، واستخدام وسائل العنف أن يعيدوا لمصر مجدها القديم.

ولعل هذا الأيمان يطرح سؤالا هاما وهو، ما هي الظروف الموضوعية الفتى نشأت فيها تلك الجماعات المتطرفة؟ ومصر الفتاة إحداها- والتي تطرح أفكارا تعبر عن وطنية متطرفة.

في أثناء كفاح الشعب ضد حكومة صدقي (1931) وفى سبيل الاستقلال والدستور، برز مطلب الوحدة القومية مرة أخرى ، وقد تولى الطلبة الدعوة إلى الوحدة في ظل جبهة وطنية وتم توقيع " الميثاق الوطني" فبدأ الأمر وكأن القيادات الحزبية القومية قد اتحدت؛

ولكن في حقيقة الأمر كانت القاعدة القومية، وخاصة الطبقة المتوسطة تعانى انقسامات عديدة، كان من نتيجتها أن تألفت بعض الهيئات السياسية تميزت بطابع التطرف القومي، وعكست انحرافات الطبقة المتوسطة نحو التعصب الديني أو العنصري أو القومي، وكان ذلك إيذانا بانفصال الطبقة المتوسطة عن الرأسمالية القومية، كما كان إيذانا بظهور نظريات القومية غير الديمقراطية وابتعاد القوميين عن الطبقة العاملة، ورواج أفكار ومذاهب مستمدة من الفاشية والنازية، وقائمة على المثالية الغيبية.

وقد تمثلت تلك المثالية الغيبية في المطالبة ببعث مجد مصر القديم، وهكذا فإن اهتمام مصر الفتاة في الثلاثينات كان لتحقيق تلك المثالية، فإن إيمانها وولاءها الأصلي ظل لمصر وحدها، وماضيها وأمجادها والبحث عن وسائل تضع حدا لتدهورها الحالي وإحياء هذا المجد التليد.

ساعدت الظروف الموضوعية التي مرب بها المجتمع المصري، على تبلور فكرة القومية المصرية، في شكل الدعوة للفرعونية من جانب أحمد حسين ومصر الفتاة ومن سبقوه، وقد كان لاكتشاف مقبرة توت عنخ آمون أكبر الأثر في التغني بمجد مصر، وأصبح هذا الكشف يعلى الفرعونية على ماعداها، فانتشرت الأسماء الفرعونية، وغلبت النعرة الفرعونية على الإنتاج الأدبي والفني، وصدرت المؤلفات تتغنى بحضارة مصر الفرعونية وقد نمت هذه الدعوة بشكل واضح؛

عندما اعتلت الحكم "وزارة الشعب" في عام 1924 برياسة سعد زغلول، وهى أول حكومة تتربع على كراسي الحكم بإدارة شعبية ويساندها أول برلمان مصري، فقد كان ذلك عاملا مشجعا على أن يعتز المصريين بأصلهم العريق، وأن يتنادوا ببعث مجدهم القديم.

وقد كان لاشتراك أحمد حسين عندما كان طالبا بالمدارس الثانوية في تمثيل روايات فرعونية وكذلك رحلته إلى ألقصر وأسوان عام 1927 ومشاهدته مدة عظمة الفراعنة، من خلال رؤيته لآثارهم العظيمة، كان لذلك أكبر الأثر في اعتناقه للفرعونية، حتى أنه تسمى باسم " أحمس" وبدأ يطرح أفكارا تدور حول بعث هذا المجد الفرعوني.

ولكن هذه الفكرة أخذت تتضح معالمها بصورة أكبر، فأخذت شكل الدعوة لتأسيس الإمبراطورية المصرية، التي تتألف من مصر والسودان، وقد برزت تلك الفكرة عندما أعلن قيام جمعية مصر الفتاة.

اهتمت مصر الفتاة، منذ بداية تكوينها بالسودان، واعتبرته جزءا لا ينفصل عن مصر، وإنما يشكلان معا كيانا واحدا، وقد كان ذلك الاهتمام نابعا من ألأفكار التي طرحتها ، فالسودان ومصر يؤلفان معا الإمبراطورية المصرية التي تسعى مصر الفتاة لإقامتها من جديد، وقد كان تصور مصر الفتاة أن مصر، التي تسعى لإعادة مجدها، لا تنتهي عند جيل من الشباب يؤمن بهذه الفكرة ويعمل على تنفيذها.

وفى إطار هذا التصور من جانب مصر الفتاة لمصر، فقد كانت تنادى بوحدة وادي النيل- مثل الحزب الوطني ولكن بصورة استعلائية نابعة من أن " مصر يجب أن تكون فوق الجميع" وأن كلمة "المصرية" هي العليا وما عداها لغو لا يعتد به، كذلك طالبت مصر الفتاة بإلغاء كل المعاهدات التي تمس سيادة مصر على وادي النيل، أو تعديل هذه المعاهدات على الأقل بما يحقق استقلال مصر والسودان استقلالا تاما مطلقا من كل قيد أو شرط ويجعلها تقف على قدم المساواة مع أية دولة عظمى.

كان السودان كما ترى مصر الفتاة هو الجزء الذي يتمم مع مصر حوض وادي النيل بما فيها جميع الممتلكات " التي كانت لمصر قبل إخلاء السودان والتي كان يعبر عنها بالملحقات، على أن تطبق على الجميع كل الأنظمة المصرية من اجتماعية واقتصادية وصحية، مع مراعاة الظروف الخاصة، على أن يكون للسودانيين الحق في الاشتراك في الوزارة وفى مناصب الدولة الكبرى ووظائفها العامة، وأن يكون لهم ممثلون في البرلمان؛

وقد رددت مصر الفتاة تلك المعاني مرارا، على اعتبار أن السودان هو الامتداد الطبيعة لمصر، وأنه هو معقد مصر وآمالها في حل مشاكلها وخاصة مشكلتها في تزايد عدد السكان، وطالبت الحكومة أن تنشئ وزارة للسودان تهتم بشئونه الاقتصادية والاجتماعية، وأن تخصص كل وزارة أخرى جزءا من نشاطها لتصرفه في السودان، وتعمل على ترقيته، على أن تتجه مصر بكل جهودها العلمية والاقتصادية والإصلاحية صوب السودان" كان هذا الاهتمام، وهذه المطالب نابعة من فكرة مصر الفتاة، في تكوين الإمبراطورية المصرية.

ولقد وضعت مصر الفتاة تصورا لما تعنيه الإمبراطورية المصرية التي تدعو إليها، فقد حددتها على أنها كل أرض يجرى فيها ماء النيل، وتمتد من البحيرات الاستوائية جنوبا إلى البحر المتوسط شمالا، ومن أعالي الحبشة والبحر ألأحمر وحدود سيناء الشرقية شرقا، ومن الحدود الغربية لمصر والسودان غربا.

أي أن مديرية خط الاستواء التي وضعت مصر يدها عليها أيام الخديوي إسماعيل تعتبر جزءا من المجال الحيوي لمصر يضاف إليها بحيرة تانا المنبع الهام للنيل، وأشارت مصر الفتاة إلى تحديد الإمبراطورية بهذه الحدود، يختلف عن تحديد الحزب الوطني والأحزاب الأخرى وفهمها لمدلول كلمة السودان؛

فالحزب الوطني يضيف إلى تصور مصر الفتاة هرر وزيلع ومصوع مثلا، لأنها كانت يوما ما من الأملاك المصرية ولكن هذه المدن كما ترى مصر الفتاة لا تقع في حدود حوض النيل، وليست ماسة مساسا قويا بالمجال الحيرى المطلوب لمصر، هذا إلى أن الأحزاب الأخرى كما ترى مصر الفتاة تفهم كلمة السودان فهما غامضا لا حدود له.

كان هذا هو تصور مصر الفتاة لتكوين الإمبراطورية المصرية، كنهاية لفكرة إعادة مجد مصر القديم، وذكرت مصر الفتاة أن ذلك يتطلب تنظيما بشريا واقتصاديا ودفاعيا. وعلينا الآن أن نوضح كيف رسمت مصر الفتاة لنفسها الطريق الذي يوصلها في النهاية لتحقيق حلمها في إعادة مجد مصر وبناء الإمبراطورية المصرية.

أعلنت مصر الفتاة منذ البداية، أن الطريق لتحقيق حلمها في إعادة مجد مصر ، هو الإيمان والعمل، فقد دعت الشعب المصري لعشر سنوات من العمل في كل المجالات، حتى تستطيع مصر الفتاة أن تصل إلى غايتها، وكذلك فهي تدعوه للإيمان بحقه وقوته، كي تصبح مصر فوق الجميع، ونددت بالاحتلال الذي قطع أوصال مصر وحرمها السودان، وتسبب في تخلف ثقافي واقتصادي ، وإلى جانب مهاجمتها للاحتلال ومسئوليته عما صارت إليه الأوضاع داخل مصر، فقد دعت الشعب أيضا لنبذ الخلافات الحزبية، للوقوف صفا واحدا في وجه المستعمر. كما تبنت فكرة ألا حل للقضية المصرية إلا باستخدام القوة، نابذة أسلوب المفاوضات.

كانت المفاوضة هي الأداة التي استخدمتها الأحزاب المصرية فى إدارة العلاقات المصرية البريطانية ووضعها على أساس يحقق لمصر أمانيها القومية، والمفاوضة أخذ وعطاء، فكان هم المفاوض المصري ألا يعطى انجلترا ما يتنافى مع جوهر الاستقلال، وقد اختارت الحكومة الإنجليزية هي أيضا المفاوضة أداة لوضع علاقاتها بمصر على أساس يقبله المصريون راضين تماما أو راضين بعض الرضا ويحقق لانجلترا الأغراض التي من أجلها سيطرت على مصر، فكان هم المفاوض الإنجليزي أن يدقق كل التدقيق فيما يمس المصالح التي ادعتها بلاده لنفسها.

فالمفاوضة أذن وسيلة لتنظيم العلاقة بين مصر وانجلترا . كان هذا هو الأسلوب الذي سلكته مختلف الحكومات المصرية سواء كانت حكومات أغلبية أم حكومات أقلية إلا أن مصر الفتاة كانت لا تؤمن بهذا الأسلوب، فهي تسعى لخلق جيل جديد قوى يستطيع أن يكره الإنجليز على الجلاء عن البلاد، ويعيد السودان لمصر.

إذن فأسلوب المفاوضات كوسيلة لحل القضية المصرية مرفوض تماما من جانب مصر الفتاة، والبديل هو استخدام القوة التي تنوى أن يكون أسلوب الجيل الجديد الذي تسعى لتكوينه، لكي يكون جيلا قويا شديد اليمان بمبادئها، فهي ترى أن الإنجليز أعداء طبيعيون لا يضمرون لمصر إلا الويل والفناء

" ذلك أنهم أقوياء ونحن ضعفاء ، وسنة الحياة أن يلتهم القوى الضعيف، فقضيتنا مع الإنجليز لا تحل إلا بالحديد والنار، أي بمعنى آخر لا تحل إلا بالقوة ولكن حديث القوة في مصر يبدو غريبا، لأن مصر وقد تعددت أحزابها، وقد فقدت معنوياتها، وقد ضل أبناؤها سواء السبيل ، وقد امتلأت النفوس يأسا وضعفا، وقد تخنث شبابها وتأنث. مصر اليوم والإنجليز تتحكم فيها والأجانب تسحقها والامتيازات الأجنبية تكبلها، أعجز ما تكون عن التحدث بالقوة، بل محاولة اكتسابها"

وظلت مصر الفتاة تؤمن بهذا الأسلوب وتلح في استخدامه، وتسعى لنشر تلك الأفكار داخل المجتمع المصري، وبدأت الفكرة تأخذ شكل التنفيذ ممثلة في تشكيلات القمصان الخضراء، كنواة تسعى بعدها لنشر الروح العسكرية بين الجماهير، وتكوين " الميليشيا الفرعونية" أو" جيش الخلاص" الذي سعت لتكوينه منذ بداية إيمانها بمجد مصر، واعتبرت أنه هو الذي سيحقق لها هذا المجد، ولذلك فقد استمرت تدعو لاستخدام القوة.

أعلنت مصر الفتاة أن من أغراضها، مقاومة الإنجليز ومحاربة الحزبية، ونيل الاستقلال بالقوة المسلحة. ففكرة استخدام القوة لنيل الاستقلال ملحة على فكر مصر الفتاة؛

فتذكر أنها تؤمن بأنه:

" لا يفل الحديد إلا الحديد ولا يغسل الدم إلا الدم، وأنه لابد لنا من حياة عسكرية يقوم على جنباتها ذوو القمصان الخضراء يتدربون في كل مكان، ويعدون أنفسهم من كل نجاة لمصر إلا من هذا الطريق؛فما استقلت مملكة يوما بالخطب ولا جلا جيش عن شعب بالمقالات حامية أو باردة، وإذا كنا نكتب ونخطب فما ذلك إلا نشرا لدعوتنا وإعداد الأذهان لفكرتنا ومبادئنا، ولكن لابد أن سيأتي اليوم الذي نحطم فيه القلم ونترك السيف يتحدث"

ويحسم أحمد حسين الموقف حول حديث القوة التي يسعى لنشر الإيمان بها بقوله:

" تعلمنا الطبيعة أن لا تفاهم بين السيد والمسود ولا بين القوى والضعيف، لا تفاهم إلا بالصراع والقتال، الحياة لا تعرف هودا ولا لينا ، فأما أن تكونوا أقوياء فتعيشوا، وأما أن تكونوا أقوياء فتعيشوا، وإما أن تكونوا ضعفاء فتموتوا، عبثا يخيل للشعب الضعيف أن يتفاهم والشعب القوى فإنه يكون كتفاهم الذئب والحمل، فإن أردتم مجدكم القديم وسلطانكم العتيد فليس أمامكم إلا طريق واحد أن تكونوا أقوياء أولا وأخيرا".

ظلت مصر الفتاة توالى حديث القوة، مؤمنة بأنها هي السبيل الوحيد للحصول على الاستقلال والدستور، وتحقيق مجد مصر وتأليف الإمبراطورية المصرية، ومن خلال ما تعرض له زعماؤها من محاكمات واعتقال، ازداد إيمانها بهذا الأسلوب، فهي ترى أن الظروف التي مرت بها لا تزيدها إلا إيمانا بأن القضية المصرية لن تحل بسياسة الخنوع والاستجداء ، لن تحل بسياسة الترامي على أقدام الإنجليز، واستجداء الاستقلال والدستور؛

القضية المصرية لن تحل بسياسة الانتظار والتريث، بل ستحل بطريق واحد وهو أن نكون أقوياء أشداء كرماء أعزاء، وأن نكون صفا واحدا، لن تحل القضية المصرية إلا على أيدي شباب مصر الفتاة المجاهدين المكافحين" وفى ذلك تندد بأسلوب المفاوضات ولا تتوقع للبلاد أن تحصل على شيء من ورائه، وسخرت ممن يعلقون أهمية عليه.

في الوقت الزى تتأهب فيه القوى السياسية للدخول في مفاوضات لعقد المعاهدة. فضرب أحمد حسين مثلا بالحرب الايطالية الحبشية موضحا كيف أن الحبشة لم تستطع إيقاف موجة الغزو الايطالية، وأخذ يذكر المصريين بأن الدول الضعيفة لا تستطيع أن تجنى شيئا من خلال المفاوضات والمعاهدات، ولكنه يؤكد على شيء واحد وهو أن يعد المصريين أسلحتهم للحفاظ على استقلالهم .

تمثلت دعوة مصر الفتاة للإيمان بمبدأ القوة في تشكيلات القمصان الخضراء، وقد أخذت توالى الدعوة أملا من جانبها في أن يصل حجم هذه التشكيلات إلى المستوى المطلوب، الذي يمكنها من تحقيق أهدافها.

ومن الواضح أن مبدأ القوى الذي اعتنقته مصر الفتاة لابد وأن يكون مستوحا من التجربة الفاشية في إيطاليا والتجربة النازية في ألمانيا، فلطالما أشاد أحمد حسين في خطبة وكتاباته بهاتين التجربتين

وظل يؤكد على دور الشباب فيها بقول:

" أذكروا أيها الشبان معجزة الايطاليين والألمان كيف استطاع الشبان في هاتين الأمتين أن ينهض بهما من الحضيض إلى ذروة المجد، فإيطاليا التي كانت علما على الفوضى، قد أصبحت اليوم من أعظم دول أوربا، وألمانيا التي ظن أنها لن تقوم لها قائمة قد استردت اليوم مكانتها وأصبحت أقوى دول أوربا على الإطلاق، تمت هاتان المعجزتان تحت تأثير العقيدة والإيمان والثقة بالنفس، وهذا هو ما تدعوكم إليه مصر الفتاة"

وأشار أحمد حسين إلى أن مصر الفتاة سوف تستطيع تحقيق أحلامها في إعادة مجد مصر والنهوض بها كما فعلت هاتان الأمتان مترسمة خطواتها.كانت تشكيلات القمصان الخضراء.

كما ذكرنا مستوحاة من موجة القمصان الملونة التي انتشرت في بعض أجزاء العالم، مستوحاة من موجة القمصان الملونة التي انتشرت في بعض أجزاء العالم، وخاصة من التجربة الايطالية والألمانية، وقد بدأت مصر الفتاة اهتماما بهاتين التجربتين، فأفردت صحيفتها صفحات لدراسة أفكارها، ومحاولة تتبع نشاطهما منذ نشأتهما، ولعل ذلك كان محاولة من جانب مصر الفتاة لترسم خطواتهما والسير على نهجهما .

ويتطلب الأمر أن نعرض لبعض الأفكار التي طرحتها مصر الفتاة، وهناك شبه اعتقاد بأن أصولها الفكرية مستمدة من هاتين التجربتين، فنجد أن مصر الفتاة تدعو في عام 1938 إلى فكرة " ملك واحد وحزب واحد" وهى مستمدة من دعوة ألمانيا " جيش واحد وزعيم واحد" وتؤكد أن مصر في أشد الحاجة إلى هذا التوحيد .

وهى في هذا تدعو إلى رفض النظام الليبرالي برمته، وقد تمثل ذلك في هجومها على البرلمان المصري وعلى تكويناته، فرفض أحمد حسين أن يعترف بأن هناك حكما ديكتاتوريا وآخر ديمقراطيا، فقد أشاد بنظام الحكم في كل ألمانيا وإيطاليا واعتبرهما " الديمقراطيات الحقيقية" في أوربا وقد كانت فكرة مصر الفتاة عن الديمقراطية والديكتاتورية فكرة قلقة غير واضحة المعالم.

ففيما يختص بالبرلمان والدستور أعلنت مصر الفتاة أنها تؤمن بالشورى ولكنها ليست كما ترى مصر الفتاة شورى الرعاع والجهال ممن لا يملكون من ألأمر شيئا ولكنها " شورى هؤلاء الذين لهم من الأمر كل شاء بجهادهم ونزاهتهم ورغبتهم في الصالح العام وخشيتهم من الله في أعمالهم وأقوالهم" وأما عن تفاصيل استخدام هذه الشورى وطرق تنظيمها فقد تركته مصر الفتاة للأحداث لتنظمها.

أكدت مصر الفتاة بذلك رفضها للنظام البرلماني المعمول به في مصر واعتبرته " بضاعة أجنبية" لا تروج فيها. وإنما اعتقدت فئ التجربة الفاشية في إيطاليا، على اعتبار أنها ترى أن الفاشية تعتمد أساسا على الدين، وأن بها الكثير من تعاليم الإسلام، فيذكر أحمد حسين " أستطيع أن أؤكد أن الفاشستية فيها الكثير من الإسلام، والإسلام هو أصلح النظم لحكم مصر".

وقد علمت مصر الفتاة على تجاهل الفوارق بين ماهية الديمقراطية والديكتاتورية تدعيما لفكرتها في الأخذ بالفاشية، فقال أحمد حسين

" أنالا أعتقد مطلقا أن هناك في أوربا نظاما ديمقراطيا ونظاما ديكتاتوريا، وأن انجلترا وفرنسا تختصان بالديمقراطية وإيطاليا وألمانيا تختصان بالديكتاتورية، فهي ديمقراطية واحدة ولكنها مختلفة الصور حسب تقاليد كل أمة وعاداتها وما يتفق وطبيعة شعبها".

ذهبت مصر الفتاة إلى القول بأن الفاشية هي النظام الوحيد الذي كانت إيطاليا في ظله تستطيع أن تحقق هذه الأعمال العظيمة التي حققتها حتى الآن، ثم ترى أيضا أنه هو " الديمقراطية بعينها"

وتدلل على الفكرة بقولها:

" أليس معنى الديمقراطية حكومة من الشعب تعمل لأجل الشعب، لا لمصلحة فرد أو جماعة وهذا هو ما أراد مطبقا هنا على أجمل الصور، فموسولينى وأعوانه لا هم لهم إلا رفاهية الشعب الايطالي والارتقاء به".

إذن مصر الفتاة ترى في الفاشية النظام الديمقراطي الصحيح، وربما كان عن تعمد لطمس معالم الديمقراطية والديكتاتورية وتذويب الفوارق بينهما ، إخفاء لاتجاهها وراء هذا الغرض، وربما كان عن عدم إدراك لطبيعة كلا من النظامين، وإن كان الرأي الأول أقرب إلى الصواب، فلتعمية الجماهير بفكرتها ترى أن الفاشية فيه الكثير من الإسلام.

وإن كان ذلك لا يمنعها من استخدام الطرق الدستورية المعمول بها في مصر كوسيلة للوصول إلى غايتها التي سعت إليها منذ البداية كوسيلة توصلها إلى تولى الحكم وتنفيذ فكرتها، وهذا بدوره يؤكد مدى ما تعانيه مصر الفتاة من اضطراب فكرى.

بالرغم من أن مصر الفتاة، هاجمت الدستور والبرلمان، أي وسائل الحكم الديمقراطي،إلا أنها لا ترى ثمة مانعا من استخدام هذه الطرق الدستورية المعمول بها في مصر للوصول إلى الحكم، وبعدها يمكن إعادة النظر فيها على ضوء فكرتها،

ثم تتراجع عن هذا الاعتقاد بقولها:

" من كان يظن أن طريقنا هو أن نعتمد على البرلمان الحالي أو على الانتخابات تجريها حكومة من أمثال هذه الحكومات ، فهو جد وأهم لأننا لا نؤمن بهذه الأساليب في مثل ظروفنا التي تعانيها البلاد، فما قيمة هذه البرلمانات بهذه الصورة إلا إضاعة الوقت وبعثرة الأموال وإفساح المجال للدسائس وخلق الأحزاب"

ومن ثم تدعو مصر الفتاة إلى الثورة على الأوضاع الموجودة داخل مصر بغية الإطاحة بتلك النظم، فهي ترى أن كل شيء في مصر يحتاج إلى انقلاب، ففي مقال بعنوان " لابد من انقلاب. لابد من قوة"

يؤكد أحمد حسين على ضرورة استخدام الانقلاب العام الشامل، الذي لن يتم إلا باستخدام القوة بكافة مظاهرها وأسلحتها من مادية ومعنوية:

" لابد من انقلاب يكتسح هذه الحشرات التي يسمونها وفدا وأحزابا ونحاسا ومكرما وبرلمانات. لابد من القضاء على كل هذا التدجيل والإفساد، ولابد وأن يشرق في هذه البلاد عهد كله ورع وكله قوة وكله فضيلة وكله مجد، ولن يتم ذلك إلا بواسطة الانقلاب العام الشامل، وهو ما تدعو إليه مصر الفتاة وهى لا تخشى أن يقال عنها أنها داعية ثورة فهي كذلك بالفعل".

وانطلاقا من مبدأ رفض أسلوب المفاوضات كوسيلة لتنظيم العلاقات بين مصر وانجلترا، والإيمان بمبدأ القوة لتحقيق الاستقلال وتنظيم المجتمع داخليا، فقد أعلنت مصر الفتاة أنه لابد من قوة؛

" لنخرج الإنجليز من مصر والسودان، لنسترد ثروتنا وحقوقنا من الأجانب، لنوزع العدل المحروم منه جميع المصريين، لنوزع أراضى الحكومة على المزارعين ونصلح غيرها لتوزع كذلك؛
لنوجد عملا للعاطلين ونؤمن معاش العاملين، لنجعل مصر حزبا واحدا وشعبا واحدا وكتلة واحدة حول عرش الملك،لنجعل الإسلام وتشريعه أساس الحياة المصرية، لنحرر بلاد العرب والمسلمين من الاستعمار، لنحمل للدنيا رسالة الإسلام والإيمان"

وقد أعلنت مصر الفتاة أن هذا هو برنامجنا وستبذل أقصى جهودها لتنفيذه فلا مناص من استخدام القوة لتنفيذه، ثم تتراجع مصر الفتاة عن هذا المبدأ ، فتعلن أنها لاتعادى الديمقراطية وأنها ليست من أنصار الديكتاتورية، وهى ترى أن كل دولة لها نظام معين يصلح لها، ولا يصلح في غيرها،

" فالديمقراطية في انجلترا هي أسمى نظام يمكن أن يصل إليه شعب، ولكننا إذا انتقلنا إلى فرنسا لا نجدها كذلك وإذا انتقلنا إلى ألمانيا وجدنا أن الديكتاتورية هي التي تصلح فيها، أما في مصر فلا تنفعنا ديمقراطية أو ديكتاتورية، نريد الشورى كما يفهمها الإسلام والقوانين كما يقرها الإسلام" .

ثم تواصل مصر الفتاة اضطرابها الفكري فتعلن أنها تنكر الديكتاتورية وتتمسك بالديمقراطية لأنها من تعاليم الإسلام. وهكذا نلحظ التخبط الفكري في أيديولوجية مصر الفتاة.

كان إعلان مصر الفتاة أنها تؤمن بالديمقراطية لأنها من تعاليم الإسلام، إيذانا ببدء مرحلة من مراحل التقلب في الأيديولوجية التي تعتنقها، فبعد أن كانت تؤمن باستخدام القوى لتحقيق كل ما تهدف إليه، بدأت تعلن أنها تمقت الديكتاتورية والعنف كأحد أساليبها في تحقيق أغراضها، فالعنف يقضى عليها وعلى تطورها ، ولذلك فهي ترى أنها لا تسعى للوصول إلى الحكم عن طريق الديكتاتورية ،

ولكنها تسعى إليه عن طريق الديمقراطية، على أن يتم ذلك عن طريق استفتاء الأمة، ويحاول أحمد حسين ستر هذا الاضطراب بقوله" وكم من مرة اشتدت بالنظام الديمقراطي الإنجليزي، ويهمنا أن يكون الدستور محترما وإرادة الأمة واضحة" فكيف يتحقق هذا أن يكون الدستور محترما وإرادة الأمة واضحة في ظل استخدام القوة التي آمنت بها مصر الفتاة من قبل؟

ولكن من الواضح أن هذا التقلب كان محاولة للمطالبة بإجراء انتخابات جديدة، تأمل مصر الفتاة في الاشتراك فيها، بعد أن يتيسر لها ذلك الاشتراك، فقد طالبت وزارة محمد محمود باشا عام 1938 بإنقاص سن النائب إلى خمسة وعشرين عاما، ورفعت التماسا إلى الملك فاروق بهذا المعنى؛

كان ذلك من جانبها كي تشارك في المعركة الانتخابية، بنفس الطرق والأساليب الدستورية المستخدمة في ذلك الوقت مع أنها رافضة لها تماما، وهنا تتضح أهدافها فى التقلب ، وأنها كانت بهدف اتاحة الفرصة لمصر الفتاة أن يكون لها وجود داخل مجلس النواب، وتتضح بدرجة ملحوظة سياستها التي تؤمن بها، وهى أن الغاية تبرر الوسيلة التي تستخدمها.

دعت مصر الفتاة إلى إجراء انتخابات عامة، وأرادت أيضا أن تحاول ستر دعوتها هذه لأنها لا تتفق مع ما دعت إليه من قبل، فبررت ذلك بأنها إنما تدعو إلى إجراء انتخابات لتوحيد صفوف الأمة في ظل الدستور وبقانون الانتخاب المستخدم في ذلك الوقت، وإن كان هذا كما ترى لا يعنى الانتخاب المستخدم في ذلك الوقت؛

وإن كان هذا كما ترى لا يعنى تسلميا من جانبها أنهما لا يحتاجان إلى تعديل ليطابقا تقاليد البلاد ودينها، وكذلك فهي ترى أن الإسلام هو الرسالة الوحيدة التي تستطيع مصر أن تحملها للعالم بأسره، وهى في سبيل الأخذ بتعاليم الإسلام ومبادئه، لابد وأن تحتكم إلى الأمة التي ستعلن إرادتها في أخيار نوابها من بين أعضاء مصر الفتاة، الذين سيقومون بثورة إصلاحية، تشمل مختلف النواحي ومنها نظام البرلمانات .

ومصر الفتاة في هذا الصدد تطرح صراعا تمثل في الأخذ بالفكرة الإسلامية، التي تنادى بأن تكون كل القوانين والأنظمة مستمدة من التشريع الإسلامى، وبين الفكر العلمان السائد في ذلك الوقت ، وإن كان المجتمع المصري يغلب عليه الطابع الديني إلى حد كبير، إلا أنه من الملاحظ أن الاتجاه الإسلامى يغلب على أفكار مصر الفتاة في نهاية الثلاثينات وهو ما سنتناوله لعد قليل.

وفى حقيقة الأمر، فإن مصر الفتاة وإن كانت قد صرحت بأنها تمقت الديكتاتورية، فإن ذلك لم يكن إلا مرحلة مؤقتة لتحقيق هدف معين تسعى للوصول إليه، وهو تولى الحكم عن أي طريق كان، ولم يكن ذلك التصريح إلا شعارا تخفى وراءه الحقيقة، فكيف يتحقق لها عن طريق الحكم، وهو تعلم تمام العلم أنها لن تفوز في أية انتخابات تجريها أية حكومة من الحكومات، سواء كانت حكومة أغلبية أو حكومة أقلية؛

أو حتى حكومة إدارية محايدة، كيف تستطيع مصر الفتاة أتن تحقق حلمها القديم في إعادة مجد مصر، وبناء الإمبراطورية المصرية بأساليب ديمقراطية، حقيقة الأمر أن مصر الفتاة لم تؤمن يوما بقضية الديمقراطية، وإنما كانت ترى في كل مرة أنه لا سبيل إلى تحقيق أهدافها إلا عن طريق القوة، متمثلة في تشكيلاتها شبه العسكرية التي ظلت تسعى لاستمرار فكرتها رغم حظر وجودها، فقد كانت حريصة على استمرار الاهتمام بالنواحي العسكرية؛

وما ذلك إلا لإيمانها المطلق بمبدأ استخدام القوة كالسبيل الوحيد لتحقيق كل أحلامها في إعادة مجد مصر وبناء الإمبراطورية المصرية، وأسبغت على فكرتها هذه ناحية دينية إسلامية فرددت أن ذلك مستمد من قول الله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة".

ولعل هذا الاضطراب الفكري الذي كانت تعيشه مصر الفتاة، قد أثار عدة تساؤلات من جانب بعض أعضائها لإدراكهم أن هناك تقلبا واضحا في أيديولوجيتها ، فمنها أن مصر الفتاة قررت أن الله هو مصدر السلطات ثم تعود فتقرر أن الأمة هي مصدرها، ومنها أنها آمنت بضرورة القيام بعمل حاسم لفرض رسالتها وأفكارها، ثم تعود لتحتكم إلى الأمة وتطالب بإجراء انتخابات تظهر مدى تقبل الأمة لمبادئها ، ومنها أنها هاجمت البرلمان كثيرا وتطالب بمبدأ الشورى ثم تعود إلى طلب إجراء انتخابات عامة. فكيف يكون ذلك؟

رد أحمد حسين على تلك التساؤلات بأسلوب يشتم منه محاولة تبرير هذا التقلب، وإن لم يرد على صلب التساؤلات، فكان رده أقرب للدفاع منه للإقناع. ففيما يختص بالشورى وضرورة الأخذ بها يذكر أحمد حسين " أن أي انتخابات ستجرى فسوف أتقدم لها ببرنامجي والذي يبدأ بتغيير قواعد الدستور وقوانين البلاد فتكون متفقة مع تقاليد البلاد ودينها؛

أما لماذا أحتكم اليوم إلى الأمة بالقانون الحالي مع عدم رضائي عنه فذلك لأن هذا قد صار هو السبيل الوحيد لتعلن الأمة بواسطته تأييدها لمصر الفتاة وبرنامجها" ولعل كل هذا التخبط الفكري محاولة لستر إعجابها بالديكتاتوريات القائمة متمثلة في إيطاليا وألمانيا في ذلك الوقت وإن كانت لا تود أن تصرح بذلك علانية.

وعلى الرغم مما كان يبدو في ذلك الوقت من تقارب بين أفكار مصر الفتاة وأفكار الفاشية، ولكن زعماء مصر الفتاة كانوا دائما يصرحون بأن الفاشية " بضاعة أجنبية" وهم يقاطعون البضائع الأجنبية، ذاكرين أن كل ما بينهم وبين الفاشية من شبه هو المظهر أي ارتداء القمصان على أنهم يرفضون حتى مجرد هذا ويرون أن القمصان عرفت في التاريخ قبل ظهور موسولينى وأن تحيتهم برفع اليد اليمنى هي تحية مصرية قديمة قبل أن تكون تحية رومانية.

ويصر زعماء مصر الفتاة على أنهم لا يقلدون موسولينى أو هتلر في حركتهما ، غذ أنهم يرون أن هناك فروقا كبيرة بين كل من إيطاليا وألمانيا وبين مصر، وأن الأنظمة السياسية كالنباتات، فما يصلح منها في بلد معين ربما لا يصلح في البلد الآخر، مؤكدين أن الفاشية الايطالية والألمانية مادية لا روحانية فيها أما كفاحهم فيغلب عليه الجانب الروحي، فهم مهتمون بالدعوة الدينية، ويرون في الفاشية أنظمة طغيان يعبد فيها الرئيس ويؤله، أما هم فإنهم يطيعون الرئيس ولكنهم لا يعبدونه.

ولعل هذا كان محاولة من جانب مصر الفتاة لإظهار الفروق بين أفكارهم وأفكار الفاشية وإن كانت لا تتسق مع ما أظهروه من إعجاب بالنظم الفاشية والنازية فيما بعد ومحاولتهم الأخذ بها وتطبيقها في مصر.

أدرك زعماء مصر الفتاة منذ البداية تقريبا أن وصف حركتهم على أنه صدى للحركات الفاشية في أوربا يعد سبة في جبينها، فأخذوا يبعدون عنهم هذا الوصف، ويحاولون دائما أن ينفوا كل علاقة لهم بالفاشية التي هي في رأيهم قمة التسلط الاستعماري، أما حركتهم ودعوتهم للشباب للتذرع بالقوة، فقد كانت لكي يكون قادرا على تحرير بلاده من ربقة الاستعمار، ولعل ذلك يوضح مدى الفارق الكبير بين الحركتين ، فإن كل جهاد في سبيل التحرر يعد حركة تقدمية .

ولكن وصف مصر الفتاة بالفاشية يغضبهم إلى حد كبير. وفى حقيقة الأمر هناك فوراق بين حركتهم وبين الفاشية إلا أن ذلك لا يمنع من أنهم أعجبوا بها إلى حد كبير، فقد أبدت مصر الفتاة إعجابها بكفاح كل من هتلر وموسولينى على صفحات جريدتها، فهي ترى أن هتلر هو منقذ ألمانيا وهو الزى أعادها إلى سابق قوتها ومجدها.

ولا شك أن مصر الفتاة قد أعجبت بأساليب الحكم النازي في ألمانيا، وكان لها اتصالات بإيطاليا الفاشية في الثلاثينات. وقد بلغ الإعجاب بأساليب الحكم النازي ذروته فاهتم زعماء مصر الفتاة بمؤتمر الحزب النازي الذي عقد في نورمبرج راللى الشهيرة في عام 1936 في محاولة منهم للبحث عن مناهج فكرية يمكن تطبيقها في مصر.

وبالرغم من أن ذلك يوضح إلى أي مدى كان إعجاب مصر الفتاة بالفكر الفاشي، إلا أنها تصر على نفى ذلك, وترى أن إعجابها وتأثرها إنما كان بحركات الاستقلال في أوربا وغيرها.

نددت مصر الفتاة بالسياسة الخارجية للدول الفاشية، وخاصة إيطاليا عندما تهدد بالاعتداء على مصالح المصريين، وإن كان ذلك لا يعنى عدم إعجابها بإيطاليا وبتجربتها الفاشية، ولعل هذا التنديد كان ستارا تخفى وراءه إعجابها بالفاشية، وبالرغم من كل هذا فإنها تصر على أنها لم تعجب بالفاشية ولم تقلدها؛

وإنما كانت تركز على أن أول الآثار التي انعكست على أفكارها لم تكن فاشية موسولينى وإنما كانت حركات الاستقلال في كل من أوربا وآسيا، فمن خلال كتابات أحمد حسين يتضح أن التأثير الأول الذي تأثر به لم يكن موسولينى وحركته، وإنما كانت حركة مازينى هي التي أثرت فيه؛

وفى سلسلة المقالات التي كتبها خلال رحلته لايطالي عام 1934 يتضح منها العداء "الهادئ" لموسولينى وللفاشية، وقد ادعى فيها أن من التقى بهم هناك " لا يوقرون ولا يحترمون موسولينى بالقدر الزى يتصوره الناس" ولكنهم أظهروا تعاطفا واحتراما كبيرا عند ذكر كل من مازينى وغاريبالدى .

وقد كانت تلك محاولة من جانب أحمد حسين ليحبك بها فكرته عن موسولينى ومهاجمته له، وقد ركز أحمد حسين على هذه النقطة عندما اتهمهم النحاس باشا بالعمالة لدولة أجنبية عام 1936 بقوله

" إن كفاح إيطاليا والمصريين؛وهذه البيانات التي أصدرها مازينى وكانت زاخرة بالإيمان والحماسة، والتي ملأت قلوب الشباب فئ إيطاليا، قد أذهلتني، فإن كفاحه فئ المجالين السياسي والاجتماعي كان من أجل إيطاليا الفتاة، والتي تعد مساهمة من جانبه فئ تكوين الوحدة الايطالية".

ولم تكن الوحدة الايطالية هي التي أثرت في كفاح أحمد حسين وفى بلورة أفكاره، فقد ذكر أيضا كفاح كل من ألمانيا وبولندا وأيرلندا في سبيل الاستقلال خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وكيف كانت نماذج ملهمة له في تفكيره من أجل البلاد والسعي لحصولها على الاستقلال، ولقد خلص إلى نتيجة مؤداها، أنه أصبح مؤمنا بأن الكفاح المستمر والإيمان العميق يؤديان إلى النجاة رغم أية صعوبات تعترض طريق الكفاح.

ولقد اهتم رجال مصر الفتاة بالكثير من حركات الاستقلال في العالم، ووجدوا فيها أمثلة يجب عليهم أن يحذوا حذوها، فقد مدح أحمد حسين كفاح بولندا في سبيل استقلالها، وفى عام 1937 كتب فتحي رضوان كتابه عن "ديفاليرا" والذي مدح فيه الأيرلنديين لخوضهم معركة ضد الإنجليز لم يشهدها التاريخ من قبل.

كذلك كانت حركة الاستقلال في الهند كمثال يحتذي خارج أوربا، مثار إعجاب من جانب مصر الفتاة، كما أوضحها فتحي رضوان في كتابه عن "غاندي" كذلك كانت اليابان الحديثة مثار إعجاب أيضا، فقد مدحها محمد صبيح في كتابه عنها ووصفها بأنها "دولة عظيمة" .

أما أحمد حسين فقد حاول عقد مقارنة بين تركيا الحديثة بعد حركة مصطفى كمال وبين إيطاليا وألمانيا فقال" إن كل الزى قلناه عن إيطاليا وألمانيا يمكن أن يقال عن دولة تركيا الشقيقة، لأن تركيا قد أفسدت واستبعدت يوما بعد آخر حتى ظهر مصطفى كمال، فحشد بعض الجماعات المتفرقة من الجيش التركي؛

وبدأ يحارب وأحرز النصر تلو النصر حتى هزم اليونانيين ، فانسحب الإنجليز والفرنسيون مذعورين، وهكذا حصلت تركيا على استقلالها وهى دولة قوية الآن، وعلى انجلترا أن تتودد إليها وتلاطفها، وقد سيقت نماذج الكفاح في ذكر هذه الحركات سالفة الذكر؛

وذلك من أجل أن تجد مصر لنفسها منهجا في النضال والكفاح يتيح لها أن تصبح قوية ويصبح على انجلترا أن تتودد إليها وتلاطفها أيضا، وهكذا كان إعجاب مصر الفتاة بحركات الاستقلال في العالم كأول المؤثرات على فكرها ، وإن كان هذا لا ينفى أنها أعجبت بالفاشية ومحاولة تقليدها واقتباس أساليبها ، وإن كان زعماؤها ما زالوا يصرون على رفض ذلك.

اهتم كتاب مصر الفتاة في منتصف الثلاثينات أن يظهروا حركتهم كحركة مصرية خالصة، وكيف أنها تختلف في النوع عن الحركات الأوربية المشابهة لها، فأظهروا أن جوهرها "روحي" مع أن الحركات الأوربية حركات "مادية" فنشروا عدة بيانات وتصريحات توضح أنهم ليسوا مقلدين للفاشية الأوربية، " كم يكون كفاحنا مختلفا عن كفاح كل من موسولينى أو هتلر، كم يكون الفرق كبيرا بين كفاح مصر الفتاة وكفاحهم.

وذلك لأنهم بدأوا كفاحهم بشد الجنود العاطلين، بينما مصر الفتاة عرفت مجدها التليد وأعدت له بالنضال . وهم يعتقدون أساسا في القوة المادية ونحن نعتقد أساسا في القوة الروحية والإيمان بالله وبالأديان ، فكفاحنا الروحي منبعث من الديانات والشريعة ومن الإيمان.

وتلك الحركات اعتمدت على القوة المادية، ولكن مصر الفتاة ليس لها جيش، ولكنها فقط إيمان شبابها وعزمهم على إنقاذ وطنهم والرغبة في إقامة الفضائل والأخلاق وبعثها من جديد" وهكذا نرى أن مصر الفتاة تحاول أن تبعد عن نفسها أية صلة بالفاشية الأوربية؛

ولكي تؤكد ذلك نشرت عدة مقالات عدائية ضد إيطاليا في منتصف الثلاثينات، وكان انطباع أحمد حسين المعادى إلى أبعد حد لإيطاليا الحديثة، بعد رحلته القصيرة إليها سنة 1934 حلقات في سلسلة محاولتها إخفاء إعجابها بالفاشية وقد جاء كتاب فتحي رضوان عن موسولينى عام 1937 تعبيرا عن هذه الفكرة التي رددها أحمد حسين بعد زيارته لإيطاليا.

ولكن كتاب فتحي رضوان عن موسولينى لا يعطى صورة واضحة عن موقف مصر الفتاة من الفاشية وإن كان قد أعطى صورة مفيدة عن الزعيم الايطالي. إلا أن ذلك الموقف يتضح بصورة جلية من مقال لحمادة الناحل عضو حزب مصر الفتاة في وقت إخراج الكتاب بعنوان " نؤمن بالثورة الإصلاحية".

كان مقال حمادة الناحل إعلانا من جانب مصر الفتاة بقبول الفاشية، فالمقال وإن وضعت مصر الفتاة تحفظا من جانبها يوضح مدى حرصها على إخفاء إعجابها بالفاشية فقالت " جاءتنا هذه المقالة من الأستاذ حمادة الناحل؛

ونحن ننشرها لما احتوته من أفكار وآراء جديرة بالاهتمام والتقدير، ولكن ليس يعنى نشرها أنها تعبر رسميا عن رأى الجريدة أو الحزب" والمقال يناقش وجهة نظر يوسف حلمي الذي نشر مقالا بمجلة " الكاتب " بعنوان " نؤمن بالديمقراطية وبممثلي مبادئها"

وقد رد عليه حمادة الناحل فهاجمه لإيمانه المطلق بأي شكل من أشكال الحكم بقوله:

" أنا لا أنعى على الصديق إيمانه بالديمقراطية وكفره بالديكتاتورية ، ولكن أنعى عليه أن يجيء إيمانه بالديمقراطية مطلقا من كل قيد، وأن يجيء كفره بالديكتاتورية عاما شاملا لا استثناء فيه" ثم شرع حمادة الناحل في مناقشة الموضوع، متخذا أسلوب الربط بين الجانب الانسانى والجانب السياسي.

وكانت أولى النقاط التي تناولها والتي عكست وجهة نظر مصر الفتاة في ضياع الوحدة الوطنية للبلاد، والتي تحطمت بفعل " المهاترات والخصومة الحزبية" بقوله " للديمقراطية أمراض فتاكة، قد تنشب جراثيمها أحيانا في جسم أمة من الأمم الديمقراطية فتفتك بع فتكا ذريعا ولا تلبث أن تأتى عليها. وأخص هذه الأمراض وأخطرها أثرا مرض الحزبية".

بعد أن فصل الناحل الحديث عن تلك الحالة المرضية للديمقراطية، ينتقد الديمقراطية ويرى أنها تميل إلى أن تتحكم الأغلبية وتستبد بالأقلية، ويرى فيها أيضا أنها ليست كفيلة دائما بحماية كرامة الفرد، وقد أعطى الناحل علاجا لهذه الحالة المرضية ولاستبداد الأغلبية بالحكم

فقال:

" إن الديمقراطية نوع من أنواع الترف وقد يكون الترف لذيذا وممتعا، ولكن ليس من شكك في أنه هدام، يغرى الجسم بالاستزادة منه، ويمعن بدوره فتكا وتمزيقا حتى يأتي على صاحبه، إن لم يلحقه ترياق النجاة ممثلا في الحزم يحمله طبيب ماهر، فيعمل مبضعه فإذا به يستطيع في معظم الأحوال أن يجرى عملية إعادة الشباب؛فيرد إلى الجسم الميت الحياة وتتم المعجزة، ذلك الطبيب الماهر هو الديكتاتور"

ثم بعد ذلك أعطى الناحل صورة لمنجزات الديكتاتوريين موسولينى وهتلر ، فهو يرى أن منجزات كل منهما لم تتسم فقط بالطابع المادي؛

بل كان لها طابع ذا صبغة روحية، فإن كل منهما قد ظهر عندما كانت بلاده تعانى من فقدان الروح الوطنية والانتكاسة الوطنية، وكل منهما استعاد لوطنه " الثقة بنفسه" كما يرى أيضا أن كل منهما قد حقق أماني كل من ألمانيا الناشئة وإيطاليا الناهضة.

وفى النهاية فإن كل منهما قد حمل إلى مواطنيه رسالة الكرامة الفردية فقال:

" وإذن فإن الكرامة الفردية في ألمانيا النازية أقوى وأبرز منها قبل الحكم النازي، والكرامة الفردية في إيطاليا الفاشستية أقوى وأبرز منها قبل الحكم الفاشستي".

وقد عبر حمادة الناحل عن وجهة نظره في ختام مقاله، بأن كل من الديمقراطية والديكتاتورية يمكن أن يكون نافعا لأمة من الأمم، طبقا لظروف الزمان والمكان الذي تعيش فيه، وقد تضمنت وجهة نظره هذه أن اختار لمصر في هذه الظروف التي تمر بها ذلك " الطبيب الماهر"

فقال أصدقاء الدكتاتورية على طول الخط، من غير حذر أو احتياط ، ولكنى من أنصار الثورة الإصلاحية العنيفة القوية السريعة العاجلة أيا كان حاملوا لوائها، فإن كانوا ديمقراطيين كما في انجلترا لأن بيئة الشعب تريد ذلك فمرحى بهم حكاما صالحين، وإن كانوا دكتاره كما في ألمانيا لأن بيئة الشعب تريد ذلك فمرحى به حكما نبيلا ساميا؛

على أنه يجب أن نقرر بأن الثورة في حاجة إلى قائد واحد، وإلا فسد أمرها واختلط الحابل بالنابل، أما مصر وحاجتها إلى الثورة ومن سوف يكونون حملة لوائها وكيف تتم فموعدنا به حديث مقبل إن شاء الله".

ولعل هذا المقال يعطى تصورا كيف أن حمادة الناحل، وهو في ذلك الوقت شخصية بارزة من شخصيات الحزب، وقد كان هو وبعض الأعضاء لهم تأثير كبير على قيادة الحزب القائمة في نشر مقالات عن الفاشية الأوربية، ويعبر أيضا عن رغبة ملحة في محاولة محاكاتها من جانب مصر الفتاة، وخاصة وبعد أن برز الجانب الديني في كفاح مصر الفتاة منذ أوائل عام 1938. ولعل هذا يوضح إلى أي مدى كان إعجاب مصر الفتاة بالفاشية الأوربية ومحاولتها تقليدها.

وفى أوائل عام 1938 بذلك مصر الفتاة جهودا كبيرة في شرح وتوضيح نظم الحكم الفاشية والنازية، فأبرزت أحاديث وخطب كل من موسولينى وهتلر، وكما أن عبد الرحمن بدوى رئيس مكتب الشئون الخارجية بالحزب، قد بدأ في كتابة تقارير عن السياسة الخارجية لكل من إيطاليا وألمانيا، نشرتها جريدة مصر الفتاة، وقد تطورت الأوضاع خطوات من إيطاليا وألمانيا؛

نشرتها جريدة مصر الفتاة، وقد تطورت الأوضاع خطوات أبعد من ذلك، فإن مصر الفتاة قد أصبحت أكثر رغبة في أن توحد بين نضالها، وبين نضال هذه الحركات الأوربية وخاصة ألمانيا، فاعترفت بأن برنامجها مستمد من تلك الحركات الأوربية.

ففي مقال عن اجتماعات " نورمبرج" اعترفت مصر الفتاة أنها تأمل أنتحقق في اجتماعاتها ما حققه النازيون من تنظيم دقيق في اجتماعاتهم وعندما أعلنت مصر الفتاة عن إقامة معسكر الصيف للشباب في عام 1938؛

ذكرت أن للفاشية الفضل في هذه الفكرة، وأن فكرة المعيشة في هذه المعسكرات قد استخدمت من جانب ألمانيا وإيطاليا من قبل. وكذلك تتضح الصورة في كتابات أحمد حسين عن الإعجاب بالفاشية، وبالرغم من أنه يحاول أن يظهر فروقا بين نضال مصر الفتاة " الروحي" وبين نضالهم، فأطرى كفاحهم كنموذج يحتذي ويستحق المحاكاة ففي أول حديث عام لأحمد حسين في أوائل عام 1938 مدح فيه كلا من إيطاليا وألمانيا.

كان مدح أحمد حسين للنظم الفاشية محاولة منه لأن يدعو شباب مصر الفتاة لمحاكاتها فقال

" أيها الشباب عليك أن تنظر إلى معجزة الايطاليين والألمان ، كيف أن الشباب في هاتين الأمتين كانوا قادرين على أن ينهضوا بأممهم من حالة الفقر إلى ذروة العظمة؛
فإيطاليا التي كانت علما على الفوضى السياسية والاجتماعية، أصبحت اليوم تعد من أقوى الدول في أوربا وألمانيا التي أعتقد أنها لن تقوم لها قائمة بعد ذلك، استردت اليوم مكانتها وأصبحت بلا منازع أقوى دولة في أوربا.
وهاتان المعجزتان قد حدثتا بالإيمان والثقة بأنفسهم، وهذا هو ما تدعوك مصر الفتاة إليه"

وهكذا يتناسى أحمد حسين ذكر الفروق التي ركز عليها من قبل، واعتبر كفاحهم كفاحا ماديا، وهو الآن يعتبره نضال " روحي" ويضرب على ذلك الوتر فيسوق أدلة مادية يرجع نجاحها إلى أسباب " روحية"

ففي حديث في 14 أبريل 1938 بدأ تقييمه لعظمة كل من ألمانيا وإيطاليا يأخذ شكلا ماديا، وكيف أن إيطاليا قبل موسولينى " كانت القطارات فيها لا تستخدم ولا تحترم استخدام جدولا زمنيا محددا" وجاء موسولينى وتولى الحكم، وفى ظرف عشر سنوات جعل إيطاليا أقوى دولة في حوض البحر المتوسط بلا منازع، وكيف أنها أصبحت نموذجا يحتسي؛

وأن ألمانيا قبل تولى هتلر الحكم، كانت قد خرجت من الحرب فاقدة الثقة في نفسها، وجاء هتلر فاغتصب السلطة فأصبحت مرة أخرى أقوى دولة في أوربا بلا شك، وأما أن هذين الديكتاتوريين قد قاما بإنجازات مادية رائعة فإن ذلك إنما يرجع في المقام الأول لأسباب روحية تلخصت في الإيمان العميق.

بلغ حديث الإعجاب بالفاشية والنازية ذروته خلال رحلة أحمد حسين في أوربا فئ عام 1938، وكان هدفه من تلك الرحلة دراسة مختلف الأنظمة السياسية والاجتماعية لبلاد أوربا، التي سوف يزورها، وقد تهيأ سلفا، فقال قبل أن يسافر " في إيطاليا وألمانيا سوف أشاهد المعجزات الرائعة التي نهضت بهاتين البلدين من العدم والموت إلى الحياة".

ولكننا نلمس أنه كان أكثر تأثرا مما شاهده في ألمانيا، فقد أرسل من هناك عدة مقالات كلها تتسم بالإعجاب بالنظام النازي، فكانت أولى هذه المقالات عن زيارته لمعسكرات العمل الصيفية التي أقامها الحزب النازي للشباب، والتي يعمل فيها الناس من كل " الطبقات" جنبا إلى جنب لا يهتمون بمركز أو تمييز طبقي، وقد طالب بأن يطبق هذا النظام داخل مصر بأن تقيم معسكرات عمل مماثلة؛

ومن ثم عرض " لجبهة العمل الألمانية" تحت رئاسة دكتور روبرت لي، وذكر أنها حلت مشكلة العمل الألمانية ، بتنظيم كل نواحي العامل الألماني الاقتصادية والاجتماعية بقوله

" ليس هناك قوة ولا عنف، ولا ضغط أو إكراه ولا استبداد ولا خداع في حل مشاكل الطبقات العاملة؛فقد حصلوا على أجورهم المناسبة ، فهم على ثقة من مركزهم وأن أحدا سوف لا يخدعهم لأن الدولة تشرف وتراقب كل شيء وتنظم كل شيء وتتدخل في كل شيء، ليس هناك شيوعية، لأنه ليس هناك كبير ولا صغير فكلهم أعضاء في هيئة واحدة، وكل عامل يعمل من أجل المصلحة العامة قبل مصلحته الشخصية".

وطالب أحمد حسين في ختام مقاله بضرورة اتباع النظام النازي في مجال العمل فقال " إنه عودة إلى المجتمع الإسلامى الحقيقي، حيث لم يكن هناك عامل وصاحب عمل، بل كانوا جميعا أخوة متعاونين معا" وقرر أنه بعد عودته إلى مصر سينادى بشرف وجلال العمل، والعمل على تنظيمه لجلب السعادة للعمال وإدماجهم في " جبهة متحدة".

وكان آخر مقال لأحمد حسين من ألمانيا في شكل وجهه إلى هتلر، وقد صور فيه الحياة على أنها صراع. وأنه يجب على الشعوب أن تكون قوية منظمة حتى تستطيع أن تسترد مكانتها وتزدهر من جديد، وذلك باستخدام الديكتاتورية كما في ألمانيا وقد بدأ الخطاب بالحديث عن منجزات هتلر الروحية فقال

" كم أنجزت أيها القائد في إعادة الروح إلى هذا الشعب العظيم، وأضعهم تحت قيادة واحدة، وراية واحدة، وخطة واحدة، خضت معهم المعارك ، معارك الحياة ككتلة واحدة، قويا قادرا على أن ترفع رأسها عالية، مليئة بالشرف والوقار، لم تقبل أي خطأ أو إهانة لنفسها، فأنت سيدها أولا وأخيرا، ودون أن تكون لأية قوة خارجية سلطة عليها".

وعندما تعرض أحمد حسين للحديث عن منجزات هتلر فقد أبرز تأثره بمقدرة الأمان على تعبئة الأمة داخليا، فقد قضى هتلر على البطالة ومنح العمال الأمن في عملهم ، وكذلك قضى على روح الحزبية والتناحر الحزبي، وفوق كل هذا فقد أنهى الصراع الطبقي، وجعل الأمة كلها ذات مشاعر واحدة.

وفى ختام خطابه مدح هتلر لقيامه بما كان هو نفسه يحاول القيام به وهو خلق جيل جديد قوى نشيط مؤهل لخوض نضال مستمر من أجل الأمة.

كان ما سبق أن ذكرناه عن ألمانيا كبير الشبه بما ذكره أحمد حسين عن إيطاليا، فإن موسولينى رصيد في الانجازات لا تقل أهمية عما أنجزه هتلر في المجال الصناعي، فقال " أن المسافر إلى إيطاليا أو ألمانيا اليوم يرى المصانع تعمل ليل نهار" .

وفى مجال إنجازات موسولينى فيما يختص بالطبقات العاملة فقد أطرى كفاحه في هذا الصدد فقال " إن العامل والفلاح في إيطاليا قد أصبحا يتبوآن المكانة الأولى في الاحترام والوقار في الدولة" .

ومن المؤكد أن رحلة أحمد حسين إلى أوربا كانت ذات أثر كبير عليه، لدرجة أنه عندما وصل إلى إيطاليا قادما من ألمانيا، وقبل أن يدرس النظم الإيطالية، فقد كان راغبا في إصدار تصريح يعبر عن قبوله للفاشية الأوربية كمثال مناسب وضروري لمصر ولحزبه لكي يتبعه ويقلده في المستقبل؛

فذكر أن مبادئ حزبه لا تتعارض مع كل مبادئ روما وبرلين، لأنه لا يعتبر كلا من موسولينى وهتلر "دكاتره" ، بل هم انعكاس لشعوبهم، فهم العنصر الأساسي لحياتهم وعظمتهم، وأن كل من ألمانيا وإيطاليا دولتان ديمقراطيتان في أوربا، وأن الدول الأخرى ما هي إلا منظمات برلمانية رأسمالية.

أما عن قبول النازية كفلسفة من جانب مصر الفتاة، فقد جاء ذلك عبر سلسلة مقالات نشرت في جريدتها ، وقام بإعدادها عبد الرحمن بدوى رئيس مكتب الشئون الخارجية بالحزب، وقد نشرت خلال شهري أغسطس وسبتمبر عام 1938، وبلا شك فقد جاء نشرها مطابقا لموقف أحمد حسين المتصاعد من نظم الحكم النازي، وذلك من خلال مقالاته التي بعث بها من ألمانيا، والتي عبرت عن مدى فعالية النواحي الاجتماعية في النظام النازي.

فجاءت مقالات عبد الرحمن بدوى تتمة لموقف أحمد حسين من النازية، إذ حاول بدوى أن يلخص فلسفة الحكم النازي لأعضاء مصر الفتاة، وقد كانت السمة البارزة في هذه المقالات هو قبول عبد الرحمن بدوى لمبادئ النازية ومنها مبدأ التمييز العنصري (العرقية) ففي مقالته الأولى عن " نظرية العمل النازية"

فقد قبل دعوى النازية في معاملة الطبقات العاملة وقال أنها تسمو عن الإشتراكية التي تركز على المادية فحسب فقال" بينما الإشتراكية الماركسية تقوم أساسا على الرفاهية والرخاء المادي، فإنها نظرة مادية للحياة؛ولكن النازية ترى أن الفرد هو موضوع واقع روحي نبيل يسمو فوق كل الأفراد أو فوق أي جماعة أخرى"

وفى مقالته يشرح هذا الواقع الروحي فيذكر أنه هو الجنس وبعد استعراض نظريات العنصرية (العرقية) للنازية، ومناقشة أصولها مع كل من جوبينو و هوستون ستيوارت تشمبرلن تحدث عن مذهب العنصرية في ألمانيا الحديثة؛

فقرر أن " هتلر لم يجد طريقا أحسن من طريق العنصرية ليعيد الروح إلى الشعب الألماني" وقبول مذهب العنصرية جاء من جانبه كمحاولة للدفاع عن شرعية استخدامه في ألمانيا فقال " إن الفرد جزء من الجنس الذي لا يمكنه أن يفصل عنه. فدمه جزء من دم جنسه ، لذلك فإن صلته بالجنس رباط لا يمكن فصمه إلا بصعوبة شديدة، فإنه لا حياة للفرد خارج نطاق جنسه".

وبعد اعتماد وجهة النظر النازية فيما يختص بالجنس ، جاء اعتماد وجهه نظرهم فيما يتعلق بالديكتاتور اثني على هتلر ووصفه بأنه " ديمقراطي" حقيقة لأنه يناسب وحده وبصفة خاصة طبيعة الشعب الألماني فقال

" هذه هي الديمقراطية الحقيقية التي تتميز عن هذه البرلمانات الهزلية التي يدعون أنها دول ديمقراطية ويتفاخرون بها، هذه الدول التي تتاجر بالكلمات ...
هذه النظرية التي أوجدها النازيون والتي تتبعها الدول النازية هي النظام الوحيد الذي ينسجم مع روح الشعب الألماني، وذلك لأنها تقوم على عاملين رئيسيين أولهما: الإخلاص غير المحدود وثانيهما المسئولية الكاملة وهذان العاملان هما الصفات المميزة التي تناسب الجنس الألماني تماما"

وجاءت مقالته الأخيرة عن المميزة التي تناسب الجنس الألماني تماما" وجاءت مقالته الأخيرة عن مكانة الحزب النازي في ألمانيا ، فعاد إلى فكرة المبدأ الجدلي للنازيين على أنهم أقاموا " فرضية جديدة" بين " الفرضية " وما هو " ضد الفرضية"؛

وقال أن مؤيدي "الفرضية" هم الشعب وأن من هم ضد "الفرضية" هي الدولة فقال" إن النازيين قادرون على أن يزيلوا الخلاف بين الشعب والدولة وأن يوجدوا بينهم صلة أبدية، وذلك بواسطة العامل الثالث الذي خلقوه، وهذا هو العنصر حديث الجسد الأصلي (الشعب والدولة) فقد تفاعلا حيث ربطهما سويا وهذا العنصر هو " الفرضية الجديدة" التي وجدها التناقض بين " الفرضية و" ضد الفرضية" وهذا العنصر الثالث هو الحزب.

وأخيرا فإن مقالات أحمد حسين الوصفية التصويرية ، وتحليل عبد الرحمن بدوى يبرزان مدى إعجاب وافتتان مصر الفتاة الفكري بالفاشية الأوربية. ومنذ شهر سبتمبر 1938 فصاعدا، فإن موقف مصر الفتاة قد تأثر تدريجيا بتهديد الفاشيست " للدول الصغيرة" وللسلام العالمي فأصبحت وجهة نظرها معادية للسياسة الفاشية وذات صبغة عدائية متزايدة؛

ولكن رد الفعل هذا لم يكن واضحا وضوحا كافيا في مجال نشاط الحزب السياسي، بالرغم من مهاجمة الفاشيست لأنهم هددوا مصالح مصر، إلا أن ألمانيا وإيطاليا صرحا بأنهما يوفقان بين ما يمكن أن يسمى حق الحياة، فقد مدح فتحي رضوان هتلر لأنه يعرف أن السياسة مليئة بالخداع وذات وجهين، وإيطاليا رحب بها أحمد حسين لأن أعمالها قضت على كل تردد وكل خداع وكل مصادرة للأحلام ، حلم المعاهدات والصداقة.

أما عن الأثر الذي أحدثه الإعجاب بالفاشية كنظام سياسي على الأوضاع الداخلية لمصر الفتاة، فإن اهتمامها صار منصبا على موضوعين هامين هما موضوع الثورة كأسلوب اعتنقته مصر الفتاة مذ البداية، وكوسيلة لتغيير نظام الحكم القائم في مصر؛

وقد أكد أحمد حسين على هذين الموضوعين في أول حديث له بعد عودته من أوربا في عام 1938، ففيما يختص بنظام الحكم فإنه لم يستخدم كلمة "الثورة" ولكن بلا ريب وعلى وجه التحديد فقد هاجم نظام الحكم المصري القائم بكل عنف وقوة، وطالب بتغييره على أن يحل محله نظام الحكم المطلقين رافضا أن يعترف بلى تتميز أو اختلاف قانوني بين النظامين فقال

" أن لا أعرف ما هي الديمقراطية ولا أعرف ماذا تكون الديكتاتورية، ولكنى أعرف شيئا واحدا وهو الحكم الذي يقوم على خدمة الشعب، والحكومة التي تعمل على رفع مستوى معيشة الطبقات العاملة، نرضى عن أي حكم التي يعمل على ازدياد سلطة الشعب، أي حكم يهتم بمستوى معيشة الشعب، أي حكم يحرص على صحة الشعب، هذا هو الحكم الذي نرضى عنه، والذي سوف أتحالف معه، في حين أن كلمات الديمقراطية والديكتاتورية ، ما ها إلا إصلاحات سياسية استخدمت لأغراض سياسية كدعاية من دولة ضد دولة أخرى من أجل كسب لها.

وعندما تعرض أحمد حسين لمناقشة القضايا الداخلية لنظام الحكم، فقد أعلن رفضه الصريح للنظام البرلماني السائد في مصر، وأعلن كذلك أنه إذا كان البرلمان عقبة في سبيل تحقيق خطته التي أعلنها بعد عودته من أوربا، فإنه لن يتردد في القضاء على النظام القائم من أجل تحقيق خطته وبرنامجه فقال" نحن لن نسمح لأي نظام مهما كان، أي هيئة أو أي فرد أو أية قوة أن تقف في طريق تحقيق هذا البرنامج، فإذا ساعدنا البرلمان على تحقيقه فسوف نكون راضين تحقيقه، عند ذلك قل عنى أنني سوف أكون البادئ بالعدوان على البرلمان ، لأنني سوف أهاجمه وأقضى عليه.

وفيما يختص بموضوع العدالة الاجتماعية فقد طالب أحمد حسين البرلمان يساعده في تحقيقها، وحقيقة الأمر أن برنامج مصر الفتاة بعد عودة أحمد حسين من رحلته إلى أوربا، كان متسما بطلب العدالة الاجتماعية بإلحاح؛

وكذلك اتصف بإلحاح شديد لإلغاء التمييز بين الطبقات، وينم عن صرخة مدوية من أجل تحقيق المساواة التامة، ويعد في نفس الوقت دعوة إلى ثورة اجتماعية في مصر، وحتى قبل عودة أحمد حسين من أوربا فقد أنذر وحذر من أن حركته سوف تلجأ إلى "ثورة" من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية إذا تطلب الأمر فصرح بأنه ينادى بالعدالة الاجتماعية من أجل الطبقات الكادحة

فقال

".. إن كل الشباب معنا، هذا بالإضافة إلى أن كل الطبقات الكادحة من الشعب وهى أغلبية في مصر معنا أيضا. ونحن لا ننوى الثورة ولكننا سوف نلجأ إليها إذا وجدنا أية مساومة أو مناورة أو خداع يعمل على الإقلال من حرية البلاد أو من حقوق شعبها" .

ومع إعادة تنظيم الحزب على أسس جديدة في نهاية عام 1938، وضرورة أن يكون أعضائه مجاهدين فإنه قد صار أكثر اقتناعا بوسائل الحكم المطلق فيما بعد، فإن نشاط الحزب وثورته خلال عام 1939 قد تحولت لتصبح انهماكا في مسائل تافهة قليلة الأهمية تتسم بطابع العنف الساذج، فتمثل في مهاجمة وتحطيم الحانات، وتوجيه حملة سياسية واجتماعية ضد اليهود؛

وكلا الأمرين انتهى بالفشل والهزيمة وهزيمة "الثورة" وأصبح الحزب وجهة نظرها معادية للسياسة الفاشية وذات صبغة عدائية متزايدة، ولكن رد الفعل هذا لم يكن واضحا كافيا في مجال نشاط الحزب السياسي، بالرغم من مهاجمة الفاشيست لأنهم هددوا مصالح مصر، إلا أن ألمانيا وإيطاليا صرحا بأنهما يوفقان بين ما يمكن أن يسمى حق الحياة، فقد مدح فتحي رضوان هتلر لأنه يعرف أن السياسة مليئة بالخداع وذات وجهين ، وإيطاليا رحب بها أحمد حسين لأن أعمالها قضت على كل تردد وكل خداع وكل مصادرة للأحلام ، حلم المعاهدات والصداقة .

أما عن الأثر الذي أحدثه الإعجاب بالفاشية كنظام سياسي على الأوضاع الداخلية لمصر الفتاة، فإن اهتمامها صار منصبا على موضوعين هامين هما موضوع الثورة كأسلوب اعتنقته مصر الفتاة منذ البداية، وكوسيلة لتغيير نظام الحكم القائم في مصر، وموضوع العدالة الاجتماعية وضرورة تحقيقها بين كل أفراد الشعب وقد أكد أحمد حسين على هذين الموضوعين في أول حديث له بعد عودته من أوربا في عام 1938؛

ففيما يختص بنظام الحكم فإنه لم يستخدم كلمة "الثورة" ولكن بلا ريب وعلى وجه التحديد فقد هاجم نظام الحكم المصري القائم بكل عنف وقوة، وطالب بتغييره على أن يحل محله نظام الحكم المطلق، رافضا أن يعترف بأي تتميز أو اختلاف قانوني بين النظامين فقال" أنا لا أعرف ما ها الديمقراطية ولا أعرف ماذا على خدمة الشعب؛

والحكومة التي تعمل على رفع مستوى معيشة الطبقات العاملة، نرضى عن أي حكم يعمل على ازدياد سلطة الشعب، أي حكم يهتم بمستوى معيشة الشعب، أي حكم يحرص على صحة الشعب، هذا هو الحكم الذي نرضى عنه، والذي سوف أتحالف معه، في حين أن كلمات الديمقراطية والديكتاتورية ، ما ها إلا إصلاحات سياسية استخدمت لأغراض سياسة كدعاية من دولة ضد دولة أخرى من أجل كسب لها.

وعندما تعرض أحمد حسين لمناقشة القضايا الداخلية لنظام الحكم، فقد أعلن رفضه الصريح للنظام البرلماني السائد في مصر ، وأعلن كذلك أنه إذا كان البرلمان عقبة في سبيل تحقيق خطته التي أعلنها بعد عودته من أوربا، فإنه لن يتردد في القضاء على النظام القائم من أجل تحقيق خطته وبرنامجه فقال

" نحن لن نسمح لأي نظام مهما كان، أي هيئة أو أي فرد أو أية قوة أن تقف في طريق تحقيق هذا البرنامج، فإذا ساعدنا البرلمان على تحقيقه فسوف نكون راضين عنه، أما إذا لم يسهم بنصيب في تنفيذه ، ووقف عقبة في طريق تحقيقه، عند ذلك قل عنى أنني سوف أكون البادئ بالعدوان على البرلمان ، لأنني سوف أهاجمه وأقضى عليه.

وفيما يختص بموضوع العدالة الاجتماعية فقد طالب أحمد حسين البرلمان بأن يساعده في تحقيقها. وحقيقة الأمر أن برنامج مصر الفتاة بعد عودة أحمد حسين من رحلته إلى أوربا، كان متسما بطلب العدالة الاجتماعية بإلحاح، وكذلك اتصف بإلحاح شديد لإلغاء التمييز بين الطبقات، وينم عن صرخة مدوية من أجل تحقيق المساواة التامة، ويعد في نفس الوقت دعوة إلى ثورة اجتماعية في مصر.

وحتى قبل عودة أحمد حسين من أوربا فقد انذر وحذر من أن حركته تلجأ إلى " ثورة" من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية إذا تطلب الأمر فصرح بأنه ينادى بالعدالة الاجتماعية من أجل الطبقات الكادحة

فقال

" .. إن كل الشباب معنا، هذا بالإضافة إلى أن كل الطبقات الكادحة من الشعب وهى أغلبية في مصر معنا أيضا . ونحن لا ننوى الثورة ولكننا سوف نلجأ إليها إذا وجدنا أية مساومة أو مناورة أو خداع يعمل على الإقلال من حرية البلاد أو من حقوق شعبها".

ومع إعادة تنظيم الحزب على أسس جديدة في نهاية عام 1938، وضرورة أن يكون كل أعضائه مجاهدين فإنه قد صار أكثر اقتناعا بوسائل الحكم المطلق فيما بعد، فإن نشاط الحزب وثورته خلال عام 1939 قد تحولت لتصبح انهماكا في مسائل تافهة قليلة الأهمية تتسم بطابع العنف الساذج؛

فتمثل في مهاجمة وتحطيم الحانات، وتوجيه حملة سياسية واجتماعية ضد اليهود ، وكلا الأمرين انتهى بالفشل والهزيمة " الثورة " وأصبح الحزب مضطرا أن يوقف كلا النشاطين، وهى أحداث تافهة في تقييم أيديولوجية الحركة.

وبالرغم من أن الحزب قد أعلن بعد ذلك، أن سياسته هي إنكار الديكتاتورية والإيمان بالديمقراطية، فقال أحمد حسين " أن وسيلتنا لتحقيق أهدافنا أن نقتحم أية انتخابات تجرى" وتلك تصريحات تدل على الفشل في "الثورة" فضلا عن الاعتقاد الفكري في الديمقراطية ، ففي أواخر 1938 قررت مصر الفتاة أن الديمقراطية ترف ورفاهية لمصر، ولكن الأمراض الاجتماعية والاقتصادية للبلاد لها الأولوية في الاهتمام، ويمكن معالجتها بطريقة أحسن بواسطة هذا "الطبيب الماهر" وهو الحاكم المطلق المستبد.

وهكذا يتضح لنا أن مصر الفتاة قد أعجبت بالفاشية الأوربية، وحاولت تطبيقها داخل المجتمع المصري كنموذج يحتذي ، وإن جاءت الصورة عند التطبيق ممسوخا مشوها للفاشية ، فالمجتمع المصري بطبيعة تكوينه وظروفه لم يتقبل تلك الأفكار بدرجة كبيرة ، لذلك لم تلق هذه الحركات رواجا أو نجاحا ماديا كان أو معنويا وإنما كانت الفاشية في مصر أو في غيرها ظاهرة عابرة في التاريخ، فقد كانت موجة فكرية ظهرت في أوربا وانتشرت منها إلى خارج تلك القارة، ثم اختفت مع أول مواجهة حقيقية مع القوى الديمقراطية.

عندما ظهرت بعض القوى في أوربا، وكرست نفسها لتأييد نظريات وسياسات ضد الديمقراطية الدستورية، كان لهذه النظريات و السياسات صدى فيما وراء هذه القارة.

ولقد أظهر النجاح المؤقت لكل من الفاشية والنازية أن الديمقراطيات الأوربية تعتبر أمة حكم ضعيفة، تقوضت دعائمها كأنظمة للحكم يمكن اتخاذها خار أوربا.

ولكن كانت أنظمة الحكم الفاشية هي مثار الإعجاب خارج أوربا، فقد تأثرت مصر بها، وشاركت في الاعتقاد بأسلوب العنف، واستخدام القوة من أجل تحقيق غايات سياسية .

ولم تكن مصر وحدها هي التي اتخذت ذلك الأسلوب، ولكننا نجد أن ظروف سوريا ولبنان كانت أدعى لوجوده، فقد حاولت حركة " الكشافة" في سوريا أن ـاخذ بالأفكار الفاشية، فأقامت " القمصان الحديدة" بزعامة منير العجلانى، و " عصبة العمل القومي" برئاسة " الأتاسى بك" والوحدة اللبنانية بزعامة توفيق أحمد، و" الكتائب اللبنانية" بزعامة شارل عمون الذي حاول أن يسمح لكل الأفراد من مختلف الأديان أن تشترك في كادرات الحزب، وكان ذلك من جانبه كي يعمل ضد " الحزب القومي السوري" برئاسة انطون سعاده، ويعد الحزب القومي السوري أكثر المجموعات تطرفا في المنطقة.

كذلك ظهر حزب "الفتوة" في العراق هذا ولم تعدم مصر الفتاة الاتصال بتلك الحركات فقد حاولت ذلك. فقد كان هناك تشابه في الأفكار بينهم جميعا وعلى الأخص كان للحزب القومي السوري، الذي كان يعمل على توحيد البلاد السورية من جبال طوروس حتى صحراء سيناء، والعمل على إعلاء شأن الوطن.

وقد رحبت به مصر الفتاة عند إنشائه واعتبرت ذلك سريانا لمبادئها في سوريا. كان لانتشار الفاشية في أوربا وخارجها ردود فعل قوية لدى أنظمة الحكم الديمقراطية، ففي مصر كان رد الفعل في شكل تساؤل، فنشرت جريدة الأهرام مقالا بعنوان "هل أفلست الديمقراطية"

جاء فيه

" نسأل هذا السؤال لا لضعف إيمان بها، ولكن ذلك لأننا نجد أن الأمم الغربية يتلو بعضها بعضا في نبذ النظام الديمقراطي، والتحول عنه إلى ضروب من الديكتاتورية تختلف في صورها ولا تتفاوت في جوهرها"

ويتناول المقال الأسباب التي أدت إلى نجاح أنظمة الحكم الفاشية بقوله

" إن الأسباب التي سهلت قيام الدكتاتورية الحركات الشيوعية التي فشت بعد الحرب (الأولى) في أمم الغرب وأشاعت الاضطراب والفوضى في صناعتها وتجارتها وحياتها الاقتصادية على العموم، لأنها وجدت مقاومة فوقع التصادم والاضطراب فلما طال هذا حصل رد الفعل الطبيعي، والشيوعية في إيطاليا هي التي أدت بما أحدثت من الاضطراب إلى قيام الفاشية"

وقد تنبأ المقال بانهيار تلك النظم فقال

" وهذه كلها أعراض في حياة الأمم قد تثبت وقد تزول ، والديكتاتورية نظام معوله على القوى فإذا خلفه ضعيف انهالت وتهدمت" .

وكما ذكرنا فإن هذا الانتشار وهذا النجاح الذي حققته الفاشية مهما تكن أسبابه، فإنها قد انتشرت خارج أوربا، وكانت موجة الإعجاب بها قوية والحماس لها كان شديدا، حتى أن بعض الأحزاب التي تمثل الديمقراطية الليبرالية أخذت بأساليبها؛

فقد أخذ "حزب الوفد" ببعض أساليبها، وتمثل ذلك في استحداثه تشكيلات القمصان الزرقاء، ورفعه شعارا فاشيا بحتا " الأمة المسلحة" وكلاهما سواء كان المظهر الخارجي، أو الفكر فإنهما مستمدان من أصول فاشية، فجاءت صورة ممسوخة من النظام الفاشي الايطالي. هذا وإن كانت التشكيلات شبه العسكرية ، سواء مصر الفتاة بقمصانها الخضراء أو الوفد بقمصانه الزرقاء، يرفضان أن يوصفا بالفاشية.

رفض حزب الوفد أن تكون تشكيلاته فاشية، كما رفضت مصر الفتاة ذلك من قبل، ففي مؤتمر الشبان الوفديين الزى عقد بمدينة الإسكندرية يوم 19 يناير 1936، أي بعد إنشاء فرق القمصان الزرقاء بأسبوعين فقد، تصدى ممدوح رياض رئيس المؤتمر لشرح أوجه الخلاف بين حركتهم والحركات الأوربية المشابهة فقال" أن نظام هذه الأمم يقوم على تدعيم الفكرة الديكتاتورية أو الأوتوكراتية ويقصد إلى تأييد السلطة الفردية؛

بينما النظام في بلادنا إن تم له النجاح فسيكون من أهم أغراضه، ما كان من بواعث وجوده وهو تدعيم روح الديمقراطية والسهر على صيانة الحياة الدستورية الحقة التي تكفل حرية الفرد في المجموع وقانونية النيابة عن الفرد. ولقد ساق ممدوح رياض أن من أسباب إقامة هذه الفرق، " تدعيم روح الديمقراطية والسهر على صيانة الحياة الدستورية"

وقد ردد الدكتور عبد العظيم رمضان هذه المعاني بقوله:

" إذا كان النظام الدستوري المصري مفتقرا إلى الضمانات الدستورية، فإن توفير الحماية له بأي شكل حتى ولو كان هذا الشكل يحمل ملامح فاشية ونازية، يعتبر من وجهة نظرنا لا غبار عليه لاستقرار الحياة الدستورية نفسها، حتى تتولى التشريعات أداء هذا الدور وفى كلا الرأيين غرابة، فكيف يمكن أن تدعم الديمقراطية وأن تصان الحياة الدستورية بأساليب فاشية، تؤمن بالعنف وباستخدام القوة؟
إن الديمقراطية وأساليبها لا يمكن أن تتوف لها الحماية إلا بوسائل ديمقراطية بحتة، أما التصدي لهذا الموضوع من جانب الدكتور عبد العظيم رمضان مرددا ما قاله زهير صبري في محاولته تبرير مسلك الوفد في إنشاء هذه الفرق ذات الصبغة الفاشية، والقول بأنها لصيانة الحياة الدستورية وتدعيم الديمقراطية فقول يخالف المنطق وطبائع الأشياء؛
فالديمقراطية أساليبها ووسائلها التي تحمى وجودها وتدعم فكرتها، فهو في هذا يبرر أن يقيم الوفد تشكيلات شبه عسكرية لها صبغة فاشية، وفى نفس الوقت ينكر على مصر الفتاة أن تقيم مثل هذه التشكيلات، ويهاجمها رغم ما بينهما من فوارق في تركيبها
وعلى أية حال فإذا فهم أن تستهوى المثل النازية والفاشية بعض الشباب فينشئوا ما يشبهها، فلم يكن مقبولا من الحكومة الدستورية التي تستند إلى أغلبية برلمانية كبيرة أن تواجه الانحراف بانحراف مثله، فتفضي من حيث لا تدرى صفة الشرعية أو الإقرار الضمني على تشكيلات مصر الفتاة.
وحقيقة الأمر أن مداعبة الأفكار الفاشية من كلا الفريقين مصر الفتاة والوفد وغيرهما كان أمرا غير مقبول ، ولكن الكيل بمكيالين أمر مرفوض تماما، إلى جانب أن الموضوعية تقتضيا ألا نقر تصرفا من جانب ونستنكره من الجانب الآخر ونحاول التبرير، ولكنه يمكن القول بأن التجربة الدستورية التي مرت بها مصر لم تتعمق جذورها بعد، فأصبحت عرضة لهزات عنيفة ألمت بها؛
وأنه لرسوخ الإيمان بالديمقراطية ووسائلها فإن ذلك يتطلب وقتا طويلا حتى ترسخ هذه التقاليد وتتأصل في نفوس الجماهير،ولعل تاريخ الديمقراطية في معظم دول العالم يؤكد تلك الحقيقة، فليس هناك من خطر على الديمقراطية لتعرضها لهزات، ولكن ذلك ربما يكسبها قوة وصلابة، ويزيد الإيمان بها ويوطد فكرتها، وليس أن تدعم وتصان بأساليب فاشية، وفى وقت لم تكن فيه التشريعات ناقصة وعاجزة عن القيام بصيانة الحياة الدستورية وتدعيم الديمقراطية فالتشريعات قائمة وكافية.
أما عن مصر الفتاة والفكرة العربية وهى الحلقة الثانية في سلسلة أفكارها ذات الحلقات الثلاث فإننا نجد أنها هي الوحيدة التي تبنت منذ قيامها تلك الفكرة، فنادت بتوحيد البلاد العربية، أما ما عداها من الأحزاب السياسية فلم تتضمن برامجها قبل صدور تصريح إيدن وظهور فكرة إقامة جامعة الدول العربية ، ما يشير إلى تبنيها لفكرة عربية على أي مستوى من المستويات.
وكان اعتناق مصر الفتاة لفكرة العروبة يعد انقلابا فكريا طرأ على فكر أحمد حسين وإن لم يكن انقلابا أصيلا في تفكيره فقد جاء اعتناقه للفكرة العربية من واقع التطبيق العملي ، حيث تبين له أن الأخذ بالفرعونية وكان مشجعا لها في البداية- صعب التحقيق ومخالف لطبيعة التطور، فليس من السهل استخدام لغة الفراعنة، والأخذ بعاداتهم وتقاليدهم واعتناق ديانتهم."

إذن وضع الأمر بهذه الصورة من جانب أحمد حسين معناه أنه ليس هناك من طريق سوى الأخذ بالفكرة العربية وبدأ يهاجم الفرعونية على أنها تباعد ني المصريين، وبين خمسين مليون عربي، وهو يرى أن هذا العصر هو عصر الكتل الكبرى، فنادى منذ وقت مبكر بالوحدة العربية، فما هو مفهوم هذه الوحدة لدى مصر الفتاة؟

أشار برنامج جمعية مصر الفتاة عام 1933 إلى قيام تحالف بين الدول العربية ولكن ذلك البرنامج لم يحدد نوعية هذا الحلف، ولم يحدد الخطوات التي يمكن عن طريقها تحقيق هذا التحالف، ولم يرسم حتى مجرد الخطوط العريضة لتنفيذ فكرته هذه .

أما برنامج " الحزب الوطني الإسلامى" في عام 1940 فقد أشار إلى الوحدة العربية إشارة صريحة بحيث يتم توحيد الأمم العربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتشريعيا وتحريرها من كل نفوذ أو سيطرة أجنبية.

كما حدد البرنامج الأسس التي تقوم عليها الوحدة العربية بقول" لكي تتحقق الوحدة العربية لابد من الوصول إليها في خطوات تتم بالاتفاق مع الدول العربية الأخرى فيما يلي:

أولا: مكافحة الاستعمار في جميع صوره لأي قسم من أقسام البلاد العربية.
ثانيا: تخفيض الحواجز الجمركية بين البلاد العربية وإلغاء التأشيرات على جوازات السفر.
ثالثا: تقرير سياسة التفضيل لمنتجات الدول العربية. فتخفض الضرائب الجمركية إلى أدنى حد ثم تلغى هذه الحواجز بصفة نهائية.
رابعا: توحيد مناهج التعليم الأساسية.
خامسا: توحيد القوانين الأساسية المستمدة من الشريعة الإسلامية في جميع البلاد العربية.
سادسا: الارتباط مع الدول العربية في معاهدات دفاعية، يكون من أركانها تبادل المعلومات والبيانات العسكرية والاتفاق على السياسة الخارجية وتوحيدها.

وعلى ذلك ، فإن النظام الذي سيكون عليه الاتحاد العربي، هو أن تحتفظ كل دولة باستقلالها الداخلي، وأن يبقى لها نظام حكمها الذي اختارته لنفسها، على أن يتولى التنسيق والتخطيط للمسائل المتفق عليها، وهى السياسة الخارجية والتعليم والدفاع مجلس مشترك بين جميع الدول يضم أعضاء توفد بهم هذه البلاد ليبحثوا ويقرروا ، ويذكر أحمد حسين أن ذلك النظام ليس عجيبا ولا شاذا وإنما هو مطبق في الولايات المتحدة.

وعلى كل حال، فإن مفهوم مصر الفتاة للوحدة العربية لم يتحدد بهذه الصورة إلا في عام 1940، وقد يبدو أن فكرة الوحدة العربية تتناقض مع غرض مصر الفتاة الأول وهو " تحقيق مجد الوطن بتحرير وادي النيل من منبعه حتى مصبه"

لأن وادي النيل من منبعه حتى مصبه يضم قوميات مختلفة وأجناسا متعددة تتعارض قوميتها جذريا مع القومية العربية وعلى الرغم من تحديد النقاط التي يتم فيها التحالف وبيان الوسيلة لتحقيقها، فإن فكرة القومية المصرية التي آمنت بها مصر الفتاة منذ إيمانها بمجد مصر، ظلت غالبة على أفكار مصر الفتاة ومنها فكرة الوحدة العربية.

لا يمكن أن يفهم من مواد برنامج 1940 التي نصت على " الوحدة العربية" أن مصر الفتاة تخلت عن فكرة القومية المصرية كمبدأ أساسي من مبادئها انعكس على نشاطها، فإنه لا يوجد نصر في البرنامج أو حتى مجرد عبارة بلاغية توضح أن هناك نوعا " للمواطنة" يوضح أن العرب ط أمة واحدة" فقد ظل رجال مصر يعتبرون مصر كما كانت سابقا ذات كيان قائم بنفسه.

إلا أن المبادئ العشرة التي أصبحت مباىء الحزب الوطني الإسلامى في عام 1941 فقد وجد بها تغيير في الألفاظ فقط يعبر عن ارتباط الحزب المتزايد بفكرة العروبة والارتباط الأبدي مع العالم الإسلامى، فنص المبدأ الثامن منها على " بلادك هي مصر والسودان لا ينفصلان ولا يتجزآن ووطنك هو جميع الأقطار العربية والإسلامية".

أما بقية المبادئ في تختلف كثيرا عما جاء في برنامج 1933، فجاء المبدأ العاشر منها يبلور نفس الأفكار " ولتكن غايتك أن تصبح مصر دولة متحدة تحرر الوطن الإسلامى ، وتعيد مجد الإسلام، وترفع لواءه في أنحاء العالمين" وهكذا فقد ظلت فكرة القومية المصرية لدى مصر الفتاة طاغية على فكرها كما كانت في برنامج 1933؛

وعلى الرغم من أنها قد خطت عدة خطوات على طريق الوحدة العربية، منها أن أصدرت قرارا نصر على :" يقرر الحزب أن سياسة مصر القومية يجب أن تندفع في الوقت الحاضر نحو تعزيز الوحدة العربية والمساهمة في تحرير الدول الإسلامية".

وعلى طريق الوحدة العربية، فقد حاولت مصر الفتاة إقامة علاقات وثيقة بينها وبين الدول العربية ، فقد أعلنت جريدتها عن رغبتها في أن يكون لها مراسلون لدى الدول العربية في عام 1939، كما أعلنت عن رغبتها في أنها ستحاول إقامة علاقات بين كل الهيئات المصرية مع زميلاتها في الدول العربية؛

ذلك لكي ينسقوا معا وضع خطة مفصلة مدروسة للعمل على مقاطعة التجار اليهود الذين بدأت مصر في مقاطعتهم وكان ذلك ردا على موقف الصهيونية العالمية من فلسطين في منتصف 1939.

وبالرغم من أن قيام الحرب قد أحبط هذه الرغبة، ولكن بعد ذلك بعام أرسلت مصر الفتاة مصطفى الوكيل إلى العراق بهدف توثيق العلاقات مع سائر الدول العربية.

ولكن الذي يلفت النظر في الأيديولوجيات المصرية المعاصرة في ذلك الوقت هو الخلط بين فكرتي العروبة والإسلام لدى كل المفكرين تقريبا، ولدى مصر الفتاة أيضا.

إن اهتمام مصر الفتاة المتزايد بفلسطين ولفت الأنظار إلى الخطر الذي يتهدد العالم العربي من جراء ازدياد حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، كان ذلك إيذانا بأن توالى جريدة مصر الفتاة نشر العديد من المقالات عن فلسطين في أواخر الثلاثينات يتضح منها مدى الخلط الفكري لدى مصر الفتاة بين فكرتي العروبة والإسلام؛

فقد ذكرت الجريدة أن اهتمامها بفلسطين إنما يرجع إلى " أن مصر مهتمة بفلسطين كزعيمة للعالم العربي والعالم الإسلامى" وليست كزعيمة لأحدهما ولكن كزعيمة للاثنين معا، كما أن الأهداف العشرة التي سبق أن تناولناها وهى تحت عنوان " لابد من قوة"

فإنها لم تميز أيضا بين العالم العربي والإسلامى، فجاء أحد هذه الأهداف " لابد من قوة لتحرر العالم العربي والبلاد الإسلامية من الاستعمار" وقد انعكس هذا الخلط أيضا على بعض المهتمين بقضايا العروبة ، وقد هاجموا فكرة الوحدة العربية وفكرة الجامعة الإسلامية مع عدم وضوح الرؤية فيما بينهما من فروق، ذاكرين أن ذلك يخالف الواقع العملي ، وقد أشاد بعضهم بفكرة التعاون بين الدول العربية في مختلف المجالات، لا أن تقوم وحدة يرى أنها تضر بالعالم العربي أكثر مما تفيده.

وفى حقيقة الأمر فقد كانت مصر الفتاة، أول تنظيم سياسي يتضمن برنامجه نصا على الوحدة العربية، وإن كان بمفهوم معين، إلا أن لها فضل الريادة في هذا المضمار، ولم يكن ذلك نابعا من فراغ وإنما كانت له جذور تسبق تأسيس مصر الفتاة في خريف 1933، وقد سبق أن ذكرنا كيف نأى أحمد حسين عن المناداة بالفرعونية ، واعتنق الفكرة العربية؛

كذلك فقد دعت تلك الجماعة إلى مؤتمر الطلبة الشرقيين، وهو خطوة في سبيل توحيد البلاد العربية وغيرها ثقافيا وفكريا على مستوى الشباب في عام 1932. هذا بالإضافة إلى أنه كانت هناك اتصالات بين رجال مصر الفتاة وبين الشباب السوري؛

فقد كان فتحي رضوان على اتصال بمجموعة الشباب السوري من أنصار الفكرة العربية، ومنهم ميشيل عفلق ، وشوكت قنواتي وغيرهما، وقد حدثت بينهما مراسلات حول الأخذ بالفكرة العربية، وعتاب رقيق من جانب الشباب السوري لمحاولة مصر صبغ أدبها بصبغة مصرية، أي بصبغة فرعونية، مع تسليمهم بأن فتحي رضوان من مؤيدي الفكرة العربية والعاملين على تحقيقها.

وقد كان سفر كل من فتحي رضوان وكمال الدين صلاح إلى فلسطين وسوريا في عام 1932 ، وكذلك سفر أحمد حسين إلى الحجاز وفلسطين عام 1935 خطوات على طريق الفكرة العربية، ومن ثم توجيه مصر الفتاة في مستهل عام 1936 نداء إلى الشباب العربي لإيجاد صلات منظمة بين هيئاتهم ومصر الفتاة.

وخلاصة القول أن الفكرة العربية لدى مصر الفتاة كانت تأتى في المقام الثاني بعد فكرة المصرية التي ظلت طافية على سطح أفكارها ورغم التغير المستمر في الأيديولوجية ، فقد ظلت كذلك حتى بعد تغير الحزب إلى الحزب الوطني الإسلامى؛

فإن فكرة العروبة لدى مصر الفتاة لم تكن فكرة أصيلة فهي عندها مختلطة بفكرة الجامعة الإسلامية، ولعل تراجع مصر الفتاة عن تأييد الوحدة العربية فيما بعد في أعقاب حرب فلسطين 1948 دليلا على عدم أصالة فكرتها عن الوحدة العربية.

أما الفكرة الإسلامية لدى مصر الفتاة، فقد كانت تمثل الحلقة الثالثة في سلسلة أفكارها، فالجامعة الإسلامية وتحقيقها يعد نهاية التطور الزى تنشده، ولعل غايتها التي أعلنتها منذ البداية توضح ذلك المعنى، إذ هي ترى أن تصبح مصر إمبراطورية عظيمة تتألف من مصر والسودان وتحالف الدول العربية وتتزعم الإسلام، إذن فكرة الجامعة الإسلامية تحت زعامة مصر، هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور مصر الفتاة الفكري.

لم يكن هذا الاتجاه الإسلامى في فكر مصر الفتاة نابعا من فراغ،لكن كانت له جذور عميقة في فكر أحمد حسين وقادة مصر الفتاة، وقد سبق لنا أن تناولنا اهتمام أحمد حسين المبكر بالناحية الدينية، فقد كان له نشاط ديني تمثل في تأليفه " جمعية نصر الدين الإسلامى " وهو ما زال طالبا في المدرسة الابتدائية، وقد ظلت صفة التدين والاهتمام بالدين تلازمه حتى أنه كان دائم التردد على " جمعية الشبان المسلمين" في مطلع الثلاثينات وقبل ذلك بقليل ، يلقى المحاضرات ، ويشترك في المناظرات حول الدين الإسلامى والإسلام عامة ، ومجد الإسلام وحضارته؛

ومن الواضح أن هذا الاتجاه الإسلامى لدى أحمد حسين ، يعد انعكاسا لطبيعة المجتمع المصري، فهو مجتمع ديني، تجد الدعوة الدينية فيه آذانا صاغية فإن للأديان تأثيرا قويا على الجماهير في أية أمة من ألأمم فكانت الرابطة الإسلامية رابطة قوية تربط المسلمين معا؛

وقد برزت الحاجة إلى تقوية أواصرها في صورة "الجامعة الإسلامية" كرد فعل لوقوع الدول الإسلامية تحت نير الاستعمار، وتزايد المد الاستعماري الغربي للدول العربية والإسلامية، فأين كان موقع مصر الفتاة من فكرة الجامعة الإسلامية ، وما مدى أصالة فكرها في هذا الموضوع. ولعل ذلك يدعونا أن نلقى الضوء على فكرة الجامعة الإسلامية .

كانت النزعة الإسلامية غالبة على العصبية الجنسية ، والرابطة القومية في مصر إلى أوائل القرن العشرين، ولذلك لم يكن المصريون يجدون غضاضة في الاعتراف بسلطة الخليفة التركي، هذا بالإضافة إلى أن المسألة الشرقية كانت ملونة عند معظم الكتاب والمفكرين في هذه الفترة بلون ديني، يكاد يكون امتدادا للنزاع الصليبي في العصور الوسطى، وقد ساعد على تجميع الشعوب الإسلامية حول راية الخلافة العثمانية ما كان يبدو بوضوح من مطامع الدول الأوربية في هذه الشعوب جميعا.

وقد لجأ السلطان عبد الحميد إلى سياسة تهدف إلى تقوية فكرة الجامعة الإسلامية كمحاولة من جانبه أن يحفظ الإمبراطورية العثمانية المتداعية من الانهيار. وقد ساعدت كل هذه الأحداث على تنمية الشعور بالرابطة الإسلامية، وتغذية الإحساس بها أمام زحف الاستعمار الغربي المتربص لها، فيدعوها إلى التجمع حول تركيا بوصفها أقوى هذه الشعوب وأقدرها على قيادة المعركة ضد العدو المشترك.

كان مصطفى كامل يتزعم الاتجاه نحو الجامعة العثمانية داخل مصر، فقد رأى مصطفى كامل في تركيا باعتبارها أقوى الدول الإسلامية ، قوة يمكنها مساعدته في الخلاص من الاستعمار البريطاني، فقد كانت الدولة العثمانية قبلة المسلمين حتى إلغاء المنصب في عام 1924

وهكذا تجمعت لدى تركيا كل أسباب قيادة العالم الإسلامى، حتى كانت ثورة كمال أتاتورك فعملت على أن تكون تركيا دولة "علمانية" تفصل بين الدين والدولة ، وكان إلغاء منصب الخلافة من جانبها أحد الخطوات على هذا الطريق.

ولعل ذلك يعد أخر عهد تركيا بزعامة العامل الإسلامى، التي آلت إليها عدة قرون، وقد أدرك فريق من المصريين مدى أحقية مصر في أن تلعب هذا الدور، فتؤول الخلافة إليها، وسنوضح ذلك فيما بعد، إلا أن ذلك ترك بصماته على الفكر المصري، فقد تكاتف المسلمون من كافة المذاهب للدفاع عن الإسلام، وظهرت موجة فكرية لتطوير الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامى تمثلت في كتب ومقالات رشيد رضا وقد أضفت هذه الأفكار على الدين صبغة قومية كان لها أثرها على الحياة السياسية في مصر، كما أثرت في التكوين العقلي والنفسي والخلقي للشباب.

وقد تمثل ذلك في ظهور العديد من الجمعيات الدينية في أوائل القرن العشرين ، التي كانت تنفى عن نفسها بقوة أنها تتدخل في حياة البلاد السياسية، ولكنها سرعان ما تحولت إلى جمعيات يتعايش فيها كل من الدين والوطنية، ومن ثم لم تلبث أن نشأت جمعيات أخرى لها طابع مزدوج ديني سياسي ومنها مصر الفتاة.

كانت مصر الفتاة من المنظمات ذات الاتجاهات الإسلامية ، ولتحقيق الجامعة الإسلامية يجب كما ترى مصر الفتاة أن تسبقها خطوتان هامتان ، الأولى: وحدة مصر والسودان ، وخلق وحدات عربية ثم خلق الوحدة الإسلامية وقد كانت فكرة الجامعة الإسلامية لدى مصر الفتاة مرتبطة بتولي مصر زعامة تلك الجامعة، وقد ارتفعت أصوات تطالب بأن تتولى مصر زعامة العالم الإسلامى، فهي في نظرهم البلد الوحيد المؤهل لهذا الدور، على أن تسعى لتوثيق العلاقات بينها وبين سائر الدول الإسلامية .

هذا وقد رددت مصر الفتاة هذه الفكرة في خطب رجالها، فقد كانوا حريصين على ذكر الجامعة الإسلامية وتكوين "جبهة إسلامية" في الشرق تكون مصر على رأسها . وإن لم يوضحوا كيفية تحقيق تلك الجامعة، ولعل ذلك يدعونا إلى متابعة الاتجاه الإسلامى لدى مصر الفتاة في مختلف أطوار حياتها.

لم يرد ذكر الإسلام إلا قليلا عند متحدثي وكتاب مصر الفتاة فى منتصف الثلاثينات، فقد كان اهتمامهم منصبا على قضايا السياسة الداخلية المعقدة التي أحاطت بعودة دستور 1923.

وحتى برنامج مصر الفتاة الذي أعلنته في عام 1933 يكتنفه غموض واضح فيما يتعلق بالدين. وعلى الرغم من أنه قد حدد غاية مصر الفتاة في أن يجعل مصر " تتزعم الإسلام" وجاء شعارها ينص على " أن نعبد الله وأن نعلى كلمته"

فإن البرنامج لم يضم سوى أربعة مواد من مواده الثمانية والثلاثين تناولت الناحية الدينية، اختصت أحداها بالأزهر فقررت أن عليه دورا هاما في مستقبل مصر، وأن عليه أن يستعيد نشاطه ويسترد مكانته القديمة، أم المواد الثلاث الأخرى فقد تناولت " النضال الاجتماعي" للجمعية في الدين والفضائل، ولم تشر الجمعية في هذا المجال إلى الدين الإسلامى بعينه فقالت

" أنه من الضروري أن نكن لكل الأديان السماوية كل احترام وتبجيل ، أنه من الضروري أن نقيم الفضائل وأن نحارب الرذيلة وشرب الخمر والتخنث، أنه من الضروري أن نكون مستقيمين في نضالنا، وأن نواصل التعاون فيما بيننا وأن يحب بعضنا البعض الآخر.

ومن الجدير بالملاحظة أنه من خلال الحديث عن الفضائل فإن الإسلام لم يذكر على وجه التحديد، ولكن الجمعية أعلنت أنه تحترم وتوقر كل الأديان السماوية، وهكذا فإن مصر الفتاة كانت تسعى لأن تضم الشباب المصري من أي دين ليعمل تحت لواء الوطنية المصرية.

ظل الاتجاه الإسلامى لدى مصر الفتاة يكتنفه بعض الغموض ، فقد فسر أحمد حسين الدين الإسلامى على أنه دين الإشتراكية والمساواة والديمقراطية، فهو دين الديمقراطية لأن الله دعا إلى استخدام مبدأ "الشوري" بين معتنقيه، وهو دين المساواة لأن القرآن قد نصر على ذلك وأخيرا فهو دين الإشتراكية، فقد فرض ضريبة الزكاة إجبارية على كل المسلمين، وهى شيء لم يعرفه العالم في نضاله الطويل، كدليل على التكافل الاجتماعي كما نظمه الدين الإسلامى.

وقد تطور هذا الاعتقاد من جانب أحمد حسين في تفسيره للدين الإسلامى فبلغ به الأمر بأن يدعو إلى الثورة على الأغنياء استردادا لحقوق الفقراء التي تجاهلوها، مبررا هذا المسلك بأن الإسلام يدعو للاشتراكية.

وأحمد حسين في هذا يبرر استخدام القوة متمثلة في صورة الثورة لتنفيذ أحد أركان الإسلام، في أن يحصل الفقراء على حقوقهم لدى الأغنياء.

فتبرير استخدام القوة ليس من قبيل الإسلام في شيء، وإنما ذلك كان مستمدا من فكر مصر الفتاة المبكر والذي يعد إلى حد كبير مستوحا من الأنظمة الفاشية.

وفى عام 1938 تبرز لنا الناحية الإسلامية على ما عداها في فكر مصر الفتاة فتدعو إلى زعامة مصر للعالم الإسلامى، وتحقيق الجامعة الإسلامية التي كانت موجودة من قبل.

وقد بدأت مصر الفتاة تحدد الاتجاهات التي تهيئ لمصر أن تتولى زعامة الإسلام، وتحقيق فكرة الجامعة الإسلامية تحت زعامتها، فنادت بسيادة التشريع الإسلامى داخليا، مطالبة بأن تكون كل قوانين الدولة المصرية مستمدة من الشريعة الإسلامية، وبأنها إذا أتيحت لها فرصة تولى الحكم فسيكون ذلك أول عمل لها.

وبمتابعة الاتجاه الديني لدى مصر الفتاة فإننا نجد أن الحزب كان قد أنس في نفسه قوة تتيح له أن يتولى الحكم، فبدأ يطالب بإنقاص سن عضوية مجلس النواب، توطئة لوصوله إلى البرلمان كخطوة أولى على طريق الوصول إلى الحكم، فبدأ يحاول استغلال موجة التدين التي كانت تميز طابع الملكية في ذلك الوقت، وما كان للشيخ مصطفى المراعى من أثر على فاروق في هذه الناحية ، وقد تلقفت مصر الفتاة الكرة؛

فأرادت أن تلفت إليها الأنظار وتجمع المزيد من الأنصار، فزاد هذا الاتجاه الإسلامى مع بداية عام 1938، وإن لم يكن ذلك اتجاها إسلاميا أصيلا، بقدر ما كان لخدمة أغراض سياسية تهتم بها مصر الفتاة إذ كانت اهتماماتها في تلك الفترة- كما يتضح ذلك من كتابات رجالها، تنصب على نواحي مادية دنيوية أكثر منها دينية أو روحية؛

فقد لخصت أفكارها في هذه الناحية في أن الإسلام كان دين المساواة اجتماعيا وسياسيا، وقد كان تحقيق العدالة الاجتماعية من أهم الملامح التي برزت على غيرها في فكر مصر الفتاة في أواخر الثلاثينات كما سنرى، وأنه دين يدعو إلى القوة ، فوصف بأنه دين التسامح والسلام وهو أيضا دين القوة والشجاعة،فادعى أحمد حسين بأن الملامح شبه العسكرية لحركته إنما هي مستوحاه من اهتمام الإسلامى بالقوة.

ولم يرجعها لأي مصدر آخر، ولعل محاولة أحمد حسين إخفاء طبيعة حركته الفاشية، ومحاولته تبرير أنها مستوحاة من الإسلام الذي يحض على استخدام القوة، يوضح خلطا من جانب مصر الفتاة بين الفاشية والإسلام، خاصة وأن أحمد حسين قد صرح أكثر من مرة بأن الفاشية الأوربية فيها الكثير من الإسلام.

ولعل تصريح أحمد حسين هذا ، والترويج لنظرية "العمل" في النازية، وأن ألأخذ بها هو "الرجوع إلى المجتمع الإسلامى الحقيقي" ولعل هذا يفرض سؤالا وهو: هل يرجع هذا إلى قصور في فهم أحمد حسين لتعاليم الفاشية أو لتعاليم الإسلام؟ أما أنها الرغبة في تزويق الفاشية بالإسلام لاجتذاب الجماهير الإسلامية؟

وعل تذبذب أحمد حسين بين الفاشية والإسلام يعتبر ردا على السؤال المطروح، ويعتبر من ناحية أخرى أحد المعالم البارزة في فكر أحمد حسين النظري.

ففي نفس الوقت الذي بلغ إعجابه بالفاشية الأوربية قمته، كانت دعوته إلى الأخذ بالشريعة الإسلامية لتكون أساسا للحياة في مصر، وكما سبق أن ذكرنا دعا إلى استخدام القوة، لإحداث الانقلاب العام الشامل لتحقيق التغيير الذي ينشده داخليا بما يطابق الشريعة الإسلامية.

وقد ردد محمد صبيح هذه المعاني حول حديث القوة والانقلاب لتحقيق أهدافهم، وعند محاكمتهم بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم بالقوة 1938، دفع أحمد حسين التهمة بأنه كان يدعو إلى حكم الشريعة الإسلامية، وهذه الدعوة في بلد دينه الرسمي الإسلام، لا تعتبر جريمة.

وكما أشرت من قبل فإن الدعوة إلى حكم الإسلام من جانب مصر الفتاة، كان ستارا تخفى وراءه أغراضا سياسية، منها محاولة مصر الفتاة دخول البرلمان كمطلب عاجل، ومنها إثارة مسألة الخلافة الإسلامية والمناداة بفاروق خليفة للمسلمين، توطئة لحكم القصر.

عبر أحمد حسين عن هذه الناحية في خطابه إلى الملك فاروق في مستهل عام 1938، فطالبه في بداية الخطاب بإحياء النزعة الدينية لدى المسلمين، " بعد أن تهدم الدين" وطالبه أيضا بأن يتمسك بكتاب الله وسنة نبيه باعتباره على رأس الشعب المصري فهو قدوته، ثم يطالبه بإنقاص سن النائب؛

ويحاول تبرير ذلك من جانبه فيقول:

وإن ذلك لكي يدخل إلى المجلس العناصر الشابة، إذ أن العالم كله يلقى بزمامه إلى الشباب، وضرب أمثلة بإيطاليا وألمانيا وذكر أنه حتى انجلترا نفسها قلدت " أيدن" وزارة خارجيتها وهو شاب؛

ثم ينتقل إلى مصر فيقول:

" فالشباب المصري يا مولاي هو كل شيء في حياة مصر، وأنه ليسعدنا أن يكون من نتقدم إليه بطلباتنا شابا، يعمل لكي تكون مصر منارة للشرق وزعيمة الإسلام في ظل مليكها المحبوب.
لا بل خليفة المسلمين رغم انف الجميع بإذن الله. فلتصدر إرادتكم السنية بتعديل قانون الانتخاب ، بأن يصبح لمن بلغ سن الخامسة والعشرين حق التقدم للانتخابات العامة.
وهكذا يتضح أن الاتجاه الإسلامى لمصر الفتاة، كان بهدف تحقيق مكاسب سياسية لها وللقصر أيضا في شكل حكم فاروق خليفة المسلمين كما نادت بذلك.
فقد كانت مصر الفتاة تعد عمامة كبيرة لوضعها على رأس فاروق، تلك كانت عمامة الخلافة؛

فقالت

" أنظروا إلى التاج الذي يزين بلادكم، وإلى العرش الذي يفيض جلالا على أمتكم، أنظروا إلى القائد الذي اجتمعت عنده الدنيا بالدين، ألا ترونه لم يدع ناحية من نواحي الحياة المصرية إلا مسح بيده عليها، فالجيش هو على رأسه ، والدين هو محاميه، والشباب هو سيده وقائده، ومصر هو رمزها ومعقد رجائها"

ولقد حدثت بعض التصرفات من جانب القصر تؤيد هذا المطلب وهو أن يكون فاروق خليفة للمسلمين، مما اضطر السفارة المصرية في لندن أن تكذب ما جاء في الصحف الإنجليزية والتركية حول هذا الموضوع.

ومع ذلك فقد كانت مصر الفتاة تنادى صراحة بخلافة فاروق وتدافع عن نظام الخلافة:

" أن نظام الخلافة نفسه ليس باطلا، بل هو نظام صالح للمسلمين حقا إذا وجد الخليفة الصالح. ويكفى أن نذكر من أسباب صلاحيته أنه يجمع المسلمين ويوحد كلمتهم، ولا يجعل من دولهم وشعوبهم كتلا متخاصمة متطاحنة متناطحة، كما هي الحال في أوربا، بل يجعل منهم كتلة واحدة يرمز لها خليفة واحد... نحن نعرف أنه لم يدر بعد سعى رسمي في الخلافة ولكن قلوب المصريين تريدها.
ونحن ننادى بزعامة مصر للإسلام وخلافة فاروق، وسيتم ذلك إن شاء الله برضا جميع المسلمين وملوكهم وزعمائهم بعد فترة قصيرة من الزمن تستكمل مصر فيه سيادتها"

وقد كان محمد كامل البندارى- وكيل الديوان الملكي والذي نال حظوة لدى فاروق في ذلك الوقت، وخاصة إثناء سفر على ماهر رئيس الديوان إلى لندن للمشاركة في مؤتمر المائدة المستديرة؛

كان البندارى صديقا حميما لأحمد حسين ، ويروج داخل القصر لهذه الفاشية الإسلامية، وللأخذ بنظام الحكم الإسلامى. ولم تكن فكرة الدعوة إلى الخلافة تخلو من بصمات الفاشية عليها، ففي سؤال من محرر جريدة " النضال" لأحمد حسين حول رأيه في الخلافة وهل آن وقتها؟ ...

" إن الخلافة هي نشدة المسلمين جميعا وهى معقل آمالهم والمسلمون بدون خليفة صالح كالقطيع... وما كان لمسلم أن يعتز بإسلامه إلا معتمدا على سيف مسلول يشهره في سبيل الله، فعندي أننا بخلق جيش مصري كامل العدد والعدة، ونفخ الروح العسكرية في جميع المصريين، وبعث روح الجهاد بين صفوفهم نخطو الخطوة الحاسمة لإعادة الخلافة".

ولكن مصر الفتاة لم تتخل عن مناداتها بتولي فاروق الخلافة فشاركت في الدعوة إلى تأليف حزب للخلافة. ووجهت هي وغيرها إلى الشعب نشرة بعنوان " دعوة من حزب الخلافة الإسلامية إلى " ..

جاء فيها:

" يتشرف فريق من إخوانكم المسلمين بدعوة حضرتكم للحضور يوم الجمعة 19 رجب 1359هـ ، 23 أغسطس 1940 م في الساعة الثانية بعد الظهر بالجامع الأزهر بمصر، للنظر والتشاور في إنشاء حزب إسلامي يعمل على جمع كافة المسلمين والالتفاف حول مليكنا الصالح خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم (فاروق الأول) حفظه الله؛
وقد عاهدنا الله نحن وبعض رجال الجيش على العمل حتى الغاية أو الموت في سبيلها، فعلى كل مسلم غيور أن يشد أزرنا ويسعى لإنقاذ بلاده من الخطر الداهم. والله الموفق وهى على كل شيء قدير".

وتحمل هذه النشرة توقيعات بعض الشخصيات الدينية والسياسية الهامة. إذن كانت دعوة الخلافة وتكوين حزب لها في مصر دعوة سياسية في المقام الأول، ولعل ظروف الحرب قد جعلت المؤيدين للعرش والمناهضين للانجليز يتجهون إلى تكوين حزب إسلامي يعمل على إعادة الخلافة ، في محاولة من جانبهم لتجميع المسلمين حول خليفة في مصر، ربما ساعد على إنهاء الاحتلال بتكتل المسلمين عامة ضد الاستعمار. ولكن من الواضح أن هذه الفكرة من ناحية ولشخصية الخليفة المقترح من ناحية أخرى.

كانت جماعة الإخوان المسلمين من الجمعيات التي أحرزت نجاحا منقطع النظير، فقد كان لها ما يشبه الزعامة على الجمعيات الإسلامية الأخرى، وتعاظمت القوى الشعبية التي تؤيدها خاصة في فترة الحرب العالمية الثانية؛

وقد كانت من الجمعيات التي تتناول السياسة من ناحية الدين، وهى أيضا من مؤيدي فكرة الجامعة الإسلامية، وقد رأى فيها وفى مصر الفتاة بعض المنادين بفكرة القومية المصرية وخاصة من الأقباط تفكيكا للوطنية المصرية، والتشاؤم من هذا الاتجاه نحو الجامعة الإسلامية. كان هذا التشاؤم من جانب هذا الاتجاه نحو الجامعة الإسلامية .

كان هذا التشاؤم من جانب البعض كرد فعل لما أحرزته حركة الإخوان المسلمين من نجاح، وقد انعكس هذا النجاح على أحمد حسين ، فأسرع بتغيير اسم حزب مصر الفتاة إلى الحزب الوطني الإسلامى (مارس 1940) لينافس الإخوان المسلمين في الزعامة الشعبية وكان لقيام دعوة الإخوان على أساس الدين أثر ظاهر في شدة الإقبال عليها ، وربما كان الإقبال عليها راجعا إلى ما كانت تعانيه البلاد من اضطراب سياسي وفكري، فجاء الإقبال عليها كمخرج للجماهير من ذلك الاضطراب .

ومهما يكن أمر النجاح الذي أحرزته جماعة الإخوان المسلمين فإن حزب مصر الفتاة سارع بتغيير اسمه إما لمنافستها في الزعامة الشعبية، أو أنه كان يرى أن تصبح دعوته عالمية فتنتشر لجانه ومبدؤه في البلدان الإسلامية، كما صرح بذلك أحمد حسين بعد عودته من أداء فريضة الحج عام 1940.

ولكن ذلك كان محاولة من جانب مصر الفتاة لامتصاص بعض الجماهير تحت شعار الدعوة الدينية، إذ أن التجربة لم تشهد نجاحا بدليل عدم تأسيس لو لجنة لها لدى أية دولة إسلامية.

كان من بين الموضوعات الهامة التي لازمت التغيير إلى الحزب الوطني الإسلامية، أن غير الحزب برنامجه بكل يتناسب مع هذا التغيير وإبراز الجانب الإسلامى على ما عداه، فقد نصر البرنامج على تحقيق الجامعة الإسلامية، وإحياء مجد الإسلام ونشر رسالته في أرجاء العالمين، وقد حدد الحزب أن وسيلته لتحقيق تلك الجامعة هو أن يتولى الحكم؛

كذلك نص على أن قوانين البلاد ودستورها لابد وأن تستمد كل أصولها من الشريعة الإسلامية أو بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، هذا إلى جانب أن البرنامج حدد مواقف الحزب من مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن جاءت بعض مواقفه مضطربة متناقضة، مما يدل على أن الفكرة الإسلامية كانت فكرة قلقة غير مستقرة، ضحلة إلى حد ما؛

فبالرغم من أنه يدعو إلى أن تستمد القوانين أصولها من الشرعية الإسلامية، فيذكر في مكان آخر من البرنامج بأن المصريين جميعا على اختلاف أديانهم متساوون أمام القانون.

أي قانون يقصد ، القانون الوضعي أم القوانين السماوية المستمدة من مصادر التشريع الإسلامى، ثم يعود البرنامج فيؤكد طاعة الأسرة للرجل في حدود الشريعة الإسلامية.

وفى حقيقة الأمر، فإن مفهوم مصر الفتاة للقوانين والمبادئ الإسلامية مفهوم سطحي إلى حد ما، فهي لم تبذل إلا القليل من الاهتمام في محاولة تفسير مبادئ الإسلام أو محاولة تحليل القوانين الإسلامية، وعندما لجأ كتاب ومتحدثو مصر الفتاة إلى تعريف الإسلام؛

فقد فعلوا ذلك بمفاهيم دنيوية بصفة عامة، فوصفوه بأنه دين المساواة ودين الإيمان بالنضال والكفاح، وعندما طالبوا بأن تستمد القوانين أصولها من الشريعة، كان ذلك في حدود القوانين الإسلامية القائمة، مثل تطبيق الشريعة في القضاء فلم يطالبوا بدراسة تلك القوانين وإعادة تقييمها لتطابق ما يطالبون به.

وفى غياب تلك الدراسة وهذا التقييم للقوانين الإسلامية فإن مصر الفتاة كانت ترى أن الأزهر هو الذي يدعم وضع مصر "كزعيمة للعالمين العربة والإسلامى".

وهكذا كانت الفكرة الإسلامية لدى مصر الفتاة، فكرة سياسية محضة لتدعيم موقفها داخل المجتمع المصري، وإن رجعة إلى الوراء لتوضح هذا الرأي . ففي عام 1929، عندما طالب أحمد حسين محمد محمود بأن يكون كموسولينى ، فيحقق مجد مصر، وعندما لم يتحقق ذلك تصدى هو للدور؛

ومن ثم طالبت مصر الفتاة بزعامة فاروق للإسلام وبعث الخلافة الإسلامية، وعندما لم يتحقق ذلك، تصدت هي للدور أيضا، وإن لم يكن ذلك نابعا عن اعتناق فكرى أصيل، بدليل أنها لم تستطع أن تتخل عن فكرتها المبكرة التي تتسم بالفاشية، ولعل هذا التغيير الأيديولوجي يعطى تفسيرا أوضح لضالحة الفكر النظري لدى مصر الفتاة في مختلف المراحل؛

وإن كان التراجع عن تجربة التغيير إلى الوطن الإسلامى والعودة إلى اسم مصر الفتاة، يعد تفسيرا أكثر مطابقة لحقيقة الأوضاع، في أن الفكرة الإسلامية لدى مصر الفتاة لم تكن فكرة أصيلة، وربما كانت ظروف الحرب هي التي حالت دون نجاح تلك التجربة.

وعلى هذا فيمكن القول، أن مصر الفتاة قد نادت باستخدام عدة وسائل لتطبيق أفكارها التي طرحتها، فتمثلت تلك الوسائل من وجهة نظر مصر الفتاة- في استخدام القوة والعنف إلى الحد الذي يمكن معه إعلان الثورة لتطبيق هذه الأفكار؛

ومن ثم ترى استخدام الديمقراطية ووسائلها لتحقيق هدفها، وحقيقة الأمر أن مصر الفتاة لم تجد ثمة مانع في استخدام أية وسيلة كي ترى أفكارها النور، مما كان من نتيجته أن عانت من تخبط فكرى واضح. تلك كانت أفكار مصر الفتاة في مجال تحديد شخصية مصر ونظامها السياسي، ومن ناحية أخرى كان لها أفكار تتعلق بالمسائل الاجتماعية في المجتمع المصري خلال الفترة.

كان لمصر الفتاة منذ البداية اتجاه إصلاحي يهدف إلى إزالة كل الأسباب التي أدت إلى إرهاق مختلف فئات الشعب، فقد اهتمت اهتماما كبيرا بالقضايا الاجتماعية، وتركز اهتمامها بقضية الطبقات الكادحة من الشعب، وهو العمال والفلاحون، هذا فضلا عن موقف مصر الفتاة من قضية تحرير المرأة.

كانت مصر الفتاة ترى في الحياة تعبيرا عن النضال الدائم المستمر كان ذلك تمشيا مع فكرتها في استخدام التشكيلات العسكرية ذات الصبغة الاستبدادية ولكن فكرة النضال الدائم تتعارض جذريا مع تصور رجال مصر الفتاة لتاريخ مصر في الماضي؛

ويتلخص تصورهم هذا في أن مصر دولة سادت وازدهرت في ظل ظروف الوحدة الوطنية التي نعمت بها، وفى ظل وحدة جميع الأديان تحت لواء الوطن، وفى أن العلاقات الاجتماعية في الماضي قد غلبت عليها روح التعاون بين جميع الطبقات.

وقد عبر رجال مصر الفتاة عن رغبتهم الملحة في تكوين الوحدة الوطنية التي جمعت بين مختلف الطبقات وخاصة الشباب ، فانصهروا جميعا في بوتقة ثورة 1919.

وهم في هذا الصدد يرون أن الوحدة الدينية والتكافل الاجتماعي اللذان برزا خلال الثورة، قد قضى عليهما تماما، وهم يرجعون ذلك إلى مؤثرات " الإلحاد" و" المادية" اللذين كانا انعكاسا للمدنية الأوربية على المجتمع المصري.

وفضلا عن ذلك فهم يرون أيضا أن الوحدة السياسة قد تحطمت كذلك بفعل دسائس الإنجليز ومكائدهم، والتي أدت إلى تبدد المد الثوري الذي عبرت عنه ثورة 1919، فشجعوا الصراع الحزبي بين الأحزاب المصرية.

وقد جاء كفاح مصر الفتاة طوال فترة البحث تعبيرا عن هذه الأفكار، فقد كانت تناضل من أجل طبقة اجتماعية واحدة من ناحية ومحاولة تحقيق الوحدة من ناحية أخرى.

دافع رجال مصر الفتاة وكرسوا جهودهم لمحاولة استرداد تلك الوحدة التي تحطمت في زعمهم وذلك لكي تقوم بمهمة النضال الدائم ضد أعداء مصر، الإنجليز خاصة والأجانب عامة، ولكن محاولة التوفيق بين هذين الاتجاهين الوحدة والنضال ضد الأجانب قد قضى عليها تماما في نهاية الثلاثينات؛

فقد عبرت مصر الفتاة عن أفكار جديدة امتصت هاتين الفكرتين القديمتين، فبرزت إلى السطح أفكار تنادى وتطالب بالكفاح الشعبي تقوده الطبقات الكادحة من الشعب ضد الطبقات العليا الفاسدة، فقد اعتبرتهم مصر الفتاة متحالفين تماما مع المحتل الأجنبي حماية لمصالحهم، ولعل ذلك هو الذي عمل على تحطيم التآلف الصعب بين الوحدة والنضال ضد الأجانب، فبرزت إلى الوجود في فكرها فكرة النضال ضد الطبقات العليا، حتى ولو أدى ذلك إلى إحداث ثورة اجتماعية ضدهم.

ولنتابع فكرة العدالة الاجتماعية في أيديولوجية مصر الفتاة خلال مختلف الأطوار التي مرت بها ومن خلال برامجها ونشاطها في المجالين السياسي والاجتماعي.

لم تتجاهل مصر الفتاة منذ ظهورها كحركة سياسية القضايا الاجتماعية التي كان يعانى منها المجتمع المصري، فقد اعتبرت نفسها قبل أن تكون حركة سياسية، أنها حركة إصلاحية تهدف إلى إزالة كل أسباب التدهور الاجتماعي والاقتصادي، تهتم بنشر التعليم والثقافة، ومكافحة البطالة ومحاربة الامتيازات الأجنبية، باعتبارها سببا من أسبا التخلف الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وعندما تحول نشاطها إلى نشاط سياسي، لم تهمل الجانب الاجتماعي منذ البداية؛

وإن كان النضال السياسي ضد المحتل الأجنبي، وسيادة الخلافات الحزبي والصراع على كراسي الحكم من جانب المصريين ، قد أخر اهتمامها بالقضايا الاجتماعية العامة، تتناول مشاكل الفلاحين والعمال وبعض الأمراض الاجتماعية، فجاء في برنامجها" يجب أن نؤمن بأن الفلاح هو تاج مصر وسر قوتها، وأنه الحقيقة الوحيدة التي لم تتبدل في العالم منذ ستة آلاف سنة، وهو الذي أبقى مصر نابضة قوية حتى اليوم.

وإذن فيجب أن نعلم الفلاح بأن نقضى على الأمية والجهل، ونرتقي بمعيشته ونضمن له اليسر والرخاء، ونحفظ له صحته بأن ندخل إلى بيوته الجديدة النور والماء والهواء".

كما نص البرنامج على تنظيم التأمين الاجتماعي لكل الأفراد في الأمة، وبحيث أن يصبح لكل فرد في الأمة عمل يعيش منه، وإذا كان عاجزا لا يستطيع العمل فيجب أن يجد الملاجئ ليأوي إليها.

وقد عنى البرنامج أيضا بالمرأة كنواة للأسرة، فقد جاء موقف مصر الفتاة من قضية تحريرها كما يلي " يجب أن نوقى المرأة ونعلمها العلم الكامل لكي تكون زوجة صالحة ولتكون أما تخلق الأبطال، وليكن بيتها نعيم الحياة" كذلك فقد اهتم بمعالجة احد الأمراض الاجتماعية وهو انصراف الشباب في ذلك الوقت عن الزواج فطالب بإلغاء المهور الباهظة والحفلات الهوجاء.

اهتمت مصر الفتاة بقضايا العمل والفلاحين، فقد خصصت صفحة في كل عدد من أعداد مجلتها الصرخة توالى فيها نشر شكاواهم ومطالبهم، ومهاجمة أصحاب الأعمال سواء كانوا من المصريين أو الأجانب، وتضع الحلول لحل مشاكلهم، وتدعوهم للانضمام إلى النقابات ، وإن كان تبنيها لقضية العمال في ذلك الوقت المبكر قصد به تحقيق أهداف سياسية، غذ كانت مصر الفتاة ترمى إلى كسب المزيد في هذا المجال لصالح عباس حليم الذي تبنى قضاياهم.

وقد استمرت مصر الفتاة توالى اهتمامها بقضايا العمال فعرضت لأسباب تأخر الحركة العمالية في مصر، وأرجعت ذلك إلى أن قيادة الحركة العمالية متروكة لطبقة بعيدة كل بعد عنهم من المحامين. وقد لخص أحمد حسين برنامجه إذا ولى الحكم بأنه "عمل لكل عاطل"

كما اهتمت مصر الفتاة أيضا بقضايا الفلاحين فطالبت بترقية الفلاح اجتماعيا ، بإقامة المساكن الصحية له وهدم المساكن القديمة بالقرى، على أن تدبر الأموال اللازمة لهذا المشروع كما ترى مصر الفتاة بتخفيض مرتبات الموظفين وفرض ضريبة على الدخل الذي يزيد على مائة جنيه. ولم يتعد نشاط مصر الفتاة في هذا المجال سوى النشر في تلك المرحلة.

كما شغل اهتمام مصر الفتاة ، قضية المرأة ودورها في كفاحهم، وموقف مصر الفتاة من مشاركتها في الحياة العامة، وقد كان ذلك أحد القضايا المطروحة خلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، فمصر الفتاة ترى أن مشاركة المرأة في حركتها أمر ضروري، ولكن نظرتها للمرأة ليست نظرة غربية أوربية، فهي لا تدعو المرأة للنزول إلى الحياة العامة، بل يكفيها أن تؤمن المرأة بفكرها وتتحمس له.

ويوضح أحمد حسين موقف حركته من نزول المرأة إلى ميدان العمل في مقال له بعنوان "الفتاة المصرية كأم وزوجة وما يجب أنتكون عليه" ، ذكر فيه أن المكان الطبيعي لها هو البيت، لتتولى تربية الأولاد، ورعاية بيتها، وهو في هذا لا يؤيد خروجها للعمل؛

وضرب مثلا بتجربة تشغيل النساء في كل من أوربا في فترة الحرب العالمية الأولي، والذي كان من نتيجته أن الرجال بعد نهاية الحرب لم يستطيعوا العودة إلى أعمالهم فتفشت البطالة في أوربا كلها، ويذكر أن كلا من هتلر وموسولينى قد كونا جيوشهما من هؤلاء العاطلين. إذن فمصر الفتاة ترفض فكرة مشاركة المرأة في الحياة العامة، وهى قضية اجتماعية هامة.

وإلى جانب ذلك فقد اهتمت مصر الفتاة بقضية أخرى لا تقل أهمية عن قضية المرأة ، وهى قضية إضراب الشباب عن الزواج، فتطالب مصر الفتاة الحكومة بأن تطبق تجارب كل من إيطاليا وألمانيا وتركيا في هذا المجال لإرغام الشباب على الزواج. ولكن الاهتمام بتلك القضايا لم يتعد مرحلة نشر الرأي فيها في جرائد مصر الفتاة.

لكن أواخر الثلاثينات شهدت تطورا في فكرة تحقيق العدالة الاجتماعية، فقد خطت مصر الفتاة